مواهب الرحمن في تفسیر القرآن المجلد 9

هوية الکتاب

بطاقة تعريف:سبزواري، سیدعبدالاعلی، 1288؟ - 1372.

عنوان واسم المؤلف: مواهب الرحمن في تفسیر القرآن/ عبدالاعلی موسوی السبزواري.

تفاصيل المنشور: موسسه اهل البیت - بیروت 1414

مواصفات المظهر:11 ج.

الموضوع: التفسيرات الشيعية -- قرن 14

ترتيب الكونجرس: BP98/س23م8 1372

تصنيف ديوي: 297/179

رقم الببليوغرافيا الوطنية: م 74-426

معلومات التسجيلة الببليوغرافية: فاپا

ص: 1

اشارة

ص: 2

ص: 3

ص: 4

تتمة تفسير سورة النساء

اشارة

بِسْمِ اَللّهِ اَلرَّحْمنِ اَلرَّحِيمِ

وَ مَنْ يُطِعِ اَللّهَ وَ اَلرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ اَلَّذِينَ أَنْعَمَ اَللّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلنَّبِيِّينَ وَ اَلصِّدِّيق.......

اشارة

وَ مَنْ يُطِعِ اَللّهَ وَ اَلرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ اَلَّذِينَ أَنْعَمَ اَللّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلنَّبِيِّينَ وَ اَلصِّدِّيقِينَ وَ اَلشُّهَداءِ وَ اَلصّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (69) ذلِكَ اَلْفَضْلُ مِنَ اَللّهِ وَ كَفى بِاللّهِ عَلِيماً (70) بعد أن ذكر سبحانه و تعالى وجوب طاعة اللّه و الرّسول، و أحكم عزّ و جلّ هذا الحكم الإلهي المهمّ بعدّة أمور، و وعد عليه الوعد الحسن من الأجر العظيم، و الهداية إلى الصّراط المستقيم، يبيّن جلّ شأنه في هاتين الآيتين الشريفتين حقيقة الهداية، و نوع ذلك الجزاء، و أن ذلك الصّراط المستقيم هو الّذي سار عليه أخلص عباد اللّه المصطفين الأخيار، الّذين أنعم اللّه عليهم الهداية و عرفان الحقّ و العمل به و فعل الخيرات، و هم الّذين يأمل كلّ إنسان و يتمنّى أن يرافقهم في جميع العوالم، و قد بيّن عزّ و جلّ أن هذا هو الفضل الّذي لا يمنحه جلّ شأنه لأحد، إلاّ مع الحكمة البالغة و العلم الأتمّ .

ص: 5

التفسير

قوله تعالى: وَ مَنْ يُطِعِ اَللّهَ وَ اَلرَّسُولَ

وعد حسن لمن أطاع اللّه تعالى و الرّسول، و هو بأسلوبه البديع و مضمونه الرفيع، يقابل الصورة الّتي ذكرها القرآن الكريم للمنافقين، الّذين يزعمون الإيمان و يتحاكمون إلى الطاغوت، فتضمّنت صورة طاعة اللّه و الرّسول على أمور مهمّة تكشف عن أهميّة الموضوع في حياة الإنسان في جميع المراحل و العوالم، كنوع الجزاء، و الأصناف الّتي يجب أن ترافق الفرد، و الصّراط الّذي لا بدّ أن يتّخذه المطيع سبيلا يسير عليه، و الغاية الّتي يجب أن يتوخّاها، و ما يجب أن يفعله حتّى يتهيّأ لفضل اللّه تعالى و الفيض الربوبيّ العظيم.

و ظاهر الآية الشريفة أنّها في مقام بيان الصراط المستقيم، الّذي ورد ذكره في الآية السابقة، أي أنّ الصراط المستقيم هو الصراط الّذي سار عليه النبيّون و الصديقون و الشهداء و الصالحون، و هم الّذين أنعم اللّه عليهم بالهداية.

و إنّما جمع سبحانه و تعالى بين طاعة اللّه و طاعة الرسول؛ لبيان أنّ طاعته طاعة اللّه تعالى، و أنّهما أصلان يكمّل أحدهما الآخر، و لا سبيل للتفكيك بينهما، و لتأكيد مضمون قوله تعالى: يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اَللّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ [سورة النساء، الآية: 59]، فرجع الختام إلى ما بدأ به الكلام، و هو من الأساليب الحسنة في الكلام.

و أنّ الآية السابقة قد تعرّضت لحال المنافقين الّذين أعرضوا عن طاعة الرسول فقط؛ لأنّهم لم يتجاهروا بالإعراض عن طاعة اللّه تعالى، فنزل فيهم الحكم الصريح بأنّه لا فائدة في تلك الطاعة الموهومة الكاذبة، و لكن هذه الآية الشريفة تبيّن الشرط الّذي لا بدّ منه في اكتساب تلك السعادة الّتي يتوخّاها المؤمن المطيع في صحبة من أنعم اللّه عليهم الجزاء الحسن.

ص: 6

قوله تعالى: فَأُولئِكَ مَعَ اَلَّذِينَ أَنْعَمَ اَللّهُ عَلَيْهِمْ .

بيان لأمر حقيقي، و هو أنّ الطاعة للّه و الرسول تستلزم الدخول في مسلك من أنعم اللّه عليهم. و سياق العبارة يدلّ على أنّ المطيعين ملحقون بهم و هم معهم في جميع العوالم، و هم منهم دون الصيرورة، و الإشارة ب: (أولئك)؛ لبيان علو درجة المطيعين و بعد منزلتهم فضلا و شرفا.

و المراد من النعمة - الّتي ظاهر العبارة الدالّ على عظمتها و قصور اللفظ عن بيانها و تفصيلها - هي تلك النعمة الّتي تفضّل عزّ و جلّ بها على أفراد معينين، و هم المخلصون الّذين آثروا حكم اللّه تعالى و رسوله على حكم الطاغوت، و سلّموا أمرهم الى اللّه تعالى، و هي الّتي نوّه عزّ و جلّ بها في قوله تعالى: اِهْدِنَا اَلصِّراطَ اَلْمُسْتَقِيمَ * صِراطَ اَلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ اَلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لاَ اَلضّالِّينَ [سورة الحمد، الآية: 7]. و هي النعمة الّتي تؤهّل الفرد في سلوك هذا الصراط و قبول الفيض الربوبيّ ، و قد أشار إليها عزّ و جلّ في مواضع متعدّدة في القرآن الكريم، و هي تنحصر في نعمة الولاية.

قوله تعالى: مِنَ اَلنَّبِيِّينَ .

بيان للمنعم عليهم، و هو حال إما من «الّذين»، أي: أنّهم أنعم اللّه عليهم حال كونهم من النبيّين. أو من ضميره. و أجاز بعضهم أن يتعلّق الظرف بقوله تعالى: وَ مَنْ يُطِعِ اَللّهَ وَ اَلرَّسُولَ ، أي: من النبيّين و من بعدهم، فيكون قوله «أولئك» إشارة إلى الملأ الأعلى، و لكن هذا الوجه خلاف الظاهر كما هو واضح.

و قد ذكر عزّ و جلّ أربعة طوائف ممّن أنعم عليهم بالهداية و التوفيق، و قد اتّصفوا بمكارم الأخلاق إلاّ أنّ كلّ طائفة تختلف عن الاخرى ببعض الأمور الموجبة لاختلافها في المنزلة و الدرجة، فلا وجه للقول بأنّ الصدّيقين و الشهداء و الصالحين أوصاف متداخلة لموصوف واحد، فهم في الحقيقة فريقان، الأنبياء،

ص: 7

و المتّصفون بالصفات الثلاثة، فإنّ هذا القول خلاف ظاهر الآية الشريفة، و لعلّ ذكرهم للإعلام باختلاف درجات المطيعين، كما عرفت سابقا.

و النبيّون هم أصحاب الوحي، الّذين وصفهم اللّه تعالى في القرآن الكريم بأوصاف متعدّدة تدلّ على عظم شأنهم و جلالة قدرهم و علوّ منزلتهم، بل هم في أعلى عليّين؛ لما لهم من النفس القدسية الّتي استمدت قدسيتها من القوّة الإلهيّة، فهم قد رأوا الأشياء عيانا.

و إنّما ذكر عزّ و جلّ النبيّين دون نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله - مع أنّ الكلام في بيان طاعة الرسول - للإعلام بأنّ طاعته متضمّنة لطاعتهم عليهم السّلام.

قوله تعالى: وَ اَلصِّدِّيقِينَ .

و هم الطائفة الثانية. و الصدّيقين جمع الصدّيق، مبالغة في الصدق، أي: الّذين طابق قولهم فعلهم، و ظاهرهم باطنهم، فلا يصدر منهم إلاّ الحقّ اعتقادا و قولا و فعلا؛ لصفاء سريرتهم و عدم صدور الكذب عنهم و ممارستهم الصدق، فالهموا الصواب، فميّزوا الحقّ عن الباطل و الخير عن الشرّ، فهم شهدوا الحقائق، فكانوا صادقين بالحقّ ، فصاروا صدّيقين شهداء الحقائق و الأعمال.

و قد فسّر بعض العلماء الصدّيق بمن كثر صدقه، أو من لا يتأتّى منه الكذب لتعوّده على الصدق، و لكن ما ذكرناه أولى، فإنّه قد يكون الفرد كذلك، لكن لا يصل الى درجة الصدّيق الّذي له مرتبة الشهادة على الأعمال و الحقائق. و الّذي تكون منزلته دون منزلة الأنبياء و رتبته دون مرتبتهم، كما هو ظاهر الآية الشريفة.

قوله تعالى: وَ اَلشُّهَداءِ .

و هم الطائفة الثالثة، أي الّذين تولاّهم اللّه تعالى بالشهادة، و جعلهم من المقرّبين، فشهدوا الحقّ و أريقت دماؤهم في سبيله، لنيل رضاءه و حبّه جلّت عظمته.

و ذكر بعض المفسّرين أنّ المراد بالشهداء هم شهداء الأعمال، و لكن ذكرنا في

ص: 8

أحد مباحثنا السابقة أنّ الشهيد في سبيل الحقّ و إعلاء كلمة اللّه تعالى، يكون شهيدا على الأعمال أيضا، فبينهما تلازم في الجملة.

قوله تعالى: وَ اَلصّالِحِينَ .

و هم الّذين صلحت نفوسهم و استقامت أحوالهم و طريقتهم باتباعهم شريعة اللّه جلّ شأنه و الدوام على طاعته، فصاروا حججه على خلقه، يحتجّ بهم على من يخرج عن الصراط المستقيم، و بتزكية نفوسهم بصالح الأعمال، فتأهّلوا لفيضه عزّ و جلّ و تهيّؤوا لنعمه و كرامته. و هذه الطائفة هي آخر الطوائف الّتي هي صفوة اللّه تعالى من عباده.

و الصالحين: جمع الصالح، و هو الّذي صلحت حاله و استقامت طريقته. و أمّا المصلح، فهو الفاعل لما فيه الصلاح.

قوله تعالى: وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً .

الرفيق كالصديق و الخليط، بمعنى الصاحب، سمّي بذلك للارتفاق به، و هو منصوب على التمييز، و فعيل يستوي فيه الواحد و غيره، و في التمييز أيضا يكتفى بالواحد عن الجمع، و قيل: إنّه منصوب على الحال، أي حال كونهم رفقاء أولئك الطوائف الّذين تقدّم ذكرهم.

و الرفيق جماعة الأنبياء الّذين يسكنون أعلى عليّين، و في حديث الدعاء:

«و الحقني بالرفيق الأعلى»، و قيل في معنى ذلك: ألحقني باللّه تعالى، يقال: اللّه رفيق بعباده، من الرفق و الرأفة، فهو فعيل بمعنى الفاعل، و منه حديث عائشة:

«سمعته صلّى اللّه عليه و آله يقول عند موته: بل الرفيق الأعلى». و ذلك أنّه صلّى اللّه عليه و آله خيّر بين البقاء في الدنيا و بين ما عند اللّه، فاختار ما عند اللّه تعالى.

و لكنّ الرفيق في الآية المباركة اسم جاء على فعيل، بمعنى الخليط و الصديق، يطلق على الجماعة المذكورة فيها لا بمعنى الرفق.

ص: 9

و في الآية الشريفة من التشويق و الترغيب و الوعد الكبير ما لا يخفى، و قيل:

إنّ فيه معنى التعجيب، أي: و ما أحسن أولئك رفيقا.

و المعنى: حسن مرافقة أولئك الطوائف الّتي يرتفق بهم لرفع كلّ ما يوجب الخوف و الحزن.

و إنّما وصف رفقتهم بالحسن؛ لاحتياج الإنسان بالرفقة في السفر الطويل الّذي يستقبله، فتفيض تلك الطوائف على من يرافقهم ممّا أنعم اللّه تعالى عليهم؛ و لأنّ في رفقة هؤلاء الخير الكثير؛ و لتأثير الرفيق في صاحبه أثرا كبيرا، فإذا كان ممّن أنعم اللّه عليه، كان أثره في صاحبه حسنا؛ و لارتفاق الأصحاب بعضهم بعضا.

و لا تختصّ الآية الكريمة بعالم دون عالم، فتشمل عالم الدنيا و البرزخ و الآخرة، فإنّ في جميعها يحتاج الإنسان إلى رفيق يرافقه في مسيره الاستكمالي، ليدله على الطريق الصحيح و يرشده إلى ما هو خير له، و يجنّبه عن المخاطر. و في الآية المباركة التفات من الغيبة الى الخطاب. كما أنّ في الآيات السابقة موارد مختلفة من الالتفات الدالّ على عظمة الخطاب و أهميّة الموضوع.

قوله تعالى: ذلِكَ اَلْفَضْلُ مِنَ اَللّهِ .

الاسم (ذلك) إشارة إلى الجزاء الّذي ثبت للمطيعين، و منه مرافقة من أنعم اللّه عليه، و الفضل الّذي تفضّل اللّه تعالى عليهم. أي: أنّ ذلك الجزاء هو الفضل الّذي لا يكون غيره فضلا، و لا يعلوه فضل آخر، و ليس له حدّ، فإنّ فيه غاية السعادة و منتهى الكمال الّذي يتفاضل به الناس، و هذا الفضل هو من اللّه تعالى تفضّل به على عباده المطيعين؛ ثوابا لهم على إطاعتهم و أعمالهم الصالحة.

و في إتيان اسم الإشارة الدالّ على البعيد، و دخول اللاّم في الصفة (الفضل) أو الخبر، يدلّ على تفخيم هذا الفضل و تعظيمه، كأنّه هو الفضل دون غيره.

قوله تعالى: وَ كَفى بِاللّهِ عَلِيماً .

لأنّ درجات الإيمان و ثواب المطيعين و استحقاقهم و مقاديره و مراتب

ص: 10

خلوصهم و إخلاصهم لا يمكن لأحد العلم بها إلاّ اللّه تعالى، و كفى به عزّ و جلّ عليما.

و في الآية الشريفة تحريض المؤمنين المطيعين إلى الثواب العظيم و الفضل الكبير لا يعلمه إلاّ اللّه تعالى؛ و لتطمين نفوسهم فتنشط و تقبل على اللّه تعالى بالعمل بمواعظه، و فيها توعيد للمنافقين، فإنّ اللّه تعالى يعلم ما في قلوبهم.

ص: 11

بحوث المقام

بحث دلالي
اشارة

تدلّ الآيات الشريفة على أمور:

الأوّل:

يدلّ قوله تعالى: وَ مَنْ يُطِعِ اَللّهَ وَ اَلرَّسُولَ على أهميّة الطاعة للّه و الرسول، ببيان عظيم الأجر و الثواب و حسن العاقبة، فيدلّ على أنّ لها الأثر الكبير في حياة الإنسان في جميع العوالم الّتي يرد عليها.

و الآية المباركة تثبت مضمون جميع ما ورد في الآيات السابقة و تؤكّده، و تبيّن الأثر الكبير للطاعة في شؤون الإنسان.

الثاني:

يستفاد من قوله تعالى: فَأُولئِكَ مَعَ اَلَّذِينَ أَنْعَمَ اَللّهُ عَلَيْهِمْ مطلق المعيّة المعنويّة و الظاهريّة، فإنّ المطيع للّه و الرسول مع الّذين أنعم اللّه عليهم في الدنيا و عالم البرزخ و عالم الآخرة، يستفيد من فيض علومهم و يستضيء من أنوارهم القدسيّة في تكميل نفسه و تزيينها بالكمالات و تحليتها بالأخلاق الفاضلة.

الثالث:

يبيّن قوله تعالى: مِنَ اَلنَّبِيِّينَ وَ اَلصِّدِّيقِينَ وَ اَلشُّهَداءِ وَ اَلصّالِحِينَ مصاديق المطيعين و درجاتهم، فإنّ من يطيع اللّه تعالى و الرسول لا يخلو أن يكون أحد هؤلاء الأربعة، فإنّ النبيّين هم في أعلى درجات الطاعة و الإخلاص، و هم السادة، ثمّ الصدّيقين و هم شهداء الحقائق، ثمّ الشهداء و هم شهداء الأعمال، ثمّ الصالحين و هم المتهيئون للفيض و الكرامة الإلهيّة.

الرابع:

إنّما أطلق عزّ و جلّ النعمة الّتي أنعمها اللّه تعالى على تلك الطوائف الأربعة؛ ليشمل النعم الظاهريّة و المعنويّة، و هي النعم الّتي تجلب السعادة و تؤدّي إلى الكمال و الطمأنينة، و يستفاد منه أنّ المطيع للّه تعالى و الرسول يحظى بتلك النعم لطاعته.

ص: 12

الخامس:

يدلّ قوله تعالى: وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً على لزوم الارتفاق للإنسان في حياته الظاهريّة الدنيويّة و الأخرويّة، و أنّ للرفقة الأثر الكبير فيه، و أنّ أحسن رفقة يرتفق بهم هم الّذين ذكرهم اللّه تعالى في هذه الآية الشريفة، و أنّ ما يوجب الإعداد للارتفاق بهم هو الطاعة للّه و الرسول، و إطلاق الحسن يشمل جميع أنحائه و كلّ ما يمكن تصويره فيه.

السادس:

يبيّن قوله تعالى: ذلِكَ اَلْفَضْلُ مِنَ اَللّهِ أنّ ما ذكر في الآية من شمول النعم للمطيع للّه و الرسول و رفقة من ذكر في الآية الكريمة، هو الفضل الّذي لا بد للإنسان أن يسعى إليه و يعدّ نفسه لنيله و الدخول في هذه الكرامة الإلهيّة.

السابع:

مقتضى التعبير الكلامي في صفات المدح الارتقاء من الأدنى إلى الأعلى، و الآية المباركة على عكس ذلك، فإنّها من الأعلى إلى الأدنى، و لكن يستفاد من سياقها أنّها في مقام الإخبار عن كون المطيعين للّه تعالى و الرسول يكونون مع الأشراف و الخواص، فالمقصود الإخبار في الجملة، و ليست في مقام تعداد الصفات الأشراف فالأشرف.

بحث روائي

في الكافي بسنده عن أبي الصباح الكناني عن أبي جعفر عليه السّلام قال: «أعينونا بالورع، فإنّه من لقى اللّه عزّ و جلّ منكم بالورع، كان له عند اللّه فرحا، إنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: وَ مَنْ يُطِعِ اَللّهَ وَ اَلرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ اَلَّذِينَ أَنْعَمَ اَللّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلنَّبِيِّينَ وَ اَلصِّدِّيقِينَ وَ اَلشُّهَداءِ وَ اَلصّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً ، فمنّا النبيّ ، و منّا الصدّيق، و منّا الشّهداء و منّا الصالحون».

أقول: ترتّب الفرح في الآخرة على الورع، من باب ترتّب المسبّب على السبب؛ لأنّ الورع ملاك الدين و قوامه، و به يحصل الكفّ عن محارم اللّه تعالى

ص: 13

و الاجتناب عنها، و في الحديث عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «صونوا دينكم بالورع»، أي: احفظوه، و الورع عن محارمه تعالى هو طاعته.

ثمّ إنّ الورع على أقسام:

الأوّل: ورع التائبين، و هو ما يخرج المكلّف به عن الفسق و يوجب قبول شهادته.

الثاني: ورع الصالحين، و هو ما يخرج المكلّف به عن الشبهات.

الثالث: ورع المتّقين، و هو ترك الحلال الّذي يتخوّف انجراره إلى الحرام، و في الحديث عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «لا يكون الرجل من المتّقين حتّى يدع ما لا بأس به مخافة أن يكون فيه بأس»، مثل أن يترك الكلام مع الغير مخافة الوقوع في شبهة الحرام.

الرابع: ورع الصدّيقين، و هو الإعراض عن غير اللّه تعالى خوفا من ضياع ساعة من العمر فيما لا فائدة فيه. رزقنا اللّه تعالى رشحة من رشحاته.

و لكلّ من هذه الأقسام مراتب و درجات. كما أنّ الفرح كذلك، خصوصا عنده جلّت عظمته، و لكن رحمته سبقت كلّ شيء و فضله عمّ .

و ذيل الرواية من باب ذكر أكمل الأفراد و أجلّ المصاديق، و بهذا المعنى وردت روايات اخرى، ففي بعضها أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من النبيّين و عليّ عليه السّلام من الصدّيقين، و الشهداء الحسن و الحسين عليهما السّلام، و الصالحون حمزة، و حسن أولئك رفيقا سائر الأئمة عليهم السّلام. و في بعضها: و الصالحون هم الكمّل من المؤمنين. و في بعضها: الصالحون ابنتي فاطمة عليها السّلام و أولادها، فلا منافاة بينها لما تقدّم.

و في الكافي عن الصادق عليه السّلام: «المؤمن مؤمنان، مؤمن و في اللّه بشروطه الّتي اشترطها عليه، فذلك مع النبيّين و الصدّيقين و الشهداء و الصالحين و حسن أولئك رفيقا، و ذلك ممّن يشفع و لا يشفع له؛ و ذلك ممّن لا تصيبه أهوال الدنيا و لا أهوال

ص: 14

الآخرة. و مؤمن زلّت به قدم، فذلك كخامة الزرع كيف ما كفأته الريح انكفأ، و ذلك ممّن يصيبه أهوال الدنيا و أهوال الآخرة، و يشفع له، و هو على خير».

أقول: لعلّ المراد من أهوال الدنيا أهوال البرزخ، و إلاّ فقد ورد: «أنّه كلما زيد في إيمان المؤمن، زيد في بلائه»، و قد ورد: «أنّه هل كتب البلاء إلاّ على المؤمن». أو أنّ المراد بأهوال الدنيا ما يوجب ضعف عقيدته و التشكيك في دينه.

و كيف كان، فإنّ التقسيم الوارد فيها حسب مراتب الإيمان، فإنّ أجلّ مراتبه و أكمله ما ورد في المؤمن الّذي و في اللّه تعالى بشروطه، كما في الرواية، و في هذا المعنى ورد قوله تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اَللّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ * اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ [سورة يونس، الآية: 63]. و قد وردت روايات كثيرة عن الأئمة الهداة عليهم السّلام: «المؤمن يشفع يوم القيامة»؛ لأنّ للإيمان الحقيقي الواقعي آثارا، منها أنّه تعالى يخوّل إلى المؤمن صحائف الخلق في يوم المعاد، فيشفع فيهم حسب إرادته عزّ و جلّ .

و الخامة: ألفها منقلبة عن واو و هي الغصنة اللينة من الزرع، و في الحديث:

«مثل المؤمن مثل الخامة يفيئها الرياح».

و في أمالي الشيخ بإسناده إلى عليّ عليه السّلام قال: «جاء رجل من الأنصار الى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فقال: يا رسول اللّه، ما أستطيع فراقك، و إنّي لأدخل منزلي فأذكرك فأترك ضيعتي و أقبل حتّى أنظر إليك حبّا لك، فذكرت إذا كان يوم القيامة و أدخلت الجنّة فرفعت في أعلى عليين، فكيف لي بك يا نبي اللّه ؟! فنزل قوله تعالى: وَ مَنْ يُطِعِ اَللّهَ وَ اَلرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ اَلَّذِينَ أَنْعَمَ اَللّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلنَّبِيِّينَ وَ اَلصِّدِّيقِينَ وَ اَلشُّهَداءِ وَ اَلصّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً ، فدعا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله الرجل فقرأها عليه و بشّره بذاك».

أقول: و قريب منه ما في الدرّ المنثور و أسباب النزول للواحدي و غيرهما باختلاف يسير لا يضرّ بأصل المعنى، فإنّ الحبّ الواقعي الّذي يوجب اتّباع

ص: 15

المحبوب في كلّ ما يريده، يستلزم عدم الفراق بينهما في العوالم كلّها، فعن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «المرء مع من أحبّ ». و عن سيد العرفاء عليّ عليه السّلام في دعائه الملكوتي:

«فهبني يا إلهي.. صبرت على عذابك، فكيف أصبر على فراقك»، فتكون الآية المباركة من باب التطبيق.

و في صحيح مسلم و سنن النسائي و غيرهما، عن ربيعة بن كعب الأسلمي قال: «كنت أبيت عند النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فآتيه بوضوئه و حاجته. فقال صلّى اللّه عليه و آله: سل، فقلت:

يا رسول اللّه أسألك مرافقتك في الجنّة. قال: أو غير ذلك ؟ قلت: هو ذاك، قال:

فأعنّي على نفسك بكثرة السجود».

أقول: السجود للّه تعالى مع شرائطه له آثار وضعيّة و ثواب عظيم، منها ما ذكره النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، فالرواية من باب التطبيق.

أخرج ابن جرير عن الربيع قال: «إنّ أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قالوا: قد علمنا أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله له فضل على من آمن به في درجات الجنّة ممّن تبعه و صدّقه، فكيف لهم إذا اجتمعوا في الجنّة أن يرى بعضهم بعضا؟ فأنزل اللّه تعالى هذه الآية في ذلك، فقال له النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: إنّ العليين ينحدرون إلى من هو أسفل منهم فيجتمعون في رياضها، فيذكرون ما أنعم اللّه عليهم و يثنون عليه».

أقول: على فرض صحّة الرواية، انحدار العليّين لأجل ذكر نعم اللّه تعالى عليهم و بيانهم لغيرهم و الثناء عليه تعالى، أو لأجل اشتهائهم فتحصل المعاشرة و المصاحبة قهرا، و الرواية من باب التطبيق، و أمّا صعود من هو أسفل إلى العليّين في الجنّة فلا يتحقّق؛ لأنّ لكلّ مؤمن درجة و شأنا و لياقة، و ذلك لا ينافي قوله تعالى: وَ لَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ [سورة فصلت، الآية: 31]، فإنّ ذلك لا يتجاوز حدود اللياقة و الأهليّة إلاّ إذا شاء تعالى.

العياشي عن عبد اللّه بن جندب، عن الرضا عليه السّلام، قال: «حقّ على اللّه أن يجعل وليّنا رفيقا للنبيّين و الصدّيقين و الشهداء و الصالحين و حسن أولئك رفيقا».

ص: 16

أقول: المراد من صدر الرواية أنّه تعالى ألزم على نفسه حسب إرادته أن يجعل المؤمن الواقعي رفيقا لتلك الطوائف في الجنّة، و ذلك من باب ترتّب المسبّب على السبب، و الرواية من باب ذكر أجلى المصاديق و أكملها.

بحث عرفاني

المراد من الطاعة - الّتي هي الوسيلة للوصول إلى الدرجات الرفيعة السامية و الأفق القريب منه جلّ شأنه، و هي الّتي أكّدت عليها الآيات الشريفة و دعى إليها الأنبياء و الأولياء بألسنة مختلفة و اهتمّوا بها؛ لأنّها المبعث لتكريم الإنسان و نيله أشرف المراتب و أجلّ المقامات، و هي الانقياد الكامل و الامتثال مع الإخلاص لجلب رضا الحقّ و ترك ما سواه.

و لها مراتب كثيرة - بل متفاوتة - حسب إخلاص العبد و مقام العبوديّة، بل حسب درجات الحبّ و المحبّة له جلّت عظمته، ففي الأثر: «إنّ اللّه تعالى أودع أنوار الملكوت في أصناف الطاعات». فأعلى مراتبها قتل النفس في الحقيقة و قمع هواها الّتي هي حياتها، قال تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها * وَ قَدْ خابَ مَنْ دَسّاها [سورة الشمس، الآية: 9-10]، و بالخروج عن عالم المادّة. و من مراتبها تسليم النفس إليه تعالى و دوام المراقبة لها، كما ورد ذلك في روايات مستفيضة عن المعصومين عليهم السّلام و في الدعوات المأثورة عنهم، و في الأثر: «كنّا في طريق مكّة، فإذا بشاب قائم في ليله يناجي ربّه و يقول: يا من شوقي إليه، و قلبي محبّ له، و نفسي له خادم، و كلّي فناء في إراداتك و مشيئتك، فأنت و لا غيرك، متى تنجيني - إلى آخره - قلت له: رحمك اللّه، ما علامة حبّه ؟ قال: اشتهاء لقائه. قلت: فما علامة المشتاق ؟ قال: ليس له قرار و لا سكون في ليل و لا نهار من شوقه إلى ربّه. قلت: فما علامة الفاني ؟ قال: لا يعرف الصديق من العدو، و لا الحلو من المرّ من فنائه عن رسمه و جسمه. قلت: فما علامة الخادم ؟ قال: إنّه يرفع قلبه و جوارحه و طعمه من ثواب

ص: 17

اللّه - إلى آخره»، و عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «لا يكون أحدكم كالعبد السوء إن خاف عمل، و لا كالأجير السوء إن لم يعط لم يعمل». و عن سيد العرفاء عليّ عليه السّلام:

«إلهي عبدتك لا خوفا من نارك و لا طمعا في جنّتك، بل وجدتك أهلا لذلك فعبدتك».

و بالطاعة الحقيقيّة ينال الإنسان الدرجات الرفيعة و المراتب الشريفة، و يتجاوز عن حدّ الكمال و يصل إلى درجة التكميل، فتكون له المعيّة في الدرجة لا في الاتّحاد - كما في بعض الروايات - لأنّ التساوي في كلّ جهة معه محال، كما ثبت في الفلسفة الإلهيّة.

كما أنّ العصيان و التجرّي بالإعراض عن طاعة الرحمن و الإقبال على طاعة الشيطان، يصل الإنسان إلى أسفل الهاوية و منتهى الهلاك، و إنّ له أيضا مراتب، و عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «كلّ أمتي يدخلون الجنّة إلاّ من أبى. قيل: يا رسول اللّه، و من أبى ؟ قال: من أطاعني دخل الجنّة، و من عصاني فقد أبى»، فإنّ إطاعته إطاعة اللّه تعالى، كما أنّ عصيانه كذلك، كما تقدّم.

و إنّما جعل سبحانه و تعالى في هذه الآية المباركة جزاء الطائعين للّه و الرسول مرافقة الأنبياء و الصدّيقين و الشهداء و الصالحين، و لم يجعل - كما في غير الطاعة - الجنّات الّتي تهفوا إليها القلوب و تخلد فيها النفوس؛ لأنّ الطاعة ليست تكليفا محضا حتّى يجعل في مقابلها جزاء، و إنّما هي وسيلة لرقي النفس و سبيل للوصول إلى المرتبة الكاملة و النيل إلى المرتقى.

و معنى رقي النفس و رفعها بالوصول إلى الشاهق الأعلى، هو معاشرتها و مصاحبتها مع سنخها من النفوس القدسيّة، كالأنبياء و الصدّيقين و الشهداء و الصالحين، لما ثبت في الفلسفة الإلهيّة و غيرها من أنّ السنخيّة في جميع الأشياء و في جميع العوالم لازمة و موجودة، فمقتضى قانون السنخيّة في عالم المصاحبة و المعاشرة - الّذي يكون في عالم الشهادة و عالم البرزخ و عالم الآخرة - هو أن

ص: 18

تكون النفوس الخيرة مع أمثالها و النفوس الشريرة كذلك؛ لما بينهما من التباعد و التباين، فلا تلائم بين الصنفين أيضا، فإنّ أرواح المطيعين و نفوس المؤمنين لا تميل و لا تستقرّ إلاّ مع النفوس الّتي تماثلها و تكون قريبة بينهم و في أفقهم، أي من سنخهم، و هي النفوس الرفيعة القدسيّة.

على أنّ ذلك يلازم دخول الجنّات الّتي تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها. و لعلّ التعبير بقوله تعالى: أَنْعَمَ اَللّهُ عَلَيْهِمْ ، و قوله تعالى في ذيل الآية المباركة: ذلِكَ اَلْفَضْلُ مِنَ اَللّهِ ، يدلان على ما ذكرناه، و اللّه العالم بالحقائق.

و في الآية الشريفة إشارة إلى أنّه ينبغي للمؤمن أن يسعى في تكميل نفسه بالصلاح، و يترقّى إلى مرتبة الشهادة، ثمّ إلى مرتبة الصديقيّة، الّتي ليست بينها و بين مرتبة النبيّين أية واسطة إلاّ الوحي.

و الحسن الوارد في قوله تعالي: وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً من الصفات الّتي لها مراتب متفاوتة شدّة و ضعفا و كمالا. و أنّ المراد من الحسن الحسن في الرفاقة في عالم الدنيا، و يستلزم الحسن في عالم الآخرة، بل لا يتمّ حسن إلاّ به.

ص: 19

يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ اِنْفِرُوا جَمِيعاً (71) وَ إِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُ.......

اشارة

يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ اِنْفِرُوا جَمِيعاً (71) وَ إِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اَللّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً (72) وَ لَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اَللّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً (73) فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اَللّهِ اَلَّذِينَ يَشْرُونَ اَلْحَياةَ اَلدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَ مَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اَللّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (74) وَ ما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اَللّهِ وَ اَلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ اَلرِّجالِ وَ اَلنِّساءِ وَ اَلْوِلْدانِ اَلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ اَلْقَرْيَةِ اَلظّالِمِ أَهْلُها وَ اِجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَ اِجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً (75) اَلَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اَللّهِ وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اَلطّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ اَلشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ اَلشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً (76) بعد ما بيّن سبحانه و تعالى أصول الحكومة الإسلاميّة، و أمر المسلمين بوصايا ينتظم بها شؤونهم و تصلح أمورهم، و وعد الأجر الجزيل و الثناء الجميل للمطيعين للّه تعالى و الرسول، و شدّد النكير على من يرغب عن حكم اللّه تعالى و حكم الرسول إلى حكم غيره من أهل الطغيان.

ص: 20

الإيمان، و المنافقين المثبطين العزائم، فأرشدهم إلى مكائدهم و سوء سريرتهم و خبث باطنهم، و أمرهم بما يوجب تنشيط عزائم المؤمنين و تعبئتهم، بأمرهم بالقتال في سبيل اللّه تعالى و مدافعة أعداء اللّه الّذين يقاتلون في سبيل الطاغوت، و وعدهم الأجر الجزيل.

و هذه الآيات المباركة تبيّن القواعد الّتي يبتني عليها الجهاد في الإسلام، و الغاية المتوخّاة منه، و هي من الآيات المعدودة الّتي تتكفّل قواعد التعبئة العامّة في الإسلام، و هي تعبئة عقائديّة و روحيّة و جسمانيّة حربيّة. و لا يخلو وجه ارتباط هذه الآيات بالسابقة، فإنّها كارتباط ذي المقدّمة بالمقدّمة.

التفسير

قوله تعالى: يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ .

خطاب توجيهي إلى الّذين آمنوا، أي هم الّذين أحبّوا الإيمان و آثروه على الكفر و الطغيان، فأسلموا أمرهم إلى اللّه تعالى و أطاعوه في تنفيذ أوامره و أحكامه، فأمرهم عزّ و جلّ أن يأخذوا حذرهم من الأعداء بما تقتضيه طبيعة كلّ جهاد و معركة في سبيل اللّه تعالى، و قد صدّر عزّ و جلّ الخطاب بالإيمان؛ لإرشادهم إلى كلّ ما يتعلّق بالإيمان من التوجيهات الأخلاقيّة و التشريعيّة، الّتي لا يلتزم بها إلاّ أهل الإيمان.

و مادّة (حذر) تدلّ على الترهيب بالاحتراز عن كلّ ما يخاف منه، و يختلف ذلك باختلاف المقامات و الحالات، و يلازم الحذر الاحتراز و الاستعداد.

و الحذر (بالتحريك) و الحذر بمعنى واحد، و هما مصدران، كالأثر و الإثر، و قيل: إنّ الأوّل مصدر و الثاني ما يحذر به، و هو آلة الحذر، و رجل حذر، أي محترز و مستعد.

ص: 21

و قد اختلف المفسّرون في معنى ذلك، فقيل: إنّه السلاح، بحذف المضاف، أي:

آلة حذركم، و المروي عن أبي جعفر عليه السّلام: «خذوا عدّتكم من السلاح». و لكن عطف السلاح على الحذر في غير هذه الآية الكريمة يقتضي المغايرة، قال تعالى:

وَ لْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَ أَسْلِحَتَهُمْ [سورة النساء، الآية: 102].

و عن بعض: خُذُوا حِذْرَكُمْ أي: ما فيه الحذر من السلاح، و قيل غير ذلك.

و كيف كان، لا اختلاف بين الأقوال، فإنّ الحذر من العدو يستلزم الاحتراس و الاستعداد، و يختلف ذلك فقد يكون بالقول كالكناية و نحوها، أو بالفعل، كمعرفة حال العدو و معرفة وسائل كيده و معرفة أماكنه. و قد يكون بالاستعداد كجمع السلاح و تهيأة العدّة، و هو المراد في المقام بقرينة الآيات التالية، و ما ورد في تفسير الآية المباركة من الأئمة المعصومين عليهم السلام، فيكون المعنى: خذوا حذركم من العدو و احترزوا منهم و استعدوا لهم و احترسوا منهم، و من المعلوم أنّ أخذ الحذر منهم يستلزم معرفة أحوالهم و سبل كيدهم، كما يستلزم معرفة ما يحترس به و ما يتحذّر به من أنواع السلاح و كيفية استعمالها، و غير ذلك ممّا هو داخل في تثبيت الحذر منهم.

قوله تعالى: فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ اِنْفِرُوا جَمِيعاً .

بيان لما أمره عزّ و جلّ باتّخاذ الحذر من العدو بالتهيّؤ التامّ للخروج إلى الجهاد و الحرب مع أعداء اللّه تعالى، فيكون المراد من الحذر التهيّؤ و الاستعداد للحرب و القتال، و منه أخذ السلاح و حمله، كما عرفت.

و مادّة (ن ف ر) تدلّ على الانزعاج عن الشيء كالفزع، قال تعالى: وَ لَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا اَلْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَ ما يَزِيدُهُمْ إِلاّ نُفُوراً [سورة الإسراء، الآية:

41]، أي: ينفرون على القرآن الى غيره، و في الحديث: «بشّروا و لا تنفّروا»، أي: لا تلقوهم بما يحملهم على النفور. و النفر في الجهاد إنّما يكون إلى الحرب لا عنها، و قد

ص: 22

يستعمل النفر في الخيرات كلّها، و المعروف أنّهم كانوا إذا استنفروا الناس للحرب ينادون: النفير النفير، و في الحديث: «و إذا استنفرتم فانفروا»، أي: إذا طلب منكم النصرة فأجيبوا خارجين إلى الإعانة.

و الثبات: جمع ثبة، على وزن فعلة كحطمة، حذفت لامها و عوض عنها تاء التأنيث، و لامها إمّا واو، من ثبا يثبو، كحلا يحلو، أو ياء مشتقّة من ثبيت على الرجل إذا أثنيت عليه، فإنّك جمعت محاسنه، و هي الجماعة على تفرقة أو منفردة، قال الشاعر:

//و قد أغدوا على ثبة كرام// ***

و ثبات و جميعا منصوبان على الحال، أي: انفروا جماعة بأن يكونوا فصائل و فرقا، أو انفروا مجتمعين.

و اختلاف النفر كذلك إنّما يكون حسب مقتضيات الحال و الظروف الحربيّة، كما أنّه قد يقتضي الحال أن يكون النفير عامّا أو يكون محدودا على قدر الحاجة، بأن تكون سرية أو طائفة و نحو ذلك، و منه يظهر الترديد في الآية الشريفة.

و الآية الكريمة و إن كانت في الحرب، و لكن تدلّ على المبادرة إلى الخيرات كلّها أيضا؛ لأنّ الحرب و الجهاد في سبيل اللّه تعالى من أكمل الخيرات و أجلاها، فلا ينافي المبادرة إلى مطلق الخيرات أيضا.

قوله تعالى: وَ إِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ .

بيان لحال بعض الأفراد، و وصف دقيق لنفسيّتهم الّتي تكون مصدرا لحركات خاصّة و تصرّفات مخصوصة في حالة الحرب الّتي تتطلّب الثبات في العزيمة.

و الآية الشريفة تصوّر تلك الحالة النفسيّة بأحسن صورة و أكملها، بحيث لا تتأدّى تلك في عبارة اخرى مهما بلغت من الوجهة البلاغيّة، فإنّها تدلّ على أنّ

ص: 23

عملية الإبطاء الّتي تصدر من ضعفاء النفوس الّتي سيطر الخوف عليهم، و الخور و الفشل قد تمكّنا في نفوسهم.

و تمثل الآية المباركة في الذهن صورة ذلك الشخص المتردّد المتثاقل الخائف، الّذي يبطأ عن الحركة و يزيده بعدا عن الصفوف المتراصة الّتي تحارب في سبيل اللّه تعالى، فهو يبطئ عن القتال و يبطئ غيره عنه أيضا، فإذا خلص من الحرب تنفّس الصعداء و رجع فرحا مسرورا و حمد نفسه إذا سمع بوقوع القتل في صفوف المسلمين، فيقول: «قد أنعم اللّه عليّ إذ لم أكن معهم شهيدا»، و أمّا إذا سمع بنصرهم و رجوعهم مظفّرين يحملون النصر و الغنيمة، فعندئذ يتحسّر على ما فاته من الغنيمة و الرجوع عن ساحة الحرب من دون أن يصيبه أذى، و يتمنّى و يقول:

«يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما». صورة رائعة تصوّرها الآية المباركة عن الحالة النفسيّة و الشعور المتباطي و حالة الخوف لهؤلاء المبطئين، فهو لا يفكر إلاّ في نفسه لعدم تعمّق الإيمان في قلبه.

و الخطاب في وَ إِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ عامّ متوجّه إلى الجميع من دون إشارة إلى طائفة معيّنة منهم، و لم يقل: (فيهم)، و هو توجيه تربويّ متين؛ ليعرف المؤمنين الأقوياء الصادقين أنّ فيهم من تكون فيه هذه الحالة، و يصفهم بذلك الوصف الدقيق؛ ليعلم أنّ الحديث موجّه إليهم، و أنّه هو المقصود، و هذا أسلوب من الأساليب التربويّة الإصلاحيّة؛ ليعدل من فيه هذه الصفة موقفه و يستقيم و يرجع الى صفوف المؤمنين و يسلك السلوك القويم، و لا يستفاد من الآية الشريفة ما يدلّ على أنّ هؤلاء المبطئين هم المنافقون فقط، كما زعمه بعض المفسّرين، بل هو عامّ يشمل المنافقين و غيرهم من ضعاف الإيمان، فإنّ في كلّ مجتمع يوجد الصالح و الطالح، و يختلف الأفراد من حيث الصفات الروحيّة و النفسيّة و الأخلاق و الملكات.

ص: 24

و (يبطئن) من بطأ و هو التأخر عن الانبعاث في السير، و التبطّي يطلق على البطء و الإبطاء معا، و الإتيان بصيغة التشديد لما عرفت آنفا من تمكّن عملية الإبطاء في نفوسهم و استحكام هذه الصفة فيها.

قوله تعالى: فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ .

بيان لسوء سرائرهم و ضعف نفوسهم، فإنّه في حالة الخوف يجهد نفسه عند ما يهرب و لم يصبه ما أصاب المؤمنين من قتل أو جرح.

قوله تعالى: قالَ قَدْ أَنْعَمَ اَللّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً .

أي: حاضرا معهم فابتلي بمثل ما ابتلى به المؤمنون، و هذا القول منهم يكشف عن عدم ثبات الإيمان في قلوبهم. و مثل هذا القول يصدر عن كلّ من ضعف الإيمان فيه.

قوله تعالى: وَ لَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اَللّهِ .

من النصر و الغنيمة و نحوهما، و في نسبة الفضل إلى اللّه تعالى دون المصيبة، مراعاة لحسن الأدب مع اللّه جلّ شأنه.

قوله تعالى: لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُ مَوَدَّةٌ .

جملة معترضة بين القول و مقوله من كلامه عزّ و جلّ ، و فيها التفاتة تدلّ على زيادة قبح فعلهم، و ضمير الخطاب للمؤمنين، و ضمير الغيبة للقائل، أي: ليقولن قول من لا تجمع بينه و بينكم أيّة مودّة و لو كانت ضعيفة، فإنّها لو كانت و لو على هذه الدرجة لكانت مانعة عن هذا التمنّي، فإنّ الإيمان من أقوى الروابط و أحكمها، و لضعف هذه الرابطة فيهم لا يرون لأنفسهم أيّة رابطة اخرى تربطهم بالمؤمنين، فيتمنّى الأجنبي ما لأجنبي آخر من الفضل.

و إنّما أدرج عزّ و جلّ هذه الجملة بين القول و المقول؛ لئلاّ يتوهّم أحد أنّ تمنّيهم المعيّة مع المؤمنين ليس لأجل النصرة و المظاهرة على ما تقتضيه العادات و التقاليد في تلك العصور، بل كان لأجل الحرص على حطام الدنيا.

ص: 25

قوله تعالى: يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً .

المراد من الفوز العظيم هو حطام الدنيا على طريق التهكم و تعظيم هذا الأمر منهم، و جعل المصيبة الّتي أصابت المؤمنين نعمة يدلّ على ضعف إيمانهم.

قوله تعالى: فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اَللّهِ اَلَّذِينَ يَشْرُونَ اَلْحَياةَ اَلدُّنْيا بِالْآخِرَةِ .

بعد ما بيّن خطأ سلوك المبطئين الّذين يريدون من عملية الإبطاء التخلّف عن القتال، و ذمّهم و شنّع عليهم بأبلغ أسلوب، و أرشد المؤمنين إلى أنّ العقدة الحقيقة في تخلّفهم عن الطريق الصحيح هو الحرص على متاع الحياة الدنيا.

يبيّن عزّ و جلّ في هذه الآية المباركة الحقيقة المطلوبة، و هي أنّ المؤمنين يبيعون متاع الحياة الدنيا ليشتروا به النعيم الأبدي الحقيقي، و في الآية الكريمة الحثّ على الجهاد في سبيل اللّه تعالى، بتذكيرهم أنّ المؤمنين قد شروا بالإيمان الحياة الدنيا بالآخرة، قال تعالى: إِنَّ اَللّهَ اِشْتَرى مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ اَلْجَنَّةَ [سورة التوبة، الآية: 111].

و في الآية الشريفة توجيه تربويّ متين، فإنّ اللّه تعالى لما خاطب الجميع بما فيهم الضعفاء و الأقوياء، ثمّ وصف أفعال الضعفاء و تمنّياتهم و حكى أقوالهم، دون أن يشير إلى أعيانهم؛ لما في ذلك من أثر نفسي كبير - كما عرفت - ثمّ أهملهم في هذه الآيات ليرجعوا إلى أنفسهم فيشعروا بالإثم و يطهّروا نفوسهم من الذنب العظيم، ذنب التبطّي عن القتال و القعود عنه، ثمّ وجّه الخطاب إلى المؤمنين و وصفهم بصفات المسلم الحقيقي و المؤمن باللّه العظيم إيمانا حقيقيّا، و هي القتال في سبيل اللّه و بيع الحياة الدنيا بالآخرة. و هذا التحوّل في الخطاب من أهمّ السبل التربويّة؛ لتحوّل المذنب عن موقفه إلى الموقف المطلوب.

قوله تعالى: وَ مَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اَللّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ .

حثّ على الجهاد في سبيل اللّه تعالى، و بيان للغرض من القتال في الإسلام،

ص: 26

و أنّه ليس لحميّة و لا عصبيّة و لا للحظوظ الدنيويّة، و أنّ الفائدة المتوخّاة منه هي الأجر العظيم في الآخرة، لا يعلم أحد كميّته و لا كيفيّته إلاّ اللّه تعالى، و قد ذكر عزّ و جلّ أنّ العاقبة المحمودة من الجهاد إمّا القتل أو النصر، و على كلتا الحالين فللمجاهد الأجر العظيم.

و إنّما قدّم عزّ و جلّ القتل مع أنّ المقام مقام الحثّ و التشجيع، و هو يقتضي ذكر النصر أوّلا، و تأخير ذكر القتل الّذي تنفر منه النفوس؛ للإرشاد إلى أنّ المؤمن ينبغي أن يكون همّه أحد الأمرين، إمّا إكرام نفسه بالقتل و الشهادة، أو إعزاز الدين بالنصر، و لا يحدّث نفسه بالهرب كما كان عليه المبطئون، و أنّه لا بد له من الثبات و العزيمة و التجرّد عن المادّة و الخلوص للّه تعالى، فلا يغري نفسه بالنصر فقط، بل يوطّنها على القتل.

و من ذلك يعلم أنّه لم يذكر عزّ و جلّ الاحتمال الثالث - و هو الانهزام - لأنّ المؤمن قوي العزيمة ثابت على الإيمان، لا ينهزم و لا يحدّث نفسه بالهزيمة؛ لأنّها خيانة، و المؤمن بريء منها.

و من هذه الآية الشريفة نستفيد أمرا تربويّا دقيقا، فإنّ اللّه تعالى إنّما وضع الجهاد و كتب القتال على المؤمنين؛ لأجل التجرّد الكامل للّه تعالى، و بيع الحياة الدنيا بما فيها من رغبة النصر و الاستيلاء على أعداء اللّه تعالى، حتّى يحظى برضوان اللّه تعالى و يشتري بها الحياة الآخرة، فكأنّ ذكر القتل ابتداء وقع من ذكر النصر، و له الأثر الكبير في النفوس و تشجيع الهمم و حثّ المتثاقلين، فإنّ الّذي يذهب للجهاد ليموت، لن يتغيّر موقفه حتّى يرزق النصر، بخلاف من يذهب للنصر و الغنيمة، فإنّه يتغيّر موقفه حين يقابل الموت، فيحدّث نفسه بالهزيمة.

قوله تعالى: فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً .

أي نعطيه الأجر العظيم و لا يفوته ذلك، و في الالتفات مزيد حثّ و ترغيب، و إنّما وصف الأجر بكونه عظيما؛ لأنّه لا يعرف حدوده في الكم و الكيف أحد إلاّ

ص: 27

اللّه تعالى، و هذا الوعد منه عزّ و جلّ مترتّب على كلا الاحتمالين القتل و النصر.

نعم، الّذي غلب في سبيل اللّه تعالى فأمره مراعى في استيفاء ذلك الأجر.

قوله تعالى: وَ ما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اَللّهِ .

زيادة في الحثّ و التحريض المستفاد من الالتفات إلى الخطاب، بعد توضيح القاعدة في الجهاد في الإسلام. و قد ذكر في هذه الآية المباركة فائدة اخرى شريفة تصبوا إليها النفوس العالية، و هي نصرة المستضعفين و المظلومين.

و معنى الآية الكريمة أن لا عذر لكم في ترك القتال في سبيل اللّه تعالى.

و يستفاد من هذه الآية الشريفة انحصار القتال في سبيل اللّه، و هذا ما يؤكّده القرآن الكريم في مواضع متعدّدة، و إذا عطف عليه شيء آخر في بعض الآيات - و منها المقام، أي: نصرة المستضعفين و المظلومين - فإنّما هو لأجل أنّ ذلك من مصاديق سبيل اللّه تعالى، و من طرق إقامته، فإنّ سبيل اللّه لا يمكن أن ينال حتّى يستنقذ المستضعفون من الظلم.

قوله تعالى: وَ اَلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ اَلرِّجالِ وَ اَلنِّساءِ وَ اَلْوِلْدانِ .

طريق آخر في إقامة كلمة الحقّ و تثبيت لسبيل اللّه تعالى، و هو يعمّ كلّ خير، و منه إنقاذ المظلومين، كما أنه لا يؤمّن سبيل اللّه إلاّ باستنقاذ المستضعفين من الرجال و النساء و الولدان من ظلم العتاة و الجبابرة.

و في الآية المباركة استنهاض للمؤمنين و تهييج لهممهم، و إغراء لهم بأنّ أهليكم و إخوانكم يعانون الأمرّين من ظلم الظالمين ليفتنوهم عن دينهم، فيجب استنقاذهم لأنّهم منكم، و قد جمعتكم رابطة الدين الّتي هي من أقوى الروابط، فإنّ الإسلام قد أهمل كلّ نسب و سبب غير الإيمان باللّه تعالى.

و إنّما ذكر تعالى الولدان - جمع ولد - و هم الصبيان بالخصوص، لأجل بيان فرط ظلم الكفّار، و أن ظلمهم و أذاهم وقع على النساء و الصبيان غير المكلّفين

ص: 28

أيضا، و الّذين هم يحتاجون إلى الرعاية و الترحّم و الانعطاف أكثر من غيرهم، و لعلّ في ذلك ارغام لآبائهم و أمهاتهم و بغضا لمكانتهم.

قوله تعالى: اَلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ اَلْقَرْيَةِ اَلظّالِمِ أَهْلُها .

استنهاض آخر لهم في تقديم المعونة للذين تربطهم معهم رابطة الإيمان مضافا إلى أنّهم منهم، و هم أبعاضهم و أفلاذهم، و مؤمنون باللّه العظيم يدعونه خوفا و طمعا بعد ما انقطعت بهم الأسباب؛ لأنّهم فقدوا من قومهم كلّ عون و حرموا كلّ مغيث، فكانوا مذللين معذبين لأجل دينهم، يستغيثون اللّه تعالى بقولهم: ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها.

و الآية المباركة بأسلوبها الرفيع و فصيح عبارتها، بيّنت كمال انقطاعهم إلى ربّهم و قوّة إيمانهم، حيث لم يستغيثوا إلاّ بمولاهم الحقّ ليفرّج عنهم كربهم و يخرجهم من تلك القرية الّتي هي وطنهم الظالم أهلها لهم، و لم يذكروا شيئا آخر ممّا كان دائرا في العصر الجاهلي من العصبيّة و نحوها، فلم يقولوا: يا قوماه، أو يا للرجال و نحو ذلك.

و المراد من القرية مكّة المكرّمة الّتي ظلم أهلها المشركون المؤمنين أشدّ أذية ليردّوهم عن دينهم. و إنّما وصف أهلها بالظلم دون القرية، كما في غير هذا الموضع قال تعالى: فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَ هِيَ ظالِمَةٌ [سورة الحج، الآية: 45]، و قال تعالى: وَ كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَ هِيَ ظالِمَةٌ [سورة الحج، الآية: 48]، لأنّ مكّة مكرّمة فلا يقال لها قرية ظالمة، و إنّما اختصّ أهلها بالظلم.

قوله تعالى: وَ اِجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا .

دعاء آخر منهم يطلبون منه جلّت عظمته أن يجعل منهم وليا يلي أمرهم ليرشدهم إلى أمور دينهم و دنياهم، فإنّه أعلم بمصالحهم من غيره.

ص: 29

قوله تعالى: وَ اِجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً .

دعاء ثالث يطلبون منه أن يجعل لهم نصيرا ينصرهم على من أذاهم فاستجاب لهم ربّهم دعاءهم، فجعل لهم خير ولي و خير نصير، فحماهم و نصرهم بمحمّد صلّى اللّه عليه و آله حتّى صاروا أعزّ أهلها بعد ما كانوا أذلة ضعفاء.

و في تكرار الفعل و متعلّقيه مبالغة في التضرّع و الابتهال، و حصر الطلب فيه عزّ و جلّ ، فإنّهم يتمنّون الوليّ و النصير لكنّهم لا يرضون إلاّ أن يسألوا ربّهم.

قوله تعالى: اَلَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اَللّهِ .

بيان لحقيقة من الحقائق الإيمانيّة، و هي في نفس الوقت توجيه للمؤمنين بأنّ قتالهم لا بدّ أن لا يكون لغرض دنيويّ ، بل يكون دائما في سبيل اللّه تعالى و التقرّب إليه عزّ و جلّ ، و قياس بين الطائفتين المؤمنة الّتي لا تقاتل إلاّ في سبيل اللّه، و الكافرة الّتي ليس لهم أي غرض سوى الأغراض الدنيويّة الوهميّة، فيعلم شرف الطائفة الأولى على الثانية؛ لأنّ سبيل اللّه يوصل لا محالة إلى اللّه تعالى، بخلاف سبيل الكفّار الّتي لا توصلهم إلاّ إلى الهلاك و البوار. و لا ضير في اختلاف الدوافع عند المؤمنين في القتال، فتارة: يريدون من القتال الدفاع عن الحقّ ، و اخرى: دفع عدوان الكافرين، و ثالثة: لاستنقاذ المستضعفين، و رابعة: لإزالة القوى الّتي تقف في سبيل الدعوة و الحقّ و غير ذلك ممّا هو كثير، فإنّها جميعا من وجوه سبيل اللّه و مصاديقه، بل لا تحقّق له إلاّ بذلك.

قوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اَلطّاغُوتِ .

بيان لحقيقة اخرى بالنسبة إلى الفئة الكافرة الّتي لا تقاتل إلاّ في سبيل الطاغوت الّذي هو سبيل الشيطان و لا يوصلهم إلاّ إلى الهلاك، و لا فرق في قتالهم بين أن يكون مع الإسلام و المسلمين و دين الحقّ أو كانوا يقاتلون بعضهم بعضا، فلا يكون قتالهم إلاّ في سبيل الطاغوت و إنّ كلّ قتال لهم لا يكون إلاّ كذلك ما داموا معرضين عن الإيمان باللّه تعالى و رسوله، و مهما كانت شعاراتهم و أقوالهم،

ص: 30

و هذا ما نراه في الجاهليّة المعاصرة الّتي استمدت شعارات برّاقة ليقاتل تحتها المؤمنين المستضعفين، و هي شعارات زائفة من سبل الطاغوت، فالآية المباركة تبيّن حقيقة كلّ واحد من الفريقين و أهدافهم ليعلم غيرهم ذلك، و يثبت المؤمنين على طريقتهم و يعرضوا عن طريق أعدائهم، و يرجع المخدوعون إلى الحقّ و يسيروا على نهج المؤمنين و هديهم.

قوله تعالى: فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ اَلشَّيْطانِ .

تحريض آخر للمؤمنين بالقتال ببيان ضعف سبيل الكافرين و تأكيد للحكم المزبور - و هو القتال في سبيل اللّه تعالى - و بيان للقاعدة الّتي يستند إليها المؤمنون الّذين هم أولياء اللّه تعالى، و صلابتها أمام تلك الّتي يقف عليها أعداؤهم الّذين هم في ضلال، لأنّهم أولياء الشيطان خارجون عن ولاية اللّه تعالى، فيجب قتالهم حتّى لا تكون فتنة و يكون الدين كلّه للّه تعالى، فهؤلاء يقاتلون في سبيل اللّه، و الكفّار يقاتلون في سبيل الطاغوت.

قوله تعالى: إِنَّ كَيْدَ اَلشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً .

لأنّ الشيطان مهما تجبّر و تكبّر فهو ضعيف في حدّ نفسه؛ لأنّه باطل و لا قوّة له، فضلا عن القياس إلى قدرة اللّه تعالى و عظمته الّذي يقاتل أولياؤه في سبيله و هو وليّهم، و الشيطان وليّ الكافرين.

و في الآية الكريمة كمال العناية بالمؤمنين؛ لأنّ اللّه تعالى القوي القدير هو وليّهم يرعى شؤونهم. و تحريض لهم بأنّ الشيطان مهما تجبّر و تطاول، فإنّه ضعيف، فلا يرهبكم مكائده و حيله مهما بلغ في العدّة و العدوان، فإنّ اللّه على نصركم لقدير.

و لمثل هذه الجملة أثر نفسيّ كبير في نفوس المؤمنين الّذين يريدون القتال في سبيل الحقّ ، و هم يذعنون بأنّهم أقوياء لا يغلبهم الباطل، فتطمئن نفوسهم بالغلبة و النصر مهما كان في جانب الباطل من القوّة في العدد و العدّة.

ص: 31

بحوث المقام

بحث أدبي:

ذكرنا ما يتعلّق باشتقاق كلمة الثبات و النفر، و القراءة المعروفة في الأخيرة هي كسر الفاء في (انفروا) في الموضعين، و قرأ بعضهم بالضمّ فيهما.

و أما ثبات، فالمعروف بكسر التاء، و هي بحسب القاعدة في جمع المؤنّث، و حكى بعضهم الفتح.

و قوله تعالى: وَ إِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ ، فإنّ اللام الأولى لام التأكيد الّتي تدخل على خبر إن أو اسمها إذا تأخّر، و الثانية جواب قسم. و قيل: زائدة، و جملة القسم و جوابه صلة الموصول.

و في قوله تعالى: وَ إِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ من الدقّة في تصوير المعنى ما لا يخفى، و تعتبر من الوجهة البلاغيّة في أعلى درجات الفصاحة، فإنّ في هذه الصياغة تستفاد الصورة الكاملة من اللفظ و المعنى لعملية الإبطاء المتتابعة، كما عرفت في التفسير.

و أمّا قوله تعالى: كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ، فإنّه اعتراض بين القول و المقول، جيء به لزيادة قبح فعلهم و التشنيع عليهم، و فيه وجوه بلاغيّة، مثل الالتفات، و تنكير المودّة، و التشبيه الفصيح، و نفي الكون، و غير ذلك من الوجوه الّتي جعلت الجملة في أعلى درجات البلاغة، فإنّ فيها من التقريع و التوبيخ بألطف القول و أحسن عبارة و أرقّها، ممّا تؤثّر في النفس ما لا يؤثّر النبز بالألقاب و الطعن بالقول السيء.

و كَأَنْ حرف تشبيه تأتي ثقيلة و مخففة، فإن وليها ما كان يليها و هي ثقيلة، فإنّها ترفع الجملة على الابتداء و الخبر، و يكون اسم كأن ضمير الشأن

ص: 32

محذوفا، و تكون الجملة في موضع خبر كأن، و إذا لم ينو ضمير الشأن جاز لها أن تنصب الاسم إذا كان مظهرا و ترفع الخبر، فنقول: كأن زيدا قائم، و التفصيل مذكور في كتب النحو.

و (يشرون) في قوله تعالى: فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اَللّهِ اَلَّذِينَ يَشْرُونَ مضارع شري، و هو من الأضداد يأتي بمعنى باع - كما في قوله تعالى: وَ شَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ [سورة يوسف، الآية: 20]، و بمعنى اشترى، و المراد من الموصول المنافقون حيث أمروا بترك النفاق و المجاهدة في سبيل اللّه تعالى.

و أمّا قوله تعالى: وَ اَلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ اَلرِّجالِ وَ اَلنِّساءِ وَ اَلْوِلْدانِ ، فهو إمّا عطف على اسم الجلالة، أي في سبيل اللّه، و في سبيل المستضعفين و هو تخليصهم من الظلم و الأسر، أو عطف على (سبيل) بحذف مضاف، أي في خلاص المستضعفين، و يجوز نصبه بتقدير فعل - كأعني و أخصّ و نحوهما - و قوله تعالى:

مِنَ اَلرِّجالِ وَ اَلنِّساءِ وَ اَلْوِلْدانِ بيان للمستضعفين.

و الوصف في قوله تعالى: مِنْ هذِهِ اَلْقَرْيَةِ اَلظّالِمِ أَهْلُها صفة قرية، و تذكيره لتذكير ما أسند إليه، فإنّ اسم الفاعل و المفعول إذا أجري على غير من هو له، فتذكيره و تأنيثه على حسب الاسم الظاهر الّذي عمل فيه، و لم ينسب إليها الظلم تشريفا و تكريما، فإنّ مكّة مكرّمة.

بحث دلالي
اشارة

تدلّ الآيات الشريفة على أمور:

الأوّل:

يدلّ قوله تعالى: يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ اِنْفِرُوا جَمِيعاً على القاعدة الّتي يعتمد عليها الجهاد في الإسلام، و هي الدفاع عن كيد الأعداء و ظلم الظالمين، و ربط هذه القاعدة بالإيمان بحيث لا تخرج عن

ص: 33

التوجيهات الإيمانيّة، فإنّ الإيمان يرتبط بتوجيهات أخلاقيّة و أحكام تشريعيّة لا يلتزم بها إلاّ المؤمنون.

و في الآية المباركة التذكير الدائم للمؤمنين و تحديد مهمّتهم. و لم يذكر سبحانه و تعالى كيفيّة الحذر و لا خصوصياته؛ إيكالا لما تتطلبه الظروف الحربيّة في كلّ مكان و زمان. فالآية الشريفة على إيجازها البليغ تحدّد المسؤوليّة في الجهاد بأن لا يخرج عن الحدود الإيمانيّة، و الغرض من الجهاد و هو الدفاع و الحيطة من الأعداء.

الثاني:

يدلّ قوله تعالى: وَ إِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ - بضميمة صدر الآية الشريفة - على وجوب الاستعداد للجهاد و بذل كلّ جهد في سبيله، لئلاّ تموت العزائم في إقامة الحقّ و تخور القوى في تطهير الأرض من الظلم.

الثالث:

تدلّ الآية الكريمة: وَ إِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ على أنّ في صفوف المؤمنين من لا يفكّر إلاّ في نفسه؛ لأنّ الإيمان لم يتعمّق في قلبه، متذبذب في تفكيره و متردّد في أفعاله، يتبع المصلحة الوقتيّة المادّية، فتارة يتمنّى الدخول في سلك المؤمنين إن اصابوا المغانم مع كمال البعد بينه و بين المؤمنين، و اخرى يفتخر و يتشدّق بعدم الانخراط فيهم، فلم يصبه من القتل و الجراح في سبيل اللّه تعالى، فالآية المباركة تصوّر واقع هؤلاء بأحسن تصوير و تبيّن حالتهم النفسيّة بأوجز عبارة و أبلغ أسلوب، و لا تختصّ بعصر النزول، فإنّ مضمون الآية المباركة عامّ يشمل جميع الأعصار، كما لا تختصّ بالمنافقين و إن كانوا أجلى الأفراد؛ لأنّ الآية الشريفة تخبر عن تلك الجماعة الّتي لم يتعمّق الإيمان في قلوبهم، و هو أعمّ من النفاق؛ لأنّ في كلّ قوم صالحا و طالحا.

الرابع:

يدلّ قوله تعالى: كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً على كمال البعد بينهم و بين المؤمنين، و أنّ تفكيرهم المادّي هو الّذي أوجب هذا البعد، فإنّ اللّه تعالى جعل رابطة الإيمان من أقوى الوشائج الّتي تجمع بين أفراد المؤمنين؛ لأنّها تنبع من القلب و تكون خالصة من كلّ الظواهر

ص: 34

المادّية الّتي تؤول إلى التفكّك و البعد بينهم و بين المؤمنين، فلا يتمنّون ما لا ينبغي لهم أن يتمنّوه، فإنّ قصدهم كان لأجل حطام الدنيا الّتي تؤول إلى الزوال.

الخامس:

يدلّ قوله: فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اَللّهِ اَلَّذِينَ يَشْرُونَ اَلْحَياةَ اَلدُّنْيا بِالْآخِرَةِ على أنّ القتال في الإسلام إنّما يكون في سبيل اللّه، و لا يقوم بهذه المهمّة إلاّ من باع الحياة الدنيا الفانية الزائلة بالآخرة الباقية الدائمة، فالآية الكريمة على إيجازها البليغ تتضمّن جميع جوانب الجهاد و القتال في الإسلام من العلّة الفاعليّة، و هي المؤمنون الّذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة، و العلّة الغائيّة و هي طلب رضاء اللّه تعالى و السعي في سبيله، و قد عدّ عزّ و جلّ في المقام من وجوه سبيل اللّه تعالى القتل و الغلبة، و إنقاذ المستضعفين من المؤمنين. و العلّة الصوريّة و هي النفر ثباتا أو النفر جميعا وفق الظروف الحربيّة، و العلّة المادّية و هي الحذر و الاستنهاض في الاستعداد بجميع صوره، و سيأتي في الموضع المناسب تفصيل الكلام في الجهاد في الإسلام إن شاء اللّه تعالى.

و الآيات الشريفة تتضمّن الأسس التربويّة في هذا المضمار، و كلّ ما يتطلبه الوضع الحربي من إعداد النفوس و تقويتها و استنهاضها للقتال، و طلب العون و النصرة من اللّه العلي القدير، و أدب الدعاء من الخضوع و الخشوع لدى جنابه، فهي من الآيات المعدودة الّتي تشتمل على جميع ما يتطلبه الحرب و الجهاد، كما هو المعروف.

السادس:

يدلّ قوله تعالى: إِنَّ كَيْدَ اَلشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً على وجود الضعف في كيده دائما بل هو لازم ذاته، و تتضمّن الآية الكريمة نكتة لطيفة قرآنيّة، و هي أنّه سبحانه و تعالى وصف كيد النساء بالعظمة، قال تعالى محكيّا عن عزيز مصر: إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ [سورة يوسف، الآية: 28]. و وصف كيد الشيطان في هذه الآية المباركة بالضعف.

و لكن الضعف إنّما يكون في جنب نصرة اللّه تعالى لأوليائه و حفظه لهم، كما

ص: 35

قال تعالى: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ * [سورة الحجر، الآية: 42]، و عظمة كيد النساء بالنسبة إلى الأمور المادّية و الشهوانيّة، فيكون كيدهن عظيم بالإضافة.

السابع:

يستفاد من قوله تعالى: فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ اَلشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ اَلشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً أنّ كلّ قتال مع المؤمنين إنّما يكون من كيد الشيطان، الّذي يوحي إلى أوليائه سبل المكر و الخداع و يزيّن لهم الباطل و يبثّ بينهم طرق البغي و الطغيان، فيوهمهم بوسوسته في الحرب مع المؤمنين و يخدعهم بأنّ فيه الصلاح لهم، كما يوهن قوى المؤمنين بإلغاء الشبه عليهم.

و الآية المباركة في مقام إبطال جميع وساوس الشيطان و مكره و خداعه، و تثبيت للمؤمنين و تقوية لهم بأنّ كيد الشيطان مهما بلغ من القوّة و العظمة، فإنّه ضعيف في مقابل نصرة اللّه؛ لأنّ كيده من الباطل الّذي لا قوّة فيه و لا بقاء له، فالمؤمنون يطلبون شيئا ثابتا فيه القوّة و البقاء؛ لأنّهم على حقّ . و قد جرت سنّة اللّه تعالى في مصارعة الحقّ و الباطل أن يغلب الحقّ على الباطل لا محالة، كما أنّ سنن الوجود تؤيّد ذلك.

و هذه الآية الشريفة لها من التأثير النفسي في ميدان القتل و الجهاد و الحرب ما لا يكون في غيرها، و قد أتعب علماء التربية أنفسهم و غيرهم ممّن لهم الصلة في هذا الميدان على صياغة عبارات تؤدّي مثل هذا الأثر، و لم يكن بوسعهم ذلك، فسبحان اللّه الّذي أحكمت آياته و جلّت عظمته.

الثامن:

تدلّ الآيات المباركة المتقدّمة على الأسس الّتي يقوم عليها القتال في الإسلام و القاعدة العريقة الّتي لا يتخطّاها، و هي كونه في سبيل اللّه تعالى، و لإشاعة العدل، و تثبيت الحقّ ، و أنّ القتال في الإسلام لا يقوم إلاّ عند فشل جميع السبل في تثبيت كلمة اللّه تعالى و نشر العدل، و هذا المقصد أمر ثابت لا يتغيّر، و القتال الخارج عن هذه الطريقة لا يكون إلاّ قتالا باطلا ليس فيه قصد إلا طلب

ص: 36

الدنيا، و لأجل الاستعلاء و الغلبة بغير حقّ ، و إهلاك الحرث و النسل. و هذا ليس له أساس ثابت يقتضيه التكوين و الطبيعة و سنن الوجود، و بالآخرة يحكم عليه بالفشل و الزوال.

التاسع:

يمكن أن يستفاد من قوله تعالى: إِنَّ كَيْدَ اَلشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً أنّ المراد من اتّخاذ الحذر و الاستعداد أعمّ من المادّي، كتهيئة الجيوش و إعداد السلاح و نحو ذلك. و المعنوي و هو ترويض النفس على الأخلاق الفاضلة، و إعدادها لقبول الكمالات، فإنّ لهذا القسم أثرا كبيرا على الأعداء و ارغامهم على قبول الإيمان و الحقّ .

بحث روائي:

في مجمع البيان قال: «سمّى الأسلحة حذرا؛ لأنّها الآلة الّتي بها يتقي الحذر، و هو المروي عن أبي جعفر عليه السّلام.

أقول: هذا من باب التفسير بالمصداق، و إلاّ فإنّ الحذر أعمّ من الأسلحة و ما يحصل في النفس من الخوف، أي أنّه أعمّ من النفسيّ - و المعنويّ - و المادّي، و تقدّم في التفسير ما يتعلّق به.

و فيه عن أبي جعفر عليه السّلام أنّ المراد بالثبات السرايا، و بالجميع العسكر.

أقول: هذا من باب ذكر أحد المصاديق كما تقدّم. و مثله ما في الدّر المنثور من أنّ المراد من الجميع «إذا نفر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله معهم».

و في تفسير العياشي عن سليمان بن خالد عن الصادق عليه السّلام: «في قوله تعالى:

يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ ، فسمّاهم بمؤمنين و ليس هم بمؤمنين، و لا كرامة، و قال تعالى: فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ اِنْفِرُوا جَمِيعاً - إلى قوله تعالى - يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً ، و لو أنّ أهل السماء و الأرض قالوا: قد أنعم اللّه عليّ إذ لم

ص: 37

أكن مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لكانوا بذلك مشركين، و إذا أصابهم فضل من اللّه قال:

يا ليتني كنت معهم فأقاتل في سبيل اللّه».

أقول: المراد بتسميتهم بالمؤمن لأنّهم تلبّسوا بأدنى مرتبة الإيمان في الظاهر، و ليسوا هم بمؤمنين، أي واقعا و حقيقة، و تقدّم في التفسير أيضا، و المراد من الشرك المرتبة الأولى منه، الّتي لا تنافي إجراء أحكام الإسلام عليه؛ لأنّ للشرك مراتب متفاوتة، و في كلّ مرتبة درجات، و في كلّ درجة فيها شدّة و ضعفا.

و عن أبي علي الطبرسي قال: «قال الصادق عليه السّلام: و لو أنّ أهل السماء و الأرض قالوا: قد أنعم اللّه علينا إذ لم نكن مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، لكانوا بذلك مشركين».

أقول: لأنّ ذلك خلاف التوحيد الكامل و العبوديّة المحضة، فإنّهم أظهروا الفرح على عدم إصابتهم المصيبة معه صلّى اللّه عليه و آله، و شأن المؤمن أن يشارك معه، و تقدّم أنّ للشرك مراتب تختلف حسب من يتلبّس به، و حسب العقيدة و غيرهما.

و في تفسير علي بن إبراهيم قال الصادق عليه السّلام: «و اللّه، لو قال هذه الكلمة أهل المشرق و المغرب لكانوا بها خارجين عن الإيمان، و لكن قد سماّهم مؤمنين بإقرارهم».

أقول: المراد من الخروج عن الإيمان الخروج عن طاعة اللّه و رسوله، أو الخروج عن حدّ الكمال و المرتبة الأعلى منه - كما مرّ - فإنّ للإيمان مراتب متفاوتة جدّا.

البيهقي في سننه بطريقه عن ابن عباس في قوله تعالى: يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ اِنْفِرُوا جَمِيعاً عصبا و فرقا. قال: نسخها وَ ما كانَ اَلْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً [سورة التوبة، الآية: 122].

أقول: ليس بينهما شرائط النسخ، إذ آية الحذر في الحرب و القتال، و آية النفر

ص: 38

في التفقّه في الدين و تعلّم الأحكام، و على فرض وحدة الموضوع بينهما، فهما من باب التقييد و التخصيص، لا النسخ، إلاّ أن يراد به هما.

العياشي بسنده عن علي بن الحسين عليهما السّلام قال: «كانت خديجة ماتت قبل الهجرة بسنة و مات أبو طالب بعد موت خديجة بسنة، فلما فقدهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله سئم المقام بمكّة و دخل في حزن شديد و أشفق على نفسه من كفّار قريش، فشكى إلى جبرئيل عليه السّلام ذلك، فأوحى اللّه تعالى إليه: يا محمد، أخرج من القرية الظالم أهلها و هاجر إلى المدينة، فليس لك اليوم بمكّة ناصر، و انصب للمشركين حربا، فعند ذلك توجّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الى المدينة».

أقول: الرواية من باب التطبيق، و إلاّ فالآية الكريمة عامّة، و توصيف أهل مكّة بالظلم تشريفا للبلد الأمين الّذي هو مكّة المكرّمة، كما مرّ.

و عن أبي جعفر عليه السّلام في رواية حمران قال: «وَ اَلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ اَلرِّجالِ وَ اَلنِّساءِ وَ اَلْوِلْدانِ اَلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ اَلْقَرْيَةِ اَلظّالِمِ أَهْلُها فأولئك نحن».

أقول: الرواية من باب ذكر أحد المصاديق، أي المستضعفين ظاهرا في هذه الدينا، و قد ورد عن ابن عباس في الدرّ المنثور أنّه قال: «أنا و أمي من المستضعفين»، و كانا كذلك أيضا؛ لأنّهما كانا من المسلمين الّذين كانوا بمكّة لا يستطيعون الخروج منها، و كانوا في ضيق من العيش».

و عن سماعة قال: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن المستضعفين، قال: هم الولاية، قلت: أي ولاية تعني ؟ قال: ليست ولاية و لكنها في المناكحة و المواريث و المخالطة، و هم ليسوا بالمؤمنين و لا الكفّار، و منهم المرجون لأمر اللّه. فأمّا قوله تعالى: وَ اَلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ اَلرِّجالِ وَ اَلنِّساءِ وَ اَلْوِلْدانِ اَلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ اَلْقَرْيَةِ اَلظّالِمِ أَهْلُها فأولئك نحن».

ص: 39

أقول: صدر الرواية يبيّن المستضعفين في الإيمان، أي من له أدنى مرتبة الإيمان، فإنّ له مراتب كثيرة كما تقدّم، و أمّا ذيلها فإنّه من باب التطبيق و ذكر أجلى المصاديق و بيان ما طرأ عليهم من غصب حقوقهم عليهم السّلام.

و في الدرّ المنثور عن سعيد بن جبير: «في قوله تعالى: فَلْيُقاتِلْ ، يعني يقاتل المشركين فِي سَبِيلِ اَللّهِ ، قال: في طاعة اللّه، وَ مَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اَللّهِ فَيُقْتَلْ ، يعني يقتله العدو، أَوْ يَغْلِبْ يعني يغلب العدو من المشركين، فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً يعني جزاء وافرا في الجنّة، فجعل القاتل و المقتول من المسلمين في جهاد المشركين شريكين في الأجر».

أقول: الرواية من باب التفسير للآية المباركة، و تقدّم أنّ القتل في سبيله تعالى يكون من إحدى الحسنيين، و كذا من يقتل من العدو أو من وقع في الأسر في يد العدو، فكلّ مشقّة يتحمّلها المجاهد في سبيل اللّه تعالى فله أجره عند ربّه، كما تقدّم في الآيات السابقة.

و عن ابن عباس قال: «إذا رأيتم الشيطان فلا تخافوه و احملوا عليه إِنَّ كَيْدَ اَلشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً .

أقول: كيد الشيطان بالنسبة إلى نصرة الرحمن و هدايته كان ضعيفا، و أمّا بالنسبة إلى المؤمن فهو تابع لإيمانه، فكلّما اشتدّ إيمان المؤمن باللّه تعالى و كثر إخلاصه له سبحانه و وفى بعهد الربوبيّة و زاد في توكّله عليه، علا شأنه و ضعف كيد الشيطان و أمن من مكره، و إذا قلّ إيمانه باللّه تعالى و لم يف بعهد الربوبيّة، قوي كيد الشيطان بالنسبة له، و هذا ما يستفاد من الآيات الكثيرة و الروايات المتواترة عن المعصومين عليه السّلام، و لدفع الشيطان و بعده عن الإنسان طرق كثيرة معروفة عند أهل العرفان.

ص: 40

بحث كلامي:

الآية المباركة تدلّ على وجوب اتخاذ الحذر، و هو حكم عقلي - بل أمر فطري - كشف عنه الشرع، و الحذر: هو طريق الاحتياط يعمّ في جميع الأشياء و يختلف حسب متعلّقه، أي المخوف.

و الفرق بينه و بين الكيد، هو أنّ الكيد يحتال الإنسان ليوقع غيره في مكروه، و الحذر هو احتيال الشخص لخروج نفسه عن مكروه، فالتنافي بينهما واضح. فما قيل من أنّه نوع من الكيد، غير صحيح.

و التقديرات من اللّه سبحانه و تعالى لا يرفعها الحذر أصلا؛ لأنّها كائنة حتّى في ظرف الحذر، بل المقدّرات الإلهيّة غير مربوطة بالظروف الّتي حصلت باختيار الإنسان بنفسه، كما عن نبيّنا الأعظم: «المقدور كائن و الهم فضل» - و ما قيل:

«الحذر لا يغني القدر»، فالتقديرات الإلهيّة كائنة مهما كانت الظروف و الحالات.

إن قلت: لو كان التقدير في الحرب مثلا الغلبة، فلا فائدة في الحذر، و إن كان مقتضاه المغلوبيّة فلا نفع فيه، فلا فائدة في الحذر على التقديرين.

قلت: الأمر بالحذر لا ينافي التقدير كما مرّ. و إنّ الأوامر التشريعيّة الّتي هي في مقام تكميل العبد، غير مرتبطة بالأمور التكوينيّة الّتي منها التقديرات، و قد يكون الحذر من مقدّمات الفعل الّذي تعلّق القدر به، و قد يكون نفس الحذر أيضا مقدّرا.

و بالجملة: أنّ القدر هو جريان الأمور وفق نظام معين متين فيه الأسباب و المسبّبات، و اللّه تعالى قدّر أن يكون الفعل واقعا إذا لم يتّخذ الإنسان الحذر و لم يتهيّأ في دفع الضرر عن نفسه، فيكون الحذر من جملة الأسباب و يكون العمل بالحذر عملا بنفس القدر، لا أن يكون منافيا له أو لا نفع فيه، هذا موجز الكلام في المقام، و يأتي التفصيل في مسألة القضاء و القدر الّتي تأتي في الموضع المناسب إن شاء اللّه تعالى.

ص: 41

أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَ أَقِيمُوا اَلصَّلاةَ وَ آتُوا اَلزَّكاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَ.......

اشارة

أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَ أَقِيمُوا اَلصَّلاةَ وَ آتُوا اَلزَّكاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ اَلْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ اَلنّاسَ كَخَشْيَةِ اَللّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَ قالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا اَلْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ اَلدُّنْيا قَلِيلٌ وَ اَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اِتَّقى وَ لا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (77) أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ اَلْمَوْتُ وَ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَ إِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اَللّهِ وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اَللّهِ فَما لِهؤُلاءِ اَلْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (78) ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اَللّهِ وَ ما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَ أَرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولاً وَ كَفى بِاللّهِ شَهِيداً (79) مَنْ يُطِعِ اَلرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اَللّهَ وَ مَنْ تَوَلّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً (80) بعد ما حثّ المؤمنين على الجهاد و أمرهم باتّخاذ الحذر من الأعداء، و ذكر حال المبطئين لضعف إيمانهم، و بيّن عزّ و جلّ نواياهم و فساد عقيدتهم، ثمّ أمر المؤمنين بالقتال في سبيله و إنقاذ المستضعفين.

تعقيبا لتلك الأوامر و التوجيهات الربوبيّة ذكر جلّ شأنه في هذه الآيات حال طائفة اخرى من ضعاف الإيمان الّتي بقيت من رواسب الجاهليّة في نفوسهم، فكانت تطفو و تظهر في بعض الأحيان، فلما دخلوا في الإيمان خمدت نفوسهم و استثقلوا القتال، و لم يكن عندهم حماسة له لخوفهم على ما كان عندهم من متاع الحياة الدنيا. و هذه الآيات المباركة تبيّن سبب ذلك، و هو حبّهم للدنيا و المتاع القليل المستحوذ على جميع مشاعرهم.

ص: 42

و في هذه الآيات توجيهات قيّمة لهؤلاء، و قد أمرهم عزّ و جلّ بجملة من الأمور الّتي تهذّب نفوسهم، و بيّن لهم بعض الحقائق الواقعيّة الّتي تصلح نفوسهم.

و لا يخفى ارتباط هذه الآيات بسابقتها.

التفسير

قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ .

الخطاب يقصد به الّذين لم يستقر الإيمان في قلوبهم، و هم فئة ضعيفة الإيمان، قد كانت تدفعها إلى القتال دوافع كانت معروفة في الجاهلية، من نزعة العصبيّة، و الحميّة، و الكبرياء و نحو ذلك، و هي نزعات سيئة جاهليّة بقيت عالقة في نفوسهم، لم يمحها الإيمان لعدم رسوخه في قلوبهم، فكانوا يطلبون القتال جريا على ما تعوّدوا عليه، فعند ما استقرّ بهم المقام في مدينة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و طاب لهم العيش و ركنوا إلى الحياة الدنيا، فلم يعد لهم ذلك الحماس و كرهوا الجهاد، خوفا على ما حصلوه من المتاع، لئلاّ يضيّعه القتال، فرضوا ما كتب عليهم من الجهاد.

و المراد بكفّ الأيدي الإمساك عن القتال و الاعتداء، و ربما يكون ذلك كناية عن ترك مطلق ما لا يكون مرضيّا للّه تعالى، و لعلّه لأجل ذلك ورد في تفسيره عن الصادق عليه السّلام: «كفّوا السنتكم»؛ لأنّ كفّ اللسان موجب لكفّ الأيدي، بل هو السبب التامّ في كفّ الأيدي.

و كيف كان، فالآية المباركة في مقام التعجيب من حالهم ابتداء؛ لأنّهم كانوا يستعجلون قتال الكفّار و يرفضون الإمساك. و ترشدهم الى ما هو الأصلح لهم و ما يوجب تمكين الإيمان في قلوبهم.

قوله تعالى: وَ أَقِيمُوا اَلصَّلاةَ وَ آتُوا اَلزَّكاةَ .

إرشاد لهم بالاشتغال بما يوجب زيادة الإيمان و استقراره في قلوبهم، و قد

ص: 43

ذكر عزّ و جلّ أمرين هما من أهمّ الأمور في هذا الدين، أحدهما يهتمّ بما يرتبط بين العبد و خالقه - و هي الصلاة الّتي فيها الخشوع، و الخضوع، و العبادة للّه الواحد الأحد.

و الثاني يعتني بما بين أفراد المؤمنين، و هي الزكاة الّتي تزيد في تماسكهم، و تحتوي روح التعاون و التراحم بينهم. و هما من شعائر هذا الدين القويم تزيدان في إيمان المؤمنين و تمكّنه في قلوبهم، و بهما يشتدّ أمر الدين و يقوم صلبه، و تتهيّأ نفوسهم للقتال و مصارعة الباطل في ميدان الجهاد، و بدون ذلك ليس لهم أي استعداد للقتال، كما أنّه لولا ذلك لآل أمر الدين إلى الزوال و انفصمت عراه و انهدمت أركانه.

قوله تعالى: فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ اَلْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ اَلنّاسَ .

تصوير لحالهم من داخل نفوسهم و إظهارها بأنّها لم تكن على استعداد للقتال.

و المراد من الناس هم الكفّار، أي أنّهم يخافون الكفّار لئلاّ يقتلوهم، و هذا يكشف عن اشتغال نفوسهم و تعلّق قلوبهم بما أوجب تكاسلهم و تقاعسهم عن القتال، و هذا ما يبيّنه عزّ و جلّ في الآية التالية، و هو متاع الدنيا الفانية الزائلة.

قوله تعالى: كَخَشْيَةِ اَللّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً .

أي يخشون الكفّار كما يخشون اللّه تعالى بأن ينزل عليهم عذابه بتركهم أوامره و إعراضهم عن طاعته، و لما كان التساوي بين أمرين يقتضي الميل إلى أحدهما تارة والى الآخر اخرى، إلاّ أنّهم رجّحوا خشية الناس، فكانت خشيتهم أشدّ من خشية اللّه تعالى؛ لأنّ الجبن قد تمكن في قلوبهم.

و (خشية) منصوب على الحاليّة أو على التمييز، كما سيأتي.

ص: 44

قوله تعالى: وَ قالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا اَلْقِتالَ .

عطف على جواب (لمّا)، أي: فلما كتب عليهم القتال قالوا: ربنا لم كتبت علينا القتال، و يحتمل أن يكون عطفا على قوله: إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ .

و كيف كان، فالآية الشريفة تحكي مقالتهم في تعبير دقيق ينبئ عن تقاعسهم و تكاسلهم الشديدين، حيث صدر عنهم هذا الاعتراض على حكمه تعالى، و الإنكار على إيجابه القتال، و هو دليل على ضعف إيمانهم، فإن من خلص إيمانه لا يعترض على حكمه عزّ و جلّ .

قوله تعالى: لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ .

بيان لموقفهم المتثاقل المتلهّف على تأجيل القتال و لو كان الأجل قريبا، فهم إنّما يتمنّون التخفيف برفع القتال عنهم لمحض الهرب، حبّا منهم في البقاء.

فالآية الكريمة ببلاغتها و أسلوبها البديع فيها تصوير عجيب لنفسياتهم الضعيفة، و شدّة تكاسلهم. و ظاهرها أنّهم يطلبون الهرب و الاستزادة في كفّهم عن القتال و التخلّص عنه، و ليس المراد منها تأخيرهم إلى بلوغ أجلهم و موتهم حتف أنفهم، و لو كان أجلا قريبا - كما ذكره جمع من المفسّرين - لأنّهم إنّما يتمنّون رفع القتال لأجل البقاء و التمتع بالحياة الدنيا، فكيف يطلبون الموت العاجل.

