الجواهر الفخریه فی شرح الروضه البهیه المجلد 1

اشارة

سرشناسه:وجدانی فرخ، قدرت الله، 1375 - 1311، شارح

عنوان و نام پديدآور:الجواهر الفخریه فی شرح الروضه البهیه/ تالیف قدره الله الوجدانی فخر

مشخصات نشر: الأمیرة لطّباعَة وَالنَّشر وَالتّوزیع - بیروت - لبنان

مشخصات ظاهری: 16ج

يادداشت:کتاب حاضر شرحی است بر "الروضه البهیه..." شهید ثانی، که خود شرحی است بر "اللمعه الدمشقیه... شهید اول"

يادداشت:عربی

عنوان دیگر:اللمعه الدمشقیه. شرح

عنوان دیگر:الروضه البهیه فی شرح اللمعه الدمشقیه. شرح

موضوع:شهید اول محمدبن مکی، 786 - 734ق. اللمعه الدمشقیه -- نقد و تفسیر

شهید ثانی، زین الدین بن علی، 966 - 911ق. الروضه البهیه فی شرح اللمعه الدمشقیه -- نقد و تفسیر

فقه جعفری -- قرن ق 8

شناسه افزوده:شهید اول، محمدبن مکی، 786 - 734ق. اللمعه الدمشقیه. شرح

شناسه افزوده:شهید ثانی، زین الدین بن علی، 966 - 911ق. الروضه البهیه فی شرح اللمعه الدمشقیه. شرح

ص: 1

اشارة

حقوق الطبع محفوظة

الطبعة الأولی

1431 ه - 2010م

الأمیرة لطّباعَة وَالنَّشر وَالتّوزیع - بیروت - لبنان

هاتف 946161 / 03 - 115425 / 02 - تلفاکس: 4715510 / 01

http://www.Dar-Alamira.com

E-mail:info@dar-alamira.com

ص: 2

الجواهر الفخریه فی شرح الروضه البهیه

تالیف قدره الله الوجدانی فخر

الجزء الأول

الطهارة

ص: 3

بسم الله الرحمن الرحیم

ص: 4

المقدمات

نبذة من حياة المؤلّف قدّس سرّه

اسمه

هو المحقّق الجليل و الاستاذ النبيل سماحة آية اللّه الشيخ قدرة اللّه بن سيف اللّه بن عليّ بن حمزة الوجدانيّ فخر عفا اللّه عنهم، من أبرز مدرّسي الحوزة العلميّة بقم المشرّفة.

مولده

ولد في قرية «جهيزدان» من قرى مدينة سراب من مدن آذربيجان الإيرانيّة، و ذلك في سنة ألف و ثلاثمائة و إحدى عشرة الهجريّة الشمسيّة على مهاجرها آلاف التحيّة و السلام.

دراساته العلميّة

عند ما ناهز عمره الرابعة عشر و هو في عنفوان شبابه قرأ مبادئ العربيّة في قرية «اسبفروشان» عند الشيخ عبد العليّ و الشيخ يوسف رحمهما اللّه، ثمّ سافر إلى سراب و درس هناك المقدّمات عند حجّتي الإسلام الشيخ عبد اللّه الحقّيّ و الشيخ حسين المحدّثيّ رحمهما اللّه.

ثمّ سافر إلى مدينة تبريز و أقام فيها قليلا، حيث درس هناك شرح اللمعة عند شيوخها المعروفين آنذاك.

و في سنة 1327 ه. ش. سافر إلى مدينة قم المقدّسة و هو في سنّ السادسة عشر، و أخذ في قراءة السطوح عند آية اللّه العظمى المرعشيّ النجفيّ و آية اللّه الشهيد الصدوقيّ و آية اللّه السلطانيّ و حجّة الإسلام و المسلمين المجاهديّ - قدّس اللّه أسرارهم.

ص: 5

كما و درس شرح المنظومة في المنطق و الحكمة و الأسفار أيضا عند الإمام الخمينيّ و العلاّمة الطباطبائيّ - قدّس اللّه نفسهما الزكيّة.

ثمّ بدأ بدروس خارج الفقه و الاصول عند آيات اللّه العظام: السيّد محمّد الحجّة الكوه كمريّ (مؤسّس المدرسة الحجّتيّة) و السيّد حسين البروجرديّ - أعلى اللّه مقامهما - ثمّ أدام درس خارج الفقه و الاصول عند آية اللّه الشيخ عبد النبيّ النجفيّ العراقيّ (أبي زوجته) و الإمام الخمينيّ و المحقّق الداماد و آية اللّه العظمى الشيخ محمّد عليّ الأراكيّ و غيرهم من فطاحل الحوزة العلميّة - أعلى اللّه درجاتهم.

إجازاته الاجتهاديّة

و قد حصل على إجازة الاجتهاد من أيدي الآيات العظام: الشيخ عبد النبيّ النجفيّ العراقيّ و السيّد المرعشيّ النجفيّ و السيّد أبي القاسم الكاشانيّ و بعض مشايخه الأعلام - رضوان اللّه تعالى عليهم -، و هذه الإجازات كلّها موجودة بخطّهم و إمضائهم عند أسرة المترجم له.

إجازاته الروائيّة

و قد حصل على إجازة الرواية المتّصلة بالسند من العلاّمة الشيخ عبد النبيّ العراقيّ و السيّد المرعشيّ النجفيّ و السيّد الگلپايگانيّ و الشيخ الأراكيّ و السيّد الحكيم و السيّد الخوئيّ و جمع من الأعاظم و الأعلام - رفع اللّه درجاتهم -، و كلّها محفوظة بخطّهم و إمضائهم عند أسرة المترجم له.

تدريسه

لا يخفى أنّ المترجم له قدّس سرّه قد اشتغل بالتدريس منذ أن بدأ بتحصيل العلوم - من مبادئ العربيّة إلى نهاية السطوح و تمامها - و كان تدريسه لبعض الكتب الدراسيّة في

ص: 6

الحوزة العلميّة بقم مرّات عديدة بعد تدريس المقدّمات، و هي كالآتي:

1 - درّس شرح المنظومة في المنطق و الحكمة للمحقّق السبزواريّ رحمه اللّه حوالي خمس مرّات لجمع غفير من الطلاّب في الحرم المطهّر للسيّدة المعصومة - سلام اللّه عليها.

2 - درّس شرح اللمعة الدمشقيّة حوالي اثنتين و عشرين مرّة في حسينيّة آية اللّه العظمى السيّد المرعشيّ النجفيّ قدّس سرّه.

هذا و قد نذر - رحمه اللّه -، - بعد ما عرض له مرض عضال و صعب العلاج قبل ثلاث و أربعين سنة - على نفسه أنّه لو برئ من مرضه و شفاه اللّه تعالى أن لا يترك تدريس شرح اللمعة الدمشقيّة في الحوزات العلميّة جهد الإمكان، و قد شفاه اللّه سبحانه من مرضه الشديد بعد أن استمرّ على زيارة السيّدة المعصومة بقم المشرّفة و توسّل بها.

هذا و قد كان مجلسه يغصّ بالطلاّب الأفاضل حيث تجاوز السبعمائة نفر، و لم يترك تدريس شرح اللمعة من قبل ثلاث و أربعين سنة لحدّ ارتحاله إلى جوار رحمة ربّه.

3 - درّس كتابي فرائد الاصول (الرسائل) و المكاسب ما يقرب عشر مرّات، و ذلك في المسجد الأعظم بقم المقدّسة.

4 - درّس كتاب الكفاية حوالي خمس مرّات أيضا في المسجد الأعظم.

5 - درّس كتاب تجريد الاعتقاد مرّات عديدة.

6 - درّس خارج القضاء و بعض أبواب الفقه في جلسات خاصّة.

مؤلّفاته

1 - الجواهر الفخريّة في شرح الروضة البهيّة (في ستّة عشر مجلّدا).

2 - تقريرات درس استاذه الشيخ عبد النبيّ العراقيّ قدّس سرّه.

3 - وظائف المكلّفين (في الاصول و الفروع من الدين).

4 - الإيضاح (في النكاح و الطلاق).

ص: 7

5 - رسالة في قاعدة لا ضرر.

6 - الأنوار المنطقيّة.

7 - رسالته العمليّة.

8 - آداب معاشرت در اسلام.

9 - اجتهاد در اسلام.

10 - كار و كوشش.

وفاته

توفّي - رحمه اللّه - في عشّ آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله قم المقدّسة، و ارتحل إلى جوار رحمة ربّه - عزّ اسمه - في غرّة ربيع الثاني صبيحة يوم السبت من سنة 1417 الهجريّة القمريّة مطابقا لليوم السابع و العشرين من شهر «مرداد» من سنة 1375 الهجريّة الشمسيّة، و دفن في حرم السيّدة المعصومة - سلام اللّه عليها.

و في الختام نسأل اللّه تعالى أن يغفر له و أن ينفع الطلاّب و الأفاضل بتراثه العلميّة، آمين، و صلّى اللّه على سيّدنا محمّد و آله الطاهرين.

اسرة المؤلّف قدّس سرّه

ص: 8

صورة

ص: 9

صورة

ص: 10

الإهداء

إلى مواليّ و قادتي و شفعائي الذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا.

إلى الذين قال فيهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «إنّما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا و من تخلّف عنها هلك».

إلى الذين قيل فيهم:

هم الأئمّة بعد المصطفى و هم*** من اهتدى بالهدى و الناس ضلال

و إنّهم خير من يمشي على قدم*** و هم لأحمد أهل البيت و الآل

إلى الذين يصل العبد باتّباعهم إلى السعادة الأبديّة و يتخلّص من الشقاوة السرمديّة.

إلى الأنوار البهيّة و الكمالات القدسيّة اهدي أعلى مجهودي الضئيل و عملي القليل راجيا منه سبحانه و تعالى حسن القبول و هو غاية المأمول.

«المؤلّف»

ص: 11

ص: 12

مقدّمة المؤلّف قدّس سرّه

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (1) الحمد للّه، و الصلاة و السلام على رسول اللّه، و على آله آل اللّه، و اللعن الدائم على أعدائهم أعداء اللّه إلى يوم لقاء اللّه.

و بعد، فيقول العبد الفقير إلى رحمة ربّه الغنيّ، قدرة اللّه بن سيف اللّه الوجدانيّ فخر غفر اللّه له و لوالديه: هذا شرح مبسوط على كتاب «اللمعة الدمشقيّة» و شرحه «الروضة البهيّة» للشهيدين السعيدين كتبته إجابة لرغبة بعض إخواني المؤمنين فيه.

و ها أنا ذا باسط كفّ السؤال إلى من لا تخيب لديه الآمال أن يوفّقني لإتمام ما أرجوه و يرزقني إكماله على أحسن الوجوه راجيا بذلك عظيم الثواب و جزيل الأجر يوم يقوم فيه الحساب، و أسأله أن يجعلني ممّن تزوّد في يومه لغده من قبل أن يخرج الأمر من يده، و أن يعصمني عن مظانّ الزلل في القول و العمل، إنّه القادر على ما يشاء و بيده أزمّة الأشياء، لا نبتغي غيره و لا نرجو إلاّ خيره، آمين، و آخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين.

ص: 13


1- سوره 1 - آیه 1

ص: 14

شرح خطبة الروضة البهيّة

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (1) الحمد (1)....

**********

شرح:

شرح خطبة الروضة البهيّة (1)الحمد مصدر من حمده حمدا: أثنى عليه، و الفرق بين حمد و شكر أنّ الشكر لا يكون إلاّ ثناء ليد، و الحمد قد يكون شكرا للصنيعة و يكون ابتداء للثناء (أقرب الموارد).

أقول: «الحمد» في قوله «الحمد للّه» هو الوصف بالجميل الاختياريّ على قصد التعظيم، و متعلّقه النعمة الواصلة إلى الشاكر و غيرها، و متعلّق الشكر النعمة الواصلة إلى الشاكر.

و المدح يستعمل في الوصف بالجميل غير الاختياريّ مثل مدح اللؤلؤ لما فيه من الوصف غير الاختياريّ.

إيضاح: الفرق بين الحمد و الشكر و المدح أنّ الحمد هو الثناء و الوصف بالجميل الاختياري بقصد التعظيم بلا فرق بين أن يصل الحامد نعمة من المحمود أم لا، مثل قولنا: الحمد للّه تعالى؛ لكونه أهلا للثناء الجميل بلا التفات إلى وصول النعمة منه إلينا و عدمه، و الشكر هو الثناء الجميل بما أولاه من المعروف، سواء كان باللسان أم بالقلب، و المدح هو الثناء الجميل بالصفات الجميلة في الممدوح، خلقة كانت كما

ص: 15


1- سوره 1 - آیه 1

للّه (1) الذي....

**********

شرح:

في مثل اللؤلؤ أو اختياريّة، فلذا كان المدح أعمّ من الحمد، كما أنّ الحمد أعمّ من الشكر.

* و في بعض الكتب الأدبيّة: الحمد هو الذي يستعمل بعد الإحسان خاصّة، و المدح يستعمل قبل الإحسان و بعده، و الشكر أخصّ منهما، لأنّه لا يستعمل إلاّ في النعمة.

قال بعض الأدباء: إنّ جملة «الحمد للّه» كانت في الأصل «حمدت حمدا للّه»، فحذف الفعل و أقيم «حمدا» - و هو مفعول مطلق - مقام الفعل، و بعد دخول لام التعريف صار مرفوعا للابتداء، لتبدّل الجملة الفعليّة إلى الاسميّة، لدلالتها على الدوام و الثبات، و ليس المقصود من الجملة الاسميّة أنّ مفادها هو الإخبار، بل هو إنشاء الحمد للّه تعالى.

(1)اللّه: اسم بارئ الوجود أصله «إلاه» فدخلته «ال» فحذفت الهمزة تخفيفا.

الإله: المعبود مطلقا بحقّ أو بباطل، لأنّ الأسماء تتبع الاعتقاد لا ما عليه الشيء في نفسه (أقرب الموارد).

* من حواشي الكتاب: و اللّه اسم للذات الواجب الوجود الخالق لكلّ شيء، و هو جزئيّ حقيقيّ لا كلّيّ انحصر في فرد، و إلاّ لما أفاد قولنا: «لا إله إلاّ اللّه» التوحيد، لأنّ المفهوم الكلّيّ من حيث هو محتمل للكثرة.

و عورض بقوله تعالى: قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ (1) ، فإنّ اللّه لو كان جزئيّا حقيقيّا لما حسن الإخبار عنه بالأحديّة، للزوم التكرار.

و يجاب بأنّ الجزئيّ إنّما ينفي الكثرة الخارجيّة و التعداد الذاتيّ كزيد مثلا و هو مرادف للواحد، فليس فيه منع إلاّ نفي الشريك المماثل، مع جواز الكثرة بحسب أجزائه و صفاته، بخلاف الأحد، فإنّه يقتضي نفي التكثّر و التعداد فيه مطلقا حتّى في الصفات، لأنّها اعتبارات و نسب لا وجود لها في الخارج، كما قال عليّ عليه السّلام: «كمال

ص: 16


1- سوره 112 - آیه 1

شرح (1) صدورنا بلمعة (2) من شرائع الإسلام........

**********

شرح:

الإخلاص له نفي الصفات عنه»... إلخ (شرح الإرشاد).

و في كتاب حاشية المولى عبد اللّه بن شهاب الدين حسين اليزديّ الشاه آباديّ:

اللّه علم على الأصحّ للذات الواجب الوجود المستجمع لجميع صفات الكمال، و لدلالته على هذا الاستجماع صار الكلام في قوّة أن يقال: الحمد مطلقا منحصر في حقّ من هو مستجمع لجميع صفات الكمالات من حيث هو كذلك... إلخ.

و بعبارة اخرى: إنّ قوله «الحمد للّه» كأنّ تعليق الحكم بوصف مشعر بالعلّيّة، بمعنى أنّ اللّه تعالى مستجمع لجميع صفات الكمال، فكلّ الحمد يليق به لا بغيره.

(1)من شرح الغامض: كشفه و فسّره و بيّنه، و - الكلام: فهّمه (أقرب الموارد).

و إتيانه للإشارة إلى شرح كتاب اللمعة الدمشقيّة.

و اعلم أنّ الشارح رحمه اللّه استعمل في خطبة الكتاب ألفاظا يشير بها إلى الكتب المعتبرة لدى فقهاء الشيعة أو الشارح و المصنّف رحمهما اللّه و سيذكر مطالب منها خلال شرحه هذا من غير اختلال نظم عبارته و لا اختفاء معناه، و قد يقال في الكتب الأدبيّة لهذا الدأب: «براعة الاستهلال».

براعة الاستهلال عند البيانيّين: حسن ابتداء القصيدة (المنجد).

و المراد من هذه الصنعة الأدبيّة هو ذكر ألفاظ في ديباجة الكتاب أمام المقصود لارتباطها به.

فلا يخفى الارتباط بين الألفاظ المستعملة في الخطبة بما يشار بها إليه من أسماء الكتب المعتبرة المنقولة منها المطالب في مطاوي الشرح.

(2)من لمع لمعا و لمعانا و لموعا و لميعا و تلمّاعا البرق و غيره: أضاء (المنجد).

اللمعة: البقعة من الأرض ذات الكلأ إذا يبست و صار لها بياض، و استعيرت هنا لجملة من الأحكام الشرعيّة المذكورة.

ص: 17

..........

**********

شرح:

و حاصل معنى العبارة هو الحمد للّه الذي فتح و وسّع صدورنا بضياء لمعة مضيئة، و هي المطالب المذكورة في متن الكتاب، و الباء في قوله «بلمعة» للسببيّة.

إيضاح قوله «بلمعة» إشارة إلى كتاب اللمعة الدمشقيّة.

قوله «شرائع الإسلام» إشارة إلى كتاب الشرائع للمحقّق الحلّيّ رحمه اللّه.

قوله «كافية» إشارة إلى كتاب الكافي لأبي الصلاح رحمه اللّه.

قوله «بيان» إشارة إلى كتاب البيان للشهيد الأوّل رحمه اللّه.

قوله «لوامع» إشارة إلى كتاب اللوامع لأبي الصلاح رحمه اللّه.

قوله «دروس» إشارة إلى كتاب الدروس للشهيد الأوّل رحمه اللّه.

قوله «تذكرة» إشارة إلى كتاب التذكرة للعلاّمة الحلّيّ رحمه اللّه.

قوله «ذكرى» إشارة إلى كتاب الذكرى للشهيد الأوّل رحمه اللّه.

قوله «منتهى» إشارة إلى كتاب المنتهى للعلاّمة الحلّيّ رحمه اللّه.

قوله «نهاية» إشارة إلى كتاب النهاية للشيخ الطوسيّ رحمه اللّه.

قوله «الإرشاد» إشارة إلى كتاب الإرشاد للعلاّمة الحلّيّ رحمه اللّه.

قوله «غاية المراد» إشارة إلى كتاب غاية المراد للشهيد الثاني رحمه اللّه.

قوله «لتحرير» إشارة إلى كتاب التحرير للعلاّمة الحلّيّ رحمه اللّه.

قوله «قواعد» إشارة إلى كتاب القواعد للعلاّمة الحلّيّ رحمه اللّه.

قوله «تهذيب» إشارة إلى كتاب التهذيب للشيخ الطوسيّ رحمه اللّه.

قوله «مدارك» إشارة إلى كتاب المدارك للسيّد محمّد العامليّ رحمه اللّه.

قوله «الكامل» إشارة إلى كتاب الكامل لابن البرّاج رحمه اللّه.

ص: 18

كافية (1) في بيان الخطاب، و نوّر قلوبنا من لوامع (2) دروس الأحكام بما فيه (3) تذكرة (4) و ذكرى (5) لاولي الألباب، و كرّمنا بقبول منتهى نهاية الإرشاد و غاية المراد في المعاش و المآب (6)، و الصلاة على من ارسل لتحرير (7) قواعد (8) الدين........

**********

شرح:

قوله «الجامع» إشارة إلى كتاب الجامع ليحيى بن سعيد الحلبيّ رحمه اللّه.

قوله «سرائر» إشارة إلى كتاب السرائر لابن إدريس رحمه اللّه.

قوله «الاستبصار» إشارة إلى كتاب الاستبصار للشيخ الطوسيّ رحمه اللّه.

و لا يخفى مهارته في استعمال الألفاظ الدالّة على الكتب المذكورة بلا اختلال نظم الكلام و لا قصور بيان المطالب.

(1)بالجرّ، صفة لقوله «بلمعة».

و المراد من «الخطاب» هو الخطابات الشرعيّة الصادرة عن الشارع المقدّس.

(2)جمع، مفرده اللامعة.

(3)الضمير في قوله «فيه» برجع إلى الخطاب. يعني أنّ اللّه تعالى نوّر قلوبنا بما يكون في خطاباته من التذكرة و الذكرى.

(4)التذكرة: ما تستذكر به الحاجة (أقرب الموارد).

(5)الذكرى - بالكسر -: اسم للإذكار و التذكير (أقرب الموارد).

(6)المآب: المرجع و المنقلب، و منه طُوبى لَهُمْ وَ حُسْنُ مَآبٍ (1) ، (أقرب الموارد).

و المراد من «المعاش» هو أمر الدنيا، و من «المآب» هو أمر الآخرة.

(7)من حرّر الكتاب و غيره: قوّمه و حسّنه و خلّصه بإقامة حروفه و إصلاح سقطه (أقرب الموارد).

(8)جمع، مفرده القاعدة من البيت: أساسه (المنجد).

ص: 19


1- سوره 13 - آیه 29

و تهذيب (1) مدارك الصواب، محمّد الكامل في مقام الفخار (2) الجامع من سرائر الاستبصار للعجب العجاب (3)، و على آله الأئمّة النجباء و أصحابه الأجلّة الأتقياء خير آل (4) و أصحاب (5)، و نسألك اللّهمّ أن تنوّر قلوبنا بأنوار هدايتك، و تلحظ وجودنا بعين عنايتك (6)، إنّك أنت الوهّاب.

**********

شرح:

الدين: اسم لجميع ما يعبد به اللّه (أقرب الموارد).

يعني أنّي أنشئ الصلاة على شخص أرسله اللّه تعالى لتقويم أساس ما يعبد به اللّه و لتخليص قواعد دينه.

(1)بالجرّ، عطف على مدخول اللام الجارّة في قوله «لتحرير».

(2)مصدر من فخر فخرا و فخارا: تمدّح بالخصال و باهى بالمناقب و المكارم من حسب و نسب و غير ذلك (أقرب الموارد).

(3)العجاب - بالضمّ -: ما جاوز حدّ التعجّب، أمر عجب و عجاب و عجّاب للمبالغة: أي يتعجّب منه، و عجب عجاب» مبالغة (أقرب الموارد).

(4)آل الرجل: أهله، و لا يستعمل إلاّ فيما فيه شرف، و لا يقال: آل الحائك، بل يقال:

أهله (أقرب الموارد).

يعني أنّي أصلّي على محمّد و على آله الذين هم الأئمّة النجباء، و بمثل هذا تفسّر الصلاة في قولنا: «اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد».

و لا يراد من أهل النبيّ إلاّ الذين هم الأئمّة النجباء لا كلّ من يعدّ أهلا له، فلا تشمل الصلاة إلاّ المعصومين من آل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله كما قال بعض أهل الخبرة و الفنّ، أو تشمل الذين لم يفسقوا من المنسوبين إليه.

(5)جمع الصاحب: المعاشر و الملازم، و لا يقال إلاّ لمن كثرت ملازمته (المنجد).

(6)يعني نسألك اللّهمّ أن تنظر إلى وجودنا بتفضّلك الموجود في عنايتك الخاصّة.

ص: 20

و بعد (1) فهذه (2) تعليقة (3) لطيفة و فوائد خفيفة أضفتها إلى المختصر الشريف (4) و المؤلّف المنيف (5) المشتمل على أمّهات (6) المطالب الشرعيّة الموسوم ب: «اللمعة الدمشقيّة» (7) من مصنّفات شيخنا و إمامنا المحقّق البدل (8) النحرير (9) المدقّق الجامع بين منقبتي العلم و السعادة و مرتبتي العمل و الشهادة الإمام السعيد أبي عبد اللّه (10) الشهيد محمّد بن مكّيّ أعلى

**********

شرح:

(1)بعد: ظرف زمان ضدّ قبل يلزم الإضافة، فإن قطع عنها بني على الضمّ أو نصب منوّنا، فيقال: «بعد و بعدا و من بعد»، (المنجد).

و المراد هنا بعد الحمد و الصلاة، فهو مبنيّ على الضمّ.

(2) «هذه» تكون للإشارة إلى المفرد القريب المؤنّث و الهاء فيها تكون للتنبيه، و «ذاك» تكون للإشارة إلى المتوسّط و الكاف فيها تكون للخطاب، و ذلك تكون للإشارة إلى البعيد و اللام فيها تكون للبعيد و الكاف فيها تكون للخطاب.

(3)التعليقة: ما علّق على حاشية الكتاب من شرح و نحوه، ج تعاليق (أقرب الموارد).

(4)المراد من «المختصر الشريف» هو كتاب اللمعة الدمشقيّة للشهيد الأوّل.

(5)أي العالي من حيث المقام.

(6)قوله «أمّهات» جمع، مفرده الأمّ، و المراد منها هنا الامور المهمّة من الشرع.

أمّ الشيء: أصله (أقرب الموارد).

(7)دمشق كدمقس و بكسرتين: عاصمة الشام، سمّيت باسم بانيها دمشاق بن كنعان، و النسبة إليها دمشقيّ (أقرب الموارد).

(8)البدل و البدل و البديل ج أبدال و بدلاء: الكريم، الشريف (المنجد).

(9)النحرير: الحاذق الفطن العاقل، و قيل: العالم بالشيء المجرّب، بمعنى أنّه ينحر العلم نحرا (المنجد).

(10)هذا الاسم هو كنية للشهيد، و الاسم إذا صدّر بلفظ الأب أو الابن أو الامّ أو البنت

ص: 21

اللّه درجته كما شرّف خاتمته، جعلتها (1) جارية له مجرى الشرح الفاتح لمغلقه و المقيّد لمطلقه و المتمّم لفوائده و المهذّب (2) لقواعده ينتفع به المبتدي و يستمدّ به المتوسّط و المنتهي (3)، تقرّبت بوضعه إلى ربّ الأرباب و أجبت به ملتمس (4) بعض فضلاء الأصحاب أيّدهم اللّه تعالى بمعونته و وفّقهم لطاعته، اقتصرت فيه على بحت (5) الفوائد، و جعلتهما ككتاب واحد، و سمّيته: «الروضة البهيّة البهيّة (6) في شرح اللمعة الدمشقيّة»

**********

شرح:

عبّر عنه بالكنية، و اسمه محمّد بن جمال الدين مكّيّ بن الشيخ شمس الدين محمّد.

(1)الضمير الملفوظ الثاني في قوله «جعلتها» يرجع إلى التعليقة. يعني أنّ التعليقة تجري مجرى الشرح الذي يفتح مغلقات عبارات اللمعة و يقيّد مطلقاتها.

فإنّ الشهيد الأوّل رحمه اللّه قد صنّف اللمعة في مدّة قليلة - قيل: هي سبعة أيّام - و لم يحضره من المراجع الفقهيّة غير «المختصر النافع» للمحقّق الحلّيّ رحمه اللّه، و هذا يدلّ على تسلّطه الواسع على مسائل الفقه.

و كان الشهيد رحمه اللّه في الأيّام التي يشتغل فيها بكتابة «اللمعة» يعيش مراقبا في بيته من قبل السلطة، و لذلك فقد كان يتكتّم في الكتابة، فلذلك صارت عبارات اللمعة مطلقة تحتاج إلى التقييد، أو مغلقة تحتاج إلى الفتح.

(2)بصيغة اسم الفاعل كما هو الحال في قوليه «المتمّم» و «المقيّد».

(3)بصيغة اسم الفاعل، و المراد منه هو الذي يبلغ حدّ نهاية الدروس في الفقه و يختمها، في مقابل المبتدي و المتوسّط.

(4)بصيغة اسم المفعول، منصوب، لكونه مفعولا به لقوله «أجبت».

(5)البحت: الخالص، يقال: «شراب بحت» أي غير ممزوج، «مسك بحت» أي خالص من الاختلاط بغيره (المنجد).

(6)الروضة: أرض مخضرّة بأنواع النبات (المنجد).

ص: 22

سائلا (1) من اللّه جلّ اسمه أن يكتبه (2) في صحائف الحسنات (3)، و أن يجعله وسيلة إلى رفع الدرجات، و يقرنه برضاه، و يجعله خالصا من شوب سواه، فهو (4) حسبي و نعم الوكيل.

قال المصنّف قدس اللّه لطيفه (5) و أجزل تشريفه:

شرح خطبة اللمعة الدمشقيّة

(بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (1) ) الباء (6) للملابسة..........

**********

شرح:

البهيّ و البهيّة من بها بهاء أو من بهى بهاء: حسن و ظرف، فهو بهيّ و هي بهيّة (المنجد).

و يعبّر عن قوله «الروضة البهيّة» بالفارسيّة: «باغ زيبا و ظريف».

(1)أي سمّيته كذلك و الحال أنّي سائل... إلخ.

(2)الضمائر الملفوظة في أقواله «يكتبه» و «يجعله» و «يقرنه» تعود إلى المجعول الذي يفهم من قوله «جعلتهما».

(3)المراد من «صحائف الحسنات» هي التي تكتب فيها الحسنات.

(4)الضمير في قوله «فهو» يرجع إلى اللّه تعالى.

(5)من لطف لطفا و لطافة: صغر و دقّ (ضدّ ضخم و كثف)، فهو لطيف (المنجد).

و المراد منه هنا هو الروح، لأنّه لطيف و دقيق غير ضخيم، يعني قدّس اللّه روحه.

و من هنا أخذ الشارح رحمه اللّه في شرح كلام المصنّف رحمه اللّه.

و الضميران في قوليه «لطيفه» و «تشريفه» يرجعان إلى المصنّف.

شرح خطبة اللمعة الدمشقيّة (6)يعني أنّ الباء في البسملة تكون بمعنى المصاحبة.

ص: 23


1- سوره 1 - آیه 1

و الظرف (1) مستقرّ حال من ضمير «ابتدئ الكتاب» كما في «دخلت عليه بثياب (2) السفر»، أو للاستعانة (3) و الظرف لغو كما في «كتبت بالقلم»، و

**********

شرح:

(1)و هو الظرف الذي يتعلّق به الجارّ و المجرور. يعني أنّ متعلّق الجارّ و المجرور ظرف مستقرّ و حال من ضمير فعل مقدّر هو «أبتدئ» الراجع إلى المصنّف رحمه اللّه.

* من حواشي الكتاب: الظرف المستقرّ ما استقرّ فيه عامله أي ينساق الذهن إليه من نفس الظرف من غير ذكره، عامّا كان أو خاصّا، كقولك: زيد في الدار أي حاصل فيها و زيد على الفرس أي راكب عليه، كذا ذكره السيّد الشريف.

و المشهور أنّ المستقرّ ما يكون عامله مقدّرا عامّا، و ما لا يكون كذلك يكون لغوا.

قيل: و فيه قصر الابتداء على اسم اللّه تعالى، ردّا على المشركين الذين كانوا يبتدئون بأسماء آلهتهم (حاشية أحمد رحمه اللّه).

و قوله «الظرف» مبتدأ، خبره قوله «مستقرّ» بصيغة اسم المفعول.

(2)أي مع ثياب السفر، و الثياب جمع الثوب.

(3)عطف على قوله «للملابسة». يعني أنّ الباء في البسملة تكون للاستعانة، و الظرف الذي يتعلّق به الجارّ و المجرور لغو.

* من حواشي الكتاب: اللغو ما كان متعلّقه خاصّا، سواء ذكر أم حذف، سمّي بذلك لكونه فارغا من الضمير فهو لغو، كذا ذكره جماعة من النحاة، و بذلك يظهر الفرق بين جعل الباء للملابسة و الاستعانة، لأنّ متعلّق الأوّل عامّ واجب الحذف، و الثاني خاصّ غير معيّن للحاليّة كما في مثال الكتابة (حاشية الشارح رحمه اللّه).

لا يخفى أنّ الظرف في باء الاستعانة في نحو «كتبت بالقلم» لا يكون إلاّ لغوا، لأنّ متعلّقه إمّا الفعل المذكور و الباء لإفادة معنى الاستعانة، أي كتبت باستعانة القلم أو يقدّر «مستغنيا» في الكلام، و الباء متعلّق به على التقديرين، فالظرف لغو، أمّا على الأوّل فظاهر، أمّا على الثاني فلأنّ الاستعانة ليست من الأفعال العامّة.

ص: 24

الأوّل (1) أدخل في التعظيم، و الثاني (2) لتمام الانقطاع، لإشعاره (3) بأنّ الفعل لا يتمّ بدون اسمه تعالى.

و إضافة «اسم» (4) إلى اللّه تعالى............

**********

شرح:

و أمّا باء الملابسة - و هي التي بمعنى «مع» نحو «دخلت عليه بثياب السفر» - فإن جعل متعلّقها «متلبّسا» المقدّر فالظرف مستقرّ، لكونه حالا من الامور العامّة الواجبة الحذف (حاشية جمال الدين رحمه اللّه).

(1)المراد من «الأوّل» هو كون الباء للملابسة. يعني أنّ كون الباء بمعنى المصاحبة و الملابسة أدخل في تعظيمه تعالى.

* من حواشي الكتاب: لأنّ التبرّك باسمه تعالى تأدّب معه و تعظيم، بخلاف جعله آلة، فإنّها مبتدئة و غير مقصودة بذاتها (حاشية أحمد رحمه اللّه).

و لأنّ جعل الباء للمصاحبة يشعر بأنّه لم يجعل الاسم - أعني لفظ الجلالة - واسطة و آلة للعمل كما هو الحال في جعل القلم آلة للكتابة.

(2)و هو جعل الباء للاستعانة، يعني أنّ الاحتمال الثاني أدخل، لتمام الانقطاع عن الغير و للاستعانة باللّه تعالى خاصّة في مقابل المشركين الذين كانوا يستعينون في أمورهم بآلهتهم الباطلة.

(3)الضمير في قوله «لإشعاره» يرجع إلى الثاني. يعني أنّ جعل الباء للملابسة يدلّ على أنّ الفعل لا يتمّ إلاّ بالابتداء باسمه تعالى، كما روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أنّه قال: «كلّ أمر ذي بال لم يبدأ فيه ببسم اللّه فهو أبتر».

(4)يعني أضيف لفظ «اسم» في البسملة إلى لفظ الجلالة و قيل: بسم اللّه إلى آخره و لم يقل: باسم الرحمن أو باسم الرحيم أو غيرهما من أسماء اللّه تعالى، لأنّ لفظ الجلالة علم - على الأصحّ - لذات الواجب المستجمع لجميع صفات الكمال و الجمال، أمّا سائر الأسماء و إن دلّت على ذاته تعالى و كانت من أسمائه الخاصّة أيضا إلاّ أنّها

ص: 25

دون باقي أسمائه لأنّها (1) معان و صفات.

و في التبرّك بالاسم (2) أو الاستعانة به كما ال التعظيم للمسمّى، فلا يدلّ على اتّحادهما (3)، بل ربّما دلّت الإضافة على تغايرهما.

**********

شرح:

بلحاظ معان منتزعة من أوصافه الكماليّة أو عن أفعاله، فإضافة الاسم إلى لفظ الجلالة أولى من إضافته إلى سائر الأوصاف و الأسماء.

(1)الضمير في قوله «لأنّها» يرجع إلى الأسماء.

قيل: إنّ المراد من «المعاني» هو الأوصاف الثبوتيّة مثل الحيّ و العالم و القادر، و من «الصفات» الأوصاف السلبيّة مثل عدم التركيب و الشريك و غيرهما.

(2)يعني أنّ في التبرّك في البسملة باسمه تعالى - لو قيل بكون الباء للملابسة - أو الاستعانة به - لو قيل بكون الباء للاستعانة - حصول كمال التعظيم لذاته تعالى، فقولنا: بسم اللّه تعالى - بلا حذف لفظ «اسم» - أشدّ تعظيما للّه تعالى، و لا يدلّ ذلك على اتّحاد الاسم مع المسمّى كما قال به جماعة من قدماء الأشاعرة و تبعهم على ذلك جماعة آخرون من غيرهم.

إيضاح: قال جماعة من قدماء الأشاعرة و تبعهم جماعة من غيرهم بأنّ الاسم عين المسمّى، و أقاموا على ذلك أدلّة مذكورة في الكتب الكلاميّة، و ذهبت المعتزلة إلى أنّه غيره، لوضوح المغايرة بين الاسم و المسمّى، لأنّ الاسم هو العلامة، و هي غير ذي العلامة بلا شبهة، و لأنّ إضافة الاسم إلى المسمّى تدلّ على تغايرهما، لأنّ الشيء لا يضاف إلى نفسه.

فهنا قال الشارح رحمه اللّه بأنّ في الملابسة أو الاستعانة باسم اللّه تعالى في «بسم اللّه» شدّة التعظيم للمسمّى، و هما لا تدلاّن على اتّحادهما.

(3)الضمير في قوله «اتّحادهما» يرجع إلى الاسم و المسمّى، و كذلك الضمير في قوله «تغايرهما».

ص: 26

و «الرحمن» (1) و «الرحيم» (2) اسمان بنيا للمبالغة من «رحم»، كالغضبان من «غضب» و العليم من «علم»، و الأوّل (3) أبلغ، لأنّ زيادة اللفظ تدلّ على زيادة المعنى، و مختصّ (4) به تعالى، لا لأنّه من الصفات الغالبة، لأنّه يقتضي جواز استعماله (5) في غيره تعالى بحسب الوضع و ليس كذلك، بل (6)...............

**********

شرح:

(1)الرحمن: من الأسماء الحسنى مختصّ باللّه، و هو يستعمل غالبا صفة له نحو: «بسم اللّه الرحمن الرحيم»، و قد يستعمل اسما موصوفا كقوله: اَلرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (1) ، (أقرب الموارد).

(2)الرحيم: من الأسماء الحسنى، و في الصحاح: الرحمن الرحيم اسمان مشتقّان من الرحمة، و هما بمعنى، و يجوز تكريم الاسمين إذا اختلف اشتقاقهما كما يقال: «فلان جادّ مجدّ»، (أقرب الموارد).

(3)المراد من «الأوّل» لفظ «الرحمن»، فإنّه يدلّ على المبالغة أكثر ممّا يدلّ عليها الرحيم، لأنّ زيادة المباني - كما قالوا - تدلّ على زيادة المعاني، فإنّ الحروف الملفوظة في «الرحمن» خمسة: الراء و الحاء و الميم و الألف و النون، و في «الرحيم» أربعة، و هي ما ذكر بغير الألف.

(4)يعني أنّ الرحمن اسم مختصّ باللّه تعالى، لا لكونه من صفاته الغالبة، بل لأنّ المقصود منه هو المنعم الحقيقيّ، فلا يستعمل الرحمن في غيره تعالى.

(5)الضمير في قوله «استعماله» يرجع إلى الرحمن، و في قوله «غيره» يرجع إلى اللّه.

يعني أنّ الرحمن لو كان من الصفات الغالبة جاز استعماله في غير اللّه تعالى أيضا و الحال أنّه لا يجوز استعماله في غيره تعالى.

(6)إضراب عن كون الرحمن من الصفات الغالبة. يعني أنّ معنى الرحمن هو المنعم الحقيقيّ، و ليس هو إلاّ ذاته تعالى شأنه.

ص: 27


1- سوره 20 - آیه 5

لأنّ معناه (1) المنعم الحقيقيّ البالغ (2) في الرحمة غايتها، و تعقيبه (3) بالرحيم من قبيل التتميم، فإنّه لمّا (4) دلّ على جلائل (5) النعم و اصولها ذكر الرحيم ليتناول ما خرج منها (6).

(اللّه أحمد) جمع (7) بين التسمية و التحميد في الابتداء، جريا على

**********

شرح:

(1)الضمير في قوله «معناه» يرجع إلى الرحمن.

(2)صفة اخرى لموصوف مقدّر. يعني أنّ اللّه تعالى هو المنعم الحقيقيّ البالغ إلى نهاية الرحمة و المرحمة.

و خرج بقوله «المنعم الحقيقيّ» المنعم النّسبيّ، فإنّ غير اللّه أيضا يكون منعما مثل الأب و المعلّم و المحسن إلى إنسان، لكنّهم يرجون عوض إحسانهم و إنعامهم في الدنيا أو في الآخرة، بخلاف المنعم الحقيقيّ، فإنّه ينعم بلا رجاء عوض، لا في الدنيا و لا في الآخرة.

(3)الضمير في قوله «تعقيبه» يرجع إلى الرحمن. يعني أنّ الإتيان بالرحيم بعد الرحمن إنّما هو لبيان تمام النعم.

(4)هذا تعليل للإتيان بلفظ الرحيم بعد الرحمن في البسملة، فإنّ الرحمن إنّما يدلّ على أجلّة النعم و أعظمها و اصولها، و فائدة الإتيان بالرحيم هي اشتمال البسملة على الدلالة على صغار النعم و فروعها.

(5)جمع الجليل: الثمام و هو نبت ضعيف يحشى به خصاص البيوت، قال بلال رضى اللّه عنه:

ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة*** بمكّة حولي إذخر و جليل

الواحدة جليلة ج جلائل (تاج العروس).

و قيل: هو الثّمام إذا عظم و جلّ و الجمع جلائل (لسان العرب).

(6)الضمير في قوله «منها» يرجع إلى الجلائل و الاصول.

(7)أي في قوله «بسم اللّه الرحمن الرحيم» أوّلا، و في قوله بعده «اللّه أحمد» ثانيا. يعني

ص: 28

قضيّة الأمر في كلّ أمر ذي بال (1)، فإنّ الابتداء (2) يعتبر في العرف ممتدّا من حين الأخذ في التصنيف إلى الشروع في المقصود، فيقارنه (3) التسمية و

**********

شرح:

أنّ المصنّف رحمه اللّه جمع في الخطبة المأتيّ بها في بادي الأمر بين التسمية و التحميد، عملا بما يقتضيه الأمر بالابتداء بكليهما، فإنّه ورد في رواية الابتداء بالبسملة. و في رواية اخرى الابتداء بالتحميد، فجمع المصنّف بينهما بقوليه «بسم اللّه الرحمن الرحيم» و «اللّه أحمد».

(1)الرواية منقولة في كتاب الوسائل:

الحسن بن عليّ العسكريّ في تفسيره عن آبائه عن عليّ عليه السّلام (في حديث): أنّ رجلا قال له: إن رأيت أن تعرّفني ذنبي الذي امتحنت به في هذا المجلس، فقال: تركك حين جلست أن تقول: بسم اللّه الرحمن الرحيم، إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حدّثني عن اللّه عزّ و جلّ أنّه قال: «كلّ أمر ذي بال لا يذكر بسم اللّه فيه فهو أبتر»، (الوسائل: ج 4 ص 1194 ب 17 من أبواب الذكر من كتاب الصلاة ح 4).

البال: ما يهتمّ به، يقال: «ليس هذا من بالي» أي ممّا اباليه و «أمر ذو بال» أي يهتمّ به (المنجد).

و الدليل للابتداء بالحمد ما عثرت عليه في الروايات التي تمكّنت من الرجوع إليها، لكن عن بعض المعاصرين نسبته إلى شرح التاج في آخر باب خطبة الجمعة و أنّه ادّعى كون عبارة رواية الابتداء بالحمد هكذا: «إنّ كلّ كلام لم يبدأ فيه بحمد اللّه فهو أجزم».

(2)هذا جواب عن سؤال مقدّر، و هو أنّه كيف يمكن الجمع بين الابتداء بالبسملة و بالتحميد؟

فأجاب بأنّ المعتبر هو الابتداء عرفا، و هو يصدق من حين الأخذ في التصنيف إلى الشروع في المقصود.

(3)الضمير في قوله «يقارنه» يرجع إلى الشروع. يعني فيقارن الشروع عرفا التسمية

ص: 29

التحميد و نحوهما (1)، و لهذا يقدّر الفعل المحذوف في أوائل التصانيف «أبتدئ»، سواء اعتبر الظرف مستقرّا (2) أم لغوا، لأنّ فيه (3) امتثالا للحديث لفظا و معنى، و في تقدير غيره (4) معنى فقط.

و قدّم (5) التسمية، اقتفاء لما نطق به الكتاب، و اتّفق عليه اولوا الألباب.

و ابتدأ في اللفظ باسم اللّه (6)، لمناسبة مرتبته في الوجود العينيّ، لأنّه (7)

**********

شرح:

و التحميد.

(1)أي و نحو التسمية و التحميد مثل الصلاة عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و الأئمّة المعصومين عليهم السّلام، فيصدق الابتداء بالتسمية و التحميد إذا قال قائل: بسم اللّه الرحمن الرحيم، الحمد للّه، و الصلاة على رسول اللّه و على آله الطاهرين.

(2)قد مرّ التفصيل بين الظرف المستقرّ و هو مثل كائن و حاصل و اللغو و هو غير المذكورين.

(3)الضمير في قوله «فيه» يرجع إلى الابتداء. يعني أنّ في تقدير الابتداء كذلك امتثالا للحديث المذكور لفظا و معنى.

(4)يعني أنّ في تقدير غير الابتداء - مثل أن يقدّر «الشروع» - امتثالا للحديث من حيث المعنى خاصّة.

(5)يعني أنّ المصنّف رحمه اللّه قدّم البسملة على التحميد، تبعا للقرآن الكريم، ففيه قدّم اللّه البسملة.

(6)فإنّ المصنّف ابتدأ لفظا باسم اللّه تعالى حيث قال «اللّه أحمد»، لمناسبة مرتبة اللّه من حيث الوجود العينيّ، بخلاف الوجود الذهنيّ و الكتبيّ، فإنّ اللّه تعالى مقدّم على كلّ شيء من حيث الوجود العينيّ، و حيث كان كذلك ناسب أن يكون كذلك في الوجود اللفظيّ أيضا.

(7)الضمير في قوله «لأنّه» يرجع إلى اللّه تعالى، و في قوله «فيه» يرجع إلى الوجود

ص: 30

الأوّل فيه، فناسب كون اللفظيّ و نحوه (1) كذلك.

و قدّم ما هو الأهمّ (2) و إن كان حقّه التأخير باعتبار المعموليّة، للتنبيه على إفادة الحصر على طريقة إِيّاكَ نَعْبُدُ (1) .

و نسب الحمد إليه تعالى باعتبار لفظ «اللّه» (3)، لأنّه اسم للذات المقدّسة، بخلاف باقي أسمائه تعالى، لأنّها صفات كما مرّ، و لهذا تحمل (4)

**********

شرح:

العينيّ. يعني أنّ اللّه تعالى مقدّم من حيث الوجود العينيّ، فيناسب التقدّم في الوجود الذهنيّ أيضا.

(1)المراد من نحو الوجود اللفظيّ هو الوجود الكتبيّ و الذهنيّ، فإنّ الوجود إمّا عينيّ أو ذهنيّ أو كتبيّ أو لفظيّ. و المشار إليه في قوله «كذلك» هو الأوّل و المقدّم.

(2)يعني أنّ المصنّف رحمه اللّه قدّم لفظ الجلالة في قوله «اللّه أحمد» و إن كان حقّه أن يكون متأخّرا عن الفعل العامل فيه، و هو «أحمد»، لأنّ العامل يقدّم على المعمول عادة، للإشارة إلى الانحصار الحاصل من تقديم المفعول على الفعل، فإنّ تقديم ما حقّه التأخير يفيد الحصر، كما هو الحال في قوله تعالى في سورة الحمد: إِيّاكَ نَعْبُدُ (2) ، فالحقّ من حيث القاعدة النحويّة هو أن يقال: نعبدك، فقدّم المفعول على الفعل، لإفادة الحصر.

(3)فإنّ المصنّف استعمل لفظ الجلالة في قوله «اللّه أحمد» و نسب الحمد إليه، و لم يستعمل غيره من أسماء اللّه تعالى، لأنّ لفظ الجلالة اسم لذاته المقدّسة، بخلاف غيره، فإنّ باقي الأسماء صفات أو معان، كما مرّ البحث عنه في الصفحة 26.

(4)نائب فاعله هو الضمير العائد إلى الصفات، و الضمير في قوله «عليه» يرجع إلى لفظ الجلالة. و هذا تعليل لكون لفظ الجلالة اسما للذات المقدّسة بأنّه يصحّ حمل سائر الصفات عليه و يقال: هو اللّه الرحمن الرحيم.

ص: 31


1- سوره 1 - آیه 5
2- سوره 1 - آیه 5

عليه، و لا يحمل (1) على شيء منها.

و نسبة الحمد إلى الذات (2) باعتبار وصف تشعر بعلّيّته (3).

و جعل (4) جملة الحمد فعليّة، لتجدّده حالا فحالا بحسب تجدّد المحمود عليه، و هي (5) خبريّة لفظا إنشائيّة معنى للثناء على اللّه تعالى بصفات كماله و نعوت جلاله، و ما ذكر (6) فرد من أفراده.

و لمّا كان المحمود مختارا (7) مستحقّا للحمد على الإطلاق اختار

**********

شرح:

(1)نائب فاعله هو الضمير العائد إلى لفظ الجلالة، و الضمير في قوله «منها» يرجع إلى الصفات. يعني أنّه لا يصحّ حمل لفظ الجلالة على باقي أسماء الصفات، فلا يقال:

الرحمن الرحيم هو اللّه.

(2)يعني أنّ المصنّف رحمه اللّه نسب الحمد إلى ذاته تعالى في قوله «اللّه أحمد» و لم يقل:

الرحمن - مثلا - أحمد، لأنّ تعليق الحكم على الوصف يشعر بالعلّيّة، فالمعنى هو هكذا: أحمده تعالى، لأنّه ذات مستجمعة لجميع صفات الكمال و الجلال.

(3)الضمير في قوله «بعلّيّته» يرجع إلى الوصف.

(4)فإنّ المصنّف أتى بجملة فعليّة فقال «اللّه أحمد» و لم يأت بجملة اسميّة بأن يقول:

الحمد للّه، لتجدّد الحمد في الجملة الفعليّة آنا بعد آن، و التعبير بتجدّد المحمود عليه مسامحة، لأنّ المراد من المحمود عليه هو اللّه تعالى و لا تجدّد فيه، فالتجدّد باعتبار تجدّد الحمد مجازا لا حقيقة.

(5)يعني أنّ الجملة المذكورة - أعني قوله: «اللّه أحمد» - استعملت في مقام الإنشاء، كما أنّ قول الموجب: «أنكحت» خبر يقصد منه الإنشاء.

(6)يعني أنّ الحمد المنشأ بهذا اللفظ هو فرد من أفراد إنشاء الحمد له تعالى و مصداق من مصاديق الثناء عليه، و ليس المصنّف رحمه اللّه في مقام الإخبار من الثناء الواقع.

(7)قد أوضحنا الفرق بين الحمد و المدح و الشكر في مستهلّ شرحنا لخطبة الكتاب،

ص: 32

الحمد على المدح و الشكر.

(استتماما (1) لنعمته) نصب على المفعول له، تنبيها على كونه (2) من غايات الحمد.

و المراد به (3) هنا الشكر، لأنّه (4) رأسه و أظهر أفراده (5)، و هو (6) ناظر

**********

شرح:

بأنّ المدح هو الثناء الجميل بالصفات الجميلة في الممدوح، خلقة كانت كما في مثل اللؤلؤ أو اختياريّة، و الحمد هو الوصف بالجميل الاختياريّ على قصد التعظيم، و الشكر هو الثناء الجميل بما أولاه من المعروف، سواء كان باللسان أم بالقلب.

و الحاصل أنّ اختيار الحمد على المدح لكون اللّه تعالى مختارا، و اختياره على الشكر لاختصاصه بصورة وصول النعمة إليه.

(1)مفعول له لقوله «أحمد».

(2)الضمير في قوله «كونه» يرجع إلى الاستتمام. يعني أنّ طلب إتمام النعمة هو من غايات الحمد، بمعنى أنّي أحمد اللّه تعالى لطلب إتمام نعمته حتّى يتمّ نعمته في حقّي.

(3)يعني أنّ المراد من الحمد هنا هو الشكر، و هو الذي يصدر في مقابلة وصول النعمة إلى الشاكر، كما مرّ.

(4)الضمير في قوله «لأنّه» يرجع إلى الحمد، و الضمير في قوله «رأسه» يرجع إلى الشكر. يعني أنّ الحمد و الشكر كلاهما الثناء بالجميل الاختياريّ، فيتصادقان في أوّل مراتب الحمد، فإنّ العبد لا يشكر اللّه تعالى إلاّ أن يحمده قبل الشكر.

(5)الضمير في قوله «أفراده» يرجع إلى الشكر. يعني أنّ الحمد يكون أظهر أفراد الشكر.

(6)الضمير في قوله «و هو» يرجع إلى قول المصنّف رحمه اللّه «اللّه أحمد، استتماما لنعمته».

يعني أنّ قوله ذلك ناظر إلى قوله تعالى في سورة إبراهيم، الآية 7: وَ إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ (1) .

ص: 33


1- سوره 14 - آیه 7

إلى قوله تعالى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ (1) ، لأنّ الاستتمام طلب التامّ (1)، و هو مستلزم للزيادة، و ذلك باعث على رجاء المزيد، و هذه اللفظة (2) مأخوذة من كلام عليّ عليه السّلام في بعض خطبه.

و «النعمة» هي المنفعة الواصلة إلى الغير على جهة الإحسان إليه، و هي (3) موجبة للشكر المستلزم للمزيد.

و وحّدها (4) للتنبيه على أنّ نعم (5) اللّه تعالى أعظم من أن تستتمّ (6)

**********

شرح:

(1)لأنّه من باب الاستفعال الذي معناه الطلب.

(2)يعني أنّ استعمال المصنّف رحمه اللّه هذه اللفظة «استتماما لنعمته» اقتباس من الفقرة الاولى من الخطبة الثانية، فإنّ فيها - و قد خطبها بعد انصرافه عن صفّين -: أحمده استتماما لنعمته و استسلاما لعزّته و استعصاما من معصيته....

(3)الضمير في قوله «و هي» يرجع إلى النعمة. يعني أنّ النعمة توجب الشكر في مقابلتها، و إذا حصل الشكر فهو يوجب زيادة النعمة في حقّ الشاكر.

(4)الضمير المستتر في قوله «وحّدها» يرجع إلى المصنّف، و الضمير الملفوظ يرجع إلى النعمة. يعني أنّ المصنّف رحمه اللّه أتى بلفظ النعمة مفردا فقال «استتماما لنعمته» و لم يقل:

استتماما لأنعمه أو لنعمه أو للنعم، لأنّ نعمة اللّه تعالى غير متناهية من حيث الكمّ و الكيف، فلا يستطيع المتناهي - و هو الطالب - على غير المتناهي، و هو المطلوب.

(5)نعم - بكسر النون و فتح العين - جمع، مفرده النعمة.

نعمة اللّه: ما أعطاه اللّه للعبد ممّا لا يتمنّى غيره أن يعطيه إيّاه ج أنعم و نعم و نعمات و نعمات (أقرب الموارد).

(6)أي تطلب تمامها و كمالها من حيث الكمّ و الكيف بحسب اختلاف قابليّات الأشخاص و استعداداتهم.

ص: 34


1- سوره 14 - آیه 7

على عبد، فإنّ فيضه غير متناه كمّا و لا كيفا، و فيها (1) يتصوّر طلب تمام النعمة التي تصل إلى القوابل بحسب استعدادهم.

(و الحمد فضله (2))، إشارة (3) إلى العجز عن القيام بحقّ النعمة، لأنّ الحمد إذا كان من جملة فضله (4) فيستحقّ عليه حمدا و شكرا، فلا ينقضي ما يستحقّه من المحامد، لعدم تناهي نعمه.

و اللام في «الحمد» (5) يجوز كونه للعهد الذكريّ - و هو المحمود به (6)

**********

شرح:

(1)يعني لا يتصوّر طلب تمام النعمة الإلهيّة غير القابلة للتناهي، لكن يتصوّر طلب تمام النعمة التي تصل إلى عبد بمقدار لياقته و قابليّته و استعداده.

(2)يعني أنّ الحمد من جملة فضل اللّه تعالى، فلا يستحقّ الحمد غيره تعالى شأنه.

(3)يعني إنّ قول المصنّف رحمه اللّه «و الحمد فضله» إشارة إلى عجزه عن القيام بوظيفة الحمد، لأنّه يعجز عن أداء حقّ النعمة، فيعجز عن الحمد للّه تعالى.

(4)الضمير في قوله «فضله» يرجع إلى اللّه تعالى، و كذلك الضمير المستتر في قوله «فيستحقّ». يعني إذا كان الحمد من جملة فضل اللّه تعالى لم ينقض ما يستحقّه اللّه من أقسام المحامد، لأنّ نعمته لا تتناهى، فلذا لا ينقضي الحمد له.

(5)اعلم أنّ اللام في قوله «و الحمد فضله» فيها احتمالات:

الأوّل: كونها للعهد الذكريّ. يعني أنّ الحمد الذي هو فضله هو الحمد المذكور الأوّل، و المراد من الحمد الأوّل هو الموجود في قوله السابق «اللّه أحمد».

الثاني: كون اللام للعهد الذهنيّ. يعني أنّ الحمد الذي هو في ذهني من حمد نفسي أو من الحامدين فضله.

الثالث: كون اللام للاستغراق، بمعنى أنّ الحمد من أيّ شخص حصل أو يحصل هو فضله.

(6)الضمير الملفوظ في قوله «المحمود به» يرجع إلى الحمد، أي الحمد الذي حصل به

ص: 35

أوّلا، - و الذهنيّ الصادر عنه (1) أو عن جميع الحامدين، و للاستغراق (2)، لانتهائه (3) مطلقا إليه بواسطة (4) أو بدونها، فيكون كلّه قطرة (5) من قطرات

**********

شرح:

الحمد أوّلا.

(1)الضمير في قوله «عنه» يرجع إلى الحامد.

(2)هذا هو الثالث من المحتملات في معنى اللام في قوله «الحمد فضله».

* من حواشي الكتاب: اعلم أنّ العهد الخارجيّ على ثلاثة أقسام:

الأوّل: الذكريّ، و هو الذي يتقدّم لمصحوب اللام ذكر نحو قوله تعالى: كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ (1) .

و الثاني: العلميّ، و هو أن يتقدّم بمضمونها علم نحو: بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (2) و تَحْتَ الشَّجَرَةِ (3) ، لأنّ ذلك معلوم عندهم.

و الثالث: الحضوريّ، و هو أن يكون مصحوبها حاضرا نحو: اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (4) .

و المراد من العهد الذهنيّ هنا الثاني (حاشية الشارح رحمه اللّه).

(3)الضمير في قوله «لانتهائه» يرجع إلى الحمد، و في قوله «إليه» يرجع إلى اللّه. يعني أنّ الحمد يرجع إلى اللّه تعالى بلا واسطة كان كما في حمده تعالى نفسه أو كان مع الواسطة كما في حمد الغير له.

(4)بيان لقوله «مطلقا». يعني أنّ الحمد له تعالى، سواء كان بواسطة مثل الحمد الصادر عن العباد أو بلا واسطة مثل حمده تعالى.

(5)بالنصب، خبر لقوله «فيكون». يعني فيكون كلّ حمد صادر عن الحامدين قطرة من قطرات بحار فضله تعالى.

و تصحّ قراءتها بالجرّ أيضا، لإضافة الكلّ إليها. يعني فيكون كلّ حمد قطرة من قطرات الحمد الذي هو فضله.

ص: 36


1- سوره 73 - آیه 15
2- سوره 20 - آیه 12
3- سوره 48 - آیه 18
4- سوره 5 - آیه 3

بحار فضله و نفحة (1) من نفحات جوده، و الجنس (2)، و هو راجع إلى السابق (3) باعتبار.

(و إيّاه أشكر) على سبيل ما تقدّم من التركيب (4) المفيد لانحصار الشكر فيه (5)، لرجوع النعم (6) كلّها إليه، و إن قيل: للعبد (7) فعل اختياريّ، لأنّ آلاته (8) و أسبابه التي يقتدر بها على الفعل لا بدّ أن تنتهي إليه،

**********

شرح:

(1)النفحة: العطيّة (المنجد).

(2)عطف على قوله «للعهد الذكريّ». يعني يجوز كون اللام في قوله «الحمد فضله» للجنس، و ذلك المعنى يرجع في الحقيقة إلى معنى الاستغراق باعتبار اختصاص جنس الحمد باللّه تعالى كما مرّ.

(3)المراد من «السابق» هو الاستغراق.

(4)يعني كما تقدّم من كون تقديم المعمول على العامل في قوله «اللّه أحمد» مفيدا للحصر، فإنّ تقديم «إيّاه» هنا أيضا على الفعل موجب للحصر.

(5)الضمير في قوله «فيه» يرجع إلى اللّه تعالى.

(6)هذا تعليل لانحصار الشكر في اللّه تعالى، فإنّ النعم جميعها ترجع إليه، لأنّ العبد و إن كان مختارا في أفعاله، لكن آلات الفعل و مقدّماته التي بها يستطيع على الفعل ترجع لا محالة إلى اللّه تعالى.

فاللائق بجميع أفراد الشكر هو اللّه تعالى و إن كان المنعم هو الغير، فإنّه لا يقتدر على الفعل إلاّ بتهيّؤ أسباب الفعل التي تنتهي إليه.

(7)هذا جواب عن سؤال مقدّر، و هو أنّ المنعم في بعض الأوقات هو غير اللّه تعالى، فكيف يختصّ الشكر به؟

فأجاب بأنّ أسباب فعل العبد الاختياريّ ترجع إليه تعالى.

(8)الضميران في قوليه «آلاته» و «أسبابه» يرجعان إلى العبد، و الضمير في قوله

ص: 37

فهو (1) الحقيق بجميع أفراد الشكر.

و أردف الحمد بالشكر (2) مع أنّه لامح له أوّلا، للتنبيه عليه بالخصوصيّة، و لمح (3) تمام الآية.

(استسلاما (4)) أي انقيادا (لعزّته)، و هي غاية اخرى (5) للشكر كما مرّ، فإنّ العبد يستعدّ بكمال الشكر لمعرفة المشكور، و هي (6) مستلزمة للانقياد

**********

شرح:

«إليه» يرجع إلى اللّه تعالى.

(1)الضمير في قوله «فهو» يرجع إلى اللّه. يعني أنّ اللّه تعالى هو المنعم الحقيقيّ، فجميع أفراد الشكر يرجع إليه و لو صدر الفعل عن العبد.

(2)يعني أنّ المصنّف رحمه اللّه أتبع قوله «اللّه أحمد» بقوله «و إيّاه أشكر»، مع أنّ الحمد يشير إلى الشكر، لحصول الخصوصيّة في لفظ الشكر و قد مرّ أنّ الحمد لعظم النعم و اصولها و الشكر لصغار النعم و فروعها.

(3)عطف على مدخول اللام الجارّة في قوله «للتنبيه»، و اللمح بمعنى الإشارة.

و المراد من «تمام الآية» هو قوله تعالى: وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ (1) .

(4)مفعول له لقوله «إيّاه أشكر». فإنّ للشكر غايات:

منها زيادة الإنعام من جانب المنعم المشكور له.

و منها التسليم لعزّة المنعم و كبريائه، فإنّ الشكر لا يتحقّق إلاّ بمعرفة المشكور له، لأنّ كلّ منعم له شكر غير شكر المنعم الآخر، فإنّ الشكر يناسب شأن المشكور له، فإذا عرف العبد ربّه بالعظمة و الكبرياء حصل له الانقياد بالطبع، فمن غاية الشكر هو الاستسلام لعزّته تعالى.

(5)فالغاية الاولى للشكر هي زيادة النعمة كما مرّ في الحمد، و الغاية الاخرى له هي الانقياد و التسليم.

(6)الضمير في قوله «و هي» يرجع إلى المعرفة. يعني أنّ معرفة اللّه تعالى تستلزم

ص: 38


1- سوره 14 - آیه 7

لعزّته و الخضوع لعظمته.

و هو (1) ناظر إلى قوله تعالى: وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ (1) ، لما تشتمل عليه الآية من التخويف المانع من مقابلة نعمة اللّه بالكفران، فقد جمع صدرها و عجزها (2) بين رتبتي الخوف و الرجاء (3)، و قدّم الرجاء (4)، لأنّه (5) سوط النفس الناطقة المحرّك لها (6).............

**********

شرح:

الانقياد له تعالى.

(1)يعني أنّ قوله «استسلاما لعزّته» إشارة إلى قوله تعالى: وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ... (2) إلخ و أنّ الكفران موجب للعذاب الشديد و العذاب يوجب التخويف و التخويف يوجب الانقياد و التسليم إليه جلّ شأنه.

(2)العجز و العجز و العجز و العجز و العجز: مؤخّر الشيء أو الجسم (المنجد).

و الضميران في قوليه «صدرها» و «عجزها» يرجعان إلى الآية.

(3)قوله «رتبتي الخوف و الرجاء» يكون على نحو اللفّ و النشر المشوّشين، فإنّ صدر الآية للرجاء، و هو قوله تعالى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ (3) ، و عجزها للخوف، و هو قوله تعالى: وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ (4) .

(4)فقال تعالى أوّلا: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ (5) ، لأنّ التقديم للرجاء الموجب للتشويق و التحريك إلى الشكر في حكم السوط المحرّك.

(5)الضمير في قوله «لأنّه» يرجع إلى الرجاء.

السوط: ما يضرب به من جلد مضفور أو نحوه كقضيب الفيل، ج سياط و أسواط (أقرب الموارد).

إيضاح: إنّ النفس الناطقة الإنسانيّة مثل الدابّة، و السبب لتحريكها السوط، و السبب لكبح جماحها الخوف.

(6)الضمائر في أقواله «لها» و «زمامها» و «بها» ترجع إلى النفس الناطقة.

ص: 39


1- سوره 14 - آیه 7
2- سوره 14 - آیه 7
3- سوره 14 - آیه 7
4- سوره 14 - آیه 7
5- سوره 14 - آیه 7

نحو الطماح (1)، و الخوف زمامها العاطف بها عن الجماح (2).

(و الشكر طوله (3)) أي من جملة فضله الواسع و منّه السابغ، فإنّ كلّ ما نتعاطاه من أفعالنا مستند إلى جوارحنا و قدرتنا و إرادتنا و سائر أسباب حركاتنا، و هي (4) بأسرها مستندة إلى جوده (5) و مستفادة من نعمه، و كذلك ما يصدر عنّا من الشكر و سائر العبادات نعمة منه (6)، فكيف تقابل نعمته بنعمته.

و قد روي أنّ هذا الخاطر (7) خطر لداود عليه السّلام، و كذا لموسى عليه السّلام، فقال:

**********

شرح:

(1)الطماح - بالكسر -: الكبر و الفخر (أقرب الموارد).

فالرجاء يوجب طلب النفس الارتفاع و الفخر.

(2)من جمح جموحا و جماحا الرجل: ركب هواه فلم يمكن ردّه (أقرب الموارد).

و المراد هنا هو ركوب النفس مركب هواها.

(3)الطول - بالفتح -: الفضل و العطاء (أقرب الموارد).

يعني أنّ استطاعة العبد على الشكر من جملة فضل اللّه تعالى الواسع و الشامل لحال الشاكر.

(4)يعني أنّ جميع أسباب الحركات الصادرة عنّا مستندة إلى جوده تعالى شأنه.

(5)الضميران في قوليه «جوده» و «نعمه» يرجعان إلى اللّه تعالى.

(6)فإنّ اللّه أنعم علينا و وفّقنا لعباداته، فله المنّ بأن أعطانا توفيق العبادة.

(7)الخاطر هو خطور أعمال الخير من الملائكة و من العباد الصالحين، و الخطوات خطور من الشيطان و الإنسان الشرير (حاشية جمال الدين رحمه اللّه).

يعني أنّ عدم إمكان الشكر إلاّ بإنعامه تعالى نعمة الشكر على الشاكر خطر لقلب داود و موسى عليهما السّلام، فقال كلّ منهما: يا ربّ كيف أشكرك... إلخ، فأظهرا عجزهما عن شكر اللّه تعالى إلاّ بتوفيقه.

ص: 40

«يا ربّ كيف أشكرك و أنا لا أستطيع أن أشكرك إلاّ بنعمة ثانية من نعمك؟» (1)، و في رواية اخرى: «و شكري لك نعمة اخرى (2) توجب عليّ الشكر لك»، فأوحى اللّه تعالى إليه: «إذا عرفت هذا فقد شكرتني»، و في خبر آخر: «إذا عرفت أنّ النعم منّي فقد رضيت بذلك (3) منك شكرا».

(حمدا (4) و شكرا كثيرا كما هو أهله)، يمكن كون الكاف في هذا التركيب (5) زائدة، مثلها في: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ ءٌ (1) ، لأنّ الغرض حمده بما هو أهله لا بحمد يشابه الحمد (6) الذي هو أهله، و «ما» موصولة، و «هو

**********

شرح:

(1)بحار الأنوار: ج 71 ص 36 ب 61 ح 22.

(2)يعني أنّي إذا وجدت نعمة من عندك توجب الشكر ثمّ وفّقت لنعمة الشكر وجب عليّ أن أشكر نعمة توفيق الشكر، و هو أيضا يوجب شكرا آخر و هكذا، و قد أنشأ في هذا المعنى الشاعر الفارسيّ الشيخ مصلح الدين السعديّ الشيرازيّ - و نعم ما أنشأه -:

از دست و زبان كه بر آيد*** كز نعمت شكرش به در آيد

(3)يعني أنّ العبد إذا عرف أنّ النعمة كلّها من اللّه تعالى فقد رضي اللّه بذلك شكرا، كيف لا و هو القائل في كتابه الكريم - عزّ من قائل -: وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللّهِ لا تُحْصُوها (2) ، فمن لا يقدر على إحصاء النعم فهو جدير بأن يعجز عن شكرها.

(4)و التركيب هكذا: اللّه أحمد حمدا كثيرا كما هو أهله، و أيضا: إيّاه أشكر شكرا كثيرا كما هو أهله.

(5)المراد من «هذا التركيب» هو قوله «كما هو أهله». يعني يمكن كون الكاف في هذا التركيب زائدة، كما أنّ الكاف في الآية المذكورة زائدة.

(6)أي ليس الغرض من حمده حمدا يشابه الحمد الذي هو أهله.

ص: 41


1- سوره 42 - آیه 11
2- سوره 16 - آیه 18

أهله» (1) صلتها و عائدها، و التقدير: الحمد و الشكر الذي هو أهله، مع منافرة (2) تنكيرهما لجعل الموصول صفة لهما، أو نكرة موصوفة بدلا من «حمدا و شكرا»، لئلاّ يلزم التكرار، و قد تجعل (3) «ما» أيضا زائدة، و التقدير: حمدا و شكرا هو أهله.

و يمكن كون الكاف حرف تشبيه (4)، اعتبارا (5) بأنّ الحمد الذي هو أهله لا يقدر عليه هذا الحامد و لا غيره، بل لا يقدر عليه إلاّ اللّه تعالى، كما أشار إليه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بقوله: «لا احصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» (6).

**********

شرح:

(1)يعني أنّ قوله «هو أهله» صلة ل «ما» الموصولة.

(2)كأنّ هذا دفع لتوهّم كون «ما» الموصولة صفة للحمد و الشكر و الحال أنّه يلزم حينئذ التكرار، فتكون الجملة هكذا: حمدا و شكرا هما حمد و شكر هو أهل لكلّ منهما.

و علاوة على ذلك يلزم تنافر تنكير الحمد و الشكر، لجعل الموصول المعرّف بالصلة صفة لهما.

(3)هذا احتمال ثان في «ما» الموجودة في قوله «كما هو أهله»، فيكون المعنى هكذا:

أحمد حمدا و أشكر شكرا هو أهله و مستحقّه.

(4)هذا احتمال ثالث في «ما» المذكورة بالنظر إلى معنى الكاف، بأن يراد منها الحمد و الشكر اللذان هما شبيهان بما هو أهله، فيحمد اللّه و يشكره مثل الحمد و الشكر اللذين هو أهلهما.

(5)تعليل لكون الكاف للتشبيه بأنّ الحمد و الشكر اللائقين به ليسا مقدورين للعبد، بل العبد يحمد اللّه و يشكره مثل الحمد و الشكر اللائقين به.

(6)بحار الأنوار: ج 85 ص 169 ب 30 ح 7.

ص: 42

و في التشبيه (1) حينئذ سؤال أن يلحقه اللّه تعالى بذلك الفرد الكامل من الحمد، تفضّلا منه تعالى، مثله في قولهم: «حمدا و شكرا ملء السماوات و الأرض، و حمدا يفوق حمد الحامدين»، و نحو ذلك (2).

و اختار الحمد بهذه الكلمة (3) لما روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: «من قال: الحمد للّه كما هو أهله شغل كتّاب السماء، فيقولون: اللّهمّ إنّا لا نعلم الغيب، فيقول اللّه تعالى: اكتبوها كما قالها عبدي، و عليّ ثوابها».

(و أسأله (4) تسهيل ما) أي الشيء، و هو العلم الذي (يلزم حمله و تعليم ما لا يسع) أي لا يجوز (جهله)، و هو (5) العلم الشرعيّ الواجب.

**********

شرح:

(1)يعني أنّ فائدة التشبيه هي سؤال العبد للّه تعالى أن يلحق حمده الناقص الصادر عنه بذلك الفرد الكامل من الحمد.

(2)ففي أمثال ذلك الدعاء يكون المراد إعطاء اللّه تعالى ثواب الحمد و الشكر ملء السماوات و الأرض أو فوق حمد الحامدين أو عدد نفوس المتنفّسين.

(3)فإنّ المصنّف رحمه اللّه اختار الحمد بهذه الكلمة أعني قوله «كما هو أهله»، عملا بالرواية المنقولة في كتاب الوسائل:

محمّد بن عليّ بن الحسين في ثواب الأعمال بإسناده عن زيد الشحّام عن أبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام قال: من قال: الحمد للّه كما هو أهله شغل كتّاب السماء، قلت: و كيف يشغل كتّاب السماء؟ قال: يقولون: اللّهمّ إنّا لا نعلم الغيب، فيقول: اكتبوها كما قالها عبدي، و عليّ ثوابها (الوسائل: ج 4 ص 1196 ب 20 من أبواب الذكر من كتاب الصلاة ح 1).

(4)عطف على قوله «إيّاه أشكر». يعني أسأل اللّه تعالى أن يسهّل لي ما يجب حمله و لا يجوز جهله، و هو العلم بالأحكام الشرعيّة الواجبة لكلّ مكلّف اجتهادا أو تقليدا، و المراد هنا هو الاستطاعة على تحصيل الأحكام بالاجتهاد فيها.

(5)الضمير في قوله «و هو» يرجع إلى «ما» الموصولة. يعني أنّ الشيء الذي يجب

ص: 43

(و أستعينه (1) على القيام بما يبقى أجره) على الدوام، لأنّ ثوابه (2) في الجنّة أُكُلُها دائِمٌ وَ ظِلُّها (1) ،(و يحسن (3) في الملأ الأعلى ذكره).

أصل الملأ الأشراف و الرؤساء الذين يرجع الناس إلى قولهم، و منه (4) قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ (2) ، قيل لهم ذلك، لأنّهم (5) ملأ

**********

شرح:

علمه و لا يجوز جهله هو العلم الواجب بالأحكام الشرعيّة.

(1)الضمير الملفوظ في قوله «أستعينه» يرجع إلى اللّه تعالى. يعني أطلب من اللّه تعالى أن يعينني على أن أقوم بكتابة شيء يبقى أجره و يدوم ثوابه و هو من الباقيات الصالحات.

(2)و لا يخفى أنّ الاستعانة على القيام بما يبقى أجره استفاضة من قوله تعالى في سورة الرعد، الآية 35: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَ ظِلُّها (3) .

(3)قوله «يحسن» عطف على قوله «يبقى». يعني أسأل اللّه الاستعانة على كون ما أقوم به حسن الذكر في الملأ الأعلى.

الملأ: الأشراف و العلية، قيل: سمّوا بذلك لملاءتهم بما يلتمس عندهم من المعروف و جودة الرأي أو لأنّهم يملأون العيون ابّهة و الصدور هيبة.

الملأ الأعلى: العقول المجرّدة و النفوس الكلّيّة (أقرب الموارد).

(4)الضمير في قوله «منه» يرجع إلى الأصل. يعني أنّ هذا اللفظ بمعنى الرؤساء حيث ورد في قوله تعالى في سورة البقرة، الآية 246: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ (4) .

(5)يعني قال بعض اللغويّين في مقام بيان وجه تسمية الرؤساء و الأشراف بالملأ: إنّهم ملأ من حيث الرأى و الثروة. و الضمير في قوله «لهم» يرجع إلى الأشراف و الرؤساء، و المشار إليه في قوله «ذلك» هو لفظ الملأ.

ص: 44


1- سوره 13 - آیه 35
2- سوره 2 - آیه 246
3- سوره 13 - آیه 35
4- سوره 2 - آیه 246

بالرأي و الغناء أو أنّهم يملأون العين و القلب.

و المراد بالملأ الأعلى (1) الملائكة.

(و ترجى مثوبته (2) و ذخره)، و في كلّ ذلك إشارة إلى الترغيب فيما هو (3) بصدده من تصنيف العلم الشرعيّ و تحقيقه و بذل الجهد في تعليمه.

(و أشهد أن لا إله إلاّ اللّه) تصريح بما قد دلّ عليه الحمد السابق بالالتزام (4) من التوحيد.

**********

شرح:

(1)يعني أنّ مراد المصنّف رحمه اللّه من «الملأ الأعلى» في قوله «و يحسن في الملأ الأعلى ذكره» هو الملائكة.

فالمعنى هو الاستعانة على كون ما قام به حسن الذكر عند الملائكة، كما ورد في الميّت المحسن أنّه حسن الذكر عند الملائكة.

(2)الضميران في قوليه «مثوبته» و «ذخره» يرجعان إلى «ما» الموصولة في قوله «القيام بما يبقى أجره».

(3)ضمير «هو» يرجع إلى المصنّف رحمه اللّه.

(4)يعني أنّ قوله «اللّه أحمد» يدلّ بالالتزام على التوحيد، فذكره ثانيا للتصريح بالتوحيد، لكونه الأهمّ و الأصل في العقائد.

إيضاح: إنّ الدلالة إمّا جليّة أو خفيّة.

و الثانية مثل مفهوم الشرط و الوصف و اللقلب و غيرها.

و الاولى إمّا عقليّة مثل دلالة لفظ «ديز» المسموع من وراء الجدار على وجود لافظ و مثل دلالة الدخان على نار.

أو طبعيّة مثل دلالة «اح اح» على وجع الصدر.

أو وضعيّة مثل دلالة الألفاظ الموضوعة للمعاني، و هي على أقسام:

ص: 45

و خصّ هذه الكلمة (1)، لأنّها أعلى كلمة (2) و أشرف لفظة نطق بها في التوحيد منطبقة على جميع مراتبه (3).

و «لا» (4) فيها..........

**********

شرح:

الأوّل: المطابقة، و هي دلالة اللفظ على تمام ما وضع له مثل دلالة «الإنسان» على الحيوان الناطق.

الثاني: التضمّن، و هو دلالة اللفظ على جزء ما وضع له مثل دلالة «الإنسان» على الناطق خاصّة أو على الحيوان كذلك.

الثالث: الالتزام، و هو دلالة اللفظ على ما هو خارج عن الموضوع له و مع ذلك لازم له عقلا أو عرفا أو شرعا، و من أراد أمثلتها فليراجع كتب المنطق.

و الحاصل أنّ المصنّف لم يكتف بدلالة قوله «اللّه أحمد» على التوحيد بالالتزام، فصرّح بالتوحيد بقوله «أشهد أن لا إله إلاّ اللّه».

(1)يعني أنّ المصنّف رحمه اللّه ذكر هذه الكلمة خاصّة و لم يذكر غيرها من الكلمات الدالّة على التوحيد، لكونها أعلى كلمة.

(2)علّة كونها أعلى كلمة هو الثواب العائد لقائلها كما قال الشارح رحمه اللّه في حاشية منه:

لأنّ المعترف لوحدانيّته تعالى إذا اعترف بهذه الكلمة عند الموت وجبت له الجنّة لحديث «من كان آخر كلامه لا إله إلاّ اللّه فله الجنّة».

(3)أراد بمراتب التوحيد نفي استحقاق إله آخر للعبادة و نفي وجوده و نفي إمكانه، فإنّ هذه المراتب تستفاد منها على ما سيذكره الشارح من الإشكال و دفعه.

(4)لفظ «لا» المذكورة في قوله تعالى: «لا إله إلاّ اللّه» فيها احتمالات:

الأوّل: كونها لنفي الجنس، و هي تنصب الاسم و ترفع الخبر و اسمها «إله» و خبرها المقدّر هو «موجود»، و هذا احتمال يضعّفه الشارح رحمه اللّه، كما سيجيء إن شاء اللّه تعالى.

الثاني: كون خبرها المقدّر لفظ «ممكن»، و هذا الاحتمال أيضا مضعّف عند الشارح

ص: 46

هي النافية للجنس (1)،...

**********

شرح:

عن قريب.

الثالث: كون الخبر المقدّر لفظ «مستحقّ»، و هذا الاحتمال أيضا مضعّف عند الشارح رحمه اللّه.

و المقرّر عند الشارح هو إمّا قول المحقّقين بعدم الاحتياج إلى الخبر بتوضيح سيأتي أو كون كلمة «لا إله إلاّ اللّه» مستعملة في معنى نقلت إليه شرعا.

و بعبارة اخرى: هذه الكلمة - و هي كلمة التوحيد - منقولة شرعا إلى نفي معنى الإمكان و الوجود عن إله غير اللّه تعالى.

(1)اعلم أنّ «لا» تأتي على ثلاثة أوجه:

الأوّل: نافية.

الثاني: للطلب.

الثالث: زائدة.

و أمّا مثال كون «لا» للنفي فهو «لا تضرب»، و مثال كونها للطلب هو «لا تضرب»، و مثال كونها زائدة هو «ما منعك أن لا تقوم»، فإنّ «لا» في هذا المثال إذا حذفت لم يتغيّر المعنى.

و النافية لها أربعة معان:

الأوّل: أن تكون نافية للجنس، فيكون اسمها مبنيّا على الفتح إذا كان مفردا مثل «لا رجل في الدار».

و يكون اسمها منصوبا إذا كان مضافا أو مشبها بالمضاف مثل «لا غلام رجل حاضر».

الثاني: أن تعمل عمل «ليس»، فترفع الاسم و تنصب الخبر، و هي لنفي الواحد نحو «لا رجل قائما».

و الفرق بين «لا» العاملة عمل «ليس» و «لا» النافية العاملة عمل «أنّ» هو أنّك إذا قلت: «لا رجل في الدار» لم يصحّ أن تقول: «بل رجلان» أو «رجال»، لأنّك

ص: 47

و «إله» اسمها (1).

