المعجم فی فقه لغه القرآن و سر بلاغته المجلد 18

اشارة

عنوان و نام پديدآور : المعجم فی فقه لغه القرآن و سر بلاغته/ اعداد قسم القرآن لمجمع البحوث الاسلامیه؛ بارشاد و اشراف محمد واعظ زاده الخراسانی.

مشخصات نشر : مشهد: بنیاد پژوهشهای اسلامی، 1419ق. = -1377.

مشخصات ظاهری : ج.

فروست : الموسوعة القرآنیة الکبری.

شابک : دوره 964-444-179-6 : ؛ دوره 978-964-444-179-0: ؛ 1430000 ریال (دوره، چاپ دوم) ؛ 25000 ریال: ج. 1 964-444-180-X : ؛ 30000 ریال: ج. 2 964-444-256-3 : ؛ 32000 ریال: ج. 3 964-444-371-3 : ؛ 67000 ریال (ج. 10) ؛ ج.12 978-964-971-136-2 : ؛ ج.19 978-600-06-0028-0 : ؛ ج.21 978-964-971-484-4 : ؛ ج.28 978-964-971-991-7 : ؛ ج.30 978-600-06-0059-4 : ؛ 1280000 ریال: ج.36 978-600-06-0267-3 : ؛ 950000 ریال: ج.37 978-600-06-0309-0 : ؛ 1050000 ریال: ج.39 978-600-06-0444-8 : ؛ 1000000 ریال: ج.40 978-600-06-0479-0 : ؛ ج.41 978-600-06-0496-7 : ؛ ج.43 978-600-06-0562-9 :

يادداشت : عربی.

يادداشت : جلد سی و ششم تا چهلم باشراف جعفر سبحانی است.

يادداشت : جلد سی و ششم با تنقیح ناصر النجفی است.

يادداشت : جلد سی و هفتم تا چهل و سوم با تنقیح علیرضا غفرانی و ناصر النجفی است.

يادداشت : مولفان جلد چهل و یکم ناصر نجفی، محمدحسن مومن زاده، سیدعبدالحمید عظیمی، سیدحسین رضویان، علی رضا غفرانی، محمدرضا نوری، ابوالقاسم حسن پور، سیدرضا سیادت، محمد مروی ...

يادداشت : ج. 2 (چاپ اول: 1420ق. = 1378).

يادداشت : ج. 3 (چاپ اول: 1421ق. = 1379).

يادداشت : ج.3 (چاپ دوم: 1429ق. = 1387).

يادداشت : ج. 10 (چاپ اول: 1426ق. = 1384).

يادداشت : ج.21 (چاپ اول: 1441ق.=1399) (فیپا).

يادداشت : ج.36 (چاپ دوم : 1440ق.=1398)(فیپا).

يادداشت : ج.37 (چاپ اول : 1440ق.=1397)(فیپا).

يادداشت : ج.39 (چاپ اول: 1441ق.=1399) ( فیپا).

يادداشت : ج.40 - 41(چاپ اول: 1442ق.= 1399) (فیپا).

يادداشت : جلد دوازدهم تا پانزدهم این کتاب در سال 1398 تجدید چاپ شده است.

يادداشت : ج.19 و 28 و 30 ( چاپ دوم: 1442ق = 1400 ) (فیپا).

يادداشت : ج.21 (چاپ دوم: 1399).

يادداشت : ج.38 (چاپ دوم: 1399).

يادداشت : ج.30 (چاپ دوم: 1399).

يادداشت : ج.29 (چاپ دوم: 1399).

يادداشت : ج.12 (چاپ چهارم: 1399).

يادداشت : ج.32 (چاپ دوم: 1399).

مندرجات : ج.3. ال و - ا ن س

موضوع : قرآن -- واژه نامه ها

Qur'an -- Dictionaries

موضوع : قرآن -- دایره المعارف ها

Qur'an -- Encyclopedias

شناسه افزوده : واعظ زاده خراسانی، محمدِ، 1385-1304.

شناسه افزوده : سبحانی تبریزی، جعفر، 1308 -

شناسه افزوده : Sobhani Tabrizi, Jafar

شناسه افزوده : نجفی، ناصر، 1322 -

شناسه افزوده : غفرانی، علیرضا

شناسه افزوده : بنیاد پژوهشهای اسلامی. گروه قرآن

شناسه افزوده : بنیاد پژوهش های اسلامی

رده بندی کنگره : BP66/4/م57 1377

رده بندی دیویی : 297/13

شماره کتابشناسی ملی : 582410

اطلاعات رکورد کتابشناسی : فیپا

ص: 1

اشارة

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الموسوعة القرآنيّة الكبرى

المعجم فى فقه لغة القرآن و سرّ بلاغته

المجلّد الثامن عشر

تأليف و تحقيق: قسم القرآن بمجمع البحوث الاسلاميّة

بإشراف

مدير القسم

الاستاذ محمّد واعظ زاده الخراسانىّ

ص: 2

المؤلّفون

الأستاذ محمّد واعظ زاده الخراسانيّ

ناصر النّجفيّ

قاسم النّوريّ

محمّد حسن مؤمن زاده

حسين خاك شور

السيّد عبد الحميد عظيمي

السيّد جواد سيّدي

السيّد حسين رضويان

علي رضا غفراني

محمّد رضا نوري

السيّد علي صبّاغ دارابي

أبو القاسم حسن پور

و قد فوّض عرض الآيات و ضبطها إلى أبي الحسن الملكيّ و مقابلة النّصوص

إلى خضر فيض اللّه و عبد الكريم الرّحيميّ و تنضيد الحروف إلى المؤلّفين

ص: 3

كتاب نخبة:

مؤتمر تكريم خدمة القرآن الكريم في ميدان الأدب المصنّف.1421 ق

الكتاب النّخبة في الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة.1422 ق

مؤتمر الكتاب المنتخب الثّالث للحوزة العلميّة في قم.1422 ق

الدّورة الثّانية لانتخاب و عرض الكتب و المقالات الممتازة في حقل القرآن.1426 ق

الملتقى الثّاني للكتاب النّخبة الّذي يعقد كلّ سنتين في محافظة خراسان الرّضويّة.1426 ق

ص: 4

المحتویات

تصدير7

خ م س 9

خ م ص 65

خ م ط 75

خ ن ز ی ر 83

خ ن س 105

خ ن ق 125

خ و ر 137

خ و ض 149

خ و ف 179

خ و ل 307

خ و ن 329

ح و ی 397

خ ی ب 411

خ ی ر 419

خ ی ط 569

خ ی ل 583

خ ی م 631

حرف الدال 641

دأب 643

داود 671

د ب ب 687

د ب ر 723

دث ر 831

د ح ر 845

د ح ض 858

د ح و - ي 867

د خ ر 883

الاعلام المنقول عنهم بلا واسطة و أسماء کتبهم 889

الأعلام المنقول عنهم بالواسطة 897

ص: 5

ص: 6

تصدير

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة و السلام على خير خلقه و أفضل بريته سيدنا و نبينا محمد المصطفى سيد المرسلين، و على آله الطيبين الطاهرين، وصحبه الميامين المنتجبين، و من تبعهم بإحسان إلى قيام يوم الدين.

و بعد، فنشكر الله تبارك و تعالى على أن سهل لنا الطريق، و وسع لنا التوفيق لإكمال المجلد الثامن عشر من موسوعتنا القرآنية الكبرى: «المعجم في فقه لغة القرآن و بلاغته»، و تقديه إلى رواد العلوم القرآنية الراغبين في الاستئناس بكتاب ربهم، و معرفة أسراره و رموزه، و منها: فقه لغته و سر بلاغته وإعجازه، و استطلاع طرائف تفسيره و فنون معارفه، و الذين يتابعون بشوق بالغ مجلدات هذا المعجم، ويترقبون بسعي وافر مفرداته: مفردة بعد مفردۃ سواء من داخل البلاد أو خارجها ممن يشعر برغبتهم في ذلك ما يبدونه کتابة ومشافهة مما يستوجب منا الشكر والامتنان، و مزید الرغبة و العكوف على هذا العمل الكبير.

وقد احتوى هذا المجلد 29 مادة قرآنية من حرف الخاء و الدال، ابتداء من «خمس»، وانتهاء با «دخ ر»، و أطولها: «خي ر» في 150 صفحة و الخير كله من الله تعالى - ثم «خوف» في 128 صفحة.

ص: 7

وفي الختام تکرر الشكر لله رب العالمين، الذي وفقنا وهدانا إلى هذا العمل الجليل، في سبيل كتابه الكريم، و نسأله تعالى دوام التوفيق و التسديد. و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين و سلام على المرسلين.

محمد واعظ زاده الخراساني

مدير قسم القرآن بمجمع البحوث الإسلامية

في الآستانة الرضوية المقدسة

7 جمادى الأولى، عام 1431 هق

ص: 8

حرف الخاء

خ م س

اشارة

خ م س

4 ألفاظ، 8 مرّات: 3 مكّيّة، 5 مدنيّة

في 7 سور: 3 مكّيّة، 4 مد نيّة

الخامِسَة 2: 2 خُمُسَه 1: 1

خمسة 3: 1 2 خمسين 2: 2

النُّصوص اللُّغويّة

أبوعمروابن العلاء: إنّماقيل للثّوب: خميس، لأنّ أوّل من عمله مَلِك باليمن يقال له: الخِمْس، أمر بعمل هذه الثّياب فنُسبت إليه. [ثمّ استشهد بشعر]

(الأزهَريّ 7: 194)

الخَليل: الخُماسيّ و الخُماسيّة من الوصائف: ما كان طوله خمسة أشبار، و لايقال: سُداسيّ و لاسُباعيّ في هذا. و في غير ذلك: الخماسيّ: ما بلغ خَمْسَة، و كذلك السُّداسيّ و العُشاريّ.

و الخميسيّ و المَخمُوس من الثّوب: الّذي طوله خَمْس أذرع، و يقال: بل الخميسيّ ثوب منسوب إلى ملك من مُلوك اليمن، كان أمر بعمل هذه الثّياب، فنُسبت إليه.

و الخَمْس: تأنيث الخَمْسَة.

و الخَمْس: أخذُك واحدًا من خسمة.

تقول: خَمَسْتُ مال فلان، و تقول: هذا خامس خَمْسَة، أي واحد من خمسة.

و الخُمْس: جزء من خَمْسَة.

و خَمَسْتُ القوم، أي تمّوا بي خمسة.

و الخِمْس: شُرْب الإبل يوم الرّابع من يوم صَدَرَتْ، لأ نّهم يحسبون يوم الصّدر فيه.

و الخميس: الجَيْش.

و الخميس: الخُمْس، كالعشير من العُشْر.

و الأخماس: بُرُود من بُرُود اليمن.

و المُخامِس: الّذي يُقاسمك الخُمْس و تُقاسمه.(4: 204)

اللَّيث: الخميس: يوم من أيّام الأُسبوع، و ثلاثة

ص: 9

أخمسة، و خماسَ و مَخمَسَ، كما يقال: ثُناءَ و مَثْنى و رُباع و مَربَعَ. (الأزهَريّ 7: 193)

ابن شُمَيّل: يقال: غلام خُماسيّ و رُباعيّ.

خَمْسَة أشبار و أربعة أشبار، و إنّما يقال: خُماسيّ و رُباعيّ فيمن يزداد طولا . (الأزهَريّ 7: 191)

أبوعُبَيْدَة: قالوا: ضَرْب أخماسٍ لأسْداس.يقال: للّذي يُقدّم الأمر يريد به غيره فيأتيه من أوّله، فيعمل فيه رُوَيْدًا رُوَيْدًا.

و الخِمْس: الوِرْد يوم الخامس من يوم صدَرِها، و السِّدْس: الوِرْد يوم السّادس. (الأزهَريّ 7: 192)

أبوزَيْد: عشَرتُ المال أعشُره عُشْرًا و عُشُورًا، و خمَسْتُه أخمُسُه خَمْسًا: أخَذتُ عُشْرَه و خُمْسَه.

(الحَرْبيّ 1: 157)

الأصمَعيّ: في حديث معاذ أ نّه كان يقول باليمن: «ائتوني بخميس أو لبيس...». الخميس: الثّوب الّذي طوله خمس أذرع، كأ نّه يعني الصّغير من الثّياب. (أبوعُبَيْد2: 240)

أبوعُبَيْد: في حديث معاذ أ نّه كان يقول باليمن: «ائتوني بخميس أو لبيس...» يقال له أيضًا: مَخمُوس ، مثل جريح و مَجرُوح، و قتيل و مَقتُول.[ ثمّ استشهد بشعر] (2: 240)

ابن الأعرابيّ: هما في بُردة أخماس، أي يفعلان فعلا واحدًا، كأ نّهما في ثوب واحد، لاشتباههما.

(الأزهَريّ7: 194)

< لاتَكُ خميسًا >، أي ممّن يصوم الخميس وحده.

(ابن سيده5: 91)

ابن السّكّيت: يقال في مثَل: « ليتنا في بُرْدة أخماس » أي ليتنا، تقارَ بْنا.

و يُراد ب < أخماس » أنّ طولها خمسة أشبار.

و البُرْدة شِمْلَة من صوف مُخطّطة؛ و جمعها: البُرَد.

(الأزهَريّ7: 192)

خَمَستُ القوم أخمسهم خَمْسًا، إذا أخَذتَ خُمسَ أموالهم. أو كُنتَ لهم خامسًا.

و الخِمْس: من أظماء الإبل. (الأزهَريّ7: 193)

ابن دُرَيْد: الخَمْس: نوع من العدد، و الخَمْس مصدر خمَسْتُ القوم أخمِسُهم خَمْسًا إذا أخَذتَ خُمْس أموالهم أوكُنتَ لهم خامسًا.

و الخُمْس: قسم مال على خمسة.

و الخِمْس: ظِمأ من أظماء الإبل.

و الخميس: يوم من أيّام الأُسبوع معروف، و الجمع: أخمِسَة و أخمساء، مثل نصيب و أنصباء.

و جمع خُمْس: أخماس، و جمع خِمْس: أخماس أيضًا، و مثَل من أمثالهم: «يضرب أخماسًا لأسداس» يقال ذلك للرّجل إذا لُبِّس الشّيء علىصاحبه.

و غلام خماسيّ: حين أيفع، و ثوب خُماسيّ: خمسة أذرع، و حبل مَخمُوس، من خمس قوًى. [ثمّ استشهد بشعر]

و كذلك وَتَرٌ مخموس، إذا جُعل على خمس قوًى.

و الخميس: الجيش يخمس ما وجد، أي يأخذه.

(2: 220)

الأزهَريّ: [نقل قول الخَليل: « و الخِمْس: شُرْب الإبل يوم الرّابع من يوم صَدَرَتْ »ثمّ قال:]

ص: 10

قلت: هذا غلط لايُحسَب يوم الصّدَر في وِرْد النّعَم. و الخِمْس أن تشرب يوم وِرْدِها، و تَصْدُر يومها ذلك، و تظَلّ بعد ذلك اليوم في المرعى ثلاثة أيّام سوى يوم الصّدَر، و ترد اليوم الرّابع، فذلك الخِمْس.

و إبل خامسة و خوامس.

و يقال: فلاة خِمْس: إذا انتاط ماؤها حتّى يكون وِرْد النّعم في اليوم الرّابع، سوى اليوم الّذي شَرِبَتْ فيه و صَدَرتْ.

و يقال: خِمْس بَصْباصٌ، و قَعْقاعٌ: إذا لم يكن في سيرها إلى الماء وَتِيرة، و لافُتور، لبُعْده.

و يقال لصاحب الإبل الّتي تَرِد خِمْسًا: مُخْمِس. [ ثمّ نقل قول اللّيث، و قال:]

و يقال: بل الخميس ثوب منسوب إلي مَلِك من مُلوك اليمن، و كان أمَرَ بعمل هذه الثّياب، فنُسِب إليه.

و يقال: هما في بُردة أخماس، إذا تقاربا و اجتمعا و اصطلحا. [ثمّ استشهدبشعر] (7: 192)

الصّاحِب: [نحوالخَليل و أضاف:]

و الخِمْس: شُربُ الإبل يوم الرّابع. و أخمَس الرّجل: سقى خِمْسًا.

و الخميس: الجيش الكثير، و اسم اليوم، و ثلاثة أخمسة.

و يقولون: ما أدري أيّ خميس النّاس هو، أي أيّ جماعة النّاس هو.

وفي المثَل:«لَيْتَنا في بُرْدة أخماس» أي ليتنا تقارَ بْنا.

و «ظلّ يضرب أخماسًا لأسداس» و له حديث.

و الخِمْس: من الرّمل، في قول الطّرمّاح:

* عادت تميم بأخفى الخِمس.*

و يقال : خَمْسون وخَمِسون. (4: 271)

الخَطّابيّ: في حديث النّبي ّ(صلی الله علیه و آله) : « أ نّه صبّح خيبر يوم الخميس بُكْرَ ةً، فجاء و قد فتَحوا الحِصْن، و خرجوا منه معهم المساحي، فلمّا رأوه حالوا إلى الحِصْن: و قالوا: محمّد و الخميس، محمّد و الخميس ». و الخميس: الجيش، و سمّيت خميسًا، لأ نّها تَخْمس ما تجده من شيء. [ثمّ استشهد بشعر] (1: 605)

نحوه الهَرَويّ. (2: 597)

الجَوهَريّ: الخَمْسَة: عدد. يقال: خَمْسَة رجال،و خمس نسوة، و التّذكير بالهاء.

و جاء فلان خامسًا، و خاميًا أيضًا.

و الخِمْس بالكسر من أظماء الإبل: أن ترعى ثلاثة أيّام و ترد اليوم الرّابع.

و قد أخمَس الرّجل، أي ورَدَتْ إبله خِمْسًا. و الإبل خوامس. و الرّجل مُخمِس.

و أخمَس القوم: صاروا خَمْسَة.

و الخِمْس أيضًا: بُرْدٌ من بُرُود اليمن.

و يوم الخميس؛ جمعه: أخْمِساء و أخمِسَة.

و الخميس: الجيش، لأ نّهم خَمسُ فِرَق: المقدّمة، و القلب، و الميمَنَة، و الميسَرة، و السّاق.

و الخميس: الثّوب الّذي طوله خمس أذرُع.

و منه حديث معاذ بن جبل(رضی الله عنه): « ائتوني بخميس أو لبيس» كأ نّه يعني الصّغير من الثّياب.

و كذلك المخموس، مثل جريح و مَجرُوح، و قتيل و مَقتُول.

ص: 11

و خَمَستُ القوم أخمُسُهم بالضّمّ، إذا أخَذت َمنهم خُمْس أموالهم. و خَمَستُهم أخمِسُهم بالكسر، إذا كنت خامسَهم، أو كمّلتهم خمسةً بنفسك.

و شيء مُخَمّسٌ، أي له خمسة أركان.

و حَبْل مَخمُوس، أي من خَمْس قُوًى.

و تقول: عندي خمسة دراهم، الهاء مرفوعة، و إن شئت أدغمت، لأنّ الهاء من <خمسة> تصير تاء في الوصل، فتُدغَم في الدّال. فإن أدخلتَ الألف و اللام في الدّراهم قلت: عندي خمسة الدّراهم بضمّ الهاء. و لايجوزأن تدغم، لأ نّك قد أدغمت اللام في الدّال، و لايجوزأن تدغم الهاء من خمسة، و قد أدغمت ما بعدها.

و تقول في المؤنّث: عندي خمس القدور.

و تقول: هذه الخسمة الدّراهم، و إن شئت رفعت الدّراهم و تجريها مجرى النّعت. و كذلك إلى العشرة.

و قولهم: « فلان يضرب أخماسًا لأسداس »، أي يسعى في المكر و الخديعة، و أصله في أظماء الإبل. و غلام رُباعيّ و خُماسيّ. و لايقال: سباعيّ، لأ نّه إذا بلغ سبعة أشبار صار رجلا . [و استشهد بالشّعر 8 مرّات] (3: 923)

ابن فارِس: الخاء و الميم و السّين أصل واحد، و هو في العدد. فالخَمْسَة معروفة، و الخُمْس: واحد من خمسة. يقال خمَسْتُ القوم: أخَذتُ خُمس أموالهم، أخمُسُهم. و خمَستُهم: كنت لهم خامسًا، أخمِسُهم.

و الخِمْس ظِمْءٌ من أظماء الإبل. [ثمّ نقل قول الخَليل إلى أن قال:]

و ممّا شذّ عن الباب: الخميس، و هو الجيش الكثير. و من ذلك الحديث: «أنّ رسول لله(صلی الله علیه و آله)، لمّا أشرف على خيبر، قالوا: محمّد و الخميس » يريدون الجيش. (2: 217)

ابن سيده: الخَمْسَة من عدد المذكّر، والخَمْس، من عدد المؤنّث، معروفان.

و المُخَمَّس من الشّعر: ما كان على خمسةأجزاء، و ليس ذلك في وضع العَرُوض.

قال أبوإسحاق: إذا اختلفت القوافي و اختلطت فهو المخَمَّس.

و خمَسَهم يَخمِسُهم خَمْسًا، كان له خامسًا. و أخمَس القوم: صاروا خَمسَة.

و رُمحٌ مَخمُوس: طوله خمسة أذرع.

و الخمسون من العدد، معروف.

و كلّ ما قيل في الخَمسَة، و ماصُرِّ ف منها مقول في الخمسين و ما صُرِّف منها.

و حكى ابن الأعرابيّ عن أبي مَرْجَح: شَربتُ خمَسَة هذا الكوز، أي خمسة بمثله.

و الخِمْس: أن تَرِد الإبل الماء اليوم الخامس، و الجمع: أخماس.

سيبَوَيه: لم يجاوز به هذا البناء.

و قالوا: < ضرب أخماسًالأسداس > إذا أظهرأمرًا يُكنى عنه بغيره.

قال ابن الأعرابيّ: أصل هذا أنّ شيخًا كان في إبل له ومعه أولاده رجالا يرعونها، قد طالت غُربتهُم عن أهلهم، فقال لهم ذات يوم: ارعَوْا إبلكم رِبعًا، فرَعَوَها

ص: 12

رِبْعًا نحو طريق أهلهم، فقالوا له: لو رعيناها خِمْسًا ؟ فقال: ارعَوْها خِمْسًا. فزادوا يومًا قِبَل أهاليهم، فقالوا: لورعيناها سِدْسًا؟ ففطن الشّيخ لما يريدون، فقال: ما أنتم إلا ضَرْب أخماس لأسداس ! و ضَرْبُ أخماس لأسداس! ما همّتكم رَعيُها إنّما همّتكم أهلُكم.

ثمّ ضُرِب مثلا للّذي يُراوغ صاحبه ويُريه أنّه يطيعه.

و قد خمِسَت الإبل، و أخمَسَ صاحبها: وردت إبله خِمْسًا.

و التّخميس في سقي الأرض: السّقيّة الّتي بعد التّربيع.

و خمَسَ الحَبْلَ يَخمِسُه خَمْسًا: فتَله على خَمْس قُوًى.

و غلام خُماسيّ طوله خمسة أشبار.و الأُنثى: خُماسيّة، و لايقال هذا في غير الخمسة.

و ثوب خُماسيّ، و خميس و مخموس: طوله خَمسَة.

و قيل: الخميس ثوب منسوب إلى ملك كان باليمن، أمَر أن تعمل هذه الأردية.

و الخميس من الأيّام: معروف، و إنّما أرادوا الخامس، و لكنّهم خصّوه بهذا البناء، كما خصّوا النّجم بالدَّبران.

قال اللِّّحيانيّ: كان أبوزَيْد يقول: مضى الخميس بما فيه، فيُفرد و يذكِّر، و كان أبو الجرّاح يقول: مضى الخميس بما فيهنّ،فيجمع ويؤنّث، يُخرجه مخرج العدد.

و الجمع أخمسة، و أخمساء، و أخامس، حُكيت الأخيرة عن الفَرّاء.

و الخُمُسُ و الخُمْس و الخِمْس: جُزء منخمسة، يطّرد ذلك في جميع هذه الكسور عند بعضهم، و الجمع: أخماس.

و خَمَسَهم يَخمُسُهم خَمْسًا: أخذ خُمس أموالهم.

و الخميس: الجيش يَخمُس ما يجده.

و أخماس البَصْرة: خمسة؛ فالخُمسُ الأوّل العالية، و الخُمس الثّاني بكربن وائل و الخمس الثّالث تميم، و الخمس الرّابع عبد القيس، و الخمس الخامس الأزد.

و الخِمْس قبيلة. و ابن الخِمْس: رجل. [واستشهد بالشّعر7 مرّات] (5: 89)

الرّاغب: أصل الخَمْس في العدد، قال تعالى: { وَ يَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ } الكهف: 22 و قال: { فَلَبِثَ فيهِمْ اَلْفَ سَنَة اِلا خَمْسينَ‘ عَامًا } العنكبوت: 14.

و الخَميس ثوب طوله خَمْس أذرع، و رمح مخموس كذلك.

و الخِمْس من أظماء الإبل.

و خَمَسْتُ القوم أخمِسُهم: أخذت خمُس أموالهم، و خَمَستُهم أخمسهم: كنت لهم خامسًا، و الخميس في الأيّام معلوم.

(159)

الزّمَخْشَريّ: غزاهم الخَميس. و الخِمْسُ شرّ الأظماء.

و خَمَسْتُ القوم: أخَذتَ خُمُس أموالهم و كنتَ لهم خامسًا، و خَمستُ ما لهم: أخَذتَ خُمُسَه.

و ثوب مَخمُوس و خميس.

ص: 13

و رمح مَخمُوس: طوله خمسة أذرع.

و حَبْل مَخمُوس: فُتِل من خمس قُوًى.

(أساس البلاغة :120)

[في كلام] لعمروبن معدي كرب: «أعظمُنا خميسًا، و أكثرنا رئيسًا وأشدّنا شريسًا ...». الخَميس: الجيش له خمسة أركان . (الفائق 2: 415)

المَدينيّ: في حديث خالد: «... خُذ منّي غلامَين خُماسيّين، أو عِلجًا أمْرَد...».

الخُماسيّان: وصيفان طول كلّ واحد خَمْسة أشبار، و لايقال: سُداسيّ أوسُباعيّ. و الخُماسيّة: الوصيفة كذلك، و الخميس: الثّوب المخموس: الّذي طوله خمس أذرع. هذا كلّه في الخمس خاصّة دون ما سواه من العدد.

في حديث عديّ بن حاتم: « رَ بَعْتُ في الجاهليّة، و خَمَسْتُ في الإسلام » أي قُدتُ الجيشَ في الحالين، لأنّ الأمير في الجاهليّة يأخذ رُبع ما غَنِموا، و لهذا قال (صلی الله علیه و آله) له: «إنّك تأخذ المِرْباع و في الإسلام الخُمس».

(1: 618)

ابن الأثير: [نقل الأحاديث المتقدّمةثمّ قال:]

في حديث الحجّاج: « أنّه سأل الشّعبيّ عن المُخَمَّسَة » هي مسألة من الفرائض اختلف فيها خمسة من الصّحابة: عثمان، و عليّ، و ابن مَسعود، و زَيْد، و ابن عبّاس، و هي: أُمّ، و أُخت، وجدّ. (2: 79)الفَيُّوميّ:خمَسْتُ القوم خَمْسًا، من باب< ضَرَب> : صِرْتُ خامِسَهم وخمَسْتُ المال خَمْسًا من باب<قتَل > : أخَذْتُ خُمْسَه. و الخُمُس بضمّتين و إسكان الثّاني لغة، و الخميس مثال كريم: لغة ثالثة، هو جزء من خمسة أجزاء؛ و الجمع: أخماس.

و يوم الخميس جمعه: أخمِسَة و أخمِساء مثل نصيب و أنصبة و أنصباء.

و قولهم: غلام خُماسيّ أو رباعيّ: معناه طوله خمسَة أشبار أو أربعة أشبار. قال الأزهَريّ: و إنّما يقال :خُماسيّ أو رباعيّ فيمن يزداد طولا . و يقال في الرّقيق و الوصائف: سُداسيّ أيضًا، و في الثّوب سُباعيّ، أي طوله سبعة أشبار.

و خمّسْتُ الشّيء بالتّثقيل: جعلتُه خَمْسَة أخماس.

(1: 182)

الفيروزاباديّ: الخَمْسَة من العدد: معروف.

و الحامي: الحامس، إبدال.

و ثَوبٌ و رُمْح مخموس و خميس: طوله خَمْسُ أذرع.

و حَبْل مخموس: من خَمْسِ قُوًى.

و خمَسْتُهم أخمُسُهم، بالضّمّ: أخَذْتُ خُمْس أموالهم.

و أخمِسُهم، بالكسر: كنت خامسُهم، أو كمَّلْتُهم خَمسَةً بنفسي.

و يوم الخميس: معروف. جمعه: أخمِساء و أخمِسَة.

و الخميس: الجيش، لأ نّه خَمْسُ فِرَق: المقدِّمة، و القلب ، و الميمنة، و الميسرة، و السّاقة، و اسم.

و ما أدري أيّ خميس النّاس هو، أيّ جماعتهم.

و خميس الحَوْزيّ، و ابن خميس الموصليّ: محدّثان.

و الخِمْس، بالكسر: من أظماء الإبل، و هي أن

ص: 14

تَرْعى ثلاثة أيّام، و تَرِد الرّابع، و هي إبل خوامس، و اسم رجل، و مَلِك باليمن ، أوّل من عُمِل له البُرْد المعروف بالخِمْس.

و فلاة خِمْس: انتاط ماؤها حتّى يكون وِرْد النّعم اليوم الرّابع سوى اليوم الّذي شَربَتْ فيه.

و هما في بُرْدَة أخماس، أي تقاربا، و اجتمعا، و اصطلحا، أو فعَلا فعلا واحدًا يشتبهان فيه، كأنّهما في ثوب واحد.

و « يَضرِب أخماسًا لأسداس » يسعى في المكر و الخديعة، يُضرَب لمن يُظهِر شيئًا، و يريد غيره، لأنّ الرّجل إذا أراد سفرًا بعيدًا، عوّد إبلَه أن تَشرَب خِمْسًا سِدْسًا، و < ضرَب > بمعنى بيّن، أي: يُظهِر أخماسًا لأجل أسداس، أي رقّى إبله من الخِمْس إلى السِّدس.

و الخُمْس، و بضمّتين: جزء من خَمْسَة. و جاؤوا خُماسَ و مَخْمَس، أي: خمْسَةً خَمْسَةً.

و خَماساء، كبَراكاء: موضع.و أخمسوا: صاروا خَمْسَة، و الرّجل: ورَدَتْ إبله خِمْسًا.

و خمّسَه تَخْميسًا: جعله ذا خَمْسَة أركان.

و غلام خُماسيّ: طوله خمسة أشبار. و لايقال: سُداسيّ، و لاسُباعيّ، لأ نّه إذا بلغ ستّة أشبار، فهو رجل. (2: 219)

الطُّرَيحيّ: الخُمُس بضمّتين، و إسكان الثّاني لغة: اسم لحقّ يجب في المال يستحقّه بنوهاشم. و قد اختُلف في كيفيّة القسمة. و الظّاهر منها عند فقهاء الإماميّة أن تُقسَّم ستّة أقسام: ثلاثة للرّسول(صلی الله علیه و آله) في حياته، و بعده للإمام القائم مقامه، و هو المعنيّ بذي القُربى، و الثّلاثة الباقية لمن سمّاهم الله تعالى من بني عبد المطّلب خاصّة دون غيرهم.

و خمَسْتُ المال، من باب < قتَل >: أخَذتُ خُمْسَه.

و الخميس بالفتح: الجيش، سمّي به لأ نّه خمسة أقسام: الميمنة، و الميسرة، و المقدّم، و السّاقة، و القلب

و شَرَطَة الخميس: أعيانه. و منه حديث عبد الله بن يحيى الحضرميّ: « إنّك و أباك من شَرَطَة الخميس » و إنّما سُمّوا < شَرَطَة > قيل: من الشّرَط و هو العلامة، لأنّ لهم علامة يُعرَفون بها،أو من الشَّرْط و هو تهّيؤ لأ نّهم متهيّئون لدفع الخصم. و قوله: « إنّك و أباك من شَرَطَة الخميس » يريد أنّهما من أعيان حزبنا يوم القيامة...

و الأخماس: الأصابع الخمس. و منه في وصفه تعالى « لايُدرَك بالحواس و لايُمَس بالأخماس »...

و أخماس القرآن: ما يكتب في هامشه، و كذلك أسباعه و أعشاره. (4: 66)

العَدْنانيّ: أخمِسَة، أخمِساء، أخامِس لاخُمْسان.

و يجمعون يوم الخميس على خُمْسان، و الصّواب:

أ أخمِسَة: الفَرّاء، و الصِّحاح، و معجم مقاييس اللُّغة، و المختار، و اللّسان، و المصباح، و القاموس، و التّاج، و المدّ، و محيط المحيط، و أقرب الموارد، و المتن، و الوسيط.

ب: و أخامِسُ: الفَرّاء، و اللّسان، و التّاج، و المدّ، و ذيل أقرب الموارد و المتن، و الوسيط.

ج و أخمساء: الفَرّاء، و الصِّحاح، و معجم

ص: 15

مقاييس اللّغة، و المختار، و اللّسان و المِصباح، و القاموس، و التّاج، و المدّ، و محيط المحيط، و أقرب الموارد، و المتن، و الوسيط. (206)

خامسةُ معركة: و يقولون: هذه خامسُ معركة انتصر فيها جيشنا. و الصّواب: هذه خامسة معركة، لأنّ العدد التّرتيبيّ

يطابق المعدود في التّذكير و التّأنيث، سواء أكان صفة، أم مضافًا إلى المعدود.

ضرَب أخماسًا لأسداس: و يقولون: ضرب أخماسًا بأسداس. و الصّواب: ضرب أخماسًالأسداس. و هو مثَل يُضرَب لمن يسعى في المكر و الخديعة.

الأخماس: جمع خِمْس، و الأسداس: جمع سِدْس و هما من أضماء الإبل.

و أصل هذا المثل: أنّ الرّجل إذا أراد سفرًابعيدًا، عوّد إبله أن تَشْرب خِمْسًا، أي كلّ خمسة أيّام مرّة، ثمّ سِدْسًا: حتّى إذا أخذتْ في السّير صَبَرَتْ على الظّمإ. [ثمّ استشهد بشعر] (معجم الأخطاء الشّائعة: 86)

مَجْمَعُ اللُّغة:1 الخمسة و الخمسون: العددان المعروفان.

2 و الخامس هو ما يُكمَل به عدد خمسة؛ و المؤنّث بالهاء.

3 الخُمُس جزء من خمسة. (1: 364)

محمّدإسماعيل إبراهيم: خمّسَ الشّيء: جعله ذا خَمْسَة أجزاء. و الخُمُس، جزء من خمسة أجزاء،

و خمسون: خمس عشرات. (1: 175)

المُصْطَفَويّ: و التّحقيق: أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو العدد المخصوص المعيّن، و المشتقّات منه كلّها انتزاعيّة، مأخوذ معناها من هذا المفهوم.

فيقال: خمسته أخمسه فهو خامس و خميس.

و لمّا كان المميَّّز في الثّلاثة إلى العشرة مجموعًا، فيؤنّث اللّفظ باعتبارالجماعة، فيقال: خمسة آلاف من الملائكة، ويقولون خمسة. و أمّا التّذكير في المؤنّث، فلحصول الفرق بين المذكّر و المؤنّث. و هذا أحسن وجه في تحقيق الامتياز.

و أمّا الخمسون فهو صيغة جمع انتزاعيّة من الخمس، و يدلّ على جماعة من الخمس، و يختصّ بالعدد المخصوص منها، و هوالخمسون.

و أمّا الخُمْس: و صيغته < فُعْل >، و تدلّ على صفة المفعول، أي ما يُفعَل و مايُخمَس و يكون مخموسًا، و هذا معنى الانقسام إلى خمسة أقسام. (3: 132)

النُّصوص التّفسيريّة الْخَامِسَة

وَ الْخَامِسَةُ اَنَّ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ اِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِ بينَ‘.

النّور:7

الطّبَريّ: يقول و الشّهادة الخامسة. (9: 271)

نحوه الزّجّاج (4 : 33)، و البَيْضاويّ (2: 119).

الطُّوسيّ: من نصب { اَرْ بَعُ شَهَادَات } فقياسه أن ينصب{ وَ الْخَامِسَةُ} لأ نّها شهادة، و إذا رفع { اَرْ بَع ُشَهَادَات} و نصب { الْخَامِسَةُ } قدّر له فعلا ينصبها به، و تقديره: و يشهد الخامسة. و من رفع { اَرْ بَعُ شَهَادَات } رفع { الْخَامِسَةُ } جعلها معطوفة عليه، وإذا نصب{ الْخَامِسَةُ }، لم يجعلها معطوفة عليه

ص: 16

وجعلها مفعولا ، و قدّر فعلا ينصبها به (7: 411)ابن عَطيّة: قرأ حفص عن عاصم{ وَ الْخَامِسَةَ} بالنّصب في الثّانية، و قرأها بالنّصب فيهما طلحة بن مُصرّف و أبوعبد الرّحمان و الحسن و الأعمش، و قرأ الجمهور فيهما { و الْخَامِسَةُ } بالرّفع.

فأمّا من نصب، فإن كان من قراءته نصب قوله: (اَرْ بَعَ شَهَادَات ) فإنّه عطف (الْخَامِسَةَ ) على ذلك،

لأ نّها من الشّهادات، و إن كان يقرأ { اَرْ بَعُ } بالرّفع، فإنّه جعل نصب قوله: ( وَ الْخَامِسَةَ )على فعل يدلّ عليه متقدّم الكلام، تقديره: وتشهد الخامسة.

و أمّا من رفع قوله: { وَ الْخَامِسَةُ} فإن كان يقرأ: { اَرْ بَعُ } بالرّفع فقوله: { وَ الْخَامِسَةُ }عطف على ذلك ، وإن كان يقرأ : ( اَرْ بَعَ ) بالنّصب فإنّه حمل قوله: { وَ الْخَامِسَةُ } على المعنى، لأنّ معنى قوله: شهادة أحدهم عليهم أربع شهادات و الخامسة.[ ثمّ استشهد بشعر]

و لاخلاف في السّبع في قوله: { وَ الْخَامِسَةُ} في الأُولى، و إنّما خلاف السّبع في الثّانية فقط، فنصبه حمل على قوله: { اَنْ تَشْهَدَ اَرْ بَعَ }، { وَ الْخَامِسَةُ } على القطع، و الحمل على المعنى. (4: 166)

نحوه أبوحَيّان. (6: 434)

النّسَفيّ:لاخلاف في رفع { الْخَامِسَةُ }هنا في المشهور، و التّقدير: و الشّهادة الخامسة. (3: 133)

أبوالسُّعود : أي الشّهادة الخامسة للأربع المتقدّمة، أي الجاعلة لها خمسًا بانضمامها إليهنّ، وإفرادها عنهنّ، مع كونها شهادة أيضًا لاستقلالها بالفحوى، و وكادتها في إفادة ما يُقصَد بالشّهادة من تحقيق الخبر و إظهار الصّدق، و هي مبتدأ خبره { اَنَّ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ اِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبينَ‘ }. (4: 441)

نحوه البُرُوسَويّ ( 6: 121) ،و

الآلوسيّ (18: 104) .

خَمْسينَ‘

وَ لَقَدْ اَرْسَلْنَا نُوحًا اِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فيهِمْ اَلْفَ سَنَة اِلا خَمْسينَ‘ عَامًا فَاَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَ هُمْ ظَالِمُونَ.

العنكبوت : 14

لاحظ: أ ل ف: <اَلْف>.

خُمُسَه

وَ اعْلَمُوا اَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَىْء فَاَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِى الْقُرْبى وَ الْيَتَامى وَ الْمَسَاكينِ‘ وَ ابْنِ السَّبيلِ‘ اِنْ كُنْتُمْ امَنْتُمْ بِاللهِ وَ مَا اَنْزَلْنَا عَلى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَ اللهُ عَلى كُلِّ شَىْء قَدير‘ٌ.

الأنفال : 41

الإمام عليّ (علیه السلام): [في حديث] و أعظم من ذلك كلّه سهم ذي القربى الّذين قال الله تعالى: { اِنْ كُنْتُمْ ا مَنْتُمْ بِاللهِ وَ مَا اَ نْزَلْنَا عَلى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْ قَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ } نحن و الله عُني بذي القربى، و الّذين قرَنهم اللهبنفسه و نبيّه، فقال: فإنّ لله خُمُسَه و للرّسول و لذي القربى و اليتامى و المساكين و ابن السّبيل منّا خاصّة، و لم يجعل لنا في سهم الصّدقة نصيبًا، أكرم الله نبيّه وأكرمنا أن يطعمنا أوساخ أيدي النّاس.

(العَرُوسيّ 2: 155)

ولاني رسول الله (صلی الله علیه و آله) خُمس الخُمس، فوضَعتُه

ص: 17

مواضعه: حياة رسول الله (صلی الله علیه و آله) و أبي بكر و عمر.

(الدُّرّالمنثور 4: 71)

عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، قال: سألت عليًّا 2فقلت: يا أميرالمؤمنين، أخبرني كيف كان صنع أبي بكر و عمر رضي الله عنهما في الخمس نصيبكم؟ فقال: أمّا أبو بكر فلم تكن في ولايته أخماس، وأمّا عمر فلم يزل يدفعه إليّ في كلّ خمس حتّى كان خمس السّوس و جند نيسابور. فقال و أنا عنده : هذا نصيبكم أهل البيت من الخمس. و قد أحلّ ببعض المسلمين و اشتدّت حاجتهم، فقلت: نعم. فوثب العبّاس بن عبد المطّلب فقال: لاتعرض في الّذي لنا. فقلت: ألسنا أحقّ من المسلمين و شفّع أمير المؤمنين؟ فقبضه، فوالله ما قبضناه و لاصدرت عليه في و لاية عثمان رضي الله عنه. ثمّ أنشأ عليّ 2يحدّث، فقال: إنّ الله حرّم الصّدقة على رسوله، فعوّضه سهمًا من الخمس عوضًا ممّا حرّم عليه، و حرّمها على أهل بيته خاصّة دون أُمّته، فضرب لهم مع رسول الله (صلی الله علیه و آله) سهمًا عوضًا ممّا حرّم عليهم. (الدُّرّالمنثور 4: 68)

ابن عبّاس: كان رسول الله (صلی الله علیه و آله) إذا بعث سريّة فغنموا، خمّس الغنيمة، فضرب ذلك الخمس في خمسة. ثمّ قرأ { وَ اعْلَمُوا اَ نَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَىْء فَاَنَّ ِللهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ } و قوله: { فَاَنَّ للهِ‚ خُمُسَهُ } مفتاح كلام،لله ما فى السّماوات و ما فى الأرض، فجعل سهم الله و سهم الرّسول واحدًا. (الطّبَريّ 6: 249)

كانت الغنيمة تُقسَم على خمسة أخماس: فأربعة منها لمن قاتل عليها، وخُمس واحد يُقسَم على أربع: فرُبع لله و الرّسول و لذي القربى، يعني قرابة النّبيّ (صلی الله علیه و آله)، فما كان لله و الرّسول فهو لقرابة النّبيّ (صلی الله علیه و آله)، و لم يأخذ النّبيّ (صلی الله علیه و آله) من الخمس شيئًا، و الرُّبع الثّاني لليتامى، و الرُّبع الثّالث للمساكين، و الرُّبع الرّابع لابن السّبيل.

(الطّبَريّ 6: 250)

جُعِل سهم الله و سهم الرّسول واحدًا، و لذي القربى، فجُعِل هذان السّهمان في الخيل و السّلاح، و جُعِل سهم اليتامى و المساكين و ابن السّبيل لايُعطى غيرهم. (الطّبَريّ 6: 253)

أنّه مفتاح كلام اقترن بذكر الله، و ليس للرّسول من ذلك شيء، كما لم يكن لله من ذلك شيء، و أنّ الخمس مقسوم على أربعة أسهم. (الماوَرْديّ 2: 320)

إنّ نجدة الحروريّ أرسل إليه يسأله عن سهم ذي القربى الّذين ذكرالله، فكتب إليه: « إنّا كنّا نرى أنّاهم، فأبى ذلك علينا قومنا، و قالوا: و يقول: لمنتراه؟ فقال ابن عبّاس رضي الله عنهما: هو لقربى رسول الله (صلی الله علیه و آله)، قسمه لهم رسول الله (صلی الله علیه و آله)، وقد كان عمر عرض علينا من ذلك عرضًا رأيناه دون حقّنا. فرددناه عليه و أبَينا أن نقبله، و كان عرض عليهم أن يعين ناكحهم، و أن يقضي عن غارمهم، و أن يُعطي فقيرهم، و أبى أن يزيدهم على ذلك». (الدُّرّ المنثور 4: 68)

أبوالعالية: كان يُجاء بالغنيمة فتوضع، فيقسمهارسول الله (صلی الله علیه و آله) خمسة أسهم، فيجعل أربعة بين النّاس و يأخذ سهمًا، ثمّ يضرب بيده في جميع ذلك السّهم، فما قبض عليه من شيء جعله للكعبة، فهو الّذي سمّي لله، و يقول: لاتجعلوا لله نصيبًا، فإنّ لله الدّنيا

ص: 18

و الآخرة، ثمّ يقسم بقيّته على خمسة أسهم: سهم للنّبيّ(صلی الله علیه و آله)، و سهم لذوي القربى، و سهم لليتامى، و سهم للمساكين، و سهم لابن السّبيل. (الطّبَريّ 6: 250)

ابن المُسيَّب : لمّا قسم رسول الله(صلی الله علیه و آله) سهم ذي القربى من خَيبَر على بني هاشم و بني المطّلب، مشيت أنا و عثمان بن عفّان ، فقلنا: يا رسول الله، هؤلاء إخوتك بنوهاشم لاننكر فضلهم لمكانك الّذي جعلك الله به منهم، أرأيت إخواننا بني المطّلب أعطيتهم و تركتنا، و إنّما نحن و هم منك بمنزلة واحدة ؟ فقال: إنّهم لم يفارقونا في جاهليّة و لاإسلام، إنّما بنوهاشم و بنو المطّلب شيء واحد. ثمّ شبَّك رسول الله (صلی الله علیه و آله)يديه إحداهما بالأُخرى. (الطّبَريّ 6: 252)

سعيد بن جُبَيْر: قوله: { وَ اعْلَمُوا اَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَىْء } يعني من المشركين. { فَاَنَّ ِللهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِ ى الْقُرْ بى...} يعني قرابة النّبيّ 9 { وَ الْيَتَامى وَ الْمَسَاكينِ ‘وَابْنِ السَّبيلِ‘ } يعني الضّيف، و كان المسلمون إذا غنموا في عهد النّبيّ (صلی الله علیه و آله) أخرجوا خُمْسَه، فيجعلون ذلك الخمس الواحد أربعة أرباع: فرُبعُه لله و للرّسول و لقرابة النّبيّ (صلی الله علیه و آله)، فما كان لله فهو للرّسول و القرابة، و كان للنّبيّ (صلی الله علیه و آله) نصيب رجل من القرابة، و الرُّبع الثّاني للنّبيّ (صلی الله علیه و آله)، و الرُّبع الثّالث للمساكين، و الرُّبع الرّابع لابن السّبيل، و يعمدون إلى الّتي بقيت فيقسمونها على سُهمانهم، فلمّا توفّي النّبيّ (صلی الله علیه و آله) ردّ أبو بكر رضي الله تعالى عنه نصيب القرابة، فجعل يحمل به في سبيل الله تعالى، و بقي نصيب اليتامى و المساكين و ابن السّبيل. (الدُّرّ المنثور 4: 69)

النّخعيّ: لله كلّ شيء. (الطّبَريّ6: 249)

أنّ ذلك مصروف في الكراع و السّلاح.

(الماوَرْديّ 2 : 320)

الشّعبيّ: سهم الله و سهم النّبيّ (صلی الله علیه و آله) واحد.

(الدُّرّ المنثور 4: 70)

مُجاهِد : كلّ شيء لله، الخمس للرّسول، و لذي القربى، و اليتامى، و المساكين، و ابن السّبيل.

(الطّبَريّ 6: 250 )

كان النّبيّ (صلی الله علیه و آله) و أهل بيته لايأكلون الصّدقة، فجعل لهم خُمس الخُمس. (الطّبَريّ 6: 251)

قد علم الله أنّ في بني هاشم الفقراء، فجعللهم الخُمس مكان الصّدقة. (الطّبَريّ 6: 251)

الحسَن: هذا مفتاح كلام، لله الدّنيا و الآخرة.

(الطّبَريّ 6 : 249)

أوصى أبو بكر رضی الله عنه بالخُمس من ماله، و قال: ألا أرضى من مالي بما رضي الله لنفسه؟.

(الطّبَريّ 6: 250)

الإمام الباقر علیه السلام: لنا حقّ في كتاب الله في الخُمس، فلومحوه فقالوا: ليس من الله أو لم يعلموا به، لكان سواء. (العيّاشيّ 2: 200)

عطاء:خمس الله وخمس رسوله واحد،كان النّبيّ (صلی الله علیه و آله) يحمل منه و يصنع فيه ما شاء. (الطّبَريّ 6: 250)

قَتادَة : كانت الغنيمة تُقسَم خمس أخماس: فأربعة أخماس لمن قاتل عليها، و يُقسَم الخمس الباقي على خمسة أخماس، فخمس لله و الرّسول.

(الطّبَريّ 6: 250)

ص: 19

كان نبيّ الله (صلی الله علیه و آله) إذا غنم غنيمة جُعلت أخماسًا، فكان خمس لله و لرسوله، و يقسم المسلمون ما بقي. وكان الخمس الّذي جُعل لله و لرسوله و لذوي القربى و اليتامى و المساكين و ابن السّبيل، فكان هذا الخُمس خمسة أخماس: خمس لله و رسوله، و خمس لذوي القربى، و خمس لليتامى، و خمس للمساكين، و خمس لابن السّبيل. (الطّبَريّ 6: 251)

إ نّه للخليفة بعده. (الماوَرْديّ 2: 320)

الإمام الصّادق (علیه السلام): [عن ابن سنان سمعته يقول في الغنيمة:]يُخرَج منها الخمس ، ويُقسّم ما بقي فيمن قاتل عليه و ولي ذلك، فأمّا الفيء و الأنفال فهو خالص لرسول الله 9. (العيّاشيّ 2: 199)

[عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: سمعته]أنّ نجدة الحروريّ كتب إلى ابن عبّاس يسأله عن موضع الخمس لمن هو؟ فكتب إليه : أمّا الخمس فإنّا نزعُم أنّه لنا، و يزعم قومنا أنّه ليس لنا، فصبرنا.

(العيّاشيّ 2: 199)

[عن زرارة و محمّد بن مسلم و أبي بصير أنّهم قالوا له: ما حقّ الإمام في أموال النّاس؟ قال:]

الفيء و الأنفال و الخمس، و كلّ ما دخل منه فيء أو أنفال أو خمس أو غنيمة، فإنّ لهم خمسه، فإنّ الله يقول: { وَ اعْلَمُوا اَ نَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَىْء فَاَنَّ ِللهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِى الْقُرْبى...} و كلّ شيء في الدّنيا فإنّ لهم فيه نصيبًا، فمن وصلهم بشيء فممّا يَدَعون له أكثر ممّا يأخذون منه. (العيّاشيّ 2: 199)

يُخرَج خُمس الغنيمة ثمّ يقَسَّم أربعة أخماس، على من قاتل على ذلك و وليّه. (العيّاشيّ2: 200)

إنّ أشدّ ما يكون النّاس حالا يوم القيامة، إذا قام صاحب الخمس، فقال: يا ربّ خُمسي، و إنّ شيعتنا من ذلك لفي حِلّ. (العيّاشيّ2: 200)

لايُعذَر عبد اشترى من الخُمس شيئًا أن يقول: يا ربّ اشتريته بمالي، حتّى يأذن له أهل الخُمس.

(العيّاشيّ2: 201)[عن إسحاق عن رجل عن أبي عبد الله(علیه السلام)، قال: سألته عن سهم الصّفوة؟ فقال:]

كان لرسول الله(صلی الله علیه و آله)، و أربعة أخماس للمجاهدين و القُوّام، و خمس يُقسّم بين مقسّم رسول الله (علیه السلام)، و نحن نقول: هو لنا، و النّاس يقولون: ليس لكم، و سهم لذى القربى و هو لنا، و ثلاثة أسهام لليتامى و المساكين و أبناء السّبيل، يُقسّمه الإمام بينهم، فإن أصابهم درهم درهم لكلّ فرقة منهم نظرالإمام بعد، فجعلها في ذي القربى، قال: يردّها إلينا.

(العيّاشيّ 2: 201)

أمّا خُمس الله فالرّسول(صلی الله علیه و آله) يضعه في سبيل الله، و لنا خمس الرّسول و لأقاربه، و خُمس ذوي القربى فهم أقرباؤه، و اليتامى يتامى أهل بيته، فجعل هذه الأربعة الأسهُم فيهم. و أمّا المساكين و أبناء السّبيل فقد علمت أنّا لانأكل الصّدقة و لاتحلّ لنا، فهو للمساكين و أبناء السّبيل. (العيّاشيّ 2: 202)

إنّ الله لاإله إلا هو، لمّا حرّم علينا الصّدقة أنزل لنا الخُمس، و الصّدقة علينا حرام، و الخُمس لنا فريضة، و الكرامة أمر لنا حلال. (العيّاشيّ 2: 202)

ص: 20

[عن الحلبيّ عن أبي عبد الله (علیه السلام) في الرّجل من أصحابنا في لوائهم، فيكون معهم فيصيب غنيمة ؟ قال:]

يؤدّي خمسنا و يطيب له. (العيّاشيّ 2: 202)

ابن جُرَيْج : { فَاَنَّ للهِ‚ خُمُسَهُ } أربعة أخماس لمن حضر البأس، و الخمس الباقي لله و الرّسول: خُمسه يضعه حيث رأى، و خُمسه لذوي القربى، و خُمسه لليتامى، و خُمسه للمساكين، و لابن السّبيل خمسه.

(الطّبَريّ 6: 251)

الإمام الكاظم (علیه السلام): [في جواب سؤال عن الخمس قال:]

في كلّ ما أفاد النّاس من قليل أو كثير.

[وفي رواية أُخرى]: الخُمس من خمسة أشياء : من الغنائم و الغوص و من الكنوز و من المعادن و المِلاحة، يؤخذ من كلّ هذه الصّنوف الخُمس، فيُجعل لمن جعل الله له، و يُقسَم الأربعة الأخماس بين من قاتل عليه و ولي ذلك. و يُقسّم بينهم الخُمس على ستّة أسهم: سهم لله، و سهم لرسوله، و سهم لذى القربى، و سهم لليتامى، و سهم للمساكين، و سهم لأبناء السّبيل. فسهم الله و سهم رسوله لأُولى الأمر من بعد رسول الله(صلی الله علیه و آله) وراثةً، فله ثلاثة أسهم: سهمان وراثةً، وسهم مقسوم له من الله، فله نصف الخمس كمَلا ، و نصف الخمس الباقي بين أهل بيته: فسهم ليتاماهم، و سهم لمساكينهم، و سهم لأبناء سبيلهم يُقسَّم بينهم على الكتاب و السّنّة ما يستغنون به في سنَتِهم، فإن فضل منهم شيء فهو للوالي، و إن عجز أو نقص عن استغنائهم كان على الوالي أن ينفق من عنده بقدرما يستغنون به. و إنّما صار عليه أن يموّنهم، لأنّ له ما فضل عنهم. و إنّماجعل الله هذا الخمس خاصّة لهم دون مساكين النّاس و أبناء سبيلهم، عوضًا لهم عن صدقات النّاس، تنزيهًا من الله لقرابتهم من رسول الله(صلی الله علیه و آله)، و كرامةً من الله لهم من أوساخ النّاس، فجعل لهم خاصّة من عنده و ما يُغنيهم به من أن يُصيّرهم في موضع الذّلّ والمسكنة، و لابأس بصدقة بعضهم على بعض. و هؤلاء الّذين جعل الله لهم الخُمس هم قرابة النّبيّ(صلی الله علیه و آله) الّذين ذكرهم الله فقال: { وَ اَ نْذِرْ عَشيرَ‘تَكَ الاَقْرَبينَ‘} الشّعراء: 214، و هم بنو عبد المطّلب أنفسهم الذّكر منهم و الأُنثى، ليس فيهم من أهل بيوتات قريش، و لامن العرب أحد، و لافيهم و لامنهم في هذا الخُمس من مواليهم. و قد تحلّ صدقات النّاس لمواليهم، و هم و النّاس سواء. و من كانت أُمّه من بني هاشم و أبوه من سائر قريش فإنّ الصّدقات تحلّ له، و ليس له من الخُمُس شيء، لأنّ الله يقول: { اُدْعُوهُمْ لا‚ بَائِهِمْ}.الأحزاب:5.

(البَحْرانيّ 4: 332)

الإمام الرّضا (علیه السلام): الخمس لله و للرّسول، و هو لنا. (العيّاشيّ2: 200)

الشّافعيّ: أنّه مصروف في مصالح المسلمين العامّة. (الماوَرْديّ2: 320)

الإمام الهاديّ(علیه السلام): [عن إبراهيم بن محمّد قال: كتبت إلى أبي الحسن الثّالث (علیه السلام) أسأله عمّا يجب في الضّياع فكتب]

الخُمس بعد المُؤنة، قال: فناظرت أصحابنا، فقالوا:

ص: 21

المُؤنة بعد ما يأخذ السّلطان، و بعد مُؤنة الرّجل، فكتبت إليه أنّك قلت: الخمس بعد المُؤنة و إنّ أصحابنا اختلفوا في المَؤُونة ؟ فكتب: الخمس بعدما يأخذ السّلطان و بعد مُؤنة الرّجل و عياله.

(العيّاشيّ 2: 201)

الطّبَري: اختلف أهل التّأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: قوله: { فَاَنَّ للهِ‚ خُمُسَهُ } مفتاح كلام ، ولله الدّنيا والآخرة وما فيهما، وإنّما معنى الكلام: فإنّ للرّسول خُمُسَه.

وقال آخرون: معنى ذلك: فإنّ لبيت الله خُمُسَه وللرّسول.

وقال آخرون: ما سمّي لرسول الله (صلی الله علیه و آله) من ذلك فإنّما هو مراد به قرابته، وليس لله ولا لرسوله منه شيء.

و أولى الأقوال في ذلك بالصّواب قول من قال: قوله: { فَاَنَّ للهِ‚ خُمُسَهُ } افتتاح كلام؛ و ذلك لإجماع الحجّة على أنّ الخُمس غير جائز قسمه على ستّة أسهم، و لو كان لله فيه سهم كما قال أبوالعالية لوجب أن يكون خُمس الغنيمة مقسومًا على ستّة أسهم. و إنّما اختلف أهل العلم في قسمه على خمسة فما دونها، فأمّا على أكثر من ذلك فما لا نعلم قائلا قاله غير الّذي ذكرنا من الخبر عن أبي العالية، و في إجماع من ذكرت الدّلالة الواضحة على صحّة ما اخترنا.

فأمّا من قال: سهم الرّسول لذوي القربى، فقد أوجب للرّسول سهمًا، و إن كان (صلی الله علیه و آله) صرفه إلىذوي قرابته، فلم يخرج من أن يكون القَسْم كان على خمسة أسهم.

و قال آخرون: بل هم قريش كلّها.

و قال آخرون: سهم ذي القربى كان لرسول الله (صلی الله علیه و آله)، ثمّ صار من بعده لوليّ الأمر من بعده.

و قال آخرون: بل سهم ذي القربى كان لبني هاشم و بني المطّلب خاصّة.

و أولى الأقوال في ذلك بالصّواب عندي، قول من قال: سهم ذي القربى كان لقرابة رسول الله (صلی الله علیه و آله) من بني هاشم و حلفائهم من بني المطّلب، لأنّ حليف القوم منهم، و لصحّة الخبر الّذي ذكرناه بذلك عن رسول الله(صلی الله علیه و آله). و اختلف أهل العلم في حكم هذين السّهمين، أعني سهم رسول الله (صلی الله علیه و آله) و سهم ذي القربى بعد رسول الله (صلی الله علیه و آله) فقال بعضهم: يصرفان في معونة الإسلام و أهله.

و قال آخرون: سهم ذوي القربى من بعد رسول الله (صلی الله علیه و آله) مع سهم رسول الله (صلی الله علیه و آله) إلى وليّ أمر المسلمين.

و قال آخرون: سهم رسول الله (صلی الله علیه و آله) مردود في الخُمس، و الخُمس مقسوم على ثلاثة أسهم: على اليتامى، و المساكين، و ابن السّبيل. و ذلك قول جماعة من أهل العراق.

و قال آخرون: الخمس كلّه لقرابة رسول الله (صلی الله علیه و آله).

و الصّواب من القول في ذلك عندنا: أنّ سهم رسول الله (صلی الله علیه و آله) مردود في الخُمس، و الخُمس مقسوم على أربعة أسهم، على ما روي عن ابن عبّاس: للقرابة سهم، و لليتامى سهم، و للمساكين سهم، و لابن السّبيل سهم، لأنّ الله أوجب الخُمس لأقوام موصوفين

ص: 22

بصفات، كما أوجب الأربعة الأخماس لآخرين. و قد أجمعوا أنّ حقّ الأربعة الأخماس لن يستحقّه غيرهم، فكذلك حقّ أهل الخُمس لن يستحقّه غيرهم، فغير جائز أن يخرج عنهم إلى غيرهم، كما غير جائز أن تخرج بعض السُّهمان الّتي جعلها الله لمن سمّاه في كتابه بفقد بعض من يستحقّه إلى غير أهل السُّهمان الأُخر.

(6: 249 254)

الزّجّاج: كثراختلاف النّاس في تأويل هذه الآية والعمل بها. و جملتها أنّها مال من الأموال الّتي فرض الله جلّ ثناؤه فيها الفروض. و الأموال الّتي جرى فيها ذكر الفروض للفقراء والمساكين و من أشبههم ثلاثة أصناف، سمّى الله كلّ صنف منها: فسمّى ما كان من الأموال الّتي يأخذها المسلمون من المشركين في حال الحرب: أنفالا و غنائم، و سمّى ما صار إلى المسلمين، ممّا لم يؤخذ في الحرب من الخراج و الجزية: فيئًا، و سمّى ما خرج من أموال المسلمين، كالزّكاة، و ما نذروا من نذر، و تقرّبوا به إلى الله جلّ و عزّ: صدقة، فهذه جملة تسمية الأموال.

و نحن نبيّن في هذه الآية ما قاله جمهور الفقهاء و ما توجبه اللّغة إن شاء الله.

أجمعت الفقهاء أنّ أربعة أخماس الغنيمة لأهلالحرب خاصّة، و الخُمس الّذي سمّي في قوله: { فَاَنَّ ِللهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ } إلى آخر الآية، في الاختلاف.

فأمّا الشّافعيّ فذكر: « أنّ هذا الخُمس مقسوم على ما سمّى الله جلّ و عزّ من أهل قسمته، و جعل قوله: { فَاَنَّ ِللهِ خُمُسَهُ } افتتاح كلام».

وأحسب معنى افتتاح كلام عنده في هذا أنّ الأشياء كلّها لله عزّوجلّ، فابتدأ و افتتح الكلام.

فإن قال قائل: { فَاَنَّ ِللهِ خُمُسَهُ } كما قال: { يَسَْلُو=نَكَ عَنِ الاَ نْفَالِ قُلِ الاَ نْفَالُ للهِ‚ وَ الرَّسُولِ } الأنفال: 1، ثمّ قسّم هذا الخُمس على خمسة أنصباء: خمس للنّبيّ (صلی الله علیه و آله)، و خمس ليتمامى المسلمين لا ليتامى آل النّبيّ (صلی الله علیه و آله) ،وخمس في المساكين، مساكين المسلمين لا مسا كين النّبيّ (صلی الله علیه و آله) و خمس لابن السّبيل، و لايرى الشّافعيّ أن يترك صنفًا من هذه الأصناف بغير حظّ في القسمة((1)).

و بلغني أنّه يرى أن يُفضّل بعضهم على بعض على قدر الحاجة، و يرى في سهم الرّسول أن يُصرف إلى ما كان النّبيّ (صلی الله علیه و آله) يصرفه فيه، و الّذي روي أنّه كان يصرف الخُمس في عُدَد للمسلمين، نحو اتّخاذ السّلاح الّذي تقوى به شوكتهم. فهذا مذهب الشّافعيّ، و هوعلى لفظ مافي الكتاب.

فأمّا أبوحنيفة و من قال بقوله: فيُقسّم هذا الخمس على ثلاثة أصناف، يُسقط ما للرّسول من القسمة، و ما لذوي القربى. و حجّته في هذا أنّ أبا بكر و عمر لم يعطيا سهم ذوي القربى، و أنّ سهم النّبيّ(صلی الله علیه و آله) ذهب بوفاته، لأنّ الأنبياء لاتورث فيُقسِّم على اليتامى و المساكين و ابن السّبيل، على قدر حاجة كلّ فريق منهم، و يعطي بعضًا دون بعض منهم خاصّة، إلا أنّه

ص: 23


1- (1) لم يأت جواب الشّرط في < فإن قال قائل> و لم يذكر غير أربعة أخماس ،لأ نّه ترك ذوي القربى.

لايخرج القَسْم عن هؤلاء الثّلاثة.

و أمّا مذهب مالك فيُروى أنّ قوله في هذا الخُمس، و في الفيء أنّه إنّما ذكر هؤلاء المسمّون، لأ نّهم من أهمّ من يدفع إليهم، فهو يجيز أن يَقسِم بينهم، و يجيز أن يُعطي بعضًا دون بعض، و يجوز أن يُخرجهم من القَسْم إن كان أمر غيرهم أهمّ من أمرهم، فيفعل هذا على قدر الحاجة.

و حجّته في هذا: أنّ أمرالصّدقات لم يزل يجري في الاستعمال على ما يراه النّاس، وقال الله عزّوجلّ: { اِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَ الْمَسَاكينِ‘ وَالْعَامِلينَ ‘عَلَيْهَا وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ فِى الرِّ قَابِ وَ الْغَارِمينَ‘ وَ فى سَبيلِ‘ اللهِ وَ ابْنِ السَّبيلِ‘} التّوبة :60، فلو أنّ رجلا وجبت عليه خمسة دراهم لأخرجها إلى صنف من هذه أو إلى ما شاء من هذه الأصناف، و لو كان ذكر التّسمية يوجب الحقّ للجماعة لما جاز أن يُخَصواحد دون غيره، و لا أن يُنقَص واحد ممّا يُعْطى غيره.

و من حُجَج مالك: في أنّ ذكر هؤلاء إنّما وقع للخصوص قوله تعالى: { مَنْ كَانَ عَدُوًّا للهِ‚ وَ مَلئِكَتِهِ’ وَ رُسُلِهِ وَ جِبْريلَ‘ وَ ميكَالَ } البقرة : 98، فذكر جملة الملائكة ، فقد دخل جبريل وميكال في الجملة و ذُكرا بأسمائهم لخصوصهما، و كذلك ذكر هؤلاء في القَسْمة و الفيء و الصّدقة، لأ نّهم من أهمّ من يصرف إليه الأموال من البرّ و الصّدقة.

و من الحجّة لمالك أيضًا: قول الله عزّ وجلّ: { يَسَْلُو=نَكَ مَاذَايُنْفِقُونَ قُلْ مَا اَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْر فَلِلْوَالِدَيْنِ وَ الاَقْرَبينَ‘ وَ الْيَتَامى وَ الْمَسَاكينِ ‘} البقرة: 215، فللرّجل أن ينفق في البِرّ على هذه الأصناف و على صنف منها، و له أن يخرج عن هذه الأصناف، لااختلاف بين النّاس في ذلك.

هذا جملة ماعلمناه من أقوال الفقهاء في هذه الآية.

(2: 413)

نحوه البَيْضاويّ (1: 394) و النّسَفيّ (2: 104).

النّحّاس: اختُلف في معنى هذه الآية، فقال قوم: يُقسَم الخُمس على خمسة أجزاء: فأربعة منها لمدّة شهر الحرب، و واحد منها مقسوم على خمسة، فما كان منه للرّسول صُيّر فيما كان رسول الله(صلی الله علیه و آله) يُصيّره فيه.

و يُروى أنّه كان يُصيّره تقوية للمسلمين و أربعة لذوي القربى و اليتامى و المساكين و ابن السّبيل. و هذا مذهب الشّافعيّ رحمه الله.

و قال بعضهم: يُقسَم هذا السّهم على قلّته أجزاء للفقراء و المساكين و ابن السّبيل، لأنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله) قال: « لانُورّث ما تركنا صدقة ». و هذا مذهب أبي حنيفة.

و قال بعضهم :إذا رأى الإمام أن يُعطي هؤلاء المذكورين أعطاهم و إن رأى أنّ غيرهم أحقّ منهم أعطاهم. قال: و لو كان ذكرهم بالسّهميّة يوجب أن لايخرج عن جملتهم لما جاز إذا ذُكر جماعة أن يُعطى بعضهم دون بعض، و قد قال الله عزّ وجلّ: { اِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَ الْمَسَاكينِ‘...} إلى آخر الآية، و لو جعلت في بعضهم دون بعض لجاز، ولكنّهم ذُكروا لأ نّهم من أهمّ من يُعطى.

و قال جلّ و عزّ: { قُلْ مَا اَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْر فَلِلْوَالِدَيْنِ

ص: 24

وَ الاَقْرَبينَ ‘} البقرة: 215، و له أن يُعطى غير من سمّي. و هذا مذهب مالك.

و أمّا معنى { فَاَنَّ ِللهِ } فهو افتتاح كلام، قال قيس ابن مسلم الجَدَبيّ: سألت الحسن بن محمّد { وَ اعْلَمُوا اَ نَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَىْء فَاَنَّ ِللهِ خُمُسَهُ } فقال: هو افتتاح كلام ليس لله نصيب، لله الدّنيا و الآخرة. [ ثمّ نقل قول أبي العاليةكما تقدّم عن الطّبَريّ ]و قيل معنى { فَاَنَّ ِللهِ خُمُسَهُ } فأنّ لسبيل الله مثل: { وَ سَْلِ= الْقَرْ يَةَ } يوسف: 82. (3: 155)

الجصّاص: قال الله تعالى: { فَاَنَّ ِللهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِى الْقُرْبى...}. و اختلف السّلف في كيفيّة قسمة الخُمس في الأصل. [ و ذكرقول ابن عبّاس و قَتادَة و غيرهماثمّ قال:]

و قال محمّد بن مسلمة و هو من المتأخّرين من أهل المدينة جعل الله الرّأي في الخُمس إلى نبيّه (صلی الله علیه و آله) كما كانت الأنفال له قبل نزول آية قَسْمة الغنيمة، فنسخت الأنفال في الأربعة الأخماس، و تُرك الخُمس على ما كان عليه موكولا إلى رأي النّبيّ (صلی الله علیه و آله) و كما قال: { مَا اَفَاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ اَهْلِ الْقُرى فَلِلهِ \ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِى الْقُرْبى وَ الْيَتَامى وَ الْمَسَاكينِ‘ وَ ابْنِ السَّبيلِ‘ كَىْ لايَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الاَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ } ثمّ قال: { وَ مَا اتيكُمُ’ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ } الحشر : 7، فذكر هذه الوجوه، ثمّ قال: {وَ مَا اتيكُمُ’ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ } فبيّن في آخره أ نّه موكول إلى رأي النّبيّ (صلی الله علیه و آله).

و كذلك الخُمس قال فيه: إنّه لله و للرّسول، يعني قَسْمَته موكولة إليه، ثمّ بيّن الوجوه الّتي يُقسَم عليها على ما يرى و يختار، و يدلّ على ذلك حديث عبد الواحد بن زياد، عن الحجّاج بن أرطاة، قال: حدّثنا أبوالزّبيرعن جابر أنّه سُئل كيف كان النّبيّ (صلی الله علیه و آله) يصنع بالخُمس قال : « كان يحمل منه في سبيل الله الرّجل ثمّ الرّجل ثمّ الرّجل ». و المعنى في ذلك: أنّه كان يُعطي منه المستحقّين، و لم يكن يَقسِمه أخماسًا.

و أمّا قول من قال: إنّ القَسْمة كانت في الأصل على ستّة، و إنّ سهم الله كان مصروفًا إلى الكعبة، فلامعنى له، لأ نّه لو كان ذلك ثابتًا لورد النّقل به متواترًا، و لكانت الخلفاء بعد النّبيّ (صلی الله علیه و آله) أولى النّاس باستعمال ذلك، فلمّا لم يثبت ذلك عنهم علم أنّه غير ثابت، و أيضًا فإنّ سهم الكعبة ليس بأولى بأن يكون منسوبًا إلى الله تعالى من سائر السّهام المذكورة في الآية؛ إذ كلّها مصروف في وجوه القرب إلى الله عزّ وجلّ، فدلّ ذلك على أنّ قوله: { فَاَنَّ للهِ‚ خُمُسَهُ } غير مخصوص بسهم الكعبة، فلمّا بطل ذلك، لم يخلُ المراد بذلك من أحد وجهين:

إمّا أن يكون مفتاحًا للكلام، على ما حكيناه عن جماعة من السّلف، و على وجه تعليمنا التّبرّ ك بذكر الله و افتتاح الأُمور باسمه، أو أن يكون معناه: أنّ الخمس مصروف في وجوه القُرَب إلى الله تعالى. ثمّ بيّن تلك الوجوه، فقال:{ وَ لِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبى } الآية، فأجمل بديًّا حكم الخُمس ثمّ فسّر الوجوه الّتي أجملها

فإن قيل: لو أراد ما قلت لقال: « فأنّ لله خمسه للرّسول ولذي القربى » و لم يكن يدخل < الواو > بين اسم الله تعالى و اسم رسول الله. قيل له: لايجب ذلك

ص: 25

من قبَل أ نّه جائز في الّلغة إدخالالواو و المراد إلغاؤها، كما قال تعالى: { وَ لَقَدْ اتَيْنَا مُوسى وَ هرُونَ الْفُرْ قَانَ وَضِيَاءً } الأنبياء:48، والواو ملغاة و الفرقان ضياء، و قال تعالى: { فَلَمَّا اَسْلَمَا وَ تَلَّهُ لِلْجَبينِ‘ } الصّافّات: 103، معناه: لمّا أسلما تلّه للجبين، لأنّ قوله: { فَلَمَّا اَسْلَمَا } يقتضي جوابًا، و جوابه: تلّه للجبين، و كما قال الشّاعر:

بلى شيء يوافق بعض شيء

و أحيا نًا و باطله كثير

و معناه يوافق بعض شيء أحيانًا، و الواو ملغاة، و كما قال الآخر:

فإنّ رشيدًا و ابن مروان لم يكن

ليفعل حتّى يصدرالأمر مصدرًا

و معناه فإنّ رشيد بن مروان و قال الآخر:

إلى المَلِك القَرْم و ابن الهُمام

و ليثِ الكتيبة في المزدحم

و الواو في هذه المواضع دخولها و خروجها سواء.

فثبت بما ذكرنا أنّ قوله:{ فَاَنَّ ِللهِ خُمُسَهُ } على أحد المعنيين اللّذين ذكرنا، و جائز أن يكون جميعًا مرادين لاحتمال الآية لهما، فينتظم تعليمنا افتتاح الأُمور بذكرالله تعالى، و أنّ الخمس مصروف في وجوه القرب إلى الله تعالى، فكان للنّبيّ (صلی الله علیه و آله) سهم من الخمس، و كان له الصّفيّ و سهم من الغنيمة، كسهم رجل من الجند إذا شهد القتال. و روى أبو حمزة عن ابن عبّاس عن النّبيّ (صلی الله علیه و آله) أنّه قال لوَفْد عبد القيس: « آمركم بأربع: شهادة أن لا إله إلا الله، و تقيموا الصّلاة، و تعطوا سهم الله من الغنائم، و الصّفيّ ».

و اختلف السّلف في سهم النّبيّ (صلی الله علیه و آله) بعد موته، فروى سفيان عن قيس بن مسلم عن الحسَن بن محمّد ابن الحنفيّة، قال: اختلف النّاس بعد وفاة رسول الله (صلی الله علیه و آله) في سهم الرّسول و سهم ذي القربى، فقالت طائفة: سهم الرّسول للخليفة من بعده، و قالت طائفة: سهم ذي القربى لقرابة الخليفة، و أجمعوا على أن جعلوا هذين السّهمين في الكُراع و العُدّة في سبيل الله.

قال أبوبكر: سهم النّبيّ (صلی الله علیه و آله) إنّما كان له ما دام حيًّا، فلمّا تُوفّي سقط سهمه كما سقط الصّفيّ بموته، فرجع سهمه إلى جملة الغنيمة، كما رجع إليها و لم يَعد للنّوائب.

و اختُلف في سهم ذوي القربى، فقال أبوحنيفة في « الجامع الصّغير »: يُقسَم الخمس على ثلاثة أسهم: للفقراء و المساكين و ابن السّبيل. و روى بشر بن الوليد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، قال: خُمس الله و الرّسول واحد، و خُمس ذوي القربى لكلّ صنف سمّاه الله تعالى في هذه الآية خُمس الخُمس. و قال الثّوري: « سهم النّبيّ (صلی الله علیه و آله) من الخُمس هو خُمس الخُمس، و ما بقي فللطّبقات الّتي سمّى الله تعالى».

و قال مالك: يعطي من الخمس أقرباء رسول الله (صلی الله علیه و آله) على ما يرى و يجتهد. قال الأوزاعيّ:خُمس الغنيمة لمن سمّي في الآية. و قال الشّافعي: يُقسَّم سهم ذوي القربى بين غنيّهم و فقيرهم.

قوله تعالى: { لِذِى الْقُرْبى } لفظ مجمل مفتقر إلى البيان، و ليس بعموم؛ و ذلك لأنّ ذا القربى لايختص

ص: 26

بقرابة النّبيّ (صلی الله علیه و آله) دون غيره من النّاس، و معلوم أ نّه لم يُرِد بها أقرباء سائر النّاس، فصار اللّفظ مجملا مفتقرًا إلى الببيان.

و قد اتّفق السّلف على أنّه قد أُريد أقرباء النّبيّ (صلی الله علیه و آله)، فمنهم من قال: إنّ المستحقّين لسهم الخمس من الأقرباء، هم الّذين كان لهم نصرة، و إنّ السّهم كان مستحقًّا بالأمرين من القرابة و النّصرة، و إنّ من ليس له نصرة ممّن حدث بَعدُ، فإنّما يستحقّه بالفقر كما يستحقّه سائر الفقراء، و يستدلّون على ذلك بحديث الزُّهريّ عن سعيد بن المُسيَّب عن جُبَيْر بن مطعم، قال: لمّا قسّم رسول الله (صلی الله علیه و آله) سهم ذوي القربى، بين بني هاشم و بني المطّلب، أتيته أنا و عثمان، فقلنا يا رسول الله: هؤلاء بنوهاشم لاننكر فضلهم بمكانك الّذي وضعك الله فيهم، أرأيت بني المطّلب أعطيتهم و منعتنا، و إنّما هم و نحن منك بمنزلة؟ فقال(صلی الله علیه و آله) : « إنّهم لم يفارقوني في جاهليّة و لاإسلام، و إنّما بنوا هاشم و بنوا المطّلب شيء واحد » و شبّك بين أصابعه. فهذا يدلّ من وجهين على أنّه غير مستحقّ بالقرابة فحسب:

أحدهما: أنّ بني المطّلب و بني عبد شمس في القرب من النّبيّ (صلی الله علیه و آله) سواء، فأعطى بني المطّلب و لم يُعطِ بني عبد شمس، و لو كان مستحقًّا بالقرابة لساوى بينهم.

و الثّاني: أنّ فعل النّبيّ (صلی الله علیه و آله) ذلك خرج مخرج البيان لما أجمل في الكتاب من ذكر ذي القربى، وفعل النّبيّ (صلی الله علیه و آله) إذا ورد على وجه البيان فهو على الوجوب، فلمّا ذكر النّبيّ (صلی الله علیه و آله) النّصرة مع القرابة دلّ على أنّ ذلك مراد الله تعالى، فمن لم يكن له منهم نصرة، فإنّما يستحقّه بالفقر.

و أيضًا فإنّ الخلفاء الأربعة متّفقون على أ نّه لايستحق إلا بالفقر.

و قال محمّد بن إسحاق: سألت محمّد بن عليّ، فقلت: ما فعل عليّ 2بسهم ذوي القربى حين وُلّي فقال: سلك به سبيل أبي بكر و عمر، و كره أن يُدعى عليه خلافهما. قال أبو بكر: لولم يكن هذا رأيه لما قضى به، لأ نّه قد خالفهما في أشياء، مثل: الجدّ و التّسوية في العطايا و أشياء أُخر، فثبت أنّ رأيه و رأيهما كان سواء في أنّ سهم ذوي القربى إنّما يستحقّه الفقراء منهم، و لمّا أجمع الخلفاء الأربعة عليه، ثبتت حجّته بإجماعهم، لقوله (صلی الله علیه و آله): « عليكم بسنّتي و سنّة الخلفاء الرّاشدين من بعدي ».

و في حديث يزيدبن هُرمُزعن ابن عبّاس فيما كتب به إلى نجدة الحَرُوريّ حين سأله عنسهم ذي القربى فقال: «كنّا نرى أنّه لنا، فدعانا عمر إلى أن نُزوّج منه أيِّمَنَا و نقضي منه عن مغرمنا، فأبينا أن لايُسلّمه لنا، و أبى ذلك علينا قومنا ». و في بعض الألفاظ « فأبى ذلك علينا بنوعمّنا » فأخبر أنّ قومه و هم أصحاب النّبيّ (صلی الله علیه و آله) رأوه لفقرائهم دون أغنيائهم. و قول ابن عبّاس:« كنّا نرى أ نّه لنا» إخبار أ نّه قاله: من طريق الرّأي، و لاحظّ للرّأي مع السّنّة و اتّفاق جُلّ الصّحابة من الخلفاء الأربعة.

و يدلّ على صحّة قول عمر فيما حكاه ابن عبّاس عنه حديث الزُّهريّ عن عبد الله بن الحارث

ص: 27

ابن نوفل عن المطّلب بن ربيعة بن الحارث، أ نّه و الفضل بن العبّاس قالا: يا رسول الله قد بلغنا النّكاح فجئناك لتُؤمّرنا على هذه الصّدقات، فنؤدّي إليك ما يؤدّي العمّال، و نصيب ما يصيبون. فقال النّبيّ (صلی الله علیه و آله): « إنّ الصّدقة لاتنبغي لآل محمّد إنّما هي أوساخ النّاس » ثمّ أمر مَحْمِيَّةَ أن يصدقهما من الخُمس. و هذا يدلّ على أنّ ذلك مستحقّ بالفقر؛ إذ كان إنّما اقتضى لهما على مقدار الصّداق الّذي احتاجا إليه للتّزوّج، و لم يأمر لهما بما فضل عن الحاجة. و يدلّ على أنّ الخُمس غير مستحقّ قسمته على السُّهمان و أنّه موكول إلى رأي الإمام قوله: «مالي من هذا المال إلا الخُمس و الخُمس مردود فيكم » و لم يخصّص القرابة بشيء منه دون غيرهم، دلّ ذلك على أ نّهم فيه كسائر الفقراء يستحقّون منه مقدار الكفاية و سدّ الخلّة. و يدلّ عليه قوله: (صلی الله علیه و آله) « يذهب كسرى فلاكسرى بعده أبدًا و يذهب قيصر فلاقيصر بعده أبدًا و الّذي نفسي بيده لَتُنفَقُنّ كنوزهما في سبيل الله ». فأخبر أنّه ينفق في سبيل الله. و لم يخصّص به قومًا من قوم.

و يدلّ على أنّه كان موكولا إلى رأي النّبيّ (صلی الله علیه و آله) أ نّه أعطى المؤلّفة قلوبهم، و ليس لهم ذكر في آية الخُمس، فدلّ على ما ذكرنا.

و يدلّ عليه أنّ كلّ من سمّي في آية الخمس لايستحقّ إلا بالفقر، و هم اليتامى و ابن السّبيل فكذلك ذوالقربى، لأ نّه سهم من الخمس.

و يدلّ عليه أنّه لمّا حُرّم عليهم الصّدقة أُقيم ذلك لهم مقام ما حُرّم عليهم منها، فوجب أن لايستحقّه منهم إلا فقير،كما أنّ الأصل الّذي أُقيم هذا مقامه لايستحقّه إلا فقير.

فإن قيل: موالي بني هاشم لاتحلّ لهم الصّدقة، و لم يدخلوا في استحقاق السّهم من الخمس؟

قيل له: هذا غلط، لأنّ موالي بني هاشم لهم سهم من الخُمس إذا كانوا فقراء، على حسب ما هو لبني هاشم.

فإن قيل: إذا كانت قرابة رسول الله (صلی الله علیه و آله) يستحقّون سهمهم بالفقر و الحاجة، فما وجه تخصيصه إيّاهم بالذّكر،و قد دخلوا في جملة المساكين؟

قيل له: كما خص اليتامى و ابن السّبيلبالذّكر و لايستحقّونه إلا بالفقر، و أيضًا لمّا سمّى الله الخمس لليتامى و المساكين و ابن السّبيل، كما قال: { اِنَّمَا الصَّدَ قَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَ الْمَسَاكينِ‘...} التّوبة:60، ثمّ قال النّبيّ (صلی الله علیه و آله): « إنّ الصّدقة لاتحلّ لآل محمّد » فلو لم يسمّهم في الخُمس جازأن يظنّ ظانّ أنّه لايجوزإعطاؤهم منه، كما لايجوزأن يُعطوا من الصّدقات، فسمّاهم إعلامًا منه لنا أنّ سبيلهم فيه، بخلاف سبيلهم في الصّدقات.

فإن قيل: قد أعطى النّبيّ (صلی الله علیه و آله) العبّاس من الخُمس و كان ذا يسار، فدلّ على أنّه للأغنياء و الفقراء منهم.

قيل له: الجواب عن هذا من وجهين:

أحدهما: أ نّه أخبر أ نّه أعطاهم بالنّصرة و القرابة، لقوله(صلی الله علیه و آله): « إنّهم لم يفارقوني في جاهليّة و لاإسلام » فاستوى فيه الفقير و الغنيّ، لتساويهم في النّصرة و القرابة.

ص: 28

و الثّاني: أنّه جائزأن يكون النّبيّ (صلی الله علیه و آله) إنّما أعطى العبّاس ليفرّقه في فقراء بني هاشم، و لم يعطه لنفسه.

و قداختُلف في ذوي القربى مَن هم؟ فقال أصحابنا: قرابة النّبيّ (صلی الله علیه و آله) الّذين تُحرَّم عليهم الصّدقة، هم ذو قراباته و آله، و هم: آل جعفر، و آل عقيل، و ولد الحارث بن عبد المطّلب. و روي نحو ذلك عن زَيْد بن أرقم. و قال آخرون: بنو المطّلب داخلون فيهم، لأنّ النّبيّ (صلی الله علیه و آله) أعطاهم من الخُمس. و قال بعضهم: قريش كلّها من أقرباء النّبيّ (صلی الله علیه و آله) الّذين لهم سهم من الخُمس إلاّ أنّ للنّبيّ (صلی الله علیه و آله) أن يُعطيه من رأى منهم.

أمّا من ذكرناهم فلاخلاف بين الفقهاء أنّهم ذوو قراباته، و أمّا بنوالمطّلب فهم و بنوعبد شمس في القرب من النّبيّ (صلی الله علیه و آله) سواء، فإن وجب أن يدخلوا في القرابة الّذين تحرم عليهم الصّدقة، فواجب أن يكون بنوعبد شمس مثلهم لمساواتهم إيّاهم في الدّرجة. و أمّا إعطاء سهم الخمس فإنّما خصّ هؤلاء به دون بني عبد شمس بالنّصرة، لأ نّه قال:« لم يفارقوني في جاهليّة و لا إسلام » و أمّا الصّدقة فلم يتعلّق بتحريمها بالنّصرة عند جميع الفقهاء، فثبت أنّ بني المطّلب ليسوا من آل النّبيّ (صلی الله علیه و آله) الّذين تحرم الصّدقة عليهم كبني عبد شمس. و موالي بني هاشم تحرم عليهم الصّدقة و لا قرابة لهم و لايستحقّون من الخمس شيئًا بالقرابة. و قد سألته فاطمة رضي الله عنها خادمًا من الخمس فوكلها إلى التّكبير و التّحميد و لم يعطها.

فإن قيل: إنّما لم يعطها لأ نّها ليست من ذوي قرباه، لأ نّهاأقرب إليه من ذوي قرباه.

قيل له: فقد خاطب عليًّا بمثل ذلك و هو من ذوي القربى، و قال لبعض بنات عمّه حين ذهبت مع فاطمة إليه تستخدمه:« سبقَكُنّ يتامى بَدْر » و في يتامى بَدْر من لم يكن من بني هاشم، لأنّ أكثرهم من الأنصار و لو استحقّتا بالقرابة شيئًالايجوز منعهما إيّاه لما منعهما حقّهما، و لاعَدَل بهما إلى غيرهما.

و في هذا دليل على معنيين: أحدهما: أنّ سهمهم من الخمس أمره كان موكولا إلى رأي النّبيّ (صلی الله علیه و آله) في أن يعطيه من شاء منهم. و الثّاني: أنّ إعطاءهم من الخمس أو منعه لا تعلّق له بتحريم الصّدقة.

و أمّا من قال: إنّ قرابة النّبيّ (صلی الله علیه و آله) قريش كلّها، فإنّه يحتجّ لذلك بأ نّه لمّا نزلت : { وَ اَ نْذِرْعَشيرَ ‘تَكَ

ا لاَقْرَبينَ ‘} الشّعراء :214، قال النّبيّ(صلی الله علیه و آله): « يا بني فِهْر يا بني عديّ يا بني فلان » لبطون قريش « إنّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد > و روي عنه أنّه قال: « يا بني كَعْب بن لُؤيّ » و أنّه قال: « يا بني هاشم، يا بني قُصَي يا بني عبد مَناف ».

و روي عنه أنّه قال لعليّ: « اجْمَعْ لي بني هاشم » و هم أربعون رجلا قالوا: فلمّا ثبت أنّ قريشًا كلّها من أقربائه و كان إعطاء السّهم من الخمس موكولا إلى رأي النّبيّ (صلی الله علیه و آله) أعطاه من كان له منهم نصرة دون غيرهم.

اسم القرابة واقع على هؤلاء كلّهم، لدعاء النّبيّ (صلی الله علیه و آله) إيّاهم عند نزول قوله تعالى: { وَ اَنْذِرْعَشيرَ‘تَكَ

الاَ قْرَبينَ ‘} الشّعراء :214، فثبت بذلك أنّ الاسم يتناول الجميع، فقد تعلّق بذوي قربى النّبيّ (صلی الله علیه و آله) أحكام

ص: 29

ثلاثة:

أحدها: استحقاق سهم من الخمس بقوله تعالى: { وَ للِرَّسُولِ وَ لِذِى الْقُرْ بى } و هم الفقراء منهم على الشّرائط الّتي قدّمنا ذكرها عن المختلفين فيها.

و الثّاني تحريم الصّدقة عليهم، و هم آل عليّ وآل العبّاس و آل عقيل و آل جعفر، و ولد الحارث بن عبد المطّلب، و هؤلاء هم أهل بيت النّبيّ (صلی الله علیه و آله) ،و لاحظّ لبني المطّلب في هذا الحكم، لأ نّهم ليسوا أهل بيت النّبيّ، (صلی الله علیه و آله) و لو كانوا من أهل بيت النّبيّ (صلی الله علیه و آله) لكانت بنو أُميّة من أهل بيت النّبيّ (صلی الله علیه و آله) و من آله، و لاخلاف أ نّهم ليسوا كذلك، فكذلك بنو المطّلب لمساواتهم إيّاه في نسبهم من النّبيّ (صلی الله علیه و آله).

و الثّالث: تخصيص الله تعالى لنبيّه بإنذارعشيرته الأقربين، فانتظم ذلك بطون قريش كلّها، على ما ورد به الأثر في إنذاره إيّاهم عند نزول الآية. و إنّما خص عشيرته الأقربين بالإنذار، لأ نّه أبلغ عند نزول الآية في الدّعاء إلى الدّين، و أقرب إلى نفي المحاباة و المداهنة في الدّعاء إلى الله عزّ وجلّ، لأنّ سائرالنّاس إذا علموا أنّه لم يحتمل عشيرته على عبادة غيرالله، و أنذرهم و نهاهم أنّه أولى بذلك منهم؛ إذ لو جازت المحاباة في ذلك لأحد، لكانت أقرباؤه أولى النّاس بها. (3: 79)

الثّعلبيّ: اختلف أهل التّأويل في ذلك، فقال بعضهم: قوله: { فَاَنَّ للهِ‚ خُمُسَهُ } مفتاح الكلام؛ ولله الدّنيا و الآخرة، فإنّما معنى الكلام: فأنّ للرّسول خُمُسَه و هو قول الحسَن و قَتادَة و عطاء، فإنّهم جعلوا سهم الله و سهم الرّسول واحدًا، و هي رواية الضّحّاك عن ابن عبّاس. قالوا: كانت الغنيمة تُقسّم خمسة أخماس: فأربعة أخماس لمن قاتل عليها، و قسّم الخمس الباقي على خمسة أخماس: خمس للنّبيّ (صلی الله علیه و آله) كان له و يصنع فيه ما شاء، و سهم لذوي القربى، و خمس اليتامى، و خمس للمساكين، و خُمس لابن السّبيل. فسهم رسول الله (صلی الله علیه و آله) خمُس الخُمس.

و قال بعضهم: معنى قوله: { فَاَنَّ للهِ ‚} فإنّ لبيت الله خُمُسه. و هو قول الرّبيع و أبي العالية قالا: كان يُجاء بالغنيمة فيقسمها رسول الله (صلی الله علیه و آله) خمسة أسهم، فجعل أربعة لمن شهد القتال، و يعزل أسهمًا فيضرب يده في جميع ذلك، فما قبض من شيء جعله للكعبة، و هو الّذي سمّي لله، ثمّ يُقسّم ما بقي على خمسة أسهم: سهم للنّبيّ (صلی الله علیه و آله)، و سهم لذي القربى، و سهم لليتامى، و سهم للمساكين، و خمس لابن السّبيل، و سهم رسول الله (صلی الله علیه و آله) خُمس الخُمس.

و قال ابن عبّاس : سهم الله و سهم رسوله جميعًا لذوي القربى، و ليس لله و لا لرسوله منه شيء.

