موسوعة الامام الخمیني قدس سرة الشریف المجلد 9 کتاب الطهارة المجلد 2

هوية الکتاب

سرشناسه:خمینی، روح الله، رهبر انقلاب و بنیانگذار جمهوری اسلامی ایران، 1279 - 1368.

عنوان و نام پديدآور:موسوعة الامام الخمیني قدس سرة الشریف المجلد 9 کتاب الطهارة المجلد 2/ تحقیق موسسه تنظیم و نشر آثار امام خمینی (س).

مشخصات نشر:تهران : موسسه تنظیم و نشر آثار امام خمینی (س)، 1396.

مشخصات ظاهری:4 جلد

فروست:موسوعه الامام الخمینی (س).

شابک:3300000 ریال دوره 978-964-212-368-1 : ؛ 200000 ریال: ج.1 978-964-212-358-2 : ؛ 200000 ریال: ج.2 978-964-212-359-9 : ؛ 200000 ریال: ج.3 978-964-212-360-5 : ؛ 200000 ریال: ج.4 978-964-212-361-2 : ؛ 200000 ریال: ج.5 978-964-212-362-9 : ؛ 200000 ریال: ج.6 978-964-212-363-6 : ؛ 200000 ریال: ج.7 978-964-212-364-3 : ؛ 200000 ریال: ج.8 978-964-212-365-0 : ؛ 200000 ریال: ج.9 978-964-212-366-7 : ؛ 200000 ریال: ج.10 978-964-212-367-4 :

وضعیت فهرست نویسی:فاپا(چاپ دوم)

يادداشت:ج.2 - 10 (چاپ اول: 1392)(فیپا).

يادداشت:چاپ دوم.

مندرجات:ج.1. احکام تقلید، طهارت.- ج.2. نماز (از ابتدا تا شرایط شکسته شدن نماز).- ج.3. نماز (از قواطع سفر تا انتها)، روزه، زکات.- ج.4. خمس.- ج.5. حج، امر به معروف و نهی از منکر، مکاسب محرمه.- ج.6. بیع (خرید و فروش) ....- ج.7. وقف و نظایر آن، وصیت، یمین و نذر، کفارات.- ج.8. صید و ذباحه، خوردنی ها و آشامیدنی ها ....- ج.9. نکاح (از اولیای عقد تا انتها)....- ج.10. قضا، شهادات، حدود، قصاص ... .

موضوع:فقه جعفری -- رساله عملیه -- پرسش ها و پاسخ ها

*Islamic law, Ja'fari -- Handbooks, manuals, etc. -- Questions and answers

فتوا های شیعه -- قرن 14

Fatwas, Shiites -- 20th century

شناسه افزوده:موسسه تنظیم و نشر آثار امام خمینی (س)

شناسه افزوده:Institute for Compilation and Publication of Imam Khomeini's Works

رده بندی کنگره:BP183/9/خ8الف47 1396

رده بندی دیویی:297/3422

شماره کتابشناسی ملی:3421059

اطلاعات رکورد کتابشناسی:فاپا

ص: 1

اشارة

ص: 2

بسم الله الرحمن الرحیم

ص: 3

ص: 4

التيمّم

اشارة

ص: 5

ص: 6

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين ، وصلّى اللّه على محمّد وآله الطاهرين ، ولعنة اللّه على أعدائهم أجمعين

وبعد

. . .

فلمّا انجرّ بحثنا إلى الطهارة الترابية أحببت أن اُفرد فيها رسالة لذكر مهمّات أحكامها ، ولمّا كان التيمّم ماهية ذات إضافة إلى المتيمّم ، وإلى ما يتيمّم به ، ولها أحكام ، صارت المباحث فيها أربعة :

بحث في ماهيته .

وآخر في المتيمّم .

وثالث فيما يتيمّم به .

ورابع في الأحكام .

ونحن نذكر المباحث على ترتيب «الشرائع» لكون بحثنا موافقاً له وإن كان الترتيب الطبيعي يقتضي غير ذلك .

وقبل الورود في المباحث لا بأس بذكر اُمور :

ص: 7

ص: 8

الأمر الأوّل: في كون التيمّم من ضروريات الدين

منها : أ نّه لا إشكال في مشروعية التيمّم كتاباً (1) وسنّة(2) وإجماعاً (3) ، وأمّا كونه من ضروريات الدين(4) ففيه تأمّل وإن لا يبعد في الجملة .

كما أنّ كون منكر الضروري كافراً (5) ، محلّ إشكال يأتي الكلام فيه في مباحث النجاسات(6) إن ساعدنا التوفيق إن شاء اللّه .

والإشكال فيه ناشئ من أنّ إنكار الضروري ، هل هو بنفسه موجب للكفر ، أو إذا لزم منه إنكار اللّه أو توحيده أو رسالة النبي صلی الله علیه و آله وسلم ؟ والأظهر هو الثاني ، ولا مجال لتفصيل ذلك .

ص: 9


1- النساء (4) : 43 ؛ المائدة (5) : 6 .
2- راجع وسائل الشيعة 3 : 341 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 1 - 5 .
3- مدارك الأحكام 2 : 175 و176 ؛ رياض المسائل 2 : 289 ؛ مستند الشيعة 3 : 346 .
4- جواهر الكلام 5 : 73 .
5- راجع مفتاح الكرامة 2 : 38 .
6- يأتي في الجزء الثالث : 466 .

الأمر الثاني: في عدم اتّصاف الطهارات بالوجوب مطلقاً

ومنها : أنّ التحقيق عدم اتّصاف الطهارات الثلاث بالوج-وب ؛ لا نفسياً ، ولا غيرياً ، ولا بعنوان آخر ، كالنذر وشبهه :

أمّا عدم الوجوب النفسي : فلقصور الأدلّة عن إثباته ؛ لأنّ الظاهر من كلّ ما ورد فيها - من الأوامر وغيرها - هو الإرشاد إلى الشرطية ؛ لأنّ الأوامر المتعلّقة

بالأجزاء وغيرها من متعلّقات المركّبات ، لا ظهور لها في المولوية بحسب فهم العرف ، فقوله تعالى : )إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ . . .((1) إلى آخره ، لا يدلّ إلاّ على أنّ تلك الماهيات أو أثرها شرط للصلاة ، والأوامر المتعلّقة بها للإرشاد إلى الشرطية .

لا أقول باستعمال الهيئة في غير ما وضعت له ، فإنّ التحقيق أنّ هيئة الأمر الموضوعة لنفس البعث والإغراء ، استعملت في مثل المقام فيما وُضعت له ، لكنّ البعث لداعي إفادة الشرطية ، كما أنّ النهي في مثل المقام - كقوله : «لا تصلِّ في وَبَر ما لا يُؤكل لحمه»(2) - استعمل في الزجر ، لكن لإفادة مانعيته للصلاة .

بل الظاهر من قول أبي جعفر علیه السلام في صحيحة زرارة : «الوضوء فريضة»(3)

ص: 10


1- المائدة (5) : 6 .
2- راجع وسائل الشيعة 4: 347، كتاب الصلاة، أبواب لباس المصلّي، الباب 2، الحديث 7.
3- تهذيب الأحكام 1 : 346 / 1013 ؛ وسائل الشيعة 1 : 365 ، كتاب الطهارة ، أبواب الوضوء ، الباب 1 ، الحديث 2 .

أيضاً كونه فريضة في الصلاة ، وهو لا يفيد إلاّ الشرطية . والدليل عليه صحيحته

ع-ن أبي جعفر علیه السلام أيضاً بالسند المتقدّم قال : سألت أبا جعفر علیه السلام عن الفرض في الصلاة ، فقال : «الوقت والطهور والقبلة والتوجّه والركوع والسجود والدعاء»(1) فعدّ الوقت من فرائض الصلاة في عَرْض الطهور ، ولا إشكال في أنّ الوقت فرض فيها بالمعنى الذي ذكرنا .

وكيف كان : لا إشكال في عدم الوجوب النفسي في الطهارات ، كما يدلّ عليه بعض الروايات ، كرواية الكاهلي وغيرها (2) .

كما أنّ التحقيق عدم الوجوب الغيري أيضاً ؛ لما ذكرنا في محلّه من عدم وجوب المقدّمة شرعاً ، بل عدم إمكان وجوبها (3) . بل لو قلنا بوجوب المقدّمة أيضاً ، لا يلزم منه وجوب تلك العناوين بما هي ؛ لما حقّق من وجوب المقدّمة الموصلة(4) ؛ أي عنوان «الموصل» بما هو موصل ، فلا يسري الوجوب منه إلى ما يتّحد معه وجوداً .

فلا تقع الطهارات الثلاث إلاّ على وجه واحد هو الاستحباب ، وإنّما جُعلت شرطاً ومقدّمة للصلاة بما هي مستحبّات وعبادات ، فما هو شرط لها هو الوضوء العبادي والتيمّم العبادي ، فتكون عباديتها قبل تعلّق الأمر الغيري بها ، على

ص: 11


1- تهذيب الأحكام 2 : 241 / 955 ؛ وسائل الشيعة 1 : 365 ، كتاب الطهارة ، أبواب الوضوء ، الباب 1 ، الحديث 3 .
2- راجع وسائل الشيعة 2 : 314 ، كتاب الطهارة ، أبواب الحيض ، الباب 22 ، الحديث 1 و2 .
3- مناهج الوصول 1 : 342 .
4- مناهج الوصول 1 : 333 .

فرض تصوير الأمر الغيري ، فلا يمكن أن تكون عباديتها لأجل الأمر الغيري المتعلّق بها ؛ لأنّ الأمر الغيري لا يتعلّق إلاّ بما هو شرط للصلاة ، فإن كان الشرط ذات تلك الأفعال بلا اعتبار قيد العبادية والقربة ، كان اللازم صحّتها وصحّة الصلاة مع إتيانها بلا قصد التقرّب ، كما أنّ الأمر كذلك في الستر والتطهير من الخبث ، وهو كما ترى .

وإن كان الشرط هي مع قيد العبادية ، فلازمه كون عباديتها مقدّمة على شرطيتها المتقدّمة على الأمر الغيري . وكون عباديتها للأمر النفسي المتعلّق بالصلاة أسوأ حالاً منه ، والتفصيل موكول إلى محلّه(1) .

فتحصّل ممّا ذُكر : أنّ التيمّم بما هو عبادة جعل شرطاً للصلاة ، فلا بدّ وأن يكون مستحبّاً نفسياً مثل الوضوء ، مع أنّ الأصحاب لم يلتزموا باستحبابه النفسي على حذو الوضوء .

ويحسم الإشكال : بإمكان أن يكون التيمّم مستحبّاً نفسياً في ظرف خاصّ ؛ هو ظرف وجوب الإتيان بما هو مشروط به، أو إرادة ذلك، أو يكون مستحبّاً نفسياً بحسب ذاته مطلقاً، لكن عرض له عنوان مانع عن التعبّد به في غير الظرف الكذائي.

هذا ، لكن التحقيق : أنّ الوضوء أيضاً ليس مستحبّاً نفسياً إلاّ باعتبار حصول الطهارة به ، وأمّا نفس الأفعال بما هي فلا تستحبّ ، والتيمّم مع تلك الغاية أيضاً مستحبّ ، وسيأتي التفصيل في بعض المباحث الآتية(2) .

وأمّا عدم وجوبها بسائر العناوين : فلأنّ النذر وشبهه إذا تعلّق بعنوان ،

ص: 12


1- مناهج الوصول 1 : 316 .
2- يأتي في الصفحة 355 - 356 .

لا يوجب إلاّ وجوب الوفاء به ، وهو لا يوجب سراية الوجوب من عنوان الوفاء به إلى عنوان آخر ، بل لا يعقل ذلك ، وإن كان متّحداً معه في الوجود ، فالواجب في النذر هو الوفاء به ، لا الوضوء المنذور المتّحد معه وجوداً لا عنواناً .

الأمر الثالث: في كون الطهارة الترابية بدلاً اضطرارياً عن المائية

اشارة

ومنها : أ نّه لا إشكال في أنّ التكليف إذا تعلّق بعنوانين متقابلين ، مثلاً كالمسافر والحاضر ، والواجد للماء والفاقد ، وكذا إذا كان التعلّق مشروطاً - كما إذا قيل : «إذا كنت في السفر فكذا ، وإن كنت في الحضر فكذا» - لا يجب على المكلّف حفظ العنوان في الفرض الأوّل ، وحفظ الشرط في الثاني ، فيجوز تبديل أحد العنوانين بالآخر ورفع الشرط ؛ سواء كان قبل تحقّق التكليف وتنجّزه أو لا ؛ لعدم اقتضاء التكليف حفظ موضوعه ، ولا المشروط حفظ شرطه ، فيجوز للحاضر السفر قبل الوقت وبعده ، وللواجد إراقة الماء قبله وبعده .

كما لا ريب في أ نّه إذا توجّه التكليف بنحو الإطلاق إلى المكلّف ، لا يجوز تعجيز نفسه ؛ لأنّ القدرة ليست من القيود والعناوين المأخوذة في المكلّف ، ولا شرطاً للتكليف ؛ لا شرعاً ولا عقلاً ، لكنّ العاجز معذور في ترك التكليف المطلق الفعلي ، فلو قال : «يجب على الناس إنقاذ الغرقى» لا يكون هذا التكليف المتعلّق بالعنوان الكلّي ، مشروطاً بحال القدرة شرطاً شرعياً ، وإلاّ لكان للمكلّف تعجيز نفسه ، ولما وجب عليه الاحتياط في الشكّ في القدرة ، وليس للعقل تقييد حكم

ص: 13

الشرع ، بل هو حاكم بمعذورية العبد عند مخالفة التكليف في صورة عجزه ، وعدم معذوريته مع قدرته .

وتوهّم لزوم تعلّق التكليف والبعث على العاجز ، قد فرغنا من دفاعه في الاُصول(1) .

كما أ نّه لو فرض استفادة وجود اقتضاء التكليف من الأدلّة في صورة عروض عنوان على المكلّف يوجب تعلّق تكليف آخر به ، يكون حكمه حكم العجز العقلي ، كما لو فرض استفادة اقتضاء لزومي للطهارة المائية أو الصلاة معها حتّى في حال عروض فقدان الماء ، فلا يجوز إراقته أو تحصيل العجز في هذه الصورة أيضاً . هذا كلّه ممّا لا إشكال فيه .

إنّما الإشكال في أنّ حال الطهارة المائية والترابية ما ذا ، وهل التكليف متعلّق بالواجد وبالفاقد كتعلّقه بالحاضر والمسافر ، أو يكون التكليف بالطهارة المائية مطلقاً ، وله اقتضاء حتّى في صورة فقدان الماء ، والطهارة الترابية مصداق اضطراري سوّغه العجز عن المائية مع بقاء الاقتضاء اللزومي ، فلا يجوز تحصيل الاضطرار ؟

فاللازم صرف الكلام أوّلاً إلى الآية الشريفة ، ثمّ إلى مقتضى الروايات :

التمسّك بالكتاب على كون التيمّم بدلاً اضطرارياً

قال تعالى في المائدة : )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَوةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ

ص: 14


1- مناهج الوصول 2 : 20 .

وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللّه ُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ((1) .

أمر تعالى شأنه بالوضوء أوّلاً ، ومع فرض الجنابة بالغسل ؛ لظهور قوله : )فَاطَّهَّرُوا( -

بعد قوله : )فَاغْسِلُوا( وقبل فرض العجز عن الماء - في التطهير بالماء ، وإطلاقها يقتضي مطلوبيتهما مطلقاً واقتضاءهما كذلك حتّى في فرض العجز والفقدان .

وليس لأحد أن يقول : إنّ عدم ذكر قيد الوجدان لحصوله غالباً ونُدرة فقدانه ؛

فإنّ نُدرة فقدانه في تلك الأزمان والأسفار ممنوعة . ولو سُلِّم نُدرته لكنّ العجز المطلق - المستفاد من الآية بذكر المرض وإلغاء الخصوصية بالنسبة إلى سائر الأعذار ، كما يأتي بيانه(2) - ليس بنادر . كما أنّ كونها بصدد بيان كيفية الوضوء ، لا ينافي الإطلاق من جهة اُخرى ، فالآية الشريفة بصدد بيان تكليف صنوف المكلّفين من الواجد والفاقد والجنب وغيره .

وقوله تعالى : )فَلَمْ تَجِدُوا( لا يصلح لتقييد الصدر ؛ بحيث صار معنوناً بعنوان «الواجد» فيكون العنوانان عِدْلين ك- «الحاضر» و«المسافر» :

أمّا أوّلاً : فلأنّ العرف يفهم من عنوان «الفاقد» و«عدم الوجدان» - ونظيرهما من العناوين الاضطرارية - أنّ الحكم المتعلّق به إنّما هو في فرض الاضطرار

ص: 15


1- المائدة (5) : 6 .
2- يأتي في الصفحة 30 .

والعجز عن المطلوب الأصلي ، وفي مثله لا يكون التكليفان في عَرْض واحد على عنوانين .

وأمّا ثانياً : فلأنّ جعل المرضى قرين المسافر ، دليل على أنّ الحكم كما في المرضى اضطراري إلجائي ، كذلك في سائر الأصناف .

وأمّا ثالثاً : فلأنّ التذييل بقوله : )مَا يُريدُ اللّه ُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ( - الظاهر عرفاً في كونه مربوطاً بالتيمّم في حال المرض والسفر ، وأنّ الأمر بالتيمّم لأجل التسهيل ورفع الحرج ؛ فإنّ الأمرَ للمرضى بالطهارة المائية وللمسافر بتحصيل الماء كيفما اتّفق حرجي ، وما يريد اللّه ذلك - يدلّ على أنّ التيمّم سوّغ لأجل التسهيل ، ورفع الوضوء والغسل للحرج ، ولا يكون ذلك إلاّ مع تحقّق الاقتضاء ، فيفهم منه أنّ التكليف الأوّلي الأصلي هو الطهارة المائية ، وله اقتضاء حتّى في صورة العجز ، فلا يجوز تحصيل العجز ، ويجب عليه تحصيل المائية حتّى الإمكان مع عدم الوصول إلى حدّ الحرج .

التمسّك بالسنّة على كون التيمّم بدلاً اضطرارياً

وتدلّ عليه أيضاً روايات :

منها : صحيحة محمّد بن مسلم ، عن أبي عبداللّه علیه السلام قال : سألت عن رجل أجنب في سفر ، ولم يجد إلاّ الثلج أو ماءً جامداً ، فقال : «هو بمنزلة الضرورة ، يتيمّم ، ولا أرى أن يعود إلى هذه الأرض التي توبق دينه»(1) .

ص: 16


1- الكافي 3 : 67 / 1 ؛ تهذيب الأحكام 1 : 191 / 553 ؛ وسائل الشيعة 3 : 355 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 9 ، الحديث 9 .

والظاهر أنّ المراد من عدم وجدان غير الثلج والماء الجامد ، عدم وجدان ما يتوضّأ به ، لا ما يتيمّم به اختياراً كما زعمه صاحب «الوسائل»(1) فحينئذٍ تدلّ على أنّ التيمّم مصداق اضطراري سوّغ في حال الضرورة ، ويدلّ ذيلها على عدم جواز تحصيل الاضطرار اختياراً ، وأنّ الترابية ما وفت بما وفت المائية ، والذهاب إلى تلك الأرض - لأجل تفويت التكليف الأعلى - من قبيل هلاك الدين وتفويت ما يجب تحصيله .

ومنها : ما دلّت على وجوب شراء الماء على قدر جِدته ولو بمائة ألف وكم بلغ ، قائلاً : «وما يشتري بذلك مال كثير»(2) ، فإنّ المتفاهم منها وجوب حفظ الموضوع ، ويرى العرف جواز إراقته بعد الشراء منافياً لها ، خصوصاً مع قوله : «ما يشتري بذلك مال كثير» . والظاهر أنّ المراد ليس نفس الماء ، بل ما يترتّب عليه من الخاصّية ، ولو ترتّبت تلك الخاصّية بعينها على التراب لا يكون ذلك مالاً كثيراً مع كون وجوده وعدمه على السواء . والتعليل دليل على أنّ وجوب الشراء إنّما هو لتحصيل المصلحة الملزمة ، لا لكونه واجداً للماء حتّى يتوهّم عدم المنافاة بين وجوب شرائه وجواز إراقته لتبديل الموضوع .

وبالجملة : لا شبهة في أنّ المتفاهم منها لزوم تحصيل الماء وكون الصلاة مع المائية مطلوبة حتّى الإمكان ، وأ نّها الفرد الأعلى .

ومنها : ما دلّت على وجوب الطلب(3) ، ومن الغرائب - بل الباطل لدى

ص: 17


1- وسائل الشيعة 3 : 355 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 9 ، ذيل الحديث 9 .
2- راجع وسائل الشيعة 3 : 389 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 26 ، الحديث 1 .
3- راجع وسائل الشيعة 3 : 341 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 1 .

العرف - وجوب تحصيل الماء بالطلب وجواز إراقته بعد الوجدان ، وإن أمكن أن يقال : إنّ الطلب واجب لتحصيل العلم بتحقّق الموضوع ، فلا ينافي رفع الموضوع اختياراً . لكنّه احتمال عقلي لا يساعد عليه العرف بحسب ما يتفاهم من الروايات .

الروايات المنافي ظاهرها لما سبق

نعم ، هنا روايات ظاهرها ينافي ما تقدّم ، كرواية إسحاق بن عمّار قال : سألت أبا إبراهيم علیه السلام عن الرجل يكون مع أهله في السفر ، فلا يجد الماء ، يأتي أهله ؟ فقال : «ما اُحبّ أن يفعل ذلك ، إلاّ أن يكون شَبِقاً ، أو يخاف على نفسه»(1) .

وعن «السرائر» نقلاً من كتاب محمّد بن علي بن محبوب مثله ، وزاد : قلت : يطلب بذلك اللذّة ؟ قال : «هو له حلال» .

قلت : فإنّه رُوي عن النبي صلی الله علیه و آله وسلم أنّ أباذرّ سأله عن هذا ، فقال : «إيت أهلك توجر . . .»(2) إلى آخره .

بدعوى : أ نّها بإلغاء الخصوصية عرفاً أو بالأولوية ، تدلّ على جواز نقض الوضوء أيضاً ، فتدلّ على أنّ الترابية والمائية سواء .

ص: 18


1- تهذيب الأحكام 1 : 405 / 1269 ؛ وسائل الشيعة 3 : 390 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 27 ، الحديث 1 .
2- السرائر 3 : 611 - 612 ؛ وسائل الشيعة 3 : 390 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 27 ، الحديث 2 .

ورواية السَكوني الموثّقة برواية المفيد - مع نحو إشكال فيها ؛ وهو احتمال الإرسال(1) - عن جعفر ، عن أبيه ، عن آبائه ، عن أبي ذرّ رضى الله عنه : «أ نّه أتى النبي صلی الله علیه و آله وسلم فقال : يا رسول اللّه هلكتُ ؛ جامعتُ على غير ماء! قال : فأمر النبي صلی الله علیه و آله وسلم بمحمل ، فاستترنا به ، وبماء ، فاغتسلتُ أنا وهي .

ثمّ قال : يا أباذرّ ، يكفيك الصعيد عشر سنين»(2) .

والظاهر من ذيلها دفع توحّش أبي ذرّ بأ نّه هلك وعمل على خلاف التكليف ، والمتفاهم منه أنّ الصعيد لا ينقص عن الماء مطلقاً ، ولا يختصّ الجواز بالجماع .

وصحيحة حمّاد بن عثمان قال : سألت أبا عبداللّه علیه السلام عن الرجل لا يجد الماء ، أيتيمّم لكلّ صلاة ؟ فقال : «لا ؛ هو بمنزلة الماء»(3) .

وصحيحة محمّد بن حُمران وجميل بن درّاج ، عن أبي عبداللّه علیه السلام في

ص: 19


1- رواها الشيخ الطوسي عن الشيخ (المفيد) ، عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن سعد بن عبداللّه ، عن محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن العبّاس ، عن السكوني . والعبّاس في مشايخ محمّد بن أحمد بن يحيى منصرف إلى العبّاس بن معروف ولم نعثر على روايته عن السكوني إلاّ في هذا المورد ، وأكثر ما يروي عن السكوني بتوسّط أبي همّام ، عن محمّد ابن سعيد بن غزوان - كما في سنده الآخر برواية محمّد بن علي بن محبوب ، عن العبّاس ابن معروف ، عن أبي همّام ، عن محمّد بن سعيد بن غزوان ، عن السكوني - فلا محالة في سند الرواية سقط أو إرسال .
2- تهذيب الأحكام 1 : 194 / 561 ، و : 199 / 578 ؛ وسائل الشيعة 3 : 369 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 14 ، الحديث 12 .
3- تهذيب الأحكام 1 : 200 / 581 ؛ وسائل الشيعة 3 : 385 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 23 ، الحديث 2 .

حديث قال : «إنّ اللّه جعل التراب طهوراً كما جعل الماء طهوراً»(1) .

إلى غير ذلك ، كقوله : «إنّ اللّه عزّ وجلّ جعلهما طهوراً : الماء ، والصعيد»(2) .

و«إنّ ربّ الماء هو ربّ الصعيد»(3) .

و«إنّ التيمّم أحد الطهورين»(4) .

وإنّ «التيمّم بالصعيد لمن لا يجد الماء كمن توضّأ من غدير ماء ؛ أليس اللّه يقول : )فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً( ؟!»(5) .

أقول : - مضافاً إلى ترجيح الروايات الاُولى الموافقة للكتاب وفتوى الأصحاب ؛ على ما حُكي عن «الحدائق»(6) - إنّ ما دلّت على جواز الجماع مخصوصة بموردها ، ولا يتعدّى منه ، ودعوى الأولوية أو إلغاء الخصوصية في غير محلّها ، مع وجود الخصوصية في الجماع الذي هو من سُنن المرسلين ، والتضييق فيه ربّما يورث الوقوع في الحرام .

ص: 20


1- الفقيه 1 : 60 / 223 ؛ وسائل الشيعة 3 : 385 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 23 ، الحديث 1 .
2- تهذيب الأحكام 1 : 405 / 1274 ؛ وسائل الشيعة 3 : 388 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 25 ، الحديث 3 .
3- تهذيب الأحكام 1 : 197 / 571 ؛ وسائل الشيعة 3 : 370 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 14 ، الحديث 15 .
4- تهذيب الأحكام 1 : 200 / 580 ؛ وسائل الشيعة 3 : 381 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 21 ، الحديث 1 .
5- تفسير العيّاشي 1 : 244 / 143 ؛ وسائل الشيعة 3 : 378 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 19 ، الحديث 6 .
6- اُنظر جواهر الكلام 5 : 89 ؛ الحدائق الناضرة 4 : 256 .

ولعلّ أباذرّ رضى الله عنه تخيّل عدم صحّة صلاته ، فقال : «هلكت» ورفع النبي صلی الله علیه و آله وسلم هذا التوهّم بقوله : «يكفيك» فلا يدلّ ذلك على مساواة الترابية للمائية ؛ لأنّ الكفاية والإجزاء غير المساواة في المصلحة والمطلوبية .

وقوله : «هو بمنزلة الماء» ليس بصدد بيان عموم المنزلة حتّى بالنسبة إلى المورد جزماً ، بل الظاهر أ نّه بمنزلته في عدم وجوب الإعادة ، أو في الطهورية والإجزاء . وكذا سائر الروايات ليست بصدد التسوية بينهما من جميع الجهات ؛ ضرورة عدم التسوية التي تتوهّم من ظاهرها بينهما ، وإلاّ لكان التيمّم سائغاً مع وجدان الماء ، فلا يستفاد منها إلاّ التسوية في أصل الطهورية وإجزاء الصلاة .

ورواية العيّاشي(1) - مع ضعفها بالإرسال - لا تدلّ إلاّ على تسويتهما في تصحيح الصلاة بهما ، ولهذا استدلّ فيها بالآية الشريفة الظاهرة في صحّة الصلاة به مع كونه طهارة اضطرارية .

فالأقوى : عدم جواز إراقة الماء وتحصيلِ الاضطرار في غير المورد المنصوص فيه .

الإشكال في اضطرارية التيمّم

نعم ، يبقى إشكال : وهو أ نّه لو كان الأمر كذلك لوجب الاكتفاء على قدر الضرورة والاضطرار ، مع عدم إمكان الالتزام به ؛ لما سيأتي(2) من جواز البدار ، وجواز الاستئجار ، والاستباحة لسائر الغايات التي لا يضطرّ المكلّف إليها ،

ص: 21


1- تقدّم في الصفحة 20 ، الهامش 5 .
2- يأتي في الصفحة 358 و419 .

وصحّة الاقتداء بالمتيمّم . . . إلى غير ذلك ؛ ممّا لا يمكن الجمع بينها وبين القول بكون الطهارة الترابية اضطرارية ، والغايات معها أنقصَ ممّا تحصل بالمائية بنحو يلزم مراعاته .

ولعلّه لذلك التزم المحقّق رحمه الله علیه في محكيّ معتبره بجواز الإراقة(1) ، وهو - كما ترى - مخالف لظاهر الأدلّة كتاباً وسُنّة وفتاوى الأصحاب . كما أنّ الالتزام

بلزوم الاكتفاء بمقدار الضرورة غير ممكن مخالف للأدلّة الآتية ، خصوصاً في بعض الفروع .

وقد التزم بعض أهل التحقيق : بأنّ للطهارة المائية من حيث هي لدى الإتيان بشيء من غاياتها الواجبة ، مطلوبيةً وراء مطلوبيتها مقدّمة للواجبات المشروطة بالطهور . ووجوب حفظ الماء وحرمة تحصيل العجز لأجل ذلك ، لا لكون الغايات لأجل المائية تصير واجدة لخصوصية واجبة المراعاة(2) .

وهو - كماترى - ليس جمعاً بين الأدلّة وتصحيحاً لها ، بل هو طرح طائفة منها ، كظاهر الآية الشريفة الدالّة على أنّ الطهارة بمصداقيها شرط للصلاة ، ولازمه كون الصلاة معهما مختلفة المرتبة ، كما يتّضح بالتأمّل في الآية ، ولا يجوز رفع اليد عن هذا الظاهر بلا حجّة . مع أنّ هذه المطلوبية النفسية خلاف ارتكاز المتشرّعة وجميع الأدلّة .

والذي يمكن أن يقال في رفع الإشكال : إنّ الصلاة مع المائية أكمل منها مع الترابية بمقدار يجب مراعاته ، كما هو ظاهر الأدلّة المتقدّمة ، ومع العجز تتحقّق

ص: 22


1- المعتبر 1 : 366 .
2- مصباح الفقيه ، الطهارة 6 : 109 - 110 .

مفسدة واقعية مانعة عن عدم تجويز البدار وعدم تجويز سائر الغايات . . . وهكذا ، فوجوب حفظ الماء لأجل وجوب تحصيل المصلحة اللزومية ، وبعد فَقْد الماء وعروض العجز ، تجويز الإتيان بسائر الغايات وتجويز البدار وغير ذلك ؛ لأجل التخلّص من مفسدة واقعية لازمة المراعاة .

وهذا الوجه وإن كان صِرف احتمالٍ عقلي ، لكن يكفي ذلك في لزوم الأخذ بالظواهر وعدم جواز طرحها ، كما لا يخفى .

وأمّا الالتزام بحصول جهة مقتضية في ظرف الفقدان توجب تسهيل الأمر على المكلّفين ، فغير دافع للإشكال ؛ لأنّ الجهة المقتضية إن كانت مصلحة جابرة ، يجوز للمكلّف تحصيل العجز ، وإلاّ لا يعقل تفويت المصلحة بلا وجه ، تأمّل .

عدم جواز التعجيز قبل زمان التكليف وبعده

ثمّ إنّه لا فرق في وجوب حفظ الطهور وعدم جواز تحصيل العجز بين ما قبل حضور زمان التكليف وما بعده .

وما يتخيّل من الفرق : بأنّ التكليف غير متعلّق بذي المقدّمة قبل حضور الوقت ، أو غير فعلي ، أو غير منجّز ، والمقدّمة تابعة لذيها .

غير مسموع ؛ لما قلنا بعدم وجوبها شرعاً ، بل وجوب الإتيان بها عقلي محض(1) . وعلى فرض وجوبها فحديث تبعيتها لذيها لا أصل له . بل يمكن تعلّق الإرادة الغيرية بها قبل تعلّق الإرادة بذيها ؛ بناءً على كون الوقت شرطاً وعدم

ص: 23


1- تقدّم في الصفحة 10 .

وجوب المشروط قبل شرطه ؛ لأنّ مبادئ تعلّق الإرادة الغيرية غير مبادئ الإرادة النفسية ، والتفصيل موكول إلى محلّه(1) ، ولعلّه يأتي من ذي قبل بعض الكلام فيه(2) .

وكيف كان : لا بدّ من ملاحظة حكم العقل ، ولا إشكال في أنّ العقل حاكم بعدم جواز تحصيل العجز عن تكليف يعلم بحضور وقته ، وحصول جميع ما يوجب الفعلية والتنجيز فيه ، فإنّه مع العلم بالغرض المطلق الاستقبالي ، لا يجوز عقلاً تفويته بتعجيز نفسه ، بل لا يجوز تفويت المقدّمة ولو مع احتمال حصول القدرة عند حضور وقت العمل .

وأولى بذلك ما إذا كان واجداً في الوقت وإن احتمل الوجدان فيه ، فلا يجوز عقلاً إراقة الموجود بمجرّد احتمال تجدّده بعد ذلك ؛ لحكم العقل بلزوم الخروج عن عهدة التكليف المنجّز ، واحتمال التجدّد ليس عذراً عند العقلاء ولدى العقل .

وما قيل : من جريان البراءة عن التكليف المتعلّق بهذه المقدّمة ؛ بعد كون الشكّ في انحصارها ، والشكّ في توقّف ذي المقدّمة على هذا الماء بالخصوص ، والشكّ في وجوب حفظه(3) .

غير وجيه ؛ لعدم وجوب المقدّمة ، وعدم كون مخالفتها - على فرض وجوبها - موجبة لاستحقاق العقاب عليها ، فلا مجرى للبراءة فيها .

ص: 24


1- مناهج الوصول 1 : 260 - 263 .
2- يأتي في الصفحة 351 وما بعدها .
3- مصباح الفقيه ، الطهارة 6 : 112 - 113 .

وأمّا ذو المقدّمة ، فواجب مطلق منجّز فرضاً يجب عقلاً الخروج عن عهدته . ومجرّد احتمال تجدّد القدرة ، لا يوجب التعذير العقلي لو فرض عدم التجدّد ، والشاهد حكم العقل في نظائره ، فمن كان مكلّفاً بضيافة ضيف لمولاه ، وكانت موجبات ضيافته وأسبابها حاصلة لديه ، واحتمل عدم إمكان حصولها بعد ذلك احتمالاً عقلائياً ، هل ترى من نفسك معذوريته في تفويت المقدّمات ، وهل له الاعتذار باحتمال تجدّد القدرة ، بل وظنّه به ؟!

فما اختاره بعض أهل التحقيق ؛ من جواز الإراقة حتّى في الوقت باحتمال الوجدان بعد ذلك ؛ تمسّكاً بالبراءة(1) غيرُ سديد .

وممّا ذكر تعلم حرمة إبطال الطهارة ونقض الوضوء مع العلم بعدم تمكّنه ، أو الاحتمال العقلائي المعتدّ به ؛ سواء في ذلك قبل حضور الوقت وبعده .

ثمّ اعلم : أنّ المراد بحرمة نقض الوضوء أو وجوب حفظ الطهارة ، ليس إلاّ عدم المعذورية بالنسبة إلى ما يفوت منه لأجل الطهارة المائية من التكليف النفسي ، وإلاّ فترك التكليف الغيري - على فرضه - لا يوجب العقوبة ، بل لا يكون حفظ المقدّمة واجباً شرعاً ، ولا تفويتها حراماً كذلك ، كما مرّ .

إذا عرفت ما ذكر فالمباحث - كما تقدّم(2) - أربعة :

ص: 25


1- مصباح الفقيه ، الطهارة 6 : 113 .
2- تقدّم في الصفحة 7 .

ص: 26

المبحث الأوّل: في مسوّغات التيمّم

اشارة

ص: 27

ص: 28

فيمن يشرع له التيمّم

المبحث الأوّل : فيمن يشرع له التيمّم ، وإن شئت قلت : فيما يصحّ معه التيمّم وهو أشخاص أو اُمور ، يحويهم المعذور عقلاً أو شرعاً عن الطهارة المائية ، أو يحويها العذر كذلك عنها .

والمراد من «العذر» هو ما بحسب الواقع لا الظاهر ، كالقاطع بعدم الماء مع وجوده ، فإنّه معذور عن الوضوء عقلاً ، لكن لا يشرع له التيمّم واقعاً .

ولعلّ ما ذكرنا أولى ممّا في «القواعد» حيث عدّ الشيء الواحد الجامع للمسوّغات هو «العجز عن استعمال الماء»(1) فإنّ العجز إن كان عقلياً يخرج منه كثير من المسوّغات .

وإن كان أعمّ من العقلي والشرعي - كما في «الجواهر»(2) - يخرج منه أيضاً بعضها ، كالخوف على مالٍ لا يجب حفظه ، أو بعض مراتب النفس إن قلنا بعدم حرمته ، وكباب المزاحمة مع الأهمّ ، فإنّ فيها لا يعجز عقلاً ولا شرعاً ؛ أمّا عقلاً

ص: 29


1- قواعد الأحكام 1 : 236 .
2- جواهر الكلام 5 : 75 .

فواضح ، وأمّا شرعاً فلعدم الحرمة الشرعية فيها .

بل التحقيق عدم سقوط الأمر عن المهمّ ، كما ذكرنا في باب التزاحم . فحينئذٍ

يكون التعبير عن الجامع ب- «أنّ المسوّغ سقوط وجوب الطهارة المائية» غير وجيه أيضاً ؛ لعدم السقوط في موارد التزاحم وإن كان المكلّف معذوراً في تركه ، كما حقّق في محلّه(1) .

وأمّا عنوان «المعذور عقلاً أو شرعاً عن المائية» فالظاهر جمعه لجميع المسوّغات حتّى ضيق الوقت ، فإنّ في بعضها يكون العذر عقلياً ، وفي بعض شرعياً ، وفي بعض شرعياً وعقلياً . ولا يهمّ البحث عنه .

والأولى صرف عنان الكلام إلى مفاد الآية الكريمة(2) ؛ ليعلم مقدار سعة دلالتها للأعذار .

شمول آية التيمّم لجميع الأعذار

فنقول : إنّ قوله : )وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى( لا يتفاهم منه عرفاً أنّ للمرض موضوعية واستقلالاً في تشريع التيمّم ؛ بحيث يكون الحكم دائراً مدار عنوانه ، بل الظاهر منه هو المرض الذي يكون عذراً عند العقلاء من استعمال الماء ، ويكون الغسل والوضوء منافياً له ، ومضرّاً بحال المريض ، دون ما لا يضرّه ، فضلاً عمّا إذا كان نافعاً .

ويمكن أن يقال : إنّ العرف كما يقيّد المرض بذلك ، كذلك يُلغي خصوصية

ص: 30


1- مناهج الوصول 2 : 21 - 22 .
2- تقدّمت في الصفحة 14 - 15 .

عنوان «المريض» ويفهم منه أنّ الميزان هو العذر عن استعماله ولو لم يكن عذره

المرض ، كالذي يكون كسيراً أو به جرح وقرح يكون استعماله مضرّاً بحاله ، فالمفهوم من الآية تشريع التيمّم للمعذور عن استعمال الماء لمرض وشبهه .

وكذا لا يرى العرف خصوصية للسفر وموضوعية له ، بل يرى أنّ ذكره لأجل كون الابتلاء بالفقدان فيه غالباً ، خصوصاً في الأسفار التي في تلك الأزمنة والأمكنة .

فما عن أبي حنيفة : «من أنّ الفقدان في السفر يوجب التيمّم ، لا في الحضر»(1) ليس بشيء .

كما لا يرى خصوصية للمجيء من الغائط أو لمس النساء ، بل يرى أنّ الميزان حصول الحدث الأصغر أو الأكبر .

كما أنّ المراد من عدم الوجدان - الذي هو قيد لقوله : )عَلَى سَفَرٍ( - هو الوجدان بنحو يمكن معه الوضوء ، فيشمل عدم الوصلة ، ككونه في بئر أو محفظة لا يتيسّر الوصول إليه ، وكذا يشمل ما إذا كان الماء قليلاً لا يفي بالاحتياج ، فلا يكون وجدانه بعنوانه موضوعاً للحكم ، بل هو عنوان طريقي إلى تيسّر استعماله ، أو كناية عنه ، فلو وجد الماء ، لكن لا يكون تحت سلطته - بحيث جاز استعماله شرعاً وعقلاً - لا يُعدّ واجداً .

وقوله : )مَا يُرِيدُ اللّه ُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ( بناءً على ما تقدّم(2) من كونه مربوطاً بقوله : )إِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ( ويكون بياناً لنكتة تشريع التيمّم ،

ص: 31


1- المبسوط ، السرخسي 1 : 122 ؛ المغني ، ابن قدامة 1 : 234 .
2- تقدّم في الصفحة 16 .

يدلّ على أ نّه كلّما كان الوضوء والغسل حرجياً - سواء كان الحرج في نفسهما أو مقدّماتهما - يتبدّلان بالتيمّم ، فيكون المتفاهم من الآية صدراً وذيلاً -

بإلغاء الخصوصيات عرفاً ومناسبات الحكم والموضوع - أنّ التيمّم طهور اضطراري مشروع عند كلّ عذر شرعي أو عقلي ، ولو فرض عدم استفادة بعض الموارد منها ، لكن بعد العلم بعدم سقوط الصلاة بحال ، وأن «لا صلاة إلاّ بطهور»(1) ، وإنّ «التيمّم أحد الطهورين»(2) ، لا يبقى إشكال في توسعة نطاق شرعه لكلّ الأعذار .

هذا مع أنّ الحكم مستفاد من التدبّر في مجموع روايات الباب ، فراجع .

وكيف كان : لا بدّ من التعرّض لبعض أسباب العذر تفصيلاً ، وهو اُمور :

ص: 32


1- تهذيب الأحكام 1 : 49 / 144 ؛ وسائل الشيعة 1 : 365 ، كتاب الطهارة ، أبواب الوضوء ، الباب 1 ، الحديث 1 .
2- تقدّم في الصفحة 20 .
السبب الأوّل: عدم الماء
اشارة

الأوّل : عدم الماء ، ولا إشكال نصّاً (1) وفتوى(2) في كونه من المسوّغات ؛ من غير فرق عندنا بين السفر والحضر ، كان السفر طويلاً أو قصيراً . وما عن السيّد(3) ليس خلافاً في هذه المسألة ، بل في مسألة الإجزاء .

نعم ، خالف في ذلك أبو حنيفة وأحمد - في إحدى الروايتين - وزُفر على ما حُكي عنه ، فقالوا : «إنّ الحاضر العادم الماء لا يصلّي»(4) بل عن زُفر : «لا يصلّي قولاً واحداً»(5) ، ولا اعتداد بخلافهم ، ويردّهم ظاهر الآية(6) ، كما عرفت(7) .

ص: 33


1- النساء (4) : 43 ؛ المائدة (5) : 6 ؛ وسائل الشيعة 3 : 366 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 14 ، الحديث 1 و3 و4 و7 .
2- المقنعة : 58 ؛ النهاية : 45 ؛ المعتبر 1 : 363 ؛ تذكرة الفقهاء 2 : 149 .
3- اُنظر المعتبر 1 : 365 ؛ جواهر الكلام 5 : 76 .
4- المبسوط ، السرخسي 1 : 123 ؛ المغني ، ابن قدامة 1 : 234 ؛ المجموع 2 : 305 .
5- اُنظر منتهى المطلب 3 : 11 ؛ المحلّى بالآثار 1 : 348 .
6- المائدة (5) : 6 .
7- تقدّم في الصفحة 30 - 31 .
وجوب الطلب والفحص عن الماء

كما لا إشكال في وجوب الطلب والفحص عن الماء في الجملة ، وحُكِي الإجماع عليه عن «الخلاف» و«الغنية» و«المنتهى» و«التذكرة» و«جامع المقاصد» و«إرشاد الجعفرية» و«التنقيح» و«المدارك» و«المفاتيح» وظاهر «المعتبر»(1) بل عن «السرائر» دعوى تواتر الأخبار به(2) .

ويدلّ عليه إطلاق الآية الشريفة ؛ لما عرفت(3) من أنّ الظاهر منها أنّ التكليف بالصلاة مع المائية ، غير مقيّد بحال الاختيار ، بل مطلق ، وأنّ التعليق على عنوان اضطراري - هو عدم وجدان الماء - ظاهر عرفاً في أنّ الترابية طهارة اضطرارية سوّغها الاضطرار والإلجاء ، مع بقاء المطلوبية المطلقة في المائية على حالها ، ومعه يجب عقلاً الفحص والطلب في تحصيل المطلوب المطلق إلى زمان اليأس ، أو حصول عذر آخر . وليس الشكّ في العذر عذراً عند العقلاء ، نظير الشكّ في القدرة في الأعذار العقلية .

بل الظاهر من الآية أنّ تعليق التيمّم على عدم الوجدان ، ليس لأجل تحديد موضع المائية فقط ، بل لمّا كان حكم العقل مع فقد الماء ، هو سقوط الصلاة - لعدم القدرة عليها مع المائية - أفادت الآية الكريمة مطلوبيتها مع الترابية ، وعدم

ص: 34


1- اُنظر مفتاح الكرامة 4 : 335 ؛ الخلاف 1 : 147 ؛ غنية النزوع 1 : 64 ؛ منتهى المطلب 3 : 43 ؛ تذكرة الفقهاء 2 : 149 ؛ جامع المقاصد 1 : 465 ؛ التنقيح الرائع 1 : 137 ؛ مدارك الأحكام 2 : 178 ؛ مفاتيح الشرائع 1 : 59 ؛ المعتبر 1 : 392 .
2- السرائر 1 : 135 .
3- تقدّم في الصفحة 16 - 17 .

سقوط أمرها بمجرّد العجز عن المائية ، وأنّ الترابية مصداق اضطراري يجب عند

فقدان الماء ، فحينئذٍ يحكم العقل بوجوب الطلب إلى حدّ اليأس وإحراز العذر .

بل يمكن استفادة لزوم الطلب من قوله تعالى : )فَلَمْ تَجِدُوا( فإنّ الظاهر منه عدم الوجدان بعد الفحص والطلب ، كما يظهر بالتأمّل في صيغ الماضي والمضارع منه ومن مرادفاته في الفارسية . ولا يلزم أن يكون المتفاهم من جميع الصيغ - حتّى اسم الفاعل والمفعول - كذلك ، فلا ينتقض ب- «الواجد» و«الموجود» فإنّه قد يدلّ بعض المشتقّات - ولو انصرافاً - على معنىً لا يفهم من الآخر ، ك- «الماء الجاري» حيث يدلّ على الجريان من مبدأ نابع ، بخلاف «جرى الماء» لصدقه على ما جرى من الكوز .

والعمدة في وجوب الطلب هو ما ذُكر .

وأمّا رواية السكوني ، عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، عن علي علیه السلام قال : «يطلب الماء في السفر إن كانت الحزونة فغَلْوة ، وإن كانت سهولة فغَلْوتين ، لا يطلب أكثر من ذلك»(1) . ففيها إشكال :

لا لضعف سندها ؛ فإنّ الأرجح وثاقة النوفلي والسكوني ، كما يظهر بالفحص والتدبّر في رواياتهما وعمل الأصحاب بها . وعن الشيخ «إجماع الشيعة على العمل بروايات السكوني»(2) وقلّما يتّفق عدم كون النوفلي في طريقها . وعن المحقّق في «المسائل العزّية» أ نّه ذكر حديثاً عن السكوني في أنّ

ص: 35


1- تهذيب الأحكام 1 : 202 / 586 ؛ وسائل الشيعة 3 : 341 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 1 ، الحديث 2 .
2- العدّة في اُصول الفقه 1 : 149 .

«الماء يطهّر. . . » ، وأجاب عن الإشكال بأ نّه عامّي : «بأ نّه وإن كان كذلك فهو من ثقات الرواة»(1) وفي طريقها النوفلي(2) ، ولم يستشكل فيه . وبالجملة : لا ضعف في سندها ، ولو سلّم فهي مجبورة بعمل الأصحاب قديماً وحديثاً .

بل لدلالتها ؛ فإنّ الظاهر منها أ نّها بصدد بيان مقدار الفحص بعد مفروضية أصله ، وأمّا كونه واجباً أو مستحبّاً فلا تتعرّض له ، فقوله : «يطلب في الحزونة كذا ، وفي السهولة كذا» يراد به أنّ مقدار الطلب المفروض كذا ، ولا يطلب زائداً عن ذلك ، وذلك مثل أن يقال : «يغتسل للجمعة من طلوع الفجر إلى الزوال» فإنّ الظاهر منه بيان زمان إتيان الغسل ، لا وجوبه بين الحدّين .

وكيف كان : لا نحتاج في أصل الوجوب إلى تلك الرواية بعد حكم العقل ودلالة الآية الكريمة .

وأمّا رواية علي بن سالم ، عن أبي عبداللّه علیه السلام قال : قلت : أتيمّم . . . إلى أن قال : فقال له داود بن كثير الرقّي : فأطلب الماء يميناً وشمالاً ؟ قال : «لا تطلب يميناً ولا شمالاً ، ولا في بئر ، إن وجدته على الطريق فتوضّأ ، وإن لم تجده فامضِ»(3).

فبعد ضعف سندها بعلي بن سالم المشترك بين المجهول(4) والبطائني

ص: 36


1- الرسائل التسع ، المسائل العزّية : 64 .
2- الكافي 3 : 1 / 1 ؛ وسائل الشيع-ة 1 : 134 ، كتاب الطهارة ، أبواب الماء المطلق ، الباب 1 ، الحديث 6 .
3- تهذيب الأحكام 1 : 202 / 587 ؛ وسائل الشيعة 3 : 343 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 2 ، الحديث 3 .
4- هو علي بن سالم الكوفي . رجال الطوسي : 247 / 346 .

الضعيف(1) ، وقرب احتمال كونها عين الواقعة التي نقلها داود قال : قلت لأبي عبداللّه علیه السلام : أكون في السفر ، فتحضر الصلاة وليس معي ماء ويقال : إنّ الماء قريب منّا ، أفأطلب الماء وأنا في وقت يميناً وشمالاً ؟ قال : «لا تطلب الماء ، ولكن تيمّم ؛ فإنّي أخاف عليك التخلّف عن أصحابك ، فتضلّ ويأكلك السبع»(2) لبعد سؤاله عنه مرّتين ، ولتشابه ألفاظهما وإن ترك بعض الخصوصيات في كلٍّ منهما ، محمولة على الخوف من اللصّ والسبع ، والإطلاق لأجل كون الأسفار في تلك الأزمنة والأمكنة مظنّةَ الخطر نوعاً ، ولهذا نهى عن الطلب في رواية داود من غير فصل معلِّلاً بما ذكر .

بل في رواية يعقوب بن سالم قال : سألت أبا عبداللّه علیه السلام عن رجل لا يكون معه ماء ، والماء عن يمين الطريق ويساره غلوتين أو نحو ذلك ، قال : «لا آمره أن يُغرّر بنفسه ؛ فيعرض له لصّ أو سبع»(3) .

فمع فرض وجود الماء عن يمين الطريق ويساره غلوتين قال : «لا آمره» لأجل تغرير النفس وتعرّض اللصّ والسبع ، فيتّضح منه أنّ الطلب واجب لولا ذلك ، وأ نّه علیه السلام مع الأمن من ذلك يأمره به ، لكن لمّا كانت تلك الحوادث في تلك الأسفار كثيرة نوعاً قال ما قال .

ص: 37


1- هو علي بن أبي حمزة سالم البطائني . رجال النجاشي : 249 / 656 .
2- الكافي 3 : 64 / 6 ؛ وسائل الشيعة 3 : 342 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 2 ، الحديث 1 .
3- الكافي 3 : 65 / 8 ؛ تهذيب الأحكام 1 : 184 / 528 ؛ وسائل الشيعة 3 : 342 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 2 ، الحديث 2 .

وكيف كان : لا يمكن الاتّكال على رواية علي بن سالم .

فتحصّل ممّا ذكر وجوب الطلب .

حكم العقل بوجوب الطلب إلى زمان اليأس أو ضيق الوقت

ولا إشكال في أنّ حكم العقل بوجوبه - بعد دلالة الآية على المطلوبية المطلقة للطهارة المائية - هو الفحص إلى زمان اليأس أو ضيق الوقت .

كما تدلّ عليه صحيحة زرارة ، عن أحدهما علیهما السلام قال : «إذا لم يجد المسافر

الماء فليطلب ما دام في الوقت ، فإذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمّم وليصلّ في آخر الوقت ، وإذا وجد الماء فلا قضاء عليه ، وليتوضّأ لما يستقبل»(1) .

لكن موثّقة السكوني(2) حاكمة على حكم العقل ، وشارحة لمفاد الآية الكريمة ، ومبيّنة لمقدار الطلب ، ونافية لوجوب الزيادة .

وأمّا صحيحة زرارة فكما أ نّها معارضة لرواية السكوني ، معارضة لطائفة من الروايات الآتية في محلّها (3) الدالّة على جواز البدار وصحّة الصلاة في سعة الوقت مع التيمّم ، كصحيحة زرارة قال : قلت لأبي جعفر علیه السلام : فإن أصاب الماء وقد صلّى بتيمّم وهو في وقت ؟ قال : «تمّت صلاته ، ولا إعادة عليه»(4) ،

ص: 38


1- الكافي 3 : 63 / 2 ؛ تهذيب الأحكام 1 : 192 / 555 ؛ وسائل الشيعة 3 : 366 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 14 ، الحديث 3 .
2- تقدّم في الصفحة 35 .
3- يأتي في الصفحة 362 .
4- تهذيب الأحكام 1 : 194 / 562 ؛ وسائل الشيعة 3 : 368 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 14 ، الحديث 9 .

ومثلها غيرها ، وموافقة لطائفة اُخرى دالّة على عدم جواز البدار ؛ سواء في ذلك «فليطلب» كما في رواية الكليني أو «فليمسك» ، كما في رواية الشيخ بطريق آخر غير الكليني(1) ، فإنّ وجوب الإمساك عن الصلاة إلى ضيق الوقت ، كما هو مخالف لما دلّ على جواز البدار ، كذلك وجوب الطلب إليه مخالف له ، والجمع العقلائي بينها وبين مخالفاتها ، هو حملها وحمل سائر ما اُمر فيها بالتأخير إلى ضيق الوقت على الاستحباب ، فيرتفع التعارض بين جميعها ، ومنها رواية السكوني الدالّة على أنّ مقدار الطلب غلوة سهم أو سهمين .

وهذا الجمع أقرب بنظر العرف من الجمع الذي صنع بعض المحقّقين : بحمل رواية السكوني على من أراد الصلاة في مكان مخصوص ، كما لو نزل المسافر بعد الظهر منزلاً وأراد أن يصلّي فيه ، وحمل صحيحة زرارة على من ضرب في الأرض ، فله الضرب في جهة من الجهات ولو في الجهة الموصلة إلى المقصود ؛ برجاء تحصيل الماء إلى أن يتضيّق الوقت ، فإنّ العود إلى المكان الأوّل ليس واجباً تعبّدياً ، فحيثما طلب الماء في جهة - ولو في الجهة المؤدّية إلى المقصود بمقدار رمية سهم أو سهمين - فله أن يصلّي في المكان الذي انتهى إليه طلبه ، لكن يجب عليه الفحص فيما حوله بالنسبة إلى المكان الذي انتهى إليه ، فله في هذا المكان - كالمكان الأوّل - أن يختار أوّلاً الضرب إلى مقصده ، وهكذا إلى أن يتضيّق الوقت ، فثمرة العود إلى المكان الأوّل ، جواز الصلاة ولو مع عدم الضيق بعد الفحص في سائر الجهات ،

ص: 39


1- تهذيب الأحكام 1 : 194 / 560 .

فتقيّد صحيحة زرارة بغير هذه الصورة(1) ، انتهى .

لأنّ الجمع المذكور ، مضافاً إلى كونه بهذا الوجه الدقيق مخالفاً للأنظار العرفية ، مع أنّ الميزان في الجمع بين الأخبار هو فهم العرف العامّ ومقبوليته عندهم ، ومضافاً إلى إباء العرف من تقييد الصحيحة القائلة بأ نّه : «فليطلب ما دام في الوقت ، فإذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمّم» ، بأ نّه كلّما أراد الصلاة لا يجب الفحص إلى ضيق الوقت ، بل يكفي مقدار سهم أو سهمين ، أنّ الصحيحة محمولة على الاستحباب على أيّ تقدير ؛ لمعارضتها لروايات جواز البدار الآتية(2) ، فلا تعارض رواية السكوني .

ثمّ إنّه يجب التنبيه على اُمور :

ص: 40


1- مصباح الفقيه ، الطهارة 6 : 94 .
2- يأتي في الصفحة 362 .
الأمر الأوّل في مقدار الطلب في الجهات الأربع

قد عرفت أنّ خبر السكوني ليس بصدد إيجاب الطلب ، بل بصدد بيان مقداره ، فيكون إيجابه بحكم العقل ودلالة الآية ، كما مرّ(1) .

وقد مرّ أنّ حكم العقل بوجوبه - لتحصيل المطلوب المطلق - إنّما هو في جميع الوقت ، وفي كلّ جهة محتملة إلى حدّ اليأس(2) ، ففي كلّ جهة يحتمل وجود الماء ، يحكم بالفحص إلى اليأس لولا الدليل على عدم لزومه . وقد دلّت رواية السكوني على تقدير الفحص بغَلْوة أو غَلْوتين لا أزيد ، فالرواية في مقام تقدير ما وجب عقلاً ، فالرواية - مع حكم العقل - دالّة على لزوم الفحص في الجهات إلى الحدّ المذكور فيها .

والمراد من الجهات الأربع ليس الخطوط المتقابلة ، بل كلّ جهة هي ربع الدائرة ، فلا بدّ من الفحص في جميع سطح الأرض في الجهات ، فيكون محلّ المصلّي كالمركز الذي تحيط به دائرة قطرها غلوة أو غلوتان ، ويجب الفحص في جميع تلك الدائرة ؛ أي السطح المحاط بالخطّ الموهوم ، وهذا هو المراد من النصّ والفتوى .

ص: 41


1- تقدّم في الصفحة 36 .
2- تقدّم في الصفحة 38 .
الأمر الثاني في المراد من الألفاظ الواردة في رواية السكوني
اشارة

المراد من الحزونة والسهولة

«الحُزونة» و«السهولة» الواردتان في رواية السكوني ، يحتمل أن تكونا بمعنى ما غلظ من الأرض وضدّه ؛ بأن يكون عنوان «الأرض» مأخوذاً في مفهومهما ، كما يظهر من بعض تعبيرات اللغويّين ، ففي «الصحاح» : «السهل : نقيض الجبل » و«الحَزْن : ما غلظ من الأرض ، وعن الأصمعي : الحُزَن : الجبال الغلاظ»(1) .

ويحتمل أن تكونا بمعنى الغلظة وضدّها من غير اعتبار الأرض فيهما ، وإنّما نُسبتا إليها وقيل : السهل من الأرض ، والحَزْن منها ، كما يظهر من بعض تعبيراتهم ، ففي «الصحاح» - بعد قوله : «والحَزْن : ما غلظ من الأرض» - قال : «وفيها حُزونة(2) » يظهر منه أنّ الحُزونة الغلظة ، ويقال : «في الأرض حُزونة» أي غلظة .

وفي «المنجد» : «حَزُن يحزُن حُزونةً المكانُ : صار حَزْناً ؛ أي غليظاً»(3) وهو كالصريح في أنّ «الحَزْن» هو نفس الغِلْظة ، لا ما غَلُظ من الأرض ، وإن قال

ص: 42


1- الصحاح 5 : 1733 و2098 .
2- الصحاح 5 : 2098 .
3- المنجد : 126 (الطبع التاسع) .

بعده : «الحَزْن ما غَلُظ من الأرض» .

ولا يبعد أن يكون الاحتمال الثاني أرجح ، فيقال : «أرض سهلة وحَزْنة» و«رجل سهل الخُلُق» و«نهر سَهْل» أي ذو سهولة ، و«سهل الموضع» بل و«أسهل الدواء» بمعنى ، ويفهم بالانتساب إلى المتعلّقات كيفية السهولة .

وكذا الحَزْن ، فإذا قيل للجبال الغلاظ : «الحُزَن» ك- «صُرَد» وللشاة السيّئة

الخُلُق : «الحَزون» ولقَدْمة العرب على العجم في أوّل قدومهم الذي أسحقوا (1) فيه ما أسحقوا من الدور والضياع : «الحُزانة»(2) يكون بمعنى واحد . بل لا أستبعد أن يكون «الحُزْن» - مقابل الفرح - من هذا الأصل وإن اختلفت الهيئات .

ثمّ على الاحتمال الأوّل ، يكون الميزان في الغلوة والغلوتين سهولة الأرض وحزونتها ذاتاً ؛ سواء كانتا في الخبر خبراً والكون ناقصاً ، أو فاعلاً وهو تامّاً ؛

لأنّ المفروض مأخوذية عنوان «الأرض» فيهما ، ولا ريب في أ نّهما إذا كانتا صفة الأرض ، تلاحظ غلظتها وسهولتها الذاتية ، ككونها جبلاً وبسيطاً ، فلا تنافي السهولة الأشجار فيها ، فأراضي العراق سهلة مع ما فيها من الأشجار ، فلا بدّ في إسراء الحكم إلى غيرها - كالأراضي المُشْجِرة - من دعوى إلغاء الخصوصية ، والعُهدة على مدّعيها .

وأمّا على الاحتمال الثاني الراجح ، فإن كان الكون ناقصاً ، وقدّرت «الأرض» اسماً له - بقرينة المقام - يكون الأمر كما مرّ .

وإن كان تامّاً ، ويكون المعنى : «إن تحقّقت حُزونة فكذا» - من غير انتساب

ص: 43


1- والموجود في كتب اللغة «استحقّوا» بدل «أسحقوا» .
2- القاموس المحيط 4 : 215 ؛ تاج العروس 9 : 174 ؛ لسان العرب 3 : 158 .

إلى الأرض - يمكن استفادة سائر الموانع كالشجر والثلج الغليظ منها .

ولو لم يمكن استظهار تمامية الكون والوثوق بترجيح ثاني الاحتمالين ، فلا محيص عن الاحتياط ؛ لما عرفت(1) من حكم العقل ودلالة الآية ، وأنّ رواية السكوني لتقدير المقدار ، فمع إجمالها يحتاط في موارد الاحتمال بالأخذ بأكثر الحدّين ، وكذا في كلّ مورد مشكوك فيه .

المراد من الغلوة لغة

وأمّا «الغَلْوة» - بفتح المعجمة - فالمرّة من «غلا» وهي رَمْية بأبعد المقدور :

قال في «الصحاح» : «غَلَوتُ بالسهم غَلْواً : إذا رميتَ به أبعد ما تقدر عليه ، والغَلْوة : الغاية ؛ رمية سهم» وقال : «غلا يغلو غُلُوّاً : أي جاوز فيه الحدّ»(2) ، ويظهر منه مجيئها بمعنى رَمْية سهم أيضاً .

وفي «القاموس» : «غلا في الأمر غُلُوّاً : جاوز حدّه ، وبالسهم غَلْواً وغُلُوّاً : رفع يديه لأقصى الغاية . . .» إلى أن قال : «فهو رجل غلاء - كسماء - : أي بعيد الغَلْو بالسهم ، والسهم ارتفع في ذهابه وجاوز المدى»(3) أي الغاية .

وفي «المنجد» : «غلا يغلو غَلْواً وغُلُوّاً السهم وبالسهم : رمى به أقصى الغاية ، غالى غِلاء ومُغالاة السهمَ وبالسهم : رمى به أقصى الغاية . . .» إلى أن قال : «الغَلْوة : المرّة من غلا ، الغاية ؛ وهي رمية سهم أبعد ما تقدر عليه . المِغْلى

ص: 44


1- تقدّم في الصفحة 34 - 35 .
2- الصحاح 6 : 2448 .
3- القاموس المحيط 4 : 373 .

والمِغْلاة : سهم يُغلى به ؛ أي يُرمى به إلى أقصى الغاية»(1) .

والظاهر أنّ «الغَلَيان» و«الغُلُوّ» في باب المبالغة ، و«الغلاء» في السعر ، كلّها من هذا الباب ، وهو التجاوز إلى أقصى الغاية .

نعم ، في «مجمع البحرين» : «وفي الحديث ذكر الغَلْوة وهي - بالفتح - : مقدار

رَمْية سهم»(2) والظاهر منه أ نّها لُغةً كذلك ، وقد عرفت ما في اللغة .

ولا يبعد أن يكون استعمالها في مطلق الرمية بنحو من التوسّع ، وإلاّ ففي كلّ مورد استعملت تكون بالمعنى المعروف المتقدّم . بل لا يبعد أن تكون «الغالية» - المركّبة من عدّة من الطيب - أيضاً بلحاظ المعنى المتقدّم . هذا حال اللغة .

تفسير الغلوة في كلمات الفقهاء

وأمّا الفقهاء فقد اختلفت كلماتهم ؛ فمنهم من قدّر المقدار برمية سهم ، كالشيخ

في «نهايته» وعن «مبسوطه»(3) ، وعن المفيد وأبي الصلاح مثله(4) ، وفي «الوسيلة» و«الغنية» و«إشارة السبق» كذلك(5) .

ومنهم من قدّره بغلوة سهم أو غلوتين ك- «المراسم»(6) ، وعن ابن إدريس :

ص: 45


1- المنجد : 558 .
2- مجمع البحرين 1 : 319 .
3- النهاية : 48 ؛ المبسوط 1 : 31 .
4- المقنعة : 61 ؛ الكافي في الفقه : 136 .
5- الوسيلة إلى نيل الفضيلة : 69 ؛ غنية النزوع 1 : 64 ؛ إشارة السبق : 74 .
6- المراسم : 54 .

«وحدّه ما وردت به الروايات وتواتر به النقل في طلبه ؛ إذا كانت الأرض سهلة غلوة سهمين ، وإذا كانت حَزْنة فغلوة سهم»(1) ، وفي «الشرائع» و«النافع» و«القواعد» و«الإرشاد» التعبير ب- «الغَلْوة» و«الغَلْوتين»(2) .

وعن «المعتبر» : «والتقدير بالغلوة والغلوتين رواية السكوني ، وهو ضعيف ، غير أنّ الجماعة عملوا بها»(3) ومنه يظهر عمل الجماعة بها بما لها من التعبير .

والظاهر أنّ التفسير ب- «الرمية» و«الرميتين» اجتهاد منهم ؛ ضرورة أ نّه لا يكون في الباب غير رواية السكوني(4) ومرسلات الحلّي(5) ، وفيها «الغلوة» و«الغلوتان» فلا يكون دليل على الرمية والرميتين ، ولهذا ترى أنّ بعضهم فسّر «الغلوة» ب- «الرمية» . قال في «كشف الغطاء» : «الغلوة : الرمية بالسهم المتوسّط في القوس المتوسّط من الراميّ المتوسّط ، مع الحالة المتوسّطة في الهواء المتوسّط ، والوضع المتوسّط والجذب والدفع المتوسّطين»(6) .

وفي «المسالك» : «الغلوة : مقدار الرمية من الراميّ المعتدل بالآلة المعتدلة»(7) .

ص: 46


1- السرائر 1 : 135 .
2- شرائع الإسلام 1 : 38 ؛ المختصر النافع : 17 ؛ قواعد الأحكام 1 : 236 ؛ إرشاد الأذهان 1 : 233 .
3- المعتبر 1 : 393 .
4- تقدّمت في الصفحة 35 .
5- السرائر 1 : 135 .
6- كشف الغطاء 2: 328 .
7- مسالك الأفهام 1 : 109 .

ومثلهما ما في بعض كتب من قارب عصرنا (1) .

وقد عرفت أنّ هذا التفسير مخالف للّغة بل العرف ، فالمعتبر في الرمي هو إلى أقصى الغاية وأبعد ما يكون مدوراً . نعم، يعتبر في الراميّ والآلة وغيرهما المتوسّط المتعارف ؛ لأ نّه المتفاهم من التحديدات ، كالشبر والذراع . . .

وهكذا .

لكنّ الإشكال في المقام : هو عدم إمكان تعيين المقدار خارجاً ؛ لعدم تداول الرمي في هذه الأعصار ، وما هو المعتبر هو الغلوة والغلوتان من الراميّ المتدرّب في الفنّ ، كما كان في عصر صدور الرواية ، ومعلوم أنّ الراميّ الذي فنّه ذلك يرمي بما لا يمكن لغيره ، فحينئذٍ لا محيص عن الاحتياط والأخذ بالمقدار المحتمل العقلائي ؛ فإنّ الدليل على الوجوب ليس رواية السكوني؛ حتّى يقال بعدم الوجوب إلاّ بمقدار متيقّن ، فينفى الزائد بالأصل ، بل يحكم العقل بالوجوب إلى أن يحرز المعذّر . مضافاً إلى أنّ شرع التيمّم معلّق على عدم الوجدان ، فلا بدّ

من إحراز موضوعه لدى الشكّ .

ص: 47


1- مصباح الفقيه ، الطهارة 6 : 99 .
الأمر الثالث حول المراد بعدم وجدان الماء

لا شبهة في أنّ المتفاهم عرفاً من الآية الكريمة(1) - ولو بسبب مناسبة الحكم والموضوع وما هو مرتكز في الذهن - أنّ المراد بعدم الوجدان هو عدم وجدان ما يمكن أن يستعمل في الوضوء والغسل . بل هو الظاهر من قوله : )فَلَمْ

تَجِدُوا( بعد قوله : )إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ فَاغْسِلُوا . . . وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا( .

فعدم الوجدان أعمّ من عدم الوجود واقعاً ، ومن الوجود مع عدم العثور وعدم التقصير في الفحص بالمقدار المأثور ، فلا يكون الموضوع في تشريع التيمّم عدم الماء فقط ، ولا يكون عنوان «عدم الوجدان» معتبراً فيه حتّى يقال : لازم الأوّل بطلان التيمّم لو كان الماء موجوداً واقعاً ؛ مع عدم العثور عليه ولو بعد الفحص الكامل ، ولازم الثاني عدم الصحّة حتّى مع العلم بعدم الماء ، وحتّى مع موافقته للواقع ، بل لا بدّ له من الضرب في الأرض بالمقدار المأثور حتّى يصير الفقدان وجدانياً ؛ للفرق بين العلم بالعدم وعدم الوجدان .

فإنّ الاحتمالين خلاف المتفاهم العرفي ؛ فإنّ الطلب المتفاهم من قوله : )فَلَمْ تَجِدُوا( لأجل تحقّق موضوع تشريع التيمّم ؛ وهو عدم الماء الذي يمكن عقلاً وشرعاً استعماله في الطهارة ، فإذا علم بعدم وجوده علم بتحقّقه ، فلا وجه بعدُ للطلب ، كما أ نّه لو طلب الغلوة أو الغلوتين ولم يجد يتحقّق الموضوع ؛ وهو عدم

ص: 48


1- تقدّمت في الصفحة 14 - 15 .

الماء الذي يمكن له استعماله خارجاً ؛ للعجز عن استعمال ما لا يعثر عليه .

فتحصّل ممّا ذكر : أنّ عدم الماء الكذائي موضوع لشرع التيمّم ، فإذا تفحّص قبل الوقت أو في الوقت ، وعلم بعدم الماء ، يستصحب إلى زمان قيام الأمارة على وجوده ، وهو يحرز ما هو موضوع ؛ من غير فرق بين قبل الوقت وبعده ، بل ولا بين الارتحال من مكان الطلب والعود إليه وبين عدمه ، ومن غير فرق بين صلاة واحدة وصلوات عديدة . فما عن المحقّق في «المعتبر» والعلاّمة والشهيد من عدم الاعتداد بالطلب قبل الوقت ، بل يجب إعادته ، إلاّ أن يعلم استمرار العدم الأوّل(1) ، فغير وجيه وإن استدلّ عليه في «الجواهر» تارة : بظاهر ما دلّ على وجوبه من الإجماعات وغيرها ، وهو لا يتحقّق إلاّ بعد الوقت .

واُخرى : بأنّ صدق «عدم الوجدان» يتوقّف عليه ، سيّما بعد ظهور الآية - الدالّة على اشتراطه - في إرادة عدم الوجدان عند إرادة التيمّم للصلاة .

وثالثة : بصحيحة زرارة المتقدّمة(2) .

ورابعة : بأ نّه لو اكتفى به قبل الوقت لصحّ الاكتفاء به مرّة واحدة للأيّام المتعدّدة ، وهو معلوم البطلان .

وخامسة : بأنّ المنساق إلى الذهن من الأدلّة ، إرادة الطلب عند الحاجة إلى الماء .

ثمّ استشكل في الاستصحاب : بأ نّه لا يعارض ما ذكرنا من ظهور الأدلّة في شرطية الطلب أن يكون بعد الوقت(3) ، انتهى ملخّصاً .

ص: 49


1- المعتبر 1 : 393 ؛ منتهى المطلب 3 : 49 ؛ ذكرى الشيعة 1 : 182 .
2- تقدّمت في الصفحة 38 .
3- جواهر الكلام 5 : 83 - 84 .

وفيه ما لا يخفى ؛ فإنّ الوجوب لا يكون شرعياً ، بل يكون عقلياً محضاً لأجل حفظ المطلوب المطلق ، ولا دليل غيره على الوجوب ، فضلاً عن استفادة الوجوب الشرعي منه ؛ لعدم ثبوت غير ما هو حكم العقل من الإجماعات ؛ لعدم كشفها عن دليل آخر مع وجودِ حكم العقل ، واحتمالِ استفادتهم الوجوب من الأدلّة اللفظية أيضاً .

وأمّا صحيحة زرارة فقد عرفت لزوم حملها على الاستحباب(1) ، وعرفت حال رواية السكوني من عدم دلالتها على الوجوب(2) .

وأمّا الآية فلا يدلّ ذيلها - أي قوله : )فَلَمْ تَجِدُوا( - على وجوب الطلب ، بل يدلّ على شرطية عدم الوجدان لشرع التيمّم . نعم هو ظاهر في عدم الوجدان في الوقت ، وقد عرفت أنّ الموضوع عدم الماء في الوقت ، وهو يحرز بالاستصحاب ، ويكون الأصل حاكماً على الآية ، ومحقّقاً لموضوع وجوب التيمّم ومشروعيته ، فلا دليل على وجوب الطلب بنحو يقدّم على الاستصحاب وهو حاكم أو وارد على حكم العقل .

وأمّا النقض بلزوم الاكتفاء بالطلب مرّة لصلوات عديدة ، ودعوى معلومية بطلانه ، فلا يتّضح وجهها بعد جريان الاستصحاب وإحراز موضوع التيمّم .

فالأقوى بحسب القواعد كفاية الطلب الواحد مطلقاً ؛ سواء كان قبل الوقت أو بعده ، وسواء كان تجدّد الماء محتملاً أو مظنوناً . نعم مع قيام الأمارة المعتبرة أو

الوثوق بالتجدّد ، يجب الطلب ، وينبغي الاحتياط مطلقاً .

ص: 50


1- تقدّم في الصفحة 39 .
2- تقدّم في الصفحة 36 .