قيل: و الخبر محذوف تقديره «موجود» (2).

و يضعّف بأنّه لا ينفي إمكان إله معبود بالحقّ غيره (3) تعالى، لأنّ الإمكان أعمّ من الوجود.

و قيل: «ممكن» (4)، و فيه أنّه لا يقتضي وجوده بالفعل.

و قيل: «مستحقّ (5) للعبادة»، و فيه أنّه لا يدلّ على نفي التعدّد مطلقا (6).

**********

شرح:

نفيت جنس الرجل عن أن يتحقّق في الدار، فلا رجل في الدار مطلقا.

و إذا قلت: «لا رجل في الدار» - برفع رجل - جاز أن تقول: «بل رجلان» أو «رجال»، لأنّ «لا» العاملة عمل «ليس» تنفي الواحد و لا تنفي ما سواه.

الثالث: أن تكون للعطف نحو «جاء زيد لا عمرو».

الرابع: أن تأتي جوابا مناقضا لنعم نحو «أقام زيد؟» فتقول مجيبا: «لا».

و هذا المقدار ملخّص ما استفدته من كتب اللغة، و من أراد التفصيل أكثر من ذلك فليراجع مظانّه الواردة في البحث عن «لا» في مثل كتاب مغني اللبيب و غيره.

(1)الضمير في قوله «اسمها» يرجع إلى كلمة «لا».

(2)يعني تكون الجملة في الحقيقة هكذا: لا إله موجود إلاّ اللّه.

(3)يعني أنّ تقدير «موجود» خبرا لكلمة «لا» لا ينفي إمكان وجود إله آخر غير اللّه تعالى، لأنّ نفي الوجود أعمّ من نفي الإمكان، فإنّ إنسانا ذا رأسين مثلا غير موجود، لكنّه ممكن الوجود.

(4)يعني قيل بكون المقدّر خبرا هو لفظ «ممكن»، و التقدير: لا إله ممكن إلاّ اللّه.

(5)يعني أنّه قال بعض بكون المقدّر خبرا لكلمة «لا» هو لفظ «مستحقّ»، فيكون التقدير: لا إله مستحقّ للعبادة إلاّ اللّه.

(6)فإنّ تقدير لفظ «مستحقّ» لا ينفي وجود إله آخر غير اللّه تعالى مطلقا - أي لا

ص: 48

و ذهب المحقّقون إلى عدم الاحتياج إلى الخبر و أنّ «إلاّ اللّه» مبتدأ (1) و خبره «لا إله» (2)، إذ كان الأصل «اللّه إله»، فلمّا اريد الحصر (3) زيد «لا» و «إلاّ» و معناه «اللّه إله و معبود بالحقّ لا غيره»، أو أنّها (4) نقلت شرعا إلى نفي الإمكان (5) و الوجود عن إله سوى اللّه، مع الدلالة (6) على وجوده تعالى و إن لم تدلّ عليه لغة.

(وحده لا شريك له) تأكيد (7) لما قد استفيد من التوحيد الخالص،

**********

شرح:

إمكانا و لا وجودا -، بل ينفي وجود إله مستحقّ للعبادة.

(1)المراد من كون «إلاّ اللّه» مبتدأ به هو كون لفظ «اللّه» خاصّة كذلك بلا ضميمة «إلاّ» إليه.

(2)المراد من الخبر في هذه الفقرة أيضا هو لفظ «إله» لا هو مع «لا».

(3)فإنّ «اللّه إله» لا يفيد الحصر، فاضيف إلى الجملة كلمتان: «لا» و «إلاّ» حتّى تفيد الحصر، فصار «اللّه إله» لا إله إلاّ اللّه، و صار المعنى أيضا - كما قال الشارح رحمه اللّه - اللّه إله و معبود بالحقّ لا غيره.

(4)الضمير في قوله «أنّها» يرجع إلى كلمة «لا إله إلاّ اللّه».

(5)فقول «لا إله إلاّ اللّه» ينفي شرعا الإمكان عن غير اللّه، و هكذا ينفي الوجود عنه.

(6)يعني أنّ الكلمة المبحوث عنها تدلّ على وجود اللّه تعالى شرعا، بمعنى أنّها في الشرع جعلت هذه الكلمة الشريفة الجليلة بمعنى نفي الإمكان عن غير اللّه أو نفي الوجود عن غيره مع دلالتها على إثبات ذاته تعالى، و هذا المعنى حقيقة شرعيّة، و من المعلوم أنّ ألفاظا نقلت من معانيها إلى معنى مخصوص مستعمل في الشرع.

(7)التأكيد هو الذي لا يضرّ بالمعنى المؤكّد إذا حذف، و تكفي كلمة التوحيد في المقام أيضا في إثبات التوحيد، و ذكر «وحده لا شريك له» يفيد تأكيد ما تفيده كلمة التوحيد.

ص: 49

حسن ذكره في هذا المقام لمزيد الاهتمام.

(و أشهد (1) أنّ محمّدا نبيّ أرسله)، قرن الشهادة بالرسالة بشهادة التوحيد، لأنّها (2) بمنزلة الباب لها.

و قد شرّف اللّه تعالى نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله بكونه لا يذكر إلاّ و يذكر معه (3)، و ذكر (4) الشهادتين في الخطبة لما روي (5) عنه صلّى اللّه عليه و آله: من أنّ «كلّ خطبة ليس فيها تشهّد فهي كاليد الجذماء (6)».

**********

شرح:

(1)عطف على قوله «أشهد أن لا إله إلاّ اللّه».

و اعلم أنّ المصنّف رحمه اللّه ذكر الشهادة بالرسالة بعد الشهادة بالتوحيد، لكون الشهادة بالرسول صلّى اللّه عليه و آله بابا للشهادة بالتوحيد، فإنّ الغرض من تصديق الرسول هو العمل بما جاء به عن اللّه تعالى، و هو يوجب الإخلاص المقصود من كلمة التوحيد.

(2)الضمير في قوله «لأنّها» يرجع إلى الشهادة بالرسالة، و في قوله «لها» يرجع إلى الشهادة بالتوحيد.

لا يقال: إذا كانت الشهادة بالرسالة بابا للشهادة بالتوحيد فكيف قدّمت الشهادة بالتوحيد عليها؟

فإنّه يقال: قدّمت الشهادة بالتوحيد لشرفها من حيث الرتبة و غيرها.

(3)يعني و قد شرّف اللّه تعالى نبيّه بكونه لا يذكر إلاّ معه، و قد روي أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال: من قال: «أشهد أن لا إله إلاّ اللّه و أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه» حرمت النار عليه، كما أشار إلى هذا الحديث الشيخ عليّ رحمه اللّه في حاشية منه.

(4)عطف على مدخول الباء الجارّة في قوله «بكونه». يعني شرّف اللّه تعالى نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله بذكر الشهادتين - الشهادة بالتوحيد و الشهادة بالرسالة - في الخطبة.

(5)الرواية منقولة في كتاب كنز العمّال: ج 10 ص 249 ح 29334.

(6)من جذم الشيء جذما: قطعه بسرعة (أقرب الموارد).

ص: 50

و «محمّد» علم منقول من اسم مفعول (1) المضعّف، و سمّي به نبيّنا (2) صلّى اللّه عليه و آله، إلهاما من اللّه تعالى، و تفاؤلا (3) بأنّه يكثر حمد الخلق له لكثرة خصاله الحميدة، و قد قيل لجدّه عبد المطّلب عليه السّلام - و قد سمّاه في يوم سابع ولادته لموت أبيه (4) قبلها -: لم سمّيت ابنك محمّدا و ليس من أسماء آبائك و لا قومك؟ فقال (5): «رجوت أن يحمد في السماء و الأرض»، و قد حقّق (6) اللّه تعالى رجاءه.

**********

شرح:

(1)من حمّد يحمّد تحميدا فهو من باب التفعيل.

(2)بالرفع، نائب فاعل لقوله «سمّي»، و قوله «إلهاما» مفعول له لقوله «سمّي».

(3)و قد تفأّل جدّه صلّى اللّه عليه و آله باختيار هذا الاسم له بأنّه يحمد في الأرض و السماء.

(4)قوله «لموت أبيه» تعليل لتسمية عبد المطّلب إيّاه صلّى اللّه عليه و آله بهذا الاسم. يعني أنّ علّة اختيار جدّه صلّى اللّه عليه و آله اسمه هي موت أبيه قبل أن يولد هو، فإنّ الولاية على تسمية الولد إنّما هي للأب عند وجوده، و للجدّ للأب عند فقده.

و الضمير في قوله «قبلها» يرجع إلى الولادة. فإنّ عبد اللّه أبا محمّد صلّى اللّه عليه و آله مات قبل ولادته.

* من حواشي الكتاب: الظاهر عود ضمير «قبلها» إلى الولادة و أنّه تعليل لتسمية جدّه دون أبيه، و هذا أحد الأقوال في وفاة أبيه عليه السّلام، و يصحّ عوده على التسمية، لكنّ الأوّل أنسب.

و قيل: توفّي في المدينة عند أخواله و هو صلّى اللّه عليه و آله ابن شهرين، و هو الموافق لما في الكافي.

و قيل: بعد مضيّ سبعة أشهر، و قيل: بعد سنتين و أربعة أشهر (حاشية الشيخ عليّ رحمه اللّه).

(5)فاعله هو الضمير العائد إلى عبد المطّلب، فإنّه أجاب عن سؤال المعترضين عليه بأنّه سمّاه بذلك الاسم تفاؤلا بأن يثنى عليه من قبل أهل السماء و الأرض.

(6)أي ثبّت اللّه تعالى ما رجاه عبد المطّلب و أوجب ما نواه و جعل نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله محمّدا

ص: 51

و «النبيء» (1) بالهمز من النبأ و هو الخبر، لأنّ النبي مخبر عن اللّه تعالى، و بلا همز (2) - و هو الأكثر - إمّا تخفيفا من المهموز بقلب همزته ياء أو أنّ أصله (3) من النبوّة - بفتح النون و سكون الباء - أي الرفعة، لأنّ النبيّ مرفوع الرتبة على غيره من الخلق.

و نبّه بقوله: «أرسله» على جمعه بين النبوّة و الرسالة، و الأوّل (4) أعمّ مطلقا، لأنّه (5) إنسان اوحي إليه بشرع و إن لم يؤمر بتبليغه، فإن امر بذلك فرسول أيضا، أو امر بتبليغه (6) و إن لم يكن له كتاب أو نسخ (7) لبعض شرع من قبله كيوشع عليه السّلام، فإن كان له ذلك فرسول أيضا.

**********

شرح:

-أي ممدوحا - بين أهل السماء و الأرض.

(1)يعني أنّ النبيء الذي ورد في قوله «و أشهد أنّ محمّدا نبيّ أرسله» مشتقّ من النبأ - محرّكة - و هو الخبر.

(2)يعني و بقلب الهمزة ياء.

(3)يعني و الاحتمال الآخر هو أنّ النبيّ مأخوذ من النبوة، و هي الرفعة، لكون النبيّ مرفوع الرتبة على غيره من الخلق.

(4)المراد من «الأوّل» هو النبيّ، فإنّ النبيّ أعمّ من الرسول، و بينهما العموم و الخصوص المطلقان، فإنّ كلّ رسول نبيّ و لا عكس، لأنّ النبيّ يمكن عدم كونه مأمورا بالتبليغ، لكونه نبيّا لنفسه.

(5)الضمير في قوله «لأنّه» يرجع إلى النبيّ. يعني أنّ النبيّ إنسان ينزل عليه الوحي و إن لم يكن مأمورا بالتبليغ أحيانا.

(6)و هذا معنى آخر للنبيّ، و هو أنّ النبيّ هو الذي امر بالتبليغ و إن لم يكن له كتاب.

(7)عطف على قوله «كتاب»، و هذا معنى ثالث للنبيّ، و هو الذي لم ينسخ بعض الشرائع قبله كيوشع عليه السّلام، فإنّه امر بالتبليغ و لكن لم يكن ناسخا لبعض الشرائع قبله.

ص: 52

و قيل: هما بمعنى واحد، و هو معنى الرسول على الأوّل (1).

(و على العالمين (2)) جمع «العالم» (3)، و هو اسم لما يعلم به كالخاتم (4) و القالب غلب فيما يعلم به الصانع، و هو (5) كلّ ما سواه من الجواهر و

**********

شرح:

(1)المراد من «الأوّل» هو كون النبيّ مأمورا بالتبليغ.

* من حواشي الكتاب: و فرق بين النبيّ و الرسول بأنّ الرسول هو المخبر عن اللّه تعالى بغير واسطة أحد من البشر، و له شريعة مبتدئة كآدم عليه السّلام أو ناسخة كمحمّد صلّى اللّه عليه و آله، و بأنّ النبيّ هو الذي يرى في منامه و يسمع الصوت و لا يعاين الملك، و الرسول هو الذي يسمع الصوت و يرى في المنام و يعاين الملك، و بأنّ الرسول قد يكون من الملائكة، بخلاف النبيّ و الأنبياء عليهم السّلام على ما ورد في الأخبار مائة و عشرون ألف، و المرسلون منهم ثلاثمائة و ثلاثة عشر، و أربعة منهم عرب و هم: هود و صالح و شعيب و محمّد صلّى اللّه عليه و آله.

و في حديث الصادق عليه السّلام أنّ الأنبياء و المرسلين على أربع طبقات: فإنّه إمّا أن ينبئ عن نفسه وحده، أو يرى في المنام و يسمع الصوت، أو يعاين الملك أيضا في المنام أو اليقظة.

(2)الجارّ و المجرور يتعلّقان بقوله الآتي «اصطفاه».

(3)العالم: الخلق كلّه، و قيل: ما حواه بطن الفلك و كلّ صنف من أصناف الخلق عالم، قيل: يختصّ بمن يعقل، و قال بعضهم: هو اسم لما يعلم به شيء ثمّ سمّي به ما يعلم به الخالق من كلّ نوع من الفلك و ما يحويه من الجواهر و الأعراض (أقرب الموارد).

(4)يعني أنّ العالم مثل الخاتم و القالب من حيث الوزن.

القالب أيضا و القالب و فتح لامه أكثر: الشيء الذي يفرغ فيه الجواهر و غيرها ليكون مثالا لما يصاغ منها و ما يقلب به الخفّ و يجعل فيه لكي يستقيم ج قوالب (أقرب الموارد).

(5)الضمير في قوله «و هو» يرجع إلى «ما» الموصولة، و في قوله «سواه» يرجع إلى

ص: 53

الأعراض، فإنّها (1) لإمكانها و افتقارها إلى مؤثّر واجب (2) لذاته تدلّ على وجوده، و جمعه (3) ليشتمل ما تحته من الأجناس المختلفة، و غلب العقلاء منهم (4)، فجمعه بالياء و النون...

**********

شرح:

الصانع. يعني أنّ ما يعلم به الصانع هو كلّ ما هو غير الباري تعالى من ذوات الأشياء و ما يعرضها.

(1)الضمير في قوله «فإنّها» يرجع إلى الجواهر و الأعراض، و كذلك الضمير في قوليه «لإمكانها» و «افتقارها». يعني فإنّ العالم المتركّب من الجواهر و الأعراض ممكن الوجود، و كلّ ممكن الوجود يحتاج في وجوده إلى مؤثّر، و هو واجب الوجود بالذات، فالعالم الممكن الوجود يدلّ على وجود الباري تعالى.

(2)قوله «واجب» - بالكسر - صفة لقوله المجرور «مؤثّر». و الواجب لذاته في مقابلة الواجب لغيره.

اعلم أنّ الواجب الوجود على قسمين:

الأوّل: الواجب الوجود بالذات مثل الباري تعالى، فإنّه واجب الوجود بالذات، لعدم احتياجه في الوجود إلى غيره كما تعرّض له الكتب الكلاميّة.

الثاني: الواجب الوجود بالغير، و هو كلّ ممكن وجدت علّته مثل الحرارة بعد وجود النار فوجودها أيضا واجب، لكنّه بالغير، و هذا القسم الثاني في الحقيقة من أقسام الممكن الوجود، لاحتياجه في الوجود إلى غيره، فقول الشارح رحمه اللّه «واجب لذاته» إشارة إلى القسم الأوّل من قسمي الواجب.

(3)يعني أنّ المصنّف رحمه اللّه أتى بالعالمين بصيغة الجمع ليشمل قوله هذا الأجناس المختلفة.

(4)الضمير في قوله «منهم» يرجع إلى الأجناس. يعني أنّ المراد من «العالمين» هو العقلاء، للتغليب.

و الحاصل أنّ «العالمين» في قول المصنّف رحمه اللّه «و على العالمين اصطفاه» و إن كان يشمل العقلاء و غيرهم، لكنّه استعمل في العقلاء للتغليب.

ص: 54

كسائر أوصافهم (1).

و قيل: اسم (2) وضع لذوي العلم من الملائكة و الثقلين (3)، و تناوله لغيرهم على سبيل الاستتباع.

و قيل: المراد به (4) الناس هاهنا، فإنّ كلّ واحد منهم «عالم أصغر» من حيث إنّه يشتمل على نظائر ما في «العالم الأكبر»، من الجواهر و الأعراض التي يعلم بها الصانع، كما يعلم بما أبدعه في العالم الأكبر.

(اصطفاه (5)) أي اختاره (و فضّله) عليهم (6) أجمعين (صلّى (7) اللّه)

**********

شرح:

(1)الضمير في قوله «أوصافهم» يرجع إلى العقلاء. يعني أنّ المصنّف أتى بالعالمين بصيغة الجمع و أراد منه العقلاء، و إتيانه بهذا اللفظ بصيغة الجمع كالإتيان بسائر أوصاف العقلاء بصيغة الجمع مثل «المكلّفين» و غيره.

(2)يعني أنّه قال بعض بأنّ العالم اسم ذات وضع لصاحبي العلم من الملائكة و الإنس و الجنّ و يشمل غيرهم تبعا.

(3)الثقلان: الإنس و الجنّ (أقرب الموارد).

(4)يعني أنّه قال بعض: إنّ المراد من العالم هاهنا هو الناس، لأنّ كلّ فرد من الإنسان يوجد فيه ما يوجد في العالم الأكبر، و قد نقل عن عليّ عليه السّلام أنّه أنشأ:

أ تزعم أنّك جرم صغير*** و فيك انطوى العالم الأكبر

و قد ورد في خصوص كون الإنسان مظهرا لما خلق في العالم الطبيعيّ كلمات توجب التدبّر و التفكّر في خالقه تعالى شأنه.

(5)الضمير الملفوظ في قوله «اصطفاه» يرجع إلى محمّد صلّى اللّه عليه و آله، و كذلك الضمير الملفوظ في قوله «فضّله». يعني أنّ اللّه تعالى اختار نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله من العالمين و فضّله أيضا عليهم.

(6)الضمير في قوله «عليهم» يرجع إلى العالمين.

(7)صلّى اللّه على رسوله: بارك عليه و أحسن عليه الثناء.

ص: 55

(عليه) من الصلاة المأمور بها (1) في قوله تعالى: صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً (1) .

و أصلها (2) الدعاء، لكنّها منه تعالى مجاز في الرحمة، و غاية السؤال بها (3) عائد إلى المصلّي، لأنّ اللّه تعالى قد أعطى نبيّه صلّى اللّه عليه و آله من المنزلة و الزلفى لديه ما لا تؤثّر فيه صلاة مصلّ، كما نطقت به (4) الأخبار و صرّح به

**********

شرح:

الصلاة: الدعاء و الدين و الرحمة و الاستغفار و حسن الثناء من اللّه على الرسول (أقرب الموارد).

و قيل: الصلاة من اللّه الرحمة، و من الملائكة الاستغفار، و من المؤمنين الدعاء، و من الطير و الهوامّ التسبيح، و هي لا تكون إلاّ في الخير، بخلاف الدعاء، فإنّه يكون في الخير و الشرّ (أقرب الموارد).

و الضمير في قوله «عليه» يرجع إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله.

(1)الضمير في قوله «بها» يرجع إلى الصلاة. يعني أنّ اللّه تعالى أمر بالصلاة على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في قوله في سورة الأحزاب، الآية 56: إِنَّ اللّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً (2) .

(2)يعني أنّ الصلاة في الأصل - أعني اللغة - هو الدعاء، لكنّه من اللّه تعالى بمعنى الرحمة، استعمل فيها مجازا.

(3)فإنّ فائدة سؤال العبد اللّه تعالى أن يصلّي على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ترجع إلى نفس السائل و المصلّي، لعدم احتياج النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلى سؤال العبد ذلك، لأنّ اللّه تعالى أعطاه من المنزلة و المقام ما لا يحصى و لا يتوقّف على صلاة مصلّ.

(4)الضمير في قوله «به» يرجع إلى عود غاية الصلاة إلى المصلّي. يعني أنّ الأخبار صرّحت بعود فائدة الصلاة إلى شخص المصلّي، نذكر هنا عدّة منها تيمّنا و تبرّكا :

ص: 56


1- سوره 33 - آیه 56
2- سوره 33 - آیه 56

العلماء الأخيار.

و كان ينبغي اتباعها (1) بالسلام، عملا بظاهر الأمر (2)، و إنّما تركه (3)

**********

شرح:

الأوّل: محمّد بن يعقوب بإسناده عن محمّد بن مسلم عن أحدهما عليه السّلام [أي الإمام الباقر أو الصادق] قال: ما في الميزان شيء أثقل من الصلاة على محمّد و آل محمّد، و إنّ الرجل لتوضع أعماله في الميزان فتميل به فيخرج الصلاة عليه فيضعها في ميزانه فترجّح (الوسائل: ج 4 ص 1210 ب 34 من أبواب الذكر من كتاب الصلاة ح 1).

الثاني: محمّد بن يعقوب بإسناده عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: سمعته يقول: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: ارفعوا أصواتكم بالصلاة عليّ، فإنّها تذهب بالنفاق (المصدر السابق: ح 2).

الثالث: محمّد بن يعقوب بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: قال: إذا ذكر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فأكثروا الصلاة عليه، فإنّه من صلّى على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله صلاة واحدة صلّى اللّه عليه ألف صلاة في ألف صفّ من الملائكة، و لم يبق شيء ممّا خلقه اللّه إلاّ صلّى على العبد لصلاة اللّه و صلاة ملائكته، فمن لم يرغب في هذا فهو جاهل مغرور قد برئ اللّه منه و رسوله و أهل بيته (المصدر السابق: ح 4).

(1)يعني كان على المصنّف رحمه اللّه أن يأتي بالسلام على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بعد ذكر الصلاة عليه كما اتي بالسلام في الآية 56 من سورة الأحزاب في قوله تعالى: وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً (1) .

(2)لعلّ التعبير بظاهر الأمر هنا لأنّ المراد من السلام في الآية ليس هو التسليم بالقول، بل لعلّ المراد هو التسليم و الانقياد في مقام العمل بما أتى صلّى اللّه عليه و آله به عن اللّه تعالى، كما نقل عن بعض التفاسير.

(3)هذا اعتذار الشارح رحمه اللّه عن المصنّف رحمه اللّه بأنّ ترك التسليم إنّما هو للإشارة إلى عدم حتميّة إرادة السلام باللسان في قوله تعالى: وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً (2) ، لاحتمال كون المراد من التسليم هو الانقياد للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله في مقام العمل، لكنّ المراد في قوله تعالى:

صَلُّوا عَلَيْهِ (3) هو الصلاة باللسان عليه.

ص: 57


1- سوره 33 - آیه 56
2- سوره 33 - آیه 56
3- سوره 33 - آیه 56

للتنبيه على عدم تحتّم إرادته من الآية، لجواز كون المراد به الانقياد، بخلاف الصلاة.

(و على آله (1))، و هم عندنا (2) «عليّ و فاطمة و الحسنان (3)»، و يطلق تغليبا على باقي الأئمّة (4) عليهم السّلام.

و نبّه على اختصاصهم (5) عليهم السّلام بهذا الاسم بقوله:(الذين حفظوا منه ما حمله (6)) - بالتخفيف - من أحكام الدين،(و عقلوا (7) عنه صلّى اللّه عليه و آله ما عن جبرئيل عليه السّلام عقله).

و لا يتوهّم مساواتهم له بذلك في الفضيلة، لاختصاصه صلّى اللّه عليه و آله

**********

شرح:

(1)و قد مضى البحث عن كلمة «آل» في الهامش 4 من ص 20.

(2)يعني أنّ المراد من آل الرسول صلّى اللّه عليه و آله عند الشيعة الاثني عشريّة هو عليّ بن أبي طالب و فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و الحسن و الحسين عليهما السّلام رزقنا اللّه تعالى زيارتهم في الدنيا و شفاعتهم في الآخرة.

(3)و هما الحسن و الحسين عليهما السّلام، كالظهرين الشامل لصلاتي الظهر و العصر، و العشاءين الشامل لصلاتي المغرب و العشاء.

(4)يعني أنّ آل الرسول صلّى اللّه عليه و آله يطلق على باقي الأئمّة المعصومين، و هم التسعة من أولاد الحسين عليهم السّلام.

(5)فإنّ المصنّف رحمه اللّه أشار إلى اختصاص الأئمّة المعصومين عليهم السّلام باسم آل الرسول صلّى اللّه عليه و آله بقوله «الذين حفظوا ما حمله»، و هذا أمر يختصّ بهم و لا يشاركهم فيه غيرهم.

(6)فاعله هو الضمير المستتر العائد إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله. يعني أنّ آل النبيّ هم الذين حفظوا ما حمله الرسول صلّى اللّه عليه و آله من أحكام الدين.

(7)أي أدركوا من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ما أدرك النبيّ من جبرائيل عليه السّلام.

ص: 58

عنهم (1) عليهم السّلام بمزايا اخر تصير بها نسبتهم إليه كنسبة غيرهم من الرعيّة إليهم، لأنّهم عليهم السّلام في وقته صلّى اللّه عليه و آله من جملة رعيّته.

ثمّ نبّه (2) على ما أوجب فضيلتهم و تخصيصهم بالذكر بعده صلّى اللّه عليه و آله بقوله:

(حتّى قرن) الظاهر عود الضمير المستكن (3) إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، لأنّه قرن (بينهم و بين محكم الكتاب) في قوله صلّى اللّه عليه و آله: «إنّي تارك فيكم (4) ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا: كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي»، الحديث.

و يمكن عوده (5) إلى اللّه تعالى، لأنّ إخبار النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بذلك (6) مستند

**********

شرح:

(1)فإنّ الأئمّة عليهم السّلام و إن ساووا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في إدراك الدين، لكنّ النبيّ اختصّ بمزايا غير إدراك الأحكام من جبرائيل و الحال أنّهم كانوا في زمان حياة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و بالنسبة إليه كسائر الرعيّة بالنسبة إليهم عليهم السّلام، و انحصرت الولاية بعد الرسول فيهم كما أنّ كلاّ منهم بالنسبة إلى من قبله كان كسائر الرعايا بالنسبة إليه، فإنّ الحسين عليه السّلام كان في زمان الحسن عليه السّلام من جملة رعيّته من حيث وجوب الإطاعة عليه.

(2)فاعله هو الضمير العائد إلى المصنّف رحمه اللّه، فإنّه أشار إلى فضيلتهم و اختصاصهم بالذكر بقوله «حتّى قرن... إلخ».

(3)يعني أنّ الضمير المستتر في قوله «قرن» يرجع إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله على الظاهر في مقابلة احتمال رجوعه إلى اللّه تعالى كما سيشير الشارح رحمه اللّه إليه عن قريب، فإنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله جعل العترة مقرونة بالكتاب في وصيّته المعروفة بين الفريقين.

(4)في بعض الروايات: «إنّي تارك فيكم الثقلين»، و الرواية متواترة بين الفريقين، و من أرادها فليراجع كتب العامّة و الخاصّة.

(5)الضمير المستكن في قوله «عوده» يرجع إلى الضمير في قوله «قرن». يعني يمكن عود الضمير إلى اللّه تعالى بمعنى أنّ اللّه تعالى هو الذي قرن بين العترة و الكتاب.

(6)فإذا أخبر النبيّ بكون العترة مقرونة بالكتاب لم يكن خبره من عنده، بل كلّ ما

ص: 59

إلى الوحي الإلهيّ، لأنّه صلّى اللّه عليه و آله «لا ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى» (1)، و هو (2) الظاهر من قوله:(و جعلهم (3) قدوة لاولي الألباب)، فإنّ الجاعل ذلك هو اللّه تعالى، مع جواز أن يراد به (4) النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أيضا.

و «الألباب» العقول، و خصّ ذويهم، لأنّهم المنتفعون بالعبر (5)،

**********

شرح:

يقول هو وحي من عند اللّه تعالى، بدليل قوله تعالى في سورة النجم، الآية 5-2:

ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَ ما غَوى * وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (1) .

(1)قوله «لأنّه لا ينطق... إلخ» اقتباس من الآية المشار إليها في الهامش السابق.

(2)يعني يدلّ على عود الضمير المستتر في قوله «قرن» إلى اللّه تعالى قوله «و جعلهم قدوة... إلخ»، فإنّ الجاعل هو اللّه تعالى و القارن أيضا هو سبحانه.

(3)الضمير الملفوظ في قوله «جعلهم» يرجع إلى آل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله.

القدوة - مثلّثة -: ما تسنّنت به و اقتديت اسم من اقتدى به، و الاسوة، يقال: «لي بك قدوة»، (أقرب الموارد).

(4)يعني يحتمل أن يكون المراد من الجاعل الذي جعل الأئمّة قدوة لاولي الألباب أيضا هو النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، فمرجع الضميرين المستترين في قوليه «قرن» و «جعلهم» هو النبيّ صلّى اللّه عليه و آله.

(5)جمع العبرة: النظر في الأحوال، و العظة يتّعظ بها، يقال: «إنّ في ذلك عبرة لمن اعتبر» ج عبر (أقرب الموارد).

يعني أنّ علّة تخصيص المصنّف رحمه اللّه اولي الألباب بكون آل الرسول صلّى اللّه عليه و آله قدوة لهم لا لغيرهم حيث قال «جعلهم قدوة لاولي الألباب» هي انتفاع ذوي العقول بالمواعظ و ما يوجب العبرة و التوجّه إلى الحقّ، و إنّما اولو الألباب هم الذين ينتفعون بالروايات و الآثار المحكمة الصادرة عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و آله عليهم السّلام.

ص: 60


1- سوره 53 - آیه 2

المتّفقون لسديد الأثر.

(صلاة دائمة بدوام الأحقاب) جمع «حقب» (1) بضمّ الحاء و القاف، و هو الدهر (2)، و منه قوله تعالى: أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً (1) أي دائمة بدوام الدهور، و أمّا «الحقب» بضمّ الحاء و سكون القاف - و هو ثمانون سنة - فجمعه «حقاب» بالكسر، مثل قفّ (3) و قفاف، نصّ عليه الجوهريّ.

(أمّا بعد) الحمد و الصلاة، و «أمّا» كلمة فيها معنى الشرط، و لهذا (4) كانت الفاء لازمة في جوابها، و التقدير «مهما يكن من شيء بعد الحمد و الصلاة فهو (5) كذا»، فوقعت كلمة «أمّا» موقع اسم هو المبتدأ، و فعل هو

**********

شرح:

(1)الحقب - بالضمّ و بضمّتين -: ثمانون سنة و يقال أكثر من ذلك، و الدهر، و السنة، و قيل: السنون ج حقب و حقاب مثل قفّ و قفاف، و جمع حقب أحقاب و أحقب (أقرب الموارد).

(2)يعني أنّ الحقب - بضمّ الحاء و القاف - هو الدهر كما اريد منه هذا المعنى في قوله تعالى في سورة الكهف، الآية 60: إِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً (2) ، و كذا في قوله تعالى في سورة النبأ، الآية 23: لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً (3) .

(3)القفّ - بالضمّ -: ما ارتفع من الأرض، و شيء كالفأس، و القصير، و ظهر الشيء، و - من الناس: الأوباش و الأخلاط، و السدّ من الغيم كأنّه جبل، و حجارة غاص بعضها ببعض لا تخالطها سهولة، ج قفاف و أقفاف (أقرب الموارد).

(4)أي لكون معنى الشرط في «أمّا» يجب دخول الفاء في جوابها كما يجب دخولها في جواب سائر ما فيه معنى الشرط.

(5)جواب للشرط الذي يفهم من «مهما يكن... إلخ».

ص: 61


1- سوره 18 - آیه 60
2- سوره 18 - آیه 60
3- سوره 78 - آیه 23

الشرط، و تضمّنت معناهما (1)، فلزمها لصوق الاسم اللازم للمبتدإ للأوّل، إبقاء له بحسب الإمكان، و لزمها (2) الفاء للثاني.

و «بعد» ظرف زمان، و كثيرا ما يحذف منه المضاف إليه و ينوى معناه (3)، فيبنى على الضمّ.

(فهذه (4)) إشارة إلى العبارات الذهنيّة التي يريد كتابتها إن كان وضع الخطبة قبل التصنيف (5)، أو كتبها (6) إن كان بعده، نزّلها (7) منزلة الشخص المشاهد المحسوس، فأشار إليه ب «هذه» الموضوع للمشار إليه

**********

شرح:

(1)الضمير في قوله «معناهما» يرجع إلى الاسم و الفعل، و الضمير في قوله «فلزمها» يرجع إلى «أمّا». يعني أنّ المبتدأ يجب كونه اسما و خولفت هذه القاعدة في القائم مقامه و هو «أمّا»، فالتزموا لصوق الاسم بها ليبقى تحت القاعدة ما تجب رعايته حسب القاعدة بمقدار الإمكان، و الاسم اللاصق بها هنا كلمة «بعد».

(2)أي لزم الإتيان بالفاء بعد أمّا لتضمّنها معنى الشرط.

(3)يعني إذا حذف المضاف إليه لكلمة «بعد» و نوي معنى المحذوف كان لفظ «بعد» مبنيّا على الضمّ.

(4)قد ذكرنا أنّ «ذا» للمشار إليه المفرد المذكّر القريب و أنّه تدخله هاء التنبيه فيقال:

«هذا» و في المؤنّث «هذه».

(5)فالمشار إليه في قوله «هذه» هو العبارات الذهنيّة إن كانت الخطبة قبل تصنيف الكتاب.

(6)بصيغة الفعل الماضي، عطف على قوله «يريد كتابتها»، فهو صلة بعد صلة. يعني أنّ المشار إليه في قوله «هذه» هو العبارات التي كتبها إن كانت الخطبة بعد الكتابة.

(7)أي نزّل المصنّف رحمه اللّه العبارات الذهنيّة أو المكتوبة منزلة الشخص المشاهد المحسوس، لأنّ «هذه» يشار به إلى المشار إليه المحسوس.

ص: 62

المحسوس (اللمعة) بضمّ اللام، و هي لغة: البقعة (1) من الأرض الكلأ (2) إذا يبست و صار لها بياض، و أصله من «اللمعان» (3)، و هو الإضاءة و البريق، لأنّ البقعة من الأرض ذات الكلأ المذكور (4)، كأنّها (5) تضيء دون سائر البقاع، و عدي ذلك (6) إلى محاسن الكلام و بليغه (7)، لاستنارة الأذهان به، و لتميّزه عن سائر الكلام، فكأنّه (8) في نفسه ذو ضياء و نور (الدمشقيّة) بكسر الدال و فتح الميم (9)، نسبها إلى «دمشق» المدينة المعروفة بالشام، لأنّه صنّفها (10) بها في بعض أوقات إقامته بها (في فقه الإماميّة) الاثني

**********

شرح:

(1)البقعة - بالضمّ و قد تفتح -: القطعة من الأرض، ج بقع و بقاع (أقرب الموارد).

(2)الكلأ: العشب، و قيل: ما ليس له ساق رطبه و يابسه ج أكلاء (أقرب الموارد).

(3)من لمع البرق و غيره لمعا و لمعانا و لموعا و لميعا و تلمّاعا: أضاء (أقرب الموارد).

يعني أنّ اللمعة في اللغة مأخوذة من اللمعان بمعنى الإضاءة و البريق.

(4)المراد من «المذكور» هو قوله «إذا يبست و صار لها بياض».

(5)الضمير في قوله «كأنّها» يرجع إلى البقعة من الأرض التي يبست. يعني إذا يبس العشب في تلك البقعة أضاءت هي بخلاف غيرها من الأراضي التي لا تكون كذلك.

(6)يعني عدّي ذلك المعنى المتعلّق بالأرض لغة إلى الكلام الذي توجد فيه المحاسن و البلغة فيقال له أيضا «اللمعة» لأنّ الأذهان تستنير بذلك الكلام كما يظهر النور و الضوء من الأرض التي فيها الكلأ.

(7)الضمائر في أقواله «بليغه» و «به» و «لتميّزه» ترجع إلى الكلام.

(8)يعني فكأنّ الكلام في نفسه له نور و ضياء يستضاء و يستنار به.

(9)و يجوز قراءتها بكسرتين أيضا كما مرّ، و هي الآن عاصمة الجمهوريّة العربيّة السوريّة.

(10)فإنّ المصنّف رحمه اللّه صنّف كتاب اللمعة ببلدة دمشق و لذا سمّاه باللمعة الدمشقيّة.

ص: 63

عشريّة أيّدهم اللّه تعالى،(إجابة) منصوب على المفعول (1) لأجله، و العامل محذوف، أي صنّفها إجابة (لالتماس) - و هو طلب المساوي من مثله و لو بالادّعاء (2) كما في أبواب الخطابة -(بعض الديّانين) أي المطيعين (3) للّه في أمره و نهيه.

نبذة من حياة الشهيد الأوّل رحمه اللّه

اشارة

و هذا البعض هو شمس الدين محمّد الآويّ (4) من أصحاب السلطان عليّ بن مؤيّد ملك خراسان و ما والاها (5) في ذلك الوقت إلى أن استولى على بلاده (6) «تيمور لنك» فصار (7) معه قسرا...............

**********

شرح:

(1)و هو المفعول له. يعني أنّ المصنّف صنّف كتاب اللمعة لأجل الإجابة عن التماس بعض الأشخاص المتديّنين، و العامل في هذا المفعول له هو الفعل المحذوف، و هو «صنّفتها»، فإنّ المصنّف هو الذي يخبرنا بما فعله و يكشف لنا عمّا انعقد في مكنون ضميره.

(2)يعني أنّ الالتماس صادق و لو لم يكن الطالب مساويا للمطلوب منه حقيقة، لأنّها تكفي المساواة الادّعائيّة.

(3)تفسير للديّانين. يعني أنّ الديّانين هم المطيعون لأوامر اللّه و نواهيه.

(4)منسوب إلى «آوه»: بليدة تقابل ساوه تعرف بين العامّة بآوه... و أهلها شيعة و أهل ساوه سنّيّة لا تزال الحروب بين البلدين قائمة على المذهب (معجم البلدان ج 1 ص 50).

(5)يعني كان الآويّ من أصحاب عليّ بن مؤيّد، و هو آخر الملوك المعروفين ب «سربداريّة»، و كان شيعيّ المذهب، كثير العطاء، محبّا للعلماء و الفضلاء على ما نقل، ملك خراسان و الأراضي التي كانت من توابع خراسان في ذلك الوقت.

(6)الضمير في قوله «بلاده» يرجع إلى ملك خراسان. يعني تسلّط «تيمور لنك» على البلاد التي كان عليّ بن مؤيّد ملكا و حاكما عليها.

(7)فاعله هو الضمير العائد إلى عليّ بن مؤيّد. يعني بعد تسلّط «تيمور لنك» على بلاد

ص: 64

إلى أن توفّي (1) في حدود سنة خمس و تسعين و سبعمائة بعد أن استشهد

**********

شرح:

خراسان و توابعها صار عليّ بن مؤيّد مع تيمور و كان من أصحابه قهرا و بلا إرادة.

قسره على الأمر قسرا: أكرهه عليه و قهره (أقرب الموارد).

إيضاح: رأيت في حالات الشهيد الأوّل رحمه اللّه أنّه كتب اللمعة الحاوي لأبواب الفقه بالاختصار جوابا عن رسالة حاكم خراسان «عليّ بن مؤيّد» و قد طلب فيها أن يقدم إلى خراسان و يكون مرجعا للشيعة فيها، لكنّه اعتذر عن المجيء إلى خراسان.

و قيل: إنّه ألّف الرسالة مدّة سبعة أيّام و لم يكن عنده من مراجع فقه الشيعة إلاّ كتاب «المختصر النافع» للمحقّق الحلّيّ رحمه اللّه.

و دفع الرسالة إلى الشيخ محمّد الآويّ و أوصاه بالإسراع بها إلى الملك «عليّ بن مؤيّد» و بالكتمان، و لشدّة حرص الآويّ على العناية بالنسخة لم يسمح لأحد أن يستنسخ منها عدا بعض الطلاّب الذين أجاز لهم الاستنساخ منها و هي بيده محافظة عليها و عملا بالوصيّة.

و كان الشهيد في أيّام كتابة اللمعة مراقبا في بيته من قبل الأعداء فلذا كان يكتتم كتابتها.

و العجب من حاله أنّهم نقلوا أنّ مجلس الشهيد كان محلّ تردّد حشد من علماء العامّة و رجال السياسة في ذلك العصر، فلمّا شرع في كتابة اللمعة كانوا كأنّهم قد صدّوا عن الطريق المنتهية إلى بيته مدّة كتابته اللمعة الشريفة، و هذا من الغرائب، بل هو من كرامات الشهيد الأوّل قدّس سرّه.

(1)فاعله هو الضمير العائد إلى عليّ بن مؤيّد. يعني بعد أن تسلّط تيمور لنك على بلاد خراسان كان عليّ بن مؤيّد معه حتّى مات في حدود سنة 795 الهجريّة بعد ما ستشهد الشهيد الأوّل بتسع سنين.

ص: 65

..........

اسمه و لقبه و كنيته و سبب حبسه رحمه اللّه

**********

شرح:

و لا يخفى أنّ الشهيد الأوّل استشهد في سنة 786، فإذا اضيف إليه 9 حصل زمن موت الملك عليّ بن مؤيّد: (795< - 9 + 786).

نبذة من حياة الشهيد الأوّل رحمه اللّه وفاة الشهيد الأوّل رحمه اللّه

في كتاب روضات الجنّات للعلاّمة المتتبّع الميرزا محمّد باقر الخونساريّ: و كانت وفاته سنة ستّ و ثمانين و سبعمائة التاسع من جمادي الاولى.

قتل بالسيف ثمّ صلب ثمّ رجم بدمشق في دولة «بيدمر» و سلطنة «برقوق» بفتوى القاضي برهان الدين المالكيّ و عبّاد بن جماعة الشافعيّ بعد ما حبس سنة كاملة في قلعة الشام.

و في مدّة الحبس ألّف «اللمعة الدمشقيّة» في سبعة أيّام، و ما كان يحضره من كتب الفقه غير «المختصر النافع».

اسمه و لقبه و كنيته هو الشيخ الشهيد شمس الملّة و الدين أبو عبد اللّه محمّد بن الشيخ جمال الدين مكّيّ النبطيّ العامليّ الجزّينيّ.

نسبته إلى جزّين على وزن سكّين من قرى جبل عامل الواقعة على الطرف الجنوبيّ من بلدة دمشق.

سبب حبس الشهيد الأوّل رحمه اللّه و كان سبب حبسه و قتله أنّه وشىء به رجل من أعدائه و كتب محضرا يشتمل على

ص: 66

المصنّف قدّس اللّه سرّه بتسع سنين.

و كان بينه (1) و بين المصنّف قدّس اللّه سرّه مودّة و مكاتبة على البعد إلى العراق ثمّ إلى الشام، و طلب منه (2) أخيرا التوجّه إلى بلاده في مكاتبة

**********

شرح:

مقالات شنيعة عند العامّة من مقالات الشيعة و غيرهم و شهد بذلك جماعة كثيرة و كتبوا عليه شهاداتهم و ثبت ذلك عند قاضي صيدا.

ثمّ أتوا به إلى قاضي الشام فحبس سنة، ثمّ أفتى الشافعيّ بتوبته و المالكيّ بقتله.

فتوقّف في التوبة خوفا من أن يثبت عليه الذنب و أنكر ما نسبوه إليه للتقيّة.

فقالوا: قد ثبت ذلك عليك و حكم القاضي لا ينقض و الإنكار لا يفيد.

فغلب رأي المالكيّ، لكثرة المتعصّبين عليه فقتل، ثمّ صلب و رجم ثمّ احرق قدّس اللّه روحه (الروضات: ج 7 ص 10).

قال صاحب الروضات: و رأيت في بعض مؤلّفات صاحب «مقامع الفضل» أنّه كتب في سبب غيظ ابن جماعة الملعون على شيخنا الشهيد المرحوم على هذا الوجه أنّه جرى يوما بينهما كلام في بعض المسائل و كانا متقابلين و بين يدي الشهيد رحمه اللّه دواة كان يكتب بمدادها.

و كان ابن جماعة كبير الجثّة جدّا، بخلاف الشهيد، فإنّه كان صغير البدن في الغاية.

فقال ابن جماعة في ضمن المناظرة تحقيرا لجثّة جناب الشيخ: إنّي أجد حسّا من وراء الدواة و لا أفهم ما يكون معناه؟

فأجاب الشيخ من غير تأمّل و قال له: نعم ابن الواحد لا يكون أعظم من هذا.

فخجل ابن جماعة من هذه المقالة كثيرا و امتلأ منه غيظا و حقدا إلى أن فعل به ما فعل (الروضات: ج 7 ص 14).

(1)الضمير في قوله «بينه» يرجع إلى عليّ بن مؤيّد. يعني كان بين الشهيد رحمه اللّه و بين ملك خراسان مكاتبة على البعد بينهما.

(2)أي طلب ابن مؤيّد من الشهيد المجيء إلى خراسان ليكون فيها مرجعا للشيعة.

ص: 67

شريفة أكثر فيها من التلطّف و التعظيم و الحثّ للمصنّف رحمه اللّه على ذلك، فأبى و اعتذر (1) إليه، و صنّف له هذا الكتاب بدمشق في سبعة أيّام لا غير على ما نقله عنه ولده المبرور أبو طالب محمّد، و أخذ شمس الدين محمّد الآويّ نسخة الأصل، و لم يتمكّن أحد من نسخها منه، لضنّته (2) بها، و إنّما نسخها بعض الطلبة و هي في يد الرسول تعظيما لها، و سافر بها قبل المقابلة، فوقع فيها بسبب ذلك خلل، ثمّ أصلحه المصنّف بعد ذلك بما يناسب المقام، و ربّما كان مغايرا للأصل بحسب اللفظ، و ذلك (3) في سنة اثنين و ثمانين و سبعمائة.

و نقل عن المصنّف رحمه اللّه أنّ مجلسه بدمشق في ذلك الوقت ما كان يخلو غالبا من علماء الجمهور (4)، لخلطته بهم و صحبته لهم، قال (5): «فلمّا

**********

شرح:

(1)فإنّ الشهيد رحمه اللّه امتنع عن المجيء و اعتذر عن القدوم إلى خراسان و صنّف للملك هذا الكتاب (اللمعة الدمشقيّة).

(2)الضنّة: البخل (راجع كتب اللغة).

و الضمير في قوله «لضنّته» يرجع إلى شمس الدين الآويّ، و في قوله «بها» يرجع إلى نسخة الأصل.

(3)المشار إليه في قوله «ذلك» هو إصلاح المصنّف رحمه اللّه اللمعة، فإنّه كان في سنة 782 ه.

(4)الجمهور: جلّ الناس و أشرافهم (أقرب الموارد).

و المراد منه هنا هو أهل السنّة و الجماعة.

(5)فاعله هو الضمير العائد إلى المصنّف رحمه اللّه، فإنّه ذكر أنّ من خفيّ الألطاف الإلهيّة عليه أنّه لمّا شرع في تصنيف اللمعة لم يدخل عليه أحد ممّن كان يخاف أن يدخل عليه من العامّة، مع أنّ العادة كانت قد جرت على دخولهم عليه غالبا!

ص: 68

شرعت في تصنيف هذا الكتاب كنت أخاف أن يدخل عليّ أحد منهم فيراه، فما دخل عليّ أحد منذ شرعت في تصنيفه إلى أن فرغت منه (1)، و كان ذلك من خفيّ الألطاف»، و هو (2) من جملة كراماته قدّس اللّه روحه و نوّر ضريحه.

(و حسبنا اللّه) أي محسبنا و كافينا (و نعم (3) المعين) عطف إمّا على جملة «حسبنا اللّه» بتقدير المعطوفة (4) خبريّة، بتقدير المبتدأ مع ما يوجبه (5)، أي «مقول في حقّه ذلك» أو بتقدير (6) المعطوف عليها إنشائيّة، أو على خبر المعطوف عليها (7) خاصّة، فتقع الجملة الإنشائيّة خبر

**********

شرح:

(1)الضمير في قوله «منه» يرجع إلى التصنيف.

(2)يعني أنّ عدم دخول أحد من العامّة في زمان تصنيف الكتاب على المصنّف رحمه اللّه من جملة كراماته، لجريان العادة على خلاف ذلك.

(3)نعم: فعل غير متصرّف لإنشاء المدح، تقول: «نعم الرجل زيد»، و هو للمبالغة في المدح... إلخ (المنجد).

(4)صفة لموصوف مقدّر هو الجملة. يعني أنّ الاحتمال الأوّل في عطف قوله «نعم المعين» هو أن تقدّر هذه الجملة المعطوفة خبريّة لا إنشائيّة تفيد إنشاء المدح، و تقديرها خبريّة بتقدير مبتدأ و خبر أعني «هو المقول في حقّه: نعم المعين».

(5)أي يقدّر مع المبتدأ ما يوجبه من الخبر، و هو «المقول في حقّه»، فالمجموع المقدّر هو هكذا: و هو المقول في حقّه: نعم المعين.

(6)هذا احتمال ثان في خصوص قوله «نعم المعين»، و هو أن تفرض الجملة المعطوف عليها - و هي قوله «حسبنا اللّه» - جملة إنشائيّة، فيكون معنى الجملة المعطوف عليها: اللّهم كن لنا حسيبا و كافيا.

(7)و هذا احتمال ثالث حول قوله «نعم المعين»، و هو أن يؤوّل قوله «نعم المعين» إلى

ص: 69

المبتدأ (1)، فيكون عطف مفرد متعلّقه جملة إنشائيّة (2)، أو يقال (3): إنّ الجملة التي لها محلّ من الإعراب لا حرج في عطفها كذلك، أو تجعل الواو (4) معترضة لا عاطفة، مع أنّ جماعة من النحاة أجازوا عطف الإنشائيّة على الخبريّة و بالعكس (5)، و استشهدوا عليه (6)...........

**********

شرح:

المفرد و يعطف على المفرد، و هو خبر الجملة المعطوف عليها خاصّة.

و المراد من خبر الجملة المعطوف عليها هو قوله «حسبنا»، و المبتدأ المؤخّر هو قوله «اللّه». يعني اللّه حسبنا.

(1)فالمبتدأ هو اللّه، و الجملة الإنشائيّة - و هي قوله «نعم المعين» - خبر بعد خبر، فتصبح جملة إنشائيّة خبرا عن مبتدأ هو اللّه.

(2)فإنّ تقديره كما ذكر سابقا: «المقول في حقّه: نعم المعين»، فقد عطف المفرد الذي متعلّقه جملة إنشائيّة - و هو «المقول» - على مفرد، و هو الخبر السابق أعني «حسبنا».

(3)هذا وجه ثان لتصحيح عطف الجملة التي هي قوله «نعم المعين» على المفرد الذي هو «حسبنا» بأنّه قيل في كتب النحو: إنّ الجملة التي لها محلّ من الإعراب - كما فيما نحن فيه - لا مانع من عطفها على مفرد.

(4)أي الواو في قوله «حسبنا اللّه و نعم المعين».

(5)أي و أجازوا عطف الجملة الخبريّة على الإنشائيّة.

(6)يعني أقاموا على جواز عطف الجملة الخبريّة على الإنشائيّة و بالعكس شواهد من آيات قرآنيّة و كذا شواهد شعريّة.

* قال ابن هشام الأنصاريّ في مغني اللبيب في البحث عن عطف الخبر على الإنشاء و بالعكس: منعه البيانيّون و ابن مالك في شرح باب المفعول معه من كتاب التسهيل و

ص: 70

بآيات قرآنيّة (1) و شواهد شعريّة.

(و هي (2) مبنيّة) أي مرتّبة، أو ما هو أعمّ (3) من الترتيب (على كتب)

**********

شرح:

ابن عصفور في شرح الإيضاح.

و في حاشية المغني هنا: هذا هو المشهور بين الجمهور، و قال السيّد في حاشية المطوّل: إنّ منع البيانيّين إنّما هو في الجملة التي لا محلّ لها من الإعراب، و إنّ ذلك جائز في الجمل التي لها محلّ من الإعراب، نصّ عليه العلاّمة - يعني صاحب الكشّاف - في سورة نوح عليه السّلام، و مثّل بقولك: «قال زيد: نودي للصلاة، و صلّ في المسجد»، و كفاك حجّة قاطعة على جوازه قوله تعالى: وَ قالُوا حَسْبُنَا اللّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ (1) .

قال: هذه الواو من الحكاية لا من المحكيّ، أي قالوا حسبنا اللّه و قالوا نعم الوكيل، و ليس هذا الجواز مختصّا بالجمل المحكيّة بعد القول... و من أراد التفصيل فليراجع كتاب المغني، الطبعة القديمة ص 249.

(1)و من الآيات القرآنيّة المستشهد بها قوله تعالى في سورة الصفّ: وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (2) ، و في سورة البقرة: وَ بَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا (3) .

قال أبو حيّان: و أجاز سيبويه «جاءني زيد و من معه و العاقلان» على أن يكون العاقلان خبرا لمحذوف.

و من الأشعار المستشهد بها

و إنّ شفائي عبرة مهراقة*** و هل عند رسم دارس من معوّل

(مغني اللبيب، الطبعة القديمة ص 249).

(2)الضمير في قوله «و هي» يرجع إلى اللمعة الدمشقيّة. يعني أنّ اللمعة الدمشقيّة مرتّبة على كتب، فالمقصود من البناء هو الترتيب.

(3)يعني أو المقصود من البناء هو المعنى الأعمّ من الترتيب.

ص: 71


1- سوره 3 - آیه 173
2- سوره 61 - آیه 13
3- سوره 2 - آیه 25

- بضمّ التاء و سكونها - جمع كتاب (1)، و هو فعال من «الكتب» بالفتح، و هو الجمع، سمّي به المكتوب المخصوص (2)، لجمعه المسائل المتكثّرة.

و الكتاب أيضا مصدر مزيد (3) مشتقّ من المجرّد، لموافقته له في حروفه الأصليّة و معناه (4) (5).

**********

شرح:

*قال الشارح رحمه اللّه في حاشية منه هنا: و هو التأليف، فيكون التأليف أعمّ من الترتيب بحسب المفهوم.

(1)الكتاب: ما يكتب فيه تسمية بالمصدر، سمّي به لجمعه أبوابه و فصوله و مسائله ج كتب و كتب (أقرب الموارد).

(2)المراد من «المكتوب المخصوص» هو اللمعة الدمشقيّة.

(3)يعني أنّ الكتاب مصدر للباب المزيد فيه أعني باب المفاعلة: كاتب يكاتب كتابا و زان ضارب يضارب ضرابا، فإنّه اشتقّ من الكتاب المجرّد.

(4)يعني أنّ الكتاب المزيد فيه يوافق الكتاب المجرّد من حيث الحروف الأصليّة و من حيث المعنى، فلا يتوهّم اشتقاقه من غيره.

نبذة من حياة الشهيد الثاني رحمه اللّه

اسمه و لقبه

اسمه و لقبه (5)هو الشيخ الإمام الهمام و البدر التمام زين الدين بن عليّ بن أحمد بن محمّد بن عليّ بن جمال الدين الجبعيّ العامليّ الشاميّ أفاض اللّه على تربته الزكيّة.

في كتاب روضات الجنّات: إنّ مولده كان في ثالث عشر شهر شوّال سنة إحدى عشرة و تسعمائة، و كان عمره لمّا اجتهد ثلاثا و ثلاثين سنة (الروضات: ج 3 ص 373).

ص: 72

................

من كراماته

**********

شرح:

من كراماته لمّا حرّر الشهيد الثاني الاجتهاد في قبلة العراق و حقّق حالها و اعتبر محراب جامع الكوفة الذي صلّى فيه أمير المؤمنين عليه السّلام وجد محراب حضرته المقدّسة مخالفا لمحراب الجامع و أقام البرهان على ذلك و صلّى فيه منحرفا نحو المغرب لما يقتضيه الحال، و قرّر ما أدّى إليه اجتهاده في ذلك المجال و سلّم طلبة العلم ذلك لمّا اتّضح الأمر لهم هنالك.

و تخلّف رجل عن التسليم أعجميّ يقال له: الشيخ موسى و انقطع عن ملاقاته لأجل ذلك ثلاثة أيّام و أنكر عليه غاية الإنكار لما قد تردّد إلى تلك الحضرة من الفضلاء الأعيان على تغاير الزمان خصوصا المرحوم الشيخ عليّ و غيره من الأفاضل الذين عاصرهم هؤلاء الجماعة، و هذا الموجب لنفورهم عمّا حقّقه الشيخ قدّس سرّه.

فلمّا انقطع الرجل المذكور عنه هذه المدّة رأى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في منامه و أنّه دخل إلى الحضرة المشرّفة و صلّى بالجماعة على السمت الذي صلّى عليه الشيخ منحرفا كانحرافه، فانحرف اناس معه و تخلّف آخرون، فلمّا فرغ النبيّ من الصلاة التفت إلى الجماعة و قال: «كلّ من صلّى و لم ينحرف كما انحرفت فصلاته باطلة».

فلمّا انتبه الشيخ موسى طفق يسعى إلى شيخنا قدّس سرّه و جعل يقبّل يديه و يعتذر إليه من الجفاء و الإنكار و التشكيك في أمره.

فتعجّب شيخنا من ذلك و سأله عن السبب فقصّ عليه الرؤيا كما ذكر (الروضات: ج 3 ص 2-371).

ص: 73

...............

شرحه على اللمعة

**********

شرح:

شرحه على اللمعة و من أشهر ما كتبه و حرّره هو شرحه على اللمعة، و ليس تدرك الدقائق اللفظيّة و المعنويّة التي اعتبرها فيه إلاّ بمراجعات دقيقة و مطالعات عميقة، و كان قد صنّفه في مقابلة بعض كتب العامّة المتحدّية بها عندهم في هذا الشأن مع أنّه لم يصرف غاية جدّه فيه و لا بذل نهاية جهد في مطاويه، لما نقل أنّه كان في كلّ يوم يكتب منها غالبا كرّاسا *.

و يظهر من نسخة الأصل أيضا أنّه ألّفه في ستّة أشهر و ستّة أيّام، كما ذكره صاحب الأمل و صرّح به أيضا صاحب الحدائق و غيره.

و في بعض المواضع أنّه صنّفه في قريب من خمسة عشر شهرا، و هو أيضا عجيب.

و قد تعرّض لشرحه و التعليق عليه جماعة من فضلاء الأصحاب منهم:

1 - ولده الشيخ حسن رحمه اللّه.

2 - حفيده الشيخ محمّد رحمه اللّه.

3 - ولده الثالث الشيخ عليّ، و رأيت شرح الشيخ عليّ المرحوم في مجلّدين كتابيّين.

4 - الفاضل الهنديّ رحمه اللّه.

5 - الآقا جمال الدين الخوانساريّ رحمه اللّه.

6 - الخليفة سلطان الحسينيّ رحمه اللّه.

7 - الشيخ جعفر القاضي رحمه اللّه.

8 - محمّد عليّان الفقيهان الألمعيّان ابنا الآقا محمّد باقرين المجتهدين اللوذعيّين أعني المروّج البهبهانيّ و الهزارجريبيّ المتوطّن بأرض الغريّ.

9 - السيّدان الفاضلان المؤيّدان المسمّيان كلاهما بالحسين، أحدهما الأمير

ص: 74

.............

**********

شرح:

محمّد حسين بن الأمير محمّد صالح الأصفهانيّ الخاتون آباديّ، و الآخر الأمير السيّد حسين بن السيّد أبي القاسم الخوانساريّ جدّ مؤلّف هذا الكتاب (الروضات:

ج 3 ص 377).

* الكرّاس: الجزء من الكتاب يحتوي في الغالب على ثمان ورقات (أقرب الموارد).

قتله و شهادته

قتله و شهادته في «الأمل»: إنّ سبب قتله على ما سمعته من بعض المشايخ و رأيت بخطّ بعضهم أنّه ترافع إليه رجلان فحكم لأحدهما على الآخر، فغضب المحكوم عليه و ذهب إلى قاضي صيدا و اسمه معروف و كان الشيخ في تلك الأيّام مشغولا بتأليف شرح اللمعة.

فأرسل القاضي إلى جميع من يطلبه و كان مقيما في كرم له مدّة منفردا عن البلد متفرّغا للتأليف، فقال له بعض أهل البلد: قد سافر عنّا منذ مدّة.

و في رواية أنّه كتب فيما أرسله إليه: أيّها الكلب الرافضيّ.

فكتب الشيخ رحمه اللّه في جوابه: إنّ الكلب معروف.

قال: فخطر ببال الشيخ رحمه اللّه أن يسافر إلى الحجّ، و كان قد حجّ مرارا، لكنّه قصد الاختفاء فسافر في محمل مغطّى.

و كتب القاضي إلى سلطان الروم أنّه قد وجد ببلاد الشام رجل مبدع خارج عن المذاهب الأربعة.

فأرسل السلطان رجلا في طلب الشيخ و قال له: ايتني به حيّا حتّى أجمع بينه و بين علماء بلادي فيبحثوا معه و يطّلعوا على مذهبه و يخبروني فأحكم عليه بما يقتضيه مذهبي.

ص: 75

..................

**********

شرح:

فجاء الرجل فأخبر أنّ الشيخ «توجّه إلى مكّة، فذهب في طلبه فاجتمع به في طريق مكّة فقال له: تكون معي حتّى نحجّ بيت اللّه ثمّ أفعل ما تريد، فرضي بذلك.

فلمّا فرغ من الحجّ سافر معه إلى بلاد الروم، فلمّا وصل إليها رآه رجل فسأله عن الشيخ فقال: هذا رجل من علماء الشيعة اريد أن أوصله إلى السلطان.

فقال: أو ما تخاف أن يخبر السلطان بأنّك قصّرت في خدمته و آذيته و له هناك أصحاب يساعدونه فيكون سببا في هلاكك، بل الرأي أن تقتله و تأخذ برأسه إلى السلطان، فقتله في مكان من ساحل البحر.

و كان هناك جماعة من التركمان فرأوا في تلك الليلة نورا ينزل من السماء و يصعد، فدفنوه و بنوا عليه قبّة.

و أخذ الرجل برأسه إلى السلطان فأنكر عليه و قال: أمرتك أن تأتيني به حيّا فقتلته؟! و سعى السيّد عبد الرحيم العبّاسيّ في قتل ذلك الرجل فقتله السلطان، انتهى (الروضات: ج 3 ص 2-381).

و قال في «لؤلؤة البحرين»: أقول: وجدت في بعض الكتب المعتمدة في حكاية قتله رحمه اللّه أيضا ما صورته:

قبض شيخنا الشهيد الثاني رحمه اللّه بمكّة المشرّفة بأمر السلطان سليم ملك الروم في خامس شهر ربيع الأوّل سنة خمس و ستّين و تسعمائة (965)، و كان القبض عليه بالمسجد الحرام بعد فراغه من صلاة العصر و أخرجوه إلى بعض دور مكّة.

و بقي محبوسا هناك شهرا و عشرة أيّام ثمّ ساروا به على طريق البحر إلى قسطنطنيّة و قتلوه بها في تلك السنة.

و بقي مطروحا ثلاثة أيّام ثمّ ألقوا جسده الشريف في البحر، انتهى (الروضات: ج 3 ص 383).

ص: 76

...................

**********

شرح:

و في مقامات السيّد نعمة اللّه الجزائريّ أنّه كان يقرأ في سطور دمه من يعرف حاله و رسمه: اللّه، اللّه، فبنوا عليه بناء خارج «اصطنبول» يسمّى ميرزا زين الدين وليّ.

و من جملة كراماته المنقولة في حقّه عن بعض مؤلّفات شيخنا البهائيّ رحمه اللّه أنّه قال:

أخبرني والدي قدّس سرّه أنّه دخل في صبيحة بعض الأيّام على شيخنا الشهيد المعظّم عليه فوجده متفكّرا فسأله عن سبب تفكّره فقال: يا أخي أظنّ أنّي أكون ثاني الشهيدين...، لأنّي رأيت البارحة في المنام أنّ السيّد المرتضى علم الهدى رحمه اللّه عمل ضيافة جمع فيها العلماء الإماميّة بأجمعهم في بيت، فلمّا دخلت عليهم قام السيّد المرتضى و رحّب بي و قال لي: يا فلان اجلس بجنب الشيخ الشهيد، فجلست بجنبه، فلمّا استوى بنا المجلس انتبهت من المنام، و منامي هذا دليل ظاهر على أنّي أكون تاليا له في الشهادة (الروضات: ج 3 ص 383).

و عنه أيضا بطريق آخر أنّه مرّ على مصرعه المعروف في بعض زمن حياته و معه والد شيخنا البهائيّ أيضا.

قال: فلمّا رأى ذلك المكان تغيّر لونه و قال: سيهرق في هذا المكان دم رجل كبير، فظهر بعد أيّام أنّه كان نفسه رحمه اللّه (الروضات: ج 3 ص 4-383).

و في بعض المواضع أنّه وجد في تلك الليلة التي قتل رحمه اللّه في نهارها على جسده المطهّر نورا يمتدّ إلى السماء و على صدره رقعة فيها مكتوب: أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (1) ، و على وجهها الآخر: «إن كنت عبدي فاصطبر»، (الروضات: ج 3 ص 384).

و قد قال في تاريخ وفاته بعض الادباء:

تاريخ وفاة ذلك الأوّاه*** الجنّة مستقرّه و اللّه

أقول: لا يبعد صحّة جميع ما نقل في حقّ الشهيد رحمه اللّه من الكرامات، لأنّ شأن العلماء و الفقهاء هو كما نقله الفريقان عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله «إنّ علماء أمّتي كأنبياء بني إسرائيل» و

ص: 77


1- سوره 54 - آیه 10

....................

**********

شرح:

العقل أيضا يؤيّد أنّ كونهم مثل الأنبياء عليهم السّلام يقتضي تحقّق الكرامات و الخوارق للعادات لهم حيّا و ميّتا.

و إنّي شاهدت من بعض فقهاء عصرنا هذا ما يعجبني، لأنّه يستحيل ذلك عادة من غيرهم من الإخبار بالمغيبات و الكشف عن الحقائق و المستورات، و قد استشفي من قبور الفقهاء بما لا يسعني الآن تفصيله في هذا المختصر.

ص: 78

كتاب الطهارة

اشارة

ص: 79

ص: 80

الطهارة لغة و اصطلاحا

كتاب الطهارة (1) مصدر «طهر» بضمّ العين و فتحها (2)، و الاسم (3) الطهر بالضمّ،

**********

شرح:

الطهارة الطهارة لغة و اصطلاحا (1)المضاف و المضاف إليه خبر لمبتدإ مقدّر هو «هذا»، و الإضافة بيانيّة. يعني أنّ هذا هو كتاب الطهارة.

الطهارة مصدر من طهر و طهر طهرا و طهورا و طهارة: ضدّ نجس (المنجد).

(2)أي و بفتح العين.

(3)يعني أنّ اسم المصدر من الطهارة هو الطهر، و المراد من اسم المصدر هو الذي يدلّ على الحاصل من فعل المصدر مثل الغسل الحاصل من الغسل.

إيضاح: ذكروا امورا للفرق بين اسم المصدر و فعل المصدر على ما في التوضيح لألفيّة ابن مالك.

الأوّل: أنّ الاسم الدالّ على مجرّد الحدث إن كان علما كحماد للمحمدة أو كان مبدوّا بميم زائدة لغير المفاعلة كمضرب أو متجاوزا فعله الثلاثيّ و هو بزنة اسم الحدث الثلاثيّ كغسل من اغتسل فهو اسم مصدر، و إلاّ فهو فعل مصدر.

ص: 81

(و هي (1) لغة النظافة (2))...

**********

شرح:

الثاني: في التصريح أنّ المصدر يدلّ على الحدث بنفسه و اسم المصدر بواسطة المصدر، فمدلول المصدر معنى و مدلول اسم المصدر لفظ المصدر.

الثالث: و قيل: المصدر يدلّ على الحدث و اسمه على الهيأة الحاصلة بسببه مثل «رفتن و رفتار» كالطهر بمعنى «پاكى» و الطهارة بمعنى «پاك بودن».

الرابع: قيل: اسم المصدر لفظه غير لفظ المصادر نظير أسماء الأفعال.

الخامس: أنّ المصدر وضع لفعل الشيء أو الانفعال به و اسم المصدر لأصل ذلك الشيء، فالاغتسال إيجاد أفعال تدريجيّة مخصوصة، و الغسل هو تلك الأفعال أنفسها.

السادس: قيل: إنّ المصدر و الحدث باعتبار التعلّق بالفاعل و المفعول المبهم تفصيلا و اسم المصدر إجمالا، أو المصدر هو باعتبار التعلّق تفصيلا أو إجمالا و اسم المصدر بدون اعتبار التعلّق مطلقا.

السابع: قيل: إنّ المصدر له معنى مفعول نسبيّ لا يكون الخارج ظرفا لوجوده، و اسم المصدر له معنى حاصل فيمن قام به المصدر ليس بأمر نسبيّ يكون الخارج ظرفا لوجوده يقال له: الحاصل بالمصدر كما في بعض حواشي الكشّاف في سورة الزلزال إلى غير ذلك، و إن كان في بعض الفروق تأمّل مختصر (اقتباس من بعض حواشي الكتاب).

فقول الشارح رحمه اللّه «و الاسم الطهر» ينطبق عليه الفرق الخامس من الفروق المذكورة تفصيلا أوضح من غيره، فالطهارة فعل مصدر بمعنى الانفعال - بالفارسيّة:

«پاك بودن» - و الطهر اسم مصدر للحالة الحاصلة للمتطهّر، بالفارسيّة: «پاكى».

(1)الضمير في قوله «و هي» يرجع إلى الطهارة. يعني أنّ معنى الطهارة في اللغة هو النظافة و النزاهة.

(2)من نظف الشيء نظافة: نقي من الوسخ و الدنس و حسن و بهؤ (أقرب الموارد).

ص: 82

و النزاهة (1) من الأدناس (2).

الطهارة شرعا

(و شرعا (3)) - بناء على ثبوت الحقائق الشرعيّة (4) -(استعمال طهور (5) مشروط بالنيّة).

**********

شرح:

(1)من نزه المكان نزاهة و نزاهية: كان نزها و نزيها، و - الرجل: تباعد عن كلّ مكروه (أقرب الموارد).

فمعنى النزاهة أعمّ من معنى النظافة، لأنّ الاولى تستعمل في الاجتناب عن الرذائل الأخلاقيّة أيضا و يقال: فلان منزّه من الرذائل الأخلاقيّة.

(2)الأدناس جمع، مفرده الدنس: المتّسخ، يقال: «فلان دنس الثياب».

و الحاصل أنّ الأدناس جمع دنس، وزان كتف بكسر الوسط لا بفتحه كما ذكره بعض المحشّين، لأنّ المراد منه هو الشيء المتدنّس، أمّا الدنس بالفتح فله معنى مصدريّ، فالأوّل بالفارسيّة: «پليد»، و الثاني «پليدى».

و أيضا الدنس - بفتح النون - لا يجمع وزان أدناس (راجع كتب اللغة).

(3)تمييز. يعني أنّ الطهارة في اصطلاح الشرع هي استعمال طهور... إلخ.

(4)المراد من «الحقائق الشرعيّة» هو جعل الشارع لفظا موضوعا في اللغة لمعنى موضوعا لمعنى آخر بمعنى نقل الشارع ذاك اللفظ من معناه اللغويّ إلى المعنى المقصود منه عند الشارع، مثل لفظ الصلاة و الحجّ و الصوم و غيرها من أسامى العبادات، فلها معان في اللغة، لكنّ الشارع جعلها لمعان اخر مقصودة في الشرع.

* من حواشي الكتاب: يمكن أن يكون المراد بقوله «شرعا» هو بيان المعنى الشرعيّ، سواء كان حقيقة شرعيّة أو مجازا شائعا، أو المعنى الحقيقيّ عند المتشرّعة، و لا ريب في ثبوته، فلا يلزم جعل بنائه على ثبوت الحقائق الشرعيّة، فتدبّر (حاشية جمال الدين رحمه اللّه).

(5)خبر لقوله «هي». يعني أنّ الطهارة في اصطلاح الشرع هي استعمال ما يعدّ طهورا بشرط النيّة.

ص: 83

فالاستعمال (1) بمنزلة الجنس، و الطهور مبالغة (2) في الطاهر، و

**********

شرح:

(1)يعني أنّ لفظ الاستعمال في قوله «استعمال طهور... إلخ» بمنزلة الجنس الذي يأخذونه في التعاريف.

* قال المنطقيّون: إنّ التعريف إمّا بالحدّ أو بالرسم، و كلّ منهما إمّا تامّ أو ناقص.

أمّا الحدّ التامّ فهو تعريف الشيء بالجنس و الفصل القريبين، مثل: الإنسان حيوان ناطق، و الحدّ الناقص هو تعريف الشيء بالفصل و الجنس البعيد، مثل: الإنسان جسم نام ناطق.

و الرسم التامّ هو تعريف الشيء بالعرض الخاصّ، فإن كان مع الجنس القريب فهو رسم تامّ، مثل: الإنسان حيوان ضاحك، و إن كان مع الجنس البعيد فهو رسم ناقص، مثل: الإنسان جسم نام ضاحك، و لم يعتبروا في التعريف بالعرض العامّ مثل الماشي، لأنّه لا يفيد الاطّلاع على كنه المعرّف و لا امتيازه عن جميع ما عداه، بخلاف العرض الخاصّ، فلذا لم يعبّروا به في مقام التعريف، راجع - إن شئت - تفصيله في المنطق.

و الاستعمال في المقام بمنزلة الجنس الذي يشمل الماهيّات المختلفة، مثل الحيوان في تعريف الإنسان بأنّه حيوان ناطق، فإنّ الحيوان يدخل فيه البقر و الغنم الخارجان بالإتيان بالفصل.

إيضاح: قوله «بمنزلة الجنس» إشارة إلى أنّه ليس بجنس حقيقيّ، لأنّ الحقيقيّ يستعمل في الموارد التي كان التعريف في بيان حقيقة المعرّف الذي له وجود خارجيّ مثل الإنسان و البقر و الغنم، لكنّ الأساس في الاصطلاحات الشرعيّة هو الاعتباريّات لا الحقائق كما هو ظاهر.

(2)يعني أنّ لفظ «الطهور» من صيغ المبالغة مثل شكور و صبور بمعنى كثير الشكر و كثير الصبر.

ص: 84

المراد (1) منه هنا «الطاهر في نفسه المطهّر لغيره».

جعل بحسب الاستعمال متعدّيا (2) و إن كان بحسب الوضع اللغويّ لازما كالأكول (3).

و خرج بقوله: «مشروط (4) بالنيّة» إزالة (5) النجاسة عن الثوب و البدن

**********

شرح:

(1)إنّ صيغة المبالغة يؤخذ فيها الكثرة و الشدّة مثل فعّال و ضرّاب و صرّاف و الحال أنّه لا معنى على الظاهر لإرادة الكثرة و الشدّة في الطهور، فلذا قال: إنّ المراد من كون هذه الصيغة للمبالغة في الطهور هو كونه طاهرا في نفسه و مطهّرا لغيره.

(2)فإنّ الطهور من طهر يطهر لازم لغة إلاّ أنّه استعمل في الاصطلاح متعدّيا.

إيضاح: إنّ الفعل الازم هو الذي لا يتجاوز من الفاعل إلى المفعول، مثل حسن و شرف، فإنّ الحسن و الشرف لا يتعدّيان إلى الغير، و الفعل المتعدّي هو الذي يتعدّى من الفاعل إلى المفعول مثل: ضرب زيد عمروا، فيتعدّى الضرب من الفاعل إلى المفعول و يقع عليه، و الطهور هو لازم و معناه بالفارسيّة «پاك»، لكنّه يستعمل متعدّيا و معناه بالفارسيّة «پاك كننده».

(3)لا يخفى أنّ التشبيه معكوس. يعني كما أنّ «الأكول» يكون لغة متعدّيا، لكن يستعمل لازما فيقال: «زيد أكول» و لا يلاحظ فيه المفعول به كذلك الحال في الطهور و لو بالعكس!

(4)فإنّ ذلك بمنزلة الفصل، فيخرج به ما دخل في الجنس، كما أنّ الناطق يخرج به الأغيار الداخلة في الجنس، و هو الحيوان في تعريف الإنسان.

(5)بالرفع، فاعل لقوله «يخرج»، فإنّ إزالة النجاسة داخلة في استعمال الطهور، لكنّها لا يشترط فيها النيّة. و الضمير في قوله «غيرهما» يرجع إلى الثوب و البدن.

و اعلم أنّ مقدّمات الصلاة على قسمين:

ص: 85

و غيرهما، فإنّ النيّة ليست شرطا في تحقّقه، و إن اشترطت في كماله (1) و في ترتّب الثواب على فعله.

و بقيت الطهارات الثلاث (2).............

**********

شرح:

تعبّديّة مثل الوضوء و الغسل و التيمّم التي يشترط فيها النيّة.

و توصّليّة مثل إزالة النجاسة عن الثوب و البدن، فإنّها من الواجبات التوصّليّة، فلا يشترط فيها النيّة كما لا يشترط في غيرها من الواجبات التوصّليّة.

(1)و المراد من الكمال هو ترتّب الثواب على فعل الإزالة، فلو نوى القربة بإزالة النجاسة اثيب عليه بنيّة القربة.

قوله: «و ترتّب الثواب» عطف تفسيريّ لقوله «كماله»، و الضمائر في أقواله «تحقّقه» و «كماله» و «فعله» ترجع إلى فعل إزالة النجاسة.

(2)المراد من «الطهارات الثلاث» هو الغسل و الوضوء و التيمّم.

إيضاح: إنّ الطهارات الثلاث إمّا واجبة أو مندوبة، فتحصل من ضربهما في الثلاث ستّة أقسام: (6 3 * 2)

و كلّ من الأقسام الستّة إمّا مبيحة للصلاة، و هي ما يجوز معه إقامة الصلاة أو لا، فيضرب الاثنان في الستّة المذكورة فتحصل اثنا عشر قسما: (12 6 * 2).

و إليك الأمثلة:

الواجب المبيح من الطهارات الثلاث:

1 - غسل الجنابة بعد دخول وقت الصلاة.

2 - الوضوء بعد دخول وقت الصلاة.

3 - التيمّم في آخر الوقت لذوي الأعذار.

المندوب المبيح للصلاة من الطهارات الثلاث:

4 - غسل الجنابة قبل دخول وقت الصلاة.

ص: 86

مندرجة (1) في التعريف واجبة و مندوبة، و مبيحة و غير مبيحة إن أريد (2)

**********

شرح:

5-الوضوء بنيّة الندب قبل دخول وقت الصلاة.

6 - التيمّم لذوي الأعذار قبل دخول وقت الصلاة للصلاة المندوبة، فتجوز إقامة الصلاة الواجبة به أيضا.

المندوب غير المبيح من الطهارات الثلاث:

7 - الأغسال المندوبة بناء على المشهور من عدم جواز الصلاة معها.

8 - وضوء المرأة الحائضة للذكر.

9 - التيمّم بدل غسل الجمعة بناء على قول بعض.

و سيأتي بيان بقيّة الأقسام من الطهارات غير المبيحة في التعاليق الآتية إن شاء اللّه تعالى.

(1)قوله «مندرجة» منصوب إمّا للحاليّة عن الطهارات الثلاث، أو للخبريّة لقوله «بقيت»، لكونه بمعنى صارت أيضا.

(2)يعني إن اريد من الطهور في قوله «استعمال طهور... إلخ» مطلق الماء و التراب بقيت الطهارات المذكورة مندرجة في التعريف المذكور، لصدق استعمال الطهور المشروط بالنيّة في الجميع.

إيضاح: المراد من الطهور إمّا هو مطلق التراب و الماء أو ما تحصل منه الطهارة الشرعيّة.

فإن اريد المطلق منهما دخلت الطهارات الثلاث واجبة أو مندوبة، مبيحة أو غير مبيحة في التعريف كما فصّلناه، فيرد عليه أنّ الطهارات غير المبيحة ليست من أفراد الطهارة التي عرّفوها في اصطلاح الأكثرين، و منهم المصنّف رحمه اللّه في غير هذا الكتاب.

و إن اريد من الطهور المعنى الاشتقاقيّ من الطهارة الشرعيّة - و هي المبيحة

ص: 87

بالطهور مطلق الماء و الأرض كما هو الظاهر (1).

و حينئذ (2) ففيه اختيار أنّ المراد منها ما هو أعمّ من المبيح للصلاة، و هو (3) خلاف اصطلاح الأكثرين و منهم المصنّف في غير هذا الكتاب (4).

أو ينتقض (5) في طرده بالغسل المندوب..............

**********

شرح:

للصلاة - لزم الدور الواضح، لأنّ معرفة الطهور الشرعيّ تتوقّف على معرفة الطهارة و الحال أنّ معرفة الطهارة تتوقّف على معرفة الطهور.

و بعبارة اخرى: إنّ المعرّف هو الطهارة المبيحة للصلاة، و المعرّف استعمال الطهور الذي تحصل به الطهارة المبيحة، فما لم تعرف الطهارة المبيحة لم يعرف الطهور الذي به تحصل الطهارة المبيحة، فمعرفة كلّ منهما يتوقّف على معرفة الآخر، و هذا دور صريح.

و لا يخفى أنّه لو اريد من الطهور استعمال مطلق التراب و الماء ارتفع إشكال الدور، لكن يبقى إشكال دخول الطهارات غير المبيحة في التعريف على خلاف ما اصطلح عليه الفقهاء لمعنى الطهارة.

(1)يعني أنّ الظاهر من قوله الآتي قريبا «و الطهور هو الماء و التراب» هو إرادة مطلق الماء و الأرض من الطهور.

(2)أي حين إذ اريد من الطهور مطلق الماء و التراب.

(3)الضمير في قوله «و هو» يرجع إلى اختيار كون المراد من الطهارة ما هو أعمّ من المبيح و غيره.

(4)فإنّ المصنّف رحمه اللّه أرد من الطهارة ما هو الأخصّ أعني المبيحة للصلاة مثل الأكثرين، و قال في كتاب الدروس ص 1: «الطهارة استعمال طهور مشروط بالنيّة لإباحة الصلاة».

