مواهب الرحمن في تفسیر القرآن المجلد 12

هویة الکتاب

بطاقة تعريف:سبزواري، سیدعبدالاعلی، 1288؟ - 1372.

عنوان واسم المؤلف: مواهب الرحمن في تفسیر القرآن المجلد 12/ عبدالاعلی موسوی السبزواري.

تفاصيل المنشور: موسسه اهل البیت - بیروت 1414

مواصفات المظهر:11 ج.

الموضوع: التفسيرات الشيعية -- قرن 14

ترتيب الكونجرس: BP98/س23م8 1372

تصنيف ديوي: 297/179

رقم الببليوغرافيا الوطنية: م 74-426

معلومات التسجيلة الببليوغرافية: فاپا

ص: 1

اشارة

مَوَاهِبُ الرَّحَمن فِي تَفْسِیرِ القُرْآن

تأليفُ: فَقِيهِ عَصْرِهِ آیَةِ اللّه العُظْمَى

السَّیِّد عَبْدِ الأَعْلَى الْمُوسَوُىِّ السَّبْزِوَارِيّ (قدِّسَ سِرُّه)

الجُزْءُ الثّانُي عَشَر

ص: 2

قم - خیابان معلم - میدان روح ا.. - تلفن : 7744212 منشورات دار التفسير

مواهب الرّحمن في تفسير القرآن ج /12

آية اللّه العظمى السيّد عبد الأعلى الموسوي السبزواري (قدِّسَ سِرُّه)

الطبعة الخامسة: 1431 ه = 2010م

المطبعة: نگین

الكمية: 2000 دورة (14-1)

رقم الايداع الدولي للدورة : 0- 051- 535- 964- 978 ISBN Vols:

رقم الايداع الدولي للجزء الثاني عشر: 5-085-535-964-978 :12 ISBN Vol

1 - لا يجوز طبع هذا الكتاب الّا باذنٍ خاص من مكتب السيد السبزواري في النجف الأشرف.

2 - يوزع هذا الكتاب:

العراق - النجف الأشرف، سوق الحويش، مكتبة المهذّب، الجوّال 07801541523

ایران - قم شارع معلم میدان روح اللّه انتشارات دارالتفسير، تليفون 7741621

جمعية خيرية رقمية: مركز خدمة مدرسة إصفهان

محرر: محمّد رادمرد

ص: 3

بِسْمِ اللَّهِ اْلرَّحْمَنِ الَّرَحِیمِ

ص: 4

بِسْمِ اللَّهِ اْلرَّحْمَنِ الَّرَحِیمِ

سورة المائدة الآية 67

دلالة الآية الشريفة على أمر الولاية وتنصيب علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) للخلافة

الآية 67

«يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلَغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّه يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّه لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(67)».

الآيةُ الشريفةُ بأُسلوبها الرصين، ودلالتها التامّة، وجملها المنضودة تدلّ على أنّها نزلت في أمر مهمّ، يخصّ هذا الدين الذي تمّ تبليغه بأتمّ وجه، ولم يكن في ذلك أي ارتياب أو شكّ، وقد تحمّل الرسول الكريم في سبيله أشدّ الأذى وأعظم المشقّة حتّى أرسى قواعد التوحيد، وأثبت دعائم الإيمان، ودخل المشركون الذين كانوا أشدّ الناس ضراوةً مع الرسول وأصحابه في بدء الدعوة، وأذلّ الكافرين الذين تربّصوا الدوائر لهذا الدين الجديد، فكان من حالهم أن كسرت شوكتهم، وخمدت نيرانهم، وانقطعت،آمالهم، فدخلوا في السِّلم، وأعطوا الجزية وهم صاغرون، فلم يعد الرسول الكريم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) يخاف من أحد في تبليغ أمر اللّه إلى الناس، وقد بلّغ إليهم ما بلّغ، ووقف مواقف مشهورة أكثر هولاً، وأشدّ دهشة ممّا يخافه على نفسه من تبليغ ما تضمّنته الآيةُ الشريفةُ التي هي نسيج وحدها في موقعها ومضمونها، فقد وقعت بين آياتٍ تتعرّض لأحوال أهل الكتاب، تضمّنت بشارة للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) بخمود نيرانهم وانكسار شوكتهم، فهو ودينه في

ص: 5

أمان منهم، فاطمأنّ صلوات اللّه عليه وآله مادام على قيد الحياة، وقد بلّغ الدين القويم -كما عرفت - إلّا أنّه لم يكد يخاف عليه بعد ارتحاله ومفارقته الدُّنيا، وهو العالم بما سيجرى، وقد أمره عزّوجلّ بتبليغ النّاس ما يتضمّن هذه الجهة من رسالته، التي تكون فيها حياة الدين وبقاؤه، وهذا أمر مهمّ جداً بالنسبة إلى حفظ الشريعة واستمرارها، ولا ريب أنّه يحتاج إلى تعيين شخص فيه من المعيّنة الصفات التي تؤهّله لهذا المنصب الخطير، وهذا هو السرّ الذي كان صلوات اللّه عليه يخشاه، وهو عارف بنوايا القوم وسرائرهم، وقد وعده عزّوجلّ بحفظه وأنّه سيعصمه ممّا يخافه ويحذره، وكان الأمر صارماً إذ قال عزّوجلّ : «وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ»، إذ فيه كمال الدين وتمامه، ولا يبالي بما يفعله القوم الكافرون.

وممّا ذكرنا تعرف وجه الارتباط بالآيات السابقة واللّاحقة التي نزلت في شأن أهل الكتاب وأحوالهم، إذ أنّهم كانوا على علم بالولاية والوصاية، وأنّ رسلهم لم يتركوا هذا الجانب، فهذا الدين مثل تلك الرسالات، لابدّ أن يلاحظ هذه الجهة أيضاً، لاسيما أنّه آخر الأديان الإلهيّة، وأنّه يجب بحكم العقل أن يضمن ديمومته وبقاءه.

ما يتعلّق بخطاب «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ»

***

التفسير

قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ».

خطاب ربوبيّ يتضمّن كمال العناية برسوله الكريم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ )، ونداء شريف اشتمل على منّة اللّه العظمى على عبده وكرامته الكبرى، وهي صفة شريفة من أشرف الصفات، ولم يرد مثل هذا الخطاب في القرآن الكريم إلّا في موضعين. وهما في هذه السورة أحدهما المقام، والثاني قوله تعالى : «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا

ص: 6

يَحْزُنُكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنْ الَّذِينَ هَادُوا»(1).

وكلا الخطابين وردا في ما يخصّ أمر هذا الدين، وحفظه من الأعداء والمخالفين في حياته الشريفة، وهم المنافقون وأهل الكتاب الذين كانوا يتربّصون الدوائر لتقويض دعائمه، فكان يحزن الرسول الكريم أفعالهم ونواياهم السيّئة، فآمنه عزّوجلّ ونهاه عن الحزن، وهذا هو الذي تكفّله الخطاب الأوّل، وأمّا الخطاب الثاني فقد تضمّن شيئاً آخر يحفظ به دينه من بعد غيابه عن أُمّته، وهو الذي كان يخاف من إظهاره فآمنه عزّوجلّ، فالآيتان متكاملتان وصدرتا بهذا الخطاب لكونه رسولاً للثقلين، وأتى بشريعة هي خاتمة الشرائع الإلهيّة، فلابدّ أن تستوفى جميع الجهات، والتصدير بهذا الخطاب لبيان أنّه رسول من ربّ العالمين، لا يهمه إلّا تبليغ الرسالة، أمّا كفر الناس ونفاقهم، فلا يصلح لأن يكون سبباً لحزنه وخوفه، كما أشار إليه قوله تعالى : «فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً»(2).

ويحتمل أن يكون الخطاب بالرسالة لأجل ما تضمّنته الآية من التبليغ لحكم اللّه، فهو كالبرهان على وجوب تبليغه، وفى حذف الذي أُنزل إليه من ربّه وعدم التصريح به إشعار بتعظيمه، وأنّه من أمر اللّه عزّ وجلّ وليس لغيره فيه شأنه، وفيه من الدلالة أيضاً على عدم خبرته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) في كتمانه، وعدم جواز التساهل في التأخير في تبليغه، فيجب عليه إظهاره، وسياق الآية المباركة يدلّ على التشدّد وتعظيم الأمر الذي يراد تبليغه.

ص: 7


1- سورة المائدة : الآية 41.
2- سورة الكهف : الآية 6.

دلالة الآية الشريفة واختلاف المفسّرين فيها

وقد اختلف المفسّرون في المراد من الآية الشريفة بعد اتّفاق الإماميّة على أنّها نزلت في شأن الولاية والخلافة العظمى، ولهم في ذلك أدلّة كثيرة نذكرها في ما سيأتى إن شاء اللّه تعالى.

فقيل : إنّها لاتّصالها بما قبلها وما بعدها في سياق واحد، فيكون المراد أمر الرسول الكريم أشدّ الأمر بتبليغ ما أنزله اللّه سبحانه في أمر أهل الكتاب، وحينئذٍ يتعيّن بحسب السياق أن يكون المراد بما أُنزل إليه من ربّه، هو ما يؤمر بتبليغه في الآية اللّاحقة «قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حتّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ».

ويردّ عليه :

أوّلاً : إنّ الآية الشريفة نزلت فى حجّة الوداع منصرفه منها، ولم يكن أي خطر يتوجّه من أهل الكتاب بعد دخولهم في السِّلم، وإعطاء الجزية وهم صاغرون، حتّى يحتاج إلى هذا التشديد، يضاف إلى ذلك أنّ اللّه عزّ وجلّ وعد نبيّه الكريم بخمود نیرانهم و انکسار شوكتهم في الآية السابقة، فلم يكن الرسول على خوف منهم يسوغ له أن يمسك عن التبليغ أو يؤخّره إلى حين نزول العصمة من ربّه عليه.

وثانياً : إنّ الآية التي يدّعى ورود ما أنزله اللّه إليه لا تشتمل شيئاً فيه الشدّة والقول الحادّ، فإنّ مضمونها وارد في آيات أُخرى.

وثالثاً : إنّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) أُمر بتبليغ ما هو أشدّ من ذلك في أوائل البعثة إلى قومٍ أغلظ جانباً وأشدّ فتكاً وأسفك للدماء من أهل الكتاب، ولم يرد مثل هذا التشديد في أمر التبليغ بالنسبة إليه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ )، ولم يرد أن آمنه بالعصمة منهم، فهذا القول لا وجه له، فيكون وجه الارتباط بين الآيات ما ذكرناه آنفاً من تذكير أهل الكتاب، أنّ هذا الدين كسائر الأديان الإلهيّة في الاحتياج إلى الولاية والخلافة،

ص: 8

وفي المقام مزية تشريع كما ستعرف، ولذا تكون الآية نسيج وحدها، ولعلّه لأجل ذلك ذكر بعض المفسّرين أنّ الآية لا تشارك الآيات السابقة واللّاحقة لها في سياقها ولا تتّصل بها في سردها، ولكن الوجه ما عرفت.

وقيل : إنّ المراد منها جميع ما أُنزل كائناً ما كان، وإنّ المراد من التبليغ هو الإظهار والإيصال إلى الخلق؛ لأنّه كان في أوّل الإسلام يخفيه خوفاً من المشركين، ثم أمر بإظهاره فى هذه الآية، وأعلمه بأنّه سيعصمه من الناس.

ويردّ عليه : أنّه بناء على هذا يكون نزول الآية المباركة في أوّل البعثة، ونقلوا في ذلك بعض الأخبار، إلّا أنّها مع كونها متعارضة وعامّة لم تكن فيها إشارة إلى نزول الآية المباركة، وأنّها أخبار آحاد لم تثبت، وهى معارضة بأخبار كثيرة تدلّ على أنّ نزول الآية المباركة في حجّة الوداع منصرفه من الحجّ، مع أنّ سياق الآية المباركة ينافي ذلك، فإنّ معناها حينئذٍ أنّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ )كان يماطل في التبليغ وانجازه، خوفاً إمّا على نفسه من القتل فيحرم الحياة، أو يذهب التبليغ باطلاً، وهذا ممّا لا يمكن أن يتوهّمه أحد في غير الرسول من الأمناء، فضلاً عن الرسول الكريم الذي هو غاية خلق الكون، ومبدأ الكمالات ومنتهاها، فلا سبيل إلى احتماله.

وأمّا احتمال كون المراد إظهار جميع ما أنزله، فيرد عليه:

أولاً : بما عرفت من أنّ الآية نزلت في أواخر عهده وقد بلّغ ما بلّغ، ولم يتساهل في شى ممّا أنزله اللّه عزّوجلّ عليه، إلّا أنّه بقي أمر مهمّ كان في نفسه شيء من إظهاره إلى القوم، فاذا كان الخوف في أوّل البعثة هو المسوغ في تأويل الآية الشريفة عند الجمهور، فليكن نفس الخوف هو المسوّغ في آخر البعثة، فلا وجه للإيراد بأنّه لا معنى للخوف، فكلاهما من باب واحد.

ثانياً : إنّه لو كان المراد بما أُنزل إليه من ربّه هو أصل الدين أو مجموعه،

ص: 9

بصير المعنى : يا أيّها الرسول بلّغ الدين وإن لم تبلّغ الدين فما بلّغت الدين، وهو بمكان من الضعف والرداءة لا يصحّ أن يصدر من متكلّم يعتني بما يصدر منه في مقام الخطاب، فضلاً عن الحكيم الخبير.

إن قيل : إنّ ذلك يرجع إلى الاتّحاد بين الشرط والجزاء، فيكون نظير قول أبي النجم العِجليّ الرّاجز :

*أنا أبو النجم وشعري شعري *

حيث جعل فيه الخبر عين المبتدأ بلا مزيد من اللفظ، وأراد : وشعري شعري المشهورة بلاغته والمستفيضة فصاحته، فأخبر عن هذه الصفات بالسكوت عنها، وكذلك الأمر في الآية الشريفة، فأخبر عزّوجلّ عمّا يستلزم من ترك التبليغ بالسكوت، لفظاعة عدم تبليغ الرسالة.

قلت : إنّ ما ورد في الآية الشريفة يختلف عن شعر أبي النجم؛ لأنّ هذا الأُسلوب البلاغيّ إنّما يستعمل في موارد خاصّة، منها العامّ والخاصّ، والمطلق والمقيّد، أو لدفع توهّم حاصل في البين -كما في الشاهد - فإنّه يريد بذلك دفع ما يمكن أن يتوهّم في اختلاف شعره، أو وهنٍ في قريحة الشاعر ونحو ذلك، فهو يدفع ذلك بأنّه شعري لا اختلاف فيه، فشعري اليوم نفس الذي كنت أقوله بالأمس.

وأمّا الآية الكريمة، فلا يمكن أن يجري فيها هذا الأُسلوب والعناية، فإنّ الرسالة التي هي مجموع الدين والمعارف الإلهيّة غير مختلف فيها، ولا يمكن أن تقبل التغيير، فلا يصحّ أن يقال : إن لم تبلّغ هذه الرسالة فما بلّغت الرسالة، فيلزم اتّحاد الشرط والجزاء من غير مسوّغ بلاغيّ، إلّا أن يقال بنزول الآية الشريفة في آخر البعثة، وهم لا يعترفون به كما عرفت آنفاً، مع أن القول بأنّ المراد بالرسالة مجموع الدين أو أصله يلازم القول بنزول الآية في بدء البعثة، إذ لا وجه لدرجها

ص: 10

فى ذلك الأُسلوب البلاغيّ إلّا القول بذلك، كما أنّ القول به يستدعي الحذف والتأويل، وكلّ ذلك خلاف الظاهر والأصل.

ولعلّه لأجل ما ذكرناه عدل بعض المفسّرين عن ذلك إلى تأويلات سخيفة، لأجل الخروج عن اشتمال اتّحاد الجزاء والشرط الذي يستلزم اللّغوية، فقال : إنّ معنى الآية هو : يا أيّها الرسول أوصل إلى الخلق جميع ما أُنزل، كائناً ما كان من ربّك الذي هو مالك أمرك، وإن لم تفعل ما أُمرت به من تبليغ الجميع، فما أدّيت شيئاً من رسالته؛ لأنّ بعضها ليس أولى بالأداء من بعض، فإذا لم تؤدِّ بعضها فكأنّك أغفلت عن أدائها جميعاً، فإنّ هذا النداء إن كان في آخر البعثة - وهو الذي لا يلتزم به - فالمعنى صحيح، لأنّه أدّى أغلب الرسالة، ولم يُبْقِ إلّا أمراً واحداً، وهو الذي تضمّنته الآية الشريفة، وهو الذي يريده الشيعة الإماميّة، وإن كان نزوله في بدء البعثة رجع الإشكال المتقدّم ولا يرتفع بما ذكره، إذ هو عين المدّعى.

وقيل : إنّ المراد من الأمر بتبليغ ما أنزل اللّه إليه - وهو (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) قد بلّغ ما أُنزل إليه - وهو أمرٌ بالديمومة.

وفيه : إن كان المراد بالديمومة هى ديمومة الرسالة بعد ارتحال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ )، فيكون المراد بما أنزل اللّه إليه هو التشريع الخاصّ المتضمّن لهذه الجهة، وهي الولاية،والخلافة، وهذا هو الذي تقوله الإماميّة، وإن كان المراد بالديمومة غير ذلك، فهو يرجع إلى ما ذكره القوم، والجواب عنه نفس الجواب.

وقيل : إنّ المراد بتبليغ ما أنزله اللّه إليه هو علم الظاهر المتعلّق بمصالح العباد من الأحكام، وقَصَد بإنزاله إطلاعهم عليه، وأمّا ما خصّ به من الغيب ولم تتعلّق به مصالح أُمّته، فله بل عليه كتمانه.

وفيه : أنّه أوّلاً : تصرّفٌ في ظاهر اللّفظ بغير دليل.

ص: 11

وثانياً : إنّه لا ينافي أن تكون الولاية والخلافة من مصالح العباد، بل من أهمّها التى يجب عليه إبلاغها للناس وإطلاعهم عليها.

الآية تتضمّن تشريعاً خاصّاً فيه قوام الدين

والحقّ أن يقال : إنّ الآية الشريفة تتضمّن تشريعاً خاصاً، وأمراً مهمّاً أكّدت على تبليغه، وليس هو مجموع الدين أو أصله أو غير ذلك ممّا قيل، ولم يقم عليه الدليل، بل كانت على خلافه كما عرفت.

ثمّ إنّ هذا التشريع الخاصّ قد وقع الخلاف فيه، فقد ذكر بعض المفسّرين أنّه بعض الدين، وحينئذٍ إن كان - اي بعضاً منه - من دون تعیین فالمعنی بلّغ الحكم الذي أُنزل إليك من ربِّكَ «وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ»، ولا بدّ أن يكون المراد بالرسالة مجموع ما حمله رسول اللّه من الدين، وإلّا فيعود المحذور السابق وهو لزوم اللّغو فى الكلام، إذ لو كان المراد من «رسالته» الرسالة الخاصّة، كان المعنى : بلّغ هذا الحكم وإن لم تبلّغه فما بلّغته، وهو لغو ظاهر.

فلابدّ أن يكون المراد هو المجموع، أي بلّغ هذا الحكم، وإن لم تبلّغه فما بلّغت رسالته أو مجموعها، فيدخل الكلام فى الأُسلوب البلاغيّ الصحيح، نظير قول أبي النجم : «وشعري شعري». والسرّ في ذلك أنّ هذا البعض الذي أمر بتبليغه إمّا لأهمّيته، أو لأجل أنّ المعارف والأحكام الدينيّة يرتبط بعضها مع بعض، بحيث لو أُخلّ بأمر واحد أُخلّ بجميعها؛ لكمال الارتباط بينها، ولا سيما في التبليغ.

وهذا الوجه صحيح في حدّ ذاته ولا بأس به، لكنّه لا يلائم ذيل الآية الشريفة : «وَاللّه يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّه لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ»، فإنّه يكشف عن أن قوماً همّوا بمخالفة هذا الحكم الإلهيّ، أو المترتّب منهم ذلك، وسيجد الرسول الكريم منهم إنكاراً وشدّة في المخالفة، ويتّخذون ما أمكنهم من التدابير لإبطال هذه الدعوة، وقد وعد عزّوجلّ رسوله الكريم أنّه يعصمه منهم، ويبطل

ص: 12

مكرهم، وهذا المعنى لا يستقيم مع أي حكم نازل، فإنّ الأحكام الإلهيّة وإن كانت مرتبطة بعضها ببعض، إلّا أنّها ليست في درجة واحدة من الأهمّية، وهذا ممّا لا ريب فيه عند أحد، فهل يكون الجهاد مع أعداء اللّه بمنزلة النظر إلى الأجنبيّة مثلاً؟ ولا يصحّ فرض هذه المخالفة من النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) والوعد بالعصمة من اللّه مع كلّ حكم، مع أنّه ليس كلّ حكمٍ موجباً لإثارة الخلاف والشبهة لدى الناس، فلابدّ أن يكون هذا الحكم من الأهمّية بمكان بحيث لو أهمل أمره كان ذلك في الحقيقة إهمالاً لأمر سائر الأحكام، وهو بمنزلة الروح للجسد كما ستعرف، فيستكشف من الآية أنّ بهذا الحكيم يتمّ أمر الدين، وتكمل النعمة على الناس، وتستقرّ الشريعة وتدوم به، ولولاه لانهدم بناء الدين وانقضت أركانه وتلاشت أجزاؤه، وقد كان النبيّ الكريم يتفرّس من القوم المخالفة، ويخافهم من دعوته، فيؤخّر التبليغ إلى الوقت الصالح، حتّى أمره اللّه بالتبليغ العاجل بعد بيان أهمّية هذا الحكم، ووعده العصمة والأمن من مكر المخالفين وكيد المعاندين.

جهات إبلاغ الرسالة

ويمكن أن نقول : إنّ إبلاغ الرسالة له جهات كثيرة :

الأُولى : إبلاغ الرسالة في أصل التوحيد فقط.

الثانية : إبلاغها في الأحكام الفرعيّة.

الثالثة : إبلاغها في خصوص جهة بقاء الدين وإبقائه، وتدبير الخليفة والجهات الراجعة إليه.

والمراد بعد إبلاغ الرسالة في الآية الكريمة هي الجهة الأخيرة، وحيث إنّ هذه الجهة من أهمّ الجهات يصحّ أن يقال : إنّ بعدم إبلاغها كأنّه لم تبلّغ الرسالة رأساً، ولاريب ولا إشكال فى أنّ أمر الولاية العامة والخلافة على الأُمّة من أهمّ ركائز الدين ولا غنى له عنه، وكيف يمكن أن يتصوّر أنّ الدين الذي قرّره اللّه عزّوجلّ لعامّة البشر، وجعله خاتم الأديان الإلهيّة له من البقاء والدوام إلى يوم

ص: 13

القيامة، وفيه من المعارف والأحكام ما يستوعب جميع جوانب الحياة الدنيويّة والأُخرويّة، ويشمل كلّ حركات الإنسان وشؤونه، أن لا يكون فيه ما يضمن هذه الجوانب، ويحفظه من عاديات الدهر وكيد المعاندين وشكوك المنافقين، أفيكون المجتمع الإسلاميّ خارقاً عن سائر المجتمعات وعلى خلاف القوانين العامّة، فلا يحتاج إلى والٍ يتولّى أمره ويدير شؤونه؟!! أيختلف الأمر بين حياة الرسول الكريم حينما كان يغيب عن المدينة برهة من الزمن لغزوة أو غيرها فيجعل خليفة، وبعد وفاته يترك دينه سدى، وقد روى الفريقان أنّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) استخلف عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) على المدينة عند مسيره إلى تبوك، فقال :

«يا رسول اللّه أتخلّفني على النساء والصبيان؟ فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) : أما ترضى أن تكون منّى بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي».

أكان يختلف دين محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) عن سائر الأديان الإلهيّة، حيث إنّ أنبياءها كانوا يجعلون الأوصياء والخلفاء ؟! أليس كان الرسول ينصّب الولاة والحكّام على بلاد المسلمين، ويؤمّر رجالاً على السرايا والجيوش التي يبعثها إلى الأطراف ؟!

أليس الاحتياج إلى الخليفة والولى الذي يدير شؤون الأُمّة ويحفظ الدين بعد مماته، أشدّ من زمن حياته والضرورة أكبر ؟

فلا ينبغى الشكّ في أنّ الآية تنظر إلى أمر الوصاية والولاية الكبرى والخلافة العظمى، ولما كان هذا الحكم له مساس خاصّ بالرسول الكريم؛ لأنّ الذي ينصّبه فيه من الصفات والكمالات والشؤون ما يكون امتداداً لشخصه الكريم في قيادة الأُمّة وحفظ الشريعة، وعلى كاهله تقع جهة بقاء الدين وديمومته وتفسيره وبيانه وتطبيقه، كما أنّ الأُمّة تنتفع بوجوده، إذ له دخل في حفظ نظام العالم وتنظيمه، كلّ ذلك ممّا يوجب أهمّية هذا الأمر الإلهيّ الذي نزل على الرسول الكريم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ )، فلا ريب أنّه أمر عظيم وخطره كبير، لا يدرك حقيقته كلّ

ص: 14

أحد، لأنّه ولاية إلهيّة.

فيكون خوف النبىّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) من إظهاره في محلّه، حتّى تستعدّ النفوس ويكتمل الإيمان في القلوب، إلّا أنّ اللّه عزّ وجلّ أمره بالتبليغ وتعجيل الأمر، ووعده بالعصمة من الناس والأمن من كيدهم.

ولعمري إنّه ما من أحد من المسلمين، بل من عامّة البشر يمكنه أن ينكر الوصاية، فإنّها أمر تكوينيّ فطريّ لا يختصّ هذا الدين بها، حتّى يكون بِدْعاً عن سائر المجتمعات والأديان الإلهيّة، إلّا أّن القوم الذين ينكرونها لا يخلو حالهم من أحد أمرين على سبيل منع الخلو :

إمّا أنّهم لم يدركوا حقيقة الخلافة العظمى والولاية الكبرى، وأنّها تشبه النبوّة إلّا فى جهات معيّنة، فوقعوا في حيرة واضطراب، وادّعاها كل مَن ليست له الأهليّة، فوقع الناس في تخبّط وانصدموا مع الواقع العمليّ لمن ادّعاها، فظهرت الشبهات والتأويلات والخلافات التي حذّر الرسول الكريم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) منها أشدّ تحذير، وهذا الاحتمال ساقط لأنّ الرسول مهّد لأمر الولاية، وفي القرآن الكريم ما يدلّ على ذلك، كما عرفت في الآيات السابقة.

أو أنّهم يعلمون بها وشأنها العظيم إلّا أنّ الحسد والكبرياء الكامن في النفوس منعا من الإيمان بها، وجحدوا حقّها الكبير، فحدث ما حدث ممّا ذكر في التاريخ، وحدث الخلاف والانشقاق في الصفوف، وهو الذي كان الرسول يخافه ويتفرّسه من القوم فأُمر بالتبليغ، وامتحِنَ المسلمون به ووقعوا في أشدّ فتنة أراد اللّه القهّار أن يختبرهم بها، ولا حول ولا قوّة إلّا باللّه.

هذا كلّه مع قطع النظر عن السنّة والنصُوص الواردة في شأن هذه الآية الكريمة التي تدلّ على أنّها نزلت في أمر عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وسيأتي في البحث الروائي إن شاء اللّه تعالى.

ص: 15

ثمّ إنّه لا ينقضى العجب من بعض المفسّرين أنّه يقول : إنّ جميع ما عند النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) من الأسرار الإلهيّة، وغيرها من الأحكام الشرعيّة، قد اشتمل عليه القرآن المنزل، وتمسّك بقوله تعالى : «مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ»، وبالحديث الذي رواه عن ابن مسعود عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) وبكلمات مشايخه من الصوفية، وغير ذلك من الأمثلة، وأطال الكلام فى ذلك، لكنّه إذا أتى إلى أمر الولاية والخلافة ينكرها، ولم يعد يجعلها من الأحكام الإلهيّة التي أنزلها اللّه في القرآن الكريم، الذي هو تبيان كلّ شيء، ويشدّد النكير على مَن يجعل الآية في الولاية، ويتّهم الروايات الواردة في ذلك بالضعف والشذوذ، ويجعل الشاذّ الموهون صحيحاً، وليس ذلك إلّا مكابرة واستكباراً على الحقّ،أعاذنا اللّه من الزيغ.

ما يدل عليه قوله تعالى : «وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ»

قوله تعالى : «وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ».

تعظيم لما أنزله اللّه تعالى، والكلام سبق في صورة التهديد لبيان أهمّية الحكم، فإنّ له من المكانة الكبرى ما لو لم يبلّغه فكأنّه لم يبلغ من الرسالة شيئاً - كما عرفت آنفاً - فلابدّ من إيصاله إلى الناس، وإلّا فلم يراع حقّ شيء من أجزاء الدين، فالجملةُ الشرطيةُ سيقت لبيان أهمّية الشرط وجوداً وعدماً، لترتّب الجزاء عليه كذلك.

وتختلف الشرطيّة في المقام عن سائر المقامات، فإنّ الشرط فيها إنّما يستعمل في مورد احتمال الوقوع والجهل، بتحقّق الجزاء للجهل بتحقّق الشرط، وأمّا المقام فإنّه لا ريب أنّ الاحتمال في حقّ الرسول الكريم في أن يبلّغ أو لا يبلّغ غیر موجود، وحاشا لساحته المقدّسة أن يحتمل فيه ذلك، وهو القائل فيه : «وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ»(1)وقد جمع من الكمالات حتّى بلغ

ص: 16


1- سورة طه : الآية 114.

مرتبة جمع الجمع، وقال فيه عزّوجلّ : «اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ»(1)، فهو العالم بالحكم وبأنّه عليه تبليغ الأحكام، إلّا أنّ الخوف من الناس بعدما كان مأذوناً في التأخير إلى حين المصلحة كان المانع، حتّى أتاه الأمر بالتعجيل لبيان أهمّية الحكم المنزل، ولتشديد الأمر فيه كما عرفت، ولا يفرق حينئذٍ بين قراءة «رسالته» بالإفراد، أو «رسالته» بالجمع، فإنّ المعنى على كلا القراءتين واحد.

ولم يكتم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) شيئاً، وإنّما كان تأخير التبليغ لمصلحةٍ هو يراها بعد أن أذن اللّه عزّوجلّ له في ذلك -كما عرفت - ويشبه هذا النوع من التأخير ما ورد في قصة زيد بن حارثة وزوجته زينب بنت جَحْش. قال تعالى: «وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللّه عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللّه وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللّه مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللّه أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ»(2)، فكان فى التأخير والتعجيل حِكَمٌ ومصالح، وممّا ذكرنا يظهر ضعف ما قيل في تفسير الآية الكريمة، فراجع.

ما يتعلّق بمادة (عصم)

قوله تعالى : «يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ».

مادة عصم تدلّ على المنع والإمساك ويلازمه الحفظ والوقاية، والاعتصام الاستمساك، والعصام (بالكسر) ما يعتصم به، أي يمتنع به ويشدّ، والمعصوم الممتنع الممسك نفسه عن جميع محارم اللّه، وفي الحديث عن عليّ بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «الإمام منّا لا يكون إلّا معصوماً، وليست العصمة فى ظاهر الخلقة فتعرف. قيل : فما المعصوم ؟ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : المعتصم بحبل اللّه، وحبل اللّه هو القرآن لا يفترقان إلى يوم القيامة- الحديث».

فيكون المعصوم مَن حفظه اللّه من المعاصى والأدران المعنويّة، بما خصّهم به من صفاء الجوهر وما أولاهم من الفضائل، ومنحهم من النصرة والتثبيت الأقدام

ص: 17


1- سورة الأنعام: الآية 124.
2- سورة الأحزاب : الآية37.

وإنزال السكينة عليهم والتوفيق.

وفي الحديث عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) : «أربع مَن كنّ فيه كان في نور اللّه الأعظم، وعدّ منها مَن كان عصمة أمره شهادة أن لا إله إلّا اللّه وأنّي رسول اللّه»، والمراد منها ما يعصم منه في المهالك يوم القيامة.

وقد وردت هذه المادّة في القرآن الكريم في أربعة عشر موضعاً، وتقدّم بعض الكلام في سورة النساء، فراجع.

والمراد بها في المقام هي منعه من وصول إيذاء الناس إليه، وحفظه من الشرور والمكارة التي تمنعه من إنجاح مهمّته العظمى، كما أنّ المراد من الناس عمومهم لا خصوص الكفّار، على ما ادّعاه بعضهم كما ستعرف.

ومن تعميم العصمة يستفاد شمولها لكلّ الشؤون قولاً وفعلاً، سواء ما يتعلّق بنفسه الشريفة، أو ما يتعلّق بالتبليغ والشريعة، ولا سيما الأمر الذي أمر تبليغه إلى الناس، فإنّ به يقام عمود الدين ويبقى ويدوم، وحفظه إنّما يكون بدفع ما يوجب تقويضه معالم الدين وإعلامه.

وأمّا كلمة (الناس) فإنّ المراد منها مَن وجد فيه معنى الإنسانية، مع قطع النظر عن الخصوصيّات التكوينية منها كالذكورة والأنوثة، أو الاكتسابيّة كالعلم والفضل والغنى وغير ذلك، كقوله تعالى : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّه أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللّه عَلِيمٌ خَبِيرٌ»(1).

ولا تنطبق على غير الجماعة إلّا مع القرينة الدالّة على إرادة الواحد منه، كما في قوله تعالى : «الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ»(2)، والمراد به شخص واحد، أو تكون

ص: 18


1- سورة الحجرات : الآية 13.
2- سورة آل عمران الآية 173.

قرينة خاصّة تفيد معنى خاصّاً في الاستعمال، فقد تدلّ على أنّ المراد من الناس الفضلاء منهم والذين تحلّوا بثوب الإنسانية التي لها معنى التعقّل والإدراك، كقوله تعالى : «وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ»(1)، أي الذين استفادوا من الإنسانيّة التي وجدت فيهم فأدركوا الحقّ وميّزوه عن الباطل، وربّما تدلّ القرينة على أنّ المراد من الناس الأدنون منهم، الذين يحتاج في تمييزهم إلى الاعتبار شيء زائد من الفضائل الإنسانية التي توجب المزيد عن أصل النوع، كما في قوله تعالى : «وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ»(2).

والمراد منه في الآية الكريمة المعنى العامّ الذي يشمل كلّ مَن دخل في الإسلام، حتّى مَن لم يستقرّ في قلبه الإيمان، فيدخل فيه المؤمن والمنافق والذي في قلبه مرض، الذين اختلطوا في ظاهر الإسلام، فإنّ الخوف إذا كان فإنّما يكون من عامّتهم، فلا موجب لتخصيص النّاس بالكافرين أو المشركين فقط، ولا سيما أنّ الآية نزلت بعد الهجرة وظهور شوكة الإسلام، ووعد اللّه نبيّه والمؤمنين بإطفاء نيران حرب اليهود والنصارى، ودخولهم في السِّلم، فكان السواد الأعظم مسلمين، وكان فيهم مَن كان ممّن يخاف منه على دينه، وهذا ممّا لا يمكن أن ينكره أحد إلّا أن يكون مكابراً.

قوله تعالى : «إِنَّ اللّه لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ».

تعليل لما سبق : أي أنّ اللّه لا يهدي القوم الذين يريدون إيذاءك، وقد كفروا معارضتهم لهذا الحكم وقصدهم إيذائك وهو يعصمك منهم ويحفظك من مكرهم وشرّهم.

ص: 19


1- سورة البقرة : الآية 13.
2- سورة الروم : الآية 30.

أقسام الكفر

والكفر يطلق على معان بحسب التقسيم العقليّ، فإنّ الكفر إمّا أن لا يعتقد بمبدأ أصلاً، وهو الكافر المطلق، ويطلق عليه الجاحد بالمعنى العامّ، أو يعتقد به فى الجملة ثمّ يجحده، وهو كفر الجحود بالمعنى الخاصّ، أو يعتقد به ولا يجحده ولكن يكفر بنعمة وهو كفر النعم، أو يعتقد به ولكن يترك ما أمر اللّه به، وهو كفر ترك الطاعة، ويشمل هذا ترك كلّ واجب شرعيّ، أو إتيان كلّ ما نهى اللّه عنه، أو يعتقد بذلك كلّه ولكن لا يبرأ من عدوه ولا يتولّى وليه، وهو كفر البراءة.

وهذه هي أقسام الكفر الجامع لجميع أنواع الكفر الوارد في القرآن الكريم، وقد تقدّم البحث عنه في سورة البقرة، فراجع.

والمراد به في المقام هو ترك ما أمر اللّه به عزّوجلّ، وهو الذي أمر نبيّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) بتبليغه، كما في قوله تعالى في آية الحج : «وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّه غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ»(1).

وأمّا كفر الجحود بكلا معنيه، فلا يناسب مورد الآية إلّا على القول بأن المراد من قوله : «مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ» هو مجموع رسالات الدين و مجموعه، وقد عرفت ما فيه، كما أنّ المراد من عدم هدايته عزّوجلّ هؤلاء القوم الكافرين، هو سلب الهداية منهم في كيدهم و مكرهم.

ولهذه الآية الكريمة نظائر متعدّدة في القرآن الكريم، قال تعالى : «لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ»(2)، وقال تعالى : «إِنَّ اللّه لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ»(3)، والمراد من الجميع واحد، هو سلب الهداية منهم في كيدهم ومكرهم، فيحفظ الرسول ودينه وأهله من كيدهم وشرّهم، لا أن يكون المراد من سلب الهداية منهم هو عدم الهداية إلى الإيمان، فإنّ ذلك يستلزم محاذير لا يقول بها أحد، منها استلزامه

ص: 20


1- سورة آل عمران : الآية 97.
2- سورة البقرة : الآية 258.
3- سورة المنافقون : الآية 6.

الجبر، ومنها استلزامه عدم جدوى الدعوة والتبليغ، فإنّ اللّه لا يهدي مَن يُدعى إلى الإيمان، فإنّه لا يهديهم، ومنها معارضته لقوله تعالى : «وَاللّه يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم»(1)، فإنّ اللّه سبحانه وتعالى قد هدى - وما يزال - الكثيرين من الكفّار إلى الإيمان.

فالمراد من عدم هدايتهم هو ما ذكرناه، وهو إبطال نواياهم وردّ كيدهم، وعدم تخليتهم لينالوا ما يهمّون به من إبطال حكمة الحقّ،وإطفاء نور الحكم، وحفظ الرسول ودينه من إضلالهم، وهذا لا ينافي استيلاء الكفر برهةً من الزمن وتقدّمهم في مساعيهم أحياناً، فينالون ما يريدونه، ولكن لا يلبث أن يبطل ما بنوه وينقلب عليهم مكرهم، فإنّه «لَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئِ إِلَّا بِأَهْلِهِ»، وقد وعد عزّوجلّ رسوله الكريم والمؤمنين بالنصرة وظهور كلمة الحقّ،واستيلائه على الباطل، ومحو الكفر ورجوع الكفّار خائبين، ألا إنّ وعد اللّه قريب.

ومما ذكرنا تعرف أنّ تعميم الآية الكريمة : «وَاللّه يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ» ليشمل كلّ موجبات الكدر والحزن والقتل والتشريد، وغير ذلك ممّا دلّت عليه الأدلّة الكثيرة من القرآن الكريم والمأثور من الحديث والتاريخ القطعيّ، فقد نال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ )من أُمّته ما لم ينل نبيّ قبله، حتّى ورد في المأثور عنه : «ما أُوذي نبيّ مثل ما أُوذيت».

فالايةُ الكريمةُ بصدرها وذيلها تدلّ على أنّ الامر الذي شرّع لتبليغه الناس هو أمر مهمّ وذو بال بالنسبة إلى الدين، بل هو قوامه، والخوف الذي حصل عند الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) من إنكار القوم له إنّما كان في محلّه، فمنهم مَن لم يستقر الإيمان في قلبه، ومنهم مَن دخل في الإسلام كرهاً أو طمعاً، ومنهم المنافقون الذين حذّر

ص: 21


1- سورة البقرة : الآية213.

القرآن الكريم والرسول العظيم منهم أشدّ تحذير، فهم كانوا يتربّصون الدوائر لهذا الدين ولا يروق لهم بقاؤه واستمراره ووجوده خليفة يحفظه من كيدهم، ومنهم الكفّار الذين دخلوا في السلم لمصلحة، ومنهم المؤمنون حقّاً الذين يهتمّون بأمر الدين، ويقيمون حدود معالمه، فإذا كان الحكم متعلّقاً بأمر الدين وبقائه، وإذا كان المبلّغون إليهم كذلك من الاختلاف في الإيمان، فلِم لا يحدث الخوف في قلب الرسول من هذا التبليغ الأكيد ؟ وهو (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) قد خشي من الناس في قضية (زيد)، ولم تكن بهذه المثابة من الأهمّية، فلابدّ أن يكون في هذا الأمر الإلهيّ أشدّ خوفاً و دهشةً، وهو يلاحظ مسيرة القوم وهو يعلم أنّ منهم مَن ينكره ويجحده ويكفر بإنكاره، وقد وعده اللّه عزّوجلّ بالعصمة منهم والأمن من كيدهم وشرّهم وعدم، الاعتناء بكفرهم، فإنّهم وإن استدلوا وتقدّموا في الحال لكنّهم سيخسرون في المآل، ويأتى فى البحث الروائيّ ما يدلّ على ذلك إن شاء اللّه تعالى.

وممّا ذكرنا تعرف وجوه الخدشة في ما ذكره المفسّرون من الجمهور في تفسير الآية الكريمة، فراجع.

***

ص: 22

بحوث المقام

بحث دلالي:

الأول : دلالة قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ ) على شرف الرسالة

تدلّ الآية الشريفة على أُمور :

الأوّل : يدلّ على قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ» على عظيم فضل الرسالة وشرفها الكبير، إذ خاطب اللّه عزّ وجلّ بها أعزّ خلقه وأحبّهم إليه، وذكرها بالخصوص مع تعدّد الأوصاف الكماليّة لنبيّنا الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ )، لتذكيره بتبليغ ما أوحى إليه، فكان فيه براعة الاستهلال بأحسن أُسلوب وأعذبه، ولاشتماله على الحنان والمحبّة من لدن الحكيم الخبير لرسوله الكريم، فلا يبالي بما سيحدث من القوم، فإنّ الكامل لا يتأثّر بفعل الناقص.

الثاني : يدل قوله تعالى : «بَلَغَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ» على تأكيد التبليغ بأبلغ الوجوه

الثاني : يدلّ قوله تعالى : «بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ» على تأكيد التبليغ بأبلغ الوجوه، منها بالابتداء بصفة الرسالة التي تدلّ على أنّها بمنزلة الوساطة بين المرسل والمرسل إليه، ومنها الأمر بالتبليغ وبأن «مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ» إنّما هى أمانة لابدّ من إيصالها إلى الخلق، ومنها قوله : «مِنْ رَبِّكَ» الدالّ على أنّه الرب الذي تعهدّك وربّاك لهذه المهمّة، فجمعت الآية الشريفة وجوهاً من الدلالة على وجوب إيصال ما أُنزل إليه، فيالها من أهمّية عظيمة لم تكن في سائر الموارد!!

وقد عرفت في التفسير أنّ ما أُنزل إليه إما أو خاصّ، وعلى الأخير إمّا لا على التعيين أو يكون معيّناً، ولا سبيل إلى الأوّلين لما فيهما من البعد والوهن ويتعيّن الأخير الذي تدلّ عليه الشواهد الكثيرة، كما عرفت وسيأتي.

الثالث : إنّ كلمة الرب تدلّ على رعاية اللّه لنبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ )

الثالث : يدلّ قوله تعالى: «مِنْ رَبِّكَ» على أنّ اللّه تعالى يرعى نبيّه ويكلوه وفيه من الوعد منه عزّوجلّ لنبيّه الكريم بالحفظ والرعاية، أي بلّغه غير مراقب في

ص: 23

ذلك أحداً، ولا خائفاً من مكروه أبداً، وهذا وعد آخر في كلامه، واحدٌ لأهمّية المنزل من ربّه.

الرابع : علم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) بما أُنزل إليه من ربّه

الرابع : يدلّ قوله تعالى : «مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ» على أنّ الرسول الكريم كان يعلم بخصوصيات التبليغ والمنزل والمنزل إليهم ونواياهم وما تضمره قلوبهم ولهول تلك خشي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) من إظهار أُنزل إليه، إمّا شفقة منه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) عليهم لئلّا يدخلوا في القوم الكافرين، وهو الرحيم الرؤوف بأُمّته، أو لأجل رعاية المصلحة في التأخير، مع العلم بأنّ اللّه عزّ وجلّ لم ينزّل عليهم هذا الحكم دفعة بل جعل له مقدّمات وهيّأ له أُموراً كما عرفت في الآيات السابقة، وأرشدهم إلى الشخص المطلوب والصفات التي لابدّ أن تتوفّر، فأنزل آية الارتداد، وبيّن فيها صفات القوم الذين يحبّهم اللّه ويحبّونه، ثمّ أنزل آية الولاية إلى عين الولي فيها، وفي هذه الآية الشريفة عيّنه في فرد خارجي فيه جمع الصفات المعلومة دفعاً لكلّ شبهة، وأدرجها في ضمن آيات تدعو الكافرين إلى الإيمان، ونبذ ما هم عليه من الصفات الذميمة، لكونهم الأصل في معرفة الولىّ والوصي، وأنّ المشركين من العرب قد أخذوا منهم كثيراً ما يتعلّق بالرسالة والولاية، فذكّرهم بها وأرشدهم إلى العهود التي أخذها أنبياؤهم منهم في الاعتراف بها، فكانت أحبارهم ورهبانهم على علم بها وبالوليّ الذي يعيّنه اللّه تعالى، فكانت مجموع الآيات الشريفة على نهج واحد، وذات سياق مطرد في هذا الأمر المهمّ العظيم الذي لا حكم أهمّ منه، وإن كانت الأحكام الإلهيّة لها الأهمّية إلّا أنّها تختلف فيها، كما عرفت في التفسير، فراجع.

الخامس : إنّ الحكم الذي أُنزل عليه إنما يتعلّق بشخص معيّن

الخامس : يرشد قوله تعالى : «وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ» إلى أنّ الحكم الذي أنزله اللّه على رسوله الكريم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ )، إنّما يتعلّق بفعل معيّن يرتبط بشخص واحد، وإلّا لو كان قولاً خاصاً لبيان أمرٍ أو نهي أو إرشاد إلى معنى خاصّ، لم

ص: 24

يصحّ أن يقال: «وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ»، بل كان الأجدر أن يقال : فإن لم تقل أو لم تبلّغ وأمثال ذلك، فمن التعبير : «وإن لم تفعل»، يستفاد أنّ هناك فعلاً خاصاً، لابدّ أن يصدر منه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) مرتبطاً بشخص معيّن أو شيء معلوم له شأن في جميع الرسالة، إمّا لأجل ارتباط وجودها، أو لأجل معرفته بما حوته الشريعة والرسالة من العلوم والأسرار أو غير ذلك من المصالح والأغراض، فالآية الشريفة فيها من الدقّة في التعبير بحيث لو أمعن النظر فيها لتنبّه الخبير إليها، إلّا أنّ القوم جعلوها مثل سائر كلام الناس، وأوّلوها بتأويلات أخرجوها عن كلام اللّه العليم الخبير، الذي لم يكن فيه قول أو حرف إلّا مع المصلحة والحكمة، وقد ذكرنا ما يتعلّق بذلك في أحد مباحثنا السابقة، فراجع.

السادس : يستفاد من قوله تعالى : «وَاللّه يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ» أنّ مَن أخلص عمله اللّه ولم يبتغ إلّا رضاه، فإنّ اللّه يتكفّل مؤونة حفظه، وهو يرعاه ويرشده إلى مصالحه، فإنّ اللّه تبارك وتعالى لم يشترط على نبيّه الكريم في هذه الآية المباركة سوى تبليغ الوحي، ولكن وعده مقابل ذلك بالحفظ والرعاية والعصمة من الناس.

: : السابع : يرشد قوله تعالى : «مِنَ النَّاسِ» أنّ الذين كان يخشاهم الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) هم كثيرون لم يختصّ بطائفة معيّنة، كما عرفت في التفسير أيضاً، فراجع.

الثامن : لعلّ في استعمال كلمة «يعصمك» هيئةً ومادةً الإشارة إلى استمرار الرعاية والحفظ والعصمة أوّلاً، وعظم المخالفة وشدّة الإنكار ممّن ينكر هذا الحكم الإلهىّ ثانياً، فإنّ العصمة إنّما تستعمل في مورد الشدّة والأمر المهول، كما يظهر من التتبع فى موارد استعمالاته في القرآن الكريم، كقوله تعالى : «قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللّه إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً»(1)، وقوله تعالى حكاية عن ابن نوح :

ص: 25


1- سورة الأحزاب : الآية 17.

«قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ(1)، وغير ذلك من الآيات المباركة.

التاسع : يرشد قوله تعالى : «إِنَّ اللّه لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ» إلى أنّ إنكار هذا الحكم يوجب الكفر، كما عرفت آنفاً من إطلاق سلب الهداية من القوم الكافرين، أنّهم لا يفلحون في مسعاهم، ولا يدركون مبتغاهم، حتّى ولو طال الزمن في إنكارهم، ووصلوا إلى شيء من مرادهم، ولكنّه سيخيب امالهم، فإنّ ذلك وعد منه عزّوجلّ، واللّه لا يخلف الميعاد.

***

بحث روائي : يذكر الروايات التي وردت في شأن نزول الآية الكريمة، وتفسير مفرداتها من الخاصة والجمهور

بحث روائی :

لقد أجمع أئمّة أهل البيت سلام اللّه عليهم أجمعين على أنّ الآية المباركة نزلت في حقّ عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوم غدير خم، واتّفقت كلمة الشيعة الإماميّة على ذلك، وعليه أغلب الجمهور، وفي نفس اليوم الذي نزلت فيه الآية الشريفة نصّب الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) عليّاً للخلافة، وقال قولته المشهورة: «مَن كنت مولاه فعلیّ مولاه، اللّهم والِ مَن والاه وعاد من عاداه» وهو حديث متواتر منقول من طرق أهل السنّة بما يزيد على مائة طريق، فضلاً عن رواية الشيعة له متواتراً، فقد رواه جمع كثير من الصحابة، منهم: سلمان الفارسيّ، وأبو أيّوب الأنصاريّ، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم، وعمر بن الخطاب، وأبو ذر الغفاريّ، وعمّار بن ياسر، وسعد بن أبي وقاص، وعبد اللّه بن عبّاس، وأبو هريرة، وجابر بن عبد اللّه، وأبو سعيد الخدريّ، وعمران بن الحصين، وابن أبي أوفى، وأنس بن مالك، وسعدانة، وامرأة زيد بن أرقم.

وعليّ بن طالب الذي ناشد الناس بالرحبة، فقام جماعةٌ من الصحابة الذين

ص: 26


1- سورة هود : الآية 43.

حضروا المجلس، فشهدوا أنّهم سمعوا رسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) يقوله يوم غدير خم.

وقد أُلّفت كتب عديدة في حديث الغدير، وبحثوا فيها عن جميع جوانبه سنداً ودلالة ونقلاً، ومَن أراد مزيد الإطلاع فليرجع إليها، ونحن ننقل جملة من تلك الروايات عن طريق أهل السنّة، ثمّ نذكر بعض المناقشات المهمة التي ذكروها، ثمّ نذكر بعض الروايات التي وردت عن طريق الشيعة، فنقول مستعينين باللّه :

روى السيوطيّ في «الدّر المنثور»، قال : أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن أبي سعيد الخدريّ، قال : نزلت هذه الآية «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلَغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ» على رسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) يوم غدير خمّ في عليّ بن أبي طالب.

أقول : رواه فى الفصول المهمّة للمالكيّ، وقال : رواه الإمام أبو الحسن الواحديّ في كتابه المسمّى ب- «أسباب النزول»، رفعه بسنده إلى أبي سعيد الخدريّ (رَضِیَ اللّهُ عَنهُ)، كما رواه في «فتح القدير» عن ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساکر، عن أبي سعيد الخدريّ.

والمستفاد من الحديث أمران :

أحدهما : نزول الآية الكريمة في يوم الغدير.

والثاني : نزولها في حقّ عليّ بن أبي طالب.

وذكر النووي أنّ (غدير خم) بضمّ الخاء المعجّمة وتشديد الميم مع التنوين اسم لغيطة على ثلاثة أميال من الجحفة، عندها غدير مشهور يضاف إلى الغيطة.

وفي «الدّر المنثور» أيضاً : أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال : كنّا نقرأ على عهد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) : «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ» أنّ عليّاً مولى المؤمنين «وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّه يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ».

أقول : رواه في «فتح القدير» عن ابن مسعود، والمراد منه أنّه على سبيل التفسير والتأويل.

ص: 27

الحموينيّ في كتاب «فرائد السمطين» بإسناده عن أبي هريرة، قال : قال رسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) : «ليلة أُسري بي إلى السماء السابعة سمعت نداءً من تحت العرش : إنّ علياً آية الهدى وحبيب مَن يؤمن بي، بلّغ عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فلما نزل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) من السماء أُنسي ذلك، فأنزل اللّه عزّ وجلّ : «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّه يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّه لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ».

أقول : يمكن أن يكون المراد من الإنساء هو التأخير لمصلحة، أو لأجل الخوف الذى حصل عنده (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ )، كما عرفت.

وفي كتاب نزول القرآن للحافظ أبي نعيم رفعه إلى عليّ بن عامر، عن أبي الجحّاف، عن الأعمش، عن عطية، قال : نزلت هذه الآية على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) في عليّ بن أبي طالب : «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلَغَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ»، وقد قال اللّه تعالى : «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ ديناً».

أقول : تقدّم في تفسير قوله تعالى: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ...» نقل بعض الروايات التي تدلّ على أنّ نصّب عليّاً للخلافة، وكان بها إتمام الدين وإكمال النعمة.

وفي «تفسير الثعلبي» بإسناده عن الكلبيّ عن أبي صالح عن ابن عبّاس قال : نزلت هذه الآية في علىّ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، حيث أمر سبحانه أن يخبر الناس بولايته، فتخوّف رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) أن يقولوا : حابى ابن عمّه، وأن يطعنوا في ذلك عليه، فأوحى اللّه تعالى إليه هذه الآية، فقام بولايته يوم غدير خمّ وأخذ بيد عليّ فقال له : «مَن كنت مولاه فعلیّ،مولاه، اللّهمّ والِ مَنْ والاه وعادِ مَن عاداه.

أقول : رواه جمع غفير، وعن الذهبيّ : «إنّ مَن كنت مولاه فعلیّ مولاه»

ص: 28

متواترٌ يقينٌ أنّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) قاله، وأمّا: «اللّهم وال مَن والاه» فزيادة قويّة الإسناد.

النسائيّ والإمام أحمد عن ابن عبّاس عن بريدة الأسلميّ، قال: «غزوت مع عليّ اليمن فرأيت منه جفوة، فلما قدمت على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) ذكرت عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ). فرأيت وجه رسول اللّه قد تغيّر، فقال : بريدة الأسلمىّ ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قلت: بلى يا رسول اللّه، قال «مَن كنت مولاه فعلىّ مولاه».

أقول : ورد مضمونه في عدّة روايات، هي على فرض صحّة إسناده، يمكن أن يكون أحد الأسباب في إظهار النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) فضل عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعظيم منزلته، وأنّ القوم الذين شكوه إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) هم من الناس الذين كان النبيّ يخشاهم، وهذه الروايات تدلّ على أنّ عليّاً حاضراً يوم الغدير، وبذلك يبطل قول من قال بأن عليّاً لم يكن حاضراً يوم الغدير وكان باليمن.

وعن الذهبيّ في «الصحيح» عن زيد ابن أرقم، قال : لمّا رجع رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) من حجّة الوداع ونزل غدير خمّ أمر بدوحات فقممن، ثم قال : كأنّي قد دعيت فأجبت، إنّي قد تركت فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلّفونى فيهما، فإنّهما لن يفترقا حتّى يردا على الحوض، اللّه تعالى مولاي وأنا وليّ كلّ مؤمن، ثمّ أخذ بيد عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال : مَن كنت مولاه فهذا وليه، اللّهم والِ مَن والاه وعاد مَن عاداه، فما كان في الدوحات أحد إلّا رآه بعينه وسمعه بأُذنيه.

أقول : رواه جمع غفير من الصحابة، وفي بعض الروايات : «فلقيه عمر بن الخطّاب فقال : هنيئاً لك أصبحت وأمسيت مولى كلّ مؤمن ومؤمنة»، إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة المتواترة.

وقد أشكل بعض المفسّرين تبعاً لجمع من المحدّثين والمتكلّمين من الجمهور على تلك الروايات بضعف السند أوّلاً، وأنّ الشيخين لم يرويا خبر

ص: 29

الغدير ثانياً، وبمعارضتها بروايات أُخرى وردت في شأن نزول الآية الكريمة ثالثاً، وعدم دلالتها على المقصود، وهو الخلافة والأولى بالتصرّف رابعاً، وسيأتى الكلام في الأخير في البحث الكلاميّ.

وأمّا الروايات المعارضة فقد نقلها السيوطىّ فى «الدّر المنثور» واعتمد عليها جملة المفسّرين من الجمهور، منها ما نقله في «فتح القدير»، قال : أخرج ابن أبي حاتم عن جابر بن عبد اللّه، قال : «لمّا غزا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) بني أنماز نزل ذات الرفيع باعلى نخل، فبينما جالس على راس بئر قد دلى رجليه فقال : الوارث من بني أنمار : لأقتلن محمّداً، فقال له أصحابه، كيف تقتله ؟ قال : أقول له : أعطنى سيفك، فإذا أعطانيه قتلته به. فأتاه فقال : يا محمّد أعطني سيفك أشمّه، فأعطاه إيّاه، فرعدت يده حتّى سقط السيف من يده، فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) : حال اللّه بينك وبين ما تريد، فأنزل اللّه سبحانه: «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ - الآية».

أقول : قال في «فتح القدير» : أخرجه ابن حبّان في «صحيحه»، كما أخرجه ابن مردويه عن أبي هريرة ولكنّه لم يسمّ الرجل، وأخرج ابن جرير من حيث محمد ابن كعبه القرظیّ نحوه، وقال : قصّة غورث بن الحارث ثابتة في الصحيح، وهي معروفة مشهورة.

وفى «الدّر المنثور» : عن ابن عبّاس : أنّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) سئل : أى آية أُنزلت من السماء أشدّ عليك ؟ فقال : كنت بمنى أيّام الموسم، فاجتمع مشركوا العرب وأفناء الناس في الموسم، فأنزل عليَّ جبرئيل فقال : «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ - الآية »، قال : فقمت عند العقبة فناديت : يا أيَّها الناس مَن ينصرني على أن أُبلّغ رسالة ربّى وله الجنّة ؟ أيها الناس قولوا : لا إله إلّا اللّه وأنا رسول اللّه إليكم تفلحوا وتنجحوا ولكم الجنّة. قال : فما بقي رجل ولا أمراة ولا صبي إلّا يرموني بالتراب والحجارة ويبزقون في وجهى ويقولون : كذاب صابئ، فعرض عليَّ

ص: 30

عارض فقال : يا محمّد إن كنت رسول اللّه فقد آن لك أن تدعو عليهم كما دعا نوح على قومه بالهلاك، فقال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) : اللّهم اهدِ قومي فإنّهم لا يعلمون.

وفي «الدّر المنثور» : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد، قال : لمّا نزلت : «بَلَغَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ»، قال : يا ربِّ إنّما أنا واحد كيف أصنع ؟ يجتمع عليَّ الناس ؟ فنزلت: «وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ».

وفيها أيضاً عن الحسن : أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) قال : «إنّ اللّه بعثني رسالته فضقت بها ذرعاً، وعرفت أنّ الناس مكذبيّ فوعدني لأُبلّغن أو ليعذبني، فأنزل : «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ».

وفي «تفسير المنار» : روى أهل التفسير المأثور والترمذي، وأبو الشيخ والحاكم، وأبو نعيم، والبيهقىّ، والطبرانيّ عن بضعة رجال من الصحابة، أنّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ )كان يحرس في مكّة قبل نزول هذه الآية، فلمّا نزلت ترك الحرس، وكان أبو طالب أوّل الناس اهتماماً، بحراسته، وحرسه العبّاس أيضاً.

وفي «الدّر المنثور» : عن جابر عن ابن عباس أنّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) كان يحرس، وكان يرسل معه عمّه أبو طالب كلّ يوم رجلاً من بنی هاشم حتّى نزلت «وَاللّه يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ»، فأخرج رأسه من القبّة، فقال : أيّها الناس انصرفوا، فقد عصمنى اللّه.

أقول : هذه هي جملة الروايات التي أوردها القوم في كتبهم، واعتبروها معارضة لتلك الروايات التي نزلت في شأن نزول الآية الكريمة، ويمكن الجواب عن ذلك :

أوّلاً : إنّها لا تخلو عن التشويش، فبعضها يدلّ على أنّ الآية نزلت في المدينة، والبعض الآخر تدلّ على أنّها نزلت فى ابتداء البعثة، وثالثة تدلّ على أنّها نزلت في أواسط إقامته بمكّة بعد أن بلّغ رسالته مدّة من الزمن.

ص: 31

وثانياً : إنّها لا تتوافق مع دلالة الآية الكريمة، كما عرفت.

وثالثاً : إنّ بعضها لا يناسب نسبته إلى ساحة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ )، فإنّها تدل على أنّ النبيّ لم يعرف عمّا يجري عليه من أمر الرسالة، فقد بلّغ زماناً ثمّ اشتدّ عليه إيذاء الناس حتّى خاف على نفسه فتراك التبليغ، فأُمر ثانياً به وهدّد من جانب اللّه عزّوجلّ، وهذا بعيد عن ساحة النبيّ الذي كان يعرف جميع الخصوصيّات ولم يرسله اللّه إلّا بعد أن اجتباه إليه.

ورابعاً : إنّها تدلّ على تعدّد نزول الآية الكريمة في مواطن مختلفة، وحينئذٍ فلا تعارض تلك الروايات التي هي أكثر عدداً وأصحّ سنداً.

وأمّا المناقشة السنديّة في أحاديث الغدير : فقد عرفت أنّها متواترة، وتقدّم أنّ الذهبيّ قال : «إنّ مَن كنت مولاه» متواتر يقين أنّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) قاله، وأمّا «اللّهمّ والِ مَن والاه» فزيادة قوية الإسناد، وأمّا صيام ثماني عشرة من ذي الحجّة فليس بصحيح، ولكنّه مردود بوروده في جملة من الروايات من أنّها لو كانت ضعيفة الإسناد يكفي ذلك في الاستحباب؛ لقاعدة التسامح في أدلّة السنن.

وأمّا عدم رواية الشيخين خبر الغدير مع أنّهما رويا غيره من الأخبار الضعاف التي لم توجد فيها شروطهما، كما هو المعروف عندهم وضبطها أئمّة الحديث، فيكون الترك لأمر خاصّ يسألان عنه يوم القيامة، مضافاً إلى أنتهماكم أهملا أخباراً صحيحة واستدركها أصحابهما، وقد كفانا مؤونة نقل الأخبار التي وردت في الغدير وذكر أسنادها وباقي خصوصيّاتها الكتب التي أُلّفت في هذا الموضوع، جزاهم اللّه خير الجزاء.

وأمّا الأخبار التى نقلها الإماميّة في شأن نزول الآية وقصة الغدير، فهي متواترة أيضاً، نحن نذكر بعضاً منها.

العيّاشي عن أبي صالح، عن ابن عبّاس وجابر بن عبداللّه قالا : «أمر اللّه

ص: 32

تعالى نبيّه محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) أن ينصّب عليّاً علماً في الناس ليخبرهم بولايته، فتخوّف رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) أن يقولوا : حابى ابن عمّة، وأن يطعنوا في ذلك عليه، قال : فأوحى اللّه إليه هذه الآية : «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّه يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ»، فقام رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) بولايته يوم غدير خم».

وفي «البصائر» : عن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) في قوله : «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلَّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ»، قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «هي الولاية».

وفي «كشف الغمّة» : عن زيد بن عبد اللّه، قال : كنا نقرأ على عهد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) : «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلَغَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ» - أنّ عليّاً مولى المؤمنين - «وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّه يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ».

أقول : روى مثله غيره، والمراد من القراءة أي : هي مع التفسير والبيان، لا أن يكون جزءاً من القرآن وحذف، فإنّ التحريف غير ثابت عندنا.

وكيف كان : فالروايات في معنى الآية وأنّها نزلت يوم غدير خم في حقّ علىّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا تحصى.

وفي «تفسير العيّاشي : عن أبي الجارود، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : «لمّا أنزل على نبيّه له : «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلَغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّه يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّه لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ» قَالَ : فأَخذ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) بيد علىّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال : يا أيها الناس إنّه لم يكن نبيّ من الأنبياء ممّن كان من قبلي إلّا وقد عمر ثم دعاه فأجابه، وأُوشك أن أُدعى فأُجيب، وأنا مسؤول وأنتم مسؤولون، فما أنتم قائلون؟ قالوا : نشهد أنك قد بلّغت ونصحت وأدّيت ما عليك، فجزاك اللّه أفضل ما جزى المرسلين، فقال : اللّهُمَّ اشهد، ثم قال : يا معشر المسلمين، ليبلغ الشاهد الغائب، أوصى مَن آمن بي وصدّقني بولاية

ص: 33

علىّ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ألا إنّ ولاية عليّ ولايتي عهداً عهده الي ربّي وأمرني أن ابلغكموه، ثمّ قال : هل سمعتم ؟ - ثلاث مرّات - فقال قائل : قد سمعنا يا رسول اللّه».

أقول : روى جمع غفير من أصحابنا نزول الآية في أمر الولاية، كالكلينيّ في «الكافي»، والصدوق في «المعاني»، والعيّاشي في «تفسيره» وغيرهم (قدّس سِرُّه).

العيّاشي : عن حنان بن سدير عن أبيه، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : «لمّا نزل جبرئيل على عهد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) في حجّة الوداع، بإعلان أمر عليّ بن أبي طالب : «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلَّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ - الآية» قال : فمكث النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) ثلاثاً حتّى أتى الجحفة فلم يأخذ بيده فرقاً من الناس، فلمّا نزل الجحفة

يوم الغدير في مكان يقال له: «مهيعه»، فنادى : الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، فقال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) : من أولى بكم من أنفسكم ؟ فجهر وا فقالوا : اللّه ورسوله، ثم قال لهم الثانيّة، فقالوا : اللّه ورسوله، ثمّ قال لهم الثالثة، فقالوا : اللّه ورسوله، فأخذ بيد عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال : مَن كنت مولاه فعلی،مولاه اللّهمّ وال مَن والاه وعاد مَن عاداه، وانصر مَن نصره، واخذل مَن خذله، فإنّه منّى وأنا منه، وهو منّى بمنزلة هارون من موسى إلا أنّه لا نبيّ من بعدي».

أقول : هذا جزء من خطبته المباركة التي خطبها في يوم الغدير، وقد جمعت كثيراً من جوامع كلماته الشريفة، ورواها أغلب المحدّثين من الخاصّة والعامّة، ولعلّ الحكمة في وجه عدم الإتيان بالعصمة منه تعالى في مثل عرفات والمشعر الحرام ومنى من مجامع الناس لأجل كثرة الاهتمام بأمر الخلافة، لأنّه إذا كان الناس بصدد التفرّق وأمر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) بجمعهم، فهو يكشف عن الاهتمام بالشيء، بخلاف ما إذا كانوا مجتمعين بحسب طبعهم وتكليفهم الأولى، فإنّه حينئذٍ يكون كسائر الأُمور التي ينادى بها في المجامع.

وبالجملة : أنّ الأمر بالاجتماع لشيء غير إظهار ذلك الشيء في المجمع،

ص: 34

فيستفاد الاهتمام به في الأوّل ما لا يستفاد منه في الأخير، هذا أولاً.

وثانياً : لأجل بيان أن مسألة الاستخلاف ليست كسائر المسائل الشرعيّة التي شرّعها النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) في حجّة الوداع في مقام و مجلس واحد، بل إنّ عظيم أثرها في الدين يقتضى بيانها مفرداً.

وثالثاً : أنّ العصمة التي جاء بها جبرئيل الظاهر منها هي العصمة الحدوثيّة يعني العصمة حين إبداء أمر الخلافة، وأمّا البقاء فالآية ساكتة عنها، فلو أظهر (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) الخلافة في عرفات أو منى أو غيرهما من المجامع، مع كثرة الخلاف والمخالفين واجتماعهم لم يخش من التهاجم والمؤامرة، فأبدى أمر الخلافة في زمان ومكان لم يسعهم الاتّفاق على النفاق والشقاق، بل كانوا مجبورين على التفرّق للذهاب إلى أوطانهم.

وفي «تفسير الثعلبي» أنّ هذا القول من النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) في موالاة عليّ شاع وطار في البلاد، فبلغ الحارث بن النعمان الفهريّ، فأتى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) على ناقته وكان بالأبطح فنزل وعقر ناقته، وقال للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) وهو في ملأ من أصحابه : يا محمّد أمرتنا من اللّه أن نشهد أن لا إله إلّا اللّه وأنّك رسول اللّه، فقبلنا منك - ثم ذكر سائر أركان الإسلام - ثمّ لم ترض بهذا حتّى مددت بضبغى ابن عمّك وفضّلته علينا، وقلت : مَن كنت مولاه فعلیّ مولاه فهذا منك أم من اللّه ؟ فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) : واللّه الذي لا إله إلّا هو، هو أمر اللّه، فولّى الحارث يريد راحلته وهو يقول : اللّهم إن كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو اثتنا بعذاب أليم، فما وصل إلى راحلته حتّى رماه اللّه بحجر فسقط على هامته وخرج من دبره، وأنزل اللّه تعالى : «سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ» - الحديث.

أقول : روى بهذا المضمون في «المجمع» عن سفيان بن عيينه، عن جعفر بن محمد عن آبائه، ورواه الكليني في «الكافي»، ونقل روايته في «تفسير المنار»

ص: 35

معلّقاً عليها بأنّها موضوعة، وسورة المعارج مكّية، وما حكاه اللّه من قول بعض کفّار قريش : «اللّهم إن كان هذا هو الحقّ من عندك» كان تذكيراً بقول قالوه قبل الهجرة، وهذا التذكير في سورة الأنفال، وقد نزلت بعد غزوة بدر قبل نزول المائدة ببضع سنين، وظاهر الرواية أنّ الحارث بن النعمان هذا كان مسلماً فارتدّ ولم يعرف من الصحابة ؟ و الأبطح بمكّة، والنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) لم يرجع من غدير خم إلى مكّة، بل نزل فيه منصرفاً من حجّة الوداع إلى المدينة، انتهى.

وفي كلامه هذا مواقع للنظر قد كفانا مؤونة ذكرها بعض السادة من المفسّرين (قدّس سِرُّه)، فراجع.

***

بحث كلامي : يتعلّق بالمناقشات التي ذكرها القوم عن دلالة الآية الكريمة والجواب عنها

بحث كلاميّ:

عرفت دلالة الآية الكريمة على أنّ التبليغ المأمور به فيها، إنّما تعلّق بأمر خاصّ له شأن كبير فى هذا الدين، بل له مساس في بقائه، ولو كنّا نحن وهذه الآية الكريمة كانت كافية في الدلالة على المقصود، ولوجب علينا التفحّص في ما أمره به ربِّه، والأحاديث المتواترة لفظاً ومعنىً تعيّن ذلك، وتثبت أنّ المأمور به هي الولاية الكبرى والخلافة العظمى، وكان ما فعله الرسول الكريم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) بمقتضى الأمر بالتبليغ هو نصب عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) وليّاً وخليفة يحفظ به هذا الدين القويم وينصر به أهله، وهذا المقدار كاف في الحجّة وإلزام الناس بمضمون الآية الشريفة، إلّا أنّ القوم أوّلوها بتأويلات باطلة، وجرّدوها عن المعنى المقصود، وتلاعبوا في دلالتها، ثمّ ناقشوا في الأخبار تارةً في سندها، وقد عرفت في البحث الروائيّ بطلان مناقشتهم وأنّها أخبار متواترة عند الفريقين، وأُخرى في دلالتها، ونحن نذكر المهمّ منها والجواب عنه.

الأولى : أنّ الحديث الذي ورد فيه : من كنت مولاه فعلی مولاه لا يدل

ص: 36

على ولاية السلطة التي هي الإمامة أو الخلافة، ولم يستعمل هذا اللفظ في القرآن بهذا المعنى، بل المراد بالولاية فيه ولاية النصرة والمودّة التي قال اللّه فيها في كلّ من المؤمنين والكافرين : «بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ»، ومعناه : مَن كنت ناصراً وموالياً له فعليّ ناصره وموإليه، أو مَن والاني ونصرني فليوال عليّاً وينصره، بل إنّ مفعل بمعنى افعل لم يذكره أحد من أئمّة العربية، وأنّ الاستعمال على خلافه لجواز أن يقال : هو أولى من كذا دون مولى من كذا، ولم يقم الدليل على أنّ المراد بالأولى - على فرض التسليم - التصرّف والتدبير، بل يجوز أن يكون في المحبّة كما عرفت، فلا يدلّ الحديث على إمامته، وزاد بعضهم بأنّه لو كان المراد بالولاية أولوية التصرّف، يلزم اجتماع الولايتين في زمان واحد، إذ لم يقل الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) : «بعدي»، ولا يتصوّر الاجتماع بخلاف ما إذا كان المراد المحبّة.

وفيه أوّلاً : إنّ المولى في الحديث - بانضمام سائر القرائن الحالية والمقالية - يدلّ على أنّ المراد به الأولى بالتصرّف، إذ لا يصحّ قطع جزء من الحديث عن القرائن الحافّة به والحكم عليه، ولو أُمعن النظر في الأحاديث الكثيرة التي ورد فيها هذا المقطع : «مَن كنت مولاه فعلیّ مولاه» صدراً وذيلاً وحالاً ومحلاً، لتبيّن أنّ المراد منه الأولى بالتصرّف، وإلّا لحكمنا على كثير منها بالبطلان والفساد ويجل فعل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) عنهما وهو المعصوم من كلّ خطأ وزلّة، فمَن تلك القرائن قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) : «ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم» فإنّه لا معنى لكون المراد فيه المحبّة كما هو الظاهر.

ومنها : قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) : ( اللّهم وال مَن والاه وعاد مَن عاداه»، فإنّه ظاهر أيضاً في ذلك، وتأويلهما إلى ولاية المحبّة خلاف الظاهر من الفقرتين.

ومنها : ذكر هذه الفقرات في خطبة قد جمعت كثيراً من التشريعات الخاصّة التي تدلّ على ولاية التصرّف، ولا وجه لجرد تلك الفقرات عن البقيّة إلّا بدليل

ص: 37

وهو مفقود.

ومنها : ذكرها في جمع غفير في يوم هجير على رمضاء لم يكن عليها المسير من شدّة الحرّ، فإنّه أهمّ قرينة حالية على أنّ المراد ما ذكرناه، ولا وجه لأن يجمعهم الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) لبيان محبّة على (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد أُمروا سابقاً بمودّة القربى ومحبّتهم، وغير ذلك من القرائن الكثيرة.

وثانياً : إنّ مَن يفسّر المولى بالأولى بالتصرّف، لم يرد أنّه اسم تفضيل حتّى يستشكل عليه بأنّه يقال : هو أولى من كذا ولا يقال : مولى من كذا، بل أراد التفسير بقرينة صدر الحديث : «ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم»، الدالّ على أنّ المراد الأولى بالتصرّف، وتفسيره بالمحبّة - كما فعله بعض المفسّرين - خلاف الظاهر، بل يمكن لنا القول بأنّ المولى يراد مالك الأمر، وهو المعنى الحقيقىّ المستعمل في سائر الموارد، ففي الحديث: «أيّما امرأة نكحت بغير إذن مولاها» وغير ذلك، فيدلّ على الولاية بغير احتياج إلى التصرّف، وكلّ ما يقال في توجيه دلالة الحديث على ولاية المحبّة خلاف المعنى الحقيقىّ، والاستشهاد ببعض الأُمور لإثبات ذلك إنّما يكون بعد إجمال الحديث والمفروض عدمه وظهوره في الولاية التصرفيّة.

وثالثاً : على فرض التنزّل، وقلنا بأنّه لم يعهد أن يكون المراد من المولى الأولى، فهذا أبو عبيدة الذى هو من أئمّة العربية وغيره من اللّغويين والمفسّرين فسّروا المولى بالأولى في قوله تعالى : «مَأْوَاكُمْ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ»، أي أولى بكم، وإلّا يرد عليه بأنّ أبا عبيدة إنّما هو في مقام بيان حاصل المعنى، يعني النار الموضع اللائق بكم، فليكن المقام من بيان حاصل المعنى لما ذكرناه من القرائن.

وأمّا ما قيل : بأنّ النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) قال ذلك عندما شكا بعضهم من عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما ورد في الحديث المتقدّم، فذكر (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) ذلك مبالغة في طلب موالاته وتلطّفاً في

ص: 38

الدعوة إليهما.

فإنّه باطل، فإنّ المبالغة في طلب موالاته يقتضى نصبه علماً وهادياً وإماماً. لا أن يرشد إلى محبّته فقط التي اقتضتها آيات وأحاديث أُخرى. والآية الكريمة المبحوث عنها والأحاديث الواردة في شأنها بمعزل عن ولاية المحبة فقط فصرف اللفظ إليها من الزور الباطل.

الثاني : أنّه لو سلّم دلالة الحديث على إمامة عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فلا نسلّم دلالته على كونها بعد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) بلا فصل حتّى تنتفى إمامة غيره ممّن تقدّم.

وفيه : أنّ نصب الولاة والحكّام أمر عادي، فما يقال فيها يقال في الحديث أيضاً، فإنّ السلطة لا يقول : هذا ولي عهدي بلا فصل، بل يجري الكلام على ظاهره ويؤخذ به علی کونه بعده بلا فصل، فإنّ ذلك هو المتبادر من اللفظ. يضاف إلى ذلك أن ذكر (بعدي) لا يرفع الإشكال، فإنّ البعديّة من الأُمور النسبيّة، فإنّه يمكن أن يقال : إنّه إمام بعد الثلاثة.

ثمّ إنّه كيف يسوغ لأحدٍ أن ينصب حاكماً ووليّاً ويترك ذكر مَن يقوم بعده من غيره، وهو غير جائز عندهم فكيف يجوز نسبته إلى ساحة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) وقد تقدّم في قوله تعالى : «إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللّه وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ» بعض الكلام، فراجع.

وهناك مناقشات أُخرى واهية، بل هي محض مكابرة للحقّ، ومَن أراد الإطلاع عليها فليراجع الكتب الكلاميّة.

***

بحث عرفاني : يتعلّق باهتمام الرسول بأمر الرسالة في حياته وبعد ارتحاله

بحث عرفاني:

الآية الكريمة تبيّن مدى اهتمام الرسول العظيم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) بأمر الرسالة وتبليغ الأحكام وإيمان الناس بها، فإنّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) مجاهد في هذا الأمر أشدّ الجهاد، وتحمّل في

ص: 39

سبيل ذلك ما لم يتحمّله غيره من الأنبياء والأوصياء، ولكنّه مع ذلك كان يحبّ أن يرى الناس مؤمنين يدخلون في دين اللّه، ويغمّه أشدّ الغمّ إذا عرف منهم النكوص والخذلان، فهو لم يهتمّ ولا يبالي بما يجري عليه من المتاعب والأهوال، ولم يعهد من نبيّ من أنبياء اللّه (صلوات اللّه عليهم أجمعين) أن يتذمّر من المتاعب في سبيل إعلاء كلمة اللّه، بل كانوا يعتبرون تلك زيادة فى الدرجات والتقرب والزلفى لديه سبحانه وتعالى، وهذا شأن كلّ مؤمن يحبّ لقاء اللّه عزّوجلّ ويرغب في ثوابه، فهم في جهاد مرير مع الدُّنيا وفناء مستمر مع اللّه، فهو (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) لا يخاف أحداً، كيف وقد وصف سبحانه القوم البديل في الآيات السابقة بأنّه : «لا تأخذه في اللّه لومة لائم»؟ وأنّه عرف الصبر وما يترتّب عليه من عظيم الأمر، بل امتحن قبل الرسالة، فاتاه اللّه ما لم يؤت أحداً من العالمين، وأن فيه قال عزّوجلّ : «اللّه أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ»(1)، وأنّه القائل: «فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ(2)، وأنّه العالم بما سيجري عليه وعلى المؤمنين به وما يبتلى به أهل بيته والخاصّ من أرومته، كلّ ذلك لم يوجب وهنه، بل ازداد في صلابته وشدّة تعلّقه باللّه العزيز الحكيم، وجميع ذلك كان هيّناً عنده إلّا الدين والشريعة التي بعثه اللّه لإحيائها وتثبيتها في قلوب الناس، فإنّه كان يهتمّ بها اهتماماً بليغاً، ولا يحتاج الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) إلى حارس يحرسه، فإنّ اللّه قد حرسه قبل كلّ أحد، وقد نجا من مهالك عظام كان أدونها يودي بحياته الكريمة لولا عناية اللّه به ورعايته له، فهو (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) لم يفكّر لحظه في دفع تلك عن نفسه بعد أن حماه اللّه لطفاً به، ولكنّه بعد أن عرف من القرائن والإشارات أنّه لابدّ من الرحيل إلى الرفيق الأعلى، وأنّ العام

ص: 40


1- سورة الانعام: الآية 124.
2- سورة الحجر : الآية 94.

الذي فيه هو آخر الأعوام من حياته الكريمة، فحجّ البيت العتيق، وودّع ديار الحبيب، فكانت حجّة الوداع، وكادت نفسه تزهق من هول ما رأى من الأصحاب، وهم يتبادلون الأسرار ويكتمون الأخبار، فأوجس في نفسه خيفة على بقاء الدين بعد ارتحاله ومفارقة الحياة، وهو لم يتوان في مدّة الرسالة عن حكم إلهيّ، وقد شهد على ذلك الحقّ بأنّه الحقّ في تبليغه، والأمين في نشر دينه، فما كان سبب خوفه، أهو مفارقته الحياة وقد أحبّ الأصحاب وأحبّوه؟!! أم الخوف من الأهوال، وهو السلام في كلّ الأحوال، وقد خُلقت الدُّنيا والآخرة لأجله، وأُرسل رحمة للعالمين؟!! أم أنّه قصّر في شيء يخاف عاقبته وهو الصادق الأمين، بل هو على خُلُق عظيم؟!! أم يخاف على نفسه من الفتك والغدر والخيانة، وهو الذي بذل مهجته في سبيل اللّه قبل سنين، وترك الأهل والمال والديار ورضي بالتشريد، وقد جندلوا أعزّ أقربائه وكرام عشيرته ولاقوا المحن والصعاب؟!! فماذا يكون السبب الذي ألمَّ به وخاف من التبليغ، واللّه اهتمّ به اهتماماً بليغاً، ولم يبق من حياته الكريمة سوى أيّام قليلة، وقد ذهبت جلّها، ولعلّ الآية الكريمة تنبئ عن ذلك لمن أمعن النظر فيها وأعطاها حقها، وليس هي إلّا حياة الدين، وبقاء الشريعة بعد غياب زعيمها الأكبر وراعيها الوفى الأمين وحارسها القوي، أيتركها سدى فى ذمّة اللّه كما يدع الواحد منّا ما خوّله اللّه من حطام الدُّنيا، ولا يكون ذلك أبداً، والدين بعد لم يشتدّ عوده، والقوم لم يتركوا مساوئ الأخلاق لقرب عهدهم بالشرك، وفيهم مَن دخل في الدين طمعاً لا حبّاً، وغير ذلك ممّا هو معلوم وإن جعلوه من المكتوم. فلابدّ من ولىّ هاد ينصر دين اللّه من كيد الأعداء، فأرشده اللّه إلى الإبلاغ ويدع سائر الخصوصيّات على اللّه سبحانه، فصدع صلوات اللّه عليه بالأمر الذي أنزل ربّه عليه، واختار مَن اختاره اللّه، وجعله وليّاً على أُمّته، واستبشر القوم بذلك ظاهراً، ولكن عرف البواطن

ص: 41

وأغاضه ذلك، وأغضبته بعض الأفعال، فذهب عن أُمّته وهو حزين، وإن كان بشراه أنّه أتمّ النعمة على المؤمنين وأكمل الدين.