قوله تعالى: قُلْ مَتاعُ اَلدُّنْيا قَلِيلٌ .

بيان للعلّة الحقيقيّة لهذا الموقف المتقاعس المتثاقل فيه إلى تأجيل القتال، لأنّ نفوسهم تعلّقت بالحياة الدنيا و أحبّوها حبّا استحوذ على أحاسيسهم، فتمنّوا الاستزادة في حياتهم إلى أقصى ما يمكن، فطلبوا منه عزّ و جلّ إمهالهم إلى وقت آخر.

و إنّما وصف عزّ و جلّ الحياة الدنيا بالمتاع القليل - و هو تعبير قرآني دقيق - لأنّه مهما طال بهم العمر و تمتّعوا بها فإنّها زائلة سريعة الانقضاء بالنسبة إلى الحياة الآخرة الّتي هي الباقية.

ص: 45

و إنّما أمر عزّ و جلّ نبيّه الكريم بالردّ عليهم؛ تزهيدا لهم عمّا يؤملونه؛ و تبيينا لهم خطأ رأيهم فيه، فإنّ المتاع الّذي يتمنّونه و يتطلعوا إليه إنّما هو قليل و متاع مشوب بالضياع، و هو في القلق الدائم من الحرمان منه، فلا يكون في هذه الحياة متاع خالص من المنغّصات و المكدّرات، ففي هذا التعبير أثر نفسي كبير لمن تعلّق حسّه بهذا العيش الدنيوي، فإنّه مهما طلب المزيد فإنّ هناك عيشا آخر أكبر ممّا بين يديه و أوسع و أشهى و أبعد من المنغّصات، و لا يكون مشوبا بالحرمان، و لمثل ذلك يزهد الإنسان عن هذه الحياة، و يرغب الأجر الدائم في الآخرة.

قوله تعالى: وَ اَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اِتَّقى .

بيان للعلّة في نيل تلك الحياة الحقيقيّة و العيش الهنيء، و هي التقوى بالعمل بالتكاليف الإلهيّة، و ترك ما يوجب سخطه، و الابتعاد عن ما لا يرضاه.

و إنّما أطلق سبحانه و تعالى (خير) و لم يقيّده بشيء؛ للبيان بأنّ التقوى خير من جميع الجهات و كلّ ما يخطر على البال، فهي خير في النوع، و خير في بعده عن المنغّصات و الكدورات، و خير في دوامه و بقائه، و خير بأنّه المستقرّ بعد التعب الشديد، و خير بأنّ فيه القرب إلى اللّه تعالى و التمتع برضوانه عزّ و جلّ ، فلا ينبغي لهم ترك القتال و القعود عن الجهاد و التأخير إلى الأجل القريب لأجل التمتّع بالحياة الدنيا؛ إعراضا عن ذلك النعيم الأبدي الّذي هو خير من جميع الجهات.

و في الآية الشريفة كمال الترغيب إلى التقوى، فإنّها الوسيلة الوحيدة للوصول إلى رضوان اللّه تعالى و التمتّع بالحياة الحقيقيّة. و فيها التعريض بأنّهم ركنوا الى الداني و أعرضوا عن الخير الحقيقيّ .

قوله تعالى: وَ لا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً .

حقيقة من الحقائق الواقعيّة، فإنّ الّذي يحرم عن متاع من أمتعة الدنيا لأجل سبيل اللّه تعالى، لا يضيع جزاءه عند اللّه عزّ و جلّ ، و أنّ الأجر محفوظ عنده بأضعاف مضاعفة، فلما ذا التحسّر؟! إذ لا خسران و لا ظلم هناك.

ص: 46

و الآية المباركة ترغيب إلى الجهاد في سبيل اللّه تعالى، و ردّ على من يحجم عنه خوفا على ما حصل من متاع الدنيا.

و الفتيل ما يكون في شقّ نواة التمر، أو ما يفتل بالأصابع من الوسخ على ما عرفت سابقا، و يكنّى به عن القلّة و الحقارة، يقال: «ما أغني عنك فتيلا»، أي شيئا بقدر الفتيل.

قوله تعالى: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ اَلْمَوْتُ وَ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ .

بيان لحقيقة اخرى من الحقائق الّتي يدركها جميع أفراد الإنسان، و هي أنّ الموت حتم لا مفرّ منه و لا مهرب عنه، و لو اتّخذ لنفسه ما يتّقي به كلّ مكروه فإنه واقع حسب سير التكوين، و أنّه مهما غفل عنه الإنسان أو تغافل عنه حسبانا منه أنّه بعيد، فإنّه ستجيء اللحظة الّتي يتنبه فيها و يدرك تلك الحقيقة، و تكون فيها نهايته.

و الآية الشريفة بأسلوبها البديع توقظ الناس و ترشدهم إلى تلك الحقيقة و تجسّمها لهم، بحيث لا تدع أيّ مجال للشكّ و الارتياب، فتستقرّ في أنفسهم أنّ متاع الدنيا قليل.

و البروج: جمع البرج، و أصله التبرّج بمعنى الظهور، و منه تبرّجت المرأة إذا أظهرت محاسنها. و منه بروج النجوم لمنازلها المختصّة بها، قال تعالى: وَ اَلسَّماءِ ذاتِ اَلْبُرُوجِ [سورة البروج، الآية: 1]، أي: الكواكب العظام سمّيت بها لظهورها، و قال تعالى: وَ لَقَدْ جَعَلْنا فِي اَلسَّماءِ بُرُوجاً [سورة الحجر، الآية: 16]، أي منازل للشمس و القمر.

و المراد منه هنا البناء المعمول، و هو الحصن، و البروج المشيّدة هي القصور المرتفعة الحصينة الّتي أحكمت و رفع بناؤها؛ ليأوي إليها الإنسان لدفع المكروه عنه من عدو و نحوه.

ص: 47

و يمكن أن يراد منها بروج النجوم، فيكون استعمال لفظ (المشيّدة) فيها على سبيل الاستعارة، فتكون الآية للمبالغة، و قد أشار إلى ذلك الشاعر:

و من هاب أسباب المنايا ينلنه *** و لو نال أسباب السماء بسلّم

و لكن سياق الآية المباركة يأبى ذلك.

و معنى الآية الكريمة: أنّ الموت أمر لا مفرّ منه، يأتيكم و لو كنتم متحصّنين في القصور المشيّدة و الملاجي المحكمة المتينة، فلا تعرضوا عن القتال في سبيل اللّه تعالى، و لا تتوهّموا أنّكم إن لم تشتركوا فيه و لم تشهدوه تكونوا في مأمن من الموت، فإنّ أجل اللّه آت و لا سبيل للهرب منه، فيلحقكم الموت و يحلّ بكم.

قوله تعالى: وَ إِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اَللّهِ .

بيان لحال طائفة أخرى أهمّتهم أنفسهم، لا يرضون بحكم اللّه فيهم، و الّتي حكي عنها عزّ و جلّ في آية أخرى، فقال تعالى: وَ طائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ اَلْحَقِّ ظَنَّ اَلْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ اَلْأَمْرِ مِنْ شَيْ ءٍ قُلْ إِنَّ اَلْأَمْرَ كُلَّهُ لِلّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ [سورة آل عمران، الآية: 154].

و في المقام يحكي عزّ و جلّ عنهم بعض نواياهم الفاسدة، و أمر نبيّه صلّى اللّه عليه و آله أن يجيبهم و يرشدهم إلى الحقيقة و الواقع. و إنّما أمر رسوله الكريم بالجواب؛ لأنّه واسطة الفيض، و لأنّهم كانوا يعتقدون أنّ السيئة الّتي تصيبهم إنّما هي من ناحية وجود الرسول صلّى اللّه عليه و آله فيهم.

و هذه الآية المباركة و إن كانت مع الآية الشريفة السابقة في سياق واحد تدلان على كراهيّة الطائفتين للقتال، إلاّ أنّ الطائفة الأولى كرهت القتال و طلبت التأجيل، و هذه الطائفة تزعم أنّ السيئة الّتي تصيبهم إنّما لأجل وجود الرسول صلّى اللّه عليه و آله أو من ناحية أوامره و أحكامه. و ذكر جمع من المفسّرين أنّ الآية الكريمة تدلّ على أنّ هذه الطائفة هي الأولى، و لكن يمكن أن يستفاد من القرائن التعدّد كما عرفت.

ص: 48

و كيف كان، فإنّ مثل هذا الوهم قد تخيّله جمع من أقوام الأنبياء السابقين، قال تعالى حكاية عن قوم موسى: فَإِذا جاءَتْهُمُ اَلْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَ مَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اَللّهِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [سورة الأعراف، الآية: 131].

و الحسنة ما يحسن عند صاحبه من الصحّة و الغنى و الرخاء و الخصب و نحوها، سواء كانت مادّية ظاهريّة أو باطنيّة، و السيئة ما يصيب الإنسان من مكروه و سوء، كالمرض و الفقر و الجدب و نحوها.

و هذا الكلام إنّما يصدر عمّن لم يستقرّ الإيمان في قلبه، قد أهمّته نفسه يدفع عنها كلّ مكروه و يجلب لها كلّ حسنة و رخاء، و يهتمّ لذلك كلّ اهتمام، فإذا أصابه المكروه و لم يجد لذلك حلاّ لدفعه و استنفذ قواه، التمس لذلك سببا و لم يجد، و لضعف إيمانه يجعله على الرسول صلّى اللّه عليه و آله، أو المؤمن الّذي يريد له الصلاح و الكمال، و هو يغفل أو يتغافل أنّ السبب من عنده الّذي لم يؤمن باللّه القادر على كلّ شيء.

و إنّما نسبوا الحسنة الّتي أصابتهم إلى اللّه تعالى غرورا و زعما منهم بأنّ اللّه أكرمهم بها عناية بهم، فلم ينسبوها إليه تعالى بشعور التوحيد و الإيمان الخالص.

أو لئلاّ تنسب إلى الرسول الّذي هو واسطة الفيض، و قد أحاطهم برعايته فحباهم اللّه تعالى ببعض الحسنات، كما يراه المؤمنون.

قوله تعالى: وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ .

السيئة ما يسوء الإنسان من شدّة أو بلاء أو فقر أو مرض أو قتل أو جدب و نحو ذلك من الضرر الدنيوي، الّذي كان يستقبلهم بعد ما أتاهم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و شيد أركان هذا الدين و أمرهم بالأوامر الّتي ترشدهم إلى ما هو الأصلح لهم، فكانوا ينسبونها إلى وجود الرسول فيهم أو بسبب تعليماته و أوامره، و كانوا يعتقدون أنّه لو لا ذلك لما أصابتهم السيئات و أراحهم اللّه تعالى منها.

و هذه المقالة تصدر عن كلّ من ضعف الإيمان في قلبه، و لا تختصّ بهذه

ص: 49

الأمّة، فقد صدرت من اليهود و غيرهم، قال تعالى: كَذلِكَ قالَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا اَلْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [سورة البقرة، الآية: 118].

و المعنى: و إن تصبهم بلية كالمرض و القحط و غيرهما يتشاءمون بك يا رسول اللّه؛ لجهلهم و ضعف عقيدتهم بك.

قوله تعالى: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اَللّهِ .

بيان لحقيقة من الحقائق الواقعيّة الّتي أمر عزّ و جلّ رسوله الكريم صلّى اللّه عليه و آله بتبليغها إلى أولئك، و هي أنّ كلّ ما يحدث في هذا العالم لا يحدث إلاّ بقدر اللّه تعالى و قضائه، و يدخل في نظام كوني دقيق متقن، و كلّ ما يصيب الإنسان من حسنة أو سيئة هو من عنده جلّت عظمته، لا من غيره، فهو عزّ و جلّ يقبض و يبسط ما يشاء.

و هذه الحقيقة تملأ مشاعر المخلصين المؤمنين، و لا بدّ أن تستقرّ في أفكار غيرهم حتّى يكمل إيمانهم و يستقرّ في قلوبهم و ترتاح خواطرهم و تطمئن نفوسهم، و لكن ليعلم أنّ هذه الحقيقة لا تنافي قانون الأسباب و المسبّبات، و لا تمنع الإنسان من اتخاذ الأسباب، كما ذكرنا ذلك في أحد مباحثنا السابقة.

قوله تعالى: فَما لِهؤُلاءِ اَلْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً .

تنديد لهؤلاء الّذين يظنّون ظنّ الجاهلية بأسلوب يقرع سمعهم و يوبخهم باستفهام ينكر عليهم مقالتهم، و يصفهم بأنّهم لا يفقهون حديثا على الإطلاق؛ لأنّه غابت عنهم تلك الحقيقة الكبرى الّتي يدركها كلّ من رجع إلى نفسه و الى ما يحيط به من الحوادث، فماذا أصاب عقولهم من فهمها، و لما ذا خمدت فطنتهم و تاهت فطرتهم ؟! و قد نبّههم الرسول الكريم صلّى اللّه عليه و آله بتلك الحقيقة، و الّتي بها يزيل عنهم كلّ شكّ و ريب، و لكنّهم أعرضوا عن ذلك و شغلوا فكرهم بمتاع الحياة الدنيا، حتّى عدّوا كالبهائم الّتي لا فهم لها بما يحيط بها من صروف الدهر.

ص: 50

قوله تعالى: ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اَللّهِ وَ ما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ .

شرح لتلك الحقيقة و بيان لها ببيان واضح جلي. و ردّ على مقالة تلك الطائفة الّتي ينسب الشرّ إلى الرسول الكريم صلّى اللّه عليه و آله تطيّرا منهم به، أو لأغراض اخرى خبيثة مثل تنفير الناس عنه، أو التجريح في قيادته و نحو ذلك.

و قد أعرض عزّ و جلّ في هذه الآية الكريمة عن خطابهم لسقوط فهمهم، كما أنّها تصحّح و توضّح لهم معالم تفكيرهم، فإذا ضممنا هذه الآية الشريفة إلى سابقتها، تبيّن القاعدة العريضة في الإسلام في نسبة الحوادث الكونيّة مطلقا إلى اللّه تعالى والى الإنسان، فإنّ الآية الأولى تبيّن أنّ كلّ ما يقع من الحوادث الحسنة و السيئة إنّما هي بتقدير اللّه تعالى و قضائه، و هذه الآية الكريمة تبيّن أنّ كلّ حسنة و خير يصيب الإنسان من عافية أو نعمة أو أمن أو رفاهية و غيرها، فإنّما هي من اللّه تعالى و بفضل منه جلّ شأنه، الّذي سخّر لنا الأرض و ما عليها، و هيّأ لنا أسباب الانتفاع منها، و منح لنا القدرة على ذلك. و أما السيئات فإنّما هي آثار الأعمال الّتي يعملها الإنسان، و قد وضع قانونا متينا يوضح لنا المنهج، فهو تعالى يعلم الخير و خصوصياته كما يعلم الشرّ و أسبابه، و يعلم أين يكمن كلّ واحد منهما، و بمقتضى علمه الأتم وضع لنا منهجا ربانيّا يوضح لنا طريقا يحقّق لنا خير الدنيا و الآخرة، فمن اتبع هذا المنهج فقد جلب الخير لنفسه و تحقّق مقصده، و أمّا من خالف و أعرض عن ذلك فقد جلب الشرّ لنفسه، و يكون من عند نفسه لعدم اتباعه شريعة اللّه تعالى و منهجه القويم، و من ذلك يتّضح ما في هذه الآية الشريفة من دلالة حكيمة، فهي تبيّن أنّ الحسنة من اللّه جلّ شأنه، و السيئة من عند الإنسان، فلا تعارض بين هذه الآية و سابقتها، فإنّ الجميع إنّما يكون بمشيئة اللّه تعالى، و يبيّن ذلك قوله تعالى: وَ ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [سورة الشورى، الآية: 30]، و سيأتي في الموضع المناسب تفصيل ذلك إن شاء اللّه تعالى.

ص: 51

و قد أعرض عزّ و جلّ في هذه الآية الكريمة عن خطابهم لسقوط فهمهم، كما أنّها تصحّح و توضّح لهم معالم تفكيرهم، فإذا ضممنا هذه الآية الشريفة إلى سابقتها، تبيّن القاعدة العريضة في الإسلام في نسبة الحوادث الكونيّة مطلقا إلى اللّه تعالى والى الإنسان، فإنّ الآية الأولى تبيّن أنّ كلّ ما يقع من الحوادث الحسنة و السيئة إنّما هي بتقدير اللّه تعالى و قضائه، و هذه الآية الكريمة تبيّن أنّ كلّ حسنة و خير يصيب الإنسان من عافية أو نعمة أو أمن أو رفاهية و غيرها، فإنّما هي من اللّه تعالى و بفضل منه جلّ شأنه، الّذي سخّر لنا الأرض و ما عليها، و هيّأ لنا أسباب الانتفاع منها، و منح لنا القدرة على ذلك. و أما السيئات فإنّما هي آثار الأعمال الّتي يعملها الإنسان، و قد وضع قانونا متينا يوضح لنا المنهج، فهو تعالى يعلم الخير و خصوصياته كما يعلم الشرّ و أسبابه، و يعلم أين يكمن كلّ واحد منهما، و بمقتضى علمه الأتم وضع لنا منهجا ربانيّا يوضح لنا طريقا يحقّق لنا خير الدنيا و الآخرة، فمن اتبع هذا المنهج فقد جلب الخير لنفسه و تحقّق مقصده، و أمّا من خالف و أعرض عن ذلك فقد جلب الشرّ لنفسه، و يكون من عند نفسه لعدم اتباعه شريعة اللّه تعالى و منهجه القويم، و من ذلك يتّضح ما في هذه الآية الشريفة من دلالة حكيمة، فهي تبيّن أنّ الحسنة من اللّه جلّ شأنه، و السيئة من عند الإنسان، فلا تعارض بين هذه الآية و سابقتها، فإنّ الجميع إنّما يكون بمشيئة اللّه تعالى، و يبيّن ذلك قوله تعالى: وَ ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [سورة الشورى، الآية: 30]، و سيأتي في الموضع المناسب تفصيل ذلك إن شاء اللّه تعالى.

قوله تعالى: وَ أَرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولاً .

خطاب للرسول الكريم، و لكن المقصود بيان الأمر للناس كافّة، و تنزيه لمقام الرسول صلّى اللّه عليه و آله عن ما وصمه المنافقون و ضعاف الإيمان، فلا يتّصف الرسول صلّى اللّه عليه و آله إلاّ بما وصفه اللّه تعالى به، و هو أنّه رسول للناس كافّة، يبلغ عن اللّه تعالى الشريعة، فليس له من الأمر شيء حتّى يوصم بالشؤم و نحوه، كما يزعمه هؤلاء، و إنّما أراد عزّ و جلّ من إرسال الرسول الخير للناس، و أمر بتبليغ منهج ربانيّ قويم، فمن اتبعه فقد جلب الخير لنفسه، و من أعرض عنه فقد جلب الشرّ لنفسه، و هو تعالى شهيد على ذلك، و هذه الآية المباركة تأكيد لما ورد في سابقتها.

قوله تعالى: وَ كَفى بِاللّهِ شَهِيداً .

تعليل لما سبق و تأييد منه عزّ و جلّ على ثبوت تلك الحقائق المتقدّمة، فإنّه تعالى شهيد على إرساله صلّى اللّه عليه و آله نبيّا و رسولا للناس كافّة. و كفى باللّه تعالى شهيدا، لأنّه عالم بجميع الحقائق، قيوم عليها، فلا ينبغي بعد ذلك أن يخرج أحد عن طاعة الرسول.

قوله تعالى: مَنْ يُطِعِ اَلرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اَللّهَ .

بعد أن أثبت عزّ و جلّ رسالته و أيّدها بالشهادة، كان وجه الخطاب في هذه الآية الكريمة مع الناس لإعلامهم بلزوم طاعة الرسول، و أنّه لا عذر لهم في تركها، و أنّ طاعة الرسول صلّى اللّه عليه و آله طاعة اللّه تعالى؛ لأنّه يبلغ عن ربّه و لا يأمر و لا ينهى من عند نفسه، و اللّه تعالى هو الآمر و الناهي، فهو الّذي يطاع في الحقيقة؛ لأنّه ربّ العالمين، و إلههم عالم بصالحهم، فالآية المباركة بمنزلة التعليل لما ورد في الآية المتقدّمة و تثبيت لمضمونها.

ص: 52

و في الآية الكريمة إيحاء شديد في النفس بتوقير الرسول؛ لإنّ طاعته هي الطريق الموصل إلى رضاء اللّه تعالى، و يظهر ذلك بوضوح بعد ما وصمه أعداؤه من المنافقين و غيرهم بما حكاه عزّ و جلّ منهم في الآية السابقة.

قوله تعالى: وَ مَنْ تَوَلّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً .

تأكيد لوجوب طاعة الرسول، فإنّ لزوم طاعته يستلزم عدم جواز التولّي عنها، فمن أعرض عن طاعته الّتي هي من طاعة اللّه تعالى، فإنّه لا يضرّ إلاّ نفسه؛ لأنّ مهمّة الرسول هي التبليغ عن اللّه تعالى، و ليس له سلطان على الناس يقهرهم على ترك المعاصي و الآثام، بل الإيمان و الطاعة من الأمور الاختياريّة الّتي تتبع قناعة النفس و ميلها، قال تعالى: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لكِنَّ اَللّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [سورة القصص، الآية: 56] فالهداية من اختصاص اللّه تعالى و توفيقه الّذي يتفضّل بها على من يختاره لها؛ لأنّه العالم بمصالح عباده.

و إنّما قال عزّ و جلّ : حَفِيظاً ، أي: مبالغا في الحفظ دون حافظ؛ لأنّ الرسالة لا تنفكّ عن الحفظ؛ لأنّ الأحكام الإلهيّة تحفظ الإنسان المؤمن بها عن ارتكاب المعاصي و الآثام.

ص: 53

بحوث المقام

بحث أدبي:

(لمّا) في قوله تعالى: فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ اَلْقِتالُ حرف وجوب، لوجوب لا ظرف بمعنى حين، فإنّه لو كانت كذلك لكان لها عامل، و إذا الفجائية لا يعمل ما بعدها في ما قبلها، كما هو معروف في علم النحو.

و (أشد) في قوله تعالى: أَوْ أَشَدَّ على الحاليّة من قوله تعالى: كَخَشْيَةِ الّتي هي منصوبة على التمييز، أي: يخشون الناس خشية مثل خشية اللّه أو خشية أشدّ خشية من خشية اللّه، فأشدّ أفعل التفضيل، و المفضل عليه محذوف و تقديره من خشية اللّه.

و جوّز بعضهم أن يكون هذا العطف من عطف الجمل، أي: يخشون الناس كخشية اللّه أو يخشون أشدّ خشية، على أن يكون الأوّل مصدر و الثاني حالا.

و أورد عليه بأنّ حذف الجمل بعيد، و أنّ حذف المضاف أهون منه.

و قيل: إنّ التمييز بعد اسم التفضيل قد يكون ما انتصب عنه، نحو: فَاللّهُ خَيْرٌ حافِظاً ، فإنّ الحافظ هو اللّه تعالى، كما لو قلت: اللّه خير حافظ بالجر، فلا مانع على هذا أن تكون الخشية نفس الموصوف من أن يكون للخشية خشية أخرى، كأن يقال: أشدّ خشية بالجرّ، و المسألة مفصّلة في علم النحو.

و «أو» في قوله تعالى أَوْ أَشَدَّ بمعنى بدل، و قيل: للتفريع، و قيل: للتخيير.

و جملة: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ اَلْمَوْتُ ، قيل: إنّها لا محلّ لها من الإعراب، و قيل: إنّها داخلة في حيز القول المأمور به، فمحلّها النصب، و ذكر جمع من العلماء أنّ ما تقدّم على هذه الجملة جواب لقولهم: «لم كتبت علينا القتال»، فالجواب: «قل متاع الدنيا»، و هذه الجملة جواب لقولهم: «لو لا أخرتنا».

ص: 54

و اختلف في تخريج الرفع في «يدرككم»، فقيل: إنّها على حذف الفاء، و قيل:

إنّه على تقدير مبتدأ معها، أي: «فأنتم يدرككم»، و قيل: هو مؤخّر من تقديم و جواب الشرط محذوف، أي: يدرككم الموت أينما تكونوا يدرككم.

و أشكل عليه بوجوه، و المسألة محرّرة في كتب النحو، فمن شاء فليراجعها.

و المعروف قراءة: «مشيدة» بالتشديد، و قرأ بعضهم بالتخفيف و فتح الميم، كما في قوله تعالى: وَ قَصْرٍ مَشِيدٍ [سورة الحج، الآية: 45]، و قرأ آخر بكسر الياء على التجوّز، كقوله تعالى: عِيشَةٍ راضِيَةٍ * [سورة القارعة، الآية: 7].

و «أين» في قوله تعالى: أَيْنَما تَكُونُوا ظرف مكان، و تأتي شرطا فيزاد «ما» بعدها، و قد تخلو عن «ما» و تكون استفهاما، و لم يسمع زيادة «ما» بعدها، و «لو» وصليّة، لا أن تكون شرطية.

و قوله تعالى: لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ بليغ جدا؛ لأنّ نفي المقاربة أبلغ من نفي الفعل، كما هو واضح.

و نصب «رسولا» في قوله تعالى: وَ أَرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولاً على الحال المؤكّدة للجملة الّتي هي: «و أرسلناك».

بحث دلالي:
اشارة

يستفاد من الآيات الشريفة أمور:

الأوّل:

يستفاد من قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَ أَقِيمُوا اَلصَّلاةَ وَ آتُوا اَلزَّكاةَ الحالة النفسانيّة لبعض المؤمنين الّذين يندفعون في ابتداء الأمر إلى الإيمان اندفاعا لم يكن على استقرار و ثبات، و إنّما كان لأجل أمور وقتيّة، فلما يأتي الاختبار الإلهي إذا هم يحجمون عن العمل بالتكاليف، و القرآن إنّما يريد من المؤمن أن يكون على ثبات و استقرار، يتبع أوامر اللّه تعالى بدقّة و إتقان،

ص: 55

و إنّما يكون كذلك إذا كان مستسلما للّه تعالى عاملا بشريعته، فإنّ للعمل و الطاعة الأثر الكبير في استقرار الإيمان في القلب و الثبات عليه؛ و لذا كانت الأحكام الإلهيّة اختبارات واقعيّة لبيان درجات الإيمان عند المؤمنين، تبعا لشدّة إخلاصهم و ضعفه.

و هذا لا يختصّ بالإسلام، بل هو أمر طبيعي في كلّ دين و ملّة، خالقيّة كانت أم خلقيّة، فإنّه لا بدّ من الاختبار ليعرف مدى استقامة الشخص و ثباته عليه.

و تعدّ هذه الآية الشريفة من الآيات المعدودة الّتي تشرح تلك النفوس الضعيفة الّتي آمنت بالإسلام و لم يكن بعد قد استقرّ في القلوب؛ و لذا كانت على خوف من اللّه تعالى لعلمهم بأنّه سيؤاخذهم على كلّ صغيرة و كبيرة. و على خوف من الناس؛ لأنّ الجبن قد تمكّن في نفوسهم، فهي لا تقدر أن تقابلهم في ميدان القتال، و هم على خوف من القتل، فكانوا يطلبون التأخير ليضمنوا لأنفسهم الأمرين، أي عدم وقوعهم في مخالفة اللّه تعالى، و النجاة من القتل. و الآية المباركة تبيّن أنّ المطلوب منهم غير ذلك، و هو الثبات و الاستقامة لا الترويغ و المناورة، فالدين ليس اندفاعا شخصيّا أو جماعيّا لأجل أمر قد يتوهّم أنّه الصالح لهم، و ليس هو من مقاييس البشر النفعيّة، بل الدين تابع لمقاييس ربّانيّة حكيمة موضوعة لصالح الناس، و لا بد أن يكون الدين مأخوذا من صاحب الشرع؛ لأنّه أعلم بمصالحهم، و قد نبّه عزّ و جلّ في هذه الآية الشريفة أنّ الأصلح لهم في ابتداء الأمر بترويض نفوسهم بالطاعة و العمل بالصلاة و أداء الزكاة، فإنّ لهما الأثر الكبير في ذلك، ثمّ انتظار ما يقضي به اللّه تعالى من الأحكام، فإنّ الدين هو الطاعة للّه و لرسوله.

الثاني:

يستفاد من قوله تعالى: قُلْ مَتاعُ اَلدُّنْيا قَلِيلٌ وَ اَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اِتَّقى إنّ العلّة في الإعراض عن الطاعة هي التوجّه إلى الدنيا و التطلّع على متاعها و حبّها، فإنّ ذلك هي العلّة التامّة للوقوع في المخالفة.

ص: 56

و ربّما يكون التوصيف بالقليل؛ لأنّه مقابل الآخرة الّتي لها الدوام و التأبيد، ففي الحديث عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «مثلي و مثل الدنيا كراكب قال قيلولة تحت شجرة ثمّ راح و تركها».

و الآية الكريمة بأسلوبها البليغ لها الإيحاء النفسيّ بأن الانهماك في طلب هذا المتاع و الانقطاع إلى الحياة الدنيا و عدم الإحساس بالاستكفاء، بل لطلب المزيد أيضا، لا بدّ أن يكون له حدّ، و أنّه يتوقّف في زمن ما، و أنّ الّذي استحوذ عليه قليل، و أنّ هناك ما هو أكبر و أشهى و ألذ و أمتع و أدوم، فيحسّ بالنقصان و الضياع و القلق الدائم من الحرمان منه، و لذا نرى أنّه لا يصفو للإنسان في الأرض متاع خالص من المنغّصات، و أنّ ذلك قد ارتكز في قرار النفس الإنسانيّ ، فتكون لهذه الآية المباركة الأثر التربويّ و النفسيّ على الإنسان؛ ليحسّ بما وراء هذه الحياة الفانية الزائلة و يعمل له، و ينحصر الطريق إليه بالتقوى الّتي تجلب للإنسان الطمأنينة من جميع الجهات، و هي الّتي ترفع نكد العيش في هذه الحياة، فتكون حياة آمنة مطمئنة لا ظلم فيها و لا بخس، و إنّ كلّ متاع حرم منه هذا الشخص في الدنيا لا يضيع عند اللّه عزّ و جلّ ، فلا تكون هناك خسارة حتّى يتحسّر الإنسان عليها، هذه هي التوجيهات الإلهيّة في هذا الميدان الّذي يتطلّب ثبات النفس و استقرارها و علمها بعدم الحرمان و الخسارة.

و لعمري، إنّه لو اجتمع جميع العلماء لإرساء قاعدة واحدة من تلك القواعد في ميدان الجهاد و القتال، من دون الاعتماد على الوحي الإلهيّ ، لعجزوا عن ذلك، قال تعالى: قُلْ لَئِنِ اِجْتَمَعَتِ اَلْإِنْسُ وَ اَلْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا اَلْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [سورة الإسراء، الآية: 88].

الثالث:

يستفاد من قوله تعالى: قُلْ مَتاعُ اَلدُّنْيا قَلِيلٌ نظرية الإسلام في هذه الحياة، فإنّها لا تدعو إلى الانصراف عنها و تركها و الرضا بكلّ عيش نكد و شديد، بل حتّى الرضا بالظلم و العذاب في الدنيا لأجل التنعّم في الآخرة، فإنّ ذلك

ص: 57

ليس من الإسلام، بل هو يدعو إلى التمتّع بالدنيا في حدود الأسس الّتي يضعها الإسلام، و هي أن لا تكون موجبة للصدّ عن اللّه تعالى و آياته، أو تكون محرّمة، و إلاّ أورد صاحبها الهلاك.

و القرآن لا يذمّ الدنيا إلاّ في هذين الموردين، الأوّل: ما إذا كانت موجبة للصدّ عن ذكر اللّه تعالى.

و الثاني: ما إذا كانت محرّمة على صاحبها، أو بالتعبير القرآني الّذي ينهي عن الفتنة بمتاع الدنيا، قال تعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اَللّهِ اَلَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ اَلطَّيِّباتِ مِنَ اَلرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ اَلْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ اَلْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [سورة الأعراف، الآية: 32]. و هذه الآية المباركة لم تذمّهم على تمتعهم بما في الدنيا، بل لأنّها صارفة عن الطاعة و العمل بأحكام اللّه تعالى، و سيأتي تفصيل الكلام في الآيات المناسبة إن شاء اللّه تعالى.

الرابع:

يدلّ قوله تعالى: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ اَلْمَوْتُ وَ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ على أنّ الموت واقع على الإنسان على كراهيّة منه، و أنّه يطارده حتّى يدركه في أي مكان كان، كمطاردة الأسد فريسته حتّى يدركه. كما يستفاد من قوله تعالى: يُدْرِكْكُمُ أنّ الموت يتربّص بالإنسان، يحوك حوله الدوائر حتّى يوقعه في شباكه فيدركه، و أنّه إذا لم يدركه فلا موت و إن طلب الإنسان لنفسه جميع أسبابه، فلا اختيار له في دفعه، فإذا انقضت الآجال فلا بدّ من الموت و مفارقة الروح الجسد بأيّ سبب كان، كالقتل أو شرب سم أو مرض و كلّ ما جرى عادته عزّ و جلّ يزهقها به.

و هذه الآية الكريمة ردّ على كثير من مزاعم بعض الفلاسفة و المتكلّمين في الموت و الآجال، منهم القدريّة في الآجال، و المعتزلة في قولهم: إنّ المقتول لو لم يقتله القاتل لعاش، و يردّه قوله تعالى: قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ اَلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ اَلْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ .

ص: 58

و لا يخفى أنّ في تعقيب هذه الآية الشريفة بقوله تعالى: وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اَللّهِ من اللطف، فإنّه يستفاد منه أنّ الحسنة و السيئة اللتين تصيبان الإنسان لا دخل للاختيار فيهما أيضا، فإنّ ذلك خاضع لإرادة البارئ عزّ و جلّ و مشيئته، و إن كانت لأعمال الإنسان المدخليّة في تحقيق موضوعهما، و سيأتي في الموضع المناسب تفصيل ذلك إن شاء اللّه تعالى.

الخامس:

يستفاد من قوله تعالى: فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ جواز اتّخاذ الحصون و القلاع و البلاد و نحو ذلك، ليتمتع بها و يحفظ فيها الأموال و النفوس، و هي من سنن اللّه تعالى في عباده، هذا لا ينافي التوكّل على اللّه تعالى كما عرفت في بحث التوكّل، فإنّ من حقيقته اتّخاذ الأسباب ثمّ ترك النتيجة إلى إرادة الباري عزّ و جلّ ، و هذه الآية المباركة ردّ لمن زعم أنّ التوكّل يكون بترك الأسباب.

السادس:

يدلّ قوله تعالى: فَما لِهؤُلاءِ اَلْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً أنّ لبعض الاعتقادات و الأقوال الأثر في سلب فهم الإنسان و تكون سببا في منع وصوله إلى الحقيقة و الواقع، فلا بد حينئذ من الرجوع إلى من يرشده إليها، و هم الأنبياء و المرسلون. و يدلّ على ذلك ذيل الآية الكريمة، قوله تعالى: وَ أَرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولاً ، فإنّ الرسول يرفع الجهل بما يبلغه عن الباري عزّ و جلّ و يزيل الغشاء عن الفهم.

السابع:

يستفاد من قوله تعالى: ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اَللّهِ وَ ما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ منظما مع قوله تعالى: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اَللّهِ ، أنّ هنا حقيقتين لا بدّ من الالتفات إليهما و الاهتمام بهما، و إلاّ اتّصفنا بسوء الفهم و شملنا قوله تعالى: فَما لِهؤُلاءِ اَلْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ، و الحقيقتان هما:

الأولى: أنّ كلّ شيء من اللّه تعالى؛ لأنّه خالق الأشياء و ربّ العالمين، يعلم خصوصيات الأشياء و آثارها، و قد وضع نظاما دقيقا متقنا للوصول إليها، و لا بدّ للإنسان أن يسعى لمعرفتها، و بدون ذلك لا فائدة في سعيه و يلحقه الضرر و الأذى،

ص: 59

و قد كانت الحسنة من اللّه تعالى لأنّه عزّ و جلّ تفضّل علينا بجميع الوسائل و الأسباب للوصول إلى ما نبتغيه من الحسنات.

الثانية: أنّ الإنسان لا يقع في السوء و الضرّاء إلاّ بفعل نفسه و تقصير منه؛ لأنّه أهمل طريق الوصول إلى الأشياء و أعرض عن استخدام الأسباب، و جهل استعمال السنن، فالسوء إنّما يعرض للأشياء بفعل الإنسان نفسه و تصرّفه.

و يستفاد من الآية المباركة أنّ السيئة لا تكون وصفا ذاتيا للأشياء، و إنّما تأتي من ناحية الإنسان و يستند إليه، و لا ينافي هذا ما ذكرناه آنفا من أنّ جميع الأشياء تنسب إليه عزّ و جلّ ؛ لأنّ اللّه تعالى خلقها و وضع لها أسبابا و قواعد و نظاما معيّنا للأسباب و المسبّبات، و لكن السيئة تستند إلى الإنسان لأنّه أهمل ذلك النظام، فحصل السوء من فعله، و للتوضيح نذكر مثالا نأخذه من القرآن الكريم، و هو ما أصاب المسلمين في غزوة أحد من السوء و الضرر نتيجة تقصيرهم في تنفيذ أوامر الرسول صلّى اللّه عليه و آله، حيث ترك الرماة موقعهم عند الجبل، و إلاّ كان الفوز و الظفر حليفهم، فتركوا هذا الأمر الإلهي الّذي كان يرشدهم إلى الحسنة و الفوز بالظفر و الغلبة.

و بالجملة: أنّ كلّ ما يجده الإنسان من لذّة و فرح و سرور و حسنة، سواء كانت حسيّة أم عقليّة روحيّة، فهو من الفضل الّذي ساقه اللّه تعالى إليه و اختاره له عزّ و جلّ للتخلّق بالخلق الأفضل؛ ليكونوا سعداء بما وهب اللّه تعالى لهم من أنواع النعم، و أمّا ما يجده من السوء و الضرر فمن نفس الإنسان، و لو أمعن النظر في ما أصابه من الحزن لكان فرحه به مثل فرحه بالسار. و هذا بحث دقيق سوف نتعرّض له إن شاء اللّه تعالى.

الثامن:

يستفاد من قوله تعالى: مَنْ يُطِعِ اَلرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اَللّهَ أنّ من أسباب النعم و الفوز بالحسنة الطاعة للّه و الرسول، و أنّ عصيانهما يجلب السيئة و النقمة، و أنّ الإنسان لا يعرف مواطن الخير و لا يميّز الخير من الشرّ؛ لأنّه يقصر

ص: 60

نظره، فقد يختار ما هو خير لنفسه و هو في الواقع شرّ لها، قال تعالى: وَ عَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ عَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَ هُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَ اَللّهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [سورة البقرة، الآية: 216]، و لا يقدر الإنسان أن يميّز الخير من الشرّ إلاّ بإطاعة اللّه و طاعة رسوله، و من تولّى عن ذلك يقع في السوء و السيئات، و لا يكون إلاّ من سوء اختياره؛ لأنّه أعرض عن نظام الأسباب و المسبّبات الّذي جعله اللّه عزّ و جلّ وسيلة لنيل الخير و الحسنات. و الرسول صلّى اللّه عليه و آله ليس له سلطان على ردعه عن ذلك و إكراهه على الوصول في الطاعة، فإنّ ذلك ليس من سنّة اللّه تعالى في النظام التشريعيّ ، فكانت هذه الآية المباركة بمنزلة الشرح للآية الكريمة السابقة، فسبحان من أحكم آياته.

التاسع:

يستفاد من قوله تعالى: مَنْ يُطِعِ اَلرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اَللّهَ شأن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله و منزلته عند اللّه تبارك و تعالى، حيث لم يفصل بين طاعة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و طاعة نفسه جلّت عظمته، فجعل طاعته إطاعة لنفسه عزّ و جلّ ، و لم يرد مثل هذا الشأن و المنزلة في سائر الأنبياء.

العاشر:

يدلّ قوله تعالى: وَ مَنْ تَوَلّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً على نظرية الإسلام في الطاعة و الإيمان، فإنّها تنفي الطاعة عن القهر و الإكراه، و لا تؤمن إلاّ بالإيمان الصادر عن الاختيار و رضاء النفس، و يستفاد من قوله تعالى:

حَفِيظاً ، أن إحساس الشخص بكونه مراقبا و حفيظا عليه - يجبره على الإيمان و الطاعة - يجعله ذليل النفس و يخمد وجدانه عن الإحساس بالمسؤوليّة و التكليف عنده، ففي الإسلام لا يكون الرسول صلّى اللّه عليه و آله حفيظا حتّى لا يشعر الفرد بذلك، و هذا ما أثبته علماء التربية في العصر الحديث، و قد سبقهم الإسلام بقرون كثيرة، فقالوا إنّ الطاعة الصادرة عن الحرية و الاختيار ترفع طبع الإنسان، و أمّا الإذعان الناشئ عن القهر يحطّه و يستلزم إخماد الوجدان في نفسه، لا سيما إذا طال أمد القهر، فإنّه

ص: 61

يشعر بأنّه لا يحتاج إلى الرجوع إلى وجدانه و استفتاء قلبه و ميل فكره مادام هناك جبر و إلزام بالامتثال.

و على أية حال، فنظرية الإسلام في هذا المجال تدلّ على أنّه لا جبر على الإيمان و الطاعة من الأنبياء و المرسلين، و لم يبعث اللّه الرسول حفيظا و مراقبا على الناس ليراقب أفعالهم فيشعروا بالذلّ و الهوان و فقدان الإحساس.

نعم، لا بدّ من إعلامه بأنّ المخالفة تستتبع العقاب حتّى ينبع الوازع الديني من وجدان الشخص و نفسه، لا من الخارج.

بحث روائي:

في الكافي بإسناده عن الفضيل عن أبي جعفر عليه السّلام قال: «يا فضيل، أما ترضون أن تقيموا الصلاة و تؤتوا الزكاة و تكفّوا ألسنتكم و تدخلوا الجنّة، ثمّ قرأ هذه الآية: أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَ أَقِيمُوا اَلصَّلاةَ وَ آتُوا اَلزَّكاةَ أنتم و اللّه أهل هذه الآية».

أقول: الأسباب الّتي ذكرها عليه السّلام لدخول الجنّة لا بدّ من توفّر الشروط فيها من الإيمان و الولاية و الصحّة و غيرها، كما ذكرت في روايات أخرى مفصّلة، و إنّما خصّ عليه السّلام الأسباب المذكورة لأهمّيّتها.

و أما تفسير الأيدي بالألسن كما ورد في رواية الحلبيّ عن الصادق عليه السّلام أيضا في قول اللّه عزّ و جلّ : أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ، قال: يعني كفّوا ألسنتكم»، لأنّ كفّ الألسن أو الحرب باللسان مقدّمة لكفّ الأيدي، كما مرّ في التفسير، فإنّ كفّت الألسن عن الحقّ أو الدين أخذ كلّ منهما مكانه و اشتدّ قوامه و كثر أعوانه.

و عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام قال: «و اللّه الّذي صنعه الحسن بن

ص: 62

عليّ عليه السّلام كان خيرا لهذه الأمّة ممّا طلعت عليه الشمس، و اللّه لفيه نزلت هذه الآية:

أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَ أَقِيمُوا اَلصَّلاةَ وَ آتُوا اَلزَّكاةَ إنّما هي طاعة الإمام عليه السّلام، فطلبوا القتال فلما كتب عليهم القتال مع الحسين عليه السّلام قالوا: ربّنا لم كتبت علينا القتال ؟! لولا أخّرتنا إلى أجل قريب، و قوله: رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَ نَتَّبِعِ اَلرُّسُلَ أرادوا تأخير ذلك إلى القائم».

أقول: الروايات في ذلك متضافرة متقاربة في المعنى، و أنّها من باب التطبيق و ذكر المصداق، لما تقدّم من أنّ الآيات المباركة تنطبق على جميع العصور و الأزمان، و لا تختصّ بعصر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، و أنّ طاعة الإمام عليه السّلام هي طاعة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله.

و عن علي بن إبراهيم: «أنّها - الآية المباركة - نزلت بمكّة قبل الهجرة، فلما هاجر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الى المدينة و كتب عليهم القتال فنسخ هذا، ففزع أصحابه من هذا، فأنزل اللّه تعالى: أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ بمكّة كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ، لأنّهم سألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بمكّة أن يأذن لهم في محاربتهم، فأنزل اللّه: كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَ أَقِيمُوا اَلصَّلاةَ وَ آتُوا اَلزَّكاةَ ، فلما كتب عليهم القتال بالمدينة: وَ قالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا اَلْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ، فقال اللّه: قُلْ لهم يا محمد:

مَتاعُ اَلدُّنْيا قَلِيلٌ وَ اَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اِتَّقى وَ لا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً الفتيل القشر الّذي في النواة، ثمّ قال تعالى: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ اَلْمَوْتُ وَ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ يعني: الظلمات الثلاث الّتي ذكرها اللّه، و هي المشيمة و الرحم و البطن».

أقول: لا تختصّ الآيات المباركة بمورد النزول فقط، بل تعمّ غيره كما تقدّم، و تفسير البروج بالمشيمة و الرحم و البطن تفسير بأحد المصاديق و الأفراد؛ لأنّ الموت يصيب الإنسان حتّى لو حفظته الطبيعة في محلّ مأمون عن الكوارث و الحوادث.

البيهقي في سننه عن ابن عباس: «انّ عبد الرحمن بن عوف و أصحابا له أتوا

ص: 63

النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فقالوا: يا نبي اللّه، كنّا في عزّ و نحن مشركون، فلما آمنّا صرنا أذلّة، فقال:

إنّي أمرت بالعفو، فلا تقاتلوا القوم، فلما حوّله اللّه إلى المدينة أمره اللّه بالقتال فكفّوا، فأنزل اللّه تعالى: أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَ أَقِيمُوا اَلصَّلاةَ وَ آتُوا اَلزَّكاةَ ».

أقول: المراد من العزّة - في حال الشرك و حالة البعد عن الصفات الحسنة كما قاله ابن عوف - هي العزّة الوهميّة، لا العزّة الواقعيّة الدائميّة؛ لأنّ العزّة كذلك لا تكون إلاّ بالإسلام، و الذلّة في حال الإسلام، أي: الذلّة في الشعور و الخيال، و لعلّ عفو رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كان لمقالة ابن عوف.

و كيف كان، فالرواية من باب التطبيق لا التخصيص.

و في الدرّ المنثور عن قتادة قال: «كان أناس من أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و هم يومئذ بمكّة قبل الهجرة يسارعون إلى القتال، فقالوا للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله: ذرنا نتّخذ معاول فنقاتل بها المشركين - و ذكر لنا عبد الرحمن بن عوف - كان فيمن قال ذلك - فنهاهم نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه و آله عن ذلك قال: لم أومر بذلك، فلما كانت الهجرة و أمروا بالقتال، كره القوم ذلك و صنعوا فيه ما تسمعون، قال اللّه تعالى: قُلْ مَتاعُ اَلدُّنْيا قَلِيلٌ وَ اَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اِتَّقى وَ لا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ».

أقول: يستفاد منها أنّ إصرارهم على القتال في مكّة كان لأجل الغنيمة الدنيويّة، و لم يكن لوجه اللّه عزّ و جلّ .

و فيه - أيضا -: عن هشام قال: «قرأ الحسن: قُلْ مَتاعُ اَلدُّنْيا قَلِيلٌ قال:

رحم اللّه عبدا صحبها على ذلك، ما الدنيا كلّها من أوّلها إلى آخرها إلاّ كرجل نام نومة فرأى في منامه بعض ما يحبّ ، ثمّ انتبه فلم ير شيئا».

أقول: هو مأخوذ من قول نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا».

و أخرج ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران، قال: «الدنيا قليل، و قد مضى أكثر القليل و بقي قليل من قليل».

ص: 64

أقول: المراد من القليل في مقابل الآخرة.

العياشي عن صفوان بن يحيى، عن أبي الحسن عليه السّلام قال: «قال اللّه تبارك و تعالى: يا ابن آدم، بمشيئتي كنت أنت الّذي تشاء و تقول، و بقوتي أدّيت إليّ فريضتي، و بنعمتي قويت على معصيتي، ما أصابك من حسنة فمن اللّه، و ما أصابك من سيئة فمن نفسك، و ذاك أنّي أولى بحسناتك منك، و أنت أولى بسيئاتك مني، و ذاك أنّي لا اسئل عمّا افعل و هم يسألون».

أقول: ما ورد في الرواية من القدسيات و تقدّم في المباحث السابقة مكرّرا أنّ كلّ شيء من اللّه تبارك و تعالى؛ لأنّه الربّ و الخالق و العالم و المدبّر. و قد جعل للإنسان الاختيار ليميّز الخبيث من الطيب بعقله، فإذا سلك الإنسان الطريق الفاسد كان باختياره و هو المسؤول، و إذا سلك الطريق الصحيح فمنه تعالى؛ لأنّه تفضّل علينا بخلقه و إرائته، بل أنّه تعالى أنعم علينا بالاختيار لما نختار، فهو تعالى لا يسأل عمّا يفعل، لأنّ أفعاله لا تصدر إلاّ عن مصلحة و حكمة، و لكن العباد يسألون لما اختاروا.

و في الدرّ المنثور أخرج ابن أبي حاتم من طريق علي عليه السّلام عن ابن عباس في قوله تعالى: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اَللّهِ يقول: «الحسنة من عند اللّه، أمّا الحسنة فأنعم اللّه بها عليك، و أمّا السيئة فابتلاك اللّه بها». و في قوله تعالى: ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اَللّهِ قال: «ما فتح اللّه عليه يوم بدر، و ما أصاب من الغنيمة و الفتح».

وَ ما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ قال: «ما أصابه يوم أحد أن شجّ في وجهه و كسرت رباعيته».

أقول: المراد من الابتلاء الامتحان، و الرواية موافقة للروايات الصادرة عن الأئمة الهداة عليهم السّلام كما تقدّم.

و عن قتادة في قوله تعالى: وَ ما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ قال:

عقوبتك بذنبك يا ابن آدم، قال: و ذكر لنا أنّ نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه و آله كان يقول: «لا يصيب

ص: 65

رجلا خدش عود، و لا عثرة قدم، و لا اختلاج عرق إلاّ بذنب، و ما يعفو اللّه عنه أكثر».

أقول: المراد من قول نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله إنّ ما يعرض على الإنسان من المكاره في هذه الدنيا إنّما هو جزاء ما اختاره من الأعمال السيئة، فيكون نحو كفّارة، و تقدّم تفصيل ذلك.

عن الحسن بن علي الوشا، عن أبي الحسن الرضا عليه السّلام في قوله تعالى: وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اَللّهِ قال تعالى: «و أنت أولى بسيئاتك منّي عملت المعاصي بقوتي الّتي جعلت فيك».

و هناك روايات كثيرة جدا تدلّ على أنّ البلاء يختصّ المؤمن حسب مراتب إيمانه حتّى ورد في بعضها: «أن اللّه إذا أحبّ عبدا غثّه (غمسه) بالبلاء غثّا»، و في بعضها الآخر يتعاهده بالبلاء كما يتعاهد الرجل أهله بالهدية من الغيبة، فكلّ ذلك إمّا أن تكون هذه البلايا حسنات له مثل زيادة الأجر، كما عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله:

«لو كان المؤمن على جبل لقيّض اللّه عزّ و جلّ له من يؤذيه ليأجره على ذلك».

أو كفّارة لما صدر عنه من المعاصي، فتكون البلية من نفسه.

أو لأجل الاختبار و الامتحان حتّى يعرف مدى حبّه للّه و رسوله صلّى اللّه عليه و آله و أوليائه و رسوخ قدمه في الإيمان.

أو لأجل التذكية و تخفيف الشدائد في عالم البرزخ أو الآخرة.

أو لأجل رفع الدرجة؛ و لذا قد يكون البلاء مستمرا. و لا بدّ في البلاء ما يكون مجانسا للمؤمن و حسب شأنه، و إلاّ أوجب انخرام قاعدة التناسب الّتي تقدّم الكلام فيها.

و في الكافي بإسناده عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السّلام قال: «ذروة الأمر و سنامه و مفتاحه و باب الأشياء و رضى الرحمن، طاعة الإمام و معرفته، إنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: مَنْ يُطِعِ اَلرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اَللّهَ وَ مَنْ تَوَلّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ،

ص: 66

أما لو أنّ رجلا قام ليله و صام نهاره و تصدّق بجميع ماله و حجّ جميع دهره، و لم يعرف وليّ اللّه فيواليه و يكون جميع أعماله بدلالته، ما كان له على اللّه حقّ في ثوابه و لا كان من أهل الإيمان، ثمّ قال: المحسن منهم يدخله الجنّة بفضل منه».

أقول: المراد من معرفة وليّ اللّه هو معرفة الرسول و العمل بأوامره مع العقيدة الكاملة، و أن معرفة أوليائه يستلزم معرفة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، و كذا العكس، و لو لم يعرف وليّ اللّه فيواليه لا يكون أعماله وفق النظام الصحيح الكامل و المنهج الربّاني المنزّل على رسوله الكريم صلّى اللّه عليه و آله، فلا يستحق الثواب كما في الصحيح عن أبي جعفر عليه السّلام: «كلّ من دان اللّه عزّ و جلّ بعبادة يجهد فيها نفسه و لا إمام له من اللّه، فسعيه غير مقبول و هو ضالّ متحيّر».

و ذيل الرواية متعلّق بصدرها، أي: الّذين عرفوا الإمام عليه السّلام، المحسن منهم يدخل الجنّة، و في تفسير الصافي: «أنّه صلّى اللّه عليه و آله قال: من أحبّني فقد أحبّ اللّه، و من أطاعني فقد أطاع اللّه، فقال المنافقون: لقد قارف الشرك و هو ينهى عنه، ما يريد إلاّ أن نتخذه ربّا كما اتّخذت النصارى عيسى، فنزلت الآية».

أقول: إنّ إطاعة الرسول من إطاعة اللّه تعالى؛ للتلازم العقليّ بينهما، فإنّه صلّى اللّه عليه و آله في الحقيقة و الواقع مبلّغ له، فالآمر و الناهي هو اللّه جلّ شأنه، فإطاعة أوامره و عصيانها هو إطاعة اللّه و عصيانه، و لا يمكن التفكيك بينهما، و لا يرضى سبحانه و تعالى العمل إلاّ عن طريق رسوله صلّى اللّه عليه و آله و بما بيّنه، و إنّ شأن الأنبياء كلّهم ذلك.

و في الدرّ المنثور أخرج ابن المنذر و الخطيب عن ابن عمر قال: «كنّا عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في نفر من أصحابه، فقال: يا هؤلاء، ألستم تعلمون أنّي رسول اللّه إليكم ؟ قالوا: بلى. قال: ألستم تعلمون أنّ اللّه أنزل في كتابه أنّه من أطاعني فقد أطاع اللّه ؟ قالوا: بلى نشهد أنّه من أطاعك فقد أطاع اللّه، و أن من طاعته طاعتك،

ص: 67

قال: فإنّ من طاعة اللّه أن تطيعوني، و أنّ من طاعتي أن تطيعوا أئمتكم و إن صلّوا قعودا فصلّوا قعودا أجمعين».

أقول: الرواية في مقام وجوب اتّباع الأئمة الهداة المنصوص عليهم في لسان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، و عدم جواز التخطّي عن نهجهم، و الروايات من الفريقين في ذلك كثيرة جدا، فعن أبي إسحاق النحوي قال: «سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: إنّ اللّه أدّب نبيّه على محبّته، فقال: وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ . قال: ثمّ فوّض الأمر إليه فقال: ما آتاكُمُ اَلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ، و قال: مَنْ يُطِعِ اَلرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اَللّهَ . و إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فوّض إلى عليّ عليه السّلام و الأئمة، فسلمتم و جحد الناس، فو اللّه لنحبّكم أن تقولوا إذا قلنا و أن تصمتوا إذا صمتنا، و نحن فيما بينكم و بين اللّه. و اللّه ما جعل لأحد من خير في خلاف أمره».

أقول: المراد من التفويض الوارد فيها هو ما كان في إبلاغ المشروع لا في أصل الشرع و الجعل؛ لأنّه الرسول فيتبع ما يوحى إليه، و ذكرنا ذلك مفصّلا في محلّه، كما أنّ المراد من التفويض إلى الأئمة عليهم السّلام التفويض في بيان الأحكام و إقامة الحقّ و تمييزه عن الباطل؛ لأنّهم الأدلاء إلى اللّه تعالى.

و كيف كان، فالرواية تدلّ على أنّ اتّباعهم تقرّب إلى اللّه جلّ شأنه، و أنّه اتّباع للرسول الكريم.

و في الدرّ المنثور عن ابن زيد أنّه سئل عن قوله تعالى: فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ، قال: «هذا أوّل ما بعثه، قال: إنّ عليك إلاّ البلاغ، ثمّ جاء بعد هذا يأمره بجهادهم و الغلظة عليهم حتّى يسلموا».

أقول: للغلظة مراتب متفاوتة، و لا إِكْراهَ فِي اَلدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ اَلرُّشْدُ مِنَ اَلْغَيِّ .

و فيه - أيضا -: عن ربيع بن خثيم قال: حرف و أيما حرف مَنْ يُطِعِ اَلرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اَللّهَ ، فوّض إليه فلا يأمر إلاّ بخير.

ص: 68

و فيه - أيضا -: عن ربيع بن خثيم قال: حرف و أيما حرف مَنْ يُطِعِ اَلرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اَللّهَ ، فوّض إليه فلا يأمر إلاّ بخير.

أقول: هذا يؤيّد ما قدّمناه.

بحث فلسفي:
اشارة

كانت مسألة الموت و الحياة على بساط الجدل بين الفلاسفة من زمان بعيد، فذهب كلّ جيل إلى مذهب، بل كلّ فيلسوف إلى رأي، حتّى أن ظهرت الأديان السماويّة و حلتها بما جاء عن خالق الموت و الحياة، و بيّنت حقيقة الموت بأنّه ليس فناء و أمرا عدميا فحسب، و إنّما هو انتقال الروح من عالم الشهادة، إلى عالم البرزخ و الآخرة في الإنسان، و في غيره كما تقدّم في البحث الفلسفي في آية 185-189 من سورة آل عمران. و اتّفقت في ذلك، و قد اتّجهت الأجيال و الفلاسفة إلى ما قرّرته الأديان السماويّة، و ليس هنا موضع لتفصيل آراء الفلاسفة السابقين بعد ما اتّفقت الأديان كلّها و أجمعت على أنّه انتقال الروح من هذا العالم إلى عالم آخر بعد أن تتجرّد من هذا الثقل الجسمي.

حقيقة الموت و مظهره:

الموت هو مفارقة الحياة و نهاية كلّ حي - ما سواه تعالى - في هذا الوجود حتّى أنّ المجرّدات الّتي لها الحياة كالملائكة مصيرهم إلى الموت في وقت معين.

و أنّ المتّفق عليه في حقيقته هو انتقال الروح من الهيكل البدني - عند ما يصبح غير مؤهّل لبقاء الروح فيه - إلى عالم وراء هذا العالم، و ينقطع عن هذا العالم بالمرّة و إن بقي له نوع علاقة بهذا العالم، حسب الروايات الواردة كما يأتي في البحث الروائي في الآيات الآتية.

ص: 69

و مظهره: خمود الشعور و دخول الجسد الحيوانيّ إلى حالة التحلّل و الاستحالة إلى الأصول الّتي تكوّن منها، و إن كان في نظرية الإسلام بل الأديان الإلهيّة كلّها، أنّ هذه الاستحالة و التحلّل لم يكن دائما و إنّما يكون دورا خاصّا و محدّدا بزمن معين، ثمّ يرجع الهيكل الّذي كان يعيش به في عالم الشهادة و يتشخّص في يوم الجزاء به، و يسأل منه ما صدر عنه من الأفعال، على ما أثبته الفلاسفة في البحث عن المعاد الجسمانيّ في آية 8-9 من سورة آل عمران.

الحذر من الموت:

يدرك كلّ حيّ - مهما كان شعوره و درجته الحيوانيّة - بثقل الموت و شناعته و جزعه منه، قال تعالى: قُلْ إِنَّ اَلْمَوْتَ اَلَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ [سورة الجمعة، الآية: 8]، فتراه يهرب منه بتمام جهده و يدافعه بكلّ ما عنده من الوسائل إلاّ أولياء اللّه تعالى و من كان مرتبطا بصلة خاصّة مع مبدئ الحياة و خالقه حتّى أنّه يحنّ أيضا، و لكن من ألم فراق التقرّب إليه جلّ شأنه بالموت و إن كان هو آنس بالموت من الطفل بثدي أمّه. و الآية الشريفة: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ اَلْمَوْتُ وَ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ . تبيّن السبب من الحذر و الخوف من الموت و هو حبّ البقاء الموجود في نفس كلّ كائن حيّ ، و يكشف هذا الحبّ عن خلود الروح، كما أثبته كثير من الفلاسفة، إذ لو لم يكن الخلود مقدّرا للروح لما شعر الإنسان - أو الكائن الحي - به و مالت النفس إليه، فإنّ الشعور مهما كان جزافا - و الجزاف مستحيل في صنع اللّه تبارك و تعالى، بل مستحيل في صنع النواميس الكونيّة الّتي تقود هذا الوجود و تربط بعضها مع بعض - لا يستطيع أن يصنع هذا الميل الشديد و ذعرها العظيم من الفناء.

فلا معنى للقول بأنّ الخلود هوى من أهواء النفس، كما ذهب إلى ذلك بعض

ص: 70

الفلاسفة المادّيين، لما عرفت من أنّ حبّ الخلود لا يكون عبثا، بل مستندا إلى خلق، و أنّ هوى النفس لا تستطيع أن تكون منشأ لذلك الذعر العظيم و الحبّ الواقعي.

و هذا الحبّ و الذعر من الموت لا يتغيّر و لا يختلف في أدوار العمر الّذي يمرّ على الإنسان - الّذي هو أوسع فكرا و إحساسا من بقية الكائنات الحيّة - فإنّه مهما بلغ من الشيخوخة يخاف الموت و يحبّ البقاء، و إن كانت الدواعي مختلفة.

نعم، قد يكون في الموت جانب من الراحة، فيتمنّى الإنسان الموت كما يتمنّى التعبان الراحة، و لكن ذلك لأجل عامل خارجي، كفقد الإحساس و سيطرة المرض أو غير ذلك، قال الشاعر:

و إذا الشيخ قال أف فما ملّ *** حياة و إنّما الضعف ملاّ

آلة العيش صحّة و شباب فإذا وليا عن المرء ولى

و لكن أولياء اللّه تعالى الّذين تقرّبوا إلى الملأ الأعلى و ذاقوا طعم الحياة الأبديّة و العيش السرمديّ ، و وصلوا إلى الروح و الراحة يستوحشون من هذا العالم و لا يهابون الموت، فإنّهم علموا أنّ ما عِنْدَ اَللّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ [سورة آل عمران، الآية: 198]، و إن كانوا يحزنون من الاستكمال المعنويّ في هذه الدنيا.

و قد كتب ابن مسكويه رسالة في علاج الخوف من الموت لغير أولياء اللّه تعالى و من شاء فليرجع إليها، و تقدّم في البحث العرفاني في آية - 175 من سورة آل عمران ما يرتبط بالمقام.

أنواع الموت:

الموت يقع حسب أنواع الحياة: فمنها إرادي و هو إماتة الشهوات و ترك التعرّض لها، كما أنّ الحياة الإراديّة ما يسعى لها الإنسان في الحياة الدنيا من المآكل و المشارب و غيرهما للعيش.

ص: 71

و منها: الموت الطبيعي، و هو ما تقدّم من استرجاع الروح الكائن في الحي، كما أنّ الحياة الطبيعيّة هي بقاء النفس السرمديّة باستكمالها من العلوم و التبرّؤ من الجهل؛ و لذا أوصى أفلاطون طلاب الحكمة: «مت بالإرادة تحيى بالطبيعة».

و منها: زوال القوّة العاقلة، كقوله تعالى: أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ [سورة الانعام، الآية: 122] أي: رفعنا عنه الجهالة بحياة العلم.

و منها: الحزن و الخوف المنغص من الحياة و المكدرات للعيش، كقوله تعالى:

وَ يَأْتِيهِ اَلْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَ ما هُوَ بِمَيِّتٍ [سورة إبراهيم، الآية: 17].

و قد يستعار الموت للأحوال الشاقّة و المتعبة، كالفقر و السؤال و الذلّ و الهرم و غير ذلك.

و لعروض الموت و انتقال الروح المأنوسة بالجسد إلى عالم الآخرة، تمرّ حالات شاقّة على الإنسان إلاّ أنّها تخفّ و تسهل حسب اطمينان النفس باللّه تعالى و الإيمان به، قال الصادق عليه السّلام: «الموت للمؤمن كأطيب ريح يشمّه فيغص لطيبه فينقطع التعب و الألم كلّه عنه، و للكافر كلسع الأفاعي و لدغ العقارب و أشدّ»، و تستمر الحالات في عالم البرزخ على ما فصّل في محلّه، بل لعروض الموت على الحيوان فيه نوع مشقّة له؛ لأنّ الروح كان مأنوسا بالجسد، و للبحث تتمّة تأتي في محلّها المناسب إن شاء اللّه تعالى.

ص: 72

وَ يَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ اَلَّذِي تَقُولُ وَ اَللّهُ يَكْتُبُ ما يُب.......

اشارة

وَ يَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ اَلَّذِي تَقُولُ وَ اَللّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَ تَوَكَّلْ عَلَى اَللّهِ وَ كَفى بِاللّهِ وَكِيلاً (81) أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ اَلْقُرْآنَ وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اَللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلافاً كَثِيراً (82) وَ إِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ اَلْأَمْنِ أَوِ اَلْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى اَلرَّسُولِ وَ إِلى أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ اَلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَ لَوْ لا فَضْلُ اَللّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ اَلشَّيْطانَ إِلاّ قَلِيلاً (83) فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اَللّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاّ نَفْسَكَ وَ حَرِّضِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَسَى اَللّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ اَللّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَ أَشَدُّ تَنْكِيلاً (84) الآيات المباركة تحدّث عن تلك الطائفة الّتي تكون داخلة في صفوف المؤمنين، و الّتي تكلّم عنها عزّ و جلّ في ما سبق من الآيات الكريمة. و هي فرقة منافقة تظهر الطاعة و الولاء بمحضر الرسول صلّى اللّه عليه و آله، و لكنّها تنوي المخالفة و تتآمر ضدّ الإسلام و رسوله.

و الآيات الشريفة تطمئن الرسول صلّى اللّه عليه و آله بعدم إصابته آذاهم، و تأمره بالإعراض عنهم و التوكّل عليه، و سوف يحاسبهم على كلّ ما يصدر عنهم، و قد ألزمهم عزّ و جلّ الحجّة بالرجوع إلى القرآن و تعاليمه و آدابه و أحكامه، فإنّه لا اختلاف فيها من جهة من الجهات. و تأمر بالتفكّر في ما أنزله اللّه تعالى على رسوله ليملأ مشاعرهم و تتهذّب نفوسهم، فيتركوا النفاق و يخلص إيمانهم ثمّ يأمرهم بالرجوع إلى اللّه تعالى و الى الرسول في ما لم يعلموه من القرآن، و سوف يرشدهم الّذين يستنبطون الدقائق و الرموز من القرآن الكريم بما منحهم اللّه تعالى من الفهم

ص: 73

الثاقب و صفاء النفس، و هذا هو الفضل الكبير الّذي تفضّل اللّه تعالى علينا، و هو ذو الفضل العظيم.

التفسير

قوله تعالى: وَ يَقُولُونَ طاعَةٌ .

بيان لصفة اخرى من صفاتهم الذميمة، و هي النفاق و التظاهر أمام الرسول صلّى اللّه عليه و آله بالطاعة و تبطين المخالفة، فهم يدرجون أنفسهم في المسلمين، و يقولون للرسول صلّى اللّه عليه و آله: إنّ شأننا الطاعة لأوامرك.

و إنّما جعل المصدر مكان اسم المفعول، أي: أمرك مطاع للمبالغة، فهم يدعون في حضرة الرسول الكريم كمال الطاعة و منتهى الانقياد، و التعبير ب «طاعة» لشدّة تظاهرهم بكمال الانقياد.

و «طاعة» على الرفع، و هي القراءة المعروفة خبر لمبتدأ محذوف، و قرأ بعضهم على النصب، أي نطيع طاعة.

قوله تعالى: فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ اَلَّذِي تَقُولُ .

مادة (ب ر ز) تدلّ على الظهور، و منها البراز بفتح الباء، و هو الفضاء من الأرض، و المراد به في المقام الخروج من مجلس الرسول صلّى اللّه عليه و آله منصرفين.

و مادة (بيت) تدلّ على التدبير و التقدير و الإبرام في الليل، يقال: أمر بيّت بليل، إذا أحكمه و دبّره في الليل، قال تعالى: إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ اَلْقَوْلِ وَ كانَ اَللّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً [سورة النساء، الآية: 108]، و إنّما خصّ الليل بذلك؛ لأنّه وقت يصفو فيه الذهن و يتفرّغ فيه، و منه التبييت و البيات، و هو إتيان العدو ليلا، كما أنّ منه تبييت الصائم، أي: القصد إلى الصوم ليلا.

ص: 74

و المراد به في المقام هو عقدهم على مخالفة الرسول صلّى اللّه عليه و آله في الخفية، كالّذي يدبّر في الليل و الظلام، و بينما هم في تبييتهم و ظلامهم إذ القرآن يفاجئهم و يكشف عن نواياهم السيئة.

و المعنى: أنّهم إذا خرجوا من عندك عقدوا العزم على مخالفة ما قلته لهم من الأحكام و الأوامر، و يستلزم ذلك أنّهم خالفوا أنفسهم أيضا في ما أظهروه من الطاعة. و يحتمل إرجاع الضمير في «تقول» إلى الطائفة.

و إنّما اقتصر على ذكر مخالفة ما قاله الرسول صلّى اللّه عليه و آله للأهميّة و لبيان قبح ظلمهم، و إنّما عدل عزّ و جلّ عن الماضي في قوله تعالى: غَيْرَ اَلَّذِي تَقُولُ ؛ لبيان أنّ قصدهم الاستمرار على ذلك.

كما أنّ في إسناد ذلك إلى طائفة منهم دون الجميع؛ لأجل أنّ هؤلاء هم الرؤساء الّذين كانوا يتصدّون ذلك و الباقون أتباع لهم.

قوله تعالى: وَ اَللّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ .

توعيد لهم على قبح أفعالهم، الّتي هي ثابتة في علم اللّه تعالى، و أنّه يعلم مكرهم و يكتب في صحائفهم ما يضمرون من النوايا الفاسدة، و سيحاسبهم عليها في الدنيا أو الآخرة، أو فيهما معا. و الكلام كناية عن التوعيد و المجازاة.

قوله تعالى: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَ تَوَكَّلْ عَلَى اَللّهِ .

إرشاد إلى الرسول الكريم صلّى اللّه عليه و آله بالإعراض عنهم و عدم الاكتراث بهم، و التوكّل عليه عزّ و جلّ و تفويض الأمر إليه.

و إنّما أظهر اسم الجلالة للإشارة إلى علّة الحكم، فإنّه المستجمع لجميع صفات الكمال، و هو القادر على كفاية أمر رسوله الكريم منهم، و إنّه جلّ شأنه يكفيك شرّهم و يبعد عنك كيدهم.

قوله تعالى: وَ كَفى بِاللّهِ وَكِيلاً .

لأنّه عالم بجميع الحقائق محيط بعباده و قادر على كلّ شيء، فهو يحمي

ص: 75

رسوله من كلّ سوء و ضرر، و يكف أذى الأعداء عنه. و الآية المباركة تطمئن الرسول صلّى اللّه عليه و آله بأنّه لن يصيبه أذاهم.

قوله تعالى: أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ اَلْقُرْآنَ .

تحريض لهم بالتدبّر في القرآن الكريم و التأمّل في معانيه، لاستيعاب ما ورد فيه من الإرشادات و التوجيهات و الأحكام المستندة على المصالح و المفاسد و الدستورات المتكفّلة لسعادة الدارين، و أنّ العمل بها يوجب الفلاح و يثبت الإيمان في قلوبهم، فتخلص من شوائب الكفر و النفاق.

و إنّما أمروا بالتدبّر في القرآن لفساد زعمهم؛ لأنّهم كانوا يظنون أنّ الرسول صلّى اللّه عليه و آله كان يشرّع لهم من نفسه، و أنّ القرآن، إنّما هو من عنده، و من صنعه صلّى اللّه عليه و آله؛ و لذا أمرهم بالتدبّر في القران، الّذي هو مفتاح اليقين و الإخلاص، و الفائق في جميع تعبيراته و تنسيقاته على مستوى واحد غير متفاوت و في غاية الكمال، لا يمكن أن يكون من صنع البشر أو عمل مخلوق مهما بلغا من الشأن في عالم التفكّر و التنسيق اللفظي أو الأدبي أو المعنوي: قُلْ لَئِنِ اِجْتَمَعَتِ اَلْإِنْسُ وَ اَلْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا اَلْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [سورة الإسراء، الآية: 88]؛ لأنّ الطبيعة مهما بلغت من الكمال فهي مختلفة في المستويات و متفاوتة، فتكون نتاجها كذلك، كما أثبته علماء الفلسفة، فيستحيل أن يكون القرآن من عند غير اللّه تعالى، إلاّ أنّه يحتاج إلى تدبّر و تفهّم، فإنّهم لو تدبّروا القرآن و تأمّلوا معانيه، لعلموا أنّه منه جلّت عظمته، و أنّه يهدي إلى الحقّ و لا يمكن أن يكون من عند غير اللّه تعالى - لما عرفت - و لكنّهم لم يتدبّروه، فعابهم عزّ و جلّ عليه، و السبب في ذلك ما ذكره سبحانه و تعالى في آية أخرى، قال تعالى:

أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ اَلْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها [سورة محمد، الآية: 24]، فهم قد أقفلوا قلوبهم عن فهم معاني القرآن و نصائحه و إرشاداته، لتبطينهم النفاق و الكفر، و لإصرارهم على ارتكاب الآثام.

ص: 76

قوله تعالى: وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اَللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلافاً كَثِيراً .
اشارة

خصيصة من خصائص القرآن الكريم و مزيّة له امتاز بها على سائر الكتب، فإنّ بشرا على وجه هذه البسيطة لا يمكنه أن يخرج كتابا يسلم فيه من الاختلاف كهذا الكتاب العزيز، فهو معجز بجميع جهاته بأسلوبه و كلماته، و بفصاحته و بلاغته؛ و بأحكامه و آدابه، و بقصصه و إرشاداته و بأصوله و فروعه، و بحقائقه و واقعياته، و غير ذلك ممّا لا يبلغ حدّ الإحصاء، و يكفي في صدق ذلك أنّ الآية الكريمة تقرّر أنّه لو كان من عند غير اللّه لوجدوا فيه اختلافا كثيرا.

و المراد من الاختلاف الأعمّ من التناقض في المعنى، و نفي بعضه بعضا و التفاوت في النظم و الأسلوب، بخروج بعضه عن الفصاحة و البلاغة و نحو ذلك، و ليس المراد بالاختلاف خصوص التناقض كما يبدو لأوّل وهلة، فإنّ القرآن هدفه واضح، و هو إثبات الألوهية و عبادة اللّه الواحد الأحد المتّصف بجميع صفات الكمال، فهو لم يخرج عن وجهته هذه، و لكن الاختلاف أعمّ من ذلك، فهو يشمل جميع المستويات من غير استثناء، فإنّه يحوي من الإتقان و الإحكام في تعاليمه و نصائحه و إرشاداته ما لم يحوه كتاب آخر، و لو تدبّرت في أيّة ناحية من نواحي الحياة الّتي تمّت بصلة للإنسان، من التربويّة و النفسيّة - بجميع ميادينهما - و الاجتماعيّة و الطبيعيّة و ما وراءها، لوجدته يحوي تلك باتّفاق و لا اختلاف لجانب على جانب آخر، فهو معجزة من حيث كونه كتابا واحدا يحتاج إليه الإنسان في عصر نزوله، كما يحتاج إليه الإنسان في العصر الحاضر الّذي يرى نفسه أعقل و أكمل من أمس، فهو امتداد واحد في الوجود، و هذا ما لا يتّصف به كتاب آخر، فإنّ كلّ كتاب يخرج إنّما يفيد في برهة معيّنة من الزمن، ثمّ يأتي كتاب أفضل آخر، فتقلّ أهميّة الكتاب الأوّل، و هذا هو الناموس في السير التكاملي الّذي يسير عليه الإنسان.

ص: 77

ثمّ إنّ المنفي من القرآن الاختلاف بجميع وجوهه، و إنّما وصفه بالكثرة لأنّ الكلام مشتمل على جوانب متعدّدة، فلا بدّ أن يكون الاختلاف كثيرا، كما في كلّ كلام آدمي إذا كان مشتملا على وجوه متعدّدة، فليس المراد نفي الاختلاف الكثير دون الاختلاف القليل اليسير، و هذا واضح بأدنى تأمّل.

و المستفاد من الآية الشريفة أمور:
الأوّل:

أنّ القرآن ممّا يناله الفهم العادي، فلو لم يكن كذلك لما أمر سبحانه و تعالى الناس بالتدبّر و التأمّل فيه لمعرفة الحقّ ، و أن التأمّل فيه يهدي صاحبه إلى كون القرآن من عند اللّه تعالى العليم بمصالح عباده الّذي يهديهم بما يصلح أمرهم.

الثاني:

أنّ ما اشتمل عليه القرآن الكريم ممّا تنادي به الفطرة و ملائمة للمصلحة؛ و لذا أوجب الكمال و الهداية.

الثالث:

أنّ القرآن الكريم كامل مكمّل من جميع الجهات، لا يقبل الاختلاف و لا التغيير و لا التحوّل و النسخ و لا الابطال و لا التهذيب و لا التكميل، فلا حاكم عليه أبدا؛ لأنّ ذلك كلّه من شؤون الاختلاف، فإذا كان منفيا عنه بالكلّية، فلا يقبل القرآن أيّا منها، و يستلزم ذلك أنّ ما فيه من الشريعة و الأحكام باقية و مستمرة إلى يوم القيامة، و هذا ما تؤكّده جملة من الآيات المباركة و السنّة الشريفة.

الرابع:

أنّ القرآن لما كان كاملا لا بدّ أن يكون نازلا من عند الكامل المستجمع لجميع صفات الكمال، الّذي لا يتصوّر النقص فيه أبدا؛ لأنّ ما نزل من عنده كامل، كما أنّه لا بدّ أن يكون من نزل عليه كاملا؛ لأنّه يتحمّل أعباء التفسير و التوضيح و الإبلاغ إلى الناس، و إلاّ استلزم الخلف، و تدلّ عليه آيات كثيرة منها قوله تعالى: وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [سورة القلم، الآية: 4].

الخامس:

أنّ المنفي عن القرآن الكريم جميع وجوه الاختلاف، كالاختلاف في الوصف و اللفظ أو المعنى، بتناقض الأخبار أو الوقوع على خلاف المخبر به و عدم

ص: 78

المطابقة للواقع أو اشتماله على ما لا يلائم و لا يلتئم مع الفطرة و العقل السليم، كما أنّه لا يقبل المعارضة، كما تحدّى به الرسول الكريم بالإتيان بمثله أو بعشر سور من مثله.

السادس:

أنّ القرآن الكريم كتاب هداية و تربية و توجيه، و قد أنزله اللّه تعالى لتربية هذه الأمّة و إنشائها و إعدادها إعدادا كاملا؛ لتكون أمّة صالحة، فلا بد أن يكون جامعا و حاويا لجميع ميادين التربية في حياة الإنسان، فهو كتاب توحيد خالص من شوائب الشرك و الإلحاد، و كتاب حكمة و معارف حقّة، و كتاب تربية الروح و العقل، و تزكية النفس و تربية الجسد، و كتاب تربية الفرد و الاجتماع، و سوق كلّ منهما إلى منتهى الكمال، و كتاب أخلاق يحتوي على جميع الفضائل العامّة الإنسانيّة.

كما أنّه كتاب يوازن بين مطالب الجسد و مطالب الروح، و بين الدنيا و الآخرة، بلا اختلاف يتداخل فيه جميع الشؤون المرتبطة بالإنسانيّة على نحو الاعجاز في كلّ جانب، فهو كتاب كما وصفه عليّ عليه السّلام: «ظاهره أنيق، و باطنه عميق، لا تفنى عجائبه و لا تنقضي غرائبه، لا تكشف الظلمات إلاّ به» فهدفه اعداد الإنسان الصالح و ترقيه من حضيض الرذيلة إلى أوج الشرف و الكمال.

السابع:

ان مثل هذا الكتاب لا يمكن ان يصدر من عند غير اللّه تعالى، سواء كان إنسانا أو ملكا أو مخلوقا آخر، لأنّ غيره قرين النقص و الاختلاف، فلا يمكن أن يصدر منه ما ليس فيه الاختلاف، و أنّ الكمال مهما بلغ من الشأن في المخلوق محدود، و القرآن بعجائبه و غرائبه غير محدود، فهو المعجزة الخالدة، يخضع له العلماء و جهابذة الفكر و المرتبطون باللاهوت السرمدي الأبدي، و المتّصلون بالمبدأ الحيّ القيوم في جميع العصور غاية الخضوع، و يستنيرون عقولهم منه، و يعجبون به أشدّ الإعجاب.

ص: 79

قوله تعالى: وَ إِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ اَلْأَمْنِ أَوِ اَلْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ .

سجيّة اخرى لتلك الطائفة الّتي اتّصفت بالنفاق، و يمكن أن تكون الآية المباركة في مقام بيان طائفة اخرى من طوائف المجتمع الإسلامي، الّتي تكون ضعيفة في التنظيم تقبل كلّ أمر يرد عليها، سهلة الانقياد للإشاعة، تبثّ كلّ ما تسمعه دون تحفّظ و تدبّر، فلا انتظام لها في شؤونها، فكانت تذيع كلّ ما يرتبط بالأمن أو الخوف و نحوهما، ممّا يرتبط بشئون الأمّة و المجتمع المسلم.

و إنّما اقتصر على الأمن أو الخوف لأهمّيّتهما، فيشيعون بالأخبار الكاذبة ما يوجب تزلزل الأمن في موضع الاستعداد و الأهبة، فتزول عنهم هذه الحالة، أو يشيعون ما يوجب الخوف فيستعدون لمنازلة العدو و هم في غنى عنه، فكم من إشاعة تلحق الضرر بالأمة.

و الآية الكريمة في مقام التعيير و الذمّ لهذه الطائفة في فعلتهم هذه، و إن كانت حسنة النيّة فيما تفعل و لم تقصد إلى هذه النتيجة السيئة الّتي تترتّب على الإشاعة، و هي الاضطراب و الخلخلة في الصفوف.

و يستفاد من الآية الكريمة أنّ ما أشيع به لا حقيقة له، بل هو من الأراجيف الّتي كان يبثّها أعداء الإسلام في صفوف الأمة المتراصّة؛ لا يجاد الوهن في عزائمها، و لعلّ هذه الحالة كانت موجودة في أكثر من واقعة، فتنطبق على واقعة بدر الصغرى الّتي تقدّم الكلام فيها في سورة آل عمران، كما ذكرها المفسّرون.

قوله تعالى: وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى اَلرَّسُولِ وَ إِلى أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْهُمْ .

الضمير في (ردّوه) راجع إلى الأمر الشائع من الأمن أو الخوف، و ردّ الشيء ارجاعه و إعادته، و يتضمّن معنى التفويض أيضا.

و أما أولو الأمر، فقد اختلفوا فيهم كاختلافهم في المراد بهم في قوله تعالى:

أَطِيعُوا اَللّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ [سورة النساء، الآية: 59]، فقيل: هم أهل الرأي و المعرفة بالأمور العامّة و القدرة على الفصل فيها، و قيل: هم

ص: 80

أهل الحلّ و العقد، الّذين تثق بهم الأمّة في سياستها و إدارة أمورها. و قيل: هم أمراء السرايا و الولاة. و قيل: هم العلماء و حملة الفقه و الحكمة، و قيل: هم كبار الصحابة، و قيل: هم الخلفاء الراشدون، و قيل غير ذلك.

و الحقّ أنّه لا دليل على كلّ واحد من تلك الأقوال، و يكفي في وهنها تعارضها في ما بينها و عدم مناسبتها للآية الشريفة، يضاف الى ذلك أنّ بعضها حدث بعد عصر نزول القرآن بزمان كثير، فكيف يصحّ سلخ الآية الشريفة عن معناها و تطبيقها على مورد يتحقّق بعد نزولها.

فالصحيح هو القول بأنّ أولي الأمر في المقام هم أنفسهم في قوله تعالى:

أَطِيعُوا اَللّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ [سورة النساء، الآية: 59]، و هم الأئمة المعصومون الّذين يستنبطون من القرآن و يعرفون الحلال و الحرام بما وهبهم اللّه تعالى من الذهن الثاقب و الذوق الرفيع و اختارهم لهداية الناس، فراجع تلك الآية الشريفة.

و لم يذكر سبحانه و تعالى في المقام الردّ إلى اللّه تعالى كما ذكره في الآية السابقة: فَرُدُّوهُ إِلَى اَللّهِ وَ اَلرَّسُولِ ؛ لأنّ الردّ في المقام لا يتضمّن حكما مولويا شرعيّا، بخلاف الردّ في الآية السابقة، فإنّه ردّ الحكم الشرعي، و لا سلطة لأحد فيه إلاّ اللّه تعالى و الرسول.

قوله تعالى: لَعَلِمَهُ اَلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ .

المراد من العلم هو معرفة الحقّ و الصدق ممّا أشيع، و تمييزهما من الباطل و الكذب. و الاستنباط هو الاستخراج، مأخوذ من استنبطت الماء إذا استخرجته، و النبط هو الماء المستنبط و أوّل ما يخرج من ماء البئر، و سمّي النبط نبطا؛ لأنّهم كانوا يستخرجون ما في الأرض من الماء، و استنباط الحكم هو بذل الجهد في الحصول على الحكم من الأدلّة الشرعيّة.

و الاستنباط في الآية الكريمة إمّا وصف للرسول صلّى اللّه عليه و آله و أولي الأمر، أو يكون

ص: 81

وصفا للرادّين، أي: أنّ الّذين أشاعوا الأخبار الكاذبة - حداث البلبلة و الفوضى في صفوف المؤمنين - لو ردّوا تلك الأخبار إلى الرسول صلّى اللّه عليه و آله و الى أولي الأمر من المؤمنين بدلا من إشاعته لعرفوا حقيقته من دون الوقوع في الإشاعة و الآثار السيئة المترتّبة عليها، لأنّ قيادتهم يعرفون الحقّ و الصدق فيها بحكم ما اكتسبوه من التجارب، و ما أفاضه البارئ عليهم، أو يكون المعنى لعرف الرادّون الأخبار الصحيحة و استخرجوها من الأخبار الكاذبة.

قوله تعالى: وَ لَوْ لا فَضْلُ اَللّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ اَلشَّيْطانَ إِلاّ قَلِيلاً .

بيان لرعايته عزّ و جلّ لهذه الأمة، فإنّها هي الّتي تبعث الأمل فيهم و تحفظهم من الانهيار و الضياع و تصونهم من الآثار المترتّبة على كيد المنافقين و زيغهم و أباطيلهم.

و فضل اللّه تعالى إن كان المراد منه الرسول الكريم و القرآن المجيد، فالمراد من الشيطان أولياء الضلال، كأبي سفيان و نحوه، و إن كان المراد به ظاهر الإسلام فالمراد بمتابعة الشيطان العود إلى الكفر و الجاهلية الأولى.

و على أي تقدير، فالمقصود بالمتابعة المنفية هي المتابعة في ظاهر الإسلام، لا المتابعة في الأحكام العمليّة و فروع الدين، فإنّ أكثر الناس متابعون الشيطان إلاّ النادر كما هو المعلوم، و منه يظهر وجه الاستثناء من غير حاجة إلى تكلّف.

و ممّا ذكرنا يظهر الوجه في الاستثناء، فيكون المعنى: لو لا فضل اللّه عليكم في الهداية و التوفيق للمتابعة، لا تبعتم الشيطان و خرجتم عن الصراط المستقيم إلاّ قليلا منكم، و هم الّذين أخلصوا في إيمانهم و سلّموا أمرهم للّه تعالى و الرسول صلّى اللّه عليه و آله.

و مضمون الآية الكريمة عامّ يمكن أن يشمل جميع الموارد، و لها مظاهر مختلفة، فلا تختصّ بمورد خاصّ و إن كان نزولها في أمر خاص، و تشير إلى قصة بدر الصغرى و بعث أبي سفيان نعيم بن مسعود الأشجعي إلى المدينة لبسط الخوف

ص: 82

و الوحشة بين الناس و تحريضهم إلى عدم الخروج إلى بدر، لما أخبرهم بأنّ أبا سفيان قد جمع الجموع و جهّز الجيوش، كما أخبر عزّ و جلّ في القرآن الكريم.

و قد ذكر المفسّرون للاستثناء وجوها، فقيل: إنّ ظاهر الآية الشريفة أنّه امتنان خاص في أمر قد انقضى.

و فيه: أنّه لا ينافي الأخذ بالعموم لتشمل الجميع، فتكون للّه تعالى توفيقات خاصّة على المؤمنين، و أنّ له فضلا كبيرا عليهم.

و قيل: إنّ الآية الكريمة على ظاهرها، فإنّ المؤمنين سواء المخلصون منهم أم غير المخلصين، يحتاجون إلى فضله و رحمته، و إن كان غير المخلصين يحتاجون إلى عناية زائدة.

و فيه: أنّه خلاف ظاهر الآية الشريفة.

و قيل: إنّ المراد بالفضل و الرحمة القرآن و النبيّ صلّى اللّه عليه و آله.

و قيل: إنّ المراد بهما الفتح و الظفر، فيكون وجه الاستثناء بناء عليهما واضحا.