و كانت الغنيمة تُقسّم على خمسة أخماس، فأربعة منها لمن قاتل عليها، و خمس واحد تُقسَّم على أربعة، فربع لله و الرّسول و لذي القربى. فما كان لله و الرّسول فهو لقرابة النّبيّ (صلی الله علیه و آله)، و لم يأخذ النّبيّ من الخمس شيئًا، و الرّبع الثّاني لليتامى، و الرّبع الثّالث للمساكين، و الرّبع الرّابع لابن السّبيل. [ثمّ ذكر مصاديق ذوي القربى] (4: 357)

نحوه البغَويّ (2: 292)، و الخازن (3: 27).

الماوَرْديّ: اختلفوا في سهم رسول الله (صلی الله علیه و آله) بعده

ص: 30

على خمسة أقاويل:

أحدها: [قول قَتادَة المتقدّم]

والثّاني: أنّه لقرابة النّبيّ (صلی الله علیه و آله) إرثًا، و هذا قول من جعل النّبيّ(صلی الله علیه و آله) موروثًا.

و الثّالث : أنّ سهم الرّسول (صلی الله علیه و آله) مردود على السّهام الباقية، و يقسم الخمس على أربعة.[الرّابع و الخامس قول الشّافعيّ و النّخعيّ المتقدّم] (2: 320)

الطُّوسيّ: أمّا خُمس الغنيمة ، فإنّه يُقسّم عندنا ستّة أقسام: فسهم لله، و سهم لرسوله للنّبيّ، و هذان السّهمان مع سهم ذي القربى للقائم مقام النّبيّ(صلی الله علیه و آله) ينفقها على نفسه و أهل بيته من بني هاشم، و سهم لليتامى ،و سهم للمساكين، و سهم لأبناء السّبيل من أهل بيت الرّسول،لايُشركهم فيها باقي النّاس، لأنّ الله تعالى عوّضهم ذلك عمّا أباح لفقراء المسلمين و مساكينهم، و أبناء سبيلهم من الصّدقات، إذ كانت الصّدقات محرّمة على أهل بيت الرّسول:. و هو قول عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، و محمّد بن عليّ الباقر ابنه :.رواه الطّبَريّ بإسناده عنهما.و قال الحسين بن عليّ المغربيّ حاكيًا عن الصّابونيّ من أصحابنا:إنّ هؤلاء الثّلاثة فِرَق لايدخلون في سهم ذي القُربى و إن كان عموم اللّفظ يقتضيه، لأنّ سهامهم مفردة، و هو الظّاهر من المذهب.

و الّذين يستحقّون الخمس عندنا مَن كان من وُلد عبد المطّلب، لأنّ هاشمًا لم يعقب إلامنه ، من الطّالبييّن و العبّاسيّين و الحارثيّين و اللّهبيّين. فأمّا وُلد عبد مناف من المطّلبيّين، فلاشيء لهم فيه.

و عند أصحابنا: الخُمس يجب في كلّ فائدة تحصل للإنسان من المكاسب وأرباح التّجارات و الكنوز و المعادن و الغَوص و غير ذلك، ممّا ذكرناه في كُتُب الفقه. و يمكن الاستدلال على ذلك بهذه الآية، لأنّ جميع ذلك يسمّى غنيمة.

و قال ابن عبّاس و إبراهيم وقَتادَة و عطاء: الخُمس يقسّم خمسة أقسام، فسهم الله و سهم الرّسول واحد.

و قال قوم: يقسّم أربعة أقسام: سهم لبني هاشم، و ثلاثة للّذين ذكروا بعد ذلك من سائر المسلمين، ذهب إليه الشّافعيّ.

و قال أهل العراق: يقسّم الخمس ثلاثة أقسام، لأنّ سهم الرّسول صَرَفه الأئمّة الأربعة إلى الكراع و السّلاح. و قال مالك: يُقسّم على ما ذكره الله . ويجوز للإمام أن يُخرج عنهم حسب ما يراه وإنّما جاء على طريق الأولى في بعض الأحوال. (5: 143)

الواحديّ: { فَاَنَّ للهِ‚ خُمُسَهُ } هذا إفتتاح كلام، لأنّ الأشياء كلّها لله، و قوله: { وَ لِلرَّسُولِ } كان لرسول الله (صلی الله علیه و آله) خُمس الخُمس من الغنيمة، يصنع فيه ما شاء. و أمّا اليوم فإنّه يُصرف إلى مصالح المسلمين، والأهمّ السّلاح والكراع، و قوله: { وَ لِذِى الْقُرْبى }

هم: بنو هاشم و بنو المطّلب خاصّة دون سائر قريش، يقسّم بينهم خمُس الخُمس حيث كانوا { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الاُ نْثَيَيْنِ } النّساء :11، و هم الّذين حُرّمت عليهم الصّدقة المفروضة. قال رسول الله (صلی الله علیه و آله): « إنّ الله تعالى أغناكم عن أوساخ النّاس بهذا الخمس ». [ ثمّ بيّن

ص: 31

معنى اليتامى و المسكين و ابن السّبيل و قال:]

فلايُترك صنف من هذه الأصناف بغير حظّ في قسمة الخُمس و يجوزتفصيل بعضهم على بعض بمقدار الحاجة. هذا الّذي ذكرناه كيفيّة قسمة الخمس من الغنيمة، وهي المذكورة في القرآن، و الباقي في أربعة أخماس، و هي للغانمين الّذين باشروا القتال: للفارس ثلاثة أسهم، و للرّاجل سهم عند الشّافعيّ، و عند أبي حنيفة للفارس سهمان و للرّاجل سهم. (2: 460)

الزّمَخْشَريّ: { فَاَنَّ للهِ‚ } مبتدأ، خبره محذوف، تقديره: فحقّ أو فواجب أنّ لله خُمُسَه. وروى الجعفيّ عن أبي عمرو( فَاِنَّ للهِ‚) بالكسر، و تقوّيه قراءة النّخعيّ: ( فَلِلّهِ خُمُسَه ). و المشهورة آكد و أثبت للإيجاب، كأ نّه قيل: فلابدّ من ثباتالخمس فيه، و لاسبيل إلى الإخلال به و التّفريط فيه، من حيث إنّه إذا حُذف الخبر و احتمل غير واحد من المقدّرات، كقولك: ثابت واجب حقّ لازم و ما أشبه ذلك، كان أقوى لإيجابه من النّص على واحد.

و قرئ (خُمْسَه) بالسّكون. [ثمّ نقل الأقوال المتقدّمة في قول الزّجّاج و أضاف:]

فإن قلت : ما معنى ذكر الله عزّوجلّ و عطف الرّسول و غيره عليه.

قلت: يحتمل أن يكون معنى{ للهِ‚ وَ لِلرَّسُولِ }: لرسول الله (صلی الله علیه و آله) كقوله: { وَ اللهُ وَ رَسُولُهُ اَحَقّ ُاَنْ يُرْضُوهُ} التّوبة : 62، و أن يراد بذكره إيجاب سهم سادس يُصرف إلى وجه من وجوه القرب ، و أن يراد بقوله: { فَاَنَّ للهِ‚ خُمُسَهُ } أنّ من حقّ الخمس أن يكون متقرّ بًا به إليه لاغير، ثمّ خص من وجوه القرب هذه الخمسة تفضيلا لها على غيرها، كقوله تعالى: { وَجِبْريلَ‘ وَ ميكَا‘لَ } فعلى الاحتمال الأوّل مذهب الإمامَين، و على الثّاني ما قال أبوالعالية أ نّه يُقسّم على ستّة أسهم، سهم الله تعالى يُصرف إلى رتاج الكعبة.

(2: 158)

ابن عَطيّة: و هذه الآية الّتي في الأنفال ناسخة لقوله في سورة الحشر:7، { مَا اَفَاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ اَهْلِ الْقُرى } و ذلك أنّ تلك كانت الحكم أوّ لا ، ثمّ أعطى الله أهلها الخمس فقط، و جعل الأربعة الأخماس في المقاتلين.

و هذا قول ضعيف نص العلماء على ضعفه، و أن لاوجه له من جهات: منها: أنّ هذه السّورة نزلت قبل سورة الحشر، هذه ببدر، و تلك في بني النّضير و قُرى عرينة، ولأنّ الآيتين متّفقتان، و حكم الخمس و حكم تلك الآية واحد، لأ نّهانزلت في بني النّضير حين جَلَوا و هربوا، و أهل فدك حين دعوا إلى صلح و نال المسلمون ما لهم دون إيجاف.

و حكى ابن المنذر عن الشّافعيّ: أنّ في الفيء الخمس، وأ نّه كان في قرى عرينة زمن النّبيّ (صلی الله علیه و آله)، و أنّ أربعة أخماسها كان للرّسول (صلی الله علیه و آله) خاصّة دون المسلمين، يضعها حيث شاء. وقال أبو عُبَيْدَة: هذه الآية ناسخة لقوله في أوّل السّورة { قُلِ الاَ نْفَالُ للهِ‚ وَ الرَّسُولِ } الأنفال:1، و لم يُخمّس رسول الله(صلی الله علیه و آله) غنائم بدر، فنُسخ حكمه في ترك التّخميس بهذه الآية.

و يظهر في قول عليّ بن أبي طالب في البخاريّ:

ص: 32

« كانت لي شارق من نصيبي من المغنم ببدر وشارق أعطانيها رسول الله (صلی الله علیه و آله) من الخمس » [فيظهر]حينئذ أنّ غنيمة بدر خُمّسَتْ، فإن كان ذلك فسد قول أبي عُبَيْدَ ة. و يحتمل أن يكون الخمس الّذي ذكره عليّ بن أبي طالب من إحدى الغزوات الّتي كانت بين بدر وأُحد، فقد كانت غزوة بني سليم و غزوة السّويق و غزوة ذي أمر و غزوة نجران، و لم يُحفَظ فيها قتال، و لكن يمكن أن غُنمت غنائم،والله أعلم.

و قوله في هذه الآية: { مِنْ شَىْء } ظاهره عامّ، و معناه الخصوص. فأمّا النّاض و المتاع و الأطفال

و النّساء، و ما لايؤكل لحمه من الحيوان و يصحّ تملّكه، فليس للإمام في جميع ذلك، ما كثر منه و ما قلّ كالخائط و المخيط، إلا أن يأخذ الخُمس و يقسم الباقي في أهل الجيش.

و أمّا الأرض فقال فيها مالك: يقسمها الإمام إن رأى ذلك صوابًا، كما فعل النّبيّ(صلی الله علیه و آله) بخيبر، و لايقسمها إن أدّاه اجتهاده إلى ذلك، كما فعل عمر بأرض مصر سواد الكوفة،لأنّ فعل عمر ليس بمخالف لفعل النّبيّ (صلی الله علیه و آله)؛ إذ ليست النّازلة واحدة بحسب قرائن الوقتَين و حاجة الصّحابة و قلّتهم، و هذا كلّه انعكس في زمان عمر.

و أما الرّجال و مَن شارف البلوغ من الصّبيان، فالإمام عند مالك و جمهور العلماء مخيّر فيهم على خمسة أوجه:

منها: القتل، و هو مستَحسَن في أهل الشّجاعة و النّكاية.

و منها: الفداء، و هو مستَحسَن في ذي المنصب الّذي ليس بشجاع، و لايخاف منه رأي و لامكيدة، لانتفاع المسلمين بالمال الّذي يؤخذ منه. و منها: المنّ، و هو مستَحسَن فيمن يُرجى أن يحنو على أسرى المسلمين ونحو ذلك من القرائن.

و منها: الاسترقاق.

و منها: ضرب الجزية و التّرك في الذّمّة. و أمّا الطّعام و الغَنَم و نحوهما ممّا يُؤكل، فهو مباح في بلد العدوّ، يأكله النّاس فما بقي كان في المغنم.

و أمّا أربعة أخماس ما غنم فيَقْسِمه الإمام على الجيش، و لايختص بهذه الآية ذكر القَسْمَة فأنا أختصره هنا. و أمّا الخُمس فاختلف العلماء فيه: فقال مالك رحمه الله: الرّأي فيه للإمام، يُلحقه ببيت الفيء، ويُعطي من ذلك البيت لقرابة رسول الله (صلی الله علیه و آله) ما رآه، كما يعطي منه اليتامى والمساكين و غيرهم، و إنّما ذُكر من ذكر على وجه التّنبيه عليهم، لأ نّهم من أهمّ من يُدفع إليه. قال الزّجّاج محتجًّا لمالك:قال الله تعالى: { يَسَْلُو=نَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا اَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْر فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالاَقْرَبينَ‘ وَ الْيَتَامى وَ الْمَسَاكينِ‘ وَ ابْنِ السَّبيلِ ‘} البقرة:215،. و للإمام بإجماع أن ينفق في غير هذه الأصناف إذا رأى ذلك.

و قالت فرقة: كان الخميس يُقسَم على ستّة أقسام: قسم لله وهو مردود على فقراء المسلمين أوعلى بيت الله، وقسم للنّبيّ (صلی الله علیه و آله)، و قسم لقرابته، و قسم لسائر من سمّي، حكى القول منذر بن سعيد و ردّ عليه. قال أبوالعالية الرّياحي: كان النّبيّ(صلی الله علیه و آله)، يقبض من خُمس

ص: 33

الغنيمة قبضة فيجعلها للكعبة فذلك لله، ثمّ يُقسّم الباقي على خمسة: قسم له، و قسم لسائر من سمّي.

و قال الحسن بن محمّد و ابن عبّاس وإبراهيم النّخعيّ و قَتادَة والشّافعيّ: قوله:{ فَاَنَّ للهِ‚ خُمُسَهُ } استفتاح كلام، كما يقول الرّجل لعبده: قد أعتقك الله و أعتقتُك، على جهة التّبرّك وتفخيم الأمر، و الدّنيا كلّها لله. و قسم الله و قسم الرّسول واحد، و كان الرّسول عليه الصّلاة و السّلام يَقسِم الخُمس على خمسة أقسام، كما تقدّم. و قال ابن عبّاس أيضًا فيما روى عنه الطّبَريّ: الخمس مقسوم على أربعة أقسام، و سهم الرّسول(صلی الله علیه و آله)، لقرابته، و ليس لله ولاللرّسول شيء.

وقالت فرقة: قسم الرّسول (صلی الله علیه و آله)، بعد موته مردود على أهل الخمس: القرابة وغيرها. وقالت فرقة: هو مردود على الجيش أصحاب الأربعة الأخماس. و قال عليّ بن أبي طالب: يلي الإمام منهم سهم الله ورسوله. و قالت فرقة: هو موقوف لشراء العدد و للكراء في سبيل الله. و قال إبراهيم النّخعيّ: و هو الّذي اختاره أبو بكر و عمر فيه.

و قال أصحاب الرّأي: الخُمس بعد النّبيّ (صلی الله علیه و آله)، مقسوم ثلاثة أقسام: قسم لليتامى، و قسم للمساكين، و قسم لابن السّبيل، ورسول الله(صلی الله علیه و آله) لم يُورّث، فسقط سهمه وسهم ذوي القربى، وحجّتهم فيه منع أبي بكر

و عمر وعثمان لذوي القربى.

و لم يثبت المنع، بل عورض بنو هاشم بأن قريشًا قربى. و قيل: لم يكن في مدّة أبي بكر مَغنَم. و قال الشّافعيّ: يُعطي أهل الخمس منه و لابدّ، و يُفضّل الإمام أهل الحاجة، و لكن لايحرم صنفًا منهم حرمانًا تامًّا. و قول مالك رحمه الله: إنّ للإمام أن يُعطي الأحوج و إن حرم الغير. و كان رسول الله (صلی الله علیه و آله) مخصوصًا من الغنيمة بثلاثة أشياء: كان له خمس الخمس، و كان له سهم في سائر الأربعة الأخماس، و كان له صفيّ يأخذه قبل القسمة: دابّة أو سيف، أو جارية، و لا صفيّ لأحد بعده بإجماع إلا ما قال أبو ثور: من أنّ الصّفيّ باقٍ للإمام، و هو قول معدود في شواذّ الأقوال.

و ذوو القربى: قرابة رسول الله (صلی الله علیه و آله)، فقال عليّ بن الحسين وعبد الله بن الحسن و عبد الله بن عبّاس: هم بنو هاشم فقط، فقال مُجاهِد: كان آل محمّد (صلی الله علیه و آله) لاتحلّ لهم الصّدقة، فجُعل لهم خمس الخمس. قال ابن عبّاس: و لكن أبى ذلك علينا قومنا، و قالوا: قريش كلّها قربى. و قال الشّافعيّ: هم بنو هاشم و بنو المطّلب فقط. و قال رسول الله (صلی الله علیه و آله) لعثمان بن عفّان و جُبَيْر بن مطعم في وقت قسمة سهم ذوي القربى من خيبر على بني هاشم و بني المطّلب: < إنّما بنو هاشم و بنو المطّلب شيء واحد ما فارقونا في جاهليّة و لا في الإسلام> كانوا مع بني هاشم في الشِّعب، و قالت فرقة: قريش كلّها قربى. وروي عن عليّ بن الحسين وعبد الله بن محمّد بن عليّ أنّهما قالا: الآية كلّها في قريش، و المراد يتامى قريش و مساكينها. و قالت فرقة: سهم القرابة بعد النّبيّ (صلی الله علیه و آله) موقوف على قرابته، و قد بعثه إليهم عمر ابن عبدالعزيز إلى بني هاشم و بني المطّلب فقط.

ص: 34

و قالت فرقة: هو لقرابة الإمام القائم بالأمر. و قال قَتادَة: كان سهم ذوي القربى طعمة لرسول الله (صلی الله علیه و آله) ما كان حيًّا، فلمّا تُوفّي جُعل لوليّ الأمر بعده، و قاله الحسن بن أبي الحسن البصريّ. و حكى الطّبرَيّ أيضًا عن الحسن أنّه قال: اختلف النّاس في هذين السّهمين بعد و فاة النّبيّ (صلی الله علیه و آله)، فقال قوم: سهم النّبيّ (صلی الله علیه و آله) للخليفة، و قال قوم: سهم النّبيّ (صلی الله علیه و آله) لقرابة النّبيّ (صلی الله علیه و آله)، و قال قوم : سهم القرابة لقرابة الخليفة، فاجتمع رأيهم أن يجعلوا هذين السّهمين في الخيل و العُدّة، فكان على ذلك مدّة أبي بكر. (2: 528)

نحوه أبوالسُّعود(3: 98 )،و البُرُوسَويّ (3: 348).

ابن العَرَبيّ : فيها ثلاث عشرة مسألة.

المسألة الأُولى: [في معنى الفيء والغنيمة فلاحظ: ف يء: و غ ن م]

المسألةالثّانية: إذا عرفتم أنّ الغنيمة هي ما أُخذ من أموال الكفّار؛ فإنّ الله قد حكم فيها بحكمه، و أنفذ فيها سابق علمه، فجعل خُمسها للخمسة الأسماء، و أبقى سائرها لمن غنمها، و نحن نسمّيها، ثمّ نعطف على الواجب فيها فنقول:

أمّا سهم الله ففيه قولان:

أحدهما: أنّه و سهم الرّسول واحد، و قوله: ( للهِ‚ ) استفتاح كلام، فللّه الدّنيا و الآخرة و الخلق أجمع.

الثّاني: [قول أبي العالية]

و أمّا سهم الرّسول فقيل: هو استفتاح كلام، مثل قوله:( للهِ‚ )، ليس لله منه شيء و لاللرّسول، و يُقسّم الخمس على أربعة أسهم: سهم لبني هاشم، و لبني المطّلب سهم((1)) و لليتامى سهم، و للمساكين سهم، و لابن السّبيل سهم، قاله ابن عبّاس.

و قيل: هو للرّسول، ففي كيفيّة كونه له أربعة أقوال: فقيل: لقرابته إرثًا، و قيل: للخليفة بعده، و قيل: هو يلحق بالأسهم الأربع، و قيل: هو مصروف في الكُراع و السِّلاح، و قيل: إنّه مصروف في مصالح المسلمين العامّة، قاله الشّافعيّ.

و أمّا سهم ذوي القربى فقيل: هم قريش، و قيل: بنو هاشم، و قيل بنو هاشم و بنو المطّلب؛ و هو قول الشّافعيّ.

و قيل: ذهب ذلك بموت النّبيّ (صلی الله علیه و آله)، و يكون لقرابة الإمام بعده. و قيل: هو للإمام يَضَعُه حيث يشاء.

و أمّا سهم اليتامى، فإنّ اليتيم من فيه ثلاثة أوصاف: موت الأب، و عدم البلوغ، و وجود الإسلام أصلا فيه أو تبعًا لأحد أبويه، و حاجته إلى الرِّفْد.و أمّا المسكين فهو المحتاج، و أمّا ابن السّبيل فهو الّذي يأخذه الطّريق محتاجًا، و إن كان غنيًّا في بلده.

المسألة الثّالثة: في التّنقيح، أمّا قول أبي العالية فليس من النّظر في المرتبة العالية، فإنّ الأرض كلّها لله ملكًا و خلقًا، و هي لعباده رزقًاوقسمًا

و أمّا الرّسول فهو ممّن أنعم عليه و ملّكه. و لكنّه ثبت في الصّحيح عنه (صلی الله علیه و آله) قال: « ما لي ممّا أفاء الله عليكم إلا الخُمس، و الخمسُ مردود فيكم » و هذا

ص: 35


1- (1) كذا و الظّاهر أ نّه زائد أو مكرّر، لأنّ لبني هاشم و لبني المطّلب سهمًا واحدًا.

يعضد قول من قال: إنّه يرجع في مصالح العامّة.

و أمّا قول من قال: إنّه يرجع لقرابته إرثًا، فإنّه باطل بإجماع من الصّحابة، فإنّ فاطمة رضي الله عنها أرسَلَتْ تطلب ميراثها من أبي بكر، فقال لها: سمعت رسول الله (صلی الله علیه و آله) يقول: « نحن لانوّرث، ماتركناه صدقة» و قد بيّنّا ذلك في مسائل الأُصول و سائر الأقوال دعاوي لابرهان عليها.

و أمّا سهم ذوي القربى فأصحّها أنّهم بنو هاشم، و بنو المطّلب، و سائر الأقسام صحيحة في الأقوال و التّوجيه.

و قد روي عن ابن القاسم، وأشهب، و عبدالملك، عن مالك أنّ الفيء و الخُمس يُجعلان في بيت المال، و يُعطي الإمام قرابة رسول الله (صلی الله علیه و آله) منهما.

وروى ابن القاسم، عن مالك: أنّ الفيء و الخمس واحد.

و روى داود بن سعيد عن مالك عن عمّه، عن عمر بن عبدالعزيز أنّ القرابة لا يُعطون منه إلا بالفقر.

و هي:المسألة الرّابعة قاله مالك وبه أقول. و قد قال أبو حنيفة: لايُعطى القرابة إلا أن يكونوا فقراء. فزاد الفقر على النّص، والزّيادة عنده على النّص نَسْخ، و لايجوز نسخ القرآن إلا بقرآن مثله أو بخبر متواتر.

فأمّا مالك فاحتجّ بأنّ ذلك جعل لهم عوضًا عن الصّدقة. و قد قال عمر بن عبدالعزيز قوله: { فَاَنَّ للهِ‚ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ }، يعني في سبيل الله. و هذا هو الصّحيح كلّه.

و الدّليل عليه ما رُوي في < الصّحيح (1)>

أنّ النّبيّ (صلی الله علیه و آله) بعث سَرِيّة قِبَل نَجْد، فأصابوا في سُهْمانهم اثني عشر بعيرًا، ونُفّلوا بعيرًابعيرًا. وثبت عنه (علیه السلام) أ نّه قال في أُسارى بَدْر: < لو كان المطعم بن عديّ حيًّا و كلّمني في هؤلاء الثّنيّ لتركتُهم له>.

و ثبت عنه(صلی الله علیه و آله) أنّه ردّ سَبْيَ هوازن و فيه الخمس.

و ثبت في < الصّحيح > عن عبدالله بن مَسعود قال: آثر النّبيّ (صلی الله علیه و آله) يوم حُنَين أُناسًا في الغنيمة، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، و أعطى عُيَيْنَة مائة من الإبل، و أعطى أُناسًا منأشراف العرب و آثرهم يومئذ في القسمة، فقال رجل: و الله إنّ هذه القسمة ما عُدِل فيها، أو ما أُريد بها وجه الله. فقلت: و الله لأخبرنّ النّبيّ(صلی الله علیه و آله) فأخبرته، فقال: « يرحم الله أخي موسى، لقد أُوذي بأكثر من هذا فصبر».

و في <الصّحيح> : « إنّما أنا قاسم، بُعثت أن أقسم بينكم فالله حاكم، و النّبيّ قاسم، و الحقّ للخلق».

و صحّ عن عليّ أنّه قال: « كان لي شارف من نصيبي يوم بَدْر، و أعطاني رسول الله شارفًا من الخُمس».

و روى مسلم و غيره، عن عبد المطّلب بن ربيعة، قال: اجتمع ربيعة بن الحارث، و العبّاس بن عبد المطّلب، فقالا: و الله لو بعثنا هذين، فقالا لي و للفضل ابن عبّاس: اذهبا إلى رسول الله فكلّماه يُؤمّنكما على هذه الصّدقة، فأدّيا ما يؤدّي النّاس، و أُصيبا ممّا

ص: 36


1- (1) صحيح مسلم : 1368.

يصيب النّاس. فبينما هما في ذلك إذ دخل عليّ بن أبي طالب، فوقف عليهما، فذكرا ذلك له، فقال عليّ(علیه السلام): لاتفعلا، فوالله ما هو بفاعل. فابتدأه ربيعة بن الحارث، فقال: و الله ما هذا إلا نفاسةً منك علينا، فوالله لقد نِلْتَ صِهْر رسول الله فما نَفِسْناه عليك. فقال عليّ: أنا أبو حسن القوم أرسلوهما، فانطلقا، و اضطجع عليّ، فلمّا صلّى رسول الله (صلی الله علیه و آله) الظّهر سبقناه إلى الحجرة، فقمنا عندها حتّى جاء، فأخذ بآذاننا، ثمّ قال: « أخرجا ما تُصَرِّران»؛ ثمّ دخل، ودخلنا عليه، و هو يومئذ عند زينب بنت جَحْش قال: فتزايلنا الكلام، ثمّ تكلّم أحدنا، فقال: يا رسول الله، أنت أبرّ النّاس، و أوصل النّاس، و قد بلغنا النّكاح، فجئناك لتؤمِّرنا على بعض هذه الصّدقات، فنؤدّي إليك ما يؤدِّي النّاس، و نصيب كما يصيبون.قال: فسكت طويلا حتّى أردنا أن نكلّمه. قال: و جعلت زينب تُلْمِع إلينا من وراء الحجاب ألا تكلّماه.

ثمّ قال: « إنّ الصّدقة لاتحلّ لآل محمّد؛ إنّما هي أوساخ النّاس، ادعوا لي مَحْمِيَّة » و كان على الخُمس و نوفل بن الحارث بن عبدالمطّلب. قال: فجاءاه، فقال: لمحميّة: « أنكح هذا الغلام ابنتك للفضل ابن عبّاس » يعني لي، فأنكحه.

و قال لنوفل بن الحارث: أنكح هذا الغلام بنتك يعني لي، فأنكحني. و قال لمحميّة، أصدق عنهما من مال الخُمس كذا و كذا. و في رواية أنّه قال لهما: « إنّ الصّدقة أوساخ النّاس، و لكن انظروا إذا أخذت بحلقة الجنّة، هل أُوثر عليكم أحدًا؟ » وقد قال أصحاب الشّافعيّ: خُمْس الخمس للرّسول، و الأربعة أخماس من الخمس للأربعة أصناف المسمّين معه، و له سهم كسائر سهام الغانمين إذا حضر الغنيمة، و له سهم الصّفيّ يصطفي سيفًا أو خادمًا أو دابّة.

فأمّا سهم القتال فبكونه أشرف المقاتلين، و أمّا سهم الصّفيّ فمنصوص له في السِّيَر، منه ذوالفقار، و صفيّة، و غير ذلك. و أمّا خُمْس الخمس فبحقّ التقسيم في الآية.

قد بيّنّا الرّدّ عليه، و أوضحنا أنّ الله إنّما ذكر نفسه تشريفًا لهذا المكتسب، و أمّا رسوله فقد قال: « إنّما أنا قاسم، و الله المعْطي ». و قال: « ما لي ممّا أفاء الله عليكم إلا الخمس، و الخمس مُردود فيكم »، و قد أعطى جميعه و بعضه، و أعطى منه للمؤلّفة قلوبهم، و ليسوا ممّن ذكر الله في التّقسيم، و ردّه على المجاهدين بأعيانهم تارة أُخرى؛ فدلّ على أنّ ذكر هذه الأقسام بيان مَصْرف و محلّ، لابيان استحقاق و ملك؛ و هذا ما لاجواب عنه لمُنصف.

و أمّا الصّفيّ فحقّ في حياته، و قد انقطع بعد موته إلا عند أبي ثور؛ فإنّه رآه باقيًا للإمام، فجعله مَجْعل سهم النّبيّ. و هذا ضعيف، و الحكمة فيه أنّ الجاهليّة كانوا يرون للرّ ئيس في الغنيمة ما قال الشّاعر:

لكَ المِرْباع منهاو الصّفايا

وحُكمُك و النّشيطة و الفضول

فكان يأخذ بغير شرع و لادين الرّبع من الغنيمة؛ و يصطفي منها، ثمّ يتحكّم بعد الصّفيّ في أيّ شيء أراد، و كان ما شذّ منها له و ما فضل من خُرثِيّ ومتاع،

ص: 37

فأحكم الله الدّين بقوله: { وَاعْلَمُوا اَنَّمَاغَنِمْتُمْ مِنْ شَىْء فَاَنََّ للهِ‚ خُمُسَهُ } و أبقى سهم الصّفيّ لرسوله، وأسقط حكم الجاهليّة، ومن أحسَن من الله حُكمًا أو أوسع منه علمًا؟!

المسألةالخامسة: ادّعى المقصّرون من أصحاب الشّافعيّ أنّ خُمس الخُمس كان لرسول الله(صلی الله علیه و آله) يَصْرفه في كفاية أولاده و نسائه، و يدّخر من ذلك قوتَ سنَته، و يصرف الباقي إلى الكُراع و السّلاح. و هذا فاسد من وجهين:

أحدهما: أنّ الدّليل قد تقدّم على أنّ الخمس كلّه لرسوله، بقوله:(صلی الله علیه و آله): « ما لي ممّا أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود فيكم ».

الثّاني: ما ثبت في < الصّحيح > عن مالك بن أوس ابن الحدثان، قال: بينا أنا جالس عند عمر أتاه حاجبه بَرْفَأ، فقال: هل لك في عثمان، و عبدالرّحمان بن عوف، و الزّبير، و سعد بن أبي وقّاص يستأذنون؟ قال: نعم، فأذن لهم، فدخلوا فسلّموا و جلسوا، ثمّ جلس بَرْفَأ يسيرًا، ثمّ قال: هل لكَ في عليّ و عبّاس؟ قال: نعم، فأذن لهما فدخلا فسلّما وجلسا. فقال العبّاس: يا أمير المؤمنين، اقض بيني و بين هذا، و هما يختصمان فيما أفاء الله على رسوله من بني النّضير. فقال الرّهط عثمان و أصحابه: يا أمير المؤمنين، اقض بينهما، وأرِحْ أحدهما من الآخر.

فقال عمر: يا تَيْد((1))

كم أُنشدكم بالله الّذي بإذنه تقوم السّماء و الأرض، هل تعلمون أنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله) قال: « لانُورَث، ما تَرَكْنا صدقة » يريد رسول الله نفسه.قال الرّهط: قد قال ذلك. فأقبل عمر على عليّ و عبّاس فقال: أُنشدكما بالله تعلمان أنّ رسول الله(صلی الله علیه و آله) قد قال ذلك؟ قالا: نعم. قال عمر: فإنّي أُحدّ ثكم عن هذا الأمر: إنّ الله قد خصّ رسوله في هذا الفيء بشيء لم يُعْطِه غيره، قال: {وَ مَا اَفَاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا اَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْل وَ لارِكَاب وَ لكِنَّ’ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشَاءُ...} الحشر: 6.

فكانت هذه خالصة لرسول الله (صلی الله علیه و آله)، و الله ما أختارها دونكم و لا أستأثر بها عليكم، قد أعطاكموها، و بثّها فيكم حتّى بقي منها هذا المال، فكان رسول الله (صلی الله علیه و آله) يُنفِق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال، ثمّ يأخذ ما بقي، فيجعله مَجْعَل مال الله.

فهذا حديث مالك بن أوس قال فيه: إنّ بني النّضير كانت لرسول الله ينفق منها على أهله نفقة سنتهم.

و في حديث عائشة في < الصّحيح >: ترك رسول الله (صلی الله علیه و آله) خَيْبَر و فَدَك و صدقته بالمدينة، فأمّا صدقتُه بالمدينة فدفعها عمر إلى عليّ و عبّاس، و أمّا خَيْبَر و فَدَك فأمسكهما عمر، و قال: هما صدقة رسول الله (صلی الله علیه و آله)، كانت لحقوقه الّتي تَعرُوه و نوائبه(صلی الله علیه و آله)، و أمرها إلى من و لي الأمر بعده.

فقد ثبت أنّ خَيبَرو فَدَك و بني النّضير كانت لقوت رسول الله(صلی الله علیه و آله) لنفسه و عياله سَنَة، و لحقوقه و نوائبه

ص: 38


1- (1)جاء في الهامش: التّيد: الرّفق.

الّتي تَعْرُوه، لاخمس الخمس الّذي ادّعاه أصحاب الشّافعيّ. و هذا نص لاغبار عليه و لا كلام لأحد فيه.

المسألة السّادسة : [ في بيان المقصودبذوي القربى ]

المسألة السّابعة : [ في بيان سهم الغانمين، فلاحظ]

(2: 854 862)

نحوه القُرطُبيّ (8: 5)، و الصّابونيّ (1: 604).

الطَّبْرِسيّ: اختلف العلماء في كيفيّة قسمة الخمس، و من يستحقّه على أقوال: أحدها: ما ذهب إليه أصحابنا، و هو أنّ الخمس يُقسّم على ستّة أسهم: فسهم لله، و سهم للرّسول، و هذان السّهمان مع سهم ذي القربى للإمام القائم مقام الرّسول(صلی الله علیه و آله)، و سهم ليتامى آل محمّد، و سهم لمساكينهم، و سهم لأبناء سبيلهم، لايشركهم في ذلك غيرهم ، لأنّ الله سبحانه حرّم عليهم الصّدقات، لكونها أوساخ النّاس، و عوّضهم من ذلك الخمس. و روى ذلك الطّبَريّ عن عليّ بن الحسين زين العابدين (علیه السلام)، و محمّد بن عليّ الباقر 8. و روي أيضًا عن أبي العالية، و الرّبيع: أنّه يُقسّم على ستّة أسهم، إلا أنّهما قالا: سهم الله للكعبة، و الباقي لمن ذكره الله. و هذا القسم ممّا يقتضيه ظاهر الكتاب، و يقوّيه.

و الثاّني: [قول ابن عبّاس و قَتادَة و عطاء المتقدّم]و الثّالث :[قول الشّافعيّ المتقدّم]

و الرّابع:[قول أبي حنيفة المتقدّم]

و قال أصحابنا: إنّ الخمس واجب في كلّ فائدة تحصل للإنسان من المكاسب، و أرباح التّجارات، و في الكنوز، و المعادن، و الغوص، و غير ذلك ممّا هو مذكور في الكتب، و يمكن أن يُستدلّ على ذلك بهذه الآية، فإنّ في عرف اللّغة يُطلق على جميع ذلك اسم الغُنْم والغنيمة.

و نعود إلى تأويل الآية قوله: { فَاَنَّ للهِ‚ خُمُسَهُ } قالوا: افتتح الكلام ب ( الله ) على جهة التّيمّن و التّبرّك، لأنّ الأشياء كلّها له، عزّ و جلّ، و المراد به مصروف إلى الجهات المقرّبة إلى الله تعالى. { وَ لِلرَّسُولِ } قالوا: كان للنّبيّ(صلی الله علیه و آله)سهم من خمسة أسهم، يصرفه في مؤنته، و ما فضل من ذلك يصرفه إلى الكُراع، و السّلاح، و المصالح، و لذي القربى.

قال بعضهم: سقط هذان السّهمان بموت الرّسول(صلی الله علیه و آله)على ما ذكرناه.

قال الشّافعيّ: يُصرف سهم الرّسول إلى الخيل و الكُراع في سبيل الله، و سهم ذي القربى لبني هاشم، و بني المطّلب، يستحقّونه بالاسم و النّسب ، فيشترك فيه الغنيّ و الفقير.

و روي عن الحسَن، وقَتادَة: أنّ سهم الله و سهم الرّسول وسهم ذي القربي للإمام القائم من بعده، ينفقه على نفسه، و عياله، و مصالح المسلمين، و هو مثل مذهبنا. { وَ الْيَتَامى وَ الْمَسَاكينِ‘ وَ ابْنِ السَّبيلِ‘ } قالوا:إنّ هذه الأسهم الثّلاثة لجميع النّاس، و أنّه يُقسَم على كلّ فريق منهم بقدر حاجتهم. و قد بيّنّا أنّ عندنا يختص باليتامى من بني هاشم و مساكينهم و أبناء سبيلهم. (2: 543)

ابن الجَوْزيّ: في المراد بالكلام قولان:

أحدهما: أنّ نصيب الله مستحقّ يصرف إلى بيته.

ص: 39

[و هوقول أبي العالية]

و الثّاني: أنّ ذكرالله هاهنا لأحد وجهين:

أحدهما: لأ نّه المتحكّم فيه و المالك له، و المعنى فأنّ للرّسول خمسه و لذي القربى، كقوله: { يَسَْلُو=نَكَ عَنِ الاَ نْفَالِ قُلِ الاَنْفَالُ للهِ‚ وَ الرَّسُولِ } الأنفال: 1.

و الثّاني: أن يكون المعنى: أنّ الخمس مصروف في وجوه القرب إلى الله تعالى، وهذا قول الجمهور. فعلى هذا تكون الواو زائدة، كقوله : { فَلَمَّا اَسْلَمَا وَ تَلَّهُ لِلْجَبينَ‘ *وَنَادَيْنَاهُ } الصّافّات: 103و 104، أي المعنى ناديناه و مثله كثير.[ثمّ لخّص أقوال المتقدّمين]

(3: 358)

الفَخْرالرّازيّ: اعلم أنّ هذه الآية تقتضي أن يؤخذ خُمسها، و في كيفيّة قسمة ذلك الخمس قولان:

القول الأوّل، و هو المشهور: أنّ ذلك الخمس يُخمّس، فسهم لرسول الله، و سهم لذوي قرباه منبني هاشم و بني المطّلب، دون بني عبد شمس و بني نوفل. [إلى أن قال:]

و ثلاثة أسهم لليتامى و المساكين و ابن السّبيل. [ثمّ نقل قول الشّافعيّ و أبي حنيفة و مالك و أضاف:]

و اعلم أنّ ظاهر الآية مطابق لقول الشّافعيّ رحمه الله وصريح فيه، فلايجوزالعدول عنه إلا لدليل منفصل أقوى منها، و كيف و قد قال في آخر الآية: { اِنْ كُنْتُمْ امَنْتُمْ بِاللهِ } يعني إن كنتم آمنتم بالله فاحكموا بهذه القسمة، و هو يدلّ على أنّه متى لم يحصل الحكم بهذه القسمة، لم يحصل الإيمان بالله.

و القول الثّاني، و هو قول أبي العالية: إنّ خمس الغنيمة يقسّم على ستّة أقسام: فواحد منها لله، و واحد لرسول الله، و الثّالث لذوي القربى، و الثّلاثة الباقية لليتامى و المساكين و ابن السّبيل. قالوا: و الدّليل عليه أنّه تعالى جعل خمس الغنيمة لله، ثمّ للطّوائف الخمسة. ثمّ القائلون بهذا القول منهم من قال: يُصرف سهم الله إلى الرّسول، و منهم من قال: يُصرف إلى عمارة الكعبة. و قال بعضهم: إنّه (علیه السلام)كان يضرب يده في هذا الخمس، فما قبض عليه من شيء جعله للكعبة، و هو الّذي سمّي لله تعالى.

و القائلون بالقول الأوّل أجابوا عنه: بأنّ قوله: ( للهِ‚ ) ليس المقصود منه إثبات نصيب لله، فإنّ الأشياء كلّها مُلك لله، و ملكه، و إنّما المقصود منه افتتاح الكلام بذكر الله على سبيل التّعظيم، كما في قوله: { قُلِ الاَنْفَالُ للهِ‚ وَ الرَّسُولِ }.

و احتجّ القفّال على صحّة هذا القول بما روي عن رسول الله (صلی الله علیه و آله)، أ نّه قال لهم في غنائم خيبر: « مالي ممّا أفاء الله عليكم إلا الخمس و الخمس مردود فيكم » فقوله: < مالي إلا الخمس > يدلّ على أنّ سهم الله و سهم الرّسول واحد، و على الإضمام سهمه السّدس لا الخمس. و إن قلنا: إنّ السّهمين يكونان للرّسول. صار سهمه أزيد من الخمس، و كلا القولين ينافي ظاهر قوله:« مالي إلا الخمس> هذا هو الكلام في قسمة خمس الغنيمة.

و أمّا الباقي و هو أربعة أخماس الغنيمة فهي للغانمين. لأ نّهم الّذين حازوه و اكتسبوه كما يُكتَسب الكلأ بالاحتشاش، و الطّير بالاصطياد. و الفقهاء

ص: 40

استنبطوا من هذه الآية مسائل كثيرة مذكورة في كتب الفقه. (15: 165)

ابن عَرَبي: { فَاَنَّ للهِ‚ خُمُسَهُ } و هو شهادة أن لا إله إلا الله و أنّ محمّدًا رسول الله، باعتبار التّوحيد الجمعيّ، و لرسول القلب { وَ لِذِى الْقُرْبى } الّذي هوالسّرّ، و يتامى العاقلة النّظريّة و العمليّة، و القوّة الكفريّة، و مساكين القوى النّفسانيّة { وَابْنِ السَّبيلِ‘} الّذي هوالنّفس السّالكة الدّاخلة في الغُربة الجائبة منازل السّلوك، النّابية عن مقرّها الأصليّ باعتبار التّوحيد التّفصيليّ في العالم النّبويّ. و الأخماس الأربعةالباقية تقسم على الجوارح، و الأركان، و القوى الطّبيعيّة.{ اِنْ كُنْتُمْ امَنْتُمْ } الإيمان الحقيقيّ بالله جميعًا. (1: 477)

النَّيسابوريّ: و اعلم أنّ الآ ية تقتضي أخذ الخمس من الغنائم، و اختلفوا في كيفيّة قسمة ذلك الخمس على أقوال: أشهرها أنّ ذلك الخمس يُخمّس حتّى يكون مجموع الغنيمة مقسومًا بخمسة و عشرين قسمًا: عشرون للغانمين بالاتّفاق، لأ نّهم كسبوها كالاحتطاب و الاصطياد.

و أمّا الخمسة الباقية: فواحد منها كان لرسول الله، و يُصرف الآن إلى ما كان يصرفه إليه من مصالح المسلمين: كسدّ الثّغور، و عمارة الحصون، و القناطر، و المساجد، و أرزاق القضاة و الأئمّة، الأهمّ فالأهمّ. و واحد لذوي القربى، يعني أقارب رسول الله من أولاد هاشم و المطّلب ابني عبد مناف دون عبد شمس و نوفل، و هما ابنا عبد مناف أيضًا.[ إلى أن قال:]

وثلاثة أخماس الخمس الباقية لليتامى و المساكين و ابن السّبيل.[ثمّ نقل الأقوال المتقدّمة] (10: 5)

أبوحَيّان: قال الواقديّ: كان الخُمس في غزوة بني قينقاع بعد بدر بشهر و ثلاثة أيّام للنّصف من شوّال، على رأس عشرين شهرًا من الهجرة. و مناسبة هذه الآية لما قبلها أنّه لمّا أمر تعالى بقتال الكفّار حتّى لاتكون فتنة، اقتضى ذلك و قائع و حُروبًا، فذكر بعض أحكام الغنائم، و كان في ذلك تبشير للمؤمنين بغلبتهم للكفّار، و قسّم ما تحصّل منهم من الغنائم، و الخطاب في { وَ اعْلَمُوا } للمؤمنين...

و الظّاهر أنّ ما غنم يُخمّس كائنًا ما كان، فيكون خُمسه لمن ذكر الله. فأمّا قوله: { فَاَنَّ للهِ‚ خُمُسَهُ } فالظّاهر أنّ ما نُسب إلى الله يُصرف في الطّاعات، كالصّدقة على فقراء المسلمين و عمارة الكعبة و نحوهما و قال بذلك فرقة و أ نّه كان الخُمس يُقسّم على ستّة، فما نُسب إلى الله قُسّم على من ذكرنا. و قال أبو العالية: سهم الله يُصرف إلى رتاج الكعبة، و عنه كان رسول الله (صلی الله علیه و آله) يأخذ الخمس، فيضرب بيده فيه، فيأخذ بيده قبضة فيجعلها للكعبة، و هو سهم الله تعالى، ثمّ يُقسّم ما بقي على خمسة.

و قيل: سهم الله لبيت المال، و قال ابن عبّاس و الحسَن و النّخعيّ و قَتادَة و الشّافعيّ قوله: { فَاَنَّ للهِ† خُمُسَهُ } استفتاح كلام، كما يقول الرّجل لعبده: أعتقك الله و أعتقتك على جهة التّبرّك، و تفخيم الأمر، و الدّنيا كلّها لله، و قَسْم الله و قَسْم الرّسول واحد، و كان الرّسول (صلی الله علیه و آله) يُقسّم الخمس على خمسة أقسام،

ص: 41

و هذا القول هو الّذي أورده الزّمَخْشَريّ احتمالا ، فقال: يحتمل أن يكون معنى { للهِ‚ وَ لِلرَّسُولِ } كقوله تعالى:{ وَ اللهُ وَرَسُولُهُ اَحَقُّ اَنْ يُرْضُوهُ } التّوبة: 62، و أن يراد بقوله: { فَاَنَّ للهِ‚ خُمُسَهُ } أي من حقّ الخمس أن يكون متقرّبًا به إليه لاغير. ثمّ خص من وجوه القرب هذه الخمسة تفضيلا لها على غيرها، كقوله تعالى:{ وَ جِبْريلَ‘ وَ ميكَا‘لَ } البقرة: 98، و الظّاهر أنّ للرّسول عليه الصّلاة و السّلام سهمًا من الخمس.

و قال ابن عبّاس فيما روى الطّبرَيّ: ليس لله و لاللرّسول شيء، و سهمه لقرابته، يُقسّم الخُمس على أربعة أقسام. و قالت فرقة: هو مردود على الأربعة الأخماس. و قال عليّ: يلي الإمام سهم الله و رسوله. و الظّاهر أنّه ليس له (علیه السلام) غير سهم واحد من الغنيمة....

و قالت فرقة: لم يورّث الرّسول (صلی الله علیه و آله) فسقط سهمه. و قيل: سهمه موقوف على قرابته، و قد بعثه إليهم عمر ابن عبد العزيز. و قالت فرقة: هو لقرابة القائم بالأمر بعده. و قال الحسَن و قَتادَة: كان للرّسول (صلی الله علیه و آله) في حياته، فلمّا تُوفّي جُعل لوليّ الأمر من بعده انتهى.[إلى أن قال:]

و الظّاهر بقاء هذا السّهم لذوي القربى، و أ نّه لغنيّهم و فقيرهم. و قال ابن عبّاس: كان على ستّة: لله و للرّسول سهمان، و سهم لأقاربه حتّى قُبض، فأجرى أبو بكر الخمس على ثلاثة، و لذلك((1)

)روي عن عمر و من بعده من الخلفاء، و روي أنّ أبا بكر منع بني هاشم الخمس، و قال: إنّما لكم أن يُعطى فقيركم و يزوَّج أيّمكم و يُخدَم من لاخادم له منكم. و إنّما الغنيّ منكم فهو بمنزلة ابن السّبيل الغنيّ، لايُعطى من الصّدقة شيئًا، و لايتيم موسر.

و عن زَيْد بن عليّ: ليس لنا أن نبني منه قصورًا، و لا أن نركب منه البراذين. و قال قوم: سهم ذوي القربى لقرابة الخليفة.و الظّاهرأنّ اليتامى و المساكين و ابن السّبيل عامّ في يتامى المسلمين و مساكينهم و ابن السّبيل منهم. و قيل: الخمس كلّه للقرابة، و قيل لعليّ: إنّ الله تعالى قال: { وَ الْيَتَامى وَ الْمَسَاكينِ‘ } فقال: أيتامنا و مساكيننا.

و روي عن عليّ بن الحسين و عبد الله بن محمّد بن عليّ أنهما قالا: الآية كلّها في قريش و مساكينها. و ظاهر العطف يقتضي التّشريك فلايُحرَم أحد، قاله الشّافعيّ، قال: و للإمام أن يُفضّل أهل الحاجة لكن لايُحرِم صنفًا منهم. و قال مالك: للإمام أن يُعطي الأحوج و يحرم غيره من الأصناف. و لم تتعرّض الآية لمن يصرف أربعة الأخماس.

و الظّاهر أنّه لايُقسّم لمن لم يغنم، فلو لحق مدد للغانمين قبل حوز الغنيمة لدار الإسلام، فعند أبي حنيفة هم شركاؤهم فيها. و قال مالك و الثّوريّ و الأوزاعيّ و اللّيث و الشّافعيّ: لايشاركونهم. و الظّاهر أنّ من غنم شيئًا خمّس ما غنم إذا كان وحده و لم يأذن الإمام، و به قال الثّوريّ و الشّافعيّ. و قال أصحاب أبي حنيفة: هو له خاصّة و لايُخمّس. و عن

ص: 42


1- (1) كذا، و الظّاهر: و كذلك.

بعضهم فيه تفصيل. و قالالأوزاعيّ: إن شاء الإمام عاقبه وحرمه وإن شاء خمّس و الباقي له...

و قال الزّمَخْشَريّ: { فَاَنَّ للهِ ‚} مبتدأ، خبره محذوف، تقديره: حقّ أو فواجب أنّ لله خمسه، انتهى، و هذا التّقدير الثّاني الّذي هو < أو فواجب أنّ لله خمسه> تكون (أنّ) و معمولاها في موضع مبتدإ، خبره محذوف، و هو قوله: فواجب. و أجاز الفَرّاء أن تكون < ما > شرطيّة منصوبة ب { غَنِمْتُمْ } و اسم ( اَنّ) ضمير الشّأن محذوف تقديره: أنّه. و حذف هذا الضّمير مع (اَنَّ) المشدّدة مخصوص عند سيبَوَيه بالشّعر.

و روى الجعفيّ عن هارون عن أبي عمرو (فَاِنَّ للهِ‚) بكسر الهمزة، و حكاها ابن عَطيّة عن الجعفيّ عن أبي بكر عن عاصم، و يقوّي هذه القراءة قراءة النّخعيّ (فَلِلّهِ خُمُسَه). و قرأ الحسَن و عبد الوارث عن أبي عمرو: (خُمْسَهُ) بسكون الميم، و قرأ النّخعيّ: (خِمْسَه) بكسر الخاء على الإتباع يعني إتباع حركة الخاء لحركة ما قبلها، كقراءة من قرأ: (وَ السَّمَاءِ ذَاتِ الحِبُك) الذّاريات: 7، بكسر الحاء اتباعًا لحركة التّاء، و لم يعتدّ بالسّاكن، لأ نّه ساكن غيرحصين. و انظر إلى حُسن هذا التّركيب كيف أفرد كينونة الخمس لله، و فصل بين اسمه تعالى و بين المعاطيف، بقوله: { خُمُسَهُ } ليظهر استبداده تعالى بكينونة الخمس له، ثمّ أشرك المعاطيف معه على سبيل التّبعية له، و لم يأت التّركيب: فأنّ لله و للرّسول و لذى القُربى و اليتامى و المساكين و ابن السّبيل خمسه، و جواب الشّرط محذوف، أي إِن كنتم آمنتم بالله فاعلموا أنّ الخمس من الغنيمة يجب التّقرّب به، و لايراد مجرّد العلم، بل العلم و العمل بمقتضاه، ولذلك قدّره بعضهم:إن كنتم آمنتم بالله فاقبلوا ما أُمرتم به في الغنائم. و أبعد من ذهب إلى أنّ الشّرط متعلّق معناه بقوله:{ نِعْمَ الْمَوْ لى وَ نِعْمَ النَّصير‘ُ } الأنفال: 40، و التّقدير فاعلموا أنّ الله مولاكم.

(4: 496)

السّمين: [نقل قراءة ( فَاِنَّ للهِ‚ ) بكسرالهمزة و قال:]

و خرّجها أبو البقاء على أنّها و ما في حيّزها في محل رفع خبرًا ل ( اَنَّ) الأُوّل.[ ثمّ نقل قول الحسَن و عبد الوارث و قد سبق عن أبي حَيّان، و فيه لأ نّه حاجز غير حصين ثم ّقال:]

ليت شعري و كيف يقرأُ الجعفيّ و الحالة هذه؟ فإنّه إن قرأ كذلك مع ضمّ الميم، فيكون في غاية الثّقل لخروجه مِن كسر إلى ضمّ، و إن قرأ بسكونها و هو الظّاهر فإنّه نقلها قراءةً عن أبي عمرو أو عن عاصم، و لكن الّذي قرأ (ذَاتِ الحِْبُك) يُبقي ضمّة الباء فيؤدّي إلى < فِعُل > بكسر الفاء و ضمّ العين، و هو بناء مرفوض. و إنّما قلت: إنّه يقرأ كذلك، لأ نّه لو قرأ بكسر التّاء لما احتاجوا إلى تأويل قراءته على الإتباع، لأنّ في (الْحُبُك) لغتين: ضمّ الحاء و الباء أو كسرهما،حتّى زعم بعضهم أنّ قراءة الخروج من كسر إلى ضمّ من الدّاخل. (3: 420)

ابن كثير: قوله تعالى: { وَ اعْلَمُوا اَ نَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَىْء فَاَنَّ للهِ‚ خُمُسَهُ } توكيد لتخميس كلّ قليل و كثير، حتّى الخيط و المخيط، قال الله تعالى: { وَ مَنْ

ص: 43

يَغْلُلْ يَاْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيمَةِ ثُمَّ تُوَ فّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَ هُمْ لايُظْلَمُونَ } آل عمران: 161، و قوله : { فَاَنَّ للهِ‚ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ } اختلف المفسّرون هاهنا، فقال بعضهم: لله نصيب من الخمس يُجعل في الكعبة. [ثم ّنقل قول أبي العالية المتقدّم]

و قال آخرون: ذكر الله هاهنا استفتاح كلام للتّبرّ ك، و سهم لرسوله(علیه السلام). [ثمّ نقل القول الأوّل لابن عبّاس المتقدّم]

و هكذا قال إبراهيم النّخعيّ و الحسن بن محمّد بن الحنفيّة و الحسَن البصريّ و الشّعبيّ و عطاء بن أبي رباح و عبد الله بن بريدة و قَتادَة و مغيرة و غير واحد: إنّ سهم الله و رسوله واحد. [و أيّده بروايات ثم ّقال:]

فهذه أحاديث جيّدة تدلّ على تقرير هذا وثبوته، ولهذا جعل ذلك كثيرون من الخصائص له صلوات الله وسلامه عليه.

و قال آخرون: إنّ الخمس يتصرّف فيه الإمام بالمصلحة للمسلمين، كما يتصرّف في مال الفيء. و قال شيخنا الإمام العلامة ابن تيميّة رحمه الله: و هذا قول مالك وأكثر السّلف، و هو أصحّ الأقوال.

فإذا ثبت هذا و عُلم فقد اختلف أيضًا في الّذي كان يناله (علیه السلام) من الخمس ماذا يصنع به مَن بعده، فقال قائلون: يكون لمن يلي الامر من بعده، روي هذا عن أبي بكرو عليّ و قَتادَة و جماعة. و جاء فيه حديث مرفوع.

و قال آخرون: يصرف في مصالح المسلمين، و قال آخرون: بل هو مردود على بقيّة الأصناف: ذوي القربى و اليتامى و المساكين و ابن السّبيل، اختاره ابن جرير.

و قال آخرون: بل سهم النّبيّ(صلی الله علیه و آله) و سهم ذوي القربى مردودان على اليتامى و المساكين و ابن السّبيل. قال ابن جرير: و ذلك قول جماعة من أهل العراق. وقيل: إنّ الخمس جميعه لذوي القربى، كما رواه ابن جرير حدّثنا الحارث حدّثنا عبد العزيز حدّثنا عبد الغفّار حدّثنا المنهال بن عمرو، سألت عبد الله بن محمّد بن عليّ، و عليّ بن الحسين عن الخمس، فقالا: هو لنا. فقلت لعليّ: فإنّ الله يقول: {وَ الْيَتَامى وَ الْمَسَاكينِ ‘وَ ابْنِ السَّبيلِ‘ } فقالا يتامانا و مساكيننا...

ثمّ اختلف النّاس في هذين السّهمين بعد وفاة رسول الله (صلی الله علیه و آله)، فقال قائلون: سهم النّبيّ (صلی الله علیه و آله) تسليمًا للخليفة من بعده.

و قال آخرون: لقرابة النّبيّ (صلی الله علیه و آله).و قال آخرون: سهم القرابة لقرابة الخليفة، و اجتمع رأيهم أن يجعلوا هذين السّهمين في الخيل و العُدّة في سبيل الله، فكانا على ذلك في خلافة أبي بكر و عمر رضي الله عنهما. قال الأعمش عن إبراهيم كان أبوبكروعمر يجعلان سهم النّبيّ(صلی الله علیه و آله)في الكراع و السّلاح فقلت لإبراهيم: ما كان عليّ فيه ؟ قال: كان أشدّهم فيه.وهذا قول طائفة كثيرة من العلماء رحمهم الله.

و أمّا سهم ذوي القربى، فإنّه يُصرف إلى بني هاشم وبني المطّلب، لأنّ بني المطّلب و ازَرُوا بني هاشم في الجاهليّة و في أوّل الإسلام، و دخلوا معهم في الشّعب غضبًا لرسول الله (صلی الله علیه و آله) و حماية له: مسلمهم طاعةً لله

ص: 44

و لرسوله، و كافرهم حميّةً للعشيرة و أنفةً، و طاعةً لأبي طالب عمّ رسول الله (صلی الله علیه و آله) .و أمّا بنو عبد شمس و بنو نوفل و إن كانوا بني عمّهم، فلم يوافقوهم على ذلك بل حاربوهم و نابَذُوهم، و مالَؤُوا بطون قريش على حرب الرّسول، و لهذا كان ذمّ أبي طالب لهم في قصيدته اللاميّة أشدّ من غيرهم لشدّة قربهم، و لهذا يقول في أثناء قصيدته:

جزى الله عنّا عبد شمس و نوفل

عقوبة شرّعاجل غيرآجل

و هذا قول جمهور العلماء أ نّهم بنو هاشم و بنو المطّلب .[ثمّ نقل كلام الطّبَريّ فلاحظ] (3: 320)

الفاضل المقداد: و اعلم أنّ البحث في هذه الآية على أقسام ثلاثة:

القسم الأوّل: الغنيمة في الأصل هي الفائدة المكتسبة و النّفل. و اصطلح جماعة على أنّ ما أُخذ من الكفّار إن كان من غير قتال فهو فيء، و إن كان مع القتال فهو غنيمة، و هو مذهب أصحابنا و الشّافعيّ، و هو مرويّ عن الباقر والصّادق 8. و قيل: إنّهما بمعنى واحد.

ثمّ إنّ عند أصحابنا أنّ الفيء للإمام خاصّة و الغنيمة يخرج منها الخمس كما يجيء، و الباقي بعد المُؤَن للمقاتلين و من حضر، و سيأتي بيانه. أمّا في باب الخمس فعمّم أصحابنا موضوعها بأنّه جميع ما يُستفاد من أرباح التّجارات و الزّراعات والصّناعات زائدًا عن مُؤنة السّنة، والكنوز، و المعادن و، الغَوْص، و الحلال المختلط بالحرام، و لايتميّز المالك و لاقدر الحرام، وأرض الذّمّي الّذي اشتراه من مسلم، وما يُغنَم من دار الحرب، كما تقدّم.

و عند الفقهاء: أنّ الغنيمة هنا هي ما أُخذ من دار الحرب لاغير، دون الأشياء المذكورة. نعم أوجب الشّافعيّ في معدن الذّهب و الفضّة الخمس دون باقي المعادن. و قال أبو حنيفة: يجب في المنطبع خاصّة. فقد ظهر لك أنّ أصحابنا عمّموا موضوع الخمس، و على قولهم دلّت الرّوايات عن أئمّتهم:.

إن قلت قوله تعالى:{ مِنْ شَىْء }يدلّ على وجوب الخمس في كلّ ما يُغنَم حتّى الخيط و المخيط كما قيل و هو لايتوجّه على قولكم،فإنّكم تشترطون النّصاب في الكنز و المعدن و الغوص.

قلت: اللّفظ و إن اقتضى العموم لكنّ البيان من الأئمّة: خصّصه و حصره.

القسم الثّاني: في كيّفيّة قسمته، و يظهر منه من يستحقّه.

فنقول: اتّفق علماء الجمهور على أنّ اسم الله هنا للتّبرّك، و أنّ قسمة الخُمس على الخمسة المذكورين في الآية في حياة الرّسول(صلی الله علیه و آله)،و أنّ المراد بذي القربى: هم بنو هاشم و بنو عبد المطّلب دون بني عبد الشّمس و بني نوفل، لقوله (علیه السلام): < إنّ بني المطّلب ما فارقونا في جاهليّة و لاإسلام و بنو هاشم و بنو المطّلب شيء واحد > و شبّك بين أصابعه، و إنّ الثّلاثة الباقية من با قي المسلمين.

و أمّا بعد حياة الرّسول(صلی الله علیه و آله) فقال مالك: الأمر فيه إلى الإمام يصرفه إلى ما يراه أهمّ من وجوه القرب.

ص: 45

و قال أبو حنيفة: يسقط سهمه(صلی الله علیه و آله) و سهم ذي القربى، و صار الكلّ مصروفًا إلى الثّلاثة الباقية من المسلمين. و قال الشّافعيّ: إنّ سهم الرّسول(صلی الله علیه و آله) يصرف إلى ما كان يصرفه إليه من مصالح المسلمين. و قيل: إلى الإمام، و قيل: إلى الأقسام الأربعة. و نقل الزّمَخْشَريّ في «الكشّاف»عن ابن عبّاس: أنّه كان يقسّم على ستّة: لله و الرّسول سهمان، و سهم لأقاربه حتّى قُبض، فأجرى أبوبكر الخمس على ثلاثة، و كذلك روي عن عمر، و باقي الخلفاء بعده.

قال: و روي أنّ أبابكر منع بني هاشم من الخمس. و قال: إنّما لكم أن يُعطى فقيركم، و يزوَّج أيّمكم، و يُخدَم من لاخادم له منكم، فأمّا الغنيّ منكم فهو بمنزلة ابن سبيل غنيّ لايُعطى من الصّدقة شيئًا، و لايتيم موسر. و نُقل عن عليّ (علیه السلام) أنّه قيل له: إنّ الله تعالى يقول: { وَ الْيَتَامى وَ الْمَسَاكينِ ‘} فقال: «أيتامنا و مساكيننا » و عن الحسَن البصريّ: أنّ سهم رسول الله(صلی الله علیه و آله) لوليّ الأمر بعده هذا.

و قال أصحابنا الإماميّة: إنّه يُقسّم ستّة أقسام: ثلاثة للرّسول(صلی الله علیه و آله) في حياته، و بعده للإمام القائم مقامه، و هو المعنيّ بذي القربى، و الثّلاثة الباقية لمن سمّاهم الله تعالى من بني عبد المطّلب خاصّة دون غيرهم. و قولهم هو الحقّ:

أمّا أوّلا: فلأ نّه لايلزمهم مخالفة الآية الكريمة بسبب إسقاط سهم الله من البين، و كذا إسقاط سهم الرّسول بعد حياته.

و أمّا ثانيًا فلما و رد من النّقل الصّحيح عن أئمّتنا :، و كذا نقله الخصم عن عليّ (علیه السلام) و عن ابن عبّاس، كما حكيناه عن الزّمَخْشَريّ.

و أمّا ثالثًا: فلأ نّا إذا أعطيناه لفقراء ذوي القربى من اليتامى و المساكين و ابن السّبيل، جاز بالإجماع و برئت الذّمّة يقينًا، و إذا أعطيناه غيرهم لم يجز عند الإماميّة، فكان التّخصيص بذوي القربى أحوط.إن قلت : لفظ الآية عامّ؟ قلت: ما من عامّ إلا و قد خُصّ، فهذا مخصوص بما رويناه عن أئمّة الهُدى كزين العابدين و الباقر و الصّادق و أولادهم: على أ نّا نقول: لفظ الآية عامّ مخصوص بالاتّفاق، فإنّ ذي القُربى مخصوص ببني هاشم، و اليتامى و المساكين و ابن السّبيل عامّ في المشرك و الذّمّيّ و غيرهم، مع أنّه مخصوص بمن ليس كذلك.

قال السّيّد المرتضى: « كون ذي القربى مفردًا يدلّ على أنّه الإمام القائم مقام النّبيّ(صلی الله علیه و آله) إذ لو أراد الجميع لقال ذوي القربى » و فيه نظر لجواز إرادة الجنس.

قوله: «إذ لو كان المراد جميع قرابات بني هاشم، لزم أن يكون ما عطف عليه أعني اليتامى و المساكين و ابن السّبيل من غيرهم لامنهم، لأنّ العطف يقتضي المغايرة ». و فيه نظر أيضًا لجواز عطف الخاصّ على العامّ، لمزيد فائدة و وفورعناية. فالأولى حينئذ الاعتماد في هذه المجملات على بيانه(صلی الله علیه و آله) و بيان الأئمّة :بعده.

القسم الثّالث: في الآية المذكورة من التّواكيد ما ليس في غيرها، فإنّه صدّرها بالأمر بالعلم. أي يتحقّق عندكم ذلك حتّى أنّه لم يرد لها ناسخ اتّفاقًا، ثمّ أتى

ص: 46

ب ( اَنَّ )المؤكّدة في موضعين، ثمّ قال: { اِنْ كُنْتُمْ امَنْتُمْ بِاللهِ } و هو متعلّق بمحذوف، أي كون الخمس لهؤلاء المذكورين واجب، فأدّوه إن كنتم آمنتم بدليل { فَاعْلَمُوا } لأنّ المراد هنا من العلم العمل بمقتضاها. قال الواقديّ: نزل الخمس في غزاة بني قينقاع بعد بدر بشهر و ثلاثة أيّام للنّصف من شهر شوّال، على رأس عشرين شهرًا من الهجرة، و عن الكَلْبيّ نزلت ببدر.

(1: 248)

الشِّربينيّ: كانت [الغنيمة] في صدر الإسلام له خاصّة، لأ نّه كالمقاتلين كلّهم نصرة و شجاعة بل أعظم، ثمّ نُسخ ذلك و استقلّ الأمر على أنّها تُجعل خمسة أقسام متساوية، و يؤخذ خَمس رقاع، و يُكتَب على واحدة لله أو للمصالح، و على أربع للغانمين، ثمّ تُدرج في بنادق مستوية، و يُخرَج لكلّ خمس رقعة، فما خرج لله أو للمصالح جُعل بين أهل الخمس على خمسة أصناف، و هو النّبيّ (صلی الله علیه و آله) و من معه، و ذُكرالله تعالى في الآية للتّبرّك. و أمّا ما كان له (صلی الله علیه و آله) فهو لمصالح المسلمين، كسدّ الثّغور و أرزاق علماء بعلوم تتعلّق بمصالحنا، كتفسير و فقه و حديث. [ثمّ ذكر الأصناف]

(1: 571)

الآلوسي: [بيّن إعراب الآية و قراءتها نحو أبي حَيّان ثمّ قال:]

و كيفيّة القسمة عند الأصحاب أنّها كانت على عهد رسول الله (صلی الله علیه و آله) على خمسة أسهم: سهم له عليه الصّلاة و السّلام، و سهم للمذكورين من ذوي القربى، و ثلاثة أسهم للأصناف الثّلاثة الباقية. و أمّا بعد وفاته عليه الصّلاة و السّلام فسقط سهمه(صلی الله علیه و آله)،كما سقط الصّفيّ، و هو ما كان يصطفيه لنفسه من الغنيمة، مثل درع و سيف وجارية بموته (صلی الله علیه و آله)، لأ نّه كان يستحقّه برسالته و لا رسول بعده (صلی الله علیه و آله)، و كذا سقط سهم ذوي القربى، و إنّما يُعطون بالفقر و تقدّم فقرائهم على فقراء غيرهم، و لاحقّ لأغنيائهم، لأنّ الخلفاء الأربعة الرّاشدين قسّموه كذلك، و كفى بهم قُدوةً. و روي عن أبي بكر أنّه منع بني هاشم الخمس، و قال: إنّما لكم أن يُعطى فقيركم و يزوَّج أيّمكم، و يُخدَم ما لاخادم له منكم، فأمّا الغنيّ منكم فهو بمنزلة ابن السّبيل غنيّ لايُعطى من الصّدقة شيئًا، و لايتيم موسر.

و عن زَيْد بن عليّ كذلك قال: « ليس لنا أن نبني منه القصور و لا أن نركب منه البراذين »، و لأنّ النّبيّ (صلی الله علیه و آله) إنّما أعطاهم للنّصرة لاللقرابة، كما يُشير إليه جوابه لعثمان، و جُبَيْر رضي الله تعالى عنهما، و هو يدلّ على أنّ المراد ب { الْقُرْبى} في النّص: قرب النّصرة لاقرب القرابة؛ و حيث انتهت النّصرة انتهى الإعطاء، لأنّ الحكم ينتهي بانتهاء علّته، و اليتيم صغيرلاأب له، فيدخل فقراء اليتامى من ذوي القربى في سهم اليتامى المذكورين دون أغنيائهم، و المسكين منهم في سهم المساكين. و فائدة ذكر اليتيم مع كون استحقاقه بالفقر و المسكنة لا باليتيم((1) دفع توهّم أنّ اليتيم لايستحقّ من الغنيمة شيئًا، لأنّ استحقاقها بالجهاد، و اليتيم صغير فلايستحقّها.

ص: 47


1- (1) كذا، و الظّاهر: لاباليُتْم.

و في < التّأويلات > لعلم الهدى الشّيخ أبي منصور: أنّ ذوي القربى إنّما يستحقّون بالفقر أيضًا، و فائدة ذكرهم دفع ما يُتوهّم أنّ الفقير منهم لايستحقّ، لأ نّه من قبيل الصّدقة، و لاتحلّ لهم. و في « الحاوي القدسيّ » و عن أبي يوسف: أنّ الخمس يُصرف لذوي القربى و اليتامى و المساكين و ابن السّبيل و به نأخذ، انتهى. و هو يقتضي أنّ الفتوى على الصّرف إلى ذوي القربى الأغنياء، فليحفظ.

و في « التّحفة » أنّ هذه الثّلاثة مصارف الخمس عندنا لاعلى سبيل الاستحقاق، حتّى لو صُرف إلى صنف واحد منهم جاز، كما في الصّدقات، كذا في « فتح القدير ».

و مذهب الإمام مالك : أنّ الخمس لايلزم تخميسه، و أنّه مفوّض إلى رأي الإمام، كما يُشعر به كلام خليل. و به صرّح ابن الحاجب، فقال: و لايُخمّس لزومًا، بل يُصرف منه لآله عليه الصّلاة و السّلام بالاجتهاد و مصالح المسلمين، و يبدأون استحبابًا كما نقل التّتائيّ عن السّنباطيّ بالصّرف على غيرهم، و ذكر أنّهم بنو هاشم، وأنّهم يوفّر نصيبهم لمنعهم من الزّكاة، حسبما يُرى من قلّة المال و كثرته. و كان عمر بن عبد العزيز يخصّ و لد فاطمة رضي الله تعالى عنها كلّ عام باثني عشر ألف دينار سوى ما يُعطى غيرهم من ذوي القربى. و قيل: يساوى بين الغنيّ و الفقير، و هو فعل أبي بكر و كان عمر بن الخطاب يعطي حسب ما يراه، و قيل: يُخيّر، لأنّ فعل كلّ من الشيّخين حجّة.

و قال عبد الوهّاب: أنّ الإمام يبدأ بنفقته و نفقة عياله بغير تقدير. و ظاهر كلام الجمهور أنّه لايبدأ بذلك، و به قال ابن عبد الحكم. و المراد بذكر الله سبحانه عند هذا الإمام: أنّ الخمس يُصرف في وجوه القربات لله تعالى، و المذكور بَعدُ ليس للتّخصيص بل لتفضيله على غيره، و لايرفع حكم العموم الأوّل، بل هو قارّ على حاله؛ و ذلك كالعموم الثّابت للملائكة و إن خُص جبريل و ميكائيل 8 بعد.

و مذهب الشّافعيّ في قسمة الغنيمة أن يُقدّم من أصل المال السّلب، ثمّ يُخرج منه حيث لامتطوّع مُؤنة الحفظ و النّقل و غيرهما من المُؤَن اللازمة للحاجة إليها، ثمّ يُخمّس الباقي فيُجعل خمسة أقسام متساوية، ويُكتب على رقعة< لله > تعالى أو <للمصالح> و على رقعة < للغانمين > و تُدرج في بنادق، فما خرج لله تعالى قُسّم على خمس: مصالح المسلمين كالثّغور، و المشتغلين بعلوم الشّرع و آلاتها و لو مبتدين، و الأئمّة، و المؤذّنين و لو أغنياء، و سائر من يشتغل عن نحو كسبه بمصالح المسلمين لعموم نفعهم. و أُلحق بهم العاجزون عن الكسب و العطاء إلى رأي الإمام معتبرًا سَعة المال و ضيقه. و هذا هو السّهم الّذي كان لرسول الله (صلی الله علیه و آله) في حياته، و كان ينفق منه على نفسه و عياله، و يدّخر منه مُؤنة سنة، و يصرف الباقي في المصالح.

و هل كان عليه الصّلاة و السّلام مع هذا التّصرّف مالكًا لذلك أو غير مالك؟ قولان: ذهب إلى الثّاني الإمام الرّافعيّ، و سبقه إليه جمع متقدّمون، قال: إنّه عليه الصّلاة و السّلام مع تصرّفه في الخمس المذكور، لم

ص: 48

يكن يملكه و لاينتقل منه إلى غيره إرثًا.

و رُدّ بأنّ الصّواب المنصوص أ نّه كان يملكه، و قد غلّط الشّيخ أبو حامد من قال: لم يكن (صلی الله علیه و آله) يملك شيئًا، و إن أُبيح له ما يحتاج إليه. و قد يُؤوّل كلام الرّافعيّ بأ نّه لم ينف المِلْك المطلق، بل الملك المقتضي للإرث عنه.و يؤيّد ذلك اقتضاء كلامه في الخصائص أ نّه يملك.

و بنو هاشم و المطّلب، و العبرة بالانتساب للآباء دون الأُمّهات، و يشترك فيه الغنيّ و الفقير لإطلاق الآية، و إعطاؤه عليه الصّلاة و السّلام العبّاس و كان غنيًّا و النّساء، و يفضّل الذّكَر كالإرث واليتامى، و لايمنع وجود جدّ، و يدخل فيهم ولد الزّنى و المنفيّ لااللّقيط على الأوجه. و يشترط فقره على المشهور،و لابدّ في ثبوت اليُتْم و الإسلام و الفقر هنا من البيّنة، و كذا في الهاشميّ و المطّلبيّ، و اشترط جمع فيهما معها استفاضة النّسبة، و المساكين و ابن السّبيل و لو بقولهم بلا يمين. نعم يظهر في مدّعي تلف مال، له عرف أو عيال أنّه يكلَّف بيّنة. و يُشتَرط الإسلام في الكلّ، و الفقر في ابن السّبيل أيضًا، و تمامه في كتبهم.

و تعلّق أبو العالية بظاهر الآية الكريمة، فقال: يُقسّم ستّة أسهم و يُصرف سهم الله تعالى لمصالح الكعبة، أي إن كانت قريبة، وإلا فإلى مسجد كلّ بلدة وقع فيها الخمس، كما قاله ابن الهمام. و قد روى أبو داود في « المراسيل » و ابن جرير عنه أنّه عليه الصّلاة و السّلام كان يأخذ منه قبضة فيجعلها لمصالح الكعبة، ثمّ يُقسّم ما بقي خمسة أسهم.

و مذهب الإماميّة أنّه ينقسم إلى ستّة أسهم أيضًا كمذهب أبي العالية، إلا أنّهم قالوا: إنّ سهم الله تعالى و سهم الرّسول (صلی الله علیه و آله) و سهم ذوي القربى للإمام القائم مقام الرّسول عليه الصّلاة و السّلام. و سهم ليتامى آل محمّد(صلی الله علیه و آله)، و سهم لمساكينهم، و سهم لأبناء سبيلهم لايُشركهم في ذلك غيرهم، و روَوا ذلك عن زين العابدين، و محمّد بن عليّ الباقر رضي الله تعالى عنهم. و الظّاهر أنّ الأسهم الثّلاثة الأُول الّتي ذكروها اليوم تُخبأ في السّرداب؛ إذ القائم مقام الرّسول قد غاب عندهم فتُخبأ له حتّى يرجع من غيبته. و قيل: سهم الله تعالى لبيت المال، و قيل: هو مضموم لسهم الرّسول (صلی الله علیه و آله).

هذا، و لم يبيّن سبحانه حال الأخماس الأربعة الباقية؛ و حيث بيّن جلّ شأنه حكم الخمس و لم يُبيّنها، دلّ على أنّها مِلك الغانمين. و قسمتها عند أبي حنيفة: للفارس سهمان، و للرّاجل سهم واحد. لما روي عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما أنّ النّبيّ (صلی الله علیه و آله) فعل كذلك و الفارس في السّفينة يستحقّ سهمين أيضًا و إن لم يمكنه القتال عليها فيها للتّأهّب و المتأهّب للشّيء كالمباشر كما في « المحيط » و لافرق بين الفَرَس المملوك و المستأجَر و المستعار، و كذا المغصوب على تفصيل فيه.

و ذهب الشّافعيّ و مالك إلى أنّ للفارس ثلاثة أسهم، لما روي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنّ النّبيّ (صلی الله علیه و آله) أسهَمَ للفارس ذلك، وهو قول الإمامين.

و أُجيب بأنّه قد روي عن ابن عمر أيضًا أنّ النّبيّ(صلی الله علیه و آله) قسّم للفارس سهمَين فإذا تعارضت روايتاه

ص: 49

تُرجّح رواية غيره بسلامتها عن المعارضة، فيُعمل بها، و هذه الرّواية رواية ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما.

و في « الهداية » أنّه عليه الصّلاة و السّلام تعارض فعلاه في الفارس، فنرجع إلى قوله عليه الصّلاة و السّلام، وقد قال (صلی الله علیه و آله):للفارس سهمان وللرّاجل سهم، و تعقّبه فيالعناية بأنّ طريقة استدلاله مخالفة لقواعد الأُصول، فإنّ الأصل: أنّ الدّليلين إذا تعارضا و تعذّر التّوفيق و التّرجيح، يصار إلى ما بعده لا إلى ما قبله، و هو قال: فتعارض فعلاه، فنرجع إلى قوله، و المسلك المعهود في مثله أن نستدلّ بقوله، و نقول: فعله لايعارض قوله، لأنّ القول أقوى بالاتّفاق. و ذهب الإمام إلى أ نّه لايُسهَم إلا لفرس واحد، و عند أبي يوسف يُسهم لفرسين، و ما يستدلّ به على ذلك محمول على التّنفيل عند الإمام، كما أعطى عليه الصّلاة و السّلام سلمة بن الأكوع سهمين و هو راجل، و لايُسهَم لثلاثة اتّفاقًا { اِنْ كُنتُمْ امَنْتُمْ بِاللهِ } شرط جزاؤه محذوف، أي إن كنتم آمنتم بالله تعالى فاعلموا أنّه تعالى جعل الخمس لمن جعل، فسلّموه إليهم، واقنعوا بالأخماس الأربعة الباقية. و ليس المراد مجرّد العلم بذلك، بل العلم المشفوع بالعمل و الطّاعة لأمره تعالى. و لم يجعل الجزاء ما قبل، لأ نّه لايصحّ تقدّم الجزاء على الشّرط على الصّحيح عند أهل العربيّة. و إنّما لم يقدّر العمل قصرًا للمسافة كما فعله النّسَفيّ، لأنّ المطّرد في أمثال ذلك أن يقدَّر ما يدلّ ما قبله عليه، فيقدّر من جنسه. (10: 2)

نحوه القاسميّ. (8: 2998)

رشيد رضا: [بيّن كيفيّة قسمة الخمس كماتقدّم عن ابن عَطيّة و الآلوسيّ و غيرهماو أضاف:]

وحكمة تقسيم الخمس على هذا النّحو أنّ الدّولة الّتي تُدير سياسة الأُمّة لابدّ لها من مال تستعين به على ذلك، و هو أقسام:

أوّلها: ما كان للمصلحة العامّة كشعائر الدّين و حماية الحوزة، و هو ماجعل لله في الآية.

و ثانيها: ماكان لنفقة إمامها و رئيس حكومتها، و هو سهم الرّسول (صلی الله علیه و آله) فيها.

و ثالثها: ماكان لأقوى عصبته و أخلصهم له وأظهرهم تمثيلا لشرفه و كرامته، و هو سهم أُولي القربى.

و رابعها: ما يكون لذوي الحاجات من ضعفاء الأُمّة، و هم الباقون. و هذا الاعتبار كلّه أو أكثره لايزال مراعى و معمولا به في أكثر الدُّول و الأُمم، مع اختلاف شؤون الاجتماع و المصالح العامّة و الخاصّة.

فأمّا المال الّذي يُرصد لهذه المصالح، فهو في هذا العصر أنواع، يدخل كلّ نوع منه في ميزانيّة الوِزارة الموكول إليها أمر المصلحة الّتي خُصّص لها المال، إن كان من الأُمور الجهريّة، و إلا وُكِّل إلى المخصّصات السّرّ يّة، و لاسيّما إذا كان من الأعمال الحربيّة، كالتّجسّس و ما يتعلّق به، و هو كثير عند جميع الدّول العسكريّة.

و كذلك راتب ممثِّل دولة من مَلِك أورئيس جمهوريّة أو غيره، فهو يوضع في الميزانيّة العامّة للدّولة، و له عندهم مصارف: منها: ما هوخاص

ص: 50

بشخصه و عياله، و منها: ما يبذله من الإعاناتللجمعيّات الخيريّة و العلميّة و نحوها، و منها: ما يتعلّق بعظمة الدّولة و مكانتها، كالمال الّذي ينفقه في ضيافة الملوك و الرّؤساء و العظماء الّذين يزورون عاصمته، و الدّعوات الّتي تقام في قصره لكبراء الأجانب و كبراء الأُمّة في بعض المواسم و الأحوال. و قدكان الرّسول (صلی الله علیه و آله) أولى من جميع الملوك و الرّؤساء في العالم بمال يختص به، لأنّ و ظائفه و أعماله للأُمّة أكبر و أكثر، و مقامه أجلّ و أعظم، و هو عن الكسب و الاستقلال أبعد، و أوقاته عنهما أضيق.[إلى أن قال:]

و لايبعد أن يقال: إنّه لمّا كان من أُصول التّشريع للحكومة الإسلاميّة أن تقوم على قاعدة الشّورى، و أن يكون الإمام الأعظم فيها منتخبًا من أيّ بطن من بطون قريش، و كان من المعقول المعهود من طباع البشر التّنافس في المُلك المؤدّي إلى أن يكون الإمام الأعظم من غير أُولي القربى، و أن يغلبهم النّاس على حقوقهم في الولايات و مناصب الدّولة، فجعل لهم هذا الحقّ في الخمس تشريعًا ثابتًا بالنّص لايحلّ لأحد إبطاله بالاجتهاد.

و من العجب أنّ أكثر فقهاء المسلمين لم يعتبروا هذه المعاني، لأ نّهم لم يكونوا يفكّرون و لايبحثون في مقوّمات الأُمَم و الدّول القوميّة و الملّيّة، بل غلب عليهم روح المساواة، و ما يعبّر عنه في هذا العصر ب < الدّمقراطيّة > حتّى أسقط بعضهم سهم آل بيت الرّسول(صلی الله علیه و آله) من بعده، مع بقاء تحريم مال الصّدقات عليهم [إلى أن قال:]

فالأصل في الخمس أنّه كان المرباع عادةً مستمرّةً في الجاهليّة، يأخذه رئيس القوم و عصبته، فتمكّن ذلك في علومهم، و ما كادوا يجدون في أنفسهم حرجًا منهم، و فيه قال القائل:

و إنّ لنا المرباع من كلّ غارة *** تكون بنجد أوبأرض التّهائم

فشرّع الله تعالى الخُمس لحوائج المدينة والملّة نحوًا ممّا كان عندهم، كما أنزل الآيات على الأنبياء : نحوًا ممّا كان شائعًا ذائعًا فيهم.

وكان المرباع لرئيس القوم وعصبته تنويهًا بشأنهم، ولأ نّهم مشغولون بأمر العامّة، محتاجون إلى نفقات كثيرة؛ فجعل الله الخمس لرسول الله (صلی الله علیه و آله) لأ نّه (علیه السلام) مشغول بأمر النّاس لايتفرّق أن يكتسب لأهله، فوجب أن تكون نفقته في مال المسلمين، ولأنّ النّصرة حصلت بدعوة النّبيّ(صلی الله علیه و آله) و الرُّعب الّذي أعطاه الله إيّاه، فكان كحاضر الوقعة. و لذوي القربى لأ نّهم أكثرالنّاس حميّةً للإسلام؛ حيث اجتمع فيهم الحميّة الدّينيّة إلى الحميّة النّسبيّة، فإنّه لافخرَ لهم إلا بعلوّ دين محمّد (صلی الله علیه و آله)، و لأنّ في ذلك تنويهًا بأهل بيت النّبيّ(صلی الله علیه و آله) و تلك مصلحة راجعة إلى الملّة. وإذا كان العلماء و القُرّاء يكون توقيرهم تنويهًا بالملّة، يجب أنيكون توقير ذوي القربى كذلك بالأولى. و للمحتاجين و ضَبِطهم با لمساكين و الفقراء و اليتامى، و قد ثبت أنّ النّبيّ (صلی الله علیه و آله) أعطى المؤلّفة قلوبهم و غيرهم من الخمس.

و على هذا فتخصيص هذه الخمسة بالذّكر للاهتمام بشأنها، و التّوكيد أن لايتّخذ الخُمس

ص: 51

و الفيء أغنياؤهم دُولةً، فيهملوا جانب المحتاجين، و لسدّ باب الظّنّ السّيّء بالنّسبة إلى النّبيّ(صلی الله علیه و آله) و قرابته.

(10: 8)

نحوه ملخّصًا المَراغيّ. (10: 4)

ابن عاشور: و المصدر المؤوّل بعد ( اَنَّ ) في قوله: { فَاَنَّ للهِ‚ خُمُسَهُ } مبتدأ حُذف خبره، أو خبر حُذف مبتدؤه، و تقدير المحذوف بما يناسب المعنى الّذي دلّت عليه لام الاستحقاق، أي فحقّ لله خُمُسَه. و إنّما صيغ على هذا النّظم، مع كون معنى اللام كافيًا في الدّلالة على الأحقّيّة، كما قرئ في الشّاذّ (فَلِلهِ \خُمُسَهُ ) لما يفيده الإتيان بحرف ( اَنَّ ) من الإسناد مرّتين تأكيدًا، و لأنّ في حذف أحد ركني الإسناد تكثيرًا لوجوه الاحتمال في المقدّر، من نحو تقدير: حقّ، أو ثبات، أو لازم، أو واجب.

و اللام للملك، أو الاستحقاق، و قد علم أنّ أربعة الأخماس للغُزاة الصّادق عليهم ضمير { غَنِمْتُمْ }، فثبت به أنّ الغنيمة لهم عدا خمسها.

قد جعل الله خمس الغنيمة حقًّا لله و للرّسول و من عطف عليهما، و كان أمر العرب في الجاهليّة أنّ ربع الغنيمة يكون لقائد الجيش، و يسمّى ذلك « المِرباع » بكسر الميم.

و في عرف الإسلام إذا جُعل شيء حقًّا لله، من غير ما فيه عبادة له: أنّ ذلك يكون للّذين يأمرالله بتسديد حاجتهم منه، فلكلّ نوع من الأموال مستحقّون عيّنهم الشّرع، فالمعنى في قوله: { فَاَنَّ للهِ‚ خُمُسَهُ } أنّ الابتداء باسم الله تعالى للإشارة إلى أنّ ذلك الخمس حقّ الله يصرفه حيث يشاء، و قد شاء فوكّل صرفه إلى رسوله (صلی الله علیه و آله) و لمن يخلف رسوله من أئمّة المسلمين. و بهذا التّأويل يكون الخمس مقسومًا على خمسة أسهم، و هذا قول عامّة علماء الإسلام.

و شذّ أبو العالية رُفَيع الرّياحيّ و لاءً من التّابعين، فقال: إنّ الخمس يقسّم على خمسة أسهم، فيُعزل منها سهم، فيضرب الأمير بيده على ذلك السّهم الّذي عزله، فما قبضت عليه يده من ذلك جعله للكعبة، أي على وجه يُشبه القرعة، ثمّ يُقسّم بقيّة ذلك السّهم على خمسة: سهم للنّبيّ (صلی الله علیه و آله) ،و سهم لذوي القربى، و سهم لليتامى، و سهم للمساكين، و سهم لابن السّبيل. و نسب أبو العالية ذلك إلى فعل النّبيّ(صلی الله علیه و آله).

و أمّا الرّسول عليه الصّلاة و السّلام فلحقّه حالتان: حالة تصرّفه في مال الله بما ائتمنه الله على سائر مصالح الأُمّة، و حالة انتفاعه بما يحبّ انتفاعه به من ذلك. فلذلك ثبت في < الصّحيح >:أنّ النّبيّ (صلی الله علیه و آله) كان يأخذ من الخمس نفقته و نفقة عياله، و يجعل الباقي مجعل مال الله. (9: 103)

الطَّباطَبائيّ: فمعنى الآية و الله أعلم و اعلموا أنّ خمس ما غنمتم أيّ شيء كان هو لله و لرسوله و لذي القربى و اليتامى و المساكين و ابن السّبيل، فرُدّوه إلى أهله إن كنتم آمنتم بالله و ما أنزله على عبده محمّد(صلی الله علیه و آله) يوم بدر. و هوأنّ الأنفال و غنائم الحرب لله و لرسوله لايشارك الله و رسوله فيها أحد، و قد أجازالله لكم أن تأكلوا منها، و أباح لكم التّصرّف فيها، فالّذي أباح لكم التّصرّف فيها، يأمركم أن تُؤدّوا

ص: 52

خمسها إلى أهله.

و ظاهر الآية أنّها مشتملة على تشريع مؤبّد كما هو ظاهر التّشريعات القرآنيّة و أنّ الحكم متعلّق بما يسمّى غنمًا و غنيمةً، سواء كان غنيمة حربيّة مأخوذة من الكفّار، أو غيرها ممّا يُطلق عليه الغنيمة لغةً ،كأرباح المكاسب و الغَوْص و الملاحة، و المستخرج من الكنوز و المعادن، و إن كان مورد نزول الآية هو غنيمة الحرب، فليس للمورد أن يخصَّص. و كذا ظاهرما عُدّ من موارد الصّرف بقوله:{ فَاَنَّ للهِ‚ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِى الْقُرْبى وَ الْيَتَامى وَ الْمَسَاكينِ‘ وَ ابْنِ السَّبيلِ ‘} انحصار الموارد في هؤلاء الأصناف، و أنّ لكلّ منهم سهمًا بمعنى استقلاله في أخذ السّهم، كما يستفاد مثله من آية الزّكاة من غيرأن يكون ذكرالأصناف من قبيل التّمثيل.

فهذا كلّه ممّا لاريب فيه بالنّظر إلى المتبادر من ظاهر معنى الآية ، و عليه وردت الأخبار من طرق الشّيعة عن أئمّة أهل البيت :. و قد اختلفت كلمات المفسّرين من أهل السّنّة في تفسير الآية و سنتعرّض لها في البحث الرّوائيّ التّالي إن شاء الله تعالى. (9: 90)

[ونقل روايات عن أئمّة أهل البيت :ثمّ قال:]

أقول: و الأخبار عن أئمّه أهل البيت : متواترة في اختصاص الخمس بالله و رسوله و الإمام من أهل بيته، و يتامى قرابته و مساكينهم و أبناء سبيلهم، لايتعدّاهم إلى غيرهم، و أنّه يُقسّم ستّة أسهم على ما مرّ في الرّوايات، و أنّه لايختص بغنائم الحرب بل يعمّ كلّ ما كان يسمّى غنيمة لغةً، من أرباح المكاسب و الكنوزو الغوص و المعادن و الملاحة، و في رواياتهم كما تقدّم إنّ ذلك موهبة من الله لأهل البيت بما حرّم عليهم الزّكوات و الصّدقات.

(9: 104)

[ و نقل الرّوايات المتقدّمة عن< الدُّرّ المنثور > ثمّ قال: ]

و الرّوايات في هذا الباب كثيرة من طُرُق أهل السّنّة، و قد اختلفت الرّوايات الحاكية لعمل النّبيّ(صلی الله علیه و آله)من طُرُقهم بين ما مضمونه أ نّه(صلی الله علیه و آله)كان يُقسّم الخمس على أربعة أسهم، و بين ما مضمونه التّقسيم على خمسة أسهم. غير أنّه يقرب منالمسلّم فيها أنّ من سهام الخمس ما يختص بقرابة النّبيّ(صلی الله علیه و آله) وهم المعنيّون بذي القربى في آية الخمس، على خلاف ما في الرّوايات المرويّة عن أئمّه أهل البيت :. و ممّا يقرب من المسلّم فيها أنّ النّبيّ(صلی الله علیه و آله) كان يُقسّمه بين المطّلبيّين ما دام حيًّا، و أنّه انقطع عنهم على هذا الوصف في زمن الخلفاء الثّلاث، ثمّ جرى على ذلك الأمر بعدهم.

و من المسلّم فيها أيضًا أنّ الخمس يختص بغنائم الحرب على خلاف ما عليه الرّوايات من طرق أئمّه أهل البيت : و لايتعدّاها إلى كلّ ما يصدق عليه اسم الغنيمة لغة. و ما يتعلّق بالآية من محصل البحث التّفسيريّ هو الّذي قدّمناه، و هناك أبحاث أُخر كلاميّة أو فقهيّة خارجة عن غرضنا.