***

بحث علميّ : يتعلّق بأمر الخلافة والوصاية والشقوق المتصورة فيهما، وما يترتب عليها من الآثار، ومناقشة ما ذكروه فيهما

بحث علميّ:

الولاية بالمعنى الذي تعتقده الإماميّة من فروع الخلافة النبويّة، وأنّها منصب إلهىّ وسفارة ربانيّة، والإمامة والولاية من هذه الدوحة وامتداد لها، ولا بأس بالإشارة إلى معنى الخلافة، وكيفيّة جعلها، وبيان مَن ينبغي أن تُجعل له.

فنقول : قد أجمع الملّيون على أنّ النبوّة منصب إلهيّ يمنحه اللّه تعالى لمَن يشاء، ويمنعه عمّن يريد، وتدلّ عليه الأدلّة الأربعة، وهذا من الأُمور النظامية الاجتماعية فى كلّ عصر وزمان، إذ السفير لابدّ أن يكون تحت نظر الملك حدوثاً وبقاءً، فالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) سفير اللّه تعالى إلى خلقه، فلابدّ أن يكون مربوطاً بعالم الغيب، وأن يكون له على ذلك الارتباط دلالة وعلامة وهى التي تسمّى بالمعجزة، فهي وسام وشارة إلهيّة يمنحها اللّه تعالى لسفرائه الخاصّين به بحسب مراتبهم هذا إجمال ما لابدّ وأن يفصل في غير المقام.

وأمّا الخلافة عن النبيّ اللّه، فالشقوق المتصوّرة فيها خمسة :

الأوّل : أن يكون التقمّص بها فوضى بين البشر، بحيث كلّ مَن تغلّب على الأمر بأي نحو كان وعلى أية صفة فيه، فهو خليفة اللّه في أرضه، وله الوصاية عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) و الولاية على الأُمّة، فتكون خلافة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) فوضويّة بشتى أنحائها وأسبابها المختلفة من الجلية والخفيّة، من أنحاء المكر والحيلة والشيطنة ونحو ذلك. وهذا القسم باطل بإجماع جميع الشرائع الإلهيّة، بل جميع العقلاء بالنسبة إلى الديانات السماويّة، ويحكم ببطلانه كلّ ذي فطرة سليمة.

الثاني : أن تكون باختيار الخلق فقط، بأن يجتمع جمع و يتّفقوا على شخص

ص: 42

وينصّبوه خليفة على المسلمين، بلا إضافة إلى اللّه تعالى، ولا جعل وتعيين منه عزّوجلّ، نعم يكون مورد رضائه وقضائه وقدره وإرادته جلّ جلاله.

وهذا باطل من وجوه :

أولاً : خلافة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ )إبقاء لشريعته بحدودها وقيودها، وحفظ للوحي السماويّ النازل لتأسيس نظام بشريّ ديناً ودنيا وآخرة، بل جميع النشآت التي تمرّ عليه، ولاريب عند كلّ عاقل أنّ الاهتمام بالبقاء والإبقاء لابدّ وأن يكون أهمّ من أصل الحدوث، فيما هو مبني على الدوام إلى يوم القيامة، خصوصاً في مثل هذا الأمر الذي له الزعامة الكبرى التي تسفك لأجلها الدماء، وتُستباح الأنفس والأعراض والأموال، والعيان يغني عن البيان، فكيف يعقل أن يدع اللّه عزّوجلّ هذا الأمر العظيم إلى الخلق، مع تشتّت أرائهم وأهوائهم وأغراضهم، لا سيما مع سبقهم بالجاهلية الجهلاء.

وثانياً : إنّ من المعلوم أنّ ربّنا العليم الحكيم الذي لم يدع شيئاً من الأحكام الجزئية إلّا وأوحاه إلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) وألهمه، حتّى أرش الخدش، كما في الخطبة النبويّة، ويعلم خطرات القلوب، فقال تعالى : «إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّهُ»، ومع ذلك كيف يتوهّم أن يهمل هذا الأمر الذي هو من أهمّ أمور الدين والشريعة.

وثالثاً : إنّ الإيكال إلى اختيار الخلق إلقاء للشقاق والنفاق والاختلاف بينهم حدوثاً وبقاءً، كما هو معلوم لكلّ أحد في مثل هذا الموضوع، والحكيم تعالى أجلّ من ذلك، ويأتي بعد هذا ما يظهر منه بطلان هذا الوجه أيضاً.

الثالث : أن يكون بتعيين اللّه تعالى وتعيين الخلق، بأن يكون كلّ واحد منهم جزء العلّة، فلا يكفي تعيين اللّه فقط ولا تعيين الخلق كذلك، فإذا اجتمعا بالنسبة إلى شخص يكون خليفة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ).

ص: 43

وهذا الوجه باطل أيضاً، إذ أي نقص في إرادة اللّه تعالى وتعيينه مع علمه الأزليّ بخصوصيات الأُمور وبداياتها وعواقبها حتّى تحتاج إلى تتميمها بإرادة الخلق المنبعثة عن الأغراض النفسانية الجسمانية ؟! وأي خصوصية في هذا الحكم العظيم المهمّ الشرعيّ أن يتخصّص بهذه الخصوصيّة دون سائر الأحكام الإلهيّة ؟!

الرابع : أن يكون باختيار الخلق فقط من دون رضاء اللّه تعالى، وإن شمله قضاؤه وعلمه الأزليّ، كما في المعاصى الصادرة عن الخلق، فإنّها ليست برضاء اللّه، وإن كانت بقضائه وعلمه وقدره بنحو الاقتضاء لا العلية، حتّى يلزم الجبر فيبطل العقاب.

ولا ريب في بطلان هذا الوجه أيضاً، لأن مقام خلافة أنبياء اللّه - خصوصاً النبوّة الختميّة – لابدّ وأن يكون برضاء اللّه تعالى، مضافاً إلى أن تعيين الأُمّة، نقص في النبوّة، وهي كاملة من جميع الجهات، قال تعالى : «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ – الآية»، ولا معنى للإكمال إلّا العناية بتعيين الخليفة؛ لإنطواء جميع جهات الكمال والإكمال فيه إن كان من اللّه تعالى.

إن قيل : بأنّ أصحاب النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) منزّهون عن كلّ مغمز وريب، وقد قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) : «أصحابي كالنجوم بأيِّهم اقتديتم اهتديتم» مع أنه قد تحقّق الإجماع على تعيين الخليفة، وأنّه قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) : « لا تجتمع أُمّتي على الضلالة»، فيرجع التعيين إلى التعيين الإلهيّ المستند إلى الوحى، لا الخلقّى المنبعث عن الأغراض النفسانيّة :

إن قيل: بأنّ أصحاب النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) على ما يستفاد من الكتاب والسنّة على أقسام :

فمنهم : مَن يكون صحابيّاً ظاهراً من دون المتابعة الاعتقاديّة والعمليّة.

ومنهم مَن يكون صحابيّاً قولاً واعتقاداً بلا عمل منه.

ومنهم : مَن يكون تابعاً للنبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) بكلّ معنى الكلمة، اعتقاداً وقولاً وعملاً

ص: 44

بل وحتى الخطرات القلبيّة، بحيث لم يكن مائز بينهما إلّا النبوّة. ومثل هذا الصحابي فوق مرتبة العدالة والوثاقة.

وعليه، فإن كان المراد بحديث : «أصحابي كالنجوم» القسم الأخير، فهو حقّ لا ريب فيه، وإن كان المراد به باقى الأقسام، ففيه نظر وكلام من جهات شتّى لا يسعها المقام، ولم تثبت أصالة العدالة في أصحاب النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) من الصحابة، ولم يدلّ على هذا الأصل دليل من عقل أو نقل، كما أنه لم يثبت الإجماع المزبور كما تعرّضوا له في الكتب الكلاميّة، بل أجمع محقّقوا علماء الفريقين على عدم تحقّق هذا الإجماع.

الخامس : أن يكون بتعيين اللّه تعالى مباشرة بواسطة نبيّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ )، كما في جميع الأحكام الإلهيّة الموحى بها إلى رسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) من الواجبات والمحرّمات والآداب ونحوها.

وهذا هو المتعيّن، ولا ريب فيه من أحد بعد فرض كون الخلافة من الاحكام الإلهيّة، وقد عيّن اللّه تعالى الوصي بعد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) في نصوص كثيرة صادرة منه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ )، من الطرفين في عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكتب إخواننا الجمهور مشملة عليها، كحديث المنزلة، وحديث الولاية، وحديث الطير، والثقلين، إلى غير ذلك ممّا لا تحصى من كثرتها.

هذا ما يتعلّق بأصل ثبوت الخلافة إجمالاً، وتفصيله يطلب من غير المقام.

وأمّا طريق إثباتها فمنحصر بالتنصيص على ما مرّ، ولابدّ وأن يكون الخليفة جمع الفضائل والعلوم على ما هو المفصل فى الكتب العلميّة، وهو منحصر في عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) الاستجماعه لجميع الشروط المعتبرة في الخلافة بإجماع الصحابة، مع أنّهم قد ذكروا لغيره (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الخلفاء مطاعن تكلّفوا في الجواب عنها - على ما هو الان المذكور عندهم ولم يشر إلى علىّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) بمغمز ولا نقيصة، فلا ريب في أنّه لا بدّ أن

ص: 45

يكون أوّل الخلفاء وفى صدرهم؛ لأنّ ترجيح المرجوح على الراجح من القبائح العقليّة غير محتاج إثباته إلى دليل. مضافاً إلى ما أثبتوه في الكتب العمليّة من أصالة عدم الحجيّة والاعتبار إلّا مع وجود النصّ الصحيح عليها، وهو موجود بالنسبة إلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) باتّفاق الأُمّة واختلافهم في غيره.

فما الذي أوجب تأخيره (عَلَيهِ السَّلَامُ) - عمّا جعل له النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) - إلى المرتبة الأخيرة من الخلفاء، هل هو لأجل تقصير من النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) في هذا الأمر العظيم ؟!

أو لقصور في عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أو لتقصير منه ؟!

لتقصير من الصحابة فيه ؟!!!

والأوّل : باطل لكثرة ما في كتب المسلمين بأجمعهم ممّا ورد عن النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) في فضل عليّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ )، كحديث : «إنّه مع الحقّ والحقّ معه».

وحديث : «أنّه من النبيّ كهارون من موسى».

وحديث: «مَن كنت مولاه فعلی مولاه».

إلى غير ذلك ممّا لا يحصى وقد ضبط وذكر في الكتب المعتبرة بأسانيد معتمدة.

والثاني : باطل أيضاً، إذ لم يتوهّم قصور منه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلّا ما قيل من أنّ في الصحابة مَن هو أكبر منه سنّاً، وأنّه لا علم (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالسياسة.

ولا وجه لكلّ منهما؛ لقول اللّه عزّ وجلّ في حق يحيى وعيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً»، ولتأمير النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) أُسامة على الجيش مع أنّ فيهم مَن هو أكبر منه سنّاً.

والسياسة إمّا أن تكون من أنحاء المكر والحيل، وإبطال الحقّ وإحقاق الباطل، وتلبيس الأمر على الناس، ويحلّ مقام خلافة أنبياء اللّه - لا سيما خاتم النبيين (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) - عن ذلك. وإمّا تدبيرات حسنة إلهيّة أوحاها اللّه تعالى إلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) ليدبّر خلقه ديناً ودنيا وآخرة. وعلىّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ربّى فى حجر هذا القسم من السياسة منذ

ص: 46

كفلهُ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) وربّاه في حجره، ولولا ذلك لم يقل (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) : «عليّ باب علمي ومبيّن لأُمّتي: ما أُرسلت به،بعدي، حبّه إيمان، وبغضه نفاق، والنظر إليه رأفة». وقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) : «عليّ منّي بمنزلة هارون من موسى»، وهل يعقل من النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) أن يجعل مَن ليس له علم بتدبير الأُمّة في دينهم ودنياهم بمنزلة نفسه ومبينّاً لأُمّته ؟!

والثالث : باطل كذلك، ويدلّ على بطلانه خطبه الشريفة في «نهج البلاغة»، ولقد طعن معاوية عليه فى أنّه : «كان يحمل فاطمة (عَلَيها السَّلَامُ) على دابة ليلاً في مجالس الأنصار تسألهم النصرة، فكانوا يقولون : يا بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، ولو أنّ زوجك وابن عمّك سبق إلينا قبل أبي بكر ما عدلنا به، فيقول عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ): أفكنتُ أدعُ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) في بيته ولم أدفنهُ وأُخرج أُنازع الناس بسلطانه»، فيتعيّن القسم الرابع.

ثم إنّ الاعتقاد بتأخير عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن مقامه أيحتمل فيه عقاب أُخروي، أم لا؟!

والثاني مخالف للنصوص الكثيرة الواردة عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) في كتب المسلمين، فيتعين الأوّل، وهو واجبٌ دفعه بحكم العقل، فيجب - على جميع المسلمين - وعلى رأسهم علماؤهم - أن يتفكّروا ويتأملّوا ويتفحّصوا ويجعلوا نفوسهم أمام اللّه تعالى في رفع الاختلاف بينهم بما يصحّ لهم الاعتذار أمام اللّه يوم القيامة، حيث لا ينفعهم الجحود ولا المغالطة ولا الجدال : «وَلَتَسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلُّ قَدَمٌ بَعْدَ تُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللّه وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ».

***

ص: 47

سورة المائدة الآية 68 - 71

إشارة:

الآية 68 - 71

«قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حتّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (68) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّه وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (69) لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنفُسُهُمْ فَريقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (70) وَحَسِبُوا أَلا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللّه عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللّه بَصِيرٌ بمَا يَعْمَلُونَ(71)».

الآيات الشريفة وما بعدها تشترك مع ما قبلها في نظم واحد، وذوات مضامين واحدة، تشير إلى أحوال أهل الكتاب لا سيما اليهود منهم، بل إنّ هذه السورة تتعلّق بشأن أهل الكتاب، وتذكّرهم بأفعالهم وأقوالهم، وترشدهم إلى نبذ ما هم عليه من الصفات والأعمال، وتأمرهم بالرجوع إلى التوراة والإنجيل وإقامة الأحكام الواردة فيهما، والعمل بما جاءت الشرائع الإلهيّة وما أنزله اللّه.

وقد أمرهم عزّوجلّ بالابتعاد عن الصفات الذميمة ولا سيما الحسد منها، ثمّ مدح المؤمنين من أهل الكتاب والصابئين الذين آمنوا باللّه واليوم الآخر، وعملوا صالحاً، وجعلت العبرة بالإيمان دون الأسماء والألقاب، ثم أخبر عزّوجلّ بأنّ

ص: 48

الميثاق والعهد قد أخذ من بني إسرائيل على الإيمان بالرسل الذين بعث إليهم، ولكنّهم نقضوا المواثيق، ونبذوا عهد اللّه، فخالفوا الرسل، وقتلوا بعضهم اتّباعاً لأهوائهم، واعتبر وا لأنفسهم الكرامة، واعتقدوا أنّه لا يصيبهم سوء، فأعمى ذلك الظن أبصارهم عن اتّباع الحقّ،وأصمّ أسماعهم عن سماع المواعظ وما ينفعهم، فالآيات الشريفة حجّة عليهم، وإرشاد لهم بالرجوع إلى الحقّ،والابتعاد عن الباطل.

***

ما يتعلّق بقوله تعالى : «لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ»

التفسير

قوله تعالى: «قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ».

خطاب لأشرف خلقه بأن يخبرهم بأنهم لم يكونوا على شيء يعتمد عليه لإقامة التوراة والإنجيل وما أُنزل إليهم من ربّهم، والجملة كناية عن عدم وجود ما يصحّ الاعتماد عليه عندهم، فإنّ ما يزعمونه عندهم هو ليس بشيء. وفي الآية تحقير لهم كما لا يخفى.

والآية الشريفة ترشد إلى أمر مهمّ فى الحياة مطلقاً - ولا سيما المعنويّة - منها أنّ الإنسان يحتاج في سيره وسلوكه فى المكارم والصفات الحسنة والأعمال الصالحة، إلى أساس قويم يمكن أن يعتمد عليه لإقامة الحقّ والدين وتهذيب نفسه، كما تتوقّف الأُمور الجليلة على الصبر وقوّة العزيمة والجهاد على الثبات وتحمّل الأذى، والعبوديّة على التقوى والورع عن محارم اللّه، فإذا لم يكن للإنسان شيء يقدر أن يثبت عليه أقدامه ليتمكّن من إقامة دين اللّه، لما فيه من الثقل الكبير الذي لا يتيسّر له حمله بسهولة، إلّا إذا كان له أساس ثابت، فلا يمكنه إقامته بمجرّد هوى متّبع أو انتساب إلى ملّة نبيّ مجرّداً عن كلّ عقيدة وعمل، وقد أشار إلى هذا المعنى القرآن الكريم في مواضع مختلفة :

ص: 49

قال تعالى : «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا»(1).

وقال تعالى: «وَلَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللّه وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ» (2).

وغير ذلك من الآيات التى تبيّن أنّ الشرائع الإلهيّة ودين اللّه عزّ وجلّ، لا يمكن إقامتها بمجرّد هوى نفسانيّ، أو اتباع لفظيّ من غير دليل عمليّ، فيرجع معنى الآية إلى بيان أنّهم فاقدوا العماد الذي يجب أن يعتمدوا عليه في إقامة دين اللّه الذي أنزله إليهم في التوراة والإنجيل، فإنّه ليس لهؤلاء المخاطبين أساس عمليّ من تقوى اللّه والإنابة إليه، والرجوع إلى طاعته والإيمان به إيماناً حقيقيّاً يدعو إلى العلم والعمل، بل هم اعتمدوا على هوى متّبع، واستكبار يدعوا إلى ارتکاب محارم اللّه والنكوص عن طاعته.

وهذه حقيقة من الحقائق الواقعيّة التي لابدّ منها، ولعلّ لها مثالاً ماديّاً في حياتنا الماديّة، فإنّ المعروف في العلوم التطبيقيّة التجريبيّة أنّ رفع الأثقال لا يمكن إلّا إذا كان له أساس يتمركز عليه الثقل، ويسمّى بمركز الثقل، ولولاه لما تحقّق حمل شيء، فمثلاً الإنسان لا يمكنه حمل شيء إلّا أن يثبت قدميه على الأرض أوّلاً، ثمّ يفعل ما يريده، وهذا واضح ومعروف.

وهذا المعنى بعينه يجري في الأُمور المعنويّة -كما عرفت - فصارت من الحقائق الواقعيّة التي خاطب عزّوجلّ بها أنبياءه الكرام والأُمم، فقال عز من قائل مخاطباً نبيّه موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) في أمر التوراة : «فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا

ص: 50


1- سورة الأحزاب : الآية72.
2- سورة الحشر : الآية 21.

بِأَحْسَنِهَا»(1). وقال تعالى خطاباً ليحيى (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «يَا يَحْيَى خُذْ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ»(2)، وقال خطاباً لبنى إسرائيل : «خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ»(3).

وأمّا خاتم الأنبياء (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) فقد خاطبه عزّوجلّ والمؤمنين بأحسن خطاب وأتمّه، وبيّن فيه وجه القوّة وما يعتمد عليه وشروطه، فقال : «شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى»، فكان في ذلك الدين كلّه : «أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ» وهذا هو الأمر المطلوب، «وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ» وهذا هو السرّ المطلوب في إقامة الدين وهو إقامة من غير تفريق، فإنّه معه لا يمكنه إقامة الدين : «كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ»؛ لأنّهم تفرّقوا واستكبروا، فلا يمكنهم الإتّفاق في إقامة الدين فكبر عليهم ذلك، «اللّه يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ» لأنّ إقامة الدين والاتّفاق عليها، لا يمكن أن تنال إلّا بهداية من اللّه، ولا تفاض إلّا على المتّصف بالإنابة إليه عزّوجلّ، والاتّصال به بالطاعة «وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ»(4)، فإنّ السبب في تفرّقهم هو استكبارهم على الحقّ وتعدّيهم على اللّه بترك طاعته، والإعراض عنه بارتكاب المحارم فكانت هذه الآية الشريفة من جلائل الآيات التي تبيّن سبب القوة ومصدرها وخصوصيّاتها، ونظير هذه الآية ما ورد في سورة الروم الآية : 32.

والآية التي في المقام تشير إلى هذه الحقيقة الواقعية منضمّةً إلى سائر الآيات الواردة في شأن أهل الكتاب.

ص: 51


1- سورة الأعراف الآية 145.
2- سورة مريم : الآية 12.
3- سورة البقرة : الآية 63.
4- سورة الشورى : الآية 13 - 14.

فإنّ اليهود الذين نقضوا المواثيق ونكصوا عن الطاعة وارتكبوا محارم اللّه، وقد لعنهم اللّه وغضب عليهم، لتعدّيهم حدوده، وكذلك النصارى، فألقى العداوة والبغضاء بينهم، فلا يمكنهم إقامة الدين بمجرّد انتسابهم إلى أنبيائهم، ولا كونهم أهل الكتاب، فإنّه لا يكفى أن يكون أساساً منيعاً وشيئاً قويماً يعتمدون عليه، من دون الطاعة والإنابة إلى اللّه، وقد حذّر اللّه عزّ وجلّ المسلمين ممّا وقع فيه اليهود والنصارى وأرشدهم إلى الطريق المستقيم، وأمرهم بالإنابة إليه عزّ وجلّ، وعدم الانقطاع عن ربهم، فقال عزّوجلّ : «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللّه الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّه ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ»(1).

قوله تعالى : «حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ».

إقامة التوراة والإنجيل العمل بالمعارف والاحكام والآداب والسنن الواردة فيهما، وصيرورتهم أهل الكتاب، وقبل كلّ شيء هو حفظهما من التحريف والتأويل الباطل.

وفي الآية الشريفة إرشاد إلى المسلمين، فإنّهم ليسوا على شيء حتّى يقيموا القرآن، وإقامته هي العمل بمعارفه وأحكامه وسننه و آدابه، وصيرورتهم أهل القرآن أهلاً عمليّاً، لا أهلاً قوليّاً أو اعتقادياً كما في أهل الكتاب، فالاية الشريفة ممّا يكسر الظهر.

قوله تعالى: «وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ».

من سائر الكتب والتشريعات، ومنها القرآن الكريم بما فيه من المعارف الحقّة والتشريعات، ومنها ولاية أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما في رواية العيّاشي عن

ص: 52


1- سورة الروم : الآية 30.

الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد مرّ الوجه في ذلك، فإنّ الولاية والوصاية ممّا عرفتها اليهود والنصارى وعلموا بخصوصيّاتها، سواء بالنسبة إلى أوصياء أنبيائهم أو وصيّ خاتم الأنبياء صلّى اللّه عليهم أجمعين، فعليهم الاعتقاد بها، والعمل بما أمرهم الأنبياء فيها.

قوله تعالى : «وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً».

بيان لشدّة حسدهم وغلوّهم في المكابرة والعناد. وهي جملة مستأنفة مؤكّدة بالقسم الذي تدلّ عليه اللّام وتثبت عدم انتفاعهم بالقرآن، بل لا يزيدهم إلّا طغياناً في إفسادهم وكفراً على كفرهم، وقد تقدّم البحث عنه فراجع.

قوله تعالى : «فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ».

تسلية منه عزّوجلّ لنبيه الكريم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ )، أى لا تأسف ولا تحزن عليهم فإنّ جزاء أعمالهم السيّئة وزيادة طغيانهم يصل إليهم وتبعتها عائدة عليهم.

والأسى : الحزن، يقال : أسى، يأسى، أسى، إذا حزن، ووضع المظهر موضع المضمر للتسجيل عليهم بالرسوخ في الكفر، كما أنّ فيه إرشاداً إلى بيان السبب لعدم الأسى عليهم؛ لأنّ الكفر صار وصفاً لازماً لهم.

تفسير قوله : «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا»

قوله تعالى : «إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا».

كلام مستأنف مسوق للترغيب في الإيمان والعمل الصالح، بعد بيان الحقيقة في الآية السابقة، من أنّ الإنسان إذا لم يكن له قدم راسخة في الاعتقاد والعمل الصالح، فهو ليس على شيء، ولا يمكنه النهوض لنيل السعادة والفلاح المطلوبين في الحياة الدُّنيا والآخرة، وفي هذه الآية الشريفة يبيّن عزّوجلّ أن الشيء الذي يجب الاعتماد عليه هو الاعتقاد الصحيح والعمل الصالح، دون مجرّد الانتساب

ص: 53

إلى دين إلهىّ، ففرقة تتسمّى ب «الذين آمنوا»، وثانية ب «الذين هادوا»، وثالثة ب «الصابئين»، ورابعة ب«النصارى»، كلّ هذه التسميات إذا لم تكن مقرونة باعتقاد صحیح وعمل صالح، لا تكون من الشيء الذي يعتمد عليه في نيل الدرجات والفوز بالسعادة، فهي ليست بشيء، ومن هنا يعرف وجه الارتباط بينها وبين الآيات السابقة واللّاحقة، ويستفاد منها أنّ هؤلاء المتسمّين بهذه الأسماء لم يقيموا أحكام اللّه تعالى ولم يؤمنوا باللّه ولا باليوم الآخر، ولا هم عملوا الصالحات كما كان عليه بعض السلف الصالح منهم كما حكى عزّوجلّ عنهم فيما تقدّم من الآيات، قال تعالى: «مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ».

ومما ذكرنا يظهر أنّ المراد من الذين آمنوا هم من هذه الأُمّة، وقد تقدّم البحث عن هذه الآية في نظيرتها في سورة البقرة فراجع.

ما يتعلّق برفع «الصابئون»

قوله تعالى : «وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِتُونَ وَالنَّصَارَى».

أي : أنّ الذين دخلوا في اليهوديّة مثل الذين آمنوا، والصابئون كذلك والنصارى أيضاً كذلك ليسوا على شيء، إلّا مَن آمن منهم، وتحقّق مناط القرب لديهم.

وأمّا ما رفع «الصابئون»، فقد وقع الخلاف بين العلماء في إعرابه، وبعض النحاة يريد تطبيق الآية الشريفة على ما يذهب إليه وما هو الثابت عنده من القواعد النحويّة، ولم يعلم بأنّ الإعراب إنّما هي صناعة يستهدف منها ضبط الكلام وفهمه، فإذا حكم الفهم المستقيم والذوق الرفيع على صحّة كلام وفصاحته، فلا نحتاج إلى تطبيقه على قواعد، بل هي تطبّق عليه، ومن هذا الباب نقول : إنّ رفع «الصابئون» فيه من الفصاحة ما لا تحتاج إلى تطبيقها على القواعد والنزاع

ص: 54

فيها، بل نذكر أن تغيير إعراب جملة من بين سائر الجمل التي هي في سياق واحد، أو تمييز مفرد عن سائر المفردات، لأجل التنبيه على أمرٍ، وبيان غرض خاصّ فيها، أمر جار في كثير من أسباب المحاورة، إمّا بتغيير نسق الإعراب، أو برفع الصوت في الخطابة، أو بكبر الحروف في الكتابة، وغير ذلك من الأساليب لتنبيه السمع أو اللحظ، والمقام من هذا القبيل، فلا نحتاج إلى هذا التطويل في توجيه الإعراب في كلمة : الصابئون والنصارى.

وسيأتي ما يزيد بيانه إن شاء اللّه تعالى، وتقدّم في سورة البقرة، فراجع.

قوله تعالى : «مَنْ آمَنَ بِاللّه وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً».

الجملة إمّا خبر المبتدأ، يعني : أنّ المتسمين بتلك الأسماء ليسوا على شيء، ولا تنفعهم الأسماء والألقاب إلّا مَن آمن منهم باللّه واليوم الآخر وعمل صالحاً.

أو تكون الجملة في محل رفع على أنّه مبتدأ، وخبره قوله عزّوجلّ : «فَلَا خَوْفٌ»، والفاء لتضمّن المبتدأ معنى الشرط، وجميع الضمائر الأخيرة باعتبار معنى الموصول.

وعلى أي حال، لابدّ من تقدير العائد «منهم»، وقبل وجوه أُخرى في الاعراب.

قوله تعالى : «فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ».

أي : أنّ السعادة في الدارين إنّما هي الإيمان الخالص باللّه واليوم الآخر والعمل الصالح، فإنّ مَن كان كذلك منهم فلا خوف عليهم من العقاب ولا هم يحزنون لما مضى، وتقدّم في سورة البقرة بعض الكلام.

قوله تعالى : «لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً».

كلام مبتدأ سيق لبيان بعض آخر من جرائمهم فيكون حجّة عليهم، وبرهاناً

ص: 55

لقوله عزّوجلّ : «قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حتّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيل»َ، فإنّ هذه الجرائم والجنايات تقطع صلة الإنسان بربّه، حتّى يرجع إليه بالإيمان الخالص، والرجوع إلى كتب اللّه وإقامتها، كما أنّه من جهة أُخرى يمكن أن يكون بياناً لقوله تعالى : «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا» بأنّ هذه التسميات لو نفعت لصدّت هؤلاء من الجرائم والآثام المسجّلة عليهم في هذه الآيات، فيكون كالتصديق للآية السابقة.

وكيف كان، فالميثاق هو العهد المؤكّد الذي أخذه أنبياؤهم ورسلهم من الإيمان باللّه واتّباع الأنبياء وطاعتهم، وقد ذكر عزّ وجلّ أخذ الميثاق من بنى إسرائيل في مواضع مختلفة من القرآن الكريم، وتقدّم في هذه السورة أيضاً في قوله تعالى : «وَلَقَدْ أَخَذَ اللّه مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً». وقد نقضوا الميثاق وخالفوا جميع العهود، وقتلوا الأنبياء. وهذه الآية إجمال لما ذكره عزّوجلّ في هذا الموضع من بيان جناياتهم والنعي عليهم.

قوله تعالى: «كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنفُسُهُمْ».

إجمال لما فصّله عزّ وجلّ في غير موضع من القرآن الكريم، وهو أنّهم كلّما جاء بني إسرائيل رسول لشيء من التكاليف لا تهوى أنفسهم، عاملوه بأحد أمرين ممّا سيذكرها عزّوجلّ، والتعبير بذلك دون ما تكرهه أنفسهم للمبالغة في ذمّهم.

قوله تعالى : «فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ».

أي كذّبوا فريقاً من الأنبياء، ويقتلون فريقاً آخر منهم، فأمرهم دائرٌ بين هذين والجملة جواب قوله : «كلما جاء»، وقيل : الجواب محذوف دلّ عليه المذكور، وقدّره بعضهم: «استكبروا»، وقيل «ناصبوه»، وقيل غير ذلك، والجميع صحيح.

ص: 56

وفريقاً فى الموضعين مفعولان للفعلين بعدهما، قدّما عليهما عناية بأمرها وتشويق السامع إلى ما فعلوه به، وليس التقديم لأجل القصر. والتعبير ب«يقتلون» دون «قتلوا» كالمعطوف عليه، للدلالة على أنّ ذلك من شأنهم وديدنهم، ففيه معنى يكذبون ويقتلون، وكذبوا وقتلوا، أو لأجل استحضار الحال الماضية من أسلافهم للتعجب منها، ولم يقصد ذلك في التكذيب لمزيد الاهتمام بالقتل والمبالغة في النعي عليهم أو التوبيخ لهم، وإما لأجل رعاية الفواصل ورؤوس الآي.

وكيف كان، فإنّهم بلغوا في البغي والفساد واتّباع الهوى مبلغاً لم تؤثّر في قلوبهم المواعظ والزواجر، بل ازدادوا في الكفر والتكذيب، فارتكبوا أقبح الأعمال وأشنعها بقتل أُولئك الصفوة الأبرار والهداة الأخيار. وتقدّم مزيد بيان في قوله تعالى : «أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ»(1)، فراجع.

قوله تعالى : «وَحَسِبُوا أَلا تَكُونَ فِتْنَةٌ».

مظهرٌ آخر من مظاهر طغيانهم، والحسبان هو الظنّ، ويستعمل في الظنّ المتمكّن في النفس كالعلم فى القوّة، والفتنة هى الشرّ والبلية، أو كلّ محنة تعرض على الإنسان، أي ظنّ اليهود أن لا يصيبهم بلاء من اللّه تعالى بما فعلوه من القبائح والآثام، والظاهر أنّ هذا الظنّ حصل من زعمهم بأنّهم أبناء اللّه وأحباؤه، وأنّ لهم من الكرامة ما لم تكن لغيرهم من الأُمم والفتنة هنا عامّة تشمل جميع أنواع البلايا والشرور التي تصيب سائر الأُمم ولا موجب لتخصيصها بالشدّة والقحط، كما ذكره بعضهم.

والمعنى: حسب بنو إسرائيل لمكان ما اعتقدوه لأنفسهم من الكرامة أن لا

ص: 57


1- سورة البقرة : الآية 87.

تصيبهم فتنة من سوء، أو لا يفتنون بما فعلوا، كما تصيب سائر الأُمم الذين يفتنون جزاء أعمالهم.

قوله تعالى : «فَعَمُوا وَصَمُّوا».

عطف على «حسبوا»، والفاء للدلالة على الترتيب، أي أعمى ذلك الظنّ أبصارهم عن سنّة اللّه في خلقه وإبصار الحقّ مطلقاً، وأصمّ أسماعهم عن سماع ما أنزله اللّه تعالى على أنبيائهم من المواعظ والزواجر، فلم تنفعهم تلك الدلائل والبراهين في الرجوع عن غيّهم وضلالهم، فتمادوا في الطغيان.

قوله تعالى : «ثُمَّ تَابَ اللّه عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيراً مِنْهُمْ».

أي : ابتلاهم اللّه بأنواع البلاء جزاءً لأعمالهم ونواياهم الفاسدة، ثم رجع عليهم اللّه تعالى بالرحمة بعدما أبعدهم عنها لأجل ذلك الحسبان، وما فعلوه من الجزائم والآثام، رأفةً بهم ورحمةً من عنده؛ ليرجعوا عن غيّهم، ولكنّهم لم يتّعظوا من تلك الزواجر إليه وطاعته، بل تمادوا في الغىّ والضلال، فعموا وصمّوا عن إبصار الحقّ وسماع المواعظ والزواجر، وما ينفعهم لدينهم ودنياهم وآخرتهم.

وأمّا قوله تعالى : «كَثِيراً مِنْهُمْ»، فهو بدلّ من الضمير في الفعلين : «فعموا وصموا» وهو الفاعل، والواو علامة الجمع على لغة بعض العرب.

وكيف كان، فهو يدلّ على أنّ العمى والصمّ صادر عن كثير منهم، وإن لم يكن عن جميعهم مستغرقاً لكلّ فرد منهم، وذلك كافٍ في أخذ الجميع، إذ العادة جرت على أنّ اللّه يعاقب الأمم بالذنوب إذا صدرت عن الكثير أو الأكثر منهم، والقليل لا تأثير له في الصلاح والفساد، قال تعالى : «وَاتَّقُوا فِتْنَةٌ لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خاصّة»(1).

ص: 58


1- سورة الأنفال : الآية 25.

ولأجل هذا نسب سبحانه في صدر الآية الشريفة العمى والصمّ إلى الجميع، وهذا أيضاً من نصفة القرآن وعدله، فإنّه لا ينكر الفضل ولو كان صادراً من البعض، كما عرفت في الآيات السابقات.

قوله تعالى: «وَاللّه بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ».

أي : أنّ اللّه تعالى بصير لا يحجبه شيء، عن شيء يجازيهم على أعمالهم، وفيه دلالة على بطلان حسبانهم، وأنهم محاسبون على أعمالهم فلا يغفله شيء، فلا يغرنّهم ما أكرمهم اللّه تعالى من النعم، ولا تكون سبباً لمزيد طغيانهم، بل يحاسبهم على سوء أعمالهم.

والآية الكريمة بإيجازها،البليغ تشتمل على جميع ما ورد في الآيات السابقة، فهى تدلّ على الجزاء وسببه والمراقبة والهيمنة عليهم، وهذا هو السرّ في إعجاز هذا الكلام الإلهيّ.

***

ص: 59

بحوث المقام

بحث أدبي : اختلاف النحاة في رفع كلمة «الصابئون»

بحث أدبي:

ذهب بعض العلماء إلى أنّ المحذوف في قوله تعالى : «لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ» صفة، أي على شيء يعتدّ به، فيتوجّه النفي إلى الصفة دون الموصوف، وهو وإن كان صحيحاً لكنّه تطويل، والصحيح أنّ تكن «ليس» تاّمة، والمعنى ما عرفت في التفسير، فراجع.

وأمّا «الصابئون» فقد عرفت أنّ الرفع فيه على الابتداء، والخبر محذوف يدلّ عليه خبر «إنّ» تقديره : «وهم كذلك».

وقد اختلف النحاة في أنّ المحذوف خبر الثاني أو خبر الأوّل، إذا كان في الكلام مبتدءان أو أكثر وخبر واحد.

وقيل : إنّه معطوف على موضع اسم «إنّ» فقد أجازه الكوفيون، وإن منعه البصريون.

وقوله تعالى : «مَنْ آمَنَ بِاللّه وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً»، إمّا في محل رفع على أنّه مبتدأ خبره قوله تعالى : «فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ»، والفاء لتضمّن المبتدأ معنى الشرط، وجمع الضمائر الأخيرة باعتبار معنى الموصول والجملة خبر «إنّ»، أو خبر المبتدأ، وعلى كلّ حال لابدّ من تقدير العائد، أي مَنْ آمن منهم.

وإمّا في محلّ النصب على أنّه بدل من اسم «إنّ» وما عطف عليه.

وكلمة «كلما» في قوله تعالى : «كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ» قيل : إِنَّهَا منصوبة على الظرفيّة لإضافتها إلى «ما» المصدريّة الظرفيّة وليست كلمة شرط، وقد يطلق

ص: 60

العلماء عليها بأنّها شرطيّة، وليس ذلك إلّا من جهة اقتضائها جواباً كالشرط غير الجازم، وجوابها إّما قوله تعالى : «فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ»

وقيل : الجواب محذوف دلّ عليه المذكور.

وقيل : «استكبروا» بظهور ذلك في قوله تعالى : «أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ»، وقيل غير ذلك.

وجملة: «كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ» فالمعروف أنها صفة «رسلاً»، ولكن الحقّ أنّها استئناف بياني، والمراد من الرسول جنسه.

وقيل : إن جعل الرسل فريقين في المعاملة بعد ذكر الرسول مفرداً في اللفظ جائز؛ لأنّ وقوعه مفرداً إنما هو بعد «كلما» المفيدة للتكرار والتعداد، ولا بأس به.

و«فريقاً» فى الموضعين مفعولان للفعلين بعدهما قدّما عليهما للعناية

بأمرها، كما عرفت. «وتكون» في قوله تعالى: (وَحَسِبُوا أَلا تَكُونَ فِتْنَةٌ» تامّة، وقرأ جمع : «أن لا تكون» بالرفع، والأصل حينئذٍ : «وحسبوا أنّه لا تكون فتنة»، فأن مخفّفة من الثقيلة، وحذف ضمير الشأن المتّصل الذي هو اسمها، واشرب الحسبان معنى العلم، وأنّ بما في حيّزها ساد مسد مفعوليه.

وأما قوله تعالى: «كَثِيراً مِنْهُمْ» فهو بدل من الضمير فى الفعلين : «عَمّوا وصَمّوا»، وقيل : هو الفاعل والواو علامة الجمع على لغة بعض العرب، يعبّر عنه النحاة بأكلوني البراغيث، وقيل: إنّه خبر مبتدأ محذوف، أي العمى والصم كثير منهم.

***

بحث دلالي : وفيه ما يستفاد من الآيات الشريفة

بحث دلالی:

تدلّ الآيات الشريفة على أُمور:

الأوّل : يدلّ قوله تعالى : «قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ» على أنّ الأُمم

ص: 61

والأفراد مهما بلغوا من الرقى في العلوم الماديّة والكمال في الحياة الماديّة، فانهم ليسوا على شيء عليه، حتّى يكون بأزاء ذلك الرقى والثبات في الطاعة والإنابة والرجوع إلى اللّه خالقهم بإقامة الشرائع الإلهيّة، وتثبيت دعائم الإيمان في النفوس. وبعبارة أُخرى وجيزة : هي إقامة الكتب الإلهيّة حقّ إقامتها، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الأمر فى مواضع متعدّدة منه، قال تعالى :

«كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أشدّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاَ وَأَوْلَاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَائِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَائِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُفْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أَوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ»(1)، وغير ذلك.

والمستفاد من مجموع الآيات أنّ الكمال المطلوب للإنسان، هو طاعة اللّه تعالى بإقامة الشرائع الإلهيّة، فهى الشيء الذي يعتمد عليه في ترقّي النفس إلى الكمالات، ولا ينافي ذلك أن يحصل الرّقي في الحياة الماديّة، فإنّ الأديان الإلهيّة لا تعارض ذلك، وهذه هي حقيقة واقعيّة لا تقبل التغيير والتبديل «وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللّه تَبْدِيلاً»، فلا تختصّ الآية باليهود والنصارى بل تشمل المسلمين، فانهم لا يكونون على شيء يعتدّ به من أمر الدين، حتّى يقيموا القرآن وما أُنزل إليهم من ربّهم، فإنّ حجّة اللّه على جميع عباده واحدة كما عرفت، ولا تفيد النسب الظاهريّة والدعاوى الباطلة، كما نفى عزّوجلّ تلك النسب وأبطلها في الآيات اللّاحقة.

الثاني : يستفاد من قوله تعالى: «قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ» أنّ نسبتهم إلى هذا العنوان تكفي في أن يقيموا الكتاب الذي انتسبوا إليه، ولا يحتاج إلى أمر آخر،

ص: 62


1- سورة التوبة : الآية 69.

كما أنّ الإعراض عنه يكون زيادة في التبكيت والتشنيع، ثم إنّه بعد أن أثبت عزّوجلّ أنّهم ليسوا على شيء، لا وجه لمخاطبتهم مباشرة، كما هو الشأن ف قوله تعالى : «يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ»، فالمقام يقتضي نفى التخاطب معهم، فأمر نبيّه الكريم بإبلاغ الخطاب لهم.

الثالث : يستفاد من قوله تعالى: «وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ» دفع ما يتوهمّ من الرجوع إلى التوراة والإنجيل الموجودين عندهم، فلدفع هذا التوهّم ذكر عزّ وجلّ أنّه لابدّ من إقامتها بما أنزله اللّه عزّ وجلّ إليكم، وهذا هو السر في تأكيده عزّوجلّ بإقامة ما أنزله في غير موضع من القرآن الكريم. وحينئذٍ لا وجه للنزاع فى المراد من هذه الآية الكريمة، وإن أمكن القول بالتعميم، إذ يمكن أن يكون لكلام واحد إشارات متعدّدة، مع أن الاحتمال الأوّل يشمل المعنى الثاني ويلازمه، فإنّ إقامة التوراة والإنجيل بما أنزلهما اللّه عليهم، يستلزم الإيمان برسول آخر الزمان وما أنزله اللّه عليه، كما عرفت مكرّراً.

الرابع : يمكن أن يكون ترتب قوله تعالى: «وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ» على صدر الآية الشريفة : «لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ»، من ترتيب اللازم على الملزوم، فإنّ الإنسان إذا خلّى من الكمالات والعلوم النافعة والاعتقاد الصحيح، تحلّ الملكات السيّئة والرذائل محلها، فهم ليسوا على شيء يعتدّ به لدفع تلك الأوهام، وإزالة تلك الملكات والرذائل، ونيل الثواب، فيصير ما ينزله اللّه عزّوجلّ على رسوله الكريم سبباً فى زيادة الطغيان في الفساد، وتنمية الرذائل، وتوجب الزيادة في الكفر والتوغّل فيه، فالآية الكريمة تُنبئ عن حقيقة من الحقائق وترشد الإنسان إلى الاستفادة من العلوم النافعة، والتلبّس بها؛ لتصبح فضائل راسخة في النفوس، فتصدّ عن الأوهام والرذائل، وما يضرّ الإنسان في دنياه وعقباه، ومن هنا كان الخطاب لرسوله الكريم من نفي الحزن عن القوم

ص: 63

الكافرين أمراً طبيعياً، فإنّ الذي لا يعتمد على شيء يمكنه النهوض لنيل الكمالات ودرك،الحقائق، حتّى صار من الخُشُب المسندة وبمنزلة الجدر، لا وجه للحزن عليه، فإنّه لا حزن على من لا قابلية له.

الخامس : أن قوله تعالى : «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ» يشبه ما ورد في سورة البقرة الآية 62، في ذكر الملل وسرد الأصناف الذين نزلت عليهم الكتب الإلهيّة، إلّا أنّه يختلف عنها في أُمور ثلاثة :

أحدها : في تقديم الصابئين على النصارى في المقام دون آية البقرة.

والثاني : رفع كلمة الصابئون في آية المائدة، وليس كذلك في سورة البقرة.

والثالث : ذكر الجزاء في آية البقرة دون آية المائدة.

ويمكن توجيه ذلك :

أما بالسنبة إلى الإعراب فلأنّ في سورة المائدة ذكرت أحوال اليهود والنصارى وكثير من شنائع أقوالهم وأفعالهم، فكان المخاطبون على علم بها دون الصائبين الذين لم يجر لهم ذكر فيها، فاقتضى المقام التنبيه عليهم بالقطع في الإعراب تنويهاً بذكرهم وتشويقاً للمخاطبين لهم.

وأمّا بالنسبة إلى تقديمهم على النصارى، فلأنّ الآية الشريفة ذكرت المؤمنين ابتداءً اهتماماً بهم، ولأنّهم أهل الخطاب والتأنيس، ثم ذكرت اليهود وهم الأقرب للإيمان باللّه الواحد الأحد، وإن كانوا أشنع أفعالاً من الثلاثة، ثمّ ما يقرب إليهم الصابئة، وأبعدهم النصارى الذين يؤمنون بالشرك والتثليث، وإن كان الجميع يشتركون في تحريف الكتب الإلهيّة والتعاليم الربانيّة. نعم الغاية المطلوبة من الجميع هي الإيمان باللّه واليوم الآخر والعمل الصالح، فلا تمييز بينهم، ولا تفيد الأسماء، ولا ينفعهم الانتساب إلّا أن يكونوا كذلك، فلا مقتضى للتقديم والتأخير بينهم إلّا ما ذكرناه.

ص: 64

وأمّا في سورة البقرة فلأنّ اليهود والنصارى أهل الكتاب يشتركون مع المؤمنين من هذه الناحية، ثمّ ذكر الصابئين لأنّهم ليسوا مثل اليهود والنصارى فجرى الترتيب بينهم بحسب الأهمّية والشرف، فاختصّ المؤمنون بالأخير، فقدّم ذكرهم ثمّ اليهود لكونهم أسبق زماناً من النصارى وأخّر الصابئين، وإن كان جميع الأصناف لا تمييّز بينهم إلّا بحسب الأعمال والجزاء.

وأمّا بالسنبة إلى ذكر الجزاء في آية البقرة دون المائدة، فلأنّ في الأخيرة قد جرى ذكر الجزاء في الآيات السابقة وخصوصيّاته فاكتفى به، كما في قوله تعالى : «وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سيّئاتهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ»(1)، فلو جرى ذكر الجزاء في هذه الآية لكان تكراراً، وأمّا في آية البقرة فلم يكن الأمر كذلك، فاقتضى المقام فيها ذكر الجزاء ولو على سبيل الإجمال، واللّه العالم.

السادس : يدلّ قوله تعالى : «كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ» أنّ الهوى المتّبع فيهم هو الذي أرداهم في المهالك، وأعمى أبصارهم وأصمّ أسماعهم، وهو أينما تحقّق يوجب ذلك، ولأجل ذلك صحّ توبيخ الأبناء وإلزامهم بما فعل الآباء، فإنّ المناط متحقّق فى الجميع، ولعلّ الاتيان بالفعل ماضياً في «كذبوا» للدلالة على ذلك، فكأنّه حاصل فيهم حين الخطاب أيضاً، وأمّا القتل فهم على نيّة بالنسبة إلى الأنبياء، وهم راغبون فيه إن واتتهم الفرصة، فالفعلان ينبئان عمّا ذكرنا.

أحدهما : لبيان الصدور من الماضين منهم، والأبناء على شاكلتهم فى اتباع الهوى.

ص: 65


1- سورة المائدة : الآية 65.

والثاني : لبيان التحقّق من الأبناء كذلك، فالجميع مشترك فيه.

السابع : أنّ في لفظ الحسبان دلالة على أنّ الهوى المتبع قد أثّر في أحاسيسهم وعواطفهم ومشاعرهم، فصار الوهم والظنّ عندهم بمنزلة الحسبان المتاخم للعلم، فجعلوا أنفسهم في غير موضعها اللائق بهم، كما عرفت.

***

بحث روائي : يذكر فيه الروايات التي وردت في تفسير الآية

بحث روائي:

في «الدّر المنثور» قال : أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عبّاس قال: «جاء رافع بن حارثة، وسلامة بن مشكم، ومالك بن الصيف، ورافع بن حرملة، قالوا : يا محمّد، ألست تزعم أنّك على ملّة إبراهيم ودينه، وتؤمن بما عندنا من التوراة، وتشهد أنّها من حقّ اللّه، فقال النبىّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) : بلى، ولكنّكم أحدثتم وجحدتم ما فيها ممّا أُخذ عليكم من الميثاق، كتمتم منها ما أُمرتم أن تبيّنوا للناس، فبرئتُ من أحداثكم قالوا: فإنّا نأخذ ممّا في أيدينا، فإنّا على الهدى والحقّ ولا نؤمن بك ولا نتّبعك، فأنزل اللّه فيهم : «قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حتّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ».

أقول : لا بأس بذلك بعد أن بيّن عزّوجلّ في القرآن الكريم أفعالهم وأقوالهم وما عملته أيديهم من التحريف، وبعد ذلك لا يحقّ لهم أن ينسبوا أنفسهم إلى التوراة.

وفي «تفسير العيّاشي» في قوله تعالى: «مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ»، قال أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «هو ولاية أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)».

أقول : تقدّم الوجه في الآيات السابقة، وقلنا إنّه من باب ذكر أهمّ

ص: 66

المصاديق؛ لأنّ اليهود كانوا يعلمون بالوصاية بعد الرسول فأنكروها.

***

بحث عرفاني : يبحث عن ما يجب أن يستند عليه الإنسان في سيره وسلوكه

بحث عرفاني:

خلق اللّه تعالى الإنسان في أحسن تقويم، من حيث الجمال الظاهريّ، وتمام الصنعة والخلق والاستعداد لتلقي الفيوضات والقابلية للاستكمال، فأودع فيه الفطرة التي جمع فيها الحقائق والمواثيق، وجعل فيه العقل الذي به امتاز عن سائر المخلوقات، وليدرك به صنع ربّه فيه، وما أودعه في مخلوقاته، ويميّز بين الصالح من غيره، وبعث لأجله التكليف والتشريع الذي هو نعمة إلهيّة خصّ بها أعزّ مخلوقاته وهو الإنسان، ولكنّه إذا غفل عن نفسه واتّبع هواه، فصار مرتعاً للشيطان وأعرض عن ذكر الرحمن، أصبح عُرضة للفساد والآثام، فلم يكن له مستند فطريّ ليردعه عن غيّه، ولا إسناد عقلىّ ليمنعه عن ضلاله، ولا اعتمد على مبدأ غيبيّ ليوصله إلى الكمال، فحينئذٍ يأتى الخطاب بأنّه ليس على شيء، وما أشدّ هذا الخطاب الربوبيّ، إذ هو يجرّد الإنسان عن جيمع ما يكون سبباً لصلاحه، إلّا أن تدركه بارقة إلهيّة ليرجع إلى الطاعة، فينقدح فيه نور الإيمان، وليضيء له الدرب للاستكمال، فيتوب إلى اللّه، ويرجع إليه بالإنابة ويقيم الشريعة، ولا ريب أن تلك المراحل والمراتب لا تكون إلّا بتوفيق من رب العالمين، وإنّما على الإنسان الاستعداد للرجوع إلى الطاعة والإنابة لدى جنابه، ليكون معتمداً عليه بعدما سلب عنه الاعتماد، وإنّه ليس بشيء، فلو بقى على هذه الحالة ولم يرجع إلى رشده لاختلّت عنده المشاعر، فيحسب الوهم والخيال واقعاً، ويعطى لنفسه العظمة والكبرياء، ولم يكد يجعل لغيره أيّ منزلة، فهو الأعمى والأصم عن سماع الحقّ ورؤيته لانقلاب الموازين عنده. وهذا الأمر عظيم لسوء الآثار المترتّبة عليه حتّى يصل إلى حدّ لا يرى فى نفسه النقص والحرمان، حتّى يستعد لإزالتها، هذا

ص: 67

هو الإنسان الذي هو نسيج وحده في هذا المجال، ولا أظنّ أنّ أحداً من مخلوقات اللّه عزّوجلّ يكون بهذه المثابة، فيصل إلى مرحلة اختلال الحواس عنده، وحينئذٍ لا يقدر على الإصلاح، بل يزداد طغياناً وكفراً، فهو الأصمّ الأعمى بالنسبة إلى الحقّ،فكيف يؤثّر فيه، فكان قوله تعالى: «وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً» أمراً طبيعيّاً بالنسبة إليهم، فهم الذين أوقعوا أنفسهم فى هذه المهلكة، وأوصلوها إلى باب مسدود، فإنّ هذه الجرائم والآثام لا تدع للإنسان اتّصالاً بربّه حتّى يمكنه إقامة كتب اللّه معتمداً عليه، إلّا أن تلحقه رحمةٌ إلهيّة فيتوب اللّه عليه لحكم ومصالح متعالية، فيستفيد بعضهم منها، فيرجع إلى طاعته ويعتمد على كتبه وينجّى نفسه بالإنابة إليه، لكنّ كثيراً منهم فاسقون يعرضون عن الحقّ،فعموا وصمّوا عنه، ولكنّ اللّه تعالى بصير بأعمالهم وعليم بنواياهم، فيعلم المفسد مَن المصلح، ومَن له القابلية للاستفادة من فيوضات الخالق، فإنّهم وإن عموا عن رؤية الحقّ والعمل به إلّا أنّ اللّه بصير بما يعملون.

***

ص: 68

سورة المائدة الآية 72 - 77

إشارة:

الآية 72 - 77

«ولَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّه هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللّه رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللّه فَقَدْ حَرَّمَ اللّه عَلَيْهِ الجنّة وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (72) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّه ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهِ إِلَّا إِلَهُ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللّه وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللّه غَفُورٌ رَحِيمٌ (74) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمْ الْآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّه مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً وَاللّه هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الحقّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77)».

بعد ما ذكر عزّوجلّ في الآيات السابقة مقالة اليهود الشنيعة، وسجّل عليهم نتائج أفعالهم، وما تضمره نفوسهم بالنسبة للرسول الكريم ودينه الحقّ،ذكر عزّوجلّ في هذه الآيات مقالة النصارى، التي تدلّ على الكفر باللّه والشرك به، حيث بهتوا واعتبروا نبيّهم إلهاً أو ثالث ثلاثة، وهو يدعوهم إلى عبادة الواحد الأحد ربّ كلّ شيء، ويأمرهم بالتوبة والرجوع إليه بالإنابة واستغفاره ممّا بدر منهم من عظيم الكفر، ثمّ بيّن عزّوجلّ أنّ الذي يتّخذونه إلهاً هو عبدٌ من عباد اللّه،

ص: 69

ولدته امرأة كسائر النساء، بريئة ممّا يتهمونها من التثليث، ليست فيها من صفات الألوهيّة شيء، بل هما مخلوقان مربوبان كسائر أفراد البشر، لا يملكون لأنفسهم ضرّاً ولا نفعاً، وقد أثبت عزّوجلّ بطلان دعاوى النصاري في المسيح وأُمّة ببراهين قويّة، وأبطل غلوهم في دينهم، وأمرهم باتّباع الحقّ،فكانوا كاليهود لا تنفعهم التسميّة، ولا يفيدهم الانتساب إلى النصرانيّة ما لم يقيموا الإنجيل ويرجعوا إلى الحقّ،وإلّا هم على الضلال.

***

اختلاف القائلين بألوهيّة المسيح عيسي بن مريم وردّ القرآن عليهم بوجوه متعدِّدة

التفسير

قوله تعالى : «لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّه هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ».

بيان حال طائفة أُخرى من أهل الكتاب التي لا تقلّ عن الطائفة الأُولى في قبائح الأقوال والأفعال، واشتراكها معها في أنّ الانتساب إلى المسيح وكونهم نصارى لم تنفعهم، وليسوا على شيء بعد كفرهم باللّه، إذ أثبتوا له شريكاً فلم يؤمنوا به حقّ الإيمان، ولم يقيموا الإنجيل الذي دعاهم إلى التوحيد، وقد أكّد عزّوجلّ بالقسم كفر القائلين بأنّ اللّه هو المسيح بن مريم من النصارى، وقد اختلفت مقالتهم في كيفيّة مَن يقول بالأقانيم على اختلاف وجوهها، ومنهم مَن يقول بالانقلاب، وتقدّم تفصيل ذلك في سورة النساء، فراجع.

وكيف كان، فهم غلوا في نبيّهم المسيح بن مريم (عَلَيهِ السَّلَامُ) كغلوّ اليهود بالكفر به فضاهوهم بذلك، ولكنّ النصارى كفرت فيه وقالت إنّ المسيح هو اللّه.

وقد ردّ تبارك وتعالى تلك المقالة الشنيعة والعقيدة الزائفة بوجوه عديدة :

الوجه الأوّل : أنّ المسيح هو ابن مريم، فكيف يمكن أن يكون الإله ابن امرأة كلاهما مخلوقان من تراب، واللّه منزّه عن مجانسة مخلوقاته.

قوله تعالى : «وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللّه رَبِّي وَرَبَّكُمْ».

ص: 70

هذا هو الوجه الثاني : هو الاعتراف - فمَن يعتقد بألوهيّته - بأنّه عبد مربوب مثلهم، فقد أمرهم بعبادة اللّه تعالى وحده الذي هو ربّه وربّهم، وهذا القول منه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا يزال محفوظاً في بعض الأناجيل المعروفة عندهم، كما ستعرف في لا محلّة إن شاء اللّه تعالى.

قوله تعالى : «إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللّه فَقَدْ حَرَّمَ اللّه عَلَيْهِ الْجَنَّةَ».

هذا هو الوجه الثالث : وهو إخباره صلوات اللّه عليه عنه عزّوجلّ، بأنّ الشرك باللّه يوجب الحرمان عن الجنّة، وهذه حقيقة واقعيّة لا تقبل التغيير والتبديل، فإنّ كلّ مَن يشرك باللّه فقد حرّم اللّه عليه الجنّة، فلو كان عيسى بن مريم إلهاً لما حرّم اللّه الجنّة على مَن اعتقد فيه بأنّه إلهٌ، فإنّها دار الموحّدين من عباده.

قوله تعالى : «وَمَأْوَاهُ النَّارُ».

هذا هو الوجه الرابع : وهو أنّ عيسى بن مريم لو كان إلهاً لأمكن أن ينجي أنصاره ومريديه من النار، وقبلت شفاعته فيهم، وفي الآية المباركة إشارة إلى بطلان ما يدّعونه في المسيح من أنّه اختار الصلب لخلاص النصارى فهو فدى نفسه عنهم، فهم لا يمسّون النار، ويدخلون الجنّة بغير حساب، وتقدّم في سورة آل عمران تفصيل ذلك.

قوله تعالى: «وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ».

هذا هو الوجه الخامس : وهو أنّ الشرك باللّه ظلمٌ. بل ظلم عظيم كما في آية أُخرى، والظالم كذلك ليس له نصير ينصره من عذاب اللّه المعدّ للمشركين، وإتيان الجمع للدلالة على تعدّد مَن يعتقدون بألوهيّته، أو الشافعين لهم، ولبيان الأولى فإنّ الأنصار على كثرتهم لا ينفعون، فنفي الناصر وهو الذي يعتقدون بألوهيّته، يكون بالأولى.

ص: 71

فهذه الحجج الخمس ممّا احتج اللّه تعالى بها عليهم، وهي براهين قويمة اعترف الخصم بها ولا يسعه إنكارها، فكانت أتمّ وأثبت.

إبطال الأقانيم الثلاثة

قوله تعالى : «لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّه ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ».

تأكيد آخر على كفر الذين قالوا بأنّ اللّه تعالى أحد الثلاثة الذين يعبّرون عنهم ب(الأقانيم)، وهي الأب والابن وروح القدس، وقد اختلفت اتجاهات النصارى في هذه المقالة.

فقيل: بأنّها ثلاثة اعتباراً، ولكنّها واحد، وهذا هو القول الأوّل الذي حكاه عزّ وجلّ عنهم : «إِنَّ اللّه هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ».

وقيل : إنّ الثلاثة كلّ واحد منها إله، والألوهيّة مشتركة بينهم، كما هو ظاهر قوله تعالى للمسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللّه».

ومسألة التثليث عندهم معروفة، ولما كان بطلانها واضحاً لا تحتاج إلى إقامة البراهين، إذ لا يمكن تصويرها وتعقلها، فادّعى بعضهم بأنّها من المسائل المأثورة من مذاهب السلف عندهم، لا تقبل الحلّ بحسب الموازين العلميّة، ولكنّ المأثور إذا لم يقم عليه الدليل المعتبر فهو باطل، ونسبته إلى الشرع جناية أُخرى لا تغتفر، وقد تقدّم في سورة النساء بعض الكلام،فراجع.

بيان الحقيقة في وحدانيّة اللّه الواحد الأحد

قوله تعالى : «وَمَا مِنْ إِلَهِ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ».

حقيقة من الحقائق الواقعيّة التي لا تختصّ بعالم من العوالم حتّى في عالم التصوير والتعقّل، فإنّ الإله لابدّ أن يكون إلهاً واحداً، وإلّا لم يكن إلهاً.

فالآية الشريفة تشتمل على حجّة قويمة احتجّ بها على مَن قال بالشرك والتثليث، وغير ذلك من المعتقدات الفاسدة في الإله، وهي أعظم آية في القرآن الكريم التي تثبت التوحيد بكلّ معنى الكلمة، وتشتمل على برهان قويم، ففيها

ص: 72

دعوى مع إقامة الحجّة عليها، فالإله يجب أن يكون واحداً، وهو اللّه تعالى الذى لا يقبل الكثرة، فهو واحدٌ في ذاته وصفاته، وهي عين ذاته ولا تقبل التعدّد، فهناك تتّخذ الذات والصفات والإضافة، فلا تورث إضافة الصفة إلى الذات المقدّسة كثرةً وتعدّداً، فهو -كما عرفت – أحديُّ الذات لا يقبل الشركة والتقسيم بأيّ وجه من الوجوه، لا في العقل ولا في الوهم ولا في الخارج، وقد اشتملت الآية الكريمة على أنحاء من التأكيدات، فإنّ أُسلوب النفى والإثبات من أعظم الأساليب لتثبيت المطلوب وتأكيده كما هو معلوم، ثمّ دخول «من» على النفى لتأكيد الاستغراق، ثمّ إتيان المستثنى «إله واحد» نكرة ليفيد التنويع، ولو كان معرفةً مثل «الإله الواحد» لم يفد ذلك في إثبات حقيقة التوحيد، ثمّ إنّ الآية الكريمة احتفت من طرفيها بالأدلة والبراهين على نفى الشريك، وإثبات الوحدانيّة الحقّة الحقيقيّة، وسيأتى في البحث العرفانيّ بعض الكلام إن شاء اللّه تعالى.

والمعنى : ليس في الوجود وجنس الإله أبداً إلّا إلهٌ واحدٌ له من الوحدة لا تقبل التعدّد أصلاً، لا في الذات ولا في الصفات، لا خارجاً ولا فرضاً، وهي حقيقة التوحيد التي أثبتها القرآن الكريم، ولم يرد مثل ذلك في أيّ بحث علميّ أو فلسفيّ مع ما للعماء من التحقيق والتدقيق، وهذه هي من معاجز الكتاب الإلهيّ الذي فيه من المعارف الإلهيّة الدقيقة التي قلّ مَن يدركها إلّا مَن ألهمه اللّه تعالى من فيضه الأقدس، وسيأتي مزيد بيان إن شاء اللّه تعالى.

قوله تعالى : «وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ».

توعيد منه عزّوجلّ عزّ وجلّ لمن لم يكفّوا عن القول بالكفر والتثليث، وتهديد لهم بالعذاب الأليم، وهو ظاهر، إلّا أنّ الكلام فى أن التهديد عامّ لكافّة الذين أشركوا

ص: 73

باللّه من النصارى وقالوا بالتثليث، أو خاصّ ببعضهم، كما هو مفاد «من» التبعيضيّة ؟

والظاهر أنّ القول بالتثليث لم يكن صادراً عن جميع النصارى، فإنّ بعضهم كان على التوحيد ولم يقل بالمسيح إلّاكونه عبداً اللّه تعالى ورسوله الذي أرسله للناس، أو أنّ القول بالتثليث لم يكن عند بعضهم عن اعتقادٍ، بل كان لأجل التشريف ورفع مقام الأُبوة والنبوّة؛ ولذا كانوا يرجعون عنها إذا عرفوا أنّ التشريف في غير هذه العقيدة.

وكيف كان، فالمعنى : لئن لم ينته النصارى عمّا يقولون ليمسنّ الذين كفروا منهم - وهم القائلون بالتثليث - عذابٌ أليم، وقد نسب القول إلى الجميع باعتبار بعضهم، وهو من الأساليب المعروفة المتكررّة في القرآن الكريم، وقد ذكروا في المقام بعض الأُمور في «من» وغيرها ممّا لم يقم عليها الدليل، أعرضنا عن ذكرها، فراجع.

قوله تعالى : «أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللّه وَيَسْتَغْفِرُونَهُ».

تقرير وتوبيخ، ويمكن أن يكون الاستفهام للتعجيب من حالهم وإصرارهم على التثليث مع وضوح بطلانه وما جاءهم من البينات والنذر.

قوله تعالى : «وَاللّه غَفُورٌ رَحِيمٌ».

تحضيض للتوبة والاستغفار، فإنّ رحمته واسعة، يغفر لهم ويمنحهم من فضله العميم إن تابوا إلى اللّه ورجعوا عن قولهم بالتثليث.

إبطال مقالة النصارى في ألوهيّة المسيح بوجوه متعدّدة

قوله تعالى : «مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ».

جملة استئنافيّة مسوقة لبيان الحقّ،وبرهان لبطلان التثليث وكون المسيح

ص: 74

ربّاً وإلهاً، وهو يتضمّن أموراً ثلاثة جميعها تدلّ على نفى الألوهيّة بجميع مراتبها عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد ذكر عزّوجلّ :

أولاً : ما امتاز به صلوات اللّه عليه من الصفات الكماليّة، فصار من أفضل أفراد الجنس.

ثم ذكر ثانياً : الوصف المشترك بينه وبين بني نوعه.

وثالثاً : بيّن حاله وحال أُمّه (عَلَيهَا السَّلَامُ).

وهذه الأُمور ممّا اعترفت به الأناجيل الموجودة عندهم، فتكون حججاً على كونه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عبداً رسولاً وتنفى الألوهيّة عنه وعن أُمّه (عَلَيهَا السَّلَامُ)، على اختلاف مذاهبهم في كيفيّة اتّخاذها إلهاً.

فإنّ بعضهم يقول بألوهيّتها كالمسيح، كما يظهر من قوله تعالى : «أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللّه» (1).

أو كانوا يقدّسونها تقديس خضوع لم يكن لبشر مثلها، كما هو المنسوب إلى أهل الكتاب من أنّهم اتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون اللّه.

وكيف كان، فالآية الشريفة تدلّ على أنّ المسيح بن مريم قد حظي من أفضل الكمالات، وهي الرسالة وكونه مبعوثاً من اللّه، فهو مقصور عليها لا يتخطاها إلى ما تزعم النصارى فيه، إذ كيف يمكن أن يكون الرسول بمنزلة المرسل فى الألوهيّة، وإلّا بطلت الرسالة، وهذا ممّا لا تقبله النصارى فإنّهم يعتقدون برسالته كما عرفت.

قوله تعالى : «قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُل».

برهان آخر، وهو أنّ المسيح لم يكن بِدْعاً عن سائر الرسل الذين خلوا من

ص: 75


1- سورة المائدة : الآية 116.

قبله، فكلّهم في عالم الإمكان واحد كانوا بشراً منحهم اللّه تعالى صفة الرسالة، وبعثوا إلى أقوامهم ثمّ أدركهم الموت، فالآية الشريفة تؤكّد على كون المسيح بشراً يجوز عليه الحياة والموت، كما جاز على سائر الرسل من قبله.

قوله تعالى : «وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ».

برهان ثالث يدلّ على أنّهما اشتملا على أمر ينافي الألوهيّة، فإنّ أمه (عَلَيهَا السَّلَامُ) كانت تصدّق بكلمات اللّه وآياته، وقد نزهت عن التعليق بغير اللّه وبالغت في التصديق به عزّوجلّ، كما قال تعالى : «وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ»، وبلغت مرتبة الصدّيقين، وهي وابنها كانا يأكلان الطعام بمقتضى الحاجة والإفتقار، وأنّ المسيح عبد ورسول ربّ العالمين، وهذه كلها تدلّ على نفى الألوهيّة بجميع مراتبها عنهما (عَلَيهَا السَّلَامُ) التي تتقوّم بالوجوب، وعدم الافتقار بوجه من الوجوه.

وإنّما ذكر عزّ وجلّ أكل الطعام، وما يستتبعه من اللّوازم، لبيان صفة الحاجة والافتقار التي تلازم جميع المخلوقات، وكيف يصير الممكن إلهاً؟!!

قوله تعالى : «انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمْ الْآيَاتِ».

خطاب لأشرف مخلوقاته وسيد أنبيائه صلوات اللّه عليهم، ومنه لسائر المخاطبين الذين لهم الأهليّة، تعجباً من حالهم كيف يدّعون لهما الربوبيّة بعدما تبيّنت لهم الحقيقة، وقامت الدلائل القطعية على بطلان دعوى الألوهيّة في المسيح وأُمّه (عَلَيهَا السَّلَامُ).

قوله تعالى : «ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ».

مبالغة في التعجّب وشدّته، كيف أنّهم عرفوا الدلائل الواضحة التي لا يعتريها الشكّ والريب، وأنّها بلغت أقصى الغاية في التحقّق والإيضاح.

ص: 76

ثمّ أُنظر مدعى نكرانهم وإعراضهم، فإنّ ذلك أعجب منهم، إذ كيف لا تصل إليها عقولهم وإدراكهم مع طول المدّة وامتداد الآيات وهم لا يتأثّرون بها، بل يكذّبونها.

الاحتجاج على مَن اتّخذ إلها من دون اللّه بأسلوب آخر

قوله تعالى: «قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّه مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً».

خطاب آخر واحتجاج جديد بما تمليه فطرتهم في عبادة الربّ، فإنّ عامّة الناس – إلّا مَن كان له نوع معرفة في عبادة اللّه الواحد الأحد - إنما يعبدون الربّ. ويخضعون له طمعاً في دفع الشرّ عنهم، أو جلب النفع لهم، فإذا لم يتمكّن المعبود من ذلك فلا وجه لعبادته، والاستفهام للإنكار، والمعنى: أتعبدون شيئاً من دون اللّه لا يملك القدرة مثل ما يستطيعه اللّه تعالى من دفع الشرّ والضرّ، وإيصال الخير والنفع، فإنّ ما دون اللّه تعالى لا استطاعة له، ولا يملك شيئاً من ضرّ ولا نفع، فإنّه

مملوك مربوب، وإن كلّ ما يستطيعه إنّما هو بإقدار من اللّه تعالى عليه لا من عند نفسه، فكيف يمكن أن يتّخذ إلهاً معبوداً، فيجب عبادة اللّه الواحد القادر ولا يتعدّى إلى غيره، فهو العالم بكلّ ما يحتاج إليه العبد، والسميع لدعوته، والقادر على إيصاله إلى ما يفيده.

والآية الشريفة تتضمّن احتجاجاً آخر على مًن اتّخذ إلهاً من دون اللّه تعالى، وإنّه يشترك مع الحجج المتقدّمة في أنّها من برهان الإمكان، والاحتجاج على نفى ألوهيّة غير اللّه تعالى، ولكنّها تمتاز عن إخوانها بأمرين :

أحدهما : أنّها عامّة تشمل جميع ما يعبد من دون اللّه، سواء كان ممن البشر أم من الأوثان والأصنام، كما هو ظاهر كلمة «ما» التي تشمل الجميع.

والثاني : أنها تشتمل على برهان الإمكان الأشرف الذي هو من البراهين القويمة على وحدانيّة اللّه تعالى، ونفى الشريك عنه عزّوجلّ، وقد ذكره الحكماء

ص: 77

المتألّهون والفلاسفة الشامخون في كتبهم، وخلاصته : أنّ كلّ ما يمكن أن يتصوّر من الكمالات من صفات الجمال، أو السلب من صفات الجلال، لابدّ أن يكون متحقّقاً في الإله المعبود، وإلّا لم يكن واجباً بعد تطرّق النقض إليه، وهو ينحصر في واجب الوجود، وهو اللّه تعالى، وما سواه من دون اللّه يستحيل أن يكون إلها معبوداً. وحينئذٍ يكون الضرّ والنفع إمّا من باب المثال لصفات الجلال والجمال، وإنّما ذكرا لأجل أهمّيتها عند عامّة الناس، أو أنّهما أوّل ما تدعو الفطرة إليه في عبادة الإله، أو بحسب وصول غاية مداركهم إلى هذين الأمرين، أو لأجل أنّهما بالتحليل العقلىّ يرجعان إلى صفات الجلال وصفات الجمال، كما عرفت.

قوله تعالى : «وَاللّه هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ».

أي : أتشركون باللّه والحال أنّه هو المحيط بكم إحاطة تامة، فهو السميع الأقوالكم المجيب لدعواتكم، العليم بحاجاتكم وسائر أحوالكم، فيعلم ما أنتم عليه من الأقوال الباطلة، والعقائد الزائفة، وهذه الآية الشريفة - بانضمام صدرها - تدلّ على ما ذكرناه من قاعدة الإمكان الأشرف، التي استدلّ بها على إثبات واجب الوجود المتّصف بجميع صفات الكمال، والمنزّه عن جميع النقائص، وإنّما ذکرهاتين الصفتين (السميع العليم) لملازمتهما لصفات الكمال، فإنّهما تستلزمان الحياة والقدرة والربوبيّة والقيوميّة والإرادة وغيرها، وفى إثباتهما له عزّوجلّ يستلزم إثبات النقض والعجز لغيره، ولا تصحّ عبادة العاجز.

النهي عن الغلو في الدين وبيان أشكاله

قوله تعالى : «قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ».

خطاب آخر يبين سبب انحرافهم عن الحقّ،بعد بيان الحجج القويمة والبراهين الدامغة على نفى ألوهيّة المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وغيره ممن يُعبد من دون اللّه، والخطاب لأهل الكتاب لأنّهم المبتلون بالغلو على أنحاء مختلفه، وخاصّة

ص: 78

النصارى منهم، فيعمّ الجميع الذين غلوا في أُصول دينهم وفروعه

أمّا الأوّل فقد كان له وجوه مختلفة :

فتارةً : يقولون بأنّ بعض الأنبياء أبناء اللّه تعالى، كما حكى تبارك وتعالى عنهم : «وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّه وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّه ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمْ اللّه أَنَّى يُؤْفَكُونَ»(1).

وأُخرى : يعتبرون المسيح إلهاً كما حكى عزّوجلّ عن النصارى فيما سبق من الآية : «لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّه هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ».

وثالثة : قالوا : إنّ اللّه ثالث ثلاثة، كما في قوله تعالى : «لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللّه ثَالِثُ ثَلَاثَةِ».

ورابعة : اتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون اللّه، يعتقدون فيهم القداسة والنزاهة ما لم يعتقدوا فى غيرهم من البشر، كما في قوله تعالى : «اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللّه وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهَا وَاحِداً لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ»(2).

وخامسة : الغلو في اتّهام أنبياء اللّه ونكران الجميل الذي أسدوه إلى أممه أُمهم. كما اتهمت اليهود المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأنه ولد غير شرعيّ.

وسادسة : الغلو في جعل أنفسهم أبناء اللّه تعالى، كما حكى عزّوجلّ عنهم : «وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللّه وَأَحِبَّاؤُهُ»(3).

وأمّا الغلو في فروع الدين، فإنّه يتمثل في تحريف الكتب الإلهيّة لفظاً ومعنى، وإدخال ما ليس من الدين في الدين ممّا لم يأذن به اللّه عزّ وجلّ، كما

ص: 79


1- سورة التوبة : الآية 30.
2- سورة التوبة : الآية31.
3- سورة المائدة : الآية.18.

حكى عنهم في مواضع مختلفة من القرآن الكريم، ومنها : إطلاق الأب والابن على اللّه عزّ وجلّ الممنوع شرعاً ولأنّهما مخلوقان.

ومادّة «الغلو» تدلّ على التجاوز عن الحدّ سواء كان في الدين أو القدرة والمنزلة، أو في الماء إذا طفح والغضب. ولا يكون الغلو إلّا بغير الحقّ،فيكون القيد في قوله تعالى: «غَيْرَ الحقّ» للتأكيد، وتذكير لازم المعنى لئلّا يذهل عنه السامع، كما في قوله تعالى : «وَقَتْلَهُمْ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقِّ»، وما ذكر بعض المفسّرين من أنّ الغلوّ على قسمين : غلو بحقّ، وبغير حقّ، وضرب المثال للأوّل بالتعمّق في المباحث الكلاميّة، فيكون الوصف للتقيّد.

كلّ ذلك ممّا لا وجه له، بل خلاف استعمال اللّفظ ولا يسمّى الغور في المسائل الكلاميّة غلوّاً إذا لم يكن منهيّاً عنه.

قوله تعالى: «وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً».

الأهواء جمع هوى، وهو الباطل الموافق للنفس، وسمّي به لأنّه يهوي بصاحبه إلى النار، وإنّما ورد بلفظ الجمع تنبيهاً على أنّ لكلّ واحد هوى غير هوى الآخر، أو باعتبار كثرة الأباطيل التي عمّموها بين الناس وأصلّوهم بها، ثمّ إنّه بعد أن نهاهم عزّوجلّ عن الغلو في الدين بجميع مظاهره ووجوهه، وأنه غير حقّ ويجب الاجتناب عنه، نهى عزّوجلّ في هذه الآية الكريمة عن اتّباع الأقوام الذين كانوا السبب في إدخال الغلو في الدين، وهم الذين اتّخذوهم أرباباً من دون اللّه واتّبعوهم فى أُمور دينهم، وأطاعوهم في آرائهم وبدعهم التي لم ينزل بها اللّه من سلطان، فهم الضالّون والمضلّون لغيرهم، فإنّ العقل لم يأذن لأحد أن يتّبع غيره في أُمور دينه التي لم يشرّعها اللّه عزّ وجلّ لهم، إلّا إذا ورد الإذن من صاحب الشرع في الاتّباع بحدوده وقيوده المعلومة.

ص: 80

ومما ذكرنا يعلم أنّ النهى عامّ يشمل جميع أهل الكتاب، الحاضرين منهم وقت الخطاب وغيرهم، كما يشمل عبّاد الأصنام والأوثان أيضاً.

قوله تعالى : «وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ».

أي : أنّ الجميع من التابعين والمتبوعين ضلّوا عن المحجّة البيضاء والطريق المستقيم، وخرجوا عن طاعة ربّ العالمين، وكان هذا الضلال حصيلة ضلالهم وإضلالهم، وتشمل هذه الآية جميع صور الضلال ومنها إنكارهم لنبوّة خاتم الأنبياء وتكذيبهم لدينه وابتعادهم عن الحقّ،فتكون الآية الشريفة تأكيداً لضلالة الجميع، وتعميماً لجميع صوره ووجوهه، وبياناً بأنّ الذي هم عليه ليس من سواء السبيل الذي أمر اللّه تعالى عباده باتّباعه.

***

ص: 81

بحوث المقام

بحث أدبي : يتعلّق بوجوه إعراب الآيات الكريمة

بحث أدبيّ:

قوله تعالى : «وَقَالَ الْمَسِيحُ» حال من فاعل «قالوا»، بتقدير «قد» لمزيد التقبيح.

أمّا قوله تعالى : «فَقَدْ حَرَّمَ اللّه عَلَيْهِ الْجَنَّةَ»، أي المنع من دخولها بقهر إلهيّ نتيجة أفعالهم وأقوالهم، وأصل الحرام المنع، فلا تكون من المجاز أو الاستعارة كما زعمه بعض المفسّرين متوهّماً أنّه بمعنى الحرمة التكليفيّة، ولا تكليف ثمة، بل استعمل الحرام في معناه الحقيقيّ وهو المنع.

وإفراد الضمائر في «حرّم اللّه عليه» و «مأواه» باعتبار لفظ «من» في «من يشرك باللّه»، والجمع في «ما للظالمين من أنصار»، باعتبار معنى «من».

و«ثالث ثلاثة لا يكون إلّا مضافاً، كما في رابع أربعة ونحوه، وأجاز النصب بعض القراء وعلماء النحو.

و«إله» في قوله تعالى: «وَمَا مِنْ إِلَهِ إِلَّا إِلَهُ وَاحِدٌ» رفع على البدل من إله على الموضع. و «من» لتأكيد الاستغراق والتعميم.

وقال الكسائي : يجوز اتباعه على اللّفظ فيجرّ، وهو لا يجيز زيادة «من»، والحقّ عدم الزيادة كما ذكرنا مكرّراً. وقد تقدّم في التفسير ما يتعلّق بهذه الجملة المباركة.

وقوله تعالى : «لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ»، قيل : إنّه جواب قسم محذوف سادّ مسدّ جواب الشرط، والأكثر مجىء اللّام الموطئة لجواب القسم المحذوف، وقد تحذف اللّام والتقدير : لئن لم ينتهوا.

ص: 82

و «ما» في قوله تعالى : «عَمَّا يَقُولُونَ» موصولة، وحذف الضمير العائد.

والفاء فى «أَفَلَا يَتُوبُونَ» للعطف على مقدّر يقتضيه المقام حجزت بين همزة الاستفهام ولا النافية هذه، والكلمة تفيد الحضّ والحثّ، وجملة : «واللّه غفور رحيم» في موضع الحال، وهى مؤكّدة.

و «صدّيقة» للمبالغة، واختلفوا في أنّها من الثلاثي المجرّد، نحو : سكير من سكر، وقيل : إنّها من صدّق مضاعفاً.

و«كيف» في قوله تعالى : «انْظُرْ كَيْفَ» معمول ل «نبيّن»، والجملة في موضع النصب.

و «ثمّ» لإظهار ما بين العجبين من التفاوت، أو للتراخي بين العجبين، والمراد بیان استمرار زمان بيان الآيات وامتداده، أي أنّهم مع طول الزمان لا يتأثّرون.

و«ما» في قوله تعالى «قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّه مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ» عَامٌ يشمل المسيح والأوثان والأصنام، وكلّ ما عبد من دون اللّه تعالى، إمّا لأنّ هذه الحجّة أيضاً تقام على الوثنيين وعبدة الأصنام التي لا شعور لها، ولا دخل للمسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي هو من أُولى العقل فى تمامية الحجّة، أو لأنّ كلّ محدث من حيث ذاته إنّما يدخل في ما لا يشعر، أو لبيان أنّ المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) من دون مدد الهيّ يكون من هذا الجنس.

و «غير الحق» منصوب على أنّه صفة مصدر محذوف، أي غلو غير الحقّ،وذكرنا ما يتعلّق بالتقييد في التفسير، فراجع.

وقيل : إنّه منصوب على الاستثناء المتّصل أو المنفصل.

ولكنّه تبعيد للمسافة.

***

ص: 83

بحث دلالي وفيه ما يستفاد من الآية المباركة

إشارة:

بحث دلالي:

تدلّ الآيات الشريفة على أُمور :

الأوّل : يدلّ قوله تعالى : «لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّه هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ» على أنّ الذين قالوا بهذه المقالة الباطلة واعتقدوا بهذه العقيدة الزائفة هم من الكفّار الذين أنكروا الألوهيّة رأساً، فلا ينفعهم الانتساب إلى النصرانيّة وكونهم أهل الكتاب، فإنّ جعل المسيح إلهاً أخرجهم عن ربقة أهل الإيمان، وأدرجهم في جماعة الكافرين، وإن كان لهم نبيّ مرسلٌ وكتاب إلهيّ، وقد تقدّم في الآيات السابقة أقسام الكفر.