و قيل: إنّ الاستثناء إنّما هو في اللفظ دون الواقع، نظير الاستثناء في قوله تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى * إِلاّ ما شاءَ اَللّهُ [سورة الأعلى، الآية: 6-7]، فإنّ الاستثناء يفيد عموم الحكم بنفي النسيان، و في المقام الاستثناء يفيد الجمع و الإحاطة.

و جميع هذه الوجوه بعيدة عن سياق الآية المباركة.

قوله تعالى: فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اَللّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاّ نَفْسَكَ .

توجيه تربويّ آخر يهمّ الرسول القائد صلّى اللّه عليه و آله أكثر من غيره، فيوجّه سبحانه و تعالى الأمر له ليعطي درسا للقدوة الواقعيّة، و يبيّن تلك الطائفة المؤمنة الّتي خلصت لربّها في إيمانها، و سلمت من الأوصاف الّتي وصف بها جلّ شأنه تلك الطوائف المنافقة الضعيفة في الإيمان، فقد أمره عزّ و جلّ بالتحريض للقتال.

ص: 83

و الفاء في «فقاتل» للتفريع، و الأمر بالقتال متفرع على المتحصّل من الآيات السابقة. و يحتمل أن يكون تفريعا على قوله تعالى: وَ مَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اَللّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ، أى: من أجل ذلك فقاتل في سبيل اللّه تعالى.

و يحتمل أن يكون تفريعا على قوله تعالى: وَ ما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اَللّهِ ، أي: فقاتل إعلاء لكلمة اللّه و استنصر اللّه تعالى عليهم للمستضعفين، و لا بأس بذلك.

و لكن الأولى هو الأوّل، فإنّه بعد أن أمر المؤمنين بالقتال و بيّن مواقفهم المتقاعسة و المتخاذلة، و بيّن أنّما بعث لا بلاغ الرسالة، و ليس شأنه الرقابة و الجاءهم الى الطاعة. ففي هذه الآية الكريمة يأمره سبحانه و تعالى بتنفيذ التكليف و القتال في سبيل اللّه تعالى - لأنّه القدوة في كلّ مجال - و أنّك الرقيب على نفسك، و لا يضرّك تثاقلهم في القتال و إحجامهم عن تنفيذ أوامر اللّه تعالى، و إنّما عليك التوجيه و التحريض لغيرك.

و قوله تعالى: لا تُكَلَّفُ إِلاّ نَفْسَكَ ، إمّا بمعنى لا تكلّف بشيء إلاّ أنّ تكلّف نفسك، فالأوّل مجهول و الثاني معلوم. و «تكلّف» مرفوع؛ لأنّه مستقبل، و لم يجزم؛ لأنّه ليس علّة للأوّل. و قرئ بالجزم على أن (لا) ناهية و الفعل مجزوم بها، أي: لا تكلّف أحدا إلاّ نفسك، و «نفسك» منصوب على أنّه مفعول لفعل معلوم مقدّر يفسّره الفعل المجهول الظاهر.

قوله تعالى: وَ حَرِّضِ اَلْمُؤْمِنِينَ .

التحريض الحثّ على الشيء، أي: حثّهم على القتال بالترغيب و الوعظ و الوعد في الطاعة و التوعيد على المخالفة.

و المراد بالمؤمنين هم تلك الطائفة المخلصة الصادقة في إيمانها، و الخالصة عن تلك الأوصاف الّتي وصف بها سبحانه و تعالى الطوائف الزائفة.

ص: 84

قوله تعالى: عَسَى اَللّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا .

المعروف أنّ (عسى) من الإنسان للترجّي، و من اللّه تعالى الحتم؛ لأنّ الترجّي الحقيقي محال عليه عزّ و جلّ المحيط بكلّ شيء، و لكن ذكرنا غير مرّة أنّ (عسى) و غيرها من أدوات الترجّي و التمنّي تستعمل في معانيها الحقيقيّة الإنشائيّة، فهي إبراز المقصود و المطلوب بدواع مختلفة، كالترجّي و التمنّي و نحو ذلك، بلا فرق بين أن تكون تلك المعاني قائمة بنفس المتكلّم أو المخاطب أو بمقام التخاطب، فيكون مفهوم (عسى) في الخالق و المخلوق على حدّ سواء، بلا ارتكاب مجاز في الأوّل.

و المراد ب اَلَّذِينَ كَفَرُوا هم مشركو قريش و طواغيت الباطل، و البأس القوّة و النجدة.

و الآية الشريفة تزيد في تحريض المؤمنين على القتال و استعدادهم له، فإنّ العامل النفسي له الأثر المهم في الحروب، فإذا اطمئن العدو أنّ المؤمنين على أتمّ استعداد، و قد وطّنوا أنفسهم على القتال في سبيل اللّه تعالى، و كان الباعث على ذلك هو الإيمان و الاعتقاد الجازم بالنصرة الإلهيّة لهم، من دون أن يكون إلزام و سيطرة خارجيّة عليهم، صاروا أشدّ بأسا و أتمّ استعدادا للقاء العدو، و لذلك التأثير الكبير في وهن العدو و خوفه.

و من ذلك يعلم أنّ هذه الآية المباركة من الآيات المعدودة الّتي نزلت في القتال و راعت الجانب المعنويّ و النفسيّ في هذا المجال.

قوله تعالى: وَ اَللّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَ أَشَدُّ تَنْكِيلاً .

التنكيل من النكال و هو العذاب و العقاب بما يكون عبرة لغيره. و أصله من التعذيب بالنكل، و هو القيد، فعمّم لكلّ عذاب مع هذه الخصوصية.

و في الآية الكريمة كمال التشجيع ببعث الرأفة و الاطمينان في نفوس المؤمنين، بأنّ اللّه تعالى القادر على كلّ شيء هو أشدّ قوّة من الأعداء و أشدّ تعذيبا لهم، هو

ص: 85

الّذي ينصرهم على أعدائهم، فهو عزّ و جلّ يمنعهم من أعدائهم.

كما أنّ فيها كمال التهديد للأعداء و بعث الرعب فيهم و التقريع لهم، و يستفاد ذلك من إظهار اسم الجلالة، و تعليل الحكم، و استقلال الجملة، و تذكير الخبر.

ص: 86

بحوث المقام

بحث دلالي:
اشارة

يستفاد من الآيات الشريفة أمور:

الأوّل:

يستفاد من قوله تعالى: وَ يَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ اَلَّذِي تَقُولُ منزلة من منازل الإيمان، و هي ما إذا لم يستقر الإيمان في القلب، و لم يستوعب المشاعر، و هي المنزلة الضعيفة الّتي يكون فيها الفرد المؤمن قد اكتفى من الإيمان بالاسم، و في اللسان فقط يتظاهر بالطاعة، و أما حالته النفسيّة فهي على تذبذب و نفاق، يعطى الموافقة اللسانيّة و يضمر المخالفة، و سرعان ما يظهر عدم موافقته على ما أبداه أمام الرسول القائد صلّى اللّه عليه و آله، و يدلّ قوله تعالى:

فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ على سرعة المخالفة و إضمار الشرّ ضدّ الإيمان و المؤمنين.

الثاني:

يدلّ قوله تعالى: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَ تَوَكَّلْ عَلَى اَللّهِ على أنّ تلك الطائفة المنافقة و غيرها من ضعفاء الإيمان و أصحاب الشرّ و الفساد لا تأثير لهم في الإسلام، و لن يصيبوا الرسول صلّى اللّه عليه و آله و المؤمنين أذى و مكروها؛ و لذا أمر عزّ و جلّ رسوله الكريم بالإعراض عنهم و التوجّه إليه تعالى، فإنّه جلّ شأنه يتولّى جزائهم و يكفي المؤمنين أذاهم، قادر على حماية الرسول صلّى اللّه عليه و آله و المؤمنين باللّه تعالى.

الثالث:

يستفاد من قوله تعالى: أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ اَلْقُرْآنَ وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اَللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلافاً كَثِيراً ، أنّ للقرآن الكريم الأثر الكبير في إصلاح النفوس المريضة، و أنّ الكتاب التكوينيّ كالكتاب التشريعيّ لا اختلاف فيهما، فإذا كان التدبّر في القرآن العظيم موجبا لرفع الشكّ و التردّد، كذلك له الأثر في رفع شكوك النفوس و تثبيتها على الإيمان. و يستفاد من الآية السابقة الدالّة على اختلاف الجنان مع اللسان، و من تعقيبها بهذه الآية الدالّة على أنّ التدبّر في القرآن

ص: 87

الموجب لرفع الشكّ و جلب اليقين في عدم اختلافه، أنّ الرجوع إلى القرآن و التدبّر فيه و التفكير في معانيه و العمل بما ورد فيه، توجب رفع الشكّ و اختلاف النفوس و ضعف الإيمان، و تورث ثبات القلوب و استقامتها، و الطاعة التامّة للّه و الرسول.

الرابع:

يدلّ قوله تعالى: أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ اَلْقُرْآنَ وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اَللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلافاً كَثِيراً على لزوم النظر في الجملة في الحجج و الأمارات و بطلان التقليد في أصول المعارف الإلهيّة، كما أثبتوه في علم الكلام.

الخامس:

ذكرنا أنّ الآية الكريمة المتقدّمة تدلّ على أنّ القرآن ممّا يناله الفهم، و هذا لا ينافي ما ورد أنّ للقرآن بطنا لا يمكن الوصول إليه إلاّ بتفسير المعصوم عليه السّلام، فإن للقرآن ظاهرا يناله الفهم العادي و عليه تدور المحاورات و استفادة الأحكام الشرعيّة.

السادس:

يدلّ قوله تعالى: لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلافاً كَثِيراً على معجزة القرآن، فإنّه مضافا إلى كونه لا اختلاف فيه من جانب واحد، كذلك لا اختلاف فيه من حيث اجتماعه على جميع الجوانب المتّصلة بالإنسان في الحياة الدنيا و الحياة الآخرة، و لا اختلاف في توجيهه لجانب مع توجيهه لجانب آخر، و تحتاج معرفة ذلك إلى التدبّر دون القراءة المسترسلة أو بقلوب مطموسة، فلا يتبيّن له ما فيه الحقّ الّذي لا اختلاف فيه، فيكون القرآن معجزة خالدة فيها الدلالة الواضحة على صدق من جاء به، و هو الرسول الكريم خاتم الأنبياء سيد المرسلين صلّى اللّه عليه و آله.

السابع:

يدلّ قوله تعالى: وَ إِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ اَلْأَمْنِ أَوِ اَلْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ على ذمّ إذاعة الأنباء و نشر الأخبار الّتي لم يتأكّد الإنسان من حقيقتها، أو تكون موجبة لإشاعة البلبلة في صفوف المؤمنين، و قد ورد في الحديث: «كفى بالمرء كذبا أن يحدّث بكلّ ما سمعه»، بل يستفاد منه أنّ ذلك من سبل الشيطان الّذي يريد إيقاع المؤمنين في التعب و المشقّة، و قد بيّن عزّ و جلّ أنّ المنهج القويم في مثل تلك الحالات هو الإرجاع إلى الرسول القائد، و من يكون على معرفة من

ص: 88

الأمور بحقائقها، و هم الصفوة من الأمّة الّذين وهبهم اللّه تعالى الذهن الثاقب و ألهمهم فهم الكتاب المبين، و هم الأئمة المعصومون عليهم السّلام قرناء القرآن العزيز، الّذين ما أن تمسّك بهم أحد لن يضل أبدا.

الثامن:

إنّما ذكر سبحانه و تعالى الأمن و الخوف لأهمّيّتهما بالنسبة إلى حفظ الأمّة و كيانها و استقلالها و استعدادها للقاء العدو، و لأنّ الآية الشريفة تشير إلى قضية بدر الصغرى و تذكّر المؤمنين بما جرى عليهم من المحن في غزوة احد إثر إشاعة الخوف و تخاذل الناس عن الرسول صلّى اللّه عليه و آله، و قد تقدّم في سورة آل عمران عند قوله تعالى: اَلَّذِينَ اِسْتَجابُوا لِلّهِ وَ اَلرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ اَلْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَ اِتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ [الآية: 172].

و يمكن أن يتعدّى من مورد الآية المباركة إلى كلّ ما يوجب انهيار كيان الأمّة، و ما يوجب البلبلة في الصفوف و الرعب و التخاذل عن الحقّ و التخويف و نحو ذلك.

التاسع:

يستفاد من قوله تعالى: وَ لَوْ لا فَضْلُ اَللّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ اَلشَّيْطانَ إِلاّ قَلِيلاً ، أنّ المؤمن لا بد أن يكون على استعداد لتلقّي الفيض الإلهي و الفضل الربوبيّ بالعمل بالشريعة و اتّباع الرسول، و ترك الاعتماد على النفس الأمّارة و ما يوجب البعد عن اللّه تعالى.

و قد ذكر عزّ و جلّ جملة من ذلك في الآيات السابقة، منها إذاعة الخوف أو الأمن و ترك الايتمار بأوامر اللّه عزّ و جلّ و الرسول و التثاقل في تنفيذها.

العاشر:

يستفاد من قوله تعالى: فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اَللّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاّ نَفْسَكَ شدّة التعبير من اللّه سبحانه للمتثاقلين الّذين أعرضوا عن القتال و احتالوا في تركه، كما حكى عزّ و جلّ عنهم في الآيات السابقة، فقد أمر جلّ شأنه الرسول الكريم بتنفيذ هذا الحكم الإلهي بنفسه و القيام بالقتال لوحده و الإعراض عن المتثاقلين،

ص: 89

فإنّه صلّى اللّه عليه و آله ليس له إلاّ التبليغ و التحريض، فمن أطاع فقد أطاع و من عصى فقد عصى، و لا يضيق صدره من ذلك فليس له إلاّ تكلّف الجهاد بنفسه.

الحادي عشر:

يستفاد من قوله تعالى: فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اَللّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاّ نَفْسَكَ أنّ اللّه تعالى إنّما كلّف نبيّه الكريم صلّى اللّه عليه و آله بمباشرة القتال وحده مع الكافرين لما أعطاه من القوّة و الشجاعة ما لم يعط أحدا من العالمين، و سيرته صلّى اللّه عليه و آله تدلّ على ذلك، قال علي عليه السّلام: «كنّا إذا اشتدّ البأس اتقينا برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله».

كما يستفاد من الآية الشريفة أهميّة التحريض العملي، أي: فقاتل أنت امتثالا لأمر اللّه تعالى، و حرّض بعملك المؤمنين على ذلك و حثّهم على الجهاد و قتال الأعداء.

بحث روائي:

في تفسير علي بن إبراهيم في قوله تعالى: وَ يَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ اَلَّذِي تَقُولُ وَ اَللّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ ، أي: يبدلون».

أقول: المراد من التبديل التغيير، و أنّ ذلك من شعب النفاق.

و في الدرّ المنثور عن ابن عباس في قوله تعالى: وَ يَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ اَلَّذِي تَقُولُ وَ اَللّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ ، قال: «هم أناس كانوا يقولون عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: آمنا باللّه و رسوله، ليأمنوا على دمائهم و أموالهم، فإذا برزوا من عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ خالفوهم إلى غير ما قالوا عنك، فعابهم اللّه فقال: بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ اَلَّذِي تَقُولُ ، قال:

يغيّرون ما قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله».

أقول: إنّهم كانوا يغيّرون ما يقوله النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و يبدّلون ما عهدوا إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله؛ لأجل النفاق الكائن في نفوسهم القابل للإزالة.

ص: 90

و في الكافي بسنده عن سليمان الجعفري قال: «سمعت أبا الحسن عليه السّلام في قول اللّه تبارك و تعالى: إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ اَلْقَوْلِ قال: يعني فلانا و فلانا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَ تَوَكَّلْ عَلَى اَللّهِ وَ كَفى بِاللّهِ وَكِيلاً ».

أقول: مراد الإمام عليه السّلام من كان من أهل النفاق في أي عصر كان و في أي مكان، و ذكر المصداق لا يوجب التخصيص.

و في الدرّ المنثور في قوله تعالى: أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ اَلْقُرْآنَ وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اَللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلافاً كَثِيراً ، أخرج ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم عن الضحّاك و عن قتادة أيضا: «إنّ قول اللّه لا يختلف، و هو حقّ ليس فيه باطل، و إنّ قول الناس يختلف».

أقول: لا يمكن الاختلاف في القرآن بجميع أقسامه؛ لأنّه الميزان لتمييز الحقّ عن الباطل، و أنّه من الحقّ و الى الحقّ و في الحقّ ، و ما هو كذلك لا يتصوّر فيه الاختلاف، و إنّما ينشأ الاختلاف من ناحية اختلاف العقول و تفاوت الاستعدادات، و تقدّم كلام عليّ عليه السّلام في وصف القرآن.

و في الكافي بسنده عن عبد اللّه بن عجلان قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول:

«إنّ اللّه عيّر أقواما بالإذاعة في قوله عزّ و جلّ : وَ إِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ اَلْأَمْنِ أَوِ اَلْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ ، فإيّاكم و الإذاعة».

أقول: المراد من الإذاعة الإشاعة الّتي توجب الخوف و الرعب أو الترهيب في النفوس و إفشاء الباطل و الفساد، سواء كانت في حالة الحرب أو في حالة السلم؛ لأنّ ذلك من شعب النفاق أو من ضعف الإيمان.

و في الدرّ المنثور عن ابن عباس في قوله تعالى: وَ إِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ اَلْأَمْنِ أَوِ اَلْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ قال: «هذا في الإخبار، إذا غزت سرية من المسلمين خبّر الناس عنها، فقالوا: أصاب المسلمين من عدوهم كذا و كذا، و أصاب العدو من المسلمين كذا و كذا، فأفشوه بينهم من غير أن يكون النبيّ صلّى اللّه عليه و آله هو يخبرهم به».

ص: 91

أقول: هذا من باب ذكر أحد المصاديق، لا من باب الحصر و التخصيص.

و في الكافي بسنده عن عبد الحميد بن أبي الديلم، عن الصادق عليه السّلام قال: قال اللّه تعالى: أَطِيعُوا اَللّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ ، و قال عزّ و جلّ :

وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى اَلرَّسُولِ وَ إِلى أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ اَلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ، فردّ أمر الناس إلى أولي الأمر منهم، الّذين أمر بطاعتهم و الردّ إليهم».

أقول: إنّها تفسّر الآية بآية اخرى، فإنّ القرآن يفسّر بعضه بعضا.

و في الدرّ المنثور عن ابن عباس في قوله تعالى: وَ إِلى أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْهُمْ :

«أولي الفقه في الدين و العقل».

أقول: ينحصر ذلك في من له ارتباط كامل معه سبحانه و تعالى، و أفاض عليه العصمة.

و في تفسير العياشي عن عبد اللّه بن عجلان عن أبي جعفر عليه السّلام في قوله تعالى: وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى اَلرَّسُولِ وَ إِلى أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْهُمْ قال: هم الأئمة.

أقول: الرواية من باب التفسير بالمصداق الحقيقيّ للآية الشريفة و الحصر فيهم واقعي؛ لأنّهم يعرفون الحلال و الحرام، و هم حجّة اللّه على خلقه، و هم الصفوة. و قد روي هذا التفسير في روايات اخرى، و تقدّم في الآية الشريفة:

وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ ما يتعلّق بذلك.

و عن عبد اللّه بن جندب عن أبي الحسن الرضا عليه السّلام في كتاب كتبه إليه في أمر الواقفيّة: «إنّ اللّه يقول في محكم كتابه: وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى اَلرَّسُولِ وَ إِلى أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ اَلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ يعني آل محمد، و هم الّذين يستنبطون من القرآن و يعرفون الحلال و الحرام، و هم الحجّة للّه على خلقه».

أقول: قريب منه ما رواه المفيد في الاختصاص عن إسحاق بن عمار عن الصادق عليه السّلام في حديث مفصّل، و جميعها تدلّ على ما تقدّم؛ لأنّهم يعرفون الحقيقة و الحقيقة تعرفهم، و هم الّذين يفهمون الكتاب و الكتاب يعنيهم.

ص: 92

و في الدرّ المنثور عن ابن عباس في قوله تعالى: وَ لَوْ لا فَضْلُ اَللّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ اَلشَّيْطانَ قال: فانقطع الكلام، و قوله تعالى: إِلاّ قَلِيلاً ، فهو أوّل الآية يخبر عن المنافقين. قال: وَ إِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ اَلْأَمْنِ أَوِ اَلْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ قليلا، يعني بالقليل المؤمنين».

أقول: يستفاد منه أنّ في الآية الكريمة تقديما و تأخيرا، و هو بعيد عن سياق الآية المباركة كما مرّ في التفسير. إلاّ أن يراد منه المعنى، أي: لو لا فضل اللّه عليكم و رحمته لأغواكم الشيطان إلاّ قليلا، كالّذين أخلصوا دينهم للّه تعالى و توجّهوا إليه سبحانه، و هم الصفوة من الخلق كالأنبياء و المعصومين عليهم السّلام، و هذا له وجه، و تدلّ على ذلك آيات كثيرة كما يأتي التعرّض لها.

و في تفسير العياشي عن زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام قال: «وَ لَوْ لا فَضْلُ اَللّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ قال: فضل اللّه رسوله، و رحمته ولاية الأئمة».

و فيه أيضا عن محمد بن الفضيل عن أبي الحسن عليه السّلام في قوله تعالى: وَ لَوْ لا فَضْلُ اَللّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ قال: «الفضل رسول اللّه، و رحمته أمير المؤمنين».

أقول: في مضمون ذلك روايات كثيرة، و جميعها من باب ذكر المصداق الحقيقيّ ؛ لأنّ بهما تتحقّق العدالة الاجتماعيّة و تظهر آثارها، و تتنعّم البشرية بنعم الدنيا و نعيم الآخرة و تطمئن نفوسها، و أمّا أنّه صلّى اللّه عليه و آله فضل؛ لأنّه واسطة في الفيض و المبلّغ لما فيه التهذيب و الرقي، فهو السبب للكمال. و أمّا عليّ عليه السّلام رحمته، فلأنّه واسطة في الإفاضة و سبب الدوام و البقاء و النهج العمليّ للوصول إلى الكمال. و قد يطلق الرحمة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الفضل على أمير المؤمنين عليه السّلام كما عن العبد الصالح عليه السّلام في رواية محمد بن الفضيل قال: «الرحمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و الفضل علي بن أبي طالب»، و المراد من الرحمة فيها هي الرحمة الرحيميّة، و قد سماّه اللّه تعالى في كتابه الكريم بالرحمة فقال: وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [سورة الأنبياء، الآية: 107]، و قد يطلق الفضل على القرآن أيضا.

ص: 93

في الكافي بإسناده عن مرازم قال الصادق عليه السّلام: «إنّ اللّه كلّف رسول اللّه ما لم يكلّف به أحدا من خلقه، ثمّ كلّفه أن يخرج على الناس كلّهم وحده بنفسه و إن لم يجد فئة تقاتل معه، و لم يكلّف هذا أحدا من خلقه قبله و لا بعده، ثمّ تلا هذه الآية:

فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اَللّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاّ نَفْسَكَ ، ثمّ قال: و جعل اللّه له أن يأخذ ما أخذ لنفسه، فقال عزّ و جلّ : مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها ، و جعل الصلاة على الرسول بعشر حسنات».

أقول: في مضمونها روايات اخرى، و هي تدلّ على كمال قربه صلّى اللّه عليه و آله إليه تعالى و شرفه على سائر الأنبياء، حيث لم تكن لهم هذه المزيّة و سائر المزايا الّتي له صلّى اللّه عليه و آله.

و في الدرّ المنثور أخرج ابن سعد عن خالد بن معدان: «انّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال: بعثت إلى الناس كافّة، فإن لم يستجيبوا لي فإلى العرب، فإن لم يستجيبوا لي فإلى قريش، فإن لم يستجيبوا لي فإلى بني هاشم، فإن لم يستجيبوا فإليّ وحدي».

أقول: الرواية نصّ في أنّه صلّى اللّه عليه و آله حجّة على أهل الدنيا كافّة، و أنّ رسالته لم تختصّ بقوم دون قوم و بعصر دون آخر؛ لأنّ دينه و رسالته السابقة توافق الفطرة الخالصة المستقيمة، فإذا ظهر اعوجاج فيها و انحرفت عن استقامتها، بعدت عن الإيمان به، و قد تختصّ رسالته لنفسه؛ لأنّ عنده الفطرة المستقيمة و اللبّ الكامل، و تدلّ على ذلك كثير من الآيات الشريفة، مثل قوله تعالى: وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنّاسِ بَشِيراً وَ نَذِيراً [سورة سبأ، الآية: 28].

و في تفسير العياشي عن سليمان بن خالد قال: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: قول الناس لعليّ عليه السّلام إن كان له حقّ فما منعه أن يقوم به ؟ قال: فقال: إنّ اللّه لا يكلّف هذا الإنسان وحده إلاّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، قال: فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اَللّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاّ نَفْسَكَ وَ حَرِّضِ اَلْمُؤْمِنِينَ فليس هذا إلاّ للرسول، و قال لغيره: إِلاّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ ، فلم يكن يومئذ فئة يعينونه على أمره».

أقول: يستفاد منه أنّ إقامة الحقّ و تثبيت قوائمه في المجتمع النائي عنه لا يتمّ

ص: 94

إلاّ بالإعانة و الاستعانة مع الآخرين، و هذا لا ينافي التوكّل عليه تعالى و التفويض إليه جلّ شأنه، كما ثبت في محلّه، و إن لم يظهر له أعوان ينبغي حفظ صاحب الحقّ حقّه بما يراه من الطرق حتّى يفيقوا من غيّهم و يستعدوا للانقياد للحقّ و يتقرّبوا إليه.

و أخرج ابن منذر عن أسامة بن زيد أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال لأصحابه ذات يوم: «ألا هل مشمر للجنّة، فإنّ الجنّة لا خطر لها، هي و ربّ الكعبة نور تتلألأ و ريحانة تهتز، و قصر مشيد، و نهر مطرد، و فاكهة كثيرة نضيجة، و زوجة حسناء جميلة و حلل كثيرة في مقام أبدا، في خير و نضرة و نعمة، في دار عالية سليمة بهيّة.

قالوا: يا رسول اللّه، نحن المشمرون لها. قال: قولوا: إن شاء اللّه، ثمّ ذكر الجهاد و حضّ عليه».

أقول: ما ذكره صلّى اللّه عليه و آله جملة من صفات الجنّة إمّا لأجل الترغيب و التحريض للجهاد أو للموعظة، و إمّا أنّ المخاطب ليس له استعداد للتلقي بأكثر منه، فيكون من باب: «إنّا معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلّم الناس على قدر عقولهم»، و إلاّ فصفات الجنّة لا تعدّ و لا تحصى، كما يأتي شرح ذلك في الآيات المناسبة إن شاء اللّه تعالى.

و في تفسير العياشي عن أبان عن الصادق عليه السّلام: «لما نزلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: لا تُكَلَّفُ إِلاّ نَفْسَكَ قال: كان أشجع الناس من لاذ برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله».

أقول: و من تلك يعرف مقدار تضحيته للإسلام و تفديه للّه تعالى بعد إعراض الناس عنه صلّى اللّه عليه و آله.

و فيه - أيضا -: عن أبي حمزة الثمالي عن عيص، عن الصادق عليه السّلام قال: «إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كلّف ما لم يكلّف أحد أن يقاتل في سبيل اللّه وحده، و قال:

ص: 95

حَرِّضِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَى اَلْقِتالِ ، و قال: إنّما كلّفتم اليسير من الأمر، أن تذكروا اللّه».

أقول: الرواية في مقام الامتنان؛ لأنّه تعالى كلّفه بالتحريض.

و في تفسير العياشي عن جعفر بن محمد عليه السّلام قال: «ما سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله شيئا قط؟ فقال: لا، إن كان عنده أعطاه، و إن لم يكن عنده قال:

يكون إن شاء اللّه، و لا كافئ بالسيئة قط، و ما لقي سرية مذ نزلت عليه: فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اَللّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاّ نَفْسَكَ إلاّ وليّ بنفسه».

أقول: ما ورد في هذه الرواية من كمال الأدب الّذي خصّه اللّه تعالى به، حيث قال صلّى اللّه عليه و آله: «أدّبني ربّي فأحسن تأديبي»، و قد سار على هذا النهج آله الطاهرون و العلماء العاملون و العرفاء الشامخون، بل المؤمنون المتوجّهون.

بحث فلسفي

ص: 96

و قد مثّلوا للقاعدة في العلل المادّية بقولهم: «كلّ اناء بما فيه ينضح»، و تجري هذه القاعدة: «قاعدة التناسب» في جميع أقسام المسبّبات و المعلولات، بلا فرق فيها.

نعم، إنّ الكمال متفاوت و له مراتب شدّة و ضعفا، حقيقة و مجازا، مادّيا و معنويّا، أو قد يكون خفيّا مستورا، و قد يكون ظاهرا.

و تجري هذه القاعدة في المجرّدات أوّليّة كانت أو ثانويّة - و عليها بنوا أنّ الصادر الأوّل من المبدأ الفياض الأزلي لا بدّ و أن يكون فيه الكمال المطلق - بل عن بعضهم هو عين الكمال المطلق - و هو العقل الأوّل الّذي هو جامع لجميع ما يليق به من الكمال، و منه ينحدر بقية العقول العشرة حتّى يصل إلى العقل المادّي الفعال.

حتّى أنّ بعضهم بنوا على هذه القاعدة اختلاف رتب الملائكة، و إن كان في ذلك بحث عندنا، كما سيأتي في محلّه.

و على هذه القاعدة لا يمكن نقص - من الاختلاف في البيان أو الموضوع أو غيرهما - في القرآن الكريم؛ لأنّه الصادر من الحيّ القيوم الأزلي، و كذا سائر الكتب السماويّة إن لم تمسّه يد التحريف، و القرآن مصون منه بالأدلّة الكثيرة، كما يأتي بيانها في المورد المناسب لها.

و لذا يكون كمال القرآن بذاته و لذاته صادر عن الحقّ بلا واسطة، و إنّ إعجازه فيه و به و منه جلّ شأنه بلا فصل، فيمكن أن تكون الآية المباركة: أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ اَلْقُرْآنَ وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اَللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلافاً كَثِيراً إرشادا إلى ذلك.

ص: 97

مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَ مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَ كان.......

اشارة

مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَ مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَ كانَ اَللّهُ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ مُقِيتاً (85) وَ إِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اَللّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ حَسِيباً (86) اَللّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ اَلْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَ مَنْ أَصْدَقُ مِنَ اَللّهِ حَدِيثاً (87) بعد ما بيّن عزّ و جلّ بعض أحوال الطائفتين المؤمنة المستقيمة الثابتة في إيمانها و المطيعة لمولاها، و الطائفة العاصية الزائغة في أقوالها و أفعالها.

يذكر جلّ شأنه في هذه الآيات المباركة وضع كلّ واحدة من الطائفتين من حيث العمل و الجزاء، فإنّ الشفاعة الحسنة تؤدّي إلى الغاية الحميدة، و هي الشوق الى الطاعة و تحريض المؤمنين على قتال الأعداء، فيترتّب عليها الجزاء الحسن.

و أمّا الشفاعة السيئة فتكون نتيجتها الحرمان و تخذيل الناس عن القتال - بحكم المناسبة مع الآيات السابقة - و يترتّب عليها الجزاء السيء.

ثمّ يذكر سبحانه و تعالى في ضمن هذه الآيات المباركة التحيّة، فإنّ فيها الحياة و نبذ الفرقة و الاختلاف. و ذكر هذه الآية الشريفة في هذا المقام لبيان القاعدة الأساسيّة في الإسلام، و هي السعي إلى السلام، إلاّ إذا اضطرّ إلى الحرب و القتال، فهو إنّما يكون وسيلة لإقرار السلام، لا لأجل القتال.

و يذكر عزّ و جلّ القاعدة العريقة في القتل و الجهاد و السلم و الأمان، و هي إقرار توحيد اللّه تعالى، فهو التوجيه العقائدي الصارم في جميع ميادين هذا الدين، و لا يخلو ارتباط هذه الآيات الكريمة بسابقتها، كما عرفت.

ص: 98

التفسير

قوله تعالى: مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها .

مادة (شفع) تدلّ على ضمّ شيء إلى شيء، و منه الشفع، أي: ضمّ واحد إلى واحد، و هو الزوج في العدد. و الشفعة، لأنّها ضمّ الشريك نصيبه إلى نصيب شريكه.

و أمّا الشفاعة، فهي الانضمام إلى آخر ليكون ناصرا له أو دافعا عنه، فهو نوع توسّط لترميم نقص أو حيازة مزيّة، و تقدّم في مبحث الشفاعة أنّ لها السببيّة في الجملة لإصلاح شأن من شؤون المشفوع له، و هذا هو مقصد الشفيع، فتكون الغاية من الشفاعة إيصال المنفعة إلى المشفوع له، فلا بدّ و أن يكون للشفيع منزلة عند المشفوع، و يكون له نصيب من الخير أو الشرّ المترتّبين على الشفاعة.

و الشفاعة إمّا تكوينيّة كما في قانون العلل و المعلولات، أو تشريعيّة، و هي الّتي تكون بإذن اللّه تعالى، كما في قوله عزّ و جلّ : وَ لا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ اِرْتَضى [سورة الأنبياء، الآية: 28]، فراجع بحث الشفاعة عند قوله تعالى:

يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَ لا خُلَّةٌ وَ لا شَفاعَةٌ وَ اَلْكافِرُونَ هُمُ اَلظّالِمُونَ [سورة البقرة، الآية: 254].

و النصيب و الكفل بمعنى واحد، و هو الحظ. و قيل: إنّ النصيب هو الحظّ المنصوب، أي: المعيّن فيشمل الزيادة، و الكفل هو المثل المساوي أو الحظ الّذي فيه الكفاية.

و إنّما ذكر النصيب في الحسنة لأنّ جزاء الحسنة يضاعف، و ذكر الكفل في السيئة لأنّ من جاء بالسيئة لا يجزى إلاّ مثلها، فتكون الآية المباركة إشارة إلى لطفه عزّ و جلّ بعباده.

و عموم الحسنة يشمل كلّ ما يطلق عليه الحسنة، و منها الدعاء للمؤمنين.

ص: 99

و المعنى: من يجعل نفسه شفيعا لآخر في حسنة، يكون له حظ وافر ممّا يترتّب على شفاعته من الخير في الدنيا و الثواب الجزيل في الآخرة؛ لأنّ الشفيع ذو نصيب من الخير و الشرّ المترتبتين على شفاعته لما كان فيها نوع من السببيّة، كما عرفت.

و اختلف العلماء في المراد من هذه الآية الكريمة، و المستفاد منها أنّها تدلّ على تحريض المؤمنين على مراعاة الحقوق إمّا بدفع الشرّ، أو جلب المنفعة ابتغاء وجه اللّه تعالى، و تنبههم لأن يكونوا على يقظة من شفاعتهم، فلا يشفعوا حتّى يعرفوا الأثر المترتّب عليها، فإذا كانت في خير و حسنة فلا بأس بالشفاعة فيها، و إن كانت في شرّ و فساد فلا بدّ من الاجتناب عنها، فإنّ فيها إشاعة للشرّ و ترويجا للباطل و تأييدا لأهل الظلم و الطغيان و النفاق، و في ذلك الفساد العظيم.

و بمناسبة ذكر هذه الآية الشريفة بعد الآيات السابقة الّتي أمر فيها نبيّه الأعظم بالقتال منفردا لأجل حفظ كيان هذه الامة، تأتي هذه الآية الكريمة و تأمر المؤمنين بنصرة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و الانضمام إليه في هذا الخير العظيم، فإنّ فيه نصرة الحقّ و إقامة شريعة اللّه تعالى، فيكون لهم الشرف و النجاة في الدنيا و الثواب الجزيل في الآخرة، ففي الآية الشريفة تحريض للمؤمنين على قتال أعداء اللّه تعالى، و أنّه يكون لهم الجزاء الحسن عنده تعالى.

قوله تعالى: وَ مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها .

بيان للشفاعة المخالفة للشفاعة الحسنة، و تشمل كلّ ما كان سيّئة، كالانضمام إلى العدو و تخذيل المؤمنين، و الإعانة على السيئات، و الدعاء على المؤمن، و منها الشفاعة في إسقاط حدّ من حدود اللّه تعالى، ففي الحديث: «من حالت شفاعته دون حدّ من حدود اللّه تعالى، فقد ضادّ اللّه تعالى في ملكه، و من أعان على خصومة بغير حقّ ، كان في سخط اللّه تعالى حتّى ينزع»، فمن يشفع الشفاعة السيئة يكن له مثل الوزر المترتّب على تلك السيئة، فإنّ الكفل و النصيب و المثل واحد.

ص: 100

و في اختلاف التعبير في المقامين لبيان أنّ من يجري الشرّ في أفعاله، فله من فعله كفيل يسأله و يحاسبه، فلا يمكن التخلّص من عقوبته.

و كيف كان، فالآية المباركة بعمومها تشمل جميع أنواع الشفاعات الدائرة بين الناس، و هي قسمان الحسنة و السيئة، فيدخل فيها الدعاء للأخ أو عليه، و لعلّ أبرزها التبطئة عن القتال و إظهار الأعذار عن الدخول في الجهاد، فإنّها من الشفاعة السيئة. و لم يبيّن سبحانه و تعالى الحسنة و السيئة في المقام؛ اعتمادا على معروفيّتهما عند الناس.

كما أنّ الآية المباركة تحرّض المؤمنين على الشفاعة الحسنة، و تنهى عن الشفاعة السيئة، الّتي هي شفاعة أهل الظلم و الطغيان و المفسدين في الأرض.

قوله تعالى: وَ كانَ اَللّهُ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ مُقِيتاً .

تقرير لما سبق، و تأكيد له، و المقيت: المقتدر الحافظ، و من أسمائه جلّت عظمته (المقيت)، أي: الحفيظ، و في الحديث: «كفى بالمرء إثما أن يضيّع من يقيت»، أي: من تلزمه نفقته من أهله و عياله و عبيده، ممّن هو تحت قدرته، و قال الزبير بن عبد المطلب:

و ذي ضغن كففت النفس عنه *** و كنت على مساءته مقيتا

أي قديرا. و قيل: إنّ مقيتا من أقته أقاته، فأنا قائت و مقيت.

و كيف كان، فإنّ فيه معنى الحساب، أي: قادر على كلّ شيء على حساب دقيق يعطى على قدر الحاجة، قال الشاعر:

إليّ الفضل أم عليّ إذا *** حوسبت أبي على الحساب مقيت

و الآية الكريمة تقرّر مضمون ما قبلها و تؤكّده كما ذكرنا، أي: أنّ اللّه تعالى قادر و شهيد على الشفعاء، يعلم محسنهم عن مسيئهم و يجازيهم على فعلهم.

و الآية الشريفة بمجموعها تقرّر حكما اجتماعيّا و سنّة طبيعيّة، و فيها تلخيص موقف المؤمنين المحسنين المقاتلين في سبيل اللّه تعالى، و موقف المنافقين المسيئين

ص: 101

المتخاذلين عن القتال، الّذين حكى عنهم عزّ و جلّ في الآيات السابقة و بيّن نهاية كلّ واحد من الفريقين.

قوله تعالى: وَ إِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ .

حكم اجتماعي به تشتدّ أواصر الثقة بين الأفراد، و يظهر حسن الأدب بينهم، و في هذا الحكم تظهر نعمة السلام بعد انتهاء القتال، كما أنّ منه يستفاد القاعدة الأساسيّة في الإسلام، الّذي يسعى إلى السلام الّذي يرضاه اللّه تعالى، و فيه تشيد أركان الدين القويم، و يزال منه كلّ شرك و فتنة. و من ذلك يعرف الوجه في تذييل آيات القتال بهذه الآية الآمرة بردّ التحيّة بمثلها أو بأحسن منها، و هي من سنخ الشفاعة الحسنة أيضا الّتي أرشد اللّه تعالى المؤمنين باتّخاذها وسيلة لتثبيت النظام و تشييد الأركان و ترويض النفس على التخلّق بأخلاق الكرام.

و التحيّة: تفعلة مصدر حيى يحيى تحية، كتزكية و تسمية، فادغموا الياء في الياء، و هي في الأصل الدعاء بالحياة و طولها، و صارت اسما لكلّ دعاء و ثناء، و لها مظاهر مختلفة، و فيها عادات متفاوتة، فلكلّ قوم تحيّة معيّنة، و لكن تحيّة المسلمين السلام، قال تعالى: فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اَللّهِ [سورة النور، الآية: 61] و قال تعالى: وَ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ [سورة يونس، الآية: 10]. و قيل: إنّ فيه مزيد على كلّ تحيّة؛ لأنّه اسم من أسمائه المقدّسة و دعاء بالسلامة عن الآفات و العاهات و يستلزم طول الحياة، و لأنّه ينبئ عن أنّ دين الإسلام دين الأمان و السلام، و أنّ المؤمنين به هم أصول السلم و محبّوا السلامة.

و ظاهر الآية الشريفة أنّها تشمل كلّ أنواع التحيّة من السلام المعهود و تسميت العاطس، و أنواع البرّ و الصلات القوليّة منها و الفعليّة، و منها تحيّة السلم و الصلح الّتي تلقى إلى المسلمين، فإنّ جميع ذلك من التحيّة، و قد وردت في ذلك عدّة روايات، كما سيأتي نقلها في البحث الروائي.

ص: 102

قوله تعالى: فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها .

يستفاد منه أنّ للجواب مرتبتين، أدناهما ردّها بعينها، و أعلاهما الجواب بأحسن منها. و لم يعيّن سبحانه و تعالى الجواب؛ لأنّه يتبع العادات و التقاليد المعروفة، و إن ورد في بعض الآثار أنّ الأحسن هو أن يقول: «السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته»، و الردّ بالمثل هو أن يقول: «عليك السلام».

و ظاهر الآية المباركة أنّ الجواب فرض و إن كان أصل التحيّة تطوعا و نفلا، و قد ورد في آداب التحيّة و كيفيتها و أحكامها الشيء الكثير، و سنذكر جملة منها في البحوث المناسبة الآتية.

قوله تعالى: إِنَّ اَللّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ حَسِيباً .

تأكيد لمضمون الآية المباركة. و الحسيب بمعنى الحفيظ المراقب، و هو من أسمائه تعالى، و قيل: هو فعيل من الحساب. و قيل: إنّه بمعنى الكافي، فعيل بمعنى مفعل، من قولهم: أحسبني كذا، أي كفاني.

و قيل: إنّه بمعنى الكافئ، و الظاهر التلازم بين تلك المعاني، فإنّ المحاسب المراقب لأفعال العباد يكون كافيا في إيصال ما يكافئه.

و كيف كان، فالمعنى: أنّ اللّه تعالى على كلّ شيء رقيب و حافظ، يرقب أفعالكم - و منها الصلة بالتحيّة - فيحاسبكم عليها و على غيرها، فيدلّ على شدّة الاعتناء بهذا الحكم الاجتماعي الّذي يحفظ الترابط و يرفع التنافر بين الأفراد.

قوله تعالى: اَللّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ .

توجيه عقائدي يهدي الإيمان في قلوب المؤمنين و يثبته، و هو يشتمل على ركنين من أهمّ أركان الإيمان. و هما التوحيد، و الإيمان بالبعث و الجزاء في الدار الآخرة، و هما الركنان اللّذان أمر اللّه تعالى أنبياءه العظام بتبليغهما الناس و إقامتهما، و هما من أهمّ الروابط بين آيات الكتاب المبين، و يكونان وقفة بين الآيات

ص: 103

الشريفة، يتوقّف فيها المؤمن بعد السير الطويل في جملة من الأحكام الإلهيّة؛ لبيان أنّها هي الّتي تدعم هذين الركنين.

و الآية الشريفة بمنزلة التعليل لجميع تلك الأحكام الّتي شرّعها عزّ و جلّ و الإرشادات الربوبيّة و التوجيهات الإلهيّة، فتكون الباعث القوي على العمل بتلك الأحكام، لا سيما أحكام القتال مع أعداء اللّه تعالى، و تكون تثبيتا للمشاعر الإيمانيّة، و تقوية للنفس على احتمال تبعات تلك التكاليف و ثقلها مادامت تؤدّي إلى عبادة اللّه الواحد الأحد، و مادام الجزاء محفوظا عنده عزّ و جلّ ، يجازي العباد على ما عملوا في يوم القيامة الّذي سيجمع الناس فيه.

و الآية المباركة بمنزلة القاعدة العريضة الّتي تبتني عليها جميع التكاليف الإلهيّة، و إنّ كلّ قتال و جهاد لا بدّ و أن يكون على هذا الأساس، فمضمونها قانون عامّ تظهر فيه جميع الأحكام.

و المعنى واضح، فهو اللّه لا إله إلاّ هو، لا يعبد غيره، و لا يجوز التقصير في عبادته و يجب الخضوع لأمره، فإنّه شرّع لكم من الأحكام ما يوجب سعادتكم في الدارين.

قوله تعالى: لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ اَلْقِيامَةِ .

تهديد لمن أعرض عن الأحكام الإلهيّة و عبادة اللّه الواحد الأحد، و توكيد لما ورد في الآيات السابقة، فإنّ من يطع اللّه و يعمل و يجاهد في سبيله يؤمن من فزع يوم الحشر.

الجمع: في المقام بمعنى الحشر؛ و لذا عدّي ب: (إلى)، كما عدّي الحشر بها، قال تعالى: لَإِلَى اَللّهِ تُحْشَرُونَ [سورة آل عمران، الآية: 158]، و قيل: إنّ (الى) بمعنى (في)، أي: ليجمعنكم في يوم القيامة.

و قيل: إنّ (الى) صلة في الكلام، و المعنى ليجمعنكم يوم القيامة.

ص: 104

و اللام في (ليجمعنكم) لام القسم، و كلّ لام بعدها نون مشدّدة فهي لام القسم.

و القيامة من القيام و التاء فيه مصدرية كزيادة، و كرامة. و سمّيت القيامة قيامة لأنّ الناس يقومون فيه لربّ العالمين، قال تعالى: أَ لا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ اَلنّاسُ لِرَبِّ اَلْعالَمِينَ [سورة المطففين، الآية:

4 - 6]، و قيل: سمّي يوم القيامة لأنّ الناس يقومون من قبورهم، و على هذا يصحّ أن يقال بأنّ الجمع إنّما عدّي بإلى لتضمينه معنى الإفضاء المتعدّى بها، أي:

ليحشرنكم من قبوركم إلى حساب يوم القيامة، أو مفضى إليه.

قوله تعالى: لا رَيْبَ فِيهِ .

تأكيد آخر بعد تأكيده بالقسم الّذي هو من أقوى المؤكّدات؛ لدفع كلّ شكّ و ارتياب في وقوع ذلك الحشر و الحساب و الجزاء على الأعمال، فلا ريب في ذلك كلّه.

و إنّما أتى عزّ و جلّ بالوقت - و هو يوم القيامة - للتحريض على العمل، و الجدّ فيه، و يرغبوا إليه و يرهبوا عن تركه.

قوله تعالى: وَ مَنْ أَصْدَقُ مِنَ اَللّهِ حَدِيثاً .

استفهام إنكاري، و المقصود تثبيت كونه صادقا، و بيان أنّه يجب أن يكون تعالى صادقا، و أنّ الكذب قبيح بالنسبة إليه، فهو محال عليه.

و التفضيل لبيان شدّة تنزّهه عن الكذب و عدم الخلف لوعده، فليس المقصود منه الكميّة و لا الكيفيّة. و الصدق معلوم، و الحديث أعمّ من القول و الخبر و الوعد، فهو عالم بجميع الحقائق، غني عن العالمين، يستحيل على مثله الكذب و الخيانة، و المعنى: لا أحد أصدق من اللّه تعالى.

ص: 105

بحوث المقام

بحث دلالي:
اشارة

تدلّ الآيات الشريفة على أمور:

الأوّل:

يدلّ قوله تعالى: مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها على أنّ الآثار المترتّبة على المشفوع لأجله - سواء كانت خيرا و صلاحا، أم كانت شرّا و فسادا - إنّما تلحق بالشفيع؛ لأنّ الشفاعة نوع توسّط و لها السببيّة في إصلاح شأن أو ترميم نقيصة أو حيازة مزيّة، الّتي هي من مقاصد الشفيع و المشفوع له.

فلا بدّ أن يلاحظ الآثار المترتّبة على الشفاعة قبل وقوعها.

كما أنّ الآية المباركة تدلّ على قبول كلّ شيء للشفاعة، إلاّ ما خرج بالدليل، ممّا لا تقبل الشفاعة و لا يسقط إلاّ بفعل الإنسان نفسه، مثل ما ورد في أنّه لا شفاعة في حدّ، و نحو ذلك.

كما أنّ الآية الشريفة تثبت الشفاعة التكوينيّة، و تقرّر قانون الأسباب و المسبّبات الّذي يبتني عليه النظام الكياني لهذا العالم، و تثبت الشفاعة التشريعيّة، و تزيد درجات الشافعين في الشفاعة الحسنة، و من ذلك يعلم درجة خاتم الأنبياء صلّى اللّه عليه و آله في يوم القيامة، لما منحه اللّه تعالى من الشفاعة العظمى، فتكون له حسنات تلك الشفاعة ممّا تزيد بها درجته.

الثاني:

يدلّ قوله تعالى: وَ كانَ اَللّهُ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ مُقِيتاً على أنّ الشفاعة كسائر الأمور، لا تؤثّر أثرها إلاّ بإذن من اللّه تعالى المقتدر و الحافظ للحدود و الجزاء، و تفسّر هذه الآية الكريمة الآيات الثلاث الشريفة الّتي تدلّ على أنّ الشفاعة لا بدّ أن تكون بإذن اللّه تعالى، قال عزّ و جلّ : وَ لا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ اِرْتَضى [سورة الأنبياء، الآية: 28]، و قال تعالى: قُلْ لِلّهِ اَلشَّفاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ اَلسَّماواتِ وَ اَلْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [سورة الزمر، الآية: 44].

ص: 106

الثالث:

يستفاد من قوله تعالى: وَ إِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها وجوب ردّ كلّ تحيّة، سواء كان بالكلام أم بالفعل، ممّا هو المتعارف عند كلّ قوم، أم بالإشارة، بل عمومها يشمل كلّ برّ، إلاّ أنّ تحيّة الإسلام هو إلقاء السلام الّذي هو علامة السلم و المسالمة، و قد أمر اللّه تعالى نبيّه الكريم بإلقائه على المؤمنين، فقال عزّ و جلّ : وَ إِذا جاءَكَ اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ اَلرَّحْمَةَ [سورة الانعام، الآية: 54]، و هو من بقايا الدين الحنيف قال جلّ شأنه حكاية عن إبراهيم عليه السّلام فيما يحاور أباه: قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا [سورة مريم، الآية: 47]، و قال تعالى حكاية عن الملائكة الّتي جاءت إبراهيم: وَ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ [سورة هود، الآية: 69].

و يستفاد من الآيات الواردة في مقامات مختلفة أنّ السلام كان قبل ذلك، و أنّه ممّا جعله اللّه تعالى تحيّة لنفسه، و أنّه من تحيّة الأنبياء، قال تعالى: سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي اَلْعالَمِينَ [سورة الصافات، الآية: 79]، و قال تعالى: سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ [سورة الصافات، الآية: 109]، و قال تعالى: سَلامٌ عَلى مُوسى وَ هارُونَ [سورة الصافات، الآية: 120]، و قال تعالى: سَلامٌ عَلى إِلْياسِينَ [سورة الصافات، الآية: 130]، و قال تعالى: وَ سَلامٌ عَلَى اَلْمُرْسَلِينَ [سورة الصافات، الآية: 181].

و أنّه من تحيّة الملائكة، قال تعالى: اَلَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ اَلْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ [سورة النحل، الآية: 32]، و أنّه من تحيّتهم للمؤمنين في الجنان، قال تعالى: وَ اَلْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ [سورة الرعد، الآية: 23-24]، و هو من تحيّة المؤمنين بعضهم على بعض في الجنان، قال تعالى:

وَ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ [سورة يونس، الآية: 10]، و قال تعالى: لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَ لا تَأْثِيماً * إِلاّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً [سورة الواقعة، الآية: 25-26].

ص: 107

و عموم الآية الشريفة يشمل وجوب الردّ على كلّ تحيّة، إلاّ إذا أسقط الشارع الأقدس احترامه، مثل تارك الصلاة، و ظاهرها أنّ السلام تطوع و الردّ فريضة، و أنّ الردّ الأولى هو أن يكون بالأفضل، و الثانوي أن يكون بالمثل.

الرابع:

يدلّ قوله تعالى: اَللّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ اَلْقِيامَةِ أنّ الأصل في كلّ تشريع إلهي - بل المقصود من فروع الدين - هو إقامة أصوله من الإيمان باللّه تعالى و توحيده و الاستعداد ليوم الجزاء، فبهما تتمّ تحقيق الشريعة و إقامة الحقّ و تثبت الإيمان.

بحث روائي:

في تفسير علي بن إبراهيم في قوله تعالى: وَ مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها ، قال: «يكون كفل ذلك الظلم الّذي يظلم صاحب الشفاعة».

أقول: الكفل (بالكسر) الحظّ الّذي فيه الكفاية أو النصيب، كما في قوله تعالى: يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ [سورة الحديد، الآية: 28]، أي: كفلين من نعمته في الدنيا و الآخرة، و المراد من الرواية التنبيه على أنّ من ينضمّ إلى غيره معيّنا له في فعل سيئة، يناله منها حظّ من الشدّة و الظلم؛ لأنّ ذلك من التسبيب للوقوع في السيئة، و هو منهي عنه.

و في الخصال عن الصادق عن آبائه عليهم السّلام عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: «من أمر بمعروف أو نهى عن منكر أو دلّ على خير أو أشار به، فهو شريك، و من أمر بسوء أو دلّ عليه أو أشار به، فهو شريك».

أقول: لا بدّ من حمل الرواية على التسبيب للوقوع في الحرام، و إلاّ فمجرّد الإشارة إلى السيئة أو الأمر بها لا يترتب عليه إثم.

و في الجوامع عن الصادق عليه السّلام: «من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب، استجيب له، و قال له الملك: و لك مثلاه، فذاك النصيب».

ص: 108

أقول: الروايات في ذلك كثيرة، و هي نوع من الشفاعة الحسنة الّتي تقدّم البحث عنها.

و في الكافي عن علي بن الحسين عليهما السّلام: «انّ الملائكة إذا سمعوا المؤمن يدعو لأخيه بظهر الغيب و يذكره بخير، قالوا: نعم الأخ أنت لأخيك، تدعو له بالخير و هو غائب عنك و تذكره بخير، قد أعطاك اللّه تعالى مثلي ما سألت له، و أثنى عليك مثلي ما أثنيت عليه و لك الفضل عليه، و إذا سمعوه يذكر أخاه المؤمن بسوء و يدعو عليه، قالوا: بئس الأخ أنت لأخيك، كف أيها المستر على ذنوبه و أربع على نفسك و احمد اللّه الّذي ستر عليك، و اعلم أنّ اللّه أعلم بعبده منك».

أقول: هذه الرواية لا تنافي قوله تعالى: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاّ مِثْلَها وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ [سورة الانعام، الآية:

160]، لأنّها في مقام بيان استجابة دعاء المؤمن لأخيه المؤمن بظهر الغيب، و إنّ للداعي مثلي ذلك، منحا منه جلّت عظمته له؛ للترغيب أو للجزاء، أو يكون من قبيل الأمر الوضعي للدعاء له.

و ربع كمنع بمعنى وقف و اقتصر، و منه المثل المشهور: «حدّث امرأة حديثين فإن أبت فأربع»، أي: حدّثها حديثين فإن أبت فامسك و لا تتعب نفسك، و قيل:

كرّر القول عليها أربع مرات، فهو مثل يضرب للبليد الّذي لا يفهم إلاّ بالتكرار.

و في تفسير علي بن إبراهيم: «في قوله تعالى: وَ كانَ اَللّهُ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ مُقِيتاً ، أي: مقتدرا».

أقول: و الروايات في تفسير الآية المباركة بذلك كثيرة، فعن نافع أنّه سأل ابن عباس عن قوله تعالى: مُقِيتاً ، قال: «قادرا مقتدرا».

و في الدرّ المنثور عن مجاهد في قوله تعالى: مُقِيتاً ، قال: «شهيدا حسيبا حفيظا».

أقول: الرواية لا تنافي ما تقدّم؛ لأنّها من باب ذكر المصاديق للقدرة.

ص: 109

و في تفسير علي بن إبراهيم في قوله تعالى: وَ إِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اَللّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ حَسِيباً ، قال: «السلام و غيره من البرّ».

و عن الصادقين عليهما السّلام: «إنّ المراد بالتحيّة في الآية السلام».

أقول: الرواية من باب ذكر أحد المصاديق لما تقدّم في الرواية الأولى، و في الكافي بإسناده عن السكوني عن الصادق عليه السّلام قال: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: السلام تطوّع، و الردّ فريضة».

أقول: أمّا كون السلام تطوّعا؛ لأنّه تحيّة و أنّ المجتمع البشري - مهما كان حضارته أو تخلّفه - لا يخلو من تحيّة يتعارفون بها عند ملاقاة بعضهم مع بعض، و هي على أقسام و أنواع، من رفع اليد و ضرب الرجل على الأرض أو الإشارة بالرأس أو رفع القلنسوة من الرأس، أو غيرها من الأمور الّتي تختلف حسب العرف و العادة السائدة في ذلك المجتمع الإنساني، و جميعها تكشف عن نوع من الخضوع و الاحترام للطرف المسلّم عليه. و قرّر الإسلام هذه الطريقة و حبّبها و جعل التحيّة إلقاء السلام الّذي ينبأ عن الأمن بين المتلاقيين، فإنّ الأمن هو الأساس و الركيزة الأولى للمجتمع مهما كان شأنه و رقيّه، فيأمن بعضهم بعضا في عرضه و نفسه و ماله عند التلاقي، قال تعالى: يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وَ تُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [سورة النور، الآية: 27]، و قد فسّر الاستيناس في الروايات بوقع النعل، و هو تفسير بأحد المصاديق، و قال تعالى: فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اَللّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً [سورة النور، الآية: 61].

و أمّا كون الردّ فريضة، لعلّ الحكمة فيها أنّ العقل و الفطرة يحكمان بأنّه لا بدّ من إبراز قبول التحيّة الملقاة على الإنسان و هو يردّها، و لا تكون إلاّ بتحيّة قوليّة مثلها، و الأدلّة الشرعيّة منزلة عليهما.

و في كشف الغمّة بسنده عن إسحاق بن عمّار قال: «دخلت على

ص: 110

أبي عبد اللّه عليه السّلام و كنت تركت التسليم على أصحابنا في مسجد الكوفة، و ذلك لتقيّة علينا فيها شديدة، فقال لي أبو عبد اللّه عليه السّلام: يا إسحاق متى أحدثت هذا الجفاء لإخوانك تمرّ بهم فلا تسلم عليهم ؟ فقلت له: ذلك لتقيّة كنت فيها، فقال: ليس عليك في التقيّة ترك السلام، و إنّما عليك في الإذاعة، إنّ المؤمن ليمرّ بالمؤمنين فيسلّم عليهم فتردّ الملائكة: سلام عليك و رحمة اللّه و بركاته».

أقول: تستفاد من هذه الرواية أمور:

الأوّل: استحباب التسليم على المؤمن و لو كان في حال التقيّة، و أنّ استحبابه ثابت في الجملة في ظرفها إن لم يطرأ عليه عنوان آخر من الإيذاء و الوقوع في الضرر و غيرهما؛ لأنّه نوع من الموادّة و الخضوع للمسلّم عليه كما تقدّم، و يستفاد ذلك من قوله تعالى: فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَ قُلْ سَلامٌ [سورة الزخرف، الآية: 89]، و قال تعالى: وَ إِذا خاطَبَهُمُ اَلْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً [سورة الفرقان، الآية: 63].

الثاني: أنّ ترك التحيّة و السلام نوع من الجفاء، و هو لا يكون بين المؤمنين؛ لأنّه تعالى يبغضه، و للجفاء مراتب، و لكلّ مرتبة درجات.

الثالث: أنّ الروحانيّين يردّون تحيّة المؤمنين، و إن كانت الحجب ساترة و تمنع عن السماع، و قد ترتفع لبعض أوليائه كما ثبت في محلّه.

الرابع: أنّ الأفضل في جواب التحيّة و ردّها أن يكون بالأحسن، و إلاّ فبالمثل، كما دلّت عليه الآية المباركة أيضا.

في الكافي بإسناده عن علي بن رئاب عن الصادق عليه السّلام قال: «إنّ من تمام التحيّة للمقيم المصافحة، و تمام التسليم على المسافر المعانقة».

أقول: يستفاد منه أنّ التحيّة و السلام من الأمور الإضافيّة الّتي تتّصف بالكمال و النقصان و الأكمل و الأتمّ ، و أنّ المستحبّ فيها مجرّد وجودها، و أنّ الكمال و الأكمل فضل.

و في تفسير القمّي عن أبي جعفر عليه السّلام قال: «إذا دخل الرجل منكم بيته، فإن

ص: 111

كان فيه أحد يسلّم عليهم، و إن لم يكن فيه أحد فليقل: السلام علينا من عند ربّنا، يقول اللّه تعالى: مِنْ عِنْدِ اَللّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً [سورة النور، الآية: 61]».

أقول: يستفاد منه أنّ استحباب التحيّة و السلام لا يدور مدار وجود الطرف المقابل أو المسلّم عليه، بل السلام أو التحيّة مستحبّ سواء كان المسلّم عليه موجودا أو لم يمكن، أي: يسلّم على نفسه كما في الحديث، و يمكن أن يكون السلام المذكور فيها دعاء خاصّ للدخول في البيت الّذي لم يكن فيه احد لا التحيّة الخاصة.

و في الحديث: «ما من عبد يمرّ بقبر رجل كان يعرفه في الدنيا فيسلّم عليه إلاّ عرفه و ردّ عليه السلام».

أقول: يستفاد من هذا الحديث - مع قطع النظر عن السند - أمور:

الأوّل أنّه متى جاء الزائر علم به المزور و سمع كلامه و ردّ عليه، و هذا بالنسبة إلى الشهداء في طريق الحقّ و نصب العدل و الأولياء من المؤمنين، لا إشكال فيه؛ لاستيناس أرواحهم الشريفة مع عالم الشهادة و إن كان مقرّها في العليّين و عند الرفيق الأعلى كما تقدّم سابقا، و أمّا بالنسبة إلى غيرهم من الكفّار و المنافقين و العصاة، فلا يكون كذلك؛ لأنّ أرواحهم معذّبة إلى يوم القيامة، فيلحق بها أجسامهم، و إنّ انقطاعهم عن عالم الشهادة نحو تعذيب لأرواحهم.

الثاني: أنّ الجواب إنّما يكون بلسان الحال لا بالتلفّظ و المقال، و في بعض الأخبار أنّهم يتأسّفون على انقطاع الأعمال عنهم حتّى يتحسّرون على ردّ السلام و ثوابه، فكما أنّ تأسّفهم حالي لا مقالي كذلك سائر حالاتهم.

الثالث: أنّ الكمالات لا تنسلخ بالموت، و أنّ العلوم و المشاعر الروحيّة تكون مع الإنسان في جميع العوالم.

الرابع: أنّهم يسمعون السلام و يستأنسون به، و في بعض الآثار يسمعون صوت نعلكم و حكاياتكم، و لذا ورد في زيارة أهل القبور من السلام عليهم و أنّهم

ص: 112

يردّون الجواب و الحجب مانع عن سمع جوابهم، و تقدّم في شهداء أحد و غيرهم أنّهم كانوا يردّون السلام.

الخامس: وصول السلام إلى صاحب القبر إن مرّ على قبره، فإذا لم يمر عليه و سلّم، فإنّ وصوله يدور مدار إحاطة الروح و علو شأنها، فقد يصل إليه كما ورد في السلام على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أو بعض الشهداء، و قد لا يصل؛ لأنّ أرواحهم مستأنسة بمحلّ قبورهم و لم تحط، فإنّ عالم الشهادة هو عالم تربية الروح و تزكيته.

و في الكافي بإسناده عن جراح المدائني عن الصادق عليه السّلام قال: «يسلّم الصغير على الكبير، و المارّ على القاعد، و القليل على الكثير».

أقول: و مثله ما أخرجه البيهقي عن زيد بن أسلم عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كما في الدرّ المنثور، و لعلّ ذلك من باب تأكد الاستحباب و تعدّد المطلوب؛ لأنّ توقير الكبير و إجلال الكثير أو القاعد و احترامهم، مطلوب في الجملة عند الشارع في حدّ نفسه إن لم يطرأ عناوين اخرى، فلو وقع العكس لم يخرج السلام عن استحبابه، و يستفاد من الحديث أدب الإسلام.

و في الدرّ المنثور عن عبد اللّه بن مسعود قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «أفشوا السلام بينكم، فإنّها تحيّة أهل الجنّة، فإذا مرّ رجل على ملأ فسلّم عليهم، كان له عليهم درجة و إن ردّوا عليه، فإن لم يردّوا عليه ردّ عليه من هو خير منهم، الملائكة».

أقول: ورد في كثير من الروايات أنّ أهل الجنّة يتزاورون و لهم تحية، و هي السلام كما في الدنيا، قال تعالى: وَ أُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً ، و أمّا إفشاء السلام فهو من الوقار و الأدب الكامل للمسلم، و يوجب رفع التشاح و التباغض كما هو المعروف.

و في الفقيه بإسناده عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السّلام قال: «لا تسلّموا على اليهود، و لا على النصارى، و لا على المجوس، و لا على عبدة الأوثان، و لا على موائد شرب الخمر، و لا على صاحب الشطرنج و النرد، و لا على المخنث، و لا على الشاعر الّذي يقذف المحصنات، و لا على المصلّي لأنّ

ص: 113

المصلّي لا يستطيع أن يردّ السلام؛ لأنّ التسليم من المسلّم تطوّع و الردّ فريضة، و لا على آكل الربا، و لا على رجل جالس على غائط، و لا على الّذي في الحمام، و لا على الفاسق المعلن بفسقه».

أقول: لعلّ الحكمة في النهي عن السلام على هؤلاء الأقوام إمّا لأجل النهي عن تولّيهم، كما قال تعالى: لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَ عَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ [سورة الممتحنة، الآية: 1]، و قال تعالى: لا تَتَّخِذُوا اَلْيَهُودَ وَ اَلنَّصارى أَوْلِياءَ [سورة المائدة، الآية: 51]، و قال تعالى: وَ لا تَرْكَنُوا إِلَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا [سورة هود، الآية:

113]، و إمّا لأجل أنّ ترك السلام يوجب ردعهم عن المعاصي، فهو أفضل من تطوّع السلام عليه، و إمّا أنّه لا يحبّ أن يراه أحد على ما عليه من الحالة، فالسلام عليه يوجب إيذائه، و إمّا لأجل أنّ السلام يوجب التقرّب له و الشارع لا يحبّ التقرّب إليه، كالتقرّب إلى الظالمين، إلاّ إذا كان لإلقاء الحجّة عليهم و اسماعهم كلمة الحقّ ، كما أمر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بذلك.

في الكافي بإسناده عن السكوني عن الصادق عليه السّلام قال: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

من بدء بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه، و قال: ابدءوا بالسلام قبل الكلام، فمن بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه».

أقول: المراد من السلام مطلق التحيّة، و أنّ النهي تنزيهي يختصّ بصورة العمد و الاختيار، فيكون ذلك من النهي عن المنكر عملا؛ لأنّ تركه خلاف الأدب الّذي يهتم به الإسلام. و قد ورد في بعض الأخبار أنّ ذلك نوع من البخل.

في الكافي بإسناده عن ابن درّاج عن الصادق عليه السّلام قال: «إذا سلّم أحدكم فليجهر بسلامه و لا يقول سلمت فلم يردّوا عليّ ، ثمّ قال: كان عليّ عليه السّلام يقول: لا تغضبوا و لا تغضبوا و أفشوا السلام و أطيبوا الكلام و صلّوا الليل و الناس نيام، تدخلوا الجنّة بسلام، ثمّ تلا عليهم قول اللّه عزّ و جلّ : اَلسَّلامُ اَلْمُؤْمِنُ اَلْمُهَيْمِنُ ».

ص: 114

أقول: يستفاد منه أنّ الجهر في كلّ من السلام و الردّ مستحبّ ، كما في البسملة، و الحمل على الإرشاد بعيد عن السياق، و أمّا النهي عن الغضب، فلما تقدّم في أحد مباحثنا أنّ الغضب مفتاح كلّ شرّ، و أنّه يوجب البعد عن الرحمن و اتّباع الشيطان، و ما ذكر فيها من الأسباب لدخول الجنّة توجب أيضا تزكية النفس في هذه الدنيا و رقيّها كما مرّ.

في الكافي بإسناده عن أبي عبيدة الحذاء عن أبي جعفر عليه السّلام قال: «مرّ أمير المؤمنين عليه السّلام بقوم فسلّم عليهم، فقالوا: عليك السلام و رحمة اللّه و بركاته و مغفرته و رضوانه، فقال لهم أمير المؤمنين عليه السّلام: لا تجاوزوا بنا مثل ما قالت الملائكة لأبينا إبراهيم، قالوا: رحمة اللّه و بركاته عليكم أهل البيت».

أقول: لعلّ الحكمة في النهي عن ذلك و التحديد بالسنّة المأخوذة من حنيفيّة إبراهيم عليه السّلام كما قالت الملائكة؛ لبيان أنّ الردّ - كالتحيّة في الإسلام - ورد فيها كيفيّة من الشرع، فاتباعها أولى و أفضل، أو لأجل دفع شبهة الغلو لو صدر عن بعض العوام.

و في الكافي بإسناده عن الحسن بن المنذر قال: «سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول:

«من قال: السلام عليكم، فهي عشر حسنات، و من قال: السلام عليك و رحمة اللّه، فهي عشرون حسنة، و من قال: السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته، فهي ثلاثون حسنة».

أقول: و مثله ما رواه البخاري في الأدب المفرد عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، و البيهقي في شعب الإيمان، و لعلّ زيادة الحسنات إمّا لأجل زيادة الصفات الّتي يلقيها المسلّم على المسلّم عليه الّذي يستحق تلك الصفات لإيمانه كما هو الظاهر، أو لأجل كثرة الإخلاص و التقرّب إليه تعالى؛ لأنّ احترام المؤمن بذلك يكون أكثر فيحصل به التقرّب أزيد.

ص: 115

و في الكافي بإسناده عن منصور بن حازم عن الصادق عليه السّلام قال: «ثلاثة تردّ عليهم ردّ الجماعة و إن كان واحدا، عند العطاس يقول: يرحمكم اللّه و إن لم يكن معه غيره، و الرجل يسلّم على الرجل فيقول: السلام عليكم، و الرجل يدعو للرجل فيقول: عافاكم اللّه و إن كان واحدا، فإن معه غيره».

أقول: التعبير بصيغة الجماعة في الموارد المذكورة إمّا نحو احترام للطرف المقابل، و إمّا لأجل أنّ المؤمن دائما معه الملائكة إمّا الحفظة - كما في بعض الروايات و الدعوات المأثورة - أو الملائكة، الكرام الكاتبون، و يدلّ على ذلك ذيل الرواية، و المراد بالردّ الأعمّ ، فيشمل الابتداء أيضا.

و في الكافي بإسناده عن جميل عن الصادق عليه السّلام قال: «إذا كان قوم في مجلس ثمّ سبق قوم فدخلوا، فعلى الداخل أخيرا (الأخير - كما في الوافي) إذا دخل أن يسلّم عليهم».

أقول: الرواية من باب الإرشاد إلى الآداب الإسلاميّة.

و في الخصال عن الصادق قال: حدّثني أبي عن آبائه عن أمير المؤمنين عليهم السّلام: «إذا عطس أحدكم فسمّتوه، قولوا: رحمكم اللّه، و هو يقول:

يغفر لكم و يرحمكم، قال اللّه عزّ و جلّ وَ إِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها ».

أقول: يستفاد منه أنّ التحيّة الواردة في الآية المباركة أعمّ من السلام و التسميت و غيرهما كما تقدّم في التفسير، و تدلّ عليه الرواية الآتية.

و في المناقب: «جاءت جارية للحسن عليه السّلام بطاق ريحان، فقال لها: أنت حرّة لوجه اللّه تعالى، فقيل له في ذلك، فقال عليه السّلام: أدّبنا اللّه تعالى فقال: وَ إِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها ، و كان أحسن منها إعتاقها».

أقول: هكذا تكون الفضائل، و الطاق: الفرد الواحد من الشيء.

ص: 116

و يستفاد منه أنّ التحيّة أعمّ من التحيّة القوليّة و الفعليّة و من السلام و غيره، و يأتي ما يدلّ على ذلك.

و في عيون أخبار الرضا بإسناده عن أبي الحسن الرضا عليه السّلام قال: «من لقي فقيرا مسلما فسلّم عليه خلاف سلامه على الغني، لقى اللّه عزّ و جلّ يوم القيامة و هو عليه غضبان».

أقول: و قريب منه غيره، و الوجه في ذلك أنّه نوع من النفاق و الإهانة و التحقير للمؤمن، و أنّها مبغوض عند اللّه تعالى.

و في تفسير الصافي: «انّ رجلا قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: السلام عليك، فقال صلّى اللّه عليه و آله: و عليك السلام و رحمة اللّه، و قال آخر: السلام عليك و رحمة اللّه، فقال:

و عليك السلام و رحمة اللّه و بركاته، و قال آخر: السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته، فقال: و عليك، فقال الرجل: نقصتني، فأين ما قال اللّه، و تلا الآية: وَ إِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها فقال صلّى اللّه عليه و آله: إنّك تترك لي فضلا و رددت عليك مثله».

أقول: روي قريب منه في الدرّ المنثور عن سلمان الفارسي، و يستفاد منه أنّ الردّ إذا كان بالأحسن، لا بدّ و أن يكون من سنخ التحيّة الحنيفيّة الإبراهيميّة كما تقدّم، و إلاّ كان لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أن يردّ بالمغفرة و الرضوان و العافية و غيرها للأخير.

و كيف كان، فالرواية تدلّ على عظيم خلقه.

و في الكافي بإسناده عن عبد اللّه بن سنان عن الصادق عليه السّلام قال: «ردّ جواب الكتاب واجب، كوجوب ردّ السلام».

أقول: و أخرج البيهقي عن ابن عباس قال: «إنّي لأرى جواب الكتاب حقّا كما أرى حق السلام»، و قد تقدّم أنّ التحيّة الممدوحة أعمّ من اللفظيّة و الفعليّة أو الكتابيّة، و المراد من الحقّ المجاملي و الأخلاقي.

ص: 117

بحث فقهي

يستفاد من سياق الآية الشريفة: وَ إِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها جملة من الأحكام الشرعيّة:

الأوّل: أنّ التحيّة هي نوع من العبادة، فيثاب عليها إن لم يتحقّق مانع من ذلك، و يدلّ عليه قوله عليه السّلام: «المراد من التحيّة في الآية السلام و غيره من البرّ»، و تقدّم ما يدلّ على تحديد الثواب على اختلاف التحيّة بالسلام.

الثاني: أنّ السلام من المستحبّات الكفائيّة لظاهر سياق الآية المباركة؛ و لقول الصادق عليه السّلام: «إذا سلّم من القوم واحد أجزأ عنهم»، فلو كان الداخلون جماعة فسلّم أحدهم، يسقط استحبابه عن الباقين.

و لكن مقتضى إطلاق بعض الروايات بقاء استحباب السلام بالنسبة إلى الباقين، مثل قول أبي جعفر عليه السّلام: «إنّ اللّه عزّ و جلّ يحبّ إفشاء السلام»، و عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله قال: «السلام اسم من أسماء اللّه تعالى، وضعه اللّه في الأرض فأفشوه بينكم»، مع أنّه من الآداب المجامليّة الممدوحة عقلا و شرعا.

الثالث: وجوب ردّ التحيّة لظاهر الآية الشريفة، و لجملة من الروايات أيضا كما مرّ بعضها، و عمومها يشمل كلّ أنواع التحيّة و في جميع الحالات، إلاّ أنّ في الصلاة تختصّ الرد ب (سلام عليكم) فقط كما ذكرنا في كتابنا (مهذب الأحكام)، فلا تشمل غيره من أنواع البرّ و الإحسان، و إن كان الأفضل و الأولى الردّ؛ لما مرّ من قول الصادقين عليهما السّلام: «المراد من التحيّة في الآية السلام و غيره من البر»، و تقدّم التسميت في التعطيس، و ذكرنا في (مهذب الأحكام) ما يتعلّق بذلك.

الرابع: يجب أن يكون الردّ في أثناء الصلاة بمثل ما سلّم، فلو قال «سلام عليكم»، يجب في الجواب و الردّ أن يكون كذلك، ففي صحيح ابن مسلم قال:

«دخلت على أبي جعفر عليه السّلام و هو في الصلاة، فقلت: السلام عليك، فقال عليه السّلام:

ص: 118

السلام عليك، فقلت: كيف أصبحت ؟ فسكت، فلما انصرف قلت: أ يردّ السلام و هو في الصلاة ؟ قال عليه السّلام: نعم، مثل ما قيل له»، و المسألة محرّرة في كتب الفقه بشقوقها.

الخامس: يجب الردّ فورا؛ لأنّه المنساق من الأدلّة عرفا، كما أنّه مقتضى المتركزات في ردّ التحيّات القوليّة، مضافا إلى الإجماع.

السادس: ردّ السلام واجب كفائي، فيسقط بردّ واحد عن البقية، و يدلّ عليه الإجماع، و النصوص الكثير، منها ما رواه غياث بن إبراهيم عن الصادق عليه السّلام: «إذا سلّم من القوم واحد أجزأ عنهم، و إذا ردّ واحد أجزأ عنهم»، هذا بالنسبة إلى الوجوب.

و أمّا بالنسبة إلى استحباب الردّ، فالظاهر بقاؤه و عدم سقوطه عن الباقين؛ لأنّه نحو مجاملة و تودّد و تحبّب، و لا ريب في رجحان ذلك كلّه.

السابع: مقتضى عموم الآية الكريمة جواز سلام الأجنبي على الأجنبيّة و بالعكس إذا لم يكن هناك ريبة أو خوف فتنة، و يدلّ على ذلك روايات كثيرة.

و ما دلّ على الخلاف مثل خبر غياث: «لا تسلم على المرأة»، أو «لا تبدؤوا النساء بالسلام»، فمحمول على ما إذا تحقّق عنوان الريبة أو الخوف أو الفتنة، جمعا و إجماعا.

الثامن: يجوز السلام على الكافر، خصوصا إذا استلزم ترغيبه للإسلام، فإنّه من مكارم الأخلاق الّتي اهتمّ بها الإسلام أشدّ الاهتمام و دعى إليها الناس، و ما ورد في بعض الأخبار من النهي عن السلام عليهم ابتداء، كما في خبر غياث، قال أمير المؤمنين عليه السّلام: «لا تبدؤا أهل الكتاب بالتسليم، و إذا سلّموا عليكم فقولوا:

و عليكم»، و نحوه غيره، يمكن حملها على الكراهة بقرينة ما ورد في بعض الأخبار:

«قلت لأبي الحسن الرضا عليه السّلام: أ رأيت إن احتجت إلى الطبيب و هو نصراني، أسلّم عليه و ادعوا له ؟ قال عليه السّلام: نعم، إنّه لا ينفعه دعاؤك»، فإذا لم ينفعه السلام و لا الدعاء، لا وجه للحرمة. نعم هو مرجوح؛ لأنّه نحو اعتناء بالمسلّم عليه، فلا يليق

ص: 119

بمن يعادي اللّه و رسوله ذلك لو لم يكن جهة راجحة في البين، كالدعوة إلى الإسلام و الضرورة و نحوهما، و أمّا جواب سلام الكافر فواجب لما مرّ.

التاسع: استحباب الردّ بالأحسن في غير حال الصلاة، بأن يقول في (سلام عليكم): «سلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته»، كما مرّ في البحث الروائي، و يجوز الردّ بالمثل و لو كانت التحيّة بالشرّ، فالردّ الأحسن بالحلم و العفو أو المكافأة بالخير، و لو أراد المثليّة تكون جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها ، و لكن في وجوب ردّ مثل هذه التحيّة منع؛ لأنّ المنساق من أدلّة التحيّة و وجوب ردّها أن تكون التحيّة من الخير و البر كما مرّ، و أمّا لو كان غير ذلك كما لو سلّم تحقيرا للمؤمن أو تهديدا للقتل أو قصد بسلامه إيذاء الطرف المقابل، لا تشمله الأدلّة المتقدّمة، و إنّ التمسّك بالعموم تمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، كما هو واضح.

و هناك فروع كثيرة متعلّقة بالسلام و التحيّة مذكورة في الكتب الفقهيّة و الأخلاقيّة، و من شاء فليرجع إليهما.

ص: 120

فَما لَكُمْ فِي اَلْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَ اَللّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اَللّ.......

اشارة

فَما لَكُمْ فِي اَلْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَ اَللّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اَللّهُ وَ مَنْ يُضْلِلِ اَللّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (88) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اَللّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَ اُقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَ لا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَ لا نَصِيراً (89) إِلاَّ اَلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَ لَوْ شاءَ اَللّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اِعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَ أَلْقَوْا إِلَيْكُمُ اَلسَّلَمَ فَما جَعَلَ اَللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً (90) سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَ يَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى اَلْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَ يُلْقُوا إِلَيْكُمُ اَلسَّلَمَ وَ يَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَ اُقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَ أُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً (91) الآيات الشريفة ترتبط بالآيات الكريمة السابقة و كأنّها متفرّعة عليها بعد تعيين الحكم الحقّ و تشريع القتال و بيان الطوائف الّتي كانت في المجتمع الإسلامي، ثمّ التعرّض للشفاعة الحسنة و الشفاعة السيئة و أنّ كلتا الشفاعتين تعطي لصاحبها النصيب و الكفل من حسناتها و مساءتها.

و يبيّن عزّ و جلّ في هذه الآيات الشريفة الفئات المختلفة داخل المجتمع الإسلامي، و دعا المؤمنين إلى الاتحاد و عدم الاختلاف في أمر المنافقين و التحزّب الى حزبين، فئة ترى قتالهم و فئة تشفع لهم و تحرض على ترك قتالهم و إهمالهم.

ص: 121

كما أنّ الآيات المباركة تحدّد موقف المسلمين إزاء الفئات خارج المجتمع الإسلامي، من الكفّار المخالفين لقوم بينهم و بين المسلمين ميثاق، و هم محايدون لا يريدون الكيد بالمسلمين و الدخول في حرب معهم و لا الحرب مع قومهم الّذين على دينهم، و فئة ثالثة يتلاعبون، يظهرون الإسلام مع المسلمين، و يبطنون النفاق و الكفر ليأمنوا الطائفتين، ثمّ يأمرهم بقطع مادّة الفساد بعد أن ردّهم عزّ و جلّ إلى الضلال؛ جزاء بما كسبوا من السيئات، و من يضلل اللّه فما له من سبيل إلى الهدي، فلا يرجى منهم الخير.

التفسير

قوله تعالى: فَما لَكُمْ فِي اَلْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ .

إنكار على ما حصل من المؤمنين من التفرقة في أمر المنافقين إلى فرقتين مختلفتين، فرقة تتبرّأ من المنافقين و ترى قتالهم، و فرقة اخرى تتولاّهم و تشفع لهم و ترى ترك قتالهم، فلم يتّفقوا على كفرهم و قتالهم، و اختلفت الروايات في شأن نزول الآية الشريفة، و لا بأس بحملها على تعدّد النزول و بيان بعض المصاديق إن صحّت تلك الروايات.

و كيف كان، فالآية المباركة تدلّ على توبيخ المؤمنين على تفرّقهم و عدم اجتماعهم في قطع مادّة الفساد، و الإغماض عن شجرة الضلال بتركها حتّى تنمو و تقف عائقة في سبيل الدين الحقّ و نشر العدل.

كما أنّ الآية الشريفة ترشد المؤمنين إلى كيفيّة التعامل مع الفئات في داخل المجتمع، و تأمرهم بالاتّفاق و الاتّحاد و التعاون بينهم مقابل الفئة، فإمّا الحكم عليهم بالكفر و القتال معهم، أو نبذهم و الإعراض عنهم و عدم التعامل معهم.

ص: 122

قوله تعالى: وَ اَللّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا .

تأكيد للإنكار السابق و بيان السبب له، و الجملة حال من المنافقين، أي:

كيف تتفرّقون في شأنهم و الحال أنّ اللّه أركسهم و قد ارتدّوا إلى الكفر.

و مادّة (ركس) تدلّ على التحوّل و الانقلاب، أي: قلب الشيء على رأسه و ردّ أوّله إلى آخره، و هو تارة: ظاهري، كالردّ و القلب، كما في النكس الّذي يكون الركس أبلغ منه؛ لأنّ من يرمي منكسا في هوّة، قلّما يتخلّص منها.

و اخرى: معنوي، كالتحوّل من الحالة العاديّة و الفطرة المستقيمة إلى الحالة الرديئة، كما حكى عنها عزّ و جلّ في قوله تعالى: أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [سورة الملك، الآية: 22]، و هذا هو الانقلاب من الفطرة المستقيمة إلى غيرها و هو الركس، أي: التحوّل المعنوي و الانقلاب من الهدي و الصراط المستقيم الى الكفر و الضلالة، كما يدلّ عليه ذيل الآية الشريفة.

و المعنى: أنّ اللّه تعالى رماهم منكّسين إلى الضلالة، و حوّلهم من الإيمان إلى الكفر؛ جزاء بما كسبوا من الخطايا و السيئات الّتي أفسدت فطرتهم، فارتدّوا إلى الكفر و أوغلوا في الضلال و بعدوا عن الحقّ ، فلا يرجى منهم الخير و الهداية، و مثل هذا التعبير لم يرد في غير المنافقين، و هو يكشف عن شدّة غيّهم و ضلالهم و غورهم في الكفر، و قد اهتمّ سبحانه و تعالى بالمنافقين و ذكرهم في مواضع متعدّدة من القرآن الكريم، و أفرد لهم سورة خاصة، و بيّن جميع ما يتعلّق بهم و كشف عن نواياهم و سوء سرائرهم.

و إنّما نسب عزّ و جلّ الركس إلى نفسه اهتماما بهم، و لبيان أنّ الأعمال الاختياريّة الّتي ارتكبوها ما كانت لتؤثّر في نفوسهم إلاّ بإرادة منه عزّ و جلّ و لسلب التوفيق منهم.

ص: 123

قوله تعالى: أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اَللّهُ .

توبيخ آخر لهم و بيان للركس الوارد في صدر الآية المباركة و تعجيز لهم، أي: أنّ ذلك محال، فإنّ الّذي ردّ إلى الضلالة و الكفر ليس في استطاعتكم هدايته و تغيير سنة اللّه تعالى فيه، فلا تفيد شفاعتكم في هداية هؤلاء الّذين أضلّهم اللّه تعالى.

و توجيه الإنكار إلى الإرادة لبيان شدّته و المبالغة فيه، ببيان أنّ إرادة الهداية ممّا لا يمكن، فضلا عن إمكان نفسها.

قوله تعالى: وَ مَنْ يُضْلِلِ اَللّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً .

التفات من خطاب المؤمنين إلى الرسول الكريم صلّى اللّه عليه و آله، و فيه إشارة إلى أنّ من تشفّع من المؤمنين في حقّهم لا يدرك هذه الحقيقة، و إلاّ فلم يشفع لهم.

و هذه الآية الكريمة تبيّن حقيقة من الحقائق الواقعيّة الجارية في خلقه تعالى، و هي أنّ الّذي أخزاه اللّه تعالى بسبب سوء أعماله الاختياريّة فصار ضالا عن الحقّ ، لم يكن له سبيل إلى الهداية.

و إنّما نفى عزّ و جلّ وجود السبيل فضلا عن نفس الهداية مبالغة، و لانسداد الطرق بالنسبة إليه؛ لأنّه خرج عن الفطرة المستقيمة، فلا تؤثّر فيه أيّة حجّة و دليل، فليس له من سبيل آخر يؤثّر فيه و يرجعه إلى رشده ليهتدي إلى الصراط المستقيم.

قوله تعالى: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً .

وصف لنفسياتهم الضالّة المضلّة، و بيان لتماديهم في الكفر و تصدّيهم لإضلال غيرهم بعد ما ضلّوا و كفروا كما حكى عنهم عزّ و جلّ في ما سبق، فتكون الآية المباركة بيانا لقوله تعالى: وَ اَللّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اَللّهُ ، فهم يتمنّون أن يكون المؤمنون مثلهم في الكفر و النفاق على سواء، فلا أثر للهداية فيه؛ لأنّهم ليسوا من الكفّار الّذين يقتنعون بكفر أنفسهم فقط، بل ردّهم اللّه

ص: 124

تعالى و حوّلهم من الصراط المستقيم و الفطرة المستقيمة الّتي تدعو إلى تكميل النفوس و الثبات على الحقّ .

و هذه الآية الشريفة تدلّ على أنّ اللّه تعالى صرف الهداية عنهم؛ لأجل اختيارهم الكفر و اقترافهم السيئات.

قوله تعالى: فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اَللّهِ .

إرشاد إلى المؤمنين بالبراءة منهم، و عدم اتّخاذهم أولياء في الخلّة و الصداقة و إلقاء المودّة، بعد ما عرفتم نفسياتهم من الوداد للكفر و النفاق حتّى يؤمنوا إيمانا صحيحا بالهجرة في سبيل اللّه تعالى.

و المراد من الهجرة الأعمّ من ترك المعاصي و النفاق و نبذ الأهل و الأوطان؛ لأنّها على أقسام، أهمّها الهجرة عمّا يوجب سخط اللّه تعالى و الدخول في ما يرضيه، و هي هجرة الأنبياء و الأولياء عليهم السّلام و الصالحين، ففي الحديث: «المهاجر من هجر ما نهى اللّه عنه»، و هي على مراتب متفاوتة و درجات مختلفة. و مثل هذه الهجرة واجبة بظاهر الآية الشريفة، و إن كانت الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان متوقّفة على تحقّق شروطها المذكورة في كتب الفقه.