و هناك بحث حقوقيّ اجتماعيّ في ما يؤثّره

ص: 53

الخمس من الأثر في المجتمع الإسلاميّ، سيوافيك في ضمن الكلام على الزّكاة.

بقى الكلام فيما تتضمّنه الرّوايات أنّ الله سبحانه أراد بتشريع الخمس إكرام أهل بيت النّبيّ(صلی الله علیه و آله)

و أُسرته، و ترفيعهم من أن يأخذوا أوساخ النّاس في أموالهم. و الظّاهر أنّ ذلك مأخوذ من قوله تعالى في آية الزّكاة، خطابًا لنبيّه(صلی الله علیه و آله): { خُذْ مِنْ اَمْوَ الِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ‘ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ اِنَّ صَلوتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ } التّوبة : 103، فإنّ التّطهير و التّزكية إنّما يتعلّق بما لايخلو من دَنَس و وَسَخ و نحوهما، و لم يقع في آية الخمس ما يشعر بذلك. (9: 106)

عبدالكريم الخطيب: الخمس لله و للرّسول، و لذي القربى، و اليتامى، و المساكين، و ابن السّبيل. فهذا الخمس من الغنائم موّزع على خمسة أقسام: قسم لله، و ماكان لله فهو لرسول الله، و قسم لذوي القربى من رسول الله من بني عبد المطّلب و بني هاشم، و ثلاثة أقسام للفقراء و المساكين و ابن السّبيل.

أمّا أربعة الأخماس الباقية من المغانم بعد مخرج هذا الخمس منها، فهي للمجاهدين الّذين قاتلوا على تلك الغنائم، تُقسّم بالسّويّة بينهم، لكلّ مقاتل سهم. [إلى أن قال:]

هذا، و قد اختُلف في الخمس الّذي كان للرّسول، مع الخمس الّذي كان لقرابته ممّا جعله الله لهما في خمس الغنائم الّذي تُوزّع إلى خمسة أخماس؛ و ذلك بعد وفاة الرّسول صلوات الله و سلامه عليه.

أمّا خُمس الرّسول، فهو خُمس الله الّذي أضافه الله سبحانه إلى رسوله، وعلى هذا يضاف هذا الخمس إلى ثلاثة الأخماس الّتي لليتامى والمساكين وابن السّبيل.

وأمّا خُمس ذوي القربى فقد أباه أبوبكر عليهم بعد وفاة النّبيّ ، و اعتبره ميراثًا، فقد كان النّبيّ ينفق منه على ذوي قرابته، فلمّا تُوفّي صلوات الله و سلامه عليه، لم يكن لذوي قرابته حقّ فيه عملا بقول الرّسول الكريم:« نحن معاشر الأنبياء لانورّث ما تركناه صدقة ».

و قد أخذ عمربهذا بعد أبي بكر، كما أخذ به عثمان، ثمّ عليّ 2، و أبى عليّ كرّم الله وجهه أن يخرج على ما سار عليه الخلفاء الرّاشدون قبله، و إن كان من رأيه كاجتهاد له أنّ خُمس ذوي القربى حقّ لهم بعد الرّسول، كما هو حقّ لهم في حياته. و بهذا الرّأي أخذ الإمام الشّافعيّ، و بعض الأئمّة، كما أنّه هو الرّأي المعتمد عند الشّيعة. (5: 616)

مكارم الشّيرازيّ: الخُمس فرض إسلاميّ مهمّ، وجدنا في بداية هذه السّورة كيف أنّ بعضًا من المسلمين تشاجروا في شأن تقسيم الغنائم بعد غزوة بدر، و قد أمرالله سبحانه درءً لأُصول الخلاف أن توضع الغنائم تحت تصرّف النّبيّ(صلی الله علیه و آله) لينفقها بما يراه صالحًا، فقام بتقسيمها بالتّساوي بين المقاتلين المسلمين

و في هذه الآية في الحقيقة عود إلى مسألة الغنائم، لتناسب الآيات الّتي سبقتها، و الّتي كانت تتكلّم على الجهاد؛ إذ وجدنا في بعضها إشارات مختلفة لموضوع الجهاد. و لمّا كان الجهاد يرتبط بمسألة الغنائم غالبًا،

ص: 54

فكان في المقام تناسب بين الجهاد و بين ذكر أحكام الغنائم، بل سنلاحظ أنّ القرآن تعدّى في حكمه إلى أبعد من مسألة الغنائم، و نظرإلى جميع الموارد. [ و ذكر الآية ثمّ قال:]

و ينبغي الالتفات إلى هذه اللّطيفة، و هي أنّه على الرّغم من أنّ الخطاب في الآية موجّه إلى المؤمنين، لأ نّهاتبحث في غنائم الجهاد الإسلاميّ، و بديهيّ أنّ المجاهد مؤمن، لكنّها مع ذلك تقول: { اِنْ كُنْتُمْ امَنْتُمْ بِاللهِ } و في ذلك إشارة إلى أنّ ادّعاء الإيمان وحده لايعدّ دليلا على الإيمان ،بل حتّى المشاركة في سوح الجهاد قد لاتكون دليلا على الإيمان، فقد تكون وراء ذلك أُمورأُخرى. فالمؤمن الكامل هوالّذي يذعن لأوامر الله كافّة و ينقاد لها، و خاصّةً الأوامر و الأحكام الماليّة، و لايأخذ ببعض و يترك بعضًا، و تشير الآية في نهايتها إلى قدرة الله غير المحدودة، فتقول: { وَ اللهُ عَلى كُلِّ شَىْء قَديرٌ‘ } أي بالرّغم من قلّتكم يوم بدر و كثرة عدوّكم في الظّاهر، لكنّ الله القادر خذلهم و أيّدكم فانتصرتم عليهم. [إلى أن قال:]

هل الغنائم منحصرة في غنائم الحرب؟

إنّ الموضوع المهمّ الّذي يجب أن يُبحَث في الآية ، و هو في الحقيقة بمثابة العمدة فيها، هو: هل لفظ < الغنيمة > المذكور فيها يُطلق على الغنائم الحربيّة فحسب، أو الموضوع أوسع بكثير فيشمل كلّ زيادة في المال؟!

ففي الصّورة الأُولى فإنّ الآية تبيّن الخُمس في غنائم الحرب فحسب، و أمّا الخُمس في سائر الموارد فينبغي معرفته من السّنّة و الأخبار المتواترة وصحيح الرّوايات، و لامانع أن يشيرالقرآن إلى قسم من أحكام الخمس بما يناسب مسائل الجهاد، و أن تتناول السّنّة الشّريفة بيان أقسامه الباقية.

فمثلا قد وردت الصّلوات الخمس اليوميّة صريحة في القرآن، كما أُشير إلى صلاة الطّواف الّتي هي من الصّلوات الواجبة أيضًا، و لم ترد أيّة إشارة في القرآن إلى صلاة الآيات المتّفق على وجوبها من قِبَل الفِرَق الإسلاميّة من أهل السّنّة و الشّيعة كافّة، و لانجد قائلا يقول: بأ نّه لايجب الإتيان بصلاة الآيات، لأ نّها لم تُذكَر في القرآن و إن وردت في السّنّة، أو أنّ القرآن أشار إلى بعض الأغسال و لم يذكر غيرها، فيجب ترك ما لم يشر إليه القرآن! فهذا المنطق لايقرّه أيّ مسلم أبدًا.

فبناء على ذلك لا إشكال في أن يبيّن القرآن قسمًا واحدًا من أقسام الخمس فحسب، و يَكِل توضيح الباقي إلى السّنّة، و في الفقه الإسلاميّ نظائر كثيرة لهذه المسألة.

إلا أ نّه مع هذه الحال ينبغي أن ننظر إلى معنى « الغنيمة » في اللّغة و العرف، فهل هي منحصرة في غنائم الحرب؟ أم تشمل كلّ أنواع الأرباح والزّيادة في المال؟

الّذي يستفاد من كتب اللّغة هو أنّ جَذْرها اللُّغوي لم يرد في معنى ما يُؤخذ من العدوّ في الحرب، بل تشمل كلّ أنواع الزّيادة الماليّة وغيرها. [ثمّ نقل أقوال المفسّرين و اللُّغويّين لإثبات أنّ الغنيمة « الفوز

ص: 55

بالشّيء مطلقًا » و أضاف:]

ألا يُعَدّ تخصيص نصف الخمس لبني هاشم تبعيضًا بين المسلمين ؟! يتصوّر بعض أنّ هذه الضّريبة الإسلاميّة الشّاملة لخمس الكثير من الأموال، أي نسبة « عشرين بالمائة »، و الّذي يُعطى للسّادة من أبناء الرّسول (صلی الله علیه و آله) ، نوع من التّمييز العنصريّ أوملاحظة العلاقات العائليّة، و أنّ هذا الأمر لاينسجم و روح العدالة الاجتماعيّة للإسلام، و كونها شاملة لجميع العالم.

الجواب: إنّ اللّذين يفكّرون هذا التّفكير لم يدرسوا ظروف هذا الحكم و خصوصيّاته بدقّة كافية، لأنّ الإجابة على هذا السّؤال كامنة في تلك الخصوصيّات.

و توضيح ذلك: أوّ لا : أنّ نصف الخمس المتعلّق ببني هاشم إنّما يُعطى للمحتاجين و الفقراء منهم فحسب، و لما يكفيهم لسنة واحدة لا أكثر، فبناءً على ذلك فإنّما يستطيع الحصول على هذه الأموال المُقعدون عن العمل، و المرضى و اليتامى من الصّغار، أو مَن يكون في ضيق و حرج.

و بناءً على ذلك، فإنّ القادرين على العمل بالفعل أو بالقوّة، و الّذين بإمكانهم أن يديروا حياتهم المعاشيّة ، ليس لهم بأيّ وجه أن يأخذوا هذا القسم من الخمس.

أمّا ما يقوله بعض العامّة من النّاس: بأنّالسّادة يمكنهم أخذ الخمس حتّى و لو كان ميزاب بيتهم من ذهب، فليس هذا إلا قولا ساذجًا، و لا أساس له أبدًا.

ثانيًا: أنّ المحتاجين و الضّعفاء من سادات بني هاشم لايحقّ لهم أكل شيء من الزّكاة، و يستطيعون عوض ذلك أن يأخذوا من هذا القسم من الخُمس فحسب.

ثالثًا: إذا زاد القسم المخصَّص لبني هاشم عن احتياجاتهم، فإنّه يرجع إلى بيت المال حتّى يُنفَق في مصارف أُخرى، كماأنّه إذا لم يكف هذا السّهم للسّادة يُدفَع الباقي من بيت المال إليهم أو من سهم الزّكاة.

و بملاحظة تلك النّقاط الثّلاث يتّضح لنا عدم وجود فرق في الواقع من النّاحية المادّ يّة بين السّادة و غيرهم.

فالمحتاجون من غيرهم يمكنهم سدّ حاجتهم من الزّكاة و يُحرَمون من الخمس، و المحتاجون من السّادة يسدّون حاجتهم من الخمس و يُحرَمون من الزّكاة.

فيوجد في الحقيقة صندوقان: هما صندوق الخمس، و صندوق الزّكاة، فيحقّ لكلّ من القسمين الأخذ من أحد الصّندوقَين ،و بصورة التّساوي فيما بينهما، أي ما يحتاجه كلّ لعام واحد، فتأمّل.

فالّذين لم يُمعِنوا النّظر في هذه الشّروط و الخصوصيّات يتصوّرون أنّ حقّ السّادة من بيت المال أكثر من غيرهم، فهم يتمتّعون به بما اختُصّوا به من مَيزة.

و السّؤال الوحيد الّذي يطرح نفسه هنا هو: إذا ما انعدم الفرق بين الاثنين آخر الأمر، فما جدوى هذه الخطّة إذًا؟

و يمكن أن ندرك جواب هذا التّساؤل بملاحظة

ص: 56

شيء واحد، و هو أنّ بين الزّكاة و الخمس بونًا شاسعًا، إذ أنّ الزّكاة من ضرائب الأموال العامّة للمجتمع الإسلاميّ فتُصرف عمومًا في هذه الجهة، و لكنّ الخمس من ضرائب الحكومة الإسلاميّة فيُصرف على القيادة و الحكومة الإسلاميّة و تؤمّن حاجتها منه.

فالتّحريم على السّادة من مدّ أيديهم للأموال العامّة الزّكاة، كان في الحقيقة ليجتنبوا عن هذا المال باعتبارهم أقارب النّبيّ، و لكيلاتكون ذريعة بيد الأعداء بأنّ النّبيّ(صلی الله علیه و آله) سلّط أقرباءه على الأموال العامّة.

إلا أنّه من جانب آخر ينبغي سدّ حاجة الضّعفاء و الفقراء من السّادة، لذلك جعلت هذه الخطّة لسدّ حاجتهم من ميزانيّة الحكومة الإسلاميّة، ففي الحقيقة إنّ الخمس ليس امتيازًا لبني هاشم، بل هو لإبعادهم لأجل الصّالح العامّ، و لئلا ينبعث سوء الظّنّ بهم.

و الّذي يسترعي النّظر أنّ هذا الأمر أشارت إليه أحاديث الشّيعة و السّنّة ففي حديث عن الإمام الصّادق(علیه السلام) نقرأ: « إنّ أُناسًا من بني هاشم أتوا رسول الله(صلی الله علیه و آله) فسألوه أن يستعملهم علىصدقات المواشي، و قالوا: يكون لنا هذا السّهم الّذي جعل الله عزّوجلّ للعاملين عليها، فنحن أولى به. فقال رسول الله(صلی الله علیه و آله): يابني عبد المطّلب< هاشم >إنّ الصّدقة لاتحلّ لي و لالكم ، و لكنّي وُ عِدت الشّفاعة، إلى أن قال : أتروني مؤثرًا عليكم غيركم؟! ».

و يدلّ هذا الحديث على أنّ بني هاشم كانوا يرون في ذلك الأمر حرمانًا، و قد و عدهم النّبيّ(صلی الله علیه و آله) أن يشفع لهم.

و نقرأ حديثًا في صحيح مسلم الّذي يُعدّ من أهمّ مصادر الحديث عند أهل السّنّة، خلاصته: أنّ العبّاس و ربيعة بن الحارث جاءا إلى النّبيّ(صلی الله علیه و آله)، و طلبا منه أن يأمر ابنيهما، و كانا فتيَين و هما عبد المطّلب بن ربيعة و الفضل بن العبّاس، بجمع الزّكاة ليتمكّنا أن يأخذا سهمًا منه، شأنهما كشأن الآخرين، ليؤمّنا لنفسَيْهما المال الكافي لزواجهما، فامتنع النّبيّ(صلی الله علیه و آله) و أمر بسدّ حاجتهما عن طريق آخر، و هو الخُمس.

و يستفاد من هذا الحديث الّذي يطول شرحه أنّ النّبيّ(صلی الله علیه و آله) كان مصرًّا على إبعاد أقاربه عن الحصول على الزّكاة الّتي هي من أموال عامّة النّاس.

و من مجموع ما قلناه يتّضح أنّ الخمس ليس امتيازًا للسّادة، بل هو نوع من الحرمان لحفظ المصالح العامّة.

ما هو المراد من سهم الله؟ إنّ ذِكْر سهمٍ على أ نّه سهم الله، لتأكيد أهمّيّة مسألة الخمس و إثباتها، ولتأكيد و لاية الرّ سول و القيادة الإسلاميّة، و حاكميّة النّبيّ(صلی الله علیه و آله) أيضًا.

أي كما أنّ الله جعل سهمًا باسمه و هو أحقّ بالتّصرّف فيه فقد أعطى النّبيّ و الإمام حقّ الولاية و التّصرّف فيه كذلك، و إلا فإنّ سهم الله هو تحت تصرّف النّبيّ أو الإمام، يصرفه في المكان المناسب، و ليس لله حاجة في سهم معيّن. (5 : 394)

فضل الله: { وَ اعْلَمُوا } أيّها المؤمنون { اَ نَّمَا غَنِمْتُم مِنْ شَىْء } من غنائم الحرب،على قول فريق

ص: 57

من المفسّرين من أهل السّنّة ، و من كلّ الغنائم و الفوائد و الأرباح، من التّجارة و الصّناعة و الزّراعة و الغَوْص و الكنز و المعادن وغير ذلك ... في ما جاء في التّفسير عن أئمّة أهل البيت :، و تبعهم في ذلك المفسّرون من المسلمين الشّيعة ... و ربّما كانت وجهة النّظر الأُولى، تنطلق من سياق الآية الواقعة في أجواء معركة بدر، ممّا يوحي بأنّها تتحدّث عن قضايا المعركة وأحكامها.أمّا وجهة النّظر الثّانية، فتنطلق من القاعدة الّتي تقول: إنّ المورد لايخصّص الوارد، و إنّ المناسبة لاتخصّص الآية. و كلمة < الغنيمة > مطلقة في الآية، و على هذا الأساس كان مذهب أهل البيت في أنّ الخُمس يشمل الفوائد و الأرباح من كلّ المداخيل الماليّة { فَاَنَّ للهِ‚ خُمُسَهُ } بعد توزيع الأربعةأخماس على المقاتلين، أو إبقائها لصاحب المال.

ما معنى أن يكون لله سهم؟

و لكن ما معنى أن يكون لله سهم و هو المالك لكلّ شيء في السّماوات و الأرض؟

و قد أجاب البعض بأنّه قد ذُكر للتّبرّك، أو لما يُشبه ذلك. و لكن ربّما كان الأقرب إلى الجوّ التّشريعيّ في الآية، أن يكون سهم الله من أجل الغايات الّتي ترتبط باسم الله، كسبيل الله و نحوه... و لعلّ السّياق يبعد عن موضوع التّبرّك، لأ نّه ذُكِر بالطّريقة نفسها الّتي ذُكرت فيها بقيّة الأصناف، { وَ لِلرَّسُولِ } في ما يحتاجه في شؤونه العامّة المتعلّقة بشخصيّته الرّسوليّة، لابلحاظ ذاته بصفته الشّخصيّة، لأنّ الله سبحانه قد جعلها له بصفة المسؤوليّة العامّة، ممّا يوحي بدَور المسؤوليّة في قضيّة هذه الضّريبة.

ذوو القربى في الآية:

{ وَ لِذِ ى الْقُرْبى } و هو الإمام المعصوم، في تفسير أهل البيت : و لذا أفرده بالذّكر و قرابة الرّسول بقول مطلق، في أقوال المفسّرين الآخرين، { وَ الْيَتَامى } الّذين فقدوا آباءهم، { وَ الْمَسَاكينِ‘ } الّذين لايملكون العيش الكريم الّذي يكفيهم في سنتهم، أو من هم أكثر بؤسًا من ذلك. { وَ ابْنِ السَّبيلِ‘} الّذي انقطعت به الطّريق، فلم يكن لديه المال الذّي يستعين به للرّجوع إلى بلده.

و تضافرت الأحاديث عن أئمّة أهل البيت : بتخصيص هذه الأصناف، بأيتام آل بيت الرّسول(صلی الله علیه و آله) و مساكينهم و أبناء سبيلهم، و لكن جمهور المفسّرين أطلقوا ذلك. و ربما استوحى بعضهم من بعض الأحاديث أنّ هذا التّقسيم على سبيل المورد والمصرف لاعلى سبيل التّخصيص، و لذا فإنّ وليّ الأمر يعطيهم ما ينقص عن حاجتهم، كما يأخذ منهم ما يزيد عليها.

لما ذا تأخّر تطبيق هذا التّشريع عن زمن الرّسول؟

و هناك عدّة أسئلة يوجّهها بعض الباحثين حول السّرّ في تأخّر تطبيق هذا التّشريع عن زمن الرّسول(صلی الله علیه و آله) حتّى عهد الأئمّة : مع أنّه يتّسع لما لاتتّسع له الزّكاة، لشموله لبعض الموارد الّتي لاتجب فيها الزّكاة، كما أنّ كمّيّته أكثر منها ؟!

و أجاب بعض المحقّقين عن ذلك بأ نّنا نلاحظ في بعض رسائل الرّسول(صلی الله علیه و آله) إلى القبائل الّتي دخلت في

ص: 58

الإسلام، أنّه يأمرهم فيها بالخمس، في الوقت الّذي لم تكن لديهم أيّة ظروف حربيّة تسمح بوجود الغنائم.

و قد أثار بعض آخر عدم التّحدّث في القرآن عن الخمس إلا في هذه الآية، مع أنّه تحدّ ث عن الزّكاة في أكثر من مرّة.

و أُجيب عنه، بأنّ المقصود ما يشمل كلّ الضّرائب الماليّة حتّى الخمس، باعتبار أنّها تُزكّي المال وتنميه.

(10: 383)

الأُصول اللُّغويّة

1 الأصل في هذه المادّة الخَمْس: العدد المعروف، يقال في التّذكير:

خَمْسَة رجال، و في التّأنيث: خَمس نِسوَة، وصُمنا خَمْسًا من الشّهر، فيغلّبون اللّيالي على الأيّام إذا لم يذكروا الأيّام، و صُمنا خَمْسَة أيّام، و له خَمْسٌ من الإبل، و إن عنَيتَ جمالا ، لأنّ الإبل مؤنّثة، و كذلك له خَمْسٌ من الغنم، و عندي خَمْسَة دراهم، وعندي خَمْسَة الدّراهم، وعندي خَمْسُ القدور، و هذه الخمسة دراهم. و خمَسَهم يَخمِسُهم خَمْسًا: كان لهم خامسًا، و أخمَسَ القوم: صاروا خمسة.

و حَبْل مخموس: من خمس قُوى، يقال: خَمَس الحبل يَخمِسه خَمْسًا، أي فتله على خَمْس قُوى، و رُمح مخموس: طوله خمس أذرع، و شيء مخمّس: له خمسة أركان، والمخمّس من الشّعر: ما كان على خمسة أجزاء.

و الخُماسيّ: ما بلغ خمسة، يقال: غلام خُماسي، أي طوله خمسة أشبار، و جارية خُماسيّة: طولها خمسة أشبار، و ثوب خُماسي و خميس و مخموس: طوله خمسة.

و الخِمْس: من أظماء الإبل، و هو أن ترد الإبل الماء اليوم الخامس، و الجمع: أخماس، يقال: خمَسَت الإبل، و أخمس صاحبها، أي وردت إبله خِمْسًا، و الإبل خامسة وخَوامس، و صاحبها مُخمِس.

و فلاة خِمْس، إذا بَعُد وِرْدها حتّى يكون وِرْد النّعَم اليوم الرّابع، سوى اليوم الّذي شربت و صدرت فيه، وخِمْس بَصْباص و قعقاع و حثحاث، إذا لم يكن في سيرها إلى الماء وتيرة ولافتور لبُعْده، و التّخميس في سقي الأرض: السّقية الّتي بعد التّربيع.

و الخِمْس: ضَربٌ من بُرُود اليمن، نسبة إلى ملِك باليمن يقال له:الخِمْس، أمر بعمل هذه الثّياب، و في المثل: < ليتنا في بُردة أخماس >، أي ليتنا تقاربنا، و يراد بأخماس أي طولها خمسة أشبار.

و الخُمْس و الخُمُس و الخِمْس: جزءٌ من خمسة، و الجمع: أخماس، يقال: خَمَسَهم يَخمُسهم خَمْسًا، أي أخذ خُمْس أموالهم. و يقال مجازًا: فلان يضرب أخماسًا لأسداس، أي يسعى في المكر و الخديعة، و أصله من أظماء الإبل.

و الخميس: من أيّام الأُسبوع، و الجمع: أخمسة و أخمساء وأخامس، سمّي بذلك، لأ نّه اليوم الخامس من الأُسبوع، يقال: مضى الخميس بما فيه.

و الخميس: الجيش، لأ نّه خمس فِرَق: المقدّمة و القلب والميمنة و الميسرة و السّاقة، أي المؤخّرة، أو

ص: 59

لأ نّه تُخمّس في الغنائم.

2 و الخمسون: اسم عدد يُعطَف عليه كسائرالعقود، ولم يعدّ النّحاة هذا الضّرب من العدد جمعًا مذكّرًا سالمًا، بل ألحقوه به، و حجّتهم أ نّه لاواحد له من لفظه.

و لكن ما يمنع لوجعلنا عشرين و ثلاثين و أربعين وخمسين و ستّين و سبعين و ثمانين و تسعين، جمعًا لعشر و ثلاث و أربع و خمس و ستّ و سبع و ثمان و تسع

و قد جاءت العقود جمعًا لهذه الأعداد في سائر اللّغات السّاميّة، فلفظ خَمْس مثلا في اللّغة العبريّة < حَمْشَه >، و في الآراميّة < حَمْشا >، و في السّريانيّة < حَمِش >، و جمعه في العبريّة: < حَمْشيم >، و في اللّغتين الأُخريين: < حَمْشين >.

الاستعمال القرآنيّ

جاء منها العدد بأربعة ألفاظ: ( خَمْسَة ) ثلاث مرّات، و ( خَمْسين‘ ) و ( الخَامِسَة ) كلّ منهما مرّتين، و ( خُمُس ) مرّة في 8 آيات:

1 خمسة و خمسين و الخامسة

1 {... وَ يَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ ...} الكهف: 22

2 {...مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلثَة اِ’لا هُوَ رَابِعُهُمْ وَ لا خَمْسَة اِلا هُوَ سَادِسُهُمْ} المجادلة: 7

3 {...يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ الاف مِنَ الْمَلئِكَةِ’ مُسَوِّ مينَ ‘} آل عمران : 125

4 { تَعْرُجُ الْمَلئِكَةُ’ وَ الرُّوحُ اِلَيْهِ فى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسينَ‘ اَلْفَ سَنَة }

المعارج: 4

5 {...فَلَبِثَ فيهِمْ اَلْفَ سَنَة اِلا خَمْسينَ‘ عَامًا...}

العنكبوت: 14

6 { وَ الْخَامِسَةُ اَنَّ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ اِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبينَ ‘} النّور: 7

7 { وَالْخَامِسَةَ اَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْهَا اِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقينَ‘ } النّور: 9

2 خُمُس

8 { وَ اعْلَمُوا اَ نَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَىْء فَاَنَّ للهِ‚ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ...} الأنفال: 41

و يلاحظ أوّ لا : أ نّه جاء من هذا العدد الألفاظ التّالية: خمسة، و خمسون، و خامسة، و خُمُس، و فيها بُحُوثٌ:

1 أخبر الله بما سيقوله النّاس في عدد أصحاب الكهف رجمًا بالغيب في (1) : { سَيَقُولُونَ ثَلثَةٍ’ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَ يَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَ يَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَ ثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ }، فذكر ثلاثة أقوال لهم من الثّلاثة إلى الثّمانية، و يجوز أن يكون بينهما قولان آخران: الأوّل: بين الأربعة و الخمسة، و تقديره: و يقولون أربعة خامسهم كلبهم، و الثّاني: بين السّتّة و السّبعة، و تقديره: و يقولون ستّة سابعهم كلبهم، فتكون الأقوال خمسة.

بيد أنّ هذا التّقدير يخلّ بنسق الآية و سياقها،إذ صِيغ معناها بإيجاز و ترتيب، دون إسهاب و اقتضاب، فاشتملت على الثّلاثة حتّى الثّمانية، و جاء ما يخص الفتية من الأعداد وَترًا، و ما يخص كلبهم شَفعًا، و لعلّ

ص: 60

ذلك إشارة إلى أنّهم كانوا بهذا النّسق، و لكن { قُلْ رَبّىاَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ اِلا قَليلٌ‘ }.

2 إن قيل:لِمَ ابتدئ بالثّلاثة و الأربعة و عطف عليه الخمسة و السّتّة في(2):{ اَلَمْ تَرَ اَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِى السَّموَاتِ’ وَمَا فِى الاَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلثَة’ اِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَ لا خَمْسَة اِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا اَدْنى مِنْ ذلِكَ’ وَلا اَكْثَرَ اِلا هُوَ مَعَهُمْ اَيْنَ مَا كَانُوا }؟

يقال: إنّ الثّلاثة أدنى الجمع، و هو يناسب قوله: { وَلا اَدْنى مِنْ ذلِكَ’ وَلا اَكْثَرَ } ، فلو قال: مايكون من نجوى اثنين إلا هو ثالثهم، لكان أدنى الاثنين الواحد، و لانجوى إلا بين اثنين فأكثر و هو لايغني عن ذكر قوله: { وَلا خَمْسَة اِلا هُوَ سَادِسُهُمْ }، لأ نّه جاء تأكيدًا هنا لإحاطة الله تعالى بأسرار المنافقين و اليهود و نجواهم و إن كثروا، فلذا عطف عليه.

3 شرط الله على المسلمين الصّبر و التّقوى لإمدادهم بالملائكة في (3):

{بَلى اِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَاْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذَا يُمْدِدْ كُمْ رَ بُّكُمْ بِخَمْسَةِ الاف مِنَ الْمَلئِكَةِ’ مُسَوِّمينَ‘ } و هذا أكثر عدد من الملائكة، و يليه في كثرتهم ما جاء في الآية السّابقة من هذه السّورة: { اِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنينَ‘ اَلَنْ يَكْفِيَكُمْ اَنْ يُمِدَّ كُمْ رَ بُّكُمْ بِثَلثَةِ ’

ا لاف مِنَ الْمَلئِكَةِ’ مُنْزَلينَ‘ }، ثمّ قوله: { اِِذْ تَسْتَغيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ اَنّى مُمِدُّكُمْ بِاَلْف مِنَ الْمَلئِكَةِ’مُرْدِفينَ‘} الأنفال: 9.

كما ذُكر عَدَدان آخران للملائكة في غير الإمداد في الحرب: الأوّل: عدد من يحمل العرش منهم يوم القيامة: { وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْ قَهُمْ يَوْمَئِذ ثَمَانِيَةٌ } الحاقّة : 17، و الثّاني: عدد خزنة جهنّم:{ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ } المدّثّر: 30.

4 ذكر في (5) و هي راجعة إلى يوم القيامة أيضًا مدّة عروج الملائكة و الرّوح إلى السّماء: { تَعْرُجُ الْمَلئِكَةُ’ وَالرُّوحُ اِلَيْهِ فى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسينَ‘ اَلْفَ سَنَة }، فقال بعض: إنّ هذا العدد مجاز، و هو تمثيل لطول مدّة القيامة في الموقف و ما يلقى النّاس فيه من الشّدائد. و قال آخرون: إنّه حقيقة، و المراد به أ نّه لو أراد أحد أن يقطع المسافة الّتي قطعها الملائكة في يوم واحد، لقطعها في خمسين ألف سنة.

فلو كان المراد به التّمثيل فيحكى عن الكثرة، من غير حدّ دون عدد خاص، فينطبق على ما اصطلح عليه الفلكيّون المتأخّرون < السّنة الضّوئيّة >.

و هي تساوي عندهم 9461 مليار ( بليون )كيلومتر، أي 9460800000000 كيلومتر على الأدقّ. و هي المسافة الّتي يقطعها الملائكة في يوم واحد خلال عروجهم إلى المكان الّذي هو محلّهم، وهو في السّماء، أو الموضع الّذي يأمرهم الله به.

و إذا أردنا أن نعرف بُعْد هذه المسافة عن الأرض بالزّمن ، قسّمنا هذا العدد على وحدة السّنة الضّوئيّة (300000)، و هو سرعة الضّوء في الثّانية، فيكون النّاتج:1576800000000 سنة ضوئيّة، و هذا عدد كثير جدًّا إذا ما قيس ببُعد الشّمس عن الأرض مثلا ، فهي تبعد عن كوكبنا مسافة 150 مليون كيلومتر، أي تبعد عنّا 500 سنة ضوئيّة!

ص: 61

و لكن كلّ ذلك خاص بهذا العالم، دون عالم الآخرة اللّتي تتحدّث الآية عنها، فلاوجه لانطباقها على ما اصطلح عليه الفلكيّون، الّذين لاشأن لهم بعالم الآخرة.

5 إن قيل: لم اختصر العدد في (5): { فَلَبِثَ فيهِمْ اَلْفَ سَنَة اِلا خَمْسينَ‘ عَامًا } و هو مدّة لبث نوح النّبيّ (علیه السلام) في قومه يدعوهم إلى دينه و كان الأصل فيه : تسعمئة و خمسين ، أو خمسين و تسعمئة؟يقال: كانت العرب تعزف عن الحساب و لاتخوض في الأعداد، و روي عن النّبيّ(صلی الله علیه و آله) أنّه قال: < إنّا أُمّة أُمّيّة، لانحسب و لانكتب >. فلفّق هنا بين الألف.و الخمسين تلفيقًا حسنًا، فاستغنى عن ذكر ثلاثة أعداد، كما في جميع مواضع القرآن، و نظيره قوله : { وَلَبِثُوا فى كَهْفِهِمْ ثَلثَ مِائَة سِنينَ‘ وَازْدَادُوا تِسْعًا } الكهف: 25، إذ لم يقل: ثلاثمئة و تسعًا ، فيجمع ثلاثة أعداد تباعًا.

[لاحظ جواب هذا السّؤال أيضًا في:أ ل ف: < اَلْف سَنَة > الآية:4، النُّصوص التّفسيريّة]

6 جاء العدد < الخامسة > على وزن < فاعلة > في (6): { وَالْخَامِسَةُ اَنَّ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ اِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِِ بينَ‘ } و في (7): { وَالْخَامِسَةَ اَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْهَا اِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقينَ‘ }، صفة لموصوف محذوف، و التّقدير: الشّهادة الخامسة.

و الغالب في < فاعل > و < فاعلة > من العدد مجيئه صفة ، سواء كان محلّى ب <أل > أم مجرّدًا منها دون أن يضاف، و نظيره: { سُبْحَانَهُ هُوَ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } الزّمر: 4، و { اِنَّ هذِهِ اُمَّتُكُمْ اُمَّةً وَاحِدَةً } الأنبياء: 92، و { وَمَنوةَ الثَّالِثَةَ الاُخْرى } النّجم: 20.

7 اُسند الخُمس في (8) إلى الله و الرّسول و ذي القربى و اليتامى و المساكين و ابن السّبيل: { وَاعْلَمُوا اَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَىْء فَاَنَّ للهِ‚ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبى وَالْيَتَامى وَالْمَسَاكينِ‘ وَابْنِ السَّبيلِ‘ }، و قُدّم لفظ الجلالة( للهِ‚ ) على اسم ( اَنّ ) للحصر، أي إثبات خُمس الغنيمة لله خاصّة و من عطف عليه عامّة. و لعلّ الخصوص هنا يفيد ثبات هذا الحكم له تعالى دون انقطاع، سواء في حياة الرّسول أم بعده، أو للتّبرّك و أنّ كلّشيء ملكه لله خاصّة كما سبق في النُّصوص. فتأمّل.

8 و الخلاف البيّن في الآية إضافة إلى ما بين المذاهب الفقهيّة عند أهل السّنّة من الخلاف، هو ما وقع بينها و بين المذهب الإماميّ من أنّ الخُمس بسهامه السّتّة خاص بالإمام من آل البيت: و ذرّ يّتهم، لاتحلّ لأحد غيرهم، كما جاء في النُّصوص تفصيلا ، فلاحظ.

ثانيًا: ثلاث منها: (1 و 4 و 5)مكّيّة، واحدة (4) تنديد للمشركين، و اثنتان قصّة، و الباقي كلّها تشريع مدنيّ.

ثالثًا: ليس للأعداد نظائر إلا معاني تدلّ على

الجمع من ثلاثة إلى العشرة أو أكثر:

البضع: { فَلَبِثَ فِى السِّجْنِ بِضْعَ سِنينَ‘ }

يوسف:42

الطّائفة: { فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْ قَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فىِ الدّينِ } التّوبة:122

ص: 62

القبيلة: { يَا ءَ يُّهَا النَّاسُ اِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ اُ نْثى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا اِنَّ اَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ اَتْقيكُمْ ’اِنَّ اللهَ عَليمٌ‘ خَبيرٌ‘ }

الحجرات: 13

الرّهط: { وَلَوْ لا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا اَنْتَ عَلَيْنَا

بِعَزيز‘ } هود: 91

النّفر: { قُلْ اُوحِىَ اِلَىَّ اَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ }

الجنّ: 1

القوم: { يَا ءَ يُّهَا الَّذينَ‘ ا مَنُوا لايَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ} الحجرات: 11

ص: 63

ص: 64

خ م ص

اشارة

مَخْمَصَة

لفظ واحد، مرّتان، في سورتين مدنيّتين.

النُّصوص اللُّغويّة

الخَليل: الخَمُص: خَماصَة البطن، و هو دقّة خلقته.

و الخَمْص: الخمَص و المَخْمَصَة. أيضًا: خَلاء البطن من الطّعام.

و امرأة خميصة البطن خُمْصانَة. و هنّ خُمْصانات.

و فلان خميص البطن من أموال النّاس، أي عفيف عنها، و هم خِماص البطون.

و الطّير تغدو خِماصًا و تروح بِطانًا.

و الخميصة: كِساء أسود مُعْلَم من المِرْعِزّى و الصّوف و نحوها.

و الأخمَص: خَصْر القدَم، و الأخمَص: باطن القدم.[ثمّ استشهد بشعر]

و الجميع: الأخامص. و الخَمْصَة: بطن من الأرض صغير، ليّن المَوطِئ. (4: 191)

اللّيث: الأخمَص: خَصْرالقدَم، و الخَمْصَة: بطن من الأ رض صغير ليّن المَوطِئ.

و التّخامص: التّجافي عن الشّيء. [ثمّ استشهد بشعر]

(الأزهَريّ7: 156)

أبوزَيْد: يقال: خمَصَ الجُرْح يَخمُص خُمُوصًا، و حمَص يَحمُص حُمُوصًا، وانخَمَص انخماصًا ، وانحَمَص انحماصًا، إذا ذهب وَرَمُه. [بالحاء و الخاء]

(الإبدال: 99)

الأصمَعيّ: الخمائص: إنّها ثياب من خزّ أو صوف، و هي مُعلَمَة، و هي سود كانت من لباسالنّاس. (أبوعُبَيْد 1: 138)

أبوعُبَيْد: الخميصة: كِساء أسود مربّع له علَمان.

ص: 65

[ثمّ استشهدبشعر] (الأزهَريّ 7: 156)

ابن أبي اليمان: و الخَمْص: ضُمُورالبطن من الجوع. (487)

المُبَرِّد: سألت ابن الأعرابيّ عن قول عليّ 2 : «كان رسول الله (صلی الله علیه و آله) خُمْصان الأخمَصَين» فقال: إذا كان خَمَص الأخمَص بقدر لم يرتفع جدًّا، و لم يستو أسفل القدم جدًّا فهو أحسن ما يكون، و إذا استوى أو ارتفع جدًّا فهوذمّ. (الأزهَريّ 7: 157)

ابن دُرَيْد: و الخَمْص من قولهم: خَمِص بطنه يَخمَص خَمَصًا، و رجل خميص؛ و الجمع: خُمُص، إذا كان ضامر البطن.

و أكثر ما يقال: خميص البطن، فإذا قالوا: خُمْصان لم يذكروا البطن.

و الخَمْص: الجوع، و مثَل من أمثالهم: <لابدّ للبِطْنة من خَمْصَة تتبعها> و أخمَصُ القدم: بطنها اللاحق، أي المرتفع الّذي لايصيب الأرض؛ و الجمع: أخامص.

و المَخمَصَة: المَجاعَة، و كذلك فُسّر في التّنزيل.

و الخميص: الجائع. و قد قالوا: رجل خَمْصان

و امرأة خَمْصانة، بفتح الخاء.

و ربّما قالوا خُمْصان البطن، و بطن خميص

و خُمْصان .

و الخميصة : كِساء مربّع مُعْلَم ، كان النّاس يلبسونها في ما مضى. و أكثر ما تكون سوداء . [و استشهد بالشّعرمرّتين]

(2: 227)

الأزهَريّ: و في الحديث: «خِماص البطون خِفاف الظّهور».

و في حديث آخر في الطّير: «تغدوا خِماصًا و تروح بطانًا» أراد أنّها تغدو جياعًا و تروح شباعًا...

و يقال للرّجل: تخامَصْ للرّجل عن حقّه و تجافَ له عن حقّه، أي أعطِه.

و تخامَصَ اللّيل تخامُصًا إذا رقّت ظلمته عند و قت السّحر. [ثمّ استشهد بشعر] (7: 155)

الصّاحِب: [ اكتفى بنقل قول الخَليل و ابن زَيْد و الأزهَريّ] (4: 254)

الجَوهَريّ: خمَصَ الجُرح: لغة في <حَمَص>، أي سكن وَرَمُه. ذكره ابن السّكّيت في كتاب القلب و الإبدال.

و الأخمَص: ما دخل من باطن القدم فلم يُصب الأرض.

و رجل خُمْصان و خميص الحَشا، أي ضامر البطن؛ و الجمع: خِماص. و امرأة خميصة و خُمْصانة، عن يعقوب.

و الخَمْصَة: الجَوْعَة. يقال: ليس للبِطنَة خير من خَمْصَة تتبعها.

و المَخْمَصَة: المَجاعَة، و هومصدر،مثل المَغْضَبَة

و المَعْتَبة. و قد خَمَصَه الجوع خَمْصًا و مَخمَصَةً.و الخميصة: كِساء أسود مربّع له علَمان. فإن لم يكن مُعْلَمًا فليس بخميصة. [ثمّ استشهد بشعر]

(3: 1038)

ابن فارِس: الخاء و الميم والصّاد أصل واحد يدلّ على الضُّمْر و التّطامن، فالخميص: الضّامر البطن؛ و المصدر: الخَمْص. و امرأة خُمْصانَة: دقيقة الخَصْر.

ص: 66

و يقال لباطن القدم: الأخمَص. و هو قياس الباب، لأ نّه قد تداخل.

و من الباب المَخمَصَة، و هي المَجاعَة؛ لأنّ الجائع ضامر البطن.

و يقال للجائع: الخميص و امرأة خَميصَة.

فأمّا الخميصة فالكِساء الأسود.

فإن قيل: فأين قياس هذا من الباب؟

فالجواب أنّا نقول على حدّ الإمكان و الاحتمال: إنّه يجوز أن يسمّى خميصة، لأنّ الإنسان يشتمل بها فيكون عند أخمَصِه، يريد به: وسطه. فإن كان ذلك صحيحًا و إلا عُدّ فيما شذّ عن الأصل. [واستشهد بالشّعرمرّتين]

(2: 220)

الهَرَويّ: في صفة رسول الله (صلی الله علیه و آله) : « خُمْصان الأخَمصَين». الأخمَصُ من القدم: الّذي لايلصق بالأرض في الوطء من باطنها، أخبر أنّ ذلك الموضع من رجله شديد التّجافي عن الأرض، و أنّه لم يكن أرْوَحَ، و هوالّذي يستوي باطن رجله. و سمّي الأخمص أخمص، لظهوره و دخوله في الرِّجل. و رجل خُمْصان، و امرأة خُمْصانَة إذا كانا ضامري البطن.

و في الحديث: «خِماص البطون خِفاف الظّهور» الخِماص: جمع الخميص البطن، و هو الضّامر، أخبر أنّهم الجفاء((1))

عن أموال النّاس.

و منه الحديث: «أنّ الطّير تغدو خِماصًا وتروح بطانًا». (2: 598)

الثّعالبيّ: إذا كانت لطيفة البطن، فهي: هيفاء. وقبّاء، و خُمْصانة. (166)

ابن سيده: الخُمْصان و الخَمْصان: الجائع الضّامر البطن؛ و الأُنثى: خُمْصانة و خَمْصانة؛ و جمعهما: خِِماص . و لم يجمعوه بالواو ، و إن دخلت الهاء في مؤنّثه، حملا له على <فعلان> الّذي أُنثاه فَعْلى، لأ نّه مثله في العدّة و الحركة و السّكون.

و حكى ابن الأعرابيّ: امرأة خَمْصَى.

و قد خَمِص بطنه يَخمَص، و خَمُصَ خَمْصًا و خَمَصًا ، و خَماصَةً.

و الخَميص: كالخُمْصان، والأُنثى: خميصة.

و المِخْماص: كا لخميص.

و الخَمْص و الخَمَص، و المَخمَصَة: الجوع.

و فلان خميص البطن عن أموال النّاس، أي عفيف.

و الأخمَص: باطن القدم، و مارقّ من أسفلهاو تجافَى عن الأرض.

و الخَمْصَة: بطن من الأرض صغير، ليّن المَوطِئ.

وخمَص الجرح يَخمُص خَمُوصًا، و انخمص: ذهب وَرَمُه كحمَص وانحمَص حكاه يعقوب وعدّه في البدل.

قال ابن جنّيّ: لاتكون الخاء فيه بدلا من الحاء، و لاالحاء بدلا من الخاء؛ ألا ترى أنّ كلّ واحد من المثالين يتصرّف في الكلام تصرّف صاحبه، فليست لأحدهما مزيّة من التّصرّف، و العموم في الاستعمال يكون بها أصلا ليست لصاحبه.

ص: 67


1- (1) الظّاهر: <أ نّهم أعفّاء عن أموال النّاس> كما جاء في النّهاية و اللّسان.

و الخميصة: كساء أسود مربّع له علَمان.

و قيل الخمائص: ثياب من خزّ ثِخان، سُود و حُمُر، و لها أعلام ثخان أيضًا.

و خُماصَة: اسم موضع. [واستشهد بالشّعر 3 مرّات] (5: 68)

الطُّوسيّ: و المَخمَصَة <مَفعَلَة>، مثل المَجنَبَة و المَنجَلَة، من خَمْص البطن و هو طيّه، و اضطماره من الجوع، و شدّة السّغب هاهنا دون أن يكون مخلوقًا كذلك.

و قال بعض نحويّي البصريّين: المَخمَصَة: المصدر من: خمَصَه الجوع. و غيره يقول: هو اسم للمصدر، و كذلك تقع <المَفعَلَة> اسمًا في المصادر للتّأنيث، و التّذكير. [و استشهدبالشّعرمرّتين]

(3: 436)

الرّاغِب: قوله تعالى: {فى مَخْمَصَةٍ} أي مَجاعَة تورث خَمْص البطن، أي ضموره. يقال: رجل خامص، أي ضامر، و أخمَص القدم: باطنها و ذلك لضمورها. (159)

الزّمَخْشَريّ: خمَصَ بطنه بثلاث لغات خَمْصًا،

و هو خميص البطن، و هي خميصة البطن، و هو خُمْصان، و هي خُمْصانَة، و هو خميص البطن من الجوع، و هم خِماص و هنّ خمائص.

و أصابتهم مَخمَصَة و خَمَص و خَمْصَة.

و ليس للبِطنَة خير من خَمْصَة تتبعها.

و لبس خميصةً، و هي كساء أسود مُعْلَم، و كأنّ أخمَصَها منتعل بالشّوك.

و من المجاز: زَمَنٌ خميص: ذومَجاعَة.

و هو خميص البطن من أموال النّاس: عفيف عنها.

و في الحديث «خِماص البطون من أموال النّاس خِفاف الظّهور من دمائهم».

و كلّ شيء كرهت الدُّنوّ منه فقد تخامصتَ عنه. تقول: مَسِسْتُه بيدي وهي باردة فتخامص عن بَرْد يدي.

و تخامص لفلان عن حقّه، و تجافَ له عن حقّه، أي أعطِه.

و قدتخامَص اللّيل، إذا رقّت ظلمته عند وقت السّحر.[واستشهد بالشّعر 4 مرّات]

(أساس البلاغة: 120)ابن الأثير: و منه حديث جابر: « رأيت بالنّبيّ (صلی الله علیه و آله) خَمْصًا شديدًا». و يقال: رجل خُمْصان و خميص، إذا كان ضامر البطن؛ و جمع الخميص: خِماص.

و منه الحديث: «كالطّيرتغدو خِماصًا و تروح بِطانًا» أي تغدو بُكرة و هى جياع، و تروح عِشاء و هى ممتلئة الأجواف.

و فيه: «جئت إليه و عليه خَميصَة جَونيّة» قد تكرّر ذكر <الخميصة> في الحديث، و هي ثوب خزّ أو صوف مُعْلَم.

و قيل: لاتسمّى خميصةً إلا أن تكون سوداء مُعْلَمَة، و كانت من لباس النّاس قديمًا؛ و جمعها: الخمائص. (2: 80)

الفَيُّوميّ: الخَميصَةُ: كِساء أسود مُعْلَم الطّرفين، و يكون من خزّ أوصوف، فإن لم يكن مُعْلَمًا فليس بخميصة.

ص: 68

و خَمِص القدم خمَصًا من باب <تعب>: ارتفعت عن الأرض فلم تمسّها، فالرّجل أخْمَصُ القدم، و المرأة: خَمْصَاء؛ و الجمع: خُمْصٌ، مثل أحمَر و حمراء و حُمْر،لأ نّه صفة.

فإن جمَعتَ القدَم نفسها قلت: الأخَامِص، مثل الأفضل والأفاضل، إجراءً له مجرى الأسماء.

فإن لم يكن بالقدَم خمَص فهي رَحّاءُ ب < راءٍ

و حاءٍ> مشدّدة مهملتين، و بالمدّ.

و المَخمَصَة: المَجاعَة و خَمُص الشّخص خُمْصًا فهو خميص، إذا جاع، مثل قرُب قُربًا فهو قريب.

(1: 182)

الفيروزاباديّ: خمَصَ الجُرح و انخمص: سكن وَرَمُه.

و الخَمْصَة: الجَوْعَة، و بطن من الأرض صغير ليّن الموطِئ.

و المَخمَصَة: المَجاعَة، و قد خَمَصَه الجُوع خَمْصًا و مَخمَصَة.

و خَمِص البَطن، مثلّثة الميم: خلا.

و المَخْمِص، كمنزل: اسم طريق.

و رجل خُمْصان، بالضّمّ و بالتّحريك، و خميص الحشا: ضامر البطن، و هي خُمْصانة، و خميصة، من خمائص. و هم خِماص: جياع.

و الخميصة: كِساء أسود مربّع له علَمان.

و تخامَص عنه: تجافى، و اللّيل: رقّت ظُلمتُه عند السّحر.

و تخامَصْ عن حقّه، أي أعطِه.

والأخمَص من باطن القدم: ما لم يصب الأرض، وكان (صلی الله علیه و آله)، خُمْصان الأخمَصَيْن. (2: 313)

الطُّرَيحيّ: فى حديث المشتبه موته: «فإذا رأيته قد خمَصَ وجهُه و سالت عينه اليُمنى فاعلم أنّه ميّت».

قوله: «خمَص وجهُه» أي سكن وَرَمُه من خمَص الجُرح، إذا سكن وَرَمُه. و قوله: <فاعلم أنّه> أي قد مات.

و أخمَصُ القدَم: باطنها الّذي لايصيب الأرض، يقال: خَمِصَت القدم من باب <تعب>: ارتفعت عن الأرض، فلم تمسّه. (4: 169)

مَجْمَعُ اللُّغة: المَخمَصَة: المَجاعَة و خَلاء البطن، و هي مصدر كالمَغضَبَة و المَعتَبَة.

يقال: خَمِص البطن يَخمَص و خَمُص يَخمُص، و خمَصَه الجُوع خَمْصًا و خُمُوصًا و مَخمَصَة: جعله خميص البطن. (1: 365)

محمّدإسماعيل إبراهيم: خمِص: ضمر بطنه من الخلوّمن الطّعام.

و المَخمَصَة: المَجاعَة الشّديدة الّتي تجعل الإنسان خميص البطن، أي ضامره. (1: 175)

المُصْطَفَويّ:الأصل الواحد في هذه المادّة: هونحو من التّقَعّر و الميل إلى الدّاخل، و هوحادث أو غير متوقّع. و التّقَعّرأعمّ منه.

و مفهوم التّطامن و سكون الورَم و دقّة الخَصْر والضُّمر، يلاحظ في كلّ منها هذه الخصوصيّة. و أمّا الكِساء المُعْلَم، أي المطَرّز بطراز من أطرافه، فكأنّ وسطه قد حصل له التّقَعّر.

ص: 69

{لايُصيبُهُمْ ظَمَاٌوَ لانَصَبٌ وَ لامَخْمَصَةٌ فى سَبيلِ‘ اللهِ} التّوبة: 120، { فَمَنِ اضْطُرَّ فى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لاِ‚ثْمٍ } المائدة: 3 ، يراد الجوع.

و لكنّ المَخمَصَة أشدّ دلالة منه، فإنّها جوع يصل إلى حدّ تقعّر البطن و ضُمْره، و يمكن تعميم مفهومه لكلّ ضُمْر في البدن من بطنه و خَصْره و جنبه و وجهه، و هو يحصل في أثر الابتلاء. وهذا المعنى يعبّر عنه بالفارسيّة ب <فرورفتگي>.

و يدلّ على مفهوم الشّدّة في الجوع في كلمة <المَخمَصَة> أو الابتلاء الموجب للضُّمر: الآية الثّانية، فإنّ الاضطرار و رفع التّكليف لايتحصّل بالجوع المطلق.

و هذا لطف التّعبيربهذه المادّة في الموردَين، مضافًا إلى التّعبير بصيغة المصدر الميميّ، فإنّه آكد دلالة من مطلق المصدر. (3: 133)

النُّصوص التّفسيريّة

1 ...فَمَنِ اضْطُرَّ فى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لاِ‚ثْمٍ فَاِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحيمٌ‘ المائدة: 3

ابن عبّاس: في مَجاعَة. (88)

مثله قَتادَة و السُّدّيّ (الطّبَريّ4: 424)، و أبو عُبَيْدَة (1: 153)، و الزّمَخْشَريّ (1: 594).

معناه: فمن دعَتْه الضّرورة في مَجاعَة حتّى لايمكنه الامتناع من أكله.

مثله قَتادَة و السُّدّيّ. (الطَّبْرِسيّ 2: 159)

ابن زَيْد: الجُوع. (الطّبَريّ4: 425)

ابن قُتَيْبَة: المَخمَصَة: المَجاعَة. و الخَمْص: الجُوع (141)

الطّبَريّ: يعني تعالى ذكره بقوله:{فَمَنِ اضْطُرَّ} فمن أصابه ضرّ في مَخمَصَة يعني في مَجاعَة، و هي <مَفعَلَة> مثل المَجبَنَة و المَبخَلَة والمَنجَبَة، من خَمْص البطن، و هو اضطماره. و أظنّه هو في هذا الموضع معنيّ به اضطماره من الجوع و شدّة السّغب، و قد يكون في غير هذا الموضع اضطمارًا من غير الجوع والسّغب، و لكن من خلقة.[و استشهد بشعرين ثمّ قال:]

و كان بعض نحويّي البصرة يقول: المَخمَصَة: المصدرمن خمَصَه الجوع، وكان غيره من أهل العربيّة يرى أنّها اسم للمصدر و ليست بمصدر، و لذلك تقع <المَفعَلَة>اسمًا في المصادرللتّأنيث والتّذكير. (4: 424)

الزّجّاج: أي فمن دعَته الضّرورة في مَجاعَة ، لأنّ المَخمَصَة شدّة ضمور البطن. (2: 148)

نحوه النّحّاس. (2: 262)

الثّعلبيّ: { فى مَخْمَصَةٍ}: مَجاعَة. يقال: هو خميص البطن، إذا كان طاويًا خاويًا ، و رجل خُمْصان و امرأة خمصانة، إذا كانا ضامرين مضيمين، و الخَمْص والخُمْص: الجوع. (4: 17)

الماوَرْديّ: أي في مَجاعَة، و هي <مَفعَلَة> مثل مَجهَلَة و مَبخَلَة و مَجنَبَة و مَخزَية من خَمْص البطن، و هو اصطباره((1)) من الجوع. [ثمّ استشهد بشعر]

(2: 13)

ص: 70


1- (1)هكذا في الأُصول، و الصّواب: اضطماره.من<الضّمور>.

الطُّوسيّ: [نحو الماوَرْديّ و أضاف:]

المَخمَصَة: المصدر من: خمصه الجوع، و غيره يقول: هو اسم للمصدر، و كذلك تقع<المَفعَلَة> اسمًا في المصادر للتّأنيث،و التّذكير.

(3: 437)

الواحديّ: المَخمَصَة: خَلاء البطن من الطّعام جوعًا. (2: 155)

نحوه البغَويّ. (2: 13)

ابن عَطيّة: <المخْمَصَة>: المَجاعَة الّتي تخمص فيها البطون، أي تضمر. و الخَمْص: ضمور البطن، فالخلقة منه حسنة في النّساء، و منه يقال خُمْصانة، و بطن خميص، و منه أخمَصُ القدَم ، و يُستعمل ذلك كثيرًا في الجوع و الغرَث. [ثمّ استشهد بشعر] (2: 155)

وهكذا في أكثر التّفاسير

2 ...مَا كَانَ لاَ‚هْلِ الْمَدينَةِ وَ مَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الاَعْرَابِ اَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ ذ لِكَ بِاَ نَّهُمْ لايُصيبُهُمْ ظَمَاٌ وَ لانَصَبٌ وَ لامَخْمَصَةٌ فى سَبيلِ‘ اللهِ.

التّوبة: 120.

و هي مثل ماقبلها.

الأُصول اللُّغويّة

1 الأصل في هذه المادّة: الخَمَص، أي ضمور البطن و دقّته. يقال: خَمِص بطنُه يَخمَص، و خَمُص يَخمُص خَمْصًا و خَمَصًا و خَماصَةً، أي خلا وضَمُر، و هو خَمْصان و خُمْصان، و هي خَمْصانة و خُمْصانة؛ و الجمع:خِماص، و رجل خميص البطن، و امرأة خميصة البطن، و هنّ خُمْصانات، و المِخْماص: الخميص.

و الخَمْص و الخَمَص و المَخْمَصَة: الجوع، و هو خَلاء البطن من الطّعام جوعًا، و المَخمَصَة: المَجاعَة، و قد خَمَصَه الجوع خَمْصًا و مَخمَصَةً، و الخَمْصَة: الجَوْعَة. يقال: ليس البطنة خيرًا من خَمْصَة تتبعها، و فلان خميص البطن عن أموال النّاس: عفيف عنها، على المجاز.

والأخمص: باطن القدم و مارقّ من أسفلها و تجافى عن الأرض، تشبيهًا بظمور البطن و تداخله ، و الخُمْصان: المبالغ منه، أي أنّ ذلك الموضع من أسفل قدمه شديد التّجافي عن الأرض. و مثله: الخَمْصَة: بطن من الأرض صغير ليّن المَوْطِئ.

و الخميصة: كِساء أسود مربّع له علَمان، فإن لم يكن مُعلَمًا فليس بخميصة؛ و الجمع: خمائص، كأنّ من يلبسه يبدوا خُمْصانًا، أو كما قال ابن فارِس:<لأنّ الإنسان يشتمل بها، فيكون عند أخمَصِه،يرد به وسطه>.

و التّخامص: التّجافي عن الشّيء. يقال: تَخامَصْ للرّجل عن حقّه، و تجافَ له عن حقّه، أي أعطِه، و تخامَص اللّيل تخامُصًا: رقّت ظلمتُه عند وقت السّحر، و هو من هذا الباب.

2 وروى ابن السّكّيت عن أبي زَيْد قوله: <يقال: خمَصَ الجُرح يَخمُص خُمُوصًا، و انخمص انخماصًا، و انحمص انحماصًا، إذا ذهب وَرَمُه>((1))فعدّه

في البدل.

ص: 71


1- (1) الإبدال: 99.

و تعقّبه ابن جنّيّ قائلا : <لاتكون الخاء فيه بدلا من الحاء، و لاالحاء بدلا من الخاء؛ألا ترى أنّ كلّ واحد من المثالين يتصرّف في الكلام تصرّف صاحبه؟ فليست لأحدهمامزيّة من التّصرّف، و العموم في الاستعمال يكون بها أصلا ليست لصاحبه>.((1))

وهذا الكلام عجيب من ابن جنّيّ،وهو المدقّق في كلام العرب والمستقصي لأسراره وخفاياه! إذكيف قاس حكمه على مثال واحد؟ و فاته أنّ مادّة

<ح م ص > تفيد السّكون، أو الجفاف، كما قال معاصره ابن فارِس في <المقاييس>، كقولهم: حمّصَه الدّواء وحمَزَه هو حمَصَه، أي سكّن وَرَمُه((2)).

فهذه مزيّة لمادّة <ح م ص>،ليست لمادّة <خ م ص>، و هذا يدلّ على أنّ لغة الخاء مُبْدَلة من الحاء.

و الأعجب من ذلك أنّ ابن جنّيّ ردّمَن قوله ثَبْتٌ، عاش في القرن الثّاني و الثّالث الهجريّين، و لقي فصحاء الأعراب و شافههم،و أخذ العربيّة عن ثُقاة، كأبي عمرو الشّيبانيّ و الفَرّاء و ابن الأعرابيّو اللِّحيانيّ، و حكى عن الأصمَعيّ و أبي عُبَيْدَة و أبي زَيْد الأنصاريّ و غيرهم!فمن شافه الأعراب حُجّة على من لم يشافههم،و ليس العكس.

الاستعمال القرآنيّ

جاء منها « مَخْمَصَة » مرّتين في آيتين:

1 {... فَمَنِ اضْطُرَّ فى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لاِ‚ثْمٍ فَاِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحيمٌ‘ } المائدة : 3

2 {... ذلِكَ بِاَنَّهُمْ لا يُصيبُهُمْ ظَمَاٌ وَ لا نَصَبٌ وَ لا مَخْمَصَةٌ فى سَبيلِ‘ اللهِ...}

التّوبة : 120

يلاحظ أوّ لا : أنّ هذا اللّفظ وحيد الجذر في القرآن و فيه بُحُوثٌ:

1 رُخّص عند الاضطرار في مَخْمَصَة تناول ما حُرّم في (1) : { ... حُرِّ مَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزيرِ‘ وَمَا اُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّ يَةُ وَالنَّطيحَةُ وَمَا اَكَلَ السَّبُعُ اِِلا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَاَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالاَزْ لامِ}. و وصف حال المضطرّ بالعزوف عن الإثم : { فَمَنِ اضْطُرَّ فى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لاِ‚ثْمٍ فَاِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحيمٌ‘ }، و كأ نّه شرط في التّرخيص و الغفران.

2 عُدّت اللّحوم و الدّم مزيلة للمَخْمَصَة ، و منها الاستقسام بالأزلام ، و هي قداح الميسر ، و ليست سهام الجاهليّين الّتي كانوا يتفاءلون بها في أسفارهم و ابتداء أُمورهم ، أو كعاب الفُرس و الرّوم الّتي كانوا يتقامرون بها ، أو الشّطرنج كما قيل لأ نّها غير مزيلة للمَخْمَصَة.لاحظ: ز ل م: «الأزلام »، و: ق س م « تَسْتَقسِمُوا».

3 إن قيل : حُلّلت اللّحوم المحرّمة و الدّم عند المَخمَصَة ، فهل يجوز شرب الخمر عند الظّمإ؟

الجواب : إذا اشتدّ الظّمأ و لم يوجد ماء ، أو مشروب آخر، و تحقّق الاضطرار و المخمصة فهذا موضع السّؤال، و محلّه: خ م ر : <الخمر>.

ص: 72


1- (1) لسان العرب (خ م ص ).
2- (2) المصدر السّابق:<ح م ص>.

4 جعلت المَخمَصَة في (2) : { ذلِكَ بِاَ نَّهُمْ لا يُصيبُهُمْ ظَمَاٌ وَلا نَصَبٌ وَ لا مَخْمَصَةٌ فى سَبيلِ‘ اللهِ}، كالظّمإ و النّصَب في الثّواب عند الجهاد في سبيل الله، لأنّ الأوّل يؤود قوام الإنسان ، لخواء معدته ، و الثّاني يُخلّ بحركته ، لحرّ أعضائه، والثّالث يهدّ كيانه ، لغلبة الضّعف عليه و لانرى أشدّ على الإنسان من هذه الأُمور الثّلاثة إلا حضور الموت.

ثانيًا : الآيتان مدنيّتان ، و سياقهما التّشريع ،و المدينة كانت دار التّشريع. لاحظ:«المدخل»، فصل المكّيّ و المدنيّ من السّور و الآيات.

ثالثًا: من نظائر المَخمَصَة في القرآن:

المَسْغَبَة : { اَوْ اِطْعَامٌ فى يَوْمٍ ذى‘ مَسْغَبَةٍ}

البلد : 14

الجوع :{ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَىْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ}

البقرة : 155

ص: 73

ص: 74

خ م ط

اشارة

لفظ واحد، مرّة واحدة، في سورة مكّيّة

النُّصوص اللُّغويّة

الخَليل: الخَمْط: ضرب من الأراك يُؤكل، و في القرآن: يريد بالخَمْط هذا المعنى. و الخَمْط : سَلْخَك الحَمَل الخميط، تَشويه.

و يقال للحَمَل خاصّة إذا نُزع جلده: خَمْط، فإذا نُزع شَعْره فهو سَميط، و يقال : الخَمْط و السَّمْط واحد.

و الخَمْطَة: ريح نَوْر الكَرْم و ما أشبَهه، ممّا له ريح طيِّبة، و ليست بالشّديدة الذّكاء طِيبًا.

و لبَن خَمْط: يُجعَل في سِقاء، ثمّ يُوضع على حشيش، حتّى يأخُذ من ريحه، فيكون خَمْطًا طيّب الرّيح و الطّعم.

و رجل مُتَخَمَّطٌ و خَمِط: شديد الغضب، له فورة و جَلَبة من شدّة غضَبه.

و يقال: للبحر إذا التَطَمَتْ أمواجه: إنّه لخَمِط الأمواج. [و استشهد بالشّعر مرّتين] (4 : 227)

أبوعمروالشّيبانيّ: الخَمْط: الخاثرمن اللّبن. ألبان الإبل. [ثمّ استشهد بشعر] ( 1 : 221)

أبو عُبَيْدَة: الخَمْط: كلّ شجرة ذي شَوك.

(2 : 147)

أبوزَيْد: خَمَطتُ اللّحم أخمِطُه خَمْطًا، إذا شَويتُه.

( الأزهَريّ 7 : 260)

الأصمَعيّ: إذا ذهب عن اللّبن حلاوة الحلب و لم يتغيّر طعمه، فهو سامط، فإن أخذ شيئًا من الرّيح، فهو خامط.

و الخميط: المشويّ؛ و السّميط: المنزوع منه شَعره.

( الأزهَريّ 7 : 260 )

التّخمّط: القهر، و الأخذ بغلبة. [ ثمّ استشهدبشعر]

(الأزهَريّ 7 : 261)

أبوعُبَيْد: إنّ اللّبن إذا ذهب عنه حلاوة الحلَب و لم يتغيّر طعمه، فهو سامط. فإن أخذ شيئًا من الرّيح،

ص: 75

فهو خامط و خميط. و إن أخذشيئًا من الطّعم فهو ممحَّل . فإذاکان فيه طعم الحلاوة، فهوقُوهَة.

(الجَوهَريّ 3: 1125)

ابن الأعرابيّ: الخَمْط: ثمرشجريقال له: فَسْوَ ة الضّبُع، على صورة الخشخاش، يتفرّك و لايُنتفع به.

(الأزهَري ّ7 : 260 )

ابن أبي اليمان: الخَمْط: اللّبن الّذي قد أخذ طعمًا و لم يُدرك.[ثمّ استشهد بشعر]

و الخَمْط أيضًا و الهَمْط جميعًا: شدّ ة الأكل. و الخَمْط أيضًا: الثّمر البَشِع. (511)

الحَرْبيّ: و فَأدْتُ اللّحم وخمَطْتُه: أي شَويتُه.

( 3 : 1061)

ابن دُرَيْد: و الخَمْط: كلّ شجر لاشوك فيه، و كذلك فُسّر في التّنزيل، و الله أعلم. و لبن خامط، أي حامض.

و تخَمّطَ الفَحْل، إذا هدَر للصّيال، أو إذاصال.

و يقال: خمَطتُ الجَدْي و الشّاة، إذا سمَطتَه و شَويتَه.

و قال بعض أهل اللّغة: لايسمّى خميطًا حتّى يشتوي بجلده، فهو حينئذٍ خميط و مخموط. و أكثر ما يقال ذلك للضّأن، و لايقال للمَعْز.

و السّميط: المسموط الّذي قد نُزع شعره أو صوفه و لم يُشوَ بَعدُ.

و اختلفوا فيه، فقالوا: خمَطتُ الجَدْي إذا شَوَيتَه بجلده، و سمَطتَه إذا نحَيتَ عنه شَعرَه و لم يُشْوَ بَعدُ .

(2 : 232)

الصّاحِب: [ نحو الخَليل وأضاف:]

و خَلٌّ خَمْطَة: حامضة؛ و جمعها خِماط.

و الخِماط: الغنم البيض. (4 : 297)

الجَوهَريّ: الخَمْط: ضرب من الأراك له حَمْل يُؤكل. و قرئ: (ذَوَاتَىْ اُكُلِ خَمْطٍ) بالإضافة.

و الخَمْط من الّلبن: الحامض.

و تخَمّطَ الفَحْل: هدَر. و تخَمّطَ فلان، أي تغَضّبَ

و تكبّر. [ثمّ استشهد بشعر]

و تخَمَّط البَحْر، إذا التَطَم.

و خمَطْتُ الشّاة أخْمِطها خَمْطًا، إذا نزَعتَ جلدها و شَويتَها، فهي خميط. فإن نزَعتَ شَعْرها و شَويتَها، فهي سميط.

و الخَمْطَة: الخمر الّتي قد أخَذَتْ ريح الإدراك كريح التّفّاح، و لم تُدرِك بعد. و يقال: هي الحامضة .

(3: 1125)

ابن فارِس: الخاء و الميم و الطّاء أصلان: أحدهما: الانجراد و المَلاسَة، و الآخر: التّسلّط و الصِّيال.فأمّا الأوّل: فقولهم: خمَطتُ الشّاة؛ و ذلك إذا نزَعتَ جلدها و شَويتَها. فإن نُزع الشّعر، فذلك السّمط. و أصل ذلك من الخَمْط، و هو كلّ شيء لاشوك له.

و الأصل الثّاني: قولهم: تخَمّطَ الفَحْل، إذا هاج

و هدَر. و أصله من تخمُّط البحر؛ و ذلك خِبّه و التِطام أمواجه.

(2 : 220)

الرّاغِب: الخَمْط: شجر لاشوك له، قيل: هو شجر

ص: 76

الأراك.

و الخَمْطَة: الخمر إذا حمَضَتْ، وتخَمّطَ، إذا غضِب. يقال: تخَمّطَ الفَحْل: هدَر. (159)

الزّمَخْشَريّ: خمر خَمْطَة: حامضة، و لبن خامط: قارص متغيّر، و تخَمّطَ الفَحْل: هدَر.

(أساس البلاغة : 120)

المَدينيّ: في حديث رفاعة بن رافع: «الماء من الماء فتَخَمّطَ((1))

عُمَر».

تخَمّطَ الرّجل: غضِب، و الفَحْل هدَر، و البَحْر: التَطَم. (1 : 619)

مثله ابن الأ ثير. (2: 81)

الفيروزاباديّ: خمَطَ اللّحم يَخمِطُه: شواه، أو فلم يُنْضِجُه، و الجَدْي: سَلَخَه، فشَواه، فهو خميط، فإن نزع شَعَره و شَواه: فسميط، و اللّبَن يَخمِطُه و يَخمُطه: جعَله في سِقاء.

و الخَمّاط: الشّوّاء. و الخَمْطَة: ريح نَوْر العِنَب وشبهه، و الخمر الّتي أخَذَتْ ريحًا، أو الحامضة مع ريح.

و لبن خَمْط و خَمْطَة و خامط: طَيّب الرّيح، أو أخذ ريحًا كريح النّبِق، و التُّفّاح، و كذا سقاء خامط.

و خمَط ، كنصَر و فرِح، خَمْطًا و خُموطًا و خمَطًا: طاب ريحه، و تغيّرَت؛ ضدّ.

و خَمْطَتُه، و يُحَرّك: رائحتُه.

و الخَمْط: الحامض، أو المُرّ من كلّ شيء، و كلّ نبت أخذ طَعْمًا من مرارة، و الحَمْل القليل من كلّ شجر، و شجر كالسّدر، و شجر قاتل، أو كلّ شجر لاشوك له، و ثمر الأراك، و ثمر فَسْوة الضّبُع .

و تخَمّطَ: تكبّر، و غضِب، كخَمِط، بالكسر، و الفَحْل: هدَر، و البحر: التَطَم.

و المُتَخَمِّط: القهّار الغَلاب، و الشّديد الغضب له جَلَبَة من شدّة غضبه. و أرض خَمْطَة، و تُكسَر ميمه: طَيّبة الرّيح.

و بَحْر خَمِط الأمواج، ككَتِف: مُلتَطِمها

(2: 372)

مَجْمَعُ اللُّغة: الخَمْط: هو كلّ نبت أخذ طعمًا من مرارة أوحموضة، و تعافه النّفس. (1 : 365)

المُصْطَفَويّ: الأصل الواحد في هذه المادّة: هو ما كان عاريًا عن الشّوك، و له استحكام و استكبار وارتفاع، و أثماره غير مطبوعة، و قد يُطلق على تلك: الأثمار، كما في سائر الأشجار.و بلحاظ هذه الخصوصيّة يقال: تخَمّطَ إذا غضِب و قهر، و في البحر يقال: إنّه لخَمِط، أي متلاطم، و في الفحل: إنّه تخَمّطَ أي هاج . و هذه المعاني بلحاظ الاستكبار و الرّفع، فيكون في كلّ مورد بحسبه.

و أمّا نزع الجلد والشّعر: فبمناسبة العراء من الشّوك و الخلوّ منه .{ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ اُكُلٍ خَمْطٍ وَ اَثْل وَ شَىءٍ مِنْ سِدْرٍ قَليلٍ‘} سبأ: 16، الخَمْط و كذلك الأثْل و الشّيء: عطف بيان، و القليل: صفة للشّيء.

هذا بناء على أن يكون المراد من الخَمْط و الأثْل و السّدر: أثمارها. و قال في <اللّسان> نقلا عن أبي زياد: و له ثمرة حمراء كأنّها أُبنَة، يعني عُقدة الرّشاء.

ص: 77


1- (1) أي غضِب.

و المراد من كون الألفاظ الثّلاثةعطف بيان، هو من جهة المعنى . و في اللّفظ: الأثْل و الشّيء معطوفان بالحروف علي الخَمْط.

و يمكن أن يكون المراد منها هو الأشجار لا الأثمار؛ و ذلك باعتبار السّببيّة و المجاورة و الإطلاق العرفيّ، فإنّ إطلاق اللّفظ للشّجر و يراد منه الثّمر، أمر شايع في عرف النّاس.

أو يقال إنّ الخَمْط عطف بيان، و الأثْل عطف على الأُكل، راجع:< الأثل>. (3 : 134)

النُّصوص التّفسيريّة

... جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ اُكُلٍ خَمْطٍ وَ اَثْلٍ وَ شَىء مِنْ سِدْرٍ قَليلٍ‘. سبأ: 16

ابن عبّاس: ثمر خَمْط أراك. (360)

نحوه مُجاهِد و الضّحّاك و الحسَن و قَتادَة و ابن زَيْد. (الطّبَريّ 10 : 364)

الفَرّاء: ذكروا في التّفسير أنّه [ الخَمْط] البرير، و هو ثمر الأراك. (2 : 359)

أبوعُبَيْدَة: و الخَمْط: كلّ شجرة ذي شوك.

(2 : 147)

نحوه المَيْبُديّ. (8 : 128)

ابن قُتَيْبَة: الخَمْط: شجر العضاه، و هي كلّ شجرة ذات شوك. (356)

الزّجّاج:ومعنی{خَمْطٍ}:يقال لكلّ نبت قد أخذ طعمًا من مرارة، حتّى لايمكن أكله: خَمْطٌ. و قد جاء في التّفسير أنّ الخَمْط: الأراك، و أُكُله: ثمره. (4 : 249)

الثّعلبيّ: و الخَمْط: الأراك في قول أكثر المفسّرين. و قيل: شجرة الغضا. (8 : 84)

القَيْسيّ: من أضاف < الاُكُل > إلى <الخَمْط> جعل الأُكُل هو الثّمر، و الخَمْط: شجر، فأضاف الثّمر إلي شجره، كما تقول: هذا ثمر نخل و عِنَب كَرْم.

و قيل: لمّا لم يحسن أن يكون الخَمْط نعتًا للأُكل، لأنّ الخَمْط اسم شجر بعينها، و لم يحسن أن يكون بدلا ، لأ نّه ليس هو الأوّل، و لا هو بعضه، و كان الجَنْي و الثّمرمن الشّجر، أُضيف على تقدير <مِن >،كقولک: هذا ثوب خزٍّ.

فأمّا من نَوّنه فإنّه جعل «الخَمْط» عطف بيان على الأُكل، فبيّن أنّ الأُكل لهذا الشّجر الّذي هو< الخَمْط> إذ لم يمكن أن يكون وصفًا و لا بدلا ، فبيّن به أُكل أيّ شجر هو. (2 : 207)

نحوه ابن الأنباريّ. (2 : 278)

الطُّوسيّ: قرأ أبو عمرو: (ذَوَاتَىْ اُكُلِ خَمْطٍ) مضافًا، الباقون { اُكُلٍ خَمْطٍ } منوّ نًا. و الاختيار عندهم التّنوين، لأنّ الأُكل نفس الخمط، و الشّيء لايضاف إلى نفسه.

و من أضاف قال: الخَمْط، هو جنس مخصوص من المأكولات، و الأُكل أشياء مختلفة، فأُضيفت إلى الخَمْط، كما تضاف الأنواع إلى الأجناس، و الخَمْط: ثمر الأراك، و هو البرير أيضًا؛ واحدها: بريرة، و سمّيت به جارية عائشة. و البرير: شجر السّواك. (8 : 386)

الواحديّ: القراءة الجيّدة بالإضافة، لأنّ الخَمْط عند المفسّرين اسم شجرة، قالوا:هوالأراك، و أُكُله:

ص: 78

جناه، و هوالبرير

قال أبوعُبَيْدَة: الخَمْط كلّ شجرة مُرّة ذات شوك. قال الأخفش: الأحسن في مثل هذه الإضافة مثل دارحرّ و ثوب خزّ. و قال ابن الأعرابيّ: الخَمْط ثمرشجر يقال له: فَسْوة الضّبُع، على صورة الخشخاش، ينفرك و لايُنتفع به. و قال المُبَرِّد و الزّجّاج يقال : لكلّ نبت قد أخذ طعمًا من المرارة حتّى لايمكن أُكله: خَمْط، و على هذا يحسن التّنوين في (اُكُلٍ) إذا جعَلتَ الخَمْط اسمًا للمأكولات . (3 : 491)

البغَويّ: قرأ العامّة بالتّنوين، و قرأ أهل البصرة

( اُكُلِ خَمْطٍ) بالإضافة. الأُكل: الثّمر، و الخَمْط: الأراك و ثمره، يقال له: البرير، هذا قول أكثر المفسّرين [ثمّ نقل الأقوال و أضاف:]

و من جعله أصلا و جعل <الأُكُل> ثمرة، فالإضافة فيه ظاهرة، و التّنوين سائغ. تقول العرب: في بستان فلان أعنابُ كَرْم، و أعنابٌ كَرْمٌ يُترجّم عن الأعناب بالكَرْم لأ نّها منه . (3 : 677)

الزّمَخْشَريّ: [نقل قول أبوعُبَيْدَة و الزّجّاج ثمّ قال:]

و وجه من نَوّن، أصله: ذواتي أُكُل، أُكل خَمْط؛ فحذف المضاف و أُقيم المضاف إليه مقامه، أو وصف الأُكل بالخَمْط، كأنّه قيل: ذواتي أُكل بشع. و من أضاف وهو أبوعمرو و حده فلأنّ< أُكل الخَمْط> في معنى <البرير>كأنّه قيل: ذواتي برير. (3 : 285)

نحوه البَيْضاويّ. (2 : 259)

ابن عَطيّة: [نقل الأقوال ثمّ قال:]

و قرأ جمهور القرّ اء بتنوين{ اُكُلٍ } وَصَفتْه ب {خَمْطٍ} و مابعده. قال أبو عليّ: البدل هذا لايحسن، لأنّ الخَمْط ليس بالأُكل، و الأُكل ليس بالخمط نفسه، و الصّفة أيضًا كذلك، لأنّ الخَمْط اسم لاصفة، و أحسن ما فيه عطف البيان، كأ نّه بيّن أنّ الأُكل هذه الشّجرة ومنها. و يُحسِّن قراءة الجمهور أنّ هذا الاسم قد جاء بمجيء الصّفات في قول الهذليّ:

عقار كماء النّي ليس بخَمْطة

و لاخلّة يكوي الشّروب شبابها

و قرأ أبوعمرو بإضافة ( اُكُل ) إلى (خَمْطٍ) و بضمّ كاف (اُُكُلِ خَمْطٍ). و رجّح أبوعليّ قراءة الإضافة.

(4: 415)

الطَّبْرِسيّ: أي صاحبتَي أُكُل، وهو اسم لثمر كلّ شجرة. و ثمرالخمط: البرير. (4 : 386)

العُكْبَريّ: قوله تعالى: {اُكُلٍ خَمْطٍ} يُقرأ بالتّنوين و التّقدير: أُكُلُ أُكُلِ خمط، فحُذف المضاف، لأنّ الخَمْط شجر، و الأُكُل: ثمرة. و قيل: التّقدير: أُكُل ذي خمط. و قيل: هو بدل منه، و جُعل خَمْط أُكلا لمجاورته إيّاه، و كونه سببًا له. و يُقرأ بالإضافة و هو ظاهر. (2 : 1066)

أبوحَيّان: قرأ الجمهور (اُكُلٌ) منوّ نًا، و الأُكُلُ: الثّمر المأكول. فخرّجه الزّمَخْشَريّ على أنّه على حذف مضاف، أي أُكُل خَمْط، قال: أو وصف الأُكل بالخَمْط، كأ نّه قيل ذواتي أُكُل بَشْع، انتهى. و الوصف بالأسماء لايطّرد و إن كان قد جاء منه شيء نحو قولهم :

*مررت بقاع عرفج كلّه*

ص: 79

و قال أبوعليّ: البدل في هذا لايَحسُن، لأنّ الخَمْط ليس بالأُكل نفسه، انتهى. وهو جائز على ما قاله الزّمَخْشَريّ، لأنّ البدل حقيقة هوذلك المحذوف، فلمّا حُذف أُعرب ما قام مقامه بإعرابه. قال أبو عليّ: و الصّفة أيضًا كذلك يريد بجنّتَين، لأنّ الخَمْط اسم لاصفة، و أحسن ما فيه عطف البيان، كأ نّه بيّن أنّ الأُكل هذه الشّجرة و منها، انتهى.

و هذا لايجوز علی مذهب البصريّين؛ إذ شرط عطف البيان أن يكون معرفة و ما قبله معرفة، و لايجيز ذلك في النّكرة من النّكرة إلا الكوفيّون، فأبو عليّ أخذ بقولهم في هذه المسألة. (7: 271)

الشِّربينيّ: أي ثمر بشع، و الخَمْط: الأراك و ثمره، يقال له: البرير. هذا قول أكثر المفسّرين. (3 : 291)

أبوالسُّعود: أي ثمر بشع، فإنّ الخَمْط كلّ نبت أخذ طعمًا من مرارة، حتّى لايمكن أكله. (5 : 253)

نحوه القاسميّ. (14 : 4945)

البُرُوسَويّ: [ نحو أبي السُّعود و أضاف:]

و المعنى جنّتَين صاحبتي ثمرمُرّ. فيكون الخَمْط نعتًا للأُكل. و جاء في بعض القراءات بإضافة الأُكل إلى الخَمْط، على أن يكون الخَمْط كلّ شجر مُرّ الثّمر أو كلّ شجر له شوك، أو هو الأراك، على ماقاله البخاريّ؛ و الأُكل: ثمره. (7 : 284)

ابن عاشور: و الخَمْط: شجر الأراك، و يُطلق الخَمْط على الشّيء المُرّ ... و قرأ الجمهور{اُكُلٍ} بالتّنوين مجرورًا، فإذا كان {خَمْطٍ} مرادً ا به: الشّجر المسمّى بالخمط، فلايجوز أن يكون {خَمْطٍ} صفة ل {اُكُلٍ} لأنّ الخَمْط شجر، و لاأن يكون بدلا من {اُكُلٍ} كذلك، و لاعطف بيان، كما قدّره أبوعليّ، لأنّ عطف البيان كالبدل المطابق، فتعيّن أن يكون {خَمْطٍ} هنا صفة. يقال: شيء خامط، إذا كان مُرًّا.

(22: 39 )

الأُصول اللُّغويّة

1 الأصل في هذه المادّة: الخَمْط، و هو شجر ذو شوك و حمل مُرّ أو حامض، و شُبّه به كلّ طريّ أخذ طعمًا، و لم يستحكم. و منه: الخَمْط من اللّبن، أي الحامض. يقال: خمَط السّقاء يَخمُط و خَمِط خَمْطًا و خَمَطًا، أي تغيّرت رائحته، فهو خَمِط. و لبن خَمْط، و هو الّذي يُحْقَن في سقاء، ثمّ يوضع على حشيش حتّى يأخذ من ريحه، فيكون خَمْطًا طيّب الرّيح، طيّب الطّعم. و لبن خَمْط و خامط، وهو الّذي قد أخذ شيئًا من الرّيح، كريح النّبق أو التّفّاح،وكذلك: سقاء خامط.

و الخَمْطَة: الخمرة الّتي أعجلت عن استحكام ريحها، فأخذت ريح الإدراك، كريح التّفّاح و لم تُدرِك بَعدُ، يقال: خَمِطَت الخمر. و حمل عليه الخَمْطَة، أي ريح الكرم و ما أشبهه، ممّا له ريح طيّبة، و ليست بشديدة الذّكاء طيبًا.

و منه خمَط الحَمَل و الشّاة و الجَدْي يَخمِطه خَمْطًا، أي سلخه و نزع جَلْده و شواه فلم يُنضجه، و هو خميط، أي مشويّ، و الخمّاط: الشّواء، لأنّ سلخ الجلد كنزع الشّوك، نحو: قشَر الشّيء،أي أزال قشره، و عدم

ص: 80

الإنضاج كاللّبن الطّريّ الّذي أخذ طعمًا و لم يستحكم.

و خَمِط الرّجل و تخَمّطَ: غضِب و تكبّر و ثار، و رجل متَخمِّط: شديد الغضب له ثورة و جَبَلَة، و تخَمّطَ الفَحْل: هدَر، و تخَمّطَ البَحْر: التَطَم. و يقال له إذا التَطمَت أمواجه: إنّه لخَمِط الأمواج. وكلّ ذلك على التّشبيه بشجر الخَمْط، لشوكه و مرارة حمله المُرّ أو الحامض، و إن لم يكن كذلك فهو شاذّ عن هذه المادّة.

2 و ذكر ابن بطوطة في رحلته (172) أنّ أهل الطّائف يُسمّون التّين خَمْطًا. و هذا غريب في اللُّغة، و لعلّه أراد به الحَماط فصُحّف، و حذفت منه الألف تبعًا لرسم الخطّ القديم، نحو: ثلث، يراد به ثلاث، فظنّه النّاسخ دون ألف.

و الحَماط: شجر التّين الجبليّ، كما قال ابن سيده، أو ثمرٌ يُشبه التّين عند أهل اليمن، كما قال الأزهَريّ. و قال أبو حنيفة: <أخبرني بعض الأعراب أنّه في مثل نبات التّين، غير أنّه أصغر ورقًا، و له تين كثير صغار من كلّ لون: أسود و أملح وأصفر، و هو شديد الحلاوة، يحرق الفم إذا كان رطبًا و يعقره>((1)).

لاستعمال القرآنيّ

جاء منها اسمٌ (خَمْطٍ) مرّة في آية:

{... وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ اُكُلٍ خَمْطٍ وَ اَثْلٍ...}

سبأ : 16

يلاحظ أوّ لا : أنّ الخَمْط كالأثْل وحيد الجذر في القرآن، و فيه بُحُوثٌ:

1 ورد هذا اللّفظ مع خمسة ألفاظ أُخرى، متتابعة نكرة مجرورة منوّنة، في آخر هذه الآية: {وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ اُكُلٍ خَمْطٍ وَ اَثْلٍ وَشَىْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَليلٍ‘}، فكأنّ الخفض و هو ضدّ الرّفع يحكي ضعة معانيها. و تفسير الخَمْط بالشّجرذي الشّوك و ليس الأراك يناسب هذا الرّأي، كما يناسبه وصف السّدر بالقلّة، و أنّه صلة {شَىْءٍ} أو صلة نعت له محذوف، و لفظ{شَىْءٍ} أنكر النّكرات كما ذكرالشّريف الاستراباديّ في <الكافية> و كلّ هذا خفض للسّدر، ليساوي الخَمْط و الأثْل في القدر.

و قد وردت أربعة ألفاظ متتابعة نكرة مرفوعة منوّنة في آخر الآية السّابقة: { لَقَدْ كَانَ لِسَبَاٍ فى مَسْكَنِهِمْ ايَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمينٍ‘ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَ اشْكُرُوا لَهُ بَلْدَ ةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ }،كما جاء فيها (جَنَّتَانِ) مرفوعًا فكأنّ الرّفع يحكي جلالة قدر هذه الأرض قبل سيل العَرِم، و لمّا أرسله الله على أهلها، أضحت كما وصفها.

2 إن قيل: لِمَ ذكر ما في جنّتي سبإ بعد سيل العَرِم من خَمْطٍ و أثْلٍ، و ما ذكر ما فيهما قبله؟

يقال: لأ نّه مفهوم لدى المخاطب، فهو يعلم أنّ في الجنّات نخيلا و كرومًا و سدرًا كثيرًا و فاكهة متنوّعة، فاستغنى عن ذكره، و نظيره قوله:{فَاَمَّا مَنْ تَابَ

ص: 81


1- (1) أُنظر <ح م ط>من< لسان العرب>.

وَ امَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسى اَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحينَ‘} القصص : 67، و ماذكر من لم يتب و يؤمن و يعمل صالحًا ،كما هو المطّردفي التّقسيم بحرف الشّرط و التّفصيل <أمّا> في جميع المواضع، عدا هذا الموضع من القرآن، لعلم السّامع بضدّه؛ إذ الأشياء تُعرف بأضدادها.

3 إنّ ذكر الخَمْط و الأثْل و قلّة السّدر، يناسب أرض مكّة و وديانها، لأنّ المخاطب بما جاء في هذه السّورة أهلها، فهي حجاج و وعد و وعيد لهم. كماذكر أهل سبأ ليعتبروا بهم، فهم عرب مثلهم، و أرضهم

قريبة من أرضهم، و تعيش طائفة منهم بين ظهرانيهم، و هم الأوس و الخزرج، و كانوا ممّن فرّوا من سيل العَرِم بعد انهيار سدّ مَأْرَب، فلجأُوا إلى يثرب و استوطنوها، و سمّوا بعد الإسلام بالأنصار. لاحظ: ج ن ن: <جنّة>، و: أ ث ل: <أثْل>، و: أ ك ل: <أُكل>.

و ثانيًا: جاءت منها آية مكّيّة في قصّة قوم سبإ.

و ثالثًا: لانظير لها في القرآن.

ص: 82

خ ن زي ر

اشارة

3 ألفاظ، 5 مرّات: 2 مكّيّة، 3 مدنيّة

في4 سور: 2 مكّيّة، 2 مدنيّة

خِنْزير 1:1 الخِنْزير 3 :1 2

الخَنازير 1: 1

النُّصوص اللُّغويّة

الخَليل: ... خزَرتُ فلا نًا خَزْرًا: نظرت إليه بلحاظ عيني...

و الخنزير مأخوذ من الخَزَر، لأنّ ذلك لازم له. قال:

لا تَفخَرُنّ فإنّ الله أنزلكم

با خُزْرَ ثعلبَ دارَ الذُّلّ و العاري

يعني يا خنازير، و كلّ خنزير أخْزَر. (4: 206)

خَنْزَرَ فلان خَنْزَرةً كما تُخَنزر الخنازير.

(4: 338)

أبو عمروالشّيبانيّ: الخُنزُوان: الخَنزير.

(الأزهَريّ 7: 672)

الجاحظ: [ذكر مختصّاته و حياته في مواضع شتّى من كتابه فراجع] (7: 304)

ابن دُرَيْد: الخزَر: ضيق العين وصغرها... و اشتقاق <الخنزير> من صِغَر العين، و النّون و الياء زائدتان.

و الخَنْزَرة: فأس غليظة للحجارة. (2: 205)

و الخَنْزَرة منها: اشتقاق الخِنزير، و هي الغِلَظ، أو يكون من الخزَر، و هو صِغَر العين.

و الخَنْزَرة أيضًا: فأس غليظة، تُكسَر بها الحجارة.

(3: 332)

و الخنزير: معروف، و الخنزير: جبَل قريب مناليمامة.[ثمّ استشهد بشعر] (3: 374)

ص: 83

الأزهَريّ: و خَنْزَرٌ: اسم رجل.

و خَنْزَرٌ: اسم موضع. [ثمّ استشهد بشعر]

قال بعضهم: خَنْزَر الرّجل خَنْزَرةً، إذا نظر بمُؤْخِر((1))

عينه. جعله «فَنْعَلَ» من الأخْزَر. (7: 672)

الصّاحِب: خَنْزَر فلان خَنْزَرةً، أي غَلُظَ كما يُخَنزِر الخنزير.

و الخَنْزَرة: فأس عظيمة.

و دارة الخَنْزَرَين هي لبني حمَل. (4: 464)

الجَوهَريّ: الخنزير: واحد الخنازير.

و الخنازير أيضًا: علّة معروفة، و هي قُروح صُلْبة تَحدُث في الرّقبة. (2: 644)

الثّعالبيّ: الخنازير: أشباه الغُدَد في العنق. (147)

ابن سيده: و الخنزير: من الوحش العاديّ، معروف، مأخوذ من «الخَزَر»، لأنّ ذلك لازم له. و قيل: هو رباعيّ. و سيأتي. (5: 94)

و الخَنْزَرة: الغِلَظ.

و الخَنْزَرة: الفأس الغليظة.

و خَنْزَرة، و الخَنْزَر: موضعان.

و خَنْزَرٌ: اسم رجل، و هو الحلال، ابن عمّ الرّ اعيّ، يتهاجيان.و زعموا أنّ الرّاعيّ هو الّذي سمّاه خَنْزَرًا.

و قال كُراع: هو[الخنزير] من الخزَر في العين، فهو على هذا ثلاثيّ، و قد تقدّم.

و خَنْزَرَ: فعَل فِعْل الخنزير.

