نهایة الدّرایة فی شرح الکفایة المجلد 2

هوية الکتاب

المؤلف: الشیخ محمّد حسین الإصفهانی

المحقق: مؤسسة آل البیت علیهم السلام لإحیاء التراث _ قم

الناشر: مؤسسة آل البیت علیهم السلام لإحیاء التراث _ قم

المطبعة: یاران

الطبعة: ١

الموضوع : أصول الفقه

تاریخ النشر : ١٤١٤ ه_.ق

ISBN (ردمک): 964-5503-42-6

 المکتبة الإسلامیة

ص: 1

اشارة

ص: 2

ص: 3

ص: 4

ص: 5

ص: 6

مقدمة الواجب

فی أنّ المسألة عقلیّة أم لفظیة

1 _ قوله [قدّس سرّه] : ( ثمّ الظاهر أیضا أنّ المسألة عقلیة ... الخ ).

ربما یشکل : جعل المسألة وأشباهها من المسائل الاصولیة العقلیة بأنّ الدلیل العقلی _ کما هو المشهور _ کلّ حکم عقلیّ یتوصّل به إلی حکم شرعی. ومن البیّن أنّ وجوب المقدّمة نفس ما حکم به العقل ، لا أنه هناک ما یتوصل به إلیه ، وتطبیق هذا الحکم الکلّی العقلی علی موارده لیس توسیطا للاستنباط ، کما لا یخفی.

ویندفع : بأنّ ما أذعن به العقل وجدانا أو برهانا هی الملازمة بین وجوب

المسألة عقلیة أو لفظیة

ص: 7

شیء ووجوب مقدمته شرعا ، لا أن الوجوب الشرعی ابتداء مفاد حکم العقل ، کما یکون مفاد الکتاب والسنة ، بل وجوب المقدّمة شرعا نتیجة ثبوت الملازمة عقلا عند وجوب ذی المقدّمة شرعا ، کما هو الحال فی کلّ متلازمین عقلا ، فإن دلیل الملازمة عند وضع الملزوم دلیل علی اللازم ؛ بداهة أن العلم بالنتیجة من جهة اندراجها تحت الکبری الکلیة.

فبین الدلیل العقلی والدلیل الشرعی فرق وهو : أن دلیلیة الکتاب والسنة مثلا ، بملاحظة دلالتهما علی الحکم الشرعی ، بخلاف الدلیل العقلی ، فان مفاده الابتدائی أمر واقعی ، أو جعلی یکون الإذعان به موجبا للإذعان بالحکم الشرعی.

کما أنه فرق بین المسائل العقلیة وسائر المسائل الاصولیة وهو : أن نتائج سائر المسائل الاصولیة واسطة فی استنباط الحکم الشرعی من دلیله ، بخلاف المسائل العقلیة ، فان نتائجها واسطة فی إثبات الحکم الشرعی من دون استنباط له من دلیله علی الوجه المتقدم لا ابتداء.

هذا ، ویمکن دفع الاشکال أیضا _ فی غیر ما نحن فیه من الاستلزامات الظنیة _ :

بأن حکم العقل وإن کان نفس الظن بالحکم الشرعی فی ثانی الحال لثبوته سابقا _ مثلا _ إلاّ أنه بمجرّده لا یکون واسطة فی إثبات الحکم الشرعی ، بل بما یدل علی حجیة الظن ، فالإذعان الظنّی العقلی حکم عقلی یتوصّل به مع دلیل الحجیة إلی الحکم الشرعی ، وکونه دلیلا عقلیا وحکما عقلیا غیر متقوّم بالحجّیة ؛ إذ الدلیلیة والحکمیة بلحاظ إذعان العقل قطعا کان أو ظنا ، فلا یتقوّم بالحجیة شرعا أو عقلا. نعم نفس الإذعان العقلی _ قطعا کان أو ظنا _ قطع بالحکم أو ظن به ، لا أنه دلیل علیه ، وإلا لکان کل قطع بالحکم دلیلا علیه ،

الفرق بین الدلیل العقلی والدلیل الشرعی

ص: 8

بل الدلیلیة عقلا باعتبار تعلّق الظن أو القطع بالملازمة بین الثبوت والبقاء ونحوها.

هذا ، والإشکال الصحیح الذی یتوجّه علی جعل المسألة وأشباهها من المسائل العقلیة الاصولیة : هو أن الموضوع لعلم الاصول _ کما هو المشهور _ الکتاب ، والسنة ، والاجماع ، ودلیل العقل ، والمتداول فی تعریف الدلیل العقلی ما سمعت : من أنه ( إذعان عقلی یتوصّل به إلی حکم شرعی ) ، فلا محالة یجب أن یبحث فی الفن عن لواحق القضایا العقلیة المثبتة للأحکام الشرعیة ، لا عن ثبوت نفسها ونفیها ، مع أنه لیس کذلک إلا فی الاستلزامات الظنیة ، لا فیما نحن فیه ، وجملة من المستقلاّت العقلیة ، والغیر المستقلاّت الیقینیة ؛ أی المتوقفة علی خطاب شرعی ، کباب الأمر بالشیء ، واجتماع الامر والنهی ، دون مسألة الحسن والقبح. فتدبّر.

وجعل الموضوع نفس العقل لیرجع البحث إلی إثبات شیء له غیر صحیح ؛ لأن المهمّ لیس معرفة حال العقل من حیث ثبوت الاذعان له ، بل المهمّ ثبوت نفس ما أذعن العقل به من الملازمة بین وجوب شیء ووجوب مقدّمته ، من غیر فرق بین العقل النظری والعقل العملی ، فإنّ الفرق بینهما بمجرّد تفاوت المدرک من حیث کونه من شأنه أن یعمل به فیسمّی عقلا عملیا ، أو لا ، بل من شأنه أن یعلمه فیسمّی عقلا نظریا ، فالاعتبار دائما بالمدرک لا بثبوت الإدراک للقوة العاقلة ، وعلیه فیقوی فی النظر وجاهة إدراجها فی المبادی الأحکامیة (1) المتکفّلة لبیان حال الحکم من حیث نفسه ، ومن حیث لوازمه ، ومن حیث الحاکم

ص: 9


1- 1. قولنا : ( إدراجها فی المبادی الأحکامیة .. إلخ ).

والمحکوم ، کما صنعه الحاجبی (1) وشیخنا البهائی (قدس سره) (2) ، واستحسنهما غیر واحد من المتأخرین ، إلاّ أن إدراج هذه المباحث _ التی تنفع نتائجها فی إثبات الحکم الشرعی ، کسائر المسائل الاصولیة _ فی المبادئ وإخراجها عن المقاصد بلا وجه.

ومجرّد کون الشیء من المبادئ التصدیقیة لمسألة ، لا یقتضی أن یکون منها بقول مطلق ، مع کون نتیجتها فی نفسها کنتیجة تلک المسألة ، وعدم شمول ما عدّ موضوعا للعلم لموضوع هذه المسألة من مفاسد ما جعل موضوعا للعلم ، وقصوره عن شمول ما هو کسائر المسائل فی الغرض المهمّ ، لا من قصور المسألة عن کونها من مقاصد الفن ومطالبه.

ص: 10


1- 1. شرح مختصر المنتهی للعضدی : حیث بدأ فی صفحة (69) بالکلام عن المبادئ الاحکامیة لعلم الاصول وأدرج فی مباحثها مسألة ( ما لا یتم الواجب إلا به ) وقد بحث هذه المسألة فی صفحة (90).
2- 2. الزبدة فی الاصول : 45 ، عند قوله : ( فصل : ما یتوقف الواجب علیه ) إذ عدّ هذا الفصل من المبادئ الأحکامیة التی هی المطلب الثالث من المنهاج الاول فی مقدمات کتاب الزبدة فی الاصول للشیخ البهائی ( رحمه الله ).

ویمکن أن یقال : بأن البحث هنا ، وفی مسألة الأمر بالشیء ، وفی مسألة اجتماع الأمر والنهی ، بحثّ عن ثبوت شیء للوجوب والحرمة _ مثلا _ من حیث کونهما من مدالیل الکتاب والسنة. وإشکال لحوق العارض لأمر أعمّ _ حیث إنه لا دخل لورودهما فی الکتاب والسنة فی لحوق شیء من العوارض المذکورة فی تلک المسائل _ إشکال یعمّ نوع المسائل الاصولیة ؛ ضرورة أن ظهور الصیغة فی الوجوب _ .. وهکذا _ من لواحق الصیغة بما هی ، لا بما هی واردة فی الکتاب والسنة. وکون البحث باعتبار اندراج الأخصّ تحته _ لا باعتبار ذاک الأمر الأعم _ لا یجدی شیئا بعد عدم دخله فی لحوق العارض واقعا ، فلا یخرج عن کونه عرضا غریبا ، بل هذا الإشکال جار ولو مع قطع النظر عن حیثیة المدلولیة ؛ لأنّ العقل یحکم بالملازمة بین وجوب شیء ووجوب مقدمته مطلقا من دون اختصاص بالوجوب الشرعی ، مع أنّ موضوع البحث _ باعتبار أنّ نتیجته لا بدّ وأن تکون مثبتة للوجوب الشرعی _ مقصور علی الملازمة بین وجوب شیء شرعا ووجوب مقدمته شرعا.

__________________

والفلک فضلا عن الفلسفة واللغة والفقه والاصول.

عدّ له صاحب أعیان الشیعة (19) تلمیذا من علماء الشیعة ، کما عدّ له ما یقارب الستین مؤلفا فی جمیع العلوم منها : ( شرح الأربعین حدیث ) و ( مفتاح الفلاح ) فی الدعاء و ( الجامع العباسی ) فی الفقه ، و ( الزبدة ) و ( حاشیة شرح العضدی ) فی الاصول و ( الفوائد الصمدیة ) فی النحو و ( رسالة الجوهر الفرد ) فی الحکمة وغیرها. کما أنه ( رحمه الله ) کان شاعرا مجیدا فی العربیة والفارسیة ، وله قصیدته المشهورة فی مدح الإمام الحجة المهدیّ _ عجّل الله فرجه الشریف _ والتی مطلعها :

سری البرق من نجد فهیّج تذکاری

عهودا بحزوی والعذیب وذی قار

توفّی رحمه الله فی اصفهان ( 12 _ شوال _ 1030 ه ) ونقل إلی مشهد الامام الرضا علیه السلام وقبره مزار معروف ضمن الحضرة المبارکة علی ساکنها آلاف التحیة والسلام

( أعیان الشیعة 9 : 234 _ 249 ) بتصرف.

ص: 11

نعم فرق بین هذه الحیثیة وحیثیة المدلولیة ، فإنّ حیثیة المدلولیة للکتاب والسنة ، کما لا دخل لها فی الملازمة العقلیة ، کذلک لا دخل لها فی النتیجة الشرعیة ، فإن الوجوب الشرعی _ سواء کان مدلولا علیه بلفظ ، أو لا _ یترتّب علیه أثره ، فحیثیة المدلولیة هنا لغو محض ، فلا تقاس بحیثیة الشرعیة هنا ، ولا بحیثیة ورود صیغة ( افعل ) فی الکتاب والسنة ، کما لا یخفی.

وأما إشکال العارض لأمر أعمّ من حیث اختصاص البحث بالوجوب الشرعی ، وکذلک فی باب مباحث الألفاظ ، فقد تقدّم الکلام فیه فی أوائل التعلیقة ، وأما فی مسألة الحسن والقبح والملازمة بینهما وبین الوجوب والحرمة ، فنلتزم : بأنّ الاولی من المبادی العقلیة للثانیة ، والثانیة یبحث فیها عن لواحق القضیة العقلیة ، وهی حکم العقل بالحسن والقبح.

والأولی أن یجعل فنّ الاصول (1) عبارة عن مطالب متشتّتة تنفع فی إثبات

ص: 12


1- 1. قولنا : ( والأولی أن یجعل فن الاصول .. إلخ ).

الحکم الشرعی ، أو ینتهی إلیها أمر الفقیه فی مقام العمل ، من دون حاجة إلی الالتزام بموضوع جامع علی تفصیل تقدّم فی أوائل التعلیقة (1).

[ فی تقسیم المقدّمة إلی داخلیة وخارجیة :

2 _ قوله [قدّس سرّه] : ( والحل أن المقدمة هی نفس الاجزاء بالأسر ... الخ ) (2).

توضیحه : أن ذوات الأجزاء إذا لوحظت بنحو الکلّ الافرادی لم یکن بینها تألّف وترکّب ، فلم تکن هی أجزاء لشیء ؛ بداهة أن الکلیة والجزئیة متضایفتان ، وإذا لوحظت من حیث التألّف والاجتماع _ سواء کان التألّف والترکّب حقیقیا أو اعتباریا _ فهنا یتحقّق أمران :

أحدهما _ ذات الملحوظ من حیث الاجتماع بلا لحاظ الحیثیة علی نحو عدم الاعتبار ، لا علی نحو اعتبار العدم ، بحیث تکون بالحمل الأوّلی غیر مجتمعة ولا مؤتلفة ، وإن کانت بالحمل الشائع مجتمعة ومؤتلفة ، فهذه هی الأجزاء بالأسر.

وثانیهما _ الأجزاء من حیث تألّفها وترکّبها الحقیقی أو الاعتباری. ومن الواضح أن المعروض له نحو من التقدّم علی عارضه ، ونسبة الأجزاء بالأسر إلی الکلّ نسبة الماهیة اللابشرط إلی الماهیة بشرط شیء ، فلا یتوهّم أنّ الأجزاء إمّا أن

====

3. کفایة الاصول : 90 / 3.

فی تقسیم المقدمة الی داخلیة وخارجیة

ص: 13


1- للتصدیق بقضیة أخری ، فلا مناص إلاّ أن یقال : إنّ هذه المباحث مشتملة علی مباد أحکامیة ومباد لغویة ومباد عقلیة تنفع فی الفقه من حیث إنّ المحتاج إلیه فی الفقه مصداق من طبیعی تلک المبادی ، لا إنها بعنوانها واسطة فی استنباط الحکم حتی تکون من المسائل الاصولیة. فافهم. [ منه قدّس سرّه ] ( ن ، ق ، ط ).
2- 2. وذلک فی التعلیقة : 109 ، 111.

تلاحظ مجتمعة أو غیر مجتمعة ، والأول مناط الجزئیة والکلیة ، فیعود إشکال العینیة ، والثانی لیس فیه مناطهما.

لکنک بعد ما عرفت أن التجرید بتعمّل من العقل _ وإن کان تخلیطا بالحمل الشائع _ تعرف أن کون الأجزاء الملحوظة مجتمعة غیر کونها ملحوظة من حیث الاجتماع ، وعلیه فسبق الأجزاء علی الکلّ _ فی مقام شیئیة الماهیة وتقوّم الطبیعة بعلل قوامها _ سبق بالتجوهر لاحتیاج المرکّب فی تجوهر ذاته إلی الأجزاء ، فمقام تجوهر ذوات الأجزاء مقدّم علی مقام تجوهر ذات المرکّب الحقیقی او الاعتباری ، وقد یسمّی ذلک بالسبق بالماهیة ، وأما سبق کلّ جزء علی الکلّ فی الوجود فهو بالطبع ؛ لأن مناط التقدّم الطبعی : أن یمکن للمتقدّم وجود ولا وجود للمتأخّر ولا عکس کالواحد بالنسبة إلی الاثنین ، ومن الواضح أنّ نسبة کل جزء إلی الکلّ کذلک.

3 _ قوله [قدّس سرّه] : ( أنّه لا بدّ فی اعتبار الجزئیة من أخذ الشیء بلا شرط ... الخ ) (1).

هذا ناظر إلی دفع ما أفاده بعض الأجلّة فی تقریراته (2) لبحث العلامة الأنصاری ( قدس سرهما ) حیث ذکر : أن للجزء اعتبارین : بأحدهما یکون متّحدا مع الکلّ ، وهو اعتباره لا بشرط ، وبالآخر یکون مغایرا للکلّ ، وهو اعتباره بشرط لا.

والتحقیق : أن الأجزاء ما لم تلحظ بالأسر _ أی مجموعا _ لا یکون هناک جزئیة ولا کلیة أصلا ، فملاحظة ذات التکبیرة لا بشرط معناها قصر النظر ذاتا

ص: 14


1- 1. کفایة الاصول : 90 / 4.
2- 2. مطارح الانظار : 82.

علی ذاتها ، فأین الجزئیة والکلیة ولو بلحاظ آخر لها؟! وملاحظتها بشرط الانضمام إلی غیرها ، معناها ملاحظة الأجزاء بالأسر التی منها التکبیرة.

وبالجملة : لا بدّ فی صلاحیة ذوات الأجزاء لانتزاع الجزئیة والبعضیة من ملاحظتها وهی منضمة ، ولا ینافی ذلک عدم ملاحظة حیثیة انضمامها ، فالمراد من اللابشرط _ من حیث الانضمام _ لیس قصر النظر علی ذات الجزء ، بل المراد ملاحظة المنضمات من دون ملاحظة نفس الهیئة ، الانضمامیة العارضة علیها ؛ إذ لو لم یلاحظ المنضمات لم یکن اللحاظ واردا علی الجزء بل علی غیره.

ولا یخفی أن الأجزاء بالأسر _ بحسب الواقع _ کل جزء منها منشأ لانتزاع البعضیة للمجموع ، ونفس المجموع منشأ لانتزاع الکلیة والتمامیة ولو لم تلاحظ حیثیة الانضمام بنفسها. نعم ، حیث إن النظر فی هذه الملاحظة مقصور علی ذوات الأجزاء بالأسر ، لا معنی للحکم علی کل واحد بالجزئیة والبعضیة ، وعلی المجموع بالکلیة والتمامیة ، بخلاف ما إذا لاحظها ثانیا بما هی منضمّة ومجتمعة ، فإنه یصحّح انتزاع عنوانی الکلیة والجزئیة ، بالفعل ، والکلیة والجزئیة متضایفتان متکافئتان قوة وفعلا.

وما سبق _ من أنّ مناط سبق الأجزاء لحاظها لا بشرط ، کما علیه أهله فی فنّ الحکمة _ فبملاحظة أن الماهیة النوعیة المرکّبة بما هی ماهیة نوعیة واحدة لها جهة تأخّر عن ذات الجزءین _ أی الماهیة الجنسیة ، والماهیة الفصلیة _ فاذا لوحظتا بذاتهما فقد لوحظت الذاتیات ، وإذا لوحظتا بما [ هما وحدة ](1) واحدة فقد لوحظت الذات. ومن الواضح أن حیثیة لحاظهما [ وحدة ](2) واحدة

ص: 15


1- 1. فی الاصل : بما هی واحدة. وصححت الی المثبت.
2- 2. فی الاصل : واحدة. وصححت الی المثبت.

متأخّرة عن لحاظ ذاتهما ، لا أنّ غرضهم : أنّ مقام انتزاع الجزئیة متقدّم علی مقام انتزاع الکلیة ؛ لئلا یکون المتضایفان متکافئین فی القوة والفعلیة.

ولیعلم : أن البشرطلائیة لا تنافی اللابشرطیة بأیّ معنی کان ، بل (1) إذا قیستا واضیفتا إلی شیء واحد. وقد تقرّر فی محلّه : أنّ البشرطلائیة بالإضافة إلی اتحاد شیء مع الشیء من اعتبارات الجزء ، وهو لا ینافی اللابشرطیة بالإضافة إلی حیثیة الانضمام ، وما هو ملاک الجزئیة هو الثانی ، فاعتبار زیادة غیره علیه من اعتبار الشیء علی ما هو علیه ، فلا یکون منافیا لنفسه.

وغرض المقرر (قدس سره) هو اعتبار البشرطلائیة بالمعنی المعروف المعدود من اعتبارات الجزء فی فن المعقول _ کما لا یخفی _ لا البشرطلائیة عن انضمام شیء إلیه کی یکون منافیا للجزئیة.

وحیث إن اللابشرطیة _ من حیث الانضمام _ لا تنافی الاتّحاد مع الکلّ بملاحظة حیثیة الانضمام ؛ لاجتماع اللابشرط مع البشرطشیء ، بخلاف البشرطلائیة من حیث الاتحاد ، فإنها توجب المغایرة بینه وبین الکل ، فیتمحض الجزء فی الجزئیة ، فلذا جعلها المقرّر من اعتبارات الجزء حتی یمکن النزاع فی وجوب الجزء بعد وجوب الکل ، وسیجیء (2) _ ان شاء الله _ تتمة الکلام.

4 _ قوله [قدّس سرّه] : ( وکون الأجزاء الخارجیة کالهیولی والصورة ... الخ ) (3).

قد عرفت فی آخر مبحث المشتق (4) ما هو المراد من اعتباری لا بشرط

ص: 16


1- 1. ای بل فقط إذا قیستا ...
2- 2. التعلیقة : 4.
3- 3. کفایة الاصول : 90 / 7.
4- 4. التعلیقة : 131 ، ج 1 ، عند قوله : ( فإن المراد من ملاحظته بشرط لا ... ).

وبشرط لا فی الأجزاء الخارجیة والحدیة ، ولا یکاد یتصوّر الاعتباران المذکوران ، إلاّ بالإضافة إلی المرکّب وإلی کلّ واحد من الأجزاء ، لا للاجزاء الخارجیة بالإضافة إلی الأجزاء التحلیلیة ، فانه لا معنی محصّل له إلا ما أشار إلیه ( رحمه الله ) فی مبحث المشتق (1) من عدم ورود هذه الاعتبارات علی أمر واحد ، بل الغرض أن الجزء الخارجی سنخ مفهوم لا یحمل علی الجزء الآخر ولا علی الکل ، والجزء الحدّی التحلیلی سنخ مفهوم یحمل علی الجزء الآخر من الحدّ وعلی الکلّ کالمشتق ومبدئه عنده (قدس سره) ، وقد عرفت هناک أنه خلاف تصریحات أهل الفن (2).

نعم قد ذکرنا هناک : أن اللابشرطیة فی المتغایرین فی الوجود لا تصحّح الحمل المعتبر فیه الاتحاد فی الوجود ؛ بداهة أن المغایرة الحقیقیة لا تزول بعدم ملاحظة المغایرة ، بل إنما یصحّ ذلک فی المرکّبات الحقیقیة علی ما هو التحقیق من اتحاد أجزائها فی الوجود ، بمعنی أن المرکّب الحقیقی إنما یکون کذلک إذا کان له صورة وحدانیة فی الخارج ، فإنّ مبدأ الجنس وهی النفس الحیوانیة _ حیث استعدّت لإفاضة النفس الناطقة _ تصوّرت بمبدإ الفصل وهی النفس الناطقة ، فاذا لاحظ العقل النفس الحیوانیة _ من حیث وقوعها فی صراط الترقّی وتلقّی الصورة النطقیة _ فقد لاحظها بما لها من درجة الفعلیة والتحصّل ، وهی بهذا الاعتبار مادة خارجیة ، وإذا (3) لاحظها من حیث الاتحاد فی الوجود الساری من الصورة إلی المادة ، ومن الفصل الطبیعی إلی الجنس الطبیعی ، فقد لاحظها علی وجه یصحّ حملها علی الجزء الآخر ، لسقوط الدرجة الخاصّة له من الوجود عن

ص: 17


1- 1. الکفایة : 55 ، الأمر الثانی.
2- 2. التعلیقة : 131 ، ج 1 ، عند قوله : ( فهو وإن کان صحیحا فی نفسه ... ).
3- 3. فی الأصل : ( وإذ لاحظها ... ) ، والموافق للسیاق ما أثبتناه من نسخة ( ط ).

نظر العقل ، والفرض أنهما موجودان بوجود واحد ، فإنّ الفصل الأخیر کل الأجناس والفصول الطولیة ، وشیئیة الشیء وتمامه بصورته النوعیة ، وهذا هو المراد من اعتباری لا بشرط وبشرط لا فی الأجزاء الخارجیة والتحلیلیة.

وبالتأمل فیه یتّضح : أنه مخصوص بالمرکّبات الحقیقیة التی لها صورة وحدانیة فی الخارج ، وصورة إجمالیة فی الذهن ، لکنه لیس الغرض هنا صحة الحمل وعدمها ؛ کی یقال : باختصاص الاعتبارین بالمرکبات الحقیقیة دون الاعتباریة ، بل الغرض ملاحظة الجزء علی نحو یکون غیره زائدا علیه ، کما هو کذلک فی الامور المتغایرة فی الوجود ، وإن کانت منضمّة فی اللحاظ بشرط الانضمام أو لا بشرط الانضمام ، واعتبار المغایرة وإن لم یکن مقوّما لجزئیة الجزء ، إلا أنه من الاعتبارات الصحیحة الواردة علی الجزء.

فان قلت : الإتعاب فی تصحیح الاعتبار البشرطلائی غیر مفید ؛ لأن الغرض إیجاب الجزء بالوجوب المقدمی ، فلا بد من ملاحظة الوجه الذی به یکون الجزء فی مقام شیئیة الماهیة مقدمة للکلّ ، وهو لیس الاّ الاعتبار اللابشرطی من حیث الانضمام. وأما اعتبار اللابشرطیة والبشرطلائیة من حیث الاتحاد ، فهو من اعتبارات المرکّبات الحقیقیة تصحیحا للحمل وعدمه ، لا للجزئیة والکلیة.

قلت : لیس الغرض من اعتبار الجزء بشرط لا تصحیح المقتضی لوجوبه المقدمی ، بل لأجل دفع المانع.

وتوضیحه : أن الجزء المنضمّ إلی غیره جزء حقیقة وممّا یتقوّم به الکلّ واقعا سواء لوحظ علی وجه یصحّ حمله علی الکلّ ، أم لا ، ففی المرکّبات الحقیقیة ملاحظته لا بشرط وبشرط لا لمکان تصحیح الحمل ، وتصحیح ترتیب الأحکام المختصّة بکلّ من المادة والصورة علیهما.

وأما فی المرکبات الاعتباریة فقد عرفت أن اللابشرطیة لا تصحح الحمل ،

ص: 18

بل الغرض من اللابشرط والبشرطلا هنا : أن الجزء المنضم إلی بقیة الأجزاء إذا لوحظ بما هو بحیث توجه النظر إلی ذات هذا المنضمّ إلی الباقی کان هو غیر الکلّ. فبهذا النظر یستقلّ ویتمحّض فی الجزئیة ، فلأحد أن یقول : بأن الجزء حینئذ _ حیث إنه غیر الکلّ ، بل مما یتألف منه الکلّ _ فوجوبه لیس عین وجوب الکلّ ، بخلاف ما إذا لوحظت الأجزاء بالأسر ، فإن لحاظها وان کان لحاظ هذا الجزء ضمنا ، إلا أنّ الأجزاء بالأسر عین الکلّ ، لا مما یتألّف منه الکل ، فالمراد من بشرط لا هو لحاظه مستقلا ، ومن لا بشرط لحاظه بلحاظ الأجزاء بالأسر. وأما المقتضی للوجوب الغیری فهو علی أیّ حال کونه مما یتألّف منه المرکّب ، وهو لا یکون مؤثّرا إلاّ بلحاظه استقلالا لیتمحّض فی الجزئیة. فافهم واستقم.

5 _ قوله [قدّس سرّه] : ( لما عرفت من أنّ الأجزاء بالأسر عین المأمور به ذاتا ... الخ ) (1).

فکما أنّ حیثیة الاجتماع (2) غیر داخلة فی المرکّب بل آلة لملاحظة المرکّب علی وجه الترکّب ، ولذا لا نفسیة لها ، ولأجله لا ینثلم به عینیة الأجزاء بالأسر مع المرکّب ذاتا ، لا أنه مرکّب من امور خارجیة وأمر ذهنی ، کذلک فی مقام تعلّق الوجوب بالکلّ ، ملحوظة علی وجه المرآتیة لما هو کلّ بالحمل الشائع ، فلذا لا

ص: 19


1- 1. کفایة الاصول : 90 / 13.
2- 2. قولنا : ( فکما أنّ حیثیة الاجتماع .. إلخ ).

تکون تلک الحیثیة واجبة _ لا جزء ولا شرطا _ فالمرکب والأجزاء بالأسر أحدهما عین الآخر فی الوجوب ، کما هو کذلک فی الوجود.

====

بالذات أو بالعرض (أ)؟

__________________

(أ) کما ذهب إلیه المحقّق صاحب الدرر ، وهو الشیخ عبدالکریم الحائری ( قده ) فی درر الفوائد : 1 : 91 فی المقدمات الداخلیة عند قوله : ( فمتعلّق الأمر النفسی ... ) إلی قوله : ( نعم یمکن استناد الأمر إلیها بالعرض ).

(ب) أضفنا ( الواو ) فی هذه المواضع الثلاثة لاقتضاء السیاق.

(ج) أضفنا ( الواو ) فی هذه المواضع الثلاثة لاقتضاء السیاق.

(د) ذهب إلیه المحقق النائینی ( قده ) علی ما فی أجود التقریرات 1 : 215 فما بعدها.

(ه_) کما فی التعلیقة : 9 من هذا الجزء.

(و) التعلیقة 8. 87 ، ج 1.

(ز) فی الأصل : مخصوص.

ص: 20

فإن قلت : الوجوب علی وزان الوجود ، فکما أن الآحاد بالأسر موجودات بوجودات متعدّدة ، کذلک یجب أن تکون واجبة بوجوبات متعدّدة خصوصا مع ملاحظة أن الإرادة التشریعیة لا تفارق التکوینیة ، إلا بتعلّق الاولی بفعل الغیر ، وتعلق الثانیة بفعل المرید ، مع أنّ الإرادة التکوینیة المحرّکة للعضلات نحو التکبیرة _ مثلا _ غیر الإرادة المحرکة لها نحو القراءة ، فاللازم الالتزام بتعدّد الوجوب النفسی بعدد الأجزاء.

قلت : المرکّب الاعتباری وإن لم یکن له وجود حقیقة غیر وجودات الآحاد _ والهیئة الترکیبیة الاجتماعیة من الاعتبارات العقلیة _ إلاّ ان الملحوظ _ فی حال الحکم علیه وتعلّق الشوق به _ هی الآحاد من حیث الاجتماع والانضمام ، فوزان الإرادة والإیجاب فی تعلقهما بالآحاد وزان العلم والوجود الذهنی ، لا وزان الوجود العینی ، فیلاحظ الآحاد بوجودها الانضمامی _ لا بنحو التفرق _ فیشتاقه أو یبعث نحوه ، فکما ان الآحاد فی هذه الملاحظة ملحوظة بلحاظ واحد ، کذلک مرادة بإرادة واحدة ، ونفس الشوق الأکید المتعلّق بالآحاد علی هذا الوجه محرّک للعضلات نحوها ، کما أنها کذلک فی إرادتها من الغیر نظیر الإرادة المتعلّقة بالامور المتصلة التدریجیة (1) ، فإن الإرادة واحدة ، وإن کان بین

====

2. والتحقیق : أنّ الإرادة المتعلّقة بالامور المتّصلة التدریجیة ینبعث منها إرادات جزئیة بالإضافة إلی جزئیات الحرکات ، بخلاف الإرادة التشریعیة ، فإنّ المنبعث منها هو البعث ، وقد عرفت صحّة البعث نحو مجموع امور لوحظت بنحو الوحدة. [ منه قدّس سرّه ].

ص: 21


1- إنه دخیل فی فعلیة الغرض ، فأخذه فی المأمور به لا یوجب کون المقیّد واجبا ، بل الشرط حیث إنه دخیل فی فعلیة الغرض ، فأخذه فی المأمور به لا یوجب کون المقیّد واجبا ، بل یوجب تقیید الواجب ، مضافا إلی أن دخول التقیّد فی الواجب لا یوجب کون الشرط مقدمة داخلیة ، فإنّ وجود الطهارة خارجا یوجب حصول تقیّد الصلاة بها ، فتکون مقدّمة خارجیة کمقدّمات وجود الأجزاء ، فالجزء والتقیّد مقدّمة داخلیة ، لا مقدمات وجود الأجزاء وحصول التقید. فتدبر. [ منه قدّس سرّه ].

المرکب الاعتباری والأمر التدریجی فرق ظاهر من حیث إن الوحدة فی الأول اعتباریة ، وفی الثانی اتصالیة ، لکنه غیر فارق بعد لحاظ الوحدة فی عالم تعلّق الإرادة.

ولا فرق _ أیضا _ فیما ذکر بین وحدة الأثر وتعدّده ، فإن الأثر الحاصل من عدة امور متفرقة فی الوجود ، وإن لم یمکن وحدته حقیقة ، إلا أن الغرض أیضا مجموع آثار الآحاد ، فهو الداعی لإرادتها ، لا کلّ واحد واحد من أشخاص الآثار. فافهم واستقم ، ولا تغفل. 6 _ قوله [قدّس سرّه] : ( لامتناع اجتماع المثلین ... الخ ) (1).

لا یذهب علیک (2) أن التماثل والتضادّ من الأحوال الخارجیة للموجودات الخارجیة بحسب وقوعها فی ظرف الخارج ، کما حقّق فی محلّه.

التماثل والتضاد من الأحوال الخارجیة للموجودات

ص: 22


1- 1. کفایة الاصول : 90 / 15.
2- 2. قولنا : لا یذهب علیک أنّ التماثل .. إلخ ).

ومن الواضح أن الفعل بما هو موجود خارجی _ أی بعد مصداقیته لعنوان الموجود _ لا یتّصف بالوجوب لبداهة سقوط الوجوب بعد الوجود ، بل بما هو وجود عنوانی مطابقه ومعنونه الوجود الخارجی الذی حیثیة ذاته حیثیة طرد العدم ، مضافا إلی أنّ الوجوب والحرمة أمران اعتباریان عقلائیان ، لا من المقولات التی لها نحو من الوجود فی الخارج ، فلا العارض من الأحوال الخارجیة ، ولا المعروض من الامور العینیة.

وإن ارید الإرادة والکراهة من الإیجاب والتحریم ، فهما وإن کانا من الصفات الخارجیة والمقولات الحقیقیة ، إلاّ أن الاجتماع الممتنع لا یخلو من أن یکون : إما بلحاظ قیامهما بالنفس ، أو قیامهما بالفعل من حیث التعلّق :

فان کان بلحاظ قیامهما بالنفس ، فمن الواضح عند الخبیر أنّ موضوع التماثل والتضادّ هو الجسم والجسمانی _ أی الواحد بالعدد _ لا مثل النفس من البسائط المجرّدة ، فلیس النفس کالجسم حتی یقوم البیاض بجزء منه والسواد بجزء آخر منه ، ولذا لا شبهة فی قیام إرادتین أو إرادة وکراهة بها بالنسبة إلی فعلین ، فیعلم منه أنّ المانع _ لو کان _ فإنّما هو من حیث التعلّق بشیء ، لا من حیث القیام بموضوع النفس ، فإنّ النفس لتجرّدها وبساطتها قابلة لقیام إرادات وکراهات بها فی زمان واحد.

وإن کان بلحاظ قیامهما بالفعل من حیث التعلّق فقد عرفت : أن المحال قیام المتماثلین أو المتضادّین بالموجود الخارجی ، مع أن وجود الفعل یسقط الطلب.

====

المجموع یقتضی تعلّق الإرادة بالجزء دون المجمو�1. ولیست التعلّقات التحلیلیة _ الناشئة من تعلّق إرادة واحدة بالمجموع _ قابلة للاشتداد أو منبعثة عن مصالح قائمة بالأجزاء.

ص: 23

مضافا إلی أن موضوع الإرادة والکراهة وسائر الکیفیات النفسانیة هی النفس ، فلا یعقل قیامهما بشیء غیر النفس ، وتعلقهما بوجود الطبیعة بنحو العنوانیة لا مانع منه بعد عدم کونه فی مرتبة تعلّقهما به من الموجودات الخارجیة ، ولذا لا شبهة فی تعلّق الإرادات بوجود الطبیعة بما هی فی أزمنة متفاوتة ، أو بالنسبة إلی أشخاص مختلفة ، فیعلم منه قبول وجود الطبیعة بما هی للمعروضیة للإرادات والکراهات.

وإن ارید أنّ الفعل فی مرتبة تعلّق الإرادة به فی النفس لا یقبل تعلق (1) إرادة اخری به بحده ؛ بداهة أنّ نشخّص الإرادة بالمراد ، کالعلم بالمعلوم ، فهو صحیح ، إلا أنه من باب لزوم ما لا یلزم لحصول الغرض بإرادة وجود الصلاة مرتین ، أو إرادته تارة وکراهته اخری ، من غیر لزوم تعلّق الإرادة به فی مرتبة تعلّق إرادة اخری به ؛ لوضوح أن الکلام فی عدم تعلّق وجوبین بالفعل الواحد بأیّ نحو من التعلّق.

والتحقیق : أن الامتناع لیس بملاک اجتماع المتماثلین والمتضادّین _ کما هو المشهور عند الجمهور _ بل لأن الإرادة علّة للحرکة نحو المراد ، فان کان الغرض الداعی إلی الإرادة واحدا فانبعاث الإرادتین منه فی قوّة صدور المعلولین عن علّة واحدة ، وهو محال. وإن کان الغرض متعدّدا لزم صدور الحرکة عن علّتین مستقلّتین ، وهو محال.

لا یقال : هذا فی الإرادة التکوینیة دون التشریعیة.

لأنا نقول : لا فرق بینهما إلا بکون الاولی علّة تامّة للحرکة نحو المقصود ، والثانیة علّة ناقصة ، ولازمها التأثیر بانضمام إرادة المکلّف ، فیلزم صدور الواحد عن الکثیر أیضا.

الامتناع لیس بملاک اجتماع المتماثلین والمتضادین

ص: 24


1- 1. فی الأصل : ( لا یقبل لتعلّق ... ).

ومنه یتضح : أن الإیجاب بمعنی البعث والتحریک أیضا کذلک ، فإنّ البعث لجعل الداعی. ومن الواضح أن جعل ما یمکن أن یکون داعیا غیر قابل للتعدّد مع وحدة المدعوّ إلیه ؛ إذ لازمه الخروج من حدّ الإمکان إلی الوجوب عند تمکین المکلف من الامتثال ، فیلزم صدور الواحد عن إرادتین وداعیین مستقلین.

7 _ قوله [قدّس سرّه] : ( لعدم تعددها هاهنا ... الخ ) (1).

سیأتی _ إن شاء الله تعالی _ فی محلّه : أن الوجه المبحوث عنه هو الوجه الواقعی ، لا الوجه اللفظی.

ومن الواضح أن المقدّمة لا تجب بما لها من العنوان الذاتی ، بل بما لها من حیثیة المقدّمیة ، وهی حیثیة واقعیة ربّما لا توجد فی غیرها.

8 _ قوله [قدّس سرّه] : ( بوجوب واحد نفسی لسبقه ... الخ ) (2).

لا یخفی علیک أنّ السبق المتصوّر هنا : إما سبق زمانی ، أو سبق بالعلیة ، أو سبق بالطبع.

أما السبق الزمانی : فلا وجه له ؛ لأنّ ترشّح الوجوب الغیری من الوجوب النفسی لا یستدعی سبقا زمانیا ، بل فی العلّة البسیطة أو الجزء الأخیر من المرکبة یستحیل السبق الزمانی ؛ لاستحالة تخلّف المعلول عن العلة ، ولو فی آن.

واما السبق بالعلیة : فمن الواضح أن الوجوب النفسی إنما یتّصف بالسبق بالعلیة إذا اتصف بالعلیة للوجوب الغیری ، والمفروض هنا استحالة الوجوب الغیری مع الوجوب النفسی ، فکیف یعلّل وجود الوجوب النفسی دون الغیری بما یتوقّف علی وجود الوجوب الغیری الموجب لاستحالة وجوده؟! أم

السبق المتصور فی المقام

ص: 25


1- 1. کفایة الاصول : 90 / 16.
2- 2. کفایة الاصول : 91 / 4.

کیف یعلّل عدم الوجوب الغیری بما یتوقّف علی وجوده؟! ضرورة أنّ السبق واللحوق متضایفان کالعلیة والمعلولیة ، والمتضایفان متکافئان فی القوة والفعلیة.

ومنه علم حال السبق بالطبع ، فإن الوجوب النفسی إنما یوصف بالسبق بالطبع مع اتصاف الوجوب الغیری بالتأخّر الطبعی ، وهو هنا محال.

والسبق والتأخر متضایفان ، وکون الوجوب النفسی فی نفسه کذلک إذا اضیف إلی الوجوب الغیری لا یجدی إذا لم یکن کذلک بالفعل ، بل الوجه لاتصافه بالوجوب النفسی دون الغیری : هو أنّ الوجوب الغیری وجوب معلولی متقوّم بالوجوب النفسی ، فوجوده بلا وجوده محال ، وهما معا أیضا کذلک لما عرفت ، بخلاف الوجوب النفسی فقط فإنه لا مانع منه.

وبعبارة اخری : تأثیر ملاک الوجوب الغیری مشروط بتأثیر ملاک الوجوب النفسی دون العکس ، وما کان تأثیره منوطا بشیء لا یعقل أن یمنع عن تأثیره. 9 _ قوله [قدّس سرّه] : ( فتأمّل ... الخ ) (1).

قد أفاد (قدس سره) فی وجهه فی الحاشیة (2) ما لفظه : ( وجهه أنه لا یکون فیه أیضا ملاک الوجوب الغیری حیث إنه لا وجود له غیر وجوده فی ضمن الکلّ ؛ لیتوقف (3) علی وجوده ، وبدونه لا وجه لکونه مقدّمة کی یجب بوجوبه أصلا ... الخ ).

ولا یخفی علیک أنّ مقدّمیة الأجزاء : إما بلحاظ شیئیة الماهیة ، أو الوجود ، والأجزاء _ بالاعتبار الأوّل _ علل القوام ، ولها السبق بالماهیة والتجوهر ، وبالاعتبار الثانی علل الوجود ، غایة الأمر أنها علل ناقصة ، والملاک فی هذا

مقدمیة الأجزاء إما بلحاظ شیئیة الماهیة أو الوجود

ص: 26


1- 1. کفایة الاصول : 91 / 4.
2- 2. أی فی حاشیة المصنف ( قده ) علی کفایته : 91.
3- 3. فی الکفایة _ تحقیق مؤسستنا _ : یتوقف.

التقدم هو إمکان الوجود بمعنی أنّ الجزء له إمکان الوجود ولا وجود للکل ، بخلاف الکلّ فإنه لیس له إمکان الوجود ولا وجود للجزء ، کما فی الواحد والاثنین ، وهذا هو التقدّم بالطبع ، ولا ینافی معیة المتقدّم والمتأخّر الطبعیین بالزمان.

ومنه ظهر أنّ نفی المقدّمیة عن وجود الجزء غیر خال عن المناقشة ؛ إذ لا نعنی بالمقدّمة إلاّ أنه لولاها لما حصل ذوها ، والجزء کذلک _ کما عرفت _ بل قد سمعت أنه کذلک وجودا وقواما. نعم ، ینبغی أن یقیّد ملاک الوجوب المقدّمی بالمقدّمة المغایرة لذیها فی الوجود ، لا کلّ مقدّمة.

لا یقال : الاقتضاء لا ینافی وجود المانع ، ولیس الملاک إلاّ ما هو مناط الشیء فی نفسه ، فلا وجه لنفی الملاک عن مطلق المقدمة.

لأنا نقول : اقتضاء المحال محال ، وقد عرفت انحصار المقتضی فی الوجوب الغیری بلا وجوب نفسی ، أو معه ، وکلاهما محال ، فوجود الاقتضاء فیما نحن فیه محال ، وإلاّ آل الأمر إلی إمکان المحال فی ذاته. والکلام فی ثبوت ملاک الوجوب الغیری فی ما نحن فیه ، لا فی معنی کلی لا ینطبق علیه.

والتحقیق : ثبوت ملاک الوجوب الغیری فی حدّ ذاته هنا أیضا ، لکن یستحیل فعلیة مقتضاه ؛ لأن ملاک الوجوب الغیری لا یؤثّر إلاّ إذا أثّر ملاک الوجوب النفسی ، فتأثیر ملاک الوجوب النفسی شرط فی نفسه لتأثیر ملاک الوجوب الغیری ، وهنا مانع عن تأثیره (1) لوحدة المحلّ ، فعدم تأثیر ملاک

التحقیق ثبوت ملاک الوجوب الغیری

ص: 27


1- 1. قولنا : ( وهنا مانع عن تأثیره ... إلخ ).

الوجوب الغیری مع عدم تأثیر الملاک النفسی لعدم الشرط ، ومع تأثیره لوجود المانع ، فالمقتضی علی أیّ حال موجود ، ولیس المقتضی إلا الوجوب الغیری لا مقیدا بالنفسی ولا بعدمه ؛ کی یستحیل الاقتضاء.

[ فی تقسیم المقدمة الی عقلیة وشرعیة وعادیة ]

10 _ قوله [قدّس سرّه] : ( منها تقسیمها إلی العقلیة والشرعیة ... الخ ) (1).

إن کان هذا التقسیم بلحاظ الحاکم بالمقدّمیة ، فهو غیر مستقیم فی العادیة ؛ بداهة أن العادة _ هنا _ لیست هو العرف _ کما هو أحد إطلاقاتها فی غیر مقام _ بل المراد منها کون التوقف بالنظر إلی طبع الشیء وذاته لا بقسر قاسر ، وإن کان التقسیم بلحاظ التوقّف فی حدّ نفسه ، فهو سقیم بما فی المتن ، والظاهر فی نظری القاصر هو الثانی.

بیان ذلک : أنّ التوقّف : إما واقعی أو جعلی ؛ بمعنی أن الواجب بما هو :

إما متقیّد بوجود المسمّی بالمقدّمة واقعا _ مع قطع النظر عن الأنظار ووجوه الاعتبار _ فالتوقّف واقعی ، وإما متقیّد به بحسب جعل الجاعل واعتبار المعتبر ، فالتوقّف جعلی کالصلاة ، فإنها _ بما هی حرکات خاصة وقعت موقع الوجوب _ لا توقّف لها وجودا _ مع قطع النظر عن جعل الشارع _ علی الطهارة ، بل الشارع جعلها مقیّدة بها بالأمر بالصلاة عن طهارة ، والتقسیم بلحاظ مقدّمة الواجب ، لا بلحاظ مقدّمة وجود المصلحة الواقعیة ، مع أن المصالح _ أیضا _ ربما تختلف بالاعتبار.

فی تقسیم المقدمة الی عقلیة وشرعیة وعادیة

ص: 28


1- 1. کفایة الاصول : 91 / 9.

وأما توقّف الصلاة عن طهارة علی الطهارة ، فهو من باب الضرورة اللاحقة ، لا الضرورة السابقة ، ومناط الوجوب الذاتی والامتناع الذاتی والإمکان الذاتی ، ملاحظة مقام الذات کما لا یخفی.

لا یقال : فلا وجه لجعل العادیة مقدمة ؛ لأن استحالة الصعود بلا نصب السلم _ مثلا _ من باب استحالة وجود الشیء مع عدم علته ؛ حیث إنه لا یمکن الطیران لعدم الجناح ، ولعدم القوة الخارقة للعادة.

لأنا نقول : فرق بین الامتناع بالغیر والامتناع بالقیاس إلی الغیر ، وما هو من قبیل الضرورة اللاحقة هو الأول ، وما هو مناط الاستحالة العادیة هو الثانی ، بمعنی أنّ الصعود بلا نصب السلم بالقیاس إلی من لیس له قوة عمالة متصرّفة محال ، من حیث إن عدم القوة یأبی ذلک ، لا من حیث إن المعلول ممتنع بعدم علته. فتدبّر ، فإنه حقیق به. 11 _ قوله [قدّس سرّه] : ( فهی أیضا راجعة إلی العقلیة ... الخ ) (1).

مقابلة العادیة للعقلیة مع اشتراکهما فی الاستحالة الواقعیة بملاحظة أنّ استحالة الکون علی السطح بلا طیّ المسافة محال ؛ لاستحالة الطفرة برهانا ، واستحالته بلا نصب السلم لیست لاستحالة الطیران برهانا ، بل لأن الجسم الثقیل بالطبع لیس له الطیران ، بل بقاسر من جناح ، أو قوة خارقة للعادة ، مع إمکان الطیران ذاتا ، فمنشأ الاستحالة فی الأول أمر برهانی عقلی ، وفی الثانی أمر طبعی عادی ، وإن کان بالقیاس إلی عدم القوة _ أو مع وصف انعدامها فعلا _ محالا عقلا.

وبالجملة : أصل طیّ المسافة مقدمة ، ونصب السلم کذلک ، إلاّ أنّ الأوّل

رجوع المقدمة العادیة الی العقلیة

ص: 29


1- 1. کفایة الاصول : 92 / 3.

مقدّمة لاقتضاء حکم العقل ، والثانی مقدّمة لاقتضاء طبع الجسم بما هو ، من دون قاسر.

وبعبارة اخری : امتناع کون شیء بدون شیء تارة امتناع ذاتی ، واخری وقوعی ، کامتناع الکون علی السطح بلا طیّ المسافة ، فإنه یلزم من وقوعه محال ، وهی الطفرة المستحیلة عقلا ، وثالثة لا یکون الامتناع کذلک ، کالکون علی السطح بلا نصب السلم ، فإنه لا یلزم من فرض وقوع الطیران أو القوة الإلهیة الخارقة للعادة محال لعدم استحالتهما ، وإنما یستحیل بلا نصب السلم بالقیاس إلی عادم الجناح وعادم القوة الخارقة ، فیسمّی الممتنع بالامتناع الذاتی والوقوعی بالمحال العقلی ، ویسمّی الممتنع بالامتناع القیاسی بالمحال العادی ، وباعتبارهما یکون التوقف الواقعی عقلیا تارة ، وعادیا اخری.

نعم ، حقیقة المقدّمة هی الجامعة بین الطیران ونصب السلم ، إلاّ أنه ینحصر الجامع فی الثانی لعدم ما یتمکّن معه من الطیران ، فهو واجب بالعرض لا بالذات ، فالتوقّف بالنسبة إلی هذا الواجب بالعرض عادیّ ، لا بالإضافة إلی الجامع ، فإنه عقلی کأصل طی المسافة.

والکلام فی المقدمة القابلة للاتصاف بالوجوب فعلا ، والتقسیم إلی الثلاثة بهذه الملاحظة ، کما أن المأمور به لو کان هو التسخین الإرادی أو التبرید کذلک ، فعدم التمکّن من التسخین والتبرید بمجرّد إرادتهما مع إمکانهما ذاتا یوجب مقدّمیة مسخّن أو مبرّد خارجی ، فالوجوب هناک عرضی ، وأصل المقدّمة ذاتی ، وهنا مقدّمیة المقدّمة بالعرض ، إلاّ أنّ ذلک لا یوجب عدم المقابلة بین المقدّمة العقلیة والعادیة ، کما أن رجوع الثانیة إلی الاولی _ بعد ملاحظة الامتناع بالقیاس إلی الغیر أو بالغیر _ لا ینافی المقابلة بینهما بالذات.

ص: 30

[ فی تقسیم المقدّمة الی مقدمة وجوب وصحّة ووجود ]

12 _ قوله [قدّس سرّه] : ( وبداهة عدم اتصافها بالوجوب ... الخ ) (1).

فإنه ما لم تتحقّق المقدّمة لا وجوب لذیها ، ومع تحقّقها لا مجال لإیجابها ، فإنه طلب الحاصل ، هذا هو المعروف فی بیان الوجه لخروجها عن محلّ البحث.

وفیه بحث : إذ لو کانت الشرطیة علی نحو الشرط المتأخّر کان وجوب ذیها قبل وجودها زمانا ، فلا یلزم من ترشّح الوجوب إلیها طلب الحاصل. نعم ، یلزم علیة کل منهما (2) للآخر ؛ إذ المقدّمة من أجزاء علّة وجوب ذیها ، ووجوب ذیها علة وجوبها ، ووجوبها من أجزاء علّة وجودها.

تقسیم المقدمة الی مقدمة وجوب وصحة ووجود

ص: 31


1- 1. کفایة الاصول : 92 / 10.
2- 2. قولنا : ( نعم یلزم علّیة کلّ منهما .. إلخ ).

مضافا إلی لزوم تعلیق وجوبها علی اختیار المکلف لعلمه بأنه لو لم یأت بها لا وجوب لذیها سابقا.

[ فی المقدّمة المتقدّمة والمقارنة والمتأخّرة ]

13 _ قوله [قدّس سرّه] : ( وحیث إنها کانت من أجزاء العلة ... الخ ) (1).

لا یخفی علیک أنّ العلّة الحقیقیة اصطلاحا وإن کانت ما یحتاج إلیه الشیء صدورا أو قواما ، والشرط حینئذ بنفسه لیس کذلک ، ولذا قسّموا العلل إلی الاربع لا غیر.

إلاّ أنّ التحقیق : أنّ الشرط إما من متمّمات فاعلیة الفاعل ، أو من مصحّحات قبول القابل ، وتوصیف توقّف المعلول به من باب الوصف بحال متعلّقه ، وإلاّ فلا حاجة له بنفسه فی مقام الصدور إلاّ إلی الفاعل ، فحصول الإحراق فی الخارج یتوقّف علی ما منه الإحراق ، أو ما به الإحراق _ علی

====

2. کفایة الاصول : 92 / 16.

المقدمة المتقدمة والمقارنة والمتأخرة

ص: 32


1- کذلک المقدّمات الشرعیة مقدّمات لحصول التقید ، فکلتاهما مقدمة لوجود المأمور به ، بل لأنّ الشرائط الشرعیة حیث إنها توجب تقید الواجب فی مقام تأثیره فی الغرض ، کما هو حقیقة الشرطیة ، فلا محالة لیست هی مقدمة لوجود الواجب ، ولا لصحته بمعنی مطابقة المأتیّ به للمأمور به ، بل مقدمة لفعلیة الغرض من الواجب ، وبهذا الوجه یصحّ التقابل بین مقدّمة الوجود ومقدمة الصحة ، وحینئذ ینبغی إخراج مثل قصد القربة والوجه ممّا هو مقدّمة لفعلیة الغرض ، مع عدم إمکان أخذه فی الواجب ، وعدم إمکان تقیید الواجب به ، بل عدم إمکانه بوجوب آخر نفسیا أو مقدمیا. فتدبر. [ منه قدّس سرّه ]. ( ن ، ق ، ط ).

اختلاف النظر فی النار _ إلاّ أنّ النار لا تؤثّر إلاّ إذا کانت بوصف کذا ، کما أنّ الجسم لا یقبل الاحتراق إلاّ إذا کان بوصف کذا.

فتحقق : أنّ معنی شرطیة الوضع والمحاذاة أو یبوسة المحلّ ونحو ذلک : إما کون الفاعل لا یتم فاعلیته ، أو المادة لا تتم قابلیتها إلاّ مقترنا بهذه الخصوصیة.

وعلیه یصحّ لحاظ شرطیة الطهارة للصلاة ؛ فإنّ معنی شرطیتها لها لیس توقّف وجودها علی وجودها ، بل توقّفها فی الفاعلیة وتمامیة التأثیر علیها ، کما فی الفواعل الحقیقیة الطبیعیة وشرائطها ، ولم نجعل الطهارة شرطا للأثر ، لیقال : إنّها بحسب لسان أدلّتها شرط للصلاة ، بل هی من مصحّحات فاعلیة الصلاة للأثر المرتّب علیها ، أو من متمّمات قبول النفس _ مثلا _ للأثر الآتی من قبل الصلاة.

ومنه یظهر : أنّ کون شرطیة الطهارة _ مثلا _ للصلاة بمعنی تقییدها بها شرعا لا ینافی کونها من متمّمات فاعلیة الصلاة فی نظر الشارع ، ولذا قیّدها بها خطابا لتقیّدها بها واقعا فی فاعلیتها ، فمجرّد کون الشرطیة شرعا بمعنی التقیّد (1) لا یوجب التفصّی عن الإشکال ، ولا عدم کون الشرط الشرعی

ص: 33


1- 1. قولنا : ( فمجرّد کون الشرطیّة بمعنی التقید .. إلخ ).

کالشرط العقلی ، بل الأمر فیهما علی حدّ واحد ، وهکذا بالإضافة إلی الشرطیة الجعلیة المنتزعة من مقام الطلب ، فإنه لو لا الأمر بالصلاة عن طهارة لما صحّ انتزاع الشرطیة من الطهارة ، وهذه الشرطیة الجعلیة أیضا علی حدّ الشرائط الواقعیة : إمّا من مصحّحات الفاعل ، أو من متممات القابل ، فانه لو لا ملاحظة الصلاة مقترنة بالطهارة لا تکون الصلاة قابلة لانتزاع المطلوبیة منها ، کما إنه لو لا صدورها عن طهارة خارجا لما کانت قابلة لانتزاع مطابقتها للمطلوب ، ووقوعها علی صفة المطلوبیة. 14 _ قوله [قدّس سرّه] : ( ولا بدّ من تقدّمها بجمیع أجزائها ... الخ ) (1).

لا یخفی علیک أن العلة : إما ناقصة ، أو تامة ، وملاک التقدّم فی الاولی هو الوجود ، وفی الثانیة هو الوجوب ، بمعنی أن المعلول فی الاولی لا یمکن له الوجود إلا والعلّة موجودة ، ولا عکس. کما أنّ المعلول فی الثانیة لا یجب إلاّ والعلّة قد وجبت. وعلی أیّ حال لا یعقل وجود المعلول _ وضرورة وجوده _ إلاّ إذا وجدت العلة ووجبت ، ولازم هذا المعنی فی الموجودات الزمانیة أن لا یتقدّم

====

(1) کفایة الاصول : 92 16

العلة اما ناقصة أو تامة

ص: 34


1- فرض الشرط المتأخّر ، ویکون کالنقل فی الإجازة ، مع أنه أمر معقول فی الإجازة ، دون الغسل فی اللیلة المستقبلة ، فإن القابل للانتساب بالإجازة إلی المجی�1. والمحکوم علیه بالوفاء هو العقد المعنوی الذی یتسبّب إلیه بالعقد اللفظی ، وإلاّ فاللفظ لا قرار له حتی ینسب فعلا إلی المجیز ویؤثّر فی الملک ، أو یحکم علیه بالوفاء والحل ، بخلاف الصوم ، فإن الإمساک قد تصرّم ، وتخلّل بینه وبین الغسل العدم ، فما الأمر الباقی المقترن بالغسل والطهارة لیکون متقیّدا بهما ، حتی یحصل الامتثال بإتیان المقید ، إلا أن یتکلّف ویجعل أثر الصوم أمرا باقیا إلی أن یحصل الغسل ، ویکون المأمور به والمطلوب بقاء ذلک الأثر بالغسل ؛ بحیث لو لم یحصل لزال ذلک الأمر ، فکأنه لم یأت بشیء لفرض مطلوبیة وجوده الباقی بالغسل ، وکلّ ذلک تکلّف واضح. [ منه قدّس سرّه ]. ( ن. ق. ط ).

المعلول علی علّته زمانا ، وإلاّ لم یکن بنحو وجوده تابعا لوجودها ، لا تقدّمها علیه زمانا ، وتقدّمها الطبعی أو العلّی أجنبی عن إشکال تأخّر العلّة زمانا.

وأما المعیة الزمانیة للمعلول بالنسبة إلی علّته فمختلفة بالإضافة إلی العلّة التامّة والناقصة.

وما ذکرنا _ أن مقتضی العلیة هی التبعیة فی نحو وجود المعلول لوجود علته زمانا _ لیس لأجل لزوم الخلف ، أو الجمع بین النقیضین ؛ نظرا إلی أنّ نتیجة تأخّر العلّة أنّها دخیلة وغیر دخیلة ، وموقوف علیه وغیر موقوف علیه ، ولا لأجل أنه فی قوة المعلول بلا علة ؛ لوضوح اندفاع الجمیع حسب الفرض ، فإنّ المفروض کون المتأخّر علة ، فالفرض فرض کون المعلول ذا علّة ، وحیث إنّ الفرض فرض الاستناد إلی المتأخّر ، فلا یلزم من تأخّره عدم کونه دخیلا ، بل لا بدّ من إقامة البرهان علی عدم إمکان دخله ، وهو لزوم تأثیر المعدوم فی الموجود ، فإن الموجود فی ظرفه معدوم بالفعل ، والأثر موجود بالفعل ، ولا یمکن أن یترشّح موجود بالفعل عن معدوم بالفعل. 15 _ قوله [قدّس سرّه] : ( ضرورة اعتبار مقارنتها معه زمانا ... الخ ) (1).

العلّة : إمّا أن تکون مؤثّرة ، أو مقرّبة للأثر ، والثانیة هو المعدّ ، وشأنه أن یقرّب المعلول إلی حیث یمکن صدوره عن العلة ، ومثله لا یعتبر مقارنته مع المعلول فی الزمان ، بخلاف المؤثرة بما یعتبر فی فعلیة المؤثّریّة ، أو تأثّر المادّة ، فإنه یستحیل عدم المقارنة زمانا ، فإنّ العلّة الناقصة وإن أمکن أن توجد ولا وجود لمعلولها ، إلا أنها لا تؤثّر إلاّ وهی مع أثرها زمانا فی الزمانیات ، فما کان من الشرائط شرطا للتأثیر ، کان حاله حال ذات المؤثّر ، وما کان شرطا لتقریب الأثر

العلة اما أن تکون مؤثرة أو مقربة للأثر

ص: 35


1- 1. کفایة الاصول : 92 / 21.

کان حاله حال المعدّ. ومن الواضح أن الالتزام بکون جمیع الأسباب والشرائط الشرعیة معدّات جزاف. 16 _ قوله [قدّس سرّه] : ( وبالجملة : حیث کان الأمر من الأفعال الاختیاریة ... الخ ) (1).

لا یذهب علیک : أنّ الإرادة حیث إنها من الکیفیات النفسیة ، فلا بدّ من تحقّق مبادیها فی مرتبتها حتی ینبعث منها شوق متأکّد نفسانی ، سواء کان الشوق متعلّقا بفعل الغیر _ وهی الإرادة التشریعیة _ أو متعلّقة بفعل نفسه ، سواء کان تحریکه للغیر أو غیر ذلک ، وهی الإرادة التکوینیة.

ومن الواضح أنّ مبادی الإرادة _ بما هی إرادة _ لا تختلف باختلاف المرادات ، ولیست مبادیها مختلفة بالتقدّم والتأخّر والتقارن ، فهی خارجة عن محلّ البحث.

وأمّا البعث والتحریک الاعتباریان _ اللذان هما من أفعال الآمر _ فهما _ أیضا باعتبار تعلّق الإرادة بهما _ کسائر المرادات ، وأمّا باعتبار نفسهما _ کما هو محلّ الکلام _ فالإشکال فیهما علی حاله ؛ إذ لو توقّف اتصاف البعث الحقیقی بعنوان حسن علی وجود شیء خارجا ، فلا محالة لا یصیر مصداقا لذلک العنوان إلاّ بعد تحقّق مصحّح انتزاعه خارجا.

ومثله الکلام فی شرط الوضع ، فإنّ الشیء إذا کان شرطا للانتزاع بما هو فعل النفس ، أو تصدیق العقل ، فلا محالة یکون شرطا بنحو وجوده النفسانی المناسب لمشروطه ، وشرط الانتزاع _ بما هو انتزاع _ لیس من محلّ النزاع ، بل الکلام فی شرطیة شیء للمنتزع ، وهی الملکیة _ مثلا _ والإشکال فیه علی حاله لعدم معقولیة دخل أمر متأخّر فی ثبوت أمر متقدّم ، والمفروض أن الإجازة

شرط الوضع

ص: 36


1- 1. کفایة الاصول : 93 / 9.

بوجودها الخارجی شرط لحصول الملکیة الحقیقیة من حین العقد.

فاتّضح : أن رجوع الأمر إلی المقارن لیس إلاّ فی ما هو خارج عن محلّ النزاع ، کنفس الإرادة والانتزاع.

والتحقیق : أنه یمکن دفع الإشکال عن الملکیة _ وشبهها من الامور الوضعیة الشرعیة أو العرفیة _ بما تقدّم منا فی تحقیق حقیقة الوضع فی أوائل التعلیقة ، ولا بأس بالإعادة ، فلعلّها لا تخلو عن الإفادة ، ولنحرّر الکلام فی الملکیة ، فیعلم منها حال غیرها.

فنقول : لیست الملکیة الشرعیة والعرفیة من المقولات الحقیقیة ، وإن کان مفهومها من المفاهیم الاضافیة ، وذلک لأن المقولات أجناس عالیة للموجودات الامکانیة ، وهی إمّا ذات مطابق فی الأعیان ، أو من حیثیات ما له مطابق فیها. والمقولة إنّما تقال علی شیء ، وتصدق علیه خارجا ، إذا کان هناک مع قطع النظر عن ذهن ذاهن أو اعتبار معتبر أمر یصدق علیه حدّ المقولة.

ومن الواضح : أنه بعد الإیجاب والقبول لم یتحقّق خارجا ما له صورة فی الأعیان ، ولا قام بالمالک والمملوک حیثیة عینیة ، بل هما علی ما هما علیه من الجواهر والاعراض من غیر تفاوت أصلا.

لا یقال : منشأ انتزاع الملکیة هو العقد ، وقد حصل بعد ما لم یکن.

لأنا نقول : الأمر الانتزاعی یحمل العنوان المأخوذ منه علی منشئه ، کما أنّ عنوان الفوق یحمل علی نفس الجسم الکائن فی الحیّز الخاصّ. ومن البیّن أن الملکیة لا تحمل علی العقد ، بل تحمل بمعناها الفاعلی علی ذات المالک ، وبمعناها المفعولی علی ذات المملوک ، ونسبة العقد إلیها نسبة السبب إلی المسبّب ، لا نسبة الموضوع إلی عرضه.

لا یقال : نحن لا نقول : بأن الملکیة حیثیة قائمة بالعقد ؛ لیرد الإشکال المزبور ، بل نقول : بأن العقد منزّل منزلة الملکیة ، فهی إحاطة تنزیلیة قائمة

الملکیة الشرعیة والعرفیة لیست من المقولات الحقیقیة

ص: 37

بالعاقد.

لأنا نقول أوّلا : إنّ العقد اللفظی بما له من المعنی ، قائم بالعاقد لا بالمالک ، وکونه وکیلا عنه یوجب أن یکون العاقد مالکا حقیقة ، وذات المالک مالکا تنزیلا.

وثانیا : بأنّ المالکیة والمملوکیة متضایفتان ، ولیس هناک صفة عینیة قائمة بالمملوک کقیام العقد المنزّل منزلة الملکیة بالعاقد ، والعین الخارجیة هی المملوکة حقیقة ، لا المقوّم للإحاطة التنزیلیة لیکون حال المالک والمملوک حال العالم والمعلوم بالذات.

وثالثا : الکلام فی کون الملکیة مقولة واقعیة ، والعقد اللفظی الموجود فی الخارج من مقولة الکیف المسموع ، والمقولات متباینات ، وبقیّة الکلام فی محلّه.

ومما ذکرنا یتّضح : أنها لا تنتزع عن الحکم التکلیفی بجواز التصرّف أیضا ، بتوهم : أن السلطنة لیست إلا کون زمام أمر شیء بید الشخص ، وکونه تحت اختیاره ، وهو عبارة اخری عن إباحة أنحاء التصرفات فیه ، فإنک قد عرفت لزوم حمل العنوان المأخوذ من المنتزع علی المنتزع عنه ، مع أنه لا یقال : جواز التصرف مالک أو مملوک ، وکون الملکیة نفس جواز التصرف رجوع عن دعوی انتزاع الحکم الوضعی عن الحکم التکلیفی ، بل هو عین الحکم التکلیفی ، والحال أن مفهوم الملکیة بجمیع معانیها لا ربط له بمفهوم جواز التصرف ، مع أن الملکیة الشرعیة لا تدور مدار جواز التصرّفات _ کما فی موارد الحجر _ فیلزم إما بقاء المنتزع بلا منشأ ، وهو محال ، أو کون الملکیة _ مثلا _ للولیّ ، لکون المنشأ _ وهو جواز التصرف له (1) _ وهو مما لا یلتزم به أحد.

لا یقال : منشأ انتزاع الملکیة مطلقا تمکّن المالک خارجا من التصرّفات النافذة _ کالبیع ونحوه _ فالملکیة بمعنی السلطنة المنتزعة من تمکّنه الخارجی من

ص: 38


1- 1. کذا فی الاصل. ولعله هکذا : لکون المنشأ هو جواز التصرف له ، وهو ....

التصرّفات النافذة.

لأنا نقول : حقیقة التمکّن إنما هی بالإضافة إلی أفعاله التسبیبیة التی لا مساس لها خارجا بالعین المملوکة ، والمفروض أن طرف الملکیة هی العین المملوکة شرعا ، فالسلطنة الحقیقیة الخارجیة _ التی لا تتفاوت بتفاوت الأنظار _ إنما تکون للقاهر علی العین خارجا ولو غصبا ، وهذا بنفسه شاهد علی أنّ الملکیة الشرعیة لیست من المقولات الواقعیة ، فإنها لا تختلف باختلاف الأنظار وأنحاء الاعتبار ، مع أن شخصا واحدا بالنسبة إلی عین واحدة ربما یکون مالکا فی نظر الشرع دون العرف ، وبالعکس.

لا یقال : کیف؟ وحدّ الإضافة المقولیة صادق علی الملکیة ، فإن ملاکها تکرّر النسبة ، وهو موجود فیها ، غایة الأمر أنها من الإضافات المتشابهة الأطراف کالاخوّة والجوار.

لأنا نقول : نعم ، الملکیة _ مفهوما _ من المفاهیم الإضافیة ، لکن مجرّد کون المفهوم کذلک لا یقتضی أن یکون مطابقه من المقولات ، کیف؟ ویصدق العالمیة والقادریة وغیرهما من العناوین الإضافیة علیه _ تعالی _ مع عدم اندراجه تحت العرض والعرضی لمنافاته لوجوب الوجود ، بل کون المطابق مقولة حقیقیة أم لا إنّما یعلم من الخارج.

ومنه یظهر للمتفطّن : أنّ سنخ ملکیته _ تعالی _ أیضا لیس سنخ ملکیة العباد ، وإن کانت فیهم مقولة ، بل مالکیته باعتبار إحاطته فی مقام فعله ؛ بداهة إحاطة الوجود الانبساطی علی جمیع ما فی دار الوجود ، فالمطابق الحقیقی للملک فیه _ تعالی _ هو الوجود المنبسط ، فالمفهوم إضافة عنوانیة ، والمصداق إضافة إشراقیة.

فان قلت : إذا لم یکن مطابق الملکیة الشرعیة من المقولات الحقیقیة حتی الانتزاعیة ، فقد خرج بذلک عن موجودات عالم الإمکان لانحصارها فیها ، کما

ص: 39

حقّق فی محلّه (1).

قلت : التحقیق فی الملکیة _ وغیرها من الوضعیات الشرعیة والعرفیة _ أنها موجودة بالاعتبار لا بالحقیقة ، فکما أن الأسد له نحو من الوجود الحقیقی ، وهو الحیوان المفترس ، والاعتباری ، وهو الشجاع ، کذلک الملکیة ربما توجد بوجودها الحقیقی الذی یعدّ من الأعراض الخارجیة والمقولات الواقعیة ، کما فی المحیط علی العین والواجد المحتوی لها خارجا _ وإن کان غاصبا _ فهو باعتبار نفس الإحاطة الخارجیة من مقولة الجدة ، وباعتبار تکرّر نفس النسبة _ أعنی المالکیة والمملوکیة _ من مقولة الإضافة ، وربما توجد بوجودها الاعتباری ، فالموجود بالحقیقة نفس الاعتبار القائم بالمعتبر ، وإنما ینسب هذا الوجود إلی الملکیة لکونها طرف هذا الاعتبار. وکما أنّ مصحّح اعتبار الرجل الشجاع أسدا هی الجرأة والشجاعة کذلک مصحّح اعتبار المتعاملین مالکا والعین مملوکا (2) هی المصلحة القائمة بالسبب الحادث الباعثة علی هذا الاعتبار.

ومن هذه المرحلة تختلف الانظار ، فالملکیة من المعانی التی لو وجدت فی الخارج لکان مطابقها عرضا ، لکنها لم توجد حقیقة هنا ، بل اعتبرها الشارع أو العرف لما دعاهم إلیه. وحیث إن حقیقتها شرعا أو عرفا عین الاعتبار ، فلا مانع من اعتبارها بلحاظ أمر متقدّم متصرّم أو أمر مقارن أو متأخر ، ولعل نظر من جعل العلل الشرعیة معرّفات إلی ذلک ، فإنّ المتقدّم أو المقارن أو المتأخّر یکشف

ص: 40


1- 1. منطق السفاء 1 : 70 ، 82 المقالة الثانیة من الفن الثانی الفصل الرابع والخامس ، والجوهر النضید : 23 ، فی المقولات العشر 30 فی مقولة الملک والاسفار لصدر المتألهین ( رحمه الله ) 4 : 6 عند قوله : أنه لا مقولة خارجة عن هذه العشرة ، وکذا 4 : 223 ، الفصل : 6 ، فی الجدة ؛ إذ قال : ( وقد یعبّر عن الملک بمقولة ( له ) فمنه طبیعی ککون القوی للنفس ، ومنه اعتباری خارجی ککون الفرس لزید ، ففی الحقیقة الملک یخالف هذا الاصطلاح ، فإن هذا من مقولة المضاف لا غیر ).
2- 2. المقصود : ... اعتبار المتعاملین مالکین والعین مملوکة ...

عن دخول الشخص فی عالم اعتبار الشارع ، کما أن سببیتها لهذا الوجود الاعتباری _ مع قیام الاعتبار بالمعتبر _ بملاحظة أن الشارع بعد ما جعل اعتباره منوطا بهذا الأمر ، فالموجد له متسبب به إلی إیجاد اعتبار الشارع ، فاعتبار الملکیة فعل مباشری للمعتبر ، وأمر تسبیبی للمتعاملین.

فإن قلت : المعنی المعتبر وإن لم یوجد بوجوده الحقیقی إلا أنّ الاعتبار موجود بالحقیقة لا بالاعتبار ، واقتضاء الأمر المتقدّم المتصرّم أو المتأخّر لأمر موجود قول بوجود المعلول بلا علة مقارنة له وجودا ، فعاد الإشکال. ولیس الکلام فی مبادی الاعتبار _ بما هو اعتبار _ حتی یکتفی بوجودها اللحاظی المسانخ له ، بل فی مبادی الشیء بوجودها الاعتباری ، وهی الجهة المصحّحة المخرجة له عن مجرّد فرض الفارض وأنیاب الأغوال.

قلت : اقتضاء العقد _ مثلا _ لاعتبار الملکیة لیس علی حدّ اقتضاء الفاعل ، بل علی حدّ اقتضاء الغایة.

ومن البین : أن الغایة الداعیة إلی الاعتبار لا یجب أن تکون مقارنة له وجودا ، فکما أنّ امرا موجودا فعلیا فیه مصلحة تدعو الشارع إلی اعتبار الملکیة لزید _ مثلا _ ، کذلک الإیجاب المتصرّم أو الإجازة المتأخّرة فیهما ما یدعو الشارع إلی اعتبار الملکیة فعلا لمن حصل أو یحصل له سبب الاعتبار ، کما لا یخفی علی اولی الأبصار.

وفیه أن المصلحة الداعیة إلی شیء لا بدّ من أن تکون قائمة بذلک الشیء ، فالمصلحة الداعیة إلی اعتبار الملکیة قائمة بنفس اعتبار الملکیة ، ومترتبة علیه لا علی السبب ، ولا محالة للسبب دخل فی صیرورة الاعتبار ذا مصلحة فیعود محذور الشرط المتأخّر.

ص: 41

ویمکن أن یقال : إن مصلحة (1) اعتبار الملک والاختصاص قائمة به فی موطن الاعتبار ، ولا یعقل أن یکون الخارج عن افق الاعتبار قائما به ، کما لا یعقل أن یکون العقد الخارجی سببا ومقتضیا للاعتبار ، بل السبب الفاعلی نفس المعتبر.

وکذا لا یعقل أن یکون العقد شرطا لوجود الاعتبار ولا لمصلحته القائمة به فی موطنه ؛ لعدم الاقتران المصحّح لفاعلیة الفاعل والمتمّم لقابلیة القابل ، خصوصا مع کون الاعتبار قائما بغیر من یقوم به العقد ، بل مصلحة اعتبار الاختصاص انحفاظ نظام المعیشة بعدم تصرّف کلّ أحد فیما اختصّ بغیره قهرا

ص: 42


1- 1. قولنا : ( یمکن أن یقال : إن مصلحة .. إلخ ).

علیه بنحو اقتضاء الأمر للدعوة ، فان اعتبار اختصاص شیء بشخص خاصّ یمنع عن التصرّف فیه قهرا علیه منعا تشریعا.

وحیث إن اعتبار الاختصاص لکل أحد لغو لا یترتب علیه الأثر المرغوب ، واعتباره لبعض دون بعض تخصیص بلا مخصّص ، فلا محالة لا مصحّح له إلاّ ما جعله الشارع أو العرف موجبا للاختصاص ، وهو التعاقد والتراضی ، فیکون اعتبار الاختصاص _ لمن حصل بالنسبة إلیه تعاقد وتراض إمضاء لما تعاقدا علیه _ صحیحا موجبا لانحفاظ النظام.

وإذا کانت الإجازة المتأخّرة إمضاء للعقد السابق ، فمقتضی اعتبار الاختصاص بعنوان الإمضاء ، اختصاص الشیء علی حدّ تخصیص المتعاقدین الممضی من حینه علی الفرض ، وتأخّر الإمضاء عن العقد الممضی تأخّر بالطبع لا بالزمان ، کتأخّر العلم عن المعلوم ، فلا ینافی تقدّم العقد أو تأخّره ، کما لا یجب مقارنتهما. فتدبّر جیّدا.

17 _ قوله [قدّس سرّه] : ( فکون شیء شرطا للمأمور به لیس إلاّ ما یحصل لذات ... الخ ) (1).

یمکن تقریب اقتضاء طرفیة المتقدّم أو المتأخّر لإضافة موجبة لحسن المأمور به بأحد وجهین :

الأوّل _ أنّ المتأخّر معنون بعنوان إضافی یستلزم تعنون المتقدّم بعنوان إضافی آخر ، کما هو شأن العناوین الإضافیة المقتضیة لتکرّر النسبة ، ومعنی شرطیة المتأخّر کونه ملازما لعنوان فی المأمور به المتقدّم ، فوجود الشرط فی الزمان المتأخّر کاشف عن تعنون المتقدّم بعنوان إضافی ، وعدمه فی الزمان اللاحق عن عدمه فی السابق ، کما هو شأن المتضایفین.

ص: 43


1- 1. کفایة الاصول : 93 / 18.

فإن قلت : هذا إنّما یتمّ إذا لم یکن لمقولة الإضافة وجود فی الخارج ، وإلاّ فلا بدّ لهذا الموجود فی السابق [ من ] علّة وجودیة ؛ حیث إنه لم یتحقّق من المکلّف مثلا ، إلاّ الصوم فی السابق ، والاغسال (1) فی اللاحق ، ودخل المتأخّر فی وجود المتقدّم یوجب عود الإشکال.

قلت : مقولة الإضافة وإن کانت موجودة فی الخارج ، ولیست من الاعتبارات الذهنیة کالکلّیة والجزئیة والجنسیة والنوعیة _ کما هو الحقّ المحقّق فی محله (2) _ لکن غایة ما یقتضیه البرهان وکلمات الأعیان أنّها موجودة فی الخارج ، أما استقلالا فلا.

توضیحه : أن للوجود _ کما هو المقرّر فی مقرّه _ درجات ومراتب من البروز والظهور ، مختلفة فی الشدة والضعف :

فمنها مرتبة وجود الواجب _ عزّ اسمه _ الذی هو صرف حقیقة الوجود الغیر المحدود إلی أن تنتهی المراتب إلی وجود الأعراض التی نحو وجودها هو وجودها لموضوعاتها. والأعراض أیضا مختلفة فی الشدّة والضعف :

فمنها کالکیفیات النفسانیة مثل العلم والإرادة ، ودونها فی المرتبة السواد والبیاض وما شابههما من الأعراض إلی أن ینتهی العرض فی ضعف الوجود إلی حدّ یکون نحو وجوده عبارة عن کون الشیء فی الخارج بحیث إذا عقل عقل معه معنی آخر.

فوجود الإضافة _ نظیر وجود المحمولات الاشتقاقیة _ بوجود موضوعاتها فکما أنّ وجود _ زید المتلبس بصفة العلم وجود للماهیة الشخصیة الزیدیة ، ووجود لعنوان العالم فی الخارج دون الذهن ، فکذلک وجود الفوقیة

للوجود درجات ومراتب

ص: 44


1- 1. کذا فی الأصل ، والأوفق بالسیاق : والاغتسال ..
2- 2. منطق الشفاء 1 : 161 فی مقولة الإضافة. والأسفار 4 : 2. الفصل الخامس والسادس فی الإضافة.

للسماء ، فانها موجودة بوجودها ، لا بوجود منفرد له صورة خارجیة ومطابق عینی ، بخلاف الکلیة للإنسان ، فإن معروضها أمر ذهنی ، فهی من الاعتبارات الذهنیة دون الخارجیة. وبقیة الکلام تطلب من غیر المقام.

إذا عرفت معنی وجود الإضافة فی الخارج ، فاعلم أن وجود العنوان الإضافی ربما یتوقّف علی وجود صفة حقیقیة من الطرفین ، کالعاشقیة والمعشوقیة (1) ، فإنّ فی العاشق صفة نفسانیة ، وفی المعشوق کمال صوری أو معنوی ، وربما یتوقف علی وجود صفة فی أحد الطرفین کالعالمیة والمعلومیة ، فإن ما له وجود حقیقی _ وهو العلم _ قائم بالعالم لا بالمعلوم ، وربما لا یتوقّف علی وجود صفة حقیقیة فی أحد الطرفین ، کالمتیامن والمتیاسر والمتقدّم والمتأخر ، وکون الشیء ثانی الاثنین وثالث الثلاثة إلی غیر ذلک من الموارد التی لا یتوقّف حصول العنوان الإضافی [ فیها ] علی حصول صفة حقیقیة ذات مطابق عینی ، فلیکن ما نحن فیه من هذا القسم الأخیر ، فنفس الأمر المتقدّم _ حیث إنه یلحقه الأمر المتأخّر فی ظرفه _ منشأ لعنوان إضافی یکشف عنه مضایفه المتأخّر. ومعنی وجود العنوان الإضافی فی المتقدّم والمتأخّر کون السابق واللاحق بحیث إذا عقلا عقل معهما عنوانان متضایفان. فافهم واغتنم.

والتحقیق : عدم سلامة هذا الطریق فی دفع الإشکال لما تقرّر فی محلّه : من أن المتضایفین متکافئان فی القوة والفعلیة ، فلا یعقل فعلیة أحدهما وشأنیة الآخر ، وعلیه یستحیل تحقّق العنوان الإضافی فی الصوم لعدم تحقّق عنوان الاغسال الآتیة

ص: 45


1- 1. هکذا ذکره الشیخ الرئیس (أ) ، وفی القسم الأوّل نظر ؛ لأنّ مضایف العاشق هو المعشوق بالذات لا المعشوق بالعرض ، والأول لا یتوقف علی وجود صفة حقیقیة فی المعشوق کالعالم والمعلوم بالذات. ( منه عفی عنه ).

بعدم معنونه ، وإلا لزم عدم تکافؤ المتضایفین.

فإن قلت : کما أن المتقدّم والمتأخّر عنوانان إضافیان ، مع أن المفروض عدم وجود المتأخر عند وجود المتقدم ، فأحدهما فعلی والآخر بالقوة ، فلیکن العنوانان الإضافیان فی ما نحن فیه کذلک.

قلت : هذا الإشکال إنما یرد علی المتقدّم والمتأخّر بالزمان _ وهما اللذان لا یجتمعان فی زمان واحد _ دون سائر أنحاء التقدّم والتأخّر ، والتکافؤ فی المثال المزبور ثابت بوجه یخصّ الزمان ، والوجه فیه :

إما ما أفاده الشیخ الرئیس فی الشفاء (1) ، وملخّصه : أنّ عدم استقرار أجزاء الزمان إنما هو فی الخارج _ لا بحسب وجودها العقلی _ فالجزءان من الزمان لهما المعیة فی الذهن ، فیحضرهما العقل فی ظرف الذهن ، وبحکم بتقدّم أحدهما علی الآخر.

وإما ما أفاده صدر المحققین (2) ، وهو : أنّ معیّة أجزاء الزمان فی الوجود اتصالها فی الوجود الوحدانی التدریجی ، وجمعیة هذا الوجود الغیر القارّ عین الافتراق.

وهذان الوجهان غیر جاریین فیما نحن فیه :

أما الأوّل _ فلأنّ المعنون بعنوان حسن امر به هو الصوم _ مثلا _ بوجوده الخارجی لا بوجوده العلمی. وهذا الجواب من مثل الشیخ الرئیس وإن کان عجیبا _ لأنّ الزمان بوجوده العینی متقدّم ومتأخّر ، والتکافؤ یعتبر فی ظرف الاتصاف لا غیر _ إلاّ أنّ الغرض أنّ صحته علی الفرض لا تجدی هنا ؛ إذ الصوم بوجوده الخارجی مأمور به ، فحسنه بحسب نحو آخر من الوجود لا

ص: 46


1- 1. الطبیعیات من کتاب الشفاء 1 : 148 _ 150 _ الفصل العاشر : فی الزمان.
2- 2. کتاب الأسفار 3 : 115 _ 117 ، الفصل الثلاثون : فی الزمان.

یقتضی الأمر به بحسب وجود آخر.

وأما الثانی _ فالأمر فیه أوضح ؛ إذ لا اتصال بین الصوم والأغسال فی الوجود الوحدانی علی حدّ اتصال الامور التدریجیة ؛ لیکون العنوانان متکافئین باتصال المعنونین فی الوجود.

فاتضح : أن قاعدة التکافؤ مسلّمة غیر منثلمة. هذا تمام الکلام فی التقریب الأول.

والثانی _ وهو الموافق لظاهر کلامه _ زید فی علوّ مقامه _ والمناسب لترشّح الوجوب المقدّمی إلیه : أن المتأخّر ذو دخل فی منشئیة المتقدّم لعنوان حسن ، کدخل الغد فی منشئیة الیوم لعنوان المتقدم ؛ إذ لولاه لما اتّصف الیوم بالتقدّم قطعا ، کما أنه لو لا الیوم لما اتصف الغد بالتأخّر جزما ، فمعنی شرطیة المتأخّر دخله فی منشئیة المتقدّم لعنوان حسن بسببه امر به ، وهو بمکان من المعقولیة ، کما عرفت نظیره.

وفیه : أنّ دخل شیء فی منشئیة شیء لعنوان انتزاعی لیس جزافا ، بل لدخله : تارة فی تألّف ماهیة ذلک العنوان ، وکونه من علل قوامه ؛ بحیث لو لم یکن لا معنی للحیثیة التی یتحیّث بها منشأ الانتزاع ، واخری لدخله فی وجود ذات منشأ الانتزاع ووجود الحیثیة فیه. فالمتأخّر إن کان بوجوده العینی دخیلا فی المنشئیة ، فهو بوجوده الخاص من علل القوام أو من علل الوجود ، فما لم یتحقّق ما شأنه کذلک لا یعقل تحقّق الأمر الانتزاعی.

وأما النقض بالمتقدّم والمتأخّر بالزمان فباطل ؛ لأنّ ما به التقدّم وما به التأخر فی الزمان ذاتی له ، فبعض أجزاء الزمان بذاته متقدّم علی بعضها الآخر ، وبعضها بذاته متأخّر عن الآخر ، من دون دخل للمتأخّر فی منشئیة الجزء المتقدّم للتقدّم ، ولا للمتقدم فی منشئیة الجزء المتأخر للتأخر. نعم ، حیث إن عنوانی التقدّم والتأخّر من العناوین الإضافیة المعقولة بالقیاس إلی الغیر ، فلا بدّ من ملاحظة

ص: 47

الطرف الآخر لکون المعنی معقولا بالقیاس إلی الغیر ، لا لکون الطرف الآخر دخیلا فی منشئیة طرفه لما هو ذاتی له.