و قد تضمّنت الآية المباركة أهمّ حكم تربوي إصلاحي يعالج به الفئات الضالّة في داخل المجتمع، فإنّ البراءة منهم و ترك اتّخاذهم أولياء، أو بالأحرى هجرة أهل الإيمان عن أهل النفاق، لها الأثر النفسي الكبير في إصلاح نفوسهم المريضة المضلّة، و ترويضها على قبول الحقّ ؛ و لذا كانت البراءة منهم مقدّمة على هجرة أهل النفاق، فإنّها بدون البراءة لا يكون لها ذلك الأثر الكبير في إصلاح النفوس، فلا بد و أن يكون الإرشاد و التوجيه على طبق ما ورد في الآية الشريفة؛ ليرجى منه الخير و الصلاح و الرشاد.

ص: 125

قوله تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَ اُقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ .

أمر بالقتال حيث تحقّق شروطه، و هي الإعراض عن الإيمان المصاحب بالهجرة المستقيمة الّتي تكشف عن رسوخ الإيمان في القلب، و نبذ النفاق و العداء للحقّ و أهله، و قد أمر اللّه تبارك و تعالى المؤمنين بقتلهم حيث ما وجدوهم في الحلّ و الحرم، كسائر الكفّار بعد نقض العهد منهم.

و الآية الكريمة تأمر المؤمنين أن يطلبوا منهم الهجرة و مراقبة أعمالهم، و تبيّن العلّة في قتالهم و العذر في جهادهم، و قد ذكر عزّ و جلّ بعض أحكام جهادهم في سورة التوبة كما سيأتي.

قوله تعالى: وَ لا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَ لا نَصِيراً .

حكم اجتماعي تربوي لإصلاح النفوس و تهذيبها بالأمر بمقاطعتهم مقاطعة كلّية، و المجانبة عنهم أبدا بعدم قبول الولاية و لا النصرة منهم، و بدأ بالنهي بلفظ المضارع الدالّ على الاستمرار، و تكرار أداة النفي الدالّ على التأكيد على أهميّة الحكم، و تشجيع الهمم عليهم.

قوله تعالى: إِلاَّ اَلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ مِيثاقٌ .

استثناء من الضمير في قوله تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَ اُقْتُلُوهُمْ ؛ لبيان أنّ القتال مع المنافقين إنّما كان لضرورة، فلا بد و أن تتقدّر بقدرها، و قد استثنى عزّ و جلّ طائفتين.

إحداهما: من ترك المحاربين و لحق بالمعاهدين مع المؤمنين. أي: إلاّ أولئك المنافقين الّذين ينتهون إلى قوم معاهدين مع المسلمين و يدخلون فيهم، و قد عاهدوكم على مفارقة المحاربة معكم.

و الصلة أعمّ من الجوار و الحلف و الالتجاء و العهد، ممّا كان متعارفا في ذلك العصر ممّا يستجار و يؤمن به.

ص: 126

الثانية: الّذين لحقوا بالمؤمنين و هم يتحرّجون عن مقاتلة قومهم و مقاتلة المؤمنين، كما سيأتي.

و ذكر بعض المفسّرين أنّ الاستثناء يرجع إلى المؤمنين الّذين لم يهاجروا، فإنّ اللّه تعالى قد أوجب الهجرة على كلّ من أسلم، فاستثنى من كان له عذر، و هم الّذين قصدوا الرسول للهجرة و النصرة إلاّ أنّه منعهم الكفّار الّذين يخافونهم، فصاروا إلى قوم بينهم و بين المسلمين عهد و ميثاق، و أقاموا عندهم ينتهزون الفرصة لإمكان الهجرة.

و استثنى أيضا من صاروا إلى الرسول صلّى اللّه عليه و آله و المؤمنين و لكن لا يقاتلون المسلمين و لا يقاتلون الكفّار معهم؛ لأنّهم أقاربهم أو تركوا عندهم الأهل و المال، فيخافون الفتك بهم إذا هم قاتلوا مع المسلمين.

و هذا الوجه بعيد عن ظاهر الآية المباركة كما هو معلوم؛ لأنّ الكلام مع المنافقين الّذين أركسهم اللّه تعالى، سواء كانوا في دار الكفر أو في دار الهجرة.

قوله تعالى: أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ .

هذه الفئة الثانية من المنافقين الّذين استثناهم عزّ و جلّ من القتل.

و الحصر (بفتحتين) هو الضيق و الانقباض، و حصرت الصدور أي: ضاقت، و الحصر في القول هو الضيق في الكلام - و منه الحصر بالفتح فالكسر - أي:

الكتوم للسرّ، و الجملة حال من الضمير المرفوع في «جاءوكم»، فلا بد من إضمار «قد»، أي جاءوكم و قد حصرت صدورهم، و قيل غير ذلك كما يأتي في البحث الأدبي.

و المعنى: إلاّ الّذين جاءوكم و لحقوا بكم كافّين عن القتال و قد ضاقت صدورهم عن قتالكم و قتال قومهم، و يمكن أن يراد بهؤلاء هم المتحرّجون عن القتال لا مع المؤمنين و لا عليهم، فنفاقهم إنّما يكون بالولاء.

ص: 127

و كيف كان، فهاتان الطائفتان مستثنون من الحكم المذكور في صدر الآية الشريفة.

و المستفاد منها اهتمام الإسلام بالعهود و مراعاة المواثيق و مجانبة القتال مهما أمكن، إلاّ إذا دعت الضرورة إليه، فحينئذ تتقدّر الضرورات بقدرها، كما عرفت آنفا.

قوله تعالى: وَ لَوْ شاءَ اَللّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ .

منّة على المؤمنين، أي: من رحمته بكم أنّه تبارك و تعالى صرف تلك الفئتين عنكم لأسباب عديدة، و لو شاء عزّ و جلّ لسلّطهم عليكم بوجوه، منها إزالة الرعب عنهم و تقوية عزيمتهم و بسط صدورهم لقتالكم فلم يكفّوا عنكم و لم ينصرفوا عن قتالكم، فإنّه على كلّ شيء قدير، فهو قادر على أن يسلّط من يشاء على من يشاء إذا اقتضت حكمته المتعالية ذلك.

قوله تعالى: فَإِنِ اِعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَ أَلْقَوْا إِلَيْكُمُ اَلسَّلَمَ .

أي: فإن لم يتعرّضوا لكم و لم يقاتلوكم و ألقوا إليكم السلم و الصلح، بأن استسلموا و نبذوا العداء لكم.

قوله تعالى: فَما جَعَلَ اَللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً .

أي فما أذن اللّه لكم في الاعتداء عليهم و قتالهم، فإنّ اللّه تعالى لم يشرّع القتال إلاّ إذا اعتدي على المؤمنين. و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لا يقاتل أحدا و قد تنحّى عنه و اعتزله حتّى نزلت سورة التوبة و أمر بقتل المشركين، اعتزلوه أو لم يعتزلوه، إلاّ من قد كان على عهد مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، قال تعالى: فَإِذَا اِنْسَلَخَ اَلْأَشْهُرُ اَلْحُرُمُ فَاقْتُلُوا اَلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [سورة التوبة، الآية: 5].

قوله تعالى: سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَ يَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ .

إخبار عن قوم لم يهتدوا بهدى الإسلام و لم يستقر الإيمان في قلوبهم، فقد

ص: 128

أسلموا رياء ليأمنوا بطش المؤمنين، و كفروا بالحقّ ليأمنوا قومهم، فهم مذبذبون لا يهمّهم إلاّ حفظ أنفسهم و سلامة أبدانهم، و قد أخبر عزّ و جلّ بأنّهم منافقون؛ ليحذر المؤمنون منهم فلا يوادعونهم كما لا يواعدونهم.

و مضمون الآية المباركة لا يختصّ بعصر النزول، فإنّ أهل الحقّ على ابتلاء بمثل هؤلاء الطائفة في كلّ عصر، و أنّهم يعانون من نفاقهم و عدم خضوعهم أمام الواقع و عدم إذعانهم بالحقّ و اتباعه.

قوله تعالى: كُلَّما رُدُّوا إِلَى اَلْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها .

أي: كلّما سنحت لهم الفرصة إلى الفتنة - و هي الكفر و مساعدة الكفّار على المؤمنين - تحوّلوا إليها بسهولة شرّ تحوّل، و انتكسوا من العهد و الإيمان و عادوا إلى الكفر أقبح عود.

و الارتكاس هو: الانتكاس و القلب أقبح قلب و أشنعه. و هذا الوصف يكشف عن شدّة غيظهم و بعدهم عن الحقّ ، كما يكشف عنه الآية التالية أيضا.

قوله تعالى: فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَ يُلْقُوا إِلَيْكُمُ اَلسَّلَمَ وَ يَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ .

بيان لشروط قتال هذه الطائفة، و تبديل الكلام فيها من الإثبات إلى النفي، و اختلافه عمّا ذكره تعالى في الطائفة السابقة، قال تعالى: فَإِنِ اِعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَ أَلْقَوْا إِلَيْكُمُ اَلسَّلَمَ ؛ لإرشاد المؤمنين إلى خبث هذه الطائفة و أخذ الحيطة عن هؤلاء و تشديد الحذر منهم.

و الشروط الّتي ذكرها عزّ و جلّ لترك قتالهم، هي اعتزالهم عن المسلمين، و عدم التحريض على قتلهم، و استسلامهم بالمصالحة و الموادعة مع المسلمين، و الانقياد لهم و كفّ أيديهم عن قتال المسلمين، فإنّ بهذه الشروط يؤمن جانبهم فلا يخاف غدرهم و شرّهم، و إن لم يتحقّق شرط من هذه الشروط فقد تمّت الحجّة عليهم، فيحلّ عليكم قتالهم، كما أخبر عزّ و جلّ .

ص: 129

قوله تعالى: فَخُذُوهُمْ وَ اُقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ .

جواب للشروط المزبورة، أي: فإن لم تتحقّق تلك الشروط و لم يفعلوا ذلك، فأسروهم و اقتلوهم حيث وجدتموهم و تمكنتم منهم؛ لتمامية الحجّة عليهم.

قوله تعالى: وَ أُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً .

أي: جعلنا لكم على هذه الطائفة حجّة واضحة في التعرّض لهم بالسبي و القتل، لظهور عدوانهم و كفرهم و خبث سرائرهم و إصرارهم على الغدر و الإضرار بالإسلام و أهله، و يمكن أن يراد بالسلطان المبين هو التسلّط الظاهر عليهم، حيث أذن عزّ و جلّ في أخذهم و قتلهم، و يؤيّده تقابل هذه الآية الكريمة بقوله تعالى في الآية السابقة: فَما جَعَلَ اَللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً .

ص: 130

بحوث المقام

بحث أدبي

«ما» في قوله تعالى: فَما لَكُمْ فِي اَلْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ استفهام إنكار و هو مبتدأ، و «لكم» خبره، و «فئتين» منصوب إمّا على أنّه حال من ضمير «لكم» المجرور، و العامل فيه إمّا الاستقرار أو الظرف. و إمّا منصوب على أنّه خبر (كان) مقدّرة، أي: ما لكم في شأنهم كنتم فئتين.

و أشكل على الوجهين بأمور ذكروها في كتب النحو فراجع.

و جملة: وَ اَللّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا حال من المنافقين تفيد تأكيد الإنكار السابق، و الباء للسببيّة، و (ما) إمّا موصولة أو مصدريّة.

و «لو» في قوله تعالى: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا مصدريّة لا جواب لها، و الفاء في قوله تعالى: فَتَكُونُونَ سَواءً للعطف لا للجواب، كقوله تعالى: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [سورة القلم، الآية: 9]، فيكون من عطف المصدر المقدّر على الملفوظ.

و قوله تعالى: أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ عطف على صلة اَلَّذِينَ يَصِلُونَ ، و التقدير: (أو الّذين جاؤكم). و حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ حال بإضمار (قد)، أو صفة لموصوف محذوف هو حال من فاعل «جاؤكم»، أي: جاؤكم قوم حصرت، أو في موضع خفض على النعت لقوم.

و اللام في فَلَقاتَلُوكُمْ لام المجازاة و الازدواج كما ذكره جمع، أو لام الجواب لعطفه على الجواب؛ و لا حاجة لتقدير (لو).

و «يكفوا» في قوله تعالى: فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَ يُلْقُوا إِلَيْكُمُ اَلسَّلَمَ وَ يَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ عطف على المنفي لا النفي، بقرينة سياق الآية المباركة، و سقوط النون

ص: 131

الّذي هو علامة الجزم لا يدلّ على كون العطف على النفي؛ لأنّ الجملة مبدوءة ب أن الشرطية، و هي جازمة مطلقا سواء كان العطف على النفي أو المنفي.

بحث دلالي:
اشارة

تدلّ الآيات الشريفة على أمور:

الأوّل:

يستفاد من الآيات الكريمة حكم الإسلام مع الفرق المخالفة للمؤمنين، و تثبيت أركان القانون العامّ . و يؤكّد على الوفاء بالمواثيق، و يربّي المؤمنين على احترام العهود، و يأمرهم بالاتّحاد أمام الفرق المخالفة، و ينهاهم عن الاختلاف في شأنهم بعد اشتراكهم في الكفر، و يأمرهم بالرجوع إلى الحقّ و الدخول في صفوف المؤمنين و إلاّ كان القتل، كما يأمرهم بعدم اتّخاذهم أولياء و أنصارا إلاّ من كان بينكم و بينهم عهد و ميثاق فلا بدّ من احترامه و عدم نقضه، فإنّه يؤمن جانبهم ما داموا على العهد، أو من كان منهم من لا يريد القتل و يشمئز منه، فإنّه يؤمن أيضا ما دام معتزلا عنه.

ثمّ يبيّن عزّ و جلّ حكم الطائفة الاخرى الّتي تريد الغدر بالإسلام و أهله، و اختلف الحكم فيهم عن الحكم في الطائفة الأولى، فاعتبر في قتلهم أمور عدميّة بخلاف السابق، و هي عدم الاعتزال، و عدم إلقاء السلام، و عدم كفّ الأيدي؛ لاختلاف الموردين، فإنّ الأولى كانت عازمة على قتال المسلمين، و أمّا الثانية فقد كانت على غدر و خيانة و تريد القضاء على الإسلام. و من هنا جاء اختلاف السياق في الموردين.

الثاني:

يستفاد من قوله تعالى: فَما لَكُمْ فِي اَلْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَ اَللّهُ أَرْكَسَهُمْ أنّ اختلاف المؤمنين في شأن المنافقين إنّما كان لأجل حبّهم لهدايتهم و رجوعهم إلى الحقّ و التجنّب عن سفك الدماء لا خوفا و لا جبنا، أو الإعراض عن حكم اللّه

ص: 132

تعالى، بدليل قوله تعالى: أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اَللّهُ ، و مع ذلك فقد وقعوا موقع التوبيخ؛ لأنّه يرجع إلى تولّي أعداء اللّه تعالى.

الثالث:

يدلّ قوله تعالى: وَ اَللّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا ، على أنّ الأعمال لها الشأن الكبير في النكوص عن الحقّ و الإعراض عن طاعة اللّه تعالى و الدخول في سلك أعدائه عزّ و جلّ و انسلاكه في زمرة المنافقين.

الرابع:

يستفاد من قوله تعالى: وَ مَنْ يُضْلِلِ اَللّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً أنّ جميع ما يعدّه الإنسان في هداية شخص و ما يبذله من جهد في إراءة الطريق، لا يجدي نفعا إذا لم تسبقه هداية من اللّه تعالى و توفيق منه عزّ و جلّ ، فهي كالعلّة المادّية لقبول الصور الواقعة عليها، الّتي تحصل من إيمان الفرد و جهده و عمله.

الخامس:

يستفاد من مجموع الآيات الشريفة في المقام أنّ المنافقين الّذين ورد ذكرهم فيها على فريقين: فريق دخلوا في الإسلام خوفا من الحسام، و قد أبطنوا الكفر، يتربّصون بالمسلمين الدوائر، يظهرون المودّة لهم إذا ظهر لهم قوّة، و إذا تبيّن ضعفهم انقلبوا عليهم و أظهروا العداوة و البغضاء، و فريق آخر يظهرون الولاء للمسلمين طمعا للمال أو المادّة، فهم يتبعونه أينما وجد، مذبذبون بين ذلك، لا إلى المسلمين و لا إلى الكفّار فيأمنوا الجانبين، تراهم يردّون إلى الفتنة شرّ تحوّل مرة بعد أخرى، و هناك فريق ثالث دخلوا في الإسلام و لم يهتدوا بهديه، تراهم ينكصون عن الطاعة و يتمرّدون على الشريعة، و لم يستسلموا لأحكام اللّه تعالى و رسوله، و فريق رابع لاحظوا الجوانب المادّية و البعد المادّي في الإسلام، و لكنّهم يعرضون عن الجانب المعنوي الروحاني فيه، فتراهم يعملون و يطيعون لأجل البعد المادّي، قد فقد فيهم الخلوص، و هم منافقون في الأعمال، بخلاف القسم الأوّل الّذي كان النفاق في الإيمان و الأعمال، و هذان الفريقان و إن لم يذكرا في هذه الآيات المباركة و لكن سبقت الإشارة إليهما في الآيات الكريمة السابقة، و سيأتي أقسام

ص: 133

أخرى نشير إليها في الآيات المناسبة إن شاء اللّه تعالى، و يستفاد من مجموعها اختلاف أغراض المنافقين و تعدّد سبل كيدهم و غدرهم.

السادس:

تدلّ الآيات المباركة على شروط ترك القتال مع المنافقين، و هي مضافا إلى كونها شروطا لاعتزال القتال، هي في نفس الوقت أسس تربويّة لإصلاح النفوس المريضة، فلم تكن مجرّد شروط يفرضها الحاكم على المحكوم للنيل منه أو دحره و احتقاره، بل هي أحكام تربويّة إصلاحيّة، فتكون من موارد تطبيق نظرية الإسلام في تشريع الأحكام.

و هذه الشروط هي: الاعتزال عن القتال و تركه، و الصلح و الانقياد، و كفّ الأذى عن المؤمنين، و كلّ ما يوجب الإهانة بالإسلام و المسلمين، و هذه الشروط الثلاثة من أهمّ الطرق لإصلاح النفوس و ترويضها على الطاعة و الانقياد.

السابع:

يمكن أن يكون قوله تعالى: وَ يَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ كناية عن ترك جميع ما يمسّ بكرامة الإسلام و المسلمين من الأذى و النبز و الإهانة و التعريض و جميع الدسائس، و بذلك يؤمن شرّهم و يترك القتال معهم بالصلح و الانقياد معهم تصلح نفوسهم.

بحث روائي:

في المجمع في قوله تعالى: فَما لَكُمْ فِي اَلْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَ اَللّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اَللّهُ وَ مَنْ يُضْلِلِ اَللّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً قال:

«اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية، نزلت في قوم قدموا المدينة من مكّة فأظهروا للمسلمين الإسلام ثمّ رجعوا إلى مكّة؛ لأنّهم استوخموا المدينة فأظهروا الشرك ثمّ سافروا ببضائع المشركين إلى اليمامة، فأراد المسلمون أنّ يغزوهم فاختلفوا، فقال بعضهم: لا نفعل فإنّهم مؤمنون، و قال آخرون: إنّهم مشركون، فأنزل اللّه تعالى فيهم الآية، و هو المروي عن أبي جعفر عليه السّلام.

ص: 134

أقول: قريب منه ما رواه في الدرّ المنثور، و معنى: «استوخموا المدينة» استثقلوها و لم يوافق هواؤها أبدانهم لمرض، كالوباء أو غيره، و في الحديث: «من أضلّه اللّه و أعمى قلبه، استوخم الحقّ »، أي: استثقله و لم يقبله و صار الشيطان وليّه و قرينه.

و كيف كان، فالرواية من باب التطبيق و ذكر المصداق للآية المباركة.

و في الدرّ المنثور في قوله تعالى: فَما لَكُمْ فِي اَلْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَ اَللّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا قال: «خطب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الناس فقال: من لي بمن يؤذيني و يجمع في بيته من يؤذيني ؟ فقام سعد بن معاذ فقال: إن كان منّا يا رسول اللّه قتلناه، و إن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا فأطعناك، فقام سعد بن عبادة فقال: ما بك يا ابن معاذ طاعة رسول اللّه، و لكن عرفت ما هو منك، فقام أسيد بن حضير فقال: إنّك يا ابن عبادة منافق تحبّ المنافقين، فقام محمد بن مسلمة فقال: اسكتوا أيّها الناس، فإنّ فينا رسول اللّه و هو يأمرنا فننفذ لأمره، فانزل اللّه تعالى الآية».

أقول: لعلّ وجه استنصاره صلّى اللّه عليه و آله بهم لامتحانهم بعد إتمام الحجّة عليهم، فبيّن اللّه تعالى ما كان في ضمائرهم و كشف عن حقيقتهم. و الرواية من باب التطبيق و الجري لا التخصيص و الحصر.

و في تفسير القمّي في قوله تعالى: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اَللّهِ - الآية -، أنّها نزلت في أشجع و بنى ضمرة، و هما قبيلتان، و كان من خبرهم أنّه لما خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الى غزاة الحديبية أتى بدرا لموعد مرّ قريبا من بلادهم، و قد كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله هادن بني ضمرة و وادعهم قبل ذلك، فقال أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

يا رسول اللّه، هذه بنو ضمرة قريبا منّا و نخاف أن يخالفونا إلى المدينة، أو يعينوا علينا قريشا، فلو بدأنا بهم ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: كلا، إنّهم أبرّ العرب بالوالدين و أوصلهم للرحم و أوفاهم بالعهد.

ص: 135

و كانت أشجع بلادهم قريبا من بلاد بني ضمرة من بطن كنانة، و كان أشجع بينهم و بين بني ضمرة حلف بالمراعاة و الأمان، فأجدبت بلاد أشجع و أخصبت بلاد بني ضمرة، فصارت أشجع إلى بلاد بني ضمرة، فلما بلغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله مسيرهم إلى بني ضمرة تهيّأ للمسير إلى أشجع ليغروهم للموادعة الّتي بينه و بين بني ضمرة، فأنزل اللّه تعالى: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اَللّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَ اُقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَ لا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَ لا نَصِيراً ، ثمّ استثنى بأشجع فقال: إِلاَّ اَلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَ لَوْ شاءَ اَللّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اِعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَ أَلْقَوْا إِلَيْكُمُ اَلسَّلَمَ فَما جَعَلَ اَللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً ، و كانت أشجع محالها البيضاء و الحال و المستباح، و قد كانوا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فهابوا لقربهم من رسول اللّه أن يبعث إليهم من يغزوهم، و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قد خافهم أن يصيبوا من أطرافه شيئا فهمّ بالمسير إليهم، فبينما هو على ذلك إذ جاءت أشجع و رئيسها مسعود بن رجيلة و هم سبعمائة فنزلوا شعب سلع، و ذلك في شهر ربيع سنة ست من الهجرة، فدعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أسيد بن حصين و قال له: اذهب في نفر من أصحابك حتّى تنظر ما أقدم أشجع، فخرج أسيد و معه ثلاثة نفر من أصحابه فوقف عليهم فقال: ما أقدمكم ؟ فقام إليه مسعود بن رجيلة و هو رئيس أشجع فسلّم على أسيد و على أصحابه، فقالوا: جئنا لنوادع محمدا صلّى اللّه عليه و آله، فرجع أسيد إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: خاف القوم أن أغزوهم فأرادوا الصلح بيني و بينهم، ثمّ بعث إليهم بعشرة أحمال تمر فقدّمها أمامه، ثمّ قال: نعم الشيء الهدية أمام الحاجة ثمّ أتاهم فقال: يا معشر أشجع ما أقدمكم ؟ قالوا: قريب دارنا منك و ليس في قومنا أقل عددا منّا، فضقنا لحربك لقرب دارنا منك و ضقنا لحرب قومنا لقلّتنا فيهم، فجئنا لنوادعهم، فقبل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله منهم و وادعهم، فأقاموا يومهم ثمّ

ص: 136

رجعوا إلى بلادهم، و فيهم نزلت هذه الآية: إِلاَّ اَلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ مِيثاقٌ - إلى قوله تعالى - فَما جَعَلَ اَللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً .

أقول: الرواية من باب التطبيق لا التخصيص، و يستفاد منها أمور:

الأوّل: إنّما وداع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قبيلة بني ضمرة و عاهدهم لما فيهم من الصفات الحسنة الّتي تقرّبهم إلى الفطرة السليمة و الإسلام، و لعلّ صلحه صلّى اللّه عليه و آله معهم صار سببا لإسلامهم فيما بعد.

الثاني: يستفاد من تقريره صلّى اللّه عليه و آله للموادعة و المعاهدة الّتي كانت بين بني ضمرة و أشجع، أن كلّ معاهدة تكون بين الرهطين و القبيلتين تجوز إن لم تناف مع الأحكام الشرعيّة. و المراد من «ليغروهم» في الرواية، أي: ليظهر صلّى اللّه عليه و آله عجبه و رضاه للموادعة الّتي بين أشجع و بين بني ضمرة.

الثالث: يستفاد منها أنّ إهداء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أحمال التمر لهم لأجل تأليف قلوبهم و ترغيبهم لمناصرة الحقّ ، أو لأجل أنّه صلّى اللّه عليه و آله علم أنّ القوم بحاجة إلى ذلك، فأرسل إليهم ليسدّ حاجتهم حتّى يعرفوا بذلك خلقه الكريم و معالم دينه الحنيف.

و في المجمع: المروي عن أبي جعفر عليه السّلام أنّه قال: «المراد بقوله تعالى: قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ مِيثاقٌ هو هلال بن عويمر السلمي و أوثق عن قومه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و قال في موادعته: على أن لا نحيف يا محمد من أتانا، و لا تحيف من أتاك. فنهى اللّه تعالى أن يتعرّض لأحد عهد إليهم».

أقول: المراد من الحيف الظلم و الجور، و في الحديث: «إنّا معاشر الأنبياء لا نشهد على الحيف»، أي: على الظلم و الجور، و الرواية من باب ذكر أحد المصاديق أو التطبيق.

و في الكافي بإسناده عن الفضل أبي العباس عن الصادق عليه السّلام في قول اللّه عزّ و جلّ : أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ قال:

«نزلت في بني مدلج؛ لأنّهم جاءوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقالوا: إنّا قد حصرت

ص: 137

صدورنا أن نشهد أنّك لرسول اللّه، فلسنا معكم و لا مع قومنا عليك، قال: قلت:

كيف صنع بهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ؟! قال: وادعهم إلى أن يفرغ من العرب ثمّ يدعوهم فإن أجابوا و إلاّ قاتلهم».

أقول: الرواية من باب التطبيق، و إن المعاهدة الّتي قرّرها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كانت ماداميّة لمصلحة هي أهمّ من مقاتلتهم، كما مرّ في التفسير.

العياشي عن سيف بن عميرة قال: «سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن قوله تعالى:

يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَ لَوْ شاءَ اَللّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ قال: كان أبي عليه السّلام يقول: نزلت في بني مدلج اعتزلوا فلم يقاتلوا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و لم يكونوا مع قومهم، قلت: فما صنع بهم ؟ قال: لم يقاتلهم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله حتّى فرغ من عدوه ثمّ نبذ إليهم على سواء، قال: و حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ و هو الضيق».

أقول: الرواية من باب التطبيق كما مرّ، و المراد من قوله عليه السّلام: «ثمّ نبذ إليهم على سواء»، خالفهم و جاهر معهم الحرب.

البيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله تعالى: إِلاَّ اَلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ قال: نسختها براءة فَإِذَا اِنْسَلَخَ اَلْأَشْهُرُ اَلْحُرُمُ فَاقْتُلُوا اَلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ .

أقول: إنّ الأمر بقتل المشركين بعد إتمام الحجّة عليهم، و إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لم يبتدأ بقتال أحد من المشركين إلاّ إذا اعتدى المشركون على المؤمنين و تمّت الحجّة عليهم، فليس المراد من النسخ معناه المصطلح، بل هو نوع من التخصيص كما مرّ.

و في تفسير القمّي عن الصادق عليه السّلام: «كانت السيرة من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قبل نزول سورة البراءة ألاّ يقاتل إلاّ من قاتله، و لا يحارب إلاّ من حاربه، و قد كان نزل في ذلك من اللّه سبحانه: فَإِنِ اِعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَ أَلْقَوْا إِلَيْكُمُ اَلسَّلَمَ فَما جَعَلَ اَللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً ، و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لا يقاتل أحدا قد تنحّى عنه

ص: 138

و اعتزله حتّى نزلت عليه سورة براءة و أمر بقتل المشركين، من اعتزله و من لم يعتزله، إلاّ الّذين قد كان عاهدهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يوم فتح مكّة إلى مدّة».

أقول: الحديث طويل و يأتي بيانه في سورة براءة إن شاء اللّه تعالى، و المراد من قتل المشركين المعاندون الّذين تمت الحجّة عليهم، كما مرّ.

و في المجمع عن الصادق عليه السّلام في قوله تعالى: سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَ يَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى اَلْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها قال: «نزلت في عيينة بن حصين الفزاري، أجدبت بلادهم فجاء إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و وادعه على أن يقيم ببطن نخل و لا يتعرّض له، و كان منافقا ملعونا، و هو الّذي سمّاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الأحمق المطاع في قومه».

أقول: الرواية من باب التطبيق، و المراد من بطن نخل، موضع بين مكّة و طائف.

و في الدرّ المنثور في قوله تعالى: سَتَجِدُونَ آخَرِينَ - الآية عن مجاهد قال: «ناس من أهل مكّة كانوا يأتون النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فيسلمون رياء ثمّ يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان، يبتغون بذلك أن يأمنوا هاهنا و هاهنا، فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا و يصالحوا».

أقول: الرواية من باب التطبيق و ذكر أحد المصاديق.

ص: 139

وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاّ خَطَأً وَ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَ د.......

اشارة

وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاّ خَطَأً وَ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَ دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَ إِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اَللّهِ وَ كانَ اَللّهُ عَلِيماً حَكِيماً (92) وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَ غَضِبَ اَللّهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً (93) يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اَللّهِ فَتَبَيَّنُوا وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ اَلسَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا فَعِنْدَ اَللّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اَللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اَللّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (94) الآيات الشريفة تشتمل على أمهات الأحكام و تتضمّن أصلا مهمّا من أصول الشريعة الإسلاميّة، و هو احترام الدماء المصونة و حفظها، و به تتم الأصول الثلاثة الّتي عليها دين خاتم الأنبياء، و قد ذكر سبحانه و تعالى الأصلين الآخرين في الآيات السابقة، و هما احترام المال، و احترام العرض.

كما ذكر سبحانه و تعالى في هذه الآيات المباركة حال المؤمنين بعد بيان حال الكفّار و المنافقين كذلك بين أحكام قتالهم، و بهذه المناسبة بيّن عزّ و جلّ حكم القتل خطأ و القتل عمدا في ما يقع بين المسلمين بعضهم مع بعض، كما ذكر حكم قتلهم لغيرهم، و شدّد جلّ شأنه في الدم و حرّم قتل المؤمن مطلقا و جعل عليه الكفّارة و الديّة، و لعن تعالى القاتل الّذي قتل أخاه المؤمن عمدا و عدوانا، و أعدّ له العذاب العظيم بعد ما غضب عليه.

ص: 140

التفسير

قوله تعالى: وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاّ خَطَأً .

بيان لأهم حكم من الأحكام الإلهيّة في أبلغ أسلوب و أفصح عبارة، فإنّها تدلّ على نفي الشأن الّذي هو أبلغ من نفي الفعل، أي: لا يوجد في المؤمن بعد دخوله في حريم الإيمان اقتضاء لقتل مؤمن أبدا، بل لا يليق بحاله، و لا ينبغي له قتل من تشرّف بالإيمان باللّه و رسوله مطلقا، أي قتل كان، و لو صدر منه في حالات خاصّة، كحالة الحرب و في ساحة القتال.

و مثل هذا النهي الدالّ على نفي الشأن و الاقتضاء كثير في القرآن الكريم، قال تعالى: وَ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اَللّهِ [سورة الأحزاب، الآية: 53]، و قال تعالى: وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اَللّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ اَلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [سورة الأحزاب، الآية: 36]، و إنّما ذكر عزّ و جلّ المؤمن لبيان أنّ الإيمان جنّة واقية من كلّ ظلم و جريمة، و هو يمنع صاحبه من قتل أخيه المؤمن بعد أن دخل في حريم الإيمان و حماه.

و الآية الشريفة و إن كانت لنفي الشأن و الاقتضاء، لكنّها متضمّنة للحكم التكليفي، فتنهى عن القتل، فيكون النفي بمعنى النهي للمبالغة و شدّة التنزيه عن ارتكاب القتل، أي: يحرم على المؤمن قتل المؤمن إلاّ إذا كان القتل خطأ غير مقصود له بعنوانه، فلا حرمة هنا، فلا يستفاد من الآية الكريمة عدم استحقاق الحرمة في هذا النوع من القتل، فلا حاجة لجعل الاستثناء في قوله تعالى: إِلاّ خَطَأً منقطعا لدفع الاحتمال المزبور، بل الاستثناء على حقيقته، أي: الاستثناء المتّصل - كما عرفت - فتكون الآية المباركة دالّة على عدم وضع الحرمة في الفعل غير المقصود.

و يحتمل أن يكون الاستثناء بمعنى النفي، أي: و لا خطأ، كما استعمل فيه في

ص: 141

غير موضع، و يدلّ عليه بعض الأخبار، كما يؤيّده تشديد الأمر في القتل و شدّة الاحتياط في الدماء في الإسلام.

و الخطأ اسم من خطأ يخطأ خطأ، و هو الفعل الخالي عن القصد بعنوانه الفعلي، و يلحق به ما إذا كان فيه القصد إلى شيء زعما، و هو على خلاف الواقع، كما إذا زعم أنّ المقتول كافر جائز القتل، و هو في الواقع مؤمن محقون الدم، و غير ذلك كما ذكرنا في كتاب القصاص و الديّات من (مهذب الأحكام).

و الخطأ حسب التقسيم العقلي على أقسام:

الأوّل: أن يريد غير ما يحسن فعله و إرادته فيفعله، و هذا هو الخطأ التامّ .

الثاني: أن يريد ما يحسن فعله، و لكن يقع منه خلاف ما يريد، فأصاب في الإرادة و أخطأ في الفعل.

الثالث: أن يريد ما لا يحسن فعله و يتّفق منه خلافه، فهذا الخطأ في الإرادة و لمصيب في الفعل، و هذا هو معنى (أراد) في قوله:

أردت مساءتي فأجرت مسرّتي *** و قد يحسن الإنسان من حيث لا يدري

فهذه اللفظة مشتركة كما ترى، و الجامع أنّ من أراد شيئا فاتّفق منه غيره يقال: اخطأ. و إن وقع منه كما أراده يقال: أصاب.

قوله تعالى: وَ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ .

التحرير الإعتاق، و هو جعل المملوك حرّا، و الرقبة و إن كانت بمعنى العنق، و لكن شاع استعمالها في النسمة و النفس، كما يعبّر بالرأس و الظهر عن المركوب، تعبيرا عن الكلّ باسم الجزء المقوّم له. و إنّما عبّر كذلك؛ لأنّ الرقيق يحني رقبته دائما لمولاه.

و المعنى: و من قتل مؤمنا على الخطأ، وجب عليه تحرير رقبة مؤمنة، و يأتي تفصيل الكلام في البحث الفقهي إن شاء اللّه تعالى.

ص: 142

قوله تعالى: وَ دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ .

واجب آخر مضافا إلى عتق الرقبة المؤمنة، أي: تسليم الديّة إلى أهل المقتول. و الديّة ما يعطى عوضا عن دم المجنيّ عليه، نفسا كان أو عضوا، و هي مصدر ودي القتيل يديه وديا و دية، كعدة وزنة من الوعد و الوزن.

و من إطلاق الديّة و عدم تقييدها بشيء يستفاد حكاية كلّ ما يرضى به أهل المقتول، و لكن السنّة الشريفة حدّدتها بأمور خاصّة، فهي من الذهب ألف، دينار و من الفضة عشرة آلاف درهم، و من الإبل مائة، و من البقر مائتان، و من الشاة ألف، و من الحلّة اليمانيّة مائتا حلة، و يعتبر في الإبل أن تكمل السنة الخامسة و تدخل في السادسة، و كذا في البقر. و أمّا الشاة، فلا يعتبر فيها شيء و يكفي المسمّى، كما فصّل في كتب الفقه.

و المسلّمة، أي: المدفوعة المؤدّاة إلى أهل المقتول، و هم أولياؤه و ورثته الجامعون للشرائط المقرّرة في الشرع.

قوله تعالى: إِلاّ أَنْ يَصَّدَّقُوا .

أي: إلاّ أن يتصدّق أولياء القتيل عليه بالديّة، و إنّما سمى العفو عن الديّة بالصدقة حثّا عليه، فلا تجب على القاتل الديّة حينئذ، و لما في الصدقة من الفضل و الأجر، فيكون في العفو كذلك، فإذا عفى يكون له الفضل على القاتل.

كما يستفاد من الآية المباركة أنّ الديّة ممّا يقبل العفو، و أمّا الكفّارة فلا تسقط بحال إلاّ إذا عجز عنها، كما ذكر في الفقه.

قوله تعالى: فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ .

أي: فإن كان المقتول خطأ مؤمنا و أهله من الكفّار المحاربين لكم، بأن قتله و هو بين قومه و لم يعلم القاتل بكونه مؤمنا، فلا دية فيه، تخصيصا لأدلّة الديّة، كما

ص: 143

ذكرنا في (مهذب الأحكام)، و لكن عليه الكفّارة، و هي تحرير رقبة و عتق نسمة مؤمنة كفّارة لقتله إيّاه.

قوله تعالى: وَ إِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَ تَحْرِيرُ رَقَبَة.......

قوله تعالى: وَ إِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ .

أي: و إن كان المؤمن المقتول من الكفّار الّذين بينكم و بينهم عهد، فعلى القاتل الديّة و الكفّارة. أمّا الديّة فتسلّم إلى أهله؛ لأنّهم أحقّ بها، و أمّا الكفّارة فهي عتق رقبة مؤمنة، فيكون حكم المعاهد حكم المؤمن، و إنّما أفرده بالذكر تأكيدا لمراعاة العهود و المواثيق، و أنّ كفرهم لا يمنع الديّة بخلاف غير المعاهد.

و إطلاق العهد يدلّ على كونه أعمّ من المؤقّت و المؤبّد، و سواء كان العهد عهد ذمّة أم غيره فيشمل كلّ عهد قرّره الشارع الأقدس.

و إنّما قدّم تعالى هنا الديّة على الكفّارة عكس السابقة، مراعاة لحقوق الذمّة و الميثاق.

قوله تعالى: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ .

الضمير يرجع إلى الرقبة؛ لأنّها أقرب، أي: فمن لم يستطع التحرير بأن لم يوجد الرقبة أو لا يملك ما يتوصّل به إليها، فعليه صيام شهرين متتابعين بدلا عنه، و إطلاق الشهر ينصرف إلى القمري منه.

و التتابع: معروف، و هو عدم الفصل بين الأيام بالفطر، و لكن فسّرت السنّة التتابع بأن يصوم الشهر الأوّل من غير فطر، و يصوم شيئا من الشهر الثاني و لو يوما واحدا، فإن تحقّق بعد ذلك ما يخلّ به التتابع فلا يضرّ به، و يأتي نقل بعض الروايات الدالّة على ذلك.

قوله تعالى: تَوْبَةً مِنَ اَللّهِ .

أي: أنّ ما شرّعه اللّه تعالى من الكفّارة و الديّة في هذا الأمر الفظيع إنّما هو رحمة

ص: 144

من اللّه تعالى عليكم و رأفة بكم، فتطهر نفوسكم و تتزكى، فتأخذوا الحيطة لئلاّ تعودوا إلى القتل و لو كان خطأ.

و يحتمل أن يرجع هذا القيد إلى خصوص الأخير، أي: أن إيجاب الصوم بدلا عن عتق الرقبة إنّما هو توبة و عطف منه عزّ و جلّ عليكم، فكان تخفيفا من اللّه تعالى عليكم.

قوله تعالى: وَ كانَ اَللّهُ عَلِيماً حَكِيماً .

أي: أنّ اللّه تعالى عليم بمصالح العباد و أحوال النفوس و حكيم في تشريع الأحكام، فهو جلّ شأنه يشرّع فيها ما يهديكم إلى الرشاد و ما تصلح به النفوس و ما يوجب سعادتكم في الدارين.

قوله تعالى: وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها .

بيان للقتل العمديّ المستفاد من الآية المباركة السابقة صدرا و مفهوما، من كونه ليس من شأن المؤمن أن يصدر منه هذا النوع من القتل.

و التعمد: هو القصد إلى الفعل بالعنوان الّذي له عن علم به، يقال: «فعله عمدا»، أي: قصدا لا خطاء و لا عن طريق الاشتباه، بل كان عن التفات و يقين.

و القتل: هو إزهاق الروح، و هو على قسمين - كما تقدّم - مقصود و هو العمد، و غير مقصود و هو القتل خطاء.

و إنّما كان جزاء القتل العمد عظيما لفظاعته، و لأنّه ينافي الإيمان.

قوله تعالى: وَ غَضِبَ اَللّهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ .

أي: أنّه مضافا إلى أن جزاءه جهنّم خالدا فيها، أنّه غضب عليه انتقاما منه للقاتل لشناعة فعله، و لعنه تعالى فأبعده عن رحمته.

قوله تعالى: وَ أَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً .

لا يعلم قدره و لا كنهه أحد إلاّ اللّه تعالى، و العذاب: هو كلّ ما شقّ على الإنسان و اشتدّ عليه، و هو تارة نفسي، كالمنع عن المراد مثلا، و ذلك على أنواع

ص: 145

كثيرة. و أخرى: خارجي، كالتعذيب بالأشياء الخارجيّة، و كلّ منهما دنيوي و أخروي.

و قد أغلظ سبحانه و تعالى في وعيد هذا الذنب العظيم بما لا يكون في غيره، و يستفاد منه تناسب الجزاء مع الفعل، فإنّه إزهاق لروح مؤمنة بريئة و تعطيل لها عن الكمال و الوصول إلى ما تبتغيه، فكان الجزاء عذاب جهنّم و قطعا للرحمة عنه، و غضبا منه عزّ و جلّ عليه.

و يستفاد من الآية المباركة عدم قبول توبته، و لكن ذكرنا في الآيات الشريفة السابقة لا سيما قوله تعالى: إِنَّ اَللّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ * [سورة النساء، الآية: 48] و أمثالها بما تصلح أن تكون قيدا لهذه الآية، فيكون الوعيد حتما إن لم تكن توبة نصوح في البين من القاتل، و إلاّ فالتوبة مقبولة بمقتضى تلك الآيات الشريفة، أو يكون قتل المؤمن لأجل إيمانه، و سيأتي في البحث الروائي بعض الروايات الدالّة على ذلك.

قوله تعالى: يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اَللّهِ فَتَبَيَّنُوا .

إرشاد إلى حكم فطري، و هو أخذ الحيطة في الأمور و التجنّب عمّا يوجب الندم، و بيان إلهي يهدي المؤمنين إلى التوقّف في من يريدون قتله إذا ظهرت عليه علامات الإيمان، من الشهادة و السلام الّذي هو علامة الاستيمان و تحيّة الإسلام، حتّى يتبيّن الأمر و يتّضح عدم إيمانه فيجب التحفّظ و عدم قتله، و لا يحملوا ما صدر منه على المخادعة، فإنّ الإسلام دين الأمان.

و الضرب: هنا بمعنى السير في الأرض و السفر، و سمّي الضرب سفرا؛ لأنّه يحصل بضرب الأرض بالأرجل، و عن عليّ عليه السّلام في غريب كلامه: «فإذا كان كذلك ضرب يعسوب الدين بذنبه، فيجتمعون إليه كما يجتمع فزع الخريف»، و تقدّم ما يتعلّق باشتقاق هذه المادّة.

ص: 146

و التقييد بكونه في سبيل اللّه تعالى يفيد أنّه السفر إلى الجهاد و الخروج إلى الغزو في سبيل اللّه تعالى، أو مطلق العبادة و التقرّب إليه عزّ شأنه.

و التبيين: التأنّي و ترك العجلة، و هو التفعّل بمعنى الاستفعال الدالّ على الطلب، أي: التدبّر للتمييز بين المؤمن و غيره.

و حكم الآية الشريفة يوافق الفطرة الّتي تدعو إلى التأنّي و الروية و ترك العجله في مواطن الضرر، حتّى يتبيّن و يتّضح الأمر.

و المعنى: يا أيّها الّذين آمنوا إذا سافرتم إلى الجهاد و منازلة أعداء اللّه و قتالهم في سبيل اللّه تعالى، فتوقّفوا و تأنّوا حتّى تعلموا من يستحق القتل و من لا يستحقّه، فلا تقدموا على قتل أحد إلاّ إذا علمتم كونه حربا للّه و رسوله.

قوله تعالى: وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ اَلسَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً .

بيان لعلامة من علامات الإيمان، و هي التحيّة بإلقاء السلام و السلم (بكسر السين و فتح اللام) و السلم (بفتح السين) و السلام واحد، و قرئ بها كلّها، و معناها الاستسلام و الانقياد.

و كيف كان، فالمعنى: و لا تقولوا لمن أظهر لكم ما يدلّ على إسلامه: لست مؤمنا، و إنّما كان عن خوف من القتل و طمعا للبقاء.

قوله تعالى: تَبْتَغُونَ عَرَضَ اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا .

المراد بعرض الحياة الدنيا في المقام الغنيمة و المال، أي: تقتلونه و تطلبون من قتله الغنيمة و المال.

و التعبير بالعرض لبيان كونه سريع الزوال، و يستفاد منه أنّ تلك هي العلّة في التعجيل في قتله، فلم يكن الغرض من القتال سبيل اللّه تعالى و إقامة دينه.

قوله تعالى: فَعِنْدَ اَللّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ .

تعليل للنهي، و يتضمّن الوعد أيضا بما هو أكثر و أبقى و أدوم.

و المغانم: جمع المغنم، و المراد من الكثيرة الدائمة و الباقية، فهي أفضل من

ص: 147

مغانم الدنيا الزائلة، فلا بد أن يكون مورد اختياركم، بل هي الّتي تستحقّ الإيثار دون غنيمة الدنيا الزائلة.

قوله تعالى: كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اَللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا .

أي: على هذا الوصف كنتم من ضعف الإيمان و ابتغاء عرض الحياة الدنيا قبل الإسلام و دخلتم فيه من غير أن تعلم مواطاة قلوبكم مع ألسنتكم، و قبل أن يثبت الإيمان في قلوبكم، فقد منّ اللّه عليكم بإعلان الإيمان و ثباته الصارف عن ابتغاء عرض الحياة الدنيا حتّى طلبتم ما عند اللّه من المغانم الكثيرة، فيجب عليكم أن تتبيّنوا و لا تتعجّلوا في الحكم، و افعلوا مع الداخلين في الإسلام ما فعله اللّه بكم.

و في تكرار الأمر بالتبيين لما فيه من الأهميّة و للتأكيد في الحكم.

قوله تعالى: إِنَّ اَللّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً .

توعيد على المخالفة، أي: أنّ اللّه لا يخفى عليه شيء، فيعلم جميع نواياكم و كلّ ما تعملونه فيجازيكم عليها.

ص: 148

بحوث المقام

بحث دلالي:
اشارة

تدلّ الآيات الشريفة على أمور: -

الأوّل:

يدلّ قوله تعالى: وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً على أنّ الإيمان جنّة واقية يحفظ بها دماء المؤمنين، و يستفاد من نفي الاقتضاء المستفاد من (ما) النافية المتضمّن للنهي التكليفي أيضا، أنّه لا يوجد في المؤمن بعد دخوله في حريم الإيمان و بعد أن حماه الإيمان اقتضاء للقتل أبدا، و أنّ المؤمن لا يقصد قتل مؤمن أصلا، فإذا تحقّق منه شيء من ذلك لكان قتلا خطأ؛ لعدم وجود قصد إليه، و يستفاد هذا من تكرار لفظ المؤمن أيضا.

الثاني:

يستفاد من تفصيل الحكم في قتل الخطأ - بين قتل المؤمن و هو من المؤمنين، فتكون فيه الديّة و الكفّارة، و قتله و هو بين الأعداء، فإنّ فيه الكفّارة فقط، و قتله و هو بين العاهدين ففيه الديّة و الكفّارة معا - أهميّة هذا الحكم، فإنّه لم يذكر في مورد الخطأ في الشريعة المقدّسة تفصيل بهذا المضمون، مع أنّ الحكم موضوع عن الفعل الخطأ، كما ورد عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «رفع عن أمّتي تسع - و عدّ منها - الخطأ و النسيان»، فيستفاد من ثبوت الحكم في مورد الخطأ في المقام و تفصيل الحكم فيه أهميّة الدماء في الإسلام، و أنّه لا يجوز إراقة الدماء المحترمة إلاّ إذا ورد من قبل الشارع الأقدس الإذن فيها صريحا.

الثالث:

يستفاد من ثبوت الديّة و الكفّارة في قتل المؤمن خطأ و هو بين قومه من الكفّار المعاهدين، أهميّة العهد و الميثاق، فلا بد أن يحفظ و لا يجوز نقضه.

الرابع:

يدلّ قوله تعالى: وَ دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ على أنّه لا بدّ من رفع ما يوجب التنازع و الخصام في هذا الموضوع القابل للجدال، بأن تكون الديّة حاضرة

ص: 149

مسلّمة إلى أهل المقتول بلا تأخير فيها؛ قطعا للنزاع و الخصام، إلاّ إذا اتّفق الطرفان على التأخير.

الخامس:

يستفاد من قوله تعالى: إِلاّ أَنْ يَصَّدَّقُوا أنّ العفو من الديّة في هذه الحالة الّتي تثور فيها الضغائن و يشتدّ فيها الغضب، من الصدقة الّتي أمر اللّه تعالى بها في مواضع متعدّدة من القرآن الكريم، و أنّ فيها الفضل الكبير عند اللّه تعالى.

السادس:

يستفاد من قوله تعالى: وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَ غَضِبَ اَللّهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً شدّة الحكم في القتل العمدي بما لم يكن في أي حرام آخر، فقد أوعد عزّ و جلّ على القاتل كذلك أربعة أنواع من العذاب، الخلود في جهنّم، و غضب اللّه تعالى عليه، و اللعن، و العذاب العظيم، كلّ ذلك لأهمّيّة الدماء في الإسلام و احترامها عند اللّه تعالى، و أنّ إزهاق الروح المحترمة في الشريعة كبيرة موبقة لا يعادلها شيء أبدا، و أنّ كلّ نفس في مقابل الدم المحترم قليل بالنسبة إليه، و لعلّ ما ورد عن الأئمة الهداة المعصومين عليهم السلام: «التقيّة في كلّ شيء فإذا بلغت الدم فلا تقيّة»، ناظر إلى ذلك.

السابع:

يستفاد من قوله تعالى: وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ اَلسَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً أهميّة السلام في الإسلام، فإنّه تحيّة تحقن الدم و تحفظ الذمام.

الثامن:

يستفاد من قوله تعالى: تَبْتَغُونَ عَرَضَ اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا أنّه ينبغي للمؤمن أن يكون غرضه من جهاده و كفاحه سبيل اللّه تعالى لا الدنيا الفانية الزائلة، فإنّ عند اللّه تعالى المغانم الكثيرة الدائمة الباقية.

التاسع:

يدلّ قوله تعالى: تَوْبَةً مِنَ اَللّهِ بعد سرد جملة من الأحكام الشرعيّة و الكفّارة و بدل الكفّارة - و هو صيام شهرين متتابعين - أنّ تلك الأحكام توبة من اللّه تعالى للمجتمع و عناية بهم و رحمة لهم، فإنّ جعل الكفّارة في القتل الخطأ توبة و عناية من اللّه تعالى للقاتل فيما لحقه من آثار القتل و درنه؛ ليكون سببا

ص: 150

في تحفّظه، فلا يعود إليه ثانيا، كما أن تحرير الرقبة الّتي هي عبء ثقيل على المجتمع، فإنّ المملوك عضو ميّت و إن كان بصورة الأحياء؛ لأنّه ليس له كمال الاختيار بالتصرّف بما شاء، فيكون تحريره بمنزلة إحيائه بدل ما فقدوا منهم واحد، كما أنّ صيام شهرين متتابعين بدل عتق الرقبة؛ لأنّ له الأهميّة الكبيرة في ترويض النفس و إرغامها على قبول الفضائل و ترك الرذائل، فهو من الأمور التربويّة الإصلاحيّة.

العاشر:

يشتمل قوله تعالى: يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اَللّهِ فَتَبَيَّنُوا وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ اَلسَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً على العظة و التوبيخ، و لا يدلّ على كون القتل في هذه الآية المباركة من القتل العمد، فإنّ الظاهر أنّ القاتل زعم كون المقتول كافرا و أراد خلاص نفسه بإلقاء السلام، فلم يثق بكونه مؤمنا، فتكون الآية الشريفة ردّا عليه، و توبّخه بأنّ المدار في الإسلام على الظاهر. و أمّا الباطن و الحقيقة، فلا يعلمهما إلاّ اللّه تعالى.

و بناء على هذا، يكون قوله تعالى: تَبْتَغُونَ عَرَضَ اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا نازلا على مقتضى الحال، أي: حالكم في قتل من يظهر الإسلام من دون اعتناء بشأنه حال المؤمن الّذي يجاهد في سبيل الغنيمة و جمع المال، فلا يكون قصده سبيل اللّه تعالى، فإنّ من سبيل اللّه هو الاعتناء بأحوال المؤمنين و الأخذ بظاهر الإسلام، لا ما كان عليه حال المؤمنين قبل الإسلام، فإنّه لم يكن قصدهم إلاّ ابتغاء عرض الحياة الدنيا إلى أن من اللّه تعالى عليهم بالإيمان و هداهم برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.

ثمّ إنّ المراد من سبيل اللّه الأعمّ من السير في الأرض - كما هو الظاهر من الآية المباركة - أو السير و السلوك إلى اللّه تعالى في طلب المعرفة و الهداية إلى الحقّ و الإيمان به، فيكون للسير و الضرب حينئذ الدرجات بالارتقاء بأن يصير الإيمان به إيقانا، و الإيقان عيانا، و العيان غيبا، و صار الغيب شهادة و الشهادة شهودا و الشهود شاهدا و الشاهد مشهودا، و بهما أقسم اللّه تعالى: وَ شاهِدٍ وَ مَشْهُودٍ [سورة البروج، الآية: 3]، و هذا مقام لا يناله إلاّ الأولياء و الأخصّ من الخواص،

ص: 151

فيكون المراد من التبيّن التثبيت و المراد من السلام الاستسلام و العطف، أي: و لا تنفّروا أحدا منكم و قولوا له كما أمر اللّه تعالى موسى و هارون: فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً [سورة طه، الآية: 44]، و هذا المقام يستحقّ المنّ منه تعالى، كما دلّت الآية المباركة.

الحادي عشر:

يمكن أن يستفاد من قوله تعالى: وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ اَلسَّلامَ أنّ إلقاء السلام و اعتزال القتال يكون إيذانا بعدم الحرب، و هو كاف في عدم قتله، كما علم من الآيات الكريمة السابقة من النهي عن قتل الّذين يعتزلون القتال و يكفّون أيديهم عنه.

و بعبارة اخرى: أنّ ذلك يكون كافيا في عدم انطباق عنوان الحربي عليه، فلا موجب لقتله، و يدلّ على ما ذكرنا عموم قوله تعالى: وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَ تَوَكَّلْ عَلَى اَللّهِ إِنَّهُ هُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْعَلِيمُ [سورة الأنفال، الآية: 61].

بحث روائي:

في تفسير علي بن إبراهيم في قوله تعالى: وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاّ خَطَأً : «لا عمدا و لا خطأ، و إلاّ في معنى لا، و ليست باستثناء».

أقول: تكون الآية الشريفة نظير قوله تعالى: لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ [سورة البقرة، الآية: 150]، أي: و لا الّذين ظلموا منهم، فيكون التشريك في اللفظ و المعنى.

و في المجمع عن أبي جعفر الباقر عليه السّلام: «نزلت في عياش ابن أبي ربيعة المخزومي أخي أبي جهل لأمّه، كان أسلم و قتل بعد إسلامه رجلا مسلما و هو يعلم بإسلامه، و كان المقتول الحارث بن يزيد أبو بنيشة العامري، قتله بالحرّة».

أقول: ذكروا في سبب نزول الآية المباركة أسبابا متعدّدة و جميع ذلك من

ص: 152

التطبيق و الجري، لا التعدد الواقعي؛ لأنّ الآية الكريمة بمنزلة قاعدة عامّة لا تختصّ بمورد خاصّ و لا بعصر معين.

و في الدرّ المنثور عن ابن جرير عن ابن زيد قال: «نزلت في رجل قتله أبو الدرداء، كانوا في سرية فعدل أبو الدرداء إلى شعب يريد حاجة له فوجد رجلا من القوم في غنم له فحمل عليه السيف، فقال: لا إله إلاّ اللّه، فضربه ثمّ جاء بغنمه إلى القوم، ثمّ وجد في نفسه شيئا فأتى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فذكر ذلك له، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: ألا شققت عن قلبه ؟! فقال: ما عسيت أجد، هل هو يا رسول اللّه إلاّ دم و ماء؟! فقال: قد أخبرك بلسانه فلم تصدّقه ؟! قال: كيف بي يا رسول اللّه ؟ قال: كيف بلا إله إلاّ اللّه! قال: فكيف بي يا رسول اللّه ؟ قال: كيف بلا إله إلا اللّه ؟! حتّى تمنّيت أن يكون ذلك مبتدأ إسلامي. قال: و نزل القرآن: وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاّ خَطَأً .

أقول: لا بدّ من حمل الرواية على وجه ينطبق مع الخطأ، و إلاّ فظاهرها أنّ الرجل قصد القتل بعد إعلان الشهادة.

و كيف كان، فعلى فرض صحّة الرواية فهي من باب التطبيق.

و في أسباب النزول للواحدي نزلت الآية في عياش بن أبي ربيعة، فقال:

«إنّه أسلم و خاف أن يظهر إسلامه فخرج هاربا إلى المدينة، فقدمها ثمّ أتى أطما من آطامها، فتحصّن فيه، فجزعت أمّه جزعا شديدا، و قالت: لا بنيها أبي جهل و الحارث بن هشام - و هما أخواه لأمّه -: و اللّه لا يظلّني سقف بيت، و لا أذوق طعاما و لا شرابا، حتّى تأتوني به، فخرجا في طلبه و خرج معهم الحارث بن زيد بن أبي أنيسة حتّى أتوا المدينة، فأتوا عياشا في الاطم فقالا له: أنزل فإنّ أمّك لم يؤوها سقف بيت بعدك، و قد حلفت أن لا تأكل طعاما و لا شرابا حتّى ترجع إليها، و لك اللّه علينا أن لا نكرهك على شيء و لا نحول بينك و بين دينك، فلما ذكرا له جزع أمّه و أوثقا له نزل إليهم، فأخرجوه من المدينة و أوثقوه بنسع، و جلده كلّ

ص: 153

واحد منهم مائة جلدة، ثمّ قدموا به على أمّه. فقالت: و اللّه، لا أحلك من وثاقك حتّى تكفر بالذي آمنت به، ثمّ تركوه موثقا في النفس و أعطاهم بعض الّذي أرادوا، فأتاه الحارث بن زيد و قال: يا عياش، و اللّه إن كان الّذي كنت عليه هدى لقد تركت الهدى، و إن كان ضلالة لقد كنت عليها، فغضب عياش من مقالته و قال:

و اللّه، لا ألقاك خاليا إلاّ قتلتك، ثمّ إنّ عياشا أسلم بعد ذلك و هاجر إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بالمدينة، ثمّ إنّ الحارث بن زيد أسلم و هاجر بعد ذلك إلى رسول اللّه بالمدينة و ليس عياش يومئذ حاضرا و لم يشعر بإسلامه، فبينا هو يسير بظهر قباء إذ لقى الحارث بن زيد، فلما رآه حمل عليه فقتله، فقال الناس: أي شيء صنعت ؟! إنّه قد أسلم، فرجع عياش الى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقال: يا رسول اللّه كان من أمري و أمر الحارث ما قد علمت، و إنّي لم أشعر بإسلامه حين قتلته، فنزل عليه جبرئيل عليه السّلام بقوله تعالى: وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاّ خَطَأً .

أقول: الاطم (بالضم) بناء مرتفع، و في الحديث: «إنّ بلال كان يؤذّن على أطم»، و آطام المدينة أبنيتها المرتفعة كالحصون و الجبال. و الظاهر أنّ عياشا لم يسلم مرّتين، و ما أعطاهم من كفره لم يكن عن عقيدة و إنّما كان لدفع الظلم عن نفسه، و ذلك لا يضرّ بإسلامه الّذي كان عن عقيدة.

و كيف كان، فالرواية من باب التطبيق كما مرّ.

و في التهذيب بإسناده عن الحسين بن سعيد عن رجاله عن الصادق عليه السّلام قال: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: كلّ العتق يجوز له المولود إلاّ في كفّارة القتل، فإنّ اللّه تعالى يقول: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ، يعني بذلك مقرة قد بلغت الحنث».

أقول: المراد من الرواية الرقبة الّتي ولدت من غير مسلم، فلا بد فيها من البلوغ و الإيمان حتّى يطلق عليها «مؤمنة»، فلا يجزى الصبي، و أمّا الرقبة المولودة بين المؤمنين أو بين مؤمن و كافر، فلا خلاف أنّه يحكم بالإيمان و إن كان صبيا، و على ذلك يحمل قول العبد الصالح عليه السّلام: «تعرف المؤمنة على الفطرة»، فلا تنافي بين

ص: 154

الروايتين. و يدلّ على ما ذكرناه ما عن ابن عباس: «يعني بالمؤمنة من قد عقل الإيمان و صام و صلّى، و كلّ رقبة في القرآن لم تسم مؤمنة، فإنّه يجوز المولود فما فوقه ممّن ليس به زمانه».

و في سنن البيهقي: «أنّ رجلا أتى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بجارية سوداء. فقال: يا رسول اللّه، إنّ عليّ عتق رقبة مؤمنة. فقال لها: أين اللّه ؟ فأشارت إلى السماء بإصبعها. فقال لها:

من أنا؟ فأشارت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و الى السماء، أي: أنت رسول اللّه. فقال: أعتقها، فإنّها مؤمنة».

أقول: هذا القدر يكفي في الحكم بالإسلام، فإنّ المناط إظهار الشهادتين بما هو مقدور، بل أنّ الكافر إذا عرض عليه الإسلام و اقتصر على قوله: «اني مسلم» و كان جامعا للشرائط، يؤخذ بإقراره ما لم تكن قرينة مانعة، أو يدلّ دليل على الخلاف.

و في الكافي بإسناده عن الحلبيّ عن الصادق عليه السّلام: «العمد كلّ ما اعتمد شيئا فأصابه بحديدة أو بحجر أو بعصى أو بوكزة، فهذا كلّه عمد. و الخطأ من اعتمد شيئا و أصاب غيره».

أقول: ذكرنا في (مهذب الأحكام) الفرق بين العمد و الخطأ و شبه العمد، و أنّ الرواية موافقة للقاعدة. كما تقدّم فيه مقدار الديّة و أصنافها، فلا وجه لسرد الروايات الواردة في المقام هنا.

و في التهذيب بإسناده عن الصادق عليه السّلام: «في رجل مسلم كان في أرض الشرك فقتله المسلمون، ثمّ علم به الإمام بعده، فقال: يعتق مكانه رقبة مؤمنة، فذلك قول اللّه عزّ و جلّ : فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ».

أقول: لا بدّ من تقييد الرواية بأنّ قاتله لم يعلم بكونه مسلما، و هي تعطي

ص: 155

للإنسان أهميّة و تغلّب جانب الحرية بإعطاء الإنسان قيمته و حياته بدلا عن الضرر الواقع في حياة الأفراد.

في الكافي بإسناده عن محمد بن سليمان عن أبيه قال: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام:

ما تقول في الرجل يصوم شعبان و شهر رمضان ؟ قال: هما الشهران اللذان قال اللّه تبارك و تعالى: شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اَللّهِ ، قلت: فلا يفصل بينهما؟ قال: إذا أفطر من الليل فهو فصل، و إنّما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: لا وصال في صيام، يعني لا يصوم الرجل يومين متواليين من غير إفطار، و قد يستحبّ للعبد السحور».

أقول: تمسّك الإمام عليه السّلام بالآية الشريفة؛ لبيان أنّ شهري شعبان و رمضان متتابعان، و هما من أفضل الشهور و فضّل الصيام فيهما، و ليس في مقام تحديد كفّارة القتل.

و في الكافي بإسناده عن الصادق عليه السّلام: «إن كان على رجل صيام شهرين متتابعين فأفطر أو مرض في الشهر الأوّل، فإنّ عليه أنّ يعيد الصيام، و إن صام الشهر الأوّل و صام من الشهر الثاني شيئا ثمّ عرض له ما له عذر، فعليه أن يقضي».

أقول: لا بدّ من حمل الرواية على الإفطار العمدي و المرض الّذي لا يضرّه الصوم، فحينئذ لا بدّ من الاستيناف، و أمّا لو كان الإفطار - في الصوم الّذي يشترط فيه التتابع - لعذر من الأعذار - كالحيض و النفاس و المرض الّذي لا يضرّه الصوم و السفر الاضطراري دون الاختياري - لم يجب استينافه، بل يبني على ما مضى؛ لقاعدة فقهيّة، و هي: «ليس على ما غلب اللّه عزّ و جلّ على العبد شيء»؛ و لنصوص كثيرة ذكرناها في المجلد العاشر من (مهذب الأحكام).

نعم، لو أفطر في أثنائه لا لعذر وجب الاستيناف. و يكفي في حصول التتابع فيهما صوم الشهر الأوّل و يوم من الشهر الثاني، كما ذكرنا في كتاب الصوم.

ص: 156

و في الكافي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما، و قال: لا يوفق قاتل المؤمن متعمّدا التوبة».

أقول: الفسحة بالضمّ بمعنى السعة أو عدم الضيق، و المراد من الحديث: لا يزال المؤمن في سعة من دينه يرجى له الرحمة و يوفّق للخيرات و لو باشر الكبائر ما لم يتعمّد قتل مؤمن، فإذا قتل بعد عن رحمته و لم يوفّق للخيرات، و هو في مقام التغليظ الشديد للقتل، و ذيل الحديث محمول على الغالب و الأكثر.

و في الكافي أيضا بإسناده عن ابن سنان عن الصادق عليه السّلام قال: «قاتل المؤمن متعمّدا له توبة ؟ قال: إن كان قتله لإيمانه فلا توبة له، و إن كان قتله لغضب أو لسبب شيء من أمر الدنيا، فإنّ توبته أن يقاد منه. و إن لم يكن علم به أحد انطلق الى أولياء المقتول فأقرّ عندهم بقتل صاحبهم، فإن عفوا عنه فلم يقتلوه أعطاهم الديّة و أعتق نسمة و صام شهرين متتابعين و أطعم ستين مسكينا، توبة إلى اللّه».

أقول: صدر الرواية محمول على ما إذا قتل المؤمن لأجل دينه و إيمانه و لم يندم و لم يؤد الديّة لأولياء المقتول مع رضائهم بها، و إلاّ فتقبل توبته بعد تحقّق شرائطها، كما تقدّم في بحث التوبة فراجع.

و عن علي بن جعفر عن أخيه عليهما السّلام قال: «سألته عن رجل قتل مملوكه ؟ قال: عليه عتق رقبة و صوم شهرين متتابعين و إطعام ستين مسكينا، ثمّ يكون التوبة بعد ذلك».

أقول: لا فرق في الكفّارة في القتل بين كون المقتول حرّا أو عبدا، صغيرا أو كبيرا، كما ذكر في كتابنا (مهذب الأحكام).

و في تفسير العياشي عن الصادق عليه السّلام في قول اللّه عزّ و جلّ : وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ قال: «جزاؤه جهنّم إن جازاه».

أقول: معنى ذيل الحديث إن شاء عذّبه، و إن شاء عفى عنه.

و أخرج البيهقي عن شهر بن حوشب: «انّ أعرابيا أتى أبا ذر فقال: إنّه قتل

ص: 157

حاج بيت اللّه ظلما، فهل له من مخرج ؟ فقال له أبو ذر: و يحك! أحي والدك ؟ قال:

لا، قال: فأحدهما، قال: لا، قال: لو كان حيين أو أحدهما لرجوت ذلك لك، و ما أجد لك مخرجا إلاّ في إحدى ثلاث، قال: ما هن ؟ قال: هل تستطيع أن تحييه كما قتلته ؟ قال: لا و اللّه! قال: فهل تستطيع أن لا تموت ؟ قال: لا و اللّه ما من الموت بد، فما الثالثة ؟ قال: هل تستطيع أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء؟ فقام الرجل و له صراخ، فلقيه أبو هريرة فسأله فقال: ويحك حيّان والداك ؟ قال: لا، قال: لو كانا حيين أو أحدهما لرجوت لك، و لكن اغز في سبيل اللّه و تعرّض للشهادة فعسى».

أقول: يستفاد من هذه القضية مقدار شأن الوالدين عنده تعالى - كما ذكره أبو ذر - و تشديد القتل بغير الحقّ ، و لا بد من حملها على عدم تحقّق التوبة مع شرائطها و أداء الديّة، و إلاّ فيسقط عنه الذنب إذا ندم و أدّى ما عليه من الحقوق، كما تقدّم.

و في المجمع في قوله تعالى: وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَ غَضِبَ اَللّهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً . قال: «نزلت في مقيس بن صبابة الكناني وجد أخاه هشاما قتيلا في بني النجار فذكر ذلك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فأرسل معه قيس بن هلال الفهري، و قال له: قل لبني النجار: إن علمتم قاتل هشام فادفعوه إلى أخيه ليقتصّ منه، و إن لم تعلموا فادفعوا إليه ديته، فبلّغ الفهري الرسالة فأعطوه الديّة، فلما انصرف و معه الفهري وسوس إليه الشيطان فقال: ما صنعت شيئا، أخذت دية أخيك فيكون سبّة (عار) عليك، اقتل الّذي معك لتكون نفس بنفس، و الديّة فضل، فرماه بصخرة فقتله و ركب بعيرا و رجع إلى مكّة كافرا، و انشد يقول:

قتلت به فهرا و حمّلت عقله *** سراة بني النجار أرباب قارع

فأدركت ثأري و اضطجعت موسد و كنت إلى الأوثان أوّل راجع

ص: 158

فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: لا اؤمنه في حلّ و لا حرم، فقتل يوم الفتح».

أقول: رواه في الدرّ المنثور و غيره من المفسّرين عن ابن عباس و سعيد بن جبير و غيرهما. و العقل الديّة. و السراة جمع السرى الأشراف و الأكابر من القوم، و قارع علم لحصن. و الرواية و إن لم تستند إلى معصوم و لكنّها من باب التطبيق.

و في تفسير القمّي في قوله تعالى: يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اَللّهِ فَتَبَيَّنُوا وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ اَلسَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً أنّها: «نزلت لما رجع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من غزوة خيبر و بعث أسامة بن زيد في خيل إلى بعض قرى اليهود في ناحية فدك ليدعوهم إلى الإسلام، كان رجل يقال له مرداس بن نهبك الفدكي في بعض القرى، فلما أحسّ بخيل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله جمع أهله و ماله في ناحية الجبل فأقبل يقول: أشهد أن لا إله إلاّ اللّه و أنّ محمدا رسول اللّه، فمرّ به أسامة بن زيد فطعنه فقتله، فلما رجع إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أخبره بذلك، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

قتلت رجلا شهد أن لا إله إلاّ اللّه و أنّي رسول اللّه ؟! فقال: يا رسول اللّه إنّما قالها تعوّذا من القتل. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: هلا كشفت الغطاء عن قلبه، و لا ما قال بلسانه قبلت، و لا ما كان في نفسه علمت، فحلف أسامة بعد ذلك أن لا يقتل أحدا شهد أن لا إله إلاّ اللّه و أنّ محمدا رسول اللّه، فتخلّف عن أمير المؤمنين عليه السّلام في حروبه، فأنزل في ذلك الآية».

أقول: روي قريبا من هذا المعنى المحدّثون من المفسّرين، و إن اختلفوا في استناد القصة، فأسندوها تارة لمقداد بن سويد كما ذكره السيوطي في الدرّ المنثور.

و أخرى لمحلم بن جثامة كما عن البيهقي. و ثالثة لمرداس و غيرهم.

و كيف كان، فإنّ جميعها من باب التطبيق لا التخصيص؛ لما تقدّم في التفسير من أنّ الحكم المذكور فيها أمر عقلي، و أنّ للدماء صيانة عقليّة فطريّة، إلاّ ما أهدرها الشارع الّذي هو خالق العقل و جاعل الفطرة.

ثمّ إنّ هناك روايات ذكرها السيوطي في الدرّ المنثور: «انّ القاتل المذكور

ص: 159

مات فدفنوه فلم تقبله الأرض و أصبح على وجهها ثلاث مرّات، فلما رأوا ذلك استحيوا و خزوا ممّا لقي، فحملوه و اتقوه في شعب من تلك الشعاب».

أقول: تلقي أمثال هذه الروايات بالقبول مشكل جدا، و لعلّ الوجه في ذلك أنّه للعبرة و العظة، و إلاّ فإنّ الأرض تستر من هو شرّ منه و أخبث، و اللّه العالم بحقائق الأشياء.

بحث فقهي:

يستفاد من الآيات المباركة الأحكام التالية:

الأوّل: أنّ القتل ينقسم إلى أقسام: فتارة القتل العمدي، و يدلّ عليه قوله تعالى: وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ ، و حكمه القود كما يستفاد من سياق الآية المباركة و من قوله تعالى: وَ لَكُمْ فِي اَلْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي اَلْأَلْبابِ [سورة البقرة، الآية: 179]. و يتحقّق العمد بقصد القتل بما يقتل غالبا، كما تدلّ عليه جملة من الأخبار.

و اخرى: القتل الخطائي، و هو الخالي عن القصد إلى القتل، و يدلّ عليه قوله تعالى: وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاّ خَطَأً ، و حكمه ثبوت الديّة على العاقلة و الكفّارة، ففي صحيح الحلبي عن الصادق عليه السّلام: «انّ العمد كلّ من اعتمد شيئا فأصابه بحديدة أو حجر أو بعصا أو بوكزة، فهذا كلّه عمد. و الخطأ من اعتمد شيئا فأصاب غيره»، و غيره من الروايات، كما ذكرنا في الفقه.

و ثالثة: الخطأ الشبيه بالعمد، و هو أن يقصد الفعل دون القتل، و تدلّ عليه جملة من الأخبار، منها رواية العلاء بن الفضيل عن الصادق عليه السّلام قال: «الخطأ الّذي يشبه العمد الّذي يضرب بالحجر أو بالعصا الضربة أو الضربتين، لا يريد قتله»، و حكمه الديّة، و يدخل في هذا القسم علاج الأطباء المرضى فيتّفق الموت.

ص: 160

ثمّ إنّه يلحق بالخطإ المحض من ألقى الشارع قصده كفعل الصبي أو المجنون، و كذا يكون منه ما يصدر من النائم كالضرّة إذا انقلبت على غيرها فمات، على تفصيل مذكور في كتب الفقه.

الثاني: مقتضى الآيات الشريفة أنّه لا يجوز في الموارد الّتي ثبتت الديّة القصاص، و كذا العكس إلاّ إذا رضي الطرفان بذلك، فيشمله الأصل و الإطلاق و العموم.

نعم، لو لم يمكن القصاص في مورد، تثبت الديّة لا محالة؛ لقاعدة: «عدم ذهاب الجناية هدرا في الشرع».

الثالث: صريح قوله تعالى: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ اعتبار الإيمان في الرقبة، و المراد بالإيمان مطلق الإسلام، أي الإقرار بالشهادتين، فلا يشترط الإيمان بالمعنى الخاص و يكفي الطفل المتولّد من المسلم؛ للإطلاق، كما تقدّم في الفقه.

الرابع: لزوم الكفّارة و الديّة في قتل الخطأ، و أنّ الكفّارة مترتّبة، و هي تحرير رقبة مؤمنة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، كما هو مقتضى (ما) و الشرط الدالان على التعقيب، و الشهر أعمّ من الهلالي و العددي، كما أنّ التتابع هو اتّصال أحدهما بالآخر، و هو يحصل بصيام الشهر الأوّل و اتّصاله بالثاني و لو بيوم واحد؛ لأنّ المأمور به التابع بين الشهرين، لا بين جميع أيّامهما، و مع عدم القدرة على الصيام فإطعام ستين مسكينا.

الخامس: الديّة في القتل العمدي من مال القاتل نفسه، و كذا دية القتل في شبه العمد، و أمّا دية القتل في الخطأ المحض فهي على العاقلة، و يدلّ على هذا التفصيل الأخبار الكثيرة الواردة عن الأئمة الهداة عليهم السّلام، كما ذكرناها في كتاب (مهذب الأحكام).

السادس: المقتول خطأ إن كان من قوم أهل الحرب و هو مؤمن، فإنّه تجب الكفّارة فقط لأجل إيمانه، و لا دية على قتله، و إن كان من قوم معاهدين - سواء كانوا من أهل الكتاب أم غيرهم - لهم عهد فتجب الكفّارة و الديّة، كما لو قتل في

ص: 161

دار الإسلام، و تكون ديته لورثته المسلمين خاصّة إن وجدوا، و إلاّ فهي للإمام عليه السّلام، و على ذلك دلّت جملة من الروايات و قام الإجماع، فتكون هذه الآية المباركة تخصيصا لأدلّة الديّة.

السابع: يستفاد من الآية المباركة أنّ الديّة لا بدّ و أن تؤدّى إلى ورثة المقتول، يقتسمونها كسائر تركة الميت بعد قضاء الدين و تنفيذ الوصية منها، كما فصّل في الفقه، و لو لم يكن للميت وارث تكون الديّة للإمام عليه السّلام؛ لأنّه وارث من لا وراث له.

الثامن: يستفاد من الآيات الكريمة أنّ الديّة حقّ الورثة، فيملكون إسقاطها بالعفو؛ و لذا حثّ سبحانه و تعالى على العفو عنها، و سمّي العفو صدقة؛ تنبيها على فضله، و أنّه «كلّ معروف صدقة»، بخلاف الكفّارة في التحرير و الصوم، فإنّها حقّ اللّه تعالى، فلا تسقط بعفو الأولياء بالصدقة و إسقاطهم لها.

بحث عرفاني:

من أجلّ الصفات الإنسانيّة و أسماها الإيمان باللّه جلّت عظمته، و هو انقياد النفس و خضوعها له تعالى بالالتزام بالشريعة و العمل بتكاليفه، و للإيمان آثار أهمّها الزجر و الجذب.

أمّا الزجر: فهو الانتهاء عمّا يدعو إليه الشيطان من الأعمال القبيحة و العقائد الفاسدة و الأخلاق الرذيلة، الّتي تصدّ الإيمان و تعوق عن رقي المؤمن بالتقرّب إليه تعالى، كالرياء و العجب و البخل و غيرها، و كذا الأعمال الّتي فيها الفساد - اجتماعيّا كان أو شخصيّا - كهتك الأعراض و سلب الأموال و إراقة الدماء من غير مبرر شرعي، و كذا الأخلاق الرذيلة كالكبر، و الأنانيّة و غيرهما. فإنّ المرحلة الأولى من توجّه النفس و تربيتها تتوقّف على ترك تلك الأعمال القبيحة، و طرد تلك العقائد الفاسدة و البعد عن الأخلاق الرذيلة.

ص: 162

و لذلك عبّر القرآن الكريم في القتل: وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاّ خَطَأً ؛ لأنّ الإيمان به تعالى بنفسه زاجر عن القتل العمدي، فلا يليق بحال المؤمن أن يقتل مؤمنا، و إذا عرض له قتل المؤمن من باب الاتّفاق - أي الخطأ - لأنّ الإنسان مجبول على أن يكون محلا لأن يعرض له الخطأ يتداركه بالكفّارة الّتي هي نوع من العقوبة لما حصل له من التقصير بترك الاحتياط الّذي صار سببا لفقد حياة فرد من أفراد المجتمع، فيكون بذل المال بالتحرير نوعا من تربية النفس و توجّهها إليه تعالى، فإن لم يجد ذلك و لا يمكنه نيل هذه المرتبة من التزكية، فلا أقل من ترك الدنيا و التوجّه إليه جلّ شأنه بالصوم ليذوق وبال خطيئته، قال تعالى:

فَلاَ اِقْتَحَمَ اَلْعَقَبَةَ * وَ ما أَدْراكَ مَا اَلْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ [سورة البلد، الآية: 14]، و لذا قال علماء السير و السلوك: إنّ أوّل قدم السالك أن يخرج من الدنيا ما فيها، و ثانية أن يخرج من النفس و صفاتها.

و أمّا الجذب: فهو القابلية للنيل إلى المقامات الّتي تحصل بها العبوديّة المحضة و منتهى التقرّب إليه جلّت عظمته، بل الفناء في سبيله الّذي يتحقّق بالخلع عمّا سواه تعالى. و لهما مراتب كثيرة جدا، و لكلّ مرتبة منها درجات حتّى تحصل المثليّة، كما في بعض الروايات الواردة في النوافل، و الغور في البحث مستلزم الخروج عن الموضوع، و لم أر من يليق بذلك في زماننا هذا.

و بهما يتمّ الإيمان، و في إحداهما - أي الزجر - دون الآخر لا يتحقّق الإيمان و إن اتّصف ذلك بالحسن، فإن ترك القتل حياء أو لأجل القوانين الوضعيّة في حدّ نفسه حسن، و لكن لا يترتّب عليه الأثر المترتّب على الإيمان، و كذا البعد عن الصفات الذميمة أو التخلّق بالأخلاق الحسنة لو حصلا من الكافر، فإنّه في حدّ نفسه متّصف بالحسن، و قد يترتّب عليه الأثر الوضعيّة المترتّبة على ذلك، و لكن الأثر الخاص المنبعث من الإيمان باللّه تعالى لا يترتّب عليه، كما تقدّم في أحد مباحثنا السابقة.

ص: 163

لا يَسْتَوِي اَلْقاعِدُونَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي اَلضَّرَرِ وَ اَلْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اَللّهِ بِأَمْوالِهِمْ .......

اشارة

لا يَسْتَوِي اَلْقاعِدُونَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي اَلضَّرَرِ وَ اَلْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اَللّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اَللّهُ اَلْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ عَلَى اَلْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَ كُلاًّ وَعَدَ اَللّهُ اَلْحُسْنى وَ فَضَّلَ اَللّهُ اَلْمُجاهِدِينَ عَلَى اَلْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً (95) دَرَجاتٍ مِنْهُ وَ مَغْفِرَةً وَ رَحْمَةً وَ كانَ اَللّهُ غَفُوراً رَحِيماً (96) إِنَّ اَلَّذِينَ تَوَفّاهُمُ اَلْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي اَلْأَرْضِ قالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اَللّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَ ساءَتْ مَصِيراً (97) إِلاَّ اَلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ اَلرِّجالِ وَ اَلنِّساءِ وَ اَلْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَ لا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (98) فَأُولئِكَ عَسَى اَللّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَ كانَ اَللّهُ عَفُوًّا غَفُوراً (99) وَ مَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اَللّهِ يَجِدْ فِي اَلْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَ سَعَةً وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اَللّهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ اَلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اَللّهِ وَ كانَ اَللّهُ غَفُوراً رَحِيماً (100) الآيات الشريفة بأسلوبها البليغ و مضمونها الرفيع ترغّب المؤمنين إلى الجهاد و تحثّهم عليه، و تأمرهم بالهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام.

كما تبيّن علو درجات المجاهدين على القاعدين عن الجهاد، و الراضين بالقرار في أرض الشرك دون الهجرة إلى دار الإسلام مع القدرة عليها. و سمّاهم القرآن الكريم ب «الظالمين» لأنّهم رضوا بالظلم، و استثنى المستضعفين الّذين لا حيلة لهم واقعا فعجزوا عن الهجرة.

و يستمر سياق الآيات المباركة في التشجيع على الهجرة من دار الكفر إلى

ص: 164

دار الإسلام، و عدم الرضا بالظلم و ببعث الطمأنينة في قلوبهم إذا خافوا الفقر، فإنّ اللّه تبارك و تعالى يبسط الرزق عليهم و يجزل العطاء لهم و يغفر لهم خطاياهم، فكانت الآيات الكريمة تتحدّث في موضوع واحد، و هو موضوع القتال و الجهاد في سبيل اللّه تعالى، و إنّما أضاف عزّ و جلّ على ذلك الهجرة من دار الكفر الى دار الإسلام؛ لأنّ ذلك نوع خاص من الجهاد أيضا.

التفسير

قوله تعالى: لا يَسْتَوِي اَلْقاعِدُونَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي اَلضَّرَرِ .

حثّ على الجهاد بأسلوب بليغ، و تحريض عليه بعبارات فصيحة ليأنف المؤمنون عن تركه و يرغبوا في ما يترتب عليه من الأجر الكبير و الهدف السامي العظيم، فإنّ في الجهاد في سبيل اللّه تعالى إقامة الدين و نشر العدل، و بسط الحقّ ، و تطهير الأرض من الظلم و الفساد، و لأجل ذلك لا يستوي القاعدون من المؤمنين - الّذين ليس فيهم عذر و مانع عن القتال و الجهاد - و المجاهدون في سبيل اللّه تعالى؛ لعلو درجة الجهاد في سبيل اللّه عزّ و جلّ و شرفه و بعد منزلته، فإنّ فيه الهداية إلى اللّه الّتي هي أشرف الغايات و أنبل الأهداف، فلا يحدّه شيء و لا يصل إلى درجته أمر.

و هذه القضية فطريّة كشف عنها القرآن الكريم بعد أن طمستها الذنوب و الآثام و دياجير الظلم و المادّة، كما هو الشأن في كثير من القضايا الفطريّة. و قد كان من شأن الأنبياء عليهم السّلام تذكير الإنسان المادّي بمنسي الفطرة لينهض عن سباته و نومه و يرجع إلى رشده.

ص: 165

و المراد بالضرر في المقام الموانع الّتي تمنع المؤمن من القتال، كالعمى و العرج و المرض و غير ذلك ممّا ورد في قوله تعالى: لَيْسَ عَلَى اَلْأَعْمى حَرَجٌ وَ لا عَلَى اَلْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَ لا عَلَى اَلْمَرِيضِ حَرَجٌ * [سورة الفتح، الآية: 17]، و قد شرحتها لسنّة الشريفة أيضا.

قوله تعالى: وَ اَلْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اَللّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ .

أي: لا يكون القاعدون مساوين للمجاهدين في سبيل اللّه تعالى، الّذين يبذلون أموالهم و ينفقونها في سبيله تعالى للاستعداد بالجهاد و ما يوهن كيد الأعداء و الظفر بهم، و يبذلون أنفسهم للقتال و حملاتها للكفاح عند لقاء اللّه عزّ و جلّ .

و إنّما أخّر سبحانه و تعالى المجاهدين في الذكر؛ إيذانا بأنّ القصور في عدم الاستواء إنّما هو من جهة القاعدين، لا من جهة المجاهدين؛ و للتصريح بتفضيلهم على القاعدين.

و إنّما قدّم عزّ و جلّ ذكر الأموال على الأنفس و عكس في قوله تعالى: إِنَّ اَللّهَ اِشْتَرى مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ اَلْجَنَّةَ [سورة التوبة، الآية: 111] و غيره كما مرّ؛ لأنّ النفس أشرف من المال، فقدّم المشتري النفس للتنبيه على أنّ الرغبة فيها أشدّ و أكثر. و أخّر في المقام؛ لأنّ في البيع تكون المماكسة فيها أشدّ، فلا يرضى ببيعها إلاّ مع فائدة جليلة.

قوله تعالى: فَضَّلَ اَللّهُ اَلْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ عَلَى اَلْقاعِدِينَ دَرَجَةً .

بيان لجهة عدم الاستواء بين المجاهدين و القاعدين غير أولي الضرر، و هي أنّ اللّه تعالى رفع المجاهدين درجة لا يعرف كنهها و لا قدرها، فالمجاهدون لهم الفضل على القاعدين.

و تنوين الدرجة للتفخيم، و نصبها على المصدرية لتضمّنها معنى التفضيل و وقوعها موقع المرّة، مثل أن يقال: فضّلهم تفضيلا.

ص: 166

قوله تعالى: وَ كُلاًّ وَعَدَ اَللّهُ اَلْحُسْنى .

أي: أنّ كلا الفريقين وعدهم اللّه تعالى المثوبة الحسنى و هي الجنّة؛ لإيمانهم و حسن عقيدتهم و خلوص نيّتهم، و إن اختلفا في الفضيلة و الدرجة، فإنّه لا يساوي القاعدون المجاهدين أبدا، كما تدلّ عليه الآية الشريفة التالية.

و من ذلك يعرف أنّه لا وجه لحمل القاعدين في هذه الآية الكريمة على التاركين للخروج إلى القتال عند ما لا حاجة الى الخروج، لخروج غيرهم على حدّ الكفاية، فإنّه خلاف ظاهر الآية الشريفة، بل تدلّ على الوعد الجميل للمؤمنين جميعهم، القاعدين و المجاهدين؛ لئلاّ تحصل لهم حالة الإحباط و الكسل، و المقام يستدعي إيقاظ الهمم و التحريض على القيام بأمر الجهاد و المسارعة إليه و التسابق فيه، و لا ينافي تقديم إحدى الطائفتين على الاخرى.

قوله تعالى: وَ فَضَّلَ اَللّهُ اَلْمُجاهِدِينَ عَلَى اَلْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً .

تحريض آخر، و فيه التأكيد و بيان لقوله تعالى: دَرَجَةً ، و إنّما ترك عزّ و جلّ القيود الّتي ذكرها في ما تقدّم لإغناء حرف التعريف في «المجاهدين» عنها.