وممّا ذكرنا يظهر حال وجوب الطلب ، فإنّه عقلي محض غير مرتبط بالتيمّم ، بل هو لأجل إحراز العذر عن ترك المطلوب المطلق ؛ أي الصلاة مع المائية . وليس في المقام دليل لفظي يدلّ على الوجوب حتّى يبحث عن كونه نفسياً أو شرطياً أو غيرياً ، كما عرفت .

ولو سُلّم دلالة مثل رواية السكوني على وجوبه أو عدم حمل صحيحة زرارة على الاستحباب ، فلا شبهة في عدم دلالتهما على الوجوب النفسي ؛ لظهور الأوامر في مثل المقام في الإرشاد ؛ إمّا إلى الشرطية أو إلى حكم العقل ، فاحتمال النفسية في غاية الضعف .

واحتمال الوجوب الشرطي أيضاً ضعيف ؛ لأنّ الظاهر من قوله في الصحيحة : «إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب ما دام في الوقت ، فإذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمّم وليصلّ . . .» إلى آخره ، أنّ وجوب الطلب إنّما هو لتحصيل الماء ، لا لتحقّق موضوع التيمّم ، وأنّ التيمّم مشروع عند خوف فوت الوقت ، وشرطه ذلك ، لا الطلب .

وقوله في رواية السكوني : «يطلب الماء في السفر» ظاهر في أنّ الطلب واجب لتحصيل الماء ، لا لشرطيته للتيمّم ، وقد مرّ تحقيق مدلول الآية(1) .

فتحصّل من جميع ذلك : أنّ الروايات - بناءً على تسليم دلالتها على الوجوب - إرشاد إلى حكم العقل ، أو تحديد لما يحكم به ، كما مرّ(2) في رواية السكوني .

ص: 51


1- تقدّم في الصفحة 48 .
2- تقدّم في الصفحة 38 و41 .
الأمر الرابع في حكم الإخلال بالطلب

إذا أخلّ بالطلب وتيمّم وصلّى مع سعة الوقت ، ففي «الجواهر» بطلانه قطعاً وإجماعاً منقولاً إن لم يكن محصّلاً ؛ لما دلّ على اشتراط صحّته به ، ولا فرق بين أن يصادف عدم الماء بعد الطلب وعدمه(1) .

أقول : أمّا دعوى الإجماع في مثل هذه المسألة الفرعية الاجتهادية المتراكمة فيها الأدلّة العقلية والنقلية ، فغير وجيهة . وأمّا أدلّة الاشتراط المدّعاة ، فقد تقدّم(2) عدم دلالتها على اشتراط الطلب ، بل الظاهر من الأدلّة أنّ عدم الماء الذي يمكن استعماله في الوضوء والغسل - إمّا لفقده ، أو لعدم وجدانه - موجب لانقلاب المائية بالترابية ، من غير دخالة للطلب موضوعاً ، ولا لعنوان «عدم الوجدان» - أي هذا الأمر الانتزاعي - فيه ، ولهذا لو علم بعدم الماء ، لا يجب عليه الطلب وإن لم يصدق عدم الوجدان عليه ؛ لأ نّه عنوان منتزع من عدم العثور عليه بالقوى الجزئية كالبصر ، ومع فرض عدم وجوب الطلب مع العلم بعدم الماء ، لا محيص عن القول بأنّ عدم الماء واقعاً موضوع للانقلاب ، وإلاّ لزم موضوعية العلم ولو بنحو جزء الموضوع ، وهو - كماترى - خلاف ارتكاز العقلاء والمتفاهم من الأدلّة ، فيكون عدم الماء واقعاً تمام الموضوع للانقلاب .

ص: 52


1- جواهر الكلام 5 : 85 .
2- تقدّم في الصفحة 50 .

وإن جهل المكلّف ، فلزوم الطلب عقلاً أو شرعاً لإحراز الواقعة ، لا لتحقّق الموضوع ، فلو كان الماء غير موجود في محلّ الطلب ، أو كان بوجه لا يهتدي إليه لو طلبه ، صحّ تيمّمه وصلاته :

أمّا إذا كان بحيث لم يوجد إلى آخر الوقت ، فظاهر بما مرّ .

وأمّا إذا حدث بعد الصلاة فلإطلاق الآية ؛ فإنّ الظاهر من صدرها أ نّه إذا قام المكلّف إلى الصلاة ، يجب عليه الوضوء أو الغسل ولو في سعة الوقت ، ومقتضى عطف المرضى والمسافر الفاقد عليه ، جوازُ التيمّم في السعة ، وبعد ما علم أنّ المراد بعدم الوجدان عدم الاهتداء إلى ما يمكن استعماله ، تمّت الدلالة على صحّة التيمّم والصلاة ؛ لتحقّق الموضوع ، وظهور الآية في الإجزاء .

ويمكن الاستدلال على المطلوب بما دلّ على عدم وجوب الإعادة لو وجد بعد الصلاة مع بقاء الوقت ، كصحيحة زرارة قال : قلت لأبي جعفر علیه السلام : فإن

أصاب الماء وقد صلّى بتيمّم وهو في وقت ؟ قال : «تمّت صلاته ، ولا إعادة عليه»(1) ومثلها غيرها .

وهي وإن كانت في مقام بيان حكم آخر ، لكن يستفاد منها أنّ من كان تكليفه التيمّم فصلّى بتيمّم ، لا إعادة عليه وإن وجد الماء في الوقت .

ولو أخلّ بالطلب حتّى ضاق الوقت تيمّم وصلّى ولا قضاء عليه ، وعن

ص: 53


1- تهذيب الأحكام 1 : 194 / 562 ؛ وسائل الشيعة 3 : 368 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 14 ، الحديث 9 .

«المدارك» : «أ نّه المشهور»(1) ، وعن «الروض» نسبته إلى فتوى الأصحاب(2) ، وفي «الجواهر» : «أ نّه الأظهر الأشهر»(3) .

ويمكن استفادته من الآية بمناسبات مغروسة في الأذهان ؛ بأن يقال : إنّ المراد من «عدم وجدان الماء» عدم وجدان ما يمكن استعماله مع حفظ الوقت ، وإلاّ فلو لم تلاحظ مصلحة الوقت ، أو كانت مصلحة المائية مقدّمة على مصلحته ، لم يشرع التيمّم مع عدم الوجدان ؛ ضرورة أنّ عدمه لم يستمرّ إلى آخر العمر ، فإيجاب التيمّم مع الفقد لأجل عدم فوت الصلاة وحفظ مصلحة الوقت ، فالمراد ب- «عدم الوجدان» عدم وجدان ما يغتسل ويتوضّأ به في الوقت ، ومع الضيق يكون فاقداً للماء الكذائي وإن كان واجداً للطبيعة ، والظاهر من تعليق الحكم عليه أ نّه تمام الموضوع للتبديل من غير دخالة شيء آخر .

ودعوى الانصراف إلى ما لا يكون سببه المكلّف عصياناً (4) ، في غير محلّها ؛ لأنّ الظاهر منها أنّ الترابية مع فقد الماء طهور قائمة مقام المائية ؛ من غير دخالة

لأسباب الفقد فيه . بل المناسبات المغروسة في الذهن ، توجب إلغاء بعض القيود لو كان في الكلام ، ومعه لا معنى لدعوى الانصراف .

وتدلّ عليه أيضاً صحيحة زرارة المتقدّمة ، عن أحدهما علیهما السلام قال : «إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب ما دام في الوقت ، فإذا خاف أن يفوته الوقت

ص: 54


1- مدارك الأحكام 2 : 183 .
2- روض الجنان 1 : 343 .
3- جواهر الكلام 5 : 86 .
4- اُنظر مصباح الفقيه ، الطهارة 6 : 102 .

فليتيمّم وليصلّ . . .»(1) إلى آخره .

فإنّ وجوب الطلب ما دام في الوقت - على فرضه - لأجل تحصيل الماء ، لا لاشتراط التيمّم به . وقوله : «فإذا خاف . . .» إلى آخره ، ظاهر في أنّ خوف الفوت سبب وموضوع تامّ لوجوب التيمّم من أيّ سبب حصل ، فلو أراق الماء ، أو قصّر في الطلب ، أو ترك الوضوء بالماء الموجود حتّى خاف الفوت ، يجب عليه التيمّم ، وتتمّ صلاته ، ولا قضاء عليه ؛ لظاهر الصحيحة بل يستفاد ذلك من مجموع الأدلّة ، فإنّه يعلم منها أنّ للوقت منزلة لدى الشارع ليست لغيره ، وأنّ «الصلاة لا تترك بحال» .

وما قيل : «إنّ التيمّم في هذه الحال يمكن أن يكون مبغوضاً ، فضلاً عن أن يقع

عبادة»(2) فاسد ؛ فإنّ المبغوض هو ترك الصلاة مع المائية ، لا إتيانها مع الترابية ، ولا الطهارة الترابية ؛ لعدم وجه لمبغوضيتهما .

وممّا ذكرنا يتّضح عدم وجوب الاحتياط ؛ بدعوى تردّد المكلّف به المعلوم بالإجمال(3) ؛ لما عرفت من التكليف بالترابية وإجزائها .

ص: 55


1- تقدّمت في الصفحة 38 .
2- مصباح الفقيه ، الطهارة 6 : 103 .
3- نفس المصدر .
الأمر الخامس فيما يترتّب على الموضوع لانقلاب التكليف بالترابية

قد مرّ أنّ الموضوع لانقلاب التكليف بالترابية ، هو عدم الاهتداء إلى ما يمكنه الاستعمال(1) .

وإن شئت قلت : كون الواقعة بحيث لا يهتدي المكلّف إلى ماء يمكنه استعماله عقلاً وشرعاً .

أو قلت : عدم الوجدان الأعمّ من عدم الوجود للماء الكذائي .

فحينئذٍ نقول : لو تفحّص عن الماء بما قرّره الشارع ولم يقصّر فيه ، صحّ تيمّمه وصلاته ولو كان الماء موجوداً بحسب الواقع ؛ لتحقّق موضوع الانقلاب .

وأمّا لو قطع بعدم الماء ، أو عدم الاهتداء إليه ، أو قامت البيّنة على عدمه ، أو عدم الاهتداء إليه ، بطلا لعدم تحقّق الموضوع ؛ لعدم كون الواقعة بحيث لا يهتدي إلى الماء ، فهو واجد للماء وإن كان قاطعاً بعدمه وغير معذور واقعاً ؛ وإن كان معذوراً ظاهراً وغير معاقب على ترك الصلاة مع المائية ، فيجب عليه الإعادة .

وكذا يجب الإعادة على الناسي لماء في رَحْله ؛ سواء طلب في خارجه غلوة أو غلوتين أو لا ؛ لأ نّه واجد وإن كان غافلاً عنه . وعدم الوجدان في خارج الرحل مع كونه واجداً فيه ، لا يوجب الانتقال .

ص: 56


1- تقدّم في الصفحة 48 .

ويدلّ عليه موثّقة أبي بصير أو صحيحته(1) ، قال : سألته عن رجل كان في سفر ، وكان معه ماء ، فنسيه فتيمّم وصلّى ، ثمّ ذكر أنّ معه ماء قبل أن يخرج الوقت ، قال : «عليه أن يتوضّأ ويعيد الصلاة»(2) ومقتضى إطلاقها لزوم الإعادة ولو طلب خارج رحله ، والمفروض فيها عدم الطلب في رحله .

ص: 57


1- رواها الكليني ، عن محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن عثمان بن عيسى ، عن ابن مسكان ، عن أبي بصير . والترديد في سند الرواية لوقوع عثمان بن عيسى في السند وهو كان شيخ الواقفة ووجهها ومن أصحاب الإجماع على قول ، ولكن يظهر من ترجمته أ نّه رجع عن الوقف . رجال النجاشي : 300 / 817 ؛ اختيار معرفة الرجال : 556 / 1050 ؛ الفهرست ، الطوسي : 193/545 ؛ تنقيح المقال 2 : 247 - 249 (أبواب العين) .
2- الكافي 3 : 65 / 10 ؛ وسائل الشيعة 3 : 367 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 14 ، الحديث 5 .
الأمر السادس في عدم الماء بمقدار الكفاية كعدمه المطلق

الظاهر من الآية الكريمة - كما مرّ(1) - عدم وجدان ما يمكن معه الوضوء أو الغسل ، فعدم الماء بمقدار الكفاية كعدمه المطلق ؛ لعدم تبعّض الطهارة وعدم تلفيقها من الماء والتراب .

فما يقال : «من استعمال ما وجد في بعض الأعضاء والتيمّم»(2) غير وجيه مخالف لظاهر الآية ، ولما ورد من وجوب التيمّم على الجنب مع وجدان الماء بقدر الوضوء ، كصحيحة الحلبي : أ نّه سأل أبا عبداللّه علیه السلام عن الرجل يجنب ومعه قدر ما يكفيه من الماء لوضوء الصلاة ، أيتوضّأ بالماء أو يتيمّم ؟ قال : «لا بل يتيمّم ؛ ألا ترى أ نّه إنّما جعل عليه نصف الوضوء ؟!»(3) .

ومثلها رواية الحسين بن أبي العلاء ، إلاّ أنّ في آخرها بدل «نصف الوضوء» :

«نصف الطهور»(4) وصحيحة محمّد بن مسلم ، عن أحدهما علیهما السلام : في رجل

ص: 58


1- تقدّم في الصفحة 48 .
2- اُنظر جواهر الكلام 5 : 93 ؛ نهاية الإحكام 1 : 186 ؛ روض الجنان 1 : 322 .
3- الفقيه 1 : 57 / 213 ؛ وسائل الشيعة 3 : 386 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 24 ، الحديث 1 .
4- تهذيب الأحكام 1 : 404 / 1266 ؛ وسائل الشيعة 3 : 387 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 24 ، الحديث 3 .

أجنب في سفر ومعه ماء قدر ما يتوضّأ به ، قال : «يتيمّم ولا يتوضّأ»(1) .

ومن هنا يظهر : أنّ التمسّك بمثل قاعدة «الميسور» في غسل ما يمكن أن يُغسل ليس في محلّه ، بعد تسليم جريانها في مثل المقام .

ص: 59


1- تهذيب الأحكام 1 : 405 / 1272 ؛ وسائل الشيعة 3 : 387 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 24 ، الحديث 4 .
الأمر السابع في وجوب تحصيل الماء ولو بالمعالجة

لو تمكّن من مزج الماء الذي لا يكفيه بما لا يسلبه الاسم فتحصّل به الكفاية ، فهل يجب ذلك ، كما عن جماعة من المتأخّرين منهم العلاّمة(1) ، أو لا ، كما عن الشيخ وأتباعه(2) ؟

مقتضى ما مرّ مراراً (3) - من أنّ التيمّم مصداق اضطراري لدى العجز عن

المصداق الاختياري ، وأنّ التكليف بالصلاة مع المائية مطلق يحكم العقل بلزوم تحصيله ولو بحفر بئر ، أو إذابة ثلج ما لم يكن حرجياً ، أو غير ذلك من أنحاء التوصّل إليه - لزوم مثل هذا العلاج لتحصيل المطلوب المطلق . والمتفاهم من الأدلّة تعليق التيمّم على العجز عن الماء ، وليس المراد من «عدم الوجدان» هو ما يقتضي الجمود عليه ، ولهذا يجب الوضوء والغسل مع وجود ثلج أو ماء جامد مع إمكان إذابتهما أو دلكهما على الجسد بنحو يحصل مسمّاهما بواسطة الإذابة بحرارته ، ففي رواية محمّد بن مسلم قال : سألت أبا عبداللّه علیه السلام

عن الرجل يجنب في السفر لا يجد إلاّ الثلج ، قال : «يغتسل بالثلج أو

ص: 60


1- مختلف الشيعة 1 : 73 ؛ البيان : 103 ؛ روض الجنان 1 : 360 ؛ مدارك الأحكام 1 : 115 .
2- اُنظر مفتاح الكرامة 1 : 356 - 357 ؛ المبسوط 1 : 9 - 10 .
3- تقدّم في الصفحة 15 - 16 و22 و32 .

ماء النهر»(1) يعني هما سواء .

وفي رواية معاوية بن شريح قال : سأل رجل أبا عبداللّه علیه السلام فقال : يصيبنا الدَمَقُ والثلج ، ونريد أن نتوضّأ ، ولا نجد إلاّ ماءً جامداً ، فكيف أتوضّأ ؛ أدلك به جلدي ؟ قال : «نعم»(2) .

فيظهر منهما ومن غيرهما : أنّ الجمود على عدم الوجدان غير وجيه .

ويؤيّد ذلك رواية الحسين بن أبي طلحة قال : سألت عبداً صالحاً عن قول اللّه

عزّ وجلّ : )أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً((3) ما حدُّ ذلك ؟ قال : «فإن لم تجدوا بشراءٍ أو غير شراء»(4) .

فلو كان عنده المادّتان اللتان يتركّب منهما الماء - حسب التجربيات الحديثة - ويمكنه مزجهما حتّى يحصل الماء ، يجب عليه ، ولا أظنّ التزامهم بعدم الوجوب والانتقال إلى التيمّم .

وما يقال : من عدم اعتناء العرف والعقلاء بهذا النحو من القدرة الحاصلة بالمعالجات غير المتعارفة ، وقياسه بخلط الحنطة بالتراب(5) ، غير وجيه ،

ص: 61


1- تهذيب الأحكام 1 : 191 / 550 ؛ وسائل الشيعة 3 : 356 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 10 ، الحديث 1 .
2- تهذيب الأحكام 1 : 191 / 552 ؛ وسائل الشيعة 3 : 357 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 10 ، الحديث 2 .
3- النساء (4) : 43 ؛ المائدة (5) : 6 .
4- تفسير العيّاشي 1 : 244 / 146 ؛ وسائل الشيعة 3 : 389 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 26 ، الحديث 2 .
5- مصباح الفقيه ، الطهارة 6 : 119 - 120 .

والقياس مع الفارق ؛ فإنّ المدّعى : إمّا أنّ العرف لا يستفيد من الآية المطلوبية المطلقة للمائية ، وهو كما ترى ، بل لا يلتزم به القائل .

أو أنّ عدم الوجدان صادق ، ولا يجب على المكلّف إيجاد الماء وانسلاك نفسه في الواجد ، وهو أيضاً غير وجيه ، ولا أظنّ التزامه به ، وتردّه الروايات المتقدّمة .

أو أنّ العقلاء يرون نفوسهم عاجزة ، ولا يكون العلاج المذكور تحصيلاً للقدرة ، أو لا يكون تحصيلها كذلك واجباً ؛ وأنّ التكليف بمثله قبيح ، فهو أيضاً بجميع تقاديره ممنوع ؛ لعدم العجز بحسب الواقع مع إمكان المزج ، وعدم وجوبه إمّا ناشئ من عدم التكليف المطلق ، أو من حصول شرط التيمّم ، وهما ممنوعان . وأمّا غفلتهم عن إمكان تحصيل الماء بمثل ذلك فلا يضرّ بالمطلوب ، وليس ذلك إلاّ كغفلتهم عن وجود الماء ، وقد عرفت بطلان التيمّم معه(1) .

وكيف كان : الأقوى وجوب العلاج بأيّ نحو يمكنه بلا حرج ومشقّة .

ص: 62


1- تقدّم في الصفحة 56 .
السبب الثاني: عدم الوصلة إلى الماء

السبب الثاني : عدم الوصلة إلى الماء ، وهو قد يكون للتعذّر العقلي أو العادي ، كما لو كان في بئر لا يمكنه إخراجه والوصول إليه بوجه ، أو كان في محلّ لا يمكنه الوصول إليه لكبر ونحوه ، ومنه عدم الثمن لشرائه ، وهذا ممّا لا إشكال في التبديل به ؛ لما عرفت من استفادته من الآية بالبيان المتقدّم(1) .

وقد يكون الوصول إليه حرجياً ، كما لو كان في بئر يمكنه الوصول إليه مع الحرج والعسر ، ويدلّ على التبديل فيه أدلّة نفي الحرج .

وقد يقال : «إنّ الظاهر من نفي الحرج في الدين أنّ أحكام الدين سهلة غير حرجية ، فإذا لزم من الوضوء أو الغسل أو نحوهما حرج يرفع بدليله ، وأمّا إذا كان الحرج في المقدّمات فلا ؛ لأنّ المقدّمات ليست من الدين ، ووجوبها عقلي لا شرعي ، فما هو من الدين - كالوضوء في المقام - ليس حرجياً ، وما فيه الحرج ليس مجعولاً ، ولا من الدين»(2) .

ص: 63


1- تقدّم في الصفحة 31 .
2- اُنظر جواهر الكلام 13 : 25 ؛ مصباح الفقيه ، الصلاة 15 : 443 .

وفيه : أنّ المتفاهم من آية نفي الحرج - بمناسبة كونه تعالى في مقام الامتنان - أ نّه تعالى لم يجعل تكليفاً ينشأ من قِبله الحرج ؛ كان في نفس المكلّف به أو مقدّماته أو نتائجه .

ويؤيّد ما ذكرنا بل يدلّ عليه استشهاد أبي عبداللّه علیه السلام في رواية عبد الأعلى الصحيحة - على الأصحّ(1) - بالآية الكريمة ، قال : قلت لأبي عبداللّه علیه السلام : عثرت

فانقطع ظفري ، فجعلت على إصبعي مرارة ، فكيف أصنع بالوضوء ؟ قال : «يعرف هذا وأشباهه من كتاب اللّه عزّ وجلّ ؛ قال اللّه تعالى : )مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ((2) امسح عليه»(3) .

فإنّ الحرج ليس في مسح الإصبع برطوبة اليد ، بل في مقدّماته من نزع الخرقة ورفع المرارة .

هذا ، مضافاً إلى إمكان استفادته من ذيل آية التيمّم ، قال تعالى : )وَإِنْ كُنْتُمْ

مَرْضَى أَوْ على سَفَرٍ . . . فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً . . .( إلى أن قال : )مَا يُرِيدُ اللّه ُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ((4) فإنّ الظاهر ارتباط هذه الجملة بالمريض والمسافر ، ولا

ص: 64


1- رواها الشيخ الطوسي بإسناده ، عن أحمد بن محمّد ، عن ابن محبوب ، عن علي بن الحسن بن رباط ، عن عبدالأعلى مولى آل سام . ولا كلام في رجال السند إلاّ في عبدالأعلى مولى آل سام . تنقيح المقال 2 : 132 / السطر21 (أبواب العين) .
2- الحجّ (22) : 78 .
3- الكافي 3 : 33 / 4 ؛ تهذيب الأحكام 1 : 363 / 1097 ؛ وسائل الشيعة 1 : 464 ، كتاب الطهارة ، أبواب الوضوء ، الباب 39 ، الحديث 5 .
4- المائدة (5) : 6 .

وجه لاختصاصها بالأوّل ، فتكون حرجية الوضوء بالنسبة إلى المسافر الفاقد في

مقدّمات تحصيل الماء ، كالتخلّف عن الرفقة وغيره ، فيستفاد منها أعمّية الحرج من كونه في الطبيعة المأمور بها .

وأمّا روايات الركية ، كصحيحة الحلبي : أ نّه سأل أبا عبداللّه علیه السلام عن الرجل

يمرّ بالركية وليس معه دلو ، قال : «ليس عليه أن يدخل الركية ؛ لأنّ ربّ الماء هو ربّ الأرض ، فليتيمّم»(1) ، ومثلها صحيحة الحسين بن أبي العلاء(2) على الأصحّ(3).

وصحيحة عبداللّه بن أبي يعفور ، عنه قال : «إذا أتيت البئر وأنت جنب ، فلم تجد دلواً ولا شيئاً تغرف به ، فتيمّم بالصعيد ؛ فإنّ ربّ الماء هو ربّ الصعيد ، ولا تقع في البئر ، ولا تفسد على القوم ماءَهم»(4) .

ص: 65


1- الفقيه 1 : 57 / 213 ؛ وسائل الشيعة 3 : 343 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 3 ، الحديث 1 .
2- الكافي 3 : 64 / 7 ؛ وسائل الشيعة 3 : 344 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 3 ، الحديث 4 .
3- الحسين بن أبي العلاء الخفّاف هو أبو علي الأعور ، وأخواه علي وعبد الحميد ، وكان الحسين أوجههم ، ولا ريب في كونه إمامياً ، ولكن اختلفوا في وثاقته ؛ فمنهم من أثبتها ومنهم من أنكرها والمصنّف رجّح جانب الوثاقة . رجال النجاشي : 52 / 117 ؛ اختيار معرفة الرجال : 44 / 94 ؛ الفهرست ، الطوسي : 107/204 ؛ تنقيح المقال 1 : 317 / السطر 11 .
4- تهذيب الأحكام 1 : 185 / 535 ؛ وسائل الشيعة 3 : 344 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 3 ، الحديث 2 .

ففي دلالتها على المطلوب إشكال :

أمّا الاُوليان ، فلاحتمال أن يكون ذلك لخوف السقوط والعطب ، أو للحرج ، أو لإفساد الماء على القوم ؛ لأجل سقوط الوحل والتراب من جدار البئر ، وإن كان الأخير غير مناسب لقوله : «ليس عليه أن يدخل» بل المناسب له : «ليس له أن يدخل» . وكيف كان : دلالتهما على التبديل - في الجملة - ظاهرة ، لكن كونه للحرج غير ظاهر . إلاّ أن يقال بشمول إطلاقهما له ، أو يقال : إنّ خوف الضرر موجب لحرجية التكليف .

وأمّا صحيحة ابن أبي يعفور الواردة في الجنب ، فليست مربوطة بالحرج ، بل النهي عن الدخول إنّما هو لإفساد الماء المعدّ لشرب القوافل والمارّة ، وتلك الآبار في الطرق إنّما حفرت لاستقاء المارّة للشرب وسائر الحاجات ، ولا يجوز إفسادها والدخول فيها ؛ لعدم كونها كالمياه المباحة ، ولا يجوز التصرّف فيها بغير ما جعلت له . وكيف كان لا ربط لها بالحرج الذي يكون الكلام فيه .

ومن الحرج الشراء الموجب للشدّة والضيق في المعيشة ، أو للوهن في وجاهته واعتباره ؛ من غير فرق بين أن يكون أزيد من ثمن المثل أو لا ، ولا في حصول الحرج في الحال أو في الاستقبال ممّا يعدّ بنظر العرف حرجاً . وما دلّ على وجوب شرائه بمائة درهم بل بما بلغ - لو سلّم إطلاقه بالنسبة إلى مورد الحرج ، وغضّ عن أنّ قوله في صحيحة صفوان : «وهو واجد لها»(1) ظاهر في أ نّه ميسور له ، كما هو ظاهر ذيل خبر الحسين بن أبي طلحة ،

ص: 66


1- الكافي 3 : 74 / 17 ؛ تهذيب الأحكام 1 : 406 / 1276 ؛ وسائل الشيعة 3 : 389 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 26 ، الحديث 1 .

وهو قوله : «على قدر جِدَته»(1) - فمحكوم لدليل نفي الحرج ، كما هو واضح .

ومن الحرج الخوف من السبع واللصّ ولو كان على أخذ ماله لا على نفسه ؛ لأنّ لأخذ اللصّ ماله والتسلّط عليه مهانةً وذلّةً ووهناً تأبى عنها النفوس غالباً ،

ويكون تحمّلها حرجياً .

ومنه الخوف على العرض ، فإنّ الوقوع في معرض هتك الأعراض من أوضح موارد الحرج .

وتدلّ على جواز التيمّم عند خوف السبع واللصّ - مضافاً إلى دليل نفي الحرج - رواية داود بن كثير الرقّي ، ولا يبعد صحّتها ؛ لعدم بُعد وثاقة داود(2) ، قال : قلت لأبي عبداللّه علیه السلام : أكون في السفر فتحضر الصلاة ، وليس معي ماء ، ويقال : إنّ الماء قريب منّا ، أفأطلب الماء - وأنا في وقت - يميناً وشمالاً ؟ قال : «لا تطلب الماء ، ولكن تيمّم ؛ فإنّي أخاف عليك التخلّف عن أصحابك ، فتضلّ ويأكلك السبع»(3) .

ص: 67


1- تفسير العيّاشي 1 : 244 / 146 ؛ وسائل الشيعة 3 : 389 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 26 ، الحديث 2 .
2- اختلف الأصحاب في وثاقة داود بن كثير الرقّي ؛ قال النجاشي : «ضعيف جدّاً والغلاة تروي عنه» ، وقال الشيخ : «داود بن كثير الرقّي مولى بني أسد ثقة» . رجال النجاشي : 156/ 410 ؛ رجال الطوسي : 336/ 1 ؛ تنقيح المقال 1 : 414 / السطر 2 .
3- الكافي 3 : 64 / 6 ؛ تهذيب الأحكام 1 : 185 / 536 ؛ وسائل الشيعة 3 : 342 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 2 ، الحديث 1 .

ورواية يعقوب بن سالم قال : سألت أبا عبداللّه عن رجل لا يكون معه ماء ، والماء عن يمين الطريق ويساره غلوتين أو نحو ذلك ، قال : «لا آمره أن يغرّر بنفسه ؛ فيعرض له لصّ أو سبع»(1) .

وهما مختصّتان بالخوف على نفسه ، ولعلّ اللصوص في تلك الأزمنة والأمكنة كانوا كثيرين ، والتخلّف عن الرِفقة كان تغريراً بالنفس نوعاً ؛ لعدم إبائهم عن إراقة الدماء ، ولهذا أجاب الإمام علیه السلام بما أجاب ، مع إطلاق السؤال ، بل لا يبعد أن يكون السؤال قرينة على الخوف ، وإلاّ فمع الأمن ووجود الماء لا يحتمل سقوط الوضوء .

وقد يكون في الوصول إلى الماء ضرر مالي ؛ من غير حصول عنوان آخر كالحرج ، فقد استدلّ(2) على سقوط المائية به بدليل «لا ضرر ولا ضرار»(3) وبالإجماع المحكيّ عن «الغنية» و«المعتبر» و«المنتهى» و«التذكرة» و«كشف اللثام» و«المدارك»(4) وبروايتي داود ويعقوب المتقدّمتين ، وباستقراء أخبار التيمّم في سقوط المائية بأقلّ من ذلك .

وفيه ما ذكرناه في رسالة مستقلّة : من أنّ دليل الضرر ليس بصدد رفع

ص: 68


1- الكافي 3 : 65 / 8 ؛ وسائل الشيعة 3 : 342 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 2 ، الحديث 2 .
2- اُنظر مصباح الفقيه ، الطهارة 6 : 124 - 126 .
3- الكافي 5 : 292 / 2 ؛ الفقيه 3 : 147 / 18 ؛ تهذيب الأحكام 7 : 146/ 651 ؛ وسائل الشيعة 25 : 428 ، كتاب إحياء الموات ، الباب 12 ، الحديث 3 .
4- غنية النزوع 1 : 64 ؛ المعتبر 1 : 366 ؛ منتهى المطلب 3 : 21 ؛ تذكرة الفقهاء 2 : 163 ؛ كشف اللثام 2 : 439 ؛ مدارك الأحكام 2 : 190 .

الأحكام الضررية ، كما أفادوا (1) ، بل حكم سياسي سلطاني صدر من رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم بما هو سلطان على الناس ، فراجع(2) .

والإجماع المحكيّ - مع كونه موهوناً ؛ لأجل احتمال استنادهم إلى الأدلّة ،

مثل دليلي الضرر والحرج وغيرهما من الأخبار - لا يبعد أن يكون معقده هو الخوف من اللصّ على ماله ، وقد مرّ أ نّه حرجي مرفوع بدليله ، ففي «الغنية» ادّعى الإجماع على الجواز عند حصول خوف من عدوّ من غير ذكر المال(3) .

وفي «المنتهى» ادّعى عدم وجدان الخلاف في الخوف على المال من لصّ أو عدوّ أو حريق(4) ، وعن «المعتبر» و«كشف اللثام» مثله(5) .

وفي «المدارك» : «هذا الحكم مجمع عليه بين الأصحاب على ما نقله جماعة ، بل قال في «المنتهى» : إنّه لا يعرف فيه خلافاً بين أهل العلم»(6) انتهى . والقيد الأخير ليس في النسخة الموجودة عندي .

وكيف كان : هذه العبارات - كماترى - ظاهرة في دعوى الإجماع في مورد الخوف من اللصّ ومثله ، وهو حرجي كما مرّ . والروايتان موردهما الخوف من اللصّ والسبع أيضاً ، بل ظاهرهما الخوف على النفس .

ص: 69


1- رسائل فقهية ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 23 : 114 ؛ كفاية الاُصول : 433 ؛ منية الطالب ، قاعدة لا ضرر 3 : 382 .
2- بدائع الدرر في قاعدة نفي الضرر ، الإمام الخميني قدس سره : 74 .
3- غنية النزوع 1 : 64 .
4- منتهى المطلب 3 : 21 .
5- المعتبر 1 : 366 ؛ كشف اللثام 2 : 439 .
6- مدارك الأحكام 2 : 190 .

والتمسّك بالاستقراء(1) في غير محلّه ؛ بعد ورود وجوب شراء ماء الوضوء بالغاً ما بلغ(2) ، بل يمكن استفادة وجوب صرف المال لتحصيل الماء للطهارة من صحيحة صفوان في غير المورد المنصوص عليه ، قال : سألت أبا الحسن علیه السلام

عن رجل احتاج إلى الوضوء للصلاة وهو لا يقدر على الماء ، فوجد بقدر ما يتوضّأ به بمائة درهم أو بألف درهم وهو واجد لها ، أيشتري ويتوضّأ ، أو يتيمّم ؟ قال : «لا ، بل يشتري ، قد أصابني مثل ذلك فاشتريت وتوضّأت ، وما يشتري بذلك مال كثير»(3) .

حيث قال : «إنّ ماء الوضوء مال كثير» وهو بمنزلة التعليل ، فيستفاد منه أنّ صرف المال لتحصيل المال الكثير عقلائي ، فإذا كان تحصيل ذلك المال الكثير لازماً ، يجب صرف المال لأجله ولو بغير شرائه ، كشراء الآلات وحفر البئر وإعطاء المال للإذن بالدخول في ملكه ، والعبور عنه للوصول إليه ، واستئجار الغير لتحصيله ، بل ولو خاف من ضياع ماله في سبيل تحصيله ما لم يكن حرجياً ، بل وشقّ الثوب النفيس إذا لم يكن فيه محذور شرعي ، على تأمّل في الأخير لأجل احتمال انصرافِ الدليل عن مثله ، وصدقِ عدم الوجدان وعدم القدرة عرفاً على تحصيله .

ص: 70


1- جواهر الكلام 5 : 103 .
2- وسائل الشيعة 3 : 389 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 26 ، الحديث 2 .
3- الكافي 3 : 74 / 17 ؛ تهذيب الأحكام 1 : 406 / 1276 ؛ وسائل الشيعة 3 : 389 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 26 ، الحديث 1 .
السبب الثالث: كون الاستعمال حرجياً
اشارة

السبب الثالث : كون الاستعمال حرجياً ولو لم يخف الضرر ، كالبرد الشديد الذي يكون التوضّي والاغتسال معه ذا مشقّة ، ويعدّ التكليف معه حرجياً ، أو كان في استعمال الماء ضرر موجب للهلاك ، أو عيب ، أو حدوث مرض ، أو شدّته ، أو طول مدّته ، أو صعوبة علاجه ، أو عدم بُرئه ، أو خاف على نفسه ممّا ذكر وأمثاله من الأمراض المعتدّ بها ؛ حتّى مثل الشَين الذي يعلو البشرة من الخشونة المشوّهة للخلقة ممّا يعتني به العقلاء ، ولا عبرة باليسير غير المعتنى به ممّا لا يعدّ ضرراً ولا حرجاً ولا مرضاً .

وتدلّ على ذلك كلّه الآية الكريمة : )وَإنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ . . .(إلى قوله تعالى : )مَا يُرِيدُ اللّه ُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ((1) .

فإنّ عنوان «المرض» وإن كان صادقاً على مطلقه ؛ حتّى ما لا يكون استعمال الماء منافياً له أو مضرّاً به ، لكن المناسبة بين الحكم والموضوع وذكر المرض

ص: 71


1- المائدة (5) : 6 .

عقيب وجوب المائية ، توجب الانصراف إلى ما تكون المائية منافية لمرضه ومضرّة به ، كما يستفاد منه التبديل إذا أضرّته المائية ولو لم يندرج تحت عنوان «المرض» كما لو كان به قرح أو جرح ، فإنّهما لا يعدّان مرضاً عرفاً ، فإنّه عبارة عن اختلال مزاجي ، كالحمّى والسلّ وغيرهما ، كما أنّ الظاهر أنّ الرمد وبعض الأوجاع أيضاً لا يعدّ مرضاً عرفاً .

وكيف كان : يستفاد حكم جميع ما ذُكر من ذكر المرض في ذيل الوضوء والغسل ؛ بمناسبة الحكم والموضوع .

هذا مع قطع النظر عن قوله : )مَا يُرِيدُ اللّه . . .( إلى آخره ، وإلاّ يكون الحكم أوضح ، فتدلّ الآية - صدراً وذيلاً - على التبديل في مطلق ما ينافيه المائية ومطلق الحرج ولو كان مأموناً من المرض ، بل يكون في نفس الوضوء لأجل البرد حرج . وتدلّ عليه آية عدم جعل الحرج في الدين أيضاً .

نعم ، تنصرف الأدلّة عن اليسير غير المعتنى به ، كما أشرنا إليه ، ولعلّ مراد

المحقّق رحمه الله علیه وغيره من المرض الشديد(1) ، هو مقابل اليسير المذكور ، ولا أظنّ أن يكون مرادهم اعتبار الشدّة احترازاً عن أوّل مراتب الحمّى - مثلاً - ولو كان الغسل معه مضرّاً به .

سقوط المائية مع خوف حدوث الأمراض مثلاً

ثمّ إنّه يستفاد من ذيل الآية رفع المائية مع خوف المذكورات ، فإنّ التكليف بها مع الخوف ضيق وحرج وتشديد على المكلّف ، فيعدّ التكليف مع خوف

ص: 72


1- شرائع الإسلام 1 : 39 ؛ تحرير الأحكام 1 : 142 .

الهلاك أو حدوث العيوب والأمراض تضييقاً وتحريجاً عليه ، ومخالفاً لقوله : )ما يُرِيدُ اللّه . . .( إلى آخره .

وتدلّ على ما ذكر - مضافاً إلى الآية والإجماع المتكرّر في ألسنتهم(1) - روايات مستفيضة لو لم تكن متواترة ، ففي صحيحة محمّد بن سكين ، عن أبي عبداللّه علیه السلام قال : قيل له : إنّ فلاناً أصابته جنابة وهو مجدور ، فغسّلوه فمات ، قال : «قتلوه ، ألا سألوا ؟! ألا يمّموه ؟! إنّ شفاء العيّ السؤال»(2) .

وفي صحيحة محمّد بن مسلم قال : سألت أبا جعفر علیه السلام عن الرجل يكون به القرح والجراحة يجنب ، قال : «لا بأس بأن لا يغتسل ؛ يتيمّم»(3) .

وفي صحيحة ابن أبي نصر ، عن الرضا علیه السلام : في الرجل تصيبه الجنابة ، وبه قروح أو جروح ، أو يكون يخاف على نفسه من البرد ، فقال : «لا يغتسل ويتيمّم»(4) .

ونحوها صحيحة داود بن سرحان ، عن أبي عبداللّه علیه السلام (5) . . . إلى غير ذلك .

ص: 73


1- راجع مفتاح الكرامة 4 : 354 - 355 ؛ جواهر الكلام 5 : 104 - 105 .
2- الكافي 3 : 68 / 5 ؛ وسائل الشيعة 3 : 346 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 5 ، الحديث 1 .
3- الكافي 3 : 68 / 1 ؛ وسائل الشيعة 3 : 347 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 5 ، الحديث 5 .
4- تهذيب الأحكام 1 : 196 / 566 ؛ وسائل الشيعة 3 : 347 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 5 ، الحديث 7 .
5- تهذيب الأحكام 1 : 185 / 531 ؛ وسائل الشيعة 3 : 348 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 5 ، الحديث 8 .

ولا فرق فيما ذكر بين الحدث الأصغر والأكبر ، ولا بين حدوثه اختياراً أو لا ، لكن وردت روايات منافية لذلك ، كصحيحة سليمان بن خالد وأبي بصير ، عن أبي عبداللّه علیه السلام : أ نّه سئل عن رجل كان في أرض باردة ، فتخوّف إن هو اغتسل أن يصيبه عَنَت من الغسل ، كيف يصنع ؟ قال : «يغتسل وإن أصابه ما أصابه» .

قال : - وذكر أ نّه كان وَجِعاً شديد الوجع ، فأصابته جنابة وهو في مكان بارد ، وكانت ليلة شديدة الريح باردة - «فدعوتُ الغِلْمة فقلت لهم : احملوني فاغسلوني ، فقالوا : إنّا نخاف عليك ، فقلت : ليس بدّ ، فحملوني ووضعوني على خَشَبات ، ثمّ صبّوا عليّ الماء فغسّلوني»(1) .

وصحيحة محمّد بن مسلم قال : سألت أبا عبداللّه علیه السلام عن رجل تصيبه الجنابة في أرض باردة ولا يجد الماء ، وعسى أن يكون الماء جامداً ، فقال : «يغتسل على ما كان» حدّثه رجل : أ نّه فعل ذلك فمرض شهراً من البرد ، فقال : «اغتسل على ما كان ؛ فإنّه لا بدّ من الغسل» وذكر أبو عبداللّه علیه السلام : أ نّه اضطرّ إليه وهو مريض ، فأتوه به مسخّناً فاغتسل وقال : «لا بدّ من الغسل»(2) .

وقد يجمع(3) بينهما وبين ما تقدّم بحملهما على الجنابة الاختيارية ، وحمل ما سبق على الاحتلام ؛ بشهادة مرفوعة علي بن أحمد ، عن أبي عبداللّه علیه السلام قال :

ص: 74


1- تهذيب الأحكام 1 : 198 / 575 ؛ وسائل الشيعة 3 : 373 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 17 ، الحديث 3 .
2- تهذيب الأحكام 1 : 198 / 576 ؛ وسائل الشيعة 3 : 374 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 17 ، الحديث 4 .
3- راجع مستند الشيعة 3 : 374 - 375 .

سألته عن مجدور أصابته جنابة ، قال : «إن كان أجنب هو فليغتسل ، وإن كان احتلم فليتيمّم»(1) .

ومرفوعة إبراهيم بن هاشم قال : «إن أجنب فعليه أن يغتسل على ما كان منه ، وإن احتلم فليتيمّم»(2) .

بل عن «الخلاف» دعوى إجماع الفرقة على وجوب الغسل على من أجنب اختياراً (3) ، وعن المفيد والصدوق اختياره(4) .

وفيه : أنّ مرفوعة ابن هاشم لا يعلم كونها رواية ، بل لا يبعد أن يكون ذلك فتواه جمعاً بين الروايات ، ومرفوعةَ علي بن أحمد - مع رفعها ، وجهالة ابن أحمد(5) ، ومخالفتها للروايات الكثيرة في المجدور(6) مع كونها آبية عن التقييد - لا تصلح للشهادة على الجمع .

مع أنّ مثل هذا الجمع غير عقلائي ولا مقبول ، وأنّ المذكور في صحيحة

ص: 75


1- الكافي 3 : 68 / 3 ؛ الفقيه 1 : 59 / 219 ؛ تهذيب الأحكام 1 : 198 / 574 ؛ وسائل الشيعة 3 : 373 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 17 ، الحديث 1 .
2- الكافي 3 : 67 / 2 ؛ وسائل الشيعة 3 : 373 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 17 ، الحديث 2 .
3- الخلاف 1 : 157 .
4- المقنعة : 60 ؛ الهداية ، الصدوق : 89 .
5- هو علي بن أحمد بن أشيم ، قال الشيخ الطوسي رحمه الله : «علي بن أحمد بن أشيم مجهول» . رجال الطوسي : 363 / 66 .
6- راجع وسائل الشيعة 3 : 346 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 5 ، الحديث 1 و3 و4 و10 .

ابن مسلم : «تُصيبه الجنابة» ولا يبعد ظهوره في غير الاختيارية ، وكذا الحال في صحيحتي البزنطي وابن سرحان .

وذكرُ أبي عبداللّه علیه السلام لإصابته الجنابة - مع كونه منزّهاً عن الاحتلام - لا يصير شاهداً على كون السؤال عن حصولها باختياره ، والتعبير عن جنابة نفسه ب- «الإصابة» التي يجب صرفها إلى الاختيارية ، لا يوجب ظهورها في نفسها في الاختيارية ، بل لعلّه يوجب وهناً في الرواية . وكيف كان هذا الجمع ضعيف غير مقبول .

وأضعف منه الاتّكال على دعوى إجماع «الخلاف» مع كون خلافه مظنّة الإجماع .

بل عن ظاهر «المنتهى» الإجماع عليه ، قال : «لو أجنب مختاراً وخشي البرد تيمّم عندنا»(1) وفي «الجواهر» : «المشهور بين الأصحاب -

نقلاً وتحصيلاً - عدم الفرق بين متعمّد الجنابة وغيره»(2) .

هذا كلّه مع منافاة ما ذكر للكتاب والسنّة ، وإباء أدلّة نفي الحرج(3) من التقييد ، ومخالفته لسهولة الملّة وسماحتها ، ومخالفة بعض مراتبه للعقل ، كخوف تلف النفس ، ولهذا خصّه بعضهم بما إذا لم يخف منه(4) ، زاعماً كونه جمعاً بين الأخبار وبين مثل صحيحة عبداللّه بن سِنان ، عن أبي عبداللّه علیه السلام : في الرجل

ص: 76


1- منتهى المطلب 3 : 126 .
2- جواهر الكلام 5 : 108 .
3- كقوله تعالى : )وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُم فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ( . الحجّ (22) : 78 .
4- مستند الشيعة 3 : 376 .

تصيبه الجنابة في الليلة الباردة ، فيخاف على نفسه التلف إن اغتسل ، فقال :

«يتيمّم ويصلّي ، فإذا أمن البرد اغتسل وأعاد»(1) .

ويتلو الجمع المتقدّم في الضعف - لو لم يكن أضعف منه - حمل الصحيحتين على الاستحباب بدعوى : «أنّ الغالب أنّ الخوف على النفس من مرض شديد أو تلف من البرد عند صحّة المزاج - كما هو منصرف السؤال - إنّما ينشأ عن احتمال موهوم في الغاية لا يجب رعايته ، والمظنون الغالب في مثل الفرض الأمن من الضرر لو فرض التحمّي والتحفّظ . بل ربّما يكون الخوف من التلف والمرض من تسويلات النفس تنشأ من مشقّة الفعل ، كما تشهد به صحيحة سليمان ؛ حيث فرض إصابة العنت وهو المشقّة ، فقول الإمام علیه السلام : «يغتسل وإن أصابه ما أصابه» يعني من العنت ، وأمّا الخوف من التلف أو المرض الواجب التحرّز ، فلا يكون غالباً إلاّ على الاحتمال الموهوم ، ولا مانع من حمل الصحيحتين على مثل الفرض وحملهما على الاستحباب .

ولا يعارضهما عمومات نفي الحرج والصحاح المتقدّمة ؛ إذ لا يفهم من العمومات إلاّ الرخصة ، ولا من النهي في الصحاح الوارد في مقام توهّم الوجوب إلاّ جواز الترك»(2) انتهى .

وذلك لأنّ دعوى موهومية الاحتمال في المقام في غاية الضعف ، وكيف يكون الاحتمال موهوماً في مورد الصحيحتين مع ذكر الإمام علیه السلام في صحيحة

ص: 77


1- الفقيه 1 : 60 / 224 ؛ وسائل الشيعة 3 : 372 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 16 ، الحديث 1 .
2- مصباح الفقيه ، الطهارة 6 : 143 .

سليمان الأمر بتغسيله في ليلة باردة شديدة الريح مع الوجع الشديد ؛ بحيث لم يتمكّن من الحركة ولا من الاغتسال بنفسه ، فحملوه وغسّلوه ، ولم يقل في جواب الغِلْمة حيث قالوا : «إنّا نخاف عليك» : «لا خوف عليّ» بل قال : «ليس بُدّ» أي ولو مع الخوف ، ومع حديث الرجل في صحيحة ابن مسلم : أ نّه فعل ذلك فمرض شهراً من البرد ، فقال علیه السلام : «اغتسل على ما كان ؛ فإنّه لا بدّ من الغسل» ممّا هو كالصريح في لا بدّية الغسل ولو مع الخوف من المرض كائناً ما كان ، بل ولو مع العلم بحدوثه ، بل مع المرض الفعلي ، كما حكى عن غسله في مرضه ؟!

ويتلوه في الضعف دعواه انصراف السؤال إلى صحيح المزاج وسليمه ، فإنّه في نفسه وإن لا يبعد انصرافه إليه ، لكنّ الجواب وحكاية أبي عبداللّه علیه السلام مرضه

ووجعه الشديد ، صريح في لا بدّية الغسل ولو كان مريضاً وسقيماً ، وفي معرض الازدياد ، بل التلف .

وقوله في صحيحة سليمان : «نتخوّف إن هو اغتسل أن يصيبه عَنَت من الغسل» الذي استشهد به لمرامه من أنّ «العَنَت» عبارة عن المشقّة ، وقوله علیه السلام : «يغتسل وإن أصابه ما أصابه» أي من العنت والمشقّة ، غير صالح للاستشهاد ؛ لأنّ «العنت» كما جاء بمعنى المشقّة ، جاء بمعنى الهلاك والفساد(1) ، وظاهر قوله : «نتخوّف أن يصيبه عنت» إصابة فساد أو هلاك ، وإلاّ فأصل المشقّة في الأرض الباردة معلومة ، ولا يقال معها : «نتخوّف أن يصيبه» .

ولو سلّم لكن لحن قوله : «وإن أصابه ما أصابه» لا يلائم الحمل على المشقّة فقط . ولو سلّم لكن حكاية أبي عبداللّه علیه السلام اغتساله مع الوجع الشديد والليلة

ص: 78


1- لسان العرب 9 : 415 ؛ مجمع البحرين 2 : 211 .

الباردة والريح الشديد وقول الغِلْمة وغير ذلك ، مخالف لما ذُكر . ولو سلّم ذلك في صحيحة سليمان لا يأتي احتماله في صحيحة ابن مسلم .

وأضعف من جميع ذلك حملهما على الاستحباب مع إبائهما عنه ، وكيف يحمل عليه قوله : «يغتسل وإن أصابه ما أصابه» وقوله علیه السلام في جواب الغِلْمة مع الخوف على نفسه : «ليس بُدّ» وقوله : «يغتسل على ما كان» وقوله - بعد قول الرجل : «فمرض شهراً من البرد» - : «اغتسل على ما كان» وقوله بعد حكاية غسله في حال المرض : «لا بدّ من الغسل» ؟! ولَعَمري إنّ طرح الرواية أولى من هذا النحو من الجمع .

وكيف كان : لا محيص عن طرحهما وردّ علمهما إلى أهله ؛ بعد وَهْنهما بظهورهما في إصابة الجنابة إيّاه علیه السلام من غير اختيار ، وهو منزّه عنها ، وبغاية بُعد الاختيارية منها في هذه الحال وفي هذه الأرض الباردة المَخوفة على النفس ، ولمخالفتهما للعقل والكتاب والسنّة ، وبإعراض المشهور عنهما على ما حكي(1) ، وموافقتهما للمحكيّ عن أصحاب الرأي وأحمد في إحدى الروايتين(2) .

حول سقوط المائية مع خوف الشَيْن

ثمّ قد مرّ أ نّه لا فرق في خوف المرض وغيره بين الشديد والضعيف ، إلاّ إذا كان يسيراً غير معتنىً به(3) .

ص: 79


1- مصباح الفقيه ، الطهارة 6 : 142 .
2- اُنظر جواهر الكلام 5 : 110 ؛ منته-ى المطلب 3 : 28 ؛ المغني ، ابن قدامة 1 : 262 و265 .
3- تقدّم في الصفحة 71 .

وأمّا الشَيْن الذي ادّعي عدم وجدان الخلاف في جواز التيمّم معه(1) ، وعن «المعتبر» و«المنتهى» و«المدارك» و«الكفاية» جوازه عند علمائنا (2) ، وهو ظاهر في الإجماع ، بل عن «جامع المقاصد» دعواه صريحاً (3) ، فإن كان

المراد منه بعض الأمراض الجلدية من قبيل الجرب والسوداء ، فلا إشكال في صحّة التيمّم معه ؛ لإطلاق الآية ، بل يستفاد حكمه من أدلّة القرح والجرح ؛ إمّا بدعوى اندراجه فيها ، أو بدعوى إلغاء الخصوصية عرفاً ، مضافاً إلى أدلّة نفي الحرج .

وإن كان المراد منه هو الخشونة التي تعلو البَشَرة ، وقد تنتهي إلى انشقاق الجلد ، فمع خوف الانشقاق المعتدّ به ينسلك في الأدلّة ولو بإلغاء الخصوصية ، ومع عدمه فلا دليل عليه إلاّ أدلّة نفي الحرج ، فلا بدّ من كونه بحدّ يصدق معه الحرج والمشقّة ، وصار التوضّي مع خوفه مندرجاً في التضييق والتحريج .

المراد من «الحرج»

ثمّ اعلم : أنّ ظاهر بعضهم في المقام - الذي هو من جزئيات الحرج - تقييده بما لا يتحمّل عادة(4) ، والظاهر منه أنّ «الحرج» عبارة عن المشقّة التي لا تتحمّل

ص: 80


1- جواهر الكلام 5 : 113 .
2- المعتبر 1 : 365 ؛ منتهى المطلب 3 : 32 ؛ مدارك الأحكام 2 : 195 ؛ كفاية الفقه (كفاية الأحكام) 1 : 41 .
3- اُنظر جواهر الكلام 5 : 113 ؛ جامع المقاصد 1 : 473 .
4- مسالك الأفهام 1 : 111 ؛ مجمع الفائدة والبرهان 1 : 215 ؛ جواهر الكلام 5 : 114 .

عادة . ويؤيّده قول بعض أهل اللغة - على ما قيل - : «إنّ الحرج أضيق الضيق»(1) .

وفي «المجمع» : )مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ( أي من ضيق ؛ بأن يكلّفكم ما لا طاقة لكم به وما تعجزون عنه ، يقال : حَرِجَ يَحْرَج - من باب علم - أي ضاق . وفي كلام الشيخ علي بن إبراهيم : «الحرج : الذي لا مدخل له ، والضيق : ما يكون له مدخل»(2) انتهى .

وفي «الصحاح» : «مكانٌ حَرَجٌ وحَرِجٌ : أي ضيّقٌ كثير الشجر لا تصل إليه الراعية»(3) ونُقِل ذلك عن ابن عبّاس أيضاً (4) .

هذا ، لكنّ الظاهر من كثير من كتب اللغة تفسيره بالضيّق من غير تقييد بما لا يتحمّل أو غيره ، ففي «الصحاح» و«القاموس» : «التحريج : التضييق»(5) وتقدّم عن «المجمع» : «حَرِجَ - من باب علم - أي ضاق» .

وفي «المنجد» : «حَرِج الشيء : ضاق ، حَرّجه : ضيّقه»(6) .

وعن «النهاية» : «الحَرَج في الأصل : الضيق»(7) .

وحكى في «مجمع البيان» تفسيره بالضيق والعنت عن جميع المفسّرين(8) ،

ص: 81


1- اُنظر لسان العرب 3 : 107 .
2- مجمع البحرين 2 : 288 - 289 .
3- الصحاح 1 : 305 .
4- اُنظر لسان العرب 3 : 107 .
5- الصحاح 1 : 306 ؛ القاموس المحيط 1 : 189 .
6- المنجد : 125 .
7- النهاية ، ابن الأثير 1 : 361 .
8- مجمع البيان 3 : 259 .

بل فسّره به في صحيحة زرارة المتقدّمة(1) عن المشايخ الثلاثة ، قال لأبي جعفر علیه السلام : ألا تخبرني من أين علمت وقلت : «إنّ المسح ببعض الرأس . . .» ؟ والحديث طويل متعرّض لتفسير الآية والنكات التي فيها ، وقال في آخره : ثمّ قال : «)مَا يُرِيدُ اللّه ُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ((2) والحرج : الضيق»(3) .

وعن «قرب الإسناد» عن الصادق ، عن أبيه ، عن النبي صلی الله علیه و آله وسلم قال : «أعطى اللّه اُمّتي وفضّلهم به على سائر الاُمم . . .» إلى أن قال : «وإنّ اللّه تعالى أعطى اُمّتي ذلك حيث يقول : )وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ((4) يقول : من ضيق»(5) .

وفي موثّقة أبي بصير في أبواب المياه قال : قلت لأبي عبداللّه علیه السلام : إنّا نسافر ، فربّما بُلينا بالغدير من المطر . . . إلى أن قال : «افرج الماء بيدك ثمّ توضّأ ؛ فإنّ الدين ليس بمضيّق ، فإنّ اللّه يقول : )مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ(»(6) .

ويظهر أيضاً من بعض موارد تمسّكهم بدليل نفي الحرج ، أوسعية الأمر ممّا

ص: 82


1- تقدّم في مبحث الوضوء . راجع الطهارة (تقريرات الإمام الخميني قدس سره) الفاضل اللنكراني : 448 .
2- المائدة (5) : 6 .
3- الكافي 3 : 30 / 4 ؛ الفقيه 1 : 56 / 212 ؛ تهذيب الأحكام 1 : 61 / 168 ؛ وسائل الشيعة 3 : 364 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 13 ، الحديث 1 .
4- الحجّ (22) : 78 .
5- قرب الإسناد : 84 / 277 .
6- تهذيب الأحكام 1 : 417 / 1316 ؛ وسائل الشيعة 1 : 163 ، كتاب الطهارة ، أبواب الماء المطلق ، الباب 9 ، الحديث 14 .

قيل ، كرواية عبد الأعلى(1) ، فإنّ رفع المرارة ليس ممّا لا يتحمّل عادة ، بل فيه مشقّة وكلفة .

وفي الرواية المحكيّة عن حمزة بن الطيّار ، عن أبي عبداللّه علیه السلام - والحديث طويل - قال فيه : «وكذلك إذا نظرت في جميع الأشياء لم تجد أحداً في ضيق»(2) .

وعن «قرب الإسناد» عن الصادق علیه السلام عن أبيه ، عن آبائه علیهم السلام قال : «لا غِلَظَ على مسلم في شيء»(3) .

مضافاً إلى أنّ لسان الآيات الشريفة الواردة في مقام الامتنان ، لسان عدم جعل مطلق الضيق ، كقوله : )يُرِيدُ اللّه ُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ((4) وقوله : )رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا((5) .

ص: 83


1- تقدّمت في الصفحة 64 .
2- الكافي 1 : 164 / 4 .
3- قرب الإسناد : 134 / 469 .
4- البقرة (2) : 185 .
5- البقرة (2) : 286 .
السبب الرابع: الخوف من العطش

السبب الرابع : الخوف من العطش في استعمال الماء على نفسه ، أو أولاده وعائلته ، أو صديقه ، بل كلّ ما يتعلّق به من الإنسان والحيوان ؛ من تلف ، أو حدوث مرض ، أو علّة ، أو عروض حرج ، أو مشقّة من فقد الماء ؛ لأدلّة نفي الحرج ؛ ضرورة أ نّه كما يكون التكليف بالوضوء مع خوف ما ذكر على نفسه تحريجاً وتضييقاً ، كذلك إذا خاف على أطفاله وعياله ، أو صديقه ، بل غلمته ، بل حيوانه الذي يحتاج إليه في سفره ، بل مطلقاً إذا كان في حفظه غرض عقلائي ؛ سواء اُخذ للذبح لكن لا يكون في السفر محلّ ذبحه ويشقّ عليه حمله ، أو لم يؤخذ لذلك .

نعم ، لو اُخذ له ، ولا يتعلّق الغرض ببقائه ، ولا يكون في ذبحه أو حمله حرج ، فلا يستفاد حكمه من دليل نفي الحرج وإن لا يبعد استفادته من سائر الأدلّة ، كموثّقة سَماعة قال : سألت أبا عبداللّه علیه السلام عن الرجل يكون معه الماء في

ص: 84

السفر ، فيخاف قلّته ، قال : «يتيمّم بالصعيد ، ويستبقي الماء ؛ فإنّ اللّه عزّ وجلّ جعلهما طهوراً : الماء ، والصعيد»(1) .

لصدق خوف القلّة على من كان في سفر مع عائلته وكلّ ما يتعلّق ويرتبط به ؛ إنساناً أو حيواناً ، ذمّياً أو مسلماً ، بل لعلّه يشمل الخوف على الحربي المتعلّق به ؛ وإن كان الأقرب انصرافه عن مثل الحربي الذي يجب على الناس قتله بأيّة وسيلة ممكنة .

نعم ، لو لم يكن مهدور الدم ، لكن يكون مرتكباً لما يكون حدّه القتل - كالقاتل والزاني المحصن ؛ ممّن يكون قتله بيد شخص خاصّ أو بنحو خاصّ - فالظاهر شمول الرواية له .

بل لا يبعد شمولها للخوف على غير ما يتعلّق به ؛ آدمياً كان أو غيره ممّا له

كبد حرّى ؛ ضرورة أ نّه مع رؤية الإنسان إنساناً أو حيواناً يتلظّى عطشاً بمحضر منه ، يكون التكليف بالوضوء عليه تحريجاً وتضييقاً ؛ لأنّ النفوس الشريفة - بل غير القاسية والشقيّة - تأبى عن ذلك ، فحينئذٍ مع خوف حصول ذلك يصدق خوف القلّة ، بل تشمله أدلّة نفي الحرج .

ولا يبعد استفادته من صحيحة ابن سنان ، عن أبي عبداللّه علیه السلام : أ نّه قال في رجل أصابته جنابة في السفر ، وليس معه إلاّ ماء قليل ، ويخاف إن هو اغتسل أن يعطش ، قال : «إن خاف عطشاً فلا يهريق منه قطرة ، وليتيمّم

ص: 85


1- تهذيب الأحكام 1 : 405 / 1274 ؛ وسائل الشيعة 3 : 388 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 25 ، الحديث 3 .

بالصعيد ؛ فإنّ الصعيد أحبّ إليّ»(1) .

فإنّ تغيير الجواب عمّا هو متعارف وتنكير «العطش» ممّا يُشعر أو يدلّ على توسعة الموضوع من عطش نفسه ، وإلاّ كان حقّ الجواب إمّا أن يقول : «فليتيمّم» أو يقول : «إن خاف أن يعطش» أو «خاف العطش» فتبديل الجواب بما هو غير متعارف لا بدّ فيه من نكتة ؛ وهي إفادة توسعة الحكم لخوف عطش على نفسه أو غيره ؛ آدمي أو غيره .

ثمّ إنّ الظاهر من خوف العطش والقلّة أن يكونا مخوفين ، ولا يطلق عرفاً ذلك إلاّ على ما يكون في احتمالهما خطر هلاك أو مرض أو مشقّة ، وأمّا إذا احتمل العطش المتعارف فلا يقال : «يخاف من العطش» أو «القلّة» فليس المراد احتمال حصول أوّل مراتب العطش .

ومنه يظهر : أنّ احتمال قلّة الماء لمثل الطبخ والقهوة والقليان خارج من مصبّ الرواية ؛ لأنّ القلّة لا تكون مخوفة معه عادة ، ضرورة أنّ احتمال القلّة لكلّ حاجة لا يوجب الخوف ، ولا يطلق عليه ، فخوف القلّة ينحصر عرفاً بما يكون معرضاً لخطر أو حرج أو مشقّة .

ص: 86


1- الكافي 3 : 65 / 1 ؛ تهذيب الأحكام 1 : 404 / 1267 ؛ وسائل الشيعة 3 : 388 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 25 ، الحديث 1 .
السبب الخامس: لزوم المحذور الشرعي من استعمال الماء
اشارة

السبب الخامس : ما إذا لزم من استعمال الماء في الوضوء أو الغسل محذور شرعي ؛ من ترك واجب ، كما لو لزم من الاشتغال بأحدهما والصلاة تركُ إنقاذ غريق ، دون التيمّم ، أو تأخيرُ أداء الدين المطالَب به ونحوهما .

أو فعلِ محرّم ، كاستعمال ماء مغصوب ، أو العبور من طريق مغصوب ، أو استعمال آنية الذهب والفضّة ونحوها .

أو تركِ شرط معتبر في الصلاة ، كما لو لزم منه نجاسة مسجد الجبهة مع الانحصار وعدم إمكان التحرّز .

أو حصولِ مانع ، كما لو لزم منه نجاسة الساتر . ومنه ما لو كان الماء بقدر تطهير الثوب النجس أو الوضوء .

لا ريب في صحّة التيمّم - بل لزومه - في بعض تلك الموارد ، فهل يكون في جميع الأعذار الشرعية كذلك ، أو يكون من باب الأهمّ والمهمّ ولا بدّ من ملاحظة قاعدة باب التزاحم ؟

ص: 87

قد يقال(1) باستفادة كون كلّ عذر شرعي أو عقلي موجباً للتيمّم من الآية الكريمة(2) ؛ بدعوى : أنّ الظاهر من ذكر عدم الوجدان عقيب الأمر بالوضوء والغسل ، عدم وجدان ما يستعمل في الطهور بلا محذور مطلقاً ؛ ألا ترى أ نّه لو وجد أقلّ من الوضوء ، أو كان الماء للغير ، لا ينقدح في الذهن صدق وجدانه وعدم صحّة التيمّم معه ، فيظهر منه أنّ الموضوع هو الوجدان من غير محذور .

وفيه : أ نّه لا ريب في أنّ الظاهر من الآية - ولو بمناسبة الحكم والموضوع - هو وجدان ما يمكن استعماله في الطهارة كما مرّ(3) ، ففي صورة كون الماء غير وافٍ يتيمّم ، كما أ نّه لو كان الماء للغير يصدق عدم الوجدان عرفاً ، فإنّه غير واجد لمال الغير ، كما أ نّه يستفاد حكم عدم إمكان التوصّل إليه من الآية كما مرّ(4) ، لكن إلحاق كلّ محذور شرعي به غير ظاهر ؛ فإنّ الوجدان صادق بلا شبهة مع وجوده في آنية الذهب والفضّة ، أو كان في التوصّل إليه وفي طريقه محذور شرعي ، فعدم الوجدان وإن عمّ ما تقدّم ، لكنّه لا يعمّ لمثل المحذور الشرعي ، وليس في الآية الكريمة - صدراً وذيلاً - ما يدلّ على ذلك ولو بالارتكاز العرفي والمناسبات . وبالجملة : إنّ عدم الوجدان هو العرفي منه ، كما في جميع الموضوعات المتعلّقة للأحكام ، وهو صادق مع ما تقدّم ، دون مطلق المحذور الشرعي . وقياس سائر المحاذير بمثل التصرّف في مال الغير

ص: 88


1- اُنظر مصباح الفقيه ، الطهارة 6 : 86 - 87 و123 .
2- المائدة (5) : 6 .
3- تقدّم في الصفحة 71 .
4- تقدّم في الصفحة 31 .

- أي غصب مائه - في غير محلّه ؛ لصدق عدم الوجدان عرفاً مع كونه للغير ، لا لأجل حكم الشارع بالحرمة ، بل لحكم العقلاء بأنّ الإنسان لم يكن واجداً لمال غيره ، وأمّا إذا كان الماء له والآنية من الذهب أو من مال الغير ، فلا شبهة

في صدق الوجدان ، وعدم إشعار في الآية بالإلحاق .

نعم ، يمكن أن يُستدلّ على المطلوب ببعض الروايات :

منها : صحيحة محمّد بن مسلم ، عن أبي عبداللّه علیه السلام قال : سألت عن رجل أجنب في سفر ، ولم يجد إلاّ الثلج أو ماءً جامداً ، فقال : «هو بمنزلة الضرورة يتيمّم»(1) .

حيث يظهر منها أنّ الضرورة أو ما هو بمنزلتها موضوع لصحّة التيمّم ، وموردها وإن كان من الضرورات التكوينية ، لكن لا يقيّد ما هو بمنزلة التعليل أو الكبرى بالمورد ، ولا ريب في أنّ التخلّص عن ارتكاب المحرّم أو ترك الواجب أو شرطه أو إتيان مانعه ، من الضرورات عرفاً وعقلاً ، ولا يمكن أن يقال : إنّ المحذور الشرعي ليس محذوراً في نظر العرف مع كونه متعبّداً بحكم هذا الشرع ، فأيّ ضرورة أعظم من التخلّص من مخالفة المولى ؟!

ودعوى عدم الإطلاق في الرواية غير وجيهة ، فإنّه لو كان موضوع التبديل عنواناً آخر لكان قوله : «هو بمنزلة الضرورة» في غير محلّه ، خصوصاً مع كونه بمنزلة التعليل ، فالظاهر أنّ كلّ ضرورة موجبة للانتقال .

ومنها : صحيحة أبي بصير ، عن أبي عبداللّه علیه السلام قال : «إذا كنتَ في حال

ص: 89


1- الكافي 3 : 67 / 1 ؛ وسائل الشيعة 3 : 355 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 9 ، الحديث 9 .

لا تقدر إلاّ على الطين فتيمّم به ؛ فإنّ اللّه أولى بالعذر»(1) .

حيث يظهر منها أنّ موضوع التبديل هو العذر من التيمّم بالتراب ، وهي وإن كانت في مورد آخر ، لكن يمكن الاستشهاد بها للمورد ، تأمّل .

ومنها : صحيحة عبداللّه بن أبي يعفور ، عن أبي عبداللّه علیه السلام قال : «إذا أتيت البئر وأنت جنب ، فلم تجد دَلْواً ولا شيئاً تغرف به ، فتيمّم بالصعيد ؛ فإنّ ربّ الماء هو ربّ الصعيد ، ولا تقع في البئر ، ولا تفسد على القوم ماءهم»(2) .

بدعوى : أنّ الظاهر من قوله : «لا تفسد على القوم ماءهم» أنّ فساد الماء عليهم محذور يوجب الانتقال ، والمحذور إمّا الحرمة الشرعية ، فيفهم أ نّه مع وقوع الحرام لا يجوز التوضّي والغسل ، وإمّا الغضاضة العرفية مع عدم محذور شرعي ، فيدلّ على التبديل مع المحذور الشرعي قطعاً ؛ لدلالتها على صحّة التيمّم بأدنى شيء ؛ ولو بمثل تنفّر الطباع عن الورود في الماء .

ومنها : دعوى أنّ المتفاهم من مجموع الروايات - كقوله : «إنّه أحد الطهورين»(3) و«إنّ ربّهما واحد»(4) و«يكفي عشر سنين»(5) وما دلّ على عدم

ص: 90


1- الكافي 3 : 67 / 1 ؛ وسائل الشيعة 3 : 354 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 9 ، الحديث 7 .
2- تهذيب الأحكام 1 : 185 / 535 ؛ وسائل الشيعة 3 : 344 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 3 ، الحديث 2 .
3- تقدّم في الصفحة 20 .
4- وسائل الشيعة 3 : 343 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 3 ؛ جامع أحاديث الشيعة 3 : 70 ، أبواب التيمّم ، الباب 1 ، الحديث 4 .
5- تقدّم في الصفحة 19 .

لزوم الفحص عن الماء أكثر من غلوة وغلوتين(1) مع احتمال وجوده ، بل الظنّ به ، وأخبار الركية(2) ، وما دلّ على جواز إجناب النفس مع عدم الماء(3) ، وما دلّ على جواز إتمام الصلاة مع التيمّم لو وجد الماء بعد الدخول في الركوع ، بل بعد الدخول في الصلاة(4) على الأقرب ، وما دلّ على جواز البدار(5) وجواز التيمّم مع خوف العطش ولو على الذمّي والحيوان(6) - أنّ الأمر في التبديل سهل يوجبه أدنى عذر .

والإنصاف : أنّ الخدشة لو أمكنت في كلّ واحد ممّا ذكر ، لكن من مجموع ما ذكر تطمئنّ النفس بأنّ المحذور الشرعي مطلقاً يوجب التبديل .

وأمّا لو اُغمض عن ذلك ، ورجعنا إلى باب المزاحمة ، فمع إحراز الأهمّية في طرف يؤخذ بالأهمّ ، وكذا مع احتمالها ؛ بناءً على التعيين في دوران الأمر بين التعيين والتخيير ، ومع التساوي بينهما يتخيّر .

وقد يقال : إنّ الوضوء لمّا كان له البدل ، يتأخّر في الدوران عمّا لا يكون له البدل(7) .

ص: 91


1- راجع ما تقدّم في الصفحة 41 .
2- راجع ما تقدّم في الصفحة 65 .
3- راجع وسائل الشيعة 3 : 390 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 27 .
4- راجع وسائل الشيعة 3 : 381 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 21 ، الحديث 1 - 3.
5- راجع ما يأتي في الصفحة 362 .
6- راجع ما تقدّم في الصفحة 84 .
7- فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 327 .

لكن إن اُريد به دعوى إحراز الأهمّية فيما ليس له البدل بذلك ، فهي كما ترى .

وإن اُريد أنّ الأخذ بالبدل جمع بين الغرضين في مرتبة ، والعقل حاكم بلزومه ، ففيه : أنّ المفروض أنّ احتمال الأهمّية في الغرض الأقصى ، مساوٍ لاحتمالها فيما ليس له البدل ، فليس الأخذ به جمعاً بين الغرضين .

تقديم رفع الخبث على رفع الحدث

نعم ، في خصوص دوران الأمر بين الوضوء والغسل ، وبين رفع النجاسة عن البدن والثوب ، ادّعي الإجماع على تقديم التطهير عن الخبث ، كما عن «المعتبر» و«التذكرة»(1) وتشهد له رواية أبي عبيدة قال : سألت أبا عبداللّه علیه السلام عن المرأة الحائض ترى الطهر وهي في السفر ، وليس معها ماء يكفيها لغسلها ، وقد حضرت الصلاة ، قال : «إذا كان معها بقدر ما تغسل به فرجها فتغسله ، ثمّ تتيمّم وتصلّي»(2) .

فأمر بغسل البدن دون الوضوء ، وقد مرّ وجوب الوضوء مع كلّ غسل إلاّ الجنابة(3) .

ص: 92


1- المعتبر 1 : 371 ؛ تذكرة الفقهاء 2 : 171 .
2- الكافي 3 : 82 / 3 ؛ وسائل الشيعة 2 : 312 ، كتاب الطهارة ، أبواب الحيض ، الباب 21 ، الحديث 1 .
3- تقدّم في الجزء الأوّل : 271 .

ويؤيّده الأدلّة الواردة في تتميم الصلاة مع التيمّم إذا دخل فيها (1) أو ركع ، فأصاب الماء قائلاً : «إنّ التيمّم أحد الطهورين»(2) ، وما ورد في عروض النجاسة في الأثناء من وجوب غسلها أو انتزاع الثوب ، ومع عدم الإمكان تبطل الصلاة(3) ، فيستشعر من الطائفتين كون إزالة النجاسة أهمّ في نظر الشارع .

ص: 93


1- راجع وسائل الشيعة 3 : 382 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 21 ، الحديث 3 .
2- راجع وسائل الشيعة 3 : 381 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 21 ، الحديث 1 .
3- راجع وسائل الشيعة 3 : 431 ، كتاب الطهارة ، أبواب النجاسات ، الباب 20 ، الحديث 6، والباب 44 ، الحديث 1 ، و7 : 238 ، كتاب الصلاة ، أبواب قواطع الصلاة ، الباب 2 ، الحديث 1 و6 .
السبب السادس: ضيق الوقت
اشارة

السبب السادس : ضيق الوقت ، فقد يلزم من الطهارة المائية فوت جميع الوقت ، وقد يلزم فوت بعضه .

