المعجم فی فقه لغه القرآن و سر بلاغته المجلد 1

اشارة

عنوان و نام پديدآور : المعجم فی فقه لغه القرآن و سر بلاغته/ اعداد قسم القرآن لمجمع البحوث الاسلامیه؛ بارشاد و اشراف محمد واعظ زاده الخراسانی.

مشخصات نشر : مشهد: بنیاد پژوهشهای اسلامی، 1419ق. = -1377.

مشخصات ظاهری : ج.

فروست : الموسوعة القرآنیة الکبری.

شابک : دوره 964-444-179-6 : ؛ دوره 978-964-444-179-0: ؛ 1430000 ریال (دوره، چاپ دوم) ؛ 25000 ریال: ج. 1 964-444-180-X : ؛ 30000 ریال: ج. 2 964-444-256-3 : ؛ 32000 ریال: ج. 3 964-444-371-3 : ؛ 67000 ریال (ج. 10) ؛ ج.12 978-964-971-136-2 : ؛ ج.19 978-600-06-0028-0 : ؛ ج.21 978-964-971-484-4 : ؛ ج.28 978-964-971-991-7 : ؛ ج.30 978-600-06-0059-4 : ؛ 1280000 ریال: ج.36 978-600-06-0267-3 : ؛ 950000 ریال: ج.37 978-600-06-0309-0 : ؛ 1050000 ریال: ج.39 978-600-06-0444-8 : ؛ 1000000 ریال: ج.40 978-600-06-0479-0 : ؛ ج.41 978-600-06-0496-7 : ؛ ج.43 978-600-06-0562-9 :

يادداشت : عربی.

يادداشت : جلد سی و ششم تا چهلم باشراف جعفر سبحانی است.

يادداشت : جلد سی و ششم با تنقیح ناصر النجفی است.

يادداشت : جلد سی و هفتم تا چهل و سوم با تنقیح علیرضا غفرانی و ناصر النجفی است.

يادداشت : مولفان جلد چهل و یکم ناصر نجفی، محمدحسن مومن زاده، سیدعبدالحمید عظیمی، سیدحسین رضویان، علی رضا غفرانی، محمدرضا نوری، ابوالقاسم حسن پور، سیدرضا سیادت، محمد مروی ...

يادداشت : ج. 2 (چاپ اول: 1420ق. = 1378).

يادداشت : ج. 3 (چاپ اول: 1421ق. = 1379).

يادداشت : ج.3 (چاپ دوم: 1429ق. = 1387).

يادداشت : ج. 10 (چاپ اول: 1426ق. = 1384).

يادداشت : ج.21 (چاپ اول: 1441ق.=1399) (فیپا).

يادداشت : ج.36 (چاپ دوم : 1440ق.=1398)(فیپا).

يادداشت : ج.37 (چاپ اول : 1440ق.=1397)(فیپا).

يادداشت : ج.39 (چاپ اول: 1441ق.=1399) ( فیپا).

يادداشت : ج.40 - 41(چاپ اول: 1442ق.= 1399) (فیپا).

يادداشت : جلد دوازدهم تا پانزدهم این کتاب در سال 1398 تجدید چاپ شده است.

يادداشت : ج.19 و 28 و 30 ( چاپ دوم: 1442ق = 1400 ) (فیپا).

يادداشت : ج.21 (چاپ دوم: 1399).

يادداشت : ج.38 (چاپ دوم: 1399).

يادداشت : ج.30 (چاپ دوم: 1399).

يادداشت : ج.29 (چاپ دوم: 1399).

يادداشت : ج.12 (چاپ چهارم: 1399).

يادداشت : ج.32 (چاپ دوم: 1399).

مندرجات : ج.3. ال و - ا ن س

موضوع : قرآن -- واژه نامه ها

Qur'an -- Dictionaries

موضوع : قرآن -- دایره المعارف ها

Qur'an -- Encyclopedias

شناسه افزوده : واعظ زاده خراسانی، محمدِ، 1385-1304.

شناسه افزوده : سبحانی تبریزی، جعفر، 1308 -

شناسه افزوده : Sobhani Tabrizi, Jafar

شناسه افزوده : نجفی، ناصر، 1322 -

شناسه افزوده : غفرانی، علیرضا

شناسه افزوده : بنیاد پژوهشهای اسلامی. گروه قرآن

شناسه افزوده : بنیاد پژوهش های اسلامی

رده بندی کنگره : BP66/4/م57 1377

رده بندی دیویی : 297/13

شماره کتابشناسی ملی : 582410

اطلاعات رکورد کتابشناسی : فیپا

ص: 1

اشارة

ص: 2

ص: 3

ص: 4

المؤلّفون

الأستاذ محمّد واعظزاده الخراسانيّ

الدّكتور هادي حسن حمّودي

ناصر النّجفيّ

قاسم النّوريّ

محمّد حسن مؤمن زاده

حسين خاك شور

السيّد عبد الحميد عظيمي

السيّد جواد سيّدي

محمّد رمضاني

السيّد حسين رضويان

محمد حسين صادق پور

علي رضا غفرانيّ

علي أكبر قربانعليزاده سودمند

و هناك آخرون كانت لهم مشاركة فترة من الزّمن،ورد تفصيلها في التّصدير.و نذكر بالتّقدير اهتمام الأستاذ إلهيّ الخراسانيّ رئيس مجمع البحوث الإسلاميّة،الّذي شهد النّواة الأولى لهذا المشروع و شارك في بنائه.و نذكر أيضا عناية مجلس إدارة المجمع،و جهود الأقسام المختصّة بالجوانب الفنّيّة.

و لا يفوتنا أن ننوّه بالجهود المتواصلة لقسم الكومبيوتر،خاصّة الأخ حسين الطّائيّ في تنضيد الحروف.

و ما بذله محمّد جواد الحويزيّ و عبد الكريم الرّحيميّ من جهد في مقابلتهما لهذا الجلد،في طبعته الثّانية.و أبو الحسن الملكيّ في مقابلة الآيات القرآنيّة في هذه الطّبعة.

ص: 5

ص: 6

المحتويات

تمهيد 11

تصدير 15

حرف الالف 35

آدم 37

آزر 57

أ ب ب 69

أ ب د 77

إبراهيم 89

أباريق 113

أ ب ق 119

أ ب ل 125

إبليس 147

أ ب و 165

أ ب ي 185

أ ت ي 199

أ ث ث 253

أ ث ر 259

أ ث ل 293

أ ث م 301

أ ج ج 339

أ ج ر 347

أ ج ل 381

أ ح د 431

أ خ ذ 487

أ خ ر 543

أ خ و 641

أ د د 699

إدريس 705

أدو-أدي 715

أذن 727

فهرس الأعلام و المصادر المنقول عنهم بلا واسطة 821

فهرس الأعلام المنقول عنهم بالواسطة 827

ص: 7

ص: 8

مقدّمة الطّبعة الثّانية

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم نحمد اللّه حمدا كثيرا و نشكره شكرا جميلا على ما وفّقنا لتقديم عشر مجلّدات من موسوعتنا القرآنيّة الكبرى«المعجم في فقه لغة القرآن و سرّ بلاغته»إلى روّاد علوم القرآن و عشّاق معارفه و العطاشى إلى أسراره في أنحاء العالم الإسلاميّ،و قد وقع موقع القبول لدى كلّ من وقف عليه و طالعه من أعيان العلماء،إذ هم يتوقون إلى صدور الأجزاء اللاّحقة بفارغ الصّبر،للوقوف على ما فيها.

و هذا كلّه فضل من اللّه علينا و على«مجمع البحوث الإسلاميّة»في الآستانة الرّضويّة المقدّسة على مشرّفها السّلام و الصّلاة و التّحيّة،فهذا من بركات هذا المشهد العظيم و كم له من بركات!!

لقد التزمنا في هذه المجلّدات العشرة نفس المنهج الّذي انتهجناه في بداية العمل و أشرنا إليه في صدر المجلّد الأوّل،سوى تعديلات قليلة نبّهنا عليها في مقدّمة المجلّد العاشر،و كذلك تصحيح الأغلاط،و تغيير بعض الأرقام و العناوين في المجلّد الأوّل من الطّبعة الثّانية.

و سنستمرّ على هذا المنوال-بإذن اللّه-بالعمل إلى منتهى الأجل.و لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه العليّ العظيم الهادي إلى الصّراط المستقيم.

محمّد واعظزاده الخراسانيّ

مدير قسم القرآن بمجمع البحوث الإسلاميّة

ص: 9

ص: 10

تمهيد

بقلم الأستاذ محمّد واعظزاده الخراسانيّ مدير قسم القرآن بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للّه الّذي أنزل القرآن على رسوله الأمين،ليكون من المنذرين،بلسان عربيّ مبين، كتابا يهدي للّتي هي أقوم،و يحكم بالحقّ بين الأمم،يهدي به اللّه من اتّبع رضوانه سبل السّلام، و يخرجه من الظّلمات إلى النّور بإذنه،و يهديه إلى صراط مستقيم.

و الصّلاة و السّلام على نبيّنا محمّد بن عبد اللّه،الّذي أرسله شاهدا و مبشّرا و نذيرا،و داعيا إلى اللّه بإذنه و سراجا و منيرا،و جعل له من القرآن آية باهرة،و معجزة خالدة قاهرة،شاهدا على صدق دعوته،و برهانا على حقّيّة رسالته،فكان القرآن هداية و حجّة معا،و حكمة و عصمة لمن اتّبع و وعى:هداية للخلق،و حجّة للرّسول على الخلق.

فيه الهدى و النّور،و شفاء لما في الصّدور،و هو حبل اللّه المتين،و صراطه المستقيم،و هو النّور السّاطع برهانه،و الفرقان الصّادع تبيانه،و المعجز الباقي على مرّ الدّهور،و الحجّة الثّابتة عبر العصور،يهدي النّاس إلى صالح القول و العمل،و يعصمهم من الميل و الزّلل،معدن كلّ علم،

ص: 11

و منبع كلّ حكم،من قال به صدق،و من عمل به أجر،و من حكم به عدل،نورا يتوقّد مصباحه، و ضياء يتلألأ صباحه،و دليلا لا يخمد برهانه،و حقّا لا تخذل أعوانه،و حبلا وثيقا عروته، و جبلا منيعا ذروته.كتابا لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه،تنزيل من حكيم حميد.

ظاهره أنيق،و باطنه عميق،لا تفنى عجائبه،و لا تنقضي غرائبه،كثير الدّرر،غزير الغرر، متواصف السّمات،متناصف الصّفات،سيّارا في الأنجاد و الأغوار،طيّارا في الآفاق و الأقطار.

و قد ضرب اللّه فيه الأمثال،و قصّ فيه غيب الأخبار،و بيّن فيه الشّرائع و الأحكام،ففرّق بين الحلال و الحرام،و صرّف فيه العبر للأفهام،فجعل أمثاله و أخباره و عبره عظة و تذكرة لمن تدبّرها،و شرائعه و أحكامه هدى و تبصرة لمن استبصرها.

كتابا عجز الفصحاء عن معارضته،و عيّ الخطباء بمناقضته،و خرس البلغاء عن مشاكلته، فقد تحدّاهم النّبيّ بهذا القرآن،و خاطبهم مرارا بآيات التّحدّي،فقال تعالى:

أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مثله وَ ادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ يونس:38.

أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ هود:13.

قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً الإسراء:88.

وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَ ادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ لَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النّاسُ وَ الْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ البقرة:23،24.

فلم يأتوا بمثله-و لن يأتوا-و لم يعارضوه.و لو كان لسجّلوه و ضبطوه،كما ضبطوا كلام مسيلمة الكذّاب و من ماثلوه،و لكفاهم عن ما تحمّلوه من الحروب و المشاقّ،و عن ما بذلوه في سبيله من الأموال و النّفوس و الأعراق.فإذ لم يعارضوه بما يماثله في الفصاحة،أو يقاربه في الصّناعة-رغم كثرة من عندهم من أمراء الكلام و البلاغة،و أساطين البيان و الشّعر و الخطابة- ثبت عجزهم عن مجاراته و مباراته،و لزم تفوّقه عليهم في سوره و آياته.

ص: 12

فسلام اللّه و صلواته على هذا النّبيّ الأمّيّ العربيّ،الّذي فتح علينا بكتابه أبواب الكلام و البيان،و مهّد لنا بأحكامه و حكمه سبل السّلام و الأمان،و على الأطايب من عترته،و الأكارم من أرومته،الّذين هم عدل الكتاب،و مطالع أنواره،و على أصحابه و أنصاره،الّذين هم حفّاظ الكتاب،و حملة آثاره،و على التّابعين لهم بإحسان،النّاقلين إلينا آثارهم بائتمان.

اللّهمّ اجعلنا ممّن يتلوه حقّ تلاوته،و يرعاه حقّ رعايته،و يتدبّره حقّ تدبّره،و يتبصّره حقّ تبصّره،و يهتدي بهداه،و يستغني به عن ما سواه،و اجعلنا قائمين بقسطه،وافين بشرطه، مهتدين بأعلامه،عاملين بأحكامه،و اجمع لنا خير الدّنيا و الآخرة،فإنّك أهل التّقوى و المغفرة، آمين يا ربّ العالمين.

و بعد،فهذا هو الجزء الأوّل من الكتاب البديع،و السّفر النّجيع الموسوعة القرآنيّة الكبرى:

«المعجم في فقه لغة القرآن و سرّ بلاغته»،و سيتلوه بإذن اللّه سائر الأجزاء.و هو بحقّ أوسع و أعظم ما ألّف في ميدان الألفاظ القرآنيّة،و ما فيه من الأسرار البلاغيّة،إذ يضمّ نصوصا لغويّة، و بحوثا تفسيريّة،و شواهد تاريخيّة و أدبيّة،تتعلّق بألفاظ القرآن و مفرداته،و أعلامه و أدواته، و نصوصا من وجوه القرآن و النّظائر،و اختلاف القراءات و اللّهجات و معضلات الإعراب و التركيبات،إضافة إلى آراء منيعة،و بحوث بديعة،في فقه لغة القرآن و بلاغته،من أصول لغويّة، و أساليب قرآنيّة،لا توجد في غيره،و لا تدرك في نظيره.

و لا نغالي لو قلنا:إنّ الّذين يدرسون لغة القرآن تفقّها و تبصّرا،و يتناولونها تأمّلا و تدبّرا، ليستغنون بهذا المعجم عن غيره من المعاجم القرآنيّة،و التّفاسير اللّغويّة،و ما دوّن في مضمار غريبه و وجوهه و مفرداته،و اختلاف حروفه و قراءاته،و ما يتعلّق بإعجازه اللّغويّ و البلاغيّ و العدديّ.

فإنّه بمفرده يحوي معظم ما جاء في تلك المؤلّفات،بأسلوب مرتّب،و نمط مهذّب،فقد ضمّ حسناتها إلى حسناته،وفاقها بخصائصه و سماته،و أصبح كما قال المثل«جاء بالطّمّ و الرّمّ».

ص: 13

ص: 14

تصدير

اشارة

و حريّ بنا أوّل ذي بدء تصدير الكتاب،بما ينطوي على بيان أهدافه و مزاياه،و توضيح فوائده و حواياه،و الفرق بينه و بين كتب المفردات،و مكانته بينها و بين علوم القرآن.و إبداء وجهات النّظر حول المواضيع الّتي عالجها الكتاب،ممّا يتناول مفاهيم اللّغات و أصولها، و أسلوب استعمالها في القرآن و إعجازها.و يوضّح كذلك أسلوب المعجم و اصطلاحاته و رموزه،و مراحل نشوئه و تأليفه،و يعرّف الّذين شاركوا في تأليفه،و يثمّن جهودهم،و يشكر و يقدّر مساعيهم.

و يتناول هذا التّصدير أيضا مجملا من المباحث الهامّة المفصّلة في مجلّد باسم «المدخل»،و الّتي لها دخل مباشر،و مساس متّصل في فقه لغة القرآن و سرّ بلاغته،و يبتني عليها كثير من أبحاث المعجم و محتوياته.و يحوي هذا المدخل أصولا ترجع إليها الفروع،في شتّى موادّ المعجم و كلماته.

و نسأل اللّه تعالى مبتهلين إليه أن يمنّ علينا بالتّوفيق و السّداد،و الجدّ و الاجتهاد،و أن يلهمنا الإخلاص في العمل،إلى منتهى الأجل،و أن يهبنا صدق النّيّة،و طيب الطّويّة،و طاقة الصّبر،و سعة الصّدر،و السّعي إلى نهاية المشوار،و الاحتراز من الزّلّة و العثار.كما نتمنّى و نأمل أن ينتفع به الباحثون في أسرار الفرقان،كما انتفعوا بغيره.

ص: 15

أهداف المعجم و مكانته في علوم القرآن

إنّ اسم الكتاب يفصح عن محتواه و مغزاه،فهو معجم أو موسوعة قرآنيّة،مادّته:فقه لغة القرآن و سرّ بلاغته،و قد اقتبس اسمه من«فقه اللّغة و سرّ العربيّة»لأبي منصور الثّعالبيّ(350- 430 ه)،أحد أعلام اللّغة و الأدب في القرن الرّابع و الخامس الهجريّين.

و كذلك يفصح هذا الاسم عن حقيقة،مفادها أنّ للقرآن فقه لغة خاصّا به،يرتبط ارتباطا وثيقا بإعجازه.و قد كان القدماء يعبّرون عنه ب«النّظم القرآنيّ»و المتأخّرون ب«البيان القرآنى» أو«الإعجاز البيانيّ».و لم نقف لحدّ الآن على من يستعمل هذا الاصطلاح،أي«فقه لغة القرآن»،رغم أنّهم بحثوا كثيرا في النّظم القرآنيّ.

و لعلّ أوّل من أتى بهذا التّعبير-أي النّظم القرآنيّ-هو أبو عبيدة(م 209 ه)،في كتاب «مجاز القرآن»،و تبعه آخرون على مرّ العصور عند حديثهم عن إعجاز القرآن و بلاغته،و في طليعتهم الجاحظ(م 255 ه)،في كتابه«إعجاز القرآن».إلى أن شاع في هذا العصر اصطلاحا «الإعجاز البيانيّ»و«التّفسير البيانيّ»من قبل الأستاذ المصريّ أمين الخوليّ و روّاد مدرسته.

و نعتقد أنّ اصطلاح«فقه لغة القرآن»أوفى بسرّ البيان القرآنيّ و رمز الكلام الإلهيّ من أيّ تعبير آخر،لما يكمن في كلمة«فقه»-و لا سيّما في التّعبير القرآنيّ-من دقّة و عمق،و قد بيّنّاه في«المدخل»،كما بحثنا هناك في علم«فقه اللّغة»عند القدماء و المتأخّرين،و ركّزنا على أنّ «فقه لغة القرآن»هو علم برأسه،من عداد العلوم القرآنيّة.

و أمّا إثبات هذا المدّعى،أي أنّ للقرآن فقه لغة خاصّا به فتتكفّل ببيانه على العموم بحوث من«المدخل»،و لا سيّما بحث«الإعجاز البلاغيّ»،و يلمسه الدّارسون في طيّات هذا المعجم، خصوصا في بحث«الاستعمال القرآنيّ»من كلّ مادّة،و يمرّون على عدد جمّ من شواهده و مصاديقه.

و أمّا مكانة هذا المعجم بين العلوم القرآنيّة،فسيأتي تفصيله في«المدخل»خلال البحث في اصطلاح«العلوم القرآنيّة»و معانيها الثّلاثة،و ما ينضوي تحت كلّ قسم من أقسام العلوم، و كذلك عند الحديث عن كتب«غريب القرآن و مفرداته»و عن«الإعجاز البلاغيّ»و في غيرها

ص: 16

من البحوث.

و أمّا الحديث عنه بصورة مجملة:فإنّ هذا المعجم-حسب موضوعه-يبحث في لغات القرآن و كلماته،فيندرج تحت طائفة كتب«غريب القرآن و مفرداته»الّتي تكلّمنا عنها في فصل من«المدخل»،و هو من أبسط فصوله.و من جهة أخرى،فإنّ الكتاب يتكفّل بدراسة «بلاغة القرآن»في انتخاب الكلمات و سرّ إعجازها،فهو كتاب لغة و بلاغة و إعجاز قرآنيّ معا، و يعتبر في الوقت نفسه تفسيرا موضوعيّا حسب الكلمات،دون المواضيع،كما أنّه تضمّن علم «أعلام القرآن»أيضا،لاشتماله على شرحها في طائفة الكلمات.

و تتلخّص مزايا هذا المعجم و حواياه في أمور:

1-جمع النّصوص اللّغويّة الهامّة لكلّ مادّة من لغات القرآن،حسب التّرتيب الزّمنيّ لحياة أربابها،فيستغني الباحث بها عن مراجعة معاجم اللّغة،و يطلعه على تطوير علم اللّغة على مرّ العصور،كأنموذج في لغات القرآن،ينبغي بسطه في غيرها من لغة العرب.

2-جمع النّصوص التّفسيريّة الضّروريّة لكلّ مفردة بنفس الأسلوب،فيخلد إليها الدّارسون،و لا يكلّفون أنفسهم مشقّة تصفّح مجلّدات ضخمة من التّفاسير العارية في أغلب الأحوال عن الفهارس الواضحة،و هذا بدوره يبيّن أيضا تطوّر التّفسير اللّغوي على توالي الأزمان.

3-احتواؤه على فقه كلّ لغة،و تحوّلها لفظا و معنى،وصولا إلى جذر اللّفظ و المعنى الأصليّ من بين المعاني المتفرّعة منه،و الّذي هو بمنزلة الأمّ لها.

4-معرفة مشتقّات كلّ كلمة في القرآن و سرّ مجيئها متنوّعة،مراعاة للتّناسب اللّفظيّ و المعنويّ في كلّ موضوع.

5-جمع شتات الوجوه و النّظائر،فيوفّر للباحث وقته و جهده في مراجعة هذه الكتب الكثيرة.

6-شرح الأعلام القرآنيّة لفظا و معنى،و تقديم نموذج واف عمّا جاء في التّفسير و التّاريخ و كتب السّير و معاجم أهل الكتاب،و السّعي إلى التّعرّف على أشخاصها جهد الإمكان تحت

ص: 17

ظلّ القرآن.

7-بيان سرّ الإعجاز القرآنيّ من خلال الكلمات و طريقة مجيئها في القرآن.

8-فتح باب جديد لفهم القرآن و سرّ بلاغته و إعجازه،و ضمّ علم إلى علومه،و هو علم «فقه لغة القرآن».

و بذلك كلّه يظهر فرق هذا المعجم عن سائر كتب«غريب القرآن و مفرداته»فهو نسيج وحده،و فريد دهره،و يوسف مصره.

مادّته و مراحل تدوينه

كانت المادّة الأولى لهذا المعجم هي بطاقات و جذاذات هيّئت للنّصوص اللّغويّة في تفسير«التّبيان»لأبي جعفر الطّوسيّ(385-460 ه)شيخ الطّائفة الإماميّة،بمناسبة عقد مؤتمر الألفي عام(1392 ه ق)في جامعة مشهد.و كنّا بصدد نشرها في كتاب بعد مقابلتها و تصحيحها مع صديقنا الشّيخ إلهي خراسانيّ،و صادف حينذاك تأسيس مجمع البحوث الإسلاميّة»، فانتدبته الآستانة الرّضويّة المقدّسة لتسنّم إدارته،و تصدّيت أنا للإشراف على«قسم القرآن» من بين أقسامه المختلفة،و اتّفقنا على حصر أعماله في نشر هذا المعجم اللّغويّ لتفسير «التّبيان»ثمّ رأينا أن نوسّع دائرة المعجم،ليشمل سائر التّفاسير،علما بأنّ فيها مثل ما في «التّبيان»في شرح اللّغة بأضعاف مضاعفة،و لم تجمع إلى الآن في كتاب.

ثمّ تجاوزنا التّفاسير إلى كتب:المفردات و غريب القرآن و الوجوه و النّظائر،و ما إليها من المؤلّفات.

و لاحظنا بعد ذلك أنّ مادّة هذه الكتب هي معاجم اللّغة العربيّة،و لا تكمل دراسة لغات القرآن من خلال التّفاسير و تلك الكتب إلاّ بضمّ نصوص المعاجم إليها،علما بأنّ كثيرا من الأبحاث اللّغويّة في التّفاسير و كتب المفردات مأخوذة و مستمدّة من تلك المعاجم،و منقولة عنها بألفاظها أو بمعانيها،و بقيت فيها أشياء لم تنقل إلى تلك الكتب،فيجب ضمّها إليها.و بذلك حصلت لدينا مادّة لغويّة واسعة المدى،مختلفة المرمى،تزداد شيئا فشيئا بالوقوف على

ص: 18

نصوص أخرى.

ثمّ رأينا أنّ جمع النّصوص و الاكتفاء بها لا يشفي العليل،و لا يروي الغليل،إلاّ بضمّ بحوث إليها من فقه اللّغات و أسلوبها القرآنيّ و سرّها البلاغيّ؛و ذلك لا يتيسّر إلاّ بتقديم جدول في صدر كلّ مادّة حول ألفاظها في القرآن،ثمّ دراسة آياتها خلال النّصوص التّفسيريّة و اللّغويّة و أصولها،و بحث الاستعمال القرآنيّ،لكي تكون الدّراسة جامعة،لا تشذّ عنها كلمة قرآنيّة، و هذه هي مادّة المعجم.

و أمّا مراحل تدوينه،فكان ينبغي قبل كلّ شيء:

أوّلا:إحضار تلك الكتب و المصادر،و اختيار أحسن طبعاتها،و ما يتعلّق بها من شروح و ملابسات.

ثانيا:اختيار أعوان و زملاء من المثقّفين و الفضلاء الّذين يجيدون اللّغة العربيّة، و يحسنون انتقاء مادّة البطاقات،من المصادر،و اطّلاعهم على طريقة العمل،و تعريفهم بالمشروع الّذي تعلّق به الأمل،ليكونوا على بصيرة من أمرهم،ساعين في عملهم،إلى ما لا يعلم مداه من دهرهم.و قد تحقّق الأمران،فبدأ الإخوان عملهم،و لا يزالون مستمرّين فيه، حتّى حصل-و للّه الحمد-عندنا أكثر من مائتي ألف بطاقة،اقتبسوها من كتب التّفاسير و المفردات.و أمّا معاجم اللّغة فيرجع إليها عند التّدوين.

و بعد أن حصلنا على مقدار من الموادّ الصّالحة للاشتغال بالتّأليف،بدأنا العمل بموادّ من حرف الألف،دون أن نقدّر سعة العمل و تشعّبه،فحصلت لدينا نصوص متراكمة لكلّ مادّة،بلا تنظيم و تبويب،فأعدنا النّظر فيها،و بدّلنا أسلوبها مرّات،حتّى استقرّت على ما عزمنا النّيّة عليه،من أسلوب بديع،و نظم رفيع.

أسلوبه و رموزه

1-راعينا في تنظيم الكلمات موادّها الأصليّة حسب الحروف الهجائيّة في كافّة حروفها:الأوّل فالثّاني فالثالث،سوى الأعلام،فإنّها رتّبت حسب تلفّظها،و لهذا صدّرنا

ص: 19

المعجم ب«آدم»خلافا لسائر المعاجم اللّغويّة و القرآنيّة؛حيث تعرّضت له في مادّة«أدم».

و توضيح ذلك في فصل«الأعلام القرآنيّة»من«المدخل».

2-كلّ مادّة تحتوي ستّة أقسام:

الأوّل:جدول الكلمات:بدء بمادّتها الهجائيّة،ثمّ عددها المكّيّ و المدنيّ،و عدد سورها المكّيّة و المدنيّة مجملا و مفصّلا،و في ما يلي نموذج من الجدول:

(أ ث ر)

13 لفظا،21 مرّة:17 مكّيّة،4 مدنيّة

في 16 سورة:12 مكّيّة،4 مدنيّة

آثر 1:1\يؤثر 1:1\آثارهما 1:1

آثرك 1:1\أثر 2:1-1\آثارهم 7:5-2

يؤثرون:1:-1\أثري 1:1\أثارة 1:1

تؤثرون 1:1\آثار 1:1\...

نؤثرك 1:1\آثارا 2:2\...

معناه أنّ مادّة(أث ر)في القرآن ذات(13)لفظا،وردت(21)مرّة:مكّيّها 17،و مدنيّها 4، وردت في(16)سورة:مكّيّها 12،و مدنيّها 4.

ثمّ ذكرت الألفاظ و مرّات تكرارها،و عدد مكّيّها و مدنيّها،فالرّقم الأوّل-مثلا-في (آثر 1:1)للمرّة،و الثّاني للمكيّ،و ليس له مدنيّ.و في(يؤثرون 1:-1)الرّقم الثّاني-بعد الخطّ المعترض-للمدنيّ،و ليس له مكّيّ.و في(آثارهم 7:5-2)الرّقم قبل الخطّ مكّيّ،و بعد الخطّ مدنيّ،و معناه أنّ(آثارهم)جاء في القرآن(7)مرّات:(5)مرّات مكّيّة،و مرّتين مدنيّتين.

و يعتبر مصدرنا في ذلك«المعجم المفهرس»لفؤاد عبد الباقي،و«معجم ألفاظ القرآن الكريم»لمجمع اللّغة العربيّة،لما فصّلناه في«المدخل»في فصول:«عدد الآيات»و«مكّيّ السّور و الآيات و مدنيّها»و«معاجم كشف الآيات».

ص: 20

الثّاني:النّصوص اللّغويّة،و قد رتّبت بحسب تاريخ وفيات أصحابها،فصدّر النّصّ باسم قائله،مثل:الخليل و الأزهريّ و غيرهما،و ذيّل برقم صفحة المصدر أو جزئه و صفحته،إذا كان المصدر مشهورا في نسبته إلى صاحبه،و قد تمّ تعريف تلك المصادر و مؤلّفيها بصورة موجزة في الفهرس الملحق بالجزء الأوّل،و بصورة مفصّلة في فصل المصادر من«المدخل».فمثلا جاء في مادّة(أث ر):

الخليل:الأثر:بقيّة ما يرى من كلّ شيء...(8:236).

أي الجزء(8)و الصّفحة(236)من كتاب العين.

و إن أخذ النّصّ من واسطة،ذكر اسم الواسطة مع رقم الجزء و الصّفحة من كتابه،مثل:

الكلبيّ:أثرت بهذا المكان،أي ثبتّ فيه.(ابن فارس 1:56).

معناه أنّ النّاقل للنّصّ عن الكلبيّ هو ابن فارس في«المقاييس»،الجزء(1)،و الصّفحة (56).

و إن نقل نفس النّصّ من قائل آخر أيضا،يذكر اسمه ذيل النّصّ مع لفظ«مثله»،إن كان بعين اللّفظ،أو«نحوه»إن تفاوت اللّفظ و اتّحد المعنى.هذا في ما لا يعلم نقل الثّاني عن الأوّل، و إلاّ يسكت عنه غالبا،و ما أكثر هذا في معاجم اللّغة و في التّفاسير؛حيث يكرّرون كلام من سبقوهم،فينسبونه إلى قائله،أو يسكتون عنه،و هذا هو الغالب عليهم.

و إنّما اكتفينا باسم صاحب النّصّ و لم نذكر اسم كتابه،رعاية للاختصار،و اتّكالا على الاشتهار،و اعتمادا على فهرس المصادر المذكور في آخر المجلّد الأوّل،و يكرّر في سائر المجلّدات،و على فصل التّعريف بالمصادر في«المدخل».

و يستثنى من ذلك ما إذا نقل النّصّ من كتاب آخر لصاحبه،غير كتابه المشهور،فمثلا أنّ نصوص الزّمخشريّ منقولة عن«الكشّاف»عادة،و قد ننقل من كتابه«أساس البلاغة»أو «الفائق»،فلا محيص حينئذ عن ذكر الكتاب غير المشهور بعد اسم المؤلّف،حذرا من الاشتباه.

الثّالث:النّصوص التّفسيريّة،و تحرّر بنفس الأسلوب و الرّموز،أي تذكر النّصوص حسب تاريخ الوفاة،ابتداء باسم صاحب النّصّ،و انتهاء برقم الجزء و الصّفحة من كتابه،أو من

ص: 21

مصدر آخر،ثمّ تذييله بلفظ«مثله»أو«نحوه»،إن كان مكرّرا.فقد جاء-مثلا-في مادّة(أث ر) ضمن«النّصوص التّفسيريّة»ذيل قوله تعالى: فَأَمّا مَنْ طَغى* وَ آثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا النّازعات:37،38.

أبو السّعود:فانهمك فيما متّع به فيها...مثله الآلوسيّ(3:36)،و نحوه الكاشانيّ(5:

282)،و البروسويّ(10:327).

و ينبغي هنا التّنبيه على أمور:

1-النّصوص الرّاجعة إلى الإعجاز العدديّ تندرج ضمن النّصوص التّفسيريّة،و كذلك النّصوص البلاغيّة.

2-النّصوص اللّغويّة المحضة الّتي جاءت خلال التّفاسير-و ما أكثرها،و لا سيّما في تفسير القرطبيّ-تندرج ضمن النّصوص اللّغويّة دون النّصوص التّفسيريّة،و إن كانت مصادرها كتب التّفسير.

3-النّصوص التّفسيريّة قد تحتوي نصوصا تاريخيّة كما في الأعلام،فجاء العنوان هكذا:

«النّصوص التّفسيريّة و التّاريخيّة».

4-الآيات المشتملة على مشتقّات كلّ مادّة تنظّم حسب مشتقّاتها في جدول الكلمات، فتذكر تحت كلّ كلمة منها آية واحدة أو آيات إن تعدّدت،و تحت كلّ آية نصوصها التّفسيريّة بنفس الأسلوب المتقدّم.

5-تجنّبنا تكرار النّصوص المماثلة مهما أمكن،إلاّ أن توجد فيها مزيّة أوجبت تكرار شطر منها أو كلّها،رعاية للأمانة،و حرصا على أن يقف الباحثون على متن النّصوص بصورة تامّة.

الرّابع:الوجوه و النّظائر،و تكتب بنفس الأسلوب كذلك.

الخامس:الأصول اللّغويّة،و تبحث فيها المادّة الأصليّة للكلمة،و المعنى الأصليّ للمادّة و المعاني المنشعبة منه،و كيفيّة انشعابها حسبما يساعده الذّوق اللّغويّ،و الّذي ربّما يؤدّي بنا إلى القول:إنّ الأصل للمادّة هو«الاسم»دون«المصدر»،كما اخترنا في«أذن»،أنّ أصل المادّة

ص: 22

هو«الأذن»دون الإذن.و توجد في بحث الأصول اللّغويّة أبحاث مبتكرة،تفتح أمامنا آفاقا جديدة من فقه اللّغة،و قد يبحث في هذا القسم اشتقاق اللّفظ في اللّغات السّاميّة و غيرها أيضا، سيّما الأعلام الأعجميّة.

السّادس:الاستعمال القرآنيّ،و فيه يكمن سرّ هذا المعجم؛حيث يقاس فيه حجم الكلمات من كلّ مادّة بمقدار الاهتمام بمفاهيمها في القرآن،و كذلك كثرة مشتقّاتها أو قلّتها، و سرّ مجيء بعضها بلفظ واحد أو مرّة واحدة،أو مجيء معنى واحد بألفاظ متعدّدة حسبما يساعده وضع الآيات و السّور،أو ما تستدعيه فواصل الآيات،كما قلنا في«أبّا»:إنّ لرعاية الفواصل دخلا في اختيار اللّفظ دون سواه ممّا يترادف معه.

و على العموم،ففي بحث«الاستعمال القرآنيّ»سرّ إعجاز الكلمة،و رمز السّياق القرآنيّ، ممّا لا يوجد ما يوازيه في التّفاسير و كتب المفردات و الإعجاز و البلاغة القرآنيّة.

المشاركون في تدوين المعجم

و هم نخبة من ذوي الفضل و الفضيلة،من طلبة العلوم الإسلاميّة و الطّلاّب الجامعيّين، اشتغلوا خلال فترات متفاوتة بتحرير البطاقات و اختيارها من المصادر المختلفة،و هم الإخوة:

أحمد أميري شادمهري،و المرحوم غلام رضا صداقت،و فقيهيّ،و حسن كاهانيّ،و محسن ماريانيّ،و سعيد عبدخدائيّ،و علي رضا الحاج رحيميّ،و ظهير طاهريّ،و السّيّد علي بحر العلوم،و شجاعيان،و محمّدپور،و محمّد حسين إلهي زاده،و محمّد مهدي يزدانيّ،و محمّد علي رضائيّ،و أبو القاسم ذبيحيّ،و محمود ذبيحيّ.و هؤلاء لم يداوموا على العمل،و تركوا قسم القرآن في سني بواديه.

و هناك جماعة اشتغلوا بتدوين البطاقات و الجذاذات مع تأليف النّصوص،و هم الإخوة:

محمود حسينيّ،و حسين علي بابازاده جعفريّ،و محمّد رمضانيّ،و محمّد حسين صادق پور،و حسين عليّ عرفانيّ،و لكنّهم لم يستمرّوا في العمل.

و أمّا الّذين شاركوا بجدّ في الضّبط و التّأليف منذ البداية حتّى الآن،فهم الإخوة الأفاضل:

ص: 23

محمّد حسن مؤمن زاده،و السّيّد جواد سيّديّ،و حسين خاك شور،و السّيّد عبد الحميد عظيميّ.و هذان الأخيران يباشران إعداد النّصوص للطّبع،و مراجعتها بعد الطّبع،إضافة إلى ضبط النّصوص و تأليفها.و قد التحق بهؤلاء منذ سنين الإخوة:السّيّد حسين رضويان،و على أكبر قربان علي زاده سودمند،و علي رضا غفرانيّ.كما اشتغل منذ فترة قصيرة بعمل البطاقات السّيّد مجيد ميرداماديّ،لكنّه لم يدم.

و قد استقلّ من بين هؤلاء الأستاذ محمّد حسن مؤمن زاده بإدارة أعمال قسم القرآن و الإشراف عليها أثناء غيابي،كما أنّه يراجع جميع نصوص الكتاب قبل طبعها و يساعدني في مراجعة المصادر،و قد استقلّ بتنظيم فهرسها.

و إلى جانب هؤلاء هناك إخوة أعزّاء من الأساتذة العرب،اختصّوا بآداب اللّغة العربيّة، و لهم فضل في إعداد هذا المعجم:

أوّلهم:الأستاذ الدّكتور السّيّد هادي حسن حمّوديّ،اشتغل سنين معنا بالتّأليف و الدّراسة،ثمّ غادر البلاد مهاجرا.و قد أعدّ موادّ لهذا المعجم من حرف الألف،و كانت له آراء خاصّة في جذور اللّغة و سيرها و استعمالها القرآنيّ،و قد انتفعنا بها،كما ألّف شيئا كثيرا في أساليب القرآن و أدواته،و هو صالح للنّشر بعد مراجعته و إكماله.

ثانيهم:الأستاذ ناصر النّجفيّ،و كان له نشاط بالغ طوال السّنين-و لا يزال-في تأليف المعجم،و لا سيّما دراسة الأصول اللّغويّة و الاستعمال القرآنيّ،و في تقويم النّصوص و العبارات،و دراسة الأعلام القرآنيّة،و التّنقيب عن جذورها في مصادر أهل الكتاب و سائر اللّغات»سيّما السّاميّة منها،إضافة إلى أنّه حقّق مواضيع لفظ الجلالة في القرآن الكريم حسب طريقة مبتكرة،اندرجت في مادّة«أل ه»من المعجم.

ثالثهم:الأستاذ قاسم النّوريّ،و قد شارك فترة طويلة في التّأليف،لكنّه تصدّى منذ بدء الطّبع-و لا يزال-بمراجعة نصوص المعجم و تصحيحها و وضع علامات التّرقيم خلالها،علما بأنّه حقّق رسالة«قوارع القرآن»،و أعدّها للطّبع،و قد نشرت باسم«قسم القرآن».

رابعهم:الأستاذ جعفر بياتي،اشترك في هذا القسم فترة محدّدة،ثمّ ترك العمل،و كانت له

ص: 24

دراسات لغويّة و قرآنيّة في عدّة موادّ،لخّصناها و حرّرناها من جديد.

و أمّا كاتب هذه السّطور،فقد اقترح المشروع أوّلا،ثمّ اشتغل فيه و لازمه،و زاول العمل فيه،و شارك الإخوة و عايشهم،مشاورة و إشرافا و إرشادا و إيضاحا لما ابهم.و مباشرة لدراسة الأصول اللّغويّة،و تفسيرا للاستعمال القرآنيّ،و إضافة أو حذفا أو تلخيصا أو تقويما لما حقّقه الآخرون،و ما جمعوه من النّصوص،أسأل اللّه لي و لهم مزيدا من التّوفيق،فإنّه خير رفيق، و بالإجابة حقيق.

حول المدخل

اشارة

ذكرنا آنفا أنّ للمعجم مجلّدا باسم«المدخل»،و قد أوردنا فيه فصولا تحتوي أصولا ترتبط ارتباطا وثيقا بالموادّ أو النّصوص،أو بالدّراسات و البحوث،أو بالإعجاز و الأساليب القرآنيّة و النّكات البلاغيّة،أو بالقصص و الأعلام و الأدوات،أو بعدد الكلمات و الآيات،أو مكّيّ السّور و مدنيّها و القراءات،أو بالمصادر و معاجم اللّغة و كشف الآيات.

و يا حبّذا لو تيسّر لنا إخراج«المدخل»تزامنا مع المجلّد الأوّل من المعجم،ليكون الباحثون على بصيرة كاملة من أمرهم،و يرجعوا إليه في ما أبهم عليهم،أو أجمل لديهم.لكنّه لبسط بحوثه و حواياه،و تشعّب مطالبه و قضاياه،تأخّر إخراجه عن موعده،و سينشر بإذن اللّه عزّ و جلّ في المستقبل القريب.و نكتفي هنا بالإشارة إلى فصوله الّتي تدور حول المواضيع الآتية:

1-فقه اللّغة قديما و حديثا:

تناولنا فيه بحثا و تحقيقا لفظ«الفقه»في اللّغة و الكتاب و السّنّة و عند الفقهاء،و انتهينا إلى شرح اصطلاح«فقه اللّغة»عند القدماء،و ذكر أوّل من عبّر به، و ألّف فيه،و عدّه علما برأسه،و بيان الفرق بينه و بين معاجم اللّغة،و المواضيع الّتي تندرج تحته،أو تنتمي إليه من قريب أو بعيد.و على العموم،توضيح مادّة«فقه اللّغة»عندهم،و التّمييز بين آراء القدماء و المتأخّرين حوله مادّة و أسلوبا.

ص: 25

ثمّ بسطنا القول حول«علم فقه اللّغة»خلال العصر الحاضر على مستوى اللّغات عامّة و اللّغة العربيّة خاصّة،مشيرين إلى ما اطّلعنا عليه من مظانّها و مواضيعها،و مقدار تأثّرها بتراث الماضي الأصيل،و أخذها عن الجديد الدّخيل.ثمّ انتهى البحث إلى«فقه لغة القرآن»بنحو أوسع ممّا بدأنا به الكلام في هذا التّصدير.

2-العلوم القرآنيّة و أنواعها:

لكي يجد هذا المعجم موضعه في علوم القرآن،فقد قسّمنا فيه لأوّل مرّة هذه العلوم بمعناها الواسع إلى ثلاثة أقسام:علوم للقرآن،و علوم في القرآن، و علوم حول القرآن.و بسطنا الكلام في كلّ قسم و في ما يشمله من البحوث،سواء الدّاخلة في العلوم القرآنيّة بالمعنى المصطلح،أو ما هو خارج منها،داخل في غيرها من فنون الأدب.و قد أثبتنا خلال البحث أنّ العلوم العربيّة برمّتها،حتّى فنّ معاجم اللّغة،نشأت بنحو أو بآخر من القرآن.و انتهى بنا المطاف إلى محطّ علم«فقه لغة القرآن»،و موضعه بين تلك العلوم.

و جدير بالذّكر أنّه لدينا في قسم القرآن كتاب ضخم في قيد التّأليف باسم«نصوص في علوم القرآن»،جمعت فيه أهمّ النّصوص في علوم القرآن حسب التّرتيب الزّمنيّ،منظّمة على النّحو التّالي:النّزول،و الجمع،و الرّسم،و الكتابة،و القراءات،و هلمّ جرّا.و قد نيط تأليفه على الأخ الفاضل السّيّد علي الموسويّ دارابيّ.

3-غريب القرآن و مفرداته:

لاهتمامنا بإبانة امتياز هذا المعجم و تفوّقه على كتب غريب القرآن و مفرداته،ارتأينا في بسط الحديث عن تطوّر التّفسير اللّغويّ للقرآن الكريم،اعتبارا من عصر النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و الصّحابة فالتّابعين فما بعدهم جيلا فجيلا،حتّى العصر الحاضر، و التّعريف بأهمّ كتبه على اختلاف عناوينها،كالغريب و المفردات و المعاني و الوجوه و النّظائر، و بيان تفاوتها،رغم اشتراكها في الغرض و الهدف،و هو معرفة لغات القرآن،و لغات الحديث أحيانا،علما بأنّ كثيرا منها يعدّ من مصادر هذا المعجم بشكل مباشر أو غير مباشر.

و قد تحدّثنا في هذا الفصل عن معنى الغريب و سرّ وجوده في القرآن،و ما أثر عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله في تفسير القرآن و في الغريب بالذّات،و كذا أوّل مؤلّف فيه وصلنا-و هو أجوبة

ص: 26

مسائل نافع بن الأزرق لابن عبّاس-و ما تلاه،ثمّ كتاب«مجاز القرآن»لأبي عبيدة(م 209 ه) و بيان ما فيه من جذور البلاغة القرآنيّة الّتي بنى عليها الجاحظ(م 255 ه)،كتاب«مجاز القرآن»و الّتي توسّعت فيما بعد،حتّى صارت مادّة لتدوين علوم البلاغة العربيّة على يد الشّيخ عبد القاهر الجرجانيّ(م 471 ه)،في القرن الخامس الهجريّ.و تضمّن الحديث عن الكتب موجزا عن حياة مؤلّفيها،و علاقة بعضهم ببعض،و مدى تأثّر المتأخّر منهم بالمتقدّم،و الظّروف المحيطة بالأدب العربيّ في القرنين:الثّالث و الرّابع،و العلاقة الوطيدة بين العلوم العربيّة و العلوم القرآنيّة حينذاك،و التّعايش أو التّآلف بين أربابها و مؤلّفيها،إلاّ نحويّ أو لغويّ شذّ عن الجماعة آنذاك،لعدم إلمامه بعلوم القرآن.

ثمّ تحدّثنا عن اصطلاح«معاني القرآن»و كتبه،مركّزين على أنّها كانت البذرة الأولى لعلم تفسير القرآن،و كذلك عن«الوجوه و النّظائر»و كتبها و أهدافها.

و على العموم،فإنّ هذا الفصل يعدّ من أوسع فصول المدخل،و أكثره مساسا لهذا المعجم الّذي يعتبر مرحلة كاملة من فنون لغات القرآن.

4-التّفاسير اللّغويّة و البلاغيّة للقرآن الكريم:

إنّ حجما كبيرا من شروح لغات القرآن يكمن-كما هو معلوم-في التّفاسير القرآنيّة،و لا سيّما ما غلب عليها الصّبغة اللّغويّة و البلاغيّة، مع العلم بأنّها تختلف مادّة و أسلوبا،و يمتاز بعضها عن بعض،رغم أنّها من مصادر هذا المعجم.

فدعانا ذلك إلى التّعرّض لأهمّها،و بيان مزاياها،و تقديم تراجم موجزة لسيرة أصحابها.

و ما حدث بينهم من التّعايش و المصادمة في الآراء،و الاختلاف أو التّوافق في المسائل العلميّة، و تأثّر من تأخّر منهم بالمتقدّم،و اقتباس بعضهم من بعض،بدء بأمّ التّفاسير و عميدها،ألا و هو «جامع البيان»للإمام الطّبريّ(224-310 ه)،و رغم اشتهاره بأنّه تفسير مأثور-و هو كذلك- و غيره عيال عليه في نقل أقوال السّلف،إلاّ أنّ فيه ثروة لغويّة غزيرة،و نكات نحويّة كثيرة، لا يستغني عنها الباحث في لغات القرآن.

ثمّ تفسير التّبيان لشيخ الطّائفة الإماميّة،محمّد بن الحسن الطّوسيّ(385-460 ه)، و الكشّاف للزّمخشريّ(م 538 ه)،إمام المعتزلة في عصره،و مجمع البيان للشّيخ الطّبرسيّ

ص: 27

(م 548 ه)،من الإماميّة،ثمّ مفاتيح الغيب للفخر الرّازيّ(م 606 ه)،إمام الأشاعرة في زمانه.

و هكذا يستمرّ البحث منتقلا من قرن إلى قرن،حتّى يتناول ما يعتنى بشأنه من آثار المعاصرين في تفسير القرآن.

5-أهمّ معاجم اللّغة:

تعرّضنا لمميّزاتها و أساليبها،و مدى اعتبارها،و اعتنائها ب«فقه اللّغة» بمعناه المتداول عند القدماء أو المتأخّرين.و جدير بالذّكر أنّ قسطا كبيرا من النّصوص اللّغويّة في المعجم مأخوذة منها،كما أنّ في بعضها آفاقا واسعة في فقه لغة القرآن.و في طليعة هذه المعاجم كتاب«العين»للخليل بن أحمد(م 175 ه)،و الصّحاح للجوهريّ(م 393 ه)، و المقاييس لابن فارس(م 395 ه)،و المحكم لابن سيده(م 458 ه)و هكذا إلى«القاموس» للفيروزآباديّ(م 817 ه)،فما بعده،و سيتمكّن الباحث في هذا الفصل التّجوال كثيرا في عالم المعاجم،فيكتسب بصيرة و خبرة لغويّة بالغة.

6-الإعجاز البيانيّ و البلاغيّ للقرآن الكريم:

دار الحديث هنا عن وجوه الإعجاز عرضا،و عن الإعجاز البلاغيّ و البيانيّ تفصيلا،تأكيدا على أنّ هذا النّوع من الإعجاز كان أبرز ما تحدّى به القرآن العرب حين النّزول،و اعترافا بأنّ الوجوه الأخرى للإعجاز ربّما اكتسبت أولويّة حسب حاجة العصر،و خاصّة العصر الحاضر.فتناولنا«آيات التّحدّيّ»بالبحث حسب ترتيب نزولها،و أسهبنا الحديث عن القول بأنّ إعجاز القرآن البلاغيّ يدرك و لا يوصف،أو لا يدرك كذات اللّه و صفاته،و بحثنا أيضا إعجاز الكلمة،بل الحروف و الجملة و الآية و السّورة.

و في هذا الفصل يقف الباحث على نخبة صالحة من لطائف القرآن و طرائفه الّتي لا يجمعها كتاب،علما بأنّ«سرّ البلاغة القرآنيّة»ثاني هدفي هذا المعجم،و في نهاية هذا الفصل شرح موجز عن اصطلاحات علوم البلاغة:المعاني و البيان و البديع.

7-التّناسب بين الألفاظ و سياق الآيات:

و هذا باب من الإعجاز البلاغيّ للقرآن،شاع عند المفسّرين و الباحثين،و تكرّر في موادّ المعجم،خاصّة في الاستعمال القرآنيّ،فارتأينا أن نخوض فيه كأصل ثابت،شامل لشتاته.فتحدّثنا-أوّلا-عن ما قيل في اللّغة العربيّة-و ربّما في

ص: 28

سائر اللّغات-بوجود علاقة بين اللّفظ و معناه،و كذا بين الوزن و المعنى،و ما يدّعيه علماء فقه اللّغة في نشأة اللّغات و تطوّرها،و تأثّر بعضها ببعض،أو انشعاب بعضها عن بعض.ثمّ دار الحديث حول تناسب كلمات القرآن لسياق الآيات و السّور.

8-رويّ الآيات و فواصلها:

قد يؤدّي الحديث عن تناسب الكلمات لسياق الآيات إلى أنّ سرّ مجيء بعض الكلمات في آخر الآيات يكمن في فواصلها،تبعا لبعض المفسّرين،مثل الشّيخ الطّبرسي و غيره.فتحدّثنا هنا في البداية عن فواصل الآيات عامّة في القرآن و في كلّ سورة،و عن أساليبها و تنوّعها،بالتّقديم و التّأخير،و الحذف و التّكرار،و الإظهار و الإضمار، و التّبديل و التّغيير،كاستبدال الفعل بالوصف،أو بتصرّف في اللّفظ،كما قيل في«إلياسين»،أو استبداله بلفظ نادر،كما قيل في«أبّا».و هذا بحث بديع،سكت عنه الباحثون في العلوم القرآنيّة،أو لم يستوفوا حقّه،خوفا من تشبيه القرآن بالشّعر،مع أنّه لو أعطي حظّه من التّحقيق كان بذلك حقيقا.

9-الإعجاز العدديّ أو التّناسب العدديّ:

و في طيّ كلام القدماء إشارة إليه،و قد جعله الكاتب المصريّ عبد الرّزاق نوفل علما مستقلاّ،فألّف فيه كتابا،يضمّ ثلاثة أجزاء صغيرة- حسب ما اطّلعنا عليه-باسم«الإعجاز العدديّ»،و لا يخلو بعض موادّها من تكلّف.و قد تناولناه بالبحث حتّى نرى مدى صحّته و أصالته،مشفوعا بجدول يحتوي ما ذكره هذا الباحث و غيره،علما بأنّه جاء خلال النّصوص التّفسيريّة،و دارت حوله دراسات في بحث«الاستعمال القرآنيّ».كما درسنا نظريّة الدّكتور رشاد خليفة القائل بأنّ العدد(19)قطب القرآن و مداره، و كلّ ما فيه يدور عليه.

10-القراءات القرآنيّة و دورها في لغات القرآن و بلاغته:

تعدّ القراءات من أهمّ العلوم القرآنيّة عند السّلف و الخلف،و تخصّص فيها علماء،و ألّفت فيها كتب،و برز فيها قرّاء،لكلّ منهم رواة.و ليس الغرض هنا البحث في ذلك،و لا الخوض في اختلاف القراءات في كلّ آية، و إنّما بيان مدى اعتبارها و منشأها،و أنّها-كما قالوا و التزموه-نزلت وحيا،أو نزلت واحدة

ص: 29

منها،و أجيز لكلّ قبيلة من العرب أو من قريش قراءتها بلغتهم و لهجاتهم.

و مدى علاقة القراءات باللّهجات العربيّة،و أنّها متواترة-كما عليه الجمهور-أو غير متواترة كما ادّعاه فريق منهم،لشبهة ترسّخت عندهم،و قد درسناها،ثمّ عرّجنا آخر المطاف- في هذا الفصل-على دور القراءات في بلاغة القرآن،و تحديد ما اعتبر من علم الحجّة على القراءات الّذي اهتمّ به قديما فريق من النّحويّين و اللّغويّين،أمثال سيبويه(م 180 ه)،و الزّجّاج (م 311 ه)،و الأخفش(م 215 ه)،و أبي عليّ الفارسيّ(م 377 ه)،و من المفسّرين الشّيخ الطّبرسيّ(م 548 ه)الّذي جعل الحجّة على القراءات من موادّ تفسيره،تحت عنوان«الحجّة» بعد عنوان«القراءة»،و اعتمد دائما على أبي عليّ الفارسيّ،و له آراء خاصّة في ذلك.علما بأنّنا أتينا ضمن«النّصوص التّفسيريّة»على ما اتّفق من اختلاف القراءة في حروف بعضها أبلغ من بعض،و أقرب إلى بلاغة القرآن و إعجازه.

11-الرّسم القرآنيّ:

هناك علم يعرف بهذا العنوان،و ألّفت حوله كتب،و في وجوب الاحتفاظ بالرّسم القرآنيّ أو جواز رفضه و كتابة القرآن حسب الرّسم الّذي شاع بعد العصر الأوّل،خلاف ما تناولناه بالبحث،لأنّ له علاقة وثيقة بالقراءات و ضبط الكلمات.

12-الأساليب القرآنيّة:

كما أنّ للقرآن-حسب رأينا-فقه لغة خاصّا به،كذلك له أساليب متنوّعة في الأمر و النّهي و الدّعاء،و التّوبيخ و الإنكار،و الحثّ و الإرشاد،و الاستفهام و السّؤال،و الإنشاء و الإخبار،و الشّرط و التّعليق،و البتّ و التّأكيد و نحوها.و هذا علم لو استوفيت بحوثه لكانت مجلّدا ضخما،لكنّا-لشدّة العلاقة بين الأساليب و البلاغة القرآنيّة- نكتفي في هذا الفصل من«المدخل»بعرض بحوث عامّة منها،نعتمد عليها في ما صادف بحثنا خلال الاستعمال القرآنيّ أو غيره من أبحاث المعجم.

13-أدوات القرآن و ضمائره:

هذا بحث واسع،خاض فيه أستاذان،هما:الدّكتور إسماعيل أحمد عمايرة،أستاذ جامعة محمّد بن سعود الإسلاميّة بالمدينة المنوّرة،و الدّكتور عبد الحميد مصطفى السّيّد،أستاذ الكلّيّة المتوسّطة ب«أبها»؛إذ ألّفا كتابا ضخما باسم«معجم

ص: 30

الأدوات و الضّمائر في القرآن الكريم»تكملة«المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم».فجمعا فيه الأدوات و الضّمائر القرآنيّة دون شرح أو بيان.و قد ألّف فيها«الدّكتور حمّوديّ»في قسم القرآن من مجمعنا كتابا ضمّ شرحا و بيانا للأدوات،و لكنّه لم يتمّ و لم ينشر لحدّ الآن.و لا يخفى أنّ الأدوات و كذلك الضّمائر هي مادّة لكثير من الأساليب،و قد يكون لحرف مثل«الباء»في قوله تعالى: وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ المائدة:6،مثلا دور في إفهام المعنى المراد،و له مغزى في البلاغة،و أثر في التّشريع،كما أنّ كثيرا من موادّ الفعل،مثل«آمن»و «هدى»تتعدّى بحروف متعدّدة،ك«اللاّم»و«إلى»و«من»و«الباء»،حسب المعنى المراد.

و نحن لا نريد جمع الأدوات و البحث حول كلّ واحدة منها،بل نكتفي في ذلك ببحوث عامّة بقدر الحاجة.و يتضمّن الحديث نظريّة زيادة الحرف أحيانا الّتي التزمها الأكثرون،و أنكرها الأقلّون،كالإمام محمّد عبده و أتباعه.

14-الأعلام القرآنيّة و دورها في البيان القرآنيّ:

هذا علم ألّفت فيه كتب حاوية لشرح جميع ما جاء من الأعلام في القرآن،و قد أدرجت في المعجم مع سائر الموادّ بحثا و دراسة.

و الغرض هنا بيان أنواعها،و هي:أسماء الأشخاص و القبائل و الأقوام و الأمكنة و الشّهور و الأوقات و الكواكب و غيرها،و البحث في ألفاظها:أ هي عربيّة-كما أصرّ على ذلك قوم، فاختلقوا لها موادّ عربيّة،مثل:آدم من«أدم»،و إبراهيم من«برهم»و هكذا،فأتوا بها في المعاجم القرآنيّة ضمن تلك الموادّ-أم هي أعجميّة؟كما اخترنا،إلاّ في عدّة ألفاظ،مثل:محمّد و أحمد و زيد و أبي لهب و غيرها.و فضّلنا تنظيمها في المعجم كما يلفظ بها،دون موادّها الأبجديّة،احتجاجا بأدلّة مقنعة.

15-القصص القرآنيّة و أساليبها:

و هذا فنّ ألّفت فيه كتب،قد أتينا على ذكر موجزها في المعجم،عند كلّ علم ترتبط به القصّة،و يدور البحث في هذا الفصل من«المدخل»حول الأساليب القصصيّة و أنواعها في القرآن،و ذكر نموذج منها،فهذا داخل في الأساليب القرآنيّة، لكنّه خصّ بالبحث في فصل مستقلّ،لشدّة الاهتمام بالقصص و دخلها الأكيد في البلاغة

ص: 31

القرآنيّة،و في الإرشاد و الإنذار،و العظة و الاعتبار.

16-مكّيّ السّور و الآيات و مدنيّهما:

جاء هذا البحث مستوفى أيضا ضمن العلوم القرآنيّة،على اختلاف فيه بين الباحثين و في ترتيب النّزول.و نحن نهتمّ في هذا المعجم بإبانة التّعابير المكّيّة عن المدنيّة،علما بأنّها متناسبة مع ظروفها،فبعض الموادّ جاءت في المكّيّة دون المدنيّة و بالعكس،فالباحثون بحاجة ماسّة إلى وضع ضابطة مطّردة للمكّيّ و المدنيّ،و إلى ترتيب نزول السّور و الآيات.و رغم اتّكالنا في جدول الكلمات-كما سبق بيانه-على «المعجم المفهرس»كقاعدة متّبعة،فإنّ دراسة الكلمات قد تؤدّي بنا إلى خلاف ما جاء فيه.

و هذا البحث تناولته دراسة علميّة واسعة،فكان له دور في معرفة السّياق القرآنيّ حسب ظرف النّزول،و في الوقوف كذلك على سير التّشريع القرآنيّ.

17-عدّ الكلمات و الآيات القرآنيّة:

هذا فنّ من علوم القرآن،اهتمّ به السّلف،و ألّفوا فيه الكتب على اختلاف بينهم،فهناك إحصاء و عدّ بصريّ و كوفيّ و مكّيّ و مدنيّ،و شاميّ،تعرّض له الشّيخ الطّبرسيّ في تفسيره.و قد اعتمدنا في المعجم-كما قلنا آنفا-على ما هو المشهور من القراءات،استنادا إلى«المعجم المفهرس»،لكنّ ذلك لا يمنعنا من دراستها برؤية جديدة،فإنّنا لا نأخذ بجميع ما قاله الآخرون،علما بأنّ جدول الكلمات من المعجم و قسما من أبحاثه يبتنيان على عدد الآيات و الكلمات.

18-معاجم كشف الآيات:

ينحصر عمل هذا الضّرب من المعاجم على إحصاء الآيات، كما أنّ البتّ في المكّيّ و المدنيّ يتوقّف على معرفتهما في«المعجم المفهرس»و غيره.ثمّ هناك أساليب و طرق في تنظيم كشف الآيات بين أصحابها،فتناولنا هذا الموضوع بالبحث،بدء بتاريخ هذا العلم و أوّل من ألّف فيه،و مرورا على كتبها،و كذلك كتب المواضيع القرآنيّة،أو كشف المطالب.و لا يخفى أنّ الباحث في هذا المعجم يحتاج إلى معرفة الآيات دائما بأسهل الطّرق و أيسرها.

19-وصف الكلمات الّتي تشكّل مادّة هذا المعجم:

و يتمّ ذلك عبر بيان معيار

ص: 32

اختصاصها بالذّكر،و ما إذا كانت تخصّ الأفعال و الأسماء،أو تتجاوز إلى بعض الحروف و الأدوات،و منها فواتح السّور حيث درسناها هناك و من الجدير بالذّكر أنّ المعاجم القرآنيّة الأخرى يختلف بعضها عن بعض في انتخاب الكلمات،فنشير إلى أهمّ نقاط الاختلاف بينها.

و سيختم هذا الفصل-بإذن اللّه-بتقديم فهرس جامع عن الموادّ و الكلمات المدرجة في المعجم وفقا للحروف الهجائيّة الّتي رتّب عليها المعجم نفسه،لكي يحيط بها الباحث ماثلة أمامه،و تكون نصب عينيه في نظرة عابرة.

20-التّعريف بمصادر هذا المعجم و مؤلّفيها و أنواعها و طبعاتها،

تفصيلا لما جاء في الفهرس الملحق بالمجلّد الأوّل و المجلّدات الأخرى بصورة موجزة.

و آخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين و سلام على المرسلين

محمّد واعظزاده الخراسانيّ

مدير قسم القرآن في مجمع البحوث الإسلاميّة

ص: 33

ص: 34

حرف الألف

اشارة

و فيه 99 لفظا:

آدم\أجج\أزز\أفف\أمر\أول

آزر\أجر\أزف\أفق\أمس\اء

أبّ\أجل\أساطير\أفك\أمل\أون

أبد\أحد\إستبرق\أفل\أمم\أوه

إبراهيم\أخذ\إسحاق\أقت\أمن\أوي

إبريق\أخر\أسر\أكل\أمو\إي

أبق\أخو\إسرائيل\ألت\أنث\أيد

إبل\إدّ\أسس\ألف\إنجيل\أيك

أبابيل\أدي\أسف\ألل\أنس\أيم

إبليس\إدريس\إسماعيل\ألم\أنف\أين

أبو\أذن\أسن\أله\أنم\أيي

أبي\أذي\أسو\ألو\أنّى\أيّ

أتي\أرب\أسي\إلياس\أنو\أيّان

أثث\أرض\أشر\إلياسين\أني\أيّوب

أثر\أرك\أصد\اليسع\أهل

أثل\إرم\أصر\أمت\أوب

أثم\أزر\أصل\أمد\أود

ص: 35

ص: 36

آدم

اشارة

لفظ واحد،25 مرّة:16 مكّيّة 9 مدنيّة

في 9 سور:6 مكّيّة 3 مدنيّة

النّصوص اللّغويّة

ابن عبّاس: هو مشتقّ من أدمة الأرض و أديمها، و هو وجهها،فسمّي بما خلق منه.(القرطبيّ 1:279)

بعث ربّ العزّة ملك الموت فأخذ من أديم الأرض من عذبها و مالحها،فخلق منه آدم،و من ثمّ سمّي آدم؛ لأنّه خلق من أديم الأرض.(الطّبريّ 1:214)

سعيد بن جبير: خلق آدم من أديم الأرض، فسمّي آدم.(الطّبريّ 1:214)

الضّحّاك: الأدمة:السّمرة.(القرطبيّ 1:279)

أبو نصر الباهليّ: الأدم:جمع الأديم،مثل أفيق و أفق،و قد يجمع على آدمة،مثل رغيف و أرغفة.

(الجوهريّ 5:1858)

الخليل: الأدم:الاتّفاق،و أدم اللّه بينهما يأدم أدما، و آدم بينهما إيداما فهو مؤدم بينهما.

و يقال:بينهما أدمة و ملحة،أي خلطة.

و قالوا:الأدمة في النّاس شربة من سواد،و في الإبل و الظّباء بياض،يقال:ظبية أدماء،و لم أسمع أحدا يقول للذّكر من الظّباء:آدم،و إن كان قياسا.

و أديم كلّ شيء:ظاهر جلده،و أدمة الأرض:

وجهها.

و قيل:سمّي آدم عليه السّلام لأنّه خلق من أدمة الأرض.

و قيل:بل من أدمة جعلت فيه.

و الإدام و الأدم:ما يؤتدم به الخبز،و أدمت الخبز أدما:جعلت فيه الأدم.

و السّمن و اللّحم و اللّبن كلّه أدم،و الإدام جماعة، و ثلاثة آدمة.(8:88)

الأخفش: آدم عليه السّلام أبو البشر،و أصله بهمزتين لأنّه«أفعل»،إلاّ أنّهم ليّنوا الثّانية فإذا احتجت إلى تحريكها جعلتها واوا،و قلت:أوادم في الجمع،لأنّه ليس لها أصل في الياء معروف،فجعلت الغالب

ص: 37

عليها الواو.(الجوهريّ 5:1859)

الكسائيّ: في حديث النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله للمغيرة و خطب امرأة«لو نظرت إليها فإنّه أجدى أن يؤدم بينكما»،يؤدم يعني أن تكون بينهما المحبّة و الاتّفاق،يقال منه:أدم اللّه بينهما يأدم أدما.(الأزهريّ 14:214)

ابن شميّل: الإيدامة من الأرض:السّند الّذي ليس بشديد الإشراف و لا يكون إلاّ في سهول الأرض، و هي تنبت،و لكن في نبتها زمر؛لغلظ مكانها و قلّة استقرار الماء فيها.(الأزهريّ 14:214)

الأدمة:البياض،و أنّ آدم عليه السّلام كان أبيض،مأخوذ من قولهم:ناقة أدماء،إذا كانت بيضاء.

(القرطبيّ 1:279)

قطرب: آدم:لو كان من أديم الأرض لكان على وزن«فاعل»،و كانت الهمزة أصليّة،فلم يكن يمنعه من الصّرف مانع،و إنّما هو على وزن«أفعل»من الأدمة، و لذلك جاء غير مجرى[غير منصرف].

(السّهيليّ 1:14)

الفرّاء: الأدمة:الوسيلة إلى الشّيء؛يقال:فلان أدمتي إليك،أي وسيلتي.(الأزهريّ 14:214)

يقال:بشرته و أدمته و مشنته،أي قشرته،و يجمع آدم:أوادم.

و الإيدامة:الأرض الصّلبة مأخوذ من أديم الأرض، و هو وجهها.(الأزهريّ 14:216)

الأصمعيّ: الإيدامة:أرض مستوية صلبة ليست بالغليظة،و جمعها:الأياديم،و يقال:أخذت الإيدامة من الأديم،الإيدامة:الصّلبة من غير حجارة.

و الإدامة:تنقير السّهم على الإبهام.

(الأزهريّ 14:213)

أمّا الأدم و الأفق:فمذكّران إلاّ أن يقصد قصد الجلود و الآدمة؛فتقول:هي الأدم و الأفق؛و يقال:أديم و آدمة في الجمع الأقلّ على«أفعلة»،يقال:ثلاثة آدمة و أربعة آدمة.(ابن منظور 12:10)

رجل مؤدم مبشر:و هو الّذي قد جمع لينا و شدّة مع المعرفة بالأمور.و أصله من أدمة الجلد و بشرته،فالبشرة ظاهره و هي منبت الشّعر،و الأدمة باطنه و هو الّذي يلي اللّحم،فالّذي يراد منه أنّه قد جمع لين الأدمة و خشونة البشرة و جرّب الأمور.

يقال:فلان مأدوم مؤدم مبشر،أي هو جامع يصلح للشّدّة و الرّخاء.و فلان أدمة بني فلان و قد أدمهم يأدمهم،و هو الّذي عرّفهم النّاس.

(الأزهريّ 14:215-216)

الآدم من الإبل:الأبيض،فإن خالطته حمرة فهو أصهب،فإن خالطت الحمرة صفاء فهو مدمّى.و الأدم من الظّباء:بيض تعلوهنّ جدد فيهنّ غبرة،فإن كانت خالصة البياض فهي الآرام.(الأزهريّ 14:214)

اللّحيانيّ: الأديم:و الجمع آدمة و أدم بضمّتين.

(ابن سيده 9:388)

جئتك أديم الضّحى أي في أوّله كما تقول:جئتك شدّ الضّحى،كأنّه يريد ارتفاع الضّحى.

(ابن سيده 9:389)

أبو عبيد: في حديث النّبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم للمغيرة بن شعبة و خطب امرأة:«لو نظرت إليها فإنّه

ص: 38

أجدى أن يؤدم بينكما»و لا أدري الأصل فيه إلاّ من أدم الطّعام،لأنّ صلاحه و طيبه إنّما يكون بالإدام،و لذلك يقال:طعام مأدوم،و يقال:آدم اللّه بينهما يؤدم إيداما.

(الأزهريّ 14:214)

ابن الأعرابيّ: فلان مؤدم مبشر كريم الجلد، غليظه جيّده،و من أمثالهم:سمنكم هريق في أديمكم،أي في مأدومكم.(الأزهريّ 14:216)

أدمهم يأدمهم أدما:كان لهم أدمة.

(ابن سيده 9:387)

و أديم اللّيل:ظلمته،و أديم النّهار:بياضه؛ما رأيته في أديم نهار و لا سواد ليل.(ابن سيده 9:389)

ابن السّكّيت: قيل فلان مبشر مؤدم أي قد جمع لين الأدمة و خشونة البشرة.(185)

الأدم من الظّباء:هي البيض البطون السّمر الظّهور، يفصل بين لون ظهورها و بطونها جدّتان مسكيّتان.

(الأزهريّ 14:215)

أبو حاتم: الآدم من الإبل و من الظّباء:الأبيض.

و من كلّ شيء بعد ذلك،غير الأبيض،على ما يقول النّاس،يقولون:رجل آدم و ظبية أدماء بيضاء،و بعير آدم للأبيض،و ناقة أدماء.(الأضداد:121)

الدّينوريّ: الأدمة:البياض،و قد أدم و أدم فهو آدم،و الجمع:أدم،كسّروه على«فعل»كما كسّروا فعولا على«فعل»نحو صبور و صبر؛لأنّ«أفعل»من الثّلاثة (1)،و فيه زيادة كما أنّ فعولا فيه زيادة،و عدّة حروفه كعدّة حروف فعول،إلاّ أنّهم لا يثقّلون العين في جمع«أفعل»إلاّ أن يضطرّ شاعر،و قد قالوا في جمعه:

أدمان،و الأنثى أدماء،و جمعها:أدم،و لا يجمع على فعلان.(ابن سيده 9:389)

المبرّد: في اشتقاق آدم قولان:

أحدهما:أنّه مأخوذ من أديم الأرض،فإذا سمّيت به في هذا الوجه ثمّ نكّرته،صرفته.

و الثّاني:أنّه مأخوذ من الأدمة على معنى اللّون و الصّفة،فإذا سمّيت به في هذا الوجه ثمّ نكّرته،لم تصرفه.(الطّوسيّ 1:136)

الطّبريّ: [بعد نقل قول النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و ابن عبّاس و ابن جبير قال:]

فعلى التّأويل الّذي تأوّل آدم من تأوّله،بمعنى أنّه خلق من أديم الأرض،يجب أن يكون أصل آدم فعلا سمّي به أبو البشر كما سمّي«أحمد»بالفعل من الإحماد و«أسعد»من الإسعاد،فلذلك لم يجرّ،و يكون تأويله حينئذ آدم الملك الأرض،يعني به:بلغ أدمتها،و أدمتها:

وجهها الظّاهر لرأي العين،كما أنّ جلدة كلّ ذي جلدة له أدمة،و من ذلك سمّي الإدام إداما؛لأنّه صار كالجلدة العليا ممّا هي منه،ثمّ نقل من الفعل فجعل اسما للشّخص بعينه.(1:214)

الزّجّاج: أدمت بين القوم و آدمت بينهم و ادمت الثّريد و آدمته،إذا خلطته باللّحم.

(فعلت و أفعلت:44)

يقول أهل اللّغة:آدم اشتقاقه من أديم الأرض؛ لأنّه خلق من تراب،و كذلك الأدمة إنّما هي مشبّهة بلون التّراب.(الأزهريّ 14:215)..

ص: 39


1- هكذا في الأصل،و لعلّه:لأنّ أفعل من ذي الثّلاثة...

النّحّاس: آدم:لا ينصرف في المعرفة بإجماع النّحويّين؛لأنّه على«أفعل»و هو معرفة،و لا يمتنع شيء من الصّرف عند البصريّين إلاّ لعلّتين.فإن نكّرته و لم يكن نعتا لم يصرفه الخليل و سيبويه،و صرفه الأخفش سعيد؛لأنّه كان نعتا و هو على وزن الفعل،فإذا لم يكن نعتا صرفه.

قال أبو إسحاق الزّجّاج: القول قول سيبويه،و لا يفرّق بين النّعت و غيره،لأنّه هو ذاك بعينه.

(القرطبيّ 1:281)

الأزهريّ: أخبرني المنذريّ عن القاسم بن محمّد الأنباريّ عن أحمد بن عبيد بن ناصح قال:كنّا نألف مجلس أبي أيّوب ابن أخت أبي الوزير فقال لنا يوما و كان ابن السّكّيت حاضرا:ما تقول في الأدم من الظّباء؟

فقال:هي البيض البطون السّمر الظّهور،يفصل بين لون ظهورها و بطونها جدّتان مسكيّتان.

قال:فالتفت إليّ فقال:ما تقول يا أبا جعفر؟

فقلت:الأدم على ضربين:أمّا الّتي مساكنها الجبال في بلاد قيس فهي على ما وصف،و أمّا الّتي مساكنها الرّمل في بلاد تميم فهي الخوالص البياض.

فأنكر يعقوب،و استأذن ابن الأعرابيّ على تفيئة ذلك،فقال أبو أيّوب:قد جاءكم من يفصل بينكم، فدخل فقال له أبو أيّوب:يا أبا عبد اللّه ما تقول في الأدم من الظّباء؟فتكلّم كأنّما ينطق عن لسان ابن السّكّيت.

(14:215)

يقال:إنّما يعاتب الأديم ذو البشرة،أي يعاد في الدّباغ،و معناه إنّما يعاتب من يرجى،و من به مسكة و قوّة.(14:216)

الجوهريّ: ربما سمّي وجه الأرض أديما.

و الأدمة:باطن الجلد الّذي يلي اللّحم،و البشرة:

ظاهرها.

و فلان مؤدم مبشر،أي قد جمع لين الأدمة و خشونة البشرة.

و يقال أيضا:جعلت فلانا أدمة أهلي،أي أسوتهم.

و الأدمة:السّمرة،و الآدم من النّاس الأسمر، و الجمع:أدمان.

و الأدمة في الإبل:البياض الشّديد؛يقال:بعير آدم و ناقة أدماء،و الجمع:أدم.

و يقال:هو الأبيض الأسود المقلتين.

و الأدم و الإدام:ما يؤتدم به؛تقول منه:أدم الخبز باللّحم يأدمه،بالكسر.

و الأدم:الألفة و الاتّفاق؛يقال:أدم اللّه بينهما،أي أصلح و ألّف،و كذلك:آدم اللّه بينهما،فعل و أفعل بمعنى.

و الأياديم:متون الأرض،لا واحد لها.

(5:1858)

ابن فارس: الهمزة و الدّال و الميم أصل واحد و هو الموافقة و الملاءمة.و من هذا الباب قولهم:جعلت فلانا أدمة أهلي،أي أسوتهم،و هو صحيح؛لأنّه إذا فعل ذلك فقد وفّق بينهم.

و الأدمة:الوسيلة إلى الشّيء،و ذلك أنّ المخالف لا يتوسّل به.

فإن قال قائل:فعلى أيّ شيء تحمل الأدمة و هي باطن الجلد؟

ص: 40

قيل له:الأدمة أحسن ملاءمة للّحم من البشرة، و لذلك سمّي آدم عليه السّلام؛لأنّه أخذ من أدمة الأرض، و يقال:هي الطّبقة الرّابعة.

و العرب تقول:مؤدم مبشر،أي قد جمع لين الأدمة و خشونة البشرة.

فأمّا اللّون الآدم،فلأنّه الأغلب على بني آدم.

و ناس تقول:أديم الأرض و أدمتها:وجهها.

(1:71)

الهرويّ: آدم:اسم مشتقّ من أدمة الأرض و أديمها و هو وجهها،فسمّي بما خلق منه،فإذا كان اسما جمع على الآدمين،و إن كان نعتا جمع على الأدم،يقال:أدم اللّه بينهما يأدم أدما.

و الأصل فيه أدم الطّعام؛لأنّ طيبه إنّما يكون به؛ يقال:إدام و أدم،مثل إهاب و أهب.(1:29)

الثّعلبيّ: التّراب بالعبرانيّة آدام،فسمّي آدم به.

(السّيوطيّ 4:67)

الثّعالبيّ: فإن كان[الإبل]أبيض فهو آدم.

فإذا زاد سواده[الإنسان]على السّمرة فهو آدم.

(102،103)

القيسيّ: آدم:«أفعل»،مشتقّ من الأدمة و هو اللّون،فلم ينصرف؛لأنّه معرفة و أصله الصّفة،و هو على وزن الفعل.

و قيل:هو مشتقّ من أديم الأرض و هو وجهها، و هذا بعيد؛لأنّه لا يحتمل أن يكون وزنه«فاعلا»، كطابق،فيجب صرفه؛إذ ليس فيه من معنى الصّفة شيء،و«أفعل»أصله الصّفة.(1:38)

ابن سيده: الأدمة:القرابة و الوسيلة،و قيل:

الخلطة،و قيل:الموافقة.

و أدم اللّه بينهم يأدم أدما،و آدم:لأم.

و كلّ موافق:إدام.[ثمّ استشهد بشعر]

و أدمه بأهله أدما:خلطه.

و فلان أدم أهله،و أدمتهم،و أدمتهم،أي أسوتهم،و به يعرفون.

و الإدام:معروف؛و الجمع:آدمة،و هو الأدم أيضا؛ و الجمع:آدام.

و قد ائتدم به.

و أدم الخبز يأدمه أدما:خلطه بالأدم،و منه قول خديجة للنّبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم:«فو اللّه إنّك لتكسب المعدوم،و تطعم المأدوم».

و قول امرأة دريد بن الصّمّة حين طلّقها:«أبا فلان تطلّقني،فو اللّه لقد أبثثتك مكتومي،و أطعمتك مأدومي، و جئتك باهلا».إنّما عنت بالمأدوم:الخلق الحسن.

و آدم القوم:أدم لهم خبزهم.

و قولهم:«سمنهم في أديمهم»،يعني طعامهم المأدوم،أي خيرهم راجع فيهم.

و الأديم:الجلد ما كان،و قيل:الأحمر،و قيل:هو المدبوغ، و قيل:هو بعد الأفيق؛و ذلك إذا تمّ و احمرّ.و استعاره بعضهم للحرب.[ثمّ استشهد بشعر]

و الجمع:آدمة و أدم بضمّتين،عن اللّحيانيّ و عندي أنّ من قال:رسل،فسكّن،قال:أدم،هذا مطّرد.

و الأدم:اسم للجمع عند سيبويه،و الآدام:جمع أديم، كيتيم و أيتام،و إن كان هذا في الصّفة أكثر،و قد يجوز أن يكون جمع أدم.[ثمّ استشهد بشعر]

ص: 41

و الأدمة:باطن الجلد الّذي يلي اللّحم.و قيل:ظاهره الّذي عليه الشّعر،و باطنه البشرة.و قد يجوز أن يكون الأدم جمعا لهذا،بل هو القياس،إلاّ أنّ سيبويه جعله اسما للجمع،و نظّره بأفيق و أفق.

و هو الأديم أيضا.