أي: فضّل اللّه تعالى المجاهدين بأموالهم و أنفسهم على القاعدين من غير أولي الضرر أجرا عظيما.

و في الآية الشريفة تأكيد آخر إلى الجهاد في سبيل اللّه تعالى، بعد وعد اللّه عزّ و جلّ الكلّ المثوبة و الجزاء الحسن. و فيها الإشارة إلى عدم الاكتفاء بالوعد الحسن الّذي وعد اللّه المؤمنين به، فإنّ للوعد منازل و درجات، و يتفاوت المؤمنون فيها، و لا يمكن أن ينال تلك المنازل و الدرجات العالية المتفاوتة إلاّ بالجهاد الّذي به تقام أركان الدين و الشريعة و يزهق الباطل، فللمجاهدين الفضل العظيم، و التقرّب الخاص، و المنزلة الرفيعة، فلا يستهان بهم لبذلهم أموالهم و أنفسهم في سبيله و إعلاء كلمة اللّه تعالى، فلا ينبغي التكاسل في نيل تلك المقامات السامية، و لا التهاون بالبعد عن الوصول إلى تلك الدرجات العظيمة، فإنّ الإيمان الكامل لا

ص: 167

يتحقّق إلاّ بالجهاد - الأكبر منه أو الأصغر - لأنّ شرف النيل إلى جنّة المعارف أو جنّة الزخارف، لا يحصل إلاّ به.

قوله تعالى: دَرَجاتٍ مِنْهُ وَ مَغْفِرَةً وَ رَحْمَةً .

تفصيل بعد إجمال، و بيان للأجر العظيم الّذي فضّل اللّه تعالى المجاهدين به على القاعدين، أي: أعطى اللّه تعالى المجاهدين أجرا عظيما، و مفضّلا إيّاهم على القاعدين بدرجة عظيمة. و هذه الدرجة متفاوتة لها مراتب، فليست هي منزلة واحدة و درجة فريدة، بل منازل و درجات كثيرة، هي مركبة من المغفرة و الرحمة، فإنّ كلّ ما يفاض على العبد في الدنيا و الآخرة هو من مظاهر رحمته الواسعة، و لا يمكن النيل به أبدا إلاّ بإزالة الموانع و الحجب، و هي لا تحصل إلاّ بالمغفرة، كما أنّ تلك المنازل المتفاوتة هي رحمة إلهيّة، و هذا هو السبب في اقتران المغفرة مع الرحمة في مواضع متعدّدة من القرآن الكريم، قال تعالى: مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ عَظِيمٌ * [سورة المائدة، الآية: 9]، و قال تعالى: وَ اِغْفِرْ لَنا وَ اِرْحَمْنا [سورة البقرة، الآية: 286]، و قال تعالى: وَ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ [سورة الأنفال، الآية: 4]، و قال تعالى:

وَ مَغْفِرَةٌ مِنَ اَللّهِ وَ رِضْوانٌ [سورة الحديد، الآية: 20].

و اختلاف هذه الآيات الشريفة في الإبهام و التفسير، و الإجمال و البيان فيه من اللطف ما لا يخفى، و هو من أحد وجوه البلاغة، فإنّه عزّ و جلّ قيّد المجاهدين في الآية الأولى بقوله تعالى: فِي سَبِيلِ اَللّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ ، كما قيّد عزّ و جلّ في الآية التالية بها أيضا، بينما أطلق عزّ و جلّ المجاهدين في الموضع الثالث و لم يقيّده بشيء، و مع ذلك فقد ذكر عزّ و جلّ عدم استواء القاعدين مع المجاهدين، و ذكر أنّ التفضيل إنّما هو درجة، ثمّ ذكر أخيرا أنّها درجات منه و مغفرة و رحمة.

و الوجه في ذلك أنّ الكلام في الآية الأولى مسوق لبيان فضل الجهاد على القعود، و بيّن عزّ و جلّ أنّ الفضل للجهاد إذا كان في سبيل اللّه تعالى و بذل أعزّ الأشياء عند الإنسان و هو المال، و ببذل ما هو أشرف و أعزّ من الأوّل و هو النفس

ص: 168

و الروح؛ و لأجل ذلك ذكر عزّ و جلّ بما يرفع اللبس و الإبهام، فقال تعالى:

وَ اَلْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اَللّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ ، ثمّ ذكر عزّ و جلّ : وَ كُلاًّ وَعَدَ اَللّهُ اَلْحُسْنى ؛ لمسيس الحاجة إلى ذكره، و لما انتفت لم يذكر القيود في قوله تعالى:

وَ فَضَّلَ اَللّهُ اَلْمُجاهِدِينَ عَلَى اَلْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً ، و اكتفى بالتعريف في المجاهدين، و إنّه بمنزلة ذكر تلك القيود.

و أمّا ما ذكره عزّ و جلّ في الآية الأولى من إطلاق الدرجة، فهو يدلّ على أنّ التفضيل من حيث الدرجة و المنزلة و هي مبهمة، و هي على إبهامها فيه تفخيم تلك الدرجة و تعظيمها، و قد رفع هذا الإبهام قوله تعالى: دَرَجاتٍ مِنْهُ ، و هو يبيّن قوله تعالى: أَجْراً عَظِيماً ، فالمستفاد من المجموع أنّ التفضيل كان في درجة عظيمة، و أنّ فيها منازل و لها درجات من المغفرة و الرحمة، و هي الأجر العظيم الّذي يثاب به المجاهدون.

و من ذلك يعرف أنّه لا تناقض و لا إبهام في الآية الشريفة، و إنّما هي في أعلى درجات الفصاحة، و قد ذكر المفسّرون في بيان هذه الآيات وجوها لا تخلو من المناقشة.

منها: أنّ المراد بالدرجة في صدر الآية المباركة، المنزلة عند اللّه تعالى الّتي هي أمر معنوي، و المراد بالدرجات، المنازل في الجنّة و هي حسيّة.

و منها: أنّ المراد بالدرجة في الآية الأولى المنزلة الدنيويّة، كالغنيمة و حسن الذكر و نحوهما، و بالدرجات المنازل الأخرويّة، و هي أكبر بالنسبة إلى الدنيا، فكانت درجات.

و منها: أنّ المراد بالتفضيل في صدر الآية الكريمة تفضيل المجاهدين على القاعدين أولي الضرر، و في ذيل الآية الشريفة تفضيل المجاهدين على القاعدين غير أولي الضرر بدرجات.

ص: 169

قوله تعالى: وَ كانَ اَللّهُ غَفُوراً رَحِيماً .

تأكيد لما وعد به آنفا من المغفرة و الرحمة للمجاهدين، فهو تعالى غفور لمن يستحق المغفرة، و رحيم بمن يتعرّض لنفحات رحمته بإعطاء الثواب و مزيد الفضائل و العطايا و رفع الدرجات. و لا يخفى مناسبة الاسمين الشريفين لمضمون الآية الكريمة السابقة.

قوله تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ تَوَفّاهُمُ اَلْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ .

بيان حال القاعدين عن الجهاد و المعرضين عن الهجرة.

و الوفاة أخذ الشيء وافيا تامّا، و المراد بها قبض الروح عند الموت، و تقدّم الكلام في اشتقاق الكلمة في قوله تعالى: إِذْ قالَ اَللّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ [سورة آل عمران، الآية: 55]، و لفظ «توفّاهم» يحتمل أن يكون ماضيا، كما يحتمل أن يكون مضارعا فيكون أصله (تتوفاهم)، نظير قوله تعالى: اَلَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ اَلْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا اَلسَّلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ [سورة النحل، الآية:

ص: 170

و الفاعل الحقيقي، و الملائكة و الرسل و الأعوان مباشرون قابضون للأرواح، لكن السبب الكامل و العلّة التامّة هو اللّه تعالى.

و المراد بالظلم في المقام ظلم النفس بترك الهجرة في سبيل اللّه تعالى لنصرة الدين، و ترك إقامة شعائره عزّ و جلّ باختيار مجاورة الكفّار الّذين يمنعون من تعلّم معارف الدين و القيام بوظائف العبوديّة لربّ العالمين، و به يفسّر الظلم، حيث يطلق كما في قوله تعالى: أَنْ لَعْنَةُ اَللّهِ عَلَى اَلظّالِمِينَ * اَلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اَللّهِ وَ يَبْغُونَها عِوَجاً [سورة الأعراف، الآية: 44-45]، و سورة هود - 19، فالمراد هو الإعراض عن دين اللّه تعالى و عدم نصرته و ترك إقامته.

و المعنى: أنّ الّذين تتوفّاهم الملائكة بقبض أرواحهم حين استيفاء آجالهم، حال كونهم ظالمين أنفسهم بترك الهجرة في نصرة الدين و تعلّم معارف سيد المرسلين و إقامة الشعائر، فاختاروا المقام عند الكافرين و المشركين و رضوا بالذلّ و الانظلام، فلم يقدروا على القيام بوظائف العبوديّة و نصرة الدين.

قوله تعالى: فِيمَ كُنْتُمْ .

أي: قالت الملائكة لهؤلاء الظالمين أنفسهم: في أي شيء كنتم من أمر دينكم، و لما ذا تركتم إقامته.

و في الآية المباركة من التوبيخ و الإهانة للظالمين ما لا يخفى، كما أنّها تدلّ على أنّهم لم يكونوا في شيء من الدين، فكان الاستفهام توبيخا على شيء معلوم، لا استعلاما عن شيء مجهول كما لا يخفى، بل يمكن أن تكون الاستفهام للتقرير.

قوله تعالى: قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي اَلْأَرْضِ .

اعتذار منهم عن تقصيرهم في ترك الهجرة و نصرة الدين و إقامة شعائره، و إن لم يكونوا على شيء من الدين - كما عرفت - فأجابوا بما يخفى حالهم، فوضعوا السبب موضع المسبّب، فقالوا: «كنّا مستضعفين في الأرض» الّتي كنّا نعيش عليها

ص: 171

مقهورين من قبل الأعداء، فلم نتمكّن من نصرة الدين و تعلّم معارفه و إقامة شعائره، و عجزنا عن القيام بوظائف العبوديّة لسطوة الأعداء و شدّة فتكهم و قسوتهم و استضعافهم لنا. و لما كان الاستضعاف حاصلا من حيث إخلادهم إلى أرض الشرك و تسلّط المشركين على الأرض الّتي كانوا يعيشون فيها، و لم تكن لهم هذه السلطة في أرض أخرى، فلم يكونوا مستضعفين، و إنّما حلّ بهم ذلك لتركهم الخروج و الهجرة من أرض الشرك، فردّت عليهم الملائكة و لم يقبلوا عذرهم، فقالوا كما حكى عزّ و جلّ عنهم.

قوله تعالى: قالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اَللّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها .

أي: أنّ عذركم مردود عليكم بترك الهجرة، فلم تحرّروا أنفسكم من الذلّ و الظلم بالهجرة في أرض اللّه الواسعة، فترحلوا إلى أرض أخرى يمكنكم فيها إقامة الشعائر عليها، فالاستفهام للتوبيخ، فإنّ استضعاف القوم لكم لم يكن هو الموجب للإقامة معهم، بل كنتم قادرين على الخروج و الخلاص من نير المذلّة.

و إنّما أضافت الملائكة الأرض إلى اللّه تعالى؛ إيماء إلى أنّه عزّ و جلّ هيّأ لهم في أرضه سعة و مخرجا، كما يشير إليه قوله تعالى: وَ مَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اَللّهِ يَجِدْ فِي اَلْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً .

و قد وصف سبحانه الأرض بالسعة؛ للإعلام بأنّهم السبب في لزومها لأنفسهم، لا أنّ المشركين يسلبونها عنهم بالكلّية. كما أنّ في هذا التعبير توطئة للأمر بالهجرة من بعضها إلى بعضها، حيث قال تعالى: فَتُهاجِرُوا فِيها ، فلو لم يكن كذلك لكان الأولى أن يقال: فتهاجروا منها.

قوله تعالى: فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ .

بيان لجزاء القاعدين عن الهجرة و الرضا بالفتنة في دار الشرك و الكفر، و توعيد لهم بنار جهنّم، كما أوعد بها الكفّار. و ترتّب هذا الجزاء على فعلهم من

ص: 172

قبيل ترتّب المعلول على العلّة، فإنّهم أوردوا أنفسهم موارد الهلاك في الآخرة؛ لأنّهم رضوا بالظلم في الدنيا و ظلموا أنفسهم بترك الهجرة، و حرموا أنفسهم من خير الدنيا و خير الآخرة.

قوله تعالى: وَ ساءَتْ مَصِيراً .

أي: بئست نار جهنّم و قبحت أن تكون مأوى و مصيرا، فإنّ كلّ ما فيها سوء.

قوله تعالى: إِلاَّ اَلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ اَلرِّجالِ وَ اَلنِّساءِ وَ اَلْوِلْدانِ .

استثناء عن حكم الآية الكريمة السابقة، و بيان للمعنى الحقيقي للمستضعفين، و ردّ لما اعتذر به القاعدون في مساءلة الملائكة لهم بأنّهم مستضعفون، فإنّهم غير صادقين فيه، فقد تركوا الهجرة مع القدرة عليها و ادّعوا الاستضعاف؛ حرصا على أموالهم و أهليهم، أو حرصا على أمنهم و سلامتهم، أو حرصا على مكانتهم و جاههم.

و الآية الشريفة تصوّر المستضعف تصوّرا دقيقا، و تعطي المعنى الحقيقي له، بحيث لا تدع مجالا لأيّ ادعاء آخر فيه.

و المستضعفون هم الّذين لا يقدرون على الهجرة لضعفهم، كالولدان و النساء و الشيوخ و سائر العجزة أو الضعفاء، أو لعدم وجود السبيل و الحيلة، فهم يبحثون عن ذلك، بل هم في وضع نفسي مضطرب و شعور مضطرم يختلف تماما عمّن يدّعي الاستضعاف، الّذي هو في حالة الدعة و الرضى و الاستكانة حرصا على الدنيا و شيء من متاع الأرض، كما عرفت.

قوله تعالى: لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَ لا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً .

مادة (حيل) تدلّ على الحركة و الاضطراب و التخيّر للتخلّص من شيء أو تحصيله، أو ما يتوسّل به للحصول على شيء أو الاحتراز منه، و غلب استعماله على ما يكون في خفاء و في الأمور المذمومة.

ص: 173

و كيف كان، فإنّ الآية الشريفة تصوّر الحالة النفسيّة للمستضعفين بأنّهم قد ضاقت بهم الحيل و عميت عليهم الطرق، فلم يهتدوا إلى سبيل و حيلة يمكنهم التوسّل بها إلى الخروج من دار الشرك و أرض الكفر و الهجرة إلى دار السلام لإقامة الحقّ .

و لم يبيّن عزّ و جلّ تلك الحيل و السبل، فهي إمّا المرض، أو الزمانة، أو الفقر، أو الجهل بمسالك الأرض، أو لا يهتدي إلى حيلة يدفع بها الكفر، و لا يهتدي سبيلا الى الإيمان، فهو لا يستطيع أن يؤمن و لا يكفر كالصبيان، و لا يقدرون أن يحتالوا حيلة لدفع ما يتوجّه إليهم من استضعاف المشركين عن أنفسهم، و لا يهتدون سبيلا للتخلّص منهم و الفرار عنهم. و جميع هذه المعاني صحيحة؛ لعموم الآية المباركة الشامل لكلّ الحيل الظاهريّة و الباطنيّة.

و المستضعف على قسمين، ادعائي و واقعي، و الثاني هو مورد العفو دون الأوّل؛ لأنّه جلّ شأنه مطّلع على الواقعيّات، فله العذر عن الهجرة، و يجري حكم هذه الآية المباركة إلى يوم القيامة، فمن تمكّن في هذه الأعصار من المسلمين من الخروج من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام و تعلّم معالم دينه و العمل بها و لم يفعل، فهو من القسم الأوّل.

و السبيل الحسّي كالطرق و مسالك الأرض، و المعنوي هو: كلّ ما يخلّصهم من أيدي المشركين من أنواع الحجج و المعارف - و قد ورد في بعض الروايات في الثاني - أو المانع الخارجي كالمرض و الهرم و غيرهما، قال تعالى: لَيْسَ عَلَى اَلضُّعَفاءِ وَ لا عَلَى اَلْمَرْضى وَ لا عَلَى اَلَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلّهِ وَ رَسُولِهِ [سورة التوبة، الآية: 91]، و النصيحة لهما هي الطاعة لهما سرّا و علانية.

و الآية الشريفة تدلّ على أنّ الجهل بدين اللّه تعالى و أحكامه المقدّسة إذا كان عن قصور و ضعف، ليس للمكلف فيه صنع و لا اختيار، فهو عذر عند اللّه تعالى. أمّا غير ذلك فهو ظلم لا يقبله اللّه جلّ شأنه من أحد و لا يرضى به.

ص: 174

و قد شرّع اللّه تعالى الجهاد - الّذي هو من أفضل العبادات و أسماها - لردّ هذا الظلم، و هو يختلف، فتارة يكون مع أعداء اللّه تعالى في ساحة القتال، و اخرى يكون بالهجرة إلى دار الإسلام الّتي يقام فيها شريعة اللّه تعالى و لا يكون فيها ظلم، فعدم تطبيق شريعة اللّه تعالى يعتبر عند اللّه ظلما و لا يمكن أن يرضى به عزّ و جلّ ، و من يرضى به فهو ظالم لنفسه و له العذاب الأليم؛ لما حرّم نفسه من نعمة العمل بالشريعة في الدنيا فأورد نفسه مورد الهلاك في الآخرة، إلاّ من أعيت به المذاهب و تقطّعت به السبل و أحاط به أعداء اللّه تعالى أعداء الحقّ و استضعفوه بالعذاب و الفتنة، أو كان مستضعفا بسيطرة الغفلة عليه، فإنّها تسلب القدرة و تسدّ الأبواب عليه، و قد ورد عن أبي جعفر الباقر عليه السّلام: «الّذي لا يستطيع حيلة و يدفع بها عنه الكفر، و لا يهتدي سبيلا إلى الإيمان، فلا يستطيع أن يؤمن أو يكفر»، و هو المستفاد من إطلاق الآية الشريفة الواردة مورد البيان للمستضعف، الشامل لما هو الممنوع عنه بسطوة الكفّار و الأعداء، أو المغفول عنه لاستيلاء الكفر على الأفكار و العقول.

و بالجملة: كلّ ما يكون الفعل مستندا إلى فعل المكلف نفسه و اكتسابه فهو غير معذور، و أمّا إذا لم يكن كذلك فهو معذور، و يدلّ عليه قوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اَللّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَ عَلَيْها مَا اِكْتَسَبَتْ [سورة البقرة، الآية: 286]، فالجهل عذر إذا لم يكن عن تقصير من المكلّف، و إلاّ فليس الجاهل معذورا، و لا فرق في المعذوريّة بين أن تكون بسطوة جبّار كافر، أو باستيلاء الغفلة عليه.

و الحاصل: فإنّ المستضعف لا يطلق على من بلغته الحجّة و سمعتها أذنه و وعاها قلبه و فهمها و أمكنه إقامة دينه، فمن كان كذلك فهو ليس بمستضعف و إن ادّعاه و اعتبر نفسه منهم، و إلاّ فهو مستضعف.

قوله تعالى: فَأُولئِكَ عَسَى اَللّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ .

بيان أنّ المستضعفين الموصوفين بما تقدّم من صفات العجز، لا شيء عليهم؛

ص: 175

لعدم كسبهم أمرا، فهو تعالى يتفضّل عليهم بالعفو؛ لعلمه تعالى بحقيقة ضعفهم و عدم قدرتهم، و يعلم ما في ضمائرهم.

و ذكر كلمة الإطماع (عسى) منه تعالى حتم، لا سيما بعد تعقيبه بقوله عزّ و جلّ : وَ كانَ اَللّهُ عَفُوًّا غَفُوراً ، إلاّ أنّ استثناء المستضعفين من الظالمين الّذين أوعدوا بالنار و سوء المصير يكفي في بعدهم و شقائهم؛ لأنّهم حرموا أنفسهم من نيل السعادة، فلا غنى لهم عن العفو الإلهي الّذي يمحو به أثر الشقاء، كلّ ذلك كان سببا لذكر اللّه تعالى لهم و رجاء عفوه.

و يستفاد منه أنّ العفو مشروط بحسن النيّة و قصد الهجرة من أرض الشرك الى دار الإسلام، الّتي يمكنه إقامة شعائر اللّه تعالى عليها، فإنّ ترك الهجرة أمر خطير لا بدّ للمؤمن أن يعدّه ذنبا، و يلزمه أن يتركه، و يترصّد الفرصة في الهجرة و يعلّق قلبه بها أبدا.

قوله تعالى: وَ كانَ اَللّهُ عَفُوًّا غَفُوراً .

تقرير لما سبق بأتمّ وجه و أحسن أسلوب، أي: أنّ اللّه تعالى عفو كثير الصفح عن ذنوب عباده غفور ساتر عليهم ذنوبهم، و هو يدلّ على أنّه تعالى يتفضّل على المستضعفين بالعفو و المغفرة، و قد سبقت رحمته غضبه، فله كامل العفو و تمام الغفران.

قوله تعالى: وَ مَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اَللّهِ يَجِدْ فِي اَلْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَ سَعَةً .

تشجيع على الهجرة، و تحريض عليها بالاعتناء بها و تنشيط الهمم في استنباط الحيل لها بعد أن ندّد تعالى بالقاعدين و هم قادرون عليها، فإذا كان في البين مخاوف في النفس بشأن الهجرة و أخطارها و أهوالها، بأن لا يجد رزقا في المسير، أو أن يدركه الموت في الطريق أو غير ذلك، فإنّ اللّه تعالى يعطي الضمانات

ص: 176

الّتي تيسّرها في النفس و تجعل الإنسان مجدّا في عمله يقبل عليها بلا إبطاء، و يكون مخلصا للّه تعالى.

و قد وعد عزّ و جلّ في هذه الآية المباركة بأنّ المهاجر سوف يجد في الأرض سعة و بسطة، و اللّه هو الكفيل ما دامت الهجرة في سبيل اللّه تعالى، و إذا وقع عليه الموت فإنّ الأجر يقع عليه عزّ و جلّ .

و سبيل اللّه تعالى ما أمر بسلوكه مطلقا، سواء استلزمه تعظيم الشعائر و إبلاغ الأحكام، أو لم يستلزم ذلك، فقد أوجبت المهاجرة الخروج عن الضعف و الإذلال، و نيل رضاه جلّ شأنه.

و قد ذكر عزّ و جلّ في هذه الآية مخافة الضيق و الفقر و عدم الرزق في مسيره، كما ذكر المخافة الثانية: و هي الموت في الطريق في الآية التالية.

و المراغم من الرغام، و هو التراب الرقيق، و لم ترد هذه المادّة في الآيات الكريمة إلاّ في هذه الآية الشريفة، و أصله لصوق الأنف بالرغام مشعرا بالذلّ و الهوان، يقال: رغم أنف فلان رغما، أو يقال: أرغم اللّه أنف فلان؛ لأنّ الأنف من جملة الأعضاء في غاية العزّة، و التراب في غاية الذلّة، فجعل ذلك كناية عن الذلّة، و يعبّر عنه بالسخط، قال الشاعر:

إذا رغمت تلك الأنوف لم ارضها *** و لم أطلب العتبى و لكن أزيدها

و المراغمة: المنازعة و المساخطة، أي: ما يوجب سخطه، فيكون المعنى: يجد في الأرض مخلصا من الضلال و ممّا يوجب سخطه كثيرا و يصل إلى الخير و النعمة، فكلّما منعه مانع من إقامة دينه ينتقل إلى تربة أخرى.

و يمكن أن يكون المراد بالمراغم في المقام الرقيق في السفر، و إنّما عبّر تعالى بذلك لأنّ السفر خصوصا في الأزمنة القديمة كان ملازما للرغام و التعب و المشقّة، و في هذا التعبير تسلية للمهاجرين بأنّه لو أصابهم تعب و مشقّة و رغام فلا يتأثّروا كثيرا بذلك، فإنّها نوعي «و البلية إذا عمّت طابت».

ص: 177

و قد اختلف المفسّرون في معنى هذه الآية الشريفة، و الحقّ أنّها ترجع إلى شيء واحد و إن اختلفت في اللفظ، فقيل: المراغم المتزحزح، أي: ينتقل من أرض إلى أخرى، و قيل: إنّه المتحوّل، و قيل: المهاجر و قيل غير ذلك، و هي كما ترى متّفقة في المعنى.

و في الآية المباركة كمال اللطف بالمهاجرين و تطييب نفوسهم و بثّ الطمأنينة فيها بأنّ اللّه تعالى كفيل لرزقهم، فإنّهم سيجدون في الأرض سعة و بسطة إذا كانت الهجرة في سبيله تعالى و خالصة لوجهه الكريم، و يقصد منها رضاء اللّه تعالى و إقامة دينه، و لعلّ في قوله تعالى: يَجِدْ فِي اَلْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَ سَعَةً إشارة إلى ما ذكره عزّ و جلّ سابقا من قوله تعالى: أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اَللّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها [سورة النساء، الآية: 97]، و فيها وعد منه. و في المقام بيان لوعده الكريم بمزيد السعة بالمهاجرة، و أنّه يجد مراغما كثيرا، أي: خلاصا من ورطته، و قدرته على الانتقال من مكان إلى آخر حيث وجد ضيق في الأوّل و شدّة.

و الحقّ أنّ قوله تعالى: مُراغَماً كَثِيراً من لوازم السعة في الأرض لمن يريد السلوك فيها و الهجرة في سبيل اللّه تعالى.

و المعنى: و من يهاجر في سبيل اللّه طلبا لمرضاته و إقامة دينه، يجد في الأرض مخلصا و نجاة من الضلال و الضيق، في التحوّل من أرض إلى اخرى كلّما منعه مانع من إقامة دينه، وسعة في الرزق إذا خاف الضيق في مسيره.

قوله تعالى: وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اَللّهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ اَلْمَوْتُ .

بيان للمخافة الأخرى الّتي تدور في النفس بشأن الهجرة، و هي درك الموت في الطريق أو السلوك إلى الحقّ .

و درك الموت كناية عن وقوعه عليه و مفاجأته به قبل الوصول إلى المقصد،

ص: 178

و المهاجرة إلى اللّه تعالى و الرسول هي الهجرة إلى دار الإسلام لتقوية الحقّ و نصرة دين اللّه تعالى و رسوله الكريم و العمل بأركان الشريعة.

و الآية المباركة وعد من اللّه تعالى لمن يهاجر في سبيل اللّه تعالى ثمّ يحلّ به الموت و هو في الطريق قبل بلوغ دار الهجرة.

قوله تعالى: فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اَللّهِ .

كناية عن اللزوم و الثبوت أو الاستقامة، أي: وجب عليه الأجر و الثواب و لزم بمقتضى وعده الجميل و لطفه العميم، و في الآية الكريمة كمال اللطف و مزيد الرضا من اللّه تعالى له، حيث اعتبر عزّ و جلّ أنّ الموت كالهديّة منه سبحانه و تعالى؛ لأنّه السبب الموصول إلى الأجر الجزيل و النعيم المقيم.

كما أنّه جلّ شأنه اختار: مَنْ يَخْرُجْ دون «من يهاجر»؛ لكمال العناية بأنّ الموت إن وقع عليه قبل الوصول، فهو ينال هذه المرتبة و إن لم يصل إلى المقصد.

و في إبهام الأجر و اختيار اسم الجلالة للدلالة على عظم الأجر الّذي لا يقدّر بقدر و لا يعلم كنهه و لا حقيقته إلاّ هو؛ لأنّه من الذات المقدّسة.

قوله تعالى: وَ كانَ اَللّهُ غَفُوراً رَحِيماً .

فهو يغفر له جميع ذنوبه، و يجزل له في العطاء، و إنّما أتى بصيغة المبالغة للدلالة على أنّه يغفر له ما فرّط فيه من الذنوب الّتي منها القعود عن الهجرة، فيرحمه بإكمال ثواب هجرته.

و في الآية المباركة تأكيد للوعد الجميل بلزوم توفية الأجر و الثواب، فهو يغفر الذنوب الّتي ارتكبها قبل الخروج للهجرة، رحيم يجزل لهم العطاء و يغمرهم بإحسانه.

ص: 179

بحوث المقام

بحث أدبي:

(غير) في قوله تعالى: غَيْرُ أُولِي اَلضَّرَرِ بالرفع صفة لقوله تعالى:

اَلْقاعِدُونَ ، و هي و إن لم تكن معرفة و لا بد من التطابق بين الصفة و الموصوف في المعرفة، لكنّه غير مقصود في المقام؛ لأنّ المراد من القاعدين جنسهم، و يصحّ وصف الجنس بها. و ذكر الرضي أنّ المعرّف باللام المبهم و إن كان في حكم النكرة، لكنّه لا يوصف بما توصف به النكرة، بل يتعيّن أن تكون صفته جملة فعليّة و فعلها مضارع، كما في قوله:

و لقد أمرّ على اللئيم يسبّني *** فأصدّ ثمّ أقول ما يعنيني

و لأجل تلك المناقشة جعل بعضهم «غير» في المقام بدلا من «القاعدون»؛ لأنّ (ال) فيه موصولة. و لكنّه ليس بشيء كما لا يخفى.

و قرأ بعضهم (غير) بالجرّ صفة لقوله تعالى: مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ ، و قرئ بالنصب على أنّه استثناء من قوله تعالى: مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ ، أو حال، و هو نكرة لا معرفة.

و (درجة) في قوله تعالى: فَضَّلَ اَللّهُ اَلْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ عَلَى اَلْقاعِدِينَ دَرَجَةً ، منصوب على المصدر؛ لتضمّنها معنى التفضيل - كما عرفت سابقا - كأنّه قيل فضّلهم تفضيلة، كما في قولهم: ضربته سوطا، أي: ضربة.

و قيل: على الحال، أي: ذوي درجة، و قيل: على التمييز، و قيل: على حذف الجارّ، أي: بدرجة، و قيل: هو واقع موقع الظرف، أي: في درجة و منزلة.

و (كلا) في قوله تعالى: وَ كُلاًّ وَعَدَ اَللّهُ اَلْحُسْنى مفعول أوّل لما بعده، قدّم لإفادة القصر تأكيدا للوعد، و تنوينه عوض المضاف إليه، أي: كلّ واحد من

ص: 180

الفريقين. و قرئ (كلّ ) بالرفع على الابتداء، و المفعول الأوّل هو العائد في جملة الخبر محذوف، أي: وعده، و القراءة الأولى هي الأشهر، و على كلتا القرائتين (الحسنى) المفعول الثاني، و الجملة اعتراض جيء بها لدفع ما يتوهّم من تفضيل أحد الفريقين على الآخر، و حرمان المفضول البتة.

و إنّما لم يذكر عزّ و جلّ القيود في قوله تعالى: وَ فَضَّلَ اَللّهُ اَلْمُجاهِدِينَ عَلَى اَلْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً ؛ لاغناء «ال» في «المجاهدين» عن ذكرها، و إنّما لم يذكر القيد في القاعدين، أي: «غير أولي الضرر» في الموضعين و لم يفعل ما فعله بالقيود مع المجاهدين الّتي ذكرها على سبيل التدرج؛ لأنّ قيد «غير اولي الضرر» كان بعد السؤال، بخلاف القيود مع المجاهدين.

و (أجرا) في قوله تعالى: أَجْراً عَظِيماً مفعول ثان، لتضمّنه معنى الإعطاء، و قيل: هو منصوب بنزع الخافض، أي: فضّلهم بأجر.

و (درجات) في قوله تعالى: دَرَجاتٍ مِنْهُ ، إمّا أن يكون منصوبا على الحاليّة، أي: ذوي درجات، أو يكون بدلا من (أجرا)، بدل الكلّ مبيّنا لكميّة التفضيل، واقعا موقع الظرف، أي: في درجات. و (منه) متعلّق بمحذوف صفة لدرجات تدلّ على فخامتها و علو شأنها.

و (ظالمي) في قوله تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ تَوَفّاهُمُ اَلْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ منصوب على الحاليّة من ضمير المفعول في (توفاهم)، و الأصل (ظالمين أنفسهم)، و الإضافة لفظيّة لا تفيد تعريفا.

و الاستفهام في قوله تعالى: فِيمَ كُنْتُمْ للتوبيخ و التقريع، و قد ذكرنا في أحد مباحثنا السابقة أنّ (ما) الاستفهاميّة المجرورة تحذف منها الألف حسب القاعدة؛ فرقا بين الاستفهام و الخبر؛ و تنزيلا لها مع ما قبلها منزلة الكلمة الواحدة؛ و لذا تكتب الألف في (الى) و (على) و (حتّى) في قولهم: إلام، و علام، و حتّى م، ما لم يوقف على - م - بالهاء.

ص: 181

و قوله تعالى: فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جملة مركّبة من مبتدأ أوّل، و هو اسم الإشارة، و (مأواهم) مبتدأ ثان، و (جهنّم) خبره الثاني، و الجملة خبر للمبتدأ الأوّل.

و الاستثناء في قوله تعالى: إِلاَّ اَلْمُسْتَضْعَفِينَ منقطع؛ لأنّ المستضعفين لم يندرج في الموصول و ضمائره، و المشار إليه بأولئك.

و (يدركه) في قوله تعالى: ثُمَّ يُدْرِكْهُ اَلْمَوْتُ مجزوم، لأنّه جواب الشرط، و قرئ برفع الكاف: «يدركه» على أنّه فعل مضارع مرفوع لتجرّده من الناصب و الجازم، و الموت فاعله، و الجملة خبر لمبتدأ محذوف، أي: (ثمّ هو يدركه الموت)، و الجملة الاسميّة معطوفة على الجملة الشرطيّة، و إنّما قدّروا المبتدأ ليصحّ رفعه مع العطف على الشرط المضارع، و قال بعضهم: يجب حينئذ جعل (من) موصولة؛ لأنّ الشرط لا يكون جملة اسميّة. و لكنّه تطويل لا حاجة إلى تقدير المبتدأ. و قرئ بنصب الكاف بإضمار (ان)، فتكون الآية الكريمة على الحثّ آكد، و ذكر بعضهم في وجه النصب أيضا أنّ الفعل الواقع بين الشرط و الجزاء يجوز فيه الرفع و النصب و الجزم لو وقع بعد الواو و الفاء.

و كيف كان، فالآيات الشريفة من أعلى درجات الفصاحة و البلاغة، و هي تحثّ على الجهاد و الهجرة في سبيل اللّه تعالى بأسلوب حسن، تشوّق النفس إلى الثواب الجزيل المعدّ لهم، و تحبط آمال المتقاعدين عن الجهاد و المستقرّين في دار الكفر و ترك الهجرة منها، و تبيّن سوء عاقبتهم.

و قد اشتمل قوله تعالى: وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اَللّهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ اَلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اَللّهِ وَ كانَ اَللّهُ غَفُوراً رَحِيماً على وجوه من البلاغة:

منها: أنّ اختيار وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً على وَ مَنْ يُهاجِرْ ؛

ص: 182

للدلالة على أنّ من آثر الخروج و المهاجرة على الاستقرار، يكون له هذا الثواب و إن كان ذلك خارج بيته، و هو مزيد فضل لا يدانيه شيء.

و منها: وضع (يدركه الموت) على (يمت)؛ للدلالة على مزيد الرضا من اللّه تعالى، و أنّ الموت هديّة منه عزّ و جلّ ، و هو السبب للوصول إلى ذلك الأجر الجزيل، و يؤكّد ذلك مجيء (ثم) دون الواو، و لبيان أنّ مرتبة الخروج من البيت دون هذه المرتبة.

و منها: قيام قوله تعالى: فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اَللّهِ مقام (يثبه) و نحوه؛ للدلالة على أنّ هذا الثواب لازم و ثابت عليه؛ وفاء لما عهد على نفسه.

و منها: اظهار اسم الجلالة لبيان أنّ الأجر عظيم لا يدرك كنهه و لا حقيقته أحد، لأنّه وقع على الذات الأقدس.

و منها: أنّ سياق الآية الشريفة يدلّ على لطف اللّه تعالى بهؤلاء الّذين أدركهم الموت بعد انقطاعهم عن الوطن و الأهل، فإنّه تعالى هو الّذي يعطيهم الأجر و يتكفّل جزاءهم لطفا بهم و عطفا عليهم بسبب انقطاعهم إليه، و مثل هذا التعبير لم يرد إلاّ في بعض الطاعات كالصوم، فإنّه ورد فيه: «الصوم لي و أنا أجزئ به»؛ لأنّ في الصوم مزيد الانقطاع إلى اللّه تعالى و الإعراض عن الملذّات.

هذا بعض ما يمكن أن يقال في هذه الآية الشريفة الّتي هي في غاية الفصاحة، فسبحان من جلّت آياته.

بحث دلالي:
اشارة

تدلّ الآيات المباركة على أمور:

الأوّل:

تدلّ الآيات الكريمة على عظيم الفضل للجهاد و المنزلة الكبرى له؛ لأنّ به يقام دين اللّه تعالى و يبسط العدل و ينشر الحقّ و يبثّ الصلاح و الإصلاح.

ص: 183

و به يذلّ الكفر و الشرك، و يزال الظلم و العدوان، و تخذل كلمة الكفر، و تطهر الأرض من الفساد.

و الآيات الشريفة بأسلوبها اللطيف و مضمونها الرفيع و فصاحتها الكاملة قد اقترنت بأمور جعلتها من أهمّ الآيات الّتي ترغّب إلى الجهاد و تنشّط عليه و تحفز الهمم إليه و تنفّر النفوس من القعود عنه، و التكاسل و التواكل منه، فقد نفى عزّ و جلّ المساواة بين المجاهدين و القاعدين غير أولي الضرر، من غير أن يبيّن جلّ شأنه جهة التفاوت صريحا ليذهب ذهن السامع أي مذهب.

و قدّم تعالى القاعدين لبيان أنّ فيهم جهة القصور لا من جهة مقابليهم، ثمّ اردفه ببيان فضل المجاهدين و أنّه درجة، ثمّ بيّن عزّ و جلّ أنّه درجات و أنّ فيه فضلا زائدا، فكان المجاهدون هم المفضّلين ابتداء.

كما أنّه عزّ و جلّ قيّد المجاهدين بقوله: فِي سَبِيلِ اَللّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ ، ثمّ بقوله: بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ ، ثمّ أطلقه عزّ و جلّ من غير تقييد، كلّ ذلك لأجل التفنّن في العبارة، و الحثّ و التحريض، و بيان هذا الأمر العظيم بأسلوب حسن يقبله الطبع؛ لأنّ بذل أعزّ الأشياء عند الإنسان أمر ليس بالهين اليسير.

و بالجملة: الآية المباركة صريحة الدلالة على أفضليّة الجهاد، و أنّ فيه الأجر العظيم، و للمجاهدين منازل و درجات في الآخرة، و أنّ لهم مقام القرب عند اللّه عزّ و جلّ .

الثاني:

يستفاد من قوله تعالى: لا يَسْتَوِي اَلْقاعِدُونَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي اَلضَّرَرِ أنّ جهة التقصير إنّما كان من جهة القعود عن الجهاد، و لعلّه السبب في عدم الاستواء بينهم و بين المجاهدين. و يفهم من تقييد القاعدين بكونهم غير أولي الضرر أنّهم على قسمين: من لا ضرر به لكن قعد للإذن له في ذلك، أو لقيام من فيه الكفاية، و من به الضرر الّذي يمنعه من الخروج و لولاه لخرج، و الآية الكريمة مع كونها صريحة الدلالة في نفي المساواة بين القسم الأوّل و بين المجاهدين،

ص: 184

تتضمّن أيضا نفي المساواة في الثاني، و قيّدهم بكونهم من المؤمنين؛ لبيان أنّ قعودهم عن الجهاد لا يخرجهم عن الإيمان، و للإشعار بقلّة استحقاقهم للثواب و العاقبة الحسنى في ما سيأتي.

الثالث:

يستفاد من قوله تعالى: وَ اَلْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اَللّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ أنّ سبب استحقاقهم لهذا الفضل العظيم إنّما هو الجهاد، و أنّ القعود إنّما كان عنه، و قد ترك التصريح به في صدر الآية الشريفة رعاية للمجاهدين و اهتماما بشأنهم و فضلهم على القاعدين و علو رتبتهم، كما يستفاد ذلك من القيود الاخرى.

و إنّما قيّده بكونه في سبيل اللّه تعالى؛ لبيان أنّه السبب في فضلهم و رفع شأنهم، كما يستفاد من القيود الاخرى أنّ لها المدخليّة في ذلك كلّه.

الرابع:

يدلّ قوله تعالى: غَيْرُ أُولِي اَلضَّرَرِ على أنّ كلّ من به ضرر في البدن أو المال يسقط عنه الجهاد، و يفسّره قوله تعالى: لَيْسَ عَلَى اَلضُّعَفاءِ وَ لا عَلَى اَلْمَرْضى وَ لا عَلَى اَلَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلّهِ وَ رَسُولِهِ ما عَلَى اَلْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَ اَللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ، فيشمل كلّ عاجز عن الجهاد و ما يمنع عن الخروج إليه، فلا يكون الجهاد واجبا عليهم.

الخامس:

يدلّ قوله تعالى: غَيْرُ أُولِي اَلضَّرَرِ على أنّ الجهاد فرض كفائي، و إلاّ لما كان القاعد لا لضرورة معذورا، و يدلّ عليه قوله تعالى: وَ كُلاًّ وَعَدَ اَللّهُ اَلْحُسْنى ، فإنّ القاعد إذا وجب عليه الجهاد و يكون آثما، لا معنى لوعد اللّه تعالى له بالحسنى.

السادس:

يستفاد من تكرير التفضيل بطريق العطف المنبئ عن المغايرة، و تحديده تارة بدرجة، و أخرى بدرجات مع اتّحاد المفضّل و المفضّل عليه - كما هو ظاهر الآية - أنّ درجة المجاهدين بمحلّ لا يمكن أن تدركه العقول؛ و لبيان الاختلاف الذاتي في الدرجات الّتي تشتمل على الرحمة و المغفرة و الثواب الجزيل؛ و للإعلام بأنّ المجاهدين يختلفون في نيل تلك الدرجات المتفاوتة.

ص: 185

السابع:

يستفاد من قوله تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ تَوَفّاهُمُ اَلْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي اَلْأَرْضِ قالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اَللّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَ ساءَتْ مَصِيراً على سؤال القبر و أنّ الملائكة تسأل عن دين الميت، و تدلّ عليه جملة من الآيات الشريفة و النصوص الكثيرة، قال تعالى: اَلَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ اَلْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا اَلسَّلَمَ ، ما كُنّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اَللّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [سورة النحل، الآية: 28]، و قال تعالى: اَلَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ اَلْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ اُدْخُلُوا اَلْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [سورة النحل، الآية: 32]، و يستفاد منها أنّ ظلم الإنسان نفسه يوجب السؤال و الاستجواب و شدّة العتاب.

الثامن:

يدلّ قوله تعالى: ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ على وجوب الهجرة من بلاد الكفر و الشرك إذا لم يمكن إظهار شرائع الله جلّ شأنه و إقامة أحكامه و فرائض دينه، فإنّ الّذي يقعد عن هذا القسم من الجهاد - أي: الهجرة إلى دار الإسلام من دار الكفر - و هو قادر عليه و يعرّض نفسه للافتتان عن دينه، و العجز عن إقامة شرايعه و إتيان فرائضه، فهو ظالم لنفسه، و أنّ التعلّل بأنّه كان مستضعفا لا يملك شيئا غير مفيد؛ لأنّ ظلمه لنفسه كان لأجل تركه العمل بالحقّ خوفا من الأذى و فقد عشيرته و إعراضهم عنه، فهو عذر باطل كما يتعذّر به كثير من الزيغ و المفسدين.

التاسع:

يدلّ قوله تعالى: كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرض أنّ استضعافهم هذا كان ادعائيّا، كما يدله عليه ذيل الآية الشريفة، و يستفاد منه لو لم يكن بهذه المثابة كما لو كان له عشيرة تحميه من المشركين و يمكنه إظهار دينه و يكون آمنا على نفسه، فإنّ المهاجرة غير واجبة عليه.

العاشر:

يستفاد من قوله تعالى: إِلاَّ اَلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ اَلرِّجالِ وَ اَلنِّساءِ وَ اَلْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَ لا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً ، بيان لشروط المستضعفين في

ص: 186

القرآن الكريم، و هي كون الإنسان ضعيفا في بدنه من جهة الكبر مثلا أو الصغر أو عدم القابلية كالنساء، ففي الحديث: «علم اللّه ضعفهن فرحمهن»، و عدم وجود حيلة يحتال بها للخروج، كالمال و العدّة و الصديق و نحو ذلك، و عدم الاهتداء للطريق و سبل الصحارى و الأرض، أو عدم اهتداء ذهنه إلى التفكّر في المعارف الحقّة، و لتزاحم المذاهب و الأفكار أوجبت خفاء الحقّ عليه فلم يهتد إليه سبيلا، فهو مستضعف لا يستطيع حيلة، قد سلبته المذاهب مذهب الحقّ بأفكارهم و حيلهم، فاستولى عليه الغفلة و وقع الجهل المركّب، و من المعلوم أنّه لا قدرة معه، و لعلّه إلى ذلك يشير قول علي عليه السّلام: «لا يقع اسم الاستضعاف على من بلغته الحجّة فسمعتها أذنه و وعاها قلبه».

الحادي عشر:

يستفاد من قوله تعالى: فَأُولئِكَ عَسَى اَللّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ تعظيم أمر ترك الهجرة و تغليظ جرمه، فإنّ المضطر من حقّه أن لا يأمن غضب اللّه تعالى و يسأله العفو عنه، و يترصّد الفرصة، فكيف بمن تركها من غير عذر.

الثاني عشر:

إطلاق قوله تعالى: وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اَللّهِ وَ رَسُولِهِ يشمل من خرج لمعرفة الإمام الحقّ و طلب الدين و التفقّه فيه و الحجّ و الزيارات أو ابتغاء الرزق الطيّب و طلب كلّ كمال لم ينه عنه الشرع المبين، و غير ذلك ممّا يقصد بالذهاب إليه طلب مرضاته و امتثال أمره، فإنّ المقصود مرضاته في أي مورد تحقّقت، و يدلّ عليه جملة من الروايات، منها ما رواه العياشي عن محمد بن أبي عمير قال: «وجه زرارة ابنه عبيدا إلى المدينة يستخبر له خبر أبي الحسن موسى عليه السّلام و عبد اللّه، فمات قبل أن يرجع إليه عبيدا ابنه، قال محمد بن أبي عمير:

«حدثني محمد بن حكيم قال: قلت لأبي الحسن عليه السّلام: فذكرت له زرارة و توجيه ابنه عبيدا إلى المدينة، فقال أبو الحسن: إنّي لأرجو أن يكون زرارة ممّن قال اللّه تعالى: وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اَللّهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ اَلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اَللّهِ ».

ص: 187

الثالث عشر:

يدلّ قوله تعالى: فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اَللّهِ على أنّ العمل يوجب الثواب، فيكون مستحقّا على اللّه تعالى - كما يذهب إليه علماؤنا بخلاف الأشاعرة - فإنّ الأجر عبارة عن المنفعة المستحقّة، و أمّا الّذي لا يكون مستحقّا لا يسمّى أجرا، بل عطيّة وهبة.

الرابع عشر:

يستفاد من قوله تعالى: يَجِدْ فِي اَلْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً أنّ الخروج إلى البلاد و المهاجرة في الأرض يستلزم ملاقاة أفراد كثيرين و أشخاص متعدّدين مختلفين من حيث ضيق المعاش و السعة فيه، فيستدلّ بذلك على قدرة اللّه تعالى، فيعلم أنّ ما يعتمد عليه الإنسان لتحصيل رزقه باطل عاطل، و لا ينبغي الاعتماد إلاّ عليه تعالى.

بحث روائي:

عن البيهقي في سننه عن ابن عباس: «أنّ أناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثّرون سواد المشركين على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فيأتي السهم يرمى به فيصيب أحدهم فيقتله، أو يضرب فيقتل، فأنزل اللّه تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ تَوَفّاهُمُ اَلْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ .

أقول: و في رواية أخرى: «كان قوم من أهل مكّة أسلموا و كانوا يستخفون بالإسلام».

و كيف كان، فإنّ ما أصابهم كان جزاء لنفاقهم و لإعانتهم للمشركين، و أنّ الروايات من باب التطبيق و ذكر أحد المصاديق و إن كانت التعبيرات فيها مختلفة، و كلّها من طرق أهل السنّة.

و في الدرّ المنثور عن ابن عباس في قوله تعالى: اَلَّذِينَ تَوَفّاهُمُ اَلْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ إلى قوله: وَ ساءَتْ مَصِيراً : «كانوا قوما من المسلمين بمكّة

ص: 188

فخرجوا مع قومهم من المشركين في قتال، فقتلوا معهم، فنزلت: إِلاَّ اَلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ اَلرِّجالِ وَ اَلنِّساءِ وَ اَلْوِلْدانِ ، فعذر اللّه أهل العذر منهم، و هلك من لا عذر له، قال ابن عباس: و كنت أنا و أمّي ممّن كان له عذر».

أقول: لا بدّ من حمل الرواية على أنّ العذر لم يكن عن تقصير، و أنّه ممّا يقبله اللّه و رسوله، كما تقدّم في التفسير.

و في تفسير علي بن إبراهيم في الآيات المباركة قال: «نزلت في من اعتزل أمير المؤمنين عليه السّلام و لم يقاتل معه، فقالت لهم الملائكة عند الموت: فيما كنتم، قالوا: كنّا مستضعفين في الأرض، أي: لم نعلم مع من الحقّ؟ فقال: ألم تكن أرض اللّه واسعة فتهاجروا فيها، أي: في دين اللّه و كتاب اللّه واسع فتنظروا فيه، فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَ ساءَتْ مَصِيراً ، ثمّ استثنى فقال: إِلاَّ اَلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ اَلرِّجالِ وَ اَلنِّساءِ وَ اَلْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَ لا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً .

أقول: الرواية من باب التطبيق و ذكر أحد المصاديق، و يستفاد منها أنّ المستضعف الممنوع عن الهجرة أعمّ من أن يكون في العقيدة أو في غيرها، و المراد من الأرض الأعمّ من التكوينيّة و غيرها.

و في الكافي بسنده عن هشام بن حمزة بن الطيار قال: «قال لي أبو عبد اللّه عليه السّلام: الناس على ستّة أصناف، قلت له: أ تأذن لي أن أكتبها؟ قال: نعم، اكتب أهل الوعدين، أهل الجنّة، و أهل النار، قال: اكتب: و آخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا، قلت: من هؤلاء؟ قال: وحشي منهم، قال: و اكتب: و آخرون مرجون لأمر اللّه إمّا يعذّبهم، و إمّا يتوب عليهم، قال:

و اكتب: المستضعفين من الرجال و النساء و الولدان لا يستطيعون حيلة و لا يهتدون سبيلا، لا يستطيعون حيلة إلى الكفر و لا يهتدون سبيلا إلى الإيمان، فَأُولئِكَ عَسَى اَللّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ ، قال: و اكتب: و أصحاب الأعراف، قلت: و ما أصحاب

ص: 189

الأعراف ؟ قال: قوم استوت حسناتهم و سيئاتهم، فإن أدخلهم النار فبذنوبهم، و إن أدخلهم الجنّة فبرحمته».

أقول: الحصر في ذلك عقلي، إذ لا يوجد صنف آخر غيرهم، و الاستدلال بالآيات المباركة من باب الجري و التطبيق كما تقدّم، و وحشي هو قاتل حمزة عليه السّلام و ذكره من باب المثال.

و في الكافي بإسناده عن زرارة قال: «و سألت أبا جعفر عليه السّلام عن المستضعف ؟ فقال: هو الّذي لا يستطيع حيلة إلى الكفر فيكفر و لا يهتدي سبيلا إلى الإيمان - لا يستطيع أن يؤمن و لا يستطيع أن يكفر - فمنهم الصبيان و من كان من الرجال و النساء على مثل عقول الصبيان مرفوع عنهم القلم».

أقول: اختلفت الروايات في تحديد المستضعف و تعيينه، فمنها ما حدّدته بضعفاء العقول، كغالب الصبيان، فإنّهم لا يميّزون الحقّ عن الباطل، و لا الضلالة عن الهداية، كما تقدّم في الرواية السابقة و غيرها من الروايات المستفيضة.

و منها: ما حدّد المستضعف ب من لا يعرف سورة من القرآن، كما في رواية ابن إسحاق قال: «سئل أبو عبد اللّه عليه السّلام ما حدّ المستضعف الّذي ذكره اللّه عزّ و جلّ؟ قال: من لا يحسن سورة من سور القرآن، و قد خلقه اللّه عزّ و جلّ خلقه ما ينبغي لأحد أن لا يحسن»، و المراد من خلقه الفطرة، يعني نزل القرآن حسب الفطرة المستقيمة.

و منها: ما حدّدهم بالبلهاء، كما في رواية سليمان بن خالد عن الصادق عليه السّلام قال: «سألته عن المستضعفين ؟ فقال: البلهاء في خدرها و الخادم في خدرها تقول لها: صلّي، فتصلّي لا تدري إلاّ بما قلت له، و الكبير الفاني و الصبي الصغير، يا سليمان هؤلاء المستضعفون، فأمّا رجل شديد العنق جدل خصم يتولّى الشراء و البيع لا تستطيع أن تعينه في شيء، تقول: هذا مستضعف ؟! لا و لا كرامة»، و المراد من البلهاء - الّتي هي جمع أبله - الغافل عن الشرّ و البعيد عنه، المطبوع على الخير،

ص: 190

يظنون بالناس حسنا، يجهلون حذق التصرّف في الدنيا، و قد أقبلوا على آخرتهم، عيشهم قليل الغموم، يتجبّرون عليهم في الدنيا لفقرهم و رثاثة حالهم، و لذلك استحقوا أن يكونوا أكثر أهل الجنّة، كما ورد في الخبر: «أكثر أهل الجنّة البلهة»، و ما ذكره عليه السّلام من بعض المصاديق، و ليس المراد الأبله الّذي لا عقل له، و في الحديث: «عليك بالبلهاء، قلت: و ما البلهاء؟ قال: ذوات الخدود و العفائف».

و الفرق بين السفه و البله واضح كما ذكرناه في كتابنا (مهذب الأحكام).

و منها: ما حدّده بمن لا يعرف اختلاف الناس، كما في رواية أبي بصير عن الصادق عليه السّلام قال: «من عرف اختلاف الناس فليس بمستضعف»، و المراد من اختلاف الناس معاشرتهم على طريق الشرع، أو اختلاف مذاهبهم.

و منها: ما حدّده بأهل الولاية على وجه العموم، كما في رواية حمران قال:

«سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن قول اللّه تعالى: إِلاَّ اَلْمُسْتَضْعَفِينَ ، قال: هم أهل الولاية. فقلت: أي ولاية ؟ فقال: أما إنّها ليست بولاية في الدين، و لكنّها الولاية في المناكحة و الموارثة و المخالطة، و هم ليسوا بالمؤمنين و لا بالكفّار، و هم المرجون لأمر اللّه».

و لكن ذكرنا في التفسير أنّ المراد من المستضعف مطلق من لا حول له و لا سبيل، سواء كان في النفس أو في البدن أو في الرأي أو في الحال، و لجميع ذلك مراتب، و بذلك يمكن الجمع بين الأخبار. فإنّ ما ورد فيها من باب ذكر المصاديق لا المعنى الحقيقي.

و في تفسير العياشي عن الصادق عليه السّلام قال: «المستضعفين من الرجال و النساء لا يستطيعون حيلة و لا يهتدون سبيلا، قال: لا يستطيعون سبيل أهل الحقّ فيدخلون فيه، و لا يستطيعون حيلة أهل النصب فينصبون، قال: هؤلاء يدخلون الجنّة بأعمال حسنة و باجتناب المحارم الّتي نهى اللّه عنها، و لا ينالون منازل الأبرار».

ص: 191

أقول: الرواية مطابقة للعقل و الفطرة؛ لأنّ اللّه تعالى لا يكلّف أحدا أكثر من قدرته و عرفانه ما لم يتحقّق تقصير منه فيهما، و أنّ للّه منازل حسب درجات الإيمان و مدارج الأعمال، و يدلّ على ما ذكرنا رواية ضريس الكناسي عن أبي جعفر عليه السّلام قال: «قلت له: جعلت فداك ما حال الموحّدين المقرّين بنبوّة محمد صلّى اللّه عليه و آله من المذنبين الّذين يموتون و ليس لهم إمام و لا يعرفون ولايتكم ؟ فقال:

أمّا هؤلاء فإنّهم في حفرهم لا يخرجون منها، فمن كان له عمل صالح و لم يظهر منه عداوة، فإنّه يخد له خدا إلى الجنّة الّتى خلقها اللّه بالمغرب، فيدخل عليه الروح في حفرته إلى يوم القيامة حتّى يلقى اللّه فيحاسبه بحسناته، فإمّا إلى الجنّة و إمّا إلى النار، فهؤلاء الموقوفون لأمر اللّه، قال: و كذلك يفعل بالمستضعفين و البله و الأطفال و أولاد المسلمين الّذين لم يبلغوا الحلم»، و المراد من الخد: أنّه يشقّ له طريقا إلى الجنّة الّتي توارت في مغيبها عن الناظرين، أي خلقها اللّه تعالى بالمغرب.

كما أنّ المراد من قوله عليه السّلام: «يدخل عليه الروح في حفرته إلى يوم القيامة»، نحو من الإدراك و قسم من الشعور الّذي تحسّ النفس، يعني من بدء وضعه في حفرته تشعر الروح بالسعادة أو الشقاء. و تقدّم معنى البله، و أمّا الأطفال فهم الموقوفون لأمر اللّه تعالى، أي: يمتحنهم في يوم القيامة كما في كثير من الروايات.

و في الكافي عن أبي الحسن موسى عليه السّلام: «أنّه سئل عن الضعفاء؟ فكتب عليه السّلام:

الضعيف من لم ترفع له حجّة، و لم يعرف الاختلاف، فإذا عرف الاختلاف فليس بضعيف».

أقول: هذه الرواية تدلّ على ما ذكرناه سابقا.

و عن علي عليه السّلام في كلام له في الإيمان و وجوب الهجرة: «و الهجرة قائمة على حدّها الأوّل ما كان للّه في أهل الأرض حاجة من مستسرّ الأمّة و معلنها، لا يقع اسم الهجرة على أحد بمعرفة الحجّة في الأرض، فمن عرفها و أقرّ بها فهو مهاجر، و لا يقع اسم الاستضعاف على من بلغته الحجّة فسمعتها أذنه و وعاها قلبه».

ص: 192

أقول: يبيّن عليه السّلام غرض الهجرة و معناها، و أنّ من أراد الفوز بمعارج اليقين و النيل إلى أعلى مراتب الإيمان فليهاجر إلى أئمة الدين عليهم السّلام، فإنّ الهجرة باقية على أصولها الأوليّة و حدّها الّذي كان في أوّل البعثة؛ لأنّ الغاية من الهجرة ليست إلاّ الدنو إلى الحضور بالوصول إلى حضرة الرسول صلّى اللّه عليه و آله، و هي بعد باقية، فإنّ الأئمة المعصومين قائمون مقامه و هم خلفائه. و ليس للّه في طلب الهجرة من عباده حاجة؛ لأنّه الغني المطلق و العزيز المقتدر، و إنّما طلب منهم ذلك لأجل إيصال النفع إليهم و نجاتهم عن المهالك و الشدائد بالإيمان به و الركون إليه جلّ شأنه، و لا يقع اسم المهاجر إلاّ بمعرفة حجّة اللّه في أرضه و الإيمان به - سواء كان نبيّا أو وصيّا - لتحقّق الغرض، و هو الوصول، و يؤكّد عليه السّلام ذلك من أنّ من بلغته الحجّة و عرفها لا يكون مستضعفا و إن لم يتجشم عناء السفر و كان في وطنه، كما يدلّ على ذلك ما تقدّم من الروايات، و ما عن الصادق عليه السّلام: «أنّه سئل ما تقول في المستضعفين ؟ فقال شبيها بالفزع: فتركتم أحدا يكون مستضعفا، و أين المستضعفون ؟! فو اللّه لقد مشى بأمركم هذا العوانق إلى العوانق في خدورهن، و تحدّثت به السقاآت في طريق المدينة»، يعني: لا يسوغ له التقصير في الإيمان بالحجّة بعد الظهور و السماع و المعرفة لكلّ أحد، فلا يقع عليه اسم الاستضعاف حينئذ. و العوانق جمع عنق الرقبة.

و في الكافي بإسناده عن إسماعيل الجعفي قال: «سألت أبا جعفر عن الدين الّذي لا يسع العباد جهله ؟ قال: الدين واسع و لكن الخوارج ضيّقوا على أنفسهم من جهلهم، قلت: جعلت فداك فأحدّثك بديني الّذي أنا عليه ؟ فقال: نعم، فقلت:

اشهد أن لا إله إلاّ اللّه و أنّ محمدا عبده و رسوله، و الإقرار بما جاء به من عند اللّه تعالى، و أتولاّكم و أبرأ من أعدائكم و من ركب رقابكم و تأمرّ عليكم و ظلمكم حقّكم، فقال: و اللّه ما جهلت شيئا هو و اللّه الّذي نحن عليه، فقلت: فهل يسلم أحد لا يعرف هذا الأمر؟ فقال: لا إلاّ المستضعفين، قلت: من هم ؟ قال: نساؤكم

ص: 193

و أولادكم. ثمّ قال: أ رأيت أم أيمن ؟ فإنّي اشهد أنّها من أهل الجنّة، و ما كانت تعرف ما أنتم عليه».

أقول: إنّها تدلّ على أنّ الدين يطيقه كلّ أحد و ليس فيه ما يوجب الشدّة و الحرج، إلاّ أنّ بعض الأقوام شدّدوا على أنفسهم بالضيق لجهلهم بواقع الدين، فإنّ أصوله موافقة للفطرة، و ما كان كذلك لا ضيق فيه، و لا يسلم أحد لا يعرف الدين إلاّ المستضعفون الّذين لا سبيل لهم إلى المعرفة إلاّ بمقدار إدراكهم، كما تقدّم.

و في معاني الأخبار بإسناده عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «إنّ المستضعفين ضروب يخالف بعضهم بعضا، و من لم يكن من أهل القبلة ناصبا، فهو مستضعف».

أقول: و الروايات في ذلك مستفيضة، و إنّما لم يكن الناصب من المستضعف؛ لأنّ النصب لا يتحقّق إلاّ عن عناد و تقصير كما هو واضح، و هناك روايات أخرى متّفقة المضمون مختلفة التعبير، جار فيها ما ذكرناه.

و عن علي عليه السّلام: «من مات في سبيل اللّه فهو ضامن على اللّه أن يدخله الجنّة؛ لقوله تعالى: وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اَللّهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ اَلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اَللّهِ ».

أقول: المراد من سبيل اللّه مطلق مرضاته و ما يوجب التقرّب إليه، سواء كان في طلب العلم و الكمال أو الجهاد في سبيله أو في السفر إلى الحج أو الخروج لأجل صلة الرحم أو غير ذلك، فهو تعالى ضامن، أي: يتكفّل أن يدخله الجنّة و يعطيه الأجر الجزيل؛ لأنّ ذلك نوع من الهجرة إليه تعالى، الّتي تلازم السعادة الأبديّة و العاقبة الحميدة.

و في المجمع عن أبي حمزة الثمالي قال: «لما نزلت آية الهجرة سمعها رجل من المسلمين و هو جندب بن عمرة و كان بمكة، فقال: و اللّه ما أنا ممّن استثنى اللّه، إنّي لأجد قوة و إنّي لعالم بالطريق، و كان مريضا شديد المرض فقال لبنيه: و اللّه ما أبيت

ص: 194

بمكّة حتّى أخرج منها، فإنّي أخاف أن أموت فيها، فخرجوا يحملونه على سرير حتّى إذا بلغ التنعيم مات، فنزلت الآية».

أقول: ذكر الواقدي في أسباب النزول أنّ المهاجر كان حبيب بن حمزة، و السيوطي في الدرّ المنثور: جندع بن حمزة أو رجل من بني ليث أو أكثم.

و كيف كان، فالمورد إمّا من باب التعدّد في القضية، أو اختلاف الاسم، فمهما كان فما ورد في تلك الروايات إنّما هو من باب التطبيق و الجري، لا التخصيص.

و في الدرّ المنثور عن ابن زيد قال: «هاجر رجل من بني كنانة يريد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فمات في الطريق فسخر به قوم و استهزءوا به، و قالوا: لا هو بلغ الّذي يريد، و لا هو أقام في أهله يقومون عليه و يدفن، فنزل القرآن: وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اَللّهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ اَلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اَللّهِ ».

أقول: الرواية إمّا من باب التطبيق، أو من باب تعدّد النزول، و لا إشكال فيه كما تقدّم. و هناك روايات أخرى متّفقة المضامين و مختلفة التعابير، كلّها تدلّ على أنّ الهجرة هي الحجّة البالغة للإنسان، سواء وصل إلى الرسول صلّى اللّه عليه و آله أو لم يصل، و سواء خرج معه صلّى اللّه عليه و آله الى الجهاد أو لم يخرج، فقد روي عنه صلّى اللّه عليه و آله: «أنّه لما رجع من غزوة تبوك و دنا من المدينة قال: إنّ في المدينة لأقواما ما سرتم من مسير و لا قطعتم من واد إلاّ كانوا معكم، قالوا: يا رسول اللّه و هم بالمدينة! قال: نعم و هم بالمدينة حبسهم حابس العذر. و هم الّذين صحّت نياتهم و تعلّقت قلوبهم بالجهاد، و إنّما منعهم عنه الضرر».

و في تفسير العياشي عن أبي الصباح قال: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: ما تقول في رجل دعي إلى هذا الأمر فعرفه و هو في أرض منقطعة، إذ جاءه موت الإمام عليه السّلام، فبينما هو ينظر إذ جاءه الموت، فقال: هو و اللّه بمنزلة من هاجر إلى اللّه و رسوله فمات، فقد وقع أجره على اللّه».

أقول: الرواية تدلّ على ما ذكرناه كما مرّ، و هي مطابقة لما دلّ من أنّ الناس يحشرون حسب نياتهم.

ص: 195

بحث عرفاني:
اشارة

الهجرة و هي الانتقال و الرحيل سواء كان من الوطن إلى غيره أو من حال الى غيرها. و إنّها من أكمل الصفات الحسنة و أجلّها إن كانت ناشئة من الحبّ الحقيقي الواقعي للّه سبحانه و تعالى و الانقطاع إليه جلّ شأنه، و بها يحصل الودّ و الحبّ له عزّ و جلّ ، و منه تعالى لعبده.

بل أنّ الهجرة من الفناء في ذاته جلّت عظمته؛ لأنّ بها يخرج الإنسان عن ذلّ ما توطّن فيه من الصفات الذميمة و يبعد عن المعاصي - الّتي تحصل عن الأهواء الشيطانيّة - كالكبر و الحسد و البطر و الجهل و غيرها.

و بالهجرة يفوز الإنسان و ينال الكمالات بأنواعها و أقسامها الظاهريّة و المعنوية، فعن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «من كانت هجرته إلى اللّه و رسوله فهجرته إلى اللّه و رسوله، و من كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوّجها فهجرته إلى ما هاجر إليه».

و بالهجرة يرتقي الإنسان عن حدود البشريّة في طلب حضرت الربوبيّة إلى منتهى السعادة بصفاء القلب و تزكيته و العروج إليه جلّت عظمته؛ لأنّ البقاء و السكون فيها الّذين لا يرضاهما تعالى من آثار الحجب و البعد عن ذاته المقدّسة و القرب من الشيطان.

و بها يستغني المهاجر عن ما سواه تعالى، و يذوق لذّة العبوديّة للّه جلّ شأنه، و ينال شرفها بالخضوع الحقيقي له عزّ و جلّ . فالهجرة الواقعيّة من أسمى الصفات الكريمة و أجلّ الكمالات الواقعيّة و أرفع المنازل العظيمة، و أشرف الحقائق بل هي غاية السير و السلوك إليه عزّ و جلّ ؛ لأنّها مبايعة اللّه تعالى مع عبده بالهجرة إليه عزّ و جلّ .

ص: 196

أقسام الهجرة:
اشارة

للهجرة أقسام مختلفة تنشأ من علو الهمّة الّتي هي تختلف باختلاف الأشخاص و مراتب الإيمان و منازل الأوطان:

الأوّل:

الهجرة من الوطن إلى غيره لنيل الدنيا، فإنّ هجرته إلى ما هاجر إليه، كما تقدّم عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله و لا شرف فيها، بل في التعبير بها تسامح، و الآيات الشريفة و السنّة المباركة بمعزل عنها.

الثاني:

الهجرة بترك الأوطان و البعد عن الإخوان لنيل الكمال المنشود في رضائه تعالى بصحبة عالم عامل أو حكيم عارف أو معلّم مشفق. و لها مرتبة من الشرف، و قد يحصل بها الرقي إلى المنازل الرفيعة و الدرجات الساميّة، و تسمّى بهجرة الأخيار.

الثالث:

الهجرة من وطن الملك بالسعي في ترك جميع الحظوظ النفسانيّة للوصول إلى عالم الملكوت. أو من وطن المعصية إلى شرف الطاعة و السكون فيه بمعرفة الحقّ و تجليه له، و هي من أكملها و أعلاها و تسمّى بهجرة الخواص، و بها يبلغ المقصود و يخضع له ما في عالم المشهود لخضوعه الواقعي له عزّ و جلّ ، فعن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «من انقطع إلى اللّه كفاه كلّ مؤنة و رزقه من حيث لا يحتسب»، و قد تقدّم في التفسير مكرّرا أنّ الرزق أعمّ من الإفاضات الظاهريّة و المعنويّة.

الرابع:

الهجرة من وطن الغفلة إلى شرف اليقظة، أي: من وطن الحسّ إلى وطن المعنى بمكاشفة الأفعال و مشاهدة الصفات في ترك إقبال الخلق و العزل عن طلب الكرامة فيهم، و لا ينال هذا القسم إلاّ من امتحن اللّه قلبه بالإيمان.

و بهذه الهجرة ينال العبد أسمى صفات العبوديّة و أجلّها، و هي كما عن الصادق عليه السّلام: «العبوديّة جوهرة كنهها الربوبيّة»، و بها يستغنى عن ما سواه تعالى و لا يعظم غيره عزّ و جلّ ، فعن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «من كانت الآخرة نيّته جمع اللّه

ص: 197

عليه أمره و جعل غناه في قلبه و أتته الدنيا، و هي صاغرة»، و قال تعالى: وَ إِنْ مِنْ شَيْ ءٍ إِلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ ، و تسمّى هذه الهجرة بهجرة الأبرار.

الخامس:

الهجرة من عالم الأشباح إلى عالم الأرواح، أي من الأكوان إلى المكوّن، و هي تختصّ بأخصّ الخواص، و تسمّى بهجرة المقرّبين و من أجلّها الإسراء و المعراج: وَ أَنَّ إِلى رَبِّكَ اَلْمُنْتَهى [سورة النجم، الآية: 42].

و الجامع بين الأقسام الرحيل من علم اليقين إلى عين اليقين، و منه إلى حقّ اليقين، أو من الشهود إلى المعرفة و منها إلى المعاينة. فمن هاجر من هذه المواطن قاصدا بهجرته الوصول إلى حضرة المحبوب بنيل رضاه، فقد بلغ أقصى مراتب السعادة و أشرف منازل الكرامة.

أسباب الهجرة:

تنشأ الهجرة النفسانيّة و عروج القلب إلى المشاهدة بتجاوز حدود البشرية من أسباب عديدة، أهمّها المحبّة للّه تعالى، و الغنى به جلّت عظمته، و الصدق في العبوديّة - بالاستسلام لما يورد عليه و الاستعانة منه جلّ شأنه - و اليقين في أحكام الربوبيّة، بتزكية النفس و مخالفة هواها؛ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها [سورة الشمس، الآية: 9]، و لكلّ من هذه الأمور مراتب و درجات و حدود، و لو لا قول نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «المؤمن ملجم»، لكان لغور البحث فيها مجال.

آثار الهجرة:

لكلّ من أقسام الهجرة آثار تختلف حسب الهجرة الّتي هاجرها المهاجر، بهجران الصفات الرذيلة و تبديل الأخلاق الفاسدة بالحسنة و ترك الحظوظ النفسانيّة و قهر الهوى بالمقامات العالية، فقد ينقّى الأثر بالرقي إلى مكارم الأخلاق،

ص: 198

و الوصول إلى أقصى مراتب الكمال بسعادة الدارين، و نيل رضاه عزّ و جلّ ، و يبلغ القصد بالشهود بشرف العبوديّة في السير و السلوك حتّى لا يحتاج إلى دليل و برهان في إثبات صفات الجمال و الجلال، تبعا للهجرة الموصلة إلى المطلوب، بل قد ينال من الحياة الأبدية في هذه النشأة، كما ورد في شأن بعض الخواص من أصحاب الصادق عليه السّلام.

و لو مات المهاجر قبل أن يصل إلى مراده و مسعاه، فله نصيب من بلغ إلى ذلك المقام، ففي الأثر: «أنّ المؤمن إذا مات و لم يحفظ القرآن، أمر حفظته أن يعلموه في قبره حتّى يبعثه اللّه يوم القيامة مع أهله»، و قد ثبت في محلّه أنّ الرقي في عالم البرزخ موجود لأهله. و أمّا قوله تعالى: وَ مَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي اَلْآخِرَةِ أَعْمى [سورة الإسراء، الآية: 72]، إنّما هو بالنسبة لمن لا معرفة له أصلا، لا من انكشف عنه الغطاء بالهجرة و ارتفع العمى و الحجاب بالسير و السلوك إلى حضرة الربوبيّة في رضاه تعالى برؤية آثاره و صفاته جلّت عظمته. و أمّا قوله صلّى اللّه عليه و آله: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله»، هذا بالنسبة إلى أعماله الخارجيّة و أمّا بحسب فضله تعالى فلا يتصوّر فيه حدّ حتّى ينقطع، و المهاجر الحقيقي كان من نيته دوام الهجرة و التوطّن في المقامات العالية؛ و لأجل ذلك أضاف جزاءه إلى نفسه الأقدس بقوله تعالى: فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ ، و يدلّ على ما ذكرنا قوله تعالى في القدسيات: «لا يسعني أرضي و لا سمائي، و إنّما يسعني قلب عبدي المؤمن».

موانع الهجرة:

و هي العوائق الموجودة في النفس، المستندة إلى الأهواء الشريرة المتوطّنة في النفس البشرية الحاصلة من الوساوس الشيطانيّة، كالتخويف بالموت أو الفوت أو المحبّة لما سواه تعالى من الأهل و المال و الجاه، فهذه حجب شيطانيّة تمنع عن الهجرة

ص: 199

بالسير و السلوك، و تحجب عن مشاهدة التجلّيات و هو جمال الحقّ ، فحسن الأعمال نتائج حسن الأحوال من صلاح القلب و التوجّه إلى اللّه، و بذلك تصلح الهجرة و الرحيل، وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ ، أي: بيت بشريته بترك الدنيا و قمع الهوى مُهاجِراً الى التقرّب به جلّ شأنه بمبايعة رسوله، ثُمَّ يُدْرِكْهُ اَلْمَوْتُ قبل وصوله إلى مطلوبه و مسعاه، فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ ، أي: بذمّة كرمه و فضله و رحمته فيبلغه إلى أقصى مقاصده إن كان المانع أجله، «فإنّ نيّة المؤمن خير من عمله»، و «يحشر الناس على نيّاتهم»، هذا إذا لم يأت بما يوجب بطلان الهجرة و البعد عن تشرّف الوصلة بالتقرّب إليه، وَ كانَ اَللّهُ غَفُوراً للذنوب خصوصا ذنب أنانيّة الوجود، رَحِيماً بتجلّي صفة جوده حتّى يبلغ العبد إلى كمال مقصوده و مسعى غايته بمنّه وجوده و كرمه.

بحث فقهي:
اشارة

يستفاد من الآيات الشريفة الأحكام الفقهيّة التالية:

الأوّل:

يستفاد من قوله تعالى: لا يَسْتَوِي اَلْقاعِدُونَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي اَلضَّرَرِ وَ اَلْمُجاهِدُونَ ، أنّ الجهاد واجب كفائي يسقط عن أولي الضرر، و عمّن تقوم به الكفاية، و إلاّ لما كان القاعد لا لضرورة غير آثم، و لما استحقّ الوعد الحسن، و تدلّ الآية الكريمة و غيرها على أفضليّة الجهاد في سبيل اللّه تعالى، و الأخبار في ذلك كثيرة.

الثاني:

يدلّ قوله تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ تَوَفّاهُمُ اَلْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي اَلْأَرْضِ قالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اَللّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَ ساءَتْ مَصِيراً ، على وجوب المهاجرة من أرض لم يتمكّن فيها من إقامة الشريعة، بلا فرق بين أن تكون الإقامة فيها موجبه

ص: 200

لارتكاب محرّم أو ترك واجب، فإنّه محرّم أيضا، و يدلّ عليه بعض الأخبار، ففي صحيح محمد بن مسلم عن الصادق عليه السّلام: «في رجل أجنب و لم يجد إلاّ الثلج أو ماء جامدا، قال عليه السّلام: يتيمم به و لا أرى أن يعود إلى هذه الأرض الّتي توبق دينه»، فإنّ عموم العلّة يشمل جميع ما ذكرناه. و يدلّ على العموم أيضا قوله عليه السّلام: «من فرّ بدينه من أرض إلى أرض و إن كانت شبرا من الأرض استوجبت له الجنّة و كان رفيق أبيه إبراهيم و نبيّه محمد (صلوات عليهم عليهما)، فالمهاجرة واجبة على كلّ من لم يتمكّن من إقامة دينه، أو كانت الإقامة موبقة لدينه و يسقط الوجوب لو كان له ظهر يحميه من المشركين من عشيرة و نحوها، فيمكنه إظهار إيمانه و يكون آمنا على نفسه.

و يظهر ممّا ذكرنا أنّ الآية المباركة عامّة لا تختصّ بعصر النزول، و أنّ وجوب الهجرة باق ما دام المقتضي موجودا، و هو الكفر و الشرك و عدم التمكّن من إقامة شعائر الإسلام. و أمّا الحديث المروي عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «لا هجرة بعد الفتح»، فإنّه محمول على نفي وجوب الهجرة عن مكّة المكرّمة بعد فتحها؛ لأنّها صارت من بلاد الإسلام، و لإمكان إقامة الشعائر فيها كما في كلّ بلاد الشرك إذا فتحت و دخل أهلها في الإسلام، فإنّه لا يجب الهجرة منها لعدم المقتضي.

و يستفاد من الآية الشريفة استحباب الخروج من أرض يعصى اللّه تعالى فيها، و يدلّ عليه قوله تعالى: يا عِبادِيَ اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيّايَ فَاعْبُدُونِ [سورة العنكبوت، الآية: 56]، و في الحديث عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «إذا عصي اللّه في أرض و أنت فيها فأخرج منها إلى غيرها»، المحمول على الاستحباب.

و هل تشمل الآية الكريمة الهجرة من الأرض الّتي لا يتمكّن فيها من إقامة شعائر الإيمان ؟ فيه بحث مذكور في الكتب المفصّلة.

الثالث:

يستفاد من إطلاق الآية المباركة أنّ الهجرة باقية مادام الكفر باقيا،

ص: 201

و أنّها غير مقيّدة بزمان خاص و لا بمكان معين، فعن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «تنقطع الهجرة حتّى تنقطع التوبة حتّى تطلع الشمس من مغربها»، مضافا إلى الإجماع.

الرابع:

مقتضى أدلّة وجوب الهجرة أنّها تنقسم إلى الهجرة الواجبة و المستحبّة و المباحة، أمّا الأولى فكما تقدّم، و أمّا الثانية كما إذا كان في بلاد الشرك و يمكنه إظهار الشعائر الدينيّة و العمل بها، و مع ذلك تستحبّ الهجرة لئلاّ يكثر به عددهم أو يترتّب عليه عنوان يوجب رفع شأنهم، و أمّا الثالثة كما في موارد وجود العذر في الهجرة.

الخامس:

يدلّ قوله تعالى: وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اَللّهِ وَ رَسُولِهِ على أنّ كلّ هجرة لغرض ديني من طلب علم أو حجّ أو جهاد أو الفرار من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، أو الهجرة من الباطل إلى الحقّ ، ففي الحديث: «من دخل إلى الإسلام طوعا، فهو مهاجر»، و كذا الفرار إلى بلد يزداد فيه طاعة اللّه تعالى أو زهدا في الدنيا أو قناعة أو ابتغاء رزق طيب، فهي هجرة إلى اللّه تعالى و رسوله و إن أدركه الموت في طريقه فأجره يكون على اللّه تعالى؛ لأنّ المستفاد من الآية الشريفة هو طلب مرضاة اللّه و رسوله، فأين ما تحقّق المقتضي شملته الآية الكريمة.

ص: 202

وَ إِذا ضَرَبْتُمْ فِي اَلْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ اَلصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ اَ.......

اشارة

وَ إِذا ضَرَبْتُمْ فِي اَلْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ اَلصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ اَلْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً (101) وَ إِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ اَلصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَ لْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَ لْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَ لْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَ أَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَ أَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَ لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَ خُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اَللّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (102) فَإِذا قَضَيْتُمُ اَلصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اَللّهَ قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اِطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا اَلصَّلاةَ إِنَّ اَلصَّلاةَ كانَتْ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً (103) وَ لا تَهِنُوا فِي اِبْتِغاءِ اَلْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَ تَرْجُونَ مِنَ اَللّهِ ما لا يَرْجُونَ وَ كانَ اَللّهُ عَلِيماً حَكِيماً (104) بعد ما ذكر سبحانه و تعالى بعض ما يتعلّق بالجهاد و الهجرة إلى سبيله عزّ و جلّ و حثّ عليهما بأتمّ وجه و أكمل بيان أراد جلّ شأنه أن يبيّن حكم المجاهدين مع أعداء اللّه تعالى في العبادات إذا أحاطهم الخوف و مانع عن ذكره جلّت عظمته، و حكم صلاة الخوف و بيان الصورة الّتي يؤدى بها.

و بمناسبة الهجرة من دار الكفر و الشرك و الضلال إلى دار الإسلام بيّن سبحانه و تعالى حكم الصلاة في السفر من القصر فيها، بعد بيان الحكمة في تشريع القصر فيها.

ص: 203

و يأتي ذكر الصلاة بعد الحثّ الشديد إلى الجهاد و الترغيب الأكيد إلى الهجرة؛ للأهميّة العظمى بها في شريعة الإسلام، حتّى أنّ الخوف من الأعداء و فتنتهم و تحمّل أهوال السفر و مشاقّه و متاعبه، لا تحول كلّ ذلك عن أداء الصلاة في أوقاتها. و إنّما تكون على قصر في كلتا الحالتين، و بالكيفيّة الّتي ذكرها عزّ و جلّ في هذه الآيات بالنسبة إلى صلاة الخوف و المطاردة.

و يبيّن عزّ و جلّ أنّ الصلاة الّتي هي الصلة بين الإنسان و خالقه لا يمكن أن يكون الخوف المحيط به و هول السفر و متاعبه مانعا عن أدائها مع شدّة احتياج الإنسان في لحظة الخوف إلى ذكر اللّه تعالى ليطمئن قلبه، ثمّ تنتهي الآيات المباركة بالترغيب إلى ملاحقة أعداء اللّه تعالى و تعقيب المشركين و مقاتلتهم، فكانت هذه الآية الكريمة ختام آيات الجهاد الّتي بدأت بالقتال و أخذ الحيطة و الحذر، قال تعالى: يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ اِنْفِرُوا جَمِيعاً [سورة النساء، الآية: 71]، فكان الختام بالآية المباركة الّتي لخّصت الموقف كلّه، و هو الدعوة إلى القتال و ملاحقة المشركين حتّى يكفّ بأس الكافرين و يدفع أذاهم عن الإسلام و المؤمنين.

و تتضمّن الآية الكريمة حقيقة من الحقائق الّتي يكون لها الأثر الكبير في حسم الموقف و تحريض المؤمنين و تهيئتهم.

التفسير

قوله تعالى: وَ إِذا ضَرَبْتُمْ فِي اَلْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ اَلصَّلاةِ .

الضرب في الأرض: هو السفر و السير على ما تقدّم. و الجناح الإثم المائل بالإنسان عن الحقّ ، و هو مأخوذ من الجناح الّذي في الطير، و منه قوله تعالى:

ص: 204

وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها [سورة الأنفال، الآية: 61]، أي: مالوا إلى الصلح.

ثمّ سمّى كلّ إثم جناحا. و نفي الجناح لا ينافي وجوب القصر لو تحقّقت شروطه المذكورة في السنّة، فإنّه تعالى جرى على طريقة المخاطبات العرفيّة، و من آداب الملوك نفي البأس و الحرج عن الشيء و إرادة الأمر به و طلب الإلزام، لو كان في مقام التشريع أو دفع توهّم الحظر كما يأتي.

و القصر - بالفتح - كعتب خلاف المد، يقال: قصرت الشيء إذا جعلته قصيرا بحذف بعض أجزائه أو أوصافه، و منه قوله تعالى: مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَ مُقَصِّرِينَ [سورة الفتح، الآية: 27]، و قوله تعالى: وَ عِنْدَهُمْ قاصِراتُ اَلطَّرْفِ عِينٌ [سورة الصافات، الآية: 48]، و هي الّتي لا تمدّ نظرها إلاّ إلى زوجها، فلم يطمحن النظر إلى غيرهم، و التعبير بنقص بعض ركعات الصلاة بالقصر من اللغة العالية الّتي جاء بها الكتاب العزيز.

و المفعول محذوف تقديره (شيئا)، و مِنَ اَلصَّلاةِ صفة و بيان له.

و المعنى: فإذا سافرتم فلا حرج و لا مانع من أن تنقصوا شيئا من الصلاة، و قيل: الصلاة مفعول تقصروا و (من) زائدة. و المراد من الصلاة جنسها، فيشمل كلّ صلاة إلاّ ما خرج بالدليل، كصلاة الصبح و صلاة المغرب، و يختصّ القصر بالصلاة الرباعيّة بتنصيفها. كما أنّ إطلاق الأرض يشمل كلّ أنحائها من البر أو البحر أو الجوّ، كما أن عموم الضرب يشمل كلّ سفر إلاّ ما خرج بالدليل كسفر المعصية، فتشمل سفر الطاعة و سفر المباح و غيرهما.

و تقدّم أنّ نفي الجناح الدالّ على الجواز بوحده لا ينافي الوجوب إذا كان في مقام التشريع أو دفع توهّم الحظر، كما في قوله تعالى: إِنَّ اَلصَّفا وَ اَلْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اَللّهِ فَمَنْ حَجَّ اَلْبَيْتَ أَوِ اِعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما [سورة البقرة، الآية: 158]، فإنّه كما عرفت أنّ الطواف واجب و التعبير بنفي الجناح - مع أنّ المقام مقام فرض و وجوب - لأجل أنّ الإتمام لما كان عادة عندهم و قد ألفوه و اعتادوا

ص: 205

عليه، كان مظنة لأنّ يخطر ببالهم أنّ عليهم نقصانا في السفر، فنفي عنه الجناح لتطيب به نفوسهم، و قد ذكرنا ما يتعلّق بهذا التعبير في آية الطواف أيضا فراجع.

و إرادة الوجوب بهذا التعبير من أسمى لغة الفصاحة و البلاغة الّتي يمتاز بها القرآن الكريم.

و يدلّ على ذلك صحيحة زرارة و محمد بن مسلم قالا: «قلنا لأبي جعفر عليه السّلام:

ما تقول في الصلاة في السفر، كيف هي ؟ و كم هي ؟ فقال: إنّ اللّه عزّ و جلّ يقول:

وَ إِذا ضَرَبْتُمْ فِي اَلْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ اَلصَّلاةِ ، فصار التقصير في السفر واجبا كوجوب التمام في الحضر، قالا: قلنا إنّما قال اللّه تعالى:

فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ و لم يقل افعلوا، فكيف أوجب ذلك كما أوجب التمام في الحضر؟! فقال عليه السّلام: أو ليس قد قال: إِنَّ اَلصَّفا وَ اَلْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اَللّهِ فَمَنْ حَجَّ اَلْبَيْتَ أَوِ اِعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ألا ترون أنّ الطواف بهما واجب مفروض؛ لأنّ اللّه عزّ و جلّ ذكره في كتابه، و صنعه نبيّه صلّى اللّه عليه و آله، و كذا التقصير في السفر صنعه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، و ذكره اللّه في كتابه، قالا: قلنا: فمن صلّى من الصلاة أربعا، أ يعيد أم لا؟ قال عليه السّلام: إن كان قد قرأت عليه آية التقصير و فسّرت له فصلّى أربعا أعاد، و إن لم يكن قرئت عليه و لم يعلمها فلا إعادة عليه، و الصلاة كلّها في السفر الفريضة ركعتان كلّ صلاة إلاّ المغرب، فإنّها ثلاث ليس فيها تقصير، تركها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في السفر و الحضر، ثلاث ركعات - الحديث -»، إلى غير ذلك من الأخبار الّتي وردت في هذا المضمون الدالّة على الوجوب، و مقتضاها كون التقصير في صلاة السفر لو تحقّقت شروطه عزيمة لا رخصة، فلا يجزيه الإتمام، و ممّا ذكرنا يعلم فساد جملة ممّا ذكروه في المقام، و سيأتي في البحث الفقهي تتمة الكلام إن شاء اللّه تعالى.

قوله تعالى: إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا .

الفتنة: هي الاختبار بالمكروه و الأذى، و في الحديث: «انّكم تفتنون في القبور»، أي: تمتحنون و تختبرون، و يراد بها مسألة المنكر و النكير، و عنه صلّى اللّه عليه و آله:

ص: 206

«فبي يفتنون و عني تسألون»، أي: تمتحنون بي في الدنيا و الآخرة، و يتعرّف على إيمانكم بتصديق نبوّتي، و تقدّم الكلام في اشتقاق هذه الكلمة، و قد كثر استعمالها فيما أخرجه الاختبار للمكروه، ثمّ كثر حتّى استعمل بمعنى الإثم و الكفر و القتال و الصرف عن الشيء، و يراد بها في المقام الإيذاء بالقتل و الضرب و التعذيب و نحوها.

و الجملة شرط لنفي الجناح في قصر الصلاة، أي: لا جناح عليكم أن تقصروا من الصلاة إن خفتم الأذيّة و التعذيب من الّذين كفروا. و مفهوم الشرط و إن كان حجّة إلاّ أنّه يعتبر فيه أن يكون الشرط علّة تامّة منحصرة للجزاء، و إلاّ فلا مفهوم له كما في المقام، فإنّ الشرط إنّما هو لبيان الواقع، إذ أنّ في بدء التشريع الغالب كان على المسلمين الخوف في الأسفار، فتكون الآية الشريفة لبيان أحد مصاديق القصر، و أمّا السنّة الشريفة فقد بيّنت بقية المصاديق و دلّت على شمول القصر لجميع الأقسام و الصور.

بل يمكن أن يقال: إنّ المستفاد من الأدلّة الواردة في هذا المقام أنّ السفر مستقلّ في وجوب القصر من غير مدخليّة الخوف فيه، كما أنّ الخوف بنفسه مستقلّ في القصر أيضا، كما سيأتي. و بناء على ذلك لا وجه لما عن بعض من اشتراط القصر في السفر بالخوف؛ لظاهر الآية الشريفة الّذي عرفت أنّه لا حجّية فيه. على أنّه معارض بما هو أقوى حجّة على عدم الاشتراط، و سيأتي في البحث الروائي و الفقهي ما يتعلّق بذلك.

و الحاصل: أنّ الخوف من الفتنة و القتل من قبيل بيان إحدى حكم تشريع القصر في السفر، لا أن يكون شرطا فيه، و هو أيضا من باب الغالب في الأزمنة القديمة، لا سيما عصر نزول الآية الشريفة.

قوله تعالى: إِنَّ اَلْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً .

العدو يستوي فيه الواحد و الجمع، و قيل: هو مصدر على وزن فعول

ص: 207

كالقبول. و الجملة في موضع التعليل لتوقّع الفتنة. أي: أنّ من شأن الكافرين يكونوا لكم أعداء لا يضيعون فرصة في إيذاء المسلمين.

و قد وصف سبحانه و تعالى عداوتهم بكونها واضحة لا خفاء فيها، كما وصف عداوة إبليس لبني آدم عليه السّلام بذلك أيضا، حيث قال عزّ و جلّ : إِنَّ اَلشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً [سورة الإسراء، الآية: 53]، فيعرف أنّ الكافرين من أولياء الشياطين.

قوله تعالى: وَ إِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ اَلصَّلاةَ .

بيان لكيفيّة صلاة الخوف. و الخطاب للرسول الأعظم صلّى اللّه عليه و آله باعتباره إماما للمسلمين و رئيسهم، فيكون من قبيل إيراد المثال و إرادة الجميع بطريق التجريد، لكونه أوجز و أبلغ.

و إقامة الصلاة لهم أي: ايتانها جماعة و الايتمام به صلّى اللّه عليه و آله، و ذكر بعضهم أنّ المراد بها إقامة الصلاة المأتي بها بعد الأذان لتعدّيها باللام، و هو خلاف سياق الآية المباركة، بل المنساق ما ذكرناه، و هو الدعوة إلى أدائها جماعة، و كان هو الإمام لهم.

و المعنى: و إذا كنت فيهم يا رسول اللّه فصلّيت بهم جماعة و كنت أنت الإمام لهم، و الحال حال الخوف و الزمن زمن فتنة الكفّار الّذين هم عدو لكم.

و ذكر بعضهم أنّ ظاهر الآية الشريفة اختصاص الخطاب بالرسول صلّى اللّه عليه و آله فيكون شرط صلاة الخوف هو وجوده صلّى اللّه عليه و آله فيهم، فتكون من خواصه. و لكن هذا القول موهون لما عرفت؛ و لقيام الدليل على ثبوت صلاة الخوف بعد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أيضا.

قوله تعالى: فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ .

الطائفة الجماعة، و ربما تطلق على الواحد أيضا، أي: أقسمهم إلى طائفتين، فلتقم إحداهما معك يقتدون بك في الصلاة، و تبقى الأخرى تجاه العدو و تراقبه، و لم يذكر عزّ و جلّ هذه الطائفة غير المصلّين، لدلالة ظاهر الكلام عليه.

ص: 208

قوله تعالى: وَ لْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ .

السلاح: اسم لما يدفع الإنسان به عن نفسه، و يختلف ذلك باختلاف العصور. و الظاهر توجّه الخطاب إلى الطائفة القائمة معه صلّى اللّه عليه و آله في الصلاة، فليأخذوا أسلحتهم و لا يدعوها وقت الصلاة.

و قيل: بتوجه الخطاب إلى الطائفة الأخرى المراقبة للعدو المستفاد من سياق الكلام. و قيل: إنّ المأمور بأخذ السلاح هو الجميع، الطائفتين - المصلّين و المراقبين - معا. و لا يخفى ما في كلا القولين، فإنّ أخذ السلاح في مثل هذه الحالة أمر ضروري إلاّ في حال الصلاة الّتي لا قتال فيها و لا نزال، و قد ورد النهي عن حمل السلاح حال الصلاة، فاحتاج إلى الأمر بأخذه حالها، و لا يوجد مثل هذه القرينة في الاحتمالين الآخرين.

ثمّ إنّ ظاهر الأمر هو وجوب حمل السلاح حال الصلاة مع العذر و الخوف.

قوله تعالى: فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ .

أي: فإذا فرغ المصلّون من السجود، فيصبروا بعد فراغهم من الصلاة إلى وراء القوم يحرسونهم، و تأتي الطائفة المراقبة و تأخذ أمكنتها للصلاة.

قوله تعالى: وَ لْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ .

أي: و لتأت الطائفة الّذين لم يصلّوا لاشتغالهم بالحراسة و المراقبة، فليصلّوا معك كما صلّت الطائفة الأولى، و هذه الآية المباركة تحتمل وجهين.

الأوّل: أن يفرّق الإمام أصحابه فرقتين، يصلّي بإحداهما الصلاة ركعتين و يسلّم بهم، و الثانية تحرسهم ثمّ يصلّي بالثانية ركعتين يعيدها معهم، فتكون لهم فريضة و له نافلة، و هذه هي صلاة بطن النخل، صلاها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بأصحابه هناك، و هذه الصلاة لا مخالفة لها مع صلاة المختار إلاّ بالكيفيّة المذكورة؛ و لذا ذكر بعض الأصحاب بجواز صلاتها في الأمن أيضا، و لكنّه مشكل كما هو مذكور في الكتب الفقهيّة.

ص: 209

الثاني: أن يفرّق الإمام أصحابه فرقتين يصلّي بكلّ فرقة منهم ركعة إن كانت الصلاة ركعتين، فيصلّي بالأولى ركعة و ينتظر الإمام قائما في الركعة الثانية، حتّى يصلّوها انفرادا و يتشهّدون و يسلّمون و يذهبون إلى وجه العدو و مكان الفرقة الّتي لم تصلّ ، فتأتي الأخرى فيؤمّهم الإمام بهم للركعة الثانية و ينتظرهم قاعدا حتّى يتمّوا صلاتهم و يسلّم بهم، فتكون للطائفة الأولى تكبيرة الافتتاح، و للثانية التسليم، و هذه هي صلاة ذات الرقاع الّتي صلاها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و يشترط لها شروط مذكورة في كتب الفقه فراجع (مهذب الأحكام)، و قد وردت هذه الصلاة في أخبار أهل العصمة (صلوات اللّه عليهم أجمعين).

قوله تعالى: وَ لْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَ أَسْلِحَتَهُمْ .

أي: و لتأخذ الطائفة الأخرى - الّتي تصلّي كالطائفة الأولى - حذرهم و أسلحتهم، و يمكن توجيه الأمر إلى الطائفتين معا، أي: و لتأخذ الطائفتان حذرهم و أسلحتهم سواء في الصلاة أو في الحراسة، و يؤيّده ذيل الآية الشريفة: وَدَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ .

و زاد تعالى في المقام الحذر، و هو التيقّظ و جعل الحذر آلة الدفاع الّتي يتحصّن بها كالأسلحة، و هو من الاستعارة اللطيفة، حيث أثبت له الأخذ و هو أمر معنوي لا يتّصف به تخييلا، و زاده عزّ و جلّ في المقام لشدّة الحيطة و التحرّس؛ لأنّ العدو قد يميل إذا ما تنبّه أنّ المسلمين في الصلاة بعد غفلته في ابتداء الأمر عنهم، فينتهزون الفرصة و هم في حال الركوع و السجود فيهجمون عليهم.

قوله تعالى: وَدَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَ أَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً.......

قوله تعالى: وَدَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَ أَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً .

تعليل للحكم المزبور، و الخطاب للفريقين، و الأمر إرشادي إلى ما تحكم به الفطرة من وجوب أخذ الحيطة و الحذر عمّا يخاف منه.

ص: 210

و الميلة الواحدة، أي: جملة واحدة مستأصلة لا يحتاج إلى حملة ثانية، و هي مبالغة في تمنّيهم إزالة المسلمين و محو آثارهم.

و المعنى: يتمنّى الّذين كفروا غفلتكم عن السلاح الّتي بها تدفعون عدوكم، و عن الأمتعة الّتي بها بلاغكم في أسفاركم و أنتم متشاغلون بالصلاة، فيحملون عليكم حملة واحدة مستأصلة.

قوله تعالى: وَ لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ .

تخفيف إلهي و ترخيص لهم في وضع السلاح و التأهّب للعدو إذا ثقل حمل السلاح عليهم إن كانوا يتأذّون من مطر ينزل عليهم، أو كان بعضهم مرضى، لكن يجب عليهم الحذر و التيقّظ و لا يغفلوا عن أعدائهم الّذين يودّون القضاء عليهم.

قوله تعالى: وَ خُذُوا حِذْرَكُمْ .

أمر إرشادي كما عرفت، و هو وجوب اتّخاذ الحذر في جميع الأحوال حين وضع السلاح و حمله؛ لئلاّ يهجم عليهم العدو.

قوله تعالى: إِنَّ اَللّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً .

وعد منه عزّ و جلّ للمؤمنين بالنصر على الّذين كفروا لتقوية قلوبهم و بعث الطمأنينة في نفوسهم بعد أمرهم بالحذر؛ لئلاّ يشعروا بالضعف و وعيد للكافرين الّذين يريدون إذلال المؤمنين و القضاء عليهم.

و يستفاد من الآية المباركة مناسبة العذاب للفعل، فإنّ الكافرين يريدون إذلال المؤمنين، فاللّه تعالى أوعدهم العذاب المهين الّذي يذلّ فيه كلّ كافر، سواء في الدنيا بالنصر عليهم، أو في الآخرة في نار جهنّم خالدين فيها.

قوله تعالى: فَإِذا قَضَيْتُمُ اَلصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اَللّهَ قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى جُنُوبِكُمْ .

أي: فإذا فرغتم من الصلاة و اديتموها على ما قرّرها اللّه عزّ و جلّ ، فداوموا

ص: 211

على ذكره عزّ و جلّ في حال القيام و القعود و على جنوبكم، و المراد منها الذكر المستوعب لجميع الأحوال.

و تبيّن الآية المباركة مراتب القدرة و العجز في الصلاة، فيصلّي الأصحاء و القادرون على القيام قياما، و قعودا إذا كانوا مرضى لا يقدرون على القيام، و على جنوبهم إذا لم يقدروا على القعود، فيصلّون مضطجعين كما فسّر في بعض الأخبار، و هو الاضطجاع على الأيمن، و إلاّ فعلى الأيسر، و إلاّ فمستلقين، و قد وردت في هذا الاحتمال روايات متعدّدة.

و ذكر جمع أنّ الآية الكريمة في مقام بيان مراتب الخوف و شدّته. و قال آخر:

يعني اذكروه على كلّ حال تكونون عليها من قيام، و لكن إطلاقها يشمل جميع ذلك كما يشمل حال الحرب و حال السلم.

و كيف كان، فالآية الكريمة تدلّ على لزوم المراقبة و ذكر اللّه تعالى و عدم الغفلة عنه عزّ و جلّ في جميع الأحوال، كما يدلّ عليه قوله تعالى: إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَ اُذْكُرُوا اَللّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [سورة الأنفال، الآية: 45]. و المداومة على ذكر اللّه من أقوى السبل على تربية النفس و ترويضها على الاستكمال و بعد الغفلة عنه؛ و لذا ورد التأكيد على كثرة الذكر في القرآن الكريم و السنّة الشريفة.

قوله تعالى: فَإِذَا اِطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا اَلصَّلاةَ .

المراد من الاطمئنان هو الاستقرار و سكون النفس، أي: إذا زال الخوف و قدرتم على إتيان الصلاة على ما يعتبر فيها من الشروط و الواجبات الاختياريّة، فيجب إتيان الصلاة تامّة على الوجه المأمور به مع الحفظ على أركانها و شرائطها و سائر واجباتها.

و يمكن إرجاع الآية الكريمة إلى ما قبلها، فتكون قرينة على إرادة شدّة الخوف منها، كما يمكن أن تجعل مقابلا لقوله تعالى: وَ إِذا ضَرَبْتُمْ فِي اَلْأَرْضِ ، فيكون المراد هو الاستقرار في الأوطان. و يمكن الحمل على الأعمّ بحيث يشمل

ص: 212

الاستقرار في الأوطان الموجب لإتمام الصلاة، أو الاستقرار في النفس الناشئ من زوال الخوف، فيأتي بالصلاة على ما هي عليها من الأجزاء و الشرائط، فيوجب رفع القصر من الصلاة كمية و كيفيّة كلّ بحسب حاله.

قوله تعالى: إِنَّ اَلصَّلاةَ كانَتْ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً .

تعليل لما سبق و تأكيد للأحكام السابقة، و اعتناء بشأن الصلاة اعتناء بليغا، أي: إنّما شرّع حكم تلك الأقسام و الأطوار لأجل أنّ الصلاة كانت على المؤمنين واجبة مفروضة، و كانت من الواجبات الوقتيّة، كما حدّدها عزّ و جلّ في آيات كثيرة و بيّنتها السنّة الشريفة.

و الكتاب بمعنى المكتوب أي المفروض، و تقدّم اشتقاق هذه الكلمة في قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلصِّيامُ [سورة البقرة، الآية: 183].

و إنّما خصّ عزّ و جلّ المؤمنين دون سائر الناس مع أنّ الصلاة فرض على الجميع حتّى الكفّار - لتكليفهم بالفروع كتكليفهم بالأصول - اهتماما بهم و لأنّهم المستعدّون لقبول الفيض و الاستكمال، و هم الّذين يعرفون أهميّة الصلاة في تهذيب النفس و القرب لدى جنابه عزّ و جلّ ، فيكون من باب ذكر أشرف الأفراد، لا التخصيص في التكليف، و سيأتي في قوله تعالى: يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ [سورة النساء، الآية: 135] بعض ما يتعلّق بالمقام.

قوله تعالى: وَ لا تَهِنُوا فِي اِبْتِغاءِ اَلْقَوْمِ .

أمر بالعزيمة و الثبات في طلب أعداء اللّه تعالى و عدم التواني في دركهم بعد الأمر بأخذ الحذر و الاستعداد، فإنّ الأمر عظيم و الشوط طويل و يحتاج إلى بذل التضحيات كما يحتاج إلى الصبر و العزيمة، و من المعلوم أنّ الآلام و التضحيات ليست وقفا على المؤمنين وحدهم، فإنّ الناس كلّهم معرّضون لها، و يتألم منها الكافر كما يتألم المؤمن. و لا شك أنّ ممّا يزيد في عزيمة المؤمن المجاهد إذا علم أنّه أحدث في العدو جرحا و خسائر، فيشعر أنّه ليس الوحيد الّذي يتألم بل قد أحدث

ص: 213

في عدوه الألم في ذات الوقت، إلاّ أن الفارق الأعظم بين الألمين أنّ ألم المؤمن ذاهب به إلى الجنّة يغسل به خطاياه و ذنوبه و يزيل العذاب و يزيد له في الدرجات كلما زاد، و يعوّض له النعيم الأبدي الّذي لا ينغصه شيء ممّا في الدنيا، بخلاف ألم العدو الكافر الّذي يزيد في بلائه و شقائه و عذابه.

و الآية الشريفة من الآيات المعدودة الّتي تعالج الجانب النفسي في الجهاد، حيث تبعث الطمأنينة في النفوس إذا أصابها الوهن و الضعف و تتكاسل إذا تألمت من الجراح و المرض، فتزيلها بأسلوب تربوي نفسي رصين، فتشرح لها أولا بأنّ المقام يستدعي التضحية و تلقّي الآلام و المصائب، ثمّ تزيد في الهمّة و التشجيع بأنّ الطرف الآخر المقابل أيضا أصابه بمثل ما أصاب المؤمنين، ثمّ تنشط العزيمة بإثبات الفرق بين الألمين، الألم الّذي يصيب المؤمنين فإنّ عاقبته الجنّة و يزيد الثواب و يرفع العذاب، بخلاف الألم الّذي يصيب الأعداء الكافرين فإنّه محيط لهم و منغص لعيشهم و يحرمهم من نعيم الدنيا و يوردهم البوار و الهلاك في الآخرة، فلا ينبغي الوهن و الضعف في طلب القوم الّذين ناصبوا لكم العداء و يريدون القضاء عليكم.

قوله تعالى: إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ .

تسكين النفس عند إصابتها بالجراح و المرض و التعب و تشجيع لها، فإنّها إذا علمت بأنّ الأعداء أصابهم مثل ما أصابها تتشجّع و تصبر على البلاء، فليس الجراح و الآلام مختصّة بهم، بل هي مشتركة بين الفريقين؛ لأنّهم بشر أيضا، و الألم لا بدّ أن لا يكون مانعا عن خوض اللجج و قتال أعداء اللّه تعالى.

قوله تعالى: وَ تَرْجُونَ مِنَ اَللّهِ ما لا يَرْجُونَ .

بيان للفرق بين الفريقين الأشقياء الّذين ليس لهم أمل إلاّ العيش في هذه الحياة، فلا رجاء له في الآخرة فإذا أصابه الألم و الموت انقطعت آماله و خابت أمانيه و يئس عن الحياة، و فريق السعداء الّذين يرجون اللّه تعالى الظفر و الفتح و المغفرة و الثواب الجزيل؛ لأنّهم يعلمون من اللّه تعالى ما لا يعلمه غيرهم، و هذا هو

ص: 214

مبعث الأمل و منبت الصبر و منفاة لليأس و القنوط، و هو الّذي ينشّطهم على العمل و يسوقهم إلى الهدف، و الرجاء يبعث الهمّة و اليأس يميتها، فما أبعد ما بين الفريقين، و ما أكثر ما يدعى إلى الصبر و تحمّل المشقّة في المؤمن، بخلاف العدو الكافر.

قوله تعالى: وَ كانَ اَللّهُ عَلِيماً حَكِيماً .

أي: أنّ اللّه تعالى عليم بالمصالح و بجميع أعمالكم و نواياكم، حكيم في تدبير خلقه و تشريع أحكامه، فجدّوا في الامتثال، فإنّ فيه عواقب حميدة، فإنّ في أوامره و نواهيه مصالح بالغة تامّة فاطلبوها، و الآية المباركة بمنزلة التعليل لما قبلها.

ص: 215

بحوث المقام

بحث دلالي:
اشارة

تدلّ الآيات الشريفة على أمور:

الأوّل:

يدلّ قوله تعالى: وَ إِذا ضَرَبْتُمْ فِي اَلْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ اَلصَّلاةِ على ثبوت القصر في الصلاة، و القصر إمّا متعلّق بالكميّة، و هو مختصّ بالمسافر الجامع للشروط المقرّرة في السنّة، أو بالكيفيّة و هو الّذي في صلاة الخوف، و إمّا فيهما معا و يتحقّق في شدّة الخوف، و تسمّى بصلاة المطاردة حين الحرب و اشتداد الحال، على التفصيل المذكور في كتب الفقه، و قد ذكرنا في التفسير أنّ الآية المباركة مع القرائن المنضمة إليها تدلّ على كون القصر في السفر عزيمة، لا أن تكون رخصة، و نفي الجناح أعمّ من الرخصة. و سيأتي مزيد بيان في البحث الفقهي إن شاء اللّه تعالى.

و يستفاد من الآية المباركة أنّ القصر في السفر مشروط بأمرين:

الأوّل: المسافة، و لم تبيّن الآية الكريمة مقدار المسافة و لكن حدّدتها السنّة الشريفة.

الثاني: الخوف، فلا قصر في الأمن، إلاّ أنّ استفادة ذلك إنّما يكون من ناحية المفهوم الشرطي، و قد ذكرنا في التفسير ما يتعلّق به فراجع.

و استدل بالآية الكريمة بعضهم على اشتراط الجماعة و السفر و الخوف في صلاة الخوف، فلا قصر فيها إذا انتفى أحد هذه الشروط، و لكنّه مردود كما هو مذكور في كتب الفقه.

الثاني:

يدلّ قوله تعالى: وَ إِذا ضَرَبْتُمْ فِي اَلْأَرْضِ على أنّه يشترط أن يكون الضرب مقرونا بالقصد و العزم إلى المسافة المبيّنة في الشرع، سواء كان

ص: 216

مجبورا على السير مع علمه بانتقاله إلى المسافة الشرعيّة أو لم يكن كذلك، فالذاهل و المتردّد و فاقد القصد و العزم لمنتظر الرفقة و نحوهما لا يترخّصون في القصر، و إطلاق الآية المباركة يدلّ على ثبوت الرخصة عند حصول الضرب و التلبّس بالسير، إلاّ أنّه مقيّد بخفاء الأذان أو الجدران بأدلّة خاصّة، كما هي مذكورة في الفقه.

الثالث:

يدلّ سياق قوله تعالى: وَ إِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ اَلصَّلاةَ على فضل الجماعة و الحثّ العظيم على إقامتها، كما استفاضت به الأخبار.

الرابع:

تدلّ الآية الكريمة على وجوب اتّخاذ الحذر من الكافرين الّذين هم أعداء اللّه تعالى و دين الحقّ ، و الآية المباركة ترشد إلى أمر فطري، و هو حكم الفطرة باتّخاذ الحذر ممّا يخاف منه.

الخامس:

يمكن أن يستفاد من قوله تعالى: إِنَّ اَلصَّلاةَ كانَتْ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً أنّ الصلاة من الأمور الثابتة الّتي لا تتغيّر و لا تقبل الفدية و البدل، و لا تقبل الإسقاط، و لعلّ ما ورد في بعض الآثار: «انّ الصلاة لا تسقط بحال»، مأخوذ من هذه الآية الشريفة.

السادس:

يدلّ قوله تعالى: وَ لا تَهِنُوا فِي اِبْتِغاءِ اَلْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ على وجوب اتخاذ الحيطة و الحذر و التهيؤ للقتال، حتّى يكفّ بأس الّذين كفروا و يدفع أذاهم عن الدين الحقّ و أهله، و تدلّ الآية الشريفة على الجهاد الطويل المرير و شدّة العزيمة.

و تتعرّض الآية الشريفة إلى أهمّ الأمور النفسيّة الّتي تؤثّر في هذا الميدان، و هو جانب الوهن في العزيمة و تأثّر النفس بما يرد عليها من الآلام و المحن و الأمراض، و تبيّن الفرق الكبير بين الفريقين و بعد الشقّة بينهما، كما عرفت.

السابع:

تدلّ الآية المباركة: وَ تَرْجُونَ مِنَ اَللّهِ ما لا يَرْجُونَ على وعد اللّه تعالى بالنصر للمؤمنين لمكان إيمانهم و ثباتهم عليه، و أنّ النصر حليفهم إن

ص: 217

تحقّق منهم العمل و الثبات و عدم الوهن في ابتغاء القوم، و إلاّ فلا نصرة. و رجاء المؤمنين منه تعالى أعمّ ممّا يفيض عليهم في الحياة الدنيا و الآخرة.

الثامن:

يدلّ قوله تعالى: فَإِذا قَضَيْتُمُ اَلصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اَللّهَ قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى جُنُوبِكُمْ على لزوم ذكره تعالى في جميع المواطن، و مراقبة النفس و الاعتماد عليه عزّ و جلّ و التوسّل به في نجح المقاصد و إنجاز المطالب، لا سيما في ميدان الجهاد و القتال مع أعداء اللّه تعالى.

التاسع:

يستفاد من تكرار الصلاة في الآيات الشريفة أهميّتها، و أنّها من السبل القربيّة الّتي يتوسّل إليه تعالى في إنجاح المقاصد، و قد ورد في بعض الأحاديث: «انّ الصلاة قربان كلّ تقي».

بحث روائي:

في التهذيب بإسناده عن زرارة قال: «سألت أبا جعفر عليه السّلام عن صلاة الخوف و صلاة السفر، تقصّران جميعا؟ قال: نعم، و صلاة الخوف أحقّ أن تقصّر من صلاة السفر، فإنّ السفر ليس فيه خوف».

أقول: المراد من الأحقيّة أفعل التفضيل، فيقتضي اشتراك غيره معه، أي تشترك صلاة السفر و صلاة الخوف في القصر و إن كان القصر في الخوف آكد لذكره في الآية الكريمة من باب ذكر إحدى حكم التشريع، كما ذكرنا في التفسير، لا أن يكون من باب الاختصاص من غير مشاركة، نحو: زيد أحقّ بماله.

و في التهذيب بإسناده عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:

«الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما و لا بعد هما شيء إلاّ المغرب».

أقول: متعلّق الاستثناء صدر الرواية كما هو واضح، و ليس قبل الركعتين المفروضتين شيء واجب، و كذا ليس بعدهما. نعم يستحبّ بعدهما التسبيحات

ص: 218

الأربع و ثلاثين مرّة، كما هو مذكور في الجوامع الفقهيّة، فراجع صلاة المسافر من (مهذب الأحكام).

و في الكافي بإسناده عن حريز عن الصادق عليه السّلام في قول اللّه عزّ و جلّ :

فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ اَلصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا قال: «في الركعتين تنقص منها واحدة».

أقول: قريب منها غيرها، و هذه الروايات إمّا تحمل على صلاة المطاردة، أو على التقيّة؛ لمخالفتها لما هو المشهور بين الإماميّة و موافقتها لغيرهم.

و في تفسير العياشي عن إبراهيم بن عمر عن الصادق عليه السّلام قال: «فرض اللّه على المقيم أربع صلوات، و فرض على المسافر ركعتين تمام، و فرض على الخائف ركعة، و هو قول اللّه: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ اَلصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا يقول من الركعيتن فتصير ركعة».

أقول: ما ذكرنا في الرواية السابقة يجري في هذه الرواية أيضا، و أنّ المراد من الخائف شدّة الخوف، أي: الخائف المطارد.

و في الدرّ المنثور عن عليّ عليه السّلام قال: «سأل قوم من التجار رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقالوا: يا رسول اللّه، إنّا نضرب في الأرض، فكيف نصلّي ؟ فأنزل اللّه: وَ إِذا ضَرَبْتُمْ فِي اَلْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ اَلصَّلاةِ ، ثمّ انقطع الوحي فلما كان بعد ذلك بحول غزا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فصلّى الظهر، فقال المشركون: لقد أمكنكم محمد و أصحابه من ظهورهم، هلاّ شددتم عليهم ؟ فقال قائل منهم: إنّ لهم مثلها أخرى في أثرها، فأنزل اللّه تعالى بين الصلاتين: إِنَّ اَلْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً * وَ إِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ اَلصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ فنزلت صلاة الخوف».

أقول: لا بدّ من حمل التاجر على الّذي لا يدور في تجارته، بقرينة ما تأتي من الرواية، و أنّ المراد بقطع الوحي في شأن المورد - كما هو الظاهر - لا مطلقا. و أنّ

ص: 219

ما نزل في الغزوة من تمام الآية الكريمة يكون من باب تعدّد النزول أو من باب التطبيق.

و في الكافي بإسناده عن إسماعيل بن أبي زياد عن جعفر عن أبيه عليهما السّلام قال:

«سبعة لا يقصّرون الصلاة: الجابي الّذي يدور في جبايته، و الأمير الّذي يدور في إمارته، و التاجر الّذي يدور في تجارته من سوق إلى سوق، و الراعي، و البدوي الّذي يطلب مواطن القطر و منبت الشجر، و الرجل الّذي يطلب الصيد يريد به لهو الدنيا، و المحارب الّذي يقطع الطريق».

أقول: لا بدّ من تحقّق شرائط القصر من المسافة الشرعيّة، و استمرار القصد، و قطع المسافة و عدم قصد الإقامة، و مع ذلك لا يقصّر هؤلاء، فالرواية في مقام التخصيص لا التخصّص كما هو واضح، و قد ذكرنا التفصيل في صلاة المسافر من (مهذب الأحكام) فراجع.

و في تفسير القمّي نزلت - أي: آية صلاة الخوف - لما خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الى الحديبيّة يريد مكّة، فلما رفع الخبر إلى قريش بعثوا خالد بن الوليد في مائة فارس ليستقبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فكان يعارض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على الجبال، فلما كان في بعض الطريق و حضرت صلاة الظهر أذّن بلال و صلّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بالناس، فقال خالد بن الوليد: لو كنّا حملنا عليهم و هم في الصلاة لأصبناهم، فإنّهم لا يقطعون الصلاة، و لكن تجيء لهم الآن صلاة أخرى هي أحبّ إليهم من ضياء أبصارهم، فإذا دخلوا فيها حملنا عليهم، فنزل جبرئيل بصلاة الخوف بهذه الآية، ففرّق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أصحابه فرقتين و وقف بعضهم تجاه العدو و قد أخذوا سلاحهم، و فرقة صلّوا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قائما و مروا فوقفوا موقف أصحابهم، و جاء أولئك الّذين لم يصلّوا فصلّى بهم رسول اللّه الركعة الثانية و لهم الأولى، و قعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و قاموا أصحابه فصلّوا هم الركعة الثانية و سلّم عليهم».

أقول: الحديبية قرية بينها و بين مكّة مرحلة واحدة، و يقال: إنّ بعضها من

ص: 220

الحلّ و بعضها من الحرم، و سمّيت بذلك لبئر فيها تسمّى الحديبيّة. و يستفاد من هذه الرواية اهتمام النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و المسلمين بالصلاة، حتّى أنّ ذلك كان معروفا عند أعدائهم، كما يستفاد منها الكيفيّة الخاصّة في صلاة الخوف، كما تقدّم في التفسير.

و في الكافي بإسناده عن الصادق عليه السّلام: «صلّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بأصحابه في غزوة ذات الرقاع صلاة الخوف، ففرّق أصحابه فرقتين، أقام فرقة بإزاء العدو، و فرقة خلفه، فكبّر و كبّروا فقرأ و انصتوا فركع و ركعوا فسجد و سجدوا ثمّ استمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قائما و صلّوا لأنفسهم ركعة، ثمّ سلّم بعضهم على بعض ثمّ خرجوا الى أصحابهم فقاموا بإزاء العدو، و جاء أصحابهم فقاموا خلف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فصلّى بهم ركعة ثمّ تشهّد و سلّم عليهم، فقاموا و صلّوا لأنفسهم ركعة ثمّ سلّم بعضهم على بعض، و قد قال اللّه تعالى لنبيّه: إِنَّ اَلْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً * وَ إِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ اَلصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ - إلى قوله تعالى - إِنَّ اَلصَّلاةَ كانَتْ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً ، فهذه صلاة الخوف الّتي أمر اللّه عزّ و جلّ بها نبيّه، و قال: من صلّى المغرب في خوف بالقوم صلّى بالطائفة الأولى ركعة و بالطائفة الثانية ركعتين - الحديث».

أقول: ذات الرقاع هي من إحدى غزواته الّتي حضرها بنفسه صلّى اللّه عليه و آله و كان بينها و بين الهجرة أربع سنين و أيام، و خاف الجمعان بعضهم بعضا، فصلّى رسول اللّه بالمسلمين صلاة الخوف، و ذات الرقاع موضع بنجد، و كانت قوّات أعدائهم من بني محارب و بني ثعلبة من غطفان، و كان قوات المسلمين اربعمائة راكب و راجل، و انهزم بنو ثعلبة و بنو محارب فيها، و كان هدف الأعداء فيها القضاء على المدينة و غزوها.

و سمّيت الغزوة بذات الرقاع لوجوه كثيرة، أهمّها أنّهم كانوا يشدّون على أرجلهم الخرق من شدّة الحرّ، أو يعصبونها حتّى يسهل عليهم المشي. و قيل: إنّها اسم جبل قريب من المدينة فيها رقع سود و حمر و بيض. و قيل: إنّ الأرض كانت

ص: 221

كذلك. و قيل: رقّعوا راياتهم كذلك. و قيل: هي اسم شجرة كانت في موضع الغزوة.

و كيف كان، تتضمّن الرواية الكيفيّة الخاصّة لصلاة الخوف، و هي المعروفة بين الإماميّة و الموافقة للقواعد العامّة، كما ذكرنا في كتابنا (مهذب الأحكام).

و عن ابن عباس في تفسيره أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله غزا محاربا ببني أنمار فهزمهم اللّه تعالى و أحرزوا الذراري و المال، فنزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و المسلمون و لا يرون من العدو واحدا، فوضعوا أسلحتهم و خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ليقضي حاجته و قد وضع سلاحه، فجعل بينه و بين أصحابه الوادي، فإلى أن يفرغ من حاجته و قد درأ الوادي و السماء ترش، فحال الوادي بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و بين أصحابه، و جلس في ظل شجرة فبصر به غورث بن الحارث المحاربي، فقال له أصحابه: يا غورث هذا محمد صلّى اللّه عليه و آله قد انقطع من أصحابه، فقال: قتلني اللّه إن لم اقتله، و انحدر من الجبل و معه السيف و لم يشعر به رسول اللّه إلاّ و هو قائم على رأسه و معه السيف قد سلّه من غمده، و قال: يا محمد من يعصمك منّي الآن، فقال رسول اللّه: اللّه، فانكب عدوّ اللّه لوجهه فقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فأخذ سيفه، و قال: يا غورث من يمنعك منّي الآن ؟ قال: لا أحد، قال: أتشهد أن لا إله إلاّ اللّه و أنّي عبد اللّه و رسوله، قال: لا، و لكنّي أعهد أن لا أقاتلك أبدا و لا أعين عليك عدوا، فأعطاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله سيفه فقال له غورث: و اللّه، لأنت خير منّي، قال صلّى اللّه عليه و آله: إنّي أحقّ بذلك، و خرج غورث إلى أصحابه فقالوا: يا غورث لقد رأيناك قائما على رأسه بالسيف فما منعك منه، قال:

اللّه، أهويت له بالسيف لأضربه فما أدري من زلّخني بين كتفي فخررت لوجهي و خرّ سيفي و سبقني إليه محمد و أخذه. و لم يلبث الوادي أن سكن فقطع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى أصحابه فأخبرهم الخبر و قرأ عليهم: إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَ خُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اَللّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً .

أقول: ذكر صاحب المجمع الرواية عن أبي حمزة الثمالي في تفسيره.

ص: 222

و كيف كان، انّ الزلخ وجع يأخذ في الظهر لا يتحرّك الإنسان من شدّته.

و ذكر الواقدي في المغازي أنّ المشركين في غزوة ذات الرقاع كانوا من بني أنمار و ثعلبة. إذا ما ورد فيها تكون نفس غزوة ذات الرقاع. و يمكن الجمع بين ما تقدّم و بين ما ذكره الواقدي بأنّ المشركين كانوا في غزوة ذات الرقاع من قبائل متعدّدة أكثرها ثعلبة و بنو محارب و منهم بنو أنمار أيضا، فلا تنافي حينئذ. و على أيّة حال لا يهمّنا ذلك.

و إنّها تدلّ على عنايته جلّت عظمته برسوله الكريم و دوام إمدادته الخاصّة به بحفظه عن المشركين الّذين هم كانوا أعداء له صلّى اللّه عليه و آله، و لعلّ الوجه في عدم قتل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الرجل لإتمام الحجّة عليه، و أنّه صلّى اللّه عليه و آله ليس في مقام الانتقام أو التشفّي، و أنّ الآية الشريفة المذكورة فيها إمّا من باب التطبيق، أو من باب تعدّد النزول.

و في الدرّ المنثور بإسناده عن ابن عباس قال: «صلّينا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بين مكّة و المدينة و نحن آمنون لا نخاف شيئا، ركعتين».

أقول: تدلّ الرواية على أنّ القصر في الصلاة في السفر الشرعي لا يناط بالخوف، و ما ذكر في الآية المباركة من إحدى حكم التشريع لا العلّة المنحصرة بها الحكم، كما في مثل الإسكار على ما تقدّم في التفسير.

و ممّا ذكرنا يظهر الوجه في ما رواه البخاري و غيره عن حارثة بن وهب الخزاعي قال: «صلّيت مع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله الظهر و العصر بمنى أكثر ما كان الناس و آمنه ركعتين»؛ فإنّ السفر الشرعي تحقّق سواء كان ذلك بمنى أو غيرها، و هو موجب لقصر الصلاة.

و في الكافي بإسناده عن داود بن فرقد قال: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام قوله تعالى: إِنَّ اَلصَّلاةَ كانَتْ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً ؟ قال: كتابا ثابتا، و ليس إذ عجّلت قليلا أو أخّرت قليلا بالّذي يضرّك ما لم تضع تلك الإضاعة، فإنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: أَضاعُوا اَلصَّلاةَ وَ اِتَّبَعُوا اَلشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ».

ص: 223

أقول: يستفاد من هذه الرواية أمور:

الأوّل: أنّ الصلاة ثابتة فلا تسقط بحال، فتكون الرواية دليلا على القاعدة المتّفق عليها الفقهاء من أنّ «الصلاة لا تسقط بحال» إلاّ إذا دلّ الدليل على سقوطها، كما في الحائض و النفساء و المجنون و الصبي المميز و غيره.

الثاني: مشروعيّة القضاء فيها؛ لأنّ معنى الثبوت هو البقاء، ما لم تؤد بالكيفيّة الخاصّة الّتي قرّرها الشارع، كما ذكر ذلك في الكتب الفقهيّة.

الثالث: أنّ الصلاة يعمّ تكليفها الناس جميعا، و التخصيص بفرقة خاصة ينافي إطلاق قوله عليه السّلام: «كتابا ثابتا»، فلا بد من إقامة دليل خاصّ على التقييد، و أنّ ذكر المؤمنين في الآية المباركة من باب ذكر أشرف الناس و أحبّهم إليه جلّت عظمته، مع أنّ للإيمان مراتب.

الرابع: يستفاد منها أنّ وقت الصلاة موسّع؛ لأنّ في الضيق شدّة و حرجا، و هما ينافيان رحمته الّتي وسعت كلّ شيء، و يدلّ قوله تعالى: وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي اَلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [سورة الحج، الآية: 78]، و تدلّ على ذلك أيضا روايات كثيرة.

و في الدرّ المنثور عن ابن عباس قال: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: أمّني جبرئيل عند البيت مرّتين، فصلّى بي الظهر حين زالت الشمس و كانت قدر الشراك، و صلّى بي العصر حين كان ظلّ كلّ شيء مثله، و صلّى بي المغرب حين أفطر الصائم، و صلّى بي العشاء حين غلب الشفق، و صلّى بي الفجر حين حرم الطعام و الشراب على الصائم، و صلّى بي الغد الظهر حين كان ظلّ كلّ شيء مثله، و صلّى بي العصر حين كان ظلّ شيء مثليه، و صلّى بي المغرب حين أفطر الصائم، و صلّى بي العشاء ثلث الليل، و صلّى بي الفجر فأسفر ثمّ التفت إليّ فقال: يا محمد، هذا الوقت وقت النبيّين قبلك. الوقت ما بين هذين الوقتين».

أقول: الشراك أحد سيور النعل الّتي تكون على وجهها، و التقدير به ليس

ص: 224

على وجه التحديد، أي: إذا استبان الفيء في أصل الحائط من الجانب الشرقي عند الزوال، فصار في رؤية العين قدر الشراك، و هذا أقلّ ما يعلم به الزوال، و إنّما يتبيّن ذلك في مثل مكّة المكرّمة و البلاد الّتي حولها ممّا يقلّ فيها الظلّ ، فإذا كان أطول النهار و استوت الشمس فوق الكعبة لم ير شيء من جوانبها ظل، فكلّ بلد يكون أقرب إلى خط الاستواء و معدّل النهار، يكون الظلّ فيه أقصر، و كلّ ما بعد عنهما إلى جهة الشمال يكون الظلّ أطول.

و يمكن أن يستدلّ بالرواية على جمع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بين الصلاتين، و المراد من (مرّتين) يومين، بقرينة ذيل الرواية. و لم يؤم جبرئيل لسوى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من الأنبياء العظام، و هذا من مختصاته صلّى اللّه عليه و آله، كما تدلّ على شرف البيت و كرامته أيضا.

و في تفسير العياشي عن محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السّلام قال: «في صلاة المغرب في السفر لا يضرّك إن تأخّرت ساعة ثمّ تصلّيها إن أحببت أن تصلّي العشاء الآخرة، و إن شئت مشية ساعة إلى أن تغيب الشفق، إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله صلّى صلاة الهاجرة و العصر جميعا، و المغرب و العشاء الآخرة جميعا، و كان يؤخّر و يقدّم، إنّ اللّه تعالى قال: إِنَّ اَلصَّلاةَ كانَتْ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً ، إنّما عنّى وجوبها على المؤمنين، لم يعن غيره، إنّه لو كان كما يقولون لم يصل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله هكذا و كان أعلم و أخبر، و كان كما يقولون، و لو كان خيرا لأمر به محمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و قد فات الناس مع أمير المؤمنين عليه السّلام يوم صفّين صلاة الظهر و العصر و المغرب و العشاء الآخرة، و أمرهم عليّ أمير المؤمنين عليه السّلام فكبّروا و هلّلوا و سبّحوا رجالا و ركبانا؛ لقول اللّه: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً ، فأمر عليّ عليه السّلام فصنعوا ذلك».

أقول: الهاجرة نصف النهار عند اشتداد الحرّ أو من عند الزوال إلى العصر، و سمّي بها لأنّ غالب الناس يسكنون في بيوتهم، فكأنّهم قد تهاجروا، و صلاة الهجرة صلاة الظهر، و في الدعاء: «أتراك معذبيّ و قد أظمأت لك هواجري»، أي:

حصل لي شدّة العطش في هواجري لأجل عبادتك و الخضوع لك.

ص: 225

و كيف كان، فتدلّ الرواية على أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله جمع بين الصلاتين، و كان يقدّم و يؤخّر، و ذلك يدلّ على الاستمرار.

و المراد بقوله عليه السلام: «إنّما عنّى وجوبها على المؤمنين»، أي: الوجوب الخاصّ و هو إتيان الصلوات في الأوقات الخمسة المعينة؛ لأنّ فيه عناية خاصّة لا تشمل كلّ أحد، فلا ينافي ما ذكرناه في رواية داود بن فرقد من شمول الوجوب لجميع الناس حتّى الكافر.

و الرواية لا تدلّ على فوت الصلاة عن عليّ عليه السّلام، بل فوت الصلاة عن الناس الّذين كانوا معه، كما هو المنساق منها.

و في الكافي بإسناده عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السّلام في قول اللّه تبارك و تعالى:

إِنَّ اَلصَّلاةَ كانَتْ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً قال: يعني مفروضا، و ليس يعني وقت وقتها ان جاز ذلك الوقت ثمّ صلاّها لم تكن صلاته هذه مؤدّاة، و لو كانت كذلك لهلك ابن داود عليه السّلام حين صلاّها لغير وقتها، و لكنّه متى ذكرها صلاّها».

أقول: يستفاد منها أنّ الصلاة واجبة، و أنّ التوقيت الزمني في الصلاة المفروضة من باب تعدّد المطلوب. و أمّا صلاة ابن داود عليه السّلام الّتي صلاّها في غير وقتها يمكن أن يكون ذلك لمصلحة فيها، كتشريع القضاء عملا أو غير ذلك تحفّظا على العصمة في الأنبياء عليهم السّلام.

و في الدرّ المنثور بإسناد متّصل عن يعلى بن أمية قال: «سألت عمر بن الخطاب قلت: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ اَلصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا ، و قد أمن الناس ؟ فقال لي عمر: عجبت ممّا عجبت منه فسألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عن ذلك فقال: صدقة تصدّق اللّه بها عليكم، فاقبلوا صدقته».

أقول: تقدّم أنّ الخوف من باب إحدى حكم التشريع، و كانت الأسفار القديمة - خصوصا في صدر الإسلام - مقرونة بالخوف من الكفّار الّذين كانوا أعداء المسلمين. و المراد بالصدقة هو أنّ تشريع القصر في الصلاة في السفر عطيّة

ص: 226

إلهيّة أعطاها اللّه لنا فنتشرّف بها بالتقرّب إليه، و ذلك شأن جميع الأحكام.

و يستفاد منها أنّ القصر فيها عزيمة لا رخصة.

و في تفسير علي بن إبراهيم في قوله تعالى: وَ لا تَهِنُوا فِي اِبْتِغاءِ اَلْقَوْمِ ، أنّه معطوف على قوله تعالى في سورة آل عمران: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ اَلْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ، و قد ذكرنا هناك سبب نزول الآية.

أقول: لعلّ المراد العطف من حيث وحدة المعنى و سياق الآيات الكريمة، لا العطف المصطلح، و يشهد لما ذكرنا ما روي عن ابي سفيان، قال عند انصرافه من أحد: يا محمد، موعدنا موسم بدر القابل إن شئت، فقال صلّى اللّه عليه و آله: إن شاء اللّه، فلما كان القابل ألقى اللّه الرعب في قلبه فندم على ما قال، فبعث نعيم بن مسعود ليخوّف المؤمنين من الخروج إلى بدر، فلما أتى نعيم المدينة وجد المؤمنين يتجهّزون للخروج فقال لهم: إنّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، ففتر المؤمنين فقال صلّى اللّه عليه و آله: لأخرجنّ و لو لم يخرج معي أحد، فأنزل اللّه تعالى: وَ لا تَهِنُوا فِي اِبْتِغاءِ اَلْقَوْمِ .

و في الدرّ المنثور عن ابن عباس في قوله تعالى: إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ قال:

«توجعون، وَ تَرْجُونَ مِنَ اَللّهِ ما لا يَرْجُونَ قال: ترجون الخير».

أقول: الوجع أعمّ من الوجع الجسدي و النفسي، كما أنّ الخير أعمّ من الخير الدنيوي و الأخروي، فيشمل الحياة و الرزق و العلم و الجاه و مآرب الدنيا الّتي فيها رضاؤه جلّ شأنه و منازل الآخرة الّتي تنال بالشهادة.

بحث فقهي:

استدلّ فقهاؤنا الأبرار (رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين) بقوله تعالى: وَ إِذا ضَرَبْتُمْ فِي اَلْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ اَلصَّلاةِ على ثبوت قصر الصلاة في السفر، و كذا استدلّوا بها على قصر صلاة الخوف سفرا و حضرا، و كذا صلاة المطاردة.

ص: 227

و الآية المباركة و إن كانت مجملة من حيث بعض الشروط و بيان الكيفيّة، إلاّ أنّ السنّة الشريفة بيّنت خصوصيات الموضوع بيانا شافيا.

و تختصّ القصر بالصلاة الرباعيّة في السفر بالشروط المذكورة في الكتب الفقهيّة، و هي أمور:

الأوّل: أن لا يكون السفر سفر معصية، كالسفر لأجل شرب الخمر أو السرقة أو قطع الطريق و غيرها من الفواحش، و لا يجب أن يكون طاعة، كالسفر للجهاد أو الحجّ المفروض، و لو كان مباحا كسفر التجارة وجب القصر؛ و لذا لم يقيّد في الآية المباركة الضرب بكونه في سبيل اللّه تعالى كما في الآية السابقة.

الثاني: أن تتحقّق المسافة الشرعيّة، و هي ثمانية فراسخ - أو أربعة فراسخ إذا رجع في نفس يومه - أو (44) كيلو متر على التفصيل المذكور في الكتب الفقهيّة.

و قد اختلفت المذاهب في هذا الشرط، فقال أبو حنيفة: مسيرة ثلاثة أيّام و لياليها بسير الإبل و مشي الأقدام بالاقتصاد في البرّ، و جري السفينة و الريح معتدلة في البحر. و قال الشافعي: التقدير بيوم و ليلة. و المشهور بينهم التقدير بالفراسخ، و اختلفوا، فقال بعضهم: إنّه أحد و عشرون فرسخا، و قال آخرون: ثمانية عشر و آخرون خمسة عشر.

الثالث: أن يكون المسافر قاصدا للسفر، فلا قصر على الذاهل و المتردّد، و يستفاد هذا الشرط من ظاهر الآية المباركة: وَ إِذا ضَرَبْتُمْ فِي اَلْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ اَلصَّلاةِ كما عرفت.

الرابع: استمرار القصد، فلو عدل عن قصده قبل بلوغ المسافة الشرعيّة، أو تردّد، أتمّ للأدلّة الّتي ذكرناها في كتابنا (مهذب الأحكام).

الخامس: أن لا يكون ممّن بيته معه، كأهل البوادي الّذين ينزلون البراري في محلّ العشب و الكلأ و مواضع القطر و اجتماع الماء؛ لعدم صدق المسافر عليهم، و كذا لا يكون من الّذين اتّخذوا السفر عملا و شغلا لهم، كالمكاري و السائق و الساعي

ص: 228

و الراعي و نحوهم، فإنّ هؤلاء يتمّون في سفرهم الّذي هو عمل لهم؛ لعدم انقطاع سفرهم؛ و لنصوص كثيرة مذكورة في الكتب الفقهيّة.

السادس: الوصول إلى حدّ الترخص، و هو المكان الّذي يتوارى عنه جدران بيوت البلد و يخفى عنه آذانه؛ لصدق التلبّس بالسفر عرفا؛ و لأدلّة أخرى مذكورة في الكتب الفقهيّة. و هناك قواطع للسفر ذكرناها في كتابنا (مهذب الأحكام).

و اختلف علماء الجمهور في القصر في السفر، فقال الشافعي: عدم وجوب القصر و أفضلية التمام، و استدلّ بقول عائشة: «انّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كان يقصر في السفر و يتمّ »، و بما رواه النسائي و الدار قطني: «انّ عائشة لما اعتمرت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و قالت: يا رسول اللّه قصّرت و أتمت و صمت و أفطرت، فقال صلّى اللّه عليه و آله:

«أحسنت يا عائشة»، و قال مالك: إنّه يجب القصر وجوب عزيمة لا رخصة فيه، و استدلّ بما رواه النسائي و ابن ماجة عن عمر أنّه قال: «صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيّكم عليه الصلاة و السلام»، و بما رواه الشيخان عن عائشة أنّها قالت: «أوّل ما فرض اللّه تعالى الصلاة ركعتين ركعتين، فأقرّت في السفر و زيدت في الحضر»، و ذهب جمع إلى أنّ القصر في الآية الشريفة ليس هو قصر الرباعيّة في السفر المبيّن بشروطه في كتب الفقه، فذلك مأخوذ من السنّة المتواترة، و أمّا ما في المقام فهو في صلاة الخوف كما ورد عن بعض الصحابة، و الشروط فيها على ظاهرها.

و لكن، عرفت في التفسير بطلان ذلك. و أمّا ما ذهب إليه الشافعي فهو مخالف لسنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و مذهب أهل البيت و عمل الصحابة، و أمّا رواية عائشة فهي مردودة من جهات كثيرة، قد ذكرها علماء الجمهور في كتبهم.

و أمّا صلاة الخوف، فهي مقصورة سفرا و حضرا، جماعة و فرادى، إلاّ في الصبح و المغرب؛ لما تقدّم من الآية المباركة و السنّة المعصوميّة. و المراد من الخوف:

الخوف الّذي يكون مقتضيا لتخفيف الصلاة، سواء كان ذلك من عدو أو لص أو

ص: 229

سبع أو ظالم، لا كلّ خوف و لو لم يقتض ذلك، و يستحبّ فيها الجماعة، و لها كيفيات ثلاثة، كما تقدّم في التفسير و ذكرناها في كتابنا (مهذب الأحكام).

و أمّا صلاة المطاردة - و تسمّى بشدّة الخوف و المراماة و المسايفة، أي:

التضارب بالسيف - فتصلّى بكلّ وجه أمكن، فهي تابعة للقدرة، و يبدل كلّ ما لا يقدر عليه بالأبدال الاضطرارية، كما ذكرناه مفصّلا في محلّه.

بحث عرفاني:

من أسباب تزكية النفس و رقيّها الصلاة، بل هي من أهمّها و أسماها - لما علم اللّه تعالى من وجود الشره المؤدّي إلى الهلاك و الخسران في الإنسان، جعل الطاعات و العبادات - خصوصا الصلاة صونا للنفس و حفظا لها عن الهلاك و الخسران، بل لرقيّها إلى مراتب الكمال، ففي الحديث: «ما افترض اللّه على خلقه بعد التوحيد شيئا أحبّ إليه من الصلاة، و لو كان شيء أحبّ إليه من الصلاة تعبّد به ملائكته، فمنهم راكع و ساجد و قائم و قاعد»، فبها يزول الدنس كما في بعض الروايات، و إنّها مطهرة للقلوب من المساوئ و العيوب، و بها تفتح أبواب الغيوب، و بها تطمئن القلوب، و بها ترفع الدرجات، و فيها المناجاة برفع الأستار، و تتسع فيها ميادين الأسرار، و بها تشرق شوارق الأنوار، و بها تزال الحجب و الأستار بالقرب إليه، و بها تصفو المحبّة من كدر الجفاء و يتّصل المحبّ مع حبيبه في محلّ الصفا.

و لقد علم اللّه تعالى ضعف الإنسان و وساوس الشيطان، فقلّل أعدادها و فرض في ليلة المعراج خمس صلوات في خمس أوقات بشفاعة نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله، و هذا لعوام الخلق، و إلاّ فالعارفون من الخواص: اَلَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ [سورة المعارج، الآية: 23]، منحهم ديمومة الصلاة من الأزل إلى الأبد،

ص: 230

و هذا لا يدرك بالعقول القاصرة المشوبة بالمادّة الزائلة، فلا يعقلها إلاّ العالمون باللّه تعالى.

و إنّ المقصود و الأثر المطلوب من إقامة الصلاة معنويّتها، لا مجرّد وجودها و شبحها، فإنّ الإقامة هي الإكمال و الإتقان، يقال: (فلان أقام داره)، أي: أكملها و جعل فيها كلّ ما يحتاج إليه. و إنّ إقامة الصلاة تعديلها من جميع الجهات - بالتوجّه فيها إليه تعالى و التقرّب بها لديه جلّ شأنه و حفظ أركانها و شرائطها حتّى تترتّب آثارها - فليس كلّ مصلّ مقيم، و كم من مصلّ ليس له من صلاته إلاّ التعب، و في بعض الأحاديث: «من لم تنه صلاته من الفحشاء و المنكر، لم تزده من اللّه إلاّ بعدا»، و عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «إذا صلّى العبد فلم يتم ركوعها و لا سجودها و لا خشوعها، لفت كما يلف الثوب الخلق ثمّ يضرب بها وجهه»، فالمصلّون كثيرون و المقيمون قليلون و أهل الأشباح كثير و أهل القلوب و أرباب المعرفة قليل.

و التعبيرات الواردة في القرآن الكريم في مدح المصلّين أكثرها و أغلبها جاء بلفظ الإقامة أو بمعنى يرجع إليها، قال تعالى: اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاةَ [سورة البقرة، الآية: 3]، و قال تعالى حكاية عن إبراهيم (عليه أفضل الصلاة و السلام): رَبِّ اِجْعَلْنِي مُقِيمَ اَلصَّلاةِ [سورة إبراهيم، الآية: 40]، و قال تعالى: وَ اَلْمُقِيمِي اَلصَّلاةِ [سورة الحج، الآية: 35]، و قال تعالى: وَ أَقامَ اَلصَّلاةَ * [سورة التوبة، الآية: 18]، و لما ذكر المصلّين بالغفلة قال تعالى: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ اَلَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ [سورة الماعون، الآية: 5]، و لم يقل سبحانه و تعالى: فويل للمقيمين الصلاة، و في الحديث: «انّ العبد إذا قام الى الصلاة رفع اللّه الحجاب بينه و بينه و واجهه بوجهه و قامت الملائكة من لدن منكبه إلى الهويّ يصلّون بصلاته»، إلى غير ذلك من الروايات و الأحاديث.

و التوجّه أو الخشوع فيها على مراتب:

ص: 231

الأولى: خشوع خوف و إذلال و انكسار لعظمته و قهّاريته، و هي للعبّاد الزهاد.

الثانية: خشوع تعظيم و هيبة و إجلال، و هي للمتّقين الأبرار.

الثالثة: خشوع فرح و سرور و إقبال، و هي للمقرّبين العارفين، و يسمّى هذا المقام بقرّة العين، قال تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [سورة الم سجدة، الآية: 29].

الرابعة: الجمع في مقام الجمع، و هذه تختصّ بالأولياء و المقرّبين، فيها تتمّ التصفية و تظهر المحبّة و تفتح الأبواب و يرتفع الحجاب، فتخرج الروح من ضيق الأشباح إلى فضاء الكمال في عالم الأرواح، أو من ضيق الملك إلى سعة عالم الملكوت.

و لا شكّ أنّ إمداداته و إفاضاته جلّت عظمته غير محدودة بحدّ و لا بزمان معين؛ لصدورهما عن ذات غير المتناهي.

نعم، ترد على العبد حالات خاصّة و ظروفا معيّنة يكون التوجّه فيهما إليه أشدّ و أكثر، فلها آثار مخصوصة لنجح المقاصد و إنجاز المطالب، منها حالة الصلاة، خصوصا عند الانقطاع إليه تعالى كالسفر و الخوف و المرض و غيرها، و لأجل ذلك ورد الاستعانة بها و قالوا: إنّ الصلاة لا تسقط في أي حال؛ لأنّه لا بد للعبد من حفظ الصلة بينه و بين ربّه، و بها تتمّ المحبّة و تحصل المودّة.

ص: 232

إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ اَلْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ اَلنّاسِ بِما أَراكَ اَللّهُ وَ لا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِي.......

اشارة

إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ اَلْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ اَلنّاسِ بِما أَراكَ اَللّهُ وَ لا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً (105) وَ اِسْتَغْفِرِ اَللّهَ إِنَّ اَللّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (106) وَ لا تُجادِلْ عَنِ اَلَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اَللّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوّاناً أَثِيماً (107) يَسْتَخْفُونَ مِنَ اَلنّاسِ وَ لا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اَللّهِ وَ هُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ اَلْقَوْلِ وَ كانَ اَللّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً (108) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اَللّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً (109) وَ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اَللّهَ يَجِدِ اَللّهَ غَفُوراً رَحِيماً (110) وَ مَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَ كانَ اَللّهُ عَلِيماً حَكِيماً (111) وَ مَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ اِحْتَمَلَ بُهْتاناً وَ إِثْماً مُبِيناً (112) وَ لَوْ لا فَضْلُ اَللّهِ عَلَيْكَ وَ رَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَ ما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَ ما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْ ءٍ وَ أَنْزَلَ اَللّهُ عَلَيْكَ اَلْكِتابَ وَ اَلْحِكْمَةَ وَ عَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَ كانَ فَضْلُ اَللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (113) لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ اَلنّاسِ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اَللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (114) وَ مَنْ يُشاقِقِ اَلرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ اَلْهُدى وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ اَلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَ ساءَتْ مَصِيراً (115) الآيات الشريفة تبيّن بعض الحقائق الواقعيّة و الدينيّة، فهي تشير إلى أهمّ

ص: 233

حقيقة يبتني عليها نظام السموات و الأرض، و هي العدل في جميع الأمور، لا سيما في القضاء و عدم الجور فيه، و ترك الخيانة بتعريض البريء الى التهمة و العذاب و الإغفال عن المتهم و ترك الحكم عليه.

و توصي الآيات الشريفة المؤمنين بالحقّ في القضاء و عدم الميل و الجور فيه.

كما تشير إلى حقيقة اخرى، و هي عصمة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و حجيّة قضائه، ثمّ ترشد الناس إلى ترك الخيانة في جميع الأمور و بالنسبة إلى جميع الناس.

و تعتبر المجتمع الإنساني كنفس واحدة، فأي واحد منهم يتّهم برئيا و يخونه، فهو يخون نفسه. و تشير إلى حادثة واحدة كنموذج فذّ في التاريخ و ليست هي قصة عارضة ثمّ تنسى، بل هي درس تربوي تبقى للأجيال و على مرّ الزمن، و تطبيق عملي للعدل الرباني، و أحد مقوّمات الإسلام دين الحقّ و العدل، فكانت هذه الحادثة هي رمز العدالة في الإسلام؛ و لذا ذكرها عزّ و جلّ في القرآن الكريم و أمر نبيّه العظيم بإظهار الحقّ و القضاء فيه، مع أنّ المنافقين أرادوا منها النيل من كرامته و اهتمّوا بإضلاله.

و تبتدأ القصة بأن نفرا من الأنصار غزا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في بعض الغزوات فسرقت لأحدهم درع، فحامت حول رجل من الأنصار الشبهة، فاتّهمه صاحب الدرع عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و هو منافق يقول الشعر في ذمّ المؤمنين و ينسبه إلى غيره، فلما رأى السارق ذلك عمد إلى الدرع فألقاها في بيت رجل بريء، ثمّ وجّه قومه الى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقالوا: إنّ صاحبنا بريء، و ألحّوا عليه بأن يقضي لهم و بالغوا في أن يغيروه صلّى اللّه عليه و آله على المتهم البريء و طلبوا منه صلّى اللّه عليه و آله أن يعذر صاحبهم على رؤوس الناس، فنزلت الآيات الشريفة و برّأه اللّه تعالى ممّا قالوا. و هي ليست قصة عابرة بل درس عملي تطبيقي كما عرفت.

و تتضمّن الآيات الشريفة بعض أخلاق الإسلام و تذمّ الخيانة في جميع الأمور، و ترتبط الآيات المباركة بما قبلها في تشريع الأحكام و إظهار صفات

ص: 234

المنافقين. و قد أمر عزّ و جلّ فيها برعاية الحقّ و حفظه و العناية به و تطبيقه بعد أمره عزّ و جلّ في الآيات الكريمة السابقة الجهاد في سبيل الحقّ ، فكانت هذه الآيات تطبيقا عمليا للآيات الشريفة السابقة.

التفسير

قوله تعالى: إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ اَلْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ اَلنّاسِ بِما أَراكَ اَللّهُ .

ذكرنا في إحدى الآيات الشريفة السابقة أنّ كلّ مورد في القرآن الكريم يراد منه تثبيت قدرته عزّ و جلّ و عظمته و قهّاريته و إظهار الحقّ ، كانت النسبة إليه تعالى بضمير الجمع و العظمة، و كلّ مورد يراد منه إظهار عطفه و رحمته و حنانه و غفرانه كانت النسبة إليه بضمير المفرد، و في المقام إنّما أسند عزّ و جلّ الإنزال إلى ضمير العظمة تعظيما لأمر المسند؛ و لأنّ المقام يستدعي ذلك لتثبت الحكم.

و تأكيد الحكم ب (إنّا) إيذانا بالاعتناء بشأنه، كما أنّ تقديم المفعول غير الصريح للاهتمام و التشويق له.

و الناس: يشمل جميع الأفراد المؤمن و غيره، و البرّ و الفاجر، و إنّه أعمّ الإنس و الجنّ ، لكن غلب استعماله في الإنس، هو جمع إنس - لأنّهم يونسون - أصله أناس ادخل عليه اللام. و قيل: اسم وضع للجمع كالرهط و القوم، واحده إنسان من غير لفظه.

و الحكم بين الناس هو القضاء بينهم، سواء في المخاصمات و المنازعات - لرفع الاختلاف بينهم بالحكم - أم غيرها، و إنّه من أفضل الأعمال و أكملها لو كان الحاكم واجدا للصفات و الحكم جامعا للشرائط الشرعيّة، بل هو من شؤون الأنبياء و خلفائهم المعصومين.

ص: 235

و إيجاد الرأي إن كان ممّا أراه اللّه تعالى لصاحب الرأي، فهو صواب، كرأي النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، و كذلك رأي خلفائه المعصومين كما ستعرف، و أمّا رأي غيرهم فلم يعلم أنّه ممّا أراه اللّه تعالى أو الشيطان أو النفس الأمّارة بالسوء، الّتي هي من جنود الشيطان، أو الخيالات الفاسدة الّتي هي من أهمّ جنوده أيضا.

و قد جعل عزّ و جلّ في المقام الحكم بين الناس الغاية لإنزال الكتاب، نظير قوله تعالى: كانَ اَلنّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اَللّهُ اَلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ اَلْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ اَلنّاسِ فِيمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ [سورة البقرة، الآية:

213]، إلاّ أنّ الفرق بين الآيتين أنّ المقام خاصّ ، و آية البقرة عامّ ، كما يزيد المقام أيضا أنّ اللّه تعالى جعل حقّ الحكم لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و الحجيّة لرأيه و نظره.

قوله تعالى: وَ لا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً .

جملة مستأنفة و العطف فيها من عطف جملة إنشائيّة على جملة خبريّة هي في معنى الإنشاء، فيرجع المعنى إلى قوله: احكم بينهم و لا تكن للخائنين خصيما.

و الخصيم: من يدافع عن الدعوى و نحوها، سواء كان من أطراف النزاع و الخلاف، أم لم يكن، و في الدعاء: «اللهم بك خاصمت»، أي: بما ألهمتني من الدليل و البرهان خاصمت المعاندين و أظهرت لهم الحجّة، و في الحديث: «إذا خاصمكم الشيطان فخاصموه بما ظهر لكم من قدرة اللّه تعالى»، و الذكر و الأنثى فيه سواء.

و فعيل هنا بمعنى فاعل، و يدلّ عليه قوله تعالى في ما يأتي: وَ لا تُجادِلْ عَنِ اَلَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ ، و جمع الخصيم خصماء. و هو يشمل جميع ما يوجب تأييد الخائنين و تقويتهم بالحجّة و الدفاع عنهم بالمجادلة و الميل إليهم.

و لا فرق بين القوي و الضعيف، فيشمل القوى في الدعوى أيضا، و الصديق و العدو، و المؤمن و الكافر، أو القريب و البعيد، و غير ذلك ممّا يوجب تقوية الخيانة؛ لإطلاق الآية المباركة، و أنّ الخيانة مبغوضة و الخائن لا كرامة له عند اللّه تعالى.

الآية المباركة تدلّ على نهيه صلّى اللّه عليه و آله عن أن يكون مدافعا للخائنين ذابا عنهم

ص: 236

على من يطالبهم بالحقّ ، فيبطل حقوق المحقّين و يدافع عن المبطلين، و هي تطبيق لقوله تعالى: وَ أَنِ اُحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اَللّهُ وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ [سورة المائدة، الآية: 49].

و إطلاق الآية الكريمة يشمل النهي عن جميع أنواع الخيانة و مطلق التعدّي، فيشمل الخيانة في أحكام اللّه تعالى و شريعته، كالكفر و الفسق، و الخيانة في حقوق الآخرين، و يشهد له الأمر في صدر الآية المباركة بالحكم مطلقا، لا خصوص نوع خاصّ منه.

و الخطاب و إن كان موجّها للرسول الكريم، إلاّ أنّ المراد منه غيره ممّن كان خصيما للخائنين، و تعليم منه عزّ و جلّ لمن يريد التصدّي لهم، و يشهد له قوله تعالى:

ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا .

قوله تعالى: وَ اِسْتَغْفِرِ اَللّهَ .

الاستغفار هو طلب الستر و المغفرة، و الغفران مصدر، و هو منصوب غالبا بإضمار، و في الحديث: «كان إذا خرج من الخلاء قال: غفرانك»، أي: اطلب غفرانك، و في تخصيصه بذلك دائما أقوال:

الأوّل: أنّ ذلك عبادة أتى بها جزاء لما سلف من ما أنعم اللّه تعالى بها عليه من العافية و الرزق و إطعامه و هضمه و بقاء قوى الطعام في بدنه، فكان يلتجأ الى هذه العبادة جزاء للإحسان.

الثاني: استغفر لترك ذكره تعالى لسانا في مدّة لبثه في ذلك المحلّ ، فكأنه رأى في ذلك تقصيرا فتداركه بالاستغفار، و إن كان قلبه مشغولا بذكره تعالى و إنّه لا ينقطع عنه.

الثالث: أنّ ذلك من تواضع العبوديّة لعظمته جلّ شأنه؛ لأنّ الغفران يلازم ذلّ العبوديّة.

ص: 237

الرابع: أنّ ذلك اعتراف بعدم أداء نصيبه من الشكر الّذي خصّص له لما أنعم سبحانه و تعالى عليه من جميع الجهات.

و ظاهر الخطاب في الآية المباركة للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله، فيكون المراد منه الطلب من اللّه تعالى الستر على ما في طبع الإنسان من الميل الى الهوى من هضم الحقوق، و الدليل عليه قوله تعالى في ذيل الآيات المباركة: وَ لَوْ لا فَضْلُ اَللّهِ عَلَيْكَ وَ رَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَ ما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَ ما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْ ءٍ ، فإنّ الآية المباركة تدلّ على عصمة اللّه تعالى لنبيّه الكريم بعد بذل القوم غاية جهدهم في إضلاله و إيثار الباطل لديه و تحريضه على الحقّ ، و لكن اللّه تعالى جعله في أمنه و أخبرهم بأنّهم لا يضرّونه، فلا يجوز في الحكم و لا يميل الى الباطل.

و يمكن أن يكون المراد من الأمر الاستغفار لأجل أنّه عبادة تدلّ على ذلّ العبوديّة، بل هو من شؤونها، فلا يختصّ بما إذا كان عن ذنب؛ و لذا ورد عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: «و أنا استغفر اللّه في كلّ يوم سبعين استغفارة» و هو معصوم، فإن كان الاستغفار صادرا ممّن عصمه اللّه تعالى، يكون مزيدا للثواب و الدرجات، و إن كان الاستغفار صادرا ممّن حصل منه الذنب، فيوجب عفوه و ستره و غفرانه، فأمر اللّه تعالى له صلّى اللّه عليه و آله بالاستغفار ليس لأجل صدور ذنب عنه، أو همّه إلى الباطل و زيفه عن الحقّ ، بل لأنّ الاستغفار عبادة، و هو صلّى اللّه عليه و آله سيد العابدين و رئيسهم كما عرفت.

أو لأن يعصمه اللّه تعالى من الوقوع في ما يوجب بعده عنه تبارك و تعالى.

أو لأجل سؤاله أن يغلبه على هوى النفس و إن كان معصوما، و لكنّه يستلزم علوّ الدرجة له.

كما أنّه يمكن أن يكون الاستغفار لاشتغاله بالنظر في أهمّ مصالح الأمة، مثل محاربة الأعداء، فإنّها و أمثالها شاغلة عن عظيم مقامه.

أو عن عظيم ما مضى من أحواله، و الترقي منه إلى الأعظم لأنّ : «حسنات

ص: 238

الأبرار سيئات المقرّبين»، كما يحتمل أن يكون لتعليم الأمة من باب «إيّاك أعني و اسمعي يا جارة».

و ممّا ذكرنا يعلم فساد ما ذكره بعض المفسّرين من نسبة الذنب أو همّه إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، الّذي عصمه اللّه تعالى من الزلل و الخطأ و الذنوب كلّها، و قد نفى اللّه تعالى عنه كلّ ضرر و آمنه عن كلّ ميل إلى الباطل و اتّباع الهوى.

و ظهر ممّا تقدّم معنى الحديث الشريف: «انّه ليغان على قلبي حتّى استغفر اللّه في اليوم سبعين مرّة»، فإنّ قلبه الشريف أبدا مشغول باللّه تعالى، و لكن قد يعرض على قلبه المبارك عارض بشري من أمور الأمة و الملّة و مصالحهما، و عدّ ذلك في نفسه الأقدس تقصيرا، فيفزع إلى الاستغفار.

أو يتذكر رقيّ نفسه الشريفة من عظيم إلى أعظم فيتوجّه إليه بالاستغفار، و به يحصل الرقي. و منه يظهر شأن الاستغفار من بين الأذكار.

قوله تعالى: إِنَّ اَللّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً .

أي: أنّ اللّه تعالى يحبّ المغفرة و الرحمة، فمن استغفره و استرحمه يجد اللّه غفورا رحيما دائما في تمام الأحوال و جميع العوالم.

قوله تعالى: وَ لا تُجادِلْ عَنِ اَلَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ .

المجادلة المخاصمة، قيل: من الجدل، و هو الفتل، و منه رجل مجدول الخلق، أي: محكم الفتل، و يقال للصقر: الأجدل، و في حديث عليّ عليه السّلام حين وقف على طلحة و هو قتيل: «عزيز عليّ أبا محمد أن أراك مجدّلا تحت نجوم السماء»، أي:

مرميا قتيلا ملقى على الأرض.

و قيل: إنّه مأخوذ من الجدالة، و هي وجه الأرض، و منه الحديث الشريف:

«أنا خاتم النبيّين في أم الكتاب، و إنّ آدم لمنجدل في طينته»، أي: ملقى على الجدالة و هي الأرض، فكأن كلّ واحد من الخصمين يريد أن يلقي صاحبه عليها، و منه:

تركته مجدلا، أي: مطروحا على الجدالة، كما مرّ في الحديث السابق أيضا.

ص: 239

و يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ أي: يخونونها و يحملونها على ما يخالف الفطرة و الدين، فتشمل كلّ معصية، سواء كانت خيانة أم غيرها، إلى النفس أو إلى الغير، فإنّ و بالها راجع إليها بالآخرة؛ لأنّ كلّ معصية تعدّ خيانة للنفس كما يعدّ ظلما لها.

و ربما تكون الخيانة إلى الغير أخذ؛ لأنّه يجب احترامه و حفظه و مراعاة العهد معه، فيكون التعدّي عليه بالخيانة في ماله أو في عرضه أو في غيرهما خيانة له و للنفس، و لعلّ التعبير به لبيان هذه الجهة أيضا.

و سياق الآية المباركة يدلّ على حرصهم و استمرارهم عليها، و قد ورد مثله في قوله تعالى: كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ [سورة البقرة، الآية: 187]، و تقدّم ما يتعلّق به فراجع.

و لا يختصّ مضمون الآية المباركة بعصر النزول، فإنّ في كلّ عصر يوجد من يكون خائنا للنفس بارتكاب المعاصي و الآثام، كما أنّ النهي و إن كان موجّها إلى الرسول الكريم صلّى اللّه عليه و آله، و لكنّه تشريع موجّه إلى جميع المكلّفين، فلا يجوز المدافعة عمّن يخون نفسه بارتكاب المعاصي و جعل نفسه عرضة للخيانة.

قوله تعالى: إِنَّ اَللّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوّاناً أَثِيماً .

الخوّان فعّال من أبنية المبالغة، أي: كثير الخيانة، و هو يدلّ على استمرارهم عليها و تعظيم الأمر فيها.

و الأثيم صفة مشبهة، و هو المنهمك في الإثم، و إنّما قدّم عزّ و جلّ الخيانة على الإثم لأنّها السبب له.

و تعليق البغض و عدم المحبّة بهؤلاء؛ لبيان إفراطهم في الخيانة و الإثم و أمنهم من العقاب الإلهي؛ لأنهم اعتادوا الخيانة و ألفوا الإثم، فلم يعد ينفرون منه، لا لأجل أنّه تعالى يبغض كثير الخيانة، فهو عزّ و جلّ لا يحبّ قليلها كما لا يحبّ كثيرها. و قد عدّ عزّ و جلّ جملة من خياناتهم و مآثمهم و معاصيهم، بالنسبة إلى اللّه تعالى و الى الرسول صلّى اللّه عليه و آله و دين الحقّ و المؤمنين في جملة من الآيات الكريمة.

ص: 240

و يستفاد من سياق الآية الشريفة أنّها نزلت في قوم اعتادوا على الخيانة و ارتكاب الإثم و انهمكوا فيه، فنهى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله عن أن يكون خصيما لهم، و أن يجادل عنهم لأجل خيانتهم، فهو تعالى يبغضهم لذلك و ينهى عن المدافعة عنهم، فلا فرق في الحكم بين قليل الخيانة و كثيرها، فإنّهما على حدّ سواء عنده عزّ و جلّ .

قوله تعالى: يَسْتَخْفُونَ مِنَ اَلنّاسِ وَ لا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اَللّهِ .

بيان لأهمّ سجاياهم الّتي امتاز بها هؤلاء الخوانون الآثمون. منها: استتارهم عن الناس و استحياؤهم منهم عند ارتكاب الخيانة و الآثام، و عدم استتارهم عن اللّه تعالى لأنّهم أمنوا عقابه، فلا إيمان لهم؛ لأنّ الإيمان جنّة واقية يمنعهم عن ارتكاب و اقتراف الإثم، و هو أحقّ من أن يستخفى عنه و يستتر منه.

و إنّما عبّر عزّ و جلّ بالاستخفاء منه تعالى و هو عليم بمنويات الصدور و لا تخفى عليه شيء في الأرض و لا في السماء؛ تنزيلا على زعمهم، فإنّهم كانوا على درجة ضعيفة من الإيمان، فلم يعتقدوا مراقبة اللّه تعالى لهم، فبيّن عزّ و جلّ لهم هذه الحقيقة.

و من ذلك يعرف أنّه لا وجه لارتكاب المجاز في المقام و القول بأنّ المراد من الاستخفاء منه تعالى الاستحياء، فإنّه و إن كان صحيحا، لكنّه خلاف السياق.

و ممّا ذكرناه يعلم الوجه في ما ذكره بعض المفسّرين من أنّ الاستخفاء من اللّه تعالى أمر غير مقدور، إذ لا يخفى على اللّه شيء في الأرض و لا في السماء، فطرفه المقابل له - اعني عدم الاستخفاء - أيضا أمر اضطراري غير مقدور، و إذا كان كذلك لم يتعلّق به لوم و لا تعيير، كما هو ظاهر الآية الشريفة، فالظاهر أنّ الاستخفاء كناية عن الاستحياء؛ و لذلك قيّد قوله: وَ لا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اَللّهِ بقوله: وَ هُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ اَلْقَوْلِ ، الدالّ على أنّهم كانوا يدبّرون ما لا يرضى من القول، أي: التبرّي من هذه الخيانة المذمومة، كما قيّده عزّ و جلّ بقوله: وَ كانَ اَللّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً ، الّذي يدلّ على إحاطته تعالى بهم

ص: 241

في جميع الأحوال حتّى حال ارتكاب الجرم و صدور المعصية، فيكون التقييد بهذين القيدين من قبيل ذكر العامّ بعد الخاصّ ، و هو في الحقيقة تعليل لعدم استخفائهم من اللّه تعالى بعلّة خاصّة ثمّ بأخرى عامّة.

و ما ذكره قدّس سرّه تطويل بلا طائل تحته، فإنّ ما يذكره عزّ و جلّ من الآيات التالية كفيل في بيان المراد من عدم استخفائهم من اللّه، و هو التنزيل على ما كانوا يعتقدونه، و إنّه مذكور على ما كانوا يتخيّلونه من عدم حضوره عزّ و جلّ و أمنهم من عقابه، بخلاف استخفائهم من الناس، فإنّهم لم يكونوا في مأمن من عقابهم و توبيخهم، فكان الردّ عليهم حاسما، من أنّه معهم يعلم ما يبيّتون ما لا يرضى من القول، و أكّد ذلك بأنّه محيط بهم.

و ما ذكره أخيرا من الآيتين المباركتين الأخيرتين تعليل لعدم استخفائهم من اللّه تعالى صحيح، فهو عزّ و جلّ أحقّ من أن يستخفى منه - بأن لا يعصى لا جهرا و لا خفاء - فالاستخفاء منه تعالى أمر مقدور بترك المعصية و الإثم و مراقبته عزّ و جلّ في جميع الأحوال.

قوله تعالى: وَ هُوَ مَعَهُمْ .

تعليل لعدم استخفائهم منه جلّ شأنه، فهو معهم يعلم ما تكنّ به صدورهم و يرى أعمالهم و يسمع أقوالهم. و معيّته تعالى لخلقه معيّة قيوميّة إحاطيّة علميّة، لا معيّة زمانيّة و مكانيّة، فإنّه تعالى محيط بهما.

قوله تعالى: إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ اَلْقَوْلِ .

تقدّم الكلام في مادة (بيّت)، و المراد به التدبير ليلا و في الخفاء بما لا يرضاه عزّ و جلّ من القول و الفعل، كالتبريّ من الخيانة و رمي البريء بها و شهادتهم عليها زورا، فيكون المراد من القول الأعمّ منه و من الفعل المترتّب عليه، فكانوا يدبّرون ما لا يرضاه عزّ و جلّ في الخفاء و ينسبونه إلى البريء.

ص: 242

قوله تعالى: وَ كانَ اَللّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً .

تعليل عامّ يبطل زعمهم في عدم استخفائهم من اللّه تعالى و تدبيرهم القول، فإنّه عزّ و جلّ محيط بهم في جميع الأحوال، فيعلم أفعالهم و أقوالهم و سرّهم و علنهم، عالم بجميع خصوصياتهم لا يعزب عن علمه شيء و لا يفوته أمر.

قوله تعالى: ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا .

بيان لعدم انتفاعهم بالمجادلة عنهم، و هو دليل على أنّ المجادلة المنهيّة في صدر الآية الشريفة الّتي خوطب بها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ليس المراد منه نفس الرسول الكريم، فإنّه صلّى اللّه عليه و آله معصوم لا يجادل عن الّذين يخونون أنفسهم، بل كان واقعا من بعض المؤمنين، إلاّ أنّ الخطاب كان موجّها لرسوله الكريم صلّى اللّه عليه و آله؛ تعظيما للأمر و تعليما لأمته، فإنّ الأمر بمكان من الأهميّة؛ لأنّ فيه تضييعا للحقوق و مسّا للعدالة الإسلاميّة و ترويجا للباطل و إزهاقا للحقّ ، فكان ذلك سببا في توجيه الخطاب له صلّى اللّه عليه و آله و مثل هذا الأسلوب يراد منه الاستفزاز و التنبيه بأنّ الجدال عنهم لا ينفعهم و لو بذلتم غاية الجهد في ذلك، فإنّ جناياتهم على حدّ من الكثرة و العظمة بحيث يوجب مشاقّتهم بالتوبيخ و التقريع، لا المخاصمة و الجدال عنهم.

قوله تعالى: فَمَنْ يُجادِلُ اَللّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ .

أي: لو نفعهم الجدال في الحياة الدنيا، فلا ينفعهم في يوم القيامة، يوم حضور الأعمال و يوم الشهود. و الاستفهام بمعنى الإنكار و التوبيخ.

قوله تعالى: أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً .

أي: إذا حضرت الأعمال و تكشّفت السرائر و برزوا للّه الواحد القهّار، فمن يكون وكيلا يدافع عنهم، فإنّه في ذلك اليوم لا مدافع عن المجرمين و لا مجادل عنهم و لا كفيل يدبر أمرهم و يصلح شأنهم، فهناك لا ينفع الاستخفاء من اللّه تعالى، فإنّ الأعمال محفوظة لديه و هو محيط بهم.

ص: 243

قوله تعالى: وَ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ .

ترغيب للتوبة و حثّ إلى ترك السوء و الخيانة. و بيان للمخرج من الذنب بعد وقوعه، و إرشاد إلى أنّ المعصية الّتي يقترفها الإنسان تؤثّر في نفسه و تخلّف تبعات و آثارا عليها، و تكتب في صحيفة أعماله، و لا يمكن إزالتها إلاّ بالرجوع إلى اللّه تعالى و استغفاره، فلو فعل ذلك وجد اللّه جلّت قدرته توّابا رحيما.

و السوء: ما يسوء الإنسان، و لعلّ التدريج من السوء إلى الظلم إمّا لأجل أنّ السوء يراد به التعدّي على الغير و بالظلم التعدّي على النفس، أو من التدريج من المعصية الصغيرة إلى المعصية الكبيرة. و قيل: السوء ما دون الشرك؛ لأنّه ظلم عظيم.

و كيف كان، فهما مشتركان في العصيان و التعدّي على حرماته عزّ و جلّ .

قوله تعالى: ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اَللّهَ يَجِدِ اَللّهَ غَفُوراً رَحِيماً .

أي: يطلب منه المغفرة بالتوبة الصادقة، فإنّه يجد اللّه غفورا لذنوبه رحيما به، و من رحمته عزّ و جلّ أن وفّقه التوبة و أنّه يقبلها و لو بعد حين. و لعلّ الإتيان ب (ثم) إشارة إلى ذلك.

و التعبير بالوجدان لبيان سرعة الاستجابة، و عن علي عليه السّلام: «من اعطي الاستغفار لم يحرم المغفرة»، و فيه الحثّ إلى التوبة و الاستغفار، و بيان إلى أنّ من لم يتب يحرم نفسه من رحمته تعالى.

و إطلاق الآية المباركة يشمل جميع الذنوب الصغائر و الكبائر، كما أنّ سياقها يدلّ على التفضّل و الامتنان.

قوله تعالى: وَ مَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ .

بيان لحقيقة من الحقائق الواقعيّة الّتي طالما غفل عنها الإنسان، و هي أنّ الإثم الّذي يكسبه إنّما يكسبه على نفسه و لن يتخطّاه و تلحقه آثاره و تبعاته،

ص: 244

و يكون وباله عليه مهما تنصّل عن ذلك و رمي به غيره زورا و افتراء، فلا بد أن يتذكّر ذلك و يجعله نصب عينيه، فإنّه لا يجديه رمي الغير به، أو أن يتعهّد له متعهّد، فإنّه وحده يتحمّل إثمه، و وزره و وباله إنّما يكون على من كسبه فليحترز عن الذنب و تعريض النفس للعقاب.

و المراد بالكسب هو الفعل بقصد الانتفاع به؛ و لذا لا يوصف فعل الربّ بالكسب لعدم تصوّر الانتفاع فيه عزّ و جلّ ، و الإثم هو الذنب.

و هذه الآية الشريفة كالمقدّمة للآية التالية المتعرّضة للرمي بالخطيئة و الإثم.

قوله تعالى: وَ كانَ اَللّهُ عَلِيماً حَكِيماً .

أي: أنّ اللّه عليم يعلم أفعال عباده حكيم بأن جعل لكلّ فعل جزاء خاصّا، و من حكمته أنّه لا يؤاخذ أحدا إلاّ بسبب إثمه.

و قد فسّرت هذه الآية آيات اخرى في مواضع متفرّقة من القرآن الكريم، قال تعالى: وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى * [سورة الانعام، الآية: 164].

و قال تعالى: وَ قالَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَ لْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَ ما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْ ءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ [سورة العنكبوت، الآية: 12]، و قال تعالى: لَها ما كَسَبَتْ وَ عَلَيْها مَا اِكْتَسَبَتْ [سورة البقرة، الآية: 286].

قوله تعالى: وَ مَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً .

بيان إلى أنّ الخطيئة و الإثم الّذي يرتكبه أحد إذا رمى به بريئا كان إثما و خطيئة اخرى. و الخطيئة و الإثم و الذنب و السيئة في الشرع تطلق على المعصية، و لها مدلولات متفرّقة إلاّ أنّه يمكن الفرق بينها أنّ الخطيئة تستعمل في المعصية الّتي تكون من غير تعمّد، ثمّ توسّع فيها و استعملت في كلّ ما لا ينبغي أن يقصده الإنسان، فتكون كلّ معصية و أثرها من مصاديق الخطيئة. و بناء على ذلك تكون

ص: 245

الخطيئة على قسمين، فإمّا أن يكون عملا أو أثر عمل لم يقصده الإنسان، فلا تعدّ حينئذ معصية، و من نسبة الخطيئة إلى الكسب الدالّ على القصد يراد من الخطيئة المعصية.

و أمّا الإثم فهو في الأصل التقصير، أي: ما يوجب قصر صاحبه عن الكمال، أو ما يوجب الحرمان عن الخيرات كالخمر، فإنّها تقصر بشاربها لذهابها بعقله، و هي توجب حرمان شاربها من الخيرات، سواء كانت فرديّة أم اجتماعيّة أو تكون مبطلة للثواب.

و أمّا الذنب، فهو الفعل الشنيع الّذي يتبعه الذمّ و اللوم.

و ذكر بعضهم أنّ الإثم هو القبيح الّذي عليه تبعة، و أمّا الذنب فهو القبيح من الفعل و لا يفيد معنى التبعيّة؛ و لذا يقال: أذنب الصبي، و لا يقال: قد إثم.

و كيف كان، فاجتماع الخطيئة و الإثم في الآية الشريفة و نسبتهما إلى الكسب يدلّ على أنّ لكلّ واحد منهما مدلولا خاصّا. فالمعنى: و من يكسب معصية و يفعل فعلا لا ينبغي أن يقصده، كترك الواجبات و فعل المحرمات - كأكلّ الدم - أو يكسب إثما يوجب حرمان صاحبه عن الخيرات و يبقى وبالها - كالسرقة و قتل النفس - ثمّ يرمي بريئا بنسبتها إليه، فقد احتمل بهتانا و إثما مبينا.

و المراد من يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً نسبة الخطيئة و الإثم إليه، و زعم أنّه هو الّذي فعله افتراء.

قوله تعالى: فَقَدِ اِحْتَمَلَ بُهْتاناً وَ إِثْماً مُبِيناً .

البهتان هو الكذب على شخص بما يبهت منه و يتحيّر عند سماعه لفظاعته، يقال: بهته بهتا و بهتانا فهو باهت، و المقول مبهوت.