والمراد من الذاتی هو الذاتی فی کتاب البرهان _ لا الذاتی فی باب الکلیات _ بمعنی أنّ وضع نفس الشیء کاف فی انتزاع المعنی ، بخلاف الابوّة _ مثلا _ فإنها لا تنتزع من ذات الأب ، بل فیما إذا انعقد من نطفته شخص آخر.

وأما الزمانیات : فإنّما ینتزع منها التقدّم والتأخّر بالعرض بمعنی أن الزمان هو الموصوف بالحقیقة بالوصفین ؛ لا الزمانیات ، وإن صحّ توصیفها بهما بالعرض فلا نقض أصلا. هذا فی مثل تقدّم زید علی عمرو بالزمان.

وأما الحرکات _ التی حقیقتها متدرّجة الوجود _ فحالها حال أجزاء الزمان.

فان قلت : وإن لم یتصف المتقدّم بعنوان حسن من قبل المتأخّر ، إلاّ أنّ له الإضافة فعلا بمن یأتی بالمتأخّر ، فللصوم إضافة بمن تغتسل فی اللیلة المستقبلة ، وکونها ممن تغتسل فعلی لا استقبالیّ ، وکذلک کون العقد بحیث یجیزه المالک.

قلت : کون المرأة تغتسل ، وکون المالک یجیز فیما بعد ، لیس من العناوین الانتزاعیة الموجودة فی المرأة أو المالک ، بل قولک : ( تغتسل ، ویجیز ) إخبار منک بالاغتسال والإجازة فی الاستقبال ، وإلاّ فلیس فی من یضاف إلیه الصوم أو العقد صفة فعلیة _ ولو انتزاعیة _ فیرجع الأمر إلی استقلال الصوم والعقد فی التأثیر.

وغایة ما یمکن أن یوجّه به موارد النقض هو : أنّ دخل المتأخّر أو المتقدّم فی أمر عینی أو انتزاعی محال ، لکن دخله فی أمر جعلی لا موجب لاستحالته.

ومن الواضح : أن أنحاء التعظیمات والتذلّلات والاحترامات متفاوتة فی الرسوم والعادات ، فیمکن أن یکون الفعل المسبوق بکذا أو الملحوق بکذا تعظیما واحتراما عند الشارع ، دون ما إذا تجرّد عنهما. فافهم واستقم

لمراد من الذاتی هو الذاتی فی کتاب البرهان

ص: 48

[ فی التعریف اللفظی والشرح الاسمی ]

18 _ قوله [قدّس سرّه] : ( تعریفات لفظیة لشرح الاسم ... الخ ) (1).

قد تکرر منه _ قدّس سرّه _ فی الکتاب وغیره _ کما عن بعض أهل المعقول _ مرادفة التعریف اللفظی لشرح الاسم ، ومساوقته لمطلب ( ما ) الشارحة ، ومقابلته للحد والرسم ، وهو مخالف لاصطلاح الحکماء ، ولا مقابلة بینهما ، بل الحد والرسم : تارة علی نحو الحقیقة ، ویعبّر عنه بمطلب ( ما ) الحقیقیة ، واخری علی نحو شرح الاسم ، ویعبر عنه بمطلب ( ما ) الشارحة ، بل المقابلة بین التعریف اللفظی والحدّ والرسم.

قال الشیخ الرئیس فی الإشارات (2) : ( ومنها مطلب ما هو الشیء ، وقد یطلب به ماهیة ذات الشیء ، وقد یطلب به ماهیة مفهوم الاسم المستعمل ).

وقال شارحها المحقق الطوسی (قدس سره) : ( ذات الشیء حقیقته ولا یطلق علی غیر الموجود ). إلی أن قال : ( والطالب بما الثانی هو السائل عن ماهیة مفهوم الاسم کقولنا : ما الخلاء؟ وإنّما لم نقل : عن مفهوم الاسم ؛ لأن السؤال بذلک یصیر لغویا ، بل هو السائل عن تفصیل ما دلّ علیه الاسم إجمالا.

فإن اجیب بجمیع ما دخل فی ذلک المفهوم بالذات _ ودلّ علیه الاسم بالمطابقة والتضمّن _ کان الجواب حدّا بحسب الاسم.

وإن اجیب بما یشتمل علی شیء خارج عن المفهوم دالّ علیه بحسب

تعریفات لفظیة لشرح الاسم

ص: 49


1- 1. کفایة الاصول : 95 / 2.
2- 2. منطق الاشارات 1 : 67 فما بعدها.

الالتزام علی سبیل التجوّز ، کان رسما بحسب الاسم ).

وقال (قدس سره) فی شرح کلام الشیخ أیضا : ( إنا إذا قلنا _ فی جواب من یقول : ما المثلث المتساوی الأضلاع؟ _ : إنه شکل یحیط به خطوط ثلاثة متساویة کان حدّا بحسب الاسم.

ثم إنه إذا بیّنّا أنه الشکل الأوّل من کتاب ( اقلیدس ) صار قولنا الأوّل بعینه حدّا بحسب الذات ). انتهی ونحوه ما عن شارح حکمة الإشراق (1).

والفرق حینئذ بین ( ما ) الشارحة و ( ما ) الحقیقیة : أن السؤال فی الثانیة بعد معرفة وجود المسئول عنه دون الاولی ؛ إذ الحقیقة والذات _ اصطلاحا _ هی الماهیة الموجودة.

وبالجملة : المعروف عندهم أنّ الحدود قبل الهلیات البسیطة حدود اسمیة ، وهی بأعیانها بعد الهلیات تنقلب حدودا حقیقیة. فلا تغفل.

ولیس الغرض مما ذکرنا أن شرح الاسم لا یساوق التعریف اللفظی أحیانا ، بل الغرض ان شرح الاسم المرادف لمطلب ( ما ) الشارحة لا یساوق التعریف اللفظی ، کما هو صریح الحکیم المحقق السبزواری فی شرح منظومتی المنطق والحکمة (2).

وکما هو صریح شیخنا العلامة الاستاذ (قدس سره) فی أول مبحث العام والخاص (3) ، فإن کلامهما صریح فی مرادفة التعریف اللفظی وشرح الاسم

ص: 50


1- 1. حکمة الاشراق : 59 فما بعدها.
2- 2. شرح المنظومة _ المنطق _ : 32 قال ( رحمه الله ) : ( .. وفی مقابله [ ای فی مقابل التعریف الحقیقی ] تعریف اسمی هو شرح الاسم وایضاح حقیقة اللفظ ). وکذا فی شرح المنظومة _ فلسفة وفن الحکمة _ :2. 9 ( غرر فی بداهة الوجود ) ، فراجع ثمة.
3- 3. کفایة الاصول : 215 / المقصد الرابع فی العام والخاص.

لمطلب ( ما ) الشارحة.

[ فی الواجب المطلق والمشروط ]

19 _ قوله [قدّس سرّه] : ( وإلاّ لم یکد یوجد واجب مطلق ... الخ ) (1).

لا یقال : البعث إلی الواجد للشرائط العامة مطلق ، فإنّ مناط فعلیة الإطلاق والاشتراط فعلیة اتصاف البعث المنشأ بأحد الوصفین ، لا ملاحظة أنه لو لا وجدان الشرائط لکان المنشأ بعثا شرطیا.

لأنا نقول : حیث إن البعث الحقیقی فی صورة الاشتراط (2) غیر موجود عنده (قدس سره) ، فلا محالة لا یتّصف إلاّ بالوجود والعدم ، والمتّصف بالإطلاق والاشتراط هو البعث فی حد ذاته ، لا بوجوده الحقیقی ؛ بمعنی أن البعث إذا

فی الواجب المطلق والمشروط

ص: 51


1- 1. کفایة الاصول : 95 / 6.
2- 2. قولنا : ( حیث إنّ البعث الحقیقی ... إلخ ).

لوحظ فی حدّ ذاته بالإضافة إلی شیء أما أن یتوقّف وجوده علیه ، أولا ، ومن الواضح أنّ البعث الذی لا یتوقّف علی شیء حتی الشرائط العامّة غیر معقول

20 _ قوله [قدّس سرّه] : ( ثم الظاهر أن الواجب المشروط کما أشرنا إلیه ... الخ ) (1).

توضیح المقام : أنا لو قلنا بما ذهب إلیه علماء المیزان _ من أنّ أداة الشرط لمجرّد إفادة التعلیق والملازمة ، وأنّ المقدّم والتالی منسلخان عن الحکم وأنهما یخرجان بذلک عن مقتضیات القضیة من صحّة السکوت علیها ، واحتمالها للصدق والکذب _ فلا ریب حینئذ فی ما أفاده المصنف (قدس سره) من عدم البعث الفعلیّ إلاّ بعد تحقّق ما علّق علیه. والوجه فیما ذهبوا الیه (2) :

ص: 52


1- 1. کفایة الاصول : 95 / 6.
2- 2. قولنا : ( والوجه فیما ذهبوا إلیه ... إلخ ).

أن الحکم بالتعلیق بین الطرفین (1) ، لا یجتمع مع الحکم بالطرفین ؛ إذ الطرف بما هو متعلّق للنسبة الحکمیة ، لا یعقل أن یعتبر فیه حکم. واشتهر بینهم (2) : أن صدق الشرطیة بصدق الملازمة ، لا بصدق الطرفین ، ولذا صحّ أن یقال : إن کان زید حمارا کان ناهقا ، مع أنه لا یصحّ الحکم بناهقیته ولو مقیدة بحماریته ؛ إذ النسبة إذا کانت مستحیلة الوقوع _ ولو باستحالة قیدها _ کانت کاذبة لا محالة ؛ حیث لا مطابق لها أصلا ؛ نظیر ما إذا قیل : زید قائم فی نهار لا لیل له _ مثلا _.

وأما إذا قلنا بما نسب إلی علماء الادبیة : من أنّ القضیة الشرطیة تفید ثبوت المحمول فی التالی لموضوعه علی تقدیر المقدّم ، فربّما یتوهّم حینئذ أن البعث فعلی فی المقام.

وتحقیقه : أنّ أداة الشرط _ کما یساعده الوجدان وملاحظة مرادفها بالفارسیة _ تفید أنّ مدخولها _ المسمّی بالشرط والمقدّم _ واقع موقع الفرض والتقدیر ، وأن الملازمة والتعلیق وأشباه ذلک ، تستفاد من ترتیب الجزاء والتالی علی أمر مقدّر الوجود مفروض الثبوت ؛ لأن طبع المرتب علی مفروض الثبوت علی حسب طبع المرتب علیه ، فیکون وجوده دائرا مدار وجوده إن مقدرا فمقدرا ، وإن محقّقا فمحقّقا ، ولذا قالوا : إن ( لو ) حرف الامتناع ؛ لأن مدخوله بحسب أصله الماضی ، وتقدیر أمر فی الماضی یدلّ علی أن المحقّق عدمه ، وإلاّ لما احتاج وجوده إلی الفرض والتقدیر.

ص: 53


1- 1. إلاّ أنّ التعلیق والإناطة والملازمة وأشباهها فی القضایا الشرطیة ملحوظة علی الوجه الحرفی ، فلا تکون طرفا للحکم ، فالحق ما ذهب الیه علماء الادبیة. ( منه عفی عنه ).
2- 2. الجوهر النضید : 43 ، فی مناط الصدق فی القضایا الشرطیة.

ومن الواضح أنّ وجود ما تحقّق عدمه محال ، فالمقدّر محال ، وما رتّب علیه کذلک ، والمراد من وقوع المدخول موقع الفرض والتقدیر ، نظیر ما اشتهر فی علم المیزان فی القضیة الحقیقیة : من أن موضوعها ینطبق علی الأفراد المحقّقة والمقدّرة ، فاذا قیل : ( کلّ إنسان ضاحک ) لا یختصّ الموضوع بما صدق علیه الإنسان محققا فی أحد الأزمنة ؛ لعدم اختصاص المحمول به ، بل یعمّ کلّ ما لو وجد کان إنسانا ، فکلّ ما فرضه وقدّره العقل مصداقا لطبیعة الإنسان یراه مصداقا لعنوان الضاحک ، فلیس المفروض بما هو مصداق الموضوع ، بل الفرض فرض مصداق الموضوع ؛ إذ الموضوع الحقیقی کلّ ما هو إنسان بالحمل الشائع ، وهو کما یکون محقّقا یکون مقدّرا ؛ إذ کما للعقل قوّة لحاظ الشیء بالحمل الأوّلی ، له قوّة لحاظ الشیء بالحمل الشائع بنحو المحاکاة لما فی الخارج فعلا ، أو بنحو الفرض والتقدیر.

ومما ذکرنا یظهر للمتأمل : أن المحکوم علیه لیس هو الأمر الذهنی ، بل الأمر الخارجی المفروض ، وکذا الحال فی القضایا الشرطیة ، فإنّ الملازمة حیث لم تکن مختصّة بطرفین موجودین تحقیقا ، فلذا جعل المقدّم واقعا موقع الفرض والتقدیر ؛ کی یعلم أنه کلما فرض المقدّم کان التالی ثابتا ، لکنه بنحو من الثبوت المناسب لثبوت المقدّم ؛ بمعنی أن فرض ثبوت طلوع الشمس فرض ثبوت لازمه ، وهو وجود النهار ، کما أن ثبوته المحقّق سبب لثبوت لازمه کذلک.

ومنه تبیّن : اندفاع توهم أن ثبوت التالی فی فرض ثبوت المقدّم فعلی ؛ إذ بعد الفرض لا حالة منتظرة لثبوته فعلا ، فإنّا لا ندّعی أنّ ثبوته فعلا یحتاج إلی فرض أمر آخر کی یکون خلفا ، بل نقول : إنّ تقدیر وجود المقدّم تقدیره بلوازمه ، فیکون وجوده علی حسب وجود مقدمه ، وإلاّ فمن البیّن أنّ النسبة الحقیقیة لا تقوم بوجود تحقیقی ووجود تقدیری.

ص: 54

ومن الواضح أن وجود النهار تحقیقا یلازم طلوع الشمس تحقیقا لا تقدیرا ، ولیس مفاد القضیة الشرطیة إلاّ إثبات هذه الملازمة کشفا وحکایة ، إمّا استقلالا کما عند علماء المیزان ، أو تبعا للحکم بثبوت المحمول لموضوع التالی علی فرض المقدّم کما عند غیرهم.

فان قلت : إن الملازمة والتعلیق عبارة عن إناطة البعث بما هو موجود فی لحاظ الآمر ولو بنحو المرآتیة لما فی الخارج ، فینتزع التقیّد والتعلیق والملازمة ، لا بمعنی فرض الوهم ، بل المولی یلاحظ المجیء الخارجی ، ویقدّر وجوده فی لحاظه واعتباره (1) ، وفی هذا الفرض یبعث حقیقة نحو الإکرام مثلا ، فمن البعث نحو الإکرام فی فرض مجیء زید _ الذی لا وجود له إلاّ فی ظرف اللحاظ والاعتبار _ ینتزع التقیّد والارتباط الحاصلان جعلا بإیجاد البعث فی هذا الفرض.

توضیحه : أنّ دخل المجیء فی مصلحة البعث الحقیقی وإن کان واقعیا ، إلاّ أنّ ملازمته للبعث جعلیة ؛ ضرورة أنه لو لا الإنشاء بداعی البعث لم یکن وجود المجیء ملازما لوجود البعث ، بل المولی حیث إنه جعل البعث المرتب علی مجیء زید کان ذلک منه جعلا للملازمة ، والملازمة الفعلیة تستدعی طرفین فعلیین فی ظرف الملازمة ، فلا بدّ من القول بالبعث الفعلیّ حال جعل الملازمة والالتزام بقیدیة المجیء المقدر وجوده.

قلت : إن کان المجیء _ المقدّر وجوده _ ملحوظا بنفسه وقیدا بشخصه ، فلا

المراد من الملازمة والتعلیق

ص: 55


1- 1. ولا یخفی أنّ ما ذکرناه _ من أنّ مدخول أداة الشرط واقع موقع الفرض والتقدیر _ لا دخل له بفرض (أ) المولی والمتکلّم لمجیء زید والبعث حاله ، کما لا یخفی. [ منه قدّس سرّه ].

محالة یتحقق البعث الحقیقی ، ولا دخالة للمجیء فی البعث إلاّ بوجوده اللحاظی بما هو کذلک ، فلا موجب لترقّب وجود المجیء خارجا ، لا فی وجود البعث تحقیقا ، ولا فی ترتب آثاره علیه ؛ إذ لا حالة منتظرة لشیء هناک ، وإن کان المفروض وجوده ملحوظا بنحو المرآتیة لما فی الخارج ، فلا محالة یکون القید الحقیقی هو المجیء الخارجی ، ولا معنی حینئذ لتحقّق المقیّد بلا قیده ، غایة الأمر أنّ القید الخارجی قد یوجد بنحو وجوده التحقیقی ، فیوجد المقیّد بهذا النحو من الوجود ، وقد یفرض وجوده الخارجی ، فیلزمه ثبوت لازمه ثبوتا مناسبا لثبوت ملزومه ، ومعنی جعل الملازمة جعل الإنشاء الخاصّ بحیث لا ینفکّ اتصافه بالبعث الحقیقی عن المجیء خارجا ، فالمحقّق فعلا هی هذه الحیثیة ، وأما عدم الانفکاک الفعلی ، فإنما هو فی الخارج بین الطرفین کما فی العلّیة والمعلولیة.

والتحقیق : أن الاشتراط والإناطة وإن کان إلی الآخر للبعث الحقیقی بوجود الشرط عنوانا ؛ لاستحالة إناطة ما سنخ وجوده اعتباری بأمر خارج عن افق الاعتبار ، وکیف یعقل أن یکون للبعث الإنشائی بداعی البعث الحقیقی اقتران بمجیء زید خارجا حتی یکون مشروطا به؟ مع أنّ الشرط : إما مصحّح فاعلیة الفاعل ، أو متمّم قابلیة القابل ، فهو من شئون الفاعل أو القابل ، فالإنشاء بداعی جعل الداعی ، إنما یکون مقترنا بوجود الشرط عنوانا فی افق الاعتبار لا بوجوده خارجا ، لکنه حیث إنّ الشرط لوحظ بنحو فناء العنوان فی المعنون ، فلا محالة ما لم ینطبق علی مطابقه لا یکون لما انیط به فعلیة ، کما فی العنوان المأخوذ فی المکلف ، فإنّ الحکم وإن کان متعلّقا به بعنوانه لا بمعنونه لقیام الحکم بالحاکم لا بالمحکوم ، لکنه ما لم یصل العنوان إلی حدّ ینطبق علی معنونه فعلا لا یکن للحکم فعلیة.

وسیأتی _ إن شاء الله تعالی _ أنّ فعلیة الحکم مساوقة لفاعلیته ، فتوهّم :

_ أنه لوجوده الفعلی مقام ، ولتأثیره مقام آخر _ باطل ، بل حقیقة الإنشاء بداعی

ص: 56

جعل الداعی إنّما یکون جعلا للداعی بالفعل إذا أمکن أن یکون داعیا وباعثا بالفعل ، فمع ترقّب ما ینطبق علیه عنوان موضوع الحکم أو عنوان شرطه ، لا یعقل فعلیته المساوقة لفاعلیته وإن کان الإنشاء بداعی جعل الداعی _ المرتّب علی مجیء زید _ محقّقا ، لکنه غیر موصوف بکونه باعثا بالفعل إلاّ عند انطباق عنوان الشرط علی مطابقه فی الخارج ، وهذا لا یوجب أیضا أن یکون الأمر الخارجی بخارجیته شرطا للبعث بما هو بعث ، بل کونه بحیث ینطبق علی مطابقه بالفعل مصحّح لفاعلیة الإنشاء بداعی جعل الداعی بحیث یکون مصداقا لجعل الداعی ، فمقام جعل الشرطیة تشریعا غیر مقام فعلیة الشرطیة بفعلیة الشرط المستتبعة لفعلیة المشروط کما عرفت.

ودعوی : أن البعث علی طبق الإرادة ومنها ینبعث ، ومن الواضح أن الإرادة النفسانیة لا تتقیّد إلاّ بالموجود الذهنی ، ولا یعقل تقیّدها بالموجود الخارجی.

مدفوعة : بأن الإرادة لیست من الأفعال ذوات المصالح ؛ کی یعقل إناطتها وربطها بشیء ، ومبادیها _ بما هی مبادیها _ لا تختلف باختلاف المرادات ، ولیس الکلام فیها قطعا.

نعم ، إذا کان المراد فی اتّصافه بالمصلحة الداعیة إلی إرادته موقوفا علی شیء ، فلا محالة لا یتعلّق به الإرادة إلاّ بعد تحقّق ما له دخل فی اتّصافه بالمصلحة ، ولا معنی حینئذ لکون لحاظه موجبا لإرادة ما انیط به ؛ بداهة أن الموجب لاتّصافه بالعنوان المصحّح لإرادته وجوده الخارجی لا الذهنی.

نعم ، بعد تمامیة المتعلّق _ من حیث القابلیة لتعلّق الإرادة به _ لا بدّ من تحقّق مبادی الإرادة المسانخة لها من حیث کونها امورا واقعة فی مرحلة النفس.

ص: 57

ولو تنزلنا عن ذلک ، وتصورنا ارتباط الإرادة بشیء ، فلا محالة لا توجد الإرادة إلاّ بعد وجود ما انیطت به ، ولیس حالها کالبعث حتی یمکن تعلیقها فعلا علی شیء استقبالی.

وتوهم : إمکان إرادة شیء فی ظرف فرض مجیء زید لا مطلقا.

مدفوع : بأنّ الإرادة التکوینیة علّة تامّة للحرکة نحو المراد ، فمع عدم تحقق المفروض لا یعقل انقداحها فی النفس ، والإرادة التشریعیة وإن کانت بنفسها علة ناقصة إلاّ أنها لا بدّ من أن تکون بحیث إذا انقاد المأمور لما امر به کانت علّة تامّة للمراد.

نعم الشوق المطلق یمکن تعلقه بأمر علی تقدیر ، لکنه لیس من الإرادة فی شیء ، بل التقدیر بالدقّة تقدیر المراد ، لا تقدیر الإرادة ، وإلاّ لما وجد الشوق المنوط به لأنّ تقیّد شیء بشیء لیس جزافا ، ومجیء زید لو کان له دخل لکان فی مصلحة المراد ، أو فی مصلحة فعل المرید وهو الایجاب. وأما الإرادة والشوق فلیسا من الأفعال ذوات المصالح والمفاسد ، بل صفات نفسانیة تنقدح فی النفس عقیب الداعی ، فلا یعقل إناطتهما جعلا بشیء.

ومنه تبیّن حال البعث الحقیقی : فإنه الإنشاء بداعی جعل الداعی ، بحیث لو مکّن المکلّف من نفسه کان علّة تامة للانبعاث.

نعم ، الإنشاء بداعی جعل الداعی مرتّبا علی مجیء زید معقول ، فإنه فی الحقیقة لیس داعیا وباعثا فعلا ، بل عند مجیء زید یتصف بحقیقة الباعثیة ، وبملاحظة هذا الإنشاء کلّما فرض مجیء زید یفرض مصداقیة البعث الانشائی للبعث الحقیقی ، وکلما تحقق مجیء زید صار الانشاء معنونا بعنوان البعث تحقیقا.

فاتضح مما فصلنا القول فیه : أن البعث الحقیقی ثابت قبل وجود قیده

ص: 58

بثبوت تقدیری ، وبعده بثبوت تحقیقی ، والمنفیّ فی کلامه _ زید فی علوّ مقامه _ هو الثانی ، لا مطلقا کی ینافی ما ذهب إلیه من صحّة الاستصحاب التعلیقی.

وقد مرّ منّا سابقا ، وسیجیء _ إن شاء الله تعالی _ فی محلّه أنّ تمام ما بید المولی _ فی مقام البعث والزجر _ هو الإنشاء بداعی جعل الداعی ، وأما اتصافه بکونه باعثا أو زاجرا بمعنی ما یمکن أن یکون کذلک ، فهو غیر مقوّم لحقیقة الحکم الذی بید المولی إیجاده ، فتوقّف اتّصافه علی وصوله عقلا أو علی قید اخذ فیه شرعا وإن کان موجبا لترقّی الحکم من درجة الإنشاء إلی درجة الفعلیة ، إلا أنه أمر خارج عما کان أمره بید المولی ، والغرض دفع توهم : أن هذا المعنی الانشائی المنطبق علیه البعث التقدیری ، لیس من الحکم الشرعی فی شیء ، وأنه لا ثبوت للحکم بأیّ معنی کان. 21 _ قوله [قدّس سرّه] : ( اما حدیث عدم الإطلاق فی مفاد الهیئة ... الخ ) (1).

قد عرفت فی أوائل التعلیقة (2) : أن المعانی الحرفیة والمفاهیم الأدویة مع أن وضعها عام والموضوع لها خاص ، إلا أنّ معانیها غیر جزئیة عینیة ولا ذهنیة ، بل جزئیتها وخصوصیتها بتقوّمها بطرفیها ، کما أنها غیر کلیة بمعنی صدقها علی کثیرین لأنها لا جامع ذاتی لها حتی یصدق علی أفرادها.

نعم کلیتها بمعنی قبولها لوجودات لا محذور فیها ؛ لأنّ القدر المسلّم من خصوصیتها هی الخصوصیة الناشئة من التقوّم بطرفیها فقط ، لکنه مع هذا کله لا مانع من تقییدها بمعنی أنّ البعث الملحوظ نسبة بین أطرافها من الباعث

المعانی الحرفیة غیر جزئیة عینیة ولا ذهنیة

ص: 59


1- 1. کفایة الاصول : 97 / 1.
2- 2. وذلک فی التعلیقة : 18.

والمبعوث والمبعوث إلیه ، ربما لا یکون له تخصص آخر غیر ما حصل له من أطرافه الثلاثة.

وربما یکون له تخصص آخر من قبل ما علّق علیه وان لم یکن جامع ذاتی بین النسبة الغیر المتخصّصة بقید والمتخصصة به ، فکون النسبة البعثیة فی ذاتها خاصة لا ینافی زیادة تخصص لها من ناحیة المعلق علیه ، وإن لم تکن النسبة ذات جامع ذاتی یعقل فیه معنی وسیع یصدق علی أزید مما یصدق علیه ما یندرج تحته. فتدبّر جیدا.

بل التحقیق : أنّ المعنی الإنشائی وإن کان جزئیا حقیقیا إلا أنه یقبل التقیید بمعنی التعلیق علی امر مقدر الوجود ، وإن لم یقبل التقیید بمعنی تضییق دائرة المعنی.

فالمراد من الاطلاق عدم تعلیق الفرد الموجود علی شیء ، ومن البدیهی أن المعلق علیه الطلب لیس من شئونه وأطواره کی یکون موجبا لتضییق دائرة مفهومه. فافهم واستقم.

22 _ قوله [قدّس سرّه] : ( مع أنه لو سلم أنه فرد ، فانما یمنع ... الخ ) (1).

هذا إنما یناسب ما إذا کان تفرده وجزئیته من ناحیة الانشاء ، وأما إذا کان نفس المعنی جزئیا حقیقیا _ کما ربما یقال _ فلا إطلاق فی حد ذاته ، کی یقبل إنشاؤه مقیدا ، ولعله أشار إلیه بقوله : فافهم.

ولا یخفی علیک أن هذا الجواب یندفع به أیضا إشکال عدم قابلیة الطلب

ص: 60


1- 1. کفایة الاصول : 97 / 8.

للاطلاق والتقیید ، من حیث انقلاب المعنی الحرفی اسمیا لاستدعائهما اللحاظ الاستقلالی بالنسبة إلی الطلب.

وجه الاندفاع (1) : أنه تارة یلاحظ الطلب الملحوظ بتبع غیره بنحو السعة ، واخری یلاحظ المعنی الضیّق بتبع غیره.

ص: 61


1- 1. قولنا : ( وجه الاندفاع أنّه تارة ... إلخ ).

وأما الجواب عنه بالنظر إلی الطلب الانشائی (1) بنظرة ثانیة استقلالا ، فهو إن صحّ فإنما یصحّ فی تقییده بمعنی آخر ، وأما إطلاقه فلیس إلا بإنشائه مرسلا بالنظرة الاولی.

====

2. قولنا : ( وأمّا الجواب عنه بالنظر إلی الطلب الإنشائی ... إلخ ).

ص: 62


1- وقد عرفت کیفیة الإطلاق والتقیید الآلیین ، وأنهما نحوان من الاتحاد الآلی أو البعث الآلی فإن کثرة الأطراف وقلّتها الموجبتین لسعة الوجود الآلی وضیقه لا تنافیان الآلیة.

...........................................

====

وخصوصیته ، کما لا دخل فی هذه المرحلة بإفادة ذلک الواحد مرسلا أو مقیدا بدالّین أو بدالّ واحد ، إلاّ أن دعوی عدم قابلیة المعنی الآلی للإرسال والاشتراط تندفع بعد الغضّ عن بطلانها فی نفسها بإمکان لحاظ المعنی آلیا ، ثم لحاظه استقلالیا لإناطته بشیء مثلا ، نعم إذا کان الآلیة بنفس اللحاظ وکان ذات المعنی واحدة فی الاسم والحرف کان لازمه انقلاب الملحوظ الآلی استقلالیا ومثله لا مانع منه ، فإنه کما عن بعض المحققین : من قبیل خلع صورة ولبس صورة اخری مع انحفاظ المادة ، فإن ذات المعنی هنا بمنزلة المادة ، واللحاظ الآلی والاستقلالی بمنزلة الصورة فورود صورة علی صورة محال ، أو انقلاب صورة إلی صورة مع عدم مادّة مشترکة محال ، وأمّا مع ثبوت المادّة المشترکة وخلع صورة ولبس صورة اخری فلا محذور.

ص: 63

23 _ قوله [ قدس سره ] : ( قلت : المنشأ إذا کان هو الطلب ... الخ ) (1).

الأولی أن یقال (2) : إنّ الانشاء إذا ارید به ما هو من وجوه الاستعمال ، فتخلّفه عن المستعمل فیه محال وجد البعث الحقیقی ام لا.

وإذا ارید به إیجاد البعث الحقیقی ، وهو الملازم للوجود ، فالجواب عنه : أن الإثبات ملازم للثبوت المناسب له ، وما هو الثابت فعلا هو البعث بثبوت فرضی تقدیری ؛ حیث جعل المرتّب علیه واقعا موقع الفرض والتقدیر ، وإثبات شیء کذلک لا یتخلّف عن الثابت بذاک النحو من الثبوت. وأما ثبوت البعث تحقیقا فیتبع ثبوت المرتّب علیه تحقیقا ، والإنشاء لا یکون مطابقا ومصداقا لإثبات البعث تحقیقا إلاّ بعد ثبوته تحقیقا ، فلا إثبات کذلک کی یلزم التخلف.

====

3. قولنا : ( الأولی أن یقال ... إلخ ).

ص: 64


1- أنک قد عرفت ما هو الحق حتی علی هذا المبنی. فتدبر جیّدا. [ منه قدّس سرّه ]. ( ن ، ق ، ط ).
2- 2. کفایة لاصول : 97 / 14.

====

فعلا وتأخّر المعنی المعتبر ؛ إذ الاعتبار المطلق لا یوجد فلا محالة یتقوّم بمعنی الملکیة ، والمفروض عدم الوجود للملکیة إلا بالاعتبار أوّلا وآخرا ، فلا بدّ من تحقّق المعنی المعتبر حین تحقّق الاعتبار.

ص: 65

24 _ قوله [قدّس سرّه] : ( کالإخبار به بمکان من الإمکان ... الخ ) (1). فإن الإخبار أیضا فعل تکوینی من المخبر ، کالإنشاء من المنشئ ، فکما لا ینافی کون المخبر به أمرا تعلیقیا کذلک الانشاء.

ویمکن أن یقال : إنّ ما یقتضیه عنوان الإخبار اتصاف متعلّقه بکونه مخبرا به لا ثبوت مطابق المخبر به فعلا ، بخلاف الإنشاء بمعنی إیجاد البعث ، فإنه یقتضی وجود البعث لتلازم الإیجاد والوجود.

لا یقال : لو کان اتصاف متعلّق الحکایة والإخبار بعنوان کونه محکیّا عنه ومخبرا به مطلقا لا مقیدا لزم کذب الفضیة الشرطیة مع کذب أحد الطرفین ، مع أنّ الشرطیة صادقة ولو مع کذب الطرفین ، ولذا ذهب علماء المیزان (2) إلی أنّ مفادها إثبات الملازمة ، فلا مناص من أحد أمرین : إما ما التزم به علماء المیزان ، أو جعل المخبر به بما هو کذلک مقیدا ، فیکون التنظیر بالإخبار صحیحا.

لأنا نقول : بعد ما عرفت سابقا _ أن شأن أداة الشرط جعل متعلّقها واقعا موقع الفرض والتقدیر ، فیکون المعلّق علیه أیضا مفروض الثبوت _ تعرف أنه لا یدور صدق الشرطیة علی أحد الأمرین ، بل الحکایة مطلقة ، لکن المحکیّ عنه أمر مفروض الثبوت : إما بفرض عقلی ، أو بفرض وهمی ، وموطن النسبة هو الخارج الفرضی التقدیری ، لا الخارج بقول مطلق ، لیلزم الکذب مع عدم تحقّق

الإخبار فعل تکوینی من المخبر

ص: 66


1- 1. کفایة الاصول : 97 / 16.
2- 2. کالجوهر النضید : 43 / مناط الصدق فی القضایا الشرطیة.

المقید ، کما یلزم فی مثل ( زید یجیء بعد مجیء عمرو ). کما یتوهم رجوع الشرطیة إلی مثله بناء علی عدم تقیّد المخبر به بما هو کذلک ، لا أن الفرض والتقدیر قید الإخبار واتصاف متعلّقه بکونه مخبرا به. وأما عدم تقیّد الإخبار دون المخبر به فغیر معقول ؛ لأنّ الإخبار یصحّح عنوان المخبر فی الفاعل ، وعنوان المخبر به فی متعلّق الخبر ، وعنوان المخبر مع المخبر به متضایفان متکافئان ، ومبدأ العنوانین واحد ، مضافا إلی عدم مساعدة القضیة اللفظیة ؛ بداهة أن هذه العناوین خارجة عن مفادها کما لا یخفی.

25 _ قوله [قدّس سرّه] : ( کذلک یمکن أن یبعث إلیه معلقا ... الخ ) (1).

فإن قلت : هذا فی البعث والتحریک ، وأما فی الإرادة النفسیة فلا ؛ حیث إنها لیست من الأفعال کی تنبعث عن مصلحة فی نفسها زیادة علی مصلحة متعلّقها ، فلا محالة إذا کان المتعلّق ذا مصلحة تامة _ کما هو المفروض _ تعلّقت به الإرادة القلبیة التی هی روح الحکم ، وان لم یمکن البعث لمانع عنه.

قلت : لیست المحبة أو المیل والشوق إرادة مطلقا ، بل الشوق المتأکّد المحرّک للعضلات نحو الفعل فی الإرادة التکوینیة ، ونحو البعث والتحریک فی الإرادة التشریعیة ، فکما أنه مع المانع عن تحقق المراد خارجا لا یتحقق الشوق المحرک للعضلات نحو المراد فی الإرادة التکوینیة مع الشوق التامّ إلی المراد ، کذلک مع المانع عن البعث المحصّل للمراد لا یتحقق الشوق المحرّک نحو البعث والتحریک. فلیس مطلق الشوق إرادة لا تکوینا ولا تشریعا.

26 _ قوله [قدّس سرّه] : ( ضرورة أن التبعیة کذلک ... الخ ) (2).

ص: 67


1- 1. کفایة الاصول : 97 / 17.
2- 2. کفایة الاصول : 98 / 6.

قد مرّ منّا سابقا : أنّ الإنشاء إذا کان بداعی البعث صحّ أن یکون بعثا فعلیا ، وإلا فلا ینقلب عما هو علیه.

فالحکم الواقعی : إن کان إنشاء لا بداعی البعث فلا یبلغ درجة الفعلیة البعثیة أبدا ، وإن کان إنشاء بداعی البعث فتبعیته لمصلحة الفعل تبعیة المقتضی للمقتضی ، لا تبعیة المعلول للعلة التامة ، فیمکن أن یکون هناک مفسدة مانعة عن البعث الفعلی ، أو أن یکون هناک بعث آخر بالأهمّ ، وإن لم یشترط ثبوت مصلحة فیه زیادة علی مصلحة الفعل ، وحینئذ فالبعث المطلق له مانع ، والبعث المعلّق علی عدم المانع لا مانع منه.

فالوجه فی صحة البعث التعلیقی ذلک ، لا کون التبعیة فی غیر مقام الفعلیة ؛ لأن الإنشاء بداعی البعث مطلقا واقعا عین البعث الفعلی ، ولا بداعی البعث لیس من مراتب الحکم الحقیقی.

27 _ قوله [قدّس سرّه] : ( وهل هو إلا طلب الحاصل؟! ... الخ ) (1).

بل الإلزام بتحصیله مناف (2) لشرطیة حصوله بطبعه.

ص: 68


1- 1. کفایة الاصول : 99 / 11.
2- 2. قولنا : ( بل الإلزام بتحصیله مناف ... إلخ ).

28 _ قوله [قدّس سرّه] : ( نعم ، علی مختاره (قدس سره) لو کانت له ... الخ ) (1). نعم لازم تجرّد الطلب وإن کان ذلک ، إلا أنه (قدس سره) مع ذلک لا یلتزم بذلک ؛ نظرا إلی أن إنشاء الطلب علی تقدیر وان کان لا یقتضی تقیّد الطلب به ثبوتا وإثباتا ، إلاّ أن الطلب غیر منجّز ای لیس بحیث یجب البدار إلی امتثاله.

فالفرق بین الواجب المطلق والمشروط عنده (2) (قدس سره) لیس بتحقّق حقیقة الوجوب فی الأوّل دون الثانی ، کما هو ظاهر القضیة الشرطیة بل

الفرق بین الواجب المطلق والمشروط

ص: 69


1- 1. کفایة الاصول : 99 / 12.
2- 2. ( قولنا : ( فالفرق بین الواجب المطلق ... إلخ ).

تنجّز الطلب المحقّق فی الأوّل دون الثانی.

والبرهان المنقول فی الکتاب فی الإشکال علی قیدیة القید للطلب لبّا ، لیس فی مقام إنکار الواجب المشروط ، بل فی مقام إنکار الواجب المعلّق ؛ نظرا إلی أن الإرادة المنبعثة عن المصلحة القائمة بالفعل لا علی تقدیر إرادة مطلقة ، والمنبعثة عن المصلحة القائمة بالفعل علی تقدیر إرادة مشروطة ، ولا یعقل شقّ ثالث کی یکون معلّقا. وحیث إن الإرادة المنبعثة عن المصلحة فی الثانیة غیر منجّزة لا یجب البدار إلی امتثالها. فلذا أشکل الأمر فی المقدّمات التی یجب البدار الی تحصیلها مع عدم کون ذیها کذلک ، فمجرّد حالیة الطلب فی المشروط لا یجدی فی وجوب تحصیل المقدمات منجزا.

ولذا التزم (قدس سره) فی وجوبها بالحکم العقلی من غیر جهة الملازمة ، کما یظهر بالمراجعة إلی کلمات غیر واحد من تلامذته _ قدّست أسرارهم (1) _.

29 _ قوله [قدّس سرّه] : ( بل من باب استقلال العقل بتنجز الاحکام ... الخ ) (2).

قد ذکرنا فی محله (3) : أن لزوم الفحص عقلا بملاحظة أن الاقتحام فی الفعل والترک للملتفت _ إلی أنه غیر مهمل من دون الفحص والبحث عن أوامر مولاه ونواهیه مع أن أمره ونهیه لا یعلم عادة إلا بالفحص والبحث عنه _ خروج عن رسم الرقیة وزی العبودیة ، فیکون ظالما لمولاه ، فیستحقّ العقوبة ، إلا أن الاحتمال لا یزید علی العلم من حیث المنجزیة للحکم ، فکما أنّ العلم بالتکلیف

ص: 70


1- 1. کالمحقق النائینی (قدس سره) کما فی أجود التقریرات 1 : 232.
2- 2. کفایة الاصول : 99 / 19.
3- 3. قولنا : ( قد ذکرنا فی محلّه .. إلخ ).

المشروط قبل حصول شرطه یوجب تنجزه فی وقته وعند حصول شرطه مع بقائه علی شرائط فعلیته وتنجزه عند حصول شرطه ، فلذا لا عقاب علی مخالفته مع عروض الغفلة عنه عند حصول شرطه ، کما لا یجب إبقاء الالتفات العلمی والتحفظ علی عدم النسیان والغفلة عنه ، کذلک الاحتمال إنما یوجب تنجزه فی وقته مع بقائه علی صفة الالتفات إلی حین تنجّز التکلیف ، ولا یجب إبقاؤه بالتحفّظ علی عدم الغفلة المانعة عن الفحص والبحث عنه.

ودعوی : کفایة التمکن فی الجملة ولو قبل حصول الشرط ؛ لأنّ ترک الواجب بسببه اختیاری لانتهائه إلی الاختیار.

مدفوعة : بأنه لو تمّ لزم القول به فی جمیع المقدّمات الوجودیة قبل حصول شرطه ، فلا وجه لتخصیص الحکم العقلی بالمعرفة ، کما یقول به شیخنا العلامة الأنصاری ( رحمه الله ) علی ما حکی عنه. وتمام الکلام فی محلّه.

30 _ قوله [قدّس سرّه] : ( کما هو الحال فی ما إذا ارید منها المطلق ... الخ ) (1).

فإن قلت : ما الفرق بین إفادة المطلق علی مسلکه (قدس سره) ، وإفادته علی مسلک شیخنا العلامة الأنصاری (قدس سره) ؛ حیث جعله من باب تعدّد

====

2. کفایة الاصول : 100 / 12.

ص: 71


1- لیست مقدمة وجودیة لذات الواجب ، والتعلم للقراءة _ مثلا _ مقدمة وجودیة ، إلا أن لزومه أجنبی عن لزوم الفحص وبرهانه وبقیة الکلام من حیث الوجه فی لزوم الفحص ، ومن حیث عدم الفرق بین الواجبات المطلقة والمشروطة ، ومن حیث کفایة التمکن فی الجملة ولو مع حصول الغفلة ، فقد فصلنا القول فیها فی حواشی البراءة أ. [ منه قدّس سرّه ]. ( ن ، ق ، ط ).

الدالّ والمدلول علی مسلکه ( رحمه الله ) دون مسلکه (قدس سره) کما هو ظاهر العبارة؟

قلت : حیث إنّ الشیخ (قدس سره) یری وضع الهیئة لشخص الطلب ، فلا إطلاق ولا تقیید عنده حتی یحتاج إلی دالّین ، بخلاف شیخنا (قدس سره). فلا تغفل.

[ فی الواجب المعلّق والمنجّز ]

31 _ قوله [قدّس سرّه] : ( لا من استقبالیة الواجب فافهم ... الخ ) (1).

لا یخفی علیک أنّ انفکاک زمان الوجوب عن زمان الواجب هو المصحّح لوجوب المقدمة قبل زمان ذیها ، لا مجرّد فعلیة الوجوب ولو مع اتحاد زمانه وزمان الواجب ، فیصحّ تقسیم الواجب إلی ما یتحد زمانه مع زمان وجوبه ، فلا تکون مقدمته واجبة قبل زمانه ، وإلی ما یتأخّر زمانه عن زمان وجوبه ، فیمکن وجوب مقدمته قبله _ ولعله إلیه أشار ( رحمه الله ) بقوله : ( فافهم ) _ فوجوب المقدمة حینئذ وان کان معلولا لوجوب ذیها ، لکنه باعتبار تقدّمه علی زمان ذیها بحیث لولاه لما أمکن سرایة وجوب ذیها إلیها.

32 _ قوله [قدّس سرّه] : ( فیه أن الإرادة تتعلّق بأمر متأخّر ... الخ ) (2).

فی الواجب المعلق والمنجز

ص: 72


1- 1. کفایة الاصول : 102 / 3.
2- 2. کفایة الاصول : 102 / 9.

تحقیق المقام : یظهر بالتأمّل فی حقیقة الإرادة التکوینیة وکیفیة تأثّر القوة العاملة المنبثة فی العضلات من الشوق الحاصل من القوة الشوقیة المسمّاة بالباعثة ، مع أنها من کیفیات النفس ، وبین الموطنین من التباین ما لا یخفی.

فنقول : سرّ هذا التأثیر والتأثّر أنّ النفس فی وحدتها کل القوی ، فهی مع وحدتها ذات منازل ودرجات ، ففی مرتبة القوة العاقلة _ مثلا _ تدرک فی الفعل فائدة عائدة إلی جوهر ذاتها ، أو إلی قوة من قواها ، وفی مرتبة القوة الشوقیة ینبعث لها شوق إلی ذلک الفعل ، فإذا لم یجد مزاحما ومانعا یخرج ذلک الشوق من حدّ النقصان إلی حدّ الکمال ، الذی عبّر عنه : تارة بالإجماع ، واخری بتصمیم العزم ، وثالثة بالقصد والإرادة ، فینبعث من هذا الشوق _ البالغ حدّ نصاب الباعثیة _ هیجان فی مرتبة القوة العاملة ، فیحصل منها حرکة فی مرتبة العضلات ، فهذه کلها درجات النفس ومنازلها ، وکل هذه المراتب مراتب حرکة النفس من منزل إلی منزل ومن درجة إلی درجة.

ومن الواضح أنّ الشوق وإن أمکن تعلّقه بأمر استقبالی ، إلاّ أنّ الإرادة لیست نفس الشوق بأیة مرتبة کان ، بل الشوق البالغ حدّ النّصاب بحیث صارت القوة الباعثة باعثة بالفعل ، وحینئذ فلا یتخلّف عن انبعاث القوة العاملة المنبثّة فی العضلات ، وهو هیجانها لتحریک العضلات الغیر المنفکّ عن حرکتها ، ولذا قالوا : إنّ الإرادة هو الجزء الأخیر من العلة التامة لحرکة العضلات.

فمن یقول : بإمکان تعلّقها بأمر استقبالی : إن أراد حصول الإرادة التی هی علّة تامّة لحرکة العضلات ، إلاّ أنّ معلولها حصول الحرکة فی ظرف کذا ، فهو عین انفکاک العلة عن المعلول ، وجعله _ بما هو متأخر _ معلولا کی لا یکون له تأخر ، لا یجدی ، بل أولی بالفساد ؛ لصیرورة تأخّره عن علّته کالذاتی له فهو کاعتبار أمر محال فی مرتبة ذات الشیء ، فهو أولی بعدم الوجود من غیره.

وإن أراد : أنّ ذات العلّة _ وهی الإرادة _ موجودة من قبل إلاّ أنّ شرط

حقیقة الإرادة التکوینیة

ص: 73

تأثیرها _ وهو حضور وقت المراد _ حیث لم یکن موجودا ما أثّرت العلّة فی حرکة العضلات.

ففیه : أنّ حضور الوقت : إن کان شرطا فی بلوغ الشوق حدّ النصاب وخروجه من النقص إلی الکمال فهو عین ما رمناه من : أن حقیقة الإرادة لا تتحقق إلاّ حین إمکان انبعاث القوّة المحرّکة للعضلات.

وإن کان شرطا فی تأثیر الشوق البالغ حدّ النصاب الموجود من أوّل الأمر ، فهو غیر معقول ؛ لأنّ بلوغ القوة الباعثة فی بعثها إلی حدّ النصاب مع عدم انبعاث القوة العاملة ، تناقض بیّن ؛ بداهة عدم انفکاک البعث الفعلی عن الانبعاث ، وعدم تصور حرکة النفس من منزل إلی منزل مع بقائها فی المنزل الأوّل.

توضیحه : أن الجزء الأخیر من العلة لحرکة القوة العاملة ، لا بدّ من أن یکون أمرا موجودا فی مرتبة النفس ، وذلک لا یمکن أن یکون طبیعة الشوق ؛ لإمکان تعلّقها بما لا یقع فعلا ، بل بالمحال ، فلا بدّ أن تکون مرتبة خاصّة من الشوق ، أو صفة اخری بعد الشوق ، بحیث لا تتعلق تلک المرتبة أو تلک الصفة بما ینفکّ عن انبعاث القوة العاملة فعلا ، فضلا عن المحال.

وقد ذکرنا سابقا : أن الشرط إما متمّم لقابلیة القابل ، أو مصحّح لفاعلیة الفاعل. ومن البین أن دخول الوقت خارجا لیس من خصوصیات الشوق النفسانی ؛ حتی یقال : هذا الشوق الخاصّ فاعل دون غیره ، وکذا وجوده العلمی ، فلا معنی لأن یکون دخول الوقت مصحّحا لفاعلیة الشوق ، وکذا القوّة المنبثّة فی العضلات تامّة القابلیة لا یکون دخول الوقت متمما لقابلیتها. نعم یکون متمما لقابلیة الفعل لتعلّق القدرة والشوق به.

مضافا إلی أن الإرادة تفارق سائر الأسباب ، فإنّ الأسباب الاخری ربما یکون لوجودها مقام ولتأثیرها مقام آخر ، فیتصور اشتراط تأثیرها بشیء دون

ص: 74

وجودها ، بخلاف الإرادة ، فإنّ المیل النفسانی والإشراف علی الفعل معنی لا ینفکّ فیه ذات المیل عن کونه میلا ، والمیل النفسانی یوجب المیل الطبیعی إلی الحرکة ، فمیله فی النفس لو لم یکن ممیلا للطبیعة نحو الحرکة لا یعقل وجوده ، کما أن میل الطبیعة عین هیجانها بالقبض والبسط ، فهیجان القوة العضلانیة (1) وعدم القبض والبسط غیر معقول.

هذا إذا قلنا بأنّ تأثیر الإرادة فی میل الطبیعة بنحو الاقتضاء والسببیة ، وأما إذا کان بنحو الإعداد _ لتباین هیجان القوة الجسمانیة مع الصفة النفسانیة ، فیستحیل ترشّح أحدهما من الآخر _ فلا محالة یکون دخول الوقت _ مثلا _ إما معدّا للإرادة ، وهو المطلوب ، أو معدّا فی عرض الإرادة ، ومع عدم تعدّد الجهة فی المیل الطبیعی یستحیل تعدّد المعدّ عرضا ، أو کلاهما معدّ واحد ، والوجدان علی خلافه ؛ لأن المناسب للمیل الطبیعی وهیجان القوة میل النفس وهیجانها ، فلا دخل لدخول الوقت ، إلاّ انه معدّ للمعدّ ؛ إذ الفعل ما لم یتمّ قابلیته لم یتعلّق به القدرة والإرادة.

فاتّضح : أنّ مجرّد الشوق المتعلّق بأمر استقبالی لیس عین الإرادة الباعثة للقوة المنبثّة فی العضلات نحو تحریکها ، ومما یشهد له أنّ الشوق المتقدّم ربما یتعلّق بأمر کلّی کما هو کذلک غالبا ، مع أنه غیر قابل لتحریک العضلات نحو المراد ؛ بداهة استواء نسبته إلی الأفراد المتصوّرة لهذا الکلی ، ففعلیته (2) لبعض الأفراد تخصیص بلا مخصّص ، وهو محال.

وأما ما فی المتن : من لزوم تعلّق الإرادة بأمر استقبالی إذا کان المراد ذا مقدّمات کثیرة ، فإنّ إرادة مقدّماته قطعا منبعثة عن إرادة ذیها.

ص: 75


1- 1. کذا فی الأصل ، وهو نسبة علی خلاف القیاس.
2- 2. فی الأصل : ( فعلیته ... ).

فتوضیح الحال فیه : أنّ الشوق إلی المقدّمة _ بما هی مقدّمة _ لا بدّ من انبعاثه من الشوق إلی ذیها ، لکنّ الشوق إلی ذیها لما لم یمکن وصوله إلی حدّ یتحرّک القوّة العاملة به لتوقّف الفعل المراد علی مقدمات ، فلا محالة یقف فی مرتبته إلی أن یمکن الوصول ، وهو بعد طیّ المقدّمات. فالشوق [ إلی ] المقدّمة لا مانع من بلوغه حدّ الباعثیة الفعلیة ، بخلاف الشوق إلی ذیها ، وهذا حال کلّ متقدّم بالنسبة إلی المتأخّر ، فإنّ الشوق شیئا فشیئا یصیر قصدا وإرادة ، فکما أنّ ذات المقدّمة فی مرتبة الوجود متقدّمة علی وجود ذیها ، کذلک العلّة القریبة لحرکة العضلات نحوها مثل هیجان القوّة العاملة ، وما قبله المسمّی بالقصد والإرادة ، وما هو المسلّم فی باب التبعیة تبعیة الشوق للشوق ، لا تبعیة الجزء الأخیر من العلّة ، فإنه محال ، وإلاّ لزم إما انفکاک العلّة عن المعلول ، أو تقدّم المعلول علی العلة فافهم جیدا.

هذا کله فی الإرادة التکوینیة ، وأما الإرادة التشریعیة فهی _ علی ما عرفت فی محلّه (1) _ إرادة فعل الغیر منه اختیارا ، وحیث إن المشتاق إلیه فعل الغیر الصادر باختیاره ، فلا محالة لیس بنفسه تحت اختیاره ، بل بالتسبّب إلیه بجعل الداعی الیه ، وهو البعث نحوه ، فلا محالة ینبعث من الشوق إلی فعل الغیر اختیارا الشوق إلی البعث نحوه ، فیتحرک القوّة العاملة نحو تحریک العضلات بالبعث الیه. فالشوق المتعلّق بفعل الغیر إذا بلغ مبلغا ینبعث منه الشوق نحو البعث الفعلی ، کان إرادة تشریعیة ، وإلا فلا.

ومن الواضح : أنّ جعل الداعی للمکلف لیس ما یوجب الدعوة علی أیّ حال ؛ إذ المفروض تعلّق الشوق بفعله الصادر منه بطبعه ومیله ، لا قهرا علیه ،

حقیقة الإرادة التشریعیة

ص: 76


1- 1. وذلک فی التعلیقة : 151 ، ج 1 ، عند قوله : ( ثم ان تقسیم الإرادة ... ).

فهو جعل ما یمکن أن یکون داعیا عند انقیاده وتمکینه ، وعلیه فلا یعقل البعث نحو أمر استقبالی ؛ إذ لو فرض حصول جمیع مقدّماته وانقیاد المکلّف لأمر المولی لما أمکن انبعاثه نحوه بهذا البعث ، فلیس ما سمّیناه بعثا فی الحقیقة بعثا ولو إمکانا.

لا یقال : لو کان الأمر کذلک لما أمکن البعث نحو فعل الشیء فی وقته مع عدم حصول مقدماته الوجودیة ؛ ضرورة عدم إمکان الانبعاث نحو ذی المقدمة إلاّ بعد وجود مقدّماته ، والمفروض أن البعث إلی مقدماته لا ینبعث إلا عن البعث إلی ذیها.

لأنا نقول : حیث إنّ تحصیل مقدماته ممکن فالبعث والانبعاث إلی ذیها متّصفان بصفة الإمکان ، بخلاف البعث إلی شیء قبل حضور وقته ، فإنّ فعل المتقیّد بالزمان المتأخّر فی الزمان المتقدّم مستحیل من حیث لزوم الخلف أو الانقلاب ، فهو ممتنع بالامتناع الوقوعی ، بخلاف فعل ما له مقدّمات غیر حاصلة ، فإنّ الفعل لا یکون بسبب (1) عدم حصول علته ممتنعا بالامتناع الوقوعی ، بل ممتنعا بالغیر.

والإمکان الذاتی والوقوعی محفوظان مع عدم العلّة ، وإلاّ لم یکن ممکن أصلا ؛ لأنّ العلّة إن کانت موجودة فالمعلول واجب ، وإن کانت معدومة فالمعلول ممتنع ، فمتی یکون ممکنا؟! وملاک إمکان البعث وقوعیا إمکان الانبعاث وقوعیا بامکان علّته ، لا بوجود علته ، وعدم وجود العلة رأسا لا ینافی امکانها وامکان معلولها فعلا.

ص: 77


1- 1. قولنا : ( فان الفعل لا یکون بسبب ... إلخ ).

.....................................

ص: 78

لا یقال : فکیف حال الفعل المرکّب من امور تدریجیة الوجود؟ فإنّ الانبعاث نحو الجزء المتأخّر فی زمان الانبعاث نحو الجزء المتقدّم غیر معقول ، ومع ذلک فالکلّ مبعوث إلیه ببعث واحد فی أول الوقت مثلا. وکذا الإمساک فی مجموع النهار ، فإنّ الإمساک فی الجزء الأخیر غیر ممکن من أول النهار ، مع أنّ البعث إلی الإمساک فی مجموع النهار متحقّق فی أوّل النهار.

لأنا نقول : الإنشاء بداعی البعث وإن کان واحدا ، وهو موجود من أول الوقت ، لکن بلحاظ تعلّقه بأمر مستمر أو بأمر تدریجیّ الحصول ، کأنه منبسط علی ذلک المستمر أو التدریجی ، فله اقتضاءات متعاقبة بکلّ اقتضاء یکون بالحقیقة بعثا إلی ذلک الجزء من الأمر المستمرّ أو المرکّب التدریجی ، فهو لیس مقتضیا بالفعل لتمام ذلک الأمر المستمر أو المرکّب ، بل یقتضی شیئا فشیئا.

ولا یخفی علیک : الفرق بین الإرادة التشریعیة والتکوینیة ، فی إمکان انبعاث الإرادة إلی المقدّمات فی الثانیة قبل تمامیة الإرادة بالنسبة إلی المراد المتأخّر _ ولو کان تأخّره لأجل تقیّده بزمان متأخّر _ دون الإرادة التشریعیة ، مع أن البعث بنفسه مقدّمة لحصول فعل الغیر ولا فرق _ فی إمکان تعلّق الإرادة بالمقدّمة قبل إرادة ذیها _ بین مقدّمة ومقدمة.

والفارق أن البعث إنما یکون مقدّمة لحصول فعل الغیر إمکانا إذا ترتب علیه الانبعاث ، وخرج من حدّ الإمکان إلی الوجوب بتمکین المکلّف له وانقیاده ، وحیث إنه متقیّد بزمان متأخّر غیر حالی فلا یعقل الانبعاث ، فکذا البعث فلا مقدمیة للبعث إلا فی صورة اتصافه بامکان الباعثیة نحو الفعل فعلا ، وفی مثله یصح تعلّق الإرادة به من قبل إرادة فعل الغیر اختیارا.

ومن جمیع ما ذکرنا اتضح : أنه لا یعقل تعلّق الإرادة _ بحدّها _ بأمر استقبالی ، وکذا تعلّق البعث به.

ص: 79

33 _ قوله [قدّس سرّه] : ( وقد غفل عن أن کونه محرکا نحوه یختلف ... الخ ) (1).

قد عرفت مما مرّ آنفا : أن الشوق إلی کلّ شیء یحرّک العضلات نحوه بحدّه ، ولا یعقل أن یتعلّق الشوق بشیء وتکون الحرکة إلی غیره ، وإن کان من مقدماته ، نعم ، ینبعث من هذا الشوق شوق إلی مقدّماته ؛ لأنها وإن لم تکن ملائمة للنفس بنفسها إلاّ أنها ملائمة لها بتبع ملاءمة ذیها.

فإن قلت : لو تمّ هذا لتمّ فی غیر الأفعال التولیدیة ؛ حیث إنه لا بدّ فیها من إرادة محرّکة للعضلات زیادة علی وجود المقدمات. وأما الأفعال التولیدیة فهی تحصل بعد وجود مقدّماتها قهرا بلا إرادة متعلقة بها بعد حصول مقدماتها ، فإرادة الإحراق تحرّک العضلات نحو الإلقاء فی النار ؛ إذ لا فعل آخر للعضلات کی یتعلّق به شوق آخر ، واجتماع إرادتین علی فعل واحد ذی عنوانین لا معنی له.

قلت : إن کان الفعل التولیدی منطبقا علی ما یتولّد منه ؛ بأن یکون الإحراق عین الإلقاء فی النار المترتب علیه الحرقة وجودا ، فلا إشکال ؛ إذ الشوق الکلّی إلی الإحراق یتخصّص بالشوق الجزئی إلی الإلقاء فی النار ، وإن کان فعلا آخر فی طول ما یتولّد منه کما هو الحقّ لاتّحاد الوجود والإیجاد ذاتا واختلافهما اعتبارا. ومن الواضح مباینة وجود الحرقة مع الإلقاء ، فکیف یکون الإلقاء عین الإحراق الذی هو إیجاد الحرقة؟! بل الحرقة ، أثر الإلقاء ، فهو المحرق بالذات لمکان محقّقیته للمماسّة التی هی شرط تأثیر النار ، والشخص محرق بالتبع ؛ نظیر قیام الضرب بالید ، فإنها الضاربة بلا واسطة ، والشخص ضارب بها.

فحینئذ نقول : إنّ الشوق المحرّک للعضلات منبعث عن الشوق إلی

ص: 80


1- 1. کفایة الاصول : 102 / 15.

الإحراق ، لا أنّ الشوق إلی الإحراق بنفسه یحرّک العضلات نحو الإلقاء ؛ لبداهة أن الشوق إلی شیء لو کان محرّکا لکان محرّکا للعضلات نحوه ، لا نحو شیء آخر ولو کان مقدمته ، والشوق المتعلّق بالإحراق وإن لم یتّصف بالمحرّکیة للعضلات إلی الآخر ، لکنه غیر ضائر ؛ لأنّ التعریف بالمحرّک للعضلات إنما وقع فی مقام بیان مبادی الحرکات المترتّبة علی العضلات ، لا فی مقام بیان الإرادة مطلقا ، کیف؟! والشوق العقلی الباعث علی تحصیل المطالب العقلیة الکلیة شوق وإرادة باعثة فی مرتبة التعقّل ، مع أنه لیس هناک حرکة العضلات وإن کان هناک حرکة فکریة.

والتحقیق : أن الحب والشوق وإن کان یتعلّق (1) بالفعل التولیدی والتسبیبی ، إلاّ أنّ الإرادة ، وهی الصفة التی بها یقوم الإنسان بصدد إیجاد ما هو من أفعاله ، فلا یعقل تعلّقها إلاّ بما هو من أفعاله القائمة به ، سواء کان له مساس بقواه الباطنیة کالتعقّل للعاقل ، وتصوّر المعانی الجزئیة للوهم ، أو تصوّر الصور الجزئیة للخیال ، او بقواه الظاهرة وبالحرکات الأینیة والوضعیة.

وأما الإحراق : فهو مترشح من النار ، وله القیام بها قیام صدور ، وبالمحترق قیام حلول بلحاظ مبدئه ولا قیام للمعلول بمعدّه ولا بشرطه ، والقائم بالإنسان نفس الإلقاء الذی هو من حرکات عضلاته ، وهو إعداد منه لوجود الحرقة ، فإیجاده لها بنحو الإعداد بإلقائه ، فهذا هو الذی یکون له بنفسه مساس بالشخص ، ویکون متعلّق قدرته وإرادته ، ولیس هو فی الحقیقة إلاّ الإلقاء الخاص الذی یترتّب علیه وجود الحرقة ترتّب المعلول علی معدّه. فهذا هو متعلّق الإرادة لا الفعل المتولّد منه الذی ینسب إلیه بنحو من النسبة ، کما ینسب إلیه

ص: 81


1- 1. کذا فی الأصل ، والصحیح : ( وإن کانا یتعلقان ).

القدرة بنحو من العنایة _ کما سیأتی (1) إن شاء الله تعالی _ ولا ینافی صحّة تعلّق التکلیف بالفعل التولیدی ؛ نظرا إلی إمکان تعلّق الشوق به بنحو یؤثّر فی إرادة ما یتولّد منه حقیقة کما سیجیء (2) إن شاء الله تعالی.

34 _ قوله [قدّس سرّه] : ( والجامع أن یکون نحو المقصود ... الخ ) (3).

بل هی المقصودة تارة ، وإلی المقصود اخری ، إلاّ أن یکون العبارة : بنحو المقصود ، لا نحو المقصود ؛ کی یکون بمعنی ( إلی ).

والتحقیق : أنّ حرکة العضلات : تارة بمعنی حرکة القوّة المنبثّة فیها بنحو الإرخاء والامتداد ، أو بنحو التشنّج والانقباض لجلب الملائم فی الأوّل ، ودفع المنافر فی الثانی.

واخری بمعنی الحرکات الأینیة والوضعیة المترتّبة علی الأعضاء والجوارح _ من المشی والقیام والقعود والضرب ونحوها _ فالحرکة الاولی نحو المقصود ، وهو الضرب والمشی _ مثلا _ سواء کان مقصودا بالذات أو مقدمة لتحصیل شیء آخر

إلاّ أنّ العبارة غیر منطبقة علی ذلک لظهورها فی اتحاد الحرکة نحو المقصود مع قوله ( رحمه الله ) قبله : ( کحرکة نفس العضلات ... ) إلی آخره.

35 _ قوله [قدّس سرّه] : ( مع أنه لا یکاد یتعلّق البعث إلاّ بأمر متأخّر ... الخ ) (4).

قد عرفت فی تضاعیف ما قدّمناه : أنّ البعث علّة لانبعاث المأمور نحو المقصود عند انقیاده وتمکینه ، فإنّ الداعی إلی البعث لیس إلاّ جعل الداعی

ص: 82


1- (1 و 2) فی التعلیقة : 102.
2- 2. کفایة الاصول : 102 / 18.
3- 3. کفایة الاصول : 103 / 2.

للمأمور تحصیلا لفعله الاختیاری الملائم للباعث ، فلا بدّ من أن یکون بحیث إذا انقاد المأمور حصل منه الانبعاث بسبب البعث. ومجرّد علّیة البعث للفعل لا یقتضی تأخّر زمان العمل ، بل الأصل فیه المقارنة ، ففی أیّ زمان فرض فیه البعث یمکن فرض الانبعاث به عند الالتفات.

وأما تأخّر الانبعاث خارجا _ بل انفکاکه أصلا عن البعث _ فهو غیر ضائر ؛ لأنّ مضایف البعث الإمکانی هو الانبعاث إمکانا لا خارجا. 36 _ قوله [قدّس سرّه] : ( غایة الأمر یکون من باب الشرط المتأخّر ... الخ ) (1).

تحقیق المقام أنّ القدرة فی الإرادة التکوینیة شرط مقارن لها ، ولذا قالوا : إنّ نسبة الإرادة إلی القدرة نسبة الوجوب إلی الامکان ؛ بمعنی أنّ حرکة العضلات بالنسبة إلی القوة المنبثّة فی العضلات _ وهی القدرة التی بسببها یتصف الفاعل بکونه قادرا علی الحرکات الخاصّة _ ممکنة الصدور ، وبالإرادة تخرج من حدّ الإمکان إلی الوجوب ، فما لم تکن القوة المنبثّة فی العضلات _ وهی القوّة المحرّکة _ متحقّقة لا یتحقّق الإرادة التکوینیة الباعثة علی هیجان القوة المحرکة ، وخروج الحرکات عن حدّ الإمکان إلی الوجوب ، وإن أمکن تعلّق الشوق بها باعتقاد وجود القوة المحرّکة ، لکنک عرفت سابقا : أنّ مجرّد الشوق لا یکون إرادة ، بل ربما قیل بإمکان اشتیاق المحال.

وأما الإرادة التشریعیة فهی وإن لم تکن مخرجة لفعل الغیر من حدّ الإمکان إلی الوجوب ، بل المخرج إرادة الغیر. لکن الشوق إلی فعل الغیر ما لم یبلغ مبلغا ینبعث منه الشوق الأکید إلی البعث ، لا یکن مصداقا للإرادة التشریعیة ، ومن الواضح أن الشوق إلی البعث بنفسه وإن کان إرادة تکوینیة

نسبة الإرادة الی القدرة نسبة الوجوب الی الامکان

ص: 83


1- 1. کفایة الاصول : 103 / 12.

لتعلّقها (1) بفعل نفسه ، لکنه لا یتّصف البعث بالباعثیة بالإمکان إلاّ إذا کان بحیث لو انقاد المکلّف له لخرج من حدّ الإمکان إلی الوجوب ، ولا یعقل خروجه من حدّ الإمکان إلی الوجوب إلا إذا کان متعلّقه قابلا للخروج من حدّ الإمکان إلی الوجوب ؛ بداهة عدم انفکاک الانبعاث عن البعث إمکانا ووجوبا وامتناعا ، فالآمر وإن اعتقد قدرة المأمور _ ولذا أنشأ بداعی البعث ، وصدر منه الإنشاء _ لکنه لا یتّصف بإمکان کونه باعثا إلاّ إذا اتّصف متعلّقه فعلا بإمکان الانبعاث نحوه ، ولا نعنی بالبعث الحقیقی إلاّ ما یمکن کونه باعثا وداعیا.

ومنه اتضح : أن القدرة شرط مقارن للإرادة التکوینیة ولما ینتهی إلیه أمر الإرادة التشریعیة. فتدبّر.

37 _ قوله [قدّس سرّه] : ( بل ینبغی تعمیمه إلی أمر مقدور متأخّر ... الخ ) (2).

یمکن دعوی اندراجه فیما ذکره ؛ حیث إنّ المقدمة وإن کانت مقدورة بذاتها ، لکنها غیر مقدورة بقیدها لتقیّدها بالزمان المتأخّر. فحصول الواجب موقوف علی أمر غیر مقدور : إما بذاته کالوقت بالنسبة إلی الواجب ، أو بقیده کالمقدّمة المتقیّدة بزمان متأخّر ، وأما المقدور المتأخّر عن زمان الإیجاب من باب الاتفاق _ لا من حیث تقیده به _ فالعبارة وإن کانت قاصرة عن شموله ، لکنه لا موجب لإدخاله تحت المعلّق ، کما عرفت فی طیّ کلماتنا ، إلاّ أنّ ظاهر الفصول (3) إلحاقه به ، بل صریح فیه ، فراجع.

ص: 84


1- 1. الصحیح : ( لتعلّقه ) لعود الضمیر علی ( الشوق إلی البعث ).
2- 2. کفایة الاصول : 103 / 14.
3- 3. الفصول : 80 عند قوله ( رحمه الله ) : ( ... کذلک یصحّ أن یکون وجوبه علی تقدیر حصول أمر مقدور ، فیکون بحیث لا یجب علی تقدیر عدم حصوله ، وعلی تقدیر حصوله یکون واجبا قبل حصوله ... الخ ).

فإن قلت : إذا اخذ القید المقدور علی نحو لا یترشح إلیه التکلیف ، فهل مجرد إمکان حصوله _ ولو لم یحصل _ یصحّح البعث بالفعل نحو الفعل المقید به ، أم لا؟ ولا وجه لعدم توجّه البعث بالفعل ؛ حیث إنه لیس بمشروط به ، وتوجّه البعث نحوه واجب معلّق.

قلت : إذا اخذ القید بطبعه ومن دون تسبیب من المکلف _ بحیث لو تسبّب إلی إیجاده لم یکن الواجب المقیّد به ممکن الحصول _ فهو لا محالة غیر مقدور ؛ لسلب القدرة عنه بالعرض بتقییده بعدم التسبیب إلی حصوله ، فیکون الواجب مشروطا لاشتراطه بالقدرة المسلوبة عنه فعلا ، فلا وجوب إلاّ بعد حصول القید من دون تسبیب منه.

وإذا اخذ القید أعمّ من حصوله بطبعه أو تحصیله بتسبیبه ، فالقید مقدور ، ولم لا یجب تحصیله تحصیلا للمتقید به؟! غایة الأمر یکون کالواجب التوصّلی من حیث عدم دخل تحصیله بتسبیبه فی سقوط التکلیف.

وأخذ القید مقیّدا بعدم الإلزام به من الشارع من قبل هذا الإلزام بنفسه محال ، فلا یتصوّر أخذ القید علی نحو لا یکون واجب التحصیل ، مع عدم کونه قیدا للوجوب ولو بالمآل کما عرفت.

ومنه تعرف : حال ما إذا کان القید من أفعال نفسه فإن معنی أخذه علی تقدیر حصوله بطبعه من المکلّف هو أخذه مقیدا بعدم تسبیب من الشارع من ناحیة التسبیب إلی المتقیّد به ، وهو محال ؛ لتأخّر التسبیب المقدّمی عن التسبیب النفسی ، وهو عن موضوعه ، فکیف یؤخذ _ وجودا أو عدما _ فی موضوعه؟! بخلاف ما إذا کان الواجب مشروطا به ، فإنه ما لم یختر القید بطبعه لا وجوب للفعل أصلا حتی یلزم من عدم سرایة الوجوب إلی قیده المحذور المترتّب علی لحاظ عدم تسبیبه إلیه من قبل التسبیب إلی المتقیّد به.

ص: 85

38 _ قوله [قدّس سرّه] : ( نعم ، لو کان الشرط علی نحو الشرط المتأخّر ... الخ ) (1).

لا یخفی علیک أنّ الکلام فی المقدّمات الواجبة قبل زمان ذیها ، فوجوب ذیها وإن کان حالیا لتحقّق شرطه فی ظرفه ، لکنه لا یصحّ هذا النحو من الإیجاب إلاّ بناء علی القول بالمعلّق ؛ إذ المفروض تأخّر زمان الواجب عن زمن وجوبه ؛ لما عرفت من أن مورد الإشکال لزوم الإتیان بالمقدّمات قبل زمان ذیها ، فلو أراد (قدس سره) أن اشتراط الوجوب لا یستدعی عدم حالیة الوجوب فهو کما أفاد ( رحمه الله ) ، وإن أراد الاکتفاء بذلک عن الالتزام بالواجب المعلّق ، فهو غیر تامّ.

فإن قلت : لا ینحصر الشرط فی الوقت حتی لا یغنی الالتزام بالشرط المتأخّر عن الواجب المعلّق.

قلت : وإن لم یکن الوقت بنفسه شرطا فی جمیع موارد الإشکال إلاّ أنّ لازم شرطیة غیره أیضا تأخّر الواجب عن وجوبه زمانا کما یظهر للمراجع إلی موارد الإشکال (2).

مضافا إلی أن الالتزام بشرطیة الوقت فی الموقّتات بنحو الشرط المتأخّر لا یغنی عن الواجب المعلّق. کما لا یخفی ، مع أنه سیأتی منه (3) (قدس سره) کفایته عنه ، وأنه لا حاجة إلی الالتزام بالواجب المعلّق. 39 _ قوله [قدّس سرّه] : ( ضرورة أنه لو کان مقدّمة الوجوب ... الخ ) (4).

المقدمات الواجبة قبل زمان ذیها

ص: 86


1- 1. کفایة الاصول : 103 / 20.
2- 2. کذا فی الأصل ، والأصح : للمراجع لموارد الإشکال.
3- 3. الکفایة : 104 عند قوله : ( تنبیه : قد انقدح ... ).
4- 4. کفایة الأصول : 104 / 9.

قد عرفت ما فی إطلاقه _ فیما سبق فی أوائل المسألة (1) _ حیث إن الشرط لو کان بنحو الشرط المتأخّر کان وجوب ذیها قبل وجودها زمانا ، فلا یلزم من ترشح الوجوب الیها طلب الحاصل ، بل المانع ما ذکرناه هناک. فراجع.

40 _ قوله [قدّس سرّه] : ( لما کان الفعل موردا للتکلیف ... الخ ) (2).

ینبغی أن یراد منه عدم وقوع الفعل علی صفة المطلوبیة عند تحصیله ؛ إذ المفروض شرطیة حصوله بطبعه ومیله.

والصحیح فیه ما مرّ (3) : من أنّ الإلزام بتحصیله مناف لشرطیة حصوله بطبعه.

نعم ما ذکره (4) ( رحمه الله ) _ فی ما إذا اخذ بنحو العنوانیة للموضوع _ صحیح ؛ إذ لا فعلیة للحکم المرتّب علی عنوان إلاّ بعد فعلیة ذلک العنوان ، لکنه واجب مشروط فی الحقیقة.

وأما إرادة البرهان السابق فمخدوشة ؛ بداهة أنّ التکلیف غیر مشروط بحصوله ، إمّا لجعله من قیود المادة ، أو عنوانا للمکلف ، ولعله أشار ( رحمه الله ) إلی ذلک بقوله : ( فافهم ).

41 _ قوله [قدّس سرّه] : ( بل لزوم الإتیان بها عقلا ... الخ ) (5).

من باب الحکم العقلی الإرشادی (6) الموجود فی کل مقدّمة ، ولو لم نقل

ص: 87


1- 1. التعلیقة : 14.
2- 2. کفایة الاصول : 104 / 12.
3- 3. انظر التعلیقة : 27.
4- 4. الکفایة : 104 عند قوله : ( تنبیه : قد انقدح ... ).
5- 5. کفایة الاصول : 104 / 19.
6- 6. قولنا : ( من باب الحکم العقلی الإرشادی ... )

بالوجوب الشرعی المعلولی لوجوب ذیها ، لکنه لا یترتّب علیه الثمرات المترقبة من وجوبها المتنازع فیه إلا أنه (قدس سره) لا یبالی بذلک ، کما سیأتی إن شاء الله تعالی.

====

لم یکن واجبا فعلیا ظ ) (أ) یستحق العقاب علی ترکه فی ظرفه لیس قبیحا بحکم العقل.

ص: 88

42 _ قوله [قدّس سرّه] : ( لا ینحصر التفصّی عن هذه العویصة ... الخ ) (1).

قد عرفت (2) : عدم کفایة الالتزام بالشرط المتأخّر عن التعلّق بالتعلیق ، خصوصا فی الموقّتات لانفکاک زمان الوجوب عن زمان الواجب إمّا مطلقا ، أو فی خصوص الموقّتات ، فلا بدّ من تصوّر المعلّق والقول به ، ومعه فلا مجال للالتزام بشرطیة المتأخّر أیضا.

وهنا مسلک آخر فی دفع الإشکال : وهو أنّ الإنسان بالجبلّة والفطرة یحبّ ذاته ، ویحبّ کل ما یعود فائدته إلی جوهر ذاته ، أو إلی قوة من قواه ، فما یلائم ذاته وقواه محبوب بذاته ، وتصوّره والتصدیق به تصوّر المحبوب الذاتی وتصدیق به ، لا أنه علّة للحبّ ولو بنحو الإعداد ، والحبّ الکلّی یتخصّص بالجزئی ، وکذا ما هو مقدّمة لما یلائم ذاته وقواه محبوب بالتبع ، فالتوصّل _ بما هو توصل _ محبوب لکونه توصّلا إلی ما یلائمه بنفسه ، فهو ملائم بالتبع فهو محبوب کذلک ، لا أنّ الحبّ الذاتی مقتض أو شرط (3) أو معدّ للحبّ التبعی ، بل بینهما التقدّم والتأخّر الطبعیان ؛ لأنّ الحبّ التبعی لا یمکن إلاّ عند الحبّ الذاتی ، ولا عکس.

====

4. قولنا : ( لا أن الحبّ الذاتی مقتض أو شرط ... إلخ ).

ص: 89


1- العقوبة ، کذلک ترک إنقاذه غدا بترک مقدّمته المنحصرة الیوم یوجب العقاب.
2- 2. کفایة الاصول : 104 / 22.
3- 3. التعلیقة : 38.

والمحبوب إذا لم یکن له مزاحم ومانع عن إیجاده فی نظر الفاعل _ وهو معنی الجزم فی قبال التردّد _ لا محالة یقوم الإنسان بصدده ، فالحبّ مع الجزم علّة معدّة لفیضان صورة الإرادة فی النفس.

وقد عرفت سابقا : أن الارادة هو الجزء الأخیر من العلّة ، وهو فی المقدّمة متقدّم علی ما هو الجزء الأخیر للعلّة فی ذی المقدمة ، وإذا کان المحبوب الذاتی والتبعی فعل الغیر ، فلا محالة یجب التسبیب إلی إیجادهما من الغیر بجعل الداعی إلیهما.

====

ولا علّیّة إلاّ بأحد هذه الوجوه ، والکلّ غیر معقول : أما اقتضاء حبّ لحب أو شوق لشوق أو وجوب لوجوب فلأنه لا معنی لاقتضائه له إلاّ ترشّحه منه ، ومن الواضح أن صفة الحبّ والشوق المتعلقة بشیء لا تکون واجدة إلاّ لذاتها وذاتیاتها ، فصفة اخری مماثلة لها غیر متعیّنة بنحو أنحاء التعیّن فی مرتبة ذاتها حتی تترشّح منها ، مع أنها متعلقة بشیء خاصّ ، ومتقوّمة وجودا به ، فکیف یعقل أن یترشح منه صفة مثلها متقومة وجودا بشیء آخر مباین لما یتقوم به الاخری ماهیة ووجودا؟! وأوضح من ذلک الوجوب الذی هو أمر اعتباری بحیث لو انحلّ لانحلّ إلی وجود اعتباری ومفهوم ، ولا یترشح مفهوم من مفهوم ، ولا اعتبار من اعتبار.

ص: 90

وإذا فرض أنّ المقدّمة متقدّمة بالوجود الزمانی علی ذیها ، فکما أن إرادة الفاعل للمقدّمة متقدّمة علی إرادته لذیها ، کذلک یجب أن یتقدّم البعث إلیها قبل البعث إلی ذیها ، فإنّ إیجادها من الغیر کوجودها من الغیر مقدّم علی إیجاد ذیها ، کوجود ذیها من الغیر ، وإنّما یتّصف البعث المقدّمی بالتبعیة لا من حیث التأخّر فی الوجود ، بل من حیث إنّ الغایة المتأصّلة الداعیة إلی التسبیب إلی إیجاد المقدّمة من الغیر ، إیجاد ذیها بأسبابه من الغیر ، ومن جملة أسبابه البعث إلیه ، فذو المقدّمة بأسبابه کالعلّة الغائیة للبعث المقدمی.

فاتّضح : أن لا تبعیّة فی الوجود للبعث المقدّمی بمبادیه للبعث إلی ذی المقدمة ؛ حتی یرد المحذور ، وهو تقدّم المعلول علی علّته بالوجود.

وأما محذور عدم استحقاق العقاب علی ذی المقدّمة بترک المقدّمة ؛ حیث لا بعث إلیه فی ظرفه لعدم القدرة علیه.

فیندفع : بأنّ دفع التکلیف مع تمامیة اقتضائه تفویت للغرض المعلوم غرضیته ، وهو خروج عن زیّ الرقّیّة ، فیستحقّ العقوبة علیه ولو لم یکن مخالفة التکلیف الفعلی ، بخلاف دفع مقتضی التکلیف ، کعدم تحصیل الاستطاعة وعدم الحضور. والتفصیل فی محلّه.

43 _ قوله [قدّس سرّه] : ( فلا محالة یکون وجوبها نفسیا ... الخ ) (1).

لا یقال : لیس التهیّؤ والاستعداد لإیجاب ذی المقدّمة من جهة اشتراط الوجوب به ، بل من حیث إن الواجب فی ظرفه غیر مقدور إلاّ بإتیان هذه المقدّمة قبله لو لم تکن حاصلة حاله ، فمرجع الغرض الداعی إلی إیجابها إلی توقّف الواجب علیها ؛ لانحصار مقدّمته فی المأتیّ بها قبل زمانه.

ص: 91


1- 1. کفایة الاصول : 105 / 6.

لأنا نقول : نعم ، لا غرض من المقدّمة إلاّ أنها مما یمکن التوصل به إلی واجب آخر ، لکن هذا الغرض حیث لم یعقل أن یکون غرضا من الواجب المقدّمی بالوجوب المعلولی _ إمّا للزوم تقدّم المعلول علی العلّة ، أو للزوم إیجاب أمر متقدّم ، وکان تحصیل الغرض النفسی من الواجب فی ظرفه لازما _ فلذا یجب علی الحکیم إیجاب ما لا یمکن إیجاد الواجب إلاّ به قبل زمانه مستقلا ، فهو إیجاب للغیر ، لا إیجاب غیری.

وأما کونه واجبا نفسیا ، فإنما یصحّ بناء علی أنه ما وجب لا لواجب آخر ، لا علی أنه الواجب لغرض نفسی ، أو لحسن فی نفسه ، فإنه لا غرض هنا إلاّ حفظ الغرض فی الغیر ، کما أنّ عنوان التهیّؤ لیس من العناوین الحسنة. لکنک عرفت : أن الصحیح أنّ هذا هو الوجوب المقدّمی ، ولا تتنافی (1) تبعیته مع تقدّمه علی الوجوب النفسی. فراجع.

44 _ قوله [قدّس سرّه] : ( قدرة خاصّة وهی القدرة علیه ... الخ ) (2).

فیجب علیه الصلاة المتمکّن من تحصیل الطهارة فی وقتها ، فالقدرة علیها قبل وقت الصلاة کالعدم ، فلا تجب المقدّمة حینئذ بنحو یجب المبادرة إلیها قبل وقت ذیها ، لا أنها لا تجب أصلا ؛ إذ وجوبها غیر مشروط بشیء ، بل الواجب شیء خاص (3) ، فمع عدم القدرة علیه فی وقته ینکشف أنه لا وجوب قبله ،

ص: 92


1- 1. فی الأصل : ولا ینافی ...
2- 2. کفایة الاصول : 105 / 12.
3- 3. قولنا : ( بل الواجب شیء خاصّ ... إلخ ).

بخلاف ما لم یعتبر فیه هذه القدرة شرعا ، فإنّ القدرة علیه فی زمان وجوبه کافیة فی وجوب المبادرة إلیه.

====

معه بعدم لزوم الوضوء قبل الوقت لمن لا یتمکن منه فی الوقت ، مع أنه لا یجب الوضوء فی الفرض المزبور (أ) :

ص: 93

والأولی أن یقال : إنّ المقدّمة هو الوضوء _ مثلا _ فی وقت الصلاة ، فلا یجدی وجوب المقدّمة قبل الوقت _ من ناحیة وجوب الصلاة _ لوقوع الوضوء امتثالا للأمر قبل الوقت ؛ لئلا ینتقض بإمکان إتیان الوضوء بقصد الوجوب قبل الوقت وإن لم تجب المبادرة لکونه واجبا موسّعا إذا علم ببقاء القدرة فی الوقت.

وأما تحصیل مقدّماته قبل الوقت وعدمه _ علی مسلکه ( رحمه الله ) _ فیدور أمره مدار أخذ التمکّن منه بنحو لا یجب تحصیلها وعدمه ، فلو اخذ التمکّن الحاصل من باب الاتفاق لم یجب تحصیل القدرة علیه قبل وقته ، إلاّ أنّ لازمه عدم صحّة الوضوء فی الوقت إذا تسبّب إلی تحصیل مقدماته قبل الوقت ، وأخذه مطلقا _ من دون تقیید بالتسبب والاتفاق _ یوجب تحصیل المقدّمات وإن لم یقع الوضوء علی صفة المطلوبیة قبل الوقت. فتدبّر.

====

مقدمیتها إلاّ حیث یکون الشخص فی مقام ایجاد ذی المقدمة ، فلا محالة إذا لم یمکن إیجاد ذی المقدمة إلاّ بإیجاد المقدّمة قبل الوقت یوجدها قبل الوقت : وأما مع التمکّن منهما فی الوقت فلا یعقل دعوة التوصّل محضا إلی إیجاد المقدّمة قبل الوقت ، وعلیه فتندفع المحاذیر ، إلاّ محذور عدم إتیان الوضوء لمن لم یتمکّن منه فی الوقت قبله ، فهذا المحذور وارد علی جمیع المبانی.

ص: 94

[ فی دوران الإطلاق بین المادّة والهیئة ]

45 _ قوله [قدّس سرّه] : ( وأمّا فی الثانی فلأنّ التقیید ... الخ ) (1).

لا یخفی أنه لا إطلاق للمادّة (2) من حیث وقوعها علی صفة المطلوبیة مع القید وعدمه ، فإنه محال ، بل إطلاقها بلحاظ تمامیة مصلحتها مع عدم القید ، وتقیید الهیئة لا یستلزم تقیید المادّة من هذه الجهة ، وعدم وقوعها امتثالا للأمر علی أیّ حال لا یجدی عن بیان الجهة الثانیة لعدم جریانه فی التوصلیات ، بل فی التعبّدیات أیضا ؛ لإمکان العبادیة لا بداعی الأمر. هذا ، مع أنه غیر مجد بالنسبة إلی القید الذی یحتمل وجوب تحصیله ، فإنّ تقیید الهیئة وإن استلزم تقیید المادّة من حیث عدم وقوعها امتثالا للأمر وعلی صفة المطلوبیة إلاّ بعد حصوله ، لکنه لا ینافی إطلاقها من حیث عدم تحصیله.