و آدم الأديم:أظهر أدمته.

و رجل مؤدم مبشر:حاذق مجرّب،قد جمع لين الأدمة، و خشونة البشرة.

و امرأة مؤدمة مبشرة،إذا حسن منظرها و صحّ مخبرها.

و قد يقال:رجل مبشر مؤدم،و امرأة مبشرة مؤدمة.

فيقدّمون المبشر على المؤدم؛و الأوّل أعرف،أعني تقديم المؤدم على المبشر.

و قيل:الأدمة:ما ظهر من جلدة الرّأس.

و أدمة الأرض:باطنها،و أديمها:وجهها.[ثمّ استشهد بشعر]

و أديم السّماء:ما ظهر منها.

و فلان بريء الأديم ممّا يلطخ به.

و الأدمة في الإبل:لون مشرب سوادا أو بياضا.و قيل:

هو البياض الواضح،و هي في الظّباء:لون مشرب بياضا، و في الإنسان:السّمرة.

و الأدمان:جمع كأحمر و حمران،و أنت لا تقول:حمرانة و لا صفرانة.و كان أبو عليّ يقول:بني من هذا الأصل فعلانة كخمصانة.

و العرب تقول:«قريش الإبل أدمها و صهبها»يذهبون في ذلك إلى تفضيلهما على سائر الإبل،و قد أوضحوا ذلك بقولهم:خير الإبل صهبها و حمرها.فجعلوها خير أنواع الإبل،كما أنّ قريشا خير النّاس.

و الأدم من الظّباء:ظباء بيض تعلوها جدد فيها غبرة.

و آدم:أبو البشر صلّى اللّه عليه و سلّم اختلفوا في اشتقاق اسمه،فقال بعضهم:سمّي آدم،لأنّه خلق من أدمة الأرض.و قال بعضهم:لأدمة جعلها اللّه فيه.[ثمّ استشهد بشعر]

و الأدمان في النّخل كالدّمان،و هو العفن،و قد تقدّم.

و قيل:الأدمان:عفن و سواد في قلب النّخلة،و هو وديّه -عن كراع-و لم يقل أحد في القلب:إنّه الوديّ إلاّ هو.

و الأدمان:شجرة،حكاها أبو حنيفة،قال:و لم أسمعها إلاّ من شبيل بن عزرة.

و الإيدامة:الأرض الصّلبة من غير حجارة.

و أدمى و الأدمى:موضع،و قيل:الأدمى:أرض بظهر اليمامة.

و أدام:بلدة.

و أديمة:موضع.(9:387)

الأدمة:باطن فروة الرّأس،و باطن الجلد كلّه.

(الإفصاح 1:23)

الإدام و الأدم:ما يستمرأ به الخبز مائعا كان أو جامدا،جمع الإدام:أدم،و جمع الأدم:آدام.

أدم الخبز يأدمه أدما و آدمه:خلطه بالإدام و أصلح إساغته به،فالخبز مأدوم و أديم.

و ائتدم الرّجل:أكل الخبز بالإدام.و استأدمت فلانا:طلبت منه الإدام.(الإفصاح 1:422)

الآدم:هو من الإبل الأبيض.

و قيل:الأدمة في الإبل لون مشرب سوادا أو بياضا أو هو البياض الواضح.أدم يأدم و أدم كعلم و كرم فهو

ص: 42

آدم،و الجمع:أدم و أدمان،و هي أدماء،و الجمع:

أدم.(الإفصاح 2:736)

الأديم:الجلد المدبوغ،و ذلك بعد الأفيق،و هذا إذا شقّ الجلد و بسط حتّى يبالغ فيه ما قبل من الدّباغ،فهو حينئذ أديم،الجمع:أدم و آدام و آدمة.

الأديم:الجلد،أو أحمره،أو مدبوغه،الجمع:أدم و آدام و آدمة.و إذا صنع من الأديم شيء فجعلت أدمته هي الظّاهرة يطلب بذلك لينه قيل:أودم الأديم،و هو المؤدم.(الإفصاح 2:812)

الآدم:هو من الظّباء الأبيض،تعلوه جدد فيهنّ غبرة،الجمع:أدم،و هي الّتي تسكن الجبال،فهي على ألوان الجبال.

و قيل:هي الطّوال القوائم و الأعناق،البيض البطون،السّمر الظّهور،و هي ظباء الحجاز الكحل، الواحدة:أدماء.(الإفصاح 2:833)

الأديم:أديم الأرض ما على ظاهرها من تربتها.

و قيل:ما ظهر،و قيل:وجهها،و قيل:أدمة الأرض:

وجهها.و ربّما سمّي وجه الأرض أديما.

(الإفصاح 2:1020)

الإيدامة:الأرض الصّلبة من غير حجارة.و قيل:

الصّلبة و فيها حجارة أكثرها المرو،الجمع:أياديم.

(الإفصاح 2:1027)

الأدمة:لون بين البياض و السّواد،و هي السّمرة في النّاس،و هي في الإبل البياض الواضح،و في الظّباء لون مشرب بياضا.أدم يأدم أدما و أدمة و أدم أدامة و أدمة:

اشتدّت سمرته.

و الآدم:الأسمر،الجمع:أدم و أدمان،و هي أدماء، و شذّ،أدمانة،و الجمع:أدم.(الإفصاح 2:1323)

الطّوسيّ: الأدمة و السّمرة و الدّكنة و الورقة متقاربة المعنى في اللّغة.(1:136)

مثله الطّبرسيّ.(1:76)

الرّاغب: آدم:أبو البشر،قيل سمّي بذلك لكون جسده من أديم الأرض،و قيل:لسمرة في لونه؛يقال:

رجل آدم نحو أسمر.

و قيل:سمّي بذلك لكونه من عناصر مختلفة و قوى متفرّقة كما قال تعالى: أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ الدّهر:2، و يقال:جعلت فلانا أدمة أهلي،أي خلطته بهم.و قيل:

سمّي بذلك لما طيّب به من الرّوح المنفوخ فيه المذكور في قوله: وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي الحجر:29،و جعل له به العقل و الفهم و الرّويّة الّتي فضّل بها على غيره،كما قال تعالى: وَ فَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً الإسراء:70؛و ذلك من قولهم:الإدام،و هو ما يطيب به الطّعام.(14)

الزّمخشريّ: اشتقاقهم«آدم»من الأدمة و من أديم الأرض،نحو اشتقاقهم يعقوب من العقب، و إدريس من الدّرس،و إبليس من الإبلاس.

و ما آدم إلاّ اسم أعجميّ،و أقرب أمره أن يكون على«فاعل»كآزر و عازر و عابر و شالخ و فالغ، و أشباه ذلك.(1:272)

مثله النّسفيّ.(1:40)

استأدمني فأدمته و آدمته.و طعام أديم:مأدوم، و منه سمنكم هريق في أديمكم.

ص: 43

و من المجاز:فلان مؤدم مبشر،للين في خشونة و ليس تحت أديم السّماء أكرم منه،و أتيته شدّ الضّحى و رأد الضّحى،و أديم الضّحى بمعنى.

و ظلّ أديم النّهار صائما و أديم اللّيل قائما،أي كلّه.

و فلان إدام قومه و أدم بني أبيه:لثمالهم و قوامهم، و من يصلح أمورهم.و هو أدمة قومه:لسيّدهم و مقدّمهم.

و ائتدم العود،إذا جرى فيه الماء.

و من الكناية:ليس بين الدّراهم و الأدم مثله، يريدون بين العراق و اليمن؛لأنّ تبايع أهلهما بالدّراهم و الأدم.(أساس البلاغة:4)

النّبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم قال للمغيرة بن شعبة و خطب امرأة:«لو نظرت إليها فإنّه أحرى أن يؤدم بينكما»الأدم و الإيدام:الإصلاح و التّوفيق،من أدم الطّعام،و هو إصلاحه بالإدام و جعله موافقا للطّعام.

«نعم الإدام الخلّ»هو اسم لكلّ ما يؤتدم به و يصطبغ،و حقيقته ما يؤدم به الطّعام،أي يصلح.و هذا البناء يجيء لما يفعل به كثيرا،كقولك:الرّكاب لما يركب به و الحزام لما يحزم،و نظائره جمّة.

الأدمة في الإبل:البياض مع سواد المقلتين.

(الفائق 1:29)

الجواليقيّ: أسماء الأنبياء صلوات اللّه عليهم كلّها أعجميّة،نحو:إبراهيم و إسماعيل و إسحاق و إلياس و إدريس و إسرائيل و أيّوب،إلاّ أربعة أسماء و هي:آدم و صالح و شعيب و محمّد.[و أحمد](61)

ابن عطيّة: آدم:«أفعل»مشتقّ من الأدمة،و هي حمرة تميل إلى السّواد،و جمعه:أدم و أوادم كحمر و أحامر،و لا ينصرف بوجه.

و قيل:آدم وزنه«فاعل»مشتقّ من أديم الأرض، كأنّ الملك أدمها،و جمعه:آدمون و أوادم.و يلزم قائل هذه المقالة صرفه.

و روي عن النّبيّ عليه السّلام أنّه قال:خلق اللّه آدم من أديم الأرض كلّها،فخرجت ذرّيّته على نحو ذلك،منهم:

الأبيض و الأسود و الأسمر،و السّهل و الحزن،و الطّيّب و الخبيث.(1:222)

أبو البركات: آدم:لا ينصرف للعجمة و التّعريف.

و قيل:هو مشتقّ من الأدمة،و لا ينصرف لوزن الفعل و التّعريف،و أصله(أأدم)بهمزتين إلاّ أنّه قلبت الهمزة السّاكنة ألفا لسكونها و انفتاح ما قبلها نحو:آخر و آدر،و أصله:أأخر و أأدر،فقلبوا الهمزة السّاكنة الثّانية ألفا لسكونها و انفتاح ما قبلها.(1:74)

السّهيليّ: آدم:و فيه ثلاثة أقوال:

قيل:هو اسم سريانيّ.

و قيل:هو«أفعل»من الأدمة.

و قيل:أخذ من لفظ الأديم؛لأنّه خلق من أديم الأرض.[و قال بعد نقل قول قطرب:]

و هذا القول ليس بشيء؛لأنّه لا يمتنع أن يكون من الأديم و يكون على وزن«أفعل»،تدخل الهمزة الزّائدة على الهمزة الأصليّة،كما تدخل على همزة الأدمة.فأوّل الأدمة همزة أصليّة،فكذلك أوّل الأديم همزة أصليّة، فلا يمتنع أن يبنى منها«أفعل»فيكون غير مجرى،كما يقال:رجل أعين و أرأس من العين و الرّأس،و أسوق

ص: 44

و أعنق من السّاق و العنق،مع ما في هذا القول من المخالفة لقول السّلف الّذين هم أعلم منه لسانا و أذكى جنانا.

(1:14)

ابن الأثير: «نعم الإدام الخلّ»الإدام بالكسر و الأدم بالضّمّ:ما يؤكل مع الخبز،أيّ شيء كان.و منه الحديث:«سيّد إدام أهل الدّنيا و الآخرة اللّحم»جعل اللّحم أدما.

و بعض الفقهاء لا يجعله أدما،و يقول:لو حلف أن لا يأتدم ثمّ أكل لحما لم يحنث.

و منه حديث أمّ معبد:«أنا رأيت الشّاة و إنّها لتأدمها و تأدم صرمتها».

و منه حديث أنس:«و عصرت عليه أمّ سليم عكّة لها فأدمته»،أي خلطته،و جعلت فيه إداما يؤكل،يقال فيه بالمدّ و القصر،و روي بتشديد الدّال على التّكثير.

و منه الحديث:«أنّه مرّ بقوم فقال:إنّكم تأتدمون على أصحابكم فأصلحوا رحالكم حتّى تكونوا شامة في النّاس»،أي إنّ لكم من الغنى ما يصلحكم كالإدام الّذي يصلح الخبز.

و منه حديث النّكاح:«لو نظرت إليها فإنّه أحرى أن يؤدم بينكما»،أي أن تكون بينكما المحبّة و الاتّفاق؛ يقال:أدم اللّه بينهما يأدم أدما بالسّكون،أي ألّف و وفّق،و كذلك يؤدم بالمدّ فعل و أفعل.

و فيه:«أنّه لمّا خرج من مكّة قال له رجل:إن كنت تريد النّساء البيض،و النّوق الأدم فعليك ببني مدلج» الأدم جمع آدم كأحمر و حمر.و الأدمة في الإبل:البياض مع سواد المقلتين،بعير آدم بيّن الأدمة،و ناقة أدماء و هي في النّاس السّمرة الشّديدة.

و قيل:هو من أدمة الأرض،و هو لونها،و به سمّي آدم.

و منه حديث نجيّة:«ابنتك المؤدمة المبشرة»يقال للرّجل الكامل:إنّه لمؤدم مبشر،أي جمع لين الأدمة و نعومتها،و هي باطن الجلد،و شدّة البشرة و خشونتها، و هي ظاهره.

و في حديث عمر قال لرجل:«ما مالك،فقال:أقرن و آدمة في المنيئة»،الآدمة بالمدّ:جمع أديم،مثل رغيف و أرغفة،و المشهور في جمعه:أدم.(1:31)

القرطبيّ: اختلف في اشتقاقه:

فقيل:هو مشتقّ من أدمة الأرض و أديمها،و هو وجهها،فسمّي بما خلق منه.

و قيل:إنّه مشتقّ من الأدمة و هي السّمرة،و على هذا الاشتقاق جمعه:أدم و أوادم،كحمر و أحامر، و لا ينصرف بوجه،و على أنّه مشتقّ من الأدمة جمعه:

آدمون،و يلزم قائلو هذه المقالة صرفه.

قلت:الصّحيح أنّه مشتقّ من أديم الأرض،أديم جمع،أدم؛فآدم مشتقّ من الأديم و الأدم،لا من الأدمة، و يحتمل أن يكون منهما جميعا.و آدم لا ينصرف.

(1:279)

البيضاويّ: آدم:اسم أعجميّ كآزر و شالخ، و اشتقاقه من الأدمة أو الادمة بالفتح،بمعنى الأسوة،أو من أديم الأرض،لما روي عنه عليه الصّلاة و السّلام أنّه

ص: 45

تعالى قبض قبضة من جميع الأرض سهلها و حزنها فخلق منها آدم فلذلك يأتي بنوه أخيافا (1)،أو من الأدم و الأدمة بمعنى الألفة،تعسّف كاشتقاق إدريس من الدّرس و يعقوب من العقب و إبليس من الإبلاس.

(1:46)

ابن منظور: أدم:لأم و أصلح و ألّف و وفّق، و كذلك آدم يؤدم بالمدّ،و كلّ موافق إدام.(12:8)

الخازن:سمّي آدم لأنّه خلق من أديم الأرض.

و قيل:لأنّه كان آدم اللّون،و كنيته أبو محمّد.و قيل:أبو البشر.(1:40)

أبو حيّان: آدم:اسم أعجميّ كآزر و عابر،ممنوع الصّرف للعلميّة و العجمة.و من زعم أنّه«أفعل»مشتقّ من الأدمة و هي كالسّمرة،أو من أديم الأرض و هو وجهها فغير صواب؛لأنّ الاشتقاق من الألفاظ العربيّة قد نصّ التّصريفيّون على أنّه لا يكون في الأسماء الأعجميّة.

و قيل:هو عبريّ من الإدام و هو التّراب.

و من زعم أنّه«فاعل»من أديم الأرض فخطاؤه ظاهر لعدم صرفه.(1:138)

الفيّوميّ: أدمت بين القوم أدما،من باب ضرب:

أصلحت و ألّفت.و في الحديث:«فهو أحرى أن يؤدم بينكما»،أي يدوم الصّلح و الألفة.و آدمت بالمدّ لغة فيه.

و أدمت الخبز و آدمته باللّغتين،إذا أصلحت إساغته بالإدام،و الإدام:ما يؤتدم به مائعا كان أو جامدا، و جمعه:أدم،مثل كتاب و كتب.و يسكّن للتّخفيف فيعامل معاملة المفرد،و يجمع على:آدام،مثل قفل و أقفال.

و الأديم:الجلد المدبوغ،و الجمع:أدم بفتحتين و بضمّتين أيضا،و هو القياس،مثل بريد و برد.

(1:9)

الفيروزآباديّ: الأدمة بالضّمّ:القرابة و الوسيلة و يحرّك،و الخلطة و الموافقة.

و أدم بينهم يأدم:لأم كآدم،و الخبز خلطه بالأدم كآدم،و القوم أدم لهم خبزهم،و هو أدم أهله و أدمتهم و يحرّك.

و إدامهم بالكسر:أسوتهم الّذي به يعرفون،و قد أدمهم كنصر:صار كذلك،و ككتاب:كلّ موافق،و ما يؤتدم به،الجمع:آدمة و آدام.

و الأديم:الطّعام المأدوم،و الجلد أو أحمره أو مدبوغه،و الجمع:آدمة و أدم و آدام.و الأدم:اسم للجمع.

و الأدمة محرّكة:باطن الجلدة الّتي تلي اللّحم أو ظاهرها الّذي عليه الشّعر.و ما ظهر من جلدة الرّأس و باطن الأرض.و آدم الأديم:أظهر أدمته.

و رجل مؤدم مبشر كمكرم:حاذق مجرّب جمع لين الأدمة و خشونة البشرة،و هي بهاء.

و أديم النّهار:عامّته أو بياضه،و من الضّحى:أوّله، و من السّماء و الأرض:ما ظهر.

و الأدمة بالضّمّ في الإبل:لون مشرب سوادا أو بياضا،أو هو البياض الواضح،أو في الظّباء لون مشرب5.

ص: 46


1- إخوة أخياف:أمّهم واحدة و الآباء شتّى.الفيروزآباديّ 3:145.

بياضا،و فينا السّمرة.

أدم كعلم و كرم فهو آدم،و الجمع:أدم و أدمان بضمّهما،و هي أدماء،و شذّ أدمانة،و الجمع:أدم بالضّمّ.

و آدم أبو البشر صلوات اللّه عليه و سلامه،و شذّ أدم محرّكة،و الجمع:أوادم.

و الإيدامة بالكسر:الأرض الصّلبة بلا حجارة، و الجمع:أياديم.و وهم الجوهريّ في قوله:لا واحد لها.

و ائتدم العود:جرى فيه الماء.و أطعمتك مأدومي:

أتيتك بعذري.(4:74)

السّيوطيّ: آدم:أبو البشر،ذكر قوم أنّه«أفعل» وصف مشتقّ من الأدمة،و لذا منع الصّرف.

و قال قوم:هو اسم سريانيّ أصله«آدام»،بوزن «خاتام»،عرّب بحذف الألف الثّانية.(4:67)

الطّريحيّ: في الخبر:«نعم الأدم الخلّ»،الأدم جمع إدام بالكسر مثل كتب و كتاب،و يسكّن.

و روي«سيّد إدامكم»لأنّه أقلّ مئونة و أقرب إلى القناعة،و لذا قنع به أكثر العارفين.

و في بعض كتب أهل اللّغة:الأدام فعال بفتح الفاء:

ما يؤتدم به مائعا كان أو جامدا،و يجمع على:آدام كقفل و أقفال؛يقال:أدم الخبز يأدمه بالكسر و أدّمت الخبز و أدمته باللّغتين،إذا أصلحت إساغته بالإدام.

و الأدمة من الإبل بالضّمّ:البياض الشّديد مع سواد المقلتين،و في النّاس:السّمرة الشّديدة.

و آدم:أبو البشر،كرّر اللّه قصّته في سبع سور:في البقرة،و الأعراف،و الحجر،و بني إسرائيل،و الكهف، و طه،و ص؛لما تشتمل عليه من الفوائد.و أصله بهمزتين؛لأنّه«أفعل»إلاّ أنّهم ليّنوا الثّانية.

و قيل:سمّي آدم من اللّون،و قيل:لأنّه خلق من أدمة الأرض و هو لونها،و جمعها:آدمون.و في معاني الأخبار:«معنى آدم:لأنّه خلق من أديم الأرض الرّابعة».

و أديم السّماء:وجهها،و أديم الأرض:صعيدها و ما ظهر منها.

و الأديم:الجلد المدبوغ،و الجمع:أدم بفتحتين.

و في الخبر:«كانت مخدّته صلّى اللّه عليه و آله من أدم»أي من الجلود.و في آخر:«كانت مرفقته من أدم».(6:6)

الآلوسيّ: صرّح الجواليقيّ و كثيرون أنّه عربيّ، و وزنه«أفعل»من الأدمة بضمّ فسكون:السّمرة.و يا ما أحيلاها في بعض! (1)و فسّرها أناس بالبياض،أو الأدمة بفتحتين:الأسوة و القدوة،أو من أديم الأرض:

ما ظهر منها،أو من الأدم أو الأدمة:الموافقة و الألفة.

و أصله«أأدم»بهمزتين،فأبدلت الثّانية ألفا لسكونها بعد فتحة،و منع صرفه للعلميّة و وزن الفعل.

و قيل:أعجميّ،و وزنه«فاعل»بفتح العين و يكثر هذا في الأسماء كشالخ و آزر،و يشهد له جمعه على «أوادم»بالواو لا أآدم-بالهمزة،و كذا تصغيره على «أويدم»لا«أويدم».

و اعتذر عنه الجوهريّ بأنّه ليس للهمزة أصل في البناء معروف،فجعل الغالب عليها«الواو»و لم يسلّموه له،و حينئذ لا يجري الاشتقاق فيه؛لأنّه من تلك اللّغة لا نعلمه،و من غيرها لا يصحّ،و التّوافق بين اللّغات!.

ص: 47


1- أي ما أجمل السّمرة في بعض النّاس!.

بعيد.

و إن ذكر فيه فذاك للإشارة إلى أنّه بعد التّعريب ملحق بكلامهم،و هو اشتقاق تقديريّ،اعتبروه لمعرفة الوزن و الزّائد فيه من غيره،و من أجراه فيه حقيقة كمن جمع بين الضّبّ و النّون،و لعلّ هذا أقرب إلى الصّواب.

(1:223)

القاسميّ: آدم:اسم عبرانيّ مشتقّ من أدمه، و هي لفظة عبرانيّة معناها التّراب؛لأنّه جبل من تراب الأرض.(2:98)

المصطفويّ: «آدام»-آدم،إنسان«آدوم»- الأحمر«إداماه»الأرض،التّربة.

أخبار الزّمان:49-و سمّى اللّه آدم عبد اللّه و كنّاه أبا محمّد،و كان يتكلّم بالعربيّة فحوّل اللّه عزّ و جلّ لسانه إلى السّريانيّة.

المعارف:11-فخلق آدم من أدمة الأرض،و نفخ في وجهه نسمة الحياة،و قال:إنّ آدم لا يصلح أن يكون وحده،و لكن أصنع له عونا.

فظهر أنّ كلمة«آدم»عربيّة على«أفعل»،فهل هي مأخوذة من العبرانيّة أو السّريانيّة بتغيير مختصر و تصرّف و تعريب،أو بالعكس؟و أنّ العربيّة أصيلة و العبرانيّة مأخوذة منها،لا يمكن القطع بأحد الطّرفين، فإنّ الشّواهد و المآخذ مختلفة.ثمّ قال ما ملخّصه:

1-إنّ هذه الكلمة أطلقت عليه أوّلا باعتبار معناه الوصفيّ،ثمّ جعلت علما له بالغلبة.

2-من الآيات الّتي استعملت كلمة«آدم»فيها علما شخصيّا قوله تعالى: إِنَّ اللّهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً آل عمران:33، إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ آل عمران:59.

3-من الموارد الّتي يمكن تعميمه و إن كان المورد خاصّا قوله تعالى: وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ البقرة:

34، وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها البقرة:31.

(1:39)

النّصوص التّفسيريّة و التّاريخيّة

النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله: إن اللّه خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض،فجاء بنو آدم على قدر الأرض،جاء منهم الأحمر و الأسود و الأبيض و بين ذلك،و السّهل و الحزن و الخبيث و الطّيّب.(الطّبريّ 1:214)

ابن مسعود: إنّ ملك الموت لمّا بعث ليأخذ من الأرض تربة آدم،أخذ من وجه الأرض و خلط،فلم يأخذ من مكان واحد،و أخذ من تربة حمراء و بيضاء و سوداء،فلذلك خرج بنو آدم مختلفين،و لذلك سمّي آدم، لأنّه أخذ من أديم الأرض.(الطّبريّ 1:214)

الإمام عليّ عليه السّلام: إنّ آدم خلق من أديم الأرض، فيه الطّيّب و الصّالح و الرّديء،فكلّ ذلك أنت راء في ولده الصّالح و الرّديء.(الطّبريّ 1:214)

ابن عبّاس: بعث ربّ العزّة ملك الموت فأخذ من أديم الأرض من عذبها و مالحها،فخلق منه آدم،و من ثمّ سمّي آدم،لأنّه خلق من أديم الأرض.

نحوه سعيد بن جبير.(الطّبريّ 1:214)

اليعقوبيّ: لمّا رأى آدم ما في الجنّة من النّعيم قال:

لو كان سبيل إلى الخلود؟فطمع فيه إبليس لمّا سمع ذلك

ص: 48

منه،فبكى و نظر إليه آدم و حوّاء يبكي،فقالا له:

ما يبكيك؟قال:لأنّكما تفارقان هذا،و ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ* وَ قاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ الأعراف:20،21.

و كان لباس آدم و حوّاء ثيابا من نور،فلمّا ذاقا من الشّجرة بدت لهما سوآتهما،فزعم أهل الكتاب أنّ مكث آدم في الأرض قبل أن يدخل الجنّة كان ثلاث ساعات، و مكث هو و حوّاء في النّعيم و الكرامة قبل أن يأكلا من الشّجرة فتبدو لهما سوآتهما ثلاث ساعات،فلمّا بدت لآدم سوأته أخذ ورقة من الشّجرة،فوضعها على نفسه، ثمّ صاح:ها أنا يا ربّ عريان قد أكلت من الشّجرة الّتي نهيتني عنها،فقال اللّه:ارجع إلى الأرض الّتي منها خلقت،فإنّي مسخّر لك و لولدك طير السّماء،و نون البحار.

و أخرج اللّه آدم و حوّاء ممّا كانا فيه،فيما يقول أهل الكتاب في تسع ساعات من يوم الجمعة،و هبطا إلى الأرض،و هما حزينان باكيان،و كان هبوطهما على أدنى جبل من جبال الأرض إلى الجنّة،و كان ببلاد الهند، و قال قوم:على«أبي قبيس»،جبل بمكّة،و نزل آدم في مغارة في ذلك الجبل سمّاها«مغارة الكنز»،و دعا اللّه أن يقدّسها.

و روى بعضهم أنّ آدم لمّا هبط كثر بكاؤه،و دام حزنه على مفارقة الجنّة،ثمّ ألهمه اللّه سبحانه أن قال:لا إله إلاّ أنت،سبحانك و بحمدك،عملت سوء و ظلمت نفسي،فاغفر لي إنّك أنت الغفور الرّحيم، فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ البقرة:37،و اجتباه، و أنزل له من الجنّة الّتي كان فيها الحجر الأسود،و أمره أن يصيّره إلى مكّة فيبني له بيتا،فصار إلى مكّة و بنى البيت و طاف به،ثمّ أمره اللّه أن يضحّي له،فيدعوه و يقدّسه، فخرج معه جبريل حتّى وقف بعرفات،فقال له جبريل:هذا الموضع أمرك ربّك أن تقف له به.ثمّ مضى به إلى مكّة،فاعترض له إبليس،فقال:ارمه،فرماه بالحصى،ثمّ صار إلى الأبطح،فتلقّته الملائكة،فقال له:

برّ حجّك يا آدم لقد حججنا هذا البيت قبلك ألفي عام.

و أنزل اللّه عزّ و جلّ الحنطة على آدم،و أمره أن يأكل من كدّه،فحرث و زرع،ثمّ حصد ثمّ داس ثم طحن ثمّ عجن ثمّ خبز،فلمّا فرغ عرق جبينه،ثمّ أكل،فلمّا امتلأ ثقل ما في بطنه،فنزل جبريل ففجّه،فلمّا خرج ما في بطنه وجد رائحة تكره،فقال:ما هذا؟قال له جبريل:رائحة الحنطة.

و وقع آدم على حوّاء فحملت،و ولدت غلاما و جارية،فسمّى الغلام«قابيل»و الجارية«لوبذا»،ثمّ حملت فولدت غلاما و جارية،فسمّى الغلام«هابيل» و الجارية«إقليما»،فلمّا كبر ولده و بلغوا النّكاح،قال آدم لحوّاء:مري قابيل فليتزوّج إقليما الّتي ولدت مع هابيل، و مري هابيل فليتزوّج لوبذا الّتي ولدت مع قابيل، فحسده قابيل أن يتزوّج بأخته الّتي ولدت معه.

و قد روى بعضهم أنّ اللّه عزّ و جلّ أنزل لهابيل حوراء من الجنّة،فزوّجه بها،و أخرج لقابيل جنّيّة فزوّجه بها،فحسد قابيل أخاه على الحوراء،فقال لهما آدم:قرّبا قربانا فقرّب هابيل من تبن زرعه،و قرّب

ص: 49

قابيل أفضل كبش في غنمه للّه،فقبل اللّه قربان هابيل، و لم يقبل قربان قابيل،فازداد نفاسة و حسدا،و زيّن له الشّيطان قتل أخيه،فشدخه بالحجارة حتّى قتله، فسخط اللّه على قابيل و لعنه،و أنزله من الجبل المقدّس إلى أرض يقال لها«نود».

و مكث آدم و حوّاء ينوحان على هابيل دهرا طويلا،حتّى يقال:إنّه خرج من دموعهما كالنّهر،و وقع آدم على حوّاء فحملت،فولدت غلاما بعد أن أتى له مائة و ثلاثون سنة،فسمّاه«شيثا»،فكان أشبه ولد آدم بآدم،ثمّ زوّج آدم شيثا فولد له غلام بعد أن أتت عليه مائة و خمس و ستّون سنة،فسمّاه أنوش،ثم ولد لأنوش غلام فسمّاه قينان،ثم ولد لقينان غلام فسمّاه «مهلائيل»،فهؤلاء ولدوا في حياة آدم و على عهده.

و لمّا حضرت آدم الوفاة جاءه شيث ابنه و ولده و ولد ولده،فصلّى عليهم و دعا لهم بالبركة،و جعل وصيّته إلى«شيث»و أمره أن يحفظ جسده،و يجعله إذا مات في«مغارة الكنز»،و أن يوصي بنيه و بني بنيه و يوصي بعضهم بعضا عند وفاتهم إذا كان هبوطهم من جبلهم،أن يأخذوا جسده حشمة،فيجعلوه وسط الأرض،و أمر شيثا ابنه أن يقوم بعده في ولدهم، فيأمرهم بتقوى اللّه و حسن عبادته،و ينهاهم أن يخالطوا قابيل اللّعين و ولده،ثمّ صلّى على بنيه أولئك و أولادهم و نسائهم،ثمّ مات لستّ خلون من نيسان يوم الجمعة، في السّاعة الّتي خلق فيها،و كانت حياته تسعمائة سنة و ثلاثين اتّفاقا.(1:5)

الطّبريّ: [لقد توسّع في تاريخه و تفسيره في قصّة «آدم»و خلقته و هبوطه و تعليم الأسماء و سجود الملائكة له،و ما حدث في عهده بين أولاده و جميع قضاياه، فلاحظ.](تاريخ الملوك و الأمم 1:60)

و نحوه ابن كثير(البداية و النّهاية 1:68)،و ابن الأثير(الكامل في التّاريخ 1:27).

السّهيليّ: آدم عليه السّلام يكنى أبا محمّد،كني بمحمّد خاتم الأنبياء صلوات اللّه عليهم.(القرطبيّ 1:279)

القرطبيّ: قيل:كنيته في الجنّة أبو محمّد و في الأرض أبو البشر.(1:279)

الفيروزآباديّ: له أسماء خمسة:الإنسان، و البشر،و أبو البشر،و آدم،و الخليفة.

أمّا آدم فمشتقّ من الأدمة،و هى بياض اللّون.

و قيل:لون بين البياض و السّواد كلون الحنطة،و قيل:

لأنّه خلق من أديم الأرض.

و أمّا الخليفة فلقوله تعالى: جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً البقرة:30،و الخليفة و الخليف من يخلف من تقدّمه.و كان آدم خلف قوما من الخلق يسمّون الجانّ بين الجانّ،و لكونه ناب مناب ملائكة السّماء.

و أمّا البشر فلقوله تعالى: إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ ص:71،قيل:و سمّي بشرا لمباشرته عظائم الأمور.و قيل:لما كان في وجهه من البشر و البشاشة.

و سمّي إنسانا لأنسه بجنسه،فالإنسان من اجتمع فيه أنسان:أنسه بالغير و أنس الغير به،و قيل:اشتقاقه من النّوس و هو الحركة،لكثرة حركته فيما يتحرّاه،و قيل:

من الإيناس و هو الإبصار؛لأنّه ببصره الظّاهر و بصيرته الباطنة يرى رشده و يصل إليه.

ص: 50

و في بعض الآثار أنّ آدم عليه السّلام قيل له:كيف وجدت نفسك عند الزّلّة؟

قال:كرجل انكسرت أعضاؤه فلم يبق مفصل مع مفصل.

فقيل له:كيف وجدت نفسك عند الخروج من الجنّة؟

فقال:الموت أهون عليّ من ذلك.

و في الحديث:«أنّ موسى قال له ليلة المعراج:يا آدم أخرجتنا من الجنّة،فقال:يا موسى هو شيء كتبه اللّه عليّ أم شيء من ذات نفسي؟فقال:لا،بل شيء كتب اللّه عليك.فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم:فعند ذلك حجّ آدم موسى»،أي غلبه.

و قد ذكره اللّه في القرآن في عشرين موضعا،ففي سبعة مواضع مختصّ بالذّكر وحده،و في سبعة مواضع مقترن بذكر بنيه.

أمّا ذكره منفردا ففي قوله تعالى: كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ آل عمران:59، وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها البقرة:31، يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ البقرة:

33 وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ البقرة:34 يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ البقرة:35 إِنَّ اللّهَ اصْطَفى آدَمَ آل عمران:33 فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ البقرة:37، يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَ لِزَوْجِكَ طه:117، وَ عَصى آدَمُ رَبَّهُ طه:121.

و أمّا المقترن ببنيه ففي قوله تعالى: وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ الإسراء:70، يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً الأعراف:26، يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ الأعراف:31، وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى الأعراف:172، يا بَنِي آدَمَ إِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي الأعراف:35، يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ الأعراف:27، أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ يس:60.

قال أبو إسحاق الزّجّاج: اختلفت الآيات فيما بدئ به خلق آدم،ففي موضع: خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ آل عمران:59،و في موضع: مِنْ طِينٍ لازِبٍ الصّافّات:

11،و في موضع: مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ الحجر:26،28 و 33.و في موضع: مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخّارِ الرّحمن:

14.

قال:هذه الألفاظ راجعة إلى أصل واحد،و هو التّراب الّذي هو أصل الطّين،فأعلمنا اللّه عزّ و جلّ أنّه خلق من تراب جعل طينا،ثمّ انتقل فصار كالحمإ المسنون،ثمّ انتقل فصار صلصالا كالفخّار.

[و ذكر وجوه تفضيل الطّين على النّار ثمّ قال:]

و في تاريخ دمشق عن عائشة قالت:كان النّبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم يقول:أنا أشبه النّاس بأبي آدم عليه السّلام و كان أبي إبراهيم أشبه النّاس خلقا و خلقا[به]،خلقه اللّه عزّ و جلّ بيده،و أسجد له ملائكته،و أسكنه جنّته، و اصطفاه،و كرّم ذرّيّته و علّمه جميع الأسماء،و جعله أوّل الأنبياء،و علّمه ما لم يعلمه الملائكة المقرّبون، و جعل من نسله الأنبياء و المرسلين و الأولياء و الصّدّيقين.

ص: 51

و اشتهر في كتب التّواريخ أنّه عاش ألف سنة،و أنّه توفّي بمكّة،و دفن في جبل أبي قبيس،و حجّ على رجليه ستّين حجّة من أقصى بلاد الهند.

(بصائر ذوي التّمييز 6:22)

العامليّ: هو أبو البشر معروف،و سيأتي في سورة البقرة أخبار في أنّ اللّه تعالى خلق آدم عليه السّلام،و نفخ فيه من روحه،و جعله مسجودا للملائكة؛لكون النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و الأئمّة في صلبة و من نسله،و لأجل ولايتهم و الإقرار بهم.

و يأتي في السّورة المذكورة أنّ آدم توسّل بالنّبيّ و آله حتّى قبل اللّه توبته منه،بل في أخبار عديدة أنّ آدم عليه السّلام لمّا لم يعزم على قبول الولاية عزما تامّا،ما صار من أولي العزم و ابتلي بحكاية الشّجرة و الإخراج من الجنّة.(80)

محمّد إسماعيل إبراهيم: آدم:أبو البشر،و هو أوّل رجل خلقه اللّه على هيئته من صلصال من حمأ مسنون،أي طين أسود منتن،ثمّ جعل ذرّيّته تمرّ في خلقها بأطوار من نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى آخر ما جاء من وصف ذلك بالقرآن،و بعد أن تكوّن جسم آدم عليه السّلام من الصّلصال نفخ فيه ربّ العزّة من روحه مودعا إيّاه سرّا من أسراره يحيا به،ثمّ علّمه الأسماء كلّها،و جعله مستعدّا لمعرفة خصائص الأشياء الّتي تقع تحت حسّه،و قد شاءت إرادته تعالى أن يستخلفه في الأرض ليقوم بهداية ذرّيّته إلى توحيد اللّه و عبادته،و قد أمر الملائكة أن تسجد له سجود تحيّة و تكريم،فسجدوا كلّهم امتثالا لأمر اللّه،إلاّ إبليس أبى و أستكبر،فطرده اللّه من رحمته و أبعده من جنّته،و أسكن آدم و زوجه حوّاء الّتي خلقها من جسم آدم الجنّة،و أباح لهما التّمتّع بكلّ ما فيها من خيرات و طيّبات،و نهاهما عن الاقتراب من شجرة معيّنة،و عن الأكل من ثمارها،و لكن إبليس الّذي كان قد حقد على آدم؛لأنّه سبب طرده و شقاوته أراد أن ينتقم منه،فوسوس إليه هو و زوجه أن يأكلا من الشّجرة المحرّمة عليهما،و أقسم مؤكّدا لهما أنّها شجرة الخلد الّتي لا يموت من أكل منها.

فغوى آدم و أخطأ وجه الصّواب؛لاعتقاده أنّ أحدا لا يقسم باللّه كذبا،فغضب اللّه عليهما و سلبهما نعمته، و أنزلهما من الجنّة الّتي كانا بها إلى الأرض؛ليعيشا فيها و ذرّيّتهما-مع إبليس و ذرّيّته أعداءهم-عيشة فيها التّعب و العناء،و بعد ذلك تلقّى آدم من ربّه كلمات فتاب عليهما،و حذّرهما إبليس و جنوده،و أعلمهما أنّ طور النّعيم الخالص الّذي مرّ بهما في الجنّة قد انتهى،و أنّه هو و ذرّيّته قد دخلوا في طور آخر من حياة أرضيّة فيها طرق الخير و الشّرّ،ليختار كلّ ما يشاء.(33)

الأصول اللّغويّة

1-في«آدم»ثلاثة أقوال:الأوّل:هو اسم عبريّ، و الثّاني:سريانيّ،و الثّالث:عربيّ.و القول الأخير مختلف فيه؛فقيل:هو مشتقّ من أديم الأرض،و قيل:

من الأدمة،أي وجه الأرض،أو الأسوة.و قيل:من الأدمة أي السّمرة،أو الخلطة،أو الألفة و الاتّفاق.

2-و من قال:إنّه عربيّ جعله على وزن«أفعل»؛ لأنّ أصله«أأدم»بهمزتين،الأولى زائدة،و الثّانية أصليّة،أي فاء الكلمة.فاستثقل الجمع بين همزتين،

ص: 52

فقلبت الثّانية ألفا لسكونها و انفتاح ما قبلها.و عند تحرّكها تقلب واوا أو ياء في الجمع على القياس،فيقال:

أوادم،على وزن أباعر و أصابع،و يقال:أيادم،مثل:

أيامن و أيابس.إلاّ أنّ ألف«آدم»ليست لها أصل في الياء؛لأنّ مادّة«ي د م»مهملة في اللّغة.

و جعله بعضهم على وزن«فاعل»و جمعه على «فواعل»مثل:ضوارب و حوادث،فعدّ همزته الأولى أصليّة،و الثّانية زائدة.فإن كان كذلك لم يمنعه من الصّرف مانع،و هو خلاف الحال و الاستعمال.

3-و ورد«آدم»بلفظ واحد في العربيّة و السّريانيّة،و في العبريّة«آدام»،و بألفاظ متقاربة في سائر اللّغات السّاميّة.و توافقت العربيّة و العبريّة أيضا في اشتقاقه،ففي العبريّة اشتقّ من«أداماه»أي الأدمة، و هو أحد الأقوال في العربيّة كما تقدّم.

و كذلك التقى القرآن مع التّوراة في أصل خلقته، فقد ورد في الإصحاح الثّاني من سفر التّكوين ما نصّه:

«جبل الرّبّ الإله آدم ترابا من الأرض».و هو عين قوله تعالى في الآية(59)من سورة آل عمران: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ.

و لئن اتّحدت اللّغتان في لفظه و خلقته،فإنّهما اختلفتا في انتسابه و لغته؛فالعرب يقولون:هو عربيّ و كان يتكلّم العربيّة،و اليهود يقولون:هو عبريّ و كان يتكلّم العبريّة.و يقول علماء اللّغات السّاميّة،و قولهم الفصل:إنّ أوزان العبريّة و كلماتها أحدث نشوء من العربيّة«الكنز في قواعد اللّغة العبريّة:43».و عليه فلفظ«آدم»و ما اشتقّ منه عربيّ،على الرّغم من وروده في التّوراة.و لكنّ الظّاهر أنّ العرب أخذوه علما من غيرهم فهو أعجميّ،و إن كان له أصل عربيّ.

الاستعمال القرآنيّ

اشارة

و يلاحظ أوّلا-لم يذكر(آدم)في القرآن إلاّ و أريد به آدم أبو البشر عليه السّلام.

ثانيا-ذكر(25)مرّة؛منها(10)مرّات وقع مضافا إليه،فسيق مرّة واحدة بلفظ(ابني)و مرّة أيضا بلفظ (ذرّيّة)و(7)مرّات بلفظ(بني)تلو النّداء إلاّ في موضع واحد و مرّة بلفظ(كمثل):

1- وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ.

المائدة:27.

2- أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ مريم:58.

3- يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ الأعراف:26.

4- يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ الأعراف:27.

5- يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا الأعراف:31.

6- يا بَنِي آدَمَ إِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي الأعراف:35.

7- وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ الأعراف:172.

8- وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَ حَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ رَزَقْناهُمْ الإسراء:70.

ص: 53

9- أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ. يس:60.

10- إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ آل عمران:59.

ثالثا-ورد لفظ(آدم)(15)مرّة من دون إضافة إليه في هذه المواضع:

أ-إخراجه و زوجته من الجنّة:

فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَ لِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى طه:117

ب-سجود الملائكة له:

وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى وَ اسْتَكْبَرَ وَ كانَ مِنَ الْكافِرِينَ البقرة:34

وَ لَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ الأعراف:11

وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ قالَ أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً الإسراء:61

وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ... الكهف:50

وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى طه:116

ج-تعليمه الأسماء:

وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ البقرة:31

د-إنباؤه بالأسماء:

قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ... البقرة:33

ه-إسكانه و زوجته الجنّة:

وَ قُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَ كُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ البقرة:35

وَ يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ الأعراف:19

و-وسوسة الشّيطان له و إغراؤه:

فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَ مُلْكٍ لا يَبْلى طه:120

ز-عصيانه ربّه و نسيانه عهده:

وَ لَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً طه:115

فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَ طَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَ عَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى طه:121

ح-توبته و تلقّيه الكلمات:

فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ البقرة:37

ط-اصطفاؤه:

إِنَّ اللّهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ آل عمران:33

رابعا-جاء(آدم)في القرآن دائما بدون(أل)غير منصرف،و لا وجه له سوى العلميّة و العجمة،أو وزن

ص: 54

«أفعل»عند من جعله عربيّا.

خامسا-دلّت جملة من الآيات على أنّ البشر كلّهم من ذرّيّة آدم-كما سيأتي-؛و لهذا خاطبهم ب(يا بني آدم)، و هو ممّا تطابق عليه القرآن و التّوراة،و عليه أكثر أهل الملل و الأديان السّماويّة.

سادسا-أكثر ما جاء(آدم)في القرآن مع(إبليس) و حكاية إبائه عن السّجود له.

سابعا-أشير الى(آدم)و زوجه في آيات ابتداء خلق الإنسان من دون أن يذكر اسمه: يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَ بَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَ نِساءً النّساء:1.

و كذا الأنعام:98،و الأعراف:189،و الزّمر:6، و الحجرات:13.

و هنا يثار سؤال،و هو هل أنّ جميع البشر ينتهون إلى آدم أو لا؟لاحظ«نفس».

ثامنا-إنّ القرآن يكرّر انتساب الإنسان إلى آدم و يخاطبه ب يا بَنِي آدَمَ لوجوه:

الأوّل:التّأكيد على مساواة أفراد البشر من جهة الأصل،فكلّهم من آدم و آدم من تراب،و لا فضل لأحد على آخر و لا لقوم على قوم و لا لشعب على شعب إلاّ بالتّقوى،و لا فخر بالآباء و الأمّهات.و هذا صريح قوله: يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ الحجرات:13،و منه اقتبس الشّعر المنسوب إلى عليّ عليه السّلام:

النّاس من جهة التّمثال أكفاء

أبوهم آدم و الأمّ حوّاء

فإن يكن لهم من أصلهم نسب

يفاخرون به فالطّين و الماء

الثّاني:تنبيه الإنسان بأنّ أباكم كان رسولا من اللّه فأنتم ذرّيّة الرّسول،و لكم كرامة الآباء و الأجداد، فينبغي التّأسّي بهم في طاعة اللّه و عبادته.و كثير من آيات(بني آدم)المتقدّمة تشير إلى هذا،مثل: وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ، أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ، يا بَنِي آدَمَ إِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ.

الثّالث:الإشعار بأنّ أباكم آدم قد أغواه الشّيطان فلا يغويكم: يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ، أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ.

ص: 55

ص: 56

آزر

اشارة

لفظ واحد،مرّة واحدة مكّيّة،في سورة مكّيّة

النّصوص اللّغويّة و التّفسيريّة

وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَ تَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَ قَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ الأنعام:74.

ابن عبّاس: إنّ أبا إبراهيم لم يكن اسمه آزر،و إنّما كان اسمه تارخ.(ابن كثير 3:53)

يعني ب(آزر)الصّنم.

مثله السّدّيّ.(ابن كثير 3:53)

إنّ اسم أبي إبراهيم عليه السّلام،«يازر»و اسم أمّه«مثلى».

(الآلوسيّ 7:194)

ابن المسيّب: (آزر)اسم صنم كان والد إبراهيم يعبده،و إنّما سمّاه بالاسم لأنّ من عبد شيئا أو أحبّه جعل اسم ذلك المعبود أو المحبوب اسما له،فهو كقوله: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ الإسراء:71.

(الخازن 2:122)

مجاهد: (آزر)لم يكن بأبيه إنّما هو صنم.

(الطّبريّ 7:243)

الضّحّاك: إنّ(آزر)أبو إبراهيم عليه السّلام،و هو تارخ.

معنى آزر الشّيخ الهمّ بالفارسيّة.(القرطبيّ 7:22)

معناه الشّيخ الهرم.(أبو السّعود 2:112)

الحسن: كان اسم أبيه(آزر).(القرطبيّ 7:22) نحوه الخليل(7:382)،و مثله السّدّيّ(الطّبريّ 7:

242).

السّدّيّ: اسم أبيه،و يقال:لا،بل اسمه تارح، و اسم الصّنم آزر.(الطّبريّ 7:243)

إنّه اسم أبي إبراهيم،و هو تارخ،كما قيل ليعقوب:

إسرائيل.و يجوز أن يكون لقبا غلب عليه.

مثله ابن إسحاق و ابن عبد العزيز و الجبّائيّ و البلخيّ.(الطّوسيّ 4:189)

الكلبيّ: (آزر)اسم أبي إبراهيم و هو تارخ،ضبطه بعضهم بالحاء المهملة،و بعضهم بالخاء المعجمة.

مثله ابن إسحاق و الضّحّاك.(الخازن 2:122)

الإمام الصّادق عليه السّلام: إنّ(آزر)أبا إبراهيم كان

ص: 57

منجّما لنمرود.(الكاشانيّ 2:131)

كان(آزر)صاحب أمر نمرود و وزيره،و كان يتّخذ الأصنام له و للنّاس،و يدفعها إلى ولده.

(المصطفويّ 1:64)

مقاتل: (آزر)لقب،و«تارخ»اسم.

(الميبديّ 3:401)

مثله ابن إسحاق.(الطّبريّ 7:22)

ابن جريج: إنّ اسمه تيرح أو تارح.

(الآلوسيّ 7:194)

ابن إسحاق: (آزر)أبو إبراهيم،و كان-فيما ذكر لنا-رجلا من أهل كوثى،من قرية بالسّواد،سواد الكوفة.(الطّبريّ 7:242)

سعيد بن عبد العزيز: أبو إبراهيم(آزر)،و هو تارح،مثل إسرائيل و يعقوب.(الطّبريّ 7:243)

الفرّاء: يقال:(آزر)في موضع خفض و لا يجرى؛ لأنّه أعجميّ.و قد أجمع أهل النّسب على أنّه ابن تارح، فكأنّ(آزر)لقب له.و قد بلغني أنّ معنى(آزر)في كلامهم معوجّ،كأنّه عابه بزيغه و بعوجه عن الحقّ.

و قد قرأ بعضهم: (لأبيه آزر) بالرّفع على النّداء«يا» و هو وجه حسن.(1:340)

هي صفة ذمّ بلغتهم كأنّه قال:يا مخطئ،فيمن رفعه.

أو كأنّه قال:و إذ قال لأبيه المخطئ،فيمن خفض.

(القرطبيّ 7:22)

إنّه ليس بين النّسّابين و المؤرّخين اختلاف في كون اسمه تارخ أو تارح.(رشيد رضا 7:536)

الأخفش: فتح إذا جعلت(آزر)بدلا من(أبيه)، و قد قرئت رفعا على النّداء،كأنّه قال:يا آزر.

(2:493)

البخاريّ: إبراهيم بن آزر،و هو في التّوراة تارح، و اللّه سمّاه آزر.(المراغيّ 7:168)

الطّبريّ: اختلف أهل العلم في المعنيّ ب(آزر)، و ما هو؟اسم أم صفة؟و إن كان اسما فمن المسمّى به؟[ذكر أقوالا متعدّدة نقلناها سابقا،ثمّ قال:]

و اختلفت القرّاء في قراءة ذلك،فقرأته عامّة قرّاء الأمصار(آزر)بفتح آزر على إتباعه«الأب»في الخفض،و لكنّه لمّا كان اسما أعجميّا فتحوه؛إذ لم يجرّوه و إن كان في موضع خفض.و ذكر عن أبي يزيد المدينيّ و الحسن البصريّ أنّهما كانا يقرءان ذلك(آزر)بالرّفع على النّداء،بمعنى يا آزر.فأمّا الّذي ذكر عن السّدّيّ من حكايته أنّ(آزر)اسم صنم و إنّما نصبه بمعنى أ تتّخذ آزر أصناما آلهة،فقول من الصّواب من جهة العربيّة بعيد، و ذلك أنّ العرب لا تنصب اسما بفعل بعد حرف الاستفهام؛لا تقول:أخاك أ كلّمت،و هي تريد أ كلّمت أخاك؟

و الصّواب من القراءة في ذلك عندي قراءة من قرأ بفتح الرّاء من(آزر)على إتباعه إعراب«الأب»و أنّه في موضع خفض،ففتح إذ لم يكن جاريا،لأنّه اسم أعجمي.و إنّما أجيزت قراءة ذلك كذلك لإجماع الحجّة من القرّاء عليه.

و إذ كان ذلك هو الصّواب من القراءة و كان غير جائز أن يكون منصوبا بالفعل الّذي بعد حرف الاستفهام،صحّ لك فتحه من أحد وجهين:

ص: 58

إمّا أن يكون اسما لأبي إبراهيم صلوات اللّه عليه و على جميع أنبيائه و رسله،فيكون في موضع خفض ردّا على«الأب»،و لكنّه فتح لما ذكرت من أنّه لمّا كان اسما أعجميّا ترك إجراؤه،ففتح كما فتح العرب في أسماء العجم.

أو يكون نعتا له،فيكون أيضا خفضا،بمعنى تكرير اللاّم عليه،و لكنّه لمّا خرّج مخرج أحمر و أسود، ترك إجراؤه،و فعل به كما يفعل بأشكاله،فيكون تأويل الكلام حينئذ وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَ تَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً.

و إن لم يكن له وجهة في الصّواب إلاّ أحد هذين الوجهين،فأولى القولين بالصّواب منهما عندي قول من قال:هو اسم أبيه؛لأنّ اللّه تعالى أخبر أنّه أبوه،و هو القول المحفوظ من قول أهل العلم دون القول الآخر الّذي زعم قائله أنّه نعت.

فإن قال قائل:فإنّ أهل الأنساب إنّما ينسبون إبراهيم إلى تارح،فكيف يكون آزر اسما له،و المعروف به من الاسم تارح؟

قيل له:غير محال أن يكون له اسمان،كما لكثير من النّاس في دهرنا هذا،و كان ذلك فيما مضى لكثير منهم، و جائز أن يكون لقبا.(7:242)

الزّجّاج: يقرأ بالنّصب(آزر)و يقرأ بالضّمّ(آزر).

فمن نصب فموضع(آزر)خفض بدلا من(أبيه)،و من قرأ (آزر)بالضّمّ فهو على النّداء.

و ليس بين النّسّابين اختلاف أنّ اسم أبيه كان تارخ،و الّذي في القرآن يدلّ على أنّ اسمه آزر.

و قيل:(آزر)عندهم ذمّ في لغتهم،كأنّه قال: وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ الخاطئ.(الأزهريّ 13:248)

قيل:(آزر)اسم صنم،فموضعه نصب على إضمار الفعل،كأنّه قال:و إذ قال إبراهيم لأبيه أ تتّخذ آزر، و جعل(أصناما)بدلا من(آزر)و أشباهه.فقال بعد أن قال:أ تتّخذ آزر إلها: أَ تَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً.

(الطّوسيّ 4:188)

النّحّاس: آزر لا ينصرف؛لأنّه على أفعل.

(القرطبيّ 7:22)

الجوهريّ: آزر اسم أعجميّ.(2:578)

ابن فارس: آزر مشتقّ من القوّة؛و الأزر:القوّة.

(القرطبيّ 7:22)

الثّعلبيّ: إنّ اسم أبي إبراهيم الّذي سمّاه به أبوه تارح،فلمّا صار مع النّمروذ قيّما على خزانة آلهته سمّاه آزر.(القرطبيّ 7:22)

الثّعالبيّ: إن كان(الفرس)أبيض العجز،فهو آزر.

(99)

القيسيّ: من نصب(آزر)جعله في موضع خفض بدلا من«الأب»كأنّه اسم له.

و قد قرأ يعقوب و غيره بالرّفع على النّداء،كأنّه جعل(آزر)لقبا له،كأنّه قال:يا معوجّ الدّين، أَ تَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً ؟ (1:273)

الطّوسيّ: [قال بعد نقل قول الزّجّاج:]

و الّذي قاله الزّجّاج يقوّي ما قاله أصحابنا:إنّ (آزر)كان جدّه لأمّه أو كان عمّه؛لأنّ أباه كان مؤمنا من حيث ثبت عندهم أنّ آباء النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلى آدم كلّهم

ص: 59

كانوا موحّدين لم يكن فيهم كافر،و حجّتهم في ذلك إجماع الفرقة المحقّة.

و اختلفوا في معنى(آزر)هل هو اسم أو صفة؟ [و قال بعد نقل قول السّدّيّ و مجاهد:]

و قال قوم:هو سبّ و عبث بكلامهم،و معناه معوجّ.

(4:189)

نحوه الطّبرسيّ.(2:322)

الرّاغب: قيل:كان اسم أبيه تارخ،فعرّب فجعل آزر.و قيل:آزر معناه الضّالّ في كلامهم.(17)

البغويّ:القراءة المعروفة بالنّصب،هو اسم أعجمي لا ينصرف؛فينصب في موضع الخفض.

(2:122)

الزّمخشريّ: (آزر)اسم أبي إبراهيم عليه السّلام،و في كتب التّواريخ أنّ اسمه بالسّريانيّة تارح.و الأقرب أن يكون وزن(آزر)فاعل،مثل تارح و عابر و عازر و شالخ و فالغ،و ما أشبهها من أسمائهم،و هو عطف بيان (لأبيه).

و قرئ (آزر) بالضّمّ على النّداء.

و قيل:(آزر)اسم صنم،فيجوز أن ينبز به؛للزومه عبادته،كما نبز ابن قيس ب«الرّقيّات»اللاّئي كان يشبّب بهنّ،فقيل:ابن قيس الرّقيّات،[ثمّ استشهد بشعر]

أو أريد«عابد آزر»،فحذف المضاف و أقيم المضاف إليه مقامه.

و قرئ (أأزرا أ تتّخذ اصناما آلهة) بفتح الهمزة و كسرها بعد همزة الاستفهام،و زاي ساكنة و راء منصوبة منوّنة.و هو اسم صنم،و معناه أتعبد آزرا؟على الإنكار.(2:29)

الجواليقيّ: (آزر)اسم أبي إبراهيم،و هو من العجميّ الّذي وافق لفظ العربيّ،نحو الإزارة و الإزرة.

و في التّنزيل: أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ الفتح:29.

(76)

ابن عطيّة: المعنى أ عضدا و قوّة و مظاهرة على اللّه تتّخذ؟و هو من قوله: اُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي طه:31.

و معناها أنّها مبدلة من«واو»كوسادة و إسادة، كأنّه قال:أ وزرا أو مأثما تتّخذ أصناما؟و نصبه على هذا بفعل مضمر.(أبو حيّان 4:164)

السّهيليّ: (آزر)قيل:معناه يا أعوج.

و قيل:هو اسم صنم،و انتصب على إضمار الفعل في التّلاوة.

قيل:هو اسم لأبي إبراهيم،كان يسمّى تارح و آزر،و هذا هو الصّحيح؛لمجيئه في الحديث منسوبا إلى آزر.و أمّه نونا،و يقال في اسمها:ليوثي،أو نحو هذا.

(1:12)

آزر كلمة ذمّ في بعض اللّغات،أي يا أعرج.

(الزّبيديّ 3:12)

الفخر الرّازيّ: ظاهر هذه الآية يدلّ على أنّ اسم والد إبراهيم هو آزر،و منهم من قال:اسمه تارح.و من الملحدة من جعل هذا طعنا في القرآن،و قال:هذا النّسب خطأ و ليس بصواب،و للعلماء هاهنا مقامان:

المقام الأوّل:أنّ اسم والد إبراهيم عليه السّلام هو آزر، و أمّا قولهم:أجمع النّسّابون على أنّ اسمه كان تارح،

ص: 60

فنقول:هذا ضعيف؛لأنّ ذلك الإجماع إنّما حصل لأنّ بعضهم يقلّد بعضا،و بالآخرة يرجع ذلك الإجماع إلى قول الواحد و الاثنين،مثل قول وهب و كعب و غيرهما، و ربّما تعلّقوا بما يجدونه من أخبار اليهود و النّصارى، و لا عبرة بذلك في مقابلة صريح القرآن.

المقام الثّاني:سلّمنا أنّ اسمه كان تارح،ثمّ لنا هاهنا وجوه:

الوجه الأوّل:لعلّ والد إبراهيم كان مسمّى بهذين الاسمين،فيحتمل أن يقال:إنّ اسمه الأصليّ كان آزر و جعل تارح لقبا له،فاشتهر هذا اللّقب و خفي الاسم، فاللّه تعالى ذكره بالاسم.و يحتمل أن يكون بالعكس، و هو أنّ تارح كان اسما أصليّا و آزر كان لقبا غالبا، فذكره اللّه تعالى بهذا اللّقب الغالب.

الوجه الثّاني:أن يكون لفظة(آزر)صفة مخصوصة في لغتهم،فقيل:إنّ آزر اسم ذمّ في لغتهم،و هو المخطئ، كأنّه قيل:و إذ قال إبراهيم لأبيه المخطئ،كأنّه عابه بزيغه و كفره و انحرافه عن الحقّ.و قيل:آزر هو الشّيخ الهرم بالخوارزميّة،و هو أيضا فارسيّة أصليّة.

الوجه الثّالث:أنّ(آزر)كان اسم صنم يعبده والد إبراهيم،و إنّما سمّاه اللّه بهذا الاسم لوجهين:

أحدهما:أنّه جعل نفسه مختصّا بعبادته،و من بالغ في محبّة أحد فقد يجعل اسم المحبوب اسما للمحبّ.قال اللّه تعالى: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ الإسراء:

71.

و ثانيهما:أن يكون المراد«عابد آزر»،فحذف المضاف و أقيم المضاف إليه مقامه.

الوجه الرّابع:أنّ والد إبراهيم عليه السّلام كان تارح و آزر كان عمّا له،و العمّ قد يطلق عليه اسم الأب،كما حكى اللّه تعالى عن أولاد يعقوب أنّهم قالوا: نَعْبُدُ إِلهَكَ وَ إِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ البقرة:133، و معلوم أنّ إسماعيل كان عمّا ليعقوب،و قد أطلقوا عليه لفظ الأب،فكذا هنا.

و اعلم أنّ هذه التّكلّفات إنّما يجب المصير إليها لو دلّ دليل باهر على أنّ والد إبراهيم ما كان اسمه آزر،و هذا الدّليل لم يوجد البتّة،فأيّ حاجة تحملنا على هذه التّأويلات.و الدّليل القويّ على صحّة أنّ الأمر على ما يدلّ عليه ظاهر هذه الآية أنّ اليهود و النّصارى و المشركين كانوا في غاية الحرص على تكذيب الرّسول صلّى اللّه عليه و سلّم و إظهار بغضه،فلو كان هذا النّسب كذبا لامتنع في العادة سكوتهم عن تكذيبه،و حيث لم يكذّبوه علمنا أنّ هذا النّسب صحيح.[و فيه مباحث أخرى فلاحظ](13:37)

القرطبيّ: هو[آزر]مشتقّ من:آزر فلان فلانا، إذا عاونه،فهو مؤازر قومه على عبادة الأصنام.

و قيل:في الكلام تقديم و تأخير،التّقدير:أ تتّخذ آزر أصناما؟فعلى هذا(آزر)اسم جنس.

و(آزر)فيه قراءات:(أإزرا)بهمزتين،الأولى مفتوحة و الثّانية مكسورة؛عن ابن عبّاس.و عنه (أأزرا) بهمزتين مفتوحتين.و قرئ بالرّفع،و روي ذلك عن ابن عبّاس.و على القراءتين الأوليين عنه(تتّخذ)بغير همزة.قال المهدويّ:(أإزرا)؟فقيل:إنّه اسم صنم،فهو منصوب على تقدير:أ تتّخذ(إزرا)،و كذلك(أأزرا)،

ص: 61

و يجوز أن يجعل(أإزرا)على أنّه مشتقّ من«الأزر»،و هو الظّهر،فيكون مفعولا من أجله،كأنّه قال:أ للقوّة تتّخذ أصناما؟و يجوز أن يكون«إزر»بمعنى وزر،أبدلت الواو همزة.(7:22)

البيضاويّ: في كتب التّواريخ أنّ اسمه تارخ،فقيل:

هما علمان له كإسرائيل و يعقوب.

و قيل:العلم تارخ،و آزر وصف،معناه الشّيخ أو المعوجّ،و لعلّ منع صرفه لأنّه أعجميّ حمل على موازنه،أو نعت مشتقّ من الأزر أو الوزر.و الأقرب أنّه علم أعجميّ على«فاعل»،كغابر و شالخ.

و قيل:اسم صنم يعبده،فلقّب به للزوم عبادته،أو أطلق عليه بحذف المضاف.

و قيل:المراد به الصّنم،و نصبه بفعل مضمر يفسّره ما بعده،أي أتعبد آزر؟(1:317)

ابن منظور: آزر اسم أعجميّ،و هو اسم أبي إبراهيم.(4: 18)

الخازن: [قال بعد نقل قول الكلبيّ:]

فعلى هذا يكون لأبي إبراهيم عليه السّلام اسمان:آزر و تأرخ،مثل يعقوب و إسرائيل،اسمان لرجل واحد، فيحتمل أن يكون اسمه الأصليّ آزر،و تارخ لقب له، و بالعكس،و اللّه سمّاه(آزر)و إن كان عند النّسّابين و المؤرّخين اسمه تارخ،ليعرف بذلك.و كان آزر أبو إبراهيم من«كوثى»،و هي قرية من سواد الكوفة.

و قال سليمان التّيميّ:آزر سبّ و عيب،و معناه في كلامهم المعوجّ.

و قيل:الشّيخ الهرم،و هو بالفارسيّة.و هذا على مذهب من يجوّز أنّ في القرآن ألفاظا قليلة فارسيّة.

(2:122)

أبو حيّان: قيل:كان(آزر)من أهل حرّان،و هو تارخ بن ناجور بن ساروع بن أرغو بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح.(4:164)

ابن كثير: قرأ الجمهور بالفتح،إمّا على أنّه علم أعجميّ لا ينصرف،و هو بدل من قوله:(لابيه)أو عطف بيان،و هو أشبه،و على قول من جعله نعتا لا ينصرف أيضا كأحمر و أسود.

فأمّا من زعم أنّه منصوب لكونه معمولا لقوله:

(أَ تَتَّخِذُ أَصْناماً) -تقديره:يا أبت أ تتّخذ آزر أصناما آلهة -فإنّه قول بعيد في اللّغة،فإنّ ما بعد حرف الاستفهام لا يعمل فيما قبله؛لأنّ له صدر الكلام.(3:53)

الفيروزآباديّ: آزر صنم و كلمة ذمّ في بعض اللّغات،و اسم عمّ إبراهيم،و أمّا أبوه فإنّه«تارح»أو هما واحد.(1:377)

السّيوطيّ: (آزر)قال بعضهم:هي بلغتهم يا مخطئ.(2:129)

أبو السّعود: قيل:اسمه بالسّريانيّة تارح،و آزر لقبه المشهور.

و قيل:اسم صنم لقّب هو به؛للزومه عبادته.

و قرئ (آزر) على النّداء و دليل العلميّة؛إذ لا يحذف حرف النّداء إلاّ من الأعلام.(2:112)

الطّريحيّ: قرئ (آزر) على النّداء،و اختلف فيه، فذهب بعض أنّه كان جدّ إبراهيم لأمّه.

و قيل:بل هو اسم أبي إبراهيم عليه السّلام استدلالا بقوله

ص: 62

تعالى: (لِأَبِيهِ آزَرَ) ،و بما روي:«أنّ آزر أبا إبراهيم كان منجّما لنمرود»و هو صريح في أنّ آزر أبو إبراهيم عليه السّلام، و ليس بشيء،لانعقاد الإجماع من الفرقة المحقّة على أنّ أجداد نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله كانوا مسلمين موحّدين إلى آدم عليه السّلام، و قد تواتر عنهم:«نحن من أصلاب المطهّرين و أرحام المطهّرات لم تدنّسهم الجاهليّة بأدناسها».

و قد نقل بعض الأفاضل عن بعض كتب الشّافعيّة كالقاموس و شرح الهمزيّة لابن حجر المكّيّ بأنّ(آزر) كان عمّ إبراهيم عليه السّلام و كان أبوه تارخ.و مثله نقل بعض الأفاضل أنّه لا خلاف بين النّسّابين أنّ اسم أبي إبراهيم تارخ،و هذا غير مستبعد؛لاشتهار تسمية العمّ بالأب في الزّمن السّابق.(3:204)

الزّبيديّ: (آزر)صنم كان تارح أبو إبراهيم عليه السّلام سادنا له،كذا قاله بعض المفسّرين.

و قيل:معناه يا شيخ،أو هي كلمة زجر و نهي عن الباطل.

و قيل:هو اسم عمّ إبراهيم عليه السّلام و إنّما سمّي العمّ أبا، و جرى عليه القرآن العظيم على عادة العرب في ذلك؛ لأنّهم كثيرا ما يطلقون الأب على العمّ.و أمّا أبوه فإنّه تارخ بالخاء المعجمة،و قيل:بالمهملة على وزن «هاجر»،و هذا باتّفاق النّسّابين،ليس عندهم اختلاف في ذلك.(3:12)

الآلوسيّ: قيل:اسم صنم،و قيل:هو وصف في لغتهم و معناه المخطئ،و عن بعضهم:أنّه الشّيخ الهرم بالخوارزميّة.

و على القول بالوصفيّة يكون منع صرفه للحمل على موازنه،و هو«فاعل»المفتوح العين،فإنّه يغلب منع صرفه؛لكثرته في الأعلام الأعجميّة.و قيل:الأولى أن يقال:إنّه غلب عليه فألحق بالعلم.

و بعضهم يجعله نعتا مشتقّا من«الأزر»بمعنى القوّة، أو«الوزر»بمعنى الإثم.و منع صرفه حينئذ للوصفيّة و وزن الفعل؛لأنّه على وزن«أفعل».

و على القول بأنّه بمعنى الصّنم يكون الكلام على حذف مضاف و إقامة المضاف إليه مقامه،أي عابد آزر.

و قرأ يعقوب (آزر) بالضّمّ على النّداء.و استدلّ بذلك على العلميّة بناء على أنّه لا يحذف حرف النّداء إلاّ من الأعلام،و حذفه من الصّفات شاذّ،أي يا آزر.

(7:194)

رشيد رضا: أمّا أبو إبراهيم فقد سمّاه اللّه تعالى في الآية الأولى من هذه الآيات(آزر)،و في سفر التّكوين أنّ اسمه«تارح»بفتح التّاء و حاء مهملة،و قالوا:إنّ معناه«متكاسل».

و من الغريب أن نرى أكثر المفسّرين و المؤرّخين و اللّغويّين منّا يقولون:إنّ اسمه«تارخ»بالخاء المعجمة أو المهملة،و أنّ آزر لقبه أو اسم أخيه أو أبيه أو صنمه.

[و قال بعد نقل قول الزّجّاج و الفرّاء:]

و لا نعرف لهذه الأقوال أصلا مرفوعا إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم،و لا منقولا عن العرب الأوّلين،و إنّما هو منقول فيما يظهر عمّن دخل في الإسلام من أهل الكتاب،كوهب بن منبّه و كعب الأحبار،اللّذين أدخلا على المسلمين كثيرا من الإسرائيليّات،فتلقّوها بالقبول على علاّتها.(7:535)

ص: 63

الطّباطبائيّ: القراءات السّبع في(آزر)بالفتح، فيكون عطف بيان أو بدلا من(أبيه)،و في بعض القراءات(آزر)بالضّمّ،و ظاهره أنّه منادى مرفوع بالنّداء،و التّقدير:يا آزر أ تتّخذ أصناما آلهة؟و قد عدّ من القراءات(أأزرا تتّخذ)مفتتحا بهمزة الاستفهام، و بعده(أزرا)بالنّصب مصدر أزر يأزر،بمعنى قوّى.

و المعنى:و إذ قال إبراهيم لأبيه أ تتّخذ أصناما للتّقوّي و الاعتضاد؟

و قد اختلف المفسّرون على القراءة الأولى المشهورة و الثّانية الشّاذّة في(آزر)أنّه اسم علم لأبيه أو لقب أريد بمعناه المدح أو الذّمّ بمعنى المعتضد،أو بمعنى الأعرج أو المعوجّ أو غير ذلك.و منشأ ذلك ما ورد في عدّة روايات أنّ اسم أبيه«تارح»بالحاء المهملة أو المعجمة،و يؤيّده ما ضبطه التّاريخ من اسم أبيه،و ما وقع في التّوراة الموجودة أنّه عليه السّلام ابن تارخ.

كما اختلفوا أنّ المراد ب«الأب»هو الوالد أو العمّ أو الجدّ الأمّيّ أو الكبير المطاع.و منشأ ذلك أيضا اختلاف الرّوايات،فمنها ما يتضمّن أنّه كان والده،و أنّ إبراهيم عليه السّلام سيشفع له يوم القيامة،و لكن لا يشفّع بل يمسخه اللّه ضبعا منتنا فيتبرّأ منه إبراهيم عليه السّلام.

و منها ما يدلّ على أنّه لم يكن والده،و أنّ والده كان موحّدا غير مشرك،و ما يدلّ على أنّ آباء النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله كانوا جميعا موحّدين غير مشركين إلى غير ذلك من الرّوايات.و قد اختلفت في سائر ما قصّ من أمر إبراهيم اختلافا عجيبا حتّى اشتمل بعضها على نظائر ما ينسبه إليه العهد العتيق ممّا تنزّهه عنه الخلّة الإلهيّة و الرّسالة.(7:161)

المصطفويّ: إنّ كلمة(آزر)معرّبة من«آزور»، و هو الّذي يشدّ وسطه للخدمة و يتقوّى،و كلمة «الوزير»قريبة منها لفظا و معنى.و كان تارخ وزيرا لنمرود و صاحب أمره،أو معتمدا عنده في النّظر و الرّأي؛ فلقّب بهذا الاسم.

وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَ تَتَّخِذُ أَصْناماً الأنعام:74، إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَ قَوْمِهِ ما ذا تَعْبُدُونَ* أَ إِفْكاً آلِهَةً الصّافّات:85،86، وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَ قَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ الزّخرف:26، إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ مريم:42.

فيظهر من هذه الآيات الكريمة أنّ(آزر)كان أبا إبراهيم،و أنّ أباه كان من الضّالّين المخالفين له قطعا، سواء قلنا بأنّ اسمه آزر أو غيره،فإنّ موضوع الحكم في أكثر الآيات هو عنوان الأب.

و قد يقال فرارا عن الإشكال:إنّ المراد من الأب هو العمّ،و كان(آزر)عمّا له لا أبا.

و لكنّ هذا التّأويل لا يجدي إذا نسب الشّرك إلى الآباء المتقدّمين و أجدادهم،مضافا إلى أنّ هذا التّعبير خلاف الحقيقة و ظواهر الآيات،و خلاف ما قال المؤرّخون،بل الرّوايات أيضا.[و هناك بحث طويل في أنّ آباء الأنبياء كانوا مشركين أو لا،فلاحظ.]

(1:64)

هوتسما: (آزر)اسم أبي إبراهيم في القرآن(سورة الأنعام:74).و يظهر أنّ في هذا بعض الخلط؛لأنّ اسم (آزر)لم يرد مطلقا على أنّه أبو إبراهيم في غير هذا

ص: 64

الموضع،كما أنّ تارح أو تارخ قد ورد في روايات بعض المؤرّخين و المفسّرين من المسلمين على أنّه أبو إبراهيم أيضا.(2:39)

الأصول اللّغويّة

1-قالوا في لفظ«آزر»:إنّه عربيّ،و قالوا:فارسيّ، و قالوا:سريانيّ.

فمن قال إنّه عربيّ جعل اشتقاقه من«الأزر»،أي القوّة،أو«الوزر»،أي الإثم.فإن كان من الأزر فوزنه «فعل»،لأنّ أصله على هذا القول«أأزر»بهمزتين مفتوحتين؛الأولى همزة استفهام و الثّانية أصليّة،ثمّ أدغمت الهمزتان لتماثلهما.و إن كان من الوزر فهو على وزن«فعل»و أصله«أوزر»بهمزة واحدة هي همزة الاستفهام،و أبدلت الواو ألفا كما في وشاح و إشاح، و وسادة و إسادة،ثمّ أدغمت الهمزتان أيضا للتّماثل.

و من قال:إنّه فارسيّ بمعنى الرّجل الهمّ،فقوله بعيد عن الصّواب؛لأنّه ليس معروفا في الفارسيّة بالمعنى المذكور،فهم يطلقونه على ناحية تقع بين الأهواز و رامهرمز من بلاد فارس.

2-و هو ليس بعربيّ و لا سريانيّ أيضا،بل عبريّ يوافق لفظ العربيّ،فهو اسم علم أصله«اليعازر»، مركّب من«إلي»أي اللّه في العبريّة (1)،و«عازر» أي إعانة (2).فعند التّعريب فتحوا همزته و سكنوا لامه بجعلهما ألف و لام تعريف،فالتقى ساكنان:اللاّم و الياء، فحذفوا الياء فصار«العازر»كما يرسمه المؤرّخون و أصحاب السير (3)،فجعلوا الألف و اللاّم زائدتين كما هما في الحسن و الحسين؛فيقال:العازر و عازر،مثلما يقال:الياس و ياس.ثمّ أبدلوا من عين عازر همزة، فاجتمعت همزة و ألف فأدغمتا فأصبح«آزر».و هذا الإبدال شائع في اللّغة،فهو على غرار عبد عليه و أبد و أمد،أي غضب؛و موت ذؤاف و ذعاف و زؤاف و زعاف،و هو الّذي يعجّل القتل؛و السّاف و السّعف (4).

3-و لكن من هو اليعازر هذا؟هو مربّي إبراهيم و خادمه و القيّم على بيته،فقد ورد ذكره مرّة واحدة في التّوراة على لسان إبراهيم عليه السّلام:«فقال أبرام:أيّها السّيّد الرّبّ ما ذا تعطيني و أنا ماض عقيما و مالك بيتي هو اليعازر الدّمشقيّ؟» (5).

الاستعمال القرآنيّ

يلاحظ أوّلا:لم يرد ذكر ل(آزر)في العربيّة إلاّ في القرآن.و المفسّرون فيه على فريقين:الفريق الأوّل يرى أنّه اسم أبي إبراهيم،و آزر أحد اسميه،مثل:

إسرائيل و يعقوب.أمّا الفريق الثّاني فيرى أنّه ليس اسما لأبي إبراهيم.و اختلف فيمن يكون هو،فقيل:هو لقب أبي إبراهيم،و قيل:هو عمّ إبراهيم،و قيل:هو جدّ إبراهيم لأمّه،و قيل:هو اسم صنم،و قيل:صفة ذمّ، و معناه المخطئ أو المعوجّ أو الأعرج أو الضّالّ.

ص: 65


1- قاموس عبريّ فارسيّ سليمان حييم 16.
2- المصدر السّابق 389.
3- انظر تاريخ اليعقوبيّ 1:75 و البداية و النّهاية،لابن كثير 1:337.
4- كتاب الإبدال،لابن السّكّيت 76 و 85.
5- التّكوين 15:2.

ثانيا:و القول الأوّل مبنيّ على ظاهر لفظ (لِأَبِيهِ آزَرَ) ،ثمّ على القياس.و وجّه الفريق الثّاني رأيه-و هو خلاف ظاهر اللّفظ-بأنّ آباء النّبيّ محمّد صلّى اللّه عليه و آله كلّهم مؤمنون و ليس فيهم مشرك،و هو رأي الإماميّة دون غيرهم.و قالوا في لفظ«الأب»في قوله تعالى: وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ :بأنّه لا يقتضي بالضّرورة أن يكون أبا فعليّا له؛لأنّ العرب تطلق لفظ«الأب»على العمّ أيضا.و دليله قوله تعالى: أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَ إِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ البقرة:133،فعدّ إسماعيل من آباء يعقوب،و هو عمّه.

و ممّا يدعم هذا الرّأي أيضا هو أنّ أحدا من النّسّابين لم يذكر أبا لإبراهيم في عمود النّسب غير«تارخ».

ثالثا:قد أسهب العلاّمة الطّباطبائيّ في الميزان(7:

161)في تأييد هذا الرّأي،فاستقرأ الآيات الّتي وردت بخصوص حياة إبراهيم،و عرض رأيا مفاده:أنّ إبراهيم كان يخاطب شخصا بلفظ الأبوّة اسمه«آزر»و كان يعبد الأصنام،و قد أصرّ عليه أن يترك عبادتها،و لكنّه أبي.

ثمّ أقدم أبوه على طرده و أمره بهجرانه،فهجره إبراهيم و وعده أن يستغفر له،فأنجز وعده بقوله: وَ اغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ الشّعراء:86،و لكنّ دعوته لم تستجب؛لقوله تعالى: وَ ما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ التّوبة:114،و كلّ ذلك وقع في أوائل عهده، و قبل هجرته إلى الأرض المقدّسة،و قبل دعائه بقوله:

رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَ أَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ الشّعراء:

83.

ثمّ ذكر تعالى هجرته: وَ قالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ* رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ الصّافّات:99، 100،و قال: فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَ ما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ كُلاًّ جَعَلْنا نَبِيًّا مريم:49.

ثمّ ذكر آخر دعائه بمكّة بعد ما وهب له الأولاد و بنى البيت و أسكن إسماعيل مكّة: وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً... اَلْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ... رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَ لِوالِدَيَّ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ إبراهيم:35،39،41؛ حيث دعا من صميم قلبه لأبيه و أمّه اللّذين عبّر عنهما بقوله(لوالدىّ)،و الوالد لا يطلق إلاّ على الأب الصّلبيّ، و هذا غير أبيه الّذي كان من الضّالّين،و الّذي تبرّأ منه و خصّه بالاستغفار في الدّنيا فقط دون الآخرة عن موعدة وعدها إيّاه.

فآزر إذن ليس أباه الصّلبيّ بل أطلق عليه لفظ الأب ببعض الأوصاف و العناوين،فضلا عن أنّ اللّغة تسوّغ إطلاق«الأب»على الجدّ و العمّ و زوج الأمّ،و على كلّ من يتولّى أمر شخص و كلّ كبير مطاع.