و خِنْزِرٌ: اسم موضع.

و خنزير: اسم ابن أسلَم بن هُناءة الأسديّ، فيما أرى.

[و استشهدبالشّعر مرّتين] (5: 335)

الخنزير: حيوان ثدييّ ثقيل ذو فِرْطيسَة طويلة، و أنياب كبيرة ،خصوصًا عند الذّكور منها.

الجمع: خنازير. مشتقّ من الخَنْزَرة، و هي الغِلَظ.

(الإفصاح 2: 822)

الخَنْزَرة: فأس غليظة يُكسَر بها الحجارة.

(الإفصاح 2: 1033)

الزّمَخْشَريّ: رجل أخزَر: ينظر بمُؤخِرعينه... و هو نظرالعداوة ... و كلّ خِنْزير أخزر...

و خَنْزَر الرّجل، إذا نظر بمُؤخِر عينه، و إذا قبض جفنيه ليحدّد النّظر، قيل: قد تخازر.

[ثمّ استشهد بشعر] (أساس البلاغة: 109)

العُكْبَريّ: و النّون في <خنزير> أصل، و هو على مثال: غِرْبيب، و قيل: هي زائدة، و هو مأخوذ من الخَزر. (1: 141)

الصَّغانيّ: و اختلفوا في اشتقاق <الخنزير> فقال ابن دُرَيْد: هو من الخَنْزَرة، و هي الغِلْظَة.و قال غيره: هو من الخزَر، سمّي به لضيق عينيه...

و دارَةُ خَنْزَر، بالفتح: من دارات العرب، مثل:دارَة جُلْجُل، و دارَة صُلْصُل. [ثمّ استشهد بشعر]

(2: 493)

القُرطُبيّ: ذهب أكثر اللُّغويّين إلى أنّ لفظة <الخنزير> رباعيّة. [ثمّ ذكر بعض الأقوال و أضاف:]

و جمع الخنزير: خنازير. و الخنازير أيضًا علّة

ص: 84


1- (1) جاء في الهامش، بمؤخَّربتشديدالخاء مفتوحةً.

معروفة، و هي قروح صلبة تحدث في الرّقبة. (2: 223)

أبو حَيّان: الخنزير: حيوان معروف، و نونه أصليّة فهو<فِعْليل>، و زعم بعضهم أنّ نونه زائدة، و أنّه مشتقّ من خزَر العين لأ نّه كذلك ينظر. يقال: تخازر الرّجل: ضيّق جفنه ليُحدّد النّظر.

و الخزَر: ضيق العين و صِغَرها، و يقال: رجل أخزَر بيّن الخزَر. و قيل: هو النّظر بمُؤخِر العين، فيكون كالشَّوَس. (1: 477)

الفَيُّوميّ: و الخنزير، <فِنْعيل>، حيوان خبيث. و يقال: إنّه حُرّم على لسان كلّ نبيّ؛ و الجمع: خنازير.

(1: 168)

الدّميريّ: الخنزير بكسر الخاء المعجمة؛ جمعه: خنازير، و هو عند أكثر اللُّغويّين رباعيّ... [ثمّ ذكر الأقوال في أوصافه فراجع] (1: 430)

الفيروزاباديّ: و الخنزير: معروف، و عين باليمامة، أو جبَل، و الخنازير: الجمع، و قرُوح تَحْدُث في الرّقبة...

و دارَة الخنازير، و دارَة خَنْزَر، و يُكسَر، و دارَة الخنزيرَين، و يقال: الخَنزَرتَين: مواضع. (2: 20)

الخَنْزَرة: الغِلَظ،وفأس عظيمة يُكسَر بها الحجارة.

و دارَةُ خَنْزَر و الخَنزَرتَين و الخنزيرَين: من داراتهم.

و الخنزير: في «خ ز ر». (2: 20، 25)

القَلْقَشَنْديّ: هو حيوان في نحو مقدار الحمار، و شعره كالإبر، و له نابان بارزان من فكّه الأسفل.

و من خاصّته أنّه لايُلقي شيئًا من أسنانه، بخلاف سائر الحيوان، فإنّها تُلقي أسنانه خلا الأضراس. و هو كثير السِّفاد كثيرالنّسل، حتّى أنّه ربما بلغت عدّة خنانيصه، و هي أولاده اثني عشر خِنَّوْصًا.

قال في <المصايد و المطارد>: و هو من الحيوان البرّيّ الجاهل الّذي لايقبل التّأديب و التّعليم، و يقبل السِّمَن سريعًا. و يقال: إنّه إذا جُعل بين الخيل سمِنَت.

(2: 52)

الزّبيديّ: ... و اختُلف في وزنه ، فقال أهل التّصريف: هو <فِعْليل>، بالكسر، رباعيّ مزيد فيه الياء، و النّون أصليّة، لأ نّها لاتزاد ثانية مطّردة، بخلاف الثّالثة كقرنفل فإنّها زائدة.

و قيل: وزنه <فِنْعيل>، فإنّ النّون قد تزاد ثانية، و حكى الوجهين ابن هشام اللّخميّ في «شرح الفصيح»، و سبقه إلى ذلك الإمام أبو زَيْد، و أورده الشّيخ أكمل الدّين البابرتيّمن علمائنا في «شرح الهداية» بالوجهين، و كذا غيره، و لم يُرجّحوا أحدهما.

و ذكره صاحب< اللّسان> في الموضعين، و كأنّ المصنِّف [الفيروزاباديّ] اعتمد زيادة النّون، لأ نّه الّذي رواه أهل العربيّة عن ثَعْلَب، و ساعده على ذلك اتّفاقهم على أنّه مشتقّ من الخزر، لأنّ الخنازير كلّها خَزَرٌ.

ففي «الأساس»: و كلّ خنزير أخزَر، و منه خنزر الرّجل: نظر بمُؤخِر عينيه. قلت: فجعله «فَنْعَل» من الأخزَر، و كلّ مومسة أخزر.

و قال كُراع: هو من الخزَر في العين، لأنّ ذلك لازم له، و قد صرّح بهذا الزّبيدي في «المختصر» و عبد

ص: 85

الحقّ و الفِهْريّ و اللّبليّ و غيرهم. (3: 174)

الخَنْزَرة، أهمله الجَوهَريّ هنا، و أورده في تركيب «خ زر» و قال ابن دُرَيْد: هو الغِلَظ، قال: و منه اشتقاق الخنزير، على رأي.

و الخَنْزَرة: فأس غليظة عظيمة تُكسَر بها الحجارة، أوردوه في تركيب «خ زر»…

و الخنزير: حيوان معروف، و قد ذُكر في «خ زر»، و أعاده [الفيروزاباديّ] هنا على رأي من يقول: إنّ النّون في ثاني الكلمة لاتُزاد إلا بثبت، و قد تقدّم الكلام عليه. (3: 191)

الطُّرَيحيّ: [الخنزير] هو واحد الخنازير: حيوان معروف.

و في الحديث: <إنّه ممسوخ>.

و الخنازير: علّة معروفة، و هو قُروح تحدث في الرّقبة.

و منه الحديث: «خرجت بجارية لنا خنازير في عنقها».

(3: 285)

مَجْمَعُ اللُّغة: الخنزير: الحيوان المعروف؛ و يُجمع على الخنازير. (2: 365)

نحوه محمّد إسماعيل إبراهيم. (1: 175)

المُصْطَفَويّ: إنّ كلمة <الخنزير> اسم للحيوان المعلوم، و لايبعد اشتقاقه من <الخَزَر>، لمناسبة في المعنيين.

و هو أحد الحيوانات الّتي له حافر و ظِلْف، أي إنّ حوافرها مشقوقة، و له جسم ثقيل و أرجل قصيرة، و خرطوم قويّ يحفر به الأرض بحثًا عن جذور النّباتات. (3: 136)

النُّصوص التّفسيريّة

خِنْزيرٍ‘

قُلْ لا اَجِدُ فى مَا اُوحِىَ اِلَىَّ مُحَرَّ مًا عَلى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ اِلا اَنْ يَكُونَ مَيْتَةً اَوْ دَمًا مَسْفُوحًا اَوْ لَحْمَ خِنْزيرٍ‘فَاِنَّهُ رِجْسٌ... الأنعام:145

راجع: ر ج س: <رِجْسٌ>.

الْخِنْزيرِ‘

1 اِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَ الدَّمَ وَ لَحْمَ الْخِنْزيرِ‘ وَ مَا اُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَ لا عَادٍ فَلا اِثْمَ عَلَيْهِ اِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحيمٌ‘. البقرة: 173الإمام الباقر(علیه السلام): [في حديث:]... قلت له: لِمَ حرّم الله لحم الخنزير؟ قال:

«...و أمّا الخنزير، فإنّ الله جلّ و عزّ مسخ قومًا في صُوَر شتّى مثل الخنزير و القِرَد و الدُّبّ».

(العَرُوسيّ 1: 154)

الإمام الرّضا(علیه السلام): [في حديث:] «... و حرّم الخنزير، لأ نّه مشوّه، جعله الله تعالى عظة للخلق، و عبرة و تخويفًا، و دليلا على ما مسخ على خلقته و صورته، و جعل فيه شبهًا من الإنسان، ليدلّ على أنّه من الخلق المغضوب عليه>. (العَرُوسيّ 1: 153)

الماوَرْديّ: فيه قولان:

أحدهما: التّحريم مقصور على لحمه دون غيره اقتصارًا على النّص، و هذا قول داود بن عليّ.

ص: 86

و الثّاني: أنّ التّحريم عامّ في جملة الخنزير، و النّص على اللّحم تنبيه على جميعه، لأ نّه معظمه، و هذا قول الجمهور. (1: 222)

الواحديّ: أراد الخنزير بجميع أجزائه، و خص اللّحم لأ نّه المقصود بالأكل. (1: 257)

نحوه البغَويّ (1: 200)، و الطَّبْرِسيّ (1: 257)،

و ابن الجَوْزيّ (1: 175) و طه الدُّرّة (1: 267).

ابن العَرَبيّ: اتّفقت الأُمّة على أنّ لحم الخنزير حرام بجميع أجزائه. و الفائدة في ذكر اللّحم أنّه حيوان يُذبَح للقصد إلى لحمه، و قد شغفت المبتدعة بأن تقول: فما بال شحمه، بأيّ شيء حُرّم؟ و هم أعاجم لايعلمون أنّه من قال: لحمًا، فقد قال: شحمًا، و من قال: شحمًا، فلم يقل: لحمًا؛ إذ كلّ شحم لحم، و ليس كلّ لحم شحمًا من جهة اختصاص اللّفظ، و هو لحم من جهة حقيقة اللّحميّة، كما أنّ كلّ حمد شكر، و ليس كلّ شكر حمدًا من جهة ذكر النّعم، و هو حمد من جهة ذكر فضائل المنعم.

ثمّ اختلفوا في نجاسته، فقال جمهور العلماء: إنّه نجس، و قال مالك: إنّه طاهر، و كذلك كلّ حيوان عنده، لأنّ علّة الطّهارة عنده هي الحياة. و قد قرّرنا ذلك عند مسائل الخلاف بما فيه كفاية، و بيّنّاه طَرْدًا و عكسًا، و حقّقنا ما فيه من الإحالة و الملاءمة و المناسبة، على مذهب من يرى ذلك، و من لايراه بما لامَطْعَن فيه، و هذا يُشير بك إليه. فأمّا شَعره فسيأتي ذكره في سورة النّحل إن شاء الله تعالى. (1: 54)

ابن عَطيّة: و خص ذكر اللّحم من الخنزير، ليدلّ على تحريم عينه، ذُكّي أو لم يُذكّ، و ليعمّ الشّحم و ما هنالك من الغضاريف و غيرها، و أجمعت الاُمّة على تحريم شحمه، و في خنزير الماء كراهية، أبى مالك أن يجيب فيه، و قال: أنتم تقولون: خنزيرًا.

و ذهب أكثر اللُّغويّين إلى أنّ لفظة <الخنزير> رباعيّة، و حكى ابن سيده عن بعضهم أنّه مشتقّ من خزَر العين، لأ نّه كذلك ينظر، فاللّفظة على هذا ثلاثيّة.(1: 240)

أبو الفُتُوح: أجمعت الأُمّة على تحريم شحمه و عصَبه و جلده، و إن ذكر اللّحم في الآية دون ذلك، كما أجمعت على نجاسته. و لكنّها اختلفت في جواز الانتفاع بشعره. قال أبوحنيفة: و محمّدبن الحسن: يجوز الخرز به، و قال: أبو يوسف: مكروه، و قال الأوزاعيّ: لابأس، و لايجوز في مذهبنا و في مذهب الشّافعيّ.

و لافر ق عندنا في التّحريم بين خنزير الماء و خنزير الآجام، و كذا عند أصحاب أبي حنيفة، و ذهب مالك و الشّافعيّ و الأوزاعيّ و ابن أبي ليلى: إلى أنّ لحم ما في البحر حلال، و سمّاه بعض أصحاب الشّافعيّ: حمار الماء، فحلّلوا لحمه. و مذهب اللّيث: أنّ ميتة الماء و خنزير الماء حرام، و حكم الخنزير و الكلب في النّجاسة واحد، فإذا كانا مبلّلين و لمَسا لباسًا و جب غَسله، و إذا لمسا لباسًا و كانا جافّين وجب تطهيره بالماء. (2: 297)

الفَخْرالرّازيّ: أجمعت الأُمّة على أنّ الخنزير بجميع أجزائه محرّم، و إنّما ذكر الله تعالى لحمه، لأنّ معظم الانتفاع متعلّق به، و هو كقوله: {اِذَا نُودِىَ

ص: 87

لِلصَّلوةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا اِلى ذِكْرِ اللهِ وَ ذَرُوا الْبَيْعَ}الجمعة: 9، فخص البيع بالنّهي، لما كان هو أعظم المهمّات عندهم. أمّا شَعر الخنزير فغير داخل في الظّاهر، و إن أجمعوا على تحريمه و تنجيسه...

اختلفوا في <خنزير الماء>، قال ابن أبي ليلى

و مالك و الشّافعيّ و الأوزاعيّ: لا بأس بأكل شيء يكون في البحر، و قال أبو حنيفة و أصحابه: لايؤكل. حجّة الشّافعيّ قوله تعالى: { اُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَ طَعَامُهُ } المائدة: 96، و حجّة أبي حنيفة: أنّ هذا خنزير فيُحرم لقوله تعالى: {حُرِّ مَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزيرِ‘} المائدة: 3.

و قال الشّافعيّ: الخنزير إذا أُطلق فإنّه يتبادر إلى الفهم خنزير البرّ لاخنزير البحر، كما أنّ اللّحم إذا أُطلق يتبادر إلى الفهم لحم غير السّمك لا لحم السّمك بالإتّفاق، و لأنّ خنزير الماء لايسمّى: خنزيرًا على الإطلاق، بل يسمّى: خنزير الماء... (5: 22)

نحوه ملخّصًا النَّيسابوريّ. (2: 71)

ابن عرَبيّ: { اِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ... لَحْمَ الْخِنْزيرِ‘} لغلبة السّبعيّة و الشّرَه، و مباشرة القاذورات و الدّباثة على طبعه، فيولد في أكله مثل ذلك. (1: 109)

القُرطُبيّ: خص الله تعالى ذكر اللّحم من الخنزير، ليدلّ على تحريم عينه، ذُكّي أو لم يُذَكّ، و ليعمّ الشّحم، و ما هنالك من الغضاريف و غيرها.

أجمعت الأُمّة على تحريم شحم الخنزير، و قد استدلّ مالك و أصحابه على أنّ من حلف ألا يأكل شحمًا فأكل لحمًا، لم يحنث بأكل اللّحم. فإن حلف ألا يأكل لحمًا فأكل شحمًا، حنث، لأنّ اللّحم مع الشّحم يقع عليه اسم اللّحم، فقد دخلالشّحم في اسم اللّحم و لايدخل اللّحم في اسم الشّحم. و قد حرّم الله تعالى لحم الخنزير، فناب ذكر لحمه عن شحمه، لأ نّه دخل تحت اسم اللّحم. و حرّم الله تعالى على بني إسرائيل الشّحوم، بقوله: {حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا} الأنعام:146، فلم يقع بهذا عليهم تحريم اللّحم، و لم يدخل في اسم الشّحم، فلهذا فرّق مالك بين الحالف في الشّحم و الحالف في اللّحم، إلا أن يكون للحالف نيّة في اللّحم دون الشّحم فلا يحنث و الله تعالى أعلم.

و لايحنث في قول الشّافعيّ و أبي ثور و أصحاب الرّأي إذا حلف ألا يأكل لحمًا فأكل شحمًا. و قال أحمد: إذا حلف ألا يأكل لحمًا فأكل الشّحم لابأس به، إلا أن يكون أراد اجتناب الدّسم.

لاخلاف أنّ جملة الخنزير محرّمة إلا الشّعر، فإنّه يجوز الخرازة به. و قد روي أنّ رجلا سأل رسول الله (صلی الله علیه و آله) عن الخرازة بشعر الخنزير، فقال: «لا بأس بذلك» ذكره ابن خويز مَنداد، قال: و لأنّ الخرازة على عهد رسول الله (صلی الله علیه و آله) كانت، و بعده موجودة ظاهرة، لانعلم أنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله) أنكرها، و لاأحد من الأئمّة بعده. و ما أجازه الرّسول (صلی الله علیه و آله) فهو كابتداء الشّرع منه.

لاخلاف في تحريم خنزير البرّ كما ذكرنا؛ و في خنزير الماء خلاف. و أبى مالك أن يجيب فيه بشيء، و قال: أنتم تقولون: خنزيرًا، و قد تقدّم. و سيأتي بيانه في «المائدة» إن شاء الله تعالى. (2: 222)

البَيْضاويّ: إنّما خص اللّحم بالذّكر، لأ نّه معظم

ص: 88

ما يؤكل من الحيوان، و سائر أجزائه كالتّابع له.

(1: 96)

نحوه الشِّربينيّ (1: 113)، و أبو السُّعود (1: 232) ، و المشهديّ (1: 403)، و شُبّر (1: 175).

ابن كثير: ... و كذلك حُرِّم عليهم لحم الخنزير سواء ذُكّي أم مات حتف أنفه، و يدخل شحمه في حكم لحمه: إمّا تغليبًا أو أنّ اللّحم يشمل ذلك، أو بطريق القياس على رأي. (1: 361)

القَلْقَشَنْديّ: الخنزير، و هو حرام بنص القرآن، نجس في مذهب الشّافعيّ 2قياسًا على الكلب. بل قالوا: إنّه أسوأحالا منه، لعدم حلّ اقتنائه، إلا أنّه مباح القتل، فيكون في معنى الصّيد. (2: 52)

البُرُوسَويّ: [نحو البَيْضاويّ إلى أن قال: من باب التّأويل:]

{وَ لَحْمَ الْخِنْزيرِ} إشارة إلى هوى النّفس، و تشبيه النّفس بالخنزير لغاية حرصها و شرَهها و خسّتها، و خباثة ظاهرها و باطنها. (1: 277، 278)

الشَّوْكانيّ: هذه الآية و الآية الأُخرى، أعني قوله تعالى: { قُلْ لا اَجِدُ فى مَا اُوحِىَ اِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ اِلا اَنْ يَكُونَ مَيْتَةً اَوْ دَمًا مَسْفُوحًا اَوْ لَحْمَ خِنْزيرٍ‘} الأنعام: 145، أنّ المحرّم إنّما هو: اللّحم فقط. [ثمّ ذكر قول القُرطُبيّملخّصًا] (1: 216)

الآلوسيّ: خص اللّحم بالذّكر مع أنّ بقيّة أجزائه أيضًا حرام، خلافًا للظّاهريّة، لأ نّه معظم ما يؤكل من الحيوان، و سائر أجزائه كالتّابع له. و قيل: خص اللّحم ليدلّ على تحريم عينه ذُكّي أو لم يُذَكّ، و فيه ما لايخفى. و لعلّ السّرّ في إقحام لفظ اللّحم هنا، إظهار حرمة ما استطيبوه و فضّلوه على سائر اللّحوم، و استعظموا وقوع تحريمه.

و استدلّ أصحابنا بعموم الخنزير على حرمة خنزير البحر، و قال الشّافعيّ: لا بأس به. و روي عن الإمام مالك أنّه قال له شخص: ما تقول في خنزير البحر؟ فقال: حرام. ُثمّ جاء آخر، فقال له: ما تقول في حيوان في البحر على صورة الخنزير؟ فقال:حلال، فقيل له: في ذلك، فقال: إنّ الله تعالى حرّم الخنزير و لم يُحرّم ما هو على صورته. و السّؤال مختلف في الصّورتين. (2: 42)

القاسميّ: و أمّا خبث لحم الخنزير، فلأذاه للنّفس، كما حرّم ماقبله لمضرّتها في الجسم، لأنّ من حكمة الله في خلقه: أنّ من اغتذى جسمه بجسمانيّة شيء، اغتذت نفسانيّته بنفسانيّة ذلك الشّيء: الكِبْر و الخيلاء في الفدّادين((1))

أهل الوبر، و السّكينة في أهل الغنم. فلمّا جعل في الخنزير من الأوصاف الذّميمة، حرّم على من حوفظ على نفسه من ذميم الأخلاق؛ نقله البقاعيّ.

و قد كُشِف لأطبّاء هذا العصر من مضارّ لحم الخنزير المبنيّة على التّجارب الحسّيّة، غير ما قالوه القدماء. فمن مضارّه: أنّه يورث الدّودة الوحيدة المتسبّب من وجودها في الأمعاء أعراض كثيرة:

ص: 89


1- (1) الفدّ ادين: المتكبّرين...و ما لك المئين من الإبل إلى الألف؛ واحده فَدّاد.

كالمغص، و الإسهال، و القيء، و فقد شهوة الطّعام أو النّهم الشّديد، و آلام الرّأس، و الإغماء، و الدّوار، و اضطراب الفكر، و عروض نوبات صرعيّة، و تشنّجات عصبيّة، و إصابة مرض دودة الشّعر الحلزونيّة الّذي يفوق الحُمّى، و يؤدّي بحياة المصاب إلى غير ذلك من التّعب،و عسر الهضم،و مضارّ سواها .

قال حكيم: فالإسلام لم يأت لإصلاح الرّوح فقط، بل لإصلاح الرّوح و الجسم معًا، فلم يترك ضارًّا لأحدهما إلا و نبّه عليه تصريحًا أو تلويحًا. و قد بسط الحكماء المتأخّرون الكلام على مضرّات لحم الخنزير، في مقالات عديدة. (3: 382)

رشيد رضا: [و حرّم لحم الخنزير] فإنّه قذر، لأنّ أشهى غذاء الخنزير إليه القاذورات و النّجاسات، و هو ضارّ في جميع الأقاليم و لا سيّما الحارّة، كما ثبت بالتّجربة. و أكل لحمه من أسباب الدّودة الوحيدة القتّالة. و يقال: إنّ له تأثيرًا سيّئًا في العفّة و الغيرة.

(2: 98)طنطاوي: أمّا الخنزير، فقد أجمعت الأُمّة على تحريم جميع أجزائه، و جمهور العلماء أنّه نجس، و قال مالك: بطهارته، فإنّ كلّ حيّ عنده طاهر. و مذهب الشّافعيّ الجديد أنّه كالكلب إذا ولغ في الإناء، و في القديم يكفي في ولوغه غَسْلةً واحدة. (1: 166)

المَراغيّ: {وَ لَحْمَ الْخِنْزيرِ‘} لأ نّه ضارّ و لا سيّما في البلاد الحارّة، كما دلّت على ذلك التّجربة. (2: 49)

سيّد قُطْب: فأمّا الخنزير فيجادل فيه الآن قوم. و الخنزير بذاته منفِّر للطّبع النّظيف القويم، و مع هذا فقد حرّمه الله منذ ذلك الأمد الطّويل، ليكشف علم النّاس منذ قليل أنّ في لحمه و دمه و أمعائه دودة شديدة الخطورة الدّودة الشّريطيّة و بويضاتها المتكيّسة و يقول الآن قوم: إنّ وسائل الطّهو الحديثة قد تقدّمت، فلم تعدّ هذه الدّيدان و بويضاتها مصدر خطر، لأنّ إبادتها مضمونة بالحرارة العالية الّتي توافرها وسائل الطَّهو الحديثة. و ينسى هؤلاء النّاس أنّ علمهم قد احتاج إلى قرون طويلة، ليكشف آفة واحدة. فمن ذا الّذي يجزم بأن ليس هناك آفات أُخرى في لحم الخنزير، لم يُكشَف بَعدُ عنها؟ أفلاتستحقّ الشّريعة الّتي سبقت هذا العلم البشريّ بعشرات القرون أن نثق بها، و ندع كلمة الفصل لها، و نحرّم ما حرّمت، و نحلّل ما حلّلت، و هي من لدن حكيم خبير! (1: 156)

ابن عاشور: و لحم الخنزير هو لحم الحيوان المعروف بهذا الاسم. و قد قال بعض المفسّرين:إنّ العرب كانوا يأكلون الخنزير الوحشيّ دون الإنسيّ، أي لأ نّهم لم يعتادوا تربية الخنازير. و إذا كان التّحريم واردًا على الخنزير الوحشيّ فالخنزير الإنسيّ أولى بالتّحريم أو مساو للوحشيّ.

و ذكر اللّحم هنا، لأ نّه المقصود للأكل، فلادلالة في ذكره على إباحة شيء آخر منه، و لا على عدمها، فإنّه قد يعبّر ببعض الجسم على جميعه، كقوله تعالى عن زكريّا: {رَبِّ اِنّى وَهَنَ الْعَظْمُ مِنّى} مريم:4، و أمّا نجاسته و نجاسة شعره أو إباحتها، فذلك غرض آخر ليس هو المراد من الآية.

ص: 90

و قد قيل في وجه ذكر اللّحم هنا و تركه في قوله: {اِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ} وجوه قال ابن عَطيّة: <إنّ المقصد الدّ لالة على تحريم عينه ذُكّيَ أم لم يُذَكّ > انتهى. و مراده بهذا ألا يتوهّم متوهِّم أنّه إنّما يحرم إذا كان ميتة، و فيه بُعد. و قال الآلوسيّ: <خصّه لإظهار حرمته، لأ نّهم فضّلوه على سائر اللّحوم، فربّما استعظموا وقوع تحريمه> انتهى. يريد أنّ ذكره لزيادة التّغليظ، أي ذلك اللّحم الّذي تذكرونه بشراهة. و لاأحسب ذلك، لأنّ الّذين استجادوا لحم الخنزير هم الرّوم دون العرب،

و عندي أنّ إقحام لفظ اللّحم هنا: إمّا مجرّد تفنّن في الفصاحة، و إمّا للإيماء إلى طهارة ذاتهكسائر الحيوان، و إنّما المحرّم أكله لئلا يُفضي تحريمه بالنّاس إلى قتله أو تعذيبه، فيكون فيه حجّة لمذهب مالك بطهارة عين الخنزير كسائر الحيوان الحيّ، و إمّا للتّرخيص في الانتفاع بشعره، لأ نّهم كانوا يغرزون به الجلد.

و حكمة تحريم لحم الخنزير أنّه يتناول القاذورات بإفراط، فتنشأُ في لحمه دودة ممّا يقتاته، لاتهضمها معدته، فإذا أُصيب بها آكله قتلته.

و من عجيب ما يتعرّض له المفسّرون و الفقهاء البحث في حرمة خنزير الماء، و هي مسألة فارغة؛ إذ أسماء أنواع الحوت روعيت فيها المشابهة، كما سمّوا بعض الحوت: فرَس البحر و بعضه حَمام البحر و كلب البحر، فكيف يقول أحد بتأثير الأسماء و الألقاب في الأحكام الشّرعيّة؟! و في «المدوّنة» توقّف مالك أن يجيب في خنزير الماء، و قال: أنتم تقولون: خنزير. قال ابن شَأْس: رأى غير واحد أنّ توقّف مالك حقيقة لعموم {اُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ} المائدة: 96، و عموم قوله تعالى: {وَ لَحْمَ الْخِنْزيرِ}.

و رأى بعضهم أنّه غير متوقّف فيه حقيقة، و إنّما امتنع من الجواب إنكارًا عليهم تسميتهم إيّاه خنزيرًا، و لذلك قال: أنتم تسمّونه خنزيرًا، يعني أنّ العرب لم يكونوا يسمّونه خنزيرًا، و أنّه لاينبغي تسميته خنزيرًا، ثمّ السّؤال عن أكله حتّى يقول قائلون: أكلوا لحم الخنزير، أي فيرجع كلام مالك إلى صون ألفاظ الشّريعة ألا يُتلاعَب بها.

و عن أبي حنيفة أ نّه منع أكل خنزير البحر غير متردّد، أخذًا بأ نّه سمّي خنزيرًا. و هذا عجيب منه، و هو المعروف بصاحب الرّأي، و من أين لنا ألايكون لذلك الحوت اسم آخر في لغة بعض العرب، فيكون أكله محرّمًاعلى فريق، و مباحًا لفريق. (2: 117)

مَغْنِيّة: ذكر في هذه الآية أربعة أنواع ممّا يحرم أكله... الثّالث: الخنزير، لحمه و شحمه و جميع أجزائه، خلافًا لداود الظّاهريّ الّذي قال: يحرم لحم الخنزير دون شحمه، عملا بظاهر اللّفظ. و إنّما ذكر اللّحم بالخصوص، لأ نّه أظهر الأجزاء الّتي ينتفع بها.

(1: 264)

عبد الرّزّاق نوفل: [راجع: خ م ر: <الخمر>]

(1: 85)

المُصْطَفَويّ: هذه الآية الكريمة تدلّ على حرمة هذه الموضوعات، و كذلك آيات: {حُرِّ مَتْ عَلَيْكُمُ

ص: 91

الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزيرِ} المائدة: 3، {اِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَ الدَّمَ وَ لَحْمَ الْخِنْزيرِ} النّحل: 115.

و أمّا التّعبيرباللّحم و التّقييدبه، فراجع: اللّحم.

و أمّا جهة الطّهارةو النّجاسة في هذه الموضوعات، فلابدّ أن يُفهم من دليل خارج، و التّعبير عن لحم الخنزير ب<الرّجس> {قُلْ لا اَجِدُ فِى مَا اُوحِىَ اِِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلى طَاعِمٍيَطْعَمُهُ اِلا اَنْ يَكُونَ مَيْتَةً اَوْ دَمًا مَسْفُوحًا اَوْ لَحْمَ خِنْزيرٍ‘فَاِِنَّهُ رِجْسٌ} الأنعام: 145، لايدلّ على النّجاسة، فإنّ الرّجس هو الرّجز و القذر، و هو أعمّ من النّجاسة {فَاجْتَنِبُوا الرِّ جْس مِنَ الاَوْ ثَانِ } الحجّ : 30 . (3: 136)

مكارم الشّيرازيّ: تذكر الآية ثلاثة أنواع من اللّحوم المحرّمة إضافة إلى الدّم، و هي من أكثر المحرّمات انتشارًا في ذلك العصر، في بعضها خُبث ظاهر، لايخفى على أحد، كالميتة و الدّم و لحم الخنزير، و في بعضها خبث معنويّ كالّتي ذبحت من أجل الأصنام...

فلسفة تحريم اللّحوم المحرّمة:

الأغذية المحرّمة التّي ذكرتها الآية الكريمة أعلاه لها كسائر المحرّمات الإلهيّة فلسفتها الخاصّة، و قد شُرّعت انطلاقًا من خصائص الإنسان جسميًّا و روحيًّا. و الرّوايات الإسلاميّة ذكرت علل بعض هذه الأحكام، و العلوم الحديثة أماطت اللّثام أيضًا عن بعض هذه العلل.[إلى أن قال:]

ثالث المحرّمات المذكورة في الآية {لَحْمَ الْخِنْزيرِ‘}.

الخنزير حتّى عند الأُوروبيّين المولعين بأكل لحمه رمز التّحلّل الجنسيّ، و هو حيوان قذر للغاية، و تأثير تناول لحمه على التّحلّل الجنسيّ لدى الإنسان مشهود.

حرمة تناول لحمه صرّحت بها شريعة موسى(علیه السلام) أيضًا، و في الأناجيل شُبّه المذنبون بالخنزير، كما أنّ هذا الحيوان مظهر الشّيطان في القصص.و من العجيب أنّ أُناسًا يرون بأعينهم قذارة هذا الحيوان، حتّى أنّه يأكل عذرته، و يعلمون احتواء لحمه على نوعين خطرين من الدّيدان، و مع ذلك يصرّون على أكله.

دودة «التّريشين» الّتي تعيش في لحم هذا الحيوان تتكاثر بسرعة مدهشة، و تبيض في الشّهر الواحد خمسة عشر ألف مرّة، و تسبّب للإنسان أمراضًا متنوّعة كفقر الدّم، و الغثيان، وحُمّى خاصّة، و الإسهال، و آلام المفاصل، و توتّر الأعصاب، و الحَكّة، و تجمّع الشّحوم داخل البدن، و الإحساس بالتّعب، و صعوبة مضغ الطّعام و بلعه، و التّنفّس و...

و قد يوجد في كيلو واحد من لحم الخنزير «400» ميليون دودة من هذه الدّيدان!! و لذلك أقدمت بعض البلدان الأُوروبيّة في السّنوات الماضية على منع تناول لحم هذا الحيوان.و هكذا تتجلّي عظمة الأحكام الإلهيّة بمرور الأيّام أكثر فأكثر.

يقول البعض: إنّ العلم تطوّر بحيث استطاع أن يقضي على ديدان هذا الحيوان، و لكن على فرض أنّنا استطعنا بواسطة العقاقير، أو بالاستفادة من الحرارة الشّديدة في طبخه، إلا أنّ أضراره الأُخرى ستبقى.

ص: 92

و قد ذكرنا أنّللأطعمة تأثيرًا على أخلاق الإنسان عن طريق تأثيرها على الغدد و الهورمونات؛ و ذلك الأصل علميّ مسلّم، و هو أنّ لحم كلّ حيوان يحوي صفات ذلك الحيوان أيضًا. من هنا تبقى للحم الخنزير خطورته في التّأثير على التّحلّل الجنسيّ للآكلين، و هي صفة بارزة في هذا الحيوان.

و لعلّ تناول لحم هذا الحيوان أحد عوامل التّحلُّل الجنسيّ في أُوربّا. (1: 425 429)

فضل الله: و قد ذكر أ نّه يشتمل على بعض الدّيدان الخطرة على الصّحّة العامّة للإنسان، من خلال طبيعتها الضّارّة، و منها دودة التّريشيّ الّتي تعيش في لحم هذا الحيوان، و تتكاثر بسرعة مدهشة، و تضع في الشّهر خمسة عشَر ألف بيضة، و تسبّب للإنسان أمراضًا متنوّعة كفقر الدّم، و الغثيان، و الحُمّى خاصّة، و الإسهال، و آلام المفاصل، و توتّر الأعصاب، و الحَكّة، و تجمّع الشّحوم داخل البدن، و الإحساس بالتّعب، و صعوبة مضغ الطّعام و بلعه، و التّنفّس و...، و قد يوجد في كيلو واحد من لحم الخنزير «400» ميليون دودة من هذا الدّيدان. و يضيفون إلى مضارّه تأثيره في التّحلُّل الجنسيّ للإنسان. (3: 190)

لاحظ: م و ت: <الميتة>.

2 حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزيرِ‘ ‘وَ مَا اُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ... المائدة:3

الطّبَريّ: و أمّا قوله: {وَ لَحْمُ الْخِنْزيرِ}، فإنّه يعني و حُرّم عليكم لحم الخنزير، أهليّه وبَرّ يّه.

فالميتة و الدّم مخرجهما في الظّاهر مخرج عموم، و المراد منهما الخصوص. و أمّا لحم الخنزير، فإنّ ظاهره كباطنه، و باطنه كظاهره، حرام جميعه، لم يخصَّص منه شيء. (4: 407)

الجصّاص: فإنّه قد تناول شحمه و عظمه و سائر أجزائه. ألا ترى أنّ الشّحم المخالط للّحم قد اقتضاه اللّفظ، لأنّ اسم اللّحم يتناوله؟ و لاخلاف بين الفقهاء في ذلك، و إنّما ذكر اللّحم، لأ نّه معظم منافعه. و أيضًا فإنّ تحريم الخنزير لمّا كان مبهمًا اقتضى ذلك تحريم سائر أجزائه كالميتة و الدّم، و قد ذكرنا حكم شَعره و عظمه فيما تقدّم.

(2: 382)

ابن عَطيّة: { وَ لَحْمُ الْخِنْزيرِ} مقتض لشحمه بإجماع، و اختُلف في استعمال شَعره و جلده بعد الدّباغ، فأُجيز و مُنع. و كلّ شيء من الخنزير حرام بإجماع، جلدًا كان أو عظمًا. (2: 150)

الطَّبْرِسيّ: و إنّما ذكر لحم الخنزير، ليبيّن أنّه حرام بعينه، لالكونه ميتة، حتّى أنّه لايحلّ تناوله، و إن حصل فيه ما يكون ذكاة لغيره. و فائدة تخصيصه بالتّحريم مع مشاركة الكلب إيّاه في التّحريم، حالة وجود الحياة، و عدمها، و كذلك السّباع، و المسوخ، و ما لا يحلّ أكله من الحيوانات أنّ كثيرًا من الكفّار اعتادوا أكله،و ألفوه أكثر ما اعتادوا في غيره.

(2: 157)

أبو الفُتُوح: و هذا عامّ في اللّفظ و المعنى، و اللام فيه للجنس بالإجماع، لا بظاهر اللّفظ، سواء كان أهليًّا أو برّ يًّا. و كلّما يتعلّق بظاهره و باطنه من شحم

ص: 93

و جلد فهو حرام و خبيث. (6: 236)

الفَخْرالرّ ازيّ: قال أهل العلم: الغذاء يصير جزءًا من جوهر المُغتذي، فلابدّ أن يحصل للمغتذي أخلاق و صفات من جنس ما كان حاصلا في الغذاء، و الخنزير مطبوع على حرص عظيم و رغبة شديدة في المشتهيات، فحُرّم أكله على الإنسان لئلا يتكيّف بتلك الكيفيّة. و أمّا الشّاة فإنّها حيوان في غاية السّلامة، فكأنّها ذات عارية عن جميع الأخلاق، فلذلك لا يحصل للإنسان بسبب أكل لحمها كيفيّة أجنبيّة عن أحوال الإنسان. (11: 132)

نحوه النَّيسابوريّ (6: 37)، و الشِّربينيّ (1: 352).

ابن عرَبيّ: {وَ لَحْمُ الْخِنْزيرِ} و وجوه التّمتّعات الحاصلة بالحرص، و الشّرَه، فإنّ قوّة الحرص أخبث القُوى، و أسدّها لطرق الكمال و النّجاة. (1: 309)

ابن كثير: و قوله: {وَ لَحْمُ الْخِنْزيرِ} يعني إنسيّه و وحشيّه، و اللّحم يعمّ جميع أجزائه حتّى الشّحم، و لايحتاج إلى تحذلق الظّاهريّة في جمودهم هاهنا، و تعسّفهم في الاحتجاج بقوله: {فَاِنَّهُ رِجْسٌ اَوْ فِسْقًا}، يعنون قوله تعالى: {اِلااَنْ يَكُونَ مَيْتَةً اَوْ دَمًا مَسْفُوحًا اَوْ لَحْمَ خِنْزيرٍ‘فَاِنَّهُ رِجْسٌ } الأنعام: 145،أعادوا الضّمير فيما فهموه على <الخنزير> حتّى يعمّ جميع أجزائه. و هذا بعيد من حيث اللّغة، فإنّه لايعود الضّمير إلا إلى المضاف دون المضاف إليه. و الأظهر أنّ اللّحم يعمّ جميع الأجزاء، كما هو المفهوم من لغة العرب، و من العرف المطّرد.

و في صحيح مسلم عن بريدة بن الخصيب الأسلميّ رضي الله عنه، قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله) : «من لعب بالنّردشير، فكأنّما صبغ يده في لحم الخنزير و دمه». فإذا كان هذا التّنفير لمجرّد اللّمس، فكيف يكون التّهديد و الوعيد الأكيد على أكله و التّغذّي به؟! و فيه دلالة على شمول اللّحم لجميع الأجزاء من الشّحم و غيره.

و في الصّحيحين: أنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله) قال: «إنّ الله حرّم بيع الخمر و الميتة و الخنزير و الأصنام». فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة، فإنّها تُطلى بها السّفن، و تُدهن بها الجلود، و يستصبح بها النّاس؟ فقال: «لا، هو حرام».

و في صحيح البخاريّ من حديث أبي سفيان، أنّه قال لهِرقِل ملك الرّوم: نهانا عن الميتة و الدّم.

(2: 479)

الكاشانيّ: {وَ لَحْمُ الْخِنْزيرِ} و إن ذُكّي،و إنّما خص بالذّكر دون الكلب و غيره، لاعتيادهم أكله دون غيره. (2: 7)

مثله المشهديّ (3: 9)، و شُبّر (2: 139).

البُرُوسَويّ: {وَ لَحْمُ الْخِنْزيرِ} لعينه لا لكونه ميتة حتّى لا يحلّ تناوله، مع وجود الذّكاة فيه. و فائدة تخصيص لحم الخنزير بالذّكر دون لحم الكلب و سائر السّباع، أنّ كثيرًا من الكفّار ألفوا لحم الخنزير، فخُص بهذا الحكم، و ذلك أنّ سائر الحيوانات المحرّم أكلها إذا ذبحت، كان لحمها طاهرًا لايفسد الماء إذا وقع فيه و إن لم يحلّ أكله، بخلاف لحم الخنزير. [ثمّ قال نحو الفَخْر الرّ ازيّ و أضاف:]

ص: 94

و من جملة خبائث الخنزير أنّه عديم الغيرة، فإنّه يرى الذّكر من الخنازير ينزو على أُنثى له، و لايتعرّض له لعدم غيرته، فأكل لحمه يورث عدم الغيرة.

(2: 340)

الآلوسيّ: {وَ لَحْمُ الْخِنْزيرِ} إقحام اللّحم لما مرّ. و أخذ داود و أصحابه بظاهره، فحرّموا اللّحم و أباحوا غيره، و ظاهر العطف أنّه حرام حُرمة غيره. و أخرج عبد الرّزّاق في «المصنّف» عن قَتادَة أ نّه قال: <من أكل لحم الخنزير عرضت عليه التّوبة، فإن تاب، و إلا قُتل>. و هو غريب، و لعلّ ذلك، لأنّ أكله صار اليوم من علامات الكفر كلبس الزُّ نّار؛ و فيه تأمّل.

(6: 57)

القاسميّ: قال المهايميّ: {وَ لَحْمُ الْخِنْزيرِ} لأ نّه نجس في حياته، و صفاته الذّميمة، و هي و إن زالت بالموت فهو منجِّس و لم يقبل التّطهير، لأ نّه لمّا كان نجسًا حال الحياة و الموت أشبه النّجس بالذّات، فكأ نّه زيد تنجيسه بالموت. و إنّما ذكر اللّحم إشارة إلى أنّه، و إن لم يكن موصوفًا في الحياة بالصّفات المنجّسة لروحه، كان متنجِّسًا بنجاسة روحه، ثمّ بزوال الرّوح. (6: 1815)

رشيد رضا: و حكمة تحريمه: ما فيه من الضّرر، و كونه ممّا يُستقذر أيضًا، و إن كان استقذاره ليس لذاته كالميتة و الدّم، بل هو خاص بمن يتذكّر ملازمته للقاذورات و رغبته فيها...

و أمّا كون أكل لحم الخنزير ضارًّ ا فهو ممّا يُثبته الطّبّ الحديث، و جُلّ ضرره نا شئ من أكله للقاذورات. فمنه: أنّه يولد الدّيدان الشّريطيّة كالدّودة الوحيدة نعوذ بالله منها و سبب سريان ذلك إليه أكل العَذِرة. و منه: أ نّه يولد دودة أُخرى يسميّها الأطبّاء: الشّعرة الحلزونيّة، و هي تسري إلى الخنزير من أكل الفئران الميتة. و منه: لحمه أعسر اللّحوم هضمًا لكثرة الشّحم في أليافه العضليّة، و قد تحُول الأنسجة الدّهنيّة الّتي فيه دون عصير المعدّة، فيعسر هضم الموارد الزّلا ليّة للعضلات، فتُتعب معدة آكله، و يشعر بثقل في بطنه و اضطراب في قلبه. فإن ذرعه القيء، فقذفهذه الموادّ الخبيثة و إلا تهيّجت الأمعاء و أُصيب بالإسهال.

و لولا العادة الّتي تسهل على كثير من النّاس تناول السّموم أكلا و شربًا و تدخينًا، و لولا ما يعالجون به لحم الخنزير لتخفيف ضرره، لما أمكن النّاس أن يأكلوه و لاسيّما أهل البلاد الحارّة...

فإن قلت: إنّ آية الأنعام علّلت تحريم أكل لحم الخنزير بكونه رجسًا، فهل معنى ذلك أكله للقذر، أم ما فيه من الضّرر؟

فاعلم أنّ لفظ <الرّجس> يُطلق على كلّ ضارّ مستقبَح حسًّا أو معنًى، فيسمّى النّجس رجسًا و يسمّى الضّارّ رجسًا، و من الأخير قوله تعالى: {اِِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الاَنْصَابُ وَ الاَزْ لامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَان ِ} المائدة: 90، فتعليل آية الأنعام يشمل الأمرين الّذين ذكرناهما معًا، فهي من إيجاز القرآن الّذي لايصل النّاس إلى شرحه و تفصيله إلا باتّساع دائرة علومهم و تجاربهم. (6: 135)

ص: 95

نحوه المَراغيّ. (6: 48).

سيّد قُطْب: و تعليل هذا الحكم في حدود ما يصل إليه العلم البشريّ، بحكمة التّشريع الإلهيّ، عند استعراض آية سورة البقرة الخاصّة بهذه المحرّمات: ص: 156 ،157، من الجزء الثّاني من < الظّلال> . و سواء وصل العلم البشريّ إلى حكمة هذا التّحريم أم لم يصل، فقد قرّر العلم الإلهيّ أنّ هذه المطاعم ليست طيّبة، و هذا وحده يكفي. فالله لايُحرّم إلا الخبائث، و إلا ما يؤذي الحياة البشريّة في جانب من جوانبها، سواء علم النّاس بهذا الأذى أو جهلوه. و هل عَلِم النّاس كلّ ما يؤذي، و كلّ ما يفيد؟! (2: 840)

ابن عاشور: و معنى تحريم هذه المذكورات تحريم أكلها، لأ نّه المقصود من مجموع هذه المذكورات هنا، و هي أحوال من أحوال الأنعام تقتضي تحريم أكلها. و أدمج فيها نوع من الحيوان ليس من أنواع الأنعام و هو الخنزير، لاستيعاب محرّمات الحيوان. و هذا الاستيعاب دليل لإباحة ما سوى ذلك، إلا ما ورد في السُّنّة من تحريم الحُمُر الأهليّة، على اختلاف بين العلماء في معنى تحريمها. و الظّاهر أنّه تحريم منظور فيه إلى حالة لا إلى الصّنف. [إلى أن قال:]

وإنّما قال: {وَ لَحْمَ الْخِنْزيرِ} و لم يقل: و الخنزير، كما قال: {وَمَا اُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ} إلى آخر المعطوفات. و لم يذكر تحريم الخنزير في جميع آيات القرآن إلا بإضافة لفظ {لَحْمَ} إلى {الْخِنْزيرِ‘}، و لم يأت المفسّرون في توجيه ذلك بوجه ينثلج له الصّدر. و قد بيّنّا ذلك في نظير هذه الجملة من سورة البقرة :173.

و يبدو لي أنّ إضافة لفظ {لَحْمَ} إلى {الْخِنْزيرِ‘} للإيماء إلى أنّ المحرّم أكل لحمه، لأنّ اللّحم إذا ذُكر له حكم، فإنّما يراد به أكله. وهذا إيماء إلى أنّ ما عدا أكل لحمه من أحوال استعمال أجزائه هو فيها، كسائر الحيوان في طهارة شَعره، إذا انتزع منه في حياته بالجَزّ، و طهارة عرَقه و طهارة جلده بالدَّبغ، إذا اعتبرنا الدّبغ مطهّرًا جلد الميتة، اعتبارًا بأنّ الدّبغ كالذّكاة. و قد روي القول بطهارة جلد الخنزير بالدّبغ عن داود الظّاهريّ وأبي يوسف، أخذًا بعموم قوله (صلی الله علیه و آله) <أيّما إهاب دبغ فقد طهر» رواه مسلم و التّرمذيّ عن ابن عبّاس.

و علّة تحريم الخنزير: أنّ لحمه يشتمل على جراثيم مضرّة لاتقتلها حرارة النّار عند الطّبخ، فإذا و صلت إلى دم آكِلِه عاشت في الدّم، فأحدثت أضرارًا عظيمة، منها مرض الدّيدان الّتي في المعدة.(5: 20)

الطَّباطَّبائيّ: هذه الأربعة مذكورة فيما نزل من القرآن قبل هذه السّورة كسُورتَي الأنعام و النّحل، و هما مكّيّتان، و سورة البقرة و هي أوّل سورة مفصّلة نازلة بالمدينة . قال تعالى: {قُلْ لا اَجِدُ فى مَا اُوحِىَ اِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ اِلا اَنْ يَكُونَ مَيْتَةً اَوْ دَمًا مَسْفُوحًا اَوْ لَحْمَ خِنْزيرٍ‘فَاِنَّهُ رِجْسٌ اَوْ فِسْقًا اُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَ لا عَادٍ فَاِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحيمٌ‘ } الأنعام: 145، و قال تعالى: {اِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَ لَحْمَ الْخِنْزيرِ‘وَ مَا اُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَ لا عَادٍ فَلا اِثْمَ عَلَيْهِ اِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحيمٌ‘} البقرة: 173.

ص: 96

و الآيات جميعًا كما ترى تُحرّم هذه الأربعة المذكورة في صدر هذه الآية، و تماثل الآية أيضًا في الاستثناء الواقع في ذيلها بقوله: {فَمَنِ اضْطُرَّ فى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لاِ‚ثْمٍ فَاِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحيمٌ‘} فآية المائدة بالنّسبة إلى هذه المعاني المشتركة بينها و بين تلك مؤكِّدة لتلك الآيات.

بل النّهي عنها و خاصّة عن الثّلاثة الأُوَل أعني: الميتة، و الدّم، و لحم الخنزير، أسبَقُ تشريعًا من نزول سُورتَي الأنعام و النّحل المكّيّتَين، فإنّ آية الأنعام تعلّل تحريم الثّلاثة، أو خصوص لحم الخنزير بأنّه رجس، فتدلّ على تحريم أكل الرّجز، و قد قال تعالى في سورة المدّثّر 5، و هي من السّور النّازلة في أوّل البعثة :{وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ}.

وكذلك ما عدّه تعالى بقوله: {وَ الْمُنْخَنِقَةُ

وَ الْمَوْ قُوذَةُ وَ الْمُتَرَدِّ يَةُ وَ النَّطيحَةُ

وَ مَا اَكَلَ السَّبُعُ} جميعًا من مصاديق الميتة، بدليل قوله: {اِلا مَا ذَكَّيْتُمْ} فإنّما ذُكرت في الآية لنوع عناية، بتوضيح أفراد الميتة، ومزيد بيان للمحرّمات من الأطعمة، من غير أن تتضمّن الآية فيها على تشريع حديث.

و كذلك ما عدّه الله تعالى بقوله: {وَ مَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَ اَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالاَزْ لامِ ذلِكُمْ ’ ِفسْقٌ} فإنّهما و إن كانا أوّل ماذُكرا في هذه السّورة، لكنّه تعالى علّل تحريمهما أو تحريم الثّاني منهما على احتمال ضعيف بالفسق، و قدحرّم الفسق في آية الأنعام، و كذا قوله: {غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لاِ‚ثْمٍ} يدلّ على تحريم ما ذكر في الآية لكونه إثما، و قد دلّت آية البقرة على تحريم الإثم، و قال تعالى أيضًا: {وَ ذَرُوا ظَاهِرَ الاِثْمِ وَ بَاطِنَهُ} الأنعام: 120، و قال تعالى: { قُلْ اِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّىَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالاِثْمَ} الأعراف: 33.

فقد اتّضح و بانَ أنّ الآية لاتشتمل فيما عدّته من المحرّمات على أمر جديد غير مسبوق بالتّحريم، فيما تقدّم عليها من الآيات المكّيّة أو المدنيّة، المتضمّنة تعداد محرّمات الأطعمة من اللّحوم و نحوها. (5 :163)

عبد الكريم الخَطيب: لحم الخنزير الّذي حرّمته الشّرائع السّماويّة كلّها، للشّبه الكبير الّذي بينه و بين السّباع و الكلاب.

و التّوراة الّتي هي شريعة اليهود كماهي شريعة المسيحيّين تحرّم الخنزير، و قد التزم اليهود بهذا التّحريم، و كذلك أتباع المسيح مدّة حياته معهم، و شطرًا كبيرًا من عهد الحوارييّن بعده.

و لكن حين انتقلت الدّعوة المسيحيّة إلى الوثنيّين في أُوربّا، و كان لحم الخنزير من طعامهم، و اقتناؤه و تربيته مصدر ثروة لهم، أباح لهم المبشّرون بدعوة المسيح أن يأكلوا لحم الخنزير، حتّى يقرّبوهم من دعوة المسيح، و يجذبوهم إليها.

ففي التّوراة: «و الخنزيرَ لاتأكل... يشقّ الظِّلف لكنّه لايجترّ... فهو نجس لكم» تثنية14: 8.

فهذا حكم ملزم لأتباع هذه الشّريعة، و التّوراة هي شريعة اليهود و المسيحييّن كما قلنا و لكن هكذا تلعب الأهواء حتّى بشرائع السّماء!

ولاندري كيف يخالف المسيحيّون نصًّا صريحًا من كتابهم المقدّس، يقرؤونه و يتعبّدون به ؟ و لاندري

ص: 97

كيف يظلّ هذا النّص الصّريح في الكتاب المقدّس قائمًا بين أعينهم، ثمّ يخالفونه عن عمد و إصرار! (3: 1028)

3 اِِِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَ الدَّمَ وَ لَحْمَ الْخِنْزيرِ‘ وَ مَا اُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَ لا عَادٍ فَاِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحيمٌ‘. النّحل:115

البُرُوسَويّ: و الإشارة أنّ {الْمَيْتَةَ}: جيفة الدّنيا، و الحيوان هي الدّ ار الآخرة. و لو لم يكن للآخرة حياة لكانت جيفة... و أنّ{الدَّمَ} شهوات الدّنيا، و { لَحْمَ الْخِنْزيرِ‘}: الغيبة، و الحسد، و الظّّلم...

(5: 91)

و جاءت فيهَا أُمور، قد سبق نحوها في المائدة: 3، و راجع أيضًا: ح ر م: <حَرَّمَ>.

الْخَنَازير‘

قُلْ هَلْ اُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ ’مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَ غَضِبَ عَلَيْهِ وَ جَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازيرَ‘ وَ عَبَدَ الطَّاغُوتَ اُولئِكَ ’شَرٌّ مَكَانًا وَ اَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبيلِ‘. المائدة:60

ابن عبّاس: في زمن عيسى بعد أكلهم من المائدة.

(97)

إنّ المَسْخَين من أصحاب السّبت: شبابهم مُسخوا قردة، و مشايخهم خنازير. (الواحديّ 2: 204)

نحوه القاسميّ. (6: 2053)

مُجاهِد: مُسخت من يهود. (الطّبَريّ 4: 634)

مُقاتِل: {الْقِرَدَةَ} في شأن الحيتان،و{الْخَنَازيرَ‘ } في شأن المائدة. (1: 488)

الطّبَريّ: و أمّا سبب مسخ الله من مسَخ منهم خنازير، فإنّه كان فيما حدّثنا: ... أنّ المسخ في بني إسرائيل من الخنازير، كان أنّ امرأة من بني إسرائيل كانت في قرية من قُرى بني إسرائيل، و كان فيها مَلِك بني إسرائيل، و كانوا قد استجمعوا على الهلكة، إلا أنّ تلك المرأة كانت على بقيّة من الإسلام متمسّكة به، فجعلت تدعو إلى الله، حتّى إذا اجتمع إليها ناس فتابعوها على أمرها، قالت لهم: إنّه لابدّ لكم من أن تجاهدوا عن دين الله، و أن تنادوا قومكم بذلك، فاخرُجوا فإنّي خارجة. فخرجت، و خرج إليها ذلك المَلِك في النّاس، فقُتل أصحابها جميعًا، و انفلتت من بينهم. قال: و دعَت إلى الله حتّى تجمّع النّاس إليها، حتّى إذا رضيت منهم، أمرتهم بالخروج، فخرجوا و خرجت معهم، و أُصيبوا جميعًا و انفلتت من بينهم. ثمّ دعَت إلى الله حتّى إذا اجتمع إليها رجال و استجابوا لها، أمرتهم بالخروج، فخرجوا و خرجت، فأُصيبوا جميعًا، و انفلتت من بينهم، فرجعت و قد أيست، و هي تقول: سبحان الله، لو كان لهذا الدّين وليٌّ و ناصرٌ، لقد أظهره بَعْدُ! قال: فباتت محزونة، و أصبح أهل القرية يسعون في نواحيها خنازير، قد مسخهم الله في ليلتهم تلك، فقالت حين أصبحت و رأت ما رأت: اليوم أعلم أنّ الله قد أعزّ دينه و أمر دينه! قال: فما كان مسخ الخنازير في بني إسرائيل إلا على يدَي تلك المرأة.

و للمسخ سبب فيما ذُكر غير الّذي ذكرنا، سنذكره في موضعه إن شاء الله. (4: 633)

الثّعلبيّ: { الْقِرَدَةَ} : أصحاب السّبت،

ص: 98

و {الْخَنَازيرَ‘ } : كفّار أهل مائدة عيسى. (4: 85)

مثله الواحديّ (2: 204)، و البغَويّ. (2: 66)، و نحوه المَيْبُديّ (3: 165)، و الطَّبْرِسيّ (2: 216)، و الفَخْر الرّ ازيّ (12: 36)، و البَيْضاويّ (1: 282)، و النّسَفيّ (1: 290)، و أبو حَيّان: (3: 518)، و المشهديّ (3: 127)، و الشَّوْكانيّ (2: 69).

الزّمَخْشَريّ: [نحو الثّعلبيّ و أضاف:]

و روي أنّها لمّا نزلت كان المسلمون يعيّرون اليهود و يقولون: يا إخوة القردة و الخنازير، فينكسون رؤوسهم. (1: 626)

نحوه النَّيسابوريّ (6: 123)، و الخازن (2: 57)، و البُرُوسَويّ (2: 411).ابن عَطيّة: [نحو الطّبَريّ، إلا أنّه ذكر الرّواية بتفاوت يسير، فراجع:] (2: 211)

ابن الجَوْزيّ: [نحو الثّعلبيّ و أضاف:]

و كان ابن قُتَيْبَة يقول: أنا أظنّ أنّ هذه القردة، و الخنازير، هي المسوخ بأعيانها توالدت. قال: و استَدْلَلْتُ بقوله تعالى: {وَ جَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَ الْخَنَازيرَ‘} فدخول الألف و اللام يدلّ على المعرفة، و على أنّها القردة الّتي تعاين، و لو كان أراد شيئًا انقرض و مضى، لقال: (و جعل منهم قردة و خنازير)، إلا أن يصحّ حديث أُمّ حبيبة في «المسوخ» فيكون كما قال (علیه السلام). قلت أنا: و حديث أُمّ حبيبة في «الصّحيح» انفرد بإخراجه مسلم، و هو أنّ رجلا سأل النّبيّ (صلی الله علیه و آله) فقال: يا رسول الله، القردة، و الخنازير هي ممّا مُسخ؟ فقال النّبيّ عليه السّلام: «إنّ الله لم يمسخ قومًا أو يهلك قومًا، فيجعل لهم نسلا و لاعاقبة، و إنّ القردة و الخنازير قد كانت قبل ذلك» و قد ذكرنا في سورة البقرة عن ابن عبّاس زيادة بيان ذلك، فلايُلتفت إلى ظنّ ابن قُتَيْبَة. (2: 387)

ابن كثير: عن ابن مَسعود قال: سُئل رسول الله(صلی الله علیه و آله) عن القردة و الخنازير، أهي ممّا مسخ الله ؟ فقال: «إنّ الله لم يهلك قومًا، أوقال: لم يمسخ قومًا فيجعل لهم نسلا و لاعقبًا، و إنّ القردة و الخنازير كانت قبل ذلك»، و قد رواه مسلم من حديث سفيان الثّوريّ و مسعر، كلاهما عن مغيرة بن عبد الله اليشكريّ به.

و قال أبو داود الطّيالسيّ: حدّثنا...عن ابن مَسعود قال: سألنا رسول الله (صلی الله علیه و آله) عن القردة و الخنازير، أهي من نسل اليهود؟ فقال: «لا إنّ الله لم يلعن قومًا قطّ فيمسخهم، فكان لهم نسل، و لكن هذا خلق كان، فلمّا غضب الله على اليهود فمسخهم جعلهم مثلهم». و رواه أحمد... عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله): «الحيّات مسخ الجنّ، كما مسخت القردة و الخنازير». هذا حديث غريب جدًّا. (2: 602)

أبو السُّعود: [نحو الثّعلبيّ ثمّ أضاف:]

و جمع الضّمير الرّاجع إلى الموصول في {مِنْهُمْ} باعتبار معناه، كما أنّ إفراد الضّميرَين الأوّلين باعتبار لفظه، و إيثار وضعه موضع ضمير الخطاب المناسب ل {اُنَبِّئُكُمْ} للقصد إلى إثبات الشّرّيّة بما عدّد، في حين صلته من الأُمور الهائلة الموجبة لها، على الطّريقة البرهانيّة، مع ما فيه من الاحتراز عن تهييج لجاجهم.

(2: 292)

ص: 99

نحوه الآلوسيّ. (6: 175)

رشيد رضا: و أمّا جعله منهم القردة و الخنازير، فتقدّم في سورة البقرة، و سيأتي في سورة الأعراف. قال تعالى في الأُولى: {وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذينَ‘ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِى السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِينَ=‘ }البقرة: 65، و قال بعد بيان اعتدائهم في السّبت من الثّانية: {فَلَمَّا عَتَوْ ا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةًخَاسِينَ=‘} الأعراف:166، و جمهور المفسّرين على أنّ معنى ذلك أنّهم مُسخوا فكانوا قردة و خنازير حقيقة، و انقرضوا، لأنّ الممسوخ لايكون له نسل، كما ورد. و في <الدُّرّ المنثور> : <أخرج ابن المنذر و ابن أبي حاتم في قوله: {قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِينَ= } قال: مُسخت قلوبهم و لم يُمسخوا قردة، و إنّما هو مثَل ضربه لهم مثل الحمار يحمل أسفارًا>. فالمراد على هذا أ نّهم صاروا كالقردة في نزواتها، و الخنازير في اتّباع شهواتها. و تقدّم في تفسير آية البقرة ترجيح هذا القول من جهة المعنى، بعد نقله عن مُجاهِد من رواية ابن جرير. قال: <مُسخت قلوبهم و لم يُمسخوا قردة، و إنّما هو مثَل ضربه الله لهم: {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ اَسْفَارً ا}» الجمعة: 5.

و لاعبرة بردّ ابن جرير قول مُجاهِد هذا، و ترجيحه القول الآخر فذلك اجتهاده، و كثيرًا ما يردّ به قول ابن عبّاس و الجمهور. و ليس قول مُجاهِد بالبعيد من استعمال اللّغة، فمن فصيح اللّغة أن تقول: ربَّى فلان الملك قومه أو جيشه على الشّجاعة و الغزو، فجعل منهم الأسود الضّواري، و كان له منهم الذّئاب المفترسة. (6: 448)

نحوه ملخّصًا المَراغيّ. (6: 148)

عزّة دروزة: و هذه ثالث مرّة ترد فيها الإشارة إلى مسخ بعض اليهود، غير أنّها تذكر مسخهم قردة و خنازير، في حين أنّ المرّتين الأُوليَين في سورتي البقرة و الأعراف ذُكر فيهما المسخ قردة فقط، و ليس في هذا تناقض أو تعديل جديد ممّا قد يرد على الوهم. فالإشارة القرآنيّة هنا و في المرّتين السّابقتَين لم تستهدف ذكر الحادث تاريخيًّا و قصصيًّا، و إنّما استهدفت التّنديد باليهود، و تذكيرهم بحادث نكال و خزي ربّانيّ، في بعض بني قومهم. و روحها تُلهم أنّهم كانوا يتناقلون خبر هذا الحادث، و أنّ في هذا الخبر خبر مسخ بعضهم قردة و بعضهم خنازير في آن واحد. و الآيات القرآنيّة تُتلى علنًا، و لم يُروَ أنّ اليهود أنكروا ذلك.

و لقد أورد المفسّرون روايات عن أصحاب رسول الله (صلی الله علیه و آله) و تابعيهم في أسباب و كيفيّة مسخ فريق من اليهود قردة و خنازير، في دور من أدوار تاريخهم في سياق هذه الآيات، كما أوردوا مثل ذلك في سياق المرّتين السّابقتَين ممّا يدلّ على أنّ ذلك كان متداولا في بيئة النّبيّ (صلی الله علیه و آله)، و المتبادر أنّ ذلك مقتبس من اليهود، و لقد علّقنا على الحادث بذاته في سياق المرّتين السّابقتَين، فلا نرى محلا للإعادة. (11: 138)

عبد الكريم الخَطيب: ثمّ إذ يعرض القرآن اليهود المعاصرين للنّبوّة في هذا المعرض، ينتقل بهم في لمحة خاطفة تردّهم إلى الماضي البعيد، و تُشرف بهم

ص: 100

على آبائهم و أجدادهم، الّذين كان لهم موقف من رسل الله، كهذا الموقف الّذي يقفونه هم من رسول الله، و من المكر بآيات الله. فكانعقابهم أليمًا شديدًا؛ إذ جعل الله منهم القردة و الخنازير و عبدة الطّاغوت، بهذه اللّعنة الّتي رماهم الله بها، فمُسخت آدميّتهم، و نسخت طبيعتهم، فإذا هم قردة و خنازير في صور آدميّة، يعبدون الطّاغوت و يوالون الشّيطان.

و الأبناء يعرفون عن يقين خبر هذا البلاء الّذي حلّ بآبائهم، فكانوا مُثَلة في النّاس، فإذا كان هؤلاء الأبناء لم يُمسخوا بعد قردة و خنازير و عبدة للطّاغوت، فإنّهم على الطّريق الّذي يقودهم إلى هذا البلاء، إذا هم ظلّوا على هذا الموقف من النّبيّ، و من دعوته، و لم يفيئوا إلى السّلامة و العافية، بموادعة النّبيّ أو مطابعته على دينه. (3: 1128)

المُصْطَفَويّ: جعلهم خنازير: إمّا من جهة الصّفات النّفسانيّة، حتّى تنقلب صورهم البرزخيّة الباطنيّة على صورها، و يُحشرون في القيامة على صورهم، كما في الرّوايات الواردة؛ أو بمعنى المسخ المعروف، و انقلاب الصّورة المادّ يّة الظّاهريّة على صورة جسم الخنزير. أمّا الأوّل فهو مسلّم مقطوع به، بل محسوس عند أهل البصيرة و النّورانيّة، و أمّا الثّاني فلا بدّ في إثباته أن يُستدلّ عليه بالرّوايات المسلّمة، راجع: م س خ:<المسخ>. (3: 136)

مكارم الشّيرازيّ: الآية تقارن المعتقدات المحرّفة و أعمال أهل الكتاب، و العقوبات الّتي تشملهم بوضع المؤمنين الأبرار من المسلمين، لكي يتبيّن أيّ الفريقين يستحقّ النّقد و التّقريع. و هذا بذاته جواب منطقيّ للفت انتباه المعاندين و المتطرّفين في عصبيّتهم.

و في هذه المقارنة تطلب الآية من النّبيّ(صلی الله علیه و آله) أن يسأل هؤلاء: هل أنّ الإيمان بالله الواحد و بكتبه الّتي أنزلها على أنبيائه أجدر بالنّقد و الاعتراض، أم الأعمال الخاطئة الّتي تصدر من أُناس شملهم عقاب الله؟

فتُخاطب الآية النّبيّ بأن يسأل هؤلاء: إن كانوا يريدون التّعرّف على أُناس لهم عند الله أشدّ العقاب جزاء ما اقترفوه من أعمال؛ حيث تقول: {قُلْ هَلْ اُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ’ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ}.

و لا شكّ أنّ الإيمان بالله و كتبه ليس بالأمر غير المحمود، و أنّ المقارنة الجارية في هذه الآية بين الإيمان و بين أعمال و أفكار أهل الكتاب، هي من باب الكناية، كما ينتقد إنسان فاسد إنسانًا تقيًّا، فيسأل الإنسان التّقيّ ردًّا على هذا الفاسد: أيّهما أسوأ، الأتقياء أم الفاسدون.

بعد هذا تُبادر الآية إلى شرح الموضوع، فتُبيّن أنّ أُولئك الّذين شملتهم لعنة الله فمسخهم قرودًا و خنازير، و الّذين يعبدون الطّاغوت و الأصنام، إنّما يعيشون في هذه الدّنيا و في الآخرة و ضعًا أسوأ من هذا الوضع، لأ نّهم ابتعدوا كثيرًا عن طريق الحقّ، و عن جادّة الصّواب، تقول الآية الكريمة: {مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَ غَضِبَ عَلَيْهِ...} و سنتطرّق إلى معنى <المسخ> الّذي يتغيّر بموجبه شكل الإنسان، و هل أنّ هذا التّغيّرفي

ص: 101

الشّكل يشمل صورته الجسميّة، أم المراد التّغيّر الفكريّ و الأخلاقيّ ؟ و ذلك عند تفسير الآية: 163، من سورة الأعراف، و بصورة مفصّلة بإذن الله. (4: 65)

الأُصول اللُّغويّة

1 الأصل في هذه المادّة: الخنزير: الحيوان المعروف. يقال: خَنْزَر، أي فعَل فِعْل الخنزير، و الجمع: خنازير. و قولهم: خَنْزَر الرّجل، أي نظر بمُؤخِر عينه، هو <فَنْعَل> من <خ ز ر>.

و الخنازير: علّة معروفة، و هي قروح صلبة تحدث في الرّقبة، تشبيهًا بهذا الحيوان لخبثها، و قد وردت هذه الكلمة في السّريانيّة بلفظ <حزيرت>.

2 و ذهب بعض اللُّغويّين إلى أنّ الخِنْزير <فِنْعيل> من مادّة <خ ز ر> الّتي تعني ضيق العين و صغرها، و النّظر بلحاظها، و هو بعيد؛ إذ ليس كذلك الخنزير.

و نراه رباعيًّا و نونه أصليّة، فهو على وزن <فِعْليل>، مثل: قِنْديل، و تلحظ هذه النّون في بعض اللّغات السّاميّة، كالمندنائيّة والحبشيّة، ممّا أغرى <آرثر جفري> بالقول بأنّ هذا اللّفظ حبشيّ الأصل. و لمّا رأى اختلاف صيغه في هذه اللّغة، عدل عن رأيه، لئلا يقال: إنّه عربيّ الأصل و الأحباش أخذوه من العرب! ثمّ قال: الأصحّ أنّه آراميّ المنشإ، إلا أنّ العرب أضافوا إليه <النّون>، فجعلوها بين <الخاء> و <الزّاي>((1))

الاستعمال القرآنيّ

جاء منها لفظ واحد اسمًا: (الخِنْزير‘) مفردً ا 4 مرّ ات ، و جمعًا مرّةً في 5 آيات:

1 {...اِلا اَنْ يَكُونَ مَيْتَةً اَوْ دَمًا مَسْفُوحًا اَوْ لَحْمَ خِنْزيرٍ‘ فَاِنَّهُ رِجْسٌ...} الأنعام : 145

2 و 3 { اِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزيرِ‘ وَ مَا اُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ...}

النّحل : 115 و البقرة : 173

4 {حُرِّ مَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزيرِ‘ وَ مَا اُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ...} المائدة : 3

5 {...مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَ غَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَ الْخَنَازيرَ‘ وَعَبَدَالطَّاغُوتَ...}

المائدة : 60

يلاحظ أوّ لا : أنّ الخنزير جاء مذمومًا اسمًا و عينًا، و فيها بُحُوثٌ:

1 ردّ الله على مشركي مكّة ما حرّموه في (1)، فحصر ما حرّمه تعالى في أربعة أعيان: {قُلْ لا اَجِدُ فى مَا اُوحِىَ اِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ اِلا اَنْ يَكُونَ مَيْتَةً اَوْ دَمًا مَسْفُوحًا اَوْ لَحْمَ خِنْزيرٍ‘ فَاِنَّهُ رِجْسٌ اَوْ فِسْقًا اُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِفَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَ لاعَادٍ فَاِنَّ رَ بَّكَ غَفُورٌ رَحيمٌ‘}.

و جاء لفظ <الخنزير> نكرة كسائر المحرّمات هنا، إنكارًا على تحليلهم إيّاها و ازدراء لها، و علّل حرمتها

ص: 102


1- (1) راجع: < معجم الألفاظ الدّخيلة في القرآن الكريم>.

بقوله: {فَاِنَّهُ رِجْسٌ}. كما وصف الفسق بأنّه {اُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ}، و كان قد أكّد في الآيات السّابقة أنّ ذلك فسق، فقال:{ وَ لاتَاْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَاِنَّهُ لَفِسْقٌ} الأنعام : 121، فإذا كانت هذه المحرّمات الأربعة رجسًا، و كان أحدهما و هو الإهلال لغير الله فسقًا، فهي جميعًا فسق أيضًا، للتّبعيّة و عدم الخصوص.

2 جاءت المحرّمات الأربعة معرفة في (2) و (3):{اِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزيرِ‘

وَ مَا اُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ}، و (4): {حُرِّ مَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزيرِ‘ وَ مَا اُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ}.

و ذهب المفسّرون إلى أنّ الألف و اللام في {الْمَيْتَةُ} وَ {الدَّمُ} للجنس، و لفظ {لَحْمُ} معرّف بالإضافة كما ترى، و (مَا) اسم موصول، و هو من المعارف، و ما بعده صلة له. و لكنّ بعضًا يرى أنّه نكرة موصوفة، و ما بعده صفة له، و هو ليس بشيء.

و ليس بعيدًا إن قلنا: الألف و اللام في{الْمَيْتَةُ} و{الدَّمُ} للعهد، فهي في (3) أي آية البقرة و (4) للعهد الذّكريّ، لأنّها ذكرت بهذين اللّفظين في (2) أي آية النّحل و هي مكّيّة، و في (2) للعهد الذّهنيّ، لأنّ مشركي مكّة كانوا يعهدون الميتة و الدّم.

3 جاء القردة و الخنازير جمعًا في (5): {مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَ غَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَ الْخَنَازيرَ‘ وَ عَبَدَ الطَّاغُوتَ}، و هذا ما حمل بعضهم على أن يقرأ (عُبُدُ الطّاغُوت)، و (عُبَّد الطّاغُوت)، و (عُبّادُ الطّاغُوت)، و (عِبادُ الطّاغوت)، على الجمع عطفًا على {الْخَنَازيرَ‘}، فيكون عامله {جَعَلَ}.

و هذه القراءات ليست بذي بال، لأ نّها تنسب خلق عبدة الطّاغوت إلى الله، و هذا ما يتشبّث به المجبّرة، و الصّواب أنّ جملة و {عَبَدَ الطَّاغُوتَ} معطوفة على{مَنْ لَعَنَهُ اللهُ} حسب القراءة المشهورة.

4 و قد بحثوا كثيرًا فيما يرجع إلى التّشريع، أو إلى سرّ التّشريع.

فمن الأوّل: كلامهم في طهارة الخنزير و نجاسته، و في اختصاص التّحريم بلحمه أو شموله لجميع أجزائه و لابن عاشور بحث خاص في وجه إضافة لفظ{لَحْمَ} إلى{الْخِنْزير‘ِ} و كذا في جواز الانتفاع بشعره و جلده، و في تحريم خنزير البحر، و لعبد الكريم الخطيب بحثٌ في حرمة الخنزير في التّوراة و عند اليهود، و عند قدماء النّصارى قبل انتقال الدّعوة المسيحيّة إلى الوثنيّين في أُروبّا، و كان لحمالخنزير من طعامهم، و اقتناؤه مصدر ثروة لهم، فأباحه لهم المبشّرون ليجذبوهم إليها.

ومن الثّاني : بسطهم الكلام و لاسيّما المتأخّرين منهم في آثاره السّيّئة في الجسم و الرّوح، فلاحظ.

5 ذُكرت محرّمات أُخرى ممّا يؤكل في القرآن: {وَ الْمُنْخَنِقَةُ وَ الْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّ يَةُ وَالنَّطيحَةُ وَمَا اَكَلَ السَّبُعُ اِلا مَا ذَكَّيْتُمْ وَ مَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَ اَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالاَزْ لامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ} المائدة : 3، و المحرّمات الّتي تُشرب: الخمر فقط:{يَسَْلُو=نَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ قُلْ فيهِمَا اِثْمٌ كَبيرٌ‘ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَ اِثْمُهُمَا اَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} البقرة : 219.

ص: 103

و ثانيًا: جاء <خنزير> في خمس آيات: ثلاث مدنيّة، و اثنتين مكّيّتين، و كلّها سوى واحدة (5) تشريعٌ مشتركٌ بين المكّيّ و المدنيّ، و هو حرمة لحم الخنزير منضمّة بحرمة الميتة و الدّم. و{ الْخِنْزيرِ‘} فيها مفرد أُضيف إليه {لَحْم}، و في واحدة منها (1) جاء (خِنْزير‘) نكرة تعميمًا أو تحقيرًا، و في الباقي معرفة جنسًا أو عهدًا كما سبق. و قد جاءت اثنتان منها (2) و (3) بلفظ واحد، رغم أنّ واحدة منهما (3) مدنيّة، و الأُخرى مكّيّة، فلاحظ.

أمّا في(5) فجاء <خنزير> جمعًا مع القردة {وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَ الْخَنَازيرَ‘} حكاية لما أُصيب اليهود من أهل الكتاب سابقًا، الّذين كانت ذرّيّاتهم أوّل جماعة من أهل الكتاب واجهوا النّبيّ 7 في المدينة و وقفوا أمامه، و أعانوا عليه إلى آخر حياته الشّريفة، فسنّوا به سنّة آبائهم مع موسى و غيره من أنبيائهم :، حتّى أجلى كثيرًا منهم، و قتل آخرين.

فهذه رغم أنّها قصّة تناسب المكّيّات مدنيّة و إنذار لليهود القاطنين بها. كما حدّث القرآن عن اليهود، تفصيلا في نحو من مائة آية من سورة البقرة،

أوّل سورة مدنيّة عند المفسّرين، إعلامًا لليهود بسابقة آباءهم، و تحذيرًا لهم عن اتّباعهم. و كذلك إعلامًا للمؤمنين بحال اليهود و سابقتهم لئلايُخْدَعوا بهم.

و ثالثًا: و ليس للخنزير بين الحيوانات نظير في القرآن، سوى الكلب فهو نجس عينًا في غيرالقرآن،

و مذموم اسمًا في القرآن مثل الخنزير، فقال ذمًّا لمن اتّبعه الشّيطان:{ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ اِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ اَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ} الأعراف : 176، رغم أنّه ذكر كلب أصحاب الكهف خلال قصّتهم في سورة الكهف الآيات 18 إلى 22 أربع مرّ ات مدحًا، و ذكر في المائدة :4،{وَ مَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبينَ‘ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ} مرّةً تشريعًا بلاذمّ. لاحظ ك ل ب: <الكلب>.

ص: 104

خ ن س

اشارة

لفظان مرّتان، في سورتين مكّيّتين

اَلْخنّاس 1:1 اَلْخُنَّس 1:1

النُّصوص اللُّغويّة

الخَليل: الخَنْس((1)): انقباض قصَبة الأنف،و عِرَض الأرنبة، كأنف البقرة الخنساء. [ثمّ استشهدبشعر]

و التُّرْك: خُنْسٌ.

و الخُنُوس: الانقباض و الاستخفاء.

و «الشّيطان يوسوس في القلب، فإذا ذُكرالله خَنَس»، أي انقبض.

الخُنَّس: الكواكب الخمسة الّتي تجري و تَخنُس في مجراها، حتّى يخفى ضَوْء الشّمس. و خُنُوسُها: اختفاؤها بالنّهار. (4: 199)

الكِسائيّ: يقال: خنَس يَخنِس خُنُوسًا.

(الحَرْبيّ 3: 1040)

ابن شُمَيّل: في حديث رواه: «يَخرُج عُنُقٌ من النّار فيَخنُس بالجبّارين في النّار»يريد تدخل بهم في النّار. و يقال: خنَس به، أي واراه، و يقال: تَخنِس بهم، أي تغيب بهم.

و خنَس الرّجل، إذا توارى و غاب، وأخنَستُه أنا، أي خَلّفتُه. (الأزهَريّ 7: 173)

الفَرّاء: خنَس الرّجل تأخّر يَخنس، و أنا أخنَستُه، بالألف.

أخنَستُ عنه بعض حقّه. (الأزهَريّ7: 173)

الخِنَّوس بالسّين : من صفات الأسد في وجهه وأنفه، و بالصّاد: ولد الخِنزير. (الأزهَريّ7: 176)

أبوعُبَيْدَة: فرس خَنُوس، و هوالّذي يعدل و هومستقيم في حُضْره ذات اليمين و ذاتالشِّمال، و كذلك الأُنثى بغيرهاء؛ و الجميع: خُنُسٌ، و المصدر: الخَنْس، بسكون النّون. (الأزهَريّ 7: 175)

ص: 105


1- (1) كذا، و جاء في كتب اللّغة: بفتح النّون، و هو الظّاهر.

أبوزَيْد: خنَس يَخنِس خِناسًا، إذا توارى فذهب، فجمع في القوافي((1))

بين الصّاد والسّين. قال يونس: فأخنَس الكتاب، يقال: خنَسَ و أخنَستُه أنا.

(168)

الأصمَعيّ: الخنَس في الأنف: تأخُّرالأرنبَة في الوجه، و قِصَرالأنف. (الأزهَري 7: 175)

الخنَس: تأخّرالأنف إلى الرّأس، و ارتفاعه عن الشّفة، و ليس بطويل و لامشرف. (ابن دُرَيْد221:2)

أبوعُبَيْد: في حديث أبي المنهال سيّاربن سلامة، قال: «بلغني أنّ في النّار أودية في ضحضاح، في تلك الأودية حيّات أمثال أجواز الإبل، وعقارب أمثال البغال الخُنْس...»...أمّا الخُنْس: فالقصار الأنف.

(2: 401)

ابن الأعرابيّ: الخُنُس: مأوى الظِّّباء.والخُنُس: الظِّباء أنفسها. (الأزهَريّ173:7)

ابن السِّكّيت: و قالوا: خُنْسٌ و خُنُسٌ، لأنّ القمر يَخنِس فيهنّ، و هوجمع خَنساء. (403)

ابن أبي اليمان: و الخنَس: قصرالأنف. (462)

الحَرْبيّ: عن ابن عبّاس: «أتيت النّبيّ (صلی الله علیه و آله) و هو يصلّي، فأقامني حذاءه، فلمّا أقبل على صلاته انخَنَستُ».

عن النّبيّ صلّى الله عليه: «الشّهر هكذا وهكذا، وخنَس إبهامه».

قوله: «انخَنَستُ» يقول: اختَفيتُ، و مثله: «خنَس إبهامه»، يقول: ضمّها و أخفاها و لم يُظهرها في العدد لمّا ضمّها إلى راحته.

و قال الله تعالى: { فَلا اُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ } التّكوير : 15، فقال المفسّرون في ذلك أشياء، كلّها ترجع إلى الاختفاء و التّغيّب. [إلى أن قال:]

و يقال: أصابنا جَوْدٌ فلم أزل فيه حتّى خنَس عنّي بمكان كذا و كذا، وحتّى انقطع عنّي بمكان كذا، ثمّ أخَذتُ مطرًا دونَ، حتّى إذا بلَغتُ كذا اقتَطَعتُه على مطردونه. (3: 1038)

الزّجّاج: الخنّاس: صيغة مبالغة، من <خنَس> بمعنى انقبَض وتأخّر؛ والمصدر:خُنُوس، كجُلُوس. و المادّة كلّها تدور على هذا الأصل، فالنّجوم الخُنَّس هي الّتي تخنس عن مجراها و تختفي بضياء الشّمس.

و في الحديث: «الشّيطان يوسوس إلى العبد، فإذا ذكَرالله خنَس» أي انقبَض و تأخّر. و الخَنَس في الأنف: تأخّره إلى الرّأس، و ارتفاعه عن الشّفة.

(381:5)

ابن دُرَيْد: الخنَس: ارتفاع أرنبة الأنف وانحطاط القصبة، ... رجل أخنَس و امرأة خنساء و قوم خُنْس.

و قد خَنِس يَخنَس خنَسًا، و به سمّيت المرأة خنساء و خُناس.

و خنَس الرّجل عن القوم، إذا مضى في خِفيَة فهو خانس.[و استشهد بالشّعر مرّتين] (221:2)

الأزهَريّ: يقال: خنَسَ من بين القوم، و انخنَس.

و في الحديث: «الشّيطان يوسوس للعبد، فإذا ذكَرالله خنَس» أي انقبَض منه.

ص: 106


1- (1) يعني في أبيات الشّعر الّتي ذكرها.

قلت: و هكذا قال الفَرّ اء في قول الله جلّ و عزّ: {مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ} النّاس:4.

قال: إبليس يوسوس في صدورالنّاس فإذا ذُكر الله خنَس.

قلت: و <خنَس> في كلام العرب يكون لازمًا و متعدّيًا.

يقال: خنَستُ فلانًا فخنَس، أي أخّرته فتأخّر، و قبَضتُه فانقبَض؛ وأخنَستُه أكثر.

وأنشدني أبوبكرالإياديّ لشاعرقَدِم على النّبيّ (صلی الله علیه و آله) ،فأنشده هذه الأبيات الّتي فيها:

و إن دَحَسُوا بالشّرّ فاعف تكرّمًا

و إن خنَسُوا عنك الحديث فلاتَسَلْ

و هذا حجّة لمن جعل«خنَسَ» واقعًا.

وممّا يدلّ على صحّة هذه اللّغة ما روينا عن النّبيّ (صلی الله علیه و آله) أنّه قال: «الشّهرهكذا و هكذا، و هكذا، و خنَسَ إصبعه في الثّالثة» أي قبضها يُعلِمهم أنّ الشّهر يكون تسعًا و عشرين.

و أنشد أبوعُبَيْد في «أخنَسَ» و هي اللّغة المعروفة:

إذا ما القلاسي و العمائم أخنَسَتْ

ففيهنّ عن صُلْع الرّجال حُسُور

وسمعت عُقيليًّا يقول لخادم له كان معه في طريق فتخلّف عنه لِمَ خنَسْتَ عنّي؟ أراد لِمَ غِبتَ و تخلّفتَ؟

(7: 173)

الصّاحِب: [نحو الخَليل و أضاف:]

و الأخنَس: القُراد.

والخَنْساء: اسم امرأة، و كذلك خُناس. (264:4)

الخَطّابيّ: في حديث عبدالملك بن عُمير...

«و قال المَدنيّ: و الله لفُطسٌ خُنْسٌ بزُبدٍ جُمْسٍ يغيب فيها الضّرس أطيَب من هذا». و الخُنْس: جمع الأخنَس، و هو الّذي قد انخنَس أنفه، و لذلك قيل للظّباء: الخُنْس. (3: 161)

الجَوهَريّ: خنَسَ عنه يَخنُس بالضّمّ، أي تأخّر.

وأخنَسَه غيره، إذا خلّفه و مضى عنه.

و الخنَس: تأخّرالأنف عن الوجه، مع ارتفاع قليل في الأرنبة. و الرّجل أخنَس، و المرأة خَنْساء، و البقركلّها خُنْسٌ.

و الخنّاس: الشّيطان، لأ نّه يَخنِس إذا ذُكرالله عزّ و جلّ.و الخُنّس: الكواكب كلّها، لأ نّها تَخنِس في المغيب، أو لأ نّها تخفى بالنّهار. و يقال: هي الكواكب السّيّارة منها دون الثّابتة. [إلى أن قال:]

و يقال: سمّيت خُنّسًا لتأخّرها، لأ نّها الكواكب المتحيّرة الّتي ترجع وتستقيم. (3: 925)

ابن فارِس: الخاء والنّون و السّين أصل واحد يدلّ على استخفاء و تستّر. قالوا: الخَنْس: الذّهاب في خِفيَة، يقال: خنَستُ عنه، و أخنَستُ عنه حقّه.

و الخُنّس: النّجوم تَخنِس في المغيب. و قال قوم: سمّيت بذلك لأ نّها تخفى نهارًا و تَطلُع ليلا . و الخنّاس: في صفة الشّيطان، لأ نّه يَخنِس إذا ذُكرالله تعالى.

و من هذا الباب: الخنَس في الأنف: انحطاط القصبة. و البقركلّهاخُنْسٌ. (223:2)

الهَرَويّ: و في حديث كَعْب: «فتَخنِس بهم النّار»

ص: 107

أي تجتذبهم و تتأخّر، كما تخنس النّجوم الخُنّس، و كما يَخنِس الشّيطان إذا ذُكرالله تعالى.

و في الحديث: «الشّيطان يوسوس إلى العبد، فإذا ذَكر الله خنَس» أي انقبَض و تأخّر، و هو قوله عزّ و جلّ:{مِنْ شَرِّالْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ} النّاس:4، يقال: خَنّستُه فخنس، أي أخّرته فتأخّر، و أخنَستُه أيضًا.

و منه قول العلاء بن الحضرميّ: «أنشده رسول الله (صلی الله علیه و آله):

و إن دَحَسُوا بالشّرّفَاعْفُ تكرّمًا

و إن خَنَسُوا عنك الحديث فلاتَسَلْ

و في الحديث: «و خنَسَ إبهامه» أي قبضَها.

و في حديث آخر: «فتَخنِس الجبّارين في النّار» أي تدخلهم و تغيبهم فيها. (2: 600)

الثّعالبيّ: الخنَس: تأخّر الأنف عن الوجه. (125)

إذا كان [الإبل] مُذلّلا فهو: مُنَوّق، و معَبّد

و مُخَنّس، و مُديّث. (175)

أبوسهل الهَرَويّ: و خنَستُ عن الرّجل، إذا تأخّرتَ عنه، و أخنَستُ عنه حقّه بالألف، إذا ستَرتَه و أخّرتَه. (21)

ابن سيده: خنَس من بين أصحابه يَخنِس و يَخنُس، خُنُوسًا و خِناسًا، و انخنَس: انقبَض و تأخّر، و قيل: رجع، و أخنَسَه هو.

و قوله: {مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ} النّاس: 4، جاء في التّفسير أنّه الشّيطان، و أنّه له رأس كرأس الحيّة يجثم على القلب، فإذا ذَكر الله العبد تنحّى و خنَس، و إذا ترك ذكر الله رجع إلى القلب يوسوس.

و الكواكب الخُنّس: الدّراري الخمسة: زُحَل، و المشتري، و المرّيخ، و الزُّهرة، و عُطارد، لأ نّها تَخنِس أحيانًا حتّى تخفى تحت ضوء الشّمس. و خنوسها: استخفاؤها بالنّهار، بينا تراها في آخر البرج كرّت راجعة إلى أوّله.

و فرس خَنُوس: يستقيم في حُضْره ثمّ يَخنِس، كأنّه يرجع القهقرى.و الخنَس في الأنف: تأخّره إلى الرّأس و ارتفاعه عن الشّفة، و ليس بطويل و لامُشرف.

و قيل: الخنَس: قريب من الفَطَس، و هو لُصُوق القصَبة بالوجه، و ضِخَم الأرنبة.

و قيل: هو قِصَر الأنف و لزوقه بالوجه، و أصله في الظّباء و البقر.

خَنِس خنَسًا و هو أخنَس.

و قيل: الأخنَس الّذي قَصُرت قصَبتُه و ارتدّت أرنبته إلى قصبته.

و البقر كلّها خُنْسٌ.

و استعاره بعضهم للنّبل. [ثمّ استشهد بشعر]

و خنَسَ من ماله: أخذ.

و الخنَس في القدم: انبساط الأخمَص وكثرة اللّحم؛ قَدَم خَنْساء.

و الخُنّاس: داء يصيب الزّرع فيَتَجَعْثَن منه الحرث فلايطول.

و خَنْساء، و خُناس، و خُناسى، كلّه اسم امرأة.

و خُنَيْس: اسم.

و بنو أخنَس: حيّ.

ص: 108

و الثّلاث الخُنّس: من ليالي الشّهر، قيل لها ذلك، لأنّ القمر يَخنِس فيها، أي يتأخّر. (5: 79)

الزّمَخْشَريّ: خنَس الرّجل من بين القوم خُنُوسًا، إذا تأخّر و اختفى، و خنّستُه أنا و أخنَستُه.

و أشار بأربع و خنَس إبهامه، و منه الخنّاس.

و في الحديث: «الشّيطان يوسوس إلى العبد، فإذا ذَكر الله خنَسَ». و في أنفه خنَسٌ و هو انخفاض القصَبة و عِرَض الأرنبة. و البقر خُنْسٌ.

و من المجاز: خنَس الكوكب: رجع { فَلا اُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ } التّكوير: 15، و خنَس عنّي حقّي و أخنَسَه: أخّره و غيّبه. و خنَس الطّريق عنّا، إذا جازوه و خلّفوه وراءهم. [ثمّ استشهد بشعر]

و أخنَسُوا أو عار الطّريق: جازوها.

(أساس البلاغة: 121)

كعب 2: «تُمسك النّار يوم القيامة حتّى تَبِصّ كأنّها متن إهالة، فإذا استوت عليها أقدام الخلائق نادى مناد: أمسكي أصحابك و دَعي أصحابي فتَخنُس بهم...».خنَس به يَخنِس، إذا أخّره و غيّبه.

(الفائق 1: 115)

في الحديث: «يخرج عُنُق من النّار فتَخنَس بالجبّارين في النّار» أي تغيب بهم فيها، من خنَس النّجم. (الفائق 1: 400)

و قال المَدنيّ: «و الله لفُطْسٌ خُنْسٌ، بزُبدٍ جَمْس، يغيب فيها الضّرس أطيَب من هذا».