لا یقال : مقتضی تقیید الهیئة عدم مطلوبیة تحصیله.

لأنا نقول : فمقتضاه عدم منافاته لإطلاق المادّة من حیث عدم تحصیله ، لا أنه کالتقیید لها أیضا ، کما أنّ مقتضی تقیید المادّة به أیضا عدم توقّف الطلب علیه ؛ بداهة أنّ المقدّمة الواجب تحصیلها لا یعقل أن یکون مقدّمة وجوبیة ، فلا تنافی إطلاق الهیئة.

فی دوران الإطلاق بین المادة والهیئة

ص: 95


1- 1. کفایة الاصول : 107 / 2.
2- 2. قولنا : ( لا یخفی أنه لا إطلاق للمادّة ... إلخ ).

...........................................

====

الاختیاری فی طرف المادة بحیث لا یترشح إلیه التکلیف ، وإن کان غیر اختیاری وکان قیدا للهیئة فلا بدّ من أن یکون مفروض الوجود ، وإن کان قیدا للمادة فلا بدّ من أن یکون المقید _ بما هو _ واجبا کالزمان الذی یحتمل أن یکون قیدا للهیئة بحیث لا مصلحة للمادة قبل وجوده ، فلذا لا بعث قبله ، ویحتمل أن یکون قیدا للمادّة بحیث یکون المادة الموقتة بوقت کذا ذات مصلحة ، لا أنها بعد دخول الوقت تکون ذات مصلحة ، فللدوران صورتان :

ص: 96

.......................................

====

فیقع بینهما التکاذب فیتساقطان.

ص: 97

.....................................

====

الوجوب ممکنا لإمکان جعله لا علی تقدیر ، کذلک جعل المادّة _ بما هی _ واجبة مطلقا ممکن بإمکان جعل الوجوب مطلقا ؛ فیمکن تقییدها بما هی واجبة بإمکان تقیید الوجوب الذی هو مبدأ العنوان ، فتوهّم استحالة التقیید لاستحالة الإطلاق مدفوع بما عرفت ، إلاّ أنّ هذا التقیید التبعی القهری بعد إصلاحه _ بما عرفت _ لا یجدی فی مقام الرجوع إلی أصالة إطلاق الهیئة ؛ نظرا إلی أنّ تقیید المادّة متیقّن ، فلا أصالة إطلاق فیها کی تعارض أصالة إطلاق الهیئة.

ص: 98

.....................................

ص: 99

.....................................

====

یستلزم إبطال إطلاق الآخر. أما أنه یستلزم تقیید الهیئة إبطال إطلاق المادة ، فلأنّ من مقدّمات إطلاقها عدم بیان القید للزوم نقض الغرض لو کان المقید مرادا مع عدم بیان القید ، وإذا لم یقع المادة إلاّ مقترنة بالقید لفرض تقیید الهیئة ، فلا یلزم من عدم بیان قید المادّة نقض للغرض.

ص: 100

[ فی الواجب النفسی والغیری ]

46 _ قوله [قدّس سرّه] : ( لکنه لا یخفی أنّ الداعی لو کان هو محبوبیته کذلک ... الخ ) (1).

توضیح المرام وتنقیح المقام : هو أنه لا ریب فی أن کلّ ما بالعرض ینتهی إلی ما بالذات ؛ مثلا : إذا أراد الإنسان اشتراء اللحم فلا محالة یکون لغرض ، وهو طبخه ، والغرض من طبخه أکله ، والغرض منه إقامة البدل لما یتحلّل من البدن ، والغرض منه إبقاء الحیاة ، والغرض منه إبقاء وجوده وذاته ، فغایة جمیع الغایات للشوق الحیوانی ذلک ، وإذا کان الشوق عقلانیا فغایة بقائه إطاعة ربّه والتخلّق بأخلاقه ، وینتهی ذلک إلی معرفته تعالی. فجمیع الغایات الحیوانیة ینتهی إلی غایة واحدة ، وهی ذات الشخص الحیوانی ، وجمیع الغایات العقلانیة ففعلیته ینتهی إلی غایة الغایات ومبدأ المبادی جل شأنه.

وکون کل غایة من الغایات ملائمة للذات ، ومقصودة بالعرض أو بالذات ، لا یتوقّف علی الالتفات حتی یقطع بأنه لیس فی کلّ فعل تصوّرات وتشوّقات متعاقبة ، فإنّ الغایات الحیوانیة فی الحیوان بما هو حیوان والغایات العقلانیة فی الإنسان بما هو إنسان ، صارت کالطبیعیة (2) لهما ، فلا یحتاج إلی فکر ورویّة وقصد تفصیلی.

هذا کله فی الإرادة التکوینیة.

فی الواجب النفسی والغیری

ص: 101


1- 1. کفایة الاصول : 107 / 21.
2- 2. کذا فی الأصل ، والأنسب هنا : کالطبیعة لهما ..

وأمّا الإرادة التشریعیة فقد مرّ مرارا : أن حقیقتها إرادة الفعل من الغیر ، ومن الواضح أن الإنسان لو أراد اشتراء اللحم من زید فالغرض منه وإن کان طبخه ، لکنه غیر مراد منه ، بل لعل الطبخ مراد من عمرو ، وإحضاره فی المجلس مراد من بکر ، وهکذا ، فلا تنافی : بین کون الشیء مرادا من أحد ، والغرض منه غیر مراد منه ، وإن کان مقصودا من الفعل لترتبه علیه ، فالاشتراء مراد بالذات من زید ، ومقدماته مرادة بالعرض منه وإن لم یکن الغرض من اشتراء اللحم نفسه ، بل ینتهی إلی نفس الآمر مثلا.

ومنه یعلم : حال الصلاة وسائر الواجبات ، فإن الغرض من الصلاة وإن کانت مصلحتها ، إلا أنها غیر مرادة من المکلّف لا بالعرض ولا بالذات ، بل المراد بالذات [ من ](1) المکلّف نفس الصلاة ، والإرادة التشریعیة متقوّمة بإرادة الفعل من الغیر ، لا أنها مطلق الشوق حتی یقال : إنّ الشوق إلی الصلاة منبعث عن الشوق إلی غایتها إلی أن ینتهی إلی غایة الغایات.

والکلام فی تقسیم الواجب إلی النفسی والغیری ، ومبدأ الإیجاب کنفسه ینقسم إلی القسمین بلا محذور ، وإن کان نفس المحبوبیة المطلقة غیریة مطلقا إلی أن ینتهی إلی الغرض الذی هو عین ذی الغرض.

وجمیع آثار الواجب النفسی الحقیقی _ من کونه محرّکا ومقرّبا وموجبا لاستحقاق الثواب علی موافقته ، والعقاب علی مخالفته _ مترتبة علی هذه الواجبات النفسیة المتعارفة ، فإنها المرادة من المکلّف بالذات ، فإرادتها منه هی الداعیة له ، فهی المقرّبة له ، فافهم واغتنم.

ص: 102


1- 1. فی الأصل : عن.

47 _ قوله [قدّس سرّه] : ( فالأولی أن یقال : إن الأثر المترتب ... الخ ) (1). لا یخفی علیک أنّ العناوین الحسنة أو القبیحة علی نحوین : فمنها : ما هو حسن بالذات أو قبیح کذلک ، کعنوان العدل والإحسان فی الأوّل ، وکعنوان الظلم والجور فی الثانی.

ومنها : ما هو حسن أو قبیح بالعرض کغیر العناوین المتقدّمة من العناوین ، والمراد من ( ما بالذات ) و ( ما بالعرض ) : أن العنوان الحسن أو القبیح ربما یکون محفوظا ومع ذلک لا یتّصف بالحسن أو القبح ؛ لطروّ عنوان آخر علیه ، کعنوان الصدق والکذب إذا طرأ علیهما عنوان قتل المؤمن أو إنجائه ، وربما لا یقبل طروّ (2) عنوان آخر یزیل حسنه أو قبحه کعنوان العدل والظلم ، فالثانی عنوان ذاتی ، والأوّل عرضی.

ومن الواضح : أنّ کلّ ما بالعرض ینتهی إلی ما بالذات ، فجمیع الواجبات النفسیة _ إذا کانت من حیث عنوان حسن واجبة نفسیا _ لا بدّ من أن تنتهی إلی عنوان واحد ، وکذلک المحرّمات النفسیة ، فکلّها مصادیق واجب واحد أو محرّم واحد بملاک وعنوان واحد ؛ لأنّ عناوینها الحسنة والقبیحة عرضیة لا بدّ من أن تنتهی إلی عنوان ذاتی.

لا یقال : لا ینحصر العنوان الحسن والقبیح فیما ذکر ، بل ما بالذات تارة بنحو العلیة ، واخری بنحو الاقتضاء ، والواجبات النفسیة والمحرّمات النفسیة لعلها من قبیل الثانی ، فلا یلزم انتهاؤها إلی العنوان الذاتی بنحو الأوّل ، وإن

العناوین الحسنة أو القبیحة علی نحوین

ص: 103


1- 1. کفایة الاصول : 108 / 8.
2- 2. فی الأصل : لطروّ.

کان عدم عروض المانع موجبا لاندراجها تحته ، إلاّ أنّ حسنها باعتبار ذواتها.

لأنا نقول : هذا المعنی وإن کان أمرا مشهوریا ، لکنه لا أصل له حسبما یقتضیه الفحص والبرهان ؛ إذ لا علیة ولا اقتضاء للعنوان بالإضافة إلی حکم العقلاء بمدح فاعله أو ذمّه.

بل المراد ب_ ( ما بالذات وما بالعرض ) أنّ العنوان : إذا کان بنفسه _ مع قطع النظر عن اندراجه تحت عنوان آخر _ محکوما عند العقلاء بمدح فاعله أو ذمه _ لما فیه من المصلحة العامة أو المفسدة کذلک _ کان حسنا أو قبیحا بالذات ، وإذا لم یکن بنفسه محکوما بأحدهما _ بل باعتبار اندراجه تحت ما کان بنفسه کذلک _ کان حسنا أو قبیحا بالعرض.

غایة الأمر أنّ بعض الأفعال غالبا معرض لعروض أحد العناوین الذاتیة کالصدق والکذب ، فیقال : إنهما _ لو خلّیا وطبعهما _ حسن بالذات وقبیح کذلک.

مضافا إلی ما ذکرناه فی محلّه (1) : من أن قضیة حسن العدل وقبح الظلم من القضایا المشهورة التی اتفقت علیها آراء العقلاء حفظا للنظام وإبقاء للنوع ، فلا منافاة بین الحسن الذاتی عند العقلاء وعدم المحبوبیة الذاتیة عند الشارع ، فإن الجهة الموجبة لمدح العقلاء لا دخل لها بالجهة الموجبة لإیجاب الشارع ؛ مثلا : الصلاة وان کانت تعظیما ، وهو عنوان حسن ، فإنه عدل إلا أنه حسن عند العقلاء من حیث إنّ تعظیم العبد لمولاه من مقتضیات الرقّیة ورسوم العبودیة ، فیکون به النظام محفوظا والنوع باقیا ، إلاّ أنه غیر محبوب للشارع من هذه الجهة ، بل من جهة استکمال العبد بذلک ، وزوال الاخلاق الرذیلة منه بذلک ، فیستعدّ لقبول

ص: 104


1- (1) التعلیقتین 7 و 10 من الجزء الثالث

نور المعرفة ، وأین إحدی الجهتین من الاخری؟! فتدبّر جیّدا والمقام یحتاج إلی تأمّل تامّ.

48 _ قوله [قدّس سرّه] : ( ولا ینافیه کونه مقدّمة لأمر ... الخ ) (1).

وعلیه ففیه ملاک الوجوب النفسی والمقدّمی ، فلا یتمحّض الواجبات النفسیة فی النفسیة بعد وجود ملاک النفسیة والغیریة ، فلا یتوهّم عدم تأثیر ملاک الغیریة لتأخر رتبته عما هو فی عرض علته ؛ لأن حسن الواجب وان کان ملازما لمصلحته وخاصّیته ، لکنه لا تقدّم لما مع العلّة علی معلولها ؛ لأنّ تقدّم العلّة تقدّم بالعلّیة ، وهو شأن العلّة دون غیرها ، ولا تقدّم بنحو آخر علی الفرض للعلّة علی معلولها کی یسری إلی ما معها.

مضافا إلی أنّ تزاحم الملاکین فی التأثیر بملاحظة الوجود الخارجی ، لا بلحاظ الذات والرتبة (2) ، فإن اجتماع المتماثلین _ اللازم من تأثیرهما _ انما یستحیل بلحاظ الوجود الخارجی لا غیر.

49 _ قوله [قدّس سرّه] : ( ولعلّه مراد من فسّرهما بما امر به لنفسه ... الخ ) (3).

أی لحسن نفسه فی قبال ما أمر به لحسن غیره کالمقدمة ، فإنّ المقدّمة من حیث إنها مقدمة لا حسن فیها بنفسها ، فالأمر بها وإن کان لمقدمیتها ، إلا أن المقدمیة لیست بذاتها داعیة إلی الأمر ، فالداعی الأصیل حسن ذیها.

وأما علی ما ذکرنا سابقا (4) : فالمراد من قولهم : _ لنفسه فی قبال لغیره _ هو

ص: 105


1- 1. کفایة الاصول : 108 / 10.
2- 2. فالملاکان وإن کانا مختلفین بالتقدّم والتأخّر فی الرتبة ، لکنهما لیسا مؤثّرین بما هما فی المرتبة ، بل بلحاظ مقام آخر لیس فی ذلک المقام تقدّم وتأخّر. [ منه قدّس سرّه ].
3- 3. کفایة الاصول : 108 / 10.
4- 4. راجع التعلیقة : 181 ، ج 1.

لا لغیره ؛ نظیر قولهم : واجب الوجود لذاته _ أی لا لغیره _ لا أنه معلول لذاته ، فالواجب النفسی _ بناء علیه _ هو المراد من المکلّف لا لأجل مراد آخر منه ، والواجب الغیری : هو المراد منه لأجل مراد آخر منه. فإنّ ذات الواجب النفسی حیث إنه مترتّب علی وجود الواجب الغیری ، فله علّیة غائیة بالإضافة إلیه ، کما أن إرادته حیث إنها سابقة علی إرادته ، فلها نحو من العلیة الفاعلیة لها ، وهذا ملاک الأصلیة والتبعیة ، کما سیأتی (1) _ إن شاء الله تعالی _ تحقیقه إن ساعدنا توفیقه تعالی.

50 _ قوله [قدّس سرّه] : ( فإنّ جلها مطلوبات لأجل الغایات ... الخ ) (2).

فإن قلت : هذا فیما کانت الغایة مترتّبة علی ذات الفعل ، لا علی فعل المأتیّ به بداعی الوجوب ، فإن وجوبه لا محالة غیر منبعث عن وجوب الغایة ، فهو واجب لا لواجب آخر ، والإیجاب لیس بمقدّمی وإن کان مقدّمة لتحقیق موضوع الغایة.

قلت : قد ذکرنا فی محلّه (3) : أن قصد القربة وسائر الشرائط دخیلة فی فعلیة التأثیر ، وإلا فالمقتضی ذات الصلاة _ مثلا _ والغایة لا تدعو الا إلی ذیها. نعم : ینبعث منها إرادات مقدمیة لما له دخل فی فعلیة ترتب الغایة علی ذی الغایة ، فیعود الاشکال ، فتدبر.

ص: 106


1- 1. وذلک فی التعلیقة : 78 عند قوله : ( بل التحقیق ... ).
2- 2. کفایة الاصول : 108 / 15.
3- 3. فی التعلیقة : 177 ، ج 1 ، عند قوله : ( والجواب عنه ان إرادة ... ).

51 _ قوله [قدّس سرّه] : ( إلاّ ان اطلاقها یقتضی کونه نفسیا ... الخ ) (1).

قد عرفت (2) : ان تفاوت النفسی والغیری من حیث إن الغایة الداعیة إلی الإیجاب تارة حسن نفس الواجب ، واخری حسن ما یتوصل به إلیه ، بناء علی ما أفاد العلاّمة الاستاذ (قدس سره) ، فما یحتاج إلی التنبیه عرفا کون الوجوب لداع آخر غیر الواجب.

ومنه تعرف : أن إطلاق البعث بمعنی عدم تقییده بانبعاثه عن داع آخر غیر الواجب ، لا التوسعة من حیث وجوب شیء آخر وعدمه ، کما یظهر منه ( رحمه الله ) فی مبحث اقتضاء إطلاق الصیغة للنفسیة وأشباهها ، وقد نبّهنا علی ذلک فی محلّه ، فراجع (3).

ومنه تعرف أیضا : أن التقیید بهذا المعنی لا ینافی کون البعث جزئیا حقیقیا ، فان المقصود ظهور الصیغة بحسب مقدمات الحکمة فی البعث المنبعث عن داعی نفس الواجب ، لا عن داع آخر فی غیره ، مع وضوح أن الدواعی لیست من شئون البعث وأطواره کی توجب تضییق دائرة معناه ومفهومه ، کما نبّهنا علیه فی الواجب المشروط ، فسقط ما سیأتی (4) إشکالا وجوابا (5).

ص: 107


1- 1. کفایة الاصول : 108 / 18.
2- 2. کما فی التعلیقة : 49.
3- 3. التعلیقة : 181 ، ج 1 ، عند قوله ( بل المراد بالاطلاق ... ).
4- 4. الکفایة : 108 _ 109.
5- 5. قولنا : ( فسقط ما سیأتی إشکالا وجوابا ... إلخ ).

.....................................

====

مصداقه ، فإنّ الإرادة النفسانیة تحدث بأسباب خاصّة ، فلا یخلو من محذور ، فإنه لا یترقّب من الإنشاء إیجاد الشیء حقیقة ، حتی یقال : إنّ وجود الإرادة الحقیقیة بمباد مخصوصة ، بل المراد إنشاء الإرادة النفسانیة الموجودة ؛ بأن یتحقّق لها وجود إنشائی کما یکون لها وجود حقیقی ، فلا بد من إقامة البرهان علی أن الموجود الحقیقی غیر قابل لأن یوجد بوجود إنشائی أیضا ، وحیث إن الوجود الإنشائی وجود عرضی للشیء ، فلا منافاة بین کون الشیء موجودا بالحقیقة وموجودا بالعرض ، ولا یلزم من هذا الوجود عروض الوجود علی الوجود ، بل حیث إن الإنشاء والإخبار ، بل کلیة الاستعمال _ ولو فی المفردات _ إیجاد المعنی بالعرض ؛ لینتقل من الموجود بالذات _ وهو اللفظ _ إلی الموجود بالعرض _ وهو معناه _ فلا بدّ من أن یکون سنخ الموضوع له والمستعمل فیه طبیعی المعنی ؛ لأن الموجود خارجیا کان أو ذهنیا غیر قابل لأن یکون انتقالیا ؛ إذ الانتقال لیس إلاّ وجوده الذهنی ، والموجود _ بما هو _ لا یعقل أن یعرضه الوجود الذهنی ، فهذا هو السرّ فی عدم قابلیة الإرادة النفسانیة بحقیقتها للوجود الانشائی. فتدبر جیّدا.

ص: 108

.....................................

====

الکاشف عن الإرادة ، أو أوسع من ذلک؟ فهو أیضا أمر آخر مرّ الکلام (أ) فیه ، فما ذکره شیخنا ( رحمه الله ) _ من أنّ صاحب التقریرات خلط بین المفهوم والمصداق بعد تسلیم کون المنشأ حقیقة الطلب فی کلام المقرّر ( رحمه الله ) _ أمر متین ، کما أن المنشأ لا بدّ من أن یکون سنخه [ سنخ ] المعنی لا الوجود کذلک ، مع وضوح أنّ المعنی الذی هو مدلول الکلام الانشائی بل الخبری ، لا بدّ من أن یکون سنخه سنخ النسبة ، فلا محالة یراد من إنشاء مفهوم الطلب إنشاؤه علی وجه الآلیة والنسبیة.

ص: 109

[ فی الثواب والعقاب علی الأمر الغیری ]

52 _ قوله [قدّس سرّه] : ( لا ریب فی استحقاق الثواب علی امتثال الأمر ... الخ ) (1).

توضیحه : أن المراد بالعقل (2) الحاکم بالاستحقاق هو العقل العملی ، الذی من شأنه أن یدرک ما ینبغی فعله أو ترکه ؛ أی القوة الممیزة للحسن والقبح ، ولکن باعتبار مدرکاته ، وهی المقدمات المحمودة والآراء المقبولة عند عامة الناس ؛ الموجبة لحکمهم بمدح الفاعل أو ذمه _ کما ذکر فی محلّه _ فالموجبة لکذا وکذا هی المعقولات ، لا القوة التی لیس شأنها إلا الإدراک.

فی الثواب والعقاب علی الأمر الغیری

ص: 110


1- 1. کفایة الاصول : 110 / 8.
2- 2. قولنا : ( توضیحه : أنّ المراد بالعقل ... إلخ ).

.....................................

====

من باب دفع الظلم [ عن ] (أ) نفسه ، فلا یستحق عوضا من مولاه.

ص: 111

والمراد بالاستحقاق لیس إیجاب الثواب علی المولی أو العقاب ، کما یشعر به لفظ الاستحقاق : حتی یناقش فیه فی طرف الثواب : إما لجواز الاکتفاء بالنعم العاجلة ، أو لأنّ حقّ المولی (1) علی عبده أن ینقاد له فی أوامره ونواهیه ، فلا معنی لاستحقاق العبد علیه عوضا عنه. بل المراد : أن المدح والثواب علی الإطاعة فی محلّه ، نظیر قولهم باستحقاق المدح والذمّ علی فاعل القبیح والحسن ، فإنّه لیس المراد إیجاب المدح والذمّ علی العقلاء ، بل المدح والذم منهم علی أحد الأمرین فی محلّه.

نعم ، اقتضاء الأعمال الحسنة لصورة ملائمة فی الدار الآخرة ، أو اقتضاء الأعمال السیّئة لصورة منافرة فی الآخرة لعلاقة لزومیة بینهما أمر آخر یشهد بصحته العقل والشرع ، إلاّ أنّ الکلام فی عنوان الاستحقاق عقلا المشترک بین العبید ومولی الموالی وبین سائر الموالی. ومنشأ هذا الحکم _ کما ذکرنا فی محلّه (2) _

ص: 112


1- 1. الأنسب : إما بجواز ... أو بأنّ حقّ المولی ..
2- (2) کما فی تعلیقته ( رحمه الله ) _ من الجزء الثانی من الحجری : 97 _ علی قول الآخوند ( رحمه الله ) :

لیس إلاّ حکم العقلاء باستحقاق فاعل العدل للمدح ، وفاعل الظلم للقدح ؛ لما فی الأوّل من المصلحة العامة ، ولما فی الثانی من المفسدة العامة. وحیث إن فی ذمّة العقلاء _ بما هم عقلاء _ جلب ما فیه المصالح النوعیة ، ودفع المفاسد النوعیة إبقاء للنظام ودفعا للفساد ، فأوّل مراتب إیجاد المقتضیات ودفع الموانع اتفاقهم علی استحقاق فاعل الخیر للمدح ، واستحقاق فاعل الشر للقدح.

ومن الواضح : أن زیّ الرّقّیة ورسم العبودیة یقتضی التمکین للمولی (1) والانقیاد له ، فإنه عدل ، وعدم الخروج عن ذلک بهتک حرمته والإقدام علی مخالفته ، فإنه ظلم.

ومنه علم : أنه لا حاجة فی استحقاق الثواب والعقاب بهذا المعنی إلی جعل من الشارع ، فإنّ مدحه ثوابه ، وذمّه عقابه ، وما ورد من الوعد والوعید فمن باب التأکید والتعیین لما حکم العقل به ، أو بیان لظهور الخیر والشرّ بما یناسبهما من الصورة الملاءمة أو المنافرة فی الآخرة.

53 _ قوله [قدّس سرّه] : ( وإن کان التحقیق عدم الاستحقاق علی موافقته ... الخ (2).

والوجه فیه : أن الوجوب المقدّمی _ کما عرفت _ وجوب معلولی ، کما أن الغرض منه غرض تبعی ، فیکون تحریکه ودعوته ومقربیته کذلک ، فکما أنّ المولی بعد أمره بذی المقدّمة لا یتمکّن من عدم الأمر بالمقدمة ، فیکون البعث نحوها قهریا ، کذلک انقیاد العبد للأمر بذیها یوجب الانقیاد بالعرض لمعلوله وهو الأمر بها ، ولا یعقل الانقیاد للأمر النفسی والانبعاث عنه مع عدم الانقیاد لمعلوله

ص: 113


1- 1. فی الأصل : ( التمکین من المولی ... ) ، والصحیح ما أثبتناه بمعنی تمکین النفس للمولی بالانقیاد وعدم العناد ، وما فی الأصل یؤدّی إلی خلاف المراد.
2- 2. کفایة الاصول : 110 / 10.

والانبعاث عنه ، وإلاّ لم یکن منقادا للأمر النفسی ومنبعثا ببعثه ، وهذا الانبعاث القهری کنفس بعثه ارتکازی ربما لا یلتفت إلیه تفصیلا.

وحیث عرفت عدم استقلال الأمر المقدمی فی الباعثیة ، تعرف : عدم استقلاله فی المقربیة وما یترتّب علیها عقلا ، وکذلک عدم الانبعاث إلیها لیس إلاّ تبعا لعدم الانبعاث إلی ذیها ، فلا بعد إلاّ بتبع البعد المرتّب علی ترک ذیها ، فالاستقلال فی استحقاق الثواب أو العقاب عقلا محال.

فإن قلت : المراد من التبعیة : إن کان عرضیة الوجوب الغیری _ کما ربما یتخیّل أن هناک وجوبا واحدا ینسب إلی الفعل بالذات وإلی مقدّمته بالعرض _ فهو یجدی فی عدم استحقاق الثواب والعقاب ، لکن المبنی فاسد جدا ، بل وجوب المقدمة وجوب حقیقی مغایر لوجوب ذیها ، وهو منبعث عنه عند المشهور ، فلکلّ حکم برأسه.

وإن کان مجرّد التبعیة فی الوجود ، فمن الواضح أن ترتّب تکلیف علی تکلیف خارجا لا یقتضی عدم ترتّب آثاره علیه قطعا ، فکما أن موافقة التکلیف النفسی والانبعاث ببعثه عدل فی العبودیة ، فیستحق المدح ، ومخالفته ظلم ، فیستحق الذمّ ، فکذا موافقة التکلیف المنبعث عنه ومخالفته.

قلت : المراد من التبعیة لیس کون الأمر المقدمی بعثا بالعرض ، ولا المراد من التبعیة مجرد ترتّب أحد الأمرین علی الآخر ، بل المراد : أنّ المقدّمة _ بما هی _ حیث إنّها خالیة عن الغرض ، بل الغرض منها مجرّد الوصلة إلی الغیر ، فکذا البعث نحوها لمجرّد الوصلة ، فکأنه لا نظر إلیها بما هی کالمعنی الحرفی. فکذا موافقته لیست إلاّ لمجرّد الوصلة إلی موافقة الأمر النفسی ، فهذه الموافقة لا تعدّ موافقة اخری فی قبال موافقة الأمر النفسی فی نظر العقلاء ؛ حتی یمدح علیها ، أو یذم علی ترکها.

المراد من التبعیة

ص: 114

54 _ قوله [قدّس سرّه] : ( نعم لا بأس باستحقاق العقوبة ... الخ ) (1).

بملاحظة أن إسقاط الأمر النفسی یکون عند ترک المقدّمة ، فیمتنع فعل ذیها فی ظرفه أو فی تمام الوقت. والعبرة فی باب الاطاعة والمعصیة بانقیاد العبد لأوامر المولی ونواهیه وعدمه ، وحیث إن المقدّمة وجوبها معلولی ، فعدم الانقیاد له بعدم فعلها حینئذ یوجب عدم الانقیاد للأمر بذیها ؛ لما عرفت من التبعیة وجودا وعدما ، فنفس عدم انقیاده للمعلول لازم عدم انقیاده للعلة ، وإن کان ظرف العمل متأخّرا أو باقیا فترک الواجب النفسی الذی هو مصداق المخالفة ، وان لم یعقل ثبوته فعلا _ لأن نقیض الفعل فی الزمان المتأخّر ترکه فیه لا قبله ، وان وجد سببه _ إلاّ أن المعصیة التی یحکم العقل باستحقاق فاعلها الذمّ منوطة بعدم الانقیاد للأمر ، وقد عرفت أن الانقیاد للمعلول لازم الانقیاد للعلة من غیر إمکان الانفکاک ، وکذا عدمه لعدمه ، فهو من الآن غیر منقاد لأمر المولی.

ویمکن أن یقال : إن الانقیاد للأمر النفسی والانبعاث عنه بالنسبة إلی متعلّقه لا یکاد یکون إلاّ فی ظرف متعلّقه ، فعدم الانقیاد والانبعاث _ الذی هو عصیان حقیقی _ هو العدم النقیض للانقیاد والانبعاث المزبورین ، لا العدم المطلق ، ولیس هو إلاّ عدم الانقیاد والانبعاث فی الوقت أو فی تمام الوقت ، لا قبله ولا قبل انقضاء الوقت.

ومنه علم : حال إسقاط الأمر ، فإنّ إسقاط الأمر الذی یکون مصداقا لمعصیة الأمر _ هو البدیل للإسقاط الذی یکون مصداقا لإطاعة الأمر ، وهو الإسقاط فی ظرفه ، أو فی تمام الوقت ، فالأمر وإن کان یسقط بترک المقدّمة الموجب لامتناع ذیها ، إلا أن هذا الإسقاط لا عبرة به ، بل بالإسقاط فی الوقت

ص: 115


1- 1. کفایة الاصول : 110 / 14.

أو فی تمام الوقت ، فهو معاقب علی الاسقاط الثابت فیما بعد بسببه الاختیاری فعلا ، وإلاّ فالإسقاط الآتی لا یعقل ثبوته فعلا ، کما لا یخفی.

55 _ قوله [قدّس سرّه] : ( لا بما هو شروع فی إطاعة الأمر النفسی ... الخ ) (1).

لا یخفی علیک أنّ إطاعة الأمر النفسی _ بما هو أمر نفسی _ لا تکون إلا بلحاظ متعلّقه بنفسه لا بمقدماته.

نعم ، إتیان المقدمة انقیادا للأمر المعلول للأمر النفسی نحو من الانقیاد للأمر النفسی ، ولا موافقة للأمر الغیری إلاّ هذا النحو من الموافقة ، وإلا فموافقته بما هو أمر برأسه لیست موافقة للأمر الغیری ، والکلام فیها.

[ فی اعتبار قصد القربة فی الطهارات ]

56 _ قوله [قدّس سرّه] : ( إن المقدّمة فیها بنفسها مستحبّة وعبادة (2) ... الخ ) (3).

فإن قلت : ما معنی رجحانها الذاتی (4)؟

فی اعتبار قصد القربة فی الطهارات

ص: 116


1- 1. کفایة الاصول : 110 / 18.
2- 2. فی الکفایة _ تحقیق مؤسستنا _ : مستحبّة وعبادة ..
3- 3. کفایة الاصول : 111 / 7.
4- 4. قولنا : ( فإن قلت : ما معنی رجحانها الذاتی؟ ... إلخ ).

...........................................

====

الغیری ، فهو خلف ؛ إذ لا یکون للأمر الغیری موافقة بالاستقلال لیکون متعلّقه عبادة فی عرض المتقید بالطهارة ، وإن کانت من ناحیة استحبابها النفسی ، فالاستحباب یزول بعد [ طروء ] (أ) الوجوب الغیری.

ص: 117

...........................................

====

المأمور به ، والخلف اخری من عدم أخذه فیه.

ص: 118

فإن کان المراد حسن الطهارة والنظافة فی ذاتها ، فمن الواضح أن الشیء ما لم یرتبط إلی المولی _ إما بنفسه أو برابط _ لا یعقل التقرّب به إلیه ، ولا استحقاق الثواب من قبله علیه ، کما فصّلنا القول فیه سابقا فی مسألة التعبّدی والتوصّلی (1).

وان کان المراد کونها _ مع قطع النظر عن غایاتها _ مستحبة شرعا ، فمن البیّن أنّ الوجوب والاستحباب متضادّان ، فاجتماع کلیهما معا محال ، فلا محالة یزول الضدّ الضعیف بطروّ القویّ ، ولا یعقل ثبوت أصل الرجحان فی نفس المولی الا منفصلا بأحد الفصلین ، فلیس الباقی إلاّ أمرا بسیطا وهو الوجوب الغیری الذی لا یوجب القرب ولا الثواب.

قلت : المراد استحبابها شرعا وإن کان لحسنها ذاتا.

ویندفع التوهم المزبور : بناء علی أصالة الوجود ، وبقاء حقیقة العرض عند الحرکة والاشتداد من مرتبة إلی مرتبة ، فإن ذات الإرادة الموجودة من أوّل الأمر باقیة إلی الآخر ، غایة الأمر أنها تنتزع منها مرتبة ضعیفة فی أوّل أمرها ، ومرتبة شدیدة فی آخر أمرها ، لا أنها تنعدم وتوجد من رأس.

وعلیه فأصل الرجحان المحدود بحدّ عدمی _ وهو عدم وجدان مرتبة

ص: 119


1- 1. التعلیقة : 166 ، ج 1.

الشدّة _ المنبعث عن ملاک نفسی موجود فعلا ، غایة الأمر أنه محدود فی هذه الحال بحد آخر ؛ إذ المفروض أن الاشتداد دائما فی الإرادة ومنها وإلیها ، لا إلی غیر الإرادة ، والمفروض بقاء الشخص والوجود الذی هو عین التشخّص ، فاشتدادها لملاک غیری لا یوجب زوال ذاتها المنبعث عن ملاک نفسی ، وإنما کان محدودا بالحدّ الندبی ، لا لخصوصیّة الندبیّة کی یزول الحکم بزوالها ، بل لقصور الملاک عن اقتضاء الزائد علی هذا المقدار ، وإلاّ فالقرب والثواب مترتّبان (1) علی إتیان الراجح من حیث الرجحان ، لا من حیث الفقدان لمرتبة الشدة. 57 _ قوله [قدّس سرّه] : ( والاکتفاء بقصد أمرها الغیری ... الخ ) (2).

تحقیق المقام : أن الأمر الغیری إن کان عبارة عن المرتبة الشدیدة للإرادة الموجودة _ کما صححنا به الجواب _ فلا محالة لا یتعلّق إلاّ بذات الراجح ، لا بما هو راجح ؛ إذ المفروض اشتداد الرجحان الموجود ومتعلّقه _ کأصله _ نفس العمل ، فکیف یدعو الأمر الغیری إلی الراجح بما هو راجح؟!

وان کان عبارة عن إرادة اخری (3) متعلّقة بما تعلّقت به الإرادة الاولی _ بما هی مرادة _ فهو غیر معقول ؛ لأنّ الإرادة الشدیدة مثل أقوی للإرادة الضعیفة ، واجتماع المثلین محال ، خصوصا إذا کان أحدهما أقوی ، فإنّ الضعیف یضمحلّ بعروض القویّ ، وحیث لا یبقی الإرادة الاولی ، فکیف یعقل أن تکون الثانیة داعیة للمراد بما هو مراد ، کی یکون داعیا للداعی؟!

ما هو الأمر الغیری

ص: 120


1- 1. فی الأصل : مترتّب ..
2- 2. کفایة الاصول : 111 / 11.
3- 3. قولنا : ( وإن کان عبارة عن ارادة اخری ... إلخ ).

بل الظاهر : أنّ الاکتفاء بالأمر الغیری لما أشرنا إلیه من أن نفس الرجحان النفسی _ الذی هو عبارة عن إرادته المنبعثة عن ملاک فی نفسه _ متحقّق فی ضمن الوجوب الغیری ؛ إذ الإرادة الموجودة بملاکها تشتدّ بوجود ملاک آخر نفسیا کان أو غیریا ، فیمکن للمکلف إتیان العمل بقصد رجحانه المتأکّد ، لا من حیث إنه متأکّد ، بل من حیث أصله فهو الداعی ، لا أنه داع إلی الداعی.

====

حتی یتعلّق به أمر مقدّمی ، وبین تعلّق الإرادة بإتیانه بداعی کونه مرادا ، فالأمر متعلق بالمقدّمة العبادیة إلاّ أنّ هذا المقید لیس له أمر نفسی ، بل ذات الفعل ، فکیف یشتدّ الإرادة مع اختلاف الموضوعین؟ فیجاب عنه بما أجبنا عنه فی الحاشیة.

ص: 121

لا یقال : فعلی هذا لم یتعلّق الأمر بالمقدّمة ؛ إذ المفروض أنّ المقدّمة عبادیة ، وعبادیتها بإتیانها بقصد رجحانها ، والمفروض أیضا اشتداد رجحانها ، لا تعلّق الأمر الغیری بالفعل المأتیّ به بقصد رجحانه ، مع أنّ الأمر المقدّمی لا یعقل تعلّقه إلاّ بالمقدّمة.

لأنا نقول : وإن کانت الطهارة _ مثلا _ بما هی مرادة مقدّمة ، لکنها بذاتها _ أیضا _ مقدمة ؛ لأن أجزاء المقدمة _ أیضا _ متّصفة بالمقدّمیة ، فإرادته لذات الطهارة توجب اشتداد إرادتها النفسیة الندبیة ، وإرادتها بما هی مرادة من حیث ذات الإرادة بمعنی إتیانها بقصد إرادتها النفسیة ، إرادة اخری مقدّمیة ، لکنها لیست فی عرض الاولی ، ولا متعلّقة بذات العمل حتی یکون من اجتماع المثلین ، بل متعلقة فی الحقیقة بإتیانها بداعی رجحانها أی بجعل الداعی إلیها رجحانها.

ولا یمکن إجراء هذا المعنی فی الإرادة الاولی للزوم تعلّقها بالعمل بداعی رجحانه ، مع أن استحبابه لا یبقی کی یمکن أن یؤتی به بهذا الداعی ، إلا بفرض الاشتداد وبقاء أصل الرجحان ، وفی مثله یستحیل اعتبار قصد الرجحان المتحقّق فی ضمنه ، بل لا بدّ أن یتعلّق بذات المراد حتّی تشتدّ الإرادة. فتدبّر.

وأما لو ارید من الوجوب نفس البعث بالإنشاء _ لا الإرادة النفسانیة _ فمضادّته للاستحباب واضحة ، والحرکة والاشتداد من مرتبة الاستحباب البعثی إلی الوجوب البعثی غیر معقولین ؛ لأنهما أمران اعتباریان بسیطان. واختلاف قول طبیعة الوجوب أو الندب علی أفرادهما معقول إلاّ أنّ لازمه کون الطبیعتین مما یجری فیه التشکیک ، لا الحرکة والاشتداد المختصّان ببعض المقولات دون الکلّ فضلا عن الاعتباریات.

وعلیه فلو کان مناط الرجحان الذاتی استحبابه شرعا ، فلا محالة یزول الحکم الاستحبابی رأسا ، ویثبت الحکم الوجوبی جدّا ، فلا یمکن إتیان المقدّمة بداعی استحبابها الذاتی ، ولا مناص حینئذ إلاّ دعوی : کفایة إتیانها بداعی

ص: 122

مصلحتها النفسیة (1) ، التی هی ملاک استحبابها ورجحانها الذاتی ، لکنه بعنوان کونها داعیة للمولی لو لا المانع ، فإنه نحو من الانقیاد للمولی ، فیندرج تحت العنوان الحسن المضاف إلی المولی بذاته.

أو دعوی : أنّ المراد من رجحانها الذاتی حسنها الذاتی ، لا استحبابها الشرعی ، ولا نعنی بحسنها الذاتی ملاءمتها للقوّة الباصرة أو الشامّة ، بل الحسن العقلی الذی یمدح علیه فاعله ، فإن النظافة _ من منافیات (2) الحضور فی موقع التعبّد _ أدب یمدح علیه العبد ، بل حیث إنّ العبد دائم الحضور بین یدی الله تعالی فالنظافة مطلقا من آداب العبودیة ، وبهذا الاعتبار ورد أن « من أحدث ولم یتوضأ فقد جفانی » (3) ، فإنّ ترک الأدب جفاء.

وعلیه فالتطهّر للغایات الشرعیة ، بل مطلقا حسن علی نحو یرتبط بالمولی ، ویستحقّ من قبله الثواب ولو لم یکن الأمر داعیا.

ص: 123


1- 1. قولنا : ( إلاّ دعوی کفایة اتیانها ... إلخ ).
2- 2. أی إزالة هذه المنافیات أدب ...
3- 3. الوسائل : 1 / 268 ، کتاب الوضوء ، باب 11 فی الوضوء لنوم الجنب وعقیب الحدث ، الحدیث : 2.

58 _ قوله [قدّس سرّه] : ( حیث إنه لا یدعو إلا الی ما هو المقدمة ... الخ ) (1).

لا یخفی علیک : أن الأمر وإن تعلّق بما هو المقدّمة ، فلا یدعو إلاّ إلیها ، إلاّ أنه إنما یجدی فیما إذا لم یکن حاجة فی عبادیّتها وقربیّتها إلی داع من الدواعی ، فإنّ قصد ما هی المقدّمة حینئذ قصد إجمالی لما هو الحسن بالذات.

وأما إذا کانت قربیّتها موقوفة علی الداعی ، فهو لا یعقل إلاّ مع الالتفات إلیه حتّی ینبعث منه القصد إلی ذات المقدمة ، وإلاّ فالقصد إلی ذات المقدّمة منبعث عن نفس الأمر الغیری ، وإن کان واقعا متعلّقا بالفعل المأتیّ به بداعی رجحانه.

والمناسب لعنوان الاکتفاء بالأمر الغیری هو الأول ، فإنّ قصد ما هی المقدّمة قصد إجمالی للراجح بالذات. وأما الثانی فمع الالتفات لا معنی للاکتفاء ؛ لأنّ الداعی الحقیقی موجود ، ومع الغفلة لا یعقل وجوده فی النفس لیکون داعیا.

ومنه یظهر : أنّ العنوان الراجح إذا کان قصدیا إنما یکون مقصودا إجمالا مع الالتفات ، وأما مع الغفلة فلا قصد إلاّ إلی ذات المعنون ، بل سیجیء _ إن شاء الله تعالی _ الإشکال فی صورة الالتفات إلی العنوان المجهول ، ولا یمکن الالتزام برجحان ذات المعنون ، وإلا وقع دائما راجحا ، سواء کان الأمر أو غیره داعیا أو لا. فافهم واستقم.

59 _ قوله [قدّس سرّه] : ( أحدهما _ ما ملخصه : أنّ الحرکات الخاصة ... الخ ) (2).

ص: 124


1- 1. کفایة الاصول : 111 / 12.
2- 2. کفایة الاصول : 111 / 14.

حیث إن الغرض من الأمر الغیری بما هو غیری هو التوصّل ، لا التعبّد ، ومقربیته علی فرض جعله داعیا تبعیة ، فلا محالة لا توجب قربا ولا ثوابا مستقلاّ ، فالغرض من هذا الوجه لیس صیرورة الأمر داعیا بهذه الحیلة والوسیلة (1) ؛ إذ لا یخرج بذلک عن کونه أمرا غیریا غیر قابل للمقرّبیة والمثوبة بالاستقلال ، بل الغرض تصحیح القربیة والمثوبة بنفس قصد العنوان المجهول من طریق الأمر.

وبیانه _ بحیث یندفع عنه ما اورد علیه _ : هو أن الوضوء حیث إنه بنفسه غیر مرتبط بالمولی ، فلا بدّ فی مقربیته وإیجابه لاستحقاق الثواب من ارتباطه بعنوان حسن إلی المولی. والشیء قد یکون بذاته قابلا لارتباطه وإضافته الی المولی ، کنفس تعظیم المولی ، وقد لا یکون کذلک بذاته کتعظیم زید ، فإنه مرتبط بزید لا بالمولی ، لکنه قابل للارتباط بالعرض ، وهو ما إذا عظّم زیدا بداعی أمر المولی وإرادته ، وکل ما بالعرض ینتهی إلی ما بالذات ، فینطبق علی المأتیّ به بهذا الداعی عنوان الانقیاد للمولی والإحسان الیه وأمثالهما ، وهذه عناوین قابلة للارتباط بذواتها.

وحیث إن الوضوء بذاته غیر قابل لارتباطه إلی المولی ، فلا بد فی قبوله للارتباط من فرض عنوان حسن ینطبق علیه ، بحیث کان من العناوین المضافة بذواتها ، ولمّا لم یکن ذلک العنوان معلوما جعل الشارع أمره الغیری الغیر المقرّب طریقا إلی ذلک العنوان ؛ لأنه لا یتعلّق إلاّ بما هی المقدّمة واقعا ، وهو الوضوء بذلک العنوان الحسن المرتبط بنفسه إلی المولی ، فیصدر الوضوء منه معنونا بعنوان

ص: 125


1- 1. نعم : لو کان الاشکال ، فی مجرد عدم کون الأمر داعیا لمعلومیة الغرض _ وهو التوصل إلی ذی المقدمة _ لکانت الحیلة فی جعل الأمر داعیا مجدیة ، وإلا فلو کان الإشکال امتناع دعوة الأمر الغیری بالاستقلال بحیث توجب القرب والثواب ، فلا مجال للحیلة فی جعل الأمر داعیا. ( منه عفی عنه ).

حسن مضاف إلی المولی.

ولا یتوقف المقرّبیة والمثوبة إلاّ علی أمرین : کون الشیء حسنا بالذات أو بالعرض ، وکونه مرتبطا إلی المولی الذی یستحقّ من قبله الثواب بالذات أو بالعرض.

وکون إتیان الشیء بداعی الأمر مقرّبا أو موجبا للثواب لیس جزافا ، بل لأنه یوجب حسن المأتیّ به لو لم یکن حسنا فی نفسه ، ویوجب ارتباطه إلی المولی حتی یصحّ استحقاق الثواب من قبله. فإذا کان الشیء بنفسه حسنا وبذاته قابلا للارتباط کالتعظیم ونحوه ، فلا وجه لاعتبار دعوة الأمر فی المقرّبیة ، ولا فی استحقاق الثواب ، وعلی هذا ینبغی حمل هذا التوجیه ، فإنه وجیه.

ویمکن أن یقال : إن احتمال فائدة عائدة إلی الإنسان ، وإن أمکن أن یکون داعیا له إلی فعل خاصّ ، إلاّ أنّ القصد لا یمکن أن یتعلّق إلاّ بالمبیّن والمعیّن (1) ، لا بالمجهول والمردّد لوضوح أنّ الشوق النفسانی لا یتشخّص فی مرحلة وجوده إلاّ بمتعلّقه ، والمجهول والمردّد _ بما هما مجهول ومردّد _ لا تشخّص لهما کی یکون الشوق الشخصی _ الذی هو جزئی حقیقی _ متشخصا بهما.

ص: 126


1- 1. قولنا : ( إلاّ أنّ القصد لا یمکن ... إلخ ).

ودعوی : إمکان تعلّق الصفات الحقیقیة بالمردّد کالعلم الإجمالی _ کما عن شیخنا واستاذنا العلاّمة _ رفع الله مقامه _ بعیدة عن أنظاره الثاقبة ؛ لأنّ طرف العلم _ الذی به تشخّص العلم _ مفصّل دائما ، وإنّما المردد متعلّق للطرف ؛ بمعنی أن النجاسة معلومة ومتعلّقها غیر معلوم ، وضمّ عدم العلم بشیء إلی العلم بشیء صار سببا لهذا الاسم ، وإلاّ لم یعقل تعلّق الصفة الحقیقیة الشخصیة بالمردّد. کیف؟! والواحدة رفیق الوجود تدور معه ، فالمردّد _ بما هو مردّد _ غیر موجود بمعنی المردّد بالحمل الشائع لا بالحمل الأوّلی ، فإنه علی الثانی مفهوم معیّن ، وعلی هذا فالقصد لا یعقل تعلّقه بالفعل المعنون بعنوانه المجهول والمردّد.

مضافا إلی أنّ بعض العناوین متقوم بالقصد التفصیلی ، کالتعظیم والسخریة _ مثلا _ فإنّ إتیان الفعل بما له من العنوان المطلوب وقوعه واقعا لا یجعله تعظیما ولا سخریة.

60 _ قوله [قدّس سرّه] : ( ثانیهما _ ما محصّله : أن لزوم وقوع الطهارة (1) ... الخ ) (2).

====

3. کفایة الاصول : 112 / 4.

ص: 127


1- القصد لا یکون الجامع مقصودا بالتب�1. وأما القصد إلی مفهوم العنوان الحسن ، فلیس قصدا ولو إجمالا لما هو بالحمل الشائع حسن ، ولیس الأثر مترتبا علی قصد مفهوم العنوان الحسن بل علی مصداقه وما هو بالحمل الشائع عنوان حسن. فتدبره ، فإنه حقیق به.
2- 2. فی الکفایة : تحقیق مؤسّستنا _ : الطهارات ...

هذا هو الجواب الثانی (1) من الجوابین اللذین أجاب بهما العلامة المحقّق الأنصاری _ قدّس سرّه _ فی کتاب الطهارة (2) بأدنی تغییر. کما أنّ الجواب الأوّل یوافق جوابه الأوّل (3) بعض الموافقة ، وإن کان المظنون رجوع ما فی کلامه (قدس سره) إلی رجحان الطهارات ذاتا والاکتفاء بالأمر الغیری لقصد ذاک العنوان الراجح.

ولا یخفی علیک : أنه لا فرق بین هذا الوجه والتصحیح بأمرین من حیث تعلّق الأمر بنفس الوضوء ، غایة الأمر أنّ اعتبار قصد امتثال الأمر الغیری هنا من جهة الدلیل علی دخله فی الغرض ، کما فی العبادات علی التحقیق ، وفی الوجه الآتی یکون معتبرا شرعا بأمر آخر ، فکما یرد علی الوجه الآتی لزوم تعلّق الأمر بغیر المقدّمة ، کذلک یرد علی هذا الوجه ، فتخصیصه به بلا مخصّص.

وفی کلام المجیب (قدس سره) تصریح بأنّ الأمر الغیری حینئذ محقّق لمقدّمیته ، مغن عن أمر آخر. فراجع (4).

ولا یخفی _ أیضا _ أنّ قصد امتثال الأمر الغیری لو کان موجبا لکون الوضوء عبادة مستقلّة ، فلا محالة یترتّب علیها الثواب کسائر العبادات ، فلا وجه للإشکال علی ترتّب الثواب ، ولو لم یکن موجبا لذلک ؛ حیث إن تبعیّة الأمر المقدّمی لا تقتضی إلاّ الانقیاد التبعی ، والانبعاث التبعی لا یجعل الشیء عبادة

ص: 128


1- 1. لا یخفی علیک أن الإشکال المذکور فی کتاب الطهارة لیس فی مقرّبیة الأمر الغیری وترتّب الثواب علی موافقته ، بل فی صیرورة المقدّمة تعبّدیة بالأمر بها للزوم الدور. وحینئذ فالجواب عنه بتعبّدیتها فی ذاتها ، أو لزوم إتیانها بداعی الأمر بها بدلیل آخر أو بأمر آخر ، جواب مطابق للإشکال. ( منه عفی عنه ).
2- 2. ص : 88 من قوله ( رحمه الله ) : ( الثانی _ أنّ الفعل ... الخ ).
3- 3. کتاب الطهارة آخر صفحة 87 وأوّل صفحة 88.
4- 4. کلام الشیخ الأعظم (قدس سره) فی طهارته : 88.

مستقلّة فی عرض ذی المقدّمة.

وحینئذ فلا مجال لتخصیص الإشکال بترتّب الثواب ، والأمر الغیری لا یخرج عن کونه غیریا معلولیا بالقصد إلیه تفصیلا أو إجمالا. فافهم واغتنم.

61 _ قوله [قدّس سرّه] : ( إذ لو لم تکن بنفسها مقدمة لغایاتها ... الخ ) (1).

قد عرفت الجواب عنه من مطاوی کلماتنا سابقا ؛ إذ جمیع أجزاء المقدّمة موصوفة بالمقدّمیة ، فیصحّ تعلّق الأمر المقدّمی بذات الوضوء لدخله فی الصلاة ، وإن کان لإتیانه علی وجه القربیة دخل أیضا ، إلا أنه لا یمکن تعلّق الأمر الغیری بالمقدّمة المتوقّفة مقدمیتها التامّة علی الأمر الغیری ؛ لمحذور الدور ، بخلاف ذات المقدّمة ، فإنّها مقدّمة ناقصة لبداهة دخلها ، فیتعلّق بها الأمر المقدّمی.

62 _ قوله [قدّس سرّه] : ( ولو لم یأت بها بقصد التوصّل بها ... الخ ) (2).

بل لا یمکن قصد التوصّل (3) ؛ إذ لو کان عبادیّتها بقصد التوصّل بها لکانت فی حدّ ذاتها ممّا لا یمکن التوصّل بها ، فکیف یتعلّق قصد التوصّل بها؟! فلا بدّ من أن تکون _ مع قطع النظر عن قصد التوصّل بها _ معنونة بعنوان راجح یصحّح عبادیتها.

ص: 129


1- 1. کفایة الاصول : 112 / 13.
2- 2. کفایة الاصول : 112 / 19.
3- 3. قولنا : ( بل لا یمکن قصد التوصّل ... إلخ ).

ومنه یظهر عدم إمکان القول بقصر العنوان الراجح علی الوضوء المأتیّ به بقصد التوصّل إلی غایة من الغایات. فلا تغفل. 63 _ قوله [قدّس سرّه] : ( فإن الأمر الغیری لا یکاد یمتثل ... الخ ) (1).

إن ارید اعتبار حیثیة التوصّل بالمقدّمة إلی ذیها بنحو الحیثیة التقییدیة لموضوع الأمر الغیری ، فهو خلاف ما سیأتی منه ( رحمه الله ) (2) من عدم تعلّق الأمر بالمقدّمة بعنوانها.

وإن ارید اعتبارها بنحو الحیثیة التعلیلیة فمن الواضح استحالة اجتماع داعیین مستقلین فی الدعوة ، بل مقتضی الاعتبار استقلال الأمر الغیری حینئذ للدعوة ؛ لما قد مرّ غیر مرّة : أنّ الأمر الغیری معلول للأمر النفسی ، فیکون الانقیاد له والانبعاث عنه تبعا للانقیاد له والانبعاث عنه.

وعلیه فلا یعقل الانبعاث عن البعث الغیری إلاّ عند الانبعاث عن البعث النفسی ، لکنه غیر قصد التوصّل إلی الغیر ؛ لأنّ الباعث إلی قصد إتیان

====

3. الکفایة : 113 عند قوله : ( هذا هو السرّ ... ).

إن أرید اعتبار التوصل بالمقدمة بنحو الحیثیة التقییدیة

ص: 130


1- من أن جزء المقدّمة مقدّمة ، فإنه قابل للتوصّل به ، فیصیر بقصد التوصّل عبادة ، نعم هو غیر لازم فی وقوع الوضوء عبادة بعد إتیانه بداعی استحبابه النفسی.
2- 2. کفایة الاصول : 112 / 21.

المقدّمة أمرها لغیری ؛ لمکان انقیاده لعلته وانبعاثه عن سببه ، والانقیاد للعلة یستلزم الانقیاد للمعلول قهرا ، فلا تصل نوبة الدعوة والمحرّکیة إلی قصد التوصّل بالمقدّمة إلی ذیها.

فامتثال الأمر المقدّمی حیث إنه فرع امتثال الأمر بذی المقدّمة ، فلا محالة یستلزم قصد ذیها ، لا قصد التوصّل بها إلی ذیها ، بل هو الداعی لو لم یکن هناک أمر مقدّمی ، أو کان الداعی إلی ذی المقدّمة الغرض القائم بها ، فإن الداعی إلی إتیان المقدّمة حینئذ هو التوصّل بها إلی ذیها ؛ إذ لا معلول تبعی علی الأول ، ولا دعوة للعلّة الفاعلیة علی الثانی ، فلا محالة ینحصر الداعی لقاصد ذیها فی التوصّل بها إلی ذیها.

64 _ قوله [قدّس سرّه] : ( وهذا هو السر فی اعتبار قصد ... الخ ) (1).

لما مر منا سابقا (2) من أنه نحو انقیاد للأمر النفسی بالتبع (3) ، فتکون عبادة تبعیة لا مستقلّة فی عرض العبادة النفسیة. 65 _ قوله [قدّس سرّه] : ( والمقدّمیة إنّما تکون علّة لوجوبها ... الخ ) (4).

لکنه _ مما تقرّر فی محلّه _ هو أن الحیثیات التعلیلیة راجعة إلی الحیثیات التقییدیة فی الأحکام العقلیة ، ولذا قیل : الأغراض فی الأحکام العقلیة عناوین

الحیثیات التعلیلیة راجعة الی التقییدیة

ص: 131


1- 1. کفایة الاصول : 113 / 4.
2- 2. کما فی التعلیقة : 60 عند قوله : ( ولا یخفی أیضا ... ).
3- 3. قولنا : ( لما مرّ منا سابقا ... إلخ ).
4- 4. کفایة الاصول : 113 / 9.

لموضوعاتها ؛ لأنّ الغایة وجودها العلمی علّة لوجودها العینی ، إذا تمّت سلسلة العلل والمعلولات ، وخرجت من حدّ الإمکان إلی الوجوب ، فالمراد الجدّی ما یترتّب علیه الغایة من حیث إنه کذلک ، فالمطلوب الحقیقی هی الغایة.

وعلیه فالمطلوب هی المقدّمة من حیث إنها مقدمة ، فإذا أتی بها من حیث مقدّمیّتها کان ممتثلا للأمر الغیری ، وإلاّ فلا وإن کان مسقطا للغرض : حیث إنّ ذاتها مقدّمة بالحمل الشائع ، ولیس الغرض دخل قصد التوصّل فی المقدّمیة ؛ حتّی یقال : بأنه محال ، وأنه لو لم یقصد ذلک لم یکن آتیا بالمقدّمة ، بل الغرض دخله فی امتثال الأمر الغیری. فافهم جیّدا.

[ فی اعتبار قصد التوصل فی وجوب المقدمة ]

66 _ قوله [قدّس سرّه] : ( وأنت خبیر بأنّ نهوضها ... الخ ) (1).

حیث إن الحاکم فیها هو العقل ، وهو یری وجوب المقدّمة من رشحات وجوب ذیها ، وإذ لا یعقل اشتراط وجوب ذیها بارادته للزوم انقلاب الإیجاب إلی الإباحة (2) ، کذلک لا یعقل اشتراط إیجاب المقدمة بإرادة ذیها ؛ لأنه فرع اشتراط

فی اعتبار قصد التوصل فی وجوب المقدمة

ص: 132


1- 1. کفایة الاصول : 113 / 16.
2- 2. قولنا : ( للزوم انقلاب ... إلخ ).

وجوب ذیها ، فلا وجه لدعوی نهوض دلیل وجوب المقدمة علی اشتراطه بارادة ذیها.

67 _ قوله [قدّس سرّه] : ( وعدم دخل قصد التوصل فیه واضح ... الخ ) (1).

قد عرفت آنفا (2) : أن الحیثیات التعلیلیة (3) فی الاحکام العقلیة راجعة الی التقییدیة ، وأن الأغراض فی الأحکام العقلیة عناوین لموضوعاتها. فإذا کانت مطلوبیة المقدّمة لا لذاتها ، بل لحیثیة مقدّمیتها والتوصّل بها ، فالمطلوب الجدّی والموضوع الحقیقی للحکم العقلی نفس التوصّل.

ومن البیّن أن الشیء لا یقع علی صفة الوجوب ومصداقا للواجب _ بما هو واجب _ إلاّ إذا اتی به عن قصد وعمد حتی فی التوصّلیات ؛ لأنّ البعث _ تعبّدیا کان أو توصّلیا _ لا یتعلّق إلاّ بالفعل الاختیاری ، فالغسل الصادر بلا اختیار وإن کان مطابقا لذات الواجب ومحصّلا لغرضه ، لکنه لا یقع علی صفة الوجوب ؛ أی مصداقا للواجب بما هو واجب ، بل یستحیل أن یتعلّق الوجوب بمثله ، فکیف یکون مصداقا له؟!

فاعتبار قصد التوصّل فی وقوع المقدّمة علی صفة الوجوب مطلقا من جهة أن المطلوب الحقیقی بحکم العقل هو التوصّل ، وما لم یقع الواجب علی وجهه المتعلّق به الوجوب _ وهو کونه عن قصد وعمد _ لا یقع مصداقا للواجب بما هو واجب.

ص: 133


1- 1. کفایة الاصول : 114 / 7.
2- 2. فی التعلیقة : 65.
3- 3. قولنا : ( قد عرفت آنفا. أن الحیثیات التعلیلیة ... إلخ ).

68 _ قوله [قدّس سرّه] : ( ولذا اعترف بالاجتزاء بما لم یقصد ... الخ ) (1).

ص: 134


1- 1. کفایة الاصول : 114 / 8.

قد عرفت : أن عینیة المأتیّ به لذات المأمور به وکونه محصّلا لغرضه لا دخل لها بوقوعه علی صفة الوجوب ، فلا یکون التخصیص بلا مخصّص.

69 _ قوله [قدّس سرّه] : ( نعم إنّما اعتبر ذلک فی الامتثال ... الخ ) (1).

قد عرفت (2) : أنه لا یعتبر من حیث الامتثال الموجب لترتّب الثواب ، بل من حیث إن ذات الواجب إذا لم یصدر عن قصد وعمد إلیه لا یقع مصداقا له ؛ لتعلقه بالاختیاری ولو فی التوصّلی.

70 _ قوله [قدّس سرّه] : ( فیقع الدخول فی ملک الغیر واجبا ... الخ ) (3).

إذا فرض فعلیة وجوب إنقاذ الغریق وتنجزه علیه بالالتفات إلیه ، فلا یقع الدخول واجبا ، کما لا یقع حراما :

أما عدم وقوعه واجبا ، فلما عرفت (4) من أن الواجب الحقیقی هو التوصّل وهو وان کان موجودا واقعا ، لکنه لعدم القصد إلیه لا یقع مصداقا للواجب بما هو واجب.

وأما عدم وقوعه حراما فلأنّ المفروض تنجّز وجوب ذی المقدّمة ، فلا یمکن أن یکون ذات المقدمة حراما لاستحالة إیجاب الانقاذ بالحرام لکونه ممنوعا شرعا ، فیکون ممتنعا عقلا ، والأمر به محال ، وحیث إن الواجب أهمّ فلا محالة یسقط الحرمة. فتدبّر جیّدا.

ولا یخفی علیک : أنّ ارتفاع الحرمة لیس من جهة وجوب المقدمة ؛ حتّی

ص: 135


1- 1. کفایة الاصول : 114 / 11.
2- 2. فی التعلیقة : 67.
3- 3. کفایة الاصول : 114 / 15.
4- 4. لاحظ التعلیقة : 67.

یقال : بأنه بعد الالتزام بوجوب التوصّل فالغصب المعنون بعنوان التوصّل قصدا مرفوع الحکم دون الغصب مطلقا ، بل الغصب لا بعنوان التوصّل یقع حراما ولم یقع واجبا ، بل قد عرفت أن ارتفاع الحرمة لمکان أهمیة إنقاذ الغریق ومقدّمیة الغصب فی ذاته.

نعم التحقیق : أن الالتزام بعدم حرمة الغصب إذا بنی علی عدم الإنقاذ فی غایة الإشکال ، بل یجب القول بحرمته بناء علی الترتّب ، فإن حرمة الغصب فی ظرف عصیان الأمر بالأهمّ _ وهو ظرف سقوط الأمر بالأهمّ _ لا مزاحم لها. فالغصب فی صورة البناء علی عدم إتیان الأهمّ مع استمراره علی البناء المزبور باق علی حرمته لعدم المزاحم. فتدبّر.

وأما علی القول بالمقدمة الموصلة فغایته عدم وجوب غیر الموصلة لا حرمتها.

[ فی المقدّمة الموصلة ]

71 _ قوله [قدّس سرّه] : ( ولیس الغرض من الواجب (1) إلاّ حصول ما لولاه ... الخ ) (2).

لا یخفی علیک : أن ما أفاده (3) (قدس سره) وإن کان هی الجهة الجامعة لجمیع المقدّمات من السبب والشرط والمعدّ ، إلاّ أنّ هذا المعنی السلبی التعلیقی لیس أثر وجود المقدّمة ، ولا هو متعلّق الغرض.

فی المقدمة الموصلة

ص: 136


1- 1. فی الکفایة : تحقیق مؤسّستنا _ : من المقدّمة ...
2- 2. کفایة الاصول : 116 / 1.
3- 3. قولنا : ( لا یخفی علیک أنّ ما أفاده ... إلخ ).

.......................................

====

العدمی ، وهو ما یستلزم من عدمه العدم ، کما نصّ به صاحب التقریرات (أ) ، وإما امکان حصول ذی المقدمة ، وإما التمکّن من ذی المقدّمة والقدرة علیه ، کما فی کلماته (ب) (قدس سره). والکل مخدوش :

ص: 137

کما أن إمکان ذی المقدّمة ذاتا ووقوعیا _ وکذا التمکّن منه _ غیر مترتّب علی وجود المقدّمة ، بل إمکانه مطلقا والقدرة علیه یتبعان إمکانها والقدرة علیها لا وجودها ، فذو المقدّمة لا یوجد بدونها ، لا أنّه لا یمکن بدونها ، أو لا یتمکّن منه بدونها.

بل الغرض الأصیل حیث إنه مترتّب علی وجود المعلول ، فالغرض التبعی من أجزاء علّته ترتّب وجوده علی وجودها إذا وقعت علی ما هی علیه من اتصاف السبب بالسببیة والشرط بالشرطیة وفعلیة دخله فی تأثیر المقتضی أثره.

فوقوع کلّ مقدّمة علی صفة المقدّمة الفعلیة ملازم لوقوع الاخری علی تلک الصفة ووقوع ذیها فی الخارج ، وإلاّ فذات الشرط المجرّد عن السبب ، أو السبب المجرّد عن الشرط ، أو المعدّ المجرّد عن وقوعه فی سبیل الإعداد ، مقدمة بالقوة لا بالفعل. ومثلها غیر مرتبط بالغرض الأصیل المترتّب علی وجود ذی المقدّمة ، فلا تکون مطلوبة بالتبع ، ولیس الفرق بین الموصل وغیر الموصل إلا بالفعلیة والقوة ، وملازمة الأوّل لذی المقدّمة وعدم ملازمة الثانی _ کما سیأتی إن شاء الله تعالی _ هذا ما یوافق مسلک صاحب الفصول (1) ( رحمه الله ).

====

2. الفصول الغرویة : 86 / التنبیه الأوّل.

ص: 138


1- مصحّح للفاعل بالقوّة لا بالفعل ، والمعدّ الموجود فقط _ بلا تأثیر فعلی _ مقرّب بالقوة ، لا بالفعل ، ومع اقتران کلّ واحد بالآخر یکون تلک المعانی فعلیة ، فالفاعل فاعل بالفعل ، والشرط مصحّح بالفعل ؛ والمعدّ مقرّب بالفعل.

ویمکن أن یقال _ أیضا _ : حیث إن المعلول متعلّق للغرض الأصیل ، فلا محالة تکون علّته التامّة متعلّقة للغرض بالتبع ؛ حیث إنها علّة ومحصّلة لغرضه الأصیل ، لا کلّ ما له دخل وإن لم یکن محصّلا للغرض الأصیل ، فإنّ وجوده وعدمه مع عدم الغرض الأصیل علی حدّ سواء ، فالعلّة التامّة هی المرادة بتبع إرادة المعلول ، وکما أن الإرادة المتعلّقة بالمعلول واحدة وإن کان المعلول مرکّبا ، کذلک الإرادة المتعلّقة بالعلّة التامّة واحدة وان کانت العلّة مرکبة.

وکما أن منشأ وحدة الإرادة فی الأوّل وحدة الغرض ، کذلک المنشأ فی الثانی وحدة الغرض ، وهو الوصول إلی المعلول.

وکما أنّ إتیان بعض أجزاء المعلول لا یسقط الإرادة النفسیة المتعلّقة بالمرکّب ، بل باقیة إلی آخر الأجزاء وإن کان یسقط اقتضاءها شیئا فشیئا ، کذلک الإرادة الکلیة المتعلّقة بالعلّة المرکّبة لا تسقط إلا بعد حصولها الملازم لحصول معلولها ، وان کان یسقط اقتضاؤها شیئا فشیئا.

وکما أن أجزاء المعلول لا تقع علی صفة المطلوبیة إلاّ بعد التمامیة ، کذلک أجزاء العلّة لا تقع علی صفة المطلوبیة المقدّمیة إلاّ بعد التمامیة ، لوحدة الطلب فی کلیهما ، ومنشؤها وحدة الغرض.

فان قلت : إذا جعلت إرادة المعلول من أجزاء العلة صحّ الوصول إلی الغرض الأصیل ، إلاّ أنّ تعلّق الأمر المقدّمی بالإرادة غیر معقول _ کما سیأتی فی المتن (1) _ وإلاّ فلا یترتّب علی مجموع المقدّمات الوصول إلی الغرض الأصیل ؛ لإمکان الإتیان بها مع عدم إرادة ذیها.

قلت : إرادة ذیها من أجزاء العلّة ، وتعلّق الإرادة التشریعیة بها لا مانع منه

ص: 139


1- 1. الکفایة : 116 _ 117 عند قوله : ( قلت : نعم وإن استحال ... ) انظر التعلیقة : 72 فإنها توضح المطلوب.

بل یستحیل خلافه ، فإنّ الإنسان إذا اشتاق إلی فعل الغیر عن اختیار ، فلا محالة یرید إرادة الغیر له کسائر المقدّمات بلا فرق ، والشوق إلی إرادة الغیر لا مانع منه ، وإنما لا یمکن البعث نحو الإرادة ؛ لأنّ المفروض ترتّب الغرض علی الفعل الصادر عن إرادة ، وفی مثله لا یعقل البعث نحو الإرادة ؛ إذ البعث جعل الداعی إلی فعل الغیر ، ومعناه صیرورته داعیا لإرادته الفعل ، فالإرادة حینئذ مقومة للانبعاث بالبعث ، ومثلها لا یعقل أن یکون مبعوثا إلیه ، وسیجیء (1) تتمة الکلام فی شرح ما افید فی المقام.

ومثل هذا المانع غیر موجود فی تعلّق الشوق بإرادة الغیر من حیث کونها من مقدّمات المطلوب واقعا ، فیکون البعث المقدّمی المتعلّق بما عدا الإرادة کالبعث النفسی المتعلّق بما عدا القربة فی التعبّدیات ، بل ما نحن فیه أولی ؛ لأنّ البعث النفسی بنفسه مقدّمة لحصول الإرادة وإن لم تکن مبعوثا إلیها ، فالمولی یحصل غرضه المقدمی بجعل البعث النفسی باعثا إلی الفعل الموجب لتحقّق الإرادة ، فلا حاجة إلی البعث المقدّمی إلی الإرادة ، وبجعل البعث المقدّمی نحو بقیّة المقدّمات کلّیّة.

وأما فی مرحلة الواقع فجمیع المقدّمات مرادة بإرادة واحدة لغرض الوصول إلی ذیها ، ووحدة البعث وتعدده لا ینافیان وحدة الإرادة الجدیة ، کما فی أجزاء الواجب النفسی إذا بعث نحو کلّ واحد واحد بخصوصه.

72 _ قوله [قدّس سرّه] : ( لعدم کونها بالاختیار وإلاّ لتسلسل ... الخ ) (2).

ص: 140


1- 1. وذلک فی التعلیقة : 72.
2- 2. کفایة الاصول : 117 / 1.

قد أسمعناک فی بعض الحواشی السابقة (1) : أنّ الإرادة لا یمکن أن تکون إرادیة إلی الآخر للزوم التسلسل.

وأما ثبوت الإرادة عن إرادة فقط فلا محذور فیه ؛ بداهة أنّ من لا شوق له إلی فعل الصلاة یمکن أن یحدث فی نفسه الشوق إلیها بالتأمّل فیما یترتّب علی متابعة هواه ومخالفة مولاه إلی أن یحدث فی نفسه الشوق إلیها ، فینشأ الشوق إلیها عن شوق متعلّق بالتأمّل الموجب لحدوثه.

وأمّا سر عدم التکلیف المقدّمی بالإرادة فلما أسمعناک آنفا من أن الغرض حیث إنه مترتّب علی الفعل الصادر عن إرادة ، لا عن إرادة منبعثة عن إرادة اخری ، وهکذا فحینئذ لا مجال للبعث نحو الإرادة ؛ إذ معنی البعث جعل الباعث والداعی نحو الشیء ، ولا یکون البعث باعثا وداعیا إلا بواسطة الإرادة ، فالإرادة بنفسها مقوّمة للانبعاث نحو الفعل ، ولا یعقل أن تکون الإرادة مبعوثا إلیها ، إلاّ إذا ارید انبعاثها عن إرادة ، والمفروض ترتّب الغرض علی مجرّد الفعل الصادر عن إرادة بل مقتضی النظر الدقیق أن الغرض دائما مترتّب علی ذات الفعل ، وأن الارادة لا مقدمیة لها دائما ، وإنما اعتبرت الإرادة من جهة أن البعث والانبعاث حتّی فی التوصّلیات لا یکون إلاّ عن إرادة لتقوّمهما بها ، فهی مقدّمة للفعل الواقع علی صفة المبعوثیة والوجوب لا له مطلقا.

وقد عرفت أیضا (2) : أن إرادة الغیر کسائر مقدّمات فعله مرادة للآمر بإرادة واحدة ناشئة من غرض الوصول إلی المعلول ، ولا یلزم من البعث إلی ما عداها تفویت غرضه ؛ لأنّ نفس البعث النفسی وإن تعلّق بالفعل إلاّ أنّه مقدّمة للإرادة ،

ثبوت الإرادة عن إرادة لا محذور فیه

ص: 141


1- 1. کما فی التعلیقة : 152 ، ج 1 ، عند قوله : ( وأما الثالث فبیانه : أن الإرادة .... ).
2- 2. فی التعلیقة : 71 عند قوله : ( قلت : إرادة ذیها ... ).

وانبعاث المأمور متقوّم بها ، فالبعث إلی کلّ فعل مقدّمة لوجود الإرادة ، لا أنه بعث نفسی ومقدّمی ، وحیث إنّ نفس البعث النفسی واف بتحصیل الإرادة ، فلا بأس بتخصیص البعث المقدمی بما عداها. فافهم واغتنم.

73 _ قوله [قدّس سرّه] : ( إن التوصّل بها إلی الواجب من قبیل شرط الوجود ... الخ ) (1).

لا یخفی علیک أنّ التوصّل ینتزع عن المقدّمات بملاحظة بلوغها إلی حیث یترتب علیها الواجب ویمتنع انفکاکها عنه ، فهو ملازم لترتّب الواجب لا أنه منتزع منه ؛ حتّی یرجع الأمر إلی شرطیة الواجب النفسی لمقدّماته ؛ کی یتوهم محذور الدور تارة (2) ، ولزوم ترشّح الوجوب الغیری إلی الواجب النفسی اخری ، أو لزوم الخلف من وجوب غیر الموصل علی فرض وجوب الموصل.

ص: 142


1- 1. کفایة الاصول : 117 / 16.
2- 2. قولنا : ( کی یتوهّم محذور الدور ... إلخ ).

74 _ قوله [قدّس سرّه] : ( لو کان ذلک لأجل تفاوت فی ناحیة المقدّمة ... الخ ) (1).

عنوان الموصلیة وإن کان من عوارض المقدمة _ بمعنی ما یلزم من عدمه العدم _ لکنّها مقوّمة للمقدّمة بمعنی العلّة التامّة کما عرفت ، إلاّ أنّ تصوّر عنوان حسن ملازم لعنوان الواجب فی مقدّماته ممکن ، فیکون الشیء بما له من العنوان الحسن مقدّمة ، فینحصر المقدّمة قهرا فی الموصلة ، لکنه أخصّ مما یدّعیه صاحب الفصول (2) ، کما لا یخفی. 75 _ قوله [قدّس سرّه] : ( ضرورة أنّ الموصلیة إنّما تنتزع ... الخ ) (3).

قد عرفت آنفا (4) : أنّ الموصلیة وشبهها من العناوین منتزعة من المقدّمة

====

5. وذلک فی التعلیقة : 73.

الموصلیة من العناوین المنتزعة

ص: 143


1- ما هو الجواب فی غیر المقام فهو الجواب هنا من التأکد ونحوه.
2- 2. کفایة الاصول : 119 / 9.
3- 3. الفصول الغرویة : 86 / التنبیه الأوّل.
4- 4. کفایة الاصول : 119 / 10.

عند بلوغها إلی حیث یمتنع انفکاکها عن ذیها ، لا أنّها منتزعة من ترتّب ذیها ، نظیر عنوان العلیة والمعلولیة بنحو التمامیة ، فإنّهما عنوانان متضایفان متلازمان ینتزع کلّ منهما عن ذات العلّة وعن ذات المعلول ، فالعلّة التامّة لا تنتزع إلا عن الشیء عند بلوغه إلی حیث یکون المعلول به ضروریّ الوجود ، لا عن المعلول ، وکذلک المعلول ینتزع من الشیء عند بلوغه إلی حیث یکون بسبب العلّة ضروری الثبوت ، لا عن العلة.

76 _ قوله [قدّس سرّه] : ( ضرورة أنّ الغایة لا تکاد تکون قیدا لذی الغایة ... الخ ) (1).

قد عرفت ممّا مرّ (2) : أن عنوان التوصّل غیر ترتّب ذی المقدّمة علی مقدّماته ، فلا مانع أن یکون مثله قیدا لذات المقدّمة.

بل قد عرفت (3) : أنه لا بدّ من أن تکون الغایة فی الأحکام العقلیة عنوانا لموضوعاتها ، فهی المطلوبة بالحقیقة فضلا من أن تکون مطلوبة بطلب ذی الغایة ، والذی لا یعقل أن یکون قیدا ومطلوبا بطلبه ترتّب ذی المقدّمة علی مقدّماته ، فإنّ لازمه ترشّح الطلب من الغایة إلی نفسها.

لا یقال : التوصّل وإن کان غیر ترتّب ذی المقدّمة _ بل ملازما له _ فلا یضرّ قیدیته ، إلا أنّ التقیّد فی الشروط الشرعیة لا یتحقّق إلاّ بتحقّق المشروط بها ؛ بداهة توقّفه علی الطرفین ، فلا یعقل أن یکون غرضا ومقصودا من الشروط الشرعیة.

لأنّا نقول : عنوان التقیّد من العناوین الإضافیة المتشابهة الأطراف

ص: 144


1- 1. کفایة الاصول : 120 / 4.
2- 2. انظر التعلیقة : 73.
3- 3. وذلک فی التعلیقة : 65.

_ کالاخوّة والجوار _ فکلّ من الشروط والمشروط بها متصف به ، والعنوانان المتضایفان المتشابهان متلازمان ، لا أنّ المشروط بها علة لحصول الوصف القائم بشروطه ، فالصلاة حال وجود شروطها فی المکلّف ینتزع منها ومن شروطها عنوان التقیّد ، وتقیّد کلّ منهما بالآخر متلازم مع تقید الآخر [ به ]. فتدبّره ، فإنّه دقیق.

77 _ قوله [قدّس سرّه] : ( ولعلّ منشأ توهّمه خلطه بین الجهة ... الخ ) (1).

قد عرفت سابقا وآنفا (2) : رجوع الجهة التعلیلیة إلی التقییدیة فی الأحکام العقلیّة ، بل فی الشرعیّة المستندة إلیها للبرهان المتقدّم.

نعم فی غیرها لا رجوع ، بل لا یعقل ، لأنّ العلّة والمناط _ حیث إنه مجهول بعنوانه _ لا یعقل البعث الجدی والتحریک الحقیقی نحوه بعنوانه ؛ لما عرفت من أنّ البعث جعل الداعی إلی الشیء ، ومع الجهل بعنوانه لا یعقل توجّه القصد إلیه بعنوانه ؛ حتی یعقل جعل الداعی للقصد إلیه ، فافهم واغتنم.

78 _ قوله [قدّس سرّه] : ( ثم انه لا شهادة ... الخ ) (3).

لا یخفی أنّ القائل بالمقدّمة الموصلة لیس غرضه من صحّة المنع الاستدلال بها علی وجوب الموصلة مطلقا ؛ حتی یرد بأنّ الاختصاص لأجل المانع ، وأن ذلک لعارض.

بل غرضه : إبطال دعوی استحالة وجوب الموصلة _ کما أفاده شیخنا الاستاذ (قدس سره) _ وحینئذ فالجواب منحصر بعدم صحّة المنع عن غیر

ص: 145


1- 1. کفایة الاصول : 120 / 8.
2- 2. کما فی التعلیقة : 65.
3- 3. کفایة الاصول : 120 / 11.

الموصلة کما افید ثانیا.

79 _ قوله [قدّس سرّه] : ( مع أنّ فی صحّة المنع عنه کذلک نظرا ... الخ ) (1).

قد عرفت (2) معنی الإیصال ومباینة حقیقته لحقیقة ترتّب ذی المقدّمة وإن کانا متلازمین ، فیرجع المنع حینئذ إلی المنع عن غیر العلّة التامّة ، أو عن غیر الواقع علی صفة المقدّمیة بالفعل ، فلا یتوقّف الجواز علی إتیان ذی المقدّمة ، بل المقدّمة الجائزة ملازمة لذیها.

لا یقال : لو کانت العلة التامة بسیطة ، لم یرد محذور ، بخلاف المرکبة ، فانها مرکبة من المقدمات المحرمة لفرض المنع عن المقدمات الناقصة.

لأنا نقول : لا محالة یکون الممنوع هی المقدّمة التی اقتصر علیها من دون تعقیبها بسائر المقدّمات ؛ فالمقدّمات المترتّبة فی الوجود لا تقع محرّمة إذا أتی بها شیئا فشیئا ، بخلاف ما إذا اقتصر علی بعضها. وعلی أیّ حال لا دخل لذلک بتوقّف جوازها علی وجود ذیها بل متلازمان ، وحیث إنه قادر علی المقدّمة المباحة ، فهو قادر شرعا علی ذیها فلا یرد شیء من المحاذیر.

80 _ قوله [قدّس سرّه] : ( لاختصاص جواز مقدّمته بصورة ... الخ ) (3).

هذا إذا کان الجواز مشروطا بنحو الشرط المقارن أو المتقدّم (4).

ص: 146


1- 1. کفایة الاصول : 120 / 16.
2- 2. وذلک فی التعلیقة : 73.
3- 3. کفایة الاصول : 120 / 17.
4- 4. قولنا : ( هذا إذا کان الجواز مشروطا ... إلخ ).

....................................

====

لا یخفی _ علی ما أشرنا إلیه فی الحاشیة المتقدّمة _ أن الجواز غیر معلّق علی تعقیب المقدمة بذیها ، بل المقدّمة المتعقبة بذیها جائزة ، فالمقدمة الخاصّة مباحة فعلا ، لا أن الإباحة مشروطة الحصول بحصول الخصوصیة ؛ لیرد محذور طلب الحاصل ونحوه.

ص: 147

....................................

====

ولا توجب المقارنة طلب الحاصل ، بل الأصل فی البعث کما مرّ لزوم مقارنته مع المبعوث إلیه ، بل محذوره أن مقتضی إناطة الوجوب بوجوب متعلّقه کون متعلّقه مفروض الحصول وعدم التسبیب إلی تحصیله مع أنّ إیجاب شیء تسبیب إلی إیجاده ، ففرض التسبیب إلی إیجاد شیء وفرض حصوله وعدم التسبیب إلی تحصیله متنافیان.

ص: 148

وأما إذا کان بنحو الشرط المتأخّر فالبانی علی إتیان الواجب یقطع بالجواز من أوّل الأمر للعلم بتحقّق شرطه فی ظرفه ، ولا ینتظر ترتّب الواجب ، ولا بدّ من جعله شرطا کذلک ؛ إذ لا معنی للمنع والترخیص بعد الوجود ، فالمنع أو الترخیص بالنسبة إلی الأمرین المترتّبین فی الوجود إذا کان المنع أو الترخیص فی الأول مشروطا بوجود الثانی ، فلا محالة یکون مشروطا بنحو الشرط المتأخّر ، لکیلا یلزم المنع والترخیص بالنسبة إلی الأمر الموجود قبلهما.

وأما اشتراط الجواز بإرادة فعل الواجب ، فیوجب انقلاب الإیجاب إلی الإباحة وتعلیقه علی إرادة المأمور ؛ إذ مع عدم الإرادة لا ترخیص فی المقدّمة ، فلا إیجاب فی ذیها ، فیتوقّف الإیجاب فی الحقیقة علی إرادة المکلّف.

ولا فرق من هذه الحیثیة بین الشرط المقارن والمتقدّم وبین الشرط المتأخّر ؛ لعلمه بأنه لو لم یرد لا ترخیص فی المقدّمة ، فلا وجوب لذیها ، فیتوقف الإیجاب علی إرادته ، فیجوز له ترک هذا الواجب دائما.

ومنه یظهر : أن اشتراط الجواز بنفس الإتیان بنحو الشرط المتأخر ، إنما یجدی بالإضافة إلی محذور طلب الحاصل ، لا بالإضافة إلی تعلیق الإیجاب علی مشیّة المکلّف ؛ لعلمه بأنه لو لم یأت باختیاره لا جواز للمقدّمة من الأوّل ولا وجوب لذیها کذلک ، لکن تخصیص جواز المقدّمة بإرادة ذیها لعلّه خروج عن الفرض _ وهو جواز المقدّمة الموصلة دون غیرها _ مع کون إرادة ذیها من مقوّمات المقدّمة الموصلة.

ثم اعلم : أنّ الصحیح فی الإشکال هو محذور طلب الحاصل ، وأما لزوم عدم کون ترک الواجب مخالفة وعصیانا ، فمخدوش : بأنه مع عدم الوجوب قبل الوجود لا وجوب ؛ حتی یکون الترک ترک الواجب ؛ لیلزم عدم کونه مخالفة وعصیانا ؛ لینافی طبیعة ترک الواجب.

ص: 149

[ فی ثمرة القول بالمقدّمة الموصلة ]

81 _ قوله [قدّس سرّه] : ( فان ترکها علی هذا القول لا یکون مطلقا ... الخ ) (1).

توضیحه : انّ الترک الموصل إذا کان واجبا فنقیضه حرام _ وهو ترک الترک الموصل _ فإنّ نقیض کلّ شیء رفعه ، لا الفعل المطلق والترک الغیر الموصل ، فإنّ النقیضین لا یرتفعان مع أن الفعل المطلق والترک الموصل یرتفعان لإمکان الترک الغیر الموصل ، کما أن الترک الموصل والترک الغیر الموصل یرتفعان لإمکان الفعل المطلق ، بخلاف الترک الموصل وترک الترک الموصل فإنّهما لا یرتفعان ، فاذا لم یکن الفعل المطلق نقیضا للترک الموصل فلا یحرم بوجوب الترک الموصل.

بخلاف ما إذا کان الترک المطلق واجبا ، فإنّ الفعل المطلق وإن لم یکن نقیضا له اصطلاحا ، لکن یکفی فی حرمته المنافاة والمعاندة الذاتیة بینهما لتقابلهما بتقابل السلب والإیجاب کالوجود والعدم.

والتحقیق خلافه لما عرفت سابقا من أنّ المراد بالمقدمة الموصلة : إما هی المقدّمة التی لا تنفکّ عن ذیها ، أو هی العلّة التامّة ، فالمقدمة الموصلة للإزالة علی الثانی ترک الصلاة ووجود الإرادة.

ومن الواضح : أن نقیض المجموع من الأمرین مجموع النقیضین (2) ، وإلاّ

فی ثمرة القول بالمقدمة الموصلة

ص: 150


1- 1. کفایة الاصول : 121 / 3.
2- 2. قولنا : ( ومن الواضح : أن نقیض المجموع ... إلخ ).

فلیس لهما معا بهذا الاعتبار نقیض ، فنقیض الترک هو الفعل ، ونقیض الإرادة عدمها ، فإذا وجب مجموع الترک والإرادة بوجوب واحد حرم مجموع الفعل وعدم الإرادة بحرمة واحدة. ومن الواضح تحقّق مجموع الفعل وعدم الإرادة عند إیجاد الصلاة ؛ بداهة عدم إمکان إرادة الإزالة مع فعل الصلاة.