نعم، إنّ مجرّد انتسابهم إلى كتاب إلهىّ، وكونهم أهل الكتاب في القرآن الكريم، أوجب ترتّب بعض الأحكام الشّريعة عليهم، فاختلفوا عن المشركين من عبدة الأصنام والأوثان، كما هو مذكور في الكتب الفقهيّة، وذكرنا بعضاً منها في سورة النساء، فراجع كتابنا «مهذّب الأحكام».

الثاني : يستفاد من قول المسيح : «يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللّه رَبِّي وَرَبَّكُمْ» أنّ القول بإلوهيّته كان فى حياته صلوات اللّه عليه، وأنكرها أشدّ إنكار، واحتجّ عليهم بأمور :

احتجاج عيسي بن مريم على قومه حين نسبوه إلى الألوهيّة

أحدها : أنّ الإله هو اللّه وحده دون غيره، والعبادة إنّما تكون له.

وثانيها : أنّ الإله الذي لابدّ من عبادته إنّما من الصفات العليا ما لم تكن في غيره، فهو الربّ الذي خلق العباد، وأحاط بهم إحاطة تامّة، وهو ينحصر في اللّه ربّ العباد جميعهم المسيح وغيره، فإنّ في الربوبيّة العظمى تظهر قهّاريته وكبريائه وعطفه ورحمته وعلمه وإرادته وحياته، فهو الربّ العظيم الذي خلقهم وأفاض عليهم من نعمائه و آلائه، وبعث فيهم أنبياءه ورسله، ومنهم المسيح المبعوث إليهم المربوب له عزّوجلّ، فلا يعقل أن يكون إلهاً.

ص: 84

ثالثها : أنّ المسيح لا يقدر أن يُدخلهم الجنّة بعد أن منع اللّه دخولهم جنّته ودار كرامته، وكيف يمكن أن يُعبد المسيح الذي هو عاجز عن إدخالهم الجنّة إذا لم يأذن له اللّه تعالى.

رابعها : أنّ المسيح لا يمكن أن يصرف عنهم العذاب، فلا يدخلون الجنّة إذا استحقوا العذاب، فقد انتفت عنه أعظم صفة من صفات اللّه عالى وهى القدرة الكاملة، وهو لا يملك لهم الضرّ والنفع، ولا يعقل أن يجعل مثل ذلك إلهاً يعبد من دون اللّه، وهذا أمر فطريّ، كما سيأتي.

وخامسها : أنّ الذين قالوا بأنّ اللّه هو المسيح من الظالمين، وما لهم من أنصار ينصرونهم، أو لم يأذن اللّه تعالى للمسيح أن ينصرهم من عذاب اللّه، فإذا لم يقدر المسيح الذي اعتقدوا فيه الألوهيّة نصرتهم فغيره يكون بالأولى.

إنّ القول بالتثليث مثل القول بأنّ المسيح إله فهما يشتركان فى الكفر

الثالث : يدلّ قوله تعالى : «لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّه ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ» على أَنْ القول بالتثليث والتشريك باللّه العظيم مثل القول بأنّ المسيح هو اللّه كفرٌ، وظاهر الآية أنّ هذه المقالة حدثت بعد رفع المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) وغيابه عنهم، أحدثه علماؤهم لأغراض خاصّة معلومة، ذكر بعضها القرآن الكريم، وقد تقدّم البحث عن هذه العقيدة في سورة النساء، فراجع.

وكيف كان، فإنّ الاحتجاج عليهم وردّها إنّما كان من اللّه تعالى لا من المسيح نفسه، مثل ما تقدّم فى قولهم بأنّ المسيح هو اللّه - تعالى اللّه عمّا يقولون علوّاً كبيراً-.

دلالة قوله تعالى : «وَمَا مِنْ إِلَه إِلَّا إِلَهُ وَاحِدٌ» على الوحدانيّة العظمى

الرابع : يدلّ قوله تعالى: «وَمَا مِنْ إِلَهِ إِلَّا إِلَهُ وَاحِدٌ» على الوحدانيّة العظمى التى هى من أهمّ الأغراض التي بعثت الأبياء والمرسلين لأجل بيانها وتثبيتها، وهي من أقدم العقائد ومتوغّلة في القدم توغّل الخلق فيه، وقد أودعها اللّه تعالى فيه فطرة الخلائق كلّها، ومرّت بمراحل كثيرة ومتعدّدة، فظهرت تارة وأنزوت

ص: 85

أُخرى لأجل شبهات الملحدين وتشكيكات،الكافرين، حتّى وصلت إلى دين الإسلام وشريعة خاتم الأنبياء صلوات اللّه عليهم أجمعين، فتجلّت بأحسن صورها وأبهى معانيها، وأدقّ ما يمكن أن يتصوّر فيها، وبلغت مبلغاً لم يصل إليه الفكر الإنسانيّ على مرّ العصور، فتميّزت بعرفان زاخر و علم باهر، واشتملت الآية الكريمة على هذه الجوهرة الفريدة، ومفخرة الكمالات، وعنونها بأحسن أسلوب وأتمّ برهان، وهو أُسلوب النفى والإثبات الذي هو من أتمّ الأساليب في إثبات المطلوب ونجاحه، مع اشتماله على تأكيد الاستغراق بدخول «من» على النفي، وإتيان المستثنى المفيد للتنويع، فلو جيء به معرفة لم يدفع به قول النصارى وغيرهم القائلين بالتشريك، وأنّ الذات واحدة في عين أنّها كثيرة متعدّدة الصفات، ولكنّ الآية تنفي جميع تلك المزاعم وتثبت الذات الواحدة بالوحدة المطلقة التي لا تتألّف منه كثرة ولا تقبل التعدّد أبداً، لا فى الذات ولا فى الصفات ولا فى الفرض والتوهّم ولا فى الخارج، وهذه هي حقيقة التوحيد في الإسلام التي يلوّح إليها الكتاب الإلهيّ وكلمات الأئمّة المعصومين (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وسيأتي مزيد بيان إن شاء اللّه تعالى.

الخامس : يدلّ قوله تعالى : «وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ»، على أنّ ما اشتملت عليه الآية الشريفة من حقيقة التوحيد، وما عرفت فيها من لطائف المعاني ودقائق الرموز، هى آخر المطاف والمنتهى من كلّ الأقوال، ويجب الانتهاء إليه والوقوف عند حدّه، والتجاوز عنه كفر وليس له عذر بعد ذلك، فإن انتهوا عند هذا الحدّ و آمنوا به کانوا مؤمنين، وإلّا كانت النار جزاءهم ومأواهم وبئس المصير.

السادس : يدلّ قوله تعالى : «لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ»، على أنّ القول بالتثليث من الذنب العظيم الذي يوجب هذا النوع من الجزاء، وهو مسّ العذاب المؤلم لأبدانهم، وإدراكهم له جزاء نكرانهم للتوحيد، بعد إدراكهم له

ص: 86

ومعرفتهم به فينالون بأبدانهم ومشاعرهم من أنواع الأذى والآلام.

السابع : يستفاد من قوله تعالى: «أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللّه وَيَسْتَغْفِرُونَهُ» أنّ التوبة عن هذا الذنب، إنّما تتحقّق بالرجوع إلى اللّه، وعبادة الواحد الأحد، ونفى الشريك عنه، والانقلاع عمّا يقولونه، وطلب الغفران منه عزّوجلّ، واللّه غفور رحيم فلا يكفي مجرّد الاستغفار وطلب الخلاص، وفي الآية الشريفة إشعارٌ بإصرارهم على وعدم الانقلاع من هذا القول.

احتجاج اللّه على النصارى في نفي ألوهيّة عيسي بن مريم

الثامن : يستفاد من قوله تعالى : «مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ» نفى ألوهيّة المسيح أوّلاً، وكونه أحد الثلاثة، لكونه ابن امرأة فهما ممكنان، ثمّ إنّه يموت كما مات الرسل من قبله، وإن كان قد شرّف بصفة الرسالة فكان داعياً إلى من أرسله ولا يخالفه في شيء. وكلّ تلك الصفات هي من صفات سائر أفراد البشر، ولا يتميّز عن غيره إلّا بالرسالة التي هي صفات المخلوقين أيضاً، والإله لا يتّصف بها.

ثم نفى ألوهيّة مريم وأنّها أحد الثلاثة، لكونها تتّصف بصفة الإمكان كما اتّصف ابنها بها، وأنّهما محتاجان كسائر أفراد جنس الحيوان، ولكنّها تتّصف بصفة التصديق التي هي من صفات المخلوقين أيضاً، فتشرّف أحدهما بالرسالة والآخر بصفة التصديق، وهما وإن كانتا من الكمالات، لكنّهما لا تجعلان المتّصف بهما من الآلهة، وإلّا استلزم الخلف كما هو واضح، فتعيّن أن يكون الإله واحداً وهو اللّه الواحد الأحد، فهذه آيات واضحات لا ريب فيها ولا غموض، ولكن العناد واللّجاج منهم يمنعهم عن الإذعان،لها، فكانوا من المكذّبين المؤتفكين الذين سينالهم جزاؤهم.

وإنّما قدّم سبحانه الكمال لما لأفردا جنسهما من نقائص البشرية لئلّا توحشهم مفاجأة ذلك.

ص: 87

التاسع : ذكر بعض المفسّرين أن المراد من قوله تعالى : «كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ» المعنى الكنائيّ وهو قضاء الحاجة، لأنّ مَن أكل الطعام احتاج إلى النفض فيكون ذكره أمرّ ذوقاً من أفواه مدّعىّ ألوهيّتهما، لما فيه من البشاعة العرفيّة، وليس المقصود سوى الردّ على النصارى في اعتقادهم الكريه، ولكن المعنى الذي ذكرناه في التفسير أعمّ؛ لدلالته على اللّازم والملزوم كما عرفت.

لزوم المراقبة من تكرار الأمر بالنظر في الآية الكريمة

العاشر : يستفاد من تكرار الأمر بالنظر فى الموردين : «انظُرْ كَيْفَ تُبَيِّنُ لَهُمْ الْآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ»، لزوم المراقبة ودوام التفكير في الآء اللّه تعالى ونعمائه وآياته، وقدّم الأمر بالنظر فى الكمالات ولزوم التحلية بها لأهمّية الموضوع، وأنّه مع الدوام على ما هم عليه ينتفي موضوع النظر الثاني الذي هو أمر بالتخلية من الرذائل، فمع بقائها في النفس والوصول إلى درجة العناد واللجاج، لا يصير مؤهلاً لتلقّي الفيض والنظر في الآيات البينات.

الحادي عشر : يستفاد من قوله تعالى : «قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّه مَا لَا يَمْلِك لَكُمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً» أنّ الحجّة لابدّ أن تكون ممّا يدركه الفهم المتعارف والعقل البسيط الساذج، فإنّ الخطاب في الآية الكريمة مع الفطرة في هذا الأمر المهمّ، لأنّ أوّل ما يدركه الإنسان في اتّخاذ الربّ لعبادته، هو دفع الشرّ والضرّ عنه، وجلب النفع إليه، وهذا إنّما يملكه اللّه دون غيره المملوكين الذين يفقد فيهم ذلك، وفاقد الشيء لا يعطيه، فيجب أن يرفض عبادة غير اللّه تعالى. وإنّما قدّم عزّوجلّ الضرّ على النفع جرياً على الطبع، لأنّ الإنسان بحسب طبعه إنّما يلتجئ في مقام الضرّ وفقدان النعم إلى الربّ ليدفع عنه ذلك. وأمّا إذا كانت النعم موجودة عنده، وقد تلهّى بها ولم يجد فى نفسه ألم فراقها فلا يلتفت إليه، فيكون مسّ الضرّ أبعث للإنسان إلى الخضوع للربّ وعبادته من وجدان النفع، كما بيّنه عزّوجلّ في غير هذا الموضع، قال تعالى : «وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا

ص: 88

يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُوراً»(1)، وبيّن ذلك في وضوح في قوله تعالى : «وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَا بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَؤُساً»(2).

الثاني عشر : يستفاد من قوله تعالى : «قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الحقّ» أنّ الغلو في الدين لا يكون حقّاً أبداً، وأنّه من الضلال والخروج عن سواء السبيل الذي جعل عزّوجلّ دينه القيم منه.

الثالث عشر : يستفاد من ذكر كلمة (ما) فى قوله تعالى: «قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّه مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ» أنّ ما سوى اللّه تعالى من دون فيضه ونعمه من الجهاد الذي لا يعقل، فإنّ مَن كان له من الشعور والعقل لا يملكهما من عند نفسه، كسائر ما ينسب إليه من شؤون وجوده، قال تعالى : «إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّه عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلْ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِي فَلَا تُنظِرُونِي»(3).

***

بحث روائي : وفيه الروايات التي تفسّر الآية الكريمة

بحث روائي:

العيّاشي عن زرارة، قال : «كتبت إلى أبي عبداللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع بعض أصحابنا في ما يروي الناس عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ): «أنّه مَن أشرك باللّه فقد وجبت له النار، ومَن لم يشرك باللّه فقد وجبت له الجنّة ؟ قال : إنّ مَن أشرك باللّه فهذا الشرك البيّن، وهو قول اللّه : «مَنْ يُشْرِكْ بِاللّه فَقَدْ حَرَّمَ اللّه عَلَيْهِ الْجَنَّةَ»، وأمّا قوله : مَن لم يشرك باللّه

ص: 89


1- سورة الفرقان : الآية 3.
2- سورة الإسراء : الآية83.
3- سورة الأعراف : الآية 194 - 195.

فقد وجبت له الجنّة، فقال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ههنا النظر، هو مَن لم يعص اللّه».

أقول : ما ذكره صلوات اللّه عليه موافق للقواعد العامّة والأدلّة الكثيرة، التي تدلّ على أنّ دخول الجنّة إنّما يكون بالإيمان والعمل الصالح والطاعة، وهى اتيان الواجبات وترك المعاصي والمحرّمات، وأنّ مجرّد الابتعاد عن الشرك لا يوجب الدخول في الجنّة إلّا مع توفّر بقية الشروط.

في «تفسير القمّيّ» : عن أبي جعفر الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «أمّا المسيح فعصوه وعظّموه أنفسهم حتّى زعموا أنّه إله ابن اللّه، وطائفة منهم قالوا : ثالث ثلاثة، وطائفة منهم قالوا : هو اللّه».

أقول : يستفاد من الحديث أنّ المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان عارفاً ببعض تلك المقالات الباطلة، ورَدَعَهم عنها فعصوه، وأنّ تلك إنّما حدث من الغلوّ فيه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقدّسوه وعظّموه حتّى انتهى الأمر بهم إلى قول بالتأليه فيه بنحو من الأنحاء.

في «العيون» : عن الرضا صلوات اللّه عليه عن آبائه عن علي (عَلَيهِم السَّلَامُ) : «فی قوله تعالى : «كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ» معناه : أنهما كانا يتغوّطان».

أقول : رواه العيّاشي مرفوعاً، وتقدّم أنّه من المعنى الكنائيّ، وعرفت الوجه في ذلك.

وفي «الاحتجاج» : عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في جواب الزنديق في قوله تعالى : «كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ»، يعني : «أنّ مَن أكل الطعام كان له ثقل، ومَن كان له ثقل فهو بعيد عمّا ادّعته النصارى لابن مريم».

أقول : إنّ ما ذكره صلوات اللّه عليه إنّما هو من لوازم الإمكان والحاجة، كما أنّ التغوّط والمعنى الحقيقيّ للكلمة كلّها من ذلك أيضاً، أو إنّ المراد له ثقل خرج عن التجرّد ومفارقته للمادّة وهو بعيدٌ عمّا ادّعته النصارى لابن مريم من الأُلوهيّة.

ص: 90

بحث عرفاني : وفيه بحث فريد عن التوحيد وحقيقته ومظاهره، والأدلة التي تدل على التوحيد الحقّ،ونفي ما تدعيه أصحاب الوحدة العدديّة والمشركين

إشارة:

بحث عرفاني :

التوحيد سرّ من الأسرار الإلهيّة، تجلّى به اللّه على مخلوقاته، فأقرّ به الخلائق قبل الخلق، يطلبه الملائكة المقرّبون، وتهفوا إليه أفئدة المخلوقين، دعا إليه الأنبياء والمرسلون، تتجلّى فى أنّه أهمّ صفات اللّه تعالى، إذ له ارتباط بين الخالق والمخلوق، وهو آنس شيء للنفس الإنسانيّ والأقرب إلى القلوب، تتفاني فيه الروح وتنجذب إليه النفوس، وتحنّ إلى معرفته العقول، وعلى مراتب عرفانه تتصاعد النفوس إلى الملكوت الأعلى، ودرجات القُرب لدى جناية عزّوجلّ، فما أعظمها مسألة!! وما أشدّ تعلّقها بالإنسان في جميع شؤونه وعوالمه؟! تتجسّد فيه جميع الكمالات الواقعيّة، وتذوب فيه كلّ المطالب والغايات.

ولعلّ السرّ في ذلك أنّه أودع في الفطرة وأُخذ عليه الميثاق، وهو من لوازم حبّ المخلوق لخالقه، بل المخلوقات كلّها مظاهر توحيده وصفاته العليا وأسمائه الحُسنى، فما أعذبه على النفوس ؟ وما أخليه للقلوب؟! هام فيه المحبّون ليدركوا ما أمّلوه فازدادوا حبّاً، وطلبه العارفون فانجذبوا إليه وانمحت ذواتهم، وانصاعت لديه أفئدة السالكين فخلب لبهم لما شاهدوه من الآثار العظام، ومع ذلك لم يصل أحد إلى كنه حقيقته إلّا ما أدركوه من الآثار والتجليّات، فصار محور الدراسات والنقض والإبرام.

والوجه في ذلك يكمن في أنهم خلقوا على اختلاف في الفكر شدّة وضعفاً، وتفاوت في الإدراك زيادة ونقصاناً، فكان ذلك سبباً في اختلافهم في الفهم والتعقّل لهذه الجوهرة الفريدة، ثمّ الأُنس بالمادّة والابتعاد عن المعين الصافي، ممّا أوجب الانحراف والخروج عن الاستقامة التي كانت الفطرة تدعو إليها، اشتدّ ذلك بمرور الزمن حتّى تحقّق الهجران فازدادوا في الاختلاف، فكان ما كان من الشرك وعبادة الأوثان، وتأليه ما لم يقرّ به العقل والبرهان.

ص: 91

فما أقسى هذا الإنسان وما أشدّ مكابرته وعناده للحقّ؟!! كيف وصل إلى هذا الحدّ من الخسران، حيث أبعد نفسه من منبع الخير والرضوان؟!! فصار التوحيد من أقدم المسائل، وأبعد غوراً في التعمّق والتحقيق، وأصعبها فهماً وتصوّراً، وقد ظهر في صور مختلفة ومرّ بمراحل متعدّدة، فطوراً يظهر بأبسط الصور المودعة في الفطرة الإنسانية بإلهامها الخفي، وآخر في كلمات الحكماء المتألّهين والعرفاء الشامخين، وما وصلت إليه أفهامهم إلى نوع من التوحيد، وطوراً ثالثا في أفكار آحاد الإنسان مع ما هم عليه من الاختلاف العظيم -كما عرفت - وإن كان لهم شيء من الاتّفاق على ما تمليه الفطرة عليهم من التوحيد، ولكنها طمست لسوء الأفهام، وكثرة المعاصي والآثام، حتّى جعلوا الأوثان والأصنام قرناء اللّه تعالى، وأثبتوا لها بعض الصفات. وهكذا كانت هذه المسألة أسيرة الاختلاف، ولكنّها لم تمح صفحة الوجود بمقتضى نور الفطرة المودع في كلّ أفراد الإنسان، وجعلت الشرائع الإلهيّة لها المكانة العليا في معارفها وعلومها وأحكامها، حتّى بلغت أوج كمالها في القرآن الكريم، الذي بيّن حقيقته وسائر خصوصياته بأحسن وجه أتمّ بيان، وأوضحت معالمه وأركانه أقوال المعصومين (عَلَيهِم السَّلَامُ)، لا سيّما الإمام سيّد العرفاء وإمام الموحّدين وأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ).

وهذا الذي ذكرناه ممّا شهد به تاريخ العلم والإنسان وقرّره محكم القرآن كما صرّح به عزّوجلّ في قوله تعالى : «هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ»(1)، وقد تقدّم قوله تعالى : «انظُرْ كَيْفَ تُبَيِّنُ لَهُمْ الْآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ» الذي يدلّ على وجود الاختلاف والعناد واللّجاج

ص: 92


1- سورة الزمر : الآية9.

في البشر، فقالوا بالتشريك الذي هو خلاف المركوز في الفطرة التي تهدي إلى التوحيد، وأنّ للعالمَ صانعاً لا يشبهه شيء من مصنوعاته ومخلوقاته، وقد كان الناس على هذه الفطرة المستقيمة تهتدي بهداها وتستضيء بنورها، وكانوا أُمّة واحدة كما قال عزّوجلّ : «كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً»، لا اختلاف في عقيدتها وسلوكها ودعوتها إلى الواحد العظيم، إلّا أنّ هذه الوحدة لم تبق على صورتها الحقيقيّة، فقد فسّرها الإنسان بتفاسير متعدّدة بعد شيوع شُبَه الملحدين وتشكيك المشكّكين، فحصل التفرّق والاختلاف، فبعث اللّه الأنبياء والمرسلين لإحياء الفطرة وبعثها من جديد، كما قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «ليثيروا لهم دفائن العقول».

ويستفاد من القرائن الكثيرة أن أقدم الشبهات ما قيل في عبادة الأوثان، من أنّها مبنية على أساس التوحيد وإثبات الشفعاء لديه، قال تعالى : «مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللّه زُلْفَى»، فكان ذلك بداية الانحراف عن التوحيد الحقيقيّ، حتّى آل الأمر إلى إعطاء الأصالة والاستقلال لكلّ ما اتّخذ إلها من دون اللّه، وكانت الشكوك والشبه والاعتراضات لها الأثر الكبير فى خفاء معنى التوحيد. وقد عرفت أنّ لها أسباباً عديدة، وإن دعت الفطرة إلى الرجوع إلى الوحدة الحقّة، ولكنّ الأُنس بالمادة وأنّ أوّل ما يبتلى به الفرد في حياته اليوميّة هو الوحدة العدديّة، فصار ذلك سبيلاً فى تفسير التوحيد الذي تدعوا إليه الفطرة بالوحدة العدديّة.

فظهور الثنويّة وتعدّد الآلهة، ثم ابتلاء المؤمنين -بالتوحيد الحقيقىّ - بهؤلاء وقيام الصراع بينهم ممّا أوجب الغفلة عن حكم الفطرة، واشتدّ ذلك حتّى ما رجعت كلمات الفلاسفة والعلماء وفي تفسير التوحيد إلى الوحدة العدديّة، فأضافت الشبهات وكثرت التأويلات، حتّى لم يبق توحيداً سالماً من شائبة الشرك، إذ ربّما يكون الشرك خفيّاً لم يتنبه إليه الفرد المؤمن فضلاً عن غيره، قال

ص: 93

تعالى: «وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّه إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ»، حتّى سطع نور الإسلام، ونزل القرآن الكريم بما فيه من المعارف الحقّه الحقيقيّة، فأخرجت التوحيد من تلك الشبهات والأباطيل، وظهرت بصورتها الحقيقيّة، ولكن آل الأمر إلى علماء الكلام ووقعوا في نفس الخلاف القديم، ودخلوا في متاهاتٍ هُمّ في غنيً عنها، لولا رجوعهم إلى معادن الوحي وأعدال القرآن في تفسير تلك الحقيقيّة القرآنيّة وبيانها، وحينئذٍ كان اللازم هو الرجوع إلى القرآن الكريم، وما ورد في كلمات الأئمّة المعصومين صلوات اللّه عليهم أجمعين في تفسير الوحدانيّة الكبرى والتوحيد الحقيقيّ، ليسلم من كلّ شرك خفيّ وجليّ، ولا تحتاج إلى كلمات الحكماء المتألّهين والفلاسفة الشامخين فإنّها إن اشتملت على شيء قويم، فهو مأخوذٌ من كلمات المعصومين، فذكرها يكون من التطويل.

معنى التوحيد

تطلق الوحدة على معان متعدّدة يجمعها الانفراد، والواحد هو كون الشيء مبدأ للتكتّر، وهى تارة تكون محدودة، وأُخرى غير محدودة، ولما كانت الوحدة على دقّة في المعنى وصعوبة في الفهم فلا بأس بذكر القسمين

أمّا الوحدة المحدودة فهي إمّا أن تكون في الجنس، أو النوع، أو يكون واحداً بالاتّصال من حيث الخلقة، أو يكون من حيث الصناعة، أو يكون واحداً لعدم نظيره.

أمّا في الخلقة : كقولك الشمس واحدة، أو في الفضيلة كقولنا : واحد دهره ونسيج وحده، أو يكون واحداً لامتناع التجزي فيه إما لصغره كالهباء، أو لشأن آخر، أو يكون مبدءاً للعدد كقولك : واحد، اثنان، وإمّا مبدأ الخط كالقول : النقطة الواحدة.

ص: 94

ويمكن درج بعضها في بعض فتقلّ الأقسام، وجميعها محدودة ومن صفات المادّة، فإنّ الكلّ تشترك في كون الشيء مبدءاً للكثرة، وهو الذي تلحقه النسب والإضافات، كما أشار إليه قول أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «إنّ القول في أنّ اللّه واحد على أربعة أقسام : فوجهان منها لا يجوزان على اللّه عزّوجلّ... فقول القائل : واحدٌ يقصد به باب الأعداد، فهذا لا يجوز لأنّ ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد فهذا ما لا يجوز له، أما ترى أنّه كَفَر مَن قال : إنّه ثالث ثلاثة، وقول القائل : هو واحد من الناس، يريد به النوع من الجنس فقط، ما لا يجوز لأنه تشبيه، وجلّ ربّنا تعالى عن ذلك»، ولا يمكن أن تعرض على اللّه تعالى الذي هو منزّه عنها. فإنّ الوحدة فيه عزّوجلّ تكون بلا تأويل، فهو الواحد الذي لا يصح التجزي والتكثر عليه من جميع الجهات، بخلاف غيره عزّ وجلّ، فإنّ الوحدة فيها باعتبار أمر ما، والمقصود الشائع من أقسام الوحدة التي يقع الحسّ عليها مباشرة هذا المعنى للوحدة، ولهذا ترى أنّهم إذا أطلقوا الواحد على الإله، فلا يخرج عن هذا النوع من الوحدة لشدّة أُنسهم به، فيثبتون اللّه تعالى من صفة الوحدة مثل ما يصنعون به سائر ما اتّخذوه،إلهاً، وهي الوحدة العدديّة، قال تعالى : «وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهَا وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنْ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ»(1). وإنما عجبوا لأجل عدم تمكنّهم من إبعاد الوحدة العدديّة من أذهانهم، واذا قرع سمعهم الدعوة إلى التوحيد، كانوا يتلقّونها دعوةً إلى الوحدة العدديّة التي تقابل الكثرة العدديّة، كما في جميع الآيات التي تدعوا إلى نبذ التفرّق في اتّخاذ الآلهة والتوجّه إلى الواحد الأحد، كما في قوله تعالى : «وَإِلَهُكُمْ إِلَهُ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ

ص: 95


1- سورة ص : الآية 4 - 6.

إِلَّا هُوَ»(1).

والحاصل ممّا ذكرناه: أنّ الوحدة على قسمين : فإمّا أن تكون وحدة مبدأ للكثرة، ومنها الوحدة العدديّة، وهي الشائع من أقسامها. وإمّا أن تكون وحدة حقيقيّة، وهي عبارة عن كون الموجود لا يقبل التكثّر، والفرد الذي لم يزل وحده ولم يكن معه آخر، وهذا هو المراد من قول أبي جعفر الجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعدما سُئل عن معنى الوحدة : «إجماع الألسن عليه بالوحدانيّة»، لقوله تعالى : «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ»(2)، ولصعوبة هذه الوحدة قال تعالى: «وَإِذَا ذُكِرَ اللّه وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ»(3). والقرآن الكريم ينفي جميع أنحاء الوحدة عنه عزّوجلّ، سواء كانت وحدة عدديّة أو وحدة نوعيّة أو جنسيّة أو أية وحدة كلّية مضافة إلى كثرة، فإنّ جميعها مقهورة بالحدّ والنسب والإضافات، واللّه تعالى هو المنزّه عنها، ولا يقهره شيءٌ، فليس بمحدود في شيء يرجع إليه، فهو موجودٌ لا يشوبه عدم، وحقّ لا يعرضه بطلان، وهو الحيّ الذي لا يخالطه،موت، والقادر الذي لا يعجزه شيء، والعليم الذي لا يدب إليه جهل، والعزيز الذي لا ذلّ له.

وقد جمع عزّوجلّ النوعين من الوحدة في قوله تعالى: «وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّه مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللّه قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّه بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتٍ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ»(4)، ولأجل ذلك كلّه صارت الوحدة أُمّ الأسماء الحسنى والصفات العليا،كما ستعرف إن شاء اللّه تعالى.

ص: 96


1- سورة البقرة : الآية 163.
2- سورة الزخرف : الآية 9.
3- سورة الزمر : الآية 45.
4- سورة يونس : الآية 18.

ويمكن تعريف التوحيد حينئذٍ بأنّه عبارة عن كون الموجود له من صفات الكمال والتناهى عن الجلال بحيث لا يمكن أن يحدّه حدّ، ولا يصحّ فرض ثان له أبداً، فهو الحقّ الصرف الذي يملك كلّ شيء، وغيره الباطل الذي لا يملك لنفسه شيئاً.

التوحيد قبل الإسلام

عرفت أنّ التوحيد بالمعنى الذى ذكرناه لم يكن متحقّقاً عند آحاد أفراد الإنسان قبل نزول القرآن، إلّا ما كان عند الأنبياء والمرسلين والمؤمنين بهم حقّ الإيمان، الذين دعوا إلى التوحيد في العبادة ونفى الشريك، وأمّا غيرهم فإنّ أقصى مراتب التوحيد عندهم هي الوحدة العدديّة التي عرفت أنّها المأنوس عندهم، والتي يمكن أن تتصوّر في أذهانهم، بعد، بعد ما كانت الفطرة تدعوهم إلى الوحدة والتوحيد في الإله، إلّا أنّ هذا النوع من التوحيد لم يسلم من شوائب الشرك لأجل أسباب عديدة ذكرنا بعضها فى ما تقدّم، فدخلت الثنويّة في العقيدة فأثبتوا تعدّد الإله، ولا تخلو الأقوام القديمة من آلهة متعدّدة جعلوها ربّ الأنواع، فاعتقدوا للريح إلهاً وللسماء إلها وللأرض إلهاً وللجمال إلها وللزواج إلها إلى غير ذلك من الآلهة، وقد يقع الصراع بين تلك الآلهة فتغضب ويحدث سفك الدماء في الأرض، ومارسوا طقوساً معينة لإرضائها، وقد يحدث الزواج بين إلهين، إلى غير ذلك من الخرافات التي نقل لنا التاريخ قسماً منها، وما تزال بعضاً منها موجودة حتّى الآن عند الوثنيّين في هذا العصر، وكان شأن الرسالات السماويّة إبطال تلك، وإرساء قواعد التوحيد الحقيقىّ عند الإنسان، وإبقاء نور الفطرة وقّاداً فيهم، وجاهدوا في هذا الأمر حقّ الجهاد، ولهم في ذلك أساليب متعدّدة، ذكر بعضها القرآن الكريم، ولكن الوثنيّة التي أنشبت أظفارها في النفوس لم تجعل أن تنفهّم

ص: 97

تلك الوحدة الحقيقيّة والتوحيد الواقعيّ حقّ الفهم، وربّما تظهر بوضوح على عقيدتهم، كما ظهرت على قوم موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو بين ظهرانيهم، قال اللّه تعالى حكاية عنهم لما عبروا البحر بقيادته (عَلَيهِ السَّلَامُ) فَرأوا عبادة الأصنام، فقالوا : «اجْعَل لَنَا إِلَها كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ»(1)، وقصّة عبادة العِجْل في اليهود معروفة كما حكاها القرآن الكريم بالتفصيل، فإذا كان هذا شأن القوم الذين فضّلهم اللّه تعالى ومنحهم الكرامة وأنعم عليهم أنواع النعم، فما بال غيرهم من الأقوال الذين لم يكونوا بهذه المرتبة من العلم والفهم، ثم إذا تجاوزنا من قوم موسى بن عمران إلى قوم عيسى فنراهم أسوء حالاً، فقد دخلت فيهم خرافة التثليث وجعلوا عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلهاً يعبدونه من دون اللّه، وغير ذلك من العقائد التي هي بحدّ ذاتها يحيطها الغموض والإبهام وقام الدليل على بطلانها، مازالت موجودة عندهم.

هذه حال الملل العقائديّة التي نزلت فيهم الرسالة والكتب الإلهيّة، وأمّا غيرها من الأُمم، فقد أثبتت الأبحاث التأريخيّة ثبوت الشرك، بل التثليث فيهم أيضاً، فهذه الديانة البرهمائيّة أصحابها قد اعتقدوا التثليث، وأنّ الربّ تجلّى عندهم في ثلاثة مظاهر، ثمّ انتقال ذلك إلى الديانة الهندوسيّة، وأمّا الفرس فقد اعتقدوا بالثنويّة وجعلوا لهم إلهين؛ إله الخير وإله الشرّ. وتبادلت الأقوام تلك الخرافات والعقائد الباطلة.

وأما الفلاسفة والحكماء والعلماء، فلم يسلم تفكيرهم من هذه الرواسب وإن بذلوا أقصى الجهد في إقصاء الشرك وإبعاد الإله عن صفات المخلوقين، إلّا أنّهم ما برحوا عن الوحدة العدديّة وما انفكّت أقوالهم عَنْها.

وأمّا العرب فهم كانوا على أقصى درجات الشرك والتعدّد، وقد عرفوا

ص: 98


1- سورة الأعراف : الآية.138

بالعناد واللّجاج، والمقاومة العنيفة مع عقيدة التوحيد التي نزل بها القرآن الكريم وبَسَط الكلام فيها، وأقام الأدلّة والبراهين التي امتازت بكونها بسيطة تخاطب الروح وتقبلها النفس، مع أنّ التوحيد من العقائد الرئيسة في حياة الإنسان، وله من الشموليّة والبسط ليشمل جميع الموجودات كلّها. فلابدّ من بيان التوحيد القرآنيّ وماورد في تفسيره في كلمات المعصومين (عَلَيهِم السَّلَامُ)، الذي بلغ القمة من الكمال، ووصل إلى أقصى درجات الشموخ ونهاية العرفان.

التوحيد في القرآن الكريم

لم يعهد في القرآن الكريم أن تكون عقيدة بهذه المثابة من الأهمّية، فقد بسط القول في التوحيد وفى أقسام الوحدة المحدودة، وأبطل التشريك بجميع مظاهره وبيّن أقسام الوحدة الحقيقيّة، مع ذكر الأدلّة والبراهين القويمة وبأساليب مختلفة، وقد جعل الإسلام شعاره الشهادة بالوحدانيّة اللّه تعالى، ونفي ما عداه من الآلهة، فقال الرسول الكريم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) كلمته المشهورة : «قولوا لا إله إلّا اللّه تفلحوا»، واذا راجعنا القرآن الكريم وجدنا أنّ هذا التهليل ورد فى أكثر من أربعين موضعاً منه.

ولمّا كانت هذه العقيدة لها من السموّ والرِّفعة من جهةٍ، والصعوبة في الفهم من جهة أُخرى، فقد اتّخذ أساليب معينة في تثبيت هذه العقيدة وإرساء أركانها في أذهان الناس، ابتداءً من حصر الآلهة فى إله واحد وتوجيه العباد إليه، فقال عزّ من قائل: «وَإِلَهُكُمْ إِلَهُ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمُ»(1).

وقال تعالى : «وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ»(2).

ص: 99


1- سورة البقرة : الآية 163.
2- سورة العنكبوت : الآية 46.

وقال تعالى : «قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ ممّا تُشْرِكُونَ»(1).

وقال تعالى : «وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ»(2).

وقد تقدّم قوله تعالى: «وَمَا مِنْ إِلَه إِلَّا إِلَهُ وَاحِدٌ» الذي فيه من الدِقّة في المعنى كما عرفت سابقاً، فراجع.

وغير ذلك من الآيات الشريفة التي تثبت إلهاً واحداً للعباد، وترفض الآلهة الكثيرة بشدّة، فقال تعالى : «ءإلهٌ مَعَ اللّه بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ»(3).

وقال تعالى : «ءإِلَهٌ مَعَ اللّه قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ»(4).

وقال تعالى : «أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللّه سُبْحَانَ اللّه عَمَّا يُشْرِكُونَ»(5).

وقال تعالى : «أنفكاً آلِهَةً دُونَ اللّه تُريدُونَ»(6).

وقال تعالى : «لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللّه لَفَسَدَتَا»(7).

ولقد أكّد القرآن الكريم في تعاليمه على إثبات الوحدة المطلقة، ونفي الوحدة العدديّة عن الإله العظيم جلّ جلاله، الذي له من العظمة والجلالة والقهاريّة ما يوجب قهر المحدوديّة الحاصلة من الوحدة العدديّة، التى لها من النسبة التي تفرضها عند ملاحظتها مع غيرها، فإنّ تلك الوحدة العدديّة، التي لها من النسبة التي تفرضها عند ملاحظتها مع غيرها، فإنّ تلك الوحدة العدديّة توجب عروض

ص: 100


1- سورة الأنعام: الآية 19.
2- سورة إبراهيم : الآية 52.
3- سورة النمل : الآية 61.
4- سورة النمل : الآية 64.
5- سورة الطور : الآية 43.
6- سورة الصافات: الآية 86.
7- سورة الأنبياء : الآية.22.

الكثرة العدديّة، وهو عزّ وجلّ منزّه عنها مطلقاً، فهو القاهر الذي لا يقهره مَن سواه، والغالب الذي لا يغلبه شيء، فلا يمكن سلب تلك الوحدة عنه. وهو منزّه عن النسبة والإضافة، فلا تعرض الكثرة العدديّة ولا الوحدة العدديّة، ولعلّه لذلك كانت الآيات التي تنفي الأرباب والآلهة المتعدّدة توصفه بالقهّاريّة بعد إثبات الوحدة المطلقة له، كقوله تعالى: «وَلَوْ أَرَادَ اللّه أَنْ يتّخذ وَلَداً لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللّه الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ»(1).

وقوله تعالى : «أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللّه الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ»(2).

وقوله تعالى : «قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهِ إِلَّا اللّه الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ»(3).

فإنّ سياقها يدلّ على إثبات الوحدة المطلقة، ونفي جميع أنحاء الوحدة المحدودة عنه، فإنّه القهّار الذي لا يقهر فى الذات والصفات والأفعال، فليس هو محدوداً في شيء، ثمّ إثبات الكمال المطلق له عزّ وجلّ، فهو كمال محض وخير محض، لا يجدّ لكماله حدّ، وتدلّ عليه تلك الآيات التي تصف اللّه بالصفات العليا وتحصر الكمال فيه، قال تعالى : «اللّه لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى»(4)، وقال تعالى : «هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ»(5)، وغيرها من الآيات التي تدلّ ظاهراً على أن كلّ كمال مفروض له، فهو المستغنى عن خلقه، وغيره محتاج إليه، كما قال تعالى : «وأَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللّه وَاللّه هُوَ الْغَنِيُّ »(6)، ثمّ لأجل عدم التناهي في جميع شؤونه

ص: 101


1- سورة الزمر : الآية 4.
2- سورة يوسف : الآية 39 - 40.
3- سورة ص : الآية 65.
4- سورة طه : الآية 8.
5- سورة غافر : الآية 65.
6- سورة فاطر: الآية 15.

عزّ وجلّ، وإثبات كلّ كمال اللّه تعالى كان محيطاً بما سواه إحاطة مطلقة، فلا يضرّه فقد المتناهي في شيء من شؤون كماله، فهو القائم بنفسه على نفسه، الشهيد عليه، المحيط به، ويستفاد ذلك من قوله تعالى: «أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ»(1)

وبعد ثبوت الكمال المطلق له عزّوجلّ، وأنّه المحيط بما سواه إحاطة واقعيّة لا يشوبها نقص، فكلّ ما يفرض بعد ذلك إنّما يكون محدوداً يشوبه شيء من النقص، صحّ للعقل حينئذٍ أن يفرض له الثاني، فصحّ عنده أن يتّصف بالكثرة بالنظر إلى نفسه، وإن كان ممتنعاً في الواقع، وليس كذلك اللّه تعالى، فهو واحدٌ لا بالوحدة العدديّة ولا غيرها من أقسام الوحدة المحدودة التي تلازم النقص ويشوبها الحرمان، ثمّ بعد إثبات الوحدة المطلقة له بحيث يحدّ بحدّ ولا يمكن فرض ثانٍ له أبداً، يبطل ما عداه من الآلهة وكلّ أنحاء الشرك.

ومما ذكرناه يبين حقيقة قوله تعالى : «إِنَّمَا اللّه إِلَهُ وَاحِدٌ»(2)، أي أنّ الإله لابدّ أن يكون واحداً، جامعاً لصفات الكمال، وهو منحصر في اللّه الواحد الأحد. ويدلّ على ذلك ما نقل عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) من خطبة له، قال : «ليس له حدّ ينتهى اللّه إلى حَدِّه، ولا له مثل فتعرف له مثل»، فإنّه بعد نفى الحدّ عنه وإثبات الكمال المحض له عزّوجلّ يلازمه نفى المثل له.

وبعد تحقق ذلك وبيان تلك المراحل الدقيقة فى إثبات الوحدة المطلقة له عزّ وجلّ، ينتهى إلى إثبات الأحديّة اللّه تعالى، الذي ينفى فرض التعدّد مطلقاً عنه، فقال تعالى : «قُلْ هُوَ اللّه أَحَدٌ اللّه الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ» فإنّه بعد التدرّج في تلك المراحل التي ذكرناها، ووضوح الأمر في التوحيد نوعاً

ص: 102


1- سورة فصلت : الآية 53 - 54.
2- سورة النساء : الآية171.

مّا، اقتضى المقام استعمال أُسلوب جديد لا يحتاج إلى النفي ولا التقيّيد، ولا غير ذلك ممّا استعمل سابقاً في إثبات التوحيد اللّه تعالى، وهو استعمال الأحد في هذه السورة المباركة في أُسلوب الإثبات، وتعقيبه بما يرفع الحدّ عنه عزّ وجلّ: ليفيد أنّ هويته متمحضة في التوحيد، بحيث يدفع فرض مَن يماثله أبداً، سواء أكان في العقل أم الوهم أم الخارج، وله من البساطة والتجرّد ما لم يمكن فرض التركّب فيه بوجه من الوجوه، والأحد والواحد وإن كانا يشتركان في الدلالة على الوحدانيّة، إلّا أنّ الأحد يمتاز عن الواحد بأنّ الأوّل يدلّ على المتفرّد بالذات والمعنى، والواحد يدلّ على المتفرّد بالذات فقط، وأنّ الواحد يدخل في الضرب والعدد ويمتنع دخول الأحد في ذلك، فإنّه إذا قيل : «ما جاءني أحد»، ينفى به أن يكون قد جاء الواحد والاثنان والأكثر، ولم يخرج عن حكمه عدد ولم يشذ منه شاذّ.

ثم بعد إثبات التوحيد الكامل التامّ له عزّوجلّ، وصفه اللّه تعالى في هذه السورة بأنّه صمد، أي السيّد المطاع الذي يُقصد في قضاء الحاجات، أي الجامع لكلّ خير متعقّل، أو أنّه المصمت الذي لا جوف له، ولا مكاناً خالياً منه، ولا فيه صفة من صفات الممكنات، ثانياً بأنّه لم يلد، وثالثاً بأنه لم يولد، ورابعاً بأنّه لم يكن له كفواً أحد، وكلّ واحد منها ينفي نوعاً من المحدودية والانعزال.

ويشير إلى ذلك قول أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «وأمّا الوجهان اللذان يثبتان فيه فقول القائل : هو واحدٌ ليس له في الأشياء شبه، أنّه عزّ وجلّ أحد المعنى لا ينتظم في وجود ولا عقل ولا وهم»، وسيأتي في محلّه تفسير هذه السورة المباركة إن شاء اللّه تعالى.

ومن جميع ذلك يظهر أنّ التوحيد القرآنيّ قد وصل من الكمال ما لم يصل في غيره من الأديان والأفكار، وإن كان فيه من الدقّة التي لابدّ من الرجوع إلى كلمات المعصومين في توضيح المراد. ولا يفوتنا التنويه إلى أنّ ما يقال في ذلك

ص: 103

هو قاصر عن درك الحقيقة، فإنّ كل ما يتصوّر من المعانى الكماليّة هي أوصاف محدودة ولا تقع عليه عزّوجلّ حقّ الوقوع. قال تعالى : «سُبْحَانَ اللّه عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبَادَ اللّه الْمُخْلَصِينَ»(1)، وهم معادن الوحى والعلم. وكفى أن يكون القول محدوداً ولا يمكن إحاطة المحدود لغير المحدود، ولا يسعنا إلّا الاعتراف بالعجز أمام عظمته وكبريائه، ولا نقول إلّا ما قاله الرسول الكريم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) في كلمته المعروفة التي تعتبر من جوامع كلماته : «لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك».

الدليل على التوحيد

ذكر العلماء ولا سيّما الحكماء المتألّهون والفلاسفة الشامخون، أدلّة كثيرة لإثبات الوحدانيّة الكبرى اللّه عزّوجلّ، تشترك جميعها في الغموض والإبهام، وهذا هو شأنهم فى كثير من المعارف الربوبيّة، فإنّهم و إن أخذوها من القرآن الكريم، ولطائف عباراته، ودقائق كلماته المباركة، وما ورد عن الأئمّة المعصومين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، إلّا أنّ صياغتها في عباراتهم أو جبت غموضها وبعدها عن الفهم العرفيّ، مع أنّ البراهين والأدلّة التي وردت في القرآن الكريم امتازت بالوضوح والرجوع إلى فطرة المستقيمة، وقد ذكرنا في الآيات السابقة أنّ ما ورد فيها كان ممّا يدركه الفهم البسيط والعقل الساذج، ونحن نذكر تلك الأدلّة القرآنيّة بما ورد في تفسيرها في كلمات المعصومين وهي على وجوه :

الأول : برهان الإمكان الذي يدلّ على أنّ ما سواه عزّوجلّ ممكن يحتاج في وجوده إلى علّة، وأنّ الموجودات الإمكانيّة وما يتبعها من الأفعال والآثار مخلوقات اللّه سبحانه وتعالى، والممكن فقير بذاته ولا يمكنه الاستغناء عن اللّه الذي هو غني في ذاته وفعله، والفقير الفاقد لكلّ شيء واجد في ظل خالقه

ص: 104


1- سورة الصافات: الآية 159 - 160.

وحينئذٍ يكون كلّ أثر وفعل مستنداً إلى اللّه تعالى، فيعلم أن هناك خالقاً واحداً واجباً غنيّاً بذاته.

وأمّا غيره، فاذا كان واحداً لشيء، فهو بإقدار منه سبحانه وإذنه ومشيئته، ويدلّ على ذلك قوله تعالى : «مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ» وقد تقدّم تفسيره، فراجع.

وقوله تعالى: «قُلْ اللّه خَالِقُ كُلّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ»(1).

وقوله تعالى : «ذَلِكُمْ اللّه رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ»(2).

فالإمكان بحدّ نفسه ينافي الأُلوهيّة المبنية على الوجوب والإستغناء والتوحّد في جميع الشؤون. وهذا البرهان ينفى كلّ معبود سواه عزّوجلّ أيضاً.

الثاني : برهان الحاجّة، أي أنّ كل مَن كان محتاجاً بوجه من الوجوه، ينافي أن يكون إلهاً؛ لأنّه يجري على سبيل الحاجة والإفتقار، وهو ينافي الوحدة فلا يمكن أن يكون إلها الذي يجب أن يكون واحداً غنيّاً بذاته، ويدلّ على ذلك قوله تعالى: «مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ»، فإنّ ما ورد فيه من صفاتها، إنّما هو على سبيل الحاجة والافتقار من دون أن يكونا ربّين.

واحتياج المخلوقات إلى اللّه تعالى أمر يقرّبه العقل والنقل، فإنّ الإمكان قرين الحاجة والإفتقار، وإنّ المخلوق يحتاج إلى ربّ يدبّر أمره ويرعى شؤونه، فإنّ الحاجة التي اقتضت وجوده تقتضي أيضاً إلى رعاية شؤونه، فالمربوب كما هو محتاج في وجوده محتاج إلى إدامة وجوده وجميع شؤونه، وقد تقدم في قوله

ص: 105


1- سورة الرعد : الآية 16.
2- سورة الأنعام: الآية 102.

تعالى «بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ» بعض الكلام، فراجع.

ويتجلى ذلك بوضوح في قوله تعالى: «أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللّه رَبُّ الْعَالَمِينَ»(1)، فإنّه يدلّ على التوحيد في الخلق والتوحيد في الربوبيّة، ويدلّ على ذلك قوله تعالى : «لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللّه لَفَسَدَنَا فَسُبْحَانَ اللّه رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ»(2).

وقد ورد عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) جواباً عن سؤال هشام بن الحَكَم عن الدليل على أنّ اللّه واحد ؟ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «اتصال التدبير وتمام الصنع كما قال اللّه عزّوجلّ : «لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللّه لَفَسَدَنَا»»، فإنّ حاجة الخلق إلى مدبّر وانتظام تدبيره ووحدة صنعه يدلّ على أن المدبّر،واحد قال اللّه تعالى: «وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهِ إِذا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهِ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللّه عَمَّا يَصِفُونَ»(3)، ومن هنا كان نفى الأرباب موافقاً للفطرة التي تدعو إلى الوحدة في اللّه الغني وتشتّت المحتاجين وتفرّقهم، قال تعالى : «أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللّه الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ»(4).

الثالث : أنّ الذي يمكن أن يتّخذ إلهاً لابدّ أن يكون مالكاً لأمر نفسه، يدفع عمّن يتّخذه ربّاً الضرّ ويجلب إليه النفع، وهذا ممّا يملكه اللّه تعالى وحده دون غيره، وحينئذٍ تنتفى الحاجة من عبادة غير اللّه، وهذا أمر يدركه العقل بأدنى روية. وما سواه لا يملك لنفسه شيئاً عند نفسه إلّا بإقدار من اللّه تعالى وإذنه ومشيئته، كما يدلّ عليه قوله تعالى : «إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّه عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ

ص: 106


1- سورة الأعراف : الآية 54.
2- سورة الأنبياء : الآية 22.
3- سورة المؤمنون : الآية 91.
4- سورة يوسف : الآية 39.

فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدِ يَبْطِشُونَ بهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بهَا قُلْ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِي فَلَا تُنظِرُونِ»(1)، فإنّ الآية الكريمة تنفي جميع ما ينسب إليهم من شؤون وجودهم، وإنّ الذي منحهم تلك أحرى بأن يتّخذ إلها، فهو اللّه الواحد الأحد الغني عن خلقه وهم محتاجون إليه، ولأجل ذلك ورد النهي عن اتّخاذ الأرباب من دون اللّه، قال عزّوجلّ : «وَلَا يتّخذ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللّه»(2)، فإنّه خلاف الفطرة الداعية إلى أن يكون الربّ واحداً.

الرابع : أنّ الإله بما هو إله المتخذ معبوداً ربّاً لابدّ أن يكون إلهاً واحداً، مع قطع النظر عن العناوين الأُخرى التي ذكرناها، ممّا يوجب الوحدة الحقّة الحقيقيّة، ولعلّه هذا هو المراد من قوله تعالى : «إِنَّمَا اللّه إِلَهُ وَاحِدٌ».

ولو فرض التعدّد في الآلهة استلزم الخلف، وهذا الدليل وإن كان له غموض نوعاً ما، إلّا أنّه حدث لأجل شوب الإيمان بالشبهات وأُنس النفس بالمادة، وإن تجرّد الإنسانُ عن ذلك وتصوّر معنى الإله بحدّ نفسه، لأذعن أنّ الإله يجب أن يكون واحداً، وهو اللّه تعالى، فإنّه الحقّ المطلق بجميع شؤونه، وإنّ وجوده طارد لكلّ تعدديّة في النسب والإضافات، التي هي عدم بالنسبة إلى وجوده العظيم، قال تعالى : «ذَلِكَ بِأَنَّ اللّه هُوَ الحقّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللّه هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ»(3). وهناك أدلّة أُخرى على وحدانيّة اللّه تعالى وقد ذكرها الإلهيّون في كتبهم، وكلّها مستمدّة من كلمات مولانا الإمام الأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، والأُمّة عيال عليه،

ص: 107


1- سورة الأعراف : الآية 194 - 195.
2- سورة آل عمران : الآية 64.
3- سورة الحج : الآية 62.
ذكر كلمات المعصومين في بيان التوحيد

قد أخذت التوحيد من علمه صلوات اللّه عليه، ونحن نذكر جملة ممّا نقل عنه والذي أبدع فيه، ففي نهج البلاغه، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) :

«أوّل الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده، وكمال توحيده الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفى الصفات عنه؛ لشهادة كلّ صفة أنها غير الموصوف، وشهادة كلّ موصوف أنّه غير الصفة، فمَن وصف اللّه فقد قرنه، ومَن قرنه فقد ثنّاه، ومَن ثنّاه فقد جزّأه، ومَن جزّأه فقد جهله، ومَن جهله فقد أشار إليه، ومَن أشار إليه فقد حدّه، ومَن حدّه فقد عدّه».

وقد تضمّن هذا البيان البديع الذي هو فوق كلام المخلوق، إشارات دقيقة ومعان سامية، منها عينيّة الصفات والذات وهى برهان الوحدة، الذي يوجب تنزيهه تعالى عن سائر أنواع التركيب والتجزئة، ومنها أنّ المعرفة ركن من أركان الدين، بل من أهمّها، فمن لم يعرف اللّه فهو بعيد عن الدين، ومنها أنّ معرفته عزّ وجلّ تستدعي التصديق به عزّوجلّ، فإنّ المعرفة بدونه لا تتمّ ولا تكون كاملة، وقد بيّن (عَلَيهِ السَّلَامُ) في وجه ذلك أن إثبات الصفات تستلزم التعدديّة بين الصفة والموصوف، وأنّ الوحدة فيها تكون من الوحدة العدديّة التي تقدّم الكلام فيها، وقلنا إنّها تتوقف على التحديد والتركيب والحاجة غير الجائز عليه تعالى، فكمال معرفته يلازم نفى الوحدة العدديّة عنه وإثبات وحدة أُخرى، وهي اتّحاد الصفات والذات، الذي يستدعي تنزيهه سبحانه وتعالى عن التركيب والتجزئة ونفى الاحتياج، وهو التوحيد النزيه الجامع لكلّ صفات الكمال، وهو الخير المحض، ثمّ إنّ العلم يستدعى العمل ويكمل أحدهما الآخر، وأهمّ آثاره التصديق به عزّوجلّ، فإنّه ينبئ أن العارف قد أخذ المعروف صدقاً، وانبسط على جميع مظاهره، وخضعت له تعالى جميع جوارحه وجوانحه، ولا يتمّ هذا الخضوع إلّا بنفي الشريك والإعراض عن غيره، فيكون كمال التصديق به توحيده، الذي هو

ص: 108

على مراتب مختلفة، ولا يكمل إلّا بالإخلاص له، وإعطاء الأُلوهيّة حقّها من الإذعان به والخضوع له، ولا يتمّ ذلك إلّا بإثبات الكمال المطلق، فيخصّه بالخضوع له وعبادته حقّها، فيخلص له قولاً وعملاً واعتقاداً، بحيث يظهر على أعماله جميع آثاره، فتكون من كمال التوحيد والإخلاص له.

والإخلاص له عزّ وجلّ يستدعي الاعتراف بالعجز أمام عظمته وتنزيهه ممّا لا يليق بساحة كبريائه، فإنّ كلّ صفة ينسبها له تعالى، إنّما هي لا تخلو عن كونها محدودة؛ لأنّها لا تخرج عن المألوف بين آحاد أفراد الإنسان والمأنوس الممكن عندهم، التي تتّصف بالتدافع ولا تقبل الائتلاف والامتزاج، فإنّ كلّ مفهوم منها يخلو عن المفهوم الآخر، وهذا واضح فلا يمكن أن تنطبق مثل تلك الصفات عليه عزّ وجلّ، فلا محيص من اعتراف المخلص بالعجز ونقص الأوصاف التي يصفه بها ربّه فيقع في حَيْرةٍ واضطراب، فلابدّ حينئذٍ من نفى الصفات عنه، فيعتبر ذلك هو الكمال في الإخلاص، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «وكمال الإخلاص له نفى الصفات عنه؛ لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف، وشهادة كلّ موصوف أنّه غير الصفة»، فلا اثنينيّة هناك، بل وحدة مطلقة، ولا حدّ ولا عدّ له عزّوجلّ، فلابدّ من نفى الصفات عنه، فإنّ «مَن وصف اللّه فقد قرنه»؛ للمغايرة بين الصفة والموصوف، والجمع بينهما حينئذٍ يكون قرناً بينهما، ومَن قرنه فقد ثنّاه؛ للتغاير بين الوصف والموصوف، وهما اثنان، ومن ثنّاه فقد جزّأه إلى جزئين، ومَن جزّأه فقد جهله، فإنّه إشارة إليه والإشارة عقليّة، ومَن أشار إليه فقد حدّه؛ لانفصال المشار عن المشار إليه وايجاد البعد بينهما، ويرجع بالأخرة إلى أنّ الحدّ يستلزم العدّ، وهذا هو الذى بدأ به أوّلاً في كلامه، وهذا من الدقائق الذي لا يدركه إلّا مَن ألهمه اللّه تعالى الدقائق، ولا يمكن لأحدٍ درك عظمة الباري وكبريائه، وقد قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ابتداء خطبته : «الذي لا يدركه بُعدُ الهِمم، ولا يناله غوض الفطن، الذي ليس لصفته حدٌّ محدود، ولا نعتٌ

ص: 109

موجود، ولا وقتٌ معدود، ولا أجلٌ محدود».

وهذه الخطبة المباركة تدلّ على عينيّة الصفات والذات، كما سيأتى البحث عنها.

وفي «التوحيد» بأسناده عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : «بينا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يخطب على منبر الكوفة إذ قام إليه رجل يقال له : ذعلب، ذرب اللّسان، بليغ في الخطاب، شجاع القلب، فقال : يا أمير المؤمنين، هل رأيت ربّك؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ويلك ياذ علب، لم أكن أعبد ربّاً لم أره !! فقال : يا أمير المؤمنين، كيف رأيته ؟ قال : يا ذ علب! إنّ ربّي لطيف اللّطافة لا يوصف باللّطف، عظيم العظمة لا يوصف بالعِظم، وكبير الكبرياء لا يوصف بالكبر، جليل الجلالة لا يوصف بالغلظ، قبل كلّ شيء، لا يقال شيءٌ قبله، وبعد كلّ شيء، لا يقال له بعدٌ، شاء الأشياء لا بهمّة، درّاك لا بخديعة، هو في الأشياء غير متمازج بها ولا بائن عنها، ظاهر لا بتأويل المباشرة متجلٌّ لا باستهلال رؤية، بائن لا بمسافة قريبٌ لا بمداناة، لطيفٌ لا بتجسّم، موجودٌ لا بعد عدم، فاعلٌ لا باضطرار، مقدّرٌ لا بحركة، مريدٌ لا بهمامة، سميعٌ لا بآلة، بصيرٌ لا بأداة، لا تحوية الأماكن، ولا تصحبة الأوقات، ولا تحدّه الصفات ولا تأخذه السِّنات، سبق الأوقات كونه، والعدم وجوده، والابتداء أزله، بتشعيره المشاعر عُرف أن لا مشعر له، وبتجهيره الجواهر عُرف أن لا جوهر له، وبمضادته بين الأشياء عرف أن لا ضدّ له، وبمفارقته بين الأشياء عرف أن لا قرين له، ضاد النور بالظلمة، واليبس بالبلل والخشن باللّين والصرد بالحرور، مؤلّف بين متعادياتها، مفرّق بين متدانياتها، دالّة بتفريقها على مفرّقها، وتأليفها على مؤلّفها، وذلك قوله عزّوجلّ : «وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ»، ففرّق بها بين قبل وبعد؛ ليعلم أن لا قبل له ولا بعد شاهدة بغرائزها أن لا غريزة المغرزها، مخبرة بتوقيتها أن لا وقت لموقتها، حجب بعضها عن بعض ليعلم أن لا حجاب بينه

ص: 110

وبين خلقه غیر خلقه، كان ربّاً ولا مربوب، وإلهاً إذ لا مألوه، وعالماً إذ لا معلوم، وسميعاً إذ لا مسموع - الحديث».

أقول : هذا الحديث مشهور بين الخاصّة والعامّة، روي بأسانيد متعدّدة وألفاظ مختلفة، ومجموعه يدلّ على عينية الصفات وأحديّة الذات في جميع ما يصدق عليه ويتّصف به، فهو تعالى اللّامحدود وغير المتناهي، وهو المحيط بكلّ شيء، المهيمن على كلّ أمر، فلا تلحقه صفة تمتاز عن ذاته، فإنّ ذلك يستلزم محدوديته وانتفاء أزليته، ويستفاد أن كلّ وصف يوصف به عزّ وجلّ لابدّ أن يكون من الكمال والعظمة لا يكون لهما حدّ محدود، فلا يصحّ أن يتّصف بوصف يدفعه الغير أو يدفع الغير كما في أوصاف المخلوقين، فإنّ كلّ وصف فيهم كالعلم يدفع غير كالقدرة مثلاً، فبين تلك الأوصاف من المدافعة ما يثبت التناهي والمحدوديّة والتعدديّة فيها، وهو تعالى منزّه عن جميعها، فإنّ الصفات هناك متّحدة مع الذات، فهو عزّوجلّ أحدي الذات والمعنى، ولا يمكن أن يحدّها بحدّ، فإنّ كلّ ما هناك من الدقة والسموّ ما هو ألطف معنى وأبعد غوراً، فهو اللطيف لكن لا بالمقاييس المحدودة، وكذا بقية الأوصاف فإنّها وإن أخذت من المعاني المحدودة في الخارج، إلّا أنّ إطلاقها عليه عزّوجلّ لابدّ أن لا يكون على نحو يستلزم انعزال كلّ مفهوم عن الآخر، وانعزال الذات الخلق، وهو، وهو مفاد قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «لا تحدّه عن الصفات»، وهذا له من الدقّة التي تحيّر الإنسان اللبيب.

وقد تقدّم في خطبته المباركة السابقة : «وكمال الإخلاص له نفى الصفات عنه، فهو صلوات اللّه عليه يثبت الصفات له، وفي نفس الحال ينفيها عنه عزّوجلّ: لأنّ الإثبات يستلزم التحديد، ونفى الحدّ يستلزم إسقاطها، وهذا يعني اتّحاد الصفات وعينيّتها، ولا حدّ حينئذٍ، وهذا هو الذي يدور الحديث حوله.

وأمّا عن المفردات الواردة فهى تحتاج إلى الشرح والتفسير ولها موضع

ص: 111

آخر. ويستفاد من الحديث الشريف مجهوليّة الماهية التي هي مسألة معروفة في الفلسفة، فإنّ قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «وبتشعيره المشاعر عُرف أن لا مشعر له، وبتجهيره الجواهر عُرف أن لا جوهر له»، والسرّ في ذلك أنه لا يجوز أن يكون بعض أفراد الطبيعة الواحدة علّة لبعض آخر بالذات؛ لما ثبت في الحكمة المتعالية من امتناع ذلك، فجاعل الشيء يستحيل أن يكون مشاركاً مع مجعوله في الطبيعة الواحدة. ثمّ إنّ إفاضية اللّه تعالى الكمالات على عباده دليل على أنّه عزّوجلّ متّصف بها على الوجه الأتمّ الخالى من شوب النقصان؛ لأنّه دليل على الافتقار المنافي للأُلوهيّة والربوبيّة، فهو الواحد في الصفات والذات، لا تدركه العقول ولا تحيطه العلوم، وقد قال عزّوجلّ : «وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً»(1).

ثم مسألة عينيّة الصفات والذات من السمائل المهمّة الدقيقة التي دلّت عليها الأدلّة العقلية والنقليّة التي وردت عن الأئمّة الهداة، ولا سيّما ما ورد عن سيّد الموحّدين أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وتقدّم قوله في خطبته المباركة : «وكمال الإخلاص له نفى الصفات الزائدة عنه؛ لشهادة كلّ صفة أنها غير الموصوف، وشهادة كلّ موصوف أنّه غير الصفة، فمن وصف اللّه (بصفة زائدة على ذاته) فقد قرنه (أي قرن ذاته بشيء)، ومَن قرنه فقد ثنّاه، ومَن ثنّاه فقد جزّأه، ومن جزّأه فقد جهله (لم يعرفه فلم يوحده)»، وهو صريح في عينيّة الصفات مع الذات، والتي هي غاية التوحيد. وفي الحديث عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «لم يزل اللّه عزّوجلّ ربّنا والعلم ذاته ولا معلوم، والسمع ذاته ولا مسموع والبصر ذاته ولا مبصر، والقدرة ذاته ولا مقدور»، وهو يدلّ على أن لذاته من الكمال والجمال ما لا يخرج عن حيطة ذاته المقدّسة، والحديث وإن كان في قسم خاصّ من العلم، إلا أنه يشمل الصفات الأُخرى.

ص: 112


1- سورة طه : الآية 110.

ذلك يعرف بطلان نظرية الزيادة التي ذهب إليها الأشاعرة، ونظرية النيابة التي ذهب إليها المعتزلة، وشرح تلك المسائل يطلب من الكتب الفلسفيّة.

وفي النهج من خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «الحمد للّه الدالّ على وجوده بخلقه، وبمحدًث خلقه على أزليّته، وبأشتباههم على أن لا شًبه له لا يستلمه المشاعر، ولا يحجبه السواتر، لإفتراق الصانع والمصنوع، والحادّ والمحدود، والربّ والمربوب، الأحد لا بتأويل عدد، والخالق لا بمعنى حركة ونصب، والسميع لا بأداة، والبعيد لا بتفريق إله، والشاهد لا بحاسة، البائن لا بتراخى مسافة، والظاهر لا برؤية، والباطن لا بلطافة، بان من الأشياء بالقهر لها والقدرة عليها، وبانت الأشياء منه بالخضوع له والرجوع إليه، مًن وصفه فقد حدّه، ومًن حدّه فقد عدّه، ومَن عدّه فقد أبطل أزله».

أقول : الحديث يدلّ على أنّه تعالى أحدٌ لا بتأويل، وأنّ الصفات التى اتّصف بها غير محدودة بحدّ، فإنّ جميع ما يطلق عليه من المعاني و المعاني و الصفات المشهورة في الممكنات، هي أُمور محدودة قد خلقها اللّه تعالى وأوجدها وأفاضها على مخلوقاته فإذا كان الحدّ من صنعه، فكيف يطلق عليه، فهو تعالى منزّه عن كلّ حدّ يحدّه، وهو يستلزم أن يكون بائناً عن خلقه، لا بينونة عزلة وانفصال عن مخلوقاته، بل بمعنى قهره وقدرته عليهم وخضوعهم له، ومن ذلك يظهر أنّ الألفاظ المستعملة في المخلوقات إن استعملت في الخالق، فهو بضربٍ من التأويل وذلك واضح؛ لأنّ الألفاظ والاستعمال والمستعمل من الزمانيات، وكلّ ذلك من المحدود، واللّه تعالى منزّه عنها، فهو السرمديّ الذي نسبته إلى الزمان نسبة روح الروح، لأنّ الدهر روح الزمان، والسرمد روح الدهر، فالألفاظ المستعملة فيه عزّ وجلّ ومخلوقاته إنّما تكون بالاشتراك اللفظىّ، فتدبّر الأخبار الورادة عن الأئمّة الهداة سلام اللّه عليهم أجمعين تجد صدق ما ادّعيناه، وفي توحيد الصدوق

ص: 113

عن مولانا الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، في خبر طويل في بيان الصفات، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) عند بيان معنى السمع والبصر والقدرة : «فقد جمعنا الاسم واختلف المعنى»، ولعلّنا نتعرّض لذلك مستقبل الكلام إن شاء اللّه تعالى.

وكيف كان، فإنّ قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «ومَن وصفه فقد حدّه، ومَن حدّه فقد عدّه، ومَن عده فقد أبطل أزله»، يدلّ على التوحيد الذاتيّ وعينية الصفات مع الذات، وفيه إبطال الوحدة العدديّة؛ لأنّ إبطال الأزل يستلزم ذلك، فإنّ حقيقة الأزل فيه عزّ وجلّ عدم التناهي في الذّات والصفات والحدّ، لا أن يكون المراد من الأزل في الزمان، أى أنّه سابق على مخلوقاته تقدّماً زمانيّاً غير متناه، فإنّ ذلك من الخطأ كما هو معلوم.

فالأزل فيه عزّوجلّ أنّه غير مسبوق بشيء يتقدّم عليه، كما أنّ الأبد فيه باعتبار أنّه غير ملحوق بشيء يتأخّر عنه، وإذا اعتبر من الجانبين كان الدوام.

وفي الاحتجاج عن عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في خطبته : «دليله آياته، ووجوده إثباته، ومعرفته توحیده و توحیده تمیّیزه من خلقه، وحكم التمييز بينونة صفة، لا بينونة عزلة، إنّه ربُّ خالقٌ غير مربوب مخلوق، ما تصوّر فهو بخلافه... إلى أن قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ليس بإله مَن عرف نفسه، هو الدالّة بالدليل عليه، والمؤدّي بالمعرفة إليه».

أقول : هذه الخطبة المباركة تشتمل على بليغ البيان في بيان التوحيد ويحتاج إلى شرح طويل، فإنّه يدلّ على أنّ وجوده عين وحدته، كما أنّ معرفته إنّما تكون في وحدته، وهو ينفى كلّ المعانى التي ذكرناها في الوحدة المحدودة التي منها الوحدة العدديّة، فإنّها غير الذات التي تثبت الوحدة، فإذا كانت غيرها فيحتاج ثبوت الوحدة إلى أمر خارج عن الذات، وهذا خلف. وهذا المعنى غاية في الدقة، وهو يدلّ على ما ذكرناه في الدليل الرابع من أنّ الإله بكلّ ما يتصوّر من المعنى اللائق به يثبت الوحدة، فلا يحتاج إلى أمر خارج فتدبّر قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «ليس

ص: 114

بإله مَن عرف بنفسه، هو الدالّ بالدليل عليه، والمؤدّى بالمعرفة إليه»، فهو يدلّ على أنّه عزّ وجلّ في غاية الجلال والعظمة والكبرياء، فهو أجلّ من أن يتعلّق به معرفة وفهم وإدراك، فهو القهّار، وتعالى أن تحيط به معرفتنا، وهو الدليل الذي يدلّ على ذاته بذاته المقدّسة، فهو المحيط بذاته وعلى ما سواه، فكيف يمكن أن يهتدي الذي يحيط به عزّوجلّ إليه.

وفي المعاني بإسناده عن عليّ،(عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : «قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) : التوحيد ظاهره في باطنه، وباطنه في ظاهره ظاهره موصوف لا يرى، وباطنه موجود لا يخفى، يُطلب بكلّ مكان، ولم يخلُ عنه مكان طرفة عين، حاضرٌ غير محدود، وغائبٌ غير مفقود».

أقول : الحديث الشريف يدلّ على كونه عزّوجلّ غير محدود بحدّ والتوحيد الكامل التامّ، وعينية الذات والصفات، فإنّه لا تمايز وانعزال بين الظاهر والباطن، وتوصيف أحدهما دون الآخر. فإنّ كلّ واحد منهما ينعزل بالحدّ، فاذا ارتفع اتّحدا فكانت وحدة حقيقيّة واقعيّة، وكذلك الأمر في الظاهر الموصوف والباطن الموجود، فإنّه إنّما يخفى إذا كان محدوداً، فاذا اتّحدا لم يتجاوز كلّ منهما حدّه المعين.

والحاصل: إذا تحقّق الحدّ بين الذات والوصف والظاهر والباطن والحاضر والغائب، فإنّه يوجب الافتراق وينفي الاتّحاد، وأمّا إذا ارتفع الحدّ وانتفت المحدوديّة، اختلط الجميع واتّحدت وتحقّقت الوحدة الحقيقيّة بينها، فتكون جميعها حاضرة، ولكن مع حفظ كلّ منها شأنه المضروب له.

هذه بعض الأحاديث التي وردت في هذا المقام، وهي غيض من فيض ومن جميع الأخبار الواردة فى هذا الشأن نستفيد أنّ التوحيد الذي بيّنه القرآن الكريم، لم يصل إلى هذه المرتبة من الدقة والكمال والوضوح، ولم ينكشف

ص: 115

غطاؤه إلّا بما ورد عن إمام الموحّدين عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) خاصّة، فإنّه الذي کشف رموزه، ورفع الحجاب عن دقائقه، وأبان غموضه بأوضح برهان وأوضح سبيل وأتم وجه، وبأٌسلوب متين يفوق كلّ كلام سوى ما ورد في القرآن الكريم الذي يعتبر الإمام في هذا السبيل، فإنّهم (عَلَيهِ السَّلَامُ) بفكرهم الثاقب وفهمهم الوقّاد وما أفاض عليهم ربّ الأرباب، استفادوا ما ذكروه من تلك الدقائق القرآنية، وقد صرّح غيرهم من العلماء الإلهيّين والفلاسفة الشامخين، أنّهم استفادوا ممّا ورد فى كلماتهم، لا سيّما من كلام سيّد العرفاء وإمام الموحّدين علىّ بن أبي طالب وأولاده المعصومين (عَلَيهِم السَّلَامُ). والحقّ الذي ينبغى أن يقال إنه لو لا هم (عَلَيهِم السَّلَامُ) لما ظهرت هذه المسألة التي هي في غاية الدقّة بهذه الوضوح، بل بقيت على ذلك المعنى الذي ورد في الأديان الإلهيّة السابقة، التي كانت تدعوا إلى التوحيد في العبادة ونبذ الشرك والأنداد اللّه عزّوجلّ وتوجيه العباد إليه، حتّى نزل القرآن الكريم فكان ما بيّنه أوّل الخطوات في تعليم هذه المعرفة، وقد تلّقتها الأئمّة الهداة بالشرح والبسط والتفسير، وقد غفل غيرهم عنها وأهملوا هذا البحث الشريف. وعلماء الكلام وإن ذكروه في كتبهم، إلّا أنّهم لم يأتوا بشيء سوى ما يلوح من كلماتهم من الوحدة العدديّة التي ذكرنا أنّ القرآن الكريم ينفيها، ويثبت وحدة حقّة حقيقيّة واقعيّة، ونكتفى بما ذكرناه من الروايات والتفصيل يطلب من الكتب المعدّة لذلك.

وختاماً نذكّر دعاء الإمام سيّد الساجدين علىّ بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في صحيفته المباركة، الذي يبيّن فيه التوحيد الحقيقيّ، ويشرحه بأتمّ وجه، ويذكر آثاره على المخلوقات. قال : «أنت اللّه لا إله إلّا أنت الأحد المتوحّد الفرد المتفرّد، وأنت اللّه لا إله إلّا أنت الكريم المتكرّم، العظيم المتعظّم، الكبير المتكبّر، وأنت اللّه لا إله إلّا أنت العليّ

ص: 116

المتعال الشديد المحال، وأنت اللّه لا إله إلّا أنت الرحمن الرحيم العليم الحكيم، وأنت اللّه لا إله إلّا أنت السميع البصير القديم الخبير، وأنت اللّه لا إله إلّا أنت الكريم الأكرام الدائم الأدوم، وأنت اللّه لا إله إلّا أنت الأوّل قبل كلّ أحد، والآخر بعد كلّ عدد، وأنت اللّه لا إله إلّا أنت الداني في علوه والعالي في دنوه، وأنت اللّه لا إله إلّا أنت ذو البهاء والمجد والكبرياء والحمد، وأنت اللّه لا إله إلّا أنت أنشأت الأشياء مع غير سنخ، وصوّرت ما صوّرت من غير مثال، وابتدعت المبتدعات بلا احتذاء...».

أقول : بيّن (عَلَيهِ السَّلَامُ) الصفات الواحد الأحد واتّحادها مع الذات بالوحدة الحقّة الحقيقيّة، فهو الأحد المتوحد الفرد المتفرّد في غاية الكمال والكبرياء ولا نظير له ولا مثيل، فهو أحديّ الذات، المتوحد في الصفات الكماليّة التي أوجبت توحيده عزّوجلّ، ثمّ كشف عن عظيم أثر التوحيد في المخلوقات ومدى تعلّقها به، وقد تقدّم شرح مفردات الدعاء فى ما تقدّم، فراجع.

ولم نذكر كلمات الآلهيّيين فى المقام، لأنّ ما تشتمل منها على شيء قويم إنّما هو مأخوذ من كلمات الأئمّة الهداة الواردة في شرح القرآن الكريم وتفسيره، كما صرّح جمع منهم بذلك، فلا حاجة إلى ذكرها حينئذٍ، واللّه العالم.

مظاهر التوحيد

ذكرنا أنّ التوحيد الحقّ الذى بيّنه إمام الموحّدين على بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، هو الوحدة التامة الكاملة التى لا تقبل التأويل والتنظير والتمثيل، فهو أحديّ الذات وأحديّ الصفات، لا تفاوت بينهما له من الكبرياء والعظمة والجمال والقهّارية، ما لا يمكن دركها بوجه من الوجوه، وإلّا كان محدوداً مقهوراً، وهو خلاف ما عليه من القهّارية المطلقة، والإحاطة التامّة الكاملة غير المحدودة كما عرفت آنفاً.

ص: 117

فالوحدة فيه عزّوجلّ لا تقبل التعدّد لها من البساطة واللّطافة ما لا تقبل التركّب، فكانت الذات عين الصفات ومتّحدة مع الذات، إلّا أنه بلحاظ الآثار والمتعلّق والتجلّيات يمكن تقسيمها إلى وجوه :

الأوّل : التوحيد في الذات، وقد فسّره العلماء بمعنيين :

أحدهما: أنّه واحد بمعنى أنّه لا مثيل له ولا نظير.

وثانيهما: بمعنى أنّه بسيط لا جزء له.

وقد أشار سبحانه وتعالى اليهما في سورة الإخلاص : «قُلْ هُوَ اللّه أَحَدٌ»، أي بسيط لا جزء له، وقوله تعالى فى ختامها : «وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ»، أى لا ثانى له، فهو تعالى «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ»، وهذه الوحدة تسمّى بالوحدة الحقيقيّة عند العلماء، أي كون الموجود لا يقبل الإثنينيّة ولا التكرّر ولا التكثّر، كما قال تعالى: «وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ». وقد تقدّم قول أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «معنى هو واحد أنّه لا ينقسم في وجود، ولا عقل، ولا وهم، وكذلك ربّنا عزّ وجلّ»، وسبق له تعالى: «وَمَا مِنْ إِلَهِ إِلَّا إِلَهُ وَاحِدٌ» الدالّ على نفي الشريك والنظير والشبيه والمثيل.

الثاني : التوحيد في الصفات بمعنى عينيّة الصفات والذات واتّحادها، فإنه لا ريب في أنّه عزّوجلّ جامعٌ لجميع الكمالات الواقعية، ويتّصف بصفات الكمال والجمال، لكن لا على وجه اتّصاف المخلوقين ببعض الصفات، فإنّها زائدة على ذاتها، بمعنى أن هناك عَرَضاً وذاتاً معروضاً، ينتزع من اتّصاف الذات بالعرض عنوان العالم والقادر وغير ذلك مَن الصفات العارضة، فالعالم مًن له العلم والقادر مَن له القدرة، فيكون الواقع في التوصيف هي البينونة، ويستحيل اتّصاف اللّه تعالى بالأوصاف كذلك، فإنّه يستلزم تعدّد القدماء. وهو المحذور الذي وقع فيه الأشاعرة، كما هو مفصّل فى علم الكلام، إلّا أنّ الحقّ كما عليه الإماميّة ودلّ

ص: 118

عليه العقل والنقل - هي عينيّة الصفات والذّات، بمعنى اتّحاد الذّات مع الصفات، والعَرَضيّة في الصفات ليست أمراً لازماً لها، بل قد يكون كذلك كما في صفات الحادث المخلوق، وقد تكون جوهراً كعلم النفس بذاتها، وثالثة فوق الجوهر والعرض، فتكون واجبة قائمة بنفسها، لا اثنينيّة بين الذات والصفات حتّى يستلزم التركّب، الذي هو قرين الحدوث والحاجة.

وقد دلّت الأدلّة العقليّة والنقليّة على ذلك، وتقدّم قول مولانا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «وكمال الإخلاص له نفي الصفات - (أي الزائدة) عنه، لشهادة كلّ صفة أنها غير الموصوف، وشهادة كلّ موصوف أنّه غير الصفة». وعن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «لم يزل اللّه جلّ وعزّ ربّنا والعلم ذاته ولا معلوم، والسمع ذاته ولا مسموع، والبصر ذاته ولا مبصر، والقدرة ذاته ولا مقدور». والحديث وارد في العلم الذاتي، ولعلّ قوله تعالى : «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ» يشير إلى ذلك، فإنّ إجراء الأوصاف عليه عزّوجلّ أمر خاص به، لا يكون له مثيل في هذا النحو من التوصيف.

ويمكن استفادة هذه النظرية من الدقائق القرآنية، ومن ذلك يعرف بطلان نظرية المعتزلة من نيابة الذات عن الصفات، ونظرية الأشاعرة من زيادة الصفات على الذات. وللتفصيل محلّ آخر.

الثالث : التوحيد في الخلق، أي كون الخالق هو اللّه تعالى، وأنّ كلّ ما سواه مخلوق مربوب له عزّوجلّ، فلا خالق حقيقة سواه سبحانه و تعالى، إلّا أنّ المخلوق تارةً يكون منسوباً إليه عزّوجلّ مباشرة، وأُخرى بالتسبيب، وهذا لا يضرّ في صحة إطلاق الخالق عليه عزّوجلّ وتوحده فيه. وهذا هو التوحيد في الخالقيّة وهو اللّه تعالى، وأنّ غيره إمّا أنّه غير خالق لشيء، أو خالق بإقدار منه عزّوجلّ وإذنه ومشيئته سبحانه، ويدلّ على ذلك مضافاً إلى العقل - الذي يحكم

ص: 119

بأنّ المخلوقيّة آية الحاجة إلى الخالق فى الذات والفعل والأثر، وهو الفقير بالذات، واللّه هو الغنى المطلق، فيكون الممكن الفقير واجداً في ظلّ خالقه في الذات والفعل والأثر - الدليل النقلي، وقد تقدّم قوله تعالى: «ذَلِكُمْ اللّه رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ»(1)، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّه عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللّه»(2).

وفى الحديث عن الإمام الجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ) حيث سئل عن معنى الواحد قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «إجماع الألسن عليه بالوحدانيّة»؛ لقوله تعالى : «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللّه»، فإنّ إجماع الألسن على كونهم مخلوقين مربوبين، كدليل على حاجتهم إلى الخلّاق العظيم الغني بذاته، المتوحّد في خلقه السماوات والأرض، وهذا لا ريب فيه، إنّما الكلام فى أنّ الخالقيّة المحصورة فيه عزّوجلّ تستدعي نسبة جميع الموجودات إليه، بحيث لا يكون مؤثّراً ولا خالقاً سواه، على نحو يستلزم سلب الإرادة والاختيار عن العبد، فإنّ ذلك يستلزم الجبر الذي ذهبت الأشاعرة إليه، فأنكرت قانون العليّة والمعلوليّة، والأسباب والمسبّبات، والتأثير والتأثّر بين الموجودات الإمكانية. وبالأخرى ذهبوا إلى أنّ الفاعل هو اللّه تعالى، والإنسان محلّ فعله عزّوجلّ و مجرّد آلة، واستندوا إلى ظواهر بعض الأدلّة التي إذا جمعناها نرى أنّها تدلّ بمجموعها على بطلان ذلك. وقد ذكرنا ما يتعلّق بمذاهب الجبر وفساد أدلّتهم في ما سبق من هذا الكتاب، وفي كتابنا «تهذيب الأصول»، فراجع.