فُطْسٌ خُنْسٌ: يريد تمر المدينة، لأ نّها صغار الحبّ، لاطئة الأقماع. (الفائق 2: 204)

[أتى بحديث طويل من الحجّاج و أضاف:]

«فقال الحجّاج: أللإبل حفَرْتَها؟ إنّ الإبلضُمَّز((1)) خُنّس ما جُشّمَتْ جَشِمَتْ...».

الخُنّس: جمع خانس، من خنَسَه إذا أخّره، و خنَسَ بنفسه إذا تأخّر. يعني أنّها صوابر على العطش تؤخّر الشّرب. أو تتأخّر إلى العَشْر و فوق ذلك، على مايُحكى عن ضيف حاتِم: أنّ إبله كانت تظمأ غِبًّا بعد العَشْر. (الفائق 2: 224)

و في حديث أبي المِنْهال، قال: <بلغني أنّ في النّار أوديةً في ضحضاح... و عقارب أمثال البغال الخُنْس،...>الخُنْسُ: القصار الأُنوف. (الفائق 2: 332)

«ابن عبد العزيز ; قال: إنّ رجلا سأل ربّه أن يُريه موقع الشّيطان من قلب ابن آدم،... فإذا ذكر الله خنَسَه».خنَسَه: أخّره. (الفائق 3: 396)

الطَّبْرِسيّ: الخُنَّس:جمع خانس، و الكُنّس: جمع كانس، و أصلهما: السّتر.

و الشّيطان خنّاس، لأ نّه يخنس إذا ذُكر الله تعالى، أي يذهب و يستتر... (5: 445)

الخُنُوس: الاختفاء بعد الظّهور، خنَس يَخنِس.

و منه الخَنَس في الأنف، لخفائه بانخفاضه عند ما يظهر بنَبْوَة. (5: 570)

المَدينيّ : في الحديث : « تُقاتلون قومًا خُنْس الأُ نُف» .

الخنَس: انخفاض قصَبة الأنف و عِرَض الأرنبة

ص: 109


1- (1) أي صوابر على العطش.

و تأخّرها. و المراد بهم: التُّرك، لأ نّه صفتهم؛ و هو جمع أخنَس.

و حديث عبدالملك [قد مضى في الخطّابيّ]

شَبّه العَجْوَة في اكتنازها و انحنائها بالآ نُف الخُنْس لأ نّها صغار الحَبّ لاطِئَة الأقماع. و يقال: خُنْس: صغار الأنوف. (1: 622)

ابن الأثير: [نقل بعض الأحاديث الّتي مضت عن الهَرَويّ وقال:]

و منه حديث أبي هريرة: أنّ النّبيّ (صلی الله علیه و آله) لقيه في بعض طُرق المدينة، قال: <فانخنَستُ منه»، و في رواية «اختَنَستُ» على المطاوعة بالنّون و التّاء. و يُروى «فانتَجَشْتُ» بالجيم و الشّين، و سيجيء.

و حديث الطُّفيل: «أتيت ابن عمر فخنَس عنّي أو حبَس». هكذا جاء بالشّكّ.

و حديث صوم رمضان: «و خنَس إبهامه في الثّالثة» أي قبضها.

و في حديث جابر: «أنّه كان له نَخْل فخَنسَت النّخل» أي تأخّرت عن قبول التّلقيح، فلم يُؤثّر فيها، و لم تحمل تلك السّنة. (2: 83)

الفَيُّوميّ: خَنِس الأ نْف خنَسًا، من باب <تَعِب> انخفَضَت قصَبتُه، فالرّجل أخنَس، و المرأة خَنْساء.

و خنَستُ الرّجل خَنْسًا، من باب <ضَرَب>: أخَّرْته، أو قبَضتُه و زَوَيتُه فانخَنَس مثل كسَرته فانكسَر. و يستعمل لازمًا أيضًا، فيقال: خنَسَ هو.

و من المتعدّي في لفظ الحديث: و <خنَس إبهامه> أي قبضَها. و من الثّاني <الخنّاس> في صفة الشّيطان، لأ نّه اسم فاعل للمبالغة، لأ نّهيَخنِس إذا سمع ذكر الله تعالى، أي ينقبض، و يُعدّى بالألف أيضًا. (1: 183)

الفيروزاباديّ: خنَسَ عنه يَخنِس و يَخنُس خَنْسًا و خُنُوسًا: تأخّر، كانخنَسَ، و زيدًا: أخّره كأخنَسَه، و الإبهام: قبضَها،و بفلان: غاب به كتخنّس به.

و الخنّاس: الشّيطان.

و الخُنَّس كرُكّع: الكواكب كلّها، أو السّيّارة، أو النّجوم الخمسة: زُحَل، و المُشتري، و المرّيخ، و الزُّهرة، و عُطارِد. و خُنُوسها أنّها تغيب كما يَخنِس الشّيطان إذا ذُكر الله عزّو جلّ.

و الخنَسَ محرّكةً: تأخُّر الأنف عن الوجه، مع ارتفاع قليل في الأرْنبَة؛ و هو أخنَسٌ، و هي خَنْساء.

و الأخنَس: القُراد، و الأسد كالخِنَّوْس كسِنَّوْر.

و الخَنْساء: البقرة الوحشيّة، صفة لها.

و الخُنُس بضمّتين: الظّباء، و موضعها أيضًا، و البقر.

و انخنَسَ: تأخّر و تخلّف و تخنّس بهم تغيّب.

(2: 220)

مَجْمَعُ اللُّغة: خنَسَ يَخنِس و يَخنُس خَنْسًا و خُنُوسًا: تأخّر و انقبَض.

و الخنّاس: الشّيطان لأ نّه يَخنِس إذا ذُكر الله عزّ و جلّ أي ينقبض.

و الخُنَّس: الكواكب كلّها، لأ نّهاتدخل في المغيب، و لأ نّها تختفي نهارًا. و قيل: هي كواكب مخصوصة سمّيت خُنّسًا لتأخّرها. (1: 365)

ص: 110

محمّد إسماعيل إبراهيم: خنَسَ: تأخّر و رجع، و الكواكب الخُنّس: جمع خانس، هي الّتي تجري مع الشّمس في النّهار دون أن تُرى، فإذا غابت الشّمس ظهرت، فكأنّها تأخّرت عن الشّمس.

و الوسواس الخنّاس: الشّيطان الّذي يوسوس، ومن عادته أن يَخنِس أي يختفي و يرجع كلّما رأى مانعًا؛ و ذلك إذا ذَكر العبد ربّه. (1: 176)

المُصْطَفَويّ: ظهر أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو التّأخّر و الانقباض، إذا كان من شأنه التّقدّم و الانبساط. و أمّا الاستتار و الاختفاء و الغيبة و المواراة و مطلق التّأخّر و مطلق الانبساط، فليست حقيقة.

و المصداق الحقيقيّ من هذا الأصل: هو الخنَسَ في الأنف، و من شأنه أن يكون مرتفعًا، و قَبْض الإبهام و من شأنه البسط، و تأخّر المُوِسوس و من شأنه التّقدّم و التّقرّب، لا التّنحّي و التّبعّد.

و بهذا يظهر الفرق بينها و بين هذه الكلمات.

(3: 138)

النُّصوص التّفسيريّة

الْخَنَّاس

وَ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ النّاس: 4النّبيّ(صلی الله علیه و آله): إنّ الشّيطان واضع خَطمَه((1))على

قلب ابن آدم، فإذا ذكَرالله خنَس، و إذا نسي التَقَم فذلك الوسواس الخنّاس. (العَرُوسيّ 5: 725)

ابن عبّاس: إذا ذكرالله خنَس نفسه و سترها، وإذا لم يذكر {يُوَسْوِسُ فى صُدُورِ النَّاسِ}. (522)

الشّيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها و غفل وسوس، و إذا ذكَر الله خنَس. (الطّبَريّ 12: 752)

مُجاهِد: ينبسط، فإذا ذكرالله خنس و انقبض، فإذا غفل انبسط. (الطّبَريّ 12: 752)

الشّيطان يكون على قلب الإنسان، فإذا ذكرالله خنَس. (لطّبَريّ 12: 753)

إذا ذكر العبد ربّه خنَس، فإذا غفَل وسوس إليه.

(الطُّوسيّ10: 437)

قَتادَة: يعني الشّيطان، يوسوس في صدر ابن آدم، و يخنس إذا ذُكر الله. (الطّبَريّ 12: 753)

{الْخَنَّاسِ}: له خرطوم كخرطوم الكلب في صدر الإنسان، فإذا ذكرالعبد ربّه خنَس.

(البغَويّ 5: 336)

مُقاتِل: هو الشّيطان في صورة خنزيرمعلّق بالقلب في جسد ابن آدم، و هو يجري مجرى الدّم، سلّطه الله على ذلك من الإنسان. (4: 933)

ابن زَيْد: {الْخَنَّاسِ}: الّذي يوسوس مرّة و يخنس مرّة، من الجنّ و الإنس. و كان يقال: شيطان الإنس أشدّ على النّاس من شيطان الجنّ، و شيطان الجنّ يوسوس و لاتراه، و هذا يعاينك معاينة.

(الطّبَريّ12: 753)

الفَرّاء: إبليس يوسوس في صدر الإنسان، فإذا ذكَرالله عزّ و جلّ خنَس. (3: 302)

ص: 111


1- (1) الخطم : أنف الإنسان، و من الدّابّة مقدم أنفها و فمها.

ابن قُتَيْبَة:إبليس يوسوس في الصّدورو القلوب، فإذا ذُكرالله: خنَس، أي أقصَر و كفّ. (543)

الطّبَريّ:{الخَنَّاسِ}الّذي يخنس مرّة، ويوسوس أُخرى، و إنّما يخنس فيماذُكر عند ذكر العبد ربّه. [إلى أن قال:]

و الصّواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إنّ الله أمر نبيّه محمّدًا (علیه السلام) أن يستعيذ به من شرّشيطان يوسوس مرّة و يخنس أُخرى، و لم يخص وسوسته على نوع من أنواعها، و لاخنوسه على وجه دون وجه. و قد يوسوس بالدّعاء إلى معصية الله، فإذا أُطيع فيها خنَس، و قديوسوس بالنّهي عن طاعة الله فإذا ذكرالعبد أمر ربّه، فأطاعه فيه، و عصى الشّيطان، خنَس. فهو في كلّ حالتيه وسواس خنّاس، و هذه الصّفة صفته. (12: 752)

الزّجّاج: يعني الشّيطان إذًا((1)) ذا الوسواسالخنّاس الرّجّاع، و هو الشّيطان جاثمٌ على قلب الإنسان، فإذا ذكر الله خنَس و إذا غفل وسوس.

(البغَويّ 5: 336)

الطُّوسيّ: معناه الكثير الاختفاء بعد الظّهور، خنَس يَخنِس خُنُوسًا. و منه قوله:{ فَلا اُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ} أي بالنّجوم الّتي تخفى بعد ماتظهر، بتصريف الحكيم الّذي أجراها، على حقّ حسن التّدبير.و منه: الخنَس في الأنف، لخفائه بانخفاضه عند مايظهر بنتوئه. (10: 437)

القُشَيْريّ: الّذي يغيب و يخنس عن ذكر الله، و هو من أوصاف الشّيطان. (6: 356)

البغَويّ: يعني الشّيطان، يكون مصدرًا و اسمًا. [ثمّ نقل قول الزّجّاج و قَتادَة و أضاف:]

و يقال: رأسه كرأس الحيّة، واضع رأسه على ثمرة القلب يُمنّيه و يُحدّثه، فإذا ذكر الله خنَس، و إذا لم يذكر يرجع و يضع رأسه. (5: 336)

الزّمَخْشَريّ: الّذي عادته أن يخنس، منسوب إلى الخُنوس و هو التّأخّر، كالعوّ اج و البتّات، لما روي عن سعيد بن جُبَيْر: «إذا ذكرالإنسان ربّه خنس الشّيطان و ولّى، فإذا غفل وسوس إليه». (4: 302)

مثله الفَخْرالرّ ازيّ ( 32: 198)، و النّسَفيّ(4: 386) .

ابن عَطيّة: معناه على عقبه المستتر أحيانًا؛ و ذلك في الشّيطان متمكّن إذا ذكرالعبد و تعوّذ و تذكّر فأبصر، كما قال تعالى: {اِنَّ الَّذينَ‘ اتَّقَوْ ا اِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَاِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} الأعراف:201.

و إذا فرضنا ذلك في الشّهوات و الغضب و نحوه، فهويخنس بتذكير النّفس اللّوّ امة بلمّة الملك، و بأنّ الحياء يردع، و الإيمان يردع بقوّة فتخنس تلك العوارض المتحرّكة، و تنقمع عند مَن أُعِينَ بتوفيق.

(5: 540)

الطَّبْرِسيّ: قيل: {الْخَنَّاسِ} معناها الكثير الاختفاء بعد الظّهور، و هو المُستَتر المختفي من أعيُن

ص: 112


1- (1) كذا، و الظّاهر أنّه زائدة. أو يُقرأ: يعني الشّيطانَ إذًا، ذاالوسواس الخنّاس.

النّاس، لأ نّه يوسوس من حيث لايُرى بالعين.

(5: 571)

القُرطُبيّ: وُصف ب { الْخَنَّاسِ}، لأ نّه كثير الاختفاء، ومنه قوله تعالى: {فَلا اُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ} التّكوير: 15،يعني النّجوم، لاختفائها بعد ظهورها.

و قيل: لأ نّه يخنُس إذا ذكَر العبد الله، أي يتأخّر...

[ثمّ ذكر قول قَتادَة و أضاف:]

يقول: خنَستُه فخنَسَ، أي أخّرتُه فتأخّر و أخنَستُه أيضًا.

و قيل: سمّي خنّاسًا، لأ نّه يرجع إذا غفل العبد عن ذكر الله. و الخَنْس: الرّجوع. [ثمّ استشهد بشعر]

(20: 262)

البَيْضاويّ: الّذي عادته أن يخنس، أي يتأخّرإذا ذكر الإنسان ربّه. (2: 584)مثله أبوالسُّعُود. (6: 493)

أبوحَيّان: {الْخَنَّاسِ}: الرّ اجع على عقبه المستتر أحيانًا؛ و ذلك في الشّيطان متمكّن، إذا ذكر العبد الله تعالى تأخّر. و أمّا ((1))الشّهوات

فتخنس بالإيمان وبلمّة الملك و بالحياء، فهذان المعنيان يندرجان في الوسواس. (8: 532)

الشِّربينيّ: أي الّذي عادته أن يخنس أي يتوارى و يتأخّر، و يختفي بعد ظهوره مرّة بعد مرّة، كلّما كان الذّكر خنَس و كلّما بطل عاد إلى وسواسه، فالذّكر له كالمقامع الّتي تقمع المُفسد، فهو شديد النّفور منه، و لهذا كان شيطان المؤمن هزيلا كما حكي عن بعض السّلف: أنّ المؤمن يُضني شيطانه كما يُضني الرّجل بعيره في السّفر. (4: 616)

البُرُوسَويّ: الّذي عادته أن يخنس، أي يتأخّر إذا ذكر الإنسان ربّه.

حكي أنّ بعض الأولياء سأل الله تعالى أن يريه كيف يأتي الشّيطان و يوسوس؟ فأراه الحقّ تعالى هيكل الإنسان في صورة بلّور و بين كتفيه خال أسود كالعُشّ والوكر، فجاء الخنّاس يتحسّس من جميع جوانبه و هو في صورة خنزير له خرطوم كخرطوم الفيل فجاء بين الكتفين فأدخل خرطومه قِبَل قلبه، فوسوس إليه فذكَر الله، فخنَس وراءه، و لذلك سمّي بالخنّاس، لأ نّه ينكص على عقبيه مهما حصل نور الذّكر في القلب. و لهذا السّرّ الإلهيّ كان (علیه السلام)يحتجم بين كتفيه، و يأمر بذلك، و وصّاه جبرائيل بذلك لتضعيف مادّة الشّيطان، و تضييق مرصده، لأ نّه يجري وسوسته مجرى الدّم، و لذلك كان خاتم النّبوّة بين كتفيه (علیه السلام) إشارة إلى عصمته من وسوسته، لقوله:<أعانني الله عليه فأسلم> أي بالختم الإلهيّ، وشرح الصّدر أيّده، و بالعصمة الكلّيّة خصّه، فأسلم قرينه، و ما أسلم قرين آدم (علیه السلام) فوسوس إليه لذلك.

و يجوز أن يدخل الشّيطان في الأجسام، لأ نّه جسم لطيف، و هو و إن كان مخلوقًا في الأصل من نار، لكنّه ليس بمُحرق، لأ نّه لمّا امتزج النّار بالهواء، صار

ص: 113


1- (1) كذا،و الظّاهر: و إمّا الشّهوات، أي المراد ب {الْخَنَّاسِ} إمّا الشّيطان،وإمّا الشّهوات، كما قال بعدها: فهذان المعنيان يندرجان في الوسواس.

تركيبه مزاجًا مخصوصًا، كتركيب الإنسان. و في {الْوَسْوَاسِ} إشارة إلى الوسواس الحاصل من القوّة الحسّيّة و الخياليّة، و في {الْخَنَّاسِ} إلى القوّة الوهميّة المتأخّرة عن مرتبتَي القوّتين، فإنّها تساعد العقل في المقدّمات، فإذا آل الأمر إلى النّتيجة خنست و تأخّرت توسوسه و تشكّكه، كما يحكم الوهم بالخوف من الموتى، مع أنّه يوافق العقل في أنّ الميّت جماد، و الجماد لايُخاف منه، المنتج لقولنا:<الميّت لايخاف منه>. فإذا وصل العقل و الوهم إلى النّتيجة، نكص الوهم و أنكرها. (10: 549)

الآلوسيّ: {الْخَنَّاسِ} صيغة مبالغة أو نسبة، أي الّذي عادته أن يخنس و يتأخّر إذا ذكرالإنسان ربّه عزّو جلّ. (30: 286)

المَراغيّ: أي ألجأ إليك ربّ الخلق و إلاههم

و معبودهم أن تُنجينا من شرّ الشّيطان الموسوس الكثير الخُنوس و الاختفاء، لأ نّه يأتي من ناحية الباطل، فلايستطيع مقاومة الحقّ إذا صدمه، و لكنّه يذهب بالنّفس إلى أسوإ مصير، إذا انجرّت مع وسوسته، و انساقت معه إلى تحقيق ما خطر بالبال.

و هذه الأحاديث النّفسيّة إذا سُلّط عليها نظر العقل، خفيت و اضمحلّت، و لكنّ الموسوس عند إلقائها.

و حديث النّفس بالفواحش و ضروب الأذى للنّاس، يذهب هباءً إذا تنبّهت النّفس لأوامر الشّرع. و هكذا إذا وسوس لك امرؤ و بعثَك على فعل السّوء، ثمّ ذكّرته بأوامر الدّين، يخنس و يُمسك عن القول، إلى أن تسنح له فرصة أُخرى. (30: 270)

سيّد قُطْب: الخُنُوس: الاختباء و الرّجوع، و {الْخَنَّاسِ} هو الّذي من طبعه كثرة الخُنوس. [إلى أن قال:]

وهناك لفتة ذات مغزى في وصف الوسواس بأنّه {الْخَنَّاسِ}، فهذه الصّفة تدلّ من جهة على تخفّيه واختبائه، حتّى يجد الفرصة سانحة فيدبّ و يوسوس. و لكنّها من جهة أُخرى توحي بضعفه أمام من يستيقظ لمكره، ويحمي مداخل صدره. فهو سواء كان من الجِنّة أم كان من النّاس إذا وُ وجِه خنَس، و عاد من حيث أتى، و قبع و اختفى، أو كما قال الرّسول الكريم في تمثيله المصوِّر الدّقيق: «فإذا ذكر الله تعالى خنَس، و إذا غفل وسوس.

وهذه اللّفتة تُقوّي القلب على مواجهة الوسواس. فهو خنّاس. ضعيف أمام عُدّة المؤمن في المعركة.

ولكنّها من ناحية أُخرى معركة طويلة لا تنتهي أبدًا، فهو أبدًا قابع خانس، مترقّب للغفلة. و اليقظة مرّة، لاتغني عن اليقظات، و الحرب سِجال إلى يوم القيامة، كما صوّرها القرآن الكريم في مواضع شتّى، و منها هذه الصّورة العجيبة في سورة الإسراء: { وَ اِذْ قُلْنَا لِلْمَلئِكَةِ’ اسْجُدُوا لا‚دَمَ فَسَجَدُوا اِِلااِِبْليسَ قَالَ ءَ اَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طينًا‘ * قَالَ اَرَاَيْتَكَ هذَا الَّذى‘ كَرَّمْتَ عَلَىَّ لَئِنْ اَخَّرْ تَنِ اِلى يَوْمِ الْقِيمَةِ ’لاَحْتَنِكَنَّ ذُرِّ يَّتَهُ اِلا قَليلا‘ * قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَاِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا * وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ

ص: 114

مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَاَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِى الاَمْوَالِ وَالاَوْ لادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ اِلاغُرُورًا * اِنَّ عِبَادى‘ لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَ كَفى بِرَبِّكَ وَكيلا‘ } الإسراء: 61 65.

و هذا التّصوّر لطبيعة المعركة و دوافع الشّرّ فيها سواء عن طريق الشّيطان مباشرة أو عنطريق عملائه من البشر من شأنه أن يشعر الإنسان أنّه ليس مغلوبًا على أمره فيها، فإنّ ربّه و ملكه و إلهه مسيطر على الخلق كلّه، و إذا كان قد أذن لإبليس بالحرب، فهو آخذ بناصيته. و هو لم يسلّطه إلا على الّذين يغفلون عن ربّهم و ملكهم و إلاههم، فأمّا من يذكرونه فهم في نجوة من الشّرّ و دواعيه الخفيّة. فالخير إذن يستند إلى القوّة الّتي لا قوّة سواها، و إلى الحقيقة الّتي لاحقيقة غيرها، يستند إلى الرّبّ الملك الإله. و الشّرّ يستند إلى وسواس خنّاس، يضعف عن المواجهة، و يخنس عند اللّقاء، و ينهزم أمام العياذ بالله.

و هذا أكمل تصوّر للحقيقة القائمة عن الخير والشّرّ كما أنّه أفضل تصوّر يحمي القلب من الهزيمة، و يفعمه بالقوّة و الثّقة و الطّمأنينة. (6: 4010)

ابن عاشور: الشّديد الخنس و كثيره. و المراد أ نّه صار عادةً له؛ و الخنس و الخُنوس: الاختفاء. و الشّيطان يُلقّب ب {الْخَنَّاسِ} لأ نّه يتّصل بعقل الإنسان و عزمه من غير شعور منه، فكأنّه خنَس فيه. و أهل المكر و الكيد و التّختّل خنّاسون، لأ نّهم يتحيّنون غفلات النّاس، و يتستّرون بأنواع الحيل، لكيلايشعر النّاس بهم.

فالتّعريف في {الْخَنَّاسِ} على وزان تعريف موصوفه، و لأنّ خواطر الشّرّ يهمّ بها صاحبها، فيطرق و يتردّد و يخاف تبعاتها، و تزجره النّفس اللّوّامة، أو يزعه وازع الدّين أو الحياء، أو خوف العقاب عند الله أو عند النّاس، ثمّ تعاوده حتّى يطمئنّ لها و يرتاض بها، فيصمّم على فعلها فيقترفها. فكأنّ الشّيطان يبدو له ثمّ يختفي، ثمّ يبدو ثمّ يختفي، حتّى يتمكّن من تدليته بغرور. (30: 555)

مَغْنِيّة: من <خنس> إذا تأخّر و تنحّى. و المراد بهذا الوصف هنا: أنّ الإنسان إذا تنبّه للوسوسة الشّيطانيّة، و تعوّذ بالله منها مُخلصًا ذهبت عنه و اختفت.

(7: 628)

الطَّباطَبائيّ: صيغةٌ مبالغةٌ من الخُنوس بمعنى الاختفاء بعد الظّهور. قيل: سمّي الشّيطان خنّاسًا، لأ نّه يوسوس الإنسان، فإذا ذكر الله تعالى رجع و تأخّّّّّّّر، ثمّ إذا غفل عاد إلى وسوسته. (20: 397)

مكارم الشّيرازيّ:صيغةٌ مبالغةٌ من الخُنوس و هو التّراجع، لأنّ الشّّّياطين تتراجع عند ذكر اسم الله، و الخُنوس له معنى الاختفاء أيضًا، لأنّ التّراجع يعقبه الاختفاء عادةً. (20: 524)

فضل الله: و ذلك في ما يثيره في النّفس من أفكار شريرة و خيالات معقّدة، و أحلام كاذبة، و مشاعر حادّة، بحيث تؤدّي إلى إثارة الفتنة في حركة النّاس، في علاقاتهم العامّة و الخاصّة، من خلال الإيحاءات الّتي يثيرها في داخل الكلمات، ليعقّد الأوضاع من حولهم، و إلى إضلال العقل و الإحساس من خلال

ص: 115

الشّبهات الّتي يحرّكها أمام العقيدة، ليدفع النّاس إلى الكفر و الضّلال. أو منخلال علامات الاستفهام المعقّدة أمام القضايا الّتي تدخل في منطقة الشّعور، أو تتحرّك في دائرة العاطفة، و إلى إثارة الغريزة في حركة الشّهوات في الجسد في أجواء الإغراء و الإغواء، و إلى تحريك الذّهنيّة المسيطرة في أجواء العلوّ و الاستكبار، و السّيطرة الّتي يعيشها السّلاطين على الأرض في خطّ الظّلم و الفساد، و غير ذلك ممّا يثيره الوسواس الّذي يكمُن للإنسان في مواقع الغفلة، فيدفع بالكلمة إلى السّمع، و باللّمسة إلى الإحساس، و بالفكرة إلى الذّهن، ثمّ يبتعد و يختفي، ليترك الكلمات في موقع التّفاعل في الذّات، و في الإحساس، و في العقل، ثمّ يعود من جديد إلى الوسوسة الّتي تترك تأثيراتها في الكيان الرّوحيّ للإنسان.

و قد ورد في الحديث المرويّ عن النّبيّ(صلی الله علیه و آله)، في ما يروى عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله(صلی الله علیه و آله): «إنّ الشّيطان ليجثم على قلب بني آدم، له خرطوم كخرطوم الكلب، إذا ذكر العبد الله عزّ و جلّ خنَس أي رجع على عقبيه و إذا غفل عن ذكر الله وسوس».

و ورد في حديث الإمام الصّادق (علیه السلام) قال: <قال رسول الله(صلی الله علیه و آله): ما من مؤمن إلا و لقَلبِه في صدره أُذنان: أُذن ينفث فيها الملَك، و أُذن ينفث فيها الوسواس الخنّاس، فيؤيّد الله المؤمن بالملَك، و هو قوله سبحانه: {وَ اَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ} المجادلة: 22>. و قد ورد في حديث أهل البيت :: أنّ الوسواس الخنّاس يوسوس للإنسان فيُوقعه في الذّنب، ثمّ يوسوس له فينسيه التّوبة. (24: 501)

لاحظ: و س و س: «الوَسْوَ اس».

الخُنَّس

فَلا اُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * اَلْجَوَارِ الْكُنَّسِ.

التّكوير: 15، 16

ابن مَسعود: إنّ الخُنّس بقر الوحش.

(الماوَرْديّ 6: 216)

الإمام عليّ (علیه السلام): خمسة الأنجم، و هي: زحل، و عطارد، و المشتري، و المرّيخ، و الزّهرة.

(الماوَرْديّ 6: 216)

هي النّجوم تخنس بالنّهار، وتكنس باللّيل.

[وفي رواية] هل تدرون ما {الْخُنَّسِ}؟ هي النّجوم تجري باللّيل، و تخنس بالنّهار.

[وفي رواية] يعني النّجوم، تكنس بالنّهار، وتبدو باللّيل. (الطّبَريّ12: 467)

ابن عبّاس: و هي النّجوم الّتي يخنَسْنَ بالنّهار و يَظهَرن باللّيل. (503)

نحوه الحسَن. (الطّبَريّ 12: 467)

لأ نّها تقطع المَجَرّة. (الماوَرْديّ 6: 216)

سعيد بن جُبَيْر: أنّها الظّباء..((1) )

(الماوَرْديّ 6: 216)

مُجاهِد: هي النّجوم. (الطّبَريّ12: 467)

ص: 116


1- (1) الغزال: مفردها: ظبْيَة.

مثله أبوعُبَيْدَة. (2: 287)

الحسَن: النّجوم الّتي تخنس بالنّهار و إذا غربت.

مثله قَتادَة. (الماوَرْديّ 6: 216)

الإمام الباقر (علیه السلام): { الْخُنَّسِ}: إمامٌ يخنس في زمانه عند انقطاع علمه، من عند النّاس سنة ستّين و مئتين، ثمّ يبدو كالشّهاب الواقد في ظلمة اللّيل، فإن أدركت ذلك قرّت عينك.[و هذا تأويل، و كذا ما بعده]

[وفي حديث عن أُمّ هانئ الثّقفيّة]

غدَوتُ على سيّدي محمّد بن عليّ الباقر 8 فقلت: يا سيّدي آية من كتاب الله عزّوجلّ:{ فَلا اُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * اَلْجَوَارِ الْكُنَّسِ}، قال: نعم المسألة سألتني يا أُمّ هانئ، هذا مولود في آخر الزّمان، هو المهديّ من هذه العترة، يكون له حيرة و غيبة، يضلّ فيها قوم

و يهتدي فيها قوم، فياطوبى لك إن أدركتيه، و يا طوبى لمن أدركه. (العَرُوسيّ 5: 517)

ابن زَيْد: النّجوم الخنّس، إنّها تَخنِس تتأخّر عن مطلعها، هي تتأخّر كلّ عام، لها في كلّ عام تأخّر عن تعجيل ذلك الطّلوع تخنس عنه. (الطَّبَريّ 12: 467)

الفَرّاء: و هي النّجوم الخمسة تخنس في مجراها، ترجع، و تَكنِس: تستتر، كما تكنس الظِّباء في المغار، و هو الكِناس. و الخمسة: بَهرام، و زُحَل، و عُطارد، و الزُّهرة، و المشتري. (3: 242)

الطّبَريّ: اختلف أهل التّأويل في { الْخُنَّسِ* اَلْجَوَارِ الْكُنَّسِ }.فقال بعضهم:[وذكرنحو قول الفَرّ اء]

و قال آخرون: هي بقر الوحش الّتي تكنس في كناسها.

و قال آخرون: هي الظِّباء.

و أولى الأقوال في ذلك بالصّواب أن يقال: إنّ الله تعالى ذكره أقسم بأشياء تخنس أحيانًا، أي تغيب، و تجري أحيانًا و تكنس أُخرى. (12: 469)

الزّجّاج: {الخُنَّسِ}: جمع خانس، و {اَلْجَوَارِ} : جمع جارية، من جرى يجري. و{ الْخُنَّسِ}: جمع خانس و خانسة، و كذلك {الْكُنَّسِ}: جمع كانس و كانسة.

و { الْخُنَّسِ} هاهنا أكثر التّفسير يعني بها: النّجوم، لأ نّها تَخنِس أي تغيب، لأنّ معنى {وَ الَّيْلِ اِِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ اِذَا تَنَفَّس } التّكوير: 17 ،18، و معنى {الْخُنَّسِ}. و {الْكُنَّسِ} في النّجوم، أنّها تطلع جارية، و كذلك تخنس أي تغيب، و كذلك تَكنِس تدخل في كناسها، أي تغيب في المواضع الّتي تغيب فيها.

و قيل: {الْخُنَّسِ} هاهنا يعني بقر الوحش و ظِباء الوحش، و معنى خُنّس: جمع خانس، و الظِّباء خُنّس، و البقر خُنّس. و الخنَس: قِصَر الأنف و تأخّره عن الفم، و إذا كان للبقر أو كانللظِّباء فمعنى {الْكُنَّسِ} أي الّتي تَكنِس، أي تدخل الكِناس و هو الغُصْن من أغصان الشّجر. (5: 291)

القُمّيّ: و هو اسم النّجوم. (2: 408)

الماوَرْديّ: إنّها الملائكة، لأ نّها تخنس فلاتُرى.

( 6: 216)

الطُّوسيّ: {الْخُنَّسِ}): جمع خانس، و هو الغائب عن طلوع؛ خنست الوحشيّة في الكنّاس، إذا

ص: 117

غابت فيه بعد طلوع. (10: 285)

القُشَيْريّ: و {الْخُنَّسِ} و {الْكُنَّسِ} هي النّجوم إذا غربت، و يقال: البقر الوحشيّ. (6: 262)

الواحديّ: يعني النّجوم، و هي تخنس بالنّهار فتخفى، و لاتُرى، و تكنس في وقت غروبها، فهذا وقت خنوسها و كنوسها. (4: 430)

البغَويّ: [نقل أقوال المتقدّمين و أضاف:]

وأصل الخُنُوس: الرّجوع إلى وراء، و الكُنوس : أن تأوي إلى مكانسها، و هي المواضع الّتي تأوي إليها الوحوش. (5: 217)

الزّمَخْشَريّ: {الْخُنَّسِ}: الرّواجع، بينا تُرى النّجم في آخر البُرج إذ كَرّ راجعًا إلى أوّله. و <الجَواري>: السّيّارة، و {الْكُنَّسِ}: الغُيّب من كنس الوحش، إذا دخل كناسه. قيل: هي الدّراري الخمسة: بهرام، و زُحل، و عطارد، و الزُّهرة، والمشتري، تجري مع الشّمس و القمر، و ترجع حتّى تخفى تحت ضوء الشّمس. فخنوسها: رجوعها، و كنوسها: اختفاؤها تحت ضوء الشّمس.

و قيل: هي جميع الكواكب، تخنس بالنّهار فتغيب عن العيون، و تكنس باللّيل، أي تطلع في أماكنها كالوحش في كنسها (4: 223)

نحوه النّسَفيّ (4: 336)، و الشِّربينيّ (4: 493)،

و أبو السُّعود ( 6: 387)، و القاسميّ (17: 6077).

الطَّبْرِسيّ: و هي النّجوم تخنس بالنّهار و تبدو باللّيل. (5: 446)

الفَخْر الرّازيّ: اختلفوا في خُنوس النّجوم و كنوسها على ثلاثة أوجه: فالقول الأظهر أنّ ذلك إشارة إلى رجوع الكواكب الخمسة السّيّارة و استقامتها، فرجوعها هو الخُنوس، و كنوسها: اختفاؤها تحت ضوء الشّمس. و لاشكّ أنّ هذه حالة عجيبة، و فيها أسرار عظيمة باهرة.

القول الثّاني: ما روي عن عليّ (علیه السلام)، و عطاء، و مُقاتِل، و قَتادَة: أنّها هي جميع الكواكب. و خنوسها: عبارة عن غيبوبتها عن البصر في النّهار، و كنوسها: عبارة عن ظهورها للبصر في اللّيل، أي تظهر في أماكنها كالوحش في كنسها.

و القول الثّالث: أنّ السّبعة السّيّارة تختلف مطالعها و مغاربها على ما قال تعالى: {بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَ الْمَغِارِبِ} المعارج: 40، و لاشكّ أنّ فيها مطلعًا واحدًاو مغربًا واحدًا هما أقرب المطالع و المغارب إلى سمت رؤوسنا، ثمّ إنّها تأخذ في التّباعد من ذلك المطلع إلى سائر المطالع طول السّنة، ثمّ ترجع إليه؛ فخنوسها: عبارة عن تباعدهاعن ذلك المطلع، و كنوسها: عبارة عن عودها إليه، فهذا محتمل.

فعلى القول الأوّل يكون القسم واقعًا بالخمسة المتحيّرة، و على القول الثّاني يكون القسم واقعًا بجميع الكواكب. و على هذا الاحتمال الّذي ذكرته يكون القسم واقعًا بالسّبعة السّيّارة، و الله أعلم بمراده.

(31: 71)

البَيْضاويّ: بالكواكب الرّواجع، من <خنس> إذا تأخّر، و هي ما سوى النّيّرين من الكواكب السّيّارات، و لذلك وصفها بقوله تعالى: { اَلْجَوَارِ

ص: 118

الْكُنَّسِ}.

(2: 543)

البُرُوسَويّ: المعنى أُقسم بالكواكب الرّواجع، و هي ماعدا النّيّرين من الدّراري الخمسة، و هي: المرّيخ بالكسر و يسمّى بهرام أيضًا و زُحل و يسمّى كيوان أيضًا و عطارد و يسمّى الكاتب أيضًا و زهرة و تسمّى أناهيذ أيضًا و المشتري و يسمّى راويس و برجيس أيضًا و ما من نجم يقطع المَجَرّة غير الخمسة. (10: 349)

المَراغيّ: أي بالكواكب جميعها، و هي تخنس بالنّهار فتغيب عن العيون، و تكنس باللّيل، أي تطلع في أماكنها كالوحش في كنسها. و قد أقسم بها سبحانه، لما في حركاتها و ظهورها طورًا و اختفائها طورًا آخر من الدّلائل، على قدرة مُصرّفها، و بديع صنعه، و إحكام نظامه.

و يرى بعض العلماء أنّ المراد بها: الدّراري الخمسة، و هي عُطارد، و الزُّهرة، و المرّيخ، والمشتري، و زُحل، لأ نّها تجري مع الشّمس، ثمّ تُرى راجعة حتّى تختفي في ضوئها؛ فرجوعها في رأي العين هو خنوسها، و اختفاؤها هو كنوسها. (30: 58)

مَغْنِيّة: المراد بالخُنّس الكنّس: جميع النّجوم. و قيل: بل النّجوم الخمس فقط: عطارد، و الزّهرة، و المرّيخ، و المشتري، و زُحل، و هي جوار لأ نّها تدور في أفلاكها. و اختلفوا لماذا وُصفت بالخُنّس الكنّس؟

قال الشّيخ محمّد عبده ما معناه: إنّ الله سبحانه وصفها ب {الْكُنَّسِ} لأ نّها تختفي عن الرّائيّ في ضوء الشّمس، كما تختفي الظّبية في كناسها. و وصفها سبحانه ب {الْخُنَّسِ} لأ نّها ترجع إلى الظّهور للعيان بعد غياب الشّمس. و يتّفق هذا في نتيجته مع تفسير الطَّبْرِسيّ في <مجمع البيان> حيث قال ما نصّه بالحرف :«هي النّجوم تخنس بالنّهار، و تبدو باللّيل». و الفرق بين التّفسيرين: أنّ الخَنْس هنا عند صاحب <المجمع> هو الاختفاء، و الكَنْس: الظّهور، و العكس عند الشّيخ محمّد عبده... و على أيّة حال، فإنّ الله سبحانه أقسم بالنّجوم للتّنبيه إلى ما في صنعها من الدّلائل على قدرة المُبدِع و حكمته. (7: 526)

الطَّباطَبائيّ: تعقّب قوله: {فَلا اُقْسِمُبِالْخُنَّسِ} بقوله: { وَالَّيْلِ اِذَا عَسْعَس * وَالصُّبْحِ اِِذَا تَنَفَّسَ }، يؤيّد كون المراد ب {الْخُنَّسِ*اَلْجَوَارِ الْكُنَّسِ}: الكواكب كلّها أو بعضها. لكن صفات حركة بعضها أشدّ مناسبة، و أوضح انطباقًا على ما ذكر من الصّفات المُقسم بها: الخُنوس، و الجري، و الكنوس، و هي السّيّارات الخمس المتحيّرة: زُحل، و المشتري، و المرّيخ، و الزّهرة، و عطارد، فإنّ لها في حركاتها على ما تُشاهَد استقامة، و رجعة، و إقامة: فهي تسير و تجري حركةً متشابهةً زمانًاو هي الاستقامة، و تنقبض و تتأخّر و تخنس زمانًا و هي الرّجعة، و تقف عن الحركة استقامةً و رجعةً زمانًا كأنّها الوحش تكنس في كناسها و هي الإقامة.

و قيل: المراد بها مطلق الكواكب. و خنوسها: استتارها في النّهار تحت ضوء الشّمس، و جريها: سيرها المشهود في اللّيل، و كنوسها: غروبها في مغربها و تواريها.

ص: 119

و قيل: المراد بها: بقر الوحش، أو الظّبي. و لايبعد أن يكون ذكر بقر الوحش أو الظّبي من باب المثال، و المراد: مطلق الوحوش.

و كيف كان فأقرب الأقوال أوّلها، و الثّاني بعيد، والثّالث أبعد. (20: 217)

مكارم الشّيرازيّ: {الْخُنَّسِ}: جمع خانس، من «خنس» و هو الانقباض و الاختفاء. و يقال للشّّّيطان: <الخنّاس>، لأ نّه ينقبض إذا ذُكر الله تعالى. و كما ورد في الحديث الشّريف: «الشّيطان يوسوس إلى العبد، فإذا ذَكر الله خنَس».

{اَلْجَوَارِ}: جمع جارية، وهي الشّيء الّذي يتحرّك بسرعة.{الْكُنَّسِ}: جمع كانس، من <كنَس>، على وزن <شمَس>، و هو الإختفاء. و كناس الطّير و الوحش: بيت يتّخذه.

و لكن. ما هي الأشياء المقصودة بهذا القسم؟

يعتقد كثير من المفسّرين أنّها الكواكب الخمسة السّيّارة الّتي في منظومتنا الشّمسيّة، و الّتي يمكن رؤيتها بالعين المجرّدة: عطارد، الزّهرة، المرّيخ، المشتري، و زحل.

و نقول توضيحًا: لو تأمّلنا السّماء عدّة ليال، لرأينا أنّ نجوم السّماء أو القبّة السّماويّة تظهر و تغيب بشكل جماعيّ، من دون أن تتغيّر الفواصل و المسافات فيما بينها، و كأنّها لئالئ خيطت على قطعة قماش داكن اللّون. و هذه القطعة تتحرّك من المشرق إلى المغرب، إلا خمسة كواكب قد خرجت عن هذه القاعدة، فنراها تتحرّك و ليس بينها و بين بقيّة النّجوم فواصل ثابتة، و كأنّها لئالئ قد وُضعت على تلك القطعة وضعًا، من دون أن تخيط بها.

و هذه الكواكب الخمس هي المقصود في هذا التّفسير، و ما نلاحظه من حركتها، إنّما تكون لقربها مِنّا لانتمكّن من تمييز حركات بقيّة النّجوم، لعظم المسافة فيما بيننا و بينها.و من جهة أُخرى: ينبغي التّنويه إلى أنّ علماء الفلك يُطلقون على هذه الكواكب اسم <الكواكب المتحيّرة>، لأ نّها لاتتحرّ ك على خطّ مستقيم ثابت، فتراها تسير باتّجاه معيّن من الزّمن ثمّ تعود قليلا

و من ثمّ تُتابع مسيرها الأوّل و هكذا... و لهؤلاء العلماء من البحوث العلميّة في تحليل هذه الظّاهرة.

و عليه يمكن حمل إشارة الآيات إلى الكواكب السّيّارة الجوار، الّتي في سيرها لها رجوع الخُنّس، ثمّ تختفي عند طلوع الفجر وشروق الشّمس... فهي تُشبه غزالا يتصيّد طعامه في اللّيل، و ما أن يحلّ النّهار حتّى يختفي عن أنظار الصّيّادين و الحيوانات المفترسة فيذهب إلى كناسه، و لذا وصفت الكواكب ب {الْكُنَّسِ}.

و ثمّة احتمال آخر: {الْكُنَّسِ}: اختفاء الكواكب في ضوء الشّمس،أي إنّها حينما تدور حول الشّمس، تصل في بعض الوقت إلى نقطة مجاورة للشّمس، فيختفي نورها تمامًا عن الأبصار، و هو ما يعبّر عنه علماء الفلك ب <الاحتراق>.

و {الْكُنَّسِ} في نظر بعض آخر، إشارة إلى دخول الكواكب في البروج السّماويّة؛ و ذلك الدّخول يُشبه

ص: 120

اختفاء الغزلان في أماكن أمنها.

و كما هو معروف أنّ كواكب مجموعتنا الشّمسيّة لاتنحصر بهذه الكواكب الخمس، بل ثَمّة ثلاثة كواكب أُخرى<أُورانوس، بلوتون، نبتون> و لكنّها لا تُرى بالعين المجرّدة لبعدها عنّا، و للكثير من هذه السّيّارات قمر أو أقمار، فعدد كواكب هذه المجموعة بالإضافة إلى الأرض، هو تسعة كواكب.

و <الجواري>: توصيف جميل لحركة الكواكب؛ حيث شُبّه بحركة السُّفن على سطح البحر.

و على أيّة حال، فكأنّ القرآن الكريم يريد بهذا القسم المليء بالمعاني الممتزجة بنوع من الإبهام، كأنّه يريد إثارة الفكر الإنسانيّ، وتوجيهه صوب الكواكب السّيّارة، ذات الوضع الخاص على القبّة السّماويّة، ليتأمّل أمرها، و قدرة و عظمة خالقها سبحانه و تعالى.

(19: 407)

فضل الله: أي لاأحتاج في إثبات حقيقة الوحي و صدقه إلى القسم بهذه الظّواهر الكونيّة، الّتي يتّصل بعضها بالنّجوم المعلّقة في السّماء، و بعضها بحركة الزّمن في الحياة. و {الْخُنَّسِ} و {اَلْجَوَارِ الْكُنَّسِ} هي الكواكب الّتي ترجع في دورتها الفلكيّة، و تجري و تختفي، فإنّ لها في حركتها على ما تُشاهَد استقامةً و رجعةً و إقامةً: فهي تسير و تجري في حركة متشابهة زمانًا و هي الاستقامة، و تنقبض و تتأخّر و تخنس زمانًا و هي الرّجعة، و تقف عن الحركة استقامةً و رجعةً زمانًا، كأنّها الوحش تكنس في كناسها و هي الإقامة. و ربّماكان التّعبير بها يطلّ على حياة الظّباء و هي تجري و تختبئ في كناسها و ترجع من ناحية أُخرى. (24: 96)

لاحظ: ك ن س : «الْكُنَّس».

الأُصول اللُّغويّة

1 الأصل في هذه المادّة: الخنَس، و هو انقباض قصبة الأنف و عِرَض الأرنبة، و تأخّرها عن الوجه؛ و أصله في الظّباء و البقر. يقال: خَنِس يَخنَس خنَسًا، و هو أخنَس، و هي خَنْساء؛ و الجمع: خُنْس.

و الخُنُس: الظّباء، و مأواها أيضًا، سمّي به للمقاربة.

و الخنَس: انبساط الأخمص في القدم، و كثرة اللّحم. على التّشبيه يقال: قَدَم خَنْساء.

و الخِنَّوس: من صفات الأسد في وجهه و أنفه.

و فرَس خَنُوس: يستقيم في حُضره ثمّ يَخنِس، كأنّه يرجع القهقرى؛ و الجمع: خُنُس.

و الخُناس: داءٌ يصيب الزّرع، فيَتَجَعثن منه الحرث فلايطول، أي ينقبض.

و كوكب خانس: كوكب سيّار، يَخنِس في مجراه ثمّ يرجع؛ والجمع: خُنّس. و الكواكب الخُنّس هي: زُحل، و المشتري، و المرّيخ، و الزُّهرة، و عُطارد، سمّيت بذلك، لأ نّها تَخنِس في المغيب، أولأ نّها تخفى نهارًا، أو لتأخّرها، لأ نّها الكواكب المتحيّرة الّتي ترجع وتستقيم.

و الثّلاث الخُنّس: من ليالي الشّهر، قيل لها ذلك، لأنّ القمر يَخنِس فيها، أي يتأخّر.

ص: 121

و الخُنوس: الانقباض و الاستخفاء. يقال: خنَس من بين أصحابه يَخنِس و يَخنُس خُنُوسًا و خِناسًا، أي انقبض و تأخّر، و أخنَسَه غيره: خلّفه و مضى عنه، و خنَستُ فلانًا فخنَس: أخّرته فتأخّر، و خنَس به: واراه، و يَخنِس بهم: يغيب بهم. و خنَس الرّجل: توارى و غاب، و أخنَستُه أنا: خلّفته، و أخنَستُ عنه بعض حقّه: أخّرته، فهو مُخنَس.

2 و تطلق العامّة لفظ الخانس على من يلزم الصّمت والسّكون، فيقولون: مالي أراك خانسًا؟ و يستعملون له فعلا ، يقال: خنَس يَخنِس، و ليس له مصدر عندهم. كما يصغّرونه على خُوَيْنِس، و يريدون به السّاكت خَتْلا و مكرًا.

الاستعمال القرآنيّ

جاء منها صفتان مبالغةً و جمعًا: {الْخَنَّاسِ} و {الْخُنَّسِ} في آيتين:

1 {قُلْ اَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ* مَلِكِ النَّاسِ*اِلهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ} النّاس : 1 4

2 { فَلا اُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ*اَلْجَوَارِ الْكُنَّسِ}

التّكوير : 15 ، 16

يلاحظ أوّ لا : أنّ {الْخَنَّاسِ} و {الْخُنَّسِ} جاءا رويًّا في آخر المفصّل، و فيهما بُحُوثٌ:1 جاء لفظ {الْخَنَّاسِ} صفة للشّيطان في (1):{مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ}، لأ نّه يخنس و ينقبض أو يختفي عند ذكر الله. و صرّح باسمه في جميع القرآن إلا في هذه الآية؛ حيث ذكر نعته دون اسمه. كما اقترن هنا بلفظ{النَّاسِ}، لأ نّه لازَمَهم منذ خلق آدم 7، و ما فتئ يغويهم و يوسوس في صدورهم،

و سوف يُحشَر مع من يتّبعه منهم:{فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطينَ‘} مريم : 68، فأينما ذكر لفظ <الشّيطان> اقترن بالإنسان إلا موضعين، و أينما ذكرلفظ <إبليس> اقترن بآدم 7 إلا موضعين أيضًا، أُنظر لفظي <ابليس> و <الشّيطان>.

2 و لهم في تصوير<خنوس الشّيطان> عبارات شتّى، و من أمثالها كلام سيّد قُطْب؛ حيث قال: <و هنا لفتة ذات مغزَى في وصف الوسواس بأنّه {الْخَنَّاسِ}، فهذه الصّفة تدلّ من جهة على تخفّيه و اختبائه، حتّى يجد الفرصة سانحة فيدبّ و يُوسوس. و لكنّها من جهة أُخرى توحي بضعفه أمام من يستيقظ لمكره، و يحمي مداخل صدره. فهو سواء كان من الجِنّة، أم كان من النّاس إذا وُوجهه خنس، و عاد من حيث أتى، و قبع و اختفى. أو كما قال الرّسول الكريم في تمثيله المصوِّر الدّقيق: <فإذا ذكر الله تعالى خنس، و إذا غفل وسوس>.

و هذه اللّفتة تُقوّي القلب على مواجهة الوسواس، فهو خنّاس ضعيف أمام عُدّة المؤمن في المعركة، و لكنّها من ناحية أُخرى معركة طويلة لاتنتهي أبدًا إلى أن قال : و هذا التّصوّر لطبيعة المعركة و دوافع الشّرّ فيها... من شأنه أن يشعر الإنسان أ نّه ليس مغلوبًا على أمره ...>

و قال ابن عاشور: <و الشّيطان يُلقّب ب {الْخَنَّاسِ}، لأ نّه يتّصل بعقل الإنسان و عزمه من غير

ص: 122

شعور منه، فكأ نّه خنَس فيه. و أهل المكر و الكيد والتّختّل خنّاسون، لأ نّهم يتحيّنون غفلات النّاس...>.

و قال فضل الله: <و ذلك ما تثيره في النّفس من أفكار شريرة، و خيالات معقَّدة، و أحلام كاذبة، و مشاعرحادّة، بحيث تؤدّي إلى إثارة الفتنة في حركة النّاس في علاقاتهم العامّة و الخاصّة، من خلال الإيحاءات الّتي يثيرها في داخل الكلمات، ليُعقّد الأوضاع من حولهم، و إلى إضلال العقل و الإحساس من خلال الشّبهات الّتي يحرّكها أمام العقيدة، ليدفع النّاس إلى الكفر و الضّلال، أو من خلال علامات الاستفهام المُعقّدة أمام القضايا الّتي تدخل في منطقة الشّعور...>.

3 الخُنّس في (2): { فَلا اُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ*اَلْجَوَارِ الْكُنَّسِ} جمع خانس، و فيه ثلاثة أقوال:

أ الأنجم الخمسة أو جميع النّجوم، لأ نّها تخنس عن الأبصار نهارًا و تكنس ليلا .ب بقر الوحش أو الظّباء، لأ نّها من الخنَس، أي قصر أُنوفها و تأخّرها عن الفم.

ج الملائكة، لأ نّها تخنس و لاتُرى.

و الأوّل هو الأقرب، لأ نّه قول الرّعيل الأوّل من الصّحابة، كالإمام عليّ 7 و ابن عبّاس ، و استدلّ عليه الطَّباطَّبائيّ بتعقّبه بقوله: {وَالَّيْلِ اِذَا عَسْعَسَ * وَ الصُّبْحِ اِذَا تَنَفَّس} و هو حسَن و قال: <و كيف كان فأقرب الأقوال أوّلها، و الثّاني بعيد،

و الثّالث أبعد>.

4 و اختلفوا في {الْخُنَّسِ} و {الْكُنَّسِ} وصفًا للكواكب، بأنّ خَنْسها بالنّهار: لضوء الشّمس، و كَنْسها: طلوعها في ظلام اللّيل، عند الطَّبْرِسيّ وغيره.

5 شاكل{الْخُنَّسِ}لفظ{الْكُنَّسِ} في (2) في الجناس و الطّباق و في صفات الحروف، فالنّون فيهما حرف مجهور، و السّين مهموس، و كذلك الخاء و الكاف، فهما حرفان مهموسان. غير أنّ همس الكاف شديد، و همس الخاء رخو؛ فشدّة الهمس تناسب معنى الكنس، و هو الظّهور، و رخاوة الهمس تناسب الخنس، و هو الاختفاء و الغياب.

ثانيًا: جاءت في آيتين مكّيّتين من السّور القصار و أكثرها مكّيّة أُولاهما في وصف الشّيطان، و ضلاله، و ثانيتهما في وصف القرآن، و صدقه. و قد اهتمّ الله بهما في بدو نزول الوحي في المكّيّات.

ثالثًا: جاءت بعض نظائر هذه المادّة في القرآن، في المعنيين التّاليين:

1 الخُنوس: التّأخّر.

النّكوص:{فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ} الأنفال : 48

2 الخُنوس: الغياب.

الأُفول:{ فَلَمَّا اَفَلَ قَالَ لا اُحِبُّ الا فِلينَ‘}

الأنعام : 76

ص: 123

ص: 124

خ ن ق

اشارة

المُنْخَنِقَة

لفظ واحد، مرّة واحدة، في سورة مدنيّة

النُّصوص اللُّغويّة

الخَليل: خنَقَه فاختَنَق، و اختَنَق((1))، و انخنَق. فأمّا الانخناق فهوانعصار الخِناق في عنُقه، و الاختناق: فعله بنفسه.

و الخِناق: الحبل الّذي يُخنَق به. و يقال: رجل خَنِق، مَخنُوق، و رجل خانق.[ثمّ استشهد بشعر]

و الخنّاق: نعت لمن يكون ذلك شأنه و فعله بالنّاس.

و أخذ بمُخَنّقِه، أي بموضع الخِناق. و منه اشتُقّت المِخْنَقَة، أي القِلادة.

و فرس مَخنُوق، من <الخُناقيّة>. و الخُناقيّة: داء يأخذ الطّير في رؤوسها و حُلُوقها، و يعتري الفرس أيضًا، فيقال: خُنِق الفرس فهو مَخنُوق. و أكثر ما يظهر في الحَمام.

و الخانق: اسم موضع، ذكره جرير. (4 : 153)

اللّيث: والخُناقيّة: داء أو ريح يأخذ النّاس والدّوابّ في حلوقهم، وقد يأخذ الطّير في رأسها وحلقها.

و رجل خنِق: ذو خِناق. [ثمّ استشهد بشعر]

(الأزهَريّ 7 : 33)

أبو عمرو الشّيبانيّ: خنَقتُ به، أي وَلَدْتُه.

(1 : 222)

الخانق: خانق الغدير؛ حيث تضايق من الجبال.

(1 : 229)

ابن الأعرابيّ: الخُنُق: الفُروج الضّيّقة من فروج

ص: 125


1- (1) كذا ،في الأصل.

النّساء.

(الأزهَريّ 7 : 33)

ابن أبي اليمان: و الخنَق: الضّيق. (601)

أبو سعيد البغداديّ: المُختَنِق من الخيل: الّذي أخَذَتْ غُرّ تُه لَحْيَيْه إلى أُصول أُذنَيْه. و خَنّقتُ الحوض تخنيقًا،إذا شدَدتَ مَلأه. [ثمّ استشهد بشعر]

(الأزهَريّ 7 : 33)

ثَعْلَب: فَلْهَمٌ خنّاق: ضيّق حُزُقّةٌ قصير السَّمْك.

(الأزهَريّ 7 : 33)

ابن دُرَيْد: الخَنِق: مصدر خنَقَه يَخنُِقه خَنِقًا، بكسر النّون. و لايقال: خَنْقًا. و المُخَنَّق((1)):

الحلق، يقال: أخذ منه بالمُخَنَّق، إذا كربه.

و كلّ شيء خنَقتَ به من حَبْل أو وَتَر، فهو خِناق.

و المِخْنَقَة: قِلادة تُطيف بالعُنق ضيّقة.

و الخانق: شِعْب ضيّق في أعلى الجبَل؛ و الجمع : خوانق.

و أهل اليمن يُسمّون الزُّقاق: خانقًا.

و الخُناق: داء يصيب في الحلق.

و مِخنَقَة الكلب: قلادة قِدٍّ تُتّخذله. (2 : 241)

لم يجئ في كلامهم فعَل فَعِلا إلا حرفان: خنَقَ خَنِقًا، و ضَرَط ضَرِطًا. (3 : 283)

القاليّ: قالوا: <الخَنِق يُخرج الوَرِق>يقول: إذا اشتدّ عليك فخَنَقَك أعطَيتَه. الخَنِق: اسم الفعل هنا.

(2: 12)

الأزهَريّ: و مُخْتنَق الشِّعْب: مضيقه.

و خانقين: موضع معروف. (7 : 34)

الصّاحِب: خنَقتُه فاختَنَق و انخَنَق.

و الخِناق: الحَبْل الّذي يُخنَق به.

و رجل خَنِق و مخنُوق و خانق و خنيق.

و الخُناقيّة: داء يأخذ الطّير في رأسها، و الفرس في حلقها فيَخنُقها.

و الخَنّاقة: من أسماء حبائل السِّباع.

و الخانق: المضيق ما بين الجبلَين و الرّملتَين.

(4 : 197)

الجَوهَريّ: الخَنِق، بكسر النّون: مصدر قولك: خنَقَه يَخنُقُه خَنِقًا، و كذلك خَنّقَه؛ و منه: الخُنّاق.

و اختَنَق هو، و انخنَقَت الشّاة بنفسها، فهي مُنخَنِقة.

و موضعه من العنُق: مُخَنَّق بالتّشديد. يقال: بلغ منه المُخَنَّق، و أخَذتُ بمُخَنّقه. و كذلك الخُناق بالضّمّ. يقال: أخذ بخُناقه.

و الخِناق بالكسر: حَبْل يُخنَق به.

و المِخنَقَة بالكسر: القِلادة.

و الخانِق: شِعْب ضيّق. و أهل اليمن يُسمّون الزُّقاق: خانِقًا.

و المُختنَق: المَضيق. (4 : 1472)

ابن فارِس: الخاء و النّون و القاف أصلواحد يدلّ على ضيق. فالخانق: الشِّعْب الضّيّق. و قال بعض أهل العلم: إنّ أهل اليمن يسمّون الزُّقاق: خانقًا.

و الخَنِق: مصدر خنَقَه يَخنِقُه خَنِقًا. قال بعض أهل العلم: لايقال خَنْقًا.

و المِخْنَقَة: القِلادة. (2 : 224)

ص: 126


1- (1) موضع الخناق.

الثّعالبيّ: الخِناق : الحَبْل يُخنَق به الإنسان.

(259)

أبو سَهْل الهَرَويّ: و الخَنِق مصدر: خنَقَ، إذا عصر حَلقَه. (49)

ابن سيده: خنَقَه يَخنُقه خَنْقًا وخَنِقًا فهو مَخنُوق وخنيق، وخَنّقَه، و قد انخنَق و اختَنَق.

و الخِناق: ما يُخنَق به.

و المِخنَقَة: القلادة الواقعة على المُخَنَّق.

و الخُناق و الخُناقيّة: داء يأخذ النّاس و الدّوابّ في الحُلوق، و قد يأخذ الطّير في رؤوسها. و أكثر ما يظهر في الحَمام، فإذا كان ذلك، فهو غير مشتقّ، لأنّ الخَنْق إنّما هو في الحلق.

و الخَانِق: مضيق في الوادي.

و الخانِق: شِعْب ضيّق في الجبَل، و أهل اليمن يسمّون الزُّقاق: خانقًا.

و خانِقَين وخانِقُون: موضع، و في النّصب و الخفض: خانِقِين. (4 : 540)

خنَقَه يَخنُقه خَنْقًا و خَنّقَه: عصَر حَلقَه حتّى يموت، فانخنَق و اختَنَق.

الفاعل: خانق و خَنّاق، و المفعول: خَنِق و خَنِيق

و مخنُوق، و هي خنيقة و مخنُوقة.

و الخِناق: الحَبْل الّذي يُخنَق به.

(الإفصاح1 : 635)

الرّاغِب: قوله تعالى: {وَ الْمُنْخَنِقَةُ} أي الّتي خُنِقت حتّى ماتت، و المَخْنَقَة: القِلادة.

(160)

الزّمَخْشَريّ: خنَقَه يَخنُقه خَنْقًا فانخنَق، و خَنّقَه، إذا عصَر حَلقَه، و اختَنَق، إذا فعل الخَنْقَ بنفسه.

و ألقى الخِناق في عنقه، و هو ما يُخنَق به من حبل أو غيره.

و أصابه الخُناق، و هو داء يأخذه في حلقه.

و رجل خنيق: مخنُوق.

«و لُعِنَ الخَنّاقُون » و هم قوم يسرقون النّاس و يَخنُقونهم.

و في جيدها المِخنقَة، و في أجيادهنّ المَخانِق و هذه مِخنَقَة الكلب.

و من المجاز: خَنّقتُ الحوض: ملأتُه، و حوض مُخَنَّق. [ثمّ استشهد بشعر]

و فرس مُختَنِق: أخَذَتْ غُرّتُه لَحْيَيْه إلى أُصول أُذنيه، فإذا أخَذَتْ وجهَه و أُذنيه، فهو مُبَرْ نس.

و أُخذ السّبُع بالخِناقة، و هي حِبالة تأخذ بحلقه.

و أخذ منه بالمُخَنَّق، إذا لزّه و ضيّق عليه.

و أخذنا في الخانق، و هو شِعْب ضيّق بينجبلَين. و يقال للزُّ قاق الضّيّق: الخانق.

(أساس البلاغة:121)

المَدينيّ: في الحديث: «و خَنْق الشّيطان».يقال: خَنْق، و خَنِق؛ بالكسر أجود. (1: 624)

ابن الأثير: في حديث مُعاذ: «سيكون عليكم أُمراء يُؤخّرون الصّلاة عن ميقاتها، و يَخنُقونها إلى شرَق الموتى» أي يُضيّقون وقتها بتأخيرها. يقال خنَقتُ الوقت أخنُقه، إذا أخّرتَه و ضيّقتَه. و هم في خُناق من الموت، أي في ضيق. (2 : 85)

الفَيُّوميّ: خنَقَه: يَخنُقه، من باب <قتَل> خَنِقًا،

ص: 127

مثل كَتِف، و يُسَكّن للتّخفيف. و مثله الحَلِف و الحَلْف، إذا عصَر حَلقَه حتّى يموت.

فهو خانق و خنّاق؛ و في المُطاوع فانخنَق. و شاة خنيقة و مُنخَنِقة من ذلك.

و المِخنَقَة بكسر الميم: ا لقِلادة، سمّيت بذلك لأ نّها تُطيف بالعنُق، و هو موضع الخَنْق. (1: 183)

الفيروز اباديّ: خنَقَه خَنِقًا، ككتف، فهو خَنِق أيضًا و خنيق و مخنُوق، كخَنّقَه فاختَنَق.

و انخنَقَت الشّاة بنفسها.

و الخانق الشِّعب الضّيّق، و الزُّقاق.

و خانق الذّئب و النّمِر و الكلب و الكَرْ سَنَة: أربع حشائش.

و خانقِين و خانِقُون: بلدة بسواد بغداد، لأنّ النُّعمان خنَق به عديّ بن زيد العَبّاديّ حتّى قتله، و بلدة بالكوفة.

و الخانوقة: بلدة على الفرات.

و ككتاب: الحَبْل يُخنَق به.

و كغُراب: داء يمتنع معه نفوذ النّفَس إلى الرّ ئة

و القلب. و يقال أيضًا: أخذه بخُِناقه، بالكسر و الضّمّ،

و مُخَنّقِه، أي بحلقه.

و الخُناقيّة: داء في حُلوق الطّير و الفرس.

و الخنُق، بضمّتين: الفروج الضّيّقة. و خَنُوقاء، كجَلُولاء:موضع.

و الخَنُوقة، كتَنُوفة: واد بديار عقيل.

و كمِكنَسَة: القِلادة.

و كمعظّم: موضع حَبْل الخَنْق.

و غلام مُخَنّق الخَصْر: أهْيَف.

و خنّق السّراب الجبال تَخْنيقًا: كاد يُغطّي رُؤوسها، و فلانٌ الأربعينَ: كاد يبلغها، و الإناء: ملأه.

و المُختَنِق: فرس أخذت غُرّ تُه لَحْيَيْه.

وافتَدِ مَخنُوق: يُضرَب في تخليص نفسك من الشّدّة.

و خانقاه: قرية بين إسفراين و جُرجان و قرية بفارياب. (3: 237)

الطُّرَيحيّ: و في الحديث: «المُنخَنِقة هي الّتي انخنَقَت بإخناقها حتّى تموت».

و فيه: «أُطلب لنفسك أمانًا قبل أن تأخذ الأظفار، و يُلزمك الخِناق».

الخِناق بالكسر: حَبْل يُخنَق به، و استعير هنا للموت، و لابُعد أن يراد ب <الأظفار> هنا المنيّة.[ثمّ استشهد بشعر]و خنَقَه يَخنُقه من باب <قتل>، و خَنِقَ من باب <تعب>: اغتاض.

و الخَنِق بكسر النّون: مصدر قولك: خنَقَ يَخنُق؛ و منه الخُنّاق.

و الخُناق كغُراب: داء يمنع منه نفوذ النّفس إلى الرّئة و القلب.

و المِخنَقَة بكسر الميم: القِلادة، و سمّيت بذلك لأ نّها تُطيف بالعنُق، و هو الموضع الخَنْق. (5 : 159)

الزّبيديّ: [نحوالفيروز اباديّ إ لا أنّه أضاف بعد قوله: و خانق الذّئب و النّمِر و الكلب و الكَرْ سَنَة: أربع حشائش:]

ص: 128

الأوّل: مشرف الأوراق مُزغِب يُشبه الدُّ لب، و الثّانيّ: كذنَب العقرب برّاق نحو شبر، لاتزيد أوراقه عن خمسة، و كلاهما ربعيّ من أنواع السّموم، يقتل سائر الحيوانات. و إنّما خُصّ النّمِر و الذّئب لسرعة الفعل فيهما.

و قال الرّئيس في القانون :<ورق خانق النّمر إذا خُلط بالشّحم و خُبز بالخُبز و أُطعم للذّئاب و الكلاب و الثّعالب و النّمر قتلها>، و إذا عرفت ذلك فالصّحيح أنّها حشيشتان، أو حشيشة واحدة، فتأمّل ذلك...

و الخنّاق: كشدّ اد لمن يبيع السّمك بالخِناقة، و هي حبالة تأخذ ب <الأندلس>. (6: 339)

العَدْنانيّ: خنَقه خَنِقًا و خَنْقًا

يخطّئ الفارابيّ من يذكر المصدر: خَنْقًا، و يقول معجم مقاييس اللُّغة: « قال بعض أهل العلم: لايقال خَنْقًا» و اكتفى المُغرِب، و المختار، و القاموس بذكر المصدر: خَنِقًا.

ولكن: أجاز استعمال المصدرين: خَنِقًا و خَنْقًا كليهما: الصِّحاح ذكر خَنْقًا في الهامش ، و اللّسان، و المصباح، و التّاج، و المدّ، و محيط المحيط بعضهم يسكّن النّون. و أقرب الموارد بعضهم يسكّن النّون ، و عثرات الأقلام في اللّغة.

و اكتفى بذكر المصدر خَنْقًا: الأساس، و المتن، و الوسيط.

أمّا فعله فهو: خنَقَه يَخنُقه خَنِقًا، و خَنْقًا: عصَر حَلقَه حتّى مات، فالفاعل: خانِق، و المفعول: مخنُوق، وخنيق، وخَنِق و هي بتاء فيهما.

و أنا و إن كانت المعجمات تكاد تُجمِع على أنّ المصدر <خَنِقًا> أعلى أرى أن لانستعمل إلا المصدر <خَنْقًا> للأسباب الآتية:

أ لأنّ استعماله جائز.

ب و لأنّ الخاصّة و العامّة في البلاد العربيّة كافّة يسكّنون النّون: الخَنْق.

ج و لأنّ المصدر «فَعِلا » نادر الوجود في اللُّغة العربيّة كحلَفَ يَحلِف حَلِفًا.

د و لأنّ المصدر« فَعْل» كثير جدًّا في اللُّغة العربيّة. على أن لانخطّئ من يستعمل المصدر الشّاذّ النّادر «خَنِقًا». (207)

مَجْمَعُ اللُّغة: خنَقَه يَخنُقه خَنْقًا: عصَر حَلقَه حتّى يموت، فانخنق، و هو مُنخَنِق، و هي مُنخَنِقة.

(1 : 366)نحوه محمّد إسماعيل إبراهيم. (1 : 176)

المُصْطَفَويّ: إنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو التّضيّق و الانعصار في الحلق؛ و ذلك الانعصار أعمّ من أن يكون ظاهرًا أو بداء باطنيّ.

و الحَزْق و الخَزْق، و الخَرْزَق، تدلّ على مفهوم الضّيق و الشّدّ و الطّعن.و الحلق و العنُق : يدلان على الحلق المجرّد.

و أمّا مفهوم الزُّقاق و ما يماثله، فمعنى مجازيّ استعارة: {حُرِّ مَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزيرِ‘ وَ مَا اُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَ الْمُنْخَنِقَةُ...} المائدة : ،3، أي مامات بالخَنِق و الانخِناق من دون ذبح. (3: 140)

ص: 129

النُّصوص التّفسيريّة

المُنْخَنِقَة

حُرِّ مَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزيرِ‘ وَ مَا اُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَ الْمُنْخَنِقَةُ... المائدة : 3

ابن عبّاس: الّتي تُخنَق فتموت.

مثله الضّحّاك. (الطّبَريّ 4: 407)

و مثله أيضًا البغَويّ. (2: 10)

كان أهل الجاهليّة يخنقون الشّاة حتّى إذا ماتت أكلوها. (البغَويّ 2: 10)

مثله قَتادَة. (الطّبَريّ 4: 407)

الضّحّاك: الّتي تختنق فتموت. (الطّبَريّ 4: 407)

مثله الثّعلبيّ. (4 : 12)

الشّاة توثق، فيقتلها خَنّاقها، فهي حرام.

(الطّبَريّ 4: 407)

قَتادَة: الّتي تموت في خِناقها. (الطّبَريّ 4: 407)

نحوه البَيْضاويّ (1 : 261)، و أبو السُّعود (2 : 237)، و شُبّر (2 : 139)، و سيّد قُطْب (2 : 840).

زَيْد بن عليّ: الّتي أُخنقت في خِناقها حتّى ماتت (178)

السُّدّيّ: الّتي تدخل رأسها بين شُعْبتَين من شجرة، فتنخنق فتموت. (222)

أنّها تُخنَق بحبل الصّائد و غيره، حتّى تموت.

مثله الضّحّاك. (الماوَرْديّ 2 : 11)

نحوه ابن جُزَيّ. (1 : 167)

الإمام الصّادق(علیه السلام): الّتي تختنق في رباطها.

(العيّاشيّ 2 : 9)

نحوه ابن قُتَيْبَة. (140)

{الْمُنْخَنِقَةُ}: الشّاة توثق، فيقتلها خَنّاقها، فهي حرام. (الطّبَريّ 4: 407)

نحوه الماوَرْديّ. (2 : 11)

الفَرّاء: ما اختنقت فماتت و لم تُدرَك. (1 : 301)

أبو عُبَيْدَة: الّتي انخنقت في خِناقها حتّى ماتت.

(1 : 151)

و هكذا روي عن الإمام الجواد (علیه السلام) .

(البَحْرانيّ 3: 286)

الطّبَريّ: اختلف أهل التّأويل في صفة الانخناق الّذي عنى الله جلّ ثناؤه بقوله: { وَ الْمُنْخَنِقَةُ}،فقال بعضهم: ... [ذكر قول السُّدّيّوالقول الأوّل من الضّحّاك و قَتادَةو أضاف:]

و قال آخرون: هي الّتي توثق فيقتلها بالخِناق وَثاقُها.

و قال آخرون: بل هي البهيمة من النَّعم كان المشركون يخنقونها حتّى تموت، فحرّم الله أكلها.

و أولى هذه الأقوال بالصّواب، قول من قال: هي الّتي تختنق: إمّا في وثاقها، و إمّا بإدخال رأسها في الموضع الّذي لاتقدر على التّخلّص منه، فتختنق حتّى تموت .

و إنّما قلنا: ذلك أولى بالصّواب في تأويل ذلك من غيره، لأنّ{الْمُنْخَنِقَةُ} هي الموصوفة بالانخناق، دون خنق غيرها لها، و لو كان معنيًّا بذلك أنّها مفعول بها، لقيل: و المخنوقة، حتّى يكون معنى الكلام ما قالوا.

(4 : 407)

ص: 130

الزّجّاج: و هي الّتي تنخنق برِبْقَتها، أي بالحبل الّذي تُشكّ به، و بأيّ جهة اختنقت فهي حرام.

(2 : 145)

نحوه المَيْبُديّ (3 : 11)، و ابن العَرَبيّ (2 : 538)، و حسنين مخلوف (1 : 183).

القُمّيّ: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ...} فإنّ المجوس كانوا لايأكلون الذّبائح و يأكلون الميتة، و كانوا يخنقون البقر و الغنم، فإذا ماتت أكلوها. (1 : 161)

السِّجستانيّ: الّتي تُخنَق فتموت و لاتُدرك ذكاتها.

(49)

الجَصّاص: فإنّه روي عن الحسَن و قَتادَة و السُّدّيّ و الضّحّاك: أنّها الّتي تختنق بحبل الصّائد أو غيره حتّى تموت، و من نحوه حديث عباية بن رفاعة عن رافع بن خديج، أنّ النّبيّ (صلی الله علیه و آله) قال: «ذكّوا بكلّ شيء إلا السِّنّ و الظُّفر». و هذا عندنا على السِّنّ و الظُّفر غير المنزوعين، لأ نّه يصير في معنى المخنوق.

(2 : 382)

الطُّوسيّ: [ذكر أقوال المفسّرين ثمّ قال:]

و الأولى حمل الآية على عمومها في جميع ذلك، و هي الّتي تختنق حتّى تموت، سواء كان في وثاقها، أو بإدخال رأسها في موضع لاتقدر على التّخلّص، أو غير ذلك، لأنّ الله تعالى وصفها بأنّها{الْمُنْخَنِقَةُ}، و لو كان الأمر على ما حكي عن قَتادَة، لقال:و المخنوقة . (3: 430)

نحوه الرّ اونديّ (2 : 270)،و ابن الجَوْزيّ(2 : 279)، و الآلوسيّ: (6 : 57).

القُشَيْريّ: و أمّا{الْمُنْخَنِقَةُ} فالإشارة منه إلى الّذي ارتبك في حبال المُنى و الرّغائب، و أخذه خِناق الطّمع، و خنقه سلاسل الحِرْص، فحرام على السّالكين سلوك خطّتهم، و محظور على المريدين متابعة مذهبهم. (2 : 94)

الواحديّ: و هي الّتي تنخنق فتموت. و الانخناق : انعصار الحلق، يقال: خنقه فانخنق. (2 : 151)

الزّمَخْشَريّ: الّتي خنقوها حتّى ماتت، أوانخنقت بسبب. (1 : 592)

نحوه النّسَفيّ. (1 : 269)

ابن عَطيّة: معناه: الّتي تموت خنقًا و هو حبس النّفس، سواء فعل بها ذلك آدميّ، أو اتّفق لها ذلك في حجَر أو شجرة أو بحبل أو نحوه، و هذا إجماع.

(2 : 150)

نحوه القُرطُبيّ (6 : 48)، و الشِّربينيّ (1 : 352)، و الشَّوْكانيّ (2 : 12)، ، و محمّد جواد مَغْنِيّة (3 : 11)،

و طه الدُّرّة (3 : 212).

الطَّبْرِسيّ: [اكتفى بنقل بعض الأقوال]

(2 : 157)

أبو الفُتوح: [نحو الطُّوسيّ وأضاف:]

والانخناق مطاوع خنق، يقال: خنقته فانخنق.

(6 : 237)

الفَخْر الرّازيّ: يقال: خنَقه فاختَنَق، و الخنق و الاختناق: انعصار الحلق.

و اعلم أنّ{الْمُنْخَنِقَةُ} على وجوه: منها: أنّ أهل الجاهليّة كانوا يخنقون الشّاة فإذا ماتت أكلوها،

ص: 131

و منها: ما يُخنَق بحبل الصّائد، و منها: ما يدخل رأسها بين عودين في شجرة فتختنق فتموت، و بالجملة فبأيّ وجه اختنقت فهي حرام.

و اعلم أنّ هذه{الْمُنْخَنِقَةُ} من جنس الميتة، لأ نّها لمّا ماتت و ما سال دمها، كانت كالميّت حتف أنفه.

(11 : 133)

نحوه النَّيسابوريّ. (6 : 37)

ابن عَرَبيّ: أي حَبْس النّفس عن الرّذائل، و منعها عن القبائح، بحصول صور الفضائل، و صدور الأفعال الحسنة صورة مع كون الهوى فيها، فإنّ الأفعال النّفسيّة إنّما تَحسُن بقمعها، و قهرها لله، و خروج الهوى الّذي هو قوّتها، و حياتها عنها، و قيامها بإرادة القلب، كخروج الدّم الّذي هو قوّة الحيوان، و حياته منه بذبحه لله. (1 : 309)

الخازن: و {الْمُنْخَنِقَةُ} من جنس الميتة، لأ نّها لمّا ماتت لم يَسِل دمها. و الفرق بينهما: أنّ الميتة تموت بلاسبب أحد، و المنخنقة تموت بسبب الخنق . (2 : 6)

ابن كثير: و هي الّتي تموت بالخنق: إمّا قصدًا و إمّا اتّفاقًا، بأن تتخبّل في وثاقتها، فتموت به، فهي حرام. (2 : 480)

البُرُوسَويّ : [نحو الواحديّ و الزّجّاج]

(2 : 341)

الآلوسيّ: [نقل أقوال السُّدّيّ و الضّحّاك و قَتادَ ة و ابن عبّاس و أضاف:]

و الأولى أن تُحمَل على الّتي ماتت بالخنق مطلقًا.

(6 : 57)

القاسميّ: [نحو ابن كثير، و الخازن، وأضاف:]

قال المهايميّ: {الْمُنْخَنِقَةُ} و إن ذُكر اسم الله عليها، فقد عارضه سريان خباثة الخانق إليها، مع تنجّسها بالموت. (6 : 1818)

رشيد رضا: [ذكر قول الطّبَريّ، ثمّ قال:]

و هو المختار عندنا، لأ نّه هو المعنى اللُّغويّ المنطبق على حكمة الشّارع.

و يغلط من يقول: إنّ فعل الانخناق هنا ممّا يسمّونه فعل المطاوعة، كما قال الصّرفيّون في مثل: كسَرتُه فانكسَر. و يتوهّم من لاذوق له في اللُّغة أنّ هذه الصّيغة لاتجيء إلا لما كان أثرًا لفعل فاعل مختار ككسَرتُه فانكسَر.

و الصّواب أنّ هذه فلسفة باطلة، و أنّ العربيّ القُحّ إنّما يقول: انكسر الشّيء، إذا كان يعلم أنّه انكسر بنفسه أو يجهل من كسره. إلا إذا كان المقام مقام تعبير عن شيء تعاصى كسره على الكاسرين ثمّ انكسر بفعل أحدهم، و هذا لايتأتّى إلا في بعض الموارد.

و أرى ذوقي يوافق في مادّة الخنق ما يفهم من عبارة القاموس: من أنّ مطاوع خنَق هو اختَنَق من <الافتعال>، و إنّ انخنق لايُفهَم منه إلا ما كان بفعل الحيوان بنفسه، كما قال ابن جرير.

و يؤيّد هذا الفهم الّذي جزم ابن جرير بأ نّه هو الصّواب الجمع به بين هذه الزّوائد في سورة المائدة، و بين حصر المحرّمات في الأربعة الأُولى منها.

فالمنخنقة بهذا المعنى من قبيل ما مات حَتْف أنفه، من حيث إنّه لم يمت بتذكية الإنسان له لأجل أكله،

ص: 132

فهي داخلة في عموم الميتة بالمعنى الشّرعيّ الّذي بيّنّاه في تفسيرها.

و إنمّا خصّها بالذّكر، لأنّ بعض العرب في الجاهليّة كانوا يأكلونها، و لئلا يشتبه فيها بعض النّاس، لأنّ لموتها سببًا معروفًا. و إنّما العبرة في الشّرع بالتّذكية الّتي تكون بقصد الإنسان لأجل الأكل، حتّى يكون واثقًا من صحّة البهيمة الّتي يريد التّغذّي بها.

و لو أراد تعالى ب {الْمُنْخَنِقَةُ}:المنخنقة المخنوقة بفعل الإنسان، لعبّر بلفظ المخنوقة أو الخنيق، لأ نّه حينئذ يفيد أنّ الخنق و إن كان ضربًا من التّذكية بفعل الفاعل لايحلّ، و يُفهَم منه تحريم{الْمُنْخَنِقَةُ} بالأولى، بل يُفهمَ هذا من لفظ الميتة أيضًا، كما تقدّم. فالعدول إلى صيغة{الْمُنْخَنِقَةُ} لاتعقل له حكمة إلا الإشعار بكون{الْمُنْخَنِقَةُ} في معنى الميتة.

(6 : 137)

ابن عاشور: هي الّتي عرض لها ما يخنقها.

و الخنق : سدّ مجاري النّفَس بالضَّغط على الحلق، أو بسدّه. و قد كانوا يربطون الدّابّة عند خشبة، فربّما تخبّطت فانخنقت، و لم يشعروا بها، و لم يكونوا يخنقونها عند إرادة قتلها. و لذلك قيل هنا: {الْمُنْخَنِقَةُ}، و لم يقل: المخنوقة، بخلاف قوله: {وَ الْمَوْقُوذَةُ}. فهذا مراد ابن عبّاس بقوله : كان أهل الجاهليّة يخنقون الشّاة و غيرها،فإذا ماتت أكلوها.

و حكمة تحريم{الْمُنْخَنِقَةُ}: أنّ الموت بانحباس النّفس يفسد الدّم باحتباس الحوامض الفحميّة الكائنة فيه، فتصير أجزاء اللّحم المشتمل على الدّم مضرّة لآكله. (5 : 22)

الطَّباطَبائيّ: هي البهيمة الّتي تموت بالخنق، و هو أعمّ من أن يكون عن اتّفاق أو بعمل عامل اختيارًا، و من أن يكون بأيّ آلة و وسيلة كانت، كحبل يُشَدّ على عنقها، و يسدّ بضغطه مجرى تنفّسها، أو بإدخال رأسها بين خشبتين، كما كانت هذه الطّريقة وأمثالها دائرة بينهم في الجاهليّة. (5 : 164)

حجازي: هي ما ماتت خنقًا بأيّ شكل كان، و هي نوع من الميته الّتي لم تُذكّ ذكاةً شرعيّة. و إنّما خصّها القرآن بالذّكر مع اندراجها في الميتة، لئلا يُظنّ أنّها ما ماتت حتف أنفها بل بفعل فاعل فتحلّ، و لكن الشّرع شرط الذّكاة، ليتأكّد الإنسان ممّا يأكل، و يثق من أنّ ما يتغذّى به سليمًا من هذا الدّم الفاسد الّذي يُراق بالذّبح. (6 : 26)

عبد الكريم الخَطيب: هي الّتي تموت خنقًا من الحيوان، إنّها في حكم الّتي تموت حتف أنفها، في تعفّف النّفس الطّيّبة عنها. (3: 1030)

مكارم الشّيرازيّ: الحيوانات المخنوقة، سواء كان الخنق بسبب الفخّ الّذي تقع فيه، أو بواسطة الإنسان، أو بنفسها. و كان الجاهليّون يخنقون الحيوانات أحيانًا للانتفاع بلحومها، و قد أشارت الآية إلى هذا النّوع باسم {الْمُنْخَنِقَةُ}.

و ورد في بعض الرّوايات: أنّ المجوس كان من عادتهم أن يخنقوا الحيوانات الّتي يريدون أكلها، و لهذا يمكن أن تشملهم الآية أيضًا. (3: 521)

فضل الله: الميتة بطريقة الخنق عمومًا. يقال: خنَقه خنقًا، إذا ضغطه؛ و منه: المنخنقة للقِلادة.

ص: 133

و{الْمُنْخَنِقَةُ} على وجه الخصوص، هي الّتي يدخل رأسها بين شُعبتَين من شجرة فتختنق فتموت.

(8 : 32)

الأُصول اللُّغويّة

1 الأصل في هذه المادّة: الخِناق، أي الحلق، و هو الخُناق والمُخنَّق. يقال:

أخذ بخِناقه و خُناقه، أي بحلقه، و بلغ منه المُخنَّق، وأخَذتُ بمُخنَّقه: موضعالخِناق.

و الخِناق: الحَبْل الّذي يُخنَق به، أي يُعصَر به الخِناق، و ما يُختنَق به أيضًا، و الخِناق و المِخنَقة: القِلادة الواقعة على المُخنَّق.

و الخَنِق: عصر الحلق. يقال: خنَقه يَخنُقه خَنْقًا و خَنِقًاو خنّقه، أي عصَر حَلقَه، فهو مخنُوق و خنيق و خَنِق، و الانخناق: انعصار الخُِناق في خَنْقه، و الاختناق: فعله بنفسه. يقال: انخنَق و اختَنق، و انخنقت الشّاة بنفسها، فهي مُنخَنِقة، و الخَنّاق: نعت لمن يكون ذلك شأنه و فعله بالنّاس.

و الخِناق من الفروج: الضّيّق. يقال: فَلْهَمٌ خِناق، أي ضيّق حُزُقّة قصير السَّمْك، و الخُنُق:الفروج الضّيّقة من فروج النّساء، تشبيهًا بضيق الحلق.

و الخانق: شِعْب ضيّق في الجبَل، و مضيق الوادي، و الزُّقاق، كما يسمّيه أهل اليمن.

و المُختنَق: المضيق، و مُختنَق الشِّعب: مضيقه.

و الخُناق و الخُناقيّة: داءٌ أو ريح يأخذ النّاس و الدّوابّ في الحلوق، و يعتري الخيل أيضًا. يقال: خُنِق الفرس فهو مخنُوق.

و يقال مجازًا: خَنّقتُ الحوض تخنيقًا، أي شَددتُ ملأه، و خنَقتُ الوقت أخنُقه: أخّرته و ضيّقته، و هم في خُناق من الموت: في ضيق.

2 و الخَنّاق: بائع السّمك بالخِناقة، هكذا قال الزّبيديّ في <تاج العروس> و فسّر الخِناقة بقوله: <هي حبالة تأخذ ب <الأندلس>، و هذا مولّد غير معروف في اللّغة.

و في محيط المحيط: <و العامّة تقول: تخانق الرّجلان، أي تشاغبا؛ و الاسم منه الخِناق>.

الاستعمال القرآنيّ

جاء منها مزيدًا من الانفعال اسم الفاعل: {الْمُنْخَنِقَةُ} مرّة في آية واحدة:

{حُرِّ مَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزيرِ‘ وَ مَا اُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَ الْمُنْخَنِقَةُ...}

المائدة : 3

يلاحظ أوّ لا : أنّ هذا اللّفظ وحيد الجذر و النّظير في القرآن، و فيه بُحُوثٌ:

1 ذُكرت في سورة المائدة سبعة من المحرّمات زيادة على المحرّمات الأربعة المذكورة قبلها:{حُرِّ مَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزيرِ‘ وَ مَا اُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِِ بِهِ وَ الْمُنْخَنِقَةُ وَ الْمَوْقُوذَةُ وَ الْمُتَرَدِّ يَةُ وَ النَّطيحَةُ وَ مَا اَكَلَ السَّبُعُ اِلا مَا ذَكَّيْتُمْ وَ مَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَ اَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالاَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ}.

وكانت المحرّمات الأربعة قد ذُكرت في الأنعام و النّحل و البقرة أيضًا، كما تقدّم في <خ ن ز ر> و هي من التّشريع المشترك بين المكّيّ و المدنيّ. و لعلّ ذكرما زاد

ص: 134

عليها هنا و هو مصداق الميتة لشيوع أكلها عند بعض أهل المدينة و من حولها من الأعراب، لأنّ المائدة من آخر ما جاء به الوحي على المشهور، فهذا من التّشريع المدنيّ. قال السُّدّيّ: <إنّ أُناسًا من العرب كانوا يأكلون جميع ذلك و لايعدّونه ميّتًا، إنّما يعدّون الميّت الّذي يموت من الوجع>((1)).

2 لمّاتشدّد في الحرمة تشدّد في الإباحة، فأينما ذكرت المحرّمات الأربعة وحدها، تلاها قوله:{فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَ لا عَادٍ} ، وهو رخصة عامّة في المجاعة و الإكراه و نحوهما ممّا ذكره الفقهاء، غيرأنّه تلا المحرّمات المذكورة في هذه الآية قوله:{فَمَنِ اضْطُرَّ فى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لاِ‚ثْمٍ}، و هو رخصة في المجاعة فقط، و لكن بشرط أن لايعرِّض المسلم نفسه لها فيكلتا الحالتين.

3 يشعرلفظ{الْمُنْخَنِقَةُ} السّامع بأنّه من فعل الحيوان نفسه كما صرّح به الطّبَريّ و تبعه آخرون و ليس من فعل فاعل غيره، و لو كان كذلك، لقال: المخنوقة، فيشاكل {الْمَوْقُوذَةُ} وزنًا، و يزين العبارة إيقاعًا. و لكنّه ليس كذلك، فالمراد و الله أعلم أنّ الحيوان اختنق بأيّ نحو كان، دون فعل فاعل، كاختناقها في رباطها، أو في حبل الصّيّاد، أو في أعواد

الشّجرة.

4 و قد اعتبرها القُشَيْريّ إشارةً إلى الّذي ارتبك

في حبال المُنى و الرّغائب، و أخذه خناق الطّمع، و خنقه سلاسل الحِرْص. و حرام على السّالكين سلوك خطّتهم، و محظور على المريدين متابعة مذهبهم، فقد جعل{الْمُنْخَنِقَةُ} صفة ذمّ.

و حمل ابن عرَبيّ على حبس النّفس عن الرّذائل ، و منعها عن القبائح، و شبّه خروج الهوى منها لدى حصول الفضائل بخروج الدّم الّذي هو قوّة الحيوان و حياته عند ذبحه، فقد عدّها صفة ممدوحة. و كلاهما تاويل عرفانيّ، و تحويل للتّشريع إلى التّزكية و العمل بالشّريعة إلى السّلوك.

5 اختلفت أسباب موت الإنسان موت الأنواع الأربعة من الميتة، فسبب موت{الْمُنْخَنِقَةُ} الحيوان نفسه عند بعضهم، و سبب موت{الْمَوْقُوذَةُ} الإنسان، و سبب موت {الْمُتَرَدِّ يَةُ} البيئة، و سبب موت {النَّطيحَةُ } حيوان آخر.

و ثانيًا: هذه الآية المدنيّة تشريع مدنيّ، و لعلّ سرّه ما جاء في بعض النّصوص: أنّ المجوس لايأكلون الذّبائح، و كانوا يخنقون البقر و الغنم، فإذا ماتت أكلوها. و لعلّ بعض الأعراب حول المدينة كانوا يفعلون ذلك.

و ثالثًا: لانظيرلها في القرآن.

ص: 135


1- (1) رواه الطَّبْرِسيّ في تفسير هذه الآية.

ص: 136

خ و ر

اشارة

خُوَارٌ

لفظ واحد، مرّتان: في سورتين مكّيّتين

النُّصوص اللُّغويّة

الخَليل: الخَوْر: مصبّ المياه الجارية في البحر إذا اتّسع و عرض.

و الخَوَر: رَخاوة و ضَعْف في كلّ شيء. تقول: خارَ يَخُور خَوَرًا، و رجل خَوّار؛ و خَوّرَ تخويرًا.

و سهم خَوّار و خَؤُور.

و الخَوّار: عَيْبٌ في كلّ شيء إلافي هذه الأشياء: ناقة خَوّارة، و شاة خَوّارة: كثيرة اللّبن، و نخلة خَوّارة، أي صفيّ كثيرة الحَمْل، و بعير خَوّار: رقيق حسَن، و فرَس خَوّار: حُسّان، أي ليّن العِطْف؛ و جمعه: خُور، و العدد: خَوّ ارات.

و الخَوْر: خليج البحر.

و الخَوْران: رأس المِعى الّذي يسمّى المَبْعَر ممّا يلي الدُّبر؛ و يجمع على: خَوْرانات.

و كلّ اسم كان مذكّرًا لغير النّاس فجمعته، إذا حسن على لفظ إناث الجمع، جاز ذلك مثل: سرادقات و حمّامات و حَوْرانات.

و يقال للدُّ بُر: الخَوْران و الخَوّارة، لضَعف فَقْحتِها.

و الخُوار: صوت الثّور، و ما اشتدّ من صوت البقرة و العِجْل. تقول: خارَ يَخُور خَوْرًا و خُوارًا. (4: 302)

اللّيث: الخَوّار: الضّعيف الّذي لا بقاء له على الشّدّة. (الأزهَريّ 7 :551)

الفَرّاء: يقال: لك خُوارها، أي خيارها، و في بني فلان خُورَى من الإبل، أي كرام. (الأزهَريّ 7: 550)

خَوِر الرّجل خَوَرًا، إذا ضَعُف.