ومما ذکرنا ظهر : أن ارتفاع المجموع بما هو مجموع لا یضرّ بالمناقضة بین المفردین ؛ إذ لیس للمجموع وجود إلا بالاعتبار ، وإلاّ فنقیض کلّ واحد من الأمرین المجتمعین فی اللحاظ لا یعقل أن یکون مرفوعا مع نقیضه ، فلا یرتفع الفعل والترک معا والإرادة وعدمها معا ؛ نظیر ما إذا لوحظ وجود زید وعدم عمرو معا ، فإنّ نقیضهما عدم زید ووجود عمرو ولا یرتفعان قطعا وإن أمکن وجود زید ووجود عمرو معا أو عدمهما ؛ لما عرفت من أنّ الاعتبار فی المناقضة والمعاندة بنفس المفردات لا بضمّ بعضها إلی بعض بالاعتبار.

وأما علی الأوّل فالمقدّمة هو الترک الخاصّ (1) ، وحیث إن الخصوصیة

====

2. قولنا : ( فالمقدّمة هو الترک الخاصّ ... إلخ ).

ص: 151


1- الأجزاء حیث إنها متعدّدة الوجود ، فهی متعدّدة الرفع حقیقة ، والوحدة الاعتباریة المصحّحة للترکّب والکلیة نقیضها رفعها بحسب ذلک النحو من الوجود الاعتباری لا بحسب نحو وجود الأجزاء خارجا ، فاذا فرض وجودان جمعهما وحدة اعتباریة ، فرفع ذین الوجودین عدمهما حقیقة ، إلا أنّ عدم تلک الوحدة الاعتباریة بالذات والواحد بالاعتبار بالعرض : تارة یساوق عدم الجزءین ، واخری یساوق عدم أحد الجزءین ، وبهذا الاعتبار یقال : رفع المجموع أعم ، ونقیض الأخص أعمّ فافهم واغتنم. [ منه قدّس سرّه ]. ( ن ، ق ، ط ).

ثبوتیة فالترک الخاصّ لا رفع لشیء ولا مرفوع بشیء ، فلا نقیض له بما هو ، بل نقیض الترک المرفوع به هو الفعل ، ونقیض خصوصیته عدمها الرافع لها ، فیکون الفعل محرّما لوجوب نقیضه. ومن الواضح أن الفعل مقترن أیضا بنقیض تلک الخصوصیة المأخوذة فی طرف الترک کما هو واضح. فافهم واغتنم.

82 _ قوله [قدّس سرّه] : ( ومع الإتیان بها لا یکاد یکون هناک ترتب ... الخ ) (1).

لا یخفی أن علامة عدم کونه نقیضا للترک الموصل ما بیناه فی تقریب الثمرة ، وأما لزوم الترتّب فی النقیض (2) فغیر لازم ؛ اذ لیس نقیض کل شیء إلاّ رفعه ، فلا یعتبر فیه الترتّب المعتبر فی الترک الموصل ، وهو واضح.

83 _ قوله [قدّس سرّه] : ( نعم لا بدّ أن لا یکون الملازم محکوما فعلا ... لاخ ) (3).

ص: 152


1- 1. کفایة الاصول : 121 / 4.
2- 2. قولنا : ( وامّا لزوم الترتب فی النقیض ... الی آخره ).
3- 3. کفایة الاصول : 121 / 21.

والوجه فیه علی المشهور : لزوم التکلیف بما لا یطاق فی ما إذا کان الملازم محکوما بحکم تکلیفی إلزامی ، ولزوم السفه والعبث فیما إذا حکم علیه بالإباحة والترخیص.

84 _ قوله [قدّس سرّه] : ( فإنه بنفسه یعاند الترک المطلق وینافیه ... الخ ) (1).

إن کان الغرض من المعاندة والمنافاة (2) مجرّد عدم الاجتماع فی الواقع

ص: 153


1- 1. کفایة الاصول : 122 / 1.
2- 2. قولنا : ( إن کان الغرض من المعاندة ... إلخ ).

فمن الواضح عدم اجتماع الفعل مع الترک مطلقا. وإن کان عدم ارتفاعهما معا فهو لازم أعمّ للنقیض وللازم النقیض ، فالصحیح فی الجواب ما سیأتی (1) إن شاء الله تعالی.

85 _ قوله [قدّس سرّه] : ( فلو لم یکن عین ما یناقضه بحسب الاصطلاح ... الخ ) (2).

هذا الالتزام بملاحظة ما هو المشهور فی الألسنة : من أنّ نقیض کلّ شیء رفعه ، والفعل أمر وجودی ، ولیس رفعا للترک ، بل نقیضه اللاترک ورفعه. وهو غفلة عن المراد بالرفع ، فإن الرفع فی هذه العبارة کما علیه أهله (3) بالمعنی الأعم من الفاعلی والمفعولی ، فالإنسان إنما یکون نقیضا للا إنسان حیث إنه مرفوع به ، واللاإنسان إنما یکون نقیضا للإنسان حیث إنه رافع له ، وإلاّ لم یتحقّق التناقض بین شیئین أبدا ؛ بداهة أن اللاترک وإن کان رفعا للترک ، لکنّ الترک لیس رفعا للاترک ، والمناقضة إنّما تکون بین الطرفین.

ومنه ظهر : أن الفعل نقیض للترک لأنه مرفوع به ؛ حیث لا معنی لترک

====

4. الاسفار وتعلیقات المحقق السبزواری (ره) علیه : 106 _ 107 فی بیان أصناف التقابل وأحکام کل منها.

ص: 154


1- یکون ترک الترک منطبقا علی الفعل فلا مانع من أن یکون جامعا بین الفعل والترک المجرّد ؛ إذ المانع لیس إلا من طرف الانطباق علی الفعل ، ومع الالتزام به ، فلا مانع من انطباقه علی الفعل والترک المجرّد معا ، فلا یلزم حینئذ تعدّد النقیض.
2- 2. وذلک فی التعلیقة الآتیة : 85.
3- 3. کفایة الاصول : 122 / 1.

الفعل إلاّ عدمه ونفیه ، والترک نقیض للفعل ، حیث إنه رفع له ، وهکذا الأمر فی الوجود والعدم ؛ إذ لا معنی للعدم إلاّ سلب الوجود ورفعه ، لا أن نقیضه منحصر فی اللاوجود.

86 _ قوله [قدّس سرّه] : ( لکنه متحد معه عینا وخارجا ... الخ ) (1).

لا یخفی علیک أن شیئا من المفاهیم السلبیة العدمیة لا ینتزع من الامور الوجودیة بما هی وجودیة ، وإلا لا نقلب ما حیثیة ذاته طرد العدم الی ما یقابله ، فلا یعقل اتحاد معنی عدمی مع أمر ثبوتی عینی فی الوجود بأن یکون مطابق أحدهما عین مطابق الآخر ؛ لأنّ المقام لیس من قبیل إیجاب السلب أو السلب العدولی (2) ، بل من قبیل السلب التحصیلی.

والبرهان علی الاتحاد والصدق : بأن الشیء لا یخلو عن المتقابلین بتقابل السلب والإیجاب ، فإذا لم یصدق علی الفعل عنوان الترک ، صدق علیه اللاترک ، وهو النقیض الاصطلاحی.

مخدوش : بأنّ عدم صدق الترک لا یقتضی صدق اللاترک ولا یخرج به عن المتقابلین ، بل عدم صدق الترک علیه هو معنی السلب المقابل للترک ، وإلاّ فحیثیة الثبوت لا یعقل أن تکون عین حیثیة النفی.

ص: 155


1- 1. کفایة الاصول : 122 / 2.
2- 2. لأن الکلام فی مجرّد التقابل بالسلب والإیجاب ، ویکفی فیه رفع الشیء بالسلب التحصیلی _ الذی ملاکه نفس رفع الشیء ، لا رفع شیء عن شیء أو إثبات رفعه له _ فکما أن ترک الصلاة _ مثلا _ لا یقتضی إلا عدم تحقّق الصلاة لا صدق العدم علی شیء کذلک ترک ترک الصلاة لا یقتضی إلاّ عدم الترک ، لا صدق عدم الترک علی شیء لیلزم اتحاد معنی عدمی مع وجودی وعینیته له.

[ فی الواجب الأصلی والتبعی ]

87 _ قوله [قدّس سرّه] : ( حیث یکون الشیء تارة متعلّقا للإرادة والطلب ... الخ ) (1).

لا مقابلة بین الأصلی والتبعی بهذا المعنی ، إلاّ (2) بإرادة الإرادة التفصیلیة من الأصلی ، والإرادة الإجمالیة الارتکازیة من التبعی ، مع أن الإرادة النفسیة ربّما تکون ارتکازیة ؛ بمعنی أنه لو التفت إلی موجبها لأراده ، کما فی إرادة إنقاذ

====

3. إذ مقابل الالتفات عدمه ، لا تبعیة إرادة لإرادة ، فإنها مقابلة لعدم التبعیة ، وکذا عدم الالتفات بضمیمة التبعیة لا یقابل الالتفات ، فانه بهذه الضمیمة یخرج عن التقابل ، بل الإرادة التفصیلیة المتقوّمة بالالتفات مقابلة للإرادة الارتکازیة الجبلیة المتقوّمة بعدم الالتفات. [ منه قدس سره ].

فی الواجب الاصلی والتبعی

ص: 156


1- تحصیلا ؛ لأنه باعتبار ایجاب السلب لیس نقیضا للموجبة المحصّلة لیلزم تعدّد النقیض لشیء واحد ، وإنما لا تکون الموجبة السالبة المحمول نقیضا للموجبة المحصلة ومقابلا لها بتقابل الإیجاب والسلب ؛ لأنهما یرتفعان بارتفاع موضوعهما ، فقولنا : ( زید بصیر ) و ( زید لا بصیر ) أی له عدم البصر _ یتوقف علی وجود الموضو�1. فمع عدمه یرتفعان ، بخلاف المتقابلین بتقابل السلب والایجاب.
2- 2. کفایة الاصول : 122 / 5.

الولد الغریق عند الغفلة عن غرقه ، والحال أنه لا شبهة فی کونها إرادة أصلیة لا تبعیة. مضافا إلی أن المناط لو کان التفصیلیة والارتکازیة لما کان وجه لعنوان التبعیة ؛ حیث إن تبعیة الإرادة لإرادة اخری لیس مناط الوجوب التبعی ، بل ارتکازیتها لعدم الالتفات إلی موجبها ، فلا وجه للتعبیر عنها بالتبعی.

بل التحقیق : ما أشرنا إلیه فی بعض الحواشی (1) المتقدمة (2) من أنّه للواجب _ وجودا ووجوبا بالنسبة إلی مقدمته _ جهتان من العلیة :

إحداهما _ العلیة الغائیة : حیث إن المقدّمة إنّما تراد لمراد آخر لا لنفسها ، بخلاف ذیها فإنه مراد لا لمراد آخر کما مرّ مفصلا.

للواجب جهتان من العلیة

ص: 157


1- 1. وذلک فی التعلیقة : 49.
2- 2. قولنا : ( بل التحقیق : ما أشرنا إلیه ... إلخ ).

والثانیة _ العلیة الفاعلیة : وهی أنّ إرادة ذی المقدّمة علّة لإرادة مقدّمته ، ومنها تنشأ وتترشح علیها الإرادة.

والجهة الاولی مناط الغیریة ، والجهة الثانیة مناط التبعیة. ووجه الانفکاک بین الجهتین : أنّ ذات الواجب النفسی حیث إنّه مترتّب علی الواجب الغیری ، فهو الغایة الحقیقیة ، لکنّه ما لم یجب لا یجب المقدّمة ، فوجوب المقدّمة معلول خارجا لوجوب ذیها ومتأخّر عنه رتبة ، إلاّ أنّ الغرض منه ترتّب ذیها علیها.

ومما ذکرنا تبین : أنّ التبعیة بلحاظ المعلولیة سواء اریدت المقدّمة تفصیلا للالتفات إلیها ، أو ارتکازا للغفلة عنها ، وأنّ الالتفات إلیها الموجب لتفصیلیة الإرادة لا یقتضی الأصلیة ، کما أنّ الغفلة عن ما فیه مصلحة نفسیة الموجبة لارتکازیة الإرادة لا تنافی أصلیتها لعدم تبعیّتها لإرادة اخری.

88 _ قوله [قدّس سرّه] : ( ثم إنه إذا کان الواجب التبعی ما لم یتعلّق به ... الخ ) (1).

إن کان مناط التبعیة عدم تفصیلیة القصد والإرادة فالتبعیة موافقة للأصل للشکّ فی أنّ الإرادة ملتفت إلیها أولا (2) ، والأصل عدمه ، وإن کان مناطها نشوء الإرادة عن إرادة اخری وترشّحها منها ، فالأصلیة موافقة للأصل ؛ إذ الترشّح من إرادة اخری ونشوّها منها أمر وجودی مسبوق بالعدم ، ولیس

ص: 158


1- 1. کفایة الاصول : 123 / 4.
2- 2. قولنا : ( للشکّ فی أن الإرادة ملتفت إلیها ... إلخ ).

الاستقلال فی الإرادة علی هذا أمرا وجودیا ، بل هو عدم نشوّها عن إرادة اخری ، بخلاف الاستقلال من حیث توجّه الالتفات إلیها ، فإنّه أمر وجودی کما عرفت.

[ فی ثمرة مقدمة الواجب ]

89 _ قوله [قدّس سرّه] : ( فإنه بضمیمة مقدّمة کون شیء مقدّمة لواجب ... الخ ) (1).

لا یخفی علیک : أنّ جعل الوضوء _ مثلا _ مقدّمة ، والحکم علیه بأنّ کلّ مقدّمة یستلزم وجوب ذیها وجوبها _ وهو نتیجة المسألة _ ینتج أنّ الوضوء یستلزم وجوب ذیه وجوبه ، وهذا تطبیق النتیجة الکلیة الاصولیة علی مصادیقها ، لا أنّ القیاس المزبور منتج لوجوب المقدّمة لتکون نتیجته حکما فقهیا ، کما أنّ جعل الوضوء مقدّمة ، والحکم علی کلّ مقدّمة بالوجوب کذلک ، فإنّ هذا تطبیق محض

====

2. کفایة الاصول : 123 / 13.

ص: 159


1- فالحق معه (قدس سره) من حیث سبق الارادة الفعلیة بالعدم ، إلاّ أن التبعیة بکلا الشقین غیر متصوّرة فی المرادات الشرعیة ؛ لعدم الغفلة فی حق الشارع أصلا ، فالتبعیة فیه إنّما تتصوّر من الحیثیة الثانیة ، وهی نشوّها وانبعاثها عن إرادة اخری علی المشهور ، أو انبعاثها عن غرض التمکن من ایجاب ذی المقدّمة ، لکن انبعاثها عن إرادة اخری أو عن غرض إیجاب ذی المقدّمة لیس من قبیل الجزء الوجودی للإرادة التبعیة ؛ حتی یقال : إن أصل الإرادة معلوم ، والجزء الآخر مسبوق بالعدم ، بل الإرادة المنبعثة عن إرادة اخری أو عن غرض کذا إرادة خاصة ، وهذا الخاص کذلک الخاصّ الآخر علی حدّ سواء فی المسبوقیة بالعدم [ منه قدّس سره ]. ( ن ، ق ، ط ).

یتوقف علی الفراغ عن وجوب کل مقدّمة ؛ حتّی یصحّ أن یقال : الوضوء مقدّمة ، وکلّ مقدّمة واجبة ، مع أن هذه الکلیة لیست نتیجة البحث عن المسألة الاصولیة ، بل نتیجة المسألة ثبوت الملازمة ، فالقیاس المنتج للوجوب المناسب للفقه أن یجعل ثبوت الملازمة کلیة صغری للقیاس المنتج للحکم الشرعی ، فیقال : کلّ مقدّمة یستلزم وجوب ذیها وجوبها ، وکلّ ما کان کذاک فهو واجب ، فیستنتج منه : أنّ کلّ مقدّمة واجبة ، ثمّ هذا القیاس الفقهی ینطبق علی موارده. فتأمّل ، فإنّه حقیق به.

90 _ قوله [قدّس سرّه] : ( ومنه انقدح أنه لیس منها ... الخ ) (1).

لأنّها من باب تطبیق الحکم المستنبط فی محلّه علی مورده ، غایة الأمر أنه بالملازمة _ ثبوتا أو نفیا _ یثبت لها مصداق أو لا یثبت.

91 _ قوله [قدّس سرّه] : ( وحصول الفسق بترک ... الخ ) (2).

لا یخفی علیک : أن تفریع ثمرة الفسق بالإصرار لا یتوقّف علی خصوص هذا الفرض ؛ لیجاب بما سیأتی (3) منه (قدس سره) ، بل یمکن فرض آخر (4) وهو ما إذا ترک واجبین نفسیین عن مقدّمتین ، وقلنا : إن الإصرار یتحقّق بترک أربعة أفراد من الواجب ، فإنه مع وجوب المقدّمتین یحصل الإصرار ، وإلاّ فلا ، ولا یلزم منه المحذور الآتی أصلا.

ص: 160


1- 1. کفایة الاصول : 123 / 15.
2- 2. کفایة الاصول : 123 / 16.
3- 3. الکفایة : 123 عند قوله : ( ومنه قد انقدح ... ).
4- 4. قولنا : ( بل یمکن فرض آخر ... إلخ ).

92 _ قوله [قدّس سرّه] : ( مع أنّ البرّ (1) وعدمه إنما یتبعان ... الخ ) (2).

وهنا شقّ آخر ، وهو ما إذا قصد مطلق ما یکون واجبا حقیقة شرعا ، لا ما ینصرف إلیه لفظ الواجب ولا مصادیق الواجب بحیث یعم الغسل والوضوء علی أیّ تقدیر.

93 _ قوله [قدّس سرّه] : ( ولا یکاد یحصل الاصرار علی الحرام ... الخ ) (3).

قد مرّ سابقا : أنّ الأمر (4) وإن کان یسقط بترک أول مقدّمة موجب لامتناع ذیها ، إلاّ أنّ الإسقاط الذی یکون مصداقا للعصیان هو المقابل للإسقاط الذی یکون مصداقا للإطاعة ، وهو الإسقاط فی ظرفه عصیانا أو

====

5. قولنا : ( قد مرّ سابقا : أنّ الأمر ... الخ ).

ص: 161


1- لعدم ترتب ترک ذی المقدمة خارجا علی ترک المقدمة ، وحینئذ فإن تحقّق الإصرار بترک کلّ من الواجبین النفسیین بعد الآخر فهو ، وإن لم تکن المقدّمة واجبة أصلا وإن لم یتحقّق إلاّ باربعة تروک مترتّبة ، فلا ترتّب فیه أیضا. [ منه قدّس سرّه ]. ( ق ، ط ).
2- 2. فی الأصل : ( البرء ... ) ، والصحیح ما أثبتناه من ( ط ).
3- 3. کفایة الاصول : 123 / 19.
4- 4. کفایة الاصول : 124 / 2.

إطاعة ، فالإسقاط من أوّل الأمر لا عبرة به ، بل العبرة بذلک لاسقاط البدیل للامتثال المتّصل بالإسقاط من أوّل الأمر ، وحیث إنّ سببه اختیاری ، فهو کذلک.

وهکذا الأمر فی مقدّمات الواجب ، فإنها واجبة من أول الأمر ، وبعصیان أوّل مقدّمة یسقط جمیع الوجوبات من النفسی والغیری ، ویکون ترک کل واحد فی ظرفه عصیانا لأمره ، فیتحقّق هناک معاص مترتّبة إلی أن ینتهی إلی معصیة الواجب النفسی ، وسبب الکلّ ترک المقدّمة الاولی ، فلیس سقوط الوجوب النفسی من أوّل الأمر موجبا لعدم اتّصاف التروک المترتّبة بالمعصیة (1). فتدبّره جیدا.

نعم ، لا وقع لهذه الثمرة من حیث إن الوجوب الغیری لا إطاعة ولا عصیان له فی عرض الوجوب النفسی کما تقدم.

94 _ قوله [قدّس سرّه] : ( ولا یکون ترک سائر المقدّمات بحرام ... الخ ) (2).

إن کان غرضه ( رحمه الله ) عدم حرمتها من رأس فمن الواضح أنّ وجوب سائر المقدّمات غیر مشروط بفعل الاولی.

وإن کان غرضه ( رحمه الله ) أنّ ترک شیء إذا کان حراما بترک بعض مقدّمات فعله ، فلا تسری الحرمة إلی جمیع تروکه (3) ، فمن البیّن أنّ الواجب جمیع مقدّماته واجبة ، وأن ترکها ترک الواجب وأن الترک لیس بحرام ؛ لعدم انحلال

ص: 162


1- 1. إذ لم یکن وجوبها مشروطا بفعل المقدمة الاولی. ( منه عفی عنه ).
2- 2. کفایة الاصول : 124 / 4.
3- 3. قولنا : ( فلا تسری الحرمة إلی جمیع تروکه ... الخ ).

کل حکم تکلیفی إلی تکلیفین فعلا وترکا.

وإن کان غرضه ( رحمه الله ) أن الأمر النفسی إذا سقط فلا أمر مقدّمی بمقدّماته ، فلا یکون هناک حرمة حتّی یتصف التروک بالحرمة ؛ لیتحقّق معصیة بعد معصیة (1) ؛ لیتحقّق الإصرار المتقوّم بفعل معصیة بعد معصیة.

فمندفع : أولا _ بأن اللازم هو التعلیل بعدم ترتب التروک لا عدم حرمتها.

وثانیا _ قد عرفت ترتّبها فی الحاشیة المتقدّمة.

95 _ قوله [قدّس سرّه] : ( وفیه أوّلا أنه لا یکون من باب ... الخ ) (2).

قد عرفت سابقا (3) : أنّ الحیثیات التعلیلیة راجعة إلی التقییدیة فی أمثال

ص: 163


1- 1. قولنا : ( وإن کان غرضه (ره) أنّ الأمر النفسی ... إلخ ).
2- 2. کفایة الاصول : 124 / 18.
3- 3. قولنا : ( قد عرفت سابقا ... إلخ ).

المقام ، فالواجب بحکم الملازمة العقلیة هو الشیء لا بذاته ، بل بما هو توصّل إلی واجب آخر. ولذا اعتبرنا سابقا قصد التوصّل فی وقوعه علی صفة الوجوب ومصداقا للواجب ، ولا ینافی هذا کون الواجب المقدمی هو المقدمة بالحمل الشائع ، لا عنوانها الصادق علی نفسها بالحمل الأوّلی ؛ إذ المقصود وجوب حقیقة التوصّل بما هی ، لا ذات الوضوء بما هو حرکة خاصة ، فالمقدّمة حقیقة هو الوضوء فقط ، إلاّ أنّ الوضوء _ من حیث إنه بالحمل الشائع مقدّمة _ واجب ، وهذه الحیثیة ملحوظة فی الموضوع عقلا.

96 _ قوله [قدّس سرّه] : ( وثانیا لا یکاد یلزم الاجتماع ... الخ ) (1).

إن قلت : عدم الاجتماع لیس إلاّ من ناحیة الامتناع ، وهو مناف للتنزّل.

قلت : یمکن دعوی عدم الاجتماع بغیر ملاک امتناع اجتماع الأمر والنهی ، بل بملاحظة أن الإیجاب لا یتعلّق بالممتنع ، والممتنع شرعا کالممتنع عقلا لو لم نقل بوجوب المقدّمة أصلا.

ومن الواضح : أنّ الواجب من الطریق الحرام لا یمکن امتثاله شرعا ، إلا

====

2. کفایة الاصول : 125 / 1.

ص: 164


1- الحج فان الحرکة الواحدة لها عنوان الغصب ، وعنوان السیر إلی الحج.

أن یقال : إن مبغوضیة المقدّمة بعنوان لا یزید علی مبغوضیة نفس الواجب بعنوان ، ولیس لازم إیجاب الشیء من الطریق المحرّم إلاّ الإذن فی المحرّم ، ولا فرق فی الاجتماع منعا وجوازا بین الوجوب والحرمة ، أو الجواز والحرمة ، فمن یجوّز الاجتماع له تجویز الاجتماع فیما نحن فیه.

نعم ، تجویز الأمر بذی المقدّمة المحرّمة فی صورة انحصارها ، التزام بالتکلیف بالممتنع ، والمجوّز _ أیضا _ لا یقول به ، فلا شهادة لعدم الاجتماع فیها علی شیء. فتدبّر.

97 _ قوله [قدّس سرّه] : ( إن الاجتماع وعدمه لا دخل له ... الخ ) (1).

إن کان الغرض من الثمرة مجرّد جعل المورد من مصادیق مسألة الاجتماع ، فلا مجال لهذا الإیراد کما هو واضح.

وإن کان الغرض تفریع التوصل بالمقدمة المحرّمة إلی ذیها علیه _ کما نسب إلی ظاهر الوحید البهبهانی (2) (قدس سره) _ فالإیراد فی محلّه ، ولعلة کذلک ؛ لأنّ تعداد المصادیق لمسألة الاجتماع فی مقام ذکر الثمرة بعید. فتأمل.

[ فی تأسیس الأصل فی مقدمة الواجب ]

98 _ قوله [قدّس سرّه] : ( مدفوع : بأنه وإن کان غیر مجعول بالذات ... الخ ) (3).

ظاهر کلامه _ زید فی علوّ مقامه _ تسلیم کون المورد من قبیل لوازم

فی تأسیس الاصل فی مقدمة الواجب

ص: 165


1- 1. کفایة الاصول : 125 / 1.
2- 2. مطارح الأنظار آخر صفحة : 81 عند قوله : ( الرابع : ما قد نسبه ... ).
3- 3. کفایة الاصول : 125 / 15.

الماهیة (1) ، إلاّ أن حاله حالها فی عدم قبول الجعل استقلالا وبالذات وقبول الجعل بالعرض ، وهو کاف فی جریان الأصل.

والتحقیق : کونه من قبیل لوازم الوجود لا لوازم الماهیة ؛ إذ لیست إرادة المقدّمة بالإضافة إلی إرادة ذیها کالزوجیة بالإضافة إلی الأربعة ، فإنّ الزوجیة من المعانی الانتزاعیة (2) من الأربعة بلحاظ نفسها مع قطع النظر عن الوجودین من الذهن والعین ، وهو مناط کون الشیء من لوازم الماهیة ، فنفس وضع الماهیة کافیة فی صحة انتزاعه منها ، فلذا لا وجود له غیر وجودها ، فلا جعل له غیر جعلها ، والجعل الواحد ینسب إلی الماهیة بالذات وإلی لازمها بالعرض ، بخلاف إرادة

ص: 166


1- 1. قولنا : ( ظاهر کلامه _ زید فی علوّ مقامه _ ... إلخ ).
2- 2. هذا علی ما هو المعروف فی لوازم الماهیة ، وأما علی ما هو التحقیق : من أن الوجود هو الأصیل وأن الماهیة اعتباریة ، فلا یعقل أن ینتزع ماهیة من ماهیة اخری ، ویستحیل أن تکون ماهیة مستلزمة لماهیة اخری ، وإلاّ کان الاستلزام والاستتباع جزء ذات الماهیة ، بل المراد من لوازم الماهیة لوازمها ، سواء کانت موجودة فی الذهن أو فی العین ، لا مع قطع النظر عن الوجودین ، لکن تلک اللوازم حیث أنها منتزعة من الماهیة الموجودة ذهنا أو عینا ، فلا محالة لا وجود استقلالی لها ، بل وجودها بوجود منشأ انتزاعها ، ومن المعلوم أن إرادة المقدمة لیست منتزعة من ارادة ذیها ، بل إرادة فی قبالها ، فإن الإرادة لیست انتزاعیة ، بل من المقولات المتأصلة الغیر الانتزاعیة. ( منه عفی عنه ).

المقدّمة فإنّها بحسب الوجود غیر إرادة ذیها ، لا أنّ إرادة واحدة متعلّقة بذیها بالذات وبها بالعرض ، ومع تعدّد الوجود یجب تعدّد الجعل ، فلا یعقل کون الوجوب المقدّمی بالإضافة إلی الوجوب النفسی من قبیل لوازم الماهیة التی لا اثنینیة لها مع الماهیة وجودا وجعلا.

نعم حیث إن الغرض الأصیل یدعو إلی إرادة ذی المقدّمة أوّلا وبالذات وإلی إرادة المقدّمة ثانیا وبالتبع ، یطلق علی جعل وجوب المقدّمة أنه جعل بالتبع ، وهو غیر الجعل بالعرض الذی ینسب إلی لازم الماهیة فی قبال جعل الماهیة ، وإلی جعل الماهیة فی قبال جعل الوجود. فتدبّر ، فإنه حقیق به.

هذا إن ارید الإشکال علی أصل الجعل.

وإن ارید الإشکال علی اختیاریة الإیجاب المقدّمی (1) حیث إنه لا یتمکّن

ص: 167


1- 1. قولنا : ( وإن ارید الإشکال علی اختیاریة ... إلخ ).

المولی من عدمه بعد إیجاب ذی المقدّمة ، فقد أشرنا سابقا إلی دفعه : من أن الإیجاب بالاختیار لا ینافی الاختیار ، فإن العلّة المتأصّلة فیهما واحدة ، فإذا تمّت تلک العلّة وبلغت حدّ الوجوب وجد معلولها قهرا ، وهو عین الإیجاد بالإرادة والاختیار ، وإلاّ لزم صدور المعلول عن غیر علّته التامّة ، أو إمکان انفکاک المعلول عن علّته التامّة.

وبالجملة : حال الوجوب المقدّمی کحال الوجوب النفسی إشکالا وجوابا. فافهم واستقم.

99 _ قوله [قدّس سرّه] : ( نعم لو کانت الدعوی هی الملازمة ... الخ ) (1).

بل الدعوی فی خصوص مرتبة الفعلیة (2) ، فإنّ الوجدان والبرهان لیس إلاّ علی استلزام إرادة ذی المقدّمة لإرادة المقدّمة ، وعلی استلزام البعث الحقیقی نحوه للبعث الحقیقی نحوها ، بلا نظر إلی مرتبة الإنشاء بما هی إنشاء ؛ بداهة عدم الوجدان والبرهان فی مثلها.

ص: 168


1- 1. کفایة الاصول : 126 / 5.
2- 2. قولنا : ( بل الدعوی فی خصوص ... إلخ ).

والجواب حینئذ ما ذکرناه فی أمثال المقام فی أوّل مبحث الظن (1) : أن إحراز الإمکان فی موارد العمل غیر لازم ، بل إحراز الاستحالة مانع ، وإلاّ فالدلیل الظاهر فی شمول المورد حجّة علی التعبّد به ما لم تقم حجّة علی خلافه ، واحتمال الاستحالة غیر حجّة ، فلا یمنع عن تصدیق الحجّة فتدبّر جیّدا.

[ فی الاستدلال علی وجوب المقدّمة ]

100 _ قوله [قدّس سرّه] : ( والأولی إحالة ذلک إلی الوجدان ... الخ ) (2).

دعوی الوجدان فی مثل الإرادة _ حیث إنها من الکیفیات النفسانیة الحاضرة للنفس بذاتها _ لا شبهة فی صحتها ، وأما بالاضافة إلی البعث والتحریک _ مع عدم کونهما من الأمور الباطنة المدرکة بالحواسّ الباطنة _ فبملاحظة أنّ البعث الحقیقی لیس إلاّ الإنشاء بداعی البعث والانبعاث ، فهو متقوّم بما لا

====

3. کفایة الاصول : 121 / 8.

فی الاستدلال علی وجوب المقدمة

ص: 169


1- ( لصحّ التمسّک بالأصل فی إثبات بطلانها ) أ. انتهی. فیوافق حینئذ ما أجبنا به کلّیة : من أن احتمال الاستحالة غیر مانع عن تصدیق الحجّة الظاهرة فی الإمکان لظهورها فی الوقوع الذی هو أخصّ منه ، فتدبّر جیدا. [ منه قدّس سرّه ].
2- 2. وذلک فی تعلیقته (ره) _ من الجزء 3 : 120 تعلیقة 54 _ علی قول الآخوند (ره) : ولیس الإمکان بهذا المعنی بل مطلقا ... إلخ ) : الکفایة : 276.

یدرک إلاّ بالحواس الباطنة ، فیصحّ فیها دعوی الوجدان.

وأمّا مولویة الآمر ، فإنّما تتمّ فی خصوص البعث دون الإرادة ، لأنّ المولویة من صفات الآمر ؛ إذ الإنشاء لو کان بداعی البعث جدّا ولجعل الداعی حقیقة ، فهو أمر من المولی بما هو مولی وسیّد ؛ حیث لا یکون الإنشاء داعیا وباعثا ، إلاّ باعتبار ما یترتّب علی مخالفته وموافقته من العقاب والثواب والقرب والبعد ، وهو شأن أمر المولی دون غیره.

کما أنّ الأمر الإرشادی ما إذا کان بداعی النّصح والإرشاد إلی ما یترتّب علی ذات المأمور به من الصلاح والفساد ، لا لجعل الداعی ، فهو أمر من الآمر بما هو ناصح ومرشد ، لا بما هو مولی وسیّد. وعلیه فالمولویة والإرشادیة من شئون الأمر ، لا من شئون الإرادة أیضا ؛ حیث لا یعقل أن یکون الإرادة لجعل الداعی ، بل هی کیفیة نفسانیة معلولة للداعی إلیها ، لا فعل یوجد بداع من الدواعی ؛ حتّی یفرض فیها أنها لجعل الداعی أو لغیره من الدواعی.

إلاّ أنّ شهادة الوجدان علی إرادة المقدّمة من الغیر عند إرادة ذیها نافعة لکون الأمر بها مولویا ؛ إذ لا إرادة تشریعیة فی المقدّمة بناء علی الإرشادیة ؛ إذ لا شأن للناصح والمرشد إلاّ إظهار النصح والإرشاد إلی ما فی نفس الشیء من الصلاح والفساد ، وهذا لا یقتضی إرادة المرشد لذات المأمور به قلبا ، وإرادة الإرشاد تکوینیة لا تشریعیة.

نعم بناء علی أنّ أوامر الشارع کلاّ خالیة عن الإرادة _ کما بیناه فی مبحث الطلب والإرادة (1) _ یسقط هذه الشهادة عن درجة القبول ، إلاّ أنه مسلک آخر لیس علی ما هو المشتهر عند أهل النظر. فتدبّر.

فإن قلت : إذا کانت المولویة باعتبار صیرورة الأمر داعیا لما یترتّب علی

ص: 170


1- 1. وذلک فی التعلیقة : 151 ، ج 1 ، عند قوله : ( نعم من جملة النظام التام ... ).

موافقته ومخالفته ، فلا وجه لمولویة الأوامر المقدّمیة حیث لا یترتّب علی موافقتها ومخالفتها شیء.

قلت : حیث إنّ الأمر المقدّمی من رشحات الأمر بذی المقدّمة ، فیمکن أن یکون داعیا باعتبار ما یترتّب علی ترکه المستلزم لمخالفة الأمر النفسی المترتّب علیه العقاب ، وقد مرّ مرارا أنّ دعوة الأمر المقدّمی کأصله تبعیة ، فکذا شئونات (1) دعوته.

نعم ، حیث إن العقل یذعن بأنّ ذا المقدّمة _ المفروض استحقاق العقاب علی ترکه لجعل الداعی نحوه _ لا یوجد إلاّ بإیجاد مقدمته ، فلا محالة ینقدح الإرادة فی نفس المنقاد للبعث النفسی ، ولا حاجة إلی جعل داع آخر إلی المقدّمة بنفسها ، ولیس جعل الداعی کالشوق بحیث ینقدح فی النفس قهرا بعد حصول مبادیه ، فنلتزم بإرادة المقدّمة دون جعل الداعی نحوها.

101 _ قوله [قدّس سرّه] : ( وجود الأوامر الغیریة فی الشرعیات ... الخ ) (2).

بناء علی ظهورها فی الإنشاء بداعی البعث الجدّی فی نفسها وإلاّ فبناء علی ظهور الأوامر المتعلّقة بالأجزاء والشرائط فی الإرشاد إلی شرطیتها وجزئیتها ، کظهور النواهی فی الموانع والقواطع إلی مانعیتها وقاطعیتها (3) ؛ نظیر ظهور النواهی فی باب المعاملات فی الإرشاد إلی الفساد ، فلا یتمّ المطلوب ، ویؤیّد هذا الاحتمال نفس الأوامر المتعلّقة بالأجزاء ، مع أنه لا وجوب مقدّمی فیها.

ص: 171


1- 1. جمع شأن : شئون وشئان _ ( اللسان ) ، وشیئین _ ( تاج العروس ) ، ولم یرد شئونات جمعا لشأن ولا لشئون فی کتب اللغة.
2- 2. کفایة الاصول : 126 / 15.
3- 3. هکذا وردت العبارة فی الأصل ، وسلیمها هکذا : کظهور النواهی الواردة فی الموانع والقواطع فی الإرشاد إلی مانعیتها وقاطعیتها.

[ فی المقدّمة السببیة ]

102 _ قوله [قدّس سرّه] : ( ضرورة أن المسبّب مقدور ... الخ ) (1).

تحقیق المقام : أن القدرة قد تکون نفسانیة (2) ، وقد تکون جسمانیة ، وجعلها نفسانیة مطلقا باعتبار اتحاد القوی مع النفس وانطوائها فیها ، فالقوّة المنبثّة فی العضلات _ المترتّبة علیها الحرکات الأینیة والوضعیة _ قدرة فی الأعضاء ، وقوّة النفس علی الإرادة والحرکات الفکریة قدرة فی مرتبة النفس.

فی المقدمة السببیة

ص: 172


1- 1. کفایة الاصول : 128 / 5.
2- 2. قولنا : ( تحقیق المقام : أنّ القدرة ... إلخ ).

وتفسیر القدرة فی المشهور : _ بکون الفاعل بحیث إن شاء فعل ، وان لم یشأ لم یفعل _ تفسیر لها بعنوان یعمّ أقسامها ، ویعمّ قدرة الواجب والممکن ، فإن الحیثیة المصحّحة للمشیّة فی الواجب ذاته تعالی ، وفی الممکن قوّته النفسانیة تارة ، وقوّته العضلانیة (1) اخری.

ومن الواضح : أنّ الأفعال التولیدیة والتسبیبیة لیست من الامور النفسانیة ، ولا من الحرکات المترتّبة علی العضلات ، فلا معنی لتعلّق القدرة بها بنفسها.

نعم _ إرادتها _ بمعنی الشوق المنبعث عنه الإرادة الحتمیة المتعلّقة بسببه (2) ، نظیر الشوق التشریعی المنبعث عنه إرادة البعث الجدّی _ مقدور علیها (3) للقدرة

ص: 173


1- 1. نسبة إلی العضل علی غیر القیاس ، والقیاس عضلیّ.
2- 2. کذا فی الأصل ، والصحیح : ( بسببها ) لعود الضمیر علی الأفعال التولیدیة.
3- 3. الضمیر فی ( علیها ) وکذا فی ( إرادتها ) _ التی مرت فی أول العبارة _ یعود علی الأفعال التولیدیة _ کالإحراق _ وکذا الضمیر فی ( سببها ) ، والسبب هو کالالقاء بالنسبة للإحراق ، ولا شبهة بترتّب الإلقاء علی حرکة العضلات الإرادیة ، فأسباب الأفعال التولیدیة مقدور علیها ، وعلیه فنفس الأفعال التولیدیة مقدور علیها للقدرة علی أسبابها. هذا هو المراد بقوله : ( نعم إرادتها ... مقدور علیها للقدرة ... ). واما عود ضمیر ( علیها ) علی ( إرادتها ) فهو غیر مستقیم ،

علی سببها الذی یترتّب علی العضلات ، کالإحراق بالإضافة إلی الإلقاء فی النار ، فالفاعل إن شاء فعلها ، وإن لم یشأ لم یفعلها ، ومصحّح مشیّتها إمکان إرادة ما تتولّد منه ، ومصحّح ذلک القوة المنبثة فی العضلات ، والتکلیف لا یحتاج إلی أزید من کون متعلّقه قابلا للإرادة ، سواء کان مصحّح تعلّق الإرادة نفس القوة النفسانیة أو القوّة العضلانیة ، أو کانت صحّة تعلّق الإرادة بسببه لإمکان صدوره عن إحدی القوّتین ؛ لأن ذلک المقدار من الشوق المؤثّر فی إرادة ما یتولّد منه لا یحصل إلاّ بالبعث الموجب لانقداحه ، فیصحّ البعث نحو الفعل التولیدی ، وإن لم یکن هذا الشوق عین الإرادة المهیّجة للقوة العضلانیة.

کما أن الإرادة التشریعیة کذلک. فتدبّر جیّدا. فهذا هو السرّ فی صحّة تعلّق التکلیف ، لا أنّ القدرة علی السبب واسطة فی ثبوت القدرة علی المسبّب ، أو واسطة فی عروضها له ؛ لبداهة عدم تعلّق القدرة بإحدی الصورتین بالخارج عن الامور النفسانیة والأفعال الجبلاّنیّة (1) وضرورة عدم صحّة التکلیف بشیء بمجرّد انتساب القدرة إلیه مجازا وعرضا

وأمّا توهّم (2) : عدم کون المسبّب فعلا للمکلّف ؛ نظرا إلی أنّ الرامی ربّما یموت عند وصول السهم إلی المرمیّ ، ولو کان تأثیر السهم من أفعال الرامی لزم انفکاک المعلول عن علّته.

فهو خلط : بین العلّة الفاعلیة والعلّة المعدّة ، ولا یشترط فی المعدّ بقاؤه عند

====

3. کما عن بعض أجلّة العصر وهو الشیخ عبد الکریم الحائری ( رحمه الله ) فی درر الفوائد 1 : 87.

فی القدرة النفسانیة والجسمانیة

ص: 174


1- وحیث إن العبارة استدراک علی عدم صحّة تعلّق القدرة بالأفعال التولیدیة بالمعنی المتقدم _ وهو تعلقها بنفس الأفعال لا بأسبابها _ فکانه یرید هکذا : ( نعم یصحّ إرادتها بمعنی ... فهی مقدور علیها للقدرة علی أسبابها التی تترتّب علی حرکة العضلات کالإحراق المترتّب علی الإلقاء فی النار ).
2- 2. نسبة إلی الجبلّة علی غیر القیاس والقیاس : جبلّیّ.

وجود المعلول ؛ إذ لا تأثیر للمعدّ ، ولا هو مصحّح تأثیر المؤثّر ، او متمّم قابلیة المتأثّر کالشرط حتّی یجب بقاؤه ، والإنسان [ بالنسبة ](1) إلی أمثال هذه الأفعال شأنه الإعداد.

کما أنّ دفع إشکال اختیاریة المسبّب بدعوی أنّ الإحراق والإلقاء وتحریک المفتاح وتحریک الید متّحدان فی الوجود ، فإن کان تحریک الید اختیاریا کان تحریک المفتاح المتّحد معه وجودا کذلک.

مدفوع : بما مرّ مرارا أنّ مقتضی اتحاد الإیجاد والوجود ذاتا ، هو اتحاد التحریک ووجود الحرکة ، فتحریک الید عین حرکة الید وجودا ، مع أنّ حرکة الید غیر حرکة المفتاح وجودا ، فکیف یعقل اتحاد التحریکین؟!

ودفعه : _ بأنا لا نقول بانطباق العنوانین فی عرض واحد ، بل نقول : إنّ الفعل الذی یکون عنوانه تحریک الید فی الآن الأوّل یکون عنوانه تحریک المفتاح فی الآن الثانی _ عجیب ؛ إذ لیس هنا أمر واحد لیکون له فی کلّ آن عنوان ؛ إذ الموجود بالذات نفس حرکة الید وحرکة المفتاح ، ولیس شیء منهما عین الآخر ، ولا ثالث لیکون موردا لعنوانین فی آنین.

[ فی الشرط الشرعی ]

103 _ قوله [قدّس سرّه] : ( من رجوع الشرط الشرعی إلی العقلی ... الخ ) (2).

قد عرفت فی أوائل هذا البحث أن الشرطیة : تارة بلحاظ وجود المصلحة

فی الشرط الشرعی

ص: 175


1- 1. إضافة یقتضیها السیاق.
2- 2. کفایة الاصول : 128 / 11.

القائمة بالواجب ، فإنّ التوقف حینئذ واقعی ، واخری بلحاظ نفس الواجب ، والتوقّف حینئذ جعلی شرعی ؛ بمعنی أنه لا ینتزع التقیّد بالواجب إلا بأن یقول الشارع : صلّ عن طهارة ، ونحوه.

ومنه تعرف : أن رجوع الشرط الشرعی إلی العقلی إنّما هو فی الأوّل ، والاستدلال بلحاظ الثانی ، فالجواب الصحیح هو الجواب الأخیر.

ومنه تعرف أیضا : عدم ورود الدور (1) ؛ لأنّ الوجوب المقدّمی تعلّق بما هی مقدّمة واقعا لتوقّف مصلحة الواجب علیها ، وحیث إنه شرط شرعی اتفاقا ، فلا منشأ لانتزاعه إلاّ الوجوب المتعلّق به.

ص: 176


1- 1. قولنا : ( ومنه تعرف أیضا عدم ... إلخ ).

وحینئذ فالجواب : أنّ منشأه الوجوب النفسی المتعلّق بالصلاة عن طهارة _ مثلا _ لا الوجوب المقدّمی کما فی المتن.

ولیعلم : أنّ وجه رجوع الشرط إلی العقلی ما ذکرنا ، لا ما سبق منه (قدس سره) فی أوائل المبحث (1) : من استحالة وجود المشروط من دون شرطه عقلا بعد أخذه شرطا شرعا ؛ لأنّ العقلیة بهذا المعنی مؤکّدة للشرعیة وفی طولها ، لا أنّها تقابلها وفی عرضها ، فلا تنافی الاستدلال المبنی علی کون أصل التوقّف والتقیّد شرعیا ، کما لا یخفی.

104 _ قوله [قدّس سرّه] : ( إلاّ أنه عن التکلیف النفسی المتعلّق بما قیّد بالشرط ... الخ ) (2).

ولا یتوهم : عدم قابلیة الشرط للوجوب المقدّمی حینئذ ؛ لوقوعه فی حیّز الوجوب النفسی ، وذلک لأنّ الوجوب النفسی تعلق _ مثلا _ بالصلاة المتقیّدة بالطهارة ، لا بالصلاة والطهارة ، والصلاة المتقیّدة بها یتوقف وجودها متقیّدة بها علیها ، فیترشّح من وجوبها وجوب إلیها.

[ فی مقدمة الحرام والمکروه ]

105 _ قوله [قدّس سرّه] : ( وأما مقدّمة الحرام والمکروه ... الخ ) (3).

والسرّ فی الفرق بین المحبوبیة والمبغوضیة وسرایة الاولی إلی جمیع المقدّمات دون الثانیة ، أنّ شیئا منهما فی حدّ ذاته لا یوجب السرایة إلاّ فی مقام

فی مقدمة الحرام والمکروه

ص: 177


1- 1. الکفایة : 91 عند قوله : ( والشرعیة علی ما قیل : ... ).
2- 2. کفایة الاصول : 128 / 13.
3- 3. کفایة الاصول : 128 / 16.

تحصیل المقصود ، وفی هذا المقام یظهر الفرق ، فإن المحبوب لا یراد إلا وجوده ، وهو موقوف علی تمام المقدّمات ، والمبغوض لا یراد إلاّ ترکه ، وهو یتحقّق بترک إحدی مقدّمات الوجود.

ومنه علم : أن مقتضی القاعدة وجوب أحد التروک تخییرا وتعینه فی ترک المقدّمة الأخیرة ، لا وجوب ترک الأخیرة بقول مطلق. نعم إذا کانت المقدّمة الأخیرة هی الإرادة التی بنوا علی عدم تعلّق التکلیف بها ، فلا محالة لا یجب شیء من التروک لا تعیینا ولا تخییرا : أمّا تعیینا فواضح ، وأمّا تخییرا فلأن أحد الأطراف ما لا یعقل تعلّق التکلیف به مطلقا ، فکیف یجب التروک تخییرا؟! فتدبر.

وربما یفصّل (1) : بین ما إذا کان العنوان المحرّم مبغوضا ولو لم یصدر بالاختیار وان کان لا عقاب إلاّ علی صدوره بالاختیار ، وما إذا کان المبغوض هو الصادر عن إرادة واختیار :

ففی الأوّل _ تکون العلّة التامّة للحرام مبغوضة ، فیکون ترک إحدی المقدّمات مطلوبا ، ومع فرض انحصارها فی الأخیرة _ بانقلابها إلی النقیض _ یتعین الأخیرة من باب تعیّن أحد أفراد الواجب التخییری بالعرض.

وفی الثانی _ لا تحرم إلاّ الإرادة ، ویکون ترکها مطلوبا ؛ لأنّ المفروض أنّ العلّة التامّة للحرام مرکّبة من الإرادة وغیرها ، ومقتضی القاعدة مطلوبیة ترک إحدی المقدّمات تخییرا ، لکن حیث إنّ الصارف أسبق رتبة من غیره یکون هو المطلوب فترک الإرادة بالخصوص مطلوب.

والجواب : أما عن الأوّل _ فبأنّ الکراهة والمبغوضیة التشریعیة _ المصحّحة للزجر عن الفعل _ هی کراهة الفعل ومبغوضیّته من الغیر ، ولا یعقل

ص: 178


1- 1. کما عن بعض أجلة العصر فی درر الفوائد : 1 / 99.

مع عدمهما انبعاث الزجر عن الفعل ، کما لا یعقل الزجر عن الفعل والبعث إلیه أو الی الترک ، إلاّ إذا تعلّق بالاختیاری ؛ إذ لیس حقیقة البعث والزجر إلا جعل الداعی إلی الفعل أو الترک أو جعل الصارف عن الفعل ، فالإرادة دخیلة فی المبغوضیّة من الغیر والبعث والزجر ، لا فی خصوص استحقاق العقاب.

وأما عن الثانی _ فهو إنما یفرض فی مثل الفعل التولیدی الذی لا یحتاج فی الاختیاریة إلاّ إلی إرادة سابقة علی المتولّد منه ، دون غیره الذی یتوقف علی إرادة محرّکة للعضلات ولو بعد تمامیة المقدّمات.

وفی الفعل التولیدی نقول : إنّ سبق إحدی المقدّمات رتبة أو زمانا لا یقتضی تعیّن الواجب التخییری ، بل ملاک التعیّن دوران ذی المقدّمة مدار تلک المقدّمة وجودا وعدما ، کالمقدمة الأخیرة التی هی الجزء الأخیر من العلّة التامة.

ومن الواضح : أن الإرادة لیست بحیث إذا وجدت وجد الفعل التولیدی حتی یتعین للمطلوبیة ، ولو فرض ملازمة إرادة الفعل التولیدی للمتولد منه لکان السبب هی الملازمة لا السبق بالرتبة بحیث لو فرض فی غیر الإرادة لکان الأمر کذلک.

ص: 179

الکلام فی مسألة الضدّ

[ فی مقدمیة ترک الضد ]

106 _ قوله [قدّس سرّه] : ( وذلک لأن المعاندة والمنافرة بین الشیئین ... الخ ) (1).

حاصله : أنّه لا تقدّم ولا تأخّر بین الضدّین _ بما هما ضدّان (2) _ فنقیض أحدهما _ وهو العدم البدیل للوجود _ أیضا لا تقدّم له علی وجود الآخر ، وهذا معنی کونهما فی مرتبة واحدة.

وتحقیق الجواب عنه : أنّ غایة ما یقتضیه الملاءمة بین الضدّ ونقیض ضدّه هی المقارنة الزمانیة بین الضدّ وعدم الآخر ، والمقارنة الزمانیة لا تنافی التقدّم بالعلّیة أو بالطبع ، کما أنّ التقدّم الزمانی لا ینافی العلّیة أیضا ، وأما کون عدم الضدّ

الکلام فی مسألة الضد

فی مقدمیة ترک الضد

ص: 180


1- 1. کفایة الاصول : 130 / 2.
2- 2. قولنا : ( حاصله : أنه لا تقدّم ولا تأخر ... إلی آخره ).

بدیلا لعین الضدّ ، فلا یقتضی أن یکون فی رتبته ، بل کما لا یأبی من أن یکون فی رتبة ضدّه ، کذلک لا یأبی عن أن یکون متقدّما علیه ، أو متأخّرا عنه طبعا.

والشاهد علی ما ذکرنا _ من أنّ نقیض ما لا تقدّم له علی شیء لا یأبی عن أن یکون متقدّما علیه بالطبع _ هو أن الشرط وجوده متقدّم بالطبع علی مشروطه قضاء لحقّ الشرطیة ، وعدمه لا تقدّم له بالطبع علی مشروطه ؛ لأنّ التقدّم بالطبع لشیء علی شیء بملاک یختصّ بوجوده أو عدمه ، لا أن ذلک جزاف.

بخلاف التقدم الزمانی والمعیة الزمانیة ، فان نقیض المتقدم زمانا إذا فرض قیامه مقامه لا محالة یکون متقدّما بالزمان ، ولذا قیل (1) _ وأشرنا إلیه سابقا (2) _ : إنّ ما مع العلة لیس له تقدّم علی المعلول ؛ إذ التقدّم بالعلّیة شأن العلّة دون

ص: 181


1- (1) کما فی الأسفار 2 : 138 / الفصل الثالث من المرحلة السادسة فی أنّ ما مع العلة هل یکون متقدما علی المعلول؟
2- 2. وذلک فی التعلیقة : 48.

غیرها ، بخلاف ما مع المتقدّم بالزمان ، فإنه أیضا متقدّم ؛ لأنه فی الزمان المتقدم.

وبالجملة : التقدّم بالعلّیة أو بالطبع الثابت لشیء لا یسری إلی نقیضه ، ولذا لا شبهة فی تقدّم العلّة علی المعلول ، لا علی عدمه ، کما أن المعلولین لعلة واحدة لهما المعیة فی المرتبة ، ولیس لنقیض أحدهما المعیة مع الآخر ، کما لیس له التأخّر عن العلّة ، فمجرّد انتفاء التقدّم لوجود الضدّ علی ضدّه لا ینفی التقدّم لنقیضه علی ضدّه.

وقد عرفت أن المعیّة الزمانیة لا تنافی التقدّم بالذات ، بل لا بدّ فی إثبات التقدّم بالعلّیة وبالطبع ونفیه من ملاحظة وجود ملاکهما وعدمه ، فنقول :

ملاک التقدّم بالعلّیة أن لا یکون للمعلول وجوب الوجود إلاّ وللعلة وجوبه ، وملاک التقدّم بالطبع أن لا یکون للمتأخّر وجود إلاّ وللمتقدّم وجود ، ولا عکس ، فإنه یمکن أن یکون للمتقدّم وجود ولیس للمتأخر وجود کالواحد والکثیر ، فإنه لا یمکن أن یکون للکثیر وجود إلاّ والواحد موجود ، ویمکن أن یکون الواحد موجودا والکثیر غیر موجود ، فما فیه التقدّم هنا هو الوجود ، وفی التقدّم بالعلّیة وجوب الوجود ، ومنشأ التقدّم الطبعی :

تارة : کون المتقدّم من علل قوام المتأخّر کالجزء والکلّ والواحد والاثنین ، فیسری إلی الوجود ، فیکون التقدّم فی مرتبة التقدّم الماهوی تقدّما بالماهیة والتجوهر ، وفی مرتبة الوجود تقدّما بالطبع.

واخری : کون المتقدّم مؤثّرا ، فیتقوّم بوجوده الأثر کالمقتضی بالإضافة إلی المقتضی.

وثالثة : کون المتقدّم مصحّحا لفاعلیّة الفاعل ، أو متمّما لقابلیة القابل کالشروط الوجودیة والعدمیة ، فکما أن الوضع والمحاذاة مصحّح لفاعلیة النار فی

ملاک التقدم بالعلیة

ص: 182

الإحراق _ مثلا _ کذلک خلوّ المحلّ عن الرطوبة متمّم لقابلیة المحلّ للاحتراق ، وهکذا الأمر فی السواد والبیاض ، فإنّ خلوّ الموضوع عن السواد متمّم لقابلیة الموضوع لعروض البیاض ؛ لعدم قابلیة الجسم الأبیض للسواد ، والأسود للبیاض.

ومنه یتضح للمتأمل : عدم ورود الدور الآتی ؛ إذ عدم اتصاف الجسم بالسواد لا یحتاج إلی فاعل وقابل ؛ کی یحتاج إلی مصحّح فاعلیة الفاعل ومتمّم قابلیة القابل ؛ کی یتوهم توقف عدم الضد علی وجود الضدّ أیضا.

واتضح _ مما ذکرنا فی تحدید ملاک التقدّم بالطبع _ أن الصلاة والازالة لهما التقدّم والتأخّر بالطبع ، فإنه لا وجود للإزالة _ مثلا _ إلاّ والصلاة غیر موجودة ، وکذا الصلاة بالإضافة إلی ترک الإزالة ، بخلاف عدم إحداهما علی (1) وجود الاخری ، فإنه یمکن عدمهما معا ، وعدم إمکان عدم الضدین اللذین لا ثالث لهما لیس من حیث التوقف ، بل من حیث انحصار التضادّ بین اثنین.

وأمّا ما یقال : من أن العدم لا ذات له ، فکیف یعقل أن یکون شرطا؟! لأنّ ثبوت شیء لشیء فرع ثبوت المثبت له.

فمدفوع : بأنّ القابلیات والاستعدادات والإضافات وأعدام الملکات کلها لا مطابق لها فی الخارج ، بل شئون وحیثیات انتزاعیة لامور موجودة ، فعدم البیاض فی الموضوع _ الذی هو من أعدام الملکات کقابلیة الموضوع _ من الحیثیات الانتزاعیة منه ، فکون الموضوع بحیث لا بیاض له هو بحیث یکون قابلا لعروض السواد ، فمتمّم القابلیة کنفس القابلیة حیثیة انتزاعیة ، وثبوت شیء

ص: 183


1- 1. کذا فی الأصل ، والمراد _ ظاهرا _ : بخلاف توقف عدم إحداهما علی وجود الاخری.

لشیء لا یقتضی أزید من ثبوت المثبت له بنحو یناسب ثبوت الثابت.

وربما یقال : بأنّ لازم توقّف فعل الضدّ علی ترک الضدّ هو توقّف ترک ذی المقدّمة علی ترک المقدّمة ، أی ترک ترک الضدّ _ وهو الفعل _ لأنّ کون العدم عند العدم من لوازم المقدّمیة ، والمفروض أنّ فعل الضدّ مطلقا (1) موقوف علی ترک الضدّ ، فیلزم توقف فعل الضدّ علی نفسه ، وهو دور.

ویندفع : بأن توقّف فعل الضدّ علی ترکه قضاء لحق الشرطیة ، لکنه لا علّیة فی طرف العدم ؛ إذ لیس عدم الشرط علة وشرطا لعدم المشروط ؛ حیث لا علّیة فی الأعدام ، مع أن الفعل لیس مطابق ترک الترک ، بل ملازم له ؛ حیث إنه لا یعقل أن یکون الوجودی مصداقا لأمر سلبی ، وإلاّ لزم انقلاب ما حیثیة ذاته طرد العدم إلی ما لیس کذلک.

ومنه علم : أنه لیس من لوازم الوجود ؛ حیث إنه لا مطابق له ، ولا من اللوازم المنتزعة من الفعل ؛ حیث لا یعقل الانتزاع ، بل من الاعتبارات الملازمة للفعل ، فلا توقّف بوجه من الوجوه ، ولو فرض علّیة ترک الترک لترک الضدّ ، کان فعل الضدّ مقارنا لعلة شرطه ، فلا یلزم منه دور.

ص: 184


1- 1. قولنا : ( والمفروض أنّ فعل الضدّ مطلقا ... الخ ).

کما أنّ توهّم أنّ لازم مقدمیة الترک استناد الوجود إلی العدم ، فیلزم سد باب اثبات الصانع ، واضح الدفع ، فإن المحال ترشح الوجود من العدم ، والترک علی فرض المقدمیة شرط ، لا أنه مقتض یترشّح منه المقتضی.

ثم إنک قد عرفت الوجه فی عدم توقّف الترک علی الفعل ؛ لأنّ العدم لا یحتاج إلی فاعل وقابل حتّی یتصوّر فیه شرطیة شیء له.

وأمّا ما یقال (1) : من أنّ لازم توقّف العدم علی الفعل أحد محاذیر ثلاثة :

إما استناد الوجود إلی العدم ، أو ارتفاع النقیضین ، أو تحقّق المعلول بلا علة ، وذلک لأنه لو فرض عدم هذا الفعل _ الذی یکون علة لترک ضده _ وعدم ما یصلح للعلیة له ، ومع ذلک لو کان الفعل الذی عدمه معلول حاصلا ، للزم استناد الوجود إلی العدم لفرض عدم ما یصلح للعلیة فی العالم ، وإن لم یکن الفعل ولا عدمه ثابتین للزم ارتفاع النقیضین ، وان کان العدم ثابتا مع فرض عدم علّته _ وهو الفعل _ لزم المعلول بلا علة.

فمندفع : بأنّ من یقول بتوقّف الترک علی الفعل یقول بتوقّف العدم الطاری لا العدم الأزلی ؛ لأنّ الفعل لیس بأزلی (2) حتی یتصوّر علیته له ، وفرض العدم الطاری لا یکون إلاّ مع فرض الفعل الذی هو علّة له ، وإلاّ فنقیض العدم الطاری باق ببقاء علّته ، فالمحاذیر الثلاثة نشأت من الخلط بین العدم الأزلی والعدم الطارئ ، فإنّ العدم الأزلی هو الذی یمکن فرضه مع فرض عدم کلّ

ص: 185


1- 1. مطارح الأنظار : 104 _ 105.
2- 2. قولنا : ( لأنّ الفعل لیس بأزلی ... الخ ).

موجود.

هذا إذا کان الفعل علّة تامّة بسیطة للعدم.

وأمّا إن کان مانعا من تأثیر مقتضی الوجود ، فلا بأس باستناده إلی عدم المقتضی ، مع فرض عدم کل شیء فی العالم ، فإنّ بقاء العدم الأزلی بعدم المقتضی أزلا ، لا بوجود المانع لینافی فرض العدم المطلق ، ولا یلزم حینئذ أحد المحاذیر الثلاثة. فتدبّر جیّدا.

ومما ذکرنا ظهر صحة ما اشتهر : أنّ عدم المانع من المقدّمات ، ولا وجه لتخصیصه بما إذا کان التمانع من غیر جهة التضادّ ، کما لا وجه لتوجیهه بأن المانع ما کان مفنیا للممنوع کالماء بالإضافة إلی النار ، دون الضدّ فإنه لا یفنی ضدّه ، بل المحلّ غیر قابل لاشتغاله بضدّین ، فلیس وجود الضدّ مانعا حتّی یکون عدمه من المقدّمات.

والوجه فی عدم وجاهته : أن الوجود لا یؤثّر فی العدم ، فلا معنی لاستناد العدم إلی الوجود ، بل الأمر یرجع إلی المضادّة حقیقة.

فالتحقیق الذی ینبغی ویلیق : هو تسلیم مقدّمیة عدم الضدّ لوجود الضدّ الآخر بنحو التقدّم بالطبع کما عرفت ، إلاّ أنه مع ذلک لا یجدی الخصم شیئا ؛ إذ لیس کلّ متقدّم بالطبع یجب بالوجوب المقدّمی ، کما عرفت فی أجزاء الواجب ، فإنّ الجزء _ کما عرفت فی المبحث السابق (1) _ له التقدّم الطبعی ، لکنه حیث لا وجود للأجزاء بالأسر وراء وجود الواجب النفسی ، فلا معنی لإیجابها بوجوب غیری زیادة علی وجوبها النفسی وإن کان لها التقدّم الطبعی ، فکذا فی عدم الضدّ الموقوف علیه وجود ضدّه ، فإنّ البعث إلی الضدّ کاف فی تحصیله ؛ لأنه لا یوجد

عدم المانع من المقدمات

ص: 186


1- 1. راجع قوله المتقدم فی نفس التعلیقة : ( ومنشأ التقدم الطبعی ... ) ، وکذا التعلیقة : 9.

إلاّ وشرطه متحقق ، وهو عدم ضدّه ، لا أن وجوده موقوف خارجا علی تحصیل عدم ضدّه ، بخلاف المقدّمات المباینة تحقّقا عن ذیها. هذا فی العدم الأزلی.

وأمّا العدم الطارئ : فان کان المأمور به مما یتحقق بمجرد الإرادة کالأعراض القائمة بالشخص من الإزالة والصلاة ، فوجود الإرادة _ وهی مقتضی الإزالة _ مساوق لعدم إرادة الصلاة ولو کان فی أثنائها ، فعدم الصلاة ورفع الید عنها لا یحتاج إلی تسبیب.

وأمّا إذا کان المأمور به لا یتحقّق بمجرّد الإرادة ، کما إذا أمر بإیجاد البیاض فی محلّ مشغول بالسواد ، فإنّ إرادة وجود البیاض وعدم إرادة بقاء السواد لا یکفی فی زوال السواد ، فلا محالة یجب رفعه ، وحیث أن حکّه أو غسله أمر وجودی لا یؤثّر فی العدم ، بل ملازم له ؛ لانتقال السواد بانتقال الأجزاء الصّغار القائم بها ، فیوجب الحکّ أو الغسل حرکتها من مکان إلی مکان ، وهی ملازمة لعدم السواد فی المحلّ ، فلا محالة لا یجب الحکّ أو الغسل لعدم المقدمیة ، ولا یجب ملازمة المقدور علیه بالقدرة علی ملازمه الوجودی إلاّ بعد اللابدیّة من إتیان ملازمه الوجودی ولو عقلا ، ولیس کذلک إلاّ بعد المقدمیة عقلا ، وسیأتی _ إن شاء الله تعالی _ ما یمکن أن یکون جوابا عنه.

والتحقیق یقتضی طورا آخر من الکلام وهو : أنّ العلل _ عند أهله (1) _ أربع : اثنتان منها من علل الوجود ، وهما ما منه الوجود ، وهی العلّة الفاعلیة ، وما لأجله الوجود ، وهی العلة الغائیة ، واثنتان منها من علل القوام ، وهما المادّة والصورة. وأما الشرائط فهی لیست برأسها من العلل ، بل تارة تؤخذ فی جانب

ص: 187


1- 1. أی عند أهل الفنّ ، راجع الأسفار 2 : 127 _ 128 الفصل الأوّل من المرحلة السادسة فی تفسیر العلّة وتقسیمها.

العلّة الفاعلیة ، فتکون من مصحّحات فاعلیة الفاعل ، فیکون المقتضی المقترن بکذا تامّ الفاعلیة ، واخری تؤخذ فی طرف المعلول ، فیکون من متمّمات قابلیة القابل ، فیکون المحلّ المتقیّد بکذا قابلا لأثر العلّة الفاعلیة ، فنقول :

عدم الضدّ بناء علی مقدّمیته لوجود الضدّ لا بدّ من أن یکون بنحو الشرطیة ؛ بداهة أن الوجود لا یترشّح من العدم فهو لا محالة إمّا متمّم قابلیة القابل ، أو مصحّح فاعلیة الفاعل.

ومن البیّن : أن المحلّ غیر قابل بالذات لکلا الضدّین ، وعدم القابلیة من ذاتیات المحلّ ، کما أنّ من الواضح : أنّ المحلّ قابل لکلّ منهما بما هو ، فالمحلّ المشغول بالضدّ لا یقبل ضدّا آخر معه ، لا ضدّا آخر بدلا عنه وقائما مقامه ، والأوّل محال لا یتمّ قابلیته بشیء ، والثانی ممکن لا نقص فی قابلیته (1) کی یتم بشیء.

وأما کون عدم الضدّ مصححا لفاعلیة الضدّ الآخر فلا معنی له ؛ إذ الضدّ لیس فاعلا کی تکون تمامیته فی فاعلیته موقوفة علی عدم ضدّه ، بل الضدّ مفعول لعلّته وسببه ، فلو کان دخیلا فی فاعلیة الفاعل لکان دخیلا فی تمامیة سبب ضده ، فیخرج عن المبحوث عنه ؛ لأنّ الکلام فی مقدّمیة عدم الضدّ لوجود ضدّه ؛ حتی

ص: 188


1- 1. قولنا : ( والثانی ممکن لا نقض فی قابلیته .. إلخ ).

یجب بوجوبه ، لا مقدّمیته لسبب ضدّه ؛ اذ ربّما لا یکون سبب ضدّه فعلا اختیاریا حتی یکون واجبا ، فیجب مقدمة السبب أیضا ، کما فی ترک الصلاة بالإضافة إلی الإزالة التی توجد بالإرادة ، فلو فرض دخل ترک الصلاة فی تأثیر الإرادة فی الإزالة لم یکن مثل هذا الدخیل واجبا ؛ حیث لا تکلیف بالإرادة ، بل بالإزالة الإرادیة.

مع أن عدم الضدّ بنفسه لیس مصحّحا لفاعلیة سبب الضدّ ؛ إذ لیس الضدّ فی مرتبة سبب ضدّه (1) حتی یکون عدمه دخیلا لکون وجوده مانعا ، بل المانع المزاحم لسبب الضدّ هو سبب الضدّ الآخر ، وإن کان منشأ تزاحم السببین تضادّ المسبّبین ، ولا یوجب ذلک أن یکون عدم الضدّ أولی بالمقدّمیة من عدم سببه ؛ لما عرفت من أنّ الضدّ لیس فاعلا حتی یتصوّر کون عدم ضدّه مصحّحا لفاعلیته ، بخلاف عدم سبب الضدّ لسبب ضدّه.

وأما تسلیم کون السبب للضدّ مانعا (2) عن سبب ضدّه وعدم کون عدمه شرطا ؛ نظرا إلی أنّ الشرط هو موصل الأثر إلی محلّه ، وهذا شأن الأمر الوجودی دون العدمی.

ص: 189


1- 1. قولنا : ( فی مرتبة سبب ضدّه ... الخ ).
2- 2. قولنا : ( وأمّا تسلیم کون الضدّ مانعا .. إلخ ).

.......................................

ص: 190

.......................................

====

بالمقدّمیة _ واستناد عدم التأثیر إلی وجود المانع ؛ لیکون عدمه شرطا _ من إحراز الإمکان بإقامة البرهان.

ص: 191

فمدفوع : أوّلا _ بأنّ تسمیته شرطا لیس بمهمّ ، وعدم کون عدم المانع مقدّمة یستلزم تمامیّة العلّة ، مع وجود المانع أیضا ، فیلزم انفکاک المعلول عن علّته التامّة.

وثانیا _ بأنّ الشرط لا ینحصر فی موصل الأثر ، بل قد عرفت أنه _ فی الحقیقة _ إمّا متمّم قابلیة القابل ، أو مصحّح فاعلیة الفاعل ؛ بمعنی أن القابل الکذائی _ أی المقترن بکذا _ قابل ، والفاعل المقترن بکذا تامّ الفاعلیة ، وإن کان ترشّح الأثر من مقام ذاته ، ولا بأس بأن یکون المقتضی المقترن بعدم کذا مؤثّرا بالفعل.

وأمّا دعوی : _ أن وجود الضدّ معلول لوجود سببه ، وعدم الآخر معلول لعدم سببه ، وأنّ عدم الضدّ لا یعقل أن یستند إلی علّة الضدّ ، وکذا عدم سببه لا یعقل أن یستند إلی وجود سبب ضده ؛ لأنّ العدم لا یترشّح من الوجود ، کما لا یحتاج إلی فاعل وقابل حتی یحتاج إلی شرط ؛ لیقال : إنّ عدم الضدّ مشروط بوجود سبب ضدّه ، بل الوجود مستند إلی الوجود ، والعدم إلی العدم ، وتعیّن أحد السببین للتأثیر دون السبب الآخر لقوّة مقتضی الأوّل وضعف مقتضی الآخر ، وهما ذاتیان للقویّ والضعیف ، لا أنّ ضعف الضعیف مستند إلی القویّ ومزاحمته ، حتی ینتهی أمر العدم إلی وجود سبب الضدّ. فهی أقوی ما یمکن أن یقال فی تقریب عدم المقدّمیة لعدم الضدّ لوجود ضدّه ، ولعدم سببه لوجود سبب الضدّ الآخر.

لکنها مندفعة : بأنّ عدم الضدّ عند مزاحمة السببین لعدم علّته التامّة ، وعدم تمامیّة العلّة لعدم الشرط ، وهو عدم المانع المزاحم ، فاستند العدم إلی العدم إلی التالی.

وأما استناد وجود أحد الضدّین دون الآخر إلی قوّة سببه ، دون سبب

ص: 192

الآخر ، فهو صحیح علی وجه دون آخر ، فإنه إن ارید أنّ تعیّن أحد السببین لمزاحمة الآخر دون الآخر ، فإنه لا یقبل المزاحمة ؛ لقوّة الأوّل وضعف الثانی ، فإنه صحیح ، لکنه لا یستلزم نفی المقدّمیة.

وإن ارید أن عدم الضدّ لمجرّد ضعف سببه ففیه :

أنّ السبب علی الفرض تامّ الاقتضاء والفاعلیة فی نفسه ، وضعفه إضافی ، فهذا الضعف الاضافی لو لم یوجب نقصا فی فاعلیته لزم انفکاک المعلول عن علّته التامّة ، ولا نقص علی الفرض إلاّ من حیث إن تمامیة کلّ سبب مشروطة بعدم المانع المزاحم ، وحیث لم یحصل الشرط لوجود المزاحم ، فلم یقترن السبب بعدم المانع ، فلذا لم یتمّ العلّة ، فلم یحصل المعلول.

ومما ذکرنا تبین : وجه التلازم بین وجود الضدّ وعدم ضدّه ، فإنه لیس لعلّیة أحدهما ومعلولیة الآخر ، ولا لمعلولیتهما لثالث ، بل لمکان التلازم بین سبب وجود أحدهما وعدم سبب الآخر ، [ لا ](1) لمعلولیة الأوّل للثانی ، ولا منافاة بین أن یکون سبب أحدهما لقوّته مانعا ومزاحما عن تمامیة سبب الآخر ، وکون عدم تمامیة الآخر شرطا لتمامیة سبب الموجود من الضدّین ؛ بتوهّم أنه السبب لعدم التمامیة ، فهو علة له ، فکیف یکون عدم التمامیة _ وهو معلوله _ شرطا لتأثیره ، وفی مرتبة علته؟!

وجه عدم المنافاة : أنّ السبب القویّ لمکان قوّته یزاحم الضعیف ، ویمنعه عن تأثیره ، فنفس وجوده موجب لفقد شرط تأثیره ؛ لأنّ الشرط عدم المزاحم ، وهو علی الفرض لمکان قوّته مزاحم ، فیستند عدم تمامیة علّیة الضعیف إلی وجود القویّ ، لکنه لیس عدم التمامیة شرط تأثیر القویّ ، بل عدم کونه مزاحما لضعفه بالإضافة إلی القویّ وعدم مزاحمته غیر منته إلی تأثیر القویّ ، بل إلی ضعف

ص: 193


1- 1. اضفناها لاقتضاء السیاق.

نفسه.

فتوهّم _ أنّ عدم التمامیة شرط تأثیر القوی _ هو الموجب للمغالطة المزبورة ، فتدبّر فی أطراف ما ذکرناه فی المقام ، فإنه حقیق بالتدبّر التامّ.

107 _ قوله [قدّس سرّه] : ( فکما أنّ قضیة المنافاة بین المتناقضین لا تقتضی عدم (1) ... الخ ) (2).

ویمکن الخدشة فیه : بأن ارتفاع الوجود عین العدم البدیل له ، والشیء لا یعقل أن یکون شرطا لنفسه ، وارتفاع العدم وإن کان ملازما للوجود لا عینه ، إلاّ أنّ ملاک التقدّم الطبعی غیر موجود فیه ؛ إذ لا یمکن ثبوت أحدهما إلاّ والآخر ثابت کما لا یخفی.

108 _ قوله [قدّس سرّه] : ( توقّف عدم الشیء علی مانعة ... الخ ) (3).

لسببیة وجود الضدّ لعدم ضدّه ، ولذا کان عدمه شرطا لوجوده.

وقد عرفت آنفا (4) : ثبوت الفرق بین وجود الضدّ وعدمه ، حیث إن خلوّ الموضوع عن الضدّ متمّم لقابلیة المحلّ لاتّصافه بالضدّ ، بخلاف وجود الضدّ لعدمه ، فإنّ عدم اتّصاف المحلّ بالضدّ لا یتوقّف علی فاعل وقابل ؛ حتی یعقل فرض کون شیء مصحّحا لفاعلیة الفاعل أو قابلیة القابل ، بل العدم بعدم علّة وجود الضدّ.

ص: 194


1- 1. کذا فی الأصل ، وفی الکفایة _ تحقیق مؤسستنا _ : ( لا تقتضی تقدّم ... ).
2- 2. کفایة الاصول : 130 / 7.
3- 3. کفایة الاصول : 130 / 10.
4- 4. فی التعلیقة 106 من هذا الجزء عند قوله : ( وأما الشرائط فهی لیست برأسها من العلل ... ).

وأمّا تأثیر الوجود فی العدم بنحو السببیة فهو غیر معقول ؛ لأنّ الأثر لا بدّ من أن یکون من سنخ مؤثّره ، بل العلّیة والاستناد المذکوران فی باب ( عدم المعلول بعدم علّته ) فهو أیضا تقریب ، وإلاّ فلا علّیة فی الأعدام فضلا عن علّیة الوجود للعدم.

بل نقول _ علی التحقیق المتقدّم _ : إنّ مانعیة الضدّ : إما عن وجود الضدّ الآخر معه ، کما هو لازم التضادّ ، فعدمه معه مستند إلی عدم قابلیّة المحلّ لهما ذاتا ، لا إلی تأثیر للضدّ فی عدم ضدّه.

وإما عن وجود الضدّ بدلا عنه فمانعیة الضدّ مستحیلة (1) للزوم الخلف أو الانقلاب ؛ لأنه مع فرض وجوده یعقل ترتّب المانعیة علیه ، ففرض وجود الآخر حینئذ بدلا عن وجود ما هو مفروض الوجود خلف أو انقلاب ، فمانعیة الضدّ علی أیّ حال غیر معقولة ، وإنما المعقول مانعیة سبب أحدهما عن تأثیر سبب الآخر.

ص: 195


1- 1. قولنا : ( فمانعیة الضدّ مستحیلة للزوم الخلف ... الخ ).

109 _ قوله [قدّس سرّه] : ( فإنه یتوقّف علی فرض ثبوت المقتضی ... الخ ) (1).

بل لو فرض ثبوت المقتضی بتمام شرائطه مع وجود ضدّه ، فلا یستند عدم الضدّ إلی مانعیة وجود ضدّه ، بل یستند إلی عدم قابلیة المحلّ بوجوده مع وجود ضدّه ، وعدم القابلیة من ذاتیات المحلّ.

فظهر : أن العدم من جهة فقد شرط من شرائط الوجود ، وهو خلوّ المحلّ عن الضدّ ، لا لوجود الضدّ.

110 _ قوله [قدّس سرّه] : ( ولعله کان محالا لأجل انتهاء ... الخ ) (2).

الاکتفاء بمجرّد احتمال استحالة الفرض ؛ لأنّ التوقّف یبتنی علی إمکان الفرض ، فمجرّد احتمال الاستحالة کاف فی إبطال استدلاله ، إلاّ أنّ الاستناد فی احتمال الاستحالة (3) إلی تعلّق الإرادة الأزلیة بوجود أحدهما وعدم تعلّقها بالآخر

ص: 196


1- 1. کفایة الاصول : 130 / 13.
2- 2. کفایة الاصول : 130 / 14.
3- 3. قولنا : ( إلاّ أنّ الاستناد فی احتمال .. الخ ).

لا یخلو عن شیء ؛ لأنّ عدم وجود شیء بعدم أسبابه _ وإن کان مما تعلّقت الإرادة الأزلیة بضدّه ، ولم تتعلّق به _ لا یوجب استحالته ما لم یکن فی حدّ ذاته مستحیلا ، بل لا بدّ من استحالته _ ذاتا أو وقوعا _ فی تعلّق الإرادة الأزلیة بعدمه ؛ حیث إنّ تعلّق الارادة بعدمه دون وجوده لیس جزافا ، فلا یؤثّر الإرادة فی استحالته ، بل

====

تأثیر فواعلها الاختیاریة والطبیعیة مباشرة ، بل حیث إنّ سلسلة الأسباب الممکنة منتهیة إلی سبب واجب بالذات ، فلذا یقال : إن الإرادة الأزلیة علّة لتلک المسبّبات ، وحینئذ إذا کانت المقتضیات الطولیة للضدّ موجودة ، فهی لا محالة منتهیة إلی الإرادة الأزلیة ، وإنّما لم یوجد الضدّ لا لقصور فی مقتضیاته الطولیة ، ولا لعدم انتهائها إلی الإرادة الأزلیة ، بل لوجود المانع المنتهی بأسبابه الطولیة إلی الإرادة الأزلیة ، وانتهاؤه إلیها یؤکّد مانعیته ، لا أنه ینافیها ، فاتضح أنه _ بناء علی علّیة الإرادة الأزلیة _ لا یکشف عدم الضدّ عن عدم المقتضی الأزلی ، بل عند وجود أسبابه الطولیة کاشف عن الإرادة الأزلیة.

ص: 197

تتبع استحالته (1) ، وتعلّق الإرادة بعدمه لا یکشف عن استحالة مقتضیه فی نفسه ؛ لإمکان استناده إلی کون وجود مانعة بأسبابه ضروری الوقوع بحیث یلزم من فرض لا وقوعه محال ، فعدم تعلّق الإرادة بالضدّ لمکان تعلّق الإرادة بضدّه لوجوب وقوعه ، فتکون استحالة ما لم یقع عرضیة ، مع أنه لو بنینا علی الدقّة _ وقلنا بأنّ کل ممکن بالذات یجب وجوده ، کما برهنا علیه فی مبحث الطلب والإرادة (2) _ لم یکن عدم وجود الضدّ کاشفا عن استحالته باستحالة مقتضیه بشرائطه ، بل یجوز أن یکون من جهة وجود مانعة وهو ضدّه ، وربما یجزم باستحالة وجود المقتضی ؛ لأنّ مقتضی الفعل الإرادی هو الإرادة ، ولا یعقل إرادة الضدّ مع إرادة ضدّه ، فیکون عدم الضدّ دائما مستندا إلی عدم مقتضیه لسبقه ، لا إلی وجود المانع ، وعدم المقتضی لیس مستندا إلی وجود المانع کی ینتهی الأمر إلی أن عدم الضدّ بمبادیه لوجود الضدّ ، بل یستند عدم إرادة الضدّ مع موافقته للغرض إلی غلبة إرادة الآخر من حیث قوة مقتضیها ، ومغلوبیة الداعی لیست معلولة لغلبة الداعی الآخر ؛ حتی ینتهی عدم الضدّ أخیرا إلی سبب الضدّ الآخر ؛ لأنّ الغالبیة والمغلوبیة متضایفتان ، ولا علّیة بین المتضایفین.

والتحقیق : أنّ غلبة الداعی تؤثر فی إرادة الضدّ بدلا عن الآخر ، وأمّا عدم وجود الآخر بمبادیه فمن جهة استحالة الاجتماع لعدم قابلیة المحلّ لهما معا ، وقابلیته لکل منهما بدلا عن الآخر لا من جهة المانع کما قیل ، ولا عن جهة انتهاء الأمر إلی غلبة الداعی إلی إرادة الضدّ. فتعلیل عدم الضدّ _ بمبادئه _ بغلبة مقتضی الآخر علیل جدّا ، فإن

ص: 198


1- 1. فی الأصل : ( یتبع استحالته ) ، والعبارة تصحّ إذا کانت ( استحالته ) فاعلا ، ولا تصحّ إذا کانت مفعولا ، کما هو الظاهر ، والذی صحّحنا العبارة علی أساسه.
2- 2. فی التعلیقة : 154 ، ج 1 المقدمة الرابعة : کل ما أمکن وجوده بالذات وجب وجوده ...

التزاحم فی المقتضیات بلحاظ وجود کلّ من الضدّین بدلا عن الآخر لا مع الآخر ، والکلام فی مانعیة الضدّ ، لا مانعیة سببه ، ومانعیته من حیث مضادّته ، ومثل هذه المانعیة لا یعقل أن تکون مانعیته عن وجود الضدّ الآخر بدلا عنه ، فإنّ الضدّ یمنع عن وجود الضدّ الآخر معه ، لا عن وجود آخر بدلا عنه ، فإنه غیر مربوط بضدّیته ، وإنّما هو شأن سببه لقوة تأثیره ، ومن الواضح أنّ عدم وجود الضدّ مع وجود الآخر مستند إلی عدم قابلیة المحلّ لهما ، لا إلی تأثیر الضدّ فی عدم الآخر.

وأما حدیث التضایف وعدم العلّیة بین المتضایفین فلا یجدی ؛ لأنّ عدم العلّیة من حیث التضایف لا ینافی علّیة ذات أحد المتضایفین للآخر ، کما فی العلیة والمعلولیة ، فتدبّر.

111 _ قوله [قدّس سرّه] : ( مستند إلی عدم قدرة المغلوب ... الخ ) (1).

قد ظهر آنفا : أنّ غلبة أحدهما علی الآخر علّة وجود أحد الضدّین بدلا عن الآخر ، لا علّة عدم وجود الآخر مع ضدّه ، فالمستند عدم قابلیة المحلّ لهما ، لا غلبة أحد الطرفین ، ولا وجود الضدّ ، فلا تغفل.

112 _ قوله [قدّس سرّه] : ( إلاّ أنّ غائلة لزوم توقّف ... الخ ) (2).

لأنّ مبنی الجواب علی استحالة فعلیّة التوقّف من ناحیة استحالة وجود المقتضی بشرائطه ما عدا وجود المانع ، ومقتضاه إمکان المقدّمیة لوجود الضدّ بالذات ، مع أنّ علّیة الشیء لنفسه من المحالات الذاتیة ، لا المحال بالغیر ؛ حتّی

ص: 199


1- 1. کفایة الاصول : 131 / 1.
2- 2. کفایة الاصول : 131 / 4.

یستند عدم فعلیة المقدّمیة إلی عدم المقتضی لاحتمال استحالته ، فلیس لازم هذا القول لزوم الدور ؛ إذ لا توقّف فعلی من الطرفین إلاّ أن لازمه إمکان توقف الشیء علی نفسه ، والحال أنّ توقّف الشیء علی نفسه محال بالذات لا بالغیر ، ولا فرق فی النتیجة بین القول بوجود المحال ، أو بإمکان المحال ، بل لعلّ مرجع الأوّل إلی الثانی.

113 _ قوله [قدّس سرّه] : ( لعدم اقتضاء صدق الشرطیة صدق طرفیها ... الخ ) (1).

وفی حاشیة الکتاب (2) عن شیخنا واستاذنا العلامة _ رفع الله مقامه _ :

إنّ الشرطیة غیر صحیحة ؛ نظرا إلی أن المقتضی لا یعقل أن یقتضی وجود ما یمنع عمّا یقتضیه ، فلا یترتّب علیه استناد عدم الضدّ إلی وجود الضدّ.

والتحقیق : أن استناد عدم المعلول إلی وجود المانع _ عند وجود المقتضی کلیة فی غیر المقام _ لا یستلزم اقتضاء وجود المقتضی وجود ما یمنع عمّا یقتضیه ؛ لأنّ أصل المانعیة للتزاحم فی التأثیر لمکان منافاة مقتضاهما ذاتا وفعلیة مانعیة أحدهما عن تأثیر الآخر دون الآخر لقوّة أحدهما وضعف الآخر ، وهما ذاتیان للسببین المتنافیین ، فلیس أصل المانعیة ولا فعلیتها مترتبین (3) علی وجود المقتضی ، غایة الأمر أنّ عدم وجود الضدّ حدوثا لعدم المقتضی ، وبقاء لوجود المزاحم عن تأثیر المقتضی ، وفعلیة المزاحمة ملازمة لفعلیة المزاحم _ بالفتح _ لا أنّ أحدهما علة للآخر ، وکما لا ترتّب بین عنوانی المانع والممنوع کذلک بین ذاتیهما وبین اتصاف أحدهما بالمانعیة والآخر بالممنوعیة ، بل حیث إنّ المانعیة من الامور المتضایفة فلا بدّ من جود المقتضی فی الطرف الآخر من دون ترتب.