وبإثبات التوحيد الخالقىّ اللّه عزّوجلّ ينفى الشرك في الخلق، وأنّ هناك خالقاً أو خالقين مستقلين مؤثّرين في العالم، والقائلون به كثيرون، منهم المفوّضة

ص: 120


1- سورة غافر : الآية 62.
2- سورة فاطر : الآية 3.

الذين يعتقدون بتفويض أفعال البشر إلى أنفسهم، فهم مستقلّون في خلق الأفعال وإيجادها من دون نسبة إلى الخالق العظيم سبحانه و تعالى، وهم في مقابلتهم للمُجْبِرة من الأشاعرة كانوا قطبين متضادين في تاريخ المسلمين، فالمُجْبِرة أرادوا من قولهم نفي الشرك عنه تعالى، فوقعوا في تعطيل البعث والتكليف وبطلانهما، كما أن القول في التفويض الذي أرادوا منه التنزيه يستلزم التعطيل والشرك. وكيف كان، فبطلان مذهبهم معروف، ذكرنا ما يتعلّق به في هذا الكتاب، فراجع.

ومنهم الثنويّة من الزرادشتيّة القائلون بإله الخير وإله الشرّ، وبطلانه أوضح من أن يخفى، وهناك مذاهب أُخرى عفى عليها الزمن، وأدلّة التوحيد في الخلق تبطلها جميعاً.

الرابع : التوحيد في الربوبيّة، بمعنى انحصار التدبير والربوبيّة العظمى فيه عزّ وجلّ، قال تعالى في سورة الفاتحة : «رَبِّ الْعَالَمِينَ»، والاعتقاد بخلاف ذلك يكون من الشرك الذي كان شائعاً بين الوثنيّين، فانهم وإن اعترفوا بأنّه ليس في الوجود إلّا خالق واحد وهو اللّه، كما حكى عزّوجلّ عنهم فى قوله : «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللّه»(1)، ولكنّهم كانوا يشركون في التدبير والربوبيّة، وتفويض تدبير الخلق إلى غيره، متحداً كان أو متعدّداً، واعتزاله عن الربوبيّة العظمى. وقد اختلفوا في المفوض إليه، فإنّ بعضهم كان يقول بأنّه الكواكب، وآخر الملائكة، وثالث الأرواح المقدّسة، ورابع أصنام وأوثان صنعوها بأيديهم بما هي مثال للآلهة، التي كانوا يعتقدون بها التي فوض إليها تدبير العالم، وغير ذلك، وغير ذلك من المذاهب التي تتّحد في التشريك في عالم

ص: 121


1- سورة لقمان : الآية 25.

التكوين. وهناك مذاهب يعتقد أصحابها بالشرك في عالم التشريع وجعل زمام التشريع بيد أشخاص، كما اعتقد اليهود والنصارى فى علمائهم من الأحبار والرهبان، فاتّخذوهم أرباباً من دون اللّه، قال تعالى : «اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللّه»(1)، فجعلوا اللّه شريكاً في التشريع، وهو يشترك مع سابقه في البطلان.

وقد دلّت الأدلّة العقليّة والنقليّة على بطلان الشرك في الربوبيّة والتدبير، سواء كان في عالم التكوين أم في عالم التشريع، وأنّ التوحيد يقتضى القول بأنّ الخير والشرّ وتدبير ما سواه تكويناً وتشريعاً بيده عزّوجلّ، ومنحصرة فيه ولا يملك غيره شيئاً، قال تعالى: «أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللّه رَبُّ الْعَالَمِينَ»(2).

وقال تعالى: «وَلَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللّه لَفَسَدَنَا فَسُبْحَانَ اللّه رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ»(3).

وقال تعالى: «وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللّه عَمَّا يَصِفُونَ»(4).

ويستفاد من ذلك أنّ وحدة النظام، ومجال الكون، وتمام الصنع وكماله، يدلّ على وحدة الخالق والمدبّر للعالم، وإلّا لذهب كلّ إله بما خلق، وفسدت السماوات والأرض، كما دلّ عليه قول الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «فلمّا رأينا الخلق منتظماً، والفَلَك جارياً، واختلاف اللّيل والنهار، والشمس والقمر، دلّ صحّة الأمر والتدبير وائتلاف الأمر على أن المدبّر واحد».

ص: 122


1- سورة التوبة : الآية31.
2- سورة الأعراف : الآية 54.
3- سورة الأنبياء : الآية 22.
4- سورة المؤمنون : الآية 91.

وهذه الأدلّة وإن اقتضت كون الخالق والمدبّر واحداً، وانحصار التدبير فيه عزّ وجلّ استقلالاً، لا ينافي أن يفوّض التدبير إلى بعض مخلوقاته، كما قال تعالى : «فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً»(1)، وقال تعالى : «وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةٌ»(2)، وقد ثبت أنّ الملائكة وسائط فيضه عزّ وجلّ، كذلك الأنبياء والمرسلون وسائط التشريع، والتفصيل في محلّه.

الخامس : التوحيد في العبادة وما يتبعها من المغفرة والشفاعة، الذي اتّفق عليها جميع الإلهيّين، وأنّ الموحّد لا يطلق إلّا على مَن خصّ العبادة باللّه وحده، وإلّا لا يكون موحّداً ولا مسلماً، وقد صرّح بذلك القرآن الكريم، قال تعالى : «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ»، وأنّ الدعوة إلى التوحيد في العبادة هي الغاية من بعث الأنبياء والمرسلين (عَلَيهِم السَّلَامُ)، قال تعالى : «وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ أُعْبُدُوا اللّه وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ»(3)، وقد ذكرنا أنّ التوحيد في العبادة هو أهمّ مظاهر التوحيد في الأُمم السابقة، وقد أمر اللّه عباده بعبادته : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ»(4)، بل جعل تعالى العبوديّة شعار جميع الموجودات الشاعرة، قال تعالى : «وإِنْ كُلَّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِ الرَّحْمَنِ عَبْداً»(5)، و تقدّم في سورة الفاتحة معنى العبادة وانحصارها في اللّه تعالى.

وأمّا المشركون الذين اتّخذوا آلهة لعبادتهم، فقد اختلفوا في اعتقادهم، فبعضهم كانوا يجعلون لمعبوداتهم الاستقلال في التصرّف والشؤون، كما عرفت.

ص: 123


1- سورة النازعات : الآية 5.
2- سورة الأنعام: الآية 61.
3- سورة النحل : الآية 36.
4- سورة البقرة : الآية.21.
5- سورة مريم : الآية 93.

والبعض الآخر اتّخذوها شفعاء عند اللّه، ويطلبون المغفرة عندهم، كما قال تعالى : «وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّه مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللّه»(1)، وقال تعالى حكاية عنهم : «مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللّه زُلْفَى»(2).

والآيات الشريفة تدلّ على أنّ المشركين إنّما اتّخذوا آلهة وأرباباً ليعبدوهم بالخضوع والتذلّل والتعظيم لها، ونسبوا إليها ما يختصّ به اللّه عزّوجلّ من الشؤون الإلهيّة والأفعال، وهذا هو الذي أكّد القرآن الكريم على بطلانه، وحصر العبوديّة في اللّه تعالى، ولكن ذلك لا ينافي الخضوع والتعظيم لغيره، لا باعتقاد أنّه إله، والعقل والنقل لا يبطله. وعلى ذلك يصح التوسّل بأولياء اللّه، والاستعانة بهم في قضاء الحوائج، وجعلهم شفعاء عند اللّه عزّوجلّ، ومن عظيم حقهم يصح الاستحلاف والاستغاثة بهم والتبرّك بهم في حياتهم وبعد مماتهم، ونحو ذلك ممّا يشعر بالخضوع والتذلّل عندهم، لا بالاعتقاد أنّهم آلهة يستحقّون العبادة بحسب ذاتهم الذي نفاه عزّوجلّ عن غيره، والتفصيل يطلب من محلّه.

السادس : التوحيد في الطاعة الحاكميّة، اللّتين هما من شؤون ربوبيّته العظمى، التي تقتضي توحيده في الطاعة والحاكميّة، بمعنى أنّ اللّه تعالى هو الربّ للموجودات الإمكانيّة ومنها الإنسان، الذي خلقهم من العدم، وأنعم عليهم بأنواع النعم، فهو المالك للوجود، وربّ الكون الذي منه الإنسان، وهو الذي يجب أن يُطاع دون سواه. والمراد من الطّاعة هي وضع الأُمور مواضعها التي يريدها اللّه تعالى ويرضاها، فهو المطاع بالذات، قال تعالى : «وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ»(3).

ص: 124


1- سورة يونس : الآية 18.
2- سورة الزمر : الآية 3
3- سورة البقرة : الآية 285.

ولكنّ الطاعة الذاتية الحقيقيّة اللّه تعالى لا تنفي أن يُطاع غيره بإذن اللّه منه، كما أمر عزّ وجلّ بإطاعة الرسل والأنبياء وأُولي الأمر والوالدين، قال تعالى: «وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّه»(1)، وقال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّه وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ»(2)، فإنّ طاعة جميع هؤلاء إنّما تكون من طاعة اللّه، فإنّه لو لا أمره لما كان لأحدٍ حقّ الطاعة على غيره، ويدلّ عليه قوله تعالى : «مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّه»(3).

نعم، تختلف مراتب الطاعة فى غيره عزّوجلّ، فإنها في اللّه تعالى تامّة من جميع الجهات، وفي غيره يتبع الدليل الذي يدلّ عليها، ففى الرسول تكون الطاعة في جميع جهات التشريع، والولاية التشريعيّة والقضاء وتنظيم النظام، وكذلك في أُولي الأمر الذين نصّبهم اللّه عَلَماً على عباده، فإنّ طاعتهم طاعة الرسول، وطاعة الرسول طاعة اللّه، والبحث مذكور في علم الكلام.

كما أنّ الربوبيّة العظمى له عزّوجلّ وانحصارها فيه يستلزمان توحيده في الحاكميّة، بمعنى ثبوت الحقّ المطلق له في التصرّف والتسلّط على ما سواه، وله الولاية الكاملة على الإنسان، ويكون مسلّطاً عليه بأنحاء التصرّفات. ولا تثبت مثل هذه الولاية لغيره عزّوجلّ، إذ الجميع أمام الخالق العظيم واحد، ويدلّ على ثبوت مثل هذه الحاكميّة المطلقة له عزّوجلّ مضافاً إلى الدليل العقلى الأدلّة النقليّة، قال تعالى : «لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ»(4)،

ص: 125


1- سورة النساء : الآية 64.
2- سورة النساء : الآية 59.
3- سورة النساء : الآية 80.
4- سورة القصص : الآية 70.

وقال تعالى : «أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ»(1).

وإطلاق الحكم يشمل حصر جميع أنواع الولاية التكوينيّة والتشريعيّة في اللّه تعالى، وقد تقدّم آنفاً أن حصر هذه الحاكميّة فيه وتوحيده عزّوجلّ فيها لا ينا في إثبات الولاية التشريعيّة أو التكوينيّة أو كليهما لغيره بإذن منه ورضاه عزّوجلّ، كما أثبتها لرسوله الكريم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ )، قال تعالى: «فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللّه»(2)، وهو وإن اختصّ التشريعيّ والإمرة والحكم لداود (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال تعالى : «وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّه الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ ممّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللّه النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الْأَرْضُ»(3).

فلا ريب في توحيده عزّوجلّ في الحاكميّة والطاعة، وثبوت هذا الحقّ له عزّوجلّ أوّلاً وبالذات، وإن كانتا تثبت لغيره بالعرض وبإذن منه ورضاه عزّوجلّ، على تفصيل في كيفية الثبوت وحدودهما كما عرفت.

ومن جميع ما ذكرناه يستفاد أنّ التوحيد الحقيقي هو الذي يشمل جميع مظاهره وتجلياته، وهو الوحدة الحقّة الحقيقيّة التامّة الكاملة الثابتة للذات الجامعة لجميع الكمالات الواقعيّة الحقيقيّة، فهو الفرد المتفرّد، والواحد المتوحّد، وقد تجلّى به عزّ وجلّ على جميع ما سواه، فأوجدهم برحمته، وأنعم عليهم بأنواع آلائه، وأسبغ عليهم من نعمه، أفاض عليهم بفيوضاته، فكان التوحيد منبع كلّ خير ورحمته، فاذا أراد الإنسان معرفته من ناحية مظاهره وتجلياته على المخلوقات أمكن دركه بآثاره، وإذا أراد معرفته من ناحية الواحد الأحد والذات المقدّسة فلا يمكن دركه، لقصور فهم المخلوق وعظمة الخالق ولطافته؛ ولذا كان التوحيد في

ص: 126


1- سورة الأنعام: الآية 62.
2- سورة المائدة : الآية 49.
3- سورة البقرة : الآية 251.

عين أنّه في غاية الدقّة فى غاية الوضوح، باعتبار الآثار والتجليات، كما قال أبو عبد اللّه الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «سبحانك أن يكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتّى يكون هو المظهر لك، متى غبت حتّى تحتاج إلى دليل يدلّ عليك، ومتى بَعُدت حتّى تحتاج إلى ما يوصلنا إليك، عَمِيَتْ عينٌ لا تراك وما تزال عليها رقيباً». ويختلف ذلك أيضاً باختلاف فهم الإنسان ومراتب مدركاته، ولأجل ذلك كان للتوحيد مراتب مختلفة، كما سنراه إن شاء اللّه تعالى.

مراتب التوحيد

عرفت معنى التوحيد الذى تدعوا إليه الفطرة، وقد ورد في تفسير قوله تعالى : «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّين حَنِيفاً فِطْرَةَ اللّه الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّه ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيْمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ»(1)، عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّه قال: «فطرهم على التوحيد»، وهذا التوحيد الفطريّ مبني على البساطة والخلوص من شوائب الأوهام، ويدعو الناس إلى التوجّه إلى اللّه تعالى الذي لا يحجبه عن خلقه سوى ضعف الخلق وفقرهم واحتياجهم إليه، كما في الحديث الشريف عن موسى بن جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «ليس بينه وبين خلقه حجاب غير خلقه». وهذا هو المراد ممّا ورد في خطبة سيّد الموحّدين أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «توحیده تمييزه عن خلقه، وحكم التمييز بينونة صفة لا بينونة عزلة». وهذا التوحيد هو الذي دعا الأنبياء والمرسلون في توجيه العباد إلى اللّه العزيز المتعال، ودعوتهم إلى الوحدانيّة ونبذ الشرك بجميع معانيه، التي كانت متفشية عند أُممهم كما عرفت، إلّا أنّ هذه الفطرة لم تبق على استقامتها وإن كانت تظهر في وقت الحاجة والاضطرار، وتدعو إلى اللّه الواحد القهار. قال تعالى : «وَإِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ

ص: 127


1- سورة الروم : الآية 30.

ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُوراً»(1). وقد أخذ كلّ فرد من آحاد الناس في حدود فهمه الذي آتاه اللّه عزّوجلّ - فإنّهم لم يخلقوا سواسية فى الفكر والعقل - يفسر التوحيد بحدود فهمه وحسب ما يراه ويدركه من المعاني، فظهرت مذاهب فيه، والقرآن الكريم بيّن الحقيقة الناصعة في هذا الأمر المهمّ بأحسن أسلوب وأتمّ بيان، وكان للأئمّة الهُداة صلوات اللّه عليهم، ولا سيّما سيّد الموحّدين منهم أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، الدور الكبير في شرح معناها وبيان خصوصيّاته، كما عرفت آنفاً. ولكن ظهور الشبهات وادّعاءات بعض العلماء ولا سيّما المتصوّفه منهم المكاشفات، وتنازع الفرق فيما بينهم، أوجب الغموض والبعد عن الحقيقة والابتعاد عن منبع النور وما ورد في كلمات حَمَلة الوحي وخزان العلم، فأثبتوا للتوحيد معان جديدة، وأوّلوه بتأويلات عديدة حتّى ظهرت وحدة الوجود، بل وحدة الوجود والموجود، الذي اعتبروه من أقصى درجات التوحيد وأكملها، حيث له مراتب و درجات، منها توحيد العوام وتوحيد الخواصّ، وتوحيد الصفات، وتوحيد الذات، وبعض كلماتهم و اعتقاداتهم يرجع إلى الكفر الصريح.

ونحن لا ننكر بأنّ للتوحيد مراتب حسب القرب والبعد عن اللّه تعالى، إلّا أنّ ما ذكروه يحتاج إلى شرح وتفسير، لاسيما وأنّ بعض القائلين بوحدة الوجود من أعاظم الحكماء المتألّهين والعرفاء الشامخين، فإن أمكن تأويلها بما يوافق الشرع، فنعم الوفاق، وإلّا فيرد العلم به إلى أهله إن لم تكن مخالفة لصريح الشرع المبين، وتفصيل الكلام موكول إلى محلّه إن شاء اللّه تعالى، وقد تقدّم في سورة البقرة بعض الكلام، فراجع.

***

ص: 128


1- سورة الإسراء : الآية 67.

سورة المائدة الآية 87 - 86

إشارة:

الآية 78 - 86

«لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْن مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرِ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79) تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللّه عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللّه وَالنَّبِي وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (81) لَتَجِدَنَّ أشدّ النَّاسِ عَدَاوَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مودّة لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسَيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ ممّا عَرَفُوا مِنَ الحقّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لَا تُؤْمِنُ بِاللّه وَمَا جَاءَنَا مِنَ الحقّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثَابَهُمْ اللّه بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا (84) وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ(86)».

الآيات الشريفة ترتبط بما سبقتها من الآيات التي أبطل عزّوجلّ فيها ألوهيّة المسيح وأُمّة الصديقة، وبيّن فيها أيضاً مثالب اليهود وشنائع أفعالهم وأقوالهم.

ص: 129

بيان أحوال اليهود وبعض الصفات السيّئة عندهم

وفي هذه الآيات الكريمة بين سبحانه و تعالى ما أوجب لعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم، وقد فعلوا المنكرات، وتولّوا أعداء اللّه، ثمّ حتهم على الإيمان باللّه والنبيّ وما أُنزل عليه، فإنّ ذلك يكون رادعاً عن كلّ معصية ارتكبوها، ولكن الفسق يمنعهم عن الدخول في الإيمان، وأنّ العداوة التي في قلوب اليهود أوجبت اشتراكهم مع المشركين فى هذه العداوة للمؤمنين، بخلاف النصارى الذين دخلت في قلوبهم الرهبة والرغبة في دخول الإسلام، فكانوا أقرب الناس مودّة للذين آمنوا، فإنّهم خضعوا للحقّ وتمكّن في قلوبهم لما سمعوا بعض ما أُنزل إلى الرسول، فآمنوا باللّه وطلبوا منه عزّ وجلّ أن يكتبهم من الشاهدين للحقّ وإن كانوا غائبين عن محضر الرسول، فاستجاب اللّه تعالى دعاءهم وأدخلهم مع القوم الصالحين، وجعلهم معهم في جنّات النعيم، وذلك جزاء المحسنين الذي يستجيبون للحقّ ويتركون العناد واللّجاج، ثم حذّر الذين كفروا وابتعدوا عن الحقّ وكذّبوه، فانهم من أصحاب الجحيم،، وبذلك جمع بين الترغيب والترهيب، والأمل والخوف اللّذين بهما يعيش الإنسان في هذه الحياة الدُّنيا. وقد ختم عزّوجلّ الآيات النازلة في شأن أهل الكتاب بذكر بعض أخلاق الطائفتين اليهود والنصارى بعد بيان ما اشتركتا فيه، وذكر بعض خصائص كلّ واحدة منها.

***

التفسير

قوله تعالى : «لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ».

بيان لشدّة غضبه عزّوجلّ على الذين كفروا من بنى إسرائيل ولم يؤمنوا بالنبيّ وما أُنزل إليه، واللعن هو البُعد عن الرحمة الإلهيّة التي لا يستغني عنها

ص: 130

المخلوق في حياته الماديّة والمعنويّة، ولعنهم إنّما كان من اللّه تعالى على لسان أنبيائهم، ولعلّه لأجل ذلك أتى الفعل بالمجهول، إمّا لبيان الكبرياء والعظمة، أو لأجل أنّ اللّه تعالى منبع كل خير ورحمة، وقد لعنا (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) مَن كفر من بني إسرائيل باللّه وواحدٍ من رسله. وفيه من التعريض لهم بأنّهم ملعونون على لسان أنبيائهم أنفسهم، وذلك لعصيانهم وتمرّدهم على الحقّ وأحكام اللّه تعالى، كما ذكره عزّوجلّ في ما يأتي. والآية تدلّ على أنّ اللّعن كان بلسانهم دون الكتابة واللّغة كما قيل، وهو أدلّ على تقبيحهم وبعدهم.

قوله تعالى : «ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ».

تأكيد لما سبق، وبيان السبب في استحقاقهم اللّعن، فإنه كان بسبب العصيان له عزّ وجلّ واستمرارهم على العدوان، والجمع بين صيغتى الماضى والمستقبل لبيان الامتداد والاستمرار الذي ذكرناه، والآية الشريفة تدلّ على أنّ اللّعن إنّما هو بحسب أعمالهم القبيحة، وتجاوز الحدّ في العصيان، واعتداء هم المتكرّر المستمرّ دون غيرهما.

قوله تعالى : «كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرِ فَعَلُوهُ».

بيان خصوصيّات العصيان والاعتداء المستمر، فإنّهم أصروا على ذلك غاية الإصرار ونهاية الاعتداء على حدود اللّه، وتجاوز الحدّ في العصيان والتناهي من التفاعل الدالّ على الشدّة في فعل المنكر وتماديهم فيهم، فهم جمعوا بين فعل المنكر والتجاهر به وعدم النهي عنه في ما بينهم، فكان لا ينهى بعضهم بعضاً ولا يتناهون عنه لو صدر منهم. والمنكر هو كلّ فعل منهى عنه. والجملة مفسّرة لما قبلها من المعصية والاعتداء ومفيدة لاستمرارها، والنهي عن المنكر ممّا لا في حُسْنه عقلاً ووجوبه شرعاً؛ لما فيه من حفظ الدين والمنع عن تجرؤ الفسّاق

ص: 131

على إظهار فسقهم وفجورهم، وإذا ترك سيتجرّأ الكثيرون على اقتراف المنكرات، ممّا يوجب شيوعها في المجتمع الذي سيؤول إلى الضياع والفساد. ويستحقّ الطرد من الرحمة الإلهيّة التي بها حياة الفرد والمجتمع، وقد ذكرنا ما يتعلّق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فراجع.

قوله تعالى : «لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ».

تعجيب من سؤء فعلهم، وتأكيد حاصل من القسم – لذّم ما كانوا يعملونه من المعاصي والآثام - وفي الآية الشريفة زجر شديد لمَن يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

قوله تعالى : «تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا».

تأكيد آخر لما سبق بالاستشهاد بالحسّ، وبذكر بعض أحوال الحاضرين التي هي من آثار فعل السلف، وسيرتهم الراسخة الدالّة على كونهم معتدين على دين اللّه، الذي إذا أحبّوه وقدّروه حقّ التقدير لتولّوا أهل التوحيد، وآمنوا باللّه ورسوله، ولما تولّوا أعداء اللّه من الذين كفروا، وهم مشركو قريش الذين عاندوا الحقّ،وقد ذكرنا سابقاً أن تولّي الكفّار يوجب الانخراط معهم والدخول في سلكهم، وذلك ينبئ عن ضعف العقيدة وعصيان اللّه والتمرّد على أحكامه.

قوله تعالى : «لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ».

ذمّ آخر مؤكّد لما قدّموه لأنفسهم، وهو تولّي الكفّار في الدُّنيا ليلقوا جزاءه ووباله في العقبى، وفي ذكر (أنفسهم) الدلالة على أنّ الولاية إنّما كانت عن هوى النفس وميولها الماديّة، لا عن عقيدة بمَن تولّوهم.

قوله تعالى : «أَنْ سَخِطَ اللّه عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ».

ص: 132

بيان للجزاء العظيم والوبال الكبير الذي استحقّوه، وفي الآية كمال الذّم والتسفيه لهم، أن وضع جزاء العمل وعاقبته موضع العمل، كأنّ أنفسهم قدّمت لهم جزاءه بتقديم نفسه.

وذكر الدخول في العذاب والخلود بعد استيلاء السخط عليهم لبيان أنّهم لا محيص لهم عن الدخول في العذاب، ولا يحيدون عنه مصرفاً؛ لأنّ النجاة منه إنّما يكون برضاء اللّه تعالى عنهم، وهم لم يعملوا إلّا ما أوجب سخطه ونقمته عليهم.

قوله تعالى: «وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللّه وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ».

بيان لسبب تولّى هؤلاء اليهود للذين كفروا، وهو عدم الإيمان باللّه وإعراضهم عمّا كانوا يقدّسونه ويحترمونه، فإنّهم لو كانوا كذلك لكانوا آمنوا باللّه والنبيّ، وما أُنزل إليه من الهدى والفرقان، ولما اتّخذوا أُولئك الكافرين من عبدة الأصنام والأوثان أولياء وأنصار، إلّا أنّهم أشباههم في الكفر فانجذبوا إليهم. بخلاف ما إذا كانوا مؤمنين، فإنّ الإيمان يقطع كلّ سبب سوى حبّ اللّه تعالى، ويكون رادعاً عن تولّى الذي كفروا قطعاً، ويحتمل أن يرجع الضمير إلى الذين كفروا، أي ولو كان الذين كفروا - وهم المشركون - يؤمنون باللّه وبالنبيّ محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) وما أُنزل إليه من الفرقان والهدى، لما اتّخذوا اليهود أولياء؛ لأنّ الإيمان فيهم يستدعي قطع الصلة عن تولّيهم، ولكنّ الظاهر هو المعنى الأوّل، بقرينة ذيل الآية الشريفة.

قوله تعالى : «وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ».

إضراب عمّا سبق، ولبيان العلة في عدم الإيمان؛ لأنّ الكثير من هؤلاء اليهود فسقوا عن الدين وخرجوا عن طاعة ربّ العالمين، ولا عبرة بالقليل، فإنّه

ص: 133

لا يؤثّر فى أخلاق الأُمّة وسيرتها.

تفصيل أخلاق الطائفتين اليهود والنصارى بالنسبة إلى أهل الايمان ودين الحقّ

قوله تعالى : «لَتَجِدَنَّ أشدّ النَّاسِ عَدَاوَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا».

تفصيل في أخلاق الطائفتين اليهود والنصارى بالنسبة إلى أصل الإيمان، بعد بیان اشتراكها في بعض الرذائل النفسانية، وذكر ما اختصّ به بعضهما كقول اليهود : «يَدُ اللّه مَغْلُولَةٌ»، وقول النصارى : «إِنَّ اللّه هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ»، والوجدان يتعدّى إلى مفعولين، وهما أشدّ واليهود.

وفى (لتجدن) تأكيدان : اللّام ونون التوكيد. والجملة عامّة تشمل الناس واليهود في عصر الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) والتنزيل وبعده أيضاً، كما هو المعروف والمحسوس، ولعلّه لهذا عبّر عزّوجلّ بقوله : «ولَتَجِدَنَّ»، الدالّ على الوجود المحسوس، وفي تقديم اليهود على الذين أشركوا إشعار في تقدّمهم عليهم في العداوة. وفي التعبير ب«الَّذِينَ أَشْرَكُوا» دون المشركين مع أنّه أخصر؛ للمبالغة في الذمّ. كما أنّ التعبير ب«الَّذِينَ آمَنُوا»، لأنّه أظهر في علية ما في حيّز الصلة، وعداوة اليهود والذين أشركوا معروفة منذ ظهور الإسلام إلى يومنا هذا، لأنّ الكلام سيق لبيان الضابط العامّ، كما في كثير من الآيات النازلة في شأنهم، فلا تختصّ الآية بعصر التنزيل كما ذكره بعض المفسّرين، وإنّما أشرك عزّ وجلّ اليهود والمشركين لتضاعف كفرهم و تمرّدهم على الحقّ،واستمرارهم على تكذيب الأنبياء ومعاداتهم وأنهما كهم في اتّباع الهوى، وكونهم على التقليد، وانفظاظ قلوبهم.

قوله تعالى : «وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مودّة لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى».

بيان لشدّة عطف النصارى ورقّة قلوبهم ولين جانبهم وحسن إقبالهم على الحقّ،فهم الذين قالوا : «نحن أنصار اللّه»، فكان ابتغاؤهم نصرة اللّه، فهم لم

ص: 134

يكافحوا الحقّ بالرد كما كافحه اليهود، ولعلّه لأجل ذلك لم يعبّر عزّوجلّ بالنصارى كما قال جل شأنه: «اليهود» لصلابتهم وامتناعهم عن الانقياد. وإنما ذكر عزّوجلّ : «أَقْرَبَهُمْ» دون غيره ولم يجعل جلّ شأنه ما به الاشتراك شيئاً واحداً قد تفاوتا فيه بالشدّة والضعف، كأن يقال : «لتجدن أبعد الناس مودّة»، أو أضعفهم مودّة، ونحو ذلك لبيان شدّة التفاوت بينهما، وكمال التباين بين الفريقين، فإنّ أحدهما في أقصى المراتب من أحد النقيضين، والآخر في أقرب النقيض الآخر.

المراد من القسيسين والرهبان

قوله تعالى : «ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ».

بيان السبب في كونهم أقرب مودّة للذين آمنوا، وقد ذكر عزّ وجلّ أموراً ثلاثة :

الأوّل : أنّ فيهم قسّيسين، وهم طائفة العلماء الذين يتولّون تعليم المسيحيّين وتربيتهم الدينيّة والرؤساء فيهم في هذا المجال، والقسّ والقسّيسين مأخوذ من تقسيس الشيء إذا تتبّعه، سمّي به لتتبّعه آثار العلم والمعاني، وهي رتبة دينيّة عند النصارى دون الأسقف، ولم يرد هذا اللفظ في القرآن الكريم إلّا هنا، ولابدّ أن يكون أصل إطلاقه على بعض العلماء منه حقّاً؛ لأنّ القرآن الكريم يذكرهم في مقام المدح له ثمّ انحرفوا، كما هو الشأن في كثير من الأُمور الدينيّة عند اليهود والنصارى.

ولعلّ السبب ما ذكره بعض العلماء أنّ النصارى ضيّعت الإنجيل وادخلوا فيه ما ليس فيه، وبقي من علمائهم واحد على الحقّ والاستقامة يقال له : قسيس، فمَن كان على هديه ودينه فهو قسيس.

وكيف كان، فهم علماء يذكّرون قومهم مقام الحقّ ومعارف الدين، ويرشدونهم إلى ما هو الأصلح لهم.

ص: 135

الثاني : الرهبان، وهو جمع الراهب، وهو المتبتّل المنقطع في الصومعة أو الدير للعبادة، وحرمان النفس من النعم الدنيويّة، كالزواج والولد ولذّات الطعام والزينة، وهو من الرهبة : أي المخالفة مع تحرّز، والترهّب التعبد، والرهبانيّة من فرط الرهبة غلو في تحمّل التعبّد، والرهبانيّة يكون جمعاً ويكون واحداً، وجمعه رهابين، كذا قيل.

والرهبنة دخلت في المسيحيّة لأسباب عديدة، ولا يمكن أن نتغاضى عن السبب الأهمّ، وهو أنّ الانقطاع عن العلائق الدنيويّة أمر مركوز في الإنسان، فقد يطغى الجانب الروحي في الإنسان ولأسباب معروفة، فيتبتّل للعبادة والطاعة وينقطع عن الدُّنيا وعلائقها وزخارفها، وقد يتغلّب الجانب الماديّ فيحدث الإقبال على الدُّنيا والإعراض عن الجانب الآخر، وهذه الرهبانيّة قد تكون ممدوحة إذا كانت مطابقة لروح الشريعة الإلهيّة وأحكامها، وقد تكون مذمومة إذا خالفتها، كما قال تعالى : «وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ». وفي الحديث : «لا رهبانية في الإسلام»، وقد ذكروا أسباباً عديدة لدخول الرهبانية في النصارى، بعضها لا تخلو من المناقشة، وإن كان لتعاليم المسيحيّة وإدراك بعض علمائهم بطلان هذا العالم وخداع مظهره الخلّاب، ووقوع بعض الاضطهاد عليهم في ابتداء أمرهم، وغير ذلك من الوجوه الأثر الكبير في دخولها فيهم، وقد مرّت عندهم بمراحل متعدّدة متطوّرة، بدءاً من الهروب من الناس إلى الاختلاء في الكهوف بقصد محاربة النفس والإكثار من العبادة والتأمّل مع المحافظة على الوحدة والتفرد، وبمرور الزمن كثر عددهم وصار عندهم نوع من العشرة والاجتماع بينهم بعد تعرّضهم إلى المخاطر، فبنيت له الصوامع فنشأت الأديرة وكثرت، ثمّ صار لها أسباب وقواعد، فأصبح الالتحاق بهذا السلك أمراً ليس بالهيّن.

ص: 136

وكيف كان، فالرهبانيّة الموجودة عندهم وإن كانت بدعة، ولكن لا ينافي تأثيرها في تقريب النصارى من مودّة المسلمين، ولما كان القساوسة والرهبان بكثرة في النصارى، بل صارت عقيدة وفكرة عندهم أوجبت نسبة المودّة إلى جنس النصارى.

الأمر الثالث : أنّهم لا يستكبرون أي بأنّهم لا يستكبرون عن اتّباع الحقّ والإذعان له لما فيهم من روح التواضع، حتّى صار شعارهم وأشهر آدابهم، وأمروا بمحبّة الأعداء.

صفات الرهبان والقسيسين

والآية الكريمة تدلّ على أنّ التواضع والإقبال على العلم والعمل والزهد في الدُّنيا والإعراض عن الشهوات محمودة أينما كانت، وأنّ اجتماعها في أي فرد يوجب الإذعان للحقّ، وذلك لأنّ الإنسان إذا أراد السعادة في الدارين، فلابدّ أن يتوخّاها في علم ليدرك به حقيقة الدين وأحكامه ومعارفه ليتمكّن من العمل بها، فإنّ العلم والعمل متلازمان، ولا ينفكّ أحدهما عن الآخر في نيل السعادة، وهما لا يتحقّقان إلّا مع إزالة الموانع من النفس، وأهمها الاستكبار عن الحقّ بجميع هيئاته المتمثّلة في العصبية والعادات والتقاليد الموروثة، والبيئة التي بعيش فيها، والتربية الفاسدة التي تربّى بها، كلّ تلك موانع وحجب تمنع النفس من العلم الحقّ وحقّ العمل، وهذا من الأمر المحسوس، وقد دلّت عليه البراهين العقليّة والفعليّة، فإنّ العصبية في النفس تمنع من الخضوع للحقّ والعلم به، كما أنّ العادات السيئة لها الأثر الكبير في باب الأعمال، فإنّ استقرارها في النفس لا يبقي لها فراغاً لأن تتفكّر في أمرها، أو تتدبّر في الخلاص منها، فهى مانعة من العمل الصالح، لا سيّما إذا استقرّت في المجتمع والمحيط الذي يعيش فيه الفرد، فحينئذٍ يصعب إزالتها و تركها، ولكن لا تصل إلى الامتناع كما هو المعلوم، فإنّ النفس وإن وقعت في الحرج والمشقّة فى ابتداء الأمر، إذا كان الفعل الصادر منها مخالفاً لتلك العادات،

ص: 137

إلّا أنّها تسهل إذا استمرّت عليها حتّى تصير عادات بالتكرار وتصبح طبيعيّة ثانويّة، فإن الطبائع عادات، ولها الأثر الكبير فى النفس والمجتمع في تصحيحها أو إفسادها، وحينئذٍ إذا علم الإنسان بالحقّ، ونزع العناد والّلجاج عن النفس فأذعن وخضع له، صار العلم داعياً للعمل وتقبل النفس إتيانه، ولا بدّ أن لا ننسى أنّ ما ذكرناه ممكن وواقع فى الخارج، وإن كان التلقّى لعمل يختلف شدّةً وضعفاً مع وجود الحواجب النفسانيّة كما عرفت، ولكنّ الأرضية الخصبة هي الإعراض عن الدُّنيا والزهد فيها، فإنّها تسهّل كثيراً للنفس ممارسة العمل الذي يدعو إليه العلم الحقّ.

و من كلّ ذلك يعلم أنّ الآية الشريفة تشير إلى حقيقة من الحقائق الاجتماعيّة، التي طالما اختلف فيها علماء الاجتماع والنفس، في العادات والتقاليد، ورواسب النفس التي لها الأثر الكبير في الفرد والمجتمع، وكيفيّة التخلّص منها، ومدى تأثيرها في الأجبال واختلاف القيم بسببها، والقرآن الكريم يرشدنا إلى أوضح السبل في الحدّ من تأثيرها، والتغلّب عليها ثمّ إزالتها، فالمجتمع إذا اشتمل على علماء يهتمّون بتربية الأفراد وتعليمهم، ورجال يمثّلون الجانب التطبيقيّ للعلم الحقّ،ليذعن عن العامّة بتطابق العلم مع العمل وإمكانه، حتّى مع وجود عادات سيئة متفشيّة بينهم فتعتاد على قبول الحقّ والخضوع له، وعدم الاستكبار إذا انكشف له الواقع، ولأجل ذلك كان النصارى أقرب مودّة للحق وأسلس قياداً لقبول الإسلام والإذعان له لوجود تلك الحقيقة فيهم، فإنّ منهم علماء لا يزالون يذكّرونهم الحقّ والدعوة إلى اللّه تعالى، ثمّ فيهم زهّاد يعرضون عمّا يوجب البعد عن السعادة، فكان من نتيجة التطابق بينهما أن أثّرت التربية الدينيّة والعمليّة فيهم، لأنّهم لا يستكبرون عن قبول الحقّ. وهذه الأُمور إذا تحقّقت في أيّ مجتمع كان أقرب إلى قبول دين الحقّ.

ص: 138

وهذا بخلاف اليهود الذين خلوا عنها، وقد وصفهم عزّوجلّ في مواضع عديدة من القرآن الكريم بأنّهم يستكبرون، وفيهم علماء لا يذعنون للحقّ، بل لا يَدعون رذيلة إلّا اقترفوها، فنشأ على ذلك مجتمعهم، واستحكمت فيهم عادات سيئة لا يمكن إزالتها بسهولة، ومن هنا يظهر سرّ قوله تعالى فيما سبق : «كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرِ فَعَلُوهُ»، فصاروا قرناء مع المشركين الذين فقد فيهم العلماء الزهاد وفيهم رذيلة الاستكبار، ولا ينفع وجود القلّة إذا كان الكثير منهم على ذلك، كما بيّنه القرآن الكريم، ولا سيّما في الآيات السابقة : «وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ».

قوله تعالى : «وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ».

مظهر من مظاهر التواضع للحقّ وعدم الاستكبار من قوله، وبيان لرقّة قلوبهم وشدّة خشيتهم، ومسارعتهم لقبول الحقّ والفيض الصبّاب عن امتلاء. وفاضت العين بالدمع، أي سال دمعها بكثرة إمّا لامتلائها حتّى يتدفّق الدمع مع جوانبها، أو يراد منها المبالغة، أي كأنّ الأعين ذابت وصارت دمعاً جارياً. و(من) في قوله تعالى : «مِنَ الدَّمْع» للابتلاء، متعلّقة بمحذوف حال من (الدمع)، أي حال كونه ناشئاً من معرفة الحقّ. وقيل : إنّها للسبب متعلّقة بتفيض، وما مصدريّة.

و(من) في قوله تعالى «مِنَ الحَقِّ» بيانية ل (ما)، بناءً على أنّها موصولة. وقيل : إنّها للتبعيض متعلّقة ب( عرفوا)، على معنى أنّهم عرفوا بعض الحقّ فأبكاهم. فكيف لو عرفوه كلّه. وهذا يلائم قول من يخصّ الآية الشريفة بواقعة معيّنة كالتي وردت في النجاشي وجماعته، والأوّل أولى، لبيان أنّ ذلك شأنهم عند سماع القرآن.

ص: 139

وكيف كان فالآية الشريفة تبيّن خصيصة من خصائص الذين قالوا : «إنّا نصارى» التي عرفوا بها، وهي الرقّة المعروفة عندهم، ممّا توجب العبرة والاستعبار والدموع الغزيرة، فيكون الخطاب عامّاً.

قوله تعالى : «يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ».

بيان لمقالهم بعد بيان حالهم من الحقّ،فيقولون عند معرفتهم له يريدون به إنشاء الإيمان متضرّعين لدى اللّه عزّوجلّ في قبوله، وجعلهم ممّن شهد على الحقّ بأنّه حقّ، وهى منزلة عظيمة لا ينالها إلّا ذو حظّ عظيم في الاعتقاد والعلم والعمل. وقد كان من صفاء سريرة هؤلاء أن عرفوا الحقّ وتواضعوا له حق التواضع، وجرت دموعهم بغزارة عظيمة فرحاً لوصولهم إلى الحقّ،شوقاً إلى الحقيقة والوصول إليها، فألهمهم اللّه تعالى أن يطلبوا منه الدخول في زمرة الشاهدين، وإن كانوا في بدء إسلامهم، وهذا المعنى قد حرم منه قوم الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ )، فإنّهم لجفوتهم وقساوة قلوبهم، وبُعدهم عن الحقّ والحقيقة، ولانتفاء المعرفة فيهم - مع أنّ الرسول الكريم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) بين ظهرانيم - لم يدركوا تلك المعاني السامية التي وصل إليها الذين قالوا: «إنّا نصارى».

قوله تعالى : «وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللّه وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ».

تقرير لما سبق، وتثبيت لإيمانهم باستبعاد ما يوجب انتفاؤه مع قيام الداعي فيهم، وهو الطمع والانخراط مع الصالحين، وهذه الأُمور مطلوبة في تثبيت الإيمان وتوكيدها، فإنّ مجرّد القول والاعتقاد لا يضمن البقاء، لكثرة الشواغل وما يوجب الانصراف، وهم فى بدء إسلامهم، مع ما يرونه من الفتن والامتحان فيحتاج هذا الأمر المهمّ إلى ما يوجب التوكيد والتثبيت، ليضمن به الاستمرار والبقاء وديمومه الإيمان.

ص: 140

وفي مقالهم هذا بيان لسرّ طلبهم من اللّه أن يكتبهم من الشاهدين، وهو استقرار الإيمان في القلوب وعدم خلوهم منه، ليتمّ بذلك سبب الشهادة، فإنّها بمعنى الشهود وهو الحضور، فإذا لم يستقر الإيمان ولم يستقر القلب عليه، وكان متزلزلاً فكيف يمكن أن يدخل في زمرة الشاهدين ؟!

وممّا ذكرنا تعرف الوجه في الاستفهام، فلا يصغى إلى ما قيل فيه، فراجع.

قوله تعالى : «وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ».

بيان لرسوح الإيمان في قلوبهم، فطمعوا في اللّه تعالى أن يجعلهم مع القوم الصالحين، وهم الذين خلصت نواياهم من كلّ شين، وصلحت نفوسهم بالفضائل، وتزكّت أعمالهم باستقامتها وتطابقها لما يرضاه اللّه تعالى. والجملة مستأنفة لبيان رسوخ الإيمان بعدما نفوا عنهم ما يوجب عدول الإيمان عنهم. وفى الإتيان بلفظ (مع) دلالة على الدخول في مداخلهم والانخراط معهم.

قوله تعالى : «فَأَثَابَهُمْ اللّه بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا».

الإثابة المجازاة، أي جزاهم اللّه تعالى ومنحهم من الثواب الجزيل بقولهم الذي عبّر عن خلوص و اعتقاد راسخ، كما دلّ عليه قوله تعالى : «ممّا عَرَفُوا»، فإنّ القول إذا اقترن بالمعرفة كمل الإيمان، وهذا ما دلّت عليه الآية الكريمة كما،عرفت، والجزاء كان عظيماً وهو جنّات تجرى من تحتها الأنهار ليتمّ بها البهجة والسرور، خالدين فيها أبداً.

قوله تعالى : «وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ».

أي : أنّ ذلك الأمر الجليل من الثواب الجزيل، جزاء كلّ محسن الذي اعتاد

ص: 141

الخير والإحسان، فيشملهم ذلك الجزاء إمّا بالمطابقة، أو بالأولى. والآية الشريفة تدلّ على قبول مناجاتهم مع اللّه ودعواتهم بذكر اللازم.

قوله تعالى : «وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ».

بيان للترهيب والوعيد بعد ذكر الوعد والترغيب، لتتمّ المقابلة التي جرت عليها عادة القرآن الكريم، وليتمّ التحذير من المخالفة بعد الترغيب إلى الثواب، فإنّه بعدما ذكر ما للمؤمنين، من الأجر الجزيل والثناء الجميل، ذكر ما أُعدّ للكافرين المكذّبين من الجزاء الوبيل، فتمّ بذلك استيفاء الأقسام وتبيّن الأشياء.

***

ص: 142

بحوث المقام

بحث أدبي: وفيه ما يتعلّق بالوجوه الإعرابية للآيات الكريمة

بحث أدبي:

إفراد اللّسان في قوله تعالى : «عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ» أحد الاستعمالات الثلاثة المشهورة في مثل ذلك، وقيل : إنّ الأفصح منها أنه إذا فرّق بين الجزئين اختير لفظ الإفراد على غيره، ولذلك جاء على (لسان) مفرداً ولم يأت على (لساني) داود و عيسى بن مريم، ولا على (ألسن) داود وعيسى. وأمّا إذا كان المتضمنان غير مفترقين اختير لفظ الجمع على لفظ التثنية وعلى الإفراد، نحو قوله تعالى : «فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا»(1).

و(منكر) في قوله تعالى : «عَنْ مُنكَرِ فَعَلُوهُ» للنوع، والتنوين للوحدة النوعيّة لا الشخصية، ويكون وصفه بالفعل الماضي في تعلّق النهي به؛ لأنّ متعلّقه فرد من أفراد ما يتعلّق النهى به. والصحيح أن يقال : إنّ الانتهاء عن مطلق المنكر باعتبار تحقّقه في ضمن أي فرد من أفراده، فلا يبقى إشكال في الآية الشريفة، حيث ذكر بعضهم بأنّها مشكلة باعتبار ذمّ القوم بالنهى عمّا وقع، وإنّما يكون عن الشيء قبل وقوعه، فلابدّ من تأويلها بأن المراد النهى عن العود إليه إمّا بتقدير مضاف، أي معاودة منكر، أو الفهم من السياق، أو المراد فعلوا مثل، أو يحمل على أرادوا فعله.

والجميع كما ترى خلاف ظاهر الآية الشريفة، وهي واضحة لا تحتاج إلى هذه التأويلات الباردة، فراجع.

ص: 143


1- سورة التحريم : الآية 4.

وقوله تعالى : «أَنْ سَخِطَ اللّه عَلَيْهِمْ».

هو المخصوص بالذمّ على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه؛ تنبيهاً على كمال التعلّق والارتباط بينهما، ومبالغة في الذمّ، والمعنى موجب سخط اللّه عليهم، إنّما اعتبروا المضاف لأنّ نفس سخط اللّه تعالى شأنه باعتبار إضافته إليه سبحانه ليس مذموماً، بل المذموم ما أوجبه من الأسباب، والخلاف في إعراب خصوص نعم وبئس معروف مذكور في كتب النحو، فراجع.

وقد اختلفوا في إعراب قوله تعالى : «وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ»، فقيل : في موضع الحال، متسبّب عمّا قبله، وليس هو داخلاً في حيّز الحرف المصدريّ إعراباً.

وقيل : (أن) مخففة عاملة في ضمير الشأن، بتقدير : أنّه سخط اللّه عليهم وفي العذاب هم خالدون.

وقيل : إنّه معطوف على ثاني مفعولي (ترى) بجعلها عمليّة، أي تعلم كثيراً منهم يتولّون الذين كفروا ويخلدون في النار.

وفي كلا القولين من التعسّف ما لا يخفى، ولم يدخل اللّام في جواب لو في قوله تعالى : «وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللّه وَالنَّبِي وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ»؛ لأنّه الأفصح، بل دخول اللّام عليه قليل.

والوجدان في قوله تعالى : «لَتَجِدَنَّ» متعدّ لاثنين، أولها (أشدّ)، والثاني (اليهود) وما عطف عليه. وقيل بالعكس، ولا يغيّر التقديم والتأخير بعد ورود الدليل على الترتيب، وهو واضح في المقام؛ كذا قيل.

و ( عداوة) تميّيز، واللّام الداخلة على الموصول متعلّقة بها، ولا يضرّ كونها مؤنّثة؛ لأنّها مبنيّة عليه. وقيل : تعلّقها بمحذوف وقع صفة لها، أي عداوة كائنة للذين آمنوا. ولا يخفى أنّه خلاف الظاهر.

ص: 144

و (رهباناً) منسوب إلى الرهبنة بزيادة الألف، والتنكير لإفادة الكثرة.

وقوله تعالى : «تَفِيضُ مِنَ الدَّمْع» من أبلغ العبارات، فإنّ الأصل : فاض دمع العين، ثم حوّلت إلى : فاضت عينه دمعاً، ثمّ حوّلت إلى نسبة الفعل إلى العين مجازاً ومبالغة. وجوز بعض أن تكون (من) هي الداخلة على التمييز.

وأمّا قوله تعالى : «وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللّه وَمَا جَاءَنَا مِنَ الحقّ»،فإنّ الاستفهام فيه لأجل التحقّق وتثبيت الإيمان، وقد جعله بعضُ للإنكار الذي هو متوجّه للسبب والمسبّب جميعاً، كما في قوله تعالى: «وَمَا لِي لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي»(1) ونظائره، لا إلى السبب فقط مع تحقّق المسبّب كما في قوله تعالى: «فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ»(2) وأمثاله.

وقال بعضُ : إنّه جواب سائل قال : لِمَ آمنتم؟ واعترض عليه بأنّ العلماء صرّحوا بأنّ الجملة المستأنفة الواقعة جواب سؤال مقدّر لا تقترن بالواو، إذ الجواب لا يعطف على السؤال. وأُجيب بأنّ الواو زائدة.

ولكن كلّ ذلك تطويل بلا طائل تحته، وقد عرفت مكرّراً أنه لا معنى للزيادة في القرآن الكريم.

و(نطمع) استئناف إخبار منهم. وقيل : إنّه في موضع حال عطفاً على قوله تعالى : «لَا تُؤْمِنُ»، فيكون فى حيّز النفى، وقيل غير ذلك، فراجع.

***

بحث دلالي وفيه ما يستفاد من الآيات الكريمة

توضیح

بحث دلالي

تدلّ الآيات الشريفة على أمور :

ص: 145


1- سورة يس الآية 22.
2- سورة الانشقاق : الآية 20.

الأول : يدلّ قوله تعالى : «لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ» عَلَى أَنَّ اللّعن جائز شرعاً إذا تحقّق موجبه، وهو العصيان والاعتداء على حرمات اللّه تعالى، المتحقّقان فى الكفر باللّه وآياته وتشريعاته المقدّسة، وإنّما ذكر بني إسرائيل من باب المثال فيشمل غيرهم، ولعلّ الإتيان بالفعل مبنيّاً للمفعول لأجل أن اللّعن يتحقّق من كلّ مَن يمكن أن يصدر منه اللّعن، سواء كان اللّه تعالى أم الأنبياء أم اللّاعنين من غيرهما على كلّ مَن كان من شأنه الاعتداء. ويستفاد ذلك أيضاً من تعليق الحكم على الوصف وهو العصيان، فيستفاد العلّية منه، وكما هو معروف من مثل هذا الأُسلوب. وإلا فإنّ السبب معلوم من الفكر السابق.

الثاني : يستفاد من قوله تعالى: «وَكَانُوا يَعْتَدُونَ» أنّ اقتراف المعاصي والآثام، والتمرّد على الأحكام وعصيان اللّه عزّ وجلّ، يوجب الاستهانة والاستهزاء بكلّ المقدّسات، فلا تبقى في النفس حرمة لها، وينعدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا يتناهي عنه، فلو تحقّق لا ينتهي عن المنكر. وهذا هو السبب في ذمّ اللّه تعالى لأفعالهم التي أوجبت وقوعهم في هذا النوع من الذنب الذي له الأثر العظيم في فساد الفرد والمجتمع.

الثالث : يدلّ قوله تعالى : «لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ» على أنّ ترك النهي عن المنكر، وعدم الانتهاء عنه لو تحقّق منهم من الفعل الشنيع الذي ذمّه اللّه تعالى؛ لعظيم أثره في الأفراد والمجتمعات، وتأثيره الكبير في الجرأة على هتك الحرمات، وعدم احترام النفوس للتكاليف، واذا تحقّق ذلك في أي فرد أو مجتمع يوجب ضياعه عن كلّ كمال، ويستلزم فساده الذي له الأثر في النوع والنظام الكيانيّ، وقد قال تعالى : «ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ»، وقد بيّن عزّوجلّ بعض آثاره الفظيعة على النفوس والأعمال، وما استوجب من الجزاء العظيم، وهو سخط اللّه تعالى الذي كان السبب في دخولهم النار، مأوى

ص: 146

العاصين ومظهر الغضب الإلهيّ.

الرابع : يدلّ قوله تعالى : «وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللّه وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ»، على أنّ الإيمان باللّه والنبيّ وما أُنزل إليه من القرآن والمعارف والأحكام، درع حصين من الدخول في زمرة الكافرين وموالاتهم. وتعدّد مصاديق الإيمان لأجل ثبوت أصل الإيمان في القلب ورسوخة في النفس، فيكون إيمانه خالصاً عن كلّ نفاق، فيكون على طرف نقيض من الذين كفروا من عبدة الأوثان المعرضين عن كلّ كمال، وتحدث البينونة بينهما، فكيف يمكن والحال هذه أن يوالي الكافرين؟! فموالاتهم دليل نفاقهم وعدم رسوخ الإيمان في قلوبهم.

وعلى هذا، لا فرق بين إرجاع الضمير في (كانوا) إلى بني إسرائيل او إلى المشركين، فإنّ البينونة الحاصلة بین الطائفتين والفرقة الحادثة بينهما تنفى الموالاة، فإذا تحقّقت لابدّ أن يكون لأجل عدم الإيمان الموجب لاشتراكهما.

واتيان النبئ مجرّداً عن الإضافة، لبيان أنّ الأنبياء صلوات اللّه عليهم هم رسل اللّه تعالى لهداية الإنسان، فلا فرق بينهم من هذه الجهة، فإنّ الإيمان بالنبيّ محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) يدعو إلى الإيمان بموسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكذلك الأمر معكوساً، والجميع يدعون إلى اللّه تعالى والإيمان به، وبهم يقطع كلّ صلة مع الكافرين، كما عرفت مكرّراً.

الخامس : يستفاد من قوله تعالى : «وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ» أَنّ الإيمان الظاهري الذي يعمّ جميع مَن يعتقد به غير كافٍ في ثبوت الآثار الواقعيّة المترتّبة عليه فيهم، فإنّ الكثير الذين يوالون الكافرين ويعملون المعاصي والآثام، هم الذين خرجوا عن ربقة المؤمنين وصاروا بذلك فاسقين، فهم السبب في دفع الآثار الواقعيّة، فتبقى القلّة الذين آمنوا وأعرضوا عن موالاة الكافرين مسلوبي التأثير، ولكن مع ذلك ذَكَرهم اللّه، وهو من نَصِفة القرآن حيث أثبت لهؤلاء القلّة الحقّ ولم ينكره عليهم.

ص: 147

السادس : يستفاد من قوله تعالى : «لَتَجِدَنَّ أشدّ النَّاسِ عَدَاوَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا» أصناف العباد بالنسبة إلى المؤمنين، من حيث القرب والبعد والعداوة والمحبّة، فطائفة منهم يعادونهم، وهذا هو المشاهد المحسوس منهم، وذلك لأسباب معروفة ومعلومة ذكرها عزّوجلّ في هذه الآيات وغيرها، منها موالاة الكافرين والعصيان المتكرّر فيهم، والإعتداء المستقرّ في النفوس، وعدم احترام المقدّسات والحرمات الإلهيّة، ففي أي قوم استقرّت فيهم هذه الصفات، وتمكّن في النفوس النفاق كانوا على عداء مع القوم المؤمنين، وتختلف مراتبه حسب شدّة الأسباب وضعفها، ولذا كانت اليهود على الأشدّ، لأنّهم على أقصى درجات الاستكبار والنفاق.

أصناف العباد بالنسبة إلى المؤمنين

والطائفة الأُخرى على قرب من المؤمنين ومحبّة لهم، وذلك لأسباب معلومة أيضاً، وهي وجود العلماء العارفين الذين يدعون أقرانهم إلى الإيمان والطاعة، والزهّاد الذين أعرضوا عمّا يوجب البعد عن اللّه تعالى، والتواضع للحقّ وعدم الاستكبار، وهذه أُمور عالية في غاية الكمال، وإذا تحقّقت في أىّ قوم توجب الإذعان للحقّ وحُبّ أهله. وتختلف أيضاً المحبّة شدّة وضعفاً بحسب زيادة الأفراد وقلّتهم وضعف الاستكبار، وكانت النصارى أقربهم مودّة للذين آمنوا لكثرة مثل هؤلاء العلماء والزهّاد وضعف الاستكبار منهم، ولعلّ التعبير بالوجدان لأجل معلوميّة تلك في النفوس وأُنسها بها في الأُمور الماديّة.

وتدلّ الآية على أنّ الزهد عن ملاذ الدُّنيا ووجود الزاهدين في كلّ قوم له الأثر في نفوس الآخرين، وكذلك وجود العلماء الداعين إلى اللّه تعالى فيهم، فإنّ المؤانسة بين الأفراد لا محالة تؤثّر، وأنّ النفوس مجبولة على الرجوع إلى العلماء الداعين والزاهدين فتتأثّر بها، ولعلّ انتفاء الاستكبار من بينهم لأجل وجود هاتين الطائفتين في المجتمع. فإنّ العلم إذا اقترن بالعمل في الخارج زاد في

ص: 148

المعرفة، وهي تدعو إلى التواضع، واذا أُخذ ذلك في الشريعة أيضاً تمّ المطلوب، وانتفى كلّ عناد ولجاج، وقد ذكرنا ما يتعلّق بذلك في التفسير فراجع.

السابع : يدلّ قوله تعالى: «وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ ممّا عَرَفُوا مِنَ الحقّ» على أنّ النفوس المتسعدة والقابلة لتلقّي الفيض، تنهضها مجرد سماع الحقّ،ولا تحتاج إلى أمر زائد عن ذلك، فترى أنّ القوم سمعوا القرآن الكريم فتأثّروا به، وأوّل أثر خارجيّ شوهد فيهم هو فياض أعينهم من الدمع، الكاشف عن رقّة القلوب، وابتهاجها بعرفان الحقّ،ولعلّ ذكر الدموع الغزيرة من دون سائر الصفات؛ لبيان الجانب الروحيّ المتغلّب عليهم وانقطاع أنفسهم إلى عالم الغيب، فإنّ الإنسان قد تبرق عليه بارقة فينقطع بها إلى تلك العوالم التي كانت الأرواح فيها ومحلّ أُنسها، واذا استغلّها بأحسن وجه وعرف عظيم أثرها لرأى العجب العجاب، ولا تخلو لحظة يمرّ كلّ فرد فيها.

وأمّا طلبهم أن يجعلهم مع الشاهدين، عرفوا الحقّ وآمنوا به وأصبحوا شهوداً على قومهم،بإيمانهم، وصاروا شهداء على الحقّ بإيمانهم وأعمالهم، فاذا كانوا كذلك فلِمَ لم يؤمنوا باللّه وما جاءهم من الحقّ الذي عرفوه؟ وما هو السبب في إعراضهم وقد صاروا شهوداً عليه؟ ولا مبرّر لهم في ترك الحقّ حينئذٍ، فهم صلحاء في عقائدهم وقد خلب الحقّ قلوبهم، فلِمَ لا يطمعون في الدخول مع القوم الصالحين الذين صلحت سرائرهم وأعمالهم وخلص إيمانهم؟!

الثامن : يدلّ قوله تعالى : «وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ» على أنّ الإيمان المستقرّ في القلوب، الذي يكون باعثاً على العمل الصالح، يكفي في أن يجعل الفرد من القوم الصالحين، وذلك بلطفه العميم ومنّه الكريم، فإنّ النوايا الحسنة والإيمان الصادق الباعث للعمل الصالح، هما الموجبان لتلقّي الثواب، والدخول مع زمرة الصالحين الذي أعد لهم اللّه تعالى الثواب العظيم والأجر

ص: 149

الجميل. ويستفاد منه صوابية الطمع من فضل اللّه العظيم إذا تحقّقت القابلية لتلقّي الفيض، وإن كان مذموماً فى أُمور الدُّنيا.

التاسع : يدلّ قوله تعالى: «وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ» على أنّ عرفان الحقّ والإيمان به إحسان محض، والمعتقد به يكون من المحسنين، وقد وصف هؤلاء بأوصاف ثلاثة تدلّ على منزلتهم : وهى كونهم من الشاهدين، والصالحين، والمحسنين.

والأوّل : حصل من عرفان الحقّ والتواضع له وخليه لمشاعرهم حتّى فاضت دموعهم وانبهروا من شروق نوره على نفوسهم المستعدّة.

والثاني : لأنّ الحقّ استقرّ في القلب وسيطر على المشاعر، فصلحت نفوسهم ولم يصدر منهم إلّا الصلاح فاستقاموا بالبقاء.

والثالث : حصل لهم بعد التجلّيات الباهرات

***

بحث روائي: وفيه الروايات التي وردت في شأن نزول الآيات وتفسير مفرداتها

بحث روائي:

في «الكافي» بإسناده عن أبي عبيدة الحذّاء، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قول اللّه عزّ وجلّ : «لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ»، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «الخنازير على لسان داود، والقردة على لسان عيسى بن مريم».

أقول : رواه القمّيّ والعيّاشي، كما روى الجمهور في ذلك أيضاً عن قتادة و مجاهد وغيرهما، ويكون المراد من اللّعن على لسان هذين النبيّين (عَلَيهِم السَّلَامُ) نزول العذاب فعلاً عليهم، فمسخهم قردة وخنازير، وإن كانوا ملعونين على ألسن سائر أنبيائهم، لأجل ذلك خصّهما اللّه تعالى بالذكر.

وفي «المجمع» عن أبي جعفر الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «أمّا داود فإنّه لعن أهل إيلة لما اعتدوا في سبتهم وكان اعتداؤهم في زمانه، فقال : اللّهم ألبسهم اللّعنة مثل الرداء

ص: 150

ومثل المنطقة على الخصرين، فمسخهم اللّه قردة. وأما عيسى فإنّه لعن الذين نزلت عليهم المائدة ثمّ كفروا بعد ذلك، قال : فقال أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) : يتولّون الملوك الجبارين ويزينون لهم هواهم ليصيبوا من دنياهم».

أقول : يستفاد من الحديث أن المقصود من الذين كفروا من بني إسرائيل في الآية الشريفة هم أهل إيلة الذين مَسَخهم اللّه قردة بدعاء داود عليهم لما اعتدوا في سبتهم، وقد ورد ذكرهم في القرآن الكريم في موضعين :

أحدهما: سورة البقرة : «وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ»(1).

والثاني: في سورة الأعراف : وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ تَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ(2)... فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِنِينَ)(3).

ولكنّ هذا الحديث ينافي مع ما ورد في الحديث المتقدّم، من أنّ الممسوخين على لسان داود كانوا خنازير وليسوا قردة، ويمكن رفع التنافى إمّا بتعدّد الواقعة، ففي إحداهما مسخوا خنازير وفي الثانية قردة، أو في واقعة واحدة مسخ بعضهم قردة، وهم أصحاب السبت المعروفون المتجاوزون على حدود اللّه و أحكامه المقدّسة، والبعض خنازير حسب درجات أعمالهم الشنيعة وما يناسب ملكاتهم. ولم يبيّن في الحديث الممسوخ على لسان عيسى بن مريم، وإنّما تحقّق

ص: 151


1- سورة البقرة : الآية 65.
2- سورة الأعراف : الآية 163.
3- سورة الأعراف : الآية 166.

اللّعن عليهم منه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولكن الحديث المتقدّم بيّنه.

وأمّا ذيل الحديث : «يتولّون الملوك الجبّارين...»، فإنّه إنّما يكون من مسخ القلوب التي مارست الذنوب والآثام، فأعرضت عن اللّه تعالى، وركنت إلى الدُّنيا، ونسيت كل خير ومكرمة وتولّت الملوك الجبّارين وغيرهم من أصحاب المعاصي والآثام؛ للسنخيّة الحاصلة بينهم، وهذا الأمر لا يختصّ ببنى إسرائيل. بل يجري في غيرهم. ويشهد لما ذكرنا ما رواه القمّيّ عن مسعدة ابن صدقة عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : سأله رجل عن قوم من شيعته يدخلون في أعمال السلطان ويعملون لهم ويجبون لهم ويوالونهم؟

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ليس هم من الشيعة، ولكنّهم من أُولئك، ثمّ قرأ أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه الآيات: «لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللّه عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللّه وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ».

وما رواه السيوطىّ فى «الدّر المنثور»عن معاذ بن جبل قال : قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) : «خذوا العطاء ما كان عطاءً، فاذا كان رشوةً عن دينكم فلا تأخذوا. ولن تتركوه يمنعكم من ذلك الفقر والمخافة، إنّ بني يأجوج قد جاؤوا، وإنّ رحى الإسلام سيدور، فحيثما دار القرآن فدوروا به، يوشك السلطان والقرآن أن يقتتلا ويتفرّقا، إنّه سيكون عليكم ملوك يحكمون لكم بحكم ولهم بغيره، فإنّ أطعتموهم أضلّوكم، وإن عصيتموهم قتلوكم. قالوا : يا رسول اللّه، كيف بنا إن ادركنا ذلك؟ :قال : تكونوا كأصحاب عيسى، نشروا بالمناشير، ورفعوا على الخشب، موتٌ في طاعة خيرٌ من حياةٍ في معصية، إنّ أوّل ما نقض في بني إسرائيل أنّهم كانوا

ص: 152

يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر سنة التغرير، فكان أحدهم إذا لقى صاحبه الذي كان يصيب عليه آكله وشاربه، وكأنّه لم يعب عليه شيئاً، فلعنهم اللّه على لسان داود، وذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، والذي نفسي بيده لتأمرنّ بالمعروف، وتنهون عن المنكر، أو ليسلّطن اللّه عليكم أشراركم، ثمّ ليدعون خياركم فلا يستجاب لكم، والذي نفسي بيده لتأمرنّ بالمعروف، ولتنهن عن المنكر ولتأخذنّ على يد الظالم فلتأطرن عليه أطراً أو ليضربنّ اللّه قلوب بعضكم ببعض».

أقول : يبيّن (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) بعض ما يحصل في أُمّته من بعده، يعفى القرآن الكريم ويُعرض عنه، ويحكم السلطان فيحكم فيهم بغير ما أنزل اللّه تعالى ويكثر الفساد، وحينئذٍ فلابدّ من إظهار العالم علمه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتحرم المداهنة، وإلّا استحقّوا اللّعن كما استحقّ الذين كفروا من بني إسرائيل اللّعن على لسان داود و عيسى، ثمّ ذكر (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) أنّ هذه الأُمّة تدخل مداخل اليهود إذا أعرضوا عن القرآن الكريم، وما أنزله اللّه تعالى. وأخيراً بيّن بعض الآثار السيّئة التي تترتّب على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهى تسلّط الشرار وعدم استجابة الدُّعاء، وإفشاء الحقد والضغائن بين الناس. إلّا إذا أُحيط على يد الظالم وأُرغم على إقامة الحقّ والنهي عن المنكر.

وروى السيوطيّ في «الدّر المنثور» عن ابن مسعود قال :

قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) : «إنّ بني إسرائيل لمّا عملوا الخطيئة، نهاهم علماؤهم تغريراً، ثم جالسوهم وأكلوهم وشاربوهم، كأن لم يعملوا بالأمس خطيئة تذكر، فلمّا رأى اللّه ذلك منهم ضرب بقلوب بعضهم على بعض، ولعنهم على لسان نبيّ من الأنبياء». ثمّ قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) : «واللّه لتأمرنّ بالمعروف ولتنهنّ عن المنكر ولتأطرنّ على الحقّ أطراً أو ليضربنّ اللّه بقلوب بعضكم على بعض، وليلعننكم كما لعنهم».

ص: 153

أقول : الأحاديث في هذا المضمون وبيان الآثار السيّئة التي تترتّب على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كثيرة، فراجع.

العيّاشي عن محمد بن الهيثم التميميّ، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قوله تعالى : «كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ»، قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) :

«أما إنّهم لم يكونوا يدخلون مداخلهم ولا يجالسون مجالسهم، ولكن كانوا إذا لقوهم ضحكوا في وجوههم وأنسوا بهم».

أقول : إذا كان اللّعن مترتّباً على مداهنة المذنبين فقط، فكيف إذا ما دخلوا مداخلهم؟

ابن بابويه في «ثواب الأعمال» عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «لمّا وقع التقصير في بني إسرائيل جعل الرجل منهم يرى أخاه في الذنب فينهاه فلا ينتهي، فلا يمنعه ذلك من أن يكون أكيله وجليسه وشريبه، حتّى ضرب اللّه قلوب بعضهم ببعض، ونزل فيهم القرآن حيث يقول جلّ وعزّ : «لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا - الآية ».

وفي «تفسير العيّاشي» عن مروان عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : «ذكر النصارى وعداوتهم، فقال قول اللّه تعالى : «ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ» قال : أُولئك كانوا قوماً بين عيسى ومحمّد ينتظرون مجيء محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ )».

أقول : عموم الآية الشريفة يشمل الجميع، إلّا إذا خرج النصارى عن الطريقة وما ذكره اللّه تعالى، فلم يكن فيهم علماء يدعونهم إلى الصلاح، ولا زهّاد يرغّبونهم في الزهد عن الدُّنيا، ولم يكن لهم تواضع للحقّ فيكونوا كسائر الأُمم، حتّى أُمة الإسلام إن خرجوا عن الطريقة وغيّروا أنفسهم بارتكاب الموبقات.

وفي «الدّر المنثور» أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن سعيد بن جبير في قوله تعالى : «ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِيسِينَ

ص: 154

وَرُهْبَاناً» قال: «هم رسل النجاشيّ الذين أرسل بإسلامه وإسلام قومه، كانوا سبعين رجلاً اختارهم من قومه الخيّر فالخيّر في الفقه والسنّ».

وفي رواية أُخرى: «بعث من خيار أصحابه إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) ثلاثين رجلاً، فلمّا أتوا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) دخلوا عليه فقرأ عليهم سورة (يس)، فبكوا حين سمعوا القرآن وعرفوا أنّه الحقّ،فأنزل اللّه فيهم : «ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسَيسِينَ وَرُهْبَاناً -الآية»، ونزلت هذه الآية فيهم أيضاً : «الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ - إلى قوله - أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا».

أقول : يمكن رفع اختلاف العدد في الروايتين على محامل، منها : أنّ في ابتداء الأمر اختار سبعين، ولكن الذي وصل منهم إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) ثلاثون.

وفي تفسير القمّيّ في الآية : «كان سبب نزولها أنه لمّا اشتدّت قريش فى أذى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) وأصحابه الذين آمنوا به بمكّة قبل الهجرة، فأمرهم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) أن يخرجوا إلى الحبشة، وأمر جعفر بن أبي طالب أن يخرج معهم، فخرج جعفر ومعه سبعون رجلاً من المسلمين حتّى ركبوا البحر، فلما بلغ قريشاً خروجُهُم بعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد إلى النجاشيّ ليردّوهم، وكان عمروا وعمارة متعاديين، فقالت قریش : كيف نبعث رجلين متعاديين؟ فبرئت بنو مخزوم من جناية عمارة، وبرئت بنو سهم من جناية عمرو بن العاص، فخرج عمارة وكان حسن الوجه شاباً مترفاً، فأخرج عمرو بن العاص أهله معه، فلمّا ركبوا السفينة شربوا الخمر، فقال عمارة لعمر و بن العاص : قل لأهلك تقبّلني، فقال عمرو : أيجوز هذا؟!! سبحان اللّه، فسكت عمارة، فلما انتشى عمرو وكان على صدر السفينة فدفعه عمارة وألقاه في البحر، فتشبث عمر و بصدر السفينة وأدركوه، فأخرجوه فوردوا على النجاشيّ، وقد كانوا حملوا إليه هدايا فقبلها منهم، فقال عمرو بن العاص : أيّها الملك، إنّ قوماً منّا خالفونا في ديننا وسبّوا آلهتنا وصاروا

ص: 155

إليك، فردّهم إلينا، فبعث النجاشيّ إلى جعفر فجاءه، فقال : يا جعفر ما يقول هؤلاء ؟ فقال جعفر (رضیَ اللّهُ عنهُ) : أيّها الملك ما يقولون ؟ قال : سألوني أن أردّكم إليهم : قال : أيّها الملك سلهم أعبيد نحن لهم ؟ فقال عمرو : لا بل أحرار كرام، قال : فسلهم أَلَهُمْ علينا ديون يطالبون بها ؟ قال : ما لنا عليكم ديون، قال : فلكم في أعناقنا دم تطالبون به؟ قال عمرو : لا، قال : فما تريدون منّا؟ آذيتمونا فخرجنا من بلادكم، فقال عمرو بن العاص : أيّها الملك خالفوننا في ديننا، وسبّوا آلهتنا وأفسدوا،شبابنا، وفرّقوا جماعتنا، فردّهم إلينا لنجمع أمرنا، فقال جعفر : نعم، أيّها الملك، خلقنا اللّه ثم بعث فينا نبيّاً أمرنا بخلع الأنداد، وترك الاستقسام بالأزلام، وأمرنا بالصلاة والزكاة، وحرّم الظلم والجور وسفك الدماء بغير حقّها، والزنا والربا والميتة والدم ولحم الخنزير، وأمرنا بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربي، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى. فقال النجاشيّ : بهذا بعث اللّه عيسى بن مريم، ثمّ قال : يا جعفر، هل تحفظ شيئاً ممّا أنزل اللّه على نبيّك ؟ قال : نعم، فقرأ عليه سورة مريم، فلمّا بلغ إلى قوله : «وَهَزِي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبَاً جَيْبًا فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِي عَيْناً»، فلما سمع النجاشيّ ذلك بكى بكاء شديداً، وقال : هذا واللّه هو الحقّ،فقال عمرو بن العاص : أيّها الملك إنّه مخالف لنا فردّه إلينا، فدفع النجاشيّ يده فضربها وجه عمرو، ثم قال : اسكت، واللّه لئن ذكرته بسوء لأفقدنك نفسك، فقام عمرو بن العاص من عنده والدماء تسيل على وجهه وهو يقول : إنّ هذا كما تقول أيّها الملك، فإنا لا نتعرّض له، وكانت على رأس النجاشيّ وصيفة له تذبّ عنه، فنظرت إلى عمارة بن الوليد وكان فتى جميلاً فأحبّته، فلما رجع عمر و بن العاص إلى منزله قال لعمارة : لو راسلت جارية الملك، فراسلها فأجابته، فقال عمرو : قل لها تبعث إليك من طيب الملك شيئاً، فقال لها فبعثت إليه، فأخذ عمرو من ذلك الطيّب فكان الذي فعل به عمارة في قلبه حين ألقاه في البحر،

ص: 156

فأدخل الطيّب على النجاشي، فقال : أيها الملك إنّ حرمة الملك عندنا وطاعته علينا وما يكرمنا إذا دخلناه بلاده ونأمن فيه، أن لا نغشه ولا نريبنه، وإنّ صاحبي هذا الذي معي قد أرسل إلى حرمتك وخدعها وبعثت إليه من طيبك، ثمّ وضع بين يديه، فغضب النجاشيّ وهمَّ بقتل عمارة، ثمّ قال : لا يجوز قتله فإنّهم دخلوا بلادي بأماني، فدعا النجاشيّ السحرة، فقال لهم : اعملوا به شيئاً أشدّ عليه من القتل؟ فأخذوه ونفخوا في إحليله الزيبق، فصار مع الوحش يغدو ويروح، وكان لا يأنس بالناس، فبعثت قريش بعد ذلك فكمنوا له في موضع حتّى ورد الماء مع الوحش، فأخذوه فما زال يضطرب في أيديهم حتّى مات. ورجع عمروا إلى قريش وأخبرهم أنّ جعفراً في أرض الحبشة في أكرم كرامة، فلم يزل بها حتّى هادن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) قريشاً، وصالحهم وفتح خبير، فوافي بجميع مَن معه، وولد لجعفر بالحبشة من أسماء بن عميس عبد اللّه بن جعفر، وولد النجاشيّ ابن فسمّاه محمّداً، وكانت أُمّ حبيبة بنت أبي سفيان تحت عبداللّه، فكتب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) إلى النجاشيّ يخطب أُمّ حبيبة، فبعث إليها النجاشيّ فخطبها لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) فأجابته فزوّجها منه وأصدقها أربعمائة دينار، وساقها عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) وبعث إليها بثياب وطيب كثير وجهزها وبعثها إلى رسول اللّه، وبعث إليه بمارية القبطية أُمّ إبراهيم، وبعث إليه بثياب وطيب وفرس، وبعث ثلاثين رجلاً من القسيسين، فقال لهم : انظروا إلى كلامه ومقعده وإلى مطعمه ومشربه ومصلّاه. فلمّا وافوا المدينة دعاهم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) إلى الإسلام وقرأ عليهم القرآن : «إِذْ قَالَ اللّه يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِءُ الأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا

ص: 157

مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ». فلمّا سمعوا ذلك من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) بكوا و آمنوا ورجعوا إلى النجاشيّ، فأخبروه خبر رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ )، و قرأوا عليه ما قرأ عليهم، فبكى النجاشيّ، وبكى القسيسون وأسلم النجاشي ولم يظهر للحبشة إسلامه وخافهم على نفسه، فخرج من بلاد الحبشة إلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ )، فلما عبر البحر توفى، فأنزل اللّه : «لَتَجِدَنَّ أشدّ النَّاسِ عَدَاوَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ - إلى قوله تعالى - وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ».

أقول : رواه بهذا المضمون مع اختلاف في بعض المفردات جمع كثير من المؤرّخين والرواة وأصحاب السير.

وذكرنا أنّ الظاهر من الآية العموم، ولا تختصّ بالنجاشي وقومه، وتقدّم ما يرتبط بذلك، فراجع.

***

بحث عرفاني : يبين فيه ما يستفاد من الآيات في سبيل الرقي من الكمال أو الانحطاط في الرذائل

بحث عرفاني:

الآياتُ الشريفةُ المتقدمة تبيّن قسمين من الخصائص التي يمكن أن يرتقي الإنسان بها إلى الكمالات، أو يحبط بها إلى الدرجات السفلى، فيخرج عن طور الإنسانية ويدخل في زمرة أدنى البهائم، حسب الملكات التي اكتسبها من تكرّر الأفعال والمداومة على العصيان.

وقدّم عزّوجلّ هذه الأخيرة لتقدّم التخلية طبعاً، إلّا مَن أدركته العناية الإلهيّة بالكمالات، وتنهار سيّئات الملكات ورذائل الصفات. وقد ذكر صنفين ممّا يوجب الانخراط في الحيوانات : أحدهما يتعلّق بالنوايا، وهي الاستمرار على العصيان، والأُخرى بالأفعال، وهي المداومة على الاعتداء وارتكاب المحرّمات وهتك الحرمات، فإذا استولى العصيان على النيّات، فلم يكن له نية خيّرة ولا همّة شريفة، حيث غلب الشرّ قلوبهم فلم يرج منها الصلاح، وظهرت على أفعالهم

ص: 158

وإنهمكوا في ارتكاب المعاصي والآثام، فلا يتوسّم فيهم الخير، ولا يتناهون عن المنكر إذا استوعب المنكر شعورهم ومشاعرهم، فاستحقّوا اللّعن ممّن يعرف أن يضع اللّعن في مواضعه، والطرد عن الرحمة الإلهيّة التي هي أساس كلّ خير ومنبع كلّ كمال و سبب كلّ هداية، فمُسِخوا قردة وخنازير بما يناسب تلك الملكات التي اكتسبوها باختيارهم، وبقدر بعدهم عن الرحمة الإلهيّة، ابتعدوا عن الذين آمنوا واضمروا العداوة الشديدة لهم، واقتربوا إلى الكفّار المنكرين لوحدانيّة اللّه تعالى والعابدين للأوثان، الذين هم مظاهر غضبه و سخطه، فسخط عليهم بمثل ما سخط على هولاء، فكانوا مشتركين في العذاب وهم فيه خالدون، لخلودهم في العصيان والعدوان، ولو عاشوا أبد الآبدين، وقد بيّن عزّوجلّ لهم طريقاً يمكن لهم التخلّص ممّا هم فيه، وهو الإيمان باللّه وبالنبيّ وما أُنزل إليه، ويصلحوا ما يمكن إصلاحه ممّا فسد فيهم، ولكن أنّى لهم ذلك، وفيهم من الكفر والخروج عن طاعة اللّه ما سدّ عليهم طريق الرجوع.

وفى مقابل هؤلاء طائفة أُخرى استفادوا من ضمائرهم، وركنوا إلى إنسانيّتهم التي أُودع فيهم الخير والسعادة، وتشرّفوا بمودّة أهل الإيمان؛ لأنّهم آثروا نصرة اللّه ودينه الحقّ،وهذّبوا أنفسهم بالزهد عمّا يوجب الانخراط في الدُّنيا ويشغلهم عن عبادة اللّه، وتسلّحوا بسلاح العلم الذي يتبيّن به الأُمور، فيعرف صحيحها من سقيمها، وخيرها من شرها، وكان المقتضى الأكبر فيهم أنّهم لم يجعلوا ذهاب تلك المجاهدات هدراً وبدون فائدة، فأخلصوا النيّة، وعمدوا إلى التواضع للحقّ مهما كان، ولم يستكبروا عن قبوله أينما كان، فصاروا بذلك أهل الأُنس، فسمعوا ما تهفوا إليه النفوس الروحانيّة، فأثارت فيهم الشوق إلى عالمها، فأفاضت عيونهم من الدمع الغزير لمّا تنبهت تلك النفوس المرتاحة من محيطها الماديّ الذي يزجرها بالابتعاد عن عالمها الروحاني الفسيح، ورجعت

ص: 159

إلى ما تحنّ إليه من الحقّ العتيد. وهذا هو شأن الإنسان الذي عرف قدره ومصدره ومنتهاه، فإنّه لم يزل الجانب الروحانيّ منه يحنو إلى مقام الأُنس الذي كان فيه قبل خلق الأجساد، فإذا استغلّ هذا الجانب على الوجه الصحيح، لما تعدّى عن الحقّ أبداً؛ ولذا ترى أنّ الآية الكريمة التي هي من جلائل الآيات في هذا المجال، قد بينت أموراً لا غنى عنها للسالك، وطالب السير والسلوك والعرفان، ولا يمكن الوصول إلى تلك المرحلة العظيمة إلّا بعد إزالة الموانع والحُجب عن هذا الطريق، وجعل النفس في أقصى يقظتها، وإخراجها عما يصادفها من الماديات والشهودات وتجاوز العقبات، فإنّ المقصد عظيم، والطريق طويل، وفيه عقبات وموانع عظام لا ينخرط فيها إلّا مَن أدركته العناية الإلهيّة، والبوارق الربّانية، ولابدّ من طلب الاستعانة اللّه من،تعالى والاستعاذة به سبحانه ممّا يوجب الضلال والغواية، ولأجل ذلك يظهر السرّ في طلب الاستعانة من اللّه وحصرها فيه عزّوجلّ، وتكرار الطلب والمداومة عليه.

وقد ذكرها تعالى في أجمع سورة في القرآن الكريم، وهي سورة الفاتحة وتكرارها في الصلاة التي هي من أهم الروابط بين العبد ومولاه، وأوضح المسالك في التقرّب إلى المعبود، ولا يمكن الاستغناء عنها في جميع الحالات.