(الأزهَريّ 7: 553)

ابن الأعرابيّ: الخُوَيرة: تصغير الخُوَرة، وهي خيار المال. (الأزهَريّ 7: 550)

ص: 137

خَوّ ار الصّفا: الّذي له صوت من صلابته.

(ابن سيده 5: 292)

ابن السِّكّيت: و الخَوْر من الأرض: المنخفض بين نشزين، و الخُور: الغزار من الإبل.

(إصلاح المنطق: 124)

شَمِر: الخَوْر: عُنُق من البحر يدخل في الأرض؛ و جمعه: خُؤُور.[ثمّ استشهد بشعر] (الأزهَريّ 7: 550)

أبو الهَيْثَم: رجل خَوّار، و قوم خَوّ ارُون، و رجل خؤُور، و قوم خُور و ناقة خَوّ ارَة: رقيقة الجلد. غزيرة.

و خارَ الرّجل يَخُور، فهو خائر، و قوم خارَة، و قد خارَ خُؤُورًا.

و الخَوْر: خليج البحر.

و يُجمَع الخَوْران: الدُّ بُرُ: خَوَرانات.و كذلك كلّ اسم كان مذكرًا لغير النّاس، فجمعه على لفظ تاءات الجمع: جائز،نحو: حمّامات، و سُرادقات و ما أشبهها.

(الأزهَريّ 7: 552)

المُبَرِّد: الخَوّار: الضّعيف. (1: 331)

كُراع النّمل: أصله: [الاستخارة] أن تُعرَك أُذُن الجُؤْذر فتَسمع أُمّه خُوارَه فتخرج فتُصاد.

(ابن سيدة 5: 293)

ابن دُرَيْد: خارَ الثّور يَخُور خُوارًا، إذا صاح.

و خارَ الرّجل يَخُور خَوَرًا و خُؤُورًا، إذا صار

خَوّ ارًا ضعيفًا. و رجل خَوّ ار من قوم خُور. و ما أبيَن الخَوَر في فلان. و كذلك عود خَوّار بَيِّن الخَوَر.

و الخَوْران: الفَجْوة الّتي فيها الدُّ بُر من الإنسان و غيره. يقال: طعن الحمار فخارَه، إذا أصاب خَوْرانه.

و ناقة خَوّ ارة، إذا كانت رِخْوَة اللّحم سَبْطَة العظام غزيرة؛ و الجمع: خُور. [ثمّ استشهد بشعر]

و الخَوّ ار العُذريّ: رجل من العرب كان عالمًا بالنّسَب. فأمّا الخَوْر، و هو الخليج من البحر، فأحسبه معرَّ بًا. (2: 215)

و الخَور: خليج من البحر يمعن في البرّ، فارسيّ معرّب.

و خارَ الثّور خُوارًا، إذا صاح.

و خارَ الرّجل، إذا صار خَوّ ارًا. و أرخيت السّتر فهو مُرخًى، إذا أسبلته.

و فلان رَخيّ البال. (3: 237)

الأزهَريّ: الخَوْر: المُنخفض من الأرض بين نشزين؛و لذلك قيل للدُّبر: خَوْران، لأ نّه كالهَبْطة بين رَ بْوَتين.

و يقال: طعن الحمار فخارَه خَوْرً ا إذا طعَنه في خَوْرانه، و هو الهواء الّذي فيه الدُّبر من الرّجل، و القُبُل من المرأة.

و أمّا الأرض الخَوّ ارة: فهي اللّيّنة السّهلة.

و يقال: بَكْرَة خَوّ ارة، إذا كانت سهلة مَجْرَى المِحْور في القَعْو.[ثمّ استشهد بشعر]و يقال: فرَس خَوّ ار العنان، إذا كان ليّن العِطْف، كثير الجري.

و خيل خُور.

خارَ البَرْد يَخُور خُؤُورًا إذا فتر و سكن.

و يقال: إنّ في بعيرك هذا لشاربَ خَوَر؛يكون مَدْحًا، و يكون ذمًّا.

ص: 138

فالمدح أن يكون صَبُورًا على العطش و التّعب، و الذّمّ أن يكون غير صبور عليهما. (7: 551)

الصّاحِب: [نحو الخَليل و أضاف:]

و خارَت الأرض تَخُور خَوْرة، أي استرخت.

و الاستخارة: أن تستعطف الإنسان و تدعوه إليك، و هو أن تستنطقه، مأْخوذ من الخُوار.

و خارَ البَرْد: انكسَر، خُؤُورًا و خُؤُورة. (4: 407)

الجَوهَريّ: الخَوْر مثل الغَوْر: المنخفض من الأرض بين النّشزين. و الخَوْران: مجرى الرَّوث. و يقال: طعنه فخارَه خَوْرًا، أي أصاب خَوْرانه.

و خارَ الثَّوْر يَخُور خُوارًا: صاح. و منه قوله تعالى:{فَاَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ} الأعراف : 148.

وخارَ الحَرّ و الرّجل يَخُور خُؤُورة: ضَعُف و انكسَر.

والاستخارة: الاستعطاف؛ يقال: هو من الخُوار و الصّوت. و أصله أنّ الصّائد يأتي ولد الظّبية في كِناسه فيعرك أُذنه فيخور، أي يصيح، يستعطف بذلك أُمّه كي يصيدها.

و يقال أخَرْنا المَطايا إلى موضع كذا نُخيرها إخارَة: صرفناها و عطفناها.

و الخَوَر بالتّحريك: الضّعف. رجل خَوّ ار، و رُمح خَوّ ار، و أرض خَوّ ارة، و الجمع: خُور.

و ناقة خَوّ ارة، أي غزيرة؛ و الجمع: خُور.

[واستشهد بالشّعرمرّتين] (2: 651)

ابن فارِس: الخاء والواو والرّ اء أصلان: أحدهما يدلّ على صوت، و الآخر على ضَعْف.

فالأوّل قولهم: خارَ الثّور يَخُور، و ذلك صوته. قال الله تعالى: { فَاَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ} طه: 88.

و أمّا الآخر: فالخَوّ ار: الضّعيف من كلّ شيء. يقال: رُمح خوّ ار، و أرض خَوّارة؛ و جمعه: خُور.

و أمّا قولهم للنّاقة العزيزة: خَوّ ارة و الجمع: خُور فهو من الباب، لأنّها إذا لم تكن عَزُوزًا و العَزُوز: الضّيّقة الإحليل، مشتقّة من الأرض العَزاز فهي حينئذ خَوّ ارة؛ إذ كانت الشّدّة قد زايلَتْها. (2: 227)

الهَرَويّ: والخُوار: بلاهمز، و الجُؤار بالجيم و الهمز، كلاهما: الصّوت.

في حديث عمر: < لن تَخُور قُوًى ما دام صاحبها ينزع وينزو» أي لن يضعف صاحب قُوى يقدر بها على أن ينزو في ظهر دابّته، و ينزع في قوسه.

و في حديث عمروبن العاص: < ليس أخو الحرب من يضع خُور الحشايا عن يمينه و عن شماله».قوله: < خور الحشايا» يعني الوطأة منها؛ و ذلك أنّها تُحشى حَشْوً ا لاتصلب منه.

و منه قيل للضّعيف: خَوّ ار، و للنُّوق الغزار إذا كان في لبنها رقّة: خُور. ألاترى أ نّهم يقولون للّذي لاتَغدُر غزرها: الجِلاد، قال ذلك القُتَيْبيّ. (2: 603)

الثّعالبيّ: فرَس خَوّ ار العِنان، إذا كان ليّن المَعطَف. (66)

[ فصل في أصوات ذات الظّلف ] الخُوار: للبقر.

(220)

ص: 139

ابن سيده: الخُوار: من أصوات البقر و الغنم و الظّباء و السِّهام.و قد خارَ يَخُور.

واستخار الرّجل: استَعطَفه.

قال كُراع: أصله: أن تُعرَك أُذنُ الجُؤْذر فتَسمَع أُمّه خُواره فتخرج فتُصاد، قال الكُمَيْت:

ولن يَستَخير رُسوم الدّيار

لعَوْلته ذو الصِّبا المُعْول

فعين: <استخرت> على هذا، واو.

وقد تقدمّ ذلك في الياء، لأ نّك إذا استَعطَفته ودعَوتَه فإنّك إنّما تطلب خيره.

وخارَ الرّجل خُؤُورً ا، و خَوِر خَوَرًا، و خَوّر: ضَعُف.

و رجل خائر، و خَوّار: ضعيف.

و كلّ ما ضَعُف، فقد خارَ.

و خوّره: نسبه إلى الخَوَر.

و الخَوّارة: الإست، لضعفها.

وسهم خَوّ ار، وخَؤُور: ضعيف.

والخُور، من النّساء: الكثيرات الرّيب، لفسادهنّ و ضعف أحلامهنّ. لا واحد له.

و ناقة خَوّ ارة: غزيرة اللّبن، و كذلك الشّاة،

و الجمع: خُور؛ على غير قياس.

و نخلة خَوّ ارة: غزيرة الحمل.

و فرَس خَوّ ار العِنان: سهل المَعْطِف.

و جمل خَوّار: رقيق حسن؛ والجمع: خَوّ ارات. و نظيره ما حكاه سيبَوَيه من قولهم: جمل سِبَحْلٌ و جمال سِبَحْلات، أي إنّه لايُجمع إلابالألف و التّاء.

و ناقة خَوّ ارة: سَبِطَة اللّحم هَشّة العظم.

و زَنْد خَوّ ار: قَدّ اح.

و الخَوْر: مَصَبّ الماء في البحر، و قيل: هو خليج من البحر.

و الخَوْر: المُطمئنّ من الأرض.

و الخَوْران: المَبْعَر الّذي يشتمل عليه حِتار الصُّلب من الإنسان و غيره، و قيل: رأس المَبْعَر. و قيل: الخَوْران: الّذي فيه الدُّ بُر.

و الجمع، من كلّ ذلك: خَوْرانات، و خَوارين.

و طعَنه فخارَه: أصاب خَوْرانه.

و الخُوار: اسم موضع.

[و استشهد بالشّعر 8 مرّ ات] (5: 292)

الرّاغِب: الخُوار مختصّ بالبقر، و قد يستعار للبعير.

و يقال: أرض خوّ ارة، و رُمح خوّ ار، أي فيهخَوَر. و الخَوْران: يقال لمجرى الرّوث، و صوت البهائم.

(161)

الزّمَخْشَريّ: له صوت كخُوار الثّور، و تخاورت الثّيران.

و قصَبة خَوّ ارة.

و سهم خَوّار: فيه رخاوة ،و قد خارَ يَخُور، و خَوِر يَخَْور. و فيه خَوَرٌ.

و من المجاز: رجل خَوّ ار: جبان، و فرَس خَوّ ار العِنان: ليّن العطف.

و أرض خَوّ ارة: سَهلَة، و ناقة و شاة خَوّ ارة: غزيرة سهلة الدَّ رّ.و نخلة خَوّ ارة: كثيرة الحمل.

ص: 140

و استخار الرّجل صاحبه: استَعطَفه فخار عليه. و أصله من أن يثغو الغزال أو الجُؤْذَر إلى أُمّه يستخيرها، أي يطلب خُوارها، ثمّ كثر حتىّ استُعمل في كلّ استعطاف واسترحام.

و خارَ عنّا البرد: سكن. [ و استشهد بالشّعر 3مرّ ات ] ( أساس البلاغة:122)

ابن الأثير: في حديث الزّكاة: <يحمل بعيرًا له رُغاء، أو بقرة لها خُوار>. الخُوار: صوت البقر.

و منه حديث مقتل أُبيّ بن خلَف <فخَرّ يَخُور كما يَخُور الثَّوْر>. (2: 87)

الفَيُّوميّ: خارَ يَخُور ضَعُف، فهو خَوّ ار.

و أرض خَوّ ارة: ليّنة سهلة، و رُمح خَوّ ار: ليس بصُلب. (1: 183)

الفيروزاباديّ: الخُوار بالضّمّ: من صوت البقر و الغنم و الظّباء و السّهام.

و الخَوْر: المُنخفِض من الأرض، و الخليج من البحر، و مصَبّ الماء في البحر، و موضع بأرض نجد، أو وادٍ وراء بِرْجِيل، و إصابة الخَوْران للمَبْعَر؛ يجتمع عليه حِتار الصُّلب، أو رأس المَبْعَرة، أو الّذي فيه

الدُّ بُر؛جمعه: الخَوْرانات، و الخَوَارين.

و الخُور، بالضّمّ: النّساء الكثيرات الرّيب لفسادهنّ، بلاواحد، و النّوق الغُزُر؛ جمع خَوّ ارة.

و بالتّحريك: الضّعف، كالخُؤُور و التّخوير.

و الخَوّ ار، ككتّان: الضّعيف، كالخائر، و من الزّناد: القَدّ اح،و من الجِمال: الرّقيق الحسَن؛ جمعه: خَوّ ارات، و رجل نسّابة.

و خَوّ ار العِنان: سهل المَعْطِف، كثير الجَري.

و الخَوّ ارة: الإست، و النّخلة الغزيرة الحمل.

و استخاره: استَعطَفه، و الضّبُع: جعل خشبة في ثقب بيتها حتىّ تخرج من مكان آخر. و المنزل: استنظفه.

و أخارَه: صرَفه و عطَفه.

و نَحَرْنا خُورَة إبلِنا بالضّمّ، أي خِيَرتها.

(2: 25)

الآلوسيّ: خُوار هو صوت البقر خاصّة، كالثّغاء للغنم، و اليعار للمعز، و النّبيب للتّيس، و النّباح للكلب، و الزّئير للأسد، و العَواء و الوَعْوَعة للذّئب، و الضّباح للثّعلب، و القباع للخنزير، و المؤاء للهرّة، و النّهيق و السّحيل للحمار،و الصّهيل و الضّبح و القنع و الحمحمة للفرس، و الرّغاء للنّاقة، و الصّني للفيل، و البتغم للظّبي، و الضّعيب للإرنب، و العرار للظّليم، و الصّرصرة للبازي، و العقعقة للصّقر، و الصّفير للنّسر، و الهدير للحمام، و السّجع للقُمري، و السّقسقة للعصفور، و النّعيق والنّعيب للغراب، و الصّقاء و الزّقاء للدّيك، و القوقاء و النّقيقة للدّجاجة، و الفحيح للحيّة، و النّقيق للضّفدع، و الصّبيء للعقرب و الفأرة، و الصّرير للجراد،إلى غير ذلك. (9: 63)

مَجْمَعُ اللُّغة: خارَ الثّور يَخُور خُوارًا: صاح.

(1:366)

محمّد إسماعيل إبراهيم: خارَت البقرة خُوارً ا: صاحت. و الخُوار: صوت البقرة أو الغنم أو الظِّباء أو السّهام. (1: 176)

ص: 141

المُصْطَفَويّ: ظهر أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الانخفاض من ارتفاع والتّسفّل في عُلُوّ. و بمناسبة هذا المعنى تُستعمل في موارد الضّعف والانكسار، و التّعاطف، والصّوت الخفيّ، و الأرض اللّينة و السّهلة، و في مجرى الغائط، و في خليج البحر، بشرط أن يكون قيود الأصل ملحوظًا فيها.

و بهذا القيد يظهر الفرق بين هذه المادّة و بين الموادّ المذكورة إذا أُطلقت من دون القيد.[ثمّ ذكر الآيتين{عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَ ارٌ}الأعراف: 148، و طه: 88.]

و لايبعد أن يكون الأصل الأوّ ليّ في المادّة: هو الصّوت المنخفض من البقر وضعًا، أو بمناسبة جوهر الصّوت، ليكون من قبيل أسماء الأصوات، ثمّ اشتُقّت منها المشتقات، ثمّ استُعملت في مفاهيم قريبة منه.

و على أيّ حال فيراد من الكلمة في الآيتين: الصّوت المنخفض المخصوص. و الظّاهر أن يكون المراد هو هذا المعنى، لاالصّوت المرتفع كالصّياح.

و يمكن أن يقال: إنّ صوت البقر من حيث هو بالنّسبة إلى كِبَر جثّته و عِظَم بدنه، وبالقياس إلى سائر الحيوانات كالحمار و الفرس منخفض، و ضعيف.

(3: 141)

النُّصوص التّفسيريّة

خُوَارٌ

وَ اتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلا جَسَدً ا لَهُ خُوَارٌ... الأعراف: 148

ابن عبّاس: صوت صاغ لهم السّامريّ. (138)

أبوعُبَيْدَة: أي صوت كخوار البقر إذا خارَ، و هو يَخُور. (1: 228)

الطّبَريّ: و الخُوار: صوت البقر. يُخبر جلّ ذكره عنهم أنّهم ضلّوا بما لا يضلّ بمثله أهل العقل؛ و ذلك أنّ الرّبّ جلّ جلاله الّذي له ملك السّماوات و الأرض، و مدبّر ذلك، لايجوز أن يكون جسدًا له خُوار، لايكلّم أحدًا و لايرشد [إلا] إلى خير. و قال هؤلاء الّذين قص الله قصَصَهم لذلك: هذا إلهنا و إله موسى، فعكفوا عليه يعبدونه، جهلا منهم، و ذهابًا عن الله و ضلالا .

(6: 63)

الزّجّاج: أي له صوت. و قيل: له جُؤار بالحاء و الجيم وكلاهما من الصّوت، و كان قد عمله، كما تُعمل هذه الآلات الّتي تُصوّت بالخيل، فجعله في بيت و أعلمهم أنّ إلههم و إله موسى عنده. و يقال في التّفسير: إنّه سمع صوته مرّة واحدة فقط. (2: 377)

الطُّوسيّ: و الخُوار: صوت الثّور، و هو صوت غليظ كالجُؤار، و بناء <فُعَال> يدلّ على الآفة، نحو الصُّراخ، و العُوار والسُّكات و العُطاش و النُّباح.

و في كيفيّة خُوار العِجْل مع أنّه مصوغ من الذّهب خلاف، فقال الحسَن: قبض السّامريّ قبضة من تراب من أثر فرس جبرائيل (علیه السلام) يوم قطع البحر، فقذف ذلك التّراب في فم العِجْل، فتحوّل لحمًا و دمًا، و كان ذلك معتادًا غير خارق للعادة، و جاز أن يفعل الله لمجرى العادة.

و قال الجُبّائيّ و البلخيّ: إنّما احتال بإدخال

ص: 142

الرّيح فيه حتىّ سمع له كالخُوار، كما قد يحتال قوم اليوم كذلك. (4: 578)

نحوه الطَّبْرِسيّ. (2: 480)

البغَويّ: و هو صوت البقر، و هذا قول ابن عبّاس و الحسَن و قَتادَة و جماعة أهل التّفسير. و قيل: كان جسَدًا مجسّدًا من ذهب لاروح فيه، كان يُسمع منه صوت. و قيل: كان يُسمَع صوت هفيف الرّيح يدخل في جوفه و يخرج؛ والأوّل أصحّ.

و قيل:إنّه ما خارَ إلامرّة واحدة.

و قيل: إنّه كان يَخُور كثيرًا، فكلّما خار سجدوا له، فإذا سكت رفعوا رؤوسهم. و قال وَهْب: كان يُسمَع منه الخُوار و هو لايتحرّك. (2: 235)

نحوه الخازن. (2: 238)

الزّمَخْشَريّ: و الخُوار: صوت البقر... و قرأ عليّ رضي الله عنه: (جُؤار) بالجيم و الهمزة، من جأر إذا صاح. (2: 118)

الفَخْرالرّازيّ: قيل: إنّ بني إسرائيل كان لهم عيد يتزيّنون فيه، و يستعيرون من القِبْط الحُليّ، فاستعاروا حُليّ القبط لذلك اليوم، فلمّا أغرق الله القبط بقيت تلك الحُليّ في أيدي بني إسرائيل، فجمع السّامريّ تلك الحُليّ و كان رجلا مطاعًا فيهم ذا قدر و كانوا قد سألوا موسى (علیه السلام) أن يجعل لهم إلهًا يعبدونه، فصاغ السّامريّ عِجْلا .

ثمّ اختلف النّاس، فقال قوم: كان قد أخذ كفًّا من تراب حافر فرس جبريل (علیه السلام) فألقاه في جوف ذلك العِجْل، فانقلب لحمًا و دمًا، و ظهر منه الخُوار مرّة واحدة، فقال السّامريّ: هذا إلهكم و إله موسى.

و قال أكثر المفسّرين من المعتزلة: إنّه كان قد جعل ذلك العِجْل مُجَوّفًا، و وضع في جوفه أنابيبعلى شكل مخصوص، و كان قد وضع ذلك التّمثال على مهبّ الرّياح، فكانت الرّيح تدخل في جوف الأنابيب و يظهر منه صوت مخصوص يُشبه خُوار العِجْل.

و قال آخرون: إنّه جعل ذلك التّمثال أجوف، و جعل تحته في الموضع الّذي نصب فيه العِجْل من ينفخ فيه، من حيث لايشعر به النّاس، فسمعوا الصّوت من جوفه كالخُوار.

قال صاحب هذا القول: و النّاس قد يفعلون الآن في هذه التّصاوير الّتي يجرون فيها الماء، على سبيل الفوّارات ما يشبه ذلك، فبهذا الطّريق و غيره أظهر الصّوت من ذلك التّمثال، ثمّ ألقى إلى النّاس أنّ هذا العِجْل إلههم و إله موسى.

بقي في لفظ الآية سؤالات: [إلى أن قال:]

السّؤال الرّابع: هل انقلب ذلك التّمثال لحمًا و دمًا على ما قاله بعضهم أو بقي ذهبًا، كما كان قبل ذلك؟

والجواب: الذّاهبون إلى الاحتمال الأوّل احتجّوا على صحّة قولهم بوجهين:

الأوّل: قوله تعالى:{عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ}، و الجسد اسم للجسم الّذي يكون من اللّحم و الدّم. و منهم من نازع في ذلك و قال: بل الجسد اسم لكلّ جسم كثيف، سواء كان من اللّحم و الدّم، أو لم يكن كذلك.

ص: 143

و الحجّة الثّانية: أنّه تعالى أثبت له خوارً ا؛ و ذلك إنّما يتأتّى في الحيوان.

و أُجيب عنه: بأنّ ذلك الصّوت لمّا أُشبه الخُوار،

لم يبعد إطلاق لفظ الخُوار عليه. و قرأ عليّ رضي الله عنه (جُؤار) بالجيم و الهمزة، من جأر إذا صاح. فهذا ما قيل في هذا الباب. (15: 5)

نحوه النَّيسابوريّ (9: 49)، و البُرُوسَويّ (3: 242).

القُرطُبيّ: {لَهُ خُوَارٌ} رفع بالابتداء. يقال: خارَ يَخُور خُوارً ا، إذا صاح. و كذلك جأر يجأر جُؤارًا.

و يقال: خَوِر يَخوَر خَوَرً ا، إذا جبن و ضعف.

(7: 284)

الآلوسيّ: و{خُوَارٌ} مبتدأ، و الجملة في موضع النّعت ل {عِجْلا }.

روي أنّ السّامريّ لمّا صاغ العِجْل ألقى في فمه من تراب أثر فرس جبريل (علیه السلام) فصار حيًّا. و ذكر بعضهم في سرّ ذلك أنّ جبريل (علیه السلام) لكونه الرّوح الأعظم، سرت قوّة منه إلى ذلك التّراب، أثّرت ذلك الأثر بإذن الله تعالى لأمر يريده عزّ و جلّ. و لايلزم من ذلك أن يحيا مايطؤه بنفسه (علیه السلام)، لأنّ الأمر مربوط بالإذن، و هو إنّما يكون بحسب الحِكَم الّتي لايعلمها إلاالحكيم الخبير، فتدبّر.

و إلى القول بالحياة ذهب كثير من المفسّرين،

و أُيّد بأنّ الخُوار إنّما يكون للبقر لالصورته، و بأنّ ما سيأتي إن شاء الله تعالى في سورة: طه، كالصّريح فيما دلّ عليه الخبر.

و قال جمع من مفسّري المعتزلة: إنّ العِجْلكان بلاروح، و كان السّامريّ قد صاغه مُجَوّفًا، و وضع في جوفه أنابيب على شكل مخصوص، و جعله في مهبّ الرّيح، فكانت تدخل في تلك الأنابيب، فيُسمَع لها صوت يُشبه خُوار العِجْل، و لذلك سمّي خُوارً ا. و ما في: طه، سيأتي إن شاء تعالى الكلام فيه.

و اختُلف في هذا الخُوار، فقيل: كان مرّة واحدة، و قيل: كان مرّ ات كثيرة ، و كانوا كلّما خار سجدوا له، و إذا سكت رفعوا رؤوسهم.

(9: 64)

ابن عاشور: {لَهُ خُوَارٌ}، فلو كان لحمًا و دمًا لكان ذكره أدخل في التّعجيب منه.

و الخُوار بالخاء المعجمة: صوت البقر، و قد جعل صانع العِجْل في باطنه تجويفًا على تقدير من الضّيق مخصوص، و اتّخذ له آلة نافخة خفيّة، فإذا حُرّكت آلة النّفخ انضغط الهواء في باطنه، و خرج من المضيق، فكان له صوت كالخُوار. و هذه صنعة كصنعة الصّفّارة و المزمار، وكان الكنعانيّون يجعلون مثل ذلك لصنعهما المسمّى بَعْلا . (8:292)

الطَّباطَبائيّ: و الخُوار صوت البقرة خاصّة، و في قوله تعالى: {جَسَدً ا لَهُ خُوَارٌ } وهو بيان للعِجْل دلالة على أنّه كان غير ذي حياة، و إنّما وجدوا عنده خُوارًا كخُوار البقر. (8: 248)

مكارم الشّيرازيّ: و الخُوار هو الصّوت الخاصّ الّذي يصدر من البقر أو العِجْل. و قد ذهب بعض المفسّرين إلى أنّ السّامريّ بسبب ما كان عنده من معلومات، وضع أنابيب خاصّة في باطن صدر

ص: 144

العِجْل الذّهبيّ، كان يخرج منها هواء مضغوط، فيصدر صوت من فم ذلك العِجْل الذّهبيّ شبيه بصوت البقر.

و يقول آخرون: كان العِجْل قد وُضع في مسير الرّيح؛ بحيث كان يُسمع منه صوتٌ على أثر مرور الرّيح، على فمه الّذي كان مصنوعًا بِهيئة هندسيّة خاصّة.

أمّا ما ذهب إليه جماعة من المفسّرين من أنّ السّامريّ أخذ شيئًا من تراب من موضع قدم جبرئيل، و صبّه في العِجْل فصار كائنًا حيًّا، و أخذ يَخُور خُوارًا طبيعيًّا فلاشاهد عليه في آيات القرآن الكريم.

(5: 205)

2 {فَاَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هذَا اِلهُكُمْ’ وَ اِلهُ مُوسى فَنَسِىَ} طه: 88

بمعنى ماقبلها.

الأُصول اللُّغويّة

1 الأصل في هذه المادّة: الخُوار: صوت الثّور، و الخَوَر: الضّعف. فمن الأوّل قولهم: خارَ الثّور يَخُور خُوارً ا، و خَوّ ار الصّفا: الّذي له صوت من صلابته التّشبيه.

و الاستخارة: الاستعطاف، و استخار الرّجل: استَعطَفه، و هو من الخُوار، و أصله: أنّ الصّائديأتي ولد الظّبية في كناسه، فيعرك أُذنه فيخور، أي يصيح، يستعطف بذلك أُمّه كي يصيدها.

و من الثّاني قولهم: خارَ الرّجل و الحَرّ يَخُور خُؤُورً ا، و خَوِر خَوَرًا و خَوّر، أي ضعف و انكسر، فهو خائر، و الخَوّ ار: الضّعيف الّذي لابقاء له على الشّدّة، و رجل خَؤُور و قوم خَوَرة وخَوّ ارون، و خَوّره: نسَبه إلى الخَوَر. و من المجاز: خارَ البرد يَخُور خُؤُورًا: فتَر و سكن.

و رُمح خَوّ ار: ضعيف، و كذلك سهم خَوّ ار و خَؤُور، و بعير خَوّ ار: رقيق حسَن، و فرَس خَوّ ار: ليّن العطف؛ و الجمع: خُور.

و الخَوّ ارة: الإست لضعفها، و أرض خَوّ ارة: ليّنة سهلة، و بكرة خَوّ ارة: سهلة جري المحور في القَعْو، و ناقة خَوّ ارة: سَبِطة اللّحم هَشّة العظم؛ و الجمع: خُور.

و الخَوْران: الدُّ بُر، و مجرى الرّوث، لضعف فقحتها؛ و الجمع: خَوْرانات و خَوارين. يقال: طعَنه فخارَه خَوْرً ا، أي أصاب خَوْرانه، و هو الهواء الّذي فيه الدُّ بُر من الرّجل، و القُبُل من المرأة.

و الخُور: الإبل الحُمر إلى الغبرة، رقيقات الجلود طوال الأوبار، لها شعر ينفذ، و وَ بَرها أطول من سائر الوَ بَر. و الخُور من النّساء: الكثيرات الرّيب، لفسادهنّ و ضعف أحلامهنّ، لاواحد له من لفظه.

و الخَوْر: المنخفض المطمئنّ من الأرض بين النّشزين، و مصَبّ المياه الجارية في البحر؛ و الجمع: خُؤُور.

و ناقة خَوّ ارة: غزيرة اللّبن، و كذلك الشّاة، لأ نّها ضيّقة الإحليل؛ إذ كانت الشّدّة قد زايلتها، كما قال ابن فارِس. و نخلة خَوّ ارة: غزيرة الحمل، على

ص: 145

التّشبيه، و زَ نْد خَوّ ار: قَدّ اح.

2 و تسمّي العامّة دوّ ارة الماء الخَوْرة، لأ نّها تُصدر صوتًا كخُوار الثّور، و فصيحها الدّوّ امة و الدّرْدُور، و هو موضع في وسط البحر يجيش ماؤه، لاتكاد تسلم منه السّفينة.

3 و جاء في محيط المحيط: <الخُوري، بتخفيف الياء: كاهن النّصارى الّذي يخدم القرية و قد يعمّ يونانيّة، معناها مدير القرية؛ و الجمع: خَوارنة>.

وممّن تلقّب به في لبنان الشّاعران: بشّارة الخُوري، الملقّب بالأخطل الصّغير، و رشيد سليم الخُوري، الملقّب بالشّاعر القرويّ.

الاستعمال القرآنيّ

جاء منها اسم الصّوت: (خُوَارٌ) مرّتين في آيتين:

1 {وَ اتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ} الأعراف : 148

2 {فَاَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هذَا اِلهُكُمْ’ وَاِلهُ مُوسى فَنَسِىَ} طه : 88

يلاحظ: أوّ لا : أنّ {عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ} جاء مرّتين، في سورتين مكّيّتين بهذهالصّفات الثّلاث، و فيه بُحُوثٌ:

1 أنّ الخُوار اسم لصوت البقر، و اقترانه هنا بالعِجْل دليل على أ نّه {خُوَارٌ} حقًّا، و إليه ذهب أغلب المفسّرين. و ذهب بعضهم إلى أنّه صوت كالخُوار، يحدث من أثر الرّيح في جوف العجل: إمّا بوضع الجسد في مهبّ الرّيح، فتدخل في أنابيب وضعها السّامريّ في جوفه، فينبعث منها صوت يُشبه الخُوار؛ و إمّا بالنّفخ في جوفه دون أن يشعر بذلك النّاس، فيخرج منه صوت كالخوار.

و القول الأوّ ل يناسب السّياق، و ظاهر اللّفظ دون تخريج أو تقدير، و الثّاني يفرض تقدير كاف التّشبيه أو ما يضارعه في{خُوَارٌ} أي كخُوار، أو مثل خُوار، و تناسبه قراءة من قرأ(عِجْلا لَهُ جُؤار)، لأ نّه صوت يكون للبقر و غيره، لاحظ: ج أ ر: <تجأرُوا>.

2 أصرّ بعض المتقدّمين من المعتزلة و بعض المتأخّرين على سلب تأثير قدَم جبرئيل 7 في التّراب الّذي وَطِئه، فراحوا يخرّجون و يتمحّلون دون شاهد لهم في ذلك أو خبر، و الله تعالى يحكي قول السّامريّ:{فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ اَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا} طه : 96، و كان من أثرذلك خُوار العِجْل.

و نقل الآلوسيّ عن بعض المفسّرين في سرّ ذلك: <أنّ جبريل 7 لكونه الرّوح الأعظم سرت قوّة منه إلى ذلك التّراب، أثّرت ذلك الأثر بإذن الله تعالى، لأمر يريده عزّ و جلّ. و لايلزم من ذلك أن يحيا ما يطؤه بنفسه 7، لأنّ الأمر مربوط بالإذن، و هو إنّما يكون بحسب الحِكَم الّتي لايعلمها إلا الحكيم الخبير، فتدبّر>.

3 إن قيل: أفلاقال: عِجْلا جسَدًا يَخُور، فيُجمل في الكلام؟

يقال: نعم، و لكنّه إجمال مخلّ بالمعنى، لأنّ جملة {لَهُ خُوَارٌ} صفة للّفظ {عِجْلا }، و هو المراد هنا في بيان صفة العِجْل، و أمّا على تقدير <يَخُور> فلايناسبه،

ص: 146

لأ نّه يفرض تقديره حالا ، و الصّفة أنسب من الحال هنا.

و ثانيًا: جاء {خُوَارٌ} في جملة مكرّرة:{عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ} في آيتين مكّيّتين من قصص بني إسرائيل، و الأصل في القصص كما سبق مرارًا كونها مكّيّة.

و ثالثًا: لم يرد من أسماء الأصوات في القرآن إلا

< الخُوار> غيرأنّه أُشير إلى النّهيق دون التّصريح به، في قوله:{اِنَّ اَنْكَرَ الاَصْوَ اتِ لَصَوْتُ الْحَميرِ‘} لقمان : 19.

ص: 147

ص: 148

خ و ض

اشارة

8 ألفاظ،12 مرّة: 7 مكّيّة، 5 مدنيّة

في 7 سور: 5 مكّيّة، 2 مدنيّة

خاضُوا 1: 1 نَخُوض 2: 1 1

خُضتُم 1: 1 الخائضين 1: 1

يَخُوضُون 1: 1 خَوْض 1: 1

يَخوضُوا 4: 3 1 خَوْضِهم 1: 1

النُّصوص اللُّغويّة

الخَليل: خُضْتُ الماء خَوْضًا و خِياضًا، و اختَضتُ، و خَوّضتُ تخويضًا، أي مشيت فيه.

و الخَوْض: اللَّبس في الأمر.

و الخَوْض من الكلام: ما فيه الكَذِب و الباطل.

و المِخْوَض: الِمجْدَح الّذي تخوض به السّويق.

(4: 282)

أبوعمرو الشّيبانيّ: الخَوْضَة: خَوضَة القُرط، تُؤَمَتُه. (1: 222)

ابن السِّكّيت: و يقال للمرعى إذا كثُر عُشْبُه و التفّ: قد اختاض اختياضًا. [ثمّ استشهد بشعر]

(الأزهَريّ 7: 468)

المُبَرِّد: إنّ النّاقة إذا لقِحَت قيل لها: خَلِفَة،

و للجميع: المخاض. و هذا جمع على غير واحده، إنّما هو بمنزلة امرأة و نساء، ثمّ جُمع الجمع: مخائض.

(1: 61)

ابن دُرُيْد: خُضْتُ الماء و غيره أخُوضه خَوْضًا، وخُضْتُ له سويقًا و غيره من الشّراب، إذاأوخَضتَه بالماء، أي ضربته بالماء حتىّ يختلط.

و المِخوَض: كلّ شيء خوّضت به السّويق حتّى يختلط.

ص: 149

و خاض القوم في الحديث و تخاوضُوا فيه خَوْضًا و مُخاوضَةً، إذا تفاوضوا. (2: 230)

و الخَوْض: مصدر: خُضْتُ الماء أخُوضه خَوْضًا.

(3: 238)

الأزهَريّ: [نقل قول الخَليل و أضاف:]

و قال غيره:<خُضْتُه بالسّيف أخُوضُه خَوْضًا>،

و ذلك إذا وضَعتَ السّيف في أسفل بطنه، ثمّ رفعتَه إلى فوق.

و اختاضَه بالسّهم: كذلك.

و أخاض القوم خَيلَهُم الماء إخاضةً، إذا خاضُوا بها الماء.

و الخِياض: أن تُدخِل قِدْحًا مُستعارًا بين قِداح المَيسِر تتَيَمّن به.

يقال: خُضْتُ به في القِداح خِياضًا، و خاوَضتُ القِداح. خِواضًا.

و يقال لذلك المكان من الوادي: مَخاض؛ و جمعه: مَخائض، إذا كان يُخاض لرقّته و قلّته.

و في النّوادر: <سيف خَيّضٌ> إذا كان مخلوطًا من حديد أنيثٍ، و حديد ذَكيرٍ.

و المَخاض من النّهر الكبير: الموضع الّذي يتَضَحْضَح ماؤه، فيُخاض عند العبور عليه.و يقال له: المَخاضَة بالهاء أيضًا. [و استشهد بالشّعرمرّتين]

(7: 467)

الصّاحِب: خُضْتُ الماء خَوْضًا و خِياضًا، أي مشَيتُ فيه، و اختاض اختياضًا، و خَوّض تخويضًا.

و الخَوْض: اللَّبس في الأمر. و هو من الكلام: ما فيه كَذِب و باطل. و المِخوَض: مِجْدَح يُخَوّض به السّويق. (4: 377)

الجَوهَريّ: خُضْتُ الماء أخُوضُه خَوْضًا و خِياضًا، و الموضع: مَخاضَة، و هو ما جاز النّاس فيها مُشاةً و ركبانًا. و جمعها: المَخاض، و المَخاوِض أيضًا.

و أخَضْتُ في الماء دابّتي. و أخاض القوم، أي خاضت خيلهم الماء.

و خُضتُ الغمرات: اقتَحَمتُها.

و يقال: خاضَه بالسّيف، أي حرّك سيفه في المضروب. و خَوّض في نجيعه؛ شُدّد للمبالغة.

و المِخوَض للشّراب كالمِجْدَح للسّويق. يقال: خُضتُ الشّراب.

و خاضَ القوم في الحديث و تخاوضُوا، أي تفاوضوا فيه. (3: 1075)

ابن فارِس: الخاء و الواو و الضّاد أصل واحد، يدلّ على توسّط شيء و دخول. يقال خُضتُ الماء و غيره، و تخاوضُوا في الحديث و الأمر، أي تفاوضُوا و تداخل كلامهم. (2: 228)

الثّعالبيّ: الّذي تُحرّك به الأشربة: مِخْوَض.(194)

إذا مُخِض [اللّبن] و استُخرجت منه الزُّبدة، فهو المخيض. (270)

ابن سيده: خاضَ الماء يَخُوضه خَوْضًا، و خِياضًا و اختاضَه، و تخوّضه: مشى فيه.

و أخاض فيه غيره.

و خاض الشّراب في المِجْدَح، و خوّضه: خلَطه و

ص: 150

حرّكه.

و المِخوَض: ما خُوّض فيه.

و الخَوْض: اللَّبس في الأمر.

و الخَوْض من الكلام: ما فيه الكَذِب، و قد خاض فيه، و في التّنزيل: {وَ اِذَا رَاَيْتَ الَّذينَ‘ يَخُوضُونَ فى ايَاتِنَا} الأنعام: 68.

و خاوَضَه في البيع: عارضه. هذه رواية عن ابن الأعرابيّ؛ و رواية أبي عُبَيْد، عن أبي عمرو. بالصّاد. و خَوْضُ الثّعلب: موضع باليمامة، حكاه ثَعْلَب. [و استشهد بالشّعر مرّتين] (5: 278)

الرّاغِب: الخَوْض: هو الشّروع في الماء و المرور فيه، و يُستعار في الأُمور. و أكثر ما ورد في القرآن ورد فيما يُذمّ الشّروع فيه، نحو قوله تعالى: {وَ لَئِنْ سَاَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ اِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَ نَلْعَبُ} التّوبة:65، و قوله: {وَ خُضْتُمْ كَالَّذى‘ خَاضُوا} التّوبة:69، {ذَرْهُمْ فى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} الأنعام:91، {وَ اِذَا رَاَيْتَ الَّذينَ‘ يَخُوضُونَ فى ايَاتِنَا فَاَعْرِضْ عَنْهُمْ حتى| يَخُوضُوا فى حَديثٍ غَيْرِهِ} الأنعام: 68.

و تقول: أخَضْتُ دابّتي في الماء.

و تخاوضُوا في الحديث: تفاوضُوا. (161)

الزّمَخْشَريّ: خاضَ الماء خَوْضًا و خِياضًا و خَوْضَةً. و اقتحم المَخاضَة. و أخَضتُه دابّتي و أخاضوا الماء، إذا خاضوه بدوابّهم، و خاوَضتُه في الماء.

و خُضتُ السّويق بالمِخوَض: جدَحتُه و خوّضته.

و من المجاز: خاضُوا في الحديث و تخاوضُوا فيه. و هو يَخُوض مع الخائضين، أي يُبطل مع المبطلين{هُمْ فى خَوْضٍ يَلْعَبُونَ} الطّور: 12.

و خُضتُه بالسّيف، إذا وضَعتُه في أسفل بطنه، ثمّ رفَعتُه إلى فوق.

و خُضتُ بقِدْحي في القِداح: ألقَيتُه فيها.

و خاوَضَه في البيع: عارضَه.

و خاوضُوا السّرى.[ثمّ استشهد بشعر]

و خاضَ إليه الرّماح حتّى أخذه.

و خاضَ البرق الظّلام.

و خاضَت الإبل لُجّ السّراب.

(أساس البلاغة: 122)

المَدينيّ: في الحديث: <رُبّ مُتخَوّض في مال الله تعالى>.أصل الخَوْض: المشي في الماء و تحريكه، ثمّ يستعمل في التّلبّس بالأمر و التّصرّففيه، و التّخوّض <تفعّل> منه، أي رُبّ متصرّف فيه بما لايرضاه الله عزّ و جلّ. (1: 626)

ابن الأثير: [نقل قول المَدينيّ و أدام:]

و قيل: هو التّخليط في تحصيله من غير وجهه كيف أمكن.

و في حديث آخر: <يتخَوّضون في مال الله>.

(1: 88)

الفَيُّوميّ: خاضَ الرّجل الماء يَخُوضه خَوْضًا: مشى فيه. و المَخاضَة بفتح الميم: موضع الخَوْض، و الجمع: مخاضات.

و خاضَ في الأمر: دخل فيه، و خاضَ في الباطل كذلك.

و أخاض الماء بالألف: قَبِل أن يُخاض، و هو لازم

ص: 151

على عكس المتعارف، فإنّه من النّوادر الّتي لزم رباعيّها و تعدّى ثلاثيّها.

و مَخُوض بفتح الميم: اسم مفعول من الثّلاثيّ، و مُخِيض بضمّها اسم فاعل من الرّباعيّ اللازم. (184)

الفيروز اباديّ: خاضَ الماء يَخُوضه خَوْضًا و خِياضًا: دخله، كخَوّضه و اختاضَه، و بالفرَس: أورده، كأخاضَه و خاوَضَه، و الشّراب: خلَطَه، و الغمراتِ: اقتَحَمَها، و بالسّيف: حرّكه في المضروب.

و المَخاضَة: ما جاز النّاس فيه مُشاة و رُكبانًا؛ جمعه: مَخاض و مَخاوِض.

{وَ كُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضينَ‘} المدّثّر: 45، أي في الباطل، و نتبع الغاوين.

و {وَخُضْتُمْ كَالَّذى ‘خَاضُوا} التّوبة:69، أي كخوضهم.

و المِخْوَض، كمنبر، للشّراب: كالمِجْدَح للسّويق.

و الخَوْض: وادٍ بشِقّ عُمان. و خَوْض الثّعلب: موضع وراء هَجَر.

و الخَوْضَة: اللّؤلؤة.

و سيف خيِّض، ككيّس: من حديد أنيثٍ و حديدٍ ذَكَرٍ.

و تخوّض: تكلّف الخوض.

و تخاوضُوا في الحديث: تفاوضُوا. (2: 342)

الطُّرَيحيّ: في حديث الوضوء: <يَخُوض الرّجل برِجْلَيه الماء خَوْضًا>، أي يُدخلهما في الماء ماشيًا. يقال: خُضتُ الماء أخُوضُه خَوْضًا و خِياضًا: مشَيتُ فيه.

و منه المَخاضَة بالفتح، و هو موضع خوض الماء و ما جاز النّاس فيها مُشاةً و رُكبانًا؛ و جمعها: المخاض، و المخاوض أيضًا. و خُضتُ الغمرات، اقتَحَمتُها.

(4: 204)

مَجْمَعُ اللُّغة: خاضَ في الماء يَخُوض خَوْضًا: مشى فيه و خاضُوا في الحديث: تفاوضُوا فيه.

و من المجاز فلان يُخُوض في الكلام، إذا تكلّم فيه على غير هدى ، فهو خائض و هم خائضون.و ما جاء في القرآن من هذه المادّة عدا آيتين هو من المجاز المراد به: التّكلّم على غير هدى. (1: 366)

نحوه محمّد إسماعيل إبراهيم. (1: 176)

المُصْطَفَويّ: الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الانغماس في شيء فيه فساد، و يعبّر عنه بالفارسيّة:بكلمة فرو رفتن .و الشّرّ و الفساد من لوازم مفهوم الخوض، و هذا المعنى مرتبة شديدة بعد الورود و الدّخول، و الغمس مخصوص بالماء.

و هذه المادّة قريبة لفظًا و معنى من موادّ الغَوْر

و الغَوْض و الغَيْب و الغَوْص و الغَوْط و الغَمْس. و في الغَوْر يلاحظ نفس الانغماس من دون نسبة إلى مؤثّر و موجب كالغيبة، و هذا بخلاف الخَوْض و الغَوْص.

و الغيبة في مقابل الحضور. و الغَوْص أعمّ من أن يكون الورود في خير أو فساد. يقال: غاص في الماء، و على المعاني: { وَ لَئِنْ سَاَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ اِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَ نَلْعَبُ } التّوبة:65، { وَخُضْتُمْ كَالَّذي ‘خَاضُوا} التّوبة:69، واردة في خصوص المنافقين، أي كقوم خاضوا {وَ كُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضينَ‘} المدّثّر: 45،

ص: 152

راجعة إلى أصحاب العصيان، {وَ اِذَا رَاَيْتَ الَّذينَ‘ يَخُوضُونَ فى ايَاتِنَا فَاَعْرِضْ عَنْهُمْ} الأنعام: 68، {فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّ بينَ‘* اَلَّذينَ‘ هُمْ فى خَوْضٍ يَلْعَبُونَ} الطّور: 11،12، فالخَوْض في جميع هذه الموارد: عبارة عن الدّخول في الشّرّ، و الغَوْص فيما يوجب الضّرّ و الفساد، و الاشتغال بما ينتج الحيرة و الضّلال و الهلاك.

و لايخفى أنّ الخوض و اللّعب أعظما سببين للضّلال و الانحراف و الهلاك و المحروميّة، عن السّعادة الأبديّة و الهداية الرّوحانيّة، فإنّ الإنسان إذا خاض فيما يشغله عن السّير إلى الله و التّوجّه إلى لقائه، و استغرق في التّمايلات النّفسانيّة، و انغمس في ظلمات الحياة الدّنيّوية الماديّة، ثمّ جعل برنامج أُموره لعِبًا لاجدّ في سيره و لا استهداف و لاغرض صحيحًا، فهو من الأخسرين الضّالّين. فإذا كان الخائض في الضّلال و الشّرّ و البطول: يضاف عليه قصد الهزء و اللّعب و التّلاهي، فهو ممّن لايُرتجى فيه خير و لاصلاح و لااهتداء.

و بهذا يظهر سرّ ذكر مادّة الخوض مجرّدًا أو منضمًّا إلى اللّعب.

و أمّا الخَوْض في الآيات و في الحديث: معناه الخوض و الانغماس في خصوص الآيات و الحديث. و لايقال: خاض القرآن و خاض الدّين، فإنّهما مطلوبان لا شرّ فيهما، و يقال: خاض في القرآن، أي خاض الباطل و الشّرّ في القرآن. (3: 142)

النُّصوص التّفسيريّة

خَاضُوا خُضْتُمْ

وَ خُضْتُمْ كَالَّذى خَاضُوا. التّوبة: 69

ابن عبّاس: {وَ خُضْتُمْ} في الباطل{كَالَّذى‘ خَاضُوا}، و كذّبتم محمّد (صلی الله علیه و آله) في السّرّ كالّذين خاضوا و كذّبوا أنبياءه، يعني أنبياء الله. (161)

الفَرّاء: يريد: كخوضهم الّذي خاضوا. (1: 446)

الطّبَريّ: {وَخُضْتُمْ} في الكذب و الباطل على الله {كَالَّذى ‘خَاضُوا} و خُضتُم أنتم أيضًا، أيّها المنافقون، كخوض تلك الأُمم قبلكم. (6: 412)

الطُّوسيّ: خطاب للمنافقين بأن قيل لهم: خُضتُم في الباطل و الكذب على الله، كالّذين بايعوهم على ذلك من المنافقين و غيرهم من الكفّار.

(5: 297)

البغَويّ: {وَخُضْتُمْ} في الباطل و الكذب على الله تعالى و تكذيب رسله، و بالاستهزاء بالمؤمنين {كَالَّذى ‘خَاضُوا}، أي كما خاضوا. و قيل: {كَالَّذى‘} يعني كالّذين خاضوا، و ذلك أنّ <الّذي> اسم ناقص، مثل <ما> و <مَنْ> يُعبّر به عن الواحد و الجمع. (2: 368)

الزّمَخْشَريّ: الخَوْض: الدّخول في الباطل و اللّهو، {كَالَّذى ‘خَاضُوا}، كالفوج الّذي خاضوا، أو كالخوض الّذي خاضوه.فإن قلت: أيّ فائدة في قوله: { فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ}، و قوله: {كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذينَ‘ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ} مُغنٍ عنه، كما أغنى قوله: {كَالَّذى ‘خَاضُوا} عن أن يقال: و خاضوا فخُضتُم

ص: 153

كالّذي خاضوا؟

قلت: فائدته أن يذمّ الأوّلين بالاستمتاع بما أُوتوا من حظوظ الدّنيا و رضاهم بها، و التهائهم بشهواتهم الفانية عن النّظر في العاقبة، و طلب الفلاح في الآخرة، و أن يُخسّس أمر الاستمتاع، و يهجن أمر الرّ اضى به، ثمّ يُشبّه بعد ذلك حال المخاطبين بحالهم، كما تريد أن تُنبّه بعض الظّلمة على سماجة فعله، فتقول: أنت مثل فرعون، كان يقتل بغير جُرم و يعذّب و يعسف، و أنت تفعل مثل فعله. و أمّا {وَخُضْتُمْ كَالَّذى‘ خَاضُوا} فمعطوف على ما قبله مستند إليه، مستغن باستناده إليه عن تلك التّقدّمة. (2: 201)

نحوه البَيْضاويّ (1: 422)، و النّسَفيّ (2: 135)، و النَّيسابوريّ ( 10: 125 ) ، و الخازن ( 3: 98 ) ، و الشِّربينيّ ( 1 : 629 ) ، و أبوالسُّعود ( 3: 167 ). و القاسميّ ( 8 : 3198 ).

ابن عَطيّة: أي خلَطتُم كالّذي خلطوا و هو مستعار من الخوض في المائعات. و لايستعمل إلافي الباطل، لأنّ التّصرّف في الحقائق إنّما هو على ترتيب و نظام، و أُمور الباطل إنّما هي خوض، و منه قول النّبيّ (صلی الله علیه و آله): <رُبّ متخوّض في مال الله له النّار يوم القيامة>. (3: 57)

الطَّبْرِسيّ: و خُضتُم خَوْضًا مثل خوضهم. قال جامع العلوم النّحويّ البصير: كالّذي خاضوا، تقديره على قياس قول سيبَوَيه :كالّذي خاضوا فيه، فحذف <في>، فصار كالّذي خاضوه، ثمّ حذف الهاء. و هو على قول يونس و الأخفش:{الَّّذى‘} مصدريّ، و التّقدير:كالخوض الّذي خاضوا فيه. [إلى أن قال:]

أي و خُضتُم في الكفر و الاستهزاء بالمؤمنين، كما خاض الأوّلون. (3: 48)

ابن الجَوْزيّ: أي في الطّعن على الدّين و تكذيب نبيّكم كما خاضوا. (3: 467)

القُرطُبيّ: {وَ خُضْتُمْ} خروج من الغيبة إلى الخطاب. {كَالَّذى‘ خَاضُوا} أي كخوضهم، فالكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف، أي و خُضتُم خوضًا كالّذين خاضوا. و (الَّذى‘) اسم ناقص مثل <مَن>، يُعبّر به عن الواحد و الجمع، و قد مضى في <البقرة>. [إلى أن قال:]

فالمعنى: خُضتُم في أسباب الدّنيا باللّهو و اللّعب،

و قيل: في أمر محمّد (صلی الله علیه و آله) بالتّكذيب. (8: 201)

أبوحَيّان: هذا التفات من ضمير الغيبة إلى ضمير الخطاب. قال الفَرّاء: التّشبيه من جهة الفعل، أي فعلتم كأفعال الّذين من قبلكم، فتكون<الكاف> في موضع نصب.

و {خُضْتُمْ}: أي دخلتم في اللّهو و الباطل، و هو مستعار من الخوض في الماء، و لايستعمل إلافي الباطل، لأنّ التّصرّف في الحقّ إنّما هو على ترتيب و نظام، و أُمور الباطل إنّما هي خوض. و منه: <رُبّ متخوّض في مال الله له النّار يوم القيامة>. {كَالَّذى‘ خَاضُوا} : أي كالخوض الّذي خاضوا، قاله الفَرّاء. و قيل: كالخوض((1))

الّذين خاضوا. وقيل: النّون

ص: 154


1- (1) كذا و الصّحيح: كخوض الّذين خاضوا.

محذوفة، أي كالّذين خاضوا، أي كخوض الّذين. و قيل:{الَّذى‘} مع ما بعدها يسبك منهما مصدر، أي كخوضهم. (5: 68،69)

نحوه الآلوسيّ. (10: 134)

البُرُوسَويّ: أي دخلتم في الباطل و شرعتم فيه {كَالَّذى‘} أي كالفوج الّذي {خَاضُوا}. و يجوز أن يكون أصله <الّذين> حذفت النّون تخفيفًا. (3: 462)

رشيد رضا: أي و خُضتُم في حمأة الباطل كالخوض الّذي خاضوه من كلّ وجه، على ما بين حالكم و حالهم من الفرق، الّذي كان يقتضي أن تكونوا أهدى منهم.

و قال الفَرّ اء من علماء العربيّة: إنّ {الَّذى‘} تأتي مصدريّة ك<ما>، فيكون التّقدير: و خُضتُم كخوضهم. و قيل: إنّ { الَّذى ‘} هنا للجنس ك< من> و <ما> إنّه بمعنى <الّذين>. و لكن هذا ضعيف لفظًا و معنىً؛ إذ المراد أنّكم تخوضون كخوض مَن قبلكم، و هو الّذي يقتضيه العطف، لا كالّذين خاضوا مطلقًا من أيّ فريق كانوا. (10: 537)

طه الدُّرّة: [نقل الأقوال المتقدّمة ثمّ قال:]

و الصّواب أنّه [الَّذى‘] موصول اسميّ، مراد به الجمع، حذفت نونه تخفيفًا، و الدّليل على ذلكجمع الضّمير العائد عليه. (5: 408)

مكارم الشّيرازيّ: إنّ جملة {كَالَّذى‘ خَاضُوا} في الواقع بمعنى كالّذي خاضوا فيه، و بعبارة أُخرى، فإنّها تشبيه لفعل منافقي اليوم بفعل المنافقين السّابقين، كما شُبّهت الجملة السّابقة استفادة هؤلاء من النّعم و المواهب الإلهيّة في طريق الشّهوات كالسّابقين منهم. و على هذا فإنّ هذا التّشبيه ليس تشبيه شخص بشخص، لنضطرّ إلى أن نجعل (الَّذى‘) بمعنى <الّذين> أي المفرد بمعنى الجمع، بل هو تشبيه عمل بعمل. (6: 109)

يَخُوضُونَ يَخُوضُوا

1 وَ اِذَا رَاَ يْتَ الَّذينَ‘ يَخُوضُونَ فى ايَاتِنَا فَاَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتى| يَخُوضُوا فى حَديث غَيْرِهِ... الأنعام: 68

ابن عبّاس: يستهزؤن بك و بالقران{ فَاَعْرِضْ عَنْهُمْ} : فاترُك مجالسهم {حَتى| يَخُوضُوا فى حَديث غَيْرِهِ }: كي يكون خوضهم و حديثهم في غير القرآن و الاستهزاء بك. (112)

نحوه البغَوي (2: 133)، و الشِّربينيّ (1: 427).

سعيدبن جُبَيْر: { يَخُوضُونَ } يكذبون.

مثله الحسَن. (الطُّوسيّ 4: 178)

مُجاهِد: هم الّذين يستهزؤن بكتاب الله، نهاه الله أن يجلس معهم.

(النّحّاس2: 442)

السُّدّيّ: كان المشركون إذا جالسوا المؤمنين وقّعُوا في النّبيّ و القرآن، فسبّوه، و استهزأوا به، فأمرهم الله أن لايقعدوا معهم حتّى يخوضوا في حديث غيره.

(244)

مُقاتِل: {وَ اِذَا رَاَ يْتَ} يعني سمعت يا محمّد {الَّذينَ‘ يَخُوضُونَ فى ايَاتِنَا}يعني يستهزؤن بالقرآن، و قالوا مالايصلح، قال الله لنبيّه (صلی الله علیه و آله): {فَاَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتى| يَخُوضُوافى حَديث ‘غَيْرِهِ} يعني فقم عنهم،

ص: 155

لاتجالسهم حتّى يكون حديثهم في غيرأمرالله.

(1: 567)

الطّبَريّ: و إذا رأيت، يا محمّد، المشركين الّذين يخوضون في آياتنا الّتي أنزلناها إليك، و وَحْيُنا الّذي أوحيناه إليك، و خوضهم فيها، كان استهزاؤهم بها ، و سبّهم من أنزلها و تكلّم بها، و تكذيبهم بها، { فَاَعْرِضْ عَنْهُمْ}، يقول: فصدّ عنهم بوجهك، و قم عنهم، و لا تجلس معهم { حَتى| يَخُوضُوافىحَديثٍ‘ غَيْرِهِ} ، يقول: حتّى يأخذوا في حديث غير الاستهزاء بآيات الله، من حديثهم بينهم. (5: 225)

القُمّيّ: يعني الّذين يكذبون بالقرآن ويستهزؤن.

(1: 204)

عبد الجَبّار: ذكر تعالى بعده ما يدلّ على أنّه قد نهى عن النّظر و التّدبّر، فقال تعالى: {وَ اِذَا رَ اَيْتَ الَّذينَ‘ يَخُوضُونَ فى ايَاتِنَا فَاَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتى| يَخُوضُوا فى حَديثٍ‘غَيْرِهِ}.

و الجواب عن ذلك: أنّ ظاهر الكلام يقتضي أنّ الخوض في آياته يقتضي أن يُعرض لأجله، و هذا ممّا لايذهب إليه مسلم، لأ نّهم أجمع يقولون: إنّه يحسن أن تعرف و تتدبّر ! و إن كانت ممّا يُحفَظ أن تُحفَظ و يُعرَف معناها. فحمله على ماذكروه يوجب الخروج من جملة الآية، و إذا حُمل على خوض مخصوص فقد تُرك الظّاهر. و بعدفإنّ هذه الآية عقّبت ذمّهم بإعراضهم عن الآيات، و نسبهم إلى أنّهم اقترحوا سوى إنزاله من الآيات و القرآن ، و ذلك يوجب أنّهم خاضوا فيه لطلب الطّعن فيه و التّكذيب.

فلذلك أمره تعالى أن يُعرِض عنهم. و لايجوز أن يأمرهم بتدبّره و النّظر فيه، و مع ذلك يذمّهم متى خاضوا فيها على هذا الوجه! (1: 248)

الطُّوسيّ: قال الحسَن، و سعيد بن جُبَيْر: معنى {يَخُوضُونَ} يكذّبون {بِايَاتِنَا} و ديننا. و الخوض: التّخليط في المفاوضة على سبيل العبث و اللّعب، و ترك التّفهّم و اليقين. و مثله قول القائل: تركت القوم يخوضون، أي ليسوا على سَداد، فهم يذهبون و يجيئون من غير تحقيق و لا قصد للواجب. أمره حينئذ أن يُعرض عنهم: {حَتى| يَخُوضُوافىحَديثٍ غَيْرِهِ} ، لأنّ من حاجّ مَن هذه حاله، و أراد التّبيين له، فقدوضع الشّئ في غير موضعه، و حطّ من قدر الدّعاء، و البيان و الحجاج. (4: 178)

نحوه الطَّبْرِسيّ. (2: 316)

الزّمَخْشَريّ: { يَخُوضُونَ فى ايَاتِنَا } في الا ستهزاء بها، و الطّعن فيها و كانت قريش في أنديتهم يفعلون ذلك { فَاَعْرِضْ عَنْهُمْ} فلاتجالسهم و قم عنهم، { حَتى| يَخُوضُوافىحَديثٍ‘ غَيْرِهِ} فلا بأس أن تجالسهم حينئذ. (2: 26)

نحوه البَيْضاويّ (1: 315)، و النّسَفيّ (2: 17).

ابن عَطيّة: لفظ هذا الخطاب مجرّد للنّبيّ(صلی الله علیه و آله) وحده، و اختُلف في معناه، فقيل: إنّ المؤمنين داخلون في الخطاب معه.و هذا هو الصّحيح، لأنّ علّة النّهي و هي سماع الخوض في آيات الله تشملهم و إيّاه.

و قيل: بل بالمعنى أيضًا، إنّما أُريد به النّبيّ(صلی الله علیه و آله) وحده، لأنّ قيامه عن المشركين كان يشقّ عليهم،

ص: 156

و فراقه لهم على معارضته، و إن لم يكن المؤمنون عندهم كذلك، فأمر النّبيّ(صلی الله علیه و آله) أن يُنابذهم بالقيام عنهم إذا استهزؤوا و خاضوا ليتأدّبوا بذلك، و يَدَعُوا الخوض و الاستهزاء. و هذا التّأويل يتركّب على كلام ابن جرير، يرحمه الله.

و الخَوْض: أصله في الماء، ثمّ يستعمل بعدُ في غمرات الأشياء الّتي هي مجاهل، تشبيهًا بغمرات الماء.

(2: 304)

الفَخْرالرّازيّ: قيل: إنّه خطاب للنّبيّ(صلی الله علیه و آله) والمراد غيره، و قيل: الخطاب لغيره، أي إذا رأيت أيّها السّامع الّذين يخوضون في آياتنا.

و نقل الواحديّ أنّ المشركين كانوا إذا جالسوا المؤمنين وقّعُوا في رسول الله(صلی الله علیه و آله) و القرآن، فشتموا و استهزؤوا، فأمرهم أن لا يقعدوا معهم حتّى يخوضوا في حديث غيره.

و لفظ<الخوض> في اللّغة: عبارة عن المفاوضة على وجه العبث و اللّعب، قال تعالى حكاية عن الكفّار: {وَ كُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضينَ‘}، و إذا سئل الرّجل عن قوم فقال: تركتهم يخوضون، أفاد ذلك أنّهم شرعوا في كلمات لا ينبغي ذكرها.

و من الحشويّة من تمسّك بهذه الآية في النّهي عن الاستدلال و المناظرة في ذات الله تعالى و صفاته.قال: لأنّ ذلك خوض في آيات الله، و الخوض في آيات الله حرام بدليل هذه الآية. و الجواب عنه: أنّا نقلنا عن المفسّرين أنّ المراد من الخوض: الشّروع في آيات الله تعالى، على سبيل الطّعن و الاستهزاء.و بيّنّا أيضًا أنّ لفظ <الخوض>، وُضع في أصل اللّغة لهذا المعنى، فسقط هذا الاستدلال؛ و الله أعلم. (13: 24)

نحوه الخازن. (2: 120)

القُرطُبيّ: [نحو ابن عَطيّة وأضاف:]

و قيل: هو مأخوذ من الخلط. و كلّ شيء خُضتَه فقد خلَطتَه، و منه خاض الماء بالعسل: خلَط. فأدّب الله عزّ وجلّ نبيّه(صلی الله علیه و آله) بهذه الآية، لأ نّه كان يقعد إلى قوم من المشركين يعظهم و يدعوهم فيستهزؤون بالقرآن، فأمره الله أن يُعرض عنهم إعراض مُنكر. و دلّ بهذا على أنّ الرّجل إذا علم من الآخر مُنكرًا، و علم أنّه لايقبل منه، فعليه أن يُعرض عنه إعراض مُنكر، و لايُقبِل عليه. (7: 12)

النَّيسابوريّ: و الخوض في اللّغة: عبارة عن المفاوضة على وجه اللّغو و العبث، و يقرب منه قول المفسّرين: إنّه في الآية الشّروع في آيات الله على سبيل الطّعن و الاستهزاء. و كانت قريش في أنديتهم يفعلون ذلك { فَاَعْرِضْ عَنْهُمْ} بالقيام عنهم، لقوله بعد ذلك:{فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى}.

و قيل: المطلوب إظهار الإنكار، و كلّ طريق أفاد هذا الغرض و إن كان غير القيام عن مجلسهم فإنّه يجوز المصير إليه. هذا عند عدم الخوف، أمّا مع الخوف فهذا الفرض ساقط، و التّقيّة واجبة. نعم كلّ ما أوجب على الرّسول (صلی الله علیه و آله) فعله وجب عليه، سواء ظهر أثر الخوف أو لم يظهر، وإلا لم يبق الاعتماد على التّكاليف الّتي يُبلّغها. (7: 131)

أبوحَيّان: هذا خطاب للرّسول(صلی الله علیه و آله)، و يدخل فيه

ص: 157

المؤمنون، لأنّ علّة النّهي و هو سماع الخوض في آيات الله يشمله و إيّاهم. و قيل: هو خاص بتوحيده، لأنّ قيامه عنهم كان يشقّ عليهم، و فراقه على مغاضبه، و المؤمنون عندهم ليسوا كهو. و قيل: خطابللسّامع، و الّذين يخوضون المشركون أو اليهود أو أصحاب الأهواء، ثلاثةأقوال.

و{رَاَيْتَ} هنا بصريّة، و لذلك تعدّت إلى واحد، و لابدّ من تقدير حال محذوفة، أي{وَ اِذَا رَ اَ يْتَ الَّذينَ‘ يَخُوضُونَ فى ايَاتِنَا} و هم خائضون فيها، أي و إذا رأيتهم ملتبسين بهذه الحالة. و قيل: {رَاَيْتَ} علميّة، لأنّ الخوض في الآيات ليس ممّا يُدرك بحاسّة البصر. و هذا فيه بُعد. لأ نّه يلزم من ذلك حذف المفعول الثّاني من باب <علمت> فيكون التّقدير: {وَ اِذَا رَ اَ يْتَ الَّذينَ‘ يَخُوضُونَ فى ايَاتِنَا} خائضين فيها، و حذفه اقتصارًا لايجوز، و حذفه اختصارًا عزيز جدًّا، حتّى أنّ بعض النّحويّين منعه.

و الخوض في الآيات كناية عن الاستهزاء بها و الطّعن فيها، و كانت قريش في أنديتها تفعل ذلك. {فَاَعْرِضْ عَنْهُمْ} أي لاتجالسهم و قم عنهم.

(4: 152)

أبوالسُّعود: أي بالتّكذيب و الاستهزاء بها و الطّعن فيها، كما هو دأب قريش و ديدَنهم، فأعرض عنهم بترك مجالستهم، و القيام عنهم. و قوله تعالى: {حَتى| يَخُوضُوافى حَديثٍ‘ غَيْرِهِ} غاية للإعراض، أي استمرّ على الإعراض إلى أن يخوضوا في حديث غير آياتنا، و التّذكير باعتبار كونها حديثًا، فإنّ وصف الحديث بمغايرتها مشير إلى اعتبارها بعنوان الحديثيّة. و قيل: باعتبار كونها قرآنًا. (2: 397)

نحوه البُرُوسَويّ. (3: 49)

الآلوسيّ: [نحو أبي السُّعود و أضاف:]

و المراد بالخوض هنا: التّفاوض لابقيد التّكذيب والاستهزاء. و ادّعى بعضهم أنّ المعنى: حتّى يشتغلوا بحديث غيره، و أنّ ذكر {يَخُوضُوا} للمشاكلة، و استظهر عود الضّمير إلى الخوض.

و استدلّ بعض العلماء بالآية على أنّ (اِذَا) تفيد التّكرار لحرمة القعود مع الخائض كلّما خاض. و نُظِر فيه، بأنّ التّكرار ليس من(اِذَا) بل من ترتّب الحكم على مأخذ الاشتقاق. (7: 182)

القاسميّ: أي بالطّعن و الاستهزاء {فى ايَاتِنَا} أي المنسوبة إلى مقام عظمتنا، الّتي حقّها أن تعظم بما يناسب عظمتنا. و الموصول كناية عن مشركي مكّة. [ثمّ أدام نحوأبي السُّعود] (6: 2359)

رشيد رضا: [نقل روايتين في أنّ الآية نزلت في المشركين أو أهل الأهواء من المسلمين، ثمّ قال:]

أصل الخوض و حقيقته: الدّخول في الماء و المرور فيه مشيًا أو سباحةً، .و جدح السّويق أي لتّ الدّقيق باللّبن. و يستعار لمرور الإبل في السّراب، و وميض البرق في السّحاب، و للاندفاع في الحديث و الاسترسال فيه، و للدّخول في الباطل مع أهله؛ و بهذين المعنيين استُعمل في القرآن. و فُسّر<الخوض> هناعلى القول الأوّل بالكفر بالآيات و الاستهزاء بها. [ثمّ نقل قول السُّدّيّ و مُقاتِل و أدام:]

ص: 158

و فُسّر <الخوض> في الآيات على القول الآخر لمفسّري السّلف بالمراء و الجدال و الخصومة فيها، اتّباعًا للأهواء، و انتصارًا للمذاهب و الأحزاب...

و الصّواب من القول في الآية: أنّها عامّة، و أنّ المخاطب بها أوّ لا بالذّات سيّدنا الرّسول (صلی الله علیه و آله) و كلّ من كان معه من المؤمنين. فكلّ ما ورد عن السّلف في تفسيرها صحيح، و المعنى العامّ الجامع المخاطب به كلّ مؤمن في كلّ زمن.

{وَ اِذَا رَ اَيْتَ} أيّها المؤمن{الَّذينَ‘ يَخُوضُونَ فى ايَاتِنَا} المُنزَلة، من الكفّار المكذّبين، أو من أهل الأهواء المفرّقين،{فَاَعْرِضْ عَنْهُمْ} أي انصرف عنهم، و أرِهم عرض ظهرك، بدلا من القعود معهم أو الإقبال عليهم بوجهك. {حَتى| يَخُوضُوافى حَديثٍ‘غَيْرِهِ}، أي غيرذلك الحديث الّذي موضوعه الكفر بآيات الله، و الاستهزاء بها من قبل الكفّار،.أو تأويلها بالباطل من قبل أهل الأهواء، لتأييد ما استحدثوا من المذاهب و الآراء، و تفنيد أقوال خصومهم بالجدل و المراء. فإذا خاضوا في غيره فلا بأس بالقعود معهم. و قيل: إنّ الضّميرفي {غَيْرِهِ} للقرآن، لأ نّه هو المراد بالآيات، فأُعيد الضّميرعليها بحسب المعنى.

و سبب هذا النّهي أنّ الإقبال على الخائضين و القعود معهم أقلّ ما فيه أنّه إقرار لهم على خوضهم، و إغراء بالتّمادي فيه. و أكبره أنّه رضاء به و مشاركة فيه، و المشاركة في الكفر و الاستهزاء كفر ظاهر، لايقترفه باختياره إلامنافق مُراء، أو كافر مجاهر.

و في التّأويل لنصر المذاهب أو الآراء، مزلقة في البِدَع و اتّباع الأهواء، و فتنته أشدّ من فتنة الأوّل. فإنّ أكثرالّذين يخوضون في الجدل و المراء من أهل البدع و غيرهم، تغشّهم أنفسهم بأنّهم ينصرون الحقّ و يخدمون الشّرع، و يؤيّدون الأئمّة المهتدين، و يخذلون المبتدعين المضلّين، و لذلك حذَر السّلف الصّالحون من مجالسة أهل الأهواء، أشدّ ممّا حذروا من مجالسة الكفّار؛ إذ لايُخشى على المؤمن من فتنة الكافر ما يُخشى عليه من فتنة المبتدع، لأ نّه يحذر من الأوّل على ضعف شبهته، ما لايحذر من الثّاني، و هو يجيئه من مأمنه.

و لايُعقل أن يقعد المؤمن باختياره مع الكفّار في حال استهزائهم بآيات الله و تكذيبهم بها و طعنهم فيها، كما يقعد مختارًا مع المجادلين فيها المتأوّلين لها، و إنّما يُتصوّر قعود المؤمن مع الكافر المستهزئ في حال الإكراه و ما يقرب منها، كشدّة الضّعف، و لاسيّما إذا كان في دار الحرب، و لم تكن مكّة دار إسلام عند نزول هذه الآيات.

و يدخل في أهل الأهواء: المقلّدون الجامدونالّذين يحاولون تطبيق آيات الله و سُنن رسوله على آراء مقلَّديهم بالتّكليف، أو يردّونها و يحرّمون العمل بها، بدعوى احتمال النّسخ، أو وجود معارض آخر.

(7: 504)

نحوه المَراغيّ. (7: 159)

سيّد قُطْب: و لقد كان هذا الأمر للرّسول(صلی الله علیه و آله)

و يمكن في حدود النّص أن يكون أمرًا لمن وراءه من المسلمين كان هذا الأمر في مكّة؛ حيث كان عمل

ص: 159

الرّسول(صلی الله علیه و آله) يقف عند حدود الدّعوة،و حيث كان غير مأمور بقتال، للحكمة الّتي أرادها الله في هذه الفترة، و حيث كان الاتّجاه واضحًا لعدم الاصطدام بالمشركين ما أمكن. فكان هذا الأمر بألايجلس النّبيّ (صلی الله علیه و آله) في مجالس المشركين، متى رآهم يخوضون في آيات الله و يذكرون دينه بغير توقير، و المسارعة إلى ترك هذه المجالس لو أنساه الشّيطان بمجرّد أن يتذكّر أمر الله و نهيه. و كان المسلمون كذلك مأمورين بهذا الأمر، كما تقول بعض الرّوايات. و القوم الظّالمون المقصود بهم هنا: القوم المشركون، كما هو التّعبير الغالب في القرآن الكريم.

فأمّا بعد أن قامت للإسلام دولة في المدينة، فكان للنّبيّ (صلی الله علیه و آله) شأن آخر مع المشركين و كان الجهاد و القتال حتّى لا تكون فتنة و يكون الدّين كلّه لله. حيث لايجترئ أحد على الخوض في آيات الله !

(2: 1127)

ابن عاشور: عطف على جملة { وَ كَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ } الأنعام: 66، و العدول عن الإتيان بالضّمير إلى الإتيان بالاسم الظّاهر و هو اسم الموصول فلم يقل: و إذا رأيتهم فأعرض عنهم يدلّ على أنّ الّذين يخوضون في الآيات فريق خاص من القوم الّذين كذّبوا بالقرآن أو بالعذاب. فعموم القوم أنكروا و كذّبوا دون خَوْض في آيات القرآن، فأُولئك قسم، و الّذين يخوضون في الآيات قسم كان أبذى و أقذع، و أشدّ كفرًا وأشنع، و هم المتصدّون للطّعن في القرآن. و هؤلاء أُمِر الرّسول(صلی الله علیه و آله) بالإعراض عن مجادلتهم و ترك مجالسهم، حتّى يرعُووا عن ذلك. و لو أمر الرّسول عليه الصّلاة والسّلام بالإعراض عن جميع المكذّبين لتعطّلت الدّعوة و التّبليغ.

و معنى: {وَ اِذَا رَاَ يْتَ الَّذينَ‘ يَخُوضُونَ}: إذا رأيتهم في حال خوضهم. و جاء تعريف هؤلاء بالموصوليّة دون أن يقال: الخائضين أو قومًا خائضين، لأنّ الموصول فيه إيماء إلى وجه الأمر بالإعراض، لأ نّه أمر غريب؛ إذ شأن الرّسول عليه الصّلاة و السّلام أن يمارس النّاس لعرض دعوة الدّين، فأمْرُ الله إيّاه بالإعراض عن فريق منهم يحتاج إلى توجيه و استئناس، و ذلك بالتّعليل الّذي أفاده الموصول و صلته، أي فأعرض عنهم لأ نّهم يخوضون فيآياتنا.

و هذه الآية أحسن ما يمثّل به، لمجيء الموصول للإيماء إلى إفادة تعليل ما بُني عليه من خبر أو إنشاء. ألاترى أنّ الأمر بالإعراض حُدّد بغاية حصول ضدّ الصّلة، و هي أيضًا أعدل شاهد لصحّة ما فسّر به القُطب الشّيرازيّ في «شرح المفتاح» قولَ السّكّاكيّ: <أو أن تُومئ بذلك إلى وجه بناء الخبر> بأنّ وجه بناء الخبر هو علّته و سببه، و إن أبى <التّفتازانيّ> ذلك التّفسير.

و الخَوْض حقيقته: الدّخول في الماء مشيًا بالرِّجلين دون سباحة، ثمّ استعير للتّصرّف الّذي فيه كلفة أو عنَت، كما استُعير التّعسّف و هو المشي في الرّمل لذلك. و استُعير الخوض أيضًا للكلام الّذي فيه تكلّف الكذب و الباطل، لأ نّه يتكلّف له قائله. قال الرّ اغِب: و أكثر ما ورد في القرآن ورد فيما يُذمّ

ص: 160

الشّروع فيه>. قال تعالى: {يَخُوضُونَ فى ايَاتِنَا}،{نَخُوضُ وَ نَلْعَبُ } التّوبة: 65، {وَخُضْتُمْ كَالَّذى ‘خَاضُوا } التّوبة: 69، {ذَرْهُمْ فى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} الأنعام: 91، فمعنى { يَخُوضُونَ فى ايَاتِنَا} : يتكلّمون فيها بالباطل و الاستهزاء.

و الخطاب للرّسول(صلی الله علیه و آله) مباشرة، و حكم بقيّة المسلمين كحكمه، كما قال في ذكر المنافقين في سورة النّساء :140، { فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتى| يَخُوضُوا فى حَديثٍ‘غَيْرِهِ } و الإعراض تقدّم تفسيره عندقوله تعالى : { فَاَعْرِضْ عَنْهُمْ وَ عِظْهُمْ } النّساء:63، و الإعراض عنهم هنا هو ترك الجلوس إلى مجالسهم، و هو مجاز قريب من الحقيقة، لأ نّه يلزمه الإعراض الحقيقيّ غالبًا، فإن هم غشُوا مجلس الرّسول عليه الصّلاة و السّلام، فالإعراض عنهم أن يقوم عنهم. و عن ابن جُرَيْج: <فجَعَل إذا استهزؤوا قام فحَذِروا و قالوا لاتستهزئوا فيقوم>.

و فائدة هذا الإعراض زجرهم و قطع الجدال معهم، لعلّهم يرجعون عن عنادهم.

و (حَتى|) غاية للإعراض، لأ نّه إعراض فيه توقيف دعوتهم زمانًا، أوجبه رعي مصلحة أُخرى هي من قبيل الدّعوة، فلا يضرّ توقيف الدّعوة زمانًا، فإذا زال موجب ذلك، عادت محاولة هديهم إلى أصلهم، لأ نّها تمحّضت للمصلحة.

و إنّما عبّر عن انتقالهم إلى حديث آخر ب <الخوض> لأ نّهم لايتحدّثون إلافيما لاجدوى له من أحوال الشّرك و أُمور الجاهليّة.

و {غَيْرِهِ} صفة ل {حَديثٍ‘}، و الضّمير المضاف إليه عائد إلى الخوض باعتبار كونه حديثًا، حسبما اقتضاه وصف { حَديث } بأنّه غيره. (6: 151)

الطَّباطَبائيّ: [نقل قول الرّ اغِب ثمّ قال:]

و هو الدّخول في باطل الحديث، و التّوغّل فيه، كذكر الآيات الحقّة و الاستهزاء بها، و الإطالة في ذلك.

و المراد بالإعراض: عدم مشاركتهم فيمايخوضون فيه، كالقيام عنهم و الخروج من بينهم، أو ما يشابه ذلك ممّا يتحقّق به عدم المشاركة. و تقييد النّهي بقوله: {حَتى| يَخُوضُوا فى حَديثٍ‘ غَيْرِهِ} للدّلالة على أنّ المنهيّ عنه ليس مطلق مجالستهم و القعود معهم و لو كان لغرض حقّ، و إنّما المنهيّ عنه مجالستهم ما داموا مشتغلين بالخوض في آيات الله سبحانه.

و من هنا يظهر أنّ في الكلام نوعًا من إيجاز الحذف، فإنّ تقدير الكلام: و إذا رأيت الّذين يخوضون في آياتنا يخوضون فيها، فأعرض عنهم... فحذفت الجملة المماثلة للصّلة استغناء بها عنها، و المعنى و الله أعلم : و إذا رأيت أهل الخوض و الاستهزاء بآيات الله يجرون على خوضهم و استهزائهم بالآيات الإلهيّة، فأعرض عنهم، و لا تدخل في حلَقهم حتّى يخوضوا في حديث غيره، فإذا دخلوا في حديث غيره فلامانع يمنعك من مجالستهم. و الكلام و إن وقع في سياق الاحتجاج على المشركين، لكن ما أُشير إليه من الملاك يعمّمه، فيشمل غيرهم كما يشملهم. و قد وقع في آخر الآية قوله: {فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ

ص: 161

الظَّالِمينَ‘} الأنعام: 68، فالخوض في آيات الله ظلم، و الآية إنّما نهت عن مشاركة الظّالمين في ظلمهم، و قد ورد في مورد آخر من كلامه تعالى:{اِنَّكُمْ اِذًا مِثْلُهُمْ} النّساء: 140.

فقد تبيّن: أنّ الآية لا تأمر بالإعراض عن الخائضين في آيات الله تعالى، بل إنّما تأمر بالإعراض عنهم إذا كانوا يخوضون في آيات الله ما داموا مشتغلين به.

و الضّمير في قوله: {غَيْرِهِ} راجع إلى الحديث الّذى يُخاض فيه في آيات الله، باعتبار أنّه خوض، و قد نُهي عن الخوض في الآية. (7: 139)

عبد الكريم الخطيب: بعد أن صرف الله الآيات للنّاس، و أبان لهم فيها معالم الطّريق إليه، فآمن من آمن، و كفر من كفر، أمر سبحانه النّبيّ الكريم، أن يخلص بنفسه و بدينه من المشركين، وألا يتحكّك بهم، حتّى لايسمع منهم ما يكره، أو يرى منهم ما يسوء.

وإذ كان النّبيّ صلوات الله وسلامه عليه حريصًا على هداية قومه، و إذ كان بينه و بينهم هذه الرّابطة من صِلات القُربى، و المخالطة في الحياة، الأمر الّذي يشقّ على النّبيّ و يَعنَتُه، إذا هو اعتزلهم عُزلة كاملة، و قطع ما بينه و بينهم من صِلات، فإنّ الله سبحانه و تعالى قد قصر هذا الأمر للنّبيّ باعتزال قومه و الإعراض عنهم، على الحال الّتي يخوضون فيها في آيات الله، و يتّخذونها هزوًا و سُخريّة، ففي تلك الحال ينبغي على النّبيّ ألايخوض معهم في هذا الحديث،

و ألايجادلهم فيما يخوضون فيه، بل يترك هذا المجلس الّذي هم فيه، لأ نّهم على منكر، و هو لايستطيع أن يغيّر هذا المنكر بيده، أو لسانه،فليغيّره بقلبه. بتلك الصّورة الّتي يُريهم منها منطقًا عمليًّا لما ينكره عليهم { وَ اِذَا رَ اَ يْتَ الَّذينَ‘ يَخُوضُونَ فى ايَاتِنَا فَاَعْرِضْ عَنْهُمْ} .

و الخوض في الحديث: معناه إرسال القول جُزافًا، بلاحساب و لاتقدير، و ذلك لايكون إلافي مجال الاستهزاء و الاستخفاف بالحديث الّذي يُدار.

و ليس الإعراض الّذي يكون من النّبيّ في تلك الحالة ، هو إعراض دائم متّصل أبدًا، و إنّما هو إعراض موقوت بهذا المجلس، و بكلّ مجلس يكون فيه مثل هذا الخوض في آيات الله من المشركين، فإذا كان منهم بعد هذا مجلس يجري فيه حديث جِدّ و وقار، و التزام عقل و منطق، فلابأس على النّبيّ من أن يعود إلى الجلوس معهم، و هذا ما يشير إليه قوله تعالى: {حَتى| يَخُوضُوا فى حَديثٍ‘ غَيْرِهِ} أي في حديث غير حديث الدّين الّذي يُدعَون إليه، أو الدّين الّذي هم فيه . فإذا خاضوا في أُمور غير أُمور الدّين، ممّا يتّصل بحياتهم الخاصّة، من تجارة و حرب و سَلْم، و غير ذلك، فإنّ الخوض هنا لايمس الدّين،و لايجرح مشاعر النّبيّ؛ و إنّه لابأس على النّبيّ من الجلوس معهم.

(4 : 209)

مكارم الشّيرازيّ: بما أنّ المواضيع الّتي تتطرّق إليها هذه السّورة تتناول حال المشركين و عبَدة الأصنام، فهاتان الآيتان تبحثان موضوع آخر من المواضيع الّتي تتعلّق بهم، ففي البداية تقول للرّسول

ص: 162

(صلی الله علیه و آله):{ وَ اِذَا رَاَ يْتَ الَّذينَ‘ يَخُوضُونَ فى ايَاتِنَا فَاَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتى| يَخُوضُوا فى حَديث غَيْرِهِ}.

على الرّغم من أنّ الكلام هنا موجّه إلى رسول الله(صلی الله علیه و آله)، إلا أ نّه لايقتصر عليه وحده، بل هو موجّه إلى المسلمين كافّة. إنّ فلسفة هذا الحكم واضحة؛ إذ لو اشترك المسلمون في مجالسهم، لاستمرّ المشركون في خوضهم في آيات الله بالباطل نكاية بالمسلمين، و استهزاءً بكلام الله، و لكنّ المسلمين إذا مرّوا دون أن يبالوا بهم، فسيكفّون عن ذلك و يُغيّرون الحديث إلى أُمور أُخرى، لأ نّهم كانوا يتقصّدون إيذاء رسول الله(صلی الله علیه و آله) و المسلمين. (4: 309)

فضل الله: توحي إلينا هذه الآيات بالانفتاح على الآفاق الرّوحيّة الّتي يتحرّك بها الإيمان في وجدان الإنسان و عقله، لينطلق معها في مواجهة المواقف الصّعبة، و ليثبت أمام التّحدّيات الكافرة و الضّالّة الّتي تفرضها ساحة الصّراع، و ليدخل الإنسان معها في محاكمة ذاتيّة تعتمد على إثارة علامات الاستفهام، ثمّ تقديم الأجوبة الحاسمة الّتي تؤكّد الموقف، و تدعم الفكرة في خطّ الإسلام، من خلال الإيحاء بالتّصوّر الدّقيق للكثير من مظاهر عظمة الله.

و هنا في هذه الآيات عدّة نقاط:النّقطة الأُولى: في آية {وَ اِذَا رَاَيْتَ الَّذينَ‘ يَخُوضُونَ فى ايَاتِنَا...} لقد أعطت الأحاديث الواردة عن أهل البيت:و عن النّبيّ(صلی الله علیه و آله) لهذه الآية بُعدًا واسعًا في عالم التّطبيق على واقع الانحراف و الموقف منه، بما يتجاوز مدلولها في مسألة الخوض في آيات الله النّازلة على النّبيّ(صلی الله علیه و آله)، و في النّبيّ و القرآن، فقد جاء في تفسير القُمّيّ بإسناده عن عبد الأعلى بن أعين، قال: قال رسول الله(صلی الله علیه و آله): <من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يجلس في مجلس يُسَبّ فيه إمام، أو يُغتاب فيه مسلم> فإنّ الله يقول في كتابه: {وَ اِذَا رَاَيْتَ الَّذينَ‘ يَخُوضُونَ فى ايَاتِنَا فَاَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتى| يَخُوضُوا فى حَديثٍ‘ غَيْرِهِ وَ اِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاتَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمينَ‘}. و في<الدُّرّ المنثور> أخرج عبد بن حُمَيْد و ابن جرير و أبو نُعَيْم في الحلية عن أبي جعفر الباقر(علیه السلام)، قال: <لاتجالسوا أهل الخصومات، فإنّهم الّذين يخوضون في آيات الله>.

و فيه: أخرج عبد بن حُمَيْد وابن المنذر عن محمّد بن عليّ الباقر، قال: <إنّ أصحاب الأهواء من الّذين يخوضون في آيات الله>. و في تفسير العيّاشيّ عن ربعيّ بن عبد الله عمّن ذكره عن أبي جعفر(علیه السلام) في قول الله: {وَ اِذَا رَاَيْتَ الَّذينَ‘ يَخُوضُونَ فى ايَاتِنَا} قال: <الكلام في الله و الجدال في القرآن، {فَاَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتى| يَخُوضُوا فى حَديثٍ‘ غَيْرِهِ} قال: منه القصّاص>.

و في ضوء ذلك، يمكن أن نستوحي منه الحديث في كل خطّ باطل و موقف ضلال على مستوى قضايا الفكر و السّياسة و الاجتماع و نحو ذلك، ممّا يمثّل قضيّة الإسلام كلّه و الأُمّة كلّها، في صعيد النّظريّة و التّطبيق...

(9: 162)

2 وَ قَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى الْكِتَابِ اَنْ اِذَا سَمِعْتُمْ ايَاتِ اللهِ يُكْفَرُ بِهَا وَ يُسْتَهْزَاُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتى

ص: 163

يَخُوضُوا فى حَديث غَيْرِهِ. النّساء: 140

ابن عبّاس: فلا تجلسوا { مَعَهُمْ } في الخوض { حَتى| يَخُوضُوا فى حَديثٍ‘غَيْرِهِ } حتّى يكون خوضهم و حديثهم في غير محمّد و القرآن. (83)

و دخل في هذه الآية كلّ مُحدِث في الدّين، و كلّ مُبتدِع إلى يوم القيامة. (الثّعلبيّ 3: 403)

أبوعُبَيْدَة: { حَتّىيَخُوضُوا } يأخذوا في حديث غيره. (1: 141)

الطّبَريّ: يعني بعد ما علموا نهي الله عن مجالسة الكفّار الّذين يكفرون بحُجَج الله و آي كتابه، و يستهزئون بها {حَتى| يَخُوضُوا فى حَديثٍ‘غَيْرِهِ} يعني بقوله: {يَخُوضُوا}، يتحدّثوا حديثًا غيره.

و قوله:{ اِنَّكُمْ اِذًا مِثْلُهُمْ}، يعني و قد نزل عليكم أنّكم إن جالستم من يكفر بآيات الله و يستهزئ بها و أنتم تسمعون، فأنتم مثله، يعني فأنتم إن لم تقوموا عنهم في تلكالحال، مثلهم في فعلهم، لأ نّكم قد عصيتم الله بجلوسكم معهم و أنتم تسمعون آياتِ الله يُكفَر بها و يُستَهزأ بها، كما عصوه باستهزائهم بآيات الله، فقد أتيتم من معصية الله نحو الّذي أتَوْه منها، فأنتم إذًا مثلهم في ركوبكم معصية الله، و إتيانكم ما نهاكم الله عنه.

و في هذه الآية الدّلالة الواضحة على النّهي عن مجالسة أهل الباطل من كلّ نوع، من المبتدعة و الفسَقة، عند خوضهم في باطلهم.

و بنحو ذلك كان جماعة من الأئمّة الماضين يقولون، تأوّ لا منهم هذه الآية: إنّه مراد بها النّهي عن مشاهدة كلّ باطل عند خوض أهله فيه. (4: 328)

نحوه الواحديّ (2: 129)، و ابن الجَوْزيّ (2: 228) ، والخازن (1: 509)، و القاسميّ (5: 1612).

الثّعلبيّ: أي يأخذوا في حديث غير الاستهزاء بمحمّد و أصحابه و القرآن؛ و ذلك أنّ المنافقين كانوا يجلسون إلى أحبار اليهود فيستهزئون بالقرآن و يكّذبون به و يحرّفونه عن مواضعه، فنهى الله تعالى المسلمين عن مجالستهم و مخالطتهم. و الّذي نزل في الكتاب قوله تعالى: {وَ اِذَا رَاَيْتَ الَّذينَ‘ يَخُوضُونَ فى ايَاتِنَا فَاَعْرِضْ عَنْهُمْ...} . (3: 403)

الطُّوسيّ: أعلم الله تعالى في هذه الآية المؤمنين، أنّ المنافقين يهزؤون بكتاب الله الّذي هوالقرآن، و أمرهم أن لايقعدوا معهم حتّى يخوضوا، يعني يأخذوا في حديث غير القرآن، ثمّ قال: إنّكم إن جالستموهم على الخوض في كتاب الله و الهزء به، فأنتم مثلهم. و إنّما حكم بأ نّهم مثلهم متى رضوا بما هم فيه، و لم ينكروا عليهم مع القدرة على الإنكار، و لم يُظهروا كراهية، فإنّهم متى كانوا راضين بالكفر، كانوا كفّارًا، لأنّ الرّضاء بالكفر كفر. و في الآية دلالة على وجوب إنكار المنكر مع القدرة على ذلك، و زوال العذر عنه. و إنّ من ترك ذلك مع القدرة عليه كان مخطئًا آثمًا. و كذلك فيها دلالة على أنّه لايجوز مجالسة الفُسّاق، و المبتدعين من أيّ نوع كان.

و به قال جماعة من المفسّرين، ذهب إليه أبووائل، و إبراهيم و عبدالله. و قال إبراهيم: من ذلك إذا تكلّم الرّجل في مجلس بكذب، يضحك منه جلساؤه،

ص: 164

فسخط الله عليهم. و به قال عمر بن عبدالعزيز، و قيل: إنّه ضرب صائمًا كان قاعدًا مع قوم يشربون الخمر. وقال ابن عبّاس: أمرالله بذلك الاتّفاق، و نهاهم عن الاختلاف و الفُرقة، و المراء و الخصومة، و به قال الطّبَريّ و الجُبّائيّ و البلخيّ و جماعة من المفسّرين.