وعلى الثاني : قد تدرك ركعة من الوقت ، وقد لا تدرك .

وعلى أيّ تقدير : قد يدرك مع التيمّم جميع الوقت ، وقد يدرك بعضه بمقدار ركعة أو أقلّ أو أكثر ، لكن يكون الإدراك معه أكثر من الإدراك مع المائية .

حكم إدراك جميع الوقت مع الترابية وعدم إدراك شيء منه مع المائية

وكيف كان : فعن «المعتبر» و«جامع المقاصد» و«كشف اللثام» و«المدارك» عدم مشروعية التيمّم لضيق الوقت ؛ لاشتراط الصلاة بالطهارة المائية ، وعدم ثبوت مسوّغية ضيق الوقت للتيمّم ؛ لتعليقه على عدم الوجدان ، والمكلّف واجد للماء متمكّن من استعماله ، غاية الأمر أنّ الوقت لا يتّسع له(1) .

ص: 94


1- المعتبر 1 : 366 ؛ جامع المقاصد 1 : 467 ؛ كشف اللثام 2 : 436 ؛ مدارك الأحكام 2 : 185 .

وعن «المنتهى» و«التذكرة» و«المختلف» و«الروضة» وغيرها مشروعيته(1) ، بل عن «الرياض» : «أ نّه الأشهر»(2) واختاره صاحب «الجواهر» وغيره ممّن تأخّر عنه من المحقّقين(3) .

وهو الأقوى ؛ للآية الكريمة(4) ، فإنّ الظاهر منها - بعد تعليق الطلب المطلق في صدرها على الوضوء والغسل ، وتعليق الترابية على بعض العناوين العجزية ؛ أي المرض والفقدان - أنّ التنزّل إلى المصداق الاضطراري ورفع اليد عن المطلوب المطلق ، إنّما هو لإلجاء المكلّف إلى إتيان الصلاة في الوقت ، فيكون حفظ مصلحة الوقت ، موجباً لإلجاء المكلّف إلى إتيان الصلاة فيه كائنة ما كانت ، وهذا الإلجاء والاضطرار صار سبباً لعجز المكلّف عن المائية وتشريع الترابية له ، فلولا حفظ الوقت لم يكن مضطرّاً ، ولا معنى لقبول الفرد الاضطراري وترك المصلحة المطلقة ، فحينئذٍ يستفيد العرف والعقلاء من الآية - بلا إشكال - أنّ مصلحة الترابية(5) المتروكة لحفظ الوقت لا تدفع مصلحة الوقت ، ولا تصير سبباً لترك الصلاة في وقتها المضروب لها .

وبالجملة : إذا صارت أهمّية الوقت موجبة لرفع اليد عن مصلحة المائية ،

ص: 95


1- منتهى المطلب 3 : 38 ؛ تذكرة الفقهاء 2 : 161 - 162 ؛ مختلف الشيعة 1 : 285- 286 ؛ الروضة البهيّة 1 : 131 ؛ روض الجنان 1 : 316 .
2- رياض المسائل 2 : 290 .
3- جواهر الكلام 5 : 91 ؛ مصباح الفقيه ، الطهارة 6 : 101 - 102 ؛ العروة الوثقى 2 : 184 ، مسألة 26 .
4- المائدة (5) : 6 .
5- والصحيح هو «المائية» كما هو الظاهر .

كيف يمكن مصادمة المائية مع مصلحته ؟!

ولا مجال لتوهّم : أنّ فقدان الماء صار موجباً لحدوث مصلحة في الصلاة مع الترابية ؛ لأنّ ذلك خلاف ظاهر الأدلّة آية ورواية ، فإنّ الظاهر منها أنّ الترابية

مرتبة ناقصة ، كما عبّر عنها في الروايات ب- «نصف الطهور» ففي رواية ابن أبي يعفور عن أبي عبداللّه علیه السلام : «ألا ترى أ نّه إنّما جعل عليه نصف الطهور؟!»(1) ومثلها رواية الحسين بن أبي العلاء(2) ، وإن احتمل أن يكون المراد بهما نصف الوضوء ، كما في صحيحة الحلبي(3) فيكون المقصود المسح على بعض الوجه واليد ، لكن لا ينافي ذلك فهم قصور الترابية عن المائية ، بل قد عرفت سابقاً دلالة الآية عليه(4) .

وبالجملة : لا قصور في دلالة الأدلّة على أنّ الوجدان المنافي لدرك الوقت ، يعدّ من عدم الوجدان وعدم مزاحمة المائية للوقت .

هذا مضافاً إلى أنّ الفحص عن موارد الأعذار ، وأنّ الشارع لم يرفع اليد عن الصلاة في وقتها لأجل عذر من الأعذار ، ويكون التخلّف عنه في غاية القلّة ، يوجب الاطمئنان - بل العلم - بأنّ للوقت أهمّية لا يزاحمها شيء من الأعذار .

بل يشعر بذلك تسمية ترك الإتيان في الوقت ب- «الفوت» دون فقدان غيره من

ص: 96


1- الكافي 3 : 65 / 2 ؛ وسائل الشيعة 3 : 389 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 25 ، الحديث 4 .
2- تقدّمت في الصفحة 58 .
3- تقدّمت في الصفحة 58 .
4- تقدّم في الصفحة 15 .

الأجزاء والشرائط ، فالآتي بها بعد الوقت جامعة لسائر ما يعتبر فيها فاتت منه ، والآتي بها فيه مع فقد جلّ الأجزاء والشرائط لم تفت منه .

بل الناظر فيما ورد في تارك الصلاة : «وأنّ من تركها متعمّداً فهو كافر» أو «برئت منه ذمّة الإسلام» و«أنّ تركها أعظم من سائر الكبائر»(1) يرى أنّ المراد من تركها عدم إتيانها في وقتها. . . إلى غير ذلك ممّا يستنبط منها أنّ الصلاة لا تترك بحال .

وتدلّ على المقصود أيضاً صحيحة زرارة ، عن أحدهما قال : «إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب ما دام في الوقت ، فإذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمّم وليصلِّ في آخر الوقت»(2) .

فإنّ الظاهر منها أنّ وجوب الطلب أو استحبابه ، لأجل التوصّل إلى المطلوب الأعلى ، لا لأجل دخالته في موضوع الصلاة مع التيمّم ، وأنّ الأمر بالتيمّم مخافة فوت الوقت ، إنّما هو لتقديم الشارع حفظ الوقت على الطهارة المائية ، وإلاّ فلا وجه لرفع اليد عن المطلوب المطلق .

فلو علم المكلّف بوجود الماء بعد الوقت ، فليس له تركها فيه وإتيانها مع المائية في خارجه ، كلّ ذلك لأجل رعاية الوقت وأهمّيته ، ومع ذلك كيف يحتمل أن يكون وجدان الماء المفوّت للوقت ، موجباً لترك الصلاة فيه مع المائية والترابية ؟!

ص: 97


1- راجع وسائل الشيعة 4 : 41 ، كتاب الصلاة ، أبواب أعداد الفرائض ، الباب 11 .
2- الكافي 3 : 63 / 2 ؛ وسائل الشيعة 3 : 366 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 14 ، الحديث 3 .

فممّا ذكرنا يعلم : أنّ عدم الوجدان ليس قيداً للموضوع ، بل مخافة الفوت تمام الموضوع لوجوب التيمّم وعدم ترك الصلاة في الوقت .

وتوهّم : أنّ التيمّم إنّما هو لمن سبق ذكره في الرواية ، وهو من لم يجد ماء ، فكأ نّه قال : «إذا كان الفاقد خائفاً فوت الوقت فليتيمّم» ، في غير محلّه ؛ لما أشرنا

إليه من أنّ الأمر بالتيمّم عند خوف الفوت ، إنّما هو لرعاية الوقت وكونه أهمّ من المائية ، ومعه كيف يمكن مزاحمتها للوقت وإيجابها ترك الصلاة فيه مطلقاً ؟!

ولعمري ، إنّ الحكم بعد التأمّل فيما ذكرنا واضح .

هذا كلّه مع إدراك جميع الوقت مع الترابية ، وعدم إدراك شيء منه مع المائية .

حكم إدراك ركعة من الوقت مع المائية وجميعه مع الترابية

وأمّا إذا أدرك مع المائية ركعة من الوقت ، ومع الترابية جميعه ، فقد يقال بتقديم المائية بدليل «من أدرك . . .»(1) .

وتفصيل الحال : أ نّه بعد البناء على دلالة صحيحة زرارة المتقدّمة على أنّ خوف فوت الوقت تمام الموضوع لصحّة التيمّم ، يقع الكلام في أنّ المراد من قوله : «إذا خاف أن يفوته الوقت» هو خوف فوت جميع الوقت ؛ بحيث لو علم إدراك بعضه وجب أو استحبّ الطلب لإدراك المائية ، فتكون غاية الطلب ولزوم التيمّم خوف فوت تمام الوقت ، وعليه إذا كان الماء موجوداً ولم يخف فوت الوقت ، لزم الوضوء من غير احتياج إلى دليل «من أدرك . . .» بل يكون مفادها أعمّ من دليل «من أدرك . . .» .

ص: 98


1- اُنظر جواهر الكلام 5 : 92 ؛ العروة الوثقى 2 : 183 .

أو أنّ المراد منه خوف فوت الوقت المضروب للصلاة ؛ أي خوف أن يفوته ما هو ظرف لطبيعة الصلاة ، فمع خوف وقوع جزء منها خارج الوقت ، فقد خاف أن يفوته الوقت الذي هو ظرفها ، فإنّ ظرفها هو مقدار من الوقت يسع جميع الصلاة ، ومع ذهاب جزء منه لا يكون الوقت وقتاً لها وإن كان جزءاً من النهار ، فحينئذٍ تدلّ الرواية على أ نّه مع خوف فوت الوقت ولو بجزء منه لا بدّ من التيمّم.

حكومة «من أدرك . . .» على صحيحة زرارة في فرض واحد

ويمكن أن يقال : إنّ دليل «من أدرك . . .» حاكم على الصحيحة وموسّع لموضوعها ؛ فإنّه يدلّ على أنّ إدراك ركعة من الوقت إدراك للوقت ، ومع تنزيل الوقت الخارج منزلة الوقت ، أو تنزيل إدراك ركعة منه منزلة إدراك جميعه ، أو تنزيل إدراك ركعة من الصلاة في الوقت منزلة إدراك الصلاة فيه ، يتمّ المطلوب ، ويرفع خوف فوت الوقت .

لكنّه غير وجيه :

أمّا أوّلاً : فلأنّ ما روي عن النبي صلی الله علیه و آله وسلم : «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة»(1) وعن الوصيّ علیه السلام : «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر»(2) وعنه علیه السلام : «من أدرك من الغداة ركعة قبل طلوع

ص: 99


1- ذكرى الشيعة 2 : 352 ؛ وسائل الشيعة 4 : 218 ، كتاب الصلاة ، أبواب المواقيت ، الباب 30 ، الحديث 4 ؛ صحيح البخاري 1 : 298 / 547 ؛ سنن ابن ماجة 1 : 356 / 1122 .
2- اُنظر جواهر الكلام 3 : 213 ؛ وسائل الشيعة 4 : 218 ، كتاب الصلاة ، أبواب المواقيت ، الباب 30 ، الحديث 5 .

الشمس فقد أدرك الغداة تامّة»(1) وفي لفظ آخر : «من أدرك ركعة من الوقت فقد أدرك الوقت» -

على ما في «المنتهى» و«المدارك»(2) - روايات ضعاف ؛ بعضها بالإرسال ، وبعضها بضعف السند .

ودعوى الجبر بالاشتهار بين الأصحاب(3) مشكلة ؛ لعدم ثبوت كون اتّكالهم في صحّة الصلاة مع إدراك ركعة من الوقت على تلك الروايات ؛ لورود موثّقة عمّار بن موسى ، عن أبي عبداللّه علیه السلام قال : «فإن صلّى ركعة من الغداة ثمّ طلعت الشمس فليتمّ، فقد جازت صلاته»(4) واحتمال اتّكالهم عليها مع إلغاء الخصوصية.

إلاّ أن يقال : ليس بناء أصحابنا - خصوصاً قدماءهم - على التعدّي من مثل الموثّقة الواردة في الغداة إلى غيرها ، فلا محالة يكون مستندهم تلك الروايات .

وعن «المدارك» بعد أن نقل الروايات قال : «وهذه الأخبار وإن ضعف سندها ، إلاّ أنّ عمل الطائفة عليها ، ولا معارض لها ، فتعيّن العمل بها»(5) .

والإنصاف : أنّ المناقشة فيها من هذه الجهة غير وجيهة .

وأمّا ثانياً : فلأنّ قوله في النبوي : «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» وكذا ما في العلوي ، يحتمل في بادئ الأمر أحد معانٍ :

ص: 100


1- تهذيب الأحكام 2 : 38 / 119 ؛ وسائل الشيعة 4 : 217 ، كتاب الصلاة ، أبواب المواقيت ، الباب 30 ، الحديث 2 .
2- منتهى المطلب 4 : 109 ؛ مدارك الأحكام 3 : 93 .
3- جواهر الكلام 3 : 213 .
4- تهذيب الأحكام 2 : 38 / 120 و : 262 / 1044 ؛ وسائل الشيعة 4 : 217 ، كتاب الصلاة ، أبواب المواقيت ، الباب 30 ، الحديث 1 و3 .
5- مدارك الأحكام 3 : 93 .

إمّا توسعة الوقت حقيقة لمن أدرك الركعة ، فيكون خارج الوقت وقتاً اضطرارياً .

وإمّا تنزيل الصلاة الناقصة بحسب الوقت منزلة التامّة .

وإمّا تنزيل مقدار ركعة من الوقت منزلة تمام الوقت .

وإمّا تنزيل خارج الوقت منزلة الوقت .

وإنّما يتمّ المطلوب وتوجّه الحكومة أو الورود ، لو كان المراد منها المعنى الأوّل ، فإنّه مع توسعة الوقت حقيقة يرفع خوف الفوت وجداناً ، فيصير دليله حاكماً على الصحيحة ، ونتيجتها الورود ، ومفنياً لموضوعها تكويناً .

إلاّ أن يقال : إنّ الموضوع في الصحيحة خوف فوت الاختياري من الوقت ؛ أي الوقت المضروب بحسب الأدلّة الأوّلية المحدّدة للأوقات .

لكن مع ذلك الأوجه : أنّ التوسعة الحقيقية توجب رفع خوف فوت طبيعة الوقت المأخوذة في الصحيحة ، وليس موضوعها متقيّداً بالاختياري ؛ وإن كان المنصرَف مع عدم الدليل ، هو الوقت المضروب بحسب الأدلّة الأوّلية لكن بالنظر إلى «من أدرك . . .» وتحكيمه على الأدلّة ، يكون مقتضاه ما ذكر . ولا ينافي ذلك عدم جواز تأخير الصلاة إلى الوقت الإدراكي الاضطراري ، كما لا يخفى .

وكيف كان : لو تمّت الحكومة فإنّما هي في هذا الفرض .

عدم تمامية الحكومة بالنسبة لسائر الفروض

وأمّا في سائر الفروض فلا يرفع الخوف الوجداني المأخوذ في الموضوع :

أمّا على فرض تنزيل الصلاة الناقصة منزلة التامّة فواضح .

ص: 101

وأمّا على فرض تنزيل الوقت - سواء كان متوجّهاً إلى الوقت الناقص ، أو إلى

خارج الوقت - فلأنّ دليل التنزيل لا يوجب رفع خوف فوت الوقت ؛ فإنّ وقتها - حسب الفرض - هو ما قرّره الشارع من دلوك الشمس إلى غروبها ، فمع احتمال ضيقه بمقدار لا يسع أربع ركعات ، لا محالة يخاف فوت الوقت المقرّر ، والتنزيل لا يرفع هذا الخوف .

كما أنّ استصحاب بقاء الوقت لا يرفعه ، فلا يجوز الاتّكال على الاستصحاب وإتيان الطهارة المائية ؛ لعدم زوال الخوف الوجداني به ، مع أ نّه أولى بذلك من دليل «من أدرك . . .» لأنّ المستصحب هو الوقت المضروب ، فيكون الاستصحاب حاكماً ببقاء الوقت ، لكن مع ذلك لا يُرفع به موضوع دليل التيمّم .

فدليل تنزيل الوقت لا يرفع خوف فوته : لا وجداناً ، وهو ظاهر ، ولا تعبّداً ؛ لعدم توجّه التنزيل إليه . وتنزيل الوقت الخارج منزلة الداخل أو الوقت الناقص منزلة التامّ ، غير تنزيل خوف الفوت منزلة عدمه .

هذا كلّه مع أنّ ما هو المشهور الذي يمكن دعوى جبره ، هو النبوي الظاهر في تنزيل الصلاة الناقصة منزلة التامّة ؛ من غير تعرّض لتنزيل الوقت ، فضلاً عن تنزيل خوف فوته منزلة العدم .

ثمّ إنّ ظاهر قوله : «من أدرك . . .» هو التنزيل فيما إذا فات الوقت ولم يبق إلاّ ركعة ، وهو لا يوجب جواز تفويته اختياراً ، فحينئذٍ يقع التزاحم بين الوقت والطهور ، فلا بدّ من إثبات أهمّية الوقت حتّى في هذه الصورة ؛ حتّى يحكم بوجوب التيمّم ، وهو مشكل بعد ورود مثل «من أدرك . . .» والذي يسهّل الخطب عدم المجال للتزاحم بعد ما قدّمناه .

ص: 102

ثمّ إنّه يظهر الكلام ممّا تقدّم فيما إذا لم يدرك مع المائية ركعة ، وأدرك جميع الوقت مع الترابية .

حكم ما إذا أدرك ركعة مع الترابية

وأمّا إذا أدرك ركعة مع الترابية ففي شمول «من أدرك . . .» له نوع خفاء ؛ لاحتمال أن يكون المراد إدراك ركعة حسب وظيفته مع قطع النظر عن الوقت ؛ وإن كان الأقرب صحّة الترابية ولزومها بعد عدم ترك الصلاة بحال ، وأنّ التراب أحد الطهورين ، وأنّ الصلاة معه صلاة . والظاهر أنّ هذا التنزيل بملاحظة أهمّية الوقت وعدم ترك الصلاة حتّى الإمكان ، فلا يبعد التمسّك بإطلاق «من أدرك . . .» فإنّه مع إدراك ركعة مع الترابية يصدق إدراك ركعة

من الصلاة .

وإن شئت قلت : إنّ دليل تنزيل الترابية منزلة المائية ، حاكم على دليل «من أدرك . . .» ومحقّق لموضوعه .

حكم إدراك ركعة مع المائية وأزيد منها مع الترابية

وإن أدرك مع المائية ركعة ومع الترابية أزيد منها ، ففي تقديم الترابية ؛ بدعوى أهمّية الوقت وعدم سقوط الميسور بالمعسور .

أو تقديم المائية ؛ لعدم شمول أدلّة الوقت مطلقاً للمقام ؛ ضرورة فوت الصلاة مع فوت بعض الوقت بحسبها ، فيبقى دليل «من أدرك . . .» وظاهره أنّ إدراك ركعة إدراك للصلاة تامّة ، كما صرّح به في العلوي من طريقنا ،

ص: 103

فلا فرق بحسبه بين إدراك ركعة أو أزيد ، فحينئذٍ لا وجه لرفع اليد عن

الطهارة المائية .

وجهان ، أقربهما الثاني ، لكن الالتزام ببعض لوازمه في غاية الإشكال ، كتجويز تأخير الصلاة مع إدراك ثلاث ركعات منها مثلاً إلى بقاء الوقت بمقدار إدراك ركعة .

وينبغي التنبيه على اُمور :

ص: 104

الأمر الأوّل: في المراد من الخوف المأخوذ في الأدلّة

هل «الخوف» المأخوذ في الأدلّة هو مطلق الخوف ، أو ما يكون حاصلاً من منشأ مَخُوف عرفاً ؟

فإنّ الخوف الوجداني قد يحصل من منشأ مخوف ، كالخوف الحاصل من مفازة تكون في معرض السباع واللصوص ولو باحتمال عقلائي ، أو من قلّة الماء في مفازة قفر ، وكخوف فوت الوقت الحاصل من ضيقه . . . وهكذا .

وقد يحصل من اعتقاد باطل ، كما لو اعتقد كونه في مفازة كذائية مع كونه في محلّ أمن كثير الماء ، أو اعتقد ضيق الوقت مع كونه في سعته . . . وهكذا .

مقتضى الأدلّة هو الثاني :

أمّا غير دليل الحرج ، فلأنّ ما في الباب من الأخبار ظاهرة فيه أو منصرفة إليه ، ففي صحيحة داود الرقّي - بناءً على وثاقته ، كما لا يبعد - قال : قلت لأبي عبداللّه علیه السلام : أكون في السفر فتحضر الصلاة ، وليس معي ماء ، ويقال : إنّ الماء قريب منّا ، أفأطلب الماء - وأنا في وقت - يميناً وشمالاً ؟ قال : «لا تطلب الماء ،

ص: 105

ولكن تيمّم ؛ فإنّي أخاف عليك التخلّف عن أصحابك ، فتضلّ ويأكلك السبع»(1) .

وفي رواية يعقوب ، عنه علیه السلام - بعد فرض كون الماء عن يمين الطريق ويساره غلوتين - قال : «لا آمره أن يغرّر بنفسه ، فيعرض له لصّ أو سَبُع»(2) .

والظاهر منهما أنّ في المحلّ المخوف الذي يكون معرضاً للخطر ويخاف منه على النفس يتيمّم ، وأمّا المحلّ الأمن الذي لا يكون معرضاً لذلك ، لكن حصل الخوف لخطأ في الاعتقاد ، فغير مشمول لهما ، خصوصاً أنّ المارّة في تلك الأزمنة والأمكنة ، كانوا يمرّون على مفاوز مخوفة للنفوس غالباً .

وفي صحيحتي ابن أبي نصر وابن سرحان عن الرضا وأبي عبداللّه علیهما السلام : في

الرجل تصيبه الجنابة ، وبه جروح أو قروح ، أو يخاف على نفسه من البرد ، فقال : «لا يغتسل ، ويتيمّم»(3) .

والظاهر منهما الخوف من البرد المحقّق ، لا من تخيّله ، فكأ نّه قال : «إذا كان الهواء بارداً فخاف على نفسه . . .» ولا ريب في عدم شمولهما لمن خاف على نفسه من تخيّل البرد مع كون الهواء حارّاً .

وفي رواية زرارة ، عن أحدهما علیهما السلام قال : قلت : رجل دخل الأجَمة ليس فيها ماء ، وفيها طين ، ما يصنع ؟ قال : «يتيمّم ، فإنّه الصعيد» .

ص: 106


1- الكافي 3 : 64 / 6 ؛ وسائل الشيعة 3 : 342 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 2 ، الحديث 1 .
2- الكافي 3 : 65 / 8 ؛ وسائل الشيعة 3 : 342 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 2 ، الحديث 2 .
3- تهذيب الأحكام 1 : 185 / 531 ، و : 196 / 566 ؛ وسائل الشيعة 3 : 347 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 5 ، الحديث 7 و8 .

قلت : فإنّه راكب لا يمكنه النزول من خوف ، وليس هو على وضوء ؟ قال : «إن خاف على نفسه من سبع أو غيره وخاف فوت الوقت فليتيمّم ؛ يضرب بيده على اللِبْد أو البَرْذَعة ، ويتيمّم ويصلّي»(1) .

وهي أيضاً ظاهرة فيما ذكرناه ، خصوصاً إذا كانت «الأجَمة» بمعنى محلّ الأسد ، كما في «المنجد»(2) ، وعلى أيّ تقدير لا تشمل الخوف من اعتقاد باطل .

وكذا الكلام في روايات خوف العطش(3) ، فإنّها أيضاً ظاهرة في أنّ المحلّ كان بحيث يخاف فيه من قلّة الماء أو من العطش .

وكذا في صحيحة زرارة ، عن أحدهما علیهما السلام قال : «إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب ما دام في الوقت ، فإذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمّم وليصلِّ في آخر الوقت . . .»(4) إلى آخره ؛ لأنّ الظاهر منها الخوف الحاصل من ضيق الوقت ، كما هو واضح .

وأمّا دليل نفي الحرج(5) ، فقد يمكن أن يقال بصدقه فيما إذا خاف على نفسه

من أيّ منشأ كان ، فيكون التكليف بالوضوء حرجياً على المكلّف المعتقد - ولو خطأً - معرضية المحلّ للخطر .

ص: 107


1- تهذيب الأحكام 1 : 190 / 547 ؛ وسائل الشيعة 3 : 354 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 9 ، الحديث 5 .
2- المنجد : 4 .
3- راجع ما تقدّم في الصفحة 84 - 85 .
4- الكافي 3 : 63 / 2 ؛ وسائل الشيعة 3 : 366 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 14 ، الحديث 3 .
5- المائدة (5) : 6 ؛ الحجّ (22) : 78 .

لكنّه أيضاً مشكل ؛ لأنّ الظاهر الأوّلي من دليل نفي الحرج ، عدم جعل الحرج

في الدين ؛ أي الأحكام المجعولة فيه ، وغاية ما يمكن الاستفادة منه - بالتقريب المتقدّم في ذيل آية التيمّم(1) - أنّ ما يلزم منه الحرج والمشقّة - سواء كان في مقدّماته ، كتحصيل الماء للوضوء ، أو ما يترتّب عليه ، كأن لزم من التكليف به عطاش في المستقبل - فهو أيضاً غير مجعول ، وأمّا الحرج الحاصل من تخيّل باطل أو تخيّل الحرج ، كما لو تخيّل المرض مع عدمه ، أو البرد في مكان حارّ ، فليس مشمولاً للأدلّة ؛ لعدم الحرج في الدين ولا من قبله واقعاً . ولا يمكن إلغاء الخصوصية بالنسبة إلى ما يلزم من اعتقاد باطل .

ومن هنا يمكن دعوى الفرق بين ما إذا شكّ في ضيق الوقت وسعته ، وبين ما إذا علم ضيقه وشكّ في كفايته لتحصيل المائية : بالبناء على بقاء الوقت في الأوّل للاستصحاب دون الثاني ، لا لما قيل : «من صدق خوف الفوت في الثاني دون الأوّل»(2) ضرورة تحقّق خوفه في الصورتين ؛ لأنّ احتمال الضيق موجب له وجداناً ، بل لأنّ الموضوع في الدليل هو الخوف الناشئ من ضيق ، وفي الصورة الاُولى يكون الخوف من احتماله لا من نفسه ، فيجري الاستصحاب بلا دليل حاكم عليه ، بخلاف الثانية ؛ للدليل الحاكم .

إلاّ أن يقال : إنّ المتفاهم من صحيحة زرارة أنّ الأمر بالتيمّم عند خوف الفوت ، إنّما هو لترجيح إدراك الوقت على الإدراك مع المائية ، فأهمّية الوقت أوجبت الأمر بالتيمّم مع خوف فوته ، وهو حاصل في الصورة الاُولى أيضاً ،

ص: 108


1- تقدّم في الصفحة 31 .
2- العروة الوثقى 1 : 481 ، مسألة 27 .

فالشارع أسقط الاستصحاب في المقام لأجل أهمّية الوقت ، واعتنى بخوف فوته لذلك ، فمع الدوران بين احتمال فوت الوقت وفوت الطهارة المائية ، يلاحظ حال الأهمّ ، فيحكم العقل بالتيمّم ، وأسقط الشارع الأصل لذلك ، فلا فرق حينئذٍ بين الفرعين في لزوم التيمّم .

الأمر الثاني هل «الخوف» المأخوذ في موضوع الأدلّة على نسقٍ واحد ؟

بمعنى أنّ الموضوع لتشريع التيمّم في جميع الموارد هو الخوف ، أو الموضوع في جميعها هو الواقع الذي خاف منه ، فإذا تيمّم من خوف العطش ولو في محلّ مخوف ، ثمّ تبيّن عدم حصول العطش على فرض استعمال الماء ، بطل على الثاني ، دون الأوّل ، وكذا في سائر موارد الخوف ، أو يفصّل بين المقامات ؟

التحقيق هو التفصيل ، فإنّ الظاهر من الأدلّة - غير دليل ضيق الوقت - أنّ صِرف معرضيته للخطر الموجبة للخوف ، موضوع لتشريع التيمّم ورفع الوضوء ، فقوله في صحيحة ابن سِنان : «إن خاف عطشاً فلا يهريق منه قطرة ، وليتيمّم بالصعيد ؛ فإنّ الصعيد أحبّ إليّ»(1) ظاهر في أنّ مجرّد خوف العطش يوجب محبوبية الصعيد .

وقوله في موثّقة سماعة - بعد فرض خوف قلّة الماء - : «يتيمّم بالصعيد ،

ص: 109


1- الكافي 3 : 65 / 1 ؛ تهذيب الأحكام 1 : 404 / 1267 ؛ وسائل الشيعة 3 : 388 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 25 ، الحديث 1 .

ويستبقي الماء ؛ فإنّ اللّه عزّ وجلّ جعلهما طهوراً : الماء ، والصعيد»(1) وقوله في رواية ابن أبي يعفور - بعد فرض انحصار الماء بمقدار شربه - : «يتيمّم أفضل ؛ ألا ترى أ نّه إنّما جعل عليه نصف الطهور؟!»(2) ظاهران في مشروعية التيمّم ، وأ نّه أحد الطهورين ، وأنّ عليه نصف الطهور في هذا الحال ، وكذا الحال في سائر الموارد .

وبالجملة : الظاهر من تلك الموارد أنّ الشارع لاحظ حال المكلّف ؛ لئلاّ يقع في معرض الخطر ، وهذه المعرضية أوجبت رفع الوضوء وتشريع التيمّم . بل الظاهر أنّ في تلك الموارد ، إنّما رفع الوضوء لنكتة رفع الحرج عن المكلّف ، ولا شبهة في أنّ الإلزام بالإقدام على ما هو معرض الخطر حرج عليه ، ففي تلك الموارد إذا تيمّم وصلّى صحّت صلاته ، ولا إعادة عليه ، ولو انكشف عدم اللصّ وعدم إضرار الماء . . . وهكذا .

وأمّا صورة خوف فوت الوقت ، فالظاهر أ نّه ليس على مساق سائر الموارد ، بل الشارع لاحظ فيه حفظ التكليف الأهمّ لدى الدوران بينه وبين المهمّ ، فأمر بالتيمّم لا لأجل صيرورة خوف الفوت موجباً لإسقاط المائية ومحبوبية الترابية ، بل لأجل الاعتناء باحتمال فوت الأهمّ في قبال المهمّ .

بل يمكن أن يقال بعدم تشريع التيمّم في هذا الحال ، فقوله : «إذا خاف

ص: 110


1- تهذيب الأحكام 1 : 405 / 1274 ؛ وسائل الشيعة 3 : 388 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 25 ، الحديث 3 .
2- الكافي 3 : 65 / 2 ؛ وسائل الشيعة 3 : 389 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 25 ، الحديث 4 .

أن يفوته الوقت فليتيمّم»(1) إرشاد إلى أهمّية الوقت ، وأ نّه مع الدوران بين

احتمال فوت الوقت وفوت الطهارة المائية ، توجب أهمّية الوقت تقديمه ؛ من غير تشريع للتيمّم في هذا الحال ، ومعه لا وجه للإجزاء ، فلو صلّى ثمّ تبيّن سعة الوقت لإعادتها مع المائية تجب الإعادة ، وكذا لو تبيّن صلوح الوقت للمائية ، - ولو فات بواسطة الصلاة مع الترابية - يجب عليه القضاء ، كلّ ذلك لما تقدّم من عدم استفادة التشريع من الرواية .

بل لا معنى للتشريع بعد حكومة العقل بتقديم الأهمّ ؛ وتقديم احتمال فوت الأهمّ على احتمال فوت المهمّ . بل يكفي في عدم الإجزاء احتمال ما ذكرناه ؛ لأنّ الإجزاء متقوّم بالتشريع ، ومع عدم إحرازه يحكم بالإعادة والقضاء ؛ وإن كان في الحكم بالقضاء إشكال يحتاج إلى بسط في المقال وتأمّل في المسألة .

الأمر الثالث في أنّ المستفاد من أدلّة الحرج سقوط المائية على نحو العزيمة
اشارة

قد اشتهر بينهم حتّى صار كالاُصول المسلّمة : «أنّ أدلّة الحرج لمكان ورودها في مقام الامتنان وبيان توسعة الدين ، لا تدلّ إلاّ على نفي الوجوب ، ولا يستفاد منها عدم الجواز»(2) فالتيمّم فيما نحن فيه إذا ثبت تشريعه بدليل نفي الحرج ، رخصة لا عزيمة ، فلو تحمّل المكلّف المشقّة الرافعة للتكليف ،

ص: 111


1- تقدّم في الصفحة 107 .
2- مصباح الفقيه ، الطهارة 6 : 150 ؛ العروة الوثقى 2 : 171 ، مسألة 18 .

وتوضّأ واغتسل ، لم يرتكب محذوراً ، وصحّت طهارته ، ولا توجب حكومةُ أدلّة الحرج على الأدلّة الأوّلية وتخصيصُها بغير مورد الحرج ، بطلانَ العبادة ولو قلنا بعدم بقاء الجواز ؛ لأنّ غاية ذلك عدم بقاء الحكم الشرعي على جواز المائية ؛ لكن لا يقتضي ذلك رفع مقتضي الطلب ومحبوبية الفعل ، وهو يكفي في صحّة العبادة ، كما قُرّر في مبحث الضدّ(1) .

فهاهنا مقامان من البحث :

أحدهما : أنّ المستفاد من الأدلّة هل هو السقوط على نحو العزيمة ، أو الرخصة ؟

وثانيهما : أ نّه لو خالف وأتى بما فيه الحرج بطلت عبادته أو لا ؟ ولا ملازمة بينهما ، كما سيأتي في الأمر الرابع البحث عنه وعن المقام الثاني(2) .

أمّا المقام الأوّل : فغاية ما يدّعى عدم دلالة قوله : )مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ((3) على كون الرفع على وجه العزيمة ، وأمّا الدلالة على كونه على وجه الرخصة فلا ، فلو دلّ دليل على كونه على وجه العزيمة لا يعارضه ذلك .

ويمكن استفادة العزيمة من قوله تعالى : )وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ اُخَرَ يُرِيدُ اللّه ُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ((4) .

فإنّ اللّه تعالى إذا أراد بنا اليُسر في أحكامه ، لا يجوز علينا مخالفة إرادته

ص: 112


1- مناهج الوصول 2 : 14 .
2- يأتي في الصفحة 124 .
3- الحجّ (22) : 78 .
4- البقرة (2) : 185 .

بإيقاع العُسر على أنفسنا ، فكما أ نّه لو أراد منّا شيئاً لا يجوز لنا التخلّف عن إرادته تعالى ، كذلك لو أراد في حقّنا شيئاً لا يجوز التخلّف عنها ، خصوصاً مع وقوعه في ذيل قوله : )وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ( حيث يكون الصوم على المسافر بل المريض الذي يضرّ به الصوم حراماً ، ويكون السقوط عنهما على سبيل العزيمة .

فدلّت الآية على أنّ إرادته تعالى اليسر في سائر الموارد التي تشملها بالإطلاق ، كإرادته في صيام المسافر والمريض ، والتفكيك بينهما غير جائز إلاّ مع قيام دليل في مورد ؛ فإنّ قوله : )يُرِيدُ اللّه ُ بِكُمُ الْيُسْرَ( كالتعليل لرفع الصوم عن المسافر والمريض ، ولا يصحّ التعليل بشيء ظاهر في عدم الإلزام على أمر إلزامي ، فلا يمكن أن يقال : إلزامية الإرادة فيهما تفهم من الخارج .

فإن قلت : يستفاد عدم الجواز في المريض والمسافر من قوله : )فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ( فأوجب تعالى بمجرّد السفر والمرض عدّةً من غير أيّام شهر رمضان .

قلت : - مضافاً إلى أنّ مجرّد جعل عدّة اُخر ، لا يدلّ على حرمة صوم شهر رمضان - إنّه لو دلّ عليه يوجب تأكّد المطلوب بأنّ إرادة اليُسر إلزامية ؛ وأ نّها في سائر الموارد كإرادته في الموردين .

وتدلّ على العزيمة أيضاً رواية يحيى بن أبي العلاء عن أبي عبداللّه علیه السلام قال : «الصائم في السفر في شهر رمضان كالمفطر فيه في الحضر» .

ثمّ قال : «إنّ رجلاً أتى النبي صلی الله علیه و آله وسلم فقال : يا رسول اللّه ، أصوم شهر رمضان في السفر ؟ فقال : لا ، فقال : يا رسول اللّه ، إنّه عليّ يسير ، فقال رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم :

ص: 113

إنّ اللّه تصدّق على مرضى اُمّتي ومسافريها بالإفطار في شهر رمضان ، أيحبّ أحدكم لو تصدّق بصدقة أن تردّ عليه صدقته ؟!»(1) .

لأنّ استشهاد أبي عبداللّه علیه السلام فيها لقوله : «الصائم في السفر . . .» إلى آخره ، بقول رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم دليل على أنّ ردّ صدقته تعالى غير جائز ، وإلاّ لما صحّ الاستشهاد للقول بالحرمة بأمر لا يكون محرّماً ، مع أنّ ردّ الصدقة مبغوض وثقيل على النفوس الشريفة ، فيكون قوله : «أيحبّ أحدكم . . .» إلى آخره ، تقريباً لمبغوضيته عند اللّه بما هو مبغوض عندهم .

وليس المراد من قوله : «أيحبّ أحدكم» رفع محبوبيته الأعمّ من المبغوضية ، بل الظاهر من مثله حصول المبغوضية ، كقوله تعالى : )أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتَاً((2) .

فتدلّ الرواية على أنّ ردّ صدقته تعالى وهديّته مبغوض محرّم .

ولا شبهة في أنّ الرفع بدليل نفي الحرج ، صدقة من اللّه تعالى وتفضّل على الاُمّة وهديّة منه تعالى لهم ، كما هو مقتضى الامتنان ، ويدلّ عليه بعض الروايات ، ففي موثّقة السكوني ، عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه علیه السلام قال : «قال رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم : إنّ اللّه عزّ وجلّ أهدى إليّ وإلى اُمّتي هديّة لا يهديها إلى أحد من الاُمم ؛ كرامةً من اللّه لنا ، فقالوا : ما ذاك يا رسول اللّه ؟ قال : الإفطار

في السفر ، والتقصير في الصلاة ، فمن لم يفعل ذلك فقد ردّ على اللّه عزّ وجلّ

ص: 114


1- الكافي 4 : 127 / 3 ؛ الفقيه 2 : 90 / 403 ؛ تهذيب الأحكام 4 : 217 / 630 ؛ وسائل الشيعة 10 : 175 ، كتاب الصوم ، أبواب من يصحّ منه الصوم ، الباب 1 ، الحديث 5 .
2- الحجرات (49) : 12 .

هديته»(1) دلالة على أنّ وجه حرمة الصوم في السفر وإتمام الصلاة ؛ هو كونه ردّ

هديّة اللّه تعالى .

ويؤيّد المطلوب ما عن «تفسير العيّاشي» عن عمرو بن مروان الخزّاز قال : سمعت أبا عبداللّه علیه السلام يقول : «قال رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم : رُفعت عن اُمّتي أربع خصال : ما اضطُرّوا إليه ، وما نَسُوا ، وما اُكرهوا عليه ، وما لم يُطيقوا ، وذلك في

كتاب اللّه قوله : )رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ((2) وقولُ اللّه : )إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ((3) »(4) .

حيث ذكر الآية المربوطة بالتقيّة في سياق حديث الرفع ، مع أنّ التقيّة واجبة

ليس للمكلّف تركها ، كما قرّرناه في رسالة مفردة في التقيّة(5) ، فتشعر الرواية بأنّ الرفع عن الاُمّة في موارده على نحو العزيمة .

كما تشعر به ما عن الطبرسي في «الاحتجاج» عن الكاظم علیه السلام (6) والرواية طويلة جدّاً ، وفيها عدّ عدّة موارد رُفعت الآصار عن الاُمّة بدعاء

ص: 115


1- الخصال : 12 / 43 ؛ وسائل الشيعة 8 : 520 ، كتاب الصلاة ، أبواب صلاة المسافر ، الباب 22 ، الحديث 11 .
2- البقرة (2) : 286 .
3- النحل (16) : 106 .
4- تفسير العيّاشي 1 : 160 / 534 ؛ وسائل الشيعة 16 : 218 ، كتاب الأمر والنهي ، الباب 25 ، الحديث 10 .
5- الرسالات الفقهية والاُصولية ، الإمام الخميني قدس سره: 23 .
6- الاحتجاج 1 : 497 / 127 .

رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم وهو قوله : )رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا( :

منها : رفع قرض أذى النجاسة من أجسادهم ، وجعل الماء طهوراً للاُمّة .

ومنها : رفع الصلوات المفروضة على سائر الاُمم في ظلم الليل وأنصاف النهار ، وجعلها في أطراف الليل والنهار وفي أوقات نشاطهم .

ومنها : رفع خمسين صلاة ، وجعل الخمس في أوقات خمسة .

فيستشعر أنّ ما رفع عن الاُمّة من التكاليف مثل تلك الموارد ، ليس لهم التكلّف بإتيانها .

فتحصّل من جميع ذلك : أنّ ثبوت الترابية وسقوط المائية إنّما هو على وجه العزيمة ، وليس للعبد اختيار المائية ؛ إمّا لأجل إرادة اللّه التوسيع على العباد ، وإمّا لأجل انطباق عنوان ردّ الهديّة على الإتيان بها ، وإمّا لأجل حرمة الردّ ، لا حرمة المائية ، لكن لأجل اتّحادهما في الخارج يتعيّن عليه الترابية . وسيأتي في الأمر الآتي الفارق بين الاحتمالات وما هو الأظهر بينها (1) .

ثمّ من المحتمل أن يكون رفع الحرج عن العباد وإرادة التوسيع عليهم ، لا لصِرف الامتنان عليهم حتّى يقال : «إنّه لا يقتضي الإلزام ، أو لا يناسبه» بل لأ نّه تعالى لا يرضى بوقوع عباده في المشقّة والحرج ، كالأب الشفيق الذي لا يرضى بوقوع ابنه المحبوب في الحرج ولو باختياره ، فيمنعه إشفاقاً عليه .

ويحتمل أن يكون رفع الحرج في عباداته ومن قبله ؛ لعدم رضائه بوقوع العبيد في المشقّة من ناحيتها ؛ لكونه مظنّة لانزجارهم عنها ، فينتهي إلى إدبار

ص: 116


1- يأتي في الصفحة 137 - 143 .

نفوسهم عن عبادة اللّه ودينه ، وهو أمر مرغوب عنه ، ففي رواية عمرو بن جميع

قال : «قال رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم : يا علي ، إنّ هذا الدين متين ، فأوغل فيه بالرفق ، ولا تبغّض إلى نفسك عبادة ربّك ؛ إنّ المُنبتَّ - يعني المفرط - لا ظهراً أبقى ، ولا أرضاً قطع»(1) .

وعن أبي عبداللّه علیه السلام - بسند صحيح - قال : «لا تُكرهوا إلى أنفسكم العبادة»(2) .

ولا يبعد عدم جواز ذلك إذا كانت مخافة الوقوع في الانزجار من دين اللّه ، والعياذ باللّه .

وأمّا ما ورد عن بعض الأئمّة المعصومين علیهم السلام من إيقاع المشقّة على نفوسهم الشريفة(3) ؛ فلأ نّهم مأمونون من خطوات الشيطان وخطراته ، وأمّا سائر الناس فأ نّى لهم بالعلم أو الاطمئنان بالأمن من كيده ووسوسته ؟! بل لنفوسهم الشريفة مقامات من الحبّ لعبادة اللّه والاشتياق إلى لقاء اللّه ، ربّما لا يكون ما هو شاقّ

على سائر النفوس مشقّة عليهم ، بل لهم لذّات في عباداتهم ورياضاتهم ، كما هو معلوم ، رزقنا اللّه تعالى الاقتداء بهم . وقد خرج الكلام من طرز البحث الفقهي إلى وادٍ يتحيّر فيه العقول .

ص: 117


1- الكافي 2 : 87 / 6 ؛ وسائل الشيعة 1 : 110 ، أبواب مقدّمة العبادات ، الباب 26 ، الحديث 7 .
2- الكافي 2 : 86 / 2 ؛ وسائل الشيعة 1 : 108 ، أبواب مقدّمة العبادات ، الباب 26 ، الحديث 2 .
3- بحار الأنوار 41 : 11 - 24 ، و48 : 100 - 101 و107 .

مع أنّ ما ورد من تحمّل المشاقّ منهم إنّما هو في المستحبّات دون الواجبات ، وما ورد في غسل أبي عبداللّه علیه السلام في ليلة باردة ، قد مرّ الكلام فيه(1) ، وفي المستحبّات كلام آخر ، ولا يبعد عدم شمول أدلّة الحرج لها ؛ لعدم حرجية الأمر الاستحبابي ، تأمّل .

هذا كلّه في مورد الحرج .

ميزان سقوط المائية على نحو العزيمة في غير مورد الحرج

وأمّا سائر الموارد ، فالميزان في كون التيمّم متعيّناً وسقوطِ المائية على وجه العزيمة ، هو لزوم محذور شرعي من الوضوء والغسل ولو لم يلزم منه حرمتهما ، كما لو كان في التوصّل إلى الماء خوف التلف ، كما إذا خاف من السبع أو السقوط في البئر فيتلف ، أو خاف من استعمال الماء العطشَ المهلك ، أو خاف الهلكة من البرد أو المرض أو غير ذلك ، أو لزم منه ارتكاب محرّم ، كالوضوء من آنية الذهب أو الفضّة ، أو المرور من طريق مغصوب ، أو ترك واجب ، كإنقاذ نفس محترمة ، أو لزم منه فوت الوقت . . . إلى غير ذلك .

ولا إشكال فيما إذا اُحرز المحذور الشرعي ، نعم في بعض موارد الضرر على النفس - كلزوم طول المرض ، أو حدوث مرض غير مهلك ، أو الضرر على الجرح والقرح ، أو لزوم طول زمان البُرء ، أو لزوم ضرر غير مهلك على النفس في طيّ الطريق إلى الماء ، أو خوفه في الموارد التي قد يتردّد في قيام الدليل على الحرمة - هل يمكن استفادة تعيّن التيمّم وكون سقوط المائية عزيمة من

ص: 118


1- تقدّم في الصفحة 74 - 79 .

أدلّة الباب أو لا ؟ لا يبعد ذلك من مجموع الروايات :

فإنّ طائفة منها وردت فيما كان الغسل ضررياً ، كصحيحة محمّد بن سكين ، عن أبي عبداللّه علیه السلام قال : قيل له : إنّ فلاناً أصابته جنابة وهو مجدور ، فغسّلوه فمات ، فقال : «قتلوه ، ألا سألوا ، ألا يمّموه ؟! إنّ شفاء العيّ السؤال»(1) .

وقريب منها مرسلة ابن أبي عمير(2) ورواية الجعفري ، عن أبي عبداللّه علیه السلام

قال : «إنّ النبي صلی الله علیه و آله وسلم ذُكر له أنّ رجلاً أصابته جنابة على جرح كان به ، فاُمر بالغُسل ، فاغتسل فكزّ فمات ، فقال رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم : قتلوه قتلهم اللّه ، إنّما كان دواء العيّ السؤال»(3) .

وإطلاق هذه الروايات يقتضي شمولها لما إذا خاف على نفسه التلف أو لا . بل لا يبعد خروج خوف التلف منها ، فإنّ أحداً من العقلاء لا يرتكب الاغتسال أو الأمر به عند خوف تلف النفس ، فيكون خوفه مفروض العدم ، فتدلّ الروايات - باشتمالها على اللوم الشديد ، والدعاء على الآمر بالغسل ، وأ نّه إذا سألوا لكان

الجواب تعيّن التيمّم - على كون السقوط عزيمة لا رخصة ، وإلاّ لما توجّه التقصير إليهم بعد كونه رخصة والغسل جائزاً .

وقوله : «قتلوه» لا يدلّ على أ نّهم تعمّدوا في قتله ، أو كان في مَعرض الموت ،

ص: 119


1- الكافي 3 : 68 / 5 ؛ وسائل الشيعة 3 : 346 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 5 ، الحديث 1 .
2- الكافي 1 : 40 / 1 ؛ وسائل الشيعة 3 : 346 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 5 ، الحديث 3 .
3- الكافي 3 : 68 / 4 ؛ وسائل الشيعة 3 : 347 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 5 ، الحديث 6 .

بل تصحّ النسبة بوجه ؛ لأجل انتهاء أمر الآمر إلى موته ولو لم يكن المفروض خوف الموت ، بل الظاهر منها أنّ التعيير واللوم على الآمر بما هو خلاف حكم الشرع ، أو العمل على خلاف التكليف ؛ من غير دخالة للانتهاء إلى الموت في ذلك .

وبالجملة : بعد إطلاق الروايات لصورة عدم الخوف من الهلاك ، يستفاد منها تعيّن التيمّم في مطلق الخوف على النفس ؛ من غير فرق بين الجُدَري والجرح وغيرهما ، كما لا يخفى .

ومثلها في الدلالة - أو أدلّ منها - صحيحة ابن أبي نصر ، عن الرضا علیه السلام : في

الرجل تُصيبه الجنابة ، وبه قروح أو جروح ، أو يخاف على نفسه من البرد ، فقال : «لا يغتسل ويتيمّم»(1) .

ومثلها صحيحة داود بن سِرحان ، عن أبي عبداللّه علیه السلام (2) .

والخوف على النفس من البرد إمّا ظاهر في خوف التلف ، أو أعمّ منه ، فشموله له هو القدر المتيقّن .

فحينئذٍ لا يمكن حمل النهي عن الاغتسال والأمر بالتيمّم على رفع الوجوب والترخيص ؛ بدعوى أنّ النهيَ في مقام توهّم الوجوب والأمرَ في مقام توهّم الحظر ؛ ضرورة أ نّه مع الخوف على النفس من الهلاك لايمكن الترخيص وتجويز

ص: 120


1- تهذيب الأحكام 1 : 196 / 566 ؛ وسائل الشيعة 3 : 347 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 5 ، الحديث 7 .
2- تهذيب الأحكام 1 : 185 / 531 ؛ وسائل الشيعة 3 : 348 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 5 ، الحديث 8 .

الإلقاء في الهلكة ، فلا أقلّ من كون المقام في نظر السائل من قبيل الدوران بين المحذورين ؛ لأجل خوف الضرر والتلف ، فلا يُرفع اليد معه عن ظاهر النهي والأمر ، فحينئذٍ يقتضي ذكر القروح والجروح مع الخوف على النفس ، أن يكون الأمر بالتيمّم والنهي عن الغسل في جميعها على نسق واحد ؛ وهو العزيمة .

وأمّا صحيحة محمّد بن مسلم قال : سألت أبا جعفر علیه السلام عن الرجل يكون به القرح والجراحة يُجنب ، قال : «لا بأس بأن لا يغتسل ؛ يتيمّم»(1) وقريب منها روايته الاُخرى(2) - والظاهر وحدتهما - فلا تقاوم الروايات المتقدّمة ؛ فإنّ غاية ما في نفي البأس الإشعار بالترخيص ، لا الدلالة عليه ، فنفي البأس إنّما هو لرفع توهّم عدم جواز ترك الغسل ، فهو نصّ في جواز ترك الغسل ، وأمّا لزوم التيمّم وكونه على وجه العزيمة أو كونه على وجه الرخصة ، فلا تعرّض فيها له ، لو لم نقل بظهورها في العزيمة أخذاً بقوله : «يتيمّم» فلا يجوز رفع اليد عن ظاهر الأدلّة به .

مع أنّ كثيراً ما يعبّر بمثله في مورد لزوم فعله ، كما في روايات التيمّم بالطين

إذا لم يجد غيره ، كقول أبي جعفر علیه السلام : «إذا كنت في حال لا تجد إلاّ الطين فلا بأس أن تتيمّم به»(3) مع لزومه عند عدم وجدان غيره .

ص: 121


1- الكافي 3 : 68 / 1 ؛ وسائل الشيعة 3 : 347 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 5 ، الحديث 5 .
2- الفقيه 1 : 58 / 216 ؛ وسائل الشيعة 3 : 348 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 5 ، الحديث 11 .
3- الاستبصار 1 : 156 / 538 ؛ وسائل الشيعة 3 : 353 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 9 ، الحديث 3 .

ثمّ إنّ هذه الطائفة وإن وردت في الغسل ، لكن يستفاد منها حكم الوضوء بلا ريب ؛ فإنّ الأمر بالتيمّم إنّما هو لخوف الضرر الأعمّ من الهلاك ، فإذا خاف على نفسه في الوضوء - كخوفه في الغسل - يتعيّن التيمّم ، ويستفيد العرف من الروايات حكمه ، ولعلّ ذكر الغسل لأجل كون الخوف غالباً فيه .

وهنا طائفة اُخرى من الروايات ، وهي ما وردت في مورد خوف العطش ، كموثّقة سَماعة قال : سألت أبا عبداللّه علیه السلام عن الرجل يكون معه الماء في السفر ، فيخاف قلّته ، قال : «يتيمّم بالصعيد ويستبقي الماء ؛ فإنّ اللّه عزّ وجلّ جعلهما طهوراً : الماء ، والصعيد»(1) .

وما عن الحلبي قال : قلت لأبي عبداللّه علیه السلام : الجنب يكون معه الماء القليل ، فإن هو اغتسل به خاف العطش ، أيغتسل به ، أو يتيمّم ؟ فقال : «بل يتيمّم ، وكذلك إذا أراد الوضوء»(2) .

وخوف القلّة والعطش أعمّ من خوف الهلاك على نفس محترمة وغيره ، ولا يكون الخوف من الهلاك في تلك الأسفار وتلك الأمكنة في تلك الأعصار بعيداً قليلاً ، فحينئذٍ تدلّ الروايتان على تعيّن التيمّم ووجوب استبقاء الماء .

وأمّا صحيحة عبداللّه بن سِنان ، عن أبي عبداللّه علیه السلام قال : «إن خاف عطشاً

ص: 122


1- تهذيب الأحكام 1 : 405 / 1274 ؛ وسائل الشيعة 3 : 388 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 25 ، الحديث 3 .
2- تهذيب الأحكام 1 : 406 / 1275 ؛ وسائل الشيعة 3 : 388 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 25 ، الحديث 2 .

فلا يُهريق منه قطرة ، وليتيمّم بالصعيد ؛ فإنّ الصعيد أحبّ إليّ»(1) ، ورواية ابن أبي يعفور ، عنه علیه السلام - فيما إذا كان الماء بقدر شربه - قال : «يتيمّم أفضل ؛ ألا ترى إنّما جعل عليه نصف الطهور؟!»(2) فلا يراد بأفعل التفضيل إثبات الجواز والمحبوبية لإهراق الماء ، فإنّه - مضافاً إلى أنّ خوف العطش أعمّ من خوف التلف ، وفي فرضه لا يمكن تجويز الإهراق ، بل في فرض حصول الحرج أيضاً ، لا يكون الإيقاع في الحرج بإهراقه محبوباً ، كما عرفت - أنّ قوله علیه السلام : «لا يهريق منه قطرة» لا يناسب إثبات الفضل لإهراق جميعه بالاغتسال .

كما أنّ قوله في الثانية : «ألا ترى إنّما جعل عليه نصف الطهور؟!» - المراد منه التيمّم الظاهر في حصر جعل التيمّم عليه - لا يناسب كونه أفضل فردي التخيير .

ثمّ إنّه لا يبعد استفادة حرمة إيقاع الضرر على النفس من مجموع الروايات في موارد متفرّقة ، كأبواب الصوم الضرري والوضوء والغسل والتيمّم وغيرها .

ص: 123


1- الكافي 3 : 65 / 1 ؛ تهذيب الأحكام 1 : 404 / 1267 ؛ وسائل الشيعة 3 : 388 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 25 ، الحديث 1 .
2- الكافي 3 : 65 / 2 ؛ وسائل الشيعة 3 : 389 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 25 ، الحديث 4 .
الأمر الرابع في صحّة الطهارة المائية عند تعيّن التيمّم
اشارة

هل يصحّ الوضوء أو الغسل في موارد تعيّن عليه التيمّم ؟ لا بدّ من البحث أوّلاً على مقتضى القواعد ، ثمّ النظر في مقتضى الأدلّة الخاصّة .

بيان مقتضى القواعد في المقام

فنقول : لا إشكال في صحّتهما إذا كان التعيّن لأجل توقّفهما على مقدّمة محرّمة ، كطيّ طريق مغصوب أو مخوف ، فلو عصى وأتى الماءَ تجب عليه المائية وتصحّ .

وأمّا إذا كان المحرّم من العناوين المتّحدة مع فعلهما ، فقد يقال بالبطلان بدعوى : «أنّ الفعل الخارجي الذي تعلّق به النهي وصحّ العقاب عليه ، لا يعقل أن يقع عبادة ؛ لتوقّفها على الأمر الممتنع تعلّقه بالمنهيّ عنه ؛ لتعذّر الامتثال ،

ولكون النهي ناشئاً عن قُبح الفعل بلحاظ مفسدته الملزمة القاهرة المقبّحة له ، فيقبح الأمر بإيجاده»(1) .

وفيه : أنّ هذه الدعوى تنحلّ إلى دعويين :

إحداهما : امتناع تعلّق الأمر والنهي بالفعل الخارجي ؛ إمّا لأجل الامتناع الذاتي للتضادّ بينهما ، أو العرضي لأجل تعذّر الامتثال .

ص: 124


1- مصباح الفقيه ، الطهارة 6 : 153 .

وفيها : أ نّه قد فرغنا من جواز اجتماع الأمر والنهي ، وقلنا بأنّ الأوامر والنواهي متعلّقة بالطبائع ، لا المصاديق الخارجية ، بل ولا الوجودات العنوانية ، فموضوع تعلّق كلٍّ غير الآخر في وعاء تعلّقهما ، وظرف اتّحاد المتعلّقين هو الخارج ، ولا يمكن أن يكون ظرفَ تعلّقهما ؛ للزوم طلب الحاصل والزجر عنه ، وهو محال(1) .

فقوله : «الفعل الخارجي الذي تعلّق به النهي» إن كان المراد ظاهره فهو كما ترى ؛ فإنّ الفعل لا يصير خارجياً إلاّ بتحقّقه ووجوده ، وبعده لا يمكن تعلّق الأمر والنهي به .

وإن كان المراد الوجود العنواني كما لا يبعد ، فمع كونه خلاف التحقيق لا يلزم منه الامتناع ؛ لأنّ الوجود العنواني للمنهيّ عنه لا يتّحد مع الوجود العنواني للمأمور به ، وإنّما اتّحدا في المصداق الخارجي .

والحاصل : أنّ هاهنا اُموراً :

الأوّل : ماهية الوضوء والغسل وطبيعتهما ، وماهية الغصب والتصرّف في مال الغير .

الثاني : الوجود العنواني للقبيلتين .

والثالث : الإيجاد العنواني لهما .

والرابع : الوجود الخارجي العيني ، أو الإيجاد الخارجي .

لا إشكال في عدم لزوم الامتناع للتضادّ إذا تعلّق الأمر والنهي بالماهيات

ص: 125


1- مناهج الوصول 2 : 111 .

والطبائع - كما هو الحقّ المحقّق في محلّه مع دفع ما يتخيّل من الإشكال فيه(1) - لاختلافهما ذاتاً .

وكذا لو تعلّقا بالوجود العنواني أو الإيجاد كذلك ؛ لأ نّهما مفهوم الوجود والإيجاد المضاف الحاكي عن المعنون ، والمفهومان مختلفان متغايران في وعاء المفهومية لا اتّحاد بينهما . هذا مضافاً إلى أنّ تعلّقهما بهما خلاف التحقيق .

فلا يبقى إلاّ الوجود والإيجاد ؛ أي الخارجيان المتّحدان ، والمتّحد معهما كلّ العناوين الصادقة عليهما ، ولا ريب في امتناع تعلّقهما بهما .

لا يقال : إنّ الوجودات العنوانية - بل نفس الطبائع - إنّما تصير متعلّقة للأمر والنهي حال كونها مرآةً للخارج ؛ لعدم تعقّل تعلّقهما بالوجود الذهني بما هو كذلك ، ولا بالماهية من حيث هي ، فإنّها ليست إلاّ هي ، فمع المرآتية لا يمكن اجتماعهما ؛ للتضادّ أو لرؤيته(2) .

فإنّه يقال : - مضافاً إلى امتناع تعلّقهما بالعناوين المرآتية إن اُريد تعلّقهما بالمرئيّ دون المرآة ؛ لعين ما ذكر آنفاً إن كان للمرئيّ وجود وحقيقة ، وإلاّ فلا محالة يتعلّق بعنوان لا وعاء له إلاّ الذهن ، وفي هذا الوعاء لا يتّحدان واقعاً ولا في نظر المولى حتّى يلزم منه محذور - إنّ العناوين المرآتية لا يمكن أن تحكي إلاّ عن نفس الطبائع بوجودها الخارجي ، لا عن مقارناتها ومتّحداتها . فعنوان «الصلاة» لا يمكنه الحكاية عن الغصب أو الصلاة في الدار المغصوبة ؛ لعدم التناسب الحقيقي ولا الجعلي بينهما ، ولا يمكن أن يكون

ص: 126


1- مناهج الوصول 2 : 55 .
2- نهاية الأفكار 1 : 380 - 381 .

المرئيّ مغايراً ذاتاً لمرآته والمحكيّ لحاكيه .

والتحقيق : أنّ متعلّقهما هو نفس الطبائع والماهيات من حيث هي ، والهيئة دالّة - وضعاً أو عقلاً - على الإيجاد لتحصيل المكلّف الوجودَ الخارجي ، والتفصيل موكول إلى محلّه(1) .

وممّا ذكرنا يظهر : بطلان دعوى الامتناع عرضاً لتعذّر الامتثال ؛ ضرورة إمكانه بعد كون الطبائع مأموراً بها ومنهيّاً عنها ، وسيأتي ما في توهّم تعذّره عن قريب .

والدعوى الثانية : أ نّه يقبح الأمر بإيجاد ما هو القبيح ، فإنّ النهي ناشئ عن قبح الفعل بلحاظ مفسدته ، فالفعل قبيح ، ولا يمكن أن يتعلّق الأمر بما هو قبيح .

وفيها : أنّ الأمر متعلّق بطبيعة المأمور به ، وهي حسنة ، ولا يتعلّق بالغصب ولا بالوجود الخارجي المتّحد معه حتّى يكون قبيحاً ، ولا يمكن أن يتعدّى كلّ من الأمر والنهي عن متعلّقهما إلى مقارناته ومتّحداته ، فالأمر بالوضوء ليس إلاّ أمراً بهذه الطبيعة ، وهي ليست بمنهيّ عنها ، ولا مشتملة على مفسدة حتّى يكون التعلّق بها قبيحاً .

والظاهر أنّ الدعويين نشأتا من مبدأ واحد ؛ هو الخلط بين متعلّقات الأوامر والنواهي .

وقد تُقرّر الدعوى : «بأنّ إيجاد الفرد الخارجي يعرضه صفة الحسن أو القبح باعتبار جهته القاهرة ، فلا يكون ما يوجده المكلّف - من حيث صدوره منه - إلاّ حسناً أو قبيحاً على سبيل منع الجمع ؛ لامتناع توارد الوصفين المتضادّين على

ص: 127


1- مناهج الوصول 2 : 55 .

الفعل الخاصّ الصادر من المكلّف من حيث صدوره منه ، الذي لا يتّصف بشيء من الوصفين إلاّ من هذه الحيثية ، فالفرد الخارجي من الصلاة الذي يتحقّق به الغصب المحرّم على الإطلاق ، يمتنع أن يطلبه الشارع ؛ فإنّ الأمر بشيء في الجملة ينافي النهي عنه على الإطلاق»(1) .

وفيها : أنّ هذه الدعوى أيضاً تنحلّ إلى دعويين :

إحداهما : - وهي التي ذكرها أخيراً - ترجع إلى امتناع تعلّق الطلب بشيء في الجملة مع تعلّق النهي عنه مطلقاً .

وقد مرّ مورد الخلط فيها ، وقلنا : إنّ الأمر لا يمكن أن يتعلّق بغير عنوان متعلّقه ؛ وهو «الصلاة» في المثال ، كما أنّ النهي أيضاً لا يمكن أن يتعلّق بغير عنوان «الغصب» فلا يتّحد المتعلّقان في وعاء التعلّق ، والخارج ليس وعاءه .

وثانيتهما : أنّ الفعل الخارجي لا يمكن أن يكون حسناً وقبيحاً ؛ لأ نّهما وصفان متضادّان لا يمكن تواردهما على الفعل الخاصّ الصادر من المكلّف .

وفيها : أنّ الحسن والقبح ليسا من الأعراض والكيفيات الخارجية الحالّة في الموضوع - كالسواد والبياض - حتّى لا يكفي اختلاف الجهة في رفع التضادّ بينهما ، فقبح الظلم لا يكون له صورة خارجية حالّة في الجسم ، بل هو أمر عقلي منتزع من التصرّف عدواناً في مال الغير ، أو من قتل نفس محترمة عدواناً مثلاً ، وكذا حسن العدل ليس من الأعراض الخارجية ، بل من الانتزاعيات ، فيمكن أن يكون شيء خارجي ذا عناوين حسنة وقبيحة .

فالفعل الخاصّ الخارجي ليس قبحه لأجل كونه من مقولة خاصّة ، أو كونه

ص: 128


1- مصباح الفقيه ، الطهارة 6 : 153 - 154 .

صادراً من فاعل كذا ، أو في وقت كذا ، أو حالاًّ في محلّ كذا ، مع أنّ كلّها عناوين متّحدة معه ، بل إنّما هو لأجل كونه ظلماً وعدواناً ، فإذا لم يَسْرِ قبحه إلى سائر الجهات ، وبقيت هي على ما هي عليه بلا اقتضاء للحُسْن والقبح ، يعلم أنّ القبح لا يسري من عنوانه وحيثيته إلى حيثية اُخرى وعنوان آخر ، وكذا الحسن .

فلا مانع من أن يكون عنوانا «الحسن» و«القبح» صادقين على موجود خارجي ، فيكون حسناً بوجه ، وقبيحاً بوجه ، والجهات في العقليات تقييدية ، فتكون الحيثيات بما هي موضوعةً للحسن والقبح ، فالصلاة في الدار المغصوبة حسنة بما هي صلاة ليست إلاّ ، والغصب في حال الصلاة قبيح ليس إلاّ ؛ من غير سراية ما لكلّ عنوان وحيثية إلى عنوان آخر وحيثية اُخرى .

وممّا ذكرنا يظهر النظر فيما يقال : من وقوع الكسر والانكسار في الجهات المقتضية ، وبعد قاهرية جهة يتمحّض الفعل في الجهة القاهرة ، فإذا كانت مقبّحة يتمحّض في القبح فقط ، فالفعل الخاصّ الصادر من المكلّف ، لا يكون إلاّ حسناً أو قبيحاً على سبيل منع الجمع(1) .

وذلك لما عرفت : من أنّ الفعل الخارجي مجمع لعناوين ، وله جهات ، فإذا فرض في إحدى عناوينه جهة مقبّحة ، وفي الاُخرى جهة محسّنة ، وفرض غلبة المقبّحة على المحسّنة ، لا توجب خروج الجهة المحسّنة عن كونها جهة محسّنة ؛ لأنّ معنى قاهرية إحدى الجهتين ، ليس سراية القبح منها إلى الجهة التي هي حسنة ، بل لا يكون إلاّ كتقديم الأهمّ على المهمّ ، والفارق الذي بينهما ليس

ص: 129


1- مصباح الفقيه ، الطهارة 6 : 153 .

فارقاً من الجهة المنظورة عقلاً ؛ لأنّ شأن العقل تحليل الجهات وتكثير الحيثيات

وعدم الإهمال فيها .

وبالجملة : لا يعقل أن تكون نتيجة الكسر والانكسار إعدام الجهة المقهورة ، فما فيه الجهتان يكون كلٌّ منهما ممحّضاً فيما هو شأنه ، فالوضوء من الماء المغصوب والصلاة في الدار المغصوب - مع قاهرية حيثية الغصب على حيثيتهما - لا يمكن أن يخرجا عن الجهة المحسّنة التي فيهما بعنوانهما وحيثيتهما الذاتية ؛ وإن حكم العقل بلزوم تركهما والأخذ بما هو ذو جهة قاهرة .

ونحن الآن بصدد بيان مقتضى حكم العقل ، لا الترجيحات التي وقعت من الشارع في مقام التشريع ، بل الكلام بعد التشريع على العناوين واتّفاق اتّحادها في الخارج ، فلا يرد علينا الإشكال : بأنّ الشارع إذا رجّح إحدى الجهتين على الاُخرى في مقام التشريع ، فليس للمكلّف الأخذ بالجهة المرجوحة ، فليس النظر في قاهرية بعض الجهات على بعضها في مقام تشريع الأحكام ، بل في القاهرية التي يدركها العقل بعد التشريع في أحد التكليفين ، والتحقيق فيها ما عرفت .

وبالتأمّل فيما ذكرنا ينحلّ سائر الشبهات ، كامتناع كون شيء واحد شخصي مقرّباً ومبعّداً ، وذا مصلحة ومفسدة . . . إلى غير ذلك .

كما أ نّه ممّا ذكرنا ظهر وجه الصحّة في المسألة الاُخرى :

وهي ما إذا توقّف فعل الوضوء أو الغسل على مقدّمة مقارنة محرّمة ، بل الأمر هاهنا أوضح ؛ فإنّ ذات الوضوء والغسل لا تتّحدان مع المحرّم حتّى يأتي فيه بعض ما تقدّم مع جوابه .

ص: 130

نعم ، قد يقال هاهنا بأنّ الأمر بما يتوقّف على القبيح قبيح ، كالأمر بالقبيح بل هو هو ؛ فإنّ الأمر بالشيء يقتضي إيجاب ما يتوقّف عليه ، ولا أقلّ من أ نّه يقتضي جوازه ، والمفروض حرمة المقدّمة ، فيمتنع أن يكون ما يتوقّف عليها واجباً (1) .

وفيه : أ نّه إن اُريد بالامتناع ما يلزم من اجتماع الأمر والنهي ، فمع الغضّ عن عدم وجوب المقدّمة ، أ نّه قد ذكرنا في محلّه : أنّ ما هو الواجب - على فرضه - هو المقدّمة الموصلة بما هي كذلك ؛ أي حيثية ما يتوصّل به إلى ذي المقدّمة ، فيكون الوجوب متعلِّقاً بهذا العنوان ، لا ذات المقدّمة ، ولا عنوان «ما يتوقّف عليه

ذو المقدّمة» وقد دفعنا الإشكالات التي أوردوها على صاحب «الفصول» رحمه الله علیه

ونقّحنا مقصده بما لا مزيد عليه ، فراجع(2) .

فحينئذٍ نقول : إنّ ما يتعلّق به الأمر الغيري ليس هو عنوان «الاغتراف» ولا الاغتراف الذي هو موصل ، بل عنوان «الموصل» بما هو كذلك ، وهو متّحد الوجود مع الاغتراف الخارجي ، المتّحد مع كونه من الآنية المغصوبة ، أو آنية الذهب والفضّة ، وما هو المحرّم هو عنوان «التصرّف في مال الغير بلا إذنه واستعمال الآنيتين» المتّحدان في الخارج ، فيندفع الإشكال بما دفعناه في المسألة الاُولى .

وبما ذكرنا يظهر دفع توهّم قبح تعلّق الأمر بما يتوقّف على مقدّمة محرّمة ؛ لمنع القبح على فرض ، ومنع التعلّق على آخر ، ويتّضح بالتأمّل فيما مرّ ،

ص: 131


1- مصباح الفقيه ، الطهارة 6 : 155 .
2- مناهج الوصول 1 : 325 .

فلا نعيده ، وأمّا سائر الإشكالات المتقدّمة فلا يتأتّى فيها .

وقد يقال : «بعدم إمكان تصحيح الوضوء المتوقّف على الاغتراف من الآنية المغصوبة ؛ لاشتراط تحقّقه في الخارج بقصد حصول عنوانه بداعي التقرّب ، فيكون القصد المحصّل لعنوانه من مقوّمات ماهية المأمور به ، فيشترط فيه عدم كونه مبغوضاً للشارع ، فغسل الوجه إنّما يقع جزءاً من الوضوء إذا كان الآتي به بانياً على إتمامه وضوءاً ، وهذا البناء ممّن يرتكب المقدّمة المحرّمة ، قبيح يجب هدمه والعزم على ترك الوضوء بترك الغصب ، فلا يجوز أن يكون هذا العزم من مقوّمات العبادة ، بل العزم على ذي المقدّمة عزم على إيجاد مقدّمته إجمالاً ولدى التحليل ، لا أ نّه موقوف عليه»(1) .

وفيه : أنّ ما هو القبيح العزم على الغصب ، لا العزم على إتمام الوضوء ، وحكم العقل بلزوم ترجيح جانب الغصب وهدم العزم ، ليس لأجل كون الوضوء أو عزمه قبيحاً أو حراماً ، بل لأجل ترجيح الأهمّ ، فما هو من مقوّمات ماهية الوضوء ، هو العزم على الوضوء متقرّباً به إلى اللّه ، لا العزم على المعصية

والتصرّف في الآنية المغصوبة ، وما هو قبيح يجب هدمه هو هذا العزم ، لا الأوّل ، فلو فرض تحليل العزم إلى العزم على التصرّف عدواناً ، والعزم على الوضوء ، يكون الأوّل قبيحاً دون الثاني ، ولزوم هدم الثاني عقلاً ، ليس لقبحه وعدم إمكان وقوعه مقوّماً لماهية العبادة ، بل لاتّحاده مع الأوّل وحكم العقل بالترجيح .

هذا مع أنّ ما ذكره أخيراً : «من أنّ العزم على ذي المقدّمة ، عزم على مقدّمته

ص: 132


1- مصباح الفقيه ، الطهارة 6 : 157 .

إجمالاً ولدى التحليل» لا يمكن المساعدة عليه ؛ ضرورة أنّ العزم والإرادة وغيرهما من الأوصاف ذات الإضافة ، إنّما يكون تشخّصها بمتعلّقاتها ، ومع كثرة المتعلّقات لا يمكن وحدتها ، فالعزم المتعلّق بالكون على السطح ، لا يمكن أن يصير متشخّصاً إلاّ بالوجود العنواني لذلك العنوان ، لا العنوان الآخر ، ولا يمكن أن يكون الوجودان مشخّصاً لإرادة واحدة .

مضافاً إلى أنّ مبادئ إرادة ذي المقدّمة غير مبادئ إرادة مقدّمته ، فإرادة ذي المقدّمة موقوفة على تصوّره والتصديق بفائدته . . . إلى آخر المبادئ ، وإرادة المقدّمة موقوفة على تصوّرها ، وتصوّر توقّف ذي المقدّمة عليها ، وكونها موصلة إليه ، والتصديق به . . . إلى آخرها ، فلا معنى لانحلال إرادة ذي المقدّمة إلى إرادتها ، وهو معلوم جدّاً ، فإذا اختلفت الإرادتان لا يبقى مجال للقول بقبح العزم على إتمام الوضوء ؛ ولو فرض لزوم إرادة اُخرى بمقدّماتها لحصول المعصية .