رابعا:تعقيبا على ما أفاده-رحمه اللّه-نضيف أنّه ليس من دأب القرآن ذكر اسم إلاّ لنكتة،و لعلّ التّصريح باسم(آزر)هنا للإشارة إلى أنّه ليس أباه الحقيقيّ الّذي اتّفقوا على كونه«تارح»أو«تارخ»و لعلّ تخصيص سورة الأنعام بذكر اسم(آزر)دون سائر السّور هي كون الأنعام متقدّمة عليها في السّياق القرآنيّ،بل إنّها متقدّمة

ص: 66

عليها في النّزول على بعض الأقوال.لاحظ«إبراهيم».

خامسا:علّق المصطفويّ على الرّأي القائل بأنّ (آزر)لم يكن أبا إبراهيم بأنّه خلاف ظاهر القرآن،و أنّ حمله على العمّ لا يرفع الإشكال؛لأنّ القرآن يصرّح بأنّ آباء آزر كانوا مشركين،و هذا يسري الى أجداد إبراهيم: إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَ قَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ* قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ* قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ الأنبياء:52-54، و نظيره الشّعراء:75،76.و إنّ القدر المسلّم من الرّوايات طهارة آباء الأنبياء-من آدم و من دونه-عن السّفاح و الزّنى و رجس الشّرك،و نزاهتهم عن الأمراض الخلقيّة و الخلقيّة الّتي يتوارثها الأبناء عن الآباء.و هذا لا ينافي صدور المعاصي منهم،كيف و آباء النّبيّ كانوا من سدنة الكعبة و خدّامها،و كانت بيت الأصنام.و يؤيّده توصيفهم-عليهم السّلام في الزّيارات-بأنّهم كانوا في الأصلاب الطّاهرة و الأرحام المطهّرة...و لعلّ منشأ هذا القول هو رأي الصّدوق:«اعتقادنا فيهم أنّهم مسلمون من آدم إلى أبيه عبد اللّه...»الى أن قال المصطفويّ:«إنّ القول بإسلام آباء النّبيّ كلّهم لم يثبت، و لا محذور فيه عقلا و شرعا...».

و نقول:ذكر أنّ الآيات صريحة في أنّ آباء إبراهيم كانوا مشركين يعبدون الأصنام،ينافي ما اعترف به من ظاهر الرّوايات القائلة بنزاهتهم عن الشّرك.نعم، الإشكال باق بحاله على القول بكون(آزر)عمّ إبراهيم، و لكن لو التزمنا بظاهر الرّوايات فلا بدّ أن نلتزم بأنّه ليس عمّه أيضا،و أنّ أجداده-في عمود النّسب إلى آدم -كلّهم كانوا موحّدين.

ص: 67

ص: 68

أ ب ب

اشارة

أبّا

لفظ واحد،مرّة واحدة مكّيّة،في سورة مكّيّة

النّصوص اللّغويّة و التّفسيريّة

وَ فاكِهَةً وَ أَبًّا. عبس:31

الإمام عليّ عليه السّلام: الأبّ:هو الكلأ و المرعى.

(البحراني 4:429)

مثله ابن عبّاس(الطّبريّ 30:60)،و سعيد بن جبير(الدّرّ المنثور 6:317)،و الطّباطبائيّ(20:21)، و الحجازيّ(30:50).

ابن عبّاس: ما أنبتت الأرض،ممّا لا يأكل النّاس.

(الطّبريّ 30:60)

الثّمار الرّطبة.(الطّبريّ 30:61)

التّبن خاصّة.(القرطبيّ 19:223)

ما تنبت الأرض ممّا يأكل النّاس و الأنعام.

(القرطبيّ 19:223)

مثله الضّحّاك.(أبو حيّان 8:429)

ما تعتلف منه الدّوابّ.(السّيوطيّ 2:100)

مجاهد: ما يأكل الأنعام.(2:731)

مثله الحسن(مجاهد 2:731)،و الفرّاء(3:238)، و سيّد قطب(6:3833).

المرعى.(الطّبريّ 30:60)

مثله الضّحّاك،و ابن زيد(الطّبريّ 30:60)،و ابن قتيبة(515)،و ابن اليزيديّ(الهرويّ 1:7)،و أبو زيد (ابن فارس 1:6)،و القشيريّ(6:258)،و الميبديّ (10:379)،و الجوهريّ(1:86)،و الدّينوريّ(ابن منظور 1:204).

عكرمة: ما تأكل الدّوابّ.(الدّرّ المنثور 6:317)

مثله الحسن و قتادة.(الطّبريّ 30:60)

الضّحّاك: كلّ شيء ينبت على وجه الأرض.

(القرطبيّ 19:222)

ص: 69

مثله عطاء.(ابن كثير 7:216)

الحسن: العشب.(الطّبريّ 30:60)

مثله السّدّيّ.(الدّرّ المنثور 6:317)

قتادة: الأبّ:لأنعامكم نعم من اللّه متظاهرة.

(الطّبريّ 30:60)

الكلبيّ:كلّ نبات سوى الفاكهة.

(القرطبيّ 19:223)

الخليل: أبّ هذا الشّيء،إذا تهيّأ و استقامت طريقته إبابة.[ثمّ استشهد بشعر](ابن فارس 1:7)

أبو عمرو الشّيبانيّ: الأبّ:النّزاع إلى الوطن.

(الجوهريّ 1:86)

أبو عبيدة: أببت أؤبّ أبّا،إذا عزمت على المسير و تهيّأت.[ثمّ استشهد بشعر](الأزهريّ 15:599)

أبو زيد: أبّ يؤبّ أبّا و أبابا و أبابة:تهيّأ للذّهاب و تجهّز؛يقال:هو في أبابه،إذا كان في جهازه.

(الجوهريّ 1:86)

ابن الأعرابيّ: يقال للظّباء:«إن أصابت الماء فلا عباب،و إن لم تصب الماء فلا أباب»،أي لم تأتبّ له و لم تتهيّأ لطلبه.

أبّ،إذا حرّك،و أبّ،إذا هزم بحملة لا مكذوبة فيها.(الأزهريّ 15:599)

الأباب:الماء و السّراب.

استئبّ أبّا:اتّخذه.(ابن سيده 10:554)

شمر: الأبّ:مرعى للسّوائم.[ثمّ استشهد بشعر]

(الهرويّ 1:7)

الدّينوريّ: المرعى كلّه أبّا.(ابن سيده 10:554)

2Lثعلب: ما أخرجت الأرض.

(مجالس ثعلب 1:299)

الطّبريّ: ما تأكله البهائم من العشب و النّبات.

(30:59)

مثله القاسميّ.(17:6065)

الزّجّاج: الأبّ:جميع الكلأ الّذي تعتلفه الماشية.

(الأزهريّ 15:599)

ابن دريد: المرعى.

و أبّ أبّا للشّيء،إذا تهيّأ له أو همّ به.

و الأبّ:النّزاع إلى الوطن.

و أبّ الرّجل إلى سيفه،إذا ردّ يده إليه ليستلّه.

(1:13،14)

القمّيّ: الحشيش للبهائم.(2:406)

السّجستانيّ: هو ما رعته الأنعام،و يقال:الأبّ للبهائم كالفاكهة للنّاس.(28)

ابن فارس: اعلم أنّ للهمزة و الباء في المضاعف أصلين:أحدهما:المرعى.و الآخر:القصد و التّهيّؤ.فأمّا الأوّل فقول اللّه: وَ فاكِهَةً وَ أَبًّا، عبس:31، و الثّاني:التّهيّؤ للمسير.

و ذكر ناس أنّ الظّباء لا ترد و لا يعرف لها ورد؛ قالوا:و لذلك قالت العرب في الظّباء:«إن وجدت فلا عباب،و إن عدمت فلا أباب»،معناه إن وجدت ماء لم تعبّ فيه،و إن لم تجده لم تأبب لطلبه.

و الأبّ:القصد؛يقال:أببت أبّه،و أممت أمّه و حممت حمّه و حردت حرده و صمدت صمده.[ثمّ استشهد بشعر](1:6،7)

ص: 70

الهرويّ:الأبّ للبهائم كالفاكهة للنّاس.(1:7)

ابن سيده: الأبّ:الكلأ،و عبّر بعضهم عنه بأنّه المرعى.[ثمّ استشهد بشعر]

و أبّ للسّير يئبّ و يؤبّ أبّا و أبيبا و إبابة:تهيّأ.[ثمّ استشهد بشعر]

و كذلك ائتبّ،و هو في إبابه و إبابته و أبابته،أي جهازه.

و أبّ إلى وطنه أبّا و أبابة و إبابة:نزع،و المعروف عند ابن دريد الكسر.[ثمّ استشهد بشعر]

و أبّ يده إلى سيفه:ردّها إليه ليسلّه.

و أبّت أبابة الشّيء و إبابته:استقامت طريقته.و قالوا:إذا لم تصب الظّباء الماء فلا أباب،أي لا تهيّأ لطلبه،و قد تقدّم.

و أباب الماء:عبابه.و استئبّ أبّا:اتّخذه،نادر،عن ابن الأعرابيّ.و إنّما قياسه:استأبّ.(10:554)

الطّوسيّ: المرعى من الحشيش،و سائر النّبات الّذي ترعاه الأنعام و الدّوابّ.

و يقال:أبّ إلى سيفه فاستلّه،كقولك:هبّ إليه و بدر إليه،فيكون كبدور المرعى بالخروج.[ثمّ استشهد بشعر](10:276)

مثله الطّبرسيّ.(5:439)

شيذلة:هو الحشيش بلغة أهل الغرب.

(السّيوطيّ 2:129)

الرّاغب: المرعى المتهيّئ للرّعي و الجزّ،من قولهم:أبّ لكذا،أي تهيّأ،أبّا و إبابة و إبابا.

و أبّ إلى وطنه،إذا نزع إلى وطنه نزوعا،تهيّأ لقصده،و كذا أبّ لسيفه،إذا تهيّأ لسلّه.

و إبّان ذلك فعلان منه،و هو الزّمان المهيّأ لفعله و مجيئه.(8)

البغويّ:يعني الكلأ و المرعى الّذي لم يزرعه النّاس،ممّا يأكله الأنعام و الدّوابّ.(7:175)

مثله الميبديّ(10:386)،و الطّبرسيّ(5:440)، و الخازن(7:176)،و الفيّوميّ(1:1).

الزّمخشريّ: المرعى؛لأنّه يؤبّ،أي يؤمّ و ينتجع.

و الأبّ و الأمّ أخوان.[ثمّ استشهد بشعر]

(4:220)

اطلب الأمر في إبّانه،و خذه بربّانه،أي أوّله.

و أبّ للمسير،إذا تهيّأ له و تجهّز.

و تقول:«فلان راع له الحبّ و طاع له الأبّ»،أي زكا زرعه و اتّسع مرعاه.[ثمّ استشهد بشعر]

(أساس البلاغة:1)

الفخر الرّازيّ: قيل:الأبّ:الفاكهة اليابسة؛ لأنّها تؤبّ للشّتاء،أي تعدّ.[ثمّ استشهد بشعر]

(31:63)

ابن الأثير: في حديث أنس:«إنّ عمر بن الخطّاب قرأ قول اللّه: وَ فاكِهَةً وَ أَبًّا، و قال:فما الأبّ؟ثمّ قال:ما كلّفنا،أو ما أمرنا بهذا».

الأبّ:المرعى المتهيّئ للرّعي و القطع.

و قيل:الأبّ من المرعى للدّوابّ كالفاكهة للإنسان، و منه حديث قسّ بن ساعدة:«فجعل يرتع أبّا،و أصيد ضبّا».(1:13)

ص: 71

الصّغانيّ:أبّ أبّه،أي قصد قصده.

(الزّبيديّ 1:143)

الرّازيّ: عن أبي بكر أنّه سئل عن الأبّ،فقال:

أيّ سماء تظلّني و أيّ أرض تقلّني،إذا قلت في كتاب اللّه بما لا علم لي به.و أكثر المفسّرين قالوا:الأبّ:كلّ ما ترعاه البهائم.(366)

القرطبيّ: هو ما تأكله البهائم من العشب.

و قيل:سمّي أبّا لأنّه يؤبّ،أي يؤمّ و ينتجع.

و الأبّ و الأمّ أخوان.[ثمّ استشهد بشعر]

و قيل:الفاكهة:رطب الثّمار،و الأبّ:يابسها.

(19:220)

مثله البيضاويّ(2:541)،و النّيسابوريّ (30:30).

النّسفيّ: (أبّا)مرعى لدوابّكم.(4:334)

أبو حيّان: الأبّ:المرعى؛لأنّه يؤبّ،أي يؤمّ و ينتجع.و الأبّ و الأمّ أخوان.

و قيل:ما يأكله الآدميّون من النّبات يسمّى الحصيد،و ما أكله غيرهم يسمّى الأبّ.(8:425)

نحوه خليل ياسين(2:300)،و المراغيّ (30:46).

الزّركشيّ: اختلف المفسّرون في معنى«الأبّ» على سبعة أقوال:

فقيل:ما ترعاه البهائم،و أمّا ما يأكله الآدميّ فالحصيد.

و الثّاني:التّبن خاصّة.

و الثّالث:كلّ ما نبت على وجه الأرض.

و الرّابع:ما سوى الفاكهة.

و الخامس:الثّمار الرّطبة،و فيه بعد؛لأنّ الفاكهة تدخل في الثّمار الرّطبة.و لا يقال:أفردت للتّفضيل؛إذ لو أريد ذلك لتأخّر ذكرها نحو: فاكِهَةٌ وَ نَخْلٌ وَ رُمّانٌ الرّحمن:68.

و السّادس:أنّ رطب الثّمار هو الفاكهة،و يابسها هو الأبّ.

و السّابع:أنّه للأنعام كالفاكهة للنّاس.(1:296)

الفيروزآباديّ:الكلأ أو المرعى،أو ما أنبتت الأرض و الخضر.

و أبّ للسّير يئبّ و يؤبّ أبّا و أبيبا و أبابا و أبابة:

تهيّأ،كائتبّ،و إلى وطنه أبّا و إبابة و أبابة:اشتاق.و يده إلى سيفه:ردّها ليسلّه.و هو في أبابه:في جهازه.

و أبّ أبّه:قصد قصده.

و أبّت أبابته و يكسر:استقامت طريقته.

و الأباب:الماء و السّراب،و بالضّمّ:معظم السّيل، و الموج.

و أبّ:هزم بحملة لا مكذوبة فيها.و الشّيء:

حرّكه.

و أبّب:صاح.

و تأبّب به:تعجّب و تبجّح.(1:37)

البروسويّ: (أبّا)أي مرعى،من أبّه،إذا أمّه، أي قصده؛لأنّه يؤمّ و يقصد جزّه للدّوابّ.

أو من أبّ لكذا،إذا تهيّأ له؛لأنّه متهيّئ للرّعي.

و أبّ إلى وطنه،إذا نزع إليه نزوعا،تهيّأ لقصده.

و كذا أبّ لسيفه،إذا تهيّأ لسلّه.

ص: 72

و إبّان ذلك فعلان منه،و هو الزّمان المتهيّئ لفعله و مجيئه.

أو الأبّ:الفاكهة اليابسة تؤبّ للشّتاء،أي تعدّ و تهيّأ،و هو الملائم لما قبله(10:339)

شبّر: (أبّا)مرعى؛لأنّه يؤبّ،أي يؤمّ.أو الفاكهة اليابسة تؤبّ،أي تعدّ للشّتاء.(549)

الآلوسيّ: من أبّه،إذا أمّه و قصده؛لأنّه يؤمّ و يقصد،أو من أبّ لكذا،إذا تهيّأ له؛لأنّه متهيّئ للرّعي.و يطلق على نفس مكان الكلأ.

و ذكر بعضهم أنّ ما يأكله الآدميّون من النّبات يسمّى الحصيدة و الحصيد،و ما يأكله غيرهم يسمّى الأبّ.

و قيل:هو يابس الفاكهة؛لأنّها تؤبّ و تهيّأ للشّتاء للتّفكّه بها.[ثمّ استشهد بشعر](30:47)

رشيد رضا: قيل:إنّ كلمة«الأبّ»غير عربيّة، فلذلك لم يعرفها عمر،و لا أبو بكر،كما روي بسندين منقطعين.

و الأولى أن يقال:إنّها غير قرشيّة أو غير حجازيّة، و لذلك عرفها ابن عبّاس؛لسعة اطّلاعه على لغة العرب، و كثير من الصّحابة.(7:146)

طنطاوي: الأبّ:الحشيش و البطاطس.

(25:52)

مجمع اللّغة: العشب ترعاه الأنعام،أو هو كلّ ما ينبت على وجه الأرض.(1:1)

محمّد إسماعيل إبراهيم: أبّ للشّيء:تهيّأ له.

و الأبّ:الكلأ و المرعى و كلّ ما ينمو بدون تدخّل الإنسان،و يرعاه الحيوان.(1:25)

بنت الشّاطئ: الكلمة وحيدة في القرآن،و لا يبدو تفسيرها بما يعتلف منه الدّوابّ بعيدا.[و بعد نقله كلام أبي حيّان و ابن الأثير و الزّمخشريّ قال:]

و مع ندرة استعمال الكلمة،جاءت المعاجم بعدد من مشتقّاتها و صيغها و معانيها،فذكرت في الأبّ:الكلأ أو المرعى،و الخضر أو ما أنبتت الأرض.

و أبّ للسّير يئبّ و يؤبّ أبّا و إبابا و أبيبا و أبابة:

تهيّأ،و إلى وطنه:اشتاق.

و أبّ أبّه:قصد قصده.

و الأباب:الماء و السّراب،و بالضّمّ:معظم السّيل و الموج.

و هي دلالات تبدو متباعدة،و إن أمكن ردّها إلى الكلأ،و المرعى قريب منه.

و انتقل مجازا إلى الماء ينبته،و إلى السّراب على التّخييل.

و من حيث ينتجع الكلأ،جاءت دلالة القصد و التّهيّؤ،و من حيث يلتمس و يطلب جاء استعماله في الحنين إلى الوطن.

و سياق الكلمة في الآية قريب من معنى الكلأ و المرعى.(الإعجاز البيانيّ:470)

المصطفويّ:الأصل الواحد في هذه المادّة هو التّهيّؤ،فالأبّ مصدرا بهذا المعنى،و صفة كصعب بمعنى المتهيّئ،و إطلاقه على المرعى بمناسبة كونه متهيّئا للرّعي.

فالكلأ و العشب و ما ينبت من الأرض طبعا و من

ص: 73

دون زرع،متهيّئ لرعي الأنعام،كالفاكهة لتنعّم الإنسان.

فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا* وَ عِنَباً وَ قَضْباً* وَ زَيْتُوناً وَ نَخْلاً* وَ حَدائِقَ غُلْباً* وَ فاكِهَةً وَ أَبًّا عبس:27- 31.

فالفاكهة ما يتفكّه به الإنسان و يتمتّع به رطبا أو يابسا،و غلب استعماله في أثمار النّباتات الّتي يتمتّع بأكلها الإنسان.كما أنّ«الأبّ»غلب استعماله في الكلأ و العشب المتهيّئ لتنعّم الأنعام.

فأنبت اللّه تعالى غذاء الأنعام من الأرض من دون حاجة إلى الزّراعة و العمل،و هذا بخلاف الإنسان الشّاعر المكلّف على العمل و تحصيل المعيشة مَتاعاً لَكُمْ وَ لِأَنْعامِكُمْ عبس:32.

فغذاء الأنعام هو الأبّ الّذي تهيّأ طبعا و من دون عمل لها.(1:5)

الأصول اللّغويّة

1-افترق اللّغويّون في اشتقاق مادّة«أب ب»إلى فريقين:

الفريق الأوّل-و هم القدامى و على رأسهم ابن فارس-اشتقّ منها أصلين؛أحدهما:التّهيّؤ.و منه العزم و الاستقامة و النّزاع إلى الوطن،و الحركة،و استلال السّيف،و القصد،و الهزيمة،و الصّياح،و التّعجّب و التّبجّح،و منه الماء و السّراب،و معظم السّيل و الموج.

و الأصل الثّاني:اسم لنبات.

أمّا الفريق الثّاني-و على رأسهم الرّاغب الأصفهانيّ-فقد اشتقّ منها أصلا واحدا،و هو التّهيّؤ و البدور.و عرّف«الأبّ»بأنّه المرعى المتهيّئ للرّعي، أو الفاكهة اليابسة،لأنّها تؤبّ للشّتاء؛حيث لفّق هذا الفريق معنى الأبّ بين الأصلين.و الشّيخ الطّوسيّ قد سبق الرّاغب في الإشارة إلى هذا المعنى بقوله:كبدور المرعى بالخروج.

2-و في معنى الأبّ كانت أقوال العلماء في التّعميم على اتّفاق،و في التّخصيص على غير وفاق؛فقد تواترت أقوالهم على أنّه نبات،و تضاربت في تسميته.

فقيل:هو الكلأ،و قيل:المرعى،و قيل:التّبن خاصّة، و قيل:الحشيش و البطاطس،و قيل:الثّمار الرّطبة، و قيل:الفاكهة اليابسة.و القول الثّاني-أي المرعى- أقربها؛لأنّه يصدق على أغلبها،و الرّابع-أي الحشيش و البطاطس-أبعدها؛لأنّه قول شاذّ.

3-و عزا بعضهم جهل بعض الصّحابة بالأبّ إلى القول بأنّه لفظ غير عربيّ أو غير قرشيّ.و هذا الرّأي مردود لمعرفة عليّ عليه السّلام و ابن عبّاس به،فضلا عن كثرة مشتقّات هذه المادّة في اللّغة.

و ادّعى فرد أنّه لم يسمع بالأبّ إلاّ في القرآن، و يردّه وروده في الشّعر الجاهليّ،كما أشرنا إليه في النّصوص.

4-و قد أدرج الدّامغانيّ و الفيروزآباديّ الأبّ تحت لفظ«الأب»بمعنى الوالد،و جعلاه وجها من وجوهه، و عدّاه مطابقا للفظ«الأبّ»المشدّد،و هي إحدى لغات الأب المخفّف دون الاعتناء بالمعنى.و هذا وهم؛لأنّ أصل«الأبّ»بمعنى الوالد:أبو،و شدّدت الباء فيه-كما

ص: 74

قرّر النّحاة-للتّعويض من الواو المحذوفة.و هو مثل قنّ بمعنى العبد،و أصله:قني،فحذفت الياء و عوّض عنه التّشديد.بيد أنّ تشديد«باء»الأبّ لهذه المادّة هو أصيل و ليس ببديل.و قال ابن دريد:و أمّا الأب:الوالد، فناقص و ليس من هذا.

الاستعمال القرآنيّ

و فيه بحوث:

1-ورد هذا اللّفظ مرّة واحدة في القرآن.و هذا ممّا يبعث على التّساؤل عن فحوى ورود بعض الألفاظ مرّة أو مرّتين في القرآن.

و أغلب الظّنّ أنّ مثل هذه الألفاظ لم تكن شائعة الاستعمال في كلام العرب،و ما كانوا يستعملونها إلاّ في حالات نادرة عند اقتضاء الضّرورة؛فمثلا نرى أنّ جلّ سياق الآيات الّتي تقدّمت هذا اللّفظ تنتهي ألفاظها بحرفي«با»على النّحو التّالي: أَنّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا* ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا* فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا* وَ عِنَباً وَ قَضْباً* وَ زَيْتُوناً وَ نَخْلاً* وَ حَدائِقَ غُلْباً* وَ فاكِهَةً وَ أَبًّا عبس:25-31،فاستعمل لفظ«الأبّ»هنا رعاية لرويّ الآيات،و عند ما انتفت هذه الضّرورة فيما يشابهها من الآيات جاءت على نمط آخر.

2-و احتمل النّوبختيّ في تفسير له بالفارسيّة أنّ (و أبّا)تقرأ(و أبا)أي كلمة واحدة من مادّة«و أب»بمعنى الضّخم و الواسع.و استدلّ بأنّ فاكِهَةً وَ أَبًّا على نسق وَ حَدائِقَ غُلْباً مركّب من موصوف و صفة،كما أنّ الآية وَ عِنَباً وَ قَضْباً على نسق وَ زَيْتُوناً وَ نَخْلاً مركّب من معطوف و معطوف عليه.و هذا الاحتمال بعيد؛لأنّ أحدا من القرّاء لم يقرأ بهذه القراءة، و القراءات توقيفيّة لا مجال للاجتهاد فيها.كما أنّه لا يتّفق و سياق ما بعده لَكُمْ وَ لِأَنْعامِكُمْ الّذي يعني أنّ ما ذكر من النّعم هي للإنسان و الأنعام،و هو نظير قوله: أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَ مَرْعاها* وَ الْجِبالَ أَرْساها* مَتاعاً لَكُمْ وَ لِأَنْعامِكُمْ النّازعات:31-33،و قوله:

فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَ أَنْفُسُهُمْ السّجدة:27.

3-و ما ذكر يدعم ما قيل:إنّ«الأبّ»هو المرعى دون الفاكهة اليابسة و نحوها،ممّا يكون غذاء للإنسان فقط.

4-و لعلّ قائلا يقول:إنّ قوله تعالى في صدر الآيات: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ عبس:24، يقتضي كون جميع ما ذكر غذاء للإنسان.فيقال له:إنّ الجمع بين ما ذكر في صدر الآيات و ذيلها يفيد أنّ بعضه طعام للإنسان بصورة مباشرة،و بعضه الآخر قوت للأنعام الّتي هي الأخرى طعام الإنسان بصورة مباشرة أيضا.

ص: 75

ص: 76

أ ب د

اشارة

أبد

لفظ واحد،28 مرّة:5 مكّيّة،23 مدنيّة

في 15 سورة:2 مكّيّتين،13 مدنيّة

النّصوص اللّغويّة

الخليل: أتان أبد:في كلّ عام تلد.و قيل:الإبد:

الوحشيّة،و يقال:أبل أبد.

و ليس في كلام العرب«فعل»إلاّ أن يتكلّف متكلّف فيبني كلمة محدثة على«فعل»فيتكلّم بها،فأمّا ما جاء عن العرب فهو الّذي جمعناه.

و يقال:إبل و خطب و نكح.

و آباد الدّهر:طوال الدّهر،و الأبيد:مثل الآباد.

و الآبدة:الغريبة من الكلام،و الجميع:أوابد، و الأوابد:الوحش.

و تأبّد فلان:طالت غربته،و تأبّدت الدّار:خلت من أهلها.(8:85)

ابن شميّل:الأبد:الأتان تلد كلّ عام.

(الأزهريّ 14:208)

الفرّاء: يقال:عبد عليه و أبد و أمد و وبد و ومد،إذا غضب عليه أبدا و وبدا و ومدا و عبدا.

(الأزهريّ 14:208)

أبو زيد:أبدت بالمكان آبد به أبودا،إذا أقمت به و لم تبرحه.(الأزهريّ 14:207)

الأصمعيّ: الأوابد:الّتي قد توحّشت و نفرت من الإنس؛يقال:قد أبدت تأبد و تأبد أبودا و تأبّدت تأبّدا.

(الأزهريّ 14:207)

اللّحيانيّ: لا أفعل ذلك أبد الآبدين و أبد الأبديّة، أي أبد الدّهر.

ص: 77

و يقال:وقف فلان أرضه وقفا مؤبّدا،إذا جعلها حبيسا لا تباع و لا تورث.(الأزهريّ 14:208)

ابن الأعرابيّ: يقال:لا أفعله أبد الأبيد و أبد الآباد،و لا آتيه أبد الدّهر و يد المسند،أي لا آتيه طول الدّهر.(الأزهريّ 14:208)

الإبد:ذات النّتاج من المال،كالأمة و الفرس و الأتان،لأنّهنّ يضنأن في كلّ عام،أي يلدن.

و يقال:تأبّد وجهه:كلف.(ابن فارس 1:34)

ابن السّكّيت: يقال:عبد عليه و أبد و أمد،أي غضب.(الإبدال:76)

مثله القاليّ.(2:56)

ابن دريد: الأبد:الدّهر،و تجمع:آبادا و أبودا، و قالوا:لا أفعل ذلك أبد الأبيد.

و تأبّد المنزل،إذا أقفر و أتى عليه الأبد.

و الأوابد:الوحش،سمّيت بذلك لطول أعمارها، و بقائها على الأبد.

و قولهم:تأبّد المنزل،أي رعته الأوابد.

و أبيدة:موضع.[ثمّ استشهد بشعر]

و جاء فلان بآبدة،أي بداهية تبقى على الأبد.

و مأبد:موضع.

و يقال:أبد أبيد،كما قالوا:دهر دهير و داهر.

(3:201)

القاليّ:يقولون:هو لك أبدا سمدا سرمدا،و معناها كلّها واحد.(2:222)

الرّمّانيّ:إذا قلت:لا أكلّمه أبدا،فالأبد من لدن تكلّمت إلى آخر عمرك،و جمعه:آباد،مثل سبب و أسباب.(الفيّوميّ 1:1)

الأزهريّ: أمّا إبل و إبد فمسموعان،و أمّا نكح و خطب فما حفظتهما عن ثقة،و لكن يقال:نكح و خطب.

و يقال للطّير المقيمة بأرض شتاءها و صيفها:أوابد.

(14:208)

الجوهريّ: الأبد:الدّهر،و الجمع:آباد و أبود.

يقال:أبد أبيد،كما يقال:دهر داهر،و لا أفعله أبد الأبيد،و أبد الآبدين،كما يقال:دهر الدّاهرين،و عوض العائضين.

و الأبد أيضا:الدّائم.و التّأبيد:التّخليد.

و أبد بالمكان يأبد بالكسر أبودا،أي أقام به.

و أبدت البهيمة تأبد و تأبد،أي توحّشت، و الأوابد:الوحوش،و التأبيد:التّوحّش.

و تأبّد المنزل،أي أقفر،و ألفته الوحوش.

و جاء فلان بآبدة،أي بداهية يبقى ذكرها على الأبد.و يقال للشّوارد من القوافي:أوابد.[ثمّ استشهد بشعر]

و أبد الرّجل،بالكسر:غضب.و أبد أيضا:

توحّش،فهو أبد.[ثمّ استشهد بشعر]

و الإبد على وزن«الإبل»:الولود من أمة أو أتان.

[ثمّ استشهد بشعر](2:439)

أبو هلال:الفرق بين الدّهر و الأبد:أنّ الدّهر أوقات متوالية مختلفة غير متناهية،و هو في المستقبل خلاف«قطّ»في الماضي،و قوله عزّ و جلّ: خالِدِينَ فِيها أَبَداً النّساء:169،حقيقة.و قولك:أفعل هذا

ص: 78

أبدا،مجاز،و المراد المبالغة في إيصال هذا الفعل.

(226)

الهرويّ: في الحديث:«إنّ لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش»،الأوابد:الّتي قد تأبّدت،أي توحّشت و نفرت من الإنس.و قد أبدت تأبد و تأبد.

و تأبّدت الدّيار،أي توحّشت و خلت من قطّانها، و منه قولهم:جاء بآبدة،أي بكلمة أو خصلة ينفر منها و يستوحش.(1:8)

ابن سيده: الأبد:الدّهر؛و الجمع:آباد،و أبود.

و أبد أبيد،كقولهم:دهر دهير.

و لا أفعل ذلك أبد الأبيد،و أبد الآباد،و أبد الدّهر،و أبيد الأبيد،و أبد الأبديّة،و أبد الآبدين،ليست على النّسب، لأنّه لو كان كذلك لكانوا خلقاء أن يقولوا:الأبديّين،و لم نسمعه.و عندي أنّه جمع الأبد بالواو و النّون،على التّشنيع و التّعظيم،كما قالوا:أرضون.

و قالوا في المثل:«طال الأبد على لبد»يضرب ذلك لكلّ ما قدم.

و أبد بالمكان يأبد أبودا:أقام.و أبدت الوحش تأبد و تأبد أبودا،و تأبّدت:توحّشت.

و الأوابد،و الأبّد:الوحش؛الذّكر آبد،و الأنثى آبدة.و قيل:سمّيت بذلك لبقائها على الأبد قال الأصمعيّ:لم يمت وحشيّ حتف أنفه قطّ إنّما موته عن آفة،و كذلك الحيّة فيما زعموا.[ثمّ استشهد بشعر]

و الأبود:كالآبد.[ثمّ استشهد بشعر]

و تأبّدت الدّار:خلت من أهلها و صار فيها الوحش ترعاه.

و أتان آبد:وحشيّة.

و الآبدة:الدّاهية تبقى على الأبد.

و الآبدة:الكلمة أو الفعلة الغريبة.

و الإبد:الجوارح من المال،و هي الأمة و الفرس الأنثى و الأتان.

و قالوا:«لن يبلغ الجدّ النّكد،إلاّ الإبد»،يقول:لن يصل إليه فيذهب بنكده إلاّ المال الّذي يكون منه المال.و أبد عليه أبدا:غضب،كعبد.

و أبيدة:موضع.[ثمّ استشهد بشعر](9:385)

الآبد:واحد الأوابد و الأبّد،و هي الوحوش،لأنّها لم تمت حتف أنفها.

أبد الشّيء يأبد أبودا و تأبّد:نفر و توحّش،فهو آبد على«فاعل».

و فرس قيد الأوابد،أي يدرك الوحش و لا يكاد يفوته،لأنّه يمنعها المضيّ و الخلاص من الطّالب كما يمنعها القيد.

و قيل للألفاظ الّتي يدقّ معناها:أوابد؛لبعد وضوحها.(الإفصاح 2:814)

الطّوسيّ: الأبد:الزّمان المستقبل من غير آخر، كما أنّ«قطّ»للماضي،تقول:ما رأيته قطّ،و لا أراه أبدا و جمع الأبد:آباد و أبود.تقول:لا أفعل ذلك أبدا.

و تأبّد المنزل،إذا أقفر و أتى عليه الأبد.و الأوابد:

الوحش،سمّيت بذلك لطول أعمارها،و بقائها.

و قيل:لم يمت وحشيّ حتف أنفه و إنّما يموت بآفة.

و جاء فلان بآبدة،أي بداهية.و أتان أبد:تسكن القفر متأبّدة.

ص: 79

و الأبد:قطعة من الدّهر متتابعة في اللّغة.[ثمّ استشهد بشعر]

و من الدّليل على أنّ«الأبد»قطعة من الدّهر أنّه ورد مجموعا في كلامهم.[ثمّ استشهد بشعر]

و يقال:تأبّد الرّبيع،إذا مرّ عليه قطعة من الدّهر، و ليس يعنون أنّه مرّ عليه أبد لا غاية له.[ثمّ استشهد بشعر](5:226)

نحوه الطّبرسيّ.(3:64)

الأبد:الزّمان المستقبل من غير انتهائه إلى حدّ، و نظيره للماضي«قطّ»إلاّ أنّه مبنيّ كما بني«أمس» لتضمّنه حروف التّعريف،و أعرب«الأبد»كما أعرب «غد»لأنّ المستقبل أحقّ بالتّنكير.(5:314)

الرّاغب: الأبد عبارة عن مدّة الزّمان الممتدّ الّذي لا يتجزّأ كما يتجزّأ الزّمان،و ذلك أنّه يقال:زمان كذا، و لا يقال:أبد كذا.

و كان حقّه أن لا يثنّى و لا يجمع؛إذ لا يتصوّر حصول«أبد»آخر يضمّ إليه فيثنّى به،لكن قيل:آباد، و ذلك على حسب تخصيصه في بعض ما يتناوله كتخصيص اسم الجنس في بعضه،ثمّ يثنّى و يجمع.على أنّه ذكر بعض النّاس أنّ«آبادا»مولّد و ليس من كلام العرب العرباء.

و قيل:أبد أبد و أبيد،أي دائم،و ذلك على التّأكيد.

و تأبّد الشّيء:بقي أبدا،و يعبّر به عمّا يبقى مدّة طويلة.

و الآبدة:البقرة الوحشيّة،و الأوابد:الوحشيّات، و تأبّد البعير:توحّش فصار كالأوابد،و تأبّد وجه فلان:توحّش،و أبد كذلك،و قد فسّر بغضب.(8)

الحريريّ: من أوهام الخواصّ قولهم:«لا أكلّمه قطّ»و هو من أفحش الخطأ؛لتعارض معانيه و تناقض الكلام فيه،و ذاك أنّ العرب تستعمل لفظة«قطّ»فيما مضى من الزّمان كما تستعمل لفظة«أبدا»فيما يستقبل، فيقولون:ما كلّمته قطّ،و لا أكلّمه أبدا.(13)

الميبديّ: الأبد:الدّهر المستقبل من غير آخر، و جمع الأبد:آباد و أبيد،يقال:لا أفعل أبد الأبيد و أبد الآباد و أبد الآبدين.(4:105)

الزّمخشريّ: لا أفعله أبد الآباد،و أبد الأبيد،و أبد الآبدين.و تقول:رزقك اللّه عمرا طويل الآباد،بعيد الآماد.

و أبّدت الدّوابّ و تأبّدت:توحّشت،و هي أوابد و متأبّدات.

و فرس قيد الأوابد،و هي نفّر الوحوش.و قد تأبّد المنزل:سكنته الأوابد،و تأبّد فلان:توحّش.و طيور أوابد:خلاف القواطع.

و من المجاز:فلان مولع بأوابد الكلام،و هي غرائبه، و بأوابد الشّعر،و هي الّتي لا تشاكل جودة.[ثمّ استشهد بشعر]

و جئتنا بآبدة ما نعرفها.(أساس البلاغة:1)

ابن الأثير: [قال بعد نقله حديث رافع بن خديج (1):]

و منه حديث أمّ زرع:«فأراح عليّ من كلّ سائمة زوجين،و من كلّ آبدة اثنتين»،تريد أنواعا من ضروب الوحش.ّ.

ص: 80


1- قد تقدّم في قول الهرويّ.

و في حديث الحجّ:«قال له سراقة بن مالك:أ رأيت متعتنا هذه أ لعامنا أم للأبد؟فقال:بل هي للأبد»،و في رواية:«أ لعامنا هذا أم لأبد؟فقال:بل لأبد أبد»و في أخرى:«لأبد الأبد».و الأبد:الدّهر،أي هي لآخر الدّهر.(1:13)

عبد اللّطيف البغداديّ: تقول:ما كلّمته قطّ، و لا أكلّمه أبدا،لأنّ«قطّ»للماضي و«أبدا»للمستقبل.

(ذيل فصيح ثعلب:10)

الصّغانيّ: الإبدان:الأمة و الفرس،لأنّهما تأتيان كلّ عام بولد.

و أتان إبد:متوحّشة تسكن البيداء.

و ناقة إبدة بالهاء:إذا كانت ولودا.

و لا أفعله أبد الأبديّة،أي يد الدّهر.

و تأبّد وجهه:كلف.

و تأبّد الرّجل:طالت غربته.

و تأبّد،إذا قلّ أربه في النّساء،و ليس بتصحيف «تأبّل».(2:188)

الفيّوميّ: الأبد:الدّهر،و يقال:الدّهر الطّويل الّذي ليس بمحدود.

و أبد الشّيء،من بابي ضرب و قتل يأبد و يأبد أبودا:نفر و توحّش،فهو آبد...[ثمّ ذكر مثل ابن سيده]

(1:1)

الجرجانيّ: الأبد:هو استمرار الوجود في أزمنة مقدّرة غير متناهية في جانب المستقبل.كما أنّ«الأزل» استمرار الوجود في أزمنة مقدّرة غير متناهية في جانب الماضي.

و الأبد:مدّة لا يتوهّم انتهاؤها بالفكر و التّأمّل البتّة.و الأبد:هو الشّيء الّذي لا نهاية له.(2)

الفيروزآباديّ: الأبد،محرّكة:الدّهر،جمعه:آباد و أبود،و الدّائم،و القديم الأزليّ،و الولد الّذي أتت عليه سنة.

و لا آتيه أبد الأبديّة،و أبد الآبدين،و أبد الآبدين كأرضين،و أبد الأبد محرّكة،و أبد الأبيد،و أبد الآباد، و أبد الدّهر،و أبيد الأبيد بمعنى.

و الأوابد:الوحوش-لأنّها لم تمت حتف أنفها كالأبّد-،و الدّواهي،و القوافي الشّرّد.

و أبد كفرح:غضب و توحّش.

و أتان و أمة إبد كإبل و كتف و قنو:ولود.

و الإبد،بكسرتين:الأمة،و الأتان المتوحّشة.

و الإبدان:الأمة و الفرس.

و ناقة إبدة:ولود.

و الأبيد:نبات.و أبّدة كقبّرة:بلد.و مأبد كمسجد:

موضع.و غلط الجوهريّ فذكره في«م ي د»،و تصحّف عليه في الشّعر الّذي أنشده أيضا.

و تأبّد:توحّش،و المنزل:أقفر،و الوجه:كلف، و الرّجل:طالت غربته،و قلّ أربه في النّساء.

و أبدت البهيمة تأبد و تأبد:توحّشت.و بالمكان يأبد أبودا:أقام،و الشّاعر:أتى بالعويص في شعره، و ما لا يعرف معناه.

و ناقة مؤبّدة،إذا كانت وحشيّة معتاصة.

و التّأبيد:التّخليد.

و الآبدة:الدّاهية يبقى ذكرها أبدا.(1:283)

ص: 81

الطّريحيّ: الأبد:الدّهر،و الجمع:آباد،مثل سبب و أسباب.و الأبد:الدّهر الطّويل الّذي ليس بمحدود.

و إذا قلت:لا أكلّمه أبدا،فالأبد هو من لدن تكلّمت إلى آخر عمرك.

و التّأبيد:التّخليد،و منه:«اعمل لدنياك كأنّك تعيش أبدا»،أي مخلّدا إلى آخر الدّهر.

و الأبد:الدّوام،و منه:يجزي التّحرّي أبدا،أي دائما.

و أبد يأبد بالكسر،أبودا:أقام به.(3:5)

العامليّ: الأبد:هو المدّة و الأجل،و لعلّه يمكن تأويله فيما يناسب ممّا يأتي من تأويل الأجل،و اللّه يعلم.

(70)

الجزائريّ: الأبديّ و الأزليّ:قد فرّق بينهما،بأنّ الأبديّ:هو المصاحب لجميع الأزمنة محقّقة كانت أو مقدّرة في جانب المستقبل إلى غير النّهاية.و الأزليّ:هو المصاحب لجميع الثّابتات المستمرّة الوجود في الزّمان.(26)

الزّبيديّ: يقال:أبد آبد و أبيد،أي دائم.و قالوا في المثل:طال الأبد على لبد،يضرب لكلّ ما قدم.

الأوابد:الطّير المقيمة بأرض شتاءها و صيفها،من:

أبد بالمكان يأبد فهو آبد،فإذا كانت تقطع في أوقاتها فهي قواطع.و الأوابد:ضدّ القواطع من الطّير.(2:287)

المراغيّ: الأبد:الزّمن الممتدّ،و تأبّد الشّيء:بقي أبدا،و أبد بالمكان أبودا:أقام به و لم يبرحه.(6:26)

مجمع اللّغة: الأبد:الدّهر،و أبدا:ظرف زمان لاستغراق النّفي،أو الإثبات في المستقبل و استمراره، تقول:لا أكلّمه أبدا،أي من لدن تكلّمت إلى آخر عمرك،و سأظلّ في بلدي أبدا،أي لا أبرحها ما دمت حيّا.(1:1)

محمّد إسماعيل إبراهيم: أبد بالمكان:أقام أمدا طويلا،و أبّده:خلّده،و الأبد:دوام الوجود في المستقبل،و عكسه«الأزل»،و هو دوام الوجود في الماضي.

و الأبد:الدّهر،و أبدا:ظرف زمان للتّأكيد في المستقبل نفيا و إثباتا.(1:25)

المصطفويّ: الأصل الواحد في هذه المادّة هو امتداد الزّمان و طوله،و ليس في مفهومه قيد و لا حدّ، و إنّما يفهم الحدّ من جانب متعلّقاته،فهذه الكلمة تدلّ على امتداد مفهوم الجملة المتعلّقة بها على حسب اقتضائها.

و أمّا مفهوم التّوحّش فيستفاد منها إذا لم يكن في الجملة المتعلّقة بها اقتضاء الدّلالة على الامتداد و طول الزّمان؛بأن تكون محدودا معيّنا،فيرجع المعنى إلى التّوحّش،و هو خلاف الدّوام و الأبديّة؛فالدّوام يلازم الأمن و الثّبات و الاطمئنان،و إذا رفع الثّبات و الأمن يظهر التّوحّش و التّزلزل؛فالعلاقة بين المفهومين قريبة من التّضادّ.(1:6)

النّصوص التّفسيريّة

1- وَ لَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ... البقرة:95

الطّوسيّ: (أبدا)نصب على الظّرف،أي لم يتمنّوه

ص: 82

أبدا طول عمرهم،كقول القائل:لا أكلّمك أبدا،و إنّما يريد ما عشت.(1:358)

القرطبيّ: (أبدا):ظرف زمان يقع على القليل و الكثير،كالحين و الوقت،و هو هنا من أوّل العمر إلى الموت.(2:33)

أبو حيّان: ظاهره أنّ من ادّعى أنّ الجنّة خالصة له دون النّاس ممّن اندرج تحت الخطاب في قوله: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللّهِ خالِصَةً البقرة:94، لا يمكن أن يتمنّى الموت أبدا،و لذلك كان حرف النّفي هنا «لن»الّذي قد أدّعي فيه أنّه يقتضي النّفي على التّأبيد، فيكون قوله:(أبدا)على زعم من ادّعى ذلك للتّوكيد.

و أمّا من ادّعى أنّه بمعنى«لا»فيكون(أبدا)إذ ذاك مفيدا لاستغراق الأزمان،و يعني ب«الأبد»هنا، ما يستقبل من زمان أعمارهم.(1:311)

البروسويّ: أي في جميع الزّمان المستقبل؛لأنّ أبدا اسم لجميع مستقبل الزّمان ك«قطّ»لماضيه،و فيه دليل على أنّ«لن»ليس للتّأبيد؛لأنّهم يتمنّون الموت في الآخرة و لا يتمنّونه في الدّنيا.(1:184)

الآلوسيّ: و لن يتمنّوه ما عاشوا.(1:328)

2- ...خالِدِينَ فِيها أَبَداً... النّساء:122

ابن شهرآشوب: لا يناقضه قوله: لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً النّبأ:23؛لأنّ الأحقاب جمع،و الجمع لا غاية له،و ليس فيه أن لا يلبثوا أكثر من ذلك.(2:114)

3- قالُوا يا مُوسى إِنّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها... المائدة:24

الطّبريّ: يعنون بقولهم:(أبدا)أيّام حياتنا.

(6:179)

الزّمخشريّ: (أبدا)تعليق للنّفي المؤكّد بالدّهر المتطاول،(ما داموا فيها)بيان للأبد.(1:604)

أبو حيّان: قيّدوا أوّلا نفي الدّخول بالظّرف المختصّ بالاستقبال،و حقيقته التّأبيد،و قد يطلق على الزّمان المتطاول،فكأنّهم نفوا الدّخول طول الأبد،ثمّ رجعوا إلى تعليق ذلك بديمومة الجبّارين فيها،فأبدلوا زمانا مقيّدا من زمان هو ظاهر في العموم في الزّمان المستقبل، فهو بدل بعض من كلّ.(3:456)

البروسويّ: (أبدا)،أي دهرا طويلا،(ما داموا فيها)أي في أرضهم.و هو بدل من(أبدا)بدل البعض؛ لأنّ الأبد يعمّ زمن المستقبل كلّه،و دوام الجبّارين فيها بعض منه.(2:376)

مثله الآلوسيّ(6:108)،و رشيد رضا(6:334).

4- وَ لا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً...

التّوبة:84

الفخر الرّازيّ: يحتمل تأبيد المنفيّ،و المقصود هو الأوّل؛لأنّ قرائن هذه الآيات دالّة على أنّ المقصود منعه من أن يصلّي على أحد منهم منعا كلّيّا دائما.

(16:153)

5- لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً... التّوبة:108

القرطبيّ: (أبدا):ظرف زمان،و ظرف الزّمان على

ص: 83

قسمين:ظرف مقدّر كاليوم،و ظرف مبهم كالحين و الوقت.و الأبد من هذا القسم،و كذلك الدّهر.

و تنشأ هنا مسألة أصوليّة،و هي أنّ(أبدا)و إن كانت ظرفا مبهما لا عموم فيه،و لكنّه إذا اتّصل ب«لا»النّافية أفاد العموم،فلو قال:لا تقم،لكفى في الانكفاف المطلق.

فإذا قال:(أبدا)فكأنّه قال:في وقت من الأوقات و لا في حين من الأحيان.

فأمّا النّكرة في الإثبات إذا كانت خبرا عن واقع لم تعمّ،و قد فهم ذلك أهل اللّسان،و قضى به فقهاء الإسلام،فقالوا:لو قال رجل لامرأته:أنت طالق أبدا، طلقت طلقة واحدة.(8:258)

6- ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً الكهف:3

القرطبيّ: لا إلى غاية.(10:352)

البيضاويّ: بلا انقطاع.(2:4)

7- ...قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً الكهف:35

الكاشانيّ: (أبدا)لطول أمله و تمادي غفلته، و اغتراره بمهلته.(3:242)

8- وَ إِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً الكهف:57

الزّمخشريّ: مدّة التّكليف كلّها.(2:489)

مثله الآلوسيّ.(15:303)

أبو حيّان: تقييده بالأبديّة مبالغة في انتفاء هدايتهم.(6:140)

9-... وَ لا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً... النّور:4

الزّجّاج: قوله:(أبدا)،أي ما دام قاذفا،كما يقال:

لا تقبل شهادة الكافر أبدا،فإنّ معناه ما دام كافرا.

(القرطبيّ 12:181)

القرطبيّ: هذا يقتضي مدّة أعمارهم.

(12:181)

نحوه الآلوسيّ.(18:96)

10- يَعِظُكُمُ اللّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً... النّور:17

الزّمخشريّ: ما داموا أحياء مكلّفين.(3:55)

النّيسابوريّ: أي مدّة حياتكم.(18:78)

نحوه الآلوسيّ(18:122)،و الفخر الرّازيّ (23:181).

11- ...ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً... النّور:21

الكاشانيّ: آخر الدّهر.(3:426)

الآلوسيّ: لا إلى غاية.(18:124)

12- ...وَ بَدا بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَ الْبَغْضاءُ أَبَداً...

الممتحنة:4

القرطبيّ: أي هذا دأبنا معكم ما دمتم على كفركم.

(18:56)

مثله الآلوسيّ.(28:71)

13- ...وَ لا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً... الجمعة:7

البروسويّ: (أبدا):ظرف بمعنى الزّمان المتطاول لا

ص: 84

بمعنى مطلق الزّمان،و المراد به ما داموا في الدّنيا.

(9:518)

الأصول اللّغويّة

1-لمادّة«أ ب د»أصلان:الأوّل:التّوحّش، و الثّاني:طول المدّة.و يشتقّ من الأوّل:النّفور من الإنس،و خلوّ الدّار من أهلها،و الكلمة،أو الخصلة المنفّرة،و اللّفظ المبهم،أو القوافي الغريبة،و الغضب، و قلّة الأرب في النّساء.

و يشتقّ من الثّاني:الخلود و القدم،و طول الغربة أو العزوبة،و الإقامة بالمكان،و الدّاهية،و الولود من الإماء،و الأتن و النّياق،و الولد الّذي أتت عليه سنة.

و قد تمحّل بعضهم عند ما جعل الأصلين أصلا واحدا؛إذ علّقوا طول المدّة بالأمن و الثّبات،و جعلوا التّوحّش عارضا من عوارضها،يبرز عند انفكاك الأمن و الثّبات عنها.و لا شكّ أنّ التّكلّف يبدو جليّا في تخريجهم،و أقرب منه أن يقال:الأصل:طول المدّة، و الوحشة تابعة له،إذ قد يتوحّش من يمارسها،كما قد يتوحّش السّائر في طريق لا نهاية لها،ثمّ استعمل «الأبد»في اللاّزم نقلا عن الأصل مجازا،ثمّ صار حقيقة.

2-و في الأبد قولان:أحدهما:الدّهر مطلقا؛سواء كان جزء من الدّهر أم الدّهر جزء منه.و الآخر:الدّهر الطّويل الّذي ليس بمحدود.و استدلّ من جزّأ الأبد بجمعه،و استدلّ من لم يجزّئه بعدم وروده مجزّأ؛فلا يقال:

أبد كذا،كما يقال:زمان كذا.و من قال بعدم محدوديّته جعله مقابل«الأزل».

3-و نقل الرّاغب عن قوم لم يسمّهم أنّهم قالوا:إنّ آبادا-جمع أبد-مولّد؛و كأنّه تبنّى هذا القول،على الرّغم من تعارضه مع ما قال به المتقدّمون،و ما ورد في الشّعر الجاهليّ،كما أشرنا في النّصوص.و لعلّ الرّاغب هو مبتدع هذه القالة،ليقوّي مذهبه القائل بعدم جواز تجزئة الأبد،و لعلّ مردّ هذا الزّعم إلى كون آباد يوافق إحدى مفردات اللّغة الفارسيّة لفظا.

و لا يصحّ التّذرّع بهذا السّبب و إلاّ كان تعسّفا في اللّغة؛لاحتمال توافق المفردات في الألسن المختلفة لفظا و تباينها معنى،كما في لفظ آبار جمع بئر،فهو يوافق مفردة في الفارسيّة في اللّفظ دون المعنى.[لاحظ دهخدا]

4-و يترادف«الأبد»مع ألفاظ كثيرة،أقربها إلى معناه:الدّهر و الزّمان و الدّوام و الخلود و السّرمد و الأمد.و لكنّه يفترق عنها جميعا بكونه زمانا معلوم الحدّ على الصّحيح،و امتدادا للأزل.فالدّهر أوقات متوالية مختلفة غير متناهية،و الزّمان أوقات متوالية مختلفة أو غير مختلفة،و الدّوام استمرار البقاء في جميع الأوقات، يقال:إنّ اللّه لم يزل دائما،و لا يزال دائما،و الخلود استمرار البقاء من وقت مبتدإ،لا يقال:إنّ اللّه خالد، و السّرمد اتّباع الشّيء الشّيء دون فصل،يقال:شربته سرمدا مبرّدا،و الأمد مدّة مجهولة عند الإطلاق،معلومة عند التّقييد،يقال:أمد كذا كما يقال:زمان كذا.

و قد عدّ الجزائريّ لفظي«الأبديّ»و«الأزليّ»من المرادفات،و أثبتها في جملة الألفاظ ذات الفروق في اللّغة.و هما ليسا كذلك؛لأنّهما من النّقائض و الأضداد، كالعلم و الجهل و قطّ و أبدا.

ص: 85

5-و«أبدا»،في الأصل مصدر،ثمّ نقل إلى الظّرفيّة و استعمل في الزّمان المستقبل المبهم نفيا و إثباتا.فمثال النّفي قوله تعالى: لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً التّوبة:108، و مثال الإثبات قول عليّ عليه السّلام:«اعمل لدنياك كأنّك تعيش أبدا».

الاستعمال القرآنيّ

اشارة

و يلاحظ أوّلا:ورد لفظ«أبدا»في القرآن«14»مرّة منفيّا،و«14»مرّة أيضا مثبتا.

و ثانيا:ففي النّفي ورد مع(لن)«6»مرّات،و مع(لا) «6»مرّات،و مع(ما)مرّتين؛على النّحو الآتي:

مع(لن):

وَ لَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ

البقرة:95

إِنّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها

المائدة:24

فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً التّوبة:83

وَ لَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً الكهف:20

فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً الكهف:57

بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَ الْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً الفتح:12

مع(لا):

وَ لا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً التّوبة:84

لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى

التّوبة:108

فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَ لا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً النّور:4

وَ لا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً

الأحزاب:53

لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَ لا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً الحشر:11

وَ لا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ

الجمعة:7

مع(ما):

قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً الكهف:35

وَ لَوْ لا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً النّور:21

و فيها بحوث:

أ-و يلاحظ أنّ(أبدا)ورد في النّفي دائما تأكيدا للنّهي،أو النّفي في الأمور الّتي تستقبح و تستهجن،دون أن يرد في موضع مستحسن واحد.

ب-و استعمل(أبدا)في آيتين منفيّتين تتحدّثان في شأن اليهود،فنفيت إحداهما ب(لن)و الاخرى ب(لا)، و هما:

وَ لَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَ اللّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ البقرة:95

وَ لا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَ اللّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ الجمعة:7

و لا نرى وجها لتغاير أداتي النّفي في الآيتين إلاّ أنّ (لن)فيها من التّأكيد و الشّدّة ما ليس في(لا)،كما قد جاءت الآية الأولى عقيب ادّعائهم أنّ الدّار الآخرة-

ص: 86

أي الجنّة-لهم وحدهم دون سائر النّاس،و جاءت الثّانية عقيب زعمهم أنّهم أولياء للّه من دون النّاس.

و لا شكّ أنّ تأكيد اليهود و إصرارهم على هذين الادّعاءين لهو بمثابة دعم لهما.

و قد عرض القرآن دعواهم الأولى بقوله: إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الْآخِرَةُ... البقرة:94،و عرض دعواهم الثّانية بقوله: إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلّهِ... الجمعة:6،فالدّعوة الأولى أشدّ و أعتى من الثّانية،و لذا جاء الجواب موافقا لها في الشّدّة و العتوّ،كما هو الحال في سورة البقرة؛إذ الرّدّ على اليهود في آياتها آكد و أعنف منه في آيات الجمعة.ثمّ عقّب على دعواهم في البقرة: وَ لَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ وَ مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا... البقرة:96،و عقّب على دعواهم في الجمعة: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ... الجمعة:8،فيلحظ بين الأسلوبين بون شاسع.

و جاء في البحر المحيط(1:311)نقلا عن المنتخب ما نصّه:«إنّما قال هنا-أي في سورة البقرة:97-: وَ لَنْ يَتَمَنَّوْهُ، و في الجمعة:7: وَ لا يَتَمَنَّوْنَهُ لأنّ دعواهم هنا أعظم من دعواهم هناك؛لأنّ السّعادة القصوى فوق مرتبة الولاية،لأنّ الثّانية تراد لحصول الأولى.و(لن) أبلغ في النّفي من(لا)فجعلها لنفي الأعظم.و انظر أيضا روح المعاني(28:96)و روح البيان(9:518-519) و الكشّاف(4:103)و البحر المحيط(8:267).

ج-و إنّ الجمع بين(لن)و(أبدا)في الآيات السّتّ الأولى لا يعني إلاّ شدّة التّأكيد و الإحكام،و ليس فيه دلالة على أنّ(لن)بمعنى(لا)كما قيل؛لأنّ هذا يعني نقضا للغرض الّذي أوجب الجمع بينهما.

و ثالثا:أمّا في الإثبات فقد ورد(أبدا)مع اسم الفاعل جمعا منكّرا منصوبا على الحال«12»مرّة،و مع الفعل مرّتين.

و فيها بحوث:

أ-ورد مع(خالدين)في شأن أهل الجنّة في «8»آيات،و مع أهل النّار في«3»آيات كما يلي:

مع أهل الجنّة:

خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ

النّساء:57

خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللّهِ حَقًّا وَ مَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً النّساء:122

خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ المائدة:119

خالِدِينَ فِيها أَبَداً إِنَّ اللّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ

التّوبة:22

خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ

التّوبة:100

خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ

التّغابن:9

خالِدِينَ فِيها أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللّهُ لَهُ رِزْقاً

الطّلاق:11

خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ البيّنة:8

مع أهل النّار:

إِلاّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَ كانَ ذلِكَ

ص: 87

عَلَى اللّهِ يَسِيراً النّساء:169

خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَ لا نَصِيراً

الأحزاب:65

فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً

الجنّ:23

ب-و ورد مع(ماكثين)في شأن أهل الجنّة:

أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً* ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً الكهف:2،3.

ج-و يلاحظ أنّ(أبدا)ورد في شأن أهل الجنّة «9»مرّات،و في شأن أهل النّار«3»مرّات،فتكون النّسبة بينهما كنسبة 3-9.و هذا فضل منه تعالى و رحمة.

د-و ورد مع غير(خالدين)و(ماكثين)في الآيتين التّاليتين:

يَعِظُكُمُ اللّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً النّور:17

وَ بَدا بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَ الْبَغْضاءُ أَبَداً

الممتحنة:4

ه-و لا يخفى أنّ بالإمكان تأويل الآيتين المذكورتين إلى النّفي؛فتقدير الآية الأولى:يعظكم اللّه أن لا تعودوا لمثله أبدا،و تقدير الآية الثّانية:و لم يبد بيننا و بينكم الصّداقة و المحبّة أبدا.

و رابعا:و خلص الفخر الرّازي إلى نتيجة،و هي أنّ ذكر الثّواب في القرآن مرهون بذكر الخلود و التّأبيد معا، و ذكر عقاب الفسّاق مرهون بذكر الخلود دون التّأبيد.

و لكنّ هذا الأمر يتطلّب استقراء تامّا في آيات الثّواب و العقاب.أمّا في شأن الكفّار فقد جاء في الآيات الثّلاث الخلود مع التّأبيد.

و خامسا:و ذهب الفخر و غيره إلى أنّ ذكر«الأبد» مع«الخلود»دليل على عدم دلالة الخلود على الدّوام و إلاّ فهو تكرار.و نحن نرى أنّ التّكرار حسن إذا أريد به التّأكيد و التّشديد،فلا دلالة فيه إذا على ما ذكر.

و سادسا:و ورد(أبدا)ظرفا منكّرا مفردا في جميع القرآن على الرّغم من وروده معرّفا بالألف و اللاّم في غير القرآن كما في حديث متعة الحجّ:«...أ لعامنا هذا أم للأبد؟فقال صلّى اللّه عليه و آله:بل هي للأبد».و ورد أيضا جمعا كما تقدّم في النّصوص،فهل في ذلك نكتة بلاغيّة؟نعم،لأنّها تدلّ على عدم التّناهي و إدراك المدى سواء في الدّار الآخرة أو في الدّنيا،بخلاف المعرّف باللاّم.

و سابعا:و ورد لفظ(أبدا)بلا حدّ و قيد غالبا،و قليلا ما جاء مقيّدا.و يدور الإطلاق أو التّقييد حول مدار اللّفظ أو السّياق،فلربّما يستفاد من السّياق حدّ دون لفظ:

فالتّقييد لفظا مثل: إِنّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها المائدة:24، وَ بَدا بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَ الْبَغْضاءُ أَبَداً حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللّهِ وَحْدَهُ الممتحنة:4.

و التّقييد من السّياق مثل: فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً الكهف:57،أي مدّة التّكليف،و أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً النّور:17،أي ما داموا أحياء مكلّفين،كما تقدّم في الكشّاف.

و ثامنا:و أفاد كتاب الإعجاز العدديّ(3:117)أنّ لفظ«المصير»جاء في القرآن بصوره الثّلاث:المصير، مصيرا،مصيركم،«28»مرّة،و بنفس العدد لكلّ من لفظي«أبدا»و«اليقين»و مشتقّاته.فكأنّ هذا التّماثل العدديّ لهذه الألفاظ الثّلاثة يوحي إلينا بأنّ المصير أبديّ يقينيّ لا مناص منه و لا محيص عنه.

ص: 88

إبراهيم

اشارة

لفظ واحد،69 مرّة:32 مكّيّة،37 مدنيّة

في 25 سورة:17 مكّيّة،8 مدنيّة

النّصوص اللّغويّة

ابن عبّاس: إبراهيم:بلغة توافق السّريانيّة.

(اللّغات في القرآن:18)

سيبويه: أمّا إبراهيم،و إسماعيل،و إسحاق، و يعقوب،و هرمز،و فيروز،و قارون،و فرعون، و أشباه هذه الأسماء فإنّها لم تقع في كلامهم إلاّ معرفة، على حدّ ما كانت في كلام العجم،و لم تمكّن في كلامهم كما تمكّن الأوّل،[أي ما ذكره قبل هذه الأسماء]و لكنّها وقعت معرفة،و لم تكن من أسمائهم العربيّة، فاستنكروها و لم يجعلوها بمنزلة أسمائهم العربيّة، كنهشل و شعثم،و لم يكن شيء منها قبل ذلك اسما يكون لكلّ شيء من أمّة،فلمّا لم يكن فيها شيء من ذلك استنكروها في كلامهم.(3:235)

إن حقّرت إبراهيم قلت:بريهيم تحذف الألف،فإذا حذفتها صار ما بقي يجيء على مثال«فعيعيل».

(3:446)

المبرّد: تصغير إبراهيم:أبيره؛و ذلك لأنّ الألف من الأصل،لأنّ بعدها أربعة أحرف أصول،و الهمزة لا تلحق بنات الأربعة زائدة في أوّلها،و ذلك يوجب حذف آخره كما يحذف من سفرجل،فيقال:سفيرج.و كذلك القول في إسماعيل و إسرافيل.(الجوهريّ 5:1871)

جمع إبراهيم:أباره و أباريه.(القيسيّ 1:73)

الجوهريّ: البرهمة:إدامة النّظر،و سكون الطّرف.

[ثمّ استشهد بشعر]

و إبراهيم:اسم أعجميّ،و فيه لغات:إبراهام، و إبراهم،و إبراهم،بحذف الياء.[ثمّ استشهد بشعر]

(5:1871)

أبو العلاء المعرّيّ: إبراهيم اسم قديم ليس بعربيّ.(الجواليقيّ:61)

الطّوسيّ: في إبراهيم خمس لغات:إبراهيم،

ص: 89

و إبراهام،و إبراهم،و إبراهم،بإسقاط الياء و تعاقب الحركات الثّلاث عليه.(2:319)

الجواليقيّ: قد تكلّمت به العرب على وجوه؛ فقالوا:إبراهيم و هو المشهور،و إبراهام،و إبراهم على حذف الياء،و إبرهم.[ثمّ استشهد بشعر](61)

الكرمانيّ: إبراهيم مشتقّ من البرهمة،و هي شدّة النّظر.(السّيوطيّ 4:69)

ابن الجوزيّ: في إبراهيم ستّ لغات:

إحداها:إبراهيم،و هي اللّغة الفاشية.

و الثّانية:إبراهم.

و الثّالثة:إبراهم.

و الرّابعة:إبراهم.

و الخامسة:إبراهام.

و السّادسة:إبرهم.(1:139)

الخازن: إبراهيم اسم أعجميّ،و معناه أب رحيم.

(1:88)

أبو حيّان: إبراهيم اسم علم أعجميّ.قيل:و معناه بالسّريانيّة-قبل النّقل إلى العلميّة-أب رحيم،و فيه لغى ستّ:إبراهيم بألف و ياء و هي الشّهيرة المتداولة، و بألف مكان الياء،و بإسقاط الياء مع كسر الهاء أو فتحها أو ضمّها،و بحذف الألف و الياء و فتح الهاء.[ثمّ استشهد بشعر](1:372)

الفيروزآباديّ: إبراهيم اسم أعجميّ،و فيه لغات:إبراهام،و إبراهوم،و إبراهم،و إبراهم،و إبراهيم، و أبرهم،و إبرهم،و الجمع:أباره و أباريه و أبارهة و براهم و براهيم و براهمة و براه.و تصغيره:بريه،و قيل:أبيره، و قيل:بريهم.

و أكثر المحقّقين على هذا أنّه اسم جامد غير مشتقّ.

و قال بعض المتكلّفين:إنّه اسم مركّب من البراء و البرء و البراءة،و من الهيمان و الوهم و الهمّة،فقالوا:

بريء من دون اللّه،فهام قلبه بذكر اللّه.

و قال بعضهم:برأ من علّة الزّلّة،فهمّ بالحلول في محلّة الخلّة.

و قيل:برأه اللّه في قالب القربة،فهمّ بصدق النّيّة إلى ملكوت الهمّة.

و قال:بعضهم:«إب»بالسّريانيّة معناه الأب،و «راهيم»معناه الرّحيم،فمعناه أب رحيم.

(بصائر ذوي التّمييز 6:32)

رشيد رضا: كان اسم إبراهيم«أبرام»بفتح الهمزة،و قالوا:إنّ معناه أبو العلاء،فهو مركّب من كلمة أب العربيّة السّاميّة مضافة إلى ما بعدها.

و في سفر التّكوين:إنّ اللّه تعالى ظهر له في سنّ التّاسعة و التّسعين من عمره،و كلّمه و جدّد عهده له بأن يكثّر نسله،و يعطيه أرض كنعان(فلسطين)ملكا أبديّا، و سمّاه لذرّيّته«إبراهيم»بدل«أبرام».

و قالوا:إنّ معنى إبراهيم:أبو الجمهور العظيم،أي أبو الأمّة.و هو بمعنى تبشير اللّه تعالى إيّاه بتكثير نسله من إسماعيل و من إسحاق عليه السّلام.

و لا ينافي ذلك كسر همزته،فقد علم أنّ أصلها الفتح،و أنّ«إب»المكسورة في إبراهيم هي«أب» المفتوحة في أبرام.فالجزء الأوّل منه عربيّ،و الثّاني كلدانيّ،أو من لغة أخرى من فروع السّاميّة أخوات

ص: 90

العربيّة،الّتي هي أعظمها و أوسعها،حتّى جعلها بعض علماء اللّغات هي الأصل و الأمّ لسائر تلك الفروع السّاميّة،كالعبريّة و السّريانيّة.

و ذكر رواة العربيّة في هذا الاسم سبع لغات عن العرب،و هي:إبراهيم،و إبراهام،و إبراهوم،و إبراهم مثلّثة الهاء،و أبرهم بفتح الهاء بلا ألف.

و صرّح بعضهم بأنّه سريانيّ الأصل ثمّ نقل، و بعضهم بأنّ معناه:أب راحم،أو رحيم.و على هذا يكون جزءاه عربيّين بقلب حائه هاء،كما يقلبها جميع الأعاجم الّذين لا ينطقون بالحاء المهملة كالإفرنج، و تركيبه مزجيّ.(7:534)

هوتسما: هو إبراهام المذكور في الكتاب المقدّس، و ورد في القرآن أنّه ابن آزر،و هذا الاسم مشتقّ فيما يظهر من اسم خادمه«اليعازر».[لاحظ آزر]

(1:25)

المصطفويّ: قد استعمل هذا الاسم في تسعة و ستّين موردا في القرآن الكريم.

و ليعلم أنّ هذه الكلمة و أمثالها المأخوذة من اللّغات الأعجميّة إذا تصرّف فيها بالإبدال أو التّغيير أو التّخفيف في التّلفّظ،تصير عربيّة،و يقال:إنّها معرّبة.

فإذا قيل:إنّها أعجميّة فهي بهذا الاعتبار-باعتبار الأصل-و معلوم أنّ أغلب اللّغات العربيّة مأخوذة من العبريّة و السّريانيّة،و هذا لا ينافي استقلال اللّغة و أصالتها،فإنّ اللّغات كالتّكوينيّات لها مراحل مترتّبة و سير تكامليّ،و إنّما يتنوّع و يتشخّص كلّ شيء بالحدود و الفصول فالإنسان له أصالة و استقلال و هو نوع خاصّ مستقلّ،و إن صحّ أن يقال:إنّه نوع كامل و مترتّبة مترقّية من الحيوان أو الجماد.فكلّ لغة أجنبيّة وردت في العربيّة-بتصرّف خاصّ-فهي عربيّة.(1:8)

النّصوص التّفسيريّة

1- وَ إِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ...

البقرة:124

ابن خالويه: من العرب من يقول إبراهام،و كذلك قرأ ابن عامر.

و ذلك أنّ إبراهيم اسم أعجميّ،فإذا عرّبته العرب فإنّها تخالف بين ألفاظه.و منهم من يقول:إبرهم بغير ألف.[ثمّ استشهد بشعر](4)

أبو زرعة: قرأ ابن عامر (إبراهام) بألف،كلّ ما في سورة البقرة،و في النّساء بعد المائة،و في الأنعام حرفا واحدا(ملّة إبراهام)و في التّوبة بعد المائة(إبراهام)و في سورة إبراهيم(إبراهام)و في النّحل و مريم كلّها(إبراهام) و في العنكبوت الثّاني(إبراهام)و عسق(إبراهام)و في سور المفصّل كلّها(إبراهام)إلاّ في سورة المودّة [الممتحنة] (إِلاّ قَوْلَ إِبْراهِيمَ) بالياء،و في سبّح (صُحُفِ إِبْراهِيمَ) ،و ما بقي في جميع القرآن بالياء.

و حجّته في ذلك أنّ كلّ ما وجده بألف قرأ بألف، و ما وجده بالياء قرأ بالياء اتّباع المصاحف.

و اعلم أنّ«إبراهيم»اسم أعجميّ دخل في كلام العرب،و العرب إذا أعربت اسما أعجميّا تكلّمت فيه بلغات،فمنهم من يقول:إبراهام،و منهم من يقول:

أبرهم.[ثمّ استشهد بشعر](113)

ص: 91

الماورديّ:تفسيره بالسّريانيّة أب رحيم.

(القرطبيّ 2:96)

البغويّ: قرأ ابن عامر (إبراهام) بالألف في بعض المواضع،و هو ثلاثة و ثلاثون موضعا،جملته تسعة و تسعون موضعا (1).و هو اسم أعجميّ،و لذلك لا يجري عليه الصّرف.(1:88)

نحوه الخازن.(1:88)

الميبديّ: إبراهيم:اسم سريانيّ،و معناه أب رحيم،فحوّلت الحاء هاء-كما قيل في:مدحته و مدهته- و قيل:معناه بريء من الأصنام،و هام إلى ربّه؛لقوله تعالى: إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي الصّافّات:99.

(1:346)

ابن عطيّة: إبراهيم بالعربيّة:أب رحيم.

(القرطبيّ 2:96)

السّهيليّ: إبراهيم:معناه أب راحم.(1:12)

الفخر الرّازيّ:قرأ ابن عامر (إبراهام) بألف بين الهاء و الميم،و الباقون (إبراهيم) ،و هما لغتان.

و قرأ ابن عبّاس و أبو حيوة رضي اللّه عنه (إبراهيم ربّه) برفع إبراهيم و نصب ربّه،و المعنى أنّه دعاه بكلمات من الدّعاء فعل المختبر،هل يجيبه اللّه تعالى إليهنّ أم لا؟

(4:40)

نحوه البيضاويّ.(1:80)

القرطبيّ: قراءة العامّة(إبراهيم)بالنّصب،(ربّه) بالرّفع،على ما ذكرنا.و روي عن جابر بن زيد أنّه قرأ على العكس،و زعم أنّ ابن عبّاس أقرأه كذلك.

و المعنى دعا إبراهيم ربّه و سأل،و فيه بعد؛لأجل الباء في قوله:(بكلمات).(2:96،97)

النّيسابوريّ: (إبراهيم)بالنّصب،(ربّه)بالرّفع هو المشهور.و هذه الصّورة ممّا يجب فيه تأخير الفاعل و إزالته عن مركزه الأصليّ،فإنّه لو قدّم الفاعل و قد اتّصل به ضمير المفعول،لزم الإضمار قبل الذّكر لفظا.

و عن ابن عبّاس و أبي حنيفة:رفع(إبراهيم)و نصب (ربّه)،فالمعنى أنّه دعاه بكلمات من الدّعاء فعل المختبر، هل يجيب اللّه تعالى إليهنّ أم لا؟(1:435)

الفيروزآباديّ: قد ذكر اللّه سبحانه إبراهيم بالتّعريض و التّصريح في كتابه بخمسين اسما،منه:

1-المبتلى بقوله: وَ إِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ البقرة:124.

2-المتمّ بقوله: فَأَتَمَّهُنَّ البقرة:124.

3-الإمام بقوله: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِماماً البقرة:124.

4-المطهّر بقوله: وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ الحجّ:26.

5-الرّافع بقوله: وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ البقرة:127.

6-الحنيف و المسلم بقوله: حَنِيفاً مُسْلِماً آل عمران:67.

7-الصّالح بقوله: وَ إِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ البقرة:130.

8-المطمئنّ: وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي البقرة:260.

9-الأمّة و القانت: أُمَّةً قانِتاً لِلّهِ النّحل:120.ن.

ص: 92


1- الصّحيح:تسع و ستّون.

10-الشّاكر و المجتبى و المهديّ: شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَ هَداهُ النّحل:121.

11-الرّائي: رَأى كَوْكَباً الأنعام:76.

12-البريء: إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ الأنعام:

78.

13-المتوجّه إلى اللّه: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ الأنعام:79.

14-الحليم،و الأوّاه،و المنيب،بقوله: إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوّاهٌ مُنِيبٌ هود:75.

15-المتبرّئ عمّا دون اللّه: تَبَرَّأَ مِنْهُ التّوبة:114.

16-المبشّر: وَ بَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ الصّافّات:112.

17-البعل و الشّيخ: وَ هذا بَعْلِي شَيْخاً هود:72.

18-المبارك: وَ بَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ هود:73.

19-المضيف: وَ نَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الحجر:51.

20-المذكور: وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ مريم:41.

21-الصّدّيق و النّبيّ: إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا مريم:41.

22-الرّشيد وَ لَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ الأنبياء:51.

23-الفتى: سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ الأنبياء:60.

24-الوافي: وَ إِبْراهِيمَ الَّذِي وَفّى النّجم:37.

25-الطّامع: أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي الشّعراء:82.

26-وارث الجنّة: وَ اجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ الشّعراء:85.

27-أبو الملّة: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ الحجّ:78.

28-مؤذّن الحجّ: وَ أَذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ الحجّ:27.

29-سقيم الحبّ: إِنِّي سَقِيمٌ الصّافّات:89.

30-شيعة الأنبياء: وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ الصّافّات:83.

31-الذّاهب إلى اللّه: إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي الصّافّات:99.

32-المهاجر إلى ربّه: إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي العنكبوت:26.

33-منادى الحقّ: وَ نادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ الصّافّات:104.

35-المحسن: إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ الصّافّات:105.

36-المؤمن: إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ الصّافّات:81.

37-المرسل: وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَ إِبْراهِيمَ الحديد:26.

38-الحامد: اَلْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ إبراهيم:39.

39-الموهوب له: وَ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ نافِلَةً الأنبياء:72.

40-الخليل و إبراهيم: وَ اتَّخَذَ اللّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً

ص: 93

النّساء:125.

ذكر اللّه تعالى إبراهيم باسمه في بضع و خمسين[بل «69»]موضعا من الكتاب العزيز منها:

نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ الأنعام:75.

قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَ تَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً الأنعام:74.

وَ تِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ الأنعام:83.

وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى البقرة:125.

وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ البقرة:127.

وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى البقرة:260.

وَ مَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ البقرة:130.

فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ آل عمران:95.

وَ وَصّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ البقرة:132.

ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَ لا نَصْرانِيًّا آل عمران:67.

إِنَّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا آل عمران:68.

فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ النّساء:54.

رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى هود:69.

فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ هود:74.

يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا هود 76.

وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً إبراهيم:35.

هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ الذّاريات:24.

وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ مريم:41.

آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ الأنبياء 51.

بَرْداً وَ سَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ الأنبياء:69.

وَ إِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ الحجّ:26.

وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ الشّعراء:69.

وَ نادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ الصّافّات:104.

سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ الصّافّات:109.

وَ ما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ الشّورى:13.

أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ الممتحنة:4.

صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى الأعلى:19.

وَ اتَّخَذَ اللّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً النّساء:125.

قالوا:و كان لإبراهيم عليه السّلام في طريق الحقّ عشر مقامات نال بها غاية المرامات:

الأوّل:مقام الطّلب: هذا رَبِّي الأنعام:76.

الثّاني:مقام الدّعوة: وَ أَذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجِّ الحجّ:27.

الثّالث:مقام الفضيلة: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى البقرة:125.

الرّابع:مقام الفقر و الفاقة: رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ إبراهيم:40.

الخامس:مقام النّعمة: وَ الَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَ يَسْقِينِ الشّعراء:79.

السّادس:مقام المغفرة: وَ الَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي الشّعراء:82.

ص: 94

السّادس:مقام المغفرة: وَ الَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي الشّعراء:82.

السّابع:مقام المحبّة: أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى البقرة:260.

الثّامن:مقام المعرفة: وَ اجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ الشّعراء:84.

التّاسع:مقام الهيئة: إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوّاهٌ حَلِيمٌ التّوبة:114.

العاشر:مقام الوراثة: وَ اجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ الشّعراء:85.

و في هذا المقام حصل له الاستغناء عن الواسطة و الوسيلة،فقال:حسبي من سؤاله علمه بحالي.[ثمّ ذكر أبياتا بمعناها](بصائر ذوي التّمييز 6:32)

محمّد إسماعيل إبراهيم: يعرف إبراهيم عليه السّلام بخليل اللّه،و بأبي الأنبياء،لأنّ من ذرّيّته أنبياء كثيرين.

و قد آتاه اللّه سبحانه صحفا سمّيت في سورتي«النّجم، و الأعلى»(صحف إبراهيم)و دعا إلى الحنيفيّة،الّتي تدعو إلى التّوحيد،و هي المذكورة في قوله تبارك و تعالى:

ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَ لا نَصْرانِيًّا وَ لكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ آل عمران:67.

(1:25)

2- ...مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ... الحجّ:78.

عبد الجبّار: ربّما قيل في قوله تعالى: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ كيف يصحّ ذلك و لغة العرب صادرة عن إسماعيل؟

و جوابنا:أنّ المراد المعنى دون نفس الاسم،فكأنّه وصفهم بتمسّكهم بالملّة،و بأنّهم من أهل الثّواب،و هو المفهوم من وصفنا لهم بأنّهم مسلمون و مؤمنون.(275)

الرّازي: إن قيل:كيف قال تعالى: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ و إبراهيم صلوات اللّه عليه لم يكن أبا للأمّة كلّها؟

قلنا:هو أبو رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم،فكان أبا لأمّته،لأنّ أمّة الرّسول بمنزلة أولاده من جهة العطف و الشّفقة،هذا إن كان الخطاب لعامّة المسلمين.و إن كان للعرب خاصّة،فإبراهيم أبو العرب قاطبة.(236)

3- صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى الأعلى:19.