قال أبوعليّ الجُبّائيّ: أمّا الكون بالقرب منهم بحيث يسمع صوتهم و لايقدر على إنكاره، فليس بمحظور، و إنّما المحظور مجالستهم من غير إظهار كراهية ماسمعه أو يراه. (3: 362)

نحوه الطَّبرِْسيّ (2: 127)، و مَغْنِيّة (2:464).

الزّمَخْشَريّ: و ذلك أنّ المشركين كانوا يخوضون في ذكر القرآن في مجالسهم فيستهزئون به فنُهي المسلمون عن القعود معهم ما داموا خائضين فيه. و كان أحبار اليهود بالمدينة يفعلون نحو فعل المشركين فنُهوا.أن يقعدوا معهم، كما نُهوا عن مجالسة المشركين بمكّة.

و كان الّذين يقاعدون الخائضين في القرآن من الأحبار، هم المنافقون، فقيل لهم: إنّكم إذاً مثل الأحبار في الكفر. (1: 572)

الفَخْرالرّازيّ: قال المفسّرون: إنّ المشركين كانوا في مجالسهم يخوضون في ذكر القرآن و يستهزئون به، فأنزل الله تعالى: {وَ اِذَا رَاَ يْتَ الَّذينَ‘ يَخُوضُونَ فى ايَاتِنَا فَاَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتى| يَخُوضُوا فى حَديثٍ‘غَيْرِهِ} الأنعام: 68.و هذه الآية نزلت بمكّة، ثمّ إنّ أحبار اليهود بالمدينة كانوا يفعلون مثل فعل المشركين، و القاعدون معهم و الموافقون لهم على ذلك الكلام، هم المنافقون، فقال تعالى مخاطبًا المنافقين: إنّه { قَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى الْكِتَابِ اَنْ اِذَا سَمِعْتُمْ ايَاتِ اللهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَاُ بِهَا} و المعنى: إذا سمعتم الكفر بآيات الله و الاستهزاء بها. و لكن أوقع فعل السّماع على الآيات، و المراد به: سماع الاستهزاء.قال الكسائي: و هو كما يقال: سمعت عبدالله يلام.

و عندي فيه وجه آخر و هو أن يكون المعنى: إذا سمعتم آيات الله حال ما يُكفَر بها و يُستَهزأ بها، و على هذا التّقدير فلاحاجة إلى ما قال الكِسائيّ، فلا تقعدوا معهم حتّى يخوضوا في حديث غير الكفر و الاستهزاء.

(11: 81)

نحوه النَّيسابوريّ. (5: 167)

النّسَفيّ: حتّى يشرعوا في كلام غير الكفر

و الاستهزاء بالقرآن. و الخوض: الشّروع، و(اَنْ) مخفّفة من الثّقيلة، أي إنّه إذا سمعتم، أي نزل عليكم أنّ الشّأن كذا، و الشّأن ما أفادته الجملة بشرطها و جزائها. و (اَنْ) مع ما في حيّزها في موضع الرّفع ب <نُزلَ> أو في موضع النّصب ب {نَزَّ لَ} و المنزّل عليهم في الكتاب هو ما نُزّل عليهم بمكّة، من قوله: {وَ اِذَا رَاَ يْتَ الَّذينَ‘ يَخُوضُونَ ...} الأنعام: 68.[ثمّ ذكر نحو الزّمَخْشَريّ]

(1: 257)

نحوه رشيدرضا (5: 463)، و المَراغيّ (5: 183).

أبوحَيّان: الخطاب لمن أظهر الإيمان من مخلص و منافق. و قيل: للمنافقين الّذين تقدّم ذكرهم، و يكون التفاتًا. و كانوا يجلسون إلى أحبار اليهود و هم يخوضون في القرآن يسمعون منهم، فنُهوا عن

ص: 165

ذلك، و ذُكّروا بما نزل عليهم بمكّة، من قوله:{وَ اِذَا رَ اَ يْتَ الَّذينَ‘ يَخُوضُونَ...} الأنعام: 68.[إلى أن قال:]

و الضّمير في {مَعَهُمْ} عائد على المحذوف الّذي دلّ عليه قوله: {يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَاُ} أي فلا تقعدوا مع الكافرين المستهزئين. و (حَتّى) غاية لترك القعود معهم، و مفهوم الغاية أنّهم إذا خاضوا في غير الكفر و الاستهزاء ارتفع النّهي، فجاز لهم أن يقعدوا معهم. و الضّمير عائد على ما دلّ عليه المعنى، أي في حديث غير حديثهم الّذي هو كفر و استهزاء.

و يحتمل أن يُفرَد الضّمير، و إن كان عائدًا على الكفر و على الاستهزاءالمفهومَين من قوله: {يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَاُ بِهَا}، لأ نّهما راجعان إلى معنى واحد، و لأ نّه أجرى الضّمير مجرى اسم الإشارة في كونه لمفرد، و إن كان المراد به اثنين. (3: 374)

أبوالسُّعود: و هذا يقتضى الانزجار عن مجالستهم في تلك الحالة القبيحة، فكيف بموالاتهم

و الاعتزاز بهم.

و (اَنْ) هي المخفّفة من <أنّ>، و ضمير الشّأن الّذي هو اسمها محذوف، و الجملة الشّرطيّة خبرها، و قوله تعالى: {يُكْفَرُ بِهَا}حال من آيات الله، و قوله تعالى: {وَ يُسْتَهْزَاُ بِهَا} عطف عليه داخل في حكم الحاليّة. و إضافة الآيات إلى الاسم الجليل لتشريفها و إبانة خطرها، و تهويل أمر الكفر بها، أي نزّل عليكم في الكتاب أنّه إذا سمعتم آيات الله مكفورًا بها و مستهزأً بها.

و فيه دلالة على أنّ المنزّل على النّبيّ (علیه السلام) و إن خوطب به خاصّة منزّل على الأُمّة، و أنّ مدار الإعراض عنهم هو العلم بخوضهم في الآيات، و لذلك عبّر عن ذلك تارةً بالرّؤية و أُخرى بالسّماع، و أنّ المراد بالإعراض: إظهارالمخالفة بالقيام عن مجالسهم، لا الإعراض بالقلب أو بالوجه فقط. و الضّمير في{مَعَهُمْ} للكفرة المدلول عليهم بقوله تعالى: { يُكْفَرُ بِهَا وَ يُسْتَهْزَاُ بِهَا}.

(2: 209)

نحوه البُرُوسَويّ (2: 304)،والآلوسيّ (5: 172).

الطَّباطَبائيّ:قوله تعالى: {قَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فىِ الْكِتَابِ ....} يريد مانزّله في سورة الأنعام68، {وَ اِذَا رَاَ يْتَ الَّذينَ‘ يَخُوضُونَ فى ايَاتِنَا...} فإنّ سورة الأنعام مكّيّة، و سورة النّساء مدنيّة.

و يستفاد من إشارة الآية إلى آية الأنعام أنّ بعض الخطابات القرآنيّة وُجّه إلى النّبيّ(صلی الله علیه و آله) خاصّة، و المراد بها ما يعمّ الأُمّة.

(5: 116)

عبد الكريم الخطيب: للنّفاق مداخل كثيرة إلى القلوب، فهو يتدسّس إلى الإنسان في خفاء، و يتحسّس مواطن الضّعف منه، فينفذ إليها، حتّى يتمكّن منها، وإذا المرء و قد عشش فيه النّفاق، ثمّ باض و أفرخ، و إذا هو في المنافقين، لايملك دفع هذا الدّاء الّذي جثم على صدره.

لهذا كان الإسلام حريصًا على أن يُنبّهالمسلمين إلى هذا الخطر، و يحذّرهم من أن يُلمّوا به، أو يحوموا حوله، حتّى لاتصيبهم عَدْواه، فيتعذّر شفاؤهم منه.

و في طبّ الأجسام: <أنّ الوقاية خير من العلاج>، و هي في طبّ الأرواح أوجَب و ألزَم.

ص: 166

و قوله تعالى: {قَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى الْكِتَابِ...} هو تنبيه للمسلمين من داء النّفاق أن ينفذ إليهم، إذا هم جلسوا مجلسًا مع أعداء الله من المنافقين الكافرين، ثمّ ذُكرت في هذا المجلس آيات الله على لسان هؤلاء المنافقين الكافرين، في معرض الاستهزاء و السُّخريّة، ثمّ لم يكن من المسلمين، إنكار لهذا المُنكَر ودفع له باليد أو اللّسان؛ و ذلك بأن يكونوا في حال ضعف، لايقدرون معه على مواجهة هؤلاء المجتمعين على المُنكَر!.

و الموقف الّذي يجب أن يتّخذه المؤمن في تلك الحال، هو أن يُخلّص بنفسه من هذا المجلس الآثم، و ألايستمع لهذا المُنكَر الّذي يدور فيه، فإنّه إن لم يفعل، و سكت على ما يسمع و هو مغلوب على أمره كان صمته هذا و لو في ظاهره دليلا على رضاه، و مظاهرة لأهل المُنكَر على مُنكَرهم. و ليس و الحال كذلك من شفيع يشفع له بأنّه ليس من أهل هذا المجلس، يقتسم معهم الإثم الّذي يدور بينهم، و يحمل نصيبه منه.

و في قوله تعالى: {قَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى الْكِتَابِ...} إشارة إلى ما نزل قبل هذا من قرآن في مثل هذا الموقف، و هو قوله تعالى: {وَ اِذَا رَاَ يْتَ الَّذينَ‘ يَخُوضُونَ ...} .

فهذه الآية هي توكيد لهذا التّنبيه الّذي سبق نزول القرآن به من قبل، و تحذير جديد لأُولئك الّذين لم ينتهوا عمّا نهوا عنه. و الخطاب في الآية موجّه إلى النّبيّ (صلی الله علیه و آله) هو أمر ملزم لأتباع النّبيّ؛ إذ كان النّبيّ إمامهم و قدوتهم.

و قوله تعالى: { يُكْفَرُ بِهَا وَ يُسْتَهْزَاُ بِهَا} هو حال كاشفة للصّفة الّتي تدور بها آيات الله على ألسنة الكافرين و المنافقين، و هي أنّها تدور للسّخريّة و العبث.

و قوله تعالى: {فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتى| يَخُوضُوا فى حَديثٍ‘ غَيْرِهِ} هو نهي للمسلمين عن الجلوس في هذا المجلس القائم على تلك الصّفة، و ليس نهيًا عامًّا مطلقًا على تجنّب الجلوس مع المنافقين و الكافرين، ففي ذلك إعنات للمؤمنين، فقد تستدعي أحوالهم أن يكونوا بحيث لامنصرف لهم عن الحياة مع هذه الجماعة، و تبادل المنافع معها.

على أنّ من السّلامة لدين المؤمن أن يتجنّب مجالس هؤلاء القوم ما استطاع، فإذا مسّت هذه المجالس دينه بما يسوء، كان أمرًا لازمًا عليه أن يتحوّل عن هذه المجالس في الحال، و لايخلط نفسه بها، و إلا حمل وزره من الإثم الّذي يتعاطاه فيها أهل النّفاق والكفر، و هذا ما يُشير إليه قوله تعالى:{ اِنَّكُمْ اِذًا مِثْلُهُمْ} أي لافرقبينكم أيّها المؤمنون و بين هؤلاء الأثَمَة، الّذين يهزؤون بآيات الله و يسخرون منها، إذا أنتم استمعتم إلى هذا المُنكَر و لم تنكروه. (3: 936)

مكارم الشّيرازيّ: النّهي عن المشاركة في مجالس يُعصَى الله فيها:

لقد ورد في الآية (68) من سورة الأنعام أمر صريح إلى النّبيّ(صلی الله علیه و آله) في أن يعرض عن أُناس يستهزئون بآيات القرآن، و يتكلّمون بما لايليق.

ص: 167

و طبيعيّ أنّ هذا الحكم لاينحصر بالنّبيّ(صلی الله علیه و آله) وحده، بل يعتبر حكمًا و أمرًا عامًّا يجب على جميع المسلمين اتّباعه. و قد جاء هذا الحكم على شكل خطاب موجّه إلى النّبيّ(صلی الله علیه و آله)، و فلسفته جليّة واضحة، لأ نّه يكون بمثابة كفاح سلبيّ ضدّ مثل تلك الأعمال.

و الآية هذه تُكرّر الحكم المذكور مرّة أُخرى،

و تُحذّر المسلمين مذكّرة إيّاهم بحكم سابق في القرآن نهي فيه المسلمون عن المشاركة في مجالس يُستَهزأ فيها و يُكفَر بالقرآن الكريم، حتّى يكفّ أهل هذه المجالس عن الاستهزاء، و يدخلوا في حديث آخر. تقول الآية: { وَ قَدْ نَزَّ لَ عَلَيْكُمْ فىِ الْكِتَابِ اَنْ اِذَا سَمِعْتُمْ ايَاتِ اللهِ يُكْفَرُ بِهَا...}، بعد ذلك تبيّن الآية لنا نتيجة هذا العمل، و تؤكّد أنّ من يشارك في مجالس الاستهزاء بالقرآن، هو كمن استهزأ بنفسه، و سيكون مصيره نفس مصير أُولئك المستهزئين، تقول الآية : {اِنَّكُمْ اِذًا مِثْلُهُمْ}.

(3: 439)

فضل الله: ضرورة ابتعاد المؤمن عن تجمّعات المستهزئين بآيات الله.

في هذه الآية تذكير بالآية الثّامنة و السّتّين من سورة الأنعام الّتي سبقت هذه الآية في النّزول، لأ نّها نزلت في مكّة قبل الهجرة، و هي قوله تعالى: {وَ اِذَا راَيْتَ الَّذينَ‘ يَخُوضُونَ فى ايَاتِنَا فَاَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتى| يَخُوضُوا ...} فقد نزلت هذه الآية لتُحدّد للمسلمين المجالس الّتي لايجوز لهم الجلوس فيها، وهي المجالس الّتي يدور الخوض فيها بطريقة سلبيّة في ذمّ النّبيّ(صلی الله علیه و آله)، و التّشكيك بالقرآن أو الإنكار و الاستهزاء، في الوقت الّذي لايملك فيه المسلمون قوّة تُتيح لهم الرّدّ الحاسم على المشركين الّذين يُثيرون هذا النّوع من الحديث و يخوضون فيه. فلا بدّ لهم من الانسحاب منها إذا بدأ الحديث بهذه الطّريقة، للتّعبير عن الرّفض لذلك و الاحتجاج عليه، لأنّ ذلك هو السّبيل الوحيد في إظهار التّصميم، على الصّمود في خطّ الإيمان.

و قد واجه المسلمون هذا النّوع من المجالس في المدينة؛ و ذلك في مجتمع اليهود و المنافقين، الّذين كانوا يحاولون الخوض في آيات الله بالطّريقة نفسها، و جاءت هذه الآية لتذكّر المؤمنين بأنّ الموقف الآن في المدينة هو الموقف السّابق في مكّة، وفي كلّ موقف مماثل في كلّ زمان و مكان، فلا بدّ للمسلم أنيعبّر عن رفضه لهذه الأحاديث المضادّة للحقّ و أهله: إمّا بالرّدّ الحاسم إذا كان يملك القوّة على الرّدّ، أو الانسحاب من المجلس إلى أن ينتهي هذا الحديث، و ينتقل الجالسون إلى غيره.

أمّا إذا لم يفعلوا ذلك، و استمرّوا في الجلوس في المجلس من دون خوف و لاضرورة فإنّ الموقف يتحوّل إلى موقف نفاق، متمثّل في سلوك صاحبه الّذي يحاول أن يظهر مع الكافرين بمظهر الرّ اضي بكلامهم، المنسجم مع أحاديثهم، طلبًا لمرضاتهم أو طمعًا في أموالهم. و عليه أن ينتظر في نهاية المطاف في الآخرة عذاب جهنم الّذي أعدّه الله للمنافقين و الكافرين، لأنّ القضيّة تتّصل بالواقع على مستوي النّتائج المتحرّكة، في موقف الكفر في ساحة القوّة، لا على مستوي الكلمات الّتي لاتتحوّل إلى موقف. فإنّ الله

ص: 168

يرفض الكفر و يرفض تشجيع الكافرين على الامتداد في كفرهم و مجاملتهم في التّعبير، عن أحقادهم ضدّ الإسلام، لأنّ الّذين يجاملونهم و يداهنونهم، يعبّرون عن تجاوبهم و انسجامهم مع المضمون الكافر السّاخر بالإسلام وأهله؛ الأمر الّذي يحمل دلالة كبيرة على أنّ روحيّة هذا الإنسان الّذي يتمظهر بمظهر الإسلام، تتّفق مع روحيّة الكفر و الكافرين، فإنّ المسلم الحقّ لا يمكن أن يتقبّل الإساءة إلى دينه و إلى مقدّساته، من دون أن يعبّر عن رفضه بكلّ الوسائل الإيجابيّة و السّلبيّة الموجودة عنده.

و في ضوء ذلك، نفهم أنّ الإسلام لا يريد أن يفرض على المسلمين العُزلة عن مجتمعات الكفر، لاسيّما إذا كانت لديهم مصالح ثقافيّة و اقتصاديّة وأمنيّة تتّصل بهم، و لكنّه يريد لهم أن لايواجهوا التّحدّيات الكافرة بموقف ضعف و استسلام و استخذاء، بل يريد لهم أن يعبّروا عن رفضهم لذلك بالطّريقة المذكورة، و هي الخروج من المجلس، باعتبار أنّه أضعف الإيمان. (7: 508)

3 وَ اِذَا رَاَ يْتَ الَّذينَ‘ يَخُوضُونَ فى اياتِنَا فَاَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتى| يَخُوضُوا فى حَديثٍ‘غَيْرِهِ.

الأنعام: 68

تقدّم الكلام فيها في (يَخُوضُونَ).

4 و5 فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَ يَلْعَبُوا حَتى| يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذى‘ يُوعَدُونَ. الزّخرف: 83، و المعارج:42

الطّبَريّ: يقول تعالى ذكره: فذر يا محمّد هؤلاء المفترين على الله الواصفة بأنّ له ولدًا، يخوضوا في باطلهم، و يلعبوا في دنياهم.

(11: 217)

و نحوه أكثر التّفاسير.

نَخُوضُ

1 وَ لَئِنْ سَاَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ اِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَ نَلْعَبُ... التّوبة: 65

ابن عبّاس: فنحدّث عن الرّكب،{وَ نَلْعَبُ} نضحك فيما بيننا. (161)الحسَن: هؤلاء قالوا في غُزاة تبوك: أيرجو هذا الرّجل أن يفتح قصور الشّام و حصونها، هيهات هيهات، فاطّلع الله نبيّه(صلی الله علیه و آله) على ما قالوه، فلمّا سألهم النّبيّ عن ذلك على وجه التّأنيب لهم و التّقبيح لفعلهم: لِمَ طعنتم في الدّين بالباطل و الزّور؟ فأجابوا بما لاعذرفيه، بل هو وبال عليهم: بأنّا كنّا نخوض ونلعب.

مثله قَتادَة. (الطُّوسيّ 5: 292)

قَتادَة: بينا رسول الله(صلی الله علیه و آله) يسير في غزوته إلى تبوك، و بين يديه ناس من المنافقين، فقالوا: يرجو هذا الرّجل أن يفتح قصور الشّام و حصونها! هيهات هيهات! فاطّلع الله نبيّه(صلی الله علیه و آله) على ذلك، فقال نبيّ الله(صلی الله علیه و آله): <احبسوا عليّ الرَّكْب! فأتاهم، فقال: قلتم كذا، قلتم كذا. قالوا: يا نبيّ الله، إنّما كنّا نخوض ونلعب>، فأنزل الله تبارك و تعالى فيهم ما تسمعون. (الطّبَريّ 6: 409)

نحوه الزّمَخْشَريّ (2: 200)، و أبو السُّعود (3: 166) .

الطّبَريّ: يقول تعالى جلّ ثناؤه لنبيّه محمّد(صلی الله علیه و آله):

ص: 169

و لئن سألت يا محمّد هؤلاء المنافقين عمّا قالوا من الباطل و الكذب، ليقولنّ لك: إنّما قلنا ذلك لعبًا، و كنّا نخوض في حديث لعبًا و هزؤًا! يقول الله لمحمّد(صلی الله علیه و آله): قل يا محمّد: أبالله و آيات كتابه و رسوله كنتم تستهزئون؟. (6: 408)

الزّجّاج: و ذلك أنّهم قالوا: إنّما كنّا نخوض كما يخوض الرّكب. (2: 459)

الطُّوسيّ: خاطب الله تعالى نبيّه(صلی الله علیه و آله) فأقسم، لأنّ اللام لام القسم بأنّك يا محمّد(صلی الله علیه و آله) إن سألت هؤلاء المنافقين عمّا تكلّموا به {لَيَقُولُنَّ اِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَ نَلْعَبُ}.

و الخوض: دخول القدم فيما كان مائعًا من الماء أو الطّين. هذا في الأصل، ثمّ كثر حتّى صار في كلّ دخول منه أذى و تلويث. (5: 292)

الواحديّ: أي في الباطل من الكلام كما يخوض الرّكب نقطع به الطّريق. (2: 507)

الطَّبْرِسيّ: و اللام للتّأكيد و القسم، و معناه لقالوا: كنّا نخوض خوض الرّكب في الطّريق، لا على طريق الجدّ، و لكن على طريق اللّعب و اللّهو، فكان عذرهم أشدّ من جرمهم. (3: 47)

الفَخْرالرّازيّ: [نقل الرّوايات في شأن نزول الآية ثمّ قال:]

اعلم أنّه لاحاجة في معرفة هذه الآية إلى هذه الرّوايات، فإنّها تدلّ على أنّهم ذكروا كلامًا فاسدًا على سبيل الطّعن و الاستهزاء، فلمّا أخبرهم الرّسول بأنّهم قالوا ذلك، خافوا و اعتذروا عنه، بأنّا إنّما قلنا ذلك على وجه اللّعب لا على سبيل الجدّ؛ و ذلك قولهم: {اِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَ نَلْعَبُ}، أي ما قلنا ذلك إلالأجل اللّعب.

و هذا يدلّ على أنّ كلمة (اِنَّمَا) تفيد الحصر؛ إذ لو لم يكن ذلك، لم يلزم من كونهم لاعبين أن لايكونوا مستهزئين، فحينئذ لايتمّ هذا العذر.و الجواب: قال الواحديّ: أصل الخوض الدّخول في مائع من الماء و الطّين، ثمّ كثر حتّى صار اسمًا لكلّ دخول فيه تلويث و أذى. و المعنى: أنّا كنّا نخوض و نلعب في الباطل من الكلام، كما يخوض الرّكب لقطع الطّريق، فأجابهم الرّسول بقوله: {اَبِاللهِ وَ ايَاتِهِ وَ رَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ} التّوبة: 65. (16: 122)

نحوه النَّيسابوريّ (10: 123)، والخازن (3: 96).

الطَّباطَبائيّ: تذكر الآيات شأنًا آخر من شؤون المنافقين، وتكشف عن سوأة أُخرى من سوآتهم ستروا عليها بالنّفاق، و كانوا يحذرون أن تظهر عليهم، و تنزل فيها سورة تقص ما همّوا به منها.

و الآيات تنبئ عن أنّهم كانوا جماعة ذوي عدد كما يدلّ عليه قوله: {اِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً}، و أنّه كان لهم بعض الاتّصال و التّوافق مع جماعة آخرين من المنافقين، كما في قوله: {الْمُنَافِقُونَ وَ الْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ...}.

و أنّهم كانوا على ظاهر الإسلام و الإيمان حتّى اليوم، و إنّما نافقوا يومئذ، أي تفوّهوا بكلمة الكفر فيما بينهم، وأسرّوا بها يومئذ، كما في قوله: {قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ ايمَانِكُمْ}.

ص: 170

و أ نّهم تواطؤوا على أمر دبّروه فيما بينهم، فأظهروا عند ذلك كلمة الكفر، و همّوا على أمر عظيم، فحال الله بينهم و بينه، فخاب سعيهم و لم يؤثّر كيدهم، كما في قوله: {وَ لَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَ كَفَرُوا بَعْدَ اِسْلامِهِمْ وَ هَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا}.

و أنّه ظهر ممّا همّوا به بعض ما يُستدلّ عليه من الآثار و القرائن فسُئلوا عن ذلك، فاعتذروا بما هو مثله قبحًا وشناعةً، كما في قوله: {وَ لَئِنْ سَاَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ اِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَ نَلْعَبُ}. والآيات التّالية لهذه الآيات في سياق متّصل منسجم، تدلّ على أنّ هذه الوقعة أيًّا مّا كانت وقعت بعد خروج النّبيّ(صلی الله علیه و آله) إلى غزوة تبوك و لمّا يرجع إلى المدينة، كما يدلّ عليه قوله: { فَاِنْ رَجَعَكَ اللهُ اِلى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ }: آية: 83، من السّورة، و قوله: { سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ اِذَا انْقَلَبْتُمْ اِلَيْهِمْ} آية: 95، من السّورة.

فيتلخّص من الآيات: أنّ جماعة ممّن خرج مع النّبيّ(صلی الله علیه و آله) تواطؤوا على أن يمكروا بالنّبيّ(صلی الله علیه و آله)، و أسرّوا عند ذلك فيما بينهم بكلمات كفروا بها بعد إسلامهم، ثمّ همّوا أن يفعلوا ما اتّفقوا عليه بفتك أو نحوه، فأبطل الله كيدهم و فضحهم و كشف عنهم، فلمّا سُئلوا عن ذلك قالوا: {اِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَ نَلْعَبُ}، فعاتبهم الله بلسان رسوله(صلی الله علیه و آله) بأنّه استهزاء بالله و آياته و رسوله، و هدّدهم بالعذاب إن لم يتوبوا، و أمر نبيّه(صلی الله علیه و آله) أن يجاهدهم و يجاهد الكافرين.

فالآيات كما ترى أوضح انطباقًا علىحديث العقبة منها على غيره من القصص الّتي تتضمّنها الرّوايات الأُخر الواردة في بيان سبب نزول الآيات، و سنورد جلّها في البحث الرّوائيّ الآتي إن شاء الله تعالى. (9: 325)

مكارم الشّيرازيّ: أي إذا سألتهم عن الدّافع لهم على هذه الأعمال المشينة قالوا: نحن نمزح؛ و بذلك ضمنوا طريق العودة، فهم من جهة كانوا يخطّطون المؤامرات، و يبثّون السّموم، فإذا تحقّق هدفهم فقد وصلوا إلى مآربهم الخبيثة. أمّا إذا افتضح أمرهم فإنّهم سيتذرّعون و يعتذرون بأنّهم كانوا يمزحون، و عن هذا الطّريق سيتخلّصون من معاقبة النّبيّ(صلی الله علیه و آله) و النّاس لهم.

إنّ المنافقين في أيّ زمان، تجمعهم وحدة الخُطَط، و الضّرب على نفس الوَتر، لذا فلهم نغمة واحدة، و هم كثيرًا ما يستفيدون و يتّبعون هذه الطُّرُق، بل إنّهم في بعض الأحيان يطرحون أكثر المسائل جدّيّة، لكن بلباس المزاح السّاذج البسيط، فإن وصلوا إلى هدفهم و حقّقوه فهو، و إلا فإنّهم يفلتون من قبضة العدالة بحجّة المزاح.

غير أنّ القرآن الكريم واجه هؤلاء بكلّ صرامة، و جابههم بجواب لا مفرّ معه من الإذعان للواقع، فأمر النّبيّ(صلی الله علیه و آله) أن يخاطبهم { قُلْ اَبِاللهِ وَ ايَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ } ، أي إ نّه يسألهم: هل يمكن المزاح و السّخريّة حتّى بالله و رسوله و آيات القرآن؟!

هل إنّ هذه المسائل الّتي هي أدقّ الأُمور وأكثرها جدّ يّة قابلة للمزاح؟!

هل يمكن إخفاء قضيّة تنفير البعير و سقوط النّبيّ(صلی الله علیه و آله) من تلك العقبة الخطيرة، و الّتي تعني الموت،

ص: 171

تحت عنوان و نقاب المزاح؟ أم أنّ السّخريّة

و الاستهزاء بالآيات الإلهيّة وإخبار النّبيّ بالانتصارات المستقبليّة من الأُمور الّتي يمكن أن يشملها عنوان اللّعب؟ كلّ هذه الشّواهد تدلّ على أنّ هؤلاء كان لديهم أهداف خطيرة مستترة خلف هذه الأستار و العناوين. (6: 104)

فضل الله: و لكن هذا عذر أقبح من ذنب، فهل يمكن أن تكون قضيّة الرّسالة و الوحي و الرّسول و الجهاد في سبيل الله، من القضايا الّتي يخوض النّاس فيها كما يخوضون في أحاديث الباطل، أو يتلاعب بها اللاعبون كما لو كانت شيئًا من الهزل الّذي لايمثّل قيمة حقيقيّة في حياة النّاس؟ إنّه العذر الّذي يؤكّد حقيقة الجريمة، بسبب ما يمثّله من روحيّة سلبيّة ضدّ الله والرّسول {قُلْ اَبِاللهِ وَ ايَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ} من خلال ما يمثّله الخوض واللّعب من عدم احترام واستهزاء بطريقة غير مباشرة. (11: 152)

2 وَ كُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضينَ‘.

المدّثّر: 45

قَتادَة:كلّما غوى غاوٍغوى معه.

(الطّبَريّ 12: 319)السُّدّيّ: كنّا نُكذّب مع المكذّبين. (467)

ابن زَيْد: نخوض مع الخائضين في أمر محمّد (صلی الله علیه و آله) فنقول: إنّه كاذب، ساحر، مجنون، و في أمر القرآن فنقول: إنّه سحر و شعر و كِهانة، إلى نحو أُولئك من الأباطيل. (المَراغيّ 29: 140)

الطّبَريّ: و كنّا نخوض في الباطل، و فيما يكرهه الله مع من يخوض فيه. (12: 319)

نحوه المراغيّ. (29: 140)

الزّجّاج: أي نتّبع الغاوين. (5: 249)

الماوَرْديّ: و كنّا أتباعًا و لم نكن متبوعين.

(6: 148)

الطُّوسيّ: أي كنّا نُلوّث أنفسنا بالمرور في الباطل، كتلويث الرّجل بالخوض. فلمّا كان هؤلاء يخرجون مع من يكذّب بالحقّ مشيّعين لهم في القول، كانوا خائضين معهم. (10: 186)

نحوه الطَّبْرِسيّ. (5: 392)

القُشَيْريّ: نشرع في الباطل، و نكذّب بيوم الدّين. (6: 220)

المَيْبُديّ: أي كنّا نشرع في الباطل مع الشّارعين فيه، أي كلّما غوى غاوٍ بالدّخول في الباطل غوينا معه. (10: 290)

نحوه البَيْضاويّ (2: 520)، وأبوالسُّعود (6: 332)،والكاشانيّ(5: 251).

الزّمَخْشَريّ: الخوض: الشّروع في الباطل، و ما لاينبغي.

(4: 187)

نحوه النّسَفيّ. (4: 312)

الفَخْرالرّازيّ: و المراد منه الأباطيل.

(30: 211)

القُرطُبيّ: أي كنّا نخالط أهل الباطل في باطلهم... و قيل: معناه: كنّا أتباعًا و لم نكن متبوعين. (19: 86)

الشِّربينيّ: أي نوجد الكلام الّذي هو في غير مواقعه و لاعلم لنا به إيجاد المشي من الخائض في

ص: 172

ماء غمر {مَعَ الْخَائِضينَ‘} بحيث صار لنا هذا وصفًا راسخًا، فنقول في القرآن: إنّه سحر، و إنّه شعر، و إنّه كهانة، و غير هذا من الأباطيل، لانتورّع عن شيء من ذلك، و لانقف مع عقل، و لانرجع إلى صحيح نقل.

فليأخذ الّذين يبادرون إلى الكلام في كلّ ما يسألون عنه من أنواع العلم، من غير تثبّت منزلتهم من هنا. (4: 436)

البُرُوسَويّ: أ:ي نشرع في الباطل مع الشّارعين فيه. و المراد بالباطل: ذمّ النّبيّ(علیه السلام) و أصحابه رضي الله عنهم، و غيبتهم، و قولهم: بأنّه شاعر أو ساحرأو كاهن، و غير ذلك.

و الخوض في الأصل بمعنى الشّروع مطلقًا في أيّ شيء كان، ثمّ غلب في العرف بمعنى الشّروع في الباطل و القبيح و ما لاينبغي. و في الحديث:<أكثر النّاس ذنوبًا يوم القيامة، أكثرهم خوضًا في معصية الله>.

(10: 240)

الآلوسيّ: الخائضين، أي نشرع في الباطلمع الشّارعين فيه. و الخوض في الأصل: ابتداء الدّخول في الماء و المرور فيه، و استعماله في الشّروع في الباطل من المجاز المرسل أو الاستعارة، على ما قرّروه في المشفر و نحوه.

و عن بعضهم: أنّه اسم غالب في الشّرّ، و أكثر ما استُعمل في القرآن بما يُذمّ الشّروع فيه. و أُريد بالباطل ما لاينبغي من القول و الفعل.

(29: 133)

ابن عاشور: و أصل الخوض: الدّخول في الماء، و يستعار كثيرًا للمحادثة المتكرّرة. و قد اشتهر إطلاقه في القرآن على الجدال و اللّجاج غير المحمود، قال تعالى: {ثٌمَّ ذَرْهُمْ فى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُون} ، و غير ذلك. و قد جمع الإطلاقين قوله تعالى: {وَ اِذَا رَاَ يْتَ الَّذينَ‘ يَخُوضُونَ فى ايَاتِنَا ...} و باعتبار مجموع الأسباب الأربعة في جوابهم فضلا عن معنى الكناية، لم يكن في الآية ما يدلّ للقائلين بأنّ الكفّار مخاطبون بفروع الشّريعة. (29: 304)

مَغْنِيّة: نستهين بكلّ شيء إلاباللّهو و اللّعب، و ندخل كلّ مدخل إلامداخل الحقّ و الخير. (7: 465)

الطَّباطَبائيّ: المراد بالخوض: الاشتغال بالباطل قولا أو فعلا، و الغور فيه. (20: 97)

عبد الكريم الخطيب: لم يتأثّموا من منكر، و لم يتحرّجوا من فاحشة بل كانوا مع كلّ جماعة ضالّة، و على كلّ مورد آثم. (15: 1304)

مكارم الشّيرازيّ: و كنّا نصدّق أقوالهم، ونضفي الصّحّة على ما ينكرون و يكذّبون، و نلتذّ باستهزائهم الحقّ.

نخوض: من مادّة <خوض> على وزن <حوض>، و تعني في الأصل: الغَوْر و الحركة في الماء، و يُطلق على الدّخول و التّلوّث بالأُُمور. و القرآن غالبًا ما يستعمل هذه اللّفظة في الاشتغال بالباطل و الغور فيه.

و الخوض في الباطل له معان واسعة، فهو يشمل الدّخول في المجالس الّتي تتعرّض فيها آيات الله للإستهزاء، أو ما تروج فيها البدع، أو المزاح الواقح، أو التّحدّث عن المحارم المرتكبة بعنوان الافتخار و التّلذّذ بذكرها، و كذلك المشاركة في مجالس الغيبة و الاتّهام

ص: 173

و اللّهو و اللّعب و أمثال ذلك. و لكن المعنى الّذي انصرفت إليه الآية: هو الخوض في مجالس الاستهزاء بالدّين و المقدّسات و تضعيفها، و ترويج الكفر و الشّرك. (19: 167)

فضل الله: {وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضينَ‘} في وحول الأفكار و المواقف و الكلمات غير المسؤولة، فلم تكن عندنا قاعدة فكريّة ننطلق منها، لنحدّد مواقفنا على أساسها، و لم يكن لدينا منطلق للانتماء لنتعرّف من خلاله على مواقعنا. و على ضوء ذلك، كنّا نحدّق بالنّاس أين يتحرّكون لنتحرّك معهم، و كنّا نلاحق الأوضاع كيف تتغيّر لنتغيّر معها. و كانت أحاديث النّاس الّتي تدور حول شخص مّا، أو جهة معيّنة، هي الأحاديثالّتي ننفتح عليها، و نندمج فيها، و نبتني كلّ أفكارها، لنردّدها مع الّذين يردّدونها، أو لنؤيّدها مع الّذين يؤيّدونها، فليست المشكلة عندنا انسجامها مع الحقيقة، بل المشكلة هي كيف ينظر النّاس إليها، و كيف يلتزمونها في الوجدان العامّ؟

و هذا الّذي جعلنا نخطئ من حيث لايجوز لنا الخطأ، و نظلم من لايستحقّ الظّلم، و نحكم بالباطل من دون حجّة، و نتنكّر للحقّ من دون أساس، لأ نّنا كنّا نعيش((1)

) فكرنا بفعل ما ينتهي إليه العقل من نتائج، و لاتتحرّك مسؤوليّتنا بفعل ما تُحدّده المسؤوليّة لنا من مواقع، بل كان الآخرون هم الّذين يُحدّدون لنا ذلك كلّه. و لهذا فقدنا رضوان الله علينا، لأنّ الله يرضى عن الّذين يملكون الحجّة، من حيث يملكون حركة عقولهم، و يواجهون القضايا من موقع المسؤوليّة الواعي، بين يدي الله. (23: 226)

خَوْض

اَ لَّذينَ‘ هُمْ فى خَوْضٍ يَلْعَبُونَ. الطّور:12

أبوعُبَيْدَة: الخوض: الفتنة و الاختلاط.

(2: 231)

الطّبَريّ: يقول: الّذين هم في فتنة و اختلاط في الدّنيا يلعبون، غافلين عمّا هم صائرون إليه من عذاب الله في الآخرة. (11: 485)

الزّجّاج: أي يشاغلهم بكفرهم لعب عاقبته العذاب. (5: 62)

القُمّيّ: يخوضون في المعاصي. (2: 332)

الواحديّ: يخوضون في حديث محمّد (علیه السلام) بالتّكذيب و الاستهزاء، يلهون بذكره. (4: 185)

مثله ابن الجَوْزيّ. (8: 49)

البغَويّ: يخوضون في الباطل يلعبون غافلين لاهين. (4: 291)

المَيْبُديّ: [مثل البغَويّ و أضاف:]

الخوض و اللّعب و الكذب واحد. و التّأويل: الّذين هم في إنكارالبعث و تكذيب محمّد(صلی الله علیه و آله) و سائرالأنبياء، يلعبون من غيربيان و حجّة. و قيل: في أسباب الدّنيا يلعبون من غير فكر في ثواب و عقاب.

(9: 334)

ص: 174


1- (1)في الأصل لانعيش.

الزّمَخْشَريّ: غلب الخوض في الاندفاع في الباطل و الكذب، و منه قوله تعالى:{وَ كُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضينَ‘} المدّثّر: 45، {وَخُضْتُمْ كَالَّذى‘ خَاضُوا} التّوبة: 69. (4: 23)

نحوه النّسَفيّ (4: 190)، و أبو حَيّان (8: 147)، و أبو السُّعود (6: 145).

ابن عَطيّة: الخوض: التّخبّط في الأباطيل، يُشبّه بخوض الماء. و منه قوله تعالى: {وَ اِذَا رَاَ يْتَ الَّذينَ‘ يَخُوضُونَ فى ايَاتِنَا} . (5: 187)

الفَخْرالرّازيّ: و الخوض نفسه خُص فياستعمال القرآن بالاندفاع في الأباطيل، و لهذا قال تعالى:{وَ خُضْتُمْ كَالَّذى‘ خَاضُوا} و قال تعالى: { وَ كُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضينَ ‘}.

و تنكيرالخوض يحتمل و جهين:

أحدهما: أن يكون للتّكثير، أي في خوض كامل عظيم.

ثانيهما: أن يكون التّنوين تعويضًا عن المضاف إليه، كما في قوله تعالى: (اِلا ) التّوبة: 8. و قوله: { وَاِنَّ كُلا } هود: 111، و {بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} البقرة: 251.

و الأصل في خوضهم: المعروف منهم. و قوله:

{ اَ لَّذينَ‘ هُمْ فى خَوْضٍ} ليس وصفًا للمكذّبين بما يميّزهم، و إنّما هو للذّمّ كما أنّك تقول: الشّيطان الرّجيم. و لا تريد فصله عن الشّيطان الّذي ليس برجيم، بخلاف قولك: أكرم الرّجل العالم، فالوصف بالرّجيم للذّمّ به لاللتّعريف: و تقول: في المدح:< الله الّذي خلق>، و <الله العظيم> للمدح، لاللتّمييز

و لاللتّعريف عن إله لم يخلق، أو إله ليس بعظيم، فإن الله واحد لاغير. (28: 245)

القُرطُبيّ: أي في تردّد في الباطل، و هو خوضهم في أمر محمّد بالتّكذيب.

و قيل: في خوض في أسباب الدّنيا يلعبون، لايذكرون حسابًا و لاجزاءً. (17: 64)

ابن كثير: أي هم في الدّنيا يخوضون في الباطل

و يتّخذون دينهم هزؤًا و لَعِبًا. (6: 431)

الشِّربينيّ: أي أقوالهم و أفعالهم أفعال الخائض في الماء، فهو لايدري أين يضع رجله. (4: 112)

البُرُوسَويّ: أي اندفاع عجيب في الأباطيل و الأ كاذيب ،... قال في <فتح الرّحمن>: الخوض: التّخبّط في الأباطيل شُبّه بخوض الماء و غوصه. و في <حواشي الكشّاف>: الخوض: من المعاني الغالبة، فإنّه يصلح في الخوض في كلّ شىء إلاأنّه غلب في الخوض في الباطل، كالإحضار لأ نّه عامّ في كلّ شيء، ثمّ غلب استعماله في الإحضار للعذاب، قال: {لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرينَ‘} الصّافّات:57، و قوله: { اَ لَّذينَ‘ هُمْ فى خَوْضٍ} ليس صفة قُصِد بها تخصيص المكذّبين و تمييزهم،وإنّما هو للذّمّ، كقولك: <الشّيطان الرّجيم>.

(9: 189)

نحوه الآلوسيّ. (27: 29)

ابن عاشور: و الخوض: الاندفاع في الكلام الباطل و الكذب. و المراد: خوضهم في تكذيبهم بالقرآن، مثل ما حكى الله عنهم: {وَ قَالَ الَّذينَ‘ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْ انِ وَ الْغَوْا فيهِ ‘لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ}

ص: 175

فصّلت: 26، و هو المراد بقوله تعالى: { وَ اِذَا رَاَ يْتَ الَّذينَ‘ يَخُوضُونَ فى ايَا تِنَا ...} ، و (فى) للظّرفيّة المجازيّة، و هي الملابسة الشّديدة كملابسة الظّرف للمظروف، أي الّذين تمكّن منهم الخوض، حتّى كأنّه أحاط بهم. (27: 57)

الطَّباطَبائيّ: الخوض هو الدّخول في باطلالقول. [ثمّ نقل قول الرّاغِب و قال:]

و تنوين التّنكير في {خَوْضٍ} يدلّ على صفة محذوفة، أي في خوض عجيب. (19: 10)

فضل الله: فهم يخوضون في الأحاديث المطروحة في ساحة الصّراع بين الرّسالة و خصومها، تمامًا، كما لو كانت حركةً لاعبةً لاهيةً، في ما يخوض فيه الخائضون من إثارة الضّجيج و تبادل الصّراخ، لينتهي كلّ شيء بعد ذلك إلى الفراغ الّذي لايحمل معه الإنسان أيّ شيء.

و تلك هي المشكلة الّتي يعانيها الرّسل في مجتمعاتهم عندما يعملون بكلّ الوسائل المتاحة لديهم على إخراجها من أجواء اللّعب، إلى أجواء الجدّ يّة المسؤولة، الّتي تتابع الواقع الجديد باهتمام و تفكير، ليواجهوا الخوف الحقيقيّ من المصير الأُخرويّ. (21: 234)

خَوْضِهِمْ

ثُمَّ ذَرْهُمْ فى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ. الأنعام: 91

راجع: و ذ ر: <ذَرْهُمْ>.

الأُصول اللُّغويّة

1 الأصل في هذه المادّة: الخَوْض، أي المشي في الماء. يقال: خاض الماء يَخُوضه خَوْضًا و خِياضًا، و اختاض اختياضًا، واختاضَه و تخوّضه، أي مشى فيه، و أخاض فيه غيره، و خوّض تخويضًا، و أخَضتُ في الماء دابّتي، و أخاض القوم: خاضت خيلهم في الماء، و أخاض القوم خيلهم الماء إخاضةً: خاضوا بها الماء.

و المَخاض من النّهر الكبير: الموضع الّذي يتخضخض ماؤه، فيُخاض عند العبور عليه، و هو المَخاضة أيضًا؛ و الجمع: مَخاوض.

و المِخوَض: مِجدَح يُخاض به السّويق. يقال: خاض الشّراب في المِجدَح و خوّضه، أي خلطه و حرّكه.

و الخَوْضَة: اللّؤلؤة، لأنّ الغوّاص يَخُوض الماء لأجلها.

و خُضتُه بالسّيف أخُوضه خَوْضًا: وضَعتُ السّيف في أسفل بطنه ثمّ رفَعتُه إلى فوق، و خوّض في نجيعه، مبالغة في ذلك.

و اختاض المرعى اختياضًا: كثر عُشْبُه و التف، تشبيهًا بخوض الماء الكثير.

و الخِياض: أن تدخل قِدْحًا مستعارًا بين قِداح الميسر يُتيمّن به، لأ نّه يُجال به في اللّعب، كما يُخاض في الماء.

و الخَوْض: اللَّبس في الأمر على التّشبيه، و منه الخَوْض من الكلام، أي ما فيه الكذب و الباطل. يقال: خاض القوم في الحديث و تخاوضوا، أي تفاوضوا فيه،

ص: 176

و خُضتُ الغمرات: اقتَحَمتُها.

2 و استعمل المولّدون الخَوْض بمعنى الخبط. قالوا: خاض في ظلام اللّيل، أي خبطه وسار فيه على غير هدى، كما في كتاب <ألف ليلة وليلة>، و فلان يخوض اللّيل: يختبط فيه غير مكترث بالأهوال، كما في <محيط المحيط>.

الاستعمال القرآ نيّ

جاء منها <الماضي> مرّتين، و <المضارع> 6 مرّات، و <اسم الفاعل> مرّة، و المصدر : <خَوْض> مرّتين، في 9 آيات:

1 {وَخُضْتُمْ كَالَّذى‘ خَاضُوا...} التّوبة : 69

2 {وَلَئِنْ سَاَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ اِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَ نَلْعَبُ...} التّوبة :65

3 {...اِذَا سَمِعْتُمْ ايَاتِ اللهِ يُكْفَرُ بِهَا وَ يُسْتَهْزَاُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتّى يَخُوضُوا فى حَديث غََيْرِهِ اِنَّكُمْ اِذًا مِثْلُهُمْ...} النّساء : 140

4 و 5 {فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَ يَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذى‘ يُوعَدُونَ} المعارج : 42، و الزّخرف : 83

6 {وَ اِذَا رَاَيْتَ الَّذينَ‘ يَخُوضُونَ فى ايَاتِنَا فَاَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتى |يَخُوضُوا فى حَديثٍ‘ غَيْرِهِ ...}

الأنعام : 68

7 {وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضينَ‘}

المدّثّر :45

8 { فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّ بينَ‘* اَ لَّذينَ‘ هُمْ فى خَوْضٍ يَلْعَبُونَ} الطّور : 11،12

9 {... قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ}

الأنعام : 91

يلاحظ أوّلا : أنّ الخوض استُعمل مجازًا في القرآن، و فيه بُحُوثٌ:

1 لهم في التّعبير عن معنى <الخوض> عبارات شتّى، سعيًا في تصويره و تجسيمه، فقالوا في (1):{وَخُضْتُمْ كَالَّذى‘ خَاضُوا}: خُضتُم في الباطل، في الكذب و الباطل على الله، و تكذيب رسله و بالاستهزاء بالمؤمنين الخوض: الدّخول في الباطل و اللّهو خلفتم كالّذي خلفوا، و هو مستعار من الخوض في المائعات. و لايستعمل إلا في الباطل، أي في الطّعن على الدّين و تكذيب نبيّهم. خُضتُم في أسباب الدّنيا باللّهو و اللّعب في أمر محمّد 9، التّشبيه من جهة الفعل، أي فعلتم كأفعال الّذين من قبلكم، دخلتم في اللّهو و الباطل، خفتم في حمأة الباطل، كالخوض الّذي خاضوه من كلّ وجه.

و قالوا في (2) {اِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَ نَلْعَبُ}: الخوض: دخول القدم فيما كان مائعًا، ثمّ كثر حتّى صار في كلّ دخول منه أذًى و تلويث، في الباطل من الكلام، ما قلنا ذلك إلا لأجل اللّعب، قالوا نحن نمزح، و نحوها غيرها ممّا هو ذمّ.

و قالوا في (3) {فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتّى يَخُوضُوا فى حَديثٍ‘ غَيْرِهِ}: حتّى يكون خوضهم و حديثهم في غير محمّد و القرآن، يتحدّثوا حديثًا غيره، يأخذوا في حديث غير الاستهزاء بمحمّد و أصحابه و القرآن، يأخذوا في حديث غير القرآن، حتّى يشرعوا في كلام غيرالكفر الاستهزاء بالقرآن.و الخوض: الشّروع فيحديث غير حديثهم الّذي هو كفر و استهزاء، و نحوه.

ص: 177

فالخوض فيها ليس هو الخوض في الباطل، فهذه الآية كالمستثناة من سائر الآيات؛ حيث إنّها ترخيص و تلك ذمّ و تحريم.

2 جاء <الخوض> في خصوص المشركين في الآيات المكّيّة، و في خصوص المنافقين في الآيات المدنيّة. و هي إمّا خطاب للنّبيّ كما في (2): {وَلَئِنْ سَاَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ اِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَ نَلْعَبُ}، و (4) و (5):{فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَ يَلْعَبُوا}، و (6):{وَ اِذَا رَاَيْتَ الَّذينَ‘ يَخُوضُونَ فى ايَاتِنَا فَاَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتّى يَخُوضُوا فى حَديثٍ‘ غَيْرِهِ }، و (9): { قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ}. و إمّا خطاب للمسلمين في (3):{فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتّى يَخُوضُوا فى حَديثٍ‘ غَيْرِهِ}، أو للمنافقين في (1):{وَخُضْتُمْ كَالَّذى‘ خَاضُوا}. و أراد المشركين بقوله في (8): {اَ لَّذينَ‘ هُمْ فى خَوْضٍ يَلْعَبُونَ}، و أهل النّار في (7): {وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضينَ‘}.

3 ردف اللّعب الخوض و هو فعل في خمسٍ؛ منها: (2) و (4) و (5) و (8) و (9)، و جاء الخوض فعلا فيها أيضًا، ‘إلا في (8) و (9) فجاء مصدرًا. ففي (8) تأخّر {خَوْض} عن الضّمير (هُمْ) و نكّر: { اَ لَّذينَ‘ هُمْ فى خَوْضٍ يَلْعَبُونَ}، بينما تقدّم عليه في (9) و اتّصل به فعُرّف:{ثُمَّ ذَرْهُمْ فى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ}.

و الفرق بينهما أنّ (الخوض)في (9)آكدو أشدّ لأ نّه مضاف إليهم و المضاف إليه: (هم) تأكيد ل (هم) في (ذَرْهُمْ) أمّا (خَوْض) في (8) فليس فيه تأكيد بل التّنكير فيه يفيد الخفّة و القلّة ، بل الحقارة له: مقابل تلك التّأكيد و الشّدّة و التّكبير.

و فرق آخر بينهما أنّ الجارّ و المجرور (فى خوض) في(8) متعلّق ب (يلعبون) تقدّم عليه من أجل الاحتفاظ برويّ جملة من آيات السّورة .

أمّا في (9) ففيه وجوه كما قيل فهو إمّا متعلّق

ب (ذَرْهُمْ ) أو ب (يَلْعَبُونَ) كما في (8)، أو بمحذوف هو حال من مفعول (ذَرْهُمْ) أي ذرهم عابثين في خوضهم.

4 إنّ قوله في (3) و (6):{حَتى |يَخُوضُوا فى حَديثٍ‘ غَيْرِهِ} رخصة في الإقبال على الكافرين، و القعود مع المنافقين، ماداموا لايخوضون في آيات الله و لايستهزئون بها، لما في ذلك هدايتهم و كسب ودّهم، كما أطالوا فيه الكلام فلاحظ النُّصوص.

5 و الفرق بين هاتين: (3) و (6) كما سبق أنّ (3) خطاب للمسلمين فيشملهم جميعًا، و (6) خطاب للنّبيّ 7، و عندهم بحث طويل في أنّه حكم خاص به 7، أو يعمّ المسلمين إذا كانوا في نفس حالته 7، و هذا أظهر حكمًا لاخطابًا.

ثانيًا: الثّلاث الأُولى منها مدنيّة خاصّة بالمنافقين و المؤمنين و ضعفاء الإيمان، و السّتّ الباقية مكّيّة خاصّة بالمشركين.ثالثًا: استُعملت ألفاظ أُخرى بمعنى الخوض،

و منها:

الخلط:{وَ ا خَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صَالِحًا وَ اخَرَ سَيِّئًا}

التّوبة : 102

اللَّبس:{وَ لاتَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} البقرة : 42

الدّخول: {يَا ءََ يُّهَا الَّذينَ‘ امَنُوا ادْخُلُوا فِى السِّلْمِ كَافَّةً}

البقرة : 208

ص: 178

خ و ف

اشارة

36 لفظًا ، 119 مرّة : 72 مكّيّة ، 47 مدنيّة

في 42 سورة : 30 مكّيّة ، 12 مدنيّة

خاف 6: 4 2 تخافى 1: 1

خافوا 1 : 1 اَخاف 23: 19 4

خافت 1: 1 نخاف 2: 1 1

خِفْتُم 7: 7 خافون

1: 1

خِفْتِ 1 : 1 خائفًا

2: 2

خِفْتُ 1 : 1 خائفين

1: 1

خِفتُكُم 1 : 1 خيفَة

4 : 4

يخا ف 5 : 5 خيفته

1: 1

يخافه 1: 1 خيفتكم

1: 1

يخافا 1 : 1 خَوْف

16: 8 8

يخافون 11 : 4 7 الخوف 5 : 1 4

يخافوا 1 : 1 خوفًا

4: 2 2

تخاف 1 : 1 خوفهم 1: 1

تخَفْ 9 : 9 يُخوّف

2: 1 1

تخافنّ 1 : 1 يُخوّفونك 1: 1تخافا 1 : 1 نُخوّفهم 1: 1

تخافونهم 1 : 1 تخويفًا 1: 1

تخافوهم 1 : 1 تخَوّف 1: 1

النُّصوص اللُّغويّة

الخَليل: الخافة تصغيرها: خُوَيْفَة، و اشتقاقها من < الخَوْف >، و هي جُبّة يلبسها العسّال و السّقّاء.

و الخافَة: العَيْبَة.

و صار ت الواو في < يخاف > ألِفًا، لأ نّه على بناء < عَمِل يَعْمَل > فألقوا الواو استثقالا . و فيها ثلاثة أشياء: الحرف و الصّرف و الصّوت. و ربّما ألقوا الحرف و أبقوا الصّرف و الصّوت، و ربّما ألقوا الحرف بصرفها و أبقوا الصّوت، فقالوا: يخاف، و أصله يَخْوَف، فألقوا الواو و اعتمدوا الصّوت على صرف الواو.

ص: 179

و قالوا: خاف، و حَدّه خَوِف، فألقوا الواو بصرفها و أبقوا الصّوت، و اعتمدوا الصّوت على فتحة الخاء، فصار منها ألِفًا ليّنةً، و كذلك نحو ذلك فافهم.

و منه: التّخويف و الإخافة و التّخوّف. و النّعت: خائف و هو الفَزِع، و تقول: طريق مَخُوف: يخافه النّاس، و مُخيف: يُخيف النّاس.

و التّخوّف: التّنقّص، و منه قوله تعالى: { اَوْ يَاْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّف } النّحل:47.

و خَوّفتُ الرّجل: جعَلت فيه الخَوْف.

و الخيفة: الخوف، و قد جرّت كسرة الخاء الواو.

و قد يقال: خَوّفتُ الرّجل، أي صيّرته بحال يخافه النّاس. (4: 312)

سيَبَويه: سألت الخَليل عن < خاف >، فقال: يصلح أن يكون < فاعلا >: ذهبت عينُه، و يصلح أن يكون < فَعِلا >، قال: و على أيّ الوجهين وجّهتَه، فتحقيره بالواو. (ابن سيده 5: 307)

اللّيث: وجَعٌ مَخُوف و مُخيف، يُخيف من رآه. و حائط مخوف، و ثَغْرٌ مَخُوف، يُفرَق منه، و يجيء الخوف من قبله. (الأزهَريّ7: 593)

نحوه الأصمَعيّ. (الحَرْبيّ 2: 834)

الكِسائيّ: ماكان من ذوات الثّلاثة من بنات الواو، فإنّه يُجمَع على <فُعَّل >. و فيه ثلاثة أوجه: يقال: خائف: و خُيَّف، و خِيَّف و خُوّفٌ.

(الأزهَري 7: 594)

الأصمَعيّ: الخيف: جماعة خيفة، من الخوف.[ثمّ استشهد بشعر] (الحَرْبيّ 2: 834)

اللِّحيانيّ: و أخافه إيّاه إخافةً، و إخافًا.

(ابن سيده 5: 306)

و حائط مَخُوف، إذا كان يُخْشى أن يقع هو.

خوِّفنا، أي رقّق لنا القرآن و الحديث حتّى نخاف.

(ابن سيده 5: 307)

ابن الأعرابيّ: تحَوّفتُ الشّيء و تحيّفتُه وتخوّفته و تخيّفته، إذاتنقّصتُه. (الأزهَريّ 7: 594)

ابن السّكّيت: أخاف القوم، إذا أتَوْا خَيْفَ مِنى، فنزلوا.

يقال: هو يتَحَوّف المال و يتَخَوّ فه، أي يتنقّصه

و يأخذمن أطرافه. [ثمّ استشهدبشعر]

(الأزهَريّ 7: 594)

البندنيجيّ: و التّخوّف: من الخوف، و التّخوّف: أن تأخذ مال الرّجل قليلا، قال الله تعالى: { اَوْ ياْخُذَهُمْ عَلىتَخَوُّف } النّحل: 47، أي شيئًا بعد شيء. (587)

الحَرْبيّ: [في حديث عن النّبيّ (صلی الله علیه و آله)] < من أخاف أهل المدينة أخافه الله>. قوله:<من أخاف أهل المدينة> الخوف: الفزع، و كذلك: التّخويف، و طريق مخوف: يخافه النّاس، و مُخيف: يُخيف النّاس. (2: 834)

كراع النّمل: و الخوف: أديم أحمر تُقَدّ منه أمثال السُّيور، ثمّ يُجعَل على تلك السُّيور شَذَرٌ تلبسه الجارية. (ابن سيده 5: 307)

ابن دُرَيْد: و الخوف: ضدّ الأمن، من خاف يخاف خوفًا.

و الخيفة من الخوف؛ و الجمع: خِيْف.

ص: 180

و طريق مخوف، إذا استهدم. و قول مُخيف: خطأ.

و أخاف الرّجل، و هو مُخيف. و خُواف: موضع.

(2: 239)

و الخَوْف: معروف. و الخيفة: الخوف، قلبت الواو ياءً لكسرة ما قبلها.

و المَخاوف: مواضع الخوف. (3: 239)

الصّاحِب: خاف يخاف خوفًا، و منه التّخويف

و الإخافة.

و الخوف: الفزع.

و طريق مَخُوف: يخافه النّاس، و مُخيف: يُخيف النّاس، و خائف: ذو خوف.

و خَوّفتُه: جعلت فيه الخَوْف، و صيّرته بحال يخافه النّاس.

و الخِيْفة: الخوف؛ و جمعه: خِيْف.

و أخاف الثّغر فهو مُخيف. و خاوفني فخُفتُه أخُوفه.

و الخافة: العَيْبَة و الخريطة، و هي أيضًا: جُبّة من أدَم يلبسها العَسّال و السّقّاء، و تصغيرها خُوَيْفَة.

و سمعت خواف القوم و خواتهم: أي ضجّتهم.

و تخوّف من مالي، أي تنقّصه، و تخوّفَتْنا السّنة،

و تخوّفني حقّي. (4: 423)

الجَوهَريّ: خاف الرّجل يخاف خوفًا و خيفةً و مخافةً، فهو خائف، و قوم خُوّفٌ على الأصل، و خُيّفٌ على اللّفظ. و الأمر منه: خَفْ، بفتح الخاء.

و ربّما قالوا: رجل خافٌ، أي شديدالخوف، جاءوا به على < فَعِل >، مثل فَرِق و فَزِع، كما قالوا: رجل صاتٌ، أي شديد الصّوت.و الخيفة: الخوف؛ و الجمع: خيفٌ، و أصله الواو.

و خاوفه فخافه يخوفه: غلبه بالخوف، أي كان أشدّ خوفًا منه.

و الإخافة: التّخويف.

يقال: وجَعٌ مُخيف، أي يُخيف من رآه.

و طريق مَخوف، لأ نّه لايُخيف، و إنّما يُخيف فيه قاطع الطّريق. و تخوّفت عليه الشّيء، أي خِفتُ.

وتخوّفه،أي تنقّصه.ومنه قوله تعالى: { اَوْ يَاْ خُذَهُمْ عَلى تَخَوُّف } .

و الخافة: خريطَةٌ من أدم يُشتار فيها العسل. [واستشهد بالشّعر 3مرّات] (4: 1358)

ابن فارِس:الخاء و الواو والفاء أصل واحد، يدلّ على الذُّعْر و الفَزَع. يقال: خِفْتُ الشّيء خوفًا وخيفةً. و الياء مُبدَلة من واو لمكان الكسرة.

و يقال: خاوَفني فلان فخُفتُه، أي كنت أشدّ خوفًا منه.

فأمّا قولهم: تخوّفت الشّيء، أي تنَقّصتُه، فهو الصّحيح الفصيح، إلا أ نّه من الإبدال، و الأصل النّون من التّنقّص، و قد ذُكر في موضعه. (2: 230)

أبوهلال: الفرق بين الخوف و الخشية: [تقدّم في < خ ش ي >]

الفرق بين الخوف و الرّهبة: أنّ الرّهبة طول الخوف و استمراره، و من ثمّ قيل للرّاهب راهب، لأ نّه يديم الخوف. و الخوف: أصله من قولهم: جمل رَهِبٌ، إذا كان طويل العظام مشبوح الخلق.

ص: 181

و الرّهابة: العَظْم الّذي على رأس المعدة، يرجع إلى هذا.

و قال عليّ بن عيسى: الرّهبة: خوف يقع على شريطة لامخافة، و الشّاهد أنّ نقيضها الرّغبة، و هي السّلامة من المخاوف مع حصول فائدة؛ و الخوف مع الشّكّ بوقوع الضّرر، و الرّهبة مع العلم به يقع على شريطة كذا، و إن لم تكن تلك الشّريطة لم تقع.

الفرق بين التّخويف و الإنذار: أنّ الإنذار تخويف مع إعلام موضع المخافة، من قولك: نذرت بالشّيء إذا علمته فاستعددت له. فإذا خوّف الإنسان غيره، و أعلمه حال ما يخوّفه به فقد أنذره، و إن لم يُعلمه ذلك لم يقل: أنذره.

و النّذر ما يجعله الإنسان على نفسه إذا سلم ممّا يخافه، و الإنذار إحسان من المُنذر، و كلّما كانت المخافة أشدّ كانت النّعمة بالإنذار أعظم، و لهذا كان النّبيّ(صلی الله علیه و آله)أعظم النّاس منّة بإنذاره لهم عقاب الله تعالى.

الفرق بين الخوف و الحذر و الخشية و الفزع: [تقدّم في < ح ذ ر >]

الفرق بين الخوف و الهلَع و الفزع: أنّ الفزع مفاجأة الخوف عند هجوم غارة، أو صوت هدّة و ما أشبه ذلك، و هو انزعاج القلب بتوقّع مكروه عاجل. و تقول: فزعت منه، فتُعدّيه ب <من >، و خفته فتُعدّيه بنفسه. فمعنى خفته، أي هو نفسه خوفي، و معنى فزعت منه، أي هو إبتداء فزعي، لأنّ < من > لابتداء الغاية و هو يؤكّد ما ذكرناه.

و أمّا الهلع فهو أسوأ الجزع، و قيل: < الهلوع >، على ما فسّره الله تعالى في قوله تعالى: { اِنَّ الاِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * اِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَاِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا } المعارج: 1921، و لايسمّى هلُوعًا حتّى تجتمع فيه هذه الخصال.

الفرق بين الخوف و الهول: أنّ الهول مخافة الشّيء، لايدري على ما يقحم عليه منه، كهول اللّيل و هول البحر، و قد هالني الشّيء و هو هائل. و لايقال: أمر مهول إلا أنّ الشّاعر قال في بيت:

و مهول من المناهل وحش

ذي عراقيب أُخر مذقان

و تفسير المهول: أنّ فيه هولا ، و العرب إذا كان الشّيء له يخرجونه على < فاعل >، كقولهم: دارع، و إذا كان الشّيء أُنشئ فيه، أخرجوه على < مفعول >، مثل يحبّون فيه ذلك و مديون عليه ذلك، و هذا قول الخليل.

الفرق بين الخوف و الوجَل: أنّ الخوف خلاف الطّمأنينة، و وَجِل الرّجل يَوجَل وجَلا ، إذا قلق و لم يطمئنّ. و يقال: أنا من هذا على وجل و من ذلك على طمأنينة، و لايقال: على خوف في هذا الموضع.

و في القرآن { الَّذينَ‘ اِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَت قُلُوبُهُمْ } الأنفال:2، أي إذا ذكرت عظمة الله و قدرته لم تطمئن قلوبهم إلى ما قدّموه من الطّاعة، و ظنّوا أ نّهم مقصّرون، فاضطربوا من ذلك و قلقوا.

فليس< الوجل > من الخوف في شيء، و خافَ متعدّ و وَجِل غير متعدّ و صيغتاهما مختلفتان أيضًا؛ و ذلك يدلّ على فرق بينهما في المعنى. (200)

ص: 182

ابن سيده: الخَوْف: الفزع. خافه يخافه خَوفًا، و خيفةً، و مخافة، و قوم خُوّفٌ، و خُيّف، و خِيّف، و خُوفٌ؛ الأخيرة اسم للجمع، كلّهم: خائفون.

و تخوّفه، كخافه.

و خوّف الرّجل: جعل النّاس يخافونه، و في التّنزيل: { اِنَّمَا ذ لِكمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ اَوْلِيَاءَهُ } آل عمران: 17 ، أي يجعلهم يُخافون أولياءه.

و العرب تُضيف المخافة إلى المَخوُف، فتقول: أنا أخافك كخوف الأسد، أي كما أُخوَّف بالأسد. حكاه ثَعْلَب.

و الّذي عندي في كلّ ذلك أنّ المصدر يضاف إلى الفاعل، و في التّنزيل: { لايَسَْمُ =الاِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ } فصّلت: 49، فأضاف الدّعاء، و هو مصدر، إلى الخير، و هو مفعول. و على هذا قالوا: أعجبني ضرب زيد عمرو، فأضافوا المصدر إلى المفعول، الّذي هو زيد.

والاسم من ذلك كلّه:الخيفة، في التّنزيل:{ وَ اذْكُرْ رَبَّكَ فى نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخيفَةً‘ } الأعراف: 204.و الجمع: خِيْف،

و قال اللِّحيانيّ: خافه خِيفةً، و خِيفًا، فجعلهما مصدَرين.

و رجل خافٌ: خائف.

و المَخاف و المَخِيف: موضع الخوف، الأخيرة عن الزّجّاجيّ.

و طريق مَخُوف، و مُخِيف، و وَجَع مَخُوف و مُخيف.

و خص يعقوب ب < المخوف > : الطّريق ،

و< بالمُخيف> : الوجع .

و ثَغْرٌ مُتخَوَّف، و مُخيف، إذا كان الخوف يجيء من قِبَله.

و أخافَ الثّغْر: أفزَع، و دخل القومَ الخوف منه.

و الخوف: القتل،و الخوف: القتال، و الخوف: العلم.

و الخَوّاف: طائر أسود، لاأدري لِمَ سُمّي بذلك.

و الخافة: خريطَةٌ من أدم ضيّقة الأعلى واسعة الأسفل، يُشتار فيها العسَل.

و الخافة: جُبّة يلبسها العسّال. و قيل: هي فَرْوٌ من أدم يلبسها الّذي يدخل في بيت النّحل لئلا تلسعه.

و الخافة: العَيْبَة.

و التّخوّف: التّنقّص، و كذلك التّخويف، يقال: خوّفه، و خوّف منه.

و خوّف غنمه: أرسلها قِطعةً قطعةً. [و استشهد بالشّعر7 مرّ ات] (5: 305)

الطُّوسيّ: و الخوف: انزعاج النّفس بتوقّع الشّرّ و نقيضه الأمن، و هو سكون النّفس بتوقّع الخير.

(6: 63)

و الخوف و الفزع و القلق نظائر، و نقيضه: الأمن.

(6: 108)

و الخوف: انزعاج النّفس بتوهّم وقوع الضّرر، خاف من كذا يَخاف خوفًا فهو خائف. و الشّيء مخوف. (6: 229)

و الخوف و الخشية و الفزع نظائر، و هو انزعاج

ص: 183

النّفس ممّا لاتأمن معه من الضّرر، و ضدّ الأمن الخوف.

(6: 244)

و الخوف: انزعاج النّفس بتوقّع الضّرر، و نقيضه: الأمن، و هو سكون النّفس إلى خلوص النّفع، و نظير الخوف: الفزع و الذُّعر و الجزع.

(8: 9)

الخوف: توقّع ضرر لايُؤمَن به. (8: 131)

الرّ اغِب: الخوف: توقّع مكروه عن أمارة مظنونة، أو معلومة، كما أنّ الرّجاء و الطّمع توقّع محبوب عن أمارة مظنونة، أو معلومة. و يضادّ الخوف: الأمن، و يُستعمل ذلك في الأُمور الدّ نيويّة و الأُخرويّة. [ ثمّ ذكر بعض الآيات]

و قوله: { وَ اِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} النّساء:35، فقد فُسّر ذلك بعَرِفتُم، و حقيقته: و إن وقع لكم خوف من ذلك لمعرفتكم.

و الخوف من الله لايراد به ما يخطر بالبال من الرّعب، كاستشعار الخوف من الأسد، بل إنّما يراد به الكفّ عن المعاصي و اختيار الطّاعات، و لذلك قيل: لايعدّ خائفًا من لم يكن للذّنوب تاركًا.

و التّخويف من الله تعالى: هو الحثّ على التّحرّز، و على ذلك قوله تعالى: { ذلِكَ ’يُخَوِّ فُ اللهُ بِهِ عِبَادَهُ } الزّمر: 16، و نهى الله تعالى عن مخافة الشّيطان، و المبالاة بتخويفه، فقال: { اِنَّمَا ذلِكُمُ’ الشَّيْطَانُ يُخَوِّ فُ اَوْلِيَاءَهُ فَلاتَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ اِنْ كُنْتُمْ مُؤْ مِنينَ ‘} آل عمران: 175، أي فلاتأتمروا للشّيطان و ائتمروا لله، و يقال: تخوّفناهم أي تنقّصناهم تنقّصًا اقتضاه الخوف منه. و قوله تعالى:{ وَ اِنّى خِفْتُ الْمَوَالِىَ مِنْ وَرَائى } مريم: 5، فخوفه منهم: أن لايراعوا الشّريعة،

و لايحفظوا نظام الدّين، لاأن يرثوا ماله كما ظنّه بعض الجهلة، فالقنيّات الدّنيويّة أخس عند الأنبياء : من أن يشفقوا عليها.

و الخيفة: الحالة الّتي عليها الإنسان من الخوف، قال تعالى: { فَاَوْجَسَ فى نَفْسِهِ خيفَةً مُوسى * قُلْنَا لا تَخَف } طه: 67، 68 و استُعمل استعمال الخوف في قوله: { وَ الْمَلئِكَةُ’ مِنْ خيفَتِهِ} الرّعد:13، و قوله : { تَخَافُونَهُمْ كَخيفَتِكُمْ اَنْفُسَكُمْ } الرّوم: 28،أي كخوفكم . و تخصيص لفظ < الخيفة > تنبيهًا أنّ الخوف منهم حالة لازمة لاتفارقهم.

و التّخوّف: ظهور الخوف من الإنسان، قال: { اَوْ يَاْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّ ف } . (161)

الزّمَخْشَريّ: خِفتُه على مالي خوفًا و خيفةً، و تخوّفتُه عليه، و ما أخوَفني عليك، و هذا أمر مخوف، < و أخْوَف ما أخاف عليكم ضعف الإيمان > و هرب مخافة الشّرّ، و أدركته المخاوف، و القوم خُوَّف و أخافه و خوّفه و تخوّفه: جعله مخوفًا.

تقول: ما كنت خائفًا فخوّفني فلا ن.

و ما كان الطّريق مخوفًا فخوّفه السّبع أو العدوّ،

و أخاف الطّريق و الثّغر، و طريق و ثغر مخيف.

و من المجاز: طريق خائف.

و تخوّفه: تنقّصه و أخذمن أطرافه.

و يقال: تخوّفَتْنا السّنة.

و تخوّفني حقّي، إذا تهضمك { اَوْ يَاْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّف } ، أي يصابون في أطراف قراهم بالشّرّ حتّى

ص: 184

يأتي ذلك عليهم. (أساس البلاغة: 122)

ابن الأ ثير: في حديث عُمر < نِعْم المرء صُهَيْب لو لم يخف الله لم يعصه >. أراد أنّه إنّما يطيع الله حبًّا له لاخوف عقابه، فلو لم يكن عقاب يخافه ماعصى الله. ففي الكلام محذوف تقديره:لو لم يخف الله لم يعصِه فكيف و قد خافه!

و فيه< أخيفُوا الهَوامّ قبل أن تُخيفكم > أي احترسوا منها، فإذا ظهرمنها شيء فاقتلوه. المعنى اجعلوها تخافكم، و احملوها على الخوف منكم، لأ نّها إذا رأتكم تقتلونها فرّت منكم.

و في حديث أبي هريرة < مثل المؤمن كمثل خافة الزّرع > الخافة: وعاء الحَبّ، سمّيت بذلك لأ نّها وِقاية له. و الرّواية بالميم، و ستجيء. ( 2: 88)

الفَيُّوميّ: خاف يخاف خوفًا و خيفةً و مخافةً.

و خِفتُ الأمر يتعدّى بنفسه، فهو مَخُوف.

وأخافني الأمرفهو مُخيف بضمّ الميم اسم فاعل فإنّه يُخيف من يراه.

و أخاف اللُّصوص الطّريق، فالطّريق مُخاف على < مُفعَل > بضمّ الميم، و طريق مَخُوف بالفتح أيضًا، لأنّ النّاس خافوا فيه.

و مال الحائط فأخاف النّاس فهو مُخيف، و خافوه فهو مَخُوف.

و يتعدّى بالهمزة و التّضعيف، فيقال: أخفته الأمر فخافه، و خوّفتُه إيّاه فتخوّفه. (1: 184)

الفيروزاباديّ: خاف يخاف خوفًا و خيفًا و مخافةً و خيفةً، بالكسر، و أصلها: خِوْفَة؛ و جمعها خِيْف: فزع، و هم خُوَّف و خِيَّف، كسُكّر و قِنَّب، و خَوْف، أو هذه: اسم للجمع.

و الخوف أيضًا: القتل، قيل: و منه:{ وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَىْء مِنَ الْخَوْفِ } البقرة: 155، و القتال، و منه: { فَاِذَا جَاءَ الْخَوْفُ } الأحزاب: 19، و العلم، و منه: { وَ اِنِ امْرَاَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا اَوْ اِعْرَاضًا } النّساء: 128، و { فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوص جَنَفًا } البقرة: 182.

و أديم أحمر يُقَدّ أمثال السُّيور، لغة في < الحوف > بالمهملة .

و رجل خاف: شديد الخوف.

و الخافة: جُبّة من أدم يلبسها العَسّال أو خريطة يُشتار فيها العسل، أو سُفرة كالخريطة مُصَعّدة، قد رُفع رأسها للعسل.

و خُفتُه، كقلته: غلبته بالخوف.

و طريق مَخُوف: يخاف فيه، و وجَع مُخيف، لأنّ الطّريق لاتُخيف، و إنّما يُخيف قاطعها.

و المُخيف: الأسد. و حائط مُخيف، إذا خِفتَ أن يقع عليك.

و خوّفه أخافه، أو صيّره بحال يخافه النّاس.

و تخوّف عليه شيئًا: خافه، و الشّيء: تنقّصه، و منه: { اَوْ يَاْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّ ف } .

و خواف، كسحاب: ناحية بنيسابور.

و سمع خوافَهُم: ضجّتهم. (3: 144)

العَدْنانيّ: خاف العدوّ، خاف العدوّ العرب، خاف من العرب، خافه على كذا.

ص: 185

و يخطّئون من يقول: خاف العدوّ من العرب، و يقولون: إنّ الصّواب هو: خاف العدوّ العرَبَ.و الحقيقة هي:

أ خاف العدوّ: < خاف > فعل لازم، كما تقول المعجمات كلّها.

ب خاف العدوّ العرَبَ: جاء في الآية: 28، من سورة المائدة{ اِنّى اَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمينَ ‘}. و في حديث عمر:< نعم المرء صُهَيْب لو لم يخف الله لم يعصِه > أي لو لم يخف الله لم يعصِه، فكيف و قد خافه!

و ممّن قال < خافه > أيضًا: معجم ألفاظ القرآن الكريم، و الصّحاح، و معجم مقاييس اللُّغة، و مفردات الرّاغِب الأصفهانيّ، و الأساس، و النّهاية، و اللّسان، و المصباح، و القاموس، و التّاج، و المدّ، و محيط المحيط، و أقرب الموارد.

ج خاف العدوّ من العرب: قال تعالى في الآية العاشرة من سورةالدّهر:

{ اِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَريرًا ‘} و ممّن قال: خاف من كذا أيضًا: مفردات الرّاغِب الأصفهانيّ، و النّهاية، و اللّسان، و المدّ، و محيط المحيط، و أقرب الموارد، و الوسيط.

د و ممّن قال: خافه على كذا: الأساس، و المدّ، و محيط المحيط، و الوسيط.

و في وسعنا أن نقول أيضًا: خِفْت على فلان.

أمّا فعله فهو: خافه يخافه خوفًا، و خيفًا، و خيفةً، و مخافةً، فهو: خائف، و هم: خُوّفٌ، و خُيّفٌ، و خِيّفٌ. و ربّما قالوا: خافٌ أي شديد الخوف. (208)

مَجْمَعُ اللُّغة: 1 الخوف: الفزع لتوقّع مكروه. يقال: خاف يخاف خوفًا و خيفةً، فهو خائف، و هم خائفون.

و ضدّ الخوف: الأمن.

2 خوّفه تخويفًا: جعل فيه الخوف، و منه قولهم: فلان يُخوّف النّاس بوعظه.

3 و خوّفه فلانًا وخوّفه بفلان أو بكذا تخويفًا: حمله على أن يخافه.

4 تخوّفه تخوّفًا: تنقّصه و أخذ من أطرافه، و هو تعبير مجازيّ، و معناه: نقصه قليلا قليلا كأ نّه يخافه.

(1: 368)

نحوه محمّد إسماعيل إبراهيم. (1: 176)

محمود شيت: أ خافه خوفًا: غلبه بالخوف، أي كان أشدّ خوفًا منه.

ب خاف خوفًا و مَخافةً و خيفةً: توقّع حلول مكروه أو فوت محبوب. و يقال: خافه على كذا، و خاف منه، و خاف عليه، فهو خائف؛ جمعه: خُوّف، و خُيّف. و المفعول: مَخُوف.

و خاف: فزع، و خاف: علم و تيقّن، قال تعالى: { وَ اِن ِامْرَاَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا اَوْ اِعْرَاضًا } النّساء: 128.

ج أخاف الطّريق أوالثّغر، إخافةً، وإخافًا:أفزع.و يقال: أخافه الأمرأو غيره. و أخافه الأمر: فزّعه منه .

و أخاف فلانًا أو الشّيء: جعله مخوفًا.

د خاوفه: خوّف كلّ منهما صاحبه. يقال:

ص: 186

خاوفه فخافه.

ه خوّفه: فزّعه. و يقال: خوّفه الأمر: فزّعه منه.

و تخوّف مطاوع: خوّفه. و تخوّف عليه شيئًا، خافه.

و يقال: تخوّفه على كذا.

ز الخاف: يقال: رجل خافٌ: شديد الخوف.

ح الخوّاف: يقال: سمع خوافهم: ضجّتهم.

ط الخوف: القتال.

الخوف: يقال: يوم الخوف: يوم القتال. (1: 225)

المُصْطَفَويّ: الأصل الواحد في هذه المادّة، هو ما يقابل الأمن، كما أنّ الوحش ما يقابل الأُنس، و الرّهبة ما يقابل الرّغبة.

و يعتبر في الخوف: توقّع ضرر مشكوك و الظّن بوقوعه، و إذا أراد التّوقّي منه، فيقال في هذا المقام الحذر. و إذا أدام الخوف و استمرّ، فهو الرّهب.

و إذا حصل الخوف و أثره مفاجأة و لم يتحمّل به و انزعج قلبه، فهوالفزع.

كما أنّ الهَلَع و الذُّعر: مرتبتان من الفزع و الجزع.

فالخوف: حالة تأثّر و اضطراب بتوقّع ضرر مستقبل، أو مواجه يذهب بالأمن.

و يدلّ على كونه ضدّ الأمن، قوله تعالى: { وَ لاتَخَف اِنَّكَ مِنَ الامِنينَ ‘} القصص: 31،{ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ اَمْنًا } النّور:55،{ وَ امَنَهُمْ مِنْ خَوْف} قريش: 4.

و يتعدّى إلى مفعول واحد مذكورًا أو مقدّرًا { لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الاخِرَ ’ةِ} هود: 103. [ ثمّ ذكر آيات أُخرى ]

فيُحذف المفعول إذا كان معلومًا، أو ليدلّ على الإطلاق و لايكون أمر مخصوص مقصودًا، أو لأولويّة تركه ذكرًا.

و يُذكر مع المفعول ما يكون الخوف ناشئًا منه، كما في { فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوص ٍجَنَفًا }البقرة: 182. [ثمّ ذكر آيات أُخرى]

و قد يُذكر مايكون الخوف مستعليًا عليه و مرتبطًا به كما في{ ذُرِّ يَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ } النّساء: 9. [ثمّ ذكر آيات أُخرى]

و الخيفة: أصلها خِوْفة على < فِعْلَة > كالقِعْدة، أُبدلت الواو ياءً، و تدلّ على نوع مخصوص من الخوف { تَضَرُّعًا وَخيفَةً‘ } الأعراف: 205. [ثمّ ذكر آيات أُخرى]

فتدلّ على خوف مخصوص في هذه الموارد.

و التّخويف يتعدّى إلى مفعولين مذكورين أو مقدّرين { وَ مَا نُرْسِلُ بِالايَاتِ ’اِلا تَخْويفًا ‘} الإسراء: 59، أي جعلهم خائفين، { يُخَوِّفُاَوْلِيَاءَهُ } آل عمران : 175، أي يجعل أولياءه خائفين ، { وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذينَ‘ مِنْ دُونِهِ } الزّمر: 36، أي و يجعلونك خائفًا.

و التّخوّف: تفَعّل لمطاوعة التّفعيل. يقال: خوّفتُه فتخوّف، أي اختار الخوف، كما في{ اَوْ يَاْخُذَهُمْ عَلىتَخَوُّف فَاِنَّ رَ بَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحيمٌ ‘}. [ ثمّ ذكر آيات أُخرى ]

فإنّ من أطاع الله و عمل بوظيفة عبوديتّه

ص: 187

و اجتنب عن الخلاف، فهو من الآمنين من سخط مولاه الرّبّ، و من الواردين في زمرة عبيده المطيعين، و هو يعيش تحت سيطرته و حكومته القاهرة، و الله عزّوجلّ غالب على أمره، و لايبقى له وحشة و لااضطراب و لاخوف، و لايحزن على ما فات عنه، فإنّه يُفوّض أمره إليه و يتوكّل عليه و هو حسبه.

فمرجع الأُمور المذكورة في الآيات الكريمة: إلى الطّاعة و العبوديّة، و قد صرّح بها في قوله: { اِنَّ الَّذينَ‘ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلاخَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاهُمْ يَحْزَنُونَ } الأحقاف: 13،{ يَا عِبَادِ لاخَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَ لا اَنْتُمْ تَحْزَنُونَ } الزّخرف:68.

و على هذا المبنى نزلت الآيات الكريمة. [ثمّ ذكر آيات أُخرى]

فهذه الآيات ذكرى و إرشاد إلى ما ذُكر من أنّ الطّاعة و العبوديّة توجب رفع الخوف.

و أمّا الآيات { فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ } القصص:21،{ فَاَصْبَحَ فِى الْمَدينَةِ خََائِفًا يَتَرَقَّبُ } القصص: 18، { وَ لَهُمْ عَلَىَّ ذَنْبٌ فَاَخَافُ اَنْ يَقْتُلُونِ } الشّعراء: 14، فالخوف فيها نتيجة ذنب واقع و بالنّسبة إلى خطإ صادر. (3: 145)

النُّصوص التّفسيريّة

خَافَ

1 فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوص جَنَفًا اَوْ اِثْمًا فَاَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلااِثْمَ عَلَيْهِ اِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحيمٌ‘. البقرة: 182

ابن عبّاس: علم من الميّت. (25)

الطُّوسيّ: فإن قيل: كيف قال: { فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوص } لما قد وقع، و الخوف إنّما يكون لما لم يقع؟ قيل فيه قولان:

أحدهما: أنّه خاف أن يكون قد زلّ في وصيّته، فالخوف للمستقبل، و ذلك الخوف هو أن يظهر مايدلّ على أ نّه قد زلّ، لأ نّه من جهة غالب الظّنّ.

الثّاني: لما اشتمل على الواقع، و ما لم يقع جاز فيه {خَافَ} ذلك، فيأمره بما فيه الصّلاح، و ما وقع ردّه إلى العدل بعد موته. (2: 111)

الواحديّ: أي علم. و الخوف يُستعمل بمعنى العلم، لأنّ في الخوف طرقًا من العلم؛ و ذلك أنّ القائل إذا قال: أخاف أن يقع أمركذا، كأ نّه يقول: أعلم. و إنّما يخاف لعلمه بوقوعه،فاستُعمل الخوف في العلم، و منه قوله تعالى:{ وَ اَنْذِرْ بِهِ الَّذينَ‘ يَخَافُونَ اَنْ يُحْشَرُوا } الأنعام: 51، و قوله: { اِلا اَنْ يَخَافَا اَ لايُقيمَا‘ حُدُودَ اللهِ } البقرة: 229. (1: 270)

نحوه البغَويّ. (1: 213)

الزّمَخْشَريّ: فمن توقّع و علم، و هذا في كلامهم شائع. يقولون: أخاف أن تُرسل السّماء، يريدون: التّوقّع و الظّنّ الغالب الجاري مجرى العلم. (1: 334)

نحوه البَيْضاويّ (1: 100)، و النّسَفيّ (1: 93)، و أبوالسُّعود (1: 240)، و البُرُوسَويّ(1: 287)،و شُبّر (1: 184)، و القاسميّ (3: 411).

الطَّبْرِسيّ: أي خشى، و قيل: علم، لأنّ في الخوف طرفًا من العلم، و ذلك أنّ القائل إذا قال: أخاف أن يقع أمر كذا، فكأ نّه يقول: أعلم. و إنّما يخاف

ص: 188

لعلمه بوقوعه، و منه قوله: { وَاَنْذِرْ بِهِ الَّذينَ‘ يَخَافُونَ اَنْ يُحْشَرُوا اِلى رَبِّهِمْ } الأنعام: 51، و قوله: { اِلا اَنْ يَخَافَا اَ لا يُقيمَا‘ حُدُودَ اللهِ } البقرة: 229. [ثمّ أدام نحو الطُّوسيّ] (1: 269)

الفَخْرالرّازيّ: في قوله تعالى: { فَمَنْ خَافَ } قولان: أحدهما: أنّ المراد منه هو الخوف و الخشية.

فإن قيل: الخوف إنّما يصحّ في أمر منتظر، و الوصيّة وقعت، فكيف يمكن تعلّقها بالخوف؟

و الجواب من وجوه:

أحدها: أنّ المراد أنّ هذا المصلح إذا شاهد الموصي يوصي، فظهرت منه أمارات الجنف الّذي هو الميل عن طريقة الحقّ مع ضرب من الجهالة، أو مع التّأويل، أو شاهَد منه تعمّدًا بأن يزيد غير المستحقّ، أو ينقص المستحقّ حقّه، أو يعدل عن المستحقّ، فعند ظهور أمارات ذلك و قبل تحقيق الوصيّة يأخذ في الإصلاح، لأنّ إصلاح الأمر عند ظهور أمارات فساده و قبل تقرّر فساده يكون أسهل، فلذلك علّق تعالى بالخوف من دون العلم، فكأنّ الموصي يقول و قد حضر الوصيّ و الشّاهد على وجه المشورة :أُريد أن أُوصي للأباعد دون الأقارب، و أن أزيد فلانًا مع أ نّه لايكون مستحقًّا للزّيادة، أو أُنقص فلانًا مع أ نّه مستحقّ للزّيادة، فعند ذلك يصير السّامع خائفًا من جنف و إثم لاقاطعًا عليه، و لذلك قال تعالى: { فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوص جَنَفًا } فعلّقه بالخوف الّذي هو الظّنّ، و لم يعلّقه بالعلم.

الوجه الثّاني: في الجواب: أ نّه إذا أوصى على الوجه الّذي ذكرناه، لكنّه يجوز أن لايستمرّ الموصي على تلك الوصيّة بل يفسخها، و يجوز أن يستمرّ، لأنّ الموصي ما لم يمت فله الرّجوع عن الوصيّة و تغييرها بالزّيادة و النّقصان، فلمّا كان كذلك لم يصرّ الجنف و الإثم معلومين، لأنّ تجويز فسخه يمنع من أن يكون مقطوعًا عليه، فلذلك علّقه بالخوف.

الوجه الثّالث في الجواب: أنّ بتقدير أن تستقرّ الوصيّة و مات الموصي، فمن ذلك يجوز أن يقعبين الورثة و الموصي لهم مصالحة على وجه ترك الميل

و الخطإ، فلمّا كان ذلك منتظرًا لم يكن حكم الجنف و الإثم ماضيًا مستقرًّا، فصحّ أن يعلّقه تعالى بالخوف و زوال اليقين. فهذه الوجوه يمكن أن تُذكر في معنى الخوف و إن كان الوجه الأوّل هو الأقوى.

القول الثّاني: في تفسير قوله تعالى: { فَمَنْ خَافَ } أي فمن علم، و الخوف و الخشية يُستعملان بمعنى العلم، و ذلك لأنّ الخوف عبارة عن حالة مخصوصة متولّدة من ظنّ مخصوص، و بين العلم و بين الظّنّ مشابهة في أُمور كثيرة، فلهذا صحّ إطلاق اسم كلّ واحد منهما على الآخر. و على هذا التّأويل يكون معنى الآية: أنّ الميّت إذا أخطأ في وصيّته أو جارَ فيها متعمّدًا، فلاحرج على من علم ذلك أن يغيّره و يردّه إلى الصّلاح بعد موته. و هذا قول ابن عباس و قَتادَة و الرّبيع. (5: 72)

نحوه النَّيسابوريّ. (2: 96)

الخازن: أي علم، و هو خطاب عامّ لجميع المسلمين.

(1: 127)

ص: 189

أبوحَيّان: الظّاهر أنّ الخوف هو الخشية هنا، جريًا على أصل اللُّغة في الخوف، فيكون المعنى بتوقّع الجنف أو الإثم من الموصي.

وقيل: يراد بالخوف هنا: العلم، أي فمن علم، و خُرّج عليه قوله تعالى: { اِلااَنْ يَخَافَا اَ لا يُقيمَا‘ حُدُودَ اللهِ }، و قول أبي محجن:

*أخاف إذا ما متّ أن لا أذوقها*

و العُلْقة بين الخوف و العلم حتّى أُطلق على العلم الخوف، وأنّ الإنسان لايخاف شيئًاحتّى يعلم أ نّه ممّا يخاف منه، فهو من باب التّعبير بالمسبّب عن السّبب. و قال في < المنتخب > الخوف و الخشية يُستعملان بمعنى العلم، و ذلك لأنّ الخوف عبارة عن حالة مخصوصة متولّدة من ظنّ مخصوص، و بين الظنّ و العلم مشابهة في أُمور كثيرة، فلذلك صحّ إطلاق كلّ واحد منهما على الآخر. انتهى كلامه. (2: 23)

الفيروزاباديّ: [نحو الرّاغِب و أضاف:]

و الخوف أجلّ منازل السّالكين و أنفعها للقلب. وهو فرض على كلّ أحد. قال تعالى: { وَ خَافُو ن ِ اِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنينَ ‘}آل عمران:175، و قال: { وَ اِيَّاىَ فَا تَّقُون ِ} البقرة: 41، و مدح الله تعالى أهله فى كتابه و أثنى عليهم فقال: { اِنَّ الَّذينَ‘ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَ بِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَ الَّذينَ‘ هُمْ بِايَاتِ رَبِّهِمْ يُؤمِنُونَ * وَ الَّذينَ‘ هُم بِرَبِّهِمْ لايُشْرِكُونَ * وَ الَّذينَ‘ يُؤْتُونَ مَا

اتَوْ ا وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ اَ نَّهُمْ اِلى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * اُولئِكَ ’ يُسَارِعُونَ فِى الْخَيْرَاتِ وَ هُمْ لَهَا سَابِقُونَ } المؤمنون: 57 61.

و قال الجُنَيْد: الخوف توقّع العقوبة على مجاري الأنفاس.

و قيل: الخوف: اضطراب القلب و حركته منتذكُّر المخُوف. و قيل: الخوف هرب القلب من حلول المكروه و عند استشعاره.

و قيل: الخوف: العلم بمجاري الأحكام. و هذا سبب الخوف لانفسه.