(5)يعني لو لم يرد من الطهور مطلق الماء و التراب بل اريد منه استعمالهما للطهارة

ص: 88

و الوضوء غير الرافع منه (1) و التيمّم بدلا منهما إن قيل به (2).

و ينتقض في طرده (3) أيضا بأبعاض كلّ واحد من الثلاثة...

**********

شرح:

المبيحة للصلاة اورد على اطّراد التعريف بالغسل المندوب... إلخ.

و لا يخفى أنّ الإشكال يتوجّه على سبيل القضيّة المنفصلة الحقيقيّة، لأنّه إن اريد من الطهور معناه العامّ - و هو استعمال الماء و التراب في الطهارة المبيحة و غير المبيحة - لزم إشكال كون التعريف على خلاف اصطلاح الفقهاء، و إن اريد المعنى الخاصّ - و هو كون استعمال الماء و الطهور لتحصيل الطهارة المبيحة - لزم إشكال عدم كون التعريف مانعا من الأغيار.

* قال المنطقيّون بوجوب كون التعريف جامعا للأفراد و مانعا من الأغيار، و يعبّر عن الأوّل بالانعكاس، و عن الثاني بالاطّراد.

فلذا قال الشارح رحمه اللّه «أو ينتقض في طرده بالغسل المندوب» بمعنى أنّ التعريف لا يمنع من الأغيار الداخلة في التعريف، و من هذه الأغيار:

الغسل المندوب، فإنّ المشهور بين الفقهاء هو عدم جواز إقامة الصلاة بالأغسال المندوبة.

و الوضوء المندوب غير الرافع للحدث مثل وضوء الحائض للذكر الذي لا يبيح الصلاة.

و التيمّم بدلا من الغسل و الوضوء المندوبين.

(1)الضمير في قوله «منه» يرجع إلى المندوب، و في قوله «منهما» يرجع إلى الغسل و الوضوء.

(2)يعني و يرد أيضا النقض على اطّراد التعريف بالتيمّم بدلا عن الغسل المندوب و الوضوء كذلك لو قلنا بجواز البدليّة، لأنّها مختلف فيها بين الفقهاء، فلو لم نقل بها لم يلزم به نقض.

(3)هذا إيراد ثان على اطّراد التعريف، و هو شمول التعريف باستعمال الطهور لأبعاض

ص: 89

مطلقا (1)، فإنّه (2) استعمال للطهور مشروط بالنيّة مع أنّه لا يسمّى طهارة.

و بما لو نذر (3) تطهير الثوب و نحوه من النجاسة ناويا، فإنّ النذر منعقد، لرجحانه (4).

و مع ذلك (5) فهو من أجود التعريفات،...

**********

شرح:

كلّ واحدة من الطهارات الثلاث، فإنّ المتوضّئ إذا استعمل الماء في غسل وجهه بنيّة القربة صدق على فعله هذا تعريف «استعمال طهور مشروط بالنيّة» و الحال أنّ هذا ليس هو الطهارة المقصودة في التعريف، و كذا استعمال الماء في الجانبين الأيمن و الأيسر من البدن حين الغسل مع نيّة القربة، و هكذا الأمر في أبعاض التيمّم.

(1)إشارة إلى عدم الفرق بين كون المراد من الطهور مطلق الماء و التراب أو استعمالهما بنيّة الطهارة المبيحة.

(2)يعني فإنّ استعمال الطهور في أبعاض كلّ واحدة من الطهارات الثلاث يصدق عليه «استعمال طهور مشروط بالنيّة»، لكنّ هذا النوع من الاستعمال لا يسمّى بالطهارة المقصودة.

(3)و هذا إيراد ثالث على اطّراد التعريف لو اريد من الطهور مطلق الماء و التراب، فإنّ المكلّف إذا نذر أن يغسل ثوبه من النجاسة بنيّة القربة و هكذا بدنه صدق على تطهيرهما كذلك استعمال الطهور بالنيّة و الحال أنّه ليس هو الطهارة المقصودة في التعريف.

(4)اعلم أنّه يشترط في انعقاد النذر كون متعلّقه راجحا في الدين أو الدنيا، فلو كان متساوي الطرفين أو مكروها أو حراما لم ينعقد، كما يأتي في كتاب النذر إن شاء اللّه تعالى، و تطهير الثوب - كما صرّح به الشارح رحمه اللّه - أمر راجح، و مراده من الرجحان هو الرجحان العقليّ أو الشرعيّ.

(5)يعني و مع ما ذكر من توجّه الإيرادات المذكورة فإنّ تعريف المصنّف رحمه اللّه من أجود

ص: 90

لكثرة ما يرد عليها (1) من النقوض في هذا الباب.

ما هو الطهور

(و الطهور (2)) - بفتح الطاء -(هو الماء و التراب، قال اللّه تعالى:

وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً (1) (3))، و هو دليل طهوريّة الماء.

و المراد بالسماء هنا (4) جهة العلوّ.

(و قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: «جعلت لي الأرض مسجدا و طهورا» (5))، و هو

**********

شرح:

التعريفات للطهارة.

(1)الضمير في قوله «عليها» يرجع إلى التعريفات. يعني أنّ التعريفات التي ذكروها للطهارة أكثر نقضا و إيرادا من تعريف المصنّف.

ما هو الطهور (2)الطهور صيغة مبالغة، و قد ذكرنا فيما مضى المراد من المبالغة المتحقّقة في معنى الطهور و أنّها هي كون الشيء طاهرا في نفسه و مطهّرا لغيره.

(3)و هو الآية الشريفة 48 من سورة الفرقان: وَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً (2) ، فإنّها تدلّ على كون الماء طهورا.

(4)يعني أنّ المراد من «السماء» المذكورة في الآية ليس ما هو بمعنى الفلك المحيط، بل المراد منها هنا هو الجهة العالية التي ينزل الماء منها غالبا.

سما الشيء يسمو سموّا (واويّ): ارتفع و علا.

السماء: الفلك الكلّيّ، و ما يحيط بالأرض من الفضاء الواسع و يظهر فوقنا و حولنا كقبّة عظيمة فيها الشمس و القمر و سائر الكواكب (أقرب الموارد).

(5)الرواية منقولة في كتاب من لا يحضره الفقيه:

قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: اعطيت خمسا لم يعطها أحد قبلي: جعلت لي الأرض مسجدا و

ص: 91


1- سوره 25 - آیه 48
2- سوره 25 - آیه 48

دليل طهوريّة التراب.

و كان الأولى إبداله (1) بلفظ «الأرض» كما يقتضيه الخبر، خصوصا على مذهبه من جواز التيمّم بغير التراب من أصناف الأرض.

خاصّيّة الماء

(فالماء (2)) بقول مطلق (مطهّر من الحدث)، و هو الأثر الحاصل

**********

شرح:

طهورا، و نصرت بالرعب، و أحلّ لي المغنم، و اعطيت جوامع الكلم، و اعطيت الشفاعة (من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 240 باب مكان المصلّي ح 1).

* قال الصدوق رحمه اللّه: و تجوز الصلاة في الأرض كلّها إلاّ في المواضع التي خصّت بالنهي عن الصلاة فيها.

(1)الضمير في قوله «إبداله» يرجع إلى التراب. يعني كان الأولى أن يعبّر بدل التراب حيث قال «و الطهور هو الماء و التراب».

و الدليل على أولويّة إبدال التراب بالأرض هو الخبر المذكور في الهامش السابق أوّلا، فإنّ هذا الخبر عبّر فيه بلفظ الأرض، و فتوى المصنّف بجواز التيمّم بغير التراب من أصناف الأرض مثل الحجر و الرمل ثانيا، فكان الأولى أن يبدل المصنّف التراب بالأرض.

الأرض: كرة مظلمة مركّبة من الجواهر الفردة، مؤنّثة ج اروض و آراض و أرضون (أقرب الموارد).

خاصّيّة الماء (2)الفاء في قوله «فالماء» إمّا للتفريع لما ذكر أو جواب لشرط مقدّر هو «إذا عرفت هذا».

و المراد من «الماء بقول مطلق» هو الماء المطلق في مقابلة الماء المضاف، فإنّ الماء

ص: 92

للمكلّف و شبهه (1) عند عروض أحد أسباب الوضوء (2) و الغسل، المانع من الصلاة المتوقّف (3) رفعه على النيّة،(و الخبث)، و هو النجس (4) - بفتح الجيم - مصدر قولك: نجس الشيء - بالكسر - ينجس فهو نجس بالكسر.

**********

شرح:

المطلق هو ما يطلق عليه اسم الماء بلا إضافة شيء آخر إليه، بخلاف الماء المضاف مثل ماء الورد، و من هنا يبيّن المصنّف رحمه اللّه حكم الماء المطلق، و سيأتي عن قريب بيان حكم الماء المضاف أيضا.

(1)أي شبه المكلّف مثل المجنون و المغمى عليه و النائم، فإنّ من شأنهم أيضا التكليف لو لا المانع منه، فلو حصل منهم الحدث المانع من إقامة الصلاة وجب عليهم الطهارة بالماء.

(2)و سيأتي عن قريب إن شاء اللّه تعالى تفصيل موجبات الوضوء و الغسل المانعة من الصلاة.

(3)بالرفع، صفة لقوله «الأثر»، و الضمير في قوله «رفعه» يرجع إلى الأثر. يعني أنّ الحدث هو الأثر الحاصل لإنسان لا يرتفع إلاّ باستعمال الماء مع النيّة، و هذا القيد إنّما هو لإخراج إزالة النجاسة الظاهريّة مثل البول و الغائط و غيرهما، فإنّها لا تحتاج إلى استعمال الماء بالنيّة.

(4)من نجس الشيء نجسا: كان قذرا غير نظيف، و خلاف طهر.

النجس و النجس و النجس و النجس و النجس: ضدّ الطاهر ج أنجاس (أقرب الموارد).

ص: 93

ما به ينجس الماء

(و ينجس) الماء مطلقا (1)(بالتغيّر بالنجاسة) في أحد أوصافه الثلاثة:

اللون و الطعم و الريح، دون غيرها من الأوصاف (2).

و احترز بتغيّره بالنجاسة عمّا لو تغيّر بالمتنجّس خاصّة (3)، فإنّه لا ينجس بذلك، كما لو تغيّر طعمه بالدبس المتنجّس من غير أن تؤثّر نجاسته فيه.

و المعتبر (4) من التغيّر الحسيّ لا التقديريّ على الأقوى.

**********

شرح:

ما به ينجس الماء (1)أي بلا فرق بين أقسامه من القليل و الكثير و الجاري و الثابت. يعني أنّ هذا هو حكم جميع أقسام الماء، و لو كان كرّا قالوا في حقّه: لا ينجّسه شيء، فإنّ مطلق الماء ينجس بتغيّر أحد أوصافه الثلاثة من اللون و الريح و الطعم بالنجاسة.

(2)مثل الخفّة و الثقل و الحرارة و البرودة.

(3)المتنجّس شيء وقع فيه النجاسة مثل الدهن إذا وقع فيه شيء من النجاسة أو لاقى هو إيّاه، فإذا تغيّر أحد أوصاف الماء الثلاثة بالمتنجّس خاصّة لم يوجب ذلك نجاسته، نعم لو تغيّر الماء المذكور بنفس النجاسة الواقعة فيه نجس.

و قوله «خاصّة» قيد للمتنجّس.

(4)يعني أنّ المعتبر من التغيّر الموجب لنجاسة الماء هو التغيّر الحسّيّ بأن يحسّ الإنسان تغيّر الماء بسبب النجاسة في أحد أوصافه الثلاثة، فلا يكفي التغيّر التقديريّ بأن يلاقي ماء حوض مثلا دما في الشتاء و لا يتغيّر لبرودة الهواء آنذاك، فلا يقال: لو كانت الملاقاة في فصل الحرارة لكان الماء متغيّرا، فليحكم الآن أيضا بنجاسته بالتغيّر التقديريّ، لعدم الاعتبار بالتغيّر التقديريّ.

ص: 94

كيفيّة تطهير الماء الجاري

(و يطهر (1) بزواله) أي بزوال التغيّر و لو بنفسه أو بعلاج (2)(إن كان) الماء (جاريا)، و هو النابع (3) من الأرض مطلقا (4) غير البئر على المشهور (5).

**********

شرح:

*من حواشي الكتاب: المراد بالحسّيّ ما يمكن أن يدرك بالحسّ، سواء كان مانع من إدراكه، كما لو كان لون الماء متغيّرا بطاهر فوافق لونه لون الدم كالدبس مثلا أو طعمه طعمه كالملح بالبول أو ريحه ريحه كرائحة تشبه رائحة البول، أم لا يحصل، و هو ظاهر.

و المراد بالتقديريّ ما لو كانت النجاسة مسلوبة الصفات و لاقت الماء، فالعلامة على وجوب تقدير النجاسة على أوصاف مخالف فإن كان الماء يتغيّر بها على ذلك التقدير حكم بنجاسته، و إلاّ فهو باق على الطهارة (حاشية الشيخ عليّ رحمه اللّه).

كيفيّة تطهير الماء الجاري (1)فاعله هو الضمير العائد إلى الماء المتغيّر بالنجاسة في أحد أوصافه الثلاثة، و الضمير في قوله «بزواله» يرجع إلى التغيّر كما فسّره الشارح رحمه اللّه أيضا. يعني لو كان الماء جاريا متغيّرا أحد أوصافه الثلاثة بلقاء النجاسة أو بوقوعها فيه ثمّ زال عنه التغيّر و لو بنفسه حكم عليه بطهارته.

(2)مصدر من عالجه معالجة و علاجا: زاوله (أقرب الموارد).

فلو زال التغيّر عن الماء المتغيّر بعلاج مثل جعل الملح فيه الموجب لزوال تغيّره حكم عليه بطهارته.

(3)اسم فاعل من نبع الماء نبعا و نبوعا و نبعانا: خرج من العين (أقرب الموارد).

و نبع الماء من الأرض يعبّر عنه بالفارسيّة: ب «جوشيدن آب از زمين».

(4)سواء كان نبعه مستمرّا و على الدوام أو كان منقطعا في بعض الأيّام.

(5)قوله «على المشهور» فيه احتمالان :

ص: 95

و اعتبر المصنّف في الدروس فيه دوام نبعه، و جعله (1) العلاّمة و جماعة كغيره (2) في انفعاله بمجرّد الملاقاة مع قلّته، و الدليل النقليّ (3) يعضده، و عدم (4) طهره بزوال التغيّر مطلقا (5)، بل بما نبّه عليه بقوله:

**********

شرح:

الأوّل: كونه متعلّقا بقوله «مطلقا» بقرينة قول المصنّف رحمه اللّه في كتابه (الدروس) باشتراط دوام نبعه في عدم نجاسته بملاقاة النجس.

* قال في الدروس ص 15: و لا يشترط فيه الكرّيّة على الأصحّ، نعم يشترط دوام النبع.

الثاني: كونه في مقابلة قول العلاّمة رحمه اللّه و جماعة، فإنّهم ذهبوا إلى أنّ الماء النابع لو لم يكن بمقدار الكرّ ينفعل بالملاقاة.

(1)الضمير في قوله «جعله» يرجع إلى الماء الجاري. فإنّ العلاّمة و جماعة قائلون بتنجّس الماء الجاري بملاقاته النجاسة مع قلّته.

(2)الضمائر في أقواله «كغيره» و «انفعاله» و «قلّته» ترجع إلى الماء الجاري.

(3)يعني أنّ الدليل النقليّ يؤيّد قول العلاّمة، و المراد منه هو مفهوم رواية منقولة في كتاب الوسائل:

محمّد بن يعقوب بإسناده عن معاوية بن عمّار قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء (الوسائل: ج 1 ص 118 ب 9 من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة ح 6).

(4)بالجرّ، عطف على قوله المجرور «انفعاله». يعني أنّ العلاّمة جعل الماء الجاري مثل غيره في تنجّسه بملاقاة النجاسة و في عدم طهره بزوال التغيّر مطلقا.

(5)أي و لو مع عدم ملاقاته للكرّ.

ص: 96

كيفيّة تطهير الماء غير الجاري

(أو لاقى كرّا)، و المراد (1) أنّ غير الجاري لا بدّ في طهره مع زوال التغيّر من ملاقاته كرّا طاهرا بعد زوال التغيّر أو معه (2)، و إن كان إطلاق العبارة قد يتناول ما ليس بمراد، و هو طهره مع زوال التغيّر و ملاقاته الكرّ كيف اتّفق (3)، و كذا الجاري (4) على القول الآخر.

و لو تغيّر بعض الماء و كان الباقي كرّا طهر المتغيّر بزواله أيضا كالجاري عنده (5).

و يمكن دخوله (6) في قوله: «لاقى كرّا»،...

**********

شرح:

كيفيّة تطهير الماء غير الجاري (1)و لا يخفى أنّ العبارة قد تدلّ على طهارة الماء غير الجاري إمّا بزوال النجاسة أو بملاقاة الكرّ و لو لم يزل التغيّر، بل يطهر بمجرّد ملاقاة الكرّ، و الحال أنّه ليس المراد ذلك، لأنّ الماء المتغيّر بالنجاسة لا يطهر إلاّ بزوال النجاسة و ملاقاة الكرّ كليهما، فلا يكفي أحدهما في الطهارة.

(2)فتحتاج طهارة الماء المتغيّر إلى ملاقاته كرّا طاهرا و لو حين الملاقاة.

(3)أي و لو لم يزل التغيّر.

(4)يعني و كذا الماء الجاري المتغيّر بالنجاسة لا يتطهّر بزوال النجاسة، بل يحتاج معه إلى ملاقاته الكرّ، بناء على القول الآخر، و هو قول العلاّمة و جماعة كما مرّ.

(5)الضمير في قوله «عنده» يرجع إلى المصنّف رحمه اللّه. فإنّ المصنّف قائل بطهارة الماء المتغيّر بزوال التغيّر، فلو تغيّر بعض الماء المتّصل بالكرّ ثمّ زال عنه التغيّر حكم بطهارته، لحصول الشرط المعتبر فيها عند المصنّف، و هو زوال التغيّر، كما أنّ المصنّف يقول بطهارة الماء الجاري المتغيّر بزوال التغيّر عنه.

(6)يعني و يمكن دخول طهارة بعض الماء المتغيّر المتّصل بالكرّ بزوال التغيّر في قوله

ص: 97

لصدق ملاقاته (1) للباقي.

و نبّه بقوله: «لاقى كرّا» على أنّه لا يشترط في طهره (2) به وقوعه عليه دفعة، كما هو المشهور (3) بين المتأخّرين، بل تكفي ملاقاته له مطلقا (4)، لصيرورتهما بالملاقاة ماء واحدا، و لأنّ الدفعة لا يتحقّق لها معنى (5)، لتعذّر

**********

شرح:

«أو لاقى كرّا»، فإنّه يصدق عليه لقاؤه كرّا.

أقول: لكن يحتمل كون اللقاء الموجب للطهارة هو المتحقّق بعد الزوال أو حين الزوال و الحال أنّ اللقاء في المقام يكون قبل الزوال، و لعلّ تعبيره بقوله «و يمكن دخوله... إلخ» إنّما هو لمكان هذا الاحتمال، فإنّ الاحتمال المذكور هو الموجب لبيان المطلب بالإمكان لا بالاطمينان.

(1)يعني يصدق على ملاقاة البعض للباقي أنّها من قبيل ملاقاة الكرّ، فيحصل شرط الطهارة.

(2)الضميران في قوليه «طهره» و «عليه» يرجعان إلى الماء المتنجّس، كما أنّ الضميران في قوليه «به» و «وقوعه» يرجعان إلى الماء الكرّ.

(3)فإنّ المشهور بين المتأخّرين هو طهارة الماء المتنجّس بزوال التغيّر الموجب لنجاسته و وقوع الماء الكرّ عليه دفعة واحدة، لكن إطلاق كلام المصنّف رحمه اللّه في قوله «أو لاقى كرّا» يدلّ على عدم الاشتراط بدليلين:

الأوّل: صيرورة الملاقي الملاقى ماء واحدا.

الثاني: عدم تحقّق وقوع الكرّ عليه دفعة واحدة، لأنّه يتقدّم بعض الكرّ عند الإلقاء على بعضه الآخر قهرا، و الاكتفاء بالاتّصال الدفعيّ عرفا لا دليل عليه.

(4)أي سواء كانت الملاقاة دفعة أو تدريجا.

(5)بالرفع تقديرا، فاعل لقوله «لا يتحقّق». يعني أنّ الملاقاة دفعة واحدة لا يتصوّر لها

ص: 98

الحقيقيّة، و عدم الدليل على العرفيّة.

و كذا لا تعتبر (1) ممازجته له، بل يكفي مطلق الملاقاة، لأنّ ممازجة (2) جميع الأجزاء لا تتّفق، و اعتبار (3) بعضها دون بعض تحكّم، و الاتّحاد (4) مع الملاقاة حاصل.

و يشمل إطلاق الملاقاة (5) ما لو تساوى سطحاهما،...

**********

شرح:

معنى، لعدم تحقّق الملاقاة الدفعيّة الحقيقيّة، و الاكتفاء بالعرفيّه منها لا دليل عليها.

و المشهور استدلّ على لزوم الدفعيّة بأنّ كلّ جزء من الكرّ يلاقي الماء المتنجّس يصير نجسا، فلا تأثير للملاقاة التدريجيّة.

(1)يعني كما أنّ وقوع الكرّ دفعة على الماء المتنجّس لا يشترط في طهارته كذلك لا يشترط امتزاجهما و اختلاطهما، و ذلك للأدلّة التي استند إليها الشارح رحمه اللّه:

الأوّل: عدم إمكان امتزاج جميع أجزائهما، لأنّهما جسمان و إن كانا سيّالين، و تداخل الأجسام بعضها في بعض حقيقة لا يمكن.

الثاني: تحكّم القول باعتبار بعضها دون بعض بأن يقال باعتبار امتزاج البعض لا الجميع، فإنّه ادّعاء بلا دليل.

الثالث: حصول الاتّحاد إذا اتّصل الكرّ بالقليل عرفا، فيشمله قوله عليه السّلام في رواية معاوية بن عمّار المنقولة في كتاب الوسائل: «إذا كان الماء قد كرّ لم ينجّسه شيء».

(2)هذا هو الدليل الأوّل من الأدلّة المذكورة في الهامش السابق.

(3)هذا هو الدليل الثاني من الأدلّة المفصّلة.

(4)قوله «الاتّحاد» مبتدأ، و خبره قوله «حاصل». و هذا هو الدليل الثالث من الأدلّة المفصّلة المستند إليها من قبل الشارح رحمه اللّه.

(5)يعني أنّ إطلاق قول المصنّف رحمه اللّه «أو لاقى كرّا» يشمل جميع أقسام الاتّصال، و

ص: 99

و اختلف (1) مع علوّ المطهّر على النجس و عدمه (2).

و المصنّف لا يرى الاجتزاء بالإطلاق (3) في باقي كتبه، بل يعتبر الدفعة و الممازجة و علوّ المطهّر أو مساواته.

**********

شرح:

يظهر لك تفصيلها من إيضاحنا هذا.

إيضاح: اعلم أنّ اتّصال المائين على أقسام و أنحاء:

الأوّل: كون سطحيهما متساويين كما إذا تنجّس ماء متّصل بماء كثير هو بمقدار الكرّ أو أزيد و لم يكن سطحاهما متفاوتين.

الثاني: اختلافهما مع علوّ المطهّر على الماء المتغيّر، مثل ما إذا كان الكرّ نابعا أو جاريا من منبع عال على الماء المتنجّس، كما أنّ المرسوم في عصرنا هذا هو وضع منبع للماء على سطح عال بحيث يستفاد منه في المكان السافل.

الثالث: اختلاف سطحي القليل و الكثير مع كون الكرّ في مكان أسفل من مكان الماء المتنجّس، كما يتصوّر ذلك بإيصال ماء متنجّس واقع في الأسفل إلى الكرّ الواقع في الأعلى من طبقات البيت.

و المستفاد من إطلاق عبارة المصنّف رحمه اللّه هو طهارة الماء المتغيّر بالنجاسة بالزوال و ملاقاته الكرّ بأيّ نحو من الأنحاء المذكورة.

(1)عطف على قوله «تساوى». يعني أنّ إطلاق الملاقاة الموجبة للطهارة يشمل صورة الاختلاف مع كون المطهّر في مرتبة عالية على المتنجّس أيضا.

(2)بالجرّ، عطف على قوله «علوّ المطهّر»، و الضمير في قوله «عدمه» يرجع إلى العلوّ.

يعني أنّ الإطلاق يشمل صورة عدم علوّ المطهّر على المتنجّس أيضا.

(3)فإنّ المصنّف رحمه اللّه لا يقول في باقي كتبه بالاكتفاء بمحض الملاقاة، بل يشترط في حصول الطهارة بالملاقاة الدفعة و الممازجة و علوّ المطهّر على المتنجّس أو التساوي بينهما في السطح، كما قال في كتاب الدروس ص 14:... فطهره بإلقاء كرّ عليه دفعة يزيل تغيّره... إلخ.

ص: 100

و اعتبار الأخير (1) ظاهر دون الأوّلين (2) إلاّ مع عدم صدق الوحدة عرفا.

القول في الكرّ

(و الكرّ (3)) المعتبر في الطهارة (4) و عدم الانفعال (5) بالملاقاة (هو ألف (6) و مائتا رطل (7)) - بكسر الراء على الأفصح، و فتحها على قلّة - (بالعراقيّ)، و قدره (8) مائة و ثلاثون درهما...

**********

شرح:

(1)المراد من «الأخير» هو علوّ المطهّر على المتنجّس أو مساواة سطحه لسطح المتنجّس، فإنّ اعتباره في نظر الشارح رحمه اللّه ظاهر، لأنّ المطهّر إذا كان في الأسفل لم يؤثّر في طهارة الماء العالي عليه.

(2)المراد من «الأوّلين» هو الدفعة و ممازجة المائين، و قد مرّ دليل الشارح لعدم اعتبارهما إلاّ في صورة عدم صدق الوحدة بينهما عرفا بأن يتّصل الكرّ بمجرى ضيّق لا يصدق عليه الاتّصال عرفا، فيشترط حينئذ الدفعة و الامتزاج حتّى تصدق الوحدة.

القول في الكرّ (3)الكرّ - بالضمّ -: مكيال للعراق، و ستّة أوقار حمار و هو ستّون قفيزا، و قيل: أربعون إردبّا ج أكرار (أقرب الموارد).

(4)أي المعتبر في تطهير الماء المتنجّس و غيره من المتنجّسات.

(5)أي الكرّ الذي يعتبر في عدم تنجّسه بملاقاة النجاسات عدم تغيّر أحد أوصافه الثلاثة: اللون و الريح و الطعم.

(6)بالرفع، خبر لقوله «الكرّ».

(7)الرّطل - بالفتح و يكسر -: اثنتا عشرة اوقيّة ج أرطال (أقرب الموارد).

(8)الضمير في قوله «قدره» يرجع إلى الرطل العراقيّ.

ص: 101

على المشهور فيهما (1).

و بالمساحة (2) ما بلغ مكسّره (3)...

**********

شرح:

(1)الضمير في قوله «فيهما» يرجع إلى كون مقدار الكرّ ألفا و مائتي رطل بالعراقيّ، و إلى كون مقدار كلّ رطل بالعراقيّ مائة و ثلاثين درهما، فقوله «على المشهور» قيد ناظر إلى كليهما.

* من حواشي الكتاب: الخلاف هنا في موضعين:

أحدهما أنّ الرطل المعتبر هنا هل هو عراقيّ أو مدنيّ، فالمشهور الأوّل، و ذهب المرتضى في المصباح و ابن بابويه في الفقيه إلى أنّه مدنيّ و قدره مائة و خمسة و تسعون درهما.

و ثانيهما في مقدار الرطل العراقيّ، فالمشهور ما ذكره الشارح من أنّ قدره مائة و ثلاثون، و ذهب العلاّمة في التحرير إلى أنّه مائة و ثمانية و عشرون درهما (حاشية أحمد رحمه اللّه).

(2)المساحة: هي قياس السطح المحصور (المنجد).

و لا يخفى أنّ المساحة ملاك ثان لتقدير الكرّ، فيكون محصّل العبارة هكذا: إنّ الكرّ بالوزن ألف و مائتا رطل بالعراقيّ، و بالمساحة ما بلغ مكسّره... إلخ.

(3)بصيغة اسم المفعول من باب التفعيل، و المراد منه هو العدد الحاصل من ضرب الأعداد في الاخرى.

و التعبير بالكسر - كما عن بعض المعاصرين حفظه اللّه - لعلّه لاشتمال الضرب جعل عدد في كسر العدد الآخر، لأنّهم كانوا يعرّفون في القديم الضرب بتحصيل عدد حاصل بملاحظة نسبة أحد العددين المضروب أحدهما في الآخر بالنسبة إلى حاصل الضرب، فإنّ هذه النسبة تساوي نسبة الواحد إلى العدد الآخر مثلا:

(20 4 * 5)

ص: 102

اثنين و أربعين (1) شبرا و سبعة أثمان شبر مستوي (2) الخلقة على المشهور (3) و المختار (4) عند المصنّف.

و في الاكتفاء بسبعة و عشرين (5) قول قويّ.

**********

شرح:

فإنّ نسبة الواحد إلى 4 مثل نسبة 5 إلى 20، فإنّ النسبة بين كليهما هي الربع (1/4)، و هو من الكسور التسعة.

و الكسور التسعة عبارة عن النصف و الثلث و الربع و الخمس و السدس و السبع و الثمن و التسع و العشر.

(1)يعني أنّ مضروب ثلاثة أشبار و نصف شبر من الطول في ثلاثة أشبار و نصف شبر من العرض في ثلاثة أشبار و نصب شبر من العمق يصير اثنين و أربعين شبرا و سبعة أثمان شبر: ().

(2)بالجرّ، صفة للشبر. يعني يشترط كون الشبر شبر شخص مستوي الخلقة بأن لا يكون غير متعارف الخلقة من حيث الجثّة صغرا و لا كبرا.

(3)في مقابلة القول بكون الكرّ بالمساحة سبعة و عشرين شبرا.

(4)بالجرّ، عطف على قوله المجرور «المشهور». يعني أنّ المقدار المذكور للكرّ بالمساحة هو مختار المصنّف رحمه اللّه.

* قال في كتاب الدروس ص 14: و هو ما بلغ ألفا و مأتي رطل أو ثلاثة أشبار و نصفا في أبعاده الثلاثة أو ما ساواها في بلوغ مضروبها.

(5)يعني أنّ القول بالاكتفاء بسبعة و عشرين شبرا في مضروب الأبعاد الثلاثة قويّ، و هي تحصل من ضرب ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار:

(27 3 * 3 * 3) و الرواية الدالّة على رعاية ثلاثة أشبار و نصف شبر في الأبعاد الثلاثة منقولة في كتاب الوسائل:

ص: 103

ما به ينجس القليل و البئر

(و ينجس) الماء (القليل)، و هو (1) ما دون الكرّ،(و البئر)، و هو (2)

**********

شرح:

محمّد بن يعقوب بإسناده عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الكرّ من الماء كم يكون قدره؟ قال: إذا كان الماء ثلاثة أشبار و نصف في مثله ثلاثة أشبار و نصف في عمقه في الأرض فذلك الكرّ من الماء (الوسائل: ج 1 ص 122 ب 10 من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة ح 6).

و الرواية الدالّة على الاكتفاء بثلاثة أشبار في الأبعاد الثلاثة منقولة في كتاب الوسائل أيضا:

محمّد بن يعقوب بإسناده عن إسماعيل بن جابر قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الماء الذي لا ينجّسه شيء، فقال: كرّ، قلت: و ما الكرّ؟ قال: ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار (المصدر السابق: ص 118 ب 9 ح 7).

أقول: هذا و أمّا تحديد الكرّ بالكيلو غرام فهو ثلاثمائة و ستّة و سبعون كيلوغراما و سبعمائة و أربعون غراما (376/740 كيلوغراما).

و في تحرير الوسيلة ج 1 ص 377:14 كيلو و 419 غرام على الأقرب، و بحسب المنّ التبريزيّ يصير مائة و ثمانية و عشرين منّا إلاّ عشرين مثقالا.

ما به ينجس القليل و البئر (1)الضمير في قوله «و هو» يرجع إلى الماء القليل. يعني أنّ المراد من «الماء القليل» الذي ينجس بملاقاة النجس هو الذي لم يبلغ حدّ الكرّ و لو كان قريبا منه.

إيضاح: قد ذكر في أوّل الكتاب أنّ الماء مطلقا و بجميع أقسامه ينجس بالتغيّر بالنجاسة و يطهر بزوالها إن كان جاريا، و هنا يذكر المصنّف رحمه اللّه أنّ الماء القليل و ماء البئر ينجسان بالملاقاة للنجاسة بلا حاجة إلى التغيّر المذكور.

(2)الضمير في قوله «و هو» يرجع إلى البئر، و الإتيان بالضمير مذكّرا - مع أنّ البئر مؤنّث سماعا - لعلّه باعتبار الخبر، و هو قوله «مجمع ماء نابع».

ص: 104

مجمع ماء نابع من الأرض لا يتعدّاها (1) غالبا و لا يخرج (2) عن مسمّاها عرفا (بالملاقاة (3)) على المشهور فيهما (4)، بل كاد أن يكون إجماعا (5).

**********

شرح:

(1)الضمير الملفوظ في قوله «لا يتعدّاها» يرجع إلى الأرض. يعني أنّ البئر لا يجري ماؤها على الأرض غالبا، فلو جرى ماؤها كذلك نادرا لم تخرج عن صدق البئر عليها إذا سمّيت في العرف بئرا.

(2)فاعله هو الضمير العائد إلى مجمع الماء. يعني و لا يخرج مجمع الماء النابع من الأرض عن كونه مسمّى بئرا، فإنّ ماء بعض العيون ينبع من الأرض و لا يجري عليها، لكنّه لا يطلق عليه البئر، بل يسمّى عند العرف عينا.

(3)الجارّ و المجرور يتعلّقان بقوله «ينجس».

(4)يعني أنّ الحكم بنجاسة القليل و البئر هو المشهور بين الفقهاء، لكن نسب إلى بعض القدماء عدم نجاسة القليل بالملاقاة ما لم يتغيّر، و في خصوص البئر أقوال: المشهور بين القدماء هو نجاستها بالملاقاة، و الأشهر بين المتأخّرين هو عدم نجاستها كذلك.

* من حواشي الكتاب: اختلف العلماء في نجاسة ماء البئر بالملاقاة على أقوال:

أحدها: و هو المشهور بينهم على ما نقله جماعة النجاسة مطلقا.

و ثانيها: الطهارة و استحباب النزح، و عليه عامّة المتأخّرين و جماعة من المتقدّمين كالحسن بن أبي عقيل و الشيخ و غيرهما.

ثالثها: الطهارة و وجوب النزح تعبّدا، و عليه بعضهم منهم العلاّمة في المنتهى.

و أرجح الأقوال هو القول بالطهارة، للأصل و العمومات الدالّة على عدم انفعال الماء بالملاقاة مطلقا أو مع الكرّيّة، و الروايات الخاصّة الصحيحة في أنّ ماء البئر واسع لا يفسده شيء، لأنّ له مادّة إلى غير ذلك، و أخبار النزح محمول على الاستحباب، لدفع النفرة و حصول طيب الماء و نحو ذلك (مدارك الأحكام).

(5)يعني أنّ الشهرة في نجاسة القليل و البئر بملاقاة النجس عظيمة وصلت إلى حدّ قريب من الإجماع.

ص: 105

ما به يطهر القليل

(و يطهر القليل بما ذكر)، و هو (1) ملاقاته الكرّ على الوجه السابق (2).

و كذا (3) يطهر بملاقاة الجاري مساويا له أو عاليا عليه و إن لم يكن كرّا عند المصنّف (4) و من يقول بمقالته (5) فيه، و بوقوع (6) الغيث عليه

**********

شرح:

ما به يطهر القليل (1)الضمير في قوله «و هو» يرجع إلى «ما» الموصولة، و في قوله «ملاقاته» يرجع إلى الماء القليل.

(2)و هو ما استظهره الشارح رحمه اللّه من عبارة المصنّف رحمه اللّه من عدم اشتراط المزج و الدفعة في وقوع الكرّ عليه و عدم لزوم تساوي سطح المطهّر لسطح الماء المتغيّر و لا علوّه عليه، و قد قال الشارح في الصفحة 99 «و يشمل إطلاق الملاقاة ما لو تساوى سطحاهما و اختلف... إلخ».

(3)عطف على قوله «و يطهر القليل بما ذكر». يعني أنّ الطريق الثاني لتطهير الماء القليل المتنجّس هو ملاقاته الماء الجاري بشرط كونه مساويا له في السطح أو عاليا عليه، فلو كان الجاري سافلا و القليل المتنجّس عاليا عليه بحيث كان بينهما اتّصال لم يطهر.

(4)فإنّ المصنّف رحمه اللّه لا يقول باشتراط الكرّيّة في الماء الجاري، فيكون الاتّصال به مطهّرا و لو لم يكن كرّا، بخلاف رأي العلاّمة الحلّيّ رحمه اللّه، و هو اشتراط الكرّيّة في الجاري، و إلاّ لم يكن مطهّرا.

(5)الضمير في قوله «بمقالته» يرجع إلى المصنّف، و في قوله «فيه» يرجع إلى الجاري.

يعني أنّ كلّ من يقول بما قال به المصنّف يقول بكون الجاري الملاقي للقليل مطهّرا.

(6)عطف على قوله «بملاقاة الجاري»، و هذا هو الطريق الثالث لتطهير الماء القليل، و هو نزول المطر عليه، و لم يختلف أحد في طهارة القليل بنزول المطر عليه.

ص: 106

إجماعا.

ما به يطهر البئر

(و) يطهر (1)(البئر) بمطهّر غيره (2) مطلقا (3).

نزح الجميع

و (بنزح (4) جميعه للبعير)، و هو (5) من الإبل بمنزلة الإنسان يشمل الذكر و الانثى، الصغير و الكبير.

**********

شرح:

ما به يطهر البئر (1)من هنا شرع المصنّف رحمه اللّه في بيان تطهير البئر، و قد قال المشهور من القدماء بنجاستها بملاقاة النجس.

(2)الضمير في قوله «غيره» يرجع إلى البئر، و لعلّ تذكير الضمير باعتبار المقدّر المضاف إلى البئر، و هو الماء. يعني و يطهر ماء البئر بمطهّر غير ذاك الماء.

و المراد من مطهّر غير البئر هو ملاقاة الكثير أو الجاري و إن لم يكن قدر كرّ أو نزول المطر كما فصّلناها في تطهير الماء القليل المتنجّس.

(3)هذا قيد للمطهّر. يعني أنّ ما يطهّر غير البئر مطلقا يطهّر البئر أيضا.

نزح الجميع (4)عطف على قوله «بمطهّر غيره». يعني أنّ البئر بناء على نجاستها بوقوع مثل البعير الميّت فيها تطهّر بطريقين:

الأوّل: تطهيرها بما يطهّر به غيرها أيضا.

الثاني: تطهيرها بنزح جميع مائها الموجود فيها.

(5)الضمير في قوله «و هو» يرجع إلى البعير. يعني أنّ لفظ البعير بمنزلة النوع بالنسبة إلى الإبل، مثل الإنسان الشامل لجميع أفراده، ذكرا كان ذلك الفرد أو انثى، صغيرا كان أو كبيرا.

ص: 107

و المراد من نجاسته المستندة إلى موته (1).

(و) كذا (الثور (2))، قيل: هو ذكر البقر، و الأولى اعتبار إطلاق اسمه (3) عرفا مع ذلك (4)،(و الخمر (5)) قليله (6) و كثيره،(و المسكر) المائع

**********

شرح:

(1)فلو وقع البعير في البئر و لم يمت لم يحكم بنجاستها و لم يجب نزح الجميع حينئذ.

(2)الثور: الذكر من البقر، و الثورة مؤنّث الثور للذكر من البقر (أقرب الموارد).

يعني و كذا يجب نزح جميع ماء البئر إذا وقع فيها الثور و مات.

(3)الضمير في قوله «اسمه» يرجع إلى الثور. يعني أنّ الأولى إطلاق اسم الثور على البقر عرفا، فلا يشمل الحكم البقر الصغير الذي لا يطلق عليه اسم الثور.

(4)المشار إليه في قوله «ذلك» هو كونه ذكرا، فلا يشمل هذا الحكم البقرة - و هي انثى البقر - إذا وقعت في بئر و ماتت فيها، فإنّ حكمها غير حكم الثور، كما سيأتي عن قريب إن شاء اللّه تعالى.

(5)بالجرّ، عطف على مدخول اللام الجارّة في قوله «للبعير». يعني يجب نزح الجميع إذا صبّت الخمر في بئر بلا فرق بين قليلها و كثيرها.

الخمر: ما أسكر من عصير العنب (أقرب الموارد).

إيضاح: اعلم أنّ الأعرف في الخمر - كما قاله الزبيديّ في تاج العروس - التأنيث، لكنّه - كما قاله الفيروزآباديّ في القاموس - قد يذكّر، فليكن على ذكر منك!

و الرواية الواردة في الخمر منقولة في كتاب الوسائل:

محمّد بن الحسن بإسناده عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: إن سقط في البئر دابّة صغيرة أو نزل فيها جنب نزح منها سبع دلاء، فإن مات فيها ثور أو صبّ فيها خمر نزح الماء كلّه (الوسائل: ج 1 ص 2-131 ب 15 من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة ح 1).

(6)بالجرّ، و كذا قوله «كثيره». يعني يجب نزح جميع ماء البئر للخمر قليلها و كثيرها.

ص: 108

بالأصالة (1)،(و دم الحدث)، و هو الدماء الثلاثة (2) على المشهور،(و الفقّاع (3)) بضمّ الفاء.

و ألحق به (4) المصنّف في الذكرى العصير العنبيّ بعد اشتداده بالغليان قبل ذهاب ثلثيه (5)، و هو بعيد.

**********

شرح:

و لا يخفى أنّ الشارح رحمه اللّه أتى بضمير المذكّر و أتيت أنا بضمير المؤنّث لما قد أشرت إليه في الهامش السابق، راجعه إن شئت.

* من حواشي الكتاب: قوله «قليله» ردّ على الصدوق، حيث قال بنزح عشرين في القطرة.

أقول: لا يخفى أنّ الوارد في الأخبار لفظ الصبّ، و الظاهر منه هو الكثير من الخمر، فالأولى في القليل منها إلحاقه بما لا نصّ فيه.

(1)قد أخرج بهذا القيد المسكر غير المائع بالأصالة مثل البنج و الحشيش، فإنّهما ليسا بنجسين و إن كانا مسكرين، كما أنّهما لو صارا مائعين بالعلاج لم يحكم بنجاستهما.

(2)المراد من «الدماء الثلاثة» هو الحيض و النفاس و الاستحاضة بجميع أقسامها.

و اعلم أنّ قوله «على المشهور» معناه كون الحكم بنزح الجميع مشهورا بين الفقهاء مع فقدان رواية فيه.

(3)بالجرّ، عطف على مدخول اللام الجارّة في قوله «للبعير». فلو صبّ الفقّاع أيضا في البئر وجب نزح جميع مائها.

الفقّاع كرمّان: الشراب يتّخذ من الشعير (أقرب الموارد).

(4)الظاهر رجوع الضمير في قوله «به» يرجع إلى الفقّاع، لكنّ المصنّف رحمه اللّه ألحق العصير العنبيّ في الذكرى بالخمر في الحكم.

(5)فإنّ العصير العنبيّ إذا غلى و اشتدّ و لم يذهب ثلثاه حكم بنجاسته، فإذا وقع في

ص: 109

و لم يذكر هنا المنيّ ممّا له نفس سائلة (1)، و المشهور فيه (2) ذلك، و به (3) قطع المصنّف في المختصرين، و نسبه في الذكرى إلى المشهور معترفا فيه (4) بعدم النصّ.

و لعلّه (5) السبب في تركه هنا، لكن دم الحدث (6) كذلك، فلا وجه لإفراده (7)،...

**********

شرح:

البئر الحق في الحكم بالخمر، لكنّ الشارح رحمه اللّه استبعد هذا الإلحاق، لعدم ثبوت نجاسته، أو لعدم نصّ فيه، فلا دليل على إلحاقه بالخمر أو الفقّاع في الحكم.

(1)المراد من النفس السائلة هو الدم. يعني أنّ المصنّف رحمه اللّه لم يذكر حكم المنيّ من الحيوان الذي له دم دافق إذا وقع في البئر و الحال أنّ المشهور بين الفقهاء هو أنّهم يقولون بإلحاقه بما ذكر في وجوب نزح الجميع.

(2)الضمير في قوله «فيه» يرجع إلى المنيّ، و المشار إليه في قوله «ذلك» هو نزح الجميع.

(3)الضمير في قوله «به» يرجع إلى نزح الجميع، فإنّ المصنّف رحمه اللّه قطع بالحكم بوجوب نزح الجميع عند وقوع المنيّ في البئر في كتابيه المختصرين، و هما «الدروس» و «البيان».

(4)يعني أنّ المصنّف نسب في الذكرى وجوب نزح الجميع للمنيّ إلى المشهور من الفقهاء و هو مقرّ بعدم النصّ فيه.

(5)الضمير في قوله «لعلّه» يرجع إلى عدم النصّ. يعني لعلّ ترك ذكر المنيّ في هذا الكتاب هو عدم النصّ في خصوصه.

(6)هذا تضعيف الشارح رحمه اللّه للتوجيه المذكور في قوله «و لعلّه السبب... إلخ». يعني لو كان عدم النصّ موجبا لترك ذكر المنيّ في هذا الكتاب لكان عليه ترك ذكر دم الحدث أيضا.

(7)أي فلا وجه لذكر دم الحدث منفردا، لأنّ حكمه وجوب نزح الجميع، لعدم وجود النصّ فيه.

ص: 110

و إيجاب الجميع لما لا نصّ فيه يشملهما (1).

و الظاهر هنا (2) حصر المنصوص بالخصوص.

نزح كرّ من البئر

(و نزح (3) كرّ للدابّة)، و هي (4) الفرس (و الحمار و البقرة)، و زاد (5) في

**********

شرح:

(1)الضمير الملفوظ في قوله «يشملهما» يرجع إلى المنيّ و دم الحدث. يعني إذا قلنا بوجوب نزح الجميع فيما لا نصّ فيه فلنقل به في المنيّ و دم الحدث، فإنّهما مصداقان لما لا نصّ فيه.

(2)هذا وجه جواز ترك ذكر المنيّ و دم الحدث في هذا الكتاب، فإنّ ظاهر هذا الكتاب هو حصر المنصوص خاصّة فيه، فإنّ غير المنصوص كثير و لذا لم يتعرّض المصنّف رحمه اللّه لجميعه.

نزح كرّ من البئر (3)بالجرّ، عطف على مدخول الباء الجارّة في قوله «بنزح جميعه». يعني و يطهر البئر بنزح مقدار الكرّ إذا وقعت الدابّة فيها و ماتت. و قد ذكرنا مقدار الكرّ و أنّه 376/740 كيلوغراما.

(4)الضمير في قوله «و هي» يرجع إلى الدابّة. يعني أنّ المراد من الدابّة في المقام هو الفرس، و ليس هذا معناها في اللغة.

الدابّة: مؤنّث الدابّ، و - ما دبّ من الحيوان و غلب على ما يركب و يحمل عليه الأحمال، و يقع على المذكّر و الهاء فيها للوحدة كما في الحمامة ج دوابّ (أقرب الموارد).

(5)فاعله هو الضمير العائد إلى المصنّف رحمه اللّه. يعني أنّ المصنّف زاد في كتبه الثلاثة (الدروس و البيان و الذكرى) البغل، و حكم بوجوب نزح مقدار الكرّ إذا وقع البغل في البئر و مات.

البغل: حيوان أهليّ للركوب و الحمل أبوه حمار و امّه فرس، و يتوسّع فيه، فيطلق

ص: 111

كتبه الثلاثة البغل.

و المراد من نجاستها (1) المستندة إلى موتها.

هذا (2) هو المشهور، و المنصوص (3) منها - مع ضعف طريقه - الحمار و البغل، و غايته (4) أن يجبر ضعفه بعمل الأصحاب،...

**********

شرح:

على كلّ حيوان أبوه من جنس و امّه من آخر، و الانثى بغلة ج بغال و أبغال (أقرب الموارد).

(1)الضميران في قوليه «نجاستها» و «موتها» يرجعان إلى المذكورات من الدابّة و الحمار و البقرة.

(2)المشار إليه في قوله «هذا» هو وجوب نزح مقدار الكرّ إذا وقعت في البئر الدابّة و الحمار و البقرة و البغل.

(3)يعني أنّ النصّ الوارد في وجوب نزح مقدار الكرّ إنّما ورد في خصوص اثنين من الأربعة المذكورة، و هما الحمار و البغل.

و المراد من النصّ هو المنقول في كتاب الوسائل:

محمّد بن الحسن بإسناده عن عمرو بن سعيد بن هلال قال: سألت أبا جعفر عليه السّلام عمّا يقع في البئر ما بين الفأرة و السنّور إلى الشاة، فقال: كلّ ذلك نقول: سبع دلاء، قال:

حتّى بلغت الحمار و الجمل؟ فقال: كرّ من ماء، قال: و أقلّ ما يقع في البئر عصفور ينزح منها دلو واحد (الوسائل: ج 1 ص 132 ب 15 من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة ح 5).

و في كتاب المعتبر نقله بإضافة البغل بعد الجمل.

أقول: و قيل: إنّ وجه ضعفه هو وقوع عمرو بن سعيد في السند، فإنّه فطحيّ المذهب، فعلى ذلك يمكن إلحاق غير الحمار و البغل بما لا نصّ فيه، لكنّه خلاف المشهور.

(4)يعني أنّ غاية الكلام في خصوص المنصوص مع ضعف سنده أن يقال بجبران

ص: 112

فيبقى (1) إلحاق الدابّة و البقرة بما لا نصّ فيه أولى (2).

نزح سبعين دلوا

(و نزح (3) سبعين دلوا معتادة) على تلك البئر (4)، فإن اختلفت فالأغلب (للإنسان) أي لنجاسته (5) المستندة إلى موته، سواء في ذلك

**********

شرح:

السند بعمل الأصحاب.

إيضاح: قد تقرّر في الاصول أنّ عمل الأصحاب بالخبر الضعيف هل يجبره أم لا؟ قال به بعض، و نفاه بعض، كما هو الحال في أنّ عدم عملهم بخبر هل هو يوجب ضعفه و لو كان قويّا سندا أم لا؟

و الضمير في قوله «ضعفه» يرجع إلى النصّ المعلوم من قوله «و المنصوص منها».

(1)هذا تفريع على قوله «و المنصوص منها... إلخ». يعني فإذا اختصّ ورود النصّ بالحمار و البغل بقي الباقي ممّا ذكر مشمولا لحكم ما لا نصّ فيه، و هو الدابّة و البقرة.

(2)منصوب تقديرا، لكونه خبرا لقوله «فيبقى» فإنّ هذا الفعل قد يكون بمعنى «يكون» أو «يصير». يعني أنّ إلحاق الدابّة و البقرة بما لا نصّ فيه يكون أولى.

نزح سبعين دلوا (3)عطف على مدخول الباء الجارّة في قوله «بنزح جميعه». يعني و يطهر البئر بنزح سبعين دلوا لوقوع الإنسان في البئر و موته فيها.

الدلو: الذي يستقى به مؤنّث و قد يذكّر ج أدل (أقرب الموارد).

(4)الجارّ و المجرور يتعلّقان بقوله «معتادة». يعني أنّ الدلو المذكورة يلاحظ في صغرها و كبرها ما جرت به العادة بالنسبة إلى تلك البئر، فلو كانت العادة مختلفة بأن ينزح الماء منها بالدلو الصغيرة و الكبيرة كلتيهما اعتبر الأغلب منهما.

(5)الضميران في قوليه «لنجاسته» و «موته» يرجعان إلى الإنسان.

ص: 113

الذكر و الانثى و الصغير و الكبير و المسلم و الكافر إن لم نوجب (1) الجميع لما لا نصّ (2) فيه، و إلاّ (3) اختصّ بالمسلم.

نزح خمسين دلوا

(و خمسين) دلوا (للدم الكثير) في نفسه (4) عادة كدم الشاة المذبوحة

**********

شرح:

(1)هذا القيد ناظر إلى قوله «الكافر». يعني أنّ الإنسان يشمل الكافر أيضا بشرط عدم القول بوجوب نزح الجميع فيما لا نصّ فيه.

إيضاح: إنّ الحكم المذكور يتعلّق بنجاسة الإنسان المستندة إلى موته، فلا يشمل نجاسة الكافر المستندة إلى كفره، لأنّ الرواية واردة في خصوص النجاسة المستندة إلى موت الإنسان، فلا بدّ من إلحاق النجاسة المستندة إلى الكفر بما لا نصّ فيه.

و الرواية منقولة في كتاب الوسائل:

محمّد بن الحسن بإسناده عن عمّار الساباطيّ قال: سئل أبو عبد اللّه عليه السّلام عن رجل ذبح طيرا فوقع بدمه في البئر، فقال: ينزح منها دلاء، هذا إذا كان ذكيّا فهو هكذا، و ما سوى ذلك ممّا يقع في بئر الماء فيموت فيه فأكثره الإنسان ينزح منها سبعون دلوا، و أقلّه العصفور ينزح منها دلو واحد، و ما سوى ذلك فيما بين هذين (الوسائل:

ج 1 ص 141 ب 21 من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة ح 2).

(2)فإنّ في خصوص ما لا نصّ فيه قولين:

الأوّل: نزح الجميع.

الثاني: نزح ثلاثين أو أربعين دلوا.

(3)يعني لو قلنا بإلحاق الإنسان الكافر في الحكم بما لا نصّ فيه اختصّ الحكم بوجوب نزح سبعين دلوا بموت الإنسان المسلم في البئر.

نزح خمسين دلوا (4)الضمير في قوله «نفسه» يرجع إلى الدم. يعني أنّ الكثرة تلاحظ بالنسبة إلى ذات

ص: 114

غير الدماء الثلاثة (1)، لما تقدّم.

و في إلحاق دم نجس العين (2) بها وجه مخرّج (3).

**********

شرح:

الدم بأن يكون في نفسه كثيرا عرفا، مثل دم الشاة إذا ذبحت، و لا تلاحظ بالنسبة إلى ماء البئر، مثل كون دم الدجاج كثيرا بالنسبة إلى ماء البئر الذي يكون قليلا.

(1)المراد من «الدماء الثلاثة» هو دم الحيض و النفاس و الاستحاضة، فإنّ الحكم فيها هو وجوب نزح الجميع، كما مرّ في الصفحة 109 في قوله «و دم الحدث».

(2)مثل الكلب و الخنزير. و الضمير في قوله «بها» يرجع إلى الدماء الثلاثة.

(3)بصيغة اسم المفعول من باب التفعيل، و هو صفة لقوله «وجه»، و هو مبتدأ مؤخّر لخبر مقدّم.

و المعنى هو هكذا: إنّ في المقام وجها مخرّجا لإلحاق دم نجس العين بالدماء الثلاثة و الحكم بوجوب نزح الجميع له أيضا.

إيضاح: إنّ لفظ التخريج يستعمل في مقامين:

الأوّل: في استنباط حكم موضوع لم يرد فيه نصّ من موضوع آخر ورد فيه ذلك، و هذا باستنباط الملاك عقلا، لكنّه تخريج باطل.

الثاني: في استنباط حكم موضوع من موضوع آخر لكونه منصوص العلّة مثل استنباط الحكم بحرمة شرب النبيذ من النصّ الوارد في خصوص الخمر «لا تشرب الخمر، لأنّه مسكر»، و يعبّر عن ذلك بالتخريج الصحيح.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّه يمكن في المقام أيضا استفادة حكم دماء نجس العين من حكم الدماء الثلاثة، لكون الجميع شديد النجاسة و اتّحاده في أكثر الموارد حكما مثل عدم كون الجميع معفوّا عنه في الصلاة، لكن ذلك ممّا لا يمكن الاعتماد عليه، لأنّ الدم الوارد في النصّ مطلق، و لا نصّ في خصوص الدماء الثلاثة، و لو سلّم فإلحاق غيرها بها لا يخلو من نظر.

ص: 115

(و العذرة (1) الرطبة)، و هي فضلة الإنسان.

و المرويّ (2) اعتبار ذوبانها، و هو تفرّق أجزائها و شيوعها في الماء، أمّا الرطوبة فلا نصّ على اعتبارها، و لكن ذكرها (3) الشيخ و تبعه المصنّف و جماعة.

و اكتفى في الدروس بكلّ منهما (4)، و كذلك تعيّن الخمسين (5).

و المرويّ أربعون (6) أو خمسون، و هو يقتضي التخيير و إن كان اعتبار

**********

شرح:

(1)بالجرّ، عطف على مدخول اللام الجارّة في قوله «للدم الكثير».

العذرة - بفتح فكسر -: الغائط (أقرب الموارد).

(2)الرواية الواردة في خصوص العذرة منقولة في كتاب الوسائل:

محمّد بن يعقوب بإسناده عن عليّ بن حمزة قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن العذرة تقع في البئر، قال: ينزح منها عشر دلاء، فإن ذابت فأربعون أو خمسون دلوا (الوسائل: ج 1 ص 140 ب 20 من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة ح 2).

(3)الضمير في قوله «ذكرها» يرجع إلى الرطوبة. فإنّ الشيخ الطوسيّ رحمه اللّه قال باشتراط رطوبة العذرة في نزح خمسين دلوا.

(4)يعني أنّ المصنّف رحمه اللّه قال في كتاب الدروس بوجوب نزح الخمسين إذا كانت العذرة رطبة أو متفرّقة، و لم يعتبر إلاّ أحدهما لا على التعيين.

(5)يعني أنّ المصنّف قال في الدروس بتعيّن نزح خمسين دلوا و الحال أنّ الوارد في الرواية هو وجوب نزح أربعين أو خمسين دلوا، و هو يقتضي التخيير.

* عبارت المصنّف في الدروس ص 15 هي هكذا: و خمسين للعذرة الرطبة أو الذائبة.

(6)الرواية هذه هي التي ذكرناها في الهامش 2 من هذه الصفحة، فإنّ فيها قوله عليه السّلام:

«فإن ذابت فأربعون أو خمسون دلوا».

ص: 116

الأكثر أحوط (1) أو أفضل.

نزح أربعين دلوا

(و أربعين) دلوا (للثعلب و الأرنب و الشاة و الخنزير و الكلب و الهرّ (2)) و شبه ذلك (3).

و المراد من نجاسته (4) المستندة بالموت كما مرّ (5).

**********

شرح:

و لا يخفى أنّ العطف ب «أو» يدلّ على التخيير بين التقديرين المذكورين، بمعنى أنّ كلّ واحد منهما يكفي في تطهير البئر.

(1)و الاحتياط إنّما هو في صورة كون التردّد من الراوي، أمّا الحمل على الأفضل فهو في صورة حصول الترديد في كلام الإمام عليه السّلام، و قد قال بعض الفقهاء: إذا وجد الأقلّ و الأكثر في كلام الإمام عليه السّلام فحمل كلامه على الأكثر أفضل.

نزح أربعين دلوا (2)الهرّ - بالكسر -: السنّور ج هررة (أقرب الموارد).

(3)المشار إليه في قوله «ذلك» هو الكلب لا الهرّ، فإنّ القريب هو المشار إليه بلفظ «ذا» و للمتوسّط لفظ «ذاك» و للبعيد - كما هنا - لفظ «ذلك».

و المراد من شبه الكلب هو الغزال و القرد، و هذا هو الذي يستفاد من كتاب الشرائع، فإنّ في عبارته تأخير الكلب عمّا ذكر قبله، قال المحقّق الحلّيّ في هذا الكتاب: و بنزح أربعين إن مات فيها ثعلب أو أرنب أو خنزير أو سنّور أو كلب و شبهه.

(4)الضمير في قوله «نجاسته» يرجع إلى كلّ فرد ممّا ذكر. يعني أنّ المراد من نجاسة ما ذكر من الثعلب و الأرنب و ما بعدهما النجاسة المستندة إلى موتها لا النجاسة الذاتيّة التي هي في بعضها مثل الكلب و الخنزير، فإنّ حكم هذه النجاسة يأتي بعد ذلك.

(5)يعني كما مرّ في مثل الإنسان و الدابّة و أنّ المراد من النجاسة فيهما نجاستهما المستندة إلى موتهما.

ص: 117

و المستند (1) ضعيف، و الشهرة جابرة على ما زعموا (2).

(و) كذا (3) في (بول الرجل) سندا و شهرة.

و إطلاق الرجل يشمل المسلم و الكافر، و تخرج المرأة و الخنثى (4)، فيلحق بولهما بما لا نصّ فيه.

و كذا (5) بول الصبيّة، أمّا الصبيّ فسيأتي.

**********

شرح:

(1)و المستند هو المنقول في كتاب المعتبر للمحقّق رحمه اللّه:

عن حسين بن سعيد عن القاسم بن عليّ عن الصادق عليه السّلام، قال: سألته عن السنّور، فقال: أربعون دلوا و الكلب و شبهه.

(2)يعني أنّ جمعا من الاصوليّين زعموا كون الشهرة العمليّة جابرة لضعف سند الرواية، و هذا التعبير من الشارح رحمه اللّه يدلّ على عدم قوله بجبران ضعف سند الرواية بالشهرة العمليّة.

(3)يعني و كذا شأن النصّ المستند إليه في وجوب نزح أربعين دلوا لبول الرجل من حيث ضعفه سندا و جبرانه بالشهرة، و هو منقول في كتاب الوسائل:

محمّد بن الحسن بإسناده عن عليّ بن حمزة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: سألته عن بول الصبيّ الفطيم يقع في البئر، فقال: دلو واحد، قلت: بول الرجل، قال: ينزح منها أربعون دلوا (الوسائل: ج 1 ص 133 ب 16 من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة ح 2).

و وجه ضعفه سندا هو كون عليّ بن حمزة في السند، فإنّه - كما قالوا في حقّه - واقفيّ، و عن عليّ بن الحسين بن فضّال أنّه قال: إنّ عليّ بن حمزة كذّاب، و متّهم و ملعون.

(4)فإنّ الرجل لا يشمل المرأة و الخنثى، أمّا المرأة فمعلومة، و أمّا الخنثى فلاشتباهها بالمرأة، فيحكم بإلحاق بولهما بما لا نصّ فيه.

(5)يعني و كذا يلحق بول الصبيّة بما لا نصّ فيه، أمّا بول الصبيّ فستأتي الإشارة إليه في قوله الآتي في الصفحة 6-125 «و سبع للطير و الفأرة... و بول الصبيّ».

ص: 118

و لو قيل فيما لا نصّ فيه بنزح ثلاثين أو أربعين وجب في بول الخنثى أكثر الأمرين منه (1) و من بول الرجل، مع احتمال الاجتزاء بالأقلّ (2)، للأصل (3).

نزح ثلاثين دلوا

(و) نزح (4)(ثلاثين) دلوا......

**********

شرح:

(1)الضمير في قوله «منه» يرجع إلى ما لا نصّ فيه. فمعنى العبارة هو هكذا:

لو قيل بوجوب نزح ثلاثين أو أربعين دلوا فيما لا نصّ فيه وجب الحكم في بول الخنثى بأكثر الأمرين منه و من بول الرجل، فيحكم إذا بنزح الأربعين، لأنّه أكثر من الثلاثين.

و لا يخفى المسامحة الموجودة في العبارة، لأنّنا إذا قلنا بوجوب الأربعين فيما لا نصّ فيه لم يتصوّر أكثر الأمرين منه و ممّا يجب لبول الرجل، لأنّ الواجب في كليهما هو الأربعون.

فالحقّ أن يعبّر هكذا: يجب لبول الخنثى نزح أربعين دلوا مع احتمال الاجتزاء بالثلاثين، لأنّه الأقلّ و مقتضى جريان أصالة البراءة من الزائد.

(2)المراد من «الأقلّ» هو الثلاثون دلوا.

(3)و المراد من «الأصل» هو أصالة البراءة من الزائد للشكّ في وجوبه. هذا و لكن لا يخفى أنّ الاحتياط يقتضي وجوب نزح الأكثر، لاحتمال كون الخنثى رجلا، و يمكن توجيه وجوب نزح أكثر الأمرين بأنّه قال بعض الفقهاء فيما لا نصّ فيه بوجوب نزح الجميع، فيتحقّق الاحتياط إذا بنزح الجميع، لاحتمال كون الخنثى امرأة يجب في خصوصها نزح الجميع، لأنّها ممّا لا نصّ فيه.

نزح ثلاثين دلوا (4)بالجرّ، عطف على مدخول الباء الجارّة في قول المصنّف في الصفحة 107 «بنزح جميعه».

ص: 119

(لماء المطر المخالط (1) للبول و العذرة و خرء الكلب) في المشهور.

و المستند (2) رواية مجهولة الراوي (3).

و إيجاب (4) خمسين للعذرة، و أربعين لبعض الأبوال (5)، و الجميع للبعض كالأخير (6) منفردا لا ينافي.......

**********

شرح:

(1)بصيغة اسم الفاعل، صفة لقوله «ماء المطر». يعني يجب نزح ثلاثين دلوا إذا اختلط ماء المطر بالبول و العذرة و خرء الكلب ثمّ وقع في البئر، بناء على ما هو المشهور بين الفقهاء.

(2)و الرواية المستند إليها منقولة في كتاب الوسائل:

محمّد بن الحسن بإسناده عن كردويه قال: سألت أبا الحسن عليه السّلام عن بئر يدخلها ماء المطر فيه البول و العذرة و أبوال الدوابّ و أرواثها و خرء الكلاب، قال: ينزح منها ثلاثون دلوا و إن كانت منجرّة (منخرّة)، (الوسائل: ج 1 ص 133 ب 16 من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة ح 3).

(3)وجه كون الرواية مجهولة الراوي وقوع «كردويه» في سندها، فإنّه هو الذي قال عنه العلاّمة في كتابه (المختلف): لا أعرف حاله.

(4)هذا مبتدأ، خبره قوله «لا ينافي»، و كأنّ هذا إشكال متوجّه إلى وجوب نزح ثلاثين دلوا لماء المطر إذا اختلط بالبول و العذرة و خرء الكلب و الحال أنّه إذا وقع بول الرجل في البئر منفردا وجب نزح أربعين دلوا، و إذا وقعت العذرة منفردة وجب نزح خمسين دلوا، و إذا وقع خرء الكلب كذلك وجب نزح الجميع، لكونه ممّا لا نصّ فيه، فكيف يحكم بوجوب نزح ثلاثين عند اجتماع المذكورين؟!

فأجاب الشارح رحمه اللّه عنه بقوله «لأنّ مبنى حكم البئر على جمع المختلف... إلخ».

(5)المراد من «بعض الأبوال» هو بول الرجل.

(6)المراد من «الأخير» هو خرء الكلب، فإنّه ممّا لا نصّ فيه، و يجب له نزح الجميع.

ص: 120

وجوب ثلاثين له (1) مجتمعا مخالطا للماء، لأنّ مبنى حكم البئر على جمع المختلف (2) و تفريق المتّفق (3)، فجاز (4) إضعاف ماء المطر لحكمه (5) و إن (6) لم تذهب أعيان هذه الأشياء.

و لو خالط (7) أحدها كفت الثلاثون.......

**********

شرح:

(1)الضمير في قوله «له» يرجع إلى كلّ واحد ممّا ذكر من العذرة و بعض الأبوال و خرء الكلب، و قولاه «مجتمعا» و «مخالطا» كلاهما حال من الضمير في قوله «له».

(2)كما هو الحال في نزح الماء للكلب و الغنم في قولهما «و أربعين دلوا للثعلب و الأرنب و الشاة و الخنزير و الكلب... إلخ» و الحال أنّ مثل الشاة و الكلب يختلفان من حيث الطهارة و النجاسة.

(3)كما فرّق في حكم النزح بين الخنزير و الكلب و الحال أنّهما متّفقان من حيث نجاستهما العينيّة.

(4)هذا متفرّع على المبنى المذكور، و هو تفريق الأجناس المتّفقة من حيث النجاسة كالكلب و الخنزير، و جمع الأجناس المختلفة مثل الشاة و الكلب.

قوله «فجاز» معناه: فيمكن أن يكون اختلاط المطر بما ذكر موجبا لضعف حكم كلّ واحد ممّا اختلط بماء المطر منفردا، بمعنى وجوب النزح بالاختلاط بماء المطر أقلّ ممّا يجب بوقوع كلّ واحد ممّا ذكر في البئر منفردا.

و قوله «إضعاف» مصدر من باب الإفعال بمعنى تصيير الشيء ضعيفا.

(5)الضمير في قوله «حكمه» يرجع إلى كلّ واحد ممّا ذكر.

(6)وصليّة. يعني أنّ اختلاط المطر بما ذكر يوجب ضعف حكم المذكورين و إن لم يوجب زوال عين النجاسات المذكورة.

(7)الضمير في قوله «أحدها» يرجع إلى النجاسات الثلاث المذكورة. احتمل بعض

ص: 121

إن لم يكن له (1) مقدّر، أو كان (2) و هو أكثر أو مساو (3)، و لو كان (4) أقلّ اقتصر عليه (5).

**********

شرح:

المعاصرين كون هذه العبارة من المتن، و استشهد بقول الشارح رحمه اللّه الآتي آنفا «و أطلق المصنّف أنّ حكم بعضها كالكلّ». يعني أنّ المصنّف قال في المتن «و لو خالط أحدها كفت الثلاثون»، و فصّله الشارح بقوله «إن لم يكن له مقدّر أو كان و هو أكثر... إلخ»، و أيضا ذكر قرائن اخرى لكون تلك العبارة من متن الكتاب، لكنّ الشواهد المذكورة لا توجب الاطمينان إلى كونها من المتن، بل الظاهر أنّها من كلام الشارح و أنّها جملة مستأنفة لبيان التفصيل فيما أطلقه الماتن في كتابه (البيان) كما سيأتي، فإنّ المفهوم من عبارة المصنّف في ذلك الكتاب هو وجوب نزح الثلاثين عند اختلاط ماء المطر بكلّ واحد ممّا ذكر، كما ورد في عبارة كتابه (البيان): «و ثلاثين لماء المطر و فيه البول و العذرة و خرء الكلب أو أحدها»، و لا استبعاد أن يفصّل الشارح هنا ما استفاده من إطلاق المصنّف في سائر كتبه.

(1)كما إذا اختلط المطر ببول المرأة أو الخنثى أو الصبيّة أو خرء الكلب، فإنّها ممّا لم يرد فيه نصّ.

(2)يعني أو كان للمخالط مقدّر و كان التقدير أكثر من الثلاثين مثل العذرة الرطبة التي يجب فيها نزح خمسين دلوا و بول الرجل الذي يجب فيه نزح أربعين دلوا.

(3)هذا و لكن لم يوجد مقدّر يساوي ثلاثين دلوا حتّى يساوي حكم ماء المطر المختلط به إلاّ أن يقال بوجوب نزح الثلاثين فيما لا نصّ فيه و إن كان هذا التوجيه لا يوجب رفع قصور العبارة كما لا يخفى.

(4)يعني لو كان التقدير في المختلط بماء المطر أقلّ من ثلاثين دلوا مثل بول الصبيّ الذي يجب فيه نزح سبع دلاء لم يجب فيه إلاّ ذلك.

(5)الضمير في قوله «عليه» يرجع إلى المختلط بماء المطر.

ص: 122

و أطلق المصنّف (1) أنّ حكم بعضها كالكلّ، و غيره (2) بأنّ الحكم معلّق بالجميع، فيجب لغيره مقدّره (3) أو الجميع (4)، و التفصيل (5) أجود.

**********

شرح:

(1)يعني أنّ المصنّف رحمه اللّه أطلق في كتابه (البيان) حكم اختلاط بعض المذكورات بماء المطر و قال بأنّ حكم بعض هذه النجاسات الثلاث المختلطة بماء المطر هو حكم الكلّ أعني وجوب نزح الثلاثين و لم يفصّل كما فصّله الشارح رحمه اللّه في قوله «و لو خالط أحدها... إلخ».

(2)يعني أنّ غير المصنّف من الفقهاء أيضا أطلق و قال بأنّ الحكم بوجوب نزح الثلاثين يتعلّق باختلاط المطر بجميع ما ذكر من النجاسات الثلاث، فلو اختلط بالمطر إحداها لم يجب فيها إلاّ نزح ما قدّر فيها.

(3)الضمير في قوله «لغيره» يرجع إلى الجميع، و في قوله «مقدّره» يرجع إلى غير الجميع. يعني يجب في اختلاط غير الجميع بماء المطر نزح ما قدّر في خصوصه.

(4)يعني يجب نزح الجميع لو لم يكن لغير الجميع مقدّر و قلنا بوجوب ذلك فيما لا نصّ فيه.

(5)اللام تكون للعهد الذكريّ. يعني أنّ التفصيل المذكور في قول الشارح رحمه اللّه «و لو خالط أحدها كفت الثلاثون إن لم يكن له مقدّر، أو كان و هو أكثر أو مساو» هو أجود الأقوال.

إيضاح: إنّ الأقوال في اختلاط إحدى النجاسات الثلاث المذكورة بماء المطر ثلاثة:

الأوّل: وجوب نزح الثلاثين كما هو قول المصنّف رحمه اللّه في كتابه (البيان).

الثاني: وجوب نزح المقدّر أو الجميع كما هو قول سائر الفقهاء.

الثالث: التفصيل المذكور الذي استجاده الشارح رحمه اللّه.

** *

ص: 123

نزح عشر دلاء

(و) نزح (عشر) دلاء (1)(ليابس العذرة (2))، و هو غير ذائبها أو رطبها أو هما (3) على الأقوال،(و قليل الدم) كدم الدجاجة (4) المذبوحة في المشهور، و المرويّ (5) دلاء يسيرة.

و فسّرت (6) بالعشر، لأنّه أكثر عدد يضاف إلى هذا الجمع، أو لأنّه أقلّ

**********

شرح:

نزح عشر دلاء

(1)جمع دلو، و هو ما يستقى به.

(2)هذا من قبيل إضافة الصفة إلى موصوفها. أي يجب نزح عشر دلاء للعذرة اليابسة.

و المراد من العذرة اليابسة هو إمّا غير ذائبها أو غير رطبها.

(3)يعني أنّ المراد من العذرة اليابسة هو غير الذائبة و غير الرطبة معا، ففيها ثلاثة أقوال.

(4)الدجاج - بالتثليث و الفتح أعلى -: طائر معروف منه أهليّ و منه برّيّ، الواحدة دجاجة (أقرب الموارد).

(5)مبتدأ، خبره قوله «دلاء يسيرة». يعني لم يرو في قليل الدم غير دلاء.

(6)بصيغة المجهول، و نائب الفاعل هو الضمير الراجع إلى قوله «دلاء يسيرة».

و الرواية منقولة في كتاب الوسائل:

محمّد بن الحسن بإسناده عن عليّ بن جعفر قال: سألته عن رجل ذبح شاة فاضطربت فوقعت في بئر ماء - إلى أن قال: - و سألته عن رجل ذبح دجاجة أو حمامة فوقعت في بئر، هل يصلح أن يتوضّأ منها؟ قال: ينزح منها دلاء يسيرة، ثمّ يتوضّأ منها... إلخ (الوسائل: ج 1 ص 141 ب 21 من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة ح 1).

هذا و الشيخ الطوسيّ رحمه اللّه فسّر قوله عليه السّلام: «دلاء يسيرة» بالعشر و جعله جمع قلّة، و حمله على أكثر ما يدلّ عليه جمع القلّة و هو العشر، لكنّ العلاّمة رحمه اللّه جعله في كتابه (المنتهى) جمع كثرة، و حمله على أقلّ ما يدلّ عليه جمع الكثرة و هو العشر.

ص: 124

جمع الكثرة، و فيهما (1) نظر.

نزح سبع دلاء

(و) نزح (سبع) دلاء (للطير)، و هو الحمامة (2) فما فوقها، أي لنجاسة

**********

شرح:

(1)الضمير في قوله «فيهما» يرجع إلى التفسيرين المذكورين. يعني أنّ في كلا التفسيرين إشكالا.

أمّا التفسير الأوّل - و هو جعل «دلاء» جمع قلّة و حملها على أكثر ما يدلّ عليه جمع القلّة و هو العشر، كما عن الشيخ - ففيه عدم كون هذا الوزن من أوزان جمع القلّة التي ذكروها، كما قال ابن مالك في ألفيّته:

أفعلة، أفعل، ثمّ فعلة*** ثمّة أفعال جموع قلّة

و في هذا المعنى بالفارسيّة:

جمع قلّه چار باشد در ميان نحويان*** أفعل و أفعله و فعله و أفعال بدان

هذا أوّلا، و فيه أيضا حمله على أكثر ما يدلّ عليه جمع القلّة ثانيا و الحال أنّ أصالة البراءة تجري بالنسبة إلى الأزيد من الثلاثة، فإنّها أقلّ مراتب جمع القلّة.

و أمّا التفسير الثاني الذي ادّعاه العلاّمة في كتابه (المنتهى) - و هو كون «دلاء» جمع كثرة مع حمله على أقلّ ما يدلّ عليه هذا الجمع و هو العشر - ففيه أنّ أقلّ ما يدلّ عليه جمع الكثرة هو أحد عشر لا العشر، فإنّ العشر مدلول جمع القلّة و أكثر مراتبه.

إيضاح: إنّ جمع الكثرة يدلّ على ما لا يدلّ عليه جمع القلّة و ينتهي لديه من حيث الكثرة، فإنّ أكثر ما يدلّ عليه جمع القلّة هو العشرة، و ما بعدها أقلّ عدد يدلّ عليه جمع الكثرة و هو أحد عشر.

نزح سبع دلاء (2)يعني أنّ المراد من الطير في المقام هو الحمامة و ما هو أكبر منها من حيث الجثّة

ص: 125

موته،(و الفأرة (1) مع انتفاخها) في المشهور (2).

و المرويّ (3) و إن ضعف اعتبار تفسّخها.

(و بول الصبيّ)، و هو الذكر الذي زاد سنّه عن حولين (4) و لم يبلغ

**********

شرح:

ليخرج العصفور، فإنّ الواجب فيه و ما يساويه جثّة نزح دلو واحدة كما سيجيء حكمه إن شاء اللّه تعالى.

و الدليل لما ذكر هو رواية منقولة في كتاب الوسائل:

محمّد بن الحسن بإسناده عن عليّ قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الفأرة تقع في البئر، قال: سبع دلاء، قال: و سألته عن الطير و الدجاجة تقع في البئر، قال: سبع دلاء، الحديث (الوسائل: ج 1 ص 136 ب 18 من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة ح 2).

(1)بالجرّ، عطف على مدخول اللام الجارّة في قوله «للطير». يعني يجب نزح سبع دلاء للفأرة إذا ماتت في البئر و انتفخت.

(2)أي المشهور من فتوى الفقهاء.

(3)يعني أنّ المرويّ من الأئمّة عليهم السّلام اعتبار تفسّخ الفأرة.

قوله «المرويّ» مبتدأ، خبره قوله «اعتبار تفسّخها»، و قوله «ضعف» يمكن كونه مجرّدا و معلوما، و يمكن كونه مجهولا و مزيدا فيه. يعني و إن كان المرويّ مضعّفا.

إيضاح: اعلم أنّ المصنّف رحمه اللّه اشترط في الحكم المذكور انتفاخ الفأرة في البئر بعد أن ماتت فيها، لكنّ الرواية مع ضعفها تدلّ على تفسّخ الفأرة بعد موتها، و هو تجزّي الأجزاء و تفرّقها، و الرواية منقولة في كتاب الوسائل:

محمّد بن الحسن بإسناده عن أبي سعيد المكاريّ عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: إذا وقعت الفأرة في البئر فتسلّخت فانزح منها سبع دلاء، و في رواية اخرى: فتفسّخت (الوسائل: ج 1 ص 137 ب 19 من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة ح 1).

(4)فلو كان سنّه بمقدار الحولين أو أقلّ منهما أطلق عليه الرضيع، و هو على قسمين :

ص: 126

الحلم (1).

و في حكمه (2) الرضيع الذي يغلب أكله على رضاعه أو يساويه،(و غسل (3) الجنب) الخالى بدنه عن نجاسة عينيّة (4).

**********

شرح:

الأوّل: من يكون تغذيته بالرضاع خاصّة أو يكون أكثر تغذيته كذلك، فإنّ حكمه وجوب نزح دلو واحدة كما سيجيء إن شاء اللّه تعالى.

الثاني: من يكون تغذيته بغير الرضاع أكثر من إرضاعه أو مساويا له، فإنّ حكمه إلحاقه بالصبيّ في وجوب نزح سبع دلاء.

(1)من حلم حلما و حلما الصبيّ: أدرك و بلغ مبالغ الرجال (المنجد).

(2)الضمير في قوله «حكمه» يرجع إلى الصبيّ. يعني أنّ الرضيع الذي يغلب أكله على رضاعه أو يساويه يلحق بالصبيّ في وجوب نزح سبع دلاء.

و الدليل على وجوب نزح سبع دلاء لبول الصبيّ الذي لم يبلغ الحلم هو رواية منقولة في كتاب الوسائل:

محمّد بن الحسن بإسناده عن منصور بن حازم قال: حدّثني عدّة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: ينزح منه سبع دلاء إذا بال فيه الصبيّ، أو وقعت فيها فأرة أو نحوها (الوسائل:

ج 1 ص 133 ب 16 من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة ح 1).

(3)بالجرّ، عطف على مدخول اللام الجارّة في قوله «للطير». يعني يجب نزح سبع دلاء إذا اغتسل الجنب في البئر و لم يكن على بدنه عين البول أو المنيّ، فإنّه إذا وجد الأوّل على بدنه وجب نزح أربعين دلوا، و إذا وجد الثاني جرى فيه حكم ما لا نصّ فيه مع نزح سبع دلاء أيضا باغتسال الجنب فيها.

(4)في مقابلة النجاسة الحكميّة، بمعنى أنّ الإنسان إذا ابتلي بالجنابة حصلت فيه نجاستان: نجاسة عينيّة، و هي المنيّ غالبا و إن كانت الجنابة قد تحصل و لا يخرج المنيّ، و نجاسة حكميّة، و هي الحالة المعنويّة الحاصلة من الجنابة تسمّى بالحدث الأكبر.

ص: 127

و مقتضى النصّ (1) نجاسة الماء بذلك (2) لا سلب الطهوريّة، و على هذا (3) فإن اغتسل مرتمسا طهر بدنه من الحدث و نجس بالخبث (4).

و إن اغتسل مرتّبا ففي نجاسة (5) الماء...

**********

شرح:

(1)يعني أنّ مقتضى النصّ هو صيرورة ماء البئر متنجّسا بغسل الجنب فيه لا سقوطه عن الطاهريّة.