أبو حيّان: قرأ الجمهور(إبراهيم)بألف و بياء و الهاء مكسورة،و أبو رجاء بحذفهما و الهاء مفتوحة مكسورة معا،و أبو موسى الأشعريّ و ابن الزّبير(إبراهام)بألف في كلّ القرآن،و مالك بن دينار(إبراهم)بألف و فتح الهاء و بغير ياء،و عبد الرّحمن بن أبي بكرة(إبراهم) بكسر الهاء،و بغير ياء في جميع القرآن.(8:460)

مثله الآلوسيّ.(30:111)

النّصوص التّاريخيّة

الإمام الصّادق عليه السّلام: إنّ إبراهيم كان مولده ب«كوثى ربّا» (1)و كان أبوه من أهلها،و كانت أمّه و أمّ لوط صلّى اللّه عليهما سارة و ورقة-في نسخة رقية- أختين،و هما ابنتان ل«لا حج»،و كان اللاّحج نبيّا منذرا

ص: 95


1- كما في معجم البلدان 4:487.

و لم يكن رسولا،و كان إبراهيم عليه السّلام في شبيبته على الفطرة الّتي فطر اللّه عزّ و جلّ الخلق عليها حتّى هداه اللّه تبارك و تعالى إلى دينه و اجتباه.

و أنّه تزوّج سارة ابنة لا حج (1)،و هي ابنة خالته، و كانت سارة صاحبة ماشية كثيرة و أرض واسعة و حال حسنة،و كانت قد ملّكت إبراهيم عليه السّلام جميع ما كانت تملكه،فقام فيه و أصلحه،و كثرت الماشية و الزّرع حتّى لم يكن بأرض«كوثى ربّا»رجل أحسن حالا منه.

و إنّ إبراهيم عليه السّلام لمّا كسّر أصنام نمرود أمر به نمرود، فأوثق و عمل له«حيرا»و جمع له فيه الحطب و ألهب فيه النّار،ثمّ قذف إبراهيم عليه السّلام في النّار لتحرقه،ثمّ اعتزلوها حتّى خمدت النّار،ثمّ أشرفوا على الحير؛فإذا هم بإبراهيم عليه السّلام سليما مطلقا من وثاقه،فأخبر نمرود خبره، فأمرهم أن ينفوا إبراهيم من بلاده،و أن يمنعوه من الخروج بماشيته و ماله.

فحاجّهم إبراهيم عليه السّلام عند ذلك،فقال:إن أخذتم ماشيتي و مالي فإنّ حقّي عليكم أن تردّوا عليّ ما ذهب من عمري في بلادكم،و اختصموا إلى قاضي نمرود فقضى على إبراهيم أن يسلّم إليهم جميع ما أصاب في بلادهم،و قضى على أصحاب نمرود أن يردّوا على إبراهيم عليه السّلام ما ذهب من عمره في بلادهم.فأخبر ذلك نمرود فأمرهم أن يخلّوا سبيله و سبيل ماشيته و ماله و أن يخرجوه،و قال:إنّه إن بقي في بلادكم أفسد دينكم و أضرّ بآلهتكم،فأخرجوا إبراهيم و لوطا معه من بلادهم إلى الشّام.

فخرج إبراهيم و معه لوط لا يفارقه و سارة،و قال لهم: إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ الصّافّات:99، يعني بيت المقدس،فتحمّل إبراهيم عليه السّلام بماشيته و ماله، و عمل تابوتا و جعل فيه سارة و شدّ عليها الأغلاق غيرة منه عليها،و مضى حتّى خرج من سلطان نمرود،و صار إلى سلطان رجل من القبط يقال له:«عرارة»فمرّ بعاشر له،فاعترضه العاشر ليعشر ما معه،فلمّا انتهى إلى العاشر و معه التّابوت،قال العاشر لإبراهيم:افتح هذا التّابوت حتّى نعشر ما فيه،فقال له إبراهيم:قل ما شئت فيه من ذهب أو فضّة حتّى نعطي عشره و لا تفتحه، قال:فأبى العاشر إلاّ فتحه،قال:و غضب إبراهيم على فتحه،فلمّا بدت له سارة و كانت موصوفة بالحسن و الجمال،قال له العاشر:ما هذه المرأة منك؟قال إبراهيم:هي حرمتي و ابنة خالتي،فقال العاشر:فما دعاك إلى أن خبيتها في هذا التّابوت؟فقال إبراهيم:

الغيرة عليها أن يراها أحد،فقال له العاشر:لست أدعك تبرح حتّى أعلم الملك حالها و حالك.

قال:فبعث رسولا إلى الملك فأعلمه،فبعث الملك رسولا من قبله ليأتوه بالتّابوت،فأتوا ليذهبوا به.فقال لهم إبراهيم عليه السّلام:إنّي لست أفارق التّابوت حتّى تفارق روحي جسدي،فأخبروا الملك بذلك،فأرسل الملك أن احملوه و التّابوت معه،فحملوا إبراهيم و التّابوت و جميع ما كان معه حتّى أدخل على الملك.

فقال له الملك:افتح التّابوت،فقال له إبراهيم:

أيّها الملك إنّ فيه حرمتي و بنت خالتي و أنا مفتد فتحه بجميع ما معي،قال:فغضب الملك إبراهيم على فتحه،ج.

ص: 96


1- و الظّاهر ابنة ابنة لا حج.

فلمّا رأى سارة لم يملك حلمه سفهه أن مدّ يده إليها، فأعرض إبراهيم عليه السّلام بوجهه عنها و عن الملك غيرة منه، و قال:«اللّهمّ احبس يده عن حرمتي و ابنة خالتي»فلم تصل يده إليها و لم ترجع إليه،فقال له الملك:إنّ إلهك هو الّذي فعل بي هذا،فقال له:نعم،إنّ إلهي غيور يكره الحرام،و هو الّذي حال بينك و بين ما أردت من الحرام، فقال له الملك:فادع إلهك يردّ عليّ يدي فإن أجابك فلم أعرض لها،فقال إبراهيم عليه السّلام:«إلهي ردّ عليه يده ليكفّ عن حرمتي»،قال:فردّ اللّه عزّ و جلّ عليه يده.

فأقبل الملك نحوها ببصره،ثمّ عاد بيده نحوها فأعرض إبراهيم عنه بوجهه غيرة منه،و قال:«اللّهمّ احبس يده عنها»،قال:فيبست يده و لم تصل إليها؛ فقال الملك لإبراهيم:إنّ إلهك لغيور و إنّك لغيور،فادع إلهك يردّ عليّ يدي،فإنّه إن فعل لم أعد،فقال له إبراهيم:أسأله ذلك على أنّك إن عدت لم تسألني أن أسأله؟فقال له الملك:نعم،فقال إبراهيم:«اللّهمّ إن كان صادقا فردّ عليه يده»فرجعت إليه يده.

فلمّا رأى ذلك الملك من الغيرة ما رأى،و رأى الآية في يده،عظّم إبراهيم عليه السّلام و هابه و أكرمه و اتّقاه،و قال له:قد أمنت من أن أعرض لها أو لشيء ممّا معك، فانطلق حيث شئت،و لكن لي إليك حاجة،فقال له إبراهيم عليه السّلام:ما هي؟فقال له:أحبّ أن تأذن لي أن أخدمها قبطيّة عندي جميلة عاقلة تكون لها خادما،قال:

فأذن له إبراهيم فدعا بها فوهبها لسارة و هي هاجر أمّ إسماعيل عليه السّلام.

فسار إبراهيم عليه السّلام بجميع ما معه،و خرج الملك معه يمشي خلف إبراهيم إعظاما لإبراهيم و هيبة له.فأوحى اللّه عزّ و جلّ إلى إبراهيم:أن قف و لا تمش قدّام الجبّار المتسلّط و يمشي هو خلفك،و لكن اجعله أمامك و امش خلفه و عظّمه وهبه،فإنّه مسلّط و لا بدّ من إمرة في الأرض برّة أو فاجرة،فوقف إبراهيم عليه السّلام و قال للملك:

امض فإنّ إلهي أوحى إليّ السّاعة أن اعظّمك و أهابك و أن أقدّمك أمامي و أمشي خلفك إجلالا لك،فقال له الملك:أوحى إليك بهذا؟فقال له إبراهيم عليه السّلام نعم،قال له الملك:أشهد أنّ إلهك لرفيق حليم كريم و إنّك ترغّبني في دينك،و ودّعه الملك.

فسار إبراهيم حتّى نزل بأعلى الشّامات،و خلّف لوطا في أدنى الشّامات،ثمّ إنّ إبراهيم عليه السّلام لمّا أبطئ عليه الولد قال لسارة:لو شئت لبعتني هاجر لعلّ اللّه أن يرزقنا منّا ولدا فيكون لنا خلفا،فابتاع إبراهيم هاجر من سارة،فولدت إسماعيل.(العروسيّ 4:416)

كان سبب وفاة إبراهيم عليه السّلام أنّه أتاه ملك الموت ليقبضه،فكره إبراهيم،فرجع ملك الموت إلى ربّه، فقال:إنّ إبراهيم كره الموت،فقال:دع إبراهيم فإنّه يحبّ أن يعبدني،حتّى رأى إبراهيم شيخا يأكل و يخرج منه ما يأكل،فكره الحياة و أحبّ الموت،فأتى داره،فإذا فيها أحسن صورة،ما رآها قطّ،قال:من أنت؟قال:

أنا ملك الموت.[إلى أن قال:]و قبض إبراهيم عليه السّلام بالشّام.الرّاونديّ(قصص الأنبياء:113)

الطّبريّ: هو إبراهيم بن تارخ بن ناحور بن ساروغ ابن أرغو بن فالغ بن عابر بن شالخ بن قينان بن أرفخشذ ابن سام بن نوح.

ص: 97

و اختلف في الموضع الّذي كان منه،و الموضع الّذي ولد فيه،فقال بعضهم:كان مولده بالسّوس من أرض الأهواز.و قال بعضهم:كان مولده ببابل من أرض السّواد.و قال بعضهم:كان بالسّواد بناحية«كوثى».

و قال بعضهم:كان مولده ب«الوركاء»بناحية الزّوابي و حدود«كسكر»ثمّ نقله أبوه إلى الموضع الّذي كان به نمرود من ناحية كوثى.و قال بعضهم:كان مولده ب«حرّان»و لكنّ أباه تارخ نقله إلى أرض بابل.

و قال عامّة السّلف من أهل العلم:كان مولد إبراهيم في عهد نمرود بن كوش.و يقول عامّة أهل الأخبار:كان نمرود عاملا للأزدهاق الّذي زعم بعض من زعم أنّ نوحا عليه السّلام كان مبعوثا إليه على أرض بابل و ما حولها.[ثمّ ذكر ما حاصله:]

1-أنّ آزر رجل من أهل كوثى من قرية بالسّواد -سواد الكوفة-و كان معاصرا لنمرود الخاطئ الّذي يقال له:الهاصر،و كان ملكه قد أحاط بمشارق الأرض و مغاربها،و كان ببابل.

2-إنّ نمرود هو الضّحّاك نفسه،و إنّ إبراهيم خليل الرّحمن ولد في زمانه،و إنّه صاحبه الّذي أراد إحراقه.

3-إنّ أصحاب النّجوم أتوا نمرود،فقالوا له:تعلم أنّا نجد في علمنا أنّ غلاما يولد في قريتك هذه يقال له:

إبراهيم،يفارق دينكم و يكسّر أوثانكم في شهر كذا و كذا من سنة كذا و كذا.

4-ولادة إبراهيم و وضعه أمّه في المغارة و نموّه و رشده و تفكّره في خلق السّماوات و الأرض،و رؤيته كوكبا و قمرا و شمسا،و أفولها،فقال: يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ* إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ حَنِيفاً وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. الأنعام:78، 79،و كسره الأصنام و محاجّته نمرود،و رمي إبراهيم في النّار،و برد النّار على إبراهيم.

5-و بعد ما صنع اللّه به آمن لوط و كان ابن أخيه، و هو لوط بن هاران بن تارخ،و هاران هو أخو إبراهيم، و كان لهما أخ ثالث يقال له:ناحور بن تارخ.

6-دعوة إبراهيم أباه آزر إلى دينه،فقال: يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَ لا يُبْصِرُ وَ لا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً مريم:42،فأبى أبوه الإجابة إلى ما دعاه إليه.و برأ إبراهيم من قومه عبدة الأصنام.

7-خروج إبراهيم مهاجرا إلى ربّه،و زواج إبراهيم ابنة عمّه سارة حتّى نزل«حرّان»،ثمّ خروجه منها مهاجرا حتّى قدم مصر و بها فرعون من الفراعنة،و ذكر ما جرى بينه و بين فرعون،و إهداء فرعون هاجر لسارة.

8-ما قال إبراهيم كذبا إلاّ في ثلاث:[و كلّها تورية]

1-قوله: إِنِّي سَقِيمٌ الصّافّات:89،و لم يكن به سقم.

2-قوله: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ الأنبياء:63.

3-قوله لفرعون حين سأله عن سارة:من هذه المرأة معك؟قال:أختي.

9-خروج إبراهيم من مصر إلى الشّام،و نزوله بئر السّبع من أرض فلسطين و هي برّيّة الشّام،و نزول لوط بالمؤتفكة،و هي من بئر السّبع مسيرة يوم و ليلة، و حفره البئر و بنيانه مسجدا،و أذى أهل السّبع إبراهيم

ص: 98

حتّى خرج منها،و نزل بناحية من فلسطين بين الرّملة و إيليا ببلد يقال له:قط أو قط.

10-ضيافة إبراهيم كلّ من نزل به،و كان اللّه قد أوسع عليه و بسط له في المال و الرّزق و الخدم.

11-بشارة الملائكة بأن أعطاه اللّه ولدا:

فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَ مِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ هود:71.

12-بناء إبراهيم البيت و موضع البيت.

13-إسكان إبراهيم إسماعيل و أمّه عند البيت و انصرافه إلى أهله بالشّام.

14-استئذان إبراهيم سارة أن يأتي هاجر و إسماعيل،و مجيئه مكّة حين كان إسماعيل قد خرج للصّيد و لقاؤه زوجة إسماعيل.ثمّ مجيء إبراهيم مرّة ثانية و لقاؤه زوجة إسماعيل الّتي تزوّجها إسماعيل بعد طلاق زوجته الأولى.

15-ابتلاء إبراهيم بذبح ابنه،و اختلاف العلماء في أنّ الذّبيح هل هو إسماعيل أو إسحاق؟

(تاريخ الأمم و الملوك 1:162)

الثّعلبيّ: اختلف العلماء في الموضع الّذي ولد فيه، فقال بعضهم:كان مولده بالسّوس[إلى أن قال:]قال السّدّيّ:رأى نمرود في منامه كأنّ كوكبا طلع،فذهب بضوء الشّمس و القمر حتّى لم يبق لهما ضوء،ففزع من ذلك فزعا شديدا،و دعا السّحرة و الكهنة و القافة،و هم الّذين يخطّون في الأرض،و سألهم عن ذلك،فقالوا:هو مولود يولد في ناحيتك هذه السّنة يكون هلاكك و هلاك أهل بيتك على يديه،فأمر نمرود بذبح كلّ غلام يولد في تلك النّاحية تلك السّنة،و أمر بعزل الرّجال عن النّساء، و جعل على كلّ عشر رجلا رقيبا أمينا،فإذا حاضت المرأة خلّى بينه و بينها إذا أمن المواقعة،فإذا طهرت عزل الرّجل عنها.فرجع آزر أبو إبراهيم،فوجد امرأته قد طهرت من الحيض،فوقع عليها في طهرها فحملت بإبراهيم عليه السّلام.

قال محمّد بن إسحاق: بعث نمرود إلى كلّ امرأة حبلى بقريته،فحبسها عنده إلاّ ما كان من أمّ إبراهيم،فإنّه لم يعلم بحبلها،و ذلك أنّها كانت جارية حديثة السّنّ لم تعرف الحبل،و لم يبن في بطنها.

قال السّدّيّ:خرج نمرود بالرّجال إلى العسكر، و نحّاهم عن النّساء تخوّفا من ذلك المولود أن يكون، فمكث كذلك ما شاء اللّه،ثمّ بدت له حاجة إلى المدينة، فلم يأتمن عليها أحدا من قومه إلاّ آزر فدعاه،و قال له:

إنّ لي إليك حاجة أحبّ أنّي أوصيك بها،و لم أبعثك إلاّ لثقتي بك،فأقسمت عليك أن لا تدنو من أهلك و لا تواقعها،فقال آزر:أنا أشحّ على ديني من ذلك، فأوصاه بحاجته،ثمّ بعثه فدخل المدينة و قضى حاجته، ثمّ قال:لو دخلت إلى أهلي فنظرت إليهم،فلمّا نظر إلى أمّ إبراهيم لم يتمالك حتّى وقع عليها،فحملت بإبراهيم عليه السّلام.

قال ابن عبّاس:لمّا حملت أمّ إبراهيم عليه السّلام قال الكهّان لنمرود:إنّ الغلام الّذي أخبرناك به قد حملت به امّه هذه اللّيلة،فأمر نمرود بذبح الغلمان.فلمّا دنت ولادة أمّ إبراهيم و أخذها المخاض خرجت هاربة مخافة أن يطّلع عليها فيقتل ولدها،فوضعته في نهر يابس،ثمّ لفّته في خرقة و وضعته في حلفاء و رجعت،فأخبرت زوجها

ص: 99

بابنها،و أنّها قد ولدت،و أنّ الولد في موضع كذا.

فانطلق أبوه فأخذه من ذلك المكان،و حفر له سردابا عند نهر،فواراه و سدّ عليه بابه بصخرة مخافة السّباع.

و كانت أمّه تختلف إليه فترضعه.

قال السّدّيّ: لمّا عظم بطن أمّ إبراهيم خشي آزر أن يذبح فانطلق بها إلى أرض بين الكوفة و البصرة،يقال لها:«وركاء»فأنزلها في سرب من الأرض،و جعل عندها ما يصلحها،و جعل يتعهّدها و يكتم ذلك من أصحابه،فولدت إبراهيم عليه السّلام في ذلك السّرب،فشبّ فكان و هو ابن سنة كابن ثلاث سنين،و صار من الشّباب بحالة أسقطت عنه طمع الذبّاحين،ثمّ ذكر آزر لأصحابه أنّ له ابنا كبيرا فانطلق به إليهم.

قال ابن إسحاق: و كان آزر سأل أمّ إبراهيم عن حملها ما فعل،فقالت:ولدت غلاما فمات،فصدّقها و سكت عنها،و كان اليوم على إبراهيم في الشّباب كالشّهر،و الشّهر كالسّنة،فلم يمكث إبراهيم عليه السّلام في المغارة إلاّ خمسة عشر يوما حتّى جاء إلى أبيه آزر، فاخبره أنّه ابنه و أخبرته بما كانت صنعت في شأنه، فسرّ آزر بذلك و فرح فرحا شديدا.

[ثمّ ذكر بابين:الباب الأوّل:في خروج إبراهيم من السّرب،و رجوعه إلى قومه و محاجّته إيّاهم في الدّين، و إلقائهم إيّاه في النّار،و ما يتعلّق بذلك.

الباب الثّاني:في ذكر مولد إسماعيل و إسحاق، و نزول إسماعيل و أمّه هاجر الحرم،و قصّة بئر زمزم.]

(44)

ابن كثير: هو إبراهيم بن تارخ«250»بن ناحور «148»بن ساروغ«230»بن راعو«239»بن فالغ «439»بن عابر«464»بن شالخ«433»بن أرفخشذ «438»بن سام«600»بن نوح عليه السّلام.هذا نصّ أهل الكتاب في كتابهم،و قد أعلمت على أعمارهم تحت أسمائهم بالهنديّ،كما ذكروه من المدّة،و قدّمنا الكلام على عمر نوح عليه السّلام،فأغنى عن إعادته.

و حكى الحافظ ابن عساكر في ترجمة إبراهيم الخليل من تاريخه عن إسحاق بن بشر الكاهليّ صاحب كتاب المبتدأ:أنّ اسم أمّ إبراهيم«أميلة»ثمّ أورد عنه في خبر ولادتها له حكاية طويلة.و قال الكلبيّ:اسمها«بونا» بنت كربنا بن كوثى من بني أرفخشذ بن سام بن نوح.

روى ابن عساكر من غير وجه عن عكرمة أنّه قال:كان إبراهيم عليه السّلام يكنّى أبا الضّيفان،قالوا:و لمّا كان عمر تارخ خمسا و سبعين سنة ولد له إبراهيم و ناحور و هاران،و ولد لهاران لوط.و عندهم أنّ إبراهيم هو الأوسط،و أنّ هاران مات في حياة أبيه في أرضه الّتي ولد فيها،و هي أرض الكلدانيّين،يعنون:أرض بابل.

و هذا هو الصّحيح المشهور عند أهل السّير و التّواريخ و الأخبار.

و صحّح ذلك الحافظ ابن عساكر بعد ما روى من طريق هشام بن عمّار عن الوليد عن سعيد بن عبد العزيز عن مكحول عن ابن عبّاس،قال:ولد إبراهيم بغوطة دمشق في قرية يقال لها:برزة،في جبل يقال له:

قاسيون.ثمّ قال:و الصّحيح أنّه ولد ببابل.و إنّما نسب إليه هذا المقام لأنّه صلّى فيه؛إذ جاء معينا للوط عليه السّلام.

قالوا:تزوّج إبراهيم سارة،و ناحور ملكا ابنة هاران

ص: 100

-يعنون بابنة أخيه-قالوا:و كانت سارة عاقرا لا تلد، و انطلق تارخ بابنه إبراهيم و امرأته سارة و ابن أخيه لوط ابن هاران،فخرج بهم من أرض الكلدانيّين إلى أرض الكنعانيّين،فنزلوا حرّان،فمات فيها تارخ و له مائتان و خمسون سنة.و هذا يدلّ على أنّه لم يولد بحرّان،و إنّما مولده بأرض الكلدانيّين،و هي أرض بابل و ما والاها.

[إلى أن قال:]و كلّ من كان على وجه الأرض كانوا كفّارا سوى إبراهيم الخليل و امرأته و ابن أخيه لوط،و كان الخليل عليه السّلام هو الّذي أزال اللّه به تلك الشّرور و أبطل به ذلك الضّلال،فإنّ اللّه سبحانه و تعالى آتاه رشده في صغره و أبعثه رسولا،و اتّخذه خليلا في كبره.[ثمّ ذكر ما حاصله:]

1-مناظرة إبراهيم الخليل مع الملك الجبّار المتمرّد الّذي ادّعى لنفسه الرّبوبيّة،فأبطل الخليل دليله،و بيّن كثرة جهله و قلّة عقله و ألجمه الحجّة،و أوضح له طريق الحجّة.

2-هجرة الخليل إلى بلاد الشّام ثمّ إلى الدّيار المصريّة و استقراره في الأرض المقدّسة.

3-مولد إسماعيل عليه السّلام.

4-مهاجرة إبراهيم مع ابنه إسماعيل و أمّه هاجر إلى جبال فاران-و هي أرض مكّة-و بناؤه البيت العتيق.

5-قصّة الذّبح و الذّبيح.

6-مولد إسحاق.

7-ثناء اللّه و رسوله الكريم على عبده و خليله إبراهيم: وَ إِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِماماً قالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ البقرة:124.

8-قصره في الجنّة:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم:«إنّ في الجنّة قصرا-أحسبه قال-:من لؤلؤة ليس فيه فصم و لا و هي؛أعدّه اللّه لخليله إبراهيم نزلا».

9-صفة إبراهيم:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم:«رأيت عيسى بن مريم و موسى و إبراهيم؛فأمّا عيسى فأحمر جعد عريض الصّدر،و أمّا موسى فآدم جسيم»قالوا له:فإبراهيم؟قال:«انظروا إلى صاحبكم»،يعني نفسه.

10-وفاة إبراهيم و ما قيل في عمره.

11-أولاد إبراهيم الخليل:أوّل من ولد له إسماعيل من هاجر القبطيّة المصريّة،ثمّ ولد له إسحاق من سارة بنت عمّ الخليل،ثمّ تزوّج بعدها قنطورا بنت يقطن الكنعانيّة،فولدت له ستّة:مدين،و زمران،و سرج، و يقشان،و نشق،و لم يسمّ السّادس.ثمّ تزوّج بعدها حجون بنت أمين فولدت له خمسة:كيسان،و سورج، و أميم،و لوطان،و ناقس.(البداية و النّهاية 1:139)

الفيروزآباديّ: قال المؤرّخون:هاجر إبراهيم عليه السّلام من العراق إلى الشّام،و بلغ عمره مائة و خمسا و سبعين سنة،و قيل:مائتي سنة،و دفن بالأرض المقدّسة.و قبره مقطوع به أنّه في تلك المربعة،و لا يقطع بقبر نبيّ و مكانه غير قبر نبيّنا محمّد صلّى اللّه عليه و سلّم،و مكان قبر إبراهيم عليه السّلام.

و روينا في الصّحيحين قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم:«اختتن إبراهيم عليه السّلام و هو ابن ثمانين سنة».

و في الصّحيحين مرفوعا:«أوّل الخلائق يكسى يوم

ص: 101

القيامة إبراهيم عليه السّلام».

و في صحيح مسلم:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم:«حين أسري بي و رأيت إبراهيم و أنا أشبه ولد به».

و فيه أيضا:أنّ رجلا قال للنّبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم:يا خير البريّة.قال صلّى اللّه عليه و سلّم:«ذاك إبراهيم»،و هذا محمول على التّواضع؛لقوله صلّى اللّه عليه و سلّم:«أنا سيّد ولد آدم».

و عند البخاريّ عن ابن عبّاس قال:كان آخر قول إبراهيم حين ألقي في النّار:«حسبي اللّه و نعم الوكيل».

و في الصّحيحين في حديث الإسراء و رؤيته الأنبياء،و أنّه رأى إبراهيم في السّماء السّادسة و أنّه رآه مسندا ظهره إلى بيت المعمور.

و روينا في الموطّأ عن سعيد بن المسيّب قال:كان إبراهيم النّبيّ عليه السّلام أوّل النّاس ضيّف الضّيف،و أوّل النّاس اختتن،و أوّل النّاس قصّ شاربه،و أوّل النّاس رأى الشّيب،فقال:يا ربّ ما هذا؟فقال اللّه تعالى:

وقار،فقال:يا ربّ زدني وقارا.و روينا في تاريخ دمشق بزيادة«و أوّل من استحدّ و قلّم أظفاره».

عن ابن مسعود قال:قال رسول اللّه:لقيت إبراهيم عليه السّلام ليلة أسري بي فقال:يا محمّد أقرئ أمّتك منّي السّلام و أخبرهم أنّ الجنّة طيّبة التّربة،عذبة الماء، و أنّها قيعان،و أنّ غراسها:سبحان اللّه،و الحمد للّه،و لا إله إلاّ اللّه،و اللّه أكبر.قال التّرمذي:حديث حسن.

و في تاريخ دمشق:ولد إبراهيم بغوطة دمشق بقرية يقال لها:برزة.هكذا في هذه الرّواية.و الصّحيح أنّه ولد بكوثى من أرض العراق بإقليم بابل،و إنّما نسب إليه هذا للمقام ببرزة،لأنّه صلّى فيه لمّا جاء معينا للوط عليه السّلام.

و في التّاريخ المذكور:أنّ أبا إبراهيم آزر كان من أهل حرّان،و أنّ أمّ إبراهيم اسمها بونا،و قيل:نونا،و أنّ نمروذ حبسه سبع سنين،ثمّ ألقاه في النّار،و أنّه كان يدعى أبا الضّيفان،و تجارته كانت في البرّ،و أنّ النّار لم تنل منه إلاّ وثاقه لتنطلق يداه.و لمّا قال اللّه تعالى: يا نارُ كُونِي بَرْداً وَ سَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ الأنبياء:69،بردت النّار في ذلك الوقت على أهل المشرق و المغرب،و أنّ جبرئيل مرّ به حين ألقي في الهواء،فقال:يا إبراهيم أ لك حاجة؟فقال:

أمّا إليك فلا.

و عن عليّ رضي اللّه عنه:أنّ البغال كانت تتناسل، و أنّها كانت أسرع الدّوابّ في نقل الحطب لنار إبراهيم فدعا عليها فقطع اللّه نسلها.

و عن الحسن البصريّ في قوله تعالى: وَ إِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ البقرة:124.

قال:ابتلاه بالكوكب فوجده صابرا،و ابتلاه بالقمر فوجده صابرا،و ابتلاه بالشّمس فوجده صابرا،ثمّ ابتلاه بالنّار فوجده صابرا،ثم ابتلاه بذبح ولده فوجده صابرا.

و عن مجاهد:أنّ إبراهيم و إسماعيل حجّا ماشيين.

و عنه في قوله تعالى: ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ الذّاريات:24،إكرامهم،أنّه خدمهم بنفسه.

و في حديث مرفوع أنّه كان من أغير النّاس.و كان سبب وفاة إبراهيم أنّه أتاه ملك في صورة شيخ كبير يضيّفه،و كان يأكل و يسيل طعامه على لحيته و صدره،

ص: 102

فقال إبراهيم:يا عبد اللّه ما هذا؟قال:بلغت الكبر الّذي يكون صاحبه هكذا،قال:و كم أتى عليك؟قال مائتا سنة،و لإبراهيم يومئذ مائتا سنة،فكره الحياة لئلاّ يصير إلى هذه الحال،فمات بلا مرض.

قال بعض العلماء:توفّي إبراهيم و داود و سليمان عليهم السّلام فجأة،و كذلك موت الصّالحين،و هو تخفيف على المؤمن المراقب.(بصائر ذوي التّمييز 6:36)

رشيد رضا: إبراهيم هو الاسم العلم لخليل الرّحمن،أبي الأنبياء الأكبر من بعد نوح عليهم الصّلاة و السّلام،و يؤخذ من سفر التّكوين-و هو السّفر الأوّل من أسفار العهد العتيق-أنّه العاشر من أولاد سام بن نوح،و أنّه ولد في أور الكلدانيّين و هي بلدة من بلاد الكلدان،و«أور»بضمّ الهمزة و سكون الواو،و معناها في الكلدانيّة النّور أو النّار،كما قالوا.قيل:هي البلدة المعروفة الآن باسم«أورفاء»في ولاية حلب،كما رجّح بعض المؤرّخين.و قيل:غيرها من البلاد الواقعة في جزيرة العراق بين النّهرين.

و في أقطار العالم القديم بلاد و مواقع كثيرة مبدوءة أسماؤها بكلمة«أور»واقعة مع ما بعدها موقع المضاف من المضاف إليه،و أشهرها«أورشليم»لمدينة القدس، قالوا:إنّ معناها ملك السّلام،أو إرث السّلام ف«شليم» بالعبريّة هي السّلام بالعربيّة،و في بعض التّواريخ أنّه من قرية اسمها«كوثى»من سواد الكوفة.(7:534)

البستانيّ: هو إبراهيم بن تارح الملقّب بالخليل، من نسل سام بن نوح عليهما السّلام،فكان اسمه أبرام و أخواه ناحور و هاران.و هو جدّ العبرانيّين و العرب المستعربة من ابنه إسماعيل عليه السّلام،و غيرهما من الأمم القديمة،و في التّوراة تاريخ حياته.

و كان من سكّان البادية،بسيط المعيشة،شديد العزم،كريما محبّا للحرّيّة،عارفا بأصول الحرب،مبغضا للغزوات و السّلب،متمسّكا بعرى التّقوى و الطّاعة للّه تعالى،و أكثر أخباره متعلّقة بالمواعيد الّتي نالها: إِنَّ اللّهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ آل عمران:33.

ولد في سنة 1996 قبل الميلاد في أور الكلدانيّين في الجهة الشّرقيّة من البلاد الواقعة بين النّهرين.و ألهم تغيير عبادة بيت أبيه ببدل الأصناميّة بعبادة اللّه الأحد و إلى ترك بلاده،فأتى و سكن حرّان في غربيّ البلاد الواقعة بين النّهرين إلى أن مات تارح.«راجع سفر الأعمال،الإصحاح السّابع».

ثمّ ألهم الخروج من حرّان،و كان قد بلغ من السّنّ السّبعين،و أخذ لوطا معه و تاه في البوادي سنين كثيرة، و في أثنائها ذهب إلى مصر بسبب جوع بليت به البلاد.

و بعد ذلك قسّم الأرض بينه و بين لوط،فاختار لوط قسما منها و ترك له أرض كنعان،فسكن عند بلّوطة ممرا.

فولدت له هناك هاجر إسماعيل عليه السّلام،و بعد ولادته بثلاث عشرة سنة وعد بولادة إسحاق،و كان قد بلغ سنّ«99».و سمّي إبراهيم،و امرأته ساراي سمّيت «سارة»و أمر بالختان.

و بعد ولادة إسحاق طرد هاجر و ابنها،و بعد موت سارة تزوّج زوجة أخرى اسمها قطورة،و ولدت له أولادا.

ص: 103

أمّا الميعاد فعقد لإسحاق بالتّخصيص و إن كان أولاده الثّمانية أجداد أمم كثيرة فإنّه صرفهم عنه.

و مات إبراهيم بعد أن بلغ من السّنّ«175»سنة، و دفنه إسحاق و إسماعيل في مغارة المكفيلة في حقل عفرون بن صوحر الحثّي الواقع قبالة«ممرا»و موقعه في مدينة حبرون القديمة المسمّاة الآن ب«الخليل»و قد بني جامع في ذلك المكان.

أمّا نسله فهم الإسرائيليّون و العرب المستعربة و أولادهم الشّرق و أخصّهم المادّيّون،و ربّما كان العمونيّون و الموآبيّون أيضا منه.

و لا يلزم أن نطيل الشّرح عن أخباره و ما حدث له في الحروب و في مصر،فإنّ تفاصيل ذلك ترى في الإصحاح الحادي عشر من سفر التّكوين إلى نهاية الإصحاح،و ما يتبعه من الإصحاحات.

و في الإصحاح العشرين من سفر الأيّام دعي إبراهيم خليل اللّه في العدد السّابع،و هذا نصّه:

أ لست أنت إلهنا الّذي طردت سكّان هذه الأرض من أمام شعبك إسرائيل و أعطيتها لنسل إبراهيم خليلك إلى الأبد.

و قد سمّي بهذا الاسم في سفر أشعيا(الإصحاح 41 عدد 8)و في غيره.و تفصيلات تاريخه تطلب في باب العين من«العبرانيّون».(1:244)

محمّد إسماعيل إبراهيم:يعرف إبراهيم عليه السّلام بخليل اللّه،و بأبي الأنبياء،لأنّ من ذرّيّته أنبياء كثيرين، و قد آتاه اللّه سبحانه صحفا سمّيت في سورتي النّجم و الأعلى صُحُفِ إِبْراهِيمَ و دعا إلى الحنيفيّة،الّتي تدعو إلى التّوحيد،و هي المذكورة في قوله تبارك و تعالى: ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَ لا نَصْرانِيًّا وَ لكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ آل عمران:67.

ولد إبراهيم عليه السّلام بأرض بابل منذ آلاف السّنين، و هو من سلالة سام بن نوح،و كان أهل بابل يعبدون الكواكب و الأصنام،و يؤلّهون ملكهم نمرود بن كنعان، و كان آزر والد إبراهيم ينحت الأوثان لقومه،و يتولّى خدمتها.

و نشأ إبراهيم سليم العقيدة بعيدا عن الزّيغ و قد آتاه اللّه رشده فمقت الأوثان و حارب عبادتها،و دعا إلى نبذها و إلى عبادة اللّه الواحد الأحد،و بيّن لقومه أنّها لا تنفع و لا تضرّ،و لكنّهم أبوا و أصرّوا على ضلالهم، فانتهز إبراهيم فرصة عيد لهم خرجوا فيه للتّنزّه،و دلف إلى أوثانهم فحطّمها.فأمر الملك بحرقه،و لكن عناية اللّه تعالى حفظته من النّار المستعرة الّتي ألقوه فيها،و اضطرّ إلى الفرار من قومه،و هاجر هو و زوجته سارة إلى أرض الشّام،ثمّ إلى مصر،فأراد فرعون الاستحواذ على زوجته فصانها اللّه منه،فأطلق سراحها،و أهدى إليها جارية اسمها هاجر لخدمتها،ثمّ رحل إبراهيم إلى فلسطين،و أقام بها مع زوجته.

و لمّا كبر إبراهيم و لم يرزق الولد من زوجته سارة، وهبته جاريتها هاجر،فأنجبت له ولده إسماعيل عليه السّلام، و قد رحل إبراهيم بهاجر و ولدها إلى مكّة؛حيث كان موضع البيت الحرام فوق ربوة حمراء،فاتّخذ عليها إبراهيم مسكنا لهاجر،و تفجّرت عين زمزم إكراما لهما.

و قد زار إبراهيم مكّة مرّتين،و في المرّة الثّانية أمره

ص: 104

اللّه ببناء البيت،و ساعده ابنه إسماعيل في بنائه،و في ذلك يقول تبارك و تعالى: وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْماعِيلُ البقرة:127،و بينما هما منهمكان في عملهما هذا جاءهما جبريل،و أوصاهما بأداء فريضة الحجّ.

و يذكر بعض مؤرّخي العرب بعض القصص في هذا الصّدد،مضمونها:أنّ اللّه تعالى أمر آدم بإعادة بناء الكعبة في وادي مكّة الّتي كانت الملائكة قد شادتها فيه قبل خلق الانسان،و حينما طغى الطّوفان و طوى في لجّته كلّ ما على الأرض،رفعت الكعبة إلى السّماء حتّى إذا غاض الماء أعاد بناءها في مكانها السّابق إبراهيم و إسماعيل،و لمّا شاخ إبراهيم،و عجزت زوجته سارة و قد بلغت سنّ اليأس،أنعم اللّه عليهما و ولدت إسحاق عليه السّلام،و من ذرّيّته بنو إسرائيل.(25)

هاكس:أبرام أو إبراهيم:الأب الأكبر،و هو الّذي سمّي فيما بعد بأبراهام،أي أبو جماعة كثيرة،و يعتبر الأب الأكبر لليهود و بني إسرائيل و سائر القبائل العربيّة.

و أبوه هو ترخ أو تارخ أخو ناحور و حاران،من نسل سام بن نوح.

و ولد إبراهيم عام«1996»قبل الميلاد تقريبا في إحدى مدن الكلدانيّين تدعى«أور».و كان عمره حينما أمره اللّه بهجران قومه المشركين و الابتعاد عنهم،سبعين عاما.و انتقل حينذاك إلى حرّان في ملك الجزيرة مع زوجته سارة و أبيه تارخ و ابن أخيه لوط.و بعد مرور عدّة سنين على إقامته في حرّان و موت أبيه و دفنه فيها، انتقل إلى إحدى مدن أرض الميعاد بإلهام من اللّه مع زوجته و ابن أخيه،و توقّف في طريقه مدّة في«شكيم» و قدّم قربانا إلى اللّه كما هي عادته،و ظهر له اللّه و وعده بإرث هذه الأرض لذرّيّته.

و كان يتنقّل وراء الكلأ و الحشائش،و حينما أجدبت الأرض،انتقل إلى مصر،و عرّف زوجته هناك بأنّها أخته.و بعد ما أصبح إبراهيم صاحب مواش و أغنام كثيرة عاد ثانية إلى أرض كنعان،و أعطى أرض الأردنّ الخصبة لوطا و أقام هو نفسه في ناحية،و أطلق لوط و أعوانه من الأسر بعد عدّة سنين و باركه«ملكي صادق».

و ظهر له اللّه ثانية و وعده بأنّه سوف يكثّر ذرّيّته و يجعلهم بعدد نجوم السّماء،و لكنّهم سوف يكونون أسارى،و يرزحون تحت نير العبوديّة عند المصريّين مدّة«400»سنة.

و في تلك الحقبة أهدت سارة خادمتها المصريّة هاجر إلى إبراهيم لكي يدخل بها،و كانت سارة يومذاك عقيما،و بهذا أصحبت هاجر الزّوجة الثّانية لإبراهيم، و أنجبت له إسماعيل.و كان طلب سارة من إبراهيم لنكاح هاجر كطلب حوّاء من آدم لأكل الثّمرة.و كانت عواقب هذا الزّواج و خيمة؛إذ جرّت إلى مصائب عظيمة.

و بعد مرور ثلاث عشرة سنة ظهر له اللّه مرّة أخرى و طمأنه هذه المرّة بأنّ وارثه و ولده الموعود سيولد من زوجته سارة،و منذ ذلك الوقت غيّر اسم سارة إلى «سارا»و سنّ اللّه سنّة الختان.و التقى مع ثلاثة من الملائكة،و ضجّ إلى ملائكة اللّه و استغاث بهم في هذا

ص: 105

المكان لأجل سكّان سدوم.و سافر إلى جنوب جرّار، ذلك المكان الّذي ادّعى فيه بأنّ«سارا»هي أخته.

و حينما مضى من عمره الشّريف مائة عام ولد ابنه الموعود إسحاق في ذلك المكان،و كانت ولادته سببا في افتراق هاجر و ابنها إسماعيل عن إبراهيم.

و بعد مرور«25»سنة من عمر إسحاق امتحن اللّه إيمان إبراهيم و وضعه في بوتقة الاختبار؛إذ أمره اللّه بأخذ إسحاق ولده و وارثه إلى جبل موريا و تقديمه قربانا إلى اللّه.و بعد«12»سنة من هذه الحادثة توفّيت زوجته سارا،فاشترى إبراهيم مغارة المكفيلة و دفنها فيها.

و حينما بلغ إسحاق مبلغ الرّجال بعث وكيله ليخطب زوجة لابنه إسحاق من أقربائه الموحّدين الّذين كانوا يسكنون ملك الجزيرة.

و تزوّج إبراهيم أيضا«قطورة»و أنجب منها ستّة أولاد،أصبح كلّ واحد منهم فيما بعد أبا لطائفة خاصّة من العرب.

و في آخر دور الشّيخوخة من عمره الشّريف الّذي بلغ«175»سنة وافاه الأجل،و هو يرفل بالعزّ و الاحترام،فدفنه ابناه إسحاق و إسماعيل قرب«سارا» في نفس المغارة.(4)

الأصول اللّغويّة

1-قيل فيه:إنّه عربيّ أصله«أبرحيم»؛مركّب من «أب»و«رحيم»،ثمّ قلبت الحاء هاء،كما في مدح و مده،و كدح و كده.و فتحة الهمزة كسرة كما في الأصر و الإصر،و الأقط و الإقط.و زيدت ألف بين الرّاء و الهاء،فأصبح:إبراهيم.

و قيل:إنّه سريانيّ أصله«أبرحيم»أيضا؛مركّب من«أب»و«رحيم»،كالعربيّة.

2-و يلحظ أنّ القولين متّحدان،إلاّ أنّ الأوّل موجّه،فهو أقرب من الثّاني،فضلا عن أنّ الأب يطلق عليه في السّريانيّة«أبا»،و على الرّحيم«رحيما»، فيصبح عند التّركيب«أبا رحيما»و ليس«أبرحيم»كما قيل.

3-و للعبريّين رأي مخالف لكلا القولين،فهم يزعمون أنّه عبريّ،و أصله«أبرام»ثمّ سمّاه اللّه «أبراهام»أي أبو الجمهور،استنادا إلى ما ورد في التّوراة:

«أمّا أنا فهو ذا عهدي معك و تكون أبا لجمهور من الأمم.فلا يدعى اسمك بعد أبرام،بل يكون اسمك أبراهام.لأنّي أجعلك أبا لجمهور من الأمم».

(التّكوين:17،4 و 5).

4-و لكنّهم يسمّون أبا الجمهور«أب هامون» و ليس«أبراهام»،و لعلّ«أبراهام»محوّل عن أصله،و أنّ أصله لفظ«أب رهام»العربيّ،و يعني في العربيّة أبا الجمهور.فهل يعني هذا أنّ أصل إبراهيم عربيّ؟

5-و قد ورد بألفاظ مختلفة في اللّغات السّاميّة،ففي السّريانيّة ورد بلفظ:برهام،و أبرهم،و إبروهيم، و أبرم.و في العبريّة:أبراهام و أبرام.

6-و تكلّم العرب فيه بلغات عديدة،و هي:

إبراهيم،و هي أشهرها.و هذا اللّفظ معرّب«إبروهيم» السّريانيّ-بإبدال الواو ألفا للخفّة-،و«إبراهام».

و هذه اللّغة توافق العبريّة،سوى قلب فتحة الهمزة

ص: 106

كسرة.و كذلك:إبراهم و إبراهم و إبراهم،و إبرهم.

7-و قد اضطربت أقوال النّسّابين في لغات آباء إبراهيم،و خصوصا في حروفها المعجمة و المهملة؛ ف«تارخ»يروونه تارة بالحاء و تارة بالخاء،و الرّواية الأولى عبريّة،و الثّانية عربيّة.فمن خصائص العبريّة إقلاب الخاء حاء،نحو:أح بمعنى أخ،و حردل بمعنى خردل.فمن رواه بالحاء فإنّه جاء به على الأصل،و من رواه بالخاء فقد عرّبه.

و روي«ناخور»باختلاف في الخاء و الحاء كالأوّل.

و ورد«ساروغ»بألفاظ مختلفة عندهم،فقالوا فيه:

ساروج و شاروع و شاروغ،و في التّوراة سروج.

و«أرغو»كذلك،فقد جاء:راغوا و راعو و رعو.

و لغة الغين عربيّة و العين عبريّة،لأنّ الغين تقلب عينا في العبريّة كما في:صعير بمعنى صغير،و صباع بمعنى صبغ.

و«فالج»رووه بلغات:فالخ و فالع و فالغ.

و في«عابر»كان الاختلاف بين العين و الغين كما في «أرغو»فالعين أصيل و الغين بديل.و قد أورده ابن هشام في السّيرة بلفظ«عيبر»و هي رواية شاذّة.

و«شالخ»ورد بلفظ«شالح»أيضا،و هو كحكم تارخ و ناخور.

و قيل في«أرفخشذ»أرفخشد أيضا،و الأولى معرّبة؛فقلب الدّال ذالا شائع في كلّ اسم أعجميّ ينتهي بالدّال لقرب مخرجه،مثل:بغداذ،و كاغذ،و طبرزذ.

و ورد«أرفخشذ»في التّوراة بلفظ«أرفكشاد».

و زيادة الألف سائغ في العبريّة،كما في«براخ»بمعنى برك،و«أسار»بمعنى أسر،و«دام»بمعنى دوم.

8-و اتّخذ بعض المحقّقين المعاصرين كلمة«إبراهيم» ذريعة للقول بأنّ أغلب اللّغات العربيّة مأخوذة من العبريّة و السّريانيّة.و هو قول لا يعتدّ به البتّة؛لأنّه تعسّف عن الحقيقة.فالكلمة اليوم للتّحقيق و البحث؛إذ أنّ علماء اللّغات السّاميّة-الّتي منها العبريّة و السّريانيّة -يرون أنّ الكلمات العربيّة أقدم و أعرق من سائر أخواتها،حتّى إنّ كثيرا منهم جعلها أصل هذه اللّغات و ما سواها فرع منها.و نرى مصداق ذلك في وسعتها و كثرة مفرداتها.

الاستعمال القرآنيّ

و فيه بحوث:

1-ورد في القرآن«27»اسما للأنبياء،منهم (إلياسين)بناء على كونه غير(إلياس)النّبيّ،و منهم (لقمان)بناء على أنّه بعث-كما روي-إلى قومه في آخر حياته،و منهم نبيّنا المسمّى في القرآن(محمّد)و(أحمد).

و قد أشار تعالى إلى هؤلاء الأنبياء بقوله: مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ المؤمن:78،لاحظ مادّة«ق ص ص».

2-و أكثر من تردّد اسمه منهم في القرآن هو موسى؛ فقد ذكر اسمه«136»مرّة،و أقلّ من ذكر اسمه فيه (إلياسين)و(أحمد)؛حيث ورد كلّ منهما مرّة واحدة، و ينحصر عدد أسماء سائر الأنبياء بين هذين الرّقمين.

أمّا إبراهيم فقد تكرّر اسمه«69»مرّة،و هو أكبر رقم بعد اسم موسى.و هذا يدلّ على شدّة اهتمام القرآن بشأنه،لأنّ حياته كانت حافلة بالأحداث و مسيرته وقف لهداية العباد،فيليق بالوحي الإلهيّ و القرآن

ص: 107

العظيم أن يحدّث بها و يهتمّ بشأنها؛فقد جاء ذكره في «25»سورة،و عرضت وقائع حياته في«200»آية تقريبا مكّيّة و مدنيّة.

و قد أجرينا إحصاء لذلك في الجدول الآتي،معتمدين على كتاب«الجامع لمواضيع آيات القرآن»274-283.

ص: 108

3-و إنّ أسماء الأنبياء الّتي وردت في القرآن غير عربيّة،سوى(محمّد)و(أحمد)و(صالح)،و قيل:أسماء أخرى غيرها.و قد اختلفت أقوال المفسّرين و المؤرّخين و اللّغويّين في الكثير منها كما مرّ في«إبراهيم»،ممّا أدّى إلى التّباين في تبويبها من قبل أصحاب المعاجم.و لم ينحصر هذا الاختلاف بين معجم و آخر فحسب،بل سرى في المعجم الواحد كما في«المعجم المفهرس لألفاظ القرآن»و«معجم الألفاظ و الأعلام القرآنيّة»و غيرهما، فهم لم ينتهجوا أسلوبا واحدا في التّبويب.و كان ينبغي عليهم ترتيب الأعلام الأعجميّة طبق حروفها الثّلاثة الأولى دون طريقة الأصول.و فيما يلي قائمة بأسماء بعض الأنبياء؛توضّح مدى التّباين في فهرستها:

اللّفظ\الجذر\اللّفظ\الجذر

داود\د و د\إسماعيل\أ س م ع

سليمان\س ل م\إلياس\أ ل ي

إدريس\د ر س\إلياسين\أ ل ي

ذو الكفل\ك ف ل\أيّوب\أ ي و

إسحاق\س ح ق\هارون\ه أ ر

اليسع\ي س ع\لقمان\ل ق م

آدم\أ د م\يوسف\ي و س

يحيي\ح ي ي\يعقوب\ي ع ق

عيسى\ع ي س

فقد روعي في العمود الأوّل عين الألفاظ،و روعي في العمود الثّاني الجذور المزعومة لها.و نحن لا نرى وجها لذلك،و لهذا فقد التزمنا في غير ما يعلم كونه عربيّا نفس الألفاظ،دون الأخذ بالجذور المزعومة.

4-و قد عرض القرآن مقتطفات من حياة إبراهيم في النّواحي التّالية:

أوّلا:توحيد الرّبّ،و رفض الشّرك،و احتجاجه على ذلك:

أ-احتجاجه:البقرة:258،الأنعام:74،76، 77،78،79،80،مريم:42،43،44،45،46، 47،48،49،الأنبياء:51،52،53،54،55،56، الشّعراء:70،71،72،73،74،75،76،77،78، 79،80،81،82،العنكبوت:16،17،18،19، 20،21،22،23،24،25،26،الصّافّات:85، 86،87،88،89،90،الزّخرف:26،27، الممتحنة:4.

ب-اعتزال قومه و ما يدعون من دون اللّه.

الصّافّات:99.

ج-تحطيم الأصنام:الصّافّات:91،92،93، 94،95،96،97،98.

ثانيا:صفاته و مواهبه:

أ-كان حنيفا مسلما و لم يكن مشركا.آل عمران:

67،95،النّساء:125،الأنعام:79،161،النّحل:

120،الحجّ:78.

ب-ما كان يهوديّا و لا نصرانيّا.البقرة:140، آل عمران:65،66،67.

ج-إنّه حليم أوّاه منيب.التّوبة:114،هود:75.

د-إنّه كان صدّيقا نبيّا.مريم:41.

ه-إنّه من المحسنين.الصّافّات:105.

ص: 109

و-إنّه كان أمّة قانتا شاكرا.النّحل:120،121.

ز-و اتّخذ اللّه إبراهيم خليلا.النّساء:125.

ح-جعل له لسان صدق.الشّعراء:84.

ط-آتاه في الدّنيا حسنة و هو في الآخرة من الصّالحين.البقرة:130،النّحل:121،العنكبوت:27.

ي-آتاه رشده:الأنبياء:51.

ك-جعله للنّاس إماما:البقرة:124.

ل-ابتلاؤه بكلمات:البقرة:124.

م-إراءته ملكوت السّماوات و الأرض:الأنعام:75.

ن-إراءته كيف يحيي اللّه الموتى:البقرة:260.

س-أولى النّاس به:آل عمران:68.

ع-جعل النّار عليه بردا و سلاما و نجاته إلى الأرض المباركة:العنكبوت:24،الصّافّات:97.

ف-صحف إبراهيم:الأعلى:19.

ص-طلبه من اللّه أن يهب له حكما و يلحقه بالصّالحين و يجعل له لسان صدق:الشّعراء:82،83، 84،85،86،87،الصّافّات:100.

ثالثا:اهتمامه بذرّيّته:

أ-طلبه أن تكون الإمامة في ذرّيّته:البقرة:124.

ب-وهب له إسحاق و يعقوب و سائر الأنبياء:

الأنعام:84،مريم:49،50،الأنبياء:72،العنكبوت:

27،الصّافّات:113،الحديد:26.

ج-شكره للّه لكونه وهب له على الكبر إسماعيل و إسحاق:إبراهيم:39.

د-دعاؤه لذرّيّته و إسكانهم بواد غير ذي زرع:

البقرة:127،إبراهيم:35،36،37،40.

ه-وصيّته لبنيه بالإسلام:البقرة:132.

و-دعاؤه أن يبعث فيهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:البقرة:

129.

ز-الشّروع بذبح ولده:الصّافّات:103.

رابعا:اهتمامه بوالديه:

أ-استغفاره لأبيه:التّوبة:114،مريم:47، الشّعراء:86،الممتحنة:4.

ب-استغفاره لوالديه:إبراهيم:41.

خامسا:اهتمامه بالكعبة:

أ-بناء البيت:البقرة:127.

ب-تطهير البيت و مقام إبراهيم:البقرة:125، الحجّ:26.

ج-دعاؤه أن يجعله بلدا آمنا:البقرة:125، إبراهيم:35.

د-تأذينه بالحجّ:الحجّ:27.

سادسا:ضيوفه من الملائكة و احتجاجه في قوم.

لوط:

أ-نزول الملائكة عليه و تبشيره بالولد:هود:69، 70،71،72،73،74،الحجر:51،52،53،54، 55،56،العنكبوت:31،الصّافّات:101،112، الذّاريات:24،25،26،27،28،29،30.

ب-احتجاجه في قوم لوط:هود:74،75،76، الحجر:57،58،59،60،العنكبوت:31،32، الذّاريات:31،32،33،34،35،36،37.

سابعا:أدعية إبراهيم.لاحظ الطّباطبائيّ(1:280)

ثامنا:ما في دين إبراهيم من الأحكام.الطّباطبائيّ

ص: 110

(7:213)

تاسعا:سيره الرّوحانيّ.الطّباطبائيّ(1:289)

عاشرا:شخصيّة إبراهيم و تاريخ حياته.الطّباطبائيّ (7:215)

الحادي عشر:هل كان أبوه مشركا؟لاحظ «آزر»من هذا المعجم.

الثّاني عشر:منزلته عند اللّه.الطّباطبائيّ (7:215)

الثّالث عشر:أثره في المجتمع البشريّ.الطّباطبائيّ (7:219)

الرّابع عشر:مقايسته بين القرآن و التّوراة بشأن إبراهيم و قصصه.الطّباطبائيّ(7:234)

الخامس عشر:إبطال ما في التّوراة ممّا يليق بالأنبياء.الطّباطبائيّ(7:225)

السّادس عشر:بحث حول احتجاج إبراهيم على عبدة الأصنام و عبدة الشّمس.الطّباطبائيّ(7:215)

السّابع عشر:بحث حول عبدة الأصنام و الصّابئة.

الطّباطبائيّ(7:236)،إلى غير ذلك من الأبحاث.

ص: 111

ص: 112

أباريق

اشارة

لفظ واحد،مرّة واحدة مكّيّة،في سورة مكّيّة

النّصوص اللّغويّة و التّفسيريّة

يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ* بِأَكْوابٍ وَ أَبارِيقَ وَ كَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ. الواقعة 17،18

ابن عبّاس: أباريق:إنّه من غير لسان العرب.(الجواليقيّ:53)

مجاهد:الأباريق:ما كان لها آذان.

(الطّبريّ 27:174)

الضّحّاك: الأباريق:هي الّتي لها عرى.

(الطّبريّ 27:175)

أبو صالح:الأباريق:ذوات الخراطيم.

(الطّبريّ 27:174)

الخليل: الأباريق:جمع إبريق.(5:157)

الفرّاء: الأباريق:ذوات الآذان و العرى.

(3:123)

اللّحيانيّ: الإبريق:المرأة الحسناء،البرّاقة اللّون.

(الزّبيديّ 6:286)

2Lالدّينوريّ: الإبريق هو الكوز أو مثل الكوز،و هو في كلّ ذلك فارسيّ،و في التّنزيل: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ الواقعة:17.(الزّبيديّ 6:286)

كراع النّمل:الإبريق:السّيف،سمّي به لفعله.[ثمّ استشهد بشعر](ابن سيده 6:397)

الإبريق:هو الكوز.و السّيف البرّاق،أي الشّديد البريق.(الزّبيديّ 6:286)

ابن دريد: سيف إبريق:كثير الماء،و جارية إبريق:برّاقة الجسم،و الإبريق المعروف فارسيّ معرّب.

(3:376)

ابن فارس: يقال للسّيف و لكلّ ما له بريق:

إبريق،حتّى إنّهم يقولون للمرأة الحسناء البرّاقة:إبريق.

(1:222)

الثّعالبيّ: الإبريق:من أسماء الأواني الّتي تفرّدت به الفرس دون العرب،فاضطرّت العرب إلى تعريبها أو تركها كما هي.(305)

ص: 113

فإذا كان له[السّيف]بريق فهو إبريق.(251)

ابن سيده: و سيف إبريق:كثير اللّمعان في الماء.

و الإبريق من الأواني،فارسيّ معرّب.

(6:397،401)

الإبريق:إناء للشّرب ذو عروة.الجمع:

أباريق.(الإفصاح 1:474)

الإبريق:وعاء له أذن و خرطوم ينصب منه السائل،معرّب«آب ري»،الجمع:أباريق.

(الإفصاح 1:587)

سيف إبريق:كثير الماء.و البارقة:السّيوف للمعانها.(الإفصاح 1:592)

الطّوسيّ: الّتي لها عرى و خراطيم واحدها إبريق.

(9:493)

الرّاغب: الإبريق معروف و تصوّر من البرق ما يظهر من تجويفه فقيل:برق فلان و رعد و أبرق و أرعد إذا تهدّد.(44)

الزّمخشريّ: الأباريق:ذوات الخراطيم(4:53)

الجواليقيّ: الإبريق:فارسيّ معرّب.و ترجمته من الفارسيّة أحد شيئين:إمّا أن يكون طريق الماء،أو صبّ الماء على هينة.و قد تكلّمت به العرب قديما.(71)

الطّبرسيّ: هي الّتي لها خراطيم و عرى،و هو الّذي برق من صفاء لونه.(5:216)

الفخر الرّازيّ: الإبريق:له عروة و خرطوم.

ما الفرق بين الأكواب و الأباريق و الكأس؛حيث ذكر الأكواب و الأباريق بلفظ الجميع،و الكأس بلفظ الواحد،و لم يقل:و كئوس؟

نقول:هو على عادة العرب في الشّرب،يكون عندهم أوان كثيرة فيها الخمر معدّة موضوعة عندهم.

و أمّا الكأس فهو القدح الّذي يشرب به الخمر إذا كان فيه الخمر،و لا يشرب واحد في زمان واحد إلاّ من كأس واحد.و أمّا أواني الخمر المملوءة منها في زمان واحد فتوجد كثيرا.

فإن قيل:الطّواف بالكأس على عادة أهل الدّنيا، و أمّا الطّواف بالأكواب و الأباريق فغير معتاد،فما الفائدة فيه؟

نقول:عدم الطّواف بها في الدّنيا لدفع المشقّة عن الطّائف لثقلها،و إلاّ فهي محتاج إليها،بدليل أنّه عند الفراغ يرجع إلى الموضع الّذي هي فيه،و أمّا في الآخرة فالآنية تدور بنفسها،و الوليد معها إكراما لا للحمل.

و فيه وجه آخر من حيث اللّغة،و هو أنّ الكأس إناء فيه شراب فيدخل في مفهومه المشروب،و الإبريق آنية لا يشترط في إطلاق اسم الإبريق عليها أن يكون فيها شراب.

و إذا ثبت هذا فنقول:الإناء المملوء؛الاعتبار لما فيه لا للإناء،و إذا كان كذلك فاعتبار الكأس بما فيه،لكن فيه مشروب من جنس واحد،و هو المعتبر،و الجنس لا يجمع إلاّ عند تنوّعه.فلا يقال للأرغفة من جنس واحد:أخباز،و إنّما يقال:أخباز،عند ما يكون بعضها أسود و بعضها أبيض،و كذلك اللّحوم يقال عند تنوّع الحيوانات الّتي منها اللّحوم،و لا يقال للقطعتين من اللّحم:لحمان.و أمّا الأشياء المصنّفة فتجمع،فالأقداح و إن كانت كبيرة لكنّها لمّا ملئت خمرا من جنس واحد لم

ص: 114

يجز أن يقال لها:خمور،فلم يقل:كئوس،و إلاّ لكان ذلك ترجيحا للظّروف؛لأنّ الكأس من حيث إنّها شراب من جنس واحد لا يجمع واحد فيترك الجمع ترجيحا لجانب المظروف،بخلاف الإبريق،فإنّ المعتبر فيه الإناء فحسب.و على هذا يتبيّن بلاغة القرآن حيث لم يرد فيه لفظ الكئوس؛إذ كان ما فيها نوع واحد من الخمر.و هذا بحث عزيز في اللّغة.(29:150)

القرطبيّ:الإبريق:المستطيل العنق،الطّويل العروة.(16:114)

الأباريق:الّتي لها عرى و خراطيم،واحدها:

إبريق،سمّي بذلك لأنّه يبرق لونه من صفائه.

(17:203)

نحوه النّيسابوريّ.(27:78)

البيضاويّ: الإبريق:إناء له عروة و خرطوم.

(2:446)

مثله أبو السّعود(5:130)،و المراغيّ(27:135)، و القاسميّ(16:5649)،و الآلوسيّ(27:136).

أبو حيّان: إفعيل من البريق،و هو إناء للشّرب له خرطوم،قيل:و أذن،هو من أواني الخمر عند العرب.(8:200)

الفيّوميّ:الإبريق:فارسيّ معرّب،و الجمع:

الأباريق.(1:45)

نحوه الطّريحيّ.(5:137)

الفيروزآباديّ: الإبريق:معرّب«آب ري»، جمعه:أباريق،و السّيف البرّاق،و القوس فيها تلاميع، و المرأة الحسناء البرّاقة.(3:218)

2Lالطّباطبائيّ: الأباريق:جمع إبريق،و هو الإناء الّذي له خرطوم،و قيل:عروة و خرطوم معا.

(19:122)

خليل ياسين: ما الفرق بين الأكواب و الأباريق و الكأس؟و لم أفرد الكأس و جمع الأكواب و الأباريق؟

ما يشرب منه فهو كأس إذا كان فيه الشّراب،و إلاّ فهو كوب.و الأباريق أواني يوضع فيها الشّراب ثمّ يصبّ منها في الكوب،و إنّما أفرد الكأس لأنّ الكوب بما فيه يسمّى كأسا،و لمّا كان الشّراب في الأكواب من جنس واحد لا يجمع؛لأنّه لا يقال للأرغفة إذا كانت من جنس واحد:أخباز.(2:243)

محمّد إسماعيل إبراهيم: إبريق:إناء له أذن و خرطوم،ينصبّ منه السّائل مثل الكوز،و الجمع:

أباريق.و ترد كلمة إبريق في مادّة«برق»في المعاجم اللّغويّة برغم أنّها من الفارسيّ المعرّب،و أصلها «آبريز».(1:26)

المصطفويّ: قد ظهر أنّ لغات«برق،إبريق، استبرق»،أصلها فارسيّة،و قد عرّبت،و ليست مأخوذة من هذه المادّة.[ب ر ق]

برق:معرّبة من كلمة«برّة».

إبريق:معرّبة من كلمة«آبريز».

استبرق:معرّبة من كلمة«استبره».

يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ* بِأَكْوابٍ وَ أَبارِيقَ الواقعة:17،18،أي بآنية مصوغة لصبّ الماء و الغسل،منها عند الغذاء و الطّعام.

يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَ إِسْتَبْرَقٍ الدّخان:53،

ص: 115

مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ الرّحمن:54.

يقال:السّندس:اللّطيف من الدّيباج،و الاستبرق:

الضّخيم منه،و لم أجد مأخذا له في كتب اللّغة.

و لا يبعد أن نقول:إنّ البرق يطلق على الحمل،و هو الصّغير من الضّأن؛لظرافته و حسن خلقه،و لطف صورته،كما يطلق الإبريق على المرأة الحسناء.

و أمّا الإبريق فيطلق على إناء يصبّ منه الماء؛ لكونه مصنوعا من فلزّ أبيض برّاق.

و أمّا الاستبرق فيطلق على لباس مأخوذ من ديباج يبرق و يلمع،و هو منقول من«فعل»،و أصله:

استبرق،أي طلب بتلبّسه هذا اللّباس البرق و اللّمعان، ثمّ جعل اسما لهذا المنسوج.فعلى هذا تكون هذه اللّغات أيضا من تلك المادّة.(1:241)

الأصول اللّغويّة

1-أطبقت أكثر الأقوال و النّصوص على أنّ أباريق جمع إبريق،و هو لفظ فارسيّ معرّب«آب ريز»،أي ما يراق منه الماء.و شذّ قول أبي عبيدة حيث جعله عربيّا؛تحرّجا من وجود غير العربيّ في القرآن،محتجّا بقوله تعالى: إِنّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا الزّخرف:3، فقد ثبت أنّ وجود المعرّبات في القرآن لا يقدح في كونه عربيّا فإنّ المعرّبات تعدّ جزء من تراث اللّغة العربيّة جريا على طبيعة التّطوّر اللّغويّ.و يشهد بذلك أنّ أباريق و مثيلاتها هي من ملامح التّحضّر و الرّفاهيّة؛ممّا لم يكن مألوفا عند عرب الجاهليّة أصلا،و إنّما اكتسبوها من اختلاطهم بالأمم المتحضّرة،و لذلك نجد هذه الألفاظ في أشعار الجاهليّين الّذين كانوا يلمّون-بين الفينة و الأخرى-بالمدن الواقعة تحت تأثير الحضارة الفارسيّة و عاداتها،و لا نجدها في صحيح أشعار أهل البادية الّذين لم يكونوا يطرءوا على تلك المدن.فهي فارسيّة الأصل،عربيّة الجرس و الاستعمال و التّصريف.

2-و لقد أخطأ من جعل اللّفظة تحت باب«برق» توهّما منه أنّ التّسمية اشتقّت من اللّمعان الملحوظ في «الإبريق»،و عليه كانت اللّفظة عربيّة لا معرّبة،و لكن لا سبيل لإثبات ذلك.علما بأنّ الإبريق يكون إبريقا من مجرّد كونه طويل العنق،ذا خرطوم و عرى؛سواء أ كان صافي اللّون برّاقا أم لم يكن.و مع ذلك فقول ابن فارس:

«كلّ ما له بريق إبريق»،و الطّبرسيّ:«هو الّذي برق من صفاء لونه»و الرّاغب:«و تصوّر من البرق ما يظهر من تجويفه»،و القرطبيّ:«سمّي بذلك لأنّه يبرق لونه من صفائه»،يشعر بوجود العلاقة عندهم بين الأباريق و البرق.

و عليه فهو مشتقّ من البريق من قولهم:جارية إبريق،إذا كانت برّاقة الجسم،و يقولون للمرأة إذا تحسّنت:أبرقت،و يقال للسّيف:إبريق،إذا كان شديد البريق،فإبريق«إفعيل»و المختار هو الأوّل.و الاختلاف في شكل الإبريق في كونه طويل العنق أو غيره،و له عروة أو عرى و آذان إلى غير ذلك؛لعلّه جاء من اختلاف صورها في البلدان فوصف كلّ منهم ما اعتاده في بلده.

ص: 116

الاستعمال القرآنيّ

و فيه بحوث:

1-إذا صحّ القول إنّ أباريق ذات أصل فارسيّ،فإنّ القرآن قد استعملها مع كلمات معرّبة أخرى هي (أكواب)و(كأس)،ليقرّب إلى أذهان القوم صورة من صور الجنّة؛لأنّهم كانوا يسمعون بمجالس الفرس و الرّوم،و يطمحون إلى أن يكون لهم مثلها؛فوصفت مجالس أهل الجنّة بما يشبه ما يدور في خلدهم عن مجالس التّرف و الأبّهة.

2-و جاء أباريق في القرآن مرّة واحدة مع(أكواب) و(كأس)،و جاء(أكواب)«4»مرّات:مرّة مع(أباريق) و(كأس)،و«3»مرّات بدونهما.

و جاء(كأس)«6»مرّات:مرّة معهما و«5»مرّات بدونهما،على النّحو الآتي:

يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ* بِأَكْوابٍ وَ أَبارِيقَ وَ كَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ الواقعة:17،18.

وَ يُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَ أَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا الدّهر:15.

يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَ أَكْوابٍ

الزّخرف:71.

فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ* وَ أَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ

الغاشية:13،14.

يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ الصّافّات:45.

إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً

الدّهر:5.

وَ يُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلاً

الدّهر:17.

يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً لا لَغْوٌ فِيها وَ لا تَأْثِيمٌ

الطّور:23.

إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً* حَدائِقَ وَ أَعْناباً* وَ كَواعِبَ أَتْراباً* وَ كَأْساً دِهاقاً النّبأ:31-34.

3-و يلاحظ أنّ(أباريق و أكوابا)وردا جمعا دائما، و(كأسا)ورد مفردا،الأمر الّذي أثار التّساؤل حول مغزى ذلك،فعلّلوه تارة بأنّ(كأسا)اسم جنس يعمّ الجمع و المفرد،و أريد بهذا العموم بيان الفرق بين ما يدور في مجالس الملوك-حيث الخدم و الأكواب و الكئوس -و بين ما يدور في الجنّة-حيث الولدان المخلّدون و أكواب و أباريق و كأس من معين-،و هذا ليس بشيء.

و علّلوه تارة أخرى بأنّ الكأس لا يكون كأسا إلاّ إذا كان فيه شراب،و الشّراب جنس واحد،فباعتباره لا يكون هنا كئوس بل كأس،و هذا تعليل الرّازيّ في كلام طويل.

و تارة قالوا:إنّ ذلك على عادة أهل الشّرب؛فإنّهم يجعلون الخمر في أباريق متعدّدة و يشربون بكأس واحدة.لاحظ البروسويّ(9:322).

4-و جمع أباريق و أكواب يحكي لنا كثرة الخدم لأهل الجنّة،و صنوف المشروبات،بما يمثّل سعة العيش و الرّفاهيّة مع الأبّهة و العظمة،فهذا الجمع يوازي جمع (ولدان)أي في يد كلّ منهم إبريق و كأس و كوب،أو أنّ في يد كلّ واحد واحدا من تلك الثّلاثة،فهذا يحمل إبريقا و ذاك كوبا و الثّالث كأسا.

5-و ممّا فرّقوا به بين أباريق و أكواب،أنّ الأباريق لها خرطوم و آذان.أمّا الأكواب فهي مثل الكوز،أو أنّ الكوب إناء مستدير كالقدح و ليس بكوز،أو هما إناءان

ص: 117

كبيران ثابتان في مكان،و الكأس هي الّتي تدار على الضّيوف.و هذا مردود بقوله تعالى: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ* بِأَكْوابٍ وَ أَبارِيقَ وَ كَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ الواقعة:17،18،و لكنّ المعنى المذكور ورد في قوله: وَ أَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ الغاشية:14،ممّا يفيد أنّ الأكواب تارة يطاف بها عليهم من قبل الولدان المخلّدين الّذين يسقونهم بالكأس من الأكواب و الأباريق،و تارة أخرى توضع أمامهم ليكونوا هم المباشرين في الصّبّ حيث ما يشتهون.و كيف كان فالجمع بين الثّلاثة في الآية دليل على اختلافها صورة و أثرا.

6-و جاءت الألفاظ الثّلاثة نكرة دائما و تفخيما إشارة إلى أنّها لا يدرك كنهها،و لا مثيل لها في مجالس أهل الدّنيا مهما كانوا من التّرف و الشّرف؛فهي كسائر ما في الجنّة تكون ممّا لا عين رأت،و لا أذن سمعت،و لا خطر على بال بشر.

7-و هذا المعنى بعينه يتجلّى في مجيء(ولدان)و (غلمان)الّذين يطوفون على أهل الجنّة بلفظ النّكرة أيضا في القرآن:

وَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً الدّهر:19.

يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوابٍ وَ أَبارِيقَ وَ كَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ الواقعة 17،18.

وَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ الطّور:24.

8-و جاءت(أكواب)في آية الواقعة:18،مع (اباريق)و(كأس)،و في الدّهر:15،مع(آنية من فضة)، و في الزّخرف:71،مع(صحاف من ذهب)،و في الغاشية:14،(موضوعة)بلا طواف.كما أنّ الكأس جاءت بأوصاف جميلة يرغب فيها كلّ من يراها و يسمع بها.و في كلّ ذلك لطف،و كذا في اختلاف التّعابير و الأساليب تنوّع و تفنّن و حلاوة لا تخفى على اللّبيب،و يتذوّقها الأديب.

9-و الآيات المذكورة مبنيّة على فكرة الطّواف؛ حيث الولدان يطوفون كأنّهم الطّيف السّاري،و لفظة (عليهم)تفيد وقوف(الولدان)و جلوس أهل الجنّة،بل و في انتقاء الألفاظ أيضا ما بين عربيّة أصيلة كالطّواف و المعين الدّالاّن على الجريان و الدّوران و الانتقال، و ما بين غير عربيّة كالألفاظ الثّلاثة؛فكأنّ النّصّ أيضا قد(طاف)في أرجاء الدّنيا،و انتقى ألفاظه المكوّنة له، و هذا من ضروب التّماسك اللّفظيّ و الدّلاليّ في الصّياغة القرآنيّة المعجزة.

10-و آية الواقعة هي الآية الوحيدة الّتي جمعت بين الألفاظ الثّلاثة،كما أنّها الوحيدة في التّصريح بأنّ (وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ) يطوفون عليهم بهذه الأواني،أمّا سائر الآيات ففي بعضها حذف الطّواف،و في بعض آخر حذف الفاعل(يطاف عليهم)،و في أخرى ذكر اللّفظان دون الأواني(الدّهر:15،و الطّور:24).و في كلّ ذلك تنويع و تفخيم و تمثيل لحياة أهل الجنّة.رزقنا اللّه إيّاها.

11-و إذا صحّ أنّ(اكوابا)أوسع و أكبر من(اباريق) كنسبتها مع(كأس)،فالسّرّ في هذا التّركيب يكاد يكون واضحا؛حيث قدّم الأكبر على الأصغر،مع ما فيه من التّوالي في الجرس«أفعال،أفاعيل،فعل»باختلاف الحركات و ما فيه من صعود و نزول في الصّوت،ففيه أيضا ضرب من التّماسك اللّفظيّ و الدّلاليّ.

ص: 118

أ ب ق

اشارة

أبق

لفظ واحد،مرّة واحدة مكّيّة،في سورة مكّيّة

النّصوص اللّغويّة

الخليل: الأبق:قشر القنّب.

و الإباق:ذهاب العبد من غير خوف و لا كدّ عمل، و الحكم فيه أن يردّ،فإذا كان من كدّ عمل أو خوف لم يردّ.(5:231)

أبو عبيدة: أبق:فزع.(ابن الجوزيّ 7:86)

أبو زيد: تأبّق:تباعد.(16)

تأبّق الرّجل:استتر.[ثمّ استشهد بشعر]

(ابن فارس 1:38

المبرّد: أصل أبق تباعد،و منه:غلام آبق.(القرطبيّ 15:122)

ثعلب: الأبق هو الكتّان.(الجوهريّ 6:296)

الزّجّاج: أبق:هرب.(ابن الجوزيّ 7:86)

ابن دريد: أبق الغلام يأبق أبقا،و أبق يأبق أبقا، إذا ذهب،و الاسم:الإباق،فهو آبق.(3:209)

الأزهريّ: الإباق:هرب العبد من سيّده،يقال:

أبق العبد يأبق إباقا فهو آبق،و جمعه:أبّاق.(9:355)

نحوه الطّباطبائيّ(17:163)،و النّيسابوريّ (23:67).

الجوهريّ: أبق العبد يأبق و يأبق إباقا،أي هرب، و تأبّق:استتر،و يقال:احتبس.

و الأبق بالتّحريك:القنّب.(4:1445)

ابن فارس: الهمزة و الباء و القاف يدلّ على إباق العبد،و التّشدّد في الأمر؛أبق العبد يأبق أبقا و أبقا، و يقال:عبد أبوق و أبّاق.

قال بعضهم:يقال للرّجل:إنّ فيك كذا،فيقول:

«أما و اللّه ما أتأبّق»،أي ما أنكر.و يقال له:يا ابن فلانة، فيقول:«ما أتأبق منها»،أي ما أنكرها.

ص: 119

قال أبو زياد: الأبق:نبات تدقّ سوقه حتّى يخلص لحاؤه،فيكون قنّبا.(1:38)

الثّعالبيّ: لا يقال للعبد:آبق،إلاّ إذا كان ذهابه من غير خوف و لا كدّ عمل،و إلاّ فهو هارب.(51)

الهرب عامّ،و الإباق للعبيد خاصّ.(312)

ابن سيده: أبق العبد يأبق،و يأبق أبقا و إباقا فهو آبق،و جمعه:أبّاق.و أبق،و تأبّق:استخفى ثمّ ذهب.

و تأبّقت النّاقة:حبست لبنها.

و الأبق:القنّب.و قيل:قشره،و قيل:الحبل منه.

(6:479)

أبق العبد يأبق أبقا،و أبق يأبق أبقا و إباقا:هرب من سيّده من غير خوف و لا كدّ عمل،أو استخفى ثمّ ذهب؛فهو آبق و أبوق،و الجمع:أبّق و أبّاق.

و قيل:إن أبق من المصر فهو الإباق.

(الإفصاح 1:173)

الطّوسيّ: الإباق:الفرار؛فالآبق:الفارّ إلى حيث لا يهتدي إليه طالبه؛يقال:أبق العبد يأبق إباقا فهو آبق،إذا فرّ من مولاه.

و الآبق و الهارب و الفارّ واحد.(8:528)

نحوه الطّبرسيّ.(3:457)

الرّاغب: يقال:أبق العبد يأبق إباقا،و أبق يأبق، إذا هرب،و عبد آبق،و جمعه:أبّاق،و تأبّق الرّجل:

تشبّه به في الاستتار.(8)

الزّمخشريّ: الإباق هو أن يغيب[العبد]من المصر و يهرب.(الفائق 1:430)

عبد آبق،و عبيد أبّاق.

و تقول:الحرّ إلى الخير سابق،و العبد من مواطنه آبق.و تقول:في رقابهم الرّباق،و من شأنهم الإباق.(أساس البلاغة:1)

ابن الأثير: تأبّق:استتر،و قيل:احتبس.و منه حديث شريح:«كان يردّ العبد من الإباق البات»،أي القاطع الّذي لا شبهة فيه.(1:15)

الفيّوميّ: أبق العبد أبقا من بابي«تعب و قتل»في لغة،و الأكثر من باب ضرب،إذا هرب من سيّده من غير خوف و لا كدّ عمل.

الإباق بالكسر:اسم منه،فهو آبق،و الجمع:أبّاق، مثل كافر و كفّار.(1:2)

الجرجانيّ: الآبق:هو المملوك الّذي يفرّ من مالكه قصدا.(3)

الفيروزآباديّ: أبق العبد-كسمع و ضرب و منع- أبقا و يحرّك،و إباقا ككتاب:ذهب بلا خوف و لا كدّ عمل،أو استخفى ثمّ ذهب فهو آبق و أبوق،و الجمع ككفّار و ركّع.

و الأبق محرّكة:القنّب أو قشره.

و تأبّق:استتر أو احتبس و تأثّم،و الشّيء:أنكره.

(3:215)

الزّبيديّ: تأبّقت النّاقة:حبست لبنها.

و الأبق محرّكة:حبل القنّب.(6:277)

مجمع اللّغة: أبق العبد-كسمع و ضرب و نصر- أبقا و إباقا:هرب من مالكه.(1:2)

ص: 120

النّصوص التّفسيريّة

اذ ابق الى الفلك المشحون.الصّافّات:140

الحسن: فرّ من قومه.(الطّوسيّ 8:528)

الطّبريّ: حين فرّ إلى الفلك.(23:98)

السّجستانيّ:هرب إلى السّفينة.(159)

مثله الطّريحيّ(5:135)،و شبّر(425).

الطّوسيّ: حين هرب إلى السّفن المملوءة.

(8:528)

البغويّ: يعني هرب.(6:30)

مثله الخازن(6:30)،و أبو حيّان(7:367)، و أبو السّعود(4:276)،و الكاشانيّ(4:383).

الميبديّ: هرب و تباعد.(8:305)

الزّمخشريّ: سمّي هربه من قومه بغير إذن ربّه إباقا على طريقة المجاز.(3:353)

الطّبرسيّ: فرّ من قومه إلى السّفينة المملوءة.

(4:458)

ابن الجوزيّ: قال بعض أهل المعاني:خرج و لم يؤذن له،فكان بذلك كالهارب من مولاه.(7:86)

الفخر الرّازيّ: أبق:من إباق العبد،و هو هربه من سيّده.(26:164)

البيضاويّ: أصله الهرب من السّيّد،و لكن لمّا كان هربه من قومه بغير إذن ربّه حسن إطلاقه عليه.