وبما ذكرنا ظهر فساد ما ربّما يقال : «لا يعقل الأمر بالوضوء مع المقدّمة المحرّمة المنحصرة ؛ للزوم الأمر بما يلازم الحرام ، وهو قبيح ، بل محال مع بقاء النهي على فعليته ، كما هو المفروض»(1) .

لما عرفت(2) من تعلّق الأمر والنهي بالعناوين ، وعدم سراية حكم كلٍّ إلى الآخر وإن اتّحدا في الخارج ، ولا يكون الحاكم ناظراً في مقام جعل الحكم إلى حال الخارج ، وحال مقارنات الموضوع في ظرفه ، وكيفية الامتثال ، وترجيح

ص: 133


1- مصباح الفقيه ، الطهارة 6 : 155 .
2- تقدّم في الصفحة 125 .

الراجح على المرجوح ، بل الحاكم فيها هو العقل . بل لو ورد حكم في هذا المقام

من الشارع ، لا يكون إلاّ إرشاداً إلى حكم العقل ، أو إرشاداً إلى أهمّية أحد التكليفين .

نعم ، إذا كان بين العنوانين تلازم ، لا يمكن جعل الحكمين المتضادّين عليهما ؛ لامتناع الامتثال ، ولكنّه خارج عن محطّ البحث .

ثمّ إنّه قد يقال في تصوير الأمر بالوضوء في المقدّمة المقارنة بالترتّب ، لا بأن يكون العصيان الخارجي شرطاً فيه ؛ لأ نّه متأخّر عن الشروع في الفعل ، ويمتنع تقدّم المعلول على علّته ، ولا بأن يكون العزم على المعصية شرطاً للوجوب ؛ فإنّ العزم عليها لا يبيحها ، ولا يخرج فعلها عن كونه مقدّمة لإيجاد ذي المقدّمة حتّى يتنجّز التكليف به على تقدير حصول العزم ، بل يجب عليه نقض العزم وترك المحرّم ، لا إيجاد ما يقتضيه .

بل عنوان كونه عاصياً في الواقع شرط ؛ بمعنى أنّ الطلب الشرعي تعلّق بمن يعصي في فعل المقدّمة ، ويقدر على إيجاد المأمور به ، فعزمه على المعصية طريق لإحراز كونه من مصاديق هذا العنوان ؛ من دون أن يجب عليه تحصيله(1) .

وفيه : أنّ كشفه عن تحقّق عنوان كونه ممّن يعصي مَن عزمه المعصية ، لا يوجب سقوط النهي المتعلّق بالمقدّمة ، ومع تحقّق النهي الفعلي لا يمكن الأمر بها بناءً على هذا المبنى ، فكما أنّ العزم على المعصية لا يبيحها ، ويجب عليه نقضه وترك المعصية ، كذلك العزم الكاشف عن المعصية ، وكذا صدق

ص: 134


1- مصباح الفقيه ، الطهارة 6 : 156 .

عنوان كونه ممّن يعصي لا يوجب إباحتها وسقوط النهي ، بل يجب عليه نقض العزم وهدم العنوان .

وبالجملة : إذا كان القبيح أو الممتنع ، تعلّق الأمر بالوضوء اللازم منه تعلّق الأمر بمقدّماته المحرّمة أو تجويزها ، لا يمكن التخلّص عنهما في المقدّمات المقارنة بالترتّب ؛ سواء جعل الشرط المعصية ، أو عزمها ، أو عنوان من يعصي . لكن التحقيق ما عرفت من دون لزوم تكلّف .

حكم مزاحمة الطهارة المائية لواجب أهمّ

وممّا ذكرنا يظهر الحال في مسألة اُخرى : وهي ما إذا زاحمت الطهارة المائية

واجباً أهمّ ، لا لأجل الترتّب المعروف الذي فرغنا عن إبطاله في الاُصول(1) ، بل لأجل عدم امتناع تعلّق الأمرين بعنوانين متزاحمين في الوجود ؛ سواء كانا من قبيل الأهمّ والمهمّ أو لا ؛ لأنّ الأوامر متعلّقة بنفس الطبائع ؛ من غير سراية إلى الخصوصيات الفردية .

وأنّ الإطلاق - بعد تمامية مقدّماته - ليس كالعموم في تعلّق حكمه بالأفراد ، بل مقتضاه بعدها كون نفس الطبيعة تمام الموضوع ؛ بلا دخالة شيء آخر من الخصوصيات الفردية والحالات الطارئة .

وأنّ الأدلّة غير ناظرة إلى حال المتزاحمات ولا حال علاجها ، فإطلاق دليل المتزاحمين شامل لحال التزاحم ؛ من غير أن يكون ناظراً إلى التزاحم وعلاجه .

ص: 135


1- مناهج الوصول 2 : 23 .

وأنّ الأحكام القانونية تعمّ العاجز والقادر والعالم والجاهل ؛ من غير تقييد بحال دون حال .

وأنّ الأمر بكلٍّ من المتزاحمين أمر بالمقدور ، والجمع غير مقدور ، وهو ليس بمأمور به ، ففي المتزاحمين أمران كلٌّ تعلّق بمقدور ، لا أمر واحد بالجمع الذي هو غير مقدور .

فتحصّل من تلك المقدّمات التي فصّلناها في محلّها (1) : أنّ لدليل المتزاحمين إطلاقاً يشمل حال التزاحم من غير تقييد ، وإنّما يحكم العقل بلزوم الأخذ بالأهمّ وترك المهمّ مع كونه مأموراً به ، فيكون المكلّف - بحكم العقل - معذوراً في ترك التكليف الفعلي بالاشتغال بالأهمّ ، ومع ترك الأهمّ والإتيان بالمهمّ ، أتى بالمأمور به ويثاب عليه ، ولم يكن معذوراً في ترك الأهمّ ، فيستحقّ العقوبة على تركه ، ومع تركهما يستحقّ العقوبة عليهما ؛ لتركه كلاًّ من التكليفين المقدورين بلا عذر . والتفصيل يطلب من محلّه(2) .

ثمّ إنّ الصحّة لا تتوقّف على تصوير الأمر ، بل تصحّ العبادة مع عدمه ، بل لا يبعد القول بها مع الالتزام بكون الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه ؛ لعدم اقتضاء النهي الغيري الفساد .

وكيف كان : لا إشكال في صحّة الوضوء مع الابتلاء بالمزاحم .

هذا كلّه حال تلك المسائل من ناحية حكم العقل .

ص: 136


1- مناهج الوصول 2 : 15 - 23 .
2- مناهج الوصول 2 : 21 - 22 .
بيان مقتضى الأدلّة النقلية في المقام
اشارة

وأمّا حالها بالنظر إلى الأدلّة النقلية ، فلا بدّ لبيانها من إفراز بعض المسائل التي وردت فيها النصوص :

المسألة الاُولى في بطلان الطهارة المائية في موارد سقوطها بدليل نفي الحرج
اشارة

الأقرب بطلان الوضوء والغسل في الموارد التي سقطا بدليل العسر والحرج ، والدليل عليه التعليل المستفاد من الآية الكريمة الواردة في الصوم ، قال تعالى : )شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّه ُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ((1) .

مفاد الآية الكريمة :

والمحتمل بحسب التصوّر أن يكون مفادها حرمة صوم المريض والمسافر ؛ لجهة إرادة اليسر ، أو لجهة عدم إرادة العسر .

وأن يكون إبقاء اليسر وعدم هدمه واجباً ، لا عنوان الصوم العسير حراماً .

وأن يكون إيقاع العسر على النفس حراماً بعنوانه .

فعلى الاحتمالين الأخيرين لا يلزم بطلان الصوم ؛ لما مرّ من عدم بطلان

ص: 137


1- البقرة (2) : 185 .

العبادة المتّحدة مع عنوان محرّم(1) ، وكذا إذا كانت العبادة ضدّ الواجب .

وعلى الاحتمال الأوّل يقع باطلاً ؛ لتعلّق الحرمة بنفس العبادة .

وهنا بعض احتمالات اُخر منفيّ بما يأتي .

والأقرب من بينها هو الاحتمال الأوّل ؛ إمّا لمفهوم قوله : )فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ

الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ( بناءً على كون مفهومه : «ومن لم يشهد فلا يصمه» وأصل المفهوم وكذا كونه كذلك وإن كان محلّ مناقشة في الاُصول(2) ، لكن لا يبعد مساعدة العرف عليهما فيما إذا كان الجزاء من قبيل الهيئة ، لا المعنى الاسمي ؛ للفرق عرفاً بين أخذ المفهوم من قوله : «فمن شهد منكم الشهر فيجب عليه الصيام» حيث إنّ المفهوم : «لا يجب عليه» وبين ما في الآية ، فلا يبعد أن يكون مفهومه : «فلا تصمه» .

وتؤيّده - بل تدلّ عليه في المورد - رواية عبيد بن زرارة التي لا يبعد أن تكون حسنة برواية الصدوق(3) ، قال : قلت لأبي عبداللّه علیه السلام : قوله تعالى :

ص: 138


1- تقدّم في الصفحة 125.
2- مناهج الوصول 2 : 158 .
3- والوجه فيه : وقوع الحكم بن مسكين في طريق الصدوق رحمه الله إلى عبيد بن زرارة ، فإنّه قال في مشيخته : «وما كان فيه عن عبيد بن زرارة فقد رويته عن أبي رضى الله عنه ، عن سعد بن عبداللّه ، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب ، عن الحكم بن مسكين الثقفي ، عن عبيد بن زرارة بن أعين وكان أحول» . وأمّا الرواية بطريق الكليني فضعيفة بعبدالعزيز العبدي، فإنّه رواها عن عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد ، عن الحسن بن محبوب ، عن عبدالعزيز العبدي ، عن عبيد بن زرارة . الفقيه ، المشيخة 4 : 31 ؛ تنقيح المقال 1 : 360 / السطر 28 ، و2 : 155 / السطر13 (أبواب العين) .

)فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ( ؟

قال : «ما أبيَنَها! من شهد فليصمه ، ومن سافر فلا يصمه»(1) .

وفي «مجمع البيان» : «فيه وجهان : أحدهما : فمن شهد منكم المصر وحضر ولم يغب في الشهر - والألف واللام في )الشَّهْرَ( للعهد ، والمراد به شهر رمضان - فليصم جميعه . وهذا معنى ما رواه زرارة عن أبي جعفر علیه السلام أ نّه قال لمّا سُئل عن هذه الآية : «ما أبينها لمن عقلها!» قال : «من شهد شهر رمضان فليصمه ، ومن سافر فيه فليفطر(2) »(3) .

وإمّا لإطلاق قوله : )وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ(

حيث دلّت على أنّ نفس المرض والسفر توجب عدّة من أيّام اُخر ؛ من غير دخالة شيء آخر من إفطار أو غيره فيه .

فإذا كان المكلّف مريضاً أو مسافراً في الشهر ، تأتي على عهدته عدّة أيّام اُخر بدل شهر رمضان ، ولا شبهة في أنّ هذه العدّة قضاء شهر رمضان ؛ لما يستفاد من الآية من أنّ الواجب الأصلي هو صيام الشهر ، ومع طروّ العنوانين يتبدّل بعدّة من غيره ، فإذا وجب القضاء بمجرّد طروّهما ، فلا بدّ وأن يقع الصوم معهما باطلاً ، وإلاّ فيلزم إمّا إيجاب البدل ولو على فرض إيجاد المبدل منه وصحّته ، أو تقدير

ص: 139


1- الكافي 4 : 126 / 1 ؛ الفقيه 2 : 91 / 404 ؛ تهذيب الأحكام 4 : 216 / 627 ؛ وسائل الشيعة 10 : 176 ، كتاب الصوم ، أبواب من يصحّ منه الصوم ، الباب 1 ، الحديث 8 .
2- تفسير العيّاشي 1 : 81 / 187 ؛ مستدرك الوسائل 7 : 373 ، كتاب الصوم ، أبواب من يصحّ منه الصوم ، الباب 1 ، الحديث 2 .
3- مجمع البيان 2 : 498 .

في الآية وتقييد بلا دليل وحجّة ؛ بأن يكون المعنى : «ومن كان مريضاً أو على سفر وأفطر» .

وتؤيّده رواية الزُهري ، عن علي بن الحسين علیهما السلام في حديث قال : «وأمّا صوم السفر والمرض فإنّ العامّة قد اختلفت في ذلك ؛ فقال قوم : يصوم ، وقال آخرون : لا يصوم ، وقال قوم : إن شاء صام ، وإن شاء أفطر ، وأمّا نحن فنقول : يفطر في الحالين جميعاً ، فإن صام في حال السفر أو في حال المرض فعليه القضاء ؛ فإنّ اللّه عزّ وجلّ يقول : )فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ(فهذا تفسير الصيام»(1) .

فحكم بوجوب القضاء عليهما وإن صاما ؛ مستدلاًّ بالآية ومستظهراً منها من دون إعمال تعبّد ، وقد عرفت أنّ ذلك مقتضى إطلاقها .

فتحصّل ممّا ذكرنا : أنّ المستفاد من الآية أنّ صوم المريض والمسافر بعنوانهما محرّم باطل ، ويظهر منها تعليله بإرادة اليسر وعدم إرادة العسر على الاُمّة ، فيجب التعميم بمقتضى العلّة المنصوصة .

ثمّ يقع الكلام في أنّ القضايا المعلّلة المعمّمة ، هل تكون ظاهرة في أنّ الحكم لحيثية العلّة ، كما يقال في الأحكام العقلية : «إنّ الحيثيات التعليلية عناوين للموضوعات»(2) فيكون حكم العرف كحكم العقل ؟

أو أنّ الظاهر كون عنوان الموضوع ما اُخذ في ظاهر القضيّة المعلّلة ، وما اُخذ

ص: 140


1- الكافي 4 : 83 / 1 ؛ الفقيه 2 : 46 / 208 ؛ وسائل الشيعة 10 : 174 ، كتاب الصوم ، أبواب من يصحّ منه الصوم ، الباب 1 ، الحديث 2 .
2- نهاية الدراية 2 : 133 .

علّةً واسطة في ثبوت الحكم لموضوعه ، فقوله : «الخمر حرام ؛ لأ نّه مُسكر» ظاهر عرفاً في أنّ موضوع الحرمة هو الخمر ، وكونه مُسكراً واسطة لتعلّقها به ؟

الأقرب هو الثاني ؛ فإنّ الأوّل حكم عقلي دقيق برهاني ، لا عرفي عقلائي ؛ إذ لا إشكال في أنّ العرف يرى في تلك القضايا اُموراً ثلاثة : الموضوع ، والحكم ، وواسطة ثبوته له .

فتحصّل ممّا ذُكر : أنّ المتفاهم من الآية أنّ صوم المريض والمسافر حرام بعنوانه ؛ لأجل إرادة اليسر ، والظاهر بحسب فهم العرف أنّ القضايا المفهومة من تعميم التعليل - كالقضيّة الأصلية المعلّلة - لها موضوع ، وحكم ، ووسط ، فقضيّة تعميم التعليل في قوله : «الخمر حرام ؛ لأ نّه مسكر» أنّ الفُقّاع والنبيذ كذلك بعنوانهما لكونهما مسكرين ؛ فإنّ الحكم في الفرع تابع لأصله ، فاحتمال كون الحكم في الفرع لحيثية الإسكار ، وكون الشيء مسكراً بما هو كذلك ، ضعيف مخالف لفهم العرف والعقلاء .

فظهر ممّا مرّ : أنّ مقتضى تعميم العلّة بنحو ما مرّ ، أنّ ما يلزم منه الحرج والعسر بعنوانه حرام ، فالوضوء الحرجي والغسل العسير بعنوانهما حرام ، فيقعان باطلين .

هذا مضافاً إلى أنّ قوله في آية التيمّم : )وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ . . .(

إلى قوله : )فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً((1) كقوله في آية الصوم : )وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً

أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ( فكما أنّ مجرّد السفر صار سبباً لعدّة اُخرى

ص: 141


1- المائدة (5) : 6 .

من غير دخالة شيء آخر كما مرّ(1) ، كذلك الظاهر أنّ المرض بنفسه سبب لإيجاب التيمّم ، وكذا في سائر الأعذار إن عمّمناها بالنسبة إليها .

بل يمكن الاستشهاد على المقصود بتمسّك الأئمّة علیهم السلام بآية الصوم للحرمة تارة بمفهوم قوله : )فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ( كما في روايتي زرارة وابنه ، واُخرى بقوله : )فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ( كما في رواية الزُهري ، مع كونها في مقام الامتنان ، وسياقها كسياق آية التيمّم ، فلو كان الأمر في الرفع امتناناً -

كما ذكره المتأخّرون من عدم الدلالة على العزيمة ولا البطلان على فرض التخلّف(2) - لما كان وجه لتمسّكهم علیهم السلام بها في مقابل من ذهب إلى الرخصة ، فيستشعر منه

أنّ جعل التيمّم بدل الوضوء عزيمة ، كجعل عدّة من أيّام اُخر بدل صوم المسافر .

هذا كلّه في مفاد الآية الكريمة .

مفاد رواية يحيى بن أبي العلاء

ويأتي الكلام المتقدّم في مثل رواية يحيى بن أبي العلاء ، عن أبي عبداللّه علیه السلام

- وسند الشيخ الصدوق إليه(3) كالصحيح ، لكن لم يرد في يحيى توثيق ، واحتمل

ص: 142


1- تقدّم في الصفحة 139 .
2- مصباح الفقيه ، الطهارة 6 : 150 ؛ العروة الوثقى 2 : 171 ، مسألة 18 ؛ مستمسك العروة الوثقى 4 : 331 .
3- رواها الشيخ الصدوق ، عن يحيى بن أبي العلاء ، عن أبي عبداللّه عليه السلام وقال في مشيخته : «وما كان فيه عن يحيى بن أبي العلاء فقد رويته عن محمّد بن الحسن رضى الله عنه ، عن الحسين ابن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن فضالة بن أيّوب ، عن أبان بن عثمان ، عن يحيى بن أبي العلاء» . وقوله : «كالصحيح» إشارة إلى كلامٍ في مذهب أبان بن عثمان . الفقيه ، المشيخة 4 : 88 ؛ تنقيح المقال 1 : 5 / السطر 34 ؛ مقباس الهداية 1 : 176 .

بعضهم أن يكون متّحداً مع يحيى بن العلاء الثقة(1) ، وهو غير ثابت - قال : «الصائم في السفر في شهر رمضان كالمفطر فيه في الحضر» .

ثمّ قال : «إنّ رجلاً أتى النبي صلی الله علیه و آله وسلم فقال : يا رسول اللّه ، أصوم شهر رمضان في السفر ؟ فقال : لا ، فقال : يا رسول اللّه ، إنّه عليّ يسير ، فقال رسول اللّه : إنّ اللّه تصدّق على مرضى اُمّتي ومسافريها بالإفطار في شهر رمضان ، أيُحبّ أحدُكم لو تصدّق بصدقة أن تردّ عليه صدقته ؟!»(2) .

فيأتي فيها الاحتمالات المتقدّمة(3) ، إلاّ أنّ العنوان هاهنا ردّ الصدقة ، وأقرب الاحتمالات هاهنا أيضاً حرمة عنوان الصوم بعلّية كونه ردّ الصدقة . ويأتي فيها الكلام في التعميم الذي ذكرنا في الآية .

نعم ، هنا كلام آخر : وهو أنّ ظاهر الآية أنّ العلّة لحرمة الصوم ، إرادة اللّه اليسر بالعباد ، وظاهر الرواية وبعض روايات اُخر(4) أنّ العلّة كونه ردّ الصدقة ، والظاهر عدم التنافي بينهما ، ولا مجال لتفصيله .

ص: 143


1- راجع تنقيح المقال 3 : 308 / السطر 24 ، و : 319 / السطر 28 ( أبواب الياء) .
2- الكافي 4 : 127 / 3 ؛ الفقيه 2 : 90 / 403 ؛ تهذيب الأحكام 4 : 217/ 630 ؛ وسائل الشيعة 10 : 175 ، كتاب الصوم ، أبواب من يصحّ منه الصوم ، الباب 1 ، الحديث 5 .
3- تقدّمت في الصفحة 137 - 138 .
4- وسائل الشيعة 10 : 174 ، كتاب الصوم ، أبواب من يصحّ منه الصوم ، الباب 1 ، الحديث 4 و12 .
نكتة اُخرى تقتضي بطلان الصلاة مع المائية

ثمّ اعلم : أنّ هاهنا نكتة اُخرى في باب التكاليف الحرجية ؛ وهي أ نّه لو سُلّم

عدم دلالة ما دلّ على نفي الحرج على بطلان متعلّقات التكاليف النفسية الحرجية - إمّا بدعوى بقاء الجواز بل الرجحان مع رفع الإلزام ؛ لأجل أنّ الواجب عبارة عن الأمر بالشيء مع عدم الرخصة بالترك ، ودليل نفي الحرج يرفع عدم الرخصة ، ويبقى الأمر مع الرخصة فيه ؛ وهو الاستحباب ، أو لكفاية ما يقتضي الطلب ومحبوبية الفعل لصحّته - لكن إذا كان شرط المأمور به أو جزؤه حرجياً فلا يُسلّم ذلك ؛ لأنّ مقتضى نفي الحرج نفي الشرطية والجزئية ، فيكون المأموربه هو الفاقد لهما ؛ سواء قلنا بإمكان تعلّق الرفع والجعل بهما استقلالاً كما

هو التحقيق(1) ، أو قلنا بامتناعه ولزوم رفع الأمر عن المقيّد والمركّب الواجد ، وتعلّق أمر آخر بفاقدهما (2) . وعلى أيّ تقدير يكون المأمور به فعلاً هو الطبيعة

الفاقدة .

ولو بدّل الشرط أو الجزء بآخر ، يكون المأمور به فعلاً هو الطبيعة المتقيّدة بالبدل أو المشتملة عليه ، لا المبدل منه ، فيكون الإتيان به مع الجزء الساقط زيادةً في المأمور به الفعلي ، والاكتفاء به مع فرض التبديل غيرَ مجزٍ عن الواقع ؛ وهو المأمور به الفعلي . ومجرّد اقتضاء الجزئية أو الشرطية لا يوجب عدمَ الزيادة ، وجوازَ ترك الشرط الفعلي والجزء كذلك ، والاكتفاءَ بما فيه الاقتضاء .

ص: 144


1- الاستصحاب ، الإمام الخميني قدس سره : 72 .
2- فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4 : 392 - 393 .

فالصلاة المشروطة بالتيمّم أو بالطهارة الحاصلة منه ، هي المأمور بها فعلاً ، ولم تكن مشروطة بالوضوء والغسل ، والآتي بها معهما آتٍ بغير شرطها ، وكذا في تبديل الجزء .

ودعوى حصول الطهارة التي من الترابية ، من الغسل والوضوء مع شيء زائد ؛ لأ نّها مرتبة كاملة من الطهارة ، غير متّضحة الدليل . ومجرّد كون المائية أكمل من الترابية في تحصيل الغرض ، لا يوجب وحدتَهما واقعاً واختلافَهما بالشدّة والضعف ؛ لإمكان أن تكونا صنفين أحدهما أفضل من الآخر ، فلا يحصل من أحدهما ما يحصل من الآخر .

مع أنّ في أصل دعوى كون الشرط أمراً معنوياً حاصلاً منهما كلاماً ؛ لقوّة احتمال أن يكون الطهور عبارة عن الوضوء والغسل والتيمّم ، لا أمراً حاصلاً منها ، ولا تبعد أقربية ذلك إلى ظواهر الأدلّة وكلمات الأصحاب . ومثل قوله : «التراب أحد الطهورين»(1) و«يكفيك عشر سنين»(2) لا يدلّ على أ نّه أمر معنوي ، ولا على وحدتهما ذاتاً واختلافهما رتبة .

كما أنّ قوله : «الوضوء نور»(3) أو «نور وطهور»(4) لا يدلّ على كون الطهور أمراً معنوياً ؛ لو لم نقل بدلالته على الخلاف .

ص: 145


1- وسائل الشيعة 3 : 381 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 21 ، الحديث 1 ، وفيه «فإنّ التيمّم أحد الطهورين» .
2- راجع وسائل الشيعة 3 : 369 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 14 ، الحديث 12 .
3- وسائل الشيعة 1 : 377 ، كتاب الطهارة ، أبواب الوضوء ، الباب 8 ، الحديث 8 ، وفيه «الوضوء على الوضوء نور على نور» .
4- لم نعثر على هذا النصّ في الجوامع الروائية المتوفّرة لدينا .

بل الظاهر من آية الوضوء(1) أنّ نفس تلك الأفعال أو العناوين شرط للصلاة ، وليس المراد بقوله )فَاطَّهَّرُوا(إلاّ الغسل بحسب وحدة السياق وفهم العرف ، خصوصاً مع قوله : )حَتَّى تَغْتَسِلُوا( في الآية الاُخرى(2) ، لا تحصيل طهارة معنوية .

فتحصّل ممّا ذكرنا : أنّ مقتضى دليل نفي الحرج رفع شرطية الطهارة المائية ، ومقتضى جعل التيمّم بدلاً اشتراط الصلاة به فعلاً ، وقضيّ-تهما بطلان الصلاة مع الاكتفاء بالمائية .

ولو قلنا بأنّ مقتضى دليل نفي الحرج رفع سببية الوضوء والغسل للطهارة ، ومقتضى جعل البدل جعل السببية له ، لكان البطلان أوضح مع الذهاب إلى أنّ الشرط هو الأمر الحاصل بها .

المسألة الثانية في صحّة الطهارة المائية في موارد سقوطها بغير دليل نفي الحرج

ما تقدّم حال أدلّة نفي الحرج ، وأمّا سائر الأدلّة الدالّة على عدم الوضوء أو الغسل - كما وردت في القرح والجرح والخوف على النفس ، مثل صحيحتي البزنطي وابن سرحان وغيرهما (3) ، وما وردت في مورد خوف العطش ، مثل

ص: 146


1- المائدة (5) : 6 .
2- النساء (4) : 43 .
3- وسائل الشيعة 3 : 347 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 5 ، الحديث 7 و8 و1 .

صحيحة ابن سنان وموثّقة سَماعة وغيرهما (1) ، وما وردت في الركية وفرض إفساد الماء ، مثل صحيحة عبداللّه بن أبي يعفور(2) ، وما وردت في مورد خوف فوت الوقت ، مثل صحيحة زرارة(3) ؛ بناءً على ما قدّمناه من الاستفادة منها (4) - فالظاهر عدم استفادة بطلان المائية منها :

أمّا ما لا يتعلّق النهي فيها بالغسل ، بل تعلّق بعنوان خارج - كإفساد الماء أو عدم(5) إهراقه - فظاهر ؛ لأنّ الظاهر منها أنّ الأمر بالتيمّم لأجل ترجيح أحد المتزاحمين - أي حرمة إفساد الماء ووجوب حفظ النفس - على الطهارة المائية ، فالأمر بالشرط الناقص ليس لأجل تبديل الكامل به وإسقاط شرطيته ، كما قلنا في نفي الحرج ، بل للمزاحمة الواقعة بين الأهمّ والمهمّ ، فيأتي فيه ما مرّ

في باب المتزاحمين(6) .

وأمّا ما تعلّق النهي في ظاهر الدليل بالغسل ، فهو أيضاً كذلك ؛ لأنّ المتفاهم من مجموعها أنّ النهي عنه ليس لمبغوضية فيه ، بل للإرشاد إلى الأخذ بأهمّ التكليفين ، فسبيل قوله في فرض القروح والجروح والمخافة على النفس : «لا يغتسل ، ويتيمّم» سبيل قولِه : «لا تقع في البئر ، ولا تفسد على القوم ماءهم» وقولِه : «إن خاف عطشاً فلا يهريق منه قطرة ، وليتيمّم بالصعيد» حيث

ص: 147


1- وسائل الشيعة 3 : 388 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 25 ، الحديث 1 و3 و2 .
2- وسائل الشيعة 3 : 344 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 3 ، الحديث 2 .
3- وسائل الشيعة 3 : 366 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 14 ، الحديث 3 .
4- تقدّم في الصفحة 97 .
5- الظاهر زيادة كلمة «عدم» .
6- تقدّم في الصفحة 135 - 136 .

لا يفهم منها مبغوضية الغسل والوضوء بعنوانهما ، بل الظاهر أنّ المبغوض هلاك

النفس أو الواجب حفظها ، فلا يدلّ على البطلان . وقد م-رّ أنّ مقتضى القاعدة أيضاً الصحّة(1) .

نعم ، ما ذكرنا من الصحّة بمقتضى القاعدة أو بحسب سائر الأدلّة ، إنّما هو حيثي ، فإذا انطبق على مورد عنوان آخر يقتضي البطلان نحكم به ، كما إذا انطبق عنوان «الحرج» على مورد الضرر أو الخوف على النفس ؛ لما عرفت من أنّ مقتضى أدلّة نفي الحرج البطلان ، فيفصّل في الحكم به بين ما إذا انطبق على مورد عنوان «الحرج» وبين ما إذا انطبق عليه عنوان محرّم ، كالغسل في آنية الذهب والفضّة والوضوء ارتماساً فيها ، فيحكم بالبطلان في الأوّل دون الثاني .

وأوضح منه في الصحّة ما إذا تزاحم مع تكليف أهمّ ، كالوضوء في ضيق الوقت المزاحم لفعل الصلاة ، فإنّه صحيح من غير فرق بين أن يكون قصده امتثال الأمر المتعلّق به من ناحية هذه الصلاة على وجه التقييد وغيره ؛ لما ذكرنا (2) من أنّ ملاك عبادية الطهارات ، ليس الأمر الغيري من ناحية الأمر بالصلاة ؛ لعدم وجوب المقدّمة إلاّ عقلاً ، ولأنّ الطهارات بما هي عبادةٌ جعلت شرطاً ، فعباديتها مقدّمة على تعلّق الأمر الغيري على فرضه ، ولا منافاة بين الأمر الاستحبابي الذاتي والأمر الغيري ؛ لاختلاف العنوان ، فحينئذٍ لو جهل المكلّف وقصد الأمر الغيري ، أو قصد التقرّب به ، يقع قصده لغواً ، وعبادته صحيحة ؛ لعدم اعتبار شيء فيها إلاّ الرجحان الذاتي وقصد كونه للّه .

ص: 148


1- تقدّم في الصفحة 124.
2- تقدّم في الصفحة 11 .

نعم ، لو كان من قصده عدم التعبّد إلاّ بالأمر الغيري ، يقع باطلاً ولو في سعة الوقت ؛ لعدم وجوده ، وعدم كونه مقرّباً على فرضه .

إلاّ أن يقال : إنّه نحو انقياد للمولى ، وهو كافٍ في الصحّة ، فحينئذٍ لا يفرّق بين السعة والضيق .

الأمر الخامس في الإتيان بالمائية لعذر عند تعيّن التيمّم

لو قلنا في الموارد التي تعيّن عليه التيمّم بالحرمة والبطلان ، فأتى بالمائية

لعذر : من غفلة ، أو جهل بالموضوع ، أو بالحكم قصوراً ونحوها ، ففي صحّتها مطلقاً ، أو التفصيل بين الموارد ، وجهان أقواهما التفصيل بين الموارد التي استفدنا

من الأدلّة تقييد المكلّف به بغير المائية وإسقاط شرطيتها ، كما قلنا في مورد الحرج(1) ، فنحكم فيها بالبطلان ؛ لفقد ما هو شرط واقعاً ، ولا تأثير في العمد وغيره والعذر وغيره ، وبين الموارد التي قيل ببطلانها لأجل أنّ المبعّد القبيح لا يمكن أن يقع عبادة وصحيحاً ولو قلنا بجواز الاجتماع ؛ لأ نّه مع العذر لا يقع قبيحاً ومبعّداً ، فلا مانع من مقرّبيته . فالوضوء والغسل صحيحان ؛ لرجحانهما الذاتي ، بل فعلية الأمر بهما ، وعدمِ مانع آخر من صحّتهما ، فالوضوء في آنية الذهب وبالماء المغصوب صحيح .

هذا إذا قلنا بجواز الاجتماع .

ص: 149


1- تقدّم في الصفحة 146 .

وأمّا مع القول بامتناعه وترجيح جانب النهي ، فالصحّة تتوقّف على وجود الملاك في المتعلّق وإمكان مقرّبية الملاك المكسور ، وقد ذكرنا في محلّه : أنّ إمكان تحقّق الملاكين للشيء الواحد ، يهدم أساس الامتناع إذا كان ملاكه لزوم التكليف المحال ، لا التكليف بالمحال(1) ، فإنّ وجود الحيثيتين لحمل الملاكين إذا كان رافعاً للتضادّ بينهما ، يكون رافعاً للتضادّ بين الحكمين قطعاً ، فالقائل بالامتناع لا بدّ وأن يقول : بأنّ الحيثية التي تعلّق بها الأمر عين ما تعلّق به النهي ؛ حتّى يتحقّق التضادّ الموجب للامتناع ، ومع وحدة الحيثية لا يمكن تحقّق الملاكين ، ومع ترجيح جانب النهي يستكشف عدم ملاك الأمر في المتعلّق ، فيقع باطلاً حتّى مع الجهل وسائر الأعذار .

نعم ، إذا كان ملاك الامتناع التكليف بالمحال ، أو أغمضنا عن الإشكال والتزمنا بوجود الملاك ، فالظاهر وقوعه صحيحاً حتّى مع العلم ؛ لوجود الملاك وعدم تقوّم العبادة بالأمر ، بل يكون حاله حال المتزاحمين .

وما قيل : «من أنّ في باب التزاحم إنّما يتزاحم الحكمان في مقام الامتثال عقلاً بعد إنشائهما من قِبَل المولى ، وأمّا في باب الاجتماع فتتزاحم المقتضيات لدى المولى ، فلا تأثير لعلم المكلّف وجهله في وقوعه باطلاً»(2) .

غير وجيه ؛ لأنّ تقييد المولى أحد التكليفين بحال ، قد يكون لفقدان الملاك في غير هذا الحال ، وقد يكون لترجيح أحد الملاكين على الآخر ، فإن كان من قبيل الثاني ، يكون حكمه كحكم العقل في ترجيح الأهمّ على المهمّ ، وفي مثله

ص: 150


1- مناهج الوصول 2 : 106 .
2- فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 431 .

لا مانع من الصحّة لو قلنا بكفاية الملاك ، والملاك المرجوح صالح للمقرّبية

والتقييد في مقام ترجيح الملاكات ، كالتقييد في مقام التزاحم لو قلنا : بأنّ الشارع

ناظر إليه ، أو أنّ العقل يقيّد الأدلّة .

وما قيل(1) : «من أنّ الملاك المكسور غير صالح للمقرّبية» إن كان المراد من «المكسورية» رفع الملاك أو نقصانه عمّا هو عليه بواسطة التزاحم ، فهو ممنوع ؛ لأنّ حامل الملاكات الحيثيات ، ولا يسري حكم حيثية إلى حيثية اُخرى .

وإن كان المراد مرجوحيته ، فهي لا توجب البطلان بعد فرض كفاية الملاك ولو لم يكن مأموراً به ، والتقييد بغير حال الاجتماع لا يستتبع نهياً فرضاً ، فالفعل وإن لم يكن مأموراً به ، لكن مشتمل على الملاك التامّ ، كاشتماله في غير مورد الاجتماع ، فيقع صحيحاً .

ص: 151


1- فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 431 .

ص: 152

المبحث الثاني: فيما يتيمّم به

اشارة

ويتمّ ذلك في ضمن اُمور :

ص: 153

ص: 154

الأمر الأوّل: في اشتراط كونه أرضاً
اشارة

لا إشكال في اشتراط كونه أرضاً ، فلا يجوز بما هو خارج عن مسمّاها ، و«هو مذهب علمائنا» كما عن «المنتهى»(1) ، و«عليه الإجماع» كما عن «كشف اللثام»(2) ، و«لا نزاع فيه عندنا» كما عن «مجمع البرهان»(3) ، وادّعى عليه الإجماع في «الخلاف»(4) .

وعن «السرائر» : «أنّ الإجماع منعقد على أنّ التيمّم لا يكون إلاّ بالأرض ، أو ما يطلق عليه اسمها»(5) .

وفي «الخلاف» : «قال أبو حنيفة : كلّ ما كان من جنس الأرض أو

ص: 155


1- منتهى المطلب 3 : 55 .
2- كشف اللثام 2 : 449 .
3- مجمع الفائدة والبرهان 1 : 220 .
4- الخلاف 1 : 134 - 135 .
5- السرائر 1 : 138 .

متّصلاً بها من الثلج والصخر (والشجر خ . ل) يجوز التيمّم به ، وبه قال مالك(1) » (2) انتهى .

وفي «مفتاح الكرامة» نسبة الجواز بالثلج إلى أبي حنيفة ، وبالنبات إلى مالك(3) . لكن في كتاب «الفقه على المذاهب الأربعة» : «الحنفية قالوا : إنّ الصعيد الطهور هو كلّ ما كان من جنس الأرض ، فيجوز التيمّم على التراب والرمل والحصى والحجر ولو أملس ، والسبخ المنعقد من الأرض ، أمّا الماء المنعقد - وهو الثلج - فلا يجوز التيمّم عليه ؛ لأ نّه ليس من أجزاء الأرض ، كما

لا يجوز التيمّم على الأشجار والزجاج والمعادن . . .»(4) إلى آخره .

واحتمال أن يكون مراده من الحنفية أصحاب أبي حنيفة وتابعيه لا نفسه بعيد ، بل عن ابن رشد عدم تجويز أبي حنيفة التيمّم بالثلج(5) .

وكيف كان : فلا إشكال في عدم جوازه بغير الأرض وما خرج عن مسمّاها ، بل ولا خلاف ظاهراً في حال الاختيار . وسيأتي حال التيمّم بالثلج عند الاضطرار(6) .

ص: 156


1- المحلّى بالآثار 1 : 378 ؛ المجموع 2 : 213 .
2- الخلاف 1 : 134 .
3- مفتاح الكرامة 4 : 374 .
4- الفقه على المذاهب الأربعة 1 : 160 .
5- اُنظر بداية المجتهد 1 : 72 .
6- يأتي في الصفحة 225 .
تحديد ما يصحّ التيمّم عليه

ثمّ إنّه اختلفت كلمات أصحابنا - بعد اشتراط كونه أرضاً - على أقوال ، فقيل : «إنّه التراب الخالص» حُكي ذلك عن السيّد في «شرح الرسالة» والكاتب والتقيّ(1) بل عن ظاهر «الناصريات» و«الغنية» الإجماع عليه(2) .

وقيل : «إنّه كلّ ما يقع عليه اسم الأرض»(3) و«هو المشهور تحصيلاً» كما في «الجواهر» وعن «الكفاية» و«الحدائق»(4) ، وعن «الخلاف» و«مجمع البيان» وظاهر «التذكرة» الإجماع على الجواز بالحجر(5) ، وعن «مجمع البرهان» و«المفاتيح» و«كشف اللثام» : «هو مذهب الأكثر»(6) ، وعن «مجمع البرهان» : «ينبغي أن يكون لا نزاع فيه»(7) ، و«هو المشهور» كما عن «الكفاية»(8) .

وعن جمع التفصيل بين حال الاختيار والاضطرار(9) .

ص: 157


1- اُنظر جواهر الكلام 5 : 119 ؛ المعتبر 1 : 372 ؛ مختلف الشيعة 1 : 260 - 261 ؛ الكافي في الفقه : 136 .
2- مسائل الناصريات : 151 ؛ غنية النزوع 1 : 51 .
3- المبسوط 1 : 31 ؛ شرائع الإسلام 1 : 39 ؛ تحرير الأحكام 1 : 143 .
4- جواهر الكلام 5 : 118 ؛ كفاية الفقه (كفاية الأحكام) 1 : 43 ؛ الحدائق الناضرة 4 : 293 .
5- الخلاف 1 : 134 - 135 ؛ مجمع البيان 3 : 82 ؛ تذكرة الفقهاء 2 : 176 .
6- مجمع الفائدة والبرهان 1 : 220 و222 ؛ مفاتيح الشرائع 1 : 61 ؛ كشف اللثام 2 : 455 .
7- مجمع الفائدة والبرهان 1 : 220 .
8- كفاية الفقه (كفاية الأحكام) 1 : 43 .
9- المقنعة : 60 ؛ الوسيلة إلى نيل الفضيلة : 71 ؛ السرائر 1 : 137 .

ومنشأ اختلافهم اختلاف اجتهادهم في الاستنباط من الكتاب والسنّة . ولا شبهة أنّ الشهرة والإجماع في مثل هذه المسألة الاجتهادية المتراكمة فيها الأدلّة والآراء في دلالة الكتاب ، ليست حجّة مستقلّة ، فالأولى صرف الكلام إلى ظواهر الأدلّة :

الاستدلال بالكتاب في المقام

أمّا الكتاب ، فقد نزلت فيه آيتان كريمتان :

إحداهما : في سورة النساء ، وهي قوله تعالى : )وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَآءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ((1) .

وثانيتهما : في المائدة بعينها مع زيادة لفظة )مِنْهُ( بعد )وَأَيْدِيكُمْ((2) .

بيان المراد من «الصعيد»

وقد اختلفت كلمة أهل اللغة والعربية في معنى «الصعيد» فعن «العين» و«المحيط» و«الأساس» و«المفردات» للراغب وجمع آخر : «أ نّه وجه الأرض»(3) بل عن الزجّاج : «أ نّه لا يعلم اختلافاً بين أهل اللغة»(4) وعن

ص: 158


1- النساء (4) : 43 .
2- المائدة (5) : 6 .
3- كتاب العين 1 : 290 ؛ القاموس المحيط 1 : 318 ؛ أساس البلاغة : 254 ؛ مفردات ألفاظ القرآن : 484 ؛ المصباح المنير : 339 ؛ معيار اللغة 1 : 315 .
4- اُنظر معجم مقاييس اللغة 3 : 287 ؛ لسان العرب 7 : 344 .

«المعتبر» حكايته عن فضلاء أهل اللغة(1) .

وعن «البحار» : «أنّ الصعيد يتناول الحجر ، كما صرّح به أئمّة اللغة والتفسير»(2) ، وعن «الوسيلة» : «قد فسّر كثير من علماء اللغة الصعيد بوجه الأرض وادّعى بعضهم الإجماع عليه»(3) .

واستدلّ(4) بعضهم بكونه وجه الأرض بقوله تعالى : )فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً((5) وقول النبي صلی الله علیه و آله وسلم : «يحشر الناس يوم القيامة حفاةً عراةً على صعيد واحد»(6) أي أرض واحدة ؛ لعدم تناسب التراب .

وعن جمع من أهل اللغة : «أ نّه التراب» ك- «الصحاح» والأصمعي وأبي عبيدة(7) بل عن ظاهر «القاموس» وبني الأعرابي وعبّاس وفارس(8) بل عن السيّد حكايته عن أهل اللغة(9) .

ص: 159


1- المعتبر 1 : 373 .
2- بحار الأنوار 78 : 143 .
3- لم نعثر عليه في الوسيلة ولكن نقل عنه في الجواهر ولعلّ الصحيح هو الوسائل . اُنظر جواهر الكلام 5 : 122 ؛ وسائل الشيعة 3 : 352 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 7 ، ذيل الحديث 7 .
4- المعتبر 1 : 373 ؛ جواهر الكلام 5 : 122 .
5- الكهف (18) : 40 .
6- المعتبر 1 : 373 .
7- الصحاح 2 : 498 ؛ اُنظر جمهرة اللغة 2 : 654 ؛ معجم مقاييس اللغة 3 : 287 .
8- القاموس المحيط 1 : 318 ؛ اُنظر تهذيب اللغة 2 : 8 ؛ تنوير المقباس من تفسير ابن عبّاس : 71 ؛ معجم مقاييس اللغة 3 : 287 .
9- اُنظر المعتبر 1 : 372 - 373 .

ويظهر من بعضهم الاشتراك اللفظي بين التراب الخالص ومطلق وجه الأرض ، بل والطريق لا نبات فيه ، قال في «مجمع البحرين» : «والصعيد : التراب الخالص الذي لا يخالطه سَبَخ ولا رمل نقلاً عن «الجمهرة»(1) . والصعيد أيضاً : وجه الأرض تراباً كان أو غيره ، وهو قول الزجّاج . . . حتّى قال : لا أعلم اختلافاً

بين أهل اللغة في ذلك ، فيشمل الحجر والمدر ونحوهما . والصعيد أيضاً : الطريق لا نبات فيها . قال الأزهري : ومذهب أكثر العلماء أنّ «الصعيد» في قوله تعالى : )فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً( هو التراب الطاهر الذي على وجه الأرض ، أو خرج من باطنها»(2) انتهى ما في «المجمع» .

بل في «المنجد» : «الصعيد : التراب ، القبر ، الطريق ، ما ارتفع من الأرض»(3).

وما قيل : «إنّ الاشتراك اللفظي كذلك - أي بين مطلق وجه الأرض والتراب - بعيد ، بل إذا دار الأمر بين اللفظي والمعنوي يقدّم الثاني»(4) ناشئ من تخيّل أنّ وقوع الاشتراك اللفظي في الألسن من واضع واحد أو طائفة واحدة ، لكن الظاهر أنّ الاشتراك حاصل من ضمّ الطوائف بعضها إلى بعض ، واختلاط اللغات ، كاختلاط لغة العرب بالعجم ؛ لأجل سلطة الأعراب واختلاطهم مع غيرهم ، فربّما نسي بعض اللغات من إحدى الطائفتين ، وقامت اللغة الاُخرى مقامه ، وربّما بقيت اللغتان ، فبقي لمعنىً واحد لفظان أو أكثر من اختلاط الطوائف ، فيظنّ

ص: 160


1- جمهرة اللغة 2 : 654 .
2- مجمع البحرين 3 : 85 .
3- المنجد : 424 .
4- المعتبر 1 : 373 ؛ جواهر الكلام 5 : 127 .

من ذلك الاشتراك اللفظي البعيد أو المرجوح .

وكيف كان : لا يمكن لنا الاتّكال في معنى «الصعيد» على قول أهل اللغة مع هذا الاختلاف الفاحش بينهم ؛ فإنّ حجّية قولهم ؛ إمّا لحجّية قول أهل الخبرة ، فمع اختلافهم وتعارض أقوالهم تسقط عنها ، أو للاطمئنان والوثوق منه ، فلا يحصل معه . ودعوى الزجّاج عدم الاختلاف بين أهل اللغة ، يردّها قول من عرفت من كونه التراب الخالص ، أو الاشتراك بينه وبين غيره .

كما أنّ الاستدلال على كونه مطلق وجه الأرض بقول اللّه تعالى : )صَعِيداً

زَلَقاً( وقول النبي صلی الله علیه و آله وسلم في النبوي المتقدّم ، في غير محلّه ؛ لعدم جريان أصالة الحقيقة مع معلومية المراد والشكّ في الوضع ، وإنّما هي حجّة في تشخيص المراد بعد العلم بالوضع .

وكذا دعوى الانصراف إلى التراب الخالص - لكونه الفرد الغالب الشائع - في غير محلّها ، لمنع تحقّق الشيوع الموجب له ، كما أنّ «الأرض» لا تنصرف إليه .

وقد يستدلّ(1) لتشخيص المراد من «الصعيد» في الآية التي في المائدة بلفظة )مِنْهُ( بدعوى أنّ المتبادر منها هو المسح ببعض الصعيد ؛ لظهور رجوع الضمير إليه وعدم إمكان المسح بجميعه ، فلا بدّ من المسح ببعضه ، ولا يمكن ذلك إلاّ بإرادة التراب منه ؛ لحصول العلوق به ، دون الحجر ومثله ؛ سواء كان الاستعمال على وجه الحقيقة أو المجاز . والمقصود في المقام إثبات المطلوب ، لا إثبات المعنى الحقيقي .

وفيه : أنّ المحتمل بدواً فيها كون الضمير راجعاً إلى «الصعيد» وكون «مِنْ»

ص: 161


1- جواهر الكلام 5 : 120 .

ابتدائية ، وعليه يكون معنى الآية : «تيمّموا واقصدوا صعيداً ، فإذا انتهيتم إليه فارجعوا منه إلى مسح الوجوه والأيدي» فيكون الصعيد منتهى المقصود أوّلاً ، فإذا انتهى المكلّف إليه صار مبدأ الرجوع إلى عمل المسح ، فاستفيد منها عدم جواز مسح الوجه واليد على الأرض وعدم جواز التمرّغ والتمعّك ، كما فعل عمّار رضى الله عنه فكأنّ رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم حين قال : «هكذا يصنع الحمار ، وإنّما قال اللّه عزّ وجلّ : )فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً(»(1)

أراد تفهيم أنّ المستفاد من الآية خلاف ما فعله .

بل يستفاد منها كون اليد آلة المسح ، وطريق الاستفادة أ نّه إذا أمر بالمسح بعد الانتهاء إلى المقصد وهو الصعيد ، والرجوع منه إلى مسح الوجه والأيدي ، يعلم أنّ المسح باليد ؛ فإنّها الآلة المتعارفة للعمل ، وبهذا يعلم أنّ المسح بباطن الكفّ

لكونه الآلة المتعارفة ، وبعد كون باطنها آلته يعلم أنّ الممسوح غيره ، تأمّل . نعم

لا يستفاد منها أنّ الممسوح ظاهرها .

ولعلّ هذا الوجه بالتقريب المتقدّم ، أقوى الوجوه وأنسبها .

ويحتمل أن تكون «مِنْ» تبعيضية ، مع رجوع الضمير إلى «الصعيد» . كما يدّعي المدّعي ، فيكون المعنى : «وامسحوا بوجوهكم وأيديكم بعض الصعيد» فحينئذٍ لا يتّضح من الآية أنّ آلة المسح اليد ؛ لإمكان أن تكون الآلة نفس بعضه ؛ بأن يرفع حجراً أو مدراً ويمسح به ، أو يضع وجهه على الصعيد ويمسحه به ؛ لصدق مسح وجهه ببعض الصعيد ، بل لمّا كان بعض الصعيد هو الصعيد ؛ لصدق

ص: 162


1- السرائر 3 : 554 ؛ وسائل الشيعة 3 : 360 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 9 .

الجنس على الكثير والقليل بنحو واحد ، فكأ نّه قال : «امسحوا بوجوهكم وأيديكم الصعيد» فيكون الصعيد آلة المسح أو الممسوح ، والماسحُ الوجهَ ، فيكون مناسباً لما صنع عمّار ، لكنّه تخيّل أنّ ما هو بدل الوضوء ، عبارة عن وضع الوجه والأيدي على الأرض ، وما هو بدل الغسل - بالمناسبة المرتكزة في ذهنه - عبارة عن مسح جميع البدن بالتراب ، كما يغسل بالماء .

وهذا الاحتمال مع بعده - لأنّ لازمه اعتبار زائد في الصعيد حتّى يخرجه عن المعنى الجنسي الشامل للقليل والكثير بنحو واحد ؛ وهو لحاظه مجموعاً ذا أبعاض ، وهو خلاف الظاهر ، ولأنّ الأصل في «من» الابتدائية ، على ما قالوا (1) ، والاستعمال في غيرها بضرب من التأويل ، ولأنّ ذكر المسح ببعضه غير محتاج إليه بعد عدم إمكانه بجميع ما يصدق عليه الصعيد ، بل غير محتاج إليه مع الإمكان أيضاً ؛ لأنّ طبيعة المسح توجد بأوّل مصداقه عرفاً ، والفرض أنّ «الصعيد» اسم جنس صادق على الكلّ وبعضه - لا يثبت مدّعاهم ؛ وهو كون المراد من «الصعيد» هو التراب :

أمّا أوّلاً : فلما عرفت من عدم دليل في ظاهر الآية على أنّ الماسح الكفّ ، بل يمكن أن يكون نفس الصعيد برفع بعضه إلى الوجه ، وهو يشعر بخلاف مطلوبهم، وأن يكون المراد مسح الوجه على الأرض ، نظير ما صنع عمّار . والمنظور الآن هو النظر في نفس الآية ، لا الأدلّة الخارجية والمرتكزات الحاصلة من معهودية كيفية التيمّم ، وإلاّ يكون مطلوبهم واضح البطلان ، كما يأتي التنبيه عليه(2) .

ص: 163


1- مغني اللبيب 1 : 419 ؛ القاموس المحيط 4 : 275 .
2- يأتي في الصفحة 168 .

وأمّا ثانياً : فلأنّ وجه الأرض لا ينحصر بالتراب والحجر حتّى يثبت مطلوبهم ، بل كثير من الأراضي يكون لها علوق مع عدم كونها تراباً ، كالجصّ والنورة والرمل ، بل والحجر المسحوق وغيرها .

ويحتمل أن تكون «مِنْ» للتأكيد ، كقوله تعالى : )مَا جَعَلَ اللّه ُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِهِ((1) ، وقوله : )وَتَرَى الْمَلاَئِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ((2) ، فيكون المعنى : «فامسحوا بوجوهكم وأيديكم الصعيد» وهذا الاحتمال إن لم يكن أقرب من الاحتمال المتقدّم - لعدم لزوم التصرّف في «الصعيد» بما مرّ من لزومه على ذاك الاحتمال - فلا أقلّ من مساواته معه ، ويأتي فيه ما مرّ آنفاً في فرض ذاك الاحتمال .

وما قيل : «إنّ مجيء الحرف للتأكيد خلاف الظاهر ، والأصل أن تستعمل في معنى من المعاني» غير مسلّم إذا كان سائر المعاني خلاف ما وضع له ، كما يظهر منهم هاهنا من أنّ الأصل فيها الابتدائية ، بل عن السيّد : «أنّ كلمة «من» ابتدائية ، وأنّ جميع النحويّين من البصريّين منعوا ورود «من» لغير الابتداء»(3) .

نعم ، لو ثبت اشتراكها بين المعاني المذكورة لها ، يكون المجيء للتأكيد خلاف الأصل ، لكنّه غير معلوم .

ويحتمل أن تكون بدلية ، مع رجوع الضمير إلى «الماء» وهذا الاحتمال أيضاً لا يقصر من احتمال كونها تبعيضية .

ص: 164


1- الأحزاب (33) : 4 .
2- الزمر (39) : 75 .
3- مسائل الناصريات : 155 .

ويحتمل أن تكون ابتدائية ، والضمير راجعاً إلى «التيمّم» .

وأن تكون سببية ، والضمير راجعاً إلى الحدث المستفاد من سوق الآية .

أو يكون مساقها مساق قوله : «اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه»(1) . . . إلى غير ذلك من الاحتمالات التي بعضها أقرب من التبعيضية أو مساوٍ لها .

وقد يستدلّ(2) لتعيين المراد من الآية بصحيحة زرارة : أ نّه قال لأبي جعفر علیه السلام : ألا تخبرني من أين علمت وقلت : «إنّ المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين» ؟ . . . إلى أن قال : «فلمّا وضع الوضوء عمّن لم يجد الماء أثبت بعض الغسل مسحاً ؛ لأ نّه قال : )بِوُجُوهِكُمْ( ثمّ وصل بها )وَأَيْدِيكُمْ( ثمّ

قال : )مِنْهُ( أي من ذلك التيمّم ؛ لأ نّه علم أنّ ذلك أجمع لم يجرِ على الوجه ؛ لأ نّه يعلق من ذلك الصعيد ببعض الكفّ ، ولا يعلق ببعضها»(3) .

بدعوى : أنّ المراد من «التيمّم» ما يتيمّم به ؛ لبعد الرجوع إلى ذات التيمّم المستفاد من قوله : )فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً( فيتناسب التعليل مع تبعيضية «مِنْ» فكأ نّه قال : «التيمّم من بعض الصعيد ؛ لعدم إجراء جميعه على الوجه ، لعلوقه ببعض اليد لا تمامها» فحينئذٍ يتمّ المطلوب ؛ وهو كون «الصعيد» : التراب .

ص: 165


1- الكافي 3 : 57 / 3 ؛ وسائل الشيعة 3 : 405 ، كتاب الطهارة ، أبواب النجاسات ، الباب 8 ، الحديث 2 .
2- اُنظر جواهر الكلام 5 : 120 - 121 .
3- الكافي 3 : 30 / 4 ؛ الفقيه 1 : 56 / 212 ؛ تهذيب الأحكام 1 : 61 / 168 ؛ وسائل الشيعة 3 : 364 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 13 ، الحديث 1 .

ويرد عليه ما يرد على الاستدلال بالآية - بعد تسليم تمامية جميع المقدّمات - : وهو عدم اختصاص العلوق بالتراب ، فهذه الصحيحة والآية الكريمة - بعد تسليم ما ذكر - تدلاّن على لزوم كون التيمّم بما يصلح أن يعلق منه في الجملة باليد بضربها عليه ، كالرمل والجصّ والنورة والحجر المسحوق ، بل تدلاّن حينئذٍ على لزوم كون المسح بما يصدق عليه «الصعيد» في الجملة ؛ أي ولو لم يلزم الاستيعاب ، فلا يجوز النفض اللازم منه عدم بقاء ما يصدق عليه الصعيد والتراب ؛ ضرورة أنّ الغالب أن يكون الباقي بعد النفض أثر الأرض والتراب ، لا نفسهما وجنسهما ؛ للفرق بين الأثر الباقي بعد النفض وبين التراب ، كالفرق بين النداوة والماء ، وسيأتي الكلام فيه(1) .

هذا مع ممنوعية كون المراد من «التيمّم» ما يتيمّم به ؛ لوضوح كون عناية أبي جعفر علیه السلام برجوع الضمير إلى «التيمّم» وعدم رجوعه إلى «الصعيد» فلو أراد الرجوع إلى ما يتيمّم به لكان اللازم أن يقول : «من ذلك الصعيد» مع ذكره في الآية لئلاّ يصير الكلام المعجز كاللغز ؛ لأنّ عدمَ رجوعه إلى «الصعيد» المذكور في الكلام ، والرجوعَ إلى «التيمّم» الغير المذكور ، وإرادةَ ما يتيمّم به من «التيمّم»

ثمّ إرادةَ الصعيد ممّا يُتيمّم به ، أشبه بالاُحْجِيّة من الكلام المتعارف ، فلا محيص

عن إرجاعه إلى نفس التيمّم بناءً على هذا التفسير .

فلا محالة يكون ذلك لنكتة ، ولعلّها إفادة أنّ المسح بالوجه والأيدي ، لا بدّ وأن يكون من ذلك التيمّم الذي هو كناية عن ضرب الأرض ، فكأ نّه لإفادة لزوم

ص: 166


1- يأتي في الصفحة 175 .

حفظ العلاقة العرفية ؛ وعدم التأخير أو الاشتغال بأمر رافع للربط بين المسح والضرب على الأرض ، فإن ضرب كفّيه على الأرض وغسلهما مثلاً فمسح بهما وجهه ، لم يكن مسحه من ذلك التيمّم ، وكذلك لو فصل بين الضرب والمسح بما يقطع العلاقة العرفية .

وأمّا التعليل في الصحيحة ، فالظاهر أن يكون لعدم رجوع الضمير إلى «الصعيد» حتّى يتوهّم منه لزوم المسح به مع عدم إمكانه ، فكأ نّه قال : «إنّما قلنا : من ذلك التيمّم لا من الصعيد ؛ لعدم إمكان المسح منه ، لعدم إجرائه على الوجه ؛ لأ نّه يعلق منه ببعض الكفّ ، ولا يعلق ببعض» .

وما ذكرنا في توجيه الرواية وإن لا يخلو من بُعد وارتكاب خلاف ظاهر ، لكنّه أهون من القول : بأنّ المراد من «التيمّم» ما يتيمّم به ؛ فإنّ النفس لا ترضى

بانتسابه إلى متعارف الناس ، فضلاً عن أفضلهم علماً وفصاحة ، فضلاً عن الانتساب إلى الوحي المعجز ، فلا بدّ من إبقاء «التيمّم» على ظاهره وتوجيه التعليل ، ومع العجز فردّ علمه إلى أهله .

وفيها احتمالات اُخر يطول بنا البحث في الخوض فيها .

لكن في الذهن شبهة : وهي أ نّه مع إبقاء ظاهر الآية على حاله ، ورجوع الضمير إلى «الصعيد» وإرادة الابتدائية من كلمة «مِنْ» يتّضح ما يراد بالرواية بالتوجيه الذي ذكرناه ، فلا تتوقّف إفادة ما ذكر على رجوع الضمير إلى «التيمّم» فلو كان المراد : «امسح من الصعيد» - أي مبتدئاً منه إلى مسح الوجه - يفهم منه عرفاً ما يفهم من رجوعه إلى «التيمّم» فلا بدّ من نكتة اُخرى فيه غير ما تقدّم ، فلعلّها لإفادة كون المسح على الوجه والأيدي جميعاً من ذلك التيمّم ؛ أي عدم

ص: 167

لزوم تجديد الضرب ، أو عدم جوازه .

ولعلّ التعليل على هذا الاحتمال أقرب ؛ بأن يقال : إنّ المراد منه إفادة أنّ الضرب الثاني لا يحصل به إلاّ ما يحصل بالضرب الأوّل ، ولا يعلق الصعيد على جميع اليد حتّى يجري على الوجه ، بل يعلق على بعضه ، فلا يلزم العلوق ، بل ما لزم هو كون المسح من ذلك التيمّم ، وهو حاصل بالضرب الأوّل .

وبالجملة : ليس اللازم في المسح أن يكون بأجزاء الأرض ؛ لأ نّه غير ممكن في التيمّم ، لأنّ الأجزاء لا تعلق بجميع اليد حتّى تجري على الوجه ، بل اللازم أن يكون من التيمّم ، وهو حاصل بالضرب الأوّل من دون تكرار .

ولعلّ هذا مراد الشهيد في محكيّ «الذكرى» في ذيل الرواية بقوله : «وهذا الصحيح فيه إشارة إلى عدم اعتبار العلوق»(1) وهو كذلك ؛ لأنّ فيها إشارة إلى أنّ المعتبر هو العلاقة ، لا العلوق .

الاستدلال بالسنّة على كفاية مطلق وجه الأرض

ثمّ إنّ الأقوى ما عليه المشهور ؛ من كون ما يتيمّم به مطلق وجه الأرض ، لا التراب خاصّة ؛ لطوائف من الروايات فيها الصحيح والموثّق ، ربّما يستفاد منها أنّ المراد ب- «الصعيد» في الآية مطلق وجه الأرض :

منها : النبوي المعروف : «جُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً»(2) . وهي رواية مشهورة مستفيضة نقلاً ، لو لم نقل بتواترها ، ولهذا نسبها الشيخ

ص: 168


1- اُنظر جواهر الكلام 5 : 193 ؛ ذكرى الشيعة 2 : 262 - 263 .
2- وسائل الشيعة 3 : 350 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 7 ، الحديث 2 و3 و4 .

الصدوق رحمه الله علیه إلى النبي صلی الله علیه و آله وسلم على سبيل الجزم(1) ، ولا يمكن ذلك من مثله رحمه الله علیه

إلاّ مع علمه بصدورها وقد ذكرنا أنّ جواز الاتّكال على مثل هذا الإرسال بنفسه من مثله لا يخلو من قوّة(2) ، فضلاً عن مثل المقام مع استفاضة النقل ، فقد رواها الشيخ الكليني في «الكافي»(3) والبرقي في «المحاسن»(4) والصدوق في «الخصال» بسندين ، وفي «الأمالي»(5) وابن الشيخ الطوسي في «مجالسه»(6) والطبري في «بشارة المصطفى»(7) والديلمي في «إرشاد القلوب»(8) والشيخ حسن بن سليمان الحلّي فيما رواه من كتاب «المعراج»(9) والمسعودي في «إثبات الوصيّة»(10) والراوندي في «لبّ اللباب»(11) والقاضي في «دعائم الإسلام»(12) .

ومن هنا قد ينقدح في الذهن وقوع اشتباه فيما روى الصدوق رحمه الله علیه -

بسند

ص: 169


1- الفقيه 1 : 155 / 724 .
2- تقدّم في الجزء الأوّل : 81 .
3- الكافي 2 : 17 / 1 .
4- المحاسن : 287 / 431 .
5- الخصال : 201 / 14 ، و : 292 / 56 ؛ الأمالي ، الصدوق : 179 / 6 .
6- الأمالي ، الطوسي : 484 / 1059 .
7- بشارة المصطفى : 141 / 92 .
8- إرشاد القلوب 2 : 305 .
9- اُنظر مستدرك الوسائل 2 : 530 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 5 ، الحديث 9 .
10- إثبات الوصيّة : 116 .
11- اُنظر مستدرك الوسائل 2 : 531 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 5 ، الحديث 11 .
12- دعائم الإسلام 1 : 120 - 121 .

في غاية الضعف - عن جابر بن عبداللّه قال : قال رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم : «قال اللّه عزّ وجلّ : جعلت لك ولاُمّتك الأرض كلّها مسجداً ، وترابها طهوراً»(1) وكذا في مرسلة «عوالي اللآلي»(2) .

وأمّا ما في «مجالس» ابن الشيخ في حديث : «جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ؛ أينما كنت أتيمّم من تربتها واُصلّي عليها»(3) ، فلا يخالف الروايات ؛ لأنّ عمله صلی الله علیه و آله وسلم يمكن أن يكون لأجل أفضلية التراب لا لتعيّنه ، فلا ينافي صدرها ، ولا يصلح لتقييد إطلاقه ، فضلاً عن سائر المطلقات .

ثمّ إنّ احتمال كون المراد من طهورية الأرض طهوريتها من الخبث - فإنّها طهور منه في الجملة - في غاية الضعف .

بل الاختصاص مقطوع البطلان بعد معروفية التيمّم ، وكونه أحد الطهورين(4) ، ونزول الوحي به في آيتين(5) ، مضافاً إلى التصريح بالتيمّم في بعض الروايات(6) .

فلا شبهة في إرادة خصوص التيمّم منه أو الأعمّ ، فحينئذٍ يمكن الاستشهاد به

ص: 170


1- الخصال : 425 / 1 ؛ علل الشرائع : 127 / 3 ؛ مستدرك الوسائل 2 : 529 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 5 ، الحديث 3 .
2- عوالي اللآلي 2 : 13 / 26 ، و : 208 / 130 ؛ مستدرك الوسائل 2 : 530 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 5 ، الحديث 8 .
3- الأمالي ، الطوسي : 56 / 81 ؛ مستدرك الوسائل 2 : 529 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 5 ، الحديث 5 .
4- راجع وسائل الشيعة 3 : 381 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 21 ، الحديث 1 .
5- النساء (4) : 43 ؛ المائدة (5) : 6 .
6- راجع وسائل الشيعة 3 : 343 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 3 و4 .

لكون المراد من «الصعيد» في الآية هو مطلق الأرض ؛ فإنّه ناظر إلى الآيتين الكريمتين ، حيث جعل اللّه تعالى فيهما الصعيد طهوراً ، فيكون بمنزلة المفسّر للآية .

ومنها : ما وردت في قضيّة عمّار بن ياسر رضى الله عنه ففي موثّقة زرارة ، عن أبي جعفر علیه السلام قال : «أتى عمّار بن ياسر رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم فقال : يا رسول اللّه ، إنّي أجنبت الليلة فلم يكن معي ماء .

قال : كيف صنعت ؟ قال : طرحت ثيابي وقمت على الصعيد فتمعّكت فيه ، فقال : هكذا يصنع الحمار ، إنّما قال اللّه عزّ وجلّ : )فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً( ، فضرب بيديه على الأرض ، ثمّ ضرب إحداهما على الاُخرى ، ثمّ مسح بجبينيه . . .»(1) إلى آخره .

وفي صحيحة زرارة قال : قال أبو جعفر علیه السلام : «قال رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم ذات

يوم لعمّار في سفر له : يا عمّار ، بلغنا أ نّك أجنبت ، فكيف صنعت ؟ قال : تمرّغت يا رسول اللّه في التراب» .

قال : «فقال : كذلك يتمرّغ الحمار ؛ أفلا صنعت كذا ؟! ثمّ أهوى بيديه إلى الأرض ، فوضعهما على الصعيد ، ثمّ مسح بجبينيه . . .»(2) إلى غير ذلك .

وقد يتوهّم دلالة الصحيحة على مخالفة «الصعيد» للأرض ، حيث قال فيها :

ص: 171


1- السرائر 3 : 554 ؛ وسائل الشيعة 3 : 360 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 9 .
2- الفقيه 1 : 57 / 212 ؛ وسائل الشيعة 3 : 360 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 8 .

«أهوى بيديه إلى الأرض ، فوضعهما على الصعيد» فلو كان «الصعيد» هو الأرض لقال : «فوضعهما عليها» .

وفيه : أ نّه من المحتمل أن يكون ذلك لأجل إفادة أنّ «الصعيد» هو الأرض ؛ فإنّ هذه الطائفة مضافاً إلى دلالتها على المذهب المشهور ، يمكن الاستشهاد بها على كون «الصعيد» في الآية هو الأرض ، لا التراب خاصّة ؛ فإنّه لا شبهة في أنّ قضيّة عمّار قضيّة واحدة حكاها الأئمّة علیهم السلام بتعبيرات مختلفة نقلاً بالمعنى :

ففي رواية : «فوضع يده على المِسْح»(1) .

وفي اُخرى : «فضرب بيديه على الأرض»(2) .

وفي ثالثة : «أهوى بيديه إلى الأرض ، فوضعهما على الصعيد»(3) فيظهر منها كون «الأرض» و«الصعيد» واحداً ليصحّ النقل بالمعنى .

اللهمّ إلاّ أن يقال : إنّ النقل بالأعمّ والأخصّ غير مضرّ بعد أن لا تكون العناية

بنقل ما يتيمّم به ، بل بأصل القضيّة ، ولهذا قال أبو عبداللّه علیه السلام : «فوضع يده على المِسْح» .

لكن يظهر من أبي جعفر علیه السلام في نقل القضيّة عناية بذكر ما يتيمّم به ، فراجع

ما روي عنه في القضيّة ، فحينئذٍ يتمّ المطلوب ؛ وهو كون المراد ب- «الصعيد» في الآية هو الأرض لا التراب .

ثمّ إنّه يظهر من قوله : «أفلا صنعت كذا ؟! ثمّ أهوى بيديه . . .» إلى آخره

ص: 172


1- وسائل الشيعة 3 : 358 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 2 .
2- وسائل الشيعة 3 : 360 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 9 .
3- وسائل الشيعة 3 : 360 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 8 .

وقوله : «هكذا يصنع الحمار ، إنّما قال اللّه عزّ وجلّ : )فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً

طَيِّباً( . . .» إلى آخره ، أنّ ما صنع عمّار خلاف المتفاهم من الآية الشريفة ، فيحتمل أن يكون مراده إفادة أنّ الآية تدلّ على أنّ المسح من الصعيد ، لا مسح الجسد على الأرض ، فتدلّ على ظهور «مِنْ» في الابتدائية ، وإلاّ فمع التبعيضية كان الظاهر جواز مسح الأعضاء بالأرض .

إلاّ أن يقال : إنّ اعتراض رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم عليه لتمرّغه على الأرض في بدل الغسل بتوهّم أنّ المناسب فيه ذلك ، فقال رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم : إنّ الآية تدلّ على أنّ للتيمّم كيفية واحدة بدلاً عن الوضوء والغسل ، فَلِمَ تمرّغت ؟! مع دلالتها على المسح ببعض الوجه والأيدي ، كما تشهد به رواية «دعائم الإسلام» عن علي علیه السلام وفيها : «فقال له : يا عمّار ، تمعّكت تمعّك الحمار ، قد كان يجزيك من ذلك أن تمسح بيديك وجهك وكفّيك ، كما قال اللّه عزّ وجلّ»(1) .

لكن الظاهر حتّى من «رواية الدعائم» أ نّه أرجع عمّاراً إلى ظاهر الآية ، وأ نّها دالّة على أنّ آلة المسح هي اليدان ؛ فإنّ قوله فيها : «يجزيك من ذلك أن تمسح . . .» إلى أن قال : «كما قال اللّه» يدلّ على استفادة ذلك منها . وكذا قوله في صحيحة زرارة : «أفلا صنعت كذا ؟! ثمّ أهوى بيديه إلى الأرض . . .» إلى آخره يدلّ على دلالة الآية على كيفية التيمّم ، ولا بُعد في استفادته منها ، كما أشرنا إلى

استشمامه منها ، ولعلّه يأتي تتمّة لذلك(2) .

ص: 173


1- دعائم الإسلام 1 : 120 ؛ مستدرك الوسائل 2 : 536 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 9 ، الحديث 2 .
2- يأتي في الصفحة 258 .

ومنها : عدّة روايات اُخر ، كصحيحة الحلبي قال : سمعت أبا عبداللّه علیه السلام

يقول : «إذا لم يجد الرجل طهوراً وكان جنباً فليمسح من الأرض وليصلّ ، وإذا وجد ماءً فليغتسل ، وقد أجزأته صلاته التي صلّى»(1) .

لكن احتمال كونها بصدد بيان إجزاء الصلاة التي صلّى مع التيمّم ، لا في مقام

بيان ما يتيمّم به - كاحتمال كونها بصدد بيان أ نّه مع عدم وجدان الماء ، يصحّ التيمّم ولو في سعة الوقت ، ولا يجب الصبر إلى آخره ، وإهمال بيان ما يتيمّم به - غير بعيد .

ونظيرها صحيحة ابن سِنان ، عن أبي عبداللّه علیه السلام (2) .

وكصحيحة المرادي ، عن أبي عبداللّه علیه السلام في التيمّم قال : «تضرب بكفّيك

على الأرض مرّتين ، ثمّ تنفضهما وتمسح بهما وجهك وذراعيك»(3) .

ورواية زرارة ، عن أبي جعفر علیه السلام في التيمّم : «تضرب بكفّيك الأرض ، ثمّ تنفضهما وتمسح بهما وجهك ويديك»(4) .

واحتمال كونهما بصدد بيان كيفية التيمّم ؛ أي المسحتين ، لا ما يتيمّم به ،

ص: 174


1- الكافي 3 : 63 / 3 ؛ وسائل الشيعة 3 : 367 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 14 ، الحديث 4 .
2- تهذيب الأحكام 1 : 193 / 556 ، و : 197 / 572 ؛ وسائل الشيعة 3 : 368 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 14 ، الحديث 7 .
3- تهذيب الأحكام 1 : 209 / 608 ؛ وسائل الشيعة 3 : 361 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 12 ، الحديث 2 .
4- تهذيب الأحكام 1 : 212 / 615 ؛ وسائل الشيعة 3 : 360 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 7 .

ضعيف . بل لو سلّم يكون الضرب على الأرض من كيفياته ، وداخلاً في ماهيته ومقوّماته .

وكيف كان : لا إشكال في ظهور مثل تلك الروايات في أنّ ما يتيمّم به الأرض . بل لا تبعد استفادة كون المراد من «الصعيد» هو الأرض من مثلها ؛ فإنّ الظاهر أنّ كلّها واردة لبيان مفاد الآية ، لا بيان تشريع آخر زائداً على مضمونها وصل إليهم من غير طريقها .