والحاصل : أنّ العبد السالك لابدّ له من تخليص نيّته ابتداءً من جميع ما يشغله ويشينه عند خالقه، وتطهير النفس من الرذائل المهلكة، ومنها العصيان، فاذا طهرت النفس منها وتزكّت بالعلم وعرفت الخير والشرّ، ظهرت الآثار على الأفعال، فتخلّت عن عن الاعتداء وهتك الحرمات، ثمّ الاشتغال بالزهد عمّا يوجب الوقوع في تلك المهلكات، لئلّا تعود الكرّة فتحتاج إلى مجاهدة وصراع مرير مع الواقع الماديّ الذي تعيش فيه النفس التي تحنّ إلى عالمها، حتّى تقلع الاستكبار عنها، فتحصل له حالة الانكسار والتواضع للحقّ وتنهار أمامه. ولهذا الاستكبار

ص: 160

أثر شديد في النفس، فإنّه السبب القوي في ربط النفس بهذه الدُّنيا والخلود إليها، وله مظاهر متعدّدة ودقيقة، فاذا لم يكن الإنسان متّصفاً بالعلم والعمل، لا يمكن معرفتها؛ ولذا قدّم عزّوجلّ العلم والزهد عليه في هذه الآية الكريمة، وبعد طي المراحل التي هي عديدة وشديدة على النفس ودقيقة، لا يمكن معرفتها إلّا بالرجوع إلى ركن وثيق وهو القرآن الكريم وعدله القويم، ولذاترى أنّ هؤلاء لمّا سمعوا القرآن الكريم، ومض فيهم النور، وكان بالنسبة إليهم إثارة لما فيهم من الاستعداد، فلابدّ من سبب قويم صحيح يعتمد عليه السالك الطالب للحقّ، ثمّ لمّا منّ اللّه عليهم بالحقّ وأنار قلوبهم به طلبوا المزيد من الفيض، عمدوا إلى الشهود فطلبوا منه تعالى أن يكتبهم مع الشاهدين الذين لهم مرتبة خاصّة عند السالكين، لما فيه المواظبة على السلوك واستقرار النفس والمداولة على الخلوص.

ثمّ طمعوا في المزيد، ولا يخفى أنّ الطمع من المعدّات في هذا المجال، فطلبوا أن يكتبهم من القوم الصالحين، بعد أن كانوا معاشرين لقوم ليس فيهم صلاح وكانت المعاشرة معهم من الموانع، لتأثير العشرة على القلوب، وتأثر النفوس بها. ثمّ إنّهم لمّا صلحت نفوسهم وأعمالهم، وطلبوا من اللّه المنان أن يدخلهم مع القوم الصالحين الذين لهم منازل خاصّة فى الجزاء العظيم، فرجعت نفوسهم إلى تلك الجنان الكريمة التي كانت في ابتداء الأمر فيها، فكانوا محسنين في جهادهم، ونالوا الإحسان العظيم ممّن هو ربّ الإحسان. ثمّ ختم الآيات بأصحاب الجحيم للتنبيه بأن الطريق طويل والسلوك فيه شديد؛ ولئلّا يغترّ مَن دخل في هذا السلك، إنّ المضلّات كثيرة، وقد استعاذ منها نبيّنا الأعظم في حجّة الوداع في خطبته المشهورة : «نعوذ باللّه من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا»والبحث نفيس، نسأل اللّه تعالى العلم والعمل، ونعوذ به من مضلّات الفتن.

***

ص: 161

سورة المائدة الآية 87 - 89

إشارة:

الآية 87 - 89

«وَيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طيّبات مَا أَحَلَّ اللّه لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللّه لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87) وَكُلُوا ممّا رَزَقَكُمْ اللّه حَلَالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللّه الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (88) لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللّه بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةً أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّه لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (89)».

بعدما بيّن عزّوجلّ من أحوال أهل الكتاب وما هم عليه من العصيان والاعتداء لا سيما اليهود منهم، ذكر حالتهم بالنسبة إلى الإيمان وأهله وعداوتهم أو مودّتهم لهم وما يوجب الدخول في زمرة الصالحين، يعود سبحانه وتعالى في هذه الآيات الكريمة وما بعدها في بيان الأحكام الشرعيّة الفرعيّة التي لها ارتباط بمواضيع مختلفة لتكميل الإنسان وتهذيبه، التي توجب صلاحه وتجلب بها سعادته.

فيذكر تعالى في هذه الآيات الثلاث من الأحكام الفرعيّة التي تتعلّق بماحول الإنسان من الأعيان وحكم الاستفادة منها، بعدما كان بعض الأقوام يحرّمونها على أنفسهم برهبانيّة ابتدعوها، فأحل اللّه تعالى الطيّبات منها، وجوّز

ص: 162

قسماً منها،، وهي حليّة أكل الطيّبات والتمتّع بها، لأنّ حياة الإنسان إنّما تكون به، ولا وجه لتحريمها على النفس التي تشتاق إليها، إلّا ما يرد فيها حكم شرعيّ.

وأخيراً ذكر ما يتعلّق بما يلزمه الإنسان على نفسه بسبب الايمان والعهود، فإنّه إذا تعلّقت بأمر توفرت فيه الشروط المطلوبة، وكان العزم من صاحبها على الالتزام بها، فإنّه يجب الوفاء، وإذا نكثها تجب عليه كفّارة معيّنة جزاءً لما ارتكبه من الإثم في ترك اليمين التي ألزم بها نفسه.

فهذه الآيات الثلاث وإن كانت مختلفة من حيث المتعلّق إلّا أّنه يمكن إرجاع بعضها إلى بعض بالتخصيص والتعميم، وتشير إلى إبطال بعض العادات السيّئة التي كانت في بعض الأقوام كما عرفت.

***

التفسير

قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا».

تقدّم ما يتعلّق بهذا الخطاب الربوبيّ في مواضع متفرّقة من هذا الكتاب وتخصيص الذين آمنوا بالذكر فى المقام، لأجل أنّ ما سيذكره عزّوجلّ من الأحكام الفرعيّة لا يليق إلّا بمَن تحلّى بالإيمان، وإنّها من جملة مقوماته وحدوده.

في بيان المراد من الحرام والحلال

قوله تعالى : «لَا تُحَرِّمُوا طيّبات مَا أَحَلَّ اللّه».

مادة (حرم) تدلّ على المنع، سواء كان المانع العقل أم الشرع أم العرف بالاختيار أو بالإلجاء والاضطرار، كالتسخير الإلهيّ أو المنع القهريّ، ومنه ما ورد في الصلاة : «تحريمها التكبير»، لمنعه المصلّي من الأفعال الخارجة عن الصلاة.

والحرام واحد من الأحكام الخمسة التكليفيّة، وهو ضدّ الحلال، كما أنّ

ص: 163

التحريم ضدّ (التحليل)، يقال : حَرُم على الشيء (بضمّ الراء)، نقيض حلّ، ومنه: (حرمت الصلاة على الحائض).

ومحارم اللّه حرماته، وفى الحديث : «لا ورع كالكفّ عن محارم اللّه». وتطلق الحرمة (بفتح الراء وضمّها) على جميع ما كلّف اللّه بتركه عباده، ممّا لا يجوز أنتهاکه.

وفي حديث غُسل الجنب : الميّت يُغسّل غُسلاً واحداً (لأنهّما حرمتان اجتمعتا في حرمة واحدة)، أي تكليفان اجتمعا في واحد، وقد وردت هذه المادّة في القرآن الكريم في أكثر من ثمانين موضعاً.

كما أنّ مادّة ( حلل) تدلّ على الفكّ، من حلّ العقدة، إذ فكّها، قال تعالى : «وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي»، وحلّ في المكان، إذ نزل به بفكّ الأحمال عند النزول، ثمّ جرّد في الاستعمال للنزول، يقال : حلّ حلولاً وأحلّ غيره، قال تعالى «وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ». والحلّة : القوم النازلون، والمحلّة : مكان النزول، قال تعالى : «حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدَى مَحِلَّهُ»، أي مكانه، وقوله تعالى : «وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ» أي محلّ بمكّة، وحلّ الذين وجب أداؤه وفكّه منه، والحلال ضدّ الحرام. قال تعالى : «هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ»، ومنه الحديث عن نبيّنا الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ): «مَن أكل من الحلال القوت صفا قلبه،ورقّ، ودمعت عيناه ولم يكن لدعوته حجاب»، وحلّ المحرم يحلّ إحلالاً، إذا أتمّ إحرامه بفعل ما يوجب التقصير كالحلق، فيحلّ ما حرم عليه من محظورات الحجّ حينئذٍ، أحلّ الرجل إذا خرج إلى الحلّ عن الحرم، وإذا دخل في شهر الحلّ، قال تعالى: «وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا». وتحلّه الأيمان : ما تنحلّ به من الكفّارة، وفي الحديث : «لا يموت للرجل ثلاثة من أولاده فتمسّه النار إلّا قدر تحلّه القسم»، أي قدر ما يقول : إن شاء اللّه تعالى. والحليل الزوج.

ص: 164

وكيف كان، فالحلال والحرام معروفان، وردّ الشرع عليهما واستعملها بالمعنى العرفيّ في الكتاب والسنّة، وهما متقابلان. وفي المقام يعمّ الحلال الواجب والمستحبّ والمباح، بل المكروه.

وبعبارة أُخرى : المراد به الجواز بالمعنى الأعمّ.

والطيّب معناه كلفظه معروف، وهو بمعنى ما تستلذّه النفس، وهو من الأُمور النسبيّة الإضافيّة التي تختلف باختلاف الأعصار والأمصار وسائر الجهات، فربّ طيّب عند القحط والغلاء، يكون من الخبيث عند السعة والرخاء، ولابدّ من الرجوع في تشخيصه إلى المتوسّطين من الناس الخارجين عن حدي الإفراط والتفريط، كما هو الشأن في جميع الموضوعات العرفيّة التي لم يرد تحديد وتقييد فيها.

نعم، لا ريب في خروج المحرّمات الشرعيّة عن الطيّبات، على فرض صدق الطيّب على بعضها عرفاً، لأنّ نهي الشارع يكشف عن خباثتها.

دلالة الآية الشريفة على قاعدة كليّة في حلّية الطيّبات

والآية الشريفة تدلّ على قاعدة كلية، وهى حلية الطيّبات التي تستطيبها الفطرة وتستلذّ بها النفس، وقد قرّر الشرع المبين تلك القاعدة، قال تعالى :

«الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النبيّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطيّبات وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِى أُنزِلَ مَعَهُ أَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ»(1).

فالآية الشريفة تنهى عن تحريم الطيّبات التى أحلّها اللّه تعالى أيّاً كان سبب التحريم، إمّا للتقشّف والتزهّد في الدُّنيا، أو الحلف واليمين على تحريمها

ص: 165


1- سورة الأعراف : الآية 157.

على النفس، أو بتشريع مقابل التشريع الإلهيّ أو غير ذلك، فإنّ ذلك كلّه حرام و خروج عن الفطرة، واعتداء على حرمات اللّه تعالى.

وإضافة الطيّبات إلى «مَا أَحَلَّ اللّه لَكُمْ» بيانيّة، وفيها إشارة إلى أنّ تحريم المؤمنين لما أحلّ اللّه نقض منهم لإيمانهم باللّه، وتسليم الأمر إليه، واعتداءٌ عليه في سلطانه، فتكون الجملة لبيان سبب النهي في قوله تعالى : «لَا تُحَرِّمُوا».

وكيف كان فإنّه يستفاد من الآية المباركة قاعدة عامّة فقهيّة، يتمسّك بها في كثير من الموارد ممّا يتعلّق بأفعال الإنسان، كالنوم والأكل والشرب والنكاح، وقد يطلقان على ما يشمل من متعلّقات أفعاله كالمأكولات والمشروبات، وما يستعمله الإنسان في قضاء حاجاته ومآربه، فإنّ جميع تلك حلال ويجوز الاستفادة منها، إلّا ما يرد التحريم من الشرع المبين، وهي من صغريات القاعدة الكلية المعروفة في الفقه، وهي : «كلّ شيء لك حلال حتّى تعرف الحرام بعينه»، التي تجري في كلّ الأشياء إلّا أنّ الآية الشريفة تختصّ بالطيّبات منها، ولكن المتعلّق عامّ يشمل كلّ تناول واستفادة، كما أنّ الآية المباركة اللّاحقة تختص بحلية أكل الطيّبات إلّا ما خرج بالدليل ونهى الشرع عنه. كما أنّ الآية الشريفة تنهى المؤمنين عن تحريم ما أحلّه اللّه لهم، إذ لم يكن لهم سلطة التشريع، فيكون تعدياً منهم على سلطانه عزّوجلّ، وهو ينا في الإيمان الذي هم عليه، ولعلّ التصدير بقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» لبيان ذلك كما عرفت.

المراد من الاعتداء في الآية الكريمة

قوله تعالى: «وَلَا تَعْتَدُوا».

تأكيد لما سبق، أي لا تعتدوا على حدود ما أنزل اللّه تعالى، وما أحلّه لكم حريمه من عند أنفسكم، وذكرنا أنّ هذا التحريم تارة التزام وإلزام، وأُخرى اقتراحيّ بإعفاء النفس عن الحلال الطيّب من دون مصلحة شرعيّة، «لأنّ اللّه يحبّ

ص: 166

أن يؤتى برخصه كما يحبّ أن يؤتى بعزائمه» كما ورد في الحديث، فيكون المراد من الاعتداء والتجاوز، الأعمّ من التجاوز التشريعيّ بالتحريم، أو الخروج عن الطاعة والتسليم اللّه عزّوجلّ.

وقال بعض المفسّرين : إنّ العموم المستفاد من حذف المفعول، يشمل الاعتداء بالتجاوز عن حدّ الاعتدال إلى حدّ الإسراف الضارّ بالجسد، والاعتداء بالتحريم. وبعبارة أُخرى : إنّه يشمل الاعتداء فى الشيء نفسه، والاعتداء يتجاوزه إلى غيره ممّا ليس من جنسه، وقد حذف المفعول ليشمل الأمرين.

وقال آخر : إنّ المراد من تحليل الحرام بعد النهي عن تحريم الحلال، يكون تأسّياً. وقيل غير ذلك، والجميع صحيح لا بأس به، ويمكن تطبيق الآية عليه بوجه،. إلّا أنّ الظاهر من الآية وسياقها ما ذكرناه، فالآية شأنها شأن الآيات الشريفة الواردة في ذيل آيات الأحكام الدالّة على أنّ الالتزام بما شرّعه اللّه تعالى طاعة له عزّوجلّ، والخروج عن التسليم والانقياد والالتزام بأحكامه اعتداء، ويكون تعدّياً مذموماً.

قال تعالى في ذيل آيات الإرث : «تِلْكَ حُدُودُ اللّه وَمَنْ يُطِعْ اللّه وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللّه وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ»(1).

وقال تعالى في ذيل آية الطلاق : «تِلْكَ حُدُودُ اللّه فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّه فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ»(2).

فإنّها تشمل جميع أنحاء الاعتداء الموجب للخروج عن طاعة اللّه تعالى

ص: 167


1- سورة النساء : الآية 13 - 14.
2- سورة البقرة : الآية 229.

والتسليم لأمره والانقياد له عزّوجلّ.

قوله تعالى : «إِنَّ اللّه لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ».

تعليل لما قبله، ونفي محبّة اللّه تعالى لشيء دليل على بغضه له، فهو لم يحبّ المعتدين المتجاوزين على شريعته وسنن فطرته بأيّ نحو كان هذا التجاوز، كما عرفت.

قوله تعالى: «وَكُلُوا ممّا رَزَقَكُمْ اللّه حَلَالاً طَيِّباً».

تخصيص بعد التعميم، وفيه التأكيد لمضمون الآية السابقة، وإرشاد إلى حلّية التمتّع بملذّات الطعام والشراب، ممّا يكون حلالاً طيباً، والجملة عطف على السابقة، فيكون الأمر فى قوله تعالى: «وَكُلُوا» للإباحة، لأنّه ورد بعدما يعتقد المنع والحظر، وذلك لما قيل من أنّ السبب في نزول هذه الآية، هو تحريمُ بعض المؤمنين في زمن نزول الخطاب الشريف طيّبات الماكولات على أنفسهم، فتكون الآيتان واردتين في النهي عن ذلك، إلّا أن الاختلاف بينهما هو في تعميم المتعلّق في الأولى، وتخصيصه في الثانية. ولكنّ الملاك واحدٌ، وهو إباحة الطيّبات من المأكولات وغيرها، وأنّ الجميع على حدّ سواء. ومن ذلك يستفاد أنّ المراد من الأكل هو المعنى الحقيقيّ، وهو مطلق الإزدراد من الأكل والشرب، لا مطلق التصرّف فيما رزقه اللّه تعالى من طيّبات نعمه، سواء كان بالأكل أو سائر وجوه التصرّف، كما هو الاستعمال الشائع في هذه الكلمة، إلّا أنّ الظاهر من الآية هو المعنى الحقيقيّ، والتعميم يستفاد من الآية السابقة كما عرفت.

وتعقيب النهى السابق بالأمر اللّاحق فيه من اللّطف ما لا يخفى، والتأكيد البليغ على حلّية الطيّبات، فإنّه تسجيل عمليّ للحكم السابق، ولو بإتيان بعض أفراد الطيّبات وقسم خاص من التصرفات وهو الأكل، لئلّا يخرجوا عن الشريعة

ص: 168

بالالتزام بتركها جميعاً، كما ذكرنا. وهذا المعنى يتحقّق ولو لم نقل بوجوب الأمر كما قال بعضهم، فيكون شأن الآية الكريمة شأن الآيات التي تأمر المسلمين والمؤمنين بأكل الطيّبات، قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطيّبات وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ»(1)، وقال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طيّباتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ»(2).

فإنّ امتثال النهى لا يكون إلا بترك التعرّض لأحكام اللّه تعالى، والاعتداء على حرماته، وفكّ ما يفرضه الإنسان على نفسه من الالتزام على ترك الطيّبات، وتثبيت ذلك إنّما يكون باقتراف بعض الأفعال المباحة التي قد يعرض عليها الوجوب والإلزام لبعض الجهات الخارجيّة، كما هو الشأن في كثير من الأفعال المباحة، فلا يستفاد من الأمر الوارد في هذه الآية الوجوب.

ما يستفاد من قوله تعالى: «وَكُلُوا ممّا رَزَقَكُمُ اللّه حَلَالاً طَيِّباً»

ومن جميع ذلك يستفاد أنّه لا فرق بين أن يكون قوله تعالى : «ممّا رَزَقَكُمْ» مفعولاً لقوله تعالى : «كُلُوا»، وقوله : «حَلَالاً طَيِّباً» حالين من الموصول، أو أنّ قوله : «حَلَالاً طَيِّباً» مفعولاً لقوله : «كُلُوا»، وقوله : «مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّه» متعلقاً بقوله : «كُلُوا» أو حالاً من الحلال قدّم عليه لأنّه نكرة، أو أنّ (حلالاً) وصفاً لمصدر محذوف، والتقدير : رزقاً حلالاً طيباً، إلى غير ذلك من الوجوه التي قال بكل واحد منها قائل، فإنّ الجميع صحيح وإن كان في بعضها تمحل.

ثمّ إنّ بعض المفسّرين استدلّ بقوله تعالى : «حَلَالاً»، على أنّ الرزق يشمل الحلال والحرام، إذ لو لم يقع الرزق على الحرام، لم يكن لذكر الحلال فائدة سوى التأكيد

ص: 169


1- سورة المؤمنون: الآية 51.
2- سورة البقرة : الآية 172.

والجواب عن ذلك بأنّ الفائدة لم تنحصر فيه، بل الإتيان به لبيان أنّه لم يكن عذر لمعتذر في ترك الطيّبات، والاجتناب عن الحلال، فالقيد لم يكن احترازيّاً، بل هو توضيحي، ولم تكن الآية في مقام البيان لهذه الجهة، والتفصيل موكول إلى محلّه.

المراد من اللّغو في الإيمان

قوله تعالى : «وَاتَّقُوا اللّه الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ».

تأكيد للامتثال واستدعاء للنفوس بأحسن وجه، فإنّ اتقاء سخط اللّه تعالى هو بالإيمان به في أحكامه المقدّسة، وعدم الاعتداء على حدوده في ما أحلّ ولا في ما حرّم.

قوله تعالى : «لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللّه بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ».

بيان لأحد المصاديق التي يمكن أن يلزم الإنسان به نفسه على إتيان فعل أو تركه، وقد يتعلّق بترك بعض الطيّبات والحلال، فاستحقّ ذكر أقسام اليمين وحكمها، ويؤيده بعض الروايات التي وردت لبيان شأن نزول هذه الآية.

واللّغو من الكلام : ما لا يعتدّ به، وفي الأيمان : ما لا عقد عليه، ولا يترتّب عليه أثر من الأعمال، كأنّه يجري في الكلام موصولاً بضرب من العادة وسبق اللّسان، والمراد به الحلف الخالى عن القصد الاستعماليّ الجديّ، وهذا المعنى يستفاد أيضاً من المقابلة في الآية الشريفة بينه وبين قوله تعالى : «بِمَا عَقَدْتُمْ الْأَيْمَانَ»، والأيمان جمع اليمين، وهو القَسَم والحلف تذكّر وتؤنّث، وقد تقدّم في سورة البقرة معناه، فراجع.

المراد بعدم المؤاخذة : عدم العقاب والكفّارة.

قوله تعالى: «وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الْأَيْمَانَ».

ص: 170

استدراك لبيان حكم الأيمان المُنعقدة التي صدرت عن القصد الجديّ والنية والعزم، فيجب البرّ بها ويحرم حنثها حينئذٍ، والتعقيد مبالغة في العقد، أي اليمين المعقود باللّسان والقلب معاً، فلا يقع إذا كان أحدهما دون الآخر. ومن هنا يستفاد ما ذكره الفقهاء، ودلّت عليه الأدلّة من اعتبار الصيغة المعنية في اليمين وعدم انعقاده بكلّ لفظ. وقرئ (عقدتم) بالتخفيف، كما قرئ (عاقدتم). والآية تدلّ على أنّ قسماً خاصّاً من الأيمان يكون بترك الوفاء بها مورد المؤاخذة والكفّارة، وهو ما وقع عن قصد جديّ ونيّة وعزم. وفي غير هذا القسم لا مؤاخذة ولا عقاب في تركه، ولابدّ أن يقيّد اطلاق الآية الكريمة بما ورد في السنّة الشريفة في بيان شروط انعقاد اليمين التي يكون فقدها موجباً لإلغائه أيضاً.

والمعنى: ولكن يؤاخذكم بتلك الأيمان التي صدرت عن نيّة وعزم وقصد جديّ إذا حنثتم، أو يقال : ولكن يؤاخذكم إذا نكثتم الأيمان، فحذف للعلم به ودلالة سياق الكلام عليه، وما سيأتي من التفريع، والضمير راجع إلى الحنث المعلوم، فيكون المراد من الكفّارة المعنى المصدريّ.

كفّارة الحنث في الايمان

قوله تعالى: «فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ».

مادة كفر تدلّ على ستر الشيء، والكفّارة ما يغطى الإثم وتستر الذنب، ولا تستعمل إلّا في الذنب إلا في بعض الموارد، وتكفير اليمين : فعل ما يجب بالحنث فيها، ومنه يعرف وجه التفريع على اليمين، فإنّه باعتبار المتعلّق وهو الحنث الذي هو معصية تتعلّق بها الكفّارة، فيكون الأمر بالحفظ في ذيل الآية الكريمة : «وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ» هو البرّ بها وعدم نكتها لئلّا يقع في الحنث المحرّم الذي تترتب عليه الكفّارة، وإلّا فنفس اليمين لم تكن محرمّة.

والكفّارة في المقام مخيّرة، كما هو ظاهر الآية الشريفة، وتدلّ عليه بعض

ص: 171

النصوص، والخصال في كفّارة اليمين أربعة وهي: الإطعام، والكسوة، والعتق، والصيام والتخيير في الخصال الثلاث الأُولى، والترتيب في الصيام فإنّه مترتّب على العجز عن الإتيان بواحدة منها، كما ستعرف.

و (إطعام) مصدر مضاف لمفعوله بتقدير حرف وفعل والفاعل محذوف، أي فكفّارته أن يطعم الحالف الحانث عشرة مساكين، لكلّ مسكين مدّاً من الطعام، إمّا بتسليمهم، أو إحضارهم وتقديم الطعام إليهم ليأكلوا لصدق الإطعام عليهما.

وظاهر الآية كونه من البر أو الشعير، وتدلّ عليه بعض الأخبار، وإن زاد فهو خير.

قوله تعالى : «مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ».

الجار والمجرور منصوب المحلّ صفة لمصدر محذوف، أي طعاماً من أوسط، أو خبر لمبتدأ محذوف، أي طعامهم من أوسط، أو منصوب المحلّ على أنّه مفعول ثان لإطعام الذي ينصب مفعولين، أي طعاماً كائناً من أوسط.

و (ما) إمّا مصدريّة، أو موصولة إسميّة والعائد محذوف.

و(الأهلون) جمع الأهل، كأرض وأرضون، على خلاف القياس، فإنّ شرط هذا الجمع أن يكون علماً أو صفة.

والأهل اسم جامد كذا قيل، ولكن فيه نظر يُرجع إلى كتب النحو، وقُرى (أهاليكم) وهو المنسوب إلى الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، كليال جمع ليلة، وقيل : أحدهما ليلاه وأهلاه.

والمسكين معروف وهو الفقير، والمعنى : إطعام كلّ مسكين طعاماً كائناً من أوسط الأنواع التي يطعمه أهله إلّا في المقدار، فإنّه محدود بالمد، وإن زاد فهو خير، وإن كان مراعاة الأمرين - أي النوع والمقدار – أولى.

ص: 172

قوله تعالى: «أَوْ كِسْوَتُهُمْ».

عطف يدلّ على التخيير كما هو الظاهر، ويدلّ عليه قول أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «كلّ شيء في القرآن (أو) فصاحبه بالخيار»، وهو عطف على إطعام. وقال الزمخشريّ : إنه عطف على محلّ من (أوسط)؛ لأنّه بدل عن الإطعام، والبدل هو من المقصود، ولأنّ الكسوة اسم لنحو الثوب وليس بمصدر، فلا يليق عطفه على المصدر السابق، وكلا الأمرين ليس بشيء كما هو واضح، فإنّ الكسوة إمّا مصدر كما قاله جمعٌ، أو يضمر مصدر كالإلباس ونحوه.

وإطلاق الآية الشريفة يدلّ على كفاية مسمّى الكسوة عند العرف جنساً وقدراً، وهي الثوب الذي يواري العورة من الجنس المتعارف على قدر المكسو، وإن كانت مستعملة، ولا تجزي القيمة، كما هو الظاهر. وقرأ بعضهم : (أو كسوتهم) بضمّ الكاف من الأُسوة بمعنى القدوة، والكاف حرف جر خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير : أو طعامهم كأُسوة أهليكم.

وعلى هذا يكون التخيير بين الإطعام والتحرير. ولكن القراءة شاذّة والروايات عند الإماميّة تنفيها.

قوله تعالى : «أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ».

خصلة ثالثة، وهي عتق الرقبة بنية الكفّارة الشاملة للذكر والأُنثى، والصغير والكبير، والإطلاق يشمل الكافر أيضاً، وإن كان في كفّارة القتل مشروطة بالإيمان، ولأجله ذهب جمع إلى الاشتراط في المقام أيضاً لجملة من الوجوه المذكورة في كتب الفقه، فراجع كتابنا (مهذب الأحكام)، ويأتي في البحث الفقهيّ تتمّة الكلام.

وهذه الخصال الثلاث إنّما يدلّ الترديد فيها على تعيين إحداها عند الحنث،

ص: 173

من غير جمع، ولا لزوم مراعاة الترتيب بينها، كما يدلّ عليه الآتي من قوله عزّ وجلّ.

قوله تعالى: «فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ».

خصلة رابعة مترتّبة على فقد الثلاث المذكورات، وعدم وجدانها الأعمّ من الأثمان أيضاً، ولو كانت هذه الخصلة مثل سابقتها على التخيير لما كان وجه للتفريع في قوله : «فَمَنْ لَمْ يَجِدْ»، وكان السياق أن يقال : (أو صيام ثلاثة أيام)، وظاهر الآية الشريفة التوالي فيها.

قوله تعالى : «ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ».

تأكيد لما سبق، أي ذلك الذي ذكر من الخصال على الوجه المتقدّم كفّارة أيمانكم إذا حلفتم وحنثتم، والإلتفات من خطاب المؤمنين إلى خطاب النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ )، لبيان أنّه الواسطة فى التبليغ، وحفظ مقامه الرفيع في بيان الأحكام الإلهيّة.

قوله تعالى : «وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ».

أي : احفظوها من الحنث، وراقبوا أنفسكم بالبرّ بها، وادرأوا عنها المؤاخذة بالكفّارة، وعموم الآية الكريمة يشمل الحفظ على الوجه الذي حلف، والكيفيّة التي ألزم بها النفس، والحفظ بأن تكون ممضاة شرعاً، فإنّ اليمين غير الممضاة في الشرع لا أثر لها، فيجب أن يكون المحلوف راجحاً شرعاً، كما يشمل الحفظ عدم الابتذال في اليمين بأن يحلف في كلّ أمر، فإنّ كثرتها مكروهة، أي أحفظوها ولا تجعلوها في كلّ أمر.

قوله تعالى : «كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّه لَكُمْ آيَاتِهِ».

أي : بمثل ذلك البيان البديع، يبيّن اللّه لكم بواسطة رسوله الكريم ما

ص: 174

تحتاجون إليه من الأحكام وإعلام شرايعه.

قوله تعالى : «لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ».

على نزول الأحكام الإلهيّة وبيانها بأحسن وجه، فإنّها نزلت لاستكمال النفوس وسعادة الإنسان، فيجب شكرها قولاً، وفعلاً بتعلّمها والعمل بها.

***

ص: 175

بحوث المقام

بحث أدبي : وفيه ما يتعلّق بإعراب بعض الكمالات في الآية الشريفة

بحث أدبيّ:

تقدّم أنّ (حلالاً) في قوله تعالى : «وَكُلُوا ممّا رَزَقَكُمْ اللّه حَلَالًا طَيِّباً» مفعول به ل(كلوا)، و«مِمَّا رَزَقَكُمْ اللّه» إمّا حال، وقد كان في الأصل صفة، إلّا أن صفة النكرة إذا قدّمت صارت حالاً على حدّ (لمَيَّةَ مُوحْشاً طَلَلُ)، أو متعلّق ب(كلوا) و(من) ابتدائية، و (حلالاً) حال من الموصول أو من عائدة المحذوف، أو صفة لمصدر محذوف، أي أكلاً حلالاً.

و (فى أيمانكم) متعلّق باللّغو كما عرفت، فإنّ اللّغو في الإيمان هو عنوان مستقلّ، وقيل متعلّق بمحذوف وقع حالاً منه، أي كائناً أو واقعاً في أيمانكم، وقيل غير ذلك، ولكنّه غير سديد.

وذكرنا أنّ المراد من الكفّارة في قوله تعالى : «فَكَفَّارَتُهُ» المعنى المصدري أي : الفعلة التي من شأنها أن تكفّر عن الذنب الحاصل من الحنث، وفعالاً يستوي فيه المذكّر والمؤنّث، إلّا إذا حذف موصوفه فيؤنّث للمؤنّث، كمررت بقتيلة بني فلان، ولا يقال : قتيل، للالتباس. والتاء منها إمّا للنقل، أو للمبالغة.

وذكرنا ما يتعلّق بقوله تعالى : «مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ» أنّ محلّ الجار المجرور إمّا النصب على أنّه صفة مفعول ثانٍ للإطعام، لأنّه ينصب مفعولين، أو أنّه صفة مصدر محذوف، وقيل : إنّ محلّة الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي طعامهم من أوسط، واحتمل أن يكون بدلاً من إطعام، واعترض عليه بأنّ البدل لا يتصوّر هنا. وأُجيب عنه بوجوه مذكورة في المفصّلات.

و (ما) إمّا مصدريّة، أو موصولة والعائد محذوف.

ص: 176

وقوله تعالى : «أَوْ كِسْوَتُهُمْ» عطف على إطعام، واختار الزمخشري أن يكون عطفاً على محلّ ( من أوسط). وأُشكل عليه بوجوه، راجع الكتب المفصّلة.

***

بحث دلالي : وفيه ما يستفاد من الآيات الكريمة

بحث دلالي:

تدلّ الآيات الشريفة على أُمور :

الأوّل : يدلّ قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طيّبات مَا أَحَلَّ اللّه لَكُمْ» على أن خلق الطيّبات إنّما كان لأجل المؤمنين، وأن الغاية من خلقها انتفاعهم بها، فهي مختصة بهم، وانتفاع غيرهم بها يتمّ ببركة المؤمنين، فهم واسطة الفيض على غيرهم، فإذا كان الأمر كذلك، فلا مبرر فإذا كان الأمر كذلك، فلا مبرر لامتناع أهل الإيمان من الانتفاع من الطيّبات التي خصها اللّه تعالى بهم وأحلّها لهم، فيكون النهى إرشاداً إلى هذا الأمر، أو إلى ما ارتكز في الفطرة من الاشتياق إلى التمتّع بالطيّبات ومحبوبيتها للنفس، فلا يكون النهي مولوياً، بحيث يكون الطيّبات حراماً والاستمتاع بها واجباً، بل يحمل على التنزيه فيختلف حسب الأُمور الطارئة عليه، فقد يكون حراماً إذا تجاوز الحدّ وأضر بالجسد، وقد يكون واجباً إذا توقّف أمر واجب عليه، وقد يكون مستحبّاً، إلّا أنّ أصل الامتناع يكون مكروهاً بحدّ نفسه، وحينئذٍ يحمل قوله تعالى : «وَلَا تَعْتَدُوا» على التجاوز على حدود ما أنزله اللّه تعالى بجميع الخصوصيات، كماً وكيفاً ومن سائر الجهات، ويشهد لما ذكرناه جملة من القرائن والشواهد.

الثاني : إنما خصّ عزّ وجلّ الطيّبات، وإلّا فإنّ جميع ما في الأرض قد أحلّها للمؤمنين، قال تعالى: «هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً»، وعليه اعتمد الفقهاء في تأسيس القاعدة المعروفة في الفقه - وهي قاعدة الحلّية - لأن النفس إلى الطيّبات أميل، فيكون ذكرها ادعى إلى الالتزام بما ورد في الآية من الأحكام

ص: 177

وعدم الحجّة في تركها، وهي عامّة تشمل جميع الموارد من المأكول والمشروب والملبوس، وغير ذلك من وجوه الانتفاع والمستلذّات من الحلال.

الثالث : يدلّ قوله تعالى : «وَلَا تَعْتَدُوا» على النهي عن الاعتداء على حرمات اللّه تعالى بجميع أنحاء الاعتداء، سواء في النيّة أم القول أم الفعل.

والأوّل بأن يلتزم على ترك الشيء، ويعقد العزم على الابتعاد عن الطيّبات التى أحلّها تعالى، ويلزم نفسه على تحريم الحلال أو تحليل الحرام، وهذا هو التشريع المنهي عنه، ومن صغريات التعدّي على الحرمات وأحكام اللّه عزّوجلّ.

وأمّا الاعتداء فى القول والفعل، فأمرهما معلومان، ويستفاد منه التشديد في الأحكام، فليس لأحد التصدّي للافتاء، ولم يكن له حق في كلّ ذلك، فإنّ كلّ ذلك من مصاديق الاعتداء، واللّه لا يحبّ المعتدين.

الرابع : يدلّ قوله تعالى: «وَكُلُوا ممّا رَزَقَكُمْ اللّه حَلَالاً طَيِّباً» على حلّية أكل الطيّبات وحرمة غيرها، فإذا تبيّن كونه من الطيّبات حلّ أكله، كما أنّه لو تبيّن كونه من الخبائث يكون حراماً، وإذا اشتبه يرجع إلى الأوسط من العقلاء في تعيين أحد الأمرين فيتبع حينئذٍ، كما هو مفصّل في الفقه، فراجع كتابنا (مهذّب الأحكام).

ومن ذلك يعرف أن الأمر يدلّ على الإباحة التي قد تتغيّر بالأُمور الثانويّة اللّاحقة. ثمّ إنّ الآية الكريمة هى الحدّ الفاصل في ما يقع في الخارج من التصرّفات التي لم تكن مطابقة للشرع الحنيف، ولكن يدّعى أنّها لترويض النفس، أو للتزهّد، ونحو ذلك من المعاذير التي تشدّق بها بعض المتصوفة، فإنّها تنافي هذا الحكم الإلهيّ الذي يكون في اتّباعه تزكية النفس، ويكون في المخالفته الاعتداء الذي يحرم محبّة اللّه تعالى، التي هي أساس كلّ كمال.

الخامس : يستفاد من قوله تعالى : «وَاتَّقُوا اللّه الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ»، أَنَّ كلَّ

ص: 178

التزام خلاف ذلك الذي ذكر سبحانه وتعالى في صدر الآية، يكون خلاف التقوى التي يدعوا إليها الإيمان باللّه، بلا فرق بين أن يكون ذلك على نحو التشريع أو إلزام النفس به، أو على نحو العهد واليمين من الإنسان على ترك الأكمل من الطيّبات.

السادس : يستفاد من قوله تعالى : «وَكُلُوا ممّا رَزَقَكُمْ اللّه» أنّ الأمر يتعلّق بمطلق الرزق الذي يكون طيباً كما عرفت، ولا ربط للآية الكريمة بمسألة أنّ الرزق يطلق على الكسب الحلال فقط، أم يشمل الحرام أيضاً، فإنّها ليست في مقام بيان هذه الجهة، بل يدلّ على أنّ الحلال الطيّب هو الذي ينبغي أن يؤكل، ولا يقبل التعذّر والتعلّل في تركه والاجتناب عنه.

السابع : يدلّ قوله تعالى : «لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللّه بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ». على أنّ الإيمان على قسمين :

قسم لا يترتّب عليه الأثر، ولا يوجب الحنث الكفّارة، وهو اليمين اللَّغوي الذي يصدر من الإنسان من دون عقد القلب ولا نيّته، وهي الأيمان المسترسلة التي تصدر من الإنسان من دون فكر ولا رويّة، فهذه لا يترتّب عليها الأثر من الإلزام والالتزام، وإن كانت مكروهة، كما ورد في قوله تعالى: «وَلَا تَجْعَلُوا اللّه عُرْضَةً لِإِيْمَانِكُمْ» من النهى عن الاسترسال فى الحلف عن كلّ شيء.

والقسم الثاني : هو اليمين الصادر عن نيّة وعقد القلب، ممّا يستوجه الالتزام به، وأنّ حنثه يوجب الكفّارة، وهو الذي ذكره عزّوجلّ في آية البقرة : «وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ»(1)، فالمؤاخذة إنما تكون على الحنث وعدم الالتزام باليمين. ومن هنا يظر الوجه فى تفريع قوله «فَكَفَّارَتُهُ» على ما قبله، كما

ص: 179


1- سورة البقرة : الآية 225.

عرفت في التفسير.

ثمّ إنّه يستفاد من الآيات الشريفة أحكام فرعيّة سنذكر المهمّ منها في البحث الفقهيّ ان شاء اللّه تعالى.

***

بحث روائي : يذكر فيه الأحاديث في شأن الآيات الكريمة

بحث روائي

القمّي في «تفسيره»، في قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طيّبات مَا أَحَلَّ اللّه لَكُمْ» قال : حدّثني أبي عن ابن أبي عمير عن بعض رجاله، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : «نزلت هذه الآية في أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وبلال وعثمان بن مظعون، فأمّا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فحلف أن لا ينام بالليل أبداً، وأمّا بلال فقد حلف أن لا يفطر بالنهار أبداً، وأمّا عثمان بن مظعون، فإنّه حلف أن لا ينكح أبداً.

فدخلت امرأة عثمان على عائشة، وكانت امرأة جميلة، فقالت عائشة : ما لى أراك متعطّلة، قالت : ولمن أتزين ؟ فواللّه ما قربني زوجي منذ كذا وكذا، فإنّه قد ترهّب ولبس المسوح، وزهد في الدُّنيا. فلما دخل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) أخبرته عائشةُ بذلك، فخرج فنادى : الصلاة جامعة، فاجتمع النّاس، فصعد المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّ قال : ما بال أقوام يحرّمون على أنفسهم الطيّبات؟ إلّا إنّى أنام بالليل وأنكح وأفطر بالنهار، فمَن رغب عن سنتي فليس منّي، فقام هولاء، فقالوا : يا رسول اللّه قد حلفنا على ذلك، فأنزل اللّه عليه : «لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللّه بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَدْتُمْ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ».

أقول : رواه في «المجمع» باختصار، أما حلف علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فإمّا هو لأجل تعليم المؤمنين وكان قبل نزول التشريع، أو كان مع نيّة الاستثناء بمشيئة اللّه، فلا حنث،

ص: 180

وإلّا فإنّ الحلف على الأُمور التي من الطيّبات أمر مرجوح في حدّ نفسه، وبذلك يمكن الجواب عمّا يقال من أن متعلّق حلف أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعدم النوم بالليل وبلال من صيام النهار أمر راجح، فكيف يكون من اللّغو، ولا نحتاج إلى التكلّف في الجواب بوجوه لا تخلو من المناقشة كما هو واضح، إلّا أنّ إطلاق اللّغو على أيمانهم حينئذٍ فيه نوعٌ من الخفاء إلّا بضرب من التأويل ليشمل كلّ حلف باطل، سواء كان لأجل فقد النية والعزم، أو لأجل فقد بعض الشروط المطلوبة لانعقاد اليمين في الشرع المبين، فراجع.

ثمّ إنّ قوله في امرأة عثمان : «وكانت امرأة جميلة» إمّا لبيان شدّة التزام عثمان بن مظعون، أي مع كونها امرأة جميلة تشتاق إليها النفس، فقد حلف على عدم مقاربتها والتزم بذلك، أو لأجل بيان فظاعة هذا الحلف الذي يكون على خلاف الفطرة، ويشهد لذلك قول الرسول الكريم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) : «ما بال أقوام يحرمون على أنفسهم الطيّبات»؟!

في «الدّر المنثور» أخرج ابن جرير عن ابن عبّاس، قال : لما نزلت : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طيّبات مَا أَحَلَّ اللّه» في القوم الذين حرّموا النساء واللّحم على أنفسهم، قالوا : يا رسول اللّه، كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها؟ فأنزل اللّه :

«لَا يُؤَاخِذُ كُمْ اللّه بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ».

أقول : تقدّم أنّ إطلاق اللّغو على مثل هذه الأيمان التي وقعت عن عقد القلب ونيّة وعزم نوع خفاء، فإنّ الآية الشريفة تجعل الأيمان اللّغويّة مقابل الأيمان التي وقعت عن نيّة وعزم، فلا تشمل الأيمان التي تقع على شيء مرجوح شرعاً، مع النّية والعزم وإن كانت باطلة بحكم الشرع الذي دلّت عليه السنّة الشريفةُ، فلابدّ من التأويل والمجاز إن قام الدليل عليه.

وفيه أيضاً : أخرج الترمذيّ وحسنه ابن جرير وابن أبي حاتم وابن عدي

ص: 181

في «الكامل»، والطبرانيّ وابن مردويه عن ابن عبّاس : «أنّ رجلاً أتى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) فقال : يا رسول اللّه، إنّي إذا أكلت اللّحم انتشرت للنساء فأخذتني شهوةٌ، وإنّى حرّمت عليَّ اللّحم، فنزلت: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طيّبات مَا أَحَلَّ اللّه».

أقول : الحديث وإن سلم عن الإشكال المذكور في الرواية المتقدّمة في الحلف، لكنّه يشمل جميع أسباب التحريم، سواء أكان عن حلف أم التزام نفسيّ أ غير ذلك، كما عرفت في التفسير.

وفيه : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم : «أنّ عبد اللّه بن رواحة ضافه ضيف من أهله وهو عند النبىّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ )، ثم رجع إلى أهله فوجدهم لم يطعموا ضيفهم انتظاراً له، فقال لامرأته : حبستي ضيفي من أجلي، هو حرام عليَّ، فقالت امرأته : هو عليّ حرام، وقال الضيف : هو عليّ حرام، فلما رأى ذلك وضع يده، وقال : كلوا بسم اللّه، ثم ذهب إلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ )$، ثم ذهب إلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) فأخبره فقال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) : «قد أصبت»، فأنزل اللّه: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طيّبات مَا أَحَلَّ اللّه»».

أقول : الروايةُ تبيّن سبباً آخر لنزول الآية الكريمة، مضافاً إلى الأسباب المذكورة في الروايات المتقدّمة، ويمكن أن تكون لآية واحدة أسباب متعدّدة كما لا يخفى، ويأتى فيها ما ذكرناه آنفاً في الرواية السابقة. وفي رواية «المجمع» خلاصة ما ورد في أسباب نزول الآية الكريمة، فقد جمع من كلّ حديث جزءاً منه وأودعه في هذه الرواية.

في «المجمع » : في الآية، قال المفسّرون: «جلس رسول اللّه $4 يوماً فذكر الناس ووصف القيامة، فرّق الناس وبكوا، واجتمع عشرة من الصحابة في بيت عثمان بن مظعون الجمحّي، وهم عليّ وأبوبكر وعبداللّه بن مسعود و أبو ذر الغفاريّ وسالم ومعقل بن مقرن، واتّفقوا على أن يصوموا النهار ويقوموا الليل، ولا يناموا على الفرش ولا يأكلوا اللّحم ولا الودك، ولا يقربوا النساء والطيب،

ص: 182

ويلبسوا المسوح ويرفضوا الدُّنيا ويسيحوا في الأرض، وهَمَّ بعضهم أنْ يَجُبَّ مذاكيره، فبلغ ذلك رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) فأتى دار عثمان فلم يصادفه، فقال لامرأته أُمّ حكيم : أحقّاً ما بلغني عن زوجك وأصحابه ؟ فكرهت أنْ تكذّب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) وكرهت أن تبدي على زوجها، فقالت : يا رسول اللّه، إن كان أخبرك عثمان فقد صدقك، فانصرف رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ). فلمّا دخل عثمان أخبرته بذلك، فأتى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) هو وأصحابه، فقال لهم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) : ألم أنبئكم أنكم اتّفقتم على كذا وكذا؟ قالوا : بلى يا رسول اللّه وما أردنا إلّا الخير، فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) : إنّي لم أؤمر بذلك، ثمّ قال : إنّ لأنفسكم عليكم حقاً، فصوموا وافطروا وقوموا وناموا، فإنّى أقوم وأنام وأصوم وأفطر وآكل اللّحم والدسم وآتي النساء، ومَن رغب عن سنّتي فليس منّى. ثم جمع الناس وخطبهم وقال : ما بال أقوام حرّموا النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات الدُّنيا، أما إنّي لست آمركم أن تكونوا قسّيسين ورهباناً، فإنّه ليس فى دينى ترك اللّحم ولا النساء ولا اتّخاذ الصوامع، إنّ سياحة أُمّتى الصوم، ورهبانيّتهم الجهاد، اعبدو اللّه ولا تشركوا به شيئاً، وحجّوا واعتمروا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان واستقيموا يستقيم لكم، فإنّما هلك مَن كان قبلكم بالتشديد، شدّدوا على أنفسهم فشدّد اللّه عليهم، فأُولئك بقاياهم في الديارات والصوامع فأنزل اللّه الآية».

أقول : عرفت أنّ هذه الرواية هي أجمع الروايات الواردة في شأن نزول الآية الكريمة، ومفصّلة لبعض ما ورد من الإجمال في الروايات الأُخرى، كما في ذكر أسماء وأصحاب عثمان بن مظعون، وكذلك في خطبة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ )، فهي جمعت شتات ما ورد فى روايات أُخرى.

وكيف كان، فإنّ مضمونها واقع في الجملة، وإنّ بعض الصحابة قد وقع منهم ذلك، واللّه العالم.

ص: 183

في «الكافي»: عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبداللّه الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قول اللّه عزّ وجلّ : «لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللّه بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ» قال : «اللّغو قول الرجل : لا واللّه وبلى واللّه، ولا يعقد على شيء».

أقول : روى قريب منه العيّاشي في «تفسيره»، والمراد بها الأيمان المسترسلة التي لم تصدر عن القَصد الجديّ، بل تسبق اللّسان للتعوّد عليها، ويدلّ عليه ما رواه الشيخ الطوسي عن صفوان بن يحيى، عن موسى بن جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الرجل يحلف وضميره على غير ما حلف عليه، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «اليمين على الضمير».

وفيه أيضاً : عن أبي حمزة، قال: «سألت أبا عبداللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عمّن قال : واللّه، ثمّ لم يفِ؟ فقال أبو عبداللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : كفّارته إطعام عشرة مساكين مداً مداً من دقيق أو حنطة، أو تحرير رقبة، أو صيام ثلاثة أيّام متوالية إذا لم يجد شيئاً من ذي».

أقول : يبيّن الحديث نوع الطعام وهو المشهور، والتوالي في الصيام وهو الظاهر من الآية الشريفة، وترتّب الصيام على فقدان الطعام وعدم التمكّن منه، كما هو منصوص في الآية الكريمة

في «تفسير العيّاشي»: عن أبي بصير : في قوله تعالى: «مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ» قال: «قوت عبالك، والقوت يومئذٍ مُدّ، قلت : أو كسوتهم، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ثوب».

أقول : مضمونه موافق للمشهور بين الإماميّة، وقد ورد في الإطعام مُدان وأن يضمّ إليه الأدام، كالخلّ والزيت واللّحم. وفى الكسوة ثوبان، فتحمل كلّ ذلك على الاستحباب والأفضليّة، والتفصيل فى الفقه، وسيأتى فى البحث الفقهيّ بعض الكلام.

**

بحث فقهي : فيه ذكر القاعدة المذكورة في الفقه من حلية الطيّبات

إشارة:

بحث فقهي:

تشتمل الآيات الكريمة على جملة من الأحكام الفرعيّة الشرعيّة، نذكر

ص: 184

المهم منها ونحيل البقية إلى كتب الفقه، وهي :

حلّية أكل الطيّبات

الأوّل: حلّية الطيّبات التي تدلّ عليها الأدلّة الأربعة، ولا ريب أنّ المعلوم من الحكمة المتعالية الإلهيّة حلّية الطيّبات، وحرمة الخبائث في هذا النظام الكيانيّ الموافق للنظام العمليّ الربانيّ، الذي تحيّرت العقول في حسنه وكماله وتمامه، ولا يتوهّم نظام أحسن ولا أكمل ولا أتمّ منه، ولو فرض توهّم ذلك فهو يرجع إلى قصور في المدرِك (بالكسر)، لا نقص في المدرَك (بالفتح)، وبعد كون الحكم من العقليات بالنسبة إلى حكمة الحكيم المطلق لا وجه للتفصيل بذكر الآيات والروايات؛ لأنّ كلّها إرشاد إلى حكم العقل، فالآية الشريفة : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طيّبات مَا أَحَلَّ اللّه لَكُمْ» إرشاد إلى ما ارتكز في النفوس من حلّية الطيّبات، وأن تركها ينا في الفطرة، إلّا إذا كان هناك غرض شرعيّ أهمّ يوجب ترك الطيّبات، فيدور الأمر بين الأهمّ والمهمّ، فيحكم العقل بتقديم الأهمّ حينئذٍ؛ لما حكم بحلّية الطيّبات، والمستفاد من الآية الكريمة مفروغيّة الحكم في حلية الطيّبات، إنّما تنهى عن تحريم الإنسان، فإنّه تشريع باطل، وتدخّل في سلطان اللّه عزّوجلّ، وقد فصّل الشرع المبين الطيّبات فى جميع مجالات الحياة، المأكل الملبس والنكاح والنوم، بحيث لا يدع مجالاً للشكّ والترديد، وخلاف ذلك يكون من التشريع المحرّم، ويدلّ على ما ذكرنا ما رواه العيّاشي عن عبداللّه بن سنان، قال: «سألته عن رجل قال لامرأته : طالق أو ممالكيه أحرار إن شربت حراماً أو حلالاً؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : أمّا الحرام فلا يقربه حَلَفَ أو لم يحلف، وأمّا الحلال فلا يتركه، فإنّه ليس له أن يحرّم ما أحلٌ اللّه ؛ لأنّ اللّه يقول : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طيّبات مَا أَحَلَّ اللّه لَكُمْ»، فليس عليه شيء في يمينه من الحلال».

فإنّه بعد وضوح الأمر، وبيان الحلال والحرام، وأن الخبائث يجب الاجتناب عنها، والطيّبات لا يجوز تركها وتحريمها، فكلّ حكم على خلاف ذلك يكون من التشريع المحرّم الباطل.

ص: 185

الثاني : يستفاد من قوله تعالى: «وَكُلُوا ممّا رَزَقَكُمْ اللّه حَلَالاً طَيِّباً» على حلّية أكل الطيّبات بالخصوص، التي يستدلّ بها الفقهاء في باب الأطعمة والأشربة، وإن كانت هذه القاعدة من صغريات القاعدة المعروفة في الفقه، وهي قاعدة الحلّية التي تجري فى كل الأشياء إلا ما خرج بالدليل، ودلّت عليها النصوص الكثيرة، وكذا جميع الآيات التي تدل على إباحة الطيّبات، فإنّها تدلّ على أصالة إباحة كلّ ما ينتفع به إذا خلى من المفسدة. والطيّبات إمّا أن يرد من الشرع المبين في بيانها شيء فيتبع لا محالة، وكذا إذا عيّنها العرف، وإمّا إذ شكّ في مورد أنّه من الطيب، فإنّ القاعدة تقتضي الرجوع إلى أصالة الإباحة والحلّية، والتفصيل يطلب من الفقه، فراجع.

الثالث : يدلّ قوله تعالى : «لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللّه بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ». على أنّ اللّغو في الأيمان لا حكم لها، إلّا أنّه إذا تمّت المقابلة بينه وبين صحيح الأيمان من حيث ترتّب الكفّارة على حنث الأخيرة، أنّ الأولى إنّما يكون حكمها من حيث الكفّارة أيضاً، فيبقى نفس الحلف اللّغوى على الإباحة لا يستفاد من هذه الآية حكمه، لكن قوله تعالى : «وَلَا تَجْعَلُوا اللّه عُرْضَةٌ لاَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا» يدلّ على مرجوحيّة الحلف مطلقاً.

ما يتعلّق بكفّارة حنث اليمين

الرابع : تدلّ الآية الكريمة على أنّ كفّارة اليمين مخيّرة ومرتّبة كما عرفت، ولابدّ في الكفّارة من النية المشتملة على قصد العمل وقصد القربة - لأنّ الكفّارة عبادة - وقصد كونه عن الكفّارة.

ويتحقّق عدم الوجدان بالنسبة إلى الإطعام والكسوة والعتق بالعرفيّ منه، وهو يختلف باختلاف الأشخاص والأزمنة والأمكنة، وهذا هو المستفاد من إطلاق قوله تعالى : «فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ»، ويعتبر التوالي في الثلاثة لظاهر الآية الكريمة، ويتخيّر في الإطعام الذي يكون المناط فيه الإشباع بين إشباع المساكين أو تسليمهم الأثمان، كما يجوز التبعيض، ولا يتقدّر الإشباع

ص: 186

بمقدار، بل المدار على أن يأكلوا بمقدار شَبَعهم، قلّ أو كثر، كلّ ذلك لإطلاق الآية الكريمة والنصوص الخاصّة.

وأمّا التسليم فلابدّ أن يكون بمقدار مُدّ من الطعام لا أقلّ، والأفضل مدان، كما دلّت عليه بعض النصوص كما عرفت. ولا بد فيهما من كمال العدد، ولا يجزي التكرار على واحد، لظاهر الآية الكريمة.

ويجزي من الإشباع كلّ ما يتعارف التغذيّ والتقوّت لغالب الناس، من أصناف الأطعمة والخبز من أيّ جنس كان، ويكفي الخبز وإن كان مع الأدام كان أفضل لبعض النصوص. ففي الخبر قال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «الوسط الخلّ والزيت وأرعفة الخبز واللّحم، والصدقة مدّ من الحنطة لكلّ مسكين»، وتقدّم بعض النصوص، فراجع.

ويتساوى الكبير والصغير في الإطعام على المسكين، لظاهر الإطلاق، اللّهمَّ إلّا إذا كان الصغار منفردين من دون اختلاط مع الكبار، فلابدّ من إشباع ضعف العدد، ففى المقام عشرين مسكيناً، لبعض النصوص.

وأمّا الكسوة فالمناط منها ما يعدّ لباساً عرفاً؛ للمنساق من ظاهر لفظ الكسوة والثوب الوارد في النصوص، والظاهر منها كونه مخيطاً، من غير فرق بين الجديد وغيره، ما لم يكن منخرقاً وبالياً؛ للإطلاق، ولابدّ من العدد في المكسو أيضاً، فلا يجزى،التكرار، ولا فرق بين الصغير والكبير ما لم يتناه في الصغر، كلّ ذلك لإطلاق الآية الكريمة، وظاهرها عدم اعتبار القيمة، بل لابدّ من بذل العين. والمعتبر فى الرقبة أن يكون مسلماً مطلقاً، فلا يجزى الكافر؛ لظاهر الإطلاق، وللنصوص. هذا موجز الكلام والتفصيل يطلب من الفقه، راجع كتابنا (مهذّب الأحكام).

***

ص: 187

بحث عرفاني : يتعلّق بعلم التوحيد وعلم الفقه

بحث عرفاني:

الآيات الشريفة المتقدّمة وإن كانت في بيان بعض الأحكام الفرعيّة العمليّة التي هي من الكمالات الإنسانيّة، والعمل بها يوجب الاستعداد والتهيؤ لتلقّي الفيوضات الربانيّة، وتصفية النفس من الكدورات والرذائل المعنويّة والظاهريّة إلّا أنّها تهدف إلى إعداد المؤمن علميّاً وعمليّاً، وجعله في مسيره الاستكمالي حتّى بعد الموت، فإنّ الأحكام الإلهيّة العمليّة محدودة بحياة الإنسان المكلّف، وتنقطع بعد الموت، ولكن الذي يفيد بعد ذلك صفاء النفس وكمالها ونورها، التي أكتسبها الإنسان من جهده العمليّ في دار التكليف، وفق الشريعة الإلهيّة. وبالاخرة أنّ علم الفقه والتكليف إنّما ظرفها هذه الحياة الفانية، الذي يفيد بعدها علم التوحيد المكتسب من المجاهدات والسير إلى اللّه تعالى، وأهمّ موجبات السلوك في الطريق هو تطبيق الأعمال مع الشريعة، والعمل بالتكاليف الربانيّة، وبدونها إنّما هو سراب بقيعة قد يراها الضمآن ماءً، فقد يستنشق الريح الطيّب ويرشف من الماء الزلال، لكن سرعان ما ينقطع ويرجع إلى اللّه، فإن لم يقدّم ذلك العلم النافع الذي يدرجه فى مقامات السالكين العالية يكون حائراً، فلابدّ من الإيمان، والعمل على وفقه، ولذا ترى أنّ الآيات الشريفة الواردة في بيان الأحكام، لا تخلو من الإشارات والرموز التي لا يفهمها إلّا أهله؛ ليدرك الإنسان مدى أهمّية العلمين والطريقين، فإنّ أحدهما مكمّل للآخر، ويكفي تصدير تلك الآيات بالخطاب الربوبيّ المشتمل على كمال العناية والمحبّة، التي بدونها لا يمكن السير والسلوك وهو «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا»، فإنّ الإيمان هو الحبل الذي يشدّ الإنسان بخالقه، ويربطه ببقية الموجودات، وفيه من سموّ المعنى ما لا يمكن أن يوجد في أيّ مقولة أُخرى، وفيه ذلك الارتباط الوثيق بين المحبوب وحبيبه، فلا يخفى على أهل المعنى ومَن سبر هذا الغور العميق، أنّ الحبّ هو أساس الشدّ

ص: 188

والربط في هذا المجال، وأنّ العشق الإلهيّ هو الغاية التي يصبو إليها السالكون والسائرون إلى اللّه، وعلم الشريعة يبيّن هذا العشق الدفين في كلّ شيء، ويزكّيه وينمّيه حتّى تستوعب جميع المشاعر والأعمال فلا تخلو منها، لأنّه من الذكر والعمل والتفكّر، حتّى يصير كالمتيم الواله الذي لا شغل له إلا الوصول إلى محبوبه، والارتشاف من وجوده ورؤيته. ولذلك مقامات متعدّدة، ولسنا في مقام بيان هذا الجانب، ولكنّ المراد أهمّية علم الشريعة بالنسبة إلى علم التوحيد، الذي هو الغاية من جميع العلوم، والنافع في جميع العوالم، لا سيّما بعد الموت بعد انقطاع الأمال وبه يبقى الفرد حيّاً وإن غاب،شخصه، ولم يخطر ببال أحد، فمَن سار في هذا الطريق يكون الفناء والموت قنطرة يعبر بها من عالم المادة إلى عالم الأشباح والأظلّة، ثمّ إلى العوالم الأُخرى، حسب درجاتهم ومجاهداتهم في دار الدُّنيا والتكاليف والعناء، ولعلّ قوله تعالى : «وَاتَّقُوا اللّه الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ» إِرشاد إلى ما ذكرنا، فإذا كان الفرد مؤمناً، وأراد السير إلى اللّه والوصول إلى قربه، فلا يمكن أن يكون إلّا بالعبور على هذه القنطرة مع الزاد والراحلة، اللّذين هما العمل والشريعة الغرّاء، وعدم تحريم ما بيّنه اللّه من التكاليف التي هي من الطيّبات، التي بالعمل بها يجعل الإنسان طيّباً، فتطيب بها نفسه وعمله وقلبه ونواياه، فتشير الآية الكريمة إلى توبيخ هذا الإنسان الغافل الذي يريد الطيّبات بمقتضى فطرته، ولكنّه لا يعرف أن الطيّبات كامنة في التعاليم الربانية، والتكاليف الإلهيّة التي يحلّ نفسه بها عن قيود النفس الأمارة والملكات السيئة، فتحريم نفسه منها يكون من الاعتداء الشديد الممقوت عند ربّ العالمين.

فيجب العلم بالشريعة، والأكل من طيّباتها، ومعرفة خصوصيّاتها، وتعلّم المعارف الحقّة وما يقوّي القلب والنفس في سلوكه إلى اللّه عزّ وجلّ، ليكون على بيّنة من التقوى التي هي العروة الوثقى، والحبل الذي يجب الاعتصام به، فلا يجوز

ص: 189

التقصير في درك المقامات العالية التي يدعوا إليها الإيمان باللّه، ويجذب إليها الحبّ الذي حصل من الإيمان به عزّوجلّ، ولا يصحّ التراجع عن تلك الدرجات، فإنّه اعتداء على النفس التي تصبو إلى الارتقاء من الداني إلى العالي، ولا ينبغى الحلف على ترك المقاصد العلية، وطلب الدرجات العالية من دون السير والسلوك، فإنّه لغو في شريعة الرضا والتسليم، لكن لا يؤاخذه اللّه لعلّه لضعف حاله وقلّة حيلته، ولكن إذا عزم وَجَدّ في التراجع وحلف على الهجران وعدم الاغتراف من المعارف الحقّة، وما يناله من الشهود لدى جلاله لكلالة القوى، وصمّم على الخذلان لغلبة سلطان الهوى، فلابدّ له من الكفّارة، ليتمكّن من إزالة الحجب، وهي إطعام عشرة مساكين، وهم الحالّون على باب الرجاء، والمريدين للبقاء بعد إفناء ذواتهم في الكمالات، أو إطعام حواسّه الباطنة والظاهرة بالمعارف والكمالات المناسبة لها، أو كسوتها لباس التقوى، أو تحرير رقبة النفس من المهالك، ويحرّرها عن عبودية الحرص والهوى، فمَن لم يستطع لعظيم أمرها فصيام ثلاثة أيّام بالتوبة والاستغفار والاستقامة عليها ما دامت الدُّنيا؛ لأنّها ثلاثة أيام : يوم مضى، ويوم أنت فيه، ويومٌ لا يعلم ما يقضي فيه الربّ، ويعزم فيها على الرجوع إلى اللّه تعالى والاعتكاف لدى جنابه، فإنّه المأمول لقضاء الحاجات، والمقصود لجميع الخلائق.

***

ص: 190

سورة المائدة الآية 90 - 93

إشارة:

الآية 90-93

«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَل الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللّه وَعَنْ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنتُمْ مُنتَهُونَ (91) وَأَطِيعُوا اللّه وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (92) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللّه يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(92)».

تأكيد القرآن الكريم على حرمة الخمر الميسر

الآيات الكريمة تبيّن الحكم الإلهىّ البتىّ فى الخمر، وتشدّد الأمر فيها، وتدلّ على توبيخ شديد لمَن هتك الحكم وشرب الخمر.

والآيات النازلة فى الخمر لا تخلو من الإشارة والكناية التي هي أبلغ من التصريح، في مبغوضيّة هذه المادّة عند صاحب الشرع، وأنّه لابدّ من الانتهاء عنها البتة، وذكر عزّوجلّ في هذه الآيات بعض مصاديق الإثم الذي حرّمه اللّه تعالى في قوله تعالى : «قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ»(1)، وهى الميسر والأنصاب والأزلام، واعتبرها رجساً من عمل الشيطان،

ص: 191


1- سورة الأعراف : الآية 33.

فيجب الاجتناب عنها، وقد أكّد عزّ وجلّ التحريم فيهنّ بأنواع التأكيدات. وهي آخر الآيات النازلة في تحريم الخمر والميسر التي بيّنت وجوه الفساد فيها، وهي الصدّ عن ذكر اللّه وعن الصلاة، وإيقاع العداوة والبغضاء بين المؤمنين، ثم أكّد ذلك بأنّ إطاعة اللّه والرسول والرجوع إليهما، إنّما تكون بترك جميع ما ذكر في هذه الآيات وما عداها من الآيات النازلة فى شأن الخمر والميسر، ولا يخلو من ارتباطها بما سبق من الآيات النازلة جميعها في بيان بعض الأحكام الشرعيّة.

***

التفسير

قوله تعالى : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ».

تقدّم الكلام في معنى الخمر الذي هو بمعنى الستر، وسمّى المسكر خمراً لأنه يستر العقل ويغطيه، فيشمل كلّ أنواعها المتّخذة من العنب وغيره، وقيل : إنّ أصل الكلمة قد اشتقّ من عمل التخمير، فيختصّ بالمسكر المائع، ويتعدّى إلى الجامد منه أيضاً لوجود العلّة. ولا دليل على الحصر في ما ذكره البعض من أنّه المتّخذ من عصير العنب إذا اشتّد، بل إنّ نزول الآية الكريمة في وقت كان الغالب من الخمر متّخذاً من التمر، ففي الحديث : «فلما كانت الخمر يوم حرّمت بالمدينة فضيخ البسْر والتمر، فلما نزل تحريمها خرج رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) فقعد بالمسجد - أي : مسجد الفضيخ - ثم دعا بآنيتهم التي كانوا ينبذون فيها فكفأها كلّها، وقال : هذه كلّها خمر وقد حرّمها اللّه، فكان أكثر شيء كفي في ذلك يومئذٍ من الأشربة الفضيخ، ولا أعلم أكفي يومئذٍ من خمر العنب شيء إلّا إناء واحد كان فيه زبيب وتمر جميعاً، فأما عصير العنب فلم يكن يؤمئذٍ بالمدينة منه شيء الحديث»، ولم يقل أحد باختصاصها بالمتّخذ من التمر، فالخمر تشمل جميع أنواع المسكرات، و تدلّ عليه بعض النصوص كما سيأتي.

ص: 192

وكيف كان، فإنّ الآية الكريمة تدلّ على التوبيخ الشديد لمَن هتك الحكم واستعمل الخمر، ولا يكون ذلك إلّا في ما هو محرّم مؤكّد في الشريعة، كما ستعرف.

ومن ذلك يعرف فساد ما ذكره جمع من المفسّرين، من أنّ الخمر تختلف عن سائر الموضوعات التي حرّمه اللّه تعالى، فإنّه لم يشق عليهم تحريم شيء كما شقَّ عليهم تحريم الخمر، فإنّ الآيات النازلة فيها إنّما تدلّ على التدرّج في تحريمها لكثرة الابتلاء بها، فكان التدرج فيها من تنزيه وإعافة الكراهيّة إلى تحريم صريح، ولذا كانت مورد اجتهاد الصحابة، فترك الخمر بعضهم ولم يتركها آخرون، وكان ذلك تمهيداً للقطع بتحريمها حتّى نزلت هذه الآية الكريمة : «إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ».

فإنّ الآية النازلة في سورة البقرة : «يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ»(1) تكفى فى الحرمة، وتدلّ عليها صريحاً وتعتبرها إثماً. وهو بمعنى العقاب كما يظهر من موارد استعمالاته، ومجرّد مقابلته للنفع، لا يدلّ على كونه بمعنى الضرر، فصرف الآية الكريمة إلى غير ما هي نصّ فيه اجتهاد في مقابل النصّ، فلم تأتِ هذه الآية الكريمة إلّا لبيان التوبيخ الشديد على هتك الحكم، لبيان الحرمة المعلومة ولو بضميمة آية الأعراف : «يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ»(2)، فلا تبقي مجالاً لأن يعذر أحد في ارتكابه، أو لتأويل شخص في الاجتهاد فيه.

كما أنّ القول بالتدريج في النهي عنها بالتحريم العامّ في صورة النصيحة، كما في آية البقرة، ثم التحريم الخاصّ كما في آية النساء : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا

ص: 193


1- سورة البقرة : الآية 219.
2- سورة الأعراف : الآية 32.

تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حتّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ»(1) إن كان المراد منه سكر الخمر لا سكر النوم، ثمّ بالتحريم الخاصّ بالتشديد البالغ كما في هذه الآية الكريمة. هذا أيضاً لا دليل عليه، فإنّ آية النساء نزلت في سكر النوم كما دلّت عليه النصوص الكثيرة، ولا ربط لها بسكر الخمر، وآية البقرة صريحة في الحرمة ولو بضميمة آية الأعراف، وهذه الآية إنّما تدلّ على الحرمة المؤكّدة، والتشديد البالغ على مَن هتك الحكم واستعمل الخمر، فآيات الخمر تدلّ على الحرمة صراحة، وإنّما الاختلاف في التهديد الشديد على الذي هتك.

المراد من الميسر والانصاب

قوله تعالى : «وَالْمَيْسِرِ».

وهو القمار، وعن الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) : لمّا نزلت هذه الآية قيل : يا رسول اللّه ما الميسر ؟ فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) اللّه : كلّ ما تقومر به حتّى الكعاب والجوز»، وقد تقدّم في سورة البقرة اشتقاق الكلمة، فراجع.

قوله تعالى : «وَالْأَنصَابُ».

هي ما ينصب للعبادة والشرك به، سواء كان صنماً أم حجارة يذبح عليها أو لها تبرّكاً، والمراد بها ما يذبح لأجلها، ويدلّ عليه ما ورد عن الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الحديث المتقدّم، قيل : «يا رسول اللّه، ما الأنصاب ؟ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ما ذبحوا لآلتهم». وتقدّم في أوائل هذه السورة ما يتعلّق به أيضاً، ويمكن أن يكون حذف المتعلّق المفيد للعموم في هذه الآية الشريفة، لبيان رجسيّتها من جميع الجهات، بخلاف ما ورد في أوّل هذه السورة، فإنّه في مقام تعداد المحرّمات من الأكل، فذكر فيه (ما ذُبح على النصب).

ص: 194


1- سورة النساء : الآية 43.

المراد من الأزلام

قوله تعالى : «وَالْأَزْلَامُ».

جمع زلًم، والمعروف أنّها القداح التي لا ريش لها، والمراد منها ما كان يستقسم بها.

قيل : إنّ المراد منها في المقام هو الذي يراد به في أوّل السورة، وهي الاستقسام بها في محرّم الأطعمة، بقرينة السياق في كلتا الآيتين، وتشهد له بعض النصوص.

ولكن يمكن أن يقال : إنّ حذف المتعلّق في المقام يدلّ على خباثتها بجميع أشكالها وجهاتها، سواء كان لأجل الاستقسام بها في طلب النصيب من الجزور، لما كان عليه أهل الجاهلية، أم لأجل التفاؤل والتشاؤم بها، فإنّ هذه الآية فى مقام بيان ما هو مبغوض بذاته، وأنّها رجس ومستقذر بجميع خصوصياتها وجهاتها، فإنّ نفى الذات ومبغوضيّتها، تستدعى مبغوضية سائر الجهات المتعلّقة بها، فيشمل جميع وجوه الانتفاع بها. فاختلف المقام عمّا ورد في أوّل هذه السورة، التي ذكر فيها الأنصاب والأزلام التي ذكرت في سياق محرّمات الأطعمة، فلا يمكن أن تكون قرينة على المقام، كما ذكره بعض المفسّرين. وذكرنا ما يتعلّق بالاستخارة والتفاؤل هناك، وأنّها لا بأس بهما بحد أنفسهما، ولا يضر اختلاف الآلات في استعلام الخير، وأنّهما كسائر الأُمور التي يعتمد عليها في قطع الحيرة في مقام العمل.

نعم، لابدّ أن يكون من اللّه تعالى ولا موضوعيّة للآلات، ولكن في الجاهلية كان الاعتماد على نفس الآلات دون اللّه العظيم، فكانت منافيةً للتوكّل عليه عزّوجلّ، فصارت مبغوضة، فراجع ما ذكرناه هناك.

المراد من الرجس

قوله تعالى : «رِجْسٌ مِنْ عَمَل الشَّيْطَانِ»

ص: 195

مادة (رجس) تدلّ على الصوت الشديد والاضطراب المخيف الذي يرعب منه، يقال للغمام رجاس لرعده، وفي الحديث : «لمّا ولد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) ارتجس إيوان کسرى»، أى اضطرب وتحرك حركة لها صوت، ثم استعمل في ما يوجب الرعب والمخافة كالشيطان، ففى المأثور: «أعوذ بك من الرجس النجس»، ولعلّ استعماله فى القذارة لأجل هذا اللحاظ، فإنّ بعض القذارات لا سيّما المعنويّة منها توجب اللّعن والطرد، ممّا لا بد من الخوف الشديد منه، فتدلّ هذه المادّة على القذز الذي تتنفّر منه العقول والطباع، فهي تدلّ على منتهى القبح والخبث، ولذلك أُطلقت على الأوثان، سواء كانت ظاهريّةً كأصناف القذارات الظاهريّة والمعاصي الربانيّة، أم باطنيّة كضروب رذائل الملكات وقبائح الصفات، وأعظمها الكفر والنفاق، فإنّهما أقبح الأشياء، وقد وردت هذه المادّة في القرآن الكريم في ثمانية مواضع في القذارات الظاهريّة كقوله تعالى : «إلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةٌ أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرِ فَإِنَّهُ رِجْسٌ»(1)، وفي المعنويّة كما في قوله تعالى: «وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ»(2)، أي اللّعنة والعذاب، وفي كلتيهما، كما قال تعالى : «إِنَّمَا يُرِيدُ اللّه لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً»(3)، أي الأعمال القبيحة والمآثم ورذائل الصفات. ولمّا كانت أسباب القذارات متعدّدة إمّا عقليّة أو طبعيّة أو شرعيّة، قد يعبّر به عن الحرام والفعل القبيح واللّعنة، وقد يتّحد الرجس والنجس في بعض المصاديق كما هو معلوم، وعن بعض اللّغويّين الرجز والرجس متقاربان كالبزاق والبصاق.

وكيف كان، فإنّ كون هذه المعدودات من الخمر والميسر والأنصاب

ص: 196


1- سورة الأنعام: الآية 45.
2- سورة يونس : الآية 100 و 3.
3- سورة الأحزاب : الآية 33.

والأزلام رجساً، إنّما هو لاشتمالها على صفة لا تستبيح الفطرة والعقول الاقتراب منها لأجلها، وهذا الأمر لا يختصّ بهذه المذكورات، بل يعم جميع المحرّمات، وعلى نقيضها الواجبات وجميع ما يكون طاهراً ونزيهاً، فإنّها تشتمل على وصف تدعوا إليه الفطرة والعقول الاقتراب منها لأجله، وهذه هي القاعدة المعروفة عند الإماميّة من ابتناء الأحكام على المصالح والمفاسد، التي لا تكون إلّا لأجل اشتمالها على ما يوجب السعادة الإنسانيّة أو شقاءها كما في المذكورات، فانها لا تشتمل على شيء ممّا فيه السعادة الإنسانيّة أبداً، ويرشد إلى ذلك قوله تعالى : «يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا»(1)، فإنّ الإثم الغالب على النفع الذي ينفر منه الطبع والفطرة، ولا يدع مجالاً بحكم العقل الإقتراب منها لأجل النفع القليل، ومن ذلك يعرف الوجه في نسبة هذه الأرجاس إلى عمل الشيطان، فإنّه العدو للإنسان الذي لا يريد له الخير أبداً، ولا يجلب له السعادة أصلاً، كما بيّنه عزّوجلّ في عدة آياتٍ منها الآية التالية : «إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللّه وَعَنِ الصَّلَاةِ» فقد بعد عن كلّ سعادة وطرد عن كلّ خير، قال تعالى: «وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَاناً مَريداً لَعَنَهُ اللّه»(2)، فلابدّ أن لا يتّخذ ولياً ويركن إلى وساوسه، قال تعالى : «كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ»(3)، فأعماله إنّما تكون من الوساوس والأغواء والخيالات والأوهام الباطلة التي يلقيها في النفس والقلب، ويضطرب الإنسان بها، فيقدم على ارتكاب المحرّمات والمعاصى والآثام، إلّا المخلَصين الذين ثبتوا على الإيمان وآمنوا من فتنة الشيطان. فيرجع.

ص: 197


1- سورة البقرة : الآية 219.
2- سورة النساء : الآية 117 - 118.
3- سورة الحج : الآية 4.

عمله إلى هذه الجهة، كما بيّن تعالى حقيقته في سورة الناس، قال عزّوجلّ : «قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ».

فتبيّن أنّ الخمر والميسر والأنصاب والأزلام من موجبات فتنة الشيطان وغوايته، وممّا يوسوس به فى صدور الناس، فتكون بالاخرة من عمل الشيطان. ولا ينافى ذلك أن يكون قد عمل بها خارجاً ويتعاطاها كما يتعاطى الناس لها، كما دلّت عليه بعض الروايات، فإنّ الإنسان بحسب فطرته المستقيمة وطبعه القويم يتنزّه عن القذارات كلّها، لا سيّما ما يوجب البعد عن ذكر اللّه تعالى والابتعاد عن رحمته، فلا يمكن للشيطان بسهولة أن يتغلّب على الإنسان، إلّا أن يحكم الأمر عليه من جوانب متعدّدة، فيأتيه ابتداءً من جهة العمل الذي يريد أن يغويه به كشرب الخمر والزنا واللّواط وأمثال ذلك من الموبقات أمامه، ثمّ يتصرّف في مخيّلته، ويوقع الوساوس في صدره، فيغريه على اتيانه في الخارج، ولعلّه لأجل ذلك ورد في بعض الروايات، أنّ كلّ عمل محرّم ورجس مبتذل إنّما ارتكبه الشيطان أوّلاً، ويتمثّل كذلك للمطيعين اللّه تعالى كالأنبياء والأولياء وبعض أفراد الإنسان، ثمّ يحملهم على ارتكاب المعاصي والآثام بالإغراء بالوسوسة باعتبار ذلك، ويكفي حينئذٍ في رجسيتها أنّه ارتكبها، فإنّه لا يفعل الخير أبداً، ولا يريد إلّا الشرّ للإنسان، ويمكن أن تسند إليه باعتبار الأغواء والفتنة والوسوسة في صدور الناس. وهذا هو الأقرب من الأسباب التي يمكن أن تسند إلى الشيطان، ونسبة الأفعال إلى الأسباب القريبة والبعيدة صحيحة عند العرف، ولكن مع ذلك كلّه لا يكون على نحو الألجاء، بحيث يسلب الاختيار عن الإنسان، فإنّ الإغواء والتصرّف في الأوهام والخيال، لا يصير منشأ لسلب الإرادة والاختيار لا سيّما أنّ الإنسان قد أودع فيه العقل، فلم يفعل المحرّم إلّا بإرادة واختيار،

ص: 198

وعليه ثبت الثواب والعقاب، ولأجله بعث الأنبياء والمرسلون، وأُنزلت الكتب الإلهيّة والشرائع السماويّة.

وإذا راجعنا الآيات النازلة فى شأن الشيطان، نرى أنّها تثبت له التصرّف في الجانب الخيالي والعاطفى للإنسان، وتنفى عنه حقّ التصرّف في الجانب العقليّ والإراديّ أو البدنيّ منه، وهو لا يكفي في سلب إرادة الإنسان، وجبره على ارتكاب المحرّمات الإلهيّة، ولكنّه إذا لم يتغلّب على الجانب العاطفي منه، ولم يجعل الوهم والخيال تحت سيطرة العقل، يصير مسرحاً لوساوس الشيطان ودسائسه، فتهون عنده المكارم والأخلاق الفاضلة، والتكاليف الإلهيّة، ويسهل عليه ارتكاب الموبقات والآثام، فيصل إلى رتبة الأنعام التي تسرح في أودية الخيال، وتمرح بتعاطي المحرّمات، فيصير مظهراً من مظاهر الشيطان. ويدلّ على ذلك قوله تعالى : حكاية عنه : «وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ»(1).

وتقدّم في أوائل هذه السورة بعض الكلام، وستأتى البقية إن شاء اللّه تعالى.

قوله تعالى : «فَاجْتَنِبُوهُ».

تصريح بالنهي بعد بيان المفسدة لتوكيد الحكم وتثبيته، والضمير يرجع إمّا إلى الرجس المخبر به عن الأربعة، أو الشيطان، أو كلّ واحد ممّا مرّ، أو التعاطى. والجميع صحيح بعد التلازم بينها.

قوله تعالى : «لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ».

ص: 199


1- سورة ابراهيم : الآية.22.

تأكيد شديد للحكم السابق، فإنّ اجتناب تلك الأرجاس ممّا يوجب الفلاح والسعادة، وإنّه رجاء للفلاح إذا لم يتحقّق الاجتناب عنها.

وقد بيّن عزّوجلّ في الآية التالية بعض وجوه الفلاح، وهي تزكية النفس وتحليتها بذكر اللّه والصلاة وسلامة الأبدان وحصول التوادّ والتآخي في ما بين الأفراد، وغير ذلك ممّاكثر ذكره في مواضع من القرآن الكريم. ثمّ إنّه قد أكّد سبحانه وتعالى تحريم الخمر والميسر في هذه الآية بفنون التأكيد، من تصدير الجملة بكلمة (إنّما )، وقَرنها بالأنصاب والأزلام، واعتبارها رجساً ممّا يتنفّر الطبع منها، ثم اعتبارها من عمل الشيطان تنبيهاً على غاية قبحها، ثمّ الأمر بالاجتناب عن أعيانها. وأخيراً جعله سبباً للفلاح، أن لا رجاء للفلاح في تعاطيها، يضاف ذلك كلّه جعل النهي عن ارتكابها بصورة الأمر بالاجتناب، فإنّه يدلّ على شدّة التنزيه عن أعيانها وسائر الجهات والخصوصيّات المتعلّقة بها، فلا تكون إلّا رجساً من عمل الشيطان.

الآثار المترتّبة على الخمر الميسر

قوله تعالى : «إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ».

بيان لبعض وجوه الفساد المترتّبة على الخمر والميسر، ويكفى أحدها في الاجتناب عنهما، والوجوه التي ذكرها عزّ وجلّ في هذه الآية بعضها دنيويّة، وهي تارةً الشرور والأحقاد والبغضاء بين أبناء البشر الذين يتعاطونها، كما هو واضح ومعلوم لدى كل ذي فكر. والأخرى دينيّة، وهى الصدّ عن ذكر اللّه وعن الصلاة. والآية بمنزلة التفسير لما تقدّم، وبيان كونهما من عمل الشيطان الذي يغري بهما الإنسان ويغويه بهما، فيثير العداوة والأحقاد.

مادّة (عدو) تدلّ على التجاوز، ويختلف باختلاف المتعلّق، فتارة يكون

ص: 200

في القلب وهي العداوة ضدّ الصداقة والولاية، وهي سيئة وخلق ذميم، والبغضاء هو انفعال في القلب وأثر في النفس خلاف الحبّ، وقد يجتمعان في واحد. وتقدّم في قوله تعالى : «وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ»(1) بعض الكلام. فراجع.

والمعنى : لا يريد الشيطان ولا غاية له إلّا أن يوقع بينكم العداوة في ما بينكم، والبغضاء في قلوبكم بسبب الخمر والميسر، وهما رجسان من عمله فقط، وإذا حلّ العداوة والبغضاء في فرد أو مجتمع تبعتهما بقية الرذائل والأسواء، وخلّى عن الصلاح والفلاح، وابتعد عن السعادة وحلّ فيه الشقاء.