إيضاح: اختلف الفقهاء في أنّه إذا اغتسل الجنب في البئر هل ينجس ماؤها و إن لم تسلب عنها الطهوريّة أو تسلب عنها الطهوريّة أيضا بمعنى أنّ ماءها لا يرفع إذا الحدث الأكبر و لا الأصغر كما أنّ الماء القليل إذا اغتسل فيه لم يجز الاغتسال فيه و لا التوضّؤ به.

فلو قيل بالأوّل حكم بتنجّس ماء البئر لغسل الجنب فيه و وجب نزح سبع دلاء لزوال النجاسة عنه، و النصّ منقول في كتاب الوسائل:

محمّد بن الحسن بإسناده عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الجنب يدخل البئر فيغتسل منها، قال: ينزح منها سبع دلاء (الوسائل: ج 1 ص 142 ب 22 من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة ح 4).

(2)المشار إليه في قوله «بذلك» هو اغتسال الجنب في ماء البئر، فإنّ وجوب نزح سبع دلاء يقتضي كون الماء متنجّسا بغسل الجنب فيه.

(3)يعني و على القول بتنجّس ماء البئر كذلك إن اغتسل الجنب بماء المطر ارتماسا بأن يغتمس في الماء دفعة مع نيّة الغسل صحّ غسله و إن صار بدنه نجسا لكونه في الماء المتنجّس و ملاقاة بدنه له.

(4)المراد من «الخبث» هو الماء الذي تنجّس بغسل الجنب فيه.

(5)خبر مقدّم لمبتدإ مؤخّر هو قوله الآتي «و جهان». يعني أنّ الجنب إذا اغتسل بماء البئر على نحو الترتيب - بأن يغسل الرأس مع النيّة ثمّ اليمين ثمّ اليسار - فهل يحكم

ص: 128

بعد غسل الجزء الأوّل (1) مع اتّصاله (2) به أو وصول (3) الماء إليه أو توقّفه (4)

**********

شرح:

بنجاسة الماء بعد غسل الجزء الأوّل من البدن أو تتوقّف النجاسة على إكمال الغسل؟ فيه و جهان.

إيضاح: إنّ الجنب إذا اغتسل بماء البئر فله صورتان:

الاولى: أن يكون خارج الماء و يرتمس فيه رأسه أوّلا ثمّ اليمين ثمّ اليسار.

الثاني: أن يصبّ ماء البئر على رأسه بنيّة الغسل أوّلا ثمّ على اليمين و هكذا و يصل الماء المنفصل عن بدن الجنب إلى البئر.

فلو قيل بنجاسة ماء البئر بغسل أوّل العضو فيها لم يصحّ غسل اليمين بعد غسل الرأس إلاّ بعد نزح سبع دلاء حتّى تزول نجاستها به.

و هكذا شأن غسل اليسار به في الصورة الاولى، و كذلك في الثانية إذا صبّ الماء المنفصل عن بدنه في البئر، فإذا غسل الرأس بماء البئر و صبّت الغسالة فيها لم يصحّ غسل اليمين إلاّ بتطهيره بالنزح المذكور.

هذا إذا قيل بنجاسة ماء البئر بغسل أوّل جزء أو جزء من البدن، فلو قيل بعدم نجاسته إلاّ بإكمال الغسل فيها لم يحتج إلى النزح بعد غسل أوّل جزء من البدن.

(1)هذا يشير إلى غسل الجنب بماء البئر على نحو الصورة الاولى من الصورتين المذكورتين في الهامش 5 من الصفحة السابقة.

(2)الضمير في قوله «اتّصاله» يرجع إلى الجنب، و في قوله «به» يرجع إلى الماء.

و المراد هو أن يتّصل الجنب بماء البئر عند الغسل كما أوضحناه.

(3)هذا يشير إلى غسل الجنب بماء البئر على نحو الصورة الثانية المذكورة في الهامش 5 من الصفحة السابقة. و الضمير في قوله «إليه» يرجع إلى ماء البئر.

(4)بالجرّ، عطف على مدخول «في» الجارّة في قوله «ففي نجاسته». و هذا هو الوجه الثاني من الوجهين المحتملين في المسألة. و الضمير في قوله «توقّفه» يرجع إلى الحكم بالنجاسة.

ص: 129

على إكمال الغسل و جهان (1).

و لا يلحق بالجنب غيره (2) ممّن يجب عليه الغسل، عملا (3) بالأصل مع احتماله (4).

(و خروج (5) الكب من) ماء (البئر حيّا)، و لا يلحق به الخنزير، بل بما

**********

شرح:

(1)أحد الوجهين هو الحكم بنجاسة ماء البئر بغسل أوّل جزء من البدن فيها أو بوصول الماء المنفصل عن البدن إليها.

و الوجه الآخر هو دلالة النصّ على تنجّس ماء البئر بغسل الجنب فيها، فلا يتحقّق الغسل إلاّ بإتمامه.

أقول: يمكن حمل الرواية الدالّة على تنجّس البئر باغتسال الجنب فيها على صورة اختلاط عرق بدن الجنب من الحرام بماء البئر و صبّه فيه بعد الحكم بنجاسة عرق الجنب حراما.

(2)بالرفع، فاعل لقوله «لا يلحق». يعني أنّ غير الجنب مثل الحائض و النفساء و غيرهما إذا اغتسل بماء البئر لم يحكم بوجوب نزح سبع دلاء منها.

(3)مفعول له لعدم إلحاق غير الجنب به، و العلّة لعدم هذا الإلحاق هي إجراء أصالة البراءة من وجوب النزح المذكور إذا اغتسل غير الجنب بماء البئر.

(4)الضمير في قوله «احتماله» يرجع إلى الإلحاق. يعني يحتمل أن يلحق بالجنب غيره إذا اغتسل بماء البئر، فلو اغتسلت به الحائض أو النفساء وجب نزح سبع دلاء منها، لأنّ الجنابة لا خصوصيّة لها، بل الحكم يدور مدار رفع الحدث الأكبر بماء البئر بلا فرق بين الجنابة و الحيض و النفاس و غيرها.

(5)يعني يجب نزح سبع دلاء إذا دخل الكلب في البئر و خرج منها حيّا.

و الدليل على الحكم المذكور هو رواية منقولة في كتاب الوسائل:

ص: 130

لا (1) نصّ فيه.

نزح خمس دلاء

(و) نزح (خمس لذرق (2) الدجاج) مثلّث الدال في المشهور (3).

و لا نصّ عليه ظاهرا، فيجب تقييده (4) بالجلاّل كما صنع المصنّف في البيان ليكون نجسا.

و يحتمل حينئذ (5) وجوب نزح الجميع إلحاقا له بما لا نصّ فيه إن

**********

شرح:

محمّد بن الحسن بإسناده عن أبي مريم، قال: حدّثنا جعفر قال: كان أبو جعفر عليه السّلام يقول: إذا مات الكلب في البئر نزحت، و قال أبو جعفر عليه السّلام: إذا وقع فيها ثمّ اخرج منها حيّا نزح منها سبع دلاء (الوسائل: ج 1 ص 134 ب 17 من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة ح 1).

(1)يعني أنّ الخنزير لا يلحق بالكلب إذا دخل البئر و خرج منها حيّا، بل يلحق بما لا نصّ فيه، لعدم ورود نصّ في خصوصه و إن كان مثل الكلب في نجاسته العينيّة.

نزح خمس دلاء (2)من ذرق ذرقا الطائر: رمى بسلحه.

الذرق (مص): السلح (المنجد).

و بالفارسيّة: فضله افكندن.

(3)يعني أنّ الحكم بوجوب نزح خمس دلاء إذا وقع نجو الطائر في البئر هو المشهور بين الفقهاء.

(4)الضمير في قوله «تقييده» يرجع إلى الدجاج. يعني أنّ الحكم المذكور لم يدلّ عليه نصّ، لأنّ الدجاج طاهر و كذلك ذرقه، فيلزم تقييده بكونه جلاّلا بأن يتغذّى بالنجاسة حتّى يصدق عليه أنّه جلاّل فيحكم عليه بحرمته و نجاسة نجوه.

(5)يعني أنّ الدجاج إذا كان جلاّلا ففي ذرقه إذا وقع في البئر ثلاثة احتمالات :

ص: 131

لم يثبت الإجماع على خلافه (1)، و عشر (2) إدخالا له في العذرة، و الخمس (3) للإجماع على عدم الزائد إن تمّ.

و في الدروس صرّح بإرادة العموم (4) كما هنا، و جعل التخصيص (5) بالجلاّل قولا.

**********

شرح:

الأوّل: الحكم بوجوب نزح الجميع إلحاقا له بما لا نصّ فيه.

الثاني: الحكم بوجوب نزح عشر دلاء إدخالا له في العذرة اليابسة التي يجب فيها نزح عشر دلاء كما تقدّم.

الثالث: الحكم بوجوب نزح خمس دلاء للإجماع - إن تمّ - على عدم وجوب الزائد.

(1)الضمير في قوله «خلافه» يرجع إلى وجوب نزح الجميع. يعني أنّ الحكم المذكور إنّما هو في صورة عدم ثبوت الإجماع على خلافه، و إلاّ فلا يجب نزح الجميع.

(2)بالجرّ، عطف على قوله «الجميع». يعني و يحتمل أيضا وجوب نزح عشر دلاء بدليل إدخال الذرق في العذرة اليابسة حكما.

(3)بالجرّ، عطف على قوله «الجميع». يعني و يحتمل أيضا وجوب نزح خمس دلاء لحصول الإجماع على عدم الحكم بالزائد عن القدر المذكور إن تمّ الإجماع و ثبت.

(4)المراد من «العموم» هو عدم الفرق في الحكم بوجوب نزح خمس دلاء لذرق الدجاج بين كونه جلاّلا و بين عدمه، فإنّ المصنّف رحمه اللّه حكم في كتابه (الدروس) بالنزح المذكور صريحا و بلا تقييد كما هو الحال في هذا الكتاب.

(5)يعني أنّ المصنّف جعل في كتابه (الدروس) تعليق الحكم على كون الدجاج جلاّلا قولا في المسألة، و قال: «و خصّه جماعة بالجلاّل».

ص: 132

نزح ثلاث دلاء

(و ثلاث (1)) دلاء (للفأرة) مع عدم الوصف (2)(و الحيّة) على المشهور.

و المأخذ فيها (3) ضعيف،...

**********

شرح:

نزح ثلاث دلاء (1)بالجرّ، عطف على قوله الماضي آنفا «خمس». يعني يجب نزح ثلاث دلاء إذا وقعت الفأرة في البئر و ماتت و لم يحصل فيها وصف الانتفاخ.

(2)اللام تكون للعهد الذكريّ، و المراد من «الوصف» هو وصف الانتفاخ المتقدّم في الصفحة 126 «و الفأرة مع انتفاخها».

و المستند لهذا الحكم هو رواية منقولة في كتاب الوسائل:

محمّد بن الحسن بإسناده عن معاوية بن عمّار قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الفأرة و الوزغة تقع في البئر، قال: ينزح منها ثلاث دلاء (الوسائل: ج 1 ص 137 ب 19 من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة ح 2).

أقول: إنّ الجمع بين الرواية المتقدّمة في الهامش 2 من ص 125 الدالّة على وجوب نزح سبع دلاء إذا وقعت الفأرة في البئر و بين هذه الرواية الدالّة على وجوب نزح ثلاث دلاء إنّما هو بحمل الرواية المتقدّمة على صورة تفسّخ الفأرة و حمل هذه على ما إذا لم تتفسّخ كما أشار إلى هذا الشيخ الطوسيّ رحمه اللّه.

(3)يعني أنّ المستند لوجوب نزح ثلاث دلاء للحيّة ضعيف.

أقول: ما عثرت فيما هو عندي من كتب الأحاديث على ما يدلّ على حكم الحيّة إذا وقعت في البئر و ماتت فيها.

نعم استند المحقّق رحمه اللّه في كتابه (المعتبر) إلى رواية لم يصرّح فيها بالحيّة، و هي منقولة في كتاب الوسائل:

محمّد بن يعقوب بإسناده عن الحلبيّ عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: إذا سقط في البئر شيء

ص: 133

و علّل (1) بأنّ لها نفسا فتكون ميتتها نجسة.

و فيه (2) مع الشكّ في ذلك عدم استلزامه للمدّعى (3).

(و) ألحق بها (الوزغة (4)) بالتحريك.

و لا شاهد له (5) اعترف به المصنّف في غير البيان، و قطع بالحكم فيه

**********

شرح:

صغير فمات فيها فانزح منها دلاء... إلخ (الوسائل: ج 1 ص 132 ب 15 من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة ح 6).

و لا يخفى عدم صراحة الرواية بالحيّة، لأنّ الحيّة ربّما تكون كبيرة، فلا يصدق عليها قوله عليه السّلام: «شيء صغير»، و قد نقل في خصوص الدابّة الصغيرة الحكم بوجوب نزح سبع دلاء، كما روي عن ابن سنان، و قد عمل بها الصدوق رحمه اللّه، فيتعارضان إلاّ أن يقال برجحان الاولى بالشهرة الفتوائيّة.

(1)يعني علّل كلام المشهور بأنّ الحيّة لها نفس سائلة أي دم يخرج بالدفع و كلّ حيوان كان كذلك يحكم عليه بنجاسة ميتته، فميتة الحيّة إذا محكوم عليها بالنجاسة، فإذا وقعت في البئر وجب تطهيرها بالنزح.

و الضميران في قوليه «لها» و «ميتتها» يرجعان إلى الحيّة.

(2)هذا ردّ الشارح رحمه اللّه على التعليل المذكور بأنّه لا يسلّم كون الحيّة ذات نفس سائلة أوّلا، و الشكّ في الموجب يوجب الشكّ في الحكم، و لو سلّمنا كونها ذات نفس سائلة و محكوما عليها بالنجاسة فذلك لا يوجب وجوب نزح ثلاث دلاء، بل يلحقها بما لا نصّ فيه ثانيا.

(3)المراد من «المدّعى» هو وجوب نزح ثلاث دلاء للحيّة.

(4)الوزغة - محرّكة -: سامّ أبرص سمّيت بها لخفّتها و سرعة حركتها، قيل: تقع على الذكر، و قيل: هي الانثى، و الذكر وزغ (أقرب الموارد).

(5)الضمير في قوله «له» يرجع إلى الإلحاق المفهوم من قوله «ألحق». يعني أنّ إلحاق

ص: 134

كما هنا (1).

(و) ألحق بها (العقرب (2))، و ربّما قيل بالاستحباب، لعدم النجاسة (3)، و لعلّه (4) لدفع و هم السمّ.

نزح دلو واحدة

(و دلو (5) للعصفور) - بضمّ عينه (6) - و هو ما دون الحمامة، سواء كان

**********

شرح:

الوزغة بالحيّة في وجوب نزح ثلاث دلاء لم يقم عليه شاهد، كما اعترف به المصنّف رحمه اللّه في كتبه إلاّ أنّه قطع بالإلحاق في كتابه (البيان).

(1)فإنّ المصنّف قطع بإلحاق الوزغة بالحيّة في هذا الكتاب أيضا.

(2)العقرب: دويبّة من الهوامّ ذات سمّ تلسع و أنواعها كثيرة (أقرب الموارد).

(3)فإنّ بعض الفقهاء قال بعدم وجوب النزح المذكور، بل ذهب إلى استحبابه، لعدم نجاسة العقرب، لأنّه لا يكون ذا نفس سائلة و لا يخرج دمه بالدفع، فلا تكون ميتته نجسة.

(4)يعني لعلّ القول باستحباب النزح إنّما هو لدفع توهّم السمّ الحاصل من العقرب.

نزح دلو واحدة (5)بالجرّ، عطف على قوله «خمس» في قوله في الصفحة 131 «و نزح خمس». يعني و يطهر البئر بنزح دلو واحدة للعصفور الواقع فيها إذا مات.

(6)الضمير في قوله «عينه» يرجع إلى العصفور. يعني أنّ لفظ «العصفور» يقرأ بضمّ العين كما أنّ لفظي الصندوق و الزنبور يقرءان بضمّ أوّلهما.

و لا يخفى أنّ في قوله «بضمّ عينه» إشارة خفيّة إلى اشتراط موت العصفور في هذا الحكم، فإنّ ضمّ العين كناية عن الموت.

العصفور: طائر و هو يطلق على ما دون الحمام من الطير قاطبة ج عصافير (أقرب الموارد).

ص: 135

مأكول اللحم أم لا (1).

و ألحق به (2) المصنّف في الثلاثة (3) بول الرضيع قبل اغتذائه بالطعام في الحولين، و قيّده في البيان بابن المسلم (4)، و إنّما تركه (5) هنا لعدم النصّ مع أنّه في الشهرة كغيره ممّا سبق.

و اعلم أنّ (6) أكثر مستند هذه المقدّرات ضعيف،...

**********

شرح:

(1)كالخفّاش الذي يحرم لحمه و هو أصغر من الحمام.

و الدليل على وجوب نزح دلو واحدة للعصفور هو رواية منقولة في كتاب الوسائل:

محمّد بن الحسن بإسناده عن عمرو بن سعيد بن هلال قال: سألت أبا جعفر عليه السّلام عمّا يقع في البئر (- إلى أن قال عليه السّلام -:) و أقلّ ما يقع في البئر عصفور ينزح منها دلو واحد (الوسائل: ج 1 ص 132 ب 15 من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة ح 5).

(2)الضمير في قوله «به» يرجع إلى العصفور.

(3)أي في كتبه الثلاثة، و هي الدروس و البيان و الذكرى.

(4)يعني أنّ المصنّف رحمه اللّه قيّد الرضيع في كتابه (البيان) بكونه ابن مسلم، فلو كان ابن كافر الحق بما لا نصّ فيه.

(5)يعني أنّ المصنّف إنّما ترك في هذا الكتاب ذكر بول الرضيع، لعدم نصّ فيه، و لذا يرد عليه بأنّ بول الرضيع أيضا ممّا اشتهر حكمه و الحال أنّ غيره ممّا اشتهر حكمه هنا قد ذكر حكمه.

(6)حقّ العبارة أن يعبّر هكذا: اعلم أنّ مستند أكثر هذه... إلخ. يعني أنّ النصوص المذكورة الواردة في خصوص حكم الحيوانات الواقعة في البئر ضعيفة، لكنّ العمل بها مشهور بين الفقهاء، و لم يقل أحد بغير ما ذكر.

ص: 136

لكنّ العمل به (1) مشهور، بل لا قائل بغيره (2) على تقدير القول بالنجاسة، فإنّ اللازم من اطراحه كونه ممّا لا نصّ فيه.

التراوح بأربعة

(و يجب التراوح (3) بأربعة) رجال كلّ اثنين منهما يريحان الآخرين (يوما) كاملا من أوّل النهار إلى الليل، سواء في ذلك الطويل (4) و القصير (عند) تعذّر نزح الجميع بسبب (الغزارة (5)) المانعة من نزحه (و وجوب (6))

**********

شرح:

فلو قيل بنجاسة البئر بوقوع النجاسة فيها - كما هو مبنى المتقدّمين - لزم من طرح النصوص المذكورة كون ما ذكر من قبيل ما لا نصّ فيه فيلزم نزح الجميع، و هو يوجب العسر و المشقّة كثيرا.

(1)الضمير في قوله «به» يرجع إلى المستند.

(2)هذا ترقّ من المشهور إلى حدّ الإجماع. يعني بل يمكن حصول الإجماع على ما ذكر.

التراوح بأربعة (3)مصدر من «راوح» بين العملين: تداول هذا مرّة و هذا مرّة (أقرب الموارد).

و المراد من «التراوح» في المقام - كما صرّح به بعض الفقهاء - هو أن يملأ أحد الرجلين الدلو من قعر البئر و ينزح الآخر الماء.

و قال بعض بعدم لزوم ذلك و بكفاية قيام الاثنين على رأس البئر مع كون الاثنين الآخرين في حال الاستراحة و مع استمرار عملهم هذا من أوّل الشمس إلى غروبها.

(4)الموصوف مقدّر و هو النهار. يعني لا فرق في لزوم التراوح كذلك يوما واحدا بين أطول الأيّام مثل أيّام تموز و أقصرها مثل أيّام الشتاء.

(5)مصدر من غزر الماء غزارة: كثر (أقرب الموارد).

(6)بالجرّ، عطف على قوله «الغزارة». يعني يجب التراوح كذلك عند الغزارة و وجوب نزح جميع ماء البئر.

ص: 137

نزح (الجميع) لأحد الأسباب المتقدّمة.

و لا بدّ من إدخال جزء من الليل متقدّما (1) و متأخّرا من باب المقدّمة و تهيئة (2) الأسباب قبل ذلك.

و لا يجزى مقدار اليوم من الليل (3) و الملفّق (4) منهما، و يجزي ما زاد عن الأربعة (5) دون ما نقص و إن نهض (6) بعملها.

و يجوز لهم الصلاة جماعة (7)........

**********

شرح:

(1)بمعنى أنّه يجب إدخال مقدار يسير من الليل عند التراوح متقدّما بأن يشرع عمل التراوح قبل النهار و متأخّرا بأن يعمل به مقدارا من الليل، لرعاية الاحتياط قبلا و بعدا.

(2)بالجرّ، عطف على مدخول «من» الجارّة في قوله «و لا بدّ من إدخال جزء». يعني يجب تهيئة ما يحتاج إليه النزح من الدلو و الرشاء و غيرهما قبل دخول النهار و الاشتغال بالتراوح.

(3)بأن يتراوحوا بمقدار ساعات النهار في الليل.

(4)يعني لا يكفي في التراوح تلفيق مقدار اليوم من الليل و النهار بأن يشرع العمل من نصف الليل إلى نصف النهار مثلا.

(5)بأن يتراوح خمسة رجال أو أكثر.

(6)يعني لا يكفي التراوح بأقلّ من أربعة رجال و إن وسع عملهم ما يعمله أربعة رجال، مثل أن يكون عدد الرجال المتراوحين ثلاثة و كانوا ذوي بسطة في القوّة و الجسم و كان عملهم - و هم ثلاثة - زائدا على عمل أربعة.

و الضمير في قوله «بعملها» يرجع إلى الأربعة.

(7)بأن يعطّلوا العمل و يشتغلوا بالصلاة جماعة، لكن لا يجوز لهم تعطيلهم العمل و اشتغالهم بالصلاة منفردين بأن يصلّوا في زمان واحد و التراوح متروك رأسا.

ص: 138

لا جميعا بدونها (1) و لا الأكل كذلك (2).

و نبّه بإلحاق التاء للأربعة (3) على عدم إجزاء غير الذكور، و لكن لم يدلّ على اعتبار الرجال (4)، و قد صرّح المصنّف في غير الكتاب باعتباره (5)، و هو حسن، عملا (6) بمفهوم القوم في النصّ (7)، خلافا

**********

شرح:

(1)أي لا يجوز لهم الصلاة جميعا منفردين. و الضمير في قوله «بدونها» يرجع إلى الجماعة.

(2)بأن يعطّلوا جميعا عمل النزح و يشتغلوا بالأكل كذلك، فلا بدّ من أنّ كلاّ منهم يشتغل بالأكل في زمان اشتغال الآخر بالنزح.

(3)فإنّ إلحاق التاء بالعدد في قوله «و يجب التراوح بأربعة» يدلّ على تذكير المعدود و أنّ هذا حكم يختصّ بالذكور و لا يكفي فيه قيام الإناث به.

(4)لأنّ التعبير بالذكور يشمل الصبيّ أيضا.

و الحاصل أنّ إتيان المصنّف رحمه اللّه بالأعداد و قد لحقتها التاء يدلّ على عدم كفاية أربع نساء في التراوح، لكنّه يشمل غير الرجال أيضا و الحال أنّ المصنّف صرّح في غير هذا الكتاب باعتبار الرجال لا مطلق الذكور حتّى يشمل الصبيان.

(5)الضمير في قوله «باعتباره» يرجع إلى الرجال.

(6)هذا تعليل لاعتبار الرجال في التراوح بأنّ هذا إنّما هو مقتضى العمل بمفهوم لفظ القوم، فإنّ أهل التحقيق ذكروا أنّ القوم اسم للرجال، فلا يشمل النساء و الأطفال.

القوم: الجماعة من الرجال خاصّة، و قيل: تدخله النساء على تبعيّة، سمّوا بذلك لقيامهم بالعظائم و المهمّات يذكّر و يؤنّث فيقال: قام القوم و قامت القوم ج أقوام (أقرب الموارد).

(7)النصّ منقول في كتاب الوسائل:

محمّد بن الحسن بإسناده عن عمّار الساباطيّ عن أبي عبد اللّه عليه السّلام (في حديث طويل )

ص: 139

للمحقّق، حيث اجتزأ (1) بالنساء و الصبيان.

التغيّر بوقوع ما له مقدّر

(و لو تغيّر ماء البئر (2)) بوقوع نجاسة لها مقدّر (جمع (3) بين المقدّر و زوال التغيّر) بمعنى وجوب أكثر الأمرين (4)، جمعا (5) بين النصوص و زوال

**********

شرح:

إلى أن قال: ثمّ قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: فإن غلب عليه الماء فلينزح يوما إلى الليل يقام عليها قوم يتراوحون اثنين اثنين فينزفون يوما إلى الليل و قد طهرت (الوسائل: ج 1 ص 143 ب 23 من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة ح 1).

(1)فإنّ المحقّق رحمه اللّه قال بكفاية النساء و الصبيان في التراوح، لاستعمال لفظ قوم فيهم أيضا في بعض الأحيان و تبعا.

التغيّر بوقوع ما له مقدّر (2)يعني إذا تغيّر أحد أوصاف ماء البئر الثلاثة (اللون و الريح و الطعم) وجب في مقام التطهير الجمع بين المقدار المعيّن للنجاسة الواقعة فيها و نزح مقدار يوجب زوال التغيّر الحاصل.

إيضاح: مثلا إذا وقع في البئر حيوان كالثعلب و الأرنب و الشاة و مات فيها و صار موجبا للتغيّر أيضا فالمقدّر لما ذكر من الحيوانات هو نزح أربعين دلوا، فإذا نزح المقدّر و التغيّر بحاله وجب النزح أكثر من أربعين دلوا حتّى يزول التغيّر الحاصل، و لو حصل الزوال بنزح الثلاثين لم يكتف بها، بل يجب نزح أربعين دلوا، للجمع بين الروايات الدالّة على نزح المقدّر و الدالّة على اشتراط زوال التغيّر في تطهير الماء المتغيّر مطلقا.

(3)بصيغة المجهول، جواب شرط، و الشرط هو قوله «لو تغيّر».

(4)المراد من «الأمرين» هو نزح المقدار المعيّن للنجاسة الواقعة فيها و نزح مقدار يزول به التغيّر الحاصل في ماء البئر.

(5)مفعول له، تعليل لقوله «جمع بين المقدّر و زوال التغيّر». يعني أنّ الجمع المذكور إنّما

ص: 140

التغيّر المعتبر (1) في طهارة ما لا ينفعل كثيره، فهنا أولى (2).

و لو لم يكن (3) لها مقدّر ففي الاكتفاء بمزيل التغيّر (4) أو وجوب نزح الجميع و التراوح (5) مع تعذّره قولان، أجودهما الثاني (6).

**********

شرح:

هو للجمع بين الدليلين.

(1)بالجرّ، صفة لقوله «زوال». يعني أنّ زوال صفة التغيّر يعتبر في تطهير كلّ ماء لا ينفعل كثيره مثل الكرّ و الجاري، فيعتبر الزوال في تطهير ماء البئر بطريق أولى.

(2)المشار إليه في قوله «فهنا» هو ماء البئر.

و وجه الأولويّة هو صيرورة ماء البئر متنجّسا بوقوع النجاسة فيه و إن كان كثيرا و بمقدار الكرّ الذي لا يتنجّس بصرف الملاقاة، فإذا تنجّس ماء البئر بوقوع النجاسة فيه و بتغيّر وصفه لزم اعتبار الزوال بطريق أولى.

(3)و قد فصّل إلى هنا الكلام في حكم النجاسة الواقعة في البئر إذا كان لها مقدّر، و هو وجوب نزح الأكثر من المقدّر و ما يوجب الزوال.

و هذا بيان لحكم النجاسة الواقعة في البئر إذا لم يكن لها مقدّر شرعا مثل الكافر أو المنيّ إذا قيل بعدم نصّ فيهما، فإذا تغيّر الماء بوقوع مثلهما فيه ففيه قولان:

أحدهما: ما هو المنسوب إلى الشيخ رحمه اللّه من كفاية زوال التغيّر بالنزح، استنادا إلى قوله عليه السّلام «فإن تغيّر فخذ حتّى يذهب الريح».

ثانيهما: ما هو المنسوب إلى السيّد المرتضى رحمه اللّه من نزح الجميع عند الإمكان، و إلاّ فوجوب التراوح.

(4)هذا هو القول الأوّل المنسوب إلى الشيخ الطوسيّ رحمه اللّه.

(5)هذا هو القول الثاني المنسوب إلى السيّد رحمه اللّه.

و الضمير في قوله «تعذّره» يرجع إلى نزح الجميع.

(6)و هو وجوب نزح الجميع عند الإمكان و وجوب التراوح عند تعذّره.

ص: 141

و لو أوجبنا فيه (1) ثلاثين أو أربعين اعتبر أكثر الأمرين (2) فيه أيضا (3).

مسائل:

اشارة

(مسائل: (4))

**********

شرح:

*من حواشي الكتاب: و الأصحّ الاكتفاء بزوال التغيّر، لقول الرضا عليه السّلام في صحيحة محمّد بن إسماعيل بن بزيع: ماء البئر واسع لا يفسده شيء إلاّ أن يتغيّر ريحه أو طعمه، فينزح حتّى يذهب الريح و يطيب طعمه (حاشية الملاّ أحمد التونيّ رحمه اللّه).

(1)الضمير في قوله «فيه» يرجع إلى ما لا نصّ فيه.

و لا يخفى أنّ في حكم ما لا نصّ فيه ثلاثة أقوال:

أحدها وجوب نزح ثلاثين دلوا.

ثانيها وجوب نزح أربعين دلوا.

ثالثها وجوب نزح الجميع.

و من المعلوم أنّ الفرع المذكور في قول الشارح «و لو لم يكن ففي الاكتفاء... قولان» مبنيّ على القول الثالث، و أمّا لو بني على القولين الآخرين - القول الأوّل و القول الثاني - فلا محيص عن القول باعتبار أكثر الأمرين.

(2)المراد من «الأمرين» هو نزح الثلاثين أو الأربعين و نزح مقدار يوجب زوال التغيّر. و الضمير في قوله «فيه» يرجع إلى ما لا نصّ فيه من النجاسات.

(3)يعني كما قلنا بوجوب أكثر الأمرين فيما له مقدّر شرعيّ.

مسائل (4)يبحث في المقام عن أربع مسائل مستقلّة و يضمّ إليها البحث عن السؤر في قوله فيما يأتي: «و السؤر تابع للحيوان... إلخ»، فالمسائل المبحوث عنها في الحقيقة خمس.

و قوله «مسائل» خبر لمبتدإ مقدّر هو «هذه»، أو مبتدأ لخبر مقدّر هو «هنا».

ص: 142

الاولى: تعريف الماء المضاف

اشارة

(الاولى (1):) الماء (2)(المضاف ما) أي الشيء الذي (لا يصدق عليه اسم الماء بإطلاقه) مع صدقه (3) عليه مع القيد كالمعتصر (4) من الأجسام و

**********

شرح:

الاولى: تعريف الماء المضاف (1)صفة لموصوف مقدّر هو المسألة. يعني أنّ المسألة الاولى هي البحث عن الماء المضاف.

اعلم أنّ الماء على قسمين:

الأوّل: الماء المطلق، و هو الماء الذي يصدق عليه اسم الماء من دون قيد مثل ماء البئر و ماء البحر و الماء الجاري و غيرها.

و الإضافة إلى البحر و غيره في مثل قولنا: «ماء البحر و ماء البئر» و كذا ذكر الوصف في مثل قولنا: «الماء الجاري» لا توجب كون الماء مضافا، لأنّ هذه الإضافة إنّما هي للتعيّن أو التميّز بالنسبة إلى غيره من المياه، كما أنّ الماء إذا أطلق و استعمل بغير المضاف إليه صحّ أيضا إطلاق الماء عليه، و كذا القول بالنسبة إلى الوصف.

الثاني: الماء المضاف، و هو الذي لا يصدق عليه اسم الماء إلاّ مع المضاف إليه مثل ماء الورد و ماء العنب و ماء الفاكهة و غيرها، و هذه هي أمثلة الماء المضاف بالذات.

و له قسم آخر يكون مضافا بالعرض، و هو ما إذا اختلط الماء بالطين أو الملح أو السكّر أو غيرها ممّا تخرجه عن إطلاقه، فلا يطلق اسم الماء على المختلط بما ذكر إلاّ مع المضاف إليه فيقال: هذا ماء الطين أو ماء الملح أو ماء السكّر.

(2)مبتدأ موصوف، خبره «ما» الموصولة.

(3)الضمير في قوله «صدقه» يرجع إلى الماء، و في قوله «عليه» يرجع إلى المضاف.

(4)هذا مثال للمضاف بالذات.

المعتصر اسم مفعول من باب الافتعال من اعتصر العنب و الثوب و نحوهما: بمعنى

ص: 143

الممتزج (1) بها مزجا يسلبه الإطلاق (2) كالأمراق (3) دون الممتزج على وجه لا يسلبه الاسم و إن تغيّر لونه كالممتزج بالتراب (4) أو طعمه (5) كالممتزج بالملح و إن اضيف إليهما (6).

حكم الماء المضاف

(و هو) أي الماء المضاف (طاهر) في ذاته بحسب الأصل (7)(غير)

**********

شرح:

عصره.

عصر عصرا العنب أو الثوب و غيرهما: استخرج ماءه (المنجد).

(1)بصيغة اسم الفاعل، عطف على قوله «المعتصر»، و هذا مثال للقسم الثاني من قسمي المضاف، و هو المضاف بالعرض.

(2)كما إذا كان الامتزاج موجبا لسلب إطلاق اسم الماء المطلق عليه.

(3)جمع المرق و المرقة.

المرق و المرقة: الماء الذي اغلي فيه اللحم فصار دسما (المنجد).

(4)فإذا امتزج الماء بالتراب بمقدار قليل لم يسلب عنه إطلاق اسم الماء و عليه إن صار لونه أغبر.

(5)عطف على قوله «لونه». يعني و إن تغيّر طعم الماء الممتزج بالملح مثلا على حدّ لا يسلب عنه الإطلاق المبحوث عنه.

(6)مثل أن يقال: إنّ هذا الماء ماء تراب أو ماء ملح مسامحة.

و الضمير في قوله «إليهما» يرجع إلى التراب و الملح.

حكم الماء المضاف (7)المراد من هذا الأصل هو أصالة الطهارة المستفادة من قول المعصوم عليه السّلام: «كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنّه نجس».

ص: 144

(مطهّر لغيره مطلقا) من حدث (1) و لا خبث اختيارا (2) و اضطرارا (على) القول (الأصحّ (3)).

و مقابله قول الصدوق بجواز الوضوء و غسل الجنابة بماء الورد،

**********

شرح:

(1)المراد من كون المضاف غير مطهّر من الحدث هو عدم صحّة الغسل و الوضوء به، و المراد من كون المضاف غير مطهّر من الخبث هو عدم صحّة إزالة النجاسة الخبثيّة به.

(2)يعني أنّ المضاف لا يصحّ به الغسل و الوضوء، و كذا لا تزول به النجاسات الخبثيّة لا في حال الاختيار و لا في حال الاضطرار، و هذا التعميم في مقابلة القول بصحّة الغسل و الوضوء بماء الورد كما قال به بعض.

(3)اعلم أنّ الأقوال في خصوص الماء المضاف ثلاثة:

الأوّل: - و هو المشهور - كون المضاف طاهرا بالذات و عدم كونه مطهّرا لا عن الحدث و لا عن الخبث لا في حال الاختيار و لا في حال الاضطرار، و قد ادّعي الإجماع على ذلك كما عن ابن زهرة و المحقّق و العلاّمة و الشهيد رحمه اللّه في كتابه (الذكرى).

الثاني: كونه طاهرا بالذات و كون خصوص ماء الورد مطهّرا من الحدث، و هو قول الصدوق رحمه اللّه في كتبه الثلاثة (الهداية و الأمالي و من لا يحضره الفقيه)، فإنّه قال بجواز الغسل و الوضوء بماء الورد.

الثالث: كون الماء المضاف مطلقا مطهّرا من الخبث لا الحدث، و هو قول السيّد المرتضى رحمه اللّه، و قد نسب هذا القول إلى المفيد رحمه اللّه أيضا، قال الفاضل الهنديّ رحمه اللّه في كشف اللثام في الفصل الثاني في خصوص المضاف: و هو... غير مطهّر لا من الحدث كما قاله الصدوق في الفقيه و الأمالي و الهداية من جواز الوضوء و الاغتسال من الجنابة بماء الورد، و لا من الخبث كما قاله السيّد في الناصريّات، و المفيد في مسائل الخلاف.

ص: 145

استنادا (1) إلى رواية مردودة، و قول (2) المرتضى برفعه مطلقا (3) الخبث.

ما به ينجس الماء المضاف و يطهر

(و ينجس) المضاف و إن كثر (4)(بالاتّصال بالنجس) إجماعا.

**********

شرح:

(1)هذا تعليل لتجويز الصدوق الغسل و الوضوء بماء الورد، فإنّه استند في ذلك إلى رواية منقولة في كتاب الوسائل:

محمّد بن يعقوب عن عليّ بن محمّد عن سهل بن زياد عن محمّد بن عيسى عن يونس عن أبي الحسن عليه السّلام، قال: قلت له: الرجل يغتسل بماء الورد و يتوضّأ به للصلاة؟ قال: لا بأس بذلك.

و رواه الشيخ رحمه اللّه بإسناده عن محمّد بن يعقوب، ثمّ قال: هذا خبر شاذّ أجمعت العصابة على ترك العمل بظاهره، قال: و يحتمل أن يكون المراد بماء الورد الذي وقع فيه الورد، فإنّ ذلك يسمّى ماء ورد و إن لم يكن معتصرا منه (الوسائل: ج 1 ص 148 ب 3 من أبواب الماء المضاف من الكتاب الطهارة ح 1).

و وجه كون الرواية مردودة إمّا وقوع الإجماع على خلافه، كما تقدّم، أو وجود سهل بن زياد في سنده الذي قال الشيخ رحمه اللّه بضعفه، أو وجود محمّد بن عيسى بن عبيد بن يقطين الذي عن العلاّمة رحمه اللّه اختلاف العلماء في حقّه.

و على أيّ وجه من الوجوه المذكورة لا يجوز العمل بهذه الرواية.

(2)بالرفع، عطف على قوله «قول الصدوق». يعني أنّ في مقابلة القول الأصحّ قول المرتضى رحمه اللّه أيضا، فإنّه قال بجواز رفع الخبث بماء المضاف.

(3)قوله «مطلقا» إشارة إلى عدم الفرق في جواز رفع الخبث بالمضاف بين ماء الورد و غيره عند المرتضى رحمه اللّه.

ما به ينجس الماء المضاف و يطهر (4)يعني أنّ الماء المضاف يتنجّس بالاتّصال بالنجس و إن بلغ حدّ الكرّ أو زاد عنه في

ص: 146

(و طهره (1) إذا صار) ماء (مطلقا) مع اتّصاله (2) بالكثير المطلق لا مطلقا (على) القول (الأصحّ (3)).

و مقابله طهره (4) بأغلبيّة الكثير المطلق..........

**********

شرح:

مقابل الماء المطلق الذي إذا بلغ قدر كرّ لم ينجّسه شيء إلاّ أن يتغيّر أحد أوصافه الثلاثة.

(1)يعني أنّ المضاف المتنجّس بلقاء النجس لا يطهر إلاّ باتّصاله بالكرّ المطلق أو بالماء الجاري بحيث يصير ماء مطلقا، مثلا إذا تنجّس المرق لم يطهر إلاّ بأن يتّصل بالماء المطلق الكرّ أو الجاري و يخرج عن كونه مرقا و يصير ماء مطلقا.

(2)هذا دفع لتوهّم طهارة المضاف المتنجّس باتّصاله بمطلق الماء المطلق و الحال أنّه لا يكفي ذلك، بل يشترط في طهارته كون الماء الملاقي المطهّر مطلقا أوّلا و كثيرا ثانيا.

(3)اعلم أنّ الأقوال في طهارة المضاف المتنجّس ثلاثة:

الأوّل: قول الشهيدين، و هو أن يتّصل المضاف المتنجّس بماء الكرّ المطلق أو بالماء الجاري بحيث يتحوّل عن كونه مضافا إلى كونه مطلقا.

الثاني: أن يتّصل بالكرّ أو الجاري إلى أن يزول عنه الوصف العارض و لو لم يزل عنه وصف كونه مضافا.

فعلى هذا إذا تنجّس ماء الورد بلقاء الدم و حصول لونه فيه ثمّ اتّصل بالكرّ و زال عنه لون الدم حكم عليه بطهارته و لو سمّي بعد بماء الورد.

الثالث: كفاية مجرّد الاتّصال بماء الكرّ في طهارته و لو بقي على ما كان من أوصافه.

(4)هذا هو القول الثاني في مقابلة القول الأصحّ، و هو أن يغلب الماء الكثير على المضاف بشرط زوال الأوصاف العارضة له من النجاسة الملاقية له كما مثّلنا له في الهامش السابق بحصول لون الدم النجس في ماء الورد.

و يحتمل أن يكون المراد من زوال الأوصاف هو أوصاف نفس المضاف (الطعم و

ص: 147

عليه (1) و زوال أوصافه و طهره (2) بمطلق الاتّصال به و إن بقي الاسم (3).

و يدفعهما (4) مع أصالة بقاء النجاسة أنّ المطهّر لغير الماء (5) شرطه

**********

شرح:

الريح و اللون) بمعنى أن يخالطه ماء الكرّ المطلق بحيث لا يغلب على الكرّ الملاقي أحد أوصاف المضاف، و إلاّ يتنجّس الكرّ بالتغيّر و لا يمكن التطهير.

فإذا زال أوصاف المضاف و لو بقي على صدق الاسم عليه و لم يخرج عن كونه مضافا حكم عليه بالطهارة في مقابلة القول الأوّل الذي يشترط فيه خروجه عن كونه مضافا، و هذا القول الثاني منسوب إلى الشيخ الطوسيّ رحمه اللّه.

(1)الضمير في قوله «عليه» يرجع إلى المضاف، و كذلك الضمير في قوله «أوصافه».

(2)بالرفع، عطف على قوله «طهره»، و هذا هو القول الثالث المنسوب إلى العلاّمة رحمه اللّه، و هو أنّ المضاف المتنجّس يطهر بمجرّد الاتّصال بالكرّ المطلق بلا فرق بين زوال الأوصاف و عدمه و بلا فرق بين غلبة الكرّ المطلق عليه و عدمها.

(3)يعني بناء على القول الثالث يطهر الماء المضاف المتنجّس بمجرّد اتّصاله بالكرّ و إن صدق عليه اسم المضاف بعد.

(4)الضمير في قوله «يدفعهما» يرجع إلى القولين المذكورين في مقابلة القول الأصحّ، و قد أجاب الشارح رحمه اللّه عن القولين بجوابين:

الأوّل: الأصل، و المراد منه استصحاب النجاسة الحاصلة في المضاف المتنجّس قبل اتّصاله بالكرّ مع صدق اسم المضاف عليه.

الثاني: أنّ شرط الطهارة في غير الماء المتنجّس هو وصول الماء المطهّر إلى جميع أجزاء المتنجّس مثل الدهن و الشيرج و العصير، فإذا اختلط الكرّ بجميع أجزاء المضاف المتنجّس لم يبق فيه إذا صفته و حقيقته، بل يطلق عليه اسم الماء المطلق.

و الحاصل أنّه لا يتصوّر اتّصال جميع أجزاء المتنجّس بالماء الكثير مع بقائه مضافا.

(5)المراد هو الماء المتنجّس، فإنّه لا يشترط فيه - كما قيل - وصول الكرّ إلى جميع أجزائه، بل يكفي فيه الاتّصال خاصّة.

ص: 148

وصول الماء إلى كلّ جزء من النجس (1)، و ما دام مضافا لا يتصوّر وصول الماء إلى جميع أجزائه النجسة، و إلاّ لما (2) بقي كذلك.

و سيأتي له تحقيق (3) آخر في باب الأطعمة.

القول في السؤر عامّة

(و السؤر (4)) - و هو الماء القليل الذي باشره جسم حيوان (5) -(تابع)

**********

شرح:

(1)المراد من «النجس» هو المتنجّس.

(2)يعني لو وصل الماء المطهّر الكثير إلى كلّ جزء من أجزاء المتنجّس لم يبق إذا هو على حقيقته السابقة من الدهنيّة و المرقيّة و العصيريّة.

(3)لعلّ المراد من التحقيق هو الذي نقله عن العلاّمة رحمه اللّه في كتاب الأطعمة و الأشربة ذيل البحث عن المائعات النجسة بعد تحقيق أنّ شرط تطهير المائعات النجسة بالماء هو وصول الماء إلى كلّ جزء من النجس، و ما دامت متميّزة كلّها أو بعضها لا يتصوّر وصول الماء إلى كلّ جزء نجس، و إلاّ لما بقيت كذلك... إلخ.

* قال الشارح رحمه اللّه: «و العلاّمة في أحد قوليه أطلق الحكم بطهارتها لممازجتها المطلق و إن خرج عن إطلاقه أو بقي اسمها.

و له قول آخر بطهارة الدهن خاصّة إذا صبّ في الكثير و ضرب فيه حتّى اختلطت أجزائه به و إن اجتمعت بعد ذلك على وجهه».

القول في السؤر عامّة (4)السؤر - بالضمّ -: البقيّة، و هو في الأصل بقيّة الماء التي يبقيها الشارب في الإناء أو الحوض، ثمّ استعير لبقيّة الطعام و غيره (أقرب الموارد).

(5)هذا ما اصطلح عليه الفقهاء في معنى السؤر، و هو غير معناه اللغويّ، فإنّ الفقهاء قائلون بأنّ السؤر هو الماء القليل الذي لاقاه جسم حيوان بلا فرق بين فمه و سائر أعضائه.

ص: 149

(للحيوان الذي باشره) في الطهارة (1) و النجاسة (2) و الكراهة (3).

سؤر الجلاّل

(و يكره سؤر الجلاّل (4))، و هو المغتذي بعذرة الإنسان محضا إلى أن ينبت عليها (5) لحمه و اشتدّ عظمه، أو سمّي في العرف جلاّلا قبل أن

**********

شرح:

(1)فإذا باشره الإنسان المسلم أو الحيوان الطاهر بالذات - حلالا كان لحمه أو حراما - كان طاهرا.

(2)مثل الكافر و الكلب و الخنزير.

(3)مثل الفرس و البغل و الحمار، فالمباشر الذي يكون طاهرا يكون سؤره أيضا طاهرا مثل الإنسان و الشاة، و الذي يكون نجسا يكون سؤره أيضا كذلك مثل الكافر و الكلب، و الذي يكون لحمه مكروها يكره سؤره أيضا مثل الحمار و الفرس.

سؤر الجلاّل (4)الجلاّلة: البقرة تتّبع النجاسات (أقرب الموارد).

و المراد من «الجلاّل» هنا و في سائر عبارات الفقهاء هو الحيوان الذي يتغذّى بعذرة الإنسان خاصّة على نحو ينبت عليها لحمه عرفا و يشتدّ عليها عظمه كذلك، فإذا أطلق على حيوان عرفا أنّه جلاّل حرم لحمه و حكم عليه بنجاسة فضلاته حتّى يستبرأ.

* قال المصنّف رحمه اللّه في كتاب الأطعمة: فتستبرأ الناقة بأربعين يوما، و البقرة بعشرين، و الشاة بعشرة...، و تستبرأ البطّة و نحوها بخمسة أيّام، و الدجاجة و شبهها بثلاثة أيّام.

اعلم أنّ المصنّف تعرّض لحكم السؤر في ضمن مسألة الماء المضاف و لا ربط بينهما، و كان يليق به أن يبحث عنه في مسألة مستقلّة كسائر المسائل المذكورة في المقام.

(5)الضمير في قوله «عليها» يرجع إلى العذرة.

ص: 150

يستبرأ (1) بما يزيل الجلل،(و آكل (2) الجيف مع الخلوّ (3)) أي خلوّ موضع الملاقاة للماء (عن النجاسة و) سؤر (الحائض (4) المتّهمة) بعدم التنزّه عن

**********

شرح:

(1)هذا ظرف لقوله «و يكره سؤر الجلاّل». يعني أنّ كراهة سؤر الجلاّل إنّما هي قبل استبرائه الذي أشرنا إليه آنفا، و تفصيله آت إن شاء اللّه تعالى في كتاب الأطعمة و الأشربة.

و لا يخفى أنّ مجمل قول المصنّف رحمه اللّه «و السؤر تابع للحيوان الذي باشره» هو مبيّن في قول الشارح رحمه اللّه «في الطهارة و النجاسة و الكراهة»، و حيث إنّ قول المصنّف لا يفي بحكم سؤر الجلاّل خاصّة أتى بحكمه منفردا لا سيّما بملاحظة أنّ لحم الحيوان الجلاّل حرام بالعرض مع أنّ سؤره مكروه، فلم يكن للمصنّف محيص عن ذكره منفردا، و كذا القول في سائر ما عطف على الجلاّل من آكل الجيف و غيره.

(2)بالجرّ، عطف على قوله «الجلاّل». يعني و يكره سؤر الحيوان الذي يأكل الجيف مثل سباع الطيور بشرط عدم بقاء النجاسة في موضع الملاقاة، و إلاّ يتنجّس سؤره بلقائه الموضع الذي فيه النجاسة.

الجيف - بكسر الجيم - جمع الجيفة: جثّة الميّت المنتنة ج جيف و أجياف (أقرب الموارد).

(3)يمكن كون هذا قيدا للجلاّل و آكل الجيف كليهما كما يمكن كونه قيدا للأخير خاصّة، لقربه منه و القريب يمنع البعيد!

أقول: قال الفاضل الهنديّ رحمه اللّه في كشف اللثام: و يكره سؤر الجلاّل كما في «جمل العلم و العمل» و المراسم و الشرائع و المعتبر، و آكل الجيف كما في المقنعة و الشرائع و المعتبر و غيرها عدا السنّور كما نصّ عليه في التذكرة، للأخبار.

(4)أي و يكره سؤر المرأة الحائض أيضا إذا كانت متّهمة بأنّها لا تجتنب عن النجاسات، فلو كانت متنزّهة عنها و ملتزمة للاجتناب عن النجاسات لم يكره سؤرها.

أقول: قال الفاضل الهنديّ في كشف اللثام: و يكره سؤر الحائض المتّهمة بالنجاسة

ص: 151

النجاسة.

و ألحق بها (1) المصنّف في البيان كلّ متّهم بها، و هو حسن،(و) سؤر (البغل و الحمار)، و هما داخلان في تبعيّته للحيوان في الكراهية (2)، و إنّما خصّهما (3) لتأكّد الكراهة فيهما،(و) سؤر (الفأرة و الحيّة) و كلّ ما يؤكل لحمه إلاّ الهرّ (4)،(و ولد الزنا) قبل بلوغه (5) أو بعده...

**********

شرح:

كما في النهاية و الوسيلة و السرائر و المعتبر، بل غير المأمونة كما في المقنعة و المراسم و الجامع و المهذّب و الشرائع، لخبر عليّ بن يقطين عن الكاظم عليه السّلام في التوضّؤ بفضل الحائض، فقال: إذا كانت مأمونة فلا بأس، و خبر عيص بن القاسم سأل الصادق عليه السّلام عن سؤر الحائض، فقال: توضّأ منه، و توضّأ من سؤر الجنب إذا كانت مأمونة، كذا في التهذيب و الاستبصار.

(1)الضمير في قوله «بها» الأوّل يرجع إلى الحائض المتّهمة، و في قوله «بها» الثاني يرجع إلى النجاسة. يعني أنّ المصنّف رحمه اللّه في كتابه (البيان) ألحق بالحائض المتّهمة في كراهة سؤرها كلّ من لا يجتنب عن النجاسة و إن لم يكن حائضا.

(2)و قد يستغني عن ذكرهما لدخولهما فيما قال آنفا: «و السؤر تابع للحيوان الذي باشره»، و لكنّه ذكرهما مع ذلك لتأكّد الكراهة فيهما.

(3)الضمير الملفوظ في قوله «خصّهما» يرجع إلى البغل و الحمار، و كذا الضمير في قوله «فيهما».

(4)قد ورد في عدم كراهة سؤر الهرّ أخبار ذكر الفاضل الهنديّ رحمه اللّه جملة منها في كشف اللثام، منها خبر معاوية بن عمّار في الهرّة أنّها من أهل البيت و يتوضّأ من سؤرها، و في خبر أبي الصباح الكنانيّ: كان عليّ عليه السّلام يقول: لا تدع فضل السنّور إلاّ أن يتوضّأ منه، إنّما هي سبع.

(5)اعلم أنّ الفقهاء اختلفوا في طهارة ولد الزنا و نجاسته، قال المشهور بطهارته إذا

ص: 152

مع إظهاره للإسلام (1).

الثانية: التباعد بين البئر و البالوعة

(الثانية (2): يستحبّ التباعد بين البئر و البالوعة (3)) التي يرمى فيها ماء

**********

شرح:

ولد من مسلم للتبعيّة، فإنّ النسب بالنسبة إلى الإرث منفيّ، لأنّه لا يرث من أبويه، لكنّه طاهر بالانتساب إلى أبويه إذا كانا مسلمين أو كان واحد منهما كذلك.

و قال بعض بعدم طهارته، لعدم التبعيّة التي تحصل بالنسب و هنا لا نسب، لأنّه لم تكن ولادته بوجه شرعيّ.

فعلى القول بطهارته يحكم بكراهة سؤره كما في كتاب المعتبر، لمرسل الوشّاء عن الصادق عليه السّلام أنّه كره سؤر ولد الزنا و اليهوديّ و النصارى و المشرك و كلّ من خالف الإسلام.

و قوله عليه السّلام في خبر ابن أبي يعفور: لا تغتسل من البئر التي يجتمع فيه ماء غسالة الحمّام، فإنّ فيها غسالة ولد الزنا، و هو لا يطهر إلى سبعة أيّام.

(1)فلو بلغ و لم يظهر الإسلام و لم يقرّ به باللسان حكم عليه بكفره، فيكون نجسا، و يكون سؤره أيضا كذلك.

الثانية: التباعد بين البئر و البالوعة (2)أي من المسائل التي قال عنها في الصفحة 143 «مسائل».

(3)البالوعة و البلاّعة و البلّوعة: ثقب في وسط الدارج بلاليع (أقرب الموارد).

و المراد منها هنا هو المكان الذي يرمى فيه ماء البئر الذي يتنجّس و يطهّر بنزح المقادير التي تقدّم البحث عنها في أحكام البئر.

إيضاح: اعلم أنّ البئر التي يستقى منها للشرب و التطهير و البئر التي يرمى فيها ماء النزح و النجاسات إمّا أن تكونا في أرض رخوة أو في أرض صلبة، فلو كانتا في أرض صلبة استحبّ التباعد بينهما بخمس أذرع في الصور الثلاث التالية :

ص: 153

النزح (بخمس أذرع (1) في) الأرض (الصلبة (2)) بضمّ الصاد و سكون اللام، (أو تحتيّة (3)) قرار (البالوعة) عن قرار البئر،(و إلاّ) يكن (4) كذلك بأن

**********

شرح:

الاولى: إذا كان قرار البالوعة أعلى من البئر.

الثانية: إذا كان قرار البالوعة أسفل من قرار البئر.

الثالثة: إذا كان قراراهما متساويين.

و لو كانتا في أرض رخوة استحبّ التباعد بينهما بسبع أذرع في صورتين:

الاولى: إذا كان قرار البالوعة أعلى من قرار البئر.

الثانية: إذا كان قراراهما متساويين.

و يستحبّ في هذا الفرض التباعد بينهما بخمس أذرع في صورة واحدة، و هي ما إذا كان قرار البئر أعلى من قرار البالوعة.

فالمجموع من الصور ستّ، يستحبّ التباعد في أربع منها بخمس أذرع و في صورتين بسبع أذرع كما فصّلنا.

(1)الأذرع جمع، مفرده الذراع - بالكسر -: من اليد من طرف المرفق إلى طرف الاصبع الوسطى، ج أذرع و ذرعان (أقرب الموارد).

(2)الصلب: المكان الغليظ الحجر ج صلبة (أقرب الموارد).

يعني يستحبّ التباعد بين البئرين بخمس أذرع إذا كانت الأرض صلبة مع تساوي سطحيهما، و كذا في صورة كون قرار البالوعة أسفل من قرار البئر، و في صورة كون قرار البالوعة أعلى من قرار البئر.

فهذه هي الصور الثلاث التي فصّلناها إذا كانت البئران في أرض صلبة.

(3)و هذه هي الصورة الواحدة التي ذكرناها من جملة موارد استحباب التباعد بخمس أذرع إذا كانت الأرض رخوة.

(4)استثناء من كون الأرض صلبة و من عدم تحتيّة قرار البالوعة عن قرار البئر. يعني

ص: 154

كانت الأرض رخوة (1) و البالوعة مساوية للبئر قرارا أو مرتفعة عنه (2) (فسبع) أذرع.

فصور المسألة على هذا التقدير (3) ستّ يستحبّ التباعد في أربع منها (4) بخمس، و هي الصلبة مطلقا (5) و الرخوة مع (6) تحتيّة البالوعة،

**********

شرح:

لو لم تكن الأرض صلبة و لم يكن قرار البالوعة أسفل من قرار البئر في الأرض الرخوة استحبّ التباعد بينهما بمقدار سبع أذرع.

و الحاصل من الاستثناء بقاء صورتين لاستحباب التباعد بسبع:

الاولى: إذا كان قراراهما متساويين.

الثانية: إذا كان قرار البالوعة أعلى من قرار البئر.

(1)الرخوة - بالكسر و يضمّ -: الاسترخاء، يقال: «فيه رخوة»، (أقرب الموارد).

(2)الضمير في قوله «عنه» يرجع إلى قرار البئر.

(3)المراد من «التقدير» المشار إليه هو الذي فرضه المصنّف رحمه اللّه من حيث الفوقيّة و التحتيّة و التساوي من جهة العمق الظاهريّ بأن تكونا متساويتين أو متفاوتتين من حيث العمق في مقابلة الفوقيّة و التحتيّة من حيث الجهة المشار إليهما في قوله الآتي عن قريب «و في حكم الفوقيّة المحسوسة الفوقيّة بالجهة... إلخ».

و قوله «ستّ» بالرفع، خبر لقوله «صور المسألة».

(4)الضمير في قوله «منها» يرجع إلى الصور، و قد فصّلنا الصور الأربع التي يستحبّ فيها التباعد بين البئر و البالوعة بخمس في صدر تعاليق هذه المسألة.

(5)أي سواء كان قراراهما متساويين أو متفاوتين، كما تقدّم في الصور الثلاث للأرض الصلبة في صدر تعاليق هذه المسألة.

(6)هذه هي الصورة الواحدة من صور الأرض الرخوة التي يستحبّ فيها التباعد بين البئر و البالوعة بخمس أذرع.

ص: 155

و بسبع (1) في صورتين، و هما مساواتهما و ارتفاع البالوعة في الأرض الرخوة (2).

و في حكم (3) الفوقيّة المحسوسة الفوقيّة بالجهة بأن يكون البئر (4) في جهة الشمال (5)، فيكفي الخمس مع رخاوة الأرض و إن استوى القراران (6)، لما ورد من أنّ «مجاري العيون مع مهبّ (7) الشمال».

**********

شرح:

(1)عطف على قوله «بخمس». يعني و يستحبّ التباعد في صورتين من الصور الستّ بسبع أذرع.

(2)بالجرّ، صفة للأرض، و هي مؤنّث سماعيّ.

(3)خبر مقدّم للمبتدإ المؤخّر، و هو قوله «الفوقيّة بالجهة». يعني أنّ الفوقيّة بالجهة أيضا في حكم الفوقيّة المحسوسة.

(4)هذه هي الصورة الواحدة الملحقة بصور الأرض الرخوة التي يستحبّ فيها التباعد بخمس أذرع، و هي كون البئر في جهة الشمال و البالوعة في جهة الجنوب و الأرض رخوة، فاستحباب التباعد بينهما حينئذ أيضا بخمس أذرع.

(5)الشمال - بالكسر لغة في الشمال -: ضدّ اليمين، و يطلق الشمال على الجهة المقابلة للجنوب من الأرض (أقرب الموارد).

(6)و قد مرّ استحباب السبع في الأرض الرخوة إذا كان القراران متساويين، لكن في الفوقيّة الحكميّة - و هي الفوقيّة بالجهة - تكون صورة تساوي القرارين من صور استحباب التباعد بخمس أذرع.

(7)المهبّ - بالفتح -: موضع هبوب الريح ج مهابّ (أقرب الموارد).

يعني أنّ العيون تجري من الجهة التي تهبّ منها الرياح و بما أنّ مهبّ الرياح كثيرا ما يكون من جهة الشمال يكون مجرى العيون أيضا من جهة شمال الأرض.

ص: 156

(و لا ينجس البئر بها (1)) أي بالبالوعة (و إن تقاربتا إلاّ مع العلم بالاتّصال) أي اتّصال ما بها (2) من النجس بماء البئر، لأصالة (3) الطهارة و عدم الاتّصال (4).

الثالثة: النجاسات العشر

القول في أسمائها

(الثالثة (5): النجاسة (6)) أي جنسها (7)(عشرة):

**********

شرح:

و الرواية منقولة في كتاب الوسائل:

محمّد بن الحسن بإسناده عن محمّد بن سليمان الديلميّ عن أبيه قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن البئر يكون إلى جنبها الكنيف، فقال لي: إنّ مجرى العيون كلّها من (مع - ل) مهبّ الشمال... إلخ (الوسائل: ج 1 ص 145 ب 24 من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة ح 6).

(1)يعني إذا تقارب البئر و البالوعة و لم يعلم اتّصال كلّ منهما بالآخر لم يحكم على البئر بنجاسة مائها و إن كان الفصل و التباعد بينهما بأقلّ مقدار من المسافة.

(2)الضمير في قوله «بها» يرجع إلى البالوعة.

(3)هذا الأصل مستفاد من الأخبار مثل قوله عليه السّلام: «كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنّه نجس».

(4)و هذا دليل آخر للحكم بعدم نجاسة ماء البئر في الفرض المبحوث عنه، و هو أنّ البئر كانت غير متّصلة بالبالوعة سابقا، فإذا شكّ في الاتّصال لا حقا حكم بعدمه.

الثالثة: النجاسات العشر (5)أي من المسائل الأربع التي يبحث عنها في المقام.

(6)مصدر من نجس نجاسة: كان قذرا غير نظيف (أقرب الموارد).

(7)هذا التفسير من الشارح رحمه اللّه إنّما هو لدفع الإشكال المقدّر الوارد على

ص: 157

(البول و الغائط من غير المأكول) لحمه بالأصل (1) أو العارض (2)(ذي النفس (3)) أي الدم القويّ الذي يخرج من العرق عند قطعه (4).

(و الدم و المنيّ (5) من ذي النفس)، آدميّا كان أم غيره، برّيّا (6) أو بحريّا (7)(و إن اكل) لحمه (8).

**********

شرح:

عبارة المصنّف رحمه اللّه بأنّ مدلول النجاسة واحد و غير متعدّد ظاهرا، فكيف يحمل عليه المتعدّد و هو العشرة؟! و لذا فسّره الشارح رحمه اللّه بأنّ الكلام في قوله «النجاسة» تكون للجنس، و المراد منها إنّما هو الماهيّة لا بشرط، فيجوز حمل المتعدّد عليها.

و الحاصل أنّ معنى العبارة هكذا: النجاسات عشر، كما عبّر بذلك في عبارات سائر الفقهاء.

(1)مثل الذئب و الأرنب و الهرّة، فإنّ لحمها محرّم بالذات.

(2)مثل الحيوان المحلّل بالأصل كالشاة و البقر و الإبل و المحرّم بالعرض لكونها جلاّلة أو موطوءة الإنسان.

(3)صفة بعد صفة، و هذا قيد احترازيّ عن غير المأكول الذي لا نفس سائلة له مثل الحيّة و الحيتان المحرّمة، فإنّ البول أو الغائط منهما و من أمثالهما لا يكونان نجسين.

و المراد من «النفس» هنا هو الدم الخارج من عرقه عند قطعه بسرعة و دفق.

(4)الضمير في قوله «قطعه» يرجع إلى العرق.

(5)الثالث و الرابع من النجاسات العشر هما الدم و المنيّ من الإنسان و كلّ حيوان له نفس سائلة. و قد مرّ المراد من النفس السائلة و أنّها هي الدم الخارج من العرق عند قطعه.

(6)مثل الدم و المنيّ من الحيوانات التي تعيش في البرّ.

(7)مثل الحيوانات التي تعيش في البحر.

(8)الضمير في قوله «لحمه» يرجع إلى ذي النفس السائلة. يعني و إن كان الحيوان

ص: 158

(و الميتة (1) منه) أي من ذي النفس و إن اكل.

(و الكلب و الخنزير (2)) البرّيّان، و أجزاؤهما و إن لم تحلّها (3) الحياة، و ما تولّد منهما و إن باينهما في الاسم (4)، أمّا المتولّد من أحدهما و طاهر (5) فإنّه يتبع في الحكم الاسم و لو لغيرهما (6)، فإن انتفى المماثل (7) فالأقوى

**********

شرح:

المذكور مأكول اللحم كالشاة و المعز.

(1)الخامس من النجاسات العشر هو ميتة الحيوان الذي له نفس سائلة و إن كان مأكول اللحم مثل الشاة.

و المراد من «الميتة» هو المذبوح بوجه غير شرعيّ أو غير المذبوح رأسا.

(2)السادس و السابع من النجاسات العشر هما الكلب و الخنزير البرّيّان، و هما اللذان يعيشان في البرّ في مقابلة الكلب و الخنزير البحريّين اللذين قال المشهور بأنّهما ليسا بنجسين.

(3)فإنّ شعر الكلب و الخنزير البرّيّين أيضا نجس، بخلاف الميتة المبحوث عنها، فإنّ أجزاءها التي لم تحلّها الحياة طاهرة مثل الشعر و العظم و القرن.

(4)كما إذا جامع كلب خنزيرا فتولّد منهما حيوان لا يشبه أحدهما، فهو أيضا نجس.

(5)يعني أمّا الحيوان المتولّد من واحد من الكلب و الخنزير المجامع حيوانا طاهرا مثل الشاة فإنّه لو صدق عليه اسم الشاة حكم عليه بطهارته، و لو صدق اسم الكلب أو الخنزير حكم عليه بنجاسته.

(6)الضمير في قوله «لغيرهما» يرجع إلى الطاهر و واحد من الكلب و الخنزير. يعني إذا تولّد منهما حيوان يشبه الظبي مثلا و يصدق عليه اسم الظبي حكم عليه بطهارته أو يشبه الكلب و يصدق عليه اسم الكلب إذا تولّد من خنزير و شاة - أو يشبه الخنزير و يصدق عليه اسم الخنزير - إذا تولّد من كلب و شاة - حكم عليه بنجاسته.

(7)و ذلك إذا تولّد من شاة و كلب حيوان لا يشبه حيوانا من الحيوانات المعروفة، و قد

ص: 159

طهارته و إن حرم لحمه، للأصل فيهما (1).

(و الكافر (2)) أصليّا و مرتدّا (3) و إن انتحل (4) الإسلام مع جحده (5) لبعض ضروريّاته (6).

**********

شرح:

قوّى الشارح رحمه اللّه طهارته.

(1)الضمير في قوله «فيهما» يرجع إلى الحكم بطهارة المتولّد منهما و إلى حرمة أكل لحمه.

و المراد من الأصل المستند إليه في الحكم بالطهارة هو أصالة الطهارة المستفاد من قوله عليه السّلام: «كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنّه نجس».

و المراد من الأصل المستند إليه في الحكم بحرمة اللحم هو الأصل المعروف بأصالة عدم التذكية في الحيوان. يعني أنّ الأصل يقتضي عدم وقوع التذكية للحيوان المشتبه إلاّ إذا علم بوقوعها عليه.

(2)الثامن من النجاسات العشر هو الكافر.

و المراد من الكافر الأصليّ هو المتولّد من الكافر و الكافرة.

(3)المراد من الكافر المرتدّ هو الذي كان مسلما، ثمّ ارتدّ إلى الكفر، و هو على قسمين:

الأوّل: المرتدّ الملّيّ، و هو الذي تولّد على ملّة الكفر، ثمّ بلغ و أسلم، ثمّ ارتدّ، و هو يسمّى بالمرتدّ الملّيّ، لتولّده على ملّة الكفر.

الثاني: المرتدّ الفطريّ، و هو الذي تولّد و أحد أبويه مسلم، ثمّ بلغ و ارتدّ إلى الكفر، و هو يسمّى بالفطريّ، لولادته على فطرة الإسلام.

(4)من انتحل مذهب كذا أو قبيلة كذا: انتسب إليه أو إليها (المنجد).

(5)جحده حقّه و بحقّه جحدا و جحودا: أنكره مع علمه به (أقرب الموارد).

(6)الضمير في قوله «ضروريّاته» يرجع إلى الإسلام.

و المراد من ضروريّات الإسلام هو الحكم المجمع عليه بين علماء المسلمين مثل وجوب الصلاة و الصوم و الحجّ و غيرها.

ص: 160

و ضابطه (1) من أنكر الإلهيّة أو الرسالة أو بعض ما علم ثبوته من الدين ضرورة.

(و المسكر (2)) المائع بالأصالة.

(و الفقّاع (3)) بضمّ الفاء، و الأصل (4) فيه أن يتّخذ من ماء الشعير، لكن لمّا ورد الحكم (5) فيه معلّقا على التسمية ثبت لما أطلق عليه اسمه مع حصول خاصّيّته أو اشتباه حاله (6).

**********

شرح:

(1)الضمير في قوله «ضابطه» يرجع إلى الكافر. يعني أنّ القاعدة في معرفة الكافر هي إنكاره الإلهيّة بأن ينكر المبدأ أو أوصافه أو ينكر رسالة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أو ما علم كونه من الدين ضرورة، كما مثّلنا به في الهامش السابق.

(2)التاسع من النجاسات العشر هو المسكر بشرط كونه مائعا ذاتا لا بالعرض مثل الخمر المتّخذة من العنب و النبيذ المتّخذ من التمر و المسكر المتّخذ من الشعير و العسل و غيرهما، فلو كان المسكر جامدا بالأصالة مثل الحشيش و البنك لم يحكم عليه بنجاسته و إن صار مائعا بعلاج.

و لا يخفى أنّ الخمر المائعة إن صارت منجمدة لا تزول عنها النجاسة بالانجماد.

(3)الفقّاع كرمّان: الشراب المتّخذ من الشعير سمّي به لما يعلوه من الزبد (أقرب الموارد).

(4)المراد من «الأصل» هو اللغة. يعني أنّ معناه في اللغة هو المأخوذ من الشعير، لكنّ المراد منه هنا كلّ ما كان اسمه فقّاعا بلا فرق بين أن يتّخذ من الشعير أو غيره ممّا يتّخذ منه الفقّاع بشرط كونه ذا خاصّيّة الفقّاع.

(5)المراد من «الحكم» هو الحكم بالنجاسة، فإنّ الحكم المذكور معلّق على صدق اسم الفقّاع و غير مقيّد بأخذه من الشعير.

(6)الضمير في قوله «حاله» يرجع إلى «ما» الموصولة في قوله «لما أطلق عليه اسمه».

ص: 161

و لم يذكر المصنّف هنا من النجاسات العصير (1) العنبيّ إذا غلى و اشتدّ (2) و لم يذهب ثلثاه (3)، لعدم وقوفه (4) على دليل يقتضي نجاسته، كما اعترف به في الذكرى و البيان، لكن (5) سيأتي أنّ ذهاب ثلثيه مطهّر، و هو (6) يدلّ على حكمه بتنجّسه، فلا عذر في تركه.

**********

شرح:

يعني لو علم وجود خاصّيّة الفقّاع فيما اخذ من غير الشعير أيضا أو اشتبه حاله من حيث الخاصّيّة لا من حيث صدق اسم الفقّاع عليه حكم عليه أيضا بنجاسته.

(1)العصير: المعصور من عصر العنب و نحوه عصرا: استخرج ماءه (أقرب الموارد).

(2)اختلفوا في أنّ الغليان و الاشتداد هل هما شرطان أو شرط واحد، بمعنى أنّ الغليان هو الاشتداد أم لا.

و المشهور أنّ العصير العنبيّ إذا غلى لم يحكم عليه بنجاسته إلاّ بالاشتداد.

(3)فلو غلى و ذهب ثلثاه كان طاهرا و حلالا.

(4)الضمير في قوله «وقوفه» يرجع إلى المصنّف. يعني أنّ المصنّف لم يعدّ العصير إذا غلى و اشتدّ من أقسام النجاسات هنا، لعدم وقوفه على دليل يثبت به نجاسته.

(5)هذا ردّ من الشارح رحمه اللّه على ما ارتكبه المصنّف رحمه اللّه من عدم ذكر العصير العنبيّ من النجاسات إذا غلى و اشتدّ بأنّه لم يذكر هنا العصير المذكور من جملة النجاسات و الحال أنّ نفس المصنّف عدّ ذهاب ثلثي العصير المبحوث عنه من أقسام المطهّرات في قوله فيما سيأتي في الصفحة 192 عند البحث عن المطهّرات في قوله «و ذهاب ثلثي العصير»، و الذهاب لا معنى لكونه من المطهّرات لو لم نقل بنجاسة العصير المبحوث عنه هنا.

(6)الضمير في قوله «و هو» يرجع إلى مطهّريّة ذهاب الثلثين عند المصنّف. يعني أنّ القول بهذه المطهّريّة يدلّ بالالتزام على قول المصنّف بنجاسة العصير لا محالة إذا غلى.

ص: 162

و كونه (1) في حكم المسكر كما ذكره في بعض كتبه لا يقتضي دخوله فيه (2) حيث يطلق و إن دخل في حكمه (3) حيث يذكر.

أحكام النجاسات

(و هذه (4)) النجاسات العشر (يجب إزالتها) لأجل الصلاة (5)(عن الثوب و البدن) و مسجد الجبهة (6) و عن الأواني (7)، لاستعمالها فيما يتوقّف

**********

شرح:

(1)بالرفع، مبتدأ، خبره قوله «لا يقتضي».

(2)يعني أنّ المصنّف رحمه اللّه ذكر في بعض كتبه أنّ العصير في حكم المسكر، و ذلك لا يقتضي دخول العصير في المسكر هنا حتّى يدّعى أنّه لا يحتاج إلى ذكره، و عدّه من أقسام النجاسات اقتصارا على ذكر المسكر.

(3)يعني و إن دخل العصير في حكم المسكر في الموارد التي يذكر فيها.

و الحاصل أنّ كون العصير في حكم المسكر حيث يذكر لا يدلّ على الاستغناء عن ذكر العصير.

أحكام النجاسات (4)لمّا بيّن المصنّف رحمه اللّه أقسام النجاسات العشر أخذ من هنا في بيان أحكامها.

و الضمير في قوله «إزالتها» يرجع إلى النجاسات المذكورة.

(5)هذا قيد لوجوب إزالة النجاسة عن الثوب و البدن كليهما، فإنّها لا تجب إلاّ لأجل الصلاة.

(6)يعني يجب إزالة النجاسة عن محلّ السجدة من الجبهة.

الجبهة: مستوى ما بين الحاجبين إلى الناصية (أقرب الموارد).

(7)جمع، مفرده الإناء - بالكسر -: الوعاء ج آنية و جج أوان (أقرب الموارد).

يعني يجب إزالة النجاسة عن الأواني التي يراد استعمالها فيما يحتاج إلى تطهيرها مثل الأكل و الشرب فيها.

ص: 163

على طهارتها، و عن المساجد و الضرائح (1) المقدّسة و المصاحف (2) المشرّفة.

القول في الدم المعفوّ عنه

(و عفي) في الثوب و البدن (عن دم الجرح (3) و القرح (4) مع السيلان) دائما أو في وقت (5) لا يسع زمن فواته الصلاة.

أمّا لو انقطع وقتا يسعها فقد استقرب المصنّف في الذكرى وجوب

**********

شرح:

(1)بالجرّ، عطف على مدخول «عن» الجارّة في قوله «عن الثوب و البدن». يعني يجب إزالة النجاسة عن الضرائح.

الضرائح جمع الضريح: القبر (أقرب الموارد).

(2)جمع المصحف: الكرّاسة و حقيقتها مجمع الصحف أو ما جمع منها بين دفّتي الكتاب المشدود (أقرب الموارد).

يعني يجب إزالة النجاسة عن المصاحف المشرّفة.

و لا يخفى أنّ وجوب الإزالة عن المساجد و الضرائح و المصاحف ليس وجوبا مقدّميّا، بخلاف وجوب الإزالة عن الثوب و البدن و الأواني للصلاة و الاستعمال فيما يتوقّف عليه الطهارة، بل وجوبها نفسيّ و تكليفيّ بمعنى أنّها تجب إزالة النجاسة عنها و لو لم يرد المكلّف الصلاة في المساجد و لم يلاق بدنه الضرائح و المصاحف.

القول في الدم المعفوّ عنه (3)الجرح - بالضمّ -: الاسم من الجرح ج جروح و أجراح و جراح (أقرب الموارد).

(4)القرح - بالفتح و يضمّ -: عضّ السلاح و نحوه ممّا يخرج بالبدن، و قيل: بالفتح الآثار بعينها و بالضمّ ألمها و حرقها ج قروح (أقرب الموارد).

(5)يعني أنّ شرط العفو عن دم القروح و الجروح جريانه دائما أو في وقت لا يمكن فيه الصلاة مع الإزالة و لا يسع المكلّف أن يزيل الدم و يصلّي فحينئذ يعفى عنه.

ص: 164

الإزالة، لانتفاء الضرر (1).

و الذي يستفاد من الأخبار عدم الوجوب مطلقا (2) حتّى يبرأ، و هو قويّ.

(و عن دون (3) الدرهم البغليّ) سعة، و قدّر (4)..........

**********

شرح:

(1)فإذا وسع الوقت إزالة الدم عن البدن و الصلاة بعدها وجب تطهير الثوب و البدن بالإزالة أوّلا، ثمّ تقام الصلاة بعد التطهير، لعدم المانع حينئذ.

(2)إشارة إلى ما ذكر من شرطي عدم وجوب الإزالة، و هما:

الأوّل: السيلان دائما.

الثاني: السيلان في وقت لا يسع زمان فواته الصلاة، مثل ما إذا انقطع الدم بأقلّ من دقيقتين و الحال أنّ المكلّف لا يتمكّن من الصلاة في هذا المقدار من الزمان.

و المراد من الأخبار الدالّة على عدم وجوب الإزالة مطلقا هو ما نقل في كتاب الوسائل:

محمّد بن يعقوب بإسناده عن أبي بصير قال: دخلت على أبي جعفر عليه السّلام و هو يصلّي، فقال لي قائدي: إنّ في ثوبه دما، فلمّا انصرف قلت له: إنّ قائدي أخبرني أنّ بثوبك دما، فقال لي: إنّ بي دماميل و لست أغسل ثوبي حتّى تبرأ (الوسائل: ج 2 ص 1028 ب 22 من أبواب النجاسات من كتاب الطهارة ح 1).

(3)عطف على قوله «عن دم الجرح». يعني و عفي أيضا عن الدم الذي يكون بمقدار هو أقلّ من مقدار الدرهم البغليّ من حيث السعة.

(4)بصيغة المجهول، و نائب الفاعل هو الضمير الراجع إلى الدرهم البغليّ. يعني قد قدّر مقدار الدرهم البغليّ بسعة أخمص الراحة.

اعلم أنّ الدرهم هو السكّة المضروبة من الفضّة، و نقل كون الدرهم في

ص: 165

بسعة أخمص (1) الراحة و بعقد (2)........

**********

شرح:

صدر الإسلام على ثلاثة أوزان:

الأوّل: الدرهم البغليّ - بفتح الباء و سكون الغين -، و هو منسوب إلى رأس البغل، و هو اسم رجل معروف كان يضرب السكّة في زمان الثاني في ولايته بسكّة كسرويّة وزنها ثمانية دوانيق، و البغليّة كانت تسمّى قبل الإسلام الكسرويّة فحدث لها هذا الاسم في الإسلام، و الوزن بحاله (راجع كشف اللثام ص 51).

و قد ذكر البعض أنّ البغلّيّ بفتح الباء و الغين و تشديد اللام، و البغلّ الذي نسب إليه الدرهم اسم بلدة قرب بابل بينهما مسافة فرسخ متّصلة ببلد الجامعين، و نقل كاشف اللثام عن ابن إدريس رحمه اللّه أنّه يجد فيها الحفرة دراهم واسعة شاهدت درهما من تلك الدراهم و هذا الدرهم أوسع من الدينار و المضروب بمدينة السلام المعتاد تقرب سعته من سعة أخمص الراحة (راجع كشف اللثام ص 51).

الثاني: الدرهم الطبريّ أي المنسوب إلى طبر، و هي بلدة صغيرة، و كان وزنه أربعة دوانيق.

الثالث: الدرهم الإسلاميّ، و كان وزنه ستّة دوانيق، و ضرب في زمان عبد الملك بصلاح منه، ثمّ انتشر في الإسلام هذا الدرهم، و هو متّخذ من جمع وزني درهمين بغليّين نسبة إلى الدرهم البغليّ الذي وزنه ثمانية دوانيق و الدرهم الطبريّ نسبة إلى الدرهم الطبريّ الذي وزنه أربعة دوانيق، و التنصيف بهذا الطريق:

(12 4 + 8)، (2.12 /1 6)

(1)من أخمص البدن: وسطه (أقرب الموارد).

الراحة ج راحات: واحدة الراح أي الأكفّ، باطن الكفّ (المنجد).

و المراد من أخمص الراحة هو باطن اليد أعني الكفّ.

(2)عطف على قوله «بسعة أخمص الراحة». يعني و قد قدّر الدرهم البغليّ الذي يعفى عن الدم دونه في الصلاة بسعة عقد إصبع الإبهام العليا أيضا.

ص: 166

الإبهام العليا (1) و بعقد السبّابة (2)، و لا منافاة (3)، لأنّ هذا الاختلاف يتّفق في الدراهم بضرب واحد (4).

و إنّما يغتفر هذا المقدار (5)(من) الدم (غير) الدماء (الثلاثة (6)).