بل يمكن رفع الإجمال عن كلمة «مِنْ» على فرض إجمالها وتردّدها بين الابتدائية وغيرها ، وعن ذيل صحيحة زرارة المتقدّمة وتعليلها (1) ، فإنّه مع النفض لا يبقى من أجزاء الأرض على الكفّ ، وما بقي من الأثر الضعيف لا تصدق عليه «الأرض» فمع كونها تبعيضية لزم المسح بأجزاء الصعيد ، فيقع التنافي بين الآية والروايات ، فمع نصوصية تلك الروايات في مضمونها ، يرفع الإجمال المتوهّم(2) عن الآية والصحيحة وتعليلها .

وتوهّم : أنّ لزوم النفض أو رجحانه دليل على وجوب كون التيمّم بالتراب ، لا مطلق الأرض(3) مدفوع بما مرّ(4) : من أ نّه لا يدلّ على مدّعاهم ، بل لو سُلّم يدلّ على لزوم كون الأرض صالحةً للعلوق . مع أ نّه وارد مورد الغالب ؛ فإنّ الأراضي غالباً ذات أجزاء تعلق باليد ؛ حتّى مثل أراضي الحجاز التي لا تكون

ص: 175


1- تقدّمت في الصفحة 165 .
2- الحدائق الناضرة 4 : 243 .
3- جواهر الكلام 5 : 121 ؛ مصباح الفقيه ، الطهارة 6 : 183 .
4- تقدّم في الصفحة 166 .

تراباً أو تراباً خالصاً ، فلا تصلح مثلها لرفع اليد عن عنوان «الأرض» الظاهر

في تمام الموضوعية .

ويمكن الاستدلال على المطلوب برواية زرارة ، عن أحدهما قال : قلت : رجل دخل الأجَمة ليس فيها ماء ، وفيها طين ، ما يصنع ؟

قال : «يتيمّم ؛ فإنّه الصعيد . . .»(1) إلى آخره ، فإنّ الظاهر منها أنّ الطين صعيد ،

مع أ نّه ليس بتراب .

لكن في مرسلة علي بن مطر قال : سألت الرضا علیه السلام عن الرجل لا يصيب الماء ولا التراب ، أيتيمّم بالطين ؟ قال : «نعم ؛ صعيد طيّب وماء طهور»(2) .

وهي ظاهرة في أنّ أصل الطين صعيد بقرينة «ماء طهور» فتكون ظاهرة في أنّ الطين ليس بصعيد .

ولكن فيها احتمال آخر : وهو أنّ السؤال عن الأراضي الممطورة التي صارت متطيّنة ، وفيها الطين والأجزاء المائية القليلة التي لا تضرّ بصدق عدم وجدان الماء ، ولا بصدق كون الأرض متطيّنة ، فيكون المراد بقوله : «صعيد طيّب» هو الطين ، وبقوله : «ماء طهور» هو الأجزاء المائية ، كما تشاهد في الأراضي الممطورة ، والطرق المطيّنة ، فتكون الرواية شاهدة على المشهور .

وهنا احتمال ثالث : وهو أنّ المراد بقوله : «صعيد طيّب وماء طهور» أنّ ما

ص: 176


1- تهذيب الأحكام 1 : 190 / 547 ؛ وسائل الشيعة 3 : 354 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 9 ، الحديث 5 .
2- تهذيب الأحكام 1 : 190 / 549 ؛ وسائل الشيعة 3 : 354 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 9 ، الحديث 6 .

يتطهّر به إمّا صعيد طيّب ، وإمّا ماء طهور ، والطين هو الصعيد الطيّب ، فيجوز

التيمّم به ، ومع هذه الاحتمالات لا يمكن رفع اليد عن ظاهر قوله في رواية زرارة : «فإنّه الصعيد» .

هذا مع أنّ إطلاق «الصعيد» على التراب لا يدلّ على عدم صدقه على غيره ، غاية الأمر إشعاره أو دلالته على أنّ الطين ليس بصعيد ، ومع ذلك يكون رواية زرارة أظهر في دلالتها على كون الطين صعيداً من دلالة هذه الرواية على نفيه .

ويمكن الاستشهاد على المطلوب : بأنّ أراضي الحجاز وما حولها غالباً وغالب الأراضي الجبلية ، لا يوجد فيها التراب الخالص ، بل ليس فيها إلاّ الرمل والأحجار الصغار ، فلو كان المراد من «الصعيد» في الآية التراب الخالص ، لكان التيمّم حرجياً على سكّان محلّ نزول الوحي ، وهو ينافي شرع التيمّم والنبوي المشهور : «جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً» الذي هو في مقام بيان الامتنان . بل لو كان ذلك لشاع وصار مورداً للسؤال والجواب كثيراً .

الاستدلال بالسنّة على اشتراط خصوص التراب وجوابه

ثمّ إنّه قد يستدلّ(1) لمذهب الخصم - بعد إجماع السيّد و«الغنية»(2) - بروايات :

منها : صحيحة محمّد بن حُمران وجميل بن درّاج : أ نّهما سألا أبا عبداللّه علیه السلام

ص: 177


1- جواهر الكلام 5 : 121 ؛ مصباح الفقيه ، الطهارة 6 : 182 - 183 .
2- مسائل الناصريات : 151 ؛ غنية النزوع 1 : 51 .

عن إمام قوم أصابته جنابة في السفر ، وليس معه من الماء ما يكفيه للغسل ، أيتوضّأ بعضهم ويصلّي بهم ؟ فقال : «لا ، ولكن يتيمّم الجنب ويصلّي بهم ؛ فإنّ اللّه عزّ وجلّ جعل التراب طهوراً ، كما جعل الماء طهوراً»(1) .

بدعوى : أ نّه في مقام بيان امتنان اللّه على العباد ، فلو كان مطلق الأرض طهوراً كان المناسب أن يذكرها ؛ فإنّه أدخل في الامتنان . مع إمكان أن يقال : إنّها

ناظرة إلى تفسير الآية .

وفيه : أنّ الرواية بصدد بيان صحّة تيمّم المجنب وإمامته مع وجود المتوضّئ ، وإنّما ذكر جعل اللّه تعالى التراب طهوراً استدلالاً على المقصود ؛ من غير نظر إلى امتنان اللّه على العباد ، ولا إلى تفسير الآية ، فلا تدلّ على المطلوب إلاّ بمفهوم اللقب .

هذا مع أ نّه لو كان في مقام الامتنان ، لكان المناسب ذكر الأرض على أيّ حال ؛ لأ نّها طهور في الجملة . وعن «روض الجنان» و«الروضة» : «لا قائل بالمنع مطلقاً»(2) والحقّ ما مرّ(3) ، ولهذا ترى أنّ الروايات التي بصدد بيان الامتنان

ذكرت فيها «الأرض» وهي ما مرّ من الحديث المستفيض عن رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم : «جعلتْ لي الأرض مسجداً وطهوراً»(4) .

ص: 178


1- الفقيه 1 : 60 / 223 ؛ وسائل الشيعة 3 : 386 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 24 ، الحديث 2 .
2- اُنظر مفتاح الكرامة 4 : 379 ؛ روض الجنان 1 : 326 ؛ الروضة البهيّة 1 : 133 .
3- تقدّم في الصفحة 168 .
4- تقدّم في الصفحة 168 .

واستدلّ أيضاً بصحيحة رِفاعة ، عن أبي عبداللّه علیه السلام قال : «إذا كانت الأرض مبتلّة ليس فيها تراب ولا ماء ، فانظر أجفّ موضع تجده فتيمّم منه . . .»(1) إلى آخره ، ونظيرها صحيحة عبداللّه بن المغيرة(2) .

بدعوى : أنّ فرض عدم التراب خاصّة ، دليل على عدم جواز التيمّم حال الاختيار بوجه الأرض ، وإلاّ لكان عليه فرض عدم الحجر أيضاً .

وفيه : أ نّه من القريب أن يكون فرض عدم التراب ، في الأرض التي لها بِلّة لم تصل إلى حدّ الطين ؛ لأجل أنّ البلّة لم تنفذ إلى باطن التراب ، فمع وجود التراب في الأرض المبتلّة بالمطر القليل مثلاً ، يكون التيمّم بالأرض اليابسة ممكناً ؛ برفع ظاهر التراب والتيمّم باليابس من الأرض الذي لم تنفذ إليه البلّة ، فالصحيحة سيقت لبيان مراتب التيمّم : بأ نّه إن أمكن بالأرض اليابسة فهو ، وإلاّ فبأجفّ موضع منها فالأجفّ ؛ إلى أن لا يجد إلاّ الطين فيتيمّم به ، كما هو المفروض في ذيلها ، فلم تكن بصدد بيان تقدّم التراب على سائر وجه الأرض ، بل بصدد بيان تقدّم اليابس على غيره ، والأجفّ على غيره ، فهي غير مربوطة بالمقام .

وبالجملة : فرض عدم التراب ، لفرض عدم وجود الأرض اليابسة ، لا لموضوعية التراب مقابل وجه الأرض ، فحينئذٍ إن أمكن الالتزام بمضمونها ،

ص: 179


1- تهذيب الأحكام 1 : 189 / 546 ؛ وسائل الشيعة 3 : 354 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 9 ، الحديث 4 .
2- الكافي 3 : 66 / 4 ؛ وسائل الشيعة 3 : 356 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 9 ، الحديث 10 .

فلا محيص عن اعتبار المراتب فيما يتيمّم به ؛ تراباً كان أو غيره ، فالتراب اليابس والأرض اليابسة مقدّمان على غيرهما ، والأجفّ مقدّم على غيره ، ومع عدم إمكانه - كما هو الحقّ - لا بدّ من حملهما على مراتب الفضل . وربّما يأتي الكلام فيها .

فتحصّل من جميع ما ذكرنا : أنّ مقتضى الأدلّة صحّة التيمّم اختياراً بمطلق وجه الأرض ، وأ نّه المراد من «الصعيد» في الآية .

الاستدلال بالإجماع على اشتراط خصوص التراب وجوابه

بقي الكلام فيما نسب إلى «ناصريات السيّد» من دعوى كون «الصعيد» هو التراب ، بل دعواه الإجماع عليه ، وكذا في إجماع «الغنية» ولا بأس بذكر عبارتهما حتّى يتّضح حال النسبة :

قال في «الناصريات» بعد كلام من الناصر : «والذي يذهب إليه أصحابنا أنّ التيمّم لا يكون إلاّ بالتراب ، أو ما جرى مجرى التراب ؛ ممّا لم يتغيّر تغيّراً يسلبه

إطلاق اسم «الأرض» عليه . ويجوز التيمّم بغبار الثوب وما أشبهه ؛ إذا كان ذلك الغبار من التراب أو ما يجري مجراه» .

ثمّ حكى أقوال العامّة وتجويز أبي حنيفة التيمّم بالزرنيخ والكحل والنورة(1) ، ومالك بالشجر وما يجري مجراه(2) .

ثمّ قال : «دليلنا على صحّة مذهبنا الإجماع المتقدّم ذكره ، ويزيد عليه قوله

ص: 180


1- المبسوط ، السرخسي 1 : 108 .
2- المجموع 2 : 213 ؛ حواشي الشرواني 1 : 352 .

تعالى : )فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً( و«الصعيد» هو التراب .

وحكى ابن دريد في كتاب «الجمهرة» عن أبي عبيدة معمّر بن المثنّى : أنّ «الصعيد» هو التراب الخالص الذي لا يخالطه سَبَخٌ(1) ، وقول أبي عبيدة حجّة في اللغة .

و«الصعيد» لا يخلو أن يراد به التراب ، أو نفس الأرض - وقد حكي أ نّه يطلق عليها - أو يراد ما تصاعد على الأرض :

فإن كان الأوّل فقد تمّ ما أردناه .

وإن كان الثاني ، لم يدخل فيه ما ذهب إليه أبو حنيفة ؛ لأنّ الكحل والزرنيخ لا يُسمّيان أرضاً بالإطلاق ، كما لا يسمّى سائر المعادن من الذهب والفضّة والحديد ب- «أ نّه أرض» .

وإن كان «الصعيد» ما تصاعد على الأرض ، لم يخلُ من أن يكون ما تصاعد عليها هو منها ويسمّى باسمها ، أو لا يكون كذلك ، فإن كان الأوّل فقد دخل فيما ذكرناه ، وإن كان الثاني فهو باطل ؛ لأ نّه لو تصاعد على الأرض شيء من التمر والمعادن ، أو ممّا هو خارج عن جوهر الأرض ، فإنّه لا يسمّى «صعيداً» بالإجماع .

وأيضاً : ما روي عنه من قوله : «جُعلتْ لي الأرض مسجداً وترابها طهوراً» .

وأيضاً : فقد علمنا أ نّه إذا تيمّم بما ذكرناه ، استباح الصلاة بالإجماع ، وإذا تيمّم

ص: 181


1- جمهرة اللغة 2 : 654 .

بما ذكره المخالف لم يستبحها بإجماع وعلم ، فيجب أن يكون الاحتياط والاستظهار فيما ذكرناه .

ولك أيضاً أن تقول : إنّه على يقين من الحدث ، فلا يجوز أن يستبيح الصلاة إلاّ

بيقين ، ولا يقين إلاّ بما ذكرناه ، دون ما ذكره المخالف»(1) انتهى بطوله .

وأنت خبير : بأنّ صدر العبارة صريح في ذهاب أصحابنا إلى صحّة التيمّم بالتراب وغيره ؛ ممّا يطلق عليه اسم «الأرض» ولم يتغيّر تغيّراً مُخرجاً له عن إطلاق اسمها عليه ؛ رملاً كان أو جصّاً أو حجراً ، وقوله : «ممّا لم يتغيّر . . .» إلى

آخره بيان لما يجري مجرى التراب ، وموضّح لمقصوده ، فاحتمال كون مراده «ممّا يجري مجراه» هو المسحوق من غير التراب ضعيف . مع أ نّه مثبت للمدّعى في الجملة .

ثمّ إنّه ادّعى الإجماع على ما ذكره من جواز التيمّم بمطلق ما لا يخرج عن مسمّى «الأرض» أو على عدم الجواز بما يخرج عنه ، في مقابل أبي حنيفة وأشباهه ممّن أجاز التيمّم بالزرنيخ والكحل أو الشجر وشبهه ، فللسيّد - كما يظهر من صدر عبارته وذيلها - دعويان :

إحداهما : صحّة التيمّم بمطلق وجه الأرض .

وثانيتهما : عدم جوازه بما يخرج عن مسمّاها .

فقد استدلّ على الاُولى بالإجماع في أوّل العبارة وأثنائها وآخرها ، وبقاعدة الشغل والاستصحاب ، وعلى الثانية بالآية الكريمة والحديث النبوي . وذكرُ

ص: 182


1- مسائل الناصريات : 151 .

محتملات الآية ردّاً على أبي حنيفة وأضرابه ، لا لإثبات الدعوى الاُولى وإن كان في بعض فقراتها إشعار بأنّ التراب ما يتيمّم به ، فلا ريب في لزوم ردّه إلى ما هو صريح بصحّته بمطلق الأرض ، ولا اغتشاش في عبارته كما ترى .

وهو رحمه الله علیه موافق للمشهور من صحّة التيمّم بالأرض ، وتوهّم مخالفته له ناشئ من زعم أ نّه استدلّ بالآية والرواية لمذهبه ، فاستكشف منه مذهبه ، مع أنّ التدبّر في عبارته موجب للاطمئنان بأنّ استدلاله بهما في مقابل الخصم ولدعواه الثانية ، لا لمذهبه .

وقال في «الغنية» : «وأمّا التراب فالذي يفعل به التيمّم ، ولا يجوز إلاّ بتراب

طاهر ، ولا يجوز بالكحل ولا بالزرنيخ ، ولا بغيرهما من المعادن ، ولا بتراب خالطه شيء من ذلك بالإجماع ، وقوله تعالى : )فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً( و«الصعيد» هو التراب الذي لا يخالطه غيره»(1) .

والظاهر أنّ دعواه الإجماع ، راجعة إلى عدم الجواز بالكحل والزرنيخ وغيرهما من المعادن ، والتراب المخلوط بشيء منها ، لا إلى الجملة الاُولى ، وكيف يدّعي الإجماع على عدم الجواز إلاّ بالتراب ؛ مع أنّ السيّد رحمه الله علیه ادّعاه على جوازه بما يجري مجرى التراب ؛ أي الأرض ، وهو مختار الشيخ(2) ، بل لعلّه ادّعى الإجماع عليه ؟!

وربّما يشهد لذلك قوله : «ولا بتراب خالطه شيء من ذلك» أي الكحل

ص: 183


1- غنية النزوع 1 : 51 .
2- الخلاف 1 : 134 - 135 ؛ المبسوط 1 : 31 .

وما بعده ، وإلاّ كان عليه أن يقول : «ولا بتراب خالطه شيء من غيره» .

وكيف كان : لم يظهر منه دعوى الإجماع على عدم الصحّة إلاّ بتراب خالص ، ولو سلّم فهي موهونة بذهاب المشهور إلى خلافها .

وربّما يتمسّك لذلك بقاعدة الشغل(1) . وهو إنّما يصحّ لو كان المأمور به أو الشرط ، هو الطهور المعنوي الذي تكون تلك الأفعال محصّلاته ، وهو غير ثابت ، بل ظاهر الأدلّة أنّ الشرط للصلاة هو الوضوء والغسل والتيمّم ، وقوله : «لا صلاة إلاّ بطهور»(2) لا يدلّ على أ نّه غير تلك العناوين .

نعم ، في بعض الروايات إشعار بما ذكر(3) لم يصل إلى حدّ الدلالة ، ولا يقاوم سائر الأدلّة .

هذا ، مع أ نّه لو سلّم فلا مجال للأصل في مقابل ما عرفت .

ص: 184


1- رياض المسائل 2 : 298 .
2- تهذيب الأحكام 1 : 49 / 144 ؛ وسائل الشيعة 1 : 365 ، كتاب الطهارة ، أبواب الوضوء ، الباب 1 ، الحديث 1 .
3- وسائل الشيعة 1 : 367 ، كتاب الطهارة ، أبواب الوضوء ، الباب 1 ، الحديث 9 .
الأمر الثاني في عدم صحّة التيمّم بما خرج عن مسمّى «الأرض»
اشارة

لا يصحّ التيمّم بما خرج عن مسمّى «الأرض» كالمعادن الخارجة عن مسمّاها ، مثل الزرنيخ والملح والكحل والأحجار الكريمة والذهب والفضّة ، وكالنبات والشجر بلا إشكال ولا خلاف ، إلاّ المحكيّ عن ابن أبي عقيل من تجويزه بالأرض وبكلّ ما كان من جنسها ، كالكحل والزرنيخ ، لأ نّه يخرج من الأرض(1) .

والظاهر من قوله : «من جنسها» ما لا يخرج عن مسمّاها ، فيوافق المشهور ، وإن كان تمثيله بما ذكر وتعليله ربّما ينافيان ذلك . ولعلّ مراده من «الخروج من الأرض» بنحو خاصّ منه بما لا ينافي كونه من جنسها ، فيكون موافقاً للحكم الكلّي للقوم ، وتمثيله بما ذكر من تعيين المصداق ، لا الاختلاف في الفتوى وإن لا يخلو من بعد .

وكيف كان : يدلّ على المطلوب الإجماعات المنقولة(2) والشهرة المحقّقة(3) وظواهر الأدلّة الدالّة على أنّ ما يتيمّم به هو الأرض والصعيد ، وما خرج عن

ص: 185


1- اُنظر المعتبر 1 : 372 .
2- اُنظر جواهر الكلام 5 : 130 - 131 ؛ الخلاف 1 : 134 - 135 ؛ غنية النزوع 1 : 51 ؛ منتهى المطلب 3 : 62 - 63 .
3- المعتبر 1 : 372 ؛ قواعد الأحكام 1 : 237 ؛ كشف اللثام 2 : 449 .

مسمّاها ولا يكون صعيداً وأرضاً لا يصحّ التيمّم به(1) .

ولا يخفى : أنّ الميزان في عدم الجواز هو ما ذكرنا ، وأمّا عنوان «المعدن» فليس في شيء من الأدلّة موضوعاً للحكم ، بل يظهر من الإجماعات المنقولة : أنّ المناط هو الخروج عن مسمّاها من غير دخالة لعنوان المعدن ، ففي «المنتهى» : «لا يجوز التيمّم بما ليس بأرض على الإطلاق ، كالمعادن والنبات المنسحق والأشجار . . .» إلى أن قال : «وهو مذهب علمائنا»(2) .

ثمّ قال في الفرع الثاني من التفريعات : «ومنع ابن إدريس من التيمّم بالنورة(3) ، وهو الأقرب ؛ لأ نّها معدن ، فخرجت عن اسم الأرض»(4) .

وعليه يحمل إجماع «الخلاف» و«الغنية»(5) لأ نّهما مثّلا بالكحل والزرنيخ وبغيرهما من المعادن ، والظاهر من كلامهما أنّ مرادهما من المعادن من قبيل الكحل والزرنيخ الخارجين عن مسمّى «الأرض» لا أنّ عنوان «المعدن» بما هو دخيل في الحكم حتّى نحتاج إلى تشخيص مفهومه ومصاديقه ، فيجوز التيمّم بما لم يخرج عن مسمّاها ؛ ولو صدق عليه عنوان «المعدن» كالتراب الأحمر وحجر الرحى والمرمر وطين الرأس والأرمني ، وغيرها من المعادن الصادق عليها «الأرض» .

ص: 186


1- راجع وسائل الشيعة 3 : 349 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 7 .
2- منتهى المطلب 3 : 62 - 63 .
3- السرائر 1 : 137 .
4- منتهى المطلب 3 : 64 .
5- الخلاف 1 : 134 - 135 ؛ غنية النزوع 1 : 51 .
فيما استدلّ على جواز التيمّم بمطلق ما خرج من الأرض

وقد يستدلّ(1) على جوازه بمطلق ما خرج من الأرض وكان أصله منها - وإن تبدّل بحقيقة اُخرى - برواية السكوني ، عن جعفر ، عن أبيه ، عن علي علیهم السلام : «أ نّه سئل عن التيمّم بالجصّ ، فقال : نعم .

فقيل : بالنورة ؟ فقال : نعم .

فقيل : بالرماد ؟ فقال : لا ؛ إنّه ليس يخرج من الأرض ، إنّما يخرج من الشجر»(2) .

وفي رواية «الجعفريات» قيل : هل يتيمّم بالرماد ؟ قال : «لا ؛ لأنّ الرماد لم يخرج من الأرض»(3) .

وفي رواية الراوندي : «ولا يجوز بالرماد ؛ لأ نّه لم يخرج من الأرض»(4) .

دلّت تلك الروايات على أنّ العلّة في عدم جواز التيمّم برماد الشجر عدم خروجه من الأرض ، فلو خرج منها لم يكن مانع منه .

واُورد عليه : بأ نّه لا يدلّ التعليل إلاّ على المنع من كلّ ما لم يخرج

ص: 187


1- اُنظر مصباح الفقيه ، الطهارة 6 : 189 .
2- تهذيب الأحكام 1 : 187 / 539 ؛ وسائل الشيعة 3 : 352 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 8 ، الحديث 1 .
3- الجعفريات ، ضمن قرب الإسناد : 24 ؛ مستدرك الوسائل 2 : 532 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 6 ، الحديث 1 .
4- النوادر ، الراوندي : 217 / 437 ؛ مستدرك الوسائل 2 : 533 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 6 ، الحديث 2 .

من الأرض ، وأمّا الجواز بكلّ ما خرج منها فلا ، وإلاّ لفهم منه جوازه بالنباتات(1) .

وفيه : - بعد بطلان النقض بالنباتات ؛ فإنّها نابتة من الأرض عرفاً ، لا متبدّلة

منها ومنقلبة عنها ، والمراد من «الخروج منها» في الرواية كخروج الرماد من الشجر ، لا كخروج النبات من الأرض ، وهو واضح - أنّ ذلك وارد لو اُريد الاستدلال بمفهوم التعليل ؛ بدعوى دلالته على الحصر والانتفاء عند الانتفاء ؛ ضرورة أنّ مقتضى إطلاق التعليل وإن كان تمام الموضوعية والعلّية التامّة ، لكن لا يقتضي ذلك انحصار العلّة ، فيمكن أن يقوم شيء آخر مقامها في نفي الجواز .

وأمّا لو اُريد الاستدلال بأ نّه إذا كان عدمُ الخروج من الأرض - المراد به

بحسب ظاهر الروايات عدم الانقلاب منها - علّةً لعدم جواز التيمّم بالرماد ، فلا يمكن أن يكون التبدّل والخروج من الأرض أيضاً علّة لعدم الجواز ، فالاستدلال على عدم جوازه بالمعادن بأ نّها خارجة عن مسمّى الأرض ؛ ينافي مفاد الروايات .

وبعبارة اُخرى : أنّ التعليل وإن لم يدلّ على الانحصار ، ويمكن قيام علّة اُخرى مقامها ، لكن لا يمكن قيام نقيض العلّة مقامها في العلّية لشيء واحد ، فتدلّ الروايات على جوازه بكلّ ما خرج من الأرض ، ولا يكون الخروج منها مانعاً عنه .

ص: 188


1- مصباح الفقيه ، الطهارة 6 : 189 .

إن قلت : هذا إذا اُريد بقوله : «لم يخرج من الأرض» أ نّه لم ينقلب منها ، وأمّا لو اُريد منه أ نّه لم تكن مادّته من الأرض ، فلا ينافي قول الفقهاء ؛ بتقريب أنّ عدم الجواز معلول لعلّتين ؛ إحداهما : عدم كون مادّة الشيء من الأرض ، كما دلّت الروايات(1) ، والثانية : عدم كون صورته من الأرض ؛ أي الخروج من مسمّاها ، كما ذكره الفقهاء(2) .

قلت : لا يمكن جعل الشيئين علّة فعلية لشيء إلاّ إذا أمكن افتراقهما في الجملة ، فإذا كان تبدّل صورة الأرض وعدم الخروج عن مادّتها ، علّتين لعدم الجواز ، فلا بدّ من الالتزام بأ نّه إذا لم يخرج الشيء من الأرض لا يجوز التيمّم به

ولو صدق عليه مسمّاها ، وهو كما ترى ؛ ضرورة صحّة التيمّم بالتراب - كتاباً وسنّةً وإجماعاً - ولو كان أصله غير الأرض .

ولو قيل : إنّ الخروج من غير الأرض أو عدم الخروج منها ، علّة في صورة خروج صورته منها .

يقال : إنّ تبديل الصورة الأرضية بغيرها علّة حسب الفرض ، فعلّية عدم الخروج من مادّة الأرض غير معقول ، وجعلها لغوٌ لو كانت مجعولة .

مضافاً إلى أنّ التعليل في الروايات بعدم الخروج من الأرض - مع أنّ الرماد خارج عن مسمّاها ، ولا تصدق «الأرض» عليه - يدلّ على أنّ ما هو العلّة هو عدم الخروج من الأرض ، لا عدم صدق «الأرض» عليه ، وإلاّ لكان

ص: 189


1- تقدّمت في الصفحة 187 .
2- مسائل الناصريات : 153 ؛ منتهى المطلب 3 : 62 ؛ كشف اللثام 2 : 449 ؛ جواهر الكلام 5 : 130 - 131 .

الأولى بل المتعيّن التعليل به ؛ بأن يقال : «إنّه ليس من الأرض» فترك التعليل

بالصفة النفسية ، والتعليل بأصله ومادّته ، دليل على عدم علّية الخروج عن مسمّاها له .

فلو كانت الروايات حجّة معتبرة ، لكان اللازم الالتزام بعدم مانعية تبدّل صورة الأرض ، بل الاعتبار بالأصل والمادّة ، لا بالصورة ؛ لإمكان أن يقال بحكومة تلك الروايات على الآية الكريمة والروايات الدالّة على لزوم التيمّم بالأرض ، تأمّل . لكنّها روايات ضعيفة سنداً ، شاذّة معرض عنها غير معوّل عليها .

ص: 190

الأمر الثالث في عدم صحّة التيمّم بالرماد

لا يصحّ التيمّم بالرماد بلا إشكال ولا خلاف ظاهراً ؛ لعدم كونه أرضاً ، وتؤيّده

الروايات المتقدّمة(1) .

وكذا لا يجوز بالرماد الحاصل من الحجر والأرض ؛ لعدم صدق «الأرض» عليه ، ولا أقلّ من الشكّ فيه ، وعدمِ حجّية الروايات الدالّة على الجواز(2) ، وعدمِ جريان الاستصحاب فيه ؛ لا موضوعاً ولا حكماً ؛ لعدم وحدة القضيّة المتيقّنة والمشكوك فيها ، فإنّ الرماد حقيقة غير حقيقة التراب والحجر عرفاً ، وليس تبدّلهما به تبدّل صفة مع بقاء الذات ، بل تبدّل حقيقة باُخرى عرفاً وعقلاً ، فما هو حاصل بعد الاحتراق لا يكون بعينه ما هو قبله .

ولو قيل : «إنّ الرماد كان حجراً فصار رماداً» يراد به أ نّه كان حجراً قبل تبدّله ، وقد تبدّل بشيء آخر ، أو يراد محفوظية المادّة والهيولى ، لا بقاء الحقيقة والتغيّر في الصفة .

نعم ، لو فرض في موردٍ عدم التبدّل في الذات -

كالخزف والآجرّ ونحوهما - فلا إشكال فيه .

ومع الشكّ فلا مانع من إجراء الاستصحاب الحكمي ، دون الموضوعي :

ص: 191


1- تقدّمت في الصفحة 187 .
2- تقدّمت في الصفحة 187 .

أمّا الأوّل : فلأنّ قوله صلی الله علیه و آله وسلم : «جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً»(1) ظاهر في المقام في أ نّها مطهّرة ، ولا يراد منه أ نّها طاهرة ولا مبالغة في الطهارة كما

احتمل في قوله : «خلق اللّه الماء طهوراً»(2) فالآجرّ والخزف قبل طبخهما كانا طهورين بحكم الشارع ، فشكّ في ذلك بعد طبخهما فيستصحب . ولا يكون من الاستصحاب التعليقي ، بل هو كاستصحاب كرّية الماء وطهارته ؛ حيث كان الحكم الشرعي حصول الطهارة بالتيمّم بهما .

ولو كان المراد من قوله : «جعلت لي الأرض . . . طهوراً» أ نّه إن يتيمّم بها تحصل الطهارة - وبعبارة اُخرى : يكون مفاده حكماً تعليقياً - فلا مانع من استصحابه أيضاً ؛ لأ نّه في التعليقات الشرعية جارٍ ، على ما هو المحقّق في محلّه(3) .

وأمّا عدم الجريان في الموضوعي : فلأنّ ذلك من قبيل الشبهات المفهومية ، كتردّد مفهوم «اليوم» بين كونه موضوعاً لامتداده إلى ذهاب الحمرة المشرقية ، أو إلى سقوط الشمس ، فإنّ من المعلوم أنّ الخزف ليس بتراب ، ومعلوم أ نّه خزف ، لكن يشكّ في صدق مفهوم «الأرض» عليه من جهة الشكّ في أنّ مفهومها شامل لما طبخ أو لا ، وفي مثله لا يجري الاستصحاب ؛ لأنّ مصبّ أدلّته هو الشكّ في بقاء الشيء بعد العلم به .

ص: 192


1- تقدّم في الصفحة 168 .
2- المعتبر 1 : 40 و41 ؛ وسائل الشيعة 1 : 135 ، كتاب الطهارة ، أبواب الماء المطلق ، الباب 1 ، الحديث 9 .
3- الاستصحاب ، الإمام الخميني قدس سره : 147 .

وكذا لا يجري الاستصحاب في الشبهات الحكمية التي من قبيلها ، كما لو شكّ في أنّ الكرّ شرعاً عبارة عن ثلاثة أشبار ونصف طولاً وعرضاً وعمقاً ، أو ثلاثة أشبار ، فإذا كان الماء بالمقدار المتيقّن من الكرّ ، ثمّ وصل إلى ثلاثة أشبار ، لا يجري استصحاب بقاء الكرّ ؛ لأنّ الموضوع معلوم ؛ أي يعلم أ نّه ليس بالحدّ الأوّل ، ويعلم أ نّه بالحدّ الثاني ، فليس الشكّ في بقاء ما علم ، بل في

تطبيق العنوان عليه شرعاً ، وفي أنّ الشارع جعل الكرّ أيَّ الحدّين ، وفي مثله لا يجري الأصل .

ص: 193

الأمر الرابع في جواز التيمّم بالجصّ والنورة

يجوز التيمّم بالجصّ والنورة قبل احتراقهما ، كما عن المشهور(1) ؛ لصدق عنوان «الأرض» عليهما . ولا مضايقة في صدق «المعدن» عليهما ؛ لما عرفت(2) من عدم دليل على اعتبار عدم المعدنية ، بل المناط عدم الخروج عن مسمّى «الأرض» فالمانع إن يدّعِ الخروج عن مسمّاها ، فهو محجوج بالعرف واللغة ، وإن يدّعِ معدنيتهما ، فهو محجوج بأنّ المعدنية غير مضرّة .

وأمّا التفصيل بين حال الاختيار والاضطرار فلا وجه له ؛ لأ نّهما لو خرجا عن

صدق «الأرض» فلا يصحّ التيمّم بهما مطلقاً ، وإلاّ فيصحّ كذلك ، ولا دليل على التفصيل فيهما ، كما في مثل الطين والغبار . نعم ، قد ذكرنا سابقاً : أنّ صحيحة رِفاعة تشعر بالتفصيل بين التراب وغيره ، لكن قد عرفت : أنّ الأظهر كونها في مقام بيان الترتيب بين اليابس والجافّ والأجفّ(3).

وكذا يجوز التيمّم بهما بعد احتراقهما ؛ لصدق عنوان «الأرض» وعدم الخروج عن مسمّاها بمجرّد الطبخ ، ومع الشكّ يرجع إلى الاستصحاب الحكمي لا الموضوعي ، كما مرّ(4) .

ص: 194


1- كفاية الفقه (كفاية الأحكام) 1 : 43 ؛ جواهر الكلام 5 : 132 ؛ مصباح الفقيه ، الطهارة 6 : 192 .
2- تقدّم في الصفحة 186 .
3- تقدّم في الصفحة 179 .
4- تقدّم في الصفحة 191 .
الأمر الخامس في اشتراط إباحة ما يتيمّم به

يشترط فيما يتيمّم به أن يكون مباحاً ، فلا يجوز التيمّم بالمغصوب إجماعاً ،

كما عن «التذكرة»(1) وعقلاً إن كان الضرب على الأرض داخلاً في حقيقته ، كما هو الظاهر ؛ لعدم تعدّد العنوان والجهة معه ؛ وإن أمكن أن يقال : إنّ بين عنواني «الضرب على الأرض» و«التصرّف في مال الغير عدواناً» عموماً من وجه ، فهما عنوانان متصادقان على موجود واحد ، فما هو الحرام التصرّف عدواناً ، وما هو جزء التيمّم هو الضرب على الأرض ، وهو عنوان آخر غيره ، ولهذا يفترقان بالضرب على الأرض المباحة ، وبالتصرّف بغير الضرب في الأرض المغصوبة ، تأمّل .

وكيف كان : لو فرض صحّته فبمقتضى القاعدة ، لكن الالتزام بها في غاية الإشكال ، بل غير ممكن ؛ لتسلّمه بين الأصحاب ، وللإجماع المدّعى ؛ وإن أمكن المناقشة في مثل هذا الإجماع الذي للعقل فيه مدخل ويمكن اتّكال المجمعين على حكمه : إمّا بعدم جواز الاجتماع وترجيح جانب النهي ، أو دعوى أنّ المبعّد لا يمكن أن يكون مقرّباً ولو مع جوازه ، أو جهات اُخر مرّ بيانها والجواب عنها (2) ، لكن مع ذلك لا محيص عمّا ذهب إليه

ص: 195


1- تذكرة الفقهاء 2 : 177 .
2- تقدّم في الصفحة 125 - 135 .

الجماعة ، إلاّ أنّ ذلك فيما إذا كانت الأرض مغصوبة .

وأمّا مع مباحيتها ومغصوبية الآنية أو المكان أو غيرهما ، فلا يبعد القول بالصحّة على طبق القاعدة ؛ لبُعد كون المسألة بالنسبة إلى تلك الفروع إجماعية ، والاحتياط سبيل النجاة .

الأمر السادس في اشتراط طهارة ما يتيمّم به

يشترط في الأرض الطهارة ، فلا يصحّ التيمّم بالتراب النجس إجماعاً ، كما عن «الغنية» و«التذكرة» و«جامع المقاصد» و«شرح الجعفرية»(1) ، وعن «المنتهى» نفي الخلاف عنه(2) ، وعن «المدارك» نسبته إلى الأصحاب(3) ، وهو حجّة .

ويدلّ عليه قوله تعالى : )صَعِيداً طَيِّباً((4) بناءً على كونه بمعنى الطاهر ، كما عن ابن عبّاس(5) ، بل عن «جامع المقاصد» نسبته إلى المفسِّرين(6) . ولا يبعد دعوى ظهوره فيه عرفاً بعد عدم كون المراد منه المُستَلَذّ - الذي قيل : «إنّه معناه

ص: 196


1- اُنظر مفتاح الكرامة 4 : 380 - 381 ؛ غنية النزوع 1 : 51 ؛ تذكرة الفقهاء 2 : 177 ؛ جامع المقاصد 1 : 479 .
2- منتهى المطلب 3 : 78 .
3- مدارك الأحكام 2 : 204 .
4- النساء (4) : 43 ؛ المائدة (5) : 6 .
5- اُنظر نهاية الإحكام 1 : 198 ؛ تنوير المقباس من تفسير ابن عبّاس : 71 / السطر26 .
6- جامع المقاصد 1 : 479 .

الحقيقي»(1) - بمناسبة الحكم والموضوع ، وبكونه على الظاهر مساوقاً للنظيف عرفاً الذي جعل مقابل القذر في بعض الروايات(2) ، أو يكون المراد منه مطلق النظيف ، خرج منه النجس إجماعاً ، وبقي ما هو المقابل للقذر .

واحتمال كونه مقابل الخبيث(3) ، كما في قوله : )وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِى خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً((4) فيكون المراد منه الأرض النابتة ، يُبعده ما مرّ من كون «الصعيد» هو مطلق وجه الأرض بالشواهد المتقدّمة(5) ، فلا يبعد دعوى أقربية ما ذكرناه أوّلاً ولو بضميمة فهم المفسّرين والفقهاء .

مع أنّ «الخبيث» ليس لغة بمعنى الأرض غير النابتة ، بل بمعنى الرديء وما يساوقه(6) ، والنجس أيضاً خبيث ، والمناسبات المغروسة في الأذهان توجب تعيّن الطيّب المقابل للخبيث في الطاهر المقابل له . وقد اشتهرت النجاسات ب- «الأخباث» والطهارة من الخَبَث في مقابل الطهارة من الحدث .

ويؤيّد المطلوب بعض الروايات ، كمرسلة علي بن مطر ، عن بعض أصحابنا قال : سألت الرضا علیه السلام عن الرجل لا يصيب الماء ولا التراب ، أيتيمّم بالطين ؟

ص: 197


1- مجمع البحرين 2 : 111 .
2- وسائل الشيعة 3 : 467 ، كتاب الطهارة ، أبواب النجاسات ، الباب 37 ، الحديث 4 .
3- اُنظر الحدائق الناضرة 4 : 245 .
4- الأعراف (7) : 58 .
5- تقدّم في الصفحة 168 .
6- لسان العرب 4 : 9 .

قال : «نعم ؛ صعيد طيّب وماء طهور»(1) .

بناءً على أنّ المراد أنّ الطين صعيد طيّب وماء طهور ، فإنّ الظاهر منها أنّ السؤال من حيث صحّة التيمّم ، لا صيرورة بدنه نجساً للصلاة ، والجواب عن هذه الجهة ، فالرواية دالّة على صحّته به ؛ لكونه كذلك ، ولولا اعتبار الطهور في المتيمّم به لا يكون وجه لتقييده بالطهور ، بل في نفس ذكر الطيّب والطهور إشعار بذلك .

وما عن «الفقه الرضوي» : «الصعيد : الموضع المرتفع عن الأرض ، والطيّب : الذي ينحدر عنه الماء»(2) ، وعن «معاني الأخبار» تفسير «الطيّب» بما ذكر(3) ، والأخبار الواردة في أنّ الأرض طهور(4) ؛ أي طاهرة مطهِّرة ، أو مطهِّرة مع قضاء الارتكاز بأنّ المطهّر لا بدّ وأن يكون طاهراً .

والإنصاف : أنّ مجموع ما ذكر يوجب الاطمئنان وإن أمكن الخدشة في غالبها ، فلا ينبغي الإشكال في الحكم .

ص: 198


1- تهذيب الأحكام 1 : 190 / 549 ؛ وسائل الشيعة 3 : 354 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 9 ، الحديث 6 .
2- الفقه المنسوب للإمام الرضا عليه السلام : 90 .
3- معاني الأخبار : 283 .
4- وسائل الشيعة 3 : 350 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 7 ، الحديث 2 و3 و4 .
الأمر السابع في امتزاج ما يصحّ التيمّم به بغيره

لو مزج ما يصحّ التيمّم به بغيره ، فإن خرج عن صدق «الأرض» باستهلاكه فيما لا يصحّ ، أو بالامتزاج على وجه لا يصدق عليه «الأرض» - وإن لم يصدق عليه ما اختلط به أيضاً - فلا يصحّ التيمّم به بلا إشكال ولا خلاف ظاهراً ، وهو واضح .

وإن لم يخرج عن مسمّاها باستهلاك غير الأرض فيها - كما إذا امتزج كفّ من الرماد بأمنانٍ من التراب - جاز بلا إشكال ؛ للصدق حقيقة عند العرف من غير مسامحة .

ويلحق به بعض الأجزاء الضعيفة التي لا تستهلك عرفاً ، مثل الشعرة وبعض ذرّات التبن والحشيش ؛ ممّا لا ينفكّ عن الأرض نوعاً ؛ للانصراف وعدم فهم العرف من «الصعيد» و«الأرض» إلاّ تلك الأراضي المتعارفة ، لا لصدق «الأرض» على المجموع من التراب وغيره عرفاً ؛ ضرورة أنّ الحبّة الصغيرة - كحبّة الجاوَرْس والخَشْخاش والأجزاء الصغيرة من التبن وغيره - إذا كانت على وجه الأرض لا يطلق على المجموع «الأرض» أو «التراب» إلاّ بنحو من المسامحة حتّى في نظر العرف ، وقد مرّ(1) أنّ تشخيص موضوعات الأحكام - مفهوماً ومصداقاً - وإن كان بنظر العرف ، لكن المعتبر - لولا القرائن - هو الدقّة

ص: 199


1- تقدّم في الجزء الأوّل : 73 .

العرفية لا مسامحته ؛ من غير فرق بين التحديدات وغيرها ، فإذا وجب التيمّم على الأرض ، ولم تكن قرينة توجب الاكتفاء بالفرد المسامحي المجازي ، لزم أن تكون الأرض خالصة عرفاً ، ويصدق عليها عنوانها من غير مسامحة ؛ تحكيماً لأصالة الحقيقة .

ودعوى : أنّ الأجزاء الصغار ليست ملحوظة لدى العرف بحيالها ؛ لكون المجموع مصداقاً للصعيد في الفرض ، ولا يعتبر أن يكون كلّ جزء جزء يفرض منه ممّا يقع عليه الاسم(1) ، غير وجيهة ؛ ضرورة أنّ كلّ جزء إذا لم يكن أرضاً

عرفاً ، لا يمكن أن يكون المجموع أرضاً إلاّ بالمسامحة والتأوّل .

والنقض بمورد الاستهلاك - كالفرض الأوّل - ليس على ما ينبغي ؛ لأنّ فرض الاستهلاك العرفي ينافي البقاء العرفي ؛ وإن كان المستهلك باقياً بالبرهان والعقل البرهاني ، أو ترى الأجزاء بآلات مكبّرة ، لكن العرف لا يرى المستهلك موجوداً ولو بالدقّة ، كاستهلاك الماء في اللبن ، والمراد بالاستهلاك في الفرض الأوّل ذلك ، فلو رُئيت الأجزاء وميِّزت يكون من قبيل الثاني .

وبالجملة : إنّ مصداق المفاهيم قد يكون عقلياً برهانياً ، أو مشخّصاً بآلات غير عادية كالمكبّرات ، وقد يكون عرفياً حقيقياً من غير مسامحة ، وقد يكون عرفياً مسامحياً ، والميزان هو تشخيص العرف بالنظر الدقيق العرفي ، ولا ريب في أنّ الأرض إذا خالطها أجزاء صغار غير أرضية تدرك بالبصر ، لا يصدق على مجموعها «الأرض» حقيقة ، بل الإطلاق بنحو من المسامحة وتنزيل الموجود الصغير منزلة المعدوم .

ص: 200


1- مصباح الفقيه ، الطهارة 6 : 200 .

ولهذا ترى : أنّ العرف يفرّق بين الموضوعات ، فيتسامح في خليط التبن بما لا يتسامح في خليط الحنطة ، ويتسامح في خليطها بما لا يتسامح في خليط الزعفران والذهب ، وذلك دليل على التسامح وغضّ البصر عن بعض الاُمور ، لا لأنّ صدق «التبن» على الخليط حقيقي بخلاف «الزعفران» .

لكن قد تقدّم وجود قرائن في بعض المقامات على أنّ الموضوع للحكم الشرعي هو الموضوع الذي يتسامح فيه العرف ، مثلاً إذا أوجب الشارع في زكاة الفطر صاعاً من الحنطة أو الشعير ، لا ينقدح في ذهن العرف من وجوب صاعٍ من الحنطة والشعير في زكاة الفطر ، إلاّ ما هو المتعارف منهما في سوق البلد ، لا الخالص غير المتعارف ، فالتعارف يوجب الانصراف إلى ما بين أيديهم من الأفراد وتقع معاملاتهم عليه .

كما أنّ بيع كرّ من الحنطة منصرف إلى المصاديق المتعارفة في سوق البلد ، فلو كانت الأفراد المتداولة مخلوطة بمقدار من غير الجنس ، لا يجب الأداء إلاّ ممّا هو المتعارف ، لا لأجل صدق كرّ من الحنطة حقيقة ومن غير تسامح على الناقص مع المتمّم من غير جنسها ، بل لأجل الانصراف إلى المتعارف وعدم اعتناء العرف بمثل هذا الخليط ، وإن لم يتسامح في الأجناس الغالية العزيزة .

وفي المقام أيضاً ينصرف الأمر بالتيمّم على الصعيد والتراب إلى ما هو المتعارف ، الذي لا ينفكّ عن الخليط بما ذكرناه ؛ وإن لم يصدق عليه «التراب» أو «الصعيد» عليه من غير تسامح ، ولهذا لو كان الخليط غير متعارف مقداراً أو جنساً - كوقوع ذرّات من الذهب على الأرض - لا يصحّ التيمّم به ؛ لعدم تعارف مثل هذا الاختلاط بالأجنبيّ .

ص: 201

وهذا هو السرّ في الافتراق بين الاختلاط بغير الأرض ممّا هو متعارف ، وبين الاختلاط بغير المتعارف ، كالاختلاط بشيء من النجس ، أو الاختلاط الاختياري بشيء غير الأرض ؛ لعدم المناط المتقدّم .

وكذا الحال في أشباه المقام ، كاختلاط مقدار من التراب اختياراً في الحنطة لتتميم الصاع ، فإنّ هذا النحو من الاختلاط غير متعارف لا ينصرف إليه الدليل ، بخلاف الاختلاط الطبيعي غير المنفكّ ، ولهذا يفرّق بين إعطاء صاع من الحنطة في زكاة الفطر ، وصاع من التمر ؛ لاختلاف تعارف الخلط فيهما ، فلو كان التمر مخلوطاً بمثل خلط الحنطة - أي الخلط بالتراب والرمل - لا يكتفى به في الزكاة ؛ لأجل عدم التعارف ، بخلاف اختلاطه بما هو المتعارف ، كالأخشاب الصغار من ساقاته وجذوعه .

فتحصّل من ذلك : جواز التيمّم بالتراب والأرض المتعارفين ؛ ممّا هو مخلوط بصغار التبن والحشيش وغيرهما ممّا لا ينفكّ عنه غالباً ، بخلاف الاختلاط بالأجنبيّ وما هو غير متعارف خلطاً ومخلوطاً ؛ وإن كان صغيراً .

وممّا ذكرنا يظهر النظر في كلام بعض أهل التحقيق ممّن قارب عصرنا (1) ، فراجع .

وليعلم : أنّ ما ذكرنا في المقام مبنيّ على لزوم استيعاب جميع الكفِّ الأرضَ ، لكن فيه كلام سيأتي التعرّض له في محلّه(2) .

ص: 202


1- مصباح الفقيه ، الطهارة 6 : 198 .
2- يأتي في الصفحة 305 .
الأمر الثامن في جواز التيمّم بغبار الثوب ولبد السرج وعُرف الدابّة
اشارة

يجوز التيمّم بغبار الثوب ولِبْد السرج وعُرْف الدابّة عند فقد الأرض أو تعذّر الاستعمال ، بلا إشكال نصّاً وفتوى . وعن «المعتبر» : «هو مذهب علمائنا وأكثر العامّة»(1) .

وتدلّ عليه صحيحة زرارة قال : قلت لأبي جعفر علیه السلام : أرأيت المُواقِف إن لم يكن على وضوء ، كيف يصنع ولا يقدر على النزول ؟ قال : «يتيمّم من لِبْده أو سرجه أو مَعْرَفة دابّته ؛ فإنّ فيها غباراً ، ويصلّي»(2) .

وموثّقته عن أبي جعفر علیه السلام قال : «إن كان أصابه الثلج فلينظر لِبْد سرجه ، فليتيمّم من غباره أو من شيء معه(3) ، وإن كان في حال لا يجد إلاّ الطين فلا بأس أن يتيمّم منه»(4) .

وصحيحة رِفاعة ، عن أبي عبداللّه علیه السلام قال : «إذا كانت الأرض مبتلّة ليس

ص: 203


1- اُنظر مدارك الأحكام 2 : 206 ؛ المعتبر 1 : 376 .
2- تهذيب الأحكام 1 : 189 / 544 ؛ وسائل الشيعة 3 : 353 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 9 ، الحديث 1 .
3- لا يبعد أن يكون «معه» مصحَّفَ «مغبَّر» ، ولقربهما في الكتب اشتبه الأمر على النسّاخ ، ويؤيّده صحيحة رفاعة الآتية . [منه قدس سره]
4- تهذيب الأحكام 1 : 189 / 545 ؛ وسائل الشيعة 3 : 353 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب9 ، الحديث 2 .

فيها تراب ولا ماء ، فانظر أجفّ موضع تجده فتيمّم منه» قال(1) : «ذلك توسيع من اللّه عزّ وجلّ» .

قال : «فإن كان في ثلج فلينظر لِبْدَ سرجه فليتيمّم من غُباره أو شيء مُغبّر ، وإن كان في حال لا يجد إلاّ الطين فلا بأس أن يتيمّم منه»(2) .

وصحيحة أبي بصير ، عن أبي عبداللّه علیه السلام قال : «إذا كنت في حال لا تقدر إلاّ على الطين فتيمّم به ؛ فإنّ اللّه أولى بالعذر إذا لم يكن معك ثوب جافّ أو لِبْد تقدر أن تنفضه وتتيمّم به»(3) .

وينبغي التنبيه على اُمور :

عدم اختصاص الحكم بالأمثلة المذكورة في النصوص

منها : أ نّه يظهر من تعليل صحيحة زرارة وإطلاق قوله : «أو شيء معه» في موثّقته ، عدمُ اختصاص الحكم بالأمثلة المذكورة في النصوص ، بل لولاهما أيضاً لا يفهم منها إلاّ التمثيل ، واختصاص تلك الأمثلة بالذكر ، لأجل كون المحارب المفروض في الصحيحة الاُولى ، والمسافر الذي يكون ظاهراً مفروض سائر الروايات ، لا يكون معهم شيء مغبّر نوعاً إلاّ ما ذكر فيها ، فلا يستفاد منها

ص: 204


1- هكذا في الطبعة الحجرية من الوسائل ، ولكن في بقيّة المصادر : «فإنّ» بدل «قال» .
2- تهذيب الأحكام 1 : 189 / 546 ؛ وسائل الشيعة 3 : 354 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب9 ، الحديث 4 .
3- الكافي 3 : 67 / 1 ؛ وسائل الشيعة 3 : 354 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب9 ، الحديث 7 .

إلاّ التمثيل ، وتُلغى الخصوصية عرفاً بلا إشكال . كما أنّ الظاهر من النصّ

والفتوى عدم الترتيب بين المذكورات ، فتقديم الثوب على اللِبْد(1) أو العكس(2) ممّا لا وجه له .

اشتراط جواز التيمّم بالغبار بفقد التراب أو مطلق الأرض

ومنها : هل جواز التيمّم بالغبار مشروط بفقد التراب أو مطلق الأرض ، كما نسبه في محكيّ «التذكرة» إلى علمائنا (3) ، وعن «الكفاية» : «أ نّه ظاهر أكثر الأصحاب»(4) ، وعن «كشف اللثام» كذلك تارة ، واُخرى نسبته إلى الأصحاب(5) .

أو لا ، فيصحّ التيمّم به اختياراً ، كما عن السيّد حيث قال : «يجوز التيمّم

بالتراب وغبار الثوب»(6) وعن «المنتهى» و«إرشاد الجعفرية» تقويته ؟

لكن لا يستفاد من عبارتهما المنقولة ذلك ، بل يمكن أن يكون مرادهما جمع الغبار بمقدار يصدق عليه اسم «التراب» وهي هذه : «إنّ الغبار تراب ، فإذا نفض أحد هذه الأشياء عاد إلى أصله ، فصار تراباً مطلقاً»(7) .

بل يمكن أن يكون مراد السيّد من قوله المتقدّم هو الجواز في الجملة ،

ص: 205


1- السرائر 1 : 138 .
2- النهاية : 49 .
3- تذكرة الفقهاء 2 : 179 - 180 .
4- كفاية الفقه (كفاية الأحكام) 1 : 44 .
5- كشف اللثام 2 : 458 و459 .
6- مسائل الناصريات : 151 ؛ رسائل الشريف المرتضى 3 : 26 .
7- اُنظر مفتاح الكرامة 4 : 406 ؛ منتهى المطلب 3 : 68 .

ولم يكن بصدد بيان نفي الترتيب وعرضية الجواز .

وكيف كان : فالمتّبع هو الأدلّة المتقدّمة الخاصّة ، وأمّا مقتضى الآية الكريمة(1) والروايات الدالّة على أنّ التيمّم بالأرض والتراب(2) ، فعدم صحّته بالغبار مطلقاً ولو في حال الاضطرار ؛ لعدم صدقهما عرفاً على الشيء المغبّر أو الغبار الذي يعلو السرج واللِبْد ، بل هو أثر التراب لدى العرف ، كالرطوبة بالنسبة إلى الماء ، فلا بدّ من النظر في تلك الروايات :

فنقول : أمّا صحيحة زرارة فلأحد أن يقول : إنّ مقتضى عموم تعليلها جواز التيمّم بما فيه الغبار مطلقاً ، وفرض الراوي عدم القدرة على النزول لا يوجب تنزيل التعليل عليه ؛ فإنّ المورد لا يقيّد ولا يخصّص إطلاق التعليل أو عمومه ، فكما نتعدّى بعموم التعليل أو إطلاقه إلى كلّ ما فيه الغبار ، ونتعدّى إلى كلّ عذر ،

مع أنّ المورد عدم القدرة على النزول ، يمكن أن نتعدّى بعمومه عن مورد التعذّر إلى غيره بعد كون فرض التعذّر في كلام الراوي ، فهو بمنزلة أن يقول : «إذا لم يكن عنده تراب كيف يصنع ؟» فأجاب : «بأ نّه يتيمّم بالحجر ؛ فإنّه أرض» حيث لا يبعد استفادة أنّ الأرض كالتراب في صحّة التيمّم من غير ترتّب بينهما .

نعم ، لو كان تقديره في كلام الإمام كان ظاهراً في التأخّر ، كما في قوله : «إذا كنت لا تجد إلاّ الطين فلا بأس أن تتيمّم به» .

واحتمال التعدّي ولو على هذا الفرض - فلو قال : «إذا لم تجد التراب فتيمّم بالحجر ؛ فإنّه أرض» نحكم بجواز التيمّم بالحجر اختياراً - ضعيف ؛ للفرق بين

ص: 206


1- النساء (4) : 43 ؛ المائدة (5) : 6 .
2- راجع وسائل الشيعة 3 : 343 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 3 و7 .

قوله : «لا تشرب الخمر ؛ لأ نّه مسكر» وبين قوله : «إذا لم تجد التراب . . .» إلى آخره ، فإنّ الظاهر من فرض عدم التراب ، أ نّه مع وجوده لا يجوز التيمّم بغيره ، نعم لازم التعليل التعدّي من الحجر إلى غيره ، لا من فرض العجز عن التراب إلى غيره . وهذا بخلاف ما يكون الفرض في السؤال وفي كلام الراوي ؛ لإمكان القول بالتعدّي وأنّ تمام الموضوع للجواز هو مورد العلّة ، تأمّل .

هذا مع تسليم أنّ المفروض في الصحيحة عدم القدرة على التيمّم بالأرض ، لكنّه ممنوع ، بل المفروض فيها - بحسب الظاهر المتفاهم عرفاً - عدم التمكّن من النزول للوضوء ؛ فإنّ قوله : «إن لم يكن على وضوء ، كيف يصنع ولا يقدر على النزول ؟» ظاهر في أ نّه لا يقدر على النزول للوضوء بقرينة ذكره ، وأمّا فرض عدم التمكّن من النزول للتيمّم ، فأمر آخر لا بدّ من فرض فقدان الماء معه ، ولم يفرضه . مع أنّ فقدانه نادر ، وعدم القدرة على النزول لصرف ضرب الكفّ على الأرض نادر أيضاً ، بخلاف عدم القدرة للوضوء ؛ لاحتياجه إلى زمان معتدّ به .

فتحصّل من ذلك : أنّ المفروض فيها العذر عن الوضوء ، فكأ نّه قال : «إذا تعذّر

النزول للوضوء يتيمّم بلِبْد سرجه ؛ لأنّ فيه غباراً» فيدلّ على أ نّه عند فقدان الماء

يجوز التيمّم بالغبار . ومجرّد كون المورد من الذي لا يتمكّن من التيمّم على الأرض ؛ لو فرض فقدان الماء - على فرض تسليمه - لا يوجب تقييد الإطلاق ورفع اليد عن التعليل ؛ بعد عدم فرض فقدان الماء .

وأمّا قوله في موثّقة زرارة : «إن كان أصابه الثلج فلينظر لِبْد سرجه ، فليتيمّم من غباره» وإن كان ظاهراً بدواً في الترتيب ، لكن يحتمل أن يكون المقصود

ص: 207

التنبيه إلى فرد مغفول عنه ، فيكون المراد إفادة صحّة التيمّم بالغبار ؛ لئلاّ يتوهّم أ نّه مع إصابة الثلج فاقد للمتيمّم به ، لا لإفادة الترتيب .

ويؤيّده بل يدلّ عليه : أ نّه لو كان بصدد إفادة الترتيب ، كان عليه أن يقول : «إن لم يجد التراب» فإنّه مع إصابة الثلج ، يمكن له تحصيل التراب والأرض اليابسة نوعاً ؛ من غير حرج رافع للتكليف ، خصوصاً في المناطق الباردة التي تكون الأرض تحت الثلج يابسة ؛ لمنع البرودة من ذوبان الثلج وصيرورتها مبتلّة ، فضلاً عن صيرورتها وَحِلة .

مع أنّ التيمّم بالأرض الندية جائز يدّعى عليه اتّفاق الأصحاب(1) ، ولا يصير تحت الثلج طيناً أو وَحَلاً إلاّ في أوقات خاصّة ، فتجويز التيمّم بالمذكورات مع إصابة الثلج مطلقاً ، دليل على كونه بها مصداقاً اختيارياً .

وكون إصابة الثلج كناية عن عدم وجدان التراب والأرض ، خلاف الظاهر ، مع وجدانهما نوعاً ، فلا يبعد أن يكون التعليق على إصابته ؛ للتنبيه على أ نّه لا يلزم مع إصابته أن يتكلّف برفعه من الأرض ويتيمّم بما تحته ، بل يجوز التيمّم بغبار الثوب ونحوه ؛ فإنّ المكلّف المأمور بالتيمّم إذا أصابه الثلج ، يرى نفسه مكلّفاً وملزماً بتحصيل التراب والأرض - برفع الثلج وسائر الموانع - والتيمّم بها ، فيمكن أن يراد بذلك دفع توهّم لزومه ، لا إفادة الترتيب .

ويؤيّد ما ذكرناه -

من احتمال كون التعليق للإرشاد إلى مصداق آخر اختياري مغفول عنه - صحيحة رِفاعة ؛ حيث أردف فيها قوله : «فإن كان في ثلج» بقوله : «إذا كانت الأرض مبتلّة ليس فيها تراب ولا ماء ، فانظر أجفّ

ص: 208


1- تذكرة الفقهاء 2 : 181 .

موضع تجده فتيمّم منه» فإنّه لا يراد منه الترتيب بين أجفّ موضع من الأرض وبين التراب ، كما عليه الفقهاء ، فيكون المراد دفعَ توهّم عدم جواز التيمّم بالأرض المبتلّة ، والإرشادَ إلى مصداق آخر ممّا يصحّ التيمّم به اختياراً ، فيمكن الاستئناس به للفرض الثاني .

ويمكن الاستدلال عليه برواية ابن المغيرة قال : «إن كانت الأرض مبتلّة ليس فيها تراب ولا ماء ، فانظر أجفّ موضع تجده فتيمّم من غباره أو شيء مغبّر ، وإن كان في حال لا يجد إلاّ الطين فلا بأس أن يتيمّم به»(1) .

فإنّ الظاهر من عطف «شيء مغبّر» ب- «أو» أ نّه مع فقد التراب والماء في عَرْض الموضع الأجفّ ، فمع البناء على أنّ الأرض الندية في عرض التراب ، ويجوز التيمّم بها اختياراً ، يتمّ المطلوب . إلاّ أنّ المظنون حصول تقطيع في تلك الرواية ؛ وأنّ أصلها هي صحيحة رِفاعة(2) المنقولة بتوسّط ابن المغيرة ، مع أ نّها مقطوعة غير منسوبة إلى المعصوم ، ولعلّه فتواه .

والإنصاف : أ نّه لولا مخافة مخالفة الأصحاب ، وعدم ثبوت مخالف في المسألة حتّى السيّد كما عرفت(3) ، لكان الجواز اختياراً غير بعيد ، لكن بعد تسليم المسألة بينهم ، وبعد ظهور الآية الكريمة في تعيّن التيمّم بالصعيد(4) ، وبعد

ص: 209


1- الكافي 3 : 66 / 4 ؛ وسائل الشيعة 3 : 356 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 9 ، الحديث 10 .
2- تقدّمت في الصفحة 203 .
3- تقدّم في الصفحة 205 .
4- النساء (4) : 43 ؛ المائدة (5) : 6 .

ظهور الأخبار الكثيرة التي جملة منها ظاهرة في حصر المتيمّم به بالأرض(1) ، يمكن دعوى : أنّ التجويز بالغبار من جهة أ نّه ميسور الأرض ؛ لكونه أثرها ، ولهذا ترى أنّ ما دلّت على تجويزه به إنّما هي في موارد خاصّة ، كالمُواقِف غير القادر على النزول ، والمصاب بالثلج ، والخائف من سبع وغيره(2) ، وليس في الروايات العامّة إلاّ التيمّم بالأرض والصعيد والتراب ، فلو كان في حال الاختيار جائزاً ، لكان في تلك الروايات الكثيرة - خصوصاً ما وردت في مقام الامتنان - ذكرٌ منه ، فيحصل الاطمئنان بما عليه المشهور .

مع إمكان أن يقال : إنّ ما أنكرنا من دلالة الروايات على الترتيب ، مناقشات

عقلية بعيدة عن الأذهان العرفية ، والعرف يفهم منها - مع خلوّ نفسه عن المناقشات العقلية - الترتيب ، ويشهد به فهم الفقهاء وأرباب اللسان .

وبالجملة : الظاهر من الروايات عرفاً - بعد تعليق الجواز على اُمور عذرية

- أنّ التيمّم به متأخّر عن التيمّم بالصعيد الذي هو التكليف الأوّلي كتاباً وسنّة ، ولا ينقدح في الذهن كونها في مقام بيان توسعة المصداق الاختياري ، فالقول المشهور - مع كونه أحوط - هو الأقوى .

في اعتبار محسوسية الغبار

ومنها : أ نّه لا إشكال في اعتبار كون الغبار محسوساً على ذي الغبار ؛ بحيث يرى ظاهره مغبّراً ، ولا يكفي ضرب اليد على ما يكون الغبار كامناً فيه وإن أثار

ص: 210


1- راجع وسائل الشيعة 3 : 349 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 7 .
2- راجع وسائل الشيعة 3 : 353 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 9 .

الغبار منه بالضرب عليه ؛ لعدم صدق «التيمّم بالغبار» كما اُمر به في موثّقة زرارة وصحيحة رِفاعة(1) ومقتضى ظاهر صحيحة أبي بصير ، قال فيها : «إذا لم يكن معك ثوب جافّ أو لِبْد تقدر أن تنفضه وتتيمّم به»(2) فإنّ الظاهر أنّ النفض لأن يظهر غباره على ظاهره ؛ لعدم وجود ثوب أو لِبْد يمكن أن ينفض منه مقدار من الغبار يصحّ التيمّم به اختياراً ، فحمل الاشتراط عليه مرجعه إلى اشتراط لغو غير محقّق المصداق ، فلا يفهم من قوله ذلك إلاّ النفض لظهور الغبار ؛ ولو لأجل نُدرة المصداق الاختياري أو فقدانه .

ودعوى صدق «التيمّم على الغبار» إذا ضرب يده على ذي غبار كامن فأثار منه(3) ، في غير محلّها ؛ ضرورة أنّ الظاهر من الأمر بالتيمّم على الغبار ، أن يضرب يده عليه ، ومع عدم كون ظاهره مغبّراً لا يقع الضرب عليه ، بل يقع على الثوب ، وبعده يظهر الغبار ، نظير ما فرض من الضرب على غير الأرض ، فصار بالضرب أرضاً ، فصيرورة الشيء بعد الضرب ممّا يصحّ التيمّم به لا يوجب صدق التيمّم به ، وهو ظاهر .

وعليها يحمل التعليل في صحيحة زرارة(4) ؛ إن لم يكن بنفسه ظاهراً في كون ظاهرها مغبّراً . كما أ نّه عليها يحمل إطلاق رواية زرارة(5) الضعيفة

ص: 211


1- تقدّمتا في الصفحة 203 .
2- تقدّم في الصفحة 204 .
3- جواهر الكلام 5 : 147 .
4- تقدّمت في الصفحة 203 .
5- يأتي في الصفحة 217 .

بأحمد بن هلال(1) . مع أنّ ارتكازية كون الغبار ميسور الصعيد ، لا يبعد أن تمنع من إطلاقها . مضافاً إلى أنّ إطلاقها يقتضي الجواز ولو لم يكن في اللِبْد غبار كامن ، وهو كما ترى .

وكيف كان : لا إشكال في المسألة ، ولا تحتاج إلى طول البحث .

كما لا إشكال في لزوم كون الغبار ممّا يصحّ التيمّم به ، فلا يصحّ بغبار الدقيق والاُشنان ؛ لانصراف الأدلّة وارتكازية كون الغبار ميسور الأرض وأثرها ، فلا ينبغي الخلاف والإشكال فيه .

ومقتضى إطلاق الأدلّة عدم الفرق بين مراتب ذي الغبار ، وأكثريته لا توجب التعيين بعد اشتراك الكلّ في عدم صدق «الأرض» عليه وصدق «الغبار» والاحتياط حسن على كلّ حال .

ص: 212


1- رجال النجاشي : 83 / 199 ؛ الفهرست ، الطوسي : 83 / 45 .
الأمر التاسع في جواز التيمّم بالطين
اشارة

لا إشكال نصّاً (1) وفتوى(2) في جواز التيمّم بالطين إجمالاً ، وإنّما الإشكال في أمرين :

أحدهما : في أنّ مقتضى الأدلّة العامّة والخاصّة هل هو جواز التيمّم به اختياراً ، أو هو مترتّب على مطلق وجه الأرض ومصداق اضطراري للمتيمّم به ؟

وثانيهما : أنّ مقتضاها هل هو تقدّمه على الغبار أو تأخّره ؟

ولنبحث عنهما مع قطع النظر عن فتاوى الأصحاب .

مقتضى الأدلّة العامّة

فنقول : مقتضى ظاهر الكتاب(3) والنصوص الآمرة بالتيمّم بالصعيد والأرض(4) ، جواز التيمّم بما يصدق عليه عنوانهما ، ولا ريب في أنّ الطين إذا كان غليظاً غير رقيق يصدق عليه «الأرض» وإن لم يصدق عليه «التراب» فالطين المتماسك الذي غلبت أجزاء أرضيته على مائيته ، أرض وصعيد ؛ بناءً

ص: 213


1- وسائل الشيعة 3 : 353 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 9 .
2- المقنع : 27 ؛ المقنعة : 59 ؛ النهاية : 49 ؛ المعتبر 1 : 377 .
3- راجع النساء (4) : 43 ؛ المائدة (5) : 6 .
4- وسائل الشيعة 3 : 349 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 7 .

على ما تقدّم من كونه مطلق الأرض(1) ، ومجرّد خروجه عن صدق «التراب» لا يوجب خروجه عن «الأرض» فاللَبِنة قبل جفافها وبعده أرض ، وليست بتراب حتّى بعد الجفاف ، كما أنّ الأواني المصنوعة من الطين قبل جفافها وبعده أرض ، وليست بتراب .

نعم ، قد يكون رقيقاً بحيث يخرج عن صدق «الأرض» عليه ، أو يشكّ فيه ، كالوحل ، فإنّ في بعض مراتبه لا يصدق عليه «الأرض» ويشكّ فيه في بعضها . ولعلّ الطين أعمّ من الوحل .

ويشهد لما ذكرنا - من صدق «الأرض» على الطين - موثّقة عمّار ، عن أبي عبداللّه علیه السلام قال : سألته عن حدّ الطين الذي لا يُسجد عليه ، ما هو ؟ فقال : «إذا غرقت الجبهة ولم تثبت على الأرض»(2) .

فإنّ الظاهر منها جواز السجدة على الطين الغليظ المتماسك؛ بحيث تستقرّ الجبهة عليه ، ولا شبهة في أنّ جوازها لأجل كونه أرضاً . بل لا يبعد دعوى استفادة كون ما تغرق الجبهة فيه أرضاً منها ؛ لجعل المانع منها عدم الاستقرار ، لا عدم الأرضية .

وكيف كان : لا شبهة في دلالتها على أرضية الطين الذي تستقرّ عليه الجبهة لتماسكه .

وتدلّ عليه رواية زرارة ، عن أحدهما علیهما السلام قال : قلت : رجل دخل الأجَمة

ص: 214


1- تقدّم في الصفحة 168 .
2- الكافي 3 : 390 / 13 ؛ تهذيب الأحكام 2 : 312 / 1267 ، و : 376 / 1562 ؛ وسائل الشيعة 5 : 143 ، كتاب الصلاة ، أبواب مكان المصلّي ، الباب 15 ، الحديث 9 .

ليس فيها ماء ، وفيها طين ، ما يصنع ؟ قال : «يتيمّم ؛ فإنّه الصعيد»(1) .

نعم ، ربّما يشعر قوله في مرسلة علي بن مطر : «صعيد طيّب وماء طهور»(2) بخلاف ذلك ، لكنّ الظاهر منها أيضاً جواز التيمّم به لكونه صعيداً . وأمّا قوله : «وماء طهور» فلا بدّ من رفع اليد عن ظاهره؛ لعدم صدق «الماء» عليه بالبداهة ، فلعلّ المراد أ نّه صعيد طيّب فيه ماء طهور لا يمنع عن التيمّم به ، تأمّل .

وكيف كان : بناءً على صدق «الأرض» على الطين ببعض مراتبه ، يجوز التيمّم به اختياراً ولو كان بحيث تتلطّخ اليد بالضرب عليه ؛ لظاهر الكتاب والسنّة ، فلا بدّ من قيام دليل على عدم الجواز يقيّد إطلاقهما ، وهذا بخلاف الغبار

والوحل الذي لا يصدق عليه «الأرض» فلا بدّ فيهما من قيام الدليل على صحّته .

ويظهر ممّا ذكر تقدّم التيمّم بالطين على التيمّم بالغبار بمقتضى الكتاب والسنّة ؛ للصدق في الأوّل دون الثاني .

هذا حال الأدلّة العامّة .

مقتضى الأدلّة الخاصّة

وأمّا الأدلّة الخاصّة ، فقد استدلّ(3) على تأخّر الطين عن الغبار - فضلاً عن الأرض - بروايات ، كموثّقة زرارة ، عن أبي جعفر علیه السلام قال : «إن كان أصابه الثلج

فلينظر لِبْد سرجه فليتيمّم من غباره أو من شيء معه ، وإن كان في حال

ص: 215


1- يأتي متنه الكامل في الصفحة 217 - 218 .
2- تهذيب الأحكام 1 : 190 / 549 ؛ وسائل الشيعة 3 : 354 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 9 ، الحديث 6 .
3- مصباح الفقيه ، الطهارة 6 : 210 .

لا يجد إلاّ الطين فلا بأس أن يتيمّم منه»(1) وقريب منها صحيحة رِفاعة(2) .

وأمّا ما جعلها في «الوسائل» رواية اُخرى عن زرارة ، عن أبي جعفر علیه السلام

- وهي الرواية الثالثة من الباب(3) - فالظاهر أ نّها قطعة من الرواية المتقدّمة ، لا رواية مستقلّة .

ووجه الاستدلال بهذه الروايات قوله : «وإن كان في حال . . .» إلى آخره ؛ حيث علّق فيها جواز التيمّم بالطين على عدم شيء يتيمّم به ؛ ولو مثل اللِبْد والثوب ، ومقتضاه تأخّر رتبته عنه .

وفيه : أنّ الظاهر من قوله : «إن كان أصابه الثلج» - بعد عدم جواز الأخذ بإطلاقه ، كما مرّ في المسألة السابقة(4) - هو كونه بحيث يتعذّر أو يتعسّر التيمّم معه بالأرض ؛ أي لا يمكن رفع الثلج والتيمّم بها ، فيكون عدم إمكان التيمّم بالأرض ولو كانت طيناً ، مفروضاً في الروايات ، فكأ نّه قال : «مع عدم المصداق الاختياري يتيمّم بالاضطراري» وهو الغبار الذي مرّ أ نّه ليس بأرض(5) ، فحينئذٍ لا يجوز حمل قوله : «وإن كان في حال لا يجد إلاّ الطين . . .» إلى آخره ، على تعليق التيمّم به على عدم الغبار ، بل هو محمول على فقدان الأرض غير الطين .

ص: 216


1- تقدّمت في الصفحة 203 .
2- تقدّمت في الصفحة 203 .
3- وسائل الشيعة 3 : 353 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 9 ، الحديث 3 .
4- تقدّم في الصفحة 207 - 208 .
5- تقدّم في الصفحة 206 .

بل بعد صدق «الأرض» على الطين عرفاً ، لا ينقدح في الذهن تأخّره عن الغبار الذي هو فرد اضطراري وليس بأرض ، فيوجب ذلك ظهوراً فيما ذكرنا لو نوقش في ظهوره ذاتاً في ذلك . مع أنّ المناقشة في غير محلّها ظاهراً .