ص: 200


1- 1. کفایة الاصول : 131 / 10.
2- 2. الکفایة هامش صفحة : 131.
3- 3. فی الأصل : مترتبا ...

وأمّا استقلال المانع فی العلّیة لعدم الضدّ بالتبع فهو لازم انحصار علّة العدم _ تقریبا _ فی وجود المانع ، وانحصاره اتفاقی لفرض وجود المقتضی وانقلاب عدمه الذی هو اسبق العلل إلی الوجود. والالتزام باستناد عدم الضدّ إلی وجود المانع من باب المسامحة والمماشاة ، وإلاّ فعدم المعلول بعدم مقتضیه أو عدم شرطه ، وقد عرفت شرطیة عدم المانع سابقا (1) فوجود المانع مساوق لعدم الشرط الذی یستند إلیه عدم المعلول.

هذا هو القول الکلی فی استناد عدم المقتضی إلی وجود المانع عند وجود مقتضیه وسببه.

وأما فیما نحن فیه ، وهو استناد عدم الضدّ إلی وجود ضدّه المفروض کونه ؛ لئلا یلزم الخلف ، فنقول :

المفروض أنّ وجود الضدّ صالح للمانعیة عن وجود ضدّه ، وهذه المانعیة لمکان الضدّیة ، وهی ذاتیة ، لا من ناحیة وجود المقتضی لضدّه ، وإنما لم تکن المانعیة فعلیة لیستند إلیه (2) عدم ضدّه ؛ لأنّ من شرط تأثیر شیء فی شیء _ وجودیا کان أو عدمیّا _ عدم تأثیر علّة سابقة ؛ لعدم قابلیة المحلّ لتأثیر مؤثّر آخر ، ومع عدم المقتضی للضدّ _ حیث إنه اسبق العلل _ یستند إلیه عدم الضدّ ، ولا مجال لتأثیر المانع _ وهو وجود الضدّ _ فی عدم ضدّه لفقد شرطه ، ومع انقلاب العلّة السابقة إلی نقیضها یتحقّق شرط التأثیر ، وهو عدم العلّة السابقة ، فوجود المقتضی لیس بنفسه شرطا لفعلیة التأثیر ، بل عدم عدمه ، وهو ملازم لوجوده ، لا عینه ، فلا تکون فعلیة المانعیة مترتّبة علی وجوده ، بل علی ملازمه

فإن قلت : قد برهن علیه فی محلّه (3) : أنه لا یعقل عقد القضیة الشرطیة

ص: 201


1- 1. راجع التعلیقة 106 من هذا الجزء عند قوله : ( ومما ذکرنا ظهر صحّة ما اشتهر ... ).
2- 2. کذا فی الأصل ، والصحیح : لیستند إلیها ..
3- 3. الأسفار : 1 : 188 _ 190 من الفصل العاشر فی خواص الممکن بالذات من المنهج الثانی.

اللزومیة بین محالین بالذات ، بل إمّا بین محالین بالغیر ، أو أحدهما بالذات والآخر بالغیر ؛ حتی یتصوّر العلاقة اللزومیة بالعلیة او المعلولیة لثالث.

وأیضا قالوا (1) : بعدم إمکان عقد القضیة بین الممکن والمحال ؛ لعدم العلیة والمعلولیة بینهما ، ولا المعلولیة لثالث ، فإن کان وجود المقتضی محالا لزم الأوّل ؛ لأنّ منشأ استحالة المقتضی : إمّا تعلّق الإرادة الأزلیة أو عدم إمکان اجتماع الإرادتین ، فإنهما ضدّان بالعرض.

ومنشأ استحالة مانعیة الضدّ : توقّف الشیء علی نفسه ، فلا علیة ولا معلولیة بینهما ولا معلولیة لثالث ، وإن کان وجود المقتضی ممکنا لزم الثانی ، فکیف یصحّ عقد الشرطیة؟!

قلت : أمّا علی الأوّل _ فإن الاستلزام إن کان من حیث استحالتهما صحّ الإیراد ، وإن کان لا من حیث الاستحالة ، بل لو کانا ممکنین أیضا کانا متلازمین ، فلا.

ومن البین أنّ وجه الاستلزام : أنّ حصر أجزاء علّة العدم فی شیء یستلزم استناده إلیه ، وإلاّ لزم ما هو کالمعلول بلا علّة.

وأما علی الثانی _ فلأن الممکن واقعا لا یستلزم المحال ، وأما فرض الاستلزام علی تقدیر محال ، فلیس بمحال.

والکلام فی الاستلزام علی تقدیر المقدّمیة التی هی مستحیلة للزوم الدور ، ووجه الاستلزام ما عرفت ، فالشرطیة بنحو الکلیة صحیحة ، لکنها غیر منطبقة علی ما نحن فیه ؛ لما عرفت سابقا (2) : من أنّ عدم الضدّ _ مع وجود مقتضیه _ مستند إلی عدم قابلیة المحلّ له ولضدّه ، فالعدم بعدم الشرط ، لا بوجود الضدّ ،

لمنشأ فی استحالة مانعیة الضد

ص: 202


1- 1. نفس المصدر السابق.
2- 2. فی التعلیقة 106 من هذا الجزء عند قوله : ( فنقول : عدم الضدّ بناء علی مقدّمیته ... ).

وأما عدمه بدلا عن الآخر فهو أمر آخر ، وقد مرّ وجهه (1).

114 _ قوله [قدّس سرّه] : ( وهو ما کان (2) ینافی ویزاحم المقتضی فی تأثیره ... الخ ) (3).

لا یخفی علیک : أن التأثیر والأثر _ کالإیجاد والوجود _ متحدان بالذات مختلفان بالاعتبار ، فمنافی التأثیر مناف لما هو عین الأثر بالذات ، ولا ریب فی أنّ المنافی بالذات للضدّ هو ضدّه.

وأما مقتضیه فهو مناف له بالعرض لا بالذات ، فیرجع الأمر حینئذ إلی مزاحمة وجود الضدّ لوجود ضدّه ومنافاته ، ففیه ملاک المانعیة بذاته ، وفی سببه ومقتضیه بتبعه ، وإلاّ فمن البدیهی أن مقتضی الضدّ _ بذاته _ لا ینافی ضدّ الآخر ولا سببه بوجه ، ولذا قلنا سابقا (4) : إن مرجع المانعیة إلی الضدّیة والمنافاة الذاتیة بین الشیئین ، فهذا بمجرّده لا یوجب الفرق بین قسمی المانع ، بل الفارق ما قدمناه ، فراجع.

115 _ قوله [قدّس سرّه] : ( نعم العلّة التامّة لأحد الضدّین ... الخ ) (5).

استدراک عمّا أفاده أخیرا (6) : من أنّ ما یعاند الشیء فی وجوده لیس بمانع ، وإنما جعل العلّة التامة مانعا لأنّها إذا کانت مزاحمة لمقتضی الضدّ فعدمه یستند إلی عدم علّته التامة ، وهو یستند إلی وجود المزاحم ، وهی العلّة التامة للآخر ،

ص: 203


1- 1. نفس التعلیقة السابقة.
2- 2. کذا فی الأصل ، وفی الکفایة _ تحقیق مؤسستنا _ : ( هو ما کان .. ).
3- 3. کفایة الاصول : 132 / 5.
4- 4. کما فی التعلیقة : 113 عند قوله : ( فنقول : المفروض أنّ وجود الضدّ ... ).
5- 5. کفایة الاصول : 132 / 6.
6- 6. الکفایة : 132 عند قوله : ( والمانع الذی یکون ... ).

فوجود أحد الضدّین یستند إلیها بلا واسطة ، وعدم الآخر یستند إلیها بالواسطة ، ولکنک قد عرفت حقیقة الحال آنفا ، مضافا إلی ما مرّ مرارا : من أنّ وجود الضدّ بدلا عن الآخر أمر ، ومع الآخر أمر آخر ، وعنوان التزاحم فی المقتضیات فی الأول ، والکلام فی المقام فی الثانی.

116 _ قوله [قدّس سرّه] : ( لا أن یکون محکوما بحکمه ... الخ ) (1).

إن قلت : ما الفرق بین الإرادة التکوینیة والتشریعیة ؛ حیث تقول باستلزام إرادة أحد المتلازمین لإرادة الآخر فی الاولی دون الثانیة ، ولذا لا شبهة فی أن القاصد إلی ملازم الحرام یستحقّ العقوبة علی الحرام المترتّب علی ملازمه المباح قهرا ، مع الالتفات إلی التلازم؟

قلت : إذا لم یکن فی الشیء غرض نفسی أو مقدّمی لا یعقل انقداح الداعی إلی إرادته فی النفس ، وموافقة أحد المتلازمین للغرض لا تستلزم موافقة الآخر للغرض ، بل هو ملازم لما یوافق الغرض.

وأما ترتّب الحرام قهرا علی ملازمه مع الالتفات إلی الملازمة ، فهو لیس من جهة کونه مرادا قهرا ، أو بحکم المراد فی الآثار شرعا أو عقلا ، ولا دخل لکونه مقدورا بالواسطة بکونه مرادا فإن الفعل الاختیاری ، کما یحتاج إلی القدرة والشعور ، کذلک إلی الإرادة ، فمجرّد إرادة ملازمه لا یجعله مرادا.

وقد عرفت فیما تقدم (2) معنی مقدوریة المسبب بالقدرة علی سببه ، مع أن کون الفعل تولیدیا وتسبیبیا لا یقتضی عدم تعلّق الإرادة به ، بل إرادة الإحراق

الفرق بین الإرادة التکوینیة والتشریعیة

ص: 204


1- 1. کفایة الاصول : 132 / 18.
2- 2. فی التعلیقة : 102 عند قوله : ( نعم إرادتها بمعنی الشوق ... ).

سبب لإرادة الإلقاء فی النار ، بل السرّ فی ترتّب آثار الحرام علی مثل هذا الأمر القهری ، هو أنّ المطلوب فی النهی ترک الشیء عن إرادة ، فإذا لم یترک عن إرادة استحق علیه العقوبة ، فقاصد الملازم للحرام القادر علی ترکه بترک ملازمه یستحقّ العقاب ، لا علی الملازم المترتّب قهرا علی المقصود ، بل علی عدم الترک عن إرادة ، فإنّ مخالفة طلب الترک بنفس عدم الترک ، فلا تغفل.

117 _ قوله [قدّس سرّه] : ( لا یکون الوجوب إلاّ طلبا بسیطا ... الخ ) (1).

أما کونه بسیطا _ سواء کان إرادة نفسانیة أو أمرا اعتباریا عقلائیا _ فواضح ؛ إذ علی الأوّل هو من الأعراض ، وهی من البسائط الخارجیة ، وعلی الثانی فهو أمر انتزاعی اعتباری ینتزع من الإنشاء بداعی البعث والتحریک ، والاعتباریات أشدّ بساطة من الأعراض ؛ إذ لیس لها جنس وفصل عقلیّان (2) أیضا ، بخلاف الأعراض ، کما هو واضح.

وأما کونه مرتبة وحیدة أکیدة فهو مبنیّ علی کونه من الکیفیات النفسانیة ، وتوصیفها بالتأکّد بملاحظة ما اشتهر. وقد مرّ مرارا : أن الوجوب والاستحباب مرتبتان من الإرادة متفاوتتان بالضعف والشدة ، إلاّ أنّ الذی یقتضی دقیق النظر _ وان کان علی خلاف ما اشتهر _ : أنه لا فرق فی الإرادة الوجوبیة والندبیة من حیث المرتبة ، بل الفرق من حیث کیفیة الغرض الداعی.

والبرهان علیه : أن المراد التشریعی کما یختلف من حیث اللزوم وعدمه ، کذلک المراد التکوینی ؛ ضرورة أنّ ما یفعله الإنسان بإرادته لیس دائما ممّا لا بدّ

ص: 205


1- 1. کفایة الاصول : 133 / 4.
2- 2. فی الأصل : عقلیّ ..

منه ولا مناص عنه ، ومع ذلک ما لم یبلغ الشوق حدّه المحرّک للعضلات لم یتحقّق المراد ، فلیس المراد اللزومی مما لا بدّ فی إرادته [ من ] مرتبة فوق مرتبة إرادة المراد الغیر اللزومی ؛ بحیث لو لم یبلغ تلک المرتبة لم یتحقق المراد ، وإنما التفاوت فی الغرض الداعی من حیث کونه لزومیا أو غیر لزومی ، بل الشوق الطبعی ربما یکون أشدّ من الشوق العقلی لموافقة المراد فی الأول لهواه دون الثانی ، مع عدم اللابدّیة حتی من حیث الهوی فی الاوّل ، وثبوت اللابدّیة العقلیة فی الثانی.

فاذا کان الأمر کذلک فی الإرادة التکوینیة ، فکذا الإرادة التشریعیة ؛ إذ لا فرق بینهما إلاّ من حیث تعلّق الاولی بفعل نفسه ، وتعلّق الثانیة بفعل غیره ، فالشوق إلی فعل الغیر اذا بلغ حدّا ینبعث منه البعث کان إرادة تشریعیة سواء کان المشتاق إلیه ذا مصلحة ملزمة ، أم لا.

ولیس الغرض من هذا البیان أن الإرادة لیست ذات مراتب ؛ لبداهة کونها ذات مراتب کسائر الکیفیات النفسانیة ، بل الغرض أنّ التحریک الناشئ من الإرادة _ فیما لا بدّ منه وفی غیره _ لا یختلفان من هذه الحیثیة وإن اختلفا فی نفسهما لشدّة موافقة المراد للغرض ، فإنّ المرتبة الضعیفة إذا کانت قابلة لتحریک العضلات فلا محالة لا حالة منتظرة لحرکتها ، فلا معنی لتوقّفها علی بلوغها فوق هذه المرتبة وإلاّ لزم الخلف ، فکذا الحال فی الإرادة التشریعیة.

والتحقیق : أن المراد اللزومی وغیره یختلفان من حیث شدّة الملاءمة للطبع وعدمها ، فلا محالة ینبعث منهما شوقان متفاوتان بالشدّة والضعف.

فکذا فی الإرادة التشریعیة ، فیکون الشوق المتعلّق بما فیه مصلحة لزومیة أشدّ ؛ حیث إن ملاءمته لطبع المولی أقوی ، وإن کان بلوغه دون هذه المرتبة کافیا فی الحرکة والتحریک فی التکوینی والتشریعی.

ثم اعلم : أنه لا فرق _ فی عدم الدلالة بنحو التضمّن _ بین القول بأن

ص: 206

الشدید والضعیف نوعان بسیطان متباینان _ نظرا إلی عدم معقولیة التشکیک فی الذاتیات وأصالة الماهیة _ أو مرتبتان من حقیقة واحدة ، وکان الشدة والضعف فی نحو وجودها ، فإن المنع من الترک ، أو کراهة الترک ، أو عدم الرضا بالترک ، أو عدم الإذن فی الترک کلها لوازم الشدة لا عینها ، وإلاّ فمن الواضح أن کراهة الترک أو أمرا آخر _ وجودیا کان أو عدمیّا _ لیس شدّة فی حقیقة الطلب ، فإنّ غیر الحقیقة لا یوجب اشتداد حقیقة اخری ، مضافا إلی أنّ الکراهة صفة اخری تقابل الإرادة ، فلا یعقل أن تکون مقوّمة لها ، والمنع من الترک من الاعتبارات المنتزعة من الإنشاء ، فلا یعقل أن یکون مقوّما للصفة النفسانیة ، وعدم الرضا وعدم الإذن لا یقوّمان (1) الحقیقة البسیطة الثبوتیة.

وأما الضعف فی الإرادة أو فی سائر موارد التشکیک ، فراجع إلی حدّ من الوجود یلزمه عدم وجدان مرتبة الفوق ، لا أنّ الحدّ بنفسه عدمی.

ومن جمیع ذلک ظهر : أنّ هذه المعانی من لوازم الوجوب ، لا من مقوماته.

118 _ قوله [قدّس سرّه] : ( ضرورة أن اللزوم یقتضی الاثنینیة ... الخ ) (2).

اللزوم إنما یقتضی الاثنینیة بحسب المفهوم ، وأما بحسب الصدق فیتبع کون اللازم من لوازم الوجوب _ حتی یتخلّل الجعل بینه وبین الملزوم _ أو کون اللازم من لوازم الماهیة کالزوجیة للأربعة ؛ حتی لا یعقل تخلّل الجعل ، فیکون جعل الملزوم جعلا للازمه وینتزع لازمه منه ، فمجرّد عدم کون الشیء من مقوّمات شیء _ بل کونه من لوازمه _ لا ینافی الاتحاد والعینیة.

ص: 207


1- 1. فی الأصل : لا یقوّم ..
2- 2. کفایة الاصول : 133 / 10.

119 _ قوله [قدّس سرّه] : ( نعم لا بأس بها بأن یکون المراد بها ... الخ ) (1).

حیث إن الإیجاب حقیقته البعث والتحریک نحو الفعل ، وکما أنّ التحریک الخارجی إلی مکان تحریک من مکانه ، وکذا التقریب إلی موضع تبعید من موضع ، کذلک تحریک الشخص إلی الفعل تحریک له عن خلافه ، وهو المراد بالزجر والمنع عنه ، فهو تحریک نحو الفعل بالحقیقة وبالذات ، وزجر عن خلافه وترکه بالعرض ؛ إذ لا واقع للزجر عن الترک إلاّ التحریک عن الخلاف ، وإلاّ فحقیقة الزجر والردع والمنع _ بالدقّة العقلیة _ لا تتعلّق إلاّ بالامور الوجودیة کالبعث والتحریک.

وأما ما فی المتن (2) _ من جعل طلب واحد منسوبا إلی الفعل ، فیکون بعثا ، ومنسوبا إلی الترک ، فیکون زجرا _ فلا بدّ من تأویله وإرجاعه إلی ما ذکرنا ، وإلاّ فلیس فی مقام طلب الفعل طلب ترکه ، بل المنع عن ترکه. والعنایة المتقدّمة فی التحریک والبعث لا تجری فی الطلب بعنوانه ، فلا یکون طلب الفعل طلبا لترکه بالذات ولا بالعرض.

نعم لو کان المراد طلب ترک الترک الملازم للفعل _ کما فی الفصول (3) _ لصحّ ما افید ، فإنّ الطلب الواحد طلب للفعل بالذات ولملازمه بالعرض ، وینتج ما یفیده المنع من الترک ، ویصح دعوی أنه زجر عن الترک بالتبع ، لکنه خلاف ظاهر کلامه _ زید فی علوّ مقامه _.

حقیقة الإیجاب

ص: 208


1- 1. کفایة الاصول : 133 / 12.
2- 2. الکفایة : 133.
3- 3. الفصول : 92.

120 _ قوله [قدّس سرّه] : ( بضمیمة أن النهی فی العبادات یقتضی الفساد ... الخ ) (1).

قد أشکلنا فی محلّه (2) _ علی اقتضاء المبغوضیة المقدّمیة لفساد العبادة بناء علی ما هو التحقیق عندهم _ من أنّ موافقة (3) الأمر والنهی المقدّمیّین لا توجب

ص: 209


1- 1. کفایة الاصول : 133 / 16.
2- 2. قولنا : ( قد أشکلنا علیه فی محلّه ... الخ ).
3- 3. الأنسب : بأنّ موافقة ...

قربا ولا بعدا ، ولا تقتضی ثوابا ولا عقابا (1).

فغایة ما یقتضیه طلب الترک المقدّمی عدم طلب الفعل.

وأجبنا عنه هناک (2) : بأنّ المتقرّب به وإن لم یکن فی نفسه مبعدا ، لکنه مقدّمة للمبعّد ، ولا یمکن التقرّب بما یکون مقدّمة للمبعّد ، کما لا یمکن التقرّب بالمبعّد ، إلاّ إنّه مع ذلک لا یدفع المحذور هنا ؛ لأن الفعل العبادی وان کان مبغوضا بالعرض لمحبوبیة ترکه المقدّمی ، لکن الفعل لیس مقدّمة لمبغوض مبعّد ؛ حتی لا یمکن التقرّب بمقدّمة المبعّد ؛ إذ لا یقول أحد بمقدّمیة فعل لترک ضدّه للزوم الدور.

نعم الفعل العبادی مبغوض عرضی ملازم لمبغوض عرضی ، وهو ترک الأهمّ ، وهو لا یمنع عن التقرّب جزما ، وإلاّ لکان البحث عن المقدّمیة لغوا محضا ؛ لأن الملازمة المسلّمة کافیة فی فساد العبادة ؛ إذ المؤثّر فی فسادها حینئذ ملازمتها للمبغوض ، فلا یصحّ التقرّب بها ، لا کونها مبغوضا عرضیا.

وربما یتخیّل صحّة العبادة مع مبغوضیة ما هو نقیض الترک المقدّمی من وجه آخر ، وسیجیء الکلام فیه إن شاء الله تعالی.

121 _ قوله [قدّس سرّه] : ( بنحو الشرط المتأخّر أو البناء علی معصیته ... الخ ) (3).

ظاهره (قدس سره) أنّ شرطیة نفس العصیان لا تکون إلاّ بنحو الشرط المتأخّر دون المتقدّم والمقارن ، بخلاف شرطیة البناء والعزم علی العصیان ، فإنّه

ص: 210


1- 1. وذلک فی التعلیقة : 220. من هذا الجزء.
2- 2. نفس التعلیقة السابقة.
3- 3. کفایة الاصول : 134 / 8.

یمکن أن تکون بنحو الشرط المتقدّم والمقارن.

والوجه فی عدم إمکان شرطیة العصیان بنحو الشرط المتقدّم : لزوم الخلف ، فإنّ الکلام فی اجتماع الأمرین فی زمان واحد ، ومع تحقّق العصیان وتحقّق الأمر بالمهمّ بعده لا أمر بالأهمّ لسقوطه بالعصیان ، بخلاف شرطیة العزم کذلک ، فإنّ الأمر بالأهمّ لا یسقط بالعزم فقط ، فیجتمع الأمران فی زمان العصیان.

والوجه فی عدم إمکان شرطیة العصیان (1) بنحو الشرط المقارن : ما تقدّم منه (قدس سره) فی الواجب المعلق (2) من لزوم تقدّم البعث علی الانبعاث ولو بآن ؛

ص: 211


1- 1. قولنا : ( والوجه فی عدم إمکان شرطیة العصیان ... إلخ ).
2- 2. الکفایة : 103 عند قوله : ( هذا مع أنه لا یکاد ... ).

لیتحقّق دعوته إیاه والانبعاث عنه بتصوّره بما یترتّب علیه ، فلو کان العصیان المقارن للأمر بالمهمّ _ والمقارن لإطاعة الأمر بالمهمّ _ شرطا لزم مقارنة البعث والانبعاث.

وفیه : ما قدّمناه فی الواجب المعلّق (1) من عدم لزوم تأخّر الانبعاث عن البعث زمانا ، بل یکفی تأخّره طبعا ، والوجدان أصدق شاهد بأنّ تصوّر البعث قبل حدوثه _ مع استمراره إلی أوّل آن حدوثه _ یصحّح الدعوة فی ذلک الآن ، فلزوم تقدمه علیه _ ولو بآن _ بلا ملزم ، بل قد عرفت _ فی الواجب المعلّق (2) _ أن تأخّر الانبعاث عن البعث _ مع أنهما متضایفان متکافئان فی القوّة والفعلیة _ غیر معقول ؛ فإنّ البعث التشریعی وإن کان _ عندنا حقیقة _ جعل ما یمکن أن یکون داعیا وباعثا ، إلاّ أنّ مضایفه الانبعاث إمکانا ، فما لم یمکن الانبعاث لا یمکن البعث ، وبالعکس ، فالکلام الإیقاعی _ المسوق بداعی جعل الداعی _ لا یمکن أن یکون باعثا إلاّ حیث أمکن الانبعاث ، وهو عند الالتفات إلیه وتصوّره المقارن للدعوة والانبعاث عنه.

ومما ذکرناه تبیّن وجه الإشکال فی شرطیة المعصیة بنحو الشرط المقارن ، لا أنّ الشرط _ حیث إنه علّة _ فلا بدّ من تقدّمه علی المعلول ؛ لیجاب بأنه وإن لم یکن من سنخ العلل بالإضافة إلی معلولاتها ، إلاّ أنه یکفی التقدّم الرتبی لو فرض بأنه من سنخها ، فإنّ توهم لزوم تقدّم العلّة علی معلولها بالزمان لا ینبغی أن ینسب إلی أحد من أهل العلم ؛ لیجاب بما ذکر ، بل منشأ الاشکال ما عرفت ، کما صرّح به المصنف (قدس سره) فی آخر البحث عن المعلّق (3).

ص: 212


1- 1. کما فی التعلیقة : 35.
2- 2. التعلیقة : 35 ، 36.
3- 3. الکفایة : 102 _ 103.

نعم هنا إشکال آخر : فی شرطیة العصیان بنحو المقارن ؛ نظرا إلی أنّ معصیة الأمر بالأهمّ علّة لسقوطه ، فلا ثبوت له حال العصیان ؛ کی یجتمع مع الأمر بالمهمّ فی ذلک الآن ، بخلاف ما إذا کان العزم شرطا ، أو العصیان شرطا متأخّرا ، ولا یندفع بما یندفع [ به ] الإشکال المتقدّم من کون التقدّم رتبیا.

کما ربما یقال : من أنّ الترتّب بین توجّه الخطاب وسقوطه _ بالعصیان أو الإطاعة _ بالرتبة لا بالزمان ، بل ربّما یقاس بانحفاظ الإرادة التکوینیة حال انبعاث العضلات عنها ، مع أنّ توجّه الخطاب _ المساوق لفعلیّته وتحقّقه بحقیقة الحکمیة _ نقیض سقوطه وعدمه بعد وجوده ، فکیف یجتمع الثبوت والسقوط فی زمان واحد ؛ حتی یقال : بأنّ تقدّم الثبوت علی السقوط رتبی؟! ولا یقاس بانحفاظ الإرادة التکوینیة ؛ لأنها علّة لحرکة العضلات ، فلا بدّ من ثبوتها حالها تحقیقا للعلّیة والتأثیر ، ولیس هذا الملاک فی الحکم بالإضافة إلی عصیانه.

لا یقال : إذا کان العصیان علّة للسقوط ، فلا بدّ من مقارنتها زمانا (1) ؛ حیث إنه علّة تامّة أو جزؤها الأخیر ، فلا یتخلّف عن معلولها (2) ، وإذا لم یکن علة فما العلّة لسقوط الأمر بعد ثبوته؟ وهل حاله فی العلّیة للسقوط إلاّ حال الإطاعة علی ما هو المعروف؟.

لأنا نقول : یستحیل علّیة الإطاعة (3) والعصیان لسقوط الأمر ، فإنّ الأمر

الإشکال فی شرطیة العصیان بنحو المقارن

ص: 213


1- 1. الأوفق بالسیاق : ( فلا بدّ من مقارنته له ... ) ، والظاهر أنه تصحیف من ( مقارنتهما ).
2- 2. الصحیح : فلا یتخلّف عن معلوله.
3- 3. قولنا : ( لأنا نقول : یستحیل علّیّة الإطاعة ... إلخ ).

من أجزاء علة وجود الشیء خارجا ، فلا یعقل أن یکون وجود المعلول خارجا

====

العدم شرط التأثیر _ لکنه لا یلزم منه توقّف تأثیره علی تأثیره ؛ لأن عدم العدم ملازم للتأثیر لا عینه حتی یلزم توقّف الشیء علی نفسه ، بل توقّفه علی ملازمه.

ص: 214

علّة لعدم علّته ، وإلاّ لزم علّیة الشیء بالأخرة لعدم نفسه ، فلا معنی لأن یکون الإطاعة علّة لسقوط الأمر ، وکذا المعصیة ؛ لأنّ عدم المعلول لو کان علّة لسقوط الأمر حال ترتّب تأثیره لکان تأثیره منوطا بعدم عدم أثره ، وهو بمعنی توقّف تأثیره علی تأثیره ، بل الأمر حیث إنه بداعی انبعاث المکلّف ، فلا محالة ینتهی أمد اقتضائه بوجود مقتضاه ، لا أنّ مقتضاه _ بوجوده _ یعدم مقتضیه.

وأما فی طرف العصیان : فما دام هناک للانبعاث عنه مجال یکون الأمر باقیا ، ومع مضیّ مقدار من الزمان بحیث لا مجال بعد للانبعاث عنه ، فلا محالة لا یبقی ؛ لعدم بقاء علّته الموجبة له ، لا لکون العصیان علّة عدمه.

هذا کلّه فی شرطیة العصیان بنحو الشرط المقارن.

وأما اشتراطه بنحو الشرط المتأخّر فمبنیّ علی القول بمعقولیة الشرط المتأخّر ، وربما یرجع إلی الشرط المقارن ؛ بأن یکون ( کونه ممّن یعصی ) شرطا مقارنا للوجوب ، وهو مما ینتزع من المکلّف فعلا بلحاظ العصیان المتأخّر فی ظرفه.

وقد مرّ فی محلّه : أنه لیس من أکوان المکلف المنتزعة عنه بلحاظ العصیان المتأخّر ، بل إخبار بتحقّق العصیان منه فی المستقبل ، فلا کون ثبوتی بالفعل لیکون شرطا مقارنا للوجوب.

مضافا إلی أنّ انتزاع أمر بلحاظ أمر متأخّر واقعا غیر معقول أیضا ؛ إذ لا فرق فی الاستحالة بین الامور المتأصّلة والانتزاعیة ، کما تقدّم بیانه ، فراجع.

وأما ما عن بعض أعلام العصر (1) : [ من ] أنه (2) مع هذا الکون یجوز له ترک

ص: 215


1- 1. هو المحقق الشیرازی _ مد ظله _ کما فی هامش الأصل.
2- 2. فی الأصل : بأنه ...

المهمّ إلی فعل الأهمّ ؛ لفرض الأهمّیة ، وإطلاق وجوبه ، ولا شیء من الواجب التعیینی بحیث یجوز ترکه إلی فعل غیره ، والمفروض وجوب الأهمّ والمهم تعیینا ، لا تخییرا ، بخلاف ما إذا کان العصیان بنفسه شرطا مقارنا ، فإنه لا مجال لترکه إلی فعل الأهمّ فی فرض ترک الأهمّ.

فمدفوع : بأنّ وجوب المهمّ حیث إنه منوط بوصف کونه ممن یعصی ، فلیس من جملة تروک المهمّ ، مع حفظ هذا الفرض ، والتقدیر ترکه إلی فعل الأهمّ.

نعم له تبدیل هذا الفرض بنقیضه ، الذی لا وجوب للمهمّ فی ظرفه ، ففی ظرف وجوب المهمّ وحفظ تقدیره لا یجوز ترکه إلی فعل غیره ، وإن کان له بمقتضی إطلاق وجوب الأهمّ إبطال هذا الفرض وهدم هذا التقدیر ، کما هو مبنی القائل بالترتّب علی ما سیجیء (1) إن شاء الله تعالی.

ومما ذکرنا تبیّن : أنّ شرطیة العزم (2) علی المعصیة _ بنحو الشرط المقارن أو المتقدّم _ لا مانع منها من حیث لزوم جواز ترک المهمّ إلی فعل الأهمّ ، المنافی

شرطیة العزم علی المعصیة

ص: 216


1- 1. وذلک فی التعلیقة : 122 التالیة.
2- 2. قولنا : ( وممّا ذکرنا تبیّن أنّ شرطیة العزم ... إلخ ).

لوجوبه التعیینی ؛ لعین ما ذکرناه آنفا.

نعم الذی یرد علی شرطیة العزم أو ( کونه ممن یعصی ) : أنه مبنیّ علی معقولیة الواجب المعلّق وجواز انفکاک زمان الوجوب عن زمان الواجب ، ویزید شرطیتهما بنحو الشرط المتقدّم علی الإشکال المتقدّم بلزوم تعقّل الشرط المتقدّم أیضا إذا کان شرطا لوجوب المهمّ بعد العزم ، وقبل زمان الفعل ، وإلاّ فأحد المحذورین لازم علی کل حال ، بخلاف شرطیة العصیان بنحو الشرط المقارن ، فإنّه لا محذور فیه بوجه کما عرفت (1) تفصیلا.

122 _ قوله [قدّس سرّه] : ( بدعوی أنه لا مانع عقلا عن تعلّق الأمر بالضدّین کذلک ... الخ ) (2).

لا یخفی أنّ الضدّین لا یخرجان بسبب الترتّب عن المنافرة إلی الملاءمة ؛ بتوهّم أنّ المهمّ مطلوب فی ظرف ترک الأهمّ ، بل یستحیل اجتماعهما بسبب الترتّب وإن کانا فی نفسهما ممکنی الجمع ، کالقراءة والدخول فی المسجد ؛

====

3. کفایة الاصول : 134 / 9.

ص: 217


1- وهو وجود المعلول بعد انعدام علته.
2- 2. فی نفس هذه التعلیقة.

بداهة استحالة الجمع بین الدخول والقراءة فی ظرف عدم الدخول.

بل الغرض أنّ الأمرین بسبب ترتّب أحدهما علی عصیان الآخر لا تنافی بین اقتضائهما ، ولا مطاردة بینهما ، فلا منافاة بین منافاة المتعلّقین ذاتا أو عرضا وعدم المنافاة بین الأمرین اقتضاء.

وما قیل فی تقریب عدم المطاردة بین الأمرین المترتّبین وجوه ثلاثة :

أحدها : أن اقتضاء کلّ أمر لإطاعة نفسه فی رتبة سابقة علی إطاعته ؛ کیف؟! وهی مرتبة تأثیره واثره ، ومن البدیهی أنّ کلّ علّة منعزلة فی رتبة أثرها عن التأثیر ، بل تمام اقتضائها لأثرها فی مرتبة ذاتها المتقدّمة علی تأثیرها وأثرها ، ولازم ذلک کون عصیان [ الأمر ](1) _ وهو نقیض إطاعته _ أیضا فی مرتبة متأخّرة عن الأمر واقتضائه ، وعلیه فإذا انیط امر بعصیان مثل هذا الأمر ، فلا شبهة أنّ هذه الإناطة تخرج الأمرین عن المزاحمة فی التأثیر ؛ إذ فی رتبة الأمر بالأهمّ _ وتأثیره فی صرف القدرة نحوه _ لا وجود للأمر بالمهم ، وفی رتبة وجود الأمر بالمهمّ لا یکون اقتضاء للأمر بالأهمّ ، فلا مطاردة بین الأمرین ، بل کلّ یؤثّر فی رتبة نفسه علی وجه لا یوجب تحیّر المکلّف فی امتثال کلّ منهما.

ولا یقتضی کل من الأمرین إلقاء المکلّف فیما لا یطاق بل کلّ یقتضی موضوعا لا یقتضی غیره خلافه.

هذا ملخّص ما افید ، وهو غیر سدید ، بل غیر مفید :

أمّا أوّلا : فلأنّ الفعل والترک الخارجیین _ اللذین ینتزع عنهما الإطاعة والعصیان بنحو من الاعتبار _ لیسا موردا للأمر حتّی یتوهم إطلاقه أو تقییده ؛ لیدفع بأنهما إما معلولا الأمر ، أو فی رتبته ، فلا یمکن تقییده بهما أو إطلاقه لهما ،

ص: 218


1- 1. فی المطبوع : عصیانه.

بل مورد الأمر نفس الفعل بوجوده العنوانی الفانی فی معنونه ، فإنه القابل لأن یکون مقوّما للإرادة وللبعث الاعتباری الانتزاعی ، وذات الفعل مقوّم الطلب والبعث لا معلولهما ، وتعلّق الأمر به واقتضاؤه له بدیهی ، ومقوّم الشیء لیس متأخّرا عنه ، بل له سبق رتبی طبعی علیه.

وعنوان الإطاعة والمعصیة _ بمعنی موافقة المأتیّ به للمأمور به ، وعدم موافقة المأمور به _ وإن کان منتزعا عن الفعل الخارجی والترک الخارجی ، لکن دعوی الإطلاق والتقیید لا تتوقف علی الإطاعة والعصیان بهذا المعنی ، بل علی إطلاق الأمر المتعلّق بفعل شیء _ لحال فعله _ أو ترکه ؛ بنحو فناء العنوان فی المعنون فی جمیع أجزاء هذا المطلق.

واستحالة الاطلاق والتقیید بهذا الوجه لا تدور مدار تأخّر القید أو الإطلاق عن الأمر ، کما سیأتی (1) إن شاء الله تعالی.

وأما ثانیا : فلأنّ تأخّر الإطاعة _ بمعنی الفعل _ عن الأمر لکونه معلولا له لا یقتضی تأخّر العصیان _ النقیض لها _ عن الأمر ؛ إذ لیس فیه هذا الملاک.

وقد قدمنا سابقا : أن التقدّم والتأخّر لا یکونان إلاّ لملاک یوجبهما ، فلا یسری إلی ما لیس فیه الملاک ، فالمعلول متأخّر عن العلّة ، وعدمه لیس متأخّرا عنها ، فراجع أول مسألة الضدّ (2).

نعم الإطاعة والمعصیة الانتزاعیتان لهما التأخّر الطبعی عن الأمر ؛ لوجود الملاک ، لا لکون احدهما نقیض ما فیه الملاک ، فإنّ ملاک التأخّر والتقدّم الطبعیین _ کما مرّ مرارا _ هو أنه یمکن أن یکون للمتقدّم وجود ولا وجود للمتأخّر ، ولا یمکن أن یکون للمتأخّر وجود إلاّ والمتقدم موجود. وهنا کذلک ؛ إذ یستحیل تحقّق

ص: 219


1- 1. وذلک فی مناقشة المقدمة الثالثة من مقدمات الترتب من نفس هذه التعلیقة.
2- 2. وذلک فی أوائل التعلیقة 106 من هذا الجزء.

عنوان الإطاعة إلاّ مع تحقّق الأمر ، ولکن یمکن أن یتحقّق الأمر ولا إطاعة ، وکذلک یستحیل تحقّق العصیان للأمر بلا تحقّق للأمر ، ویمکن تحقّق الأمر ولا عصیان ، فتدبر جیدا.

وأمّا ثالثا : فلأنّ ملاک التزاحم والتضادّ فی مورد لیس المعیة الرتبیة الطبیعة ، بل المعیة الوجودیة الزمانیة ، فمجرّد عدم کون أحد المقتضیین فی رتبة المقتضی الآخر لا یرفع المزاحمة بعد المعیة الوجودیة الزمانیة ، بل اللازم بیان عدم منافاة أحد الاقتضاءین للآخر لمکان الترتب ، لا عدم المنافاة للتقدّم والتأخّر الرتبیّین ، وما ذکر من عدم اقتضاء الأمر بالأهمّ فی رتبة وجود الأمر بالمهمّ معناه عدم معیة الاقتضاءین رتبة ، لا سقوط أحد الاقتضاءین عن الاقتضاء أو التأثیر مع وجود الاقتضاء الآخر.

والفرض _ بعد تسلیم جمیع المقدمات _ أنّ مجرّد تأخّر الأمر بالمهمّ عن الأمر بالأهمّ بحسب الرتبة _ مع المعیة فی الاقتضاء وجودا زمانیّا _ لا یدفع الاستحالة ؛ إذ مناط الاستحالة هی المعیة الکونیة الزمانیة فی المتزاحمات والمتضادات ، ولیست الرتبة من المراتب الوجودیة ، فلا بدّ من ضمیمة اخری ، ربما تکفی هی فی دفع المحذور من دون توقّف علی التأخّر الرتبی المزبور.

ثانیها : إن وجود کل شیء طارد لجمیع أعدامه المضافة إلی أعدام مقدماته ، أو وجود أضداده ، فطلب مثل هذا الوجود یقتضی حفظ متعلّقه من قبل مقدّمات وجوده وعدم أضداده بقول مطلق ، وفی هذه الصورة یستحیل الترخیص الفعلی فی مقدّمة من مقدّماته أو وجود ضدّ من أضداده ، بخلاف ما إذا خرج احد أعدامه عن حیّز الأمر. إمّا لکونه قیدا لنفس الأمر ، أو بأخذ وجوده من باب الاتفاق ، فإنه فی هاتین الصورتین لا یترشّح إلیه الأمر ، ولا یکون العدم من قبل هذه المقدّمة أو هذا اللازم مأمورا بطرده ، بل المأمور بطرده عدمه من قبل غیره من المقدّمات أو الأضداد.

ص: 220

وعلیه فالأمر بالأهمّ لمکان إطلاقه مرجعه إلی سدّ باب عدمه من جمیع الجهات ، حتی من قبل ضدّه المهمّ ، والأمر بالمهمّ لترتّبه علی عدم الأهمّ مرجعه إلی سدّ باب عدمه فی ظرف عدم انسداد باب عدم الأهمّ من باب الاتفاق ، ولا منافاة بین قیام المولی بصدد سدّ باب عدم الأهمّ مطلقا ، وسد باب عدم المهمّ فی ظرف انفتاح باب عدم الأهمّ من باب الاتفاق ، فالأمر بالمهم _ وإن کان فعلیا _ غیر منوط بشیء ، لکنه حیث إنه تعلّق بسدّ باب عدم المهمّ فی ظرف انفتاح باب عدم الأهمّ من باب الاتفاق ، فلا محالة لا محرّکیة له نحو طرد عدم المهمّ إلاّ فی ظرف انفتاح باب عدم الأهمّ من باب الاتفاق.

وبناء علی هذا لا یتوقّف جواز الترتّب علی الواجب المشروط ، بل یصحّ علی الواجب المعلّق أیضا ، کما صرّح به هذا القائل فی مورد آخر.

وتوضیحه : أن کلّ وجود وإن لم یکن له إلاّ عدم واحد ؛ لأنّ نقیض الواحد واحد ، والعلّة وإن کانت مرکّبة ، لکنّها لیست طاردة لعدم المعلول ؛ حتّی یتصوّر ثبوت حظّ من طرد العدم لکلّ واحد من أجزائها ، بل وجودها بدیل عدم نفسها ، وطارد عدم نفسها ، والعلّة حیثیة تعلیلیة لمعلولها ، لا حیثیة تقییدیة له ؛ لیتوهم کونها مناط طرد عدمه.

بل المراد من البیان المزبور : أنّ عدم المعلول مع وحدته _ حیث إنه تارة یستند إلی عدم المقتضی ، واخری إلی عدم شرطه ، وثالثة إلی وجود ضدّه _ فیتصور له حصص ، فربما یکون العدم المطلق بجمیع حصصه مأمورا بطرده ، وربما یکون ببعض حصصه. ووجود کل ماهیة وإن لم یعقل إلاّ بسدّ باب عدمه بجمیع حصصه _ لأنّ الوجود لیس له حیث وحیث ؛ لتکون الماهیة الواحدة موجودة من حیثیة ، ومعدومة من حیثیة _ لکنه ربما یکون باب عدمه من حیثیة منسدّا من باب الاتفاق ، أو یفرض سدّه ، فیؤمر بسدّ باب عدمه بسائر حصصه ، فإذا کانت الحصة الملازمة لوجود الضد مأمورا بطردها من الطرفین کان مرجع

عدم توقف الترتب علی الواجب المشروط

ص: 221

الأمرین إلی الأمر بطرد الحصّتین المتقابلتین ، وهو محال ، وأما لو لم یکن کذلک _ بل کان الأمر فی أحد الطرفین بسدّ باب العدم وطرده بسائر حصصه فی ظرف انفتاح باب عدم الحصة الملازمة لوجوده _ فلا أمر بطرد الحصتین المتقابلتین.

هذا محصل هذا التقریب بتوضیح منا.

وفیه : إن ارید أنّ مجرّد الأمر بالمهمّ بطرد عدمه من غیر ناحیة وجود ضدّه الأهمّ _ بحیث یکون المأمور بطرده غیر الحصّة الملازمة لوجود الأهمّ من سائر الحصص _ لا ینافی الأمر بطرد الحصّة الملازمة لوجود المهمّ فی طرف الأهمّ لعدم التقابل ، کما یدلّ علیه تکثیر الحصص وتحلیلها لیمتاز ما یتقابل (1) منها مع الاخری من غیر المتقابلتین ، ونصّ علیه هذا القائل أیضا : بأن الغرض حفظ وجود المهمّ من سائر جهات الملازم ؛ لانحفاظه ؛ من باب الاتفاق من الجهة الاخری.

فیندفع : بان الأمر بطرد عدم المهمّ من غیر ناحیة وجود الأهمّ ، وإن لم یکن مزاحما للأمر بطرد عدم الأهمّ من ناحیة وجود المهمّ ؛ لأن الحصّة الملازمة لوجود الأهمّ غیر مأمور بطردها ؛ لیمنع عن الأمر بطرد مثل هذه الحصة من طرف الأهمّ. وأما الحصّة الملازمة لعدم المهمّ فهی مأمور بطردها ؛ لإطلاق أمر الأهمّ لفرض الأمر بطرد عدمه بجمیع حصصه ، ومنها الحصة الملازمة لعدم المهم. وهاتان الحصتان متقابلتان لا یعقل طرد الحصتین من الطرفین ، وأخذ عدم الأهم _ الملازم لوجود المهم من باب الاتفاق _ لا یوجب عدم تقابل الحصّتین ، ولا عدم الأمر بطردهما بالفعل.

کما أن عدم استناد عدم الأهمّ حینئذ إلی وجود المهمّ غیر مربوط بالمقام ؛ إذ لیس الکلام علی المقدّمیة ، ولا علی طرد خصوص الحصّة من العدم المستند

ص: 222


1- 1. فی الأصل : یقابل ...

إلی عدم المقدّمة ، بل المفروض الأمر بطرد العدم بجمیع حصصه الملازمة مع عدم مقدّماته ، أو وجود أضداده ، أو عدمها ، وإلاّ فالحصة الملازمة لوجود الضدّ لیست من قبیل عدم المعلول بعدم المقتضی ، أو عدم الشرط ، أو وجود المانع ، وإخراج الحصة الملازمة لعدم الضد عن حیّز الأمر بلا موجب.

وإن ارید من التقریب المتقدّم مجرّد أنّ صحّة الترتّب لا تدور مدار الواجب المشروط وتحقیق کیفیة الإناطة ، بل یصحّ بناء علی الواجب المعلق.

ففیه : أنّ هذا المعنی لا یتوقّف علی هذا التقریب الغریب ، ولا علی تحلیل العدم إلی حصص متعدّدة ، مع أنّ الواجب المعلّق فیه من المحذور ما تقدّم فی محلّه (1).

مع أنّ ما بنی علیه هنا وفی مبحث المعلّق (2) : من أنّ الوجوب فی المعلّق فعلی ، لکنّه لا فاعلیة ولا محرّکیة له ، فینفکّ الفعلیة عن الفاعلیة ، وبهما یمتاز المشروط عن المعلّق.

مخدوش : بأن الأمر الحقیقی لیس إلاّ لجعل الداعی ؛ بحیث یکون باعثا للمکلّف ومحرّکا له ، ففعلیته المساوقة لوجوده وتحقّقه مساوقة لفاعلیته من قبل المولی.

وأما فعلیة البعث _ الملازمة لفعلیة الانبعاث خارجا _ فهی خارجة عن محلّ الکلام فی فعلیة الحکم من قبل المولی _ کما هو معلوم عند أهله ، ومسطور فی محلّه (3) _ فلا یکاد یجدی هذا التقریب إلا علی الواجب المشروط وإن سمّی معلّقا.

ثالثها _ وهو أمتن الوجوه : أنّ المحال فی طلب الضدّین هو الجمع بینهما ،

ص: 223


1- 1. وذلک فی التعلیقة : 32.
2- 2. الکفایة : 102 عند قوله : ( قلت : فیه أن الارادة ... ).
3- 3. راجع التعلیقة : 36 ، والفصول : 79 _ 80 من قوله : ( لأنا نقول ... ).

فإن کان مرجع الأمر إلی طلب الجمع بینهما کان طلب المحال ، وإلاّ فلا ، ولا یرجع الأمر بهما إلی طلب الجمع إلاّ مع إطلاق الأمرین ، فطلب الجمع نتیجة إطلاق الأمرین ، لا نتیجة فعلیتهما مع عدم إطلاقهما.

وأوضحه بعض أجلّة العصر (1) برسم مقدّمات نافعة فی استنتاج هذه النتیجة المهمّة :

منها : أن مرجع اشتراط التکالیف _ بشرائطها العامة أو (2) الخاصة _ إلی أخذ عنوان الشرط موضوعا لحکمه ، فهی فی مقام الإنشاء کالقضایا الحقیقیة ، وفعلیتها بفعلیة تلک العناوین المأخوذة فی موضوعاتها ، فینتزع منهما السببیة والمسببیة بهذه الملاحظة ، وإلاّ فجعل السببیة والشرطیة _ بحیث یکون الحکم المتعلق بموضوعه مترتبا علی ما جعلت له الشرطیة مترشّحا منه _ علی حدّ الضوء من الشمس ، لا یکاد یعقل ، وإلاّ لزم ما فرضناه مجعولا تشریعیا زمامه بید الشارع رشحا لغیر ما هو زمامه بیده ، وهو تحقّق ذلک المسمّی بالشرط قهرا.

ومن الواضح : أن قضیة موضوعیة الموضوعات لأحکامها _ علی هذا الوجه _ عدم خروج الحکم المجعول علی موضوع خاصّ بتحقّق موضوعه عن کونه حکما علی ذلک الموضوع ، بل یدور مداره قوة وفعلا ، وهذا معنی عدم خروج الواجب المشروط عن کونه مشروطا بتحقّق شرطه.

[و] منها : معقولیة الشرط المقارن _ بل لا یعقل غیره _ وعدم لزوم تقدیر

مقدمات الترتب

ص: 224


1- 1. هو المحقق النائینی (قدس سره) راجع مقدّمات الترتّب فی أجود التقریرات 1 : 286 _ 307 ، وفی فوائد الاصول 1 : 336 _ 359 ، والمقدمات المذکورة فی التقریرین خمس ، والمذکور هنا أربع حیث استغنی ( رحمه الله ) عن واحدة بما ذکره.
2- 2. کذا فی الأصل ، لکن ظاهر تقریر المحقق الشیخ الکاظمی ( رحمه الله ) 1 : 339 _ 340 / المقدمة الثانیة ، وصریح تقریر المحقق السید الخوئی _ قدس سره _ 1 : 287 / المقدّمة الثانیة ، هو العطف بالواو ، فراجع.

الوجوب آناً ما قبل وقته بتوهّم أنّ الإتیان بالواجب لا یکون حینئذ انبعاثا عن ذلک الخطاب ، وکان فعلیته المتأخّرة عن شرطه طلبا للحاصل أو المستحیل.

وجه عدم اللزوم : أنّ ترتّب الانبعاث علی البعث ، وکذلک البعث علی موضوعه ، وإن لم یکن من ترتّب المعلولات علی عللها التکوینیة ، لکنّه من سنخه حتّی توهّم أنه عینه ، إلاّ أنّ قضیة ذلک کونه بالرتبة _ لا بالزمان _ حذو العلل ومعلولاتها.

ولا فرق بین أن یکون المقارن _ المشروط به فعلیة الخطاب _ عصیان خطاب آخر أو غیره ، فإنّ العصیان وإن کان مسقطا ، إلاّ أنّ الترتّب بین التوجّه والسقوط _ أیضا _ بالرتبة _ لا بالزمان _ من دون حاجة إلی لزوم تقدیره قبل العصیان المسقط له آناً ما.

[و] منها : أنّ طلب الفعل أو الترک نظیر الوجود أو العدم المحمولین علی الماهیة ، فکما لا یعقل حملهما علی الماهیة الموجودة أو المعدومة ، بل علی الماهیة المعرّاة عن الوجود والعدم ، کذلک الطلب المتعلّق بالفعل أو الترک لا یعقل أن یتعلق بالفعل المفروض حصوله أو الترک المفروض کذلک ، ولا بالفعل المفروض عدم حصوله أو الترک المفروض عدمه ؛ للزوم طلب الحاصل فی الأوّل وطلب الجمع بین النقیضین فی الثانی.

ولازم إطلاق الطلب للفعل _ المفروض حصوله وعدمه _ الجمع بین المحذورین : من طلب الحاصل والجمع بین النقیضین ، فالإطلاق والتقیید بالإضافة إلی تقدیر الفعل والترک محالان ، وکذا بالإضافة إلی الإطاعة والعصیان المنتزعین من الفعل والترک.

ومقتضی هذه المقدّمة عدم ورود الأمرین علی تقدیر واحد ولو بالإطلاق ؛ لیکونا فی عرض واحد ، فیؤول أمرهما إلی طلب الجمع بینهما علی هذا التقدیر ، بل مقتضی الأمر بالأهمّ رفع هذا التقدیر وهدمه ، ومقتضی الامر بالمهمّ طلب فعله

ص: 225

علی هذا التقدیر ومبنیّا علیه ، ومقتضاهما _ حینئذ _ ضد الجمع ؛ لعدم وقوعهما _ حینئذ _ علی صفة المطلوبیة لو کانا ممکنی الجمع فی حدّ ذاتهما.

ومنها : أنّ إطلاق کل واحد من الخطابین بالإضافة إلی حالتی فعل الآخر وترکه ، هو الذی یوقع المکلف فی کلفة الجمع بین الضدین ؛ بحیث لو لم یکن لهما إطلاق لم یلزم منه محذور ، فإذا رتّب أحدهما علی عصیان الآخر ؛ لم یلزم منه محذور طلب الجمع المحال.

والشاهد علیه : أنه إذا فرض الفعلان _ فی حدّ ذاتهما _ ممکنی الجمع ، کقراءة القرآن والدخول فی المسجد ، فإنه لو لا الترتّب یقعان علی صفة المطلوبیة عند اجتماعهما ، ولا یقعان علی صفة المطلوبیة مع ترتّب طلب أحدهما علی عدم الآخر ، فعدم وقوعهما علی صفة المطلوبیة برهان إنّی علی عدم مطلوبیة الجمع ، وإلاّ لما ذا لم یقعا علی صفة المطلوبیة فی فرض وقوعهما خارجا؟! کما أنّ استلزام وقوعهما علی صفة المطلوبیة لوجود الشیء مع فرض ما اخذ علّة لعدمه ، برهان لمّی علی عدم مطلوبیة الجمع ؛ إذ المفروض إناطة مطلوبیة المهمّ بعدم الأهمّ ، ففعل الأهمّ کالعلّة لعدم المطلوبیة فی المهمّ ، فتحقّق مطلوبیة المهمّ مع تحقّق علّة عدمها ، هو المحال المستلزم لاستحالة لازمه ، وهو طلب الجمع.

وبالجملة : عدم مطلوبیة الجمع _ الذی هو مقتضی الترتّب _ وتضادّ الامتثالین _ الذی هو مقتضی الترتّب _ یستحیل أن یکون مانعا (1) عن الترتّب ، فإن مقتضی الشیء لا یعقل أن یکون مانعا عن تأثیره (2).

ص: 226


1- 1. کذا فی الأصل ، والظاهر أنه ینبغی ان تکون العبارة هکذا : ... یستحیل أن یکونا مانعین عن الترتّب.
2- (2) یمکن أن تقرأ الکلمة _ بحسب نسخة الأصل _ ( مقتضی الشیء ) و ( مقتضی الشیء ) ، فالتعلیل المذکور _ علی أیّ من التقدیرین _ راجع لأحد المستحیلین ، والمفروض أنه یعلّل

فإذا عرفت هذه المقدّمات تعرف : أنه لا مانع من الأمرین بضدّین بنحو الترتّب ، والنتیجة فی غایة الوضوح ، فلا حاجة إلی إعادة توضیحها.

وفی هذه المقدّمات _ جلا أو کلا _ مواقع للنظر لا بأس بالإشارة إلیها ، وبیان ما هو المناسب للقول بالجواز : أما المقدّمة الاولی ففیها :

أوّلا (1) _ أن إنکار جعل الشرطیة وإرجاعها إلی الموضوع بملاحظة الخلف ، وهو عدم کون الحکم مجعولا تشریعیا ؛ لترشحه حینئذ من المسمّی بالشرط

====

2. قولنا : ( ففیها : أوّلا : أن إنکار جعل الشرطیة .. إلخ ).

المناقشة فی مقدمات الترتب

ص: 227


1- لکلیهما ، ویمکن صیاغة العبارة _ بحیث یعود التعلیل فیها إلی المحالین _ هکذا : فإنّ مقتضی الشیء ومقتضاه لا یعقل أن یکونا مانعین عن تأثیره.

...........................................

====

لا من قبیل إنشائه.

ص: 228

مدفوع : بأنه خلط بین المقتضی والشرط ، فإنّ المشروط لا یترشّح من

====

الوجود الاعتباری المتحد بالذات مع الإیجاد الاعتباری فعلیا ، ولا یعقل انفکاک الماهیة عن الوجود ، فمع تحقّقها بوجودها المفروض یکون الاعتبار والمعتبر فعلیین.

ص: 229

شرطه ، بل من مقتضیه ، والسبب الفاعلی للحکم التشریعی هو الشارع ، فعدم جعل الشارع لمجعوله إلاّ بعد تحقّق ما أناطه به ، لا یلزم منه ترشح المجعول التشریعی من غیر الشارع ، ولا یلزم أن لا یکون زمام أمره بیده.

====

الجعل استقلالا ، بل یتبع (أ) جعل منشأ انتزاعه.

ص: 230

مع أنه لو لم یکن مانع من جعل شیء شرطا إلاّ خروج المشروط عن کونه مجعولا تشریعیا _ فحیث إن الشرط مجعول فحدوث الحکم واقعا بتبع

====

متضایفان ، لا علّیة بینهما ، وإنما العلّیة بین ذاتیهما ، کما فی کل علّة ومعلول.

ص: 231

المجعول التشریعی _ لا یخرجه إلاّ عن الأصالة التبعیة ، لا عن التشریعیة إلی التکوینیة.

مع أن لازم هذا البیان عدم شرطیة شیء للحکم واقعا أیضا ، لا جعلا فقط ؛ لأن عدم تشریعیته بلحاظ ترتّبه القهری علی ذات الشرط ، لا بلحاظ مجعولیة الشرط.

وثانیا : إن إناطة الطلب أو المطلوب _ بحیث لا یکون الطلب الإنشائی مصداقا للبعث الحقیقی إلاّ بتحقّقه ، ولا متعلّقه موصوفا بالمطلوبیة إلاّ بتحقّقه _ أمر معقول بحقیقة معنی الشرطیة.

بیانه : أنّ الشیء ربما یکون دخیلا فی المصلحة المترقّبة من الصلاة واقعا ، فما لم یقترن به الصلاة لا یترتّب علیها الأثر المرغوب منها کالطهارة _ مثلا _ ، فدخلها حینئذ فی فعلیة أثر الصلاة واقعی ، والشرطیة واقعیة ؛ بمعنی مصحّح فاعلیة الصلاة لأثرها ، أو متمّم قابلیة النفس للتأثّر منها ، کما هو معنی الشرط حقیقة.

وربما یکون دخیلا فی اتصاف طبیعة الصلاة بالمطلوبیة ، وحیث إن اتصافها بالمطلوبیة لا موطن له إلاّ بلحاظ مقام الطلب ، فلا بدّ أن یکون الدخل بلحاظ هذه المرحلة ؛ بمعنی أنّ الصلاة ما لم تلحظ مقترنة بالطهارة لا تنتزع منها المطلوبیة ، وما لم تقع فی الخارج مقترنة بها لا تکون مصداقا للمطلوب بما هو مطلوب.

وهذا التوقّف _ والاناطة _ إنما یتحقّق بقوله : صل عن طهارة ؛ بحیث لو لم ینشأ إلاّ الأمر بالصلاة لم تکن حالة منتظرة فی انتزاع المطلوبیة منها والشرطیة فی هذه المرحلة ایضا بمعناها الحقیقی ، فإن اقتران الصلاة بها _ فی مرحلة اللحاظ

ص: 232

وفی الخارج _ متمّم قابلیة الصلاة لانتزاع المطلوبیة منها ، أو اتصافها بالمصداقیة للمطلوب بما هو مطلوب.

فتوهّم أنّ الشرطیة الجعلیة بمعنی التقیید _ لا بالمعنی المعروف من الشرط _ فاسد کما عرفت.

وهذا البیان بعینه جار فی شرط البعث :

فربما ینشئ البعث نحو إکرام زید بقوله : أکرم زیدا ، فهذا الکلام الإیقاعی _ المسوق بداعی جعل الداعی _ لا یتوقّف مصداقیته للبعث علی لحاظ شیء أو وجود شیء.

وربما ینشئ الأمر بالاکرام معلّقا علی شیء بقوله : إن جاءک زید فأکرمه ، فلا محالة لا یصحّ انتزاع البعث الحقیقی فعلا إلاّ بعد وجود ما انیط به جعل الداعی.

وکما لا ینافی (1) شرطیة الطهارة للصلاة واقعا مع شرطیتها الجعلیة فی مقام الطلب ، کذلک لا منافاة بین توقّف الأثر المرغوب من البعث علی ثبوت شیء خارجا ، وتوقف انتزاع البعث من البعث الإنشائی علی ثبوته خارجا.

لا یقال : مرجع شرطیة شیء للبعث الحقیقی إلی الشرطیة الحقیقیة ؛ لأنه علی الفرض شرط المصلحة ، وهی شرط تحقّق الإرادة ، ومنها ینبعث البعث الحقیقی.

لأنا نقول : شرطیته للمصلحة لا تقتضی شرطیته لانتزاع البعث من الکلام الإنشائی ؛ لأنّ المصلحة لیست بوجودها الخارجی شرط البعث والارادة ، ولیست علة لوجودها العلمی الذی هو علة غائیة وداعیة إلی الإرادة ؛ إذ لیس المعلوم بالذات ولا المعلوم بالعرض علّة للعلم ، ولیس شرط المصلحة شرط

ص: 233


1- 1. الصحیح : إما ( لا تتنافی شرطیة الطهارة ... مع شرطیتها ... ) أو ( لا تنافی ... شرطیتها ... ).

دعوتها ، بل شرط ثبوتها وترتّبها علی البعث ، فلا ینتهی أمر شرط المصلحة إلی الشرطیة الواقعیة لمقام البعث الحقیقی ، بل لا تقیّد ولا إناطة للبعث الحقیقی _ من حیث صحّة انتزاعه من البعث الایقاعی الإنشائی _ إلاّ فی مرحلة البعث الإیقاعی ، ومطابقة التقیّد الخطابی للتقیّد الواقعی لا توجب اتحاد التقیّدین ورجوعهما إلی أمر واقعی ، دون أمر جعلی ، فإنّ نفس البعث _ أیضا _ لا ینبعث إلاّ عن مصلحة واقعیة ، مع أنه جعلی تشریعی ، فافهم جیدا.

وثالثا : أن عدم خروج الواجب (1) المشروط _ بتحقّق قیده عن

ص: 234


1- 1. قولنا : ( وثالثا عدم خروج الواجب ... إلخ ).

الاشتراط إلی الإطلاق _ لا یتوقّف علی إرجاع الشرط إلی الموضوع ، بل لو کان بمعنی الواسطة فی الثبوت _ ایضا _ کان کذلک لو لم یکن أولی بذلک ، فإنّ العلّة بتأثیرها لا تخرج عن العلّیة ، ففعلیة الشرطیة فعلیة العلیة ، ولا تخرج العلة بفعلیة العلیة عن العلیة ، بل هو عین فعلیة الشرطیة والاناطة.

وأما المقدمة الثانیة : فقد تقدّم فی الحاشیة السابقة ما هو مناط الإشکال فی الشرط المقارن وجوابه ، وأنّ ترتّب السقوط علی فعلیة التکلیف ، وتوجّهه لا یعقل أن یکون بالرتبة ؛ لمناقضة الثبوت والسقوط ، وأنّ الإطاعة لیست علة للسقوط ،

====

کونه متعلقا به بوجود موضوعه.

ص: 235

وکذلک المعصیة ، وإلاّ لزم علّیة الشیء لعدم نفسه فی الاولی ، وتوقّف تأثیر الشیء علی تأثیره فی الثانیة ، بل بالإطاعة ینتهی أمد اقتضاء الأمر ، وبالمعصیة فی الجزء الأوّل من الزمان یسقط الباقی عن القابلیة للفعل ، فلا یبقی مجال لتأثیره ، فیسقط بسقوط علّته الباعثة علی جعله ، فراجع.

وأما ما استطرده (1) _ من عدم معقولیة الشرط المتأخر ، بل المتقدم _ فقد بینا ما عندنا فی مقدّمة الواجب ، ولا یهمنا التکلم فیه من هنا ، فراجع (2).

وأما المقدمة الثالثة ، ففیها :

أوّلا : أنّ الکلام فی إطلاق الطلب وتقییده لا إطلاق المطلوب وتقییده ، ففرض إهمال المطلوب فرض تعلّق الطلب بذات الفعل أو ذات الترک ، لا فرض تعلّقه بالفعل المفروض حصوله أو المفروض عدمه ، ومحذور طلب الحاصل والجمع بین النقیضین إنما هو فی فرض تقیید المطلوب بفرض حصوله أو فرض عدمه.

وأما محذور تقیّد نفس الطلب بفرض حصول متعلّقه ، أو فرض عدم حصوله ، فهو کون الشیء علّة لنفسه فیما إذا کان الطلب منوطا بفرض حصوله ، وکون العلة معلولة لعدم معلولها فیما انیط بفرض عدم حصوله :

أما الأول : فلأن الأمر علی الفرض من أجزاء علة وجود متعلّقه فی الخارج ؛ لفرض التسبیب به الی ذات الفعل ، لا إلی سببه ولا إلیه مع سبب آخر ؛ لیکون علة العلة علی الأوّل ، وجزءها علی الثانی.

ومع فرض کونه من أجزاء علة وجود متعلّقه فی الخارج بلحاظ ضمیمة إرادة المکلّف ، فلو کان الفعل الذی هو معلوله مما انیط به أصل البعث لزم المحذور المزبور ، وهو کون الشیء علة لنفسه سواء لوحظ الفعل أو الطلب

ص: 236


1- 1. المحقّق النائینی ( رحمه الله ) فی المقدّمة الثانیة من مقدّمات الترتب بحسب ترتیب المصنّف ( قده ) لها عند قوله : ( معقولیة الشرط المقارن ، بل لا یعقل غیره ) فی أوائل هذه التعلیقة.
2- 2. التعلیقة : 17 ، وما قبلها.

المتعلّق به.

وأما الثانی : فلأنّ المفروض کون الأمر علّة للفعل ، فلو کانت العلة منوطة بعدم الفعل لزم إناطة تأثیرها بعدم تأثیرها ؛ لوحدة التأثیر والأثر ذاتا واختلافهما اعتبارا.

ولا یتوهم أنه محذور زائد علی طلب الحاصل ، لا أنه ینافی کون الطلب المنوط بفرض حصول متعلقه طلبا للحاصل ، وذلک لأن الغرض من هذا البعث _ علی الفرض _ إیجاد ما هو موجود بهذا البعث لا بسبب آخر حتی یکون طلبه طلب الحاصل ، ففرض طلب الموجود بهذا الطلب _ بحیث یکون شخص هذا الوجود المعلولی منوطا به العلة _ فرض علّیة الشیء لنفسه لا غیر ، فتدبّره ، فإنه حقیق به.

هذا ، مع أن قید الحصول وعدمه _ لو کان قیدا للمطلوب _ إنما یکون من طلب الحاصل إذا تعلّق طلب الوجود بالموجود ، وأما إذا کان الکلام فی تقیید المطلوب بنفسه وجعله مقترنا بنفسه _ کما هو معنی التقیید _ فلازمه اثنینیة الواحد حتی یکون هناک قید ومقیّد ، وهذا غیر محذور طلب الحاصل ، فإن الطلب إن تعلّق (1) بالموجود بهذا الطلب فمحذوره الخلف ؛ لأنّ فرض وجوده بهذا الطلب هو فرض تعریته عن الوجود فی الرتبة السابقة علی الطلب ، وفرض وجوده فی مرتبة تعلّق الطلب خلاف ذلک الفرض.

وإن تعلّق الطلب بإیجاد الموجود بغیر شخص هذا الطلب ، فمحذوره أنّ الموجود لا یعرضه الوجود ، فإن المماثل لا یقبل المماثل ، کما أنّ المقابل لا یقبل المقابل.

وثانیا : ان الإطلاق لیس إلاّ تسریة الحکم لجمیع أفراد المطلق بما هی

ص: 237


1- 1. قولنا : ( فإنّ الطلب إنّ تعلق .. إلخ ).

أفراد ذات المطلق ، لا بمعنی الجمع فی القیود ، فمعنی إطلاق الطلب لفرض الحصول وعدمه ، عدم دخل الحصول وعدمه فی وجود الطلب ، لا دخل وجوده وعدمه معا ؛ حتی یلزم من الإطلاق الجمع بین محذور طلب الحاصل ، ومحذور الجمع بین النقیضین.

بل الإطلاق إنما یستحیل فی فرض استحالة التقیید ؛ لأنه بالإضافة إلی التقیید متقابلان بتقابل العدم والملکة ، فإذا استحال التقیید ، فلیس عدمه عدم ما من شأنه التقیید ؛ حتی یمکن الإطلاق ، وهذا یمنع عن الإطلاق اللحاظی المولوی ، فإنّ قیام المولی مقام الإطلاق من هذه الجهة مع استحالة التقیید لغو.

وأمّا الإطلاق الذاتی _ وهو ثبوت الطلب مقارنا للفعل ومقارنا للترک _ فهو معقول ، فإنه عدم التقیید بمعنی السلب المقابل للإیجاب ویستحیل خروج الشیء عنهما معا ، کما هو واضح.

ومن البیّن : أنّ المانع من الترتّب ورود الطلبین علی تقدیر واحد ، فتقیید طلب الأهمّ بترکه محال ، وهو المضرّ بالترتّب ، لا أنّ إطلاقه الذاتی أو إطلاقه اللحاظی علی فرض إمکانه یضرّ بالترتب ؛ إذ لیس لازمه ورود الطلبین علی تقدیر ؛ لیکونا عرضیین لا طولیین.

وثالثا : أنّ لازم ورود الطلبین علی تقدیر واحد وإن کان طلب الجمع ، لکنه إنما یصحّ إذا لم یکن ذلک التقدیر تقدیر ترک أحدهما _ کما فیما نحن فیه _ فإذا فرض محالا طلب فعل الأهمّ علی تقدیر ترک نفسه ، وطلب فعل المهمّ علی تقدیر ترک الأهمّ ، لم یکن مرجع الطلبین إلی طلب الجمع بین الضدّین ، بل إلی طلب الجمع بین النقیضین بالنسبة إلی فعل الأهمّ ، وإلی طلب ضدّ الجمع بالنسبة إلی فعل المهمّ ؛ لأنّ القید هو عدم الأهمّ مطلقا ، لا عدمه حال وجوده بالفرض.

والأوّل محال لا یوجد فی الخارج لیمکن وقوعه علی صفة المطلوبیة ، والثانی ممکن یقع علی صفة المطلوبیة ، وفرض وقوع المحال _ أیضا _ لا یقتضی

ص: 238

فرض وقوع المهمّ علی صفة المطلوبیة ؛ لأنّ نسبة وجود الأهمّ حال عدمه وعدمه المفروض إلی وجود المهمّ علی حد سواء.

وفرض الأوّل یستدعی عدم وقوعه علی صفة المطلوبیة ، وفرض الثانی یستدعی وقوعه علی صفة المطلوبیة ، فهذا الفرض یستدعی محالین :

أحدهما : فی طرف الأهمّ ، وهو اجتماع النقیضین ، وثانیهما فی طرف المهم ، وهو ارتفاع النقیضین ، لأنه لم یتحقق الأهمّ محضا لئلا یقع المهم علی صفة المطلوبیة ، ولم ینعدم الأهمّ محضا لیقع علی صفة المطلوبیة ، فلا هو واقع علی صفة المطلوبیة ، ولا غیر واقع علی صفة المطلوبیة.

فتوهم : أن ورود الطلبین علی هذا التقدیر یقتضی الأمر بالجمع ووقوعهما علی صفة المطلوبیة ولو بفرض وقوع المتعلقین فی الخارج.

مدفوع : بما عرفت.

ومنه تعرف أن تکلّف دفع الإطلاق والتقیید فی طرف الأهم لیس بمهم ، کما توهّم ، بل النافع للمجوّز تقیید طلب المهمّ بعدم الأهمّ ، فإنه المصحّح للأمر بضد الجمع ، وعدم طلب الجمع ، فافهم جیّدا ، فإنه دقیق جدّا.

وأما المقدّمة الرابعة فیرد علیها : أنّ ما ذکر فیها من أن لازم إطلاق طلب کلّ من الضدّین _ لحالتی فعل الآخر وترکه _ طلب الجمع بینهما مخدوش بما ذکرنا سابقا (1) : أن الإطلاق لیس جمعا بین القیود ؛ لیکون لازمه طلب کل واحد علی تقدیر فعل الآخر أو مقترنا بفعل الآخر ؛ لیکون طلبا للجمع بین الفعلین ، بل الطلب فیهما لا علی تقدیر ، وبمعنی عدم دخل فعل الآخر وترکه فی فعلیة الطلب.

ص: 239


1- 1. فی نفس هذه التعلیقة عند قوله : ( وثانیا _ أن الإطلاق ... )

نعم لازم تعلّق الطلبین لا علی تقدیر طلب ما لهما المعیة الزمانیة فی المطلوبیة ، لا طلب معیتهما فی الزمان ؛ لیقال بأنه لا یعقل أن یکون طلب أحدهما _ مترتبا (1) علی عدم الآخر _ طلب معیّتهما فی الزمان.

وبالجملة : طلب فعلین لهما المعیّة الزمانیة بحسب فرض الطالب محقّق حتی فی الأمرین المترتّبین ، وطلب معیتهما فی الزمان غیر لازم حتّی فی الأمرین المطلقین.

وأما التقیید بوقوعهما علی صفة المطلوبیة _ لو فرض وقوعهما محالا _ ومثله غیر متحقّق فی الأمرین المترتّبین ، فغیر سدید ، فإنّ المهمّ یقع فی فرض ترک الأهمّ علی صفة المطلوبیة لفعلیة أمره ، والأهمّ لا یقع علی صفة المطلوبیة بنحو السالبة بانتفاء الموضوع ، ومثله لا یکشف عن عدم وقوعه علی صفة المطلوبیة لو فرض وقوعه محالا فی فرض ترکه.

فالتحقیق : أنّ طلب ما لهما المعیة الزمانیة إنّما یستحیل حیث إنّ القدرة الواحدة (2) لا تفی بهما ، وأما مع الترتّب فالقدرة الواحدة تفی بهما ؛ إذ مع إعمال

ص: 240


1- 1. حال من ( أحدهما ).
2- 2. قولنا : ( حیث إنّ القدرة الواحدة ... إلخ ).

القدرة فی فعل الأهمّ لا أمر بالمهمّ ، ومع عدم إعمالها فیه لا مانع من إعمالها فی فعل المهمّ ، فلا مانع من فعلیة أمره مع فعلیة الأمر بالأهمّ ؛ حیث لا یسقط الأمر به بمقارنته لعدم إعمال القدرة فی امتثاله.

والتحقیق الحقیق بالتصدیق فی تجویز الترتّب هو : أن الأمر بالإضافة إلی متعلّقه من قبیل المقتضی بالإضافة إلی مقتضاه ، فإذا کان المقتضیان المتنافیان (1) فی التأثیر لا علی تقدیر ، والغرض من کل منهما فعلیة مقتضاه عند انقیاد المکلّف له ، فلا محالة یستحیل تأثیرهما وفعلیة مقتضاهما وإن کان المکلّف فی کمال الانقیاد.

وإذا کان المقتضیان مترتّبین _ بأن کان أحد المقتضیین لا اقتضاء له إلاّ عند عدم تأثیر الآخر _ فلا مانع من فعلیة مقتضی الأمر المترتّب ، وحیث إن فعلیة أصل اقتضاء المترتب منوطة بعدم تأثیر المترتّب علیه ، فلا محالة یستحیل مانعیته عن تأثیر الأمر المترتب علیه. إذ ما کان اقتضاؤه منوطا بعدم فعلیة

ص: 241


1- 1. فی الأصل : المنافیان.

مقتضی سبب من الأسباب یستحیل أن یزاحمه فی التأثیر ، ولا مزاحمة بین المقتضیین إلاّ من حیث التأثیر ، وإلاّ فذوات المقتضیات بما هی لا تزاحم بینها.

فان قلت : حیث إن الأمر بالأهمّ بداعی جعل الداعی وانبعاث المکلّف ، فمع عدم الانبعاث فی زمان یترقّب منه الانبعاث کیف یعقل بقاؤه؟! فإنّ الأمر بطرد العدم بعد تحقّق العدم محال ، فإنّ رفع النقیض حال تحقّق النقیض محال.

قلت : الأمر الحقیقی هو جعل ما یمکن أن یکون (1) داعیا ، والأمر بالأهمّ حال عصیانه علی إمکانه الذاتی والوقوعی ، وإن کان الدعوة بعد تحقق النقیض ممتنعة ، إلا أنه امتناع بالغیر ، والإمکان الذاتی والوقوعی لا ینافی الامتناع

ص: 242


1- 1. قولنا : ( الأمر الحقیقی جعل ما یمکن أن یکون .. إلخ ).

الغیری ، وإلاّ لم یکن ممکن أبدا ؛ إذ الماهیة تکون حال وجودها واجبة بالغیر ، وحال عدمها بعدم العلة ممتنعة بالغیر ، فمتی تکون ممکنة ذاتا ووقوعا؟!

ومنه علم : أنّ الأمر بطرد العدم البدیل مع تحقّق العدم البدیل _ بمعنی جعل ما یمکن أن یکون مقتضیا لطرده _ معقول وإن امتنع طرده بالغیر.

کما أنه تبیّن : أنّ قیاس الإرادة التشریعیة بالإرادة التکوینیة _ من حیث عدم إمکان إرادتین تکوینیتین مترتبتین _ باطل ، فإنه مع الفارق ؛ لأنّ الإرادة التکوینیة هی الجزء الأخیر من العلّة التامّة للفعل ، فلا یعقل إناطة إرادة اخری بعدم متعلّق الاولی مع ثبوتها ، بخلاف الإرادة التشریعیة ، فإنها لیست کذلک ، بل الجزء الأخیر لعلة الفعل إرادة المکلف ، فهی من قبیل المقتضی ، وثبوت المقتضی مع عدم مقتضاه لا مانع منه.

وخلوّ الزمان وإن کان شرطا فی تاثیر المقتضی أثره ، إلاّ أنّ خلوّه عن المزاحم فی التأثیر شرط ، لا خلوّه عن المقتضی المقرون بعدم التأثیر ، فإمّا لا اقتضاء لأحدهما ، وإمّا لا مزاحمة للمقتضی.

وربما یتوهّم هنا شبهة اخری : وهی اختلاف المتلازمین فی الحکم الفعلی ؛ لأنّ نقیض الأهمّ _ الملازم لفعل المهمّ _ حرام ؛ لاقتضاء الأمر بالشیء حرمة ضدّه العامّ الذی لیس فیه کلام ، مع أنّ فعل المهمّ واجب ، وقد تقدّم سابقا : عدم معقولیة اختلافهما فی الحکم ، وإن لم نقل بسرایة حکم أحد المتلازمین إلی الآخر.

ویندفع : بأنّ الکلام فی الضدّین اللذین لهما ثالث ، وإلاّ فوجود أحدهما ملازم قهرا لعدم الآخر وبالعکس ، فلا معنی للحکم علی ملازمه رأسا وفیما کان لهما ثالث وإن سلمنا التلازم ، إلاّ أنّ المانع من اختلاف المتلازمین فی الحکم اللزومی لزوم التکلیف بما لا یطاق ، وهذا المحذور غیر جار هنا ؛ لأنّ الإتیان بالأهمّ رافع لموضوع امتثال الأمر بالمهمّ ، وبعد اختیار عصیان الأمر بالأهمّ وثبوت العصیان لیس الحکم اللزومی بالمهمّ إلقاء له فیما لا یطاق ، فاختلاف

ص: 243

المتلازمین إنما یضرّ فیما إذا لم یکن هناک ترتّب.

وربما ینسب إلی بعض الأعلام (1) إشکال آخر فی المقام : وهو أنّ الترک المحرّم من المهمّ : إما هو الترک المطلق حتی إلی فعل الأهمّ ، أو خصوص الترک المقارن لترک الأهمّ ، وهو الترک الغیر الموصل :

فان کان الأول فهو مناف لفرض الاهمیة ، فإنّ مقتضی الأهمیة جواز ترک المهمّ إلی فعل الأهمّ ، ومناف لفرض طلب المهمّ علی تقدیر ترک الأهمّ ، ومعه کیف یعقل حرمة ترکه الموصل أیضا؟!

وإن کان الثانی فحرمة ترک المهمّ حینئذ نقیضه ترک الترک الغیر الموصل ، لا فعل المهمّ ، بل له لازمان : أحدهما الترک الموصل ، والآخر فعل المهم ، ولا یسری الحکم إلی لازم النقیض ، ومع فرض السریان أو فرض مصداقیة الفعل لترک الترک یکون الفعل _ حیث انّه له البدل _ واجبا تخییریا ، مع أن وجوب المهم تعیینی بناء علی ثبوته.

ویندفع : باختیار الشّقّ الأوّل : ومقتضی أهمّیة الأهمّ إبطال تقدیر المهمّ وهدمه ، فلیس ترکه إلی فعل الأهمّ من جملة تروکه فی فرض مطلوبیته ، فترکه المطلق مع حفظ تقدیر وجوبه لازم من دون لزوم المحذور ، ولا منافاته لفرض الأهمیة.

وباختیار الشّقّ الثانی : بتقریب أنّ إیجاب المهمّ لیس من ناحیة حرمة ترک المهمّ ، بل لدلیله المقتضی لحرمة نقیضه عرضا.

وتوهم تخییریة الوجوب بوجه آخر قد تقدّم فی الحاشیة السابقة (2) مع جوابه کما أشرنا إلیه آنفا (3) ، مع أنّه لو فرض قیام الدلیل علی حرمة ترک المهمّ

ص: 244


1- 1. هو المحقق الشیرازی _ مدّ ظله العالی _ کما فی هامش الاصل.
2- 2. عند قوله : ( وأما ما عن بعض أعلام العصر ... ).
3- 3. وذلک بقوله قبل أسطر : ( ومع فرض السریان ).

علی تقدیر ترک الأهمّ _ کما هو معنی الترتب _ فنقیضه الواجب هو ترک الترک علی هذا التقدیر أیضا ، ولیس لترک الترک فی هذا التقدیر إلاّ لازم واحد أو مصداق واحد ، وهو الفعل ؛ إذ لا یعقل فرض الترک الموصل فی تقدیر ترک الأهمّ للزوم الخلف ، فلیس للفعل حینئذ عدل وبدل حتی یکون وجوبه تخییریا فتدبّر جیّدا.

ثمّ إنّ إصلاح الأمرین بنحو الترتّب إنّما هو لدفع محذور التکلیف بما لا یطاق ، وأما من سائر الجهات فلا (1) یجدیها الترتّب ، فإذا قلنا بمقدّمیة ترک الضدّ

ص: 245


1- 1. قولنا : ( وأما من سائر الجهات فلا ... إلخ ).

لوجود الضدّ لزم فی ترک المهمّ _ بناء علی الترتب _ اجتماع الوجوب والحرمة ؛ لأنّ ترک المهمّ _ من حیث مقدّمیته للأهمّ _ واجب ، ومن حیث إنه نقیض الفعل الواجب حرام.

لا یقال : حرمة ترک المهمّ علی تقدیر ترک الأهمّ لا مطلقا ، ووجوبه _ حیث إنه مقدمی _ یتبع الوجوب المتعلّق بالأهمّ إطلاقا وتقییدا وإهمالا ، وقد تقدّم أن تقیید وجوب الأهم بترکه وإطلاقه لترکه محال ، فترک المهمّ من حیث نفسه واجب ، ومبنیّا علی تقدیر ترک الأهمّ حرام ، فلیس فی مرتبة ترک الأهمّ وعلی هذا التقدیر إلاّ الحرمة ؛ لاستحالة وجوبه المقدمی فی هذه المرتبة.

لانا نقول : بعد ما کانت الذات واحدة _ وهی محفوظة فی هذه المرتبة _ فلا یعقل أن تکون من حیث نفسها واجبة ، ومن حیث مرتبتها المتأخّرة عن مرتبة الذات محرّمة ؛ لما ذکرنا فی محلّه (1) : أنّ مناط رفع التضادّ لیس اختلاف الموضوع بالرتبة ، بل بالوجود.

ص: 246


1- 1. وذلک فی أوائل هذه التعلیقة عند قوله : ( وأمّا ثالثا فلأنّ ملاک ... ).

وأما توهّم : أن المقدّمة (1) لسبقها علی ذیها لا یعقل أن تتحصّص من قبل ذیها بحصّتین حتی یصحّ عروض الحکمین.

فمدفوع : بما قدّمناه _ فی البحث عن المقدّمة الموصلة _ من أن سبق المقدّمة علی ذیها لا ینافی عروض عنوانین متضایفین متلازمین علیهما ؛ بحیث یکون الملاک المقتضی للوجوب المقدّمی فی تلک الحصّة الملازمة لذیها ، کما ذکرنا :

أنّ ذات العلّة متقدّمة علی المعلول ، والعلّیة مضایفة للمعلولیة ، لا سبق ولا لحوق فیهما ، فراجع.

وربما یصحّ الضدّ العبادی _ حتی علی القول بالمقدّمیة ووجوب المقدّمة المستلزم لحرمة نقیضها _ بنظیر ما مرّ فی البرهان الثانی علی الترتّب ، ومحصّله :

أنّ الضدّ إذا کان له أضداد فمانعیته لکلّ واحد من الأضداد غیر مانعیته للآخر ، فسدّ باب عدم الضدّ من ناحیته غیر سدّ باب عدم ضدّ آخر من ناحیته ، ومقدّمیته للضدّ الأهمّ تقتضی تفویته من هذه الجهة لا من سائر الجهات ، ونقیضه حفظه من هذه الجهة لا من سائر الجهات ، فهو المبغوض ، دون حفظه وسد باب عدمه من جمیع الجهات ، فلا مانع من محبوبیة حفظه وسدّ باب عدمه من سائر الجهات.

وفیه : إن رجع الأمر إلی المقدّمة الموصلة وأنّ ترک المهم إلی فعل الأهمّ _ والموصل إلیه واجب لا ترکه المطلق _ فالفعل لیس نقیضا للترک الموصل حتی یکون حراما ، فهو أمر قد تقدّم الکلام فیه ، وبینا ما عندنا هناک حتی علی القول بالمقدّمة الموصلة.

ص: 247


1- 1. قولنا : ( وأمّا توهّم أنّ المقدّمة ... إلخ ).

وأما إن لم یرجع إلی التصحیح من ناحیة المقدّمة الموصلة ففیه :

أنّ وجود المهمّ بوحدته مضادّ لجمیع أضداده ومانع عنها ، وترکه مقدمة لکل واحد واحد منها ، ولا یتعدّد هذا الواحد بإضافته إلی أضداده وبکثرة اعتباراته ، فإنّ مطابق طرد جمیع أعدامه المضافة إلی أضداده شخص هذا الوجود ، وأما استناد فوات الضدّ الأهمّ إلی الصارف _ دون فعل المهم _ فلم یلزم عدم الأهمّ من قبل المهمّ حتی یکون ترکه سدّ باب عدم الأهمّ من قبله ، فمرجعه إلی اعتبار المقدّمة الموصلة ، وإلاّ لکفی فی مقدّمیته أنه فی نفسه مما یتوقّف علیه سدّ باب عدم الأهمّ ، وإن لم یستند فتح باب عدمه إلیه فالترتّب مع المقدّمیة غیر مفید.

123 _ قوله [قدّس سرّه] : ( إلاّ أنه کان فی مرتبة الأمر بغیره اجتماعهما ... الخ ) (1).