(2:299)

النّسفيّ: الإباق:الهرب إلى حيث لا يهتدي إليه الطّلب،فسمّي هربه من قومه بغير إذن ربّه إباقا مجازا.(4:28)

البروسويّ: أذكر وقت إباقه،أي هربه،و أصله الهرب من السّيّد لكن لمّا كان هربه من قومه بغير إذن ربّه حسن إطلاقه عليه بطريق المجاز تصويرا لقبحه،فإنّه عبد اللّه فكيف يفرّ بغير الإذن و إلى أين يفرّ و اللّه محيط به؟!(7:486)

الآلوسيّ: أصله الهرب من السّيّد،لكن لمّا كان هربه من قومه بغير إذن ربّه-كما هو الأنسب بحال الأنبياء-حسن إطلاقه عليه.فهو إمّا استعارة أو مجاز مرسل من استعمال المقيّد في المطلق،و الأوّل أبلغ.

و قال بعض الكمّل:الإباق:الفرار من السّيّد؛بحيث لا يهتدي إليه طالب،أي بهذا القصد،و كان عليه السّلام هرب من قومه بغير إذن ربّه سبحانه إلى حيث طلبوه فلم يجدوه؛فاستعير الإباق لهربه باعتبار هذا القيد لا باعتبار القيد الأوّل.

و فيه بعد تسليم اعتبار هذا القيد على ما ذكره بعض أهل اللّغة أنّه لا مانع من اعتبار ذلك القيد،فلا اعتبار بنفي اعتباره.(23:143)

الطّباطبائيّ: المراد بإباقه إلى الفلك:خروجه عن قومه معرضا عنهم،و هو عليه السّلام و إن لم يعص في خروجه ذلك ربّه و لا كان هناك نهي من ربّه عن الخروج؛لكن خروجه إذ ذاك كان ممثّلا لإباق العبد من خدمة مولاه، فأخذه اللّه بذلك.(17:163)

المراغيّ: أصل الإباق:هرب العبد من سيّده، و المراد هنا أنّه هاجر بغير إذن ربّه.(23:82)

حجازيّ:هرب بلا إذن.و منه عبد آبق.

(23:35)

ص: 121

المصطفويّ: الأبق و الهرب مشتركان في الذّهاب من غير استئذان،و إلاّ لم يصدق مفهوم الهرب.و في معنى الأبق قيد آخر و هو الهرب قبل أن يتوجّه إليه خوف أو شدّة من سيّده: وَ إِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ* إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ الصّافّات:139،140،فيدلّ على ذهابه من غير استئذان من ربّه،و قبل أن يصل إليه خوف أو شدّة أو كدّ عمل من جانب مولاه،فهو العبد الآبق غفلة.

و هذا الأبق كان مكروها عند اللّه المتعال،فأخذه اللّه فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ الأنبياء:87،«حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين».(1:10)

الأصول اللّغويّة

1-اشتقّ ابن فارس من هذه المادّة أصلين هما:إباق العبد،و التّشدّد في الأمر.و نحن نرجّح أن يكون لها أصل واحد هو الشّدّ و التّشدّد.و ما الإباق إلاّ مشتقّ من الأبق،فهو ليس أصلا برأسه.و الأبق:مصدر أبق يأبق، أي هرب و تباعد.و يعني أيضا حبل القنّب،و نراه أصل المادّة.و منه اشتقّ الآبق،و سمّي بذلك لأنّه يشدّ بالأبق لهروبه من مولاه.ثمّ أطلق على كلّ عبد هرب من مولاه،و إن لم يشدّ بالأبق،كما أطلق الأسير على كلّ من وقع في الأسر و إن لم يشدّ بالأسر،و«الأسر»على وزن «الأبق»:قدّ يربط به الأسير،و هو مصدر اشتقّ منه الأسير،و مثله الإسار.

و منه أيضا:تأبّقت النّاقة،إذا حبست لبنها،أي شدّت على حلمها فامتنع نزول اللّبن.و تأبّق الرّجل، إذا أنكر الشّيء،أي تشدّد فيه.و تأبّق:تأثّم،أي وقع في شدّة.

و أمّا قولهم:تأبّق الرّجل،إذا استتر و اختفى،فهو من باب التّشبيه،لأنّ الحرّ أشبه العبد بفعله.

و روي عن ثعلب أنّه قال:الأبق هو الكتّان.و إن صحّت هذه الرّواية عنه فهي شاذّة؛لأنّ أحدا لم يقل بهذا القول سواه.

2-و اشتقّ من هذا الجذر فعلان:أحدهما ثلاثيّ مجرّد،و الآخر ثلاثيّ مزيد فيه،و كلاهما لازمان.فالمجرّد سمع منه فعل يفعل،مثل ضرب يضرب،و هو كثير الاستعمال.و فعل يفعل،مثل تعب يتعب،و هو أقلّ استعمالا من الأوّل.و فعل يفعل،مثل قتل يقتل،و هي لغة قليلة الاستعمال،و مثّل صاحب القاموس الفعل «منع»به،و هو وهم؛لأنّ هذا الباب لما عينه أو لامه حرف حلق.بيد أنّه قد وردت أفعال من هذا الباب شذوذا،مثل:أبى يأبى،و ركن يركن،و عضّ يعضّ، و أثّ يئثّ،و ودّ يودّ.

و أمّا المزيد فيه فهو من باب التّفعّل،و في زيادة حروفه زيادة معانيه-كما مرّ.

3-و نلحظ ممّا تقدّم تجمّع عدد من الدّلالات في هذه المادّة،و هي:الاستخفاء،الهرب أو الفرار و التّباعد، العصيان(عصيان المولى)،التّأبّق(الوقوع في الإثم).

و كلّها تدلّ على الشّدّة.و قد استعملت هذه الألفاظ للعبيد خاصّة؛حيث إنّ الحرّ قد يستخفي خوفا،و قد يهرب أو يفرّ إن دعته الضّرورة،و لكنّه لا سيّد له

ص: 122

ليعصيه أو ليطيعه،أو ليشدّه بالحبل،و إنّما السّيّد للعبد، و على هذا جرت اللّغة الفصيحة.فانعدام دلالة العصيان من الحرّ تلغي وصف استخفائه و فراره-إن حصلا- بالإباق.كما أنّه فرار ليس فيه إثم يحتسب عليه،و إنّما الإثم يختصّ بالعبد.

الاستعمال القرآنيّ

1-فسّر الآية كثير من المفسّرين بالمعنى اللّغويّ لهذه المادّة؛و قالوا:بأنّ يونس عليه السّلام هرب من مولاه، و ليس له مولى سوى اللّه تعالى،فخرج إلى السّفينة من دون إذنه تعالى،فأصبح آبقا مجازا؛تشبيها بإباق العبد من سيّده.و استبعد هذا المعنى آخرون،و قالوا بأنّه فرّ من قومه إلى السّفينة،أو استخفى منهم ثمّ هرب إلى السّفينة حذرا من وقوع العذاب عليه.

و القول الأوّل أرجح؛لأنّه يوافق اللّغة و القرآن أيضا،بدليل قوله تعالى: وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ... الأنبياء:87؛إذ فيه نوع من الحركة و الشّدّة و الإصرار على الهرب.و كأنّه تشدّد في أمره فقفز إلى الفلك المشحون لا الخالي،ثمّ يثقل الفلك و يتمّ الاستسهام،فيرمى في البحر،و حدث له ما حدث إخطارا بأنّه لا مهرب منه تعالى إلاّ إليه.و فيه أيضا تشبيه لحال يونس النّفسيّة بحال العبد الآبق،و ما يعتريه من خوف و ذعر؛لا يدري من أين الممرّ،و إلى أين المفرّ؟

2-و لم يستعمل من هذه المادّة في القرآن إلاّ لفظ واحد في سورة مكّيّة،على الرّغم من شيوعها في اللّغة، و لم تكن هناك ضرورة لورود هذا اللّفظ كما في(ابّا).

و لا نعلم له وجها سوى الإشعار بأنّ هذا النّوع من الفرار لم يصدر عن الأنبياء إلاّ مرّة واحدة،و الحال أنّه يصدر من غيرهم بما لا يعدّ و لا يحصى،و اللّه أعلم بسرّ كتابه.

ص: 123

ص: 124

أ ب ل

اشارة

لفظان،3 مرّات مكّيّة،في 3 سور مكّيّة

أبابيل 1:1\إبل 2:2

أبابيل

النّصوص اللّغويّة

الأخفش: يقال:جاءت إبلك أبابيل،أي فرقا، و طير أبابيل.و هذا يجيء في معنى التّكثير،و هو من الجمع الّذي لا واحد له.

و قد قال بعضهم:واحده إبّول،مثل عجّول.و قال بعضهم:إبّيل.و لم أجد العرب تعرف له واحدا.

(الجوهريّ 4:1618)

نحوه ابن سيده.(الإفصاح 1:311)

الرّؤاسيّ: واحدتها إبّيل.(ابن خالويه:193)

سمعت أنّ واحدها إبّالة.(الطّبريّ 30:296)

الكسائيّ: سمعت النّحويّين يقولون:[واحدها] إبّول مثل العجّول،و قد سمعت بعض النّحويّين يقول:

واحدها أبيل.(الطّبريّ 30:296)

الفرّاء: لا واحد لها،مثل الشّماطيط و العباديد و الشّعارير،كلّ هذا لا يفرد له واحد.و لقد سمعت من العرب من يقول:«ضغث على إبّالة»،يريدون خصب على خصب.

و أمّا الإيبالة فهي الفضلة تكون على حمل الحمار أو البعير من العلف،و هو مثل الخصب على الخصب،و حمل فوق حمل.

فلو قال قائل:واحد الأبابيل«إيبالة»كان صوابا، كما قالوا:دينار دنانير.(3:292)

لم أسمع من العرب في توحيدها شيئا.

(الطّبريّ 30:296)

أبو عبيدة: واحد الشّماطيط شمطاط،و واحد الأبابيل إبّيل.(ابن دريد 3:447)

الأبابيل جمع لا واحد له بمنزلة عباديد و شعاليل.

(ابن سيده 10:410)

ص: 125

الأصمعيّ: لا يعرف واحد الشّماطيط،و هي قطع من الخيل و الأساطير و الأبابيل.(ابن دريد 3:447)

ابن الأعرابيّ: الإبّول:طائر ينفرد من الرّفّ، و هو السّطر من الطّير.(الأزهري 15:389

ابن دريد: قالوا:واحد الأبابيل إبّول،مثل عجّول و عجاجيل.(3:447)

ابن خالويه: واحدها إبّول مثل عجّول و عجاجيل.

و قال أبو جعفر الرّؤاسيّ:واحدتها إبّيل.و قال آخرون:أبابيل لا واحد لها،و مثلها أساطير.و ذهب القوم شماطيط،و عبابيد،و عباديد،كلّ ذلك لم يسمع واحده.و قال آخرون:واحد الأساطير أسطورة.

(193)

الهرويّ: قال بعضهم:لا واحد لها.و قيل في واحدها:إبّيل،قياسا لا سماعا.و قيل:واحدها إبّول، مثل عجّول و عجاجيل.(1:9)

نحوه ابن سيده.(الإفصاح 2:882)

الثّعالبيّ: الأبابيل:من جموع لا واحد لها من بناء جمعها.(229)

القيسيّ: واحدها إبّول كعجّول و عجاجيل.

و قيل:واحدها إبّيل كسكّين و سكاكين.و قيل:واحدها إبّال كدينار و دنانير.و قيل:هو جمع لا واحد له.و قيل:

هو اسم للجمع.(2:501)

نحوه القرطبيّ.(2:197)

ابن سيده: و الإبّيل و الإبّول و الإبّالة:القطعة من الطّير و الخيل،و الإبل.[ثمّ استشهد بشعر]

و قيل:الأبابيل:جماعة في تفرقة؛واحدها:إبّيل و إبّول.

[ثمّ استشهد بشعر]

و أبّل الرّجل،كأبّنه.

و الأبيل:العصا.

و الأبيلة و الإبالة:الحزمة من الحشيش.

و الأبيل:رئيس النّصارى.

و قيل:هو الرّاهب،و قيل:صاحب النّاقوس.[ثمّ استشهد بشعر]

و قيل:هو الشّيخ.و الجمع:آبال.

و الأيبليّ:الرّاهب؛فإمّا أن يكون أعجميّا،و إمّا أن يكون قد غيّرته ياء الإضافة،و إمّا أن يكون من باب انقحل،فقد قال سيبويه:ليس في الكلام«فيعل».[ثمّ استشهد بشعر]

و في الحديث:«كلّ مال زكّي فقد ذهبت عنه أبلته»أي ثقله و وخامته.و الإبلة:العداوة،عن كراع.

و الأبلّة:تمر يرضّ بين حجرين،و يحلب عليه لبن.قيل:

هي الفدرة من التّمر.[ثمّ استشهد بشعر]

و الأبلّة:مكان بالبصرة.(10:410)

الزّمخشريّ: حزائق،الواحدة إبّالة،و في أمثالهم «ضغث على إبّالة»و هي الحزمة الكبيرة،شبّهت الحزقة من الطّير في تضامّها بالإبّالة.

و قيل:أبابيل مثل عباديد و شماطيط،لا واحد لها.(4:286)

نحوه النّيسابوريّ.(30:182)

أبو البركات: فيه ثلاث أوجه:

الأوّل:أنّه جمع لا واحد له من لفظه.

و الثّاني:واحده إبّيل.

ص: 126

و الثّالث:إبّول كعجاجيل واحدها عجّول.

(2:536)

الفيروزآباديّ: الأبابيل:فرق،جمع بلا واحد، و الإبّالة كإجّانة و يخفّف،و كسكّيت و عجّول و دينار:

القطعة من الطّير و الخيل و الإبل،أو المتتابعة منها.

(3:336)

المصطفوي: [لاحظ الإبل.](1:12)

النّصوص التّفسيريّة

وَ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ. الفيل:3

النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:إنّها طير بين السّماء و الأرض،تعشّش و تفرّخ.(القرطبيّ 20:196)

ابن مسعود: فرق.(الطّبريّ 30:297)

مختلفة متفرّقة،تجيء من كلّ ناحية من هاهنا و هاهنا.

مثله ابن زيد و الأخفش.(القرطبيّ 20:197)

ابن عبّاس: يتبع بعضها بعضا.

نحوه الضّحّاك.(الطّبريّ 30:297)

كانت طيرا لها خراطيم كخراطيم الطّير،و أكفّ كأكفّ الكلاب.(الطّبريّ 30:297)

خضر لها خراطيم كخراطيم الإبل،و أنف كأنف الكلاب.

لها أكفّ كأكفّ الرّجل،و أنياب كأنياب السّباع.

فوجا بعد فوج،كانت تخرج عليهم من البحر.

(الدّرّ المنثور 6:395)

ذاهبة و جائية تنقل الحجارة بمناقيرها و أرجلها، فتبلبل عليهم فوق رءوسهم.(السّيوطيّ 2:87)

عبيد بن عمير:هي طير سود بحريّة،في مناقرها و أظفارها الحجارة.(الطّبريّ 30:298)

مثله ابن كعب القرظيّ(القرطبيّ 20:197)،و نحوه قتادة(الميبديّ 10:620).

المتتابعة.خرجت الطّير من البحر،كأنّها أمثال رجال الهند،سود معها حجارة،أعظمها أمثال الإبل البزل،و أصغرها أمثال رءوس الرّجال،لا تريد شيئا إلاّ أصابته،و لا تصيب أحدا إلاّ قتلته.(مجاهد 2:783)

سعيد بن جبير: طير خضر،لها مناقير صفر، تختلف عليهم.(الطّبريّ 30:298)

كانت طيرا من السّماء لم ير قبلها و لا بعدها مثلها.(القرطبيّ 20:196)

مجاهد: يعني من شتّى مجتمعة متتابعة.

(2:782)

هي العنقاء المغربة.(2:783)

هي مثل طير تصيب منهم،لم تر قبلهم و لا بعدهم.

(2:783)

عكرمة: يعني زمرا زمرا.(مجاهد 2:782)

مثله أبو سلمة.(الطّبريّ 30:297)

كانت طيرا خضرا خرجت من البحر،لها رءوس كرءوس السّباع.(الطّبريّ 30:298)

هي طير بيض كأنّ وجوهها وجوه السّباع.

(مجاهد 2:784)

الحسن: الكثيرة.

مثله قتادة.(الطّبريّ 30:297)

ص: 127

1Lالرّبيع: لها أنياب كأنياب السّباع.

(الطّبرسيّ 5:542)

الخليل: أي يتبع بعضها بعضا إبّيلا إبّيلا،أي قطيعا خلف قطيع،و خيل أبابيل كذلك.(8:343)

أبو عبيدة: جماعات في تفرقة،جاءت الطّير أبابيل من هاهنا و هاهنا.و لم نر أحدا يجعل لها واحدا.

(2:312)

ابن هشام: الجماعات.و لم تتكلّم لها العرب بواحد علمناه.(1:56)

ابن قتيبة: جماعات متفرّقة.(539)

مثله القشيريّ.(6:338)

الطّبريّ: و أرسل عليهم ربّك طيرا متفرّقة،يتبع بعضها بعضا من نواح شتّى،و هي جماع لا واحد لها،مثل الشّماطيط و العباديد،و نحو ذلك.(30:296)

الزّجّاج: جماعات من هاهنا،و جماعات من هاهنا.

(الأزهريّ 15:389)

السّجستانيّ: جماعات في تفرقة،أي حلقة حلقة.

واحدها إبّالة و إبّول،و إبّيل.و يقال:هو جمع لا واحد له.

(225)

النّحّاس: إنّها جماعات عظام،يقال:فلان يؤبّل على فلان أي يعظم عليه و يكثر،و هو مشتقّ من الإبل.

(القرطبيّ 20:197)

الرّاغب: أي متفرّقة كقطعات إبل،الواحد أبيل.(8)

البغويّ: كثيرة متفرّقة يتبع بعضها بعضا.و قيل:

أقاطيع كالإبل المؤبّلة.(7:245)

مثله الخازن(7:245)،و الطّبرسيّ(5:542).

الميبديّ: كثيرة متفرّقة يتبع بعضها بعضا.قيل:لا واحد لها من لفظها.و قيل:واحدها إبّالة.و قيل:إبّول، مثل عجّول و عجاجيل.(10:620)

نحوه أبو حيّان.(8:511)

الرّازيّ: فإن قيل:ما معنى الأبابيل،و هل هو واحد أو جمع؟

قلنا:معناها جماعات في تفرقة،أي حلقة حلقة.

و قيل:الّتي يتبع بعضها بعضا.و قيل:الكثيرة.و قيل:

المختلفة الألوان.و قال الفرّاء و أبو عبيدة:لا واحد لها.

و قيل:واحدها أبال و أبول و أبيل.

(مسائل الرّازيّ:383)

القرطبيّ: قالت عائشة:هي أشبه شيء بالخطاطيف.و قيل:بل كانت أشباه الوطاويط،حمراء و سوداء.(20:196)

البيضاويّ: جماعات،جمع إبّالة،و هي الحزمة الكبيرة،شبّهت بها الجماعة من الطّير في تضامّها.

و قيل:لا واحد لها كعباديد و شماطيط.(2:576)

مثله أبو السّعود.(5:285)

الطّريحيّ: أي جماعات في تفرقة،أي حلقة حلقة.واحدها أبول و أبيل،بالكسر فيهما.

و يقال في طير أبابيل:هو طير يعيش بين السّماء و الأرض و يفرّخ،و لها خراطيم كخراطيم الطّير،و أكفّ كأكفّ الكلاب.

و قيل:هي طير خضر خرجت من لجّة البحر،لها رءوس كرءوس السّباع.

و قيل:كالوطاويط.(5:303)

ص: 128

البروسويّ: أي جماعات،لأنّها كانت أفواجا، فوجا بعد فوج متتابعة بعضها على إثر بعض،أو من هاهنا و هاهنا،جمع إبّالة،و هي الحزمة الكبيرة،شبّهت بها الجماعة من الطّير في تضامّها.

و قيل:أبابيل مفرد كعباديد،و معناه الفرق من النّاس الذّاهبون في كلّ وجه،و كشماطيط،و معناه القطع المتفرّقة.و فيه أنّها لو كانت مفردات لأشكل قول النّحاة:إنّ هذا الوزن من الجمع يمنع صرفه لأنّه لا يوجد في المفردات.(10:517)

نحوه الآلوسيّ.(30:236)

العامليّ: هو طير معروف جعله اللّه من جنوده المهلكة لأصحاب الفيل.(78)

محمّد عبده: [قال بعد ما حكى فشوّ الجدريّ بين الجيش:]

هذا ما اتّفقت عليه الرّوايات،و يصحّ الاعتقاد به.

و قد بيّنت لنا هذه السّورة الكريمة أنّ ذلك الجدريّ أو تلك الحصبة نشأت من حجارة يابسة سقطت على أفراد الجيش بواسطة فرق عظيمة من الطّير ممّا يرسله اللّه مع الرّيح.

فيجوز لك أن تعتقد أنّ هذا الطّير من جنس البعوض أو الذّباب الّذي يحمل جراثيم بعض الأمراض، و أن تكون هذه الحجارة من الطّين المسموم اليابس الّذي تحمله الرّياح فيعلق بأرجل هذه الحيوانات،فإذا اتّصل بجسد دخل في مسامّه،فأثار فيه تلك القروح الّتي تنتهي بإفساد الجسم و تساقط لحمه.و أنّ كثيرا من هذه الطّيور الضّعيفة يعدّ من أعظم جنود اللّه في إهلاك من يريد إهلاكه من البشر،و أنّ هذا الحيوان الصّغير الّذي يسمّونه الآن بالمكروب لا يخرج عنها.و هو فرق و جماعات لا يحصي عددها إلاّ بارئها.و لا يتوقّف ظهور أثر قدرة اللّه تعالى في قهر الطّاغين،على أن يكون الطّير في ضخامة رءوس الجبال،و لا على أن يكون من نوع عنقاء مغرب،و لا على أن يكون له ألوان خاصّة به،و لا على معرفة مقادير الحجارة و كيفيّة تأثيرها.فللّه جند من كلّ شيء.(سيّد قطب 6:3976)

مجمع اللّغة: جماعات متفرّقة،و هو جمع لا واحد له.و يجيء في معنى التّكثير.(1:2)

بنت الشّاطئ: سأل نافع بن الأزرق عن قوله تعالى:(أبابيل)،فقال ابن عبّاس:ذاهبة و جائية تنقل الحجارة بمناقيرها،فتبلبل عليهم رءوسهم.

و لمّا سأله نافع:و هل تعرف العرب ذلك؟أجاب:

نعم،أ ما سمعت قول الشّاعر:

و بالفوارس من ورقاء قد علموا

أحلاس خيل على جرد أبابيل

الكلمة من آية الفيل في أصحابه: وَ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ الفيل:3،وحيدة في القرآن كلّه.

و تفسير ابن عبّاس،هو من قبيل الشّرح للكلمة في آيتها و سياقها،و ليس من دلالة(أبابيل)منفردة.كما ليس من دلالتها في الشّاهد الشّعريّ:«جرد أبابيل»أن تذهب و تجيء،تنقل الحجارة بمناقيرها.و إنّما أخذه ابن عبّاس في شرحه للكلمة،من كونها وصفا لطير، تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ الفيل:4،فكأنّ(أبابيل) في شرح ابن عبّاس،تعني تبلبل عليهم رءوسهم.

ص: 129

و الكلمة فيما قالوا:معرّبة.و قد عرفنا العربيّة فيما تأخذ من ألفاظ أعجميّة،تعطيها حسّ الدّلالة من مادّتها أو ممّا استعملتها فيه.و هي قد استعملت الإبّالة في الحزمة من الحطب،و الإبل المؤبّلة:المجموعة.

و كرّرت الباء و اللاّم في كلّ ما فيه ملحظ اختلاط و اضطراب،مأخوذا من بلبلة الأسنّة،أي اختلاطها، و بلبل القوم:هيّجهم.و منه البلبلة في عجمة اللّسان و اضطراب مسلكه في النّطق من اختلاط الألسنة.

و البلبل للطّائر المعروف،ينطق مردّدا ما يسمعه دون وعي أو إبابة.و فارقت بين الحسّيّ في البلبلة و المعنويّ في البلبال،للهمّ الشّديد يضطرب له البال من اختلاط الوساوس،و كثرة الهواجس.و كلّ ذلك ممّا يعطي كلمة «أبابيل»حسّ التّأبيل و البلبلة و البلبال.

ثمّ تأخذ من سياق الآية ما في شرح ابن عبّاس من «بلبلة رءوسهم بما تنقل من حجارة»،و إن قصّرت جملة«تنقل من حجارة»،عن التّعبير القرآنيّ:

تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ الفيل:4،و قصّر الشّرح«تبلبل عليهم رءوسهم»عن التّدمير السّاحق الماحق،في قوله تعالى: فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ الفيل:5،فضلا عمّا لا وجه له من تقييد نقل الحجارة بمناقيرها.

و الآية أطلقت الرّمي من كلّ قيد،بالمناقير أو بالمخالب...،و اللّه أعلم.(الإعجاز البيانيّ:386)

المصطفويّ:طائرات قطيعة قطيعة لها القدرة و المقاومة و الاستقامة و الصّبر حتّى ينلن ما يردن.

(1:12)

الأصول اللّغويّة

1-الأصل فيه الكثرة-كما سيأتي في«إبل»-و لا يخرج عن دائرة هذا المعنى مطلقا،و قد أطبقت أقوال اللّغويّين على ذلك.و العرب تستعمل هذا اللّفظ صفة على الدّوام؛فإذا ما أرادوا أن يمعنوا في موصوف و يبالغوا فيه استعملوه صفة له،فيقولون:طير أبابيل،و خيل أبابيل،لبيان كثرتها.و يقولون أيضا:جاءت إبلك أبابيل،و جاءت الخيل أبابيل،للمبالغة في وصف كثرتها عند المجيء.

2-و إذا كان اللّغويّون اتّفقوا في معناه،فالنّحويّون تفرّقوا في مبناه،فهم مختلفون في هل أنّه جمع أو اسم جمع؟و الّذين اتّفقوا في كونه جمعا اختلفوا في واحده على أقوال:فقيل:هو إبّيل،مثل:سكّين و سكاكين.و قيل:

إبّول،مثل:عجّول و عجاجيل.و قيل:إبّال،مثل:دينار و دنانير.و قيل:إبّالة،مثل:صنّارة و صنانير.و قيل:

أبّالة.و قيل:أبّال.

3-فمن ذهب إلى كونه اسم جمع استدلّ بالسّماع، و جعله مثل الشّعارير و الشّعاليل و العبابيد و غيرها من الألفاظ الّتي ليس لها مفرد في اللّغة.و من قال بجمعه استدلّ بالقياس،و مثّل بالألفاظ الآنفة الذّكر.إلاّ أنّ قياسه بلفظ«إيبالة»غير مستقيم،لأنّه على وزن «إفعالة»و لفظ«دينار»على وزن«فعّال»على الصّحيح، فهو مثال إبّال لا إيبالة.

و قياس واحد«أبابيل»بلفظي:أبّال و أبّالة،غير معروف في اللّغة،و إلاّ لذكروا مثالا لكلّ منهما.و لكنّ هذين الوزنين يطّردان في المبالغة،مثل:نوّاح و نوّاحة،

ص: 130

و في الحرف،مثل:فلاّح و فلاّحة.

و يمكننا أن نقيسه أيضا بألفاظ أخرى،و هي:أبّول، مثل:مكّوك و مكاكيك،و أبّول،مثل:دبّوس و دبابيس، و أبّال،مثل:درّاج و دراريج،لتصبح عشرة مع ما تقدّم.

4-و الأرجح فيه أنّه اسم جمع لا واحد له من لفظه.

و الّذي جعلنا نعوّل على هذا الرّأي هو أنّ أغلب الألفاظ الّتي وردت على غراره لفظا و معنى هي أسماء جموع، و ما هذه الألفاظ الّتي زعموا أنّها واحد أبابيل سوى أمثلة خاضعة للقياس،و يمكنهم أن يضيفوا إليها ألفاظا أخرى كما فعلنا نحن.و لو كان له مفرد معروف لما اختلفوا فيه كما لم يختلف اثنان في مفرد أباريق على الرّغم من كونه أعجميّا.فالقياس عند النّحويّين حجّة عند غياب السّماع؛فهذا سيبويه أمير القياس يقول في «عباديد»:لأنّه لا واحد له،فواحده على«فعلول»أو «فعليل»أو«فعلال»في القياس،«راجع الصّحاح 1:

501»فعدم وجود مفرد للفظ في اللّغة سبب لصناعة مفرد له.

الاستعمال القرآنيّ

1-ذكر اللّه تعالى الفيل-و هو أكبر الحيوانات جسما-مع أبابيل-و هي من أصغرها-فدفع الأكبر بالأصغر إشارة إلى عظيم قدرته،و شديد سطوته.

2-و يتبادر إلى الذّهن أنّ الطّير ذات قدرة و إن كانت صغيرة؛لكونها في السّماء تشرف على ما في الأرض و لو كان كبيرا و أنّ السّلاح الجوّي مهما كان،هو أقوى من السّلاح الأرضيّ كيفما كان،لأنّه مهيمن عليه، فعلى المجاهدين المسلمين أن ينصبّ اهتمامهم بالسّلاح الجوّي و القوى الجوّيّة.

3-و جاءت كلّ من ألفاظ(الفيل)و(تضليل) و(أبابيل)مرّة واحدة في القرآن،نظرا لقلّة استعمالها عند العرب.و يستعمل القرآن مثل هذه الألفاظ للتّخويف و التّهويل كما في(عتلّ)،و استعمل لفظ(سجّيل)-و هي قليلة الاستعمال أيضا في القرآن-ثلاث مرّات فقط،مرّة هنا و مرّتين في قوم لوط الّذين تضاعفت شناعتهم حيث قال: وَ أَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ هود:

82، وَ أَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ الحجر:74، فاستعمل بإزاء كلّ لفظ من الألفاظ الثّلاثة مرّة مع ما فيها من تشبيه أصحاب الفيل بقوم لوط في شناعة العمل، فقد أمطر اللّه عليهم حجارة من سجّيل،و قال في أصحاب الفيل وَ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ* تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ فجاء الرّمي بإزاء الإمطار، و الإمطار يحكي كثرتها،و الرّمي يحكي شدّتها.

إبل

النّصوص اللّغويّة

ابن عبّاس: لمّا قتل ابن آدم أخاه تأبّل آدم،أي ترك غشيان حوّاء حزنا على ولده.

(الأزهريّ 15:389)

الشّعبيّ: الأبلة:كالتّكرمة للإبل،و هو أن تحسن القيام عليها.(ابن فارس 1:40)

قضى أبلته من كذا،أي حاجته.(ابن فارس 1:43)

ص: 131

أبو نصر الباهليّ: إبل مؤبّلة،إذا كانت للقنية.

(الأزهريّ 15:388)

أبو عمرو ابن العلاء: رأيت عمانيّا راكبا و أبوه يمشي فقلت له:أ تركب و أبوك يمشي؟فقال:إنّه لا يأتبل أي لا يثبت على الإبل.(ابن دريد 3:211)

الخليل: الإبل المؤبّلة:الّتي جعلت قطيعا قطيعا، نعت في الإبل خاصّة.

و الإبّول:طول الإقامة في المرعى و الموضع.

و رجل آبل:ذو إبل.و حمار آبل:مقيم في مكانه لا يبرح.

و أبلت الإبل تأبل أبلا،أي اجتزأت بالرّطب عن الماء.و تأبّل الرّجل عن امرأته تأبّلا،أي اجتزأ عنها كما يجتزئ الوحش عن الماء.

و الأبيل:من رءوس النّصارى،و هو الأيبليّ.

و قوله جلّ و عزّ: وَ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ الفيل:3،أي يتبع بعضها بعضا إبّيلا إبّيلا،أي قطيعا خلف قطيع،و خيل أبابيل كذلك.

و الأبل:الرّطب.و قال بعضهم:اليبيس.

و الأبلّ:الشّديد الخصومة.[ثمّ استشهد بشعر]

و أبلّ عليهم،و أبرّ أيضا،أي غلبهم خبثا.

و قيل:الإبّالة:الحزمة من الحطب.(8:342)

الأخفش: و المؤبّل:المكمّل،يقال:إبل مؤبّلة،كما يقال:مائة ممآة.(القاليّ 2:135)

سيبويه: و الإبل:بناء نادر،لم يجئ على«فعل» بكسر الفاء و العين من الأسماء إلاّ حرفان«إبل» و«حبر»و هو القلح[الحمار المسنّ]،و من الصّفات إلاّ حرف،و هي:امرأة بلز،و هي الضّخمة،و بعض الأئمّة يذكر ألفاظا غير ذلك لم يثبت نقلها عن سيبويه.

(الفيّوميّ 1:2)

الكسائيّ: أبلت الوحش تأبل أبلا،إذا جزأت بالرّطب عن الماء.(الأزهريّ 15:387)

أبو عمرو الشّيبانيّ: نوق أوابل:جزأت عن الماء بالرّطب.(الزّبيديّ 7:201)

الأبلة:العاهة.و في الحديث:«لا تبع الثّمر حتّى تأمن عليه الأبلة».(الأزهريّ 15:387)

الفرّاء: يقال:فلان يؤبّل على فلان،إذا كان يكثّر عليه،و تأويله التّفخيم و التّعظيم،و من ذلك سمّيت الإبل لعظم خلقها.(ابن فارس 1:41)

الأبلات:الأحقاد،الواحدة أبلة.

(ابن فارس 1:43)

إنّه لأبل مال على«فعل»و ترعية مال و إزاء مال، إذا كان قائما عليها.(الأزهريّ 15:388)

أبو زيد: يقال:رجل أبل،و قد أبل بالمال يأبل أبلا،إذا لم يرض للمال بمرتع سوء،و لا مشرب سوء، و أحسن رعيتها إبلا كانت أو شاء.(247)

سمعت ردّاد الكلابيّ يقول:تأبّل فلان إبلا و تغنّم غنما، إذا اتّخذها.(الأزهريّ 15:388)

يقال:ما لي إليك أبلة بفتح الألف و كسر الباء،أي حاجة.و يقال أنا أطلبه بأبلة،أي ترة.

(ابن فارس 1:43)

الأصمعيّ: المؤبّلة من الإبل:الّتي تتّخذ للقنية لا يحمل عليها،و إبل سابيا،إذا كانت للنّتاج،و إبل

ص: 132

مقترفة،إذا كانت مستحدثة.(ابن السّكّيت:69)

أبل الرّجل يأبل إبالة،إذا حذق مصلحة الإبل و الشّاء.و إنّ فلانا لا يأتبل،أي لا يثبت على رعية الإبل و لا يقيم عليها فيما يصلحها.

و إبل مؤبّلة:كثيرة.و إبل أوابل:قد جزأت بالرّطب عن الماء.(الأزهريّ 15:387)

يقال:للبعير قد أبل يأبل،إذا اجتزأ بالرّطب عن الماء.(الكنز اللّغويّ:103)

الأبالة:الاجتزاء،يقال:ما تقطّعت الأبالة عن الإبل بعد.(الكنز اللّغويّ:130)

اللّحيانيّ: أبّنت الميّت تأبينا،و أبّلته تأبيلا،إذا أثنيت عليه بعد وفاته.(الأزهريّ 15:390)

أبو عبيد: فلان لا يأتبل،أي لا يثبت على الإبل إذا ركبها،و كذلك إذا لم يقم عليها فيما يصلحها.

(الجوهريّ 4:1619)

إبل أوابل،و أبّل و أبّال،أي جوازئ.

(ابن فارس 1:41)

ابن الأعرابيّ: رجل آبل،إذا كان صاحب إبل، و أبل بوزن«فعل»إذا كان حاذقا برعيها،و قد أبل يأبل، و هو من آبل النّاس،أي أحذقهم بالإبل.و يقولون:«هو آبل من حنيف الحناتم».(ابن فارس 1:40)

أبلت تأبل أبلا،إذا رعت في الكلأ،و الكلأ:الرّطب و اليابس.فإذا أكلت الرّطب فهو الجزء.

(ابن فارس 1:41).

ناقة أبلة،أي شديدة.(ابن فارس 1:42)

ابن السّكّيت: رجل آبل:حاذق برعية الإبل.

و قد أبّل الرّجل فهو مؤبّل،إذا كثرت إبله.و يقال:فلان من آبل النّاس،أي أشدّهم تأنّقا في رعية الإبل.

(إصلاح المنطق:326)

أبو حاتم: الإبل:يقال لمسانّها و صغارها،و ليس لها واحد من اللّفظ،و الجمع:آبال.

(ابن فارس 1:40)

يقال:لفلان إبل أي له مائة من الإبل،جعل ذلك اسما للإبل المائة،كهنيدة.و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم:«النّاس كإبل مائة ليست فيها راحلة».

(ابن فارس 1:41)

المبرّد: تقول:هذه إبل،لأنّه اسم وقع في الأصل للجماعة من غير الآدميّين،فإذا صغّرت قلت:أبيلة، فتأنيثه كتأنيث الواحد.(المذكّر و المؤنّث:110)

كراع النّمل:أبل يأبل أبلا:غلب و امتنع.

(ابن سيده 10:410)

و الإبلة:العداوة.(ابن منظور 11:8)

ابن دريد:رجل أبل و آبل:حسن القيام على الإبل،و رجل لا يأتبل،أي لا يثبت على الإبل.

و إبل مؤبّلة،أي مجموعة.و أبل الوحشيّ يأبل أبلا، و أبل يأبل،إذا اجتزأ بالرّطب عن الماء.(3:211)

القاليّ: يقال:«ضغث على إبّالة»،يضرب مثلا للرّجل تكلّفه الثّقل ثمّ تزيده على ذلك.الإبّالة:الحزمة من الحطب.(1:178)

المؤبّلة:الجماعة من الإبل.(2:135)

المؤبّلة:المجتمعة،و يقال:الّتي جست للقنية.

(2:290)

ص: 133

الأزهريّ:رجل أبل بالإبل بيّن الأبلة،إذا كان حاذقا بالقيام عليها.و العرب تقول:إنّه ليروح على فلان إبلان،إذا راحت إبل مع راع و إبل مع راع آخر.

و أقلّ ما يقع عليه اسم الإبل:الصّرمة،و هي الّتي جاوزت الذّود[:من 3 إلى 30]إلى الثّلاثين،ثمّ الهجمة:

أوّلها الأربعون إلى ما زادت،ثمّ هنيدة:مائة من الإبل.

و تجمع الإبل:آبال.

و قال أبو مالك:إنّ ذلك الأمر ما عليك فيه أبلة و لا أبنة،أي لا عيب عليك فيه.

و يقال:إن فعلت ذاك فقد خرجت من أبلته،أي من تبعته و مذمّته.(15:388،390)

الصّاحب:فلان له إبل،أي له مائة من الإبل، و إبلان:مائتان.(الزّبيديّ 7:198)

من المجاز أبل يأبل أبلا،إذا نسك،و أبل بالعصا:

ضرب بها.(الزّبيديّ 7:199)

أرض مأبلة كمقعدة:ذات إبل،و أبّل الرّجل تأبيلا،أي اتّخذ إبلا و اقتناها.(الزّبيديّ 7:201)

أبل الشّجر يأبل أبولا:نبت في يبيسه خضرة تختلط به فيسمن المال عليه.(الزّبيديّ 7:201)

الجوهريّ: الإبل:لا واحد لها من لفظها،و هي مؤنّثة،لأنّ أسماء الجموع الّتي لا واحد لها من لفظها إذا كانت لغير الآدميّين فالتّأنيث لها لازم.و إذا صغّرتها أدخلتها الهاء،فقلت:أبيلة و غنيمة،و نحو ذلك.و ربّما قال للإبل:إبل،يسكّنون الباء للتّخفيف،و الجمع:

آبال.و إذا قالوا:إبلان و غنمان فإنّما يريدون قطيعين من الإبل و الغنم.

و أرض مأبلة:ذات إبل.

و النّسبة إلى الإبل إبليّ؛يفتحون الباء استيحاشا لتوالي الكسرات.

و إبل أبّل،مثال قبّر،أي مهملة،فإن كانت للقنية فهي إبل مؤبّلة،فإن كانت كثيرة قيل:إبل أوابل.

و أبلت الإبل و الوحش تأبل و تأبل أبولا،أي اجتزأت بالرّطب عن الماء.الواحد آبل،و الجمع:أبّال، مثل كافر و كفّار.

و أبل الرّجل عن امرأته،إذا امتنع من غشيانها، و تأبّل.و في الحديث:«لقد تأبّل آدم عليه السّلام على ابنه المقتول كذا و كذا عاما لا يصيب حوّاء».

و أبل الرّجل بالكسر يأبل إبالة،مثل شكس شكاسة و تمه تماهة،فهو أبل و آبل،أي حاذق بمصلحة الإبل،و فلان من آبل النّاس،أي من أشدّهم تأنّقا في رعية الإبل و أعلمهم بها.

و رجل إبليّ بفتح الباء،أي صاحب إبل.و أبّل الرّجل،أي اتّخذ إبلا و اقتناها.و أبلت الإبل،أي اقتنيت،فهي مأبولة.

و الأبلة بالتّحريك:الوخامة و الثّقل من الطّعام.و في الحديث:«كلّ مال أدّيت زكاته فقد ذهبت أبلته»، و أصله و بلته من الوبال،فأبدل بالواو الألف،كقولهم:

أحد،و أصله وحد.

و الإبّالة بالكسر:الحزمة من الحطب.و في المثل:

«ضغث على إبّالة»أي بليّة على أخرى كانت قبلها.و لا تقل:إيبالة،لأنّ الاسم إذا كان على«فعّالة»بالهاء، لا يبدل من أحد حرفي تضعيفه ياء،مثل صنّارة و دنّامة،

ص: 134

و إنّما يبدل إذا كان بلا هاء مثل دينار و قيراط.و بعضهم يقول:إبالة مخفّفا.(4:1618)

ابن فارس: الهمزة و الباء و اللاّم بناء على أصول ثلاثة:على الإبل،و على الاجتزاء،و على الثّقل و على الغلبة.

و الإبلات:الإبل،و أبّل الرّجل:كثرت إبله فهو مؤبّل.و مال مؤبّل:في الإبل خاصّة،و هو كثرتها و ركوب بعضها بعضا.و فلان لا يأتبل،أي لا يثبت على الإبل.

و الأبلة:الثّقل،و في الحديث:«كلّ مال أدّيت زكاته فقد ذهبت أبلته».

و الإبّالة:الحزمة من الحطب.(1:39)

الهرويّ: في الحديث:«تأبّل آدم على حوّاء بعد مقتل ابنه»أي توحّش عنها،و ترك غشيانها،يقال:

أبلت الإبل و تأبّلت،إذا اجتزأت بالرّطب عن الماء.

(1:10)

ابن سيده: الإبل و الأبل-الأخيرة عن كراع-:

معروف،لا واحد له من لفظه.

و الجمع:آبال،و حكى سيبويه:إبلان قال:لأنّ إبلا اسم لم يكسّر عليه و إنّما يريدون قطيعين،[قال]أبو الحسن:

و إنّما ذهب سيبويه إلى الإيناس بتثنية الأسماء الدّالّة على الجمع،فهو يوجّهها إلى الألفاظ الآحاد،و لذلك قال:و إنّما يريدون قطيعين.و قوله:لم يكسّر عليه:لم يضمر في يكسّر.

و تأبّل إبلا:اتّخذها.

و أبّل الرّجل و آبل:كثرت إبله.

و رجل أبل و آبل و إبليّ:ذو إبل.

و أبّال:يرعى الإبل.

و أبل يأبل إبالة،و أبل أبلا فهو آبل و أبل:حذق مصلحة الإبل و الشّاء.

و حكى سيبويه: هو من آبل النّاس،قال:و لا فعل له.

و إنّه لا يأتبل،أي لا يثبت على رعية الإبل،و لا يحسن مهنتها،و قيل:لا يثبت عليها راكبا.

و تأبيل الإبل صنعتها و تسمينها،حكاه عن أبي زياد أبو حنيفة.

و أبلت الإبل و الوحش تأبل و تأبل أبلا و أبولا و أبلت و تأبّلت:جزأت على الماء بالرّطب.[ثمّ استشهد بشعر] و أبل الرّجل عن امرأته و تأبّل:اجتزأ عنها.

و في الحديث:«أبل آدم على ابنه المقتول كذا و كذا عاما لا يصيب حوّاء»أي امتنع من غشيانها.و يروى تأبّل.

و أبلت الإبل بالمكان أبولا:أقامت.[ثمّ استشهد بشعر] و إبل أوابل و أبّل و أبّال و مؤبّلة:كثيرة.و قيل:هي الّتي جعلت قطيعا قطيعا،و قيل:هي المتّخذة للقنية.[ثمّ استشهد بشعر]

و أبل يأبل أبلا:غلب و امتنع-عن كراع-و المعروف:

أبّل.(10:408)

الرّاغب: الإبل:يقع على البعران الكثيرة،و لا واحد له من لفظه.

و أبل الوحشيّ يأبل أبولا و أبل أبلا:اجتزأ عن الماء تشبّها بالإبل في صبرها عن الماء.و كذلك تأبّل الرّجل عن امرأته،إذا ترك مقاربتها.

و أبل الرّجل:كثرت إبله.و فلان لا يأبل،أي

ص: 135

لا يثبت على الإبل إذا ركبها.

و رجل آبل و أبل:حسن القيام على إبله.و إبل مؤبّلة:مجموعة.

و الإبالة:الحزمة من الحطب تشبيها به.(8)

الزّمخشريّ: لقد تأبّل آدم على ابنه المقتول كذا و كذا عاما لا يصيب حوّاء،أي امتنع من غشيان حوّاء متفجّعا على ابنه،فعدّي ب«على»لتضمّنه معنى تفجّع، و هو من:أبلت الإبل و تأبّلت،إذا جزأت.

(الفائق 1:19)

ابن برّيّ: الأبلة محرّكة:الحقد.

(الزّبيديّ 7:210)

ابن الأثير: «لا تبع الثّمرة حتّى تأمن عليها الأبلة» الأبلة بوزن العهدة:العاهة و الآفة.

و في حديث يحيى بن يعمر:«كلّ مال أدّيت زكاته فقد ذهبت أبلته»و يروى و بلته.الأبلة بفتح الهمزة و الباء:الثّقل و الطّلبة،و قيل:هو من الوبال.فإن كان من الأوّل فقد قلبت همزته في الرّواية الثّانية واوا،و إن كان من الثّاني فقد قلبت واوه في الرّواية الأولى همزة.

و في حديث ضوالّ الإبل:«أنّها كانت في زمن عمر إبلا مؤبّلة لا يمسّها أحد»،إذا كانت الإبل مهملة قيل:

إبل أبّل،فإذا كانت للقنية قيل:إبل مؤبّلة،أراد أنّها كانت لكثرتها مجتمعة حيث لا يتعرّض إليها.

و في الحديث:«كان عيسى عليه السّلام يسمّى أبيل الأبيلين»الأبيل،بوزن الأمير:الرّاهب،سمّي به لتأبّله عن النّساء و ترك غشيانهنّ،و الفعل منه:أبل يأبل إبالة، إذا تنسّك و ترهّب.

و في حديث الاستسقاء:«فألّف اللّه بين السّحاب فأبلنا»أي مطرنا وابلا،و هو المطر الكثير القطر.و الهمزة فيه بدل من الواو،مثل أكّد و وكّد.و قد جاء في بعض الرّوايات«فألّف اللّه بين السّحاب فوبلتنا»جاء به على الأصل.(1:15)

الصّغانيّ: الأبل:الرّطب و اليبيس.

(الأضداد:222)

أبو حيّان: الإبل:لا واحد له من لفظه،و هو مؤنّث، و لذلك إذا صغّر دخلته التّاء فقالوا:أبيلة،و قالوا في الجمع:آبال.و قد اشتقّوا من لفظه فقالوا:تأبّل الرّجل.

و تعجّبوا من هذا الفعل على غير قياس،فقالوا:ما آبل زيدا.

و إبل:اسم جاء على«فعل»و لم يحفظ سيبويه ممّا جاء على هذا الوزن غيره.(8:464)

مثله الآلوسيّ.(30:116)

الفيّوميّ: الإبل:اسم جمع لا واحد لها و هي مؤنّثة، لأنّ اسم الجمع الّذي لا واحد له من لفظه إذا كان لما لا يعقل يلزمه التّأنيث،و تدخله الهاء إذا صغّر نحو:أبيلة و غنيمة،و سمع إسكان الباء للتّخفيف،و الجمع:آبال و أبيل،وزان عبيد،و إذا ثنّي أو جمع فالمراد قطيعان أو قطيعات،و كذلك أسماء الجموع نحو أبقار و أغنام.

و«الإبل»بناء نادر.(1:2)

الفيروزآباديّ: الإبل-بكسرتين و تسكّن الباء- معروف،واحد يقع على الجمع ليس بجمع و لا اسم جمع،جمعه:آبال،و تصغيرها أبيلة،و السّحاب الّذي يحمل ماء المطر،و يقال:إبلان للقطيعين.

ص: 136

و تأبّل إبلا:اتّخذها،و أبل كضرب:كثرت إبله كأبّل و آبل،و غلب و امتنع كأبّل.

و الإبل و غيرها تأبل و تأبل أبلا و أبولا:جزأت عن الماء بالرّطب،كأبلت كسمعت و تأبّلت،الواحد آبل، جمعه:أبّال،أو هملت فغابت و ليس معها راع،أو تأبّدت،و عن امرأته:امتنع عن غشيانها كتأبّل و نسك، و بالعصا:ضرب.

و الإبل أبولا:أقامت بالمكان.

و أبل كنصر و فرح إبالة و أبلا فهو آبل و أبل:حذق مصلحة الإبل و الشّاء،و أنّه من آبل النّاس:من أشدّهم تأنّقا في رعيتها.

و أبلت الإبل كفرح و نصر:كثرت،و أبل العشب أبولا:طال فاستمكن منه الإبل،و أبله أبلا:جعل له إبلا سائمة.

و إبل مؤبّلة كمعظّمة:للقنية.و كقبّر:مهملة.

و أوابل:كثيرة.

و أبابيل:فرق جمع بلا واحد.و الإبّالة كإجّانة و يخفّف،و كسكّيت و عجّول و دينار:القطعة من الطّير و الخيل و الإبل،أو المتتابعة منها.

و كأمير:العصا و الحزين بالسّريانيّة،و رئيس النّصارى أو الرّاهب أو صاحب النّاقوس،كالأيبليّ و الأيبليّ و الهيبليّ و الأبليّ بضمّ الباء،و الأيبل و الأيبل و الأيبليّ جمعه:آبال و أبل بالضّمّ.

و الحزمة من الحشيش كالأبيلة،و الإبّالة كإجّانة و الإيبالة و الوبيلة،و يريدون بأبيل الأبيلين عيسى صلوات اللّه و سلامه عليه.

و الإبالة ككتابة:السّياسة،و الأبلة كفرحة:الطّلبة و الحاجة،و المباركة من الولد.

و أنّه لا يأتبل:لا يثبت على رعية الإبل و لا يحسن مهنتها،أو لا يثبت عليها راكبا.

و تأبيل الإبل:تسمينها.و رجل آبل و ككتف و إبليّ بكسرتين و بفتحتين:ذو إبل و كشدّاد:يرعاها.

و الإبلة بالكسر:العداوة،و بالضّمّ:العاهة، و بالفتح أو بالتّحريك:الثّقل،و الوخامة كالأبل محرّكة و الإثم،كعتلّة:تمر يرضّ بين حجرين و يحلب عليه لبن، و الفدرة من التّمر.

و تأبيل الميّت:تأبينه.

و الأبل:الرّطب أو اليبيس و يضمّ،و بضمّتين:

الخلفة من الكلإ.

و جاء في إبالته بالكسر،و أبلّته بضمّتين مشدّدة:

أصحابه و قبيلته،و هو من إبلّة سوء مشدّدة بكسرتين و بضمّتين:طلبة و إبلاته و إبّالته بكسرهما.

«و ضغث على إبّالة»كإجّانة و يخفّف:بليّة على أخرى أو خصب على خصب،كأنّه ضدّ،و آبل كصاحب:بلدة.

و بعير أبل ككتف:لحيم،و ناقة أبلة:مباركة في الولد،و ككتابة:شيء تصدّر به البئر،و قد أبلتها فهي مأبولة،و الحزمة الكبيرة من الحطب،و يضمّ كالبلة كثبة.

و أرض مأبلة:ذات إبل،و أبّل تأبيلا:اتّخذ إبلا و اقتناها.(3:336)

البروسويّ: الإبل:اسم جمع لا واحد لها من لفظها،و إنّما واحدها بعير و ناقة و جمل.(10:416)

ص: 137

رشيد رضا:الإبل:اسم جمع لجنس الأباعر[إلى أن قال:]

و مفرده بعير،و هو يقع في أصل اللّغة على الذّكر و الأنثى مثل الإنسان،و لكنّه غلب في عرف المولّدين على الذّكر،و إنّما الجمل اسم للذّكر كالرّجل في النّاس، و النّاقة للأنثى كالمرأة.(8:142)

مجمع اللّغة:الإبل:الجمال،و لا واحد لها من لفظها.(1:2)

المصطفويّ: لا يبعد أن يكون الأصل الواحد في هذه المادّة هو الاجتزاء مع الثّقل،أي المفهوم الجامع بين العظمة و القناعة،و الإبل أحد مصاديق هذا المعنى فغلب استعماله فيها.

و أمّا الأبابيل فلعلّها أيضا كانت موصوفة بالاجتزاء و الغلبة،بمعنى اتّصافها بالقوّة و القدرة و القناعة، و الاجتزاء مع كونها قطيعة قطيعة،فهذه الكلمة ليست اسما لنوع مخصوص من الطّير،بل هي اسم صفة تدلّ على هذه الخصوصيّات و الصّفات الممتازة،أي طيرا كانت بهذه الخصوصيّات،و أمّا أنّها من أيّ نوع هي؟ فاللّه أعلم بها.(1:11)

العدنانيّ: الإبّالة و أخواتها:و يخطّئون من يسمّي الحزمة من الحطب أو الحشيش إيبالة،و يقولون:إنّ الصّواب هو إبّالة،و يستشهدون بالمثل المعروف«ضغث على إبّالة»،و الضّغث:هو قبضة من حشيش مختلطة باليابس،و يعتمدون على ما جاء في التّهذيب«حطب» و الصّحاح«حطب»و معجم مقاييس اللّغة«حطب» و العباب«حطب»و اللّسان«حطب أو حشيش» و القاموس«حشيش»و التّاج«حطب أو حشيش»و المدّ «حطب أو حشيش»و محيط المحيط«حطب»و أقرب الموارد«حطب»و المتن«حطب أو حشيش»و المعجم الكبير«حطب أو حشيش»و الوسيط«الحزمة من الأعواد و نحوها»و أعني بالحطب و الحشيش الحزمة الكبيرة منهما.

و لكن نستطيع أن نقول«إيبالة»أيضا،اعتمادا على الأزهريّ،و معجم مقاييس اللّغة،و اللّسان،و التّاج، و ذيل أقرب الموارد،الّذين قالوا:إنّ معناها هو الحزمة الكبيرة من الحطب.و على القاموس و محيط المحيط اللّذين قالا:إنّ معناها هو الحزمة الكبيرة من الحشيش.

و على شفاء الغليل،و المدّ،و المتن،و المعجم الكبير الّذين قالوا:إنّها تعني الحزمة الكبيرة من الحطب أو الحشيش.

و قد خطّأ الصّحاح و العباب من يقول:إيبالة.

و هنالك كلمات أخرى تحمل معنى الإبّالة:

1-الإبالة:قال أسماء بن خارجة:

لي كلّ يوم من ذؤاله ضغث يزيد على إباله

و الأزهريّ،و الصّحاح،و العباب،و محيط المحيط الّذين قالوا:إنّها تعني الحزمة الكبيرة من الحطب.

و اللّسان،و القاموس،و التّاج،و المدّ،و أقرب الموارد و المتن«مجاز»،و المعجم الكبير الّذين قالوا:إنّها تعني الحزمة الكبيرة من الحطب أو الحشيش.و الوسيط الّذي قال:إنّها الحزمة من الأعواد و نحوها.

2-و الأبيلة:المحكم،و اللّسان،و القاموس،و التّاج، و المدّ،و محيط المحيط،و ذيل أقرب الموارد،و المتن، و المعجم الكبير،و الوسيط،و هؤلاء قالوا:إنّ معناها

ص: 138

الحزمة الكبيرة من الحطب أو الحشيش،ما عدا القاموس و محيط المحيط اللّذين قالا:إنّ معناها هو الحزمة الكبيرة من الحشيش.و التّاج الّذي قال:إنّها الحزمة الكبيرة من الحطب.و الوسيط الّذي قال:إنّها الحزمة من الأعواد و نحوها.

3-و الوبيلة:اللّسان،و التّاج،و أقرب الموارد، و الوسيط الّذين قالوا:إنّ معناها هو الحزمة من الحطب.

و القاموس،و محيط المحيط اللّذان قالا:إنّ معناها هو الحزمة من الحشيش.و المتن الّذي قال:إنّها حزمة الحطب أو الحشيش كليهما.

4-و الوبيل:الصّحاح،و ابن خروف في شرح الدّيوان و الصّغانيّ،و اللّسان،و التّاج،و المتن،و جميعهم قالوا:إنّ معناها هو الحزمة الكبيرة من الحطب.

5-و الأبالة:القاموس،و محيط المحيط اللّذان قالا:

إنّ معناها هو الحزمة الكبيرة من الحطب.و المتن الّذي قال:إنّها من المجاز،و معناها الحزمة الكبيرة من الحطب أو الحشيش.

6-و الموبلة:التّهذيب،و اللّسان،و مستدرك التّاج، و جميعها تقول:إنّها تعني الحزمة الكبيرة من الحطب.

7-و الأبيل:المحكم،و اللّسان«الحطب و الحشيش»،و المدّ.

8-و البلة:التّاج«الحطب»،و المتن«الحطب و الحشيش».

و انفرد الصّحاح بذكر الموبل،و معناه الحزمة الكبيرة من الحطب،و انفرد المتن أيضا بذكر:

أ-الإبّيل.

ب-و الإبّيل.

ج-و الإبّول.

د-و الإيبال.

و جميعها تعني الحزمة الكبيرة من الحطب أو الحشيش.

آبال،أبيل:يقول إبراهيم السّامرّائيّ في كتابه«من معجم المتنبيّ»:إنّ جمع المتنبيّ اسم الجمع«إبل»على «آبال»في قوله من قصيدة يمدح بها أبا شجاع فاتكا:

تجري النّفوس حواليه مخلّطة

منها عداة،و أغنام،و آبال.

لم يرد في المعاجم،الّتي بين أيدينا،عدا تهذيب الأزهريّ؛لأنّ«إبل»هو اسم جمع.

و حاول المؤلّف إيجاد عذر للمتنبّي،لجمعه الإبل على آبال،فوجد له عذرين،هما:الضّرورة الشّعريّة، و عطفها على«أغنام»وزان«أفعال».

و في الحقيقة كان السّامرّائيّ في غنى عن اختلاق هذين العذرين،لأنّ خمسة عشر مصدرا-عدا الأزهريّ -قد جمعت الإبل على آبال،هي:الصّحاح،و معجم مقاييس اللّغة،و المحكم،و المختار،و اللّسان،و المصباح، و حياة الحيوان الكبرى للدّميريّ،و القاموس،و التّاج الّذي استشهد بقول الشّاعر:

و قد سقوا آبالهم بالنّار و النّار قد تشفي من الأوار

و المدّ،و محيط،و أقرب الموارد،و المتن،و المعجم الكبير، و الوسيط.

و هنا لك جمع آخر للجمع«إبل»هو:أبيل،كما جاء في المصباح،و مستدرك التّاج،و المدّ،و ذيل أقرب

ص: 139

الموارد،و المتن،و المعجم الكبير.

و يقول التّاج:تسكّن باء«إبل»للتّخفيف على الصّحيح،كما قال الصّغانيّ و ابن جنّيّ.و جوّز كراع، و المصباح،و محمّد الفاسيّ أن تكون«إبل» لغة مستقلّة.(2)

النّصوص التّفسيريّة

أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ الغاشية:17

ابن عبّاس: يريد الأنعام.(القمّيّ 2:418)

الحسن:خصّ الإبل بالذّكر لأنّها تأكل النّوى و القتّ و تخرج اللّبن.

فقيل له:الفيل أعظم في الأعجوبة؟

قال:العرب بعيدة العهد بالفيل،ثمّ هو خنزير لا يؤكل لحمه،و لا يركب ظهره،و لا يحلب درّه.(أبو حيّان 8:464)

أبو عمرو ابن العلاء: من قرأها أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ بالتّخفيف،عنى به البعير،لأنّه من ذوات الأربع،يبرك فتحمل عليه الحمولة،و غيره من ذوات الأربع،لا يحمل عليه إلاّ و هو قائم.و من قرأها بالتّثقيل،فقال:(الإبلّ)،عنى بها السّحاب الّتي تحمل الماء و المطر.(القرطبيّ 20:35)

الفرّاء: عجّبهم من حمل الإبل أنّها تحمل وقرها باركة ثمّ تنهض به،و ليس شيء من الدّوابّ يطيق ذلك إلاّ البعير.(3:258)

المبرّد: الإبل هنا:السّحاب،لأنّ العرب قد تسمّيها بذلك؛إذ تأتي إرسالا كالإبل و تزجي كما تزجي الإبل،و هي في هيئتها أحيانا تشبه الإبل و النّعام.

(أبو حيّان 8:464)

الطّبريّ: أ فلا ينظر هؤلاء المنكرون قدرة اللّه على هذه الأمور،إلى الإبل كيف خلقها و سخّرها لهم و ذلّلها، و جعلها تحمل حملها باركة ثمّ تنهض به.(30:165)

ابن خالويه: قيل:الإبل:السّحاب.و قال آخرون:هي الجمال،لأنّ كلّ ما خلق اللّه يحمل قائما ما خلا الجمل،فإنّه يحمل باركا و ينهض،ففي ذلك أعجوبة.(70)

الثّعلبيّ: قيل في الإبل هنا:السّحاب،و لم أجد لذلك أصلا في كتب الأئمّة.(القرطبيّ 20:35)

الماورديّ:في الإبل وجهان:أحدهما:-و هو أظهرهما و أشهرهما-أنّها الإبل من النّعم،الثّاني:أنّها السّحاب.(القرطبيّ 20:35)

الطّوسيّ: أي أ فلا يتفكّرون بنظرهم إلى الإبل كيف خلقت،و يعتبرون بما خلقه اللّه عليه من عجيب الخلق،و مع عظمه و قوّته يذلّله الصّبيّ الصّغير،فينقاد له بتسخير اللّه،و يبركه و يحمل عليه ثمّ يقوم،و ليس ذلك في شيء من الحيوان،بتسخير اللّه لعباده و نعمته به على خلقه.(10:337)

القشيريّ: في الإبل خصائص تدلّ على كمال قدرته و إنعامه جلّ شأنه؛منها:ما في إمكانهم من الانتفاع بظهورها للحمل و الرّكوب،ثمّ بنسلها،ثمّ بلحمها و لبنها و وبرها،ثمّ من سهولة تسخيرها لهم، حتّى ليستطيع الصّبيّ أن يأخذ بزمامها فتنجرّ وراءه، و الإبل تصبر على مقاساة العطش في الأسفار الطّويلة،

ص: 140

و هي تقوى على أن تحمل فوق ظهورها الكثير من الحمولات،ثمّ حرانها إذا حقدت،و استرواحها إلى صوت من يحدوها عند الإعياء و التّعب،ثمّ ما يعلّل المرء بما يناط بها من برّها.(6:291)

نحوه شبّر.(556)

الرّاغب: قيل:أريد بها السّحاب،فإن يكن ذلك صحيحا فعلى تشبيه السّحاب بالإبل و أحواله بأحوالها.

(8)

الزّمخشريّ: أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ نظر اعتبار كَيْفَ خُلِقَتْ خلقا عجيبا دالاّ على تقدير مقدّر،شاهدا بتدبير مدبّر؛حيث خلقها للنّهوض بالأثقال،و جرّها إلى البلاد الشّاحطة،فجعلها تبرك حتّى تحمل عن قرب و يسر ثمّ تنهض بما حملت، و سخّرها منقادة لكلّ من اقتادها بأزمّتها لا تعاز ضعيفا و لا تمانع صغيرا،و برأها طوال الأعناق لتنوء بالأوقار.

و عن بعض الحكماء أنّه حدّث عن البعير و بديع خلقه،و قد نشأ في بلاد لا إبل بها ففكّر ثمّ قال:يوشك أن تكون طوال الأعناق،و حين أراد بها أن تكون سفائن البرّ،صبّرها على احتمال العطش حتّى أنّ أظماءها لترتفع إلى العشر فصاعدا،و جعلها ترعى كلّ شيء نابت في البراري و المفاوز ممّا لا يرعاه سائر البهائم.

فإن قلت:كيف حسن ذكر الإبل مع السّماء و الجبال و الأرض و لا مناسبة؟

قلت:قد انتظم هذه الأشياء نظر العرب في أوديتهم و بواديهم فانتظمها الذّكر على حسب ما انتظمها نظرهم، و لم يدع من زعم أنّ الإبل السّحاب إلى قوله إلاّ طلب المناسبة،و لعلّه لم يرد أنّ الإبل في أسماء السّحاب كالغمام و المزن و الرّباب و الغيم و الغين،و غير ذلك،و إنّما رأى السّحاب مشبّها بالإبل كثيرا في أشعارهم فجوّز أن يراد بها السّحاب على طريق التّشبيه و المجاز.(4:247)

الطّبرسيّ:كانت الإبل عيسا من عيسهم فيقول:

أ فلا يتفكّرون فيها و ما يخرج اللّه من ضروعها من بين فرث و دم لبنا خالصا سائغا للشّاربين.(5:480)

ابن شهرآشوب: لمّا كانت العرب منفردين عن النّاس،و السّماء لهم سقفا و الأرض لهم وطء و الجبال أمامهم و هي كهف لهم و حصن،و الإبل ملجأهم في الحلّ و التّرحال أكلا و شربا و ركوبا و حملا نزلت الآية.

و ليست الفيلة بأدلّ على اللّه تعالى من البقّة،و لا الطّاوس من القردة،فلذلك قرن الإبل بالسّماء، و الأرض بالجبال.(1:6)

ابن الجوزيّ: قال العلماء:إنّما خصّ الإبل من غيرها لأنّ العرب لم يروا بهيمة قطّ أعظم منها،و لم يشاهدوا الفيل إلاّ الشّاذّ منهم،و لأنّها كانت أنفس أموالهم و أكثرها،لا تفارقهم و لا يفارقونها،فيلاحظون فيها العبر الدّالة على قدرة الخالق،من إخراج لبنها من بين فرث و دم،و من عجيب خلقها،و هي على عظمها مذلّلة للحمل الثّقيل،و تنقاد للصّبيّ الصّغير،و ليس في ذوات الأربع ما يحمل عليه وقره و هو بارك فيطيق النّهوض به سواها.

و قرأ ابن عبّاس و أبو عمران الجونيّ و الأصمعيّ، عن أبي عمرو(الإبل)بإسكان الباء و تخفيف اللاّم و قرأ أبيّ بن كعب و عائشة و أبو المتوكّل و الجحدري و ابن

ص: 141

السّميقع،و يونس بن حبيب و هارون كلاهما عن أبي عمرو(الإبلّ)بكسر الباء و تشديد اللاّم.

قال هارون: قال أبو عمرو:(الإبلّ)بتشديد اللاّم:

السّحاب الّذي يحمل الماء.(9:99)

الفخر الرّازيّ: [له بحث مستوفى في الإبل و خصائصه؛لخّصه النّيسابوريّ كما سيأتي]

(31:157)

القرطبيّ: قال الماورديّ:في الإبل وجهان:

أحدهما:و هو أظهرهما و أشهرهما أنّها الإبل من النّعم، الثّاني:أنّها السّحاب.

فإن كان المراد بها السّحاب فلما فيها من الآيات الدّالّة على قدرته،و المنافع العامّة لجميع خلقه.و إن كان المراد بها الإبل من النّعم،فلأنّ الإبل أجمع للمنافع من سائر الحيوان،لأنّ ضروبه أربعة:حلوبة،و ركوبة، و أكولة،و حمولة.و الإبل تجمع هذه الخلال الأربع، فكانت النّعمة بها أعمّ،و ظهور القدرة فيها أتمّ.

(20:35)

النّسفيّ: تخصيص هذه الأربعة باعتبار أنّ هذا خطاب للعرب و حثّ لهم على الاستدلال،و المرء إنّما يستدلّ بما تكثر مشاهدته له،و العرب تكون في البوادي و نظرهم فيها إلى السّماء و الأرض و الجبال و الإبل،فهي أعزّ أموالهم،و هم لها أكثر استعمالا منهم لسائر الحيوانات،و لأنّها تجمع جميع المآرب المطلوبة من الحيوان،و هي:النّسل و الدّرّ و الحمل و الرّكوب و الأكل، بخلاف غيرها.[ثمّ ذكر نحو الزّمخشريّ](4:352)

النّيسابوريّ: للمحقّقين في نسق الآية و في تناسب هذه الأمور وجوه:

منها:قول أكثر أهل المعاني:إنّ القرآن إنّما نزل بلغة العرب فيجب أن يخاطبوا بحسب ما هو مركوز في خزانة خيالهم،لا ريب أنّ جلّ هممهم مصروفة بشأن الإبل، فمنها يأكلون و يشربون،و من أصوافها و أوبارها ينتفعون،و عليها في متاجرهم و مسافراتهم يحملون.

فحيث أراد اللّه سبحانه أن ينصب لهم دليلا من مصنوعاته،يمكنهم أن يستدلّوا به على كمال حكمة الصّانع و نهاية قدرته،لم يكن شيء أحضر صورة في متخيّلهم من الإبل،فنصبها لهم.

و لا ريب أنّها من أعاجيب مصنوعات اللّه تعالى صورة و سيرة،لما ركّب فيها من التّحمّل على دوام السّير مع كثرة الأثقال،و من البروك حتّى تحمل،ثمّ النّهوض بما حملت،و من الصّبر على العطش و على العلف القليل أيّاما،ثمّ شرب الماء الكثير إذا وجدت، و من تذلّلها لصبيّ أو ضعيف.

ثمّ إنّ أصحاب المواشي لاحتياجهم الشّديد الى الماء المستعقب للكلإ صار جلّ نظرهم إلى السّماء الّتي منها ينزل المطر،ثمّ إلى الجبال الّتي هي أقرب إلى السّماء و أسرع لوقوع المطر عليها،و حفظ الثّلج الّذي منه مادّة العيون و الآبار عند إقلاع الأمطار،على أنّها مأمنهم و مسكنهم في الأغلب.

ثمّ إلى الأرض الّتي فيها ينبت العشب و عليها متقلّبهم و مرعاهم،فثبت أنّ الآية كيف وردت منظّمة حسب ما انتظم في خزانة خيال العرب بحسب الأغلب.

و منها:أنّ جميع المخلوقات متساوية في دلالة

ص: 142

التّوحيد،و ذكر جميعها غير ممكن،فكلّ طائفة منها تخصّ بالذّكر،ورد هذا السّؤال فوجب الحكم بسقوطه.

و لعلّ في ذكر هذه الأشياء الّتي لا تناسب في الظّاهر تنبيها على أنّ هذا الوجه من الاستدلال غير مختصّ بنوع دون نوع،بل هو عامّ في الكلّ.

و منها:أنّ المراد بالإبل السّحاب على طريق التّشبيه و المجاز،فإنّ العرب كثيرا تشبّه السّحاب بالإبل في أشعارهم.

و منها أنّ تخصيص الإنسان بالاستدلال منه على التّوحيد يستتبع الوقوع في الشّهوة و الفتنة،و كذا الفكر في البساتين و النّزهة و الصّور الحسنة،فخصّ الإبل بالذّكر لأنّ التّفكّر فيها متمحّض لداعية الحكمة،و ليس للشّهوة فيها نصيب.

على أنّ إلف العرب بها أكثر كما مرّ،و كذا السّماء و الأرض و الجبال دلائل الحدوث فيها ظاهرة،و ليس فيها نصيب للشّهوة.(30:84)

الخازن:فإن قلت:كيف حسن ذكر الإبل مع السّماء و الأرض و الجبال و لا مناسبة بينهما؟و لم بدأ بذكر الإبل قبل السّماء و الأرض و الجبال؟

قلت:لمّا كان المراد ذكر الدّلائل الدّالّة على توحيده و قدرته و أنّه هو الخالق لهذه الأشياء جميعها،و كانت الإبل من أعظم شيء عند العرب،فينظرون إليها ليلا و نهارا،و يصاحبونها ظعنا و أسفارا،ذكّرهم عظيم نعمته عليهم فيها و لهذا بدأ بها،و لأنّها من أعجب الحيوانات عندهم.(7:200)

أبو حيّان: قرأ الجمهور(الإبل)بكسر الباء و تخفيف اللاّم،و الأصمعيّ عن أبي عمرو بإسكان الباء، و عليّ و ابن عبّاس بشدّ اللاّم،و رويت عن أبي عمرو و أبي جعفر و الكسائيّ،و قالوا:إنّها السّحاب،عن قوم من أهل اللّغة.(8:464)

البروسويّ: لم يذكر الفيل مع أنّه أعظم خلقة من الإبل،لأنّه لم يكن بأرض العرب،فلم تعرفه و لا يحمل عليه عادة و لا يحلب درّه،و لا يؤمن ضرّه.

(10:416)

الآلوسيّ: أي أ ينكرون ما أشير إليه من البعث و أحكامه و يستبعدون وقوعه من قدرة اللّه عزّ و جلّ، فلا ينظرون إلى الإبل الّتي هي نصب أعينهم يستعملونها كلّ حين،كيف خلقت خلقا بديعا معدولا به عن سنن خلق أكثر أنواع الحيوانات،في عظم جثّتها و شدّة قوّتها، و عجيب هيآتها اللاّئقة بتأتّي ما يصدر عنها من الأفاعيل الشّاقّة،كالنّوء بالأوقار الثّقيلة و هي باركة،و إيصالها الأثقال الفادحة إلى الأقطار النّازحة،و في صبرها على الجوع و العطش حتّى أنّ ظمأها ليبلغ العشر-بكسر فسكون-و هو ثمانية أيّام بين الوردين،و ربّما يجوز ذلك،و تسمّى حينئذ الحوازي-بالحاء المهملة و الزّاي- و اكتفائها بالسّير و رعيها لكلّ ما يتيسّر من شوك و شجر و غير ذلك ممّا لا يكاد يرعاه سائر البهائم،و في انقيادها مع ذلك للإنسان في الحركة و السّكون و البروك و النّهوض؛حيث يستعملها في ذلك كيف يشاء، و يقتادها بقطارها كلّ صغير و كبير،و في تأثّرها بالصّوت الحسن على غلظ أكبادها إلى غير ذلك؟

و خصّت بالذّكر لأنّها أعجب ما عند العرب من

ص: 143

الحيوانات الّتي هي أشرف المركبات و أكثرها صنعا، و لهم على أحوالها أتمّ وقوف.

قال الإمام (1): التّناسب فيها أنّ الكلام مع العرب و هم أهل أسفار على الإبل في البراري،فربّما انفردوا فيها،و المنفرد يتفكّر لعدم رفيق يحادثه و شاغل يشغله فيتفكّر فيما يقع عليه طرفه،فإذا نظر لما معه رأى الإبل، و إذا نظر لما فوقه رأى السّماء،و إذا نظر يمينا و شمالا رأى الجبال،و إذا نظر لأسفل رأى الأرض،فأمر بالنّظر في خلوته لما يتعلّق به النّظر من هذه الأمور،فبينها مناسبة بهذا الاعتبار.

و قال عصام الدّين: إنّ خيال العرب جامع بين الأربعة،لأنّ ما لهم النّفيس الإبل،و مدار السّقي لهم على السّماء،و رعيهم في الأرض،و حفظ ما لهم بالجبال، و ما ألطف ذكر الإبل بعد ذكر الضّريع،فإنّ خطورها بعده على طرف الثّمام،و إذا صحّ ما روي من كلام قريش عند نزول تلك الآية كان ذكرها ألطف و ألطف.

(30:116)

سيّد قطب: الإبل حيوان العربيّ الأوّل،عليها يسافر و يحمل،و منها يشرب و يأكل،و من أوبارها و جلودها يلبس و ينزل.فهي مورده الأوّل للحياة،ثمّ إنّ لها خصائص تفردها من بين الحيوان،فهي على قوّتها و ضخامتها و ضلاعة تكوينها ذلول يقودها الصّغير فتنقاد،و هي على عظم نفعها و خدمتها قليلة التّكاليف.

مرعاها ميسّر،و كلفتها ضئيلة،و هي أصبر الحيوان المستأنس على الجوع و العطش و الكدح و سوء الأحوال،ثمّ إنّ لهيئتها مزيّة في تناسق المشهد الطّبيعيّ المعروض.لهذا كلّه يوجّه القرآن أنظار المخاطبين إلى تدبّر خلق الإبل،و هي بين أيديهم لا تحتاج منهم إلى نقلة و علم جديد.(6:3898)

الطّباطبائيّ: تخصيص الإبل بالذّكر من جهة أنّ السّورة مكّيّة،و أوّل من تتلى عليهم الأعراب،و اتّخاذ الآبال من أركان عيشهم.(20:274)

خليل ياسين: س-الفيل أعظم من الإبل في الأعجوبة فهلاّ مثّل به؟

ج-العرب بعيدو العهد بالفيل،ثمّ هو خنزير لا يركب ظهرها،و لا يؤكل لحمها،و لا يحلب درّها.و الإبل من أعزّ مال العرب و أنفسه،تأكل النّوى و القتّ و تخرج اللّبن،و يؤكل لحمها،و يركب ظهرها،و تحمل الأثقال عليها،و يأخذ الصّبيّ بزمامها فيذهب بها حيث شاء مع عظمها في نفسها.(2:314)

المصطفويّ: مضافا إلى حواسّها و أعضائها الحيوانيّة خلقت للرّكوب في الأسفار و حمل الأثقال بالخلقة المتناسبة لها،و قدرة التّحمّل و الصّبر على الجوع و العطش.(1:12)

الأصول اللّغويّة

1-الأصل في هذه المادّة هو الإبل،و منه تفرّعت سائر المعاني.فالكثرة أخذت من عظمة خلقتها، و الاجتزاء أخذ من صبرها على الماء القليل،و قناعتها بالكلإ الرّطب،و هي صفة كامنة فيها.

و تجوّزوا في استعمال بعض هذه المعاني بإطلاقها على

ص: 144


1- يقصد الإمام الفخر الرّازيّ.

الآدميّين،فقالوا:أبل الرّجل و تأبّل عن امرأته،إذا اجتزأ عنها و توحّش،كما يجتزئ الوحش عن الماء.

و أبل الرّجل يأبل إبالة،إذا تنسّك و ترهّب،و لذا يقال للرّاهب:أبيلا،لأنّه اجتزأ بالعبادة عن النّساء و لذيذ العيش.

2-و أمّا الأبلّ فهو«أفعل»من«ب ل ل»،و هو الجريء المقدام من الرّجال الّذي لا يستحي و لا يبالي.

و يقال:هو الفاجر الشّديد الخصومة.و يقال:هو الحذر الأريب.

و الوبيل من«و ب ل»،و هو يدلّ على الشّدّة و الثّقل،لاحظ«و ب ل».

و أمّا«أبلته»من الحديث:«كلّ مال زكّي عنه ذهبت أبلته»،فهمزته مبدلة من«واو»،أراد«وبلته»،أي فساده.

3-فتبيّن ممّا تقدّم أنّ اللّغويّين خلطوا في هذه المادّة بين أصول ثلاثة هي:«أ ب ل»و«ب ل ل»و«و ب ل»، و ليس كلّها من«أ ب ل».فما كان فيه معنى الكثرة و الاجتزاء فهو من هذا الباب،و ما فيه معنى الثّقل فهو من«و ب ل»،و ما فيه معنى الامتناع و الخصومة فهو من «ب ل ل».

الاستعمال القرآنيّ

فيها آيتان:

الأولى: وَ مِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَ مِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ...

الأنعام:144.

و فيها بحوث:

1-تعتبر الإبل من الأنعام في القرآن،كما هي في اللّغة،لقوله تعالى: وَ مِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَ فَرْشاً الأنعام:142،ثمّ يفسّره بقوله: ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَ مِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ... الأنعام:143، وَ مِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَ مِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ... الأنعام:144.

2-و جاء كلّ من الأنعام مقرونا بمثله،فالإبل و البقر متشابهان في الجسم و في المنافع،و هي اللّحم و اللّبن و الحمل و الرّكوب،و الضّأن و المعز كذلك عدا الحمل و الرّكوب.كما يلحظ تناسب الألفاظ في القرينين؛ فالضّأن و المعز كلاهما على وزن«فعل»و الإبل و البقر على وزني«فعل»و«فعل»،و لا يخفى ما فيها أيضا من عذوبة اللّفظ و حلاوته،لا سيّما و أنّ زيادة الحركة في الإبل و البقر تدلّ على زيادة المنفعة؛إذ زيادة المباني تدلّ على زيادة المعاني.

3-و قدّمت الضّأن على المعز إشعارا بكثرتها و أصالتها عند العرب،كما أنّ تقديم الإبل على البقر يدلّ على ذلك.

4-و ذكر الإبل كان خطابا موجّها إلى المشركين، و ذكر البقر و الغنم في الآيات التّالية كان حكاية عن اليهود: وَ عَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَ مِنَ الْبَقَرِ وَ الْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما... الأنعام:

146،إشعارا بأنّ الإبل هي حيوان العرب دون اليهود، و لعلّ الاكتفاء بذكر الغنم في آخرها دون المعز يدلّ على اختصاص المعز بالعرب أيضا.

الثّانية: أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ* وَ إِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ* وَ إِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ*

ص: 145

وَ إِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ الغاشية:17-20.