نعم ، لو كان قوله : «إن كان أصابه الثلج» كناية عن فقدان الأرض غير الطين ، لكان لما ذكر وجه . لكن لو كان المراد ذلك لكان ذكر المطر أولى ، فذكر الثلج خصوصاً في تلك الآفاق التي لا ينزل فيها الثلج ، وترك المطر الذي هو أولى بالذكر - لكثرة الابتلاء به وأسرعيته في تطيين الأرض - دليل على أنّ له دخالةً في الحكم ، وللإمام علیه السلام عنايةً في ذكره ، وليس فيه ما يوجب الخصوصية إلاّ

حيلولته عن الوصول إلى وجه الأرض ، فكأ نّه قال : «إذا لم يمكن التيمّم بالأرض لإصابة الثلج وحيلولته ، يتيمّم بالغبار ، وإن أمكنه لكن لا يجد إلاّ الطين ، فلا بأس بالتيمّم به» فتدلّ على تقدّم الطين على الغبار .

وأمّا تقدّم الأرض الجافّة على الطين ، فمبنيّ على أنّ مفهوم «لا بأس» البأس بمعنى الممنوعية ، وأمّا إذا كان المراد التنزيه - خصوصاً في مثل التيمّم بالطين ممّا يوجب تلطّخ اليد والوجه ، وربّما ينافي النظافة المطلوبة - فلا ، ومع احتماله وعدم ظهوره في الأوّل ، لا يمكن رفع اليد عن إطلاق الأدلّة بها .

أدلّة تقدّم الطين على الغبار

وتدلّ على تقدّم الطين على الغبار وعرْضيته مع الأرض ، روايةُ زرارة ، عن أحدهما علیهما السلام قال : قلت : رجل دخل الأجَمة ليس فيها ماء ، وفيها طين ، ما يصنع ؟ قال : «يتيمّم ؛ فإنّه الصعيد» .

ص: 217

قلت : فإنّه راكب ولا يمكنه النزول من خوف ، وليس هو على وضوء ، قال : «إذا خاف على نفسه من سبع أو غيره وخاف فوت الوقت فليتيمّم ؛ يضرب بيده على اللِبْد والبَرْذَعة ويتيمّم ويصلّي»(1) .

فقوله : «فإنّه الصعيد» إشارة إلى جواز التيمّم به اختياراً ؛ لكونه الصعيد الذي أمر اللّه تعالى بالتيمّم منه ، ولا ريب في أنّ قوله : «فإنّه راكب» ظاهر في أنّ الداخل على الأجمة الكذائية راكب ، ويخاف على نفسه أن ينزل ؛ لكونها مأوى الأسد ، والحمل على سؤال مستأنف(2) خلاف الظاهر جدّاً ، فحينئذٍ تدلّ على تقدّم الطين على الغبار .

ويدلّ عليه أيضاً إطلاق مرسلة علي بن مطر ، عن بعض أصحابنا قال : سألت الرضا علیه السلام عن الرجل لا يصيب الماء ولا التراب ، أيتيمّم بالطين ؟ قال : «نعم ؛

صعيد طيّب وماء طهور»(3) .

والظاهر من قوله : «صعيد . . .» إلى آخره أ نّه فرد اختياري لا منع من التيمّم به ، والماء الذي فيه لا مانع منه .

أمّا صحيحة أبي بصير ، عن أبي عبداللّه علیه السلام قال : «إذا كنت في حال لا تقدر إلاّ على الطين فتيمّم به ؛ فإنّ اللّه أولى بالعذر إذا لم يكن معك ثوب جافّ أو

ص: 218


1- تهذيب الأحكام 1 : 190 / 547 ؛ وسائل الشيعة 3 : 354 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 9 ، الحديث 5 .
2- مصباح الفقيه ، الطهارة 6 : 212 .
3- تهذيب الأحكام 1 : 190 / 549 ؛ وسائل الشيعة 3 : 354 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 9 ، الحديث 6 .

لِبْد تقدر أن تنفضه وتتيمّم به»(1) .

فمع قطع النظر عن سائر الروايات ، ظاهرة في أنّ الطين فرد اضطراري عذري متأخّر عن الأفراد الاختيارية ، وعن غبار الثوب أو اللِبْد الذي هو فرد اضطراري أيضاً .

لكن لا يبعد أن يكون التصرّفُ فيها - بحمل القدرة على النفض على ما إذا حصل به مقدار من التراب يمكن إيجاد الفرد الاختياري معه ، خصوصاً مع قوله : «إذا لم يكن معك . . .» إلى آخره عقيب قوله : «فإنّ اللّه أولى بالعذر» فإنّ ظاهره أنّ الطين مصداق عذري ، دون التيمّم بما نفض فإنّه مصداق غير عذري - أهونَ من التصرّف في سائر الأدلّة ، كقوله : «فإنّه صعيد» خصوصاً مع بُعد تقديم ما ليس بصعيد على الصعيد . نعم ظاهرها أنّ التراب مقدّم على الطين .

هذا كلّه إذا اُريد ب- «الطين» في جميع الروايات معنى واحد .

لكن يمكن الجمع بينها بوجه آخر : وهو حمل ما دلّ على جوازه اختياراً على الطين الذي يصدق عليه «أ نّه صعيد» بقرينة قوله في رواية زرارة : «إنّه الصعيد» وحمل صحيحة أبي بصير على الوحل الذي يكون مصداقاً عذرياً ؛ بقرينة قوله : «إنّ اللّه أولى بالعذر» لعدم تناسبه مع الطين الصادق عليه «الصعيد» خصوصاً مع جعله في الصحيحة متأخّراً عن الغبار الذي لا تصدق عليه «الأرض» بلا إشكال .

وإن شئت قلت : إنّ إطلاق صدرها وإن يقتضي كون المراد ب- «الطين» أعمّ من

ص: 219


1- الكافي 3 : 67 / 1 ؛ وسائل الشيعة 3 : 354 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 9 ، الحديث 7 .

الوحل ، ويمكن جعل قوله : «إنّ اللّه أولى بالعذر» دليلاً على أنّ مطلق الطين فرد اضطراري ، لكن كون التعليل بأمر ارتكازي - وهو أ نّه مع عدم إمكان الصعيد والعذر منه ، يتيمّم بالطين - يمنع عن إطلاقه ، فيفهم منه أنّ المراد به ما لا يصدق

عليه «الأرض» أي الوحل ، خصوصاً مع بُعد تأخّر الأرض عن الغبار ، فيكون مقتضى الصحيحة تأخّر الوحل عن الغبار ، وهي تصير قرينة على سائر الروايات ، كموثّقة زرارة(1) وصحيحة رفاعة(2) ؛ ولو مع قطع النظر عن رواية زرارة ومرسلة ابن مطر .

فتحصّل ممّا ذكر : أنّ مقتضى الجمع المذكور جواز التيمّم بالطين الصادق عليه «الأرض» اختياراً ، وعند الاضطرار يقدّم الغبار على الوحل الذي هو خارج عن مسمّى «الأرض» حفظاً لظهور صحيحة أبي بصير .

النكتة في تعبير الفقهاء ب- «الوحل»

ولعلّ تعبيرات الفقهاء في المتون ب- «الوحل» للجمع المذكور ، مع تطابق النصوص جميعاً على ذكر «الطين» وكان المناسب تبعيتهم لها في التعبير ، كما هو بناؤهم في سائر الموارد غالباً ، خصوصاً قدماء أصحابنا ، فرفع اليد عمّا في النصوص بعنوان مغاير في الجملة للطين ، لا بدّ له من نكتة لا يبعد أن تكون ما ذكرناه من الجمع .

قال الشيخ في «النهاية» : «فإن كان في أرض وحلة لا تراب فيها ولا صخر ،

ص: 220


1- تقدّمت في الصفحة 203 .
2- تقدّمت في الصفحة 203 .

وكانت معه دابّة ، فلينفض عرفها أو لِبْد سرجها ويتيمّم بغبرته . فإن لم يكن معه دابّة وكان معه ثوب تيمّم منه . فإن لم يكن معه شيء من ذلك وضع يديه جميعاً على الوحل ، ويمسح إحداهما بالاُخرى ، وينفضهما حتّى يزول عنهما الوحل ، ثمّ يتيمّم ، ولا يجوز التيمّم بما لا يقع عليه اسم «الأرض» بالإطلاق سوى ما ذكرناه»(1) انتهى .

وهي - كماترى - تدلّ على أنّ الوحل بما أ نّه لا يصدق عليه عنوان «الأرض» لا يجوز التيمّم به ، فدلّت على أنّ اختصاصه بالذكر لأجل عدم صدقها عليه ، فذكر الوحل الذي هو الطين الرقيق ، وترك ما في النصوص وتعليله ذلك ، دليل على عناية به ، ولعلّها ما ذكرناه ، وإلاّ فلا وجه لرفع اليد عن النصوص بما يخالفها .

وقد عبّر ب- «الوحل» في «المراسم» و«الوسيلة» و«الشرائع» و«النافع» و«القواعد» و«التذكرة» و«المنتهى» قائلاً : «ولو لم يجد إلاّ الوحل يتيمّم به ، وهو

مذهب علمائنا»(2) وإن عبّر بالطين أيضاً في خلال المسائل ، لكن الظاهر من تلك العبارة أنّ التيمّم بالوحل مذهب علمائنا . وكذا عبّر به في «الإرشاد» و«الروض»(3) وعن «الدروس»(4) .

وفي «مفتاح الكرامة» في ذيل قول الماتن : «ولا بالوحل» قال : «أي لا يجوز

ص: 221


1- النهاية : 49 .
2- المراسم : 53 ؛ الوسيلة إلى نيل الفضيلة : 71 ؛ شرائع الإسلام 1 : 39 و40 ؛ المختصر النافع : 17 ؛ قواعد الأحكام 1 : 238 ؛ تذكرة الفقهاء 2 : 180 ؛ منتهى المطلب 3 : 68 .
3- إرشاد الأذهان 1 : 234 ؛ روض الجنان 1 : 326 .
4- الدروس الشرعية 1 : 130 .

التيمّم بالوحل اختياراً ، كما صرّح به المصنّف وغيره ، وفي «مجمع البرهان» عدم ظهور الخلاف فيه(1) . . .»(2) إلى آخر ما قال ، حيث يظهر منه أنّ معقد عدم ظهور

الخلاف عنوان «الوحل» .

ولا اعتماد على تفسير المتأخّرين المتونَ المشتملة على «الوحل» ب- «الطين» فإنّ الظاهر أنّ التفسير حسب اجتهادهم وعلى ما وجدوا النصوص كذلك ، قال في «مفتاح الكرامة» : «والوحل : هو الطين الرقيق ، كما نصّ عليه جماعة من الأصحاب(3) »(4) وهذا أيضاً دليل على عناية منهم بذكر الوحل مقابل الطين .

وكيف كان : لا ريب في أنّ تطابقهم على التعبير به ، ليس من باب الاتّفاق بلا عناية منهم بمعنى الوحل ، مع ما عرفت من حكاية تفسير جماعة منهم ب- «الطين الرقيق» ، ولا يمكن حمل كلامهم على أنّ المراد به الطين مع ما عرفت ، ومع تفسير أئمّة اللغة «الوحل» ب- «الطين الرقيق» . ففي «الصحاح» : «الوحل : الطين الرقيق»(5) وفي «القاموس» : «الوَحْل - ويحرّك - : الطين الرقيق ترتطم فيه الدوابّ»(6) فما في «مفتاح الكرامة» حكايةً عنه تفسيره ب- «الطين»(7) مخالف لما فيه .

ص: 222


1- مجمع الفائدة والبرهان 1 : 222 .
2- مفتاح الكرامة 4 : 383 .
3- جامع المقاصد 1 : 481 ؛ مدارك الأحكام 2 : 204 ؛ كشف اللثام 2 : 450 .
4- مفتاح الكرامة 4 : 387 .
5- الصحاح 5 : 1840 .
6- القاموس المحيط 4 : 65 .
7- مفتاح الكرامة 4 : 387 .

وفسّره في «المنجد» و«المجمع» ب- «الطين الرقيق»(1) وقد ذكر الفقهاء الموتحل والغريق في باب صلاة الخوف قرينين(2) ، والمراد به من غرق في الوحل ؛ وهو الطين الرقيق الذي يغرق الإنسان فيه .

ومع ما عرفت لا يمكن دعوى الشهرة أو الإجماع على تأخّر الطين الغليظ المتماسك الذي يصدق عليه «الأرض» عن الصعيد ، فضلاً عن تأخّره عن الغبار ، ولا أقلّ من الشكّ فيه ، ومعه لا يمكن رفع اليد عن إطلاق الكتاب والسنّة ومقتضى الجمع بين الأدلّة ؛ وإن عبّر بعضهم ب- «الطين» كالشيخ في «الخلاف»(3) .

بل ولو نوقش في ظهور الأدلّة فيما ذكرناه وفي اقتضاء الجمع المذكور ، فلا أقلّ من أنّ ما ذكرناه احتمال مساوٍ لما ذكروه ، ودعوى الظهور فيما قالوا ممنوعة ، فلا يجوز رفع اليد عن إطلاق الآية والروايات الصحاح ، إلاّ أن يمنع صدق «الأرض» على الطين بجميع مصاديقه ، أو يدّعى انصراف الأدلّة إلى غيره ، وهما ممنوعان مردودان إلى المدّعي .

كيفية التيمّم بالوحل

ثمّ إنّ مقتضى إطلاق الأدلّة أ نّه ليس للتيمّم بالوحل كيفية خاصّة ، بل كيفيته هي المعهودة المتداولة في التيمّم بالأرض . نعم لا مانع من فرك الطين

ص: 223


1- المنجد : 891 ؛ مجمع البحرين 5 : 490 .
2- المقنعة : 215 ؛ النهاية : 129 ؛ غنية النزوع 1 : 92 ؛ تحرير الأحكام 1 : 332 .
3- الخلاف 1 : 155 .

من اليد ، بل لا يبعد استحبابه إن قلنا باستحباب النفض ؛ بدعوى استفادته من

أدلّة النفض(1) .

ولعلّه مراد الشيخ المفيد رحمه الله علیه (2) كما أ نّه ظاهر شيخ الطائفة في عبارته المتقدّمة(3) ، حيث قال : «وضع يديه جميعاً على الوحل ، ويمسح إحداهما بالاُخرى ، وينفضهما حتّى يزول عنهما الوحل ، ثمّ يتيمّم» فما نسب إليه من مخالفته للأصحاب(4) ليس على ما ينبغي .

بل لا يبعد أن يكون ذلك أيضاً مراد صاحب «الوسيلة» قال : «فإن لم يكن معه شيء من ذلك ووجد وحلاً يتيمّم منه ، وضرب بيديه عليه ، وقد أطلق الشيوخ رحمه الله علیه ذلك على الإطلاق . والذي تحقّق لي منه أ نّه يلزمه أن يضرب يديه على الوحل قليلاً ، ويتركه عليها حتّى ييبس ، ثمّ ينفض عن اليد ويتيمّم به»(5) انتهى .

فإنّ الظاهر من تعليق جواز التيمّم بالوحل على عدم وجود شيء ممّا يتيمّم به أنّ التيمّم به بهذه الكيفية متأخّر عن سائر المراتب ، ولو كان مراده الحيلة إلى

تحصيل التراب والتيمّم به ، لم يكن وجه لذلك التعليق ؛ فإنّ التيمّم بالتراب جائز كان أصله الوحل أو لا . مع أنّ الظاهر منه أنّ كلامه في مقابل إطلاق الأصحاب

ص: 224


1- راجع وسائل الشيعة 3 : 359 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 3 و6 و7 ، والباب 12 ، الحديث 2 و4 .
2- المقنعة : 59 .
3- تقدّم في الصفحة 220 - 221 .
4- راجع مفتاح الكرامة 4 : 384 ؛ جواهر الكلام 5 : 148 .
5- الوسيلة إلى نيل الفضيلة : 71 .

في كيفية التيمّم لبيان لزوم النفض ، والظاهر رجوع الضمير في قوله : «ويتيمّم به» إلى الوحل ، لا إلى المنفوض ، تأمّل . وكيف كان فالمتّبع هو إطلاق الأدلّة .

ثمّ إنّ في لزوم تلك الحيلة أو مثلها لتحصيل التراب ، كلاماً ربّما يأتي في ذيل مسألة جواز التيمّم في سعة الوقت .

تتميم

في حكم التيمّم بالثلج

الظاهر انحصار ما يتيمّم به ولو اضطراراً بما ذكر ، ومع فقده يكون فاقد الطهورين . وحُكي عن ظاهر السيّد وابن جنيد وسلاّر التيمّم بالثلج(1) ، واستدلّ عليه(2) بصحيحة محمّد بن مسلم ، عن أبي عبداللّه علیه السلام قال : سألته عن رجل أجنب في سفر ، ولم يجد إلاّ الثلج أو ماءً جامداً ، قال : «هو بمنزلة الضرورة يتيمّم ، ولا أرى أن يعود إلى هذه الأرض التي توبق دينه»(3) .

بدعوى : أنّ الظاهر منها عدم وجدان شيء ممّا يتيمّم به اختياراً واضطراراً ،

فيكون الظاهر من قوله : «يتيمّم» أ نّه يتيمّم بالثلج .

ويشهد له قوله : «ولا أرى أن يعود . . .» إلى آخره ، فإنّ التراب أحد الطهورين ، ومعه لا يوبق دينه .

ص: 225


1- اُنظر المعتبر 1 : 377 - 378 ؛ المراسم : 53 .
2- اُنظر جواهر الكلام 5 : 149 - 150 ؛ مصباح الفقيه ، الطهارة 6 : 219 .
3- الكافي 3 : 67 / 1 ؛ وسائل الشيعة 3 : 355 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 9 ، الحديث 9 .

وفيه : أنّ الظاهر من قوله : «ولم يجد إلاّ الثلج أو ماءً جامداً» هو عدم وجدان الماء ، لا عدم وجدان الأرض ولا الطين ولا الغبار ، وقوله : «يتيمّم» في مقام الجواب ؛ أي إذا لم يجد ماءً وكان الماء جامداً يتيمّم ، وعدم ذكر ما يتيمّم به لأجل وضوحه بنصّ الكتاب والسنّة ، ولو كان المراد التيمّم بالثلج كان عليه التصريح . مع كونه مخالفاً لما ذكر ، وقد مرّ دلالة ذيلها على عدم جواز تحصيل الاضطرار عمداً والتيمّم بالتراب .

وقوله : «لا أرى أن يعود . . .» إلى آخره ؛ أي لا يعود إلى أرض لا يجد فيها ماءً للطهارة ، ومجرّد كون التراب أحد الطهورين ، لا يوجب جواز تحصيل الاضطرار ، كما مرّ في أوائل هذه الوجيزة(1) .

وأمّا التمسّك(2) بقاعدة الاحتياط والشغل ، وقوله : «الصلاة لا تترك بحال»(3) فهو كما ترى . مع حكومة «لا صلاة إلاّ بطهور»(4) على مثل «الصلاة لا تترك بحال» لو سلّم وروده . مع أ نّه لا يوجب طهورية ما ليس بطهور ، بل مقتضاه عدم سقوط الصلاة مع فقد الطهور ، لا جعل ما ليس بطهور طهوراً ، وسيأتي تتمّة لذلك في محلّه إن شاء اللّه (5) .

ص: 226


1- تقدّم في الصفحة 13 .
2- اُنظر جواهر الكلام 5 : 149 ؛ مصباح الفقيه ، الطهارة 6 : 219 .
3- لم نعثر على نصّ بهذا اللفظ ولكن ورد «لا تدع الصلاة على حال» . اُنظر وسائل الشيعة 2 : 373 ، كتاب الطهارة ، أبواب الاستحاضة ، الباب 1 ، الحديث 5 .
4- وسائل الشيعة 1 : 365 ، كتاب الطهارة ، أبواب الوضوء ، الباب 1 ، الحديث 1 و6 .
5- يأتي في الصفحة 389 .
حول كلام المفيد في التوضّي بالثلج مثل الدهن

وعن المفيد في «المقنعة» : «وإن كان قد غطّاها الثلج ، ولا سبيل إلى التراب ، فليكسره وليتوضّأ به مثل الدهن»(1) انتهى .

وفيه : أ نّه إن كان مراده ب- «التوضّي مثل الدهن» هو مسح الأعضاء بدل الغسل بدعوى : أ نّه ميسوره ؛ فإنّه عبارة عن إيصال الماء وإجرائه عليه ، ومع عدم إمكان ذلك لا يسقط ميسوره ؛ وهو إيصال رطوبة الماء وبلّته إلى العضو ومسحه به ، كما تشهد به رواية عبد الأعلى ، قال : قلت لأبي عبداللّه علیه السلام : عثرت

فانقطع ظفري ، فجعلت على إصبعي مرارة ، فكيف أصنع بالوضوء ؟ قال : «يعرف هذا وأشباهه من كتاب اللّه عزّ وجلّ ؛ قال اللّه تعالى : )مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ((2) امسح عليه»(3) .

فإذا كان المسح على المرارة ميسور المسح على البشرة - لانحلال المسح عليها إلى الإمرار ومماسّة الماسح للممسوح ، فإذا رفعت المماسّة للحرج بقي الإمرار على الملاصق بالعضو ؛ لارتكازية قاعدة «الميسور . . .» - يكون المقام كذلك جزماً .

فيرد عليه : - بعد الغضّ عن سند القاعدة ، وعدم ثبوت جبره ، وعدم ثبوت

ص: 227


1- اُنظر المعتبر 1 : 378 ؛ المقنعة : 59 .
2- الحجّ (22) : 78 .
3- الكافي 3 : 33 / 4 ؛ تهذيب الأحكام 1 : 363 / 1097 ؛ وسائل الشيعة 1 : 464 ، كتاب الطهارة ، أبواب الوضوء ، الباب 39 ، الحديث 5 .

كونها عقلائية يتّكل عليها العقلاء في اُمورهم - أنّ عنوان «المسح» مقابل بل

مباين للغسل ، ولا يكون ميسوره عرفاً ، ولا يعتني العرف بهذه التحليلات العقلية . مع أنّ الغسل بالماء لا ينحلّ إلى وصول الرطوبة التي ليست بماء ، بل أثره عرفاً ومغايرة له ذاتاً ، فلا مجال للتمسّك بالقاعدة في مثله .

وأمّا رواية عبدالأعلى وإن كانت موهمة لذلك ، لكن التأمّل فيها يدفع التوهّم ؛ فإنّ المفروض فيها حكمان ؛ أحدهما : عدم لزوم المسح على البشرة ، والثاني : لزوم المسح على المرارة ، وما يعرف من كتاب اللّه - أي آية عدم جعل الحرج التي تمسّك بها أبو عبداللّه علیه السلام - هو الحكم الأوّل ؛ ضرورة أنّ المستفاد منها ليس إلاّ عدم جعل التكاليف الحرجية ، وأمّا جعل البدل وبقاء الوضوء المركّب من المسح والغسل بعد تعذّر بعض أجزائه ، فلايكاد يستفاد ويعرف منها .

مضافاً إلى وضوح عدم كون المسح على المرارة ميسور المسح على البشرة ، فلو صحّ التقريب والتحليل المتقدّم لصحّ أن يقال : إنّ المسح على البشرة منحلّ إلى أصل المسح ، وكونه باليد ، وكونه على البشرة ، وكونه بأثر الماء المنحلّ إلى مطلق المائع والخصوصية ، فإذا تعذّر الجميع يجب المسح ولو بأثر مائع غير الماء على غير البشرة وبغير آلية اليد ، وهو كما ترى .

وبالجملة : إنّ المسح على الخرقة ليس ميسور المسح على الرجل ؛ ولو كانت الخرقة متّصلة وملصقة بها .

والظاهر أنّ استناده على الآية إنّما هو للحكم الأوّل ؛ أي عدم لزوم المسح على البشرة ، وقوله : «امسح عليه» - خصوصاً عقيب التمسّك بها - حكم تعبّدي آخر لا يمكن معرفته منها .

ص: 228

فتحصّل ممّا ذكر : أنّ التمسّك بالقاعدة لتبديل الغسل بالماء بالمسح بالثلج ، في غير محلّه .

وقد يتوهّم(1) دلالة طائفة من الروايات على جواز الاغتسال والتوضّي مسحاً بدل الغسل ، كصحيحة علي بن جعفر ورواية معاوية بن شريح وسيأتي حالها عن قريب .

وإن كان مراده من «التوضّي بمثل الدهن» الاكتفاء بأقلّ مراتب الغسل ، كما هو مقتضى الروايات في الوضوء .

فيرد عليه: أ نّه مع إمكان الوضوء به بلا حرج - كما هو كذلك في الوضوء نوعاً - فلا وجه لتأخّره عن التراب ، ومع حرجيته لا يجب ، ويكون فاقد الطهورين .

وقد يوجّه قوله : بأنّ التيمّم في موارد الحرج لمّا كان رخصة لا عزيمة ، يجوز تحمّل المشقّة بالوضوء والغسل مع حرجيتهما ، ويجوز تركهما والتيمّم . وجعَل ما ذكر وجه الجمع بين طائفة من الروايات - كروايتي محمّد بن مسلم ومعاوية بن شريح وصحيحتي علي بن جعفر - وبين صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة(2) ؛ بحمل ما عدا الأخيرة على جواز الوضوء والغسل مع حرجيتهما ، والأخيرة على جواز التيمّم وعدم تعيّنه(3) .

وقد تقدّم كون ما يرفع بدليل الحرج عزيمة لا رخصة بما لا مزيد عليه(4) .

ص: 229


1- مصباح الفقيه ، الطهارة 6 : 214 - 215 .
2- تقدّمت في الصفحة 225 .
3- مصباح الفقيه ، الطهارة 6 : 217 - 218 .
4- تقدّم في الصفحة 111 .

والأولى في المقام نقل الروايات حتّى يتّضح حال التوهّم المتقدّم - أي تبديل الغسل بالمسح - والدعوى المتقدّمة في توجيه كلام الشيخ المفيد رحمه الله علیه ، فعن

محمّد بن مسلم قال : سألت أبا عبداللّه علیه السلام عن الرجل يجنب في السفر لا يجد إلاّ الثلج ، قال : «يغتسل بالثلج أو ماء النهر»(1) .

وعن معاوية بن شريح قال : سأل رجل أبا عبداللّه علیه السلام وأنا عنده فقال : يصيبنا الدمَق والثلج ، ونريد أن نتوضّأ ، ولا نجد إلاّ ماءً جامداً ، فكيف أتوضّأ ، أدلك به

جلدي ؟ قال : «نعم»(2) .

وفي صحيح علي بن جعفر ، عن أخيه موسى بن جعفر علیه السلام قال : سألته عن الرجل الجنب أو على غير وضوء ، لا يكون معه ماء ، وهو يصيب ثلجاً وصعيداً ؛ أيّهما أفضل أيتيمّم ، أم يمسح بالثلج وجهه ؟ قال : «الثلج إذا بلّ رأسه وجسده أفضل ، فإن لم يقدر على أن يغتسل به فليتيمّم»(3) وقريب منها روايته الاُخرى(4) .

وقد يتوهّم منها -

خصوصاً من رواية معاوية - وجوب المسح بالثلج في

ص: 230


1- تهذيب الأحكام 1 : 191 / 550 ؛ وسائل الشيعة 3 : 356 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 10 ، الحديث 1 .
2- تهذيب الأحكام 1 : 191 / 552 ؛ وسائل الشيعة 3 : 357 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 10 ، الحديث 2 .
3- تهذيب الأحكام 1 : 192 / 554 ؛ وسائل الشيعة 3 : 357 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 10 ، الحديث 3 .
4- قرب الإسناد : 181 / 668 ؛ وسائل الشيعة 3 : 357 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 10 ، الحديث 4 .

صورة فقدان الماء وعدم إمكان الغسل .

وفيه ما لا يخفى ؛ أمّا قوله في رواية ابن مسلم : «يغتسل بالثلج أو ماء النهر» فهو ظاهر في أنّ الاغتسال بهما سواء ، وهو خلاف المطلوب . مضافاً إلى أنّ مسح الثلج بالبشرة غير الاغتسال به بالبداهة .

والظاهر أنّ مراده من «الاغتسال به» هو دلكه على الجسد بنحو يحصل به أقلّ مراتب الغسل ، وقد تقدّم في باب الوضوء والغسل : أنّ المعتبر في ماهيتهما ليس إلاّ أقلّ مراتب الجريان ولو بإعانة اليد ، وليس الغسل فيهما كالغسل من القذارات ، كما هو المصرّح به في الروايات(1) .

وبالجملة : إنّ المتفاهم من هذه الرواية اعتبار تحقّق عنوان «الغسل» وهو موقوف على إجراء ماء الثلج على البشرة في الجملة ؛ ولو بالدلك وإعانة حرارة البدن .

وأمّا رواية ابن شريح فليست في مقام بيان كفاية المسح عن الغسل ، بل بعد فرض إرادة الوضوء المعهود بين المسلمين المصرّح به في الكتاب والسنّة - وهو الغسلتان والمسحتان - سأل عن نحو تحصيله بنحو دلك الماء الجامد على العضو ، فالسؤال عمّا يتوضّأ به ، لا عن تبديل الوضوء بغيره ، كما لا يخفى على المتأمّل . ولعلّ احتمال اعتبار كون ما يتوضّأ به قبل الغسل به ماءً مطلقاً ،

أو احتمال لزوم إجراء الماء على العضو كإجرائه في باب غسل القذارات ، صار منشأً لسؤاله .

ص: 231


1- راجع وسائل الشيعة 1 : 484 ، كتاب الطهارة ، أبواب الوضوء ، الباب 52 .

وأمّا صحيحة علي بن جعفر فلولا ذيلها لكانت ظاهرة فيما يتوهّم ، على تأمّل فيه ناشئ من أنّ ارتكازية اعتبار الغسل في ماهية الاغتسال تمنع عن ظهور قوله : «إذا بلّ رأسه وجسده» في الرطوبة التي لا يحصل منها أقلّ مراتب الغسل . لكن صراحة قوله : «فإن لم يقدر أن يغتسل به فليتيمّم» رافعة للتوهّم والإجمال على فرضه . بل هو حاكم على الظهور البدوي للصدر لو سلّم ذلك .

هذا حال التوهّم المتقدّم .

وأمّا الدعوى المتقدّمة ، فصحّتها مبنيّة على أن يكون الموضوع في تلك الروايات ، فرض حرجية الوضوء والغسل ، فيقال : إنّ تجويزهما مع فرضها دليل على كون السقوط رخصة لا عزيمة ، فيحمل الأمر بالتيمّم في صحيحة ابن مسلم عليه ، فيكون ذلك طريق جمع بين الروايات .

وفيه : منع كونها في مقام بيان حال حرجيتهما ، بل هي في مقام بيان حكم آخر ، بخلاف صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة .

أمّا رواية ابن مسلم وإن كان ظاهر صدرها ، السؤال عن تكليفه عند عدم وجدان غير الثلج ، فيكون مطابقاً لصحيحته في ذلك ، لكن الظاهر من الجواب ، بيان كون الاغتسال بالثلج وبماء النهر سواء ، فهو في مقام بيان صحّة الاغتسال به كالاغتسال بماء النهر ، وأمّا لزومه أو جوازه فلا يفهم منه ؛ لعدم كونه من هذه الجهة في مقام البيان ، فهو كقوله ابتداءً : «إنّ الوضوء بالثلج كالوضوء بماء النهر» لا يدلّ إلاّ على التسوية بينهما ، وأمّا مع حرجيته فيجوز أو يجب فلا يستفاد من مثله .

مع أ نّه على فرض تسليم شموله لحال الحرج ، يكون إطلاقاً يجب تقييده

ص: 232

بأدلّة الحرج الحاكمة على المطلقات . ودعوى كون المفروض حرجية الاغتسال ممنوعة .

وأمّا رواية ابن شريح ، ففي مقام بيان جواز الوضوء بدلك الثلج على العضو ، ولا إشعار فيها بفرض الحرج ، كما لا يخفى . مع أنّ الوضوء بالثلج ليس حرجياً نوعاً . وكيف كان لا يمكن الاتّكال عليها للمدّعى .

كما أنّ صحيحة علي بن جعفر أيضاً تكون في مقام بيان حكم آخر ؛ وهو أفضلية التيمّم أو المسح بالثلج ، فلا يكون المفروض فيها حرجياً . والاستدلال بقوله : «أفضل» الظاهر في كون التيمّم أيضاً جائزاً ولو كان مفضولاً ، وإن لا يخلو من وجه ، لكن مع قرب احتمال أنّ ذكره لأجل وجوده في السؤال ، لا لأجل عناية بصحّة التيمّم في الفرض - ولهذا قال في ذيلها : «فإن لم يقدر أن يغتسل به فليتيمّم» الظاهر في أنّ التيمّم إنّما هو مشروع مع عدم القدرة ، كما هو المرتكز في الأذهان والمستفاد من الكتاب والسنّة ، كما تقدّم(1) - لا يفهم منه ما يدّعى ، وليس «الأفضل» في هذه الرواية إلاّ كقوله في صحيحة ابن سنان الواردة في خوف العطش : «فإنّ الصعيد أحبّ إليّ»(2) وكقوله في رواية ابن أبي يعفور مع فرض كون الماء بقدر شربه : «يتيمّم أفضل»(3) .

ص: 233


1- تقدّم في الصفحة 14 - 17 .
2- الكافي 3 : 65 / 1 ؛ تهذيب الأحكام 1 : 404 / 1267 ؛ وسائل الشيعة 3 : 388 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 25 ، الحديث 1 .
3- الكافي 3 : 65 / 2 ؛ وسائل الشيعة 3 : 389 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 25 ، الحديث 4 .

والإنصاف : أ نّه لا يمكن رفع اليد عمّا تقدّم(1) من ضروب الاستدلال - كتاباً ورواية - على كون السقوط في مورد الحرج عزيمة بمثل هذا الإشعار الضعيف .

وبما ذكرنا يرفع التضادّ والمعارضة - المتوهّمان بين تلك الروايات ، وبين صحيحة محمّد بن مسلم الظاهرة في أنّ موردها حرجية الغسل - بوجوه ، فتدبّر .

ص: 234


1- تقدّم في الصفحة 111 .

المبحث الثالث: في كيفية التيمّم

اشارة

وإن كان الترتيب يقتضي أن يذكر أوّلاً ما له دخل في ماهية التيمّم من الأجزاء المقوّمة لها، ثمّ تُذكر شروطها وما هي خارجة عن حقيقتها ، لكن وقع خلاف الترتيب ؛ تبعاً لبعض المتون(1) ،والأمر سهل . وكيف كان :

يعتبر في التيمّم اُمور :

1 - وهو الشرائع كما صرّح قدّس سرّه به في الجزء الأوّل من كتاب الطهارة : 343 ، اُنظر شرائع الإسلام 1 : 40 .

ص: 235

ص: 236

الأمر الأوّل: في اعتبار النيّة
اشارة

وقد فرغنا من المباحث المتعلّقة بها في مبحث الوضوء(1) ، ونتعرّض في المقام لبعض المباحث المتعلّقة بخصوص التيمّم :

عدم لزوم قصد البدلية

منها : إنّ مقتضى ما حقّق في محلّه من أصالة التوصّلية في الأوامر - إمّا للإطلاق اللفظي ؛ لجواز أخذ جميع القيود حتّى ما تأتي من قِبل الأوامر في متعلّقاتها ، كما هو التحقيق(2) ، وإمّا للإطلاق المقامي ؛ بعد كونِ بيان جميع القيود الدخيلة في المتعلّقات المؤثّرة في حصول الغرض ، من وظائف المولى ، وإمكان بيانها بدليل منفصل(3) - عدم وجوب شيء في التيمّم سوى الضرب والمسحات المأخوذة في الأدلّة كتاباً وسنّة .

ص: 237


1- الطهارة (تقريرات الإمام الخميني قدس سره) الفاضل اللنكراني : 347 .
2- راجع مناهج الوصول 1 : 216 .
3- أجود التقريرات 1 : 175 .

ولا إشكال في إطلاق طائفة من الروايات ، كموثّقة زرارة ، عن أبي جعفر في التيمّم قال : «تضرب بكفّيك الأرض ، ثمّ تنفضهما وتمسح بهما وجهك ويديك»(1) وق-ريب منها صحيحة المرادي(2) ، وكبعض ما وردت في قضيّة عمّار بن ياسر(3) وغيرها (4) .

بل الظاهر إطلاق الآية الكريمة(5) أيضاً ، كما يشهد به بعض ما ورد من تمسّك المعصوم بالخصوصيات المأخوذة فيها (6) ممّا لا مجال له إلاّ للإطلاق .

لكن يجب الخروج عن مقتضى الإطلاقات بقيام الإجماع - بل الضرورة - على عبادية التيمّم ولزوم النيّة والإخلاص فيه . وقد مرّ في بعض المباحث السالفة(7) وفي بحث الاُصول : أنّ مناط عبادية الطهارات الثلاث ، ليس الأوامر الغيرية من غاياتها ولو قلنا بوجوب المقدّمة . مع بطلانه أيضاً ؛ وأنّ عباديتها في رتبة سابقة على تعلّقها بالفرض(8) .

ص: 238


1- تهذيب الأحكام 1 : 212/ 615 ؛ وسائل الشيعة 3 : 360 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 7 .
2- تهذيب الأحكام 1 : 209 / 608 ؛ وسائل الشيعة 3 : 361 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 12 ، الحديث 2 .
3- دعائم الإسلام 1 : 120 ؛ تفسير العيّاشي 1 : 244 / 145 ؛ مستدرك الوسائل 2 : 536 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 9 ، الحديث 2 و 4 ، وقد تقدّم في الصفحة 173 أيضاً .
4- راجع وسائل الشيعة 3 : 361 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 12 ، الحديث 3 .
5- النساء (4) : 43 ؛ المائدة (5) : 6 .
6- راجع وسائل الشيعة 3 : 364 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 13 ، الحديث 1 .
7- تقدّم في الصفحة 11 .
8- مناهج الوصول 1 : 316 .

وكيف كان : لا شبهة في اعتبار النيّة في التيمّم ، وقد تظافرت دعوى الإجماع

عليه ، كما عن «الغنية» و«نهاية الإحكام» و«الذكرى» و«إرشاد الجعفرية» و«المدارك» و«كشف اللثام»(1) بل عن «المعتبر» و«التذكرة» و«جامع المقاصد» و«روض الجنان» إجماع علماء الإسلام عليه(2) .

وعن «المنتهى» : «لا نعرف فيه خلافاً ، وبه قال أهل العلم سوى ما حكي عن الأوزاعي والحسن بن صالح بن حيّ(3)» (4) .

بل لزوم النيّة وقصد القربة والإخلاص فيه وفي أخويه ضروري في الفقه ، ولزوم الإخلاص في العبادة مستفاد من السنّة المستفيضة(5) .

وأمّا اعتبار قصد الوجه والتمييز في النيّة وغيرهما - كقصد البدلية - فلا دليل عليه ، بل مقتضى الإطلاق عدمه ولو قلنا : بأنّ التيمّم بدل عن الوضوء والغسل ؛ فإنّ عنوان البدلية - بناءً عليه - ثابت لنفسه من غير دخالة للقصد فيه ، بل في إمكان ذلك تأمّل وإشكال .

مع أ نّه لا دليل على كونه بدلاً منهما ، خصوصاً إن اُريد بالبدلية كون التيمّم

ص: 239


1- اُنظر مفتاح الكرامة 4 : 420 ؛ غنية النزوع 1 : 63 ؛ نهاية الإحكام 1 : 203 ؛ ذكرى الشيعة 2 : 256 ؛ مدارك الأحكام 2 : 215 ؛ كشف اللثام 2 : 466 .
2- المعتبر 1 : 390 ؛ تذكرة الفقهاء 2 : 187 ؛ جامع المقاصد 1 : 488 ؛ روض الجنان 1 : 331 .
3- المغني ، ابن قدامة 1 : 253 .
4- منتهى المطلب 3 : 78 - 79 .
5- راجع وسائل الشيعة 1 : 59 ، أبواب مقدّمة العبادات ، الباب 8 .

بدل الطهور ، فإنّه مخالف للأدلّة ، ومجرّد كونه أمراً ثابتاً في حال الاضطرار

ومصداقاً اضطرارياً ، لا يستلزم البدلية ؛ فإنّها أمر زائد عليه .

فإن اُريد بالبدلية كونه مصداقاً اضطرارياً - ولهذا يقال : «إنّه بدل اضطراري» - فهذا أمر لا معنى للنزاع فيه ، ولا مشاحّة في الاصطلاح .

وإن كان المراد بها أمراً زائداً على ذلك ، وعنواناً ملازماً للمصداق الاضطراري ، فهو ممنوع ؛ فإنّ المصداق الاضطراري يمكن أن يكون مستقلاًّ في التأثير في ظرفه ، لا نائباً عن غيره وبدلاً عنه ، فلا ملازمة بينهما عقلاً ولا عرفاً .

ودعوى استفادة ذلك من بعض الأخبار ، كصحيحة حمّاد بن عثمان قال : سألت أبا عبداللّه علیه السلام عن الرجل لا يجد الماء ، أيتيمّم لكلّ صلاة ؟ فقال : «لا ؛ هو بمنزلة الماء»(1) .

وصحيحة زرارة ، عن أبي جعفر علیه السلام قال : قلت له : كيف التيمّم ؟ فقال : «هو ضرب واحد للوضوء والغسل من الجنابة»(2) .

وموثّقة عمّار ، عن أبي عبداللّه علیه السلام قال : سألته عن التيمّم من الوضوء والجنابة ومن الحيض للنساء سواء ؟ فقال : «نعم»(3) .

ص: 240


1- تهذيب الأحكام 1 : 200 / 581 ؛ وسائل الشيعة 3 : 379 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 20 ، الحديث 3 .
2- تهذيب الأحكام 1 : 210 / 611 ؛ وسائل الشيعة 3 : 361 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 12 ، الحديث 4 .
3- تهذيب الأحكام 1 : 212 / 617 ؛ وسائل الشيعة 3 : 362 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 12 ، الحديث 6 .

مدفوعة ؛ لأنّ كونه بمنزلة الماء في جواز إتيان الصلوات الكثيرة به ، لا يلازم كونه بدلاً منه ؛ فإنّ وحدة منزلة شيئين في حصول أمر - لو لم نقل بكونها دليلاً على استقلال كلٍّ في حصوله - لا تكون دليلاً على نيابة أحدهما عن الآخر أو بدليته .

وبالجملة : لا يستفاد منه إلاّ كون التيمّم مثل الوضوء في الحكم المذكور ، أو

مطلقاً ، نظير قوله : «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى»(1) فإنّ كون أمير المؤمنين بمنزلة هارون علیهما السلام لا يستلزم نيابتَه عن هارون ، وأصالةَ هارون في نيابته عن موسى ، وعدمَ أصالة المولى علیه السلام في نيابته عن رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم .

وأمّا الرواية الثانية فلا إشعار فيها بالمدّعى ؛ فإنّ كون التيمّم للوضوء لا معنى له بحسب ظاهره ، والظاهر أنّ ذكر الوضوء وغسل الجنابة ؛ لمجرّد المعرّفية عن التيمّم الذي هو للحدث الأصغر والأكبر ، فلا يستفاد منه البدلية بوجه .

وكذا لا تستفاد من الثالثة ؛ لأنّ قوله : «من الوضوء» - لولا تعقّبه بقوله : «والجنابة ومن الحيض» - لا يبعد ظهوره في البدلية ؛ وإن كان وقوعه في لفظ الراوي لا يفيد شيئاً ، وليس قول الإمام تقريراً لذلك ، لكن مع تعقّبه به يدفع ذلك .

والإنصاف : أنّ تلك الروايات لا تكون في مقام إفادة بدلية التيمّم وأصالة الوضوء والغسل ، بل هي بصدد مجرّد المعرّفية ، نظير قوله في صحيحة محمّد بن

ص: 241


1- الخصال : 572 / 1 ؛ الأمالي ، الصدوق : 147 / 7 ؛ مستدرك الوسائل 18 : 367 ، كتاب الديات ، أبواب ديات الأعضاء ، الباب 20 ، الحديث 3 .

مسلم بعد بيان التيمّم : ثمّ قال : «هذا التيمّم على ما كان فيه الغسل . . .»(1) إلى آخره . بل الظاهر من مثل قوله : «التراب أحد الطهورين»(2) وقوله : «إنّ اللّه جعلهما طهوراً : الماء ، والصعيد»(3) عدم البدلية .

ثمّ إنّه لا يبعد أن يكون القائل بكون التيمّم مبيحاً لا رافعاً ، هو القائل ببدليته ؛ بأن يقول : إنّ المعتبر في الصلاة هو الطهور ، وهو لا يحصل إلاّ بالوضوء والغسل ، وأمّا التيمّم فبدل عن الطهور ، لا موجب له ورافع للحدث ، وإلاّ فلو قيل بحصول الطهور منهما فلا معنى للبدلية ، وسيأتي في المسألة الآتية ما هو التحقيق .

ثمّ إنّ ما ذكرنا هاهنا من إنكار البدلية بالمعنى المتقدّم ، لا ينافي ما سيأتي منّا مراراً من التمسّك بإطلاق البدلية وعموم المنزلة(4) ، كما يظهر بالتأمّل .

رافعية التيمّم للحدث

ومنها : صرّح غير واحد(5) - بل ادّعى الإجماع جماعة(6) - بأنّ التيمّم ليس برافع للحدث ، بل هو مبيح ، فلا يجوز فيه نيّة الرفع . وقد استدلّ عليه

ص: 242


1- تهذيب الأحكام 1 : 210 / 612 ؛ وسائل الشيعة 3 : 362 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 12 ، الحديث 5 .
2- وسائل الشيعة 3 : 381 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 21 ، الحديث 1 ، و : 386 ، الباب 23 ، الحديث 5 ، وفيه «فإنّ التيمّم أحد الطهورين» .
3- وسائل الشيعة 3 : 388 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 25 ، الحديث 3 .
4- يأتي في الصفحة 420 و422 و433 .
5- المبسوط 1 : 34 ؛ جامع المقاصد 1 : 506 ؛ الدروس الشرعية 1 : 134 .
6- المعتبر 1 : 394 ؛ منتهى المطلب 3 : 79 ؛ تذكرة الفقهاء 2 : 214 .

- بعد الإجماع - ببعض وجوه عقلية ، سيأتي الكلام فيها وفي حال الإجماع المدّعى(1) .

وليعلم : أ نّه لا ريب في أنّ المستفاد من الأخبار استفادة قطعية أنّ التيمّم طهور ، كما أنّ الوضوء والغسل كذلك ، كقوله : «إنّه أحد الطهورين»(2) و«إنّ ربّ الماء هو ربّ الصعيد»(3) و«إنّ اللّه جعلهما طهوراً : الماء ، والصعيد»(4) وإنّه «بمنزلة الماء»(5) و«جُعلتْ لي الأرض مسجداً وطهوراً»(6) وإنّ المتيمّم «فعل أحد الطهورين»(7) وإنّ «التيمّم بالصعيد لمن لم يجد الماء كمن توضّأ من غدير ماء»(8) و«إنّ الصعيد طهور المسلم إن لم يجد الماء عشر سنين»(9) و«إنّ التراب طهور المسلم ولو إلى عشر سنين . . .»(10) إلى غير ذلك .

مع ظهور الآية الكريمة(11) فيه صدراً وذيلاً ؛ فإنّ الظاهر عرفاً من جعل التيمّم

في مقام الضرورة شرطاً للصلاة ، أ نّه في حالها يفيد فائدة الوضوء والغسل ولو

ص: 243


1- يأتي في الصفحة 247 - 253 .
2- وسائل الشيعة 3 : 381 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 21 ، الحديث 1 .
3- وسائل الشيعة 3 : 370 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 14 ، الحديث 15 و17 .
4- وسائل الشيعة 3 : 388 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 25 ، الحديث 3 .
5- وسائل الشيعة 3 : 385 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 23 ، الحديث 2 .
6- وسائل الشيعة 3 : 350 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 7 ، الحديث 2 و3 و4 .
7- وسائل الشيعة 3 : 370 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 14 ، الحديث 15 .
8- وسائل الشيعة 3 : 378 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 19 ، الحديث 6 .
9- سنن الترمذي 1 : 81 / 124 ؛ سنن النسائي 1 : 171 (مع تفاوت يسير) .
10- سنن أبي داود 1 : 144 / 332 (مع تفاوت يسير) .
11- النساء (4) : 43 ؛ المائدة (5) : 6 .

بمرتبة نازلة منها ، لا كونه أجنبيّاً عنهما وعن أثرهما ، كما هو الظاهر في أمثال المقام ، فلو قال الطبيب : «اشرب الدواء الكذائي ، ولو لم تجده اشرب كذا» يفهم أ نّه يفيد فائدة الأوّل ولو بمرتبة ناقصة منه .

وهذا واضح ولو مع الغضّ عن قوله تعالى : )وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ( فإنّه كالنصّ في ذلك . ودعوى كونه مربوطاً بالصدر - أي الوضوء والغسل - كما ترى .

نعم ، في مقابل ما عرفت بعض روايات ، ربّما يدّعى دلالتها على عدم طهوريته ، كصحيحة الحلبي قال : سمعت أبا عبداللّه علیه السلام يقول : «إذا لم يجد الرجل طهوراً ، وكان جُنباً ، فليمسح من الأرض وليصلّ ، فإذا وجد ماء فليغتسل ، وقد أجزأته صلاته التي صلّى»(1) .

ومثلها صحيحة ابن سنان(2) ؛ فإنّ التيمّم لو كان طهوراً لم يقل : «لم يجد طهوراً» مع إشعار الإجزاء به أيضاً .

وفيه : - بعد كونه من قبيل مفهوم القيد الذي لا نقول بحجّيته ، ولمّا لم يكن التيمّم طهوراً مطلقاً كالماء ، كان الكلام مصوناً عن لغوية ذكره - أنّ مثله لا يقاوم

الأدلّة الناصّة على طهوريته ، ودعوى إشعار ذيلها بذلك كما ترى ، بل يمكن دعوى الإشعار أو الدلالة بتحقّق الشرط الذي هو الطهور .

ص: 244


1- الكافي 3 : 63 / 3 ؛ وسائل الشيعة 3 : 367 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 14 ، الحديث 4 .
2- تهذيب الأحكام 1 : 193 / 556 ، و : 197 / 572 ؛ وسائل الشيعة 3 : 368 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 14 ، الحديث 7 .

ومنه يظهر الحال في موثّقة يعقوب بن سالم ، حيث قال فيها : «قد مضت صلاته ، وليتطهّر»(1) .

وكذيل صحيحة زرارة ، عن أبي جعفر علیه السلام : «ومتى أصبت الماء فعليك الغسل إن كنت جنباً ، والوضوء إن لم تكن جنباً»(2) .

وفيه : عدم ظهوره في أنّ إطلاق «الجنب» عليه إنّما هو في حال التيمّم ، فإنّه كان جنباً قبل التيمّم ، فصحّ إطلاقه عليه بلحاظه ، ولا ظهور له في اتّصال زمان وجدان الماء لصفة الجنابة .

نعم ، ظاهره كونه قبل وجدانه جنباً ، فلا يصحّ الحمل على الجنابة الحاصلة بعد وجدانه .

وكموثّقة ابن بكير ، عن أبي عبداللّه علیه السلام قال : قلت : رجل أمّ قوماً وهو جنب وقد تيمّم ، وهم على طهور ، فقال : «لا بأس»(3) .

بدعوى إطلاق «الجنب» عليه حتّى مع تيمّمه ، فإنّ الظاهر منها أ نّه أمّهم مع كونه جنباً ، وأيضاً جعله مقابل القوم «وهم على طهور» .

وفيه : أنّ قوله : «وهو جنب وقد تيمّم» ليس معناه أ نّه جنب حتّى مع التيمّم ،

ص: 245


1- تهذيب الأحكام 1 : 195 / 563 ؛ وسائل الشيعة 3 : 370 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 14 ، الحديث 14 .
2- تهذيب الأحكام 1 : 210 / 611 ؛ وسائل الشيعة 3 : 361 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 12 ، الحديث 4 .
3- تهذيب الأحكام 1 : 404 / 1265 ، و3 : 167 / 366 ؛ وسائل الشيعة 8 : 327 ، كتاب الصلاة ، أبواب صلاة الجماعة ، الباب 17 ، الحديث 3 .

بل المراد أ نّه جنب فتيمّم ، فأمّ قوماً مع التيمّم ، فلم يظهر منه أ نّه جنب حتّى حال التيمّم والصلاة .

والإنصاف : أنّ السائل إنّما هو بصدد الاستفهام عن جواز اقتداء المتوضّي بالمتيمّم ؛ من دون نظر إلى بقاء جنابته حال التيمّم أو لا ، وأجابه عن ذلك من غير نظر إلى غيره . وقوله : «وهم على طهور» قد مرّ جوابه .

هذا ، مع أنّ إطلاق ابن بكير وجعله مقابلاً لما ذكر ليس بحجّة ، والإمام علیه السلام

ليس إلاّ بصدد بيان حكم الاقتداء ، فلم يظهر منه تقريره لما فهمه . مضافاً إلى عدم مقاومة أمثال تلك الإشعارات - التي لم تصل إلى حدّ الدلالة - لما تقدّم .

وقد ورد في هذا الموضوع حسنة جميل بن درّاج أو صحيحته(1) تكشف المراد من مثل موثّقة ابن بكير ، قال : قلت لأبي عبداللّه علیه السلام : إمام قوم أصابته جنابة في السفر ، وليس معه من الماء ما يكفيه للغسل ، أيتوضّأ بعضهم ويصلّي بهم ؟ قال : «لا ، ولكن يتيمّم الجنب ويصلّي بهم ؛ فإنّ اللّه جعل التراب طهوراً ، كما جعل الماء طهوراً»(2) .

ص: 246


1- رواها الصدوق ، عن محمّد بن حمران وجميل بن درّاج ، وطريقه إليهما صحيح ، ورواها الشيخ الطوسي بإسناده ، عن محمّد بن علي بن محبوب ، عن يعقوب بن يزيد ، عن ابن أبيعمير ، عن محمّد بن حمران وجميل بن درّاج . ولعلّ الترديد لأجل وقوع أحمد بن محمّد بن يحيى العطّار في طريق الشيخ الطوسي إلى محمّد بن علي بن محبوب ، وهو محلّ كلام . ولا يخفى : أنّ المصنّف قدس سره عبّر عنها بالصحيحة في الصفحة 19 و177 و261 و346 .
2- الفقيه 1 : 60 / 223 ؛ وسائل الشيعة 3 : 386 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 24 ، الحديث 2 .

فنفي البأس في موثّقة ابن بكير إنّما هو لأجل كون التراب طهوراً كالماء ، فلا إشكال في المسألة من هذه الجهة .

إنّما الإشكال من جهتين اُخريين :

الجهة الاُولى : هي الإشكال العقلي المعروف
اشارة

وهو أنّ التيمّم إذا كان رافعاً ومفيداً للطهارة ، لا يمكن أن ينتقض بوجدان

الماء الذي ليس بحدث إجماعاً (1) .

مع أنّ وجدانه لو كان حدثاً لزم المساواة في الموارد ؛ لأ نّه إمّا حدث أصغر يوجب الوضوء ، أو أكبر يوجب الغسل ، مع أ نّه بانتقاض التيمّم ترجع الحالة الاُولى جنابة أو حيضاً أو حدثاً آخر ، وهو دليل على عدم كونه رافعاً .

ويمكن دفع الإشكالين : بأنّ الظاهر من الأخبار في الأبواب المتفرّقة ، أنّ الحدث مانع عن الصلاة ؛ سواء في ذلك الحدث الأصغر والأكبر ، وإيجاب الوضوء والغسل لتطهير الحدثين ، ومنزلتهما كمنزلة الماء في تطهير القذارات الصورية وعود المحلّ إلى حالته الأصلية .

وهذا في الحدث الأكبر واضح ؛ ضرورة أنّ المكلّف الذي لم يحصل له أسباب الجنابة وغيرها من سائر الأحداث الكبيرة ، تصحّ صلاته ، فلو كان شرط الصلاة أمراً وجودياً وكمالاً نفسانياً يحصل بالغسل ، لكان اللازم على المكلّف الغسل ولو مع عدم حصول الأسباب . والقول بكونه واجداً له قبل حصولها ، وهي صارت موجبة لزواله ، والغسل موجب لعوده ، كما ترى .

ص: 247


1- المعتبر 1 : 394 ؛ منتهى المطلب 3 : 79 ؛ روض الجنان 1 : 333 .

والمتدبّر في الروايات - خصوصاً ما تعرّضت لعلل الغسل والوضوء(1) - لا يكاد يشكّ في أنّ الجنابة حالة قذارة تحصل بأسبابها ، والغسل تطهير من الجنابة وتلك القذارة ، وكذا الحال في الوضوء .

بل إطلاق «الطهور» على الغسل والوضوء وكذا على الماء ، ليس إلاّ كإطلاقه على الماء بالنسبة إلى رافعيته للقذارات الصورية ؛ لأنّ معنى «التطهير» : التنظيف المساوق لإزالة القذارة ، والأشياء - غير الأعيان النجسة - نظيفة بحسب ذاتها ، وإنّما عرضت لها القذارة بملاقاتها القذارات ، والماء طهور لها ، وموجب لعودها إلى الحالة الأصلية ، وحال الوضوء والغسل الطهورين من الأحداث والقذارات المعنوية ، حال الماء الطهور من القذارات الصورية .

ويظهر ذلك بالتأمّل في الآية الكريمة(2) ؛ حيث قال تعالى : )وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا( أي من الجنابة .

وكذا يظهر من قوله : )إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ فَاغْسِلُوا . . .( إلى آخره المفسّر بأ نّه : «إذا قمتم من النوم»(3) فيظهر منه أنّ الوضوء لرفع حدث النوم .

وكذا يظهر ذلك من صحيحة زرارة ، عن أبي جعفر علیه السلام قال : «لا صلاة إلاّ بطهور ، ويجزيك عن الاستنجاء ثلاثة أحجار ؛ بذلك جرت السنّة من

ص: 248


1- راجع علل الشرائع : 257 ؛ وسائل الشيعة 1 : 367 ، كتاب الطهارة ، أبواب الوضوء ، الباب 1 ، الحديث 9 ، و2 : 178 ، كتاب الطهارة ، أبواب الجنابة ، الباب 2 .
2- المائدة (5) : 6 .
3- تهذيب الأحكام 1 : 7 / 9 ؛ وسائل الشيعة 1 : 253 ، كتاب الطهارة ، أبواب نواقض الوضوء ، الباب 3 ، الحديث 7 .

رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم وأمّا البول فإنّه لا بدّ من غسله»(1) .

حيث إنّ إطلاقها يقتضي نفي الصلاة إلاّ بطهور من الأحداث والأخباث ، وذيلها ظاهر في أنّ الاستنجاء بالأحجار وغسل البول لإزالة القذر ، ومقتضى وحدة السياق والحكم أن يكون الطهور من الأحداث كذلك ، فليست الصلاة مشروطة بالطهارة ؛ أي الأمر المعنوي الحاصل بالوضوء والغسل ، نعم الطهارات الثلاث عبادات مقرّبات إلى اللّه تعالى ، وبهذه الحيثية يطلق على الوضوء : «أ نّه نور» و«الوضوء على الوضوء نور على نور»(2) .

لكن لم يتّضح كونها بتلك الحيثية شرطاً للصلاة ، بل الظاهر أ نّها مع عباديتها رافعة للقذارات المعنوية التي هي مانعة عنها .

وبالجملة : الأقرب بالنظر إلى مجموع الأدلّة ، هو مانعية الأحداث والأرجاس عن الصلاة ، والطهور رافع لها ، والمسألة تحتاج إلى زيادة تفصيل وتنقيح .

إذا عرفت ذلك نقول : يمكن أن يقال : إنّ الأحداث الحادثة بأسبابها ، إنّما تعرض على المكلّف ، وتصير كالحالة الأصلية الثانوية له ، والتيمّم إنّما يرفع الحدث ما دام متحقّقاً ، فإذا انتقض بوجدان الماء وغيره ، ترجع الحالة الأصلية الثانوية .

وهو بوجه نظير النظافة التي للأشياء ، فإنّها نظيفة لولا عروض القذارة عليها ، ومع رفع القذارة عنها ترجع إلى حالتها الأصلية من غير تأثير سبب ، فيمكن

ص: 249


1- تهذيب الأحكام 1 : 49 / 144 ، و : 209 / 605 ؛ وسائل الشيعة 1 : 315 ، كتاب الطهارة ، أبواب أحكام الخلوة ، الباب 9 ، الحديث 1 .
2- الفقيه 1 : 26 / 82 ؛ وسائل الشيعة 1 : 377 ، كتاب الطهارة ، أبواب الوضوء ، الباب 8 ، الحديث 8 .

أن تكون الجنابة العارضة كالحالة الأصلية وإن كانت حالة أصلية إضافية ، والتيمّم رافعاً لها ما دام باقياً ، وبوجدان الماء انتقض التيمّم ، وترجع الحالة الأصلية من غير لزوم تأثير سبب ، فالماء ليس بحدث ، بل ناقض للتيمّم الرافع للحدث ، والمانع عن فعليته حالة الجنابة .

وإن شئت قلت : إنّ أسباب الأحداث توجب مع الأحداث اقتضاءً في الذات لإبقائها ، والوضوء والغسل رافعان لها وللاقتضاء ، والتيمّم رافع لها لا للاقتضاء ،

ووجدان الماء ناقض للتيمّم ، ورافع لمانع تأثير المقتضي ، فيرجع الحدث بالاقتضاء الحاصل بالأسباب ، تأمّل .

وعلى أيّ تقدير : يندفع كلا الإشكالين العقليين ، مع حفظ ظهور الأدلّة في ناقضية الماء التيمّم وكونه طهوراً ، ومن غير مخالفة للإجماع المدّعى على عدم كون الماء حدثاً .

جواب بعض المحقّقين عن الإشكالين السابقين وما يرد عليه

وما ذكرنا في دفعهما أولى وأقرب إلى ظهور الأدلّة ممّا ذكره بعض المحقّقين :

من أنّ الطهارة إن كانت أمراً وجودياً كما هو الأظهر ، نلتزم بحصولها لموضوع

خاصّ ؛ هو العاجز ، ومع رفع العجز ينتفي الطهور بانتفاء موضوعه ، لا لوجود المزيل .

وإن كانت القذارة أمراً وجودياً ، فلا استحالة في أن يكون التيمّم مزيلاً لتلك القذارة على وجه يعدّ نظافة مع الضرورة ، نظير مسح اليد بالحائط لدى الضرورة . بل من الجائز أن يكون رافعاً لها بالمرّة ، ولكن يكون أسبابها المؤثّرة لحدوثها ،

ص: 250

مقتضيات لتجدّدها عند تجدّد القدرة على استعمال الماء(1) ، انتهى ملخّصاً .

وفيه : - مضافاً إلى أنّ ما اختاره من كون الطهارة أمراً وجودياً معتبراً في العبادات ، خلاف التحقيق ، كما أشرنا إليه ، وليس المقام جديراً بتحقيقه مستقصى - أنّ القول بأنّ الطهور ينتفي بانتفاء موضوعه لا بوجود المزيل ، مخالف للنصوص المصرّحة بناقضية الماء له ، كصحيحة زرارة(2) وغيرها (3) ولكلمات الفقهاء ؛ فإنّهم جعلوا التمكّن من استعمال الماء ناقضاً له ، بل عن جمع حكاية إجماع أهل العلم - سوى شاذّ من العامّة(4) - عليه(5) ، ومعلوم أنّ ناقضية الماء غير تبدّل الموضوع .

ويرد على فرضه الثاني - أي كون القذارة أمراً وجودياً، والتيمّم يعدّ نظافة لدى الضرورة، وهو عبارة اُخرى عن حصول نظافة ناقصة غير كافية لدى الاختيار - : أنّ هذا أيضاً مخالف لما تقدّم من الأخبار وكلمات الأصحاب ، فإنّه لو صار عاجزاً فتيمّم ، ووجد الماء مع القدرة على استعماله ، ولم يتطهّر وفقد الماء ، لا يجب على ما ذكره تجديد التيمّم ؛ لحصول النظافة الناقصة وعدم تجدّد رافع لها .

وأمّا ما ذكره أخيراً ، فيمكن إرجاعه إلى ما ذكرناه أخيراً وإن كان خلاف ظاهره ، فإنّ الظاهر منه أنّ تلك الأسباب الموجبة للأحداث ، مقتضية للحدث

ص: 251


1- مصباح الفقيه ، الطهارة 6 : 245 - 247 .
2- الكافي 3 : 63 / 4 ؛ تهذيب الأحكام 1 : 200 / 580 ؛ وسائل الشيعة 3 : 377 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 19 ، الحديث 1 .
3- راجع وسائل الشيعة 3 : 377 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 19 ، الحديث 2 و6 .
4- المبسوط ، السرخسي 1 : 110 ؛ الجامع لأحكام القرآن 5 : 234 ؛ المجموع 2 : 302 .
5- المعتبر 1 : 401 ؛ تذكرة الفقهاء 2 : 207 ؛ كشف اللثام 2 : 492 .

عند وجدان الماء ، مع أ نّه مستحيل لو كان الاقتضاء على طبق التكوين . مضافاً إلى أ نّه التزام بحدوث حدث جديد ولو بالسبب الأوّل .

وكيف كان : لا يمكن رفع اليد عن ظاهر الكتاب والسنّة القطعية بتلك الوجوه العقلية القابلة للدفع .

الجهة الثانية : دعوى الإجماع على عدم كون التيمّم رافعاً

وقد تكرّرت الدعوى في كتب القوم ، كالشيخ والمحقّق والعلاّمة والشهيد والمحقّق الثاني وغيرهم(1) .

لكن معروفية الاستدلال بالدليل العقلي المتقدّم بينهم من لدن عصر الشيخ ، تمنع عن كشف دليل شرعي تعبّدي ؛ لقرب احتمال كون المستند هو الوجه العقلي لا غير ، كما ربّما يظهر من الشيخ في «الخلاف» عدم الإجماع منّا في هذه المسألة ، فإنّه ادّعى عدم الخلاف في أنّ المتيمّم إذا وجد الماء وجب عليه الغسل ، ومع كون التيمّم رافعاً لم يكن واجباً ، فيظهر منه أنّ مستنده في هذا الحكم ، هو عدم الخلاف في تلك المسألة والوجه العقلي ، قال :

«التيمّم لا يرفع الحدث ، وإنّما يستباح به الدخول في الصلاة ، وبه قال كافّة

الفقهاء إلاّ داود وبعض أصحاب مالك ، فإنّهم قالوا : يرفع الحدث(2) .

دليلنا : أ نّه لا خلاف في أنّ الجنب إذا تيمّم وصلّى ثمّ وجد الماء وجب عليه

ص: 252


1- الخلاف 1 : 144 ؛ المعتبر 1 : 394 ؛ منتهى المطلب 3 : 79 ؛ ذكرى الشيعة 2 : 282 ؛ جامع المقاصد 1 : 514 ؛ مدارك الأحكام 2 : 252 .
2- المجموع 2 : 221 .

الغسل ، فلو كان الحدث قد زال بالتيمّم لما وجب عليه الغسل ؛ لأنّ رؤية الماء

لا توجب الغسل . . .»(1) إلى آخره .

ومراده ب- «كافّة الفقهاء» هو فقهاء العامّة ، كما يظهر من تعبيراته عنهم وعنّا

في «الخلاف» ولذا استثنى منهم داود وبعض أصحاب مالك ، ولم يستثن السيّدَ منّا المصرّح بأ نّه رافع ، فعن «الذكرى» : «قال المرتضى في «شرح الرسالة» : إنّ الجنب إذا تيمّم ، ثمّ أحدث أصغر ، ووجد ما يكفيه للوضوء ، توضّأ به ؛ لأنّ حدثه الأوّل قد ارتفع وجاء ما يوجب الصغرى»(2) انتهى . بل لا يبعد ظهوره من «مقنع» الصدوق(3) أيضاً .

وكيف كان : فالشيخ لم يدّعِ الإجماع في هذه المسألة ، ولهذا لم يدعه بعد قوله : «دليلنا كذا» بل جعل الدليل عدم الخلاف في مسألة اُخرى جعلها مبنى المسألة وتمسّك بالوجه العقلي المتقدّم(4) . ولا يبعد ظهوره من «منتهى» العلاّمة(5) أيضاً . نعم ظاهر «التذكرة» ادّعاؤه زائداً على الدليل العقلي(6) .

وعلى أيّ تقدير : لا يمكن الاتّكال على الإجماع . مع قوّة احتمال أن يكون مرادهم أنّ التيمّم لا يرفع الحدث كرفع الماء ؛ بحيث لا يحتاج إلى الغسل عند وجدانه ، وهو مسلّم .

ص: 253


1- الخلاف 1 : 144 .
2- ذكرى الشيعة 2 : 283 .
3- المقنع : 25 .
4- تقدّم في الصفحة 247 .
5- منتهى المطلب 3 : 79 .
6- تذكرة الفقهاء 2 : 214 .
الأمر الثاني: في اعتبار المباشرة
اشارة

تعتبر في التيمّم المباشرة حال الاختيار ، فلو يمّمه غيره مع قدرته لم يصحّ بلا إشكال . وعن «المنتهى» : «لا خلاف عندنا في أ نّه لا بدّ من المباشرة بنفسه»(1) . ونفى عنه الريب في محكيّ «المدارك»(2) .

وهو كذلك ؛ لظهور الأدلّة فيها ، فإنّ المتبادر من هيئة الأمر هو بعث المأمور لإيجاد المأمور به . والظاهر أنّ ذلك من دلالة اللفظ ، لا حكم العقل كالإلزام الذي قلنا : إنّه خارج عن مفاد الهيئة وإن كان صِرف البعث حجّةً عقلائية على لزوم الخروج عن عهدة التكليف ما لم يرد من قِبَل المولى ترخيص في الترك(3) . لكن المباشرة مفهومة من ظاهر الهيئة ، لكن لا بمعنى دخول مفهوم اسمي في مفاد الهيئة ، بل بمعنى وضعها لنفس الإغراء المتوجّه إلى الغير بوجه يكون المبعوث خارجاً عنه ، كخروج القيد ودخول التقيّد بوجه ، فتدلّ دلالة لفظية على الإغراء المتوجّه إلى الغير ؛ بحيث لا يكون جزءَ مفادِها .

ولا إشكال في أنّ الصدور الحقيقي بلا تأوّل هو المباشري ، دون التسبيبي والنيابي المحتاجَين إلى نحو تأوّل وادّعاء .

ص: 254


1- منتهى المطلب 3 : 99 - 100 .
2- مدارك الأحكام 2 : 227 .
3- مناهج الوصول 1 : 198 - 199 .
حكم العاجز عن المباشرة

وكيف كان : لا شبهة في ظهور الأوامر - وضعاً أو انصرافاً أو عقلاً مع قطع النظر عن القرائن - في لزوم المباشرة ، ومقتضاه سقوط الأمر عند تعذّره ؛ لعدم دليل على تعدّد المطلوب في نفس الأدلّة الأوّلية ، ولا يستفاد ذلك من الهيئة المتوجّهة إلى المخاطب الباعثة إيّاه نحو المأمور به .

نعم ، لا إشكال في المقام في لزوم إيجاده تسبيباً وجعل غيره آلة لإيجاده بلا خلاف ، كما في «الجواهر»(1) وعن «المدارك» : «تجب الاستنابة في الأفعال دون النيّة عند علمائنا»(2) فيظهر منه تسلّم الحكم عندهم .

مضافاً إلى صحيحة محمّد بن سكين في المجدور الذي غسّلوه فمات ، ففي ذيلها : «ألا يمّموه ؟! إنّ شفاء العيّ السؤال»(3) .

وأمّا مرسلة ابن أبي عمير ، عن أبي عبداللّه علیه السلام قال : «يؤمّم المجدور والكسير إذا أصابتهما جنابة»(4) فمع كونها في نسخة «الوسائل» بدل «يؤمّم» «يتيمّم»(5) يمكن أن يكون مبنيّاً للفاعل ، فإنّ «يمّم» و«تيمّم» بمعنىً واحد ، فلا تدلّ على المطلوب . نعم ، لا يبعد ظهور مرسلة «الفقيه» في البناء للمفعول

ص: 255


1- جواهر الكلام 5 : 178 .
2- مدارك الأحكام 2 : 227 .
3- الكافي 3 : 68 / 5 ؛ وسائل الشيعة 3 : 346 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 5 ، الحديث 1 .
4- تهذيب الأحكام 1 : 185 / 533 ؛ وسائل الشيعة 3 : 348 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 5 ، الحديث 10 .
5- في النسخ الموجودة من الوسائل لدينا أيضاً «يؤمّم» .

- على تأمّل - قال : وقال الصادق علیه السلام : «المبطون والكسير يؤمّمان ولا يغسّلان»(1) وإن كان المظنون فيهما البناء للمفعول ، لكنّه ظنّ خارجي غير حجّة . وكيف كان لا إشكال في أصل الحكم .

كما لا إشكال في أنّ المباشر يباشر صورة العمل ؛ مقتصراً على مقدار يعجز عنه المكلّف ، ويباشر النيّة نفس المكلّف ، كما ادّعى «المدارك» .

كما أنّ المعتبر ضرب يدي العاجز مع الإمكان ، فإنّ ضربهما دخيل في ماهية التيمّم جزءاً أو شرطاً ، وليس حاله حال الاغتراف للوضوء أو الغسل . ومع عدم إمكان ضرب يديه ينوب عنه الصحيح ؛ بأن يضرب يديه على الأرض ، فيمسح بهما وجه العليل ويديه .

وعن الكاتب : «يضرب الصحيح بيديه ، ثمّ يضرب بهما يدي العليل»(2) .

وفيه ما لا يخفى ؛ فإنّه مع دوران الأمر بين سقوط ما يتيمّم به وسقوط آلية اليد ، لا شبهة في سقوط الثاني ، وضرب اليد على اليد المضروبة على الأرض ليس ضرباً عليها ؛ ألا ترى أ نّه لو دار الأمر بين سقوط آلية اليد والتيمّم بالحديد

مثلاً اختياراً ، لايحتمل تقديم الثاني ! وضرب اليد على اليد كضربها على الحديد .

وممّا ذكرنا يظهر صحّة قول الشهيد : «إنّه لم نقف على مأخذ قول الكاتب»(3) والنظر فيما عن «كشف اللثام» من دعوى ظهور المأخذ(4) .

ص: 256


1- الفقيه 1 : 59 / 217 ؛ وسائل الشيعة 3 : 348 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 5 ، الحديث 12 .
2- اُنظر ذكرى الشيعة 2 : 269 .
3- نفس المصدر .
4- كشف اللثام 2 : 480 .
الأمر الثالث في اعتبار الترتيب
اشارة

يعتبر الترتيب بين أجزاء التيمّم ؛ بتقديم الضرب على الأرض على مسح الجبهة ، وهو على مسح الكفّ اليمنى ، وهو على اليسرى ، فلو نكس استأنف بما حصل معه الترتيب . وهو إجماعي ، كما عن «الغنية» و«المنتهى» و«إرشاد الجعفرية» و«المدارك» و«المفاتيح» وظاهر «التذكرة» و«الذكرى»(1) .

وعن المرتضى : «أنّ كلّ من أوجب الترتيب في الوضوء أوجبه فيه ، فمن فرّق بينهما خرق الإجماع»(2) .