و الإثم المبين، أي: المبين الّذي لا شكّ فيه و لا خفاء، و اكتفى في البهتان بتنكير التفخيم. و يمكن أن يرجع وصف الإثم إلى البهتان أيضا، و عبّر بهما تهويلا للأمر و تعظيما لحال البريء.

ص: 246

و في إطلاق الاحتمال بالنسبة إلى قبول وزر البهتان استعارة لطيفة، كأنّ المفترى يفتك بالمتهم البريء و يرميه بالإثم و الخطيئة، فيوجب أن يتحمّل حملا يشغله عن كلّ خير، لا يفارقه مدى حياته.

و الآية المباركة تتضمّن أدبا من آداب الإسلام و خلقا كريما من مكارم الأخلاق. و هو ترك رمي البريء و الافتراء عليه، فإنّه خطيئة أخرى و إثم عظيم؛ لأنّه يشتمل على الكذب و الافتراء و الظلم على الغير و ذهاب الثقة بين المجتمع و هدم الاعتماد في الأسرة و إشاعة الفحشاء بين الأفراد؛ و لذا كان معصية كبيرة توجب فساد الدنيا و عذاب الآخرة.

قوله تعالى: وَ لَوْ لا فَضْلُ اَللّهِ عَلَيْكَ وَ رَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ .

الآية الشريفة تدلّ على أنّهم كانوا يهتمّون بإضلال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و يرضونه بالدفاع عن الخائنين و المجادلة عنهم، و هؤلاء هم الّذين خاطبهم عزّ و جلّ بقوله:

ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا [سورة النساء، الآية: 109]، و تنطبق الآية الكريمة على القوم الّذين اتّهموا بريئا و أرادوا تعريض النبيّ صلّى اللّه عليه و آله المجادلة عنهم، كما وردت في الروايات على ما سيأتي.

أي: و لو لا فضل اللّه عليك بالتأييد و العصمة، و رحمته بإخبارك و همهم و تنبيهك بالحقّ و الحقيقة، لهمّت طائفة من الّذين يختانون أنفسهم - و هم قوم أبي طعمة و غيرهم على ما ستعرف - الّذين انتصروا للخائن و طلبوا من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله المجادلة عنهم و الحكم على المتهم البريء، و هم يعلمون حقيقة الحال، و قد همّوا و بذلوا غاية جهدهم في إضلال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله عن الواقع و القضاء بالحقّ ، و الآية المباركة تدلّ على نفي تأثير همّهم فيه صلّى اللّه عليه و آله لا نفي الهمّ مطلقا.

قوله تعالى: وَ ما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ .

أي: أنّ إضلالهم لا يتعدّى إليك و لا يتجاوز عن أنفسهم، فإنّ وزره و وباله

ص: 247

راجع إليهم، فهم الضالّون و يعملون عملهم، و أنّهم أزالوا أنفسهم عن الحقّ و أوردوها مورد الهلاك.

قوله تعالى: وَ ما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْ ءٍ .

عطف تفسيري للآية الكريمة السابقة، أي: أنّهم بهمّهم لإضلالك لا يضرّونك بل يضرّون أنفسهم بتعريضها للهلاك و وبال عملهم عليهم، فلا يتعدّى عليك؛ لأنّك مؤيّد من عنده تعالى و معصوم، فلا يضرّك ما يخطر ببالك بادئ الأمر من همّهم و شدّة جهدهم في تلبيس الحقّ بالباطل.

و الآية المباركة تدلّ على نفي إضرارهم للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله مطلقا و في جميع الحالات و الخصوصيات، و هي تدلّ على عدم صدور المجادلة عنهم من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله مطلقا.

قوله تعالى: وَ أَنْزَلَ اَللّهُ عَلَيْكَ اَلْكِتابَ وَ اَلْحِكْمَةَ وَ عَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ .

بيان لفضله تعالى على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و الرحمة له، و هو في مقام التعليل لقوله تعالى: وَ ما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْ ءٍ ، أي: ما يضرّونك من شيء مع إنزال اللّه عليك القرآن و الحكمة، و هي الفصل في القضاء، أو الاطلاع على الحقائق و دقائق الكتاب و سائر المعارف الإلهيّة. و علّمك من الحقائق و كشف لك الأسرار المكنونة و العلوم المخزونة و خفيّات الرموز ما لم تعلم إلاّ بتعليمه.

و ذكر المفسّرون في تفسير الكتاب و الحكمة أمورا يمكن المناقشة فيها، فقيل:

المراد من الكتاب: هو الوحي النازل لرفع اختلافات الناس، كما في قوله تعالى:

كانَ اَلنّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اَللّهُ اَلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ اَلْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ اَلنّاسِ فِيمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ [سورة البقرة، الآية: 213].

و فيه: أنّ الظاهر من الكتاب - في المقام - النازل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله المقابل للحكمة، و تعليم ما لم يعلم هو القرآن الكريم، و هو و الحكمة تكفّلا لرفع اختلاف الناس و الفصل بالحقّ في القضاء.

ص: 248

و قيل: المراد بالحكمة ما فيه من الأحكام، و ما ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ الغيب و الأقدار المخفيّة على البشر.

و فيه: أنّه لم يقم دليل عليه، بل الحكمة متى ما أطلقت يراد بها تلك العلوم و المعارف الحقّة، الّتي لها مدخليّة في شؤون الإنسان العمليّة و المصيريّة.

و قيل: المراد بالكتاب القرآن، و بالحكمة السنّة، و ممّا لم تعلم الشرائع و أنباء الرسل الأوّلين؛ و هو بعيد جدا.

و هذا العلم النازل من اللّه تعالى على قلبه الشريف، هو الملاك في العصمة الّتي هي عبارة عن علم الشخص بأمور تمنعه عن ارتكاب المعصية و التلبّس بالخطإ، فإنّ أثر هذا العلم هو منع صاحبه عن الضلال، كما أنّ أثر الشجاعة و السخاء و نحو ذلك من السجايا الفاضلة و الملكات، مترتّب عليها تمنع صاحبها من التلبّس بما يضادها من الجبن و البخل و التبذير و نحو ذلك، و سيأتي في البحث الفلسفي في الآيات المناسبة له ما يتعلّق بالعصمة إن شاء اللّه تعالى.

قوله تعالى: وَ كانَ فَضْلُ اَللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً .

امتنان على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، إذ لا فضل أعظم من النبوّة و الرحمة الإلهيّة و تعليم الكتاب و الحكمة و عصمته من الوقوع في الضلال، فذلك كلّه فضل لا يمكن أن تحويه عبارة و لا تحيط به إشارة.

قوله تعالى: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ .

بيان للصراط المستقيم و المنهج القويم الّذي لا بد و أن يتّبعه الخائنون، دون ما حكى عنهم عزّ و جلّ - كما مرّ - من تبييت ما لا يرضى من القول و فساد النية و سوء الفعال.

و ما تضمّنته هذه الآية المباركة تعليم إلهي لسائر الناس، و إرشاد لهم بأنّهم إذا تناجوا فلا بد أن يكون نجواهم بالخير و المعروف و الإصلاح بين الناس و التأليف بينهم بالمودّة، و إلاّ فلا خير في نجواهم و يكون وزره و وباله عليهم.

ص: 249

و النجوى: السرّ بين الاثنين، و ناجيته، أي: ساررته، تقول: ناجيت فلانا مناجاة و نجاء، و هم ينتجون و يتناجون، و نجوت فلانا انجوه نجوا، أي: ناجيته، و هو من نجوت السرّ أنجوه، أي: خلصته و أفردته، و منه نجوّة الأرض، أي المرتفع منها لانفراده بارتفاعه عمّا حوله. فالنجوى المسارّة مصدر، و قد تسمّى به الجماعة، كما يقال: قوم عدل و رضا، قال تعالى: وَ إِذْ هُمْ نَجْوى [سورة الإسراء، الآية:

47]، أي: متناجون، و في الحديث: «دعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اللّه عليّا عليه السّلام يوم الطائف فانتجاه، فقال الناس: لقد طال نجواه، فقال: ما انتجيته و لكن اللّه انتجاه»، أي: أنّ اللّه تعالى أمرني أن أناجيه. و في الدعاء: «اللهمّ بمحمّد نبيّك و صفيّك، و بموسى نجيّك»، أي: المناجي و المخاطب معك.

و الضمير في نَجْواهُمْ يعود إلى القوم المختانين أنفسهم، الّذين يبيّتون ما لا يرضى من القول، و الّذين يستخفون من الناس و لا يستخفون من اللّه تعالى، و قد غلب الشرّ عليهم فلا خير فيهم، لا في أفعالهم و لا أقوالهم و لا في مناجاتهم فيما بينهم.

و إنّما عبرّ عزّ و جلّ ب لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ ؛ لأنّ ما تناجوا فيه من الأمور الّتي نفى عنها الخير، فلا يحتاج إلى النجوى فيها، أو لأنّ النجوى إن كان راجعا الى شؤونهم الخاصّة الّتي لا ربط لها بإبطال الحقّ و إحقاق الباطل، فليس داخلا في مضمون الآية الشريفة، و هي قليلة عندهم. أو أنّ نفي الخير عن الكثير راجع إلى نفي الخير كلّه، باعتبار أنّ الكثير إذا لم يكن فيه الخير فقليله لا ينفع؛ لأنّ النجوى مظنّة الإثم و العدوان، قال تعالى: إِنَّمَا اَلنَّجْوى مِنَ اَلشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ لَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلاّ بِإِذْنِ اَللّهِ وَ عَلَى اَللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُؤْمِنُونَ [سورة المجادلة، الآية: 10]، و قال تعالى: يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَ اَلْعُدْوانِ وَ مَعْصِيَةِ اَلرَّسُولِ وَ تَناجَوْا بِالْبِرِّ وَ اَلتَّقْوى وَ اِتَّقُوا اَللّهَ اَلَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [سورة المجادلة، الآية: 9]، فإنّ الإثم و العدوان إنّما يتحدّث عنهما في السرّ، دون الخير فإنّه يتحدّث عنه في الملأ.

ص: 250

و إنّما عبرّ عزّ و جلّ ب لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ ؛ لأنّ ما تناجوا فيه من الأمور الّتي نفى عنها الخير، فلا يحتاج إلى النجوى فيها، أو لأنّ النجوى إن كان راجعا الى شؤونهم الخاصّة الّتي لا ربط لها بإبطال الحقّ و إحقاق الباطل، فليس داخلا في مضمون الآية الشريفة، و هي قليلة عندهم. أو أنّ نفي الخير عن الكثير راجع إلى نفي الخير كلّه، باعتبار أنّ الكثير إذا لم يكن فيه الخير فقليله لا ينفع؛ لأنّ النجوى مظنّة الإثم و العدوان، قال تعالى: إِنَّمَا اَلنَّجْوى مِنَ اَلشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ لَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلاّ بِإِذْنِ اَللّهِ وَ عَلَى اَللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُؤْمِنُونَ [سورة المجادلة، الآية: 10]، و قال تعالى: يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَ اَلْعُدْوانِ وَ مَعْصِيَةِ اَلرَّسُولِ وَ تَناجَوْا بِالْبِرِّ وَ اَلتَّقْوى وَ اِتَّقُوا اَللّهَ اَلَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [سورة المجادلة، الآية: 9]، فإنّ الإثم و العدوان إنّما يتحدّث عنهما في السرّ، دون الخير فإنّه يتحدّث عنه في الملأ.

قوله تعالى: إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ اَلنّاسِ

إرشاد إلى أنّ الخير في كلّ نجوى واقع بين الطرفين أو أكثر لا بدّ أن يكون باعثا لهذه الأمور الثلاثة، و هي الصدقة، و المعروف، و الإصلاح بين الناس، و على هذا فالاستثناء متّصل، أي: أنّه لا خير في النجوى، بل الخير فيه ما كان باعثا إلى هذه الأمور المذكورة في الآية الكريمة.

و قيل: إنّ الاستثناء منقطع على معنى لكن من أمر بصدقة أو معروف.

و كيف كان، فهذه الأمور الثلاثة هي مجامع الخير الّتي يحتاج إليها في تنظيم أمور معاشهم و معادهم، و إنّها هي الّتي يحتاج فيها إلى النجوى، و غيرها لا خير فيها.

و إنّما ذكر عزّ و جلّ هذه الأمور الثلاثة؛ لأنّ كمالها إنّما يكون بكتمانها و التعاون عليها سرّا و جعلها نجوى.

و الصدقة هي العطيّة المتبرّع بها الغير بقصد القربة. و المعروف: ما يعمّ أعمال البرّ كلّها، و الإصلاح بين الناس: هو رفع الاختلاف و إلقاء المودّة بينهم، و تقدّم أنّ هذه الأمور الثلاثة هي الجامعة لجميع أبواب الخير، و هو إمّا أن يكون فيه إيصال نفع إلى الغير، و هذا على قسمين، فإمّا أن يكون النفع جسمانيّا و مادّيا، و هي الصدقة. و إمّا أن يكون معنويّا و روحانيّا، و هو المعروف. و إمّا أن يكون الخير دفع المضرّة عن الغير، و هو الإصلاح بين الناس.

و إنّما قدّم الصدقة على المعروف و الإصلاح؛ لأنّ الأمر فيها أشقّ ، فإنّ فيها بذل المال الّذي هو شفيق الروح، بل عن عليّ عليه السّلام: «ينام الإنسان على الثكل و لا ينام على حرب».

ص: 251

كما أنّ تخصيص المعروف و الإصلاح بالذكر مع إمكان دخولهما في الصدقة لأنّ «كلّ معروف صدقة»؛ إيذانا بالاعتناء بشأنهما و للترغيب بهما، فإنّ المعروف يحبّه جميع الناس، و في الحديث عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «المعروف كاسمه و أوّل من يدخل الجنّة يوم القيامة المعروف و أهله»، و تقدّم في عدّة آيات شريفة الأمر بفعل المعروف، و المستفاد من مجموعها أنّ المعروف لا يتمّ إلاّ بثلاث خصال: بالتعجيل، و الستر، و التصغير.

و أمّا الإصلاح بين الناس ففيه إزالة الفساد من ذات البين، و فيه الفضل الكبير و الثواب الجزيل، و في الحديث عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «ألا أدلّك على صدقة يحبّها اللّه و رسوله، تصلح بين الناس إذا تفاسدوا، و تقرّب بينهم إذا تباعدوا»، و عموم الإصلاح بين الناس يشمل جميع أفراده، في الدماء و الأموال و الأعراض و في كلّ شيء يرفع الاختلاف بين الناس حتّى الكذب، بلا فرق بين المسلمين و غيرهم، فإنّه أمر محبوب إلاّ فيما ورد من الشارع نهي بالخصوص حتّى في مثل المقام، و في الكافي عن الصادق عليه السّلام: «و الكلام ثلاثة، صدق و كذب و إصلاح بين الناس»، و في الحديث عنه عليه السّلام أيضا: «إنّ اللّه فرض التمحّل في القرآن، فقيل: و ما التمحّل ؟ قال عليه السّلام: أن يكون وجهك أعرض من وجه أخيك فتمحّل له»، و هو قوله تعالى: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ .

و المراد من التمحّل ارتكاب الحيل الشرعيّة في قضاء حوائج الإخوان، و قد ضبط التجمّل بالجيم، و التحمل بالحاء أيضا.

قوله تعالى: وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ .

بيان لحال النجوى من حيث المثوبة و العقوبة ليتّضح وجه الخير في النجوى و عدمه. و ينقسم المتناجون إلى قسمين: قسم يبتغي في فعله مرضاة اللّه تعالى، فله الأجر العظيم، و قسم آخر يفعل لأجل مشاقّة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و اتّباع سبيل آخر غير سبيل المؤمنين، فسيكون جزاؤه جهنّم، و الآيات التالية بين القسمين.

ص: 252

أي: من يأمر بالمذكورات من الصدقة، و المعروف، و الإصلاح بين الناس و يفعل ذلك لأجل طلب رضا اللّه تعالى و تقرّبا إليه عزّ و جلّ ، فقد نال الخير و سيثيبه سبحانه و تعالى الأجر العظيم.

و إنّما عدل عزّ و جلّ عن الأمر إلى الفعل؛ لبيان أنّ مجرّد الوعد غير كاف، بل لا بدّ أن يتلبّس بالفعل و يتحقّق في الخارج.

قوله تعالى: اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اَللّهِ .

بغي الشيء طلبه، و ابتغاه يدلّ على شدّة الطلب و الاجتهاد فيه، فهو أبلغ من الطلب، أي: من يفعل من الصدقة و المعروف و الإصلاح بين الناس لأجل طلب رضا اللّه تعالى و الانقطاع إليه - لأنّ الأعمال بالنيّات - فقد فاز بالأجر منه جلّت عظمته و يمنحه من عطاياه و يشرّفه من كرمه، فيدلّ على أنّ فعل الخير إنّما يكون مظهرا لرحمته عزّ و جلّ في ما إذا أراد مرضاة اللّه تعالى منه، فيكون الخير و العمل أنفع و أدوم و يكون مظهرا من مظاهر رحمته عزّ و جلّ ، و كلّ ما كان الفعل أخلص لوجه اللّه تعالى كان أكمل و أنفع و أبقى، و على درجات الإخلاص يثاب الفاعل.

و تدلّ هذه الآية الشريفة على نظرية الإسلام في الخير و الأخلاق الفاضلة، فإنّه يؤكّد عليه أشدّ تأكيد و يحثّ على التخلّق بها و التحلّي بالفضيلة و عمل الخير ابتغاء لمرضاة اللّه تعالى و خالصا لوجهه الكريم، فهو ينظر إلى الجانب الروحاني و المعنوي أكثر من البعد المادّي، فلا يعير للأخلاق الفاضلة إذا طلبت لأجل البعد المادّي من قضاء الحوائج و تمشية الأمور الدنيويّة و حصول النفع كما تراه عليه الجاهليّة المعاصرة و المذاهب النفعيّة في الأخلاق، فالخلق الكريم إنّما يكون صالحا و كاملا و موجبا لإصلاح النفس إذا كان ابتغاؤه لأجل مرضاة اللّه تعالى، و قد ذكرنا ما يتعلّق بذلك في أحد مباحثنا الأخلاقيّة، فراجع.

قوله تعالى: فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً .

أي: نعطيه مثوبة عظيمة يقصر عنها الوصف في الكثرة و الصفة و المنزلة،

ص: 253

و يستحقر دونها ممّا فات من أعراض الدنيا، و أمّا كون الأجر كثيرا فلأنّه دائم، و أمّا كونه في منتهى كمال الصفات فلأنّه لا ينغصه شيء و لا يشوبه ما يعيبه، و أمّا المنزلة فلأنّها مقارنة للتعظيم، فإطلاق الآية المباركة يشمل جميع ما تقدّم لانتساب إعطاء الأجر إلى ذاته الأقدس و توصيفه بالعظمة المتجلّية عن مقامه الربوبي جلّ شأنه، و ظاهر الآية المباركة من قبيل ترتّب السبب على المسبّب، و يستفاد منها تثبيت قدرته و قهّاريته.

قوله تعالى: وَ مَنْ يُشاقِقِ اَلرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ اَلْهُدى .

بيان للقسم الثاني من المتناجين بعد بيان حال المتناجين بالخير و الأمر بالصدقة و المعروف و الإصلاح بين الناس، و ابتغاؤهم مرضاة اللّه تعالى، و وعدهم عزّ و جلّ الجزاء الأحسن.

و في هذه الآية الشريفة يبيّن تعالى حال المتناجين بالشرّ و مخالفة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و اتّباعهم طريقا غير طريق المؤمنين، و أوعدهم عزّ و جلّ الإملاء و الاستدراج ثمّ إصلائهم جهنّم و ساءت مصيرا.

و المشاقّة المخالفة و المعاداة، مشتق إمّا من شقّ العصا، أو من الشقّ ، و هو القطعة المبانة من الشيء، فكأنّ كلّ واحد من المتخالفين في شقّ غير شقّ الآخر.

و قد ورد في القرآن الكريم هذه الكلمة تارة: بالإدغام الّتي هي لغة بني تميم، قال تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اَللّهَ وَ رَسُولَهُ وَ مَنْ يُشَاقِّ اَللّهَ فَإِنَّ اَللّهَ شَدِيدُ اَلْعِقابِ [سورة الحشر، الآية: 4].

و أخرى بالفكّ كما في المقام، و في سورة الأنفال - الآية 13 قال تعالى: وَ مَنْ يُشاقِقِ اَللّهَ وَ رَسُولَهُ و هي لغة الحجاز. و لعلّ الفكّ في المقام لبيان شدّة الانفكاك بين الرسول صلّى اللّه عليه و آله و مخالفه، كما في قوله تعالى: وَ مَنْ يُشاقِقِ اَللّهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ اَللّهَ شَدِيدُ اَلْعِقابِ [سورة الأنفال، الآية: 13].

و التعرّض للرسالة في قوله تعالى: وَ مَنْ يُشاقِقِ اَلرَّسُولَ تعليلا لما

ص: 254

سيذكره عزّ و جلّ ، و لبيان كمال شناعة مخالفتهم و مشاقّتهم، و المراد من قوله عزّ و جلّ : مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ اَلْهُدى ، أي: من بعد ما ظهر الحقّ ، و فيه من التقبيح العظيم لهم ما لا يخفى.

و المعنى: و من يخالف الرسول من بعد ما ظهر له الحقّ بالدلائل و المعجزات و موافقة ما أتى به للفطرة و لم يطعه، و إنما ذكر عزّ و جلّ القيد: مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ اَلْهُدى ؛ لبيان شدّة المعاندة، و أنّ المشاقة إنّما كانت عصبيّة و اتّباعا للشهوات و النفس الأمّارة، فكانت سببا لزوال الهداية و تفويتها عنهم.

قوله تعالى: وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ اَلْمُؤْمِنِينَ .

سبيل المؤمنين إنّما هو سبيل الهداية، و ما هم عليه من الحنفيّة الصافية الموافقة للفطرة الخالية عن كلّ شائبة، كما أنّ سبيلهم إنّما يكون سبيل التقوى، فكان سبيلهم طاعة اللّه، و اجتماعهم إنّما كان عليها، و قد ورد الحثّ على اتّباع سبيلهم في عدّة مواضع من القرآن الكريم، قال تعالى: وَ أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لا تَتَّبِعُوا اَلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [سورة الانعام، الآية: 153]، و قال تعالى: وَ اِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اَللّهِ جَمِيعاً وَ لا تَفَرَّقُوا وَ اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اَللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً [سورة آل عمران، الآية: 103].

قوله تعالى: نُوَلِّهِ ما تَوَلّى .

أي: من خالف الرسول و اتّبع غير سبيل المؤمنين في ما هم عليه من التقوى و الهداية و إطاعة اللّه من ما بعد ظهر له، نجعله على ما تولاّه من الضلالة و الغواية الّتي اختارها.

و الآية الشريفة تدلّ على اختيار الإنسان في أفعاله و سلوك عقائده، و أنّ لها الأثر الكبير في هداية الإنسان و سبلها، فإنّ الخروج عن ربقة المؤمنين و الإعراض عن تعاليم سيد المرسلين، موجب للخروج عن الفطرة المستقيمة و الدخول في سلك

ص: 255

الكافرين، و يكفي في سلب الهداية إيكال اللّه تعالى الإنسان إلى نفسه و عدم توفيقه له، و هذا هو الجزاء الدنيوي لهم حيث استدرجهم و أملاهم.

و هذه الآية المباركة تتضمّن من الحكمة القويمة و المنهج الصالح للإنسان ما لم تكن في غيرها، و يستفاد من سياقها أنّها في مقام الامتنان على الأمّة المرحومة.

قوله تعالى: وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَ ساءَتْ مَصِيراً .

بيان للجزاء الأخروي بعد بيان الجزاء الدنيوي، أي: ندخله في جهنّم جزاء لما اختاره في الدنيا من الطغيان و الغواية؛ و لذلك يصلّى جهنّم و بئس المصير الّذي يصير إليه.

و الآيات الكريمة و إن نزلت في قوم معاندين للحقّ و لكن العبرة بعموم اللفظ، لا خصوص السبب و المورد.

ص: 256

بحوث المقام

بحث دلالي:
اشارة

تدلّ الآيات الشريفة على أمور:

الأوّل:

يدلّ قوله تعالى: إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ اَلْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ اَلنّاسِ بِما أَراكَ اَللّهُ أنّ الحكم الحقيقي بين الناس و القضاء فيهم من شؤون النبوّة، بل يستفاد منها أنّهما من مختصاتها و لا يمكن أن يتصدّى لهما إلاّ إذا كان مأذونا من قبله، و لعلّ ما ورد عن الأئمة الهداة عليهم السّلام في شأن القضاء من أنّه من مناصب الأنبياء و الأوصياء، مأخوذ من أمثال هذه الآية المباركة.

الثاني:

يستفاد من الآية الشريفة المتقدّمة أنّ القضاء و الحكم بين الناس لا بدّ أن يستند إلى كتاب اللّه تعالى أو السنّة المباركة من ما ورد عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله من قوله و فعله، فإنّه ممّا أراه اللّه تعالى.

الثالث:

يدلّ قوله تعالى: وَ لا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً أنّ أهمّ ما يفسد القضاء هي الخيانة مطلقا، و يؤكّد ذلك تعقيب الأمر بالحكم بين الناس بالحقّ بهذه الآية الكريمة، و أنّ الخيانة في القضاء من الظلم الّذي لا بدّ من طلب المغفرة من اللّه تعالى، و التوبة من مثل هذا الظلم إنّما تتحقّق بترك الخيانة و الرجوع إلى الحقّ .

الرابع:

يدلّ قوله تعالى: وَ لا تُجادِلْ عَنِ اَلَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ أنّ الدفاع عن الخائنين و مرتكبي الظلم و الآثام من أسباب إعراض اللّه تعالى عن العبد و عدم محبّته له، و أنّ الدفاع عنهم لا يرفعهم عنده جلّت عظمته، فإنّه لا يؤاخذهم إلاّ بذنوبهم.

الخامس:

يدلّ قوله تعالى: يَسْتَخْفُونَ مِنَ اَلنّاسِ وَ لا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اَللّهِ على أنّ الخيانة إنّما تتحقّق بالاستخفاء من الناس أو الحياء منهم لئلاّ يؤاخذوه بما

ص: 257

صدر منه من المعصية و الظلم، و عدم الحياء من اللّه تعالى الّذي هو معهم و لا تخفى عليه خافية.

و من ذلك يستفاد أن أساس كلّ معصية و ارتكاب كلّ ظلم و سوء إنّما هي الخيانة بهذا المعنى العريض الشامل لكلّ مخالفة، و أنّها تحصل بترك المراقبة للنفس، و سيأتي في الموضع المناسب التفصيل في ذلك إن شاء اللّه تعالى.

السادس:

يدلّ قوله تعالى: وَ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اَللّهَ انحصار الطريق في رفع أثر الظلم على النفس و المعصية و السوء، بالتوبة و الرجوع إلى اللّه تعالى و طلب المغفرة منه عزّ و جلّ ، أمّا الشفاعة للظالمين الخائنين لأنفسهم و الدفاع عنهم و اتّخاذ الدليل لهم، فلا فائدة في ذلك كلّه، فرحمته عزّ و جلّ إنّما تشمل العباد لو طلبوها من الطريق الصحيح.

السابع:

يدلّ قوله تعالى: اَلَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ على معنى دقيق، و هو أنّ الإنسان إنّما خلقه عزّ و جلّ و أودع فيه غريزة خاصّة بها يطلب الكمال و يسعى له، و قد بيّن عزّ و جلّ الطريق الّذي يوصله إليه، و لا يمكن أن يطلبه من غير ذلك و ما يطلبه، فإنّه خيال و وهم و ليس هو الكمال الحقيقي المنشود، فمن ارتكب المعصية و يقترف الإثم و السوء، فإنّه خان نفسه الّتي تسعى إلى الكمال و أضلّها عن الطريق المستقيم و عن ما أودعه عزّ و جلّ في فطرة الإنسان عنها و تضييعها و تعطيلها، و لو أحرز شيئا لم يكن ذلك من الكمال المنشود.

الثامن:

يستفاد من قوله تعالى: وَ لَوْ لا فَضْلُ اَللّهِ عَلَيْكَ وَ رَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَ ما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَ ما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْ ءٍ أنّ الأنبياء عليهم السّلام كسائر البشر يتأثّرون بكلّ ما يحيط بهم من قول الشرّ، إلاّ أنّ العصمة الّتي أودعها اللّه تعالى فيهم تحفظهم و تمنع من ظهور آثار الضلال عليهم، فلا يضرّونهم أهل الضلال.

ص: 258

و هذه الآية المباركة من الآيات الشريفة الّتي تدلّ على عصمة نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله، الّتي هي قوّة شعوريّة علميّة إراديّة غير مغلوبة لسبب من أسباب الضلال و الفساد.

و هي تدلّ على أنّ العصمة لا تخرج المعصوم عن كونه فردا من أفراد الإنسان، بل هي موهبة الهية عظيمة و فضل كبير عليهم، تعزف أنفسهم بها عن ارتكاب المعاصي و الآثام، كما تعزف نفوس سائر الناس و تأنف عن أ كلّ ما تشمئز منه النفوس.

و هذه العصمة تثبت على جميع جوارح المعصوم و جوانحه و تظهر أثرها في الأقوال و الأفعال، فيكون في أمن من اتّباع الهوى و الميل إلى الباطل، و أساس هذه العصمة - كما يستفاد من هذه الآية الكريمة - هو العلم الّذي يمنع صاحبه عن التلبّس بالخطإ و كلّ ضلال، كما قال عزّ و جلّ : وَ عَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ، و هذا النوع من العلم يختلف عن إنزال الكتاب و الوحي بواسطة الملك، بل هو إلهام خاص و إلقاء في القلب، و هذا هو علم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله المعروف الّذي يختلف عن سائر علوم الناس، فإنّها لا تحصل إلاّ بالأسباب العاديّة المعروفة في طرق اكتساب العلوم.

كما يختلف عنها في أنّه لا يتأثّر بسائر القوى الشعوريّة الاخرى، من الوهم و الخيال و الضلال، بل هو غالب عليها، و أنّه يصون صاحبه من الضلال و الخطيئة.

و قد يعبّر عن هذا العلم بالعلم اللدنّي أو الملك الّذي يحفظ الإمام عليه السّلام. و قد ورد في بعض الروايات أنّ للنبي صلّى اللّه عليه و آله و الإمام عليه السّلام روحا تسمّى بروح القدس تسدده و تعصمه من المعصية، و يشير إليها قوله تعالى: وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا اَلْكِتابُ وَ لاَ اَلْإِيمانُ وَ لكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا [سورة الشورى، الآية: 52]، و تقدّم في الجزء الأوّل بحث العصمة فراجع.

ص: 259

التاسع:

يدلّ قوله تعالى: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ على مرجوحيّة كلّ نجوى و مسارّة، إلاّ إذا كانت تأمر بالإصلاح و الصدقة و المعروف، و لعلّ السرّ فيه أنّ النجوى من سبل غواية الشيطان و لا بدّ أن يكون الإنسان بعيدا عنها، قال تعالى: إِنَّمَا اَلنَّجْوى مِنَ اَلشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ اَلَّذِينَ آمَنُوا [سورة المجادلة، الآية: 10] إلاّ إذا كان في مرضاة اللّه تعالى و سبل رضاه عزّ و جلّ ، و هي ما ورد في هذه الآية المباركة من الصدقة و المعروف و الإصلاح بين الناس، و إنّها هي الخير الّذي لا بدّ أن يبتغيه المتناجون.

و في ذكر الصدقة في المقام مع كونها من المعروف لعلّه لأجل مرغوبيّة المسارّة فيها، كما أنّ إثبات الأجر العظيم في النجوى الّذي يكون في مرضاة اللّه تعالى؛ لأنّه يتمحّض في الخير و يبتعد عن غواية الشيطان، فيكون مثل هذا النجوى خيرا محضا، و يكون الجزاء المترتّب عليه عظيما.

العاشر:

يستفاد من تعقيب قوله تعالى: وَ مَنْ يُشاقِقِ اَلرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ اَلْهُدى للآية المباركة السابقة الناهية عن النجوى، إذا لم يكن في مرضاة اللّه تعالى بما يبيّنه عزّ و جلّ إنّما تكون لمشاقّة الرسول و مخالفته و معصيته، و يفسّر هذه الآية المباركة قوله تعالى: يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَ اَلْعُدْوانِ وَ مَعْصِيَةِ اَلرَّسُولِ وَ تَناجَوْا بِالْبِرِّ وَ اَلتَّقْوى [سورة المجادلة، الآية: 9].

الحادي عشر:

يستفاد من قوله تعالى: مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ اَلْهُدى أنّ المشاقّة لا تتحقّق إلاّ بعد تبيّن الهدى و وضوح الحجّة و إقامة البرهان. و هنا بحث نفيس في أقسام الهداية و أصناف الناس في اتّباعها، لا يسع الحال لذكرها و نحن في هذه الظروف الشاقّة المحزنة - و الحمد للّه على كلّ حال - و سنذكرها في الموضع المناسب إن شاء اللّه تعالى.

الثاني عشر:

يدلّ قوله تعالى: وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ اَلْمُؤْمِنِينَ أنّ سبيلهم بما

ص: 260

هم مجتمعون على الإيمان، من سبل اللّه تعالى و من مظاهر طاعته عزّ و جلّ و طاعة الرسول الّتي أمرنا اللّه تعالى بها في عدّة آيات شريفة.

و المناط في هذا السبيل هو الاجتماع على الإيمان، الّذي هو الحافظ لوحدة سبلهم، و الإيمان إنّما يتحقّق بطاعة اللّه تعالى و طاعة الرسول، و يدلّ على ما ذكرناه قوله تعالى: وَ كَيْفَ تَكْفُرُونَ وَ أَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اَللّهِ وَ فِيكُمْ رَسُولُهُ وَ مَنْ يَعْتَصِمْ بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [سورة آل عمران، الآية: 101]، و قال تعالى: وَ اِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اَللّهِ جَمِيعاً وَ لا تَفَرَّقُوا وَ اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اَللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً [سورة آل عمران، الآية:

103]، و قد وصف عزّ و جلّ سبيل المؤمنين بعدة أوصاف في القرآن الكريم، منها أنّه سبيل التعاون على البرّ و التقوى، قال تعالى: وَ تَعاوَنُوا عَلَى اَلْبِرِّ وَ اَلتَّقْوى وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى اَلْإِثْمِ وَ اَلْعُدْوانِ [سورة المائدة، الآية: 2].

الثالث عشر:

يدلّ قوله تعالى: وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ اَلْمُؤْمِنِينَ على النهي على شقّ عصا المؤمنين، و أنّ مخالفتهم من معصية اللّه و الرسول و مشاقّته.

الرابع عشر:

يدلّ قوله تعالى: نُوَلِّهِ ما تَوَلّى على حرية ما يختاره الإنسان، حيث إنّه عزّ و جلّ بعد ما يأمره بالطاعة له و للرسول، و بعد ما يبيّن له سبل الهداية و يتمّ له الحجّة، فإن أعرض عن ذلك فإنّه تولّى غير ما يريده اللّه تعالى، فيدعه إلى ما يريده و يتولاّه.

الخامس عشر:

يستفاد من سياق هذه الآيات المباركة أنّ وبال الشرّ يعود على صاحبه، كما أنّ منفعة الخير تعود على فاعله، و أنّ الأسباب الظاهريّة لا تكون منشأ للضرر لو عصم اللّه تعالى منه عبدا، فالآيات الكريمة جامعة لفضائل كثيرة و ناهية عن مساوئ عديدة.

ص: 261

بحث روائي:

في الكافي بسنده عن عبد اللّه بن سنان قال: «قال الصادق عليه السّلام: لا و اللّه ما فوّض اللّه إلى واحد من خلقه إلاّ إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و إلى الأئمة عليهم السّلام، قال اللّه عزّ و جلّ : إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ اَلْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ اَلنّاسِ بِما أَراكَ اَللّهُ ، و هي جارية في الأوصياء».

أقول: يستفاد من هذه الرواية أنّ الآية الشريفة في مقام الامتنان على هذه الأمّة، و معنى تفويض اللّه تعالى ذلك إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ردّ أمر دينه إليه في التطبيق؛ لأنّه جلّ شأنه يعلم أنّ نبيّه صلّى اللّه عليه و آله يحفظ حدود دينه و يثبت قوائمه، و في الحديث: «فوّض اللّه إلى النبيّ أمر دينه و لم يفوّض إليه تعدّى حدوده»، و أنّ الأوصياء لم ينفذوا إلاّ ما أمرهم به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ممّا أودعه عندهم من الأحكام و المعارف.

و في الكافي بسنده عن موسى بن أشيم قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: «إنّي أريد أن تجعل لي مجلسا، فواعدني يوما فأتيته للميعاد فدخلت عليه، فسألته عمّا أريد أن أسأله عنه، فبينما نحن كذلك إذ قرع رجل الباب فقال: ما ترى هذا رجل بالباب ؟ فقلت: جعلت فداك، أمّا أنا قد فرغت من حاجتي فرأيك، فأذن له فدخل الرجل فجلس ثمّ سأله عن مسائلي بعينها لم يخرم منها شيئا، فأجابه بغير ما أجابني فدخلني من ذلك ما لا يعلمه إلاّ اللّه. ثمّ خرج فلم يلبث إلاّ يسيرا حتّى استأذن عليه آخر فأذن له فجلس ساعة فسأله عن تلك المسائل بعينها، فأجابه بغير ما أجابني و أجاب الأوّل قبله، فازددت غمّا حتّى كدت أن أكفر ثمّ خرج، فلم يلبث إلاّ يسيرا حتّى جاء ثالث فسأله عن تلك المسائل بعينها، فأجابه بخلاف ما أجابنا أجمعين، فأظلم عليّ البيت و دخلني غمّ شديد، فلما نظر إليّ و رأى ما قد دخلني ضرب بيده على منكبي، ثمّ قال: يا ابن أشيم، إنّ اللّه فوّض إلى ابن داود ملكه فقال: هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ ، و إنّ اللّه عزّ و جلّ فوّض إلى

ص: 262

محمد صلّى اللّه عليه و آله أمر دينه فقال: إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ اَلْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ اَلنّاسِ بِما أَراكَ اَللّهُ ، و إنّ اللّه فوّض إلينا من ذلك ما فوّض إلى محمد صلّى اللّه عليه و آله.

أقول: لعلّ اتّحاد المسائل من الأشخاص لأنّها كانت من الأمور الشائعة في ذلك الوقت، و اختلاف الأجوبة من الإمام عليه السّلام إنّما كان لأجل قرائن حافّة بها لم يفهمها ابن أشيم و عرفها الإمام عليه السّلام، أو لأجل طرو عناوين أخرى يرى عليه السّلام المصلحة فيها.

و كيف كان، فقد ظهر ممّا تقدّم الوجه في الرواية.

و في تفسير علي بن إبراهيم أنّ سبب نزول قوله تعالى: إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ اَلْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ اَلنّاسِ بِما أَراكَ اَللّهُ وَ لا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً أنّ قوما من الأنصار من بني أبيرق إخوة ثلاثة كانوا منافقين بشر و بشير و مبشر، فنقبوا على عمّ قتادة بن النعمان، و كان قتادة بدريا و أخرجوا طعاما كان أعدّه لعياله و سيفا و درعا، فشكى قتادة ذلك إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقال: يا رسول اللّه، إنّ قوما نقّبوا على عمّي و أخذوا طعاما كان أعدّه لعياله و سيفا و درعا، و هم أهل بيت سوء و كان معهم في الرأي رجل مؤمن يقال له: لبيد بن سهل، فقالوا: بنو أبيرق لقتادة: هذا عمل لبيد بن سهيل، فبلغ ذلك لبيدا فأخذ سيفه و خرج عليهم، فقال: يا بني أبيرق، أ ترموني بالسرقة ؟! و أنتم المنافقون تهجون رسول اللّه و تنسبون إلى قريش، لتبينن ذلك أو لأملأن سيفي منكم، فداروه و قالوا له: ارجع يرحمك اللّه، فإنّك بريء من ذلك، فمشى بنو أبيرق إلى رجل من رهطهم يقال له أسيد بن عروة و كان منطيقا بليغا، فمشى إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقال: يا رسول اللّه، إنّ قتادة بن النعمان عمد إلى أهل بيت منا أهل شرف و حسب و نسب فرماهم بالسرقة و اتّهمهم بما ليس فيهم، فاغتمّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لذلك و جاء إليه قتادة فأقبل عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقال له: عمدت الى أهل بيت شرف و حسب و نسب فرميتهم بالسرقة، و عاتبه عتابا شديدا، فاغتمّ قتادة من ذلك و رجع إلى عمّه، و قال: يا ليتني متّ و لم أكلم

ص: 263

رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقد كلّمني بما كرهته، فقال عمّه: اللّه المستعان، فأنزل اللّه تعالى في ذلك: إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ اَلْكِتابَ - الآية».

أقول: و في رواية أبي الجارود في ذيل الآية المباركة عن أبي جعفر عليه السّلام أنّه لم يصدر منه صلّى اللّه عليه و آله شيء، و هي قال: «إنّ إنسانا من رهط بشير الأدنين قالوا: انطلقوا بنا الى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و نكلّمه في صاحبنا أو نعذره، إنّ صاحبنا بريء فلما أنزل اللّه تعالى: يَسْتَخْفُونَ مِنَ اَلنّاسِ وَ لا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اَللّهِ وَ هُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ اَلْقَوْلِ - الآية، فأقبلت رهط بشير فقالوا: يا بشير استغفر اللّه و تب إليه من الذنوب، فقال: و الّذي أحلف به ما سرقها إلاّ لبيد، فنزلت: وَ مَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ اِحْتَمَلَ بُهْتاناً وَ إِثْماً مُبِيناً ، ثمّ إنّ بشيرا كفر و لحق بمكّة، و أنزل اللّه في النفر الّذين أعذروا بشيرا ليعذروه قوله تعالى: وَ لَوْ لا فَضْلُ اَللّهِ عَلَيْكَ وَ رَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَ ما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَ ما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْ ءٍ ».

و الرواية من باب التطبيق، و إنّ سبب النزول لا يخصّص الآية، و إنّما هو من باب ذكر أحد المصاديق، و قريب منها ما ذكره السيوطي في الدرّ المنثور، و أبيرق طائفة من اليهود.

و في الدرّ المنثور عن ابن عباس قال: «إنّ نفرا من الأنصار غزوا مع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في بعض غزواته فسرقت درع لأحدهم، فأظنّ بها رجلا من الأنصار فأتى صاحب الدرع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقال: إنّ طعمة بن أبيرق سرق درعي، فلما رأى السارق ذلك عمد إليها فألقاها في بيت رجل بريء و قال لنفر من عشيرته:

إنّي غيبت الدرع و ألقيتها في بيت فلان و ستوجد عنده، فانطلقوا إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فقالوا: يا نبي اللّه، إنّ صاحبنا بريء، و إنّ سارق الدرع فلان و قد أحطنا بذلك علما فأعذر صاحبنا على رؤوس الناس و جادل عنه، فإنّه إن لم يعصمه اللّه بك يهلك، فقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فبرّأه و عذره على رؤوس الناس، فأنزل اللّه: إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ اَلْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ اَلنّاسِ بِما أَراكَ اَللّهُ وَ لا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً * وَ اِسْتَغْفِرِ اَللّهَ إِنَّ اَللّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً * وَ لا تُجادِلْ عَنِ اَلَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اَللّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوّاناً أَثِيماً ، ثمّ قال للذين أتوا رسول اللّه ليلا:

ص: 264

إنّي غيبت الدرع و ألقيتها في بيت فلان و ستوجد عنده، فانطلقوا إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فقالوا: يا نبي اللّه، إنّ صاحبنا بريء، و إنّ سارق الدرع فلان و قد أحطنا بذلك علما فأعذر صاحبنا على رؤوس الناس و جادل عنه، فإنّه إن لم يعصمه اللّه بك يهلك، فقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فبرّأه و عذره على رؤوس الناس، فأنزل اللّه: إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ اَلْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ اَلنّاسِ بِما أَراكَ اَللّهُ وَ لا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً * وَ اِسْتَغْفِرِ اَللّهَ إِنَّ اَللّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً * وَ لا تُجادِلْ عَنِ اَلَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اَللّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوّاناً أَثِيماً ، ثمّ قال للذين أتوا رسول اللّه ليلا:

يَسْتَخْفُونَ مِنَ اَلنّاسِ وَ لا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اَللّهِ وَ هُوَ مَعَهُمْ - إلى قوله تعالى - وَكِيلاً ، يعني الّذين أتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله مستخفين يجادلون عن الخائنين، ثمّ قال:

وَ مَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ اِحْتَمَلَ بُهْتاناً وَ إِثْماً مُبِيناً ، يعني السارق و الّذين جادلوا عن السارق».

أقول: الرواية من باب التطبيق، و قد ورد هذا المعنى بطرق كثيرة و باختلاف يسير، و أمّا المضمون فهو متّفق عليه، و كلّها من باب الجري لا التخصيص، و لا بدّ من تطبيقها على ما لا ينافي العصمة، كما يأتي و اللّه العالم.

و في أسباب النزول للواحدي: «أنزلت الآية المباركة كلّها في قصة واحدة و ذلك أنّ رجلا من الأنصار يقال له: طعمة بن أبيرق أحد بني ظفر بن الحارث، سرق درعا من جار له يقال له: قتادة بن النعمان و كانت الدرع في جراب فيه دقيق، فجعل الدقيق ينثر من خرق في الجراب حتّى انتهى إلى الدار و فيها أثر الدقيق، ثمّ خبّأها عند رجل من اليهود يقال له: زيد بن السمين، فالتمست الدرع عند طعمة فلم توجد عنده و حلف لهم: و اللّه ما أخذها و ما له به من علم، فقال أصحاب الدرع: بلى و اللّه، قد أولج علينا فأخذها و طلبنا أثره حتّى دخل داره فرأينا أثر الدقيق، فلما أن حلف تركوه و اتّبعوا أثر الدقيق حتّى انتهوا إلى منزل اليهودي فأخذوه، فقال: دفعها إليّ طعمة بن أبيرق، و شهد له أناس من اليهود على ذلك، فقالت بنو ظفر - و هم قوم طعمة -: انطلقوا بنا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فكلّموه في ذلك و سألوه أن يجادل عن صاحبهم و قالوا: إن لم تفعل هلك صاحبنا و افتضح و برئ اليهودي، فهمّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أن يفعل - و كان هواه معهم - و أن يعاقب اليهودي حتّى أنزل اللّه تعالى: إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ اَلْكِتابَ بِالْحَقِّ ».

ص: 265

أقول: تقدّم منّا مكرّرا أنّ منشأ النزول لا يكون سببا للتخصيص، بل المناط عموم الآية المباركة، فتنطبق على موردها في كلّ عصر و زمان، كما لا بدّ من حمل تلك الروايات و الآثار على وجه لا تنافي عصمته صلّى اللّه عليه و آله، و إلاّ فلا بدّ من ردّها إلى أهلها، و أنّه صلّى اللّه عليه و آله همّ أن يفعل و كان الاهتمام لأجل مصلحة وقتيّة، و إلاّ كان صلّى اللّه عليه و آله يعلم الحقّ و الواقع. و قد وردت في قوله تعالى: إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ اَلْقَوْلِ روايات في الكافي و تفسير العياشي ذكرت فيها أسماء أشخاص، كلّها من باب التطبيق و ذكر بعض المصاديق.

و عن البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود قال: «و كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم ذنبا أصبح و قد كتب كفّارة ذلك الذنب على بابه، و إذا أصاب البول شيئا منه قرّضه بالمقراض، فقال رجل: لقد أتى اللّه بني إسرائيل خيرا، فقال ابن مسعود: ما آتاكم اللّه خيرا ممّا آتاهم، جعل لكم الماء طهورا و قال: وَ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اَللّهَ يَجِدِ اَللّهَ غَفُوراً رَحِيماً ».

أقول: ورد مضمون هذا الأثر في رواياتنا الواردة عن الأئمة الهداة عليهم السّلام، و صدر الرواية كذيلها يدلّ على التشديد، و قد منّ اللّه تعالى على هذه الأمّة المرحومة برفعه، و ذكرنا في كتاب الطهارة من (مهذب الأحكام) ما يتعلّق بقرض أبدانهم إذا أصابها البول.

و كيف كان، فإنّه من باب التطبيق.

و في الدرّ المنثور عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «ما من عبد أذنب فقام فتوضّأ فأحسن وضوءه ثمّ قام فصلّى و استغفر من ذنبه، إلاّ كان حقّا على اللّه أن يغفر له؛ لأنّ اللّه يقول: وَ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اَللّهَ يَجِدِ اَللّهَ غَفُوراً رَحِيماً ».

أقول: المراد من الحقّ في هذه الرواية و أمثالها أنّه ممّا حقّق عليه القضاء

ص: 266

و التقدير، أو أنّه ثبت أو كتب على نفسه، كما في قوله تعالى: كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ اَلرَّحْمَةَ ، أو بمعنى اليقين.

و كيف كان، فالرواية من باب التطبيق.

و في تفسير العياشي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «ما من عبد أذنب ذنبا و استغفر اللّه من ذنبه إلاّ كان حقيقا على اللّه أن يغفر له؛ لأنّه يقول: وَ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اَللّهَ يَجِدِ اَللّهَ غَفُوراً رَحِيماً ».

و قال: «إن ليبتلي العبد و هو يحبّه ليسمع تضرّعه، و قال: ما كان اللّه ليفتح باب الدعاء و يغلق الإجابة؛ لأنّه يقول: اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ »، و ما كان ليفتح باب التوبة و يغلق باب المغفرة و هو يقول: وَ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اَللّهَ يَجِدِ اَللّهَ غَفُوراً رَحِيماً ».

أقول: تضرّع العبد لدى المولى نحو كمال و استكمال للعبد؛ لأنّه يكشف عن الانقطاع إليه جلّت عظمته و التوجّه إليه، و في تأخير إجابة دعاء المؤمن - مع قطع النظر عن المصالح - نحو استكمال للعبد و شرف له؛ لأنّ اللّه تعالى يحبّ أن يسمع تضرّعه، هذا هو منتهى الكمال و غاية الشرف له. و المراد من الحقيق الجدير، كما هو واضح.

و في تفسير العياشي عن عبد اللّه بن سنان: «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: الغيبة أن تقول في أخيك ما هو فيه ممّا قد ستره اللّه عليه، فأمّا إذا قلت ما ليس فيه فذلك قول اللّه: فَقَدِ اِحْتَمَلَ بُهْتاناً وَ إِثْماً مُبِيناً ».

أقول: لا بدّ من تقييدها من المغتاب (بالفتح) لا يكون من أهل البدع أو من الّذين أسقط الشارع احترامهم، كما ذكرنا في المكاسب المحرّمة من (مهذب الأحكام). و في الحديث: «انّ عائشة قالت لامرأة مرّت بها: ما أطول ذيلها، فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: اغتبتيها، قومي إليها فتحلليها».

و في تفسير علي بن إبراهيم بسنده عن الحلبيّ عن الصادق عليه السّلام: «انّ اللّه

ص: 267

فرض التحمّل في القرآن، قلت: و ما التحمّل جعلت فداك ؟ قال: أن يكون وجهك اعرض عن وجه أخيك فتحمل له، و هو قول اللّه: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ ».

أقول: المراد من الوجه الرضا؛ لأنّ الشخص إذا أراد شيئا أقبل بوجهه عليه و إذا كرهه أعرض بوجهه عنه، و إنّ النجوى تنافي المجاملات الأخلاقيّة المفروضة في القرآن، إلاّ في ما استثناها الآية الشريفة.

و لعلّ المراد من التحمّل ارتكاب الحيل الشرعيّة في قضاء حوائج الإخوان، و قد ضبط بالجيم (التجمّل)، و ضبط بالحاء (التحمّل)، كما مرّ.

و في تفسير علي بن إبراهيم عن علي عليه السّلام قال: «إنّ اللّه فرض عليكم زكاة جاهكم كما فرض عليكم زكوه ما ملكت أيديكم».

أقول: إنّ بذل الجاه في سبيل قضاء حوائج الإخوان تقرّبا إلى اللّه تعالى من أجلّ المكارم و أسمى الفضائل، و من الأدب الرفيع الّذي حثّ عليه الإسلام، و به ينبسط العدل على وجه البسيطة و تحصل السعادة القصوى للمجتمع و شرف المنزلة لأفراده؛ و لذا قرنه عليه السّلام بأهمّ الفرائض الّتي بني عليها الإسلام و يدور عليها نظام اقتصاده.

و في الكافي بسنده عن أبي الجارود قال: «قال أبو جعفر عليه السّلام: إذا حدّثتكم بشيء فاسألوني عنه من كتاب اللّه، ثمّ قال في بعض حديثه: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله نهى عن القيل و القال و فساد المال و كثرة السؤال، فقيل له: يا ابن رسول اللّه، أين هذا من كتاب اللّه ؟ قال: إنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ اَلنّاسِ ، و قال: وَ لا تُؤْتُوا اَلسُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ اَلَّتِي جَعَلَ اَللّهُ لَكُمْ قِياماً ، و قال: لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ».

أقول: هذا النهي تنزيهي و إرشادي تربوي، و قد أثبت العلم الحديث

ص: 268

مضمون هذه الرواية و أكّد على النظام و الهدوء و الصمت و عدم الإسراف على الإطلاق.

و كيف كان، فالرواية من باب التطبيق.

و في الدرّ المنثور عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «و من سرّه أن يسلم فليلزم الصمت».

و عن البيهقي في وصية النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لأبي ذر: «أوصيك بتقوى اللّه، فإنّه أزين لأمرك كلّه، قلت: زدني، قال صلّى اللّه عليه و آله: عليك بتلاوة القرآن و ذكر اللّه، فإنّه ذكر لك في السماء و نور لك في الأرض. قلت: زدني، قال: عليك بطول الصمت، فإنّه مطردة للشيطان و عون لك على أمر دينك، قلت: زدني قال: و إيّاك و كثرة الضحك، فإنّه يميت القلب و يذهب بنور الوجه، قلت: زدني، قال: قل الحقّ و لو كان مرّا، قلت:

زدني، قال: لا تخف في اللّه لومة لائم، قلت: زدني، قال: ليحجزك عن الناس ما تعلم من نفسك».

أقول: هذه الوصية جامعة لخير الدنيا و نعيم الآخرة، و بها ينال الإنسان شرف العبوديّة و كمال الانقطاع إليه جلّ شأنه و يزيد عرفان العبد و فضله و تقواه و يصلح المجتمع عن كلّ عيب، و قد مدح الصمت في كثير من الروايات، فإنّ المؤمن العارف و المتوجّه يكون كلامه صمتا و صمته كلاما، و ببالي كان بعض مشايخنا من أهل العرفان و التوجّه كثير الصمت و كثير الذكر، و قد ظهرت على يديه كرامات كما شاهدناها.

و في تفسير العياشي بسنده عن الصادق عليه السّلام في قوله تعالى: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ اَلنّاسِ يعني بالمعروف القرض.

أقول: الروايات في ذلك مستفيضة بين الفريقين، و هو من باب ذكر أحد المصاديق.

ص: 269

و في الدرّ المنثور عن سفيان بن عبد اللّه الثقفي، قال: «قلت: يا رسول اللّه مرني بأمر اعتصم به في الإسلام، قال: قل: آمنت باللّه، ثمّ استقم، قلت: يا رسول اللّه ما أخوف ما تخاف عليّ؟ قال: هذا، و أخذ رسول اللّه بطرف لسان نفسه».

أقول: الروايات في مدح الصمت كثيرة بين الفريقين، فعن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «من سرّه أن يسلم فليلزم الصمت».

و عن البيهقي بسنده عن أنس: «انّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لقي أبا ذر فقال: ألا أدلك على خصلتين هما أخف على الظهر و أثقل في الميزان من غيرهما؟ فقال: بلى يا رسول اللّه، قال: عليك بحسن الخلق و طول الصمت، و الّذي نفسي بيده ما عمل الخلائق بمثلهما».

أقول: ورد مضمون هذه الرواية عن أئمتنا عليهم السّلام أيضا، و عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «انّ أكثر خطايا ابن آدم في لسانه».

العياشي بسنده عن أحدهما عليهما السّلام قال: «لما كان أمير المؤمنين عليه السّلام في الكوفة أتاه الناس فقالوا: اجعل لنا إماما يؤمنا في شهر رمضان، فقال: لا، و نهاهم أن يجتمعوا فيه، فلما أمسوا جعلوا يقولون: ابكوا في رمضان، و ارمضاناه، فأتاه الحارث الأعور في أناس فقال: يا أمير المؤمنين، ضجّ الناس و كرهوا قولك، فقال عند ذلك: دعوهم و ما يريدون، ليصلّي بهم من شاء و ائتم قال تعالى: وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ اَلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَ ساءَتْ مَصِيراً ».

أقول: لعلّ نهيه عليه السّلام إمّا لأجل عدم مشروعيّة الجماعة في النوافل، كما ثبت عندنا، أو أنّ النهي كان موقتا لمصالح كان يراها و بعد ما رأى عدم الانقياد منهم خلّى سبيلهم.

و كيف كان، فالرواية من باب التطبيق.

و هناك بعض الروايات يدلّ على أنّ من اتّخذ إماما و ولاّه في هذه الدنيا،

ص: 270

يكون إمامه في يوم الجزاء و استشهد فيها بالآية المباركة، و لكن ذلك كلّه من باب التطبيق كما هو معلوم.

و عن البيهقي في الأسماء و الصفات عن ابن عمر قال: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في قوله تعالى: وَ مَنْ يُشاقِقِ اَلرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ اَلْهُدى : لا يجمع اللّه هذه الأمّة على الضلالة أبدا و يد اللّه على الجماعة، فمن شذّ شذّ في النار».

أقول: على فرض صحّة الحديث لا بدّ و أن يكون الاجتماع على أمر لم يكن مخالفا لكتاب اللّه العظيم و سنّة نبيّه الكريم، و إلاّ فلا عبرة به و أن يكون المجتمعين من أهل الخبرة و المتدينين، و في حجيّة الإجماع الّذي هو أحد الأدلّة الّتي يعتمد عليها المجتهد شرائط ذكرناها في كتابنا (تهذيب الأصول)، من شاء فليرجع إليه.

بحث أخلاقي:
اشارة

المعروف: كلّ ما يستحسنه العقل و يقرّره الشرع من أصناف الجميل و أنواع البر و مكارم الأخلاق، فهو في مقابل ما تكرهه النفوس - سواء كان مشتملا على رجحان أم لا - فيعمّ الواجب و المندوب و غيرهما ممّا يدخل في الحسن.

و للمعروف مراتب أحسنها ما كان فيه الصلاح و الإصلاح - بلا فرق بين أن يتعلّق بالفرد أو الأسرة بأقسامها - و أسماها ما كان فيه صلاح المجتمع و إصلاحه، و قد عدّ من المعروف، كما في بعض الروايات ما لو كان فيه صلاح الحيوان، أو ما فيه نفع يعود له أو يحميه من الأذى.

و الجميل قد لا يختلف فيه أحد و اتّفق العقلاء على حسنه و بمدح فاعله، كإغاثة الملهوف، و إصلاح ذات البين، أو الخدمات الّتي فيها نفع المجتمع، و قد لا يكون كذلك فيتّصف بالإضافة لا محالة، و حينئذ لا بدّ و أن يرجع إلى القوانين الشرعيّة، فما وافقها و لم تنكره فهو من المعروف، و إلاّ فلا يكون منه لاحتوائه على

ص: 271

مفسدة أو ضرر و إن لم يدركا فعلا؛ لما ثبت في محلّه أنّ الأحكام الشرعيّة تابعة للمصالح و المفاسد و إن لم يكشف العقل المادي عنهما.

و الترغيب إلى فعل المعروف يعمّ جميع المجتمعات الإنسانيّة و الأديان السماويّة بل الملل المستحدثة المختلفة، فيمكن أن يقال: إن ذا إقامة المعروف نحو حقّ على أفراد المجتمع - تحكم به الفطرة الخالصة - لأجل سوق مجتمعهم إلى الكمال المنشود، و لإصلاحه عن الطوارئ الفاسدة، و هذا الحقّ ثابت على أفراده ما لم يتحقّق الهدف المقصود و لم تحصل الصلة المفقودة و لم تثبت السعادة المنشودة لذلك المجتمع.

أقسام المعروف:

يختلف المعروف حسب اختلاف الفقر و الحاجة إليه، فتارة: يكون الاحتياج شخصيّا و فرديّا، سواء كان ذلك من الكمالات المعنويّة أو المظاهر الخارجيّة.

و اخرى: يكون نوعيّا عامّا، و في كلّ منهما قد يكون المعروف خلقيّا و قوليّا أو غيرهما، و لجميع ذلك مراتب و آثار خاصّة.

و المعروف قد يصدر من الإنسان عن شعور و اختيار - سواء كان بباعث ديني أو إلهام سماوي - و قد لا يكون ذلك، فجميع أقسامه حسن إلاّ أنّ ما فيه الإخلاص للّه جلّ شأنه يكون أكثر نفعا و أطول زمانا و أشدّ تقرّبا له عزّ و جلّ .

آثار المعروف:

يستفاد من الأحاديث الواردة عن المعصومين عليه السّلام في شأن المعروف و مدحه و الترغيب إليه أنّ له آثارا وضعيّة تخصّ صاحبها و فاعلها لا تنالها يد الاختيار، و أنّها تترتّب على المعروف كترتّب الأثر على المقتضي التامّ .

بل يمكن إقامة الدليل العقلي على ذلك؛ لأنّ الأفعال الحسنة الّتي تصدر عن

ص: 272

الإنسان تخلّف في نفس عاملها آثارا خاصّة و حالات مخصوصة، توجب ارتياح النفس و بعدها عن القلق النفسي الموجب للأمراض المتنوّعة، على خلاف الأفعال السيئة الّتي تخلّف التأنيب الضميري و الصراع النفسي، كما أثبتها علماء النفس قديما و حديثا، فمن كان صادقا - مثلا - في كلامه دائما أو يغمض عن إساءة الغير له و يعفو عنه و لا يكون في مقام الانتقام، يشعر بالراحة النفسيّة و يكون بعيدا عن الضيق و الهمّ النفسي، و في الحديث عن الصادق عليه السّلام: «صنايع المعروف تدفع ميتة السوء»، و عنه عليه السّلام أيضا: «صنايع المعروف تقي مصارع الهوان»، أي: الذلّ ، و غيرهما من الأحاديث. و في المأثور عن بعض الصلحاء: «انّ امرأة وضعت لقمة في فم سائل ثمّ ذهبت إلى مزرعتها فوضعت ولدها في موضع فأخذه الذئب، فقالت: يا ربّ ولدي، فأخذ عنق الذئب رجل و استخرج ولدها من غير أذى، ثمّ قال: هذه اللقمة بتلك اللقمة الّتي وضعتها في فم السائل»، فآثار المعروف تظهر على صاحبه في هذه الدنيا قبل الآخرة.

نعم، للزمان فيها دخل قد يؤجّل لمصالح لا يعلمها إلاّ اللّه تعالى.

و أمّا آثار المنكر و القبيح قد تظهر على صاحبه و قد تؤجّل إلى عالم الآخرة، فإنّ مقتضى رحمته تعالى أنّه عزّ و جلّ يظهر الجميل و يستر القبيح، و أنّ أثره القبيح قبيح يستره اللّه و يؤجّله إلى دار الآخرة و الخلود.

عوائق المعروف:

لا شكّ أنّ الفطرة المستقيمة الإنسانيّة تميل إلى المعروف و إقامته و الى الجميل و صنعه، و إلى البر و فعله ما لم تعوقها السبل عن مسيرها الاستكمالي، فعن اللّه تبارك و تعالى في القدسيات: «خلقت عبادي حنفاء»، أي: مستعدين لقبول الحقّ و إقامة المعروف، فالفطرة بخلقتها الأوليّة قابلة للترقي بالتربية و الوصول إلى أعلى

ص: 273

مراتب الكمالات و أسماها بالإرادة و الاختيار، و يتحقّق ذلك بفعل المعروف و بثّه و ترك المنكر و إزالته.

كما أنّ الفطرة لها قابلية النزول عن خلقتها المستقيمة مع الإرادة و الاختيار بالانحراف الّذي يحصل من أمور أهمّها حبّ البقاء، و الجهل، و الخوف و حبّ المال، و يجمعها «حبّ الدنيا»، و هو السبب لتنزّل الفطرة تدريجيا و بلا شعور - كما في الروايات - عن استقامتها المنفطرة بقوله تعالى: كُنْ فَيَكُونُ .

و الأسباب كلّها - سواء كانت للرقي أو للنزول - إراديّة اختياريّة، و لو كان هناك أسباب غير اختياريّة، فإنّها ترجع بالاخرة إلى الاختيار و إن كان مع الواسطة أو الوسائط، كما ذكرنا في أحد مباحثنا السابقة.

و من عوائق المعروف و المانع عن تحقّقه الذنوب الّتي توجب البعد عن ساحته تعالى و تطمس نور الفطرة و تكون صدّا في الطريق إلى الكمال و مانعا عن الاستكمال، و للبحث ذيل يأتي في الموضع المناسب إن شاء اللّه تعالى بعد رفع هذه الشدائد و كشف هذه الغمّة و زوال الظلم و أهله بحوله و عنايته، إنّه هو الرؤوف الرحيم.

بحث عرفاني:
اشارة

الأفعال الصادرة عن الإنسان في حقيقتها - تكون كالأشياء النامية - لها صورة خارجيّة و روح يمتاز بها عن أفعال سائر الحيوانات، فالإنسان الّذي هو أشرف المخلوقات في عالم الإمكان مركّب في واقعه من جسم و روح، و كذا أفعاله لها صورة - و هي عبارة عن ما يتشخّص في الذهن من الكيفيّات، و هذا يعمّ جميع أفعال الحيوانات - و روح يتفرّد بها عن بقيّة الحيوانات، و هي أمر معنوي يحصل من التوجّه إلى الباري جلّ شأنه و السوق إلى الخالق جلّت عظمته - و لا ربط له

ص: 274

بالإرادة - و أثره إفراد القلب له تعالى بارتباطه إلى ساحة كبريائه و التبرّي عن كلّ ما دونه تعالى، و هو الباعث لتحقّق الإضافة إليه تعالى، الّتي هي السبب لتحقّق الفعل خارجا، و إذا وجد الفعل بدونها كان مجرّد صورة، كالأفعال التعليميّة.

و يعبّر عنه في الكتاب و السنّة بالإخلاص في الأفعال العباديّة أو المضافة إليه تعالى، المتفرّد بها الإنسان عن غيره، قال تعالى: فَاعْبُدِ اَللّهَ مُخْلِصاً لَهُ اَلدِّينَ [سورة الزمر، الآية: 2]، و قال تعالى: وَ ما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اَللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ اَلدِّينَ [سورة البينة، الآية: 5]، فكما لا قيام للأشباح إلاّ بالأرواح و إلاّ كانت ميتة ساقطة، كذلك الأعمال العباديّة، فلو لا الإخلاص و الروح المعنوي فيها كانت مجرّد شبح و هيكل. و مراتب الإخلاص كدرجاتها تختلف حسب درجات الإيمان، كما يأتي.

حقيقة الإخلاص:

و هي من الحقائق المحجوبة و لا تعرف إلاّ بالأثر، و لا يمكن وصفها و إن أدركها العرفاء الشامخون، فإنّها تشرق على القلب و تنوّر النفس و يتشرّف المؤمن بالإخلاص إلى أعلى مراتب الكمال بلذّة ذلّ العبوديّة له تعالى، و به يخرق الحجب و يصل إلى معدن العظمة، فعن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «انّه سئل عن الإخلاص فقال صلّى اللّه عليه و آله: حتّى اسأل جبرائيل، فلما سأله قال: اسأل ربّ العزّة، فلما سأله قال له:

هو سرّ من أسراري أودعه قلب من أحببت من عبادي، لا يطلع عليه ملك فيكتبه و لا شيطان فيفسده»، و عن سيد العرفاء أمير المؤمنين عليه السّلام: «هو أن تعبد اللّه كأنّك تراه»، فحقيقة الإخلاص يدركها الخلّص من عباده، و لكنّها لا توصف، و الإخلاص من أعلى مراتب التفويض.

ص: 275

درجات الإخلاص:

كما أنّ للعبوديّة درجات، و لكلّ منها مراتب، و لكلّ مرتبة منزلة حسب درجات الإيمان و مراتب المعرفة و منازلهما، و أنّ التقرّب لديه جلّ شأنه يحصل بجميعها، و أنّ أسمى المراتب و أعلى الدرجات قبوله عزّ اسمه بالعبوديّة - و إن كان للقبول مراتب أيضا - فإنّه هو الفوز العظيم، فعن بعض العرفاء: «قيل له بعد وفاته - في الرؤيا -: كيف حالك مع الملكين (النكير و المنكر)؟ فقال: لما قالا لي: من ربّك ؟ قلت لهما: اسألا ربّي، فإن قال: هو عبدي و أنا ربّه، يكفي، و إلاّ فلو قلت: هو ربّي و أنا عبده مرارا لا يفيد بلا قبوله»، كذلك للإخلاص له درجات، و في كلّ منها مراتب، و في كلّ مرتبه أنواع أهمّها و جامعها أقسام ثلاثة: إخلاص العوام، و إخلاص الخواص، و إخلاص أخصّ الخواص. و إن شئت قلت: مطلق الإخلاص، و إخلاص المحبّين، و إخلاص الموحّدين.

و الأوّل: هو الإخلاص في العبادة لأجل الحظوظ - سواء كانت دنيويّة أم أخرويّة - كحفظ البدن وسعة المال و القصور و الحور.

و الثاني: لأجل السعادة الأخرويّة و الدخول في الجنّة دون الحظوظ الدنيويّة.

و الثالث: هو إخراج الحظوظ بالكليّة، بل الإخلاص لأجل جنّة الشوق بالقرب له جلّت عظمته: «و فؤادي ليس فيه غيره».

و لكلّ من هذه الأقسام مراتب كما مرّ، و أنّ جميعها حسن إلاّ أن أسماها و أعلاها القسم الأخير، و في دعاء كميل: «هب لي صبرت على حرّ نارك، فكيف اصبر على فراقك»، و عن سيد العرفاء المتألّهين الشامخين أمير المؤمنين عليه السّلام: «الهي عبدتك لا خوفا من نارك و لا طمعا لجنّتك، بل رأيتك أهلا لذلك فعبدتك»، و عن بعض العرفاء المتألهين:

ليس سؤلي من الجنان نعيما *** غير أنّي أحبّها لأراكا

ص: 276

و لهذا القسم درجات و مراتب، نسأل اللّه العظيم الفوز بمرتبة منها، و لا تنال هذه النعمة الكبرى إلاّ لمن عصمة اللّه تعالى و أمدّه بحقّ اليقين بالتجلّي له، و كشف الأسرار له بإفاضة العلوم عليه، و قرّبه إلى ساحته بخلع الأنداد عنه، و كرّمه بتطهير النفس بمخالفة الهوى و نبذ الأغيار، و شرّفه بالرقي إلى مقام عرفانه بالتوجّه إليه و القرب لديه.

منافيات الإخلاص:

الصفات الحميدة تقابلها الحالات السيئة، و تفسدها الصفات المنافية لها، فالشجاعة مثلا يفسدها الخوف؛ لأنّه ينافيها و لا يمكن الجمع بين المتنافيين في النفس، و كذا القناعة ينافيها الحرص و الجشع، كما أنّ الزهد ينافيه طول الأمل، و كذا غيرها من الصفات.

و الإخلاص ينافيه أمور كثيرة؛ لأنّ سبب الإخلاص للّه تعالى المعرفة و الخوف، فإذا زال أحدهما لم يتحقّق الإخلاص. و أهمّ ما ينافي الإخلاص أمور:

منها: الريا - نستجير باللّه العظيم منه - فعن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله عن اللّه تعالى في القدسيات: «أنا أغنى الشركاء، من أشرك معي غيري تركته لغيري»، و عنه صلّى اللّه عليه و آله: «أخوف ما أخاف على أمّتي الشرك الخفي، و هو الريا»، و غيرهما من الروايات، و أنّه دقيق جدا، «أدق من دبيب النمل في صخرة ملساء»، و سببه حبّ الدنيا بأقسامه، و للتخلّص منه طرق كثيرة لا يسع المجال للتعرّض لها.

و منها: العجب بالعمل، فإنّه مناف للإخلاص و قادح في كمال العمل، و قد ورد في ذمّه روايات كثيرة.

و منها: الاستهانة بالعمل - تحقيره - كما دلّت عليه روايات كثيرة.

و منها: الإيكال في الأمور على غيره تعالى، سواء كان على النفس أو غيرها.

ص: 277

و منها: التعمّق في حكمة الأشياء و البحث عن حكم الأحكام الشرعيّة، فإنّه مناف للإخلاص، كما دلّ عليه بعض الروايات، فعن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «إيّاكم و الغلو في الدين»، أي: البحث عن عللها و غوامض متعبّداتها، و عن بعض مشايخنا من أهل العرفان ادّعاء التجربة في ذلك.

و منها: عدم الثقة باللّه العظيم، فإنّ ذلك مناف للإيمان، فكيف بالإخلاص، و إنّه من المعاصي الكبيرة على ما فصّل في محلّه.

و هناك أمور أخرى منافية للإخلاص، ذكرها علماء الأخلاق و مشايخ العرفان في كتبهم و رسائلهم، و من شاء فليرجع إليها.

الفرق بين الرضا و الإخلاص:

تقدّم أنّ للإخلاص مراتب، أدناها مرتبة الرضا، بل هو كتمهيد له؛ و لذا أنّ الإخلاص يتضمّن الرضا و لا عكس، هذا كلّه في العبيد. و أمّا رضائه تعالى، فهو عين محبّته، و إنّ محبّته عين إخلاصه، فلا يمكن التفكيك بينهما.

و ممّا ذكرنا يظهر أنّ للرضا مراتب و درجات، و أنّ أسماها هو التفويض، و أنّ أعلى مراتب التفويض الإخلاص، الّذي هو مختصّ بالأولياء و الصالحين.

و انّ الصفات الحسنة المذكورة في الآية المباركة من الصدقة و المعروف، و الإصلاح بين الناس، إذا كانت صادرة لابتغاء مرضاته تعالى و خالصا لوجهه الكريم، كان ذلك مظهرا من مظاهر أسمائه، و يكون أدوم و أنفع للمجتمع - كما تقدّم - و إلاّ فالأمر إضافي.

ص: 278

إِنَّ اَللّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَ.......

اشارة

إِنَّ اَللّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (116) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ إِناثاً وَ إِنْ يَدْعُونَ إِلاّ شَيْطاناً مَرِيداً (117) لَعَنَهُ اَللّهُ وَ قالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (118) وَ لَأُضِلَّنَّهُمْ وَ لَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَ لَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ اَلْأَنْعامِ وَ لَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اَللّهِ وَ مَنْ يَتَّخِذِ اَلشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اَللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً (119) يَعِدُهُمْ وَ يُمَنِّيهِمْ وَ ما يَعِدُهُمُ اَلشَّيْطانُ إِلاّ غُرُوراً (120) أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَ لا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً (121) وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اَللّهِ حَقًّا وَ مَنْ أَصْدَقُ مِنَ اَللّهِ قِيلاً (122) بعد ما بيّن سبحانه و تعالى أمر مشاقّة الرسول الكريم صلّى اللّه عليه و آله و أنّها يوجب صدّ الإنسان عن الكمال و صرف رحمته عزّ و جلّ عنه، فيكله إلى نفسه و يخلّيه بينه و بين ما اختاره.

يبيّن جلّ شأنه في هذه الآيات المباركة العلّة في ذلك؛ لأنّ مشاقّة الرسول صلّى اللّه عليه و آله يعدّ شركا باللّه العظيم، و اللّه لا يغفر لمن يشرك به، فهذه الآيات الشريفة ترشد إلى عظم أمر مشاقّة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و تعدّها من المعاصي الكبيرة العظيمة الّتي تؤدّي صاحبها إلى الهلاك و البوار، و أنّ صاحبها لا يغفر له أبدا، و يؤكّد ذلك قوله تعالى في موضع آخر: إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اَللّهِ وَ شَاقُّوا اَلرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ اَلْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اَللّهَ شَيْئاً وَ سَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ * يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اَللّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ لا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ * إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اَللّهِ ثُمَّ ماتُوا وَ هُمْ كُفّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اَللّهُ لَهُمْ [سورة محمد، الآية: 32-34]، ثمّ تتعرّض إلى بعض أحوال المشركين، و يبين عزّ و جلّ فيها أنّ الشرك من وسائل كيد الشيطان و خدعه و أمانيه.

ص: 279

يبيّن جلّ شأنه في هذه الآيات المباركة العلّة في ذلك؛ لأنّ مشاقّة الرسول صلّى اللّه عليه و آله يعدّ شركا باللّه العظيم، و اللّه لا يغفر لمن يشرك به، فهذه الآيات الشريفة ترشد إلى عظم أمر مشاقّة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و تعدّها من المعاصي الكبيرة العظيمة الّتي تؤدّي صاحبها إلى الهلاك و البوار، و أنّ صاحبها لا يغفر له أبدا، و يؤكّد ذلك قوله تعالى في موضع آخر: إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اَللّهِ وَ شَاقُّوا اَلرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ اَلْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اَللّهَ شَيْئاً وَ سَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ * يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اَللّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ لا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ * إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اَللّهِ ثُمَّ ماتُوا وَ هُمْ كُفّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اَللّهُ لَهُمْ [سورة محمد، الآية: 32-34]، ثمّ تتعرّض إلى بعض أحوال المشركين، و يبين عزّ و جلّ فيها أنّ الشرك من وسائل كيد الشيطان و خدعه و أمانيه.

و تعدّ هذه الآيات الشريفة من أجلّ الآيات القرآنيّة الّتي تبيّن حقيقة الشيطان، ثمّ يبيّن عزّ و جلّ بعض أحوال المؤمنين الّذين عملوا الصالحات، و ما أعدّ اللّه لهم من عظيم الأجر تذكيرا لهم و ترغيبا للإيمان و العمل الصالح و تتميما للفائدة و تذكيرا للمشركين و تنويها لهم سوء أحوالهم، و لبيان الفرق بين الوعدين، وعد الشيطان الّذي هو الغرور، و وعد اللّه تعالى الّذي هو الحقّ الواقع الّذي لا يخلف.

و لا يخفى ارتباط هذه الآيات الشريفة بالآيات المباركة السابقة.

التفسير

قوله تعالى: إِنَّ اَللّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ .

تعليل لما سبق، أي: أنّ اللّه تعالى يولّي من شاقّ الرسول ما تولّى و يصليه جهنّم؛ لأنّ المشاقّة شرك باللّه العظيم، و أنّ اللّه تعالى لا يغفر أن يشرك به إذا مات على الشرك؛ لأنّه السبب في صدّه عن الكمال و تخليته عزّ و جلّ بينه و بين ما تولاّه، و من المعلوم أنّ الإنسان قرين الفقر و الحاجة، و الشيطان يصدّه عن سبيل الحقّ و مسير الاستكمال، إلاّ من هداه عزّ و جلّ فاهتدى بهدايته و استكمل بما يريده تعالى، و أمّا إذا رفع جلّ شأنه توفيقه عن عبده بسبب الشرك فصدّه عن الهداية، فلا يوجد سبيل إلى الكمال، فيكون الشرك من أهمّ الموانع عنه، بل هو أصلها؛ و لذا كان سببا في عدم غفران اللّه تعالى له أبدا؛ لأنّه ضلال و خروج عن طاعة اللّه

ص: 280

و الانقياد لرسوله و ميل عن التوحيد الّذي هو أصل الدين و أساس كلّ كمال، و كفى بذلك صارفا عن الغفران و نيل كلّ توفيق و هداية.

قوله تعالى: وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً .

تعليل لعدم غفران اللّه تعالى للمشرك؛ لأنّ الشرك يوجب الضلال و البعد عن الصراط المستقيم، و فيه فساد للعقل و الفطرة و رجوع عن سبيل الرشد، فلا يجتمع معه خير أو خلق كريم، بل لا يمكنهما أن يضعا مفاسد الشرك و شروره، فلا يكون مؤهّلا لنيل رحمته و العروج إلى جواره عزّ و جلّ ؛ و لذا وصفه تعالى بالضلال البعيد لعظم أثره و شدّته.

و تقدّم مثل هذه الآية الشريفة في هذه السورة أيضا؛ و لعلّ الوجه في تكرارها - و اللّه العالم - إمّا لأجل بيان أهميّة الشرك و عظم أمره. أو للإعلام بأنّه الأصل في صدّ الإنسان عن الكمال، و عائق كبير عن تهذيب النفس و تحليتها بالمكارم و الفضائل.

و إمّا لبيان الآثار المترتّبة على الشرك باللّه العظيم، فقد ذكر عزّ و جلّ في الآية المباركة السابقة أنّ الشرك سبب للافتراء و الكذب؛ لأنّه يوجب الإعراض عن داعي الفطرة الّذي يدعو إلى التوحيد، الّذي هو أساس كلّ دين، و هذا هو الافتراء و الكذب؛ لأنّه تغرير للنفس و إبطال لجميع المعارف الإلهيّة و إعراض عن كلّ خلق كريم و مانع عن التخلّق بالأخلاق الإلهيّة. و في هذه الآية الشريفة يبيّن عزّ و جلّ أثرا آخر من آثار الشرك، و هو الضلال البعيد، أي: إبعاد للإنسان عن كلّ هداية تكوينيّة و تشريعيّة. و صرف له عن الفطرة المستقيمة الداعية إلى الاستكمال بالكمالات الواقعيّة.

و إمّا للإشارة إلى نبذ الشرك بجميع أقسامه، الشرك في الذات و الفعل و العبادة، و قد تكفّلت الآية السابقة لنفي الشرك في الذات و العبادة، و في المقام يبيّن نفي الشرك في الذات و الفعل.

ص: 281

و بأحد هذه الوجوه يمكن رفع التكرار، مع أنّه لا تكرار لاختلاف الموردين، فراجع تفسير الآية الكريمة المتقدّمة أيضا.

قوله تعالى: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ إِناثاً .

بيان للآية المباركة السابقة؛ و لذا ترك العطف بينهما. و مادة (أ ن ث) في جميع اشتقاقاتها تدلّ على الانفعال و التأثّر، يقال: أنث الحديد أنثا، أي: انفعل و تأثّر فلان. و أنّث المكان إذا تأثّر و أسرع في الإنبات و جاد، و سمّى الأنثى من الحيوان أنثى لأنّها المنفعلة، كما أنّ الأصنام و الأوثان و كلّ معبود دون اللّه تعالى سمّيت إناثا لكونها منفعلات قابلات، ليس في وسعهن أن يفعلن أمرا، و عاجزات لا تدفع عن أنفسهن شيئا، قال تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَ لَوِ اِجْتَمَعُوا لَهُ وَ إِنْ يَسْلُبْهُمُ اَلذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ اَلطّالِبُ وَ اَلْمَطْلُوبُ * ما قَدَرُوا اَللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اَللّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [سورة الحج، الآية: 73-74]، و قال تعالى في حقّهن: وَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَ هُمْ يُخْلَقُونَ وَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَ لا نَفْعاً وَ لا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَ لا حَياةً وَ لا نُشُوراً [سورة الفرقان، الآية: 3]، و يستفاد من هذه الآيات المباركة انفعال كلّ مخلوق ما سوى اللّه تعالى، فإنّ الله هو القوي العزيز و ما سواه ضعيف عاجز لا يملك لنفسه شيئا؛ لأنّ الموجودات بإضافة بعضها إلى بعض ثلاثة أقسام: فاعل غير منفعل أصلا، و هو اللّه سبحانه و تعالى فقط. و منفعل غير فاعل، و هو الجمادات. و فاعل من وجه و منفعل من وجه آخر، كالملائكة و الإنس و الجنّ ، فإنّهم بالإضافة إلى اللّه منفعلة لكونهم مخلوقين، و بالإضافة إلى مصنوعاتهم فاعلة.

و يؤيّد ما ذكرنا أنّ العرب كانت تصف كلّ ضعيف بالأنوثة، و لعلّ تسميتهم لمعبوداتهم بأسماء الأنثى لكونها جمادات منفعلة لا فعل لها، كما حكى سبحانه و تعالى عنها في القرآن الكريم، و هو جلّت عظمته يذكّرهم بانفعالها و ينبّههم على جهلهم و عدم قدرتها؛ ليظهر بطلان ألوهيتها.

ص: 282

و قد وردت هذه المادّة في القرآن الكريم في ما يقرب من ثلاثين موضعا، قال تعالى حكاية عن امرأة عمران عليها السّلام: فَلَمّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَ اَللّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَ لَيْسَ اَلذَّكَرُ كَالْأُنْثى [سورة آل عمران، الآية: 36]، و قال تعالى: أَ لَكُمُ اَلذَّكَرُ وَ لَهُ اَلْأُنْثى [سورة النجم، الآية: 21]، و قال تعالى:

وَ إِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَ هُوَ كَظِيمٌ [سورة النحل، الآية:

58]، و غيرها من الآيات الكريمة.

و يستفاد من الحصر و العموم في قوله تعالى: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ إِناثاً أولوية ما ذكرناه من غيره ممّا ذكره المفسّرون، فإنّه عزّ و جلّ يصف ما يعبدون من دونه بكونها إناثا، و إن كان ذكرا غير أنثى كعيسى المسيح عليه السّلام، أو بوذا، أو برهما، و غيرهم ممّن ادّعوا الألوهيّة فيهم، لكونهم ضعفاء عاجزين عن تحقيق أماني و مقاصد من يعبدونهم.

و ممّا ذكرنا يظهر ضعف ما ذكره المفسّرون في تفسير هذه الآية الشريفة، فقيل بأنّ المراد بالإناث اللات و العزى و منات الثالثة و غيرها من الأصنام الّتي كانت للعرب، فإنّهم كانوا يسمّون كلّ صنم تسمية الأنثى، و يقولون: أنثى بني فلان، و كانوا يجعلون عليه الحلي و أنواع الزينة كما يفعلون بالنسوان، و قيل: المراد بها الملائكة. و قيل غير ذلك ممّا لا دليل عليه، مضافا إلى كونه تخصيصا للآية الشريفة بغير وجه.

و كيف كان، فإنّ في هذا التعبير شدّة الإهانة و التكبيت لمعبوداتهم و الإعلام بضعفها و نفي خيرها، و انحطاط منزلتها، كما يدلّ على غاية الحماقة و تناهي جهلهم، حيث يعبدون ما هو منفعل لا يقدر على شيء و يدعون القوي العزيز الفعّال لما يريد، و يشمل أيضا كلّ معبود من دون اللّه تعالى و إن اختلفت المظاهر و الأشكال و الأفراد، فإنّه ممّا لا شكّ فيه أنّ مظاهر العبادة تتغيّر و تختلف، فلم يعد هناك تلك الأصنام الإناث الّتي كانت العرب يعبدونها، و قد حلّت محلّها عبادة الذات

ص: 283

و المذهب و الدولة و الجنس، و المجتمع، و العنصر، و الوطن، و القومية، و الحرية، و الإنسانيّة، و الحضارة، و نحوهما من عشرات الإناث الّتي تضاف إليها القداسة و النزاهة، فتعبد من دون اللّه تعالى و تطاع و تخالف فيها أحكام اللّه العظيم و شريعته المقدّسة و يتغيّر فيها خلق اللّه تعالى، كما نرى عليها في الجاهلية المعاصرة، فتتّحد الجاهليتان الأولى و الأخيرة في عبادة الشيطان الّتي لم تتغيّر و إن تغيّرت المظاهر و تطورت، و يدلّ على ذلك تعقيب هذه الآية الشريفة ببيان حقيقة الشيطان و بيان خطواته المتتابعة الّتي يستحوذ بها على عباد اللّه تعالى؛ لأنّ جميع تلك المظاهر في مرّ العصور تحكي عن غواية الشيطان و إضلاله للعباد.

قوله تعالى: وَ إِنْ يَدْعُونَ إِلاّ شَيْطاناً مَرِيداً .

بيان للآية الشريفة السابقة، أي: أنّ طاعتهم للإناث ليست إلاّ هي عبادة للشيطان المريد و طاعته.

و التعبير عن العبادة و الطاعة بالدعاء، لبيان أنّ عبادتهم مجرّد دعاء صادر حين الحاجة و ليست هي واقعيّة، كما في عبادة الواحد الأحد، و قد عبّر سبحانه و تعالى عن طاعة الشيطان بأنّها عبادة في قوله تعالى: أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا اَلشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَ أَنِ اُعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ [سورة يس، الآية: 61].

و الشيطان: يطلق على كلّ فاسد خبيث من الجنّ و الإنس، و يسمّى كلّ خلق ذميم للإنسان شيطانا، و في الحديث: «الغضب شيطان، و الحسد شيطان»، و قد يطلق على إبليس (لعنة اللّه تعالى عليه) كما في المقام. و تقدّم الكلام في اشتقاق هذه المادّة و أنّها من شطن، أي: البعد عن الخير، إن قلنا: إنّ نون الشيطان أصليّة، و إن جعلتها زائدة كان من شاط إذا هلك أو استشاط غضبا إذا احتد فيه و التهب.

و الأوّل أصحّ كما تقدّم.

و مادة (مرد) تدلّ على التجرّد و الملامسة، يقال: شجر مرد، أي: الّذي تناثر

ص: 284

ورقه و تعرّى منه. و يقال: «رملة مرداء»، أي: لم تنبت شيئا فيها و تجرّدت عن الزرع، و منه قوله تعالى: صَرْحٌ مُمَرَّدٌ [سورة النمل، الآية: 44]، أي: أملس كما أنّ منه: غلام أمرد، إذا عرى الشعر عن ذقنه و عارضيه، و منه قوله تعالى: وَ مِنْ أَهْلِ اَلْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى اَلنِّفاقِ [سورة التوبة، الآية: 101]، أي: تجرّدوا للنفاق و اعتادوا عليه، و في الحديث: «انّ أهل الجنّة جرد مرد»، و معنى الحديث: أنّ أهل الجنّة في غاية الكمال و الجمال، فعلى بعض أماكن بدنهم الشعر كالساعدين و الساقين و المسربة (ما دقّ من شعر الصدر إلى السرة)؛ لأنّ ضدّ الأجرد الأشعر، و هو الّذي على جميع بدنه الشعر، كما أنّهم «مرد» أي: مجرّدون و معرّون عن الشوائب و القبائح، ظاهريّة كانت أو معنويّة، قال تعالى: وَ نَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ * [سورة الحجر، الآية: 47].