وإنّما خصّ الخمر والميسر بإعادة الذكر وقصر إيقاع العداوة والبغضاء فيهما، وشرح ما فيهما من الوبال، إمّا لأجل أنّهما هما المقصودان في البيان، فيكون ذكر الأنصاب والأزلام لبيان التماثل بينهما في الحرمة والشرارة، أو لأنّ الأنصاب والأزلام قد أُزيلتا ببركة الإسلام، وأنّ المؤمنين قد تركوهما لأنّهما من أعمال الجاهلية، وأسواء الوثنية التي انمحت بفضل التوحيد الذي دعا إليه القرآن، ولكن بقى الخمر والميسر ممّا يراودهما المسلمون وتحنوا إليهما النفوس.

أو لأنّ العداوة والبغضاء من آثار الخمر والميسر الظاهرة التي لا تنفكّ عنهما بحسب طبعهما، وتدلّ عليه الشواهد الحسيّة الكثيرة، وقد ألف علماء الاجتماع والنفس فى مضارّ هاتين المادتين الخبيثتين كتباً ورسائل متعدّدة، بيّنوا فيها الآثار السيّئة التي تترتّب على مادّة الخمر والميسر، ويكفي في شربة الخمر أنّها مزيلة للعقل، وتظهر العواطف السيّئة الدفينة، ويبلغ شاربها إلى حدّ السباع الضارية في القسوة والبشاعة، أو إلى حدّ البهائم في الشهوة والشناعة، وربّما يصل إلى حدّ الفجور بأقرب مقربيه من المحارم، ناهيك عما يترتّب على ذلك من

ص: 201


1- سورة المائدة : الآية 64.

فضائع كالسرقة والخيانة، والورود في المهالك والفحش والبذاء «كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيْتُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوها»(1).

وأمّا الميسر الذي فيه إيطال لمسعى الإنسان، ونفي لسلطته على المال بغير سبب عقليّ، الذي اكتسبه بجهد جهيد، وفي أزمنة طويلة بأسرع وقت وأقصره، وفيه فناء العلائق الاجتماعيّة المبنية على أُسس وقواعد رصينة، كما أنّ فيه إشعال الفتنة وإثارة البغضاء، ممّا يسبب الإحباط والقنوط لدى الخاسر، والكسل والتباطؤ في العمل عند الغالب، ولا ريب أنّ تصوير مجتمع كهذا يكفي في الحكم على حرمة المسبّب لها وشناعته. ولذا كان قبح هاتين المادّتين عقليّاً، وقد حرمّهما بعض الأفراد على نفسه في العصر الجاهليّ قبل ورود الشرع الحنيف، فمفاسدها الاجتماعيّة أكثر من أن تحصى.

قوله تعالى : «وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللّه».

بيان للمفاسد المعنويّة المترتّبة على جميع المذكورات، بعد بيان المفاسد المادّية الظاهريّة للخمر والميسر، وربّما تكون هذه المفسدة أعظم أثراً فى النفوس ممّا تقدّم، فإنّها تفسد الجانب المعنويّ من الإنسان، ويفقد بسببها الارتباط الروحيّ بين العبد والمعبوده، وتصرفه عن ذكر اللّه عزّ وجلّ والحضور عند جنابه، فيفقد بسببه السعادة وكلّ كمال مطلب، قال اللّه تعالى : «حَتَّى نَسُوا الذِكْرَ وَكَانُوا قَوْماً بُوراً»(2).

أمّا الأنصاب والأزلام فصدّهما عن ذكر اللّه واضح، فإنّهما من مظاهر الشرك باللّه عزّوجلّ، وموجبات البعد عنه عزّوجلّ.

ص: 202


1- سورة الإسراء: الآية 38.
2- سورة الفرقان : الآية 18.

وأمّا الخمر فتذهب العقل وتفقد الصواب الذي تدرك به عظمة الخالق، ويستمدّ العون من الذي به حياة الموجودات كلّها، فضلاً عن الإنسان.

وأمّا الميسر فهو الملهاة العظيمة عن التفكّر في آلائه ونعمائه.

قوله تعالى : «وَعَنْ الصَّلَاةِ».

تخصیص بعد تعميم لأهمّية الصلاة، وعظيم أثرها في حياة الفرد المؤمن الظاهريّة والمعنويّة، ولأنّها تشتمل على الذكر العظيم مع الخضوع والخشوع وهى العبادة الكاملة، ولذا اهتم القرآن الكريم بامر الصلاة، وذكرها في مواضع متفرّقة منه، وألمَّ بكثير من جهاتها، فهى من أسباب الصلاح، قال تعالى : «وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ»(1)، ومن موجبات الفلاح، قال تعالى : «قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ»(2)، وممّا ينهى عن الفحشاء والمنكر، قال تعالى : «واتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ»(3). وغير ذلك من وجوه الصلاح والفلاح المتوخّاة فى هذا الذكر العظيم، فهى عمود الدين، وإنّها الفارق بين المؤمن والكافر، فيكون الصادّ عنها صاداً عن أصل الإيمان، ويسلب التوفيق الذي هو روح كلّ عمل، وبه يعيش الإنسان ويحيى حياةً طيّبة هنيئة، فما أعظم الخسران لو فقد الإنسان هذه الجوهرة، وما أخسّ الأشياء التي تسلب أعظم الروابط العبوديّة، وتفقد بسببه سعادة الدُّنيا والآخرة، قال تعالى: «وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى»(4).

ص: 203


1- سورة الأعراف : الآية 170.
2- سورة المؤمنون : الآية 1 - 2.
3- سورة العنكبوت : الآية 45.
4- سورة طه : الآية 124.

قوله تعالى: «فَهَلْ أَنتُمْ مُنتَهُونَ».

وعد شديد وحثّ جديد على الانتهاء بصيغة الاستفهام، بعد بيان الصوارف والتأكيدات، للإعلام بأن الحالة في المنع والتحذير قد بلغت النهاية وانقطعت الأعذار، فلا عذر في ارتكابها، وفيه الدلالة على توبيخ من تعاطاها، ولم ينته

عنها بعد الزواجر والنواهي السابقة.

قوله تعالى : «وَأَطِيعُوا اللّه وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا».

تأكيدات أُخرى مضافة إلى التأكيدات بالاجتناب عن تلك الأرجاس، فذكر أوّلاً الأمر بطاعة اللّه سبحانه وتعالى، الذي بيده أمر التشريع، ثمّ الأمر بطاعة الرسول الذي بيده البيان وإليه إجراء الأحكام، وأخيراً التشديد بالوعيد والتحذير صريحاً، فهى ثلاثة تأكيدات لتثبيت الحكم، والتأكيد على إطاعة اللّه والرسول فيما أمراً ونهياً عنه، لا سيّما الخمر والميسر الداخلين فيهما دخولاً أوّليّاً، ولقرب ذكرهما، وإنّما كرّر عزّوجلّ الطاعة لبيان أهمّية إطاعة الرسول في الأحكام الإلهيّة، فإنّ أمر البيان وإجراء الأحكام وتشريع التكاليف إليه، ولتأكيد التشريع النبويّ، وأهمّية الحكم في الخمر والميسر، فإنّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) حرّم المسكر ولعن في الخمر عشرة، كما سيأتي في البحث القرآنيّ.

والأمر بالحذر أيضاً دالّ على أهمّية الأحكام الإلهيّة، فإنّ الحذر يقى الإنسان من الشرّ، ويجعله فى اتقاء مستمرّ لكل سيّئة والعلم بكلّ حسنة، فيكون تأكيداً شديداً على المراقبة ودوام الطاعة.

قوله تعالى : «فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ».

إنذار وتهديد لمَن يعرض عن الطاعة، ولا يعمل بما أمره اللّه وما نهاه عنه، والرسول قد بلّغ الحكم الإلهيّ، فقد تمّت الحجّة عليكم وانتهت الأعذار، فلا يكون

ص: 204

إلّا العقاب، والتصدير بقوله : «فَاعْلَمُوا» لبيان شدّة التهديد، أى ليبلغ علمكم أنّه لن تضرّوا اللّه شيئاً لتولّيكم عن الرسول، وإنّما أضررتم وتضرّون أنفسكم فيما كابرتم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ )، فقد نازعتم اللّه في ربوبيّته العظمى وسلطانه العظيم.

تفسير قوله تعالى : «لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات»

قوله تعالى: «لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا».

امتنان عظيم على المؤمنين، وتأكيد عجيب لما ورد في الآية السابقة من الأحكام، وحضّ شديد على التقوى بالتلبسّ بها والاستدامة عليها، وبيان لما قد يبتلى به المؤمنون من بعض الأُمور، وتمحيصهم بالامتحانات الإلهيّة، وإرشاد لهم بكيفيّة الخلاص منها، فالآية الشريفة من جلائل الآيات، تتضمّن قاعدة كلّية في جميع التصرّفات الصادرة من الذين آمنوا، فتشمل ما ورد في الآية السابقة أيضاً ممّا ابتلى به بعضهم جهلاً أو نسياناً، ويمكن الشمول للعصيان أيضاً، فهى نظير القواعد الامتنانيّة الواردة في الشريعة الإسلاميّة، كقاعدة الحلّية والطهارة وغيرهما ممّا يتمسّك بها الفقهاء في الفقه.

وخلاصة ما تدلّ عليه الآية الشريفة، أنّه لا جناح على الذين آمنوا في ما اقترفوه من السيّئات - ومنها شرب الخمر وتعاطى القمار والميسر - إذا ما اتّقوها بالالتزام بإتيان التكاليف بحذافيرها، ثمّ اتّقوا بالورع عن محارم اللّه، وآمنوا إيماناً كاملاً، ثمّ اتّقوا بتهذيب أنفسهم من أدران الذنوب، وما يوجب عدم القبول ورفع الدرجات. وبذلك يمكن جمع الأقوال التي ذكرت في تفسير الآية المباركة على كثرتها، واختلاف الآراء فيها، وأطالوا الكلام فى النقض والإبرام وضربوا في بيداء التأويل، فأخرجوا الخطاب الربوبيّ عن الظاهر المراد.

ومن الإمعان في الآية يستفاد أنّ تكرار التقوى ثلاث مرّات، والإيمان

ص: 205

مرّتين، والإحسان مرّة واحدة، أنَّ هناك اختلاجاً في الكفر، وتخبّطاً في العمل وقصوراً فيهما، فاذا ما أراد المؤمن الرجوع إلى الإيمان وتنزيه عمله عن الفساد وجعل نفسه محسناً، فلابدّ من مراجعة نفسه في صفاتها الروحيّة وأعماله الظاهريّة، وإزالة ما يوجب حطّ الدرجات وعدم قبول الأعمال، ليكون قد أحسن في عمله وصدق في نيّته، وآمن إيماناً خالصاً من كل سوء واللّه يحبّ المحسنين، فتنطبق على ما ذكروه انطباق الكلّ على أفراده من دون احتياج إلى استنباط الآراء وإطالة الكلام وتعدّد الأقوال كما ستعرف.

المراد من الطعم

والطعم مصدر طعم يطعم طعماً، وبالضم فهو طاعم بمعنى الذائق، بالفتح بمعنى ما يدرك البذوق، وقد اختلفوا فيه :

الأقوال في تفسير الآية الكريمة ومناقشتها

فقيل : إنّه والطعام بمعنى التغذّي، فيختصّ بالمأكول دون المشروب، إلّا أن يتعدّي إلى الماء تغليباً أو خصوصية خاصّة كما في حديث : «زمزم طاعم طعم وشفاء سقم»، فإنّه تنبيه على أنّها تغذّى بخلاف سائر المياه، ولكن لا مناسبة له في المقام.

فالحقّ أن يقال : إنّه يأتي بمعنى أكل الطعام، وبمعنى الذوق، والمقامات تعيّن أحد الأمرين، وكلاهما ورد في القرآن الكريم، فمن الأوّل قوله تعالى : «فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا» أي أكلتم، ومن الثاني قوله تعالى: «فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي»، أي لم يذق ماءه، وهو المراد في المقام، فيشمل المأكول والمشروب من الخمر والأموال التي وصلت إليهم من الميسر.

وهذا هو المناسب لظاهر الآية الشريفة، التي تدلّ على رفع الحظر عن هذا الطعام المطلق مع الشروط المذكورة فيها.

وقيل : إنّ المراد منه الشرب القليل، فيكون معنى الآية رفع الحرج والإثم عن المؤمن إذا شرب قليلاً من الخمر بالشروط الأكيدة. لكنّه باطل كما هو معلوم،

ص: 206

فإنّ الخمر حرام مطلقاً، القليل منها والكثير.

والجناح يأتى بمعنى المؤاخذة، أو المشقّة، أو الإثم، ولم يستعمل في القرآن الكريم إلّا فى حيّز النفى، فيكون رفع الحرج والمؤاخذة، وقد تقدّم الكلام عن المادتين فى سورة البقرة فراجع.

والآية الكريمة وإن لم تخل عن ارتباط بالآيات السابقة الدالّة على تحريم الخمر والميسر، إلّا أن مضمونها عامّ يشمل ما سواهما أيضاً، فهى تتضمّن قاعدة امتنانيّة على المؤمنين كما عرفت، إلّا أنّ للمفسّرين في ذلك كلاماً طويلاً.

فقيل : إنّ المراد من الموصول «فِيمَا طَعِمُوا» الحلال، فيكون معنى الآية الشريفة، لا جناح على الذين اتّقوا و عملوا الصالحات عن مطلق الطعام المحلّل إذا اتّقوا سائر المحرّمات.

وقد أُشكل عليه بأحد أمرين :

الأوّل : أنّه إن كان الغرض من الطعام المحلّل، هو إثبات المفهوم فى غيرهم بمعنى ثبوت المنع، والمؤاخذة لغير أهل التقوى من سائر المؤمنين والكفّار، فهو مردود بإباحة الفطرة والشرع الطيّبات لسائر الناس، كما يدلّ عليه قوله تعالى : «وقُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّه الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطيّبات مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ»(1).

الثاني : أنّه إذا لم يكن مسوقاً لما ذكر، بل كان الجواز عامّاً، فلا يختصّ بالذين آمنوا وعملوا الصالحات، بل يعمّهم وغيرهم، وعلى فرض التقييد بهم لا يشترط فيه هذا الشرط الشديد.

وقيل : إنّ في الآية حذفاً، والتقدير : (ليس على الذين آمنوا وعملوا

ص: 207


1- سورة الأعراف : الآية 32.

الصالحات جُناح في ما طعموا وغيره إذا ما اتّقوا المحارم).

ويرد عليه : مضافاً إلى بقاء المحذور السابق أنّه خلاف الأصل، ويحتاج إلى دليل.

وقيل : إنّ الآية مسوقة لبيان وجوب اتّقاء المحارم، فَشَرك معه الإيمان والعمل الصالح للدلالة على وجوبه والتأكيد عليه، فلا يكونان شرطاً حقيقيّاً حلّية الطعام.

وفيه : أنّه بعيد عن ظاهر الآية الكريمة، الدالّة على الشرطيّة ونفى الجناح في ما طعموا مع الشرط، على ما عرفت.

وقيل : إنّ إطلاق نفي الجناح على المؤمنين صحيح، وعلى غيره من الكافرين ليس بصحيح، بل يستحقّون العقاب.

ويرد عليه : ما أوردناه على القول الأوّل من عدم اختصاص الطيّبات بالذين آمنوا، فلا وجه لتخصيص المؤمنين بالذكر.

وقيل : إنّ الشرط الأوّل يختصّ بالماضي، والشرط الثاني بالدوام على ذلك والاستمرار على فعله، والشرط الثالث يختصّ بمظالم العباد. أو أنّ الاتّقاء الأوّل هو الاتّقاء عن شرب الخمر، والإيمان الأوّل هو الإيمان باللّه، أو الاتّقاء الثاني هو إدامة الاتّقاء الأوّل، والإيمان الثاني إدامة الإيمان الأوّل، والاتّقاء الثالث هو فعل الفرائض، والإحسان فعل النوافل. أو أنّ المراد من الاتّقاء الأوّل المعاصي العقليّة، والإيمان الأوّل هو الإيمان باللّه وبقبح هذه المعاصي، والاتّقاء الثاني المعاصي السمعيّة والإيمان الثاني هو الإيمان بوجوب الاجتناب عنها، والاتّقاء الثالث يختصّ بمظالم العباد وما يتعلّق بالغير من الظلم والفساد والمراد من الإحسان الإحسان إلى الناس. أو أنّ المراد من التقوى المثلثة باعتبار المراتب الثلاث المبدأ والوسط والمنتهى، وهو حقّ التقوى. أو أنّ المراد منها باعتبار

ص: 208

الحالات الثلاث بينه وبين نفسه، وبينه وبين الناس، وبينه وبين اللّه تعالى والإحسان إلى الناس، إلى غيرها من الأقاويل.

وكلّ ذلك لا دليل عليه، وخلاف ظاهر الآية الشريفة وتأويل لها، ولكثرة التأويلات فيها قد أخرجتها عن الظاهر المراد، فأوجب تدخّل أصحاب الزيغ في القلوب، فأشكلوا عليها بأنّ الآية تبيّن أنّ الخمر والميسر إذا لم يستلزم منهما المحاذير التي ذكرها عزّوجلّ في الآيات السابقة - من العداوة والبغضاء والصدّ عن ذكر اللّه وعن الصلاة - لا يكون محرّماً، فلا جناح على مَن يطعمها إذا لم يحصل معه شيء ممّا ذكر.

ولا يمكن حمل الآية على مَن مضى قبل نزول التحريم - كما ذكره جمع من المفسّرين - لأنّه لو كان المراد ذلك لقال : «وما كان جناح على الذين طعموا»، مثل ما ذكر في آية تحويل القبلة : «وَمَا كَانَ اللّه لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ».

وهذه شبهة زائقة، فإنّ الآية المباركة في مقام بيان قاعدة امتنانيّة - كما عرفت - يمكن تطبيقها على صغريات كثيرة، الحاضرة والماضية على حدّ سواء، كما هو الشأن في القواعد الشرعيّة، يضاف إلى ذلك أن قوله تعالى : «وَمَا كَانَ اللّه لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ» ليس إخباراً عن الماضي كما زعموا، فإنّه أُسلوب بلاغيّ خاصّ يدلّ على نفى الشأن مثل نظيراتها فى هذا الأُسلوب، قال تعالى : «مَا كَانَ عَلَى النبيّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللّه لَهُ»، ولم يقل أحد بأنّه يختص بالماضي، بل المراد أنّه ليس من شأنه ذلك.

بيان الحقّ في الآية الشريفة

فالحقّ ما ذكرناه؛ لأنّ موضوع هذا الحكم الإلهي فيه خصوصيّة خاصّة قد لا تكون في سائر الموضوعات، فإنّ الخمر والميسر من أهمّ سبل الشيطان التي يغوي بها الناس، وقد تداولتها الشعوب والأُمم، بل نسب زوراً وبهتاناً حلّية الخمر إلى بعض الشرائع الإلهيّة، فترسّخت في النفوس واعتادت عليها الشعوب، ولا

ص: 209

يمكن قلعها بسهولة، وكلّما بُعد الإنسان عن الدين استحوذ عليه الشيطان، ولا ريب أنّ من أهمّ موجباته الخمر والميسر، وتعتبر الخمر مفتاح الشرور والجامع للسيّئات والآثام، فصارا من أهمّ سبل الشيطان فى غوايته، ولعلّه لأجل خطرها العظيم كانا من عمل الشيطان، لا مجرّد السبيل والطريق، فالمرتكب لهما يكون مثل الشيطان في هذا العمل الشنيع، ولم يقع مثل هذا التعبير في سائر المحرّمات الإلهيّة، فإذا كان الموضوع بهذه المثابة من الخطر في حياة الإنسان ومسيره الاستكماليّ، فلابدّ أن يلتفت إليه من جميع جوانبه الفرديّة والاجتماعيّة والمعنويّة، العمليّة والذهنيّة، ولا يصحّ للشارع الأقدس أن يشرّع حكماً ويدع سائر جوانبه، لا سيّما إذا كانت من العادات.

ولأهمّية الموضوع -كما عرفت كان- التشريع الإلهيّ أيضاً عظيماً قد استوفي جميع الجوانب التي لها الأثر في تطبيقه وتثبيته، وإزالة العقبات عنها. فابتدأ عزّوجلّ بالخطاب الربوبيّ الدال على كمال العناية بالمؤمنين، وللتنبيه على أنّ الإيمان الذي عندهم يقتضي ترك المحارم وتطبيق الشريعة، ثمّ سرد الموضوعات التي يرد التشريع فيها وإنزال الحكم عليها، وإنّما أثبت الذوات فقط مع حذف المتعلّق المطلوب للدلالة على خطرها، وبعدها عن كلّ خير، فقال عزّوجلّ : «إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ»، مع أنّه في غير المقام ذكر المتعلّق، كما في قوله تعالى: «وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصْبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ»(1)، واستعمل أداة الحصر للدلالة على التأكيد وأهمّية الحكم، ثمّ أثبت الرجسيّة للجميع، الدالّة على شدّة القذارة فيها، وبعدها عن كلّ خير، حتّى النفع الذي أثبته عزّوجلّ للخمر والميسر في آية البقرة، فإنّه قليل بالنسبة إلى الإثم الكثير، ولا

ص: 210


1- سورة المائدة : الآية 3.

ريب أنّ العاقل لا يقدم على إثم عظيم، مقابل نفع جزئيّ ماديّ بحت. ثم بيّن أنّها من عمل الشيطان الذي هو العدو اللّدود بالنسبة إلى الإنسان، وهو بحكم فطرته يبتعد عن عدوه، وإنّما كانت من عمل الشيطان، لأنّ خطرها جسيم وإثمها عظيم، فكانت من أعماله، ولم يقل إنه من حبائله ودسائسه ووساوسه وسبل غوايته كما في غيرها من المحرّمات، ثمّ بيّن بعض آثارها الخطيرة، ولم يبين عزّوجلّ مثل ذلك في غير الخمر والميسر من الموضوعات التي وردت في القرآن الكريم إلّا الربا. ولمّا استوفي التشريع الإلهيّ جعلاً ومجعولاً وحكمة خصائصه وشروطه، أمرهم بإطاعة اللّه وإطاعة رسوله، وحذّرهم من عقاب مخالفة هذا الحكم. وأخيراً ذكر أنّه لا يضرّ اللّه ورسوله مَن تولّى منهم عنه.

بقي الأمر الذي يساور المؤمنين في أذهانهم، وهو حكم مَن نقض هذا الحكم الإلهيّ الأكيد، إمّا جهلاً بالحكم والموضوع، أو نسياناً، أو فسقاً مرّة واحدة من غير إصرار وفي خفاء، أو قد تغلب عليهم الشهوة أو تتحكّم فيهم العادة التي قد تكون طبيعة ثانية عند بعض الأفراد، أو بحكم المجاورة مع أعداء الإسلام الذين أباحوا هذه الحرمات، واتّخذوها وسيلة لإفشاء الشرّ بين المسلمين، كما هو المعلوم من سيرتهم، فهل يترك الشرع الإسلاميّ هذا الجانب، والمعروف عنها أنّها الشريعة السَّمْحة؟! وهل يجعل الفرد المسلم الذي ارتكب مع العذر أو بدونه في دوامة الصراع النفسيّ، بين تأنيب الضمير والشهوة الملحّة عليه، فيحدث ما يحدث من الإحباط والقنوط أو فقدان الأمل، ولا ريب أنّ الضرر المترتّب عليهما أعظم من ارتكاب محرّم إلهيّ يمكن إصلاحه، وهو اللّه العالم الخبير بأحوال الإنسان، ولأجل هذا بيّن عزّوجلّ قاعدة امتنانيّة في ذيل آيات الخمر والميسر، ليشمل كلّ المحرمات الإلهيّة، لا سيّما الخمر والميسر، ويسدّ على الشيطان أبواب الغواية والإضلال، فبيّن عزّوجلّ أنّه لا جناح ولا إثم على الذين آمنوا وعملوا

ص: 211

الصالحات في ما قد يصدر منهم من ارتكاب محرّم، وطعم بما ابتلي به من الخمر والميسر شرباً وأكلاً للمال الذي اكتسبه من الميسر، بشرط التقوى وترك المعاودة عليهما، ثمّ إنّه لا يكفي ذلك إلّا مع استحكام الأمر لئلّا يتعرّضوا لمثل ما تعرّضوا إليه ابتداءً، فأمرهم بالموافاة على الإيمان والتقوى والاستدامة عليهما، ثمّ قرّر أخيراً أن مجرد العزم لا يكفي، إلّا إذا كان نابعاً عن التزام قلبيّ، ونيّة صادقة بالرجوع إلى اللّه تعالى وإزالة العقبات النفسيّة وموانع قبول الأعمال، ليكونوا من الذين أحسنوا فى طاعتهم اللّه رسوله واللّه يحبّ المحسنين.

كلّ ذلك لأجل أهمّية هذا التشريع الإلهيّ العظيم، وخطر الموضوع الذي شرّع فيه، فتشمل الآية مرحلة الاستمرار والبقاء، كما تشمل مرحلة الابتداء بالأولى. وممّا ذكرنا يظهر بطلان الإشكالين المتقدّمين، ومضمونها يلائم كثيراً ممّا بيّنوه للتقوى المثلثة والإيمان المثنى فتدبّر، كما لا ينافي أن يقصد منها بعض الأُمور الأخرى، كما ستعرف إن شاء اللّه تعالى.

قوله تعالى : «ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا».

الإحسان من الحسن، وهو المنهج المرغوب فيه، فيكون معنى الإحسان هو العمل على الوجه المرغوب فيه فقط من دون خصوصية أُخرى فيه. وقد يطلق ويُراد به الإنعام على الغير، كما في قوله تعالى : «وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً».

ولكنّ المراد به في المقام هو الأوّل، كما في قوله تعالى : «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً»(1)، أي ثم اتّقوا ما يخطر بالبال من النوايا السيئة، فيأتي بالعمل على وجه حسن من غير نيّة أُخرى، فإنّ التقوى خصلة حميدة لا تتأتّى بمجرّد الإيمان باللّه والتصديق بأحكامه، فلابدّ من

ص: 212


1- سورة الكهف : الآية 30.

الإيمان تفصيلاً، والعمل بكلّ واحد من الأحكام الشرعيّة من انقياد كامل وخلوص تامّ، فيكون التكرار في التقوى لأجل درك تلك المقامات المترتّبة على الإيمان باللّه ورسوله، والعمل الصالح الناشئ عن إخلاص وانقياد، فلكلّ واحدة منها مرتبة خاصّة ومقام معلوم، ولا يمكن درك اللّاحقة إلّا بطيّ التي قبلها.

قوله تعالى : «وَاللّه يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ».

تثبيت لما ورد في الآية وتقرير لمضمونها بأبلغ تقرير وألطف خطاب، وليدرك المؤمن المتّقى ما أُعدّ للمحسنين من الجزاء الكريم، ويكفي فخراً أنّ اللّه يحبّهم وسيعظّم أجرهم. ذكر بعضهم أنّ الدليل على أنَّ المتّقي المحسن أفضل من المتّقي الذي عمل الصالحات، وأنّ فضله بأجر الإحسان، وهو صحيح؛ لأنّ المرتبة التي فيها أعلى من مرتبة الأخير، كما عرفت.

***

ص: 213

بحوث المقام

بحث دلالي: وفيه ما يستفاد من الآية الكريمة

إشارة:

بحث دلالی:

تدلّ الآيات الشريفة على أُمور :

الأوّل : يستفاد من الآيات الشريفة كمال العناية بأمر الخمر والميسر والاهتمام بهما من الجوانب المتعدّدة، لما لهما من الأثر العظيم في إفساد الفرد والمجتمع، وقد ذكرنا أنّ فيها من المؤكّدات بهذا التشريع الإلهيّ ما لم تكن في غيرها، وقد بلغت أكثر من أربعة عشر أمراً، بأسلوب بلاغيّ رصين تنهض الهمم لتركهما، وتنشط العزائم في الابتعاد عنهما، وترجع الإنسان إلى فطرته القويمة.

وقد ذكرنا أنّ الآيات النازلة في الخمر والميسر تكفي كلّ واحدة منها في الحكم بحر متهما، إلّا أن هذه الآية الكريمة تبيّن ما فيهما من المفاسد الخُلُقيّة والاجتماعيّة، ولا يصغى إلى ما قد يقال إنّ الآيات نزلت في حرمة الخمر تدريجاً، فلم تبين النهى الصريح إلّا في هذه الآية، فإنّ ذلك دعوى بلا دليل، بل هو على خلافها، فإنّ آية البقرة تكفى فى الحكم بالحرمة، لكن مَن اعتاد على هذه المادّة الشريرة لا يمكنه الانتهاء بالسهولة واليسر، فيتعلّل بالمعاذير.

وليس المقام من موارد الاجتهاد حتّى يقال بأنّهم اجتهدوا فلم يفهموا إلّا المذمّة، فإنّ الأمر من الوضوح بمكان لا يقبل الجدال والمراء، وتقدّم ما يدلّ على ذلك، فراجع.

الثاني : يدلّ قوله تعالى : «رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ» على أنّ القذارة فيها من الشدّة ما أوفت بها على النهاية وبلغت الغاية، بحيث ترتعد الفرائض، وتصوت بشدّة ممّا فيها من المفاسد والآثار السيّئة، وإنّما علّق الحكم على الذوات للدلالة

ص: 214

على كونها كذلك، فيجب الاجتناب عنها في أيّ مظهر كان أو بأيّ عنوان استعمل فيحرم شربها والتكسّب بها وغير ذلك من وجوه الاستعمال. ولعلّ ما ورد عن نبيّنا الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) «أنّه نهى في الخمر عشرة» مأخوذ من هذه الآية المباركة.

وأمّا عمل الشيطان فلا يكون إلّا ضلالاً وسوءاً، ولم يرد (عمل الشيطان) فى القرآن الكريم إلّا في موضعين، أحدهما المقام، والثاني في قصّة موسى بن عمران (عَلَيهِ السَّلَامُ) عندما استغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه «فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلَّ مُبِينٌ»(1).

فيستفاد مدى عظمة هذه الأُمور التي تكون أسباباً لإضلال الناس وغوايتهم، فيكون ترتّب الأمر بالاجتناب عليه من ترتّب المعلول على العلّة التامّة، وأنّ الفلاح إنّما يكون في الاجتناب عن هذه الأُمور، وأنّ التقابل بين هذه الأُمور وبين الفلاح تقابل العدم والوجود، فلا يمكن اجتماعهما كما هو واضح، فإنّ فى ارتكابها موت الإنسانيّة والأخلاق الفاضلة، والإعراض عن الحياة السعيدة والعيش الهنيء.

الثالث : يدلّ قوله تعالى : «إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ» على أنّ تعاطي الخمر والميسر إنّما يكون بإغواء من الشيطان وإرادة منه، وأنّ الإنسان بفطرته لا يرضى به، وإنّما يقدم بعد ما يتصرّف في خياله ويغويه ويوسوس في صدره حتّى يقع هذا العمل الشنيع فيرتكبه، فلو اعتمد على عقله، ورجع إلى فطرته لما قدم على الارتكاب، ولذا كان مختاراً، ولم يسبب إرادته فيعاقب على فعله.

وقد ذكر عزّ وجلّ من المفاسد المترتّبة على الخمر والميسر أنّ كلّ واحد منهما يفسد الاجتماع الإنسانيّ، ويكفي في شناعتهما أنّه بسببهما يسلب الصدق

ص: 215


1- سورة القصص : الآية 15.

والطمأنينة بين أفراد المجتمع، ويبدّلانه باجتماع فيه العداوة والبغضاء والضغائن والحقود، ولو أنّ أحداً يتصوّر مثل هذا الاجتماع ليهول عنده مثله، وأنّه كيف يمكن له العيش والتنعّم والحياة في اجتماع مثل هذا، أليس هو الشقاء بعينه ؟!! ولم يكن إلّا المسخ في الإنسانيّة التي جعلها اللّه تعالى من أحسن مخلوقاته، فما أضرّ الخمر والميسر ؟!

الأمر الثاني: الغفلة عن اللّه تعالى، فإنّها مفسدة أعظم من الأُولى، فلو أمكن تحمل اجتماع قد تولّد فيه الضغائن والإحن، ولكن لا يمكن أن يغفل الإنسان عن اللّه خالقه والمحيط به، فلو عمل عملاً أوجب غفلته عنه، فإنّه يرجع السقوط إلى الهاوية، لما يترتّب على الغفلة من الآثار السيّئة الكبيرة العظيمة، ويكفى أنّها توجب نسيان الإنسان نفسه، فتصدر منه الأفعال العظام ما لا يصدر عن السباع المتوحّشة، قال تعالى : «نَسُوا اللّه فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ»، وإنّما اقتصر عزّوجلّ على هذين الأمرين، ولم يذكر بقية الآثار المضرّة المترتّبة عليهما، لأهمّيّتهما ولاستتباعهما كثيراً من المضارّ والمفاسد.

الرابع : يستفاد من قوله تعالى : «عَنْ ذِكْرِ اللّه وَعَنِ الصَّلَاةِ» أهمّية الصلاة في درك المقامات المعنويّة، وعروج النفس عن دركات البهيميّة، فهي من أسباب الفلاح، ويكفى فى أهمّيتها قول نبيّنا الأعظم ْ : «الصلاة معراج المؤمن»، وأنّها «تنهى عن المنكر والفحشاء»، فهذا منتهى الثناء. ومن عجيب الأمر أنّ الصلاة تنهى عن الخمر والميسر، اللّذين هما من أعظم المنكرات، فإذا وصلت بالأخيرة مرتبة توجب الصدّ عن الصلاة، فما أبعدهما عن الخير وأقربهما إلى الشرّ.

الخامس : يدلّ قوله تعالى: «فَهَلْ أَنتُمْ مُنتَهُونَ» على ارجاع الإنسان إلى الفطرة والتعقّل في ارتكاب المنكرات، ولا سيّما الخمر والميسر بعد وضوح الأمر فيهما، وعدم العذر في ارتكابهما، وفيه من التوعيد الشديد والتقبيح الأكيد ما لا

ص: 216

يخفى على المتأمّل، وأنّه لا عذر لمتعذرٍ بعد ذلك. والجملة مبالغة في الوعيد والتهديد، وهي أبلغ من (انتهوا)، كما هو واضح.

السادس : يدلّ قوله تعالى : «أَطِيعُوا اللّه وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ» أنّ هذا التشريع الإلهىّ بمثابةٍ من الأهمّية، بحيث يستكمل به طاعة اللّه وطاعة الرسول، وهي ذات وحدةٍ جامعة، وأنّ التولّى عن أحد الأحكام الإلهيّة يوجب الإعراض عن الطاعة والاقتحام في المهلكة والعقاب، وبعد بيان الحكم وإبلاغ التشريع من ناحية رسوله الكريم، فليس للمكلّف إلّا التطبيق، فيكون هو المحاسب، ولا حجّة له حينئذٍ، بل اللّه الحجّة البالغة.

يدل قوله تعالى : «لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ» على شروط الايمان والتقوى

السابع : يدلّ قوله تعالى : «لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ» على شروط الإيمان والتقوى، وقبول العمل والغفران عند مخالفة حكم إلهيّ، وهي الصدق في الإيمان، والعمل الصالح والتقوى بترك المحارم وإتيان الواجبات، ثمّ التقوى بتنزيه النوايا التي تلوّثت بارتكاب المحارم، ثمّ الموافاة عليها والاستمرار على التقوى والعمل بصدق النيّة والإحسان فيها، وهذه الآية الكريمة من جلائل الآيات في الإيمان وشروطه، فيشمل ما سبق من الأعمال على الكفر، وما لحق بعد الإيمان.

***

بحث روائي : يذكر فيه الروايات التي وردت في بيان موضوع الخمر والميسر وحكمهما، والتعرّف ببعض الخصوصيّات

بحث روانی

الأحاديث في الخمر والميسر كثيرة، بعضها وردت في بيان موضوعهما، وأُخرى في حكمهما، وثالثة في التعريف ببعض الخصوصيّات، ونحن نذكر من كلّ قسم بعضاً منه

أمّا القسم الأوّل: فقد روى الكلينيّ بسنده عن أبي جعفر الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : «قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) : كلّ مسكر حرام، وكلّ مسكر خمر».

ص: 217

أقول : يستفاد من الحديث عموميّة الخمر ليشمل كلّ ما يكون مسكراً، سواء كان سائلاً أم جامداً، سواء كان متّخذاً من العنب أو التمر أو من أشياء أُخرى، فيلحق بالخمر موضوعاً كما هو ظاهر الحديث.

وفي «صحيح ابن الحجاج »عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : «قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) : الخمر من خمسة : العصير من الكرم، والنقيع من الزبيب، والبتع من العسل، والمرز من الشعير، والنبيذ من التمر».

أقول : قريب منه غيره، وهو يدلّ على الإلحاق الموضوعيّ، ولعلّه لذلك قيل بأنّ الخمر هو اسم كلّ مسكر.

وفى جملة من الروايات : «أنّ اللّه تعالى حرّم الخمر بعينها، وحرّم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) المسكر من كلّ شراب»، وفي بعضها التعليل : «وما حرّم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ )، فقد حرّمه اللّه عزّوجلّ».

أقول : المراد من قوله : «بعينها» ما يتّخذ من العصير التمريّ الذي كان هو الشائع، أو العنبيّ الذي كان نادراً في عصر النزول، وأمّا قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «وما حرّمه رسول اللّه فقد حرّمه اللّه من حيث تفويض أمر الدين إليه، ويرشد إليه قوله تعالى في ذيل الآية المتقدّمة : «وَأَطِيعُوا اللّه وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا».

وكيف كان، فهذه الروايات تدلّ على الإلحاق الحكميّ لبقية المسكرات، ويدلّ عليه ما رواه الصدوق في العلل عن محمد بن سنان عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «حرّم اللّه عزّ وجلّ الخمر لما فيها الفساد، ومن تغييرها عقول شاربيها، ثم ساق ذلك إلى قوله : فبذلك قضينا على كلّ مسكر من الأشربة أنّه حرام محرّم، لأنه يأتي من عاقبته ما يأتي من عاقبة الخمر»، فالمستفاد منها أنّ الخمر اسم لشيء مخصوص، ولكن اُلحق به بقية الأشربة في العاقبة والسكر، ولا

ص: 218

يضرّ ذلك ما ورد أنّ وقت نزول الآية الشريفة كان الشائع هو المتّخذ من التمر، ولم يكن العصير العنبيّ معروفاً، فإنّ عدم الوجود لا يسلب المعنى الحقيقيّ عن الكلمة، وعلى أيّة حال، فالموضوع معروف عند المسلمين جميعاً، وهو ما يوجب الإسكار.

وأمّا الميسر فهو القمار كلّه، وقد روى القمّي عن أبي جعفر الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قوله تعالى : «إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ» قال : «وأمّا الميسر، فالنرد والشطرنج، وكل قمار ميسر».

الكلينيّ عن عمرو بن شمر عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : «لمّا أنزل اللّه تعالى على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) «إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ»، قيل : يا رسول اللّه، ما الميسر ؟ قال : كلّما يقمر به حتّى الكعاب والجوز».

أقول : يشمل جميع ما يتّخذ لذلك، فيختلف بحسب الأعصار والأمصار، وفي «تفسير العيّاشي» عن أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : الشطرنج والنرد أربعة عشر، وكلّما قومر عليه منها فهو ميسر»، وعنه أيضاً : الميسر هو القمار».

وأمّا الأنصاب والأزلام، فقد ورد في الحديث المزبور الذي رواه الكلينيّ عن أبي عبداللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : « فقيل : ما الأنصاب؟ قال : ما ذبحوا لآلهتهم، قيل : ما الأزلام؟ قال : أقداحهم التي كانوا يستقيمون بها».

أقول : تقدّم تفصيل الكلام فيهما، فراجع.

وأمّا القسم الثاني : فالأخبار في حرمة الخمر والميسر مستفيضة، منها روي عن نبيّنا الأعظم اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) متواتراً أنّه قال: «لعنت في الخمر شاربها، وساقيها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، ومبتاعها، آكل ثمنها».

وفي الخبر عن مولانا الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) : لا يبعث اللّه نبيّاً ولا يرسل رسولاً إلّا ويجعل في شريعته تحريم الخمر».

ص: 219

و عن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «أنّ الخمر أُمُّ الخبائث، ورأس كلّ شرّ، يأتي على شاربها ساعة يسلب لبّه فلا يعرف ربه، ولا يترك معصية إلّا ركبها، ولا يترك حرمة إلّا انتهكها، ولا رحماً ماسة إلّا قطعها، ولا فاحشة إلّا أتاها، وإنّ مَن شرب منها جرعة لعنه اللّه وملائكته ورسله والمؤمنون، إن شربها حتّى سكر منها نزع منه روح الإيمان من جسده وركبت فيه روح سخيفة خبيثة ملعونة، ولم تقبل صلاته أربعين يوماً، ويأتى شاربها يوم القيامة مسودّاً وجهه، مدلعاً لسانه ليسيل لعابه على صدره، ينادي: العطش العطش».

وعن السيوطيّ عن ابن عبّاس في «الدّر المنثور» في تفسير الآية، قال : قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ): «إنّ اللّه حرّم عليكم الخمر والميسر والكوبة، وكلّ مسكر حرام».

أقول : الأخبار في ذلك متواترة، ويستفاد منها أنّها من الكبائر، بل قد ورد في بعضها أنّه كعابد وثن، أو كمَن عبد الأوثان.

ففي «الدّر المنثور» عن ابن عبّاس قال : قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) : «ولا يموت مدمن خمر إلّا لقي اللّه كعابد وثن، ثم قرأ الآية : «إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ».

ثمّ إنّ صريح بعض الروايات أنّه لا فرق بين قليلها وكثيرها، منها ما رواه الكلينيّ عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) : كلّ مسكر حرام، وما أسكر كثيره فقلیله حرام»، وتقدّم في الخبر السابق ما يدلّ على ذلك أيضاً.

وروى السيوطيّ عن ابن عبّاس قال: «حرّمت الخمر بعينها، قليلها وكثيرها، والمسكر من كلّ شراب».

وقد عرف في الإسلام تحريم الخمر وتحريم الأوثان والزنا، واشتهر بها عند المشركين، ففي «سيرة ابن هشام» عن خلّاد بن قردة وغيره من مشايخ بكر بن وائل من أهل العلم أنّ أعشى بني قيس خرج إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) يريد الإسلام، فقال يمدح رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) :

ص: 220

ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا**وبتّ كما باب السليم مُسَهَّدا

القصيدة - فلمّا كان بمكّة أو قريباً منها اعترض بعض المشركين من قريش فسأله عن أمره، فأخبره أنه جاء يريد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) ليسلم، فقال له : يا أبا بصير إنّه يحرّم الزنا، فقال الأعشى : واللّه، إنّ ذلك لأمر ما لي فيه من أرب، فقال له : يا أبا بصير إنّه يحرم الخمر، فقال الأعشى : أمّا هذه فإنّ عن النفس منها لعلالات، ولكنّي منصرف فاتروى منها عامي هذا ثمّ أتيه فأسلم، فانصرف فمات في عامه ذلك ولم يعد إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ).

أقول : عرفت أنّ حرمة الخمر قد أخذت في الشرائع الإلهيّة، بل قد دعت إليها الفطرة بعد ما تنفّرت منها العقول، وتدلّ الآيات النازلة في شأن الخمر عليها بوضوح، وروى السيوطيّ في «الدّر المنثور» عن أُمّ سلمة أنّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) قال : «كان أوّل ما نهانى عنه ربّى وعهد إلىَّ بعد عبادة الأوثان وشرب الخمر لملاحاة الرجال»، ولكنّ القوم لاستحكام العادة فيهم ما تركوها بسهولة، إلّا بعد نزول هذه الآية الكريمة التي فيها التهديد والوعيد، فما نقل من أنّ الخمر لم تحرم إلّا في هذه الآية، وهي روايات متعدّدة نقلها السيوطيّ وغيره في كتب الأحاديث والتفسير، بعد الإغماض عن أسانيدها لا يصحّ الاعتماد عليها، والظاهر أنّها ذكرت لتبرير أعمالهم، بل وادرجوا بعض الصحابة الذين ما خالط دمهم ولا لحمهم شيئاً منها في طول حياتهم، ومَن أراد الإطلاع عليها فليراجع مظانها، وقد أُدخلت بعضها في روايات الإماميّة، ولكن تحمل على التقيّة وبعض المحامل.

أمّا القسم الثالث : فقد وردت بعض الأخبار في التعريف ببعض الخصوصيّات، روى العيّاشي في تفسيره عن هشام، عن الثقة، رفعه عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّه قيل له : «روي عنكم أنّ الخمر والأنصاب والأزلام رجال ؟ فقال : ما كان ليخاطب اللّه خلقه بما لا يفعلون».

ص: 221

أقول : إنّ الحديث ينفى أن يكون المراد من لفظ الآية الشريفة شيئاً آخر وراء ظاهرها المقصود، وينفي التأويل فيها.

وفي «الدّر المنثور» عن ابن عمر قال : «نهى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) أن يقعد على مائدة شرب عليها الخمر».

أقول : الحكم مشهور بين الفقهاء، وقد وردت فيه أخبار متعدّدة، وفيه أيضاً قال : أخرج الحاكم وصحّحه، والبيهقيّ عن ابن عبّاس، قال : قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) : «اجتنبوا الخمر، فإنّها مفتاح كلّ شرّ».

أقول : يعضده العقل والنقل المستفيض.

وفيه أيضاً : أخرج ابن أبي الدُّنيا عن الترمذيّ، عن عليّ بن أبي طالب قال : «قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) : إذا عملت أُمّتي خمسة عشرة خصلة حلّ بها البلاء، قيل : وما هي يا رسول اللّه ؟ قال : إذا كان المغنم دولاً، والأمانة مغرماً، والزكاة مغنماً، وأطاع الرجل زوجته وعقّ أُمّة، وبرّ صديقه وجفا أباه، وارتفعت الأصوات في المساجد، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأُكرم الرجل مخافة شرّه، وشربت الخمور، ولبس الحرير، واتّخذوا القيان والمعازف، ولعن الأُمّة أوّلها، فليرتقبوا عند ذلك ثلاثاً، ريحاً حمراء، وخسفاً، ومسخاً».

أقول : مضمونه مذكور في روايات متعدّدة، والواقع يشهد بصحّتها، وتقدّم فى هذا التفسير ما يتعلّق بهذه الأخبار التى تكون من الملاحم والفتن، فراجع.

روى الكلينيّ في «الكافي» عن إسحاق بن عمّار، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل شرب حسوة خمر ؟ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ثمانين جلدة، قليلها وكثيرها حرام».

أقول : الروايات في ثبوت الحدّ على شارب الخمر مستفيضة بين الفريقين، والمشهور المُدّعى عليه الإجماع أنّه ثمانين جلدة، وتدلّ عليه الأخبار الكثيرة،

ص: 222

ففي «صحيح الحلبي» عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : قلت له : أرأيت النبى اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) كيف كان يضرب على الخمر ؟ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : كان يضرب بالنعال، ويزداد إذا أُتي بالشارب ثمّ لم يزل الناس يزيدون حتّى وقت ذلك على ثمانين».

وفي «تفسير العيّاشي» : عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : «أُتى عمر بن الخطاب بقدامة بن مظعون وقد شرب الخمر وقامت عليه البيّنة، فسأل عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأمره أن يجلده ثمانين جلدة، فقال قدامة : يا أمير المؤمنين، ليس عَلَيَّ حَدٌّ، أنا من أهل هذه الآية : «لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا» فقرأ الآية حتّى استتمها، فقال له على (عَلَيهِ السَّلَامُ) : كذبت لست من أهل هذه الآية، ما طعم أهلها فهو حلال لهم، وليس يأكلون ولا يشربون إلّا ما يحلّ لهم».

أقول : روى قريباً منه الشيخ في التهذيب، والسيوطيّ وغيره من أهل السنّة أيضاً، والروايات تقرّر ما استفدناه من الآية الكريمة، وإنّما لم يطبّقها عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) على قدامة، إمّا لأجل إصراره على الشرب، أو لأجل هتك حرمة هذا التشريع الإلهيّ وغير ذلك، فلا تنافى ما ذكرناه آنفاً في التفسير.

وأمّا قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «وليس يأكلون ولا يشربون إلّا ما يحلّ لهم»، فالمراد منه الحلال بالجعل الأوّلى، أو بجعل ثانويّ لجهل أو نسيان، فلا يشمل مَن إذا عرف الحكم والموضوع. نعم، إذا لم يكن فى مقام العناد واللّجاج وهتك الحرمات، كما إذا شربها مرّةً وكان فى خفاء لغلبة الشهوة الملحّة، ثمّ أدرك شناعة فعله فتاب توبة نصوحاً، فآمن بما شرطه اللّه تعالى عليه في الآية المباركة، فربّما يقال بشمولها له، لأنّها في مقام الامتنان والتوسعة، فراجع. ولكنّها تشمل ما فعلوه في الجاهليّة شمولاً أوّلياً.

ويمكن أن يكون منشأ قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) : «الإسلام يَجُبُّ ما قبله» هذه الآية الكريمة، كما أنّه يمكن أن يكون المراد بتكرار الاتّقاء والإيمان هو الاستمرار

ص: 223

والموافاة عليه، إذ لا اعتبار بمجرّد حدوث الإيمان في رفع آثار ما فعل في زمان الكفر، وإنّما المناط الموت عليه.

القمي : «لمّا نزل تحريم الخمر والميسر والتشديد في أمرها، قال أُناس من المهاجرين والأنصار : يا رسول اللّه، قتل أصحابنا و هم يشربون الخمر، وقد سمّاه اللّه رجساً، وجعلها من عمل اليشطان، وقد قلت ما قلت : أينضر أصحابنا ذلك بعد ما ماتوا، فأنزل اللّه هذه الآية، فهذا لمَن مات أو قتل قبل تحريم الخمر».

أقول : قد عرفت في التفسير أنّ لفظ الآية عامّ يشمل ذلك وغيره، فيكون الحديث من باب التطبيق، ولكن الخبر لا يسلم من إشكال تحريم الخمر الذي ذكرناه آنفاً من أنّه كان قبل نزول هذه الآية الكريمة، فهذه الجملة موافقة لما نقله الجمهور، ولابدّ من التأويل إن كان قابلاً له، وإلّا فالطرح.

وفي «الكافي» و «التهذيب» بإسنادهما عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : «ما بعث اللّه نبيّاً قطّ إلّا وفى علم اللّه أنّه إذا أكمل دينه كان عند تحريم الخمر، ولم يزل الخمر حراماً، وإنّما ينقلون من خصلة ثمّ خصلة، ولو حمل ذلك جملة عليهم لقطع بهم دون الدين، ثمّ قال أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ليس أحدٌ أرفق من اللّه تعالى، فمن رفقه تبارك وتعالى أنّه ينقلهم من خصلة إلى خصلة، ولو حمل عليهم جملة لهلكوا».

أقول : تقدم ما يدلّ على ذلك، والمراد من الحديث أن أحكام كلّ شريعة لم تتنزل مرةً واحدةً، وإنّما هي على سبيل التدريج، ولكن تحريم الخمر ممّا نزل في جميع الشرائع، ومنه يستفاد أن تحليل بعض الشرائع كالنصارى وغيرهم للخمر مخالف للحكم الإلهىّ وتحريف له، كما حرّفوا كثيراً من الأحكام، كما أنّ مثل هذه الأحاديث التي نقلنا بعضها تبطل مزاعم مَن يقول : إنّ الخمر لم يحرم إلّا في هذه الآية، فراجع.

ص: 224

بحث فقهي : وفيه حرمة الانتفاع بالخمر والاكتساب بالميسر وحرمة اقتنائهما

توضیح:

بحث فقهي:

يستفاد من الآيات الشريفة بعض الأحكام الفرعيّة الفقهيّة، نذكر المهمّ منها : الأوّل : يحرم الانتفاع بالخمر؛ لقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ»، لأنّ المحكوم بكونه رجساً هو الاقتراب من المذكورات، وقد أمر اللّه سبحانه وتعالى باجتنابها، فيشمل جميع الانتفاعات، ومنها الشراب، وذكرنا ما يتعلّق بالخمر، وعموم الآية يشمل جميع أنحاء التصرّف والانتفاع، كما هو معروف عند الإماميّة، فراجع.

الثاني : يحرم الاكتساب بالميسر، بل كلّ انتفاع بالتقريب الذي ذكرناه في الخمر، ويدخل فيه سائر أنواع القمار، فيحرم عمل آلته وحفظها وبيعها وإعارتها وأثمانها، بل بيع الخشب ونحوه ليعمل آلة لذلك. ويأتى الكلام بعينه في الأنصاب والأزلام، فيدخل في عموم تحريمهما بيعها وشراؤها وبيع الخشب وشبهه ليعمل صنماً وتحريم أثمانها، والتفصيل مذكور في الفقه، فراجع كتابنا (مهذّب الأحكام).

الثالث : كما يحرم استعمال هذه الأُمور الأربعة، كذلك يحرم اقتناؤها، بل يجب اتلافها وإخراجها عن صورها، فيجب إهراق الخمر، ويحرم اقتناؤها إلّا أن يقصد به التخليل، فقد استثنى منه ذلك للنصّ، فراجع الفقه.

الرابع : يستفاد من قوله تعالى : «رِجْسٌ مِنْ عَمَل الشَّيْطَانِ» قذارة الخمر كما عرفت في التفسير، وأمّا نجاستها فإن قلنا بأنّ الرجس يأتي بمعنى النجس كما عن بعض الفقهاء، فتدلّ الآية الشريفة عليها بالمطابقة، ولا نحتاج إلى دليل آخر. وإن قلنا بأنّ الرجس يختص بالقذارة المعنويّة دون النجاسة، فلابدّ من إثباتها من الرجوع إلى الأخبار، وهي كافية في ذلك، مضافاً إلى الإجماع، راجع كتابنا (مهذب الأحكام).

ص: 225

إنّ الآية المباركة : «لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جناح» في مقام التوسعة والامتنان على المؤمنين

الخامس : ذكرنا بأن قوله تعالى : «لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا» في مقام الامتنان والتوسعة على المؤمنين، كسائر القواعد الامتنانيّة، فيجري عليه ما يجري عليها من الأحكام والآثار المعروفة فى علم الأُصول، فيستفاد رفع الإثم والمؤاخذة عمّا صدر من المؤمنين في حال الكفر، أو كلّ عذر شرعى مقبول، وهذا ممّا يفتح منه ألف باب، فراجع.

***

بحث عرفاني : وفيه ما يتعلّق بمهلكات النفس وما يوجب الاطمئنان

بحث عرفاني:

الآيات الشريفة المتقدّمة تبيّن مظاهر سخط اللّه تعالى وموجبات لعنه وعذابه؛ لأنّها من عمل الشيطان الذى هو مصدر الغواية والضلال، وقد بيّن عزّوجلّ ما يترتّب عليها من الآثار الوصفيّة التي تعتبر من مهلكات النفس وانحطاطها إلى أدنى الدرجات. وكيف لا تكون كذلك، وهي التي تصدّ عن ذكر اللّه تعالى الذين تطمئن به قلوب المؤمنين، بل هو أمل العارفين، والروح الذي يضفى للموجودات بهاءً وعظمة وبه حياتها، فلا يستغني السالك إلى اللّه تعالى عنه وإنّ الصدّ عنه يوجب هلاكه؛ لأنّ فيهم البعد عن ساحة جلاله، كما أنّ تلك المهلكات توجب المنع عن الصلاة التي هي قرّة عين الأنبياء والمرسلين، أو معراج الأولياء والصالحين، وفيها سموّ الروح واتّصالها بربّ العالمين وفناؤها فيه، فلا يكون الصادّ عنها إلّا عدو استكلب على الإنسان ليحرمه عن ملاقاة الحبيب، والإلتذاذ بمناجاته، وتكميل النفس بملاقاته، وإبعادها بالغفلة التى تحطّ الإنسان عن قدره و تمسخ قلبه، ولعلّ في إتيان الذكر ثمّ الصلاة لبيان درجات العارفين ومقامات السالكين، فبعضه اقتصر على ذكر اللّه تعالى الذي هو روح الموجودات وبه حياتها، والبعض الآخر تعدّى عن ذلك ووضع قدمه في ديار الحبيب، وتمنّى ملاقاته والحضور لدى جنابه، وكلا المقامين لابدّ له من الحب الإلهيّ ليحقّ له

ص: 226

الدخول في هذا السلك، فاذا كان الخمر والميسر يسلبان الحبّ من القلب ويبدلانه بالعداوة والبغضاء فينشغل القلب بنيرانها، وينغفل عن ساحة القرب و تحليته بالكمالات، كيف لا يترتّب عليه الصدّ عن ذكر اللّه تعالى؟! فيكون ترتّب الصدّ على العداوة والبغضاء من ترتّب المقتضى على المقتضي.

هذا في سكر الخمر وثمالتها والميسر الذي يلهى عن ذكر اللّه، فما بالك بسكر الدُّنيا الناشئ من حبّها الذي هو من أمراض النفس الخطيرة، فيسلب لبّ الإنسان ويفقده صوابه، ولحبّ الدُّنيا وسكرها مظاهر كثيرة، فقد يحصل من المال أو الجاه والرياسة، وقد يدخل في أُمور دقيقة عند السالكين والعارفين، وقد يغفل عنها فتظهر على نواياه أو أقواله وأفعاله، فإن لم يعالجها يرجعه إلى أسفل السافلين، ولذاكان الأنبياء والمرسلون يتعوّذون باللّه منهما، ويتوبون ويستغفرون اللّه ممّا قد يصدر منهم في أطوار حياتهم المعنويّة، فإنّ الأمر دقيق جدّاً، والإنسان في اختبار وامتحان مستمرين، وكانت سيرة الأئمّة الأطهار (عَلَيهِم السَّلَامُ) في تعاملهم مع الدُّنيا على حذر شديد، وفي الحديث عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «واللّهِ لقد نزلت الدُّنيا عندى منزلة الميتة، متى اضطررت إليها أكلت»، فإنّ جمالها الفاتن يخلب القلوب، ويصدّ السالك المجذوب.

وقد نقل عن بعض العرفاء في حقّ من كان مشغولاً بنفسه، وزاهداً عن الدُّنيا ومفاتنها مدّة طويلة، لما عرضت عليه القضاء فقبلها، قال : إنّه كان يضمر حبّ الدُّنيا مدّة أربعين سنة وهو صحيح، فإنّه يبقى في مكنون النفس مدّة طويلة، ويكون صاحبها مشغولاً في جهة أُخرى.

ولعلّ في قوله تعالى : «لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ» إشارة إلى هذا الأمر الدقيق، فلابدّ من التقوى والرجوع إلى الإيمان دوماً، والشدّة في ذلك بدوام المراقبة، أو أنّه إرشاد إلى مراتب الإيمان ومنازل المؤمنين، وليعرف

ص: 227

كلّ واحد منهم فيقوم بها على الوجه المطلوب، ليمكنه التجاوز إلى منزلة أُخرى كما ورد عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «الإيمان حالات ودرجات و طبقات ومنازل، فمنه التامّ المنتهى تمامه، ومنه الناقص البيّن نقصانه، ومنه الزائد رجحانه».

ولا تكون منازل الدرجات إلّا لأجل اختلاف المؤمنين في الاستعداد لتلقّي الفيوضات الإلهيّة، الناشئ من تفاوتهم في الأعمال وصفاء النفس، وبعدهم وقربهم من معدن العظمة والكبرياء، وفى الخبر : «أنّ التقوى على ثلاثة أوجه، تقوى في اللّه وهي ترك الحلال فضلاً عن الحرام، وهي تقوى الخاصّ، وتقوى من خوف النار والعقاب وهي ترك الحرام، وهي التقوى العامّ. ومثل التقوى كماء يجري في النهر، ومثل هذه الطبقات الثلاث في معنى التقوى كاشجار مغروسة على حافة ذلك النهر من كلّ لون وجنس، وكلّ شجر منها يمتصّ الماء من ذلك النهر على قدر جوهره وطبعه ولطافته وكثافته، ثمّ منافع الخلق من تلك الأشجار والثمار على قدرها وقيمتها، قال اللّه تعالى: «صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَان يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ»، فالتقوى للطاعات كالماء للأشجار، ومثل طبائع الأشجار فى لونها وطعمها مثل مقادير الإيمان، فيكون التغيير والاختلاف يرجع إلى شيء مستور عن الناس، مع كون المادة واحدة، ويدلّ عليه قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) : « الناس معادن كمعادن الذهب والفضة»، مع كون مادّة الناس ومحلّ تكوينهم إنّما هو المنى والرحم، وكذلك سائر المخلوقات من الجماد والنبات والملائكة، فإنّ منشأ تكوينهم شيء واحد مع الاختلاف العظيم فيما بينهم.

فالآية المباركة من جلائل الآيات التي يستفاد منها أبواب كثيرة في العلم والعمل والتقوى، وفيها إشارات لطيفة ودقائق ربانيّة لذوي البصائر في مقاماتهم الرفيعة؛ ليكونوا على حذر ممّا يوجب صدّهم عمّا فيه حياتهم بالآخرة وهلاكهم، كما أنّها ترشدهم إلى التزوّد بالتقوى وبقائهم على مراقبة تامّة، وتطميعهم في مثل

ص: 228

الدرجات العالية والمقامات الرفيعة، فيالها من آية عظيمة في السير والسلوك، فلا تغفل عنها واللّه المستعان.

***

ص: 229

سورة المائدة الآية 94 - 99

إشارة:

الآية 94 - 99

«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمْ اللّه بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللّه مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (94) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم يَحْكُمُ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللّه عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللّه مِنْهُ وَاللّه عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ (95) أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُوا اللّه الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (96) جَعَلَ اللّه الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْىَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللّه يَعْلَمُ مَا فِى السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللّه بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (97) اعْلَمُوا أَنَّ اللّه شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللّه غَفُورٌ رَحِيمٌ (98) مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللّه يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (99).

الآيات المباركة تبيّن بعض الأحكام الإلهيّة الفرعيّة المتعلّقة ببعض تروك الإحرام، وهو صيد البر والبحر والكفّارات المترّتبة عليه، وقد بيّن عزّوجلّ بعضها، وفوّض بيان الآخر إلى ذوي عدل من المؤمنين، الذين لهم العلم والمعرفة بالأحكام الإلهيّة، والأُمناء على حلال،اللّه وحرامه، وقد حرّم صيد البرّ وأحلّ صيد البحر الطري وطعامه اليابس المالح، ثم بيّن عزّوجلّ شأن الكعبة وأنّها

ص: 230

البيت الحرام، مأوى كلّ متعبّد و مقصد كلّ محتاج، وقبلة للعالمين، ومنتهى كلّ نسك، ثمّ ختم عزّ وجلّ بالتحذير الأكيد من مخالفة أحكامه المقدّسة، وبيّن شأن الرسول في إبلاغ التشريع، وحذّرهم من نفسه العليم بالظاهر والباطن ومكنونات الصدور. ولا يخفى ارتباطها بما سبق من الآيات التي تشترك في بيان الأحكام الشرعيّة.

***

في مادّة الابتلاء

التفسير

قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمْ اللّه بِشَيْءٍ مِنْ الصَّيْدِ».

خطاب للمؤمنين، لأنّ إيمانهم جعلهم مؤهّلين لتلقّي هذا الخطاب الربوبيّ الدالّ على كمال العناية بهم، أو لأنّ الإيمان باللّه يستدعى العمل بما أنزله عزّوجلّ من الأحكام، وتقدّم الكلام فى هذا الخطاب مكرّراً، فراجع.

والبلاء: الامتحان والاختيار، وسبق الكلام أيضاً في هذه المادّة في سورة البقرة، ولام القسم والنون المشدّدة للتأكيد. والصيد مصدر يطلق على ما يصطاد من الحيوان مطلقاً، بريّاً كان أو بحريّاً، كما عرفت في أوّل السورة. والتنكير في (بشيء) إمّا : للتكثير ومن لبيان الجنس، أي كثير الصيد.

أو للتحقير به بالإضافة إلى الابتلاء، ليهون الأمر على المخاطبين.

أو للتنويع، ومن التبعيض، وهو ما عدا صيد البحر وما استثنى، كما عرفت.

ويعضد الأوّل قوله تعالى : «تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرمَاحُكُمْ» الدالّ على الكثرة وحصوله في كلّ مكان، بحيث صار يمكن تناوله باليد وغيرها من آلات الصيد.

ولا ينافي الاحتمال الثاني أيضاً وجه الابتلاء في حالة الإحرام، لا سيّما في الأزمنة القديمة التي كان فيها السفر طويلاً، والزاد قليلاً، فاذا عرض صيدٌ سهل تناله بالأيدي أو الرماح، وكانت الحاجة إليه شديدة ناهيك باستطابة الصيد ولذّته،

ص: 231

ففي هذه الحالة يقدّر عظم الابتلاء، وهذه سنّة اللّه تعالى في خلقه، ويجري في هذه الأُمّة كما قال نبيّنا الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) : «يكون في هذه الأُمّة جميع ما كان في الأُمم السابقة، حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة»، ولعلّ الحكمة في ذلك إظهار معلومة للناس، فيجازى على الطاعة، ويعاقب على المعصية، كما يشير إليه قوله عزّوجلّ بعد ذلك.

وكيف كان، فالآية توطئة - كما سيأتي - للأحكام المشدّدة في الآيات التالية.

وجواب القسم (ليبلونكم) محذوف.

قوله تعالى : «تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ».

وصف للصيد، وللتعميم ليشمل صغار الصيد التي تنال بالأيدي، وكبارها التي لا تصطاد إلّا بآلات الصيد. وفيه الكناية عن كثرته وحصوله في كلّ مكان، بحيث يمكن التمتّع به خفاءً، ولابد أن يكون في حال الإحرام المعلومة من السياق.

قوله تعالى : «لِيَعْلَمَ اللّه مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ».

بيان علّة الابتلاء، وهو اللّه العالم بجميع الأشياء، جليلها وحقيرها، كلياتها وجزئياتها، جلّيها وخفّيها، فهو بكلّ شيء عليم وخبير، إلّا أنّه يعامل الأفراد معاملة إظهار معلومة لهم، أو أنّه يطلب منهم طلب من يريد أن يعلم ذلك، فيكون قد سيق الكلام بحسب حال المخاطبين ومذاقهم في كيفية التكلّم، لا بحسب حال المتكلّم، وقد تقدّم الكلام في مثل هذا الخطاب في سورة البقرة، فراجع.

والغيب ما غاب عن الإنسان، بحيث لا يدركه بظاهر مشاعره، وتقدّم في قوله تعالى : «الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ» بعض الكلام. والمعنى : ليظهر اللّه تعالى

ص: 232

معلومه لكم، فيتبيّن الذي يخاف ربّه ويحذر من عقابه في الخفاء، والجملة في محلّ نصب على الحال، أي يخافه غائباً، كقوله تعالى : «وَخَشِيَ الرَّحْمَنِ بالْغَيْبِ».

قوله تعالى : «فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ».

بيان جزاء مَن تعدّى في الخفاء، وتجاوز حدود اللّه، ونال من الصيد بعد الإعلام، وفعل ما نهاه بعد البلاء، فله عذابٌ مؤلم؛ لأنّه تعرّض لسخط اللّه تعالى ولم يبال بأحكامه المقدّسة، فإنّ مَن لم يعتن بهذه الابتلاءات الربانية والامتحانات الإلهيّة، فإنّه يكاد لا يراعيه في سائر أحكامه المقدّسة. ويحتمل أن تكون الآية إرشاداً إلى ما سيأتى من التفصيل بين مَن تكرّر منه الصيد عملاً، وعدمه.

قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ».

بيان لما تضمّنته الآية السابقة من الإشارة إلى أحكام الصيد، وما ورد في أوّل السورة من تحريم الصيد على من كان محرماً، قال تعالى : «غَيْرَ مُحِلّى الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ»، وفي إعادته هنا لبيان الجزاء والكفّارة، فتكون اللّام في الصيد للعهد، وجملة (أنتم حرم) في موضع النصب على الحال، وحرم جمع حرام ومحرم بمعنى واحد كحلال ومحل، ويقال : أحرم إذا أهلّ بالحجّ، أو دخل في الشهر الحرام، أو دخل في الحرم، وهو في الأصل بمعنى المنع، وسمّيت النساء حرماً لأنّها تمنع، والمحروم الممنوع من الرزق، ومنه الإحرام؛ لأنّه يمنع المحرم من إتيان بعض الأُمور التى تسمّى بتروك الإحرام، والتعبير بالقتل دون الذبح والذكاء للإشارة إلى تعميم تحريمه على أيّ وجه حصل مستقلاً أو مع مشاركة الغير، وقد اُلحق به الإشارة والدلالة والإمساك، وتدلّ عليه بعض الأخبار، والآية تنهى المُحْرِم عن قتل الصيد، وهو عامّ يشمل جميع أنواع الصيد

ص: 233

البريّ والبحريّ، ولكن يخصَّصه قوله تعالى بعد ذلك : «أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ»، فيختص بالبرىّ، كما أنّ حرمة القتل تختصّ بالعمديّ منه ؛ لقوله تعالى : «وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ»، فلا إثم على الجاهل والناسي، وإن وجب الجزاء عليهما كما ستعرف.

المراد من الصيد

وكيف كان، فقد وقع الخلاف في المراد من الصيد :

فقيل : هو كلّ ما يطلق عليه اسم الصيد من جميع الحيوانات، الطير و وغيره. المأكول وغيره، إلّا ما استثني كالأهليّ والبحريّ، وبعض الحيوانات المؤذية التي يخاف منها، ويدلّ عليه الإطلاق وبعض الروايات الصحيحة.

وقيل : المراد منه الحيوان البريّ المحلّل الممتنع بالأصالة، ويباح قتل غيره إلّا الأسد والثعلب والأرنب والضبّ واليربوع والقنفذ للنصّ. فهل يكون تحريم بعض الحيوانات غير المحلّل مستفاداً من الدليل؟

ولكن القول الأوّل هو الأظهر بحسب الدليل، وعليه إجماع الفقهاء، ثمّ إنّه لا ريب في دلالة النهي على الحكم التكليفيّ، وهي حرمة قتل الصيد في حال الإحرام، وهل يستتبع ذلك حكماً وضعيّاً، وهو جعل المقتول بمنزلة الميتة، فيترتّب عليها جميع أحكام الميتة من النجاسة وحرمة جميع الانتفاع كذبيحة الوثنّى، أو لا تكون كذلك، بل تكون كالشاة المذبوحة بغير إذن المالك؟ ويتفرّع عليه جواز أكله اختياراً.

ولكن لابدّ أن يعلم بأنّ النزاع إنّما يكون في ما إذا قتل المحرم الصيد في الحِلّ، دون ما إذا قتله فى الحَرَم، فإنّ الأكثر على أنّه بمنزلة الميتة، ويمكن استفادة الأوّل من ظاهر الآية الشريفة، فانها تشير إلى أنّ المصطاد بمنزلة المقتولة، فهو بمنزلة الميتة المقتولة بغير ذكاة. وبعبارة أُخرى : يلغى حكم الذبح ويلحق المذبوح بالميتة.

ص: 234

قوله تعالى : «وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمّداً».

تخصيص بعد تعميم الإثم لكلّ مَن قتل الصيد في حال الإحرام، أي ومَن قتل الصيد ممّن أحرم منكم حال كونه متعمّداً، ذاكراً لإحرامه، عالماً بحرمة القتل، أي كان عالماً بالحكم والموضوع، فجزاؤه كما سيأتي. والمعروف أنّ ذكر العمد ليس لتقييد وجوب الجزاء، فإنّ إتلاف العامد والمخطئ واحد، وسيّان وجوب الجزاء، وعليه إجماع الإماميّة، وبه تظافرت الأخبار عن الأئمّة الأطهار، وهو المعروف عند الجمهور أيضاً، فإنّهم يقولون : إنّ القرآن نزل بالعمد وجرت السنّة بالخطأ.

والوجه في ذلك إمّا الأخبار أو لأنّ الآية نزلت في مَن تعمّد، فهو المورد والأصل، واُلحق به الخطأ، أو قوله تعالى : «وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللّه مِنْهُ» الدالّ على تغليظ الحرمة في العمد، وقيل غير ذلك من الوجوه التي لا تخلو من المناقشة. ولا ريب حينئذٍ في ثبوت الإثم والجزاء في العمد دون الخطأ، فإنّه يثبت الأخير فقط دون الأوّل.

المراد من المثل

قوله تعالى : «فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَم».

جواب الشرط المتقدّم، و (جزاء) بالرفع والتنوين مبتدأ، و(مثل) صفة مرفوع والخبر محذوف، أي فعليه أو فواجبه جزاءٌ يماثل ما قتله من النعم، ويكون الجار والمجرور صفة ثانية للجزاء. وقيل غير ذلك من الوجوه الإعرابيّة، فراجع.

وظاهر المماثلة أنّها فى الخلقة والهيئة دون القيمة، وعليه بعض فقها الجمهور، حيث أوجبوا في النعامة البدنة، وفي حمار الوحش بقرة، وفي الظبي والأرنب شاة إلى غير ذلك؛ ويدلّ عليه التبادر من إطلاق المثليّة، وهو المعهود من

ص: 235

إطلاق لفظ المثل، فإنّ المراد به المشارك في النوع، كما في ضمان العدوان، قال تعالى : «فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْل مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ»(1)، وقوله تعالى: «مِنَ النَّعَمِ» الذي هو بيان للمثل، وكذا قوله تعالى : «هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ»؛ والروايات الكثيرة الدالّة على وجوب إخراج البدنة والبقرة والكبش والشاة ونحو ذلك. وهو ظاهر في كون الجزاء الأقرب شبهاً بالصيد من النعم، ولو كان المناط القيمة لاختلف باختلاف الأسعار بحسب الأزمنة والأمكنة، وعليه إجماع الإماميّة. ولكن ذهب بعض فقهاء الجمهور إلى أنّ المراد بها المماثلة في القيمة، قياساً على ما لا مثل له، فأوجب تقويم الصيد حيث صيد، فإنّ بلغت ثمن هدي تخيّر بين أن يهدي من النعم ما قيمته قيمة الصيد، وبين أن يشتري بقيمته طعاماً فيعطى كلّ مسكين نصف صاع من بُرٌ أو صاعاً من غيره، وإن شاء صام عن إطعام كلّ مسكين يوماً، وأيّدوا ذلك بقوله تعالى : «يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ»، فإنّه ظاهر القيمة إذ التقويم يحتاج إلى النظر والاجتهاد، بخلاف المماثلة الخلقية فإنّها ظاهرة للحسّ لا تحتاج إلى حكم العدل.

وفيه أولاً : إنّه لا تختصّ القيمة إلى حكم العدل، بل الأنواع قد تتشابه و تشبه كثيراً ويماثل بعضها بعضاً، فيحتاج التمييز إلى حكم العدل.

وثانياً : إنّه قد يقتل الصيد ولا يعلم مثله لعدم العلم به، فيحتاج إلى حكم العدل أيضاً ليحصل العلم به.

وثالثاً : إنّ ظاهر الآية الكريمة أن يكون الجزاء مماثلاً للصيد من النعم، ولو كان القيمة لم يكن مماثلاً، بل هو قيمة يشتري بها مماثل، وكم فرق بين الأمرين؟!

ورابعاً: إنّه لا يكاد يوجد نعم تكون قيمته قيمة الصيد المقتول، بل هو نادر جدّاً.

ص: 236


1- سورة البقرة : الآية 194.

وخامساً: إنّ القيمة لا تسمّى مثلاً في لا مثل له؛ لأنّ القيمة إنّما تجب في ما إذا لم يكن للصيد مثل، فيكون الواجب هو الأمران الآخران، أي الإطعام والصيام، كما هو مذهب بعض فقهاء الجمهور.

وأمّا بناء على مذهب الإماميّة، فإنّ التخيير بين الثلاثة (المثل أو الطعام أو الصيام) إنّما هو فى حالة مثل النعم، أمّا لا مثل له فهو موكول إلى الأخبار الواردة عن الأئمّة الأطهار عليهم الصلاة والسلام التى تبيّن ما يجب فيه الجزاء، وما لم يبين منها تجب فيه القيمة؛ لأنّه أقرب في اللّزوم، فراجع كتب الفقه.

البحث في قوله تعالى : «يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ» من جهات ثلاثة

قوله تعالى : «يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ».

أي : يحكم بالجزاء المماثل مَن يكون عادلاً من المسلمين لظاهر الخطاب والتبعيض لأجل أن الجميع ليسوا عدولاً. وفي الآية الشريفة ثلاث بحوث :

الأوّل : في قراءتها، فالموجود في المصاحف (ذوا عدل)، وهي القراءة المشهورة، ولأجلها اشترط بعضهم التعدّد، فلو حكم العدلان بأنّ للصيد غير المنصوص مثلاً من النعم، وجب الرجوع إلى قولهما هذا، ولكن ورد عن الإمامين الهمامين أبي جعفر الباقر وأبي عبد اللّه الصادق (عَلَيهِم السَّلَامُ) أنّهما قرءا الآية : «ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ» بحذف الألف، ففي «الكافي» عن ابن أبي عمير، عن حماد بن عثمان قال : «تلوت عند أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ»، فقال : ذو عدل. هذا ممّا أخطأت به الكتّاب».

وفي «الكافي»: عن زرارة، قال: سألت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قول اللّه عزّ وجلّ : «يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ» فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «العدل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) والإمام من بعده، ثمّ قال : ممّا اخطأت به الكتاب». ورواه العيّاشي بهذا الإسناد أيضاً، ونقل في «المجمع» قراءة : (ذو عدل) عن الباقر والصادق (عَلَيهِم السَّلَامُ).

ص: 237

والمستفاد من هذه الأحاديث أنّ رسم الألف في )ذو عدل) من تصرّف النسّاخ، والصواب محوها؛ لأنّها تفيد أنّ الحاكم اثنان كما عرفت، وهذه الأخبار تدلّ على أنّه واحد، وهو الرسول في زمانه ثمّ كلّ إمام في زمانه على سبيل البدل، ولذا نرى أنّهم (عَلَيهِم السَّلَامُ) بيّنوا مماثل أكثر الصيد ولم يدعوه إلى أفهام الناس، كما ستعرف. وزياده الألف في رسم المصاحف ليست بعزيزة حتّى قيل : إنّ خطّه لا يقاس عليه كخطّ العروض، فقد زيد في رسم «لأَذْبَحَنَّهُ»(1)، وفي رسم «لأَوْضَعُوا»(2) وغير ذلك.

ويمكن توجيه قراءة : «ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ» بأن يكون المراد الرسول والإمام الموصوفين بالعدل في القول والفعل، وتتوافق القراءتان حينئذٍ في المعنى.

وذكر بعضهم أنّ (ذوا) تستعمل استعمال (من) للتقليل والتكثير، وقيل غير ذلك. والكلّ لا دليل عليه، فراجع.

المراد من العدل

الثاني : في المراد من العدل، فذهب جمع إلى أنّه آحاد الناس المتّصفين بالعدالة، وهو رأي الجمهور، لأنّ المماثلة في الصورة يستوي في معرفتها كلّ أحد من الناس.

ولكن يمكن المناقشة بأنّ المماثلة ليست من الأُمور الهيئة التي يمكن أن يدركها آحاد الناس، فهى أصعب من القيمة التي جعلوها من الأُمور التى تحتاج إلى النظر والاجتهاد، وصناديد أهل الهداية والرشاد، إلّا المؤيّدين بالقوّة القدسيّة، وكيف يفوّض معرفة الدقائق العلميّة إلى آحاد الناس، وهذا هو الذى دلّت عليه الأخبار من أنّ المراد به الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) أو الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، كما عرفت.

ص: 238


1- سورة النمل : الآية 21.
2- سورة التوبة : الآية 47.

فالحقّ أنّ المراد به واحد من الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ) المتّصفين بالعدالة في جميع الأقوال والأفعال، والمؤيّدين بالقوّة القدسيّة التي تدرك حقائق الأشياء، وقد تقدّم قول الباقر والصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) : «العدل رسول اللّه والإمام بعده».

الثالث : فى أنّ حكم العدل بالمماثلة هو من باب الشهادة، كما ذهب إليه جمع، فاعتبروا فيها التعدّد وأجروا فيها أحكامها من التعارض وغيره ممّا هو مذكور في كتاب الشهادات من الفقه، ويؤيّد إطلاق الحكم على الشاهد في غير مورد أنّه من باب الحكم.

ولكنّ الأخبار التي تعيّن كون المراد من العدل الرسول والإمام صلوات اللّه عليهم أو واحداً من الحجج (عَلَيهِم السَّلَامُ)، الذين هم أهل التنزيل والتأويل، تعيّن أن يكون المراد به الحكم، فيعتبر فيه العلم والمعرفة بالخصوصيات، ولا يحتاج إلى التعدّد. ويدلّ عليه ظاهر الآية الشريفة في الحكم الذي يراد به المعنى الحقيقيّ، كما يدلّ عليه قراءة الإمامين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) : «ذو عدل»، فيكون محصل الآية الشريفة أن مَن قتل في حال الإحرام صيداً عالماً عامداً، يجب عليه الجزاء بمثل ما قتل من النعم، إذا كان له مثل، فإنّه ليس كلّ صيد له مثل، وحيث إن تعيين المثلية في النعم أمر عسير ؛ لأنّ الأنواع قد تشتبه وتتشابه كثيراً ويماثل بعضها بعضاً وتختلف قيمها، وجب الرجوع إلى العدل العالم بالخصوصيات العارف بالأحكام المؤيّد من اللّه في تعيين المماثلة، فيحكم به ويؤخذ بحكمه من دون تردّد، وإن لم يرد من قبله التعيين فيكون الجزاء القيمة، والتفصيل يطلب من الفقه، وسيأتي في البحث الفقهي بعض الكلام.

قوله تعالى : «هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ».

دليل آخر على أنّ المراد من المماثلة العينية دون القيمية، والجملة حال من

ص: 239

الضمير في (به)، أو من (جزاء)، أو بدل عن (مثل) باعتبار محلّه.

«بَالِغَ الْكَعْبَةِ» صفة (هدياً)، والإضافة لفظيّة.

والمراد من الكعبة الحرم، لأنّ الذبح أو النحر داخلها أو القرب الملاصق بها غير ممكن عادة، فالمراد به البلوغ العرفيّ، وهو يتحقّق بدخول الحرم، والمراد ذبحه دون مجرّد الوصول هناك كما هو ظاهر الآية الشريفة.

ولكن وردت النصوص عن الأئمّة الهداة (عَلَيهِم السَّلَامُ) أنّ الجزاء إن كان في إحرام العمرة ذبحه بمكّة قباله الكعبة، وإن كان في إحرام الحج ذبحه بمنى، ويأتي في البحث الروائي نقل بعض الروايات.

قوله تعالى : «أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ».

عطف على جزاء المرفوع، أو على محل (النعم) على أنّه خبر مبتدأ محذوف، والجملة صفة الجزاء، أي والواجب عليه كفّارة طعام مساكين ما يساوي قيمة الهدي المماثل من النعم، وعليه دلّت نصوص أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ).

وقيل : قيمة الهدي المقتول. وهو مردود كما عرفت.

وعليه، إذا كان للصيد مماثل معيّن من قبل المعصومين صلوات اللّه عليهم، فالمحرم الذي اصطاد الصيد بالخيار، إن شاء أعطى المماثل وذبحها في الحرم، أو أعطى قيمته ووزّعها على المساكين، بالتفصيل فى توزيع الكفّارات كمية وكيفيّة.

قوله تعالى : «أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِيَاماً».

خصلة أخرى من خصال كفّارة الصيد الثلاث، والجملة عطف على (طعام)، و (ذلك) إشارة إليه، و (صياماً) تمييز، و(العدل) بفتح العين وكسرها بمعنى المثل. فاذا كان من غير الجنس فتحت، وإن كان من الجنس كسرت، والمعنى أو ما يماثله يساويه من الصوم، فيصوم عن كلّ مسكين يوماً، على ما هو منصوص في

ص: 240

الأخبار المعتبرة.

وظاهر الآية الشريفة التخيير بين الأبدال الثلاثة لظهور (أو) في ذلك، وتقدّم في صحيح حريز عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : كلّ شيء في القرآن (أو) فصاحبه بالخيار يختار ما شاء - الحديث».