وعن «جامع المقاصد» : «يجب تقديم اليمنى على اليسرى إجماعاً»(3) ، وعن «الذكرى» نسبته إلى الأصحاب(4) .

لكن ترك جمع منهم ذكر الترتيب بين الكفّين ك- «الشرائع» وعن «المراسم» و«السرائر» و«المقنع» و«جمل العلم والعمل»(5) ، وعن بعضهم ترك ذكر الترتيب

ص: 257


1- اُنظر مفتاح الكرامة 4 : 444 ؛ غنية النزوع 1 : 64 ؛ منتهى المطلب 3 : 97 ؛ مدارك الأحكام 2 : 226 - 227 ؛ مفاتيح الشرائع 1 : 62 ؛ تذكرة الفقهاء 2 : 196 ؛ ذكرى الشيعة 2 : 267 .
2- اُنظر المعتبر 1 : 393 .
3- جامع المقاصد 1 : 492 .
4- ذكرى الشيعة 2 : 267 .
5- شرائع الإسلام 1 : 40 ؛ المراسم : 54 ؛ السرائر 1 : 136 ؛ المقنع : 26 ؛ رسائل الشريف المرتضى ، جمل العلم والعمل 3 : 25 .

مطلقاً (1) ، أو ما في بدل الوضوء(2) ، فالاستناد إلى الإجماع مع ذلك لا يخلو من توقّف .

لكن يمكن الاستدلال عليه بالسيرة العملية في مثل تلك المسألة التي تعمّ بها

البلوى ، وتحتاج إليها طائفة من المكلّفين في صلواتهم ، فلا يبعد الجزم بأ نّه كان كذلك من لدن زمن الشارع ، وكان الخلف أخذ من السلف كذلك إلى عصر المعصوم علیه السلام . بل لا يبعد جواز الاتّكال على الشهرة المحقّقة في هذه المسألة التي يقتضي إطلاق الكتاب والسنّة فيها عدم الترتيب بين الكفّين ، كما يأتي الكلام فيه .

وكيف كان : لا ريب في تقدّم الضرب على الأرض على سائر الأجزاء كتاباً وسنّة ، بل هو كالضروري .

كما لا إشكال في دلالة النصوص على تقدّم المسح على الجبين على مسح الكفّين ، كموثّقة زرارة الآتية وغيرها . وبمثلها يقيّد إطلاق الكتاب والسنّة ، كبعض الروايات الآتية .

الإشكال في استفادة الترتيب بين الكفّين من الأدلّة والجواب عنه

إنّما الإشكال في استفادة الترتيب بين الكفّين من الأدلّة ، فقد استدلّ(3) له بموثّقة زرارة ، عن أبي جعفر علیه السلام قال : «أتى عمّار بن ياسر رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم

ص: 258


1- الهداية ، الصدوق : 87 - 88 .
2- الفقيه 1 : 57 ، ذيل الحديث 212 .
3- رياض المسائل 2 : 325 .

فقال : يا رسول اللّه ، إنّي أجنبت الليل ، فلم يكن معي ماء .

قال : كيف صنعت ؟

قال : طرحت ثيابي ، وقمت على الصعيد ، فتمعّكت فيه .

فقال : هكذا يصنع الحمار ، إنّما قال اللّه عزّ وجلّ : )فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً((1) فضرب بيديه على الأرض ، ثمّ ضرب إحداهما على الاُخرى ، ثمّ مسح بجبينيه ، ثمّ مسح كفّيه كلّ واحدة على ظهر الاُخرى ، فمسح اليسرى على اليمنى ، واليمنى على اليسرى»(2) .

وتقريبه : أنّ حكاية أبي جعفر علیه السلام قضيّة عمّار ، إنّما هو لبيان الحكم الشرعي ، لا لبيان أمر تأريخي ، فلا تكون مثل الفعل في عدم إفادة تقديم بعض الأفعال على بعضٍ وجوبَه بعد عدم إمكان الجمع بين الفعلين ، فلا بدّ من الأخذ بخصوصيات النقل الذي هو لإفادة الحكم .

فنقول : إنّ قوله : «فمسح كفّيه كلّ واحدة على ظهر الاُخرى» يكفي في مقام بيان الحكم لو كان الترتيب بينهما غير مراد ، فيبقى قوله : «فمسح اليسرى على اليمنى . . .» إلى آخره بلا نكتة ، وحمله على بيان واقع القضيّة بلا نظر إلى إفادة الحكم بعيد ، ولا نكتة فيه إلاّ بيان تقديم مسح اليمنى على اليسرى ، وهو المطلوب .

ص: 259


1- النساء (4) : 43 ؛ المائدة (5) : 6 .
2- السرائر 3 : 554 ؛ وسائل الشيعة 3 : 360 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 9 .

وفيه : أ نّه لو كان مراده من ذلك بيان لزوم تقديم اليمنى ، لكان عليه عطف «اليمنى» ب- «ثمّ» أو الفاء ، كما ترى عنايته علیه السلام بتخلّل «ثمّ» في الجمل السابقة ، فذكرها فيها وترك ما يفيد الترتيب في الجملة الأخيرة ، دليل على اعتبار الترتيب في غير اليسرى ، وعدم اعتباره فيها .

بل يمكن أن يدّعى أنّ دلالة هذه الموثّقة على عدم اعتباره ، أوضح من الإطلاقات ؛ لأنّ عنايته بذكر خصوصيات ما فعل رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم لتعليم

عمّار ، والعطف ب- «ثمّ» والفاء في «الجبهة» و«الكفّين» وتركهما في عطف «اليمنى» على «اليسرى» كادت أن تجعلها صريحة في عدم اعتباره في الكفّين .

نعم ، عن العيّاشي ، عن زرارة قال : سألت أبا جعفر علیه السلام عن التيمّم ، فقال : «إنّ عمّار . . .» ثمّ ساقها باختلاف يسير مع الموثّقة ، وقال في ذيلها : «ثمّ دلك إحدى يديه بالاُخرى على ظهر الكفّ بدءً باليمنى»(1) .

ودلالتها واضحة ، خصوصاً مع سؤاله عن كيفيته ، ونقل القضيّة لتعليم الكيفية ، وعنايته بحكاية بدأة رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم باليمنى ، فلا إشكال فيها إلاّ من جهة الإرسال وعدم الجبر ؛ فإنّ مجرّد مطابقة الفتاوى لها لا توجبه إلاّ أن يعلم استنادهم إليها .

ص: 260


1- تفسير العيّاشي 1 : 302 / 63 ؛ مستدرك الوسائل 2 : 540 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 3 .

وبهذا يظهر النظر في الاستدلال بما في «فقه الرضا»(1) ودعوى جبره(2) . بل الظاهر عدم فتوى جامع الكتاب بما أرسله ، بل ولا غيره من الفقهاء ؛ لأنّ فيه المسح على ظهر الأصابع من اُصولها ، فراجعه . والأولى للقائل بالجبر بمجرّد المطابقة ، التمسّك برواية العيّاشي الموافقة لفتاوى الفقهاء ، لا مرسلة «فقه الرضا»

المخالفة لها التي هي مرسلة في مرسلة لم يعمل بها مرسلها ، فضلاً عن غيره .

وأمّا التمسّك بذيل صحيحة جميل : «فإنّ اللّه عزّ وجلّ جعل التراب طهوراً كما جعل الماء طهوراً»(3) بدعوى أنّ مقتضى إطلاق التشبيه أ نّه مثل الماء حتّى في كيفيته ، إلاّ ما خرج بدليل .

ص: 261


1- وهي هكذا : «وصفة التيمّم للوضوء والجنابة وسائر أسباب الغسل واحد ، وهو أن تضرب بيديك على الأرض ضربة واحدة ، ثمّ تمسح بهما وجهك من حدّ الحاجبين إلى الذقن ، وروي : أنّ موضع السجود من مقام الشعر إلى طرف الأنف ثمّ تضرب بهما اُخرى فتمسح باليسرى اليمنى إلى حدّ الزند - وروي من اُصول الأصابع من اليد اليمنى - وباليمنى اليسرى على هذه الصفة . وأروي : إذا أردت التيمّم اضرب كفّيك على الأرض ضربة واحدة ، ثمّ تضع إحدى يديك على الاُخرى ، ثمّ تمسح بأطراف أصابعك وجهك من فوق حاجبيك وبقي ما بقي ، ثمّ تضع أصابعك اليسرى على أصابعك اليمنى من أصل الأصابع من فوق الكفّ ، ثمّ تمرّها على مقدّمها على ظهر الكفّ ، ثمّ تضع أصابعك اليمنى على أصابعك اليسرى ، فتصنع بيدك اليمنى ما صنعت بيدك اليسرى على اليمنى مرّة واحدة ، فهذا هو التيمّم» . الفقه المنسوب للإمام الرضا عليه السلام : 88 .
2- مستند الشيعة 3 : 453 ؛ جواهر الكلام 5 : 175 .
3- الفقيه 1 : 60 / 223 ؛ وسائل الشيعة 3 : 386 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 24 ، الحديث 2 .

وذيل صحيحة حمّاد قال : سألت أبا عبداللّه علیه السلام عن الرجل لا يجد الماء ، أيتيمّم لكلّ صلاة ؟ فقال : «لا ؛ هو بمنزلة الماء»(1) بدعوى استفادة عموم المنزلة منها حتّى في كيفيته .

ففي غير محلّه ؛ ضرورة أ نّهما في مقام بيان حكم آخر ، ولا إطلاق فيهما من الجهة المبحوث عنها ، كما لا يخفى .

والذي يمكن أن يقال - زائداً على ما تقدّم من السيرة العملية وارتكاز المتشرّعة وحجّية الشهرة في مثل المسألة التي دلّت الأدلّة إطلاقاً على خلافها - : إنّ المستفاد من الآية الكريمة مشفوعاً بالارتكاز العقلائي أنّ فاقد الماء يتيمّم ،

ويقصد الصعيد لتحصيل الطهور الذي كان يحصل بالماء ، وأ نّه يجب أن يفعل معه ما يفعل مع الماء عند فقده ، فلو لم تتعرّض الآية لكيفيته ، واختتمت إلى قوله : )فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً( يستفيد منها العقلاء أ نّه عند عدم وجدان الماء ، يقوم الصعيد مقامه فيما يحتاج المكلّف إليه ، فيفهم منه ما فهمه عمّار من التمعّك على الصعيد للغسل ، ومسح أعضاء الوضوء بالكيفية التي فيه للحدث الأصغر .

وبالجملة : المتفاهم منه وضع التراب موضع الماء من غير تغيير وتبديل في الكيفية ، فبقي المتقدّم والمتأخّر في الغسل على حالهما من غير تصرّف وتغيير إلاّ فيما يتطهّر به ، نظير أن يأمر المولى بضيافة العلماء مقدّماً على الأشراف ، وهم

مقدّماً على التجّار ، وعيّن محلاًّ خاصّاً لها ، وشرائطَ وقيوداً ، وقال : «أضفهم

ص: 262


1- تهذيب الأحكام 1 : 200 / 581 ؛ وسائل الشيعة 3 : 385 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 23 ، الحديث 2 .

بالغذاء الفلاني ، ومع فقده بالفلاني» فإنّه لا ريب في أنّ العرف لا يأخذ بإطلاق

قوله : «ومع فقده كذا» ويرفع اليد عن الشرائط والقيود ، بل يحكم بأنّ التبديل إنّما وقع في الغذاء ، لا في سائر الكيفيات ، فلا بدّ من مراعاتها . ومقتضى هذا الارتكاز أنّ كلّ ما يعتبر في الوضوء والغسل ، معتبر في التيمّم الذي هو بدله . والقائل بالبدلية إن كان مراده ذلك فلا كلام ، وإن كان مراده عدم حصول الطهور بل يحصل بدله ، فقد مرّ ما فيه(1) .

وبالجملة : لا شبهة في أنّ مقتضى ارتكاز العقلاء والرجوع إلى الأشباه والنظائر ، أنّ التبديل إنّما هو فيما يتطهّر به ، لا في كيفية التطهير والعمل .

فحينئذٍ نقول : إنّ قوله : )فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ((2) يدلّ على سقوط المسح على الرجل والرأس ، وعدم كونه إلى المرفق ، ولا على جميع الوجه ؛ لمكان الباء على ما أفاد أبو جعفر علیه السلام (3) ، وأمّا سائر ما يعتبر فيه من الشرائط والموانع ، فبقيت على حالها ، كالبدأة بالوجه وباليمنى المعتبرة في الوضوء ، وطهارة المحالّ وغيرها من الشرائط ، فلا بدّ من مراعاة ما يعتبر فيهما فيه أيضاً .

ولولا الدليل لقلنا بعدم اعتبار الموالاة في بدل الغسل ، لكن سيأتي(4) بيان

ص: 263


1- تقدّم في الصفحة 239 - 240 .
2- المائدة (5) : 6 .
3- ا لكافي 3 : 30 / 4 ؛ ا لفقيه 1 : 56 / 212 ؛ تهذيب الأحكام 1 : 61 / 168 ؛ وسائل الشيعة 3 : 364 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 13 ، الحديث 1 .
4- يأتي في الصفحة 266 .

استفادته من الأدلّة حتّى من الآية الكريمة .

ويؤيّد ما ذكرناه قوله في صحيحة زرارة - في تفسير الآية - عن أبي جعفر علیه السلام : « . . . ثمّ قال : )فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ( فلمّا أن وضع الوضوء عمّن لم يجد الماء أثبت بعض الغسل مسحاً»(1) فإنّه مُشعر أو ظاهر في إثبات المسح ببعض المحالّ ، وإسقاط الغسل فقط ؛ من غير تصرّف في سائر الشرائط والقيود .

كما يشعر به ما في «الرضوي» قال : «ونروي أنّ جبرئيل نزل إلى سيّدنا محمّد صلی الله علیه و آله وسلم في الوضوء . . .» إلى أن قال : «ثمّ نزل في التيمّم بإسقاط المسحين ، وجعل مكان موضع الغسل مسحاً»(2) .

وكيف كان : لا ينبغي الإشكال في أصل الحكم ؛ وإن فرض إمكان المناقشة في بعض ما ذكر .

وممّا ذكرنا من التقريب المتقدّم ، يظهر الدليل على اعتبار كلّ ما يعتبر في الوضوء والغسل جميعاً ، كطهارة المحالّ والمباشرة وغيرهما ممّا يعتبر فيهما .

ص: 264


1- تقدّم تخريجه في الصفحة 263 ، الهامش 3 .
2- الفقه المنسوب للإمام الرضا عليه السلام : 89 ؛ مستدرك الوسائل 2 : 535 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب9 ، الحديث 1 .
الأمر الرابع في اعتبار الموالاة
اشارة

مقتضى التقريب المتقدّم في بيان الترتيب ، التفصيل بين التيمّم الذي للحدث الأصغر وما للأكبر في الموالاة ، كما حكي عن الشهيد رحمه الله علیه في «الدروس»(1) وكذا التفصيل بين الشرائط التي اعتبرت في أحدهما دون الآخر ، كالمسح من الأعلى ، فيقال باعتباره في بدل الوضوء ، دون بدل الغسل .

لكن مقتضى بعض الروايات مساواتهما ، كموثّقة عمّار ، عن أبي عبداللّه علیه السلام

قال : سألته عن التيمّم من الوضوء والجنابة ومن الحيض للنساء ، سواء ؟ فقال : «نعم»(2) .

وموثّقة أبي بصير قال : سألته عن تيمّم الحائض والجنب ، سواء إذا لم يجدا ماءً ؟ قال : «نعم»(3) بناءً على أنّ المراد ب- «تيمّم الحائض إذا لم تجد ماءً» ما تحتاج إليه من بدل الغسل والوضوء .

وحملهما على صِرف الكيفية دون سائر ما يعتبر فيهما ، فاسد بعد اقتضاء الإطلاق سوائيتهما مطلقاً ، فحينئذٍ لا يمكن التمسّك بالآية للتفصيل ، ولا لاعتبار

ص: 265


1- الدروس الشرعية 1 : 133 .
2- الفقيه 1 : 58 / 215 ؛ تهذيب الأحكام 1 : 212 / 617 ؛ وسائل الشيعة 3 : 362 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 12 ، الحديث 6 .
3- الكافي 3 : 65 / 10 ؛ تهذيب الأحكام 1 : 212 / 616 ؛ وسائل الشيعة 3 : 363 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 12 ، الحديث 7 .

الموالاة مطلقاً ، ولا لعدمه كذلك ، وكذا في سائر الشرائط التي اعتبرت في أحدهما دون الآخر ، فالقول بالتفصيل غير وجيه .

الدليل على اعتبار الموالاة مطلقاً

والأقوى اعتبارها مطلقاً ، والدليل عليه - مضافاً إلى الإجماعات المحكيّة عن «الغنية» و«جامع المقاصد» و«الروض» و«مجمع البرهان» وظاهر «المنتهى» و«الذكرى» و«المدارك»(1) وإلى ما أشرنا إليه في الترتيب من السيرة المستمرّة الكاشفة عن كونه كذلك من زمن الشارع المقدّس(2) ، وإن كان للإشكال في ذلك مجال ؛ لاحتمال كونها لاقتضاء العادة وعدم الداعي إلى التفريق ، لا الاعتبار ، وإن أمكن أن يقال : إنّ في ارتكاز المتشرّعة اعتبارها - الآية الكريمة ، قال تعالى : )فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْه((3) .

بناءً على كون الفاء للترتيب باتّصال ، كما هو المعروف(4) ، فيفيد قوله : )فَامْسَحُوا( الترتيب باتّصال عرفي بين المسح على الوجه والأيدي ، وبين

ص: 266


1- غنية النزوع 1 : 64 ؛ جامع المقاصد 1 : 492 - 493 ؛ روض الجنان 1 : 341 ؛ مجمع الفائدة والبرهان 1 : 238 ؛ منتهى المطلب 3 : 108 ؛ ذكرى الشيعة 2 : 267 ؛ مدارك الأحكام 2 : 227 .
2- تقدّم في الصفحة 258 .
3- المائدة (5) : 6 .
4- شرح الرضيّ على الكافية 4 : 384 ؛ مغني اللبيب 1 : 213 - 214 ؛ البهجة المرضيّة 2 : 69 .

وضع اليدين أو ضربهما على الأرض الذي هو المراد من قوله : )تَيَمَّمُوا( ؛ لأنّ قصد الأرض ليس بنفسه موضوعاً للحكم بلا إشكال .

بل أخذ العنوان الطريقي الذي ليس مقصوداً بالذات فيه ، لعلّه دليل على أنّ المراد منه المرئي والمقصود ، خصوصاً مع قيام القرينة عليه ؛ فإنّ قوله : )فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً(عقيب )فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً( ظاهر عرفاً في أنّ المراد ، التوصّل إلى الصعيد للتمسّح به على الوجه ، والمقصود هو الوضع أو الضرب على الأرض ولو بدليل خارجي ، فكأ نّه قال : «اضرب يديك على الأرض ، فتمسّح بلا فصل بوجهك ويديك» .

فلو دلّت الفاء على الترتيب باتّصال ، تمّت الدلالة بلا احتياج إلى دعوى عدم

القول بالفصل ، كما صنع المحقّق الثاني(1) على ما حكي عنه(2) . لكن في دلالتها عليه تأمّل .

نعم ، لا إشكال في دلالتها على الترتّب والتعقّب ، وهي غير كافية .

فالأولى الاستدلال على المطلوب بلفظة )مِنْهُ( فإنّ «مِنْ» - على ما تقدّم - ابتدائية لا تبعيضية(3) ، فالمعنى : «فامسحوا بوجوهكم وأيديكم مبتدئاً من

الصعيد ، ومنتهياً إلى الوجوه والأيدي» والتمسّح من الصعيد - بهذا المعنى - لا يصدق عرفاً إلاّ مع حفظ العلاقة بين الضرب على الأرض والمسح منها على الوجه واليدين .

ص: 267


1- جامع المقاصد 1 : 493 .
2- مستمسك العروة الوثقى 4 : 416 .
3- تقدّم في الصفحة 162 - 163 .

ألا ترى أ نّه لو قيل لمريض : «تمسّح من الضرائح المقدّسة تبرّكاً» لا ينقدح في ذهن العقلاء منه إلاّ مع حفظ العلقة بين المسح عليها والمسح على موضع العلّة! فلو مسحها بيده ، ثمّ انصرف وذهب إلى حوائجه ، ثمّ مسح يده على الموضع بعد سلب العلاقة العرفية ، لم يعمل بقوله : «تمسّح منها» ؛ لأ نّه لا يكون إلاّ بعلاقة خاصّة مقطوعة بالفصل المعتدّ به ، كما ربّما تقطع بغيره ، كما لو ضرب يده على الأرض فغسلها ، فإنّ الظاهر سلب العلاقة وعدم صدق «التمسّح منها» لا لاعتبار العلوق ، بل لاعتبار العلاقة الخاصّة العرفية .

نعم ، لو قلنا بأنّ المراد من قوله : )فَامْسَحُوا . . . مِنْهُ( فامسحوا ببعضه ، أو أراد به العلوق والأثر من الأرض ، لما تمّ الاستدلال ؛ لصدقه مع بقاء أجزاء الأرض على اليد أو أثرها عليها . لكنّه خلاف التحقيق كما مرّ(1) ، وسيأتي بعض الكلام فيه(2) .

وبما ذكرنا يظهر صحّة التمسّك للمطلوب ببعض الأخبار ، كصحيح الحلبي قال : سمعت أبا عبداللّه علیه السلام يقول : «إذا لم يجد الرجل طهوراً وكان جنباً ، فليتمسّح من الأرض»(3) . ونظيرها صحيح ابن سنان(4) .

ص: 268


1- تقدّم في الصفحة 166 - 168 .
2- يأتي في الصفحة 291 .
3- الكافي 3 : 63 / 3 ؛ وسائل الشيعة 3 : 367 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 14 ، الحديث 4 .
4- تهذيب الأحكام 1 : 193 / 556 ؛ وسائل الشيعة 3 : 368 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 14 ، الحديث 7 .

لعدم صدق «المسح منها» لو قطعت العلاقة ، بعد ظهور «من» في الابتدائية ، كما تقدّم حكايته عن أئمّة الأدب(1) .

ولو قيل : لا تدلّ الابتدائية إلاّ على لزوم كون ضرب اليد مبتدئاً من الأرض ، ومنتهياً إلى الوجه ، وأمّا اعتبار العلقة فلا ، ألا ترى أنّ المسافر إذا سافر من بلده

إلى مكّة المعظّمة مع اشتغاله بين الطريق باُمور كثيرة ، بل مع تعطّله عن السير في بعض البلاد التي بين الطريق ، يقال : «سافر من بلده إلى مكّة» من غير لزوم العلاقة!

يقال : مع أنّ القياس لعلّه مع الفارق - كما يظهر من التأمّل في مثل : «تمسّح من التربة» أو «من الضرائح المقدّسة» والأشباه والنظائر - إنّ ما ذكر من النقض حاله حال المقام ؛ لأ نّه لو فرض التعطّل عنه بين الطريق بمقدار انقطعت العلقة بين قطعات سفره عرفاً ، يخرج عن صدق «منه» و«إليه» .

لكن في مورد النقض ونظائره ، تعارف لكيفية طيّ الطريق والإقامة في بعض البلاد للزيارة أو لسائر الحوائج ، ما لا يوجب التلبّسُ بها لأجله سلبَ العلقة ، فلو

فرض خروجه عن التعارف ، كما لو سافر من بلده إلى الحجّ ، فأقام في النجف الأشرف مدّة لتحصيل العلم أو غيره ؛ بحيث سلبت العلاقة بين قطعات أسفاره ، لخرج عن الصدق أيضاً ، فالعلاقة معتبرة ، والمقامات متفاوتة ، وفي المقام تنقطع العلاقة بفصل معتدّ به .

وبهذا ظهر الميزان في الموالاة ، فإنّها عبارة عن بقاء تلك العلاقة العرفية ،

ص: 269


1- تقدّم في الصفحة 163 .

وهي محفوظة مع عدم الفصل المعتدّ به عرفاً بين الضرب وبين المسحات .

وأمّا التقدير بمقدار الجفاف في الوضوء أو بمقدار سلب الاسم ، فلا دليل عليه . نعم مع سلب الاسم عرفاً لا تبقى العلاقة المذكورة .

وظهر أيضاً لزوم الموالاة ، سواء قلنا : بأنّ الضرب على الأرض شرط ، أو جزء ، أو لا ذا ولا ذاك ، بل هو مثل الاغتراف ، فإنّ التمسّح من الأرض معتبر بلا إشكال ، وهو لا يصدق إلاّ مع حفظ العلاقة وعدم الفصل بين الضرب والمسح .

وأمّا الاغتراف من الماء فلا يعتبر فيه شيء ؛ لأنّ الوضوء غسل الوجه بالماء ، وهو يحصل لو بقي الماء في كفّه أربعين سنة .

كما أ نّه لو قلنا : إنّ المعتبر في التيمّم المسح ببعض الأرض أو بأثرها ، والضرب مقدّمة لذلك ، لما كان يلزم حفظ العلاقة ، بل المعتبر صدق «المسح ببعضها» أو «أثرها» وهو صادق ولو بقيا ما بقيا .

فتأمّل في أطراف ما ذكرنا والموارد التي نظيره في العرف ، وتدبّر في الارتكازات العرفية حتّى يتّضح لك الحال ، ولا تحتاج إلى التكلّف بما ارتكبه بعض المحقّقين في إقامة الدليل عليه(1) ، مع ما ترى من تردّده في صحّة مقالته ، فيقدّم رجلاً ، ويؤخّر اُخرى .

ص: 270


1- مصباح الفقيه ، الطهارة 6 : 253 - 257 .
الأمر الخامس في اعتبار ضرب اليدين على الأرض
اشارة

هل يعتبر في التيمّم ضرب اليدين على الأرض ؟ أو يعتبر وضعهما ؛ بناءً على مباينته للضرب ؟ أو يكفي مطلق التمسّح عليها وضعاً أو ضرباً ؟

أو لا يعتبر شيء من ذلك ، بل المعتبر وصول أثر الصعيد إلى الوجه والكفّين ، فيكفي تعريضهما للهواء المغبّر ليصل إليهما ؟

أو يعتبر المسح باليدين ، لكن لا يعتبر وضعهما أو ضربهما على الأرض ، بل يكفي تأثّرهما منها ولو بوضعها عليهما ، أو استقبالهما للعواصف حتّى تتأثّرا ، كما حُكي(1) عن العلاّمة(2) ؟ لكن عن بعض تكذيبه ، ونسبة الحكاية إلى الغفلة(3) .

أو يعتبر الضرب أو الوضع على الأرض ، لكن لا يعتبر ماسح خاصّ ، بل يجزي بكلّ آلة ؛ يداً كانت أو غيرها ؟

ولولا مخالفة الأصحاب والسيرة المستمرّة المتقدّمة(4) ، لكان للاحتمال الأخير وجه معتدّ به .

توضيحه : أنّ الظاهر من الآية الكريمة ، أ نّه مع عدم وجدان الماء يقوم التراب مقامه ، لكن مع تبديل الغسل ببعض المسح ، فقوله : )فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً(أي

ص: 271


1- مفتاح الكرامة 4 : 430 .
2- نهاية الإحكام 1 : 203 .
3- اُنظر مصباح الفقيه ، الطهارة 6 : 258 .
4- تقدّم في الصفحة 258 و266 .

اقصدوا وانحوا نحوه لتمسّح الوجوه والأيدي منه ، فلا ينقدح في ذهن العرف منه

إلاّ أنّ التمسّح من الصعيد على الوجه والأيدي ، تمام الموضوع وتمام حقيقة التيمّم ، وأنّ قصد الصعيد والذهاب إليه ، إنّما هو لأجل التوصّل إلى هذا المقصود .

ألا ترى أ نّه لو قال : «اذهب إلى الماء ، وخذ غُرفة منه ، فاغسل وجهك به»

لا ينقدح في الذهن دخالة الذهاب والاغتراف فيه ، ويرى العرف والعقلاء أنّ ذكر الغرفة - كذكر التراب - لمحض التوصّل إلى غسل الوجه!

والمقام أولى به منه ؛ لأنّ الأمر بالتيمّم من الصعيد - عقيب الأمر بغسل الوجه

والأيدي في الوضوء الذي يطلب فيه صِرف غسلهما من غير دخالة للآلة - يجعل الذيل ظاهراً بل كالنصّ في أنّ منزلة التراب منزلة الماء ، وأنّ المقصود حصول المسح من الصعيد محلّ الغسل بأيّة آلة حصل . وعدم ذكر الآلة مع كونها في مقام البيان ، يؤكّد ما ذكرناه .

وتشهد به صحيحة زرارة المفسّرة لها ، قال فيها : «فلمّا أن وضع الوضوء عمّن لم يجد الماء ، أثبت بعض الغسل مسحاً ؛ لأ نّه قال : )بِوُجُوهِكُمْ( ثمّ وصل بها )وَأَيْدِيكُمْ(»(1) .

فإنّها ظاهرة في أنّ التصرّف إنّما هو في إثبات المسح موضع الغسل ، فكما أنّ الغسل لا يعتبر فيه آلة خاصّة ، كذلك ما اُثبت محلّه .

فتحصّل من ذلك : أنّ الظاهر من الآية أنّ اللازم فيه هو التمسّح من الصعيد على الوجه والأيدي ، وهو لا يحصل إلاّ مع التوصّل إلى التمسّح على الصعيد ،

ص: 272


1- الفقيه 1 : 56 / 212 ؛ وسائل الشيعة 3 : 364 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 13 ، الحديث 1 .

ومنه إليهما ، وهو صادق بأيّة آلة ، كالغسل بالماء .

فإذا علم ذلك فلا بدّ في رفع اليد عنه من دليل صالح ، والأدلّة الواردة في التيمّمات البيانية(1) وغيرها تشكل صلاحيتها لذلك ؛ فإنّ وِزانها وِزان ما وردت في الوضوءات البيانية(2) ممّا اشتملت على الأخذ بالغُرفة وباليمين ؛ حيث

لا يفهم منها إلاّ صِرف الآلية من غير دخالة في تحصيل الغسل .

وبهذا يظهر الخدشة في دلالة مثل قوله : «تضرب بكفّيك الأرض»(3) فإنّه مع كون اليد آلة للمسح ، لا يفهم العرف منها الخصوصية ، كقوله : «يجزيك من الوضوء ثلاث غُرفات : واحدة للوجه ، واثنتان للذراعين»(4) فكما لا يفهم منه اعتبار الاغتراف ، ولا ينقدح في الذهن إلاّ صرف آليتها ، ولا يصلح لتقييد إطلاق الآية ، كذلك حال الضرب بالكفّين .

وليس المدّعى إلغاء الخصوصية حتّى يقال : لا طريق للعرف إليه في مثل هذا الحكم التعبّدي .

بل المدّعى عدم إمكان رفع اليد عن ظهور الآية بمثله مع عدم الانقداح في الذهن من «ضرب اليد والكفّ» إلاّ الآلية ، فلا يحرز من مثله القيدية حتّى يقيّد به الإطلاق ، كما لا تحرز من الوضوءات البيانية .

ولعمري ، إنّ هذا الوجه وجيه لولا الجهات الخارجية ؛ من مفروغية الحكم

ص: 273


1- راجع وسائل الشيعة 3 : 358 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 .
2- راجع وسائل الشيعة 1 : 387 ، كتاب الطهارة ، أبواب الوضوء ، الباب 15 .
3- وسائل الشيعة 3 : 360 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 7 .
4- وسائل الشيعة 1 : 387 ، كتاب الطهارة ، أبواب الوضوء ، الباب 15 ، الحديث 2 .

لدى الأصحاب ومعهودية التيمّم بين المتشرّعة ؛ بحيث ما ذكرناه يعدّ كالشبهة في مقابل البديهة ، ولهذا ترى أ نّه مع كمال المناسبة بين البابين ، لم يتفوّه أحد بذلك! وهو كافٍ في بطلانه .

وأمّا بعض الاحتمالات المتقدّمة - كالمنسوب إلى العلاّمة وما قبله(1) - فهو مخالف لظاهر الآية وجميع الأدلّة ، فلا داعي للتعرّض له .

وجه اعتبار الضرب أو الوضع

بقي الكلام في أنّ المعتبر هو ضرب اليدين أو وضعهما ؛ بناءً على مباينتهما ، أو لا يعتبر شيء منهما ، بل المعتبر هو شيء أعمّ ؛ أي مطلق المماسّة ولو مسحاً .

مقتضى إطلاق الآية عدم اعتبار شيء إلاّ كون المسح من الأرض ؛ أي مبتدئاً

منها ، وقد قيّدت بالإجماع - بل الضرورة - بلزوم كون الآلةِ اليدَ ، وبقي إطلاقها

بالنسبة إلى الوضع والضرب بحاله . بل بمناسبة كون الصعيد قائماً مقام الماء عند فقده والارتكاز المتقدّم ذكره(2) ، يتقوّى إطلاقها ، ويشكل رفع اليد عنه بمثل قوله : «تضرب بكفّيك الأرض» في مقام بيان كيفية التيمّم ولو مع الغضّ عن الروايات المشتملة على الوضع ؛ لعدم فهم القيدية منه ، بل لا ينقدح في ذهن العرف إلاّ أنّ الضرب للتوصّل إلى التمسّح من الأرض ، خصوصاً من مثل قوله في صحيحة الكندي : «التيمّم ضربة للوجه ، وضربة للكفّين»(3) الظاهر في أنّ

ص: 274


1- راجع ما تقدّم في الصفحة 271 .
2- تقدّم في الصفحة 262 - 263 .
3- تهذيب الأحكام 1 : 210 / 609 ؛ وسائل الشيعة 3 : 361 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 12 ، الحديث 3 .

الضرب لصرف التمسّح للوجه ، ولا موضوعية له .

وبالجملة : لا يحرز من مثله القيدية ولو مع قطع النظر عن سائر الروايات .

ثمّ إنّ الروايات التي في الباب :

منها : ما هي مشتملة على حكاية عمّار بن ياسر ، كصحيحة زرارة قال : قال أبو جعفر علیه السلام : «قال رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم ذات يوم لعمّار . . .» إلى أن قال : «فقال : كذلك يتمرّغ الحمار ؛ أفلا صنعت كذا ؟! ثمّ أهوى بيديه إلى الأرض ، فوضعهما على الصعيد . . .»(1) إلى آخره .

والظاهر منها ظهوراً كاد أن يكون كالنصّ ، أنّ قوله : «ثمّ أهوى» من تتمّة كلام أبي جعفر علیه السلام أي أهوى النبي صلی الله علیه و آله وسلم والحاكي له أبو جعفر علیه السلام فلا يأتي فيه احتمال الاشتباه إلاّ من الرواة في نقل القول ، وهو مدفوع بالأصل ، وظاهرها كفاية الوضع ولو لم يشتمل على خصوصية زائدة ؛ وهي الدفع واللطم ، إذ لو كانت دخيلة في ذلك لما أهملها أبو جعفر علیه السلام في مقام بيان الحكاية لتعليم الحكم .

نعم ، في موثّقة زرارة عنه بعد حكاية القضيّة : «فقال : هكذا يصنع الحمار ، وإنّما قال اللّه عزّ وجلّ : )فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً( فضرب بيديه على الأرض . . .»(2) إلى آخره .

ص: 275


1- الفقيه 1 : 57 / 212 ؛ وسائل الشيعة 3 : 360 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 8 .
2- السرائر 3 : 554 ؛ وسائل الشيعة 3 : 360 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 9 .

وظاهرها أيضاً أنّ قوله : «فضرب» من كلام أبي جعفر علیه السلام حكاية عن فعل النبي صلی الله علیه و آله وسلم واحتمال أن كان العمل من أبي جعفر علیه السلام فيها ، غير بعيد .

ولا يبعد أن يكون وجه اختلاف الحكاية على فرض كونها منه علیه السلام أو العمل

والحكاية على فرض آخر ، أنّ واقع فعل النبي صلی الله علیه و آله وسلم هو الضرب ، لكن لمّا كان العنوان المفيد للأمر الزائد عن حقيقة الوضع ، غيرَ دخيل في صحّة التيمّم ، وكان متقوّماً بمطلق الوضع كيف كان ، ذكره أبو جعفر علیه السلام لإفادة عدم دخالة شيء غيره . ولمّا كان الضرب وضعاً أيضاً مع قيد ، لا يكون النقل خلاف الواقع ، كما لو كان مجيء إنسان موضوعاً لحكم ، فجاء زيد مثلاً ، فيصحّ أن يقال : «جاء زيد» وأن يقال : «جاء إنسان» .

وبالجملة : حكى أبو جعفر علیه السلام تارة : واقع القضيّة مع بعض الخصوصيات غير الدخيلة في صحّة التيمّم وكيفيته ، كقوله علیه السلام : «أهوى بيديه إلى الأرض» وكقوله : «ضرب بيديه» واُخرى : ما هو دخيل في الحكم ، كقوله : «وضع يديه» إفادةً لعدم دخالة الخصوصية الزائدة . وليس هذا من قبيل المطلق والمقيّد ، بل هو حكاية قضيّة شخصية لا بدّ في ترك القيد الزائد الذي اشتملت عليه من نكتة ، والمحتمل أن تكون ما ذكرناها .

ومنها : ما اشتملت على بيان كيفية التيمّم عملاً ، كرواية الخزّاز - الصحيحة على الأصحّ(1) - عن أبي عبداللّه علیه السلام قال : سألته عن التيمّم فقال : «إنّ عمّاراً . . .»

ص: 276


1- رواها الكليني ، عن علي بن إبراهيم ، عن محمّد بن عيسى ، عن يونس ، عن أبيأ يّوب الخزّاز . ولا إشكال في رجال السند ، إلاّ في محمّد بن عيسى العبيدي ، وهو ثقة على الأصحّ ، كما صرّح به المصنّف قدس سره في غير موضع من كتبه . راجع الجزء الأوّل : 363 .

إلى أن قال : فقلت له : كيف التيمّم ؟ فوضع يده على المِسْح . . .(1) إلى آخره .

وصحيحة داود بن النعمان قال : سألت أبا عبداللّه علیه السلام عن التيمّم فقال : «إنّ عمّاراً . . .» إلى أن قال : فقلنا له : فكيف التيمّم ؟ فوضع يده على الأرض . . .(2) إلى آخره .

وصحيحة زرارة قال : سمعت أبا جعفر علیه السلام يقول ، وذكر التيمّم وما صنع عمّار ، فوضع أبو جعفر علیه السلام كفّيه على الأرض . . .(3) إلى آخره .

وموثّقة سَماعة أو صحيحته(4) قال : سألته : كيف التيمّم ؟ فوضع يده على الأرض . . .(5) إلى آخره .

ص: 277


1- الكافي 3 : 62 / 4 ؛ وسائل الشيعة 3 : 358 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 2 .
2- تهذيب الأحكام 1 : 207 / 598 ؛ وسائل الشيعة 3 : 359 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 4 .
3- تهذيب الأحكام 1 : 208 / 603 ؛ وسائل الشيعة 3 : 359 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 5 .
4- رواها الشيخ الطوسي بإسناده ، عن الحسين بن سعيد ، عن عثمان بن عيسى ، عن سماعة . وجه الترديد لوقوع عثمان بن عيسى وسماعة في السند ؛ لأنّ عثمان بن عيسى كان شيخ الواقفة ووجهها ومن أصحاب الإجماع على قول ، ولكنّ الظاهر رجوعه عن الوقف . وسماعة بن مهران ثقة عند النجاشي وواقفي عند الشيخ الطوسي . رجال النجاشي : 193 / 517 و : 300 / 817 ؛ رجال الطوسي : 337 / 4 ؛ الفهرست ، الطوسي : 193 / 545 .
5- تهذيب الأحكام 1 : 208 / 602 ؛ وسائل الشيعة 3 : 365 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 13 ، الحديث 3 .

واحتمال الاشتباه من الرواة في حكاية الفعل(1) ، لا يُعتنى به ، سيّما مع تعدّدهم وتكرّر الرواية ، وكونهم من قبيل زرارة والخزّاز وسماعة .

فدار الأمر بين تقييد الإطلاقات كتاباً وأخباراً ، ورفع اليد عن صحيحة زرارة المتقدّمة(2) الحاكية لفعل النبي صلی الله علیه و آله وسلم بلفظ أبي جعفر علیه السلام - مع أنّ إعمال الإطلاق والتقييد غير وجيه بعد الحكاية عن الفعل الشخصي تاركاً لما هو دخيل في الحكم فرضاً ؛ وإن فهم من حكايته حكم كلّي - وبين رفع اليد عن قيدية الضرب الوارد في الأخبار الكثيرة ، والأهون في المقام مع الخصوصيات المتقدّمة هو الثاني ، سيّما مع كون المطلق والمقيّد مثبتين ، والحمل في مثله متوقّف على إحراز وحدة المطلوب ، وهو مع ما تقدّم مشكل .

مضافاً إلى أنّ المقام ليس من قبيل المطلق والمقيّد ؛ فإنّ المتفاهم العرفي من قوله : «وضع يده على الأرض» في مقام تعليم التيمّم وبيان كيفيته ، أ نّه كان وضعها بلا دفع واعتماد ، وإلاّ كان على الرواة عدم إهماله ، والحمل على الغفلة قد مرّ ما فيه(3) ، فيظهر أنّ مقتضى هذه الروايات أنّ عمل المعصوم في مقام التعليم ، كان وضعاً لا ضرباً ، ومعه كيف يمكن إعمال المطلق والمقيّد ؟!

فلا محيص عن الالتزام إمّا برفع اليد عن الروايات الصحيحة التي هي في مقام البيان ، وهو كما ترى .

ص: 278


1- اُنظر مصباح الفقيه ، الطهارة 6 : 264 .
2- تقدّمت في الصفحة 275 .
3- تقدّم في الصفحة 275 .

وإمّا البناء على أنّ للتيمّم كيفيتين ؛ إحداهما : وضع اليد ، وثانيتهما : ضربها .

وإمّا البناء على أنّ المعتبر فيه ليس إلاّ لمس الأرض وضعاً أو ضرباً ، بل أو مسحاً ؛ أخذاً بإطلاق الآية ، وجمعاً بين الروايات ، وهو أهون ؛ لكونه جمعاً عقلائياً بين جميع الروايات .

نعم ، لا يبعد الالتزام برجحان الضرب ؛ أخذاً بظواهر ما دلّت على الضرب واشتملت على الأمر به .

هذا كلّه إذا قلنا بعدم مباينة «الضرب» و«الوضع» .

وأمّا لو قلنا بمباينتهما ، فيقع التعارض بين صحيحة زرارة وموثّقته الحاكيتين عن أبي جعفر علیه السلام نقلَ فعل رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم حيث عبّر في الاُولى ب- «الوضع» وفي الثانية ب- «الضرب» وهو لا يوجب رفع اليد عن سائر الروايات الحاكية لفعل أبي عبداللّه وأبي جعفر علیهما السلام في مقام تعليم التيمّم بعد السؤال عن كيفيته ،

فالأخذ بجميع الروايات ، والالتزام بأنّ للتيمّم كيفيتين ، وحمل ما اشتملت على الأمر بالضرب على الرجحان ، أولى وأهون من طرح الطائفة المقابلة مع صحّة سندها . بل هو من قبيل حمل الظاهر على النصّ ؛ لأنّ أخبار الضرب ظاهرة في تعيّنه ، وأخبار الوضع نصّ في الاجتزاء به ، مع موافقتها لإطلاق الكتاب .

وأمّا الشهرة المنقولة في المقام(1) فليست من الشهرات المعتدّ بها ؛ لأنّ المسألة اجتهادية تراكمت فيها الأدلّة . هذا مع ذهاب جملة من الأساطين

ص: 279


1- كشف اللثام 2 : 468 ؛ جواهر الكلام 5 : 180 .

إلى الاجتزاء بالوضع صريحاً أو ظاهراً ، كالشيخ في محكيّ «المبسوط» و«النهاية» والمحقّق في «الشرائع» والشهيد في محكيّ «الذكرى» وعن «جامع المقاصد» و«حاشية الإرشاد»(1) .

لكن لا ينبغي ترك الاحتياط بعد اشتمالِ أكثر الروايات على «الضرب»(2) ونقلِ الشهرة ، واحتمالِ كون مراد بعض من عبّر ب- «الوضع» الضربَ منه ، وتعارفِ الضرب بين المتشرّعة ، واللّه العالم .

تنبيه : هل الضرب أو الوضع شرط لحصول المسح أو جزءٌ ؟

ظاهر الكتاب والسنّة أنّ الضرب أو الوضع شرط لحصول المسح من الأرض ، لا جزء للتيمّم ؛ فإنّ قوله تعالى : )فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً( - متفرّعاً عليه قوله : )فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ( - ظاهر في أنّ قصد الصعيد ضرباً أو وضعاً ؛ لأجل المسح والتوصّل إليه ، ولولا الإجماع والتسلّم بينهم(3) لقلنا بعدم مدخلية الآلة الخاصّة أيضاً ، لكن بعد القول باعتبارها لا ريب أنّ الظاهر منها أنّ الضرب لأجل المسح بالوجوه والأيدي ، كما هو الظاهر أيضاً من مثل قوله :

ص: 280


1- اُنظر مفتاح ا لكرامة 4 : 429 - 430 ؛ ا لمبسوط 1 : 32 - 33 ؛ ا لنهاية : 49 ؛ شرائع الإسلام 1 : 40 ؛ ذكرى الشيعة 2 : 259 - 260 ؛ جامع المقاصد 1 : 489 - 490 .
2- راجع وسائل الشيعة 3 : 358 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 1 و3 و6 و7 و9 ، والباب 12 ، الحديث 2 - 5 .
3- راجع ذكرى الشيعة 2 : 258 ؛ جامع المقاصد 1 : 490 و498 ؛ مدارك الأحكام 2 : 217 ؛ جواهر الكلام 5 : 179 .

«التيمّم ضربة للوجه ، وضربة للكفّين»(1) وقوله : «مرّتين مرّتين للوجه واليدين»(2) وهذا يُنافي الجزئية .

ولا دليل على اعتبار الجزئية زائداً على اعتبار الشرطية ؛ بأن يكون جزءاً بالنسبة إلى المجموع ، وشرطاً لسائر الأجزاء . وقوله : «تضرب بكفّيك الأرض ، ثمّ تنفضهما وتمسح بهما وجهك ويديك»(3) لا يدلّ على الجزئية لو لم نقل بدلالتها على الشرطية ، خصوصاً مع كون جميع الروايات كالتفسير للآية الكريمة .

فتوهّم(4) كون التيمّمات البيانية(5) - وكذا أشباه الرواية المتقدّمة - في مقام بيان ماهية التيمّم والأجزاء المقوّمة لها ، غير وجيه جدّاً ؛ لأنّ الظاهر أ نّهم علیهم السلام بصدد بيان كيفية التيمّم الصحيح ؛ من غير نظر إلى ما يعتبر فيه شرطاً أو جزءاً ، لو لم نقل بظهور بعضها - كالرواية المتقدّمة - في الشرطية ، فالأظهر هو الشرطية .

وأمّا الثمرة بين القولين فغير ظاهرة ، نعم لو قلنا : بأنّ دليل اعتبار الموالاة فيه هو ظهور الأوامر المتعلّقة بالمركّبات في إتيان أجزائها متوالية ومرتبطة - كما استدلّوا به له(6) - يكون اعتبار الموالاة بين الضرب والمسح على

ص: 281


1- وسائل الشيعة 3 : 361 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 12 ، الحديث 3 .
2- وسائل الشيعة 3 : 361 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 12 ، الحديث 1 .
3- وسائل الشيعة 3 : 360 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 7 .
4- اُنظر مصباح الفقيه ، الطهارة 6 : 259 .
5- راجع وسائل الشيعة 3 : 358 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 .
6- مصباح الفقيه ، الطهارة 6 : 253 .

الجزئية ، وعدم اعتباره على الشرطية ، ثمرةً بينهما ؛ لأنّ غاية ما يمكن دعواه

هو ظهورها في الموالاة بين الأجزاء ، لا بين الشرائط والأجزاء أيضاً ، كما لا يخفى . لكن قد عرفت أنّ وجه اعتباره غير ذلك(1) ، ومع ما ذكرناه لا تكون هذه ثمرة ، فراجع .

ويمكن أن يقال : إنّه على الشرطية لا دليل على لزوم قصد التقرّب والتعبّد

به ، بخلافه على الجزئية ؛ لأنّ المتيقّن من الإجماع على عبادية التيمّم عبادية ماهيته ، لا الأعمّ منها ومن شرائطه . إلاّ أن يقال : مقتضى ارتكاز المتشرّعة عبادية الضرب أيضاً .

وقد يقال في بيان الثمرة أمران آخران(2) ، وهو غير سديد .

ص: 282


1- تقدّم في الصفحة 267 .
2- اُنظر مصباح الفقيه ، الطهارة 6 : 259 .
الأمر السادس فيما هو المعتبر في الضرب
اشارة

اعتبار كون الضرب بكلتا اليدين

لا إشكال نصّاً (1) وفتوى(2) في اعتبار كون الضرب بكلتا يديه ، فلو ضرب بإحداهما بطل ، بل يمكن استفادته من الكتاب العزيز ، فضلاً عن الأخبار الناصّة عليه .

عدم اعتبار الدفعة في الضرب

وأمّا اعتبار الدفعة فغير ظاهر ، بل مقتضى إطلاق الأدلّة عدم اعتبارها ؛ أمّا

إطلاق الكتاب فظاهر ، وأمّا الأخبار فلأنّ الظاهر من قوله : «تضرب بكفّيك»(3) ليس إلاّ اعتبار الضرب بهما ؛ وأ نّه تمام الموضوع للحكم ، وأمّا الدفعة فأمر آخر غير ضربهما لا بدّ في اعتباره من بيان وتقييد مفقود في المقام ، فمقتضى إطلاق مثله هو عدم الاعتبار .

وتوهّم(4) دلالة الأدلّة عليه انصرافاً أو إشعار كلّ واحد من الأخبار ، وبعد ضمّ

ص: 283


1- راجع وسائل الشيعة 3 : 358 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 .
2- المقنعة : 62 ؛ المبسوط 1 : 32 - 33 ؛ السرائر 1 : 136 ؛ جواهر الكلام 5 : 181 - 182 .
3- وسائل الشيعة 3 : 360 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 7 .
4- مصباح الفقيه ، الطهارة 6 : 265 .

بعضها إلى بعض يستفاد الحكم ، غير سديد .

نعم لا يبعد أن يكون العمل الخارجي المتعارف بين الناس ، موجباً لتوهّم الانصراف ، لكنّه غير الانصراف في نفس الأدلّة .

والإنصاف : أنّ رفع اليد عن ظاهر الأدلّة ومقتضى إطلاقها مشكل ؛ وإن كان ترك الاحتياط والبناء على عدم الاعتبار - بعد كون العمل عليه - مشكلاً آخر .

اعتبار الضرب بباطن الكفّين

ثمّ إنّه لا ريب في أنّ الظاهر من الأدلّة - ولو انصرافاً - أنّ المعتبر ضرب

باطن الكفّين ، خصوصاً بعد ارتكازية مخالفة الماسح والممسوح . بل يمكن أن يستدلّ عليه بعدها بمثل موثّقة زرارة : «ثمّ مسح كفّيه كلّ واحدة على ظهر الاُخرى»(1) .

وقوله في رواية داود : «فوضع يديه على الأرض ، ثمّ رفعهما ، فمسح وجهه ويديه فوق الكفّ»(2) بعد كونه في مقام بيان كيفية التيمّم .

ولا يمكن إلغاء الخصوصية بعد ما عرفت من اعتبار الأدلّة الخاصّة فيه ، بل اللازم مراعاة جميع ما يتفاهم من التيمّمات البيانية وغيرها المحتملة دخالتها ، بعد كونها في مقام بيان كيفية التيمّم وما يعتبر فيه .

ص: 284


1- السرائر 3 : 554 ؛ وسائل الشيعة 3 : 360 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 9 .
2- تهذيب الأحكام 1 : 207 / 598 ؛ وسائل الشيعة 3 : 359 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 4 .
عدم اعتبار اتّصال المتيمّم به بالأرض

كما لا ريب في جواز التيمّم بالتراب ونحوه وإن لم يكن متّصلاً بالأرض ، ويدلّ عليه - مضافاً إلى السيرة القطعية ، وقوله : «التراب أحد الطهورين»(1) وما دلّ على جواز التيمّم بالجصّ والنورة الصادق كلّ منهما على المنفصل من الأرض - أنّ الظاهر عرفاً من قوله تعالى : )فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً . . .( إلى قوله : )مِنْه(أنّ ما هو دخيل فيه هو محلّ الضرب ووقوع اليد ، وأمّا سائر أجزاء الأرض التي لا تقع اليد عليها ، فلا دخالة لها في المسح .

ولو نوقش فيه ، فلا إشكال في أصل الحكم ، بعد كون التراب أحد الطهورين ، وقطعية عدم الفصل بينه وبين الحجر وغيره .

اعتبار كون الضرب بجميع الباطن وكفاية الضرب بالكفّ الناقصة

ثمّ إنّ المعتبر فيه ضرب مجموع باطن الكفّين ؛ لكون «الكفّ» اسماً له ظاهراً ، وبعضه جزء له ، لا كفّ على الإطلاق .

نعم ، لو كانت ناقصة يكفي الضرب بها ، ولا يسقط التيمّم بلا إشكال ؛ لقاعدة الميسور ، وضرورية عدم سقوط الصلاة ، بل لا يبعد فهمه من نفس الخطابات المتوجّهة إلى المكلّفين ، كما ذكرناه في الوضوء(2) وقلنا : إنّ قوله تعالى : )فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ( ليس مخصوصاً بمن كان وجهه

ص: 285


1- تقدّم في الصفحة 242 .
2- الطهارة (تقريرات الإمام الخميني قدس سره) الفاضل اللنكراني : 433 .

ويده سليمين ، فمن قطعت يده من الأصابع ، وسمع قوله تعالى : )فَاغْسِلُوا

وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ( يرى لزوم غسل يده الناقصة إلى المرفق ، ولا ينقدح في ذهنه توجّه الخطاب إلى السالمين . نعم لو كان القطع من المرفق يكون خارجاً منه .

وفي المقام أيضاً يرى العرف دخول مقطوع الإصبع تحت الخطاب ولو قلنا بكون «الكفّ» اسماً للمجموع ؛ وذلك لمناسبات مغروسة في الأذهان ، كما هو كذلك في الخطابات العرفية .

بل لا يبعد أن يقال : إنّ «الكفّ» - ك- «اليد» و«الرجل» - صادقة على الكلّ

والبعض ، لكن ينصرف مثل قوله : «اضرب كفّيك» إلى ضرب جميعهما ، وهو يتمّ مع سلامة الكفّ ، ومع نقصها يصدق «أ نّه ضرب كفّيه على الأرض» حقيقة ، فلا إشكال في عدم سقوط التيمّم والصلاة مع نقصان الكفّ .

حكم من قطعت كفّاه من الزند

وأمّا لو قطعت كفّاه من الزَنْد ، فقد يقال بلزوم مسح الوجه بالذراعين ، ومسح ظاهر كلٍّ بباطن الاُخرى . وهو بالنسبة إلى مسح الوجه غير بعيد وإن لا يخلو من شبهة ، لكن بالنسبة إلى ظاهر كلٍّ بباطن الاُخرى وقيامِهما مقامَ الكفّ ، بعيد لعدم شمول الخطابات له ، وهو واضح ، وعدم كون مسح الذراعين ميسورَ مسحِ الكفّين .

ولو حاول أحد تعميم قاعدة الميسور لمثل ذلك ، لصحّ له أن يلتزم بلزوم مسح الرجل أو سائر الجسد بدل اليد إذا قطعت يداه من الأصل ؛ لأنّ المسح

ص: 286

بظاهر الكفّ ينحلّ إلى المسح ، وكونه بظاهر الكفّ ، وكونه بالكفّ ، وكونه بالجسد ، فمع تعسّر كلّ مرتبة يجب قيام الاُخرى مقامها ، وهو كما ترى .

وبالجملة : ليست الذراعان مع الكفّ إلاّ كأجنبيّ في باب التيمّم ، وليس المسح عليهما ميسورَ مسحِ الكفّين ، والانحلال العقلي غير معوّل عليه في مثل المقام . بل لزوم مسح الجبهة فقط ممّن لم يكن له يد - لكونه ميسورَ التيمّم - أيضاً لا يخلو من إشكال .

والاحتياط لازم على أيّ حال في مثل «الصلاة التي لا تُترك بحال» ، مع بُعد عدم تكليف مثله بالصلاة - التي هي عماد الدين - إلى آخر عمره . بل ليس المدّعي للقطع بعدم ترك مثله سُدى بمجازف .

حكم تعذّر الضرب بباطن الكفّين

ثمّ لو تعذّر الضرب بباطن الكفّين ، هل يقوم ظاهرهما مقامه بدعوى : أ نّه ميسوره وأقرب من غيره ، أو يقوم باطن الذراعين مقامه ، فيضرب بباطنهما ، ويمسح بهما الوجه وظاهر الكفّين ، أو يتخيّر بينهما ، أو يجب الجمع ؛ للعلم الإجمالي بحصول التيمّم الواجب بإحدى الكيفيتين ؟

وجوه ، لا يبعد ترجيح الثاني ؛ لأنّ أصل اعتبار كون الماسح هو اليد والكفّين ، غير مستفاد من الأدلّة اللفظية كما مرّ ، وإنّما قلنا باعتباره للسيرة والإجماع(1) ، والمتيقّن منهما اعتباره حال عدم التعذّر وفي صورة الاختيار ، وأمّا مع التعذّر فالأصل وإن اقتضى عدم اعتبار إحدى الخصوصيتين ، لكن المتفاهم من الأدلّة

ص: 287


1- تقدّم في الصفحة 271 و280 .

- كما مرّت الإشارة إليه(1) - مخالفة الماسح للممسوح ؛ وأنّ آلة المسح موصلة لأثر الأرض - ولو أثراً اعتبارياً - إلى ما لم يلمس الأرض ، ومع القول بالانتقال إلى الظاهر ، لا بدّ من رفع اليد عن هذا الظاهر .

وبعبارة اُخرى : يعتبر في التيمّم حال الاختيار ، كونُ المسح بباطن الكفّ ، ومغايرةُ الآلة للممسوح ، وفي حال التعذّر يرفع اليد عن الباطن ، وتحفظ المغايرة مع حفظ آلية اليد ، فيرجّح الذراع على الظاهر .

لكن ما ذكرناه لا يساعد عليه كلمات القوم ممّن تعرّض للمسألة(2) ، والاحتياط بالجمع لا ينبغي تركه .

حكم نجاسة الباطن

ثمّ إنّه مع نجاسة الباطن ؛ إمّا أن تكون سارية إلى الأرض لو تيمّم ، أو إلى الممسوح دون الأرض ، كما لو جرح العضو بعد الضرب ، أو لم تكن سارية مطلقاً :

فعلى الأوّل قد يقال : إنّ ظاهر الأدلّة اعتبار طهارة الصعيد عند ضرب اليد عليه ، فإذا صار قذراً بالضرب لا يضرّ بالتيمّم(3) .

وفيه : أنّ ظاهر الآية(4) - مع قطع النظر عن صحيحة زرارة(5) - اعتبار طهارته

ص: 288


1- تقدّم في الصفحة 284 .
2- جامع المقاصد 1 : 490 ؛ رياض المسائل 2 : 324 ؛ جواهر الكلام 5 : 182 - 183 .
3- مستند الشيعة 3 : 457 ؛ اُنظر مصباح الفقيه ، الطهارة 6 : 273 .
4- المائدة (5) : 6 .
5- الفقيه 1 : 56 / 212 ؛ وسائل الشيعة 3 : 364 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 13 ، الحديث 1 .

عند رفع اليد منه أيضاً ؛ لمكان )مِنْهُ( فإنّ الظاهر رجوع الضمير إلى «الصعيد الطيّب» فمع ابتدائية «مِنْ» - كما هي الأرجح - يكون المعنى : «فامسحوا مبتدئاً من الصعيد الطيّب» .

نعم ، بناءً على رجوع الضمير إلى «التيمّم» - كما في صحيحة زرارة المفسّرة

للآية - يشكل استفادة ما ذكر منها ، كما تقدّم بعض الكلام فيها (1) .

إلاّ أن يقال : إنّ المراد من قوله : «ذلك التيمّم» ذلك الضرب الواقع على الصعيد الطيّب ، ومع قذارته بالضرب يخرج عن ذلك العنوان ، تأمّل .

ويمكن استفادة اعتبار طهارة الأرض التي يمسح منها المحالّ - وكذا اعتبار طهارة المحالّ الممسوحة إذا فرض سراية نجاسة الكفّ إليها - من الآية الكريمة وصحيحة زرارة المتقدّمة بالتقريب المتقدّم ؛ مستمدّاً بارتكاز العرف في اعتبار كلّ ما يعتبر في الوضوء والغسل جميعاً في التيمّم ، فراجع(2) .

وأمّا مع عدم سرايتها - بأن يكون المحلّ جافّاً - فالظاهر عدم الانتقال إلى الظاهر ، بل ينتقل إلى الذراعين ، كما مرّ الكلام فيه(3) .

وأمّا دعوى : أنّ حفظ الذات أولى من حفظ الوصف ، فمع الانتقال إلى غير باطن الكفّ ، ترك الأصل والذات حفظاً للوصف ، بخلاف المسح بالباطن النجس .

ففيها : أنّ أمثال هذه الاُمور الاعتبارية والترجيحات الظنّية ، غير معوّل عليها

ص: 289


1- تقدّم في الصفحة 272 .
2- تقدّم في الصفحة 262 .
3- تقدّم في الصفحة 287 .

في الأحكام التعبّدية البعيدة عن العقول . مع ما عرفت(1) من أنّ اعتبار باطن الكفّ - بل مطلق آلية اليد - غير مستفاد من الأدلّة لولا الإجماع والسيرة المفقودان في مثل المقام .

والاحتياط في جميع صور الدوران لا ينبغي أن يترك ؛ وإن كانت البراءة في كثير من الموارد محكّمة ؛ بناءً على جريانها في الطهارات الثلاث ، كما هو الأقوى .

ص: 290


1- تقدّم في الصفحة 271 و280 و287 .
الأمر السابع هل يعتبر في التيمّم العلوق ممّا ضرب عليه ؟
اشارة

والكلام فيه يقع في موارد :

عدم لزوم مسح المواضع بالتراب ونحوه

منها : في اعتبار العلوق بمعنى لزوم مسح المواضع بالتراب ونحوه ، ولا إشكال ولا كلام عندنا في عدم اعتباره ، وهو الذي ادّعي الإجماع عليه ، فعن «المنتهى» : «لا يجب استعمال التراب عند علمائنا»(1) وحكي الإجماع عن غيره أيضاً (2) .

والظاهر أنّ خلاف بعض المتأخّرين(3) ليس في ذلك ، كما يظهر من استدلالاتهم ، خصوصاً جوابهم عن الروايات الدالّة على النفض : «من عدم المنافاة بينه وبين لزوم العلوق ؛ لبقاء الأجزاء الصغيرة الغبارية بعد النفض» فيظهر

منهم أنّ مرادَهم بلزوم العلوق ، لزومُ بقاء أثر التراب الذي لا يسمّى «تراباً» . وكيف كان : يدلّ على عدم اعتباره - بعد الإجماع - الأدلّةُ الدالّة على

ص: 291


1- منتهى المطلب 3 : 97 .
2- اُنظر جواهر الكلام 5 : 187 - 188 ؛ كنز العرفان في فقه القرآن 1 : 26 - 27 ؛ جامع المقاصد 1 : 496 ؛ مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام 1 : 67 .
3- الحبل المتين : 89 / السطر 5 ؛ مفاتيح الشرائع 1 : 62 ؛ الحدائق الناضرة 4 : 333 .

استحباب النفض أو جوازه(1) ؛ ضرورة أ نّه بعده لا يبقى من نفس الصعيد والأرض على اليد شيء ، وما بقي عليها أحياناً هو أثرهما الذي لا يسمّى «تراباً» عرفاً ولا «أرضاً» .

والآيةُ الكريمة بعد البناء على كون «مِنْ» ابتدائية بشهادة صحيحة زرارة(2) التي دلّت على رجوع الضمير المجرور إلى «التيمّم» لا «الصعيد» وكذا الأخبار المتقدّمة(3) ؛ ضرورة أ نّه لو كان الجارّ للتبعيض والمجرور راجعاً إلى «الصعيد» لزم منه وجوب حمل الصعيد إلى الوجه والكفّين ، مع أ نّه بعد النفض لا يبقى بعض الأرض على اليد للوجه ، فضلاً عن الكفّين ، فإذا لم تكن تبعيضية فلا محالة تكون ابتدائية ؛ لضعف الاحتمالات الاُخر ، فتدلّ على أنّ المعتبر في التيمّم ، أن يكون المسح مبتدئاً من الأرض لا بالأرض ، فتدلّ على عدم اعتبار العلوق بالمعنى المتقدّم ، ولا بغيره كما يأتي ، فلا ينبغي الإشكال في عدم اعتباره بهذا المعنى .

عدم لزوم أن يعلق على اليد من أجزاء الأرض

ومنها : اعتباره بمعنى لزوم أن يعلق على اليد من أجزاء الأرض ولو سقطت بالنفض ، بل ولو لم يبقَ أثرها . ولا ينبغي الإشكال في عدم اعتباره أيضاً ، بل هو

ص: 292


1- راجع وسائل الشيعة 3 : 359 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 3 و6 و7 و9 .
2- راجع ما تقدّم في الصفحة 288 - 289 .
3- تقدّمت في الصفحة 268 - 269 .

أضعف من سابقه ؛ لإمكان التمسّك له بالآية والصحيحة المتقدّمة ؛ بتوهّم تبعيضية «مِنْ» وبارتكازية بدلية التراب للماء ، وإن ظهر ضعفهما ممّا تقدّم حتّى الثاني ، فإنّ الارتكاز لا يقاوم الأدلّة كتاباً وسنّة .

وأمّا توهّم اعتبار العلوق وكونه واجباً مستقلاًّ ، لا للتمسّح به على الأعضاء ، فهو خلاف الآية والروايات جميعاً ؛ فإنّ الظاهر منها عدم استقلاليته ، بل لو كان معتبراً فلأجل المسح على الأعضاء ، والروايات المشتملة على النفض يظهر منها - بمساعدة الارتكاز العرفي - أنّ النفض لعدم الاحتياج إلى ما يعلق من الصعيد على اليد لمسحها ، ولا إشعار فيها بلزوم العلوق استقلالاً من غير لزوم المسح به .

ولهذا ترى أنّ الروايات المشتملة على الوضع خالية عن ذكر النفض(1) ، بخلاف ما تشتمل على الضرب ، فإنّها مشتملة عليه(2) إلاّ نادراً (3) ! والظاهر أنّ الوجه فيه هو تحقّق العلوق بالضرب دون الوضع ، خصوصاً في أراضي الحجاز الغالب عليها الرمل والأحجار الصغار التي تلصق باليد مع الضرب ، دون الوضع بلا اعتماد ولا قوّة ولا مكث .

وبالجملة : عدم اعتبار العلوق بهذا المعنى أيضاً واضح .

ص: 293


1- راج-ع وسائل الشيعة 3 : 358 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 2 و4 و5 و8 .
2- راجع وسائل الشيعة 3 : 359 ، كتاب الطهارة ، أب-واب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 3 و6 و7 .
3- راجع وسائل الشيعة 3 : 358 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 1 .
عدم اعتبار انتقال أثر من الأرض إلى الأعضاء

والعمدة البحث عن النحو الثالث من العلوق ؛ وهو أثر التراب والأرض ، ولا يبعد أن يكون ذلك مورداً للكلام ، ومختاراً لبعض المتأخّرين ، كما مرّت الإشارة إليه(1) . وهو أيضاً لا يقصر في الضعف عمّا تقدّم ؛ فإنّ «مِنْ» في الآية الكريم-ة إن كانت تبعيضي-ة ، تنطبق على العلوق بالمعنى الأوّل ، وإن كانت ابتدائية لا تنطبق على العلوق بهذا المعنى أيضاً . بل بعد البناء على الابتدائية ، تدلّ الآية بإطلاقها على عدم اعتبار العلوق ؛ للدلالة على أنّ تمام الموضوع لتحقّق التيمّم ، كون التمسّح مبتدئاً من الصعيد من غير دخالة شيء آخر فيه .

ودعوى : أنّ المسح منه على الوجه والكفّ - ولو بمناسبة الحكم والموضوع - منصرف إلى انتقال أثر من الأرض إلى الأعضاء ، مدفوعة بأنّ ما هو المرتكز من قيام الصعيد مقام الماء ، هو قيام نفسه مقامه ، كما فعل عمّار ، لا قيام

أثره ، وبعد قيام الدليل على عدم لزوم ذلك ، لا مجال لدعوى قيام الأثر ، فلا يجوز رفع اليد عن الإطلاق ، ولا دعوى الانصراف لأجل الارتكاز .

كما أنّ دعوى الانصراف أو عدم الإطلاق - لأجل غلبة الأراضي في انتقال أثرها إلى اليد وبقائه بعد النفض - مدفوعة بمنع الغلبة الموجبة لعدم الإطلاق ، فضلاً عن الانصراف ، سيّما في أراضي نزول الوحي وصدور الروايات ، وخصوصاً مع كون «الصعيد» مطلق وجه الأرض ، وبالأخصّ مع قرب أراضي الحرمين الشريفين من البحر الموجب لنزول الأمطار الغزيرة في غالب الفصول

ص: 294


1- تقدّمت في الصفحة 291 .

فيها ، مع كيفية أرضهما الخالية من التراب الموجب لعدم كونها مغبّرة وعدم بقاء أثرها بعد النفض غالباً ، ومعه كيف تسوغ دعوى الغلبة والانصراف ، وكيف يمكن السكوت عنه مع فرض اعتباره ؟!

مضافاً إلى أ نّه لو فرض بقاء أثر ضعيف بعد النفض ، فلا ريب في أ نّه مع إمرار

اليدين على الوجه ، يرتفع وينتقل إليه ، فلا يبقى للكفّين أثر منه ، فلا بدّ للقائل

بلزوم العلوق ؛ إمّا أن يلتزم بلزومه للوجه فقط ، أو لزوم المسح ببعض اليد على الوجه بوجه يبقى الأثر للكفّين ، أو لزوم ضرب آخر بعد مسح الوجه ، ولا أظنّ التزامه بالأوّلين ، ويأتي الكلام في ضعف الثالث(1) .

ص: 295


1- يأتي في الصفحة 334 .
الأمر الثامن في تحديد الماسح والممسوح وكيفية المسح
اشارة

أمّا الماسح ، فيقع البحث فيه من جهات :

الجهة الاُولى : في كفاية المسح بيد واحدة
اشارة

بعد وضوح لزوم كون المسح بما يضرب على الأرض نصّاً وفتوى ، هل يعتبر أن يقع مسح الجبهة باليدين ، كما عن «التذكرة» : «أ نّه الأظهر من عبارات الأصحاب»(1) ، وعن «المدارك» : «أنّ أكثر الأصحاب على كون المسح بباطن الكفّين معاً»(2) ، وعن «المختلف» و«الذكرى» و«كشف اللثام» : «أ نّه المشهور»(3) .

أو يجتزأ بيد واحدة ، كما عن «التذكرة» احتماله(4) ، وعن المولى الأردبيلي والمحقّق الخونساري اختياره(5) ؟

وجه الاجتزاء بيد واحدة

لا يبعد ترجيح ذلك ؛ لإطلاق الآية الكريمة وعدم صلوح الأدلّة لتقييدها .

ص: 296


1- تذكرة الفقهاء 2 : 194 .
2- مدارك الأحكام 2 : 222 .
3- مختلف الشيعة 1 : 274 ؛ ذكرى الشيعة 2 : 265 ؛ كشف اللثام 2 : 469 .
4- تذكرة الفقهاء 2 : 194 .
5- مجمع الفائدة والبرهان 1 : 237 ؛ الحواشي على شرح اللمعة الدمشقية ، المحقّق الخوانساري : 151 / السطر 4 .

ودعوى(1) كونها من المتشابهات التي يجب الرجوع فيها إلى تفسير أهل البيت علیهم السلام - كدعوى عدم إطلاقها ؛ لكونها في مقام أصل التشريع - ضعيفة ؛ ضرورة عدم إجمال وتشابه فيها ، فإنّ الظاهر من قوله : )فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً(الواقع في ذيل بيان الوضوء والغسل وأ نّهما بالماء ، وبقرينة )فَامْسَحُوا . . . مِنْهُ(هو التلمّس للأرض بالآلة المتداولة التي هي باطن الكفّين ؛ لعدم إمكان المسح على اليدين بكفّ واحدة ، فيستفاد منها لزوم مسح بعض الوجه واليدين من الأرض بالآلة . نعم لولا الجهات الخارجية لقلنا بعدم لزوم كون اليد آلة ، كما تقدّم(2) .

فإطلاق الآية محكّم ما لم يرد دليل على التقييد . والتقييدات الواردة عليها ليست بحدّ الاستهجان حتّى نلتزم بإهمالها ، أو بقيام قرائن حالية لم تصل إلينا .

والذي يشهد على عدم إجمال أو إهمال فيها ، إرجاع رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم عمّاراً إليها لرفع خطئه بقوله : «هكذا يصنع الحمار ؛ إنّما قال اللّه عزّ وجلّ : )فَتَيَمَّمُوا

صَعِيداً طَيِّباً(»(3) . وفي رواية : «إنّما قال اللّه : )فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ(»(4) . وفي اُخرى : «أفلا صنعت كذا ؟» ثمّ تيمّم(5) .

ص: 297


1- مصباح الفقيه ، الطهارة 6 : 282 .
2- تقدّم في الصفحة 271 .
3- السرائر 3 : 554 ؛ وسائل الشيعة 3 : 360 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 9 .
4- تفسير العيّاشي 1 : 302 / 63 ؛ مستدرك الوسائل 2 : 540 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 3 .
5- الفقيه 1 : 57 / 212 ؛ وسائل الشيعة 3 : 360 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 8 .

وتمسّك أبي جعفر علیه السلام بها وبخصوصياتها لتعليم زرارة(1) ، فلا إشكال في إطلاقها وعدم تشابهها . نعم الروايات الحاكية لفعلهم(2) ، لا يكون فيها إطلاق معتدّ به من هذه الجهة .

وأمّا عدم صلوح شيء لتقييدها ؛ فلأنّ أظهر ما في الباب في ذلك - ممّا يمكن الركون إليه سنداً - موثّقة زرارة ، عن أبي جعفر علیه السلام في التيمّم قال : «تضرب بكفّيك الأرض ، ثمّ تنفضهما وتمسح بهما وجهك ويديك»(3) .

وصحيحة المرادي ، عن أبي عبداللّه علیه السلام في التيمّم قال : «تضرب بكفّيك على الأرض مرّتين ، ثمّ تنفضهما وتمسح بهما وجهك وذراعيك»(4) .

بدعوى ظهورهما - بل صراحتهما - في كون مسح الوجه باليدين .