**********

شرح:

(1)مؤنّث الأعلى، صفة ل «عقد» المضاف إلى الإبهام، و الإبهام - و هي أكبر أسابع اليد أو الرجل - مؤنّث سماعيّ، فجاز وصف ما اضيف إليها بالتأنيث، لأنّ التأنيث ممّا قد يكتسبه الاسم بالإضافة.

(2)يعني و قد قدّر الدرهم البغليّ بمقدار عقد السبّابة أيضا، و هي الإصبع الواقعة بعد الإبهام.

اعلم أنّ أسامي الأصابع بالشروع من الإبهام هي هكذا:

1 - الإبهام.

2 - السبّابة.

3 - الوسطى.

4 - البنصر.

5 - الخنصر.

(3)أي لا منافاة بين الأقوال المذكورة لمقدار الدرهم البغليّ، لأنّ الاختلاف المذكور يمكن أن يتّفق في ضرب السكّة بأن تضرب بمقدار أخمص الراحة مرّة و بمقدار عقد الإبهام مرّة اخرى و بمقدار عقد السبّابة مرّة ثالثة.

(4)المراد هو حصول الاختلاف في الدرهم بسبب ضرب واحد بأن تضرب دراهم بهذه السعة و اخرى باخرى و هكذا في ضرب واحد.

(5)المراد من «هذا المقدار» هو قدر الدرهم البغليّ.

(6)المراد من «الدماء الثلاثة» هو دم الحيض و الاستحاضة و النفاس.

أقول: ما وجدت رواية دالّة على عدم العفو عن دم النفاس و الاستحاضة إذا كان أقلّ من الدرهم البغليّ، بل الرواية واردة في خصوص دم الحيض، و إلحاق النفاس و الاستحاضة به لا وجه له.

ص: 167

و ألحق بها بعض الأصحاب (1) دم نجس العين (2)، لتضاعف النجاسة.

و لا نصّ فيه، و قضيّة الأصل تقتضي دخوله في العموم (3).

و العفو عن هذا المقدار مع اجتماعه (4) موضع وفاق، و مع تفرّقه أقوال (5)،..........

**********

شرح:

و الرواية الواردة في خصوص الحيض منقولة في كتاب الوسائل:

محمّد بن يعقوب بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أو أبي جعفر عليه السّلام قال:

لا تعاد الصلاة من دم لا تبصره غير دم الحيض، فإنّ قليله و كثيره في الثوب إن رآه أو لم يره سواء (الوسائل: ج 2 ص 1028 ب 21 من أبواب النجاسات من كتاب الطهارة ح 1).

و احتمل السيّد المرتضى رحمه اللّه في كتابه (الانتصار) إلحاق النفاس بالحيض في عدم العفو، و عن ابن زهرة رحمه اللّه دعوى الإجماع على إلحاق النفاس و الاستحاضة بالحيض.

(1)عن ابن حمزة و القطب الراونديّ رحمهما اللّه إلحاق دم الكلب و الخنزير بالدماء الثلاثة، و أنكره ابن إدريس رحمه اللّه غاية الإنكار.

و لعلّ وجه الإلحاق هو تضاعف نجاسة دم نجس العين، و كأنّ هذا الإلحاق مستند إلى قياس أولويّ.

(2)المراد من «نجس العين» هو الكلب و الخنزير و الكافر.

(3)و هو العفو عن قليل الدم إلاّ ما أخرجه الدليل، و هو دم الحيض خاصّة.

(4)يعني إذا كان الدم أقلّ من الدرهم و كان مجتمعا في موضع من الثوب و البدن لم يكن خلاف في العفو عنه حين الصلاة.

(5)فلو تفرّق الدم في مواضع من الثوب و البدن و مع ذلك لا يزيد مجموعه عن الدرهم البغليّ ففي العفو عنه أقوال:

الأوّل: العفو مطلقا.

ص: 168

أجودها إلحاقه بالمجتمع (1).

و يكفي في الزائد عن المعفوّ عنه إزالة الزائد (2) خاصّة.

**********

شرح:

الثاني: عدم العفو مطلقا.

الثالث: الفرق بين التفرّق الفاحش و عدمه، و قد نسب إلى بعض العامّة تقدير التفرّق بشبر في شبر، و إلى بعض بذراع في ذراع، و إلى بعض بربع الثوب.

* من حواشي الكتاب: قوله «و مع تفرّقه أقوال... إلخ» اختلف الأصحاب في وجوب إزالة الدم المتفرّق على الثوب أو البدن إذا كان بحيث لو جمع بلغ الدرهم فصاعدا، فذهب سلاّر و ابن حمزة و العلاّمة إلى وجوب إزالته كالمجتمع، لقوله عليه السّلام في صحيحة ابن أبي يعفور إلاّ أن يكون مقدار الدرهم مجتمعا، فيغسله و يعيد الصلاة على أن يكون «مجتمعا» حالا مقدّرة من فاعل «يكون» و هو الضمير الراجع إلى الدم المتفرّق، و يكون «مقدار الدرهم» منصوبا على أنّه خبر.

و ذهب الشيخ في المبسوط و ابن إدريس و المحقّق في الشرائع و النافع إلى عدم الوجوب، و استدلّوا بالرواية المذكورة أيضا بجعل مقدار الدرهم مرفوعا على أنّه اسم «كان» و «مجتمعا» خبره، و الأوّل أعرب و أحسن.

و ذهب الشيخ في النهاية إلى وجوب إزالته مع التفاحش و عدمه مع عدمه، و اختاره المحقّق في المعتبر، و لا دلالة في الأخبار على هذا القيد مع أنّه غير منضبط، و لهذا قدّره بعض العامّة بشبر في شبر، و بعضهم بذراع في ذراع، و بعضهم بربع الثوب (حاشية الملاّ أحمد رحمه اللّه).

(1)فكما إذا كان المجتمع في موضع واحد عفي عنه إذا كان أقلّ من الدرهم البغلّيّ فكذلك المتفرّق.

(2)فلو كان الدم زائدا عن مقدار الدرهم البغليّ لم يجب إلاّ إزالة الزائد لا المجموع، فيعفى عن الباقي المساوي للمعفوّ قدرا.

ص: 169

و الثوب و البدن يضمّ بعضهما (1) إلى بعض على أصحّ القولين (2).

و لو أصاب الدم وجهي الثوب فإن تفشّى (3) من جانب إلى آخر فواحد، و إلاّ (4) فاثنان.

و اعتبر المصنّف في الذكرى في الوحدة مع التفشّي رقّة الثوب، و إلاّ (5) تعدّد.

و لو أصابه (6) مائع طاهر (7) ففي بقاء العفو عنه و عدمه........

**********

شرح:

(1)بمعنى أنّه إذا أصاب مقدار من الدم الثوب و مقدار منه البدن فإذا لم يزد المجتمع من كليهما عن مقدار الدرهم البغليّ عفي عنه أيضا كما هو الحال في القدر الحاصل من جمع الدم المتفرّق على الثوب خاصّة أو البدن كذلك.

(2)في مقابلة القول بملاحظة الثوب منفردا و البدن كذلك.

أقول: لعلّ المستند لملاحظة الثوب منفردا إذا تفرّق عليه الدم هو الخبر المنقول في كتاب الوسائل:

محمّد بن الحسن بإسناده عن جميل بن درّاج عن بعض أصحابنا عن أبي جعفر عليه السّلام و أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّهما قالا: لا بأس بأن يصلّي الرجل في الثوب و فيه الدم متفرّقا شبه النضح، و إلاّ كان قد رآه صاحبه قبل ذلك، فلا بأس به ما لم يكن مجتمعا قدر الدرهم (الوسائل: ج 2 ص 1026 ب 20 من أبواب النجاسات من كتاب الطهارة ح 4).

(3)من تفشّت القرحة تفشّيا: اتّسعت، تقول: «هذا قرطاس يتفشّى فيه المداد» أي ينتشر (أقرب الموارد).

(4)يعني فإن لم يصل الدم من جانب إلى آخر فهو ليس بواحد، بل يعدّ اثنين.

(5)فلو كان الثوب غير رقيق و وصل الدم من طرف إلى آخر فهو يعدّ اثنين.

(6)الضمير في قوله «أصابه» يرجع إلى الدم الأقلّ من الدرهم.

(7)التقييد بالطاهر إنّما هو لإخراج إصابة المائع النجس، فإنّه لا يعفى عنه، مثل أن

ص: 170

قولان (1) للمصنّف في الذكرى (2) و البيان، أجودهما الأوّل (3).

نعم يعتبر التقدير بهما (4).

سائر ما يعفى عن نجاسته

و بقي ممّا يعفى (5) عن نجاسته شيئان:

**********

شرح:

تصيبه قطرة من البول، فإنّ الدم حينئذ لا يعفى عنه في الصلاة.

(1)مبتدأ مؤخّر، خبره المقدّم هو قوله «ففي بقاء العفو عنه». يعني و لو أصاب الدم الأقلّ من الدرهم مائع طاهر مثل الماء و لم يتجاوز المجموع أيضا عن مقدار الدرهم فهل يعفى عنه أم لا؟ فيه قولان:

الأوّل: العفو عنه أيضا كما كان معفوّا عنه قبل الإصابة، لأنّ نجاسة الماء المصيب إنّما هي بسبب نجاسة الدم، فلا يزيد الفرع على الأصل الذي كان معفوّا عنه.

و الثاني: عدم العفو عنه، لأنّ المعفوّ عنه هو الدم الخارج من البدن لا المتنجّس المصيب من الخارج، و من المعلوم أنّ المائع المصيب المبحوث عنه يكون متنجّسا، فلا يعفى عنه كما لا يعفى عن تنجيس غيره.

(2)على طريق اللفّ و النشر المرتّبين. يعني قال المصنّف رحمه اللّه في كتابه (الذكرى) بالقول الأوّل و في كتابه (البيان) بالقول الثاني.

(3)يعني أنّ أجود القولين هو الأوّل، و هو العفو، و قد ذكرنا وجه كونه أجود في الهامش 1 من الصفحة السابقة.

(4)أي يعتبر مقدار الدرهم بالدم الموجود و المائع الطاهر المصيب له.

و الضمير في قوله «بهما» يرجع إلى الدم و المائع الطاهر المصيب.

سائر ما يعفى عن نجاسته (5)اعلم أنّ الفقهاء قد ذكروا للعفو عن النجاسة في الصلاة أربعة موارد:

الأوّل: دم الجرح و القرح مع السيلان.

ص: 171

أحدهما ثوب المربّية (1) للولد، و الثاني ما لا يتمّ صلاة الرجل فيه

**********

شرح:

الثاني: إذا كان الدم دما غير الدماء الثلاثة و كذا غير دم الأعيان النجسة مثل الكلب و الخنزير و كان دون الدرهم البغليّ.

الثالث: ثوب المربّية للولد.

الرابع: ما لا تتمّ صلاة الرجل فيه وحده، لعدم كونه ساترا لعورتيه.

و قد ذكر المصنّف رحمه اللّه اثنين منهما و بقي اثنان، و قال الشارح رحمه اللّه في مقام توجيه عدم التعرّض للاثنين الباقيين: إنّ علّة عدم ذكرهما في المقام هو ذكر حكم الأوّل في لباس المصلّي، و عدم كون الثاني متعلّقا لا ببدن المصلّي و لا بثوبه الذي هو شرط في الصلاة.

(1)أي المرأة التي تربّي الولد بلا فرق بين كونها امّا له أو متبرّعة أو مستأجرة كما هو مقتضى الإطلاق.

إيضاح: في كشف اللثام: و تجتزئ المربّية للصبيّ ذات الثوب الواحد، أو المربّي للصبيّ ذو الثوب الواحد بغسله في اليوم و الليلة مرّة، ثمّ يصلّي باقيه أي في باقي اليوم العامّ للّيل فيه و إن نجس بالصبيّ أي ببوله لا بغيره.

أمّا حكم المربّية فمشهور، و به خبر أبي حفص عن الصادق عليه السّلام: «أنّه سئل عن امرأة ليس لها إلاّ قميص واحد و لها مولود فيبول عليها كيف تصنع؟ قال: تغسل القميص في اليوم مرّة»، و يعضده الحرج، و العمل به يقتضي ما في المهذّب من قصر الحكم على المربّية و تنجيس ثوبها لا بدنها ببول المولود لا بغائطه، و عمومه للصبيّ و الصبيّة.

و خصّه الشيخ بالصبيّ و تبعه الأكثر و منهم المصنّف، قال في النهاية: اقتصارا في الرخصة على المنصوص و للفرق، فإنّ بول الصبيّ كالماء و بول الصبيّة أصفر ثخين و طبعها أحرّ، فبولها ألصق بالمحلّ.

و تردّد في التذكرة من الاقتصار على المنصوص و من الاشتراك في المشقّة.

ص: 172

وحده، لكونه لا يستر عورتيه (1).

و سيأتي حكم الأوّل (2) في لباس المصلّي، و أمّا الثاني (3) فلم يذكره، لأنّه لا يتعلّق ببدن المصلّي، و لا ثوبه الذي هو شرط في الصلاة مع مراعاة الاختصار (4).

كيفيّة غسل الثوب

(و يغسل الثوب مرّتين بينهما عصر)، و هو كبس (5) الثوب بالمعتاد لإخراج (6) الماء المغسول به.

و كذا يعتبر العصر بعدهما (7)،.......

**********

شرح:

(1)فإنّ مثل الجورب و القلنسوة و النطاق و غيرهما ممّا يصدق عليه اسم اللباس لكن لا تتمّ الصلاة فيها، لعدم كونها ساترة للعورتين.

العورة: السوأة لقبح النظر إليها، و - كلّ شيء يستره الإنسان من أعضائه أنفة و حياء من كشفه ج عورات بالتسكين (أقرب الموارد).

و المراد منها هنا هو القبل و الدبر.

(2)و هو ثوب المربّية.

(3)و هو الثوب الذي لا تتمّ الصلاة فيه منفردا.

(4)فإنّ المصنّف رحمه اللّه بنى في هذا الكتاب على الاختصار، و على هذا لم يذكر الثاني هنا.

كيفيّة غسل الثوب (5)من كبس كبسا على الشيء: شدّ و ضغط (أقرب الموارد).

و المراد منه هنا هو عصر الثوب عند تطهيره بالقدر المعتاد و المتعارف بين الناس لا بالقوّة الزائدة على الحدّ المتداول و لا أقلّ منه.

(6)تعليل للزوم العصر عند التطهير بأن يخرج الماء الذي يغسل به الثوب.

(7)فالعصر مرّتان: الاولى بين الغسلين، و الثانية بعدهما.

ص: 173

و لا وجه لتركه (1).

و التثنية (2) منصوصة في البول، و حمل المصنّف غيره عليه (3) من باب

**********

شرح:

(1)يعني كان اللازم على المصنّف رحمه اللّه أن يذكر العصر بعد الغسل مرّتين أيضا، لأنّ الغسالة في رأي المصنّف نجسة، فلا بدّ من إخراجها بعد الغسل مرّتين لتطهير الثوب به.

(2)يعني أنّ الغسل مرّتين منصوص في خصوص البول، و النصّ منقول في كتاب الوسائل، إليك نصّين تاليين:

الأوّل: محمّد بن الحسن بإسناده عن محمّد عن أحدهما عليهما السّلام، قال: سألته عن البول يصيب الثوب، قال: اغسله مرّتين (الوسائل: ج 2 ص 1001 ب 1 من أبواب النجاسات من كتاب الطهارة ح 1).

و الثاني: محمّد بن الحسن بإسناده عن ابن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن البول يصيب الثوب، قال: اغسله مرّتين (المصدر السابق: ح 2).

(3)يعني أنّ المصنّف رحمه اللّه حمل سائر النجاسات على البول من حيث وجوب الغسل مرّتين بدلالة مفهوم الأولويّة.

اعلم أنّ الدلالة على قسمين:

الأوّل: بالمنطوق، و هو إمّا بالمطابقة أو التضمّن أو الالتزام، فإنّ الإنسان يدلّ على أنّه حيوان ناطق بالمطابقة و على كلّ منهما بالتضمّن و على الضحك بالالتزام.

الثاني: بالمفهوم، و هو الذي يقابل المنطوق، و هو أيضا على قسمين:

الأوّل: مفهوم المخالفة، و هو الذي يخالف فيه المفهوم المنطوق مثل أن يقال: إن جاءك زيد فأكرمه، فإنّ مفهوم هذا القول هو عدم وجوب الإكرام عند عدم المجيء.

الثاني: مفهوم الموافقة، و هو الذي يوافق فيه المفهوم المنطوق مثل قوله تعالى :

ص: 174

مفهوم الموافقة، لأنّ غيره أشدّ نجاسة.

و هو ممنوع (1)، بل هي (2) إمّا مساوية أو أضعف حكما (3)، و من ثمّ عفي عن قليل الدم دونه، فالاكتفاء بالمرّة في غير البول أقوى، عملا بإطلاق الأمر (4)، و هو اختيار المصنّف في البيان (5) جزما، و في الذكرى و الدروس بضرب من التردّد.

و يستثنى من ذلك (6) بول الرضيع،...

**********

شرح:

فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ (1) ، فإنّ مفهوم هذه الآية الشريفة هو «لا تضربهما و لا تشتمهما»، و المفهوم و المنطوق كلاهما متوافقان في هذا النوع الثاني في النفي أو الإيجاب.

و المراد من «مفهوم الموافقة» هو القياس الأولويّ، فإنّه إذا وجب الغسل مرّتين للبول وجب لغير البول بطريق أولى، لأنّ سائر النجاسات أشدّ نجاسة من البول.

(1)الضمير في قوله «و هو» يرجع إلى الحمل من باب مفهوم الموافقة. يعني أنّ الاستدلال على كون غير البول أشدّ منه نجاسة ممنوع، بل نجاستهما إمّا مساوية أو نجاسة غير البول أخفّ من نجاسة البول في الحكم، مثل أنّ الدم القليل يعفى عنه في الصلاة بخلاف البول القليل.

(2)ضمير «هي» يرجع إلى نجاسة غير البول.

(3)تمييز لقوليه «مساوية» و «أضعف».

(4)و هو الأمر بإزالة النجاسة عن الثوب عند الصلاة.

(5)يعني أنّ المصنّف رحمه اللّه اختار في كتابه (البيان) الاكتفاء بمرّة واحدة و هو جازم، و اختاره في كتابيه (الذكرى و الدروس) أيضا و لو مع قسم من التردد.

(6)المشار إليه في قوله «ذلك» هو الغسل مرّتين و العصر بينهما. يعني إذا بال الرضيع في ثوب لم يجب غسله مرّتين و كذا لم يجب عصره بين الغسلين، بل يكفي صبّ الماء

ص: 175


1- سوره 17 - آیه 23

فلا يجب عصره (1) و لا تعدّد غسله و هما (2) ثابتان في غيره (3)،(إلاّ في الكثير و الجاري)، بناء على عدم اعتبار كثرته (4) فيسقطان (5) فيهما، و

**********

شرح:

على الموضع و لو لم تنفصل عنه الغسالة.

أقول: المراد من «الرضيع» هو الذي لم يطعم بعد كما نصّ عليه الأخبار، و الاعتبار في أكله و تغذّيه هو أكله الغذاء عن إرادة و اشتهاء لا الذي يأكل نادرا أو دواء كما في المعتبر و المنتهى.

و المشهور اختصاص الصبيّ بذلك الحكم، لكن يحتمل اشتراك بول الصبيّ و الصبيّة كليهما في هذا الحكم، استنادا إلى حسنة الحلبيّ، و هي - كما في كشف اللثام - هكذا: سأل الصادق عليه السّلام عن بول الصبيّ، قال: تصبّ عليه الماء، فإن كان قد أكل فاغسله غسلا، و الغلام و الجارية في ذلك شرع سواء، لكنّ المعارض أيضا موجود.

و الاحتياط يقتضي الحكم بعدم كون بول الصبيّة مثل الصبيّ في الحكم، فيجب غسل الثوب المتلطّخ ببول الصبيّة مرّتين و مع العصر كذلك، و لا يكفي صبّ الماء عليه.

(1)الضميران في قوليه «عصره» و «غسله» يرجعان إلى الثوب المتنجّس ببول الرضيع.

(2)الضمير في قوله «و هما» يرجع إلى الغسل مرّتين و العصر بينهما.

و لا يخفى أنّ قوله «و هما ثابتان في غيره» توطئة لإلحاق قول المصنّف رحمه اللّه «إلاّ في الكثير و الجاري» به، و بعبارة اخرى هو شرح قبل المتن. يعني أنّ الغسل مرّتين و العصر كذلك حكمان ثابتان في غير بول الرضيع إلاّ إذا غسل بماء الكرّ و الجاري.

(3)الضمير في قوله «غيره» يرجع إلى بول الرضيع.

(4)الضمير في قوله «كثرته» يرجع إلى الجاري. يعني أنّ سقوط التعدّد و العصر عن الغسل بالماء الجاري إنّما هو فيما إذا لم يعتبر فيه الكثرة و الكرّيّة كما قال به المشهور.

(5)فاعله هو الضمير الراجع إلى الغسل و العصر، و الضمير في قوله «فيهما» يرجع إلى الجاري و الكثير.

ص: 176

يكتفى بمجرّد وضعه فيهما مع إصابة (1) الماء لمحلّ النجاسة و زوال عينها.

كيفيّة غسل البدن

(و يصبّ (2) على البدن مرّتين في غيرهما (3))، بناء على اعتبار التعدّد مطلقا (4).

و كذا ما أشبه البدن ممّا تنفصل الغسالة عنه بسهولة كالحجر و الخشب.

(و) كذا (الإناء (5)).

و يزيد (6) أنّه يكفي صبّ الماء فيه بحيث يصيب النجس و إفراغه منه و لو بآلة لا تعود إليه (7) ثانيا إلاّ طاهرة،...

**********

شرح:

(1)يعني أنّ الثوب المتنجّس بالبول مثلا يطهّر بالماء الكثير و الجاري مع عدم اعتبار التعدّد في الغسل و العصر بشرطين:

الأوّل: إصابة الماء لمحلّ النجاسة.

الثاني: زوال عين النجاسة عنه.

كيفيّة غسل البدن (2)هذا بيان كيفيّة تطهير غير الثوب ممّا لا يمكن فيه العصر مثل البدن و الحجر و الشجر، ففي ذلك كلّه يصبّ الماء مرّتين، و لا يشترط ثاني شرطي تطهير الثوب، و هو العصر في غير الماء الكثير و الجاري.

(3)الضمير في قوله «غيرهما» يرجع إلى الكثير و الجاري.

(4)أي في البول و غيره.

(5)فإنّ الظروف المتنجّسة أيضا يصبّ فيها الماء مرّتين لو غسلت بغير الكثير و الجاري.

(6)يعني يزيد حكم الإناء عن البدن بإيصال الماء إلى النجس الواقع فيه و بتخليته عنه مرّة و بصبّ الماء مرّة اخرى فيه و تفريغه منه.

(7)بأن يخرج الماء الموجود في الظرف بآلة كالطست، ثمّ تعاد إلى الظرف طاهرة.

ص: 177

سواء في ذلك المثبت (1) و غيره و ما يشقّ قلعه (2) و غيره.

حكم ولوغ الكلب

(فإن ولغ فيه) أي في الإناء (كلب) بأن شرب (3) ممّا فيه بلسانه (قدّم عليهما) أي على الغسلتين بالماء (مسحه (4) بالتراب) الطاهر دون غيره (5) ممّا أشبه (6) و إن تعذّر أو خيف فساد المحلّ.

**********

شرح:

(1)مثل الظروف الثابتة في مكان لا يمكن حملها و نزعها منه.

(2)مثل الظروف التي يمكن نزعها من مكانها لكن بالمشقّة.

و الضمائر في قوله المتكرّر «غيره» و كذا في قوله «قلعه» ترجع إلى الإناء المثبت.

حكم ولوغ الكلب (3)هذا تفسير للولوغ.

(4)بالنصب، مفعول به لقوله «قدّم». يعني يمسح الإناء بالتراب قبل الغسل مرّتين.

(5)الضمير في قوله «غيره» يرجع إلى التراب الطاهر. يعني لا يطهر الإناء الذي ولغ فيه الكلب بمسح غير التراب، و لا يجزي غير التراب عند عدم التراب أو عند خوف فساد الظرف بمسحه به.

(6)بيان لغير التراب، فإنّ شبه التراب مثل الاشنان و الصابون و الرماد و غيرها لا يكفي عن التراب.

* من حواشي الكتاب: قوله «و إن تعذّر أو خيف فساد المحلّ» فعلى التقديرين يبقى المحلّ على النجاسة إلاّ أن يرضى بالفساد على الثاني.

و ذهب الشيخ إلى أنّه لو لم يوجد التراب و وجد ما يشبهه كالأشنان و الصابون و الجصّ و نحوها أجزأ.

و قيل: خوف فساد المحلّ بمنزلة فقد التراب.

ص: 178

و ألحق بالولوغ (1) لطعه (2) الإناء دون مباشرته له بسائر أعضائه (3).

و لو تكرّر الولوغ تداخل (4) كغيره من النجاسات المجتمعة (5)، و في الأثناء (6) يستأنف.

و لو غسله في الكثير (7) كفت المرّة بعد التعفير (8).

**********

شرح:

و قيل: بإجزاء الاشنان و نحوه بطريق أولى.

و قال جماعة: عند تعذّر التراب سقط اعتباره و اقتصر على الماء مرّتين أو بزيادة مرّة، و الأقوى قول الشارح (حاشية جمال الدين رحمه اللّه).

(1)الولوغ مصدر من ولغ الكلب و كلّ ذي خطم في الإناء و في الشراب: شرب ما فيه بأطراف لسانه أو أدخل فيه لسانه فحرّكه (أقرب الموارد).

(2)لطعه بلسانه لطعا: لحسه (أقرب الموارد).

(3)يعني لو باشر الكلب الإناء بغير لسانه من الأعضاء لم يجب مسح الإناء بالتراب عند التطهير.

(4)يعني يكفي إذا المسح بالتراب مرّة و إن حصل الولوغ من الكلب مرّات عديدة.

(5)يعني كما إذا تنجّس الإناء بنجاسات متعدّدة مثل البول و الدم و الغائط كفى غسل الإناء و تطهيره عن جميعها مرّة واحدة فكذلك الأمر إذا ولغ فيه الكلب مكرّرا فيكفي التعفير إذا مرّة واحدة و يقال لذلك: تداخل الأسباب، و مثاله الآخر هو ما إذا حصلت الجنابة مرّات مع كفاية الغسل الواحد عن جميعها.

(6)مثل أن يلغ الكلب في إناء و هو يطهّر بالتعفير و الغسل، فيجب أن يستأنف المسح و الغسل مرّتين.

(7)يعني لو غسل الإناء الذي ولغ فيه الكلب بالماء الكثير لم يكن حاجة إلى التعدّد، بخلاف ما هو الحال في غيره، لكن يجب التعفير أوّلا ثمّ الغسل مرّة واحدة.

(8)من عفره في التراب عفرا: مرّغه و دلكه أو دسّه فيه (أقرب الموارد).

ص: 179

استحباب السبع للولوغ

(و يستحبّ السبع) بالماء (فيه) أي في الولوغ، خروجا (1) من خلاف من أوجبها (2).

(و كذا) يستحبّ السبع (في الفأرة و الخنزير)، للأمر بها في بعض الأخبار التي لم تنهض حجّة (3) على الوجوب.

**********

شرح:

استحباب السبع للولوغ (1)يعني أنّ الحكم باستحباب السبع إنّما هو للفرار من مخالفة الفقهاء الذين حكموا بوجوب السبع.

(2)الضمير الملفوظ في قوله «أوجبها» يرجع إلى السبع.

* من حواشي الكتاب: اختلف الأصحاب في كيفيّة طهارة الإناء من ولوغ الكلب، فذهب الأكثر إلى أنّه إنّما يطهّر بغسله ثلاثا أوّلهنّ بالتراب.

و قال المفيد في المقنعة: يغسل ثلاثا وسطهنّ بالتراب ثمّ يجفّ.

و أطلق المرتضى في الانتصار و الشيخ في الخلاف أنّه يغسل ثلاث مرّات إحداهنّ بالتراب.

و قال الصدوق في الفقيه: يغسل مرّة بالتراب و مرّتين بالماء.

و قال ابن الجنيد: يغسل سبعا إحداهنّ بالتراب، و المعتمد الأوّل (المدارك).

(3)يعني أنّ الأخبار الدالّة على وجوب السبع في ولوغ الفأرة و الخنزير لا تقوم حجّة على الحكم بالوجوب.

أمّا الخبر الوارد في خصوص الخنزير فمنقول في كتاب الوسائل:

محمّد بن الحسن بإسناده عن عليّ بن جعفر عن موسى بن جعفر عليه السّلام (في حديث) قال: و سألته عن خنزير شرب من إناء كيف يصنع به؟ قال: يغسل سبع مرّات (الوسائل: ج 1 ص 162 ب 1 من أبواب الأسئار من كتاب الطهارة ح 2).

ص: 180

و مقتضى إطلاق العبارة (1) الاجتزاء فيهما بالمرّتين كغيرهما.

و الأقوى في ولوغ الخنزير وجوب السبع بالماء، لصحّة روايته (2)، و عليه المصنّف في باقي كتبه.

(و) يستحبّ (الثلاث في الباقي (3)) من النجاسات للأمر به في بعض الأخبار (4).

القول في الغسالة

(و الغسالة (5)) و هي الماء المنفصل...

**********

شرح:

(1)يعني أنّ عبارة المصنّف رحمه اللّه «و كذا في الفأرة و الخنزير» تقتضي أنّ الفأرة و الخنزير مثل سائر النجاسات التي يحكم عليها بوجوب الغسل مرّتين و إن كان المستحبّ فيهما هو السبع.

(2)و قد ذكرنا الرواية في الهامش 3 من الصفحة السابقة.

(3)يعني يستحبّ الغسل ثلاث مرّات في غير الخنزير و الفأرة من النجاسات.

(4)و من هذه الأخبار ما نقل في كتاب الوسائل:

محمّد بن الحسن بإسناده عن عمّار الساباطيّ عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: سئل عن الكوز و الإناء يكون قذرا كيف يغسل و كم مرّة يغسل، قال: يغسل ثلاث مرّات، يصبّ فيه الماء فيحرّك فيه ثمّ يفرغ منه، ثمّ يصبّ ماء آخر فيحرّك فيه، ثمّ يفرغ ذلك الماء، ثمّ يصبّ فيه ماء آخر فيحرّك فيه ثمّ يفرغ منه و قد طهر - إلى أن قال -:

اغسل الإناء الذي تصيب فيه الجرذ ميّتا سبع مرّات (الوسائل: ج 2 ص 1076 ب 53 من أبواب النجاسات من كتاب الطهارة ح 1).

القول في الغسالة (5)من غسالة الشيء: ماؤه الذي يغسل به، و - ما يخرج منه بالغسل (أقرب الموارد).

ص: 181

عن المحلّ المغسول بنفسه (1) أو بالعصر (2)(كالمحلّ قبلها) أي قبل خروج تلك الغسالة، فإن كانت من الغسلة الاولى وجب غسل ما أصابته تمام العدد (3)، أو من الثانية فتنقص واحدة، و هكذا، و هذا (4) يتمّ فيما يغسل

**********

شرح:

اعلم أنّ في حكم الغسالة - و هي الماء المنفصل عند غسل الشيء إمّا بنفسه مثل الجاري عن البدن و الحجر و الخشب و إمّا بالعصر مثل الماء الخارج من الثوب عند غسله - أقوالا:

الأوّل: - و هو المشهور - أنّ حكم الغسالة حكم المحلّ قبل الغسل، بمعنى أنّه إذا أصابت الغسالة الاولى شيئا وجب غسله مرّتين كما هو حكم محلّه قبل الغسل، و إذا أصابته الغسالة الثانية لم يجب إلاّ مرّة واحدة، و إذا أصابته الغسالة الثالثة - و هي المنفصلة بعد الغسلين - لم يجب غسله.

الثاني: كون حكم الغسالة حكم المحلّ قبل الغسل بلا فرق بين الاولى و الثانية.

الثالث: كون حكم الغسالة حكم المحلّ بعد الغسل، فلا يجب غسله، لكونها طاهرة.

الرابع: الحكم بوجوب الغسل عند إصابة الغسالة الاولى لا الثانية.

(1)مثل الماء الجاري من البدن و الحجر عند الغسل.

(2)مثل الماء المنفصل عن الثوب عند عصره.

(3)فلو كان الواجب الغسل مرّتين - كما هو حال التنجّس بالنجاسات غير الكلب - وجب الغسل مرّتين، و لو كانت النجاسة حاصلة بولوغ الكلب وجب الغسل سبع مرّات في الغسلة الاولى و ستّ مرّات في الثانية و خمس مرّات في الثالثة و هكذا إلى الغسلة السابعة التي لا يجب فيها غسل ما أصابته إلاّ مرّة واحدة، و بعدها لا يجب غسل الملاقى.

(4)يعني أنّ التبعيّة كما ذكر إنّما هي ما لو قيل بالتعدّد في كلّ من النجاسات بلا اختصاص التعدّد بالبول و الكلب، لكن لو قلنا باختصاصه بهما لم يحكم على

ص: 182

مرّتين لا لخصوص (1) النجاسة.

أمّا المخصوص (2) كالولوغ فلا (3)، لأنّ الغسالة لا تسمّى ولوغا، و من ثمّ (4) لو وقع لعابه في الإناء بغيره (5) لم يوجب حكمه.

و ما ذكره المصنّف أجود الأقوال في المسألة.

و قيل (6): إنّ الغسالة كالمحلّ قبل الغسل مطلقا (7).

و قيل (8): بعده فتكون طاهرة مطلقا.

**********

شرح:

الملاقى - بالفتح - بحكم المحلّ، لأنّ الحكم بوجوب الغسل سبع مرّات إنّما هو في خصوص الولوغ، و الحكم بوجوب المرّتين في خصوص البول، و لا يصدق الولوغ و البول على ما لاقاه الغسالة، فلا يسري إليه حكمهما.

(1)بمعنى وجوب المرّتين لمطلق النجاسة لا لخصوص البول مثلا.

(2)أي العدد المخصوص، و هو السبع عند ولوغ الكلب.

(3)أي فلا يتمّ فيه تبعيّة الغسالة للمحلّ في الحكم.

(4)يعني و لكون العدد مختصّا بولوغ الكلب لا يحكم به عند وصول لعاب الكلب إلى الإناء، فلو جرى لعاب الكلب في الإناء لم يحكم بوجوب العدد المخصوص.

اللعاب كغراب: ما سال من الفم (أقرب الموارد).

(5)الضمير في قوله «بغيره» يرجع إلى الولوغ، و كذا الضمير في قوله «حكمه». يعني لو سال لعاب الكلب في الإناء بغير الولوغ لم يجب غسله سبع مرّات.

(6)هذا هو القول الثاني من الأقوال المشار إليها في الهامش 5 من ص 181.

(7)أي بلا فرق بين الغسلة الاولى و الثانية.

(8)هذا هو القول الثالث من الأقوال الأربعة، و قوله «مطلقا» إشارة إلى عدم الفرق بين الغسلتين، و الضمير في قوله «بعده» يرجع إلى الغسل.

ص: 183

و قيل (1)، بعدها.

و يستثنى من ذلك (2) ماء الاستنجاء (3)، فغسالته (4) طاهرة مطلقا (5) ما لم تتغيّر (6) بالنجاسة أو تصب (7) نجاسة خارجة عن حقيقة الحدث (8)

**********

شرح:

(1)هذا هو القول الرابع من الأقوال الأربعة المفصّلة. و الضمير في قوله «بعدها» يرجع إلى الغسالة، فيجب - على هذا القول - غسل ما لاقاه الغسالة الاولى مرّة و يحكم بطهارة ما لاقاه الغسالة الثانية.

(2)المشار إليه في قوله «ذلك» هو الغسالة. يعني أنّ ما قدّمناه إلى هنا من الحكم بنجاسة الغسالة المنفصلة بنفسها أو بالعصر يستثنى منه ماء الاستنجاء الذي يستعمل لإزالة البول أو الغائط، لأنّ غسالة الاستنجاء طاهرة بشروط ثلاثة:

الأوّل: عدم تغيّر أحد أوصافه الثلاثة (اللون و الطعم و الريح) بالنجاسة، فلو تغيّر كذلك لم يحكم عليه بطهارته.

الثاني: عدم إصابة نجاسة غير النجاسة التي يستنجى منها للماء، فلو أصابه المنيّ أو الدم لم يحكم عليه بالطهارة.

الثالث: عدم تجاوز النجاسة المستنجى منها المحلّ المقدار المتعارف بأن لا يتعدّى البول مثلا المجرى أزيد من القدر المتعارف، و إلاّ فلا تكون الغسالة طاهرة.

(3)من استنجى الرجل: غسل موضع النجو أو مسحه بالحجر أو المدر (أقرب الموارد).

و المراد من «ماء الاستنجاء» هنا هو الماء الذي يستنجى به من البول و الغائط.

(4)الضمير في قوله «فغسالته» يرجع إلى الاستنجاء.

(5)إشارة إلى عدم الفرق بين غسالة الاستنجاء من البول و الغائط.

(6)هذا هو الشرط الأوّل من الشرائط المذكورة في الهامش 2 من هذه الصفحة.

(7)بصيغة المعلوم، و فاعله هو الضمير العائد إلى الغسالة المنفصلة.

(8)المراد من «الحدث» هو الخبث أعني البول و الغائط اللذين يستنجى منهما.

ص: 184

المستنجى منه أو محلّه (1).

الرابعة: المطهّرات العشرة

اشارة

(الرابعة (2): المطهّرات (3) عشرة:)

القول في أسمائها

(الماء) و هو مطهّر (مطلقا (4)) من سائر (5) النجاسات التي تقبل التطهير.

**********

شرح:

(1)بالجرّ، عطف على مدخول «عن» الجارّة، و هذه الفقرة إشارة إلى ثالث شروط طهارة ماء الاستنجاء. و معنى العبارة هو هكذا: ما لم تصب الغسالة نجاسة خارجة عن محلّ الحدث.

الرابعة: المطهّرات العشرة (2)أي المسألة الرابعة من المسائل التي قال عنها في الصفحة 143 «مسائل».

(3)بصيغة اسم الفاعل مبتدأ، و خبره قوله «عشرة».

(4)إشارة إلى عدم الفرق بين النجاسات، فإنّها تطهّر بالماء منفردا أو مع ضمّ مسح التراب إليه كما هو الحال في ولوغ الكلب، فالماء مطهّر مطلقا إمّا بنفسه خاصّة أو مع ضمّ غيره إليه حسب ما يقتضيه تطهير النجاسة نعم، بعض النجاسات لا يقبل التطهير بالماء مثل الكافر، فإنّ طهارته إنّما هي بالشهادتين، و كذا الكلب و الخنزير، فإنّهما لا يطهّران إلاّ بالاستحالة لا بالماء.

(5)هذا تفسير لقوله «مطلقا»، و لفظ «سائر» هنا بمعنى الجميع. يعني أنّ الماء مطهّر لما يتنجّس بإصابة جميع النجاسات، فالماء إمّا علّة تامّة للتطهير أو جزء علّته، كما في إناء تنجّس بولوغ الكلب، فإنّه يطهّر بالتعفير و الماء كما تقدّم.

هذا و لكنّ الشارح رحمه اللّه صرّح في كتاب الحجر بأنّ استعمال لفظ «سائر» في معنى الجميع من الأغلاط، و عبارته هناك هكذا: و إن كان قد ضعّف إطلاقه عليه بعض أهل العربيّة حتّى عدّه في «درّة الغوّاص» من أوهام الخواصّ، و جعله مختصّا بالباقي أخذا له من السؤر، و هو البقيّة... إلخ.

ص: 185

(و الأرض (1) تطهّر باطن النعل (2))، و هو أسفله الملاصق (3) للأرض، (و أسفل (4) القدم) مع زوال (5) عين النجاسة عنهما (6) بها بمشي و دلك (7) و غيرهما (8).

و الحجر و الرمل من أصناف الأرض (9).

و لو لم يكن للنجاسة جرم و لا رطوبة (10) كفى مسمّى الإمساس.

**********

شرح:

*قال ابن الأثير ذيل مادّة «سأر»: السائر مهموز: الباقي، و الناس يستعملونه في معنى الجمع و ليس بصحيح، و قد تكرّرت هذه اللفظة في الحديث و كلّها بمعنى باقي الشيء (النهاية في غريب الحديث و الأثر ج 2 ص 372).

(1)الثاني من المطهّرات هو الأرض، فإنّها ليست بمطهّرة لمطلق الأشياء، بل إنّما تطهّر باطن النعل و أسفل القدم.

(2)النعل: الحذاء، و هو ما وقيت به القدم من الأرض (أقرب الموارد).

(3)فلا تطهّر الأرض المواضع غير الملاصقة للأرض و كذا أطرافها التي لا تلاصقها.

(4)بالنصب، مفعول آخر لقوله «تطهّر». يعني أنّ الأرض تطهّر باطن القدم أيضا.

(5)أي بشرط زوال عين النجاسة عن أسفل القدم و باطن النعل بأن يمشي على الأرض فتزول عين النجاسة عنهما أو يدلكهما بها فتزول.

(6)الضمير في قوله «عنهما» يرجع إلى أسفل القدم و باطن النعل، و في قوله «بها» يرجع إلى الأرض.

(7)مصدر من دلك الشيء بيده دلكا: مرسه و غمزه و فركه و دعكه (أقرب الموارد).

(8)بأن يضرب باطن النعل أو أسفل القدم إلى الأرض فتزول النجاسة.

(9)فإنّهما يعدّان من الأرض فيطهّران موضع النجاسة.

(10)مثل البول و الماء المتنجّس بعد جفافهما، فلو تنجّس باطن النعل أو أسفل القدم بهما

ص: 186

و لا فرق في الأرض بين الجافّة و الرطبة ما لم تخرج عن اسم الأرض (1).

و هل يشترط طهارتها؟ و جهان (2)، و إطلاق النصّ و الفتوى يقتضي عدمه (3).

و المراد بالنعل ما يجعل أسفل الرجل للمشي وقاية من الأرض و نحوها (4) و لو من خشب.

**********

شرح:

و قد جفّا بعد كفى في تطهيرهما إمساسهما الأرض و زوالهما بذلك بلا احتياج إلى المشي و الدلك.

(1)و لا تصدق الأرض على الطين الرقيق مثلا.

(2)وجه اشتراط الطهارة هو أنّ فاقد الطهارة كيف يكون مطهّرا، و وجه عدم اشتراطها هو إطلاق الروايات الدالّة على كون الأرض مطهّرة.

و من الروايات المطلقة ما نقل في كتاب الوسائل:

محمّد بن إدريس (في آخر السرائر) نقلا من نوادر أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن المفضّل بن عمر عن محمّد الحلبيّ عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: قلت له: إنّ طريقي إلى المسجد في زقاق يبال فيه، فربّما مررت فيه و ليس عليّ حذاء، فيلصق برجلي نداوته، فقال: أ ليس تمشي بعد ذلك في أرض يابسة؟ قلت: بلى، قال: فلا بأس، إنّ الأرض تطهّر بعضها بعضا، قلت: فأطأ على الروث الرطب، قال: لا بأس، أنا و اللّه ربّما وطئت عليه ثمّ اصلّي و لا أغسله (الوسائل: ج 2 ص 1048 ب 32 من أبواب النجاسات من كتاب الطهارة ح 9).

(3)الضمير في قوله «عدمه» يرجع إلى اشتراط الطهارة.

(4)أي وقاية من مثل الأرض. يعني أنّ النعل تشمل كلّ ما يجعله الإنسان رجله فيه ليحفظها من إصابتها الأرض و أمثال الأرض، سواء كانت من الجلود أو الخشب أو غيرها.

ص: 187

و خشبة الأقطع (1) كالنعل.

(و التراب في الولوغ (2))، فإنّه جزء علّة للتطهير، فهو مطهّر في الجملة (3).

(و الجسم الطاهر) غير اللزج (4) و لا الصيقل (5)(في غير المتعدّي (6)) من الغائط.

**********

شرح:

(1)المراد من «الأقطع» هو الإنسان الذي قطعت إحدى رجليه أو كلتاهما فيتّخذ الخشب و نحوه بدلا منه أو منهما فيمشي به، و حكم الخشب المجعول رجلا هو حكم النعل، فتطهّره الأرض.

(2)الثالث من المطهّرات هو التراب المستعمل في تطهير الإناء الذي ولغ فيه الكلب، فإنّه يكون جزء للمطهّر، و الجزء الآخر هو الماء.

(3)يعني أنّ التراب يطلق عليه المطهّر إجمالا.

(4)من لزج الشيء لزجا و لزوجا: تمطّط و تمدّد و لم ينقطع و كان به ودك يعلق باليد و نحوها، و الاسم اللزوجة فهو لزج (أقرب الموارد).

(5)الصيقل ج صياقل و صياقلة: مبالغة صاقل (المنجد).

و المراد من «الصيقل» هو الشيء الذي يكون ذا جلاء بحيث لا يؤثّر في إزالة النجاسة.

فالرابع من المطهّرات هو الجسم المزيل للغائط عن المحلّ بشروط ثلاثة:

الأوّل: كونه طاهرا.

الثاني: كونه غير لزج.

الثالث: كونه غير صقيل.

(6)فلو تعدّى الغائط محلّه المعتاد لم يطهّره الجسم المذكور من الحجر و الخشب و الخرقة و القرطاس.

ص: 188

(و الشمس (1) ما جفّفته) بإشراقها (2) عليه و زالت عين النجاسة عنه (من الحصر (3) و البواري (4)) من المنقول،(و ما لا ينقل) عادة مطلقا (5) من الأرض و أجزائها (6) و النبات (7) و الأخشاب (8) و الأبواب المثبتة (9) و

**********

شرح:

(1)الخامس من المطهّرات هو الشمس، و هي مطهّرة بشرطين:

الأوّل: تجفيفها ما تطلع عليه بإشراقها، فلو جفّ بسبب غير إشراق الشمس كالريح و الهواء أو بحرارة الشمس بلا إشراق منها لم يطهّر.

الثاني: زوال عين النجاسة، فلو بقي الغائط و الدم و غيرهما لم يطهّر بإشراق الشمس، نعم مثل البول و الماء المتنجّس يطهّران إذا جفّا بإشراق الشمس عليهما.

(2)الضمير في قوله «بإشراقها» يرجع إلى الشمس، و في قوله «عليه» يرجع إلى «ما» الموصولة.

(3)الحصر جمع، مفرده الحصير: البساط الصغيرة من النبات و كلّ ما نسج (المنجد).

(4)البواري جمع، مفرده البورياء و البوريّ و البوريّة: الحصير المنسوج من القصب (أقرب الموارد).

(5)أي بلا فرق بين أن يكون غير المنقول عادة قابلا للنقل و لو بالمشقّة أو يستحيل نقله مثل الأرض و المساكن.

و الحاصل أنّ الشمس مطهّرة لمثل الحصر و البواري من المنقولات لا لجميع المنقولات، كما أنّها تطهّر غير المنقولات عادة و إن أمكن نقلها بالمشقّة أو بلا مشقّة مثل صغار الأحجار و التراب من أجزاء الأرض.

(6)مثل الأحجار المتّصلة بالأرض و إن أمكن قلعها.

(7)بالجرّ، عطف على مدخول «من» الجارّة في قوله «من الأرض»، و هذا و ما عطف هو عليه و ما عطف عليه بيان لما لا ينقل.

(8)جمع الخشب: ما غلظ من العيدان (المنجد).

(9)بصيغة اسم المفعول، و هي الأبواب التي اثبتت لا ما لم تثبت.

ص: 189

الأوتاد (1) الداخلة (2) و الأشجار و الفواكه الباقية عليها (3) و إن حان أوان قطافها (4).

و لا يكفي تجفيف الحرارة، لأنّها (5) لا تسمّى شمسا، و لا الهواء المنفرد بطريق أولى (6).

نعم لا يضرّ انضمامه إليها (7).

و يكفي في طهر الباطن الإشراق على الظاهر مع جفاف الجميع (8)،

**********

شرح:

(1)جمع، مفرده الوتد و الوتد كسعد و كتف: ما رزّ في الأرض أو الحائط من خشب (أقرب الموارد).

(2)صفة للأوتاد. يعني و من أمثلة ما لا ينقل الأوتاد التي تثبت في الباب و الجدار، فالأوتاد غير المثبتة لا تطهّر بالشمس.

(3)يعني أنّ الفواكه الباقية على الأشجار تطهّر بإشراق الشمس عليها لا ما اقتطف منها.

(4)القطاف و القطاف: أوان قطف الثمر، يقال: «حان القطاف» أي حضر وقته من قطف الثمر قطفا: جناه و جمعه (أقرب الموارد).

(5)يعني أنّ حرارة الشمس لا تسمّى بالشمس نفسها.

(6)يعني فلا يكفي تجفيف الهواء بطريق أولى، لكون الحرارة أقرب إلى الشمس من الهواء و هي مع ذلك لا تكفي.

(7)الضمير في قوله «انضمامه» يرجع إلى الهواء، و في قوله «إليها» يرجع إلى الشمس.

يعني أنّ الهواء إذا انضمّ إلى حرارة الشمس و كانا سببين للتجفيف لم يمنع من التطهير.

(8)بأن يجفّ الظاهر و الباطن معا بإشراق الشمس على الظاهر، مثلا إذا تنجّست الأرض و أشرقت الشمس على ظاهرها طهر باطنها أيضا بشرط جفافه.

ص: 190

بخلاف المتعدّد المتلاصق إذا أشرقت على بعضه (1).

(و النار (2) ما أحالته رمادا (3) أو دخانا) لا خزفا و آجرّا (4) في أصحّ القولين.

و عليه (5) المصنّف في غير البيان، و فيه (6) قوّى قول الشيخ بالطهارة

**********

شرح:

(1)فإذا التصقت الحصر بعضها ببعض و تنجّست و أشرقت الشمس على الحصير الواقع فوقا لم يطهّر الحصير الواقع تحتا.

(2)و من المطهّرات النار، فإنّها تطهّر ما تحوّله إلى الرماد أو الدخان أو البخار ما لم يتقطّر، و إلاّ يجب الاحتياط من القطرات.

و لا يخفى أنّ هذا من أقسام الاستحالة التي سيعدّها المصنّف رحمه اللّه من أقسام المطهّرات، و ليست النار مطهّرة برأسها غير الاستحالة، و إلاّ كان عدد المطهّرات أحد عشر و الحال أنّ المصنّف قال في الصفحة 185 في أوّل هذه المسألة «المطهّرات عشرة».

و لعلّ وجه ذكر النار منفردة هو الإشارة إلى الاختلاف الواقع بين الفقهاء في خصوص الخزف و الآجرّ.

(3)الرماد: ما يبقى من الموادّ المحترقة بعد احتراقها ج أرمدة (أقرب الموارد).

(4)الآجرّ و الآجور: الذي يبنى به، معرّب (أقرب الموارد).

(5)يعني أنّ المصنّف رحمه اللّه ذهب في كتبه غير البيان إلى عدم تطهير النار ما تحوّله إلى الخزف أو الآجرّ.

(6)الضمير في قوله «فيه» يرجع إلى كتاب البيان، فإنّ المصنّف رحمه اللّه قال فيه بكون القول بطهارة الخزف و الآجرّ - كما هو قول الشيخ الطوسيّ رحمه اللّه - قويّا.

* من حواشي الكتاب: اختار في المعالم طهارته بصيرورته خزفا أو آجرّا، و كذا في المدارك، بناء على أنّ ما كان نجسا قد زال عنه الاسم، و الاستصحاب هنا غير معتبر (حاشية الشيخ عليّ رحمه اللّه).

ص: 191

فيهما (1).

(و نقص البئر (2)) بنزح المقدّر منه، و كما يطهّر البئر بذلك فكذا حافّاته (3) و آلات النزح و المباشر و ما يصحبه (4) حالته.

(و ذهاب ثلثي العصير (5)) مطهّر للثلث الآخر على القول بنجاسته (6)، و الآلات و المزاول (7).

(و الاستحالة (8)) كالميتة و العذرة تصير ترابا و دودا (9)، و النطفة و العلقة (10) تصير حيوانا...

**********

شرح:

(1)الضمير في قوله «فيهما» يرجع إلى الخزف و الآجرّ.

(2)السادس من المطهّرات هو نقصان ماء البئر بنزح المقدّر، و تقدّم تفصيل البحث عنه.

(3)الحافّات جمع الحافّة، و هي الأطراف و ما حولها.

(4)أي و يطهّر ما يصحبه المباشر للنزح في حال النزح. و الضمير في قوله «حالته» يرجع إلى النزح.

(5)و هذا هو السابع من المطهّرات العشرة.

(6)و الضمير في قوله «بنجاسته» يرجع إلى العصير. يعني بناء على القول بنجاسة العصير بالغليان، و القول الآخر هو عدم نجاسته بذلك و أنّه إنّما يحرم شربه.

(7)و هو المباشر لتطهير العصير. يعني يطهّر العصير بذهاب ثلثيه، و كذا تطهّر الآلات التي استعملت في عمليّة التطهير، و أيضا يطهّر الذي يباشر التطهير و آلاته.

(8)الثامن من المطهّرات هو الاستحالة، و هي تحوّل حقيقة الشيء إلى حقيقة اخرى مثل استحالة الخشب إلى الرماد و استحالة النجاسات إلى الملح و هكذا.

(9)الدودة - بالضمّ -: دويبّة صغيرة مستطيلة كدود القزّ ج دود و ديدان (أقرب الموارد).

(10)العلقة: القطعة من العلق للدم، و - ماء الرجل ينتقل بعد طوره فيصير دما غليظا

ص: 192

غير الثلاثة (1)، و الماء النجس بولا لحيوان مأكول و لبنا و نحو ذلك.

(و انقلاب الخمر (2) خلاّ).

و كذا العصير بعد غليانه و اشتداده.

(و الإسلام (3)) مطهّر لبدن المسلم من نجاسة الكفر (4) و ما يتّصل به (5) من شعر و نحوه لا لغيره (6) كثيابه.

**********

شرح:

منجمدا، ثمّ ينتقل طورا آخر فيصير لحما و هو المضغة (أقرب الموارد).

أقول: لا يخفى ما في تمثيله بالنطفة و العلقة، لأنّهما ما كانتا في الباطن لا تكونان نجستين، اللّهم إلاّ أن يحمل كلامه على خروجهما تقديرا و حسب الفرض.

(1)يعني بخلاف كون النطفة و العلقة المنقلبتين إلى الكلب و الكافر و الخنزير.

(2)التاسع من المطهّرات هو الانقلاب، و هو صيرورة الشيء من حالة إلى حالة اخرى بلا تغيّر في حقيقته.

و الفرق بين الانقلاب و بين الاستحالة هو عدم تغيّر الحقيقة في الانقلاب بخلاف الاستحالة.

(3)العاشر من المطهّرات هو الإسلام. يعني أنّ الإنسان الكافر إذا أسلم أي أقرّ بالشهادتين طهر بدنه مطلقا بلا فرق بين أجزائه التي حلّت فيها الحياة أم لا مثل الظفر و الشعر.

(4)هذا القيد إنّما هو لإخراج النجاسات العارضة للكافر مثل البول و الغائط و المنيّ و الدم و غيرها حتّى ثوبه الملاقي بدنه مرطوبا حال الكفر الواجب تطهيره بعد الإسلام.

(5)الضمير في قوله «به» يرجع إلى البدن، و في قوله «نحوه» يرجع إلى الشعر.

و المراد من نحو الشعر هو ظفر الكافر.

(6)أي لا يطهّر غير بدن الكافر مثل ثوبه إذا كان نجسا و لو بملاقاته بدنه مرطوبا.

ص: 193

(و تطهر (1) العين و الأنف و الفم باطنها (2) و كلّ باطن) كالأذن (3) و الفرج (بزوال العين)، و لا يطهّر بذلك (4) ما فيه من الأجسام (5) الخارجة عنه، كالطعام و الكحل (6)، أمّا الرطوبة الحادثة فيه كالريق (7) و الدمع فبحكمه (8).

و طهر (9) ما يتخلّف في الفم من بقايا الطعام و نحوه بالمضمضة (10)

**********

شرح:

(1)يعني تحصل طهارة باطن البدن و ما يقرب منه إذا تنجّس بزوال عين النجاسة عنها.

(2)الضمير في قوله «باطنها» يرجع إلى ما ذكر من العين و الأنف و الفم، و هو بدل من هذه الأعضاء الثلاثة المذكورة.

(3)أي باطن الاذن و الفرج لا ظاهرهما.

(4)قوله «ما» بالرفع محلاّ، فاعل لقوله «لا يطهّر»، و المشار إليه في قوله «بذلك» هو زوال العين، و الضميران في قوليه «فيه» و «عنه» يرجعان إلى ما ذكر من الأعضاء و الجوارح.

(5)بيان ل «ما» الموصولة في قوله «ما فيه». يعني لا تطهّر الأجسام الموجودة في باطن ما ذكر من الأعضاء إذا تنجّس بزوال العين عن الأعضاء.

(6)الكحل: الإثمد، و - كل ما وضع في العين يشفى به (أقرب الموارد).

فالجسم الموجود في باطن العين إذا تنجّس لا يطهّر بزوال النجاسة عنها.

(7)الريق - بالكسر -: الرضاب، و - ماء الفم ج أرياق (أقرب الموارد).

(8)الضمير في قوله «فبحكمه» يرجع إلى الباطن. يعني أنّ الماء الحاصل في باطن الفم و العين فهو بحكم الباطن، فيطهّر بزوال عين النجاسة عنه.

(9)بالرفع مبتدأ، و خبره قوله «بالمضمضة». يعني أنّ بقايا الطعام في الفم إذا كانت نجسة تطهّر بالمضمضة مرّتين.

(10)مصدر من مضمض الماء في فمه مضمضة و مضماضا و مضماضا: حرّكه بالإدارة فيه (أقرب الموارد).

ص: 194

مرّتين على ما (1) اختاره المصنّف من العدد، و مرّة (2) في غير نجاسة البول على ما اخترناه.

أقسام ما تحصل به الطهارة

(ثمّ الطهارة) على ما علم من تعريفها (3)(اسم للوضوء و الغسل و التيمّم) الرافع (4) للحدث أو المبيح للصلاة على المشهور، أو مطلقا (5) على

**********

شرح:

(1)قيد لقوله «مرّتين». يعني تجب المضمضة مرّتين، بناء على اعتبار التعدّد في جميع النجاسات، كما اختاره المصنّف رحمه اللّه.

(2)يعني تجب المضمضة مرّة واحدة في غير البول، و فيه مرّتين، كما اخترناه سابقا.

أقسام ما تحصل به الطهارة (3)و قد عرّف المصنّف رحمه اللّه الطهارة في أوّل الكتاب بقوله «الطهارة استعمال طهور مشروط بالنيّة»، و التعريف هذا يشمل الوضوء و الغسل و التيمّم.

(4)قوله «الرافع» و كذا «المبيح للصلاة» كلاهما صفتان لكلّ واحد من الغسل و الوضوء و التيمّم.

(5)أي بلا فرق بين كون الثلاثة المذكورة رافعة للحدث أو مبيحة للصلاة.

إيضاح: إنّ الطهارات الثلاث إمّا رافعة للحدث مثل الغسل بعد الحدث الأكبر و الوضوء بعد الحدث الأصغر و التيمّم بدلا منهما إذا تعذّرا.

و إمّا مبيحة للصلاة خاصّة من دون رفع الحدث مثل الغسل و الوضوء و التيمّم بدلا منهما للمرأة المستحاضة التي تريد إقامة الصلاة، فإنّها تبيح الصلاة خاصّة و لا ترفع الحدث و مثل التيمّم عند ضيق الوقت للصلاة.

و الحاصل أنّ كلّ ما يكون رافعا للحدث من الطهارات الثلاث يكون مبيحا للصلاة بخلاف العكس، لأنّ ما يبيح الصلاة قد لا يرفع به الحدث، فالنسبة بينهما هي العموم و الخصوص المطلقان.

ص: 195

ظاهر (1) التقسيم.

**********

شرح:

(1)يعني أنّ الطهارة اسم للغسل و الوضوء و التيمّم بلا فرق بين كونها رافعة أو مبيحة بناء على ظاهر تقسيم المصنّف رحمه اللّه في قوله «ثمّ الطهارة اسم للوضوء... إلخ»، فإنّ هذه العبارة تلوح إلى شمول المقسم - و هو الطهارة - للأقسام الثلاثة المذكورة من دون مدخليّة الرافعيّة أو المبيحيّة.

ص: 196

فهنا فصول ثلاثة:

الفصل الأوّل في الوضوء

(الأوّل (1) في الوضوء)
الوضوء لغة

بضمّ الواو اسم للمصدر (2)، فإنّ مصدره التوضّؤ على وزن التعلّم، و أمّا الوضوء بالفتح فهو الماء الذي يتوضّأ به.

و أصله (3) من الوضاءة،...

**********

شرح:

الوضوء الوضوء لغة (1)صفة للموصوف المقدّر و هو الفصل.

الوضوء - بضمّ الواو - اسم مصدر من وضؤ الشيء يوضؤ وضوء و وضاءة: صار حسنا نظيفا.

الوضوء - بالفتح -: الماء يتوضّأ به، و بالضمّ الفعل، و أنكر أبو عبيد الضمّ و قال:

المفتوح اسم يقوم مقام المصدر كالقبول يكون اسما و مصدرا، و في التعريفات:

الوضوء من الوضاءة و هو الحسن (أقرب الموارد).

(2)و المراد من «اسم المصدر» هو الحاصل من فعل المصدر أعني التوضّؤ، فإنّه عبارة عن الغسلتين و المسحتين و الحاصل منها حالة الطهارة، و هي هنا الوضوء بالضمّ.

(3)يعني أنّ الوضوء في اللغة بمعنى النظافة و النضارة.

ص: 197

و هي النظافة (1) و النضارة (2) من ظلمة الذنوب.

موجبات الوضوء

(و موجبه (3) البول و الغائط و الريح) من الموضع المعتاد أو من غيره مع انسداده (4).

**********

شرح:

(1)من نظف الشيء نظافة: نقي من الوسخ و الدنس و حسن و بهؤ (أقرب الموارد).

(2)من نضر الشجر و الوجه و اللون و كلّ شيء نضرة و نضورا و نضرا و نضارة: نعم و حسن (أقرب الموارد).

و لا يخفى أنّ قوله «من ظلمة الذنوب» قيد لقوله «النضارة»، و الإتيان بهذا القيد إنّما هو لكون المراد من النظافة هو النقاء من الأدناس الظاهريّة و الحال أنّ النضارة هي النقاء من أدناس المعاصي.

موجبات الوضوء (3)يعني أنّ الناقض للوضوء أو السبب له ستّة امور:

الأوّل: البول.

الثاني: الغائط.

الثالث: الريح.

الرابع: النوم الغالب على السمع و البصر.

الخامس: ما يزيل العقل من الجنون و السكر و الإغماء.

السادس: الاستحاضة بأقسامها.

و سيأتي إن شاء اللّه تعالى تفصيل البحث عن كلّ واحد ممّا ذكر.

(4)فلو انسدّ المخرج الطبيعيّ و خرجت الثلاثة المذكورة من موضع آخر أوجبت الوضوء أيضا.

ص: 198

و إطلاق الموجب (1) على هذه الأسباب باعتبار إيجابها الوضوء عند

**********

شرح:

(1)بصيغة اسم الفاعل.

إيضاح: من المهمّ ملاحظة ما بين الموجب و الناقض و السبب من النسب الأربع.

أمّا النسبة بين السبب و بين الموجب و الناقض كليهما فهي العموم و الخصوص المطلقان، لأنّ كلّ ما يصدق عليه الناقض و الموجب يصدق عليه السبب أيضا مثل الحدث العارض للمتطهّر عند حلول الفريضة، فإنّه ناقض لبطلان الطهارة الموجودة به، و أيضا موجب لوجوب التطهّر المشروط في الصلاة به، و أيضا سبب، لأنّ الحدث الحاصل إن كان أصغر كان سببا للوضوء أو التيمّم بدلا، و إن كان أكبر كان سببا للغسل أو التيمّم كذلك.

أمّا وجود السبب بدونهما - بمعنى صدق عنوان السبب خاصّة - فهو مثل ما إذا حصل الحدث خارج الوقت مع عدم كون المحدث متطهّرا، فإنّ الحدث هنا سبب شرعيّ و ليس موجبا للوضوء، لعدم وجوب الفريضة قبل الوقت، و أيضا ليس ناقضا، لعدم نقضه طهارة.

و أمّا النسبة بين الموجب و الناقض فهي العموم و الخصوص من وجه.

مادّة الاجتماع ما إذا حصل الحدث في وقت الفريضة و المحدث متوضّئ فيصدق إذا على الحدث أنّه ناقض، لبطلان الوضوء به كما أنّه يصدق عليه أنّه موجب، لوجوب الوضوء بعده للفريضة.

مادّة افتراق الناقض ما إذا حصل الحدث قبل حضور وقت الفريضة و المحدث متوضّئ، فإنّ الحدث يبطل به الوضوء مع أنّ الطهارة لا تجب، فإنّ الوضوء واجب شرطيّ للفريضة و لم يدخل وقت الفريضة - في الفرض - بعد.

مادّة افتراق الموجب ما إذا حصل الحدث بعد دخول وقت الفريضة و المحدث غير متوضّئ، فهذا الحدث لا يصدق عليه اسم الناقض، لعدم نقضه وضوء، لكن يصدق عليه اسم الموجب، لأنّ كلّ حدث حصل في وقت الفريضة يكون موجبا للوضوء.

ص: 199

التكليف بما هو (1) شرط فيه، كما يطلق عليها (2) الناقض باعتبار عروضها للمتطهّر، و السبب أعمّ منهما (3) مطلقا، كما أنّ بينهما (4) عموما من وجه، فكان التعبير بالسبب أولى (5).

(و النوم (6) الغالب) غلبة مستهلكة (7)(على السمع و البصر)، بل على مطلق الإحساس (8)، و لكنّ الغلبة على السمع تقتضي الغلبة على

**********

شرح:

(1)ضمير «هو» يرجع إلى الوضوء، و الضمير في قوله «فيه» يرجع إلى «ما» الموصولة. يعني أنّ الأسباب المذكورة توجب الوضوء عند التكليف بما يكون الوضوء شرطا فيه.

(2)يعني يعبّر عن الأسباب المذكورة بالناقض إذا عرضت لمن يكون متطهّرا بالوضوء.

(3)الضمير في قوله «منهما» يرجع إلى الناقض و الموجب. يعني أنّ السبب أعمّ منهما بنحو العموم و الخصوص المطلقين، كما أوضحناه في الهامش 1 من ص 199.

(4)بمعنى كون النسبة بين الناقض و الموجب هي العموم و الخصوص من وجه، كما أوضحناه أيضا في الهامش 1 من ص 199.

(5)دليل الأولويّة هو شمول لفظ السبب للموجب و الناقض كليهما، و كأنّ هذا تعريض بالمصنّف رحمه اللّه حيث عبّر بالموجب و قال «و موجبه البول و... إلخ».

(6)الرابع من موجبات الوضوء هو النوم الذي يغلب على الإنسان بحيث يوجب تعطيل حواسّ البدن من الباصرة و السامعة و الشامّة و غيرها، و تخصيص المصنّف إيّاه بالسمع و البصر إنّما هو لاقتضاء الغلبة على السمع و البصر للغلبة على سائر الحواسّ.

(7)بصيغة اسم الفاعل من استهلكه: أهلكه (أقرب الموارد).

(8)أي أسباب الإحساس من قوى اللامسة و الشامّة و غيرهما.

ص: 200

سائرها (1)، فلذا خصّه، أمّا البصر فهو أضعف (2) من كثير منها، فلا وجه لتخصيصه (3).

(و مزيل (4) العقل) من جنون و سكر و إغماء.

(و الاستحاضة) على وجه يأتي تفصيله (5).

**********

شرح:

(1)الضمير في قوله «سائرها» يرجع إلى الحواسّ المفهوم بالقرينة.

و الحاصل أنّ تخصيص المصنّف رحمه اللّه السمع و البصر من بين الحواسّ بالذكر إنّما هو لاستلزام استهلاكهما استهلاك سائر الحواسّ.

(2)و لعلّ الأضعفيّة إنّما هي باعتبار غلبة النوم على البصر قبل غلبته على سائر الحواسّ.

و الضمير في قوله «منها» يرجع إلى الحواسّ المفهوم بالقرينة.

(3)يعني فلا وجه لتخصيص المصنّف رحمه اللّه البصر بالذكر دون الامور الثلاثة الباقية من الحواسّ.

(4)الخامس من موجبات الوضوء هو ما يوجب زوال العقل مثل الجنون، فإذا عرض للمتوضّئ الجنون أو السكر أو الإغماء بطل وضوؤه كما هو شأن سائر الأحداث المبطلة للوضوء.

(5)فإنّ الاستحاضة - إجمالا - على أقسام ثلاثة:

الأوّل: القليلة، و هي لا توجب الوضوء لكلّ واحدة من الصلوات الخمس.

الثاني: المتوسّطة، و هي توجب غسلا واحدا لصلاة الصبح و الوضوء لكلّ صلاة.

الثالث: الكثيرة، و هي توجب الأغسال الثلاثة للصبح و الظهرين و العشاءين و الوضوء لكلّ واحدة من الصلوات الخمس أيضا.

ص: 201

واجبات الوضوء
القول في النيّة

(و واجبه (1)) أي واجب الوضوء (النيّة (2))، و هي القصد إلى فعله.

(مقارنة لغسل (3) الوجه) المعتبر شرعا، و هو أوّل جزء من أعلاه، لأنّ (4) ما دونه (5) لا يسمّى غسلا شرعا، و لأنّ المقارنة تعتبر لأوّل أفعال الوضوء، و الابتداء بغير الأعلى (6) لا يعدّ فعلا.

(و مشتملة (7) على) قصد (الوجوب) إن كان واجبا بأن كان في وقت

**********

شرح:

واجبات الوضوء القول في النيّة (1)يعني أنّ من واجبات الوضوء النيّة، لأنّ الوضوء من العبادات، فلا يصحّ إلاّ مع النيّة المشتملة على التقرّب.

(2)من نوى الشيء ينويه نواة و نيّة و نية (واويّ العين، يائيّ اللام): قصده و عزم عليه (أقرب الموارد).

(3)بفتح الغين. يعني تجب النيّة للوضوء عند الشروع في غسل الوجه من أوّل جزء منه و هو أعلاه.

(4)هذا تعليل لوجوب النيّة عند غسل أعلى الوجه الذي يجب الشروع منه، و على هذا التعليل لا تكفي النيّة عند غسل غير أوّل الوجه مثل ما إذا شرع المتوضّئ في الغسل من وسط الوجه، لأنّ الغسل هكذا ليس بغسل شرعيّ.

(5)قوله «دونه» بمعنى غيره، و الضمير فيه يرجع إلى أوّل جزء من أعلى الوجه.

(6)فغسل منتهى الوجه أو وسطه من دون الشروع فيه من أعلاه لا يعدّ غسلا شرعيّا، فلا تكفي النيّة عند غسل غير أوّل جزء من أعلى الوجه.

(7)هذا الشرط هو ثاني شروط صحّة النيّة، فإنّها يجب كونها مشتملة على قصد الوجوب أو الندب إذا لم يكن الوضوء واجبا.

ص: 202

عبادة واجبة مشروطة به، و إلاّ نوى (1) الندب، و لم يذكره (2)، لأنّه خارج عن الفرض.

(و التقرّب (3)) به إلى اللّه تعالى بأن يقصد فعله للّه امتثالا لأمره (4)، أو موافقة لطاعته، أو طلبا للرفعة (5) عنده بواسطته تشبيها بالقرب المكانيّ، أو مجرّدا عن ذلك (6)، فإنّه تعالى غاية كلّ مقصد.

**********

شرح:

(1)فإنّ التوضّؤ في غير وقت الوجوب لا يصحّ إلاّ بنيّة الاستحباب.

(2)يعني أنّ عدم ذكر المصنّف رحمه اللّه اشتمال النيّة على الندب إنّما هو لكون الغرض الأصليّ هنا هو بيان الواجب من الوضوء.

(3)بالجرّ، عطف على مدخول «على» الجارّة في قوله «مشتملة على الوجوب»، فلو توضّأ من دون قصد التقرّب به إلى اللّه تعالى حكم عليه بالبطلان.

(4)الضمائر في أقواله «لأمره» و «لطاعته» و «عنده» ترجع إلى اللّه تعالى.

(5)بأن يقصد فعله للّه تعالى و هو يطلب الرفعة عنده من حيث الدرجة و الفضيلة.

الرفعة: ارتفاع القدر و المنزلة (أقرب الموارد).

(6)المشار إليه في قوله «ذلك» هو ما ذكر من التفاسير الثلاثة المذكورة للتقرّب في قوله «امتثالا لأمره، أو موافقة لطاعته، أو طلبا للرفعة». يعني يجوز الاكتفاء بقصد الفعل للّه تعالى، لأنّه الغاية و النهاية لكلّ شيء، إنّا للّه و إنّا إليه راجعون.

اعلم أنّ الشارح رحمه اللّه فسّر التقرّب بمعان أربعة:

الأوّل: قصد الامتثال لأمر اللّه تعالى بالوضوء، فإنّه أمر بالوضوء فيجب الامتثال.

الثاني: قصد موافقة الطاعة و طلب رضى اللّه تعالى، و لا يخفى زيادة هذا عن الأوّل من حيث الدرجة و الرتبة، لأنّ المقصود في الأوّل هو الامتثال لأمر الوضوء و في الثاني هو الموافقة لطاعته و لو لم يؤمر بخصوص الوضوء.

ص: 203

(و الاستباحة (1))...

**********

شرح:

الثالث: قصد العلوّ و الرفعة عند اللّه تعالى من حيث الثواب و الأجر المرتّبين على الوضوء، فإنّ القرب و البعد المكانيّين لا يتصوّران في حقّه تعالى، لأنّه فوق كلّ شيء، فلا بدّ من حمل القرب من اللّه تعالى و الرفعة عنده على قصد الرفعة و التقرّب من حيث المنزلة و حصول الثواب.

الرابع: قصد الإتيان بالوضوء للّه تعالى شوقا و رغبة إليه بلا قصد حصول أيّ شيء منه تعالى، فيزيد ذلك درجات على التفاسير الثلاثة المذكورة، و هذا مضمون ما قاله أمير المؤمنين عليه السّلام في بعض قصار حكمه: «إنّ قوما عبدوا اللّه رغبة فتلك عبادة التجّار، و إنّ قوما عبدوا اللّه رهبة فتلك عبادة العبيد، و إنّ قوما عبدوا اللّه شكرا فتلك عبادة الأحرار».

و لا يخفى أنّ قوله «أو مجرّدا عن ذلك» عطف على قوله «امتثالا». يعني أنّ رابع تفاسير التقرّب هو التوضّؤ لذاته تعالى من دون أيّ مطلوب آخر، فإنّه منتهى كلّ ما يقصده الإنسان من الطاعات.

(1)بالجرّ، عطف على مدخول «على» الجارّة في قوله «مشتملة على الوجوب». يعني يجب كون النيّة مشتملة على قصد الاستباحة أيضا، بمعنى قصد كون الوضوء مبيحا للصلاة الواجبة أو المستحبّة و إن لم يكن رافعا للحدث مثل وضوء المستحاضة و المبطون و السلس البول.

إيضاح: يجب في النيّة قصد امور:

الأوّل: قصد الفعل المنويّ، و هو الوضوء بأن يقصد حين الإقدام على الوضوء فعله عند غسل أوّل جزء من الوجه.

الثاني: قصد الوجوب أو الندب، فلو نوى الندب عند الوجوب أو بالعكس بطل الوضوء.

ص: 204

مطلقا (1) أو الرفع حيث يمكن.

و المراد (2) رفع حكم الحدث، و إلاّ فالحدث إذا وقع لا يرتفع.

و لا شبهة (3) في إجزاء النيّة المشتملة على جميع ذلك و إن (4) كان في وجوب ما عدا القربة نظر، لعدم نهوض دليل عليه.

**********

شرح:

الثالث: قصد التقرّب إلى اللّه تعالى بكون فعله امتثالا لأمره أو موافقة لطاعته أو طلبا للرفعة عنده كما أوضحناه.

الرابع: قصد الاستباحة بأن يقصد كون الوضوء مبيحا للصلاة أو رافعا للحدث.

(1)أي سواء كان الوضوء رافعا للحدث أيضا أم لا مثل وضوء المرأة المستحاضة أو السلس البول أو المبطون، فإنّ وضوءهم يبيح الصلاة، لكن لا يمكن رفع الحدث به.

(2)اعلم أنّ الحدث يستعمل في معنيين:

الأوّل: في الأسباب الموجبة للوضوء مثل البول و الغائط و النوم و غيرها ممّا تقدّم، فرفع هذه المذكورات بعد الحدوث لا يتصوّر، لأنّ البول مثلا لا يمكن رفعه بعد الحدوث.

الثاني: في الحالة النفسانيّة التي تحدث للإنسان بعد تحقّق كلّ واحدة من هذه المذكورات، و هي تمنع الدخول في الصلاة و الطواف و ما يشترط فيه الوضوء، فالمراد من كون الوضوء رافعا للحدث إنّما هو بهذا المعنى الثاني لا الأوّل.

و المراد من قول الشارح رحمه اللّه «رفع حكم الحدث» هو رفع الحالة النفسانيّة العارضة للإنسان بعد البول و غيره التي توجب عدم الدخول فيما يشترط فيه الوضوء، و الوضوء يرفع حكم الحالة المذكورة، فيجوز الدخول فيما يشترط ذلك فيه.

(3)يعني لو اجتمعت الامور المذكورة من الوجوب و القربة و الاستباحة في النيّة فلا إشكال في كفايتها، لكن في الاستدلال على وجوب غير التقرّب في النيّة إشكال، لعدم الدليل عليه.

(4)قوله «إن» وصليّة، و الضمير في قوله «عليه» يرجع إلى ما عدا القربة.

ص: 205

أمّا القربة فلا شبهة في اعتبارها في كلّ عبادة (1).

و كذا (2) تمييز العبادة عن غيرها (3) حيث يكون الفعل مشتركا (4) إلاّ أنّه لا اشتراك في الوضوء حتّى في الوجوب و الندب (5)، لأنّه في وقت العبادة الواجبة المشروطة به لا يكون إلاّ واجبا، و بدونه (6) ينفي.

**********

شرح:

(1)فإنّ الامور العباديّة لا تتحقّق إلاّ بقصد التقرّب إلى اللّه تعالى، و الوضوء منها.

(2)المشار إليه في قوله «كذا» هو القربة. يعني و من الامور التي يجب اشتمال النيّة عليها قصد تمييز العبادة المنويّة، مثل قصد صلاة الظهر أو العصر أو غيرهما و مثل قصد الوجوب أو الندب عند الإتيان بالصلاة، فلو لم يميّزها عن غيرها عند النيّة حكم عليها بالبطلان، لكن هذا شرط تجب مراعاته إذا كانت العبادة مشتركة و الحال أنّ الوضوء لا اشتراك فيه، فإنّ وضوء صلاة الظهر مثلا غير الوضوء لغيرها، و هكذا الوضوء في وقت العبادة الواجبة المشروطة به لا يكون إلاّ واجبا، و في غيرها لا يكون إلاّ مندوبا، فلا اشتراك في الوضوء حتّى يلزم قصد التمييز.

(3)الضمير في قوله «غيرها» يرجع إلى العبادة.

(4)مثل فعل الصلاة المشترك بين الصلوات الخمس و غيرها و بين الوجوب و الندب.

(5)لمّا كان عدم الاشتراك في الوضوء بين الأفراد المختلفة في الكمّيّة أو الكيفيّة أو هما معا أمرا ظاهرا بخلاف غيره من العبادات كالصلاة، و إنّما الاشتراك الذي يتوهّم في الوضوء هو اشتراك بين الواجب و الندب جعل ذلك فردا خفيّا، و استدلّ على نفيه بما ذكره (حاشية جمال الدين رحمه اللّه).

(6)لفظ «دون» هنا بمعنى الغير. يعني و في غير وقت العبادة ينتفي الوجوب.

***

ص: 206

القول في الغسلتين

(و جري (1) الماء) بأن (2) ينتقل كلّ جزء من الماء عن محلّه (3) إلى غيره بنفسه أو بمعين (4)(على ما دارت (5) عليه الإبهام) بكسر الهمزة (و الوسطى) من الوجه (عرضا و ما بين القصاص (6)) - مثلّث القاف (7) -، و هو منتهى منبت شعر الرأس (8)(إلى آخر الذقن (9)) - بالذال المعجمة و القاف المفتوحة - منه (10)(طولا) مراعيا في ذلك مستوى الخلقة في

**********

شرح:

القول في الغسلتين (1)بالرفع، عطف على قوله المرفوع «النيّة» في قوله «و واجبه النيّة». يعني أنّ الثاني من الامور الواجبة مراعاتها في الوضوء هو جري الماء... إلخ.

(2)هذا بيان لجري الماء، و المراد منه كون الماء بقدر يجري من محلّ إلى غيره حتّى يصدق عليه الغسل لا المسح، فإنّ الماء لو لم يكن بمقدار يجري إلى غير محلّه أطلق على استعماله المسح.

(3)الضمير في قوله «محلّه» يرجع إلى الماء، و في قوله «غيره» يرجع إلى المحلّ.

(4)المراد من «المعين» هو اليد، بمعنى أن يجري الماء على الوجه من محلّ إلى آخر بإعانة يد المتوضّئ لا بأن يجري هو نفسه.

(5)أي بمقدار يحيط به إصبعا الإبهام و الوسطى، و هذا مناط ما يجب غسله من الوجه عرضا.

(6)قصاص الشعر - بتثليث القاف -: حيث ينتهي نبته من مقدّمه أو مؤخّره (المنجد).

(7)أي بضمّ القاف و فتحها و كسرها.

(8)و المراد منتهى منبت الشعر من مقدّم الرأس لا من مؤخّرها.

(9)الذقن و الذقن: مجتمع اللحيين من أسفلهما (أقرب الموارد).

(10)الضمير في قوله «منه» يرجع إلى الوجه. يعني أنّ ما يجب غسله من الوجه عبارة

ص: 207

الوجه (1) و اليدين.

و يدخل في الحدّ (2) مواضع التحذيف، و هي ما بين منتهى العذار (3) و النزعة (4) المتّصلة بشعر الرأس و العذار (5)...

**********

شرح:

عن قدر يحيط به إصبعا الإبهام و الوسطى من حيث العرض و عن آخر منبت شعر الرأس إلى آخر الذقن من حيث الطول.

(1)فلو كان وجه المتوضّئ أصغر من المتعارف أو كانت يده أطول منه لوحظ في حقّه ما هو المتعارف، فلا يجب عليه غسل الوجه أزيد منه، و كذا لا يكفي غسل الأقلّ من المتعارف.