ولكن ذهب جمع كثير من فقهائنا إلى أنّها على الترتيب، بمعنى أنّ الواجب أوّلاً الجزاء المماثل للصيد، ومع العجز عنه فالإطعام بقدره، ثم الصيام بقدر المساكين، واستدلّوا عليه بجملة من النصوص، ولا تخلو الآية الشريفة من إشعار بالترتيب بين الخصال. ويمكن الجمع بين الروايات المتعارضة بالعامّ والخاصّ.

قوله تعالى : «لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ».

بيان علّة الجزاء مطلقاً، متعلّق بقوله : ( فجزاؤه) أو بمحذوف. و(الوبال) هو الثقل ومنه الوابل، أي المطر الكثير، والطعام الوبيل أي الثقيل، وقال تعالى : «فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً»، أي ثقيلاً، ويختصُّ الوبال بالمكروه والضرر في العاقبة. والمعنى : ليذوق ثقل فعله وسوء عاقبة هتكه لحرمة الإحرام، فيدلّ على أنّه نوع مجازاة، ولا ريب أنّ التكاليف الإلهيّة فيها نوع مشقّة على المكلّف، وإنّما كانت لهذه المشقّة نتيجة فعله، فشدّد على نفسه التكليف بقتله للصيد متعمّداً.

قوله تعالى : «عَفَا اللّه عَمَّا سَلَفَ».

امتنان إلهيّ بالعفو عمّا صدر من المجرمين قبل نزول الحكم ممّا تتعلّق به الكفّارة، فلا إثم ولا كفّارة، والجملة لدفع ما يتوهّم من وجوب الجزاء في الحوادث السابقة، وليس ذلك من تعلّق العفو بما ليس هو معصية من الأفعال لتكون الآية دليلاً على جوازه، بل هو لدفع الحكم الوضعيّ - أي الكفّارة - فإنّه قد يتعلّق بالأفعال الصادرة حين الجهل، أو قبل نزول الحكم، فالمقام من مظنّة ذلك

ص: 241

فتدفعه الآية الشريفة، ولا بأس بالاستئناس بهذه الآية الشريفة لجواز تعلّق العفو بما هو ليس بمعصية.

هل في العود إلى الصيد كفارة أم لا

قوله تعالى: «وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللّه مِنْهُ».

العود والإعادة هو تكرار الفعل عن قصد، والمشهور بين النحاة تقدير المبتدأ ليصحّ دخول الفاء عليه، فإنّ الجزاء إذا وقع مضارعاً مثبتاً لم تدخله الفاء ما لم يقدّر المبتدأ، لأنّ المضارع حينئذٍ ارتبط بنفسه ولم يحتج إلى الفاء، وجوّز بعضهم أن تكون (من) موصولة، ودخلت الفاء لشبه المبتدأ بالشروط، والجملة بعدها خبر، ولا حاجة إلى إضمار المبتدأ والمعنى : مَن عاد إلى الفعل تعلّق به الكفّارة، فينتقم اللّه تعالى منه بالعذاب الإلهىّ سواء فى الدُّنيا أم الآخرة.

وقد اختلف الفقهاء فى ثبوت الكفّارة، فالمشهور بين الإماميّة عدمها بالمعاودة إلى قتل الصيد؛ لظاهر الآية، فإنّه تعالى جعل جزاء الصيد الانتقام بعد أن جعل جزاءه الفدية ابتداءً، فاقتضى ذلك عدم وجوبها مع العود بمقتضى المقابلة، والتفصيل قاطع للشركة، وتقتضيه أصالة البراءة أيضاً. ويدلّ عليه بعض الصحاح من الأخبار.

وذهب جمهور العامة وبعض الفقهاء من الخاصّة إلى وجوب الكفّارة أيضاً. واستدلوا عليه بعموم قوله تعالى : «وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً» الشامل للمبتدئ والمعيد، ولأنّ ترتّب الانتقام على العود لا ينافي وجوب الجزاء عليه، وإنّما لم يصرح لعلمه فيما مضى، ولبعض الأخبار.

ويمكن الجواب عمّا ذكروه : أمّا الآية فقد عرفت أنّ ظاهرها يدلّ على نفى الكفّارة بالعود، وأمّا الروايات فهي متعارضة يمكن الجمع بينها بوجه من الوجوه إن لم يكن حملها على التقية، والتفصيل مذكور في الفقه، فراجع.

ص: 242

ولا ريب أنّ الاحتياط حسن على كلّ حال، وموضوع الخلاف العمد بعد العمد في إحرام واحد، وألحق به بعض الفقهاء الإحرامين المرتبطين كحجّ التمتّع وعمرته إن تباعد الزمان، وفي غير ذلك تتكرّر الكفّارة.

قوله تعالى : «وَاللّه عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ».

تأكيدٌ شديدٌ على مراعاة الأحكام الإلهيّة، ومبالغة في التحذير عن مخالفة أمر مَن لا يغالب، وهو ذو انتقام ممن يتعدّى حدوده ويعصي أوامره وأحكامه.

المراد من طعام البحر

قوله تعالى : «أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ».

خطاب آخر للمحرمين يبيّن فيه حلّية بعض أنواع الصيد، بعد ما أطلق النهي عن الصيد في الآية السابقة كما عرفت.

وصيد البحر هو الحيوان الذي لا يعيش إلّا في الماء، والبحر هنا مطلق الماء، فلا يشمل ما لازمه، وعموم الخطاب من صيد البحر بجميع أصنافه إلّا أنّه بخص بالمأكول المحلّل منه على ما هو المعلوم من الأخبار والإجماع، سواء كان في الحلّ او الحرم.

قوله تعالى : «وَطَعَامُهُ».

عطف على ما قبله، أي وأحلّ لكم طعام البحر والطعام ما يطعم ممّا صيد منه، فيكون المراد من صيد البحر المعنى المصدريّ منه أي،الاصطياد والذي تقدّم معناه، والمقام أكل ما يصطاد، وهو وإن كان عامّاً يشمل العتيق من الصيد أو ما قذفه البحر والجديد الطري، واليابس القدّيد الذي يُدّخر ليطعم منه إلّا أنّ الوارد في أخبار أئمّة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) تفسيره بالأخير، وهو السمك المملوح الذي يُدّخر ليقتات منه الناس، وهو الظاهر من قوله تعالى : «مَتَاعاً لَكُمْ»، فالمراد من

ص: 243

صيد البحر السمك الطري وطعامه المالح الذي يُدّخر، وهو المشهور بين علمائنا. وهناك أقوال أُخرى لا دليل عليها.

قوله تعالى : «مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ».

منصوب على المصدريّة، والتعليل يدلّ على الامتنان، أي لأجل تمتّع حاضريكم والمسافرين منكم فيتزوّدون بقديده كما يأكلون جديده، وقد استوعبت جميع الفروض، المحرم وغيره والحاضر والمسافر.

قوله تعالى : «وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ».

تقدّم الكلام في المراد من الصيد، فإما أن يراد به المصطاد، أو المعنى المصدريّ، فإنّه على الأوّل يحرم جميع الانتفاعات أكلاً وبيعاً وشراءً ونحو ذلك وإن صاده المحلّ، وعلى الثاني تحرم الإشارة والدلالة والإغراء. ويمكن الحمل على المعنى الجامع ليشمل الجميع، كما تدلّ عليه الروايات المستفيضة، وإجماع الأصحاب، وعليه جمع من العامّة.

قوله تعالى: «مَا دُمْتُمْ حُرُماً».

أي : متّصفين بوصف الإحرام، والحُرُم جمع المحرم كما عرفت سابقاً، وقرئ (دمتم) بكسر الدال كخفتم من دام يدام، كما قرئ (حرم) بفتحتين، أي ذوي حرم، بمعنى إحرام.

وكيف كان، فالآية تدلّ على حرمة صيد البر ما دام الشخص محرماً، وهو لا يرتفع إلّا بإتيان طواف النساء التي هي من محرّمات الإحرام ولا تحلّ إلّا به. وبقاء شيء من المحرّمات الإحراميّة يقتضي بقاء الإحرام، وتدلّ عليه بعض النصوص، ولكن بإزائها روايات أُخرى صحيحة تدلّ على أنّ المحرم يحلّ من كلّ

ص: 244

شيء إذا حلّ إلّا النساء والطيب، ومقتضاها حلّية الصيد، وبها عمل ج جمع من الأصحاب رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين، وهو المشهور. وهناك أقوال ذكرناها في (المهذّب)، فراجع.

دلالة قوله تعالى : «إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ» على أن الحج من مظاهر الحشر

قوله تعالى : «وَاتَّقُوا اللّه الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ».

تحذير على المخالفة ووعيد على المبارزة بأنّه إليه تحشرون وترجعون، لا إلى غيره، فيجازي المحسن على إحسانه والمسيء على إساءته، وفيه ترهيب و ترغيب، ولا يخفى ما في قوله عزّوجلّ من الإشارة إلى أنّ الحجّ من مظاهر الحشر الأكبر، فلا تخفى على اللّه من خافية.

قوله تعالى : «جَعَلَ اللّه الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ».

تعظيم لشأن الكعبة المقدّسة، وبيان حرمة البيت الحرام، ومَن يحلّ فيه من الإنسان والحيوان بأنّ لهما الأمن ما داموا في الحرم الإلهىّ، وأنّه سبب لحصول الخيرات ونزول البركات في الدُّنيا والآخرة. وفيه التأكيد على مراعاة حرمة التكاليف الإلهيّة التي بينها عزّوجلّ في الآيات السابقة.

والجعل إمّا تكوينيّ، أو شرعيّ، وكلاهما صحيحان في المقام، وقد تعلّقا بالكعبة بالبيت الحرام، كما تقدّم ويأتي.

والكعبة اسم للبيت الشريف زادها اللّه شرفاً ورفعة، تأتى بمعنى الرفعة والعلوّ، ومنه كعب الرمح، أي الطرف الناشز، وكعب الرجل الجزء الناتئ، وكعبت الجارية إذا نتأ ثدياها، قال تعالى : «وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً».

وقيل : إنّما سمّيت الكعبة لأنّها، مربعة، وقد ذكرنا ما يتعلّق بالبيت الشريف في سورة البقرة فراجع.

والبيت الحرام عطف بيان على جهة المدح والتعظيم والحرمة، كما يشعر

ص: 245

الوصف بالحرام.

قوله تعالى : «قِيَاماً لِلنَّاسِ».

المراد به ما يقوم به أمر الناس ويصلح ويستقيم، أصله القوام بالواو، قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، كالميزان. وقرئ (قيما) بكسر القاف وفتح الياء، وهو بمعى القيام أيضاً، وهو منصوب إمّا على الحال، أو على كونه مفعولاً ل(جعل) وقد جعل تعالى للكعبة أُموراً تدلّ على غاية العظمة والشرف والرفعة :

الأوّل : أنّها كعبة مقدّسة رفيعة المنزلة، عالية المقام، شريفة المكانة، يكفى في عظمتها أنّها وسط الأرض، وأنّها دحيت من تحتها، وأنّها كانت قبل خلق آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأنّ الذي بناها خليل الرحمن، وساعده ذبيح اللّه عزّوجلّ، واستجيب دعاؤهما فيها، كما حكاه اللّه تعالى عن إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقُهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ»(1).

وبين عزّوجلّ أثر ذلك الدُّعاء المُستجاب في مكان آخر من القرآن الكريم : «وَقَالُوا إِنْ تَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ تُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ تُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ»(2).

وقد ورد في الأخبار ما يدلّ على عظيم المنزلة وشرف المقام، فراجع سورة البقرة فقد ذكرنا بعضاً منها.

الثاني : أنّها البيت الذي يأوي إليه الناس لقضاء حاجاتهم، ويستظلّ بظله من عاديات الدهر وصروف الزمان، ويرجع إليه في رفع الكروب والمكاره، فهو

ص: 246


1- سورة إبراهيم : الآية 37.
2- سورة القصص : الآية 57.

بيت ذو شأن رفيع، ومنزلة كريمة عنده عزّوجلّ، وقد جعلها قبلة يتوجّة الناس إليه في صلواتهم ودعواتهم، ويوجّهون إليه أمواتهم وذبائحهم، ويحترمونه ويقدّسونه ويحلفون به ويحجّون إليه من أقاصي البلاد فيشهدون منافع لهم، وصار سبباً لتوحيدهم في العبوديّة، واجتماع شملهم، ووحدة جمعهم، وقضاء مآربهم، فما أعظم شأن هذا البيت كما ذكر عزّ وجلّ : «إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَةَ مُبَارَكاً وَهُدى لِلْعَالَمِينَ»(1).

مدخلية الكعبة الشريفة فى نظام التكوين والتشريع

الثالث : أنّها البيت الحرام، فقد جعل لها حرمة عظيمة يعتصم به الناس في دفع المكاره، ويأمن مَن يتوجّه إليها، ويحفظ دم مَن يقطن فيها، كما قال عزّ وجلّ : «أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ»(2)، نظير الشهر الحرام الذي يحرم فيه القتال فيكون الناس فيه فى أمن وأمان، يصلحون فيه ما فسد واختلّ من شؤون حياتهم، ويرجعون إلى أنفسهم لعلهم يرشدون.

الرابع : أنّه جعلها قياماً للناس، يقوم بها نظام الناس، وتكون عمادهم، ويرجع إليها في أُمور دينهم ودنياهم وآخرتهم، فهي كالسناد والعماد لهم، لما فيها من الآثار المعنويّة والظاهريّة الماديّة، فمن الأولى كونها سبباً لهداية الناس، وإليها تتوجّه نفوسهم ووجوههم. ومن الثانية أنّ فيها منافع للناس وبركات لا تعدّ ولا تحصى، من جميع جهاتهم المعاشيّة والمعاديّة، فلهم فيها منافع من صلة الأرحام، ومواصلة الأصدقاء، والإنفاق على الفقراء، والاسترباح من التجارات، والتعرّف على الأباعد والأجانب، وكسب الأصدقاء، وتقارب القلوب والنفوس، وتطهير الأرواح من رذائل الأخلاق والصفات، وارتفاع رايات الحقّ،وتثبيت دعائم التوحيد، وإرساء قواعد الإيمان، وغير ذلك من المنافع والبركات، فهو أشدّ قياماً

ص: 247


1- سورة آل عمران : الآية 96.
2- سورة العنكبوت : الآية 67.

من المال الذي ذكر عزّوجلّ فيه : «وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللّه لَكُمْ قِيَاماً»(1)، أي جعلها ممّا يشدّ به أزركم ويقضي بها مأربكم، ويقوم نظام معاشكم، فالكعبة البيت الحرام قيام للناس من جميع الجهات، ففيها صلاح دينهم، وعصمة أمرهم وهدايتهم وتوحيد كلمتهم، ناهيك عمّا يستفاد منها من الأُمور الماديّة والدنيويّة، وهذه الأُمور الثلاثة من الأُمور التكوينيّة التي جعلها اللّه للبيت الحرام، وتستلزم أحكاماً تشريعيّة خاصّة، منها ما ذكرت في الآيات السابقة التي شرّعت احترام هذا البيت العظيم، وغيرها ممّا ذكره عزّ وجلّ فيه الكتاب الكريم، وما ورد في السنّة الشريف.

قوله تعالى: «وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ».

وهو الشهر الذي يرتبط بهذا البيت الحرام، أي الزمان الذي تؤدّى فيه مناسك الحج، كما قال تعالى : «الْحَج أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ»، فيكون التعريف للعهد، بقرينة قرنائه، وكونه حراماً باعتبارات مختلفة، إمّا لأجل حرمة القتال فيه، لأنّه واحد من الأشهر الحرام التي كانوا يتركون القتال فيها، والناس في أمن من حيث دمائهم وأعرضهم وأموالهم، أو لأجل وقوع الحجّ فيه، فلابدّ فيه من الإحرام الذي يوجب ترك كثير من الأُمور التي تسمّى بتروك الإحرام.

المراد من الهدي والقلائد

قوله تعالى : «وَالْهَدْىَ وَالْقَلَائِدَ».

مظهران من مظاهر احترام البيت العتيق، وفيهما تشريعان يرتبطان بالحجّ، واللّام فيهما للعهد، أي ما يهدى إلى البيت من الأنعام، فتذبح وتوزّع لحومها كما أراده اللّه تعالى.

ص: 248


1- سورة النساء : الآية 5.

والقلائد هى ذوات القلائد من الأنعام التي تساق هدياً في مسيرهم للحجّ، وخصّها بالذكر لعظم شأنها، وفيها تظهر عظمة البيت.

قوله تعالى : «ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللّه يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللّه بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ».

أي : تلك الأحكام التشريعيّة والأُمور التكوينيّة التي اختصّ بها البيت الحرام، من أوضح الدلائل على إحاطة علمه الأتمّ، وحكمته التامّة المتعالية، فيستدلّ بها على علمه عزّوجلّ الكامل التامّ بجميع ما في السماوات والأرض، فليست تلك الأُمور والأحكام مجعولة جزافاً، من دون سابق علم بحرمة البيت وعظيم منزلته، بل هي أحكام وأُمور فيها مصالح خاصّة للناس وحكم متعالية، ولا يخلو من الإشارة إلى ارتباط هذا البيت الشريف بالنظام الكيانيّ، كما تدلّ عليه بعض النصوص كما عرفت.

قوله تعالى : «واعْلَمُوا أَنَّ اللّه شَدِيدُ الْعِقَابِ».

تأکید شديد لمراعاة تلك الأحكام، وتثبيت لها في النفوس لئلّا يتوهّم أحد في أنّها أحكام قليلة الجدوى، ووعيدٌ شديد لمَن ينتهك حرماته، ويتولّى من العمل.

والعقاب مأخوذ من العقب؛ لأنه يأتى بعد الذنب وعقيبه.

قوله تعالى : «وَأَنَّ اللّه غَفُورٌ رَحِيمٌ».

ترغيب إلى العمل، ووعد حسن للمطيعين ومَن يحفظ حرمات اللّه تعالى، وقدّم الترهيب على الترغيب، لأنّ من سنّته عزّوجلّ أن ينتهى العقاب إلى العفو والغفران فلا يدوم، وقد قال عزّوجلّ : «وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرِ»، ولأنّه سبقت رحمته

ص: 249

غضبه، أو لأنّ الكلام سيق لإظهار جلال البيت وعظمته وكمال تشريعاته، فهو في مقام التأكيد والتثبيت، فيقتضى تقديم الترهيب على الترغيب.

قوله تعالى : «مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ».

بيان لوظيفة الرسول الكريم الذي بذل قصارى جهده في إبلاغ الأحكام الإلهيّة، بحيث لم يبق عذر لأحد في انتهاك الشريعة، ويستفاد منه التشديد على تثبيت الأحكام وإيجاب القيام بما أمره سبحانه.

والبلاغ اسم أقيم مقام المصدر.

قوله تعالى : «وَاللّه يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ».

فهو اللّه الذي يعلم ما تبدون من الأقوال والأفعال، وما تكتمون من العقائد والنوايا، فيجازيكم عليها بحسب علمه الأتمّ الأكمل، ويعاملكم ما تستحقّون، فيكون جزاؤه حقّاً وحسابه عدلاً، فلا يخاف منه، فإنّه الحكيم العليم العدل، بل يكون من أنفسكم، ولا تخافوا عليها إلّا منها، وكلّ تلك التأكيدات والوعد والوعيد، لتثبيت تلك الأحكام الإلهيّة، والتشريعات الربانيّة إلى البيت الحرام، ولبيان أنّها مبنية على حقائق واقعيّة، وأساس علميّ متين، وليست هي امتداداً لما تفعله الجاهلية والوثنيّة بالنسبة إلى معبوداتهم الباطلة .

***

ص: 250

بحوث المقام

بحث دلالي : وفيه ما يستفاد من الآيات الشريفة

إشارة

بحث دلالی:

تدلّ الآيات الشريفة على أُمور :

إنّ الابتلاء والامتحان سُنّة جارية في أهل الدين

الأول : يدلّ قوله تعالى : «لَيَبْلُوَنَّكُمْ اللّه بِشَيْءٍ مِنْ الصَّيْدِ» على أنّ الابتلاء والامتحان سنّة جارية في أهل الإيمان لا تخلو جميع حالاتهم منه، كلّ بحسب استعداده وقابليته، لا يكلّف اللّه ما لا يطيق حسب حكمته المتعالية وعلمه الأتمّ، وتدلّ على ذلك الأدلة العقليّة والنقليّة.

وقد ورد في شأن نزول الآية الشريفة : «أنّه حشرت لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) في عمرة الحديبية الوحوش حتّى نالتها أيديهم ورماحهم»، وقد ورد في اليمين عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : لو حلف الرجل أن لا يحكّ أنفه بالحائط، لا بتلاه اللّه حتّى يحك أنفه بالحائط، ولو حلف الرجل أن لا ينطح رأسه بالحائط لوكل اللّه به شيطاناً حتّى ينطح رأسه بالحائط».

والروايات في هذا المعنى متعدّدة، يستفاد منها أنّ اللّه تعالى يمتحن الفرد بما يناسب حاله وشأنه، وقد يكون التسبب للابتلاء حاصلاً من قول أو فعل يصدر من الإنسان فيكون سبباً في ابتلائه، فلابدّ من ملاحظة الأقوال والأفعال ومراقبة النفس لئلّا يقع في امتحان أكثر ممّا امتحنه اللّه بالتكاليف. هذا هو أحد الوجوه التي فسّر به قوله تعالى : «رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ». والآية الشريفة التي تقدّم تفسيرها تدلّ على أنّ الامتحان كان يسيراً وبشيء من الصيد، ولعلّه كان ببركة وجود خاتم الأنبياء صلوات عليه و آله الذي أرسله اللّه عزّ وجلّ رحمةً للعالمين.

وقد ذكر سبحانه وتعالى الغاية من هذا الامتحان، وهي إظهار ما في

ص: 251

السرائر وبيان معلومه عزّوجلّ، وهو ما تكنّه الصدور ممّا يعلمه اللّه تعالى، فيجعله إعلاناً، ويُعرف المطيع من العاصى المعتدي، والذي يخافه بالغيب، فلا يكون إلّا مطيعاً في السرّ والعلن، ومَن لا يكون كذلك. وكان هذا الابتلاء سبباً لنزول أحكام إلهيّة لا مناص من العمل بها، فمَن ينكص عن الطاعة ويعتدي على حرمات اللّه فله عذاب أليم.

وما يقال في وجه الابتلاء بالصيد، من أنّه ألذّ الطعام وأطيبه وغير ذلك من الوجوه، فإنّها وجوه اعتباريّة، إلّا أنّ الذي يستفاد من نفس الآية الشريفة أنّ الزمان والمكان والحال كلّها لها دخل في الامتحان والابتلاء، فلمّا كانوا محرمين فى الحرم الإلهىّ، والعرب كانت تحرّم الصيد في الجملة على أنفسهم، فهم ابتلوا بذلك لشدّة احتياجهم وسهولة تناوله، كان الابتلاء عظيماً، كما ابتلي قوم طالوت بالنهر، ولكنّه سهل ببركة وجود مَن أرسله رحمة للعالمين، كما عرفت.

المناط في الايمان ثبوته في القلب واتّقاء اللّه في الغيب

الثاني : يستفاد من قوله تعالى : «مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ» أنّ المناط في ثبات الإيمان في القلب وظهور آثاره على الجوارح، إنّما يكونان بالتقوى في الغيب الذى لا يعلمه إلّا عّلام الغيوب، وأنّه تعالى سيظهر المنويّات وما يضمره الإنسان وما فعله في الغيب ويختبره بها، وهذه سنّة اللّه تعالى في خلقه، فلابدّ للإنسان من المراقبة ودوام المحاسبة لنفسه أن يكون على حذر مخالفته في الغيب، لئلّا يظهره وهو على تلك الحالة من الاعتداء.

الثالث : يستفاد من قوله تعالى : «لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ» أنّ النهي عن قتل الصيد إنّما هو لأجل الإحرام، وبمعونة ما سيأتي يكون باعتبار حرمة البيت العتيق أيضاً، فلا يحرم لو لم يكن محرماً إلّا إذا كان في الحرم الإلهيّ الذي له حكم خاصّ، فلا يجوز قتله فيه سواء كان محرماً أم محلاً.

الرابع : «فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ» أنّ الجزاء في قتل الصيد إنّما يكون

ص: 252

في المماثلة بين الصيد المقتول والجزاء الواجب إخراجه، وبما أنّ المماثلة بينهما في جميع الجهات غير ممكنة، وفي بعض الجهات يستلزم الترجيح بغير المرجّح، فلابدّ من الرجوع إلى حاكم عالم يعرف الخصوصيّات إما بإلهام إلهىّ، أو بعلم ربانيّ، وعادل لا يحكم شططاً وجزافاً من غير حجّة وعماد، وهذا ينحصر بمعادن الوحي وأبواب علم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ). ولعلّ ما ورد في الروايات من أنّه الرسول والإمام الذي يليه مأخوذ من نفس الآية المباركة، وقد تقدّم الكلام في التفسير، فراجع.

الرابع : يستفاد من قوله تعالى: «لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ» مع القرائن الحافّة به أنّ المصطاد والمقتول بمنزلة الميتة، لا بمنزلة المذّكى، فلا يجوز أكله ولا الانتفاع منه بالانتفاعات المحلّلة، وتدلّ عليه بعض النصوص كما عرفت. ولو كان بمنزلة المذكّى لكان اللّفظ المناسب هو التذكية والنحر ونحو ذلك ممّا يدلّ على الحلّية، إلّا أن يقال بأنّ المراد من لفظ القتل إنهاء حياة المقتول مطلقاً، فلا يستفاد ذلك إلّا من القرينة كما عرفت.

الخامس : يستفاد من قوله تعالى : «هَدْياً بالغَ الْكَعْبَةِ» أنّ الجزاء الذي يحكم به العدل، إنّما يجب أن يبلغ الكعبة المقدّسة، ويذبح أو ينحر في مكّة المكرّمة، ويصرف على الفقراء كما تصرف سائر الكفّارات عليهم. وظاهر الآية الشريفة أنّ الجزاء على التخيير بين أُمور ثلاثة : الهدي المماثل الذي يحكم به العدل، أو كفّارة إطعام مساكين، أو الصيام المماثل لعدد المساكين، فما يقال من أنّ إطعام المسكين بعد فقد المماثل والعجز عنه أو عن القيمة، خلاف ظاهر الآية الكريمة، وتدلّ على ما ذكرناه النصوص المستفيضة.

السادس : يدلّ قوله تعالى : «لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ» على أنّ المحرم لمّا أذاق الحيوان مرارة الموت واصطاده بغير وجه شرعیّ، ترتّب على فعله كفّارة، ليذوق بها مرارة فعله المحرّم، فوجب عليه إحدى الخصال الثلاث المتقدّمة، ويستفاد من

ص: 253

أنّه جزاء يسقط به العقاب الأُخروي، فإنّه قد ذاق المرارة، واللّه تعالى أكرم من أن يثقل عليه مرّتين بالكفّارة والعقاب، ويدلّ على ما ذكرناه بعض النصوص فيما يأتي.

السابع : يدلّ قوله تعالى : «عَفَا اللّه عَمَّا سَلَفَ» على عفوه لما يترتّب على فعل المحرم من الجزاء أوّلاً، ثم بعد أداء الكفّارة، فيكون تمهيداً لما سيأتى «وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللّه مِنْهُ»، فإنّه لا كفّارة فى العود، فيكون انتقاماً من فعله بالعقاب مؤاخذة لا بالإثم ويحتمل التعميم لما صدر منهم قبل نزول التشريع كما عرفت.

وكيف كان، فهذه الآية الشريفة صارت من الأمثال القرآنية التي يستدلّ بها في كثير الموارد.

إنّ الكفّارات في الإسلام شُرّعت لردع الإنسان عن فعل المحرمات، وإذا لم تفد ذلك فأمره إلى اللّه تعالى

الثامن : يدلّ قوله تعالى: «وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللّه مِنْهُ» على أنّ الكفّارات المقرّرة في الإسلام، إنّما شرّعت لردع الإنسان عن فعل المحرّمات، وانتهاك الحرمات، فاذا لم تكن كافية في ذلك، وأصحبت النفس معتادة على التجرّي والنكوص عن الطاعة، وهان عليها هتك الشريعة، وعصبان الأحكام الإلهيّة، فلم تكن فيها الفائدة المرجوّة منها، كان الحكم حينئذٍ تحت سلطة العزيز الذي لا يغالب والمنتقم الذي لا يفوته أحد، فينتقم منه جزاء أعماله وهتكه للحرمات. ومن ذلك يستفاد حرمة البيت العظيم، وعظيم شرفه ومنزلته عند اللّه تعالى.

التاسع : يدلّ قوله تعالى: «وَاتَّقُوا اللّه الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ» على أنّ الإحرام إلى الحجّ والسوق إليه وأعماله كلّها من مظاهر الحشر الأكبر الذي لابدّ من الاستعداد إليه، ويجب مراعاة الأحكام والتشريعات التي شرّعها اللّه عزّوجلّ في الحشر الأصغر، لينجو من الامتحان والابتلاء الذي ابتلى به المؤمنون في هذا السفر الذي يعدّ نفسه لملاقاة ربّه الكريم، والدخول في بيته العظيم، فاذا خلصت نيّته، وثبت عمله يكون قد تهيأ للحشر الأكبر، وملاقاة اللّه تعالى في ذلك اليوم

ص: 254

الموعود، الذي يحشر إليه جميع الخلق لينالوا جزاء أعمالهم بعد المحاسبة.

دلالة قوله تعالى : «قِيَاماً لِلنَّاسِ» على دخل البيت الحرام في النظامين

العاشر : يدلّ قوله تعالى : «قِيَاماً لِلنَّاسِ» على أن الكعبة المقدّسة البيت الحرام له دخل في النظام التشريعيّ والتكوينيّ بالنسبة إلى الناس، وأنّ قيامه سبب لقيام الناس وبقائهم، فهو الدعامة التي يرجعون إليها، والسند الذي يستندون عليه، أمّا بالنسبة إلى التكوين فإنّه وسط الأرض، وإنّها دحيت من تحته، فيكون مركز ثقلها، فاذا اختلّ تختل الموازين كما هو المعلوم فى العلوم الطبيعيّة. وأمّا بالنسبة إلى التشريع، فإنّ البيت الشريف سبب لهداية الناس، ونزول التشريع وثبوت الدين وإرساء قواعده، هذا مضافاً إلى ما فيه من البركة للناس في معاشهم والرزق الجسيم، وقد ذكرنا ما يتعلّق بذلك في سورتي البقرة وآل عمران، فراجع.

ويدلّ على ما ذكرناه قوله تعالى : «أَنَّ اللّه يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ»، فإنّ عظمة هذا البيت وأثره قد ظهر فى السماوات والأرض، فيعلم عزّ وجلّ تأثيره فيهما. وقد روى القمّى أنّه : «مادامت الكعبة قائمة ويحجّ الناس إليها لم يهلكوا، فاذا هدمت وتركوا الحجّ هلكوا».

وقد بيّن اللّه تعالى بعضها في آيات أُخرى تقدّم الكلام فيها.

الحادي عشر : يدلّ قوله تعالى : «مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ» على أنّ الرسول ليس من شأنه إلّا إبلاغ رسالات المرسل، وعلى المرسل إليهم تطبيق ما أُرسل إليهم، فهو غير مسؤول عن التطبيق، بل هم المسؤلون، فيحاسبون عليه بجميع خصوصياته، وليست الآية الشريفةُ فى مقام نفى علم الرسول كما ادّعاه بعض المفسّرين، فإنّها في سياق التأكيد والتثبيت للأحكام الإلهيّة، ولزوم مراعاتها وتطبيقها، ويدلّ على ما ذكرنا ذيل الآية الشريفة : «وَاللّه يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ»، فإنّه الوعيد للعاصين.

***

ص: 255

بحث روائي وفيه الروايات الواردة في شأن نزول الآيات وبعض خصوصيّاتها، والأحكام الفقهية المستفاد منها

بحث روائي:

في «الكافي» : عن معاوية بن عمّار عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قول اللّه عزّ وجلّ : «ولَيَبْلُوَنَّكُمْ اللّه بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ» قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : حشرت الرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) في عُمرة الحديبية الوحوش حتّى نالته أيديهم ورماحهم».

أقول : رواه العيّاشي أيضاً وورد مضمونه في عدّة روايات، وقد ذكرنا أنّ ابتلاء المؤمنين سنّة جارية في جميع حالاتهم، كلّ بحسب درجات إيمانه وقابليته، وهذه من جملة تلك الابتلاءات التي استتبعت أحكاماً تشريعيّة بالنسبة إلى الصيد في حال الإحرام، وقد ورد فى بعضها (الوحوش)، وفى آخر (الصيد) كما في صحيح الحلبيّ، ولعلّه لأجل اختلافات المقامات والأمكنة، أو لبيان كون المراد من الآية جنس الصيد، سواء كان من الوحوش أم غيرها، مأكول اللّحم وغيره.

وفي «تفسير العيّاشي» عن حريز عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «في الآية : «تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ» : البيض والفراخ، «وَرِمَاحُكُمْ» الأُمّهات الكبار».

أقول : روى قريباً منه في «الكافي» فقال: «ما تناله الرماح فهو ما لا تصل إليه الأيدي»، وكذا رواه الشيخ في «التهذيب»، ويمكن أن يكون من باب المثال لسهولة التناول، فيشمل الكبار التي يمكن الاستيلاء عليها بغير رماح.

وفي «الدّر المنثور : أخرج ابن أبي حاتم، عن مقاتل بن حيّان، قال : «أُنزلت هذه الآية في عُمرة الحديبية، فكانت الوحوش والطير والصيد تغشاهم في رحالهم، لم يروا مثلها قطّ في ما خلا، فنهاهم اللّه عن قتلها وهم محرمون، وليعلم اللّه مَن يخافه بالغيب».

أقول : الرواية موافقة للروايات المتقدّمة، وتبيّن معنى الصيد ليشمل جنس الحيوان كما عرفت.

ص: 256

في «التهذيب» : عن أحمد بن محمد، قال : «سألت أبا الحسن موسى بن جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن المحرم يصيد الصيد بجهالة أو خطأ أو عمدهم فيه سؤاء ؟ قال : لا، قلت : جعلت فداك، ما تقول فى رجل أصاب صيداً بجهالة وهو محرم ؟ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : عليه الكفّارة، قلت : فإن أصابه خطأ ؟ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : وأيّ شيء عندك ؟ قلت : فإنّه أخذ ظبياً متعمّداً فذبحه وهو محرم، قال : عليه الكفّارة، قلت : ألست قلت : إنّ الخطأ والجهالة والعمد ليس بسواء، فبأيّ شيء يفصل المتعمّد من الخطأ ؟ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : بأنّه أثم ولعب بدينه».

أقول : الحديث يبيّن ما يشترك به الثلاثة، وهم الجاهل والمخطئ والعامد، وهو وجوب الكفّارة عليهم، وما يتميّز به العامد عن غيره، هو أنّه يترتّب عليه الإثم مع الكفّارة دونهما، فإنّه ليس عليهما إلّا الكفّارة فقط.

وعلى أي حال فقد وردت نصوص كثيرة على أنّه لا فرق في كفّارة الصيد بين العمد والخطأ، مع أنّه ذكر اللّه تعالى لفظ (متعمّداً)، وهو ينافي الخطأ، ويمكن أن يكون المراد بقوله تعالى في مقابل الإكراه، لا في مقابل الخطأ، فراجع التفسير أيضاً.

وفيه أيضاً : عن حريز عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قول اللّه عزّوجلّ : «فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَم، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «في النعامة،بدنة، وفي حمار الوحش بقرة، وفي الظبي شاة، وفي البقرة بقرة».

أقول : ورد مضمونه في عدّة روايات، ويستفاد منها أنّ المماثلة إنّما تكون بحكم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وليس لغيره تعيين ذلك. وفيها يظهر بطلان قول مَن قال بأنّ المماثلة إنّما تكون في القيمة، كما عرفت.

في «الكافي»: عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : «مَن وجب عليه هدي في إحرامه فله أن ينحره حيث شاء، إلّا فداء الصيد فإنّ اللّه يقول : «هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ»».

ص: 257

أقول : عمل به الأصحاب رضوان اللّه تعالى عليهم، ويحمل ما خالفه على التقية أو بعض المحامل، فراجع.

وفيه أيضاً : عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «سُئل عن محرم أصاب نعامة أو حمار وحش ؟ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : عليه بدنة ؟ قيل : فإن لم يقدر على بدنة ؟ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : فليطعم ستين مسكيناً، قيل : فإن لم يقدر على أن يتصدّق ؟ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : فليصم ثمانية عشر يوماً، والصدقة مد على كلّ مسكين».

أقول : يستفاد من الحديث أنّ الإطعام إنّما يكون من ثمن الفداء الذي لم يمكن تحصيله، وإن عجز صام ثمانية عشر يوماً.

ولا بدّ من تقييد هذه الرواية بالأحاديث التي تدلّ على أنّ الصيام إنّما يكون على كلّ مد أو مدين يوماً، فإن لم يقدر عليه يصوم ثمانية عشر يوماً. فالقاعدة المستفادة من الأخبار وكلمات الأصحاب أنّ الصيام يكون بدلاً عن مد أو مدين، على الخلاف بين الفقهاء في تعيين كمية الطعام لكلّ مسكين، فالمشهور المد، وغيره المدان.

..

وفي «الكافي» : عن الزهريّ، عن عليّ الحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، قال : «صوم جزاء الصيد واجب، قال اللّه عزّوجلّ : «وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءً مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً»، أوَ تدري كيف يكون عدل ذلك صياماً يازهريّ؟ قال : قلت : لا أدري، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : يقوم الصيد ثمّ يفض تلك القيمة على البر، ثمّ يكال ذلك البر أصواعاً، فيصوم لكلّ نصف صاع يوماً».

أقول : الحديث يعيّن عدد أيّام الصوم التى هى مقابل كلّ نصف صاع، وهو المدان. ويحمل ما دلّ على أنّ لكل مد يوماً على الأفضليّة والاستحباب، ولكن لا بدّ من تقييد صدره بأنّ القيمة إنّما قيمة الفداء كما في الحديث المتقدّم - لا قيمة

ص: 258

الصيد نفسه.

وفي «التهذيب» : عن زرارة، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «في قول اللّه عزّوجلّ : «يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ»، فالعدل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) والإمام من بعده يحكم به وهو ذو عدل، فإذا علمت ما حكم اللّه به من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) والإمام فحسبك ولا تسأل عنه».

أقول : الحديث يبيّن المراد من ذي عدل، وأنّ ما يعيّنه الرسول أو الإمام من الفداء المماثل هو حكم اللّه تعالى ولا يجوز العدول عنه، وقد تقدّم الكلام في ذلك مفصلاً، فراجع.

وفيه أيضاً : عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : «المحرم إذا قتل الصيد فعليه جزاؤه ويتصدّق بالصيد على مسكين، فإن عاد وقتل صيداً آخر لم يكن عليه جزاء، وينتقم اللّه منه والنقمة في الآخرة».

أقول : الحديث وإن كان صدره مخالفاً لما عليه الأصحاب من كون الصيد بمنزلة الميتة، إلّا أن يقال بحذف المضاف، أي جزاء الصيد، ولكنّه يدلّ على عدم وجوب الكفّارة على مَن عاد في قتل الصيد وهو محرم، وهو الموافق لظاهر الآية الشريفة، وعدّة روايات، وبها عمل الأصحاب، إلّا أنّ الحديث يخصّ النقمة بالآخرة، وظاهر الآية التعميم، ويدلّ عليه ما رواه الكلينيّ في «الكافي»، ويمكن أن يكون ذلك حسب اختلاف الموارد وعظم الجرم.

وفيه أيضاً : عن أبى : عن أبي عمير، عن معاوية به عمّار، قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : محرم أصاب صيداً ؟ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : عليه كفّارة، قلت : فإن هو عاد؟ قال : عليه كلمّا عاد كفّارة».

أقول : لابدّ من حمله على بعض المحامل لمخالفته لجملة من الروايات التي تدلّ على عدم الكفّارة في العود عمداً، وقد حمله الشيخ (قدّس سِرُّه) على الناسي، أو يحمل

ص: 259

على التقيّة.

في «الكافي»: عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : قال : «لا بأس بأن يصيد المحرم السمك ويأكل مالحه وطريّه ويتزوّد، وقال : «أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ»، قال : مالحه الذي يأكلون، وفصّل ما بينهما كلّ طير يكون في الآجام يبيض في البرّ ويفرخ في البرّ فهو من صيد البرّ، وما كان من صيد البرّ يكون في البرّ ويبيض في البحر ويفرخ في البحر فهو من صيد البحر».

أقول : روى مثله العيّاشي عن حريز عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقريب منه الشيخ في «التهذيب»، والحديث يدلّ على أنّ طعام البحر هو المالح وصيده هو الطري، ويستفاد منه قاعدة في التمييز بين طيور البحر وطيور البر، ويحمل ما ورد على أنّه لا يأكل المحرم طير الماء، فإنّه محمول على الطير الذي يكون في البحر والبرّ كالبط ونحوه.

وفي «تفسير العيّاشي»: عن زيد الشحّام، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : «سألته عن قول اللّه: «أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ»، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : وهي حيتان المالح وما تزوّدت منه أيضاً، وإن لم يكن مالحاً هو متاع».

أقول : تقدّم الكلام فيه، والروايات في مضمون ذلك متعدّدة.

وفي «الدّر المنثور» : أخرج ابن جرير، عن أبي هريرة، قال : قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) : «أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ» قال : ما لفظه ميتاً فهو طعامه».

أقول : اختلف الجمهور في ما يحلّ أكله من صيد البحر، فقال بعضهم : حيوان البحر كلّه حلال، حيّاً أو ميتاً، واستدلوا عليه بالحديث المتقدّم، وبالمعروف عندهم في البحر : «الطهور مأوه، والحلّ ميتته»، وهو مذهب الشافعيّ ومالك. وقال بعضهم : يحلّ منه السمك، وما له مثل فى البرّ يؤكل.

ص: 260

وقال أبو حنيفة : لا يحلّ السمك سواء أخرج حيّاً أو لفظه البحر ميتاً.

والكلّ مخالف لما ورد عن الأئمّة الأطهار، وإجماع الإماميّة، والخبر مخصوص بالحوت، ولا يعمّ كلّ حيوان البحر.

وقد روى الجمهور في تفسير الآيات المتقدّمة روايات متعدّدة، ولكن لمّا لم تكن أكثرها مسندة إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ )، ومخالفتها للروايات المنقولة عن أهل البيت الأطهار، أعرضنا عن ذكرها، فليراجع «الدّر المنثور» وغيره.

وفي «تفسير العيّاشي»: عن أبان بن تغلب، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) «جعل اللّه الكعبة البيت الحرام قياماً للناس، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : جعل اللّه لدينهم ومعايشهم».

أقول : تقدّم الكلام في المراد من الحديث الشريف، وغيره من الدلائل التي وردت في بيان قيام الكعبة للناس.

وفي «الدّر المنثور» : أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله تعالى: َ«وجَعَلَ اللّه الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ»، قال : ما يزال الناس على دين ما حجّوا البيت واستقبلوا الكعبة.

وفيه أيضاً : عن السديّ في الآية قال : جعل اللّه هذه الأربعة قياماً للناس، هي قوام أمرهم.

أقول : عرفت ذلك في التفسير فراجع، والمراد بالأربعة ما أحاط البيت العتيق من الحيطان الأربعة.

***

بحث فقهي : ما يستفاد من الفروع الفقهية من الآيات الكريمة

بحث فقهي:

الآيات الشريفة في بيان حكم صيد البرّ والبحر في حال الإحرام، ونحن نذكر ما يستفاد من ظاهرها على نحو الإيجاز، والتفصيل موكول إلى محلّة :

ص: 261

الأوّل : يدلّ قوله تعالى : «لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ» على حرمة قتل الصيد في حال الإحرام، ويستفاد منه تعميم تحريم القتل بأي وجه حصل، من الاستقلال والمشاركة، أو بالإشارة والدلالة، حتّى ما جنته الدابة المسوقة والمركوبة وغلق الباب، وتدلّ على التعميم الأخبار على ما هو مذكور في محلّه، ويستفاد من تعليق الحكم على الصيد وإطلاقه، الشمول لجميع الحيوانات، الطير وغيره المأكول وغيره إلّا ما استثنى بدليل

ففي صحيحة معاوية بن عمّار عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «إذا أحرمت اتَّقِ قتل الدواب كلّها، إلّا الأفعى والعقرب والفأرة - الحديث».

الثاني : يستدلّ بظاهر النهى في الآية الشريفة - وظاهره التحريم في قوله تعالى : «وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُما» - على حرمة المذبوح، وعدم جواز الانتفاع به فهو كالميتة. وذهب جمع من الفقهاء على عدم الحرمة، وإنّما لا يجوز أكله؛ لدليل خاصّ، فهو كالمذبوح المغصوب؛ لأصالة الحلّية. والروايات معارضة فيرجع إلى قواعد التعارض وعدم منافاة النهي أو التحريم في الآية لذلك، لظهور رجوعه إلى الفعل فقط دون غيره، فراجع كتب الفقه.

الثالث : يدلّ قوله تعالى : «وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً» على ترتّب الإثم والجزاء على المتعمّد، وليس القيد لإخراج الجاهل والناسي عن حكم الجزاء، وإنّما لأجل إخراجهما عن الإثم فقط، فيترتّب على العالم الذاكر دون الجاهل والناسي.

الرابع : يدلّ قوله تعالى : «مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ» أنَّ الفداء إنما يكون في المماثل المقتول باعتبار الخلقة والصورة، دون جميع الجهات. ولمّا كانت مظنّة الاشتباه، تعيّن الرجوع إلى الحَكَم العدل، فلا تجزي القيمة، فإنّها خلاف المتبادر من المماثلة.

ص: 262

الخامس : ظاهر قوله تعالى : «هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ» هو البلوغ العرفيّ، ويتحقّق بدخول الحرم، فتحلّ ما يجب على المحرم من الفداء، يذبحه أو ينحره بمكّة، وقد فصّل في الأخبار بين إحرام العمرة فيجب الذبح بمكّة، وإحرام الحجّ بمنى، وعليه عمل الأصحاب، وبها يُقيّد إطلاق الآية الشريفة، والتفصيل موكول إلى الفقه. والمتبادر منه ذبح الهدي والتصدّق به، فلا يحصل العوض بمجرّد ذبحه، بل لابدّ من صرفه فيه، تحصيلاً للعوضيّة. ومن الملازمة العرفيّة يستفاد كون الذبح في شهر ذي الحجّة، ولكنّه محل تأمّل.

السادس : مقتضى قوله تعالى : «أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً» التخيير بين الخصال الثلاث، أي الفداء أو الطعام، أو الصيام، ولكن الطعام يكون من تقويم المماثل من النعم، ثمّ يجعل قيمته طعاماً على المساكين مداً لكلّ مسكين، وأمّا الصيام فلابدّ أن يكون مساوياً لمقدار معيّن من إطعام المساكين، وهناك تفاصيل مذكورة في الفقه.

ومن ذلك يعلم أنّ مَن يقول بالترتيب بين الأبدال الثلاثة، بمعنى أن الواجب أوّلاً الجزاء المماثل من النعم، ومع العجز عنه الإطعام بقدره، ثمّ الصيام بقدر المساكين، خلاف ظاهر الآية الكريمة، إلّا أن يدلّ دليل عليه من نصّ أو إجماع فيتبع حينئذٍ. راجع الفقه.

السابع : ظاهر قوله تعالى: «وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللّه مِنْهُ» عدم الكفّارة في العود مع العلم والعمد، فيخرج الجاهل للحكم أو الموضوع، والناسي كذلك، فيكون الجزاء مع العود انتقام اللّه تعالى منه في مقابل الفدية التي هي جزاء الابتداء، وتدلّ عليه نصوص متعدّدة، وتقدّم الكلام فيه أيضاً.

الثامن : يدلّ قوله تعالى : «أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ» على حلّية الصيد الذي لا يعيش إلّا فى الماء، وقد ورد في تفسيره : «الذي يبيض في البحر ويفرخ فيه»، كما

ص: 263

يدلّ قوله تعالى : «وَطَعَامُهُ» على حلّية ما يطعم من صيده، وقد ورد في تفسيره أنّه المالح الذي يقتات منه، وتقدّم ما يدلّ عليه.

التاسع : يدلّ قوله تعالى : «وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُما» على حرمة الصيد، وحرمة ما صيد منه حال الإحرام، فإنّه يشمل كلا الأمرين، وظاهر الآية الكريمة حرمة أكل الصيد على المحرم مع قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ»، فإن أحدهما يدلّ على المعنى المصدريّ، والثاني على حرمة الصيد.

وكيف كان، فإنّ الآية المباركة بانضمام الروايات التي وردت عن المعصومين (عَلَيهِم السَّلَامُ)، تدلّ على ما ذكرنا، والتفصيل موكول إلى محلّه فراجع.

نعم، وقع الكلام في أنّ الإحرام الذي لا يجوز فيه الصيد وأكله، هل يرتفع بذبح الهدي وحلق الرأس، أم بطواف النساء؟ والمشهور هو الأول، وتدلّ عليه النصوص الكثيرة، فراجع.

***

بحث عرفاني : يتعلّق بنعمة الامتحان والابتلاء

بحث عرفاني:

نِعَم اللّه تعالى على العبد كثيرة لا تُعدّ ولا تُحصى، منها التكاليف الشرعيّة التي هي من الكمالات الإنسانية بحدّ نفسها، ومنها الامتحانات الإلهيّة، والابتلاءات الربانيّة التي تصقل جوهر النفس وتكشف عن حقيقتها، فإنّه عند الابتلاء يكرم المرء أو يهان، وليست أثقالاً عليها لتئن تحت وطأتها، كما يزعم بعض مَن لا بصيرة له، فإنّ أمر النفس غريب وهي صعبة المرام، لا تسلس لقائدها بسهولة، فلابدّ من زجها آناً بعد آن، فلو خلّيت وطبعها خرجت عن قيادة صاحبها، وتخبّطت خبط عشواء، وأوردته المهالك العظام، وقد قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «أعدى عدوّك نفسك التي بين جنبيك»، لأنّ العدو إذا أكرمته خضع

ص: 264

ونسي ما كان عليه من العداوة، فصار كأنه ولىّ حميم، بخلاف النفس فكلّما أكرمتها تمرّدت وخرجت عن الطاعة وتمادت في الطغيان، فلابدّ من زجرها بالزواجر ودوام مراقبتها وتسلّم،زمامها، ولا يمكن للإنسان وحده أن يقوم بهذه المهمّة الصعبة والعسيرة جداً، لكنّها ليست بالمستحيلة، لئلّا يلزم محذور الجبر الذي ينادى به بعض مَن لا خبرة له، بل هو وسيلة مَن أعرض عن الكمالات، وانهمك في الرذائل والطغيان، ولقد قامت الشرائع الإلهيّة خير قيام بتذليل الصعاب للإنسان، فسنّت قواعد وأحكاماً لجميع مجالات الحياة التي تحنو إليها النفس، وترغب فيها وتزيد في طغيانها، فكانت من أعظم النعم الإلهيّة، ولمّا لم يكن أفراد الناس على وتيرة واحدة، فأتمّ عزّوجلّ تلك النعم بالابتلاءات، التي هي من أهمّ الزواجر والذواكر للنفس الطامحة إلى التبطّر في العيش والتمنّي في البقاء، اللّذين هما من أهمّ الموبقات المهلكات. ومن ذلك يعلم أنّ الابتلاء سُنَّةٌ من السنن الإلهيّة التي يرجع خيره إلى الإنسان نفسه، وقد ورد في الحديث : «لم يستكمل إيمان العبد حتّى يعلم أنّ الابتلاء نعمة من ربِّه».

وقد ذكر عزّ وجلّ في الآيات المتقدّمة الابتلاء الذي له من الأهمّية بمكان، ويكشف عن ذلك عظمة البيت الحرام، وشرفه الكبير، وأهمّيته في التقرب إلى اللّه تعالى، فالمكان والزمان والحال كله من الحرام، لتحصل حالة الانقطاع، وتتجرّد النفس عن علاقتها الماديّة، وتحشر إلى اللّه. وفي الآيات إشارات لأصحاب السير إلى خالقها، فإنّ من عرف نفسه فقد عرف ربّه، فإنّ أوّل قدم يضعه في هذا المقام الإحرام عن زخارف الدُّنيا وزبرجها، ومنع النفس عنها، فإنه ممّا لابدّ منه في هذا المجال ذي المسلك الصعب، فإنّ خلع النفس من الموانع، وإبعادها عن الغفلة والركون إلى الدُّنيا أمر مهمّ لا يمكن التغاضي عنه، فإذا أراد شخص السير إلى محال قدسه، والإحرام لزيارة كعبة الوصول، فإنّه يبتلى لا محالة بالمقاصد

ص: 265

النفسانيّة والصيود الشيطانيّة، فإنّ على قدر عظمة القصد والغاية، تكون ابتلاءات المسير، وهذه إمّا أن تكون كامنة في نفس الإنسان ممّا تناله الأيدي، أو هي من الأُمور الماديّة المحيطة به ممّا تناله الرماح القاتلة، وقد اتّفقا على الصدِّ من تكميل النفس بالكمالات، والوقوف أمام مسيرها الاستكماليّ، وسلوك الطريق المستقيم، فلابدّ من اجتياز تلك الابتلاءات، وزجر النفس عن الاقتراب إلى ما يوجب التنزّل إلى الدركات، حتّى يصل إلى درجة الشهود، ويظهر الغيب المشهود، ويكون على خوف شديد ممّا يجري حوله، ممّا يوجب الصدّ عن ذكر اللّه تعالى، والغفلة عن النفس وخالقها. وللخوف آثار عجيبة في تهذيبها، ولولاه لما أمكن الوصول إلى دار الحبيب والتزوّد بلقياه، وهو كامنٌ في كلّ فرد لكنّ الحُجُب التي يصنعها الإنسان من أفعاله وعقائده تكون مانعة من تأثيره، فيخلد إلى الأرض، وينسى آيات ربّه، ويصدر ما يصدر منه من الموبقات.

ومن هنا يظهر سرّ قوله تعالى : «لِيَعْلَمَ اللّه مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ»، فإِنّ الخوف يستتبع الخشية والهيبة فى الحضور، وتتجلّى الذات وتنصقل النفس، وتذوب في الصفات، فما أشدّ تأثير الخوف فى مقام السير والسلوك، ولذا ترى أنّ الأنبياء العظام، والأولياء الكرام، كانوا على خوف شديد من جميع الجهات، من النفس التي قد تنبو وتبطل جميع الأعمال والمجاهدات التي مضت عليها برهة من عمرهم، ومن الدُّنيا التي تكون فاتنة خدّاعة، تأتي لحظة يفتتن بها فيخرج عن طور العبوديّة، ومن الأولاد والأموال التى قال عنها عزّ وجلّ «أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ»، فإذا ذهب الخوف ابتلي بعذاب الحرمان، وبُعد عن ساحة الرحمن، ويبقى في ذلّ الاحتجاب والهوان.

وأمّا إذا تحقّق وانتشر على الأعضاء والجوارح، حصلت الهيبة والخشية ممّن يعلم الغيب، وتهيّأ لقنص الكمالات، واستعدّ لنيل المقامات، فيحرم عليه قتل

ص: 266

ذلك الصيد في حال التهيؤ إلى الملاقاة، ونيل الدرجات بالإحرام الحقيقيّ، والابتعاد عن الرذائل والسيّئات، فكيف يصحّ في حكم العقل قتل مثل هذا الصيد حينئذٍ، وهو الذي تهيّأ من طول المجاهدة، وذاق مرارة الحرمان طوراً من الزمان، وذاب فؤاده من طول الهجران، فإذا قتل قاصداً لارتكاب الحظوظ النفسانيّة وإعطاء النفس هواها، فلابدّ من زجرها، وقهر تلك القوّة التي ارتكب بها في قتل هذا الصيد من قوى النفس البهيميّة بجزاء معيّن، هو مثل ما قتل، الذي يتعيّن بالرجوع إلى من يحكم بذلك، ممّن وصل إلى درجة اللّقاء، واجتاز تلك الحُجُب، وعرف كيفية الوصول، وأُذن له بإرشاد مَنْ يريد السلوك، مَنْ عيّنه الحبيب على بابه حاجباً، فيقدّم له الهَدْي بالصدقة والصيام لترويضها على القيام بما يريد اللّه عزّ وجلّ، ولو عاد إلى ما نهى عنه، فينتقم اللّه تعالى منه بإقصائه عن تلك الدرجات، وإبعاده عن قربه، فيضلّ حيران تهوي به الريح إلى مكان سحيق، فكيف يمكنه الرجوع إلى حمى الحبيب حينئذٍ ؟!

ولكن، ليعلم أنّه لا يمكن السير والسلوك إلّا بعد التزوّد بالمعرفة، والعلوم الحقيقيّة، والمعلّم الذي يرشد الإنسان إلى طرق استكماله، ومن ذلك يعرف أهمّية أهل الذكر في الرجوع إليهم، وقد أحل اللّه تعالى له صيد البحر ونيل المعارف، والرجوع إلى عالم الحقيقة، والتزوّد من بركاته لمن أراد السفر إلى اللّه تعالى، ولكنّه محروم والحالة هذه من العلوم الماديّة التي هي صيد البرّ التي تبعد الإنسان عن خالقه العظيم المنّان، الذي هو مقصد كلّ عارف مفتون، وسالك مجذوب، ولا بدّ من المراقبة، ودوام التقوى فى هذا السفر المضني المبارك، الذي به يتمّ الحشر إليه عزّوجلّ أخيراً، ويتمّ البقاء، فلابدّ من الاجتهاد في السلوك، وطىّ المراحل، وإزالة الموانع، والوقوف عند من جعله اللّه قياماً للعباد، والتزوّد بمظهر جلاله وكبريائه، فيتجلّى عزّ وجلّ له بقدر ما حصل له من الاستعداد، وما فنى من

ص: 267

نفسه من الأغيار، حتّى يصل إلى درجةٍ لا يمكن أن ينالها إلّا الصدّيقون المقرّبون، فيحصل فيه الفناء، وتموت فى أنفسهم جميع الأغيار، ويتحقّق الموت الحقيقيّ، ولكن في زمن خاصّ وهو الشهر الحرام الذي يحرم فيه الالتفات إلى مقتضيات النفس، وتنعدم فيه صفاتها، ويستعدّ لنيل الواردات التي ترد القلب، وما يحصل له من التجلّي والفناء التي بمنزلة الهَدْي، وتقاد إلى مولاها التي هي القلائد لانقيادها إلى بارئها، وأمّا صاحبها فهو وإن فني في الحبّ من دون غفلة، بل من صعقة الشهود، إلّا أنّه لا يغيب عن بارئها وخالقها، فإنّه يعلم ما في السماوات وما في الأرض، وإنّ اللّه بكلّ شيء عليم، وإنّ علمه محيط بكلّ شيء، يعلم ما تصبوا إليه النفوس ومقدار زكاتها واستعدادها، وسيرها وسلوكها والتفاتها، ويعطي كلّ واحد

بمقدار استعداده و قابلیته.

والآيات الشريفة وإن وردت في إحرام الحجّ، والسفر إلى الكعبة بيت اللّه الحرام، وقد بيّن عزّوجلّ فيها ما هو المطلوب فى الاستعداد لهذا السفر المبارك بهذا الميدان الماديّ، فما بالك بالسفر المعنوي الحاصل من انتقال النفس من عالم المادّة إلى العالم الذي كان مأنوساً فيه، فإنّ الطريق المسلوك فيه أطول وأشدّ وعورة، وأعظم امتحاناً وابتلاءً؛ لعظم المقصود فيه. رزقنا اللّه تعالى التوفيق والهداية.

***

ص: 268

سورة المائدة الآية 100

إشارة:

الآية 100

«قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللّه يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(100).

تتضمّن الآية الكريمة على حقيقة من الحقائق الإلهيّة

الآية الشريفة من جلائل الآيات التى تضمّن حقيقة من الحقائق الواقعيّة التي تنطبق على الحقّ ودينه، الذي يختصّ بخصوصية لم تكن في سائر الأُمور الاجتماعيّة، التي تبتني على الكثرة العدديّة، والمظاهر الخلّابة التي تخلب العيون والأسماع، من دون أن تكون لها واقعيّة، بخلاف الحقّ القائم على الحقيقة والواقع الذي يؤثر فى النفوس والقلوب ويتعدّى الظواهر، فالحقّ أين ما كان يؤخذ وإن قلّ عدد المعتقدين به والطالبين له، والطيّب يعمل به وإن أعرض عنه سائر الناس؛ لأنّ الفطرة تدعو إليه، والعقل يهدي الناس إليه، وهو لا يريد إلّا الصلاح العامّ، وإنّه يرشد إلى تطبيق العدل الذي قام النظام الكياني عليه، وبالعدل قامت السماوات والأرض، ومضمون الآية ممّا تدعو إليه الفطرة أيضاً.

وفي الآية الشريفة إرشادات دقيقة لمن يريد العمل بالحقّ والاعتقاد به، والإعراض عن الخبيث وإن رغبت إليه النفوس لبعض مظاهره، ولكنّ الرجوع إلى العقل يفصل بين الأمرين، ويميّز بين الحقيقة والوهم، ولكن لمّا كان ذلك صعباً لأُنس النفوس بالخبيث، واستيلائه على المشاعر، فلا يدرك هذه الحقيقة إلّا من

ص: 269

كان من ذوي الألباب، والذي يريد الوصول إلى الحقيقة، ويطلب الفلاح والسعادة في جميع شؤونه.

وهذه الآية نسيجة وحدها من بين الآيات الكريمة التي تبيّن بعض أفراد الطيّب الذي لابدّ من طلبه والعمل به، وقد ذكرنا في مقدّمة التفسير أنّ الآيات القرآنية الشريفة لا تحتاج إلى بيان وجه النظم فيها، بعد ما نزلت لتكميل النفوس، وإرشاد الناس إلى ما يوجب السعادة لهم، وإبعادهم عن ما يسبّب لهم الشقاء، فلا وجه لطلب وجه النظم في هذه الآية، مع أنّه يمكن أن يقال : إنّ هذه السورة التي منها هذه الآية، هي آخر سورة نزلت على الرسول الكريم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ )، وقد بين عزّوجلّ دينه الحقّ،وذكر الطيّب الذي تطيب النفوس والأرواح له، وأرشد المؤمنين إلى معرفة الخبائث التي تبعدهم عن الصلاح، فتكون الآية بمنزلة خاتمة كلّ التشريعات الإلهيّة وقاعدة علميّة وعمليّة يعتمد عليها المؤمن في سيره الاستكماليّ العامّ.

***

التفسير

قوله تعالى : «قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ».

الخطاب لأشرف خلقه باعتباره واسطة الفيض، ولأنّه الرسول الكريم الذي اختير لإبلاغ رسالات ربّه، أو لأنّ له مقام جمع الجمع، وقد أعطي من الكمالات ما لم يدركه الفهم الإنساني، ولم يسعه اللّسان الإمكانيّ أن يبينّها، فهو قد أدرك حقائق الأشياء، وملكوت السماوات والأرض، فعرف الطيّب والخبيث وميّز بينهما بحسب ما أوتي من الإدراك المستقيم والعقل القويم، بل هو الطيّب بكلّ معنى الكلمة، فهو الغاية والواسطة والرسول، فاجتمعت فيه العلل لأنّه محور هذا النظام وعلّة بقاء الأكوان، ولعلّه لأجل ما ذكرناه اختاره عزّوجلّ أن يقول

ص: 270

للناس هذه الحقيقة الناصعة التي تبيّن الحقّ، وترشد إلى مصاديقه، وتميّزه عن الباطل الخبيث الذي يلزم بحكم العقل اجتنابه والابتعاد عنه، والغاية التي تتوخى من العمل بالحقّ، وهذه أمورٌ مهمّة لا يمكن الإستغناء عنها في كلّ أمر يبتني على الحقيقة والواقع، ويبتعد عن الوهم والخيال.

عدم استواء الخبيث والطيب من أحكام الفطرة

والحكم الذي تضمنته الآية الكريمة، هو عدم استواء الخبيث والطيّب، ممّا تقتضيه الفطرة ويدعو إليه الطبع السليم، فإنّ الطيّب - كما عرفت سابقاً - ما تستطيبه النفوس، وتستلذّه الطباع، والخبيث بخلافه. والمراد منهما في المقام بما لهما من المعنى الوسيع الذي يشمل جميع المعانى والأُمور الدائرة في الحياة الدنيويّة والأخرويّة، التي تكون من أظهر مصاديق الطيّب، تلك التي وردت في القرآن الكريم من أفراد الإنسان، قال تعالى :

«مَا كَانَ اللّه لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطيِّبِ»(1).

والأموال، قال تعالى : «وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ»(2).

والبلدان، قال تعالى : «وَالْبَلَدُ الطيّب يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ ربّه»(3).

والقول، قال تعالى : «وَهُدُوا إِلَى الطيّب مِنْ الْقَوْلِ»(4).

والكلام، قال تعالى : «إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ»(5).

ص: 271


1- آل عمران الآية : 179.
2- سورة النساء، الآية : 2.
3- سورة الأعراف، الآية : 58.
4- سورة الحج، الآية : 24.
5- ورة فاطر، الآية : 10.

والمأكول والمشروب، قال تعالى : «كُلُوا ممّا فِي الْأَرْضِ حَلَالاً طَيِّباً»(1).

والأرض، قال تعالى : «فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً»(2).

والأزواج والذرّية، وقال تعالى : «قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةٌ طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ»(3).

والريح، قال تعالى : «وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ»(4).

والحياة، قال تعالى : «مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةٌ طَيِّبَةً»(5).

والرزق، قال تعالى : «قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّه الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطيّبات مِنَ الرِّزْقِ»(6).

والأُمور الاجتماعيّة الصحيحة، قال تعالى : «يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطيّبات»(7).

وقال تعالى : «فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةٌ مِنْ عِنْدِ اللّه مُبَارَكَةً طَيِّبَةٌ»(8).

موارد استعمال الطيب

وغير ذلك ممّا يكون من شؤون الحياة الدنيويّة والأخرويّة، فتشمل جميع الأشياء الحقيقيّة الخارجيّة، والأوصاف الوضعيّة والاعتباريّة الصحيحة العقلانية،

ص: 272


1- سورة البقرة الآية : 168.
2- سورة النساء، الآية : 43.
3- سورة آل عمران، الآية : 38.
4- سورة يونس، الآية : 22.
5- سورة النمل، الآية : 32.
6- سورة الأعراف، الآية : 32.
7- سورة المائدة، الآية : 4.
8- سورة النور، الآية : 61.

ممّا تكون دائرةً في الاجتماع الإنسانيّ، فإنّها وإن كانت من الاعتباريات، إلّا أنّها استحكمت فيه وصارت أسباباً لنيل السعادة في الدارين، فإنّ إطلاق الطيّب أو الخبيث عليها إنّما يكون على نحو الحقيقة بهذا الاعتبار، فلا وجه لما يقال بأنّ الإطلاق عليها بنوع من العناية والخبيث بخلافها الذي تشمئزّ منه النفوس السليمة والطبائع المستقيمة، والذي لا يوجب إلّا الشقاء في الحال أو المال، ولا يختصّ الطيّب والخبيث بالردىء والجيّد، كما ذكره بعض المفسّرين كما عرفت، ولا ريب في سموّ الطيّب وعلوّ،منزلته وعظيم أثره وشمول آثاره، فهو خيرٌ من الخبيث بجميع ما يتصوّر من معاني الخيريّة، فعدم استواء الخبيث والطيّب إنّما هو لأجل ذلك، وإنّما قدّم الخبيث على الطيّب لبيان أنّ كثرة الخبيث أو غلبته على الطيّب برهة من الزمن لا تقلب الحقيقة، ولا تصيّره خيراً من الطيّب، فإنّه لا يكون إلّا بارتفاع الخبيث من حضيض الرداءة إلى أوج الكرامة والعزة والخيريّة، حتّى يساوي الطيّب، ثمّ يرتفع في الصعود حتّى يعلو عليه، وهذا غير ممكن، إذ كيف يمكن للرديء أن يرتفع في درجات الكمال، مع ما عليه من الخسّة والدناءة إلّا بقلب الحقيقة، وهو مستحيل، فلو قيل : لا يستوي الطيّب والخبيث لما أفاد هذه الفائدة، بل سيق الكلام حينئذٍ إلى بيان أنّ الطيّب لا يكون أردأ وأخسّ من الخبيث، فلو أريد إتمام تلك الفائدة فلابدّ من انضمام بيان آخر.

وبالجملة : فهما حقيقتان متضادتان يترتّب على كلّ واحدة منها ما يليق بها، وكثرة الخبيث لا يقلب حقيقته إلى حقيقة الطيّب، فلا يستوي الخبيث والطيّب.

قوله تعالى : «وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ».

أى : أنّ الكثرة للخبيث مدّة ومادّة وآثاراً، وإن تصرّفت فى مجال الوهم والخيال والجانب العاطفيّ في الإنسان، وأوجبت التعجّب لمن يدرك ذلك، إلّا

ص: 273

أنّها لا يمكنها أن تتصرّف في الجانب العقلانيّ منه، وتغيّر الفطرة التي أودع اللّه تعالى فيها جميع الحقائق وتدرك الأُمور بواقعيتها.

نعم، إنّ كثرة الخبائث التي أوجدها الإنسان بفعله، لها الأثر الكبير في أحاسيس الإنسان، وانبهاره بها، والاغترار بمظاهرها، وقد تغلب على الفطرة والعقل، وتصل إلى حدّ طمس الفطرة وتغيير خلق اللّه فيها، ولكنّها لا تزيلها أبداً، وتظهر مرّة بعد أُخرى، عندما تستلزم بعض الأفعال ظهورها، وإثبات وجودها، كما بين عزّوجلّ ذلك في مواضع متعدّدة من القرآن الكريم، وأشار إليه أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام في معرض كلامه عن الأنبياء : «ليثيروا لهم دفائن العقول»، فإنّ القليل من الطيّب خير من الكثير من الخبيث، فإنّ العاقل الحكيم له من الأثر فى الوجود ما لا يكون لسفهاء كثير من الناس، والمؤمن الواحد خير من ألف كافر، كما أنّ الفئة القليلة الثابتة فى الإيمان والشجاعة، خيرٌ من الفئة الكثيرة المتخاذلة، قال تعالى : «كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٌ كَثِيرَةٌ»(1).

كما أنّ العالم الخبير يمكنه أن يسخّر الفئة الجهلاء الكثيرين، وله من التأثير الكبير ما لا يكون لغيره من الجاهلين، قال تعالى: «هَلْ يَسْتَوى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ»(2).

وبالجملة : فالآية الشريفة من القواعد الاجتماعيّة الأصيلة، التي يبتني عليها الحقّ وقواعده وأحكامه وآدابه، وإنّها اعتمدت على حقائق واقعيّة وصفات حقيقيّة تكوينيّة، تؤثر في سعادة الإنسان وشقائه، وإنّ لها الأثر التام في ذلك من دون دخل لكثرة الأفردا وقلّتهم، فإنّ الطيّب هو طيّب وإن كان قليلاً، والخبيث

ص: 274


1- سورة البقرة : الآية 249.
2- سورة الزمر : الآية 9.

خبيثٌ وإن كان كثيراً، وإنّ العبرة بالصفة لا بالعدد، وإنّه كان شأن أهل الباطل والفساد فقد كانوا يفتخرون على المؤمنين ويعتزّون بالكثرة عندهم، كما حكى عزّوجلّ عنهم «وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَاداً»(1)، وحكى عن الكافر الذي فاخر المؤمن بقوله : «أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً»(2)، وقد وعد تعالى المؤمنين بعدم انتفاع الباطل وأهله من الكثرة، وأنّه معهم قال: «وَلَنْ تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللّه مَعَ الْمُؤْمِنِينَ»(3)، وبيّن عزّوجلّ في موضع آخر من القرآن الكريم ما هو المراد من كونه مع المؤمنين، فقال: «وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ»(4).

قوله تعالى : «فَاتَّقُوا اللّه يَا أُولِي الْأَلْبَابِ».

إنّ مضمون الآية الكريمة من الحقائق الأصلية لا تقبل التغيير بحسب الوجوه والاعتبار

إرشاد إلى أنّ مضمون الآية من الحقائق الأصيلة، وليست ممّا تقبل التغيير بحسب الوجوه والاعتبار، وليس للإنسان إلّا الرجوع إلى العقل والفطرة - لا الخيال والوهم - في الحكم بالطيّب أو الخبيث، فإنّهما من الصفات الحقيقيّة التي يرجع فيها إلى أُولي الألباب الذين لا يغترّون بالمظاهر، ولم يكونوا من أهل الغفلة والجهالة، فإنّهم القادرون بفطرتهم وثاقب ذهنهم على أن يميّزوا بين الطيّب والخبيث، وإن كانت للأخير صولة وجولة، فلا يصحّ التلاعب بالحقائق وتحكم كلّ طائفة بأنّ عملها أو طريقتها من الطيّب دون الطائفة الأُخرى، وتحكم عليها بأنّها من الخبيث الذي يجب الابتعاد عنه، فإنّ ذلك خلاف التقوى التي يدعو إليها

ص: 275


1- سورة سبأ : الآية 35.
2- سورة الكهف : الآية 34.
3- سورة الأنفال : الآية 19.
4- سورة الأنفال : الآية 26.

الإيمان والعقل، فهذه الآية الكريمة هي المقياس في الحكم على الأشياء، وإنّ المقام ممّا لابدّ فيه من الرجوع إلى العقل، وجعل التقوى نصب العين، ويقضى بأنّ الطيّب خير من الخبيث، فيأخذ الطيّب ويعمل به ولو كان الناس معرضين عنه. وأنّه يجتنب الخبيث ولو انكبّ الكثيرون عليه، ولا تصرفه الأهواء عن اتّباع الحقّ ولو تولّوا عنه؛ ليكون سعيداً في الدُّنيا ومفلحاً في الحياة الآخرة.

قوله تعالى : «لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ».

أى أنّ إدراك الطيّب ومعرفة مصاديقه وتمييزه عن الخبيث، وأنّ ذلك من تقوى اللّه تعالى التي توجب السلوك في سلك الطيّبين، فحينئذٍ قد استوفيتم سبل الفلاح، وتكونوا مع المفلحين الفائزين بخير الدُّنيا والآخرة.

بحث دلالی : ما تدل علیه الآیة الشریفة

بحث دلالي:

تدلّ الآية الشريفة على أُمور:

الأول : تدلّ الآيةُ الشريفة على أمر اجتماعيّ لا يرتبط بشيء معيّن، بل يعمّ جميع الأشياء وكلّ الأُمور، فإنّها - لا تخرج - إمّا أن تكون من الطيّبات أو الخبائث، ولكلّ واحد منهما آثار خاصّة وتأثير شديد في النظام الاجتماعي، بل في كلّي النظام وإن كانا على التضاد، فإنّ للطيّب مصاديق كثيرة تشمل جميع مظاهر الحياة كما عرفت في التفسير، وآثارها تظهر في الحياة الدُّنيا والآخرة، بل في جميع النشآت وتوجب السعادة والفلاح، لكنّ العاملين بها قليلون، فلا يدرك آثارها الطيّبة وخيريّتها إلّا مَن رجع إلى عقله واستر شد بفطرته، واتّقى اللّه في الحكم والعمل؛ لأنّ الكثرة قد تخلب قلب المؤمن ويتسرّع في الحكم. وإنّها من الأُمور المهمة التي تؤثّر في حياة الفرد والاجتماع.

ص: 276

الثاني : يرشد قوله تعالى : «قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ» إلى أنّ تمييز الطيّبات من الخبائث، والحكم بعدم الاستواء بينهما، وإن كان موافقاً للفطرة، إلّا أنّه لابدّ من الرجوع إلى الرسول الكريم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) الذي هو واسطة الفيض، وقد حباه اللّه عزّوجلّ من الكرامة ما يدرك بها حقائق الأشياء، وقد نزل عليه القرآن الكريم والشراع المبين الذي بيّن للناس الطيّبات والخبائث، وأمر بالإجتناب عن الأخيرة، وربّما تلتبس على الإنسان بعض الأُمور، ولا يمكنه تميّيز أحدها عن الآخر، فيستر شد بمَن يهديه إلى ذلك.

الثالث : يدلّ قوله تعالى : «لَا يَسْتَوِى» على نفي الاستواء بينهما من جميع الجهات، في الموضوع والأثر والغاية والعمل، وأنّ الخبيث غير مستقيم بجميع خصوصيّاته، وأمّا الطيّب فهو المستقيم الذي يركن إليه ويعتمد عليه في جميع الأحوال. وتقديم الخبيث على الطيّب لأجل بيان أنّ القصور الذي أوجب عدم الاستواء إنّما هو فيه، لا في مقابله كما عرفت.

الرابع : يدلّ قوله تعالى : «وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ» على أنّ الكثرة قد تؤثّر في مشاعر الإنسان، فإذا كان ضعيف الإرادة يتعجّب من زبرجها وألوانها البرّاقة فيدخل في قلبه، وأمّا إذا كان قوي الشخصيّة، ملهماً متحصّناً بالإيمان والتقوى، فيتعجّب من هول ما أفسده الخبيث وغيّر الواقع وطمس الحقيقة، ويتجنّب من قبول ذلك. وإطلاق الكثرة يشمل جميع أنحائها من العدد والعدّة والكيفيّة والأثر.

الخامس : يدلّ قوله تعالى: «فَاتَّقُوا اللّه يَا أُولِى الْأَلْبَابِ» على أنّ تقوى اللّه تعالى لها الأثر الكبير في تمييز الطيّب عن الخبيث ومعرفة آثاره، والعلم بأنّ الطيّب هو الخير الذي لابدّ أن يعمل به والخبيث هو الشرّ الذي يجب الاجتناب عنه، وأنّ العقل هو الذي يرشد إلى عدم الاغترار بمظاهره، فكلّ واحد منهما -أي

ص: 277

التقوى واللبّ - يرشد إلى الآخر ويدعو إليه. ومنه يستفاد أنّ التقوى من موجبات العلم والمعرفة، كما يدلّ عليه قوله تعالى: «وَاتَّقُوا اللّه وَيُعَلِّمُكُمْ اللّه»، وأنّها ممّا يستلزم الفلاح والنجاح، والفوز بالسعادة في جميع الحالات.

السادس : يدلّ قوله تعالى : «لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» على أنّ العمل بمضمون الآية الشريفة والرجوع إلى الطيّب والعمل به، والاجتناب عن الخبيث وإن كثر العاملون به والمهتمون بشأنه، ممّا يوجب الفلاح والسعادة في الحياة، والفوز بالثواب الجزيل والأجر العظيم والنعيم المقيم.

***

ص: 278

سورة المائدة الآية 101 - 102

إشارة

الآية 101 - 102

«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللّه عَنْهَا وَاللّه غَفُورٌ حَلِيمٌ (101) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (102)».

الآية الشريفة تحكي عن غريزة إنسانية

الآية الشريفة تبيّن غريزة من الغرائز الإنسانيّة، وهي حبّ الاستطلاع والاستفهام عن جميع الأُمور، ولم ينه القرآن الكريم عنها، بل اعتبرها أمراً طبيعيّاً، وإنّما نبّه الإنسان إلى أمرٍ هو بالغ الأهمّية في حياته، وهو تحديد أسئلته في ما ينفعه، أن لا تكون سبباً في وقوعه في الضيق والمشقّة، وقد تكفّل الشارع المقدس أن يبيّن أسباب سعادته وما يوجب فلاحه، فلا حاجة إلى زيادة الكلفة بأسئلة لا مبرّر لها. وقد ذكرنا الوجه في ارتباط الآيات بعضها مع بعض في الآية السابقة، فراجع ما ذكره المفسّرون من الوجوه في المقام، ولا تخلو عن المناقشة.

***

التفسير

قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا».

ذكرنا ما يتعلّق بهذا الخطاب الربوبيّ في ما سلف من الآيات، ولعلّ الوجه في المقام أنّ الإيمان يستدعي آداباً وأُموراً خاصّة، يجب على المتحلّي به أن

ص: 279

يراعيها ليستكمل بها إيمانه. والمقام من تلك الآداب، وهو مراعاة الخصوصيّات في الأسئلة، لا سيّما إذا كانت متوجهة إلى واسطة الفيض وفخر الموجودات.

اشتقاق كلمة أشياء

قوله تعالى : «لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ».

نهى عن الأسئلة التي توقع السائل في ما يسؤوه، وإطلاقه يشمل ما يتعلّق بالأحكام الشرعيّة، والأسرار والعقائد، وغيرها من الأشياء التي يحتمل أن يكون إظهارها سبباً للمساءة، إمّا في شدّة التكليف أو كثرتها، أو ظهور حقائق تفضح أهلها.

والآيةُ الكريمةُ وإن لم تبيّن المسؤول، إلّا أنّ القرائن الحافة - لا سيّما قوله تعالى بعد هذا: «وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ» - تعيّن كونه الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ). ولعلّ حذف المفعول في الصدر لتعميم النهى إلى غيره أيضاً، ويؤيّده العلّة المستفادةٌ من الآية الشريفة.

و(أشياء) جمع شيء، ووزنه أفعال، وما كان هذا سبيله يصرف، ولكنّه منع من الصرف لأنّه مشبّه بحمراء، وقيل غير ذلك، ويأتي في البحث الأدبي إن شاء اللّه تعالى. وإبهام الشيء لبيان النهي عن كلّ سؤال يتعلّق بأمر يتعلّق الغرض بإخفائه؛ لكون الاطّلاع على حقيقته يوقع الإنسان في المهلكة والشقاء، ومثل هذه الأُمور كثيرة دائرة في نظامٍ بُني على قانون الأسباب والمسبّبات، حيث أظهر عزّ وجلّ بعضها وأخفى الآخر لحِكَمٍ ومصالح، فلو ظهرت تلك المخفيّات لأوجبت اختلال النظام، لا سيّما ما يتعلّق بحياة هذا الإنسان الضعيف الذي تؤلمه عاديات الأُمور فضلاً عن غيرها، فكان السؤال عن مثل تلك الأشياء موجباً للحرج والمشقّة، بل قد يؤدّي إلى الهلاك الدنيويّ أو الأُخرويّ، إذا كان السؤال عن شيء يوجب مزلّة الأقدام في العقائد، فإنّ بعض الأُمور قد ورد النهى عن

ص: 280

التعمّق فيها، كما بالنسبة إلى ذات الباري عزّوجلّ، ومسألتي القضاء والقدر، وغير ذلك.

الوجوه التي ذكروها في تفسير الآية الشريفة وبيان الحقّ فيها

قوله تعالى : «إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ».

جملة شرطية دالّة على وقوع الجزاء عند تقدير وقوع الشرط، وهي صفة الأشياء، تبيّن العلّة فى النهى عن السؤال عنها، واحتمال كون إبدائها ممّا يسوءكافٍ في وجوب الانتهاء عن السؤال عنها بحكم العقل، القاضي بدفع الضرر المحتمل، فضلاً عن تحقّق الوقوع بعد تحقّق الشرط.

إلّا أنّ هنا إشكالاً، وهو أنّ العاقل لا يطلب ما يسؤوه، فما معنى النهي عن شيء لا يقدم العقلاء عليه؟! وأُجيب عنه بوجوه :

الأوّل : ما ذكره بعض المفسّرين من أنّ الجملة الشرطيّة التي تبتدئ (بإن) الشرطيّة ممّا لا يقطع بوقوع الشرط، والجزاء تابع له فى الوقوع وعدمه، فكان التعبير بقوله : «إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ» دون (إذا أبديت...) دالاً على أنّ احتمال إبدائها وكونها تسوء كاف في وجوب الانتهاء عن السؤال عنها.

وأُجيب عن ذلك بأن قوانين العربية التي ادّعاها المجيب، لا تقرّر أن يكون الشرط غير مقطوع الوقوع، وأنّ الجزاء بما هو جزاء متعلّق الوجود بالشرط غير مقطوع الوقوع، فإنّ قولنا : «إن جئتني أكرمتك» لا يفيد إلّا القطع بوقوع الإكرام على تقدير وقوع المجيء، وفي ما ذكره من أنّ الشرط يدلّ على أنّ احتمال إبدائها وكونه يسوء كافٍ في وجوب الانتهاء، إنّما يصحّ لو كان مفاد الشرط في الآية هو النهي عن السؤال عن أشياء يقطع مساءتها إن أُبديت، فالإشكال على حاله.