و المريد: فعيل من مرد، و سمّي الشيطان مريدا؛ مبالغة في التجرّد عن كلّ خير، فصار عاتيا خارجا عن الطاعة، أو مبالغة في التلبّس بالشرّ.

قوله تعالى: لَعَنَهُ اَللّهُ .

وصف آخر، و هو البعد عن رحمته عزّ و جلّ ، و اللعن هو الإبعاد عن الرحمة مقترنا بسخط و غضب، و يحتمل أن تكون الجملة بمنزلة التعليل للوصف الأوّل، أي: أنّه عتى و خرج عن طاعة اللّه تعالى؛ لأنّه عزّ و جلّ طرده عن كلّ خير و أبعده عن رحمته، و يحتمل أن تكون مستأنفة على الدعاء؛ لأنّه فعل ما يستحق اللعن و الطرد، كما أنّ قولهم: «أبيت اللعن»، أي: ما فعلت ما تستحق اللعن به، فحينئذ لا موضع لها من الإعراب.

قوله تعالى: وَ قالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً .

الاتّخاذ: هو أخذ الشيء على وجه الاختصاص. و النصيب: السهم و الحصّة من الشيء، و هو مبهم لا يتبادر منه القلّة أو الكثرة، إلاّ مع القرائن الحافّة. و في المقام يراد منها الكثرة، قال تعالى حكاية عن إبليس: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ اَلْمُخْلَصِينَ [سورة ص، الآية: 82-83]، و قال تعالى: وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاّ وَ هُمْ مُشْرِكُونَ [سورة يوسف، الآية: 106]، و قد ذمّ تعالى الكثرة في كثير من المواضع كما مدح القلّة، قال تعالى: وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ اَلشَّكُورُ [سورة سبأ، الآية: 13].

ص: 285

الاتّخاذ: هو أخذ الشيء على وجه الاختصاص. و النصيب: السهم و الحصّة من الشيء، و هو مبهم لا يتبادر منه القلّة أو الكثرة، إلاّ مع القرائن الحافّة. و في المقام يراد منها الكثرة، قال تعالى حكاية عن إبليس: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ اَلْمُخْلَصِينَ [سورة ص، الآية: 82-83]، و قال تعالى: وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاّ وَ هُمْ مُشْرِكُونَ [سورة يوسف، الآية: 106]، و قد ذمّ تعالى الكثرة في كثير من المواضع كما مدح القلّة، قال تعالى: وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ اَلشَّكُورُ [سورة سبأ، الآية: 13].

و المفروض: من الفرض، و هو القطع من الشيء الصلب أو التأثير فيه، يقال:

فرض الحديد و فرض الزند، و لا يقال: فرض القرطاس و إنّما يقال: قطع، و لعلّ التعبير به لأنّ متابعة الشيطان خلاف الفطرة و الاستقامة.

و كيف كان، فالمعنى: و لأجعلن من عبادك حظّا مقدّرا، اختصّ به مقطوعا عمّن سواه، و هم الّذين يتّبعون خطوات الشيطان الّذين اقتطعهم الشيطان عن غيرهم من عباد اللّه تعالى.

و يستفاد من ذلك أنّ لهم جذورا عميقة في التوحيد، فإنّ لهم فطرة مستقيمة و عقلا داعيين إلى التوحيد و الصراط المستقيم، و هما ركيزتان يرتكز عليهما الإنسان في صراعه مع الشهوات و داعي الشرّ، فلا بد أن يكون فعل الشيطان قويا و ذا خطوات متتابعة لإضعاف هاتين الركيزتين و طمسهما، كما حكى عزّ و جلّ في الآيات المباركة اللاحقة. و لعمري، إنّه لا يمكن لأحد مهما بلغ من العلم و الحكمة أن يصف الشيطان و خطواته و صراعه مع الإنسان بمثل ما أخبره عزّ و جلّ في هذه الآيات المباركة.

و هذا القول منه (لعنه اللّه) من مظاهر عتوّه و طغيانه على اللّه تعالى، و قد صدر منه عند اللعن عليه؛ عداوة و بغضا لبني آدم كما حكى عنه عزّ و جلّ في مواضع متفرّقة من القرآن الكريم.

و هذه المحاورة بينه و بين اللّه جلّ شأنه محاورة حقيقيّة وقعت مشافهة من اللعين و حصلت حين خلق آدم عليه السّلام كما في سورة البقرة، و ليست هي مجرّد محاورة تكوينيّة تخبر عن حال هذا اللعين و طبعه. كما ذكره بعض المفسّرين، و قال: إنّه مثل

ص: 286

قوله تعالى: ثُمَّ اِسْتَوى إِلَى اَلسَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ اِئْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [سورة فصلت، الآية: 11]، أي: أنّ اللّه خلق الأرض كذلك كما خلق الشيطان هكذا، مخبرا عن طبعه و سجيّته بصيغة القسم، مصمما على إغواء البشر و إضلالهم.

و لا يخفى بعد ذلك، فإنّ الظاهر أنّ المحاورة كلاميّة و المخاطبة شفهيّة، حصلت بين اللّه تعالى و بين الشيطان، و تدلّ عليه روايات كثيرة. و أمّا في التكوينيّات و الحيوانات فإنّها إلهام و إبداع، و قد ذكرنا ما يتعلّق بذلك في ما تقدّم من هذا التفسير فراجع.

ثمّ أخبر عزّ و جلّ عن خطوات الشيطان المتتابعة في إضلال الإنسان و غوايته، و هي خطوات دقيقة متقنة و ليست اعتباطيّة.

قوله تعالى: وَ لَأُضِلَّنَّهُمْ .

هذه هي المرحلة الأولى من المراحل المتتابعة الّتي يستحوذ بها على عباد اللّه تعالى و يستعبدهم، و يتمّ بها فساد الإنسان و البشرية بإغواء الشيطان. و حقيقة هذه المرحلة هي إضلال عباده عزّ و جلّ و إبعادهم عن الطريق المستقيم الموصل إلى الحقّ و صرفهم عن العقائد الصحيحة.

و تحصل هذه المرحلة بأمور كثيرة، منها تعمية الأمر عليهم، و تلبيس الواقع، و إظهار الباطل بمظهر الحقّ ، و طمسه بإشاعة الفساد و الشرّ و الشهوات، و تزيين الباطل بأبهى صورة حتّى تحصل الحيرة و الاضطراب في الإنسان. و قد حكي عزّ و جلّ عن هذه الأمور في كثير من المواضع في القرآن الكريم بصورة دقيقة شاملة و واضحة؛ لتستفيد منها البشرية على مرّ العصور؛ لأنّ هذه المرحلة من أدقّ المراحل الّتي يتّبعها الشيطان ليفسد فيها الإنسان، قلّما يسلم منها فرد، و كان الأنبياء يستعيذون باللّه منها و يطلبون الاستقامة منه تعالى.

ص: 287

قوله تعالى: وَ لَأُمَنِّيَنَّهُمْ .

مرحلة ثانية تأتي بعد إبعاد عباد اللّه تعالى عن الحقّ ، فيجيء الإغراء بالأماني و التسويفات و الإيحاء لهم بأنّ هذا الطريق الجديد هو أنفع و أجمل و أروح و أحسن عاقبة من الطريق المستقيم طريق اللّه تعالى، ممّا يوجب صرفهم عن الاشتغال بما تقتضيه عبوديّتهم.

و للتمنّي الأثر الكبير في من ضعفت نفسه و ضاع الطريق لديه، و له مظاهر مختلفة - مثل حبّ الجاه و المال و التمنّي بطول البقاء - و الجامع لتلك المظاهر حبّ الدنيا، و هو السبيل الأهمّ من سبل الشيطان. و في الحديث: «حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة»، و يتحقّق بالتسويف في العمل و التمنّي بالأهواء الباطلة، و تزيين الشهوات بما يميل إليه طبع كلّ فرد، فيصدّه عن الطاعة. و التمنّي بالاستعجال باللذّات الحاضرة، و التمنّي بأنّه ليس هناك حساب و لا ثواب و لا عقاب و لا جنّة و لا نار، و غير ذلك من موجبات تغرير الشيطان و سبل كيده و خدعه.

و هذه المرحلة توافق طبع الإنسان المركب من النجدين، و بها يقع الصراع المرير بينهما، فإذا ضعفت دواعي الفطرة و العقل في فرد تغلّب الجانب الآخر، فينسى الإنسان نفسه، فتقوى عنده دواعي اقتراف المعاصي.

قوله تعالى: وَ لَآمُرَنَّهُمْ .

إنّه يملك أمرهم و يتمكّن من استعبادهم بعد طي المرحلتين، و حينئذ تأتي المرحلة الثالثة بعد تلك المتقدمتين بنجاح، فتحقّق طاعة الشيطان و عبادته، و يستشرى الفساد و الضلال، و لا يبقى للإنسان مكانته الّتي أرادها اللّه تعالى، قال عزّ و جلّ : لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ إِلاَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصّالِحاتِ [سورة التين، الآية: 5].

ثمّ إنّ اللّه جلّ شأنه يبيّن مظهرين من مظاهر طاعة الشيطان و عبادته، أحدهما خاصّ و الآخر عامّ .

ص: 288

قوله تعالى: فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ اَلْأَنْعامِ .

مادة (ب ت ك) تدلّ على القطع و الفصل و الشقّ ، و يقاربها مادّة (البت) الّتي تأتي بمعنى الفصل و القطع أيضا، إلاّ أنّ البتك تستعمل في الأعضاء و الشعر و الريش، يقال: بتكت الشعر، أي: تناولت بتكة (بالكسر) منه، أي: القطعة المتّخذة منه، قال الشاعر:

//طارت و في يدها من ريشها بتك// جمعها بتك - بالكسر و الفتح - و منها سيف باتك، أي: قاطع، و لم ترد هذه المادّة في القرآن إلاّ في هذه الآية المباركة.

و المراد به قطع آذان من أصلها أو شقّها، و هو إشارة إلى ما كانت تفعله الجاهلية من شقّ أو قطع آذان الأنعام إذا ولدت خمسة أبطن و جاء الخامس ذكرا، و حرّموا على أنفسهم الانتفاع بها.

و في ذكره بالخصوص لما يدلّ على سفاهة العقول و طيشها و سخافتها، و ممّا يدلّ على أنّ طاعة الشيطان و عبادته توجب طيش العقول و اضطرابها و خروجها عن استقامتها كما خلقها اللّه تعالى، و قد أخبر عزّ و جلّ - في عدّة مواضع من القرآن الكريم - أنّ لبعض المعاصي أثرا في اضطراب الإنسان و خروجه عن استقامته، كما بالنسبة إلى الربا، قال تعالى: اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ اَلرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَما يَقُومُ اَلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ اَلشَّيْطانُ مِنَ اَلْمَسِّ [سورة البقرة، الآية: 275]، و تقدّم ما ينفع المقام فراجع.

قوله تعالى: وَ لَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اَللّهِ .

اللاّمات الثلاث كلّها للقسم، ممّا تدلّ على تصميمه (لعنه اللّه تعالى) على إضلال عباد اللّه تعالى، و ينبئ ذلك عن طبعه الخبيث و سجيّته الشريرة.

و تغيير خلق اللّه تعالى يشمل التغيير الحسّي - صفة و صورة - كالخصاء و أنواع المثلة و التشويهات و التبديلات الّتي يأمر بها المطيعين له على أصناف خلقه

ص: 289

عزّ و جلّ - و التغيير المعنوي المتمثل بالخروج عن الفطرة السويّة و الإعراض عن الدين الحنيف و التعاليم الإلهيّة و تبديلها و تحريفها و تغييرها، و إتيان أنواع الرذائل و المنكرات، أو ترويج الباطل و إشاعة الفحشاء، و تحويل النفس عمّا يدعو إليه داعي العقل و الفطرة، قال تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اَللّهِ اَلَّتِي فَطَرَ اَلنّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اَللّهِ ذلِكَ اَلدِّينُ اَلْقَيِّمُ [سورة الروم، الآية: 30]، فإنّ فطرة الناس هي أساس الكمالات و منبع الخيرات و أصل الفواضل و المكارم، و لها السلطة على جميع مشاعر الإنسان إذا لم يعتريها الضلال و الغواية و لم يتلبّس بما يفسد الفطرة من الرذائل و المنكرات و الجرائم.

قوله تعالى: وَ مَنْ يَتَّخِذِ اَلشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اَللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً .

بعد بيان حال الشيطان من التمرّد و الطغيان و الفساد و الإفساد، و لبعده عن رحمته تعالى، عرّف الإنسان حاله، فمن يطعه و يتبع أوامره و يؤثره على طاعة اللّه، فقد خسر خسرانا مبينا و ظاهرا؛ لأنّه لا حقيقة له و لن يدعو إلاّ إلى الحيرة و الضياع في الحال أو المآل.

و التعبير بالاتّخاذ لبيان أنّ ولاية الشيطان ليست إلاّ زائفة باطلة، و لا ولاية له على أحد، و أنّ الولي هو اللّه تعالى وحده، و غيره باطل و إن اتّخذ وليّا. كما أنّ التقييد بقوله تعالى: مِنْ دُونِ اَللّهِ ؛ لبيان أنّه ليس هناك واسطة، فإمّا اتّباع للشيطان و طاعته المنافية لولاية اللّه جلّت عظمته و أوامره، و إمّا اتّباع له عزّ و جلّ و إعراض عن الشيطان.

و يستفاد من الآية المباركة التأكيد على أنّ اتّباع الشيطان ينافي طاعة اللّه تعالى. و إنّما خسر متابعو الشيطان خسرانا مبينا؛ لأنّه من استبدال رضا اللّه تعالى برضا الشيطان، و لا صفقة أخسر من تلك، فكانت خسرانا واضحا و ظاهرا لكلّ فرد إن تأمّل و تفكّر في ما صار إليه.

ص: 290

قوله تعالى: يَعِدُهُمْ وَ يُمَنِّيهِمْ .

بيان للآية الشريفة السابقة و تعليل لذيلها، فإنّ ما أضلّ به الشيطان عباد اللّه تعالى ليس إلاّ مجرّد و عود زائفة، و أمانيّ باطلة حصلت من وعوده الّتي هي من وساوسه، فكانت مجرّد و هم و تخيّل، و هذه الوعود و الأماني هي من أقوى أسباب الضلال و أشدّ حبائل الاحتيال و أعظم كيده (لعنه اللّه) و وساوسه؛ و لذا اقتصر سبحانه و تعالى عليهما في هذه الآية الكريمة.

قوله تعالى: وَ ما يَعِدُهُمُ اَلشَّيْطانُ إِلاّ غُرُوراً .

الغرور: هو الباطل و إيقاع النفس في الهلاك و البوار، و عن عليّ عليه السّلام: «إذا استولى الفساد على أهل الزمان، فمن أحسن الظنّ بهم فقد غرّر نفسه»، أي: أوقعها في الهلاك و سمّي الشيطان غرورا؛ لأنّه يحمل الإنسان على محابّه، و وراء ذلك ما يسوءه.

و أمّا أنّ وعد الشيطان باطل؛ لأنّه لم تكن له حقيقة، و أمانيه ليس لها واقع، بل هي مجرّد و هم و تخييل. أليس هذا هو الخسران و إيقاع النفس في المهالك و صدّها عن المسير الاستكمالي الّذي خلق اللّه تعالى الإنسان لأجل ذلك ؟ ألم يكن ذلك هو الغرور الّذي به وقعت الإنسانيّة في العذاب و الجهالة في الدنيا قبل الآخرة ؟! أ ليست الآثار الّتي ترتّبت على الوعود الشيطانيّة و أمانيه مضلّة و مهلكة للإنسانيّة جمعاء؟! فهذا القلق و الاضطراب و التحيّر و الشكّ و الانحراف و الشذوذ، و الخروج عن الاستقامة، و إتيان الرذائل و ارتكاب الفحشاء و المنكر و غير ذلك من أباطيل الشيطان الّذي أوقع من أطاعه و عبده فيها، و اغترّ الإنسان بها فأوقع نفسه في الخسران و الهلاك، و أي خسران أعظم من تبديل السعادة الحقيقة و كمال الخلقة إلى الشقاء و الحرمان، فكان المبدأ مضلا و فاسدا، و الواسطة افتتانا و إيهاما و تخيّلا و كذبا و خديعة، و النهاية خسران و حرمان و شقاء، فهل يبقى لمن أطاع الشيطان و عبده و تبجّح بولايته و تحدّى به اللّه تعالى عذر؟ أفلا يكون ذلك كافيا في رجوع

ص: 291

الإنسان إلى نفسه و التفكّر في حقيقته و مصيره ردعا و عبرة له ؟! و في الحديث عن عليّ عليه السّلام: «رحم اللّه عبدا تفكّر من أين و في أين والى أين».

قوله تعالى: أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَ لا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً .

بيان لسوء عاقبة من أطاع الشيطان و تولاّه من دون اللّه تعالى، أي: أولئك الّذين أضلّهم الشيطان و أغواهم مستقرّهم جميعا جهنّم مرغمون فيها، و لا يمكن الفرار منها لعدم وجود معدل و مهرب يفرّون إليه.

و المحيص: اسم مكان، أو مصدر ميمي من: حاص يحيص إذا عدل و ولي، يقال: «وقع في حيص و بيص» إذا وقع في أمر يعسر التخلّص منه.

و إنّما وصفهم عزّ و جلّ بذلك؛ لأنّه فسدت سريرتهم و خبثت بواطنهم باتّباعهم الشيطان، فهم يتهافتون يوم القيامة في جهنّم و ينجذبون إليها، يستفاد أنّه لا شفاعة تدركهم و تنجيهم من عذاب جهنّم.

قوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهارُ .

التفات من التكلّم إلى الغيبة؛ تعظيما للمطيعين و تنويها بجلالة مقامهم، ثمّ الرجوع إلى التكلّم مع الغير الّذي بني الكلام عليه في الآية الكريمة للإشارة إلى قرب حضورهم، و من عادته عزّ و جلّ أنّه إذا ذكر حال الكافرين يذكر أحوال المؤمنين، فيقرن بين الوعد و الوعيد؛ تتميما للفائدة و تذكيرا للطائفتين، و ترغيبا للكافرين إلى الإيمان و تخويفا للمؤمنين، و في المقام بيّن عزّ و جلّ حال المؤمنين و حسن حالهم و ما أوجب دخولهم الجنّة، و هو الإيمان باللّه تعالى و تركهم طاعة الشيطان و فعلهم الصالحات، فكان جزاؤهم دخول الجنّات الّتي تجري من تحتها الأنهار لتزيد روعتها و بهائها و بهجتها فتتم بها سرورهم، فكان هنا إيمان باللّه العظيم، و فعل الصالحات، و جنّات و خلود فيها، و هناك طاعة الشيطان و وعود منه و تخيّل من مطيعيه و جهنّم و خلودا فيها، فكان تقابلا كاملا بين الطائفتين، و يزيد

ص: 292

هنا خلود من اللّه تعالى و خطابا معهم: سَنُدْخِلُهُمْ تكريما للمؤمنين المطيعين، و إبعادا لهم عن كلّ ما ينغّص عيشهم، و فيه غاية القرب و عدم احتجابه عزّ و جلّ عنهم و هو وليّهم.

و أمّا هناك، فكان انجذاب بين النار و بين من تولّى الشيطان؛ ليذوقوا وبال أعمالهم الّتي أوجدت التناسب بينهم و بين النار، كما تقدّم.

و الجنّات الّتي وعدها اللّه تعالى للمؤمنين به تشمل جنّة الأفعال، و جنّة الصفات، و جنّة الذات؛ و الأوّل ما يمنحها اللّه تعالى لعامل الفعل الحسن و العمل الصالح، و الثانية هي الّتي تمنح للصفات الحميدة أو على الأفعال الناشئة منها.

و الثالثة هي مقام القرب و الزلفى لديه عزّ و جلّ ، و هي أعلى مراتب الجنان، و تقدّم التفصيل في ذلك.

قوله تعالى: خالِدِينَ فِيها أَبَداً .

زيادة في سرورهم و بهجتهم و إبعادا لهم ممّا ينغّص عيشهم، و الخلود إنّما كان نتيجة إيمانهم و أعمالهم الصالحة الّتي استولت على مشاعرهم، فلو عمّروا طول الدهر لفعلوا الصالحات.

قوله تعالى: وَعْدَ اَللّهِ حَقًّا .

مقابلا لما ذكره عزّ و جلّ في وعد الشيطان الّذي لم يكن إلاّ غرورا، فهنا وعد حقّ و صدق، و هناك وعد الغرور، فما أشدّ الاختلاف بينهما؟!! و إنّما وضع اسم الجلالة موضع المضمر؛ مبالغة و تعظيما للمقام؛ و تنويها بشرف الوعد. و حَقًّا منصوب مؤكّدا، أي: وعدهم وعدا حقّا، و قيل: إنّه منصوب على أنّه حال من سَنُدْخِلُهُمْ .

قوله تعالى: وَ مَنْ أَصْدَقُ مِنَ اَللّهِ قِيلاً .

فإنّ ما أخبره عزّ و جلّ عن حال الشيطان و إضلاله و سوء حال من تولاّه و أطاعه، و وعده للمؤمنين كلّه صدق و عين الحقيقة و الواقع، و لا يتمكّن غيره

ص: 293

عزّ و جلّ أن يخبر كذلك، فكان قوله تعالى صدقا و صوابا، فعلى هذا تكون الجملة بيانيّة عمّا أخبره عزّ و جلّ عن وعده تعالى للمؤمنين و وعيده للكافرين، و ليست مجرّد تأكيد. و فيها الدلالة على كذب مواعيد الشيطان الّتي أغرّت من أطاعه.

و قِيلاً : مصدر قال يقول، و مثله القال، و عن ابن السكيت (رضوان اللّه تعالى عليه) أنّهما اسمان لا مصدران، و نصبه في المقام على التمييز.

ص: 294

بحوث المقام

بحث دلالي:
اشارة

يستفاد من الآيات المباركة أمور:

الأوّل:

يستفاد من قوله تعالى: إِنَّ اَللّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ أنّ الجزاء على الأعمال - سواء أ كان وعدا أم وعيدا - مترتّب على سلامة الأرواح و سعادتها أو شقائها و هلاكها، و هما ينشئان ممّا عليه الإنسان في دار الدنيا من سلامة الفطرة و صحّة العقيدة و صالح الأعمال، أو الانحراف عن الفطرة و فساد العقيدة و اكتساب الرذائل و التدنّس بها، فتكون درجات الجنّة و دركات النار على طبق المراتب، و إنّ أعلاها التوحيد الكامل، و أمّا أخسّ الدركات فهي الشرك باللّه تعالى، و لكلّ منهما صفات تناسبها. و على هذا يكون عدم غفران اللّه تعالى الشرك أمرا طبيعيّا موافقا للقاعدة الّتي تقتضي التناسب بين الجزاء و الفعل. فإنّه تعالى لو ادخل المشرك الجنّة للتمتع بنعيمها كما يتمتّع المؤمن الموحّد، فهذا نقض لسنّة اللّه الّتي لا تقبل التّغيير و التبديل، الّتي قضت أن ينال كلّ واحد جزاء عمله.

الثاني:

يدلّ قوله تعالى: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ إِناثاً على أنّ ما يعبد من دون اللّه تعالى، ضعيف عاجز لا يقدر على تحقيق مقاصد من يعبدونها، و يؤكّد ذلك سياق الآية الشريفة الّذي وصف اللّه تعالى نفسه بعدم الغفران للمشركين و غفرانه لغيرهم، فهو القادر على كلّ شيء.

و تدلّ أيضا على أنّ ما يعبد من دون اللّه تعالى يصيبه كلّ ما يصيب الإناث من سائر المخلوقين من الآفات و الأمراض، و اللّه هو القوي العزيز الّذي يمتنع عليه جميع ذلك و يستحيل أن يقع محلا للحوادث، كما ثبت في الفلسفة الإلهيّة. و أنّ كلّ معبود من دون اللّه تعالى مهما بلغ من العظمة و القوّة و القدسية لدى من يعبدونه، فإنّه ضعيف يحتاج إلى من يعينه و يساعده من كلّ مخلوق.

ص: 295

الثالث:

يدلّ قوله تعالى: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ إِناثاً على أنّ عبادتهم لتلك الإناث إنّما هي عبادة صوريّة ظاهريّة، لا توافق ما عليه فطرتهم الداعية إلى عبادة الواحد الأحد، فتكون عبادتهم مجرّد دعاء صادر حين الحاجة.

الرابع:

يدلّ تقريره عزّ و جلّ لما حكاه عن الشيطان الرجيم في قوله: وَ قالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً على أنّ مطيعي الشيطان لا يخرجون بذلك عن كونهم عباد اللّه و لا ينسلخون عن هذا الشأن، و ربما يكون هذا الأمر مقتضيا لخروجهم عن طاعة الشيطان و رجوعهم إلى معبودهم الحقيقي الّذي هو خالقهم، و فيه كمال العناية بعباده، و أنّهم يقعون مورد لطفهم إن هم رجعوا عن غيهم و ضلالهم و هيّئوا أنفسهم لنيل رحمته جلّت عظمته.

الخامس:

يدلّ قوله تعالى: وَ إِنْ يَدْعُونَ إِلاّ شَيْطاناً مَرِيداً على أنّ عبادة غير اللّه تعالى و طاعته توجب الطغيان و التمرّد على الحقّ و البعد عن الواقع، فيهون ارتكاب كلّ رذيلة و إتيان كلّ فحشاء و منكر، فلا تبقى إرادة للخير و لا طمع في الفضيلة، كما لا تبقى للفطرة سلامتها، و لكن تتفاوت درجات الطاعة للشيطان، و لعلّ هذا هو أحد المعاني في قوله تعالى: فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اَللّهِ .

السادس:

يدلّ قوله تعالى: فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اَللّهِ على أنّ التصرّف في الكائنات و السلطنة عليها إنّما تكون من شؤون بارئها و خالقها، و ليس لغيره عزّ و جلّ ذلك، فلا تشمل كلّ تصرّف و تغيير، فضلا عمّا ورد من الشارع المقدّس الإذن فيه كالختان و تقليم الأظافر، و الخضاب، و قطع العضو الزائد أو الفاسد في الإنسان و نحو ذلك.

السابع:

يستفاد من قوله تعالى: يَعِدُهُمْ وَ يُمَنِّيهِمْ أنّ كلّ ما سواه عزّ و جلّ ممّا يعبده الإنسان أو يطيعه لا حقيقة له، و إنّما هو و هم و سراب، و مآله إنّما يكون الخسران و الدمار و الهلاك، و همّه خسران الإنسان حقيقته في الدنيا و الآخرة، كما هو معلوم.

ص: 296

الثامن:

يستفاد من قوله تعالى: وَ لا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً أنّ الأعمال الفاسدة و الملكات الرذيلة و العقائد الباطلة تؤثّر في الإنسان أثرا بليغا، حتّى يصل الى قلب الحقيقة فتوجب التشابه بينه و بين ما يناسبه حينئذ، فكانت النار الّتي هي جزاء من تولّى الشيطان هي الأثر المناسب لأفعاله، فتحصل التجاذب بينهم و بين النار، فلا مفرّ لهم منها و لا مكان آخر يأويهم.

التاسع:

إنّما جمع سبحانه و تعالى الطاعة و الإيمان في الآيات المباركة:

وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصّالِحاتِ ؛ لبيان أنّ مجرّد الإيمان و العقيدة بلا عمل و طاعة لا يؤثّر في دخول الجنّة، بل لا بدّ من اقتران الإيمان بالعمل الصالح.

نعم، لكلّ منهما أثر وضعي خاصّ ، و لكن الجزاء يتوقّف على الإيمان و العمل معا، كما مرّ.

بحث روائي:

في الدرّ المنثور عن أبي مجاز قال: «لما نزلت هذه الآية: يا عِبادِيَ اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اَللّهِ إِنَّ اَللّهَ يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ اَلْغَفُورُ اَلرَّحِيمُ [سورة الزمر، الآية: 53]، قام النبيّ صلّى اللّه عليه و آله على المنبر فتلاها على الناس، فقام إليه رجل قال: و الشرك باللّه ؟ فسكت مرّتين أو ثلاثا، فنزلت هذه الآية: إِنَّ اَللّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ ، فأثبتت هذه في الزمر و أثبتت هذه في النساء».

أقول: تقدّم أنّ للشرك مراتب كثيرة، و أنّ عدم الغفران يختصّ بالمرتبة الأخيرة منه، و هي ما إذا مات على الشرك و لم يتب، فلا تنافي بين الآيتين الشريفتين، كما تقدّم في البحث الروائي في الآية المباركة 48 من سورة النساء، و التفكيك في الثبت إنّما كان من فعله صلّى اللّه عليه و آله.

ص: 297

و في تفسير العياشي عن قتيبة الأعشى قال: «سألت الصادق عليه السّلام عن قوله تعالى: إِنَّ اَللّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ ؟ قال: دخل في الاستثناء كلّ شيء»، و في رواية أخرى عنه عليه السّلام أيضا: «دخل الكبائر في الاستثناء».

أقول: يستفاد من مضامين الآيات الشريفة و السنن المعصوميّة أنّ المناط في الغفران - أو نيل الشفاعة في يوم القيامة - هو الموت مع الإيمان باللّه تعالى، فإذا انسلخ الإيمان و حلّ محلّه الشرك، فالغفران عنه بعيد و لا تشمله الشفاعة أيضا، و يدلّ على ما ذكرنا عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «ما من عبد يموت لا يشرك باللّه شيئا إلاّ حلّت له المغفرة، إن شاء غفر له، و إن شاء عذّبه»، و تقدّم أنّ للشرك مراتب متفاوتة جدا.

و في البخاري و مسلم و النسائي و الترمذي عن أبي ذر قال: «أتيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقال: ما من عبد قال: لا إله إلاّ اللّه، ثمّ مات على ذلك إلاّ دخل الجنّة، قلت: و إن زنى و إن سرق ؟! قال صلّى اللّه عليه و آله: و إن زنى و إن سرق، قلت: و إن زنى و إن سرق ؟! قال صلّى اللّه عليه و آله: و إن زنى و إن سرق، ثلاثا ثمّ قال في الرابعة: على رغم أنف أبي ذر».

أقول: تقدّم أنّ المراد من قول: «لا إله إلاّ اللّه» مع الشرائط و الموت مع العقيدة به، لا مجرّد التلفّظ به، و لعلّ المراد من ذيل الحديث أنّ الغفران لا يكون تحت سلطة العباد، بل هو مختصّ به تعالى، و لا بدّ من تقييده بعدم وجود مظالم العباد عليه، و إلاّ يتوقّف الغفران على أدائها أو إسقاطها، كما مرّ في الروايات السابقة.

و عن البيهقي في الأسماء و الصفات عن ابن عباس عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال:

«قال اللّه عزّ و جلّ : من علم أنّي ذو قدرة على مغفرة الذنوب، غفرت له و لا أبالي ما لم يشرك بي شيئا».

ص: 298

أقول: إنّ مغفرته تعالى لذنوب عباده من مظاهر صفاته، فلا يكون له حدّا محدودا.

نعم، لو تعلّق بذنوب شخص يثبت له التحديد من ناحية المتعلّق. و أمّا عدم غفرانه تعالى للمشركين؛ لعدم لياقتهم و عدم أهليّتهم لشمول الرحمة لهم، كما عرفت في التفسير.

و في تفسير العياشي بسنده عن جابر، عن أبي جعفر عليه السّلام في قول اللّه تعالى:

وَ لَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اَللّهِ قال: «أمر اللّه بما أمر به».

أقول: لأنّ أوامر اللّه تعالى هي دينه، و الدين هو الفطرة المستقيمة؛ و لذلك عبّر عنه في بعض الروايات بدين اللّه.

و عن الطبرسي في قوله تعالى: فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ اَلْأَنْعامِ قال: ليقطعوا الآذان من أصلها، و هو المروي عن الصادق عليه السّلام.

أقول: تقدّم ذلك أيضا من بعض المفسّرين، و أنّ المراد به قطع آذان البحائر و السوائب و الأنعام و يحرّمونها بذلك على أنفسهم و يجعلونها للأصنام، كما مرّ في التفسير.

و في تفسير العياشي بسنده عن جابر، عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال: «كان إبليس أوّل من ناح و أول من تغنّى و أوّل من قال حدى، قال: لما أكل آدم من الشجرة تغنّى، فلما هبط حدى به، فلما استقرّ على الأرض ناح فاذكره ما في الجنّة، فقال آدم عليه السّلام:

ربّ هذا الّذي جعلت بيني و بينه العداوة، لم أقو عليه و أنا في الجنّة، و إن لم تغني عليه لم أقو عليه، فقال اللّه تعالى: السيئة بالسيئة و الحسنة بعشر أمثالها - إلى سبعمائة - قال: ربّ زدني، قال: لا يولد لك ولد إلاّ جعلت معه ملكين يحفظانه، قال: ربّ زدني، قال: التوبة معروضة في الجسد ما دام فيه الروح، قال: ربّ زدني، قال: اغفر الذنوب و لا أبالي، قال: حسبي، فقال إبليس: ربّ هذا الّذي كرّمته عليّ و فضّلته و إن لم تفضّل عليّ لم أقو عليه، قال: لا يولد له ولد إلاّ و لك ولدان، قال:

ص: 299

ربّ زدني، قال: تجري منه مجرى الدم في العروق، قال: رب زدني، قال: تتّخذ أنت و ذرّيتك في صدورهم مساكن، قال: ربّ زدني، قال: تعدهم و تمنّيهم، و ما يعدهم الشيطان إلاّ غرورا».

أقول: أمّا ما منحه اللّه تعالى لآدم؛ فلأنّه الكمال، و أنّ آدم في طريق الاستكمال. و أمّا ما منحه اللّه تعالى للشيطان فلأن به يتحقّق الاختيار في الخلق.

أخرج البيهقي في الدلائل عن عقبة بن عامر قال: «خرجنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في غزوة تبوك، فأشرف رسول اللّه فلما كان منها على ليلة فلم يستيقظ حتّى كانت الشمس قيد رمح، قال: ألم أقل لك يا بلال أكلئنا الليلة ؟ فقال:

يا رسول اللّه ذهب بي النوم فذهب بي الّذي ذهب بك، فانتقل رسول اللّه من ذلك المنزل غير بعيد ثمّ صلّى، ثمّ هدر بقية يومه و ليلته فأصبح بتبوك فحمد اللّه و أثنى عليه بما هو أهله، ثمّ قال:

أما بعد: فإنّ أصدق الحديث كتاب اللّه، و أوثق العرى كلمة التقوى، و خير الملل ملّة إبراهيم، و خير السنن سنّة محمد صلّى اللّه عليه و آله، و أشرف الحديث ذكر اللّه، و أحسن القصص هذا القرآن، و خير الأمور عوازمها، و شرّ الأمور محدثاتها، و أحسن الهدى هدى الأنبياء، و أشرف الموت قتل الشهداء، و أعمى العمى الضلالة بعد الهدى، و خير العلم ما نفع، و خير الهدى ما اتّبع، و شرّ العمى عمى القلب، و اليد العليا خير من اليد السفلى، و ما قلّ و كفى خير ممّا كثر و ألهى، و شرّ المعذرة حين يحضر الموت، و شرّ الندامة يوم القيامة، و من الناس من لا يأتي الصلاة إلاّ دبرا، و منهم من لا يذكر اللّه إلاّ هجرا، و أعظم الخطايا اللسان الكذوب، و خير الغنى غنى النفس، و خير الزاد التقوى، و رأس الحكمة مخافة اللّه عزّ و جلّ ، و خير ما وقر في القلوب اليقين و الارتياب من الكفر، و النياحة من عمل الجاهليّة، و الغلول من جثاء جهنّم، و الكنزكي من النار، و الشعر من مزامير إبليس، و الخمر جماع الإثم، و النساء حبالة الشيطان، و الشباب شعبة من الجنون، و شرّ المكاسب كسب الربا، و شرّ المآكل مال

ص: 300

اليتيم، و السعيد من وعظ بغيره، و الشقي من شقي في بطن أمّه، و إنّما يصير أحدكم الى موضع أربع أذرع، و الآمر بآخره، و ملاك العمل خواتمه، و شرّ الروايا روايا الكذب، و كلّ ما هو آت قريب، و سباب المؤمن فسوق، و قتال المؤمن كفر، و أكل لحمه من معصية اللّه، و حرمة ماله كحرمة دمه، و من يتأوّل على اللّه يكذّبه، و من يغفر يغفر له، و من يغضب يغضب اللّه عنه، و من يكظم الغيظ يأجره اللّه به، و من يصبر على الرزية يعوّضه اللّه، و من يتبع السمعة يسمع اللّه به، و من يصبر يضعف اللّه له، و من يعص اللّه يعذبه اللّه. اللهم اغفر لي و لأمّتي - قالها ثلاثا - استغفر اللّه لي و لكم».

أقول: أمّا بالنسبة إلى صلاة الفجر و إكلائه على بلال، فإنّه لا ينافي العصمة؛ لأنّ ذلك لمصلحة يراها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله كالتشريع العملي و غيره. و أمّا بالنسبة بخطبته صلّى اللّه عليه و آله فإنّها من جوامع الكلم الّتي خصّ اللّه به نبيّه صلّى اللّه عليه و آله، و إنّها تنبع عن لسان الوحي، و إنّها جامعة لخير الدنيا و الآخرة، و بها تحصل السعادة و شرف العبوديّة، و تحتاج هذه الخطبة الشريفة إلى تفصيل يخرج عن موضوع الكتاب.

بحث عقائدي:

المستفاد من الآيات المباركة - و منها هذه الآية الشريفة - أنّ عبادة غير اللّه تعالى ضلال و خسران و توجب الهلاك و الدمار في الدنيا و الآخرة، و الأدلّة العقليّة تثبت ذلك أيضا، و أنّ الفطرة المستقيمة تدلّ على أنّ العبادة لا تليق بما سواه جلّ شأنه؛ لأنّ العبادة هي منتهى التذلّل، و لا يستحقّها إلاّ من له غاية الأفضال.

و العبادة تارة: تسخيريّة، أي: تكوينيّة، و هي عامّة تلازم الخلق و عالم الإمكان، قال تعالى: وَ لِلّهِ يَسْجُدُ ما فِي اَلسَّماواتِ وَ ما فِي اَلْأَرْضِ [سورة النحل، الآية: 49]، و قوله تعالى: يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ اَلْيَمِينِ وَ اَلشَّمائِلِ سُجَّداً لِلّهِ [سورة النحل، الآية: 48]، و قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اَللّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي اَلسَّماواتِ وَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ [سورة الحج، الآية: 18]، و لا يترتّب على هذا القسم سوى الكمال الذاتي النفسي.

ص: 301

و العبادة تارة: تسخيريّة، أي: تكوينيّة، و هي عامّة تلازم الخلق و عالم الإمكان، قال تعالى: وَ لِلّهِ يَسْجُدُ ما فِي اَلسَّماواتِ وَ ما فِي اَلْأَرْضِ [سورة النحل، الآية: 49]، و قوله تعالى: يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ اَلْيَمِينِ وَ اَلشَّمائِلِ سُجَّداً لِلّهِ [سورة النحل، الآية: 48]، و قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اَللّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي اَلسَّماواتِ وَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ [سورة الحج، الآية: 18]، و لا يترتّب على هذا القسم سوى الكمال الذاتي النفسي.

و أخرى: اختياريّة، أي: لا جبر في البين، قال تعالى: إِنّا هَدَيْناهُ اَلسَّبِيلَ إِمّا شاكِراً وَ إِمّا كَفُوراً [سورة الإنسان، الآية: 3]، و لا بدّ في هذا القسم من التقرير الشرعي، و يترتّب عليها الكمالات المعنويّة - كالتقرّب إليه تعالى و الوصول إلى أعلى المقامات - و الآثار الوضعيّة.

و منشأ العبادة الشعور بالافتقار بأي مرتبة كان الشعور، كما ثبت في الفلسفة الإلهيّة، فهو الدافع للعبودية له جلّ شأنه؛ و لذلك لا بدّ في المعبود من الصفات المتفرّد بها، و يكون هو في منتهى الكمال، و ذلك مختصّ باللّه جلّت عظمته، و غيره لا يستحق العبادة لافتقاره إليه جلّ شأنه، و أنّ الفاقد للشيء لا يعطي الشيء أبدا؛ و لذلك يكون اتّباعه غرورا و لا تكون عبادة حقيقيّة، بل العبادة تختصّ به تعالى؛ لافتقار الكلّ إليه و استغنائه عن الكلّ ، و أنّ الممكنات في جميع جهاتها محتاجة إليه تعالى، و أنّ ما سواه فيء و ظلال.

من لا وجود لذاته من ذاته *** فوجوده لولاه عين محال

و لذلك يكون الشرك في المعبود محال عقلا، كما أنّ الضدّ فيه تعالى كذلك، و في بعض الدعوات: «يا من لا ضدّ له»؛ لأنّ ما سواه تعالى خلقه و يرجع إليه، فلا يتصوّر الضدّية في ذلك، لما ثبت في محلّه أنّه يشترط في الضدّين التساوي في الذات و في الصفات، و بعد فرض التفرّد في الذات و الصفات تستحيل الضدّية؛ لأنّه ليس كمثله شيء، فاتّباع غيره تعالى مجرّد غرور و لا تكون عبادة حقيقة، كما مرّ.

و إنّ العبادة لا تليق إلاّ للغني بالذات، بحيث لولاه لم يكن هذا الوجود، و لو لا أسراره لتلاشت الكائنات، و لولا نعوته و صفاته لاضمحلت البدائع ممّا سواه، و لم تكن لعالم الشهادة عين و لا أثر.

ص: 302

و يمكن أن يقال: إنّ هذه العقيدة لا تختصّ بالمسلمين فقط، بل تعمّ جميع الأديان السماويّة غير المنحرفة لما عرفت أنّها فطري، و لعلّ المراد من الآية المباركة:

شَرَعَ لَكُمْ مِنَ اَلدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً وَ اَلَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَ ما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى وَ عِيسى أَنْ أَقِيمُوا اَلدِّينَ وَ لا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى اَلْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اَللّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ [سورة الشورى، الآية: 13] ذلك. هذا كلّه بالنسبة إلى ذاته.

و أمّا كيفيّة العبادة و نهجها، فلا بدّ و أن تكون بوحي منه تعالى بواسطة الأنبياء و المرسلين و تبلّغها الأولياء و الصالحون، فإنّهم سفراؤه تعالى لأجل بيان كيفيّة العبادة بتنوير الفطرة و استقامتها و تكبيت الأهواء الفاسدة و الشهوات المضلّة، فالأنبياء ليسوا هم إلاّ وسائل للتقرّب إليه جلّ شأنه و من مظاهر أسمائه، و الدالّين إليه تعالى، بهم عرفنا اللّه تعالى، و ما اخترناه من نهج الهدى، و هم المعاندون للشيطان، و لو لاهم لاختلف النظم و اختلّت كيفيّة العبادة و انطمست الفطرة و لم يتحقّق الكمال المنشود.

و لذلك يحكم العقل و الفطرة باحترامهم و توقيرهم باتباع سننهم و منهجهم، و لهم امتيازات خاصّة من اللّه تعالى في حياتهم و بعد ارتحالهم إلى اللّه تعالى، حتّى موضع قبورهم لأنّها حوت أجساما كانت مورد عنايته عزّ و جلّ و تضمّنت نفوسا قدسيّة كانت مرتبطة بجلاله، و أبدانا تقرّبت إلى وادي عزّه و قدسه، و سرت حتّى وصلت إلى قاب قوسين أو أدنى و جعل له النار بردا و سلاما، و أبصارا رفعت عنها الحجب حتّى رأت المشهود في الشاهد، و الشاهد في المشهود، و أسماعا خرقت الستائر و الموانع حتّى سمعت: «إنّي أنا اللّه» و «ادن من صاد فتوضأ»، و وجوها رأت نور الحبيب و جماله و كبريائه، فخرّت ساجدة مذعنة.

بل أنّ الأرض الّتي تضمّنت تلك الأبدان الطاهرة، و المفاخر البشريّة، و مظاهر التكبير و التهليل لها كرامة و منزلة عند اللّه تعالى، فلا بدّ أن تحترم كما

ص: 303

تحترم أرض المسجد، فإنّ ما ورد من الروايات في شأن تلك المحال القدسيّة المتضمّنة لأجسامهم الشريفة، ممّا لا ينكره العقل أصلا بل يقرّره.

و أمّا زيارات تلك المواطن و الأمكنة الّتي حوت تلك الأبدان الطاهرة، فإنّها عبادة نتقرّب بزيارة أحبّ خلقه إليه، و تلك لو تأمّلنا في الزيارات الواردة في حقّهم كلّها كانت مشحونة بذكر اللّه تعالى و التذكّر بكلماته و معارفه و التبرء من الشيطان و اتباعه، و ليست لزيارتهم موضوعيّة مقابل عبادة اللّه عزّ و جلّ - نستجير باللّه تعالى - بل أنّها طريق يرشدنا إليه جلّ شأنه، و أنّهم أحياء عند ربّهم يرزقون. و قد ثبت في محلّه أنّ الأرواح مطلقا لا تنقطع ارتباطها عن هذا العالم، بل لها نحو علاقة خاصة (برزخية) بموضع البدن، حتّى ورد في بعض الروايات أنّ أرواحهم تتطلّع و تعلم من زارهم و أنّهم يدعون له، و بالنسبة إلى الأولياء و المقرّبين تكون العلاقة و الارتباط أشدّ و أكثر خصوصية لزوارهم، إذا كان الزائر من أهل الإيمان و من الكمّل، فيتحقّق نحو ارتباط بين الروحين إن حصلت الأهليّة؛ و لذا أنّ أهل العرفان و المتوجّهين يرون ما لا يرون غيرهم.

نعم، من كان بعيدا عن حريم ذاته الأقدس، تكون علاقته و ارتباط روحه بعد الحياة ضعيفا؛ لأنّه مشغول بنفسه في عالم البرزخ، فكلّ ما كانت الإضافة إلى اللّه تعالى أقرب و التفاني أشدّ كانت الآثار الوضعيّة أكثر حتّى بعد الممات، و كلّ ما كانت الإضافة أبعد و أضعف كانت الآثار الوضعيّة أقلّ حتّى كادت تنعدم؛ لأنّه قد يصل إلى مرحلة الجماد، قال تعالى: ضَعُفَ اَلطّالِبُ وَ اَلْمَطْلُوبُ ، و قال تعالى:

إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ إِناثاً .

و ما تقدّم يجري في الأولياء و عباد اللّه الصالحين الأبرار الّذين لهم عند اللّه مقام و شأن، فيشمله العموم في قوله تعالى: وَ مَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اَللّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى اَلْقُلُوبِ [سورة الحج، الآية: 32].

ص: 304

بحث فقهي:

ذكرنا في التفسير أنّ الخلق في قوله تعالى: فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اَللّهِ أعمّ من الخلق الصوري (أي الطبيعي)، أو الفطري الّذي هو الدين، فالآية المباركة تدلّ على حرمة تغيير ما خلقه اللّه تعالى ممّا نصّ الشارع على حرمته كالتمثيل بالناس، و الخصاء في الإنسان، و حلق اللحية في الرجل، و غيرها ممّا هو محرّم شرعا.

و هل تشمل الآية المباركة ما لم يرد فيه من الشارع نصّ على تحريمه ؟ كتغيير بعض الحيوانات الدائر في هذه الأعصار من الكبر إلى الصغر، كما في الفيل و الفرس، و إجراء بعض العمليات التجميليّة في الإنسان إن لم يكن فيها دفع ضرر أو حفظ صحّة، و غير ذلك من الأمور المستحدثة في هذه الأعصار و جهان ؟.

مقتضى العمومات و الإطلاقات غير القابلة للتقييد هو الحرمة، فتشمل كلّ تغيير للحيوان و تبديله إلى حيوان آخر مثلا.

و مقتضى قوله تعالى: خَلْقَ اَللّهِ أنّ المناط في الحرمة هو المعارضة مع خلق اللّه سبحانه و تعالى بإيجاد خلق جديد، فتقتصر الحرمة على ما كان كذلك، أي: ما يعارض فيه خلق اللّه عزّ و جلّ ، فلا تشمل ما لم يكن كذلك في الإنسان كان أو في الحيوان أو في النبات.

هذا كلّه إن لم يحصل إيذاء أو إسراف، و إلاّ فالحكم واضح.

بحث عرفاني:

كما أنّ للتقرّب إلى اللّه تعالى و الوصول إلى ساحة كبريائه مراتب كثيرة - شدّة و ضعفا كمية و كيفيّة - كذلك للبعد بالنزول عن ساحة قدسه و القرب للشيطان، و ذكرنا أنّ لكلّ من الهداية و الغواية أسبابا و عللا، و إن كانت الفطرة

ص: 305

المستقيمة تقتضي الهداية إلاّ أنّ سبل الشيطان تعيقها و تحرفها عن التوجّه إلى خالقها، المعبّر عنه بشرف العبوديّة.

و هذه الأسباب تؤثّر كثيرا في الإنسان على نحو يبعده عن الصراط المستقيم، و لا تؤثّر فيه الحجج و البراهين و ذلك باختياره، فيصل إلى مرتبة أسفل السافلين بالمراحل المذكورة في الآيات المباركة.

و قد لا يكون كذلك، و إنّما يكون للقلوب إقبال و إدبار، و تملّ كما تملّ الأبدان، و هذا حسب درجات الإيمان، كما هو المشهود في المؤمنين، و قد لا تؤثّر فيه أصلا كما في المعصومين من الأنبياء و الأولياء و كمّل الإيمان من العرفاء، و عن سيد العارفين و إمام الموحّدين عليّ عليه السّلام مخاطبا الدنيا: «غرّي غيري» عند ما تمثّلت عنده، و غيره من الروايات الواردة عنه عليه السّلام.

و أسباب الغواية و الضلالة الّتي هي من الشيطان محدودة، بخلاف سبل الهداية الى اللّه العظيم، فإنّها من مظاهر صفاته العليا، و هي غير محدودة فلا يكون التقابل بينهما واقعيّا. مع أنّ الفطرة الخالصة الّتي خلقها اللّه تعالى تقتضي الهداية أيضا، كما أنّه جلّ شأنه يحبّ خلقه و لا يرضى لهم العذاب، قال تعالى: ما يَفْعَلُ اَللّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَ آمَنْتُمْ [سورة النساء، الآية: 147]، و أنّه غني ذاتا و صفات، و أنّ الخير و أسبابه منه تعالى و إليه عزّ و جلّ ، فلا بدّ و أن تكون غير محدودة لأنّها من مظاهر صفاته.

و قد ذكر سبحانه و تعالى في الآية الشريفة أهمّ أسباب الغواية من الوعد و الأمنيّة، و أنّ الأثر المترتّب على تلك الأسباب ليس إلاّ الخسران، سواء كان خسران الجنّة و نعيمها، أم خسران المعارف الإلهيّة و الحظوظ السعيدة، أم خسران شرف العبوديّة، أم خسران الآلاء و النعم، أو خسران اللقاء الّذي هو من أعظم الخسائر، كما عن علي عليه السّلام: «هبني صبرت على حرّ نارك، فكيف أصبر على فراقك»، و عن بعض العرفاء: «أعظم الخسائر من فاته اللقاء»، فقد خاب من أحبّ

ص: 306

شيئا دونك و يرضيه بدلا منك، و قد خسر من أوقفته ببابك ثمّ طلب باب غيرك و التجأ الى غير جنابك و تحوّل منك إلى غيرك»، و دعاء أبي حمزة الثمالي مشحون بهذه المعارف، و لا يتوجّه إلى هذا القسم من الخسران إلاّ من رفع عنه الحجاب برؤية الملكوت الأعلى و منح له قبول و سام العبوديّة.

فالكلّ يطلب نعمى حيث ضلّ و ما *** يحظى بنعمى سوى فرد بأفراد

و جميع هذه الخسائر ترجع إلى الاختيار لما ثبت في محلّه من أنّه لا جبر و لا تفويض في البين، فالعبد باختياره يسلك كلا من الطريقين النور أو الظلمة، و يصل الى مراتبها، كما أنّ كلا منهما لم يكن ذاتي الإنسان، و هما قابلان للزوال إلى آخر لحظات العمر، كما عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «انّ الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتّى ما يبقى بينه و بينها إلاّ ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنّة فيدخلها، و أنّ الرجل ليعمل بعمل أهل الجنّة حتّى ما يكون بينه و بينها إلاّ ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار»، و الأوّل كثير بفضله و رحمته، و الثاني منوط برحمته، و المراد من سبق الكتاب التذكّر و التأمّل، فيرجع إلى الاختيار، و للبحث ذيل يأتي في الموضع المناسب إن شاء اللّه تعالى.

ص: 307

لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَ لا أَمانِيِّ أَهْلِ اَلْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَ لا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اَللّهِ .......

اشارة

لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَ لا أَمانِيِّ أَهْلِ اَلْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَ لا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اَللّهِ وَلِيًّا وَ لا نَصِيراً (123) وَ مَنْ يَعْمَلْ مِنَ اَلصّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ اَلْجَنَّةَ وَ لا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (124) وَ مَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَ هُوَ مُحْسِنٌ وَ اِتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَ اِتَّخَذَ اَللّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً (125) وَ لِلّهِ ما فِي اَلسَّماواتِ وَ ما فِي اَلْأَرْضِ وَ كانَ اَللّهُ بِكُلِّ شَيْ ءٍ مُحِيطاً (126) بعد أن ذكر سبحانه و تعالى حقيقة الإيمان و الجزاء المترتّب عليه و بعض أحوال المؤمنين، و بيّن عزّ و جلّ الكفر و الشرك و موجباتهما، و هي إطاعة الشيطان و عبادته و اتّباع أوامره، و الجزاء المترتّب على ذلك، ثمّ وعد المؤمنين و أكّد أنّ وعده صادق و قوله حقّ لا خلف فيه.

يبيّن جلّ شأنه في هذه الآيات المباركة أنّه في وعده الصادق لا يحابي أحدا من عباده، و أنّه سيجزي المؤمنين حقّا و يجازي الكافرين صدقا، كلا حسب عمله و أفعاله، فالإيمان ليس بالتمنّي و لا بالتحلّي و لا بالتفاضل، بل بما استقرّ في القلب و ظهر على الجوارح و صدّقه العمل، و ليس الدين أمنيات و أهواء و شعارات و تفاخر أو تباهي، بل الدين تطبيق عملي لكلّ ما حواه من مبادئ و تعاليم و قيم و تشريعات و توجيهات، فهذا هو واقع كلّ دين و حقيقته، فلن يقوم على التمنّي و لن يحصل أحد على الجزاء العظيم الّذي وعده عزّ و جلّ للمؤمنين بمجرّد التمنّي و التفاخر و التمدّح و التشدّق بالكلام. و هذا ما أكّد عليه عزّ و جلّ في عدّة مواضع من القرآن الكريم.

ص: 308

و لم تكن الآيات الشريفة الأخيرة في سورة آل عمران ببعيدة عن الأذهان، حيث يبيّن عزّ و جلّ فيها المنهاج الّذي لا بدّ أن نتبعه، فقال تعالى: أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ، و في هذه الآيات الكريمة تأكيد جديد و درس عملي لنبذ كلّ تمن فارغ عن العمل و تفاخر و تفاضل يوجب البعد و البغضاء، فإنّ الجزاء حاصل لا محالة، و كلّ من عمل سوءا يجز به و لا يجد من دون اللّه وليّا و لا نصيرا ينصره من العذاب، و من يعمل الصالحات فسيجد الجزاء الأحسن، و هذا هو الدين، فلا بدّ من التسليم الكامل و الإحسان و العمل و اتّباع ملّة إبراهيم عليه السّلام، الّتي حفظت في جميع الأديان الإلهيّة و عند مشركي العرب، و هي ملّة محمد صلّى اللّه عليه و آله، فكانت صلة بين جميع من ذكر، و اللّه تعالى محيط لا تخفى عليه خافية و له ما في السموات و الأرض.

التفسير

قوله تعالى: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَ لا أَمانِيِّ أَهْلِ اَلْكِتابِ .

تأكيد لما ذكره عزّ و جلّ في الآيات المباركة السابقة، و بيان أنّه ليس لأحد كرامة على اللّه تعالى و لا حقّ له عليه جلّ شأنه، إلاّ باتّباع تعاليمه و تطبيق شريعته و تنفيذ أوامره، و هذا هو الدين الّذي أنزله اللّه تعالى على جميع أنبيائه و أمرهم بتبليغه لعباده، و ليس هو أهواء و أمنيات و تشدّق بالكلام بأن يتفاخر كلّ واحد بأنّ دينه أفضل أو أكمل و أحقّ بالاتّباع، فإنّ هذه كلّها أماني صوريّة لا حقيقة لها، و هي بعيدة عن واقع الدين؛ لأنّه تطبيق عملي لما وقر في القلب و استقرّ فيه، و تلتقي جميع الأديان في هذا الأمر، بلا فرق بين دين الإسلام و سائر الأديان الإلهيّة، و قد حكي عزّ و جلّ بعض صور التفاخر في مواضع اخرى من القرآن الكريم، قال تعالى محكيا عن أهل الكتاب: وَ قالَتِ اَلْيَهُودُ وَ اَلنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اَللّهِ وَ أَحِبّاؤُهُ [سورة المائدة، الآية: 18]، و قال تعالى أيضا: وَ قالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا [سورة البقرة، الآية: 135].

ص: 309

تأكيد لما ذكره عزّ و جلّ في الآيات المباركة السابقة، و بيان أنّه ليس لأحد كرامة على اللّه تعالى و لا حقّ له عليه جلّ شأنه، إلاّ باتّباع تعاليمه و تطبيق شريعته و تنفيذ أوامره، و هذا هو الدين الّذي أنزله اللّه تعالى على جميع أنبيائه و أمرهم بتبليغه لعباده، و ليس هو أهواء و أمنيات و تشدّق بالكلام بأن يتفاخر كلّ واحد بأنّ دينه أفضل أو أكمل و أحقّ بالاتّباع، فإنّ هذه كلّها أماني صوريّة لا حقيقة لها، و هي بعيدة عن واقع الدين؛ لأنّه تطبيق عملي لما وقر في القلب و استقرّ فيه، و تلتقي جميع الأديان في هذا الأمر، بلا فرق بين دين الإسلام و سائر الأديان الإلهيّة، و قد حكي عزّ و جلّ بعض صور التفاخر في مواضع اخرى من القرآن الكريم، قال تعالى محكيا عن أهل الكتاب: وَ قالَتِ اَلْيَهُودُ وَ اَلنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اَللّهِ وَ أَحِبّاؤُهُ [سورة المائدة، الآية: 18]، و قال تعالى أيضا: وَ قالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا [سورة البقرة، الآية: 135].

و هذه الآية الشريفة تشير إلى ما زعمه بعض المسلمين و أهل الكتاب على ما ورد في شأن نزولها - كما يأتي في البحث الروائي - و قد ردّ سبحانه و تعالى على جميع تلك المزاعم بأنّ الدين لا يقوم على الأماني، و أنّها لا تؤثّر شيئا على الإطلاق، بل الدين عقيدة و عمل، و أنّ الجزاء العظيم الّذي وعده اللّه عزّ و جلّ لهم لا يمكن تحصيله بالتمنّي و الغرور، و أنّ اللّه تعالى لا يضيع عمل عامل منكم، إن خيرا فخير، و إن شرّا فشرّ.

و هذه الآية الشريفة من الدروس التربويّة للمسلمين، و قد كانت نبراسا لهم حين ما اعتقدوا بالإسلام، بأنّه دين عقيدة و عمل، و أنّه منهاج تربوي عملي، جعلوه تطبيقا عمليا لكلّ ما تضمّنه من تعاليم و قيم و مبادئ و توجيهات، فكانوا على عزّ و شرف و ساد الوئام و التآلف و التعاون بينهم، و لم يكن لأحد فيهم مطمع إلاّ بتبليغ دينه بالقول و الفعل، ثمّ لما حوّلوا دينهم إلى مجرّد التمنّي و خرجوا بذلك عن الدين الحقيقي و دخلوا في الغثاء الّذي تحدث عنه الرسول الكريم صلّى اللّه عليه و آله، اشتدّ الخلاف بينهم و ضعفت مكانتهم و نزل قدرهم و طمع فيهم أعدائهم، و وصلوا إلى ما هم عليه الآن من التفرقة و التشتت و الخلاف، فلم يبق من الإسلام إلاّ اسمه و من الكتاب إلاّ رسمه، و لن يعودوا إلى مكانتهم و وضعهم الّذي أراده اللّه تعالى و رسوله الكريم صلّى اللّه عليه و آله إلاّ بالخروج عن هذا التمنّي و الدخول في الدين الحقيقي و الواقع العملي المحسوس.

و الأماني في قوله تعالى: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَ لا أَمانِيِّ تقرأ بالتشديد و التخفيف، و هي جمع أمنية على أفعولة، و هي الصور الخياليّة الّتي تحصل في النفس و تستلذّ بها كلّما ذكرتها، و إنّها قد تكون عن تخمين و ظنّ و قد تكون عن روية و أصل، و لكن لما كان أكثرها عن تخمين و ظنّ صار إطلاقها أكثر على ما لا حقيقة

ص: 310

له، فأكثر التمنّي تصوّر ما لا حقيقة و لا واقع له. و حديث النفس بما يكون أو لا يكون، و تشهّي حصول الأمر المرغوب فيه، و عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «إذا تمنّى أحدكم فليكثر، فإنّما يسأل ربّه»، يعني: إذا سأل اللّه تعالى حوائجه الشرعيّة فليكثر؛ لأنّ فضل اللّه كثير و خزائنه واسعة و رحمته عمّت كلّ شيء، و في المقام أطلقت على ما كان يذكره أهل الكتاب و ما تفاخر به بعض المسلمين مجازا؛ لبيان أنّها مجرّد صور خياليّة لا واقع لها، فردّ اللّه تعالى مزاعمهم و بيّن أنّ الواقع غير ذلك.

و يستفاد من اقتران أهل الكتاب مع بعض المسلمين أنّ هناك جهة اتّفاق بينهم، و هي أنّ الدين واقع عملي و الاختلاف في ذلك في سائر الأديان الإلهيّة، و أنّه لو رعوها لكانت الأديان كلّها تسير في جهة واحدة، و لما وجد الاختلاف بينها، و لما وقعت هذه المصائب.

قوله تعالى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ .

بيان للحقيقة و الواقع في هذا الأمر العظيم الّذي قلّ ما يخلو منه مجتمع أو مذهب، فإنّه بعد أن نفى جلّ شأنه كون التمنّي موجبا لكسب فضيلة أو جلب منفعة أو نيل جزاء، فضلا عن الجزاء العظيم الّذي أعدّه اللّه تعالى للمؤمنين، إلاّ أنّ هذا النفي القاطع الحاسم قد يجعل المؤمن الّذي يدخل في دين - سواء كان دين الإسلام أم النصرانيّة أم اليهوديّة - مورد السؤال؛ لأنّ الدخول في الدين إذا لم يكن نافعا و لم يجر له خيرا فماذا يفعل و هذه هي حاله، بل أنّ كلّ سامع لذلك يتشوّق إلى استبانة الحقّ و حكم اللّه تعالى في هذا الأمر؛ فيبيّن عزّ و جلّ الجواب في هذه الآية الكريمة عقيب تلك الآية الشريفة بغير فصل و بصيغة العموم، فقال تعالى: إنّ كلّ من يعمل سوءا يجد جزاءه و لم يكن له وليّ و لا نصير ينصره من جزاء أعماله، كما أنّ من يعمل من الصالحات يدخل الجنّة.

ثمّ إن إطلاق قوله تعالى: يُجْزَ بِهِ يشمل جزاء الدنيا ممّا قرّرته الشريعة -

ص: 311

كالقصاص، و الحدود، و نحو ذلك - و كذا الأمراض و أنواع الأسقام و الهموم أو الغموم و المصائب، ممّا لم يكن للإنسان فيه الاختيار، كما يدلّ عليه بعض الأحاديث على ما يأتي في البحث الروائي - و الجزاء الأخروي الّذي أوعده اللّه عزّ و جلّ في كتابه الكريم أو على لسان نبيّه العظيم صلّى اللّه عليه و آله.

كما أنّ إطلاق قوله تعالى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يشمل ما إذا كان السوء من المعاصي الكبيرة أم الصغيرة، أم غير المعاصي حتّى لو كان من مساوئ الأخلاق و الأفعال السيئة العرفيّة.

قوله تعالى: وَ لا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اَللّهِ وَلِيًّا وَ لا نَصِيراً .

فإنّ ترتّب هذه الآية المباركة على سابقتها كترتّب المعلول على العلّة التامّة، فإنّ من يعمل السوء يجد جزائه و هو يتحمّل تبعاته، و لا يصرفه عنه صارف؛ لأنّه من الأثر الطبيعي لعمله، و لن يتخلّف الأثر عن مؤثّره، فلا يوجد ولي من الأولياء الّذين يواليهم يصرف عنه الجزاء و لا نصير ينصره و يدفع عنه العذاب، إلاّ أن يأذن اللّه تعالى لهم في الشفاعة.

و لا فرق في الولي بين من كان معصوما كالنبيّ أو الإمام، أو غير معصوم ممّن يعتقد ولايته.

و لعلّ ذكر الولي و النصير كليهما ليشمل صارف الدنيا و الآخرة، فالولي في الدنيا و النصير في الآخرة، أو ليشمل جميع أنحاء التقرّب من الإسلام و الدين و النسب و التقرّب إلى الأولياء و الأنبياء و غيرهم ممّا يعتقد نفعه.

قوله تعالى: وَ مَنْ يَعْمَلْ مِنَ اَلصّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ اَلْجَنَّةَ ........

قوله تعالى: وَ مَنْ يَعْمَلْ مِنَ اَلصّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ اَلْجَنَّةَ .

بيان لحقيقة من الحقائق الواقعيّة، و هي أنّ النجاة في الدنيا و الآخرة إنّما تكون بالإيمان و الأعمال، و هذا هو الدين الحقيقي، و قد اشترط عزّ و جلّ في النجاة من العذاب أمرين الإيمان قال تعالى: وَ هُوَ مُؤْمِنٌ ، و تدلّ عليه آيات أخرى،

ص: 312

قال تعالى: وَ لَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [سورة الانعام، الآية:

88]، فلا فائدة في العمل بدونه. و الثاني العمل الصالح، فإنّ الجزاء الأحسن إنّما يكون بإزاء العمل الصالح، و يستفاد من ذلك أنّه لا جزاء حسنا على أعمال الكافر و إن كانت صالحة، فلا اعتداد بها إلاّ أنّه قد تفيده في تخفيف بعض أنواع العذاب، كما تدلّ عليه بعض الأخبار، كما أنّه لا ينال الجزاء العظيم الّذي خلا عن العمل الصالح.

و (من) في قوله تعالى: مِنَ اَلصّالِحاتِ تبعيضيّة تدلّ على أنّ الإتيان ببعض الأعمال الصالحة يكفى في نيل الجزاء الأحسن، و يتدارك به ما بقي من الأعمال الصالحة، كما يتدارك به و بالتوبة آثار المعاصي و السيئات الّتي يقترفها المؤمن، قال تعالى: إِنَّ اَلْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ اَلسَّيِّئاتِ [سورة هود، الآية: 114]، و قال تعالى: إِنَّمَا اَلتَّوْبَةُ عَلَى اَللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسُّوءَ [سورة النساء، الآية:

17]، و تقدّم في قوله تعالى: إِنَّ اَللّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ * [سورة النساء، الآية: 116] بعض الكلام، كما مرّ تفصيل المقال في بحثي التوبة و الشفاعة في سورة البقرة فراجع.

و ذكر بعضهم أنّ (من) في الآية الكريمة زائدة، و لكنّه بعيد عن سياق الآية المباركة الّتي هي في مقام البيان و الدقّة فيه، كما أنّ كونها تبعيضيّة تناسب الفضل الإلهي العميم.

و (من) في قوله تعالى: مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى للتأكيد على أنّ النساء لهن المثوبة كما تكون للرجال، و لا فرق بين الفريقين عند اللّه تعالى في الجزاء الحسن و الأجر العظيم، إلاّ أن يكون التفاوت من ناحية أعمالهم.

كما تدلّ الآية الكريمة على تساوي النساء و الرجال في أمور الدين، و أنّ الأعمال الصالحة تصلح النفوس مطلقا، سواء كان العامل ذكرا أم أنثى. و فيها ردّ على مزاعم بعض الناس في النساء، حيث اعتبروهن ذليلات في الخلقة و حرموهن

ص: 313

من كثير من أمور الدنيا، حتّى وصل الأمر إلى إهلاكهن عند بعض الأقوام، كما كانت العادة عند مشركي العرب، و قد تقدّم في قوله تعالى: أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ [سورة آل عمران، الآية: 194]، فراجع.

قوله تعالى: وَ لا يُظْلَمُونَ نَقِيراً .

تأكيد لما ذكره عزّ و جلّ آنفا من وصول كلّ من عمل الصالحات إلى الجزاء الحسن و الثواب الجزيل، من غير أن ينقص منه شيء و لو كان حقيرا تافها. كما يدلّ أيضا على أنّ النساء و الرجال متساوون في نيل الجزاء و درك الثواب، و لا فرق بينهما في ذلك من حيث الزيادة و النقيصة، إلاّ أن يكون التفاوت من ناحية أعمالهم، فلا يظلمون من أجور أعمالهم و لو كان بقدر النقير، و هو الثقبة الصغيرة في ظهر النواة، و منها تنبت النخلة، و صار علما للقلّة و الحقارة، و في حديث ابن عباس في الآية الشريفة: «وضع طرف إبهامه على باطن سبابته ثمّ نقرها و قال هذا النقير»، و تقدّم الكلام في آية 49 و 53 من هذه السورة في اشتقاق الكلمة. و نبّه عزّ و جلّ بعدم تنقيص الثواب، فبالأحرى أن لا يزاد عقاب العاصي أيضا، و إنّما لم يذكره عزّ و جلّ ؛ لأنّه أرحم الراحمين، و فضل منه جلّت عظمته للعبيد، و المقام مقام الترغيب الى العمل الصالح، و عن بعض أنّ الحكمة في ذلك - مضافا إلى ما تقدّم - لئلاّ يفلس العبد لو اجتمع الخصماء في يوم القيامة عنده، فيدفع إليهم واحدة و يبقى له البقية، و هذا من لطفه و عنايته لعباده؛ لأنّ مظالم العباد توفّى من التضعيفات لا من أصل الحسنات، فما ذكره يرجع بالآخرة إلى ما تقدّم.

قوله تعالى: وَ مَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَ هُوَ مُحْسِنٌ .

بعد أن بيّن عزّ و جلّ أمر الدين و أنّ حقيقته عند اللّه تعالى هو الاعتقاد السليم و العمل الصالح، و أنّ السعادة منوطة بهما معا، كما أنّ الجزاء مطلقا - حسنا كان أم سيئا - إنّما يكون على الأعمال ن فلا جزاء بدون عمل، و لا عمل بدون

ص: 314

جزاء، يبيّن عزّ و جلّ في هذه الآية الشريفة أنّ للإيمان مراتب متفاوتة أدناها مجرّد الدخول فيه؛ لأنّ للدين و الإيمان باللّه تعالى كرامة، و هو حسن على كلّ حال، بل الإنسان لا مناص له عن الدين، فإنّه أمر فطري، و هو لا محالة يرجع إليه في كثير من شؤونه الدنيويّة و الأخرويّة، و إن أنكره بلسانه، و أعلى تلك المراتب و أحسنها الّتي بها يجوز درجات الثواب، الإيمان الخالص، و هو التوحيد الكامل للّه تعالى و توجيه القلب إليه و التسليم و الإحسان في العمل، و هذا هو ملّة إبراهيم عليه السّلام الّتي أمرنا اللّه تعالى باتّباعها، و هي أيضا ملّة محمد صلّى اللّه عليه و آله، و تقدّم في قوله تعالى: بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ [سورة البقرة، الآية: 112]، أنّ المراد منه جعل وجهه خالصا للّه تعالى لا يتوجّه لغيره أبدا، منقادا و مستسلما له عزّ و جلّ يأتمر بأوامره و سائر تشريعاته، خاضعا له خضوع عبوديّة و مقهوريّة، و هذا هو الإيمان الخالص من شوائب الشرك، و هو التوحيد الكامل الّذي به وصل الأنبياء عليهم السّلام و الأولياء إلى المقامات العالية و حازوا شرف القرب لديه عزّ و جلّ ، و فيه تظهر عبودية المؤمن، فيكون ترتّب قوله تعالى: وَ هُوَ مُحْسِنٌ على صدر الآية المباركة ترتّبا عليّا، فإنّ من أسلم وجهه للّه يستلزم أن يظهر عليه أمارات العبوديّة - على أقواله و أفعاله و حركاته و سكناته - و يتخلّق بأخلاق اللّه تعالى، فيحسن في العمل بإتيان العبادات و ترك ما ينافي العبوديّة.

و إنّما خصّ عزّ و جلّ الوجه بالذكر دون سائر أعضاء الإنسان مع أنّ الإسلام للّه تعالى، لا بدّ أن يظهر على جميع جوارحه؛ لأنّ الوجه أهمّ مظهر للإنسان، و منه يعرف حالاته و ما يكمنه في قلبه و يكنّه في نفسه من القرح و السرور و الإقبال و الإدبار و الخشوع و الخضوع و غير ذلك.

قوله تعالى: وَ اِتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً .

الحنيف: الميل عن الوثنيّة و الشرك، و الملّة الحنيفيّة هي الملّة المائلة عن الشرك و الوثنيّة و الزائغة عن الأديان الباطلة، و هي من صفات دين الإسلام، و قد

ص: 315

وصف بها خليل اللّه تعالى لتبرّئه عن الشرك و الأوثان، و دعوته إلى عبادة الواحد الأحد.

و الآية الشريفة بيان لما سبق، أي: أنّ تسليم الوجه للّه تعالى و الإحسان في العمل إنّما هو في اتّباع ملّة إبراهيم عليه السّلام و الإعراض عن سائر الأديان الفاسدة و الأهواء الزائفة، و من تبعها فقد دخل في جميع الأديان الإلهيّة، لا سيما دين خاتم الأنبياء صلّى اللّه عليه و آله؛ لأنّها هي ملّته عليه السّلام أيضا.

و في الآية المباركة التأكيد على أنّ ملّة إبراهيم عليه السّلام هي صفوة الأديان؛ لأنّ فيها التوحيد الخالص و إحسان العمل، و قد تردّد في القرآن الكريم كثيرا ذكر الصلة بين دين محمد صلّى اللّه عليه و آله و ملّة إبراهيم عليه السّلام؛ لأنّ إبراهيم عليه السّلام ما كان يدعو لا إلى التوحيد و نبذ الأنداد و الإحسان في العمل، و هذه هي دعوة أشرف الأنبياء و خاتمهم صلّى اللّه عليه و آله؛ و لأنّ العرب و مشركي قريش بالخصوص و أهل الكتاب من اليهود و النصارى كانوا يدّعون أنّهم على دين إبراهيم عليه السّلام، فالآية الكريمة تأخذهم بما أقرّوا به فتقول: أن من كان على ملّة إبراهيم عليه السّلام فلا بد أن يدخل في دين محمد صلّى اللّه عليه و آله؛ لأنّهما تلتقيان في التوحيد و نبذ الأنداد و الإحسان في العمل، و هذه حقيقة الدين الّتي لا اختلاف فيها، و الّتي أمرنا اللّه تعالى باتّباعها في ما سبق من الآيات الكريمة الّتي فيها ردّ على الضالّين المتّبعين للشيطان المشغولين بالأماني الخادعة.

قوله تعالى: وَ اِتَّخَذَ اَللّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً .

ترغيب إلى اتّباع ملّة إبراهيم عليه السّلام و الدخول في حقيقة الدين و بيان إلى أنّ من أسلم وجهه للّه و هو محسن يسلك مسلك إبراهيم، فيتّخذه اللّه تعالى خليلا، و إيماء إلى أنّ إبراهيم هو أوّل من أسلم وجهه للّه محسنا، و إيذان بأنّ إبراهيم في نهاية الحسن و منتهى الشرف و كمال العبوديّة، لتخصيص اسمه الشريف بالذكر. أي:

أنّ اللّه تعالى اصطفاه و خصّه بكرامة الخلّة، و هي من المقامات العالية و المنازل الرفيعة، و لن ينالها إلاّ الأوحدي الّذي ترك ما سواه عزّ و جلّ لوجهه الكريم،

ص: 316

فأورد في قلبه محبّة لمعبوده و توجّها لخالقه، و لم يصل الخليل إلى هذا المقام إلاّ بعد اجتياز مراحل و طي منازل كثيرة، و هي مرحلة الفتنة و الافتنان ثمّ الامتحان ثمّ التسليم، ثمّ العبوديّة، ثمّ النبوّة، ثمّ الرسالة، ثمّ الخلّة، ثمّ الإمامة، و قد اجتازها إبراهيم عليه السّلام كلّها بأمان، فخصّه اللّه تعالى بالخلّة و الإمامة، كما يظهر ذلك من الآيات الشريفة الّتي نزلت في حقّ إبراهيم عليه السّلام، و في الحديث عن أبي جعفر الباقر عليه السّلام: «انّ اللّه تبارك و تعالى اتّخذ إبراهيم عبدا قبل أن يتّخذه نبيّا، و إنّ اللّه تعالى اتّخذه خليلا قبل أن يجعله إماما»، و لعلّ ذكره في صدر الآية المباركة و توصيفه بكونه حنيفا لأجل بيان استعداده لنيل مقام الخلّة. و أنّ ترك ما سوى اللّه تعالى و تسليم الأمر إليه عزّ و جلّ ممّا يوجب استعداد الفرد للوصول إلى هذه المنزلة.

ثمّ إنّ الخلّة الإلهيّة كالخلّة الّتي هي بين الناس تبتني على فرط الحبّ بين الحبيبين و تخلّلها في القلب و تمازجها مع النفس، إلاّ أنّ الخلّة الإلهيّة تخالف الخلّة الدائرة بين الناس المبتنية على الأمور المادّية الّتي تكون الأواصر الدنيويّة فيها أشدّ من الأواصر المعنويّة الروحانيّة. و أمّا الخلّة الإلهيّة، فهي ليس فيها خلل، فقد أحبّه اللّه تعالى محبّة تامّة و اصطفاه عند ما أظهر صدقه و إخلاصه للّه تعالى و محبّته له محبّة كاملة ملأت جميع مشاعره، فلم يتوجّه إلاّ إليه عزّ و جلّ و لم يتخلّلها و هن و لا ضعف و لا فترة و لا شائبة من شوائب المادّة، و بذلك صار إبراهيم عليه السّلام خليلا للّه تعالى و بها أصبح قدوة لكلّ خليل إلهي و إماما لجميع الأنبياء و المرسلين.

و مادّة (خلل) تدلّ على الحاجة و الفقر، و منه سمّي الخليل خليلا؛ لأنّ كلّ واحد من الخليلين محتاج إلى وصال الآخر و غير مستغن عنه، و إلى هذا المعنى يمكن إرجاع بقية المعاني الّتي ذكرت لهذه المادّة، فإنّ منها: الخلال (بكسر الخاء)، أي: المودّة الّتي تتخلّل النفس و تخالطها، بحيث تسلب منها الإرادة إلاّ ما كانت في جهة إرادة الحبيب، كما قال الشاعر:

قد تخلّلت مسلك الروح مني *** و لذا سمّي الخليل خليلا

فإذا ما نطقت كنت حديثي و إذا ما سكتّ كنت الغليلا

ص: 317

و منها الخلل (بفتح الخاء)، بمعنى أنّ كلا من الخليلين يصلح خلل الآخر، لشدّة الوصال بينهما.

و منها: الخلل (بالفتح)، و هو الطريق في الرمل؛ لأنّ الخليلين احتاج كلّ واحد الى الآخر فتوافقا من كلّ جهة.

و منها: الخلّة (بفتح الخاء) بمعنى الخصلة و الخلق؛ لأنّهما يتوافقان في الخصال و الأخلاق، فإنّ جميع هذه المعاني ترجع إلى ما ذكرناه من شدّة الارتباط بينهما و احتياج كلّ واحد منهما إلى الآخر، و هذا المعنى ينطبق على خليل اللّه عليه السّلام لوصل حبّه له جلّ شأنه إلى درجة لم يكن له إرادة إلاّ ما أراده اللّه تعالى، فتخلّق بأخلاق اللّه تعالى، و أمّا بالنسبة إليه عزّ و جلّ فقد أحبّ إبراهيم عليه السّلام حبّا كاملا خالصا من كلّ نقص. و على أي حال فإنّ الخلّة و الحبّ أمران وجدانيان لم يكد يظهر إلاّ للعارف المتألّه الّذي بذل نفسه و نفيسة للّه تعالى، و لم تكن إرادة له إلاّ ما يريده عزّ و جلّ ، كما عرف بذلك خليل اللّه تعالى، و للخليل منزلة عظيمة إلاّ أنّها لا تصل الى منزلة الحبيب، كما تقدّم في الآيات السابقة المناسبة للمقام و سيأتي مزيد بيان في البحث العرفاني.

و الخليل: فعيل بمعنى المفعول، كالحبيب الّذي هو بمعنى المحبوب.

قوله تعالى: وَ لِلّهِ ما فِي اَلسَّماواتِ وَ ما فِي اَلْأَرْضِ .

تعليل لما ذكره عزّ و جلّ في الآية الكريمة السابقة، أي: أنّ اللّه تعالى مالك لجميع ما في السموات و ما في الأرض، و أنّ جميع الموجودات له تعالى خلفا و أمرا و ملكا، فلا يخرج عن ملكه و ملكوته شيء، فلا بدّ أن تكون عمل الصالحات له و هو يختار من عباده من يشاء و يصطفيه بمحض مشيئته، كما اختار إبراهيم عليه السّلام و جعله خليلا، و أنّ اختياره لم يكن لأجل حاجة و افتقار كما في الخلّة بين الناس، فإنّها قائمة على الفقر و الحاجة بين الطرفين، و اللّه تعالى منزّه عنهما.

ص: 318

و الآية الشريفة تدلّ على أنّ جميع ما سواه محتاج إليه عزّ و جلّ ، و هو مستغن عنها، كما ثبت ذلك أيضا بالبراهين العقليّة.

قوله تعالى: وَ كانَ اَللّهُ بِكُلِّ شَيْ ءٍ مُحِيطاً .

أي: أنّ الأشياء كلّها مسخّرة تحت إرادته و قهّاريته، و هو محيط بها إحاطة علم و قدرة و تدبير و قهر و غلبة، فهو محيط بأفعال عباده و سيجازيهم بها جزاء تامّا.

و الآية الكريمة دليل على أنّه وحده المستحقّ للعبادة، و إسلام الوجه إليه على كلّ حال، و هذا هو الدين، لا ما يذكره أهل التمنّي و الأهواء الباطلة، و في الآية المباركة التذكير بقدرته تعالى على إنجاز وعده و وعيده.

ص: 319

بحوث المقام

بحث أدبي:

اسم (ليس) في قوله تعالى: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ مستتر فيها يعود على الوعد بالمعنى المصدري، أو الموعود المستفاد من سياق الآية الشريفة، فهو قسم من الاستخدام الّذي هو من الأساليب البديعيّة المعروفة و من المحسنات في الكلام.

و الباء في قوله تعالى: بِأَمانِيِّكُمْ قيل: إنّها زائدة، و الحقّ أنّها مثل الباء في قولهم: (زيد بالباب)، لم تكن زائدة.

و الأماني في الموضعين بتشديد الياء، و قرأ بعضهم بتخفيف الياء فيهما معا.

و قوله تعالى: وَ لا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اَللّهِ بالجزم عطفا على قوله تعالى:

يُجْزَ بِهِ ، و قرأ بعضهم بالرفع استئنافا.

و (من) الجارّة في قوله تعالى: وَ مَنْ يَعْمَلْ مِنَ اَلصّالِحاتِ تبعيضيّة، و هي الموافقة لكرمه وسعة رحمته عزّ و جلّ ، و قيل: إنّها زائدة، و لكنّه ليس بشيء لما عرفت غير مرّة أنّه لا معنى للزيادة في القرآن الكريم.

و قوله تعالى: فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ إشارة إلى من اتّصف بالعمل الصالح، و الجمع باعتبار معناها، و الإشارة بالبعيد لأجل علو مقامهم و بعد منزلتهم، و المعروف قراءة «يدخلون» مبنيا للمعلوم من دخل، و قرأ بعضهم مبنيا للمفعول من الإدخال.

و (دينا) في قوله تعالى: وَ مَنْ أَحْسَنُ دِيناً منصوب على التمييز من (أحسن) منقول من المبتدأ، أي: و من دينه أحسن من دين من أسلم.

وَ هُوَ مُحْسِنٌ مبتدأ و خبر، و الجملة في موضع الحال، و حَنِيفاً حال من إبراهيم أو من فاعل اِتَّبَعَ .

ص: 320

و جملة وَ اِتَّخَذَ اَللّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً قيل: إنّها حاليّة بتقدير «قد»، و قيل:

إنّها عطف على حَنِيفاً ، و قيل: إنّها عطف على مَنْ أَحْسَنُ ، و الحقّ أنّها جملة بيانيّة مستقلّة متضمّنة لتعليل ما سبق.

بحث دلالي:
اشارة

تدلّ الآيات المباركة على أمور:

الأوّل:

يستفاد من ترتّب قوله تعالى: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَ لا أَمانِيِّ أَهْلِ اَلْكِتابِ على قوله تعالى: يَعِدُهُمْ وَ يُمَنِّيهِمْ وَ ما يَعِدُهُمُ اَلشَّيْطانُ إِلاّ غُرُوراً أنّ هذه الأماني من غرور الشيطان و أمانيه، الّتي تضرّ بحال الإنسان و تصدّه عن نيل الكمال و البلوغ إلى مقام القرب و تحصيل السعادة.

الثاني:

يدلّ قوله تعالى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ على أنّ الجزاء مترتّب على العمل كترتّب المعلول على العلّة التامّة بحسب سنّة اللّه تعالى: فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اَللّهِ تَبْدِيلاً [سورة فاطر، الآية: 43]، و عمومه يشمل كلّ جزاء، سواء كان في الدنيا أو في الآخرة، و سواء كان الجزاء حكما شرعيّا أو لم يكن كذلك، و هو يدلّ أيضا على أنّ ما يصيب الإنسان من السوء في الدارين إنّما يكون من سوء فعله، و تدلّ عليه جملة من الروايات الآتية في البحث الروائي. و ذكرنا أنّ إطلاق السوء يشمل حتّى السيئات العرفية و مساوئ الأخلاق، فضلا عن المحرّمات الإلهيّة و المعاصي و المنكرات.

الثالث:

يدلّ قوله تعالى: يُجْزَ بِهِ أنّ الجزاء يترتّب على فعله، بلا فرق بين أن يكون متوجّها إلى نفسه أو إلى من يتعلّق به، فما يصيب الأطفال و الأعقاب إنّما يكون نتيجة فعل الآباء و الأجداد، و تدلّ عليه جملة من الروايات ذكرنا بعضها في المباحث السابقة، و في ذلك حكم كثيرة لعلّنا نتعرّض لها في مستقبل الكلام بعد

ص: 321

فسحة الحال و رفع الشدائد الّتي توجّهت على المؤمنين من ظالم غاشم، نسأل اللّه تعالى الفرج بحوله و قوّته جلّ شأنه.

الرابع:

يدلّ قوله تعالى: وَ مَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ على أنّ صرف العبد نفسه بكلّيتها للّه تعالى و تسليمها إليه، بحيث يعرض عن الأغيار حتّى صار مشاهدا للجمع في عين التفصيل - من أعلى المراتب الّتي يمكن أن يبلغها البشر، و بها يستعد أن يصل إلى مقام الخلّة، و لا يمكن الحصول عليه إلاّ باتّباع ملّة إبراهيم عليه السّلام الّذي حاز على هذا الوسام الإلهي لاجتيازه كلّ تلك المراحل الّتي يأتي بيانها.

بحث روائي:

عن علي بن إبراهيم في قوله تعالى: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَ لا أَمانِيِّ أَهْلِ اَلْكِتابِ يعني: «ليس ما تتمنّون أنتم و لا أماني أهل الكتاب أن لا تعذّبوا بأفعالكم».

أقول: الروايات في ذلك كثيرة من الفريقين، و المستفاد منها أنّ العذاب و الثواب لا يكونان إلاّ على الكفر أو الإيمان و العمل الصالح كما مرّ، و ليس لأحد التحدّي في سلطانه تعالى، و أنّه ليس لأحد و لا لأمّة التقرّب عنده عزّ اسمه إلاّ بالتقوى، فما قالته قريش: لا نبعث و لا نحاسب، و ما قالته اليهود و النصارى: لَنْ يَدْخُلَ اَلْجَنَّةَ إِلاّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى [سورة البقرة، الآية: 111]، أو: لَنْ تَمَسَّنَا اَلنّارُ إِلاّ أَيّاماً مَعْدُودَةً [سورة البقرة، الآية: 80]، كلّها مجرّد أوهام لا واقع لها، بل هو يعذّبكم و يثيبكم بأفعالكم و أعمالكم، و أنّ الإيمان ليس بالتحلّي و لا بالتمنّي، و إنّما الإيمان ما وقر في القلب و صدقه العمل كما تقدّم، و أنّ التمنيات من سبل الشيطان فلا بدّ من نبذها.

ص: 322

و في الدرّ المنثور عن أبي صالح قال: «جلس أناس من أهل التوراة و أهل الإنجيل و أهل الإيمان، فقال هؤلاء: نحن أفضل منكم، و قال هؤلاء: نحن أفضل، فقال اللّه: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَ لا أَمانِيِّ أَهْلِ اَلْكِتابِ ، ثمّ خصّ اللّه أهل الإيمان فقال: وَ مَنْ يَعْمَلْ مِنَ اَلصّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ اَلْجَنّ