(2)قد بيّن مقدار ما يجب غسله في الوضوء بالإجمال، و هو ما يحيط به إصبعا الإبهام و الوسطى عرضا و ما بين القصاص إلى آخر الذقن طولا.

و من هنا شرع الشارح رحمه اللّه في بيان ما يدخل في الحدّ المذكور من أجزاء الوجه التي لها أسامي خاصّة، و ذكر ثلاثة أجزاء:

الأوّل: مواضع التحذيف.

الثاني: العذار.

الثالث: العارض.

و فسّر مواضع التحذيف بأنّها عبارة عن الموضع الذي يقع بين آخر العذار و النزعة، و التسمية بالتحذيف إنّما هي لحذف أكثر النساء و المترفين شعر هذا الموضع غالبا.

(3)العذار: جانب اللحية أي الشعر الذي يحاذي الاذن، ما ينبت عليه ذلك الشعر، الخدّ (المنجد).

(4)النزعة ج نزعات: موضع انحسار الشعر من جانبي الجبهة و هما نزعتان (المنجد).

و قوله «المتّصلة بشعر الرأس» صفة للنزعة. يعني أنّ النزعة الواقعة في طرفي الجبهة تتّصل بشعر الرأس.

(5)بالرفع، عطف على قوله «مواضع التحذيف». و هذا هو الثاني ممّا يدخل في الحدّ

ص: 208

و العارض (1) لا النزعتان بالتحريك، و هما البياضان (2) المكتتفان للناصية.

(و تخليل (3) خفيف الشعر)، و هو (4) ما ترى البشرة من خلاله في مجلس التخاطب (5) دون الكثيف (6)، و هو خلافه.

و المراد بتخليله إدخال الماء خلاله لغسل البشرة المستورة به.

أمّا الظاهرة (7) خلاله فلا بدّ من غسلها كما يجب غسل جزء آخر ممّا جاورها (8) من المستورة من باب المقدّمة.

**********

شرح:

المذكور الواجب غسله في الوضوء.

(1)و هذا هو الثالث ممّا يدخل في الحدّ.

العارض: صفحة الخدّ (المنجد).

(2)أي الموضعان الواقعان في جانبي الجبهة لا ينبت عليهما شعر في أغلب الناس و يكونان بياضين. و قوله «المكتنفان» أي المحيطان.

(3)هذا هو الثالث من واجبات الوضوء، و هو بالرفع عطف على قوله «النيّة» في قوله «و واجبه النيّة». يعني يجب إيصال الماء إلى خلال الشعر الخفيف، و المراد منه هو الشعر الذي لا يستر البشرة و ترى هي من خلاله.

(4)الضمير في قوله «و هو» يرجع إلى خفيف الشعر.

(5)فلا يكفي عدم الرؤية للبشرة في غير مجلس التخاطب، كما إذا كان البعد بين المتخاطبين كثيرا بحيث لا يمكن رؤيتها من البعيد.

(6)من كثف الشيء كثافة: غلظ و كثر و التفّ فهو كثيف (أقرب الموارد).

(7)صفة لموصوف مقدّر و هو البشرة. يعني و أمّا البشرة الظاهرة من خلال الشعر فيجب غسلها.

(8)الضمير الملفوظ في قوله «جاورها» يرجع إلى البشرة الظاهرة. يعني كما يجب غسل جزء ممّا يجاور البشرة الظاهرة من البشرة المستورة من باب الاحتياط و المقدّمة.

ص: 209

و الأقوى عدم وجوب تخليل الشعر مطلقا (1) وفاقا للمصنّف في الذكرى و الدروس (2) و للمعظم (3).

و يستوي في ذلك شعر اللحية و الشارب و الخدّ (4) و العذار (5) و الحاجب و العنفقة (6) و الهدب (7).

**********

شرح:

(1)أي بلا فرق بين الشعر الكثير و الخفيف.

(2)عبارة المصنّف رحمه اللّه في الدروس ص 4 هي هكذا: و تخليل ما يمنع وصول الماء إذا خفّ احتياطا، و المشهور عدم الوجوب، نعم يستحبّ و إن كثف.

(3)أي لمعظم الفقهاء و كثير منهم.

و الدليل على الحكم بعدم وجوب تخليل الشعر خفيفا كان أو كثيفا هو أخبار نقلت في كتاب الوسائل، ننقل اثنتين منها:

الاولى: محمّد بن يعقوب بإسناده عن زرارة قال: قلت له: أ رأيت ما كان تحت الشعر؟ قال: كلّ ما أحاط به الشعر فليس للعباد أن يغسلوه و لا يبحثوا عنه، و لكن يجري عليه الماء (الوسائل: ج 1 ص 335 ب 46 من أبواب الوضوء من كتاب الطهارة ح 2).

الثانية: و رواه الصدوق بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام، قال: قلت له: أ رأيت ما أحاط به الشعر؟ فقال: كلّ ما أحاط به من الشعر فليس للعباد أن يطلبوه و لا يبحثوا عنه، و لكن يجري عليه الماء (المصدر السابق: ح 3).

(4)بالجرّ، عطف على قوله «اللحية». يعني لا فرق في عدم وجوب تخليل الشعر بين اللحية و شعر الخدّ.

(5)بكسر العين، و قد تقدّم معناه في الهامش 3 من ص 208.

(6)العنفقة ج عنافق: شعيرات بين الشفة السفلى و الذقن (المنجد).

(7)الهدب و الهدب ج أهداب: شعر أشفار العينين (المنجد).

ص: 210

(ثمّ (1) غسل) اليد (اليمنى من المرفق) بكسر الميم و فتح الفاء أو بالعكس (2)، و هو (3) مجمع عظمي الذراع (4) و العضد (5) لا نفس المفصل (6)

**********

شرح:

(1)يعني أنّ الرابع من واجبات الوضوء بعد النيّة و جري الماء و التخليل على ما فصّل هو غسل اليد اليمنى من المرفق إلى انتهاء أصابع اليد.

(2)أي بفتح الميم و كسر الفاء.

المرفق و المرفق كمنبر و مجلس: موصل الذراع من العضد ج مرافق، و منه في القرآن: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ (1) ، (أقرب الموارد).

(3)يعني أنّ المراد من «المرفق» هو محلّ اجتماع عظمين أعني عظم الذراع و عظم العضد، و يجب غسل هذا المجتمع للعظمين، فلا يكفي غسل موضع فصل العظمين المذكورين.

و تظهر الثمرة فيمن قطعت ذراعه من عظم المفصل، فعلى القول بوجوب غسل المفصل يسقط وجوب الغسل، لانعدام الموضوع، و على القول بوجوب غسل المجتمع للعظمين يجب غسل رأس العظم المتّصل بعظم الذراع، لأنّه الميسور من موضع الغسل.

* من حواشي الكتاب: لو قطع اليد من نفس المفصل يجب غسل رأس العضد، بناء على وجوب غسل المرفق أصالة، و على القول بأنّ وجوبه من باب المقدّمة يسقط غسله، و هو خيرة العلاّمة في المنتهى (المدارك).

(4)الذراع - بالكسر -: من اليد من طرف المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى، و - الساعد ج أذرع و ذرعان (أقرب الموارد).

(5)العضد و العضد و العضد و أعلى الجميع العضد: الساعد و هو من المرفق إلى الكتف (أقرب الموارد).

(6)يعني ليس المراد من المرفق الواجب غسله للوضوء هو محلّ فصل عظم الذراع عن عظم العضد.

ص: 211


1- سوره 5 - آیه 6

(إلى أطراف (1) الأصابع، ثمّ) غسل (اليسرى (2) كذلك)، و غسل ما اشتملت عليه الحدود (3) من لحم زائد و شعر و يد (4) و إصبع (5) دون ما خرج (6) و إن كان يدا إلاّ أن تشتبه الأصليّة (7)، فتغسلان معا من باب المقدّمة.

القول في المسحتين

(ثمّ مسح (8) مقدّم الرأس) أو شعره.........

**********

شرح:

(1)أي إلى انتهاء الأصابع.

(2)صفة لموصوف مقدّر، و هو اليد. يعني يجب غسل اليد اليسرى أيضا من المرفق إلى أطراف أصابعها بعد غسل الوجه و اليد اليمنى كما فصّل.

(3)اللام تكون للعهد الذكريّ. يعني يجب غسل كلّ ما يوجد في الحدود المذكورة من لحم زائد و شعر و غيرهما.

و المراد من «الحدود» هو الحدود الثلاثة المذكورة للوجه و اليد اليمنى و اليد اليسرى.

(4)مثل ما إذا وجدت يد صغرى متّصلة باليد الأصليّة من اليمنى أو اليسرى.

(5)مثل ما إذا وجدت إصبع زائدة على الأصابع الخمس الطبيعيّة للإنسان المتعارف، فيجب غسل الإصبع الزائدة عند غسل اليد الموجودة هي عليها.

(6)أي لا يجب غسل الموجود في الخارج عن الحدود المذكورة مثل ما إذا وجدت يد زائدة على اليد الأصليّة خارجة عنها مثل المنفصلة عن أعلى المرفق، فيجب غسل اليد الأصليّة لا الزائدة.

(7)بأن لا تتميّز اليد الأصليّة و الزائدة، فيجب إذا غسل كلتيهما من باب الاحتياط و المقدّمة.

القول في المسحتين (8)الواجب الآخر من واجبات الوضوء هو مسح مقدّم الرأس بعد غسل الوجه و اليدين

ص: 212

الذي لا يخرج بمدّه عن حدّه (1).

و اكتفى المصنّف بالرأس (2) تغليبا لاسمه على ما نبت عليه (بمسمّاه) أي مسمّى المسح و لو بجزء من إصبع ممرّا (3) له على الممسوح ليتحقّق اسمه لا بمجرّد وضعه، و لا حدّ لأكثره (4).

نعم يكره الاستيعاب (5) إلاّ أن يعتقد شرعيّته،........

**********

شرح:

كما فصّل.

أقول: يلزم في مقام تعيين مقدار مقدّم الرأس تقسيمه إلى أربع: اليمين و اليسار و الخلف و القدّام، و الربع المقدّم هو مقدار مقدّم الرأس الذي يجب مسحه بما يصدق عليه اسم المسح.

(1)بأن لا يخرج الشعر عن الربع المقدّم من الرأس إلى مكان آخر.

(2)يعني أنّ المصنّف رحمه اللّه اكتفى بقوله «مقدّم الرأس» و لم يقل «ثمّ مسح الشعر الموجود النابت على مقدّم الرأس» للتغليب، لأنّ الرأس يطلق على الشعر الموجود النابت عليه أيضا.

(3)قوله «ممرّا» - بصيغة اسم الفاعل - حال، و ذو الحال - و هو غير مذكور لفظا - هو الشخص الماسح، و الضمير في قوله «له» يرجع إلى الجزء. يعني يجب إمرار جزء من الإصبع على الشعر النابت على الرأس، فلا يكفي وضع جزء من الإصبع على الرأس.

(4)يعني لا يتعيّن حدّ لأكثر مسح شعر مقدّم الرأس، بمعنى أنّه يجوز مسح شعر جميع مقدّمه.

(5)المراد من «الاستيعاب» هو إحاطة المسح بجميع الرأس يمينا و يسارا و خلفا و قدّاما كما يفعله العامّة، هذا إذا لم يقصد الماسح شرعيّته، فلو اعتقد وجوب مسح الرأس استيعابا حكم عليه بالحرمة، لكونه بدعة، و هي إدخال ما ليس من الدين في الدين على أنّه من الدين.

ص: 213

فيحرم و إن كان (1) الفضل في مقدار ثلاث أصابع.

(ثمّ) مسح (2) بشرة (ظهر الرجل اليمنى) من رءوس الأصابع إلى الكعبين (3)، و هما قبّتا القدمين على الأصحّ.

**********

شرح:

(1)يعني أنّ الأفضل في مسح الرأس هو المسح بثلاث أصابع متّصلة، و هذا من جهة العرض، و أمّا من جهة الطول فيكفي الإمرار و لو بمسمّاه.

* من حواشي الكتاب: و قيل بوجوب هذا المقدار، هذا كلّه في العرض، و أمّا في الطول فالظاهر فيه الاكتفاء في الجملة بما يسمّى مسحا بإمرار عليه لا مجرّد الوضع (حاشية جمال الدين رحمه اللّه).

(2)الواجب الآخر من واجبات الوضوء هو مسح بشرة ظهر الرجل اليمنى من رءوس الأصابع إلى الكعبين.

* من حواشي الكتاب: قوله «مسح بشرة ظهر الرجل... إلخ» ظاهره أنّه لا يجزي المسح على الشعر في الرجلين، بل يتحتّم المسح على البشرة، كما صرّح به في شرح الإرشاد، و لم أقف في كلام غيره على تصريح به.

و الظاهر صدق الامتثال بالمسح على الشعر أيضا بصدق المسح على الرجل بذلك عرفا إلاّ إذا كان طويلا خارجا عن المعتاد لا سيّما أنّه ليس فيه الباء الدالّة على الإلصاق، كما في شرح الدروس و بنائه على قراءة النصب في أَرْجُلَكُمْ (1) .

و أمّا عدم التعرّض لذلك في الأخبار حيث ذكر حكم الشعر في الرأس دون الرجل فهو بملاحظة الغالب فيهما (حاشية جمال الدين رحمه اللّه).

(3)الكعب: العظمان الناشزان من جانبي القدم (المنجد).

أقول: اختلفوا في المراد من معنى الكعب، قال بعض: هو عبارة عن القبّة الموجودة في ظهر القدم، و قال بعض آخر: إنّه عبارة عن مفصل الساق عن الرجل، و قال الشارح رحمه اللّه: إنّ الكعب هو قبّة القدم على القول الأصحّ.

ص: 214


1- سوره 5 - آیه 6

و قيل: إلى أصل الساق، و هو (1) مختاره في الألفيّة.

(ثمّ) مسح ظهر (اليسرى (2)) كذلك (بمسمّاه (3)) في جانب العرض (ببقيّة (4) البلل) الكائن على أعضاء الوضوء من مائه (5)(فيهما) أي في المسحين (6).

و فهم من إطلاقه المسح أنّه لا ترتيب فيهما (7) في نفس العضو، فيجوز النكس (8).........

**********

شرح:

(1)يعني أنّ القول بوجوب المسح إلى أصل الساق هو ما اختاره المصنّف رحمه اللّه في كتابه (الألفيّة).

(2)أي الرجل اليسرى، و قوله «كذلك» يتعلّق بقوله «مسح ظهر اليسرى». يعني أنّ هذا المسح يكون كما ذكر في الرجل اليمنى.

(3)الضمير في قوله «بمسمّاه» يرجع إلى المسح. يعني يكفي مسمّى المسح من حيث العرض و لو بمقدار إصبع أو جزء منها.

(4)فلا يجوز المسح بالرطوبة الخارجة من ماء الوضوء، مثل ما إذا اخذت الرطوبة من الخارج أو من سائر الأعضاء بعد إتمام الوضوء، بل يجب المسح بالرطوبة الباقية على اليد إلاّ إذا لم تبق الرطوبة لشدّة الحرّ، فيجوز حينئذ أخذ الرطوبة من سائر الأعضاء، و إلاّ فمن الخارج كما فصّل في محلّه.

(5)الضمير في قوله «مائه» يرجع إلى الوضوء. و قد تقدّم في الهامش السابق عدم جواز المسح بماء غير ماء الوضوء.

(6)المراد من «المسحين» هو مسح الرأس و مسح الرجلين.

(7)أي في مسح الرأس و الرجلين. يعني لا يجب الترتيب عند المسح بين الجانب العالي من العضو الممسوح و الجانب السافل منه.

(8)يعني يجوز المسح من أسفل العضو الممسوح إلى أعلاه.

ص: 215

فيه (1) دون الغسل، للدلالة (2) عليه ب «من» و «إلى»، و هو (3) كذلك فيهما على أصحّ القولين.

و في الدروس رجّح منع النكس (4) في الرأس دون الرجلين، و في البيان عكس (5)، و مثله (6) في الألفيّة.

(مرتّبا (7)) بين أعضاء الغسل و المسح بأن يبتدئ بغسل الوجه ثمّ

**********

شرح:

النكس مصدر من نكسه نكسا: قلبه على رأسه و جعل أسفله أعلاه، و مقدّمه مؤخّره، و في القرآن: ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ (1) ، (أقرب الموارد).

(1)الضمير في قوله «فيه» يرجع إلى المسح. يعني يجوز النكس و المسح من السافل إلى العالي في المسح، لكن لا يجوز ذلك في الغسل، لأنّه إنّما يجب أن يكون من العالي إلى السافل.

(2)أي لدلالة قول المصنّف «من المرفق إلى أطراف الأصابع» على لزوم رعاية الترتيب من العالي إلى السافل في الغسل، لأنّ هذا المعنى هو مدلول حرفي «من» و «إلى».

و الضمير في قوله «عليه» يرجع إلى الترتيب.

(3)الضمير في قوله «و هو» يرجع إلى الحكم، و في قوله «فيهما» يرجع إلى مسح الرأس و الرجلين. يعني أنّ الحكم المستفاد من عبارة المصنّف رحمه اللّه - و هو وجوب الترتيب في الغسل - هو الحكم في المسحين على الأصحّ من القولين.

(4)قال المصنّف في كتابه (الدروس): لا يجزي النكس على الاولى، و لا تقديم اليسرى على اليمنى، و لا مسحهما معا احتياطا.

(5)أي قال برجحان منع النكس في الرجلين دون الرأس.

(6)يعني قال المصنّف رحمه اللّه في كتابه (الألفيّة) بمثل ما قال به في كتابه (البيان).

(7)بصيغة اسم الفاعل من باب التفعيل حال عن المتوضّئ. يعني أنّ الواجب الآخر

ص: 216


1- سوره 21 - آیه 65

باليد (1) اليمنى ثمّ اليسرى ثمّ بمسح الرأس ثمّ الرجل اليمنى (2) ثمّ اليسرى، فلو عكس (3) أعاد على ما يحصل معه الترتيب مع بقاء الموالاة (4)، و أسقط المصنّف في غير الكتاب الترتيب بين الرجلين.

(مواليا (5)) في فعله (بحيث لا يجفّ السابق) من الأعضاء (6) على العضو الذي هو (7).............

**********

شرح:

من واجبات الوضوء هو الترتيب بين الأفعال من النيّة و الغسلتين و المسحتين، كما يفصّله الشارح رحمه اللّه بقوله «بأن يبتدئ... إلخ».

(1)الجارّ و المجرور يتعلّقان بقوله «بأن يبتدئ».

(2)أي بمسح الرجل اليمنى بعد مسح الرأس و هكذا مسح الرجل اليسرى بعد هذا المسح.

(3)يعني لو لم يراع المتوضّئ الترتيب بين أعمال الوضوء وجب عليه الإعادة مع رعاية الترتيب بشرط بقاء الموالاة، فإذا توضّأ و مسح الرأس و الرجل اليمنى قبل غسل اليد اليسرى وجب عليه إعادة مسح الرأس و الرجل اليمنى بعد غسل اليد اليسرى لتحصيل الترتيب الواجب بين الغسل و المسح، و هذا مشروط ببقاء الرطوبة على الوجه، فلو جفّت بمراعاة الترتيب لم يصحّ الوضوء.

(4)الآتي توضيحه في قوله «بحيث لا يجفّ السابق... إلخ».

(5)الواجب الآخر من واجبات الوضوء هو الموالاة بين أفعال الوضوء الواجبة.

و الضمير في قوله «فعله» يرجع إلى المتوضّئ.

(6)بيان لقوله «السابق». يعني تجب مراعاة الموالاة بحيث لا يجفّ العضو السابق على العضو الذي يشتغل بغسله أو مسحه.

(7)ضمير «هو» يرجع إلى المتوضّئ، و الضمير في قوله «فيه» يرجع إلى العضو. يعني أنّ المراد من «السابق» هو العضو السابق على العضو الذي يشتغل المتوضّئ بغسله أو مسحه.

ص: 217

فيه مطلقا (1) على أشهر الأقوال (2).

و المعتبر في الجفاف الحسّيّ لا التقديريّ (3).

و لا فرق (4) فيه بين العامد و الناسي و الجاهل.

**********

شرح:

(1)يعني لا فرق في وجوب رعاية الموالاة بما ذكر بين الاختيار و الاضطرار و هكذا حال اعتدال الهواء و الماء و مزاج المتوضّئ و عدمها، و أيضا لا فرق بين العمد و السهو و النسيان و غيرها.

(2)اعلم أنّ الأقوال في المسألة هكذا:

الأوّل: وجوب رعاية عدم الجفاف حسّا و تقديرا.

الثاني: التفصيل بين العامد و الناسي.

الثالث: التفصيل بين حصول الموالاة العرفيّة و غيرها.

(3)مثال الجفاف التقديريّ هو ما إذا توضّأ في الهواء البارد مع تخلّل تأخير قليل بين أفعال الوضوء من دون حصول الجفاف على نحو لو كان الهواء حارّا حصل الجفاف، لكن مع ذلك لا يحكم ببطلان الوضوء، لأنّ الجفاف تقديريّ لا حسّيّ حاصل في الخارج.

(4)يعني لا فرق في الحكم بوجوب الموالاة بين أفعال الوضوء بين العامد و الناسي و الجاهل، بمعنى أنّ المتوضّئ لو لم يراع الموالاة بحيث يجفّ السابق و هو في اللاحق و إن كان جهلا أو نسيانا فضلا عن أن يكون عمدا حكم عليه ببطلان الوضوء.

و الضمير في قوله «فيه» يرجع إلى الحكم المذكور.

ص: 218

مستحبّات الوضوء
السواك

(و سننه (1) السواك)، و هو دلك الأسنان بعود و خرقة (2) و إصبع و نحوها (3)، و أفضله (4) الغصن (5) الأخضر، و أكمله الأراك (6).

و محلّه (7) قبل غسل الوضوء (8) الواجب و الندب (9) كالمضمضة (10)،

**********

شرح:

مستحبّات الوضوء السواك (1)عطف على قوله في الصفحة 202 «و واجبه النيّة»، و من هنا شرع المصنّف رحمه اللّه في بيان مستحبّات الوضوء بعد بيان الواجبات.

(2)الخرقة - بالكسر -: القطعة من الثوب (أقرب الموارد).

(3)يعني يستحبّ السواك باستعانة عود و خرقة و إصبع و أمثال هذه، فما يتحقّق به الاستحباب هو استعمال آلة السواك كائنا ما كان.

(4)الضمير في قوله «أفضله» يرجع إلى السواك بمعنى اسم الذات لا بمعنى المصدر. يعني أنّ أفضل ما يدلك به الإنسان هو الغصن الأخضر.

(5)الغصن - بالضمّ -: ما تشعّب عن ساق الشجر دقاقها و غلاظها (أقرب الموارد).

(6)الاراك: شجر من الحمض يستاك بقضبانه (أقرب الموارد).

(7)الضمير في قوله «محلّه» يرجع إلى السواك.

(8)يعني أنّ السواك يستحبّ أن يؤتى به قبل الشروع في الغسل الواجب من الوضوء مثل غسل الوجه و اليدين، و أيضا قبل الشروع في الغسل المندوب من الوضوء مثل غسل اليدين من الزندين مرّتين أو ثلاث مرّات، و سيأتي تفصيل هذا الغسل الأخير في قوله «و غسل اليدين مرّتين... إلخ».

(9)قولاه «الواجب» و «الندب» كلاهما صفة للغسل.

(10)يعني كما أنّ استحباب المضمضة أيضا محلّه قبل قسمي الغسل الواجب و الغسل المندوب من الوضوء، و سيأتي معنى المضمضة.

ص: 219

و لو أخّره (1) عنه أجزأ.

و اعلم أنّ السواك سنّة مطلقا (2)، و لكنّه يتأكّد في مواضع (3)، منها

**********

شرح:

(1)يعني لو أخّر السواك عن الغسل الواجب و الغسل المندوب من الوضوء أجزأ و كفى في الإتيان بالمندوب.

(2)أي سواء كان للوضوء أم لا.

بعض الروايات الواردة في خصوص السواك الاولى: محمّد بن يعقوب بإسناده عن أبي اسامة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: من سنن المرسلين السواك (الوسائل: ج 1 ص 346 ب 1 من أبواب السواك من كتاب الطهارة ح 2).

الثانية: محمّد بن يعقوب بإسناده عن إسحاق بن عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: قال لي: السواك من سنن المرسلين (المصدر السابق: ح 5).

الثالثة: محمّد بن يعقوب بإسناده عن ابن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: في السواك اثنتا عشرة خصلة: هو من السنّة، و مطهّرة للفم، و مجلاة للبصر، و يرضي الربّ، و يذهب بالغمّ (بالبلغم)، و يزيد في الحفظ، و يبيّض الأسنان، و يضاعف الحسنات، و يذهب بالحفر، و يشدّ اللثة، و يشهّي الطعام، و يفرح بالملائكة (المصدر السابق: ص 347 ح 12).

الرابعة: محمّد بن عليّ بن الحسين بإسناده عن الحسين بن زيد عن الصادق عن آبائه عليهم السّلام - في حديث المناهي - قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: ما زال جبرئيل يوصيني بالسواك حتّى ظننت أنّه سيجعله فريضة (المصدر السابق: ص 348 ح 16).

(3)و قد ذكر الشارح رحمه اللّه لاستحباب السواك عدّة مواضع:

الأوّل: قبل الشروع في الوضوء.

الثاني: قبل الشروع في الصلاة.

الثالث: قبل الشروع في قراءة القرآن.

الرابع: إذا حصل الاصفرار أو الاسوداد في الأسنان.

ص: 220

الوضوء و الصلاة و قراءة القرآن و اصفرار الأسنان و غيره (1).

التسمية

(و التسمية (2))، و صورتها «بسم اللّه و باللّه».

و يستحبّ اتباعها (3) بقوله: «اللّهمّ اجعلني من التوّابين و اجعلني من المتطهّرين»، و لو اقتصر على «بسم اللّه» أجزأ.

و لو نسيها ابتداء تداركها (4) حيث ذكر قبل الفراغ كالأكل (5)، و كذا لو تركها عمدا (6).

غسل اليدين

(و غسل اليدين (7)) من الزندين (مرّتين) من حدث النوم و البول و

**********

شرح:

(1)أي غير ما ذكر من المواضع المذكورة مثل ما إذا فاحت الرائحة الكريهة من الفم.

التسمية (2)بالرفع، عطف على قوله المرفوع «السواك». يعني أنّ الثاني من مستحبّات الوضوء هو ذكر اسم اللّه تعالى بأن يقول: بسم اللّه و باللّه.

(3)يعني يستحبّ أن يذكر بعد التسمية المذكورة قوله: «اللّهمّ اجعلني... إلخ».

(4)بمعنى أنّ المتوضّئ لو نسي ذكر اسم اللّه ثمّ تذكّره حال الوضوء أتى به في أيّ حال من حالات الوضوء.

(5)يعني كما أنّ الآكل لو نسي البسملة عند الشروع في الأكل ثمّ تذكّرها في حاله استحبّ له أن يأتي بها قبل الفراغ من الأكل كذلك الأمر في خصوص الوضوء.

(6)يعني لو ترك المتوضّئ البسملة حين الشروع في الوضوء عمدا ثمّ تذكّرها في أثنائه استحبّ له الذكر في أيّ حال شاء في الأثناء و قبل الفراغ.

غسل اليدين (7)الثالث من مستحبّات الوضوء هو غسل اليدين من حدث النوم و البول و الغائط.

ص: 221

الغائط لا من مطلق الحدث كالريح على المشهور (1).

و قيل: من الأوّلين (2) مرّة، و به قطع في الذكرى.

و قيل: مرّة في الجميع (3)، و اختاره المصنّف في النفليّة، و نسب التفصيل (4) إلى المشهور، و هو الأقوى.

و لو اجتمعت الأسباب تداخلت إن تساوت (5)، و إلاّ دخل الأقلّ تحت الأكثر (6).

و ليكن الغسل (قبل إدخالهما (7) الإناء)...

**********

شرح:

(1)فعلى المشهور لو بطل الوضوء بخروج الريح فأراد المتوضّئ الوضوء بعده لم يستحبّ غسل اليدين مرّتين.

(2)المراد من «الأوّلين» هو النوم و البول. يعني يستحبّ غسل اليدين منهما مرّة و من الغائط مرّتين على هذا القول.

(3)فعلى هذا القول يستحبّ غسل اليدين مرّة واحدة من الأحداث الثلاثة المذكورة، و اختار المصنّف هذا القول في كتابه (النفليّة).

(4)يعني أنّ المصنّف رحمه اللّه نسب القول بالتفصيل - و هو استحباب الغسل مرّة من حدث النوم و البول و مرّتين من حدث الغائط - إلى المشهور، و قد قوّى الشارح رحمه اللّه هذا التفصيل.

(5)كما لو عرض للمكلّف النوم و البول، فإنّهما متساويان في استحباب الغسل مرّة واحدة كما هو أحد الأقوال الماضية.

(6)كما إذا عرض للمكلّف الغائط و البول، فلا يستحبّ الغسل إلاّ مرّتين، لدخول استحباب الغسل مرّة من البول في الغسل مرّتين من الغائط كما هو أحد الأقوال الماضية.

(7)هذا الشرط إنّما هو فيما إذا كان الإناء الذي يتوضّأ بمائه بحيث يمكن إدخال اليدين

ص: 222

الذي يمكن الاغتراف (1) منه، لدفع النجاسة الوهميّة أو تعبّدا (2).

و لا يعتبر (3) كون الماء قليلا، لإطلاق النصّ (4)، خلافا للعلاّمة حيث اعتبره (5).

**********

شرح:

فيه، و إلاّ فلا يستحبّ الغسل لليدين إلاّ قبل الشروع في أفعال الوضوء.

(1)من اغترف الماء بيده: أخذه بها (المنجد).

و الضمير في قوله «منه» يرجع إلى الإناء.

(2)بمعنى كون استحباب غسل اليدين قبل الوضوء مستندا إلى محض التعبّد لأمر الشارع لا لإزالة النجاسة المتوهّمة عنهما، فيستحبّ الغسل و لو مع تحقّق القطع بطهارة اليدين.

(3)يعني لا يعتبر في استحباب غسل اليدين قبل الوضوء كون الماء قليلا، بل لو توضّأ بماء الكرّ أو الجاري أيضا استحبّ غسل اليدين قبله.

(4)النصّ المطلق منقول في كتاب الوسائل:

محمّد بن عليّ بن الحسين قال: قال الصادق عليه السّلام: اغسل يدك من البول مرّة، و من الغائط مرّتين، و من الجنابة ثلاثا (الوسائل: ج 1 ص 301 ب 27 من أبواب الوضوء من كتاب الطهارة ح 4).

(5)الضمير الملفوظ في قوله «اعتبره» يرجع إلى كون الماء قليلا. يعني أنّ العلاّمة رحمه اللّه اعتبر في الاستحباب قلّة الماء، فلو توضّأ بماء الكرّ أو الجاري لم يستحبّ غسل اليدين قبل الوضوء.

** *

ص: 223

المضمضة و الاستنشاق و تثليثهما

(و المضمضة (1))، و هي إدخال الماء الفم و إدارته (2) فيه (و الاستنشاق (3))، و هو (4) جذبه إلى داخل الأنف (و تثليثهما (5)) بأن يفعل كلّ واحد منهما ثلاثا، و لو بغرفة واحدة، و بثلاث (6) أفضل.

و كذا يستحبّ تقديم المضمضة أجمع (7) على الاستنشاق، و العطف بالواو لا يقتضيه (8).

**********

شرح:

المضمضة و الاستنشاق و تثليثهما (1)مصدر من مضمض الماء في فمه مضمضة و مضماضا و مضماضا: حرّكه بالإدارة فيه (أقرب الموارد).

(2)الضمير في قوله «إدارته» يرجع إلى الماء، و في قوله «فيه» يرجع إلى الفم.

(3)من استنشق الماء: أدخله في أنفه و جذبه بالنفس لينزل ما في الأنف (أقرب الموارد).

(4)الضمير في قوله «و هو» يرجع إلى الاستنشاق، و في قوله «جذبه» يرجع إلى الماء.

(5)الضمير في قوله «تثليثهما» يرجع إلى المضمضة و الاستنشاق. فالرابع و الخامس من مستحبّات الوضوء هما المضمضة و الاستنشاق و تثليثهما.

(6)يعني لو أتى المتوضّئ بكلّ واحد من الاستنشاقات الثلاثة و المضمضات الثلاث بثلاثة غراف كان أفضل.

(7)بأن يأتي بالمضمضات الثلاث قبل الاستنشاقات المذكورة.

(8)يعني لا يستفاد من قول المصنّف رحمه اللّه «المضمضة و الاستنشاق» الترتيب بين المضمضة و الاستنشاق، لكون العطف بالواو، و هو لا يقتضي إلاّ مطلق الجمع، فلو أتى ب «ثم» استفيد منه الترتيب.

و الضمير الملفوظ في قوله «لا يقتضيه» يرجع إلى التقديم.

ص: 224

تثنية الغسلات الثلاث

(و تثنية الغسلات) الثلاث (1) بعد تمام الغسلة الاولى (2) في المشهور، و أنكرها (3) الصدوق.

الدعاء عند كلّ فعل

(و الدعاء (4) عند كلّ فعل) من الأفعال الواجبة و المستحبّة المتقدّمة

**********

شرح:

تثنية الغسلات الثلاث (1)المراد من «الغسلات الثلاث» هو غسل الوجه و اليدين. يعني يستحبّ غسل كلّ واحد من الأعضاء المذكورة مرّتين. فالسادس من مستحبّات الوضوء هو تثنية الغسلات الثلاث.

(2)المراد من العبارة استحباب الغسلة الثانية بعد إتمام الغسلة الاولى في كلّ عضو، بمعنى أن يغسل الوجه مرّة اخرى بعد الغسلة الاولى و هكذا اليد اليمنى و اليسرى.

(3)الضمير في قوله «أنكرها» يرجع إلى التثنية. فإنّ الصدوق رحمه اللّه قال بكون الغسلة الثانية بدعة و حراما، لكنّ المشهور هو كون الغسلة الثالثة بدعة، و المعتبر في تعداد الغسل إنّما هو النيّة لا صبّ الماء، فلو صبّ الماء على الوجه مرّتين أو أزيد و نوى الغسلة الاولى كان كما نوى.

الدعاء عند كلّ فعل (4)السابع من مستحبّات الوضوء هو الدعاء عند كلّ فعل من أفعال الوضوء واجبة كانت أم مستحبّة، و نحن نتعرّض لجملة من الأدعية التي تستحبّ قراءتها عند أفعال الوضوء تيمّنا، وفّقنا اللّه تعالى لها.

الدعاء إذا نظر إلى الماء عند الوضوء هو:

بسم اللّه و باللّه، و الحمد للّه الذي جعل الماء طهورا و لم يجعله نجسا.

و عند غسل اليدين قبل الوضوء هو:

ص: 225

بالمأثور.

بدأة الرجل بالظهر

(و بدأة (1) الرجل) في غسل اليدين (بالظهر، و في) الغسلة (الثانية)

**********

شرح:

اللّهمّ اجعلني من التوّابين و اجعلني من المتطهّرين.

و عند المضمضة هو:

اللّهمّ لقّني حجّتي يوم ألقاك، و أطلق لساني بذكرك.

و عند الاستنشاق هو:

اللّهمّ لا تحرّم عليّ ريح الجنّة، و اجعلني ممّن يشمّ ريحها و روحها و طيبها.

و عند غسل الوجه هو:

اللّهمّ بيّض وجهي يوم تسودّ فيه الوجوه، و لا تسوّد وجهي يوم تبيضّ فيه الوجوه.

و عند غسل اليد اليمنى هو:

اللّهمّ أعطني كتابي بيميني، و الخلد في الجنان بيساري، و حاسبني حسابا يسيرا.

و عند غسل اليد اليسرى هو:

اللّهمّ لا تعطني كتابي بشمالي، و لا من وراء ظهري، و لا تجعلها مغلولة إلى عنقي، و أعوذ بك من مقطّعات النيران.

و عند مسح الرأس هو:

اللّهمّ غشّني برحمتك و بركاتك و عفوك.

و عند مسح الرجل هو:

اللّهمّ ثبّتني على الصراط يوم تزلّ فيه الأقدام، و اجعل سعيي فيما يرضيك عنّي يا ذا الجلال و الإكرام.

بدأة الرجل بالظهر (1)الثامن من مستحبّات الوضوء هو بدء الرجل في غسل اليدين بظهرهما بأن يبدأ في

ص: 226

(بالبطن، عكس المرأة (1))، فإنّ السنّة لها البدأة بالبطن و الختم (2) بالظهر.

كذا ذكره الشيخ، و تبعه عليه المصنّف هنا (3) و جماعة، و الموجود (4) في النصوص بدأة الرجل بظهر الذراع، و المرأة بباطنه، من غير فرق فيهما بين الغسلتين، و عليه (5) الأكثر.

**********

شرح:

غسل اليدين بظهرهما أوّلا، ثمّ يغسل بطنهما ثانيا بقصد الاستحباب في الغسلة الثانية و الوجوب في الاولى.

(1)فالمستحبّ للمرأة هو أن تغسل بطن اليدين أوّلا بقصد الوجوب، و ظهرهما ثانيا بقصد الاستحباب.

(2)و المراد من «الختم» هو الغسلة الثانية.

(3)أي في اللمعة الدمشقيّة. يعني أنّ المصنّف رحمه اللّه تبع الشيخ رحمه اللّه في هذا الكتاب، و كذا جماعة من الفقهاء.

(4)هذا ردّ من الشارح رحمه اللّه على المصنّف رحمه اللّه بأنّه فرّق بين الغسلتين باستحباب بدء الاولى بالظهر، و الثانية بالبطن في الرجل، و بعكسه في المرأة، مع أنّه لم يرد في الرواية إلاّ بدء الرجل بظهر الذراع و المرأة بباطنه بلا فرق بين الغسلتين، و قد أفتى أكثر العلماء بعدم الفرق بينهما، فلا وجه للفرق المذكور.

(5)أي أكثر الفقهاء قائلون بعدم الفرق بينهما. و من النصوص المطلقة الواردة في المسألة خبران منقولان في كتاب الوسائل:

الأوّل: محمّد بن يعقوب بإسناده عن محمّد بن اسماعيل بن بزيع عن أبي الحسن الرضا عليه السّلام قال: فرض اللّه على النساء في الوضوء للصلاة أن يبتدئن بباطن أذرعهنّ، و في الرجل بظاهر الذراع (الوسائل: ج 1 ص 328 ب 40 من أبواب الوضوء من كتاب الطهارة ح 1).

ص: 227

(و يتخيّر الخنثى) بين البدأة بالظهر و البطن على المشهور (1) و بين الوظيفتين (2) على المذكور.

القول في الشكّ في الأثناء

(و الشاكّ فيه) أي في الوضوء (في أثنائه يستأنف).

و المراد (3) بالشكّ فيه نفسه في الأثناء الشكّ في نيّته، لأنّه إذا شكّ فيها (4) فالأصل عدمها، و مع ذلك (5) لا يعتدّ بما وقع من الأفعال بدونها، و

**********

شرح:

الثاني: محمّد بن عليّ بن الحسين قال: قال الرضا عليه السّلام: فرض اللّه عزّ و جلّ على الناس في الوضوء أن تبدأ المرأة بباطن ذراعيها، و الرجل بظاهر الذراع (المصدر السابق: ح 2).

(1)يعني أنّ الخنثى يتخيّر بين البدأة بالظهر و البطن، عملا بإطلاق الرواية الواردة في خصوص المرأة و الرجل، كما تقدّم على المشهور بين الفقهاء.

(2)المراد من «الوظيفتين» هو بدأة الرجل بغسل ظهر اليدين و الختم بغسل بطنهما و بدأة المرأة بغسل بطنهما و الختم بغسل ظهرهما كما اختاره المصنّف رحمه اللّه.

القول في الشكّ في الأثناء (3)يعني أنّ المراد من الشكّ في أثناء الوضوء هو الشكّ في نيّة الوضوء، لأنّ الشكّ في أصل الوضوء في أثنائه لا معنى له، لأنّه إذا كان مشتغلا بأفعال الوضوء فكيف يشكّ فيه نفسه؟ و الضميران في قوليه «فيه» و «نفسه» يرجعان إلى الوضوء.

(4)يعني أنّ المشتغل بأفعال الوضوء إذا شكّ في نيّة الوضوء وجب عليه استيناف الأفعال المأتيّ بها، عملا باستصحاب عدم النيّة، فتكون الأفعال المأتيّ بها عبثا، لعدم كونها من الوضوء إذا صدرت بلا نيّة.

و الضميران في قوليه «فيها» و «عدمها» يرجعان إلى النيّة.

(5)المشار إليه في قوله «ذلك» هو عدم النيّة. يعني أنّه إذا عمل بأصالة عدم النيّة كان

ص: 228

بهذا صدق الشكّ فيه في أثنائه، و أمّا الشكّ في أنّه هل توضّأ أو هل شرع فيه أم لا فلا يتصوّر تحقّقه في الأثناء (1).

و قد ذكر المصنّف في مختصريه (2) الشكّ في النيّة في أثناء الوضوء و أنّه يستأنف، و لم يعبّر بالشكّ في الوضوء إلاّ هنا (3).

(و) الشاكّ فيه (4) بالمعنى المذكور (5)(بعده) أي بعد الفراغ (لا يلتفت) كما لو شكّ (6) في غيرها من الأفعال.

(و) الشاكّ (في البعض (7) يأتي به) أي بذلك البعض المشكوك فيه إذا

**********

شرح:

ما وقع من الأفعال عبثا و غير معتدّ به. و الضمير في قوله «بدونها» يرجع إلى النيّة.

(1)لأنّه إذا كان مشتغلا بأفعال الوضوء لم يكن لتصوير الشكّ في أنّه هل شرع فيها أم لا محلّ.

(2)المراد من المختصرين هو الدروس و البيان، فإنّ المصنّف رحمه اللّه أحسن فيهما التعبير عن الشكّ في نيّة الوضوء حينه، فلا تحتاج عبارته هناك إلى تأويل بخلاف عبارته هنا.

(3)فإنّ تعبير المصنّف عن الشكّ في النيّة في هذا الكتاب بقوله «و الشاكّ فيه في أثنائه يستأنف» لا يتمّ إلاّ بتأويل الشكّ كذلك إلى الشكّ في نيّة الوضوء حين اشتغاله به.

(4)الضمير في قوله «فيه» يرجع إلى الوضوء.

(5)المراد من «المعنى المذكور» هو الشكّ في نيّة الوضوء لا في نفسه، لأنّ المتوضّئ إذا فرغ من أفعال الوضوء و تيقّن بالإتيان بأفعال الوضوء فكيف يتصوّر في حقّه الشكّ فيه؟

(6)يعني كما أنّ الشاكّ في أفعال الوضوء غير النيّة بعد الفراغ منه لا يعتني بشكّه كذلك الحال فيما إذا شكّ في نيّته، لأنّها أيضا من أفعال الوضوء إلاّ أنّها أمر قلبيّ.

و الضمير في قوله «غيرها» يرجع إلى النيّة.

(7)يعني أنّ الشاكّ في الإتيان ببعض أفعال الوضوء في حاله يجب عليه الإتيان، عملا

ص: 229

وقع الشكّ (على حاله) أي حال الوضوء بحيث لم يكن فرغ منه و إن كان قد تجاوز ذلك البعض (1)(إلاّ مع الجفاف (2)) للأعضاء السابقة عليه (3)، (فيعيد) لفوات الموالاة.

(و لو شكّ) في بعضه (4)(بعد انتقاله (5) عنه) و فراغه منه (لا يلتفت)، و الحكم (6) منصوص متّفق عليه.

**********

شرح:

باستصحاب عدم الإتيان. و الضمير في قوله «به» يرجع إلى البعض.

و لا يخفى أنّه إذا أتى بالفعل المشكوك فيه وجب عليه الإتيان بما بعده أيضا ليحصل الترتيب، مثلا إذا شكّ في مسح الرأس عند مسح الرجل اليسرى وجب عليه مسح الرأس ثمّ مسح الرجل اليمنى ثمّ اليسرى.

(1)أي و إن كان قد تجاوز محلّ الفعل المشكوك فيه كما ذكرناه في الهامش السابق.

(2)الجفاف مصدر من جفّ الثوب و غيره جفافا و جفوفا: يبس (أقرب الموارد).

(3)الضمير في قوله «عليه» يرجع إلى البعض المشكوك فيه. يعني أنّ الاكتفاء بالإتيان بالفعل المشكوك فيه إنّما هو مع عدم جفاف الأعضاء السابقة عليه، و إلاّ يجب الإتيان بالوضوء ثانيا لفوات الموالاة.

(4)الضمير في قوله «بعضه» يرجع إلى الوضوء.

(5)لا يخفى أنّ المسألة السابقة كانت في خصوص الشكّ قبل الفراغ من الوضوء، و حكمها هو الإتيان بالفعل المشكوك فيه عملا بالأصل، و هذه المسألة تكون في خصوص الشكّ بعد الفراغ من الوضوء، و حكمها هو عدم الاعتناء بالشكّ، لأنّ هذا الشكّ لا اعتبار به، عملا بقاعدة الفراغ.

و الضميران في قوليه «انتقاله» و «فراغه» يرجعان إلى الشاكّ، كما أنّ الضميران في قوليه «عنه» و «منه» يرجعان إلى الوضوء.

(6)اللام تكون للعهد الذكريّ. يعني أنّ الحكم المذكور - و هو وجوب إعادة الفعل

ص: 230

الشاكّ في الطهارة

(و الشاكّ في الطهارة (1)) مع تيقّن الحدث (محدث (2))، لأصالة عدم الطهارة.

(و الشاكّ في الحدث) مع تيقّن الطهارة (متطهّر (3)) أخذا بالمتيقّن.

(و) الشاكّ (فيهما (4)) أي في المتأخّر منهما مع تيقّن وقوعهما

**********

شرح:

المشكوك فيه في أثناء الوضوء و عدم الاعتناء بالشكّ بعد الفراغ منه - مستفاد من النصّ المتّفق عليه لدى العلماء. و النصّ المذكور منقول في كتاب الوسائل:

محمّد بن الحسن بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام قال: إذا كنت قاعدا على وضوئك فلم تدر أ غسلت ذراعيك أم لا فأعد عليهما و على جميع ما شككت فيه أنّك لم تغسله أو لم تمسحه ممّا سمّى اللّه ما دمت في حال الوضوء، فإذا قمت من الوضوء و فرغت منه و قد صرت في حال اخرى في الصلاة أو في غيرها فشككت في بعض ما سمّى اللّه ممّا أوجب اللّه عليك فيه وضوءه لا شيء عليك فيه، فإن شككت في مسح رأسك فأصبت في لحيتك بللا فامسح بها عليه، و على ظهر قدميك، فإن لم تصب بللا فلا تنقض الوضوء بالشكّ، و امض في صلاتك، و إن تيقّنت أنّك لم تتمّ وضوءك فأعد على ما تركت يقينا حتّى تأتي على الوضوء، الحديث (الوسائل: ج 1 ص 330 ب 42 من أبواب الوضوء من كتاب الطهارة ح 1).

(1)يعني إذا شكّ في أنّه أتى بالوضوء أو الغسل بعد اليقين بالحدث وجب عليه الوضوء أو الغسل، عملا باستصحاب الحدث.

(2)أي في حكم المحدث لا أنّه محدث واقعا.

(3)أي في حكم المتطهّر، بمعنى أنّه إذا شكّ في بطلان الطهارة بعد اليقين بتحقّقها لم يجب عليه الطهارة، عملا باستصحاب الطهارة.

(4)الضمير في قوله «فيهما» يرجع إلى الطهارة و الحدث في الظاهر، و في الواقع يرجع

ص: 231

(محدث)، لتكافؤ (1) الاحتمالين إن لم يستفد (2) من الاتّحاد (3) و التعاقب (4) حكما (5) آخر، هذا هو الأقوى و المشهور (6).

**********

شرح:

إلى المتأخّر منهما، و لذا قال الشارح رحمه اللّه في مقام تفسير الضمير «أي في المتأخّر منهما». يعني أنّ الذي يشكّ في تقدّم الوضوء أو الحدث يحكم عليه بعدم طهارته.

(1)أي لتساوي احتمالي تقدّم الطهارة و تقدّم الحدث و لا ترجيح لأحد الاحتمالين.

(2)فاعله هو الضمير العائد إلى الشاكّ. يعني أنّ الحكم بكون الشاكّ المذكور محدثا إنّما هو في صورة عدم استفادته من اتّحاد الطهارة و الحدث من حيث العدد و التعاقب حكما آخر.

و فرض استفادة الحكم الآخر هو ما إذا كان عددهما واحدا، بمعنى أنّه توضّأ وضوء واحدا و أحدث حدثا واحدا و كان من عادته الوضوء بعد كلّ حدث يصدر عنه و ما إذا كان عدد الوضوء و الحدث اثنين و كان من عادته الإتيان بالطهارة عقيب كلّ حدث و هكذا فإنّه يتحصّل له إذا العلم بالطهارة، فلا يحكم في حقّه بالحدث، و كذا ما لو علم بأنّ الحدث كان عقيب الطهارة فيستفيد أنّه زالت طهارته قطعا، فلا يجري في حقّه حكم الشاكّ المذكور.

(3)المراد من «الاتّحاد» كون الحدث و الطهارة متّحدين و متساويين من حيث العدد.

(4)المراد من «التعاقب» هو الإتيان بالطهارة عقيب الحدث أو بالعكس.

(5)هذا مفعول به لقوله «لم يستفد»، و فاعله هو الضمير العائد إلى الشاكّ.

و الحاصل أنّ الشاكّ المذكور إذا حصل له العلم بعد التدبّر و الالتفات يخرج من كونه شاكّا.

(6)يعني أنّ القول بكون الشاكّ في تقدّم الطهارة و الحدث بعد تيقّنهما محكوما بما ذكر هو الأقوى عند الشارح و المشهور بين الفقهاء.

إيضاح: اعلم أنّ المصنّف رحمه اللّه ذكر حول الشكّ في الوضوء ثلاث مسائل:

ص: 232

و لا فرق (1)......

**********

شرح:

الاولى: الشاكّ في الطهارة مع تيقّن الحدث محدث.

الثانية: الشاكّ في الحدث مع تيقّن الطهارة متطهّر.

الثالثة: الشاكّ فيهما محدث.

و في المسألة الأخيرة ثلاثة أقوال:

الأوّل: قول المشهور - و هو الذي قوّاه الشارح رحمه اللّه - الحكم بكونه محدثا، لكن لا بدليل الاستصحاب المستند إليه في المسألة الاولى و الثانية، بل بدليل اشتغال ذمّته بالإتيان بالصلاة المشروطة بالطهارة و لا تبرأ إلاّ بالإتيان بها بالطهارة المتيقّنة، فلا يجوز الاكتفاء بالمشكوكة، لاقتضاء الاشتغال اليقينيّ البراءة اليقينيّة.

الثاني: قول المحقّق الأوّل و المحقّق الثاني رحمهما اللّه بلزوم أخذ الشاكّ المذكور خلاف ما تيقّن به، بمعنى أنّه لو تيقّن بالطهارة قبل احتمالي الحدث و الطهارة حكم عليه بالحدث، لأنّ وجوده متيقّن و رفعه مشكوك، لتساوي احتمالي التقدّم و التأخّر بين الحدث و الطهارتين الحاصلتين، و هكذا لو تيقّن بالحدث فيحكم في حقّه بالطهارة، لأنّه تيقّن برفع الحدث و شكّ في بطلان الرافع، لتساوي احتمالي التقدّم و التأخّر كما مرّ.

الثالث: قول العلاّمة رحمه اللّه في كتابه (القواعد) و غيره باستصحاب ما هو المتيقّن قبلهما، فإذا تيقّن بالحدث قبل الطهارة و الحدث الحادثين حكم عليه بالحدث، و إذا تيقّن بالطهارة قبلهما حكم عليه باستصحابها، لحصول اليقين بالطهارة و الشكّ في نقضها، لاحتمال حصول الطهارة بعد الحدث، و جوابه يظهر من دليل القول الثاني للمحقّقين رحمهما اللّه.

و قد اختار الشارح رحمه اللّه قول المشهور من هذه الأقوال الثلاثة المذكورة، و هو الحكم بكون الشاكّ المذكور محدثا.

(1)أي لا فرق في الحكم المشهور بين علم الشاكّ بحاله السابق و بين الشكّ فيه، خلافا للقول الآتي في قوله «و ربّما قيل... إلخ».

ص: 233

بين أن يعلم حاله (1) قبلهما بالطهارة أو بالحدث، أو يشكّ.

و ربّما قيل (2) بأنّه يأخذ مع علمه (3) بحاله ضدّ (4) ما علمه، لأنّه إن كان متطهّرا فقد علم نقض تلك الحالة و شكّ في ارتفاع الناقض (5)، لجواز تعاقب الطهارتين، و إن كان محدثا فقد علم انتقاله عنه بالطهارة و شكّ في انتقاضها بالحدث، لجواز (6) تعاقب الأحداث.

و يشكل (7) بأنّ المتيقّن حينئذ ارتفاع الحدث السابق، أمّا اللاحق (8)

**********

شرح:

(1)قوله «حاله» بالنصب، مفعول به لقوله «أن يعلم»، و فاعله هو الضمير العائد إلى الشاكّ، و الضمير في قوله «قبلهما» يرجع إلى الحدث و الطهارتين الحاصلتين.

(2)هذا هو القول الثاني من الأقوال الثلاثة المذكورة في الهامش 6 من ص 232 للمحقّق الأوّل و المحقّق الثاني رحمهما اللّه.

(3)و لم يذكر حكم عدم علمه بحاله السابق، لكنّ المحكيّ عن بعض كتب المحقّق الثاني هو وجوب الطهارة مع عدم العلم بالحال السابق على الحدث و الطهارتين الحادثتين.

(4)بالنصب، مفعول لقوله «يأخذ». يعني أنّ الشاكّ المبحوث عنه لو علم الطهارة يأخذ بالحدث، و لو علم الحدث يأخذ بالطهارة.

(5)لاحتمال تحقّق الحدث بعد الطهارة الثانية و كون الطهارتين متعاقبتين.

(6)كما إذا تحقّق الحدث الثاني بعد الأوّل و كانت الطهارة بعدهما.

(7)هذا إشكال الحكم بالطهارة في الفرض الثاني، و منه يعلم إشكال الفرض الأوّل أيضا، و حاصله أنّ المتيقّن هو ارتفاع الحدث السابق، أمّا الحدث اللاحق المتيقّن فلم يعلم رفعه، لاحتمال تحقّقه بعد الطهارة المتحقّقة قبله.

(8)صفة لموصوف مقدّر هو الحدث. يعني أنّ الحدث العارض لم يعلم رفعه بدليل سبق في الهامش السابق. و الضمير في قوله «وقوعه» يرجع إلى الحدث.

ص: 234

المتيقّن وقوعه فلا (1)، و جواز (2) تعاقبه لمثله متكافئ، لتأخّره عن الطهارة، و لا مرجّح.

نعم (3) لو كان المتحقّق طهارة رافعة و قلنا بأنّ المجدّد (4) لا يرفع أو قطع بعدمه (5) توجّه (6) الحكم بالطهارة في الأوّل (7)، كما أنّه لو علم عدم تعاقب

**********

شرح:

(1)أي فلا يمكن الحكم بارتفاع الحدث اللاحق بالقطع و اليقين، للاحتمال المذكور.

(2)يعني أنّ احتمال تعاقب الحدث اللاحق للسابق يكون معارضا باحتمال تعاقب الحدث اللاحق بالطهارة الحاصلة يقينا. و الضمير في قوله «لمثله» يرجع إلى الحدث، و قوله «متكافئ» - و في بعض النسخ مكاف بلا تاء - خبر لقوله «جواز».

(3)هذا استدراك عمّا حكم به المصنّف رحمه اللّه من كون الشاكّ المبحوث عنه محدثا، فإنّه لو علم بتحقّق الطهارة الرافعة بمعنى عدم كون الطهارة الحاصلة تجديديّة أو قلنا بعدم كون الطهارة التجديديّة رافعة حكم بالطهارة، لتحوّل الشكّ إلى العلم.

(4)في رافعيّة الطهارة المجدّدة قولان، قال بعض: لو قصد المتوضّئ الوضوء التجديديّ فبان عدم كونه متوضّئا قبلا لم تصحّ الصلاة معه، لعدم قصد الرافع به.

(5)الضمير في قوله «بعدمه» يرجع إلى المجدّد. يعني لو قطع بعدم كون الوضوء تجديديّا و أنّه كان رافعا توجّه الحكم بالطهارة.

(6)جواب شرط، و الشرط هو قوله «لو كان». يعني في صورة العلم بكون الطهارة رافعة لا تجديديّة يحكم بالطهارة في الفرض الأوّل.

(7)أي الفرض الأوّل و هو الفرض الذي كان متطهّرا قبلهما.

و الحاصل أنّ المتوضّئ إذا علم بكونه في السابق متطهّرا و علم أيضا بكون وضوئه اللاحق غير مجدّد حصل له العلم بكونه متطهّرا فيخرج عن حكم الشاكّ، كما أنّه إذا علم عدم تحقّق الحدث الثاني بعد الأوّل حكم عليه بعدم طهارته.

ص: 235

الحدثين بحسب (1) عادته أو في هذه الصورة تحقّق الحكم بالحدث في الثاني (2) إلاّ أنّه (3) خارج عن موضع النزاع، بل ليس من حقيقة الشكّ في شيء إلاّ بحسب ابتدائه (4).

و بهذا (5) يظهر ضعف القول باستصحاب الحالة السابقة بل بطلانه (6).

مسائل في أحكام التخلّي
اشارة

(مسائل (7):)

**********

شرح:

(1)أي العلم الحاصل له بحسب عادته أو حصول علّة في خصوص هذه الصورة.

و النتيجة أنّه إذا حصل له العلم لم يحكم عليه بحكم الشاكّ.

(2)أي الفرض الثاني، و هو فرض كونه محدثا سابقا، فلو تيقّن بكونه محدثا سابقا و قد صدر عنه الحدث و الطهارة و لم يعلم بتقدّم أحدهما على الآخر لكن تيقّن بعدم حصول الحدث ثانيا بعد الحدث الأوّل حكم عليه بكونه محدثا.

(3)يعني أنّ الفرض المذكور ليس من موارد الشكّ و لم يتنازع العلماء فيه.

(4)بمعنى أنّه كان شاكّا في الابتداء، لكن ارتفع شكّه بأدنى التفات و تأمّل فيه.

(5)أي و بالاستدلال على ردّ قول المحقّقين رحمهما اللّه - المحقّق الأوّل و المحقّق الثاني - يظهر ضعف القول بالاستصحاب، و هو قول العلاّمة رحمه اللّه المذكور في آخر الأقوال في المسألة في الهامش 6 من ص 232.

(6)وجه بطلان الاستصحاب هو زوال تيقّن الحالة السابقة، لأنّ الحالة السابقة طهارة و حدثا قد نقضت بحصول خلافها يقينا، و لا معنى لاستصحاب ما زال قطعا.

مسائل في أحكام التخلّي واجبات التخلّي (7)خبر لمبتدإ مقدّر هو «هذه»، و «المسائل» هي المسائل المعهودة عند المصنّف رحمه اللّه التي يريد أن يذكرها.

ص: 236

واجبات التخلّي

(يجب على المتخلّي (1) ستر العورة) قبلا و دبرا عن ناظر محترم (2).

(و ترك استقبال القبلة) بمقاديم (3) بدنه،(و دبرها (4)) كذلك في البناء (5) و غيره.

**********

شرح:

(1)اسم فاعل من تخلّى منه و عنه تخلّيا: تركه، و - له: تفرّغ له (أقرب الموارد).

و المراد من التخلّي هنا هو قضاء الحاجة من البول و الغائط.

اعلم أنّ للمتخلّي أحكاما أربعة: واجبة و محرّمة و مكروهة و مستحبّة.

فمن الأحكام الواجبة عليه التي تفهم منها الأحكام المحرّمة أيضا وجوب ستر العورة قبلا و دبرا عن الناظر المحترم.

(2)المراد من الناظر المحترم هو الذي يحترم نظره مثل البالغ العاقل أو المميّز لا النظر غير المحترم مثل نظر غير المميّز و غير الإنسان.

(3)المقاديم جمع المقدم من الوجه: ما استقبلت منه (المنجد).

يعني يجب على المتخلّي ترك استقال القبلة بمقدّم أعضاء بدنه، بمعنى أنّه يحرم عليه أن يتوجّه بوجهه و مقدّم أعضائه إلى القبلة في حال التخلّي، لكن لا يحرم عليه ذلك في غيره.

(4)بالجرّ، عطف على قوله «استقبال». يعني يجب على المتخلّي ترك استدبار القبلة أيضا بمقاديم بدنه. و الضمير في قوله «دبرها» يرجع إلى القبلة، و قوله «كذلك» إشارة إلى مقاديم بدنه.

(5)يعني لا فرق في الحرمة المذكورة بين التخلّي في البناء و في غيره، و قد نبّه الشارح رحمه اللّه بذلك على خلاف ابن الجنيد رحمه اللّه حيث حكم بكراهة الاستقبال حين التخلّي في الصحراء، و مثله سلاّر رحمه اللّه حيث حكم بالكراهة حين التخلّي في البناء، و عن المفيد رحمه اللّه أنّه جوّز الاستقبال و الاستدبار للقبلة حين التخلّي في البناء.

ص: 237

(و غسل (1) البول بالماء) مرّتين كما مرّ.

(و) كذا يجب غسل (الغائط (2)) بالماء (مع التعدّي) للمخرج بأن تجاوز حواشيه و إن لم يبلغ الألية (3)،(و إلاّ) أي و إن لم يتعدّ الغائط المخرج (فثلاثة (4) أحجار) طاهرة جافّة قالعة (5) للنجاسة (أبكار (6)) لم يستنج بها بحيث تنجّست به (أو بعد طهارتها (7)) إن لم تكن أبكارا و تنجّست.

**********

شرح:

(1)يعني يجب على المتخلّي تطهير البول بالماء مرّتين، فلا يطهّر مجرى البول بغير الماء، و قد تقدّم الحكم بالتعدّد في تطهير محلّ البول.

(2)الغائط اسم فاعل من غاط الحفرة يغوط غوطا: حفر (أقرب الموارد).

و المراد هنا العذرة من الإنسان، لأنّها تقع في حفرة كثيرا فكأنّها سمّيت باسم المحلّ.

أقول: إنّ لغة العرب أعفّ اللغات كما صرّح بذلك أهل الفنّ حيث أنّها لم توضع فيها الألفاظ الخاصّة لما يستقبح التفوّه به، و مثل الفرج كناية عن العورة من دون التصريح بها و كذا الغائط بالنسبة إلى العذرة و المجامعة بالنسبة إلى الفعل المخصوص و غيرها.

(3)الألية - بالفتح -: العجيزة مثنّاها أليان (أقرب الموارد).

يعني يجب إزالة الغائط بالماء إذا تعدّى المخرج إلى حواشيه و إن لم يبلغ الأليتين.

(4)يعني يجوز تطهير الغائط بالأحجار لو لم يتعدّ المخرج إلى الحواشي.

(5)بأن تكون الأحجار المذكورة قالعة للنجاسة، فلا تكفي الأحجار الصقيلة و النجسة و الرطبة.

(6)بالجرّ، صفة للأحجار، و المراد هو عدم استعمال الأحجار المذكورة في الاستنجاء بحيث تكون متنجّسة.

الأبكار جمع البكر: أوّل كلّ شيء (أقرب الموارد).

(7)فلو استعملت الأحجار في الاستنجاء و تنجّست به اشترطت طهارتها حين

ص: 238

و لو لم تنجّس - كالمكملة (1) للعدد بعد نقاء المحلّ - كفت من غير (2) اعتبار الطهر (فصاعدا) عن الثلاثة إن لم ينق (3) المحلّ بها (أو شبهها) من ثلاث خرق (4) أو خزفات (5) أو أعواد (6) و نحو ذلك من الأجسام القالعة للنجاسة غير المحترمة (7).

**********

شرح:

استعمالها في الاستنجاء بها ثانيا، بمعنى أنّه يجوز استعمالها في الاستنجاء بعد طهارتها.

(1)و هي الأحجار التي تستعمل في الاستنجاء في العدد الثالث و لم تتنجّس و لم يكن استعمالها إلاّ لإكمال العدد المذكور فلا تحتاج إلى الطهارة.

(2)هذا قيد توضيحيّ لعدم الاحتياج إليه بعد فرض عدم تنجّس الأحجار المكملة للعدد.

(3)فعل مجهول من نقّاه تنقية: نظّفه (أقرب الموارد).

(4)الخرق جمع الخرقة - بالكسر -: القطعة من الثوب (أقرب الموارد).

(5)الخزفات جمع الخزف: ما عمل من الطين و شوي بالنار فصار فخّارا (أقرب الموارد).

(6)الأعواد جمع العود: الخشب، و - الغصن بعد أن يقطع (أقرب الموارد).

(7)قوله «غير المحترمة» صفة ثانية لقوله «الأجسام».

و المراد من «المحترمة» هو الأشياء التي يجب احترامها مثل المطعومات و المصاحف المكتوبة فيها أسامي الأنبياء و الأئمّة عليهم السّلام.

* من حواشي الكتاب: و لو كانت محترمة كالمطعومات و نحوها فالفاعل آثم، و المحلّ طاهر فيما يتعذّر فيه قلع النجاسة، و قيل: إنّه لا يفيد التطهير أيضا، و من المحترم ما يوجب استعماله عمدا فيه الكفر و الارتداد كجميع ما كتب عليه شيء من أسماء اللّه تعالى و الأنبياء و الأئمّة عليهم السّلام، أو شيء من القرآن و الحديث، و كذا التربة الحسينيّة عليه السّلام، فبعد الكفر يحصل نجاسته، و أمّا نجاسة الخبث فهل يزول أم لا فمحلّ اختلاف (حاشية جمال الدين رحمه اللّه).

ص: 239

و يعتبر العدد (1) في ظاهر النصّ (2)، و هو (3) الذي يقتضيه إطلاق العبارة، فلا يجزي ذو الجهات الثلاث (4).

و قطع المصنّف في غير الكتاب بإجزائه (5)، و يمكن إدخاله (6) على مذهبه في شبهها (7).

**********

شرح:

(1)اللام تكون للعهد الذكريّ للإشارة إليه في قول المصنّف رحمه اللّه في الصفحة 238 «فثلاثة أحجار».

(2)النصّ منقول في كتاب الوسائل، ننقل اثنين منه:

الأوّل: محمّد بن الحسن بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام، قال: سألته عن التمسّح بالأحجار، فقال: كان الحسين بن عليّ عليه السّلام يمسح بثلاثة أحجار (الوسائل: ج 1 ص 246 ب 30 من أبواب أحكام الخلوة من كتاب الطهارة ح 1).

الثاني: محمّد بن الحسن بإسناده عن بريد بن معاوية عن أبي جعفر عليه السّلام أنّه قال:

يجزي من الغائط المسح بالأحجار، و لا يجزي من البول إلاّ الماء (المصدر السابق: ح 2).

(3)الضمير في قوله «و هو» يرجع إلى اعتبار العدد المفهوم من قوله «و يعتبر العدد».

يعني أنّ إطلاق عبارة المصنّف حيث قال: «فثلاثة أحجار أبكار» يقتضي اعتبار العدد.

(4)أي لا يكفي الحجر الذي فيه ثلاث جهات.

(5)يعني أنّ المصنّف رحمه اللّه حكم في غير كتابه (اللمعة الدمشقيّة) بكون الحجر ذي الجهات الثلاث مجزيا و كافيا في إزالة الغائط.

(6)الضمير في قوله «إدخاله» يرجع إلى ذي الجهات. يعني يمكن أن يدخل ذو الجهات «أو شبهها» بأن يراد من هذا القول الأحجار التي لها ثلاث جهات أيضا كما يراد ثلاث خرق أو خزفات.

(7)الضمير في قوله «في شبهها» يرجع إلى مجموع ثلاثة أحجار لا إلى الأحجار نفسها،

ص: 240

و اعلم أنّ الماء مجز مطلقا (1)، بل هو أفضل من الأحجار على تقدير إجزائها (2)، و ليس في عبارته هنا (3) ما يدلّ على إجزاء الماء في غير المتعدّي.

نعم يمكن استفادته (4) من قوله سابقا: «الماء مطلقا» و لعلّه (5) اجتزأ به.

**********

شرح:

بمعنى أنّ الضمير لو رجع إلى الأحجار اريد منه مثل الخرقة و الخزفة، و لو رجع إلى مجموع ثلاثة أحجار شمل الأحجار التي لها ثلاث جهات أيضا.

(1)إشارة إلى أنّ الماء يكون كافيا في إزالة الغائط، سواء قلنا بإجزاء الأحجار أم لا.

إيضاح: كأنّ ذلك إشارة إلى عدم شمول قول المصنّف رحمه اللّه «و إلاّ فثلاثة أحجار أبكار» لإجزاء الماء عند عدم تعدّي الغائط، فصرّح الشارح رحمه اللّه بأنّ تعرّضه هنا لإجزاء الماء أيضا عند عدم التعدّي إنّما هو للاكتفاء بما قاله في الصفحة 185 في مقام بيان المطهّرات: «الماء مطلقا»، فإنّه يشمل كون الماء مطهّرا حتّى بالنسبة إلى الغائط غير المتعدّي.

(2)أي على تقدير القول بكون الأحجار مجزية.

(3)و قد أوضحنا وجه عدم دلالة عبارة المصنّف رحمه اللّه على إجزاء الماء عند عدم التعدّي في الهامش 1 من هذه الصفحة.

(4)الضمير في قوله «استفادته» يرجع إلى الإجزاء.

(5)يعني و لعلّ المصنّف رحمه اللّه اكتفى في إجزاء الماء في غير المتعدّي أيضا بقوله في الصفحة 185 في أوّل المطهّرات: «الماء مطلقا». ***

ص: 241

مستحبّات التخلّي

(و يستحبّ التباعد (1)) عن الناس بحيث لا يرى، تأسّيا بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله، فإنّه (2) لم ير قطّ على بول و لا غائط.

(و الجمع (3) بين المطهّرين) الماء و الأحجار مقدّما للأحجار في المتعدّي و غيره مبالغة (4) في التنزيه...

**********

شرح:

مستحبّات التخلّي (1)من هنا شرع المصنّف في بيان مستحبّات التخلّي فقال باستحباب تباعد المكلّف حين التخلّي عن الناس بأن يختار موضعا لا يراه أحد من الناس.

(2)يعني أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لم يره أحد في حالة الاشتغال بقضاء البول و الغائط. و الرواية منقولة في كتاب الوسائل:

و روى الشهيد الثاني في (شرح النفليّة) عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أنّه لم ير على بول و لا غائط (الوسائل: ج 1 ص 215 ب 4 من أبواب أحكام الخلوة من كتاب الطهارة ح 3).

و هنا أيضا رواية تناسب الرواية السابقة هي هذه:

الفضل بن الحسن الطبرسيّ في (مجمع البيان) عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: ما اوتي لقمان الحكمة لحسب و لا مال، و لا بسط في جسم و لا جمال، و لكنّه كان رجلا قويّا في أمر اللّه، متورّعا في اللّه، ساكتا سكّيتا، (و ذكر جملة من أوصافه و مدائحه إلى أن قال:) و لم يره أحد من الناس على بول و لا غائط قطّ و لا اغتسال، لشدّة تستّره و تحفّظه في أمره (إلى أن قال:) فبذلك اوتي الحكمة و منح القضيّة (المصدر السابق: ح 2).

(3)الثاني من مستحبّات التخلّي هو الجمع بين المطهّرين بأن يزيل النجاسة بالأحجار ثمّ يغسل الموضع بالماء بلا فرق بين المتعدّي و غيره.

(4)مفعول له، تعليل لاستحباب الجمع. يعني أنّ الجمع بين المطهّرين يوجب شدّة الاجتناب عن النجس.

ص: 242

و لإزالة (1) العين و الأثر على تقدير إجزاء الحجر.

و يظهر من إطلاق المطهّر استحباب (2) عدد من الأحجار مطهّر (3)، و يمكن تأدّيه (4) بدونه لحصول الغرض.

(و ترك استقبال (5)) جرم (النيّرين) الشمس و القمر بالفرج، أمّا جهتهما (6) فلا بأس.

(و) ترك استقبال (الريح (7))...

**********

شرح:

(1)هذا تعليل آخر لاستحباب الجمع. يعني أنّ استحباب الجمع إنّما هو لدفع العين بالأحجار و الأثر بالماء.

(2)يعني يظهر من إطلاق المطهّر في قوله «و الجمع بين المطهّرين» تحقّق الاستحباب باستعمال ثلاثة أحجار أيضا.

(3)قوله «مطهّر» صفة لقوله «عدد».

(4)يعني و يمكن أداء الاستحباب بدون استعمال ثلاثة من الأحجار أيضا بأن يزيل النجاسة بحجر واحد ثمّ يغسل الموضع بالماء، لأنّ الغرض من الاستحباب هو إزالة العين و الأثر كما تقدّم، و هي تحصل باستعمال حجر واحد أيضا.

(5)الثالث من مستحبّات التخلّي هو أن يترك المتخلّي استقبال الشمس و القمر بحيث أن لا يواجههما بالعورتين أنفسهما، فلو جعل بين الفرجين و قرصهما مانعا - و لو بالجلوس ظهر الجدار أو في بيت الخلاء أو بالثوب و غير ما ذكر - لم يكن به بأس.

(6)يعني أنّ استقبال جهتي الشمس و القمر مع جعل مانع من مواجهتهما بالفرج لا مانع منه.

(7)الرابع من مستحبّات التخلّي هو ترك استقبال الريح و استدبارها حين قضاء البول و الغائط.

ص: 243

و استدبارها (1) بالبول و الغائط، لإطلاق الخبر (2)، و من ثمّ (3) أطلق المصنّف و إن قيّد في غيره (4) بالبول.

(و تغطية الرأس (5)) إن كان مكشوفا، حذرا من وصول الرائحة الخبيثة إلى دماغه (6).

**********

شرح:

الريح: نسيم الهواء و نسيم كلّ شيء، مؤنّث أصله روح فقلبت الواو ياء لوقوعها ساكنة بعد الكسرة ج أرواح باعتبار الأصل و أرياح و رياح و ريح باعتبار الحال (أقرب الموارد).

(1)الضمير في قوله «استدبارها» يرجع إلى الريح، و هي مؤنّث سماعيّ كما تقدّم.

(2)الخبر منقول في كتاب الوسائل:

محمّد بن الحسن بإسناده عن عبد الحميد بن أبي العلاء و غيره رفعه قال: سئل الحسن بن عليّ عليه السّلام ما حدّ الغائط؟ قال: لا تستقبل القبلة و لا تستدبرها، و لا تستقبل الريح و لا تستدبرها (الوسائل: ج 1 ص 213 ب 2 من أبواب أحكام الخلوة من كتاب الطهارة ح 6).

فالخبر - كما ترى - مطلق من حيث النهي عن استقبال القبلة و الريح و إن كان مورد السؤال هو الغائط.

(3)يعني أنّ إطلاق الخبر المذكور هو الموجب لإطلاق المصنّف رحمه اللّه.

(4)فإنّ المصنّف في غير كتابه (اللمعة الدمشقيّة) قيّد كراهة استقبال الريح و استدبارها بالبول، و لعلّ وجهها تأثير الريح في إرجاع قطراته إلى الثوب و البدن، لكن هذا الوجه لا يتمّ إلاّ بالنسبة إلى الاستقبال.

(5)الخامس من مستحبّات التخلّي هو أن يغطّي المكلّف رأسه عند قضاء الحاجة إن كان مكشوفا.

(6)الدماغ كحراب: مخّ الرأس و أمّ الرأس ج أدمغة (أقرب الموارد).

ص: 244

و روي التقنّع (1) معها.

(و الدخول (2) ب) الرجل (اليسرى (3)) إن كان (4) ببناء، و إلاّ (5) جعلها آخر ما يقدّمه (6).

**********

شرح:

(1)مصدر من تقنّع الرجل: تغشّى بثوب (أقرب الموارد).

و المراد منه هنا أن يجعل الثوب مثل العباء و غيره على الرأس علاوة على تغطيته.

و الضمير في قوله «معها» يرجع إلى التغطية، و قد ذكر أنّه للاستحياء من الملكين الحاضرين عند المكلّف، كما هو مضمون الرواية المنقولة في كتاب الوسائل:

محمّد بن الحسن بإسناده عن أبي ذرّ عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في وصيّته له قال: يا أبا ذرّ استحي من اللّه، فإنّي و الذي نفسى بيده لأظلّ حين أذهب إلى الغائط متقنّعا بثوبي استحياء من الملكين الذين معي، يا أبا ذرّ أ تحبّ أن تدخل الجنّة؟ فقلت: نعم فداك أبي و امّي، قال: فاقصر الأمل، و اجعل الموت نصب عينك، و استحي من اللّه حقّ الحياء (الوسائل: ج 1 ص 214 ب 3 من أبواب أحكام الخلوة من كتاب الطهارة ح 3).

(2)السادس من مستحبّات التخلّي هو الدخول بالرجل اليسرى.

(3)الرّجل مؤنّث سماعيّ فلذا وصفها المصنّف رحمه اللّه باليسرى، فإنّها مؤنّث «الأيسر».

(4)اسم «كان» هو الضمير المستتر الراجع إلى التخلّي. يعني يستحبّ الدخول إلى بيت الخلاء بالرجل اليسرى.

(5)أي إن لم يقع التخلّي في بيت الخلاء، بل أراد أن يقضي حاجته في الصحراء، مثلا جعل الرجل اليسرى آخر قدمه فيجلس و يقضي حاجته.

و الضمير الملفوظ في قوله «جعلها» يرجع إلى الرجل اليسرى.

(6)الضمير الملفوظ في قوله «يقدّمه» يرجع إلى «ما» الموصولة. يعني و إلاّ جعل الرجل اليسرى آخر قدم يقدّمها.

ص: 245

(و الخروج (1) ب) الرجل (اليمنى) كما وصفناه (2) عكس المسجد.

(و الدعاء (3) في أحواله) التي ورد استحباب الدعاء فيها، و هي عند الدخول و عند الفعل (4) و رؤية الماء و الاستنجاء و عند مسح بطنه (5) إذا قام من موضعه (6) و عند الخروج بالمأثور (7).

**********

شرح:

(1)السابع من مستحبّات التخلّي هو الخروج من محلّ الخلاء بالرجل اليمنى.

(2)المراد من «ما وصفناه» هو جعل الرجل اليمنى حين الخروج آخر قدمه إن لم يكن القضاء ببناء، أمّا المستحبّ حين الدخول في المسجد فهو أن يقدّم الرجل اليمنى و حين الخروج أن يقدّم الرجل اليسرى.

(3)الثامن من مستحبّات التخلّي هو قراءة الأدعية التي وردت استحبابها في حالات التخلّي مثل حال الدخول و فعل التخلّي و غيرهما.

(4)أي فعل التخلّي.

(5)يعني إذا فرغ من التخلّي مسح بطنه بعد القيام و قرأ الدعاء الوارد فيه.

(6)الضمير في قوله «موضعه» يرجع إلى التخلّي.

(7)الجارّ و المجرور يتعلّقان بقوله «الدعاء» المذكور في قوله «و الدعاء في أحواله». يعني يستحبّ أن يدعو المتخلّي في الحالات المذكورة بما ورد في الروايات. و من الروايات الشاملة لبعض الأدعية في حالات التخلّي ما نقل في كتاب الوسائل، ننقل ثلاثا منها:

الاولى: محمّد بن يعقوب بإسناده عن معاوية بن عمّار قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: إذا دخلت المخرج فقل: بسم اللّه، اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الخبيث المخبث، الرجس النجس، الشيطان الرجيم، فإذا خرجت فقل: بسم اللّه، الحمد للّه الذي عافاني من الخبيث المخبث، و أماط عنّي الأذى... إلخ (الوسائل: ج 1 ص 216 ب 5 من أبواب أحكام الخلوة من كتاب الطهارة ح 1).

ص: 246

(و الاعتماد (1) على) الرجل (اليسرى) و فتح اليمنى.

(و الاستبراء (2))، و هو طلب براءة المحلّ من البول بالاجتهاد الذي هو مسح ما بين المقعدة و أصل القضيب (3) ثلاثا، ثمّ نتره (4) ثلاثا، ثمّ عصر

**********

شرح:

الثانية: محمّد بن الحسن عن محمّد بن الحسين عن الحسن بن عليّ عن أبيه عن آبائه عن جعفر عليهم السّلام قال: قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: إذا انكشف أحدكم لبول أو غير ذلك فليقل:

بسم اللّه، فإنّ الشيطان يغضّ بصره (المصدر السابق: ص 217 ح 4).

الثالثة: [محمّد بن عليّ بن الحسين] قال: و كان الصادق عليه السّلام إذا دخل الخلاء يقنّع رأسه و يقول في نفسه: بسم اللّه و باللّه، و لا إله إلاّ اللّه، ربّ أخرج عنّي الأذى سرحا بغير حساب، و اجعلني لك من الشاكرين فيما تصرفه عنّي من الأذى و الغمّ الذي لو حبسته عنّي هلكت، لك الحمد، اعصمني من شرّ ما في هذه البقعة و أخرجني منها سالما و حل بيني و بين طاعة الشيطان الرجيم (المصدر السابق: ص 217 ح 7).

(1)التاسع من مستحبّات التخلّي هو أن يعتمد المكلّف على رجله اليسرى بأن يلقي ثقله على طرفه الأيسر و يفتح رجله اليمنى.

(2)العاشر من مستحبّات التخلّي هو الاستبراء، و هو في اللغة طلب البراءة من شيء، و في المقام عبارة عن طلب براءة مخرج البول بأعمال خاصّة، و هي تسعة أعمال:

الأوّل: أن يمسح ما بين المقعدة و القضيب ثلاث مرّات بالأصابع أو بالوسطى منها.

الثاني: جذب نفس القضيب بالشدّة المتداولة ثلاث مرّات أيضا.

الثالث: أن يعصر بما هو المتداول حشفة الآلة، و هي محلّ الختان ثلاث مرّات كما تقدّم. فيكون المجموع تسعة أعمال تسمّى استبراء في اصطلاح الفقهاء.

(3)القضيب ج قضبان و قضبان: الغصن المقطوع (المنجد).

و المراد منه هنا هو آلة الرجوليّة.

(4)بالرفع، عطف على قوله «مسح»، و هو مصدر من نتر الشيء نترا: جذبه بجفوة، و

ص: 247

الحشفة ثلاثا.

(و التنحنح (1) ثلاثا) حالة الاستبراء، نسبه المصنّف في الذكرى إلى سلاّر (2)، لعدم وقوفه على مأخذه.

(و الاستنجاء (3) باليسار)، لأنّها موضوعة للأدنى، كما أنّ اليمين للأعلى كالأكل و الوضوء.