و فيها بحوث أيضا:

1-الإبل هي حيوان العرب و شريان حياتهم،فينبغي أن يعرفوا أسرار خلقتها الملائمة للبادية بما تتّصف فيه من التّحمّل و الصّبر و عظم الخلقة و الجسم،و ارتفاعها عن الأرض حفظا من السّباع،و طول أعناقها للرّعي من حشائش الأرض و الأكل من الشّجر،و ما فيها من المنافع كحمل الأثقال و شرب لبنها و أكل لحمها و غير ذلك.

2-و أردف الإبل في خلقتها بالسّماء في رفعها، و بالجبال في نصبها.و بالأرض في بسطها،فبدأ بالإبل الّتي تعتبر خلقا أرضيّا ارتفعت عن الأرض،ثمّ صعد إلى السّماء الّتي تعتبر غاية في الارتفاع و السّمك،و عاد إلى الجبال الّتي هي دون السّماء و فوق الإبل،ثمّ نزل إلى سطح الأرض،فهناك صعود و هبوط،و في اختلافها تظهر قدرة اللّه و تتجلّى حكمته.و في الجمع بينها للنّظر إليها متوالية توسيع للمعرفة و إحاطة على خلقة اللّه تعالى في الأرض و السّماء.

هذا بناء على ما إذا أريد من الإبل الحيوان،و على قول المبرّد إنّ المراد بها هنا القطع العظيمة من السّحاب، فالبدء من فوق إلى تحت فقط،ففيه صعود بالنّظر إلى السّماء ثمّ هبوط إلى الأرض بانتظام.

3-و لعلّ ذكر(الإبل)في المكّيّة فقط رمز إلى أصالة أهلها و عراقتها في العربيّة.

ص: 146

إبليس

لفظ واحد،11 مرّة:10 مكّيّة،1 مدنيّة
اشارة

في 9 سور:8 مكّيّة،1 مدنيّة

النّصوص اللّغويّة

السّدّيّ: الإبلاس:تغيير الوجوه،و إنّما سمّي إبليس،لأنّ اللّه نكّس وجهه و غيّره.

(الدّرّ المنثور 3:12)

الخليل: سمّي إبليس لأنّه أبلس من الخير،أي أويس.و قيل:لعن.(7:262)

أبو عبيدة: لم يصرف إبليس لأنّه أعجميّ.

(1:38)

هو عربيّ مشتقّ من أبلس،إذا يئس من الخير، لكنّه لا نظير له في الأسماء،و هو معرفة فلم ينصرف لذلك.(القيسيّ 1:37)

إبليس:وزنه«إفعيل»مشتقّ من الإبلاس،و هو اليأس من رحمة اللّه تعالى.و لم ينصرف لأنّه معرفة،و لا نظير له في الأسماء،فشبّه بالأعجميّة.

(القرطبيّ 1:295)

ابن قتيبة: هو«إفعيل»من أبلس الرّجل،إذا يئس.قال اللّه جلّ ثناؤه: أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ الأنعام:44،أي يائسون.(23)

ثعلب: أبلس الرّجل:قطع به.(ابن سيده 8:512)

الطّبريّ: إبليس«إفعيل»من الإبلاس،و هو الإياس من الخير و النّدم و الحزن.

فإن قال قائل لنا:فإن كان إبليس كما قلت:

«إفعيل»من الإبلاس،فهلاّ صرف و أجري؟

قيل:ترك إجراؤه استثقالا؛إذ كان اسما لا نظير له من أسماء العرب،فشبّهته العرب؛إذ كان كذلك بأسماء العجم الّتي لا تجرى.و قد قالوا:مررت بإسحاق،فلم يجروه،و هو من أسحقه اللّه إسحاقا؛إذ كان وقع مبتدأ اسما لغير العرب،ثمّ تسمّت به العرب فجرى مجراه، و هو من أسماء العجم في الإعراب،فلم يصرف.و كذلك «أيّوب»إنّما هو«فيعول»من آب يئوب[لاحظ إسحاق و أيّوب].(1:227)

الزّجّاج: إنّه ليس بمأخوذ من الإبلاس،كقوله:

ص: 147

مبلسون،أي آيسون من الخير،لأنّه أعجميّ معرّب، بدلالة أنّه لا ينصرف للعجمة و التّعريف.

مثله الرّمّانيّ.(الطّوسيّ 1:153)

نحوه الطّبرسيّ.(1:81)

ابن دريد: أبلس الرّجل إبلاسا فهو مبلس،إذا يئس.

و زعم قوم من أهل اللّغة أنّ اشتقاق إبليس من الإبلاس،كأنّه أبلس،أي يئس من رحمة اللّه.(1:288)

إبليس إن كان عربيّا محضا فاشتقاقه من أبلس يبلس،إذا يئس،فكأنّه يئس من رحمة اللّه.

(3:377)

نفطويه: الإبلاس:الحيرة و اليأس،و منه سمّي إبليس،لأنّه أبلس عن رحمة اللّه،أي يئس منها و تحيّر.

(الهرويّ 1:205)

ابن الأنباريّ: الإبلاس:معناه في اللّغة القنوط و قطع الرّجاء من رحمة اللّه.أبلس الرّجل،إذا انقطع فلم تكن له حجّة.(الأزهريّ 12:442)

السّجستانيّ: إبليس«إفعيل»من أبلس،أي يئس.و يقال:هو اسم أعجميّ،فلذلك لا ينصرف.

(35)

ابن خالويه: لإبليس أسماء:المارد،و الشّيطان، و الموسوس،و الرّجيم،و اللّعين،و الغرور،و المارج، و الأجدع،و المذهب،و المهذّب،و الأزيب،و هياه، و الخيتعور،و الشّيصبان،و الدّلمز،و أوهد،و الدّلامز، و العكبّ،و الكعنكع،و القازّ،و السّفيه.قال اللّه تعالى:

وَ أَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللّهِ شَطَطاً الجنّ:4.

(239)

الأزهريّ: قيل:إنّ إبليس سمّي بهذا الاسم،لأنّه لمّا أويس من رحمة اللّه أبلس إبلاسا.(12:442)

الرّمّانيّ: [قال بعد نقل قول الطّبريّ:]

غلط في جميع ذلك،لأنّها ألفاظ أعربت من العجميّة،و وافقت ألفاظ العربيّة.و غلط أيضا في قوله:

أنّه لا نظير له في أسماء العرب،لأنّهم يقولون:إزميل:

للشّفرة،و الإعريض:الطّلع،و إحريض:صبغ أحمر- و قالوا:هو العصفر-،و سيف إصليت:ماض كثير الماء، و ثوب إضريج:مشبع الصّبغ.و قالوا:هو من الصّفرة خاصّة.

و سبيل إبليس سبيل«إنجيل»في أنّه معرّب غير مشتقّ.(الطّوسيّ 1:154)

الجوهريّ: أبلس من رحمة اللّه،أي يئس،و منه سمّي إبليس،و كان اسمه عزازيل.

و الإبلاس أيضا:الانكسار و الحزن،يقال:أبلس فلان،إذا سكت غمّا،و أبلست النّاقة،إذا لم ترغ من شدّة الضّبعة،فهي مبلاس.(3:909)

ابن فارس: الباء و اللاّم و السّين أصل واحد و ما بعده فلا معوّل عليه،فالأصل اليأس،يقال:أبلس، إذا يئس.قال اللّه تعالى: إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ المؤمنون:77.

قالوا:و من ذلك اشتقّ اسم إبليس،كأنّه يئس من رحمة اللّه.(1:299)

ابن سيده: أبلس الرّجل:قطع به،عن ثعلب.

و أبلس:سكت،و أبلس:يئس و ندم،و في التّنزيل:

وَ يَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ الرّوم:12.

ص: 148

و إبليس لعنه اللّه،مشتقّ منه،لأنّه أبلس من رحمة اللّه، أي أويس.و قال أبو إسحاق:لم يصرف،لأنّه أعجميّ معرفة.

و البلاس:المسح؛و الجمع:بلس.

و البلس:التّين.

و البلسان:شجر لحبّه دهن.(8:512)

أبلس:يئس و تحيّر و سكت لحيرة أو انقطاع حجّة، و إبليس مشتقّ منه لأنّه أويس من رحمة اللّه.

(الإفصاح 1:176)

الطّوسيّ: إبليس:مشتقّ من الإبلاس،و هو اليأس من روح اللّه،إلاّ أنّه شبّه بالأعجميّ من جهة أنّه لم يستعمل إلاّ على جهة العلم،فلم يصرف.

و قال قوم: إنّه ليس بمشتقّ لأنّه أعجميّ،بدلالة أنّه لا ينصرف.(6:333)

نحوه أبو السّعود.(1:70)

الواحديّ: الاختيار أنّه ليس بمشتقّ لاجتماع النّحويّين على أنّه يمنع من الصّرف،للعجمة و العلميّة.(بصائر ذوي التّمييز 6:103)

الرّاغب: الإبلاس:الحزن المعترض من شدّة البأس (1)،يقال:أبلس،و منه اشتقّ إبليس فيما قيل.

قال عزّ و جلّ: وَ يَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ الرّوم:12.(60)

الميبديّ: معنى إبليس الآيس،يعني أبلس من رحمة اللّه،و كان يسمّى قبل الإبلاس عزازيل.و قيل:

كان اسمه حارثا و كنيته أبا كردوس.(1:145)

الجواليقيّ: إبليس:ليس بعربيّ،و إن وافق:

أبلس الرّجل،إذا انقطعت حجّته،إذ لو كان منه لصرف.

أ لا ترى أنّك لو سمّيت رجلا بإخريط و إجفيل،لصرفته في المعرفة؟

و منهم من يقول:هو عربيّ،و يجعل اشتقاقه من أبلس يبلس،أي يئس،فكأنّه أبلس من رحمة اللّه، أي يئس منها.و القول هو الأوّل.(71)

ابن عطيّة: إبليس لا ينصرف،لأنّه اسم أعجميّ معرّف[و قال بعد نقله قول ابن عبّاس و السّدّيّ و أبي عبيدة:]

و وزنه على هذا«إفعيل»،و لم تصرفه هذه الفرقة لشذوذه،و أجروه مجرى«إسحاق»من أسحقه اللّه، و«أيّوب»من آب يئوب،مثل«قيّوم»من قام يقوم، و لمّا لم تصرف هذه،و لها وجه من الاشتقاق،كذلك لم يصرف هذا،و إن توجّه اشتقاقه لقلّته و شذوذه.

(1:125)

أبو البركات: لا ينصرف للعجمة و التّعريف.

و قيل:إنّه مشتقّ من أبلس،إذا يئس.و ليس بصحيح،لأنّه لو كان كذلك لوجب أن يكون منصرفا، لأنّه ليس فيه علّة منع الصّرف إلاّ التّعريف،و التّعريف وحده لا يكفي في منع الصّرف.(1:74)

ابن منظور: أبلس من رحمة اللّه،أي يئس و ندم، و منه سمّي إبليس،و كان اسمه عزازيل.و في التّنزيل العزيز: وَ يَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ الرّوم:

12،و إبليس مشتقّ منه،لأنّه أبلس من رحمة اللّه،أي أويس.(6:29)س.

ص: 149


1- هكذا،و الظّاهر:اليأس.

أبو حيّان: إبليس:اسم أعجميّ منع الصّرف، للعجمة و العلميّة.و أبعد أبو عبيدة و غيره في زعمه أنّه مشتقّ من«الإبلاس»،و هو الإبعاد من الخير،و وزنه على هذا«إفعيل»،لأنّه قد تقرّر في علم التّصريف أنّ الاشتقاق العربيّ لا يدخل في الأسماء الأعجميّة.

و اعتذر من قال بالاشتقاق فيه عن منع الصّرف، بأنّه لا نظير له في الأسماء.و ردّ بإغريض و إزميل و إخريط و إجفيل و إعليط و إصليت و إحليل و إكليل و إحريض.

و قد قيل:شبّه بالأسماء الأعجميّة،فامتنع الصّرف للعلميّة و شبه العجمة.و شبه العجمة هو أنّه و إن كان مشتقّا من الإبلاس،فإنّه لم يسمّ به أحد من العرب، فصار خاصّا بمن أطلقه اللّه عليه،فكأنّه دخيل (1)في لسانهم،و هو علم مرتجل.(1:151)

نحوه الآلوسيّ.(1:229)

الفيّوميّ: أبلس الرّجل إبلاسا:سكت،و أبلس:

أيس،و في التّنزيل: فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ الأنعام:44

و إبليس:أعجميّ و لهذا لا ينصرف،للعجمة و العلميّة.

و قيل:عربيّ مشتقّ من الإبلاس،و هو اليأس.و ردّ بأنّه لو كان عربيّا لا نصرف كما ينصرف نظائره،نحو إجفيل و إخريط.(60)

الفيروزآباديّ: هو اسم أعجميّ ممنوع من الصّرف.و قيل:عربيّ،و اشتقاقه من الإبلاس،لأنّ اللّه تعالى أبلسه من رحمته و آيسه من مغفرته.

قال ابن الأنباريّ:لا يجوز أن يكون مشتقّا من أبلس،لأنّه لو كان مشتقّا لصرف.

قال أبو إسحاق: فلمّا لم يصرف دلّ على أنّه أعجميّ.

قال ابن جرير: لم يصرف و إن كان عربيّا،لقلّة نظيره في كلامهم،فشبّهوه بالأعجميّ.

(بصائر ذوي التّمييز 6:103)

مثله البروسويّ.(4:462)

الطّريحيّ: إبليس«إفعيل»من أبلس،أي يئس من رحمة اللّه.يقال:إنّه اسم أعجميّ فلذلك لا ينصرف.

و قيل:عربيّ.

و في«حياة الحيوان»:و كنية«إبليس»أبو مرّة.

و الإبلاس بالكسر:الحيرة،يقال:أبلس يبلس، إذا تحيّر،و منه الخبر:«أ لم تر إلى الجنّ و إبلاسها»،أي تحيّرها و دهشها،و منه الدّعاء:أعوذ بك من شرّ ما يبلس به إبليس و جنوده.

و الأبالسة:الشّياطين.(4:54)

حسنين مخلوف: هو أبو الجنّ مشتقّ من الإبلاس،و هو الحزن النّاشئ عن شدّة اليأس.و فعله أبلس،و لم ينصرف لأنّه معرفة.و لا نظير له في الأسماء، فأشبه الأعجميّة.

و قيل:هو أعجميّ لا اشتقاق له،فلم ينصرف، للعلميّة و العجمة.(24)

محمّد إسماعيل إبراهيم: أبلس:أيس و سكت لحيرة أو انقطاع حجّة فهو مبلس.

و إبليس:المتمرّد و رأس الشّياطين،و هو أعجميّل.

ص: 150


1- في الأصل دليل.

غير منصرف و غير مشتقّ من«بلس»(79)

المصطفويّ: كلمة إبليس:لم نجد أحدا يتعرّض بمأخذ هذه الكلمة!!و يحتمل أن يكون مأخذه مادّة «بالوس»:المخلوط و غير المغربل.«بالس»:خلط و مزج.

أو مادّة«بالش»:بحث و فتّش و تحرّى.«بلاش»:

الشّرطيّ السّرّيّ.و بوليس سرّيّ،كما في قاموس عبريّ-عربيّ.

بمناسبة أنّ إبليس متحرّ،و بوليس سرّيّ داخليّ،أو أنّه لم يكن خالصا صافيا بل ممزوجا ثمّ امتحن و غربل.(1:314)

إنّ الشّيطان هو المتمايل عن الحقّ مع الاعوجاج، فيستعمل هذا اللّفظ في موارد التّجاوز و الطّغيان و العدوان،و هذا بخلاف كلمة إبليس،و هو من الإبلاس،بمعنى اليأس الشّديد بسوء عمل إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ الحجر:31، إِلاّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَ كانَ مِنَ الْكافِرِينَ ص:74.

و هذا إبليس يعبّر عنه بالشّيطان إذا لوحظ فيه العدوان فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما الأعراف:20، فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما البقرة:36.

فيلاحظ في كلّ من التّعبيرين خصوصيّة مفهوم كلّ منهما الّذي يستعمل.(6:70)

النّصوص التّفسيريّة

1- فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى وَ اسْتَكْبَرَ وَ كانَ مِنَ الْكافِرِينَ .البقرة:34

النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:أمر اللّه الملائكة بالسّجود لآدم، فدخل في أمره الملائكة و إبليس،فإنّ إبليس كان مع الملائكة في السّماء يعبد اللّه،و كانت الملائكة تظنّ أنّه منهم و لم يكن منهم،فلمّا أمر اللّه الملائكة بالسّجود لآدم، خرج ما كان في قلب إبليس من الحسد،فعلمت الملائكة عند ذلك أنّ إبليس لم يكن منهم.

فقيل له:فكيف وقع الأمر على إبليس و إنّما أمر اللّه الملائكة بالسّجود لآدم؟

فقال صلّى اللّه عليه و آله:كان إبليس منهم بالولاء،و لم يكن من جنس الملائكة،و ذلك أنّ اللّه خلق خلقا قبل آدم و كان إبليس فيهم في الأرض،فاعتدوا و أفسدوا و سفكوا الدّماء،فبعث اللّه الملائكة فقتلوهم و أسروا إبليس و رفعوه إلى السّماء،و كان مع الملائكة يعبد اللّه إلى أن خلق اللّه آدم.(الطّريحيّ 4:53)

ابن مسعود: جعل إبليس على ملك سماء الدّنيا، و كان من قبيلة من الملائكة يقال لهم:الجنّ،و إنّما سمّوا الجنّ،لأنّهم خزّان الجنّة،و كان إبليس مع ملكه خازنا.

(الطّبريّ 1:225)

إنّه كان من الملائكة

مثله ابن عبّاس،و ابن جريج،و ابن المسيّب، و قتادة.(القرطبيّ 1:294)

و هو المرويّ عن أبي عبد اللّه عليه السّلام.

(الطّوسيّ 1:150)

كانت الملائكة تقاتل الجنّ فسبي إبليس و كان صغيرا،فكان مع الملائكة فتعبّد معها،فلمّا أمروا

ص: 151

بالسّجود لآدم سجدوا فأبى إبليس؛فلذلك قال اللّه:

إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ الكهف:50.

(الطّبريّ 1:226)

نحوه شهر بن حوشب.(أبو حيّان 1:153)

ابن عبّاس: كان إبليس من حيّ من أحياء الملائكة يقال لهم:الجنّ،خلقوا من نار السّموم من بين الملائكة،فكان اسمه الحارث،و كان خازنا من خزّان الجنّة،و خلقت الملائكة من نور غير هذا الحيّ،و خلقت الجنّ الّذين ذكروا في القرآن من مارج من نار،و هو لسان النّار الّذي يكون في طرفها إذا التهبت.

كان إبليس قبل أن يركب المعصية من الملائكة اسمه عزازيل،و كان من سكّان الأرض،و كان من أشدّ الملائكة اجتهادا و أكثرهم علما،فذلك دعاه إلى الكبر، و كان من حيّ يسمّون جنّا.(الطّبريّ 1:224)

كان إبليس من أشراف الملائكة و أكرمهم قبيلة، و كان خازنا على الجنان،و كان له سلطان سماء الدّنيا، و كان له سلطان الأرض.

و قوله: كانَ مِنَ الْجِنِّ إنّما يسمّى بالجنان،أنّه كان خازنا عليها،كما يقال للرّجل:مكّيّ،و مدنيّ، و كوفيّ،و بصريّ.

إنّ من الملائكة قبيلة من الجنّ،و كان إبليس منها، و كان يوسوس ما بين السّماء و الأرض.

(الطّبريّ 1:225)

إبليس:أبلسه اللّه من الخير كلّه،و جعله شيطانا رجيما عقوبة لمعصيته.(الطّبريّ 1:227)

كان إبليس من الملائكة من طائفة يقال لهم:الجنّ، و كان اسمه بالعبرانيّة«عزازيل»بزاءين معجمتين بينهما ألف،فلمّا عصى اللّه لعنه و جعله شيطانا مريدا،و بالعربيّة «الحارث»،و كان رئيس ملائكة الدّنيا و سلطانها و سلطان الأرض،و كان من أشدّ الملائكة اجتهادا و أكثرها علما،و كان يوسوس بين السّماء و الأرض، فيرى بذلك لنفسه شرفا عظيما و عظما،فذلك الّذي دعاه إلى الكبر،فعصى و كفر،فمسخه اللّه شيطانا رجيما ملعونا.

مثله قتادة،و الزّجّاج،و ابن الأنباريّ.

(الطّريحيّ 4:54)

ابن المسيّب: كان إبليس رئيس ملائكة سماء الدّنيا.(الطّبريّ 1:225)

سعيد بن جبير: إنّ الجنّ سبط من الملائكة،خلقوا من نار و إبليس منهم،و خلق سائر الملائكة من نور.

(القرطبيّ 1:294)

إنّه كان من الجنّانين (1)الّذين يعملون في الجنّات، حيّ من الملائكة يصوغون حلية أهل الجنّة مذ خلقوا.(الفخر الرّازي 21:136)

الشّعبيّ: إبليس أبو الجنّ،كما أنّ آدم أبو الإنس.(الميبديّ 1:144)

مثله الحسن،و ابن زيد،و قتادة.

(القرطبيّ 1:294)

الحسن: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قطّ، و أنّه لأصل الجنّ،كما أنّ آدم أصل الإنس.

(الطّبريّ 1:226)

مثله ابن زيد.(أبو حيّان 1:153)ن.

ص: 152


1- هكذا،و الصّحيح:الجنّانيّين.

الملائكة لباب الخليفة من الأرواح و لا يتناسلون، و إبليس من نار السّموم.و إنّما صحّ استثناؤه منهم،لأنّه كان يصحبهم و يعبد اللّه معهم.(النّسفيّ 3:67)

إنّه لم يكن من الملائكة.و إنّ الاستثناء في الآية استثناء منقطع،كقوله تعالى: ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ النّساء:157، فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَ لا هُمْ يُنْقَذُونَ * إِلاّ رَحْمَةً مِنّا يس:43،44.

(الطّوسيّ 1:151)

مثله قتادة،و البلخيّ،و الرّمّانيّ.

(الطّبرسيّ 1:151)

السّدّيّ: كان اسم إبليس الحارث،و إنّما سمّي إبليس حين أبلس فغيّر،كما قال اللّه جلّ ثناؤه: فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ الأنعام:44،يعني به أنّهم آيسون من الخير،نادمون حزنا.(الطّبريّ 1:227)

أبو عبيدة: نصب إبليس على استثناء قليل من كثير،و لم يصرف إبليس،لأنّه أعجميّ.(1:38)

الرّمّانيّ: الدّليل على أنّه لم يكن من الملائكة أشياء:

منها:قوله: لا يَعْصُونَ اللّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ التّحريم:6،فنفى عنهم المعصية نفيا عامّا.

الثّاني:أنّه قال: إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ الكهف:50،و متى أطلق لفظ الجنّ لم يجز أن يعني به إلاّ الجنس المعروف المباين لجنس الإنس و الملائكة.

الثّالث:أنّ إبليس له نسل و ذرّيّة.

الرّابع:و هو أقوى ما عندي،قوله تعالى: جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ فاطر:

1،فعمّها بالوصف بالرّسالة.و لا يجوز على رسل اللّه أن يكفروا أو يفسقوا كالرّسل من البشر.[و قد ردّه الطّوسيّ؛فراجع قوله](الطّوسيّ 1:151)

الطّوسيّ: المعروف عن ابن عبّاس ما قلناه أنّه كان من الملائكة فأبى و استكبر و كان من الكافرين.و من قال:إنّ إبليس خلق من نار و من مارج،و الملائكة لم يخلقها من ذلك،فقوله ضعيف؛لأنّه لا يمنع أن يكون اللّه تعالى خلق الملائكة أصنافا:صنفا من نار،و صنفا من نور،و صنفا من غير ذلك،و صنفا آخر لا من شيء، فاستبعاد ذلك ضعف معرفة.(1:153)

الزّمخشريّ: (إلاّ إبليس)استثناء متّصل لأنّه كان جنّيّا واحدا بين أظهر الألوف من الملائكة مغمورا بهم، فغلّبوا عليه في قوله:(فسجدوا)،ثمّ استثني منهم استثناء واحد منهم.و يجوز أن يجعل منقطعا.(1:273)

نحوه البروسويّ.(1:104)

أبو البركات: (إبليس)منصوب على الاستثناء المنقطع على قول من قال:إنّه لم يكن من الملائكة،أو لأنّه استثناء من موجب على قول من قال:إنّه من الملائكة.و لا ينصرف،للعجمة و التّعريف.(1:74)

الفخر الرّازيّ: اختلفوا في أنّ إبليس هل كان من الملائكة أم لا؟[سيأتي ملخّصه في كلام النّيسابوريّ]

(2:213)

البيضاويّ: إنّ إبليس كان من الملائكة و إلاّ لم يتناوله أمرهم و لم يصحّ استثناؤه منهم،و لا يرد على ذلك قوله سبحانه و تعالى: إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ الكهف:50،لجواز أن يقال:إنّه كان من الجنّ فعلا و من

ص: 153

الملائكة نوعا.

و لمن زعم أنّه لم يكن من الملائكة أن يقول:إنّه كان جنّيّا نشأ بين أظهر الملائكة،و كان مغمورا بالألوف منهم فغلّبوا عليه،أو الجنّ أيضا كانوا مأمورين مع الملائكة،لكنّه استغني بذكر الملائكة عن ذكرهم،فإنّه إذا علم أنّ الأكابر مأمورين بالتّذلّل لأحد و التّوسّل به، علم أنّ الأصاغر أيضا مأمورين به.(1:48)

النّيسابوريّ:اختلف في أنّ إبليس من الملائكة أم لا؟

فقال أكثر المتكلّمين لا سيّما المعتزلة:إنّه لم يكن منهم،و قال كثير من الفقهاء إنّه كان منهم.

حجّة الأوّلين أنّه من الجنّ،لقوله في الكهف:50 إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ، فلا يكون من الملائكة.

و أيضا قال: وَ يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَ هؤُلاءِ إِيّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ* قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ سبأ:40،41.

و ردّ الأوّل:بأنّ الجنّ قد يطلق على الملك لاستتاره عن العيون،و بأنّ(كان)يحتمل أن تكون بمعنى«صار».

و الثّاني:بأنّه لا يلزم من كون الجنّ في هذه الآية نوعا مغايرا للملائكة أن يكون في الآية الأولى أيضا مغايرا لاحتمال كونه على مقتضى أصل اللّغة و هو الاستتار.و قالوا:إنّ إبليس له ذرّيّة لقوله تعالى:

أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَ ذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي الكهف:50، و الملائكة لا ذرّيّة لها،لأنّها تحصل من الذّكر و الأنثى و لا إناث فيهم؛لقوله: وَ جَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً الزّخرف:19،منكرا عليها.و أيضا الملائكة معصومون لما سلف،و إبليس لم يكن كذلك.

و أيضا إنّه من النّار خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ الأعراف:

12،و إنّهم من نور لقوله صلّى اللّه عليه و سلّم:«خلقت الملائكة من نور،و خلق الجانّ من مارج من نار».

و من المشهور الّذي لا يدفع أنّ الملائكة روحانيّون، فقيل:سمّوا بذلك لأنّه من الرّيح أو من الرّوح.و أيضا الملائكة رسل جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً فاطر:1، و رسل اللّه معصومون اَللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ الأنعام:124.

حجّة الآخرين:أنّه استثناه من الملائكة.و حمله على المتّصل أولى،لأنّ تخصيص العمومات في كتاب اللّه أكثر من الاستثناء المنقطع.قيل:إنّه جنّيّ واحد مغمور بين ظهرانيّ ألوف من الملائكة فغلّبوا عليه،و هذا لا ينافي كون الاستثناء متّصلا.

و أجيب بأنّ التّغليب إنّما يصار إليه إذا كان المغلوب ساقطا عن درجة الاعتبار،أمّا إذا كان معظم الحديث فيه فلا يصار إلى التّغليب.

و أيضا لو لم يكن من الملائكة لم يتناوله الخطاب ب(اسجدوا)و حينئذ لم يستحقّ بترك السّجود لوما و تعنيفا،و لا يمكن أن يقال:إنّه نشأ معهم و التصق بهم فتناوله الأمر،لما بيّن في أصول الفقه أنّ خطاب الذّكور لا يتناول الإناث و بالعكس،مع شدّة المخالطة بين الصّنفين.و لا أن يقال:إنّه و إن لم يدخل في هذا الأمر إلاّ أنّه تعالى أمره بلفظ آخر ما حكاه في القرآن،بدليل قوله: ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ الأعراف:12؛

ص: 154

لأنّ قوله: أَبى وَ اسْتَكْبَرَ عقيب قوله: وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا البقرة:34،مشعر بأنّ المخالفة بسبب هذا الأمر،هذا ما قيل عن الجانبين.(1:261)

نحوه الآلوسيّ.(1:229)

الخازن:سمّي به لأنّه أبلس من رحمة اللّه،أي يئس،و كان اسمه«عزازيل»بالسّريانيّة و بالعربيّة «الحارث»،فلمّا عصى غيّر اسمه،فسمّي إبليس، و غيّرت صورته.

و قال ابن عبّاس: كان إبليس من الملائكة بدليل أنّه استثناه منهم.

و قيل:إنّه من الجنّ لأنّه خلق من النّار،و الملائكة خلقوا من النّور،و لأنّه أصل الجنّ،كما أنّ آدم أصل الإنس.

و الأوّل أصحّ لأنّ الخطاب كان مع الملائكة فهو داخل فيهم،ثمّ استثناه منهم.(1:41)

أبو حيّان: استدلّ على أنّه ليس من الملائكة بقوله تعالى: جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً فاطر:1،فعمّ، فلا يجوز على الملائكة الكفر و لا الفسق،كما لا يجوز على رسله من البشر.و بقوله: لا يَعْصُونَ اللّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ التّحريم:6،و بقوله: كانَ مِنَ الْجِنِّ و بأنّ له نسلا بخلاف الملائكة.

و الظّاهر أنّه استثناء متّصل لتوجّه الأمر على الملائكة،فلو لم يكن منهم لما توجّه الأمر عليه،فلم يقع عليه ذمّ،لتركه فعل ما لم يؤمر به.

و أمّا جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً و لا يَعْصُونَ اللّهَ ما أَمَرَهُمْ فهو عامّ مخصوص؛إذ عصمتهم ليست لذاتهم،إنّما هي بجعل اللّه لهم ذلك.

و أمّا إبليس فسلبه اللّه تعالى الصّفات الملكيّة، و ألبسه ثياب الصّفات الشّيطانيّة.(1:153)

الفيروزآباديّ: اختلفوا هل هو من الملائكة أم لا؟فروي عن طاوس و مجاهد عن ابن عبّاس:أنّه من الملائكة،و كان اسمه عزازيل،فلمّا عصى اللّه تعالى لعنه و جعله شيطانا مريدا،و سمّاه إبليس.و بهذا قال ابن مسعود و سعيد بن المسيّب و قتادة و ابن جريج و ابن جرير،و اختاره ابن الأنباريّ و الزّجّاج.قال:و هو مستثنى من جنس المستثنى منه.

قالوا:و قول اللّه تعالى: كانَ مِنَ الْجِنِّ الكهف:

50،أي طائفة من الملائكة يقال لهم:الجنّ.

و قال الحسن و عبد الرّحمن بن زيد و مسهر و ابن حوشب: ما كان من الملائكة قطّ و الاستثناء منقطع، و المعنى عندهم أنّ الملائكة و إبليس أمروا بالسّجود، فأطاعت الملائكة،و عصى إبليس.

و الصّحيح أنّه كان من الملائكة،لأنّه لم ينقل أنّ غير الملائكة أمر بالسّجود،و الأصل في المستثنى أن يكون من جنس المستثنى منه.(بصائر ذوي التّمييز 6:103)

السّيوطيّ:عدّ منهم بالاستثناء تغليبا لكونه كان بينهم.(3:135)

الطّريحيّ: الأبالسة:الشّياطين.

قال الكفعميّ: و هم ذكور و إناث يتوالدون و لا يموتون،بل يخلدون في الدّنيا،كما يخلد إبليس.و إبليس هو أب الجنّ،و الجنّ ذكور و إناث يتوالدون و يموتون، و أمّا الجانّ فهو أب الجنّ.و قيل:إنّه مسخ الجنّ،كما أنّ

ص: 155

القردة و الخنازير مسخ النّاس.و الكلّ خلقوا قبل آدم عليه السّلام.(4:54)

رشيد رضا: هو فرد من أفراد الملائكة،كما يفهم من الآية و أمثالها في القصّة،إلاّ آية الكهف فإنّها ناطقة بأنّه كان من الجنّ وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ الكهف:50.

و ليس عندنا دليل على أنّ بين الملائكة و الجنّ فصلا جوهريّا يميّز أحدهما عن الآخر،و إنّما هو اختلاف أصناف عند ما تختلف أوصاف،كما ترشد إليه الآيات.

فالظّاهر أنّ الجنّ صنف من الملائكة،و قد أطلق في القرآن لفظ«الجنّة»على الملائكة على رأي جمهور المفسّرين في قوله تعالى: وَ جَعَلُوا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً الصّافّات:158،و على الشّيطان في آخر سورة النّاس.و على كلّ حال فجميع هؤلاء المسمّيات بهذه الأسماء من عالم الغيب لا نعلم حقائقها و لا نبحث عنها و لا نقول بنسبة شيء إليها،ما لم يرد لنا فيه نصّ قطعيّ عن المعصوم.(1:265)

حسنين مخلوف: هو أب الجنّ،و الاستثناء منقطع،و قيل:متّصل،و أنّ إبليس كان من الملائكة.(24)

نحوه حجازيّ.(1:26)

2- إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ. الكهف:50

ابن عبّاس: إنّه كان من الملائكة قبل أن يعصي اللّه تعالى،فلمّا عصاه مسخه شيطانا.

(مسائل الرّازيّ:203)

الجصّاص:فيه بيان أنّه ليس من الملائكة،لأنّه أخبر أنّه من الجنّ،و قال اللّه تعالى: وَ الْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ الحجر:27،فهو جنس غير جنس الملائكة،كما أنّ الإنس جنس غير جنس الجنّ.

و روي أنّ الملائكة أصلهم من الرّيح،كما أنّ أصل بني آدم من الأرض،و أصل الجنّ من النّار.(3:215)

الفخر الرّازيّ: إنّه تعالى بيّن في هذه الآية أنّ إبليس كان من الجنّ و للنّاس في هذه المسألة ثلاثة أقوال:

الأوّل:أنّه من الملائكة.و كونه من الملائكة لا ينافي كونه من الجنّ،و لهم فيه وجوه:

الأوّل:أنّ قبيلة من الملائكة يسمّون بذلك،لقوله تعالى: وَ جَعَلُوا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً الصّافّات:

158، وَ جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ الأنعام:100.

الثّاني:أنّ الجنّ سمّوا جنّا للاستتار،و الملائكة كذلك،فهم داخلون في الجنّ.

الثّالث:أنّه كان خازن الجنّة و نسب إلى الجنّة، كقولهم:كوفيّ و بصريّ.

و القول الثّاني:أنّه من الجنّ الّذين هم الشّياطين، و الّذين خلقوا من نار،و هو أبوهم.

و القول الثّالث:قول من قال:كان من الملائكة فمسخ و غيّر.و هذه المسألة قد أحكمناها في سورة البقرة.

و أصل ما يدلّ على أنّه ليس من الملائكة،أنّه تعالى أثبت له ذرّيّة و نسلا في هذه الآية،و هو قوله تعالى:

أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَ ذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي الكهف:50، و الملائكة ليس لهم ذرّيّة و لا نسل،فوجب أن لا يكون إبليس من الملائكة.

بقي أن يقال:إنّ اللّه تعالى أمر الملائكة بالسّجود،

ص: 156

فلو لم يكن إبليس من الملائكة فكيف تناوله ذلك الأمر؟ و أيضا لو لم يكن من الملائكة فكيف يصحّ استثناؤه منهم؟و قد أجبنا عن ذلك بالاستقصاء.(21:136)

الخازن: كونه من الملائكة لا ينافي كونه من الجنّ، بدليل قوله سبحانه و تعالى: وَ جَعَلُوا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً الصّافّات:158،و ذلك أنّ قريشا قالت:

الملائكة بنات اللّه،فهذا يدلّ على أنّ الملك يسمّى جنّا، و يعضده اللّغة،لأنّ الجنّ مأخوذ من الاجتنان و هو السّتر.

فعلى هذا تدخل الملائكة فيه،فكلّ الملائكة جنّ لاستتارهم و ليس كلّ جنّ ملائكة.

و وجه كونه من الملائكة أنّ اللّه سبحانه و تعالى استثناه من الملائكة،و الاستثناء يفيد إخراج ما لولاه لدخل و يصحّ دخوله،و ذلك يوجب كونه من الملائكة.

و وجه من قال:إنّه كان من الجنّ و لم يكن من الملائكة،قوله: كانَ مِنَ الْجِنِّ، و الجنّ جنس مخالف للملائكة،و قوله: أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَ ذُرِّيَّتَهُ الكهف:

50،فأثبت له ذرّيّة،و الملائكة لا ذرّيّة لهم.

و أجيب عن الاستثناء أنّه استثناء منقطع،و هو مشهور في كلام العرب.قال اللّه سبحانه و تعالى: وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَ قَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ* إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي الزّخرف:26،27،و قال تعالى:

لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلاّ سَلاماً مريم:62.

قيل:إنّه من الملائكة فلمّا خالف الأمر مسخ و غيّر و طرد و لعن.(4:175)

الفيروزآباديّ: عن ابن عبّاس:أنّ اللّه تعالى أمر إبليس أن يأتي محمّدا صلّى اللّه عليه و سلّم في صورة إنسان و يجيبه عن كلّ ما سأل.قال:فجاء اللّعين إلى باب المسجد و عليه لباس من صوف و بيده عكّازة مثل شيخ كبير،فنظره النّبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم فأنكره؛إذ لم يسلّم عليه،فقال عليه السّلام:ما أنت يا شيخ؟فقال:أنا إبليس،أمرني اللّه تعالى أن أجيبك عن كلّ ما تسأل، فسل ما تريد.فقال صلّى اللّه عليه و سلّم:كم أعداؤك من أمّتي؟قال:خمسة عشر،و أنت رأسهم و أوّلهم، و الإمام العادل،و الغنيّ المتواضع،و التّاجر الصّدوق، و العالم المتخشّع،و المؤمن النّاصح،و المؤمن الرّحيم القلب،و المتورّع عن الحرام و المديم على الطّهارة، و الّذي يؤدّي حقّ ماله،و المؤمن السّخيّ،و المؤمن الكثير الصّدقة،و حامل القرآن،و القائم باللّيل،و القائم على التّوبة،قال:فكم رفقاؤك من أمّتي؟

قال:عشرة:السّلطان الجائر،و الغنيّ المتكبّر، و التّاجر الخائن،و شارب الخمر،و صاحب الزّنى، و صاحب الرّبا،و القتّال،و آكل أموال اليتامى،و مانع الزّكاة،و الطّويل الأمل؛هؤلاء خواصّي.قال:كيف موضع صلاة أمّتي منك؟قال تأخذني الحمّى.قال:

فموضع خوضهم في العلم؟قال:أذوب كما يذوب الرّصاص.قال:فالصّوم؟قال:أصير أعمى.قال:

فقراءة القرآن؟قال:أصير أصمّ.قال:الحجّ؟قال:إذا قيّدوني.قال:الجهاد؟قال:يجمع يداي إلى عنقي بالغلّ.

قال:الصّدقة؟قال:منشار يوضع على رأسي فأقطع نصفين:نصف إلى المشرق،و نصف إلى المغرب.قال:

فلم ذاك يا لعين؟قال:لأنّ لهم في الصّدقة ثلاث خصال:

ص: 157

يكون اللّه غريما لهم،و أن يكونوا من ورثة أهل الجنّة، و عصموا منّي أربعين يوما،و أيّ مصيبة أعظم من ذلك.

فقال صلّى اللّه عليه و سلّم:من أبغض الخلق إليك؟ فقال:العالم النّاصح لنفسه و لأئمّة المسلمين.فقال:من أحبّهم إليك؟فقال:العالم البخيل بعلمه،الشّحيح بدرهمه.فقال:كم لك من الأعوان؟فقال:أكثر من قطر المطر،و ورق الأشجار،و رمل القفار.فقال صلّى اللّه عليه و سلّم:اللّهمّ أعصم أمّتي.قال:فولّى اللّعين هاربا.

و قد دعاه اللّه تعالى في القرآن العظيم بسبعين اسما قبيحا:

1-بالشّيطان كَمَثَلِ الشَّيْطانِ الحشر:16.

2-وسواس و خنّاس مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ النّاس:4.

3-موسوس اَلَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ النّاس:5.

4-رجيم فَإِنَّكَ رَجِيمٌ الحجر:34،ص:77.

5-عدوّ إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا فاطر:6.

6-غرور وَ لا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللّهِ الْغَرُورُ لقمان:33.

7-فاتن لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ الأعراف:27.

8-مضلّ وَ يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ النّساء:

60.

9-مزيّن فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ النّحل:63.

10-كيّاد إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً النّساء:

76.

11-خادع وَ هُوَ خادِعُهُمْ النّساء:142.

12-كاذب كفّار إِنَّ اللّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفّارٌ الزّمر:3.

13-ختّار كفور كُلُّ خَتّارٍ كَفُورٍ لقمان:32.

14-هامز أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ المؤمنون:97.

15-حاضر وَ أَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ المؤمنون:98.

16-مغو لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ الحجر:39.

17-غاوي لَغَوِيٌّ مُبِينٌ القصص:18.

18-جنّ كانَ مِنَ الْجِنِّ الكهف:50.

19-آبي و مستكبر أَبى وَ اسْتَكْبَرَ البقرة:34.

20-مزلّ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ البقرة:36.

21-لعين عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ الحجر:35.

22-منظر إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ الأعراف:15.

23-ممنّي وَ لَأُمَنِّيَنَّهُمْ النّساء:119.

24-آمر وَ لَآمُرَنَّهُمْ النّساء:119.

25-وليّ الكفرة وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ البقرة:257.

26-واعد بالفقر اَلشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ البقرة:268.

27-مريد وَ يَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ الحجّ:3.

28-مارد مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ الصّافّات:7.

29-مقذوف مدحور يُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ* دُحُوراً الصّافّات:8،9.

30-خاطف إِلاّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ الصّافّات:10.

ص: 158

31-مرجوم وَ جَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ الملك:5.

32-داعي إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ فاطر:6.

33-باطل وَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ العنكبوت:52.

34-نازع يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما الأعراف:

27.

35-نازغ وَ إِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ الأعراف:200،و فصّلت:36.

36-ماسّ و طائف إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ الأعراف:201.

37-متخبّط يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ البقرة:275.

38-مخلف وَ وَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ إبراهيم:22.

39-متفحّش وَ يَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ البقرة:268.

40-كافر وَ كانَ مِنَ الْكافِرِينَ البقرة:34.

41-مذءوم قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً الأعراف:18.

42-خذول وَ كانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولاً الفرقان:29.

43-ملوم فَلا تَلُومُونِي إبراهيم:22.

44-سفيه يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللّهِ شَطَطاً الجنّ:4.

45-أسفل لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ فصّلت:29.

46-بئس القرين فَبِئْسَ الْقَرِينُ الزّخرف:38.

47-بدل للظّالمين بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلاً الكهف:50.

48-بريء إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ الحشر:16.

49-رائي إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ الأنفال:48.

50-رجز وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ الأنفال:11.

51-خالد في النّار خالِدَيْنِ فِيها الحشر:17.

52-عفريت قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ النّمل:

39.

53-فاسق فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ الكهف:50.

54-مستحوذ اِسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ المجادلة:19.

55-مسترق إِلاّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ الحجر:18.

56-منسي فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ يوسف:42، وَ ما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ الكهف:63.

57-مسوّل و مملي سَوَّلَ لَهُمْ وَ أَمْلى لَهُمْ محمّد:25.

58-مدلّي فَدَلاّهُما بِغُرُورٍ الأعراف:22.

59-مقسم وَ قاسَمَهُما الأعراف:21.

60-ملقي أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ الحجّ:

52.

61-مبدي لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما الأعراف:20.

62-مبين إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ البقرة:168.

63-محتنك لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ الإسراء:62.

ص: 159

64-مشارك وَ شارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَ الْأَوْلادِ الإسراء:64.

65-مستفزز وَ اسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ الإسراء:64.

66-جالب الشّرّ وَ أَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ الإسراء:64.

67-ناريّ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ الأعراف:12.

68-خارج فَاخْرُجْ مِنْها الحجر:34.

69-مخرج أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ الأعراف:27.

70-خبيث وَ الَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاّ نَكِداً الأعراف:58.

قيل:البلد الطّيّب آدم،و الّذي خبث إبليس.

و ذكره اللّه عزّ و جلّ باسمه المخبر عن إبلاسه،المنبئ عن حرمانه و يأسه في مواضع من كتابه العزيز؛قال:

فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى وَ اسْتَكْبَرَ البقرة:34.و قال تعالى على طريق إلزام الحجّة و قهر ممزوج بلطيفة اللّطف: ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ الأعراف:

12،ثمّ جعله مقدّم أهل الفساد و المعصية،قال: اِذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ الإسراء:63.فقام المتمرّد في معرض المناظرة مع ربّ الأرباب و قال: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ص:82.فقال الرّبّ مراغما لعدوّه و محابيا لأوليائه: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ الحجر:42.ثمّ جعله مخدوع المهلة بقوله: إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ الأعراف:15.و نبّه آدم و أولاده بشدّة عداوته لهم،فقال: إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَ لِزَوْجِكَ طه:

117،و قال: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا فاطر:6،ثمّ وسمه بوسم اللّعنة الأبديّة،فقال: وَ إِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ الحجر:35.و بشّره بخلود النّار،و من تبعه من سائر الشّياطين،فقال: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَ مِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ص:85.

(بصائر ذوي التّمييز 6:103)

عزّة دروزة: تعليق على وصف إبليس أنّه من الجنّ و ما أورده المفسّرون في صدده،لقد أورد المفسّرون في سياق الآية روايات و أقوالا متنوّعة ليس شيء منها واردا في كتب الصّحاح؛منها أنّ الجنّ جيل من الملائكة،و منها أنّ كلمة الجنّ يصحّ إطلاقها لغة على الملائكة،لأنّها من الاجتنان،و هو الاستتار و الخفاء.

و الّذين قالوا هذا تفادوا به ممّا و هموا أنّه تناقض في مفهوم القرآن،لأنّ مقتضى جميع القصّة في السّور الأخرى أن يكون إبليس من الملائكة،لأنّه استثني منهم؛حيث جاءت الجملة: وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ البقرة:34،و لا نرى طائلا و لا ضرورة إلى ذلك.فالآية صريحة بأنّ إبليس شيء و الملائكة شيء آخر.

و الّذين قالوا:إنّ الجنّ جيل من الملائكة،و إنّ كلمة الجنّ يصحّ أن تطلق على الملائكة،و إنّ إبليس من الملائكة،قد غفلوا فيما يتبادر لنا عن تقريرات القرآن الصّريحة الأخرى بأنّ الجانّ قد خلقوا من نار،و عن حكاية قول إبليس:إنّه خلق من نار،ممّا فيه حسم في قصد تقرير كون إبليس من الجنّ النّاريّ،و كذلك غفلوا عن جمع الجنّ و الملائكة في سياق واحد و هو آيات سورة سبأ:40،هذه: وَ يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ

ص: 160

لِلْمَلائِكَةِ أَ هؤُلاءِ إِيّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ ممّا فيه حسم بأنّ كلاّ منهم غير الآخر.(6:28)

عبد الرّزّاق نوفل: تكرّر ذكر إبليس في القرآن الكريم«11»مرّة فقط،و ليس للفظه مشتقّات،و ذلك في مثل النّصّ الشّريف: وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى البقرة:34،و بنفس العدد،أي «11»مرّة،تكرّر الأمر بالاستعاذة،إذ ورد الأمر بلفظ (أعوذ)«7»مرّات،في مثل قوله تعالى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ النّاس:1.و ورد الأمر بلفظ(فاستعذ)«4» مرّات،في مثل النّصّ الشّريف: إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاّ كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ المؤمن:56،فكما ورد ذكر إبليس«11»مرّة،فلقد تكرّر الأمر بالاستعاذة منه «11»مرّة.(2:15).

[و جاء نظير هذه النّصوص ذيل سائر الآيات:

الأعراف:11،الحجر:31،32،الإسراء:61،طه:

116،الشّعراء:95،سبأ:20،ص:74،75.و في أكثر التّفاسير فلا نعيدها حذرا من التّكرار و التّطويل].

الأصول اللّغويّة

1-قالوا فيه:إنّه عربيّ مشتقّ من الإبلاس،أي البعد عن الخير،أو اليأس من رحمة اللّه.و قالوا:إنّه أعجميّ،و لذا منع من الصّرف للعجمة و التّعريف.

و القول الأوّل قريب لفظا و معنى و بعيد استعمالا؛ فلو كان عربيّا لما منع من الصّرف؛إذ ليس فيه علّة لمنع الصّرف إلاّ التّعريف،و التّعريف وحده لا يمنع من الصّرف،فهو على وزن«إلبيس»أي الأحمق، و«إمليس»أي الأرض الواسعة،و«إحليل»أي مخرج البول و اللّبن،و«إكليل»و هو ما كلّل به الرّأس من ذهب أو غيره (1).

2-و الحقّ أنّه أعجميّ معرّب للّفظ اليونانيّ «ذياقولوس».و منه أخذ اللّفظ الفرنسيّ«دايبل» (2)و الإنجليزيّ«دقل» (3)و هكذا سائر اللّغات اللاّتينيّة.

و قد أخذته السّريانيّة-من اللّغات السّاميّة-عن اليونانيّة بلفظ مقارب لها،فقد ورد فيها بلفظ «ديبلوس» (4).

أمّا العرب فتصرّفوا فيه و جعلوه على وزن «إفعيل»،فألحقوه ببعض الألفاظ اليونانيّة،مثل:إبريز، و هو الذّهب الخالص،و إقليد،أي المفتاح،و إزميل،أي شفرة الحذّاء،و إنجيل،و هو الكتاب المعروف (5).

و إبليس في اليونانيّة اسم علم،و يعني فيها مجازا من يعمل عملا يكون موضع إعجاب لدى الآخرين،و يعني أيضا الشّخص العنيف،و الشّخص القدير (6).

3-و إبليس و الشّيطان واحد،بيد أنّ الأوّل علم شخص خاصّ،يختصّ بمن أطلق عليه و لا يطلق على غيره،و الثّاني اسم جنس عامّ يطلق على كلّ عات من الإنس و الجنّ و الدّوابّ.فلا يقال لمن كان شرّيرا:

إبليس،بل يقال له:شيطان.و يقال لمن يستقبح:كأنّه شيطان،و لا يقال:كأنّه إبليس.و لذا تسمّي العرب

ص: 161


1- جمهرة اللّغة 3:376،377.
2- معجم فرنسي-فارسي،لسعيد نفيسيّ 1:542.
3- المورد(معجم إنجليزيّ-عربيّ)لمنير البعلبكيّ:267.
4- المعجم المقارن للدّكتور محمّد جواد مشكور 1:4.
5- جمهرة اللّغة 3:376،377.
6- معجم يونانيّ-إنجليزي من مطبوعات جامعة أوكسفورد :49.

بعض الحيّات ذات عرف قبيح المنظر:شيطانا (1).

«لاحظ ب ل س».

الاستعمال القرآنيّ

جاء إبليس 11 مرّة في 11 سورة،و فيها بحوث:

1-أطلق لفظ«إبليس»في القرآن على شخص لا على جنس في كلّ المواضع الّتي ورد فيها،حتّى في مورد سجود الملائكة لآدم و امتناع الشّيطان من ذلك؛حيث ورد لفظ«إبليس»لا«الشّيطان»لأنّ المراد فيه شخصه لا جنسه.

2-تسع منها تتحدّث عن إبائه السّجود لآدم.

1- وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى وَ اسْتَكْبَرَ وَ كانَ مِنَ الْكافِرِينَ البقرة:34

2- وَ لَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ الأعراف:11

3 و 4- فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ* إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ* قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلاّ تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ الحجر 30-32

5- وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ قالَ أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً الإسراء:61

6- وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ...

الكهف:50

7- وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى طه:116

8 و 9- فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ* إِلاّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَ كانَ مِنَ الْكافِرِينَ* قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ ص:73-75

و اثنتان في غير هذا المورد:

فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَ الْغاوُونَ* وَ جُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ الشّعراء:94،95.

وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ سبأ:20.

3-و هذه الآيات كلّها مكّيّة إلاّ آية البقرة،فإنّها- كما هو المشهور-أوّل سورة مدنيّة و بذلك يمكننا القول بأنّ موضوع السّجدة لآدم كان موضع اهتمام القرآن في أوائل البعثة.

4-و يستشفّ من الآيتين الأخيرتين أنّ إبليس كان رائد الشّياطين و رأسهم،و له جنود و أتباع.

5-و نظرا لكون«إبليس»شخصا معيّنا فقد جاء مفردا دائما.و لو صحّ ما شاع في المحاورات من لفظ «أبالسة»فلأجل أنّهم استعملوا لفظ«إبليس»محلّ «شيطان»مجازا.

6-و أمّا الشّيطان،فهو و إن أطلق على شخص معيّن مرادف لإبليس،إلاّ أنّه في الأصل اسم جنس.فكلّما أريد به الشّخص استعمل معرّفا بألف و لام العهد،كما جاء في قصّة آدم و زوجه،خمس مرّات:

فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ البقرة:36،و الأعراف:20،22،27،طه:

ص: 162


1- تهذيب اللّغة 11:313.

12.

و الدّليل على أنّ الشّيطان اسم جنس هو ما يلي:

أ-وردت هذه الكلمة«17»مرّة بلفظ الجمع،مثل:

وَ اتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ البقرة:102.

ب-وردت نكرة في«6»موارد،مثل: وَ حِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ الصّافّات:7.

ج-اشتقّت هذه الكلمة من«شطن»أي بعد،أو «شطي»أي هلك،فيدلّ معناه على الحقارة و الشّرّ و الشّقاوة،و يطلق على كلّ شرّير.

د-أطلق هذا الاسم أيضا على الإنسان الشّرّير خاصّة:

وَ كَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَ الْجِنِّ الأنعام:112. وَ إِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنّا مَعَكُمْ البقرة:14.

7-استعمل لفظ الشّيطان في القرآن مساويا في العدد للفظ الملائكة،كما في كتاب(الإعجاز العدديّ 1:17)و هذا يناسب تقابل الشّيطان و الملك في طبيعة الخير و الشّرّ،و في عدد النّفوس،و في أصل الخلقة.

فالملك خلق نوريّ و الشّيطان خلق ناريّ،كما اعترف الشّيطان به؛حيث فضّل نفسه على آدم: قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ الأعراف:12، و ص:76.و تمام الكلام في«ش طن».

ص: 163

ص: 164

أ ب و

اشارة

33 لفظا،117 مرّة:92 مكّيّة،25 مدنيّة

في 40 سورة:30 مكّيّة،10 مدنيّة

أبا 1:1\أبى 5:5\آباؤكم 10:6-4

أبت 8:8\أبيه 10:8-2\آباؤنا 12:12

أبا 1:-1\أبيهم 1:1\آباءهم 7:5-2

أباه 1:1\أبيكم 4:3-1\آباءكم 3:1-2

أباهم 1:1\أبينا 1:1\آباءنا 10:2-8

أباكم 1:1\أبواه 2:1-1\آباءهم 5:3-2

أبانا 7:7\أبويه 3:2-1\آباءهنّ 2:-2

أبوهما 1:1\أبويك 1:1\آباءك 1:-1

أبوهم 2:2\أبويكم 1:1\آباءكم 4:3-1

أبوك 1:1\آباء 1:-1\آبائى 1:1

أبونا 1:1\آباؤهم 4:2-2\آباءنا 4:4

النّصوص اللّغويّة

الخليل: أبوت الرّجل آبوه،إذا كنت له أبا.و يقال:

فلان يأبو هذا اليتيم إباوة،أي يغذوه،كما يغذو الوالد ولده.و يقال في المثل:«لا أبا لك»كأنّه يمدحه.و تصغير الأب:أبيّ،و تصغير الآباء على وجهين:فأجودهما:

أبيّون،و الآخر:أبيّاء،لأنّ كلّ جماعة على«أفعال»فإنّها تصغّر على حدّها.

و الأبوّة:الفعل من الأب،كقولك:تأبّيت أبا، و تبنّيت ابنا،و تأمّمت أمّا.و فلان بيّن الأبوّة و البنوّة و الأمومة.و يجوز في الشّعر أن تقول:هذان أباك،و أنت تريد أباك و أمّك.

و من العرب من يقول: أبوّتنا أكرم الآباء،يجمعون الأب على«فعولة»كما يقولون:هؤلاء عمومتنا و خئولتنا.

و منهم من يجمع الأب: أبين.[ثمّ استشهد بشعر] و تقول:هم الأبون،و هؤلاء أبوكم،يعني آباؤكم.

و الإبة:الخزي.[ثمّ استشهد بشعر](8:419) «لا أبا لك»،معناه لا كافي لك.

(الأزهريّ 15:603) (1)

ص: 165


1- هذا و ما بعده لم نجدهما في كتاب العين.

الهاء في قولهم:يا أبة و يا أبة لا تفعل،و يا أبتاه و يا أمّتاه،مثل الهاء في عمّة و خالة.و يدلّك على أنّ الهاء بمنزلة الهاء في عمّة و خالة،أنّك تقول في الوقف:يا أبه، كما تقول:يا خاله،و تقول:يا أبتاه،كما تقول:يا خالتاه.

و إنّما يلزمون هذه الهاء في النّداء إذا أضفت إلى نفسك خاصّة،كأنّهم جعلوها عوضا،من حذف الياء، و أرادوا أن لا يخلّوا بالاسم حين اجتمع فيه حذف النّداء، و أنّهم لا يكادون يقولون:يا أباه.

و صار هذا محتملا عندهم لما دخل النّداء من الحذف و التّغيير،فأرادوا أن يعوّضوا هذين الحرفين،كما يقولون:أينق،لمّا حذفوا العين جعلوا الياء عوضا،فلمّا ألحقوا الهاء صيّروها بمنزلة الهاء الّتي تلزم الاسم في كلّ موضع،و اختصّ النّداء بذلك لكثرته في كلامهم كما اختصّ بيا أيّها الرّجل.(ابن منظور 14:9،10)

ابن حبيب: أبو المرأة:زوجها.

(ابن منظور 14:13)

اليزيديّ: ما كنت أبا،و لقد أبيت أبوّة.

(الأزهريّ 15:601)

الفرّاء: «يا أبت يا أبت»لغتان،لأنّ من نصب أراد النّدبة:يا أبتاه،فحذفها.(2:35)

«لا أبا لك»:كلمة تفصل بها العرب كلامها(الأزهريّ 15:603)

أبو زيد: بيّبت الرّجل،إذا قلت له:بأبي،فهذا من البيب.(ابن منظور 14:10)

أبو عبيد: تأبّيت أبا،أي اتّخذت أبا،و تأمّيت أمّا،و تعمّمت عمّا.

و زعم بعض العلماء أنّ قولهم:«لا أبا لك و لا أب لك»مدح،و«لا أمّ لك»ذمّ.و قد وجدنا«لا أمّ لك» وضع موضع المدح أيضا.[ثمّ استشهد بشعر]

الأزهريّ 15:601،602)

ابن الأعرابيّ: فلان يأبوك،أي يكون لك أبا.

(الأزهريّ 15:601)

استئب أبا،و استأبب أبا،و تأبّ أبا،و استئمّ أمّا، و استأمم أمّا،و تأمّم أمّا.(الأزهريّ 15:603)

ابن السّكّيت: يقال:أبوت الرّجل آبوه،إذا كنت له أبا.و يقال:ما له أب يأبوه،أي يغذوه و يربّيه.

و أبيت الشّيء آباه إباء:كرهته.

(الأزهريّ 15:601)

أبو الهيثم: إذا قال الرّجل للرّجل:لا أبا لك،فلم يترك له من الشّتيمة شيئا.و إذا أراد إكرامه قال:لا أبا لشانئك،و لا أبّ لشانئك،و ما أشبه ذلك.

(الأزهريّ 15:603)

المبرّد: «لا أبا لك»:كلمة فيها جفاء،و العرب تستعملها عند الحثّ على أخذ الحقّ و الإغراء،و ربّما استعملتها الجفاة من الأعراب عند المسألة و الطّلب، فيقول القائل للأمير و الخليفة:أنظر في أمر رعيّتك لا أبا لك.(2:159)

يقال:لا أب لك و لا أبك،بغير لام.

(ابن منظور 14:13)

ثعلب: يقال:هذا أبوك،و هذا أباك،و هذا أبك.

فمن قال:هذا أبوك أو أباك فتثنيته أبوان،و من قال:هذا أبك فتثنيته أبان على اللّفظ،و أبوان على الأصل.

(ابن منظور 14:7)

ص: 166

ابن دريد: و أمّا الأب:الوالد فناقص و ليس من هذا[أبّ]،قالوا:أب،فلمّا ثنّوا قالوا:أبوان،و كذلك أخ و أخوان.(1:14)

الأزهريّ: قيل:ما كنت أبا،و لقد أبوت.و ما كنت أخا،و لقد أخوت.و ما كنت أمّا،و لقد أموت.

و يقال:هما أبواه،لأبيه و أمّه.و جائز في الشّعر:هما أباه.

و كذلك:رأيت أبيه.و اللّغة العالية:رأيت أبوية.

و يجوز أن يجمع«الأب»بالنّون؛فيقال:هؤلاء أبونكم،أي آباؤكم،و هم الأبون.

قلت:و الكلام الجيّد في جمع«الأب»هؤلاء الآباء، بالمدّ.(15:602)

«لا أبا لك»،قيل:معناه أنّك تجزى أمرك،و هذا أحمد.[و قال بعد نقله قول ابن الأعرابيّ:]

إنّما شدّد الأب و الفعل منه-و هو في الأصل غير مشدّد-لأنّ الأب أصله:أبو؛فزادوا بدل«الواو»ياء، كما قالوا:قنّ،للعبد،و أصله:قني.

و من العرب من قال ل«اليد»:يدّ،فشدّد الدّال،لأنّ أصله يدي.(15:603)

الفارسيّ: «لا أبا لك»فيه تقديران مختلفان لمعنيين مختلفين؛و ذلك أنّ ثبات الألف في«أبا»من:«لا أبا لك»،دليل الإضافة فهذا وجه،و وجه آخر:أنّ ثبات اللاّم و عمل«لا»في هذا الاسم يوجب التّنكير و الفصل، فثبات الألف دليل الإضافة و التّعريف،و وجود اللاّم دليل الفصل و التّنكير،و هذان:كما تراهما متدافعان.

و الفرق بينهما أنّ قولهم:«لا أبا لك»كلام جرى مجرى المثل،و ذلك أنّك إذا قلت:هذا،فإنّك لا تنفي في الحقيقة أباه،و إنّما تخرجه مخرج الدّعاء عليه،أي أنت عندي ممّن يستحقّ أن يدعى عليه بفقد أبيه.[ثمّ استشهد بشعر]

(ابن منظور 14:11)

الجوهريّ: الأب أصله:أبو بالتّحريك،لأنّ جمعه:

آباء،مثل قفا و أقفاء و رحى و أرحاء،فالذّاهب منه واو، لأنّك تقول في التّثنية:أبوان.

و بعض العرب يقول: أبان،على النّقص،و في الإضافة:أبيك.و إذا جمعت بالواو و النّون قلت:أبون، و كذلك أخون و حمون و هنون.[ثمّ استشهد بشعر]

و على هذا قرأ بعضهم: اله ابيك ابراهيم و اسماعيل و اسحاق البقرة:133،يريد جمع أب،أي أبينك، فخذف النّون للإضافة.

و يقال:ما كنت أبا و لقد أبوت أبوة.و ما له أب يأبوه،أي يغذوه و يربّيه.و النّسبة إليه أبويّ.

و الأبوان:الأب و الأمّ.

و بيني و بين فلان أبوّة،و الأبوّة أيضا:الآباء،مثل العمومة و الخئولة.[ثمّ استشهد بشعر]

و قولهم:يا أبة افعل.يجعلون علامة التّأنيث عوضا عن ياء الإضافة،كقولهم في الأمّ؛يا أمّه،و تقف عليها بالهاء،إلاّ في القرآن فإنّك تقف عليها بالتّاء اتّباعا للكتاب.و قد يقف بعض العرب على هاء التّأنيث بالتّاء، فيقولون:يا طلحت.

و إنّما لم تسقط التّاء في الوصل من الأب و سقطت من الأمّ،إذا قلت:يا أمّ أقبلي،لأنّ الأب لمّا كان على حرفين كان كأنّه قد أخلّ به،فصارت الهاء لازمة

ص: 167

و صارت الياء كأنّها بعدها.[ثمّ استشهد بشعر]

يقال:«لا أب لك و لا أبا لك»،و هو مدح و ربّما قالوا:لا أباك،لأنّ اللاّم كالمقحمة.[ثمّ استشهد بشعر]

(6:2260،2261)

ابن فارس: الهمزة و الباء و الواو يدلّ على التّربية و الغذو.

أبوت الشّيء آبوه أبوا،إذا غذوته،و بذلك سمّي الأب أبا.و يقال في النّسبة إلى أب:أبويّ.(1:44)

القيسيّ: أصل أب:أبو،على وزن«فعل»دليله قولهم:«أبوان»في التّثنية،و حذفت الواو منه لكثرة الاستعمال؛و لو جرى على أصول الاعتلال و القياس لقلت:«أباك»في الرّفع و النّصب و الخفض،و لقلت:

«أبا»في الرّفع و النّصب و الخفض،بمنزلة عصا و عصاك.

و بعض العرب يفعل فيه ذلك،و لكن جرى على غير قياس الاعتلال في أكثر اللّغات،و حسن فيه ذلك، لكثرة استعماله و تصرّفه.(2:365)

الطّوسيّ: الأب و الوالد نظائر.(5:228)

الآباء:جمع أب،و هو الّذي يكون منه نطفة الولد.(6:140)

الرّاغب: الأب:الوالد،و يسمّى كلّ من كان سببا في إيجاد شيء أو إصلاحه أو ظهوره أبا،و لذلك يسمّى النّبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم أبا المؤمنين.

و روي أنّه صلّى اللّه عليه و سلّم قال لعليّ عليه السّلام: «أنا و أنت أبوا هذه الأمّة»،و إلى هذا أشار بقوله:«كلّ سبب و نسب منقطع يوم القيامة إلاّ سببي و نسبي».

و قيل:أبو الأضياف لتفقّده إيّاهم،و أبو الحرب:

لمهيّجها،و أبو عذرتها:لمفتضّها.

و يسمّى العمّ مع الأب أبوين،و كذلك الأمّ مع الاب،و كذلك الجدّ مع الأب.و سمّي معلّم الإنسان:أباه؛ لما تقدّم من ذكره.

و جمع الأب:آباء و أبوّة،نحو:بعولة و خئولة.

و أصل أب:فعل،و قد أجري مجرى قفا في قول الشّاعر :*إنّ أباها و أبا أباها*.

و يقال:أبوت القوم:كنت لهم أبا آبوهم،و فلان يأبو بهمه،أي يتفقّدها تفقّد الأب.

و زادوا في النّداء فيه تاء،فقالوا،يا أبت.

و قولهم:بأبأ الصّبيّ،فهو حكاية صوت الصّبيّ إذا قال:بابا.(7)

الحريريّ: يقولون عند نداء الأبوين:يا أبتي و يا أمّتي،فيثبتون ياء الإضافة فيهما،مع إدخال تاء التّأنيث عليهما قياسا على قولهم:يا عمّتي.و هو وهم يشين و خطأ مستبين،و وجه الكلام أن يقال:يا أبت و يا أمّت،بحذف الياء و الاجتزاء عنها بالكسرة،كما قال تعالى: يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ مريم:44، يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَ لا يُبْصِرُ مريم:42،أو يقال:يا أبتا و يا أمّتا،بإثبات الألف.و الاختيار أن يوقف عليهما بالهاء،فيقال:يا أبه و يا أمّه.

فإن قيل:فكيف دخلت تاء التّأنيث على الأب و هو مذكّر؟

فالجواب:أنّه لا غرو[:لا عجب]في ذلك،أ لا ترى أنّهم قالوا:رجل ربعة و رجل فروقة؛فوصفوا المذكّر بالمؤنّث،و قالوا:امرأة حائض؛فوصفوا المؤنّث بلفظ

ص: 168

المذكّر!و إنّما يستعمل ما ذكرناه في النّداء خاصّة.

فأمّا قولهم:عمّتي و خالتي،فإنّ الياء فيهما تثبت في غير موطن النّداء.(125)

ابن الشّجريّ: أصل أب:أبو«فعل»كقلم،بدلالة جمعه على«أفعال»:آباء كأقلام،و الدّليل على أنّ المحذوف منه«واو»قولهم:أبوان.

و قد ألحقوا في بعض اللّغات«أبا»بباب عصا،و ذلك قليل.و إذا أضافوا هذا الاسم أعادوا إليه لامه،فقالوا:

أبوك،و أبو زيد.

فإن أضفته إلى ياء المتكلّم لم تزد،و قلت:أبي.

و أجاز أبو العبّاس المبرّد أبي و أخي و حمي،و احتجّ بقول الشّاعر:

قد راحلك ذا المجاز و قد أرى

و أبي مالك ذو المجاز بدار

و منع أبو عليّ من هذا و قال:إنّ أبي في البيت جمع أب على لغة من قال في جمعه:أبون و أبين،و عليه قول الشّاعر:

فلمّا تبيّن أصواتنا

بكين و فديننا بالأبينا

[إلى أن قال:]

فالياء الّتي قبل ياء المتكلّم في قوله:أبي،ياء الجمع الّتي في أبين،لا لام أب،فوزن أبي«فعي»لا«فعلي»، و على هذا الجمع حملت قراءة من قرأ (اله ابيك) ليكون بإزاء(آبائك)في القراءة الأخرى[انتهى ملخّصا].

(2:36-38)

ابن الأثير: قد تكرّر في الحديث«لا أبا لك»،و هو أكثر ما يذكر في المدح،أي لا كافي لك غير نفسك.

و قد يذكر في معرض الذّمّ،كما يقال:لا أمّ لك.و قد يذكر في معرض التّعجّب و دفعا للعين،كقولهم:للّه درّك.

و قد يذكر بمعنى:جدّ في أمرك و شمّر،لأنّ من له أب اتّكل عليه في بعض شأنه.و قد تحذف اللاّم،فيقال:لا أباك، بمعناه.[ثمّ استشهد بشعر]

و في الحديث:«للّه أبوك»إذا أضيف الشّيء إلى عظيم شريف اكتسى عظما و شرفا،كما قيل:بيت اللّه و ناقة اللّه.فإذا وجد من الولد ما يحسن موقعه و يحمد،قيل:«للّه أبوك»في معرض المدح و التّعجّب،أي أبوك للّه خالصا حيث أنجب بك و أتى بمثلك.

و في حديث الأعرابيّ الّذي جاء يسأل عن شرائع الإسلام،فقال له النّبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم:«أفلح و أبيه ان صدق».هذه كلمة جارية على ألسن العرب تستعملها كثيرا في خطابها و تريد بها التّأكيد.و قد نهى النّبي صلّى اللّه عليه و سلّم أن يحلف الرّجل بأبيه؛ فيحتمل أن يكون هذا القول قبل النّهي.و يحتمل أن يكون جرى منه على عادة الكلام الجاري على الألسن و لا يقصد به القسم كاليمين المعفوّ عنها من قبيل اللّغو،أو أراد به توكيد الكلام لا اليمين.فإنّ هذه اللّفظة تجري في كلام العرب على ضربين:للتّعظيم و هو المراد بالقسم المنهيّ عنه،و للتّوكيد.[ثمّ استشهد بشعر]

و في حديث أمّ عطيّة:«كانت إذا ذكرت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم قالت:«بأباه»،أصله:بأبي هو.

يقال:بأبأت الصّبيّ،إذا قلت له:بأبي أنت و أمّي،فلمّا سكّنت الياء قلبت ألفا،كما قيل في يا ويلتي:يا ويلتا؛

ص: 169

و فيها ثلاث لغات:بهمزة مفتوحة بين الباءين،و بقلب الهمزة ياء مفتوحة،و بإبدال الياء الآخرة ألفا و هي هذه.

و الباء الأولى في بأبي أنت و أمّي،متعلّقة بمحذوف.

قيل:هو اسم،فيكون ما بعده مرفوعا تقديره:أنت مفدّى بأبي و أمّي.و قيل:هو فعل و ما بعده منصوب:أي فديتك بأبي و أمي.و حذف هذا المقدّر تخفيفا لكثرة الاستعمال،و علم المخاطب به.

و في حديث رقيقة:«هنيئا لك أبا البطحاء»إنّما سمّوه أبا البطحاء،لأنّهم شرفوا به و عظّموا بدعائه و هدايته، كما يقال للمطعام:أبو الأضياف.

و في حديث وائل بن حجر:«من محمّد رسول اللّه إلى المهاجر بن أبو أميّة».حقّه أن يقول:ابن أبي أميّة،و لكنّه لاشتهاره بالكنية،و لم يكن له اسم معروف غيره،لم يجرّ،كما قيل:عليّ بن أبو طالب.

و في حديث عائشة قالت عن حفصة:«و كانت بنت أبيها»،أي إنّها شبيهة به في قوّة النّفس،و حدّة الخلق، و المبادرة إلى الأشياء.(1:19)

الصّغانيّ: الأب في بعض اللّغات:الزّوج.

(الزّبيديّ 10:5)

القرطبيّ: الأبوان:تثنية الأب و الأبة.و استغني بلفظ الأمّ عن أن يقال لها:أبة.

و من العرب من يجري المختلفين مجرى المتّفقين؛ فيغلّب أحدهما على الآخر لخفّته أو شهرته.جاء ذلك مسموعا في أسماء صالحة،كقولهم للأب و الأمّ:أبوان.

و للشّمس و القمر:القمران.و للّيل و النّهار:الملوان.

و كذلك العمران:لأبي بكر و عمر.غلّبوا القمر على الشّمس لخفّة التّذكير،و غلّبوا عمر على أبي بكر،لأنّ أيّام عمر امتدّت فاشتهرت.(5:68)

الفيّومي: الأب:لامه محذوفة و هي واو،لأنّه يثنّى:أبوين.و الجمع:آباء،مثل سبب و أسباب.و يطلق على الجدّ مجازا.

و إذا صغّر ردّت اللاّم المحذوفة فيبقى«أبيو»،فتجمع الواو و الياء،فتقلب الواو ياء و تدغم في اليا،فيبقى «أبيّ»،و به يسمّى.

و في لغة قليلة تشدّد الباء عوضا من المحذوف، فيقال:هو الأبّ.

و في لغة يلزمه القصر مطلقا،فيقال:هذا أباه، و رأيت أباه،و مررت بأباه.

و في لغة-و هي أقلّها-يلزمه النّقص مطلقا، فيستعمل استعمال«يد»و«دم».

و على اللّغة المشهورة إذا أضيف إلى غير الياء و هو مكبّر،أعرب بالحروف،فيقال:هذا أبوه،و رأيت أباه، و مررت بأبيه.

و الأبوّة:مصدر من الأب،مثل الأمومة مصدر من الأمّ،و الأخوّة و العمومة و الخئولة،فيقال:بينهما أخوّة الرّضاع.

و الأبواء:وزان«أفعال»موضع بين مكّة و المدينة، و يقال له:ودّان.(1:2)

الجرجانيّ: الأب:حيوان يتولّد من نطفته شخص آخر من نوعه.(3)

الفيروزآباديّ: الأبا:لغة في الأب،و أصل الأب «أبو»محرّكة،الجمع:آباء و أبون.

ص: 170

و أبوت و أبيت:صرت أبا،و أبوته إباوة بالكسر.

صرت له أبا.و الاسم الأبواء.

و تأبّاه:اتّخذه أبا.

و قالوا في النّداء:يا أبت بكسر التّاء و فتحها و يا أبه بالهاء و يا أبتاه و يا أباه.

و لاب لك،و لا أبا لك،و لا أباك،و لا أبك و لا أب لك؛كلّ ذلك دعاء في المعنى لا محالة،و في اللّفظ خبر:

يقال:لمن له أب و لمن لا أب له.

و أبو المرأة:زوجها.

و الأبوّ:الأبوّة،و أبّيته تأبية:قلت له:بأبي.

(4:299)

الجزائريّ: «الأب و الوالد»الفرق بينهما:أنّ الوالد لا يطلق إلاّ على من أولدك من غير واسطة،و الأب قد يطلق على الجدّ البعيد؛قال تعالى: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ الحجّ:78،و في الحديث النّبويّ:«و هذا أبي آدم و هذا أبي نوح».(61)

محمّد إسماعيل إبراهيم: أبا أبوّة:صار أبا،و الأب:الوالد.و الآباء:هم الأجداد و الأعمام.و يطلق المثنّى أبوان،على الأب و الأمّ.(1:27)

مجمع اللّغة: الأب:الوالد،و مثنّاه أبوان،و جمعه:

آباء.

و يقال في نداء الأب:يا أبي و يا أبت.و يطلق على الأب و الأمّ:الأبوان،تغليبا للأب.و يطلق على الأجداد أو الأعمام:آباء(1:2)

المصطفويّ: الأصل الواحد في هذه المادّة هو التّربية و التّغذية،و بلحاظ هذا المفهوم يوجد للأب مصاديق حقيقيّة كثيرة:كالوالد،و الرّبّ المتعال، و المعلّم،و النّبيّ،و الجدّ،و العمّ،و غيرهم من أولياء التّربية وَ اتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ يوسف:38، كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَ إِسْحاقَ يوسف:6، كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ الأعراف:27، وَ وَرِثَهُ أَبَواهُ النّساء:11، وَ لِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا النّساء:11، قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَ إِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ إِلهاً واحِداً البقرة:133، وَ ما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ التّوبة:114، وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ الأنعام:74.

و يقول ابن مالك:

و الفتح و الكسر و حذف الياء استمرّ

في يا ابن أمّ،يا ابن عمّ،لا مفرّ

و في النّداء أبت أمّت عرض

و اكسر أو افتح و من الياء،التّاء عوض

يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ يوسف:100،

يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ الصّافّات:102.

و لا يخفى أنّ حرف التّاء من علائم الخطاب،كما في «فعلت،و تفعل،و أنت»،و الخطاب يدلّ على القرب و المشافهة و المودّة و العطوفة.فإلحاق التّاء في النّداء حيث ما يمكن يكون بهذا النّظر،و ليست عوضا عن الياء،و إنّما تحذف الياء للثّقل،و يكتفى بالكسرة للتّخفيف.(1:13)

ص: 171

النّصوص التّفسيريّة

ابت

1- يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً... يوسف:4 الفرّاء:(يا ابت)لا تقف عليها بالهاء و أنت خافض لها في الوصل،لأنّ تلك الخفضة تدلّ على الإضافة إلى المتكلّم.و لو قرأ قارئ(يا ابت)لجاز،و كان الوقف على الهاء جائزا،و لم يقرأ به أحد نعلمه.و لو قيل:(يا ابت) لجاز الوقوف عليها بالهاء من جهة،و لم يجز من أخرى.

فأمّا جواز الوقوف على الهاء،بأن تجعل الفتحة فيها من النّداء و لا تنوي أن تصلها بألف النّدبة.

و أمّا الوجه الّذي لا يجوز الوقف على الهاء بأن تنوي(يا ابتاه)ثمّ تحذف الهاء و الألف،لأنّها في النّيّة متّصلة بالألف كاتّصالها في الخفض بالياء من المتكلّم.

(2:32)

ثعلب: قرئ(يا ابت)بكسر التّاء،فأصله:يا أبي، فحذفت الياء و اكتفي بالكسرة عنها،ثمّ أدخل هاء الوقف فقال:(يا ابت)،ثمّ كثر استعماله حتّى صار كأنّه من نفس الكلمة،فأدخلوا عليه الإضافة.

(الفخر الرّازي 18:86)

الزّجّاج: إنّ التّاء كثرت و لزمت في«الأب»عوضا عن ياء الإضافة،فلهذا كسرت التّاء،لأنّ الكسرة أخت الياء.(أبو زرعة:354)

من قرأ(يا ابت)بكسر التّاء فعلى الإضافة إلى نفسه و حذف الياء،لأنّ ياء الإضافة تحذف في النّداء.و أمّا إدخال تاء التّأنيث في«الأب»فإنّما دخلت في النّداء خاصّة،و المذكّر قد يسمّى باسم فيه علامة التّأنيث و يوصف بما فيه تاء التّأنيث،فالاسم نحو:نفس و عين، و الصّفة نحو:غلام يفعة،و رجل ربعة،فلزمت التّاء في «الأب»عوضا من ياء الإضافة،و الوقف عليها«يا أبه» بالهاء و إن كانت في المصحف بالتّاء.

(الطّبرسيّ 3:208)

الفارسيّ: [(يا ابت)بفتح التّاء على حذف الألف المنقلبة عن ياء الإضافة]،و يحتمل أن يكون مثل:

يا طلحة أقبل،و وجهه أنّ الأسماء الّتي فيها تاء التّأنيث أكثر ما ينادى مرخّما،فلمّا كان كذلك ردّ التّاء المحذوفة في التّرخيم و ترك الأمر يجري على ما كان يجرى عليه في التّرخيم من الفتح،فلم يعتدّ بالهاء و إقحامها،كما قالوا:

و أجمعت اليمامة،يريدون أهل اليمامة،قالوا:أجمعت أهل اليمامة،فلم يعتدّوا بردّ أهل.