لا یخفی علیک أنّ الأمر بالمهمّ : إن کان مترتّبا علی عصیان الأمر بالأهمّ ، فالأمر بالمهمّ متأخّر عن الأمر بالأهمّ بمرتبتین ؛ لتأخّر الأمر بالمهمّ عن العصیان تأخّر المشروط عن شرطه طبعا ، والعصیان کالإطاعة متأخّر عن الأمر بالأهمّ طبعا لوجود ملاک التقدّم والتأخّر الطبعیین ؛ حیث لا یمکن وجود الإطاعة أو العصیان إلاّ والأمر موجود ، ولکن یمکن وجود الأمر ولا إطاعة أو لا عصیان.

ومن الواضح : أنّ التقدّم والتأخّر متضایفان ، فإذا کان الأمر بالمهمّ متأخّرا عن الأمر بالأهمّ طبعا ، کان الأمر بالأهمّ متقدّما علیه طبعا ، فلا یعقل المعیّة فی الرتبة مع التقدّم والتأخر الرتبیین الطبعیین.

وأما إن کان الأمر بالمهمّ مترتّبا علی ترک الأهمّ ، فلا تقدّم ولا تأخّر طبعیین بالإضافة إلی الأمرین ؛ لأن ترک الأهمّ وإن کان شرط الأمر بالمهمّ ،

ص: 248


1- 1. کفایة الاصول : 134 / 13 _ 14.

فیتأخّر عنه الأمر بالمهمّ طبعا ، لکن ترک الأهمّ لا تأخّر له عن الأمر بالأهمّ ، کتأخّر عنوان عصیان الأمر عن الأمر.

وتأخّر الفعل _ الذی هو معلول للأمر به تأخّر المعلول عن العلّة بالعلّیة _ لا یقتضی تأخّر نقیضه عن الأمر بالأهمّ ؛ لما مرّ مرارا : أن التأخّر والتقدّم لا یکون إلاّ بملاک یقتضیهما ، ووجود المعلول له الاستناد إلی العلّة ، فلها التقدّم بالعلّیة ، وأما عدم المعلول فلیس له الاستناد إلی علّة الوجود ؛ کی یکون لها التقدّم بالعلّیة علیه ، وتقدّم عدمها علی عدمه تقریبا لا دخل لتقدّم وجودها علیه.

وعلی هذا فلا تقدّم ولا تأخّر للأمر بالأهمّ والأمر بالمهمّ ، ولا أظنّ أن یکون نظره الشریف _ قدس سرّه اللطیف _ إلی التقدّم والتأخّر الطبعیین الرتبیین (1) ، بل نظره (قدس سره) _ کما ترشد إلیه عبارته _ إلی أنّ الأمر بالأهمّ لإطلاقه الذاتی متحقّق کلّما تحقّق الأمر بالمهمّ ، والأمر بالمهمّ لا یتحقّق کلّما تحقّق الأمر بالأهمّ ، ولکنّک قد عرفت ما یتعلّق بالمقام من النقض والإبرام فی الحاشیة المتقدّمة.

124 _ قوله [قدّس سرّه] : ( مع أنه یکفی الطرد من طرف الأمر بالأهمّ ... الخ ) (2).

المطاردة من الطرفین _ کما هو صریح العبارة _ مبنیّة علی کون الملاک فعلیة الأمرین ، وقد مرّ الکلام فیه ، وأما الطرد من طرف الأمر بالأهمّ فقط فلیس بذلک الملاک ، بل یمکن أن یوجه بوجه آخر :

وهو أنّ تمامیة اقتضاء الأمر بالمهمّ ؛ حیث إنها بعد سقوط مقتضی الأهمّ عن التأثیر ، فلا یعقل أن یزاحمه فی التأثیر ، لکن الأمر بالأهمّ لم یسقط بعدم

ص: 249


1- 1. فی الاصل : الطبعی الرتبی ...
2- 2. کفایة الاصول : 135 / 13.

التأثیر عن اقتضائه للتأثیر ، ولذا لا یسقط الأمر بالأهمّ بمقارنة عصیانه ، بل بمضیّ زمانه ، فحیث انه بعد (1) یقتضی التأثیر ، فیزاحم المقتضی الآخر فی التأثیر.

وجوابه : ما عرفت من أنّ المقتضی ، وإن کان فی طرف الأهمّ موجودا ، لکنه لا یترقّب منه فعلیة التأثیر بعدم مقارنته لعدم التأثیر ، وإلاّ لزم الخلف أو الانقلاب أو اجتماع النقیضین ، وما لا یترقّب منه فعلیة التأثیر لا یزاحم ما له إمکان فعلیة التأثیر بحیث لا یمتنع تأثیره ذاتا ووقوعا وبالغیر فتدبر جیّدا.

إلاّ أن هذا الوجه إن کان فی تصوّر الطرد من طرف الأهمّ فقط وجیها ، لکنه ربما لا تساعده العبارة. 125 _ قوله [قدّس سرّه] : ( نعم فیما إذا کانت موسعة ، وکانت مزاحمة ... الخ ) (2).

الکلام تارة فی صحّة الأمرین بالموسّع والمضیّق ولو لا بنحو الترتّب ، واخری فی صحّة إتیان الموسّع فی زمان المضیّق بداعی الأمر ، ولو لم یکن هناک أمر بالفرد المزاحم ، ولو لا بنحو السرایة ، بل بنحو سعة الطبیعة له أیضا :

أما الأوّل : فالأمر بالموسّع من حیث أجزاء الوقت ، إن رجع إلی التخییر الشرعی ، او تعلّق بالطبیعة الساریة إلی أفرادها ، أو تعلّق بالطبیعة الملحوظة بنحو یسع هذا الفرد المزاحم ، فلا یعقل اجتماع الأمرین _ المضیّق والموسّع _ ؛ لأنه من طلب الضدّین فی خصوص زمان.

وتوهّم جوازه : نظرا إلی أنّ المانع من التکلیف بما لا یطاق لیس إلاّ

فی صحة الأمرین بالموسع والمضیق

ص: 250


1- 1. الظاهر انه ( رحمه الله ) استعمل ( بعد ) هنا. بمعنی ( لا یزال ).
2- 2. کفایة الاصول : 136 / 5.

اللغویة ، وهی مسلمة فیما إذا کان نفس الفعل غیر مقدور کالطیران إلی السماء ، وأما إذا کان نفسه مقدورا فلا یلزم اللغویة ؛ إذ یکفی فی ثمرة وجود الأمر أنه لو أراد المکلّف عصیان الواجب المعیّن یقدر علی إطاعة هذا الأمر.

مدفوع : بأنّ الأمر إذا کان بداعی جعل الداعی _ کما هو محلّ الکلام _ ولم یکن مرتّبا علی عصیان الأمر بالمعیّن ، فلا محالة یجب أن یکون بالفعل صالحا للدعوة مع دعوة الآخر ، ولا یعقل دعوتهما معا ، ولذا أطبق المحققون علی عدم إمکان الأمرین المطلقین بضدّین ، مع أنّ هذه الثمرة موجودة ، وهی أنّ المکلّف لو عصی أحدهما یقدر علی إطاعة الآخر.

وإن لم یرجع الأمر بالموسّع إلی أحد الوجوه ، بل إلی الأمر بصرف الطبیعة ، مع قطع النظر عن الخصوصیات والممیّزات _ وبعبارة اخری : عن المفرّدات _ فالفرد المزاحم غیر ملحوظ _ لا بالذات ولا بالعرض _ ولا محدّدا للطبیعة ، ویکون معنی الأمر بها والقدرة علیها هو الأمر بوجودها المقدور علیه بالقدرة علی تطبیقها علی أفرادها ، فتطبیقها علی الفرد المزاحم بسوء اختیاره لمکان ترک الواجب المضیّق لا ربط له بتعلّق الأمرین بضدّین ؛ إذ مع عدم لحاظ المفرّدات بوجه من الوجوه لا تعلّق للأمر بضدّ الواجب المضیّق بوجه من الوجوه ، وتمام الکلام فیه سیجیء (1) _ إن شاء الله تعالی _ فی مبحث اجتماع الأمر والنهی.

لکنه مع القول بهذا المبنی یشکل هنا أیضا : بأنّ الطبیعة حیث إنّ أفرادها هنا طولیة فلیس فی زمان المضیّق لطبیعة الموسّع فرد غیر مزاحم ؛ حتی یقال : لا نظر إلیه ، بل إلی صرف الطبیعة الغیر المزاحمة بنفسها ، فإنها حینئذ منحصرة فی

ص: 251


1- 1. التعلیقة : 202.

المزاحم ، فیکون الأمر بها فی هذا الزمان أمرا بالمزاحم حقیقة ، بخلاف باب اجتماع الأمر والنهی ، فإن الأفراد هناک عرضیة ، ففی کلّ زمان لطبیعة الصلاة أفراد مزاحمة وأفراد غیر مزاحمة ، فالطبیعة فی کلّ زمان مقدور علیها.

وأما الثانی ففیما إذا لم یکن هناک أمر بالفرد المزاحم ولا بالطبیعة التی تسعه ، فصریح المتن إمکان إتیانه بداعی الأمر ؛ لتعلّق الأمر بالطبیعة التی تسعه بما هی طبیعة الصلاة ، لا بما هی مأمور بها ، والعقل لا یفرّق بین هذا الفرد المزاحم وغیره فی فردیته للطبیعة التی امر بها بما هی طبیعة.

ویشکل ذلک : بأنّ دعوة الأمر إلی شیء یستحیل بلا تعلّق له به ، والاشتراک فی الطبیعة وفی الغرض یصحّح الإتیان بهذا الداعی ، لا أنه یصحّح دعوة الأمر ، خصوصا علی ما ذکرنا من الفرق بین المقام ومبحث اجتماع الأمر والنهی ؛ إذ لا أمر بالطبیعة فی زمان المضیّق أصلا حتی یکون الأمر بها داعیا إلی إتیان ما لا قصور له عن فردیته لها.

وأما ما افاده (1) (قدس سره) : من صحّة الإتیان بداعی الأمر حتی علی القول بتعلّقه بالفرد ، مع أنّ المفردات متباینة ، والأمر بالفرد الغیر مزاحم لا یعقل أن یدعو إلی المباین وهو الفرد المزاحم.

فالوجه فیه : ما اشیر إلیه فی کلامه (2) من الاشتراک فی الغرض ، مع أنّ المفردات _ أیضا _ لها طبائع جامعة ، فیرجع الأمر إلی الأمر بطبیعة أخصّ مما یقول به القائل بتعلّقه بالطبیعة دون الفرد.

ص: 252


1- 1. الکفایة : 136 _ 137.
2- 2. الکفایة : 136 عند قوله : ( یمکن أن یقال ... ).

126 _ قوله [قدّس سرّه] : ( لکان جائزا ... الخ ) (1).

بل غیر جائز ؛ لأنّ الانشاء بداعی البعث (2) _ مع العلم بانتفاء شرط بلوغه إلی مرتبة الفعلیة _ غیر معقول ، وبداعی الامتحان وغیره لا یترقّب منه البلوغ إلی مرتبة البعث الجدّی لیدخل فی العنوان ، وبلا داع محال.

127 _ قوله [قدّس سرّه] : ( من دون تعلق غرض باحدی الخصوصیات ... الخ ) (3).

لا یخفی علیک أنّ جعل اللوازم الغیر الدخیلة فی الغرض مقوّمة للمطلوب بعید جدّا عن ساحة العلماء والعقلاء.

وظنی أن المراد بتعلّق الأمر بالطبیعة أو بالفرد هو ظاهره بتقریب :

أنّ هذه المسألة : إما مبتنیة علی مسألة إمکان وجود الطبیعی (4) فی الخارج

تعلق الأمر بالطبیعة أو بالفرد

ص: 253


1- 1. کفایة الاصول : 137 / 20.
2- 2. قولنا : ( لأن الإنشاء بداعی البعث ... إلخ ).
3- 3. کفایة الاصول : 138 / 13.
4- 4. قولنا : ( إما علی مسألة إمکان وجود الطبیعی ... إلخ ).

وامتناعه ، فمن یقول بامتناعه لا بد له من القول بتعلق التکلیف بالفرد ؛ لئلا یلزم

====

توضیح القول فیها : أن الحصّة المتقرّرة فی مرتبة ذات زید من الإنسانیة _ المباینة مع حصّة اخری منها متقرّرة فی مرتبة ذات عمرو ، وهکذا _ هی الماهیة الشخصیة التی تأبی الصدق علی کثیرین ، وهی الموصوفة بالجزئیة المقابلة للکلیة ، دون نفس الوجود المتّحد معها المحصّص والمشخّص لها ، فإن الوجود وإن کان هو عین التشخّص ومناط التفرّد إلاّ أنه من حیث کونه عین الخارجیة ، لیس صدقیا حتی یوصف بالإباء عن الصدق فی قبال عدم الإباء ، بل الإباء وعدم الصدق فیه بنحو السالبة بانتفاء الموضوع.

ص: 254

التکلیف بغیر المقدور ، لکن لیس لازم تعلّق التکلیف به دخول لوازم الوجود ولوازم التشخّص فی المکلّف به ، بل اللازم _ بلحاظ عدم القدرة علی إیجاد الطبیعی ، والقدرة علی إیجاد الشخص _ تعلّق التکلیف بالماهیة المتشخّصة بالوجود _ أعنی ذات هذه الماهیة المتشخّصة القابلة للوجود _ فإن الماهیة : تارة _ تلاحظ بنفسها ، فهی الطبیعی ، واخری _ مضافة إلی قید کلّی ، فالمضاف هی الحصة ، لا مجموع المضاف والمضاف إلیه ، وثالثة _ تضاف إلی الوجود المانع عن صدقها علی کثیرین _ وهو الفرد _ فذات الإنسانیة الموجودة بوجود زید فی قبال الإنسانیة الموجودة بوجود عمرو هی الماهیة الشخصیة ، وهی المطلوبة بلا دخل للوازمها ، لا فی کونها شخصیة ، ولا فی مطلوبیتها.

ومن یقول بإمکان وجود الطبیعی ، وأن الماهیة الواحدة کلّیة فی مرحلة الذهن ، وشخصیة بإضافة الوجود إلیها (1) ، فالطبیعی متشخّص بالوجود ، فهو یقول بإمکان تعلّق الأمر به ، فلا نظر إلی اللوازم علی أیّ حال.

وأما مبتنیة علی مسألة تعلّق الجعل بالماهیة أو بالوجود ، فإنّ المراد بالذات هو الصادر بالذات ، فمن جعله الوجود قال بتعلّق الإرادة به ، ومن جعله الماهیة قال بتعلق الإرادة بها من دون فرق بین الإرادة التکوینیة والتشریعیة.

====

2. فی الأصل : وشخصیته باضافة الوجود إلیه ...

ص: 255


1- لقواعده ؛ لأنّ المعبّر عنه بالتشخّصات لیس إلاّ لوازم الوجود التی هی أفراد لطبائع شتّی لکلّ منها وجود وماهیة ، فکیف یعقل أن تکون فی رتبة سابقة علی وجود الطبیعة بحیث یکون وجود الطبیعة وجودها بلوازمها؟! کما لا یعقل أن تکون فی رتبة الوجود واردة علی نفس الطبیعة ، مع أنها نوعا من الأعراض التی لا حلول لها إلاّ فی وجود موضوعها ، لا فی ماهیتها ، فالصحیح فی النزاع وفی معنی الکلّی والفرد ما عرفت ، فافهم واستقم. [ منه قدّس سرّه ].

وکما أن معنی جعل الماهیة إفاضة نفسها ، فینتزع منها _ عند صدورها وفیضانها من جاعلها _ أنها موجودة کذلک معنی تعلّق الإرادة بها إرادة إفاضتها المستتبعة لانتزاع الوجود منها ، کما أنّ الأمر علی العکس منه فی جعل الوجود وتعلّق الإرادة به ، فإنّ معنی جعله إفاضة الوجود المنتزع منه ماهیة خاصة ، ومعنی تعلّق الإرادة به إرادة إفاضته.

ولا یخفی علیک أن الإیجاد والوجود والإفاضة والفیض متحدان بالذات متفاوتان بالاعتبار ، فمن حیث قیام الصادر الفائض بالماهیة یسمّی وجودا لها ، ومن حیث قیامه بالجاعل قیام الفعل بالفاعل یسمّی إیجادا وجعلا وإفاضة.

ومنه یعلم : أنّ القابل لتعلّق الجعل به بالذات هو الوجود دون الماهیة ؛ إذ الماهیة فی حدّ ذاتها واجدة _ بوجدان ماهوی _ لذاتها وذاتیاتها.

ولو کانت المجعولیة والمفاضیة حیثیة ذاتیة للماهیة _ بأن کان تمام حیثیة ذاتها حیثیة المجعولیة والمفاضیة ، من دون انضمام حیثیة اخری _ فهی إذن فی حد ذاتها موجودة ؛ إذ لا تنفکّ المفاضیة عن الموجودیة ، فیلزم انقلاب الإمکان الذاتی إلی الوجوب الذاتی ؛ إذ لا نعنی بالواجب بالذات إلاّ من کان ذاته بذاته _ لا بلحاظ حیثیة غیر ذاته _ منشأ انتزاع الموجودیة.

وإذا کان انتزاع الموجودیة والمجعولیة بلحاظ حیثیة مکتسبة من جاعلها ، فتلک الحیثیة هی بالذات مطابق الجعل والمجعول والإیجاد والوجود.

وهناک براهین أخر علی عدم تعقّل جعل الماهیة مذکورة فی محالّها ، فلتراجع.

ولعلّ ذهاب المشهور إلی تعلّق الأمر بالطبیعة ؛ لذهاب المشهور من الحکماء والمتکلّمین إلی أصالة الماهیة وتعلّق الجعل بها.

فالتحقیق : حینئذ تعلّق الأمر بالفرد بمعنی وجود الطبیعة.

الإیجاد والوجود والإفاضة والفیض

ص: 256

توضیحه : أن طبیعة الشوق من الطبائع التی لا تتعلّق إلاّ بما له جهة فقدان وجهة وجدان ؛ إذ لو کان موجودا من کل جهة لکان طلبه تحصیلا للحاصل ، ولو کان مفقودا من کل جهة لم یکن طرف یتقوّم به الشوق ، فإنه کالعلم لا یتشخّص إلاّ بمتعلّقه ، بخلاف ما لو کان موجودا من حیث حضوره للنفس ، مفقودا من حیث وجوده الخارجی ، فالعقل یلاحظ الموجود الخارجی ، فإنّ له قوة ملاحظة الشیء بالحمل الشائع ، کما له ملاحظة الشیء بالحمل الأوّلی ، فیشتاق إلیه ، فالموجود بالفرض والتقدیر مقوّم للشوق ، لا بما هو هو ، بل بما هو آلة لملاحظة الموجود الحقیقی ، والشوق یوجب خروجه من حدّ الفرض والتقدیر إلی الفعلیة والتحقیق ، وهذا معنی تعلّق الشوق بوجود الطبیعة ، لا کتعلّق البیاض بالجسم حتی یحتاج إلی موضوع حقیقی ، لیقال : إن الموجود الخارجی لا ثبوت له فی مرتبة تعلّق الشوق ، ولا یعقل قیام الشوق بالموجود الخارجی ، کیف؟! والوجود یسقطه ؛ لما عرفت من اقتضاء طبیعة الشوق عدم الوجدان من کل جهة.

128 _ قوله [قدّس سرّه] : ( کما هو الحال فی القضیة الطبیعیة فی غیر الاحکام ... الخ ) (1).

وجه المشابهة فی مجرد عدم النظر إلی الافراد بمفرداتها ، وإن کانت الطبیعة تفترق عن غیرها ؛ بأن الموضوع فیها هی الطبیعة الکلیة من حیث هی کلیة ، بخلاف متعلق طلب الوجود ، فانها الطبیعة بما هی ، فلا یکون قولنا : ( الصلاة واجبة ) جاریا مجری قولنا : ( الإنسان نوع ) ، ولذا قال (قدس سره) : ( فی غیر الأحکام ) ، وقد عرفت آنفا (2) معنی تعلّق الطلب بالطبیعة ، لا بالموجود الخارجی _ بما هو موجود خارجی _ فلا تخلط.

ص: 257


1- 1. کفایة الأصول : 138 / 15.
2- 2. آخر التعلیقة : 127.

129 _ قوله [قدّس سرّه] : ( بل فی المحصورة کما حقّق (1) ... الخ ) (2).

فإنّ المحصورة _ حینئذ _ کالطبیعة من حیث تعلّق الحکم بنفس الطبیعة ، إلاّ أنّ الطبیعة لوحظت فی المحصورة علی نحو یسری حکمها إلی الأفراد عقلا ، بخلاف الطبیعیة ، فإنّ الطبیعة فی الطبیعیة ما فیه ینظر ، وفی المحصورة ما به ینظر.

130 _ قوله [قدّس سرّه] : ( وإن نفس وجودها السّعی ... الخ ) (3).

فإن قلت : هذا إذا کان التشخّص والتفرّد بلوازم الوجود ، وأما إذا کان بنفس الوجود ، فکلّ وجود بنفسه وهویّته یباین الآخر ، فالمطلوب حینئذ إمّا وجود واحد معیّن ، أو أحد الوجودات لا علی التعیین ، أو جمیع الوجودات ، فما معنی ( الوجود السّعی )؟

قلت : التشخّص وإن کان بالوجود _ کما هو الحقّ _ والوجود العنوانی وإن کان منتزعا عن أحد أنحاء الوجود الحقیقی ، إلاّ أنّ الطلب _ کما مرّ _ لا یعقل أن یتعلّق بالموجود المحقّق ، ولا بالفانی فیما هو محقّق فعلا ؛ کی یلزم المحذور المذکور ، بل المقوّم للطلب والشوق هو الوجود المفروض ، وتأثیر الشوق فیه بإخراجه من حدّ الفرض والتقدیر إلی الفعلیة والتحقیق ، والوجود المفروض یمکن أن یکون حقیقة الوجود المعرّی عن جمیع اللوازم والقیود ؛ بحیث یکون قابلا للصدق علی کلّ وجود محقّق فی الخارج ، وحیث إنّ لوازم الوجود خارجة عما یقوم به الغرض قطعا ، فلا حاجة إلی إطلاق لحاظی (4) فی الوجود بلحاظ لوازمه ،

ص: 258


1- 1. فی الکفایة _ تحقیق مؤسستنا _ : علی ما حقّق ....
2- 2. کفایة الأصول : 138 / 16.
3- 3. کفایة الأصول : 138 / 20.
4- 4. قولنا : ( فلا حاجة إلی اطلاق لحاظی ... إلی آخره ).

بل یصحّ تعلّق الطلب بنفس الوجود المفروض المعرّی فی ذاته _ بحسب الفرض والتقدیر _ عن جمیع لوازمه.

وأما توهّم الجهة الجامعة الخارجیة بین أنحاء الوجودات الخارجیة _ لیکون الوجود العنوانی فانیا فیها ، ویکون الفرض والتقدیر متعلّقا بها _ فهو فاسد ؛ إذ الوجود الحقیقی فی کل موجود بنفس هویته یباین وجودا آخر شخصا وتشخصه ذاتی ، وکون الوجود سنخا واحدا _ او کون العالم کله _ بلحاظ إلغاء الحدود والقیود _ واحدا شخصیا ؛ للبرهان المحقّق فی محلّه _ أجنبی عما نحن فیه (1). 131 _ قوله [قدّس سرّه] : ( فانها کذلک لیست إلاّ هی ... الخ ) (2).

لا یذهب علیک أنّ کون الماهیة _ من حیث هی _ خالیة عن جمیع الأوصاف ، لا یستدعی عدم عروض وصف لها من حیث هی ، فإنّ الماهیة _ من

عروض الوصف للماهیة من حیث هی

ص: 259


1- 1. قولنا : ( أجنبی عمّا نحن فیه ... الی آخره ).
2- 2. کفایة الاصول : 139 / 4.

حیث هی _ لا موجودة ولا معدومة ، مع أنها بنفسها : إما موجودة أو معدومة بالحمل الشائع ، فکل مفهوم یباین مفهوما آخر بالحمل الأولی ، وإن کانا متحدین بالحمل الشائع.

وعلیه فلا منافاة بین کون الصلاة _ فی حدّ ذاتها وماهیتها _ لا مطلوبة ولا غیر مطلوبة ، وبلحاظ تعلّق الطلب بها مطلوبة ، وکما أنّ معنی تعلّق الجعل التکوینی البسیط بها صدورها من الجاعل ویلزمه صحة انتزاع الموجودیة منها ، کذلک معنی تعلّق الطلب بها إرادة صدورها ، وإفاضتها إما تکوینا أو تشریعا ، ولا دخل لذلک بطلب وجودها ، کما لا ربط لجعلها بجعل وجودها.

نعم الحقّ تعلّق الجعل بوجودها ، فکذا الطلب ؛ ضرورة أنّ الصادر بالذات هو المراد بالذات بلا عنایة ، وإنما یعبّر عن المطلوب بالصلاة الموضوعة للماهیة لا للوجود ؛ لأنّ المفاهیم الثبوتیة مطابقها عین الوجود المنتزع عنه طبیعة الصلاة ، والمفروض أن متعلّق الإرادة هی الصلاة بالحمل الشائع ، فافهم جیّدا ، فإنه دقیق جدّا.

132 _ قوله [قدّس سرّه] : ( فإنه طلب الوجود ، فافهم ... الخ ) (1).

لعله إشارة إلی أنّ الأمر نفس الطلب ، لکنه حیث لا یعقل تعلّقه بنفس الماهیة ، فلا بد من ملاحظة الوجود معها حتی یصحّ طلبها ، وقد عرفت تحقیق المقام آنفا ، ونزیدک هنا أنّ هیئة الأمر والنهی إن کانت موضوعة للطلب ، فلا محالة یؤخذ الفعل والترک والوجود والعدم فی طرف الهیئة ؛ لأنّ المادّة واحدة فیهما. وإن کانت موضوعة للبعث والزجر ، فکلاهما متعلّقان بطرف الفعل ، فلا حاجة إلی إدراج الوجود والعدم فی مفاد الهیئة.

ص: 260


1- 1. کفایة الأصول : 139 / 5.

وقد عرفت _ أیضا _ عدم الحاجة إلی إدراج الإیجاد فی طرف المادّة ؛ حیث إن المطلوب هی الصلاة بالحمل الشائع بملاحظة المفهوم فانیا فی مطابقه ، وسیجیء _ إن شاء الله تعالی _ أنّ الصحیح هو الثانی.

مضافا إلی أنّ الفعل والترک والوجود والعدم لیس من جهات النسبة الطلبیة وشئونها حتی یکون مفاد الهیئة نسبة خاصّة ، بل نسبة متعلّقة بأمر خاصّ ، فتدبّر جیّدا.

133 _ قوله [قدّس سرّه] : ( لا أنه یرید ما هو صادر وثابت ... الخ ) (1).

قد عرفت مرارا : اتحاد الجعل والمجعول والإیجاد والوجود ذاتا واختلافهما اعتبارا ، فکما یصحّ أن ینسب الشوق إلی الجعل والإیجاد ، فکذا إلی المجعول والوجود والموجود.

وقد عرفت معنی تعلّق الشوق بالوجود الحقیقی ، وأنه لیس من قبیل قیام البیاض مثلا بالجسم کی یتوقّف علی وجود متعلّقه حال تعلّقه به ، بل المقوّم للشوق حال تحقّقه هو الوجود الحقیقی بوجوده الفرضی ، لا التحقیقی بنحو فناء العنوان فی المعنون ، وطلب الحاصل إنّما یکون لو قیل بحدوث الشوق أو بقائه بعدد وجود متعلّقه فی الخارج ، فراجع ما قدّمناه (2).

134 _ قوله [قدّس سرّه] : ( وأما بناء علی أصالة الماهیة ... الخ ) (3).

قد عرفت : أن الصادر بالذات هو المراد بالذات بلا عنایة ، فاذا فرض

الصادر بالذات هو المراد بالذات

ص: 261


1- 1. کفایة الاصول : 139 / 8.
2- 2. وذلک فی آخر التعلیقة : 127.
3- 3. کفایة الاصول : 139 / 15.

أصالة الماهیة فهی ، القابلة للجعل البسیط بالذات ، وبنفس الجعل التکوینی تکون الماهیة خارجیة ، لا أنّ الجاعل یجعل الماهیة خارجیة بالذات ، بل جعلها بالذات جعل وجودها ، وخارجیتها بالعرض.

فالمراد بالذات حینئذ هو جعل الماهیة بالذات ، وهو جعل وجودها وخارجیتها بالعرض ، لا أنّ المراد جعل الماهیة خارجیة وموجودة ؛ لما عرفت من أنّ المراد بالذات هو المجعول بالذات والصادر بالذات ، وأما المجعول بالعرض ، فهو مراد بالعرض من غیر فرق بین الإرادة التکوینیة والتشریعیة ، کما لا فرق بین جاعل وجاعل ، والظاهر من قوله (قدس سره) : ( جعلها من الخارجیات ) (1) تعلّق الجعل التألیفی بخارجیتها ، والجعل التألیفی بین الماهیة وتحصّلها محال.

135 _ قوله [قدّس سرّه] : ( ولا مجال لاستصحاب الجواز ... الخ ) (2).

التحقیق : أن حقیقة الحکم الإیجابی (3) إن کانت مرکّبة من جواز الفعل والمنع من الترک أمکن الاستصحاب شخصا ؛ لأنّ الجنس إنما یزول بزوال الفصل

حقیقة الحکم الإیجابی

ص: 262


1- 1. لیست هذه نص عبارة الکفایة ، بل مضمونها ، أما نصّها فهو : ( فیطلبها کذلک لکی یجعلها بنفسها من الخارجیات والأعیان الثابتات ... ).
2- 2. کفایة الاصول : 140 / 5.
3- 3. قولنا : وأ التحقیق : أن حقیقة الحکم الایجابی ... الی آخره ).

بما هو جنس ، لا بما هو متفصّل بفصل عدمی لنوع آخر ، نظیر قطع الشجر ،

====

المنع عن الترک ، وأما شخص الانشاء بداعی البعث فهو مشکوک البقاء من دون محذور ، فیستصحب.

ص: 263

فانه یوجب زوال النامی مع بقاء الجسم ، فإنّ الجسم بنفسه نوع متحصّل ، مع عدم قوّة النمو ، وإن کان باعتبار استعداده لتلقّی القوّة النامیة مادّة وجنسا للنامی ، فزوال القوة النامیة یوجب زوال الجسم بالمعنی الذی یکون جنسا ، لا زوال الجسم بما هو نوع متحصّل ، وهو الجماد.

فکذا الإذن ، فانه وإن کان یزول بما هو جنس متفصل بالمنع من الترک ، لکن لا بذاته المتفصّل بفصل عدم الاقتضاء الطلبی ، الذی هو نوع خاصّ ، وهی الإباحة الخاصّة ؛ إذ لیست الإباحة إلاّ الإذن الساذج الذی لیس فیه اقتضاء طلبی ، ونفس زوال ما هو مقوّم الوجوب _ بما هو وجوب _ یکون فصلا للإباحة الخاصّة.

وإن کانت حقیقة الوجوب بسیطة فزوالها لا یبقی مجالا لبقاء الإذن الشخصی ، وإن کانت من الأعراض ، ولم تکن من الاعتبارات ، فإنّ الأعراض وان کان لها جنس وفصل ، إلاّ أنهما عقلیان ، لا أن هناک أمرا خارجیا یتوارد علیه الصور کالجسم بالإضافة إلی ما یرد علیه من الصور النوعیة لیجری فیها ما جری بناء علی الترکّب.

نعم بینهما فرق من حیث جریان استصحاب الکلی ؛ حیث إنّ طبیعی الإذن معلوم ، وارتفاعه مشکوک ؛ لاحتمال وجوده فی ضمن الإباحة الخاصّة مقارنا لزوال الوجوب ؛ بناء علی جریانه فی مثل هذا ، بخلاف ما إذا کان من الاعتبارات ، فإنه بسیط جدّا ، لا إذن فیه أبدا ، لا فی نفس الوجوب ، ولا فی لازمه :

====

معنی لاستصحابه ، والإذن الاعتباری أجنبی عن جنس الصفة النفسانیة ، ولیس لازما لها أیضا. نعم مبادی الإرادة من الحبّ والمیل متحقّقة عند تحقّقها ، ولا کلام فی استصحابها ، کما أنّ عدم المنافرة لازم ضدها ، وهی الموافقة للطب�1. وقد عرفت حال لازم الضدّ المحقّق من عدم أضداده ، مع أنه لم یترتّب علیها أثر شرعی ، ولیس بنفسها أثرا شرعیا ، فتدبّر جیّدا. [ منه قدّس سره ]

ص: 264

أمّا الأوّل فلفرض بساطته حتی عقلا ، وأمّا الثانی فلأنّ الإذن المطلق لا معنی له ، والإباحة الخاصّة لا تکون لازم الوجوب ؛ إذ لیس کلّ موضوع محکوما بحکمین کما هو واضح.

بل التحقیق : عدم جریان الاستصحاب علی الأوّل أیضا حتی علی القول باستصحاب الکلّی فی القسم الثالث ؛ لأنّ الوجوب إذا کان من الأعراض ، لا حقیقة له إلاّ الإرادة الحتمیة.

ومن الواضح : أنّ جنسها الکیف النفسانی ، لا الإذن ونحوه ، وأما عدم المنافرة للطبع ، فهو وإن کان لازما لوجوب الفعل واستحبابه وإباحته ، لکنه لا دخل له بالأحکام ، والمقصود استصحاب الحکم ولو بنحو الکلی ، فتدبر جیّدا.

136 _ قوله [قدّس سرّه] : ( غیر الوجوب والاستحباب ... الخ ) (1).

لا یخفی علیک أنّ الوجوب والاستحباب ربما یراد منهما الإنشاء بداعی البعث المنبعث عن مصلحة ملزمة أو غیر ملزمة ، فلا شبهة فی أنهما متباینان عقلا وعرفا ، فإنّهما نحوان من البعث الانتزاعی من منشأ مخصوص وأن التفاوت بالشدّة والضعف غیر جار فی الامور الاعتباریة.

وربّما یراد منهما الإرادة الحتمیة والندبیة ، فعلی المشهور هما مرتبتان من الإرادة وهی نوع واحد لا تفاوت بین الشدیدة والضعیفة منها فی النوعیة ، بل فی الوجود علی التحقیق ، وکما أنّ البیاض الشدید إذا زالت شدته ، وبقی بمرتبة ضعیفة منه لا یعدّ وجودا آخر لا عقلا ولا عرفا ، بل وجود واحد زالت صفته ، فکذا الإرادة الشدیدة والضعیفة ، والتفاوت فی لحاظ العقل والعرف إنّما نشأ من

الوجوب والاستحباب متباینان عقلا وعرفا

ص: 265


1- 1. کفایة الأصول : 140 / 11.

الخلط بین الأمر الانتزاعی والکیف النفسانی. هذا ، إلاّ أنّ القابل للاستصحاب هو الحکم بالمعنی الأوّل فإنه المجعول القابل لجعل مماثله ، وأما الإرادة والکراهة فهما صفتان نفسیتان ، لا أمران جعلیان.

نعم ، لو رتب علی الإرادة أثر شرعی صحّ التعبّد بها بلحاظ أثرها ، لکن لیس البعث المنبعث منها أثرا مترتّبا علیها شرعا ، بل ترتّبه علیها من باب ترتّب المعلول علی علّته عقلا وإن کان ذات المترتب شرعیا ، فلیس البعث بالإضافة إلی الإرادة کالحکم بالإضافة إلی موضوعه وعنوان العلیة وعنوان المعلولیة وإن کانا متضایفین ، ویصحّ عند التعبّد باحدهما ترتیب الأثر علی الآخر ، إلاّ أنّ ذات الإرادة والبعث لیسا متضایفین ؛ حتی یکون التعبّد بأحدهما تعبّدا بالآخر.

نعم لو کان دلیل الاستصحاب لتنجیز الواقع _ لا لجعل الحکم المماثل _ صحّ استصحاب الإرادة ؛ لأنّ الیقین بها کما یکون منجّزا لها حدوثا ، یکون بحکم الاستصحاب منجّزا لها بقاء ، وتنجیز الإرادة حدوثا وبقاء _ وترتّب استحقاق العقوبة علی مخالفتها علی تقدیر مصادفتها _ أمر معقول.

137 _ قوله [قدّس سرّه] : ( لوضوح أن الواحد لا یکاد یصدر من الاثنین ... الخ ) (1).

لا یخفی علیک أنّ قاعدة : ( عدم صدور الکثیر عن الواحد وعدم صدور الواحد عن الکثیر ) مختصّة بالواحد الشخصی ، لا الواحد النوعی ، کما یقتضیه برهانها فی الطرفین ، فإنّ تعیّن کلّ معلول فی مرتبة ذات علته ؛ لئلا یلزم التخصّص بلا مخصّص ، وکون الخصوصیة الموجبة لتعینه ذاتیة للعلة ؛ إذ الکلام فی العلة

عدم صدور الکثیر عن الواحد والواحد عن الکثیر

ص: 266


1- 1. کفایة الأصول : 141 / 2.

بالذات ، ولزوم الخلف من تعیّن معلولین فی مرتبة ذات علّة واحدة من جمیع الجهات ؛ للزوم خصوصیتین فیها ، لا ربط له بعدم صدور الکثیر عن الواحد النوعی.

کما أنّ کلّ ممکن لیس له إلاّ وجود واحد ووجوب واحد _ فهو یقتضی أن لا یکون له وجوبان فی مرتبة (1) ذات علتین _ مورده صدور الواحد الشخصی عن علتین شخصیتین.

وکذا کون استقلال کلّ من العلّتین فی التأثیر مع دخل کلّ من الخصوصیتین فی وجود شیء واحد موجبا لعدم علّیة کلّ منهما مستقلاّ ، وعدم دخل الخصوصیتین موجبا لکون الجامع علّة ، لا ربط له أیضا باستناد الواحد النوعی إلی المتعدّد ، بل مفاد کلا البرهانین عدم صدور الواحد الشخصی عن الکثیر وعدم صدور الکثیر بالشخص عن الواحد الحقیقی ، ولذا قیل باستناد الواحد النوعی إلی المتعدّد کالحرارة المستندة إلی الحرکة تارة ، وإلی النار اخری ، وإلی شعاع الشمس ثالثة ، وإلی الغضب أیضا ، وکالأجناس فإنها لوازم الفصول ، والفصل کالعلّة المقیّدة لطبیعة الجنس ، فیستند الواحد الجنسی إلی فصول متعدّدة مع تباین الفصول بتمام ذواتها.

بل قال بعض الأکابر (2) : لو لزم استناد الجهة المشترکة إلی جهة مشترکة

ص: 267


1- 1. قولنا : ( أن لا یکون له وجوبان فی مرتبة ... إلی آخره ).
2- 2. صدر المحققین فی أسفاره : 2 / 211 _ 212 عند قوله : ( وبوجه آخر ... ).

اخری لزم التسلسل ، ولا یکفی انتهاؤها إلی جهة مشترکة ذاتیة ؛ لأنّ الجهة المشترکة لا تخرج عن حیثیة الاشتراک والوحدة النوعیة بمجرّد کونها ذاتیة ، ولا محالة تکون مجعولة بجعل مصادیقها المتعددة بالعرض ، فقد انتهی الأمر _ أیضا _ إلی استناد الواحد النوعی فی الصدور إلی المتعدّد بالشخص (1) _ وتمام الکلام فی محلّه _ والغرض أن القاعدة المزبورة مختصّة بالواحد الشخصی ، والکلام فی الواحد النوعی.

وأما مسألة المناسبة والسنخیة بین العلة والمعلول ، فلا تقتضی الانتهاء إلی جامع ماهوی ؛ ضرورة أن المؤثّر هو الوجود ، ومناسبة الأثر لمؤثّره لا تقتضی أن یکون هذا المقتضی والمقتضی الآخر مندرجین بحسب الماهیة تحت ماهیة اخری (2).

أ لا تری أنّ وجودات الأعراض مع تباین ماهیّاتها _ لکونها أجناسا عالیة أو منتهیة إلیها _ مشترکة فی لازم واحد ، وهو الحلول فی الموضوعات ، وکذا الحلاوة _ مثلا _ لازم واحد سنخا للعسل والسکر وغیرهما من دون لزوم اندراج الحلاوة وموضوعها تحت جامع ماهوی ، ولا اندراج موضوعاتها تحت جامع

ص: 268


1- 1. لأن فیض الوجود کما یمرّ من الفصل إلی الجنس ، کذلک یمرّ من الشخص إلی الماهیة النوعیة. [ منه عفی عنه ].
2- 2. قولنا : ( ومناسبة الاثر لمؤثره لا تقتضی ... إلی آخره ).

ماهوی ، بل اقتضاء کلّ من الموضوعات لها بذاتها.

نعم لا یتأثر الذائقة بالحلاوة من کل شیء ، بل مما هو حلو بالذات ، ومما ینتهی إلی ما بالذات ، إلاّ أن هذه السنخیة والمناسبة قد عرفت أن منشأها لزوم الحلاوة لأشیاء خاصة بحیث لا یکون استلزامها لها عن جهة اخری غیر ذاتها ؛ حتّی یجب الانتهاء إلی جامع یکون ذلک الجامع هو السبب بالذات ، فلیکن الغرض اللازم لوجود الصوم والعتق والإطعام کذلک ، وإن کان تأثّر النفس _ مثلا _ أو محلّ آخر بذلک الأثر القائم بها قیام العرض بموضوعه _ مثلا _ بلحاظ قیام الأثر الخاصّ بمؤثّرات مخصوصة ، إلاّ أنّ هذا المعنی لا یستدعی انتهاء الأثر القائم بالصوم والعتق والإطعام إلی جامع بین الأفعال الثلاثة ، وإن کان تأثّر المحلّ بذلک الأثر من تلک الأفعال بالسنخیة والمناسبة بین الأثر القائم بالمحلّ والغرض القائم بتلک الأفعال ، فتدبّر جیّدا.

138 _ قوله [قدّس سرّه] : ( وإن کان بملاک أنه یکون فی کلّ واحد ... الخ ) (1).

عدم حصول الغرض من أحدهما مع حصوله من الآخر إن کان لمجرّد أنّ استیفاء أحدهما لا یبقی مجالا لاستیفاء الآخر ، مع کون کلّ من الغرضین لازم الحصول فی نفسه ، فلا محالة یجب الأمر بهما دفعة تحصیلا للغرضین.

ولو فرض عدم حصولهما إلاّ تدریجا لعدم إمکان اجتماعهما فی زمان واحد کانا کالمتزاحمین ، فإنّ التزاحم قد یکون فی الأمر ، وقد یکون فی ملاکه ، وکما أنّ التخییر فی المتزاحمین _ من حیث الأمر _ تخییر عقلی لا مولوی ، کذا التخییر هنا ، وإن کان تضادّ الغرضین علی الإطلاق ، لا من حیث إن اجتماع المحصّلین

ص: 269


1- 1. کفایة الاصول : 141 / 7.

فی زمان واحد غیر ممکن ، وسبق کلّ منهما لا یبقی مجالا لاستیفاء الآخر ، بل من حیث إنّ ترتّب الغرض علی أحدهما مقیّد فی نفسه بعدم ترتّب الغرض علی الآخر ، ولازمه عدم حصول شیء من الغرضین عند الجمع بین المحصّلین ، فهذا مع عدم انطباقه علی الواجبات التخییریة الشرعیة خارج عن محلّ الکلام ؛ لأن التخییر حینئذ عقلی _ أیضا _ لا مولوی شرعی.

کما أنّ فرض استقلال کلّ من الفعلین فی أثر خاص _ بحیث لا یجتمعان معا من حیث ذاک الأثر ؛ لتضادّ الأثرین وترتّب أحد الأثرین بخصوصه عند الاجتماع لینطبق علی الواجبات التخییریة التی لا بأس بالجمع بینها _ خروج أیضا عن محلّ الکلام ؛ لما عرفت ، مضافا إلی أنّ لازمه التخییر بین کلّ منهما علی انفراده وبین کلیهما معا.

نعم یمکن أن یفرض غرضان (1) لکلّ منهما اقتضاء إیجاب محصّله ، إلاّ أنّ

ص: 270


1- 1. قولنا : ( نعم ممکن ان یفرض غرضان ... الی آخره ).

مصلحة الإرفاق والتسهیل تقتضی الترخیص فی ترک أحدهما ، فیوجب کلیهما ؛ لما فی کل منهما من الغرض الملزم فی نفسه ، ویرخصّ فی ترک کلّ منهما إلی بدل ، فیکون الإیجاب التخییری شرعیا محضا ، من دون لزوم الإرجاع إلی الجامع ، فتدبّر جیّدا.

139 _ قوله [قدّس سرّه] : ( فلا وجه للقول (1) بکون الواجب ... الخ ) (2).

ربما یقال بإمکان تعلّق الصفات الحقیقیة کالعلم _ فضلا عن الاعتباریة کالوجوب والحرمة _ بأحدهما المصداقی ، وإنما لا یصحّ البعث إلیه فی المقام ؛ لأنّ الغرض منه انقداح الداعی فی نفس المکلّف إلی أحدهما المصداقی ، وهو لا یعقل إلاّ عند إرادة الجامع لتحقّقه فی ضمن أی منهما کان ، کما عن شیخنا واستاذنا العلامة _ رفع الله مقامه _ فی حاشیة الکتاب (3).

والتحقیق _ کما أشرنا إلیه (4) سابقا (5) _ أن المردّد _ بما هو مردّد _ لا وجود له خارجا ، وذلک لأنّ کلّ موجود له ماهیة ممتازة عن سائر الماهیات بامتیاز

====

6. قولنا : ( والتحقیق کما اشرنا الیه سابقا ... ).

إمکان تعلق الصفات الحقیقیة بالمردّد

ص: 271


1- مصلحة وتجویز الترک عن وحدانیة اللازم منها فی نظر الشار�1. فتدبّر جیدا. [ منه قدّس سره ].
2- 2. فی الکفایة _ تحقیق مؤسستنا _ فلا وجه فی مثله للقول ...
3- 3. کفایة الاصول : 141 / 10.
4- 4. الکفایة : 141.
5- 5. وذلک فی آخر التعلیقة : 59 فی جوابه ( رحمه الله ) علی ( دعوی إمکان تعلّق الصفات الحقیقة بالمردّد ... ) ، فراجع.

ماهوی ، وله وجود ممتاز بنفس هویة الوجود عن سائر الهویّات ، فلا مجال للتردّد فی الموجود _ بما هو موجود _ وإنما یوصف بالتردّد بلحاظ علم الشخص وجهله ، فهو وصف له بحال ما یضاف إلیه ، لا بحال نفسه.

وأما حدیث تعلّق العلم الإجمالی بأحد الشیئین ، فقد أشرنا سابقا (1) إلی أنّ العلم یتشخّص بمتعلّقه ، ولا یعقل التشخّص بالمردّد مصداقا بما هو کذلک ؛ إذ الوحدة والتشخّص رفیق (2) الوجود یدوران معه حیث ما دار ، فمتعلّق العلم مفصّل دائما ، غایة الأمر أن متعلّق متعلّقه مجهول أی غیر معلوم ، وضم الجهل إلی العلم صار سببا لهذا الاسم ، وإلاّ لم یلزم قیام صفة حقیقیة بالمردّد ؛ بداهة أن

====

3. کذا فی الاصل ، والصحیح : رفیقا الوجود ...

ص: 272


1- تحقّق تلک الصفة المتقوّمة به.
2- 2. فی التعلیقة : 59.

المعیّن لا یتّحد مع المبهم والمردّد ، وإلاّ لزم إما تعین المردّد أو تردّد المعیّن ، وهو خلف.

وبالتأمّل یظهر الجواب عن کل ما یورد نقضا فی المقام ، کما بیناه فی غیر مقام.

ومما ذکرنا یتضح : أنّ عدم تعلق البعث بالمردّد لیس لخصوصیة فی البعث بلحاظ أنه لجعل الداعی ، ولا ینقدح الداعی إلی المردّد ، بل لأنّ البعث لا یتعلّق بالمردّد ؛ حیث إن تشخّص هذا الأمر الانتزاعی أیضا بمتعلّقه ، وإلاّ فالبعث _ بما هو _ لا یوجد ، فلا یتعلّق إلاّ بالمعیّن والمشخّص ، ولو کان بمفهوم المردد فإنّ المردّد بالحمل الأوّلی معیّن بالحمل الشائع ، والکلام فی المردّد بالحمل الشائع.

وهکذا الإرادة التکوینیة والتشریعیة لا تشخّص لهما إلاّ بتشخّص متعلّقهما ؛ إذ الشوق المطلق لا یوجد ، فافهم واغتنم.

140 _ قوله [قدّس سرّه] : ( ربما یقال : إنّه محال ... الخ ) (1).

أمّا فی التدریجی فللزوم تحصیل الحاصل ، وأما فی الدفعی فلأن الزائد علی الواجب یجوز ترکه ، لا إلی بدل ، ولا شیء من الواجب کذلک.

141 _ قوله [قدّس سرّه] : ( لکنه لیس کذلک ، فإنه إذا فرض ... الخ ) (2).

لا یخفی علیک أنّ حلّ الإشکال : تارة یکون بلحاظ فردیة الأکثر کالأقل للطبیعة ، واخری یکون بلحاظ ترتّب الغرض علی الأقلّ بشرط لا ، وعلی الأکثر :

فإن کان بلحاظ فردیة الأکثر کالأقلّ للطبیعة ، کما یومئ إلیه التنظیر

ص: 273


1- 1. کفایة الاصول : 142 / 1.
2- 2. کفایة الاصول : 142 / 3.

برسم الخطّ ، فلا محالة یبتنی علی التشکیک فی الماهیة أو فی وجودها ، والأکثر حینئذ فرد للطبیعة کالأقلّ.

ولا یرد علیه : أن الشیء ما لم یتشخّص لم یوجد ، ووجود الطبیعة مما لا شک فیه ، فکیف یقال : لم یتحقق الفرد؟! وذلک لأنه لا کلام فی وجود الطبیعة متشخّصا ، لکنه ما لم یتخلّل العدم بین نحو وجودها یکون الشخص الموجود باقیا علی تشخّصه ، لا أنه تتبدّل تشخّصاته ، فإنّ التشخّص غیر الامتیاز ، وما هو المتبدّل عند الحرکة والاشتداد امتیاز الماهیة الموجودة ، فإنه ینتزع من کلّ مرتبة معنی لا ینتزع ذلک عن مرتبة اخری.

والفرق بین الامتیاز والتشخّص ثابت فی محلّه (1) ، والضرورة من الوجدان قاضیة _ أیضا _ بانّ الشیء المتحرّک فی مراتب التحوّلات والاستکمالات موجود واحد لا موجودات ، إلا إذا لوحظ الموجود بالعرض ، وهی الماهیة.

نعم هذا المعنی بمجرّده لا یفید ما لم یقیّد الأقلّ بعدم انضمامه إلی ما یتقوّم به الأکثر ، وذلک لأنّ الغرض إن کان مترتّبا علی وجود الأقلّ ولو متّصلا بوجود ما یتقوّم به الأکثر ، فهو حاصل فی ضمن الأکثر ؛ لأنّ الاشتداد یقتضی حصول فرد للطبیعة فی کلّ آن ، أو فی حال الموافاة لکلّ حدّ من الحدود.

وإن اتّصل الوجود فلا منافاة بین حصول فرد الطبیعة _ بما هو فرد للطبیعة _ ووجود الطبیعة مستمرّا ، وهو _ فی کلّ آن _ فرد للطبیعة بنحو الضعف أو التوسّط أو الشدّة من دون تخلّل العدم ، ولا تتبدّل التشخّصات کما یتوهّم.

مضافا إلی أنه لا ینطبق علی موارد التخییر بین الأقلّ والأکثر شرعا ؛

ص: 274


1- 1. الاسفار : 2 / 10 ، الفصل الثانی فی الکلی والجزئی من المرحلة الرابعة فی الماهیة ولواحقها حیث یقول ( رحمه الله ) : فإنّ الامتیاز فی الواقع غیر التشخّص ؛ إذ الأوّل للشیء بالقیاس الی المشارکات فی أمر عام ، والثانی باعتباره فی نفسه ، حتی أنه لو لم یکن له مشارک لا یحتاج إلی ممیّز زائد ، مع أنّ له تشخّصا فی نفسه ....

لأنّ التشکیک فی الماهیة أو فی وجودها غیر جار فی کلّ المقولات ، بل فی بعضها ، فضلا عن الاعتباریات ، بل اختلاف قول الطبیعة فی الامور الانتزاعیة تابع لمنشا انتزاعها ، فان کان یصح فی منشئه صحّ فیها ، وإلا فلا.

ومن الواضح : أن التخییر بین تسبیحة واحدة والثلاث لیس کذلک ؛ إذ بلحاظ طبیعة التسبیحة اللفظیة من حیث إن اللفظ غیر قارّ ، فله نحو من الاتصال فی وجوده التدریجی ما لم یتخلّل العدم بین نحو وجودها لا تکون الثلاث فردا واحدا إلاّ إذا اتصلت الثلاث بحیث لا یتخلّل بینها سکون ، مع أنه لا یعتبر فیها ذلک شرعا ، فهناک وجودات من طبیعة التسبیحة ، فلا تشکیک مع تعدّد الوجود.

وأما بلحاظ انطباق عنوان علی الواحدة والثلاث فقد عرفت (1) ما فیه ؛ إذ لا تشکیک ولا اشتداد فی الأمور الانتزاعیة والعناوین الاعتباریة _ بما هی _ وقد عرفت (2) حال منشئها ، ومنه تعرف حال غیره من موارد التخییر.

وأما توهّم : عدم إجداء التشکیک للزوم استناد الغرض إلی الجامع بین الأقلّ والأکثر ، لا إلیهما بما هما أقلّ وأکثر لتباینهما : إما من حیث مرتبة الماهیة ، أو من حیث مرتبة الوجود ، خصوصا علی مسلکه (قدس سره).

فمدفوع : بأنّ الحقّ جریان التشکیک فی وجودات تلک المقولات لا فی ماهیاتها ، فلا محذور ، لا من حیث إنّ الوجود بسیط یکون ما به الافتراق فیه عین ما به الاشتراک ، فلا یلزم من استناد الغرض الواحد سنخا إلی مرتبتین من وجود مقولة واحدة استناده إلی المتباینین ، بل لأنه لا ینافی التخییر العقلی ؛ لاندراج المرتبتین تحت طبیعة واحدة ، وهو ملاک التخییر العقلی ، وإلاّ فالاختلاف فی المراتب ملاک اختلاف الآثار والأحکام ، فالمترتبة من حیث إنها مرتبة لا دخل لها فی الغرض ،

ص: 275


1- (1 و 2) فی نفس هذه التعلیقة.

بل من حیث اندراجها تحت الجامع.

بخلاف ما إذا کان التشکیک فی الماهیة ، فإنّ مبناه علی أنّ ماهیة واحدة تارة ضعیفة ، واخری شدیدة ، من دون جامع بینهما ، فالأقلّ بحدّه وإن کان فرد الجامع کالأکثر ، إلا أنه فرد الجامع الضعیف ، والأکثر فرد الجامع الشدید ، من دون جامع آخر یجمعهما ، فالتخییر شرعی حینئذ ، فتدبّر.

هذا کلّه إن کان الجواب بلحاظ فردیة الأکثر للطبیعة علی حدّ فردیة الأقلّ لها.

وإن کان بلحاظ کون الغرض الواحد والمتعدّد مترتّبا علی الأقلّ _ بشرط لا _ وعلی الأکثر _ کما هو ظاهر کلامه (قدس سره) فی ختامه _ فهو إنّما یتمّ بناء علی تعدّد الغرض ، وأما بناء علی وحدته سنخا فلا بدّ من الانتهاء إلی جامع مشکّک علی مبناه (قدس سره) ، ولا یمکن أن یکون الجامع نفس الطبیعة التسبیحة _ مثلا _ فإنّها موجودة فی الأکثر بوجودات متعدّدة ، فتکون هناک أغراض متعدّدة ، مع أنّ اللازم تحصیله غرض واحد وجودا ، لا وجودات منه ، فلا محالة یجب الانتهاء إلی جامع یکون الأکثر وجودا واحدا له.

وقد عرفت أنّ العناوین الانتزاعیة لا تشکیک فیها إلاّ من حیث جریانه فی منشئها ، وقد عرفت حال منشئها ، وأنه موجود بوجودات متعدّدة لا بوجود واحد متأکّد.

ومما ذکرنا تبیّن : أنّ حمل کلامه (قدس سره) علی أخذ الأقلّ بشرط لا ، وجعله فردا للجامع التشکیکی غیر مفید ؛ لأنّ البشرطلائیة غیر دخیلة فی فردیته للجامع ، ودخلها فی الغرض معقول ، إلاّ أنّ فردیته للجامع التشکیکی غیر لازمة ، إلاّ مع فرض وحدة الغرض لا مطلقا.

ص: 276

142 _ قوله [قدّس سرّه] : ( کما هو قضیة توارد العلل المتعدّدة ... الخ ) (1).

هذا إنما یتم بالنسبة (2) الی الفعل الواحد الشخصی القائم بجماعة ، کما إذا اشترکوا فی تغسیل المیّت وتکفینه ودفنه ، لا فیما إذا صلّوا علیه دفعة ، فإنّ هناک وجودات من الفعل ومن الغرض المترتّب علیه ، إلاّ أنّ اللازم تحصیله وجود واحد من الغرض ، وحیث إنه لا مخصّص لأحد وجودات الفعل والغرض ، فلا یستقرّ الامتثال علی وجود خاصّ منها ، ومعنی استقراره علی الجمیع سقوط الأمر

توارد العلل المتعددة

ص: 277


1- 1. کفایة الاصول : 143 / 11.
2- 2. قولنا : ( هذا انما یتم بالنسبة ... الی آخره ).

والغرض الباعث علیه قهرا بفعل الجمیع.

ص: 278

.................................

ص: 279

ولا علّیة لوجود الفعل والغرض بالإضافة إلی سقوط الأمر والداعی ؛ حتّی ینتهی الأمر _ ایضا _ إلی توارد العلل المتعددة علی معلول واحد ، بل بقاء الأمر ببقاء الداعی الباقی ببقاء عدم وجود الغایة الداعیة فی الخارج علی حاله ، فاذا انقلب العدم إلی الوجود سقط الداعی _ أعنی تصوّر الغایة _ عن الدعوة لتمامیة اقتضائه ، لا لعلّیة وجودها خارجا لعدم وجودها بصفة الدعوة ؛ بداهة أنّ ما کان علّة لوجود شیء لا یکون ذلک الوجود علّة لعدمه ، وإلاّ کان الشیء علّة لعدم نفسه.

وبتقریب آخر : عدم الأمر _ ولو کان طاریا لا أزلیا _ لا یحتاج إلی مقتض یترشّح العدم من مقام ذاته ؛ لأنه هو بنفسه محال ، وإذا لم یکن له فاعل ولا قابل _ لأنّ اللاشیء لا یحتاج إلی مادّة قابلة له _ فلا یحتاج إلی شرط ؛ لأنه مصحّح الفاعلیة ، أو متمّم القابلیة ، فوجود الفعل لیس مقتضیا لعدم الأمر ولا شرطا له ، بل الأمر علة بوجوده العلمی لانقداح الداعی إلی إرادة الفعل ، فیسقط عن التأثیر بعد تأثیره أثره.

ولا یخفی أنّ الأمر وإن کان شرطا لتحقّق الإطاعة والعصیان بعنوانهما _ ولا بأس بأن یکون المشروط موجبا لانعدام شرطه _ إلاّ أنّ الکلام فی علّیة ذات الفعل لسقوط الأمر الذی هو علّة بوجوده العلمی لذات الفعل بالواسطة ، فتدبّر جیّدا.

143 _ قوله [قدّس سرّه] : ( أن الموسع کلی ... الخ ) (1).

بتقریب : أنّ المأمور به طبیعی الفعل (2) الواقع فی طبیعی الوقت المحدود

====

3. قولنا : ( بتقریب أن المأمور به طبیعی الفعل ... إلی آخره ).

عدم الأمر لا یحتاج الی مقتضی

ص: 280


1- منهم للعقاب لفرض ترک الواجب من کلٍّ منهم. [ منه قدّس سره ].
2- 2. کفایة الاصول : 143 / 18.

بحدّین ، فیکون کالحرکة التوسّطیة ، وهو الکون بین المبدأ والمنتهی ، فکما أنّ الکون المتوسط بالإضافة إلی الأکوان المتعاقبة الموافیة للحدود کالطبیعی بالنسبة إلی أفراده ، کذلک الفعل المتقیّد بالوقت المحدود بالأول والآخر بالإضافة إلی کلّ فرد من الفعل المتقیّد بقطعة من الزمان المحدود بحدّین.

بخلاف ما إذا أمر بفرد من الفعل المتقیّد بقطعة من الزمان علی البدل ، فإنه تخییر شرعی ، فیکون کالحرکة القطعیة بلحاظ قطعات الزمان المأخوذة قیودا لأفراد الفعل ، فإنّ الزمان مأخوذ بنحو التقطّع القابل لملاحظته (1) قطعة قطعة ، فالقطعات المتقیّد بها الواجب کالأجزاء بالإضافة إلی الزمان المأخوذ فی

====

2. فی الاصل : ( لملاحظة ... ) ، والصحیح ما اثبتناه.

ص: 281


1- أوجبت توهّم امتناع الواجب الموسّ�1. فإنّ ملاحظة الفعل بنحو الحرکة القطعیة توجب التخییر الشرعی بین الواجبات المضیّقة ، ومن الواضح أنّ ما یحکی فی امتناع الواجب الموسّع من أنّ الصلاة لو لم تکن واجبة بنحو التخییر الشرعی الراجع إلی واجبات مضیقة ، وکانت واجبة مع ذلک فی أول الوقت یجوز ترکها فیه من دون بدل لفرض عدم التخییر شرعا ، وهو مناف لوجوبها ، لا یصحّ إلاّ بعدم تصوّر الکون المتوسّط ، وإلاّ فمع ملاحظة الصلاة هکذا فالصلاة غیر واجبة شرعا فی أوّل الوقت بهذه الخصوصیة ؛ حتی یقال لا بدل لها ، بل الصلاة بین الحدّین واجبة ، والصلاة فی أوّل الوقت وثانی الوقت إلی الآخر أفراد لها ، ولا محذور فی عدم البدل لطبیعی الصلاة بین الحدّین ، فما هو الواجب شرعا لا بدل له ، ولا یجوز ترکه ، وما یجوز ترکه _ وهو الصلاة فی أوّل الوقت _ لیس بواجب بهذه الخصوصیة ، ومنه تعرف ما فی جواب القوم عن هذا الإیراد ، فراجع.

الواجب علی الثانی ، وکالجزئیات بالإضافة إلی الکون المتوسّط علی الأوّل.

144 _ قوله [قدّس سرّه] : ( وبالجملة : التقیید بالوقت ... الخ ) (1).

لا یخفی أنه بعد فرض دخل الوقت فی مرتبة من الغرض أو فی غرض آخر ، ربما یشکل بأنه لا معنی للقضاء بمعنی تدارک ما فات ؛ إذ مصلحة الوقت بما هو غیر قابلة للتدارک ، وإلاّ لما کان الوقت الخاصّ _ بما هو _ دخیلا فی تلک المصلحة ، بل الجامع بین الوقتین ، ومصلحة ذات الفعل غیر فائتة ، بل المصلحة المزبورة کما تکون قابلة للاستیفاء فی الوقت کذلک فی خارج الوقت ، فلا فوت ، بل کالواجب الموسّع ما دام العمر ، یکون الفعل أداء دائما ، لا أداء تارة ، وقضاء اخری.

ویمکن دفعه : بأنّ مصلحة الفعل حیث کانت لازمة الاستیفاء فی الوقت لمصلحة اخری ، فیصدق الفوت بهذه العنایة ؛ لمکان توقیت استیفائها ولو لمصلحة اخری ، أو بملاحظة أنّ الفعل فی الوقت تقوم به المصلحة بالمرتبة العلیا وقد فاتت ، وحیث إنه فی خارج الوقت تقوم به المصلحة بالمرتبة الدنیا ، فیجب تحصیلها تدارکا لأصل المصلحة الفائتة بفوات المرتبة العلیا ، فالقضاء تدارک للفائت بنحو من أنحاء التدارک ، لا بتمام حقیقة التدارک.

145 _ قوله [قدّس سرّه] : ( ولا مجال لاستصحاب وجوب الموقت ... الخ ) (2).

لا معنی للقضاء بمعنی تدارک ما فات

ص: 282


1- 1. کفایة الاصول : 144 / 8.
2- 2. کفایة الاصول : 144 / 12.

لا یخفی علیک أنّ شخص الإرادة (1) المتعلّقة بالموقّت _ بما هو _ وشخص

ص: 283


1- 1. قولنا : ( لا یخفی علیک أن شخص الارادة ... الی آخره ).

الأمر المتعلّق به متقوّم (1) به لا یعقل بقاؤهما بعد مضیّ الوقت ، فمعنی کون القضاء بالأمر الأوّل کونه بملاکه لا بنفسه ، وحیث لا شکّ فی بقائه بنفسه ، فلا معنی للتعبّد ببقائه ، وکما لا یعقل بقاؤه لا یعقل تعلّقه بذات الفعل وبه _ بما هو موقّت _ لاستحالة تقوّم الواحد باثنین :

وکذا لا یعقل تعلّق إرادة اخری أو أمر آخر بذات الفعل فی عرض تعلّقهما به بما هو موقّت لاستحالة موردیة الفعل لهما مرتین ، بل المعقول تعلّقهما بذات الفعل بعد مضیّ الوقت وارتفاع الإرادة والأمر عن الموقّت ، فلا مجال إلا لاستصحاب الحکم الکلّی المشترک بین المقطوع الارتفاع والمشکوک الحدوث ، وهو أیضا غیر صحیح حتی علی القول بصحّة مثل هذا الاستصحاب ؛ لاختلاف الموضوع فی زمان الیقین والشک ؛ لأنّ إلغاء الخصوصیة من طرف المتعلق معناه تعلّق شخص الحکم بذات الفعل بتبع تعلّقه به بما هو موقت.

وإلغاء الخصوصیة من طرف الحکم معناه تعلّق طبیعی الحکم فی الزمان

====

2. کذا فی الأصل ، والصحیح : متقوّمان به.

ص: 284


1- وعلی الثانی یکون الواجب النفسی مقیّدا ، فمعروض الوجوب النفسی حینئذ ذات الفعل ، وإنّما قیّد الواجب بتلک الخصوصیة لدخلها فی الغرض ، فیکون تحصیلها واجبا بوجوب مقدّمی ، وعلیه نقول :

الأوّل بالموقّت ، وبقاء الحکم _ علی کلا التقدیرین _ غیر معقول للقطع بانتفاء الشخص علی الأول ؛ لأنّ تعلّقه بذات الفعل تبعی ، وللقطع بانتفائه علی الثانی ؛ حیث لا أمر بوجه بالموقّت ، بل النافع تعلّق طبیعی الحکم بذات الفعل ، وهو غیر متیقّن فی زمان أصلا.

لا یقال : إذا تعلّق شخص الحکم بطبیعی الفعل _ ولو بالتبع _ فقد تعلّق طبیعی الحکم المتحقّق بتحقق شخصه أیضا به.

لأنا نقول : التبعیة من الطرفین تقتضی متعلّقیة طبیعی الفعل تبعا لشخصه الخاصّ بنفس ما تعلّق بالشخص _ ولم یتعلق به إلاّ شخص الحکم _ وتقتضی تعلّق طبیعی الحکم تبعا لشخصه المتعلّق بشیء بنفسه ، ولیس هو إلاّ الموقّت ، فتبعیة طبیعیّ الفعل للموقّت تقتضی أن یکون الطبیعی متعلّقا بما تعلّق بالموقّت ، ولیس هو إلاّ الأمر الخاصّ ، وتبعیة طبیعی الحکم لشخصه تقتضی تعلّقه بما تعلّق به فرده ، ولیس هو إلاّ الموقّت ، فتدبّر جیّدا.

* * *

ص: 285

المقصد الثانی فی النواهی 146 _ قوله [قدّس سرّه] : ( الظاهر أنّ النهی بمادّته وصیغته ... الخ ) (1).

قد عرفت فی مباحث الأمر : أن صیغة الأمر للبعث والتحریک ؛ بمعنی أنّ الهیئة موضوعة للبعث التنزیلی النسبی بإزاء البعث الخارجی نحو المادّة ، علی ما شرحناه فی مبحث الطلب والإرادة (2).

کذلک صیغة النهی موضوعة للزجر والمنع التنزیلی النسبی بإزاء المنع والزجر الخارجی ، نعم المنع عن الفعل بالذات إبقاء للعدم بالعرض ، کما أنّ التحریک إلی الفعل بالذات تحریک عن العدم بالعرض ، وکذلک متعلّق الکراهة النفسانیة نفس الفعل ، کما أنّ متعلّق الإرادة نفس الفعل ، وإرادة إبقاء العدم علی حاله لازم کراهة الفعل ، کما أنّ کراهة العدم لازم إرادة الفعل.

ویمکن أن یقال _ بلحاظ ترکّب صیغة النهی عن حرف النفی وأداة العدم وصیغة المضارع _ : إن مفادها هو الإعدام التسبیبی التنزیلی ، فیکون مفاد صیغة الأمر بمقتضی المقابلة هو الإیجاد التسبیبی التنزیلی ، وهما معنونا عنوانی البعث والزجر الفعلیین الخارجیین.

کما یمکن أن یقال أیضا : بأن الغرض حیث إنه جعل الداعی إلی الفعل والمانع عنه ، فمفاد الهیئة هو البعث من تلقاء الآمر ، والزجر من تلقاء الناهی تنزیلا لهما منزلة البعث ، والداعی والمانع من تلقاء المکلّف ، فهذا البعث والزجر

المقصد الثانی فی النواهی

صیغة النهی موضوعة للمنع التنزیلی

ص: 286


1- 1. کفایة الاصول : 149 / 3.
2- 2. فی التعلیقة : 150 من الجزء الأوّل عند قوله : ( قلت : الفرق : أنّ المتکلّم ... ).

لیسا من عناوین فعل المکلّف وترکه کما فی الأوّل ، بل من مبادئها.

کما یمکن أن یقال أیضا : بأنّ الألفاظ حیث إنها للتوسعة فی إبراز المقاصد بالأفعال ، فهی منزّلة منزلة الإشارة الباعثة ، فتکون کالإشارة من مبادئ الدعوة ، لا منزّلة منزلة الدعوة من قبل المکلّف ، فتدبّر. 147 _ قوله [قدّس سرّه] : ( هل هو الکفّ أو مجرّد الترک وأن لا یفعل ... الخ ) (1).

قد عرفت تعلّق الکراهة النفسانیة بالفعل ، وتعلّق المنع والزجر به أیضا ، وأنّ اللازم الدائمی لهما إرادة إبقاء العدم علی حاله.

وأمّا الکفّ _ وهو التسبّب إلی ما یوجب عدم بلوغ الداعی إلی حدّ یوجب إرادة الفعل _ فهو لازم لهما أحیانا عند دعوة الفائدة المترتّبة علی الفعل إلیه ، وحدوث المیل فی النفس ، ففی الحقیقة الکفّ أحد اسباب إبقاء العدم علی حاله ، لا أنه فی عرضه.

ومن الواضح أنّ مجرّد الالتفات إلی الفعل کاف فی المنع عنه ، فإنه سبب لعدم دعوة الفائدة إلی إرادته ، ومطلوبیة الکفّ مطلوبیة مقدمیة عند دعوة الفائدة وحدوث المیل ، فتفطّن.

فإن قلت : کما لا یقع الفعل امتثالا للأمر إلاّ إذا کان بداعی الأمر ، کذلک النهی إذا لم یکن داعیا إلی الترک ، بل کان الترک بعدم الداعی لم یقع الترک امتثالا للنهی ، ومثله لا یکون مطلوبا ، بل فیما إذا کان له داع إلی الفعل لیکون النهی رادعا وموجبا لبقاء العدم علی حاله.

قلت : عدم الداعی إلی الفعل قد یکون بواسطة عدم القوة المنبعث عنها الشوق إلی الفعل ، وفی مثله لا یعقل النهی ، وقد یکون بواسطة الردع الموجب

المراد من الکف

ص: 287


1- 1. کفایة الاصول : 149 / 6.

لعدم انبعاث الشوق عنها ، وفی مثله یصحّ النهی ، والترک حینئذ بواسطة النهی ، فلا ینحصر دعوة النهی فی صورة حدوث المیل حتّی یکون النهی منحصرا فی صورة الکفّ ، بل عدم حدوث المیل والشوق ربما یکون بواسطة النهی. فتدبّر.

148 _ قوله [قدّس سرّه] : ( وتوهّم أنّ الترک ومجرّد ... الخ ) (1).

لا یخفی أن حدیث عدم تأثیر القدرة فی العدم المنقول فی وجه هذا الاستدلال أمر متین ، کما بینا وجهه سابقا ؛ حیث إن القدرة الجسمانیة هی القوة المنبثّة فی العضلات علی الحرکات المترتّبة علیها ، والقدرة النفسانیة قوّة النفس علی الإرادة وسائر الافعال النفسانیة ، کما عن الشیخ الرئیس فی التعلیقات (2) ، والعدم لیس أمرا مترتّبا علی العضلات ، ولا مما یحتاج فی بقائه علی حاله إلی تعلّق الإرادة به ؛ بداهة أنّ عدم المعلول بعدم العلّة ، فلا تأثیر للقدرة فی العدم.

نعم مقدوریة الترک ومرادیته علی طبق (3) مقدوریة الفعل ومرادیته ، ولذا قالوا : القدرة بحیث إن شاء فعل وإن لم یشأ لم یفعل ، لا إن شاء لم یفعل ، ولیس للقدرة والمشیّة إضافة بالذات إلی عدم الفعل ، وهذا المقدار مصحّح للتکلیف به.

وتفسیر القدرة بصحّة الفعل والترک وإمکانهما تفسیر بلازمها ، وإلا فالإمکان والصحّة صفة الفعل والترک والقدرة صفة القادر. نعم لازم وجود مثل هذه القوّة فی الفاعل إمکان صدور الفعل ولا صدوره منه ، وبلحاظ هذه القوّة یکون الشخص فاعلا بالقوة وبضمیمة الإرادة بمبادیها یخرج من القوة إلی الفعل فیکون فاعلا بالفعل ، فتدبّر جیّدا.

عدم تأثیر القدرة فی العدم

ص: 288


1- 1. کفایة الاصول : 149 / 7.
2- 2. التعلیقات : 51.
3- 3. فی الاصل : علی طبع ...

149 _ قوله [قدّس سرّه] : ( ضرورة أنّ وجودها یکون ... الخ ) (1).

لا یخفی علیک : أنّ الطبیعة توجد بوجودات متعدّدة ، ولکل وجود عدم هو بدیله ونقیضه ، فقد یلاحظ الوجود مضافا إلی الطبیعة المهملة ، التی کان النظر مقصورا علی ذاتها وذاتیاتها ، فیقابله إضافة العدم إلی مثلها ، ونتیجة المهملة جزئیة ، فکما أن مثل هذه الطبیعة تتحقّق بوجود واحد ، کذلک عدم مثلها ، وقد یلاحظ الوجود مضافا إلی الطبیعة بنحو الکثرة ، فلکل وجود منها عدم هو بدیله ، فهناک وجودات وأعدام.

وقد یلاحظ الوجود بنحو السعة _ أی بنهج الوحدة فی الکثرة _ بحیث لا یشذّ عنه وجود ، فیقابله عدم مثله ، وهو ملاحظة العدم بنهج الوحدة فی الأعدام المتکثرة _ أی طبیعی العدم _ بحیث لا یشذّ عنه عدم. ولا یعقل أن یلاحظ الوجود المضاف إلی الماهیة علی نحو یتحقّق بفرد ما ، ویکون عدمه البدیل له بحیث لا یکون إلاّ بعدم الماهیة بجمیع أفرادها.

وأما ما یتوهم : من ملاحظة الوجود بنحو آخر غیر ما ذکر ، وهو ناقض العدم الکلّی وطارد العدم الأزلی ؛ بحیث ینطبق علی أوّل الوجودات _ ونقیضه عدم ناقض العدم ، وهو بقاء العدم الکلّی علی حاله _ فلازم مثل هذا الوجود تحقّق الطبیعة بفرد ، ولازم نقیضه انتفاء الطبیعة بانتفاء جمیع أفرادها.

فمدفوع : بأنّ طارد العدم الکلی لا مطابق له فی الخارج ؛ لأنّ کلّ وجود یطرد عدمه البدیل له ، لا عدمه وعدم غیره ، فأوّل الوجودات أوّل ناقض للعدم ، ونقیضه عدم هذا الأول ، ولازم هذا العدم الخاصّ بقاء سائر الأعدام علی حالها ، فإنّ عدم الوجود الأوّل یستلزم عدم الثانی والثالث ، وهکذا ، لا أنه عینها ، فما

الطبیعة توجد بوجودات متعددة

ص: 289


1- 1. کفایة الاصول : 149 / 14.

اشتهر _ من أنّ تحقّق الطبیعة بتحقّق فرد ، وانتفاءها بانتفاء جمیع أفرادها _ لا أصل له ؛ حیث لا مقابلة بین الطبیعة الملحوظة علی نحو تتحقّق بتحقق فرد منها ، والطبیعة الملحوظة علی نحو تنتفی بانتفاء جمیع أفرادها.

نعم لازم الإطلاق بمقدّمات الحکمة حصول امتثال الأمر بفرد ، وعدم حصول امتثال النهی إلاّ بعدم جمیع أفراد الطبیعة المنهیّ عنها ؛ لأنّ الباعث علی الأمر وجود المصلحة المترتّبة علی الفعل ، والواحد کأنه لا یزید علی وجود الطبیعة عرفا ، والباعث علی النهی المفسدة المترتّبة علی الفعل ، فتقتضی الزجر عن کلّ ما فیه المفسدة.

لا یقال : طلب الوجود بحیث لا یشذّ عنه وجود غیر معقول ؛ لأنه غیر مقدور ، بخلاف طلب العدم بحیث لا یشذّ عنه عدم ؛ فإنّ إبقاء العدم علی حاله مقدور ، وهذا هو الفارق بین الأمر والنهی.

لانا نقول : العدم الذی یکون بدیله مقدورا من المکلف هو المطلوب منه ، فیمکن طلب بدیله أیضا ، فلا تغفل.

150 _ قوله [قدّس سرّه] : ( ثمّ إنّه لا دلالة للنهی علی إرادة الترک ... الخ ) (1).

لا یذهب علیک : أن إعدام الطبیعة إذا لوحظت متمایزة بالقیاس إلی نقائضها ، ورتّب الحکم علی کلّ واحد واحد _ کما فی العام الاستغراقی _ لم یکن مانع من بقاء النهی علی حاله بواسطة عصیانه فی بعض متعلّقه ؛ لأنه فی الحقیقة نواه متعدّدة.

وإذا لوحظت أعدام الطبیعة بنحو الوحدة فی الکثرة _ أی عدم الطبیعة بحیث لا یشذ عنه عدم _ فالموضوع واحد ، ولیس لموضوع واحد إلاّ حکم واحد ،

ص: 290


1- 1. کفایة الاصول : 150 / 3.

فیشکل بقاء النهی مع عصیانه فی بعض متعلّقه ؛ لانتقاض عدم الطبیعة بحیث لا یشذّ عنه عدم بقلب بعض الأعدام إلی الوجود.

وتصحیحه بإطلاق المتعلّق أو إطلاق الحکم مشکل ؛ إذ لیس إبقاء بعض الأعدام علی حاله ، وقلبه إلی النقیض من شئون عدم الطبیعة _ بحیث لا یشذّ عنه عدم _ ومن اطواره ؛ بداهة وحدته بنحو الوحدة فی الکثرة ، ولا یعقل إبقاء عدم علی حاله وعدمه لمثل هذا العدم الوحدانی ، کما أنّ معصیة الحکم وإطاعته لا یعقل أن یتقیّد بشیء منهما الحکم ؛ حتی یعقل إطلاقه من حیث إبقاء العدم علی حاله وعدمه.

ویمکن حلّ الإشکال بأن یقال : إنّ المنشأ حقیقة لیس شخص الطلب المتعلّق بعدم الطبیعة کذلک ، بل سنخ الطلب الذی لازمه تعلّق کلّ فرد من الطلب بفرد من طبیعة العدم عقلا ؛ بمعنی أنّ المولی ینشئ النهی بداعی المنع نوعا عن الطبیعة بحدّها الذی لازمه إبقاء العدم بحدّه علی حاله ، فتعلّق کلّ فرد من الطلب بفرد من العدم _ تارة بلحاظ الحاکم ، وأخری بحکم العقل _ لأجل جعل الملازمة بین سنخ الطلب وطبیعیّ العدم بحدّه.

151 _ قوله [قدّس سرّه] : ( المراد بالواحد مطلق ما کان ذا وجهین ... الخ ) (1).

لا یخفی علیک : أنّ کون المراد واقعا کذلک لا یغنی عن التقیید فی عنوان البحث ؛ لأنّ مقتضی إطلاق الواحد شموله لمطلق الواحد ، لا لخصوص ما کان ذا وجهین فلا بدّ من التقیید.

ص: 291


1- 1. کفایة الاصول : 150 / 10.

ثم إنّ الوحدة : جنسیة ، ونوعیة ، وصنفیة ، وشخصیة. وإرادة الواحد الشخصی توجب خروج الواحد الجنسی المعنون بعنوانین کلّیین _ کالحرکة الکلّیة المعنونة بعنوان الصلاتیة والغصبیة المنتزعة من الحرکات الخارجیة المعنونة بهما _ عن محلّ النزاع ، مع أنه لا موجب لإخراجه وإرادة الواحد الجنسی أو النوعی توجب دخول السجود الکلی الذی له نوعان بتقییده بکونه لله أو للصنم _ مثلا _ مع أنه خارج قطعا ، وکذا لو ارید الأعمّ من الشخصی وغیره.

وهنا قسم آخر من الوحدة : وهی الوحدة فی الوجود ، فإن العناوین الموصوف بها الکلّی المنطبق علی افراده : تارة تکون من الأوصاف المتقابلة _ کعنوان السجود لله ، وعنوان السجود للصنم _ فإن کلّی السجود المعنون بهما لا یعقل انطباقه علی هویّة واحدة.

واخری من الأوصاف الغیر المتقابلة _ کعنوانی الصلاة والغصب _ فإنّ کلی الحرکة _ المعنونة بهما _ قابل للصدق علی هویة واحدة.

ومنه علم أنّ دخول الواحد _ الجنسی ، أو النوعی ، أو الصنفی _ لا یقتضی دخول مثل السجود لله وللصنم ، کما أنّ إرادة الوحدة من حیث الوجود لا تستدعی خروج الواحد _ من حیث الجنس وشبهه مطلقا _ من محلّ النزاع ، فالتقیید بالواحد لمجرّد إخراج المتعدّد من حیث الوجود ، لا لإخراج الکلّی فی قبال الشخص.

152 _ قوله [قدّس سرّه] : ( هو أن الجهة المبحوث عنها ... الخ ) (1).

لا یخفی علیک : أن الجهة التی یناط بها وحدة الموضوع وتعدّده هی الجهة التقییدیة المقوّمة للموضوع ، وأما الجهة التعلیلیة فهی واسطة لثبوت المحمول لموضوعه ، فلا معنی لأن تکون مقوّمة لموضوعه.

الوحدة جنسیة ونوعیة وصنفیة وشخصیة

الجهة المقومة للموضوع هی الجهة التقییدیة

ص: 292


1- 1. کفایة الاصول : 150 / 16.

ومن الواضح أن تعدّد القضیة بتعدّدها موضوعا ومحمولا أو موضوعا فقط ، أو محمولا فقط ، وهو من القضایا التی قیاساتها معها ، ولیست مسائل العلم إلاّ القضایا المشترکة فی غرض واحد ، فصیغة الأمر مع وحدتها موضوع لمحمولات متعدّدة ، فتعدّد القضایا بتعدّد المحمولات ، وتعدّد وسائط ثبوت تلک المحمولات لموضوعها _ أعنی وضع الواضع وجعل الجاعل _ لا یوجب تعدّد المسائل ؛ لکونها أجنبیة عمّا یتقوّم به القضیة موضوعا ومحمولا ، کما أنّ وحدة الواسطة فی ثبوت محمولات متعدّدة لموضوعات متعدّدة لا تقتضی وحدة المسألة.

ومما ذکرنا تبیّن أنّ اقتضاء تعدّد الوجه والعنوان لتعدّد متعلّق الأمر والنهی وعدمه وإن کان هو الباعث علی عقد مسألة جواز اجتماع الأمر والنهی ، لکنه لا یتقیّد به موضوع المسألة ، بل موضوع المسألة اجتماع الأمر والنهی ، ومحمولها الجواز والامتناع وان کان مناط الجواز تعدّد المتعلّق بتعدّد الوجه والعنوان ، ومناط الامتناع عدم التعدّد بتعدّد الوجه والعنوان ، ولا واقع لموضوعیة موضوع لمحمول ، إلاّ کونه بعنوانه مأخوذا _ فی مقام تحریر المسألة وتقریرها _ موضوعا للمحمول المثبت له والمنفی عنه ، وتحریر المسألة _ قدیما وحدیثا _ علی النهج المحرّر فی العنوان فی الکتاب وغیره.

153 _ قوله [قدّس سرّه] : ( لا ضیر فی کون مسألة واحدة ... الخ ) (1).

قد عرفت فی أوائل التعلیقة (2) : أنه لیس فی المسائل المعنونة فی هذا العلم غالبا ما یکون له جهات متکثّرة _ أی اغراض مترتّبة علیه _ بحیث یکون جهة من جهاته هنا باعثة علی البحث عنه ، فإنّ عنوان هذه المسألة _ مثلا _ لا یعقل أن یترتّب علیه الغرض من علم الفقه ؛ إذ لیس البحث فیه عن فعل المکلّف من

ص: 293


1- 1. کفایة الاصول : 152 / 8.
2- 2. التعلیقة : 3 من الجزء الأوّل عند قوله : ( فلعلّ الوجه فیه ... ).

حیث الاقتضاء والتخییر ، بل عنوان موضوعه نفس اجتماع الأمر والنهی ، ومحموله الجواز والامتناع ، کما أنّ کونها کلامیة لا معنی له إلاّ عند البحث عن حسنه وقبحه من حیث أن البعث والزجر فعله تعالی ، ولم یبحث عنه بهذا العنوان هنا ، ولیس کلّ مسألة عقلیة کلامیة ، بل ما له مساس بالعقائد الدینیة.

کما أنّ مبحث مقدّمة الواجب إن کان عنوانه وجوب المقدّمة ، فهو فقهی لا غیر ، وإن کان ثبوت الملازمة فهو اصولیّ لا غیر.

وکذا البحث عن اقتضاء النهی للفساد اصولی لا غیر ، فإنّ البحث عن الاقتضاء غیر البحث عن الفساد.

وکذا البحث عن ظهور صیغة ( افعل ) [ فی ] الوجوب (1) وغیره اصولی لا غیر ، فإنّ کونه لغویا لغو لاختصاص اللغة بالموادّ لا بمفاد الهیئات ، وکونه صرفیا کذلک ؛ إذ لیس البحث فیه من حیث الصحة والاعتلال.

وبالجملة : فلیس فی غالب المباحث المعنونة ما یصلح عنوانه لجملة من العلوم ؛ کی یکون التفاوت بالأغراض الباعثة علی التدوین.

154 _ قوله [قدّس سرّه] : ( لانطباق جهتین عامّتین علی تلک الجهة ... الخ ) (2).

ظاهره انطباقهما علی الجهة المقوّمة لموضوع المسألة ، مع أنهما منتزعتان عن المسائل بلحاظ ترتّب الغرض علیها ، والأمر سهل بإرادة مفاد المسألة من الجهة الخاصّة ؛ لأنها المبحوث عنها ، وإلاّ فالموضوع یبحث عن حکمه لا عنه ، فتدبّر.

155 _ قوله [قدّس سرّه] : ( یعمّ جمیع الاقسام من الإیجاب

ص: 294


1- 1. فی الأصل : ظهور صیغة ( افعل ) للوجوب ....
2- 2. کفایة الاصول : 152 / 8.