مكروهات التخلّي

(و يكره باليمين (4)) مع الاختيار، لأنّه من الجفاء (5).

**********

شرح:

في الأساس: «و نتر الترس: مدّه حتّى كاد كالقوس تنكسر»، (أقرب الموارد).

و المراد منه هنا هو جذب نفس الآلة بالشدّة لتحصل براءتها من البول.

(1)الحادي عشر من مستحبّات التخلّي هو التنحنح ثلاثا، و هو قول: «أحّ أحّ» حال الاستبراء.

التنحنح مصدر من تنحنح الرجل: تردّد صوته في صدره (المنجد).

و المراد منه هنا هو قول المتخلّي: «أحّ أحّ» حالة اشتغالة بأعمال الاستبراء.

(2)سلاّر معرب «سالار»، و هو من أعظم فقهاء الشيعة، و قبره في آذربيجان، فإنّ المصنّف رحمه اللّه لم يجد مستندا لاستحباب التنحنح و لهذا نسبه في كتابه (الذكرى) إلى سلاّر رحمه اللّه.

(3)الثاني عشر من مستحبّات التخلّي هو التطهير باليد اليسرى، لأنّ اللّه تعالى خلقها للأمر الأدنى مثل الإزالة، كما أنّ اليمنى خلقت للأمر الأعلى مثل الأكل و الشرب و المصافحة و الوضوء و غيرها.

مكروهات التخلّي (4)من هنا شرع المصنّف رحمه اللّه في بيان المكروهات حين التخلّي.

الأوّل من مكروهات التخلّي هو الإزالة باليد اليمنى اختيارا.

(5)الجفاء - ممدودا -: خلاف البرّ و الإحسان (الصحاح).

ص: 248

(و يكره (1) البول قائما)، حذرا (2) من تخبيل (3) الشيطان.

(و مطمّحا (4)) به في الهواء، للنهي (5) عنه.

(و في الماء (6)) جاريا و راكدا، للتعليل في أخبار النهي بأنّ للماء أهلا فلا تؤذهم (7) بذلك.

**********

شرح:

(1)الثاني من مكروهات التخلّي هو البول قائما بأن لا يجلس حين البول.

(2)تعليل لكراهة البول قائما، فإنّه يوجب إفساد الشيطان عقل المتخلّي بالبول.

(3)مصدر من خبّله: أفسد عقله (المنجد).

و هذا التعليل مأخوذ من رواية منقولة في كتاب الوسائل:

محمّد بن الحسن بإسناده عن حكم عن رجل عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: قلت له:

أ يبول الرجل و هو قائم؟ قال: نعم و لكن يتخوّف عليه أن يلبس به الشيطان أي يخبله، الحديث (الوسائل: ج 1 ص 249 ب 33 من أبواب أحكام الخلوة من كتاب الطهارة ح 7).

(4)الثالث من مكروهات التخلّي هو التطميح بالبول في الهواء بأن يبول بحيث يطرح بوله في الهواء.

و قوله «مطمّحا» اسم فاعل من طمّح بالشيء في الهواء: رماه (المنجد).

(5)النهي وارد في رواية منقولة في كتاب الوسائل:

محمّد بن يعقوب بإسناده عن السكونيّ عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: نهى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أن يطمح الرجل ببوله من السطح، و من الشيء المرتفع في الهواء (الوسائل: ج 1 ص 248 ب 33 من أبواب أحكام الخلوة من كتاب الطهارة ح 1).

(6)الرابع من مكروهات التخلّي هو البول في الماء بلا فرق بين كونه جاريا أو راكدا، و علّل في الأخبار بوجود ما يسكن في الماء، فيكره إيذاؤهم.

(7)بصيغة المخاطب من باب الإفعال، و قوله «بذلك» إشارة إلى البول في الماء. يعني

ص: 249

(و الحدث (1) في الشارع)، و هو الطريق المسلوك.

(و المشرع (2))، و هو طريق الماء للواردة (3).

(و الفناء (4)) بكسر الفاء، و هو ما امتدّ من جوانب الدار، و هو حريمها

**********

شرح:

فلا تؤذ السكّان الموجودة في الماء بالبول فيه. و من الروايات الدالّة على النهي في الماء الجاري و الراكد ما هو المنقول في كتاب الوسائل، ننقل اثنتين منها:

الاولى: محمّد بن الحسن بإسناده عن المفيد بإسناده عن مسمع عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السّلام: إنّه نهى أن يبول الرجل في الماء الجاري إلاّ من ضرورة، و قال: إنّ للماء أهلا (الوسائل: ج 1 ص 240 ب 24 من أبواب أحكام الخلوة من كتاب الطهارة ح 3).

الثانية: محمّد بن عليّ بن الحسين بإسناده عن الحسين بن زيد عن الصادق جعفر بن محمّد عن آبائه عليهم السّلام عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في حديث المناهي، قال: و نهى أن يبول أحد في الماء الراكد، فإنّه يكون منه ذهاب العقل (المصدر السابق: ح 5).

(1)الخامس من مكروهات التخلّي هو البول و الغائط في الطرق التي يسلكونها الناس.

(2)السادس من مكروهات التخلّي هو البول و الغائط في طريق الماء.

المشرع و المشرعة و المشرعة ج مشارع: مورد الشاربة (المنجد).

(3)قوله «الواردة» صفة لموصوف مقدّر هو الجماعة.

(4)السابع من مكروهات التخلّي هو البول و الغائط في أطراف دار الغير و جوانبها التي لا يملكها صاحب الدار، و هي حريم الدار خارج ما هو ملك صاحب الدار، فلو كانت مملوكة لصاحب الدار لم يجز الحدث فيها، لعدم جواز التصرّف في ملك الغير بلا إذن منه.

الفناء - بالكسر -: الوصيد و هو ساحة أمام البيت، و قيل: هو ما امتدّ من جوانبه ج أفنية و فنيّ (أقرب الموارد).

و منه ما ورد في الدعاء: إلهي عبيدك بفنائك، فقيرك بفنائك، مسكينك بفنائك.

ص: 250

خارج المملوك منها (1).

(و الملعن (2))، و هو مجمع الناس (3) أو منزلهم (4) أو قارعة الطريق (5) أو أبواب (6) الدور.

(و تحت (7)) الشجرة (المثمرة)، و هي ما من شأنها أن تكون مثمرة و إن لم تكن كذلك بالفعل (8).

و محلّ الكراهة ما يمكن أن تبلغه الثمار عادة و إن لم يكن تحتها (9).

(و فيء (10) النزّال)،...

**********

شرح:

(1)أي خارج المملوك من الدار.

(2)الثامن من مكروهات التخلّي هو الحدث في المحلّ الذي يوجب لعن الناس.

(3)يعني أنّ المراد من «الملعن» على أحد الاحتمالات هو الموضع الذي يجتمع الناس فيه، فإنّ محلّ الاجتماع في البلاد و القرى يكون مواضع خاصّة.

(4)يعني أنّ المراد من «الملعن» على احتمال ثان هو موضع نزول المسافرين من الناس.

(5)يعني أنّ الاحتمال الثالث في «الملعن» هو معظم الطرق الذي يمشون الناس فيه، و المراد من القرع هو المشي.

(6)هذا هو الاحتمال الرابع في «الملعن». يعني أنّ المراد منه هو أبواب الدور على هذا الاحتمال. و الدور جمع، مفرده الدار.

(7)التاسع من المكروهات هو الحدث تحت الشجرة المثمرة و إن لم تكن ذات ثمار بالفعل.

(8)بل كان من شأنها أن تثمر.

(9)الضمير في قوله «تحتها» يرجع إلى الشجرة. يعني أنّ المراد من تحت الشجرة هو المواضع التي يمكن بلوغ ثمارها إيّاها لا تحتها حقيقة.

(10)العاشر من المكروهات هو الحدث في موضع الأظلال التي هي محلّ نزول الناس

ص: 251

و هو موضع الظلّ المعدّ لنزولهم (1)، أو ما هو أعمّ منه (2) كالمحلّ الذي يرجعون إليه و ينزلون به، من فاء (3) يفيء إذا رجع.

(و الجحرة (4)) بكسر الجيم ففتح الحاء و الراء المهملتين جمع «جحر» بالضمّ فالسكون، و هي بيوت الحشار.

(و السواك (5)) حالته، روي أنّه يورث البخر (6).

**********

شرح:

كبعض المواضع في البلاد و القرى التي فيها أظلال الأشجار و الجدران و يجتمع الناس فيها و يستريحون.

و لعلّ التعبير عن الظلّ بلفظ الفيء إنّما هو لرجوعه برجوع الشمس.

و قوله «النزّال» جمع النازل على وزن الطلاّب جمع الطالب.

(1)أي نزول النازلين في المحلّ الذي يكون فيه الظلّ.

(2)الضمير في قوله «منه» يرجع إلى موضع الظلّ. يعني يمكن أن يراد من قوله «فيء النزّال» المعنى الأعمّ من موضع الظلّ بأن يراد منه معناه اللغويّ، و هو موضع يرجع الناس إليه.

(3)يعني أنّ لفظ «فيء» اخذ من فاء يفيء بمعنى رجع يرجع.

(4)الحادي عشر من المكروهات هو الحدث في بيوت الحشار.

الجحرة جمع مفرده الجحر: مكان تحتفره السباع و الهوامّ لأنفسها (المنجد).

(5)الثاني عشر من المكروهات هو السواك حال التخلّي، لأنّه يوجب تعفّن الفم، كما ورد في هذا المعنى رواية منقولة في كتاب من لا يحضره الفقيه:

و قال موسى بن جعفر عليهما السّلام: أكل الاشنان يذيب البدن، و التدلّك بالخزف يبلي الجسد، و السواك في الخلاء يورث البخر (من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 52 ح 110).

(6)البخر - بالتحريك -: نتن الفم (أقرب الموارد).

ص: 252

(و الكلام (1)) إلاّ بذكر اللّه تعالى.

(و الأكل و الشرب (2))، لما فيه من المهانة (3)، و للخبر (4).

**********

شرح:

(1)الثالث عشر من المكروهات هو التكلّم حين التخلّي بغير ذكر اللّه تعالى.

اعلم أنّه ادّعى بعض المحشّين المعاصرين كون قوله «إلاّ بذكر اللّه تعالى» من المتن، لكنّ المناسب كونه من الشرح، لأنّ بناء المصنّف رحمه اللّه هو الاختصار في مقام بيان المطالب، و الشارح رحمه اللّه هو الذي يكون في مقام البسط و التفسير.

(2)الرابع عشر و الخامس عشر من مكروهات التخلّي هما الأكل و الشرب حين التخلّي.

(3)المهانة مصدر من هان الرجل هونا و هوانا و مهانة: ذلّ و حقر (أقرب الموارد).

يعني أنّ الأكل و الشرب في حال التخلّي يوجبان ذلّة النفس و حقارتها.

(4)لم أعثر فيما تتبّعت على خبر يدلّ على كراهة الأكل و الشرب حال التخلّي، نعم يفهم هذا المطلب من الخبر المنقول في كتاب الوسائل:

محمّد بن عليّ بن الحسين قال: دخل أبو جعفر الباقر عليه السّلام الخلا فوجد لقمة خبز في القذر فأخذها و غسلها و دفعها إلى مملوك معه، فقال: تكون معك لآكلها إذا خرجت، فلمّا خرج عليه السّلام قال للمملوك: أين اللقمة؟ فقال: أكلتها يا بن رسول اللّه، فقال عليه السّلام: إنّها ما استقرّت في جوف أحد إلاّ وجبت له الجنّة، فاذهب فأنت حرّ، فإنّي أكره أن استخدم رجلا من أهل الجنّة (الوسائل: ج 1 ص 254 ب 39 من أبواب أحكام الخلوة من كتاب الطهارة ح 1).

و المستفاد من هذا الخبر هو أنّ الأكل في الخلاء كان مكروها في رأي الإمام عليه السّلام.

و الخبر الدالّ على توقير الخبز الملقى منقول في كتاب الوسائل:

في عيون الأخبار بأسانيد عن الرضا عن آبائه عن الحسين بن عليّ عليه السّلام (إلى أن قال): نعم سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول: من وجد لقمة ملقاة فمسح منها أو غسل منها ثمّ أكلها لم تستقرّ في جوفه إلاّ أعتقه اللّه من النار... إلخ (المصدر السابق: ح 2).

ص: 253

ما يجوز حين التخلّي

(و يجوز حكاية الأذان (1)) إذا سمعه - و لا سند له ظاهرا - على (2) المشهور، و ذكر اللّه تعالى (3) لا يشمله أجمع، لخروج الحيعلات (4) منه، و من ثمّ حكاه (5) المصنّف في الذكرى بقوله: «و قيل».

**********

شرح:

ما يجوز حين التخلّي (1)المراد من «حكاية الأذان» هو تكرار فصوله بعد سماعه من المؤذّن، و هو مستحبّ كما يأتي في كتاب الصلاة، و المصنّف رحمه اللّه قال باستحبابه حين التخلّي أيضا، لكنّ الشارح رحمه اللّه نسب الاستحباب حين التخلّي إلى الشهرة بلا سند ظاهر له.

(2)الجارّ و المجرور يتعلّقان بقوله «يجوز». يعني أنّ جواز حكاية الأذان مشهور بين الفقهاء.

اعلم أنّه ادّعى بعض المحشّين انتفاء قول الشارح رحمه اللّه «على المشهور» في النسخ المخطوطة، و لكنّه موجود في أغلب النسخ المطبوعة، و الأولى ذكره قبل قوله «و لا سند له ظاهرا»، لأنّ المشهور هو جواز الحكاية لا انتفاء السند.

(3)هذا دفع لتوهّم دخول حكاية الأذان في ذكر اللّه تعالى المستحبّ في كلّ حال.

فأجاب عنه بأنّ بعض فصوله مثل الحيعلات لا يعدّ ذكرا فلا تشمله أدلّة استحباب الذكر.

(4)الحيعلات جمع الحيعلة، و هي مصدر من فعل منحوت و هو «حيعل»، (المنجد).

حيعل المؤذّن: قال: «حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح»، (المنجد).

و المراد من «الحيعلات» هو الفصول التي تذكر فيها «حيّ» مثل حيّ على الصلاة و حيّ على الفلاح و حيّ على خير العمل.

(5)يعني أنّ المصنّف رحمه اللّه حكى جواز حكاية الأذان حين التخلّي في كتابه (الذكرى) بلفظ «قيل».

ص: 254

(و قراءة آية الكرسيّ (1))، و كذا مطلق حمد اللّه و شكره و ذكره (2)، لأنّه حسن على كلّ حال،(و للضرورة) كالتكلّم لحاجة يخاف فوتها لو أخّره إلى أن يفرغ (3).

**********

شرح:

أقول: و العجب من الشارح رحمه اللّه كيف ادّعى انتفاء السند لجواز حكاية الأذان حين التخلّي و قد نقل صاحب الوسائل رحمه اللّه ثلاث روايات لاستحبابها، إليك هذه الروايات الثلاث:

الاولى: محمّد بن عليّ بن الحسين بإسناده عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام أنّه قال له: يا محمّد بن مسلم لا تدعنّ ذكر اللّه على كلّ حال، و لو سمعت المنادي ينادي بالأذان و أنت على الخلا فاذكر اللّه عزّ و جلّ و قل كما يقول المؤذّن (الوسائل: ج 1 ص 221 ب 8 من أبواب أحكام الخلوة من كتاب الطهارة ح 1).

الثانية: محمّد بن عليّ بن الحسين بإسناده عن أبي بصير قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: إن سمعت الأذان و أنت على الخلا فقل مثل ما يقول المؤذّن، و لا تدع ذكر اللّه عزّ و جلّ في تلك الحال، لأنّ ذكر اللّه حسن على كلّ حال (المصدر السابق: ح 2).

الثالثة: محمّد بن عليّ بن الحسين بإسناده عن سليمان بن مقبل المدينيّ قال: قلت لأبي الحسن موسى بن جعفر عليه السّلام: لأيّ علّة يستحبّ للإنسان إذا سمع الأذان أن يقول كما يقول المؤذّن و إن كان على البول و الغائط؟ فقال: لأنّ ذلك يزيد في الرزق (المصدر السابق: ح 3).

(1)سيأتي في مطويّ بعض الأبواب تفصيل آية الكرسيّ.

(2)و قد أشار الشارح رحمه اللّه سابقا في الصفحة 253 في قوله «إلاّ بذكر اللّه تعالى» إلى عدم كراهة ذكر اللّه حين التخلّي، و صرّح هنا باستحبابه.

(3)أي يفرغ من التخلّي.

ص: 255

و يستثنى (1) أيضا الصلاة على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله عند سماع ذكره (2)، و الحمدلة (3) عند العطاس منه (4) و من غيره، و هو (5) من الذكر.

و ربّما قيل (6) باستحباب التسميت منه أيضا.

و لا يخفى وجوب ردّ السلام و إن كره السلام عليه (7).

و في كراهة ردّه مع تأدّي الواجب (8)...

**********

شرح:

(1)يعني يستثنى من كراهة التكلّم حين التخلّي ذكر الصلاة على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إذا سمع اسمه، و عن بعض الفقهاء وجوب الصلاة على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله حين سماع اسمه، و هو شامل لحال التخلّي أيضا.

(2)الضمير في قوله «ذكره» يرجع إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله.

(3)الحمدلة - على وزن دحرجة - من المصادر المنحوتة بمعنى قول «الحمد للّه ربّ العالمين».

(4)يعني يستثنى من الكراهة قول: «الحمد للّه» إذا حصلت العطسة من المتخلّي أو من غيره.

(5)الضمير في قوله «و هو» يرجع إلى «الحمدلة».

(6)يعني قال بعض الفقهاء بأنّ التسميت يستحبّ من المتخلّي أيضا كما أنّه مستحبّ من غيره.

التسميت من سمّت فلان على الشيء: ذكر اسم اللّه عليه، و للعاطس: دعا له بقوله:

«يرحمك اللّه» أو نحوه (أقرب الموارد).

(7)الضمير في قوله «عليه» يرجع إلى المتخلّي.

(8)يعني أنّ وجوب ردّ سلام الغير واجب كفائيّ، فإذا تأدّى هذا الواجب بردّ الغير فهل يكره على المتخلّي الردّ أم لا؟ فيه و جهان:

ص: 256

بردّ غيره و جهان (1).

و اعلم أنّ المراد بالجواز (2) في حكاية الأذان و ما في معناه (3) معناه (4)

**********

شرح:

الأوّل: الكراهة، لأنّ السلام ليس من ذكر اللّه، فإذا سقط وجوبه الكفائيّ لم يكن داخلا في الاستثناء.

الثاني: عدم الكراهة، لأنّه واجب كفائيّ يشمل المكلّفين جميعا، و لا يحكم في حقّهم - و لو واحدا منهم - بالكراهة.

(1)مبتدأ مؤخّر، خبره المقدّم هو قوله «و في كراهة ردّه».

(2)هذا إيضاح لخصوص الجواز في قوله «و يجوز حكاية الأذان... إلخ»، و أنّ المراد من الجواز ليس معناه المصطلح عليه، و هو ما يتساوى طرفا فعله و تركه، بل المراد هو الجواز في ضمن الاستحباب.

إيضاح: اعلم أنّ الجواز و الإباحة إمّا هما بالمعنى الأخصّ، و هو الذي يتساوى طرفاه من حيث الفعل و الترك مثل الأكل و الشرب و غيرهما من المباحات.

و إمّا هما بالمعنى الأعمّ، و هو يجتمع مع الوجوب و الاستحباب و الكراهة، و هو عبارة عن عدم المنع من الفعل مطلقا في مقابل الممنوع الحرام.

فقال الشارح رحمه اللّه بأنّ المراد من الجواز في قول المصنّف رحمه اللّه «يجوز حكاية الأذان» و ما بعده ليس معناه الأخصّ، لأنّ حكاية الأذان و ما ذكر بعدها من قبيل العبادات، و لا معنى لجوازها بالمعنى الأخصّ، فالمراد منه هو الاستحباب.

(3)المراد من ما في معنى حكاية الأذان هو استحباب قراءة آية الكرسيّ و غيرها ممّا ذكره المصنّف و الشارح لاستثنائه من الكراهة.

و الضمير في قوله «معناه» الأوّل يرجع إلى حكاية الأذان، و التذكير باعتبار كون الحكاية من المصادر، و المصادر يجوز فيها وجها التذكير و التأنيث، و كذلك الضمير في قوله «لأنّه مستحبّ».

(4)خبر لقوله «أنّ».

ص: 257

الأعمّ، لأنّه مستحبّ لا يستوي طرفاه (1)، و المراد منه هنا (2) الاستحباب، لأنّه (3) عبادة لا تقع (4) إلاّ راجحة و إن وقعت مكروهة (5)، فكيف (6) إذا انتفت الكراهة.

**********

شرح:

(1)أي لا يستوي طرفا حكاية الأذان من حيث الفعل و الترك.

(2)يعني أنّ المراد من لفظ الجواز في عبارة المصنّف رحمه اللّه «و يجوز حكاية الأذان» هو الاستحباب.

(3)الضمير في قوله «لأنّه» يرجع إلى حكاية الأذان و ما في معناه، و التذكير باعتبار ما ذكر.

(4)فاعله هو الضمير الراجع إلى العبادة.

(5)فإنّ المراد من كراهة العبادة هو كونها أقلّ ثوابا لا ما يكون فيه المفسدة غير الملزمة كما في غير العبادات.

(6)يعني فكيف يحمل الجواز على معناه الأخصّ و تساوي الطرفين فيما إذا ارتفعت الكراهة.

ص: 258

الفصل الثاني في الغسل

اشارة

(الفصل الثاني (1) في الغسل)

موجبات الغسل

(و موجبه (2)) ستّة:

**********

شرح:

الغسل موجبات الغسل (1)أي الفصل الثاني من الفصول التي قال عنها في الصفحة 197 «فهنا فصول ثلاثة».

يعني أنّ الفصل الثاني في خصوص الغسل.

الغسل: الاسم من غسل غسلا و غسلا الشيء: طهّره بالماء و أزال وسخه (المنجد).

(2)يعني أنّ موجبات الغسل ستّة:

الأوّل: الجنابة.

الثاني: الحيض.

الثالث: الاستحاضة (الكثيرة و المتوسّطة منها لا القليلة).

الرابع: النفاس، و هو الدم الحاصل عند الولادة.

الخامس: مسّ الميّت النجس من الآدميّ.

السادس: خروج الروح من البدن.

و سيأتي تفصيل كلّ واحدة منها في محلّه.

ص: 259

(الجنابة (1)) بفتح الجيم (و الحيض و الاستحاضة مع غمس القطنة (2))، سواء سال عنها (3) أم لا، لأنّه موجب حينئذ في الجملة (4).

(و النفاس (5) و مسّ الميّت (6) النجس)...

**********

شرح:

(1)مصدر من جنب جنابة الرجل: تنجّس (المنجد).

(2)القطن، القطعة منه «قطنة» و ربّما جمع على أقطان: نبات ليفيّ من الخبّازيّات (المنجد).

اعلم أنّ التاء في القطنة تكون للتمييز بين الجنس و المفرد مثل الشجر و الشجرة و التمر و التمرة، و ليست للتأنيث. يعني أنّ الاستحاضة توجب الغسل إذا غمس الدم الخارج القطنة التي تجعل في الفرج حذرا عن سيلان الدم.

(3)يعني أنّ الاستحاضة توجب الغسل في صورتين:

الاولى: إذا تجاوز الدم القطنة، و تسمّى بالكثيرة.

الثانية: إذا غمس الدم القطنة و إن لم يتجاوزها، و تسمّى بالمتوسّطة.

(4)المراد من قوله «في الجملة» هو وجوب الغسل عند عدم سيلان الدم عن القطنة الموضوعة في الفرج بالإجمال، بمعنى أنّه يوجب الغسل لصلاة الصبح خاصّة لا لغيرها من الصلوات، بخلاف سيلانه عن القطنة، فإنّه يوجب الغسل لكلّ صلاة.

(5)الرابع من موجبات الغسل هو النفاس.

النفاس (مصدر): ولادة المرأة، دم يعقب الولادة (المنجد).

(6)الخامس من موجبات الغسل هو مسّ الميّت، و كونه نجسا إنّما هو بعد ذهاب روحه و قبل إكمال الأغسال الثلاثة.

* من حواشي الكتاب: قوله «و مسّ الميّت النجس... إلخ» هذا هو المشهور و الأقوى، و ذهب السيّد المرتضى إلى استحباب غسل المسّ، و الأخبار المتضافرة دالّة على الوجوب، و لا يشترط فيه الرطوبة، بل يجب الغسل بالمسّ مع اليبوسة أيضا، لعموم الروايات، و قد صرّح به في المنتهى و غيره، و في حكم مسّ الميّت عندهم مسّ

ص: 260

في حال كونه (آدميّا (1))، فخرج (2) الشهيد و المعصوم و من (3) ثمّ غسله الصحيح و إن كان متقدّما على الموت، كمن (4) قدّمه ليقتل فقتل بالسبب (5) الذي اغتسل له (6).

**********

شرح:

قطعة فيها عظم، سواء ابينت من الميّت قبل غسله أو من الحيّ، كما سيجيء تفصيله، و كذا العظم المجرّد على ما رجّحه المصنّف في الذكرى (حاشية جمال الدين رحمه اللّه).

(1)و الخارج بهذا القيد هو ما يكون ميّتا غير آدميّ مثل الحيوانات غير الناطقة مطلقا.

(2)يعني خرج بتقييد الميّت بكونه نجسا ما يذكره من الشهيد و ما بعده.

* قال جمال الدين رحمه اللّه: أمّا استثناء المعصوم فلا تصريح به في غير الكتاب، و لا يجري فيه الوجه المذكور المبتني على نجاسة الميّت الآدميّ قبل الغسل، و في المكاتبة إلى الصادق عليه السّلام: هل اغتسل أمير المؤمنين عليه السّلام حين غسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عند موته؟ قال: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله طاهرا مطهّرا، و لكن فعل أمير المؤمنين عليه السّلام ذلك، و جرت به السنّة (حاشية جمال الدين رحمه اللّه).

(3)عطف على قوله «الشهيد». يعني و خرج بقيد النجس الميّت الذي ثمّ غسله بالأغسال الثلاثة الواجبة التي سيأتي تفصيلها.

(4)مثال لمن قدّم أغساله الثلاثة على موته، و هو الذي صار محكوما عليه بالقتل قصاصا أو رجما أو لغيرهما، و يجوز له أن يغتسل بالأغسال الثلاثة (الغسل بالسدر و الكافور و القراح)، ثمّ يقتل و لا يحتاج إلى تغسيله بعد القتل.

و الضمير الملفوظ في قوله «قدّمه» يرجع إلى الغسل.

(5)يعني أنّ سقوط تغسيله إنّما هو في صورة قتله بالسبب الذي اغتسل للقتل به، مثلا إذا كان محكوما عليه بالقتل للزنا فاغتسل ثمّ قتل بالحوادث العارضة لم يسقط عنه الغسل، فلو مسّه أحد بعد موته كذلك وجب عليه غسل مسّ الميّت.

(6)الضمير في قوله «له» يرجع إلى السبب.

ص: 261

و خرج بالآدميّ (1) غيره من الميتات الحيوانيّة، فإنّها و إن كانت نجسة إلاّ أنّ مسّها لا يوجب غسلا، بل هي كغيرها من النجاسات (2) في أصحّ القولين.

و قيل (3): يجب غسل (4) ما مسّها و إن يكن برطوبة.

(و الموت (5)) المعهود شرعا، و هو موت (6) المسلم و من بحكمه غير الشهيد (7).

**********

شرح:

(1)إشارة إلى قوله «آدميّا».

(2)فكما أنّ مسّ سائر النجاسات لا يوجب غسلا كذلك مسّ ميتة الحيوانات النجسة.

(3)هذا قول في مقابلة القول الأصحّ، و هو وجوب غسل ما مسّ ميتة الحيوانات و لو بلا رطوبة، و لعلّ مستند هذا القول هو إطلاق بعض الروايات مثل ما نقل في المرسلة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: هل يحلّ أن يمسّ الثعلب و الأرنب أو شيئا من السباع حيّا أو ميّتا؟ قال: لا يضرّه و لكن يغسل يده.

(4)بفتح الغين. يعني يجب أن يغسل ما مسّ ميتة الحيوانات و لو باليبوسة.

(5)السادس من موجبات الغسل هو موت المسلم و من بحكمه من أولاده الصغار و المجانين، فإنّ موت المسلم و من بحكمه يوجب أن يغسل بالأغسال الثلاثة التي يأتي تفصيلها.

(6)قوله «الموت» بالرفع، عطف على قوله «الجنابة».

(7)بالجرّ، صفة للمسلم.

و المراد من «الشهيد» - كما يأتي - هو من مات في ساحة القتال الذي أمر به النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أو الإمام عليه السّلام أو نائبهما الخاصّ.

ص: 262

القول في الجنابة
موجب الجنابة

(و موجب (1) الجنابة) شيئان:

أحدهما (الإنزال) للمنيّ يقظة (2) و نوما.

(و) الثاني (غيبوبة الحشفة (3)) و ما في حكمها كقدرها (4) من مقطوعها (5)(قبلا (6) أو دبرا) من آدميّ و غيره (7)، حيّا و ميّتا (8)، فاعلا و

**********

شرح:

موجب الجنابة (1)من هنا شرع المصنّف في تفصيل ما ذكره إجمالا فقال: إنّ ما يوجب غسل الجنابة شيئان:

الأوّل: خروج المنيّ مطلقا.

الثاني: الجماع المتحقّق بغيبوبة الحشفة.

(2)بأن يرى خروج المنيّ منه بعد اليقظة من النوم أو لا يراه و خرج في نومه الذي كان ظرفا لخروج المنيّ منه.

(3)الحشفة: اصول الزرع تبقى بعد الحصاد (المنجد).

و المراد منها هنا هو رأس الآلة الرجوليّة، فلو دخلت بأقلّ من الحشفة المذكورة لم يجب عليه غسل الجنابة.

(4)مثال لما في حكم الحشفة الموجب غيبوبتها للغسل، و هو مقدار الحشفة لو كانت الآلة مقطوعة الرأس بحيث بقي منها بمقدار الحشفة، فلو لم يبق منها ذلك المقدار لم يوجب إدخاله الغسل إلاّ أن يخرج منه المنيّ.

(5)الضمير في قوله «مقطوعها» يرجع إلى الحشفة.

(6)يعني سواء كانت الغيبوبة في القبل أم في الدبر.

(7)يعني أنّه لا فرق في الحكم المذكور بين كون غيبوبة الحشفة في القبل و الدبر من آدميّ أو من غيره مثل البهائم.

(8)يعني أنّ غيبوبة الحشفة في إنسان ميّت توجب الغسل كما هو حكم الإنسان الحيّ.

ص: 263

قابلا (1)،(أنزل) الماء (2)(أولا).

ما يحرم على الجنب

و متى (3) حصلت الجنابة لمكلّف (4) بأحد الأمرين (5) تعلّقت به الأحكام المذكورة،(فيحرم عليه (6) قراءة العزائم) الأربع (7)...

**********

شرح:

(1)فإنّ الغيبوبة المذكورة كما توجب الغسل على من دخل كذلك توجبه على المدخول به.

(2)يعني أنّ الجنابة تحصل بإدخال الحشفة و لو لم ينزل المنيّ.

ما يحرم على الجنب (3)من هنا شرع المصنّف رحمه اللّه في بيان أحكام الجنابة إذا حصلت بأحد الأمرين.

(4)التقييد بالمكلّف إنّما هو لبيان عدم جريان أحكام الجنابة على غير المكلّف، مثلا إذا كان الصغير واطيا أو موطوء أو وطئ أحد الصغيرين الآخر لم يجب عليهما الغسل إلاّ بعد البلوغ، و كذا لا يحرم عليهما قراءة عزائم القرآن و اللبث في المساجد و مسّ خطوط القرآن و غيرها من أحكام الجنب.

(5)المراد من «الأمرين» هو إدخال الحشفة و إنزال المنيّ.

(6)يعني إذا حصلت الجنابة بأحد الأمرين جرت في حقّ الجنب الأحكام المذكورة. و الأوّل من هذه الأحكام هو حرمة قراءة الجنب سور آيات العزائم من القرآن.

(7)المراد من «العزائم الأربع» هو هذه السور الأربع:

1 - سورة السجدة (سورة 32).

2 - سورة فصّلت (سورة 41).

3 - سورة النجم (سورة 53).

4 - سورة العلق (سورة 96).

العزائم جمع، مفرده العزيمة: قيل: العزائم آيات من القرآن تقرأ على ذوي الآفات رجاء البرء (أقرب الموارد).

ص: 264

و أبعاضها (1) حتّى البسملة (2) و بعضها (3) إذا قصدها (4) لأحدها.

(و اللبث (5) في المساجد) مطلقا (6).

(و الجواز (7) في المسجدين) الأعظمين بمكّة و المدينة.

(و وضع (8) شيء فيها) أي في المساجد مطلقا و إن لم يستلزم الوضع

**********

شرح:

(1)بالجرّ، عطف على قوله المجرور «العزائم». يعني يحرم على الجنب قراءة كلّ السور الأربع و كذا بعض الآيات منها حتّى قراءة آية بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (1) بقصد كونها منها.

(2)البسملة عند المسلمين: بسم اللّه الرحمن الرحيم (المنجد).

(3)الضمير في قوله «بعضها» يرجع إلى البسملة. يعني و كذا يحرم على الجنب قراءة بعض الأجزاء من البسملة مثل بِسْمِ اللّهِ (2) بقصد كونها من بسملة السور المذكورة، فلو لم يقصدها لم تحرم.

(4)الضمير في قوله «قصدها» يرجع إلى البسملة و أجزائها، و الضمير في قوله «لأحدها» يرجع إلى العزائم.

(5)الثاني من الأحكام الجارية على الجنب هو حرمة توقّفه في المساجد.

اللبث مصدر من لبث بالمكان لبثا: مكث و أقام (أقرب الموارد).

(6)أي بلا فرق بين مسجدي الحرمين و غيرهما من المساجد، فالتوقّف حرام بالنسبة إلى جميع مساجد المسلمين.

(7)الثالث من المحرّمات على الجنب هو جوازه في المسجدين الأعظمين (مسجد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في المدينة و المسجد الحرام في مكّة).

(8)الرابع من المحرّمات على الجنب هو وضعه شيئا في المساجد بلا فرق فيه بين المسجدين الأعظمين و غيرهما.

ص: 265


1- سوره 1 - آیه 1
2- سوره 1 - آیه 1

اللبث (1)، بل لو طرحه (2) من خارج، و يجوز الأخذ منها (3).

(و مسّ (4) خطّ المصحف (5))، و هو كلماته و حروفه المفردة و ما قام مقامها (6) كالتشديد و الهمزة، بجزء (7) من بدنه تحلّه (8) الحياة،.......

**********

شرح:

(1)يعني يحرم على الجنب وضع شيء في مطلق المساجد و إن لم يستلزم لبثا فيها، لأنّ حرمة اللبث قد تقدّمت، فلا حاجة إلى تكرارها و على هذا لو طرح الجنب شيئا من خارج المساجد فيها حرم ذلك عليه.

* قال في كشف اللثام: و يحرم وضع شيء فيها وفاقا للأكثر، للأخبار، و ظاهر الغنية الإجماع، و كرهه سلاّر، و قد يظهر من الخلاف في موضع.

(2)الضمير الملفوظ في قوله «طرحه» يرجع إلى الشيء، و الفاعل هو الضمير الراجع إلى الجنب.

(3)الضمير في قوله «منها» يرجع إلى المساجد. يعني يجوز للجنب أن يدخل المساجد و يأخذ منها شيئا بشرط عدم اللبث.

(4)الخامس من المحرّمات على الجنب هو مسّ أبعاض بدنه التي دخل الروح فيها خطوط القرآن بلا فرق بين كلماته و حروفه و غيرهما.

(5)المصحف: الكرّاسة و حقيقتها مجمع الصحف أو ما جمع منها بين دفّتي الكتاب المشدود، و فيه لغتان اخريان و هما المصحف و المصحف ج مصاحف (أقرب الموارد).

و المراد من «المصحف» هنا هو القرآن الكريم.

(6)و المراد من ما قام مقام الحروف هو التشديد و الهمزة، فإنّ التشديد يقوم مقام أحد الحرفين المتكرّرين المدغم أحدهما في الآخر، و الهمزة قد تقلب من الواو و الياء.

(7)الجارّ و المجرور يتعلّقان بقوله «مسّ خطّ المصحف».

(8)الجملة صفة للجزء. يعني أنّ الحرمة تختصّ بمسّ أجزاء بدنه التي تحلّها الحياة، فلا يحرم مسّ الشعر و غيره.

ص: 266

(أو اسم (1) اللّه تعالى) مطلقا (2)،(أو اسم النبيّ أو أحد الأئمّة) عليهم السلام المقصود بالكتابة و لو على درهم (3) أو دينار في المشهور (4).

ما يكره للجنب

(و يكره له الأكل (5) و الشرب حتّى يتمضمض و يستنشق) أو يتوضّأ (6)، فإن أكل قبل ذلك.......

**********

شرح:

(1)بالجرّ، عطف على قوله المجرور «خطّ المصحف». يعني و كذا يحرم على الجنب أن يمسّ اسم اللّه تعالى بأجزاء بدنه.

(2)إشارة إلى عدم الفرق بين كون اسم اللّه تعالى اسما للذات مثل لفظ «اللّه» أو للصفات مثل «الرحمن»، و كذا إشارة إلى جريان الحكم المذكور بلا فرق بين اللغات المتداولة بين الناس، فيشمل الحكم و لو مثل لفظي «خدا» و « God ».

(3)أي و لو كانت هذه الأسماء المذكورة مضروبة على الدراهم و الدنانير.

(4)إشارة إلى القول غير المشهور في خصوص الدرهم و الدينار لا في أصل الحكم، فإنّ ظاهر بعض الروايات جواز مسّ الجنب أسامي اللّه تعالى و رسوله و الأئمّة إذا كانت مضروبة على الدراهم و الدنانير.

ما يكره للجنب (5)الأوّل و الثاني من هذه المكروهات هما الأكل و الشرب إلاّ أن يتمضمض أو يستنشق أو يتوضّأ. و قد مرّ معنى الاستنشاق و المضمضة في مستحبّات الوضوء.

(6)و لا يذهب عليك أنّ هذا الوضوء لا يرفع الحدث، بل إنّما يرفع كراهة الأكل و الشرب حال الجنابة.

و اعلم أنّ هنا روايات ننقل اثنتين منها:

الاولى: محمّد بن يعقوب بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام قال: الجنب إذا أراد

ص: 267

خيف عليه البرص (1)، و روي (2) أنّه يورث الفقر.

و يتعدّد (3) بتعدّد الأكل و الشرب مع التراخي عادة لا مع الاتّصال.

(و النوم (4) إلاّ بعد الوضوء)، و غايته (5) هنا إيقاع النوم على الوجه

**********

شرح:

أن يأكل و يشرب غسل يده و تمضمض و غسل وجهه و أكل و شرب (الوسائل: ج 1 ص 495 ب 20 من أبواب الجنابة من كتاب الطهارة ح 1).

و الثانية: محمّد بن عليّ بن الحسين بإسناده عن عبيد اللّه بن عليّ الحلبيّ عن أبي عبد اللّه عن أبيه عليهما السّلام قال: إذا كان الرجل جنبا لم يأكل و لم يشرب حتّى يتوضّأ (المصدر السابق: ح 4).

(1)البرص: مرض يحدث في الجسم كلّه قشرا أبيض و يسبّب للمريض حكّا مؤلما (المنجد).

(2)الرواية منقولة في كتاب الوسائل:

محمّد بن عليّ بن الحسين بإسناده عن الحسين بن زيد عن الصادق عليه السّلام عن أبيه عن آبائه عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام (في حديث المناهي) قال: نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عن الأكل على الجنابة، و قال: إنّه يورث الفقر (الوسائل: ج 1 ص 495 ب 20 من أبواب الجنابة من كتاب الطهارة ح 5).

(3)فاعله هو الضمير العائد إلى ما ذكر من الوضوء و المضمضة و الاستنشاق. يعني لو تكرّر الأكل و الشرب متراخيا حال الجنابة ارتفعت الكراهة بتكرّر الإتيان بأحد ما ذكر، لكن لو اتّصل الأكل و الشرب كفى الواحد.

(4)الثالث من المكروهات هو النوم حال الجنابة إلاّ أن يتوضّأ ثمّ ينام.

(5)الضمير في قوله «غايته» يرجع إلى الوضوء. يعني أنّ الوضوء المذكور يأتي الجنب به بقصد أن يكون نومه غير مكروه، فلا يكون مبيحا للصلاة، بمعنى أنّه إذا توضّأ لرفع كراهة النوم حال الجنابة لم يكن له أن يصلّي به، لأنّ المقصود من هذا الوضوء هو

ص: 268

الكامل (1).

و هو غير مبيح (2)، إمّا لأنّ غايته الحدث (3) أو لأنّ المبيح للجنب هو الغسل خاصّة.

(و الخضاب (4)) بحنّاء (5) و غيره.

و كذا يكره له أن يجنب و هو مختضب.

(و قراءة (6) ما زاد على سبع آيات).......

**********

شرح:

عدم كراهة النوم و هو حدث مبطل للوضوء، فكيف يبقى الوضوء بعد النوم المبطل له حتّى يبيح الصلاة؟!

(1)المراد من «النوم الكامل» هو النوم دون أن يكون مكروها، لأنّ كلّ مكروه فيه منقصة.

(2)يعني أنّ الوضوء المذكور لا تباح الصلاة به لعلّتين:

الاولى هي أنّ الغاية التي يقصدها الجنب حين الوضوء هي رفع الكراهة عن نومه.

الثانية هي أنّ المبيح للصلاة بعد الجنابة مع عدم العذر هو الغسل خاصّة.

(3)المراد من «الحدث» هو النوم، و هو من الأحداث المبطلة للوضوء.

(4)الرابع من هذه المكروهات هو الخضاب حال الجنابة، و كذا يكره له أن يجنب في حال كونه مختضبا.

الخضاب: ما يخضب به و إذا أطلق دلّ على خضاب اللحية بالنسبة إلى الرجل و على خضاب اليدين بالنسبة إلى المرأة (أقرب الموارد).

(5)الحنّاء: نبات يزرع و يكبر حتّى يقارب الشجر الكبار، ورقه كورق الرمّان و عيدانه كعيدانه له زهر أبيض كعناقيد يتّخذ من ورقه الخضاب الأحمر ج حنآن و واحدته «حنّاءة»، (أقرب الموارد).

(6)الخامس من هذه المكروهات هو قراءة أزيد من سبع آيات القرآن الكريم في

ص: 269

في جميع أوقات (1) جنابته.

و هل يصدق العدد بالآية المكرّرة (2) سبعا؟ و جهان (3).

(و الجواز (4) في المساجد) غير المسجدين، بأن يكون للمسجد بابان فيدخل من أحدهما و يخرج من الآخر.

و في صدقه (5) بالواحدة........

**********

شرح:

مجموع أزمنة الجنابة.

(1)فإذا طالت جنابته سبع ساعات مثلا و قرأ في كلّ ساعة منها آية واحدة ثمّ أراد أن يقرأ أزيد ممّا قرأ حكم عليه بكراهتها.

و لا يخفى أنّ المراد من الكراهة في العبادات الواجبة أو المندوبة هو كونها أقلّ ثوابا لا المنقصة الموجودة في المكروهات بحيث لا توجب المنع من النقيض.

(2)مثاله ما إذا قرأ آية واحدة سبع مرّات.

(3)قوله «و جهان» جواب عن سؤال أنّه «هل يصدق العدد»، و الوجهان هما:

الأوّل: تحقّق العدد بالتكرار، لصدق قراءة سبع آيات من القرآن.

الثاني: عدم الصدق، لظهور عدد السبع في المتعدّد لا المتكرّر.

(4)السادس من هذه المكروهات هو اجتياز الجنب في المساجد بأن يكون فيها بابان يدخل من أحدهما و يخرج من الآخر.

(5)يعني و في صدق الجواز مع دخول الجنب من باب واحد و خروجه من ذاك الباب نفسه بلا توقّف وجه.

إيضاح: إذا كان للمسجد باب واحد يدخل الجنب من الباب و يسير في المسجد ثمّ يرجع و خرج من الباب المذكور كان في حكمه احتمالان:

الأوّل: الكراهة، لصدق الاجتياز في حقّه، فيحكم عليه بكون فعله هذا مكروها.

ص: 270

من غير مكث وجه (1).

نعم ليس له (2) التردّد في جوانبه بحيث يخرج عن المجتاز (3).

واجبات الغسل

(و واجبه (4) النيّة)، و هي القصد إلى فعله متقرّبا.

و في اعتبار الوجوب (5) و الاستباحة (6) أو الرفع ما مرّ (7)(مقارنة (8))

**********

شرح:

الثاني: الحرمة، لصدق المكث و اللبث في المسجد، و هو حرام كما مرّ في سرد أحكام ما يحرم على الجنب.

(1)قوله «وجه» مبتدأ مؤخّر، خبره المقدّم هو قوله «في صدقه».

(2)يعني لا يجوز للجنب أن يتردّد في أطراف المسجد من الداخل بحيث لا يصدق على فعله هذا الاجتياز.

(3)لا يذهب عليك أنّ قوله «المجتاز» - على وزن مختار - اسم فاعل و أنّ صيغتي اسم الفاعل و اسم المفعول في أمثاله سواء.

واجبات الغسل (4)الأوّل من واجبات الغسل هو النيّة، بمعنى أن يقصد كون فعله قربة إلى اللّه تعالى، لأنّ الغسل من قبيل العبادات، و هي لا تصحّ إلاّ مع قصد القربة، لكن لزوم قصد الوجوب أو الاستباحة أو رفع الحدث هو ممّا لم يوجد على اعتباره دليل معتبر، كما مرّ في البحث عن الوضوء.

(5)إذا كان واجبا بأن يكون في وقت عبادة واجبة مشروطة به.

(6)بأن يقصد كون الغسل مبيحا للصلاة أو رافعا للحدث.

(7)أي ما مرّ في الصفحة 205 من قوله «و لا شبهة في إجزاء النيّة المشتملة على جميع ذلك و إن كان في وجوب ما عدا القربة نظر، لعدم نهوض دليل عليه».

(8)بالنصب، حال للنيّة. يعني أنّ النيّة يجب انعقادها حين الأخذ في غسل أيّ جزء من

ص: 271

لجزء من الرأس، و منه الرقبة إن كان مرتّبا (1)، و لجزء (2) من البدن إن كان مرتمسا بحيث (3) يتبعه الباقي بغير مهلة.

(و غسل (4) الرأس و الرقبة) أوّلا، و لا ترتيب بينهما (5)، لأنّهما (6) فيه

**********

شرح:

الرأس حتّى الرقبة لكونها من الرأس، بمعنى أنّ الحكم بوجوب النيّة مقارنة للرأس يشمل الرقبة أيضا، لأنّها تعدّ من الرأس عند تجزئة أبعاض الغسل إلى الرأس و اليمين و اليسار.

(1)يعني أنّ وجوب النيّة عند الشروع من الرأس إنّما هو فيما إذا كان الغسل على نحو الترتيب بين الأعضاء كما يأتي تفصيل هذا الغسل.

(2)مفعول به، بالعطف على قوله «لجزء من الرأس»، و اللام تكون للتقوية، و العامل فيه هو قوله «مقارنة». يعني يجب أن تكون النيّة مقارنة لغسل جزء من البدن بلا فرق بين الرأس و غيره إن كان الغسل بالارتماس، لأنّ الغسل الارتماسيّ يتحقّق بارتماس البدن في الماء و يصحّ بأيّ جزء كان.

(3)يعني يجب كون الارتماس بحيث يصدق معه تتابع رمس أعضاء البدن في الماء، فلو كان التراخي و التعاقب بحيث يضرّ بصدق الارتماس عرفا بطل.

(4)الثاني من واجبات الغسل هو أن يغسل الرأس و الرقبة أوّلا قبل غسل الجانب الأيمن و الأيسر من البدن.

اعلم أنّ الغسل إمّا ترتيبيّ أو ارتماسيّ، و ابتدأ المصنّف رحمه اللّه ببيان الترتيبيّ أوّلا، ثمّ يشير إلى الغسل الارتماسيّ في الصفحة 284 بقوله «و يسقط الترتيب بالارتماس».

(5)الضمير في قوله «بينهما» يرجع إلى الرأس و الرقبة. يعني لا يجب رعاية الترتيب بين الرأس و الرقبة، بل يجوز الابتداء من الرقبة إلى الرأس و بالعكس، لأنّهما يعدّان في الوضوء عضوا واحدا.

(6)الضمير في قوله «لأنّهما» يرجع إلى الرأس و الرقبة، و في قوله «فيه» يرجع إلى الوضوء.

ص: 272

عضو واحد، و لا ترتيب في نفس أعضاء الغسل (1)، بل بينها (2) كأعضاء (3) مسح الوضوء، بخلاف أعضاء غسله (4)، فإنّه (5) فيها و بينها.

(ثمّ) غسل (6) الجانب (الأيمن ثمّ الأيسر)،.........

**********

شرح:

(1)المراد من «نفس أعضاء الغسل» هو الرأس و اليمين و اليسار. يعني لا يجب لحاظ الترتيب بين نفس الأعضاء، فلو ابتدأ حين غسل الجانب الأيمن بغسل الرجل اليمنى قبل غسل فوقها و هكذا في الجانب الأيسر لم يكن في البين مانع من الصحّة.

(2)يعني بل يجب لحاظ الترتيب بين الأعضاء الثلاثة من الرأس و اليمين و اليسار، فيبتدئ بالرأس ثمّ يغسل اليمين ثمّ اليسار، و لو أخلّ بهذا الترتيب عمدا أو سهوا بطل الغسل.

(3)هذا مثال لعدم اعتبار الترتيب، فإنّه لا يعتبر في كيفيّة المسح الوضوء، بمعنى أنّه يجوز مسح الرأس من الأسفل إلى الأعلى، و كذلك حال مسح الرجلين، لكنّ الترتيب يعتبر في الأعضاء، فلا يجوز مسح الرجل قبل مسح الرأس، و كذلك حال الترتيب حين مسح الرجلين.

(4)الضمير في قوله «غسله» يرجع إلى الوضوء. يعني بخلاف الأعضاء التي يجب غسلها حين الوضوء مثل الوجه و اليدين، فإنّ الترتيب تجب رعايته بالنسبة إلى نفس الأعضاء المغسولة و إلى كيفيّة الغسل، بمعنى أنّه يجب في الوضوء غسل الوجه أوّلا ثمّ اليد اليمنى ثمّ اليد اليسرى، و هكذا يجب غسلها من العالي إلى السافل.

(5)الضمير في قوله «فإنّه» يرجع إلى الترتيب، و الضميران في قوليه «فيها» و «بينها» يرجعان إلى الأعضاء.

و الحاصل أنّ الترتيب واجب رعايته بين نفس الأعضاء المغسولة في الوضوء و أيضا في كيفيّته من العالي إلى السافل.

(6)الثالث و الرابع من واجبات الغسل هما غسل الجانب الأيمن و غسل الجانب

ص: 273

كما وصفناه (1)، و العورة (2) تابعة للجانبين.

و يجب إدخال جزء من حدود (3) كلّ عضو من باب المقدّمة كالوضوء (4).

(و تخليل (5) مانع وصول الماء) إلى البشرة، بأن يدخل الماء خلاله (6) إلى البشرة على وجه الغسل (7).

**********

شرح:

الأيسر، و الغسل هذا يقرأ بفتح الغين. يعني يجب بعد غسل الرأس غسل الجانب الأيمن ثمّ الأيسر.

(1)أي في قولنا «و لا ترتيب بينهما». يعني أنّ الجانب الأيمن و الجانب الأيسر يغسلان كما وصفناه من عدم لحاظ الترتيب، فيجوز هذان الغسلان من دون رعاية الترتيب بين أبعاض كلّ واحد من الجانبين كما أنّهما يجوزان من دون رعاية العلوّ و السفل.

(2)المراد من «العورة» هو القبل و الدبر في المرء و المرأة. يعني يجب غسل الجانب الأيمن من العورتين مع هذا الجانب و هكذا الجانب الأيسر منهما مع هذا الجانب.

(3)يعني أنّ الاحتياط يقتضي إدخال جزء من الجانب الأيمن عند غسل الرأس و الرقبة و هكذا إدخال جزء من حدّ اليسار عند غسل اليمين.

(4)و قد ذكر غسل مقدار زائد عن الأعضاء التي يجب غسلها حين الوضوء من باب المقدّمة و الاحتياط.

(5)الخامس من واجبات الغسل هو رفع المانع من وصول الماء حين الغسل إلى البشرة.

(6)أي بينه. و الضمير في قوله «خلاله» يرجع إلى المانع.

(7)يعني يجب إيصال الماء من بين المانع إلى البشرة على وجه يصدق عليه الغسل بالفتح.

و المراد من المانع هو مثل شعر اللحية و الحاجب و الشارب و عكنة البطن إذا وجدت و غير ذلك.

ص: 274

مستحبّات الغسل

(و يستحبّ (1) الاستبراء) للمنزل لا لمطلق الجنب (بالبول (2))، ليزيل أثر المنيّ الخارج، ثمّ بالاجتهاد (3) بما تقدّم من الاستبراء.

و في استحبابه به (4) للمرأة قول (5)، فتستبرئ (6) عرضا، أمّا بالبول

**********

شرح:

مستحبّات الغسل (1)الأوّل من مستحبّات الغسل هو الاستبراء بالبول إذا أجنب بخروج المنيّ لا ما إذا حصلت له الجنابة بالدخول من دون إنزال.

(2)الجارّ و المجرور يتعلّقان بالاستبراء. يعني أنّ المراد بالاستبراء هنا ليس هو المصطلح عليه الذي تقدّم تفصيله سابقا، بل المراد منه هنا هو الاستبراء بأن يبول حتّى يزيل أثر المنيّ الخارج منه.

(3)الظاهر من هذه العبارة هو استحباب الاستبراء بالاجتهاد عند عدم إمكان الاستبراء بالبول. و المراد من «ما تقدّم» هو المذكور في الصفحة 247.

* و في كتاب النهاية: فإذا أراد الغسل من الجنابة فليستبرئ نفسه بالبول، فإن تعذّر عليه فليجتهد، فإن لم يتأتّ له فليس عليه شيء.

و قال في كشف اللثام: روي عن الرضا عليه السّلام: إذا أردت الغسل من الجنابة فاجتهد أن تبول حتّى يخرج فضلة المنيّ من إحليلك، و إن جهدت و لم تقدر على البول فلا شيء عليك.

(4)الضمير في قوله «استحبابه» يرجع إلى الاستبراء، و في قوله «به» يرجع إلى الاجتهاد.

(5)يعني أنّ في استحباب الاستبراء بالاجتهاد للمرأة قولا، و القائل به هو صاحب النهاية.

* قال في كشف اللثام: و في النهاية: و كذلك تفعل المرأة، و في المقنعة: إنّها تستبرئ بالبول، فإن لم يتيسّر لها لم يكن عليها شيء.

(6)هذا متفرّع على القول باستحباب استبراء المرأة بالاجتهاد، فإنّها تجتهد في استبراء

ص: 275

فلا (1)، لاختلاف المخرجين (2).

(و المضمضة (3) و الاستنشاق) كما مرّ (4)(بعد غسل (5) اليدين ثلاثا) من الزندين، و عليه المصنّف في الذكرى (6).

و قيل من المرفقين، و اختاره في النفليّة، و أطلق في غيرهما (7) كما هنا.

**********

شرح:

فرجها من بقيّة المنيّ الخارج منها بعصر فرجها من جهة العرض، كما يعصر بعض الفواكه لأخذ مائه.

(1)يعني أمّا استحباب استبرائها بالبول فلا معنى له، لاختلاف مخرج البول و مخرج المنيّ في المرأة بخلاف الرجل.

(2)المراد من «المخرجين» هو محلّ خروج البول و المنيّ في المرأة.

(3)الثاني و الثالث من مستحبّات الغسل هما المضمضة و الاستنشاق بعد غسل اليدين ثلاثا قبل الغسل.

(4)أي كما مرّ كيفيّتها في باب الوضوء لا أصل استحبابهما.

(5)الرابع من مستحبّات الغسل هو غسل اليدين ثلاث مرّات قبل المضمضة و الاستنشاق.

(6)يعني أنّ المصنّف رحمه اللّه قال في الذكرى باستحباب غسل اليدين ثلاثا من الزندين، و اختار الغسل ثلاثا من المرفقين في كتابه (النفليّة)، و أطلق استحباب الغسل ثلاثا في غير الكتابين المذكورين.

و الحاصل هو أنّ للمصنّف في المسألة ثلاثة أقوال:

الأوّل: استحباب غسل اليدين ثلاثا من الزندين.

الثاني: استحباب غسلهما ثلاثا من المرفقين.

الثالث: إطلاق استحباب غسل اليدين ثلاثا.

(7)الضمير في قوله «غيرهما» يرجع إلى الذكرى و الألفيّة، و المشار إليه في قوله

ص: 276

و كلاهما (1) مؤدّ للسنّة و إن كان الثاني (2) أولى.

(و الموالاة (3)) بين الأعضاء، بحيث كلّما فرغ من عضو شرع في

**********

شرح:

«هنا» هو كتاب اللمعة الدمشقيّة.

(1)يعني أنّ القول باستحباب غسل اليدين ثلاثا من الزندين و كذا القول باستحباب غسلهما كذلك من المرفقين كلاهما موجب لأداء السنّة، للتسامح في أدلّة السنن.

و من الروايات الدالّة على استحباب غسل اليدين من المرفقين ما نقل في كتاب الوسائل:

محمّد بن الحسن بإسناده عن يعقوب بن يقطين عن أبي الحسن عليه السّلام، قال: سألته عن غسل الجنابة فيه وضوء أم لا فيما نزل به جبرئيل؟ قال: الجنب يغتسل يبدأ فيغسل يديه إلى المرفقين قبل أن يغمسهما في الماء، ثمّ يغسل ما أصابه من أذى، ثمّ يصبّ على رأسه و على وجهه و على جسده كلّه، ثمّ قد قضى الغسل، و لا وضوء عليه (الوسائل: ج 1 ص 515 ب 34 من أبواب الجنابة من كتاب الطهارة ح 1).

و الرواية الدالّة على استحباب غسلهما من الزندين أيضا منقولة في كتاب الوسائل:

محمّد بن الحسن بإسناده عن أبي بكر الحضرميّ عن أبي جعفر عليه السّلام، قال: سألته كيف أصنع إذا أجنبت؟ قال: اغسل كفّك و فرجك و توضّأ وضوء الصلاة ثمّ اغتسل (المصدر السابق: ص 516 ح 6).

(2)المراد من «الثاني» هو القول باستحباب غسل اليدين من المرفقين.

أقول: وجه الأولويّة هو دخول غسل اليدين من الزندين في غسلهما من المرفقين، فالاحتياط يقتضي أن يعمل بالاستحباب بغسلهما من المرفقين، لدخول الغسل من الزندين فيه، بخلاف العكس، فلو غسلتا من الزندين لم يدخل فيه الغسل من المرفقين.

(3)الخامس من مستحبّات الغسل هو الموالاة بين الأعضاء غسلا بأن لا يفصل بين

ص: 277

الآخر، و في غسل (1) نفس العضو، لما (2) فيه من المسارعة إلى الخير و التحفّظ من طريان (3) المفسد.

و لا تجب (4) في المشهور إلاّ لعارض، كضيق (5) وقت العبادة المشروطة به (6)، و خوف (7) فجأة الحدث للمستحاضة...

**********

شرح:

غسلها، فإذا غسل الرأس بدأ بغسل الجانب الأيمن و بعده بالأيسر بلا تأخير.

و لا يخفى أنّ رعاية الموالاة بين أعضاء الغسل لا تجب، بخلافها في الوضوء كما مرّ.

(1)يعني أنّ استحباب الموالاة جار في غسل نفس الأعضاء أيضا بأن يغسل الرأس إلى الرقبة بلا فصل و هكذا بالنسبة إلى الجانبين حتّى يتمّ الغسل.

(2)تعليل استحباب الموالاة في الغسل بوجهين:

الأوّل: أنّ فيها موافقة لقوله تعالى في الآية الشريفة: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ (1) و قوله تعالى: وَ سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ (2) ، فإنّ الغسل من العبادات، ففيه خير و مغفرة يستحبّ المسارعة إليهما.

الثاني: أنّ فيها محافظة من عروض مفسدات الغسل مثل الحدث العارض للمغتسل بلا فرق بين الأكبر و الأصغر، فإذا عمل بالموالاة تحفّظ عمله من ذلك.

(3)قوله «طريان» بمعنى العروض، و المراد من قوله «المفسد» هو الحدث المبطل للغسل.

(4)فاعله هو الضمير العائد إلى الموالاة. يعني بناء على المشهور لا تجب الموالاة في الغسل.

(5)هذا مثال لعروض ما يوجب الموالاة، فإنّه إذا ضاق وقت الصلاة مثلا وجب عليه الغسل بلا تأخير و تراخ، فتجب الموالاة إذا، حذرا من فوات الصلاة بتأخير نفس الغسل و بعدم الموالاة فيه.

(6)الضمير في قوله «به» يرجع إلى الغسل.

(7)مثال ثان لعروض ما يوجب الموالاة في الغسل، و هو أن تخاف المستحاضة من

ص: 278


1- سوره 2 - آیه 148
2- سوره 3 - آیه 133

و نحوها (1)، و قد تجب بالنذر (2)، لأنّه (3) راجح.

(و نقض (4) المرأة الضفائر) جمع ضفيرة (5) و هي العقيصة (6) المجدولة من الشعر.

و خصّ المرأة، لأنّها مورد النصّ (7) و إلاّ فالرجل كذلك (8)، لأنّ

**********

شرح:

عروض دم الاستحاضة لها فجأة إذا لم تتمّ الغسل متواليا.

الفجأة مصدر من فجأه و فجئه و الثاني أفصح فجأ و فجاءة و فجاءة: هجم عليه و طرقه بغتة من غير أن يشعر عليه (أقرب الموارد).

(1)مثل سلس البول الخائف من خروج البول قبل إتمام الغسل و كالمبطون.

(2)مثل ما إذا نذر أن يأتي بالغسل متواليا بين أعضائه، فإنّه عمل راجح و ينعقد النذر بالرجحان، فتجب عليه الموالاة.

(3)الضمير في قوله «لأنّه» يرجع إلى الغسل بالموالاة.

فالحاصل أنّ المكلّف إذا نذر أن يغتسل موالاة وجبت عليه الموالاة.

(4)السادس من مستحبّات الغسل هو أن تنقض المرأة شعرها المفتول و المشدود على قفاها.

النقض مصدر من نقض الحبل: حلّه (المنجد).

(5)الضفيرة: كلّ خصلة ممّا ضفر على حدّتها و يقال لها: «العقيصة»، (أقرب الموارد).

(6)العقيصة: خصلة تأخذها المرأة من شعرها فتلويها ثمّ تعقدها حتّى يبقى فيها التواء ثمّ ترسلها ج عقاص و عقائص (أقرب الموارد).

(7)فإنّ النصّ ورد في خصوص المرأة، فلو لم يكن الاستحباب للنصّ لحكم به في الرجل أيضا.

(8)يعني لو لم يكن تعرّض المصنّف رحمه اللّه للمرأة لورود النصّ فيها و كان التعرّض لرعاية

ص: 279

الواجب (1) غسل البشرة دون الشعر، و إنّما استحبّ (2) النقض، للاستظهار و النصّ.

(و تثليث الغسل (3)) لكلّ عضو من أعضاء البدن الثلاثة، بأن يغسله ثلاث مرّات.

**********

شرح:

الاحتياط بوصول الماء من خلال الشعر إلى البشرة كان المرء الذي جدل شعره كذلك، فكان النقض في حقّه أيضا مستحبّا للاحتياط المذكور.

(1)تعليل لاشتراك الرجل و المرأة في الحكم المذكور بأنّ الواجب هو غسل البشرة لا الشعر فيتساويان.

(2)يعني بما أنّ غسل الشعر لا يجب حين الاغتسال فالحكم باستحباب نقضه إنّما هو لأمرين:

الأوّل: للاستظهار و الاحتياط حتّى يصل الماء من خلال الشعر إلى البشرة، ففيه يشترك المرء مع المرأة.

الثاني: للنصّ الوارد في خصوص المرأة، و هو المنقول في كتاب الوسائل:

محمّد بن الحسن بإسناده عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام قال: حدّثتني سلمى (سلمة) خادمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قالت: كانت أشعار نساء النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قرون رءوسهنّ مقدّم رءوسهنّ، فكان يكفيهنّ من الماء شيء قليل، فأمّا النساء الآن فقد ينبغي لهنّ أن يبالغن في الماء (الوسائل: ج 1 ص 521 ب 38 من أبواب الجنابة من كتاب الطهارة ح 1).

(3)السابع من مستحبّات الغسل هو أن يغسل كلّ عضو من الأعضاء الثلاثة (الرأس و اليمين و اليسار) ثلاث مرّات.

و لا يخفى أنّ تحقّق عدد الثلاث إنّما هو بالقصد و النيّة، فإن صبّ الماء مرّات عديدة و قصد واحدا كفى و عدّ واحدا.

ص: 280

(و فعله (1)) أي الغسل بجميع سننه (2) الذي من جملته تثليثه (3) (بصاع (4)) لا أزيد، و قد روي (5) عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أنّه قال: «الوضوء بمدّ (6)، و الغسل بصاع، و سيأتي أقوام بعدي يستقلّون (7) ذلك، فاولئك على خلاف سنّتي، و الثابت (8) على سنّتي معي في حظيرة القدس (9)».

**********

شرح:

(1)الثامن من مستحبّات الغسل هو أن يفعل جميع الغسل بجميع المندوبات الواردة فيه بمقدار صاع من الماء لا أزيد من هذا المقدار.

(2)الضميران في قوليه «سننه» و «تثليثه» يرجعان إلى الغسل، و الضمير في قوله «جملته» يرجع إلى جميع السنن.

(3)يعني أنّ من جملة السنن فعل كلّ واحد من غسل الرأس و اليمين و اليسار ثلاث مرّات كما تقدّم في قوله «و تثليث الغسل».

(4)الصاع: المكيال الذي يكال به، الصاع عند أهل العراق ثمانية أرطال (أقرب الموارد).

و المراد منه هنا هو ثلاثة كيلوغرام، كما أشرنا إليه في البحث عن مقدار الكرّ.

(5)الرواية منقولة في كتاب الوسائل:

محمّد بن عليّ بن الحسين قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: الوضوء مدّ، و الغسل صاع، و سيأتي أقوام بعدي يستقلّون ذلك، فاولئك على خلاف سنّتي، و الثابت على سنّتي معي في حظيرة القدس (الوسائل: ج 1 ص 339 ب 50 من أبواب الوضوء من كتاب الطهارة ح 6).

(6)المدّ: يساوي 18 ليترا أفرنجيّا على التقريب (المنجد).

و المراد مقدار سبعمائة و خمسين غراما.

(7)يعني أنّ قوما يجيئون و يعدّون هذا القدر قليلا و يستعملون الماء في الوضوء و الغسل أكثر من ذلك و يخالفون بذلك سنّتي.

(8)يعني أنّ الذين يثبتون على سنّتي و يعملون بما ذكر يكونون في مصاحبتي في الجنّة.

(9)حظيرة القدس: الجنّة (أقرب الموارد).

ص: 281

حكم البلل المشتبه

(و لو وجد) المجنب بالإنزال (بللا (1)) مشتبها (بعد الاستبراء)

**********

شرح:

حكم البلل المشتبه (1)مفعول به لقوله «وجد». يعني أنّ هذا حكم من يصير جنبا بسبب الإنزال لا بسبب الدخول بلا إنزال و يجد رطوبة مشتبهة يمكن أن تكون المنيّ أو البول أو غيرهما.

و قوله «لو وجد» شرط، جوابه قوله الآتي «لم يلتفت».

قوله «بللا» مصدر من بلّ بلاّ و بلّة و بلا بالماء: ندّاه (المنجد).

إيضاح: اعلم أنّ فيمن يصير جنبا بسبب الإنزال و يغتسل ثمّ يجد رطوبة مشتبهة خمس مسائل:

الاولى: إن اغتسل بعد البول و الاستبراء ثمّ وجد بللا مشتبها لم يعتن بخروجه لا من حيث الغسل و لا من حيث الوضوء.

الثانية: إن أجنب بالإنزال و لم يمكنه البول لكنّه استبرأ بما فصّلنا من الاجتهاد و اغتسل ثمّ خرجت منه الرطوبة المشتبهة فحكمه أيضا حكم من مضى في المسألة الاولى من عدم الاعتناء بها.

الثالثة: إن أجنب بالإنزال و لم يستبرئ بالبول و لا بالاجتهاد و اغتسل ثمّ خرجت منه الرطوبة المشتبهة وجب عليه إعادة الغسل.

الرابعة: إن أجنب بالإنزال فبال و لم يستبرئ بالاجتهاد المذكور و اغتسل ثمّ خرجت منه الرطوبة المشتبهة لم يجب عليه الغسل، لكن يحكم عليه بأن يتوضّأ للصلاة، لعدم بقاء المنيّ في المجرى بعد البول، بخلاف نفس البول المحتمل بقاء ذرّاته في المجرى فيجب عليه الوضوء.

الخامسة: إن أجنب بالإنزال و استبرأ بالاجتهاد لا بالبول مع إمكانه و اغتسل ثمّ رأى الرطوبة المشتبهة وجب عليه الغسل، لأنّ الاجتهاد لا فائدة له مع إمكان

ص: 282

بالبول (1) أو الاجتهاد (2) مع تعذّره (لم يلتفت، و بدونه) أي بدون الاستبراء بأحد الأمرين (3)(يغتسل).

و لو وجده (4) بعد البول من دون الاستبراء بعده وجب الوضوء خاصّة، أمّا الاجتهاد (5) بدون البول مع إمكانه (6) فلا حكم له.

(و الصلاة السابقة) على خروج البلل المذكور (صحيحة (7))، لارتفاع

**********

شرح:

البول، و هذه هي الصور التي يشير إليها في العبارات.

و لا يخفى أنّ المجنب بالجماع لا بالإنزال إذا اغتسل ثمّ وجد الرطوبة المشتبهة لم يجب عليه إعادة الغسل، لأنّ الاستبراء بالبول يختصّ بمن يجنب بالإنزال.

(1)الجارّ و المجرور يتعلّقان بقوله «الاستبراء». يعني إذا استبرأ المجنب بالإنزال بالبول أو الاجتهاد... إلخ، و هذه هي الصورة الاولى من المسائل الخمس المذكورة.

(2)بأن يستبرئ بالاجتهاد دون أن يبول، و هذه هي الصورة الثانية من المسائل الخمس المفصّلة. و الضمير في قوله «تعذّره» يرجع إلى البول.

(3)المراد من «الأمرين» هو البول و الاجتهاد، و هذا فرض ما إذا اغتسل بعد الجنابة بالإنزال بدون الاستبراء بالبول و الاجتهاد، و هذه هي الصورة الثالثة من المسائل الخمس المذكورة.

(4)الضمير الملفوظ في قوله «وجده» يرجع إلى البلل. أي وجد البلل بعد الغسل و قد بال بعد ما أجنب و لم يستبرئ بالاجتهاد، و هذه هي الصورة الرابعة من المسائل الخمس المذكورة.

(5)و هذا فرض ما إذا استبرأ بالاجتهاد لا بالبول مع إمكانه، و هذه هي الصورة الخامسة من المسائل الخمس المذكورة.

(6)الضمير في قوله «إمكانه» يرجع إلى البول، و في قوله «له» يرجع إلى الاجتهاد.

(7)يعني أنّ الصلاة التي أقامها بعد الغسل قبل أن يخرج البلل تكون صحيحة، لأنّ

ص: 283

حكم (1) السابق، و الخارج (2) حدث جديد و إن كان قد خرج (3) عن محلّه إلى محلّ آخر.

و في حكمه (4) ما لو أحسّ بخروجه (5) فأمسك عليه فصلّى ثمّ أطلقه.

القول في الغسل الارتماسيّ

(و يسقط الترتيب (6)) بين الأعضاء الثلاثة...

**********

شرح:

الجنابة ارتفعت بالغسل، و الجنابة العارضة إنّما هي عرضت بخروج البلل المشتبه.

(1)المراد من الحكم هو عدم جواز الإتيان بالصلاة للجنابة، و هذا الحكم قد صار مرتفعا بالغسل.

(2)يعني أنّ البلل الخارج حدث جديد لا يضرّ بصلاته السابقة.

(3)فاعله هو الضمير العائد إلى الحدث. يعني و إن كان المنيّ قد خرج عن محلّه الأصليّ إلى محلّ آخر من المجرى، لكن ذلك لا يوجب عروض الجنابة له إلاّ أن يخرج عن المجرى. و الضمير في قوله «محلّه» يرجع إلى الحدث.

(4)يعني و في حكم البلل الخارج بعد الغسل الماء الذي يحسّ بخروجه فيحبسه من الخروج فيصلّي ثمّ لا يمنعه من الخروج فيخرج، و هذا أيضا يحكم عليه بصحّة صلاته و إن كان المنيّ قد خرج عن محلّه الأصليّ إلى محلّ آخر من المجرى.

(5)الضمير في قوله «بخروجه» يرجع إلى «ما» الموصولة.

و المراد منها هو المنيّ المتحرّك من محلّه الأصليّ بسبب الشهوة مثل ما إذا رأى في المنام ما يوجب خروج المنيّ فحبسه و توضّأ و صلّى ثمّ أطلقه فخرج منه المنيّ المحبوس.

القول في الغسل الارتماسيّ (6)قد تقدّم وجوب الترتيب حين غسل الأعضاء من الرأس و اليمين و اليسار في الغسل الترتيبيّ، لكنّ الغسل الارتماسيّ لا يجب فيه الترتيب، لأنّ جميع أعضاء البدن

ص: 284

(بالارتماس (1))، و هو غسل البدن أجمع دفعة واحدة عرفيّة (2).

و كذا ما أشبهه (3) كالوقوف تحت المجاري (4) و المطر الغزيرين (5)، لأنّ البدن (6) يصير به عضوا واحدا.

**********

شرح:

في هذا الغسل يكون في حكم عضو واحد، فلا يجب ارتماس الرأس أوّلا ثمّ اليمين ثمّ اليسار، بل يكفي الارتماس في الماء بحيث يصدق عرفا غسل البدن بلا تراخ بين أعضائه، سواء ارتمس في الماء من جانب اليمين أو اليسار أو الرأس.

(1)من ارتمس في الماء: انغمس (أقرب الموارد).

(2)فلا يجب الارتماس دفعة واحدة عقليّة بحيث يدخل جميع البدن في الماء في آن واحد.

(3)يعني و مثل الارتماس في الماء وقوف المغتسل تحت مجاري الماء و المطر الكثيرين مثل الميزاب و غيره بشرط أن يحيط الماء بجميع أعضاء البدن.

(4)و في بعض النسخ «المجرى».

(5)بصيغة التثنية، صفة للمجاري و المطر.

الغزير: الكثير من كلّ شيء يقال: مطر غزير و علم غزير و حفظ غزير (أقرب الموارد).

(6)هذا تعليل لسقوط الترتيب في الارتماس بأنّ جميع أعضاء البدن في الغسل الارتماسيّ يكون في حكم عضو واحد، و لا يجب الترتيب - بل لا معنى له - إذا كان في البين عضو واحد أو ما في معناه.

اعلم أنّ في الحدث الأصغر كالبول و الغائط و الريح و غيرها ممّا يكون من مبطلات الوضوء إذا حصل في أثناء غسل الجنابة أقوالا:

الأوّل: بطلان الغسل و وجوب إعادته كما قوّاه المصنّف رحمه اللّه و جماعة من الفقهاء.

و الدليل عليه ما نقله كاشف اللثام في قوله: «لما روي عن الرضا عليه السّلام من قوله:

«فإن أحدث حدثا من بول أو غائط أو ريح بعد ما غسلت رأسك من قبل أن تغسل جسدك فأعد الغسل من أوّله».

الثاني: عدم تأثير الحدث الحاصل في بطلان الغسل و الوضوء، و قد نسب هذا القول إلى المحقّق الكركيّ رحمه اللّه.

الثالث: وجوب إتمام الغسل مع الإتيان بالوضوء بعده، و هذا القول منسوب إلى السيّد المرتضى و المحقّق و صاحب المدارك و المقدّس الأردبيليّ رحمهم اللّه، و قوّاه الشارح رحمه اللّه.

ص: 285

إعادة الغسل

(و يعاد) غسل الجنابة (بالحدث) الأصغر (1)(في أثنائه على الأقوى) عند المصنّف و جماعة.

و قيل (2): لا أثر له مطلقا.

و في ثالث (3) يوجب الوضوء خاصّة، و قد حقّقنا القول (4) في ذلك برسالة مفردة.

أمّا غير غسل الجنابة (5) من الأغسال فيكفي إتمامه مع الوضوء قطعا، و

**********

شرح:

إعادة الغسل (1)تقدّم المراد من «الحدث الأصغر» و أنّه هو البول و الغائط و الريح و سائر مبطلات الوضوء.

أمّا الحدث الأكبر - و هو المنيّ - فإذا خرج في أثناء الغسل قيل: إنّ الإعادة به مجمع عليها كما ادّعاه كاشف اللثام، قال: «أعاد... في الجنابة اتّفاقا».

(2)هذا هو القول الثاني من الأقوال الثلاثة المذكورة في خصوص خروج البول و الغائط و غيرهما في أثناء الغسل.

(3)تقدّم منّا في صدر هذا البحث أنّ هذا القول منسوب إلى جمع من الفقهاء.

(4)يعني أنّا قد حقّقنا القول المذكور برسالة مفردة مختصّة بخصوص هذه المسألة.

(5)يعني إذا تحقّق الحدث الأصغر في أثناء سائر الأغسال مثل غسل مسّ الميّت و الحيض و غيرهما وجب إتمام الغسل مع الوضوء بعده بلا ترديد فيه.

ص: 286

ربّما خرّج (1) بعضهم بطلانه كالجنابة، و هو (2) ضعيف جدّا.

القول في الحيض
القول في ماهيّة الحيض

(و أمّا الحيض (3) فهو ما) أي الدم الذي (تراه المرأة بعد) إكمال (4) (تسع سنين) هلاليّة (5)،...

**********

شرح:

(1)يعني أنّ بعض الفقهاء استخرج الحكم ببطلان سائر الأغسال بعروض الحدث الأصغر في الأثناء من الحكم ببطلان غسل الجنابة.

(2)يعني أنّ تخريج الحكم ببطلان سائر الأغسال من الحكم بغسل الجنابة ضعيف، لأنّ غسل الجنابة بنفسه مبيح للصلاة من غير احتياج إلى الوضوء، بخلاف سائر الأغسال، فلا اشتراك بينهما و لا ملازمة في حكمهما.

القول في ماهيّة الحيض (3)يعني قد فصّلنا الكلام فيما يتعلّق بالجنابة التي هي من موجبات الغسل، و قد قال في أوّل الفصل في الصفحة 259 «و موجبه ستّة».

و أمّا الحيض الذي هو الثاني من موجبات الغسل فهو نوع من الدم الخارج من المرأة بأوصاف خاصّة في سنين خاصّة، فإنّ من الحكمة البالغة الإلهيّة جعل دم الحيض في مزاج المرأة لفوائد كثيرة أشاروا إليها، منها استعداد المرأة للحمل، و منها تغذّي الجنين به ما دام في الرحم، و منها تحوّله إلى اللبن بعد الولادة.

و في غير حال الحمل و الإرضاع يكون من الفضلات الخارجة من البدن حتّى عدّ بعض الفقهاء عدم ابتلاء الجارية المشتراة بالحيض من العيوب الموجبة لخيار الفسخ للمشتري.

أمّا لفظ الحيض في اللغة قال في المدارك: الحيض لغة هو السيل من قولهم: «حاض الوادي» إذا سال بقوّة، و في القاموس: حاضت المرأة تحيض حيضا: سال دمها.

(4)بأن تكمل التسع و تدخل في السنة العاشرة.

(5)فلا اعتبار في المسألة بالشمسيّة كما أنّ سائر الآجال المقرّرة في الفقه إنّما هي أيضا

ص: 287

(و قبل (1)) إكمال (ستّين) سنة (إن (2) كانت) المرأة (قرشيّة).

و هي المنتسبة بالأب (3) إلى النضر بن كنانة (4)، و هي (5) أعمّ من الهاشميّة، فمن علم انتسابها إلى قريش بالأب لزمها (6) حكمها،...

**********

شرح:

بالهلاليّة.

(1)الظرف عطف على قوله «بعد إكمال».

(2)هذا قيد لاعتبار الستّين. يعني أنّ اعتبار ذلك إنّما هو فيما إذا كانت المرأة قرشيّة أو نبطيّة، و إلاّ فيعتبر الخمسون كما سنشير إليها.

* قال في الشرائع: تيأس المرأة ببلوغ ستّين، و قيل: في غير القرشيّة و النبطيّة ببلوغ خمسين سنة، و عن العلاّمة رحمه اللّه أيضا - كما في المنتهى - اختيار الستّين مطلقا.

(3)يعني أنّ القرشيّة هي التي ينتهى نسبها إلى قريش من جانب الأب، فلا اعتبار بالانتساب إليه من جانب الامّ.

(4)و كان اسم كنانة قريشا، و قريش اسم طائفة عظيمة أيضا من العرب، و قد انتسب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلى قريش بواسطة هاشم الذي هو الثاني من أجداده الكرام.

إيضاح: قد روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أنّه قال: من لم يعرف آبائي إلى عدنان فهو ناقص الإيمان، فعلى ذلك نذكر أسامي آبائه صلّى اللّه عليه و آله بالاختصار إلى عدنان:

محمّد بن عبد اللّه بن عبد المطّلب و اسمه شيبة الحمد بن هاشم و اسمه عمرو بن عبد مناف و اسمه المغيرة بن قصي و اسمه زيد بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك بن نضر بن كنانة و اسمه قريش بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان.

و امّه صلّى اللّه عليه و آله آمنة بنت وهب بن عبد مناف (من الحديقة مع تصرّف في العبارة).

(5)الضمير في قوله «و هي» يرجع إلى القرشيّة. يعني أنّ المرأة القرشيّة أعمّ من المرأة الهاشميّة، لإمكان انتسابها إلى قريش من غير توسّط هاشم.

(6)يعني إذا علم انتساب المرأة إلى قريش من غير توسّط هاشم جرى عليها حكم

ص: 288

و إلاّ (1) فالأصل عدم كونها منها،(أو نبطيّة (2)) منسوبة إلى النبط، و هم - على ما ذكره (3) الجوهريّ - قوم ينزلون البطائح (4) بين العراقين (5).