و إنّما وقف ابن كثير بالهاء،فقال:يا أبه،لأنّ التّاء الّتي للتّأنيث تبدل منها الهاء في الوقف.و لم يجز على تقدير الإضافة،لأنّه إذا وقف عليها سكّنت للوقف، و إذا سكّنت كانت بمنزلة ما لا يراد به الإضافة فأبدل منها الهاء،كما إذا قال:يا طلحة أقبل-بفتح التّاء-،و إذا وقف عليها أبدل الهاء ياء.(الطّوسيّ 6:94)

أبو زرعة:قرأ ابن عامر:(يا ابت)بفتح التّاء في جميع القرآن.و قرأ الباقون بكسر التّاء على الإضافة إلى نفسه.

الأصل«يا ابى»،فحذفت الياء،لأنّ ياء الإضافة تحذف في النّداء كما يحذف التّنوين،و تبقى الكسرة تدلّ على الياء،كما تقول:«رب اغفر لي،و في التنزيل»: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ يوسف:101،و(يا قوم)

ص: 172

و الأصل«يا قومى»،فحذفت الياء.و إنّما تحذف في النّداء،لأنّ باب النّداء باب التّغيير و الحذف.

و أمّا إدخال تاء التّأنيث في«الأب»فقال قوم:إنّما دخلت للمبالغة،كما تقول:علاّمة و نسّابة،فاجتمع ياء المتكلّم و التّاء الّتي للمبالغة،فحذفوا الياء،لأنّ الكسرة تدلّ عليها.

و من فتح فله وجهان:

أحدهما:أن يكون أراد(يا ابتا)،فأبدل من ياء الإضافة«ألفا»ثمّ حذف الألف كما تحذف الياء،و تبقى الفتحة دالّة على الألف،كما أنّ الكسرة تدلّ على الياء.

و الوجه الآخر:أنّه إنّما فتح التّاء،لأنّ هذه التّاء بدل من ياء المتكلّم،و أصل ياء المتكلّم الفتح،فتقول:

يا غلامي.و إنّما قلنا ذلك لأنّ الياء هو اسم،و الاسم إذا كان على حرف واحد فأصله الحركة،فتكون الحركة تقوية للاسم،فلمّا كان أصل هذه الياء الفتحة كان الواجب أن تفتح،لأنّها بدل من الحرف الّذي هو أصله، ليدلّ على المبدل.

وقف ابن كثير و ابن عامر: (يا ابه)على الهاء، و حجّتهما أنّ التّغييرات تكون في حال الوقف دون الإدراج،فتقول:رأيت زيدا،فتقف عليه بالألف.

و وقف الباقون بالتّاء،و حجّتهم أنّ هذه التّاء بدل من الياء،فكما أنّ الياء على صورة واحدة في الوصل و الوقف،فكذلك البدل يجب أن يكون مثل المبدل منه على صورة واحدة.(353)

نحوه الآلوسيّ(12:178)،و الفخر الرّازيّ(18:

86).

الرّمّانيّ: (يا ابة)بضمّ الهاء جائز،لأنّ العوض لا يمنع من الحذف،و الوقف يجوز على التّاء،لأنّ الإضافة مقدّرة بعدها.و إن قدّر على حذف الألف لم يجز الوقف، إلاّ بالتّاء،و إن قدّر على الإقحام جاز الوقف.[ثمّ استشهد بشعر]

و إنّما دخلت الهاء في(يا ابت)للعوض من ياء الإضافة؛إذ يكثر في النّداء،مع لزوم معنى الإضافة، فكان أحقّ بالعلامة لهذه العلّة.(الطّوسيّ 6:95)

الطّوسيّ: يجوز في(يا ابت)ثلاثة أوجه من الإعراب:

أحدهما:الكسر على حذف ياء الإضافة.

الثّاني:(يا ابت)بفتح التّاء على حذف الألف المنقلبة عن ياء الإضافة،كأنّه أراد(يا ابتا)،فحذف الألف كما تحذف الياء،فتبقى الفتحة دالّة على الألف،كما أنّ الكسرة دالّة على الياء.[ثمّ استشهد بشعر]فلمّا كثرت هذه الكلمة في كلامهم ألزموه القلب.

الثّالث:(يا ابة)بضمّ الهاء في قول الفرّاء و لم يجزه الزّجّاج،قال:لأنّ التّاء عوض من ياء الإضافة.

(6:94)

البغويّ: قرأ أبو جعفر و ابن عامر(يا ابت)بفتح التّاء...و قرأ الآخرون(يا ابت)بكسر التّاء في كلّ القرآن،و الوجه أنّ أصله:يا أبتي،فحذفت الياء تخفيفا و اكتفاء بالكسرة،لأنّ باب النّداء حذف،يدلّ على ذلك قوله: يا عِبادِ فَاتَّقُونِ الزّمر:16،و قرأ الآخرون(يا ابت)بكسر التّاء،لأنّ أصله:يا أبت، و الجزم يحرّك إلى الكسر.(3:214)

ص: 173

مثله الميبديّ.(5:5)

الزّمخشريّ: (يا ابت)قرئ بالحركات الثّلاث.

فإن قلت:ما هذه التّاء؟

قلت:تاء تأنيث وقعت عوضا عن ياء الإضافة، و الدّليل على أنّها تاء تأنيث قلبها هاء في الوقف.

فإن قلت:كيف جاز إلحاق تاء التّأنيث بالمذكّر؟

قلت:كما جاز نحو قولك:حمامة ذكر،و شاة ذكر، و رجل ربعة،و غلام يفعة.

فإن قلت:فلم ساغ تعويض تاء التّأنيث من ياء الإضافة؟

قلت:لأنّ التّأنيث و الإضافة يتناسبان في أنّ كلّ واحد منهما زيادة مضمومة إلى الاسم في آخره.

فإن قلت:فما هذه الكسرة؟

قلت:هي الكسرة الّتي كانت قبل الياء في قولك:

يا أبي،قد زحلقت إلى التّاء،لاقتضاء تاء التّأنيث أن يكون ما قبلها مفتوحا.

فإن قلت:فما بال الكسرة لم تسقط بالفتحة الّتي اقتضتها التّاء،و تبقى التّاء ساكنة؟

قلت:امتنع ذلك فيها،لأنّها اسم،و الأسماء حقّها التّحريك لأصالتها في الإعراب،و إنّما جاز تسكين الياء و أصلها أن تحرّك تخفيفا،لأنّها حرف لين،و أمّا التّاء فحرف صحيح نحو كاف الضّمير،فلزم تحريكها.

فإن قلت:يشبه الجمع بين التّاء و بين هذه الكسرة الجمع بين العوض و المعوّض منه،لأنّها في حكم الياء إذا قلت:يا غلام،فكما لا يجوز«يا ابتى»لا يجوز(يا ابت)؟

قلت:الياء و الكسرة قبلها شيئان،و التّاء عوض من أحد الشّيئين و هو الياء،و الكسرة غير متعرّض لها، فلا يجمع بين العوض و المعوّض منه إلاّ إذا جمع بين التّاء و الياء لا غير،أ لا ترى إلى قولهم:«يا أبتا»مع كون الألف فيه بدلا من الياء،كيف جاز الجمع بينها و بين التّاء،و لم يعدّ ذلك جمعا بين العوض و المعوّض منه، فالكسرة أبعد من ذلك.

فإن قلت:فقد دلّت الكسرة في:«يا غلام»على الإضافة،لأنّها قرينة الياء و لصيقتها،فإن دلّت على مثل ذلك في(يا ابت)فالتّاء المعوّضة لغو،وجودها كعدمها؟

قلت:بل حالها مع التّاء كحالها مع الياء إذا قلت:

يا أبي.

فإن قلت:فما وجه من قرأ بفتح التّاء و ضمّها؟

قلت:أمّا من فتح فقد حذف الألف من«يا أبتاه» و استبقى الفتحة قبلها،كما فعل من حذف الياء في «يا غلام»،و يجوز أن يقال:حرّكها بحركة الياء المعوّض منها في قولك:يا أبي.و أمّا من ضمّ فقد رأى اسما في آخره تاء تأنيث فأجراه مجرى الأسماء المؤنّثة بالتّاء، فقال:يا أبت،كما تقول:يا ثبّة،من غير اعتبار لكونها عوضا من ياء الإضافة.(2:302)

أبو البركات: قرئ بكسر التّاء و فتحها،فمن قرأ بكسر التّاء جعلها بدلا عن ياء الإضافة،و لا يجوز أن يجمع بينهما،لأنّه يؤدّي إلى أن يجمع بين البدل و المبدل.

و من قرأ بفتحها ففيه وجهان:

أحدهما:أنّ أصله:يا أبتي،فأبدل من الكسرة فتحة،و من الياء ألفا؛لتحرّكها و انفتاح ما قبلها،ثمّ

ص: 174

حذفت الألف فصارت(يا ابت).

و الثّاني:أنّه محمول على قول من قال:يا طلحة بفتح التّاء،كأنّه قد رخّم ثمّ ردّ التّاء و فتحها تبعا لفتح الحاء، فقال:يا طلحة،أو لأنّه لم يعتدّ بها،ففتحها كما كان الاسم قبل ردّها مفتوحا.[ثمّ استشهد بشعر](2:32)

القرطبيّ: بكسر التّاء قراءة أبي عمرو و عاصم و نافع و حمزة و الكسائيّ،و هي عند البصريّين علامة التّأنيث،أدخلت على الأب في النّداء خاصّة بدلا من ياء الإضافة،و قد تدخل علامة التّأنيث على المذكّر،فيقال:

رجل نكحة و هزأة.

قال النّحّاس: إذا قلت:(يا ابت)-بكسر التّاء- فالتّاء عند سيبويه بدل من ياء الإضافة.و لا يجوز على قوله الوقف إلاّ بالهاء،و له على قوله دلائل،منها:أنّ قولك:(يا ابه)يؤدّي عن معنى«يا ابي»؛و أنّه لا يقال:

(يا ابت)إلاّ في المعرفة،و لا يقال:جاءني أبت.

و لا تستعمل العرب هذا إلاّ في النّداء خاصّة،و لا يقال:

يا أبتي لأنّ التّاء بدل من الياء فلا يجمع بينهما.

و زعم الفرّاء أنّه إذا قال:(يا ابت)،فكسر دلّ على الياء لا غير،لأنّ الياء في النّيّة.و زعم أبو إسحاق أنّ هذا خطأ.و الحقّ ما قال،كيف تكون الياء في النّيّة،و ليس يقال:«يا أبتي»؟!(9:121)

البيضاويّ: أصله:يا أبي،فعوّض عن الياء تاء التّأنيث؛لتناسبهما في الزّيادة،و لذلك قلبها هاء في الوقف ابن كثير و أبو عمرو و يعقوب و كسروها،لأنّها عوض حرف يناسبها.و فتحها ابن عامر في كلّ القرآن، لأنّها حركة أصلها،أو لأنّه كان«يا أبتا»فحذف الألف و بقي الفتحة،و إنّما جاز«يا أبتا»و لم يجز«يا أبتي»لأنّه جمع بين العوض و المعوّض.

و قرئ بالضّمّ إجراء لها مجرى الأسماء المؤنّثة بالتّاء من غير اعتبار التّعويض،و إنّما لم تسكّن كأصلها،لأنّها حرف صحيح منزّل منزلة الاسم،فيجب تحريكها، ككاف الخطاب.(1:486)

مجمع اللّغة: و قد جاء لفظ الأب في القرآن الكريم مفردا و مثنّى و جمعا على آباء.

1-«الأب»مفردا بمعنى الوالد.

قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً يوسف:78.

2-و أطلق المثنّى«أبوان»على الأب و الأمّ.

فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَ وَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ النّساء:11.

3-و أطلق المثنّى على الجدّين.

كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَ إِسْحاقَ يوسف:6.

4-و أطلق المثنّى على آدم و حوّاء.

يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ الأعراف:27.

5-و أتى الجمع«آباء»بمعنى الوالدين،أو بمعنى الأصول من الآباء و الأجداد و من في منزلتهم.

وَ لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ النّور:31.

6-و أطلق«آباء»على الأب و العمّ و الجدّ،و ذلك في قوله تعالى على لسان يعقوب.

ص: 175

قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَ إِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ البقرة:133.(1:3)

2- إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَ لا يُبْصِرُ...

مريم:42

الطّبريّ: اختلف أهل العربيّة في وجه دخول الهاء في قوله:(يا ابت)فكان بعض نحويّي أهل البصرة يقول:

إذا وقفت عليها قلت:يا أبه،و هي هاء زيدت نحو قولك:

يا أمّه،ثمّ يقال:يا أمّ،إذا وصل،و لكنّه لمّا كان«الأب» على حرفين كان كأنّه قد أخلّ به،فصارت الهاء لازمة، و صارت الياء كأنّها بعدها،فلذلك قالوا:يا أبة أقبل، و جعل التّاء للتّأنيث.و يجوز التّرخيم من:يا أب أقبل، لأنّه يجوز أن تدعو ما تضيفه إلى نفسك في المعنى مضموما،نحو قول العرب:يا ربّ اغفر لي،و تقف في القرآن(يا أبه)في الكتاب.و قد يقف بعض العرب على الهاء بالتّاء.

و قال بعض نحويّي الكوفة: الهاء مع أبة و أمّة هاء وقف،كثرت في كلامهم حتّى صارت كهاء التّأنيث، و أدخلوا عليها الإضافة.فمن طلب الإضافة فهي بالتّاء لا غير،لأنّك تطلب بعدها الياء،و لا تكون الهاء حينئذ إلاّ تاء،كقولك:يا أبت،لا غير.و من قال:يا أبه،فهو الّذي يقف بالهاء،لأنّه لا يطلب بعدها ياء.و من قال:

يا أبتا،فإنّه يقف عليها بالتّاء،و يجوز بالهاء.فأمّا بالتّاء فلطلب ألف النّدبة،فصارت الهاء تاء لذلك،و الوقف بالهاء بعيد،إلاّ فيمن قال:«يا أميمة ناصب»،فجعل هذه الفتحة من فتحة التّرخيم،و كأنّ هذا طرف الاسم.

قال:و هذا بعيد.(16:89)

الطّوسيّ: الأصل:يا أبتي،فحذف ياء الإضافة و بقيت كسرة التّاء تدلّ عليها.و قيل:إنّ التّاء دخلت للمبالغة في تحقيق الإضافة،كما دخلت في«علاّمة، و نسّابة»للمبالغة في الصّفة،و مثله يا أمت،و الوقف بالتّاء لهذه العلّة.و أجاز الزّجّاج الوقف بالهاء.

و قيل:إنّ التّاء عوض من ياء الإضافة.(7:128)

نحوه الطّبرسيّ.(3:516)

الزّمخشريّ: التّاء في(يا ابت)عوض من ياء الإضافة،و لا يقال:يا أبتي؛لئلاّ يجمع بين العوض و المعوّض منه.و قيل:«يا أبتا»لكون الألف بدلا من الياء،و شبّه ذلك سيبويه بأينق.و تعويض الياء فيه عن الواو السّاقطة.(2:510)

نحوه الفخر الرّازيّ.(21:224)

أبو حيّان: في قوله:(يا ابت)تلطّف و استدعاء بالنّسب.و قرأ ابن عامر و الأعرج و أبو جعفر(يا ابت) بفتح التّاء،و قد لحّن هارون هذه القراءة.و في مصحف عبد اللّه(وا ابت)بدل ياء.(6:193)

الآلوسيّ: أي يا أبي،فإنّ التّاء عوض من ياء الإضافة،و لذلك لا يجمع بينهما إلاّ شذوذا كقوله:

«يا أبتي أرّقني القذّان»و الجمع في«يا أبتا»قيل:بين عوضين و هو جائز،كجمع صاحب الجبيرة بين المسح و التّيمّم،و هما عوضان عن الغسل.و قيل:المجموع فيه عوض.و قيل:الألف للإشباع،و أنت تعلم حال العلل النّحويّة.(16:96)

و قرأ ابن عامر و الأعرج و أبو جعفر(يا ابت)بفتح التّاء،و زعم هارون أنّ ذلك لحن،و الحقّ خلافه.و في

ص: 176

مصحف عبد اللّه(وا ابت)بواو بدل ياء،و النّداء بها في غير النّدبة قليل و ناداه عليه السّلام بذلك استعطافا له.

(16:96)

الطّباطبائيّ: و المعروف من مذهب النّحاة في لفظ (يا ابت)أنّ التّاء عوض من ياء المتكلّم،و مثله«يا أمّت» و يختصّ التّعويض بالنّداء،فلا يقال مثلا:قال أبت، و قالت أمّت.(14:57)

أبوهما

...وَ كانَ أَبُوهُما صالِحاً... الكهف:82

ابن عبّاس: أبوهما السّابع،و اسمه كاشح،و كان سيّاحا.(الميبديّ 5:725)

الإمام الصّادق عليه السّلام: إنّه كان بينهما و بين ذلك الأب الصّالح سبعة آباء.(الطّبرسيّ 3:488)

مقاتل: هو الأب العاشر،فحفظا فيه و إن لم يذكر بصلاح،و كان يسمّى كاشحا.(القرطبيّ 11:38)

النّقّاش: اسم أمّهما دنيا.(القرطبيّ 11:38)

القرطبيّ: ظاهر اللّفظ و السّابق منه أنّه والدهما «دنية».(11:38)

الآلوسيّ: الظّاهر أنّه الأب الأقرب الّذي ولّدهما، و ذكر أنّ اسمه«كاشح»و أنّ اسم أمّهما«دهنا».

(16:13)

ابيكم

...مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ... الحجّ:78

الحسن: معناه أنّه يرجع جميعهم إلى ولادة إبراهيم.و أفاد هذا أنّ حرمة إبراهيم على المسلمين كحرمة الوالد على الولد،كما قال: وَ أَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ الأحزاب:6.(الطّوسيّ 7:344)

نحوه القرطبيّ.(12:101)

الزّمخشريّ: إن قلت:لم يكن إبراهيم أبا للأمّة كلّها.

قلت:هو أبو رسول اللّه فكان أبا لأمّته،لأنّ أمّة الرّسول في حكم أولاده.(3:24)

الطّبرسيّ: قيل:إنّ العرب من ولد إسماعيل، و أكثر العجم من ولد إسحاق،و هما ابنا إبراهيم،فالغالب عليهم أنّهم أولاده.(4:97)

الفخر الرّازيّ: لم قال: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ و لم يدخل في الخطاب المؤمنون الّذين كانوا في زمن الرّسول صلّى اللّه عليه و سلّم،و لم يكونوا من ولده؟

و الجواب من وجهين:

أحدهما:لمّا كان أكثرهم من ولده كالرّسول و رهطه، و جميع العرب،جاز ذلك.

و ثانيهما:و هو قول الحسن.[و قد تقدّم]

(23:74)

الآلوسيّ: جعله عليه السّلام أباهم،لأنّه أبو رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم،و هو كالأب لأمّته من حيث إنّه سبب لحياتهم الأبديّة و وجودهم على الوجه المعتدّ به في الآخرة،أو لأنّ أكثر العرب كانوا من ذرّيّته عليه السّلام،فغلّبوا على جميع أهل ملّته صلّى اللّه عليه و سلّم.(17:210)

الطّباطبائيّ:إنّما سمّي(إبراهيم)أبا المسلمين،

ص: 177

لأنّه عليه السّلام أوّل من أسلم للّه،كما قال تعالى: إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ البقرة:131، و قال حاكيا عنه عليه السّلام: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي إبراهيم:

36،فنسب أتباعه إلى نفسه.

و قال أيضا: وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ إبراهيم:35.و مراده ببنيه:المسلمون،دون المشركين قطعا.

و قال: إِنَّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا آل عمران:68.(14:412)

أبواه

وَ أَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ... الكهف:80

السّيوطيّ:اسم الأب كازيرا،و الأمّ سهوى.

(4:102)

أبو حيّان: يراد بأبويه أبوه و أمّه؛ثنّي تغليبا،من باب القمرين في القمر و الشّمس،و هي تثنية لا تنقاس.(6:155)

نحوه الآلوسيّ.(16:10)

لابويه

1- ...وَ لِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ...

النّساء:11

النّيسابوريّ: المراد بالأبوين:الأب و الأمّ،فغلّب جانب الأب لشرفه،و مثله من التّغليب في التّثنية:

القمران،و العمران،و الخافقان.(4:193)

2- فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ...

يوسف:99

السّدّيّ: أبوه و خالته.(الطّبريّ 13:67)

ابن إسحاق: أباه و أمّه.(الطّبريّ 13:67)

الطّبريّ: قيل:عني بقوله: آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ أبوه و خالته.و قال الّذين قالوا هذا القول:كانت أمّ يوسف قد ماتت قبل،و إنّما كانت عند يعقوب يومئذ خالته أخت أمّه،كان نكحها بعد أمّه.

و قال آخرون:بل كان أباه و أمّه.

و أولى القولين في ذلك بالصّواب،ما قاله ابن إسحاق،لأنّ ذلك هو الأغلب في استعمال النّاس، و المتعارف بينهم في أبوين،إلاّ أن يصحّ ما يقال:من أنّ أمّ يوسف كانت قد ماتت قبل ذلك،بحجّة يجب التّسليم لها،فيسلّم حينئذ لها.(13:67)

نحوه الطّبرسيّ.(3:264)

الطّوسيّ: يعني أباه يعقوب و أمّه،فثنّي على لفظ الأب تغليبا للذّكر على الأنثى،و لم يثنّ على لفظ الأمّ، كما غلّب المفرد على المضاف في قولهم:سنّة العمرين.

و مثله قوله: وَ وَرِثَهُ أَبَواهُ النّساء:11،يعني أباه و أمّه.(6:196)

الزّمخشريّ: قيل:هما أبوه و خالته،ماتت أمّه فتزوّجها و جعلها أحد الأبوين،لأنّ الرّابّة تدعى أمّا، لقيامها مقام الأمّ،أو لأنّ الخالة أمّ كما أنّ العمّ أب،و منه قوله: وَ إِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ البقرة:133.(2:344)

الفخر الرّازيّ: في المراد بقوله:(ابويه)قولان:

الأوّل:المراد أبوه و أمّه،و على هذا القول فقيل:إنّ

ص: 178

أمّه كانت باقية حيّة إلى ذلك الوقت،و قيل:إنّها كانت قد ماتت إلاّ أنّ اللّه تعالى أحياها و أنشرها من قبرها حتّى سجدت له تحقيقا لرؤية يوسف عليه السّلام.

و القول الثّاني:إنّ المراد أبوه و خالته،لأنّ أمّه ماتت في النّفاس بأخيه بنيامين.و قيل:بنيامين بالعبرانيّة ابن الوجع،و لمّا ماتت أمّه تزوّج أبوه بخالته فسمّاها اللّه تعالى بأحد الأبوين،لأنّ الرّابّة تدعى أمّا، لقيامها مقام الأمّ،أو لأنّ الخالة أمّ،كما أنّ العمّ أب.

(18:210)

السّيوطيّ: هما أبوه و خالته«ليّا»،و قيل:أمّه و اسمها«راحيل».(4:101)

الطّباطبائيّ: المفسّرون مختلفون في أنّهما كانا والديه أباه و أمّه حقيقة،أو أنّهما يعقوب و زوجه خالة يوسف،بالبناء على أنّ أمّه ماتت و هو صغير.و لا يوجد في كلامه تعالى ما يؤيّد أحد المحتملين،غير أنّ الظّاهر من الأبوين هما الحقيقيّان.(11:246)

3- وَ رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ... يوسف:100

زيد بن أسلم: قال بعض أهل العلم:إنّ أمّه ماتت قبل ذلك،و إنّ هذه خالته.(الطّبريّ 13:68)

الميبديّ: أبواه:والده و خالته«ليّا».(5:137)

ابويك

...وَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَ عَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ... يوسف:6

الميبدي: (ابويك)تثنية أب،و المراد جدّك و جدّ أبيك.(5:9)

الزّمخشريّ: أراد بالأبوين الجدّ و أبا الجدّ،لأنّهما في حكم الأب في الأصالة،و من ثمّ يقولون:ابن فلان، و إن كان بينه و بين فلان عدّة.(2:304)

البروسويّ: التّعبير عنهما بالأب مع كونهما أبا جدّه و أبا أبيه للإشعار بكمال ارتباطه بالأنبياء.(4:216)

مثله الآلوسيّ.(12:188)

آباءنا

...قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا...

المائدة:104

النّيسابوريّ: أي مشايخنا و أهل صحبتنا.

(7:60)

آباؤكم

1- قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَ أَبْناؤُكُمْ... التّوبة:24

الطّوسيّ: الّذين ولّدوكم.(5:229)

مثله الطّبرسيّ.(3:16)

أبو حيّان: قدّم الآباء،لأنّهم الّذين يجب برّهم و إكرامهم و حبّهم.(5:22)

2- يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ...

سبأ:43

القرطبيّ: أي أسلافكم من الآلهة الّتي كانوا يعبدونها.(14:309)

لآبائهم

ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَ لا لِآبائِهِمْ... الكهف:5

ص: 179

الفرّاء: معناه و لا لأسلافهم:آبائهم و آباء آبائهم، و لا يعني الآباء الّذين هم لأصلابهم فقط.(2:133)

مثله القرطبيّ.(10:353)

الطّبريّ: و لا لأسلافهم الّذين مضوا قبلهم،على مثل الّذي هم عليه اليوم،كان لهم باللّه و بعظمته علم.(15:193)

مثله الطّوسيّ.(7:7)

آبائك

قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَ إِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. البقرة:133.

الفرّاء: قرأت القرّاء (نَعْبُدُ إِلهَكَ وَ إِلهَ آبائِكَ) ، و بعضهم قرأ (و اله أبيك) واحدا.و كأنّ الّذي قال:

(ابيك)ظنّ أنّ العمّ لا يجوز في الآباء،فقال: (و اله ابيك إبراهيم) ،ثمّ عدّد بعد الأب العمّ.و العرب تجعل الأعمام كالآباء،و أهل الأمّ كالأخوال،و ذلك كثير في كلامهم.(1:82)

أبو عبيدة: العرب تجعل العمّ و الخال أبا.(1:57)

الطّبريّ: قرأ بعض المتقدّمين (و اله ابيك إبراهيم) ظنّا منه أنّ إسماعيل إذ كان عمّا ليعقوب،فلا يجوز أن يكون فيمن ترجم به عن الآباء و داخلا في عدادهم، و ذلك من قارئه كذلك قلّة علم منه بمجاري كلام العرب، و العرب لا تمتنع من أن تجعل الأعمام بمعنى الآباء، و الأخوال بمعنى الأمّهات،فلذلك دخل إسماعيل فيمن ترجم به عن الآباء،و إبراهيم و إسماعيل و إسحاق ترجمة عن الآباء في موضع جرّ،و لكنّهم نصبوا بأنّهم لا يجرّون.

و الصّواب من القراءة عندنا في ذلك (وَ إِلهَ آبائِكَ) ، لاجماع القرّاء على تصويب ذلك،و شذوذ من خالفه من القرّاء ممّن قرأ خلاف ذلك.(1:563)

السّجستانيّ: العرب تجعل العمّ أبا و الخالة أمّا، و منه قوله تعالى: وَ رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ يوسف:

100،يعني أباه و خالته،فكانت أمّه ماتت.(4)

نحوه الميبديّ.(1:373)

ابن جنّيّ: سمّى اللّه عز و جلّ العمّ أبا في قوله تعالى:

نَعْبُدُ إِلهَكَ وَ إِلهَ آبائِكَ (ابن منظور 14:8)

القيسيّ: قرأ مجاهد و يحيى بن يعمر و عاصم الجحدري و غيرهم(و اله ابيك)بلفظ الواحد،فيحتمل أن يكون واحدا،و(إبراهيم)بدل منه،و(إسماعيل و اسحاق)عطف عليه.

و يحتمل أن يكون(ابيك)هو جمع مسلّم،فيبدل ما بعده من الأسماء منه،أو ينصب(إبراهيم)على إضمار «أعني»،و يعطف عليه ما بعده،و هي أسماء لا تنصرف للعجمة و التّعريف.(1:72)

الطّوسيّ: إنّما قال:(آبائك)،و إسماعيل عمّ يعقوب.[ثمّ أشار إلى قول أبي عبيدة و الفرّاء]

فالآية دالّة على أنّ العمومة يسمّون آباء.و قد روي عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله أنّه قال:«ردّوا عليّ أبي»يعني العبّاس عمّه،فسمّي العمّ أبا كما سمّي الجدّ أبا من حيث يجب له التّعظيم،نحو ما يجب للأب.

و قد قرئ في الشّواذّ (و اله ابيك) فعلى هذا ينجرّ إسماعيل و إسحاق على العطف،و هو غير المعنى الأوّل، لأنّه مترجم عن الآباء،و في الثّاني عطف غير ترجمة،

ص: 180

كما تقول:رأيت غلام زيد و عمر،أي غلامهما،فكأنّه قال لهم:و لم يذكر بالأبوّة إلاّ إبراهيم وحده.

و القراءة الأولى هي المشهورة و عليها القرّاء.

(1:476)

نحوه الطّبرسيّ.(1:214)

الزّمخشريّ: (إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ) عطف بيان لآبائك،و جعل(إسماعيل)و هو عمّه من جملة آبائه، لأنّ العمّ أب و الخالة أمّ لانخراطهما في سلك واحد،و هو الإخوة لا تفاوت بينهما،و منه قوله عليه السّلام:«عمّ الرّجل صنو أبيه»،أي لا تفاوت بينهما كما لا تفاوت بين صنوي النّخلة.و قال عليه السّلام في العبّاس:«هذا بقيّة آبائي».

و قرأ أبيّ (و اله إبراهيم) بطرح آبائك،و قرئ(ابيك)، و فيه وجهان:أن يكون واحدا و(إبراهيم)وحده عطف بيان له،و أن يكون جمعا بالواو و النّون،قال:«و فديننا بالأبينا».(1:314)

نحوه ابن عطيّة.(1:428)

أبو حيّان: قرأ ابن عبّاس و الحسن و ابن يعمر و الجحدريّ و أبو رجاء (و اله ابيك) ،فأمّا على قراءة الجمهور فإبراهيم و ما بعده بدل من(آبائك)أو عطف بيان؛و إذ كان بدلا فهو من البدل التّفصيليّ،و لو قرئ فيه بالقطع لكان ذلك جائزا.و أجاز المهدويّ أن يكون (إبراهيم)و ما بعده منصوبا على إضمار«أعني»،و فيه دلالة على أنّ العمّ يطلق عليه أب.

و أمّا قراءة أبيّ فظاهرة.

و أمّا على قراءة ابن عبّاس و من ذكر معه فالظّاهر أن لفظ(ابيك)أريد به الإفراد،و يكون(إبراهيم)بدلا منه،أو عطف بيان.

و قيل:هو جمع سقطت منه النّون للإضافة،فقد جمع أب على«أبين»نصبا و جرّا،و«أبون»رفعا،حكى ذلك سيبويه.[ثمّ استشهد بشعر]

و على هذا الوجه يكون إعراب إبراهيم مثل إعرابه حين كان جمع تكسير.(1:402)

رشيد رضا: (إسماعيل)عمّ يعقوب،ذكر مع آبائه للتّغليب أو لتشبيه العمّ بالأب،و الجمع بين الحقيقة و المجاز جائز يكثر في القرآن وفاقا للشّافعيّ و ابن جرير الطّبريّ،و خلافا لجمهور الأصوليّين.(1:477)

آبائى

وَ اتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ... يوسف:38

الفرّاء: تهمز و تثبت فيها الياء.و أصحابنا يروون عن الأعمش (مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ) و (دُعائِي إِلاّ فِراراً) نوح:6،بنصب الياء،لأنّه يترك الهمز و يقصر الممدود، فيصير بمنزلة«محياي»و«هداي».(2:45)

الطّوسيّ: الآباء:جمع أب،و هو الّذي يكون منه نطفة الولد.(6:140)

رشيد رضا: أنبياء اللّه الّذين دعوا إلى توحيده الخالص،و بيّن أسماءهم من الأب الأعلى إلى الأدنى بقوله: إِبْراهِيمَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ، فلفظ الآباء يشمل الجدود و إن علوا.(12:306)

آبائنا

...ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ. المؤمنون:24

ص: 181

ابن عبّاس: أي في الأمم الماضية.

(القرطبيّ 12:118)

مثله الطّبرسيّ(4:104)،و الميبديّ(6:433).

الطّبريّ: في القرون الماضية،و هي آباؤهم الأوّلون.(18:16)

الطّباطبائيّ: فيما سلف من تاريخ الإنسانيّة.

(15:28)

الأصول اللّغويّة

1-الأصل في هذه المادّة هو التّربية،و بذلك سمّي الأب أبا.أمّا قول الرّاغب:«كلّ من كان سببا في إيجاد شيء أو إصلاحه يسمّى أبا»فهو توسّع و تجوّز في اللّغة.

2-و الأب نظير الوالد،لكنّ الأوّل عامّ و الثّاني خاصّ،فكلّ والد أب و ليس كلّ أب والدا.و قد يطلق لفظ الأب مجازا على المعلّم و العمّ و الجدّ و الزّوج و غيرهم؛و لذا جاء في الحديث:«الآباء ثلاثة:أب ولّدك،و أب علّمك،و أب زوّجك».

أمّا لفظ الوالد فلا يطلق إلاّ على الأب الصّلبيّ الّذي به يعرف عقوق الولد و طاعته،أ ما ترى أنّ اللّه ذكر في القرآن لفظ الوالد عند الوصيّة دون لفظ الأب؟

3-و إن جاء«أبو»على التّمام فمعناه مكنّى ما أضيف إليه مثل:أبي لهب،أو والده مثل:أبي طالب.و لا تحرّك واوه في هذه الحالة،و هذا الحكم ينفرد به«أبو»في اللّغة، إلاّ إذا جمع على«فعول»فيكون«أبوّا».

و إن جاء«أب»على النّقص فمعناه والد فقط.و قد تميّز عن سائر اللّغات السّاميّة باستعماله على حرفين؛إذ ورد في العبريّة بلفظ«آب»و في السّريانيّة«أبا»و في الأكديّة«أبو»و«أبوم»و هكذا في غيرها.

4-و أصل الأب«أ ب و»بدليل الاشتقاق و النّسبة و التّثنية و الجمع و التّصغير.و قد جاء بلفظ«أب»و«أبا» و«أب».و هو من الأسماء السّتّة الّتي تعرب بالحروف، و هي اللّغة الغالبة فيه،و قد يعرب بالحركات،كقول بعض العرب:هذا أبك و رأيت أبك،و مررت بأبك،و قد يبنى على الألف عند الإضافة في الأحوال الثّلاثة على لغة بني الحارث ابن كعب و غيرهم من قبائل كهلان القحطانيّة،و منه الحديث النّبويّ:«ما صنع أبا جهل» و قول أبي حنيفة:«لا قود في مثقل و لو ضربه بأبي قبيس». (1)

5-و شذّ قول الدّامغانيّ و الفيروزآباديّ و غيرهما «أبّ مشدّدا-مرعى الأنعام-أنّه من الأب».نعم إنّ أبّا مشدّدا لغة في أب،و ليس بينه و بين الأبّ بمعنى المرعى علاقة،إلاّ أن يتكلّف،و هو من«أ ب ب»،و الأب من «أ ب و»و التّشديد عوض الواو،و قد تقدّم ذلك في «أ ب ب»فلاحظ.

الاستعمال القرآنيّ

1-أطلق الأب في القرآن على معان:

أ-الجدّ: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ الحجّ:78

وَ اتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ يوسف:38

ب-الأسلاف و لو لم يكونوا أجدادا: ما سَمِعْنا بِهذا فِي

ص: 182


1- شرح ابن عقيل 1:52.

آبائِنَا الْأَوَّلِينَ المؤمنون:24

ج-العمّ: نَعْبُدُ إِلهَكَ وَ إِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ البقرة:133.

كذا قال أبناء يعقوب لأبيهم،و إسماعيل عمّ يعقوب و ليس جدّا له.

د-الوالد بعينه: إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ... يوسف:4.

و هو الغالب في القرآن و لا سيّما في سورة يوسف.

ه-من له حقّ على الإنسان: يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَ لا يُبْصِرُ مريم:42.

قاله إبراهيم لمن كان اسمه«آزر»و لم يكن أباه.

[لاحظ«آزر»]

2-جاءت (يا أَبَتِ) «8»مرّات و كلّها مكّيّة،منها مرّتان في يوسف في بدء القصّة و ختامها:

يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً: 4.

يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ :100.

و أربع في سورة مريم حكاية عن قول إبراهيم لأبيه آزر على التّوالي:

يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَ لا يُبْصِرُ :42.

يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ :43.

يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ :44.

يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ :

45.

و مرّة في القصص حكاية عن بنت شعيب:

قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ :26.

و مرّة في الصّافّات حكاية عن إسماعيل:

يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللّهُ مِنَ الصّابِرِينَ :102.

يلاحظ أوّلا:صدورها عن عاطفة ودّيّة من الابن أو البنت نحو الأب،و هذه مشهودة في جميع الآيات حتّى الّتي وردت في إبراهيم؛لأنّه كان يواجه«آزر»و يعامله بنفس عاطفة الابن للأب.و لعلّ وجه اختصاصها بالمكّيّات أنّ مكّة قد غلبت عليها الأمّيّة،و اللّغة الدّارجة فيها كانت لغة شعبيّة ملائمة لمثل هذه العواطف السّاذجة.

و ثانيا:خطاب إبراهيم لآزر(يا ابت)-و هو مشرك -أثار تساؤلا بالغا بأنّه لا يوافق عقيدة الإماميّة حسب رواياتهم في أنّ آباء الأنبياء كلّهم موحّدون،و قد استوفينا البحث عنه في«آزر»و«إبراهيم».و حاصله أنّ القرآن يكشف عن أنّه غير والده الحقيقيّ،فلاحظ.

ص: 183

ص: 184

أ ب ي

اشارة

6 ألفاظ،13 مرّة:7 مكّيّة،6 مدنيّة

في 8 سورة:5 مكّيّة،3 مدنيّة

أبى 7:6-1\أبين 1:-1\يأب 2:-2

أبوا 1:1\يأبى 1:-1\تأبى 1:-1

النّصوص اللّغويّة

الخليل: الأبى،مقصور:داء يأخذ المعز في رءوسها.فلا تكاد تسلم.أبيت العنز تأبى أبى شديدا، و عنز أبية،و تيس أب.[ثمّ استشهد بشعر]

و أبى فلان يأبى إباء،أي ترك الطّاعة و مال إلى المعصية،قال اللّه عزّ و جلّ: فَكَذَّبَ وَ أَبى طه:56، و وجه آخر:كلّ من ترك أمرا و ردّه فقد أبى.[ثمّ استشهد بشعر]

و رجل أبيّ:ذو إباء،و قوم أبيّون و أباة:خفيف.

(8:418)

المفضّل الضّبّيّ: آبى،أي نقص.

(الأزهريّ:15:605)

الأحمر:أخذ الغنم الأبى،مقصور،و هو أن تشرب أبوال الأروى فيصيبها منه داء.

(الأزهريّ:15:604)

سيبويه: شبّهوا الألف بالهمزة في قرأ يقرأ.و أبى يأبى ضارعوا به حسب يحسب،فتحوا كما كسروا، و قالوا:يئبى،و هو شاذّ من وجهين:

أحدهما:أنّه«فعل يفعل»،و ما كان على«فعل»لم يكسر أوّله في المضارع،فكسروا هذا لأنّ مضارعه مشاكل لمضارع«فعل»،فكما كسر أوّل مضارع«فعل» في جميع اللّغات إلاّ في لغة أهل الحجاز،كذلك كسروا «يفعل»هنا.

و الوجه الثّاني:من الشّذوذ أنّهم تجوّزوا الكسر في الياء من يئبى،و لا يكسر البتّة إلاّ في نحو ييجل، و استجازوا هذا الشّذوذ في ياء يئبى،لأنّ الشّذوذ قد كثر في هذه الكلمة.(ابن منظور 14:4)

ص: 185

أبو عمرو الشّيبانيّ: الأبيّ:السّنق من الإبل، و الأبيّ:الممتنعة من العلف لسنقها،و الممتنعة من الفحل لقلّة هدمها[لقلّة شهوتها إلى الفحل].

و قال بعضهم: المؤبي:القليل من الماء.عندنا ماء ما يؤبى،أي ما يقلّ.(الأزهريّ 15:606)

الأوابي من الإبل:الحقاق و الجذاع،و الثّناء.إذا ضربها الفحل فلم تلقح،فهي تسمّى الأوابي حتّى تلقح مرّة،و لا تسمّى بعد ذلك أوابي.واحدتها آبية.

(ابن فارس 1:46)

الفرّاء: لم يجئ عن العرب حرف على«فعل يفعل» مفتوح العين في الماضي و الغابر،إلاّ و ثانيه أو ثالثه أحد حروف الحلق،غير أبى يأبى،فإنّه جاء نادرا.(الأزهريّ 15:605)

أبو زيد: يقال:أبى التّيس،و هو يأبى أبى منقوص.

و تيس آبى،و عنز أبواء في تيوس أبو و أعنز أبو؛ و ذلك أن يشمّ التّيس من المعزى الأهليّة بول الأرويّة في مواطنها،فيأخذه من ذلك داء في رأسه و نفّاخ،فيرم رأسه و يقتله الدّاء،فلا يكاد يقدر على أكل لحمه من مرارته.

و ربّما أبيت الضّأن من ذلك،غير أنّه قلّما يكون ذلك في الضّأن.(الأزهريّ 15:604)

اللّحيانيّ: رجل أبيان،إذا كان يأبى الأشياء.

و ماء مأباة على مثال معباة،أي تأباه الإبل.

(ابن فارس 1:45)

ماء مؤب:قليل.(ابن سيده 10:559)

ابن الأعرابيّ:يقال للماء إذا انقطع:ماء مؤبى.

و يقال:عنده دراهم لا تؤبى،أي لا تنقطع.و ركيّة لا تؤبى:لا تنقطع.و أوبي الفصيل عن لبن أمّه،أي اتّخم عنه لا يرضعها.(الأزهريّ 15:606)

قليب لا يؤبى،أي لا ينزح؛و لا يقال:يوبى.

(ابن منظور 14:6)

ابن السّكّيت: في قول العرب:إذا حيّا أحدهم الملك قال:أبيت اللّعن:أبيت أن تأتي من الأمور ما تلعن عليه.(الأزهريّ 15:605)

أخذه أباء،إذا كان يأبى الطّعام.

(ابن فارس 1:45)

يقال:فلان بحر لا يؤبى،و كذلك كلأ لا يؤبى،أي لا ينقطع من كثرته.(ابن منظور 14:6)

أبو الهيثم: إذا شمّت الماعزة السّهليّة بول الماعزة الجبليّة،و هي الأرويّة،أخذها الصّداع فلا تكاد تبرأ؛ فيقال:أبيت تأبى.(الأزهريّ 15:604)

الدّينوريّ: الأباء:عرض يعرض للعشب من أبوال الأروى،فإذا رعته المعز خاصّة قتلها،كذلك إن بالت في الماء فشربت منه المعز هلكت.

(ابن منظور 14:5)

ابن أبي اليمان: الإباء:الامتناع،يقال:أبى يأبى إباء.(38)

ثعلب: لم يسمع من العرب«فعل يفعل»ممّا ليس لامه أو عينه من حروف الحلق إلاّ أبى يأبى،و قلاه يقلاه،و غشى يغشى،و شجى يشجى.

(الأزهريّ 15:605)

ص: 186

كراع النّمل:رجل أبيان:الّذي يأبى الدّنيئة، و الجمع:إبيان.(ابن سيده 10:559)

ابن دريد: أبى الرّجل يأبى إباء فهو آب و أبيّ كما ترى،و رجل أبيان:يأبى الدّنيّة.[ثمّ استشهد بشعر]

و الأباء ممدود،و الواحدة إباءة،و هي الأجمة.

و قال آخرون:بل أطراف القصب الّذي يشبه أذناب الثّعالب.[ثمّ استشهد بشعر](3:213)

أبي التّيس يأبى أبا شديدا فهو آب،و تيس آبى مثل أعمى،و عنز أبواء من تيوس أبو؛و ذلك أن يشمّ بول الأرويّة أو يطأ في موطئها،فيأخذه داء في رأسه فيرم حتّى يموت و لا يكاد يقدر على لحمه من مرارته.و ربّما أبيت الضّأن،غير أنّه في المعز أكثر.[ثمّ استشهد بشعر]

(3:274)

أبيت،إذا أنفت منه فأنا آبى إباء و أنا آب،و أبيت فأنا أبّاء و أبيّ،أي ممتنع.و آبيت فلانا،إذا حملته على أن يأبى فهو أبيّ،أي ممتنع.(3:442)

الأباء،مقصور:داء يصيب الغنم في رءوسها،يقال منه:أبيت الشّاة تأبى أبا شديدا،إذا أصابها هذا الدّاء، و شاة أبواء،إذا أصابها ذلك.(1:170)

عبد الرّحمن الهمذانيّ: يقال:لهم أنفس أبيّة، و أنوف حميّة.و الحميّة و الأنفة و الحفيظة و العزّة و الإباء واحد.(111)

ابن الأنباريّ: يشتقّ الأباءة من أبيت؛و ذلك أنّ الأجمة تمتنع و تأبى على سالكها،فأصلها:أباية،ثمّ عمل فيها ما عمل في:عباية و صلاية و عظاية،حتّى صرن عباءة و صلاءة،في قول من همز،و من لم يهمز أخرجهنّ على أصولهنّ،و هو القياس القويّ.(ابن منظور 14:6)

الأزهريّ: يقال:رجل أبيّ ذو إباء شديد،إذا كان يأبى أن يضام.و رجل أبيان:ذو إباء شديد.

و يقال:تأبّى عليه تأبّيا،إذا امتنع عليه.و رجل أبّاء إذا أبى الضّيم.

و يقال:أخذه أباء،إذا كان يأبى الطّعام فلا يشتهيه.

و قال بعضهم:آبى الماء،أي امتنع أن ينزل فيه إلاّ بتغرير.(15:605)

الفارسيّ: أبى زيد من شرب الماء و آبيته إيّاه.

(ابن سيده 10:558)

ابن جنّيّ: قد قالوا:أبى يأبى،جاء به على وجه القياس كأتى يأتي.(ابن منظور 14:4)

الجوهريّ: الأباء،بالفتح و المدّ:القصب،الواحدة أباءة.و يقال:هو أجمة الحلفاء و القصب خاصّة.[ثمّ استشهد بشعر]

و الإباء،بالكسر:مصدر قولك:أبى فلان يأبى- بالفتح فيهما مع خلوّ من حروف الحلق،و هو شاذّ-أي امتنع،فهو آب و أبيّ و أبيان بالتّحريك.و تأبّى عليه،أي امتنع.و أبى فلان الماء،و آبيته الماء.[ثمّ استشهد بشعر]

و عنز أبواء،و قد أبيت تأبى أبى،و تيس آبى بيّن الأباء،إذا شمّ بول الأروى فمرض منه.[ثمّ استشهد بشعر]

و يقال:أخذه أباء،على«فعال»بالضّمّ،إذا جعل يأبى الطّعام.(6:2259)

ابن فارس: الهمزة و الباء و الياء يدلّ على

ص: 187

الامتناع،أبيت الشّيء آباه،و قوم أبيّون و أباة.و الأباء:

أن تعرض على الرّجل الشّيء فيأبى قبوله،فتقول:

ما هذا الأباء؟بالضّمّ و الكسر.

و الأبيّة من الإبل:الصّعبة.

الأباء:وجع يأخذ المعزى عن شمّ أبوال الأروى.

الأباء:أطراف القصب،الواحدة أباءة،ثمّ قيل للأجمة:أباءة،كما قالوا للغيضة:أراكة.

و يجوز أن يكون أراد بالأباءة الرّماح؛شبّهها بالقصب كثرة.[ثمّ استشهد بشعر](1:45)

أبو هلال: الفرق بين الكراهة و الإباء،أنّ الإباء هو أن يمتنع،و قد يكره الشّيء من لا يقدر على إبائه.

و قد رأيناهم يقولون للملك:أبيت اللّعن،و لا يعنون أنّك تكره اللّعن،لأنّ اللّعن يكرهه كلّ أحد،و إنّما يريدون أنّك تمتنع من أن تلعن و تشتم لما تأتي من جميل الأفعال.

و قال اللّه تعالى: وَ يَأْبَى اللّهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ التّوبة:

32،أي يمتنع من ذلك.و لو كان اللّه يأبى المعاصي كما يكرهها لم تكن معصية و لا عاص.

و الفرق بين الإباء و المضادّة،أنّ الإباء يدلّ على النّعمة.أ لا ترى أنّ المتحرّك ساهيا لا يخرجه ذلك من أن يكون أتى بضدّ السّكون،لا يصحّ أن يقال:قد أبى السّكون،و المضادّة لا تدلّ على النّعمة.(104)

ابن سيده: أبى الشّيء يأباه إباء و إباءة كرهه.قال يعقوب:أبى يأبى،نادر،و قال سيبويه:شبّهوا الألف بالهمزة في قرأ يقرأ،و قال مرّة:«أبى يأبى»ضارعوا به «حسب يحسب»فتحوا كما كسروا،قال:و قالوا:يئبى، و هو شاذّ من وجهين:

أحدهما:أنّه«فعل»«يفعل»،و ما كان على«فعل»لم يكسر أوّله في المضارع،فكسر هذا،لأنّ مضارعه مشاكل لمضارع«فعل»،فلمّا كسر أوّل مضارع«فعل» في جميع اللّغات-إلاّ في لغة أهل الحجاز-كذلك كسروا «يفعل»هنا.

و الوجه الثّاني:من الشّذوذ،أنّهم تجوّزوا الكسر في الياء من«يئبى»و لا يكسر البتّة إلاّ في نحو ييجل، و استجازوا هذا الشّذوذ في ياء«يئبى»لأنّ الشّذوذ قد كثر في هذه الكلمة.قال ابن جنّيّ:و قد قالوا:أبى يأبى.

[ثمّ استشهد بشعر]

و الآبية الّتي تعاف الماء،و هي أيضا الّتي لا تريد العشاء،و في المثل:«العاشية تهيج الآبية»أي إذا رأت الآبية الإبل العواشي تبعتها فرعت معها.

و ماء مأباة:تأباه الإبل.

و أخذه أباء من الطّعام،أي كراهية له،جاءوا به على «فعال»لأنّه كالدّاء،و الأدواء ممّا تغلب عليها فعال.

و رجل آب:من قوم آبين و أباة و أبيّ و أبّاء.

و رجل أبيّ:من قوم أبيّين.[ثمّ استشهد بشعر]

و الآبية من الإبل:الّتي ضربت فلم تلقح،كأنّها أبت اللّقاح.

و أبيت اللّعن:من تحيّات الملوك في الجاهليّة،معناه أبيت أن تأتي ما تلعن عليه.

و أبيت من الطّعام و اللّبن أبى:انتهيت عنه من غير شبع.

و رجل أبيان:يأبى الطّعام،و قيل:هو الّذي يأبى الدّنيئة؛و الجمع:إبيان،عن كراع.

ص: 188

و أبي الفصيل أبى،و أبي:سنق من اللّبن.

و أخذه أباء،و الأباءة:البردية،و قيل:الأجمة، و قيل:هي من الحلفاء خاصّة.

قال ابن جنّيّ: كان أبو بكر يشتقّ الأباءة من«أبيت» و ذلك أنّ الأجمة تمتنع و تأبى على سالكها،فأصلها عنده:أباية،ثمّ عمل فيها ما عمل في:عباية و صلاية و عظاية،حتّى صرن:عباءة و صلاءة و عظاءة،في قول من همز و من لم يهمز،أخرجهنّ على أصولهنّ و هو القياس القويّ[قال]أبو الحسن:و هذا كما قيل لها:

أجمة،من قولهم:أجم الطّعام:كرهه.

و الأباء:القصب،[ثمّ استشهد بشعر]واحدته:

أباءة.و الأباءة:القطعة من القصب.

و قليب لا يؤبى-عن ابن الأعرابيّ-أي لا ينزح.

و لا يقال يوبى.

و قال اللّحيانيّ: ماء مؤب:قليل.و حكي عندنا:ماء ما يؤبى،أي ما يقلّ.و قال مرّة:مؤب،و لم يفسّره،فلا أدري أعنى به القليل،أم هو«مفعل»من قولك:أبيت الماء؟

و أبى الماء:امتنع،فلم يستطع أحد أن ينزله إلاّ بتغرير.

و كفر آبيا:موضع.(10:558)

الأباءة:الأجمة.و قيل:أجمة القصب.و قيل:

جماعة الحلفاء خاصّة.(الإفصاح 2:1184)

الطّوسيّ: الإباء و الامتناع و التّرك بمعنى واحد.

و نقيض أبى:أجاب،يقال:أبى يأبى إباء،و تأبّى تأبّيا.

و ليس الإباء بمعنى الكراهة،لأنّ العرب تتمدّح بأنّها تأبى الضّيم و لا تتمدّح في كراهة الضّيم.و إنّما المدح في المنع منه كقوله تعالى: وَ يَأْبَى اللّهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ التّوبة:32،أي يمنع الكافرين من إطفاء نوره.

(1:148)

مثله الطّبرسيّ.(1:81)

الرّاغب: الإباء:شدّة الامتناع،فكلّ إباء امتناع و ليس كلّ امتناع إباء.[ثمّ ذكر جملة من الآيات، و قال:]

و روي:«كلّكم في الجنّة إلاّ من أبى»،و منه:رجل أبيّ:ممتنع من تحمّل الضّيم،و أبيت الضّير تأبى.تيس أبى،و عنز أبواء،إذا أخذه من شرب ماء فيه بول الأروى:داء يمنعه من شرب الماء.(7)

الزّمخشريّ: أبى اللّه إلا أن يكون كذا،و أبى عليّ و تأبّى:امتنع.

و هو أبيّ الضّيم و آبيّ الضّيم:له نفس أبيّة و فيه عبّيّة.

و نوق أواب:يأبين الفحل.

و أصابه أباء بالضّيم،إذا كان يأبى الطّعام.تقول:

فلان إن شهد الطّعان فالحميّة و الإباء،و إن حضر الطّعام فالحمية و الأباء.(أساس البلاغة:2)

ابن الشّجريّ: قولهم:أبى يأبى،ممّا شذّ عن القياس،لمجيئه على«فعل يفعل»بفتح العين من الماضي و المستقبل،و ليست عينه و لا لامه من حروف الحلق، و كان قياسه يأبى،مثل يأتي.

و قيل في علّة ذلك قولان:

أحدهما:أنّهم حملوه على منع،لأنّ الإباء و المنع

ص: 189

نظيران،فحملوه على نظيره،كما حملوا يذر على يدع، لاتّفاقهما في المعنى و إن لم يكن في يذر حرف حلقيّ.

و القول الآخر:إنّهم أجروا الألف مجرى الهمزة، لأنّها من مخرجها،قالوا:أبى يأبى،كما قالوا:بدأ يبدأ.

و القول الأوّل أصحّ،لأنّ ألفات الأفعال لسن بأصول،و إنّما هنّ منقلبات عن ياء أو واو،و ألف يأبى إنّما وجدت بعد وجود الفتحة الملاصقة لها،فلو لا الفتحة لم تصر الياء ألفا.و الفتحة في:يمنع و يبدأ و يجبه و نحو ذلك،إنّما حدثت بعد وجود حرف الحلق.

و قال بعض النّحويّين: إنّما فتحوا عين يأبى على سبيل الغلط،توهّموا أنّ ماضيه على«فعل».و عوّل أبو القاسم الثّمانيني على هذا القول.و الصّواب ما ذكرته أوّلا.(1:138)

الطّبرسيّ: تقول من الإباء:أبى يأبى،و لم يأت مثله في اللّغة،لأنّ«فعل يفعل»لا يأتي إلاّ أن يكون في موضع العين من الفعل،أو اللاّم حرف من حروف الحلق.و القول فيه:إنّ الألف من أبى أشبهت الهمزة فجاء«يفعل»منه مفتوحا لهذه العلّة.(1:397)

ابن الأثير: في الحديث:«كلّكم في الجنّة إلاّ من أبى و شرد»،أي إلاّ من ترك طاعة اللّه الّتي يستوجب بها الجنّة،لأنّ من ترك التّسبّب إلى شيء لا يوجد بغيره فقد أباه.و الإباء:أشدّ الامتناع.و في حديث أبي هريرة:

«ينزل المهديّ فيبقى في الأرض أربعين،فقيل:أربعين سنة؟فقال:أبيت،فقيل:شهرا؟فقال:أبيت،فقيل:

يوما؟فقال:أبيت»،أي أبيت أن تعرفه فإنّه غيب لم يرد الخبر ببيانه،و إن روي أبيت بالرّفع،فمعناه أبيت أن أقول في الخبر ما لم أسمعه.

و في حديث ابن ذي يزن،قال له عبد المطّلب لمّا دخل عليه:«أبيت اللّعن»كان هذا من تحايا الملوك في الجاهليّة و الدّعاء لهم،و معناه أبيت أن تفعل فعلا تلعن بسببه و تذمّ.(1:20)

القرطبيّ: يقال:أبى يأبى إباء،و هو حرف نادر جاء على«فعل يفعل»ليس فيه حرف من حروف الحلق.و قد قيل:إنّ الألف مضارعة لحروف الحلق.

قال الزّجّاج: سمعت إسماعيل بن القاضي يقول:

القول عندي أنّ الألف مضارعة لحروف الحلق.

(1:295)

أبى يأبى شاذّ،و لم يجئ إلاّ قلى يقلى،و أبى يأبى، و غشى يغشى،و جبى الخراج يجبى.(3:385)

ابن منظور: أبى الشّيء يأباه إباء و إباءة:كرهه.

و ماء مأباة:تأباه الإبل.و أخذه أباء من الطّعام،أي كراهيّة له.جاءوا به على«فعال»لأنّه كالدّاء،و الأدواء ممّا يغلب عليها«فعال».

و الآبية:الّتي تعاف الماء،و هي أيضا الّتي لا تريد العشاء،و في المثل:«العاشية تهيّج الآبية،أي إذا رأت الآبية الإبل العواشي تبعتها فرعت معها.

أبيت من الطّعام و اللّبن إبى:انتهيت عنه من غير شبع.و رجل أبيان:يأبى الطّعام.

و أوبي الفصيل يوبى إيباء،و هو فصيل موبى،إذا سنق لامتلائه.و أوبي الفصيل عن لبن أمّه،أي اتّخم عنه لا يرضعها.و أبي الفصيل أبى و أبي:سنق من اللّبن و أخذه أباء.

ص: 190

و الأبى من قولك:أخذه أبى،إذا أبى أن يأكل الطّعام،كذلك لا يشتهي العلف و لا يتناوله.

و الأباءة:البرديّة،و قيل:الأجمة،و قيل:هي من الحلفاء[نبت معروف]خاصّة.(14:4)

أبو حيّان: أبى يأبى:منع.و مجيء مضارعه على «فعل»بفتح العين شاذّ،و منه:آبى اللّحم،لرجل من الصّحابة.(5:4)

الإباء:الامتناع،و الفعل منه أبى يأبى.و لمّا جاء مضارعه على«يفعل»بفتح العين-و ليس بقياس أحرى،كأنّه مضارع«فعل»بكسر العين-فقالوا فيه:

يئبي بكسر حرف المضارعة.

و قد سمع فيه«أبى»بكسر العين،فيكون يأبى على هذه اللّغة قياسا،و وافق من قال:أبى بفتح العين على هذه اللّغة.

و قد زعم أبو القاسم السّعديّ أنّ أبى يأبى بفتح العين،لا خلاف فيه،و ليس بصحيح،فقد حكى«أبى» بكسر العين صاحب المحكم.

و قد جاء«يفعل»في أربعة عشر فعلا و ماضيها «فعل»،و ليست عينه و لا لامه حرف حلق،و في بعضها سمع أيضا«فعل»بكسر العين،و في بعض مضارعها سمع أيضا«يفعل»و«يفعل»بكسر العين و ضمّها،ذكرها التّصريفيّون.(1:151)

الفيّوميّ: أبى الرّجل يأبى إباء بالكسر و المدّ، و إباءة:امتنع،فهو آب و أبىّ على فاعل و فعيل،و تأبّى مثله.

و بناؤه شاذّ،لأنّ باب«فعل يفعل»بفتحتين يكون حلقيّ العين أو اللاّم.و لم يأت من حلقيّ الفاء إلاّ أبى يأبى و عضّ يعضّ في لغة،و أثّ الشّعر يئثّ،إذا كثر و التفّ.

و ربّما جاء في غير ذلك،قالوا:ودّ يودّ في لغة.و أمّا لغة طيّئ في باب:نسي ينسى،إذا قلبوا و قالوا:نسى ينسى،فهو تخفيف.(1:3)

الفيروزآباديّ: أبى الشّيء يأباه و يأبيه إباء و إباءة بكسرهما:كرهه،و آبيته إيّاه.

و الآبية:الّتي تعاف الماء و الّتي لا تريد عشاء.

و الإبل:ضربت فلم تلقح.

و ماءة مأباة:تأباها الإبل.

و أخذه أباء من الطّعام بالضّمّ:كراهة.

و رجل آب من آبين و أباة و أبىّ و إباء،و رجل أبىّ من أبيّين.

و أبيت الطّعام كرضيت إبى:انتهيت عنه من غير شبع.

و رجل أبيان محرّكة:يأبى الطّعام أو الدّنيئة،جمعه:

إبيان بالكسر.

و أبى الفصيل-كرضي و عني-أبى بالفتح:سنق من اللّبن و أخذه أباء.و العنز شمّ بول الارويّ فمرض فهو أبوأ.

و الأباء كسحاب:البرديّة أو الاجمة،أو هي من الحلفاء،لأنّ الأجمة تمنع.و القصب؛الواحدة بهاء، و موضعه المهموز.

و الأبيّة بالضّمّ:الكبر و العظمة.

ص: 191

و بحر لا يؤبى،أي لا يجعلك تأباه،أي لا ينقطع.

و الإبية بالكسر:ارتداد اللّبن في الضّرع.

(4:298)

الطّريحيّ: في الحديث:«الملأ أبوا علينا»،أي امتنعوا من إجابتنا إلى الإسلام،و منه:«أبى اللّه أن يعبد إلاّ سرّا»،أي كره ذلك في الدّولة الظّالمة دولة الشّيطان؛ و ذلك لأنّ الدّولة دولتان:دولة الشّيطان،و دولة الرّحمن.فإذا كانت العبادة سرّا فالدّولة دولة الشّيطان، و إذا كانت العبادة جهرا فالدّولة دولة الرّحمن.

(1:16)

محمّد إسماعيل إبراهيم: أبى:امتنع عن الشّيء كراهة له.(27)

مجمع اللّغة:أبى الشّيء يأباه و يأبيه إباء و إباءة:

امتنع عنه كراهة له و عدم رضاء به.(1:5)

النّصوص التّفسيريّة

ابى

1- وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى وَ اسْتَكْبَرَ وَ كانَ مِنَ الْكافِرِينَ .البقرة:34

الطّبريّ: يعني بذلك إبليس أنّه امتنع من السّجود لآدم،فلم يسجد له.(1:228)

الطّوسيّ: معناه ترك و امتنع.(1:148)

مثله الطّبرسيّ.(1:81)

الزّمخشريّ: امتنع ممّا أمر به.(1:273)

الفخر الرّازيّ: إنّ اللّه تعالى لمّا استثنى إبليس من السّاجدين فكان يجوز أن يظنّ أنّه كان معذورا في ترك السّجود،فبيّن تعالى أنّه لم يسجد مع القدرة و زوال العذر بقوله:(ابى)،لأنّ الإباء هو الامتناع مع الاختيار، أمّا من لم يكن قادرا على الفعل لا يقال له:إنّه أبى،ثمّ قد كان يجوز أن يكون كذلك و لا ينضمّ إليه الكبر.فبيّن تعالى أنّ ذلك الإباء كان على وجه الاستكبار بقوله:

(و استكبر)،ثمّ كان يجوز أن يوجد الإباء و الاستكبار مع عدم الكفر،فبيّن تعالى أنّه كفر بقوله: وَ كانَ مِنَ الْكافِرِينَ.

قال القاضي: هذه الآية تدلّ على بطلان قول أهل الجبر،بدليل أنّهم يزعمون أنّه لمّا لم يسجد لم يقدر على السّجود،لأنّ عندهم القدرة على الفعل منتفية،و من لا يقدر على الشّيء لا يقال:إنّه أباه.

و الجواب عنه:صدور ذلك الفعل عن إبليس عن قصد وداع،أولا عن قصد وداع.فإن كان عن قصد وداع فمن أين ذلك القصد؟أوقع لا عن فاعل أو عن فاعل هو العبد،أو عن فاعل هو اللّه؟فإن وقع لا عن فاعل كيف يثبت الصّانع؟و إن وقع عن العبد فوقوع ذلك القصد عنه إن كان عن قصد آخر فيلزم التّسلسل، و إن كان لا عن قصد فقد وقع الفعل لا عن قصد و سنبطله،و إن وقع عن فاعل هو اللّه فحينئذ يلزمك كلّ ما أوردته علينا.أمّا إن قلت:وقع ذلك الفعل عنه لا عن قصد وداع،فقد ترجّح الممكن من غير مرجّح،و هو يسدّ باب إثبات الصّانع،و أيضا فإن كان كذلك كان وقوع ذلك الفعل اتّفاقيّا،و الاتّفاقيّ لا يكون في وسعه و اختياره فكيف يؤمر به و ينهى عنه؟[نقلناه ملخّصا]

(2:235)

ص: 192

القرطبيّ: معناه امتنع من فعل ما أمر به.(1:295)

أبو حيّان: امتنع و أنف من السّجود لآدم.

و قدّم الإباء على الاستكبار،و إن كان الاستكبار هو الأوّل،لأنّه من أفعال القلوب و هو التّعاظم،و ينشأ عنه الإباء من السّجود اعتبارا،بما ظهر عنه أوّلا و هو الامتناع من السّجود،و لأنّ المأمور به هو السّجود،فلمّا استثنى إبليس كان محكوما عليه بأنّه ترك السّجود،أو بأنّه مسكوت عنه غير محكوم عليه،على الاختلاف الّذي نذكره قريبا.و المقصود الإخبار عنه بأنّه خالف حاله حال الملائكة،فناسب أن يبدأ أوّلا بتأكيد ما حكم به عليه في الاستثناء،أو بإنشاء الإخبار عنه بالمخالفة، و الّذي يؤدّي هذا المعنى هو الإباء من السّجود.

و الخلاف الّذي أشرنا إليه،هو أنّك إذا قلت:قام القوم إلاّ زيدا،فمذهب الكسائيّ أنّ التّخريج من الاسم، و أنّ زيدا غير محكوم عليه بقيام و لا غيره،فيحتمل أن يكون قد قام و أن يكون غير قائم.و مذهب الفرّاء أنّ الاستثناء من الفعل.و الصّحيح مذهبنا و هو أنّ الاسم مستثنى من الاسم،و أنّ الفعل مستثنى من الفعل.

و دلائل هذه مذكورة في كتب النّحو.

و مفعول(ابى)محذوف،لأنّه يتعدّى بنفسه إلى مفعول واحد،و التّقدير:أبى السّجود.

و أبى من الأفعال الواجبة الّتي معناها النّفي،و لهذا يفرّغ ما بعد إلاّ كما يفرّغ لفعل المنفي،قال: وَ يَأْبَى اللّهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ التّوبة:32،و لا يجوز:ضربت إلاّ زيدا، على أن يكون استثناء مفرّغا،لأنّ«إلاّ»لا تدخل في الواجب[الموجب].

و«أبى زيد الظّلم»أبلغ من:لم يظلم،لأنّ نفي الشّيء عن الشّخص قد يكون لعجز أو غيره،فإذا قلت:

أبى زيد كذا،دلّ على نفي ذلك عنه على طريق الامتناع و الأنفة منه،فلذلك جاء قوله تعالى:(أبى)لأنّ استثناء إبليس لا يدلّ إلاّ على أنّه لم يسجد،فلو اقتصر عليه لجاز أن يكون تخلّفه عن السّجود لأمر غير الإباء،فنصّ على سبب كونه لم يسجد و هو الإباء و الأنفة.

(1:153)

البروسويّ: أي امتنع عمّا أمر به من السّجود.

و الإباء:امتناع باختيار.و تقديم الإباء على الاستكبار مع كونه مسبّبا عنه لظهوره و وضوح أثره.(1:104)

2- إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ.

الحجر:31

الميبديّ: امتنع من أن يكون معهم.(5:308)

الزّمخشريّ: (ابى)استئناف على تقدير قول قائل يقول:هلاّ سجد؟فقيل:أبى ذلك و استكبر عنه.و قيل:

معناه و لكنّ إبليس أبى.(2:390)

3- ...فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُوراً. الإسراء:89

الزّمخشريّ: إن قلت:كيف جاز(فابى اكثر النّاس الاّ كفورا)فلم يجز:ضربت إلاّ زيدا؟

قلت:لأنّ أبى متأوّل بالنّفي،كأنّه قيل:فلم يرضوا إلاّ كفورا.(2:465)

نحوه الفخر الرّازيّ.(21:55)

ص: 193

4- وَ لَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَ أَبى. طه:56

الميبديّ:امتنع من طاعة اللّه و الإيمان به(6:141)

القرطبيّ:أي لم يؤمن.و هذا يدلّ على أنّه كفر عنادا،لأنّه رأى الآيات عيانا لا خبرا.(11:211)

5- ...فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى. طه:116

الزّمخشريّ: (ابى):جملة مستأنفة كأنّه جواب قائل قال:لم لم يسجد؟و الوجه أن لا يقدّر له مفعول و هو السّجود المدلول عليه بقوله:(فسجدوا)،و أن يكون معناه أظهر الإباء و توقّف و تثبّط.(2:555)

الطّباطبائيّ: جواب سؤال مقدّر تقديره:ما ذا فعل إبليس؟فقيل:أبى.(14:219)

ابين

إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها...

الأحزاب:72

الطّوسيّ: أي منعن أن يحملن الأمانة.

(8:367)

الفخر الرّازيّ: لم يكن إباؤهنّ كإباء إبليس في قوله تعالى: أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ الحجر:

31،من وجهين:

أحدهما:أنّ هناك السّجود كان فرضا،و هاهنا الأمانة كانت عرضا.

و ثانيهما:أنّ الإباء كان هناك استكبارا،و هاهنا استصغارا استصغرن أنفسهنّ بدليل قوله: وَ أَشْفَقْنَ مِنْها. (25:235)

نحوه النّيسابوريّ.(22:32)

أبو حيّان: أي قصرن و نقصن عنها كما تقول:أبت الصّنجة أن تحمل ما قابلها.(7:254)

الطّباطبائيّ: إباؤها عن حملها و إشفاقها منها، عدم اشتمالها على صلاحيّة التّلبّس،و تجافيها عن قبولها.

(16:350)

يأبى

...وَ يَأْبَى اللّهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ... التّوبة:32.

الفرّاء: دخلت(الاّ)لأنّ في الكلام طرفا من الجحد.(أبو حيّان 5:33)

الزّجّاج: التّقدير في الآية:و يأبى اللّه كلّ شيء إلاّ إتمام نوره.(الطّوسيّ 5:243)

نحوه ابن الشّجريّ(1:138)،و البروسويّ(3:

416)

الطّوسيّ: يمنع اللّه إلاّ إتمام نوره و إن كره الكافرون.

و لا يجوز على قياس وَ يَأْبَى اللّهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ أن تقول:ضربت إلاّ أخاك،لأنّ في الإباء معنى النّفي، فكأنّه قال:لا يمكّنهم اللّه إلاّ أن يتمّ نوره.و إذا لم يكن في اللّفظ مستثنى منه لم تدخل(إلاّ)في الإيجاب،و تدخل في النّفي على تقدير الحذف،و التّقدير في الآية:و يأبى اللّه كلّ شيء إلاّ إتمام نوره،في قول الزّجّاج و أنكر أن يكون في الآية معنى الجحد.(5:243)

نحوه الطّبرسيّ.(3:24)

الزّمخشريّ: إن قلت:كيف جاز أبى اللّه إلاّ كذا،

ص: 194

و لا يقال:كرهت أو أبغضت إلاّ زيدا؟

قلت:قد أجري«أبى»مجرى«لم يرد»،أ لا ترى كيف قوبل يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا بقوله:(و يأبى اللّه)؟ و كيف أوقع موقع و لا يريد اللّه إلاّ أن يتمّ نوره؟

(2:186)

الميبديّ: لا يرضى و لا يترك.(4:119)

الفخر الرّازيّ: إن قيل:كيف جاز:أبى اللّه إلاّ كذا، و لا يقال:كرهت أو أبغضت إلاّ زيدا؟

قلنا:أجري«أبى»مجرى لم يرد،و التّقدير:ما أراد اللّه إلاّ ذلك،إلاّ أنّ الإباء يفيد زيادة عدم الإرادة و هي المنع و الامتناع،و الدّليل عليه قوله صلّى اللّه عليه و سلّم:

«و إن أرادوا ظلمنا أبينا»فامتدح بذلك،و لا يجوز أن يمتدح بأنّه يكره الظّلم،لأنّ ذلك يصحّ من القويّ و الضّعيف.و يقال:فلان أبيّ الضّيم،و المعنى ما ذكرناه.(16:39)

أبو حيّان: مجيء(الاّ)بعد(و يابى)يدلّ على مستثنى منه محذوف،لأنّه فعل موجب،و الموجب لا تدخل معه(الاّ)،لا تقول:كرهت إلاّ زيدا،و تقدير المستثنى منه:و يأبى اللّه كلّ شيء إلاّ أن يتمّ نوره،قاله الزّجّاج.

و قال عليّ بن سليمان: جاز هذا في«أبى»لأنّه منع و امتناع،فضارعت النّفي.

و قال الكرماني: معنى«أبى»هنا لا يرضى إلاّ أن يتمّ نوره بدوام دينه إلى أن تقوم السّاعة.(5:33)

ياب

...وَ لا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللّهُ...

البقرة:282

الشّعبيّ: هو فرض على الكفاية كالجهاد.

مثله الرّمّانيّ و الجبّائيّ.(الطّوسيّ 2:372)

مجاهد: واجب على الكاتب أن يكتب.

(الطّبريّ 3:119)

الضّحّاك: كانت عزيمة فنسختها وَ لا يُضَارَّ كاتِبٌ وَ لا شَهِيدٌ البقرة:282.(الطّبريّ 3:120)

الرّبيع: واجب على الكاتب إذا أمر أن يكتب.

(القرطبيّ 3:384)

مثله الطّبريّ.(3:120)

الطّوسيّ: ظاهره النّهي عن الامتناع من الكتابة، و النّهي يقتضي تحريم الامتناع.(2:372)

الميبديّ: لا يمتنع الكاتب من أن يكتب.

(1:768)

مثله الطّبرسيّ.(1:397)

الزّمخشريّ: لا يمتنع أحد من الكتّاب،و هو معنى تنكير(كاتب).(1:402)

مثله النّيسابوريّ.(3:88)

الفخر الرّازيّ: ظاهر هذا الكلام نهي لكلّ من كان كاتبا عن الامتناع عن الكتابة،و إيجاب الكتابة على كلّ من كان كاتبا،و فيه وجوه:

الأوّل:أنّ هذا على سبيل الإرشاد إلى الأولى لا

ص: 195

على سبيل الإيجاب،و المعنى أنّ اللّه تعالى لمّا علّمه الكتابة و شرّفه بمعرفة الأحكام الشّرعيّة فالأولى أن يكتب تحصيلا لمهمّ أخيه المسلم شكرا لتلك النّعمة،و هو كقوله تعالى: وَ أَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللّهُ إِلَيْكَ القصص:77،فإنّه ينتفع النّاس بكتابته كما نفعه اللّه بتعليمها.

الثّاني:و هو قول الشّعبيّ[المتقدّم].

الثّالث:قول الضّحّاك[و قد مضى].

الرّابع:أنّ متعلّق الإيجاب هو أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللّهُ، يعني أن بتقدير:أن يكتب (1)،فالواجب أن يكتب على ما علّمه اللّه،و أن لا يخلّ بشرط من الشّرائط،و لا يدرج فيه قيدا يخلّ بمقصود الإنسان؛ و ذلك لأنّه لو كتبه من غير مراعاة هذه الشّروط،اختلّ مقصود الإنسان و ضاع ماله،فكأنّه قيل له:إن كنت تكتب فاكتبه عن العدل.(7:119)

القرطبيّ: نهى اللّه الكاتب عن الإباء.(3:384)

أبو حيّان: نهى الكاتب عن الامتناع من الكتابة، و(كاتب)نكرة في سياق النّهي،فتعمّ.(2:344)

الآلوسيّ: أي لا يمتنع أحد من الكتّاب الموصوفين بما ذكر.(3:56)

تابى

...وَ تَأْبى قُلُوبُهُمْ وَ أَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ. التّوبة:8

الزّمخشريّ: إباء القلوب:مخالفة ما فيها من الأضغان؛لما يجرونه على ألسنتهم من الكلام الجميل.

(2:176)

الأصول اللّغويّة

1-عرفت العربيّة أوزانا مألوفة متداولة للماضي الثّلاثيّ و مضارعه،غير أنّ ثمّة أوزانا أخرى تغاير نوع مغايرة تلك الأوزان المألوفة من قبيل«فعل يفعل»الّذي مثّل له ببضعة ألفاظ أختلف في رواياتها مثل زكى يزكى، و قوّمه الفرّاء بركن يركن و ركن يركن،و مثل قلاه يقلاه، و غشى يغشى،و شجى يشجى.و قد قوّم اللّغويّون الحاذقون هذه الألفاظ إلى قلا(قلى)يقلي و يقلو، و غشي يغشى،و شجاه يشجوه و شجي يشجى،و جبى يجبي.فلم يسلم لجمهور اللّغويّين من«فعل يفعل»بفتح العين،إلاّ أبى يأبى؛ممّا دفع سيبويه إلى احتمال أن يكون هذا الفعل«أبى يأبى»محمولا على المهموز و فرعا عليه، ليستقيم ذلك الوزن فيه،باعتباره وزنا مألوفا متداولا فيما كان ثانيه أو ثالثه أحد حروف الحلق.

فقد استطاع بعض اللّغويّين بحاسّة لغويّة صائبة أن يدرك العلاقة بين«أبى»و«أبأ»،فوضعهما في مكان واحد،ارتضاه«أبى»لكثرة ما تفرّع عليه،و جعلوا منه «الإباء»بالضّمّ و الكسر،و هو أن تعرض على الرّجل الشّيء فيأباه،كما جعلوا منه«الإباء»بالكسر و هو الأجمة.

2-و«أبى»-كما يستفاد من استعماله في القرآن و غيره-دالّ على العصيان و الرّفض و شدّة الامتناع، و لا يصحّ إطلاقه على مجرّد التّرك و الامتناع؛فقد يترك المرء شيئا و لا يأباه،كما قد يمتنع عن شيء و نفسه تهفو

ص: 196


1- الظّاهر:ان يقدّر ان يكتب.

إليه.فأمّا«أبى»فيتجاوز ذلك ليجعل المتّصف به متلبّسا تلبّسا كاملا ظاهرا و باطنا،إن كان له ذلك؛بحيث إنّه يترك الشّيء و يمتنع عنه بقوّة و إرادة و قناعة كاملة شاملة،فيتضمّن«الإباء»قوّة في اتّخاذ الموقف لا يتضمّنها التّرك و الامتناع.و لذلك استعملها القرآن الكريم-كما سيأتي-في الموارد الّتي يحتاج اتّخاذ القرار فيها إلى قوّة كبيرة،من مثل إباء إبليس السّجود لآدم، و إباء أكثر النّاس إلاّ الكفر،و إباء حمل الأمانة من قبل السّماوات و الأرض،و إباء قلوب المنافقين الإيمان،و إباء اللّه تعالى إلاّ أن يتمّ نوره و لو كره الكافرون.فالسّياق فيها جميعا سياق تحدّ،سياق دالّ على أنّ المتحدّي لم يستطع أن يصل إلى ما وصل إليه إلاّ بقوّة هائلة يمتلكها أو يتوهّم أنّه يمتلكها،و لذا ارتبط ب(استكبر)مرّة،و ب (إلاّ)المفيدة للحصر و القصر أخرى،و ب«التّكذيب» ثالثة،و هكذا في المواضع الأخرى.و على هذا تتكوّن عندنا معادلة دلاليّة لغويّة هي:أبى-ترك+امتنع+ رفض+قوّة ذاتيّة تؤدّي إلى اتّخاذ الموقف+قناعة كاملة تتغلغل في المتّخذ للموقف.

الاستعمال القرآنيّ

جاءت ماضيا 9 مرّات و مضارعا مرّتين و نهيا مرّتين أيضا:

و يلاحظ أوّلا أنّه قد جاء«أبى»و مشتقّاته في القرآن مسندا إلى«اللّه»مرّة واحدة و إلى غيره«12» مرّة:

مسندا إلى اللّه: وَ يَأْبَى اللّهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ التّوبة:32

مسندا إلى إبليس«3»مرّات كلّها في سجوده لآدم:

فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى*وَ اسْتَكْبَرَ وَ كانَ مِنَ الْكافِرِينَ البقرة:34

فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى* فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَ لِزَوْجِكَ طه:116،117

إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ* قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ... الحجر:31،32

مسندا الى الكافرين و الظّالمين و الفاسقين و المنافقين «5»مرّات:

وَ لَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُوراً الإسراء:89

وَ جَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظّالِمُونَ إِلاّ كُفُوراً الإسراء:99

وَ لَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُوراً الفرقان:50

وَ لَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَ أَبى طه:56

يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَ تَأْبى قُلُوبُهُمْ وَ أَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ التّوبة:8

مسندا إلى من يمسك الخير و الإحسان عن النّاس «3»مرّات:

عن الضّيافة: حَتّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما الكهف:77

عن الكتابة للمدين: وَ لا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللّهُ البقرة:282

عن الشّهادة له: وَ لا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما

ص: 197

دُعُوا البقرة:282

و ثانيا:يلاحظ أنّ مادّة«أبى»حينما أسندت إلى «اللّه»تعني أنّه تعالى يأبى كلّ شيء سوى إتمام نوره، و أنّه يريد تأكيد هذا الأمر و كأنّه لا شأن له إلاّ هذا، و نوره دينه و هدايته للخلق.و حيث أسندت إلى إبليس تعني أنّه يأبى الخضوع للّه في أمر توحيده و دينه كأنّه لا شأن له إلاّ هذا،و أنّه مصرّ على ذلك إصرارا لا رجعة فيه أبدا،و صدر منه هذا العمل استكبارا،و جرّ إليه الكفر و الرّجم و اللّعن كما جرّ إليه العداوة لآدم و زوجه.