و قال أبو حفص: الخوف: سوط الله يقوّم به الشّاردين عن بابه. و قال: الخوف: سراج في القلب يُبصر به ما فيه من الخير و الشّرّ. و كلّ واحد إذا خِفْتَه هربت منه، إلاالله فإنَّك إذا خفته هربت إليه.

و قال إبراهيم بن سفيان: إذا سكن الخوفُ القلب أحرق مواضع الشّهوات منه و طرد الدّنيا عنه. و قال ذو النّون: النّاس على الطّريق ما لم يزل عنهم الخوف، فإذا زال عنهم الخوف ضلّوا عن الطّريق.

و الخوف ليس مقصودًا لذاته بل مقصود لغيره. و الخوف المحمود الصّادق: ما حال بين صاحبه و محارم الله، فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس و القنوط.

و قال أبو عثمان: صِدْق الخوف هو الورع عن الآثام ظاهرًا و باطنًا.

وقال الأنصارىّ: الخوف هو الانخلاع عن طمأنينة الأمن بمطالعة الخبر، يعني الخروج من سكون الأمن باستحضار ما أخبر الله به من الوعد و الوعيد. [ إلى أن قال:]

و فى مواضع كثيرة قُرِن الخوف فى القرآن ب (لا) النّافية وب (لا) النّاهية، نحو { لاتَخَف وَ لاتَحْزَنْ اِنَّا

ص: 190

مُنَجُّوكَ وَ اَهْلَكَ } العنكبوت : 33، { لاتَخَافَا اِنَّنى مَعَكُمَا }طه:46،{ لاتَخَف اِنَّكَ اَنتَ الاَعْلى }طه : 68، { وَلاتَخَافى وَ لاتَحْزَنى اِنَّا رَادُّوهُ اِلَيْكِ } القصص: 7، { لاتَخَف اِنّى لايَخَافُ لَدَىَّ الْمُرْسَلُونَ } النّمل: 10، { اَقْبِلْ وَ لاتَخَف اِنَّكَ مِنَ الا مِنينَ‘ } القصص:31، { لاتَخَافُ دَرَكًاوَ لاتَخْشى} طه:77، { وَ لايَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ } المائدة: 54، { فَلايَخَافُ بَخْسًاوَ لارَهَقًا } الجنّ: 13، { فَلاخَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاهُمْ يَحْزَنُونَ } البقرة:38، { اَ لاتَخَافُوا وَ لا تَحْزَ نُوا } فصّلت: 30.

(بصائرذوي التّمييز2: 576)

الشِّربينيّ: أي توقّع و علم، كقوله تعالى: { فَاِنْ خِفْتُمْ اَ لا يُقيمَا‘ حُدُودَ اللهِ} البقرة: 229، أي علمتم.

(1: 117)

الآلوسيّ: معنى { خَافَ } توقّع و علم و منه قوله:

إذا متّ فادفنّي إلى جنب كَرْمة

تُروّي عظامي بعد موتي عروقها

و لاتدفِنَنّي بالفلاة فإنّني

أخاف إذا ما متّ أن لاأذوقها

و تحقيق ذلك أنّ الخوف حالة تعتري عند انقباض من شرّ متوقّع فلتلك الملابسة استُعمل في التّوقّع، و هو قد يكون مظنون الوقوع و قد يكونمعلومه، فاستعمل فيهما بمرتبة ثانية. و لأنّ الأوّل أكثر، كان استعماله فيه أظهر. ثمّ أصله أن يُستعمل في الظّنّ و العلم بالمحذور، و قد يتّسع في إطلاقه على المطلق. و إنّما حُمل على المجاز هنا، لأ نّه لامعنى للخوف من الميل و الإثم بعد وقوع الإيصاء. (2: 55)

ابن عاشور: و معنى { خَافَ } هنا: الظّنّ و التّوقّع، لأنّ ظنّ المكروه خوف، فأُطلق الخوف على لازمه و هو الظّنّ و التّوقّع إشارةً إلى أنّ ما توقّعه المتوقّع من قبيل المكروه، و القرينة هي أنّ الجنَف و الإثم لايُخيفان أحدًا، و لاسيّما من ليس من أهل الوصيّة و هو المصلح بين أهلها. [ثمّ استشهد بقول أبي محجن] (2: 151)

طه الدُّرّ ة: { خَافَ } توقّع، و قيل: معناه علم، و هو مجاز. و العلاقة بينهما هو أنّ الإنسان لايخاف شيئًا حتّى يعلم أنّه ممّايخاف منه، فهو من باب التّعبير عن السّبب بالمسبّب. و من مجيء الخوف بمعنى العلم قوله تعالى: { اِلا اَنْ يَخَافَا اَ لا يُقيمَا‘ حُدُودَ اللهِ } البقرة: 229. (1: 282)

2 اِنَّ فى ذلِكَ’ لا يَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الاخِرَ ’ةِ ذلِكَ’ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ’ يَوْمٌ مَشْهُودٌ.

هود: 103

الطُّوسيّ: أي لمن خشي عقوبة الله يوم القيامة.

(6: 63)

الزّمَخْشَريّ: لعبرة له، لأ نّه ينظر إلى ما أحلّ الله بالمجرمين في الدّنيا، و ما هو إلا أُنموذج ممّا أعدّ لهم في الآخرة، فإذا رأى عِظَمه و شدّته اعتبر به عِظَم العذاب الموعود، فيكون له عبرة وعِظَة و لطفًا في زيادة التّقوى، و الخشية من الله تعالى، و نحوه: { اِنَّ فى ذلِكَ’ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى } النّازعات: 26. (2: 292)

ص: 191

نحوه الخازن (3: 206)، و الشِّربينيّ (2: 79).

الطَّبْرِسيّ: [مثل الطُّوسيّ و أضاف:]

و خص الخائف بذلك، لأ نّه هو الّذي ينتفع به بالتّدبّر و التّفكّر فيه. (3: 191)

الفَخْرالرّازيّ: قال القفّال: تقرير هذا الكلام أن يقال: إنّ هؤلاء إنّما عُذّبوا في الدّنيا لأجل تكذيبهم الأنبياء و إشراكهم بالله، فإذا عُذّبوا في الدّنيا على ذلك و هي دار العمل، فلأن يُعذّبوا عليه في الآخرة الّتي هي دار الجزاء كان أولى.

و اعلم أنّ كثيرًا ممّن تنبّه لهذا البحث من المفسّرين، عوّلوا على هذا الوجه، بل هو ضعيف؛

و ذلك لأنّ على هذا الوجه الّذي ذكره القفّال، يكون ظهور عذاب الاستئصال في الدّنيا دليلا على أنّ القول بالقيامة و البعث و النّشر حقّ و صدق. و ظاهر الآية يقتضي أنّ العلم بأنّ القيامة حقّ كالشّرط في حصول الاعتبار بظهور عذاب الاستئصال. و هذا المعنى كالمضادّ لما ذكره القفّال،لأنّ القفّال يجعل العلم بعذاب الاستئصال أصلا للعلم بأنّ القيامة حقّ؛ فبطل ما ذكره القفّال،

و الأصوب عندي أن يقال: العلم بأنّ القيامة حقّ موقوف على العلم بأنّ المدبّر لوجود هذه السّماوات و الأرضين فاعل مختار لاموجَب بالذّات، و ما لم يعرف الإنسان أنّ إله العالم فاعل مختار و قادر على كلّ الممكنات، و أنّ جميع الحوادث الواقعة في السّماوات و الأرضين لاتحصل إلابتكوينه و قضائه، لايمكنه أن يعتبر بعذاب الاستئصال؛ و ذلك لأنّ الّذين يزعمون أنّ المؤثّر في وجود هذا العالم موجب بالذّات لافاعل مختار، يزعمون أنّ هذه الأحوال الّتي ظهرت في أيّام الأنبياء مثل الغرق و الحرق و الخسف و المسخ

و الصّيحة كلّها إنّما حدثت بسبب قرانات الكواكب، و اتّصال بعضها ببعض. و إذا كان الأمر كذلك، فحينئذ لايكون حصولها دليلا على صدق الأنبياء.

فأمّا الّذي يؤمن بالقيامة، فلايتمّ ذلك الإيمان إلاإذا اعتقد أنّ إله العالم فاعل مختار و أنّه عالم بجميع الجزئيّات، و إذا كان الأمر كذلك لزم القطع بأنّ حدوث هذه الحوادث الهائلة و الوقائع العظيمة إنّما كان بسبب أنّ إله العالم خلقها و أوجدها، و أنّها ليست بسبب طوالع الكواكب و قراناتها. و حينئذ ينتفع بسماع هذه القصص، و يستدلّ بها على صدق الأنبياء، فثبت بهذا صحّة قوله: { اِنَّ فى ذلِكَ’لايَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الاخِرَةِ ’}. (18: 58)

النّسَفيّ: { لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الاخِرَةِ } أي اعتقد صحّته و وجوده

(ذلِكَ’) إشارة إلى يوم القيامة، لأنّ عذاب الآخرة دلّ عليه { يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ }.

(2: 204)

النَّيسابوريّ: أي لمن هو أهل لأن يخاف، { عَذَابَ الاخِرَةِ ’}كقوله: { هُدًى لِلْمُتَّقينَ ‘} لأنّ انتفاعه يعودإليه. (12: 62)

أبوالسُّعود: { لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الاخِرَةِ’ } فإنّه المعتبر به حيث يستدلّ بما حاقّ بهم من العذاب الشّديد بسبب ما عملوا من السّيّئات، على أحوال عذاب الآخرة، و أمّا من أنكر الآخرة و أحال فناء

ص: 192

العالم، و زعم أن ليس هو و لاشيء من أحواله مستندًا إلى الفاعل المختار، و أنّ ما يقع فيه من الحوادث، فإنّما يقع لأسباب تقتضيه من أوضاع فلكيّة تتّفق في بعض الأوقات لالما ذكر من المعاصي الّتي يقترفها الأُمم الهالكة فهو بمعزل من هذا الاعتبار، تبًّا لهم و لما لهم من الأفكار. (3: 351)

الآلوسيّ: فإنّه إذا رأى ما وقع في الدّنيا بالمجرمين من العذاب الأليم، اعتبر به حال العذاب الموعود، فإنّه عصا من عصيّة و قليل من كثير، و انزجر بذلك عن المعاصي الّتي يترتّب عليها العذاب، و أكبّ على التّقوى و الخشية من اللهتعالى. و قد أُقيم { مَنْ خَافَ...} مُقام من صدق بذلك، لما بينهما من اللّزوم، و لأنّ الاعتبار إنّما ينشأ من الخوف. و ذكر هذا القيد، لأنّ من أنكر الآخرة و أحال فناء هذا العالم، أسند الحوادث إلى أسباب فلكيّة و أوضاع مخصوصة، فلم يعتبر بذلك أصلا و لم ينزجر عن الضّلالة قطعًا، و قال: إنّ ما وقع إنّما وقع لهاتيك الأسباب و الأوضاع، لا للمعاصي الّتي اقترفتها الأُمم المهلكة.

و قيل: المراد أنّ فيما ذُكر دليلا على عذاب المجرمين في الآخرة، لأ نّهم إذا عُذّبوا في الدّنيا لإجرامهم و هي دار العمل فلأن يُعذّ بوا في الآخرة عليه و هي دار الجزاء أولى.

و قيل: المراد أنّ فيه دليلا على البعث و الجزاء؛

و ذلك أنّ الأنبياء عليهم السّلام قد أخبروا باستئصال من كذّبهم و أشرك بالله، و وقع ما أخبروا به وَفْق إخبارهم، و ذلك أحد الشّواهد على صدقهم، فيكونون صادقين فيما يُخبرون به من البعث و الجزاء، فلابدّ أن يقع لامحالة. و التّقييد بما ذُكر هنا كالتّقييد في قوله سبحانه: { هُدًى لِلْمُتَّقينَ‘ }، و هو كما ترى.

(12: 137)

فضل الله: ذلك أنّ صدق الله وعده بالعذاب في الدّنيا، يوحي لعباده بصدق وعيده في الآخرة، ممّا يبعث في نفس الإنسان الواعي الخوف الوجدانيّ من العذاب؛ بحيث يتحرّك في حياته على أساس انتظار ذلك اليوم. (12: 130)

3 وَ لَنُسْكِنَنَّكُمُ الاَرْض مِنْ بَعْدِهِمْ ذ لِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامى وَ خَافَ وَعيدِ.‘

إبراهيم: 14

راجع: ق و م: < مقام >.

4 وَ لِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ.

الرّحمن: 46

ابن عبّاس: { وَ لِمَنْ خَافَ } عند المعصية { مَقَامَ رَبِّهِ } بين يدي ربّه مقامه فانتهى عن المعصية. (452)

خاف ثمّ اتّقى، و الخائف: من ركب طاعة الله، و ترك معصيته. (الطّبَريّ 11: 602)

النّخعيّ: إذا أراد أن يذنب أمسك مخافة الله.

(الطّبَريّ11: 602)

مُجاهِد: هو الرّجل يهمّ بمعصية الله تعالى، ثمّ يتركها مخافة الله. (الطّبَريّ11: 602)

قَتادَة: إنّ المؤمنين خافوا ذاكم المقام فعملوا له، ودانوا له،وتعبَّدوا باللّيل و النّهار. (الطّبَريّ 11: 602)

الطّبَريّ: يقول تعالى ذكره: و لمن اتّقى الله من

ص: 193

عباده، فخاف مقامه بين يديه، فأطاعه بأداء فرائضه، و اجتناب معاصيه جنّتان، يعني بستانين. (11: 601)

الطُّوسيّ: و المعنى: و لمن خاف المقام الّذي يقفه فيه ربّه للمسائلة، عمّا عمل في ما يجب عليه ممّا أمره به أو نهاه عنه، فيكفّه ذلك عمّا يدعوه هواه إليه، يصبر صبر مؤثّر للهدى على طريقالرّدى. (9: 479)

القُشَيْريّ: يقال: لمن خاف قرب ربّه منه

و اطّلاعه عليه.

و يقال: لمن خاف وقوفه غدًا بين يدي الله جنّتان.

(6: 79)

ابن عَطيّة: (مَن) في قوله تعالى: (وَ لِمَنْ) يحتمل أن تقع على جميع المتّصفين بالخوف الزّاجر عن معاصي الله تعالى، و يحتمل أن تقع لواحد منهم. و بحسب هذا قال بعض النّاس في هذه الآية: إنّ كلّ خائف له جنّتان، و قال بعضهم: جميع الخائفين لهم جنّتان. (5: 233)

البَيْضاويّ: { وَ لِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ } موقفه الّذي يقف فيه العباد للحساب، أو قيامه على أحواله من قام عليه إذا راقبه، أو مقام الخائف عند ربّه للحساب بأحد المعنيين. (2: 443)

نحوه النّسَفيّ. (4: 212)

الآلوسيّ: [نقل الأقوال المتقدّمة و قال:]

و الّذي يظهر أنّ ذلك [قول مُجاهِد]تفسير باللازم، و قد يقال: إنّ ارتكاب الذّنب قديجامع الخوف من الله تعالى؛ و ذلك كما إذا غلَبَتْه نفسه ففعله خائفًامن عقابه تعالى عليه. (27: 116)

القاسميّ: أي قيامه عند ربّه للحساب، فأطاعه بأداء فرائضه، و اجتناب معاصيه. فإضافته للرّبّ لأ نّه عنده، فهو كقول العرب: ناقة رقود الحلب، أي رقود عند الحلب، أو موقفه الّذي يقف فيه العباد للحساب. فإضافته للرّبّ لاميّة لاختصاص الملك يومئذ به تعالى. أوهو كناية عن خوف الرّبّ، و إثبات خوفه له بطريق برهانيّ بليغ، لأنّ من حصل له الخوف من مكان أحد يهابه وإن لم يكن فيه فخوفه منه بالطّريق الأولى، و هذا كما يقول المترسّلون: المقام العالي، و المجلس السّامي. (15: 5630)

ابن عاشور: و اللام في{ لِمَنْ خَافَ } لام الملك، أي يعطي من خاف ربّه و يملك جنّتين، و لاشُبهة في أنّ من خاف مقام ربّه جنس الخائفين، لاخائف معيّن، فهو من صيغ العموم البدليّ، بمنزلة قولك: و للخائف مقام ربّه. (27: 246)

الطَّباطَبائيّ: و الخوف من الله تعالى ربّما كان خوفًا من عقابه تعالى على الكفر به و معصيته، و لازمه أن يكون عبادة من يعبده خوفًا بهذا المعنى، يراد بها التّخلّص من العقاب لالوجه الله محضًا، و هو عبادة العبيد يعبدون مواليهم خوفًا من السّياسة، كما أنّ عبادة من يعبده طمعًا في الثّواب غايتها الفوز بما تشتهيه النّفس دون وجهه الكريم، و هي عبادة التّجّار كما في الرّوايات و قد تقدّم شطر منها.

و الخوف المذكور في الآية { وَ لِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ} ظاهره غير هذا الخوف، فإنّ هذا خوف من العقاب و هو غير الخوف من قيامه تعالى على عبده بما

ص: 194

عمل، أو الخوف من مقامه تعالى مَنعبده، فهو تأثّر خاص ممّن ليس له إلا الصّغار و الحقارة، تجاه ساحة العظمة و الكبرياء، و ظهور أثر المذلّة و الهوان و الاندكاك، قبال العزّة و الجبروت المطلقَين.

و عبادته تعالى خوفًا منه بهذا المعنى من الخوف، خضوع له تعالى، لأ نّه الله ذو الجلال و الإكرام، لالخوف من عقابه و لاطمعًا في ثوابه، بل فيه إخلاص العمل لوجهه الكريم. و هذا المعنى من الخوف هو الّذي وصف الله به المكرّمين من ملائكته، و هم معصومون آمنون من عقاب المخالفة، و تبعة المعصية، قال تعالى: { يَخَافُونَ رَ بَّهُمْ مِنْ فَوْ قِهِمْ } النّحل: 50. فتبيّن ممّا تقدّم أنّ الّذين أشار إليهم بقوله:{ وَ لِمَنْ خَافَ } أهل الإخلاص، الخاضعون لجلاله تعالى، العابدون له، لأ نّه الله عزّ اسمه، لاخوفًا من عقابه و لاطمعًا في ثوابه، و لايبعد أن يكونوا هم الّذين سمّوا سابقين في قوله:

{ وَ كُنْتُمْ اَزْوَاجًا ثَلثَةً} إلى أن قال:

{ وَ السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * اُولئِكَ ’الْمُقَرَّ بُونَ } الواقعة:7 11.

(19: 108)

عبد الكريم الخطيب: و هذا من ثمرة الخوف من الله، و من الوقوف بين يديه يوم القيامة؛ ذلك الخوف الّذي يدخل على الإنسان من هذه النّار الّتي أُعدّت لأهل الشّرك و الضّلال. فمن عرف أنّ هناك حسابًا و جزاءً يوم القيامة، و أنّ هناك نارًا أُعدّت للكافرين و الضّالّين، و خاف حساب الله و عقابه، نجا من هذا البلاء بإيمانه بالله، و تجنّبه ما يغضبه، و استقامته على سبيله المستقيم، و كان له الجزاء الحسن عند ربّه، فأوسع له من فضله و إحسانه، و أدخله الجنّة يتبوّأ منها حيث يشاء. (14: 690)

مكارم الشّيرازيّ: الخوف من مقام الله، جاء بمعنى الخوف من مواقف يوم القيامة و الحضور أمام الله للحساب، أو أ نّها بمعنى الخوف من المقام العلميّ لله، و مراقبته المستمرّة لكلّ البشر.

و التّفسير الثّاني يتناسب مع ما ذكر في الآية: 33 ، من سورة الرّعد: { اَ فَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَت }.

وُجد هنا تفسير ثالث، هو أنّ الخوف من الله تعالى لايكون بسبب نار جهنّم، و الطّمع في نعيم الجنّة، بل هو الخوف من مقام الله و جلاله فقط.

و هنالك تفسير رابع أيضًا، و هو أنّ المقصود من

< مقام الله > هو الخوف من مقام عدالته، لأنّ ذاته المقدّسة لاتستلزم الخوف، إنّما هو الخوف من عدالته، الّذي مردّه هو خوف الإنسان من أعماله، و الإنسان المنزّه لايخشى الحساب.

و من المعروف أنّ المجرمين إذا مرّوا بالمحكمة أو السّجن ينتابهم شيء من الخوف بسبب جناياتهم، على عكس الأبرار حيث يتعاملون بصورة طبيعيّة مع الأماكن المختلفة.

و للخوف من الله أسباب مختلفة: فأحيانًا يكون بسبب قبح الأعمال و انحراف الأفكار، وأُخرى بسبب القرب من الذّات الإلهيّة؛ حيث الشّعور بالخوف و القلق من الغفلة و التّقصير في مجال طاعة الله، و أحيانًا أُخرى لمجرّد تصوّرهم لعظمة الله اللامتناهية

ص: 195

و ذاته اللامحدودة، فينتابهم الشّعور بالخوف و الضّعة أمام قدسيّته العظيمة. و هذا النّوع من الخوف يحصل من غاية المعرفة لله سبحانه، و يكون خاصًّا بالعارفين و المخلصين لحضرته.و لاتضادّ بين هذه التّفاسير، فيمكن جمعها في مفهوم الآية. (17: 385)

5 وَ اَ مَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْس عَنِ الْهَوى * فَاِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَاْوى. النّازعات: 40، 41

ابن عبّاس: عند المعصية { مَقَامَ رَبِّهِ } : مقامه بين يدي ربّه فانتهى عن المعصية. (501)

مُجاهِد: هو خوفه في الدّنيا من الله عند مواقعة الذّنب فيقلع. (الماوَرْديّ 6: 200)

الرّبيع: هو خوفه في الآخرة من وقوفه بين يدي الله للحساب. (الماوَرْديّ 6: 200)

الكَلْبيّ: زجر النّفس عن المعاصي و المحارم.

(الماوَرْديّ6: 200)

الإمام الصّادق (علیه السلام): من علم أنّ الله يراه و يسمع ما يقول و يفعل، و يعلم ما يعمله من خير أو شرّ، فيحجزذلك عن القبيح من الأعمال، فذلك الّذي خاف مقام ربّه، و نهى النّفس عن الهوى.

(الكاشانيّ 5: 283)

الطّبَريّ: يقول: و أمّا من خاف مسألة الله إيّاه عند وقوفه يوم القيامة بين يديه، فاتّقاه بأداء فرائضه، و اجتناب معاصيه.

(12: 440)

القُمّيّ: هوى العبد إذا وقف على معصية الله و قدر عليها، ثمّ تركها مخافة الله و نهى النّفس عنها، فمكافأته الجنّة. (2: 404)

الطُّوسيّ: معناه من خاف مقام مسألة ربّه عمّا يجب فعله أو تركه، و عمل بموجب ذلك، بأن فعل الطّاعة و امتنع من المعصية. (10: 264)

نحوه الطَّبْرِسيّ. (5: 435)

الفَخْرالرّازيّ: و اعلم أنّ الخوف من الله، لابدّ و أن يكون مسبوقًا بالعلم بالله، على ما قال: { اِ نَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمؤُا } فاطر: 28، و لمّا كان الخوف من الله هو السّبب المعيّن لدفع الهوى، لاجرم قدّم العلّة على المعلول، و كما دخل في ذينك الصّفتين: < الطّغيان وإيثارالحياة الدّنيا > جميع القبائح، دخل في هذين الوصفين: < الخوف و نهي النّفس عن الهوى > جميع الطّاعات و الحسنات. (31: 51)

البَيْضاويّ: { وَ اَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَ بِّهِ } مقامه بين يدي ربّه لعلمه بالمبدإ و المعاد. (2: 539)

البُرُوسَويّ: أي مقامه بين يدي مالك أمره يوم الطّامّة الكبرى يوم يتذكّر الإنسان ما سعى؛ وذلك لعلمه بالمبدإ و المعاد، فإنّ الخوف من القيام بين يديه للحساب لابدّ أن يكون مسبوقًا بالعلم به تعالى...

جعل الخوف مقابلا للطّغيان، مع أنّ الظّاهر مقابلته للانقياد و الإطاعة، بناء على أنّ الخوف أوّل أسباب الإطاعة، ثمّ الرّجاء، ثمّ المحبّة. فالأوّ ل للعوامّ، و الثّاني للخواص، و الثّالث لأخص الخواص. [إلى أن قال:]

يقول الفقير: إنّ الإنسان برزخ بين الحقيقة الإلهيّة و الحقيقة الكونيّة،و كذا بين الحقيقة الملكيّة و الحقيقة

ص: 196

الحيوانيّة، فهو من حيث الحقيقة الأُولى ينهى النّفس من حيث الحقيقة الثّانية، كما أنّ النّبيّ (علیه السلام) يخاطب نفسه بقوله(علیه السلام): السّلام عليك أيّها النّبيّ، من جانب ملَكيّته إلى جانب بشريّته، أو من مقام جمعه إلى مقام فرقه. (10: 327)

الآلوسيّ: أي مقامه بين يدي مالك أمره يوم الطّامّة الكبرى، يوم يتذكّر الإنسان ما سعى. على أنّ الإضافة مثلها في < رقود حلب > أو < و أمّا من خاف ربّه سبحانه > على أنّ لفظ (مَقَامَ) مقحم، و الكلام معه كناية عن ذلك، و إثبات للخوف من الرّبّ عزّ وجلّ بطريق برهانيّ بليغ، نظير ما قيل في قوله تعالى: { اَكْرِمى مَثْويهُ } يوسف: 21. (30: 36)

المَراغيّ: أي و أمّا من حذر وقوفه بين يدي ربّه يوم القيامة، و أدرك مقدار عظمته و قهره، و غلبة جبروته و سطوته، و جنّب نفسه الوقوع في محارمه، فالجنّة مثواه و قراره. (30: 34)

فضل الله: و عرف عظمته في ربوبيّته المطلقة المهيمنة على الكون و ما فيه، ممّا يجعل الإنسان يستشعر موقع العبوديّة في ذاته في موقعه من ربّه، من خلال استشعاره للأُلوهيّة في مقام الله الّتي تستتبع الإيمان و الطّاعة في كلّ شيء. الأمر الّذي يجعل الحياة بالنّسبة إليه تُمثّل فرصة المسؤوليّة الخاشعة في ما يأمر به الله أو ينهى عنه، لتكون إرادته مرتبطةً بإرادة الله، فإذا أرادت منه نفسه أن يتمرّد على الله، انطلاقًا من رغباتها الذّاتيّة، و أهوائها الغريزيّة، فإنّه يبادر إلى أن ينهى نفسه عن السّير في هذا الاتّجاه، ليجعل هواه تبعًا للإيمان، لأنّ المسلم الحقّ، الّذي أسلم كلّ حياته لله، هو الّذي يحاول أن يصوغ نفسه صياغةً إيمانيّةً على خطّ التّقوى، ليكون العبد المطيع لله، و هذا كلّه نتيجة الخوف من مقام ربّه. (24: 48)

خَافُوا

وَ لْيَخْشَ الَّذينَ‘ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّ يَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْ لا سَديدًا‘.

النّساء: 9

راجع، خ ش ي: < وَلْيَخْشَ >.

خَافَت

وَ اِن ِامْرَاَةٌ خَافَت مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا اَوْاِعْرَاضًا فَلاجُنَاحَ عَلَيْهِمَا اَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ... النّساء: 128

ابن عبّاس: علمت من زوجها. (81)

الطّبَريّ: علمت من زوجها { نُشُوزًا }، يعني استعلاءً بنفسه عنها إلى غيرها، أثَرَة عليها، و ارتفاعًا بها عنها: إمّا لبغضة، و إمّا لكراهة منه بعض أسبابها، إمّا دَمامتها، و إمّا سنّها و كِبَرها، أو غير ذلك من أُمورها { اَوْ اِعْرَاضًا}، يعني انصرافًا عنها بوجهه أو ببعض منافعه الّتي كانت لها منه { فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا اَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا }. (4: 304)

نحوه الواحديّ. (2: 124)

الطُّوسيّ: [نحو الطّبَريّ و أضاف:]

فإن قيل: قوله: { وَ اِن ِامْرَ اَةٌ خَافَت } ليس فيه أنّ

ص: 197

الرّجل نشز على امرأة، و الخوف ليس معه يقين؟ قلنا: عنه جوابان:

أحدهما: أنّ الخوف في الآية بمعنى العلم و تقديره، و إن امرأة علمت.

و الثّاني: أ نّها لاتخاف النّشوز من الرّجل إلا و قد بدأ منه ما يدلّ على النّشوز، و الإعراض من أمارات ذلك و دلائله. (3: 346)

الزّمَخْشَريّ: { خَافَت مِنْ بَعْلِهَا }: توقّعت منه ذلك لما لاح لها من مخايله و أماراته. (1: 568)

نحوه البَيْضاويّ (1: 247)، و النّسَفيّ (1: 254)، و الشِّربينيّ ( 1 : 336 ) ، و أبو السُّعود ( 2 : 203 ) ،

و الكاشانيّ (1: 469)، و البُرُوسَوي(2: 295).

الفَخْرالرّازيّ: قال بعضهم: { خَافَت } أي علمت، و قال آخرون: ظنّت. و كلّ ذلك ترك للظّاهر من غير حاجة، بل المراد نفس الخوف إلا أنّ الخوف لايحصل إلا عند ظهور الأمارات الدّالّة على وقوع الخوف، و تلك الأمارات هاهنا أن يقول الرّجل لامرأته: إنّك دميمة أو شيخة، و إنّي أُريد أن أتزوّج شابّة جميلة. (11: 65)

النَّيسابوريّ (5: 160)، و أبوحَيّان (3: 363).

القُرطُبيّ: و{ خَافَت } بمعنى توقّعت. و قول من قال: { خَافَت} تيقّنت خطأ. (5: 403)

الآلوسيّ: و الخوف إمّا على حقيقته أو بمعنى التّوقّع أي و إن امرأة توقّعت لما ظهر لها من المخايل.

(5: 161)

رشيد رضا: الخوف: توقّع ما يُكره بوقوع بعض أسبابه، أو ظهور بعض أماراته. (5: 445)

خِفْتُمْ

1 وَ لايَحِلُّ لَكُمْ اَنْ تَاْخُذُوا مِمَّا اتَيْتُمُوهُنَّ شَيًْا= اِلا اَنْ يَخَافَا اَ لا يُقيمَا‘ حُدُودَ اللهِ فَاِنْ خِفْتُمْ اَ لا يُقيمَا حُدُودَ اللهِ فَلاجُنَاحَ عَلَيْهِمَا فيمَا ‘افْتَدَت بِهِ.

البقرة: 229

ابن عبّاس: علمتم. (32)

الفَرّ اء: و في قراءة عبدالله ( اِلا اَنْ تَخَافُوا ) فقرأها حمزة على هذا المعنى ( اِلا اَنْ يُخَافَا ) و لايعجبني ذلك. و قرأها بعض أهل المدينةكما قرأها حمزة و هي في قراءة أُبَيّ ( اِلا اَنْ يَظنَّا اَلايُقيمَا‘ حُدُودَ اللهِ ) و الخوف و الظّنّ متقاربان في كلام العرب. من ذلك أنّ الرّجل يقول: قد خرج عبدك بغير إذنك، فتقول أنت: قد ظننت ذاك، و خفت ذاك، و المعنى واحد.

وقد روي عنه(صلی الله علیه و آله) < أُمرتُ بالسّواك حتّى خِفتُ لأدْرَدَنّ >[أي تسقط أسناني] كما تقول: ظنّ ليذهبنّ.

و أمّا ما قال حمزة، فإنّه إن كان أراد اعتبار قراءة عبدالله، فلم يصبه و الله أعلم لأنّ الخوف إنّما وقع على (اَنْ) وحدها؛ إذ قال: ألا يخافوا أن لا، و حمزة قد أوقع الخوف على الرّجل و المرأة، و على (اَنْ). ألا ترى أنّ اسمهما في الخوف مرفوع بما لم يسمَّ فاعله. فلو أراد ألا يُخاف على هذا، أو يُخافا بذا، أو من ذا فيكون على غير اعتبار قول عبدالله كان جائزًا، كما تقول للرّجل: تُخاف لأ نّك خبيث، و بأ نّك، و على أ نّك... [و استشهد بالشّعرمرّتين] (1: 145)

أبوعُبَيْدَة: { اِلا اَنْ يَخَافَا } معناه: يوقنا،{ فَاِنْ خِفْتُمْ } معناه فإن أيقنتم. (الطُّوسيّ 2: 245)

ص: 198

الطّبَريّ: و اختلفت القرأة في قراءة ذلك، فقرأه بعضهم: { اِلا اَنْ يَخَافَا اَلا يُقيمَا‘ حُدُودَ اللهِ }؛ و ذلك قراءة مُعظم أهل الحجاز و البصرة، بمعنى: إلا أن يخاف الرّجل و المرأة أن لايقيما حدود الله. و قد ذكر أنّ ذلك في قراءة أُبيّ بن كعب: ( اِلااَنْ يَظُنَّا اَلا يُقيمَا‘ حُدُودَ اللهِ).

و العرب قد تضع الظّن موضع الخوف، و الخوف موضع الظّن في كلامها، لتقارب معنييهما، كما قال الشّاعر:

أتاني كلام عن نُصَيب يقوله

وما خفت يا سلام أ نّك عائبي

بمعنى ما ظننت.

و قرأه آخرون من أهل المدينة و الكوفة: (اِلااَنْ يُخَافَا اَلايُقيمَا‘ حُدُودَ اللهِ). فأمّا قارئ ذلك كذلك من أهل الكوفة، فإنّه ذُكر عنه أ نّه قرأه كذلك، اعتبارًا منه بقراءة ابن مَسعود، و ذكر أ نّه في قراءة ابن مَسعود: (اِلااَنْ تَخَافُوا اَلايُقيمَا‘ حُدُودَ اللهِ). و قراءة ذلك كذلك، اعتبارًا بقراءة ابن مَسعود الّتي ذُكرت عنه، خطأٌ؛ و ذلك أنّ ابن مَسعود إن كان قرأه كما ذكر عنه، فإنّما أعمل الخوف في (اَنْ) وحدها، و ذلك غير مدفوعة صحّته، كما قال الشّاعر:

إذا متّ فادفنّي ...

[ و قد سبق البيان في ص 193]

فأمّا قارئه: (اِلااَنْ يُخَافَا) بذلك المعنى، فقد أعمل في متروكة تسميته، و في(اَنْ) فأعمله في ثلاثة أشياء: المتروك الّذي هو اسم ما لم يسمّ فاعله، و في (اَنْ) الّتي تنوب عن شيئين، و لاتقول العرب في كلامها: < ظُنّا أن يقوما >.

و لكن قراءة ذلك كذلك صحيحة، على غير الوجه الّذي قرأه من ذكرنا قراءته كذلك، اعتبارًابقراءة عبد الله الّذي وصفنا، و لكن على أن يكون مرادًا به إذا قرئ كذلك: إلاأن يخاف بأن لايقيما حدود الله، أو: على أن لايقيما حدود الله، فيكون العامل في (اَنْ) غير < الخوف >، و يكون < الخوف >، عاملا فيما لم يسمّ فاعله. و ذلك هو الصّواب عندنا من القراءة لدلالة ما بعده على صحّته، وهو قوله: { فَاِنْ خِفْتُمْ اَ لا يُقيمَا‘ حُدُودَ اللهِ } فكان بيّنّا أنّ الأوّل بمعنى: إلاأن تخافوا أن لايقيما حدود الله.

فإن قال قائل: و أيّة حال الحال الّتي يُخاف عليهما أن لايقيما حدود الله، حتّى يجوز للرّجل أن يأخذ حينئذ منها ما آتاها؟

قيل: حال نشوزها و إظهارها له بِغْضَته، حتّى يخاف عليها ترك طاعة الله فيما لزمها لزوجها من الحقّ، و يخاف على زوجها بتقصيرها في أداء حقوقه الّتي ألزمها الله له تركه أداء الواجب لها عليه. فذلك حين الخوف عليهما أن لايقيما حدود الله، فيطيعاه فيما ألزم كلّ واحد منهما لصاحبه... [إلى أن قال:]

و أمّا أهل التّأويل فإنّهم اختلفوا في معنى: الخوف منهما أن لا يقيما حدود الله.

فقال بعضهم: ذلك هو أن يظهر من المرأة سوء الخلق و العشرة لزوجها، فإذا ظهر ذلك منها له، حلّ له أن يأخذ ما أعطته من فدية على فراقها.

و قال آخرون: بل الخوف من ذلك: أن لاتبرّ له

ص: 199

قسمًا، و لاتطيع له أمرًا.

و قال آخرون: بل الخوف من ذلك أن تبتدئ له بلسانها قولا أ نّها له كارهة.

و قال آخرون: بل الّذي يُبيح له أخذ الفدية، أن يكون خوف أن لايقيما حدود الله منهما جميعًا، لكراهة كلّ واحد منهما صحبة الآخر.

و أولى هذه الأقوال بالصّحّة قول من قال: لا يحلّ للرّجل أخذ الفدية من امرأته على فراقه إيّاها، حتّى يكون خوف معصية الله من كلّ واحد منهما على نفسه، في تفريطه في الواجب عليه لصاحبه منهما جميعًا،...

لأنّ الله تعالى ذكره إنّما أباح للزّوج أخذ الفدية من امرأته، عند خوف المسلمين عليهما أن لايقيما حدود الله.[وسيأتي مصاديقه في: ق و م: < اَ لا يُقيمَا‘> فلاحظ] (2: 474)

الزّجّاج: [نقل قول أبي عُبَيْدَة و أضاف:]

و حقيقة قوله: { اِلا اَنْ يَخَافَا اَ لا يُقيمَا‘ حُدُودَ اللهِ } أن يكون الأغلب عليهما وعندهما أ نّهما على ما ظهر منهما من أسباب التّباعد الخوف من أن لايقيما حدودالله. (1: 308)

الفارسيّ: < خَافَ > فعل يتعدّى إلى مفعول واحد؛ و ذلك المفعول يكون (اَنْ) و صلتها، و يكون غيرها. فأمّا تعدّيه إلى غير (اَنْ) فنحو قوله عزّ وجلّ: { تَخَافُونَهُمْ كَخيفَتِكُمْ اَ نْفُسَكُمْ } الرّوم: 28، و تعديته إلى (اَنْ) كقوله تعالى: { تَخَافُونَ اَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ } الأنفال:26، و قوله: { اَمْ يَخَافُونَ اَنْ يَحيفَ اللهُعَلَيْهِمْ} النّور:50، فإن عدّيته إلى مفعول ثان، ضعّفت العين، أو اجتلبت حرف الجرّ، كقولك: خوّفت النّاس ضعيفهم قويّهم، و حرف الجرّ كقوله:

*لو خافك الله عليه حرّمه*

و من ذلك قوله: { اِ نَّمَا ذ لِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ اَوْلِيَاءَهُ } آل عمران: 175، ف { يُخَوِّفُ } قد حذف معه مفعول يقتضيه، تقديره: يخوّف المؤمنين بأوليائه، فحذف المفعول و الجارّ، فوصل الفعل إلى المفعول الثّاني. ألاترى أ نّه لايخوّف أولياءه على حدّ قولك: خوّفت اللُّص، إنّما يخوّف غيرهم ممّن لااستنصار له بهم. و مثل هذه في حذف المفعول منه قوله تعالى: { فَاِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَاَلْقيهِ ‘فِى الْيَمِّ } القصص: 7.

المعنى إذا خفت عليه فرعون، أو الهلاك. فالجارّ المظهرفي قوله: { فَاِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ } بمنزلة المحذوف من قوله: { اَوْلِيَاءَهُ }. و إذا كان تعدّي هذا الفعل على ما وصفنا، فقول حمزة: ( اِلا اَن يُخَافَا)، مستقيم، لأ نّه لمّا بنى الفعل للمفعول به، أسند الفعل إليه، فلم يبق شيء يتعدّى إليه، فأمّا (اَنْ) في قوله: {اَ لا يُقيمَا‘ }، فإنّ الفعل يتعدّى إليه بالجارّ، كما تعدّى بالجارّ في قوله:

*لو خافك الله عليه حرّمه*

و موضع(اَنْ) في قوله: ( اِلا اَنْ يُخَافَا) جرّ بالجارّ المقدّر، على قول الخَليل، و الكِسائيّ. و نصب على قول غيرهما، لأ نّه لمّا حذف الجارّ، وصل الفعل إلى المفعول الثّاني، مثل:< استغفر الله ذنبًا> و <أمرتُك الخير> فقوله: مستقيم على ما رأيت.

فإن قال قائل: لو كان(يُخَافَا) كما قرأ، لكان

ص: 200

ينبغي أن يكون: فإن خيفا. قيل: لايلزمه هذا السّؤال لمن خالفه في قراءته، لأ نّهم قد قرأوا: { اِلا اَنْ يَخَافَا } و لم يقولوا: فإن خافا، فهذا لايلزمه لهؤلاء؛ و ليس يلزم الجميع هذا السّؤال لأمرين:

أحدهما: أن يكون انصرف من الغيبة إلى الخطاب، كما قال: { اَلْحَمْدُ للهِ ‚} ثمّ قال: { اِيَّاكَ نَعْبُدُ }، و قال: { وَ مَا اتَيْتُمْ مِنْ زَكوة تُريدُ‘ونَ وَجْهَ اللهِ فَاُولئِكَ’ هُمُ الْمُضْعِفُونَ } الرّوم: 39، و هذا النّحوكثيرفي التّنزيل و غيره.

و الآخر: أن يكون الخطاب في قوله تعالى: { فَاِنْ خِفْتُمْ} مصروفًا إلى الوُلاة و الفُقهاء الّذين يقومون بأُمور الكافّة. و جاز أن يكون الخطاب للكثرة، فيمن جعله انصرافًا من الغيبة إلى الخطاب، لأنّ ضمير الاثنين في (يُخَافَا ) ليس يراد به اثنان مخصوصان، إنّما يراد به أنّ كلّ من كان هذا شأنه، فهذا حكمه.

فأمّا من قرأ: { يَخَافَا } بفتح الياء، فالمعنى أ نّه إذا خاف كلّ واحد من الزّوج و المرأة ألا يقيما حدود الله تعالى، حلّ الافتداء، و لايحتاج في قولهم إلى تقدير الجارّ؛ و ذلك أنّ الفعل يقتضي مفعولا يتعدّى إليه، كما يقتضيه في نحو قوله تعالى: { فَلاتَخَافُوهُمْ وَ خَافُونِ } آلعمران: 175، و لابدّ من تقدير الجارّ في قراءة من ضمّ الياء، لأنّ الفعل قد أُسند إلى المفعول، فلايتعدّى إلى المفعول الآخر إلا بالجارّ.

فأمّا ما قاله الفَرّاء: في قراءة حمزة: ( اِلا بِاَنْ يُخَافَا) من أ نّه اعتبر قراءة عبدالله ( إلا أن تَخَافُوا) فلم يصبه، لأنّ الخوف في قراءة عبدالله واقع على (اَنْ)، و في قول حمزة على< الرّجل > و< المرأة.> فإن بلغه ذلك في رواية عنه فذاك، و إلا، فإذا اتّجه قراءته على وجه صحيح، لم يجز أن ينسب إليه الخطأ. (1: 443)

الواحديّ: أي يعلما و يوقنا.

و الخوف يكون بمعنى العلم؛ و ذلك أنّ في الخوف طرفًا من العلم، لأ نّك تخاف ما تعلم، و ما لاتعلم لاتخافه، كما أنّ الظّنّ لمّا كان فيه طرف من العلم جاز أن يكون علمًا.

و معنى الآية: أنّ المرأة إذا خافت أن تعصي الله في أمر زوجها بُغضًاله، و خاف الزّوج إذا لم تطعه امرأته أن يعتدي عليها، حلّ له أن يأخذ الفدية منها، إذا دعت إلى ذلك...

{ فَاِنْ خِفْتُمْ } أيّها الوُ لاة و الحُكّام، أي علمتم و غلب على ظنّكم أنّ الزّوجين لايقيمان حدود الله في حسن العشرة و جميل الصّحبة { فَلاجُنَاحَ عَلَيْهِمَا فيمَا‘ افْتَدَتْ بِهِ }. (1: 336)

البغَويّ : أي يعلما { اَ لا يُقيمَا‘ حُدُودَ اللهِ } قرأ أبوجعفر و حمزة و يعقوب ( اِلااَنْ يُخَافَا) بضمّ الياء، أي يعلم ذلك منهما، يعني يعلم القاضي و الوليّ ذلك من الزّوجين، بدليل قوله تعالى: { فَاِنْ خِفْتُمْ } فجعل الخوف لغير الزّوجين، و لم يقل: فإن خافا. و قرأ الآخرون { يَخَافَا } بفتح الياء، أي يعلم الزّوجان من أنفسهما {اَِ لا يُقيمَا‘ حُدُودَ اللهِ } تخاف المرأة أن تعصي الله في أمر زوجها، و يخاف الزّوج إذا لم تطعه امرأته أن يعتدي عليها. (1: 305)

الزّمَخْشَريّ: فإن قلت: لمن الخطاب في قوله:

ص: 201

{ وَ لايَحِلُّ لَكُمْ اَنْ تَاْخُذُوا } إن قلت للأزواج،

لم يطابقه قوله: { فَاِنْ خِفْتُمْ اَ لا يُقيمَا‘ حُدُودَ اللهِ }، و إن قلت: للأئمّة و الحُكّام، فهؤلاء ليسوا بآخذين منهنّ و لابمؤتيهنّ.

قلت: يجوز الأمران جميعًا: أن يكون أوّل الخطاب للأزواج و آخره للأئمة و الحُكّام و نحو ذلك غير عزيز في القرآن و غيره، و أن يكون الخطاب كلّه للأئمة و الحكّام، لأ نّهم الّذين يأمرون بالأخذ و الإيتاء عند التّرافع إليهم، فكأ نّهم الآخذون و المؤتون، { مِمَّا اتَيْتُمُوهُنَّ }: ممّا أعطيتموهنّ من الصّدقات { اِلا اَنْ يَخَافَا اَ لا يُقيمَا‘ حُدُودَ اللهِ } إلا أن يخاف الزّوجان ترك إقامة حدود الله فيما يلزمهما من مواجب الزّوجيّة، لما يحدث من نشوز المرأة و سوء خلقها. (1: 367)

ابن عَطيّة: قرأ جميع السّبعة إلاحمزة {يَخَافَا } بفتح الياء على بناء الفعل للفاعل. فهذا باب< خاف > في التّعدّي إلى مفعول واحد، وهو (اَنْ). وقرأ حمزة وحده (يُخَافَا) بضمّ الياء على بناء الفعل للمفعول. فهذا على تعدية < خاف > إلى مفعولين: أحدهما أُسند الفعل إليه، و الآخر(اَنْ) بتقدير حرف جرّ محذوف، فموضع(اَنْ) خَفْضٌ بالجار ّالمقدّر عند سيبَوَيه و الكِسائيّ، و نَصْبٌ عند غيرهما، لأ نّه لمّا حذف الجارّ و صار الفعل إلى المفعول الثّاني مثل:< استغفر الله ذنبًا> و <أمرتك الخير>.

و في مصحف ابن مَسعود ( اِلااَنْ يَخافُوا) بالياء و واو الجمع، و الضّمير على هذا للحكّام ومتوسّطي أُمور النّاس. (1: 307)

الفَخْرالرّازيّ: اختلفوا في أنّ قوله تعالى: { اِلااَنْ يَخَافَا } هو استثناء متّصل أو منقطع. و فائدة هذا الخلاف تظهر في مسألة فقهيّة: وهي أنّ أكثر المجتهدين قالوا: يجوز الخلع في غير حالة الخوف

و الغضب. [ثمّ ذكرأقوالهم و ثمرتها، فلاحظ]

الخوف المذكور في هذه الآية يمكن حمله على الخوف المعروف، و هو الإشفاق ممّا يكره وقوعه، و يمكن حمله على الظّنّ؛ و ذلك لأنّ الخوف حالة نفسانيّة مخصوصة، و سبب حصولها ظنّ أ نّه سيحدث مكروه في المستقبل. و إطلاق اسم المعلول على العلّة مجاز مشهور، فلاجرم أطلق على هذا الظّنّ اسم الخوف. و هذا مجاز مشهور، فقد يقول الرّجل لغيره: قد خرج غلامك بغير إذنك، فتقول: قد خفت ذلك على معنى ظننته و توهّمته. [ثمّ استشهد بشعر و قال:]

ثمّ الّذي يؤكّد هذا التّأويل قوله تعالى فيما بعد هذه الآية: { فَاِنْ طَلَّقَهَا فَلاجُنَاحَ عَلَيْهِمَا اَنْ يَتَرَاجَعَا اِنْ ظَنَّا اَنْ يُقيمَا‘ حُدُودَ اللهِ } البقرة: 230.

اعلم أنّ ظاهر هذه الآية يدلّ على أنّ الشّرط هو حصول الخوف للرّجل و للمرأة، و لابدّ هاهنا من مزيد بحث، فنقول: الأقسام الممكنة في هذا الباب أربعة. لأ نّه: إمّا أن يكون هذا الخوف حاصلا من قبل المرأة فقط، أو من قبل الزّوج فقط، أو لايحصل الخوف من قبل واحد منهما، أو يكون الخوف حاصلا من قبلهما معًا. [ثمّ بيّن حكم كلّ منها، لاحظ: ف د ي: < افتَدَت >] (6: 107)

ص: 202

القُرطُبيّ: حرّم الله تعالى في هذه الآية ألا يأخذ إلا بعد الخوف ألا يقيما حدود الله، و أكّد التّحريم بالوعيد لمن تعدّى الحدّ. و المعنى أن يظنّ كلّ واحد منهما بنفسه ألا يقيم حقّ النّكاح لصاحبه حسب ما يجب عليه فيه، لكراهة يعتقدها، فلا حرج على المرأة أن تفتدي، و لاحرج على الزّوج أن يأخذ. و الخطاب للزّوجين، و الضّمير في { اَنْ يَخَافَا } لهما، و { اَ لا يُقيمَا‘} مفعول به، و < خفي > يتعدّى إلى مفعول واحد.ثمّ قيل: هذا الخوف هو بمعنى العلم، أي أن يعلما ألايقيما حدود الله، و هو من الخوف الحقيقيّ، و هو الإشفاق من وقوع المكروه، و هو قريب من معنى الظّنّ... (3: 137)

البَيْضاويّ: أي الزّوجان، و قرئ ( يَظُنّا ) و هو يؤيّد تفسير الخوف بالظّنّ أن لايقيما حدود الله، بترك إقامة أحكامه من موجب الزّوجيّة. (1: 121)

أبوحَيّان: الألف في{ يَخَافَا } و { يُقيمَا‘ } عائد على صنفي الزّوجين، و هو من باب الالتفات، لأ نّه إذااجتمع مخاطب و غائب، و أُسند إليهما حكم، كان التّغليب للمخاطب. فتقول: أنت و زيد تخرجان، و لايجوز يخرجان، و كذلك مع التّكلّم نحو:أنا و زيد نخرج.و لمّاكان الاستثناء بعد مضيّ الجملة للخطاب جاز الالتفات. و لو جرى على النّسق الأوّل لكان: (اِلا اَنْ تَخافُوا اَنْ لاتَقيمُوا)، و يكون الضّمير إذ ذاك عائدًا على المخاطبين و على أزواجهم، و المعنى: إلا أن يخافا، أي صنفا الزّوجين، ترك إقامة حدود الله فيما يلزمهما من حقوق الزّوجيّة، بما يحدث من بغض المرأة لزوجها حتىّ تكون شدّة البغض سببًا لمواقعة الكفر، كما في قصّةجميلة مع زوجها ثابت((1)).

{ وَ اَنْ يَخَافَا } قيل: في موضع نصب على الحال، التّقدير: إلاخائفَين، فيكون استثناء من الأحوال، فكأنّه قيل: فلايحلّ لكم أن تأخذوا ممّا آتيتموهنّ شيئًا في كلّ حال، إلافي حال الخوف أن لايقيما حدود الله، و ذلك أنّ (اَنْ) مع الفعل بتأويل المصدر، و المصدر في موضع اسم الفاعل، فهومنصوب على الحال. و هذا في إجازته نظر، لأنّ وقوع المصدر حالا لاينقاس، فأحرى ما وقع موقعه، و هو (اَنْ) و الفعل، و يكثر المجاز، فإنّ الحال إذ ذاك يكون (اَنْ) و الفعل، الواقعان موقع المصدر الواقع موقع اسم الفاعل.

و قد منع سيبَوَيه وقوع: (اَنْ) و الفعل، حالا ، نص على ذلك في آخر: < هذا باب ما يختار فيه الرّفع و يكون فيه الوجه في جميع اللّغات > و الّذي يظهر أ نّه استثناء من المفعول له، كأ نّه قيل: و لايحلّ لكم أن تأخذوا بسبب من الأسباب

إلابسبب خوف عدم إقامة حدود الله، فذلك هو المُبيح لكم الأخذ، و يكون حرف العلّة قد حذف مع: (اَنْ )، و هو جائز فصيحًا كثيرًا.

و لايجيء هنا، خلاف الخَليل و سيبَوَيه أ نّه إذا حذف حرف الجرّ من ( اَنْ )، هل ذلك في موضع نصب أو في موضع جرّ؟ بل هذا في موضع نصب، لأ نّه مقدّر

ص: 203


1- (1) قد ذكروا في شأن نزول الآية قصّة جميلة بنت عبد الله ابن أبي سلول و زوجها ثابت بن قيس.

بالمصدر لو صرّح به كان منصوبًا، واصلا إليه العامل بنفسه، فكذلك هذا المقدّر به، و هذا الّذي ذكرناه من أنّ: (اَنْ) و الفعل، إذا كانا في موضع المفعول من أجله،فالموضع نصب لاغير منصوص عليه من النّحويّين و وجهه ظاهر.

و معنى الخوف هنا الإيقان، قاله أبو عُبَيْدَة، أو العلم، أي إلاأن يعلما، قاله ابن سلمة. [ثمّ استشهد بشعر]

و الأولى بقاء الخوف على بابه، و هو أن يراد به الحذر من الشّيء، فيكون المعنى: إلا أن يعلم، أو يظنّ أو يوقن أو يحذر، كلّ واحد منهما بنفسه، أن لايقيم حقوق الزّوجيّة لصاحبه حسبما يجب، فيجوز الأخذ.

و قرأ عبد الله: (اِلاأن يخَافُوا اَنْ لايُقيمُوا حقوق) أي إلا أن يخاف الأزواج و الزّوجات. و هو من باب الالتفات؛ إذ لو جرى عليه النّسق الأوّل لكان بالتّاء. و روي عن عبد الله أنّه قرأ أيضًا: ( اِلا اَنْ تَخَافُوا ) بالتّاء. و قرأ حمزة، و يعقوب، و يزيد بن القعقاع؛ ( اِلا اَنْ يُخافُوا )، بضمّ الياء، مبنيًّا للمفعول، و الفاعل المحذوف: الولاة. و ( اَنْ لايُقيما )، في موضع رفع بدل من الضّمير، أي إلا أن يخاف عدم إقامتهما حدود الله، و هو بدل اشتمال، كما تقول: الزّيدان أعجباني حسنهما و الأصل: إلا أن يخافوا، أ نّها: الولاة، عدم إقامتهما حدود الله. [ثمّ نقل كلام ابن عَطيّة و قال:]

و هو نص كلام أبي عليّ الفارسيّ، نقله من كتابه إلاالتّنظيرب <استغفرالله>. و ليس بصحيح تنظير ابن عَطيّة < خاف > ب <استغفر>، لأنّ < خاف > لايتعدّى إلى اثنين، ك < استغفر الله > و لم يذكر ذلك النّحويّون حين عدّوا ما يتعدّى إلى اثنين. و أصل أحدهما بحرف الجرّ، بل إذا جاء: خفت زيدًا ضربه عمرًا، كان ذلك بدلا ، إذ مَن ضربه عمرًا كان مفعولا من أجله، و لايفهم ذلك على أنّه مفعول ثان. و قد وهم ابن عَطيّة في نسبة (اَنْ) الموضع خفض في مذهب سيبَوَيه، و الّذي نقله أبو عليّ و غيره أنّ مذهب سيَبَويه: أنّ الموضع بعد الحذف نصب، و به قال الفَرّاء، و أنّ مذهب الخَليل أنّه جرّ، و به قال الكِسائيّ.

و قدّر غير ابن عَطيّة ذلك الحرف المحذوف:

< على> فقال: و التّقدير إلا أن يخافا على أن يقيما، فعلى هذا يمكن أن يصحّ قول أبي عليّ و فيه بُعدٌ.

و قد طعن في هذه القراءات من لايُحسن توجيه كلام العرب، و هي قراءة صحيحة مستقيمة في اللّفظ و في المعنى. و يؤيّدها قوله بعد: { فَاِنْ خِفْتُمْ }، فدلّ على أنّ الخوف المتوقّع هو من غير الأزواج، و قد اختار هذه القراءة أبو عُبَيْد.

قال أبو جعفر الصّفّار: ما علمت في اختيار حمزة أبعد من هذا الحرف، لأ نّه لايوجبه الإعراب و لااللّفظ و لاالمعنى.

أمّا الإعراب فإن يحتجّ له بقراءة عبد الله بن مَسعود: (اِلااَن يخَافُوا اَنْ لايقيموا )، فهو في العربيّة إذ ذاك لما لم يُسمّ فاعله، فكان ينبغي أنلو قيل: إلاأن يخافا أن لا يقيما؟ و قد احتجّ الفرّاء لحمزة، و قال: إنّه اعتبرقراءة عبد الله: ( اِلا اَنْ يخَافُوا). و خطّأه أبو عليّ، و قال: لم يُصب، لأنّ الخوف في قراءة عبد الله واقع

ص: 204

على(اَنْ)، و في قراءة حمزة واقع على< الرّجل > و < المرأة >.

و أمّا اللّفظ فإن كان صحيحًا فالواجب أن يقال: < فإن خيفا >، و إن كان على لفظ، ف ( اَنْ ) وجب أن يقال < اِلا اَنْ يخافوا.>.

و أمّا المعنى فإ نّه يبعد أن يقال: لايحلّ لكم أن تأخذوا ممّا آتيتموهنّ شيئًا إلا أن يخاف غيركم، و لم يقل جلّ و عزّ: فلاجناح عليكم أن تأخذوا له منها فدية، فيكون الخُلع إلى السّلطان، و قد صحّ عن عمر و عثمان أ نّهما أجازا الخُلع بغير سلطان. انتهى كلام الصّفّار.

و ما ذكره لايلزم، و توجيه قراءة الضّمّ ظاهر، لأ نّه لمّا قال: { وَ لايَحِلُّ لَكُمْ} وجب على الحكّام منع من أراد أن يأخذ شيئًا من ذلك. ثمّ قال: { اِلا اَنْ يَخَافَا }، فالضّمير للزّوجين، و الخائف محذوف، و هم: الولاة و الحكّام، و التّقدير: إلاأن يخاف الأولياء الزّوجين أن لايقيما حدود الله، فيجوز الافتداء. و تقدّم تفسير < الخوف > هنا.

و أمّا قوله: فوجب أن يقال: < فإن خيفا >، فلايلزم،لأنّ هذا من باب الالتفات، و هو في القرآن كثير، و هو من محاسن العربيّة. و يلزم من فتح الياء أيضًا على قول الصّفّار أن يقرأ: < فإن خافا >، و إنّما هو في القراءتين على الالتفات.

و أمّا تخطئة الفَرّاء فليست صحيحة، لأنّ قراءة عبد الله ( اِلا اَنْ يَخافُوا )، دلالة على ذلك، لأنّ التّقدير: إلاأن يخافوهما أن لايقيما. و الخوف واقع في قراءة حمزة على (اَنْ)، لأ نّها في موضع رفع على البدل من ضميرهما، و هو بدل الاشتمال كما قرّرناه قبل فليس على ما تخيّله أبوعليّ، و ذلك كما تقول: خيف زيد شرّه.

و أمّا قوله: يبعد من جهة المعنى، فقد تقدّم الجواب عنه، و هو أنّ لهما المنع من ذلك، فمتى ظنّوا أو أيقنوا ترك إقامة حدود الله، فليس لهم المنع من ذلك. و قد اختار أبو عُبَيْدَة قراءة الضّمّ، لقوله تعالى: { فَاِنْ خِفْتُمْ} ، فجعل الخوف لغير الزّوجين، و لو أراد الزّوجين لقال: فإن خافا. (2: 196)

السّمين: قوله: { اِلااَنْ يَخَافَا } هذا استثناء مفرّغ، و في{ اَنْ يَخَافَا } وجهان:

أحدهما: أنّه في محلّ نصب على أ نّه مفعول من أجله، فيكون مستثنى من ذلك العامّ المحذوف، و التّقدير: و لايحلّ لكم أن تأخذوا بسبب من الأسباب إلابسبب خوف عدم إقامة حدود الله. و حُذف حرف العلّة لاستكمال شروط النّصب، لاسيّما مع (اَنْ)، و لايجيء هنا، خلاف الخَليل و سيبَوَيه: أهي في موضع نصب أو جرّ بعد حذف اللام، بل هي في محلّ نصب فقط، لأنّ هذا المصدر لو صُرّح به لنُصب، وهذا قدنص عليه النّحويّون، أعني كون (اَنْ) و ما بعدها في محلِّ نصب بلاخلاف، إذا وقعَتْ موقع المفعول له.

و الثّاني: أ نّه في محلّ نصب على الحال، فيكون مستثنى من العامّ أيضًا، تقديره: و لا يحلّ لكم في كلّ حال من الأحوال إلافي حال خوف ألايقيماحدود الله.

ص: 205

قال أبو البقاء: و التّقدير: إلاخائفَين، و فيه حذف مضاف تقديره: ولايحلّ أن تأخذوا على كلّ حال أو في كلّ حال إلافي حال الخوف.

و الوجه الأوّل أحسن؛ و ذلك أنّ (اَنْ) و ما في حيّزها مؤوّلة بمصدر، و ذلك المصدر واقع موقع اسم الفاعل المنصوب على الحال، و المصدر لايطّرد وقوعه حالا فكيف بما هو في تأويله!! و أيضًا فقد نص سيبَوَيه على أنّ (اَنْ) المصدريّة لاتقع موقعَ الحال. [ثم ذكركلام أبي حَيّان و قال:]

و الخوف هنا فيه ثلاثة أوجه:

أحدها: أ نّه على بابه من الحَذَر و الخشية، فتكون (اَنْ) في قراءة غير حمزة في محلّ جرّ أو نصب على حَسَب الخلاف فيها بعد حذف حرف الجرّ، إذ الأصل: من ألايقيما، أو في محلّ نصب فقط على تعدية الفعل إليها بنفسه، كأ نّه قيل: إلاأن يَحذَرا عدم إقامة حدود الله.

و الثّاني: أ نّه بمعنى < العلم > و هو قول أبي عُبَيْدَة. [ثمّ استشهد بشعر و قال:]

و لذلك رُفع الفعل بعد ( اَن )، و هذا لايصحّ في الآية لظهور النّصب.

و الثّالث: الظّنّ، قاله الفَرّاء، ويؤيّده قراءة أُبيّ: (اِلااَنْ يَظُنَّا).

وعلى هذين الوجهين فتكون ( اَنْ ) و ما في حيّزها سادّةً مسدّ المفعولين عند سيبَوَيه، و مسدّ الأوّل و الثّاني محذوف عند الأخفش، كما تقدّم تقريره غيرمرّة.

و الأوّل هو الصّحيح؛ وذلك أنّ< خاف > من أفعال التّوقّع، و قد يميل فيه الظّنّ إلى أحد الجائزَين، و لذلك قال الرّاغِب: < الخوف: يقال لما فيه رجاء ما، و لذلك لايقال: خِفْت ألاأقدر على طلوع السّماء أو نَسْف الجبال >. (1: 559)

أبوالسُّعود: { اِلا اَنْ يَخَافَا } أي الزّوجان. و قرئ ( يظنّوا ) و هو مؤيّد لتفسير الخوف بالظّنّ { اَ لايُقيمَا‘ حُدُودَ اللهِ }، أي أن لايُراعيا مواجب أحكام الزّوجيّة. و قرئ ( يُخَافَا ) على البناء للمفعول و إبدال (اَنْ) بصلته من الضّمير بدل الاشتمال. و قرئ ( تَخَافَا و تُقيمَا ) بتاء الخطاب { فَاِنْ خِفْتُمْ } أيّها الحكّام { اَ لايُقيمَا‘ } أي الزّوجان حدود الله بمشاهدة بعض الأمارات و المخايل، فلاجناح عليهما أي على الزّوجين فيما افتدت به، لاعلى الزّوج في أخذ ما افتدت به، و لاعليها في إعطائه إيّاه. (1: 272)

البُرُوسَويّ: قوله تعالى: { فَاِنْ خِفْتُمْ } فإ نّهخطاب مع الحكّام، و الحكّام و إن لم يكونوا آخذين و مؤتين حقيقةً إلا أ نّهم هم الّذين يأمرون بالأخذ

و الإيتاء عند التّرافع إليهم، فكأ نّهم هم الّذين يأخذون و يؤتون. [إلى أن قال:]

{ اِلا اَنْ يَخَافَا } أي الزّوجان { ا َلايُقيمَا‘حُدُودَ اللهِ} أي أن لايُراعيا مواجب الزّوجيّة. قوله { اِلا اَنْ يَخَافَا } استثناء مفرّغ و { اَنْ يَخَافَا } محلّه النّصب على أ نّه مفعول من أجله مستثنى من العامّ المحذوف، تقديره: و لايحلّ لكم أن تأخذوا بسبب من الأسباب شيئًا إلا بسبب خوف عدم إقامة حدود الله،{ فَاِنْ

ص: 206

خِفْتُمْ } أيّها الحكّام { اَ لايُقيمَا‘ حُدُودَ اللهِ } أي الحقوق الّتي أثبتها النّكاح؛ و ذلك بمشاهدة بعض الأمارات و المخايل { فَلاجُنَاحَ عَلَيْهِمَا فيمَا‘ افْتَدَتْ بِهِ }.

(1: 356)

الآلوسيّ: و الخطاب مع الحكّام، و إسناد الأخذ و الإيتاء إليهم، لأ نّهم الآمرون بهما عند التّرافع، و قيل: إنّه خطاب للأزواج، و يُردّ عليه أن فيه تشويشًا للنّظم الكريم، لأنّ قوله تعالى: { اِلااَنْ يَخَافَا} أي الزّوجان كلاهما أو أحدهما { اَ لا يُقيمَا‘ حُدُودَ اللهِ } بترك إقامة مواجب الزّوجيّة غير منتظم معه، لأنّ المعبّر عنه في الخطاب الأزواج فقط، و في الغيبة الأزواج و الزّوجات. و لايمكن حمله على الالتفات؛ إذ من شرطه أن يكون المعبّر عنه في الطّريقين واحدًا، و أين هذا الشّرط؟

نعم لهذا القيل وجه صحّة، لكنّها لاتُسمن و لاتُغني، و هو أنّ الاستثناء لمّا كان بعد مضيّ جملة الخطاب من أعمّ الأحوال أو الأوقات أو المفعول له على أن يكون المعنى بسبب من الأسباب، إلابسبب الخوف جاز تغيير الكلام من الخطاب إلى الغيبة لنكتة، و هي: أن لايخاطب مؤمن بالخوف من عدم إقامة حدود الله. و قرئ( تَخَافَا) و ( تُقيمَا ‘) بتاء الخطاب، و عليها يهون الأمر، فإنّ في ذلك حينئذ تغليب المخاطبين على الزّوجات الغائبات. و التّعبير بالتّثنية باعتبار الفريقين، و قرأ حمزة و يعقوب ( يُخَافَا) على البناء للمفعول و إبدال (اَنْ) بصلته من ألف الضّمير، بدل اشتمال، كقولك: خيف زيد تركه { حُدُودَ اللهِ }، و يعضده قراءة عبدالله ( اِلا اَنْ تخافوا ) ...و في قراءة أُبيّ ( اِلا اَنْ يظنّا ) و هو يؤيّد تفسيرالظّنّ بالخوف { فَاِنْ خِفْتُمْ } خطاب للحكّام لاغير، لئلايلزم تغيير الأُسلوب قبل مضيّ الجملة. (2: 139)

رشيدرضا: و الخوف هنا على ظاهره، و هو توقّع المكروه، و فسّره بعضهم بالظّنّ و بعضهم بالعلم. و توقّع الشّيء لايكون إلا بوجود ما يدلّ عليه. فإن كان الدّليل قطعيًّا فهو من العلم، و إلا فهو من الظّنّ.

و قدجعل بعض المفسّرين الخطاب الأوّلللأزواج و الثّاني للحكّام، و جعل بعضهم الخطاب للحكّام أوّلا و آخرًا، لتناسق الضّمائر. و يقول الأُستاذ الإمام: إنّ الخطاب في مثل هذا للأُمّة، لأ نّها متكافلة في المصالح العامّة، و أُولو الأمر هم المطالَبون أوّلا و بالذّات بالقيام بالمصالح، و الحكّام منهم، و سائر النّاس رقباء عليهم. (2: 388)

نحوه المَراغيّ. (2: 173)

ابن عاشور: و الخطاب في قوله: { فَاِنْ خِفْتُمْ اَ لا يُقيمَا‘ حُدُودَ اللهِ } للحكّام، لأ نّه لو كان للأزواج لقيل: فإن خفتم ألا تقيموا، أو ألا تقيما. قال في « الكشّاف >: و نحو ذلك غير عزيز في القرآن انتهى. يعني لظهور مرجع كلّ ضمير من قرائن المُقام .

و نظّره في « الكشّاف » بقوله تعالى في سورة الصّفّ:13: {وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنينَ ‘} على رأي صاحب < الكشّاف > ، إذ جعله معطوفًا على{ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ } لأ نّه في معنى آمنوا و جاهدوا، أي فيكون معطوفًا على الخطابات العامّة للأُمّة ، و إن كان

ص: 207

التّبشير خاصًّا به الرّسول (صلی الله علیه و آله) ، لأ نّه لايتأتّى إلامنه. و أظهر من تنظير صاحب « الكشاف » أن تُنظّره بقوله تعالى فيما يأتي: { وَ اِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ اَجَلَهُنَّ فَلاتَعْضُلُوهُنَّ } البقرة : 232، إذ خوطب فيه المطلّق و العاضل، و هما متغايران.[إلى أن قال:]

و الخوف: توقّع حصول ما تكرهه النّفس، و هو ضدّ الأمن. و يطلق على أثره، و هو السّعي في مرضاة المخوف منه، و امتثال أوامره، كقوله: { فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُون ِاِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ ‘} آل عمران: 175. و ترادفه الخشية، لأنّ عدم إقامة حدود الله ممّا يخافه المؤمن، و الخوف يتعدّى إلى مفعول واحد، قال تعالى:

{ فَلاتَخَافُوهُمْ }.[ثمّ استشهد بشعر]

و حذفت < على > في الآية لدخولها على < اَنْ > المصدريّة.

و قد قال بعض المفسّرين: إنّ الخوف هنا بمعنى الظّنّ، يريد ظنّ المكروه؛ إذ الخوف لايطلق إلا على حصول ظنّ المكروه، و هو خوف بمعناه الأصليّ.

(2: 388)

الطَّباطَبائيّ: الخوف هو الغلبة على ظنّهما أن لايقيما حدود الله، و هي أوامره و نواهيه من الواجبات و المحرّمات في الدّين؛ و ذلك إنّما يكون بتباعد أخلاقهما و ما يستوجبه حوائجهما، و التّباغض المتولّد بينهما من ذلك.

قوله تعالى: { فَاِنْ خِفْتُمْ اَ لا يُقيمَا‘ حُدُودَ اللهِ ...} العدول عن التّثنية إلى الجمع في قوله: { خِفْتُمْ }، كأ نّه للإشارة إلى لزوم أن يكون الخوف خوفًا يعرفه العُرف و العادة، لا ما ربّما يحصل بالتّهوّس و التّلهّي، أو بالوسوسة و نحوها، و لذلك عدل أيضًا عن الإضمار، فقيل: { اَ لا يُقيمَا‘ حُدُودَ اللهِ } ، و لم يقل: < فإن خفتم ذلك >لمكان اللّبس. (2: 234)

فضل الله: [لاحظ كلامه في: ف د ي: < افتدت >]

(4: 306)

2 فَاِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا اَوْ رُكْبَانًا فَاِذَا اَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ. البقرة: 239

الفَخْرالرّازيّ: اختلفوا في الخوف الّذي يفيد هذه الرّخصة؛ و طريق الضّبط أن نقول: الخوف إمّا أن يكون في القتال، أو في غير القتال.

أمّا الخوف في القتال، فإمّا أن يكون في قتال واجب، أو مباح، أو محظور.

أمّا القتال الواجب فهو كالقتال مع الكفّار، و هو الأصل في صلاة الخوف، و فيه نزلت الآية، و يلتحق به قتال أهل البغي، قال تعالى:{ فَقَاتِلُوا الَّتى تَبْغىحَتى| تَفىءَ اِلى اَمْرِ اللهِ } الحجرات: 9.

و أمّا القتال المباح فقد قال القاضي أبو المحاسن الطّبَري في كتاب < شرح المختصر >: إنّ دفع الإنسان عن نفسه مباح غير واجب، بخلاف ما إذا قصد الكافر نفسه، فإنّه يجب الدّفع، لئلا يكون إخلالا بحقّ الإسلام.

إذا عرفت هذا فنقول: أمّا القتال في الدّفع عن النّفس و في الدّفع عن كلّ حيوان محترم، فإنّه يجوز فيه صلاة الخوف. أمّا إذا قصد أخذ ماله، أو إتلاف حاله،

ص: 208

فهل له أن يصلّي صلاة شدّة الخوف؟ فيه قولان: الأصحّ أن يجوز. و احتجّ الشّافعيّ بقوله 3: < من قُتل دون ماله فهو شهيد >. فدلّ هذا على أنّ الدّفع عن المال كالدّفع عن النّفس. و الثّاني: لايجوز، لأنّ حرمة الزّوج أعظم.

أمّا القتال المحظور فإنّه لاتجوز فيه صلاة الخوف، لأنّ هذا رخصة و الرّخصة إعانة، و العاصي لايستحقّ الإعانة.

أمّا الخوف الحاصل لا في القتال، كالهارب من الحرق و الغرق و السّبع، و كذا المُطالَب بالدَّين إذا كان معسرًا خائفًا من الحبس، عاجزًا عن بيّنة الإعسار، فلهم أن يُصلّوا هذه الصّلاة، لأنّ قوله تعالى: { فَاِنْ خِفْتُمْ } مطلق يتناول الكلّ. (6: 166)

أبوحَيّان: و الخوف يشمل الخوف من: عدّو، و سبُع، و سيل و غير ذلك، فكلّ أمر يُخاف منه فهو مبيح ما تضمّنته الآية هذه. (2: 243)

ابن عاشور: و الخوف هنا خوف العدوّ، و بذلك سُمّيت صلاة الخوف. و العرب تسمّي الحرب بأسماء الخوف، فيقولون: الرَّوْع، و يقولون: الفَزَع. [إلى أن قال:]

و أيضًا شملت هذه الآية كلّ خوف من سباع، أو قُطّاع طريق، أو من سيل الماء. (2: 449)

و راجع: ر ج ل: < رجالا >.

3 و 4 وَ اِنْ خِفْتُمْ اَ لا تُقْسِطُوا فِى الْيَتَامى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنى وَ ثُلثَ وَ رُ بَاعَ فَاِنْ خِفْتُمْ اَ لا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً... النّساء: 3أبوعُبَيْدَة: { اِنْ خِفْتُمْ اَ لاتَعْدِلُوا } مجازه: أيقنتم.

(1: 116)

ابن قُتَيْبَة: أي فإن علمتم أ نّكم لاتعدلون بين اليتامى. (119)

ابن العَرَبيّ: قال جماعة من المفسّرين: معناه أيقنتم و علمتم، و الخوف و إن كان في اللّغة بمعنى الظّنّ الّذي يترجّح وجوده على عدمه، فإنّه قد يأتي بمعنى اليقين و العلم. و الصّحيح عندي أ نّه على بابه من الظّنّ لا من اليقين، التّقدير: من غلب على ظنّه التّقصير في القسط لليتيمة فليعدل عنها (1: 310)

ابن عَطيّة: قال أبو عُبَيْدَة: { خِفْتُمْ } هنا بمعنى أيقنتم. و ما قاله غير صحيح، و لايكون الخوف بمعنى اليقين بوجه، و إنّما هو من أفعال التّوقّع ،إلا أنّه قد يميل الظّنّ فيه إلى إحدى الجهتين، و أمّا أن يصل إلى حدّ اليقين فلا. (2: 6)

الخازن: يعني فإن خشيتم. (1: 398)

نحوه الشِّربينيّ. (1: 280)

أبوحَيّان: و معنى { خِفْتُمْ }: حذرتم، و هو على موضوعه في اللُّغة من أنّ الخوف هو الحذر. و قال أبو عُبَيْدَة: معنى{ خِفْتُمْ } هنا: أيقنتم، و < خاف > تكون بمعنى أيقن، و دليله قول الشّاعر:

* فقلت لهم خافوا بألفي مدحج *

و ما قاله لايصحّ،[و] لايثبت من كلام العرب < خاف > بمعنى أيقن، و إنّما خاف من أفعال التّوقّع، و قد يميل فيه الظّنّ إلى أحد الجائزين. (3: 162)

أبوالسُّعود: و المراد بالخوف: العلم، كما في قوله

ص: 209

تعالى: { فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوص جَنَفًا } البقرة: 182، عبّر عنه بذلك إيذانًا بكون المعلوم مخوفًا محذورًا، لامعناه الحقيقيّ، لأنّ الّذي علّق به الجواب هو العلم بوقوع الجور المخوف لاالخوف منه، و إلا لم يكن الأمر شاملا لمن يصرّ على الجور و لايخافه. (2: 95)

نحوه البُرُوسَويّ (2: 162)،والآلوسيّ (4: 189).

الطَّباطَبائيّ: و قد علّقه تعالى على الخوف من ذلك دون العلم، لأنّ العلم في هذه الأُمور و لتسويل النّفس فيها أثر بيّن لايحصل غالبًا، فتفوت المصلحة.

(4: 168)

5 وَ اِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ اَهْلِهِ وَ حَكَمًا مِنْ اَهْلِهَا... النّساء: 35

ابن عبّاس: علمتم. (69)

نحوه الطّبَريّ (4: 73)، و الواحديّ (2: 47)، و الشِّربينيّ (1: 301).

أبوعُبَيْدَة: أيقنتم. (1: 126)

الزّجّاج: قال بعضهم: { خِفْتُمْ } هاهنا في معنى أيقنتم، و هذا خطأ، لو علمنا الشّقاق على الحقيقة، لم يحتج إلى الحكمين، وإنّما يخاف الشّقاق (2: 48)

الطُّوسيّ: في معناه قولان:

أحدهما: إن علمتم.

الثّاني: الخوف الّذي هو خلاف الأمن، و هوالأصحّ، لأ نّه لوعلم الشّقاق يقينًا لم يحتج إلى الحكمين، فإن أُريد به الظّنّ كان قريبًا ممّا قلناه.

(3: 191)

نحوه الطَّبْرِسيّ. (2: 44)

البغَويّ: و الخوف بمعنى اليقين، و قيل:هو بمعنى الظّنّ، يعني: إن ظننتم شقاق بينهما. (1: 613)

نحوه الخازن. (1: 434)

الفَخْرالرّازيّ: قال ابن عبّاس { خِفْتُمْ } أي علمتم.

قال: و هذا بخلاف قوله: { وَ التى\ تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ }النّساء: 34، فإنّ ذلك محمول على الظّنّ، و الفرق بين الموضعين أنّ في الابتداء يظهر له أمارات النّشوز، فعند ذلك يحصل الخوف، و أمّا بعد الوعظ و الهجر و الضّرب لمّا أصرّت على النّشوز، فقد حصل العلم بكونها ناشزة؛ فوجب حمل الخوف هاهنا على العلم.

طعن الزّجّاج فيه فقال: { خِفْتُمْ } هاهنا بمعنى أيقنتم خطأ، فإنّا لو علمنا الشّقاق على الحقيقة لم نحتج إلى الحكمين.

و أجاب سائر المفسّرين بأنّ وجود الشّقاق و إن كان معلومًا، إلا أنّا لانعلم أنّ ذلك الشّقاق صدر عن هذا أو عن ذاك، فالحاجة إلى الحكمين لمعرفة هذا المعنى.

و يمكن أن يقال: وجود الشّقاق في الحال معلوم، و مثل هذا لايحصل منه خوف، إنّما الخوف في أ نّه هل يبقى ذلك الشّقاق أم لا؟ فالفائدة في بعث الحكمين ليست إزالة الشّقاق الثّابت في الحال فإنّ ذلك محال، بل الفائدة إزالة ذلك الشّقاق في المستقبل. (10: 92)

نحوه النَّيسابوريّ. (5: 38)

ص: 210

أبوالسُّعود: و الخوف هاهنا بمعنى العلم، قاله ابن عبّاس. و الجزم بوجود الشّقاق لاينافي بعث الحكمين، لأ نّه لرجاء إزالته لالتعرّف وجوده بالفعل و قيل: بمعنى الظّنّ. (2: 134)

نحوه البُرُوسَويّ. (2: 204)

6 وَاِذَا ضَرَ بْتُمْ فِى الاَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ اَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلوةِ اِنْ خِفْتُمْ اَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذينَ‘ كَفَرُوا اِنَّ الْكَافِرينَ‘ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّ ا مُبينًا‘. النّساء: 101

راجع: ق ص ر: < تقصروا >.

7 وَ اِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنيكُمُ ا للهُ مِنْ فَضْلِهِ اِنْ شَاءَ اِنَّ اللهَ عَليمٌ ‘حَكيمٌ ‘.

التّوبة:28

راجع: ع ي ل: < عيلة >.

خِفْتِ لاتَخَافىوَاَوْحَيْنَا اِلى اُمِّ مُوسى اَنْ اَرْضِعيهِ ‘فَاِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَاَلْقيهِ ‘فِى الْيَمِّ وَ لاتَخَافى وَلا تَحْزَنى اِنَّا رَادُّوهُ اِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلينَ ‘. القصص: 7

ابن عبّاس: { فَاِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ } أن يضيع [إلى أن قال:]

{ وَ لاتَخَافى } من الغرق { وَ لاتَحْزَنى } من الضّيعة أن لايُردّ إليك. (323)

ابن زَيْد: لاتخافي عليه البحر، و لاتحزني لفراقه.

(الطّبَريّ10: 30)

الطّبَريّ: لاتخافي على ولدك من فرعون وجنده أن يقتلوه، و لاتحزني لفراقه. (10: 30)

الطُّوسيّ: فالخوف توقّع ضرر لايُؤمَن به...

{ وَ لاتَخَافى وَ لاتَحْزَنى } نهي من الله تعالى لها من الخوف و الحزن، فإ نّه تعالى أراد أن يزيل خوف أُمّ موسى بما وعدها الله من سلامته على أعظم الأُمور، في إلقائه في البحر الّذي هو سبب الهلاك في ظاهر التّقدير، لولا لطف الله تعالى بحفظه حتّى يردّه إلى أُمّه.

(8 : 131)

البغَويّ: { فَاِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ } يعني: من الذّبح، { فَاَلْقيهِ‘ فِى الْيَمِّ } و اليمّ: البحر، و أراد هاهنا النّيل، { وَ لاتَخَافى } قيل: لاتخافي عليه من الغرق، و قيل: من الضّيعة،{ وَ لاتَحْزَنى } على فراقه. (3: 522)

نحوه الطَّبْرِسيّ. (4: 240)

الزّمَخْشَريّ: فإن قلت: ما المراد بالخوفين حتّى أوجب أحدهما و نهَى عن الآخر؟

قلت: أمّا الأوّل فالخوف عليه من القتل، لأ نّه كان إذا صاح خافت أن يسمع الجيران صوته فينموا عليه. و أمّا الثّاني فالخوف عليه من الغرق و من الضّياع و من الوقوع في يد بعض العيون المبثوثة من قبل فرعون، في تطلّب الولدان و غير ذلك من المخاوف.

فإن قلت: ما الفرق بين الخوف و الحزن؟

قلت: الخوف غمّ يلحق الإنسان لمتوقّع، و الحزن: غمّ يلحقه لواقع، و هو فراقه و الإخطار به، فنُهيت عنهما جميعًا. (3: 165)

نحوه النّسَفيّ (3: 226)، و الشِّربينيّ (3: 81).

الفَخْرالرّازيّ: أن يفطن به جيرانك، و يسمعون صوته عند البكاء { فَاَلْقيهِ‘ فِى الْيَمِّ }، و المراد باليمّ

ص: 211

ها هنا: النّيل، { وَ لاتَخَافى وَ لاتَحْزَنى } و الخوف غمّ يحصل بسبب مكروه يتوقّع حصوله في المستقبل، و الحزن غمّ يلحقه بسبب مكروه حصل في الماضي، فكأ نّه قيل: و لاتخافي من هلاكه، و لاتحزني بسبب فراقه.

(24: 227)

البَيْضاويّ: { وَ لاتَخَافى } عليه ضيعة و لاشدّة ، { وَ لاتَحْزَنى } لفراقه. (2: 187)

أبوحَيّان: { فَاِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ } من جواسيس فرعون و نقبائه الّذين يقتلون الأولاد، { فَاَلْقيهِ‘فِى اليَمِّ }. قال الجُنَيْد: إذاخِفْتِ حفظه بواسطة، فسلّميه إلينا بإلقائه في البحر، و اقطعي عنك شفقتك و تد بيرك ... { وَ لاتَخَافى } أي من غرقه و ضياعه، و من التقاطه، فيُقتل، { وَ لاتَحْزَنى } لمفارقتك إيّاه.

(7: 105)

نحوه أبو السُّعود(5: 113)،و الآلوسيّ (20: 45).

ابن عاشور: و الخوف: توقّع أمر مكروه، و الحزن: حالة نفسيّة تنشأ من حادث مكروه للنّفس، كفوات أمر محبوب، أو فقد حبيب، أو بُعده، أو نحو ذلك.

و المعنى لاتخافي عليه الهلاك من الإلقاء في اليمّ،

و لاتحزني على فراقه.

و النّهي عن الخوف و عن الحزن، نهيٌ عن سببيهما، و هما توقّع المكروه، و التّفكّر في وحشة الفراق. (20: 17)

خِفْتُ

وَاِنّى خِفْتُ الْمَوَالِىَ مِنْ وَرَائى وَكَانَتِ امْرَاَتى عَاقِرًا فَهَبْ لى مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا... مريم:5

راجع: و ل ي: < المَوالى >.

خِفْتُكُمْ

فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لى رَبّى حُكْمًا وَجَعَلَنى مِنَ الْمُرْسَلينَ‘ الشّعراء: 21

الطّبَريّ: { لَمَّا خِفْتُكُمْ } أن تقتلوني بقتلي القتيل منكم. (9: 438)

نحوه الواحديّ (3: 352)، و الطَّبْرِسيّ (4: 187).

الزّمَخْشَريّ: فإن قلت: لِمَ جمع الضّمير في { مِنْكُمْ} و { خِفْتُكُمْ } مع إفراده في { تَمُنُّهَا } و { عَبَّدْتَ }؟ الشّعراء: 22.

قلت: الخوف و الفرارلم يكونا منه وحده، و لكن منه و من ملئه المؤتمرين بقتله، بدليل قوله: { اِنَّ الْمَلاَ يَاْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ } القصص:20، و أمّا الامتنان فمنه وحده. (3: 109)

الفَخْرالرّازيّ: فالمراد: أنّي فعلت ذلك الفعل و أنا ذاهل عن كونه مهلكًا، و كان منّي في حكم السّهو، فلم أستحقّ التّخويف الّذي يوجب الفرار، و مع ذلك فررت منكم عند قولكم: { اِنَّ الْمَلاَ يَاْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ }. (24: 126)

الآلوسيّ: أي حين توقّعت مكروهًا يصيبني منكم. (19: 69)

لايَخَافُ

1 وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ

ص: 212

فَلايَخَافُ ظُلْمًا وَ لاهَضْمًا. طه: 112

ابن عبّاس: لايخاف ابن آدم يوم القيامة أن يظلم فيزاد عليه في سيّئاته، و لايظلم فيهضم في حسناته.

(الطّبَريّ 8 : 463)

الضّحّاك: لايخاف أن يؤخذ بذنب لم يعمله،ولا أن تبطل حسنة عملها. (الطَّبْرِسيّ4: 31)

قَتادَة: لايخاف أن يظلم فلايُجزى بعمله، و لايخاف أن ينتقص من حقّه فلايوفى عمله.

(الطّبَريّ 8: 463)

ابن زَيْد: لايخاف ظلمًا بأن لايجزى بعمله، و لا هضمًا بالانتقاص من حقه. (الطَّبْرِسيّ4: 31)

الطّبَريّ: فلايخاف من الله أن يظلمه، فيحمل عليه سيّئات غيره، فيعاقبه عليها. (8: 462)

أبوزُرْعَة: قرأ ابن كثير ( فَلا يَخَفْ ظُلْمًا ) جزمًا على النّهي، وعلامة الجزم سكون الفاء، و سقطت الألف لسكونها و سكون الفاء.

و قرأ الباقون: { فَلايَخَافُ } رفعًا على الخبر.

(464)

نحوه الطُّوسيّ. (7: 212)

الواحديّ: أي فهو لايخاف، و قرأ ابن كثير ( فَلايَخَفْ ) على النّهي فهو حسن، لأنّ المعنى: و من يعمل من الصّالحات و هو مؤمن فليأمن،لأ نّه لم يُفرط فيما وجب عليه، و نهيه عن الخوف أمر بالأمن.

(3: 222)

الطَّبْرِسيّ: و من قرأ ( فَلا يَخَفْ ) على النّهي، فمعناه: فليأمن، و لايخف الظّلم و الهضم، و النّهي عن الخوف أمر بالأمن. وفي هذه الآية دلالة على بطلان التّحابط. (4: 31)

الفَخْرالرّازيّ: فقوله: { فَلايَخَافُ } في موضع جزم، لكونه في موضع جواب الشّرط، و التّقدير: فهو لايخاف. و نظيره: { وَ مَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ } المائدة: 95، { فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَ بِّهِ فَلايَخَافُ بَخْسًا وَ لارَهَقًا } الجنّ: 13. [ثمّ أدام نحوالواحديّ]

(22: 120)

ابن عاشور: { فَلايَخَافُ } جواب الشّرط، و اقترانه بالفاء علامة على أنّ الجملة غير صالحة لموالاة أداة الشّرط، فتعيّن: إمّا أن تكون (لا) الّتي فيها ناهية، و إمّا أن يكون الكلام على نيّة الاستئناف، و التّقدير: فهو لايخاف.

و قرأ الجمهور { فَلايَخَافُ } بصيغة المرفوع بإثبات ألف بعد الخاء، على أنّ الجملة استئناف غير مقصود بها الجزاء، كأنّ انتفاء خوفه أمر مقرّر، لأ نّه مؤمن و يعمل الصّالحات.

و قرأه ابن كثير بصيغة الجزم بحذف الألف بعد الخاء، على أنّ الكلام نهي مستعمل في الانتفاء. و كُتبت في المصحف بدون ألف، فاحتملت القراءتين. و أشار الطّيّبيّ: إلى أنّ الجمهور توافق قوله تعالى: { وَ قَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا} طه: 111، في أنّ كلتا الجملتين خبريّة.

و قراءة ابن كثير تفيد عدم التّردّد في حصول أمنه من الظّلم و الهضم، أي في قراءة الجمهور خصوصيّة لفظيّة، و في قراءة ابن كثير خصوصيّة معنويّة.

ص: 213

و معنى { لايَخَافُ ظُلْمًا }: لايخاف جزاءالظّالمين، لأ نّه آمن منه بإيمانه و عمله الصّالحات . (16: 186)

2 وَ اَلْقِ عَصَاكَ فَلمَّا رَ اهَا تَهْتَزُّ كَاَ نَّهَا جَانٌّ وَ لى| مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسى لاتَخَف اِنّى لايَخَافُ لَدَىَّ الْمُرْسَلُونَ. النّمل:10

ابن عبّاس: لايخاف عندي من أرسلته برسالتي.

(الواحديّ 3: 369)

الحسَن: إنّي إنّما أخفتك لقتلك النّفس، كانت الأنبياء تذنب فتعاقب. (الطّبَريّ9: 499)

ابن جُرَيْج: لايُخيف الله الأنبياء إلابذنب يُصيبه أحدهم، فإن أصابه أخافه حتّى يأخذه منه.

(الطّبَريّ9: 499)

الفَرّاء: يقول القائل. كيف صُيّر خائفًا؟ قلت: فى هذه وجهان:

أحدهما: أن تقول: إنّ الرّسل معصومة مغفور لها آمنة يوم القيامة، و من خلط عملا صالحًا و آخر سيّئًا، فهو يخاف و يرجو؛ فهذا وجه.

و الآخر: أن تجعل الاستثناء من الّذين تركوا في الكلمة، لأنّ المعنى: لايخاف المرسلون إنّما الخوف على غيرهم. (2: 287)

الطّبَريّ: يقول تعالى ذكره: فناداه ربّه: يا موسى لاتخف من هذه الحيّة،{ اِنّى لايَخَافُ لَدَىَّ الْمُرْسَلُونَ} يقول: إنّي لا يخاف عندي رسلي و أنبيائي الّذين اختصّهم بالنّبوّة، إلا من ظلم منهم، فعمل بغير الّذي أُذن له في العمل به. (9: 498)

النّحّاس: في معناه أقوال: منها أنّ في الكلام حذفًا، و المعنى: إنّي لايخاف لديّ المرسلون، إنّما يخاف غيرهم ممّن ظلم، { اِلا مَنْ ظَلَمَ }طه: 11، ثمّ تاب فإنّه لايخاف.

و قيل: المعنى: لايخاف لديّ المرسَلون، لكن من ظلم من المرسلين و غيرهم، ثمّ تاب فليس يخاف.

(5: 117)

الطُّوسيّ: و قوله: { يَا مُوسى لاتَخَف} نداء من الله تعالى لموسى و تسكين منه، و نهي له عن الخوف. و قال له: إنّك مرسل و { لايَخَافُ لَدَىَّ الْمُرْسَلُونَ} لأ نّهم لايفعلون قبيحًا، و لايخلّون بواجب، فيخافون عقابه عليه، بل هم منزّهون عن جميع ذلك. (8: 78)

نحوه الطَّبْرِسيّ. (4: 212)

القُشَيْريّ: أي لاينبغي لهم أن يخافوا. (5: 27)

ال