لكن يمكن إنكار ظهورهما - فضلاً عن صراحتهما - بأن يقال : إنّ محتملات قوله : «وتمسح بهما وجهك ويديك» كثيرة بدواً :

أحدها : أن يكون المراد «تمسح بهذه وهذه وجهك ويدك اليمنى واليسرى» جموداً على ظاهر علامة التثنية من تكرير مدخولها ، وظاهر الضمير الراجع إلى طبيعة اليدين ؛ من غير اعتبار الاجتماع في المدخول والمرجع ، فإنّه يحتاج إلى

ص: 298


1- الفقيه 1 : 56 / 212 ؛ وسائل الشيعة 3 : 364 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 13 ، الحديث 1 .
2- راجع وسائل الشيعة 3 : 358 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 .
3- تهذيب الأحكام 1 : 212 / 615 ؛ وسائل الشيعة 3 : 360 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 7 .
4- تهذيب الأحكام 1 : 209 / 608 ؛ وسائل الشيعة 3 : 361 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 12 ، الحديث 2 .

مؤونة زائدة . ولازم هذا الاحتمال لزوم مسح كلّ يد جميع الجبهة ، أو هي مع الجبينين ، وكذا مسح كلٍّ من اليدين الماسحتين كلَّ واحدة من الممسوحتين ، وهو غير ممكن في الثاني ، ولم يلتزموا به في الأوّل ، فهذا الاحتمال مدفوع لذلك .

ثانيها : أن يكون المراد «تمسح بمجموعهما وجهك وكلّ واحد من يديك» . ولازمه لزوم مسح كلٍّ من اليدين بمجموعهما ، وهو أيضاً مدفوع ؛ لامتناعه .

ثالثها : أن يكون المراد «تمسح بمجموعهما وجهك ومجموع اليدين» . ولازم ذلك ما هو المشهور .

رابعها : «تمسح بمجموعهما مجموع الوجه واليدين» أي بمجموع هذين مجموع الثلاثة . ولازم ذلك جواز مسح الوجه بيد واحدة ، كما اختاره المحقّقان المتقدّمان .

ولا ترجيح لأحد الأخيرين لو لم نقل بترجيح ثانيهما ؛ لأجل ارتكاز العرف بأنّ المسح لإيصال أثر الأرض - ولو أثرها الاعتباري - إلى الوجه من غير دخالة مجموع اليدين في ذلك . وضرب اليدين إنّما هو لتحصيل المسحات الثلاث ، لا لمسح الوجه بهما .

وبالجملة : مع محفوفية الكلام بالقرينة العقلية ، ورفع اليد عن الظاهر الأوّلي ، لا يبقى ظهور في الاحتمال الثالث .

ودعوى : أنّ الظاهر منها هو المسح بهما مطلقاً ، وقيام القرينة العقلية موجب لرفع اليد عنه بالنسبة إلى اليدين دون الوجه ، مدفوعة بأنّ الظاهر منها هو المسح بكلّ واحدة منهما جميع الممسوح ، وهو مخالف لإطلاق الكتاب والفتوى

ص: 299

والعقل ، ومع رفع اليد عنه ودوران الأمر بين أحد الأخيرين ، فالترجيح مع ثانيهما ، فيوافق إطلاق الآية . ومع تساويهما أو الترجيح الظنّي لأوّلهما ، لا يترك

الإطلاق حتّى على الثاني ؛ لعدم ظهورٍ معتدٍّ به ، وعدم كون الظنّ مستنداً إلى اللفظ وظهوره حتّى يكون حجّة .

نعم ، ظاهر رواية الكاهلي - قال : «سألته عن التيمّم ، فضرب بيديه على البساط ، فمسح بهما وجهه ، ثمّ مسح كفّيه إحداهما على ظهر الاُخرى»(1) - هو مسح الوجه باليدين .

لكنّها مع ضعفها سنداً (2) وإضمارها ، لا تصلح لتقييد الكتاب ، ولا يعلم استناد المشهور إليها ، ومجرّد مطابقة فتواهم لرواية لا يجبر ضعفها . وكون الناقل عنه صفوان بن يحيى وصحّة السند إليه ، غير مفيد ؛ لعدم ثبوت أ نّه لا يروي إلاّ عن ثقة وإن قال به الشيخ في محكيّ «العدّة»(3) ، والإجماع على تصحيح ما يصحّ عنه(4) - على فرض ثبوته - لم يتّضح إثبات ما راموا منه ، والتفصيل موكول إلى محلّه(5) .

وأمّا صحيحة محمّد بن مسلم قال : سألت أبا عبداللّه علیه السلام عن التيمّم ، فضرب بكفّيه الأرض ، ثمّ مسح بهما وجهه ، ثمّ ضرب بشماله الأرض ، فمسح بها مرفقه

ص: 300


1- الكافي 3 : 62 / 3 ؛ وسائل الشيعة 3 : 358 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 1 .
2- رواها الكليني ، عن محمّد بن يحيى ، عن محمّد بن الحسين ، عن صفوان ، عن الكاهلي .
3- العدّة في اُصول الفقه 1 : 154 .
4- اختيار معرفة الرجال : 556 / 1050 .
5- يأتي في الجزء الثالث : 350 .

إلى أطراف الأصابع ؛ واحدة على ظهرها وواحدة على بطنها ، ثمّ ضرب بيمينه الأرض ، ثمّ صنع بشماله كما صنع بيمينه ، ثمّ قال : «هذا التيمّم على ما كان فيه الغسل ، وفي الوضوء : الوجه واليدين إلى المرفقين . . .»(1) إلى آخره .

فلا يتّكل عليها لتقييد الكتاب ؛ بعد اشتمالها على عدّة أحكام مخالفة للمذهب . والتفكيك في الحجّية في مثلها ، غير جائز بعد عدم الدليل على حجّية خبر الثقة إلاّ بناء العقلاء الممضى ، ولا ريب في عدم ثبوت بنائهم على العمل بما اشتملت على عدّة أحكام مخالفة للواقع ، لو لم نقل بثبوت عدمه .

وجه عدم الاجتزاء بيد واحدة وترجيحه

نعم ، هنا روايات لا يبعد دعوى ظهورها في المطلوب ، كصحيحة زرارة ، عن أبي جعفر علیه السلام حكايةً لقضيّة عمّار بن ياسر ، وفيها : «ثمّ أهوى بيديه إلى الأرض ، فوضعهما على الصعيد ، ثمّ مسح جبينيه بأصابعه ، وكفّيه إحداهما بالاُخرى ، ثمّ لم يعد ذلك»(2) .

فإنّ الظاهر من «مسح جبينيه بأصابعه» المسح بجميعها ، سيّما بعد قوله : «فوضعهما على الصعيد» .

وموثّقته عن أبي جعفر علیه السلام قال في ذيل حكاية قضيّة عمّار : «فضرب بيديه

ص: 301


1- تهذيب الأحكام 1 : 210 / 612 ؛ وسائل الشيعة 3 : 362 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 12 ، الحديث 5 .
2- الفقيه 1 : 57 / 212 ؛ وسائل الشيعة 3 : 360 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 8 .

على الأرض ، ثمّ ضرب إحداهما على الاُخرى ، ثمّ مسح بجبينيه ، ثمّ مسح كفّيه كلّ واحدة على ظهر الاُخرى»(1) .

فإنّ الظاهر منها أنّ المسح وقع بعين ما ضرب على الأرض للمسح، لا بإحدى يديه ؛ ضرورة أ نّه لو ضرب بيدين ومسح بإحداهما على جبينيه ، لقال - في مقام الحكاية - : «فمسح بواحدة منهما» لكون الضرب بهما والمسح بإحداهما مخالفاً للمتعارف ، ومعه كان عليه حكايته ، ومع عدم الذكر ينصرف إلى المتعارف ؛ وهو المسح بما ضرب ، ألا ترى عدم احتمال كون المسح بغير اليدين مع عدم حكاية كونه بهما! وليس ذلك إلاّ للانصراف والظهور في كونه بما وقع على الأرض .

وهذا نظير أن يقال : «أخذ الماء بغرفتيه ، فغسل وجهه» ؛ حيث يكون ظاهراً في صبّ ما في الغرفتين على وجهه وغسله بهما . ومن هنا يمكن الاستدلال عليه ببعض روايات اُخر(2) .

لكن يمكن المناقشة في صلوح مثل تلك الروايات لتقييد الآية الكريمة ؛ فإنّ مجرّد ظهورها في كون المسح باليدين ولو في مقام بيان الحكم والتعليم ، لا يكفي في التقييد إلاّ إذا دلّت على التعيين ، والعملُ الخارجي الذي لا يمكن أن يقع إلاّ على وجه واحد وكيفية واحدة ، لا يكون ظاهراً فيه ، ودالاًّ على أنّ للتيمّم كيفية واحدة ، وأنّ تمام حقيقته كذلك ، ومعه لا يمكن تقييد المطلق الموافق له به .

ص: 302


1- السرائر 3 : 554 ؛ وسائل الشيعة 3 : 360 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 9 ، ولكنّ المتن موافق للطبع الحجري من وسائل الشيعة 1 : 227 ، السطر 29 .
2- راجع وسائل الشيعة 3 : 359 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 4 و5 .

وبعبارة اُخرى : أنّ المطلق والمقيّد المثبتين غير متنافيين ، إلاّ إذا اُحرزت وحدة المطلوب والكيفية ، وهي غير محرزة في المقام .

ولعلّه إلى ما ذكرنا يرجع ما عن المحقّق الخونساري رحمه الله علیه حيث قال : «كما يجوز حمل المطلق على المقيّد ، يجوز القول بكفاية المطلق وحمل المقيّد على أ نّه أحد أفراد الواجب»(1) انتهى .

إلاّ أن يقال : إنّ الظاهر من صحيحة داود بن النعمان(2) هو السؤال عن كيفية التيمّم ، فعملُ أبي عبداللّه علیه السلام في مقام جواب سؤاله عن الكيفية ، ظاهر في

أنّ ما فعل هو الكيفية الفريدة وتمام ماهية التيمّم ، فلو كان المسح بيد واحدة مجزياً ، لفعله في مقام بيان نفس الماهية ؛ لعدم دخالة ضمّ الاُخرى في تحقّقها .

والظاهر منها مسح الوجه باليدين بالتقريب المتقدّم ، بل لا يبعد أظهريتها في ذلك ممّا تقدّم ؛ لقوله : «ثمّ رفعهما ، فمسح وجهه ويديه» .

ولا يخفى : أ نّه فرق بين هذه الصحيحة التي ندّعي ظهورها في كون المسح بيدين ، وبين صحيحة المرادي ورواية زرارة المتقدّمة حيث منعنا ظهورهما فيه كما مرّ(3) ؛ لأنّ الظهور المدّعى في هذه الصحيحة لأجل حكاية الفعل ، كما تقدّم وجهه ، فتدبّر .

بل الظاهر منها ومن صحيحة الخزّاز(4) ، أنّ ما صنع أبو عبداللّه علیه السلام موافق

ص: 303


1- الحواشي على شرح اللمعة الدمشقية ، المحقّق الخوانساري : 151 / السطر 1 .
2- تقدّمت في الصفحة 277 .
3- تقدّم في الصفحة 298 .
4- الكافي 3 : 62 / 4 ؛ وسائل الشيعة 3 : 358 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 2 .

لفعل رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم في مقام تعليم عمّار ، وبعد ضمّ ذلك إلى رواية الكاهلي الذي شهد شيخ الطائفة رحمه الله علیه بوثاقته ؛ لرواية صفوان عنه ، وقيام الإجماع المنقول

على تصحيح ما يصحّ عنه ، وهما وإن كانا موردين للمناقشة كما مرّ(1) ، لكن يوجبان ظنّاً معتدّاً به ، فإذا ضمّ ذلك إلى مرسلة العيّاشي ، عن زرارة ، عن أبي جعفر علیه السلام وفيها : «ثمّ مسح يديه بجبينيه»(2) وإلى رواية فقه الرضا (3) وإلى صحيحة زرارة وموثّقته(4) الحاكيتين لفعل رسول اللّه الظاهرتين في مسحه

باليدين ، يتمّ المطلوب ؛ وهو تعيّنه في كيفية واحدة .

والإنصاف : أنّ الراجع إلى الروايات يطمئنّ بأنّ له كيفية واحدة ، هي ما قال به المشهور . بل قيام السيرة القطعية المتّصلة إلى زمان الأئمّة ، من أقوى الشواهد على كونه بهذه الكيفية المعهودة ، فيتقيّد بها الآية الشريفة ، فلا ينبغي التأمّل فيه .

الجهة الثانية : في عدم اعتبار المسح باليدين دفعة

مقتضى إطلاق الآية وبعض الروايات - كصحيحة المرادي ورواية زرارة المتقدّمتين(5) - عدم اعتبار المسح بهما دفعة ، فيجوز تدريجاً . وإشعار الروايات

ص: 304


1- تقدّم في الصفحة 300 .
2- تفسير العيّاشي 1 : 244 / 144 ؛ مستدرك الوسائل 2 : 537 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 9 ، الحديث 4 .
3- تقدّم متنها في الصفحة 261، الهامش 1 .
4- تقدّمتا في الصفحة 301 .
5- تقدّمتا في الصفحة 298 .

الحاكية لفعل رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم وأبي جعفر وأبي عبداللّه علیهما السلام (1) أو دلالتها على أنّ عملهم كان بنحو الدفعة ، لا يظهر منها التعيين ؛ للفرق الظاهر بين الإتيان باليدين الظاهر في الدخالة ، وبين الإتيان دفعة ؛ لأ نّه لو كان مجزياً باليد الواحدة ، لكان ضمّ اليد الاُخرى إليها بلا وجه ؛ لعدم تعارف ضمّ ما ليس بدخيل إلى ما هو الدخيل ، بخلاف الدفعة ، فإنّها متعارفة بعد لزوم كون المسح باليدين ، والتعارف يوجب عدم الظهور في التعيين .

كما أنّ السيرة على الدفعة لا تكشف إلاّ صحّته كذلك ، وأمّا بطلان غيره فلا ، كما لا يخفى ، وهذا بخلاف السيرة على المسح باليدين ، فإنّها كاشفة عن دخالة اليد ؛ وذلك لما مرّ من عدم تعارف ضمّ ما ليس بدخيل ، فلا تغفل . لكن الاحتياط لا ينبغي تركه .

الجهة الثالثة : في عدم اعتبار كون المسح بجميع الكفّ
اشارة

الظاهر عدم اعتبار كون المسح بجميع الكفّ ؛ لإطلاق الآية(2) وظهور الأدلّة(3) في أنّ ضرب اليد على الأرض إنّما هو لإيصال أثرها - ولو اعتباراً - إلى الممسوح ، وليس للكفّين إلاّ سمة الآلية للمسح منها ، فإذا حصل ببعض الكفّ سقط التكليف .

وبعبارة اُخرى : أنّ المسح منها الذي هو الواجب الأصيل ، يحصل بتحقّق

ص: 305


1- راجع وسائل الشيعة 3 : 358 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 .
2- النساء (4) : 43 ؛ المائدة (5) : 6 .
3- راجع وسائل الشيعة 3 : 358 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 و12 .

صِرف الوجود من المسح ، ويتحقّق ذلك بأوّل مرتبة الإمرار ، والزائد يحتاج إلى دليل . ولا دليل عليه إلاّ توهّم ظهور الأدلّة في وجوب الضرب بجميع الكفّ ، ولمّا كان ذلك للمسح فلا بدّ من كونه بجميعها .

وفيه : أنّ تقليب ذلك الدليل أولى بحسب ارتكاز العرف ؛ بأن يقال : إنّ الضرب لمّا كان للمسح ، وهو يحصل ببعض الكفّ ، فهو دليل على عدم لزوم الضرب بجميعها . والأولوية لأجل أنّ المطلوب الأصلي هو المنظور فيه ، والتبعي منظور لأجله ، وبعد اقتضاء الدليل كون الضرب للمسح الحاصل بأوّل وجود الإمرار ، لا ينقدح في ذهن العرف توسعة ذي الآلة ، بل ينقدح فيه تضييق الآلة .

هذا مع أنّ ظاهر الأدلّة انصرافاً ، هو المسح بوضع طول الماسح على عرض الممسوح في الكفّ ، وهو أزيد منه بمقدار معتدّ به ؛ بحيث يرى العرف زيادته عليه ، وكذا يزيد عرض اليدين عن الجبهة والجبينين ، ومع لزوم الاستيعاب كان اللازم التنبيه عليه ، وعدمه دليل على عدم لزومه .

هذا مع الغضّ عن صحيحة زرارة(1) ، وإلاّ فهي صريحة في جوازه ، فالأقوى عدم لزوم الاستيعاب وإن كان الأحوط خلافه .

ومن بعض ما ذكرناه يعلم كفاية مسح مجموع الممسوح بمجموع الماسح توزيعاً ، فلا يجب المسح بكلٍّ من اليدين على تمام الممسوح .

ص: 306


1- تقدّمت في الصفحة 301 .
تحديد الممسوح

وأمّا الممسوح ، فيقع البحث فيه من جهات :

الجهة الاُولى : في تحديد الوجه
اشارة

والكلام يقع فيه في مقامين :

المقام الأوّل : في مقتضى الأدلّة مع قطع النظر عن فتوى الأصحاب

فنقول : إنّ مقتضى إطلاق الآية(1) جواز مسح بعض الوجه ؛ أيّ بعض كان بعد كون الباء تبعيضية ؛ إمّا لقول السيّد المرتضى : «إنّ الباء إذا لم يكن لتعدية الفعل إلى المفعول ، لا بدّ له من فائدة ، وإلاّ كان عبثاً ، ولا فائدة

بعد ارتفاع التعدية به إلاّ التبعيض»(2) ، وهو من أهل الخبرة في صناعة الأدب ، تأمّل .

وإمّا لصحيحة زرارة المفسّرة للآية عن أبي جعفر علیه السلام (3) واستدلّ علیه السلام لتبعيض المسح في الوضوء والتيمّم بالباء .

وأمّا الروايات فعلى طوائف :

ص: 307


1- النساء (4) : 43 ؛ المائدة (5) : 6 .
2- الانتصار : 124 - 125 .
3- الفقيه 1 : 56 / 212 ؛ وسائل الشيعة 3 : 364 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 13 ، الحديث 1 .

منها : - وهي الأكثر - ما اشتملت على عنوان «الوجه»(1) .

ومنها : على «الجبينين»(2) .

ومنها : على «الجبين» مفردة(3) . وفي نسخة اُخرى - أو رواية اُخرى - بدل «الجبين» «الجبهة»(4) .

وبعضها : - وهي رواية زرارة ، عن «تفسير العيّاشي» - على المسح «من بين عينيه إلى أسفل حاجبيه»(5) .

وفي رواية «فقه الرضا» : ذكر «موضع السجود من مقام الشعر إلى طرف الأنف» وروى فيه : «مسح الوجه من فوق الحاجبين ، وبقي ما بقي»(6) .

ويمكن الجمع بينها بالأخذ بإطلاق الآية ، وحمل الروايات - على اختلافها - على التخيير بين أعضاء الوجه ؛ بدعوى عدم استفادة التعيين منها بعد ذلك الاختلاف ، وحمل أخبار الوجه على الفضل في الاستيعاب .

ص: 308


1- راجع وسائل الشيعة 3 : 358 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 1 و2 و4 و5 و7 ، و : 361 ، الباب 12 ، الحديث 1 - 5 .
2- راجع جامع أحاديث الشيعة 3 : 104 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب10 ، الحديث 1 و12 و16 و17 .
3- تهذيب الأحكام 1 : 211 / 613 و614 .
4- تهذيب الأحكام 1 : 207 / 601 ، وراجع وسائل الشيعة 3 : 359 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، ذيل الحديث 3 .
5- تفسير العيّاشي 1 : 302 / 63 ؛ مستدرك الوسائل 2 : 540 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 3 .
6- الفقه المنسوب للإمام الرضا عليه السلام : 88 ؛ مستدرك الوسائل 2 : 535 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 9 ، الحديث 1 ؛ وقد تقدّم متنها أيضاً في الصفحة 261، الهامش 1 .

وفيه ما لا يخفى ؛ لأنّ الالتزام بجواز مسح العارض أو الذقن - بعد كونه مخالفاً لجميع الروايات - في غاية الإشكال ، بل غير ممكن وإن يظهر من محكيّ «المعتبر» التخيير بين استيعاب الوجه ، ومسح بعضه بشرط عدم الاقتصار على أقلّ من الجبهة(1) . وظاهره جواز المسح على العارض مثلاً إذا لم يقتصر على أقلّ منها مساحة ، وهو أسوأ من الجمع المتقدّم ؛ لالتزامه بالتخيير بين الأقلّ والأكثر ،

وهو لو لم يكن ممتنعاً ، فلا أقلّ من عدم كونه من الجمع المقبول .

مضافاً إلى أنّ روايات «الجبين» و«الجبهة» لو كانت صالحة لتقييد الآية ، فلا بدّ من التخيير بينهما وبين الوجه ، أو تعيّن المسح بهما ، وإلاّ فلا وجه لعدم

جواز الاقتصار على أقلّ من الجبهة .

وقد يقال(2) بالجمع بين روايات «الوجه» و«الجبينين» بحمل الاُولى على إرادة المسح في الجملة ؛ حملاً للمطلق على المقيّد ، وهو من أهون التصرّفات .

وفيه : أ نّه بعد تسليم دلالة روايات الوجه - على كثرتها - على لزوم الاستيعاب ، يقع التعارض بينها وبين ما دلّ على المسح على الجبينين بالتباين .

والإنصاف : أ نّه لو سلّم دلالة الروايات - المتجاوزة عن العشر ، وفيها الصحاح

والموثّق - على لزوم الاستيعاب ، وكونها في مقام بيان كيفية التيمّم ، لا يتأتّى الجمع بينها بما ذكر ، بل يقع التعارض بينها وبين غيرها بعد عدم كونها من قبيل المطلق والمقيّد ؛ لأنّ نسبة الكلّ والجزء ليست من قبيلهما .

لكن الشأن في ثبوت دعوى دلالتها عليه ؛ فإنّ الناظر بعين التدبّر ، يرى عدم

ص: 309


1- المعتبر 1 : 386 .
2- مصباح الفقيه ، الطهارة 6 : 292 .

سلامة سوى النادرة منها من المناقشة ؛ إمّا سنداً ، أو دلالة ، أو جهة ، فها هي الروايات :

أمّا ما دلّت على أنّ التيمّم ضربة للوجه ، وضربة لليدين - كصحيحة إسماعيل الكندي ، عن الرضا علیه السلام قال : «التيمّم ضربة للوجه ، وضربة للكفّين»(1) وصحيحة محمّد بن مسلم ، عن أحدهما قال : سألته عن التيمّم فقال : «مرّتين مرّتين للوجه واليدين»(2) وصحيحة زرارة ، عن أبي جعفر علیه السلام قال : قلت له : كيف التيمّم ؟ فقال : «هو ضرب واحد للوضوء والغسل من الجنابة : تضرب بيديك مرّتين ، ثمّ تنفضهما نفضة للوجه ، ومرّة لليدين»(3) - فهي في مقام حكم آخر لا يمكن استفادة لزوم الاستيعاب منها ، كما لا يستفاد لزوم مسح تمام اليد منها ، فهي لا تعارض أخبار المسح على الكفّ ، ولا ما دلّت على مسح الجبينين ، كما لا يخفى . والظاهر أنّ صحيحة المرادي(4) من هذا القبيل .

وأمّا صحيحة محمّد بن مسلم(5) وموثّقة سماعة(6) المشتملتان على مسح

ص: 310


1- تهذيب الأحكام 1 : 210 / 609 ؛ وسائل الشيعة 3 : 361 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 12 ، الحديث 3 .
2- تهذيب الأحكام 1 : 210 / 610 ؛ وسائل الشيعة 3 : 361 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 12 ، الحديث 1 .
3- تهذيب الأحكام 1 : 210 / 611 ؛ وسائل الشيعة 3 : 361 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 12 ، الحديث 4 .
4- تقدّمت في الصفحة 298 .
5- تقدّمت في الصفحة 300 .
6- تهذيب الأحكام 1 : 208 / 602 ؛ وسائل الشيعة 3 : 365 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 13 ، الحديث 3 .

الذراعين إلى المرفق ، فهما محمولتان على التقيّة ، واستقرّ المذهب على عدم

العمل بهما . ويمكن أن تكون صحيحة المرادي أيضاً كذلك .

وأمّا موثّقة زرارة ، عن أبي جعفر علیه السلام قال : «تضرب بكفّيك الأرض ، ثمّ تنفضهما وتمسح بهما وجهك ويديك»(1) فمن القريب أن تكون بصدد بيان عدم لزوم نقل التراب إلى الوجه ؛ حيث قد يدّعى دلالة الآية على لزومه(2) ، ويظهر من فتوى الشافعي أنّ ذلك كان في تلك الأعصار مورد البحث والنظر(3) ، فلا تكون ناظرة إلى مقدار مسح الوجه واليدين ، ولذا ذُكر فيها اليدان لا الكفّان ،

ولو كانت بصدد بيان كيفية التيمّم لم تهمل وظيفة اليد ، فالأقرب ما ذكرنا من كونها بصدد بيان لزوم كون المسح باليد المضروبة على الأرض ، لا بأجزاء التراب ، ولهذا قال فيها : «تنفضهما وتمسح بهما» .

وأمّا روايتا داود بن النعمان(4) والخزّاز(5) فيحتمل فيهما كون قوله : «قليلاً» قيداً للوجه أيضاً ، فيكون المراد مسح الوجه قليلاً ، وفوق الكفّ قليلاً . مع احتمال أن يكون المنظور ضرب اليد على الأرض في مقابل عمل عمّار ، تأمّل .

ص: 311


1- تهذيب الأحكام 1 : 212 / 615 ؛ وسائل الشيعة 3 : 360 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 7 .
2- اُنظر أحكام القرآن ، الجصّاص 2 : 390 ؛ الجامع لأحكام القرآن ، القرطبي 5 : 239 .
3- الاُمّ 1 : 49 ؛ المجموع 2 : 228 .
4- تهذيب الأحكام 1 : 207 / 598 ؛ وسائل الشيعة 3 : 359 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 4 .
5- الكافي 3 : 62 / 4 ؛ وسائل الشيعة 3 : 358 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 2 .

وكيف كان : فمع اشتمالهما على ما تصلح للقرينية ، لا يمكن إثبات الاستيعاب بهما .

وأمّا رواية الكاهلي(1) فضعيفة ، ولو قيل بحسنها (2) لكن لا تكون صالحة لمعارضة الصحاح ؛ لا سنداً ولا دلالة .

فبقيت صحيحة واحدة هي صحيحة زرارة ، عن أبي جعفر علیه السلام قال : سمعت أبا جعفر علیه السلام يقول ، وذكر التيمّم وما صنع عمّار ، فوضع أبو جعفر كفّيه على الأرض ، ثمّ مسح وجهه وكفّيه ، ولم يمسح الذراعين بشيء(3) .

وهي - مع عدم بيان تفصيل القضيّة فيها حتّى يعلم كون أبي جعفر علیه السلام في مقام بيان أيّة جهة من جهات التيمّم ، وكون المذكور فيها عمله ، ويصحّ لمن يرى مسح يده على جبهته أو جبينه أن يقول : «مسح يده على وجهه» من غير تسامح وتجوّز - لا تقاوم الكتاب ؛ إذ لو كان المراد لزوم مسح جميع الوجه ، فتخالفه بالتباين بعد كون الباء للتبعيض ، ولا تقاوم الروايات الحاكية لفعل رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم الناصّة على مسحه بجبينيه ، فتكون قرينة على أن ليس المراد ب- «الوجه» جميعه ، لا لتقييد الإطلاق كما قيل(4) ، بل لأنّ «الوجه» يطلق على البعض والتمام بلا مسامحة .

ص: 312


1- تقدّمت في الصفحة 300 .
2- ملاذ الأخيار 2 : 186 ؛ مستند الشيعة 3 : 441 ؛ جواهر الكلام 5 : 205 .
3- تهذيب الأحكام 1 : 208 / 603 ؛ وسائل الشيعة 3 : 359 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 5 .
4- مصباح الفقيه ، الطهارة 6 : 292 .

ولا يبعد دعوى الفرق بين «اغسل وجهك» وبين «امسح بيدك وجهك» بأ نّه يفهم الاستيعاب من الأوّل دون الثاني ، فتأمّل .

وكيف كان : لا شبهة في عدم وجوب الاستيعاب في الوجه حتّى مع الغضّ عن فتاوى الأصحاب(1) ومخالفته للكتاب(2) وموافقته للعامّة(3) . هذا حال الأخبار المشتملة على «الوجه» .

وأمّا سائر الأخبار ؛ فالمعتمد منها - وهي صحيحة زرارة(4) وموثّقته(5) الحاكيتان لفعل رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم تعليماً لعمّار ، عن أبي جعفر علیه السلام - كالصريح في كفاية مسح الجبينين من دون لزوم مسح الجبهة ؛ فإنّ قوله علیه السلام : «ثمّ مسح» أي رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم «جبينيه بأصابعه» أو «ثمّ مسح بجبينيه» - في مقام بيان الحكم وماهية التيمّم - ظاهر بل كنصّ في أنّ تمام الدخيل فيه مسحهما فقط ، وليس مسح غيرهما كالجبهة وغيرها دخيلاً في ماهيته . وليس هذا كنقل أحد من الرواة حتّى يقال : إنّه ترك ذكر الجبهة بتوهّم ملازمة مسحها لمسحهما مع عدم الملازمة واقعاً ، أو احتمل فيه الخطأ في فهم كيفية العمل .

وكيف كان : لو كان اللازم مسح الجبهة ، لمسحها رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم ، ونقل

أبو جعفر علیه السلام .

ص: 313


1- سيأتي بيان فتاوى الأصحاب في الصفحة 316 .
2- قوله تعالى : )فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ(. النساء (4) : 43 ؛ المائدة (5) : 6 .
3- المغني ، ابن قدامة 1 : 257 ؛ المجموع 2 : 231 .
4- تقدّمت في الصفحة 301 .
5- تقدّمت في الصفحة 301 .

وتدلّ عليه أيضاً رواية ابن أبي المقدام أو حسنته - لرواية صفوان عنه(1) - عن أبي عبداللّه علیه السلام : «أ نّه وصف التيمّم ، فضرب بيديه على الأرض ، ثمّ رفعهما فنفضهما ،ثمّ مسح على جبينيه(2) وكفّيه مرّة واحدة»(3) .

وذكرُ «الجبينين» مثنّاة وترك «الجبهة» دليل على عدم مسحه جبهته .

والظاهر أنّ موثّقة زرارة(4) ، المختلفة في النقل ، المردّدة بين «جبينه» و«جبهته» كانت في الأصل «جبينه» أو «جبينيه» واشتبهت في النسخ لغاية تشابههما في الخطّ العربي ، سيّما في الخطوط القديمة .

وإنّما رجّحنا «الجبين» على «الجبهة» لشهادة سائر الروايات المتّفقة على «الجبينين»(5) بل المظنون وقوع تصحيف في عبارة الحسن بن علي العُماني ؛

ص: 314


1- رواها الشيخ الطوسي ، عن الشيخ - وهو المفيد - عن أبي القاسم جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، عن محمّد بن الحسن الصفّار ، عن أحمد بن محمّد ، عن الحسين بن سعيد ، عن صفوان ، عن عمرو بن أبي المقدام .
2- كذلك في الطبعة الحجرية من الوسائل 1 : 227 / السطر 25 ، ولكن في طبع آل البيت «جبينه» بدل «جبينيه» .
3- تهذيب الأحكام 1 : 212 / 614 ؛ وسائل الشيعة 3 : 360 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 6 .
4- الكافي 3 : 61 / 1 ؛ تهذيب الأحكام 1 : 207 / 601 و : 211 / 613 ؛ الاستبصار 1 : 171 / 593 ؛ السرائر 3 : 554 ؛ وسائل الشيعة 3 : 359 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 3 و9 .
5- كذلك في الطبعة الحجرية من الوسائل 1 : 227 / السطر 19 - 32 ، ولكن في طبع آل البيت «جبينه» بدل «جبينيه» . راجع وسائل الشيعة 3 : 359 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 3 و6 و8 و9 .

حيث ادّعى تواتر الأخبار بأ نّه حين علّم عمّاراً مسح بهما جبهته وكفّيه(1) ، وكان الأصل «جبينيه» فاشتبهت وصُحّفت ب- «جبهته» لشدّة المشابهة في الخطّ ، وإلاّ فكيف يدّعي تواتر ما ليس بموجود إلاّ نادراً ، وترك ذكر «الجبينين» مع ورود روايات كثيرة فيهما ؟!

وأمّا قول المحقّق في «النافع» : «وهل يجب استيعاب الوجه والذراعين بالمسح ؟ فيه روايتان أشهرهما اختصاص المسح بالجبهة»(2) فليس المراد منه أكثرية الرواية كما توهّم(3) ، بل أشهريتها بحسب الفتوى ، وهو مبنيّ على حمل

عبارات من تقدّم عليه على اختصاص المسح بالجبهة ، وسيأتي الكلام فيها (4) ، وإلاّ فروايات «الوجه» و«الجبينين» أكثر بلا إشكال ، ولم تصل إلى المحقّق روايات اُخر - غير ما بأيدينا - أكثر من روايات «الجبينين» جزماً .

وكيف كان : فمراده أشهرية الفتوى ، والشهرة الفتوائية هي الميزان في قبول رواية أو ردّها لا الأكثرية ، كما هو المقرّر في محلّه(5) .

نعم ، هنا بعض روايات ضعاف تدلّ على وجوب مسح الجبهة ك- «الفقه الرضوي» الذي لم يثبت كونه رواية ، بل الظاهر من عباراته أ نّه مصنَّف فقيهٍ أفتى بمضمون الأخبار ، وفيه : «ثمّ تمسح بهما وجهك موضع السجود من مقام الشعر

ص: 315


1- اُنظر مختلف الشيعة 1 : 270 .
2- المختصر النافع : 17 .
3- رياض المسائل 2 : 312 - 314 .
4- يأتي في الصفحة 316 .
5- أنوار الهداية 1 : 207 .

إلى طرف الأنف» ثمّ قال : «وأروي . . .» إلى أن قال : «ثمّ تمسح بأطراف أصابعك وجهك من فوق حاجبيك ، وبقي ما بقي»(1) .

ولعلّ المراد من هذه الرواية الأخيرة مسح جميع ما فوق الحاجبين ، وإبقاء بقيّة الوجه .

ولا يبعد رجوع مرسلة العيّاشي إلى ذلك ، قال : وعن زرارة ، عن أبي جعفر - بعد ذكر قضيّة عمّار - : «ثمّ وضع يديه جميعاً على الصعيد ، ثمّ مسح من بين عينيه إلى أسفل حاجبيه»(2) وهي موافقة لفتوى الصدوق في «المقنع»(3) مع احتمال كون المراد مسح الجبهة إلى طرف الأنف المحاذي لأسفل الحاجبين .

وكيف كان : فمقتضى الجمود على الروايات الصالحة للاعتماد ، كفاية مسح الجبينين وعدم الاجتزاء بمسح الجبهة خاصّة ؛ لأنّ ما دلّت على الاجتزاء بها غير صالحة للحجّية ، إلاّ أن يثبت استناد المشهور إليها ، وهو غير معلوم . هذا كلّه

حال الروايات .

وأمّا المقام الثاني : وهو حال فتاوى الأصحاب
اشارة

فالظاهر من فتاوى قدمائهم إلى زمان المحقّق - فيما رأيت إلاّ نادراً - هو التحديد بمسح الجبينين والجبهة عرضاً ، ومن قصاص الشعر إلى طرف الأنف

ص: 316


1- الفقه المنسوب للإمام الرضا عليه السلام : 88 ؛ مستدرك الوسائل 2 : 535 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 9 ، الحديث 1 .
2- تفسير العيّاشي 1 : 302 / 63 ؛ مستدرك الوسائل 2 : 540 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 3 .
3- المقنع : 26 .

طولاً ؛ لأنّ الغالب فيها التعبير ب- «مسح الوجه باليدين من قصاص شعر رأسه إلى

طرف أنفه» وليس في عباراتهم لفظة «الجبهة» .

والظاهر من «مسح الوجه بهما» - أي باليدين مضمومتين ، كما هو المتبادر المتعارف - تحديد العرض ، ومن «قصاص الشعر إلى طرف الأنف» تحديد الطول ، في مقابل العامّة القائلين بالاستيعاب ، أو مسح أكثر الوجه(1) .

وإليه يرجع قول السيّد في «الانتصار» و«الناصريات» قال في الأوّل : «وممّا انفردت به الإمامية : القول بأنّ مسح الوجه بالتراب في التيمّم ، إنّما هو إلى طرف الأنف من غير استيعاب له ، فإنّ باقي الفقهاء يوجبون الاستيعاب»(2) .

وقال في الثاني بعد قول الناصر : «وتعميم الوجه واليدين واجب» بهذه العبارة : «هذا غير صحيح ، وقد بيّنّاه في المسألة التي قبل هذه . . .» إلى أن قال : «وقد أجمع أصحابنا على أنّ التيمّم في الوجه ، إنّما هو من قصاص الشعر إلى طرف الأنف»(3) انتهى .

والظاهر من «مسح الوجه إلى طرف الأنف» هو مسح جميع القطعة التي وقعت من الوجه فوق طرف الأنف ، لا ما هو بحذاء طرفه ، فإنّه أقلّ من عرض إصبع واحد ، ولا ينطبق إلاّ على أقلّ من الجبهة ، فاحتماله في عبارته وسائر عبارات القوم مقطوع الفساد ، بل الإجماع والضرورة على خلافه .

وإليها من هذه الجهة ترجع ظاهراً عبارة «المقنع» : «فامسح بهما بين عينيك

ص: 317


1- المغني ، ابن قدامة 1 : 257 ؛ المجموع 2 : 231 .
2- الانتصار : 124 .
3- مسائل الناصريات : 151 .

إلى أسفل الحاجبين»(1) لاحتمال كون المراد التحديد عرضاً باليدين ، وطولاً إلى أسفل الحاجبين ، سيّما مع ذكر الحاجبين ، لا طرف الأنف .

والظاهر رجوع قول الصدوق في «الأمالي» إليه ، قال فيما وصف دين الإمامية : «فإن أراد الرجل أن يتيمّم ضرب بيديه على الأرض مرّة واحدة ، ثمّ ينفضهما فيمسح بهما وجهه . . .» إلى أن قال : «وقد روي : أن يمسح الرجل جبينه وحاجبيه ، ويمسح على ظهر كفّيه ، وعليه مضى مشايخنا»(2) .

وقال في «الفقيه» : «ومسح بهما جبينيه وحاجبيه»(3) .

والظاهر بقرينة إفراد الجبين في «الأمالي» وضمّ الحاجبين - الظاهر منه مسح

تمامهما الملازم لمسح الجبهة - أنّ مراده مسح الجبهة والجبين . ويشهد له أنّ مسح الجبين فقط مخالف لكلمات الأصحاب .

هذا حال كلمات أصحابنا من زمن الصدوق إلى عصر المحقّق ممّا عثرت عليه من كتبهم ، ك- «الأمالي» ، و«الفقيه» ، و«المقنع» ، و«الهداية» ، و«الانتصار» ،

و«الناصريات» ، و«النهاية» ، و«الخلاف» ، و«الوسيلة» ، و«المراسم» ، و«الغنية» ، و«إشارة السبق» وعن أبي الصلاح وابن إدريس كذلك(4) .

ص: 318


1- المقنع : 26 .
2- الأمالي ، الصدوق : 515 .
3- الفقيه 1 : 57 ، ذيل الحديث 212 .
4- الأمالي ، الصدوق : 515 ؛ الفقيه 1 : 57 ، ذيل الحديث 212 ؛ المقنع : 26 ؛ الهداية ، الصدوق : 87 - 88 ؛ الانتصار : 124 ؛ مسائل الناصريات : 151 ؛ النهاية : 49 ؛ الخلاف 1 : 137 - 138 ؛ الوسيلة إلى نيل الفضيلة : 72 ؛ المراسم : 54 ؛ غنية النزوع 1 : 63 ؛ إشارة السبق : 74 ؛ الكافي في الفقه : 136 ؛ السرائر 1 : 136 .

وأمّا من عصر المحقّق فقد تغيّرت العبارات ، فقال في «النافع» : «وهل يجب استيعاب الوجه والذراعين بالمسح ؟ فيه روايتان أشهرهما اختصاص المسح بالجبهة وظاهر الكفّين»(1) .

والظاهر أنّ مراده أشهرهما فتوى ، كما تقدّم(2) ، وهو مبنيّ على أنّ مراد قدماء أصحابنا من العبارات المتقدّمة هو مسح الجبهة ؛ بقرينة قولهم : «من قصاص الشعر إلى طرف الأنف» لكن قد مرّ أنّ ذلك لتحديد الطول(3) ، فكما حدّدوا الوجه في الوضوء من قصاص الشعر إلى محادر شعر الذقن طولاً ، وبما اشتمل عليه الإبهام والوسطى عرضاً ، حدّدوه في المقام عرضاً بقولهم : «مسح بهما» الظاهر في تمام باطنهما متّصلين ، وطولاً بما ذكر في مقابل الاستيعاب(4) .

وقد نسب في محكيّ «المعتبر»(5) مسح الجبهة إلى مذهب الثلاثة(6) وأتباعهم(7) فإن كان مراده اختصاصه بالجبهة كما صرّح في «النافع»(8) ففيه ما مرّ(9) ، وإن كان مراده لزوم مسحها أيضاً مضافاً إلى الجبينين ، فهو حقّ .

ص: 319


1- المختصر النافع : 17 .
2- تقدّم في الصفحة 315 .
3- تقدّم في الصفحة 317 .
4- المقنعة : 43 و62 ؛ النهاية : 12 و49 ؛ الكافي في الفقه : 132 و136 .
5- المعتبر 1 : 384 .
6- المقنعة : 62 ؛ الانتصار : 124 ؛ النهاية : 49 .
7- الكافي في الفقه : 136 ؛ المراسم : 54 ؛ المهذّب 1 : 47 .
8- المختصر النافع : 17 .
9- تقدّم في الصفحة 315 .

وظاهر «الشرائع» اختصاصه بها (1) ، كظاهر العلاّمة في «القواعد» و«الإرشاد»(2) .

وهو ظاهر «التذكرة» أيضاً (3) وإن عبّر فيها ب- «مسح الوجه» لتمسّكه بقول الصادق علیه السلام في رواية زرارة ، قال : «ولأنّ زرارة سأل الصادق علیه السلام عن التيمّم ، فضرب بيديه الأرض ، ثمّ رفعهما فنفضهما ومسح بهما جبهته وكفّيه مرّة واحدة»(4) وهي بعينها موثّقة زرارة ، عن أبي جعفر علیه السلام (5) لكنّه نسبها إلى الصادق علیه السلام ، ولعلّها رواية اُخرى عثر عليها وإن كان بعيداً .

وقال في «المنتهى» : «أكثر علمائنا على أنّ حدّ الوجه هنا من قصاص الشعر إلى طرف الأنف ، اختاره الشيخ في كتبه(6) ، والمفيد(7) والمرتضى في «انتصاره»(8) وابن إدريس(9) وأبو الصلاح(10)» . ثمّ حكى قول علي بن بابويه

ص: 320


1- شرائع الإسلام 1 : 40 .
2- قواعد الأحكام 1 : 238 - 239 ؛ إرشاد الأذهان 1 : 234 .
3- تذكرة الفقهاء 2 : 190 .
4- أوردها عن الإمام الصادق عليه السلام في المعتبر 1 : 386 ، ولكن قد وردت في كتب الحديث عن أبي جعفر عليه السلام .
5- تهذيب الأحكام 1 : 207 / 601 ؛ وسائل الشيعة 3 : 359 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 3 .
6- الخلاف 1 : 137 - 138 ؛ المبسوط 1 : 33 ؛ النهاية : 49 .
7- المقنعة : 62 .
8- الانتصار : 124 .
9- السرائر 1 : 136 .
10- الكافي في الفقه : 136 .

وغيره وتمسّك لمختاره بروايات «الجبهة» و«الجبينين» في مقابل القائل بالاستيعاب(1) .

والإنصاف : إمكان إرجاع كلامه فيهما إلى ما ذكرناه واستظهرناه من كلام القوم .

وعن الشهيد في «الذكرى» : «أنّ مسح الجبهة من القصاص إلى طرف الأنف متّفق عليه بين الأصحاب»(2) ولعلّ مراده وجوب مسحها ، لا الاختصاص بها .

وصرّح ثاني الشهيدين في «الروض» بالاختصاص ، وقال : «هذا القدر متّفق عليه بين الأصحاب . . .» إلى أن قال : «وزاد بعضهم مسح الجبينين - وهما المحيطان بالجبهة ، يتّصلان بالصُدْغين - لوجوده في بعض الأخبار»(3) .

وفي مقابله الأردبيلي ، حيث قال : «إنّ المشهور أنّ مسح الجبينين واجب وكافٍ»(4) .

وهو مصيب في وجوبه ، لا في كفايته ، كما أنّ الشهيد مصيب في أنّ وجوب مسح الجبهة متّفق عليه بين الأصحاب - على تأمّل ؛ لما نقل عن المحقّق من التخيير بين الوجه وبعضه بمقدار مساحة الجبهة(5) - وغير مصيب في انتساب الجبينين إلى بعضهم .

ص: 321


1- منتهى المطلب 3 : 83 .
2- ذكرى الشيعة 2 : 263 .
3- روض الجنان 1 : 339 .
4- مجمع الفائدة والبرهان 1 : 234 - 235 .
5- المعتبر 1 : 386 .

وكيف كان : فالأقوى وجوب مسح الجبينين والجبهة وفاقاً للمشهور بين المتقدّمين ، كما عرفت ، بل والمتأخّرين ؛ فإنّه المحكيّ عن «جامع المقاصد» و«مجمع البرهان» و«المدارك» و«شرح المفاتيح» و«منظومة الطباطبائي» و«فوائد الشرائع» و«حاشية الإرشاد» و«شرح الجعفرية» و«حاشية الميسي» و«الروضة» و«المسالك» و«رسالة صاحب المعالم»(1) ، وعن «مجمع البرهان» : «أ نّه المشهور»(2) ، وعن «شرح المفاتيح» : «لعلّه لا نزاع فيه بين الفقهاء»(3) .

وأمّا ما عن «الأمالي» : «من كونه من دين الإمامية ، ومضى عليه مشايخنا»(4) فالظاهر أنّ ما نَسب إلى دين الإمامية غير ذلك . نعم ظاهر قوله : «ومضى عليه مشايخنا» هو الرجوع إلى ما ذكر كما مرّ(5) ، فراجع عبارته ، فإنّ النسخة التي عندي مغلوطة ظاهراً .

تأويل الروايات على ما تنطبق على القول المشهور

وبعد ما عرفت من الشهرة المحقّقة والسيرة القطعية ، لا بدّ من تأويل الروايات على ما تنطبق على القول المشهور ، أو ردّ علمها إلى أهله ، وانطباقها عليه ليس

ص: 322


1- اُنظر جواهر الكلام 5 : 197 ؛ جامع المقاصد 1 : 490 - 491 ؛ مجمع الفائدة والبرهان 1 : 234 ؛ مدارك الأحكام 2 : 220 ؛ مصابيح الظلام 4 : 285 ؛ الدرّة النجفية : 45 ؛ حاشية الإرشاد ، ضمن غاية المراد 1 : 58 ؛ الروضة البهيّة 1 : 135 ؛ مسالك الأفهام 1 : 114 .
2- مجمع الفائدة والبرهان 1 : 234 .
3- مصابيح الظلام 4 : 286 .
4- الأمالي ، الصدوق : 515 .
5- تقدّم في الصفحة 318 .

ببعيد ؛ بدعوى أنّ مسح جبينيه بتمام أصابعه يلازم عادة مسح الجبهة ، وكذا المسح باليدين عليهما ، كما هو ظاهر موثّقة زرارة(1) ورواية ابن أبي المقدام(2) .

وأولى منهما موثّقة زرارة الاُخرى برواية «الكافي» حيث قال فيها : «ثمّ مسح

بها جبينه» مفردة(3) وإطلاق «الجبين» على تمام القطعة التي فوق الحاجبين غير بعيد ، بل شائع في مثل قولهم : «بكدّ اليمين ، وعرق الجبين» .

لكن يظهر من المجلسي في «مرآته» أ نّه بلفظ التثنية لا المفرد(4) ، وفي «الوافي» عن «الكافي» : «جبهته» بدل «جبينه»(5) فيظهر من ذلك أنّ نسخ «الكافي» أيضاً مختلفة ، ومعه لا يبعد ترجيح النسخة المشتملة على «الجبهة» على تأمّل .

وقد يجمع(6) بين الروايات الحاكية لفعل رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم (7) وبين الروايات الظاهرة في مسح الجبهة - كالموثّقة على إحدى النسختين(8) ، والرضوي حيث

ص: 323


1- تقدّمت في الصفحة 301 .
2- تقدّمت في الصفحة 314 .
3- كما في بعض نسخ الكافي . راجع وسائل الشيعة 3 : 359 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 3 ؛ جامع أحاديث الشيعة 3 : 108 / 3441 .
4- مرآة العقول 13 : 172 / 1 .
5- الوافي 6 : 581 / 4978 .
6- مصباح الفقيه ، الطهارة 6 : 294 - 295 .
7- راجع وسائل الشيعة 3 : 360 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 8 و9 .
8- تهذيب الأحكام 1 : 207 / 601 ؛ راجع وسائل الشيعة 3 : 359 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، ذيل الحديث 3 .

قال فيه : «ثمّ تمسح بهما وجهك موضع السجود من مقام الشعر إلى طرف الأنف»(1) ومرسلة العيّاشي ، عن زرارة ، عن أبي جعفر علیه السلام قال بعد حكاية قضيّة عمّار : «ثمّ وضع يديه جميعاً على الصعيد ، ثمّ مسح من بين عينيه إلى أسفل حاجبيه»(2) بناءً على ظهوره في الجبهة ، كما لا يبعد - برفع اليد عن ظاهر كلٍّ من الطائفتين بصريح الاُخرى ؛ فإنّ الطائفة الثانية نصّ في اعتبار الجبهة ، وظاهرة في عدم اعتبار غيرها من باب السكوت في معرض البيان ، والطائفة الاُولى عكسها ، فيأوّل الظاهر بالنصّ ، فيحكم باعتبارهما .

وهو كما ترى ؛ ضرورة أنّ واحدة من الطائفتين ليست نصّاً في الاعتبار معيّناً ، بل ظاهرة في التعيين .

والأقرب في الجمع بينهما - مع قطع النظر عن فتاوى الأصحاب - هو الاجتزاء بكلٍّ من الجبهة والجبينين ، فيرفع اليد عن ظهورهما فيه . بل لولا مخالفة الأصحاب ، لقلنا بعدم كون ذلك الجمع مخالفاً للظاهر المعتدّ به ؛ لأنّ العمل ليس له ظهور في التعيين ، والروايات كلّها - إلاّ الرضوي - حكاية أعمال . بل ظهور الأعمال في الاجتزاء ، قويّ يعارض ما لو دلّ دليل على اعتبار شيء آخر .

لكن لا مناص من رفع اليد عن هذا الظهور بعد الإجماع على لزوم مسح الجبهة ، وظهور كلمات الأصحاب - كما عرفت - في مسح الجبهة والجبينين .

ص: 324


1- الفقه المنسوب للإمام الرضا عليه السلام : 88 ؛ مستدرك الوسائل 2 : 535 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 9 ، الحديث 1 .
2- تفسير العيّاشي 1 : 302 / 63 ؛ مستدرك الوسائل 2 : 540 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 3 .
الجهة الثانية : كفاية المسح إلى طرف الأنف الأعلى
اشارة

إنّ ظاهر تحديد الأصحاب إلى طرف الأنف ، هو الطرف الأعلى منه ، كما صرّح به في «المنتهى»(1) وقال : «إنّه المراد في عبارات المفيد والشيخ والسيّد وابن حمزة وأبي الصلاح»(2) وهو ظاهر من قال بمسح الجبينين والحاجبين ، كالصدوق في «الفقيه»(3) . وقال في «الأمالي» : «وقد روي : أن يمسح الرجل جبينه وحاجبيه ، وعليه مضى مشايخنا»(4) .

بل في «الجواهر» : «. . . صرّح به بنو حمزة وإدريس وسعيد(5) والعلاّمة(6) والشهيدان(7) وغيرهم(8) لا الأسفل ، بل في «السرائر» وغيرها (9) الإزراء على من ظنّ ذلك من المتفقّهة»(10) انتهى .

لكن لم يصرّح ابن حمزة به ، ولعلّه رأى في غير «وسيلته» كما أنّ ما نقل عن

ص: 325


1- منتهى المطلب 3 : 87 .
2- المقنعة : 62 ؛ المبسوط 1 : 33 ؛ الانتصار : 124 ؛ الوسيلة إلى نيل الفضيلة : 72 ؛ الكافي في الفقه : 136 .
3- الفقيه 1 : 57 ، ذيل الحديث 2 .
4- الأمالي ، الصدوق : 515 .
5- الوسيلة إلى نيل الفضيلة : 72 ؛ السرائر 1 : 136 ؛ الجامع للشرائع : 46 .
6- تذكرة الفقهاء 2 : 190 ؛ إرشاد الأذهان 1 : 234 ؛ نهاية الإحكام 1 : 205 .
7- الدروس الشرعية 1 : 132 ؛ مسالك الأفهام 1 : 114 ؛ الروضة البهيّة 1 : 135 .
8- جامع المقاصد 1 : 490 ؛ مدارك الأحكام 2 : 219 و222 .
9- السرائر 1 : 136 ؛ الحدائق الناضرة 4 : 342 .
10- جواهر الكلام 5 : 200 .

«الأمالي» من المسح إلى طرف الأنف الأعلى ، وإلى الأسفل أولى(1) ، وكذا ما نقل في «مفتاح الكرامة» عن «الأمالي» المسح من القصاص إلى طرف الأنف الأسفل(2) ، ليس شيء منهما موجوداً في النسخة الموجودة عندي .

وكيف كان : مقتضى الأدلّة وكلمات الأصحاب عدم لزومه إلى الأسفل .

لزوم مسح الحاجبين

وأمّا مسح الحاجبين ، فمقتضى تحديدهم إلى طرفٍ دخولُهما في المحدود بعد الاستظهار المتقدّم(3) من كون المراد من قولهم : «يمسح بهما من قصاص الشعر إلى الأنف» تحديدَ الطول والعرض ؛ ضرورة أنّ طرف الأنف الأعلى أسفل من الحاجبين ، فيكون الحاجبان فوق الحدود داخلين في المحدود الممسوح .

ويشهد له قول الصدوق في «الأمالي» - بعد نقل رواية مسح الجبين والحاجبين - : «وعليه مضى مشايخنا»(4) وقد أفتى به في «الفقيه» و«الهداية»(5) أيضاً .

ويشهد له أيضاً إرساله العلاّمة إرسال المسلّمات ، قال في «المنتهى» : «لا يجب مسح ما تحت شعر الحاجبين ، بل ظاهره كالماء»(6) فيظهر النظر في

ص: 326


1- جواهر الكلام 5 : 200 .
2- مفتاح الكرامة 4 : 438 .
3- تقدّم في الصفحة 317 .
4- الأمالي ، الصدوق : 515 .
5- الفقيه 1 : 57 ، ذيل الحديث 2 ؛ الهداية ، الصدوق : 88 .
6- منتهى المطلب 3 : 88 .

محكيّ «الكفاية» من دعوى الشهرة على عدم وجوب مسح الحاجبين(1) .

نعم ، ظاهر الأدلّة الحاكية لتيمّم رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم وأبيجعفر وأبي عبداللّه علیهما السلام عدم وجوب مسحهما (2) ، وفي بعض روايات ضعيفة وجوبه ، كمرسلة العيّاشي(3) على احتمال ، ومرسلة الصدوق في «الأمالي»(4) فيكون حال الحاجبين حال الجبهة في كون لزوم مسحهما مشهوراً ، وظاهر الأدلّة المعتبرة على خلافه ، مع فرق بينهما ؛ وهو أنّ لزوم مسح الجبهة صريحهم ، ومسح الحاجبين ظاهرهم .

وكيف كان : فلا يبعد ترجيح وجوبه ، كما نفى عنه البأس في محكيّ «الذكرى»(5) واختاره «جامع المقاصد»(6) . بل يمكن أن يقال : إنّ مسح الجبينين والجبهة ملازم لمسحهما ، خصوصاً إذا كانت الجبهة محدودةً بطرف الأنف الأعلى ، والجبينان طرفيها ، كما يظهر من اللغة ، فتنطبق الأخبار على القول المشهور .

الجهة الثالثة : في لزوم مسح الكفّين من الزنْد إلى أطراف الأصابع
اشارة

المشهور بين الأصحاب وجوب مسح الكفّين من الزَنْد - وهو المفصل بين

ص: 327


1- كفاية الفقه (كفاية الأحكام) 1 : 44 .
2- راجع وسائل الشيعة 3 : 358 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 .
3- تفسير العيّاشي 1 : 302 / 63 ؛ مستدرك الوسائل 2 : 540 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 3 .
4- الأمالي ، الصدوق : 515 .
5- ذكرى الشيعة 2 : 263 .
6- جامع المقاصد 1 : 491 .

الساعد والكفّ - إلى أطراف الأصابع(1) بل عليه نقل الإجماع(2) والشهرة(3) والمعروفية بين الأصحاب(4) متكرّر ، وعليه جملة من العامّة ، كمالك وأحمد والشافعي قديماً على ما نقل(5) .

وعن علي بن بابويه وجوب استيعاب المسح إلى المرفقين(6) ، وهو المحكيّ عن أبي حنيفة والشافعي ثانياً (7) .

وعن ابن إدريس عن بعض أصحابنا : «أنّ المسح من اُصول الأصابع إلى رؤوسها»(8) .

وروي عن مالك أيضاً : أنّ التيمّم على الكفّ ونصف الذراع(9) ، واحتجاجه عليه(10) من المضحكات .

ص: 328


1- النهاية : 49 ؛ الوسيلة إلى نيل الفضيلة : 72 ؛ تذكرة الفقهاء 2 : 191 ؛ الدروس الشرعية 1 : 133 .
2- اُنظر مفتاح الكرامة 4 : 440 ؛ غنية النزوع 1 : 63 ؛ جامع المقاصد 1 : 492 .
3- مختلف الشيعة 1 : 273 ؛ كشف اللثام 2 : 472 ؛ المقاصد العلية : 131 .
4- نقله عن شرح رسالة صاحب المعالم في مفتاح الكرامة 4 : 440 .
5- اُنظر منتهى المطلب 3 : 88 ؛ الجامع لأحكام القرآن 5 : 240 ؛ المجموع 2 : 211 ؛ شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك 1 : 113 .
6- اُنظر منتهى المطلب 3 : 88 .
7- اُنظر منتهى المطلب 3 : 88 ؛ المبسوط ، السرخسي 1 : 107 ؛ الجامع لأحكام القرآن 5 : 239 ؛ الاُمّ 1 : 49 .
8- السرائر 1 : 137 .
9- اُنظر منتهى المطلب 3 : 89 .
10- اُنظر منتهى المطلب 3 : 91 - 92 .

وعن الزهري : «يمسح يديه إلى المنكب»(1) .

وتدلّ على المشهور صحيحة زرارة وموثّقته الحاكيتان لفعل رسول اللّه (2) ، وصريح صحيحة زرارة الحاكية عن فعل أبي جعفر علیه السلام قال : «فوضع أبو جعفر علیه السلام كفّيه على الأرض ، ثمّ مسح وجهه وكفّيه ، ولم يمسح الذراعين بشيء»(3) وظاهر غيرها ممّا اشتملت على «الكفّ»(4) .

بل ظاهر صحيحتي داود بن النعمان(5) والخزّاز(6) حيث قال في الاُولى : «فمسح وجهه ويديه فوق الكفّ قليلاً» وقريب منها الثانية ؛ لأنّ الظاهر من «فوق الكفّ قليلاً» - ولو بجهات خارجية - هو حدّ المفصل أو فوقه قليلاً الذي يتعارف المسح له لتحصيل مسح ظهر الكفّ احتياطاً . واحتمال كون المراد منه ظهر الكفّ لإفادة عدم لزوم مسح تمام الظهر(7) ضعيف . ومع احتمال كون المسح

ص: 329


1- اُنظر منتهى المطلب 3 : 89 ؛ المبسوط ، السرخسي 1 : 107 ؛ بداية المجتهد 1 : 70 ؛ الجامع لأحكام القرآن 5 : 240 .
2- تقدّمتا في الصفحة 171 .
3- تهذيب الأحكام 1 : 208 / 603 ؛ وسائل الشيعة 3 : 359 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 5 .
4- وسائل الشيعة 3 : 358 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 1 و3 و6 .
5- تهذيب الأحكام 1 : 207 / 598 ؛ وسائل الشيعة 3 : 359 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 4 .
6- الكافي 3 : 62 / 4 ؛ وسائل الشيعة 3 : 359 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 2 .
7- مصباح الفقيه ، الطهارة 6 : 297 .

فوق الكفّ قليلاً ؛ لأجل الاحتياط واليقين بحصول مسح الكفّ ؛ لا يمكن الاستدلال بها للزوم مسح الفوق تعبّداً لدخالته في ماهية التيمّم .

وأمّا روايات ليث المرادي ومحمّد بن مسلم وسَماعة(1) المشتملات على مسح الذراعين ، أو هما مع المرفق ، فمحمولة على التقيّة ، كما تظهر آثارها من ثانيتها . ولولا قوّة احتمالها لكان الحمل على الاستحباب غير بعيد ، بل متعيّناً ؛ حملاً للظاهر على النصّ .

كما أنّ مرسلة «فقه الرضا»(2) ومرسلة حمّاد بن عيسى(3) الظاهرتين في الاجتزاء بالمسح على الأصابع ، غير صالحتين للاحتجاج ، فضلاً عن المقاومة ؛ لما تقدّم . مع إمكان أن يقال : إنّ المراد ب- «موضع القطع» ما هو المعروف عند العامّة ، فأراد أبو عبداللّه علیه السلام تعليم السائل طريق الاحتجاج معهم(4) .

ورواية «فقه الرضا» مجملة المراد ، ولا داعي لبيان محتملاتها بعد عدم حجّيتها .

ص: 330


1- تهذيب الأحكام 1 : 209 / 608 و : 210 / 612 و : 208 / 602 ؛ وسائل الشيعة 3 : 361 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 12 ، الحديث 2 و5 ، و : 365 ، الباب 13 ، الحديث 3 .
2- الفقه المنسوب للإمام الرضا عليه السلام : 88 ؛ مستدرك الوسائل 2 : 535 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 9 ، الحديث 1 ، وتقدّمت في الصفحة 261، الهامش 1 .
3- الكافي 3 : 62 / 2 ؛ وسائل الشيعة 3 : 365 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 13 ، الحديث 2 .
4- وسائل الشيعة 3 : 365 ، ذيل الحديث 2 ؛ جواهر الكلام 5 : 204 .
بيان كيفية المسح

وأمّا كيفية المسح ، فمقتضى إطلاق الآية وبعض الروايات ومقتضى سكوت أبي جعفر علیه السلام عن الخصوصية الواقعية التي وقع بها تيمّم رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم في مقام تعليم عمّار ، هو عدم دخالة كيفية خاصّة في المسح ، بل التيمّم متقوّم بمسح الوجه والكفّين باليدين بأيّة كيفية ؛ وقع من الأعلى أو إليه ، وقع طول الباطن على عرض الظاهر ، أو طوله على طوله . بل ولو وضع جميع الباطن على جميع الظاهر ، فجرّ الماسح في الجملة حتّى وقع مسح جميع الظاهر به . وكذا لا خصوصية - بمقتضاها - في مسح الوجه .

أمّا إطلاق الآية ، فلما مرّ مراراً (1) من أ نّها في مقام البيان ، ولا إجمال فيها ، ولذا تمسّك النبي صلی الله علیه و آله وسلم والإمام بها وبخصوصياتها المأخوذة فيها لإثبات

الحكم ، فالقول بكونها مجملة(2) نشأ من قلّة التأمّل فيها ، وإلاّ فغالب أحكام التيمّم مستفاد منها .

وأمّا إطلاق بعض الأخبار - كموثّقة زرارة ورواية المرادي(3) - وإن لا يخلو من المناقشة كما مرّ ، لكن لا يبعد إطلاقهما .

وأمّا سكوت أبي جعفر علیه السلام فهو أقوى دليل على عدم الاعتبار ؛ فإنّ

ص: 331


1- تقدّم في الصفحة 238 و274 و297 .
2- مصباح الفقيه ، الطهارة 6 : 282 و306 .
3- وسائل الشيعة 3 : 360 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 7 ، و : 361 ، الباب 12 ، الحديث 2 ، وقد تقدّمتا أيضاً في الصفحة 174 .

رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم قد كان في مقام بيان ماهية التيمّم لعمّار بلا ارتياب ولا إشكال ، وكان أبو جعفر علیه السلام في مقام نقل القضيّة لإفادة الحكم بلا إشكال ؛ وإن كان في تكرار القضيّة منه ومن أبي عبداللّه علیه السلام فائدة اُخرى أو فوائد اُخر ، كإفحام المخالفين ، والتنبيه على جهل الثاني بالأحكام وبالقرآن الذي بين أيديهم ، أو تجاهله ومخالفته للّه ورسوله ، وقد حُكي عن «كتاب سُلَيْم بن قيس الهلالي» عن أمير المؤمنين :

«والعجب لجهله وجهل الاُمّة ، أ نّه كتب إلى جميع عمّاله : أنّ الجنب إذا لم يجد الماء فليس له أن يصلّي ، وليس له أن يتيمّم بالصعيد حتّى يجد الماء وإن لم يجده حتّى يلقى اللّه ، ثمّ قبل الناس ذلك منه ، ورضوا به ، وقد علم وعلم الناس أنّ رسول اللّه قد أمر عمّاراً وأمر أباذرّ أن يتيمّما من الجنابة ويصلّيا ،

وشهدا به عنده وغيرهما فلم يقبل ذلك ، ولم يرفع به رأساً»(1) .

وكيف كان : لو كان للمسح خصوصية - من قبيل كونه من الأعلى ، أو وقوع طول باطن الكفّ على عرض الظاهر ، أو غيرهما - لما أهملها أبو جعفر علیه السلام في

مقام نقل القضيّة لإفادة ماهية التيمّم .

وأمّا التشبّث بدليل التنزيل لإثبات كونه من الأعلى كما في الوضوء(2)، فقد مرّ(3) ما فيه ، وقلنا : إنّ الآية الكريمة مع الارتكاز العرفي وإن يظهر منها اعتبار ما

ص: 332


1- كتاب سليم بن قيس الهلالي : 138 ؛ بحار الأنوار 78 : 162 / 23 ؛ مستدرك الوسائل 2 : 551 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 24 ، الحديث 1 .
2- جواهر الكلام 5 : 200 - 201 .
3- تقدّم في الصفحة 262 - 264 .

يعتبر في الغسل والوضوء معاً في التيمّم أيضاً - كالترتيب وطهارة البدن

- من الأحكام المشتركة ، لكن لا يمكن إثبات الشرائط المختصّة بكلّ واحد منهما للتيمّم ؛ بعد كونه بدلاً منهما في الآية الشريفة بنحو واحد .

وأمّا التشبّث بالشهرة(1) ، فهو ناشئ من توهّم ظهور كلمات الأصحاب في وجوب المسح من الأعلى ؛ حيث قالوا : «يمسح من قصاص الشعر إلى طرف الأنف» ولا يخفى على الناظر في كلماتهم أنّ ذلك لتحديد الممسوح ، لا لبيان كيفية المسح ، ولذا لم يتعرّضوا بالنسبة إلى الكفّ(2) ، فيمكن أن يقال : إنّ خلوّ كلماتهم عن الكيفية دليل على عدم اعتبار كيفية خاصّة فيه .

نعم ، إنّ السيرة القطعية على هذه الكيفية المعهودة ، ربّما توجب الوثوق بدخالتها لو لم نقل بأ نّها إنّما دلّت على صحّته بهذه الكيفية ، لا انحصاره بها .

فالأحوط عدم التعدّي عن الكيفية المعهودة ؛ لما ذُكر ، ولدلالةِ ما رُوي في

الرضوي عليه بالنسبة إلى الكفّين(3) ، مع دعوى عدم الفصل بينهما (4) ، وإشعارِ مرسلة العيّاشي عن أبي جعفر علیه السلام به ، قال : «ثمّ مسح من بين عينيه إلى أسفل حاجبيه»(5) واحتمالِ انصراف «مسح الوجه» إلى المسح من الأعلى .

ص: 333


1- كفاية الفقه (كفاية الأحكام) 1 : 44 ؛ الحدائق الناضرة 4 : 348 ؛ اُنظر جواهر الكلام 5 : 200 - 201 .
2- شرائع الإسلام 1 : 40 .
3- الفقه المنسوب للإمام الرضا عليه السلام : 88 ، وتقدّم متنه في الصفحة 261، الهامش 1 .
4- مصباح الفقيه ، الطهارة 6 : 302 و303 .
5- تفسير العيّاشي 1 : 302 / 63 ؛ مستدرك الوسائل 2 : 540 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 3 .
الأمر التاسع في تحديد عدد ضربات التيمّم
اشارة

اختلفوا في عدد الضربات في التيمّم ، فعن المشهور التفصيل بين ما للوضوء وبين ما للغسل ؛ بضربة واحدة في الأوّل ، وضربتين في الثاني .

وعن جمع من المتقدّمين والمتأخّرين الضربة الواحدة فيهما .

وعن جمع آخر منهما الضربتان فيهما .

وربّما نقل عن بعض بل قوم من أصحابنا - كما حكي عن «المعتبر» - ثلاث ضربات(1) .

فالأولى أوّلاً بيان مقتضى الأدلّة والجمع بينها ، ثمّ النظر في كلمات القوم .

بيان مقتضى الأدلّة والجمع بينها

فنقول : مقتضى إطلاق الآية الكريمة(2) الاجتزاء بالضربة الواحدة فيهما ، سيّما بعد ذكر التيمّم عقيب الحدثين .

وأمّا الروايات فهي على طوائف :

منها - وهي عمدتها - : ما هي ظاهرة في الاجتزاء بواحدة ، وفيها الروايات الحاكية لفعل رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم تعليماً لعمّار ، حكاه أبو جعفر علیه السلام ، ولا ريب في أنّ رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم كان في مقام تعليمه وبيان ماهية التيمّم ، كما يظهر من قوله :

ص: 334


1- يأتي تخريج الأقوال وحكاية المعتبر في الصفحة 340 - 341 .
2- النساء (4) : 43 ؛ المائدة (5) : 6 .

«أفلا صنعت كذا ؟! ثمّ أهوى بيديه إلى الأرض ، فوضعهما على الصعيد ، ثمّ مسح . . .»(1) إلى آخره .

فهل يمكن أن يقال : إنّه صلی الله علیه و آله وسلم -

بعد قوله : «أفلا صنعت كذا ؟!» وإتيانه بالتيمّم الذي هو بدل الغسل الذي ابتلي به عمّار - أهمل في مقام البيان والتعليم ما كان معتبراً في ماهية التيمّم ؟! أو يقال : إنّ أبا جعفر علیه السلام أهمل ما فعله رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم وكان دخيلاً في ماهيته ؟! أو إنّ زرارة أو الرواة بعده أهملوا ما وصل إليهم ؟! ولو فتح على الروايات باب هذه الاحتمالات لاختلّ الفقه ، وانسدّ باب الاحتجاج على العقلاء .

وأضعف شيء في المقام احتمال كونه في مقام بيان كيفية قسم من التيمّم ؛ وهو الذي بدل الوضوء ، وهل هذا إلاّ الإغراء بالجهل والإيقاع في خلاف الواقع ؟!

ومثلها قوله في موثّقة زرارة : «هكذا يصنع الحمار ؛ إنّما قال اللّه عزّ وجلّ : )فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً( فضرب بيديه الأرض . . .»(2) إلى آخره .

فإنّ تمسّكه بالآية الكريمة وإتيانه بالتيمّم بضربة واحدة ، ممّا جعل الكلام كالنصّ في عدم الاحتياج إلى الضربتين في بدل الغسل ، الذي هو مورد الكلام والمتيقّن في مقام التعليم .

ص: 335


1- الفقيه 1 : 57 / 212 ؛ وسائل الشيعة 3 : 360 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 8 .
2- السرائر 3 : 554 ؛ وسائل الشيعة 3 : 360 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 11 ، الحديث 9 .

ومثلهما صحيحتا الخزّاز وداود بن النعمان(1) حيث سألا أبا عبداللّه علیه السلام عن التيمّم ، فذكر قضيّة عمّار ، فقالا له : «كيف التيمّم ؟ فوضع يديه على الأرض ، ثمّ

رفعهما فمسح وجهه ويديه فوق الكفّ قليلاً» واللفظ من الثانية .

فإنّ الاكتفاء بالمرّة بعد حكاية قصّة عمّار وسؤالهما عن الكيفية ، كالنصّ في كفايتها عن بدل الغسل .

ويدلّ عليه إطلاق موثّقة زرارة وابن أبي المقدام(2) وغيرهما من غير احتياج إلى دعوى كون قوله : «مرّة واحدة» في ذيلهما قيداً للضرب لا للمسح ، أو قيداً لهما ؛ بدعوى أنّ الضرب كان مورد البحث والخلاف عند العامّة والخاصّة ، لا المسح ، فكون القيد للثاني كاللغو(3) . وكيف كان : لا شبهة في قوّة ظهور تلك الروايات في الاجتزاء بالمرّة مطلقاً ، وفي بدل غسل الجنابة بالخصوص .

ومنها : طائفة اُخرى مشتملة على «مرّتين» كصحيحة محمّد بن مسلم ، عن أحدهما ، قال : سألته عن التيمّم فقال : «مرّتين مرّتين للوجه واليدين»(4) .

ومحتملاتها كثيرة ، ككون «المرّتين» قيداً للقول ، أو لأمر مقدّر ك- «اضرب» أو أحدهما قيداً للقول والآخر للأمر .

ثمّ على فرض كونهما من متعلّقات الضرب ، يمكن أن يكون الثاني تأكيداً

ص: 336


1- تقدّم تخريجهما في الصفحة 329 .
2- تقدّمتا في الصفحة 314 .
3- جواهر الكلام 5 : 211 .
4- تهذيب الأحكام 1 : 210 / 610 ؛ وسائل الشيعة 3 : 361 ، كتاب الطهارة ، أبواب التيمّم ، الباب 12 ، الحديث 1 .

للأوّل ، ويمكن أن يكون تأسيساً لبيان أنّ اللازم في التيمّم أربع ضربات : ضربتان للوجه ، وضربتان لليدين .

والأظهر هو الاحتمال الأخير ، فكأ نّه قال : «ضربتان للوجه ، وضربتان لليدين» ولا أقلّ من كون هذا الاحتمال في عَرض احتمال التأكيد ، مع أ نّه ليس المورد من موارد التأكيد .

فهذه الصحيحة بما لها من الظهور خلاف فتوى الكلّ ، أو هي مجملة في نفسها لا بدّ من رفع إجمالها بسائر الروايات .

وكرواية ليث المرادي ، عن أبي عبداللّه علیه السلام في التيمّم : «تضرب بكفّيك الأرض مرّتين ، ثمّ تنفضهما وتمسح بهما وجهك وذراعيك»(1) . والظاهر منها أنّ ضرب المرّتين قبل المسح .

وبها يرفع الإجمال من هذه الحيثية عن الصحيحة المتقدّمة ؛ إذ لا يتّضح منها أنّ المرّتين قبل المسح ، أو مرّة قبل مسح الوج