و الحكم فيها مشهور (6)، و مستنده غير معلوم، و اعترف المصنّف بعدم وقوفه (7) فيها على نصّ، و الأصل (8) يقتضي كونها (9) كغيرها.

**********

شرح:

القرشيّة.

(1)فإن شكّ في انتساب مرأة إلى قريش يحكم عليها بعدم كونها من قريش، للأصل.

و المراد من «الأصل» هو العدم الأزليّ بتقرير أنّ المرأة لم تخلق قرشيّة في الأزل و يستصحب هذا العدم إلى زمن الشكّ و يحكم ببقائه.

(2)بالنصب، عطف على قوله «قرشيّة».

(3)يعني أنّ المراد من النبطيّة - على ما ذكره الجوهريّ - هو طائفة من الناس كانوا ينزلون الأراضي الواسعة الواقعة بين الكوفة و البصرة و كانت تلك الأراضي مجاري السيل.

(4)جمع البطيحة: مسيل واسع فيه دقاق الحصى (أقرب الموارد).

(5)و هما الكوفة و البصرة.

(6)يعني أنّ الحكم بأنّ النبطيّة مثل القرشيّة مشهور، لكن مستنده غير معلوم!

(7)الضمير في قوله «وقوفه» يرجع إلى المصنّف رحمه اللّه، و في قوله «فيها» يرجع إلى النبطيّة.

(8)المراد من هذا الأصل هو العمل بعمومات الأدلّة التي تدلّ على وجوب تكاليف خاصّة للمكلّفين كوجوب الصلاة و الصوم و...، لكنّ المرأة الحائضة خرجت منها في أيّام الحيض أن تبلغ الستّين و كانت قرشيّة، و الشكّ في خروج النبطيّة إذا بلغت الخمسين، فيجب عليها إذا العمل بعمومات التكليف، للشكّ في خروجها عنها بعد الخمسين.

(9)الضمير في قوله «كونها» يرجع إلى النبطيّة، و كذلك الضمير في قوله «غيرها».

ص: 289

(و إلاّ) تكن كذلك (1)(فالخمسون) سنة مطلقا (2) غاية (3) إمكان حيضها، (و أقلّه ثلاثة أيّام متوالية)، فلا يكفي كونها في جملة (4) عشرة على الأصحّ.

(و أكثره عشرة) أيّام، فما زاد عنها (5) فليس بحيض إجماعا.

(و هو (6) أسود أو أحمر حارّ له دفع)...

**********

شرح:

(1)يعني و إن لم تكن المرأة قرشيّة و لا نبطيّة فغاية إمكان حيضها خمسون سنة.

(2)أي بلا فرق في هذا الحكم بين العبادة و العدّة، و هذا الإطلاق إشارة إلى التفصيل المذكور في حاشية من حواشي الكتاب: سواء كانت في العبادة أو في العدّة، خلافا لبعض حيث حكم بأنّ الخمسين غاية بالنسبة إلى العبادة، و الستّين بالنسبة إلى العدّة (حاشية سلطان العلماء رحمه اللّه).

(3)يعني أنّ الخمسين سنة في غير القرشيّة و من هي في حكمها تكون غاية إمكان كون الدم حيضا. و الضمير في قوله «حيضها» يرجع إلى المرأة غير القرشيّة و النبطيّة.

(4)يعني لا يكفي كون الثلاثة في ضمن عشرة أيّام على القول الأصحّ في مقابلة القول بكون الدم الخارج في الثلاثة أيّام المندرجة تحت العشرة أيّام حيضا.

(5)فالدم الزائد على عشرة أيّام إذا كان ابتداء خروجه متواليا و في ثلاثة أيّام لا يحسب حيضا بالإجماع.

إيضاح: قد ذكروا لدم الحيض علامات:

الاولى: كون الدم متواليا بلا انقطاع في ثلاثة أيّام.

الثانية: كون لونه أسود أو أحمر.

الثالثة: كونه حارّا.

الرابعة: خروجه بالدفع و القوّة.

و قد زاد بعض خروجه عن يمين الفرج.

(6)الضمير في قوله «و هو» يرجع إلى الحيض. يعني أنّ دم الحيض يكون بهذه الأوصاف.

ص: 290

و قوّة عند خروجه (غالبا (1)).

قيّد (2) بالغالب ليندرج فيه ما أمكن كونه حيضا، فإنّه (3) يحكم به و إن لم يكن كذلك، كما نبّه عليه (4) بقوله:(و متى أمكن كونه) أي الدم (حيضا) بحسب حال المرأة بأن (5) تكون بالغة غير يائسة، و مدّته (6) بأن لا ينقص عن ثلاثة و لا يزيد (7) عن عشرة، و دوامه (8) كتوالي الثلاثة، و وصفه (9)

**********

شرح:

(1)هذا قيد للأوصاف المذكورة من الأسوديّة و ما ذكر بعدها. يعني أنّ هذه علائم الحيض في الأغلب لا دائما.

(2)يعني أنّ المصنّف رحمه اللّه قيّد العلائم المذكورة بالغالب، لاندراج الدم الذي يمكن كونه حيضا في الحيض، مثل أن ترى المرأة في أيّام عادتها دما لونه أصفر.

(3)الضمير في قوله «فإنّه» يرجع إلى «ما» الموصولة. يعني أنّ الدم الذي يمكن كونه حيضا يحكم عليه به في بعض الموارد كما سيأتي.

و المشار إليه في قوله «كذلك» هو كون الدم أسود أو أحمر و غيرهما من العلائم.

(4)الضمير في قوله «عليه» يرجع إلى الاندراج المفهوم من قوله «ليندرج».

(5)تفسير لحال المرأة و إمكان حيضها بكونها بالغة غير يائسة.

(6)بالجرّ، عطف على قوله «حال المرأة». يعني يشترط في إمكان كون الدم حيضا عدم نقصانه عن ثلاثة أيّام، و إلاّ لم يحتمل كونه حيضا.

(7)و هذا أيضا من شرائط إمكان الحيض، فلو زادت أيّام رؤية الدم عن العشرة لم يمكن كونه حيضا.

(8)بالجرّ، عطف على قوله «حال المرأة». يعني أنّ إمكان الحيض قد يلاحظ بحسب مدّة جريان الدم بأن يكون متواليا، كما تقدّم ذكره في ضمن بيان علائمه في الهامش 5 من الصفحة السابقة.

(9)بالجرّ، عطف على قوله «حال المرأة». يعني أنّ إمكان الحيض قد يلاحظ بحسب

ص: 291

كالقويّ مع التمييز، و محلّه (1) كالجانب إن اعتبرناه و نحو (2) ذلك (حكم (3) به).

و إنّما يعتبر الإمكان بعد استقراره (4) فيما يتوقّف عليه.....

**********

شرح:

وصف الدم بأن يكون الدم قويّا، و هذا في صورة التمييز بين الدماء الخارجة عن المرأة مثل ما إذا رأت الدم أزيد من عشرة أيّام و لم تكن لها عادة مستقرّة، لكن تفاوتت أوصاف الدم، لكونه أسود في أيّام و أحمر في الاخرى، و من المعلوم أنّ الأسود أقوى بالنسبة إلى الأحمر و كذا الأحمر، فإنّه أقوى بالنسبة إلى الأصفر و هكذا.

(1)بالجرّ، عطف على قوله «حال المرأة». يعني أنّ إمكان الحيض قد يلاحظ بحسب محلّ الخروج، كما قال بعض باشتراط خروج دم الحيض من جانب يمين الفرج، استنادا إلى رواية فيها: «فإن خرج الدم من الجانب الأيمن فهو من الحيض، و إن خرج من الجانب الأيسر فهو من القرحة»، هكذا روي عن الكلينيّ و الشيخ الطوسيّ رحمهما اللّه.

و عن بعض المحشّين المعاصرين نقل قول الأطبّاء بعدم فرق بين خروج دم الحيض عن اليمين أو اليسار، لأنّه يخرج مختلفا.

(2)بالجرّ، عطف على قوله «حال المرأة». يعني يمكن كون الدم حيضا بحسب نحو ذلك المذكور، مثل ما إذا رأت المرأة الدم بعد حيضها الأوّل و بعد مضيّ طهر كامل، و هو عشرة أيّام بين الحيضين، فلو خرج الدم بعد هذه المدّة أمكن كونه حيضا.

(3)جواب شرط، و الشرط هو قوله «متى أمكن كونه حيضا». يعني متى أمكن كون الدم الخارج عن المرأة حيضا بحسب سنّها و دوام الدم ثلاثة أيّام و بحسب وصفه المذكور حكم بكونه حيضا، فيجري عليه أحكام الحيض.

و الضمير في قوله «به» يرجع إلى الحيض.

(4)الضمير في قوله «استقراره» يرجع إلى الإمكان. يعني أنّ إمكان كون الدم حيضا

ص: 292

كأيّام الاستظهار (1)، فإنّ الدم فيها يمكن كونه حيضا إلاّ أنّ الحكم به (2) موقوف على عدم عبور العشرة.

و مثله (3).........

**********

شرح:

بالشرائط المذكورة إنّما هو بشرط استقرار إمكان الحيض، بمعنى كون إمكان الحيض ثابتا و مستقرّا، لكنّ الإمكان إذا كان متزلزلا مثل إمكان الحيض في أيّام الاستظهار حكم على الدم الخارج بالحيض إلى أن يزول إمكانه، مثلا: إنّ المرأة إذا كانت عادتها سبعة أيّام، و لم ينقطع الدم في عادتها بل رأته في اليوم الثامن و التاسع و العاشر ففي هذه الأيّام الثلاثة أيضا يمكن كون الدم حيضا بشرط عدم تجاوزه العشرة، فإذا جاوزها حكم بعدم كون الدم الخارج في الأيّام الثلاثة المذكورة حيضا، و لذا سمّيت هذه الأيّام أيّام الاستظهار.

(1)نذكر لأيّام الاستظهار مثالين:

الأوّل: إذا استقرّت عادة المرأة وقتا ثمّ رأت الدم جعلته حيضا، لإمكان كونه حيضا إلى أن يدوم ثلاثة أيّام متوالية فتترك صلاتها و صومها بمحض رؤية الدم، فإذا انقطع قبل الأيّام الثلاثة ظهر لها عدم كونه حيضا، و احتمل تبدّل عادتها، فيزول إمكان الحيض، و يجب عليها قضاء صلاتها و صومها المتروكين في هذه الأيّام.

الثاني: إذا كانت عادة المرأة سبعة أيّام لكن اتّفق تجاوز الدم الثامن و التاسع و العاشر جعلت الدم الخارج في الأيّام المذكورة حيضا، عملا بقاعدة إمكان الحيض و استظهارا له، فإذا لم ينقطع الدم بعد العشرة و تجاوزها ظهر لها عدم كون الأيّام المذكورة حيضا، فيحكم عليها بوجوب قضاء صلاتها و صومها المتروكين فيها.

(2)يعني أنّ العمل بقاعدة إمكان الحيض يكون مراعى، فإذا تجاوز الدم الأيّام العشرة حكم بعدم كونه حيضا كما تقدّم.

(3)أي و مثل أيّام الاستظهار من حيث العمل بقاعدة الإمكان متزلزلا هو أوّل رؤية الدم إذا انقطع قبل الثلاثة.

ص: 293

القول في أوّل رؤيته (1) مع انقطاعه قبل الثلاثة.

أقسام النساء الحائض

(و لو تجاوز (2) العشرة فذات العادة (3) الحاصلة باستواء الدم مرّتين)

**********

شرح:

(1)الضميران في قوليه «رؤيته» و «انقطاعه» يرجعان إلى الدم.

و المراد من «الثلاثة» هو الثلاثة الأيّام التي يشترط فيها كون الدم متواليا.

أقسام النساء الحائض (2)هذا شرط يأتي جوابه في قوله «تأخذها». يعني أنّ المرأة إذا رأت دما و كانت ذات العادة و تجاوز الدم العشرة جعلت أيّام عادتها خاصّة حيضا.

(3)اعلم أنّ النساء الحائض على قسمين:

الأوّل: ذات العادة المستقرّة.

الثاني: ذات العادة الغير المستقرّة.

أمّا ذات العادة المستقرّة فهي على أقسام:

الأوّل: ذات العادة الوقتيّة، و هي التي ترى الدم في شهرين متواليين في وقت واحد، مثل رؤيتها الدم من أوّل شهر شعبان و من أوّل شهر رجب و إن كان عدد أيّام الرؤية من حيث القلّة و الكثرة مختلفا.

الثاني: ذات العادة العدديّة، و هي التي ترى الدم مضبوطا من حيث العدد و إن كان متفرّقا من حيث الوقت، مثل أن تكون أيّام الرؤية سبعة في كلّ شهر، لكن يتّفق خروج الدم في شهر من أوّله و في شهر آخر من وسطه.

الثالث: ذات العادة الوقتيّة و العدديّة، مثل ما إذا رأت الدم من أوّل كلّ شهر إلى يومه السابع.

و أمّا ذات العادة غير المستقرّة فعلى أقسام أيضا:

الأوّل: كونها ذات تمييز بأن يكون الدم الخارج منها مختلفا من حيث الشدّة و

ص: 294

أخذا (1) و انقطاعا، سواء كان (2) في وقت واحد، بأن رأت في أوّل شهرين سبعة مثلا، أم في وقتين، كأن (3) رأت السبعة في أوّل شهر و آخره، فإنّ السبعة تصير عادة وقتيّة و عدديّة في الأوّل (4)، و عدديّة في الثاني (5)، فإذا تجاوز عشرة (تأخذها (6)) أي العادة فتجعلها حيضا.

و الفرق بين العادتين (7) الاتّفاق.......

**********

شرح:

الضعف و من حيث قوّة اللون و غيرها.

الثاني: كونها غير مميّزة، و هذا القسم على نوعين:

الأوّل: المبتدئة، و هي التي تبتدي برؤية الدم بعد البلوغ.

الثاني: المضطربة، و هي أيضا على أقسام:

أ: المضطربة وقتا.

ب: المضطربة عددا.

ج: المضطربة وقتا و عددا.

(1)قولاه «أخذا» و «انقطاعا» كلاهما تمييزان لقوله «استواء الدم». يعني أنّ العادة تتحقّق بخروج الدم مرّتين في شهرين مع استوائه من حيث الشروع و الانقطاع.

(2)هذا مثال لذات العادة الوقتيّة و العدديّة.

(3)هذا مثال لذات العادة العدديّة خاصّة.

(4)المراد من «الأوّل» هو قوله «بأن رأت في أوّل شهرين سبعة».

(5)يعني تكون السبعة في الفرض الثاني عادة عدديّة خاصّة.

و المراد من «الثاني» هو قوله «كأن رأت السبعة في أوّل شهر و آخره».

(6)فاعله هو الضمير العائد إلى ذات العادة، و الضمير الملفوظ في قوله «فتجعلها» يرجع إلى العادة.

(7)يعني أنّ الفارق بين ذات العادة الوقتيّة و العدديّة و ذات العدديّة خاصّة هو أنّ

ص: 295

على تحيّض الاولى (1) برؤية الدم، و الخلاف في الثانية (2)، فقيل: إنّها فيه كالمضطربة لا تتحيّض إلاّ بعد ثلاثة أيّام (3)، و الأقوى (4) أنّها كالأولى.

و لو اعتادت وقتا (5) خاصّة - بأن رأت في أوّل شهر سبعة و في أوّل آخر ثمانية - فهي مضطربة العدد (6) لا ترجع إليه (7) عند التجاوز (8)، و إن

**********

شرح:

الاولى تجعل الدم حيضا بمحض الرؤية، بخلاف الثانية، فإنّها يختلف فيها فتوى الفقهاء، و ذهب بعضهم إلى أنّها في حكم المضطربة، بمعنى أنّها لا تجعل الدم الخارج منها في اليوم الأوّل إلى اليوم الثالث حيضا، فإذا لم ينقطع في هذه الأيّام الثلاثة جعلته حيضا.

(1)و هي ذات العادة الوقتيّة و العدديّة.

(2)و هي ذات العادة العدديّة خاصّة.

(3)أي بعد مضيّ ثلاثة أيّام من رؤية الدم.

(4)هذا هو رأي الشارح رحمه اللّه في خصوص ذات العادة العدديّة خاصّة، فإنّها أيضا في حكم ذات العادة الوقتيّة و العدديّة، فتجعل الدم حيضا بأوّل رؤية.

(5)هذه هي ذات العادة الوقتيّة خاصّة لا العدديّة، و قد تقدّم ذكرها في الهامش 3 من ص 294.

(6)لا الوقت، لأنّ عادتها مستقرّة من حيث الوقت، فإن رأت الدم في أوّل شهرين متتابعين لكن رأته في أحدهما خمسة أيّام و في آخر سبعة أيّام تجعل الدم الخارج في شهر ثالث حيضا بمحض الرؤية، لكن إن تجاوز الدم العشرة لا ترجع إلى العدد الحاصل لها في الشهرين الأوّلين.

(7)الضمير في قوله «إليه» يرجع إلى العدد.

(8)أي عند تجاوز الدم العشرة، بخلاف ذات العادة الوقتيّة و العدديّة التي تجعل العدد المعتاد حيضا إذا تجاوز الدم العشرة، و قد تقدّم ذكره.

ص: 296

أفاد الوقت (1) تحيّضها برؤيته (2) فيه بعد ذلك (3) كالأولى (4) إن لم نجز ذلك للمضطربة (5).

(و ذات التمييز (6)) و هي التي ترى الدم نوعين (7) أو أنواعا (8)(تأخذه) بأن تجعل القويّ حيضا و الضعيف استحاضة (بشرط (9) عدم تجاوز حدّيه)

**********

شرح:

(1)يعني و إن أفاد الوقت كونها ذات العادة الوقتيّة فتجعل الدم الخارج منها في أوّل الرؤية حيضا، و هذه فائدة كونها ذات العادة الوقتيّة.

(2)الضمير في قوله «برؤيته» يرجع إلى الدم، و في قوله «فيه» يرجع إلى الوقت.

(3)المشار إليه في قوله «ذلك» هو استقرار العادة من حيث الوقت.

(4)يعني فهي تكون كذات العادة الوقتيّة و العدديّة من حيث إنّها تجعل الدم الخارج منها حيضا بمحض الرؤية.

(5)فلو أجزنا للمضطربة أيضا جعل الدم الخارج منها حيضا فلا فرق بين ذات العادة الوقتيّة خاصّة و المضطربة.

(6)من هنا أخذ المصنّف رحمه اللّه في بيان أحكام ذوات العادة غير المستقرّة من النساء، و منهنّ ذات التمييز، و هي التي يتجاوز الدم الخارج منها عشرة أيّام، لكن يكون دمها هذا متغيّرا من حيث اللون أو الشدّة، مثل أن ترى الدم عشرين يوما أو أزيد، و هو في بعض الأيّام أسود و في بعضها الآخر أحمر أو أصفر، فتجعل الأسود حيضا في مقابلة الأحمر، لكونه قويّا بالنسبة إليه، و هكذا تجعل الأحمر حيضا في مقابل الأصفر و هكذا.

(7)مثل رؤيتها الدم بلون أسود في بعض الأيّام و أحمر في آخر.

(8)مثل أن تكون الدماء الخارجة أسود و أحمر و أصفر.

و الضمير الملفوظ في قوله «تأخذه» يرجع إلى التمييز.

(9)يعني أنّ أخذ التمييز يشترط فيه عدم تجاوز الدم المميّز حدّي الحيض من حيث

ص: 297

قلّة و كثرة (1)، و عدم قصور (2) الضعيف، و ما يضاف إليه من أيّام النقاء (3) عن أقلّ الطهر.

و تعتبر القوّة (4) بثلاثة:

«اللون»، فالأسود (5) قويّ الأحمر، و هو قويّ الأشقر (6)، و هو قويّ

**********

شرح:

القلّة بأن لا يكون خروجه أقلّ من ثلاثة أيّام و من حيث الكثرة بأن لا يكون الخروج أكثر من عشرة أيّام.

(1)تمييزان لقوله «حدّيه»، و الضمير في هذا القول يرجع إلى الحيض.

(2)بالجرّ، عطف على قوله «عدم تجاوز حدّيه»، و أضاف الشارح رحمه اللّه هذا الشرط الثاني.

و حاصله أنّ ذات التمييز تجعل الدم القويّ لونا حيضا و الدم الضعيف لونا استحاضة بشرط عدم قصور أيّام خروج الدم الضعيف و أيّام الاستحاضة و النقاء - إذا اضيفت إليها - عن أقلّ الطهر، و هو عشرة أيّام، مثلا إذا رأت الدم الضعيف الخارج بعد الدم القويّ الذي جعلته حيضا ثمانية أيّام لم يصحّ جعل هذا المقدار استحاضة و الحكم بكون ما بعده حيضا، لاستلزام هذا الحكم كون الفاصل بين الحيضين أقلّ من طهر، و هو عشرة أيّام.

(3)المراد من «النقاء» هو الطهر من الحيض.

(4)يعني أنّ القوّة التي توجب جعل الدم القويّ حيضا تعرف بثلاث أمارات:

الاولى: اللون.

الثانية: الرائحة.

الثالثة: القوام.

(5)فإذا رأت الدم الأسود في بعض الأيّام و الأحمر في بعضها الآخر جعلت الأوّل حيضا.

(6)الأشقر من شقر يشقر شقرا و شقرة: كانت فيه شقرة.

الشقرة: لون يأخذ من الأحمر و الأصفر (المنجد).

ص: 298

الأصفر، و هو قويّ الأكدر (1).

و «الرائحة» (2)، فذو الرائحة الكريهة قويّ ما لا رائحة (3) له، و ما له (4) رائحة أضعف.

و «القوام» (5)، فالثخين (6) قويّ الرقيق، و ذو الثلاث (7) قويّ ذي الاثنين، و هو (8) قويّ ذي الواحد، و هو (9) قويّ العادم.

**********

شرح:

(1)الأكدر: ذو الكدر، و - الذي في لونه كدرة.

كدر كدرا و كدرة: نقيض صفا (أقرب الموارد).

(2)بالجرّ، عطف على قوله «اللون»، و هذه العلامة هي ثانية العلامات الثلاث المعتبرة في معرفة الدم القويّ.

(3)يعني أنّ الدم الذي له الرائحة الكريهة قويّ بالنسبة إلى الدم الذي لا رائحة له.

(4)هذا مثال ثان، بمعنى أنّ الدم ذا الرائحة القويّة يعدّ قويّا بالنسبة إلى الدم الذي له رائحة ضعيفة.

(5)و هذه العلامة هي ثالثة العلامات المعتبرة في معرفة الدم القويّ، فالدم الغليظ قويّ بالنسبة إلى الدم الرقيق.

(6)من ثخن ثخونة و ثخانة و ثخنا: غلظ و صلب فهو ثخين (أقرب الموارد).

(7)يعني أنّ الدم ذا العلامات الثلاث أقوى بالنسبة إلى الدم ذي العلامتين، فإذا كان الدم في بعض الأيّام أسود لونا و أنتن ريحا و أثخن قواما و في بعض الأيّام أسود لونا و أنتن ريحا كان الأوّل أقوى بالنسبة إلى الآخر.

(8)الضمير في قوله «و هو» يعود إلى ذي الاثنين، فإنّ الدم ذي الاثنين قويّ بالنسبة إلى الدم ذي العلامة الواحدة.

(9)الضمير في قوله «و هو» يرجع إلى الدم ذي الواحد، فإنّه قويّ بالنسبة إلى الدم العادم للعلامات كلّها.

ص: 299

و لو استوى العدد و إن كان مختلفا (1) فلا تمييز.

(و) حكم (الرجوع) إلى التمييز ثابت (في المبتدئة (2)) بكسر الدال و فتحها (3)، و هي من لم تستقرّ لها عادة، إمّا لابتدائها (4) أو بعده (5) مع اختلافه عددا و وقتا،(و المضطربة (6))،........

**********

شرح:

(1)بأن يكون الدم في بعض الأيّام أسود و أغلظ و في بعضها الآخر أسود و أنتن ريحا، فلا يحصل إذا التمييز، لتساوي عدد العلامات.

(2)هذه الحائض تعدّ من أقسام ذات التمييز، و تسمّى المبتدئة، فإنّها ترجع إلى العلامات المذكورة إذا تجاوز الدم الخارج منها العشرة، مثل أن ترى الدم عشرين يوما أو أكثر.

(3)يعني أنّ لفظ «المبتدئة» يقرأ بصيغة اسم الفاعل و بصيغة اسم المفعول كلتيهما.

(4)كما إذا رأت البالغة أوّل دم خرج منها بعد بلوغها.

(5)الضمير في قوله «بعده» يرجع إلى الابتداء. يعني أنّ المراد من المبتدئة هي المرأة التي ترى الدم الخارج بعد الدم الأوّل مختلفا، مثل أن ترى الدم في الشهر الأوّل في أوّله و في الثاني في وسطه و في الثالث في آخره و مثل أن يختلف الدم من حيث عدد الأيّام.

(6)بالجرّ، عطف على قوله «المبتدئة». يعني أنّ حكم الرجوع الى التمييز ثابت للمرأة المضطربة أيضا، و هي على أربعة أقسام:

الأوّل: من نسيت عادتها وقتا فيما إذا كانت عادتها من حيث الوقت معلومة، لكنّها نسيت الوقت المذكور.

الثاني: من نسيت عادتها من حيث العدد.

الثالث: من نسيت عادتها من حيث العدد و الوقت.

ص: 300

و هي من نسيت عادتها وقتا (1) أو عددا أو معا.

و ربّما اطلقت على ذلك (2) و على من تكرّر لها الدم مع عدم استقرار العادة، و تختصّ المبتدئة على هذا (3) بمن رأته أوّل مرّة، و الأوّل (4) أشهر.

و تظهر فائدة الاختلاف (5) في رجوع ذات القسم الثاني (6) من المبتدئة إلى عادة أهلها (7) و عدمه.

**********

شرح:

الرابع: من تكرّر لها الدم الخارج منها مع عدم استقرار عادتها لا من حيث الوقت و لا من حيث العدد.

(1)هذا هو القسم الأوّل من الأقسام المذكورة، و ما ذكر بعده هو القسم الثاني و الثالث و الرابع.

(2)أي ربّما اطلقت المضطربة على من نسيت عادتها المذكورة و على من تكرّر لها الدم و لم تستقرّ عادتها. و الضمير في قوله «لها» يرجع إلى المضطربة.

(3)يعني إذا اطلقت المضطربة على من تكرّر لها الدم مع عدم استقرار عادتها اختصّت المبتدئة بأوّل المعنيين المشار إليهما في قوله «لابتدائها أو بعده مع اختلافه عددا و وقتا».

(4)يعني أنّ المعنى الأوّل المذكور للمبتدئة - و أنّها هي التي ترى الدم أوّل مرّة أو بعده مع اختلافه عددا و وقتا - يكون أشهر.

(5)أي فائدة الاختلاف في أنّ المعنى الثاني هل هو من مصاديق المبتدئة أم لا تظهر في إجراء أحكام المبتدئة و عدمه، مثلا إن حكم برجوع المبتدئة إلى عادة أقرانها أو أهلها فالمرأة التي لم تستقرّ عادتها من حيث الوقت و العدد ترجع إلى عادة أهلها لو كانت مصداقا للمبتدئة، و لا ترجع إليها لو لم تكن كذلك.

(6)المراد من «القسم الثاني» هو من تكرّر لها الدم مع عدم استقرار العادة.

(7)أي أقاربها مثل الاخت و بنت الخالة و العمّة.

ص: 301

(و مع فقده) أي فقد التمييز بأن اتّحد الدم المتجاوز (1) لونا و صفة، أو اختلف و لم تحصل شروطه (2)(تأخذ المبتدئة عادة أهلها) و أقاربها (3) من الطرفين (4) أو أحدهما كالأخت و العمّة و الخالة و بناتهنّ (5).

(فإن اختلفن) في العادة و إن غلب (6) بعضهنّ (فأقرانها)، و هنّ من قارنها في السنّ عادة (7).

و اعتبر المصنّف في كتبه الثلاثة (8) فيهنّ و في الأهل اتّحاد البلد، لاختلاف (9) الأمزجة باختلافه.

**********

شرح:

(1)و هو الدم الذي تجاوز عشرة أيّام و لم يكن مختلفا من حيث اللون و الريح و الغلظة.

(2)المراد من «شروطه» هو ما ذكر سابقا في الصفحة 297 في قوله «بشرط عدم تجاوز حدّيه».

(3)لعلّ قوله «و أقاربها» عطف تفسيريّ لقوله «أهلها».

أهل الرجل: عشيرته و ذوو قرباء (أقرب الموارد).

(4)أي من طرف الأب و طرف الامّ.

(5)أي بنات الاخت و الخالة و العمّة.

(6) «إن» وصليّة. يعني و إن غلبت عادة بعضها عند اختلاف عادتهنّ، و على هذا فلا ترجع إلى عادتهنّ، بل ترجع إلى عادة من قارنها في السنّ.

(7)بأن يصدق عليهما عرفا أنّهما متقارنتين من حيث السنّ و إن لم تكونا متساويتين سنّا بالدقّة.

(8)المراد من «كتبه الثلاثة» هو البيان و الدروس و الذكرى. يعني أنّ المصنّف رحمه اللّه اعتبر في هذه الكتب الثلاثة اتّحاد بلدي الأهل و الأقران حتّى يجوز للمبتدئة أن ترجع إليهنّ.

(9)تعليل لاشتراط اتّحاد بلدي الأهل و الأقران، فإنّ أمزجة النساء تختلف باختلاف

ص: 302

و اعتبر في الذكرى أيضا الرجوع إلى الأكثر عند الاختلاف (1)، و هو (2) أجود.

و إنّما اعتبر في الأقران الفقدان (3) دون الأهل، لإمكانه (4) فيهنّ دونهنّ، إذ لا أقلّ من الامّ، لكن (5) قد يتّفق الفقدان بموتهنّ و عدم العلم بعادتهنّ، فلذا (6) عبّر (7) في غيره بالفقدان.......

**********

شرح:

البلاد من حيث الهواء و الغذاء و الماء.

(1)يعني أنّ المصنّف رحمه اللّه قال في كتابه (الذكرى) برجوع المبتدئة إلى عادة أهلها و أقرانها عند التساوي، و إلى الاغلب عادة منهنّ عند الاختلاف، لكنّه لم يعتبر في هذا الكتاب الأغلب عادة، بل قال برجوعها إلى عادة أقرانها حيث قال «فإن اختلفن فأقرانها».

(2)يعني أنّ الرجوع إلى الأكثر عند الاختلاف أجود.

(3)إشارة إلى ما سيجيء في قول المصنّف رحمه اللّه «فإن فقدن»، و يتعرّض بذلك لفرض فقدان الأقران، لكنّه لم يتعرّض مع ذلك لفرض الفقدان في خصوص الأهل، بل قال في خصوصهنّ «فإن اختلفن فأقرانها».

(4)الضمير في قوله «لإمكانه» يرجع إلى الفقدان، و في قوله «فيهنّ» يرجع إلى الأقران، و في قوله «دونهنّ» يرجع إلى الأهل. يعني أنّ الفقدان يمكن فرضه بل وقوعه في خصوص الأقران بأن لا تكون لها أقران أصلا، بخلاف الأهل، إذ لا أقلّ من الامّ.

(5)استدراك من عدم إمكان فقدان الأهل، بأنّه يمكن فقدان الأهل كلّهنّ بموتهنّ و عدم احراز عادتهنّ.

(6)المشار إليه في قوله «فلذا» هو اتّفاق الفقدان.

(7)فاعله هو العائد إلى المصنّف رحمه اللّه، و الضمير في قوله «غيره» يرجع إلى كتاب اللمعة

ص: 303

و الاختلاف فيهما (1).

(فإن فقدن (2)) الأقران (أو اختلفن فكالمضطربة (3) في) الرجوع إلى الروايات، و هي (أخذ عشرة (4) أيّام من شهر و ثلاثة من آخر) مخيّرة في الابتداء بما شاءت منهما (5)،(أو سبعة سبعة (6)) من كلّ شهر،(أو ستّة ستّة (7)) مخيّرة في ذلك (8) و إن كان الأفضل لها (9) اختيار ما يوافق مزاجها

**********

شرح:

الدمشقيّة. يعني أنّ المصنّف عبّر في غير هذا الكتاب بالفقدان و الاختلاف في خصوص الأهل و الأقران كليهما.

(1)الضمير في قوله «فيهما» يرجع إلى الأهل و الأقران.

(2)بصيغة المجهول، و نائب الفاعل هو الضمير البارز العائد إلى الأقران.

فقده فقدا و فقدانا و فقدانا و فقودا: غاب عنه و عدمه فهو فاقد (أقرب الموارد).

(3)يعني أنّ المبتدئة تكون مثل المضطربة فيما سيأتي من الرجوع بمضمون الروايات إذا لم تكن ذات تمييز.

(4)بأن تأخذ عشرة أيّام من شهر رجب حيضا و ثلاثة أيّام من شعبان مخيّرة في أخذ العشرة أوّلا أو الثلاثة.

و الحاصل أنّها تجعل أكثر الحيض في أحد الشهرين أقلّه في آخر.

(5)الضمير في قوله «منهما» يرجع إلى العشرة و الثلاثة.

(6)هذا هو القسم الثاني من موارد رجوعها إلى الروايات مخيّرة بينها، و هو أن تجعل سبعة أيّام من كلّ شهر حيضا.

(7)و هذا هو القسم الثالث من موارد الرجوع مخيّرة بينها.

(8)المشار إليه في قوله «ذلك» هو الموارد الثلاثة المذكورة.

(9)يعني و إن كان الأفضل للمبتدئة اختيار ما هو أوفق بمزاجها.

ص: 304

منها (1)، فتأخذ ذات المزاج الحارّ السبعة (2)، و البارد الستّة (3)، و المتوسّط (4) الثلاثة و العشرة.

**********

شرح:

(1)الضمير في قوله «منها» يرجع إلى الموارد الثلاثة المذكورة.

(2)لأنّ أخذ السبعة من كلّ شهر أطول زمانا بين الموارد الثلاثة من حيث جمع ما تجعله حيضا بهذا التفصيل التالي:

الأوّل: أخذ عشرة من شهر و ثلاثة من آخر: (13 3 + 10).

الثاني: أخذ سبعة من كلّ شهر: (14 7 + 7).

الثالث: أخذ ستّة من كلّ شهر: (12 6 + 6).

(3)لأنّ أخذ الستّة أقصر زمانا بين الموارد الثلاثة، لأنّ مجموع ما تؤخذ من الشهرين يكون اثني عشر يوما.

(4)و قد حقّقنا آنفا كون أخذ العشرة و الثلاثة أوسط زمانا بين الموارد الثلاثة.

أقول: و الرواية التي يمكن استفادة أخذ العشرة و الثلاثة منها منقولة في كتاب الوسائل:

محمّد بن الحسن بإسناده عن عبد اللّه بن بكير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: المرأة إذا رأت الدم في أوّل حيضها فاستمرّ بها الدم تركت الصلاة عشرة أيّام، ثمّ تصلّي عشرين يوما، فإن استمرّ بها الدم بعد ذلك تركت الصلاة ثلاثة أيّام و صلّت سبعة و عشرين يوما (الوسائل: ج 2 ص 549 ب 8 من أبواب الحيض من كتاب الطهارة ح 6).

* قال صاحب الوسائل رحمه اللّه: حمله الشيخ على من ليس لها نساء أو كنّ مختلفات... إلخ.

أمّا الرواية التي يمكن استفادة أخذ الستّة من كلّ شهر أو السبعة كذلك أيضا منقولة في كتاب الوسائل:

محمّد بن يعقوب بإسناده عن يونس عن غير واحد سألوا أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الحيض و السنّة في وقته، فقال: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله سنّ في الحيض ثلاث سنن (إلى أن

ص: 305

و تتخيّر في وضع ما اختارته (1) حيث شاءت من أيّام الدم و إن كان الأولى الأوّل (2)، و لا اعتراض للزوج في ذلك (3).

و هذا (4) في الشهر الأوّل، أمّا ما بعده فتأخذ ما يوافقه (5) وقتا.

و هذا (6) إذا نسيت المضطربة الوقت و العدد معا، أمّا لو نسيت أحدهما

**********

شرح:

قال:) أنّ امرأة يقال لها: «حمنة» بنت جحش أتت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقالت: إنّي استحضت حيضة شديدة، فقال: احتشي كرسفا، فقالت: إنّه أشدّ من ذلك، إنّي أثجّه ثجّا، فقال: تلجمي و تحيّضي في كلّ شهر في علم اللّه ستّة أيّام أو سبعة أيّام ثمّ اغتسلي غسلا... إلخ (المصدر السابق: ص 547 ح 3).

(1)يعني أنّ المبتدئة كالمضطربة، فإذا اختارت واحدا من الموارد الثلاثة المذكورة كانت مخيّرة في جعل أوّل الأيّام التي اختارتها في أيّ يوم من أيّام الدم، مثلا لها أن تجعل السبعة التي اختارتها من كلّ شهر من أوّل يوم الدم أو من الثاني و هكذا، و هذا الوضع يكون للمرأة، فليس لزوجها الاعتراض في ذلك.

(2)بالنصب، خبر لقوله «كان». يعني و إن كان الأولى هو جعل أيّام الحيض من أوّل أيّام الدم.

(3)المشار إليه في قوله «ذلك» هو اختيار المرأة.

(4)يعني أنّ تخييرها في وضع الحيض في أيّ يوم من أيّام الدم شاءت إنّما هو في الشهر الأوّل، أمّا بعد الوضع فلا تختار في الشهر الثاني غير ما اختارتها في الأوّل، فإذا وضعت أوّل الدم في أوّل الشهر الأوّل وجب عليها وضع أوّل الدم في أوّل الشهر الثاني أيضا.

(5)الضمير الملفوظ في قوله «يوافقه» يرجع إلى الشهر الأوّل. يعني يجب عليها أن تأخذ في الشهر الثاني ما أخذته في الشهر الأوّل من حيث الوقت.

(6)المشار إليه في قوله «هذا» هو تخيير المرأة بين الموارد الثلاثة المذكورة و تخييرها في

ص: 306

خاصّة فإن كان الوقت (1) أخذت العدد كالروايات، أو العدد (2) جعلت ما تيقّن من الوقت حيضا أوّلا (3) أو آخرا (4) أو ما بينهما (5) و أكملته (6) بإحدى الروايات على وجه يطابق (7):

**********

شرح:

وضع الحيض في أيّ يوم من أيّام الدم شاءت. يعني أنّ ما ذكر إنّما هو جار في نسيان المضطربة عادتها من حيث الوقت و العدد كليهما، أمّا مع نسيانها أحدهما خاصّة فيجيء حكمها.

(1)بالنصب، خبر لقوله «كان»، و اسمها هو الضمير العائد إلى المنسيّ. يعني إن كان المنسيّ هو الوقت تأخذ العدد كما ورد في الروايات و تتخيّر في وضع أوّل أيّام الدم في أيّ يوم شاءت.

(2)بالنصب، عطف على قوله «الوقت». يعني إن كان المنسيّ هو العدد تجعل المتيقّن من الوقت حيضا و تكمله بما يطابق إحدى الروايات.

(3)فإذا تيقّن كونها في تاسع الشهر حائضا و اختارت عدد السبعة من الروايات وجب عليها إمّا أن تجعل أوّل السبعة تاسع الشهر أو تجعل آخر السبعة تاسع الشهر أو تجعل وسط السبعة تاسع الشهر.

(4)أي جعلت ما تيقّنته آخر العدد الذي اختارته.

(5)أي جعلت المتيقّن فيما بين أوّل العدد المختار من الروايات و آخره.

(6)الضمير الملفوظ في قوله «أكملته» يرجع إلى المجعول حيضا المفهوم من قوله «جعلت». يعني يجب عليها إكمال المجعول حيضا بأحد الأعداد المستفادة من الروايات، مثلا إذا تيقّنت كونها في السابق حائضا في ثامن الشهر و اختارت الثلاثة في شهر و العشرة في الآخر وجب عليها إكمال الثامن ثلاثة إذا جعلته أوّل الثلاثة و هكذا إذا جعلته أوّل العشرة.

(7)يعني أنّ الإكمال ليكن مطابقا للعدد الذي اختارته.

ص: 307

فإن ذكرت أوّله (1) أكملته ثلاثة متيقّنة و أكملته (2) بعدد مرويّ.

أو آخره (3) تحيّضت بيومين قبله متيقّنة (4) و قبلهما تمام الرواية.

أو وسطه (5).......

**********

شرح:

(1)يعني فإن ذكرت كون ثامن الشهر مثلا أوّل حيضها تجعله حيضا و تكمله ثلاثة، لعدم كون الحيض أقلّ من الثلاثة و تكمل العدد الذي اختارته.

(2)يعني إذا أكملت اليوم المتيقّن ثلاثة أكملته بالعدد الذي اختارته أعني عدد الستّة أو السبعة أو غيرهما.

(3)الضمير في قوله «آخره» يرجع إلى الحيض. يعني إن تذكّرت كون ثامن الشهر مثلا آخر حيضها سابقا أخذت الحيض بيومين قبله.

(4)يعني إذا تيقّنت آخر حيضها السابق جعلت الحيض قبل المتيقّن بيومين و أكملت اليومين المذكورين بالعدد المستفاد من الرواية.

إيضاح: إذا تيقّنت فاقدة التمييز أو المضطربة أنّها حاضت في الشهر السابق و كان آخر حيضها اليوم الثامن منه فلو اختارت من الموارد الثلاثة المذكورة ستّة ستّة من كلّ شهر جعلت الحيض من اليوم الثالث ليقع آخر حيضها في اليوم الثامن من الشهر.

و الضمير في قوله «قبلهما» يرجع إلى اليومين.

(5)بالنصب، عطف على قوله «أوّله» الوارد في قوله «فإن ذكرت أوّله». يعني لو ذكرت الحائض وسط حيضها... إلخ.

إيضاح: اعلم أنّ المراد من وسط الحيض السابق يكون على قسمين:

الأوّل: كون الوسط بمعناه الحقيقيّ، و هو الذي يحفّه العددان المتساويان.

الثاني: كون الوسط بمعنى الأثناء لا الوسط الحقيقيّ الذي يحفّه العددان المتساويان، و كلّ منهما يكون على قسمين:

ص: 308

المحفوف (1) بمتساويين و أنّه يوم (2) حفّته بيومين و اختارت (3) رواية السبعة لتطابق (4) الوسط...........

**********

شرح:

أ: كون الوسط يوما واحدا.

ب: كون الوسط يومين.

أمّا القسم الأوّل من الوسط الحقيقيّ - و هو كون المتوسّط يوما واحدا - فتأخذ المضطربة رواية السبعة لرعايته لا غيرها، لتحقّق العمل بالوسط الحقيقيّ بها خاصّة، مثلا إذا كان اليوم الرابع متيقّن الحيض في الشهر السابق جعلت الحيض من أوّل الشهر إلى اليوم السابع منه، فيكون اليوم الرابع إذا وسطا حقيقيّا، لأنّه واقع بين عددي الثلاثة قبله و بعده.

و مثال القسم الثاني من الوسط الحقيقيّ - و هو كون العدد المتوسّط يومين - هو ما إذا تيقّنت المضطربة حيضها في اليوم الثالث و الرابع من الشهر السابق، فتجعل الحيض من أوّل الشهر إلى السادس منه، فيكون اليومان الثالث و الرابع إذا وسطين حقيقيّين، و لا تختار في هذه الصورة إلاّ رواية الستّة، لعدم إمكان تحصيل الوسط الحقيقيّ إلاّ بالعمل بها خاصّة.

أمّا القسم الثاني - و هو الوسط بمعنى الأثناء لا الحقيقيّ - فتجعل الحائض المتيقّن فيه في أثناء الأيّام التي تختارها للحيض كيف كان كما يأتي.

(1)بالنصب، صفة لقوله «وسطه». يعني أنّ الوسط قد يكون محفوفا بعددين متساويين.

(2)هذا هو القسم الأوّل من قسمي الوسط الحقيقيّ الذي فصّلناه في الإيضاح المتقدّم آنفا بيانه. و الضمير في قوله «أنّه» يرجع إلى الوسط.

(3)فاعله هو الضمير العائد إلى المضطربة أو فاقدة التمييز. يعني يجب على المضطربة أو فاقدة التمييز اختيار رواية السبعة، لأنّه لا سبيل إلى رعاية الوسط الحقيقيّ في هذه الصورة إلاّ بالعمل بها.

(4)بصيغة المعلوم من باب المفاعلة، و فاعله هو الضمير المستتر العائد إلى الرواية

ص: 309

أو يومان (1) حفّتهما (2) بمثلهما (3)، فتيقّنت أربعة و اختارت رواية الستّة، فتجعل (4) قبل المتيقّن يوما و بعده (5) يوما.

أو الوسط (6)...........

**********

شرح:

أو السبعة.

(1)عطف على قوله المرفوع «يوم»، فيكون خبرا ثانيا بالعطف لقوله «أنّه». و هذا هو القسم الثاني من قسمي الوسط الححقيقيّ الذي فصّلناه في الإيضاح المتقدّم آنفا بيانه.

و معنى العبارة هكذا: فإن ذكرت المضطربة أو فاقدة التمييز وسط حيضها السابق في الشهر الماضي و أنّه كان يومين... إلخ.

(2)جواب شرط، و الشرط هو قوله «فإن ذكرت».

و المعنى هكذا: فإن ذكرت المضطربة أو فاقدة التمييز وسط حيضها السابق و أنّه يومان حفّتهما بمثلهما و جعلت يومين قبلهما و يومين بعدهما حيضا، فيقع اليومان إذا وسطين حقيقيّين، و لا يمكن تحصيل الوسط في هذه الصورة إلاّ باختيار الرواية الدالّة على الستّة.

(3)المراد من قوله «مثلهما» هو اليومان، و الضمير في هذا القول يرجع إلى اليومين.

و معنى قوله «فتيقّنت أربعة» هو أنّ الأيّام الأربعة تكون على هذا الفرض متيقّنة، فتكمل العدد المذكور بإحدى الروايات، و لا يمكن ذلك إلاّ باختيارها رواية الستّة كما ذكر.

(4)فإن اختارت المضطربة أو فاقدة التمييز في هذا الفرض رواية الستّة فلا بدّ لها أن تجعل الحيض يوما قبل المتيقّن و بعده، فيكون المجموع ستّة أيّام بعد كون الأربعة منها متيقّنة و بعد إضافة يومين إليها، عملا برواية الستّة.

(5)الضمير في قوله «بعده» يرجع إلى المتيقّن، و المراد من المتيقّن هو الأيام الأربعة.

(6)بالنصب، عطف على قوله في الصفحة 9-308 «وسطه المحفوف بمتساويين»، فمعنى العبارة هكذا: أو ذكرت المضطربة أو فاقدة التمييز وسط حيضها الذي هو أثناؤه.

ص: 310

بمعنى الأثناء مطلقا (1) حفّته (2) بيومين متيقّنة، و أكملته (3) بإحدى الروايات متقدّمة أو متأخّرة أو بالتفريق (4).

و لا فرق هنا بين تيقّن يوم (5) و أزيد.

**********

شرح:

(1)أي بلا فرق بين كون الوسط المتيقّن محفوفا بمتساويين أم لا.

(2)جواب شرط، و الشرط هو قوله «فإن ذكرت»، و يكون المعنى هكذا: فإن ذكرت المضطربة أو فاقدة التمييز وسط حيضها بمعنى أثنائه تحفّه بيومين لكونهما متيقّنين، لأنّ الحيض لا يكون أقلّ من ثلاثة أيّام.

(3)الضمير الملفوظ في قوله «أكملته» يرجع إلى الوسط المحفوف بيومين. يعني أنّ المضطربة أو فاقدة التمييز تكمل الوسط الذي حفّته بيومين باختيار مضمون إحدى الروايات الثلاث المذكورة، فإذا تيقّنت كون اليوم الخامس من الشهر السابق حيضا مثلا وجب عليها أن تجعل الخامس في أثناء الحيض بأن تجعل يوما قبله و يوما بعده حيضا، لكون هذه الأيّام الثلاثة متيقّنة الحيض، ثمّ تكمل الثلاثة المذكورة باختيار مضمون إحدى الروايات، فلو اختارت رواية السبعة أضافت إليها أربعة أيّام لتكون المجموع سبعة، و لا فرق في الفرض بين أن تجعل هذه الأيّام الأربعة قبل الثلاثة المذكورة أو بعدها أو يوما قبل الثلاثة و ثلاثة أيّام بعدها أو بالعكس.

و هكذا لو اختارت رواية الستّة أضافت إلى الثلاثة المذكورة ثلاثة أيّام قبلها أو بعدها، أو يوما قبل الثلاثة المذكورة و يومين بعدها، أو بالعكس.

و لا يتعيّن في هذا الفرض اختيار رواية الستّة أو السبعة، لعدم المتيقّن وسطا حقيقيّا.

(4)و قد أوضحنا في الهامش السابق أنّ المراد من التفريق هو أن تجعل يوما قبل الثلاثة المتيقّنة المذكورة و ثلاثة أيّام بعدها أو بالعكس ليكون المجموع سبعة لو اختارت رواية السبعة.

(5)يعني أنّه لا فرق في هذا الفرض - و هو ما إذا كان الوسط بمعنى الأثناء - بين كون

ص: 311

و لو ذكرت (1) عددا في الجملة (2) فهو المتيقّن خاصّة (3)، و أكملته بإحدى الروايات قبله (4) أو بعده أو بالتفريق (5).

و لا احتياط لها بالجمع بين التكليفات عندنا (6).........

**********

شرح:

المتيقّن يوما أو أزيد.

و المراد من عدم الفرق هو جواز اختيارها إحدى الروايات الثلاث مطلقا، فيجوز لها اختيار الستّة أو السبعة و الحال أنّ الواجب عليها كان اختيار السبعة في فرض الوسط الحقيقيّ إذا كان يوما و اختيار الستّة إذا كان يومين.

(1)هذه مسألة اخرى حول المضطربة و فاقدة التمييز، و هي أنّ كلّ واحدة منهما لو تذكّرت كون يوم أو أزيد في الشهر السابق حيضا و لم تعلم أنّ العدد المعلوم كان أوّل حيضها أو وسطه أو آخره... إلخ.

(2)قوله «في الجملة» بمعنى العلم الإجماليّ. يعني أنّها تعلم كون العدد حيضا بنحو الإجمال.

(3)يعني أنّ العدد المعلوم كونه حيضا إجمالا متيقّن الحيض، فلا يحكم بكون غيره متيقّنا، بخلاف المسائل السابقة، فيجب عليها إذا إكمال العدد المعلوم لها بمضمون إحدى الروايات السابقة، مثلا إذا تيقّنت تحقّق حيضها في اليوم الخامس و السادس من الشهر السابق و لم تعلم أنّهما كانا أوّل حيضها أو وسطه أو آخره جعلتهما حيضا و أكملتهما بإحدى الروايات، بمعنى أنّها تضيف إليهما خمسة أيّام لو عملت برواية السبعة بلا فرق بين أن تقع هذه الأيّام قبلهما أو بعدهما أو بالتفريق كما مرّ.

(4)الضميران في قوليه «قبله» و «بعده» يرجعان إلى العدد.

(5)الجارّ و المجرور يتعلّقان بقوله «أكملته».

(6)يعني لا يحكم على فاقدة التمييز و المضطربة بالاحتياط بأن تجمعا بين تكاليف المستحاضة و تروك الحائض بأن تغتسلا و تصلّيا و تصوما و تتركا الدخول في

ص: 312

و إن جاز فعله (1).

ما يحرم على الحائض

(و يحرم عليها) أي على الحائض مطلقا (2)(الصلاة) واجبة و مندوبة.

(و الصوم، و تقضيه) دونها (3).

**********

شرح:

المساجد و تحرما على زوجيهما، خلافا للشيخ الطوسيّ رحمه اللّه، فإنّه حكم في كتابه (المبسوط) بوجوب الاحتياط على المضطربة و فاقدة التمييز.

* من حواشي الكتاب: أي عند من حكم في كلّ أفراد المضطربة بالرجوع إلى الروايات، فإنّه لا احتياط عنده، فأمّا الشيخ فحكم في ناسية الوقت خاصّة بالاحتياط في كلّ أيّام الدم، و في ناسية العدد بعد الثلاثة، و خصّ الروايات بناسيتهما و بالمبتدئة بعد فقدان التمييز و الرجوع إلى الأقران، و تبعه المحقّق في الشرائع (حاشية سلطان العلماء رحمه اللّه).

(1)يعني و إن جاز للمضطربة و فاقدة التمييز أن تجمعا بين تكاليف المستحاضة و تروك الحائض.

ما يحرم على الحائض (2)يعني تحرم الصلاة و الصوم على الحائض و من كانت بحكمها من المضطربة و المبتدئة.

و لا يخفى أنّ تحريم الصلاة و الصوم عليها إنّما هو من حيث التشريع لا بالذات.

و قوله «مطلقا» إشارة إلى عدم الفرق بين كونها ذات عادة أو مبتدئة أو مضطربة.

(3)الضمير في قوله «دونها» يرجع إلى الصلاة. يعني أنّ الحائض يجب عليها قضاء صومها الذي أفطرته في أيّام الحيض، و لا يجب عليها قضاء الصلاة التي تركتها في الأيّام المذكورة.

و الدليل على وجوب قضائها الصوم دون الصلاة هو الروايات الواردة في المسألة.

أقول: و استثنى بعضهم من عدم قضاء الصلاة قضاء صلاة الطواف، ففي كشف اللثام: إلاّ ركعتي الطواف إذا فاتتاها بعد الطواف فعليها قضاؤهما. قيل: و كذا إذا نذرت صلاة في وقت معيّن فاتّفق حيضها فيه.

ص: 313

و الفارق النصّ (1) لا مشقّتها (2) بتكرّرها و لا غير ذلك (3).

(و الطواف (4)) الواجب و المندوب و إن لم يشترط فيه الطهارة (5)، لتحريم دخول المسجد (6) مطلقا عليها.

**********

شرح:

(1)و النصّ منقول في كتاب الوسائل:

محمّد بن يعقوب بإسناده عن الحسن (الحسين) بن راشد قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام:

الحائض تقضي الصلاة؟ قال: لا، قلت: تقضي الصوم؟ قال: نعم، قلت: من أين جاء هذا؟ قال: إنّ أوّل من قاس إبليس، الحديث (الوسائل: ج 2 ص 589 ب 41 من أبواب الحيض من كتاب الطهارة ح 3).

(2)إشارة إلى الردّ على من علّل سقوط قضاء الصلاة بالمشقّة الحاصلة من تكرّر قضاء الصلوات الفائتة في أيّام الحيض، بخلاف قضاء الصوم، فإنّه لا يتّفق إلاّ أيّاما معدودات في شهر رمضان خاصّة. و الضمير في قوله «بتكرّرها» يرجع إلى الصلاة.

(3)المراد من «غير ذلك» هو تعليل بعض بأنّ عدم قضاء الصوم في السنة الذي لا يجب إلاّ أيّاما خاصّة من أيّام السنة إجحاف به بخلاف الصلاة.

(4)بالرفع، عطف على قوله «الصلاة»، و لا فرق في حرمة الطواف عليها بين الطواف الواجب و المستحبّ.

(5)بالرفع، نائب فاعل لقوله «لم يشترط». يعني و إن لم يشترط في أصل الطواف الطهارة من الحيض و الجنابة، فإنّ الطهارة هي شرط لدخولها المسجد الحرام، فلو لم تشترط الطهارة في أصل الطواف فدخلت نسيانا و طافت حكم عليها بصحّة طوافها.

(6)اللام في قوله «المسجد» تكون للعهد الذهنيّ، و المراد منه - كما هو المتبادر إلى الذهن بقرينة البحث - هو المسجد الحرام الذي يحرم دخول الحائض فيه لبثا و اجتيازا، بخلاف سائر المساجد التي يحرم دخول الحائض و الجنب فيها لبثا لا اجتيازا، و قد مرّ في أحكام المساجد.

ص: 314

(و مسّ (1)) كتابة (القرآن).

و في معناه (2) اسم اللّه تعالى و أسماء الأنبياء و الأئمّة عليهم السّلام، كما تقدّم (3).

و (يكره حمله (4)) و لو بالعلاقة (و لمس هامشه (5)) و بين (6) سطوره (كالجنب (7)).

(و يحرم) عليها (8)(اللبث (9) في المساجد) غير الحرمين، و فيهما

**********

شرح:

و قوله «مطلقا» إشارة إلى أنّه لا فرق في حرمة دخول الحائض المسجد الحرام بين اللبث فيه و بين الاجتياز منه. و الضمير في قوله «عليها» يرجع إلى الحائض.

(1)هذا هو الرابع ممّا يحرم على الحائض، و هو مسّها كتابة القرآن و ما في معناه من حيث الحرمة بأعضاء بدنها التي تحلّها الروح و كذا غيرها كالشعر.

(2)أي في معنى القرآن من حيث الحرمة.

(3)يعني كما تقدّم في مسألة الجنابة كون اسم اللّه و أسماء الأنبياء و الأئمّة عليهم السّلام في معنى القرآن من حيث الحرمة.

(4)الضمير في قوله «حمله» يرجع إلى القرآن. يعني يكره للمرأة الحائض حمل القرآن و ما في معناه و لو بأن تعلّقه عليها بالحبل و غيره.

(5)الهامش: حاشية الكتاب (أقرب الموارد).

(6)يعني يكره للحائض لمس ما بين سطور القرآن.

(7)تشبيه للجنب بالحائض - لا عكسه - من حيث الكراهة و أنّ الجنب أيضا يكون كذلك. و لا يذهب عليك أنّ المصنّف رحمه اللّه لم يذكر للجنب كراهة حمله للقرآن و لا كراهة لمس هامشه و ما بين سطوره، فالتشبيه إنّما هو لبيان الكراهة في حقّ الجنب أيضا و إن كان ظاهر العبارة عكسه!

(8)الضمير في قوله «عليها» يرجع إلى الحائض.

(9)من لبث بالمكان لبثا و لبثا: مكث و أقام (أقرب الموارد).

ص: 315

يحرم الدخول مطلقا (1) كما مرّ.

و كذا يحرم عليها وضع شيء فيها كالجنب (2).

(و قراءة العزائم (3)) و أبعاضها (4).

(و طلاقها (5)) مع حضور الزوج........

**********

شرح:

(1)أي بلا فرق بين اللبث و الاجتياز، فإنّ دخول الحائض في المسجد الحرام و مسجد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يحرم عليها مطلقا.

(2)أي كما مرّت حرمة وضع شيء في المساجد على الجنب، فلا فرق بين الجنب و الحائض في هذا الحكم.

(3)المراد من «العزائم» هو السور الأربع: «السجدة و فصّلت و النجم و العلق».

(4)الضمير في قوله «أبعاضها» يرجع إلى العزائم. يعني تحرم على الحائض قراءة سور العزائم جميعها و كذا أبعاضها حتّى لو كانت البسملة مع قصد السور المذكورة، و قد تقدّم القول فيها في خصوص الجنب.

(5)يعني يحرم طلاق الحائض في حال الحيض مع شرائط.

و المراد من الحرمة هو الحرمة الوضعيّة أعني بطلان طلاقها في حال الحيض.

إيضاح: سيأتي في باب الطلاق أنّ من شرائط صحّة الطلاق كون الزوجة مع الشرائط التالية:

الاولى: كونها دائميّة، فلا تحتاج المنقطعة إلى طلاق، بل يكفي فيها زوال المدّة المذكورة في العقد أو بذلها من قبل الزوج بأن يقول: بذلتك مدّتك أو وهبت المدّة لك.

الثانية: الطهر من الحيض و النفاس إذا كانت الزوجة مدخولا بها حائلا حاضرا معها زوجها.

* قال الشهيد الثاني في كتاب الطلاق في الفصل الأوّل منه: «فلو اختلّ أحد الشروط

ص: 316

أو حكمه (1) و دخوله بها و كونها حائلا (2)، و إلاّ صحّ (3).

و إنّما أطلق (4) لتحريمه في الجملة، و محلّ التفصيل باب الطلاق و إن اعتيد (5) هنا إجمالا.

(و وطؤها قبلا (6)) عامدا عالما.

**********

شرح:

الثلاثة بأن كانت غير مدخول بها أو حاملا إن قلنا بجواز حيضها أو زوجها غائبا عنها صحّ طلاقها و إن كانت حائضا أو نفساء».

(1)و المراد من حكم الحضور هو تمكّن الزوج من استطلاع حالها بأيّ وسيلة كانت مثل الكتابة أو الأدوات المستفادة في هذا العصر، فلو تمكّن الزوج كذلك لم يصحّ طلاقها في حال الحيض.

(2)الحائل: كلّ انثى لا تحمل، يقال: امرأة حائل و ناقة حائل و نخلة حائل (أقرب الموارد).

يعني أنّ من شرائط صحّة طلاق الحائض أن لا تكون حائلا غير حامل.

(3)استثناء من الثلاثة المذكورة: حضور الزوج، الدخول بالزوجة و كون الزوجة غير حامل.

(4)هذا تعليل لإطلاق المصنّف رحمه اللّه و عدم تعرّضه لتفصيل طلاق الحائض بأنّه أحاله إلى مورد التفصيل و التحقيق في المسألة، و هو كتاب الطلاق.

(5)أي و إن كانت عادة الفقهاء ذكر حرمة طلاق الحائض في باب الطهارة أيضا بنحو الإجمال. و قوله «اعتيد» - بصيغة المجهول - يكون من مادّة العادة.

(6)قوله «قبلا» إشارة إلى عدم حرمة وطي الحائض دبرا لا في الحيض و لا في حال طهرها كما يصرّح المصنّف رحمه اللّه بعدم حرمة وطي الزوجة دبرا في كتاب النكاح في الفصل الأوّل بقوله: «و يجوز استمتاع الزوج بما شاء من الزوجة إلاّ القبل في الحيض و النفاس، و الوطي في دبرها مكروه كراهة مغلّظة».

ص: 317

القول في كفّارة وطي الحائض

(فتجب (1) الكفّارة) - لو فعل -(احتياطا) لا وجوبا على الأقوى (2).

**********

شرح:

القول في كفّارة الوطي (1)يعني يحرم وطي الحائض قبلا في صورة العلم و العمد، فلو وطئها ناسيا حيضها أو ناسيا حرمة وطئها في الحيض أو جاهلا بالحيض أو الحكم لم تجب الكفّارة و لو احتياطا.

(2)يعني أنّ الكفّارة لوطي الحائض إنّما هي من جهة الاحتياط لا الوجوب، عملا بدليل اجتهاديّ ضعيف معارض بما يدلّ على عدم وجوب الكفّارة.

أقول: و الرواية الدالّة على وجوب الكفّارة بوطي المرأة الحائض منقولة في كتاب الوسائل:

محمّد بن الحسن بإسناده عن داود بن فرقد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في كفّارة الطمث أنّه يتصدّق إذا كان في أوّله بدينار، و في وسطه نصف دينار، و في آخره ربع دينار، قلت: فإن لم يكن عنده ما يكفّر؟ قال: فليتصدّق على مسكين واحد، و إلاّ استغفر اللّه و لا يعود، فإنّ الاستغفار توبة و كفّارة لكلّ من لم يجد السبيل إلى شيء من الكفّارة (الوسائل: ج 2 ص 574 ب 28 من أبواب الحيض من كتاب الطهارة ح 1).

و من الروايات الدالّة على عدم وجوب الكفّارة بوطي الحائض ما نقلت في كتاب الوسائل، ننقل اثنتين منها:

الاولى: محمّد بن الحسن بإسناده عن زرارة عن أحدهما عليهما السّلام، قال: سألته عن الحائض يأتيها زوجها، قال: ليس عليه شيء، يستغفر اللّه و لا يعود (المصدر السابق:

ص 576 ب 29 ح 2).

الثانية: محمّد بن الحسن بإسناده عن ليث المراديّ قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن

ص: 318

و لا كفّارة عليها (1) مطلقا.

و الكفّارة (بدينار) أي مثقال ذهب خالص مضروب (2)(في الثلث الأوّل (3)، ثمّ نصفه في الثلث الثاني، ثمّ ربعه في الثلث الأخير).

و يختلف ذلك (4) باختلاف العادة و ما في حكمها (5) من التمييز و

**********

شرح:

وقوع الرجل على امرأته و هي طامث خطأ، قال: ليس عليه شيء، و قد عصى ربّه (المصدر السابق: ح 3).

(1)الضمير في قوله «عليها» يرجع إلى الحائض. يعني لا تجب الكفّارة على المرأة الحائض لو وطئت.

و قوله «مطلقا» إشارة إلى عدم الفرق في عدم وجوب الكفّارة على الحائض بين كونها عالمة أم جاهلة، مختارة أو مكرهة، لا من حيث الوجوب و لا الاحتياط.

(2)أي مسكوك بالسكّة الرائجة، و لا يتعيّن أداء الدينار نفسه، بل يجوز أداء قيمته، و كذا القول في نصف الدينار و ربعه، لحكم العرف بذلك هنا كما يحكم به في غير هذا المورد.

(3)فإذا قسمت أيّام حيضها إلى ثلاثة أجزاء و وطئها الزوج في الثلث الأوّل وجب عليه الدينار كلّه مثل ما إذا كانت عادة المرأة في الحيض ستّة أيّام فوطئها الزوج في اليومين الأوّلين منها فعليه دينار، و عليه في اليومين المتوسّطين نصف الدينار، و في اليومين الأخيرين ربع الدينار.

(4)يعني أنّ ملاحظة الثلث الأوّل أو الوسط أو الأخير تختلف باختلاف عادات النساء، ففي المثال المذكور في الهامش السابق كان الثلث الأوّل هو اليومين الأوّلين، فلو كانت عادة المرأة في الحيض ثلاثة أيّام فالثلث الأوّل إذا هو اليوم الأوّل، و الوسط هو اليوم الثاني، و الآخر هو اليوم الثالث، و هكذا.

(5)و قد تقدّم كون ذات التمييز أيضا محكومة بالحيض، ففيها أيضا تقسم أيّام التمييز

ص: 319

الروايات، فالأوّلان أوّل لذات الستّة (1)، و الوسطان وسط، و الأخيران آخر، و هكذا (2).

و مصرفها (3) مستحقّ الكفّارة، و لا يعتبر فيه (4) التعدّد.

ما يكره للحائض

(و يكره) لها (5)(قراءة باقي القرآن) غير العزائم من غير استثناء للسبع (6).

(و كذا) يكره له (7)(الاستمتاع بغير القبل)...

**********

شرح:

إلى ثلاثة أجزاء.

(1)هذا تفسير القسمة إلى ثلاثة أجزاء حين العمل بالرواية الدالّة على الستّة.

(2)أي و هكذا الحال حين العمل بالرواية الدالّة على السبعة أو على الثلاثة و العشرة من حيث القسمة إلى الأجزاء الثلاثة.

(3)أي مصرف الكفّارة المبحوث عنها هو المستحقّ للكفّارة.

(4)أي لا يعتبر في مصرف هذه الكفّارة تعدّد المستحقّين، و قد كان التعدّد معتبرا في مصرف كفّارة إفطار صوم رمضان في إطعام ستّين مسكينا.

ما يكره للحائض (5)يعني يكره للحائض قراءة جميع آيات القرآن إلاّ العزائم التي تقدّم الحكم بحرمة قراءتها عليها.

(6)إشارة إلى ما مضى من استثناء الجنب من كراهة قراءة آيات القرآن الكريم لو لم تبلغ أزيد من السبع، فالحائض لا استثناء في حقّها حتّى بالنسبة إلى قراءة سبع آيات من القرآن و لا أقلّ منها، بل تكره في حقّها حتّى قراءة آية واحدة.

(7)الضمير في قوله «له» يرجع إلى الزوج المفهوم بالقرائن. يعني أنّ استمتاع الزوج من زوجته الحائض يكره له كما يكره لها إعانة الزوج على الاستمتاع إلاّ فيما إذا طالبها بالاستمتاع، فلا يكره الوطي لها إذا لوجوب إطاعتها زوجها فيما لو أمرها به.

ص: 320

ممّا بين السرّة (1) و الركبة (2).

و يكره لها إعانته (3) عليه إلاّ أن يطلبه، فتنتفي الكراهة عنها لوجوب الإجابة (4).

و يظهر من العبارة كراهة الاستمتاع بغير القبل مطلقا (5)، و المعروف ما ذكرناه.

ما يستحبّ للحائض

(و يستحبّ) لها (6)(الجلوس في مصلاّها) إن كان لها محلّ معدّ لها (7)، و إلاّ (8) فحيث شاءت (بعد الوضوء)...

**********

شرح:

(1)السرّة: التجويف الصغير المعهود في وسط البطن (المنجد).

(2)الركبة: الموصل ما بين الفخذين و الساق (المنجد).

(3)الضمير في قوله «إعانته» يرجع إلى الزوج، و في قوله «عليه» يرجع إلى الاستمتاع.

(4)فإنّ إجابة الزوجة زوجها فيما لو دعاها إلى الاستمتاع واجبة، و لا يكره لها الوطي في هذه الصورة.

(5)أي بلا تقييد لغير القبل بما هو بين الركبة و السرّة كما قيّده الشارح رحمه اللّه، فإنّ المصنّف رحمه اللّه ذهب إلى كراهة الاستمتاع بغير القبل، و قد أتى الشارح بالقيد بقوله «ممّا بين السرّة و الركبة»، و استند في تقييده إلى ما هو المعروف بين الفقهاء، و لا دليل آخر له.

ما يستحبّ للحائض (6)و قد تقدّم الحكم بحرمة الصلاة و الصوم على الحائض، لكن يستحبّ لها مع ذلك التمرين على العبادة بجلوسها في محلّ صلاتها.

(7)الضمير في قوله «معدّ لها» يرجع إلى الصلاة.

(8)يعني فلو لم يكن لها محلّ معدّ للصلاة جاز لها جلوسها في أيّ مكان شاءت بعد

ص: 321

المنويّ (1) به التقرّب دون الاستباحة،(و تذكر اللّه تعالى بقدر الصلاة)، لبقاء (2) التمرين على العبادة، فإنّ الخير (3) عادة.

(و يكره لها (4) الخضاب) بالحنّاء و غيره كالجنب.

القول في بدء التروك

(و تترك ذات العادة) المستقرّة (5) وقتا و عددا أو وقتا خاصّة (العبادة)

**********

شرح:

الوضوء مع ذكرها اللّه تعالى بأيّ ذكر تختاره.

(1)بصيغة اسم المفعول، صفة للوضوء. يعني أنّ الوضوء الذي تأتي به الحائض لا تقصد منه إلاّ القربة إلى اللّه تعالى بأن تذكر اللّه تعالى في حال الوضوء، و لا تقصد من الوضوء كونه مبيحا للصلاة، لأنّ حدث الحيض يمنع من صلاتها و لا يبيحها الوضوء.

(2)تعليل لاستحباب جلوسها في المصلّى، فإنّها لو علمت بذلك مرّنت على العبادة، بخلاف تركها مطلق العبادة، فإنّه يوجب اعتيادها لترك العبادة.

(3)في بعض النسخ: «فإنّ للخير عادة».

* من حواشي الكتاب: أي فعل أكثر الأعمال من باب العادة، و لولاها لم تفعل، و ذلك في نفوس العوامّ، فإنّ الغالب فيهم أنّه لو لا عادتهم على الصلاة و الصوم و غيرهما عادة جارية منهم و من أسلافهم لما فعلوه، بل أصل إيمانهم كذلك، و حمل العادة على الخير من باب المبالغة، كأنّها نفسه (الحديقة).

(4)يعني أنّ الخضاب بالحنّاء و غيره يكره للمرأة الحائض، و قد تقدّم كراهة ذلك للمجنب أيضا، و أيضا تقدّم منّا ضبط لفظ الحنّاء بكسر الحاء و تشديد النون.

القول في بدء التروك (5)إنّ ذات العادة المستقرّة في الحيض تكون على ثلاثة أقسام :

ص: 322

المشروطة بالطهارة (1)(برؤية الدم)، أمّا ذات العادة العدديّة خاصّة (2) فهي كالمضطربة في ذلك (3) كما سلف (و غيرها (4)) من المبتدئة و المضطربة (بعد ثلاثة) أيّام احتياطا (5).

و الأقوى جواز تركهما (6) برؤيته أيضا (7)...

**********

شرح:

الأوّل: من حيث الوقت.

الثاني: من حيث العدد.

الثالث: من حيث الوقت و العدد كليهما.

و قد ذكر هنا حكم القسمين، و هما المستقرّة من حيث الوقت و العدد معا و من حيث الوقت خاصّة، فلذا قال «أو وقتا خاصّة»، فإنّ ترك العبادة يختصّ بهذين القسمين، أمّا ذات العادة المستقرّة من حيث العدد فلا.

(1)المراد من «العبادة المشروطة بالطهارة» هو الصلاة و الصوم و الطواف، لكن مطلق ذكر اللّه تعالى لا يشترط فيه الطهارة.

(2)يعني أنّ ذات العادة العدديّة خاصّة - لا الوقتيّة و العدديّة معا و لا الوقتيّة خاصّة - حكمها حكم المضطربة فيما تقدّم.

(3)المشار إليه في قوله «ذلك» هو ترك العبادة.

(4)يعني أنّ غير ذات العادة المستقرّة وقتا و عددا أو وقتا خاصّة تكون مثل المبتدئة و المضطربة، فتترك العبادة بعد ثلاثة أيّام.

(5)يعني أنّ ترك العبادة للمبتدئة و المضطربة بعد ثلاثة أيّام يكون من باب الاحتياط لا الوجوب.

(6)الضمير في قوله «تركهما» يرجع إلى المبتدئة و المضطربة، و في قوله «برؤيته» يرجع إلى الدم.

(7)يعني تترك المبتدئة و المضطربة العبادة برؤية الدم كما تتركها ذات العادة المستقرّة

ص: 323

خصوصا إذا ظنّتاه (1) حيضا.

و هو (2) اختياره في الذكرى، و اقتصر (3) في الكتابين على الجواز مع ظنّه (4) خاصّة.

الوطي قبل الغسل

(و يكره وطؤها (5)) قبلا (بعد الانقطاع قبل الغسل على الأظهر (6))، خلافا للصدوق (7) حيث حرّمه.

و مستند القولين الأخبار المختلفة (8) ظاهرا، و الحمل على الكراهة

**********

شرح:

كذلك.

(1)يعني أنّ المبتدئة و المضطربة تتركان العبادة بمحض رؤية الدم خصوصا إذا حصل لهما ظنّ كون الدم حيضا.

(2)الضمير في قوله «و هو» يرجع إلى جواز ترك المبتدئة و المضطربة العبادة، و الضمير في قوله «اختياره» يرجع إلى المصنّف رحمه اللّه. يعني أنّ هذا القول هو اختيار المصنّف في كتابه (الذكرى).

(3)فاعله هو الضمير العائد إلى المصنّف رحمه اللّه. يعني أنّ المصنّف اقتصر على جواز ترك المبتدئة و المضطربة العبادة إذا ظنّتا الحيض خاصّة.

(4)الضمير في قوله «ظنّه» يرجع إلى الحيض.

الوطي قبل الغسل (5)يعني يكره للزوج وطي زوجته بعد انقطاع الحيض و قبل الغسل.

(6)أي على أظهر الأدلّة.

(7)فإنّ الصدوق رحمه اللّه قال بحرمة وطي الزوجة بعد انقطاع الحيض و قبل الغسل.

(8)فإنّ الأخبار الواردة في جواز وطي الزوجة بعد انقطاع دم الحيض و قبل غسلها

ص: 324

طريق الجمع، و الآية (1) ظاهرة في التحريم قابلة للتأويل.

**********

شرح:

تختلف منعا و جوازا على الظاهر.

فمن الروايات الدالّة على المنع ما نقلت في كتاب الوسائل، ننقل اثنتين منها:

الاولى: محمّد بن الحسن بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: سألته عن امرأة كانت طامثا فرأت الطهر أيقع عليها زوجها قبل أن تغتسل؟ قال: لا حتّى تغتسل... إلخ (الوسائل: ج 2 ص 573 ب 27 من أبواب الحيض من كتاب الطهارة ح 6).

الثانية: محمّد بن الحسن بإسناده عن سعيد بن يسار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: قلت له: المرأة تحرم عليها الصلاة ثمّ تطهر فتوضّأ من غير أن تغتسل، أ فلزوجها أن يأتيها قبل أن تغتسل؟ قال: لا حتّى تغتسل (المصدر السابق: ح 7).

* قال الشيخ الطوسيّ رحمه اللّه: الوجه في هذه الأخبار أن نحملها على ضرب من الكراهة.

و قال صاحب الوسائل رحمه اللّه: و يمكن حمل أحاديث المنع على التقيّة، لأنّها موافقة لأكثر العامّة.

أمّا الروايات الدالّة على الجواز فهي أيضا منقولة في كتاب الوسائل، ننقل اثنتين منها:

الاولى: محمّد بن الحسن بإسناده عن عبد اللّه بن بكير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: إذا انقطع الدم و لم تغتسل فليأتها زوجها إن شاء (المصدر السابق: ح 3).

الثانية: محمّد بن الحسن بإسناده عن عبد اللّه بن المغيرة عمّن سمعه عن العبد الصالح عليه السّلام في المرأة إذا طهرت من الحيض و لم تمسّ الماء فلا يقع عليها زوجها حتّى تغتسل، و إن فعل فلا بأس به، و قال: تمسّ الماء أحبّ إليّ (المصدر السابق: ح 4).

(1)يعني أمّا ما استند إليه المانعون من الآية 222 من سورة البقرة، و هي قوله تعالى:

يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَ لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ... (1) إلخ، و استدلّوا بها على حرمة الوطي حتّى التطهّر فقابل للتأويل.

ص: 325


1- سوره 2 - آیه 222
ما تقضيه من الصلاة

(و تقضي (1) كلّ صلاة تمكّنت من فعلها قبله (2)) بأن مضى من أوّل الوقت مقدار فعلها (3) و فعل ما يعتبر فيها ممّا (4) ليس بحاصل لها...

**********

شرح:

أمّا وجه الاستدلال بالآية على الحرمة فهو قراءة لفظ يَطْهُرْنَ (1) بتشديد الطاء و الهاء كما نقل عن بعض القرّاء الذين ثبت تواتر قراءتهم، فيكون هذا اللفظ من باب التفعّل و تكون التاء المنقوطة من الحروف التي تبدل طاء مشالة فتدغم و تشدّد كما قالوا به في علم الصرف، فأصل يَطْهُرْنَ (2) هو يتطهّرن على وزن «يتفعّلن»، و الظاهر أنّ المراد منه الاغتسال، و على ذلك تدلّ الآية على حرمة الوطي حتّى التطهّر بالاغتسال.

و أمّا وجه تأويل الآية فهو كون باب التفعّل الذي هو المزيد فيه بمعنى الثلاثيّ المجرّد في بعض الموارد كما أنّ «تبيّن» من باب التفعّل يكون بمعنى «بان» و هكذا «تبسّم» يكون بمعنى «بسم»، و في هذه الآية أيضا يمكن إرادة الطهر من التطهّر.

أقول: لا شاهد لهذا التأويل إلاّ أن يعمل بالروايات الدالّة على جواز وطي المرأة إذا طهرت من الحيض قبل أن تغتسل.

ما تقضيه من الصلاة (1)صيغة المضارع في المقام بمعنى صيغة الأمر. يعني يجب على المرأة الحائض قضاء كلّ صلاة كانت متمكّنة من الإتيان بها و بشرائطها الواجبة من تطهير ثوبها أو بدنها لو كانا نجسين و كذلك التوضّؤ.

و بعبارة اخرى: إذا عرضت العادة لها بعد مدّة كانت فيها قادرة على الإتيان بالصلاة لكنّها أخّرتها حتّى حاضت وجب عليها قضاؤها.

(2)الضمير في قوله «قبله» يرجع إلى الحيض.

(3)الضميران في قوليه «فعلها» و «فيها» يرجعان إلى الصلاة.

(4)بيان ل «ما» الموصولة. يعني أنّ المراد ممّا يعتبر في الصلاة هو الشرائط المعتبرة في

ص: 326


1- سوره 2 - آیه 222
2- سوره 2 - آیه 222

طاهرة (1)(أو فعل (2) ركعة مع الطهارة (3)) و غيرها من (4) الشرائط المفقودة (بعده (5)).

القول في الاستحاضة
اشارة

(و أمّا الاستحاضة (6)...)

في ماهيّة الاستحاضة

**********

شرح:

الصلاة التي لا تكون حاصلة للحائض.

(1)منصوب، لكونه حالا من المرأة الحائض، فيكون معنى العبارة هكذا: بأن مضى مقدار من أوّل الوقت كان يمكن لها الصلاة فيه مع الإتيان بجميع شرائطها في حال كونها طاهرة.

(2)بالجرّ، عطف على قوله «فعلها». يعني و يجب على الحائض أيضا قضاء الصلاة التي فاتتها بعد حصول طهارتها و هي تمكّنت من أن تأتي بركعة منها قبل خروج الوقت، مثل ما إذا طهرت قبل الغروب بمقدار من الزمان كان يمكنها الغسل و التطهير و ما كان يجب عليها فيه من شرائط الصلاة، لكنّها أخّرتها ففاتتها الصلاة.

(3)المراد من «الطهارة» هو الاغتسال من الحيض أو التيمّم عند تعذّره.

(4)بيان لغير الطهارة، و المراد من «الشرائط المفقودة» هو مثل عدم طهارة بدن الحائض أو ثوبها كما تقدّم.

(5)الضمير في قوله «بعده» يرجع إلى الحيض، و هذه المسألة تتعلّق بحال الحائض بعد انقطاع حيضها.

القول في ماهيّة الاستحاضة (6)يعني أنّ الثالث من موجبات الغسل التي قال عنها في أوّل الفصل الثاني في الصفحة 259 «و موجبه ستّة» هو الاستحاضة.

أمّا لفظ الاستحاضة فهو مصدر فعل مجهول، بمعنى أنّ فعله يستعمل كثيرا ما مجهولا فيقال: «استحيضت استحاضة» مثل بعض الأفعال التي تستعمل للمجهول مثل جنّ

ص: 327

(فهي (1) ما) أي الدم الخارج من الرحم (2) الذي (زاد على العشرة) مطلقا (3).

(أو) على (العادة (4) مستمرّا) إلى أن يتجاوز العشرة، فيكون تجاوزها (5) كاشفا........

**********

شرح:

و غيره، و أصله من حاضت المرأة حيضا: خرج منها شبه الدم.

* قال في لسان العرب: استحيضت المرأة أي استمرّ بها الدم بعد أيّامها فهي مستحاضة.

(1)الضمير في قوله «فهي» يرجع إلى الاستحاضة. يعني أنّ الاستحاضة دم يخرج من رحم المرأة، و قيل: إنّه يخرج من غير المجرى الذي يخرج منه دم الحيض.

أقول: و لعلّه لذلك قال في لسان العر