والتحریم (1) ... الخ ) (2).

نعم فی الأمر الغیری ینحصر المورد فی مثل الطهارات ونحوها مما کان له عنوان غرضه المقدّمیة.

وأمّا المقدّمة العادیة والعقلیة فلا ؛ لأنّ الأمر المقدّمی عنده (قدس سره) لا یتعلّق إلاّ بما هی مقدّمة بالحمل الشائع عقلا ، لا بعنوان المقدّمیة کی یکون هناک واحد ذو وجهین.

وأمّا بناء علی ما قدّمناه فی مقدّمة الواجب (3) : من أن الحیثیات التعلیلیة راجعة إلی الحیثیات التقییدیة فی الأحکام العقلیة ، ولذا قیل : إن الأغراض فی الأحکام العقلیة عناوین لموضوعاتها ، فیدخل الأمر الغیری بجمیع أقسامه فی محلّ الکلام ؛ لأنّ عنوان المقدّمیة عنوان لما تعلّق به الأمر المقدمی ، وحیثیة تقییدیة بالدقّة له.

وکذا الحال فیما لو کان الأمر والنهی غیریین ، فإن عنوان المقدمیة وإن کان واحدا ، إلاّ أن حیثیة مقدمیة معنونه لشیء غیر حیثیة مقدمیته لشیء آخر ؛ حیث لا فرق عنده (قدس سره) فی تعداد العنوان بین کونه کذلک بنفسه أو بالإضافة إلی المتعدّد.

156 _ قوله [قدّس سرّه] : ( فصلّی فیها مع مجالستهم کان ... الخ ) (4).

إنّما قیّد الصلاة بمجالستهم لئلاّ یتحقّق أحد الترکین المطلوبین تخییرا ، فإنه یوجب سقوط الطلب التخییری بالترک ، فلا یبقی إلاّ طلب الفعل.

ص: 295


1- 1. فی الکفایة _ تحقیق مؤسستنا _ : یعمّ جمیع أقسام الایجاب.
2- 2. کفایة الاصول : 152 / 21.
3- 3. وذلک فی التعلیقة : 5.
4- 4. کفایة الاصول : 153 / 6.

نعم بین الأمر التخییری والنهی التخییری فرق من حیث إنّ مرجع النهی التخییری إلی النهی عن الجمع بین شیئین لقیام المفسدة بالمجموع لا بالجامع ، وإلاّ لاقتضت النهی عن کلا الفردین تعیینا ، فالأمر قائم بکلا الفردین تخییرا ، والنهی قائم بالمجموع ، لکنه لا یؤثّر فی الخروج عن محلّ النزاع جوازا ومنعا. 157 _ قوله [قدّس سرّه] : ( ولکن التحقیق مع ذلک عدم اعتبارها ... الخ ) (1).

قد مرّ (2) أن حیثیة تعدّد المعنون بتعدّد العنوان وعدمه حیثیة تعلیلیة للجواز وعدمه ، لا تقییدیة مقوّمة للموضوع ؛ لئلاّ یحتاج عنوان البحث إلی التقیید بالمندوحة ؛ لیتمحّض البحث فی خصوص الجواز والامتناع من حیث خصوص التضادّ وعدمه ، وجعل البحث جهتیا ومن حیث کذا _ مع عدم مساعدة العنوان _ غیر صحیح.

مع أنّ الغرض الاصولی حیث إنه یترتّب علی الجواز الفعلی ، فلا بدّ من تعمیم البحث وإثبات الجواز من جمیع الوجوه اللازمة من تعلّق الأمر والنهی بواحد ذی وجهین ، لا الوجوه العارضة من باب الاتفاق ، فلا یقاس المندوحة وعدمها بسائر الجهات الاتّفاقیة المانعة من الحکم بالجواز فعلا.

لا یقال : بعد القول باستحالة التکلیف بما لا یطاق لا فرق بین وجود المندوحة وعدمها ؛ لأنّ امتثال الأمر والنهی فی المجمع محال علی أی حال ، فإنّ القدرة علی امتثال الأمر فی غیر المجمع لا تصحّح الأمر بالمجمع.

لأنّا نقول : سیأتی منا (3) _ إن شاء الله تعالی _ إمکان الفرق بین وجود

الفرق بین الأمر التخییری والنهی التخییری

ص: 296


1- 1. کفایة الاصول : 153 / 13.
2- 2. فی التعلیقة : 152 من هذا الجزء.
3- 3. وذلک فی التعلیقة : 172.

المندوحة وعدمها بناء علی تعلّق الأمر بإیجاد الطبیعة من دون لحاظها فانیة فی أفرادها ، بل بمجرّد الفناء فی حقیقة الوجود من دون لحاظ الکثرات ، فإن الوجود المضاف إلی الطبیعة هکذا مقدور بالقدرة علی فرد فی الخارج ، دون ما إذا لم یکن مقدورا بوجه أصلا.

نعم یمکن أن یقال بعدم لزوم التقیید بالمندوحة من طریق آخر : وهو أنه لو کان تعدّد الوجه مجدیا فی تعدّد المعنون لکان مجدیا فی التقرّب به من حیث رجحانه فی نفسه ، فإن عدم المندوحة یمنع عن الأمر لعدم القدرة علی الامتثال ، ولا یمنع عن الرجحان الذاتی الصالح للتقرّب به ، فکما أنّ تعدّد الجهة یکفی من حیث التضادّ ، کذلک یکفی من حیث ترتّب الثمرة ، وهی صحّة الصلاة ، فلا موجب للتقیید بالمندوحة ، لا علی القول بالتضادّ ؛ لکفایة الاستحالة من جهة التضادّ فی عدم الصحة ، ولا علی القول بعدم التضادّ ؛ لما عرفت من کفایة تعدد الجهة من حیث التقرّب ایضا ، فتدبّر.

158 _ قوله [قدّس سرّه] : ( وأنت خبیر بفساد کلا التوهمین ... الخ ) (1).

توضیح القول فیه : أنّ معنی تعلّق الأمر بالفرد إن کان تعلّقه به بما له من اللوازم المفرّدة للطبیعة ، بحیث یکون المفردات داخلة فی المطلوب ، لا لازمة للمطلوب ، فربما یتوهّم عدم جریان النزاع ؛ لأنّ المکان المغصوب مشخّص ومفرّد للصلاة ، فهو مقوّم للمطلوب ، ولیس لها بما هی متشخّصة بالمغصوب وجه محبوب ، بخلاف ما إذا تعلّق الأمر بوجود الطبیعة ، فإنّ المغصوب وإن کان مفرّدا لها ، لکنه غیر داخل فی المطلوب ووجود الصلاة _ بما هی صلاة _ له وجه محبوب.

ومما ذکرنا تبین : أنّ تعدّد الوجه والعنوان إنما یکفی إذا لم یؤخذ أحد

ص: 297


1- 1. کفایة الاصول : 154 / 10.

العنوانین فی الآخر ، وإلاّ فمن البدیهی أنّ الغصب _ بما هو _ وجه قبیح ، فلو اخذ بعنوانه فی الصلاة لفرض تشخّصها به وفرض دخوله فیها _ بما هی مطلوبة _ للزم دخول الوجه القبیح فی الصلاة ، فلا یعقل عروض الحسن للصلاة الکذائیة بما هی موصوفة بذلک الوجه القبیح.

ویمکن دفعه : تارة _ بأنّ المراد بالفرد _ بناء علی هذا المبنی الذی بنی علیه شیخنا (قدس سره) _ هی الماهیة الملزومة لماهیات أخر تکون کالمشخّصات لها بمعنی طبیعة الصلاة الملزومة لطبائع المشخّصات من الزمان والمکان وغیرهما ، والصلاة المتشخّصة بالمکان _ بما هو مکان _ لا تستلزم دخول وجه قبیح فیها ، فالمکان _ بما هو مکان _ بنحو الطبیعی اخذ فی الصلاة ، وهو لا قبح فیه ، وبما هو مغصوب اخذ فی متعلّق النهی ، وهو لا حسن فیه.

واخری _ بأنّ المشخّص وإن کان شخص هذا المکان المغصوب _ لا طبیعی المکان _ إلاّ أن لازم القول بتعلق الأمر بالفرد دخول ذات المشخّص فی المطلوب لا بماله من العوارض والعناوین ، والمشخّص شخص هذا المکان بما هو شخص المکان ، لا بما هو ملک أو مباح أو مغصوب ، وهذه العناوین عوارض المشخّص لا عینه ، ولیس للصلاة المتشخّصة بشخص هذا المکان _ بما هو ، لا بما هو مغصوب _ إلا الوجه المحبوب ، فتدبّر.

وأما إن قلنا : بأنّ النزاع المتقدّم فی أنّ متعلّق الأمر هل هو وجود الطبیعة الکلیة ، أو الطبیعة الشخصیة المتشخّصة بالوجود؟ فالأمر أوضح ؛ لأن ذات المشخّص ، وإن کان هو الوجود الواحد ، إلاّ أنّ الأمر تعلّق بالطبیعة الشخصیة من طبیعی الصلاة ، والنهی تعلّق بالطبیعة الشخصیة من طبیعی الغصب ، فمورد الأمر غیر مورد النهی فی اعتبار الشارع ، والوجود الواحد وإن کان رابط إحدی الطبیعتین الشخصیتین بالاخری ، لکنه بما هو وجود لیس له وجه محبوب ، ولا وجه مبغوض إلاّ باعتبار نفس عنوانی الصلاة والغصب ، لا أن الوجود الواحد بما هو

ص: 298

مغصوب اخذ فی الصلاة الشخصیة ، کما کان یتوهّم علی الوجه الأوّل.

وأما إن قلنا : بأن النزاع المتقدّم فی أنّ متعلّق الأمر هل هو الوجود السّعیّ أو الوجودات الخاصة والهویات المخصوصة؟ فتلک الهویات الخاصة وإن کانت ذات عنوانین ، لکن مفروض الکلام تعلّق الأمر بذات الهویة الخاصة ، لا بالماهیة الکلیة أو الجزئیة ، وتعدّد الجهة إنما یکفی إذا أوجب تعدّد متعلّق الأمر والنهی فی عالم اعتبار الآمر والناهی.

إلاّ أن یقال : إن القائل بتعلق الأمر بالوجود السّعیّ أو الوجود الخاصّ لا یلغی الماهیة ، بل یعتبر معها إما مطلق الوجود ، أو الوجود الممتاز بنفس هویّته من هویّة اخری ، فالمأمور به هویّة الصلاة ، والمنهی عنه هویّة الغصب ، وهما بحسب الاعتبار متعدّدان.

وأما ان قلنا : بأنّ النزاع المتقدّم مبنیّ علی تعلّق الجعل بالماهیة أو الوجود ، فبناء علی تعلّق الأمر بنفس الماهیة _ لتعلّق الجعل بها بالذات _ لا مانع من الاجتماع ؛ لأنّ الماهیات متباینات بالذات ، فلا اتّحاد لماهیة مع ماهیة ، ولا یکون ماهیة جهة جامعة لماهیّتین متباینتین ، والمفروض تأصلها وتحصّلها بذاتها ، ففی الحقیقة لا اجتماع للأمر والنهی فی واحد وإن کانت الماهیتان متّحدتین بحسب الصورة ، إلاّ أنّ هذا من مفاسد القول بأصالة الماهیة وجعلها.

ومع فرض الالتزام بالوحدة علی هذا القول یجری النزاع بناء علی أصالة الوجود والماهیة معا ، وعلی القول بجعله وبجعلها ، فافهم جیّدا. 159 _ قوله [قدّس سرّه] : ( إنّ الإطلاق لو کان فی بیان الحکم الاقتضائی ... الخ ) (1).

تحقیق المراد من الحکم الاقتضائی : أن الحکم الحقیقی _ المرتب علی

المراد من الحکم الاقتضائی

ص: 299


1- 1. کفایة الاصول : 155 / 21.

موضوع خال عن المانع _ حکم فعلی ، ومع عروض المانع حکم اقتضائی ملاکی لثبوت المقتضی بتبع ثبوت المقتضی بثبوت عرضی ، بمعنی أنّ الثبوت ینسب أوّلا وبالذات إلی الملاک والمقتضی ، وثانیا وبالعرض إلی مقتضاه.

وکذلک فی ثبوت المقبول بثبوت القابل ، وإن کان بینهما فرق ، وهو أن ثبوت المقتضی فی مرتبة ذات المقتضی أقوی من ثبوته الخاصّ به فی نظام الوجود ، بخلاف ثبوت المقبول ، فإنّ ثبوته الخاصّ به أقوی من ثبوته فی مرتبة ذات القابل ، والوجه فی الجمیع واضح عند أهله ، لکنّا قد بینّا فی محلّه : أنّ الحکم بالإضافة إلی ملاکه لیس کالمقتضی بالإضافة إلی سببه ومقتضیه ، فإنّ السبب الفاعلی للحکم هو الحاکم ، والملاک هی الغایة الداعیة ، وکذلک لیس کالمقبول بالنسبة الی القابل ، فإنّ المصلحة لا تترقّی بحسب الاستکمال إلی أن تتصوّر بصورة الحکم _ کالنطفة بالإضافة إلی الإنسان _ سواء لوحظت المصلحة بوجودها العلمی ، أو بوجودها العینی ، بل بوجودها الخارجی یسقط الحکم ، فکیف تتصوّر بصورة الحکم؟!.

وغایة ما یتصوّر فی تقریب ثبوت الحکم بثبوت المقتضی بمعنی الغایة الداعیة أن یقال : بأن الفعل _ بلحاظ کونه بحیث یترتّب علیه الفائدة المترقّبة منه _ مستعدّ باستعداد ماهوی للتأثیر فی نفس الحاکم وانبعاث الوجوب منه بلحاظ تلک الفائدة القائمة به قیاما ماهویا ، فمع عدم المانع یکون الوجوب فعلیا ، ومع المانع یکون شأنیا _ أی بحیث لولاه لکان موجودا بالفعل _ وهو وجوب شأنی ملاکی فی قبال ما لا ملاک له أصلا ، لکنه لیس مع ذلک ثبوتا حقیقیا لشیء بالذات ؛ حتّی یکون للوجوب بالعرض.

ثمّ إن هذا التقریب یجدی فی تصوّر ثبوت الحکم بنحو الشأنیة والاقتضاء ، وأما الحکم الإنشائی ، فلا بدّ أن یکون بداع من الدواعی ؛ لأنه بلا داع محال.

ص: 300

واما الإنشاء بداعی بیان الملاک وإظهار المقتضی ، فهو فی الحقیقة إرشاد ، لا حکم مولوی یجوز اجتماعه مع غیره ، أو لا یجوز ، کما هو محلّ الکلام.

والإنشاء بداعی البعث الحقیقی بالإضافة إلی ذات الموضوع مهملا بالنسبة إلی العوارض ، وإن کان من البعث المولوی الفعلی ما لم یعرض عارض وربما یعبّر عنه بالحکم الطبیعی الذاتی ، کما یصحّ التعبیر عنه بالاقتضائی بلحاظ وجود المقتضی له إثباتا بالنسبة إلی ذات الموضوع ، لکنه لیس من الحکم الاقتضائی المفید هنا ؛ حیث إنه لما کان مهملا من حیث العوارض فلا دلالة له علی ثبوت الملاک فی جمیع أفراد الموضوع لاحتمال دخل عدم العارض فی ثبوت الملاک والمقتضی.

فالذی یمکن أن یقال : إن الإنشاء المذکور لیس لبیان الملاک والمقتضی ؛ لیکون إرشادا ، بل لبیان البعث الثابت بثبوت مقتضیه.

وبعبارة اخری : الإنشاء المزبور إظهار للمقتضی الثابت بثبوت مقتضیه علی الإطلاق ، فهو بعث اقتضائی حتی فی صورة وجود المانع ، ومع عدمه یکون فعلیا ، فهو حکم مولوی اقتضائی فی حدّ ذاته ، ویصحّح الفعلیة البعثیة عند عدم المانع ، وهذا المعنی لو کان مطلقا لکان مفیدا لثبوت الملاک حتی فی صورة الاجتماع ، وهو _ أیضا _ وان کان خلاف الظاهر من وجه ؛ حیث إن الظاهر من الإنشاء کونه بداعی جعل الداعی الفعلی ، لا جعل الداعی الاقتضائی ، لکنه لیس علی حدّ الحمل علی الإرشاد إلی وجود الملاک والمناط ، فإنّ المولویة محفوظة هنا.

160 _ قوله [قدّس سرّه] : ( فإنّ انتفاء أحد المتنافیین ... الخ ) (1).

ص: 301


1- 1. کفایة الاصول : 156 / 5.

لا ریب فی أنّ انتفاء المعلول کلیة وإن أمکن أن یکون بعدم المقتضی أو بوجود المانع ، إلاّ أن الکاشف عن المعلول کاشف عن علته التامة ، والتکاذب والتنافی بین المعلولین لا یوجب اختلال الکشف عن المقتضی وعدم المانع معا.

بیانه : أنّ کلا من الدلیلین یدل بالمطابقة علی ثبوت مضمونه من الوجوب والحرمة ، ویدلّ بالالتزام علی ثبوت المقتضی والشرط وعدم المانع من التأثیر وعدم المزاحم وجودا لمضمونه المطابقی ، فإذا کان أحد الدلیلین أقوی دلّ علی وجود مزاحم فی الوجود لمضمون الآخر ، فیدلّ علی عدم تمامیة العلّة من حیث فقد شرط التأثیر ، ولا یدلّ علی أزید من ذلک ؛ لیکون حجة فی قبال الحجّة علی وجود المقتضی فی الآخر.

والدلالة الالتزامیة تابعة للدلالة المطابقیة وجودا _ لا حجیة ودلیلا _ فسقوط الدلالة المطابقیة فی الأضعف عن الحجیة لا یوجب سقوط جمیع دلالاته الالتزامیة ، بل مجرّد الدلالة علی عدم المزاحم فی الوجود والمانع من التأثیر ، وهذا الطریق متین لإحراز المقتضی بقاء فی صورة الاجتماع وسقوط أحد الدلیلین عن الفعلیة.

وهنا طریق آخر لاحراز المصلحة المقتضیة : وهو إطلاق المادة ، فانه لا ریب فی أنّ المولی _ الذی هو فی مقام الحکم الحقیقی الفعلی _ یکون فی مقام بیان تمام موضوع حکمه ، والمفروض عدم تقیّد موضوع حکمه بعدم الاتحاد مع الغصب _ مثلا _ لفظا.

وأما تقیّده _ من حیث إنه موضوع الحکم الفعلی _ بعدم الاتّحاد مع الموضوع المحکوم بحکم مضادّ لحکمه عقلا ، فهو لا یکاد یکون قرینة حافّة باللفظ ؛ لیصحّ الاتّکال علیه عرفا فی مقام التقیید المولوی ، فتقیّد مفاد الهیئة عقلا لا یوجب تقیید المادة مولویا ، فتمام موضوع الحکم نفس طبیعة الصلاة المطلقة ، وإن لم یکن لها حکم عقلا لمکان حکم مضادّ أو لمانع آخر من جهل أو

ص: 302

نسیان ، فتکون المصلحة قائمة بذات الصلاة المطلقة.

فالمولی وإن کان فی مقام بیان تمام موضوع حکمه حال فعلیة الحکم ، لکنه إذا ثبت أنّ طبیعة الصلاة المطلقة لفظا هی تمام الموضوع فی هذه الحال ، فهی ذات المصلحة فی جمیع الأحوال ؛ لما عرفت من عدم إمکان الاتکال فی تقیید الموضوع علی القرینة العقلیة البرهانیة.

لا یقال : بعد ثبوت تمام موضوع الحکم الفعلی فی تمام موارد ثبوت الحکم الفعلی لم یکن هناک باعث علی بیان تمام موضوع الحکم المزبور ؛ إذ لو لم یبیّن لم یکن ناقضا لغرضه.

لأنا نقول : لیس الأمر کذلک دائما ؛ إذ فی صورة الجهل بالغصب ، أو نسیانه موضوعا أو مطلقا لم یکن هناک مانع عن فعلیة الحکم المتعلّق بطبیعة الصلاة الواقعة فی حیّز الأمر ، فلا بدّ من التقیید لو لم تکن طبیعة الصلاة تمام موضوع الحکم الفعلی.

161 _ قوله [قدّس سرّه] : ( إلاّ أن یقال : ... قضیة التوفیق عرفا (1) ... الخ ) (2).

قد عرفت سابقا (3) : أنّ الحکم الاقتضائی الإثباتی _ وهو الحکم علی الموضوع بذاته وبطبعه _ وإن کان یساعده التوفیق العرفی بین الدلیلین _ اللذین لو خلّیا وطبعهما لکان کلّ منهما دالا علی ثبوت الحکم له مطلقا _ إلاّ أنه لا یفید هنا ؛ حیث لا یدلّ علی ثبوت المقتضی حتی مع عروض عارض من العوارض.

والحکم الاقتضائی الثبوتی _ سواء کان بمعنی الإنشاء بداعی بیان

ص: 303


1- 1. فی الکفایة _ تحقیق مؤسستنا _ إلا أن یقال : إن قضیة التوفیق بینهما ... وهکذا فی باقی طبعاتها.
2- 2. کفایة الاصول : 156 / 7.
3- 3. وذلک فی التعلیقة : 159 من هذا الجزء.

الملاک ، أو بداعی إظهار الحکم الثابت بثبوت ملاکه _ خلاف الظاهر خصوصا الأوّل ، ولا أظنّ بمساعدة العرف علی هذا الجمع والتوفیق ، فتدبّر.

162 _ قوله [قدّس سرّه] : ( لو لم یکن أحدهما أظهر ... الخ ) (1).

فإنّ الأظهر _ لأقوائیة ظهوره _ صالح للتصرّف به فی الظاهر دون العکس ، فیبقی الأظهر علی ظهوره فی الحکم الفعلی ، ویتصرف به فی الظاهر بحمله علی الاقتضائی ، بل سیجیء _ إن شاء الله تعالی _ إحراز أقوائیة الملاک من الأقوی دلالة ، بل من الأقوی سندا أیضا.

163 _ قوله [قدّس سرّه] : ( إلاّ أنه مع التقصیر لا یصلح لأن یتقرّب به ... الخ ) (2).

لا ریب فی اعتبار صلوح ما یتقرّب به للتقرّب به ، کما لا ریب فی أنّ موافقة الفعل لغرض المولی _ من حیث مصلحته وحسنه _ جهة صالحة للتقرّب بها. إنما الکلام فی صدور الفعل قربیا ومقرّبا بالفعل من حیث عدم المانع.

ولا اشکال فی أنّ صدور الفعل مبغوضا علیه ومبعدا له مانع عن کونه مقرّبا له لعدم مقرّبیة المبعّد ، وهو من القضایا التی قیاساتها معها.

ولا فرق فی المبعّد بین أن یکون مبغوضا فعلا _ لتعلّق الحرمة المنجّزة به فعلا ؛ للعلم بها تفصیلا أو إجمالا _ وبین أن یکون موجبا لاستحقاق العقاب علیه بواسطة الالتفات إلی الحرمة من قبل إجمالا ، فإنّ التفاته فی حین کاف فی استحقاق العقاب عند المخالفة ، ولو غفل عنه بعد تأثیره أثره ، فإنّ الغفلة تمنع عن توجّه بعث أو زجر حقیقی ، لا عن ترتّب استحقاق العقاب علی الفعل

ص: 304


1- 1. کفایة الاصول : 156 / 8.
2- 2. کفایة الاصول : 156 / 19.

باعتبار الالتفات إلی حرمته من قبل.

164 _ قوله [قدّس سرّه] : ( مع صدوره حسنا لأجل الجهل ... الخ ) (1).

هذا یصلح تعلیلا لعدم صدوره قبیحا ومبعّدا ، لا لصدوره حسنا ، بل صدوره حسنا إنما یکون إذا کان الداعی إلیه حسنه ومحبوبیته ، أو مصلحته العائدة إلی المولی أو الباعثة إلی أمره ، وأما إذا کان الداعی إلیه أمره الغیر المحقّق بالفعل _ علی الفرض _ فلا یصدر قربیا ، فما لم یکن قصد التقرّب عن تلک الجهة الموجبة للقرب حقیقة ، لا معنی لصدوره قربیا.

وقد مرّ فی محلّه (2) : أن مجرّد اشتمال الفعل علی المصلحة لا یجعله عبادة ، بل لا بدّ من إضافته إلی المولی لیستحقّ به الأجر منه.

نعم یمکن أن یقال : إنّ الداعی وإن کان الأمر الغیر المحقّق بالفعل _ علی الفرض _ إلاّ أنه لا یدعو عادة إلاّ بلحاظ کشفه عن إرادة المولی وحبّه وملاءمة الفعل لغرضه ، فالأمر بما هو غیر داع ، بل بما هو مرآة لإرادة المولی ورضاه ، فتدبّر.

وربما تصحّح العبادة _ حینئذ _ بإمکان تعلّق الأمر بها بعنوان لا یعمّه إطلاق دلیل حرمة الغصب _ مثلا _ فإنّ عنوان معذوریة المکلّف عقلا فی مخالفة حرمة. الغصب عن قصور لا یعمّه إطلاق دلیل حرمة الغصب لتأخّره عن التکلیف ، فلا بأس بجعل حکم آخر علی هذا المورد فیکون الصلاة المتحدة مع الغصب المعذور فی مخالفة حکمه مأمورا بها فعلا ، نظیر الإباحة الظاهریة

ص: 305


1- 1. کفایة الاصول : 157 / 2.
2- 2. فی التعلیقة : 166 من الجزء الأوّل عند قوله : ( وأما الإتیان بداعی المصلحة ... ).

المجعولة فی مورد الجهل بالحرمة الواقعیة ؛ حیث إنّ دلیل حرمة ذلک الشیء لا یعمّ إطلاقه لصورة الجهل بها ، فهو بعنوان کونه مجهول الحکم ، لا حکم له إلاّ الإباحة ، فلم یلزم اجتماع حکمین فی المجمع.

وفیه ما بینّاه فی محلّه : من أنّ الإطلاق الذاتی لدلیل الحرمة کاف فی شمول الحکم لصورة الجهل بها ، وإلاّ لم یکن الموضوع مجهول الحکم ، بل مقطوع العدم ، فهذا الموضوع المجهول الحکم بذاته وبعنوانه له حکمان ، مع أن المفروض أنّ موضوع الأمر هی الصلاة لا بما هی متحدة مع الغصب المعذور فی مخالفة حکمه.

وأما إصلاحه بنحو الترتّب بأن یکون الغصب منهیّا عنه ، ومع العصیان تکون الصلاة مأمورا بها.

فمدفوع : بالفرق بین الترتّب هنا وفی سائر الموارد ، فإنّ محذور الترتّب _ وهو التکلیف بما لا یطاق _ مندفع بالأمر بالمهمّ علی تقدیر ترک الأهمّ ، والمحذور هنا اجتماع الحرام والواجب واتحاد الصلاة مع الغصب ، فیلزم اجتماع المحبوبیة والمبغوضیة فی شیء واحد ، فإنّ عصیان النهی عن الغصب بفعل الغصب متّحدا مع الصلاة ، فیلزم اجتماع المحبوبیة والمبغوضیة فی شیء واحد.

ومن مطاوی ما ذکرنا تبیّن : أن تصحیح العبادة فی صورة ورود الإذن والترخیص من الشارع _ کما فی موارد العذر من جهل أو نسیان _ بدعوی عدم الفرق بین الترخیص والأمر ، فإذا أمکن اجتماع الحرمة والترخیص أمکن اجتماعها مع الوجوب أیضا.

مندفع : بأن المفروض کون العنوانین هنا عرضیین لا طولیین ، والمفروض أیضا غلبة ملاک النهی علی ملاک الأمر ، بخلاف الترخیص فی مجهول الحکم ؛ فإنّ ملاک الترخیص فی المورد بعنوان یمنع عن تأثیر المفسدة الواقعیة فی فعلیة الحرمة ، أو یکون ذا مصلحة اقوی من المفسدة ، فکون الفعل بعنوان طار ذا

ص: 306

مصلحة أقوی أو ذا مانع من تأثیر المفسدة _ ولذا جعلت الاباحة _ لا ربط له بکون الفعل بعنوان نفسه ذا مصلحة أضعف من المفسدة القائمة به بعنوان عرضی آخر له.

وأما محذور اجتماع الإباحة الفعلیة مع الحرمة الواقعیة ، وأنه هل هو من قبیل اجتماع الضدّین أم لا؟ فهو أمر آخر لا ربط له بهذا القیاس المعمول لتصحیح الأمر وصحّة العبادة.

_ قوله [قدّس سرّه] : ( بناء علی تبعیة الأحکام لما هو الأقوی من جهات ... الخ ) (1).

وهو أقوی الوجهین لما مر مرارا (2) : أنّ الإنشاء بلا داع محال ، والإنشاء بغیر داعی البعث _ وجعل الداعی من سائر الدواعی _ لا یکون فعلیته إلاّ فعلیة الإرشاد أو جعل القانون ونحوهما ، ولا یعقل أن ینقلب عما هو علیه ، فیصیر بعثا وزجرا حقیقیا ، وإذا فرض عدم ترقّب فعلیة البعث من الإنشاء المتعلّق بالصلاة لفرض استحالة الاجتماع ، وغلبة ملاک النهی عن الغصب ، فلا محالة لا معنی لأصل الإنشاء بداعی جعل الداعی نحو الصلاة ، فلیس هناک إلاّ الإنشاء بداعی الزجر عن الغصب.

ولکن حیث إن الإنشاء بداعی الزجر عن الغصب _ ایضا _ لا یترقّب منه فعلیة الزجر مطلقا حتی مع الجهل والنسیان ؛ لاستحالة الزجر الحقیقی مع إحدی الحالتین ، فلا محالة لا مزاحم لإنشاء البعث نحو الصلاة فی تلک الحالتین ، فیصحّ الإنشاء بداعی البعث نحو الصلاة المتّحدة مع الغصب علی تقدیر عدم

ص: 307


1- 1. کفایة الاصول : 157 / 3.
2- 2. کما فی التعلیقة : 100 ، وفی التعلیقة : 159 من هذا الجزء عند قوله : ( وغایة ما یتصوّر ... ).

المزاحم ، فیکون بعثا فعلیا فی صورة عدم الزجر الحقیقی ، فنحن وإن قلنا بالتزاحم فی مرتبة الواقع ، لکنه بحسب النتیجة کالتزاحم فی مرتبة الفعلیة عنده (قدس سره).

166 _ قوله [قدّس سرّه] : ( مع أنه یمکن أن یقال بحصول الامتثال ... الخ ) (1).

قد عرفت فی مبحث الضدّ (2) : أنّ الطبیعة التی تعلّق بها الأمر بعد ما لم تکن بحیث تسع هذا الفرد ، فکیف یدعو أمرها إلی إتیان هذا الفرد؟! وسعة الطبیعة _ بما هی _ للفرد لا تجدی فی الدعوة ، بل الداعی فی الحقیقة اشتراک الفرد مع سائر الأفراد فی الفردیة للطبیعة المأمور بها وفی الغرض المترتّب علیها.

وسیأتی _ إن شاء الله تعالی _ ما یمکن أن یوجّه به هذا الکلام (3). 167 _ قوله [قدّس سرّه] : ( الأحکام الخمسة متضادّة فی مقام فعلیتها ... الخ ) (4).

تحقیق المقام : أنّ حدیث تضادّ الأحکام التکلیفیة وإن کان مشهورا ، لکنه مما لا أصل له ؛ لما تقرّر فی محلّه (5) : من أنّ التضادّ والتماثل من أوصاف الأحوال الخارجیة للامور العینیة ، ولیس الحکم بالإضافة إلی متعلّقه کذلک ، سواء ارید به البعث والزجر الاعتباریان العقلائیان أو الارادة والکراهة النفسیتان :

لا أصل لما اشتهر من قولهم : إنّ الاحکام التکلیفیة متضادة

ص: 308


1- 1. کفایة الاصول : 157 / 6.
2- 2. فی التعلیقة : 125 من هذا الجزء عند قوله : ( وأما الثانی ... ).
3- 3. وذلک فی التعلیقة : 172 عند قوله : ( وعلیه فالداعی إلی إتیان الفرد ... ).
4- 4. کفایة الاصول : 158 / 9.
5- 5. کما فی التعلیقة : 6.

أما إذا کان الحکم عبارة عن البعث والزجر : فلأن البعث والزجر عبارة عن المعنی الاعتباری المنتزع عن الإنشاء بداعی جعل الداعی ، ومن الواضح أن الإنشاء الخاصّ مرکّب من کیف مسموع _ وهو اللفظ _ ومن کیف نفسانی _ وهو قصد ثبوت المعنی به _ وهما قائمان بالمنشئ ، لا بالفعل الخارجی القائم بالغیر.

والأمر الاعتباری المنتزع من الإنشاء المزبور _ بما هو أمر اعتباری _ قائم بالمعتبر لا بغیره ، ومقوّم هذا الأمر الاعتباری _ الذی هو طرفه حیث إنّ البعث المطلق الغیر المضاف إلی شیء لا یوجد ، سواء لوحظ بنحو القوة کما فی قیامه بمنشئه ، أو بنحو الفعلیة کما فی قیامه بمعتبره _ لا یعقل أن یکون الهویة العینیة القائمة بالمکلّف ؛ لأنّ البعث الحقیقی یوجد سواء وجدت الهویة العینیة من المکلف أم لا ، ویستحیل أن یتقوّم الموجود ویتشخص بالمعدوم ، بل ما لا یوجد أصلا ، کما فی البعث إلی العصاة ، فلا محالة یکون متعلقه المقوّم له والمشخّص هو الفعل بوجوده العنوانی الفرضی الموافق لافق الأمر الاعتباری والمسانخ له.

وتوهم : أن الفعل بوجوده العنوانی أیضا لا یعقل أن یکون معروضا لوصفین متضادین أو متماثلین.

مدفوع : بأنه لا تضادّ ولا تماثل إلاّ فی الواحد الشخصی ، وأما الواحد الطبیعی _ من الجنسی والنوعی ونحوهما مما له نحو من الکلیة من دون تشخّص وتعیّن وجودی _ فیجتمع فیه الأوصاف المتباینة ؛ بداهة أن طبیعی الفعل مورد لأحکام متعدّدة ، ولو من موال متعدّدین بالنسبة إلی عبید کذلک ، ولا یخرج طبیعی الفعل عن کونه طبیعیا باختلاف الموالی والعبید ، وتعدّد الفاعل والسبب الموجد لا دخل له فی تحقّق التضادّ والتماثل وعدمه ، بل المناط وحدة الموضوع ، والمفروض إمکان الاجتماع فی مثل هذا الواحد.

وعدم إمکان کون مقوّم بعث بعینه مقوّما لبعث آخر أو لزجر لا یضرّ بما

ص: 309

نحن فیه ، فإن اجتماع الأمر والنهی المبحوث عنه هنا لا یتوقف علیه ، کما هو واضح.

فاتضح من جمیع ما ذکرنا : أنّ البعث والزجر لیسا من الأحوال الخارجیة ، بل من الأمور الاعتباریة ، وأنّ متعلّقهما لیس من الموجودات العینیة ، بل العنوانیة ، وأنّ الوحدة المفروضة لیست شخصیة ، بل طبیعیة ، فلا موجب لتوهّم اجتماع الضدّین من البعث نحو شیء والزجر عنه.

ومما ذکرنا تبیّن أیضا : أنّ مناط عدم الامتناع لیس تعدّد المتعلّق اعتبارا لتعدّد عنوان المأمور به والمنهیّ

عنه _ کما هو مسلک جماعة من المجوّزین _ بل ما ذکرنا صحیح حتی مع وحدة العنوان ، والغرض رفع التضادّ ، وإن کان لازم توجّه البعث والزجر أو توجه بعثین نحو عنوان واحد محذورا آخر ، کما مرّ فی مقدّمة الواجب (1) ، وسیجیء (2) إن شاء الله تعالی.

وأما الاستدلال علی عدم تعلّق البعث والزجر بالهویة الخارجیة بدعوی : أنّ الفعل بوجوده الخارجی یسقط البعث والزجر ، فکیف یکون معروضا لهما؟! لمباینة العروض _ المساوق للثبوت _ مع السقوط ، فقد مرّ ما فیه فی مبحث الترتّب (3) ؛ حیث إنّ الفعل لو کان مسقطا للبعث لزم علّیة البعث لعدم نفسه ، بل ینتهی أمد البعث بوجود المبعوث إلیه ، والبعث حال الإطاعة والعصیان موجود ، وإلاّ لسقط بغیر الإطاعة والعصیان.

وقد مرّ الجواب (4) عما قیل من ترتّب السقوط علی الثبوت ترتّبا طبعیا لا

ص: 310


1- 1. وذلک فی التعلیقة : 229 من الجزء الأوّل.
2- 2. لاحظ التعلیقة : 171 من هذا الجزء.
3- 3. وذلک فی التعلیقة : 121 من هذا الجزء من قوله : ( نعم هنا إشکال آخر ... ) إلی آخر التعلیقة.
4- 4. نفس التعلیقة السابقة عند قوله : ( وسقوطه بالعصیان والإطاعة ... ).

زمانیا ، فإنه جمع بین النقیضین ، وهو محال.

وأما إذا کان الحکم عبارة عن الإرادة والکراهة : فهما وإن کانتا من المقولات الحقیقیة والموجودات العینیة ، إلاّ أنّ موضوعهما النفس ومتعلّقهما الفعل :

أمّا من حیث الموضوع : فلا مانع من اجتماع إرادات [ متعدّدة ] وکراهات کذلک فی زمان واحد ؛ لبساطة النفس وتجرّدها ، فلا تضیق النفس عن قبول إرادات متعدّدة أو کراهات کذلک فی زمان واحد.

لا یقال : الوجدان شاهد علی قیام إرادات متعلّقة بامور متعدّدة لا بأمر واحد ، وکذلک قیام الإرادة والکراهة بالإضافة إلی أمرین ، لا بالنسبة إلی أمر واحد.

لانا نقول : متعلّق الإرادة مشخّص فردها ، لا مقوّم طبیعتها وحقیقتها ، والعبرة فی التضادّ والتماثل بنفس الحقیقة ، والتشخّص تشخّص المتضادّین والمتماثلین ، فوجودان من حقیقة واحدة متماثلان ، ووجودان من حقیقتین بینهما غایة البعد والخلاف متضادّان ، والمتعلّق أجنبی عن الحقیقة ، والغرض عدم لزوم اجتماع الضدین والمثلین بالنسبة إلی موضوع النفس ، لا عدم محذور آخر أحیانا ، هذا حالهما من حیث الموضوع.

وأما من حیث المتعلّق : فنقول لا ریب أنّ الشوق المطلق _ مثلا _ لا یوجد فی النفس ، بل یوجد متشخّصا بمتعلّقه ، ویستحیل أن یکون الخارج عن افق النفس مشخّصا لما فی افق النفس ، وإلاّ لزم إما کون الحرکات الأینیة والوضعیة القائمة بالجسم نفسانیة ، أو کون الإرادة النفسانیة من عوارض الجسم خصوصا فی الإرادة التشریعیة ، فانه کیف یعقل أن تکون الحرکات القائمة بالمکلف مشخّصة لإرادة المولی؟!

مضافا إلی ما عرفت من أنّ البعث ومبدأه الإرادة التشریعیة موجودان

ص: 311

وإن لم یوجد الفعل أصلا ، فکیف یعقل أن یتشخّص الإرادة المحقّقة بما لا تحقّق له ، ولا یتحقّق أصلا؟!

مضافا إلی أنّ طبیعة الشوق _ بما هو شوق _ لا تتعلّق إلاّ بالحاصل من وجه والمفقود من وجه ؛ إذ الحاصل من جمیع الجهات لا جهة فقدان له کی یشتاق إلیه النفس ، والمفقود من جمیع الوجوه لا ثبوت له بوجه کی یتعلّق به الشوق ، فلا بد من حصوله بوجوده العنوانی الفرضی لیتقوّم به الشوق ، ولا بد من فقدانه ، بحسب وجوده التحقیقی ، کی یکون للنفس توقان إلی إخراجه من حدّ الفرض والتقدیر إلی حدّ الفعلیة.

والتحقیق : علی ما مرّ (1) ، وسیجیء _ إن شاء الله تعالی _ تفصیل القول فیه ، وبعد ما عرفت من الوجه فی عدم عروض الإرادة للهویة العینیة ، وعدم لزوم اجتماع الضدّین فیها تعرف أنه لا حاجة إلی الاستدلال علی ما ذکر بأنّ الإرادة علّة للمراد ، فلا تکون عارضة له ، فإنّ العلّیة تنافی العروض.

ووجه عدم الحاجة : أنّ الغرض : إن کان منافاة العروض للعلّیة _ بنحو الکلیة _ ففیه : عدم تمامیته فی عارض الماهیة ، فإنّها معروضة له مع أنّ ثبوتها بثبوته ، فإنّ الفصل عرض خاصّ للجنس ، مع أنّ تحصّل الجنس بالفصل.

وإن کان منافاة عروض الإرادة للمراد الخارجی _ أی المراد بالعرض دون المراد بالذات الذی ثبوته بثبوت الإرادة _ ففیه : أنّ عروض الإرادة _ حینئذ _ وان کان من قبیل عوارض الوجود لا عوارض الماهیة ، إلاّ أن التحقیق _ کما مرّ سابقا فی باب قصد القربة (2) _ أنّ الأمر لیس بوجوده الخارجی علّة للمراد ، بل بوجوده العلمی القائم بالمکلّف ، فلم لا یکون العروض لوجوده الخارجی ،

ص: 312


1- 1. فی التعلیقة : 130.
2- 2. وذلک فی التعلیقة : 167 من الجزء الأوّل عند قوله : ( ولا یخفی علیک ... ).

والعلّیة لوجوده العلمی؟! ولیس المعلوم بالعرض علّة للمعلوم بالذات ؛ حتی ینافی العروض أیضا ، والعلم وإن کان متأخّرا طبعا ، لکنه عن المعلوم بالذات ، والمعلوم بالعرض وإن کان متأخّرا طبعا ، لکنه عن الفعل المتعلّق به المعلوم بالذات ، لا عن المعلوم بالذات ، فالصحیح ما ذکرنا ، فتدبّر.

168 _ قوله [قدّس سرّه] : ( لا شبهة فی أن متعلّق الأحکام هو فعل المکلّف ... الخ ) (1).

قد مرّ فی مبحث تعلّق الأمر بالطبیعة (2) : أنّ الموجود الخارجی لا یقوم به الطلب ، والإیجاد عین الوجود ذاتا وغیره اعتبارا ، فلا فرق بینهما فی استحالة تعلّق الطلب بهما.

ومعنی تعلّق الشوق بهما _ ما مرّ غیر مرّة _ من أنّ القوّة العاقلة کما أنّ لها قوّة ملاحظة الشیء بالحمل الأوّلی ، کذلک لها قوّة ملاحظة الشیء بالحمل الشائع ، فتلاحظ الصلاة الخارجیة التی حیثیة ذاتها حیثیة طرد العدم ، وهی التی یترتّب علیها الغرض ، فیطلبها ، ویبعث نحوها.

ومن الواضح أن وجود الصلاة الخارجیة حینئذ لیس إلاّ بفرض العقل وإحضاره ، ویکون معنی البعث به إخراجه من الفرض والتقدیر إلی الفعلیة والتحقیق ، فالصلاة المفروضة وإن لوحظت فانیة فی الصلاة الخارجیة ، إلاّ أنّ الفناء لا یقتضی سریان ما یقوم بالفانی إلی المفنیّ فیه ، فانه محال ، بل الفناء یصحّح البعث نحو الفانی ، مع قیام الغرض بالمفنیّ فیه ، ولیس نسبة الوجود العنوانی إلی الوجود العینی نسبة الاتّحاد والعینیة ؛ بأن یکون الفارق بینهما مجرّد

ص: 313


1- 1. کفایة الاصول : 158 / 16.
2- 2. راجع آخر التعلیقة رقم : 127 من هذا الجزء عند قوله ( رحمه الله ) : ( فالتحقیق حینئذ ... ).

اتصاف الوجود العنوانی بالجامعیة بین الوجودات العینیة وعدم اتصافها بها ، نظیر اتصاف الماهیة بالکلّیة فی مرتبة الذهن ، وعدم اتصاف اشخاصها بها فی موطن التفرّد والتشخّص ، ولذا جعل الوجوب بالإضافة إلی الفعل _ کالکلیة بالإضافة إلی الماهیة _ من العوارض الذهنیة ، بل نسبة الفانی إلی المفنیّ فیه ، نسبة العنوان إلی المعنون ، لا کنسبة الطبیعی إلی فرده ، فإنّ الطبیعی له موطنان _ مع وحدته ذاتا _ فیتّصف بالکلّیة فی أحد الموطنین ، وبالجزئیة فی موطن آخر ، بخلاف العنوان فإنّ موطنه الذهن وموطن الفرض والاعتبار ، ومطابقه موطنه الخارج ، کما هو الحال فی مفهوم الوجود ومصداقه.

فتوهّم : أنّ الوجود العنوانی هو الوجود العینی بحقیقته _ وأن الجامع بذاته موجود فی الخارج لا بوصف الجامعیة ، نظیر الطبیعی وفرده _ غفلة واضحة علی (1) أهل الفن.

وأما توهّم : أنّ نسبة الوجوب إلی الفعل کنسبة الکلّیة إلی الماهیة وأنه من عوارضها الذهنیة.

ففیه : أن الکلیة من العوارض الذهنیة لأمر ذهنی ، فإن عدم الإباء عن الصدق شأن المفهوم ، فإنّ الصدق شأن المفهوم _ بما هو مفهوم _ ولا موطن له إلاّ الذهن ، بخلاف الحکم ، فإنه إن کان بمعنی الإرادة فهی من الصفات النفسانیة ، لا من الامور الذهنیة ، وإن کان بمعنی البعث والزجر الاعتباریین ، فخارجیتهما بخارجیة منشأ انتزاعهما ، فإنّ الإنشاء بداعی جعل الداعی خارجی ، وهو البعث الخارجی ، ولا ثبوت لمتعلّقهما إلاّ بثبوت نفس الإرادة

ص: 314


1- 1. کذا فی الاصل ، ولعلها ( عند ).

والبعث ، فهما من العوارض التحلیلیة ، لا من العوارض الذهنیة المقابلة للعوارض العینیة.

وقد عرفت أن منشأ عدم التضاد وعدم التعلق بالهویات الخارجیة ما ذا (1) ، فلا حاجة إلی إعادة الکلام. 169 _ قوله [قدّس سرّه] : ( لا یوجب تعدّد الوجه والعنوان تعدد المعنون ... الخ ) (2).

توضیحه : أن المفاهیم وإن کانت فی حدود ذواتها متباینات ، لکنها لیست دائما متقابلات ، بل ربما یقتضی البرهان عدم مطابقة موجود واحد لمفهومین ، فهما متقابلان کالعلیة والمعلولیة ؛ حیث یستحیل أن یکون الواحد _ بما هو _ علة ومعلولا ، وربما لا یقتضی البرهان ذلک ، فلا یأبی الواحد أن یکون مطابقا لمفاهیم متعدّدة.

وهذه الطائفة من المفاهیم قسمان : فتارة یکون مبدؤها فی مرتبة ذات الشیء ، واخری فی مرتبة متأخّرة عن ذاته ، فان کان المبدأ فی مرتبة الذات ، فلا یستدعی العنوان ومبدؤه مطابقین ، وإن کان المبدأ فی المرتبة المتأخّرة ، فلا محالة للمبدا وجود آخر قائم بالذات ، إما بقیام انضمامی ، أو بقیام انتزاعی ، فمجرّد صدق العناوین المتعدّدة علی الواحد لا یستدعی أن یکون وجود المبدأ عین وجود المعنون ، فمثل الأسماء الحسنی والصفات العلیا حیث إنها تنتزع عن مرتبة ذاته المقدّسة بلا حیثیة زائدة علی ذاته ، فذاته بذاته مطابق العنوان ومبدئه معا ؛ لأنّ

المفاهیم متباینة فی حدود الذات

ص: 315


1- 1. راجع التعلیقة : 167.
2- 2. کفایة الاصول : 159 / 3.

وجوده سنخ وجود بسعته وصرافته یکون مطابق جمیع الأوصاف ، ولذا ورد فیه تعالی : ( علم لا جهل فیه ، وحیاة لا موت فیه ، ونور لا ظلمة فیه ) ، وعن اساطین الحکمة : ( وجود کلّه ، وجوب کلّه ، علم کلّه ، قدرة کلّه ) (1) وبهذا الاعتبار یکون الوجود العینی الحقیقی وجودا وموجودا ، والبیاض الحقیقی بیاضا وابیض إلی غیر ذلک.

وبالجملة : فمجرّد تطابق العناوین المتعدّدة لا یستدعی وحدة المطابق ولا کثرته ، بل لا بدّ من ملاحظة أن الصلاتیة والغصبیة هل تنتزعان من حرکة واحدة بحیثیة واحدة ، أو بحیثیات متعدّدة فی الوجود ، أو بحیثیات اعتباریة لا تقتضی تعدّد الوجود؟ فنقول _ تشریحا لحقیقة الصلاة والغصب _ إنّ الصلاة لیست بنفسها مقولة من المقولات ، ولا عنوانا لمقولة واحدة ، بل الصلاة مرکّبة اعتبارا من مقولات متعدّدة کمقولة الکیف المسموع ، والکیف النفسانی ، والوضع ، والإضافة. وقد تقرّر فی محلّه : أنّ المقولات المتباینة لا تندرج تحت مقولة واحدة ؛ لأنّ المقولات أجناس عالیة ، ولا جنس للأجناس العالیة ، وإلا لزم الخلف. ولیس المرکّب من مقولات مقولة برأسها لاعتبار الوحدة فی المقولة ، وإلاّ لما أمکن حصر المقولات ، فلیس للصلاة _ مع قطع النظر عن تلک المقولات _ مطابق عینی فی الخارج ، بل مطابقها عبارة عن مطابقات متعدّدة کل منها مقولة برأسها.

وبهذا البیان تبیّن أیضا : أنّ الصلاة _ وضعا واستعمالا _ اسم للمرکّب من مقولات متعدّدة ، لا عنوان للمرکّب منها.

نعم إذا قیل باستعمالها دائما فی مفهومها اللغوی _ وهو العطف والمیل _ وأنّ

ص: 316


1- 1. الاسفار : 6 / 121 حکاه عن أبی نصر الفارابی فی الفصل الأوّل من الموقف الثانی فی البحث عن صفاته تعالی ... ، وکما مرّ فی التعلیقة : 137 من الجزء الأوّل.

المرکّب الخارجی الاعتباری معنونه ومحققه ، صحّ کونها من العناوین المنطبقة علی الأکوان الخاصّة ، لکنها لیست کذلک علی ما هو المشهور ، بل علی ما هو التحقیق. هذا حال الصلاة. وأما الغصبیة فهی عبارة عن کون الحرکة _ مثلا _ بحیث لا یرضی بها مالک الدار ، وأنّ نفس الحرکة الخاصّة مصداق للغصب ، کالفوقیة والتحتیة ، فإنهما عبارة : عن کون الشیء واقعا فی حیّز خاصّ بالإضافة إلی الآخر ، وأن الکائن فی الحیّز الخاص مطابق الفوق والتحت.

ومن الواضح : أن تحلیل هذا المطلب یقتضی حرکة وکونا ، من جملة المقولات ، وکراهة المالک التی هی کیف نفسانی ، وإضافة تلک الکراهة [ إلی ] تلک (1) الحرکة.

وبما ذکرنا تبیّن : اتّحاد المسمّی بالصلاة وعنوان الغصب وجودا ، بل لعل الأمر فی الاتحاد أوضح بلحاظ ما عرفت من عدم کون الصلاة عنوان المقولات ، بل نفس المرکّب الاعتباری منها ، وهو بعینه ما تعلّقت به کراهة المالک.

وسیجیء _ إن شاء الله تعالی _ تتمّة الکلام فی الحاشیة الآتیة ، وفی آخر مسألة التوسّط فی الغصب (2) ، فانتظر.

170 _ قوله [قدّس سرّه] : ( لا یکاد یکون للموجود بوجود واحد ... الخ ) (3).

هذه المقدّمة لدفع ما یتراءی من الفصول (4) : من ابتناء الجواز والامتناع

ص: 317


1- 1. فی الأصل : بتلک ...
2- 2. التعلیقة : 190.
3- 3. کفایة الاصول : 159 / 11.
4- 4. الفصول : 125 _ 126 من قوله : ( واعلم أن هذا الدلیل یبتنی علی أصلین ... الثانی : أن للوجود حقائق خارجیة ).

علی أصالة الماهیة وأصالة الوجود ، فإنّ تعدّد ماهیة الصلاة وماهیة الغصب مما لا ریب فیه ، فإذا کانت الماهیة متأصّلة فمناط تأصّلها وتحصّلها نفسها ، فمورد الأمر غیر مورد النهی تحصّلا ، بخلاف ما إذا کان الوجود أصیلا ، فإنّ اتّحاد الماهیتین فی الوجود أمر معقول ، کاتّحاد الماهیة الجنسیة والماهیة الفصلیة فی الوجود ، فیکون مورد الأمر والنهی _ تحصّلا _ واحدا.

فلذا أجاب (قدس سره) : بأنّ وحدة المطابق فی الخارج هنا مسلّمة سواء کان المطابق المزبور مطابق الماهیة بالذات ، ومطابق الوجود بالعرض ، کما یقول به القائل بأصالة الماهیة ، أو کان مطابق مفهوم الوجود بالذات ، ومطابق الماهیة بالعرض ، کما یقول به القائل بأصالة الوجود.

وماهیة الصلاة وماهیة الغصب لیستا من الماهیات الحقیقیة المقولیة ؛ لیلزم جریان النزاع المزبور فیهما ، بل من المفاهیم العنوانیة الاعتباریة ، وإلاّ فیستحیل أن یکون لوجود واحد ماهیتان وحدّان حقیقیان لوجوده.

وسیجیء (1) _ إن شاء الله _ بطلان القیاس بالماهیة الجنسیة والفصلیة ، وهذه المقدّمة فی نفسها مسلّمة.

إلاّ أنه ربما یتخیّل : أنّ مطابق الغصب مقولة قائمة بالمقولات التی ترکّبت الصلاة منها ، والمقولات متباینة ماهیة ووجودا ، فإنّ قیام العرض بموضوعه لا یقتضی وحدة الوجود ، ولذا اشتهر عند أهله : أنّ ترکّب العرض وموضوعه اعتباری لا حقیقی ؛ حیث لا وحدة حقیقة هناک.

والمراد بتلک المقولة حیثیة إضافة الحرکات الصلاتیة _ مثلا _ [ إلی ] کراهة (2) المالک ، ومقولة الإضافة تعرض جمیع المقولات ، وهذه الحیثیة المقولیة عین

ص: 318


1- 1. وذلک فی التعلیقة التالیة.
2- 2. فی الأصل : ... بالکراهة.

حیثیة الغصبیة وجودا.

ویندفع : أوّلا _ بأنّ إضافة کراهة المالک [ إلی ] التصرّف (1) الخارجی کإضافة العلم إلی المعلوم الخارجی _ المعبّر عنه بالمعلوم بالعرض _ ولیس هذه الإضافة حقیقیة ؛ إذ لا یحدث بسبب کراهة المالک أو علم العالم عرض فی التصرّف الخارجی والمعلوم الخارجی بوجه من الوجوه ، بل إضافة الکراهة حقیقة إلی المکروه بالذات ، وإضافة العلم حقیقة إلی المعلوم بالذات ، وما فی الخارج مطابق المکروه والمعلوم بالذات.

وثانیا _ أنّ المشهور أنّ الإضافة أمر اعتباری لا وجود له فی الخارج أصلا.

وثالثا _ سلّمنا أنّ مقولة الإضافة موجودة فی الخارج ، لکنها غیر موجودة بوجود استقلالی ، بل موجودة بوجود ما له الإضافة _ نظیر وجود المقبول بوجود القابل _ لما حرّرناه فی محلّه (2) : أنّ وجود مقولة الإضافة _ المختلفة باختلاف القیاس إلی شیء دون شیء ، مع عدم تفاوت ذات ما له الإضافة وعدم خروجه عن حدّه الوجودی _ لیس إلاّ هکذا ، ولا یعقل أن تکون موجودة بغیر هذا النحو ؛ لأن الواحد لا یعقل أن یکون وجودا لمقولتین بالذات ، فتکون کالقابل والمقبول بحیث یکون هذا الواحد وجودا لمقولة بالذات وللآخر بالعرض ، وفعلیّته بفعلیة الاعتبار والانتزاع.

وهذا وجه جمع بین القول : بأنّ وجود مقولة الاضافة اعتباری أی بلحاظ فعلیة الأمر الانتزاعی ، والقول : بأن وجودها خارجیّ أی بخارجیة منشأ الانتزاع والمضاف الموجود فی الخارج.

ص: 319


1- 1. فی الأصل : بالتصرف.
2- 2. وذلک فی التعلیقة : 17 من الجزء الأوّل عند قوله ( قلت : مقولة الإضافة .. ).

وحیث عرفت نحو وجود مقولة الإضافة تعرف أنه لا یقبل المجمع للأمر والنهی ؛ حیث لا تعدّد فی الوجود عینا بحیث یکون أحدهما موردا للأمر ، والآخر موردا للنهی ، فتدبّره جیّدا.

ورابعا _ سلمنا : أن تکون هناک مقولة قائمة بتلک المقولات المسماة _ بلحاظ ترکّبها الاعتباری _ بالصلاة أو ببعضها ، إلاّ أنّ ذات تلک المقولة لیست مطابق الغصب ، لا بمعناه الذی یکون مبدأ لمشتقّاته ، ولا بمعناه الفاعلی ، ولا بمعناه المفعولی ، بل قیامها بها مصحّح انتزاع الغصبیة بأحد المعانی ؛ بداهة أنّ نفس إضافة الحرکة [ إلی ] کراهة (1) المالک لیست غصبا بأحد المعانی ، بل بلحاظها ینتزع کون التصرّف مضافا إلی کراهة المالک ، وبلحاظها یقال : إن التصرّف الکذائی غصب ، والکلام فی اتحاد الغصب الذی هو مورد النهی مع مورد الأمر ، لا اتحاد مصحّح انتزاعه معه.

ومن البیّن أیضا : أن التصرّف الکذائی حرام ، لا إضافة التصرّف [ إلی ] کراهة (2) المالک ، بل ولا جعل التصرّف مضافا إلی کراهة المالک.

هذا ، ویمکن أن یقال _ فی وجه ابتناء هذا النزاع علی أصالة الوجود والماهیة _ :

إن الوجود لو کان أصیلا کان جهة وحدة بین الماهیات وبین المفاهیم والعناوین ومعنوناتها ، وإلاّ فلا ، فنحن وإن سلّمنا وحدة الماهیة المقولیة هنا ، لکنه حیث إن الوجود لیس بأصیل ، فلیس هناک جهة وحدة بین تلک الماهیة والعنوان العارض علیها ؛ إذ کما یکون التباین بین ماهیة وماهیة مسلّما فی حدّ ذاتهما ، کذلک بین المفاهیم بعضها مع بعض وإن لم یکن من سنخ المقولات ، وکذلک التباین بین

ص: 320


1- 1. فی الأصل : بکراهة ...
2- 2. فی الأصل : بکراهة ...

العنوان والمعنون ، فاذا تعلّق الحکم بعنوان ، وحکم آخر بمعنونه لم یلزم اجتماع الحکمین فی واحد ؛ إذ لا جهة وحدة إلاّ الوجود ، وهو غیر متأصّل ، والمفهوم الاعتباری فی قبال سائر المفاهیم ، ولیس مفهوم جهة وحدة مفاهیم متباینة ، فالغرض ابتناء الامتناع علی أصالة الوجود المصحّح لاتحاد ، والجواز علی عدم أصالة الوجود ، لا علی أصالة الماهیة _ بما هی ماهیة _ حتی یقال : إنّ وحدة الماهیة المقولیة هنا مسلّمة.

لا یقال : الحکم لیس علی العنوان _ بما هو _ حتی یتعدّد مورد الأمر والنهی ، بل فانیا فی معنونه ، ففی الحقیقة مورد الحکمین هو المعنون.

لأنا نقول : لا یکون العنوان فانیا فی معنونه إلاّ باعتبار مطابقة المعنون له وانتزاع العنوان منه ، وکلّ ماهیة فی حدّ ذاتها لیست إلاّ هی ولا قیام لماهیة بماهیة ولا لمفهوم بماهیة ، أو مفهوم ؛ حتی یصحّح الانتزاع وفناء العنوان والمعنون. فتدبّر جیّدا.

171 _ قوله [قدّس سرّه] : ( کما ظهر عدم ابتناء النزاع علی عدم تعدّد الجنس والفصل (1) ... الخ ) (2).

هذا أیضا فی ( الفصول ) (3) ، وعبارته ( رحمه الله ) هکذا : ( واعلم أنّ هذا الدلیل یبتنی علی أصلین : أحدهما _ أنّ لا تمایز بین الجنس والفصل ولواحقهما العرضیة فی الخارج ، کما هو المعروف ). انتهی.

ص: 321


1- 1. فی الکفایة _ تحقیق مؤسستنا _ : کما ظهر عدم الابتناء علی تعدد وجود الجنس والفصل ...
2- 2. کفایة الاصول : 159 / 19.
3- 3. الفصول : 125 _ 126.

ولا یخفی : أنّ توهّم کون أحد العنوانین جنسا والآخر فصلا من مثل صاحب الفصول (ره) بعید ، وتوهّم کون الحرکة جنسا والصلاتیة والغصبیة فصلا ابعد ؛ حیث لا یعقل تفصّل الجنس بفصلین فی مرتبة واحدة.

نعم لو فرض کون الجنس فی مقام موردا للأمر ، والفصل موردا للنهی صحّ هذا الابتناء ، وغرضه ( رحمه الله ) أیضا ذلک ، لا أنّ الأمر فی خصوص الصلاة والغصب کذلک.

والمراد من عدم التمایز بین الجنس والفصل لیس کون الترکیب اتّحادیا فانه وإن کان مقتضی التحقیق ، لکنه لیس هو المعروف ، بل المعروف کون الترکّب انضمامیا ، والقول بالاتحاد من بعض القدماء ، ومن السید السند الصدر الشیرازی (1) ، وتبعه المحقّقون من المتأخّرین (2).

المراد من عدم التمایز بین الجنس والفصل

ص: 322


1- 1. وهو السید صدر الدین محمد بن السید باقر الرضوی القمی.
2- 2. الاسفار : 1 / 315 _ 323 / الفصل الرابع من المنهج الثالث.

بل المراد من عدم التمایز مجرّد الاتّحاد المصحّح للحمل المجتمع مع کون الترکّب انضمامیا ، فإنّ اعتبار اللابشرطیة فی المتغایرین فی الوجود مصحّح للحمل عندهم ، وهذا هو الذی یکون المخالف فیه شاذا ، کما صرّح بشذوذه فی ( الفصول ).

إلاّ أن المراد من عدم التمایز لو کان مجرّد الاتحاد المصحّح للحمل لا الاتّحاد فی الوجود ؛ لم یکن مانعا عن الاجتماع ؛ لأنّ مورد الأمر والنهی حینئذ متغایران ماهیة ووجودا ، فکیف یصحّ اجتماع الضدّین فی واحد؟!

مضافا إلی أنه _ مع قطع النظر عن إشکال التضادّ _ یرد محذور آخر : وهو أنّ المراد بالجنس المأمور به إن کان الجنس المتفصّل بالفصل المنهیّ عنه _ أی الحصّة الخاصّة _ یلزم التکلیف بما لا یطاق لعدم معقولیة الانفکاک ، وإن کان طبیعی الجنس ولو فی ضمن نوع غیر متفصل بالفصل المنهیّ عنه ، فلا یعقل جواز الاجتماع إلاّ إذا أمر بالجنس ، ونهی عن الفصل ، دون العکس ، وإلاّ لاستحال الامتثال أیضا.

ویمکن حمل عبارة ( الفصول ) علی وجه بعید ، وهو إرادة عدم التمایز بین الجنس والفصل وبین لواحقهما العرضیة ، لا بین نفس الجنس والفصل ومن الواضح أن اللواحق العرضیة _ سواء کانت محمولات بالضمیمة أو من الخارج المحمول _ متحدة الوجود مع معروضاتها علی المعروف ولا قائل بالمغایرة فی الوجود ، إلاّ من یدّعی اتّحاد العرض والعرضی ، وأنّ مفهوم المشتقّ عین مبدئه وأن المبدأ هو المحمول علی ذیه بالاعتبار اللابشرطی ، فإنّ المبدأ المحمول _ علی هذا القول _ متغایر الوجود ومتمایز الهویة عن معروضه الذی یقوم به بقیام انضمامی أو بقیام انتزاعی.

ووجه مناسبة هذا الابتناء لما نحن فیه. کون الصلاتیة والغصبیة بالإضافة إلی مقولة الحرکة فی الدار من اللواحق العرضیة _ بمعنی الخارج المحمول _

ص: 323

لمقولة الحرکة. والله العالم.

172 _ قوله [قدّس سرّه] : ( إذا عرفت ما مهدناه عرفت أن المجمع ... الخ ) (1).

لکنک عرفت الحال فی المقدّمة الاولی والثانیة فلا موجب للتضادّ _ سواء کان الوجه متّحدا أو متعدّدا _ للوجه الذی تفرّدنا به فی رفع التضادّ (2).

وأما المانع من حیث لزوم التکلیف بالمحال ، أو لزوم نقض الغرض ، أو التقرّب بالمبعد فنقول :

أما التکلیف بالمحال : فإنّما یلزم إذا تعلّق التکلیف إما بالأفراد ، أو بالطبیعة بحیث تسع هذا الفرد المتّحد مع المنهیّ عنه ، فإنّ متعلّق التکلیف غیر مقدور شرعا ، وأما إذا قلنا بعدم لزوم أحد الأمرین ، بل یتعلّق التکلیف بنفس وجود الطبیعة المقدور علیه من حیث نفسه ، فمتعلّق التکلیف _ بما هو _ مقدور.

بیانه : أنّ ملاحظة الطبیعة فانیة فی أفرادها بحیث تسع جمیعها ، إنما هی لدفع دخل خصوصیة من الخصوصیات المفرّدة فی المطلوبیة.

وأما إذا قطعنا بأن الغصبیة لا مانعیة لها عن ترتّب الغرض من الصلاة ، وأنّ لوازم وجود الطبیعة لا دخل لها فی الغرض منه ، فلا حاجة إلی ملاحظة وجود طبیعة الصلاة فانیا فی جمیع الأفراد ، بل یلاحظ الوجود العنوانی فانیا فی الوجود الحقیقی المضاف إلی طبیعة الصلاة ، وهو مقدور فی حدّ ذاته ، وله أفراد مقدورة فی الخارج بحیث ینطبق علیها ، فی قبال ما إذا لم یکن هناک مندوحة ، فإنّ وجود

ص: 324


1- 1. کفایة الاصول : 160 / 3.
2- 2. راجع التعلیقة : 167.

الطبیعة _ بما هو _ غیر مقدور ؛ حیث لا یمکن تطبیقه فی الخارج علی أمر مقدور ، فکون وجود الطبیعة مقدورا یصحّح تعلّق التکلیف بصرف وجود الطبیعة ، لا أن الطبیعة المقدورة بهذا العنوان مأمور بها ، حتی لا یعمّ الفرد الغیر المقدور.

ومنه یتّضح : أنّ إتیان الفرد فی الخارج بداعی الأمر بمجرّد وجود الطبیعة لا مانع منه ؛ لأنّ الأمر لا یتعلّق _ ولو بالواسطة _ بالفرد ، فالمقدور وغیره فی عدم تعلّق الأمر به علی حدّ سواء ، بل المقدور وغیره فی فردیته لما تعلّق به الأمر _ وهو وجود الطبیعة _ علی نهج واحد.

نعم لو کانت القدرة شرطا شرعیا ، أو کان الأمر متعلّقا بالطبیعة التی تسع الأفراد ، کان الفرد الغیر المقدور خارجا عن دائرة الطبیعة المأمور بها ، وأما مع فرض عدم لحاظ الکثرات والممیّزات _ فی مقام الأمر بوجود الطبیعة _ فشمول وجود الطبیعة لفرد دون فرد خلف واضح.

وعلیه فالداعی إلی إتیان الفرد المتّحد مع الغصب تعلّق الأمر بوجود الطبیعة التی لا شکّ فی فردیة هذا الفرد لها ، وقد عرفت سابقا (1) : عدم سریان الأمر إلی الأفراد حتی مع لحاظ وجود الطبیعة عنوانا فانیا فی وجودها الحقیقی ، بل تطبیق المأمور به علی الفرد المأتیّ به هو الداعی إلی إتیان الفرد فی المقدور وغیره ، فتدبر.

وأما نقض الغرض : فإن ارید أنّ البعث نقض للزجر وإیجاد لمعانده من حیث التضادّ ، فقد عرفت عدم التضادّ.

وإن ارید أنّ البعث نقض للزجر من حیث الامتثال ، وأنه سدّ لباب امتثال الزجر ، ففیه ما عرفت : أن الأمر لم یتعلّق من قبل المولی إلاّ بما لا مناقضة له من حیث الامتثال مع النهی ؛ لتعلّقه بصرف وجود الطبیعة ، لا بما یسع هذا

ص: 325


1- 1. وذلک فی التعلیقة : 127 خصوصا عند قوله : ( فالتحقیق حینئذ .. ).

الفرد المنهیّ عنه ؛ لیکون نقضا من قبل المولی لنهیه ، وسدّا لباب امتثاله.

وإن ارید أنّ انقداح الداعی فی نفس المولی إلی البعث مناف لانقداحه إلی الزجر ، ففیه : أن قیام المصلحة فی شیء بعنوان وقیام المفسدة فیه بعنوان آخر مما لا شکّ فیه ، وتصوّر المصلحة یوجب الرغبة فیها ، وتصوّر المفسدة یوجب الرغبة عنها ، فموافقة المصلحة ومنافرة المفسدة للطبع وجدانیة.

وکذا الإرادة النفسانیة والکراهة النفسانیة فی التشریعیة ، وکذا البعث والزجر المنبعثان عنهما _ بملاحظة ما قدمناه (1) من تعلّق البعث بصرف وجود الطبیعة _ فإرادته والبعث نحوه لا یمنع (2) عن کراهة الغصب بجمیع أفراده والزجر عنها.

وأما فی الإرادة التکوینیة والکراهة التکوینیة ، فإنما لا یعقل انقداح الداعی إلیهما الموجب لاجتماعهما ، من حیث إنهما جزءا الأخیر من العلّة التامّة للفعل والترک معا ، وحیث لا یعقل فلا یعقل انقداح الداعی إلیهما معا ، فلا بدّ من الکسر والانکسار بین المصلحة والمفسدة فی مقام تاثیرهما فی الفعل والترک.

وأمّا التقرّب بالمبعد : فإن ارید منه ما هو نظیر القرب والبعد المکانیین بحیث لا یعقل حصول القرب إلی مکان مع حصول البعد عنه.

ففیه : أنّ لازمه بطلان العمل حتی فی الاجتماع الموردی ؛ نظرا إلی عدم حصول القرب والبعد معا فی زمان واحد.

وإن ارید منه سقوط الأمر والنهی ، وترتّب الغرض وعدمه ، فلا منافاة بین ان یکون الواحد مسقطا للأمر ؛ حیث إنه مطابق ما تعلّق به ، ومسقطا (3) للنهی

الإرادة التکوینیة والکراهة التکوینیة

ص: 326


1- 1. وذلک فی التعلیقة : 127 خصوصا عند قوله : ( فالتحقیق حینئذ ... ).
2- 2. کذا فی الاصل ، والصحیح : لا یمنعان ...
3- 3. أی وبین کونه مسقطا ...

بالعصیان ؛ حیث إنه خلاف ما تعلّق به ونقیضه.

وکذا ترتب الثواب علیه من حیث إنه موجب لسقوط الأمر بإتیان ما یطابق متعلّقه المحصّل للغرض منه ، فإنه لا ینافی ترتّب العقاب علیه من حیث إنه موجب لسقوط النهی بإتیان ما یناقض متعلّقه المنافی لغرضه منه.

بل هکذا حال القرب والبعد الناشئین من التخلّق بالأخلاق الفاضلة أو الرذیلة ، فإنه بواسطة التخلق بالخلق الفاضل له التشبه بالمبدإ الکامل ، فهو قریب منه من هذا الوجه ، وإن کان بواسطة التخلّق بخلق رذیل بعیدا منه من ذلک الوجه.

ومنه یعلم : أن الأعمال وإن کانت مقدّمة للأحوال ، لکنه لا مانع من کون الواحد _ بما هو صلاة _ مقدّمة لحال ، وبما هو غصب مقدّمة لحال اخری ، فتدبّر جیّدا. 173 _ قوله [قدّس سرّه] : ( إنه لا یکاد یجدی _ أیضا _ کون الفرد مقدمة ... الخ ) (1).

لا یخفی علیک : أنّ المراد بالفرد :

تارة : هی الماهیة المحفوفة بلوازمها الخارجیة _ أعنی ماهیة الإنسان بما هی ذات وضع وکم وکیف إلی غیر ذلک _ ومثل هذا الفرد لیس مقدّمة للکلّی ، بل حیث إنّ الحیوانیة والناطقیة بالإضافة إلی هذا المجموع کالجزء بالنسبة إلی الکلّ ، فللکلّی عنوان المقدّمیة والسابقیة ذاتا وطبعا بالإضافة إلی مثل هذا الفرد.

وأخری : نفس الهویة العینیة التی تنتزع منها الحصّة المتقرّرة فی ذاتها

ما هو المراد بالفرد

ص: 327


1- 1. کفایة الاصول : 161 / 2.

المأخوذة من طبیعة الإنسان ؛ نظرا إلی أنّ عوارض زید _ مثلا _ لکلّ منها طبیعة خاصّة ، ولها وجود فی نفسها ، ولیس فرد طبیعة مناط فردیة شیء لطبیعة أخری ، بل الحصّة المتقرّرة فی مرتبة ذات الهویة العینیة بالإضافة إلی الطبیعة الکلّیة المأخوذ منها فردها وشخصها ، وبهذا الاعتبار یقال : إنّ الکلّی الطبیعی جزء تحلیلی للفرد ، وإلاّ فبالاعتبار الأوّل جزء خارجی لتباین کلّ منها مع الآخر فی الوجود ، وحیث إنّ هذه الهویة هویة تلک الماهیة صحّ أن یقال : بأن الماهیة موجودة فی الخارج ، وحیث إن هذه الهویة مطابق عنوان الوجود بالذات ، ومطابق ماهیة الإنسان بالعرض ، فالوجود موجود بالذات ، والماهیة موجودة بالعرض ، والحصة بالإضافة إلی الطبیعة الکلیة کذلک ، وکل ما بالذات له نحو من المقدّمیة والسابقیة بالنسبة إلی ما بالعرض ، وأنه الواسطة فی العروض.

ولذا قیل : إنّ الشخص بالإضافة إلی النوع ، والفصل بالإضافة إلی الجنس ، ما به التحصّل ، وفاعل ما به الوجود ، إلاّ أن المقدّمیة والسابقیة غیر مجدیة هنا ؛ لأنّ الهویة والماهیة متّحدتان فی الجعل والوجود ، ولا تعدّد حتی یکون أحدهما مأمورا به والآخر منهیا عنه.

هذا تحقیق المقام.

لکن هذا المجوّز _ القائل بالجواز من طریق المقدّمیة _ بناء کلامه علی توهّم الفردیة بالمعنی الأوّل ؛ لأنّ بناءه علی أنّ الأمر لا یتعلّق إلاّ بالطبیعة ، وأن الأمر المقدّمی الساری إلی الفرد لا یتعلّق إلاّ بأمر کلّی ، ولیس هو إلاّ الطبیعة المحفوفة بلوازمها بنحو الکلیة.

وأمّا إذا ارید من الفرد نفس الحصة المتقرّرة فی ذات الهویة العینیة ، فبمقتضی ما عرفت لا ینبغی سرایة أمر مقدّمی إلیها ؛ لأنّ تلک الحصّة شخصیة لا کلیة.

والوجود العینی لیس من الطبائع ، وعنوان الوجود بالإضافة إلی حقیقته

ص: 328

ومعنونه وإن کان کلیّا ، لکنه لیس بمقدّمة ؛ لأنّ عنوان الوجود لا یشخّص الماهیة ولا یفرّدها ، ولا ینتزع الماهیة من عنوان الوجود لیکون له المقدمیة.

وأما بناء علی أصالة الماهیة : فتأصّلها وتحصّلها بنفس ذاتها لا بأمر آخر ، فلیس هناک أمر آخر یکون مناط فردیتها وتشخّصها لیکون مقدّمة لها ، فلا یعقل الفرد حینئذ إلاّ بالمعنی الأوّل الذی عرفت فساده.

ولذا جعل هذا مبدأ برهان علی أصالة الوجود ؛ نظرا إلی أنّ الماهیة لا یمتنع صدقها علی کثیرین ، ولا یکون ذلک بإضافة ماهیة أخری إلیها ، فإنها کالأولی فی عدم الإباء عن الصدق ، فلو لم یکن الوجود أصیلا _ بحیث یکون عین التشخّص _ لما تحقّق فرد من نوع أصلا.

174 _ قوله [قدّس سرّه] : ( کیف والمقدّمیة تقتضی الاثنینیة ... الخ ) (1).

قد عرفت (2) أنّ المقدّمیة لا تقتضی الاثنینیة ، بل الدخول فی محلّ النزاع یقتضی الاثنینیة فی الوجود.

175 _ قوله [قدّس سرّه] : ( إنما یجدی لو لم یکن المجمع ... الخ ) (3).

إلاّ أن یقال : إنّ الأمر الانتزاعی حیث إنه موجود بوجود منشأ انتزاعه ، فلمنشئه السابقیة والمقدمیة ، علی حدّ مقدّمیة الفرد للطبیعی.

176 _ قوله [قدّس سرّه] : ( کما یظهر من مداومة الأئمة _ علیهم السلام _ ... الخ ) (4).

ص: 329


1- 1. کفایة الاصول : 161 / 5.
2- 2. فی التعلیقة السابقة عند قوله : ( إلاّ أنّ المقدمیة والسابقیة ... ).
3- 3. کفایة الاصول : 161 / 6.
4- 4. کفایة الاصول : 163 / 4.

یمکن أن یقال : إن اختیارهم _ علیهم السلام _ لطرف الترک لمجامعته مع فعل سائر المستحبّات من دون رجحان لمزیة الترک علی مزیة الفعل.

نعم ترجیح الترک علی الفعل _ فی مقام الجواب عن سؤال حال الصوم _ دلیل علی رجحانه من حیث المزیة علی مزیّة الفعل. 177 _ قوله [قدّس سرّه] : ( إما لأجل انطباق عنوان راجح (1) ... الخ ) (2).

إنّما التزم بعنوان راجح ، لا برجحان الترک ، لا لأنّ الترک لا یمکن أن یکون کالفعل ذا مصلحة _ بتوهّم لزوم علّیة الشیء وجودا وعدما لشیء ، فإنه یندفع : بالتزام تأثیر الفعل فی مصلحة ، وتأثیر الترک فی مصلحة أخری ، لا فی مصلحة واحدة _ بل لأنّ الترک لو کان بذاته راجحا لزم اتّصاف الفعل بالراجحیة والمرجوحیة معا ؛ لکونه نقیض الترک الراجح ، ونقیض الراجح مرجوح ، بخلاف ما إذا کان الترک بعنوان منطبق علیه راجحا ، فإن الفعل لیس نقیضا للترک بما هو معنون ؛ حتی یتّصف بالراجحیة والمرجوحیة ، بل نقیض لما لا رجحان فیه.

ویمکن أن یورد علیه : بأن الفعل إذا کان راجحا _ کما هو المفروض _ لزم مرجوحیة نقیضه ، وهو الترک بذاته ، مع أنّ الترک بعنوانه راجح ، فالراجحیة والمرجوحیة وإن لم تجتمعا فی عنوان واحد ولا فی ذات المعنون ، إلاّ أنّ العنوان والمعنون لا یختلفان فی الحکم ، ولا یتفاوتان بالراجحیة والمرجوحیة ، بل من یقول بجواز اختلاف الواحد فی الحکم بعنوانین ، لا یقول به فی العنوان والمعنون ، ولا یمکن الالتزام بمرجوحیة الترک بذاته شأنا وبراجحیة عنوانه فعلا ؛ لأنّ المفروض رجحان الفعل فعلا ، فیکون نقیضه _ وهو الترک بذاته _ مرجوحا فعلا

السبب فی الالتزام بالعنوان الراجح

ص: 330


1- 1. فی الکفایة _ تحقیق مؤسستنا _ : إمّا لأجل انطباق عنوان ذی مصلحة ...
2- 2. کفایة الاصول : 163 / 5.

لا شأنا ؛ لأنّ الراجحیة والمرجوحیة من باب التضایف ، والمتضایفان متکافئان بالقوة والفعلیة.

بل یمکن أن یقال : إنّ الفعل وان لم یکن نقیض الترک بعنوانه الطاری.

لکنه لازم نقیضه ، ومع اتّصاف الترک المعنون بالراجحیة فعلا ، کان نقیضه اللازم للفعل مرجوحا فعلا ، فلا یمکن أن یکون الفعل اللازم للنقیض راجحا فعلا ؛ لأنّ المتلازمین وإن لم یجب اتحادهما فی الحکم ، لکنه لا یعقل اختلافهما فی الحکم ، فلا یعقل اتصاف الفعل ولازمه بالراجحیة والمرجوحیة بالفعل ، ففی کلّ من طرفی الفعل والترک محذور اجتماع الراجحیة والمرجوحیة.

والجواب عن الکلّ : أنّ مصلحة الترک _ ولو بعنوان آخر _ وإن کانت مساویة لمصلحة الفعل ، فالکراهة والاستحباب کلاهما ملاکی ؛ لاستحالة فعلیة الطلبین ، وإن کانت أرجح من مصلحة الفعل فالکراهة بمعنی طلب الترک عن مصلحة فعلیة ، والاستحباب ملاکیّ.

وعلی أی حال لیس للفعل استحباب ورجحان فی ذاته فعلا ؛ حتی یلزم اختلاف المتلازمین فی الحکم ، أو یوجب مرجوحیة الترک بذاته فعلا ؛ لیلزم اختلاف العنوان والمعنون فی الحکم الفعلی ، فلیس الفعل إلاّ راجحا شأنا ، لا راجحا فعلا ، ولا بذاته مرجوحا فعلیا ؛ حتی ینافی وقوعه عبادة ، بل لازمه مرجوح فعلا.

بل التحقیق : أن الراجحیة والمرجوحیة بمعنی الغالبیة والمغلوبیة فی تأثیر الملاک ، ولا منافاة بین عدم تأثیر الترک بعنوانه وتأثیر عنوانه الطاری ، فلم یلزم اختلاف العنوان والمعنون فی الحکم ، ولا اختلاف المتلازمین فی الحکم ، بل اختلافهما فی مقام التأثیر بالنفی والثبوت ، فلم یلزم اختلافهما فی مقولة الحکم الحقیقی الفعلی ، ولا اجتماع الوصفین الثبوتیین المتضایفین فی واحد ، فافهم جیّدا.

ص: 331

وربما یورد (1) علی أصل الالتزام بانطباق عنوان راجح علی الترک : بأنّ العنوان الوجودی لا یمکن أن ینطبق علی العدم ؛ لأنّ معنی الانطباق هو الاتّحاد فی الوجود الخارجی ، والعدم لیس له وجود خارجی.

ویندفع : بأنّ المحال انتزاع مفهوم ثبوتی من العدم والعدمی ، وأما المفهوم السلبی فهو موافق فی حیثیة العدم لما ینتزع منه ، ولا یلزم منه رجوع ما حیثیة ذاته حیثیة النفی إلی حیثیة الثبوت ، وبالعکس.

فمثل صوم یوم عاشوراء حیث إنه موافقة لبنی امیّة _ علیهم اللعنة _ لالتزامهم بصوم هذا الیوم شکرا وفرحا ، فترکه مخالفة لهم ، وهی مطلوبة للشارع ، ولیست المخالفة هنا إلاّ عدم الموافقة لهم فی الصوم ، واتصاف شیء بشیء لا یستدعی الثبوت الخارجی ، بل الثبوت فی ظرف الاتّصاف علی الوجه المناسب للمثبت له ولو بلحاظ الفرض والتقدیر ، ولهذا یوصف الأعدام ویخبر عنها ، کما مرّ فی بعض مباحث المشتق (2) ، فراجع.

178 _ قوله [قدّس سرّه] : ( وارجحیة الترک من الفعل لا توجب ... الخ ) (3).

فإن قلت : أرجحیة الترک وإن لم توجب حزازة فی الفعل ، لکنّه یوجب المنع عنه ، وهو کاف فی فساده إذا کان عبادة ، ولذا تسالموا علی فساد الضدّ بناء علی مقدمیة ترک الضدّ ، فإنّ طلب ترکه یقتضی المنع عن فعله ، فیفسد ، مع أنه لا حزازة فیه ، بل الترک حیث کان ذا مصلحة مقدّمیة صار مطلوبا ، وفعله ممنوعا عنه.

قلت : قد عرفت أنّ الترک لیس بنفسه مطلوبا کی یکون الفعل النقیض

ص: 332


1- 1. کما عن بعض أجلّة العصر وهو المحقق الشیخ عبد الکریم الحائری ( رحمه الله ) _ فی درر الفوائد _ : 1 / 137.
2- 2. وذلک فی التنبیه التابع للتعلیقة : 113 ، ج 1.
3- 3. کفایة الاصول : 163 / 10.

له ممنوعا عنه ، بل الترک بعنوان خاص مطلوب ، ونقیضه لازم للفعل ، لا أنه عینه ، کما إذا کان ترک الصوم بعنوان المخالفة لبنی امیة _ علیهم اللعنة _ فی یوم عاشوراء مطلوبا ، فإنّ مجرّد الترک _ لا بعنوان المخالفة ، بل کما یترکه أحدهم لبعض الدواعی _ لیس مطلوبا ، حتی یکون فعله ممنوعا عنه ، ومن البیّن أنّ حکم النقیض لا یسری إلی لازمه ، ولا نقول بمطلوبیة الفعل فعلا ؛ حتی یلزم منه اختلاف المتلازمین فی الحکم الفعلی.

وعلیه فلا حاجة إلی ما أفاده العلامة الاستاذ _ قدس سره _ فی حاشیة الکتاب (1) فی مقام الجواب عن هذا الاشکال : بالفرق بین النهی التحریمی والنهی التنزیهی ، بأنّ الأوّل یمنع عن التقرّب ولو لم یکشف عن حزازة ، دون الثانی ، فإنه لا یمنع عن التقرب إلاّ إذا کشف عن حزازة ومنقصة فی الفعل ، ولازمه حینئذ أن المانع عن التقرب أحد الأمرین : إما النهی التحریمی أو المفسدة والحزازة.

أقول : مخالفة النهی یوجب البعد مطلقا ، غایة الأمر أنّ التحریمی منه یوجب مخالفته بعدا من المولی فی بعض المراتب ، والتنزیهی منه یوجب البعد عنه فی بعض المراتب الأخر ، کموافقة الأمر اللزومی والأمر الندبی ، فانها توجب القرب من المولی بحسب مراتب القرب المترقّب فی الواجبات والمستحبات.

وعلیه فإذا کان الفعل موجبا للبعد بملاحظة کونه مخالفة للنهی ، فلا یعقل أن یکون موجبا للقرب بلحاظ تلک المرتبة التی لوحظ القرب والبعد بالإضافة إلیها.

وکون المکلّف مرخّصا فی فعل ما یوجب البعد بمقدار بلحاظ بعض

الفرق بین النهی التحریمی والنهی التنزیهی

ص: 333


1- 1. الکفایة : 163 هامش : 2.

مراتب القرب والبعد ، لا ینافی کونه مبعدا بذلک المقدار ، مع عدم البعد المرتّب علی ترک الواجبات وفعل المحرّمات الذی بلحاظه یکون الفعل مرخّصا فیه.