وفيه : أنّ مراد المجيب أنّ الجملة الشرطيّة التي تكون أداتها (إن) الشرطيّة، إنّما تدل على أنّ الشرط ممّا يحتمل وقوعه، فإنّ وقع تحقّق الجزاء لا محالة، وإلّا

ص: 281

فلا، وهذا هو المستفاد من قوانين العربيّة، لا أنّ الجزاء يحتمل وقوعه عند تحقّق الشرط، حتّى يستشكل عليه بأنّه خلاف القواعد. إلّا أنّ الكلام فى أنّ مجرد احتمال وقوع الشرط هل هو كافٍ في تعلّق النهى بعد عدم إقدام العقلاء على مثل ذلك، فيعود الإشكال حينئذٍ.

الثاني : أنّ المراد من قوله : «أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ» المغيّبات وعواقب الأُمور، وغير ذلك ممّا تهوى النفوس إليها بالإطلاع عليها، ممّا لا يخلو من انكشاف الحال فيها بما يسوء الإنسان ويحزنه، كسؤال الرجل عن باقي عمره وسبب موته وحسن عاقبته، وعن أبيه من هو، وغير ذلك ممّا يدور في الأُمم الجاهلية، فيكون النهي عن السؤال عن مثل هذه الأُمور التي لا يخلو انكشاف الحال فيها غالباً ممّا يسوء الإنسان ويحزنه، وقد يستعقب تكذيب القضاء والقدر وعدم الإيمان بهما، أو تكذيب مَن يستلزم تكذيبه الكفر والخروج عن الدين، وغير ذلك من سيّئات العواقب، كما يشير قوله بعد ذلك : «قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ»، ويدلّ عليه قوله تعالى : «أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلْ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ»(1).

وأُورد عليه بأنّه وإن كان سليماً، إلّا أنّه لا يلائم قوله تعالى : «وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ»، فإنّ ظاهره يدل على أنّ الأشياء كبقية المسؤول عنها إنّما مرتبط بحقائق المعارف وشرائع الأحكام وما يجرى مجراها. وأمّا تعيين أجل شخص أو كيفيّة وفاته أو تشخيص أبيه ونحو ذلك، فإنّها لا ترتبط بالبيان القرآنيّ، فلا وجه لتذليل النهي عن السؤال عنها.

ولكن يمكن الجواب عنه : أنّ عموم الأشياء يشمل جمع الأُمور، سواءً

ص: 282


1- سورة البقرة : الآية 108.

كانت ممّا يتعلّق بها البيان القرآنيّ، أم كانت خارجة عنه كالآجال والأرزاق والحوادث والفتن، ونحو ذلك ممّا يكون انكشاف الحال فيها عادة ممّا يسوء الإنسان.

وأمّا قوله تعالى: «وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ»، فقد ذكر فيه قسماً خاصّاً منها لأهمّيته، لأنّه ممّا يوجب الكفر، فإن كانت ممّا ترتبط بالتشريع والمعارف، فإنّها تنكشف حين نزول القرآن والرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) في سعةٍ من أن لا يجيب عنها قبل نزول الحكم، رعايةً لمصلحة السائلين، ولكنه يعرف جميع الأشياء وهي مكشوفة لديه، قد رفع الحجاب عنها له، فالحقّ أنّ الآية الشريفة تشمل جميع الأشياء، سواءً كانت ممّا ترجع إلى الأحكام الشرعيّة ومتعلّقاتها والمعارف، أم كانت موضوعات خارجيّة ممّا يرتبط بشؤون الإنسان، أم غيرها ممّا يستوجب العلم بها الوقوع في المساءة والحزن والشدّة والحرج والضرر، كما قَصَّه اللّه تعالى عن بني إسرائيل في قصّة البقرة، حيث شدّد عزّوجلّ بالتضييق عليهم، كلّما بالغوا في السؤال عن نعوت البقرة التي أُمروا بذبحها، وقصّة المائدة التي أوجبت خروجهم عن الإيمان وغير ذلك، كلّ حسب حاله واستعداده.

قوله تعالى : «وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ».

تتمّة النهي السابق، وقد ذكر عزّوجلّ فيها تلك الأشياء التي لها ارتباط بالأحكام الشرعيّة، ممّا يكون الاستقصاء في الحثّ عنها، والإصرار في التعرّف عليها يوجب التشديد، بل ربّما يوجب الكفر، والمعنى : يا أيّها الذين آمنوا لا تسألوا النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) عن أشياء لا يخلو انكشاف الحال فيها غالباً عن أن يكون مشتملاً على ما يسوء الإنسان ويحزنه، وإن كان المسؤول من الأحكام الشرعيّة مسكوتٌ عنها ظاهراً، ولم يتعرض لبيانها تخفيفاً وتسهيلاً، فإنّها تتبيّن لكم إن

ص: 283

تسألوا عنها حين نزول القرآن الكريم، وتسؤكم إن ظهرت لكم، فتكون هذه آية من تتمّة النهى، لكنّها تختصّ بالأحكام الشرعيّة لأهميّتها، أو لعظيم الأمر المترتّب على ظهورها كما عرفت.

ويرشد إلى ما ذكرناه أنّ حكم الآية عامّ لا يختصّ بعصر التنزيل، بل يجري مع كلّ مَن كانت له القدرة على إعلام الناس بما يسألونه من أشياء، لها ارتباط مّا بالإنسان وغيره، حتّى صارت من الأمثلة القرآنيّة التي تضرب في جميع الموارد التي يكون السؤال فيها ممّا يوجب الحزازة، فلو خصّصناها بالأحكام الشرعيّة لكانت مقتصرة على عصر التشريع فقط، مع أنّ تعميم صدر الآية وإرادة البعض من الضمير (عنها) في الذيل ليس بعزيز في القرآن الكريم، بل هو من الأساليب الفصيحة، فيكون الكلام مسوقاً إلى بيان التشبيه بين السؤالين، فكما أنّ السؤال عن الأُمور الواقعيّة مستتبع لابدائها، كذلك السؤال عن تلك التكاليف مستتبع لا يجابها ووقوعها عليهم على التشديد.

ومما ذكرنا يظهر الوجه فى ما ذكره بعض المفسّرين، من أنّ الآية بصدرها وذيلها مختصّةٌ بالأحكام الشرعيّة، وما قاله آخرون من أنّ المساءة في الشرطيّة الأوّليّة معلّقة بإبداء تلك الأشياء، لا بالسؤال عنها، وفى الشرطيّة الثانية معلّقة بالسؤال عنها لإبدائها الموجب للمحذور، وما قاله ثالثٌ من أنّ هذه الآية تبيّن رفع النهى عن السؤال حين نزول القرآن. وقد ذكروا وجوهاً في النقض والإبرام لا طائل تحتها بعد ظهور الآية الكريمة.

قوله تعالى : «عَفَا اللّه عَنْهَا».

جملة استئنافية مسوقة لرفع الآثار الوضعية المترتّبة على تلك الأسئلة، أو ما تستتبع، على أنّ المراد بالأشياء المذكورة هي الراجعة إلى الشرائع والأحكام

ص: 284

ولو كانت من قبيل الأُمور الكونيّة، لكان المتعيّن أن يقال : عفاها اللّه، ولكن عرفت أنّ العفو قد يكون بلحاظ الآثار الوضعيّة المترتّبة على المسألة، مع أنّه نفس السؤال قد يكون فيه عصيان وسوء أدب يستتبع المؤاخذة، فإنّ اللّه تعالى عفا عنها، فإنّه عزّوجلّ - كما عرفت آنفاً - تعلّقت حكمته بإخفائها، إمّا لأنّ ظهورها يوجب وقوع الإنسان في الشدّة والحرج أو الضرر، أو لأجل التخفيف على عباده والتسهيل عليهم، وهو يقتضي عفوه كما ستعرف. وعلى أيّ حال لم يكن السكوت عنها عن جهل، أو عن غفلة، أو إهمال. كلّ ذلك ممّا يوجب مرجوحية السؤال واستتباعه للحزازة، وربّما المؤاخذة، فاللّه قد عفا عنها.

قوله تعالى : «وَاللّه غَفُورٌ حَلِيمٌ».

جملة اعتراضية مقرّرة لما سبق من عفوه تعالى، الذي يشمل جميع ما فرط منهم من الأسئلة التي كانت توجب المشقّة والضيق، فرحمهم عنها بغفر إنّه. (حليم) لم يضيّق عليهم التكاليف، فشرّعها حسب حكمته المتعالية، وإن كان ما صدر منهم مورداً لعفوه الذي لا يقتضى إلّا التسهيل والتيسير، فهو حليمٌ لم يضيّق عليهم، وغفورٌ لم يشرع حكماً حسب ما سألوه، وكلّ ذلك مظاهر عفوه العظيم.

قوله تعالى : «قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ».

الضمير يرجع إمّا إلى النوع، أو لمثل تلك المسائل، ولم يصرّح بالمثل للمبالغة في التحذير، و(سأله عنه) و (سأله) بمعنى واحد. وقيل : إنّ السؤال إن كان بمعنى الاستعطاء يتعدّى بنفسه، وإن كان بمعنى الاستخبار يتعدّى ب(عن). و(القوم) وإن كان مبهماً هنا، لكن يمكن معرفتهم من مواضع أُخرى في القرآن الكريم، ممّا حكى عزّوجلّ من قصصهم، كقصّة البقرة وقصّه المائدة وغيرهما. وقد ذكر المفسّرون في المقام احتمالات لم يقم عليها برهان.

ص: 285

قوله تعالى : «ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ».

التراخي بحسب الرتبة فى الكلام دون الزمان، والباء للسببيّة، وهو متعلّق بما بعده، قدّم عليه رعاية للفواصل والكفر إمّا لأجل ترك العمل بما سألوه من الأحكام، أو لأجل الجحود بعد السؤال عن الآيات التي لم يؤمنوا بها، أو لأجل تركهم الإيمان بالقضاء والقدر في السؤال عن الأُمور التي تخصّ شؤونهم، كلّ ذلك من الكفر.

***

ص: 286

بحوث المقام

بحث أدبي : يتعلّق بمادة (شيء) واشتقاقها وبعض وجوه الإعراب

بحث أدبي:

(أشياء) في قوله تعالى : «لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ» جمع شيء - كما هو الظاهر - نحو بيت وأبيات، وشيخ وأشياخ، أصله شيئاً على وزن (فعلى)، وهو يجمع في القلّة على أفعال إذا كان مفردها معتلّ العين، وهي غير مصروفة في حال التنكير كما في المقام، ولذا تشعّبت آراء الجماعة فيها :

فذهب جمعٌ: إلى أنّ الهمزة للتأنيث، وأنّ الكلمة اسم مفرد يراد به الجمع كطرفاء وحلفاء، فأشياء في الأصل شيئاً بينهما ألف، فقدّمت الهمزة الأُولى التي هي لام الكلمة على الفاء، لاستثقال الهمزتين بينهما ألف قبلهما حرف علّة وهو الياء، والهمزة الثانية زائدة للتأنيث لذلك لا تتصرف، ووزنها لعفاء.

ولكنّه لا يخلو من القلب الذي هو خلاف الأصل.

وذهب آخرون إلى أنّها جمع (شيء) بياء مشدّدة وهمزة على وزن هيّن وليّن، ولكنّهم خفّفوه، فقالوا : شيء، وبعد التخفيف جمعوه على أشياء بهمزتين بينهما ألف بعد ياء على وزن فعلاء، فاجتمعت همزتان إحداهما لام الكلمة والأُخرى للتأنيث، فخفّفوا ذلك بقلب الهمزة الأُولى ياءً، ثمّ حذفوا الياء الأُولى التي هي عين الكلمة، فصار وزنه (أفلا)، ومنع الصرف فيها لهمزة التأنيث.

وردّ هذا المذهب بأنّه لا دليل عليه.

وذهب ثالث: إلى أنّها جمع (شيء) بوزن (فلس)، وأصلها أشياء بهمزتين بينهما ألف بعد ياء، ثمّ عمل فيه ما مرّ، وردّ بأنّ فعلا لا يجمع على أفعلاء.

وأُشكل عليه لوجوه راجع المفصّلات.

ص: 287

الضمير في قوله تعالى : «قَدْ سَأَلَهَا» إِمّا في موقع المصدر، أو المفعول به كما عرفت في التفسير. و (من قبلكم) متعلّق ب(سألها)، ويجوز أن يكون متعلّقاً بمحذوف وقع صفةً لقوم.

واعترض عليه: بأنّ ظرف الزمان لا يكون صفة الجثة ولا حالاً منها ولا خبراً عنها.

وأُجيب بأنّ هذا مشروط بما إذا عدمت الفائدة، وإلّا فهو جائز، كما إذا اشتهبت الجثة المعنى قد تجدّدها ووجودها وقتاً دون وقت، نحو : اللّيلة الهلال، بخلاف : زيد يوم السبت، وما نحن فيه كذلك، فإنّ القوم لا يعلم أهم ممّن مضى أم لا.

وكيف كان، فإنّ المنع إنّما هو في الزمان المجرّد عن الوصف، أمّا إذا تضمّن وصفاً فيجوز كقبل وبعد، فإنّهما وصفان في الأصل، وما نحن فيه من المتضمّن المجرّد، فافهم

***

بحث دلالي: وفيه ما يستفاد من الآية الكريمة

بحث دلالي:

تدلّ الآيات الشريفة على أُمور :

الأوّل : يدلّ قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ»، على أَنّ السؤال المنهي عنه، هو الذي يوقع الإنسان في المساءة والشدّة دون غيره، فلا تنافي بينه وبين قوله تعالى : «فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ»، فَإِنَّه في السؤال الذي فيه النفع ديناً أو دنيويّاً. وفي الآية المباركة إرشاد إلى أهل الإيمان بترك السؤال الذي لا فائدة منه - إلّا الحزازة والمساءة وغير ذلك - وكثرته، وأنّه من الآداب كما دلّت عليه جملة من الأخبار، ولعلّه لأجل ذلك تعلّق المغفرة بالسابق عمّا صدر.

ص: 288

الثاني : يدلّ قوله تعالى : إ«ِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ» على أنّ الأشياء كلّها على ضربين : إمّا ظاهرة قد أبداها اللّه تعالى، أو مستورة حجبها اللّه تعالى من العباد لم يظهرها إلّا لحكمة متعالية، وكلا القسمين مبنيّان على نظام دقيق مبنيّ على حكم ومصالح، والسؤال على خلافها ممّا يوقع الإنسان في المساءة، فمضمُون هذه الآية المباركة حقيقة واقعيّة موافقة للحكم الفعلىّ. والآية إرشاد إليه، وقد بيّن عزّ وجلّ بعض تلك الحكم، وهي الوقوع في المساءة، فيكون نفس السؤال من المرجوح إن لم يكن محرّماً في بعض الموارد، ولابدّ من تعلّق العفو والغفران بما صدر من السائلين، وهذا ما يدلّ عليه ذيل الآية الشريفة.

الثالث : يستفاد من قوله تعالى : «إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ» عموم السؤال الجميع الأشياء التكوينيّة والتشريعيّة، من الأُمور الغيبيّة التي يختصّ العلم بها بالباري عزّوجلّ أو مَن يفيض عليه من علومه وحياً أو إلهاماً، التي تترتّب على السؤال عنها المساءة، وإطلاقها يشمل الضرر والحرج والمشقّة، وغير ذلك من موجبات الحزازة في النفس، وأنّ السؤال عنها يوجب الوقوع في المساءة لا محالة؛ لأنّ ترتّب الجزاء على الشرط قطعىّ، إلّا أنّ اللّه تعالى بواسع رحمته وحلمه العظيم يمنع من تحقّقها، ووقوعها، وإن وقع السؤال عنها، ولعلّ هذا هو السرّ في إتيان حرف (إن) الشرطيّة الدالّة على الاحتمال. ويدلّ على ما ذكرناه ذيل الآية الكريمة «وَاللّه غَفُورٌ حَلِيمٌ». ومن ذلك يعرف سقوط كثير من المحتملات التي ذكرها المفسّرون في المقام، فراجع.

الرابع : يدلّ قوله تعالى: «وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ» على أنّ السؤال حين نزول الخطاب وتشريع الأحكام الإلهيّة، يستلزم تحقق المسؤول، والوقوع في الشدّة والحرج، إن لم يتعلّق عفو اللّه عزّوجلّ الذي هو من مظاهر رحمته الواسعة بمحو آثار المسؤول وعدم وقوعه. ويمكن أن يكون المراد من

ص: 289

«حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ» مطلق البيان الصادر عن الرسول الكريم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ )، ليشمل الأحكام التشريعيّة وغيرها من الأُمور التكوينيّة، وإن أمكن القول بالعموم وظاهر الآية. لأنّ القرآن كتاب إلهىّ فيه تفصيل كلّ شيء، فلا موجب لاختصاص الآية بالأحكام الشرعيّة، كما ذكره بعض المفسّرين، ويشهد على ما ذكرناه قوله تعالى : «قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ» الشامل للموردين. ويمكن أن تكون الآية إرشاداً إلى أنّ السؤال إذا كان، فلابدّ أن يكون ممّا يحيط به القرآن الكريم، دون ما سواه الذي لم تتعلّق إرادة اللّه عزّوجلّ بإظهاره.

الخامس : يستفاد من قوله تعالى : «عَفَا اللّه عَنْهَا» عموم عفوه، ليشمل أفعال المكلّفين والأُمور التكوينيّة الّتى إذا وقعت أوجبت الشدّة والضيق على المؤمنين والناس أجمعين، فيتعلّق العفو بها، فيمنع وقوعها أو يمحو آثارها، كما يتعلّق بما يصدر من المكلّفين، فيرفع آثارها من المؤاخذة والعقاب. والآية تشمل القسمين من العفو في المقام لقوله تعالى : «وَاللّه غَفُورٌ حَلِيمٌ»، فهو غفور يغفر للمذنبين المقصّرين، وحليم يحلم على الناس فيمنع من تحقّق ما يترتب على أسئلتهم ممّا يوجب المساءة عليهم.

السادس : يرشد قوله تعالى : «قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ» إلى أنّ مضمون الآية من القضايا الحقيقيّة التي لها واقع مدرك، فإنّ وقوع شيء في الخارج هو أعظم برهان على صدقه، فالآية الكريمة من الدليل على صحّة الصدور وصدق وقوعه، فيكون أدعى للتحرّز والابتعاد عنه، ووقوع كلا الأمرين في الأمم السابقة - التشريعيّ والتكوينىّ - كأسئلة قوم موسى حيث أوقعتهم في شدّة التكليف، ثمّ امتناعهم عن قبولها وإتيانها والنكوص عن الطاعة، وسؤال قوم عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) المائدة، فأصبح كلّ واحد منهم كافراً بسبب أسئلته.

***

ص: 290

بحث روائي : فيه بعض الروايات التي وردت في بيان الآية الشريفة

بحث روائي:

في «الكافي» : بإسناده عن أبي الجارود، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : «إذا حدّثتكم بشيء فاسألوني فاسألونى عنه من عنه من كتاب اللّه، ثمّ قال في بعض حديثه : إنّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) نهى عن القيل والقال وفساد المال وكثرة السؤال، فقيل له : يابن رسول اللّه، أين هذا من كتاب اللّه ؟ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : إنّ اللّه عزّوجلّ يقول : «لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاح بَيْنَ النَّاسِ»، وقال : «وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللّه لَكُمْ قِيَاماً»، وقَالَ : «لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ».

أقول : الحديث يبيّن أحد مصادر علم الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ)، فهم بما منحهم اللّه من فهم ثاقب وإدراك منير يعرفون دقائق القرآن الكريم، ويستنبطون منه ما لم يقدر هم عليه. ويستفاد منه أيضاً أنّ الأشياء التى يتحدّث الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عنها بين الأصحاب، إنّما هي مذكورة في القرآن الكريم، بلا فرق بين أن تكون تشريعيّة أو غيرها. وكيف كان، فالحديث بيان لبعض تطبيقات القرآن الكريم.

وفي «تفسير العيّاشي»: عن أحمد بن محمد، قال : كتبت إلى أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكتب في آخره: «أو لم تنتهوا عن كثرة المسائل ؟ فأبيتم أن تنتهوا إيّاكم وذلك فإنّما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، فقال اللّه تبارك وتعالى : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ - إلى قوله تعالى- كَافِرِينَ»».

أقول : الحديث يدلّ على النهى عن كثرة المسائل التي توجب الوقوع في المهلكة، كما وقعت في الأمم السابقة، حيث أكثر وا السؤال فنزلت التكاليف، فأبوا تنفيذها ونكصوا عن الطاعة، فهلكوا جزاء أعمالهم، كما يدلّ عليه الحديث الآتي.

وفى «المجمع» : عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : خطب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) فقال : إنّ اللّه کتب عليكم الحجّ، فقال عُكَاشة بن محصن الأسدي - ويروى سُراقة بن مالك -:

ص: 291

أفي كلّ عام يا رسول اللّه، فأعرض عنه حتّى عاد مرّتين أو ثلاثاً، فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) : ويحك، وما يؤمّنك أن أقول : نعم، واللّه لو قلت : نعم، لَوَجَبَتْ، ولو وَجَبَتْ ما استطعتم، ولو تركتم لكفرتم، فاتركوني تركتكم، فإنّما هلك مَن كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه».

أقول : رواه السيوطىّ فى «الدّر المنثور» عن أبي هريرة باختلاف يسير، ويستفاد منه - كما تدلّ عليه جملة من الأخبار - أنّ دين اللّه تعالى مفوّض إلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ )، على أنّ التكاليف الشرعيّة هي دون الطاقة، والحديث تطبيق تلك الأسئلة التي تكون في الأُمور التشريعية، كما عرفت آنفاً.

وفى «المجمع » - أيضاً -: عن علىّ (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أنّ اللّه افترض عليكم فرائض فلا تضيّعوها، وحدّ لكم حدوداً فلا تعتدوها، ونهاكم عن أشياء فلا تنتهكوها، وسكت لكم عن أشياء ولم يدعها نسياناً فلا تتكلّفوها».

أقول : رواه السيوطىّ فى «الدّر المنثور» أيضاً.

وفي «الدّر المنثور» : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السديّ في قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ – الآية» قال :

«غضب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) يوماً من الأيّام، فقام خطيباً، فقال : سلوني، فإنكم لا تسألوني عن شيء إلّا أنبأ تكم به، فقام إليه رجلٌ من قريش من بني سهم، يُقال له : عبد اللّه بن حذافة - وكان يطعن فيه - فقال : يا رسول اللّه من أبي ؟ فقال : أبوك فلان بن فلان، فدعاه لأبيه فقام إليه عمر فقبل رجله، وقال : يا رسول اللّه رضينا باللّه ربّاً وبك نبيّاً وبالقرآن إماماً، فاعف عنا عفا اللّه عنك، فلم نزل به حتّی رضی، فیومئذ قال : الولد للفراش وللعاهر الحجر، وأنزل عليه : «قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ».

أقول : مضمون الحديث ورد في عدة روايات مروية بطرق عديدة عن

ص: 292

الخاصّة والجمهور، وهى تبيّن عموم الآية كما عرفت.

***

بحث عرفاني : وفيه التعريف ببعض الآداب في السير والسلوك

بحث عرفاني :

الآية الشريفة تبيّن بعض الآداب والأحكام فى طريق السير والسلوك، والتشرف بحضرة المعبود، فإنّ عظمة المقصود وشدّة الطريق ووعورته وطوله، كل ذلك يحتاج إلى ما يؤمن به السلوك، فإنّه كلّما طال السفر وعظم مقصده، اشتدّت الحاجة إلى الزاد والتعرّف على الخصوصيّات، لئلّا يضع قدمه في طريق لم يعرف أحكامه وخصوصياته و آدابه، فيوجب المزلّة والخروج عن الطريق، بل النكوص على الأعقاب، فبيّن عزّوجلّ أوّلاً احتياج السالك إلى الإيمان، فبدونه لن يصل إلى المعبود ولن يتوفّق إلى المقصود.

نعم قد يدرك بجهده و تعبه بعض الآثار التي تترتّب على العمل، كما نراه عن بعض المجاهدين للنفس في غير الملّة الحقّة، إلّا أنّها آثار العمل الذي عملوه.

وأمّا أهل الإيمان فإنّهم يتعدّون عن تلك الآثار، ويطلبون معرفة الباري، والحضور لدى جنابه عزّوجلّ، لمعرفة النفس والسلطنة عليها، وكبح جماحها وتهذيبها وإرسالها في هذا الطريق، ثمّ بيّن عزّ وجلّ أنّ من أهمّ الآداب ترك الأسئلة التى لا يليق بالسالك، إمّا لأجل عدم الإذن له فيها، باعتبار أنّ المؤمن لا بدّ أن يكون سكوتاً لا يقول إلّا عند الحاجة. وقد ورد فى بعض الآثار أنّ المؤمن ملجم، أو لأجل أنّ الرتبة التي هو فيها لا يليق فيها الأسئلة عن غيرها، فإنّها تكون من التعدّي، فإنّ أرباب الإيمان البرهانيّ مثلاً لا يحقّ لهم السؤال عن الحقائق التي لا تعلم إلّا بالكشف والشهود، إلّا بعد طي مراحل، فإنّ السؤال عنها وظهورها يوجب الهلاك لقصورهم عن معرفتها، فيكون ذلك سبباً لإنكارهم.

وقد ورد في بعض الأخبار : «لو علم سلمان ما في قلب أبي ذر لكفّره»،

ص: 293

واللّه تعالى يغضب لأوليائه، فلا يظهرها لهم، لئلّا يحصل منهم الإنكار، فيخرجوا عن ربقة الإيمان، فالآية الشريفة تحذير لمن لم يكن له الاستعداد والقابلية عن كثرة السؤال عن أسرار الغيب، فلابدّ من التسليم والتحمّل في التهذيب حتّى ينكشف لهم ما يريدونه، وبعد حصول الاستعداد لنزول الفيض، فليكن السؤال حينه كما في قوله تعالى : «وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ» تظهر لكم بواسطته، كما أنّ الآية الشريفة ترشد المؤمنين إلى صحبة الكمّل من أهل الإيمان، ومن یر شدهم إلى ما يليق بهم ويبيّن لهم ما يوجب الانحطاط والمزلّة ليتركوه، وقد أهتمّ العلماء بهذا الأمر وجعلوه أصلاً أصيلاً في الولوج في هذا الطريق، وهو حقّ لا ريب فيه، واعتبروه شرطاً في من يتصدّى له، وقد ورد في بعض الأحاديث في بيان صفات العلماء : «أنّه الذي يذكّركم الآخرة برؤيته».

هذه هى بعض الإشارات التي تضمّنتها الآية الكريمة، لمن كان له قلبٌ أو ألقى السَّمع وهو شهيد.

***

بحث علمي : في شأن السؤال وأهمّيته في النظام

بحث علمي:

الآية الشريفة تتضمّن أمراً هامّاً من الأُمور التي ترتبط بحياة الإنسان من جوانب متعدّدة، فهو يعتبر من روافد المعرفة، وشاهد صدق على ذكاء الإنسان، ولا سيّما في المراحل الأولى من عمر الطفل، إلّا وهو السؤال المبحوث عنه في علميّ النفس والاجتماع.

وقد أهتمّ العلماء بشأنه ودرسوه وتعمّقوا فيه، وجعلوا له أحكاماً وقواعد، وهو يكون ذا وجهين، فإنّ وجّه في ما فيه فائدة وخير الإنسان كان مفيداً، وإن خرج عن الطريق المألوف أصبح مضرّاً لا يتوخّى منه الخير، ولا نريد أن ندخل في تفاصيل ما ذكره علماء النفس والاجتماع في هذا المضمار، بل نبحث عنه ممّا

ص: 294

ورد في القرآن الكريم، الذي ذكر فيه مادة السؤال في ما يقرب من مائة وعشرين موضعاً تشمل جميع ما يمكن أن يتصوّر في هذا الأمر الهامّ الذي يعمّ جميع الموجودات، قال تعالى :

«يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ»(1).

ويدخل في جميع العوالم، ففى عالم الذرّ يكون السؤال من ربّ العزّة : «أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ»، ويكون الجواب من بني آدم : «قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا»(2).

ولعلّ الخطاب من الطرفين يكون من الشهود، كما هو ظاهر الآية من دون لفظ، فلا تدلّ الآية على أنه كان سؤال. وأمّا فى عالم الآخرة فقد دلّت الآيات الكثيرة على وقوعه فيه من اللّه العليّ الكبير، قال عزّوجلّ : «فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ»(3)، قال تعالى : «وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ»(4).

ومن الناس بعضهم عن بعض، قال تعالى : «وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ»(5).

وقال تعالى : «فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنْ الْمُجْرِمِينَ»(6).

وعن الملائكة قال تعالى : «كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ»(7).

ص: 295


1- سورة الرحمن، الآية 29.
2- سورة الأعراف، الآية : 172.
3- سورة الحجر، الآية : 92.
4- سورة الصافات، الآية : 24.
5- سورة الطور. الآية : 25.
6- سورة المدثر، الآية : 40 - 41.
7- سورة الملك، الآية : 8.

ويستفاد من الآيات والروايات أنّ في الآخرة مواطن قد يقع الكلام والسؤال فيها، كما عرفت.

وهناك مواطن أُخرى لا يمكن أن يقع فيها السؤال، قال تعالى : «فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يومئذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ»(1)، وقال تعالى : «فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمْ الْأَنْبَاءُ يومئذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ»(2)، ولعظم الأمر يومئذٍ وهول المطلع، فإنّ الكلام بين الناس إذا صدر منهم إنّما يكون بالسؤال عن الأحوال والأهوال، وليس هناك كلام آخر، ولذا خصّه سبحانه بالذكر، بل تدلّ الآيات أنّ المسؤول فى يوم القيامة، إنّما هو عن الأعمال وما صدر من الإنسان في دار الدُّنيا، ليترتب عليها الجزاء، قال تعالى : «وَلَيَسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ»(3)، وقال تعالى : «قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ»(4)، وقال تعالى : «وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ الْمُجْرِمُونَ»(5).

وقال تعالى : «فَيومئذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إنسٌ وَلَا جَان»(6).

وأمّا فى عالم الدُّنيا، فأكثر الكلام فيه إنّما هو يقع في ضمن السؤال، وهو من الأُمور التي لها ارتباط بأطراف معيّنة، فلابدّ من السائل والمسؤول، والمضمون المراد إلى المسؤول عنه، والآية التي تقدّم تفسيرها تشتمل على هذه الأُمور الثلاثة وحدّدتها بوضوح، فاعتبر أن يكون السائل على قدر من المعرفة

ص: 296


1- سورة المؤمنون، الآية : 101.
2- سورة القصص، الآية : 66.
3- سورة العنكبوت، الآية : 13.
4- سورة سبأ، الآية : 25.
5- سورة القصص، الآية : 78.
6- سورة الرحمن، الآية : 39.

ليتحدّد السؤال، فلا يسأل عما يوجب وقوعه في المساءة، قال تعالى : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ»، فإنّ الخطاب للمؤمنين إنّما هو لأجل حصول الأهليّة لهم بالدخول في الإيمان، فلا يصحّ أن يسألوا ما لم يكن لهم علمٌ به، كما قال تعالى في نوح (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «فَلَا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ»(1)، وقضية موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع العالِم معروفة، فإنّه اشترط عليه أن لا يسأل إلّا بعد حصول الذكر والمعرفة، فقال تعالى حاكياً عنه : «قَالَ فَإِنْ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً»(2).

فالمستفاد من الآيات الكريمة أنّ سؤال الجاهل من جميع الجهات مذموم، وقد يستلزم عواقب سيئة، فلابدّ أن يكون هناك نوع معرفة ليصح السؤال عن المزيد النافع، ومن هنا يعرف وجه التقييد في قوله تعالى : «سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِع لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِع»(3)، فإنّ السائل فيه عالم قد تمت عنده المعرفة، فوقع منه هذا السؤال الذي أوقعه في العذاب، وظهر ما في نفسه من النفاق.

كما أنّه يشترط في السؤال أن يكون محدّداً مبيناً ليس فيه غموض، ليمكن الجواب عنه، ويستفيد السائل منه، وهذا هو المستفاد من الآيات التي ورد فيها السؤال عن الأُمور الشرعية وغيرها، وهي كثيرة قال تعالى : «يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ»(4)، وقال تعالى : «يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ»(5)، وقال تعالى : «يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا»(6) إلى غير ذلك.

ص: 297


1- سورة هود، الآية : 46.
2- سورة الكهف، الآية : 70.
3- سورة المعارج، الآية : 1 - 2.
4- سورة البقرة، الآية : 189.
5- سورة البقرة، الآية : 219.
6- سورة الأعراف الآية : 187.

ثمّ إنّ السؤال قد يكون من المساوي في الرتبة، وقد يكون من العالى، وقد يكون من الداني، والكلّ واقع في القرآن الكريم - فراجع - وليست له صيغة معينة، فربّما يكون في ضمن إحدى هيئات هذه المادّة، وهو السؤال، وربّما يكون بالأداة كحروف الاستفهام وأدواته.

وأمّا المسؤول، فلابدّ أن يكون عالماً ومحيطاً بمورد السؤال وخصوصيّاته، ليمكن له رفع كلّ شبهة والتباس، وقد حدّد القرآن الكريم المسؤل بأهل الذكر الذين لهم الإحاطة الكاملة والتنبّه التامّ بالخصوصيات، قال تعالى : «فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ»(1)، ولذا ورد في تفسير هذه الآية بأن المراد من أهل الذكر هم الأئمّة المعصومون سلام اللّه عليهم أجمعين الذين هم عِدْل القرآن، وعيبة علم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ )، ويدلّ على ما ذكرنا تلك الآيات الكريمة التي تخصّ السؤال بالرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ )، بقوله تعالى : «يَسْتَلُونَكَ» وهي كثيرة :

وقوله تعالى : «فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُوراً»(2).

وقوله تعالى : «ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً»(3)، حيث قيّد المسؤول بأنّه خبير مطلع على جميع الأُمور - الجلى منها والخفى - أو بعضها.

ثمّ إنّ السؤال لابدّ أن يكون شخصاً خارجياً فيه الشروط المطلوبة. وقد يطلق مجازاً على غير ذوي العقول لغرض بلاغىّ، فلابدّ من التأويل، حينئذٍ كما في قوله تعالى حكاية عن إخوة يوسف (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ الَّتِى كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ

ص: 298


1- سورة النحل، الآية : 43.
2- سورة الاسراء، الآية : 101.
3- سورة الفرقان، الآية : 59.

الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا»(1).

وقال تعالى : «قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ»(2)، والمراد بهم الأصنام التي كانوا يعبدونها التي كسرها إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ) سوى الكبير منها. واعتبار كون المسؤل عالماً عارفاً بحقائق الأُمور، ممّا تدلّ عليه الأدلّة العقليّة أيضاً، كما عرفت.

وأمّا ما يرتبط بالمضمون، فلا فرق فيه بين أن يكون حكماً شرعيّاً أو موضوعاً خارجيّاً؛ لعموم قوله تعالى : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ»، كما عرفت في التفسير.

والآيات الكثيرة التي تحكي سؤال الناس عن الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ )، التي تشتمل على كليهما، منها قوله تعالى : «وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَع»(3).

ومنها قوله تعالى : «يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ»(4).

ومنها قوله تعالى: «وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً»(5).

وقوله تعالى : يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا»(6).

وقوله تعالى: «يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَاب أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِنَ السَّمَاءِ»(7).

وقوله تعالى : «وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذى»(8).

ص: 299


1- سورة يوسف، الآية : 82.
2- سورة الأنبياء، الآية : 63.
3- سورة البقرة، الآية : 189.
4- سورة البقرة الآية : 189.
5- سورة طه الآية : 42.
6- سورة النازعات، الآية : 42.
7- سورة النساء، الآية : 153.
8- سورة البقرة، الآية : 222.

والمستفاد من الجميع أنّه لا بدّ أن يكون أمراً راجحاً فيه النفع للسائل وغيره في الحال أو المآل، بلا فرق بين أن يكون ماديّاً أو معنويّاً، وأمّا غيره فالسؤال فيه مذمومٌ، بل قد يوقع السائل في المشقّة والعنت، بل قد يخرجه عن ربقة أهل الإيمان كما دلّ عليه قوله تعالى : «لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ - إلى قوله تعالى - قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ».

وقد حكى عزّوجلّ عن قوم موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) سؤالهم منه رؤية اللّه تعالى، فقال عزّوجلّ : «فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرنَا اللّه جَهْرَةً»(1)، ولذا ورد النهي عن الأسئلة التي تتعلّق بأفعال اللّه تعالى، قال سبحانه : «لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ»(2).

وأعظم سؤال وقع في القرآن الكريم، هو الذي كان عن الوحدانيّة. قال تعالى: «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللّه»(3) وغيره من الآيات التي وقع السؤال فيها عن الوحدانيّة.

كما أنّ أعظم مسئول عنه وقع فيه ما قاله عزّ وجلّ : «وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي»(4).

وقد ورد في القرآن الكريم بعض الآداب منها ما يتعلّق بالسؤال عن النساء. فقال عزّ وجلّ : «وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ»(5)، لأنّه آكد في العفاف، وحفظ الطرفين من الوقوع في الفتنة.

ص: 300


1- سورة النساء، الآية : 153.
2- سورة الأنبياء، الآية : 23.
3- سورة الزمر، الآية : 38.
4- سورة البقرة، الآية : 186.
5- سورة الاحزاب، الآية : 53.

ومنها: مراعاة الأدب مع المسؤل عنه، بحيث لا يسأل منه إلّا بعد الإذن، قال تعالى حكاية عن العالم : «قَالَ فَإِنْ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً»(1).

ومنها عدم الإلحاف في السؤال، قال تعالى : «لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً»(2). هذا بعض ما ورد في القرآن الكريم في هذا الأمر المهم، وأمّا السنة المباركة فقد بيّنت كثيراً من الأُمور، فراجع كتب الأخبار.

***

ص: 301


1- سورة الكهف، الآية : 70.
2- سورة البقرة، الآية : 273.

سورة المائدة الآية 103 - 104

إشارة:

الآية 103 - 104

«ومَا جَعَلَ اللّه مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللّه الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (103) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللّه وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلَا يَهْتَدُونَ (104)».

بيان لضلال أهل الجاهليّة بذكر بعض مظاهر الاعتداء على حرمات اللّه تعالى، والافتراء عليه بالكذب، من دون أن يعقلوا أن ما يصدر عنهم إنّما هو افتراء على اللّه عزّ وجلّ، حيث حرّموا على أنفسهم أُموراً، وشرّعوا أحكاماً بغير إذن من ربّهم، فأعقب ذلك وبالاً عليهم بأن حرموا أنفسهم من الكمال والخير الجسيم، ثمّ اتّبعوا آباءهم في ذلك، وقلّدوهم على جهلهم، وعدم اهتداءهم، مع علمهم بأنّ ذلك لا ينفعهم، فأغلقوا على أنفسهم أبواب الكمال في تركهم اتباع اللّه والرسول، و عرفت في ما سبق وجه الارتباط بين الآيات، وإن كان ما ورد في هذه الآيات تطبيقاً لما تقدّم من تحريم ما أحلّه اللّه، والاعتداء عليه في سلطانه، لأنّه تحريم عن اقتراح نفساني. وأمّا عن التابعين فالصادر منهم عن جهل وعدم تعقّل منهم.

***

ص: 302

تفسير الألفاظ الواردة في الآيات وبيان العادة الجاهلية فيها

التفسير

قوله تعالى : «مَا جَعَلَ اللّه مِنْ بَحِيرَةٍ».

بيان لبعض أنواع المحرّمات في الجاهلية من الأنعام التي لم يشرّعها اللّه عزّوجلّ، وهي أربعة، وقد نعتوها بأربعة نعوت، وقد اختلف العلماء في تفسيرها ومعانيها، بل تشخيص بعض خصوصياتها، إلّا أنّ المستفاد من الآية الكريمة أنّها من التحريرات التي تخرج عن الملك لغرض ما، وهذه الأنعام ثلاثة منها من الإبل كالبحيرة والسائبة والحامي، وواحدة من الغنم وهي الوصيلة.

والبحيرة: مأخوذة من مادّة (بحر) بمعنى السعة، مأخوذة من المكان الواسع الجامع للماء الكثير، فهي فعيلة بمعنى المفعولة من البحر الشقّ الواسع، والتاء للنقل إلى الاسميّة، أو لحذف الموصوف، قيل : هي الناقة إذا انتجت خمسة أبطن نظروا في الخامس، فإن كان ذكراً ذبحوه وأكلوه جميعاً الرجال والنساء، وإن كانت انثى شقّوا أُذنها، فلا يُجزّ لها وبراً، ولا يُذكر عليها اسم اللّه إن ذكّيت، ولا حمل عليها، وحُرّم على النساء أن يذقن من لبنها شيئاً، ولا أن ينتفعن بها، وكان لبنها ومنافعها للرجال خاصّة دون النساء، حتّى تموت فتشترك الرجال والنساء في أكلها. ونسب ذلك إلى ابن عبّاس، وقيل غير ذلك

قوله تعالى : «وَلا سَائِبَةٍ».

وهي التي تسيب لآلهتهم بنذرٍ أو نحوه، فهي كالبحيرة في أنّها ترعى حيث شاءت، ولا ينتفع بها ولا يحلب لبنها إلّا لضيف، مأخوذة من ساب الماء إذا جرى، وعلى هذا تكون فاعلة من سيبته إذا تركته فهو سائب وسائبة.

وقيل : إنّها التي تسيب للأصنام التي تعتق لها، فإنّ الرجل إذا قضيت حاجته سيب من ماله ناقة أو غيرها لأوثانهم وطواغيتهم، فيطعمون من لبنها أبناء السبيل

ص: 303

ونحو ذلك. عن ابن عبّاس و ابن مسعود.

وقيل : هى الناقة تبطن عشرة أبطن إناث، فتهمل ولا تركب ولا يجزّ وبرها، ولا يشرب لبنها إلّا لضيف. عن محمد بن إسحاق، وقيل غير ذلك.

قوله تعالى : «وَلَا وَصِيلَةٍ».

وهي في الغنم، الشاة التي وصلت أنثى بأنثى في النتاج، وقيل : هي التي وصلت أخاها.

قال الراغب : وهو أنّ أحدهم كان إذا ولدت له شاته ذكراً أو أنثى، قالوا : وصلت أخاها، فلا يذبحون أخاها من أجلها.

وقيل : هي الشاة إذا ولدت سبعة أبطن، فإن كان السابع جَدْياً ذبحوه لإلهتهم ولحمه للرجال دون النساء، وإن كان عناقاً استحيوها وكانت من عرض الغنم، وإن ولدت في البطن السابع جَدْياً وعناقاً قالوا: إنّ الأُخت وصلت أخاها، واستحيوهما، وقالوا : وصلته أُخته فحرّمته علينا، عن ابن عبّاس.

قوله تعالى : «وَلَا حَامٍ».

من الحمى، بمعنى المنع اسم فاعل، واختلف فيه أيضاً، فقيل : هو فحل الضراب، أي التلقيح. وفي «المجمع» : هو الذكر من الإبل كانت العرب إذا انتجت من صلب الفحل عشرة أبطن، قالوا : قد حمى ظهره، فلا يحمل عليه أو لا يمنع من ماء ولا من مرعى، عن ابن عبّاس وابن مسعود، وقيل غير ذلك.

وقد عرفت أنّهم وإن اختلفوا في تفسير هذه الألفاظ، لكنّها تشترك في جهة واحدة، وهي أنّ الأنعام التي نعتت بهذه النعوت الاربعة، إنّما هي من التحريرات لا تدخل فى ملك أحد، والآية الكريمة ردُّ وإبطال لما ابتدعوه أهل الجاهلية، وتنكر مجىء جعل وتشريع من اللّه تعالى فيها، فيكون (جعل) هنا

ص: 304

بمعنى شرع، ولذا عدّي إلى مفعول واحد.

و (من) لتأكيد النفي، وسيأتي في سورة الأنعام ما يتعلّق بذلك أيضاً.

قوله تعالى : «وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللّه الْكَذِبَ».

تأكيد لعدم وجود تشريع من اللّه عزّوجلّ فى تلك الأُمور، وأنّها محض افتراء على اللّه وكذب منهم عليه، فلا يخطر ببال أحد أنّه منسوب إليه عزّوجلّ بوجه من الوجوه، مباشرة أو على نحو التسبيب ومحض المشيئة والرضا. والتعبير بالكذب، لأجل نفي كلّ احتمال ووهم في نسبة الجعل إلى اللّه تعالى.

قوله تعالى : «وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ».

بيان لقصور عقولهم عن الاهتداء بأنفسهم، فإنّما هم مقلّدون لأسلافهم الذين عرفوا الحقّ وتمرّدوا عليه عناداً ولجاجاً. وأمّا خلافهم فاتّبعوه وهم لا يعقلون، أنّما يفعلونه فاسد وأنّهم على باطل، حيث ينسبون إلى اللّه تعالى ما لم يقله كذباً وافتراء عليه. ومن ذلك تعرف الوجه فى وصف الكثرة بعدم التعقّل وبذلك حرّموا عن أنفسهم الخير والولوج في الكمال.

قوله تعالى : «وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللّه وَإِلَى الرَّسُولِ».

بعد بيان كذبهم وعدم تعقلهم لما يصدر منهم من الأفعال، وإثبات الجهل لهم، يدعوهم عزّوجلّ في هذه الآية الكريمة إلى الصدق المبرئ من كلّ مرية وكذب، والعلم الخالي عن شائبة الجهل، وهي الدعوة إلى ما أنزله اللّه وإلى الرسول التي هي الدعوة إلى الحقّ الجامع لكلّ كمال متحقّق، فإذا قيل لهؤلاء - الذين وصفهم اللّه بالافتراء والجهل على سبيل الهداية والإرشاد إلى الصواب - : تعالوا إلى الحقّ المتمثل بما أنزله اللّه والرسول، أعرضوا عنه ودفعوه بالتقليد،

ص: 305

وإنّما دعاهم إلى ما أنزله اللّه، لأنّه الجامع لكلّ خير متحقّق، والشامل لكلّ كمال يوجب السعادة والفلاح. وأمّا الدعوة إلى الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) فلأنّه مظهر الكمال، ومرشد الأنام، ومبيّن الأحكام، فإذا أريد الخير فلا يعدوهما، وإذا أريد الكمال فلا يتخطاهما، فلا فائدة حينئذٍ في جهلهم ومبتدعاتهم ولا تقليد أسلافهم. ولعلّ ذكر ما أنزله اللّه والرسول لبيان خطأ الأمرين، المبتدعات التي عندهم، والتقليد المبنيّ على الجهل وعدم الاهتداء في بعض الموارد، كرجوع العالم إلى مثله بترك ما يستغلّ بعمله من نفسه والأخذ برأي غيره، وكذا يذمّ رجوع الجاهل إلى مثله الذي يكون المقام منه، كما يدلّ على قوله تعالى الآتي.

والآية تدلّ على كمال غيّهم وضلالهم وعنادهم للحقّ، واستعصائهم على الهادي إليه، وانقيادهم للداعي إلى الضلال.

بطلان التقليد الذي دعت إليه الجاهلية

قوله تعالى : «قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلَا يَهْتَدُونَ».

تعجيب من حالهم، وردّ منه عزّوجلّ على مقالتهم، لبيان أنّ تقليدهم لآبائهم إنّما هو من التقليد الباطل المذموم عقلاً، فإنّه من رجوع الجاهل إلى الجاهل -كما عرفت آنفاً - فإن في مثله لا يبيح العقلُ الجاهلَ بالرجوع إلى من لا علم له ولا اهتداء، والجمع بين عدم العلم وعدم الاهتداء لبيان أنّ الآباء مضافاً إلى جهلهم غير قادرين على الاهتداء بأنفسهم، والسلوك في طريق يفضى إلى الحقّ أبداً، فكيف يصلحون لأن يُقتدى بهم غيرهم؟!

ومن ذلك يستفاد أن ذكر عدم الاهتداء، لسدّ باب كلّ شبهة تقال من قبل الأبناء في أنّ آباءهم قد يرجعون إلى غيرهم ممّن لهم علم ودراية، فهم بالآخرة وإن كانوا جاهلين، إلّا أنّهم مهتدون بهدي غيرهم، فقد أبطل عزّوجلّ هذا

ص: 306

الاحتمال وبيان عدم هدايتهم واهتدائهم إلى الصواب، والالتفات بالخطاب إلى غيرهم في هذه الآية، لعدم أهليتهم للخطاب، فإنّهم بين معاند للحق مستكبر عليه، أو جاهل لا يعقل شيئاً، فهم بمعزل من الأهلية للتخاطب معهم، وإلقاء الحجّة عليهم، فسيق الخطاب فى هذه الآية إلى غيرهم وألقيت الحجّة إليه، فقال : «أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلَا يَهْتَدُونَ».

وهذه الآية ممّا تدلّ على عدم بطلان أصل التقليد، الذي هو أمرٌ فطري، بل الباطل منه ما لم يستجمع الشروط المطلوبة المذكورة في كتب الفقه والكلام، وقد تقدّم في نظيرتها : «وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّه قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلَا يَهْتَدُونَ»(1) بعض الكلام في الفرق بين الاثنين، والبحث عن التقلید، فراجع.

***

ص: 307


1- سورة البقرة، الآية : 170.

بحوث المقام

بحث أدبي : وفيه بعض الوجوه فى اعراب مفردات الآية الكريمة

بحث أدبي :

ذكرنا ما يتعلّق بالكلمات الواردة في هذه الآية معنى وهيئة، فهي إمّا فعليّة بمعنى المفعول، كالبحيرة والوصيلة على قول، أو بمعنى الفاعل كالسائبة والحام. و (جعل) بمعنى شُرّع، ولذلك عدّي إلى واحد، ولا يعقل الجعل التكوينيّ في المقام.

وقيل : إنّه بمعنى صيّر، والمفعول الثانى محذوف، وتقديره : مشروعة.

ولكنّه تبعيد للمسافة. وقد ذكر بعض أهل اللّغة أنّ جعل يأتى بمعنى شرّع، فراجع.

وتكرار النفي للتأكيد، وقد ذكروا أنّ (من) زائدة. وهو باطل، كما عرفت من أنّه لا زيادة في القرآن الكريم، وأنّ لكلّ كلمة وحرف معنى خاصاً، بل هي لتأكيد النفي.

والهمزة في قوله تعالى : «أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلَا يَهْتَدُونَ»للتعجّب، وأصلها همزة الاستفهام.

واختلفوا في الواو التي بعدها، فقيل : إنّها للحال وقد دخلت عليها همزة الإنكار، والتقدير : أحسبهم ذلك ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً.

وأشكلوا عليه بأنه يحتاج إلى توجيه ذلك إلى نظر دقيق.

وقيل : إنّها للعطف على الجملة الأُولى حذفت للدلالة عليها، وهو حذف مطرد في هذا الباب، كما يقال : أحسن إلى زيد ولو أساء إليك.

ولكن يمكن أن يقال : إنّ الواو عاطفة على كلّ حال، فمن حيث هذا العطف

ص: 308

صحّ أن يقال : هي عاطفة، ومن حيث إنّ العطف على الحال صحّ أن يقال : إنّها واو الحال، فالتقدير حينئذٍ : أحسبهم أتباع ما وجدوا عليه آباءهم على كلّ حال، ولو كان في الحالة التي ينتفي عن آبائهم العلم والهداية، فإنّها حالة ينبغي أن لا تتبع فيها الآباء.

وكيف كان، فالمعنى واضح.

***

بحث دلالي: وفيه ما يستفاد من الآية الشريفة

بحث دلالي:

تدلّ الآيات الشريفة على أُمور :

الأوّل : يدلّ قوله تعالى : «مَا جَعَلَ اللّه» على أنّ تسمية الأنعام بالنعوت التي ذكرها عزّوجلّ - حكايةً عنهم - هي محض افتراءٍ وكذب، لم تنتسب إلى اللّه لا خلقاً ولا تشريعاً، فهى منسوبة إليهم ممّا لم ينزل بها اللّه من سلطان، فنفى الجعل عنها، الذي فيه شوب الخلق والتكوين لشدّة الاهتمام والتأكيد، فلم يجعل تلك ولم يخلقها كذلك، بل هى أنعام خلقها عزّ وجلّ نعمة على عبادة ورفقاً بهم ومنفعةً بالغة، ولكنّ أهل الجاهلية قطعوا طريق الانتفاع بها وأذهبوا نعمة اللّه فيها.

ومن ذلك يعلم أنّه لا اختصاص بتلك الأنعام، بل يجري في كل نعمةٍ خلقها اللّه تعالى، رفقاً بعباده ونعمةً عليهم، إذ المناط كلّه على قطع تلك النعمة عن طريقها المألوف في الانتفاع بها، وإذهاب نعمة اللّه فيها، فتجري في ما يجري في هذه في كثير من النعم التي أنعمها اللّه عزّوجلّ، وعدّدها على عباده، وأهل الجهل والعناد حرّفوها إلى غير ما جعلها اللّه في الانتفاع بها، إذ العبرة بالمناط دون الأسماء.

الثاني : يستفاد من قوله تعالى : «مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ» أنّ هذه الأنعام - أو بالأحرى هذه الأسماء - هي نوع من التحريرات في الجاهليّة، ولمّا لم تكن منسوبة إلى شرع اللّه بوجه من الوجوه، كما يستفاد من لفظ (الجعل)

ص: 309

و تكرار النفي، ودخول (من)، ونسبتها إلى الذين كفروا الذين يفترون على اللّه الكذب، كانت باطلة ومن مبتدعات أهل الجاهليّة، وقد شرّع اللّه تعالى في الوقوف والتحرير أحكاماً وشروطاً وآداباً يجب مراعاتها فيها، وإلّا كانت باطلة.

الثالث : يدلّ قوله تعالى : «وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللّه الْكَذِبَ» على أنّ تلك الأسماء قد نسبها بعضهم إلى اللّه بوجه من الوجوه، ولكن نسبة مكذوبة، وهم يفترون على اللّه الكذب فى هذه النسبة. وتكرار الافتراء كافٍ في كون المنسوب كذباً، إلّا أنّه للتأكيد ودفع كلّما يتوهّم من هذه الجهة.

الرابع : يدلّ قوله تعالى : «وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ» على أن كثيراً من الأفعال التي تصدر عن الخلق إنّما تكون عن عدم تعقّل منهم لما يصدر، إمّا لجهل مطبق عندهم، أو لأجل تقليد السلف واحترامهم بل عبادتهم، فلا يبحثون عن سبب تلك الأفعال وخصوصياتها، وإنّما تلقّوها عنهم مع غضّ النظر عن مشروعيتها.

ويستفاد منه أهمّية النظر في الأفعال التي وصلت إلى الآباء؛ لئلّا تصدر بغير فهم وتعقّل ويوصف مرتكبوها به.

الخامس : أنما ذكر عزّوجلّ : «تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللّه وَإِلَى الرَّسُولِ» لبيان أن الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) له حقّ التشريع، وقد فوّض إليه ذلك، كما أنّه الشارع والمبيّن لحدود ما أنزل اللّه عزّوجلّ، وأنّ وجوده الشريف قاطعٌ لكلّ شبهة وإجمال، ولا يحقّ لأحد الرجوع إلى غيره، فيبطل التقليد للآباء والاعتماد على الرؤساء حينئذٍ.

السادس : يدلّ قوله تعالى : «أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلَا يَهْتَدُونَ» أنّ التقليد الصحيح ما كان راجعاً إلى شخص أو جماعة، لهم حظّ من العلم، وفيهم القابلية للإهتداء، والرجوع إلى الحقّ والعمل به، وفى غير ذلك يكون باطلاً، فإنّ الجاهل الضالّ، لا يصلح أن يكون إماماً يقتدى بأقواله وأفعاله، فهذا بعيد عن جادّة الصواب، وأمر يستبعده العقل ويستنكره العقلاء.

***

ص: 310

بحث روائي : وفيه الروايات التي وردت في تفسير الآية وشأن نزولها

بحث روائي:

في «معاني الأخبار» : بإسناده إلى محمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قول اللّه عزّ وجلّ : «مَا جَعَلَ اللّه مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ»، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «إنّ أهل الجاهليّة كانوا إذا ولدت النافة ولدين في بطن واحد قالوا : وصلت، فلا يستحلّون ذبحها وأكلها، وإذا ولدت عشرة جعلوها سائبة ولا يستحلّون ظهرها ولا أكلها، والحام فحل الإبل لم يكونوا يستحلّونه، فأنزل اللّه عزّوجلّ : أنّه لم یكن يحرم شيء في ذلك».

وفي «تفسير البرهان» : عن ابن بابويه في ذيل الرواية المتقدّمة، أنّه قال : وروي أنّ البحيرة : الناقة إذا انتجت خمسة أبطن، وإن كان الخامس ذكراً نحروه فأكلوه الرجال والنساء، وإن كان الخامس أُنثى بحروا أُذنها - أي شقّوها - وكانت حراماً على النساء لحمها ولبنها، فإذا ماتت حلّت للنساء.

والسائبة : البعير يسيب بنذر، يكون على الرجل إنّ سلّمه اللّه من مرض أو بلغه منزلة أن يفعل ذلك.

والوصيلةُ : من الغنم، كانوا إذا ولدت شاة سبعة أبطن، وكان السابع ذكراً ذبح وأكل منه الرجال والنساء، وإن كانت أُنثى تركت في الغنم، وإن كان ذكراً وأُنثى قالوا : وصلت أخاها، فلا تذبح ويكون لحمها حراماً على النساء، إلّا أن يموت منها شيء فيحلّ أكلها للرجال والنساء.

والحام : الفحل إذا ركب ولده ولده قالوا : قد حمى ظهره.

قال ابن بابويه : وقد يروى أنّ الحام هو من الإبل إذا انتج عشرة أبطن، قالوا : قد حمى ظهره، فلا يركب ولا يمنع من كلاً ولا ماء.

أقول : قد عرفت الاختلاف في تفسير هذه الكلمات، ولكنّها تشترك في جهة واحدة، وهي كونها من التحريرات في الجاهليّة، وأنّها تحمي ظهرها ويحرم

ص: 311

ذبحها وأكل لحمها ولا تمنع من كلأ ولا ماء، وقد نقلت روايات أُخرى من الخاصّة والجمهور في معانى تلك الكلمات، ولا يضرّ بعد معلوميّة الحكم فيها سواء في الجاهليّة أم في الإسلام الذي لم يحرم شيئاً فيها، ولم ينزل فيه تشريع إلهيّ، سوى أنّها من الأنعام التي خلقها اللّه لنفع الإنسان واستفادته منها كما عرفت آنفاً، فراجع.

وفي «الدّر المنثور» : أخرج عبدالرزاق وغيره، عن زيد بن أسلم قال : قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) : « إنِّي لأعرف أوّل مَن سيّب السوائب ونصب النصب، وأوّل مَن غيّر دين إبراهيم، قالوا : مَن هو يا رسول اللّه ؟ قال ْ : عمرو بن لحي أخو بني كعب، لقد رأيته يجر قصبته في النار يؤذي أهل النار ريح قصبته، وإنّي لأعرف من نحر النحائر، قالوا : ومَن هو يا رسول اللّه ؟ قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) : رجلٌ من بني مدلج، كانت له ناقتان فجذع أُذانهما وحرّم ألبانهما وظهورهما، وقال : هاتان اللّه، ثم احتاج إليهم فشرب ألبانهما وركب ظهريهما، قال : فلقد رأيته في النار يقضمانه بأفواههما ويطئانه بأخفافهما».

في «المجمع» - عن ابن عبّاس- : روى ابن عبّاس عن النبيّ : أنّ عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف كان قد ملك مكّة، وكان أوّل مَن غيّر دين إسماعيل، واتّخذ الأصنام، ونصب الأوثان، وبحَّر البحيرة، وسيّب السائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي. قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) : « فلقد رأيته في النار ريح قصبه»، ويروى : «يجرّ قصبه في النار».

أقول : روي قريب منه في «الدّر المنثور» أيضاً عن جماعة، وكلّها تدلّ على أنّ تلك الأفعال إنّما صدرت من شخص واحد ثمّ قلّده مَن بعده، وكانت خلاف ما أنزله اللّه تعالى.

وفيه أيضاً : عن أبي الأحوص عن أبيه، قال : «أتيتُ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) في خلقان من الثياب، فقال لى : هل لك من مال ؟ قلت : نعم، قال : من أيّ مال؟ قلت :

ص: 312

من كلّ المال، من الإبل والغنم والخيل والرقيق، قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) : فإذا آتاك اللّه فلير عليك. ثمّ قال : تنتج إبلك رافية آذآنها قلت : نعم، وهل تنتج الإبل إلّا كذلك ؟ قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) : فلعلك تأخذ موسى فتقطع آذان طائفة منها، وتقول : هذه بحر، وتشقّ آذان طائفة منها، وتقول : هذه الصرم، فقلت : نعم، قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) : فلا تفعل، إنّ كلّ ما آتاك اللّه لك حلّ، ثم قال : «ومَا جَعَلَ اللّه مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ» - الحديث».

أقول : يستفاد من الحديث أُمور :

الأول : كراهة إظهار المرء نفسه مظهر الفقير، إذا كان اللّه تعالى قد أنعم عليه، فإنّ اللّه يحبّ أن يرى أثر نعمه على عبده، وتدلّ على ذلك عدة روايات.

الثاني : أنّ شق آذان الأنعام وقطعها عادة جاهليّة كانت متفشّية عندهم.

الثالث : وقوع التحرير وعندهم بمثل هذه،بحر، وهذه الصرم ونحو ذلك. فكانت هذه صيغة الوقف والتحرير عندهم.

الرابع : كراهة فعل ذلك أو حرمته إن أراد منه التحرير ؛ لأنّه خلاف حكم اللّه تعالى الذي يدلّ على حلّيّة كلّ الأنعام.

في «تفسير العيّاشي»: عن عمّار بن أبي الأحوص، قال: «سألت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن السائبة ؟ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : انظر في القرآن فما كان منه فتحرير رقبة، فقال : يا عمّار السائبة التى لا ولاء لأحد من الناس عليها إلّا اللّه، وما كان ولاؤه اللّه فهو لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ )، وما كان ولاؤُهُ لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) فإنّ ولاؤه للإمام وميراثه له».

أقول : يدلّ الحديث على نفى السائبة في الإسلام، فإذا كانت في العبيد فلابدّ وأن تكون تحرير رقبة، ولا ترفع اليد عن العبد من دون تحرير. نعم إذا مات عبد ولم يكن له وارث أو ولاء فإنّ ولاءه اللّه والرسول، ثمّ الإمام الذي هو وارث مَن لا وارث له.

***

ص: 313

بحث عرفاني : وفيه بيان أن بعض العادات يوجب طمس نور الفطرة وهبط منزلة الإنسان

بحث عرفاني:

الآيةُ الشريفةُ تحكى عن عادة جاهليّة، فيها نوع من التصرف في سلطان اللّه عزّوجلّ وإرادته التشريعيّة، وقد جمعت تلك العادات الذميمة بين الحماقة والجهل، وعدم الاهتداء والاعتماد على هدي صحيح، ليسترشد الإنسان به في جميع أعماله وتصرّفاته، وقد وصف عزّوجلّ القوم الذين كانوا يفعلون تلك الأُمور بأوصاف تدلّ على هبوط منزلتهم، فهم أُسراء بين الجهل، وعدم التعقل لما هم فيه وما تتطلّبه إنسانيتهم، والتقليد المميت لفطرتهم، والمموّه لعقولهم، فصاروا كالأنعام لا يدكون ما يفعلون فى أمثالهم، فطوراً يسيبونها تائهة، وأُخرى يجعلونها وصيلة، وثالثة تكون حامية، ورابعة تكون بحيرة، وهذه كلّها صفات ذميمة ترجع إلى تقييد النفس التي شرّفها اللّه بكرامته، وحباها من عظيم لطفه، فاذا جعلت النفس إلى أدنى مستوى لها في الكمال، بحيث لا تسمع إلّا المخالفات بشقّ آذنها لها، سابت في مراتع الشهوات، من دون أن ترى عليها رقيباً، وسرحت في الالتذاذ بالمخالفات، وركنت إلى الدُّنيا، فقطعت كلّ آمالها عن الكمالات، وتمنّت المزيد من المعاصي والآثام، ووصلت بعضها ببعض، فسوّفت التوبة والاستغفار والتهيّؤ للاستكمال، فلا يكون لها حام يحميها من المزال، فوسوس لها الشيطان وألقى الشبهة بأنّه لا معنى للمجاهدات، والعمل بالشريعة الغرّاء، واعتمدت على التقليد فلا اهتد والعدم تعقّلهم، ولا اعتمدوا على ركن وثيق، فإن كانت هذه عادة جاهليّة واحدة كانت في الأنعام، وقد أثّرت في النفس التى أراد لها اللّه عزّوجلّ الكمال والوصول إلى مقام الأُنس، فما بالك في سائر العادات المهلكة، وقد حذّر اللّه عزّوجلّ لعظيم أثرها فى النفس والحطّ من مزلتها؟! ويكفي النداء الربوبيّ لهم بأنّهم لا يعقلون، وتوصيف آبائهم بأنّهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون، فإنّ درك الحقيقة، والرجوع إلى النفس التي على قدر معرفتها تكون معرفة الباري عزّوجلّ،

ص: 314

يحتاج إلى هذين الأمرين، العلم والاهتداء والتعقّل لما يفعله، وفهم ما يلقى عليه، وهما الركيزتان اللّتان يعتمد عليهما السالك والعارف. وبدونهما لا يمكن الوصول إلى الحقيقة مهما حاول، فإنّه يضيع العمر في طلب المحال.

***

ص: 315

سورة المائدة الآية 105

إشارة:

الآية 105

«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللّه مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(105)».

آية عظيمة في معرفة النفس

آية عظيمة في معرفة النفس والرجوع إليها، وتهذيبها بالأخلاق الفاضلة، وتكميلها بالكمالات الحقيقيّة، فيأمر عزّوجلّ المؤمنين - رحمةً بهم - بأن يكون شغلهم الشاغل لزوم أنفسهم، والنظر فيها ورفع نقائصها، وأن يصرفوا همهم في التخلية والتحلية، ليتجلّى لهم الربّ فيُنبئهم بما عملوا، ولا يضرّوا عمل الغير وضلاله إذا لم يكن قابلاً للهداية، فلا يمنعكم ضلالهم إذا كنتم على هداية، ولا يوحشكم فقدانهم. وقد بيّن عزّ وجلّ في هذه الآية الكريمة مواقع النفوذ إلى النفس والتسلّط عليها، ومن ذلك يعلم وجه ذلك يعلم وجه الارتباط بما سبقها من الآيات التي بيّنت بعض عيوب النفس والعادات السيّئة التي كان عليها أهل الضلال، وهي من الأمثال القرآنية التي تضرب بها الأمثال.

***

التفسير

قوله تعالى : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ».

خطاب لأهل الإيمان لما فيهم من الأهليّة للتخاطب معهم، وأنّ لهم القابلية

ص: 316

المراعاة المضمون والالتزام بالمقصود. والمراد بقوله : «عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ»، أى ألزموها بالصلاح والتزكية، واحفظوها من اقتراف المعاصى وارتكاب الآثام.

ف(عليكم) من كلم الإغراء، وهو اسم فعل أمر، و(أنفسكم) على النصب مفعوله، وقرئ بالرفع، فيكون الكلام حينئذٍ مبتدأ وخبراً، أي لازمة عليكم أنفسكم

الآية الشريفة تبين أُموراً في مجال معرفة النفس وطرق صلاحها، بيان الآية الكريمة المقصد بعد بيان السالك والمسلوك

قوله تعالى : «لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ».

أعظم آية في بيان السلوك الذي يسلكه العارف، وينقطع إليه القاصد، ويتحرّاه المطيع الواله. ومن المعلوم أنّ الضلال والاهتداء إنّما هما من صفات الطريق المسلوك، وربّما يتّصف بهما السالك بالعناية، فلابدّ للإنسان أن يسلك طريقاً، فإمّا طريق الهداية والسعادة والعاقبة الحسنى التي بينها عزّ وجلّ في محكم كتابه الكريم، أو طريق الضلال والغواية والشقاء، وبالآخرة سوء العاقبة التي ذكر تعالى خصوصيّاتها، فقد قال تعالى : «وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ»(1)، وقال تعالى : «إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً»(2).

ولا ريب أنّ مَن التزم طريق الاهتداء، سواء قلنا بأنّه الصراط المستقيم الذي ذكره عزّ وجلّ في الفاتحة، وأمرنا بطلب الهداية منه، وتوفيقنا بسلوكه، فتكون طرق الضلال هي السبل المنحرفة التي تتفرّق بنا عن سبيله، أم قلنا بأنّ الضلال والإهتداء وصفان لطريق واحد، فمَن لازم متن الطريق، يوصله إلى المقصد والغاية المطلوبة، وإن خرج عن مستواه، كان ضلالاً فلا يصل إلى الغاية المنشودة، ولا يدرك الكمال والسعادة المطلوبة، فمَن لزمه نجا، ومَن تقدّم أو

ص: 317


1- سورة البلد : الآية 10.
2- سورة الدهر : الآية 4.

تأخّر ضلّ وغوى.

والآية الشريفة تبيّن أُموراً في هذا المجال

الأوّل : أنّه لابدّ من طريق يسلكه الإنسان فى حياته العمليّة، وهناك طریقان : طريق الهداية وطريق الضلال، وكلاهما يرجعان إلى اللّه تعالى، كما ستعرف. وتأمر المؤمنين بلزوم أنفسهم بحملها على الطاعة، والانقياد إلى خالقها، والاعتناء بشأنها، فلا يضيعوها باقتراف المعاصي والآثام.

الثاني : أنّه لابدّ من غاية في هذا السفر، وهي تختلف بحسب اختلاف أفراد الإنسان، والجميع يرغب في ثواب اللّه، وإنّما يناله المهتدون السالكون طريق الهداية، ويحرم عنه الضالّون السالكون طريق الضلال، فالكلّ ينتهى إليه سبحانه وتعالى، وعنده الغاية المقصودة، إلّا أنّ الطرق مختلفة، فبعضها يوصل الإنسان إلى الفلاح والسعادة، وآخر يضرب عليه الخيبة والحرمان ويوقعه في الشقاء الأبدي والعناء الدائم، وتدلّ على ذلك آيات كثيرة، قال تعالى : «يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ»(1)، فإذا كان الجميع سائرين إليه، وإنّ الطرق لابدّ أن تنتهي إلى ما عنده ولكن باختلاف الغاية كما عرفت، فلابدّ للإنسان أن يسعى فى معرفة الطرق الموصلة إلى الغاية المنشودة، وتميّيزها عن غيرها من الطرق التي لا تنتهي إلّا إلى الهلاك والبوار، وإنّ على المؤمن أن يشتغل بنفسه ويصلحها، ولا يهمّه ضلال غيره وما هم عليه من المعاصي والآثام، فإنّه كفى بنفسه شاغلاً. وقد تقدم في قوله تعالى : «قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللّه يَا أُولِى الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» ما يرشد إلى ذلك، فإنّ العاقل

ص: 318


1- سورة الانشقاق : الآية 6.

اللّبيب إذا رأى كثرة المعاصي، واهتمام الناس بالخيانة، وهتك الحرمات يزداد ثباتاً في وجه الباطل، ولا يشغله ذلك وإن كثر أفراده عن التمسّك بالحقّ وإن قلّ طلابه، فإنّ الجميع سيحاسبون وتعطى كلّ نفس هداها، وقد قال عزّوجلّ : «تِلْكَ

أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ»(1).

الثالث : تطمين المؤمنين المشغولين بأنفسهم المشتغلين بإصلاحها وتهذيبها بالوصول إلى الغاية المرضيّة، وأنّه لا يصيبهم ضررٌ من غيرهم الضالّين الذين عكفوا على الضلال، وارتكاب الآثام، والصدّ عن الحقّ،فلا يتأثّروا من ضلال هولاء، ولا يوجب ذلك صرفهم عن أهمّ أمر في حياة الإنسان العمليّة، وهو إصلاح النفوس.

الرابع : أنّ الآية الشريفة تدلّ بالدلالة الالتزاميّة على نهي المؤمنين على التأثّر من من ضلال الضالّين المعاندين للحقّ، الصادّين لأهله، فلا يحملهم ذلك على ترك طريق الهداية، فينشغلوا بهم وينسوا أنفسهم، وحينئذٍ يصيرون مثلهم، ثمّ يتعذّرون بأُمور واهية، ويتعلّلون بعلل فاسدة، وقد كان لهم في كلّ زمان أعذارٌ فطوراً كانوا يقولون بما حكى عنهم عزّوجلّ : «وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ تُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا»(2)، طوراً آخر يقولون : إنّ الذى يبغونه صار بالياً، وإنّ المدنيّة الحاضرة لا تساعد على ذلك، وقد قالوا أُموراً جميعها ترجع إلى النكوص عن الحقّ،والابتعاد عنه بوجهٍ من الوجوه، مع أنّ العهد الذي أُخذ منهم إنّما يتحقّق ذلك بالطرق المتعارفة العادية، التي فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجدال الحَسَن، وغير ذلك من الأسباب المتعارفة، وأمّا تحقّق المسبّبات، فلابدّ

ص: 319


1- سورة البقرة : الآية 134.
2- سورة القصص : الآية 57.

من إيكال أمرها إلى اللّه تعالى، فليس المؤمن مأموراً بأكثر من ذلك، ولا يجب عليه إهلاك نفسه في سبيل إنقاذ غيره، كما قال تعالى : «فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً»(1)، وغير ذلك من الآيات التي تنهي المؤمنين عن إيقاع أنفسهم في الحرج والمشقّة والضرر.

ومن ذلك يعرف أنّ هذه الآية الكريمة لا تنافى آيات الدعوة إلى الإيمان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكيف تكون منافية مع أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى اللّه، من أهمّ طرق استكمال النفس، ومن شؤون الاشتغال بها؟! أليس ذلك من أحكام هذا الدِّين، ومن أهمّ أُسسه وقواعده وأركانه، وقد قال عزّوجلّ : «قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّه عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي»(2)، وقال تعالى : «كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ»(3)، ولا يمكن إصلاح النفس إلا بهذا الدين وتطبيق أحكامه، والاهتداء بهديه.

ومن جملة الأحكام والفرائض الدعوة إلى اللّه على بصيرة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالشروط المطلوبة فيهما، من دون إيقاع النفس في المهلكة والضرر، فعند ذلك يسقط عنه هذا التكليف.

الخامس : أنّ الآية الشريفة تدلّ على أنّ نفس المؤمن هي الطريق الذي أُمر بسلوكه ولزومه، والتحفّظ عليها أن تكون فى طريق الهداية، الذي ينتهي به إلى السعادة والفوز بالفلاح، كما قال تعالى : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّه وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللّه إِنَّ اللّه خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللّه فَأَنْسَاهُمْ

ص: 320


1- سورة الكهف : الآية 6.
2- سورة يوسف : الآية 108.
3- سورة آل عمران : الآية 110.

أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الجنّة أَصْحَابُ الجنّة هُمْ الْفَائِزُونَ»(1)، وهذه الآيات المباركة تبيّن كثيراً من الأُمور التي تضمّنتها الآية التي نحن بصدد تفسيرها، وترفع الإجمال الذي فيها، ويستفاد منها أن النفس الإنسانيّة هي الطريق، وقد اجتمعت في النفس الإنسانية علل متعدّدة، وأنّ فيها يتّحد الدالّ والمدلول، وأنّ المقصد من هذا المسير الإستكمالىّ هو اللّه تعالى، ولابدّ من المراقبة التامة والتذكّر المستمر لجميع ما له دخل في هذا المسير، فعلى المؤمن أن يكون دائباً على ذكر ربّه ولا ينساه، فإنّه المقصد والمرجع -كما عرفت- فإنّ نسيان المقصد والغاية، يوجب نسيان الطريق فيفقد الأهلية للتزوّد بالزاد الذي يهنأ في حياته الأخرى. ومن ذلك تعرف سرّ قوله تعالى : «نَسُوا اللّه فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ». ولا ريب أنّ الاشتغال بالنفس لا يوجب نسيان الآخرين ومساعدتهم ومعونتهم في أعمال البرّ، كما قال عزّوجلّ : «وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ»(2)، فإنّ المؤمن يرى أن سعادة الآخرين من سعادته، بل هي من صميم الدين الذي أُمر المؤمنين بإقامته، وهو يعتبر أنّ الإحسان إلى الآخرين من الإحسان إلى النفس، قال تعالى : «وإِنْ أَحْسَتُمْ أَحْسَتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا»(3).

السادس : الآية الشريفة تأمر المؤمنين بلزوم أنفسهم إذا اهتدوا، ومن المعلوم أنّ الاهتداء هو جعل النفس في المسير الاستكماليّ، الذي يطلبه اللّه تعالى ويرتضيه الشرع المبين، وأنّ عملية الاهتداء لابدّ أن تكون مستمرة تامّة صادرة من المؤمن الذي على ذكر ومراقبة للنفس -كما عرفت - وهي تتحقّق في

ص: 321


1- سورة الحشر : الآية 19 – 20.
2- سورة المائدة : الآية 2.
3- سورة الاسراء : الآية 7.

الاعتقادات والأعمال القلبيّة مع الأعمال الجوارحيّة.

وبعبارة أخرى : هو تطبيق الأعمال الجوانحيّة والجوارحيّة على الشرع، والسير على ذلك مع المراقبة والذكر، فالنفس هي الطريق، والأعمال هي الزاد والغاية والمقصد هو اللّه عزّوجلّ كما تقدّم، وهذا الطريق ضروريّ لابدّ من أن يسلكه الإنسان في حياته مطلقاً، مع اختلاف الأطوار التي يمرّ بها، ويشترك في ذلك المؤمن والكافر، سواء كان على التفات أم على غفلة.وعمى.

والآية الشريفة تنبّه المؤمنين على ذلك، وإن كان أمراً تكوينيّاً لابدّ منه، ليكون على التفات ومراقبة تامّة للنفس، لئلّا تضلّ فتخرج عن الهداية وتغفل عن ذكر ربها، فتكون من المنسيين، فيتزوّد من الزاد الذي ينفعها في يوم الجزاء، فلا يكون سعيها خائباً فتكون من الخاسرين.

فهذه الآية الشريفة من هذه الجهة لا تخرج عن تلك الآيات، التي تدلّ على أنّ غاية الإنسان ومستقرّ أمره، من حيث السعادة والشقاء والفلاح والخيبة إنّما تكون حسب الزاد الذي يتزوّد به في هذه الدار، وما يقدّمه من صالح الأعمال أو صالحها، أو تقوى وفجور كما قال عزّوجلّ: «وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا»(1).

وقال تعالى : «فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى»(2).

وغير ذلك من الآيات الواردة في هذا الأمر، فهي وإن كانت تبيّن الجانب

ص: 322


1- سورة الشمس : الآية 7 - 10.
2- سورة طه : الآية 126.

الوضعيّ للأعمال، وهو ترتّب الجزاء على ما يقدّمه الإنسان من أعمال ومعتقدات، إلّا أنّها لا تغفل الجانب التكوينيّ من الإنسان، فهى تبيّن أنّ الإنسان هو المخلوق السَّوي الذي لا يخرج عن وضع سائر المخلوقات، من أنّها واقعة تحت التربية الإلهيّة، وأنّ اللّه تعالى هو القيوم عليها، يحيطيهم بعنايته، ويكلؤهم برعاته وتربيته، فهو الربّ العظيم المهيمن عليها لا يفوته شيء منها، كما قال تعالى: «مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ»(1)، وأنّ جميعها ترجع إليه، قال تعالى : «أَلَا إلَى اللّه تَصِيرُ الأُمور»(2).

إلّا أنّه اختص الإنسان من بين سائر المخلوقات، بأنّ عاقبته ومستقبل أمره إنّما يكون تحت اختياره، فإما أن تكون الحسنى، أو الخيبة والخسران، وذلك بتزكية النفس، أو دسّها بعدما ألهمه اللّه طريق الخير والصلاح، وما يوجب الشرّ والفساد، فهو لا يخرج عن هذه الفطرة التكوينيّة في مسيره، ولا يتخطّى عنها، إلّا أنّه لابدّ من التنبه التامّ والمراقبة الكاملة للنفس، حتّى لا تحيد عن الطريق الذي يوصله إلى المقصد العظيم، وهو الفلاح الذي يطلبه بفطرته، ويجتهد في مسيرته العمليّة -كما عرفت - فهذه الآية الكريمة - على إيجازها البليغ - تشتمل على حقائق واقعيّة ومطالب عالية تكفّلت بيانها عدّة آيات أُخرى متفرّقة في مواضع أُخرى من القرآن الكريم.

قوله تعالى : «إِلَى اللّه مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً».

بيان المقصد بعد بيان السالك والمسلوك، وهي حقيقة من الحقائق الواقعيّة التي لها دخل في الجانب التكوينيّ من الإنسان -كما عرفت سابقاً - وفي الجانب

ص: 323


1- سورة هود : الآية 56.
2- سورة الشورى : الآية 53.

الوضعيّ التشريعيّ منه، فإنّ الإنسان بعدما علم أنّه في حياته سائر في مسيرة لابدّ من أن يقطعها من أوّل تكوينه إلى أن ينتهي إلى ربِّه، كما قال عزّ وجلّ : «وَأَنَّ إلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى»(1)، وهذا الطريق ممّا لا مناص للإنسان عن سلوكه، ويشترك،، فيه جميع أفراد الإنسان مطلقاً، ولا ريب أنّ بيان الطريق، والسلوك والسالك، يكفي في تعيين المقصد والمنتهى، إذ أنّ كلّ طريق له بداية ونهاية، لكن ذكر المقصد فيه خصوصيّة خاصّة، لا يمكن دركها في بيان تلك الأُمور، فإنّ السالك إذا تنبّه إلى حقيقة موقفه من اللّه تعالى، وأنّ له ميزة خاصّة لم تكن لسائر المخلوقات، حصل له حالة خاصّة يشعر فيها أنّه منقطع عمّا سواه ممّا يحيط به، ويتوجّه إلى بارئها المدبّر لها المحيط بها إحاطة علميّة قيوميّة، وسائرة تحت ربوبيّته العظمى على خلقه، وأنّ هذه الإحاطة التامّة التي يشعر بها الفرد المؤمن، لكفيلة له بأن ينقطع إلى ربّه، ويخلو بنفسه ويخلّصها ممّا يشينها عند ربّها، ويهذّبها ويكمّلها بما يزيّنها إذا رجعت إلى اللّه تعالى، فلا يغفل عنها لحظة. ولعلّ هذا هو السر في إتيان المقصد والتوجه إليه بعد قوله تعالى : «عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ»، وعندئذٍ يسطع عليها نورٌ من اللّه بقدر أن يخرج من الظلمات، ليدفع به ظلمات الناس المضلّين، وظلمات المعاصي والآثام كما بين عزّوجلّ في قوله : «أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِج مِنْهَا»(2)، وحينئذٍ يدرك تلك الحقيقة الواقعية، وتشعر النفس بحقيقتها، وتدرك ما عليه، وتهجر كلّ ما يوجب الظلمات، وتهاجر أهل الشرك والكفر، وتدخل في مقام العبوديّة، وتستعد لدرك مقام التوحيد، وتبعّد عنها ما ينافي الوحدانيّة، وتنتهي إلى تكميل النفس بالكمالات الواقعّية، وتزيل عنها

ص: 324


1- سورة النجم : الآية 42.
2- سورة الأنعام: الآية 122.

النقائص بعد أن أشرق عليها النور الربانيّ وأدركتها العناية الإلهيّة، وهذه المقامات حقائق قد لا يدركها الحسّ إلّا أنّ النفس تشعر بها بأسبابها الخاصّة، وكيف يمكن أن تدركها الحواس وقد ركنت إلى المادّة، وخلدت إلى الأرض وأحبّت الدُّنيا التى هى دار اللعب واللّهو ؟ فلا يمكن لها أن تدرك إلّا الزخارف الماديّة التي استوعبت جميع مشاعر الإنسان، وقد قال عزّوجلّ : «ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْم»(1).

لكن الغور في فهم معاني القرآن والغوص في بحر دقائقه ورموزه، يكشف لنا أنّ وراء ذلك عالماً فسيحاً جدّاً لا يمكن الوصول إليه، ولا درك حقائقه إلّا بالرجوع إلى النفس ولزوم مراعاتها ودرك حقائقها ودوام مراقبتها، وجعلها في المسلك الذي عيّنه اللّه تعالى، والتنبّه التامّ للمقصد الذي ترد عليه والوقوف عنده، فهناك تظهر الحقائق، وتتبيّن،آثاره