وأما المفسدة والحزازة فهما _ بما هما مفسدة وحزازة لا تنافیان القرب ، ولا تقتضیان البعد ، بل المنافی للقرب هو البعد ، والمقتضی للقرب والبعد موافقة الأمر والنهی ومخالفتهما بما هما عدل فی العبودیة أو ظلم علی المولی ، وقد مرّ فی باب التوصّلی والتعبّدی (1) : أنّ تحصیل المصلحة _ بما هی _ أو عدم التحرّز عن المفسدة _ بما هی _ لا یوجب القرب ولا البعد ، ولا هما بنفسهما عدل فی العبودیة أو ظلم ، فهما أجنبیان عن المقرّبیة والمبعدیّة.

وأما عدم فساد العبادة إذا کانت ضدّا لمستحبّ أهمّ ، فلا یکشف عن عدم مانعیة طلب ترکها ؛ لإمکان ابتنائه علی عدم مقدّمیة ترکها ، أو علی استظهار الاستحباب الاقتضائی من أدلّة المستحبّات الکثیرة التی لا یفی الوقت بها ، فلیس هناک طلب فعلی حتی ترکها یطلب فعلیا لیمنع عن وقوعها عبادة.

179 _ قوله [قدّس سرّه] : ( وإمّا لأجل ملازمة الترک لعنوان ... الخ ) (2).

ولا یتوهّم حینئذ عدم المانع عن اتصاف الفعل بالمطلوبیة الفعلیة ؛ نظرا إلی أن طلب لازم الشیء لا یمنع عن نقیضه ، وذلک لأنّ النقیض وإن لم یکن ممنوعا عنه علی أیّ حال ، إلاّ أنّ طلب الفعل وطلب لازم نقیضه علی حدّ طلب النقیضین فی عدم إمکان امتثالهما.

ص: 334


1- 1. وذلک فی التعلیقة : 166 ، ج 1.
2- 2. کفایة الاصول : 164 / 2.

180 _ قوله [قدّس سرّه] : ( إلاّ فی أنّ الطلب المتعلّق به لیس بحقیقی بل بالعرض ... الخ (1) ) (2).

لا یخفی علیک أنّ الثبوت العرضی لا یعقل إلا مع الثبوت الذاتی ؛ لأنّ ما بالعرض ینتهی إلی ما بالذات ، فالثبوت العرضی إنّما بتصوّر إذا تعلّق النهی حقیقة بشیء ، فینسب هذا الثبوت الحقیقی إلی لازمه بالعرض ، فیقال : إنّ النهی المنسوب إلی الشیء بالحقیقة منسوب إلی لازمه بالعرض.

وأما إذا لم یکن ثبوت حقیقی لشیء فکیف یعقل ثبوت عرضی بالإضافة إلی لازمه ولا واقع لحقیقة الحکم الفعلی إلاّ الإنشاء بداعی جعل الداعی إلی ما تعلّق به ، وهو علی الفرض متعلق بلازم الشیء ابتداء ، لا به أوّلا وبالذات ، وبلازمه ثانیا وبالعرض؟!

إلاّ أن یراد من الثبوت بالعرض بلحاظ الغرض ؛ بمعنی أنه لا غرض فی دعوة البعث أو الزجر إلی ما تعلّق به ، بل فی دعوته إلی لازمه قهرا ، فبلحاظ ثبوت النهی یکون الشیء منهیّا عنه بتبع النهی عن لازمه ، وبلحاظ الغرض یکون اللازم متعلّقا للغرض من النهی بالعرض لا بالذات ، فتدبره ، فإنه حقیق به.

181 _ قوله [قدّس سرّه] : ( نعم یمکن أن یحمل النهی _ فی کلا القسمین _ علی الإرشاد ... الخ ) (3).

لا یخفی علیک : أنّ الأمر بشیء أو النهی عنه لا یکون إلاّ إرشادا إلی ما فیه من المصلحة والمفسدة ، لا إلی ما فی غیره وإن کان من لوازمه.

الثبوت العرضی لا یعقل إلاّ مع الثبوت الذاتی

ص: 335


1- (1) فی الکفایة _ تحقیق مؤسستنا _ : الطلب المتعلّق به حینئذ لیس بحقیقی
2- 2. کفایة الاصول : 164 / 3.
3- 3. کفایة الاصول : 164 / 8.

وبعبارة اخری : تارة یدلّ الأمر والنهی علی ما فی متعلّقه (1) المنبعث عنه الأمر والنهی بنحو دلالة المعلول علی علته. وبهذا الاعتبار ربما یتوهّم أن الأوامر کلها إرشادیة.

وأخری یکون الإنشاء إظهارا لما فی متعلّقه من المصلحة والمفسدة.

وأما لازم الشیء فلا تعلّق للنهی به ؛ حتی یدلّ علی ما فیه إما ابتداء ، أو بالواسطة.

182 _ قوله [قدّس سرّه] : ( بسبب حصول منقصة فی الطبیعة ... الخ ) (2).

لا یذهب علیک : أنّ الالتزام بنقص فی الطبیعة _ من حیث الملاک الملزم بحدّه بحیث ینقص ثوابها _ مشکل ، فإنّ انحطاط الملاک اللزومی عن حدّه ، یوجب سقوط الوجوب ، وبقاؤه علی حدّه یوجب استحقاق الثواب المرتّب علی الطبیعة بما لها من الملاک بحدّه.

والالتزام _ بأن لطبیعة الصلاة مصلحة قائمة بها بنفسها ، وهی الملاک الملزم ، ولها خصوصیة ملازمة لها دائما ، وهی أیضا مشتملة علی المصلحة ، فهذه المصلحة الملازمة ربما تزید ، وربما تنقص ، وربما تبقی علی حالها ، وأما مصلحة نفس الطبیعة _ وهی الملاک الملزم _ فهی علی حالها بحدّها ، والثواب باعتبار مجموع المصلحتین ، فلذا ربما یزید ، وربما ینقص ، وربما یبقی علی حاله وإن کان یدفع المحذور ، ولکنه _ مع منافاته لظاهر العبارة _ یشبه الجزاف ، ولا موجب له إلاّ ضیق الخناق ، وعدم التمکّن من دفع محذور الکراهة فی العبادة.

ص: 336


1- 1. کذا فی الاصل ، والصحیح : متعلّقهما.
2- 2. کفایة الاصول : 164 / 12.

کما أنّ الالتزام (1) برجوع النهی إلی خصوصیة الکون فی الحمّام مثلا _ فلا نهی عن الصلاة حقیقة _ بلا وجه بل ربّما یکون نفس الکون فی الحمّام راجحا ، وإنّما لا یلائم الصلاة.

وربما یبرهن علی لزوم رجوع النهی إلی الخصوصیة بما محصله :

أن طبیعة الصلاة _ بما هی _ لا یعقل أن تؤثر فی المصلحة والمفسدة ؛ بداهة أنّ الطبیعة لا تقتضی اقتضاءین متباینین ، والإطلاق وإن کان فی قبال التقیید ، إلاّ أنه لتسریة الحکم إلی جمیع أفراد الطبیعة ، لا أنه دخیل فی ترتّب الأثر ؛ لیتوهّم أنّ المطلق _ بما هو مطلق _ یغایر المقیّد _ بما هو مقیّد _ وذات الطبیعة _ بما هی _ متّحدة مع المقیّد اتحاد اللامتعیّن مع المتعیّن ، واللابشرط المقسمی مع بشرط شیء.

وفیه : أوّلا _ أن المحال اقتضاء الشیء أثرین متقابلین لا أثرین متباینین غیر متقابلین ، ولیس کلّ مصلحة مضادّة لمفسدة.

وثانیا _ أنّ اتّحاد المطلق والمقید فی الوجود لا یمنع عن دخل القید فی ترتّب شیء علیه ، کشرب السکنجبین الحامض _ مثلا _ فی مکان بارد أو زمان بارد ، فإنه من حیث ذاته یؤثّر فی دفع الصفراء _ مثلا _ ومن حیث تقیّده بالوقوع فی المکان البارد أو الوقت البادر یؤثّر فی الحمّی مع أنّ شرب السکنجبین من حیث ذاته لا یؤثّر فی الحمّی ، ونفس الکون فی المکان البارد أو الوقت البارد لا یؤثّر فی الحمّی ، بل شرب الحامض مقیّدا بهذا القید الخاصّ یؤثّر ذلک الأثر الخاصّ المجامع مع الأثر الآخر ، فافهم وتدبّر.

فالصحیح فی تصوّر الکراهة : هو أن طبیعة الصلاة علی ما هی علیه من

ص: 337


1- 1. کما عن بعض أجلّة العصر وهو المحقق الشیخ عبد الکریم الحائری ( رحمه الله ) فی درر الفوائد : 1 / 136.

المصلحة بحدّها ، لکنّها لتشخّصها بالمکان الخاصّ تحدث فیها حزازة لا تقام تلک المصلحة اللزومیة أو تلک المرتبة من المصلحة الغیر اللزومیة ، فهی واجبة أو مندوبة بالفعل ، ومکروهة ملاکا ، لا فعلا حتی یمنع عن التقرّب بها ، وقد مرّ سابقا (1) : أنّ الحزازة بما هی لا تمنع عن التقرّب.

183 _ قوله [قدّس سرّه] : ( لا یصحّ إلاّ للإرشاد ... الخ ) (2).

فإنّ اجتماع الطلب الفعلی والمنع عنه کذلک محال ، وحمل النهی علی المولوی الاقتضائی غیر معقول ؛ إذ لا یعقل فعلیته أبدا ، فلا یترقّب منه الفعلیة حتی یکون الإنشاء بداعی جعل الداعی الذی یصیر فعلیا عند عدم المزاحم للمقتضی ؛ إذ لا تصدر الصلاة إلاّ عن أمر وجوبی أو ندبی ، فلا مجال لفعلیة الکراهة عند الغفلة عن طلب الفعل المزاحم لها ، فإنّ الغفلة حینئذ مساوقة لعدم صدور الصلاة ، فلیس هناک شیء یتّصف بالکراهة الفعلیة.

مضافا إلی أنّ الحکم المولوی لا ینبعث إلاّ عن مصلحة فی الفعل ، أو مفسدة فیه ، أو مصلحة فی ترکه ، والمفروض عنده (قدس سره) عدم المصلحة فی ترک الصلاة ، وعدم الحزازة والمفسدة فی فعلها ، بل مجرّد نقص المصلحة بواسطة تشخّص الطبیعة بما لا یلائمها ، وحیث لا ملاک للمولویة ، فلا مجال إلاّ للإرشاد ، لکن النهی إرشاد إلی نقص فی المنهیّ عنه لا إلی ما لا نقص فیه من الأفراد کما فی المتن ، وقد مرّ الوجه فیه (3).

184 _ قوله [قدّس سرّه] : ( فکذلک فی صورة الملازمة ... الخ ) (4).

ص: 338


1- 1. وذلک فی التعلیقة : 166 من الجزء الأوّل ، وکذا فی التعلیقة : 178 من هذا الجزء.
2- 2. کفایة الاصول : 165 / 6.
3- 3. وذلک فی التعلیقة : 73 من هذا الجزء.
4- 4. کفایة الاصول : 165 / 15.

فعلیة الطلبین وإن لم توجب اجتماع الضدّین إلاّ أنه بناء علی شمول الأمر والنهی للفردین المتلازمین توجب اختلاف المتلازمین فی الحکم ، ویکون امتثال کلّ منهما مزاحما لامتثال الآخر ، کما هو أیضا أحد محاذیر اجتماع الأمر والنهی ، وفرض الکلام علی الامتناع.

185 _ قوله [قدّس سرّه] : ( فی القسم الأوّل مطلقا ، وفی هذا القسم ... الخ ) (1).

إذ لا بدل علی الأوّل للعبادة ؛ حتی یتصوّر فیها النقص والزیادة ، ولا موجب علی الثانی ؛ إذ المفروض جواز اجتماع الحکمین عن ملاکین مستقلّین ولو لم یکن أحدهما من خصوصیات الآخر ، بل کذلک علی الامتناع والملازمة _ کما صرّح به (قدس سره) آنفا _ فلا وجه للتخصیص بخصوص هذین القسمین.

186 _ قوله [قدّس سرّه] : ( ومولویا اقتضائیا کذلک ... الخ ) (2).

لا یخفی علیک أنّ صورة الاتحاد وصورة الملازمة تشترکان فی عدم فعلیة الطلبین ؛ لاجتماع المتضادّین فی الأولی واختلاف المتلازمین فی الحکم الفعلی فی الثانیة ، لکنهما یفترقان بإمکان الاقتضائیة فی الثانیة ؛ لإمکان تحقّق أحد المتلازمین منفردا عن الآخر ، فیتّصف بالاستحباب الفعلی ما هو مستحب بذاته کالکون فی المسجد _ مثلا _ من دون صلاة ، ففی مثل الصلاة الملازمة للکون المزبور یکون الکون المزبور مستحبّا اقتضائیا ، بخلاف الأولی ، فإنه لا یمکن افتراق أحدهما عن الآخر ، فلا یترقّب الفعلیة من استحباب المتّحد مع الواجب ؛ حتی یکون بلحاظ حالة فعلیا وبلحاظ حالة أخری اقتضائیا.

نعم الاقتضائیة بوجه آخر معقولة حتی فی صورة الاتّحاد بتقریب :

ص: 339


1- 1. کفایة الاصول : 165 / 12.
2- 2. کفایة الاصول : 166 / 1.

أنّ الإرادة إذ عرض الملاک الوجوبی تخرج من حدّ الضعف إلی الشدّة ، مع بقائها بذاتها ، فبلحاظ حدّها إرادة جدیة ، وبلحاظ ذاتها الموجود فیها ملاکها إرادة اقتضائیة لعدم بقائها بحدّها ، فتأمّل فیه.

187 _ قوله [قدّس سرّه] : ( إنّما یؤکّد إیجابه ... الخ ) (1).

لا یخفی أنّ ضم المصلحة الغیر الملزمة إلی الملزمة _ وإن کانتا متّحدتین فی الوجود _ لا یعقل أن یوجب اشتداد ملاک الوجوب _ بما هو ملاک الوجوب _ فلا یعقل تأکّد الوجوب بما هو ، ویشهد له عدم اشتداد العقوبة علی مخالفته بواسطة انطباق العنوان الراجح ، مع أنّ الوجوب الشدید یمتاز عن الضعیف بذلک.

188 _ قوله [قدّس سرّه] : ( إلاّ اقتضائیا بالعرض ... الخ ) (2)

هذا إذا کان الفعل ملازما للعنوان ، لا ما إذا کان العنوان ملازما له ، فإنه علی الأول یمکن استحباب العنوان فعلیا ، وعند ملازمته ووجوب ملازمه یصیر استحبابه اقتضائیا.

وأما علی الثانی فلا انفکاک للعنوان الملازم عن الفعل الملازم له حتی یکون فعلیا تارة ، واقتضائیا أخری.

نعم إذا فرض الغفلة عن وجوب الفعل لم یکن مانع عن تأثیر ملاک الاستحباب فیه ، فبهذه الملاحظة یمکن القول باقتضائیة الاستحباب ؛ إذ یمکن الإنشاء بداعی جعل الداعی الندبی ؛ لیصیر داعیا فعلیا عند عدم الداعی الحتمی ولو للغفلة عن البعث اللزومی.

ص: 340


1- 1. کفایة الاصول : 166 / 5.
2- 2. کفایة الاصول : 166 / 7.

189 _ قوله [قدّس سرّه] : ( ضرورة أنّ الکون المنهی عنه ... الخ ) (1).

هذا إذا ارید الکون التحیزی الذی هو من مقولة الأین ، کما هو الظاهر.

وأما إذا ارید منه الحرکة والسکون _ المعدودان من الأکوان الأربعة (2) _ فالاتحاد واضح ، إلاّ أنّ الکون المزبور معنون عنوان الخیاطة ، وعدم اختلاف العنوان والمعنون فی الحکم بدیهی عندهم.

190 _ قوله [قدّس سرّه] : ( والحقّ أنه منهیّ عنه بالنهی السابق الساقط ... الخ ) (3).

تفصیل القول فی ذلک : أنّ المصلحة المقتضیة للأمر بالخروج ، المانعة عن تأثیر مفسدته من حیث کونه تصرّفا فی مال الغیر : إما أن تکون مصلحة نفسیة ، أو مصلحة مقدمیة.

فإن کانت مصلحة نفسیة : نظرا إلی أنّ الخروج معنون بعنوان التخلّص عن الغصب الزائد علی ما یوازی الخروج ، وهو من العناوین الحسنة عقلا المطلوبة شرعا ، ففیه :

أوّلا _ أنّ التخلّص عن الشیء یقابل الابتلاء به تقریبا ، فإن لوحظ أصل الغصب ، فهو ما دام فی الدار _ سواء اشتغل بالحرکات الخروجیة ، أم لا _

المصلحة المقتضیة للأمر

ص: 341


1- 1. کفایة الاصول : 166 / 15.
2- 2. قال أفضل الحکماء والمتکلمین نصیر الدین الطوسی (قدس سره) فی تجرید الاعتقاد : ( وأنواعه أربعة عند قوم : هی الحرکة والسکون والاجتماع والافتراق ).
3- 3. کفایة الاصول : 168 / 11.

موصوف بالابتلاء بالغصب ، لا بالتخلّص عنه ، وإن لوحظ الغصب الزائد فهو بعد (1) غیر مبتلی به. نعم بعد مضیّ الزمان بمقدار یوازی زمان الخروج یکون إمّا مبتلی به لعدم خروجه ، أو متخلّصا عنه لمکان خروجه ، فظرف تحقق الخلاص عن الغصب حال انتهاء الحرکة الخروجیة إلی الکون فی خارج الدار ، فکیف یکون الحرکة الخروجیة معنونة بعنوان التخلّص؟!

وثانیا _ لو فرض صدق التخلّص علی الخروج لم یکن مجدیا فی المقام ؛ لأنّ الخروج یقابل الدخول ، والأوّل عنوان للکون فی خارج الدار ، والثانی عنوان للکون فیها ، فالحرکات المعدّة للکون فی خارج الدار مقدّمة للخروج الذی هو عنوان للکون فی خارج الدار ، لا أنها خروج حتی یکون اتصافه بعنوان التخلّص موجبا لاتصاف تلک الحرکات بذلک العنوان.

وثالثا _ أنّ التخلّص عن الغصب الزائد باعتبار ما یترتّب علی الغصب من العقوبة ، فهو :

إما عنوان لترک الغصب الزائد الذی هو کالعلة لعدم العقاب ؛ نظرا إلی استناد عدم المعلول إلی عدم العلّة.

وإما معلول لترک الغصب ؛ نظرا إلی أنه بترک الغصب خلص عن عقابه ، فعلی أیّ حال لیس عنوانا لنفس الحرکات المعدّة للخروج المضادّ للدخول بقاء.

لا یقال : یکفینا کون الحرکات الخاصّة مقدّمة لترک الغصب الزائد المعنون بعنوان التخلّص المحسّن.

لأنا نقول : الکلام فی کون الحرکات الموصوفة بعنوان حسن فی نفسه ، لا فی مقدّمیته لعنوان حسن ، وإلاّ فلو فرض مقدّمیتها لترک الغصب الزائد فوجوب الترک المزبور لحرمة نقیضه مما لا شبهة فیه.

ص: 342


1- 1. أی فهو إلی الآن غیر مبتلی به.

مع أنّ التدقیق یقضی : بأنّ التخلّص کالابتلاء ، فکما أنّ الابتلاء بالشیء غیر الشیء ، بل عنوان ثبوتی ملازم له ، کذلک التخلّص غیر ترک الشیء ، بل ملازم لترکه لا مطلقا ، بل عند الابتلاء بنقیضه فهما عنوانان متضادّان.

ومنه تعرف : أن التخلّص حیث إنه عنوان ثبوتی مضادّ لعنوان الابتلاء ، فلا یعقل أن یکون عنوانا للترک ؛ إذ العنوان الثبوتی لا ینتزع من العدم والعدمی ، فتدبّر جیّدا.

ومما ذکرنا ظهر ما فی تقریرات بعض الأعاظم لبحث شیخه العلاّمة الأنصاری ( قدس سرهما ) حیث ذکر (1) أوّلا : أنّ الخروج تخلّص ، وذکر ثانیا : بل لا سبیل إلیه إلاّ بالخروج ، فإنّ تعنون الخروج بعنوان التخلّص غیر مقدّمیته له ، مع أنّ الکلام فی الأوّل ، مضافا إلی ما فی الجمیع من المحاذیر.

هذا کله بناء علی أن المصلحة نفسیة.

وإن کانت المصلحة مصلحة مقدّمیة : فالکلام تارة فی أصل المقدّمیة ، وأخری فی وجوبها هنا :

أما الکلام فی المقدمیة فقد مرّ تفصیلا فی بحث الضدّ (2) ، وقد عرفت : أنّ فعل أحد الضدّین لیس مقدّمة لترک الضدّ الآخر ، ولا الترک مقدّمة لفعل الضدّ ، بل لو قلنا بالتفصیل بین الفعل والترک _ نظرا إلی أنّ ترک الضدّ یمکن أن یکون شرطا لفعل الضدّ ، بخلاف فعل الضدّ ، فإنه لا یعقل أن یکون شرطا لترک الضدّ ؛ لأنّ الترک لا یحتاج إلی فاعل وقابل ؛ حتی یحتاج إلی مصحّح فاعلیة الفاعل أو متمّم قابلیة القابل _ لما کان هذا التفصیل مجدیا هنا ؛ لأنّ المفروض مقدّمیة الحرکات الخروجیة لترک الغصب الزائد.

المصلحة النفسیة والمصلحة المقدمیة

ص: 343


1- 1. مطارح الأنظار : 153 _ 154.
2- 2. وذلک فی التعلیقة 106 من هذا الجزء.

بل التحقیق هنا أنّ الحرکات الخاصّة _ کما مرّ _ معدّات للکون فی خارج الدار المضادّ للکون فیها ، فهی مقدّمة للملازم لترک الغصب ، لا لنفس الترک.

فإن قلت : التلازم لا یکون إلاّ بالعلیة والمعلولیة أو المعلولیة لثالث ، فنفی علّیة ترک الضدّ لفعل ضده ، وبالعکس مع نفی سببیة (1) سبب وجود الضد لترک الضد لا یجتمعان ، بل لا بد من الالتزام باحدهما تحقیقا للتلازم.

قلت : أوّلا _ إن المعلولیة لثالث لا تقتضی الاشتراک ؛ بحیث یکون المعدّ لأحدهما معدّا للآخر ، بل إرادة الکون فی خارج الدار _ لغلبة مقتضیها علی مقتضی إرادة البقاء _ ملازمة لعدم إرادة البقاء ، ویکون عدم تأثیر أحد المقتضیین شرطا لتأثیر المقتضی الآخر ، وأما قوّة أحد المقتضیین بالإضافة إلی الآخر فذاتیة له.

وثانیا _ إن التلازم هنا لکون الضدّین لا ثالث لهما ، فوجود أحدهما _ ولو قهرا _ ملازم لعدم الآخر ، فوجود أحدهما یستند إلی سببه الطبیعی قهرا ، وعدم الآخر إلی عدم سببه.

وربما یتخیّل : أنّ الخروج لا مقدّمیة له قبل الدخول ؛ ضرورة إمکان ترک الغصب بجمیع أنحائه من دون توقّف علی الخروج ، وله المقدمیة بعد الدخول ؛ لأنه یضطرّ فی ترک الغصب الزائد إلی ارتکاب مقدار الخروج ، فالخروج حیث إنه غصب ، فقد طلب ترکه قبل الدخول ، وحیث إنه مقدّمة بعد الدخول ، فقد طلب فعله بعد الدخول.

وفیه : أنّ فرض الخروج فرض المقدّمة ، غایة الأمر أن ترک الدخول حیث إنه عدمی ، فهو مقدّمة حاصلة ، والخروج حیث إنه فعل متأخّر ، فهو مقدّمة غیر حاصلة ، فوجود المقدّمة أمر ، والمقدّمیة فی حدّ ذاتها أمر آخر.

ص: 344


1- 1. کأن الکلمة فی الأصل ( سببیته ... ) والصحیح ما أثبتناه.

مضافا إلی ما سیجیء (1) _ إن شاء الله تعالی _ أنّ الخروج الشخصی لا یعقل أن یکون مطلوبا وممنوعا عنه بمجرّد اختلاف زمان الأمر والنهی.

وأما الکلام فی وجوب الخروج _ علی فرض المقدّمیة _ فحاصله : أنه یمکن تقریب الوجوب بوجهین :

أحدهما _ أن الحرکة الخروجیة ذات مفسدة من حیث الغصبیة ، وذات مصلحة من حیث المقدمیة لترک الغصب الزائد ، فطلب ترکها یمکن أن یکون بنحو لا یوجب تفویت المصلحة الأقوی ، وهو طلب ترکها بترک الدخول ، ویمکن أن یکون بنحو یوجب تفویتها ، وهو طلب ترکه بعد الدخول ، فهذا الدوران المحقّق قبل الدخول یقتضی طلب ترک الخروج بترک الدخول ، وطلب فعله بعد الدخول ، ولا یلزم منه أن یکون للخروج نقیضان ؛ حتی یقال : إنّ نقیض الواحد واحد ، بل نقیض الخروج _ وهو الکون الخاص فی الدار _ ترکه ، سواء کان بترک الدخول أو بغیره ، فإنّ مقدّمات النقیض لا دخل لها فی المناقضة (2) ، ولا یوجب تعدّدها تعدّد النقیض.

نعم یرد علیه : إنّ ترک الخروج إذا کان مطلوبا فنقیضه _ وهو الخروج _ یصدر مبغوضا ، فلا یعقل أن یقع الخروج مطلوبا مولویا ولو مقدّمیا.

وثانیهما : أنّ الخروج غیر محرّم أصلا ، وترکه غیر مطلوب أبدا ولو بترک الدخول ؛ لأنّ المصلحة المقدّمیة فی الخروج لا بدل لها فی عرض الخروج ؛ حتی تؤثّر مفسدة الخروج فی حرمته ، والمصلحة المقدّمیة فی طلب المقدّمة التی هی فی عرضه ، بل ترک الدخول مقدمة منحصرة فی طول الخروج ، وبعد الدخول یکون الخروج مقدّمة منحصرة لترک الغصب الزائد ، فلا یعقل تأثیر مفسدة الخروج

ص: 345


1- 1. أواخر التعلیقة هذه عند قوله : ( قلت : من یقول بتضادّ الوجوب والحرمة ... إلی آخره ).
2- 2. فی الأصل : النقاضة.

أصلا.

وفیه : أنّ استیفاء الغرض _ الأهمّ والمهمّ _ لیس استیفاء خارجیا ؛ حتی یتوهّم أنه إذا وصلت النوبة إلی استیفاء الغرض الأهمّ من طریق الخروج لم یزاحمه مفسدة الخروج ، وإلاّ لفات منه الأهمّ والمهمّ معا ، بل استیفاء تشریعی بالبعث والزجر نحو ما یقوم بفعله أو بترکه الغرض.

ومن البیّن : أنّ المولی من أوّل الأمر یتمکّن من استیفاء جمیع أغراضه _ الأهمّ والمهمّ _ بالزجر عن جمیع أنحاء الغصب دخولا وخروجا وبقاء ، وفی مرحلة الاستیفاء التشریعی بالزجر لا دوران أصلا ، والدوران بعد الدخول دوران بعد الاستیفاء ، وهو بلا أثر ، فإنّ عدم حصول أحد الغرضین حینئذ من ناحیة العبد ، لا من ناحیة المولی حتی یقبح منه تفویتهما معا بعدم إیجاد المقدّمة المنحصرة.

ومما ذکرنا : یظهر بالتأمّل حال ما لو کان الخروج مقدّمة حقیقة لإنقاذ غریق أو إطفاء حریق ؛ بحیث یتنجّز الأمر به حال الخروج ، فإنه ربما یتوهّم أنه لا دوران من قبل ؛ حتی یتمکّن المولی من استیفاء هذا الغرض الأهمّ أیضا بغیر الخروج ، بل المفروض تنجّز الأمر بالأهمّ حال الخروج الذی لا یتمکّن من استیفاء هذا الغرض تکوینا وتشریعا إلا فی هذه الحالة.

بل ربّما یتخیّل : أنّ مقتضی علم المولی بالابتلاء به حال الخروج عدم الزجر عن الخروج من الأوّل ، فحال النهی عن الخروج _ مع الالتفات إلی لزوم البعث ونحوه رعایة للأهمّ _ حال النسخ قبل حضور وقت العمل من حیث عدم إمکان التکلیف الجدّی ، مع الالتفات إلی رفعه حال الامتثال.

وجه ظهور الفساد : أنّ الدوران إنّما یتحقّق بالإضافة إلی غرضین کلاهما محلّ الابتلاء _ بحیث یلزم المولی باستیفائهما بعثا أو زجرا _ وحیث إن المفروض خروج الأهمّ فعلا عن محلّ الابتلاء لفرض فعلیة الأمر به حال الخروج ، فلا مانع بالفعل من استیفاء الغرض المهمّ بالزجر عن الخروج ، وبعد استیفاء

ص: 346

الغرض تشریعا لا موقع للدوران ، فإن مورده غرضان لم یستوفیا ، وإلاّ فلا دوران بین المستوفی وغیره ، وأما تنجزّ الأمر بالأهمّ _ ولو مع عدم سرایة الوجوب إلی الخروج _ فهو أمر آخر نتکلّم فیه فیما بعد إن شاء الله تعالی.

فإن قلت : بعد سقوط النهی عن الخروج بالدخول ، وعدم إمکان التحرّز عن مفسدته ، بل عدم الموقع لتأثیر المفسدة حینئذ _ فلا مزاحم حینئذ لتأثیر المصلحة المقدّمیة ، کما لا منافی _ من حیث التضادّ _ للوجوب لمکان سقوط الحرمة بالعصیان ، فلا یکون من قبیل النسخ قبل حضور وقت العمل ، فإنه لم یرتفع _ هنا _ إلاّ بالعصیان فی موطنه ، فلیس من قبیل جعل الداعی إلی فعل شیء فی زمان ، ورفعه عن ذلک الشیء بخصوصه فی زمان آخر.

قلت : من یقول بتضادّ الوجوب والحرمة لا یقول به من حیث قیامهما بالمولی فی زمان واحد ؛ حتی یتوهّم هنا أنّ الحرمة قامت بالمولی فی زمان ، والإیجاب به فی زمان آخر.

ولا یقول به أیضا من حیث قیامهما خارجا بالموجود الخارجی ، فإنه _ مع فساده فی نفسه _ لا مجال له هنا ، فإنه یقول بسقوط الحرمة بمجرّد الدخول ، فمتی کانت قائمة بالخروج المترتّب علی الدخول؟! بل یقول بتضادّهما من حیث قیامهما بعنوانین ملحوظین فانیین فی المعنون الواحد ، فمن حیث فناؤهما فی الواحد فکأنه بهذا النظر تعلّق الوجوب والحرمة بذلک الواحد المفنی فیه ، فمن حیث متعلّقیة ذلک الواحد لحکمین یقول بلزوم اجتماع الضدین.

فالمیزان فی هذا اللزوم _ لو کان عدلا وصوابا ، کما علیه المعروف _ وحدة المعنون بحسب وجوده الشخصی الزمانی ، ولا یمرّ الزمان علی الفعل الشخصی مرتین فهذا الخروج الوحدانی الزمانی متعلّق للوجوب والحرمة ، وسبق زمان تحقّق التحریم علی زمان تحقّق الإیجاب لا یجدی فی رفع التضادّ من حیث المتعلّق.

مضافا إلی أن سقوط الحرمة لا یقتضی عدم صدور الخروج مبغوضا ،

ص: 347

فکیف یصدر محبوبا ومطلوبا؟! أم کیف یصدر إطاعة بعد صدوره بعینه معصیة؟! أم کیف یقع مقرّبا مع صدوره مبعّدا؟!

فجمیع محاذیر اجتماع الأمر والنهی موجودة هنا ، فالأقوی _ حینئذ _ عدم وجوب الخروج لا نفسیا ولا مقدمیا ، بل یقع مستحقا علیه العقاب وإن لم یکن للمکلّف مناص _ فی مقام الدوران بین الغصب دائما أو الغصب بمقدار الخروج _ عن اختیار الغصب الخروجی ؛ دفعا للأفسد بالفاسد ، وللأقبح بالقبیح ، کما سیجیء _ إن شاء الله تعالی _ بعض الکلام فیه ، فتدبّر جیّدا.

191 _ قوله [قدّس سرّه] : ( وإلاّ لکانت الحرمة معلّقة علی إرادة المکلّف ... الخ ) (1).

حیث إن الخروج واحد زمانا ، ولا یمرّ علیه زمانان ، ففرض خروجه عن المبغوضیة غیر معقول ، بل لا بدّ من فرض حرمته علی تقدیر ، وجوازه علی تقدیر آخر ؛ بأن یقال بحرمته علی تقدیر إرادة الدخول ، وبجوازه علی تقدیر إرادة نفسه کما هو بعد الدخول.

وهذا التعلیق بلا موجب ، ومع عدم الموجب غیر صحیح ، فالمراد من قوله ( رحمه الله ) : ( لغیره ) هو الدخول ، کما أنّ ضمیر ( له ) عائد إلی الخروج ، فإنه محلّ الکلام منعا وجوازا.

وأما إرجاع الضمیرین فی ( لغیره ) و ( له ) إلی الدخول _ حتی ینتج تعلیق حرمة الخروج علی إرادة غیر الدخول وهو ترکه ، وجواز الخروج علی إرادة الدخول ؛ لیکون حاصله تحریم الخروج عند ترک الدخول ، وتجویزه عند الدخول _ فغیر صحیح ؛ لأنّ الدخول لا أثر له فی الکلام حتی یرجع إلیه الضمیران ، بخلاف الخروج الذی هو محلّ الکلام من حیث الحرمة والجواز ، مع

ص: 348


1- 1. کفایة الاصول : 169 / 12.

أنه أیضا فی نفسه غیر سدید ؛ إذ لا ریب فی أنه عند إرادة الدخول یطلب منه ترک الدخول والخروج والبقاء جمیعا ، إنّما الکلام فی جواز الخروج بعد الدخول ، فالصحیح ما ذکرنا.

کما أنّ إرجاع کلامه (قدس سره) إلی لزوم رجوع الإلزام إلی الإباحة أو طلب الحاصل إنما یکون إذا ارید بغیر الخروج ترک الخروج.

وعلیه فطلب ترک الخروج معلّقا علی إرادة ترک الخروج یلزم منه المحذور الأوّل ، وطلبه معلّقا علی نفس ترک الخروج یلزم منه المحذور الثانی أیضا بلا موجب من العبارة ، ولا موجب له خارجا ؛ لعدم توقّف الحرمة قبل الدخول والجواز بعده علی هذا الفرض المحال ، بل له فرض ممکن وهو ما ذکرنا ، لکنه لا یصار إلیه لعدم الدلیل علیه. 192 _ قوله [قدّس سرّه] : ( وإن کان العقل یحکم بلزومه ... الخ ) (1).

لا یخفی علیک أنّ شأن القوّة العاقلة لیس إلاّ الإدراک _ لا البعث والزجر _ من دون فرق بین العقل النظری والعملی _ کما مرّ فی أوّل مقدّمة الواجب (2) _ وحکم العقل العملی _ من باب التحسین والتقبیح العقلیین _ لو ثبت هنا لکان الخروج حسنا فعلا ، وإن کان قبیحا طبعا ، مع أنّ لازمه جواز إعدام المقدّمة المباحة ؛ حیث لا حرمة فی ظرف الدوران.

بل الحق : أن الفرار من أصل العقاب أو العقاب الزائد جبلّیّ للإنسان _ بل للحیوان _ ولا یدخل تحت کبری التحسین والتقبیح العقلیین من وجهین :

أحدهما : أنّ عدم الفرار من الذمّ أو العقاب لیس موردا لذمّ آخر أو لعقاب آخر.

شأن القوة العاقلة هو الإدراک

ص: 349


1- 1. کفایة الاصول : 171 / 2.
2- 2. التعلیقة : 1 عند قوله : ( وجعل الموضوع نفس العقل .. ).

وثانیهما : أنّ ما یترتّب علی الإقدام لیس مربوطا بهذا النظام ؛ حتی یدخل تحت الأحکام العقلیة الماخوذة من تطابق آراء العقلاء حفظا للنظام وإبقاء للنوع.

193 _ قوله [قدّس سرّه] : ( کسائر الأفعال التولیدیة ... الخ ) (1).

لا یخفی أنّ ترک کلّ فعل علی طبع ذلک الفعل ، والخروج لیس تولیدیا لقیام مطابقه بنفس الفاعل ، ولیس مجرد العلیة مقتضیا للتولیدیة.

194 _ قوله [قدّس سرّه] : ( ولو سلم عدم الصدق إلا بنحو السالبة ... الخ ) (2).

قد مرّ : أنّ الخروج لا نقیض له إلاّ ترکه ، وترک الدخول _ وغیره من أسباب تحقّق النقیض _ لا دخل له فی مناقضة (3) ترک الخروج للخروج.

وأما کونه من باب السالبة بانتفاء الموضوع فمخدوش : بأن موضوع الخروج وترکه من قام به الخروج وترکه ، وترک الخروج بعدم المکلّف وإن کان معقولا ، إلاّ أنه فی العدم المحمولی لا العدم الرابط ، وحیث إنّ الترک مطلوب من المکلّف ، فالترک فی فرض وجود التارک هو المطلوب ، وحینئذ لا معنی للسالبة بانتفاء الموضوع.

195 _ قوله [قدّس سرّه] : ( إنّما کان الممنوع کالممتنع ... الخ ) (4).

لیس الوجه فی عدم الوجوب عدم إمکان سرایة الوجوب إلی المقدّمة

ص: 350


1- 1. کفایة الاصول : 171 / 9.
2- 2. کفایة الاصول : 171 / 13.
3- 3. فی الأصل : نقاضة.
4- 4. کفایة الاصول : 172 / 2.

لکونها محرّمة ؛ حتی یجاب بأنّ إلزام العقل بها کاف فی صحة إیجاب ذیها ، فإنّه لا موهم لذلک ، ولو قلنا بعدم وجوب المقدّمة _ أو بعدم معقولیة وجوبها _ لم یکن ذلک مانعا عن إیجاب ذیها.

بل الوجه : أنّ إیجاد ما یتوقّف علی ما ینافر الغرض نقض للغرض ، إلاّ إذا سقط عن الغرضیة ، وهو خلاف الفرض ، وهذا معنی عدم کونه مقدورا شرعا.

لسقوط متعلّقه عن القدرة بالواسطة مع تنجّز الأمر به من قبل ، فیستحقّ علی ترکه العقوبة ، بل وکذا ما کان موقع فعلیته وتنجّزه حال الخروج ، کما إذا ابتلی بإنقاذ غریق حال الخروج ، فإنّ تمامیة مقتضی التکلیف _ مع إبداء المانع عن فعلیته بسوء اختیاره _ یصحّح العقوبة علی ترکه.

196 _ قوله [قدّس سرّه] : ( لو سلم فالساقط هو الخطاب (1) ... الخ ) (2).

فإن قلت : لا شبهة فی أنّ الأهمّ لو کان فعلا مباشریّا للمولی لأراده قطعا ، ویتبعه إرادة مقدمته جزما ، ولا فرق بین الإرادة التکوینیة والتشریعیة ، إلاّ بتعلّق الاولی بفعل المرید نفسه ، والثانیة بفعل الغیر ، غایة الأمر أن الشوق : تارة طبعی ، واخری عقلی ، وکذا فی الشوق إلی فعل الغیر ، فمجرّد عدم ملاءمة الفعل طبعا لا ینافی الملاءمة بالعرض ، فیشتاقه کذلک.

قلت : الکلام فی انبعاث الإرادة والکراهة والبعث والزجر عن أغراض مولویة ، ویستحیل من المولی _ بل من کلّ عاقل _ نقض غرضه المولوی ،

ص: 351


1- 1. فی الکفایة _ تحقیق مؤسستنا _ : _ فالساقط انما هو الخطاب ...
2- 2. کفایة الاصول : 172 / 6.

وفرض الإقدام علی ما ینافی الغرض فرض سقوط الغرض عن الغرضیة ، والمفروض هنا بقاؤه علی الغرضیة ، فتدبّره ، فإنه حقیق به.

197 _ قوله [قدّس سرّه] : ( مع ما فیه من لزوم اتصاف فعل واحد ... الخ ) (1).

نحن وإن صحّحنا فی بعض الحواشی المتقدّمة (2) لزوم التضادّ ، إلاّ أنه یمکن أن یقال :

إنّ العبرة فی التضادّ وإن کانت بفناء عنوانی الفعل فی معنونهما ، والواحد لا یمرّ علیه زمانان ؛ لیرتفع التضادّ بتعدّد الزمان ، لکن الزمان الواحد ظرف ذات المتعلق ، فذات المتعلّق لیس له زمانان ، وبما هو متعلّق للوجوب _ بفناء عنوانه فیه _ له زمان غیر الزمان الذی لوحظ متعلّقا للحرمة ، فالواحد بلحاظ زمانین صار متعلّقا للحکم ، وإلاّ فیستحیل صدق المشتقّ مع عدم المبدأ حقیقة ، فکیف یعقل صدق الواجب علی الفعل أو الحرام مع انقطاع تعلّق الحکم به؟! فافهم جیّدا.

198 _ قوله [قدّس سرّه] : ( وقوع الخروج بعد الدخول عصیانا ... الخ ) (3).

هذا وجیه بناء علی ما تقدّم منا _ فی مبحث مقدّمة الواجب (4) _ من أنّ العصیان بدیل الإطاعة ، فما یکون إطاعة یکون خلافه عصیانا ، وهو ترک الفعل فی ظرفه مثلا.

ص: 352


1- 1. کفایة الاصول : 172 / 13.
2- 2. التعلیقة : 190 المتقدم عند قوله : ( قلت : من یقول بتضادّ ... إلی آخر ).
3- 3. کفایة الاصول : 172 / 17.
4- 4. فی التعلیقة : 93.

وأمّا بناء علی ما سلکه (قدس سره) هناک (1) من تحقّق العصیان بترک أوّل مقدّمة ، فالعصیان هنا یتحقّق بنفس الدخول ، فلا مانع من وقوع الخروج إطاعة للأمر به.

199 _ قوله [قدّس سرّه] : ( ضرورة منافاة حرمة شیء کذلک ... الخ ) (2).

مضافا إلی عدم معقولیة إطلاق النهی عن الخروج بالإضافة إلی تقدیر الدخول ، فإنّ تقدیر الدخول تقدیر عدم القدرة علی ترک الخروج ، فکیف یعقل إطلاق النهی لتقدیر عدم القدرة علی متعلّقه؟!

200 _ قوله [قدّس سرّه] : ( لضرورة عدم صحة تعلق الطلب والبعث ... الخ ) (3).

تحقیق المقام : أن کلّ ممکن محفوف بضرورتین :

ضرورة سابقة فی مرتبة العلّة التامة ، وهی مفاد قولهم : إن الشیء ما لم یجب لم یوجد.

وضرورة لاحقة ، وهی الضرورة بشرط المحمول ؛ لوضوح أنّ الموجود بشرط الوجود ضروری الوجود ، والمعدوم بشرط العدم ضروری العدم ، ومثله لا دخل له بالقضیة المتقدّمة ، وإلاّ لکان مفادها أنّ الشیء ما لم یفرض وجوده لم یوجد ، وهو واضح البطلان.

وقولهم : _ إن الوجوب بالاختیار أو الامتناع بالاختیار لا ینافی الاختیار _ ناظر إلی الضرورة السابقة ، فإنّ الضرورة _ الناشیة من قبل إعمال القدرة

کل ممکن محفوف بضرورتین

ص: 353


1- 1. الکفایة : 124 عند قوله : ( ولا یکاد یحصل ... ).
2- 2. کفایة الاصول : 172 / 21.
3- 3. کفایة الاصول : 173 / 8.

والإرادة _ لا یعقل أن تأبی المقدوریة والمرادیة ، بل تؤکّدهما.

وقولهم : _ إنّ التکلیف لا یتعلّق بما هو واجب أو ممتنع _ ناظر إلی الضرورة اللاحقة ، فإنّ طلب الموجود أو المعدوم طلب الحاصل ، وطلب الوجود بالإضافة إلی المعدوم _ أو العدم بالإضافة إلی الوجود _ طلب النقیض مع فرض تحقّق نقیضیه ، واجتماع النقیضین محال ، فلا ربط لإحدی القضیتین بالاخری.

وبعبارة اخری : البعث والزجر یؤثّران فی الفعل والترک بتوسّط القدرة والإرادة ، فوجوبهما بالإرادة المنبعثة عن البعث والزجر لا یعقل أن یمنع عن تعلّق البعث والزجر ، بل هو عین تأثیرهما ، بخلاف البعث والزجر بعد تأثیر القدرة والإرادة ، فإنه لا موقع بعد لتأثیرهما ، فلا یعقل البعث والزجر ، وإن کانت عبارة الکتاب تومئ إلی أنّ الإیجاب والامتناع فی کلتا القضیتین واحد ، وأنّ عدم منافاتهما لصدور الفعل والترک بالاختیار لا ینافی منعهما عن تعلّق التکلیف إذا کان هذا الوجوب والامتناع بسوء الاختیار.

لکنه یمکن تصحیحها : بأن کون الخروج اختیاریا _ وصدوره بصدور مقدّمته الاختیاریة ، وهی الدخول _ لا ینافی عدم صحّة التکلیف بترکه فی فرض تحقّق علّته التامّة ؛ لأنّ التفکیک بین المعلول وعلّته التامّة محال ، لا لأنّ الخروج حیث تحقّق فطلب ترکه _ حینئذ _ طلب للنقیض بعد فرض تحقّق نقیضه ، فالخروج فی آن تحقّق الدخول بعلّته حیث لم یتحقّق لم یکن المانع عن تعلّق التکلیف بترکه هو الوجوب اللاحق والضرورة اللاحقة ، بل المانع هی الضرورة السابقة المفروضة ، بخلاف سائر موارد التکلیف ، فإنّ التکلیف لجعل الداعی وإخراج الممکن من حدّ الإمکان إلی الضرورة ، لا لجعل الداعی بعد فرض الضرورة السابقة ، فإنه لا موقع لجعله بعد فرض الضرورة السابقة المقتضیة للفعل أو للترک ، فالضرورة السابقة المصحّحة للاختیاریة : تارة منبعثة عن التکلیف ، وأخری مفروضة الحصول ، فلا موقع للتکلیف ، فافهم جیّدا ، فإنه دقیق

ص: 354

نافع جدّا ، والله العالم.

201 _ قوله [قدّس سرّه] : ( أو مع غلبة ملاک الأمر علی النهی مع ضیق الوقت ... الخ ) (1).

ومن الإجماع علی صحة الصلاة حال الخروج فی ضیق الوقت یستکشف غلبة ملاک الأمر بالصلاة علی ملاک النهی عن الغصب فی هذه الحال دون غیرها من الأحوال ، وإلاّ لزم صحّة الصلاة فی الغصب ولو لا فی حال الخروج بلا إشکال.

إلاّ أنک قد عرفت : أنه بناء علی مسلکه (قدس سره) لا یؤثّر ملاک الأمر فی وجوب الفعل ، ولا فی صدوره محبوبا منه بعد تأثیر ملاک النهی _ قبل الانحصار بسوء الاختیار _ فی صدور الفعل مبغوضا علیه ؛ إذ لا فرق بین الملاک النفسی والملاک المقدمی إذا کانت المقدّمة مقدمة لأمر أهمّ ، فکما لا یعقل تأثیر الملاک المقدّمی فی الأمر بالخروج لصدوره مبغوضا علیه بالنهی السابق ، کذلک الملاک النفسی.

لا یقال : تحصیل الغرض الأهمّ من الصلاة لا یمکن مع بقاء الخروج علی ما هو علیه من المبغوضیة لاستحالة التقرّب بالمبعّد ، فلا یجدی إلزام العقل _ إرشادا _ بأخفّ القبیحین ، بخلاف ترک الغصب الزائد أو حفظ النفس المحترمة ، فإنه لا ینافی بقاء المقدّمة علی المبغوضیة ، ویجدی إلزام العقل _ إرشادا إلی اختیار أقلّ القبیحین _ فی تحصیل هذا الغرض الأهمّ.

لأنا نقول : إذا امتنع تغیّر الشیء عمّا هو علیه کان تحصیل الغرض الأهمّ من مثل الصلاة ممتنعا بسوء الاختیار ، وامتناعه لا یوجب إمکان ممتنع آخر ،

ص: 355


1- 1. کفایة الاصول : 174 / 8.

مضافا إلی ما عرفت سابقا مفصّلا (1) من عدم الدوران لعدم الانحصار فی مقام استیفاء الغرضین بالبعث والزجر.

نعم إذا کان عموم المأمور به شمولیا کما فیما إذا وجب إکرام کلّ عالم ، وحرم إکرام کلّ فاسق ، فالمجمع لا بدل له دائما فغلبة أحد الملاکین توجب سقوط مقتضی الملاک الآخر ، بخلاف الصلاة ، فإنّ عمومها بدلی ، فلا دوران إلاّ فی صورة الانحصار بغیر سوء الاختیار.

فإن قلت : الغلبة بمعنی آخر توجب سقوط النهی ولو مع عدم الانحصار ، وهو کون الحرکة الصلاتیة فی المجمع حسنة بقول مطلق وإن کان سائر أفرادها أحسن ، فمعنی الغلبة غلبة الجهة المقتضیة للحسن علی الجهة المقتضیة للقبح لا غلبة المصلحة والمفسدة فی مقام البعث والزجر ، فلا حاجة إلی الدوران فی الأوّل بخلاف الثانی.

وعلیه فالحرکة الصلاتیة _ المتّحدة مع الغصب الخروجی من الأوّل _ لا نهی عنها ؛ حیث لا قبح فیها ، وإن کان یتوقف تعنون الخروج القبیح فی نفسه بعنوان حسن [ علی ] اتحاده (2) مع الحرکة الصلاتیة.

کما لا ینافی حسنه کونه متوقفا علی الدخول القبیح المحرم ، ولا مجال لهذا الاحتمال فی الملاک المقدمی ، فإنّ الإجماع علی صحّة الصلاة حال الخروج کفی به کاشفا عن تعنون الخروج بعنوان حسن بالفعل مع قبحه بطبعه ، ولا کاشف مثله هناک ، فإنّ المقدّمیة لفعل الأهمّ لا توجب حسن الخروج بالفعل ، بل إرشاد العقل إلی اختیار أقلّ القبیحین وأخف المحذورین.

قلت أوّلا : إنّ المصالح والمفاسد القائمة بالأفعال _ التی هی ملاکات

ص: 356


1- 1. وذلک فی التعلیقة : 190 عند قوله : ( ومما ذکرنا یظهر بالتأمّل ... ).
2- 2. فی الأصل : باتحاده ....

ومناطات للأمر والنهی _ غیر منحصرة فی الجهات الاعتباریة ، بل هی عبارة عن خواصّ وآثار واقعیة یجب علی الحکیم إیصالها إلی المکلفین بمقتضی الحکمة والعنایة ، فمع إمکان استیفاء الغرضین _ بعثا وزجرا _ لا بدّ من البعث إلی الصلاة فی خارج الغصب ، والزجر عن الغصب بجمیع أنحائه _ دخولا وخروجا وبقاء _ ومع عدم إمکان استیفائهما معا _ کما فی صورة الانحصار لا بسوء الاختیار _ یجب استیفاء الأهمّ ، فیؤثّر غلبة الملاک حینئذ فی البعث نحو الأهمّ ، دون الزجر عن الخروج وتحصیل المهمّ.

وثانیا : إنّ جهات الحسن والقبح کالمصالح والمفاسد الواقعیة ، فإنّ حفظ النفس المحترمة وإن کان حسنا عقلا مع التمکّن ، وترکه قبیح ، لکنه إذا لم یکن بالعدوان علی الغیر ما لم ینحصر فیه لا بسوء الاختیار ، وأما مع الانحصار بسوء الاختیار فیذمّ علی ترکه ، کما یذمّ علی العدوان علی الغیر ، وکذلک التخضّع للمولی حسن فی نفسه ما لم یکن بالعدوان علی الغیر ، إلاّ إذا انحصر لا بسوء الاختیار.

والفرق بینهما أنّ حفظ النفس بمال الغیر یتحقّق فی الخارج ، فلا یذمّ علی ترکه وإن لم یمدح علی فعله ، لکنّ التخضّع للمولی حیث إنه لا بدّ أن یقع قریبا فلا یتحقّق بهذه الصفة إذا تحقّق بالعدوان علی الغیر ، فیذمّ علی ترکه أیضا.

وقد مرّ سابقا : أنّ حکم العقل باختیار أخفّ المحذورین لیس من باب التحسین والتقبیح العقلیین ؛ حتی یکون نفس هذا الحکم موجبا لاندراجه تحت عنوان حسن بالفعل لخروج أمثاله عن مورد القاعدة المذکورة بوجهین قدّمنا الإشارة إلیهما ، فراجع (1).

کما عرفت : أنّ هذا الحکم الإرشادی من العقل أیضا لا یجدی فی

حکم العقل باختیار أخف المحذورین

ص: 357


1- 1. التعلیقة : 192 من هذا الجزء.

التعبدیات ، بل فی التوصّلیات.

نعم یمکن تصحیح الصلاة فی حال الخروج بتقریب.

أنّ المتحقّق من الأجزاء الصلاتیة حال الخروج غیر متّحد مع الکون الغصبی ؛ إذ اللازم أن لا یفعل زائدا علی الخروج ، فالصادر من المکلّف لیس إلاّ التکبیر والقراءة والإیماء للرکوع والسجود ، والتکبیر والقراءة من الکیف المسموع الذی لا مساس له بفضاء الغصب ، فلا یکون تصرّفا عرفا فی الغصب ، ولا یعدّ خرق الهواء الناشئ من الصوت تصرّفا عرفیا فی الهواء الداخل فی ملک الغیر ، کما أنّ الإیماء للرکوع والسجود أیضا لا یعدّ تصرّفا فی الغصب ، فما هو غصب _ وهو الخروج _ لا اتّحاد له مع شیء من أجزاء الصلاة فی هذه الحال.

بل ربما أمکن أن یقال : بعدم اتحاد أجزائها _ فی غیر هذه الحال أیضا _ مع الکون الغصبی بدعوی أنّ الرکوع والسجود والقیام والقعود هیئات وأوضاع خاصّة من مقولة الوضع ، کما أن التکبیرة والقراءة والأذکار من مقولة الکیف المسموع ، والحرکات المتخلّلة بین هذه الهیئات مقدّمات للرکوع والسجود والقیام والقعود ، لا مقوّمات لها ، فما هو من الأجزاء لا اتّحاد له مع الغصب وما هو تصرف فی الغصب عرفا لیس من الأجزاء ، وأوضاع المصلّی _ نظیر کیفه المبصر کسواده واحمراره وبیاضه _ لا مساس له بالغصب ، فکما أنّ جعل بدنه محمرّا ومسودّا فی الغصب لا یعدّ تصرّفا فی الغصب ، کذلک جعل شخصه ذا هیئة خاصّة من القیام والقعود والرکوع والسجود.

وکون الوضع ذا نسبة إلی الخارج غیر کونه بنفسه تصرّفا فی الغصب خارجا ، فمجرّد کون الوضع ذا نسبة إلی الخارج _ غیر نسبته إلی موضوعه ، دون الکیف المبصر ، فإنّه لا نسبة له إلی غیر موضوعه _ لا یجدی شیئا بعد عدم عدّه تصرّفا فی الغصب عرفا.

لا یقال : کونه فی الغصب _ أیضا _ لیس إلاّ من مقولة الأین ، وهی _ أیضا _

ص: 358

عرض من أعراض الشخص _ لا من أعراض المکان _ ولیس له إلاّ نسبة إلیه کسائر الأعراض النسبیة کمقولة الوضع ، فإذا لم یکن هذه النسبة محقّقة للغصبیة فما المحقّق لها فی مقولة الأین مع اشتراکهما فی قیامهما بالشخص قیام العرض بموضوعه ، ونسبتهما إلی الخارج کما هو شأن الأعراض النسبیة.

لأنا نقول : لیس الغرض أنّ مقولة الوضع أو الکیف لا تقبل التکلیف بهما ، بل الغرض أنّهما لا تعدّان تصرّفا فی الغصب.

وأما مقولة الأین فحیث إنّ الجسم بأینیّته شاغل للفضاء ، فکونه الخاصّ تصرّف منه فی الفضاء ، فیحرم ، فنفس کونه فی الدار إشغاله لها ، ولیس کیفه ولا وضعه إشغالا لها ، ولا متّحدا مع ما هو إشغال لها لتباین المقولات ماهیّة وهویّة ؛ لأنّ الحرکات الأینیة المتخلّلة بین الأوضاع مقدّمات للأجزاء الصلاتیة ، فلا یضرّ صدق التصرّف علی تلک الحرکات الأینیة کصدقه علی سکونه.

وتوهّم : أنّ الصلاة من مقولة الفعل فلا یعقل أن یکون أجزاؤها من مقولة الوضع لتباین المقولات.

مدفوع : بأنّ صدق الفعل العرفی علیها باعتبار صدورها منه _ غیر کونها من مقولة الفعل اصطلاحا ؛ لأنّ مقولة الفعل _ المقابلة لمقولة الانفعال _ عبارة عن حال التأثیر التجدّدی للمؤثر ، کما أنّ مقولة الانفعال هی حالة التأثّر التجدّدی ، کحالتی النار والماء فی التأثیر فی الحرارة والتأثّر بها ، فما دام النار مشغولة بإیجاد الحرارة فی الماء یکون لها حالة التأثیر التجدّدی ، وللماء حالة التأثّر ، وأما الأثر فهو من مقولة الکیف ، فلیس کلّ فعل عرفی فعلا مقولیا.

نعم ، التحقیق : أنّ أجزاء الصلاة وإن کانت کذلک ، إلاّ أنّ بعضها متقوّمة شرعا بما له مساس خارجا بالغصب کوضع الجبهة علی الأرض ، فإنّ مماسّة الجبهة مقوّمة للسجدة شرعا ، وهی من مقولة الإضافة ، فالسجدة _ بما هی _ هیئة وضعیة وإن لم تکن تصرّفا فی الغصب ، لکنها بمقوّمها الشرعی _ وهو المماسّة _

ص: 359

تصرّف فی الأرض ، وهکذا الاستقرار علی الأرض _ فی القیام والرکوع والتشهد _ فإن إثبات الرجل علی الأرض والجلوس علیها معتبر فی القیام والرکوع والتشهد ، وکون هذا الجزء المقوّم تصرّفا فی الدار المغصوبة مما لا ینبغی الشبهة فیه.

ومن البدیهی أنّ کون هذه الخصوصیة من مقولة الإضافة _ وهی مباینة لمقولة الوضع _ لا یجدی هنا ؛ إذ المرکّب من المقولتین جزء شرعا ، فما هو _ شرعا _ جزء الصلاة قد انطبق علی جزئه المقوّم عنوان الغصب.

وأمّا توهّم : أنّ الغصبیة من مقولة الإضافة بلحاظ تحقّقها بإضافة الأکوان الصلاتیة إلی کراهة المالک ، وهذه الحیثیة المقولیة قائمة بالأجزاء ، لا متّحدة معها لتباین المقولات ماهیة وهویة ، فقد رفعناه مفصّلا فی ذیل المقدّمة الرابعة من مقدّمات الاستدلال ، فراجع (1).

ثم إنک قد عرفت مما تقدّم (2) : أنّ وجه صحّة الصلاة حال الخروج منحصر فی عدم اتّحاد الواجب من الأجزاء مع الکون الغصبی.

وربما یتوهّم : صحّه تطبیق العبادة علی الحرکة الخروجیة ، فإنّ مثل هذه العبادة وإن لم یوجب القرب ؛ لیقال بأن المبعّد لا یکون مقرّبا ، لکنها توجب تخفیف العقوبة ؛ بمعنی أنّ المولی یأمر بذات العبادة لغرض تخفیف العقوبة لا لغرض القرب ، والمفروض أن الأمر _ من حیث هو _ لا مانع منه ؛ حیث لا نهی فعلا لیلزم التضادّ ، ولا یتوقّف خفّة العقوبة علی المحبوبیة أیضا ؛ حتی یقال بتضادّها مع المبغوضیة.

والجواب : أنّ الفعل إذا اتی به بداعی الأمر ، ولم یکن هناک مانع ، فهو

ص: 360


1- 1. فی التعلیقة : 170 عند قوله : ( ورابعا سلمنا ... ).
2- 2. فی نفس هذه التعلیقة ، عند قوله : ( نعم یمکن تصحیح الصلاة ... ).

موجب للقرب ، وحیث إن الأمر بهذا الغرض ، فلذا یکون الأمر تعبّدیا ، فهذا الغرض غرض من المأتیّ به بداعی الأمر ، لا من المأتیّ به فقط.

وهکذا تخفیف العقوبة ، فإنه إن کان غرضا من المأتیّ به فقط کان الأمر به توصلیا ، فلا بدّ من تخفیف العقوبة ولو لم یأت به بداعی الأمر ، وإن کان غرضا من المأتیّ به بداعی الأمر ، فمن الواضح أنّ تخفیف العقوبة لیس _ ابتداء _ غرضا مترتّبا علی المأتیّ به بداعی الأمر ، بل من حیث اکتسابه مقدارا من القرب عقلا ، فیتدراک به مقدار من العقوبة ، وحیث فرض عدم التقرّب لمنافاته مع البعد فلا محالة لا موجب لتدارک العقوبة ؛ حتی یحصل تخفیف العقوبة.

فإن قلت : لا برهان علی عدم ترتّب تخفیف العقوبة علی المأتیّ به بداعی الأمر من دون ترتّب الثواب علیه ، ولذا لا شبهة فی تخفیف درکات الکفار بسبب الأعمال الخیریة ، مع أنه لا یحصل لهم القرب من المولی.

قلت : البرهان علیه : أنّ المأتیّ به بداعی الأمر _ بما هو _ لا مضادّة له مع العقوبة ، بل المقابل لها المثوبة ، کما أنّ المقابل للبعد هو القرب ، فالإتیان بداعی الأمر _ بلحاظ لوازمه _ یوجب تخفیف البعد والعقوبة ، فإذا فرض أنّ استحقاق الثواب بنفس ما یوجب استحقاق العقاب غیر معقول ، وأنّ التقرّب بنفس ما یکون مبعدا غیر ممکن ، فتخفیف العقوبة والبعد بما لا یوجب المثوبة والقرب غیر معقول.

ولا یقاس بفعلین : أحدهما فی نفسه یوجب القرب والثواب ، والآخر بنفسه یوجب البعد والعقاب ، فیتدارک مقتضی أحدهما بمقتضی الآخر إما رأسا ، وإما بمقدار.

وأما حصول القرب المحض فلا یعقل للکافر لفرض بعده بکفره ، فأعماله الخیریة المقتضیة لاستحقاق القرب توجب تخفیف البعد له ، فإنّ بعده المفروض لکفره یمنع عن القرب المحض ، لا عن خروجه عن مرتبة من البعد

ص: 361

إلی مرتبة أخفّ من الاولی لوجود مقتضی القرب.

ثم أعلم أنّ هذا کله لو کان طریق استکشاف غلبة ملاک الأمر علی ملاک النهی ما ذکرناه (1) من الإجماع علی صحّة الصلاة فی الغصب فی حال الخروج بحیث لا یزید علی الخروج بشیء ، فإنه فیه الإشکالات المتقدمة ، وینحصر وجه الصحّة فیما ذکرنا.

وأما إذا استکشفنا غلبة ملاک الأمر علی ملاک النهی من طریق آخر مطلقا ، فالواجب الصلاة التامّة فی ضیق الوقت ، بل فی السعة ، کما سیجیء (2) _ إن شاء الله تعالی _ ؛ لأنّ المفروض عدم صدور الحرکة الغصبیة المتّحدة مع الصلاة مبغوضة لفرض غلبة الملاک المقتضی للأمر علی ملاک النهی ، إلاّ أنک قد عرفت (3) أنّ الغلبة إنّما تجدی فیما إذا کان عموم ما فیه الملاک شمولیا ، فإنه لا یمکن تحصیل الغرضین ، فلا بدّ من اختیار الأهمّ لو کان فی البین.

وأما إذا کان عموم أحدهما شمولیا کما فی الغصب ، والآخر بدلیا کما فی الصلاة ، فإنه لا یکاد یتحقق الدوران حتی تجدی الأهمیة ، وعلیه فلا تصحّ الصلاة التامّة لا فی ضیق الوقت ولا فی السعة ، بل یصحّ ما لا یزید علی الخروج بشیء فی الضیق ؛ حیث لا اتّحاد له مع المنهیّ عنه ، والمفروض أنه القدر المیسور من الصلاة الغیر المزاحمة بشیء بواسطة الإجماع علی القناعة به ، وأما مع السعة فلا ؛ لفقدان حقیقة الرکوع والسجود والاستقرار المتمکّن منها جمیعا لمکان سعة الوقت ، إلاّ إذا فرض أنّ المصلّی تکلیفه الإیماء بالرکوع والسجود ، وکان بحیث لا یطلب منه الاستقرار ولو لم یکن فی الدار الغصبیة ، وحینئذ له اختیار مثل هذه الصلاة فی الغصب ؛ حیث إنها لا تنقص عن الصلاة فی الخارج.

ص: 362


1- 1. فی أول هذه التعلیقة.
2- 2. فی التعلیقة : 202 الآتیة.
3- 3. فی أوائل هذه التعلیقة عند قوله : ( نعم إذا کان عموم ... ).

202 _ قوله [قدّس سرّه] : ( أمّا مع السعة فالصحة وعدمها ... الخ ) (1).

أی فی الفرض المزبور ، وهو غلبة ملاک الأمر علی ملاک النهی مطلقا ، کما قدمنا الإشارة إلیه مع ما أوردنا علیه (2).

وتقریب الابتناء علی مسألة الضدّ : بملاحظة أنّ أحد الفردین المضادّین خال عن المفسدة والمنقصة ، والآخر واجد لها ، فلا محالة یکون الفاقد لها أهمّ من الواجد ، فالأمر الفعلی یتوجّه نحو الأهمّ ، دون المهمّ ولو تخییرا ، فإذا کان ضدّه منهیّا عنه فیکون الصلاة فی الغصب _ من حیث المضادّة للأهمّ _ ممنوعا عنها ، إلاّ من حیث حرمة الغصب المتّحد معها ، بخلاف ما إذا لم یکن الأمر بالأهمّ مقتضیا للنهی عن ضدّه ، فإنّ المهمّ لیس بحرام ولا بمأمور به ، ویکفی فی التقرّب بالمهمّ وجود الملاک.

ویمکن أن یناقش : بأنّ الأهمّیة لا تکون إلاّ بقوّة الملاک ، لا بخلوّه عن المفسدة الغیر المؤثّرة ، وذلک لأنّ الأهمّیة الموجبة للتعیین لا تکون إلاّ بقوّة الملاک بحدّ لا یجوز الإخلال به ، وإلاّ لکان أفضل الأفراد.

وإذا فرض مغلوبیة المفسدة وعدم تأثیرها ، فلیس هناک زیادة ملزمة ، حتی بهذا النحو من الزیادة التی لیست فی الحقیقة قوة الملاک ، بل من قبیل المانع عن تأثیر المقتضی ، فیکون الأثر لما لا مانع له ، والمفروض عدم مانعیة المفسدة عن تأثیر المقتضی.

نعم کون ما فیه المصلحة فقط أفضل الأفراد مما لا شبهة فیه ، لکنه لا یجدی هنا.

ص: 363


1- 1. کفایة الاصول : 174 / 9.
2- 2. وذلک فی التعلیقة السابقة.

203 _ قوله [قدّس سرّه] : ( وبطریق الإنّ یحرز أنّ مدلوله أقوی ... الخ ) (1).

لا من حیث إن قوة السند أو الدلالة دلیل علی قوّة المدلول ؛ لأنّ قوّة الکاشف أجنبیة عن قوّة المنکشف ، ولیس بالإضافة إلی المدلول ومقتضیه نسبة المعلول إلی العلّة ؛ کی تکون الدلالة إنّیة ، بل من حیث إنّ التعبّد بالأقوی سندا أو دلالة منبعث عن ملاک ومقتض فعلی _ ذاتی ، أو عرضی _ فلو لم یکن هذا الملاک أقوی لم یعقل التعبّد بخصوص الأقوی ، بل وجب التعبّد بالأضعف من حیث السند أو الدلالة لکون المقتضی للتعبّد به أقوی ، أو وجب التخییر بینهما لو لم یکن بینهما أقوی.

نعم هذا المعنی علی الطریقیة وجیه ؛ حیث إن مقتضی الدلالة الالتزامیة فی الطرفین ثبوت المقتضی فیهما ، کما مرت الإشارة إلیه (2) فی مقدّمات المسألة ، ومقتضی الطریقیة _ وانبعاث التعبّد بالحکم عن المصلحة الواقعیة الباعثة علی الحکم الواقعی _ کون تلک المصلحة فی الأقوی دلالة أو سندا أقوی ، وإلاّ لم یعقل الانبعاث عن الغرض الأضعف.

وأما علی الموضوعیة فالحکم المماثل لم ینبعث عن المصلحة الداعیة إلی الحکم الواقعی ، بل عن مصلحة طارئة موجودة فی کلا الطرفین ، فالحکمان متزاحمان دائما ، لکنه لا بما هما وجوب الصلاة وحرمة الغصب ، بل بما هما وجوب العمل بخبر العادل والأعدل.

ومما ذکرنا تعرف : أن مقتضی المقدّمتین المتقدمتین _ أعنی الدلالة الالتزامیة ، وبناء الحجیة علی الطریقیة _ أنه لا یکاد ینتهی الأمر إلی التعارض

ص: 364


1- 1. کفایة الاصول : 175 / 3.
2- 2. فی التعلیقة : 55 من هذا الجزء.

بل هو من باب التزاحم ، إلاّ إذا علم بکذب أحد الدلیلین ، فتدبّر جیّدا.

204 _ قوله [قدّس سرّه] : ( وذلک لثبوت المقتضی فی کل واحد ... الخ ) (1).

قد عرفت فی مقدّمات المسألة (2) ثبوت المقتضی _ بطریقین _ کلیة ، وقد عرفت أیضا فعلیة الأمر عند عدم فعلیة النهی.

لکنه ربما یشکل : بأنّ عدم فعلیة النهی لا یلازم ارتفاع المبغوضیة الفعلیة ، ومع کونه مبغوضا فعلا کیف یعقل الأمر به؟! وکیف یصدر قربیا؟!

ویندفع : بأن منافاة الأمر ومضادته للمبغوضیة إما بنفسه ، أو بلحاظ أثره ، أو بلحاظ مبدئه ، وهو المحبوبیة :

أما بنفسه : فهو مقابل للنهی لا لغیره ، وأما بلحاظ اثره وهو القرب ، فهو مقابل للبعد ، والمفروض أن المبغوض الفعلی لا یصدر مبعّدا ، فکیف ینافی صدوره قریبا؟! وأما بلحاظ مبدئه ، وهو المحبوبیة الفعلیة ، فهی مضادّة مع المبغوضیة الفعلیة ، علی ما هو المعروف من تضادّهما کتضادّ الأمر والنهی.

لکنه یمکن دفع المحذور بوجهین : أحدهما : ما تقدّم منا فی مبحث الطلب والإرادة (3) : من خلوّ الأحکام الإلهیة عن الإرادة التشریعیة رأسا ؛ لما مرّ (4) منا : أنّ الإرادة الذاتیة فی المبدأ الأعلی لیست إلاّ ابتهاج الذات بذاته وحبّ ذاته لذاته ، ومن أحبّ شیئا أحبّ آثاره ، فیکون ما یترشّح من ذاته محبوبا بالتبع ومرادا بالتبع ، فالمراد بالذات _ فی مرتبة الذات _ نفس الذات ، وغیرها مما ینبعث عن ذاته _ کجمیع مصنوعاته _ مراد بالتبع ، کما أنّ المعلوم بالذات فی مرتبة الذات

ص: 365


1- 1. کفایة الاصول : 175 / 10.
2- 2. فی نفس التعلیقة السابقة.
3- (3 و 4) فی التعلیقة : 160 من الجزء الأوّل.

نفس الذات ، وغیرها معلوم بالتبع.

فکل ما ینبعث عن ذاته _ تعالی _ مراد ، وغیره غیر مراد ، فما یدخل فی نظام الوجود الإمکانی داخل فی النظام الشریف الربانی ، فهو المراد بالتبع دون غیره ، فمثل إنزال الکتب وإرسال الرسل والبعث والزجر _ الموجود کلها فی نظام الوجود _ داخل فی المراد بالتبع.

وما لم یتحقّق فی الخارج _ مما تعلّق به البعث _ غیر داخل فی المراد بالتبع ؛ لعدم دخوله فی النظام الإمکانی ؛ حتی یکون داخلا فی النظام الربانی. فتدبّره ، فإنه دقیق.

وأما فی غیر المبدأ الأعلی من المبادئ العالیة _ وکذا فی الأنبیاء والأئمة _ علیهم السلام _ بل فی العلماء المبلّغین للأحکام ، بل فی کلّ مولی عرفیّ یبعث لمصلحة عائدة إلی العبد _ فلا إرادة تشریعیة أیضا ؛ إذ الفائدة غیر عائدة إلی الآمر ؛ حتی یشتاق الفعل المقتضی لتلک الفائدة ، وما لم یرجع الفائدة إلی جوهر ذات الشخص أو إلی قوة من قواه ، لا یعقل أن ینبعث من تصورها شوق إلیها.

نعم حیث إنّ إیصال الفائدة یترتّب علیه فائدة عائدة إلی الموصل ببعثه ، فیشتاق الإیصال بالبعث ، فالبعث مراد ، والإرادة حینئذ تکوینیة لتعلّقها بفعل المرید ، دون المراد منه ؛ حتی تکون إرادة تشریعیة ، فتدبّره ، فإنّه حقیق به.

وعلی أیّ حال فلا إرادة تشریعیة ولا محبوبیة نفسانیة بالإضافة إلی طبیعیّ الفعل فی الأوامر ؛ حتی یقال بأن المحبوبیة المنبعث عنها الأمر تنافی المبغوضیة ، بل لا مبغوضیة ولا محبوبیة ، وإنّما هناک _ بعد المصلحة والمفسدة القائمتین بالفعل باعتبار الجهتین الموجودتین فیه _ بعث وزجر فقط ، والمفروض عدم مضادّة المصلحة والمفسدة ، وعدم وجود ضدّ الأمر _ أی النهی _ لسقوطه بواسطة الجهل أو النسیان وشبههما.

ثانیهما : أنّ ما فیه المفسدة والمصلحة فیه جهتان من الملاءمة والمنافرة

کل ما ینبعث عن ذاته تعالی مراد

ص: 366

للطبع ، فاذا کانت جهة المنافرة أقوی من جهة الملاءمة ، وأمکن التحرّز عما ینافر ، فلا محالة یتحرز عما ینافر بالزجر عنه.

وأما إذا لم یمکن التحرّز عمّا ینافر _ لمکان الجهل أو النسیان _ فلا محالة یستوفی الغرض من حیث کونه ملائما للطبع ، وتفویته بلا جهة مزاحمة قبیح ، فیحبّه بالفعل ، ولا یبغضه بالفعل ، وإن کان مبغوضا بالذات ، لکونه منافرا بالذات.

نعم بناء علی ما ذکرنا : من أنه لا دوران فیما إذا کان العموم فی أحد الطرفین شمولیّا ، وفی الآخر بدلیّا ، لا یتمّ هذا الوجه إلاّ مع استیعاب الجهل أو النسیان أو الاضطرار لا بسوء الاختیار لتمام الوقت ، فإنه لا یتمکّن من استیفاء المصلحة بفرد آخر ، فلا محالة یستوفیها بهذا الفرد ، فلا یکون إلاّ محبوبا بالفعل ، فافهم جیّدا. 205 _ قوله [قدّس سرّه] : ( دلالتهما علی العموم والاستیعاب مما لا ینکر (1) ... الخ ) (2).

لا یخفی علیک : أنّ الأداة لمجرّد إفادة السلب ، والسلب بما هو لا یدلّ علی العموم والاستیعاب.

وتوهّم : أنّ نفی الطبیعة بما هو یقتضی انتفاء جمیع أفرادها.

مدفوع : بما قدّمناه فی أوائل النواهی (3) من أن العدم بدیل الوجود ، فقد یلاحظ الوجود مضافا إلی الطبیعة المهملة التی کان النظر إلیها مقصورا بالقصر الذاتی _ دون اللحاظی _ علی ذاتها وذاتیاتها ، فالعدم البدیل له کذلک ، ونتیجة

العدم بدیل الوجود

ص: 367


1- 1. فی الکفایة _ تحقیق مؤسستنا _ : دلالتهما علی العموم والاستیعاب ظاهرا مما لا ینکر ...
2- 2. کفایة الاصول : 176 / 14.
3- 3. وذلک فی التعلیقة : 149.

القضیة _ موجبة کانت أو سالبة _ جزئیة ، ولذا قیل : إنّ المهملة فی قوّة الجزئیّة.

وقد یلاحظ الوجود مضافا إلی الطبیعة بنحو الکثرة ، فلها وجودات ولها أعدام هی بدیل تلک الوجودات ، فوجود مثل هذه الطبیعة بوجود أفرادها جمیعا ، وعدمها ایضا بعدم أفرادها جمیعا.

وقد یلاحظ الوجود مضافا إلی الطبیعة بنحو السعة ؛ أی بنهج الوحدة فی الکثرة ، وحاصله ملاحظة طبیعی الوجود المضاف إلی طبیعی الماهیة ؛ أی الوجود بحیث لا یشذّ عنه وجود ، فبدیله طبیعی العدم الذی لا یشذّ عنه عدم ، ولا یعقل لحاظ الوجود مضافا إلی الطبیعة بنحو یتحقّق بفرد ما ، وینتفی بانتفاء جمیع الأفراد ، وبقیّة الکلام فی أوائل النواهی ، فراجع.

وهذا بخلاف مثل لفظة ( کلّ ) _ التی هی أداة العموم والاستیعاب _ فإنه وإن کان ربما یقال بلزوم إحراز إطلاق مدخولها بمقدمات الحکمة ؛ نظرا إلی أنها فی السعة والضیق تتبع مدخولها ، وإلاّ لزم الخلف من تبعیتها فی السعة والضیق لمدخولها _ أو لزوم التجوّز _ إن کان مدخولها مقیّدا.

لکنه یندفع : بأن الخصوصیات الواردة علی مدخولها : تارة تکون من المفرّدات ، واخری من الأحوال ، فإن کانت من المفرّدات فلفظ ( کلّ ) یدلّ علی السعة من حیث الأفراد ، کما أنه إذا کانت الخصوصیة من أحوال الفرد ، فسعة لفظ ( کلّ ) أجنبیة عنها ، وإنما هو شأن الإطلاق المستفاد من مقدمات الحکمة.

ولا یعقل مع فرض الدلالة علی السعة إهمال المدخول لاستحالة سعة المهمل ، بل لا بدّ من الإهمال بمعنی اللاتعیّن فی حدّ ذاته ، والسعة التی هی نحو من التعیّن بواسطة مدلول لفظ ( کلّ ) ، فإنّ کلّ تعیّن لا یرد إلاّ علی اللامتعیّن.

ومنه تعرف : أنّ إفادة السعة _ بعد استفادتها من مقدمات الحکمة _ لغو مناف للحکمة ، وهکذا الإطلاق والتقیید ، فانّهما لا یردان إلاّ علی الماهیة المهملة بذاتها ، لا بما هی مهملة ، ولا بما هی مقیدة أو مرسلة وبقیة الکلام فی مباحث العامّ

ص: 368

والخاصّ (1).

206 _ قوله [قدّس سرّه] : ( فهو أجنبی عن المقام فإنه ... الخ ) (2).

وعقّبه (قدس سره) فی فوائده (3) بأنه لا دوران فی محلّ الکلام ، ووجهه أنّ استیفاء کلا الغرضین ممکن هنا بالصلاة فی غیر الغصب وترک الغصب بجمیع أفراده ، فله التحرّز عن المفسدة مطلقا مع جلب المنفعة.

وأما فی هامش الکتاب (4) فقد أفاد وجها آخر : وهو أنّ الأولویة _ إنّما هی بالإضافة إلی المکلّف _ فی مقام اختیار الفعل أو الترک ، فإنه یدفع المفسدة العائدة إلیه ، ویجلب المنفعة الراجعة إلیه.

وأما فی مقام جعل الأحکام وبالإضافة إلی الحاکم ، فلیس هناک مقام جلب المنفعة ولا دفع المفسدة ، بل المرجّح لاختیار الأمر والنهی غلبة حسن الفعل علی قبحه أو بالعکس.

لکنک قد عرفت فیما تقدّم : أنّه یصحّ إذا لم یکن للأفعال مصالح ومفاسد واقعیة ، بحیث تقتضی الحکمة الإلهیة والعنایة الربّانیة إیصال تلک المصالح إلی عباده ، أو دفع تلک المفاسد عنهم بتوجیه البعث والزجر إلیهم ، وحینئذ یدور الأمر بین إیصال المصالح أو دفع المفاسد.

وعلیه فینحصر هذا الدوران فیما إذا کان العموم شمولیا من الطرفین ، لا شمولیا من جهة ، وبدلیا من جهة اخری ، فإنه علی الثانی لا دوران حقیقة ، بل

ص: 369


1- 1. وذلک فی التعلیقة : 288 عند قوله : ( ولو فرض إهمال الطبیعة ... ).
2- 2. کفایة الاصول : 177 / 18.
3- 3. وذلک فی صفحة : 353 من کتاب الفوائد المطبوع فی ذیل حاشیته (قدس سره) علی فرائد الاصول.
4- 4. الکفایة : 177.

یجب علیه إیصال المصلحة بالبعث إلی الصلاة فی غیر الغصب ، ودفع المفسدة بالزجر عن الغصب مطلقا ، مضافا إلی ما عرفت سابقا : أنّ جهات الحسن والقبح أیضا کذلک ، فراجع.

ومنه تعرف أنّ ما فی فوائده (قدس سره) أبعد عن الإشکال.

207 _ قوله [قدّس سرّه] : ( فیما لو حصل به القطع ... الخ ) (1).

وإلاّ کانت الأولویة ظنیة.

208 _ قوله [قدّس سرّه] : ( فإنّما یجری فیما لا یکون هناک مجال ... الخ ) (2).

إنّما لا یجری أصالة البراءة عن الوجوب ؛ لأن وجوب الصلاة تعیینا شرعا مما لا شکّ فیه ، ولیس الشکّ فی التعیین والتخییر شرعا ؛ إذ وجوب الصلاة شرعا تعیینی ، والتخییر عقلی ، لا أن الوجوب شرعا فی غیر الغصب معلوم ، والشک فی کون الصلاة فی الغصب طرف الوجوب تخییرا ؛ لیقال : بأنّ أصل الوجوب معلوم ، والتعیینیة کلفة زائدة ، والناس فی سعة منها ما لم یعلموا.

أو یقال : بأنّ سقوط الوجوب المعلوم بإتیان الصلاة فی الغصب غیر معلوم ، فلا بدّ من الاحتیاط وتحصیل الیقین بالفراغ.

وأیضا لیس الشک فی الإطلاق والتقیید بلحاظ انّ الصلاة _ بما هی _ واجبة ، أو بما هی غیر متّحدة مع الغصب ؛ لأن الغصبیة لا مانعیة لها شرعا ؛ لأنّ المفروض وجود المصلحة الداعیة إلی الوجوب فی الصلاة حتی فی صورة الاتّحاد مع الغصب ، وإنما المانعیة عقلیة لتمانع الغرضین وتزاحم الحکمین عقلا ، بل الشک فی کیفیة الوجوب الفعلی ، هل هو بحیث یسع الفرد المتّحد مع الغصب ، أم لا؟

ص: 370


1- 1. کفایة الاصول : 178 / 2.
2- 2. کفایة الاصول : 178 / 1.

وتعیین الحادث بالأصل غیر صحیح ؛ لأنّ أصالة عدم وجوب یسع هذا الفرد لا تثبت أنّ الوجوب الحادث لا یسع هذا الفرد ، نظیر اصالة عدم وجود الکرّ فی هذا المکان ، فإنه لا یثبت عدم کریة الماء الموجود إلاّ بالأصل المثبت.

ومنه تعرف : أن أصالة عدم الوجوب لا تجری ؛ حتی تعارض أصالة عدم حرمة هذا الفرد من الغصب لانحلال النهی إلی نواه متعددة ، لکون العموم فیه شمولیا أفرادیا.

ومما ذکرنا عرفت : أن المورد لیس داخلا فی مسألة الشک فی الأجزاء.

والشرائط ؛ لعدم الشکّ فی مانعیة الغصبیة شرعا ، أو شرطیة عدم الاتّحاد مع الغصب ، بل التمانع عقلی.

ثم إنه بعد نفی الحرمة الفعلیة _ بأصالة البراءة الشرعیة _ لا مانع من فعلیة وجوب الصلاة بحیث تسع هذا الفرد بنحو العموم البدلی ؛ إذ المفروض وجود المقتضی قطعا ، والقطع بعدم فعلیة الحرمة بالأصل الشرعی ، والحرمة الواقعیة لا یعقل أن تکون علی فرض ثبوتها فعلیة لاستحالة اجتماع المتناقضین.

وأما الأصل العقلی النافی للعقوبة فلا یدلّ علی ارتفاع المانع من حیث المضادّة. نعم یجدی الأصل العقلی فی عدم صدور الفعل مبغوضا علیه ، فلا یکون مبعّدا ، فلو اکتفینا فی الصحّة بملاک الأمر أمکن الحکم بصحّته ؛ إذ الجهة المقرّبة قابلة للتأثیر ؛ حیث إنّ الجهة الأخری غیر مبعّدة بالفعل.

بل بناء علی مسلکنا من التلازم بین الفعلیة والتنجّز ؛ نظرا إلی أنّ حقیقة البعث والزجر لا تکون إلاّ مع الوصول بنحو من أنحاء الوصول ؛ حیث إنّ الإنشاء بداعی البعث والزجر مع عدم الوصول ، لا یعقل أن یکون باعثا وزاجرا وإن بلغ من القوة ما بلغ ، ومع الوصول یکون منجّزا ، فعدم التنجّز یلازم عدم فعلیة البعث والزجر.

ص: 371

209 _ قوله [قدّس سرّه] : ( نعم لو قیل بأنّ المفسدة الواقعیة الغالبة مؤثّرة ... الخ ) (1).

إن کان المراد _ أنّ العلم بالحرمة الذاتیة _ التابعة للمفسدة المحرزة کاف فی تأثیرها بما لها من المرتبة ؛ قیاسا بإحراز الحرمة الفعلیة المؤثّرة فیما لها من المرتبة الشدیدة المستتبعة لعقاب شدید علی مخالفتها _ فما ذکره ( رحمه الله ) _ من أنّ أصالة البراءة غیر جاریة _ فی محلّه ؛ لأنّ المفروض کفایة إحراز الحرمة الذاتیة فی التأثیر فی الفعلیة ، فکیف یجری البراءة منها؟!

والجواب عنه ما أفاده _ رحمه الله _ فی هامش الکتاب (2) : بأنّ إحراز الحرمة الذاتیة بإحراز المفسدة إحراز للمقتضی بحسب الواقع ، وهو إنما یؤثّر مع عدم المانع ، مع أنّ المفروض إحراز الوجوب الذاتی بإحراز المصلحة المقتضیة له ، ولا یعقل تأثیرهما معا فی الفعلیة.

وإن کان المراد _ أنّ إحراز المفسدة إحراز المبغوضیة الذاتیة ، ومع احتمال الغلبة یحتمل فعلیة المبغوضیة التابعة للغلبة الواقعیة ، لا للغلبة المحرزة ، کما مرّ سابقا _ فما ذکره ( رحمه الله ) _ من عدم جریان أصالة البراءة _ لا وجه له ؛ لعدم المنافاة بین المبغوضیة الفعلیة وعدم الحرمة الفعلیة ، وأصالة البراءة تقتضی عدم فعلیة الحرمة ، لا عدم فعلیة المبغوضیة.

بل الصحیح : أن أصالة البراءة لا تجدی فی صحّة العبادة ؛ نظرا إلی ما قدّ