و عند إسنادها إلى الكفّار و نحوهم تعني عزمهم الرّاسخ على رفض القرآن و الآيات و المعجزات و الدّين، و جرّت إليهم الكفر و التّكذيب و الفسق و الظّلم و نحوها.

و حينما جاءت في الإمساك عن الخير جلبت إليهم النّدم و التّوبيخ فقط دون تلك الخصال.

و ثالثا:سياق الآيات كلّها ذمّ و تنديد مساوقا للمادّة،حتّى فيما نسب إلى اللّه من إبائه إلاّ عن إتمام نوره فإنّه و إن كان مدحا له تعالى إلاّ أنّه جاء رغما للكافرين ذمّا لهم.

و رابعا:و جاء التّعبير بلفظ«إبليس»دون «الشّيطان»في موضع إبائه عن السّجود لآدم،و هذا ربّما يكشف عن العلاقة بين المادّتين،فلفظ«إبليس»من اللّبس و هو يلازم الخفاء و السّرّ،و الإباء كذلك،و لهذا عقّبها في القرآن بلفظ الكفور،و هو بمعنى إخفاء الحقّ و إنكاره،لكنّ المراد من«إبليس»اسم علم دون اسم جنس كالشّيطان كما تقدّم في«إبليس»،فليس بينهما علاقة من هذه النّاحية خصوصا أنّ«إبليس»أعجميّ عند جمّ غفير منهم،و ليس بعربيّ.

و خامسا:و قابل في آية التّوبة بين الرّضا بالأفواه و إباء القلوب،و هذا هو معنى النّفاق بعينه،و فيه دلالة على أنّ«الإباء»هو الحالة النّابعة من أعماق القلوب و المستولية على كلّ الجوارح و العواطف و الأحاسيس.

ص: 198

أ ت ي

اشارة

157 لفظا،549 مرّة:322 مكّيّة،227 مدنيّة

في 72 سورة:49 مكّيّة،23 مدنيّة

أتى 7:6-1\أتينا 2:2\ليأتينّي 1:1\يأتين 5:-5\آتيك 2:2\آتيه 1:1

أتاهم 8:6-2\أتيناهم 2:2\يأتينا 3:2-1\يأتينك 1:-1\آتيكم 4:4\آتيهم 1:1

أتاها 3:3\أتيناك 1:1\يأت 14:9-5\تأتي 3:3\نأتي2:1-1\آتيكم 1:1

أتاك 6:6\أتوا 1:-1\يأته 1:1\تأتيهم 17:11-6\فلنأتينّهم 1:1\آت 2:1-1

أتاكم 3:3\يأتي 22:12-10\يأتهم 3:1-2\تأتيكم 2:2\فلنأتينّك 1:1\آتية 4:3-1

أتانا 1:1\يأتيه 5:5\يأتك 1:1\لتأتينّكم 1:1\نأتيكم 1:1\مأتيّا 1:1

أتيا 1:1\يأتيهم 17:15-2\يأتكم 7:5-2\تأتينا 4:3-1\نأت 1:-1\آتى 3:-3

أتوا 4:3-1\يأتيها 1:1\فليأتنا 1:1\و لتأت 1:-1\ائت 6:5-1:-1\آتاه 3:-3

أتوه 1:1\يأتيك 1:1\يأتيانها 1:-1\تأتهم 2:2\ائتنا 7:7\آتاهما 2:2

أتوك 1:-1\يأتيكما 1:1\يأتون 4:2-2\لتأتنّني 1:1\ائتيا 2:2\آتاهم 10:2-8

أتت 2:2\يأتيكما 1:1\يأتونك 1:1\تأتنا 1:1\ائتياه 1:1\آتاها 1:-1

أتتهم 1:-1\يأتيكم 8:6-2\يأتوننا 1:1\تأتون 10:10\ائتوا 12:8-4\آتاك 1:1

أتتك 1:1\ليأتينّهم 1:1\يأتوا 7:3-4\تأتوننا 1:1\ائتوهنّ 1:-1\آتاكم 8:3-5

أتتكم 1:1\يأتينّكم 3:2-1\يأتوك 4:2-2\تأتوا 1:-1\ائتوني 7:7\آتانى 4:4

أتين 1:-1\يأتيني 1:1\يأتوكم 2:-2\تأتوني 1:1\ائتونا 1:1\آتانا 1:-1

أتيت 1:-1\يأتيني 1:1\يأتوني 1:1\لآتينّهم 1:1\آتي 1:1\آتوا 5:1-4

ص: 199

آتوه 1:1\آتينا 28:20-8\أوتيت 1:1\يؤتون 8:5-3\يؤتى 2:1-1\آتوهم 3:-3

آتوها 1:-1\آتيناه 14:11-3\أوتيتم 5:3-2\يؤتوا 2:-2\يؤت 2:-2\آتوهنّ 3:-3

آتت 3:2-1\آتيناهما 1:1\أوتيته 2:2\تؤتى 2:1-1\يؤتون 1:-1\آتونى 2:-2

آتيت 2:1-1\آتيناهم 21:12-9\أوتينا 2:2\تؤتون 1:1\تؤتوه 1:-1\آتين 1:-1

آتيتهنّ 1:-1\آتيناها 1:1\يؤتى 3:1-2\تؤتونهنّ 1:-1\أوت 1:1\المؤتون 1:-1

آتيتني 1:1\آتيناك 2:1-1\يؤتيه 7:-7\تؤتوا 1:-1\لأوتينّ 1:-1\إيتاء 3:2-1

آتيتنا 1:1\آتيناكم 3:1-2\يؤتيهم 2:1-1\تؤتوها 1:-1\نؤتى 1:1\

آتيتم 5:2-3\أوتى 14:10-4\يؤتين 1:1\نؤتيه 2-2\آت 2:1-1\

آتيتموهنّ 4:-4\أوتوا 32:8-24\سيؤتينا 1:-1\سنؤتيهم 1:-1\آتهم 2:1-1\

آتيتك 1:1\أوتوه 1:-1\يؤت 4:1-3\نؤته 3:1-2\آتنا 5:2-3\

آتيتكم 1:-1\أوتيت 1:1\يؤتكم 4:-4\نؤتها 1:-1\آتوا 12:-12\

النّصوص اللّغويّة

الخليل: تقول:أتاني فلان أتيا و إتيانا و أتية واحدة و لا يقال:إتيانة واحدة،لأنّ المصادر كلّها إذا جعلت واحدة ردّت إلى بناء«فعلة»و ذلك إذا كان منها الفعل على«فعل»أو«فعل»فإذا أدخلت في الفعل زيادات فوق ذلك أدخلت فيها زيادتها في الواحدة، كقولك إقبالة واحدة،و مثل تفعّل تفعلة واحدة،و أشباه ذلك و ذلك في الشّيء الّذي يحسن أن تقول:فعلة واحدة،و إلاّ فلا.[ثمّ استشهد بشعر]

الأتو:الاستقامة في السّير و السّرعة،و يأتوا البعير أتوا.و تقول العرب:أتوت فلانا من أرض كذا،أي سرت إليه.و يجوز في معنى أتيته.[ثمّ استشهد بشعر] و الإيتاء:الإعطاء.

و يقال:هات في معنى آت على«فاعل»فدخلت الهاء على الألف.

و المؤاتاة:حسن المطاوعة.

و تأتّى لفلان أمره،و أتّاه اللّه تأتية.[ثمّ استشهد بشعر]

و الآتيّ و الأتيّ لغتان،و الصّواب:الأتيّ.

و الأتيّ:جماعة،و كذلك الآتاء:الجماعة،و هو ما وقع في النّهر من خشب أو ورق و نحوه،ممّا لا يحبس الماء.

الأتيّ عند العامّة:النّهر الّذي يجري فيه الماء إلى الحوض،و الجمع:الأتيّ و الآتاء.و قالت طائفة من النّاس:الأتيّ:السّيل الّذي لا يدرى من أين أتى.و أتّيت للماء تأتيّا،إذا حرفت له مجرى.[ثمّ استشهد بشعر]

و رجل أتيّ،إذا كان غريبا في قوم ليس منهم، و أتاويّ.

ص: 200

و الإتاوة:الخراج،و كلّ قسمة تقسم على قوم ممّا يجبى،و قد يجعلون الرّشوة إتاوة.

و تقول:آتيت فلانا على أمره مؤاتاة،و لا تقول:

واتيته،إلاّ في لغة قبيحة لليمن.و أهل اليمن يقولون:

و اتيت و واسيت و واكلت و نحو ذلك،و و امرت من أمرت،و إنّما يجعلونها واوا على تخفيف الهمزة في يؤاكل و يؤامر،و نحو ذلك.(8:145)

سيبويه: الأتيّ:هو المفتح.و كلّ مسيل سهّلته لماء أتيّ،و هو الأتيّ.(ابن منظور 14:15)

الضّبّيّ:يقال للسّقاء إذا تمخّض:قد جاء أتوه.

(ابن فارس 1:50)

الكسائيّ: الأتاويّ،بالفتح:الغريب الّذي هو في غير وطنه.(الأزهريّ 14:351)

ابن شميّل: أتى على فلان أتو،أي موت أو بلاء أصابه،يقال:إن أتى عليّ أتو فغلامي حرّ،أي إن متّ.

و الأتو:المرض الشّديد،أو كسر يد أو رجل أو موت.

و يقال:أتي على يد فلان،إذا هلك له مال

(الأزهريّ 14:353)

أبو عمرو الشّيبانيّ: رجل أتاويّ و أتاويّ و إتاويّ و أتيّ،أي غريب.(الأزهريّ 14:352)

الفرّاء: يقال:جاء فلان يتأتّى،أي يتعرّض لمعروفك.(الجوهري 6:2262)

أتت الأرض و النّخل أتوا،و أتى الماء إتاء،أي كثر.

(ابن فارس 1:52)

أبو زيد: قالوا:إتاوة و ثلاث إتاوات و كذلك الجميع،و هي الرّشوة في كلّ وجه.(212)

أتوته أتوة،إذا رشوته إتاوة،و هي الرّشوة.(الأزهريّ 14:352)

يقال:تني بفلان:ائتني،و للاثنين:تياني به، و للجمع:توني به،و للمرأة:تيني به،و للجمع:تينني.

و أتيت الأمر من مأتاه و مأتاته.(ابن فارس 1:50)

الأصمعيّ: ما أحسن أتو يدي النّاقة،و ما أحسن أتي يديها،يعني رجع يديها في سيرها.

(إصلاح المنطق:140)

كلّ جدول ماء أتيّ.[ثمّ استشهد بشعر]

و يقال:أتّ لهذا الماء،فيهيّئ له طريقه.

و روي عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم:أنّه سأل عاصم بن عديّ الأنصاريّ عن ثابت بن الدّحداح، و توفّي،فقال:«هل تعلمون له نسبا فيكم؟فقال:لا،إنّما هو أتيّ فينا»،و قوله:إنّما هو أتيّ فينا،فإنّ الأتيّ الرّجل يكون في القوم ليس منهم،و لهذا قيل المسيل الّذي يأتي من بلد قد مطر فيه إلى بلد لم يمطر فيه:

أتيّ.(الأزهريّ 14:351)

يقال:تأتّى فلان لحاجته،إذا ترفّق لها و أتاها من وجهها.(الأزهريّ 14:352)

يقال:أتوته أتوا:أعطيته الإتاوة.

(ابن فارس 1:51)

الإتاء:ما خرج من الأرض من الثّمر و غيره.

(ابن منظور 14:18)

اللّحيانيّ: ما أتيتنا حتّى استأتيناك،أي استبطأناك و سألناك الإتيان.و يقال:تأتّ لهذا الأمر،أي ترفّق له.

(ابن فارس 1:50)

ص: 201

رجل أتيّ،إذا كان نافذا.(ابن فارس 1:52)

سيل أتيّ و أتاويّ أي أتى و ليس مطره علينا.

(ابن سيده 9:547)

أبو عبيد: تأتّى للقيام،و التّأتّي:التّهيّؤ للقيام.

(الأزهريّ 14:352)

نحوه الثّعالبيّ.(187)

ابن السّكّيت: يقال:قد جاءت آتية الجرح، و هي مدّته (1).(106)

و يقال:قد آتيته،إذا أعطيته.و قد أتيته،إذا جئته.

(إصلاح المنطق:242)

شمر: ميتاء الطّريق،و ميداؤه:محجّته.

(الهرويّ 1:13)

الزّجّاج: أتى الأمر من مأتاه و مأتاته،أي من جهته و وجهه الّذي يؤتى منه،كما تقول:ما أحسن معناة هذا الكلام،تريد معناه.

و آتى إليه الشّيء:ساقه.

و الأتيّ:النّهر يسوقه الرّجل إلى أرضه.

(ابن منظور 14:15)

آتيته الشّيء:أعطيته.(فعلت و أفعلت:53)

ابن دريد: أتى يأتي و يأتو أتوا و أتيا حسنا.يقال:

ما أحسن أتو قوائم النّاقة و أتيها في السّير!

و الأتيّ:السّيل يأتيك من بلد مطر من غير بلدك.

و يقال:أتّ لمائك،أي سهّل له سبيلا يجري فيه.

و رجل أتيّ و أتاويّ،و هو الغريب.

و آتى يؤتي إيتاء،في معنى أعطى.

و الإتاوة:الخرج أو الجزية،يؤدّيه القوم إلى الملك.

و يقال:ما أحسن أتاء هذا النّخل،أي ما أحسن ثمره، و كذلك الزّرع.(1:170)

يقول:ما أحسن أتو يدي هذه النّاقة في سيرها!أي رجع يديها.

و الإتاوة:الخراج كان يؤدّى إلى الملوك في الجاهليّة.

و أتيت الرّجل آتيه أتيا،و أتوته أتوا.

و الأتاء:زكاء النّخل و الزّرع،و هو ما يخرجه اللّه عزّ و جلّ من ثمره.

و آتيته أوتيه إيتاء،في معنى أعطيته.

و واتيته مواتاة و وتاء،إذا طاوعته.

و أتّى لمائه يؤتّي،إذا سهّل له سبيل الجري.و الأتيّ:

السّيل،و الجمع:أتيّ،إذا جاء من بلد إلى بلد لم يمطر، و كلّ مسيل سهّلته لماء فهو أتيّ.و سيل أتيّ و أتاويّ، إذا جاء من بلد إلى بلد لم يمطر،و كذلك رجل أتيّ و أتاويّ:غريب،و قوم أتاويّون،و في الحديث:«إنّا أتاويّان».

و المأتيّ:الموضع الّذي تأتي فيه صاحبك أو تأتي منه.

و أتيت الحاجة من مأتاتها،إذا جئتها من وجهها.

و طريق ميتاء،أي مسلوك واضح.و رجل ميتاء:

جواد في معنى معطاء.(3:216)

القاليّ:أتوان،من قولهم:أتوته آتوه،بمعنى آتيته آتيه،و هي لغة لهذيل.و يقولون:ما أحسن أتو يدي النّاقة و أتي يديها،يعنون رجع يديها.(2:211)

خرج و خراج و إتاوة واحد.(ذيل الأماليّ:152)ح.

ص: 202


1- المدّة:ما يجتمع في الجرح من القيح.

الأزهريّ:يقال:أتي فلان من مأمنه،أي أتاه الهلاك من جهة مأمنه.

و طريق ميتاء:مسلوك،«مفعال»من الإتيان.

و ميتاء الطّريق و ميداؤه:محجّته.

و يقال:أتّيت السّيل فأنا أؤتّيه،إذا سهّلت سبيله من موضع إلى موضع ليخرج إليه؛و أصل هذا من الغربة، و لهذا قيل:رجل أتاويّ،إذا كان غريبا في غير بلاده.

و إتاء النّخلة:ريعها و زكاؤها و كثرة ثمارها،و كذلك إتاء الزّرع:ريعه،و قد أتت النّخلة و آتت إيتاء و إتاءة.

و من أمثالهم:مأتيّ أنت أيّها السّواد أو السّويد،أي لا بدّ لك من هذا الأمر.

و يقال للرّجل إذا دنا من عدوّه:أتيت أيّها الرّجل.

و يقال:فرس أتيّ و مستأت و مستوت،بغير هاء، إذا أردفت،و قد استأتت النّاقة استئتاء.

(14:350،352 و 354)

الفارسيّ: و أتيّة الجرح و آتيته:مادّته و ما يأتي منه لأنّها تأتيه من مصبّها.(ابن سيده 9:547)

ابن جنّيّ: بعض العرب يقول في الأمر من أتى:ت زيدا،فيحذف الهمزة تخفيفا،كما حذفت من:خذ و كل و مر.(ابن سيده 9:546)

الجوهريّ: الإتيان:المجيء،و قد أتيته أتيا.و أتوته أتوة،لغة فيه.

و تقول:آتيته على ذلك الأمر مواتاة،إذا وافقته و طاوعته،و العامّة تقول:واتيته.

و آتاه إيتاء،أي أعطاه،و آتاه أيضا،أي أتى به،و منه قوله تعالى: آتِنا غَداءَنا الكهف:62،أي ائتنا به.

و الإتاوة:الخراج،و الجمع:الأتاوي.تقول منه أتوته آتوه أتوا و إتاوة.

و يقال للسّقاء إذا مخض و جاء الزّبد:قد جاء أتوه.

و لفلان أتو،أي عطاء.و الإيتاء:الإعطاء.

و تأتّى له الشّيء،أي تهيّأ.و تأتّى له،أي ترفّق، و أتاه من وجهه.

و أتّيت للماء تأتية و تأتيا،أي سهّلت سبيله.

ليخرج إلى موضع.

و الأتيّ:الجدول يؤتّيه الرّجل إلى أرضه،و هو «فعيل»،يقال:جاءنا سيل أتيّ و أتاويّ،إذا جاءك و لم يصبك مطره.

و الأتيّ أيضا و الأتاويّ:الغريب،و نسوة أتاويّات.

و استأتت النّاقة استئتاء مهموز،أي ضبعت، و أرادت الفحل.

و الإتاء:البركة و النّماء،و حمل النّخل،تقول منه:

أتت النّخلة تأتوا إتاء.

و الميتاء و الميداء،ممدودان:آخر الغاية؛حيث ينتهي إليه جري الخيل.

و الميتاء:الطّريق العامر.و مجتمع الطّريق أيضا ميتاء و ميداء،يقال:بنى القوم بيوتهم على ميتاء واحد و ميداء واحد.و داري بميتاء دار فلان و ميداء دار فلان،أي تلقاء داره و محاذية لها.(6:2261)

ابن فارس: الهمزة و التّاء و الواو و الألف و الياء يدلّ على مجيء الشّيء و إصحابه و طاعته.(1:49)

أبو هلال: الفرق بين تبديل الشّيء و الإتيان بغيره:أنّ الإتيان بغيره لا يقتضي رفعه بل يجوز بقاؤه

ص: 203

معه،و تبديله لا يكون إلاّ برفعه و وضع آخر مكانه.

و لو كان تبديله و الإتيان بغيره سواء لم يكن لقوله تعالى:

اِئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ يونس:15، فائدة.(197)

الفرق بين قولك:أتى فلان و جاء فلان،أنّ قولك:

جاء فلان،كلام تامّ لا يحتاج إلى صلة،و قولك:أتى فلان،يقتضي مجيئه بشيء،و لهذا يقال:جاء فلان نفسه، و لا يقال:أتى فلان نفسه،ثمّ كثر ذلك حتّى استعمل أحد اللّفظين في موضع الآخر.

الفرق بين من يأتيني فله درهم،و الّذي يأتيني فله درهم أنّ جواب الجزاء يدلّ على أنّه يستحقّ من الفعل الأوّل،و الفاء في خبر الّذي مشبهة بالجزاء و ليست به، و إنّما دخلت لتدلّ على أنّ الدّرهم يجب بعد الإتيان.(255)

الهرويّ: في الحديث:«لو لا أنّه طريق ميتاء لحزنّا عليك يا إبراهيم»،أي طريق مسلوك،«مفعال»من الإتيان.

و في الحديث:«إنّما هو أتيّ فينا»أي غريب،يقال:

رجل أتيّ و أتاويّ،و منه حديث عثمان:«إنّا رجلان أتاويّان».

و سيل أتيّ:جاءك و لم يجئك مطره.

و في حديث ظبيان الوافد،و ذكر ثمود و بلادهم، فقال:«و أتّوا جداولها»،أي سهّلوا طرق المياه إليها.

يقال:أتّيت للماء،إذا أصلحت مجراه حتّى يجري إلى مقاصده.(1:13،14)

ابن سيده: أتيته أتيا،و أتيا،و إتيا،و إتيانا،و إتيانة، و مأتاة:جئته.

و قوله تعالى: وَ لا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أَتى طه:69،قالوا:معناه:حيث كان،و قيل:معناه حيث كان السّاحر يجب أن يقتل،و كذلك مذهب أهل الفقه في السّحرة.[ثمّ استشهد بشعر]

و طريق مئتاء:عامر واضح،هكذا رواه ثعلب بهمز الياء من ميتاء،قال:و هو«مفعال»من أتيت،أي يأتيه النّاس.و في الحديث:«لو لا أنّه وعد حقّ،و قول صدق، و طريق ميتاء،لحزنّا عليك،يا إبراهيم».هكذا روي بغير همز،إلاّ أنّ المراد الهمز.

و رواه أبو عبيد في«المصنّف»بغير همز،ذكره في باب «فعلاء»و هذا سهو منه،لأنّ الاشتقاق يؤذن بغير ذلك؛ إذ معنى الإتيان قائم فيه،و لا يجوز أن يكون«ميتاء» بغير همز«فيعالا»لأنّ فيعالا من أبنية المصادر،و ميتاء ليس مصدرا،إنّما هو صفة،فالصّحيح فيه إذن ما رواه ثعلب و فسّره،و قد كان لنا أن نقول:إنّ أبا عبيد أراد الهمز فتركه،إلاّ أنّه عقد الباب بفعلاء،ففضح ذاته، و أبان هناته.

و أتى الأمر من مأتاه،و مأتاته،أي جهته.

و آتى إليه الشّيء:ساقه.

و الأتيّ:النّهر يسوقه الرّجل إلى أرضه،و قيل:هو المفتح.و كلّ مسيل سهّلته لماء:أتيّ،و هو الأتيّ،حكاه سيبويه.و قيل:الأتيّ جمع.

و أتّى لأرضه أتيّا:ساقه.[ثمّ استشهد بشعر]

و أتّى للماء:وجّه له مجرى.

و الأتيّ،و الأتاء:ما يقع في النّهر من خشب أو

ص: 204

ورق؛و الجمع:آتاء و أتيّ.و كلّ ذلك من الإتيان.

و سيل أتيّ و أتاويّ:لا يدرى من أين أتى.

و رجل أتيّ،و أتاويّ:غريب شبّه بالسّيل الّذي يأتيك و ليس مطره عليك،و قيل:بل السّيل مشبّه بالرّجل،لأنّه غريب مثله.[ثمّ استشهد بشعر]

و أتى عليه الدّهر:أهلكه،على المثل.

و أتى الأمر و الذّنب:فعله.

و استأتت النّاقة:أرادت الفحل.

و آتاه الشّيء:أعطاه إيّاه،و في التّنزيل: وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ النّمل:23،أراد:و أوتيت من كلّ شيء شيئا.و ليس قول من قال:إنّ معناه:أوتيت كلّ شيء بحسن،لأنّ بلقيس لم تؤت كلّ شيء.أ لا ترى إلى قول سليمان للهدهد: اِرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها النّمل:37،فلو كانت بلقيس قد أوتيت كلّ شيء لأوتيت جنودا تقابل بها جنود سليمان،أو الإسلام،لأنّها إنّما أسلمت بعد ذلك مع سليمان.

و آتاه:جازاه.

و رجل ميتاء:مجاز معطاء.

و قد قرئ ان كان مثقال حبة من خردل آتينا بها الأنبياء:47، (و اتينا بها) فأتينا:جئنا،و آتينا:

أعطينا،و قيل:جازينا.فإن كان آتينا:أعطينا فهو «أفعلنا»،و إن كان جازينا فهو«فاعلنا».

و ما أحسن أتي يدي النّاقة،أي رجع يديها في سيرها.

و آتاه على الأمر:طاوعه.

و تأتّى له الشّيء:تهيّأ.

و أتاه اللّه:هيّأه.

و رجل أتيّ:نافذ يتأتّى للأمور.(9:545)

الإتيان:المجيء،أتى يأتي أتيا،و الإتيان اسم منه، و قد أتيته.و المأتى:موضع الإتيان.و آتى فلانا الشّيء:

أتى بالشّيء إليه،و استأتى فلانا:طلب إتيانه.

الأتو:المجيء،أتا يأتو أتوا.(الإفصاح 1:287)

سيل أتيّ و أتاويّ:أتاك و لم يصبك مطره،أي من بلد آخر.(الإفصاح 2:955)

الأتيّ:«جدول يؤتّيه الرّجل إلى أرضه،أي يهيّئه و يوجّه له مجرى إلى مقرّه.(الإفصاح 2:1070)

أتت الشّجرة تأتو أتوا و إتاء:طلع ثمرها،أو بدا صلاحها.(الإفصاح 2:1178)

الرّاغب: الإتيان:مجيء بسهولة،و منه قيل للسّيل المارّ على وجهه:أتيّ و أتاويّ،و به شبّه الغريب فقيل:

أتاويّ.

و الإتيان:يقال للمجيء بالذّات و بالأمر و بالتّدبير، و يقال في الخير و في الشّرّ،و في الأعيان و الأعراض.

[إلى أن قال:]

يقال:أتيته و أتوته.و يقال للسّقاء إذا مخض و جاء زبده:أتوّة،و تحقيقه جاء ما من شأنه أن يأتي منه،فهو مصدر في معنى«الفاعل».

و هذه أرض كثيرة الإتاء،أي الرّيع.(8،9)

الزّمخشريّ: أتى إليه إحسانا،إذا فعله.و وعد اللّه مأتيّ.و أتيت الأمر من مأتاه و مأتاته،أي من وجهه.

و أتى عليهم الدّهر:أفناهم.و أتى امرأته،و استأتت النّاقة:اغتلمت و طلبت أن تؤتى.و يقال:ما أتيتنا حتّى

ص: 205

استأتيناك،إذا استبطئوه.

و طريق ميتاء:«مفعال»من الإتيان،كقولهم:دار محلال.تقول:الموت طريق ميتاء،و هو لكلّ حيّ ميداء، أي غاية.

و هو أتيّ فينا و أتاويّ،أي غريب.و سيل أتيّ و أتاويّ:أتى من حيث لا يدرى.

و تقول:فلان كريم المواتاة،جميل المواساة.و هذا أمر لا يواتيني.

و تأتّى له أمره إذا تسهّلت له طريقته،و تأتّيت لهذا الأمر:ترفّقت له،و قيل:تهيّأت و تأتّيت له بسهم حتّى أصبته،إذا تقصّدت له.و أتّى للسّيل:سهّل له سبيله.

و فتح الماء فأتّ له إلى أرضك.

و كثر إتاء أرضه،أي ريعها.و نخل ذو إتاء،و لبن ذو إتاء،أي ذو زبد كثير.

و أدّى إتاوة أرضه أي خراجها،و ضربت عليهم الإتاوة،و هي الجباية.

و شكم فاه بالإتاوة،أي بالرّشوة.

(أساس البلاغة:2)

ابن برّيّ: الآتيّ:النّهير الّذي دون السّريّ.

(الزّبيديّ 10:10)

ابن الأثير: في حديث الزّبير:«كنّا نرمي الأتو و الأتوين»أي الدّفعة و الدّفعتين،من الأتو:العدو، يريد رمي السّهام عن القسيّ بعد صلاة المغرب،و منه قوله:ما أحسن أتو يدي هذه النّاقة و أتيهما!أي رجع يديها في السّير.

و في حديث بعضهم:«أنّه رأى رجلا يؤتّي الماء في الأرض»،أي يطرّق،كأنّه جعله يأتي إليها،أي يجيء.

و في الحديث:«خير النّساء المواتية لزوجها» المواتاة:حسن المطاوعة و الموافقة،و أصله الهمز فخفّف و كثر،حتّى صار يقال بالواو الخالصة،و ليس بالوجه.

و في حديث أبي هريرة في العدوى:«أنّى قلت أتيت»أي دهيت،و تغيّر عليك حسّك فتوهّمت ما ليس بصحيح صحيحا.

و في حديث بعضهم:«كم إتاء أرضك؟»أي ريعها و حاصلها،كأنّه من الإتاوة،و هو الخراج.(1:21)

الخويّيّ: لا يكاد اللّغويّون يفرّقون بينهما[الإعطاء و الإيتاء]،و ظهر لي بينهما فرق ينبئ عن بلاغة كتاب اللّه،و هو أنّ الإيتاء أقوى من الإعطاء في إثبات مفعوله، لأنّ الإعطاء له مطاوع،تقول:أعطاني فعطوت، و لا يقال في الإيتاء:أتاني فأتيت،و إنّما يقال:آتاني فأخذت.و الفعل الّذي له مطاوع أضعف في إثبات مفعوله من الفعل الّذي لا مطاوع له،لأنّك تقول:قطعته فانقطع،فيدلّ على أنّ فعل الفاعل كان موقوفا على قبول في المحلّ،لولاه ما ثبت المفعول،و لهذا يصحّ:قطعته فما انقطع،و لا يصحّ فيما لا مطاوع له ذلك،فلا يجوز:

ضربته فانضرب،أو فما انضرب،و لا قتلته فانقتل، و لا فما انقتل،لأنّ هذه أفعال إذا صدرت من الفاعل ثبت لها المفعول في المحلّ،و الفاعل مستقلّ بالأفعال الّتي لا مطاوع لها،فالإيتاء أقوى من الإعطاء.

و قد تفكّرت في مواضع من القرآن فوجدت ذلك مراعى،قال تعالى: تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ آل عمران:26،لأنّ الملك شيء عظيم لا يعطاه إلاّ من له

ص: 206

قوّة،و كذا: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ البقرة:269، آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي الحجر:87،لعظم القرآن و شأنه،و قال: إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ الكوثر:1،لأنّه مورود في الموقف مرتحل عنه،قريب إلى منازل العزّ في الجنّة،فعبّر فيه بالإعطاء؛لأنّه يترك عن قرب و ينتقل إلى ما هو أعظم منه،و كذا: يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى الضّحى:5،لما فيه من تكرير الإعطاء و الزّيادة إلى أن يرضى كلّ الرّضا،و هو مفسّر أيضا بالشّفاعة،و هو نظير الكوثر في الانتقال بعد قضاء الحاجة منه،و كذا:

أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ طه:5،لتكرّر حدوث ذلك باعتبار الموجودات، حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ، التّوبة:

29،لأنّها موقوفة على قبول منّا،و إنّما يعطونها عن كره.

(السّيوطيّ 2:367)

الفيّوميّ: أتى الرّجل يأتي أتيا:جاء،و الإتيان اسم منه،و أتيته يستعمل لازما و متعدّيا.و أتا يأتوا أتوا، لغة فيه،و أتى زوجته إتيانا:كناية عن الجماع،و المأتيّ:

موضع الإتيان،و أتى عليه:مرّ به،و أتى عليه الدّهر:

أهلكه،و أتاه آت،أي ملك.و أتي من جهة كذا بالبناء للمفعول،إذا تمسّك به و لم يصلح للتّمسّك فأخطأ،و أتى الرّجل القوم:انتسب إليهم ليس منهم،فهو أتيّ على «فعيل».و منه قيل للسّيل يأتي من موضع بعيد و لا يصيب تلك الأرض:أتيّ أيضا.

و الأتاء بفتح الهمزة لغة فيهما.و طريق ميتاء على «مفعال»و الأصل:ميتاي أو ميتاء،فقلب حرف العلّة همزة لتطرّفه،و المعنى يأتيها النّاس كثيرا مثل دار محلال، أي يحلّها النّاس كثيرا،و يقال لمجتمع الطّريق:ميتاء، و لآخر الغاية الّتي ينتهي إليها جري الفرس:ميتاء أيضا.

و تأتّى له الأمر:تسهّل و تهيّأ،و تأتّى في أمره:

ترفّق.

و أتوته آتوه إتاوة بالكسر:رشوته،و آتيته مالا بالمدّ:أعطيته،و آتيت المكاتب:أعطيته أو حططت عنه من نجومه.و آتيته على الأمر،بمعنى وافقته،و في لغة لأهل اليمن تبدل الهمزة واوا،فيقال:واتيته على الأمر مواتاة،و هي المشهورة على ألسنة النّاس،و كذلك ما أشبهه.(1:3)

الفيروزآباديّ: الأتو:الاستقامة في السّير و السّرعة و الطّريقة و الموت و البلاء و المرض الشّديد و الشّخص العظيم و العطاء.

و أتوته إتاوة ككتابة:رشوته،و الإتاوة أيضا:

الخراج و الرّشوة،أو تخصّ الرّشوة على الماء،و الجمع:

أتاوى،و أتى نادر.

و أتت النّخلة و الشّجرة أتوا و إتاء بالكسر:طلع ثمرها أو بدا صلاحها أو كثر حملها.

و الإتاء ككتاب:ما يخرج من إكال الشّجر و النّماء، و قد أتت الماشية إتاء.

و الأتاويّ و الأتيّ و يثلّثان:جدول تؤتيه إلى أرضك أو السّيل الغريب و الرّجل الغريب.

و أتوته:أتيته يائيّ.أتيته أتيا و إتيانا و إتيانة بكسرهما،و مأتاة و أتيّا كعتيّ و يكسر:جئته.

و آتى إليه الشّيء:ساقه،و فلانا شيئا أعطاه إيّاه، و فلانا:جازاه.

وَ لا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أَتى طه:69،أي حيث

ص: 207

كان.

و طريق مئتاء بالكسر:عامر واضع،و هو مجتمع الطّريق أيضا،و بمعنى التّلقاء.

و مأتى الأمر و مأتاته:جهته.و الأتيّ كرضيّ و الأتاء كسماء:ما يقع في النّهر من خشب أو ورق، الجمع:آتاء و أتيّ كعتيّ،و سيل أتيّ و أتاويّ ذكر.

و أتيّة الجرح و آتيته:مادّته و ما يأتي منه.

و أتى الأمر:فعله،و عليه الدّهر:أهلكه.

و استأتت النّاقة:أرادت الفحل،و زيد فلانا:

استبطأه و سأله الإتيان.

و رجل ميتاء:مجاز معطاء.

و تأتّى له:ترفّق و أتاه من وجهه،و الأمر:تهيّأ.

و أتّيت الماء تأتية و تأتّيا:سهّلت سبيله.

و أتي فلان كعني:أشرف عليه العدوّ.

و أتّى بمعنى حتّى.(4:299)

الطّريحيّ: و في الحديث:«من هنا أتيت»،أي من هنا دخل عليك البلاء.و فيه:«ليأتينّ على الأمّة كذا»، أي ليغلبنّ عليهم ذلك،بقرينة«على»المشعرة بالغلبة المؤذنة بالهلاك.

و أتى الرّجل يأتي إيتاء:جاء،و الإتيان الاسم منه.

و أتيتك في الحديث على وجهه،أي جئتك به على مساقه تامّا من غير تغيير و لا حذف.

و أتيت:تستعمل لازما و متعدّيا.و أتا يأتو أتوا:لغة فيه.

و أتى عليه الدّهر:أهلكه.

و تأتّى له الأمر:تسهّل و تهيّأ.

و أتى الرّجل أمّه:زنى بها،و الحائض:جامعها.

و جاءهم سيل أتيّ-بفتح أوّله و تشديد آخره- و أتاويّ أيضا،أي سيل لم يصبه مطره.

و المواتاة:حسن المطاوعة و الموافقة،و أصله الهمزة، و خفّف و كثر حتّى صار يقال بالواو الخالصة،و منه الحديث:«خير النّساء المواتية لزوجها».

و مأتى الأمر،بفتح ما قبل الآخر:وجهه الّذي يؤتى منه.و في حديث الدّبر:«هو أحد المأتيين فيه الغسل» هو بفتح التّاء الفوقانيّة و تخفيف الياء التّحتانيّة.(1:21)

محمّد إسماعيل إبراهيم:أتى:جاء،و أتى به:

جاء به،و أتى عليه:مرّ به،و أتى الأمر:فعله،و أتاه اللّه:

أعطاه،و وعد مأتيّ:آت لا شكّ فيه.(28)

مجمع اللّغة:1-أتى يأتي إتيانا:جاء،و أتى به:

جاء به،و أتاه:جاءه،و أتاه به:جاءه به،و أتى إليه:

جاء إليه،فهو آت و هي آتية،و اسم المفعول مأتيّ.

و أتى عليه:مرّ به.و أتى الأمر و الذّنب:فعله.

و أصل الإتيان:المجيء بسهولة.و إلى هذا المعنى ترجع كلّ المعاني الّتي وردت في القرآن لأتى و تصريفاتها.

2-آتاه يؤتيه:أعطاه و ساقه إليه،و آتاه يؤتيه:

أتى به،أي جاء به.

3-و جاء اسم الفاعل آت و مؤنّثه آتية،من أتى الّتي بمعنى جاء.

4-و جاء المصدر إيتاء،من آتى بمعنى أعطى.

5-و جاء اسم المفعول مأتيّا،من أتى بمعنى جاء.

6-و جاء جمع اسم الفاعل المؤتون،من آتى بمعنى

ص: 208

أعطى.(1:6-13)

المصطفويّ: الأصل الواحد في هذه المادّة هو المجيء بسهولة،سواء استعملت في اللّزوم أو التّعدّي، مجرّدة أو مزيدا فيها،و سواء كان الإتيان في المكان أو في الزّمان،و سواء كان الفاعل أو المفعول به محسوسا أو معقولا،فتختلف خصوصيّات الإتيان باختلاف الموارد، ففي كلّ مورد بحسبه:

ففي الزّمان: أَوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ يوسف:107، هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ الدّهر:1.

و في المكان: أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ الكهف:77، فَلَمّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى طه:11.

و في اللاّزم: إِنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ الحجر:85، تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ النّحل:111.

و في المتعدّي: أَتاهُمُ الْعَذابُ النّحل:26، أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ... الكهف:77.

و في المعقول: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى طه:9، أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها الرّعد:41، مَنْ أَتَى اللّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ الشّعراء:89.

و في المزيد فيها: آتَيْناهُ حُكْماً وَ عِلْماً يوسف:22.

فالأصل الواحد في جميع هذه الموارد محفوظ، و اختلاف خصوصيّات ذلك المعنى باعتبار اختلاف الموارد و الصّيغ،و بحسب التّناسب و اقتضاء طرفي النّسبة،كالسّيل إذا جرى و أتى فهو أتيّ،أو الغريب إذا ورد و أتى البلد فهو أتاويّ،و إتيان الأمر و التّدبير فيما كان الفاعل معنويّا خاصّا.و هذه المادّة في اللّغة العبريّة أيضا بهذا المعنى.(1:15)

العدنانيّ: آتاه على الأمر مؤاتاة،و أتاه على الأمر مواتاة.

يقول الصّحاح و المختار:إنّ الفعل:واتاه على الأمر يواتيه مواتاة،بمعنى وافقه و طاوعه،هو من استعمال العامّة،و يقولان:إنّ الصّواب هو:آتاه على الأمر يؤاتيه مؤاتاة.

و الحقيقة هي أنّ كلا الفعلين صحيح،و المهموز «آتيته»أعلى،لأنّه الأصل،أمّا الفعل الآخر«واتاه» فهو لغة أهل اليمن وحدهم.

و ممّن ذكر الفعل آتاه يؤاتيه مؤاتاة:الخليل بن أحمد الفراهيديّ،و التّهذيب،و الصّحاح،و المحكم و معجم مقاييس اللّغة،و مفردات الرّاغب الأصفهانيّ، و الحريريّ في هامش المقامة التّفليسيّة،و النّهاية، و المختار و اللّسان،و المصباح،و مستدرك التّاج،و المدّ، و محيط المحيط،و دوزي الّذي اكتفى بذكر المصدر «المؤاتاة»و أقرب الموارد،و المتن،و المعجم الكبير، و الوسيط.

و ممّن ذكر واتاه يواتيه مواتاة،جاء في الحديث:

«خير النّساء المواتية لزوجها»و روي الحديث مهموزا «المؤاتية».

و ممّن ذكر الفعل«واتاه»أيضا:معجم مقاييس اللّغة،و الحريريّ في المقامة التّفليسيّة،و الأساس، و النّهاية،و اللّسان،و المصباح،و مستدرك التّاج،و المدّ، و ذيل أقرب الموارد،و المتن،و المعجم الكبير،و الوسيط.

و ذكر معجم مقاييس اللّغة أنّ«واتاه»لغة قبيحة في اليمن.

ص: 209

و قال المصباح: إنّ«واتاه»يمنيّة،و هي المشهورة على ألسنة النّاس.

و ذكر مستدرك التّاج،و المدّ،و المعجم الكبير:أنّ الفعل«واتاه»هو لغة أهل اليمن.(3)

النّصوص التّفسيريّة

اتى

1- أَتى أَمْرُ اللّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ.. النّحل:1

ابن قتيبة: يعني القيامة،أي هي قريب فلا تستعجلوه.و أتى بمعنى يأتي،و هذا كما يقال:أتاك الخير فأبشر،أي سيأتيك.(241)

الطّبريّ: فقرب منكم أيّها النّاس و دنا،فلا تستعجلوا وقوعه.(14:75)

نفطويه: تقول العرب:أتاك الأمر،و هو متوقّع بعد،أي أتى أمر اللّه وعدا فلا تستعجلوه وقوعا.(الهرويّ 1:12)

مثله الطّريحيّ.(1:18)

القيسيّ: هو بمعنى يأتي(أمر اللّه)،و حسن لفظ الماضي في موضع المستقبل لصدق إتيان الأمر،فصار في أنّه لا بدّ أن يأتي،بمنزلة ما قد مضى و كان،فحسن الإخبار عنه بالماضي.و أكثر ما يكون هذا فيما يخبرنا اللّه جلّ و عزّ ذكره به أنّه يكون،فلصحّة وقوعه و صدق المخبر به صار كأنّه شيء قد كان.(2:12)

نحوه الطّبرسيّ.(3:348)

الطّوسيّ: إنّما قال:(اتى امر اللّه)و لم يقل:يأتي.

لأنّ اللّه تعالى قرّب السّاعة فجعلها كلمح البصر،فقال:

وَ ما أَمْرُ السّاعَةِ إِلاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ النّحل:77،و قال: اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ... القمر:1، و كلّ ما هو آت قريب.فعبّر بلفظ الماضي ليكون أبلغ في الموعظة،و إن كان قوله: فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ يدلّ على أنّه في معنى يأتي.(6:358)

نحوه الطّبرسيّ.(3:348)

الميبديّ: أتى يأتي كما قال: وَ نادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ الأعراف:48،و إنّما استعمل لفظ الماضي للمستقبل تحقيقا،و لأنّ ما هو آت قطعا فهو كما أتى.(5:352)

أبو البركات: أتى بمعنى يأتي،أقام الماضي مقام المستقبل لتحقيق إثبات الأمر و صدقه.و قد يقام الماضي مقام المستقبل كما يقام المستقبل مقام الماضي.(2:74)

الفخر الرّازيّ: فلمّا امتدّت الأيّام قالوا:يا محمّد ما نرى شيئا مما تخوّفنا به،فنزل قوله: أَتى أَمْرُ اللّهِ...

فوثب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و رفع النّاس رءوسهم فنزل قوله: فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ.

و الحاصل أنّه عليه السّلام لمّا أكثر من تهديدهم بعذاب الدّنيا و عذاب الآخرة و لم يروا شيئا نسبوه إلى الكذب، فأجاب اللّه تعالى عن هذه الشّبهة بقوله: أَتى أَمْرُ اللّهِ....

و في تقرير هذا الجواب وجهان:

الوجه الأوّل:أنّه و إن لم يأت ذلك العذاب إلاّ أنّه كان واجب الوقوع،و الشّيء إذا كان بهذه الحالة و الصّفة فإنّه يقال في الكلام المعتاد:إنّه قد أتى و وقع،إجراء لما يجب وقوعه بعد ذلك مجرى الواقع،يقال لمن طلب

ص: 210

الإغاثة و قرب حصولها:قد جاءك الغوث فلا تجزع.

و الوجه الثّاني:و هو أن يقال:إنّ أمر اللّه بذلك حكمه به قد أتى و حصل و وقع،فأمّا المحكوم به فإنّما لم يقع،لأنّه تعالى حكم بوقوعه في وقت معيّن فقبل مجيء ذلك الوقت لا يخرج إلى الوجود.(19:218)

مثله النّيسابوريّ.(14:44)

القرطبيّ: قيل:(اتى)بمعنى يأتي،فهو كقولك:إن أكرمتني أكرمتك.و قد تقدّم أنّ إخبار اللّه تعالى في الماضي و المستقبل سواء،لأنّه آت لا محالة،كقوله:

وَ نادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النّارِ الأعراف:

44.(10:65)

أبو حيّان: (اتى)قيل:باق على معناه من المضيّ، و المعنى أتى أمر اللّه وعدا فلا تستعجلوه وقوعا،و قيل:

أَتى أَمْرُ اللّهِ أتت مبادئه و أماراته،و قيل:عبّر بالماضي عن المضارع لقرب وقوعه و تحقّقه.(5:472)

السّيوطيّ: [الفرق بين جاء و أتى]أنّ الأوّل يقال في الجواهر و الأعيان،و الثّاني في المعاني و الأزمان،و لهذا ورد(جاء)في قوله: وَ لِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ يوسف:

72، وَ جاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ يوسف:18، وَ جِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ الفجر:23،و(اتى)في أَتى أَمْرُ اللّهِ النّحل:1، أَتاها أَمْرُنا يونس:24.

و أمّا وَ جاءَ رَبُّكَ الفجر:22،أي أمره،فإنّ المراد به أهوال القيامة المشاهدة،و كذا فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ الأعراف:34،لأنّ الأجل كالمشاهد و لهذا عبّر عنه بالحضور في قوله: حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ البقرة:180،و لهذا فرّق بينهما في قوله: جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ* وَ أَتَيْناكَ بِالْحَقِّ الحجر:63،64، لأنّ الأوّل العذاب و هو مشاهد مرئيّ،بخلاف الحقّ.(2:365)

من المجاز في المفرد إقامة صيغة مقام أخرى،و تحته أنواع كثيرة:

منها:إطلاق الماضي على المستقبل لتحقّق وقوعه، نحو: أَتى أَمْرُ اللّهِ، أي السّاعة،بدليل فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ .(3:131)

إنّ آخر الحجر شديدة الالتئام بأوّل هذه،فإنّ قوله سبحانه وَ اعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ الحجر:99، الّذي هو مفسّر بالموت ظاهر المناسبة بقوله سبحانه هنا:

أَتى أَمْرُ اللّهِ .و انظر كيف جاء في المتقدّمة(يأتيك) بلفظ المضارع،و في المتأخّرة(اتى)بلفظ الماضي،لأنّ المستقبل سابق على الماضي كما تقرّر في محلّه.

(الآلوسيّ 14:90)

البروسويّ: إتيانه عبارة عن دنوّه و اقترابه على طريقة نظم المتوقّع في سلك الواقع و قد وقع يوم بدر، و المعنى دنا و اقترب ما وعدتم به أيّها الكفرة.(5:2)

الآلوسيّ: ظاهر صنيع الكثير يشعر باختيار أنّ الماضي بمعنى المضارع على طريق الاستعارة،بتشبيه المستقبل المتحقّق بالماضي في تحقّق الوقوع،و القرينة عليه قوله سبحانه: (فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ) ،فإنّه لو وقع ما استعجل،و هو الّذي يميل إليه القلب.(14:90)

المراغيّ: أي قرب و دنا،و يقال في مجرى العادة لما يجب وقوعه:قد أتى و قد وقع،فيقال لمن طلب مساعدة حان مجيئها:جاءك الغوث.(14:51)

ص: 211

أبو رزق: سيأتي وعد اللّه،لأنّه منتظر الوقوع، و قال:(اتى)بصيغة الماضي لكونه محقّق الإتيان.يقال:

أتى،للمجيء بالذّات أو بالأمر أو بالتّدبير،و في الخير و الشّرّ،و في الأعيان و الأعراض.(1:20)

أحمد بدويّ: من أمثلة استخدام الماضي مكان المضارع(اتى امر اللّه).(111)

2- ...فَأَتَى اللّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ... النّحل:26

ابن عبّاس: أي أتى أمر اللّه بنيانهم الّتي بنوها من جوانب قواعدها فهدّمها.(الطّبرسيّ 3:356)

قتادة: أي و اللّه لأتاها أمر اللّه من أصلها.

(الطّبريّ 14:97)

الطّبريّ: هدّم اللّه بنيانهم من أصله.و كان بعضهم يقول:هذا مثل للاستئصال،و إنّما معناه أنّ اللّه استأصلهم.و قال:العرب تقول ذلك إذا استؤصل الشّيء.(14:97)

الزّجّاج: فأتى اللّه مكرهم من أصله،أي عاد ضرر المكر عليهم و بهم.

مثله ابن الأنباريّ.(الطّوسيّ 6:374)

الشّريف الرّضيّ: هذه استعارة،لأنّ الإتيان هاهنا ليس يراد به الحضور عن غيبة،و القرب بعد مسافة،و إنّما ذلك كقول القائل:أتيت من جهة فلان،أي جاءني المكروه من قبله،و أتي فلان من مأمنه،أي ورد عليه الخوف من طريق الأمن،و الضّر من مكان النّفع.

(192)

الطّوسيّ: [نقل قول الزّجّاج ثمّ قال:]

و هذا الّذي ذكره يليق بكلام العرب و يشبهه.

و المعنى إنّ اللّه أتى بنيانهم من القواعد،أي قلعه من أصله كقولهم:أتي فلان من مأمنه،أي أتاه الهلاك من جهة مأمنه،و أتاهم العذاب من جهة اللّه.(6:374)

الزّمخشريّ: هذا تمثيل،يعني أنّهم سوّوا منصوبات ليمكروا بها اللّه و رسوله،فجعل اللّه هلاكهم في تلك المنصوبات،كحال قوم بنوا بنيانا و عمدوه بالأساطين فأتى البنيان من الأساطين بأن ضعضعت فسقط عليهم السّقف و هلكوا...و معنى إتيان اللّه إتيان أمره.(2:406)

مثله الطّريحيّ.(1:19)

الطّبرسيّ: [مثل الطّوسيّ و أضاف]

و إنّما أسند سبحانه الإتيان إلى نفسه من حيث كان تخريب قواعدهم من جهته.(7:335)

الفخر الرّازيّ: فيه مسألتان:

المسألة الأولى:أنّ الإتيان و الحركة على اللّه محال، فالمراد أنّهم لمّا كفروا أتاهم اللّه بزلازل قلع بها بنيانهم من القواعد و الأساس.

المسألة الثّانية:في قوله: (فَأَتَى اللّهُ...) قولان:

القول الأوّل:أنّ هذا محض التّمثيل.[ثم ذكر مثل الزّمخشريّ]

و القول الثّاني:أنّ المراد منه ما دلّ عليه الظّاهر،و هو أنّه تعالى أسقط عليه السّقف و أماتهم تحته.و الأوّل أقرب إلى المعنى.(20:20)

القرطبيّ: أي أتى أمره البنيان،إمّا زلزلة أو ريحا فخرّبته.

ص: 212

و قيل:إنّ قوله: (فَأَتَى اللّهُ...) تمثيل،و المعنى أهلكهم فكانوا بمنزلة من سقط عليه بنيانه.

و قيل:المعنى أحبط اللّه أعمالهم فكانوا بمنزلة من سقط بنيانه.

و قيل:المعنى أبطل مكرهم و تدبيرهم فهلكوا كما هلك من نزل عليه السّقف من فوقه.(10:97)

أبو حيّان: أي أمره و عذابه.(5:485)

القاسميّ: أي قلع بنيانهم من قواعده و أسسه، فهدمه عليهم حتّى أهلكهم.و الإتيان يتجوّز به عن الإهلاك،كقوله تعالى: فَأَتاهُمُ اللّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا الحشر:2،و يقال:أتي فلان من مأمنه،أي جاءه الهلاك من جهة أمنه،و أتى عليه الدّهر:أهلكه و أفناه.و منه الأتو و هو الموت و البلاء،يقال:أتى على فلان أتوّ،أي موت أو بلاء يصيبه.

و قد جوّز في الآية إرادة حقيقة هلاكهم،كالمحكيّ عن قوم لوط و صالح عليهما السّلام فيما تقدّم،أو مجازه على طريق التّمثيل،لإفساد ما أبرموه من هدم دينه تعالى.شبّهت حال أولئك الماكرين في تسويتهم المكائد للإيقاع بالرّسل عليهم السّلام،و في إبطاله تعالى تلك الحيل،و جعله إيّاها أسبابا لهلاكهم،بحال قوم بنوا بنيانا و عمدوه بالأساطين، فأتى ذلك من قبل أساطينه بأن ضعضعت؛فسقط عليهم السّقف فهلكوا.

و وجه الشّبه:أنّ ما عدّوه سبب بقائهم عاد سبب استئصالهم و فنائهم،كقولهم:من حفر لأخيه جبّا وقع فيه منكبّا.(10:3795)

الطّباطبائيّ: إتيانه تعالى بنيانهم من القواعد،هو حضور أمره تعالى عنده بعد ما لم يكن حاضرا،و هذا شائع في الكلام.و الظّاهر كما يشعر به السّياق أنّ قوله:

فَأَتَى اللّهُ بُنْيانَهُمْ... كناية عن إبطال كيدهم،و إفساد مكرهم من حيث لا يتوقّعون،كمن يتّقي أمامه و يراقبه فيأتيه العدوّ من خلفه،فاللّه سبحانه يأتي بنيان مكرهم من ناحية قواعده،و هم مراقبون سقفه ممّا يأتيه من فوق فينهدم عليهم السّقف،لا،بهادم يهدمه من فوقه بل بانهدام القواعد.(12:232)

المراغيّ: أي أهلكه و أفناه،كما يقال:أتى عليه الدّهر.(14:68)

3- وَ لا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أَتى. طه:69

ابن قتيبة: أي حيث كان.(280)

و مثله الطّبري(16:186)،و الميبديّ(6:147).

الطّوسيّ: أي حيث وجد.(7:188)

الزّمخشريّ: كقولهم:حيث سير،و أيّة سلك و أينما كان.(2:545)

القرطبيّ: حيث أتى في الأرض.و قيل:حيث احتال.(11:224)

أبو حيّان: حيث توجّه و سلك.(6:261)

الآلوسيّ: حيث كان و أين أقبل.(16:230)

اتوا

1- حَتّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ... النّمل:18

القمّيّ: قعد على كرسيّه،و حملته الرّيح،فمرّت به على وادي النّمل.(2:126)

ص: 213

نحوه الميبديّ(7:187)،و ابن كثير(5:226).

الطّوسيّ: سار سليمان و جنوده حتّى بلغوا واديا فيه النّمل.(8:84)

نحوه الطّبرسيّ.(4:215)

الزّمخشريّ: فإن قلت:لم عدّي(اتوا)بعلى؟ قلت:يتوجّه على معنيين:

أحدهما:أنّ إتيانهم كان من فوق،فأتى بحرف الاستعلاء.

و الثّاني:أن يراد قطع الوادي و بلوغ آخره،من قولهم:أتى على الشّيء،إذا أنفذه و بلغ آخره.كأنّهم أرادوا أن ينزلوا عند منقطع الوادي؛لأنّهم ما دامت الرّيح تحملهم في الهواء لا يخاف حطمهم.(3:141)

مثله النّيسابوريّ(19:89)،و البروسويّ (6:333).و نحوه الطّباطبائيّ(15:352)،و الفخر الرّازيّ(24:187).

الطّبرسيّ: أي فسار سليمان و جنوده حتّى إذا أشرفوا على واد.(4:215)

مثله الخازن(5:114)،و المراغيّ(19:128).

الآلوسيّ: تعدية الفعل إليه بكلمة(على)مع أنّه يتعدّى بنفسه أو بإلى،إمّا لأنّ إتيانهم كان من جانب عال فعدّي بها للدّلالة على ذلك،و إمّا لأنّ المراد بالإتيان عليه قطعه و بلوغ آخره من قولهم:أتى على الشّيء،إذا أنفده و بلغ آخره.

ثمّ الإتيان عليه بمعنى قطعه مجاز عن إرادة ذلك، و إلاّ لم يكن للتّحذير من الحطم الآتي وجه؛إذ لا معنى له بعد قطع الوادي الّذي فيه النّمل و مجاوزته.

و الظّاهر على الوجهين،أنّهم أتوا عليه مشاة.

و يحتمل أنّهم كانوا يسيرون في الهواء فأرادوا أن ينزلوا هناك،فأحسّت النّملة بنزولهم؛فأنذرت النّمل.

(19:175)

2- لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا...

(آل عمران:188)

ابن عبّاس: هم أهل الكتاب،أنزل عليهم الكتاب فحكموا بغير الحقّ،و حرّفوا الكلم عن مواضعه، و فرحوا بذلك،و أحبّوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا،فرحوا بأنّهم كفروا بمحمّد صلّى اللّه عليه و سلّم و ما أنزل اللّه.(الطّبريّ 4:207)

أبو سعيد الخدريّ: إنّ رجالا من المنافقين كانوا على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم،إذا خرج النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم إلى الغزو تخلّفوا عنه،و فرحوا بمقعدهم خلاف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم.

مثله ابن زيد.(الطّبريّ 4:205)

سعيد بن جبير: هم اليهود،فرحوا بما أعطى اللّه تعالى إبراهيم عليه السّلام.(الطّبريّ 4:207)

مجاهد: يهود فرحوا بإعجاب النّاس بتبديلهم الكتاب،و حمدهم إيّاهم عليه.(الطّبريّ 4:207)

عكرمة: من الأحبار الّذين يفرحون بما يصيبون من الدّنيا على ما زيّنوا للنّاس من الضّلالة.

(الطّبريّ 4:205)

الضّحّاك: [اليهود]فإنّهم فرحوا باجتماعهم على كفرهم بمحمّد صلّى اللّه عليه و سلّم.(الطّبريّ 4:206)

ص: 214

قتادة: ذكر لنا أنّ أعداء اللّه اليهود،يهود خيبر أتوا نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فزعموا أنّهم راضون بالّذي جاء به و أنّهم متابعوه،و هم متمسّكون بضلالتهم، و أرادوا أن يحمدهم نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم بما لم يفعلوا.(الطّبريّ 4:208)

السّدّيّ: كتموا اسم محمّد صلّى اللّه عليه و سلّم ففرحوا بذلك،و فرحوا باجتماعهم على الكفر بمحمّد صلّى اللّه عليه و سلّم.(الطّبريّ 4:206)

[اليهود]حيث فرحوا بما أثبتوا من تكذيب محمّد صلّى اللّه عليه و سلّم.(الطّوسيّ 3:77)

الفرّاء: بما فعلوا،كما قال: لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا مريم:27،و كقوله: وَ الَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ النّساء:

16.(1:250)

الجبّائيّ: الآية في المنافقين،لأنّهم،كانوا يعطون المؤمنين شيئا يستعينون به على الجهاد لا على وجه القربة إلى اللّه،بل على وجه الرّياء،و يفرحون بذلك.(الطّوسيّ 3:77)

الطّبريّ: [نقل الأقوال المذكورة،ثمّ قال:]و أولى هذه الأقوال بالصّواب في تأويل قوله: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ... قول من قال:عنى بذلك أهل الكتاب الّذين أخبر اللّه جلّ و عزّ أنّه أخذ ميثاقهم،ليبيّن للنّاس أمر محمّد صلّى اللّه عليه و سلّم و لا يكتمونه،لأنّ قوله:

(لا تَحْسَبَنَّ...) في سياق الخبر عنهم،و هو شبيه بقصّتهم مع اتّفاق أهل التّأويل على أنّهم المعنيّون بذلك؛فإذ كان ذلك كذلك فتأويل الآية لا تحسبنّ يا محمّد الّذين يفرحون بما أتوا من كتمانهم النّاس أمرك و أنّك لي رسول مرسل بالحقّ،و هم يجدونك مكتوبا عندهم في كتبهم، و قد أخذت عليهم الميثاق بالإقرار بنبوّتك،و بيان أمرك للنّاس و ألاّ يكتموهم ذلك،و هم مع نقضهم ميثاقي الّذي اخذت عليهم بذلك،يفرحون بمعصيتهم إيّاي في ذلك،و مخالفتهم أمري.(4:308)

نحوه الطّوسيّ(3:77)،و الطّبرسيّ(1:554).

الزّمخشريّ: بما فعلوا،«أتى»و«جاء»يستعملان بمعنى فعل،قال اللّه تعالى: إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا مريم:

61، لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا مريم:27،و يدلّ عليه قراءة أبيّ: (يفرحون بما فعلوا) .

و قرئ(اتوا)بمعنى أعطوا،و عن عليّ رضي اللّه عنه (بما اوتوا).(1:487)

مثله النّسفيّ(1:200)،و أبو السّعود(1:302)، و الآلوسيّ(4:150)،و النّيسابوريّ(4:144).

الفخر الرّازيّ: [قال بعد نقل أقوال السّابقين:]

و اعلم أنّ الأولى أن يحمل على الكلّ،لأنّ جميع هذه الأمور مشتركة في قدر واحد،و هو أنّ الإنسان يأتي بالفعل الّذي لا ينبغي و يفرح به،ثمّ يتوقّع من النّاس أن يصفوه بسداد السّيرة و استقامة الطّريقة و الزّهد و الإقبال على طاعة اللّه.(9:133)

القرطبيّ: أي بما فعلوا من القعود في التّخلّف عن الغزو و جاءوا به من العذر.[إلى أن قال:]

و قرأ جمهور القرّاء السّبعة و غيرهم(اتوا)بقصر الألف،أي بما جاءوا به من الكذب و الكتمان.و قرأ مروان بن الحكم و الأعمش و إبراهيم النّخعيّ(اتوا) بالمدّ،بمعنى أعطوا.و قرأ سعيد بن جبير(اوتوا)على ما لم

ص: 215

يسمّ فاعله،أي أعطوا.(4:306-308)

البيضاويّ: بما فعلوا من التّدليس و كتمان الحقّ.

(1:197)

القاسميّ: أي بما فعلوا من اشتراء الثّمن القليل بتغيير كلام اللّه تعالى.(4:1063)

الطّباطبائيّ: أي بما أنعم عليهم من المال و لازمه حبّ المال و البخل به.(4:84)

اتوه

...وَ كُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ. النّمل:87

الفرّاء: القرّاء على تطويل الألف،يريدون «فاعلوه»،و قصّرها حمزة.

عن تميم بن جذلم،قال:قرأت على عبد اللّه بن مسعود (و كلّ اتوه داخرين) بتطويل الألف،فقال:

(وَ كُلٌّ أَتَوْهُ) بغير تطويل الألف.و هو وجه حسن مردود على قوله:(ففزع)،كما تقول في الكلام:رآني ففرّ و عاد و هو صاغر.فكان ردّ«فعل»على مثلها أعجب إليّ مع قراءة عبد اللّه.(2:301)

مثله الطّبريّ.(20:20)

أبو زرعة: قرأ حمزة و حفص (و كلّ اتوه) مقصورة مفتوحة التّاء؛جعلاه فعلا ماضيا،أي جاءوه على تأويل إذا كان ذلك أتوه،كقوله: وَ نادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ الأعراف:44،و إنّما هو إذا كان ذلك،و كذلك قوله: يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً الدّهر:7،أي إذا وقع كان شرّه مستطيرا،و هو مردود على قوله:

فَفَزِعَ كأنّهم وجّهوا معنى الكلام إلى قوله: وَ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللّهُ وَ كُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ و الأصل(اتيوه)، فاستثقلوا الضّمّة على الياء فحذفوها،و حذفوا الياء لسكونها و سكون واو الجمع.

قرأ الباقون (و كلّ اتوه) بالمدّ مضمومة على الاستقبال،و حجّتهم قوله تعالى: وَ كُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ مريم:95.فكذلك الجمع(اتوه)،و الأصل:

(اتيونه)فذهبت الياء لما أعلمتك،و النّون للإضافة.

و إنّما جاز في(كلّ)أن تقول:«آتيه،و آتوه»لأنّ لفظها لفظ الواحد و معناه الجمع،فمن جمع ردّه إلى معناها كقوله تعالى: كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ البقرة:116، وَ كُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ النّمل 87،و من وحّد ردّه إلى لفظها كما قال: وَ كُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً، فوحّد ردّا إلى اللّفظ.(538)

نحوه البغويّ(5:132)،و الميبديّ(8:262)، و القرطبيّ(13:241)،و الطّبرسيّ(8:124).

الزّمخشريّ: قرئ(اتوه)و(اتاه)و(دخرين)، فالجمع على المعنى،و التّوحيد على اللّفظ و قيل:معنى الإتيان حضورهم الموقف بعد النّفخة الثّانية،و يجوز أن يراد رجوعهم إلى أمره و انقيادهم له.(3:161)

مثله الفخر الرّازيّ(24:220)،و النّيسابوريّ (20:19)،و البيضاويّ(2:185)،و أبو حيّان (7:100).

الطّبرسيّ: قرأ حمزة و حفص و خلف(اتوه) مقصورة الألف غير ممدودة بفتح التّاء،و قرأ الباقون (اتوه)بضمّ الألف و ضمّ التّاء.

ص: 216

قال أبو عليّ: من قرأ(اتوه)كان«فعلوا»من الإتيان،و من قرأ(أتوه)فهو«فاعلوه»،و كلاهما محمول على معنى كلّ،و لو حمله على اللّفظ جاز كما في قوله:

وَ كُلُّهُمْ آتِيهِ مريم:95.(4:235)

الآلوسيّ: أي حضروا الموقف بين يدي ربّ العزّة جلّ جلاله للسّؤال و الجواب و المناقشة و الحساب.

و قيل:أي رجعوا إلى أمره تعالى و انقادوا.و ضمير الجمع باعتبار معنى(كلّ).

و قرأ قتادة(أتاه)فعلا ماضيا مسندا لضمير(كلّ) على لفظها.و قرأ أكثر السّبعة(اتوه)اسم فاعل.

(20:34)

اتت

فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ... مريم:27

وهب بن منبّه: احتملته ثمّ أقبلت به إلى قومها.(الطّبريّ 16:76)

مثله الميبديّ(6:33)،و الفخر الرّازيّ(21:207).

البروسويّ: أي جاءتهم مع ولدها راجعة إليهم.(5:329)

مثله الآلوسيّ.(16:87)

اتينا

1- ...وَ إِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَ كَفى بِنا حاسِبِينَ. الأنبياء:47

الطّوسيّ: روي أنّ مجاهدا قرأ (اتينا) ممدودا،بمعنى جازينا بها.(7:253)

الزّمخشريّ: قرأ ابن عبّاس و مجاهد (اتينا بها) و هي«مفاعلة»من الإتيان،بمعنى المجازاة و المكافأة، لأنّهم أتوه بالأعمال و أتاهم بالجزاء.

و قرأ حميد (اثبنا بها) من الثّواب،و في حرف أبيّ:

(جئنا بها) .(2:575)

القرطبيّ: (أتينا بها) مقصورة الألف قراءة الجمهور،أي أحضرناها و جئنا بها للمجازاة عليها و لها.

يجاء بها،أي بالحبّة،و لو قال:(به)،أي بالمثقال لجاز.

و قيل:مثقال الحبّة ليس شيئا غير الحبّة،فلهذا قال:

(اتينا بها) .

و قرأ مجاهد و عكرمة(اتينا)بالمد على معنى جازينا بها.يقال:آتى يؤاتي مؤاتاة.(11:294)

أبو حيّان: قرأ الجمهور(اتينا)من الإتيان،أي جئنا بها،و كذا قرأ أبيّ،أعني(جئنا)و كأنّه تفسير لأتينا.

و قرأ ابن عبّاس و مجاهد و ابن جبير و ابن أبي إسحاق و العلاء بن سيّابة و جعفر بن محمّد و ابن شريح الأصبهانيّ(اتينا)بمدّه،على وزن«فاعلنا»من المؤاتاة، و هي المجازاة و المكافأة،فمعناه جازينا بها،و لذلك تعدّى بحرف جرّ.و لو كان على«أفعلنا»من الإيتاء بالمدّ على ما توهّمه بعضهم،لتعدّى مطلقا دون جارّ.

و قال ابن عطيّة: على معنى و اتينا من المواتاة.و لو كان(آتينا):أعطينا،لما تعدّت بحرف جرّ،و توهن هذه القراءة أنّ بدل الواو المفتوحة همزة ليس بمعروف،و إنّما يعرف ذلك في المضمومة و المكسورة.(6:316)

نحوه الآلوسيّ.(17:56)

ص: 217

2- ...فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ. فصّلت:11

الزّمخشريّ: معنى الإتيان الحصول و الوقوع،كما تقول:أتى عمله مرضيّا و جاء مقبولا.و يجوز أن يكون المعنى لتأت كلّ واحدة منكما صاحبتها الإتيان الّذي أريده و تقتضيه الحكمة و التّدبير،من كون الأرض قرارا للسّماء و كون السّماء سقفا للأرض،و تنصره قراءة من قرأ(اتيا)و(اتينا)من المؤاتاة و هي الموافقة،أي لتؤت كلّ واحدة أختها و لتوافقها،قالتا:وافقنا و ساعدنا، و يحتمل[أن يكون المعنى]وافقا أمري و مشيئتي و لا تمتنعا.(3:446)

مثله الفخر الرّازيّ.(27:106)

الآلوسيّ: قيل:إنّ إتيان السّماء حدوثها،و إتيان الأرض أن تصير مدحوّة،و فيه جمع بين معنيين مجازيّين،حيث شبّه البروز من العدم و بسط الأرض و تمهيدها بالإتيان من مكان آخر،و في صحّة الجمع بينهما كلام،على أنّ في كون الدّحو مؤخّرا عن جعل الرّواسي،كلاما أيضا ستعرفه إن شاء اللّه تعالى.

و قيل:المراد لتأت كلّ منكما الأخرى في حدوث ما أريد توليده منكما،و أيّد بقراءة ابن عبّاس و ابن جبير و مجاهد(اتيا)،و (قالتا اتينا) ،على أنّ ذلك من المؤاتاة بمعنى الموافقة،تقول:آتيته على ذلك الأمر مؤاتاة،إذا وافقته و طاوعته،لأنّ المتوافقين يأتي كلّ منهما صاحبه.

و جعل ذلك من المجاز المرسل و علاقته اللّزوم.

و قال ابن جنّيّ:هي المسارعة،و هو حسن أيضا، و لم يجعله أكثر الأجلّة من الإيتاء،لأنّه غير لائح.

و جعله ابن عطيّة منه،و قدّر المفعول،أي أعطيا من أنفسكما من الطّاعة ما أردته منكما و ما تقدّم أحسن.

(24:104)

اتوا

...وَ أُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً... البقرة:25

الطّوسيّ: معناه جيئوا به،و ليس معناه أعطوه.(1:109)

مثله الطّبرسيّ.(1:65)

أبو البركات: (أتوا)أصله:(اتيوا)فاستثقلت الضّمّة على الياء فنقلت إلى التّاء،فبقيت الياء ساكنة و واو الجمع بعدها ساكنة،فاجتمع ساكنان و هما لا يجتمعان،فحذفت الياء لالتقاء السّاكنين،و كان حذف الياء أولى،لأنّها لم تدخل لمعنى.(1:65)

القرطبيّ: (و اتوا)«فعلوا»من أتيت.و قرأه الجماعة بضمّ الهمزة و التّاء،و قرأ هارون الأعور(و اتوا) بفتح الهمزة و التّاء.فالضّمير في القراءة الأولى لأهل الجنّة و في الثّانية للخدّام.(1:240)

أبو حيّان: (و اتوا)مبنيّا للمفعول،و حذف الفاعل للعلم به و هو الخدم و الولدان،يبيّن ذلك قراءة هارون الأعور و العتكيّ،(و اتوا به)على الجمع و هو إضمار لدلالة المعنى عليه،أ لا ترى إلى قوله تعالى: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوابٍ وَ أَبارِيقَ الواقعة:18، الى قوله تعالى: وَ فاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ الواقعة:20، فدلّ ذلك على أنّ الولدان هم الّذين يأتون الفاكهة.

(1:115)

ص: 218

ياتى

هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ... الأنعام:158

ابن عبّاس: أمر ربّك فيهم بالقتل أو غيره.

مثله الضّحّاك.(القرطبيّ 7:144)

الحسن: يأتي أمر ربّك بالعذاب،فحذف المضاف، و مثله: وَ جاءَ رَبُّكَ الفجر:22.

(الطّبرسيّ 2:387)

الزّجّاج: يأتي إهلاك ربّك إيّاهم بعذاب عاجل أو آجل أو بالقيامة،و هذا كقولنا:قد نزل فلان ببلد كذا، و قد أتاهم فلان،أي قد أوقع بهم.

(الطّبرسيّ 2:388)

الطّوسيّ: قيل:في معناه قولان:

أحدهما:[قول الحسن و قد تقدّم].

الثّاني:أو يأتي ربّك بعظم آياته،فيكون يأتي به على معنى الفعل المتعدّي،و مثل ذلك قول النّاس:أتانا الرّوم،يريدون أتانا حكم الرّوم و سيرتهم.(4:353)

نحوه الطّبرسيّ.(2:387)

الزّمخشريّ: أو يأتي كلّ آيات ربّك،بدليل قوله:

أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يريد آيات القيامة و الهلاك الكلّيّ.(2:63)

نحوه البيضاويّ(1:339)،و الطّريحيّ(1:18)، و البروسويّ(3:122).

الفخر الرّازيّ: فإن قيل:قوله: (أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ) هل يدلّ على جواز المجيء و الغيبة على اللّه؟

قلنا:الجواب عنه من وجوه:

الأوّل:أنّ هذا حكاية عنهم،و هم كانوا كفّارا، و اعتقاد الكافر ليس بحجّة.

و الثّاني:أنّ هذا مجاز،و نظيره قوله تعالى: فَأَتَى اللّهُ بُنْيانَهُمْ النّحل:26،و قوله: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللّهَ الأحزاب:57.

و الثّالث:قيام الدّلائل القاطعة على أنّ المجيء و الغيبة على اللّه تعالى محال،و أقربها قول الخليل صلوات اللّه عليه في الرّدّ على عبدة الكواكب: لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ الأنعام:76.

فإن قيل قوله: أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ لا يمكن حمله على إثبات أثر من آثار قدرته،لأنّ على هذا التّقدير يصير هذا عين قوله: أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ، فوجب حمله على أنّ المراد منه إتيان الرّبّ.

قلنا:الجواب المعتمد أنّ هذا حكاية مذهب الكفّار، فلا يكون حجّة،و قيل:يأتي ربّك بالعذاب،أو يأتي بعض آيات ربّك و هو المعجزات القاهرة.(14:6)

القرطبيّ: قد يذكر المضاف إليه و المراد به المضاف، كقوله تعالى: وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ يوسف:83،يعني أهل القرية.و قوله: وَ أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ البقرة:

93،أي حبّ العجل.كذلك هنا يأتي أمر ربّك،أي عقوبة ربّك و عذاب ربّك.و يقال:هذا من المتشابه الّذي لا يعلم تأويله إلاّ اللّه.

و قيل:إتيان اللّه تعالى:مجيئه،لفصل القضاء بين خلقه في موقف القيامة،كما قال تعالى: وَ جاءَ رَبُّكَ وَ الْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا الفجر:22،و ليس مجيئه تعالى حركة و لا انتقالا و لا زوالا،لأنّ ذلك إنّما يكون إذا كان

ص: 219

الجائي جسما أو جوهرا.(7:144)

الآلوسيّ: [نقل أقوال السّابقين،ثمّ قال:]

و أنت تعلم أنّ المشهور من مذهب السّلف عدم تأويل مثل ذلك بتقدير مضاف و نحوه،بل تفويض المراد منه إلى اللّطيف الخبير مع الجزم بعدم إرادة الظّاهر.

و منهم من يبقيه على الظّاهر إلاّ أنّه يدّعي أنّ الإتيان الّذي ينسب إليه تعالى ليس الإتيان الّذي يتّصف به الحادث،و حاصل ذلك أنّه يقول بالظّواهر و ينفي اللّوازم و يدّعي أنّها لوازم في الشّاهد.

و جوّز بعض المحقّقين حمل الكلام على الظّاهر المتعارف عند النّاس،و المقصود منه حكاية مذهب الكفّار و اعتقادهم،و على ذلك اعتمد الإمام،و هو بعيد أو باطل.(8:62)

رشيد رضا: قيل:إنّ إتيان الرّبّ تعالى عبارة عن إتيان ما وعد به النّبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم من النّصر، و أوعد به أعداءه من عذابه إيّاهم في الدّنيا،كما قال في الّذين ظنّوا أنّهم ما نعتهم حصونهم من اللّه: فَأَتاهُمُ اللّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا الحشر:2.

و قيل:إتيان أمره بالعذاب أو الجزاء مطلقا،فهاهنا مقدّر دلّ عليه قوله في سورة النّحل الّتي تشابه هذه السّورة في أكثر مسائلها: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ النّحل:33.

و قيل:بل المراد إتيانه سبحانه و تعالى بذاته في الآخرة بغير كيف و لا شبه و لا نظير،و تعرّفه إلى عباده و معرفة أهل الإيمان الصّحيح إيّاه.(8:208)

الطّباطبائيّ: يكون المراد بإتيان الرّبّ هو يوم اللّقاء،و هو الانكشاف التّامّ لآية التّوحيد،بحيث لا يبقى عليه ستر،كما هو شأن يوم القيامة المختصّ بانكشاف الغطاء.و المصحّح لإطلاق الإتيان على ذلك هو الظّهور بعد الخفاء و الحضور بعد الغيبة،جلّ شأنه عن الاتّصاف بصفات الأجسام.

و ربّما يقال:إنّ المراد إتيان أمر الرّبّ،و قد مرّ نظيره في قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ البقرة:210.(7:386)

لا ياتيه

لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ...

فصّلت:42

ابن عبّاس: لا يأتيه ما يبطله من بين يديه،أي من الكتب الّتي قبله،و لا من خلفه،أي لا يجيء من بعده كتاب يبطله،أي ينسخه.

مثله الكلبيّ،و مقاتل.(الطّبرسيّ 5:15)

لا يأتيه الباطل من أوّل تنزيله و لا من آخره.(الطّوسيّ 9:131)

مثله الحسن.(الطّبرسيّ 5:15)

الضّحّاك: لا يأتيه كتاب من بين يديه يبطله، و لا من خلفه،أي و لا حديث من بعده يكذبه.

(الطّوسيّ 9:131)

قتادة: لا يقدر الشّيطان أن ينقص منه حقّا، و لا يزيد فيه باطلا.

مثله السّدّيّ.(الطّوسيّ 9:131)

الإمام الباقر عليه السّلام:معناه أنّه ليس في إخباره عمّا

ص: 220

مضى باطل و لا في إخباره عمّا يكون في المستقبل باطل، بل أخباره كلّها موافقة لمخبراتها.(الطّبرسيّ 5:15)

الطّبريّ: أولى الأقوال في ذلك عندنا بالصّواب أن يقال:معناه لا يستطيع ذو باطل تغييره بكيده،و تبديل شيء من معانيه عمّا هو به؛و ذلك هو الإتيان من بين يديه،و لا إلحاق ما ليس منه فيه؛و ذلك إتيانه من خلفه.

(24:125)

الطّوسيّ: قيل في معناه أقوال خمسة:

أحدها:أنّه لا تعلّق به الشّبهة من طريق المشاكلة، و لا الحقيقة من جهة المناقصة،و هو الحقّ المخلص،و الّذي لا يليق به الدّنس.

و الثّاني:[قول قتادة،و السّدّيّ و قد تقدّم].

و الثّالث:أنّ معناه لا يأتي بشيء يوجب بطلانه ممّا وجد قبله و لا معه و لا ممّا يوجد بعده.

و الرابع:[قول ابن عبّاس و قد تقدّم].

و الخامس:أنّ معناه لا يأتيه الباطل في إخباره عمّا تقدّم و لا من خلفه و لا عمّا تأخّر.(9:131)

الزّمخشريّ: مثل،كأنّ الباطل لا يتطرّق إليه و لا يجد إليه سبيلا من جهة من الجهات حتّى يصل إليه و يتعلّق به.(3:455)

نحوه الطّبرسيّ(5:15)،و أبو حيّان(7:501)، و البيضاويّ(2:350).

الفخر الرّازيّ: فيه وجوه:

الأوّل:لا تكذّبه الكتب المتقدّمة عليه كالتّوراة و الإنجيل و الزّبور،و لا يجيء كتاب من بعده يكذّبه.

الثّاني:ما حكم القرآن بكونه حقّا لا يصير باطلا، و ما حكم بكونه باطلا لا يصير حقّا.

الثّالث:معناه أنّه محفوظ من أن ينقص منه فيأتيه الباطل من بين يديه،أو يزاد فيه فيأتيه الباطل من خلفه.و الدّليل عليه قوله: وَ إِنّا لَهُ لَحافِظُونَ الحجر:9،فعلى هذا الباطل هو الزّيادة و النّقصان.

الرّابع:يحتمل أن يكون المراد أنّه لا يوجد في المستقبل كتاب يمكن جعله معارضا له،و لم يوجد فيما تقدّم كتاب يصلح جعله معارضا له.(27:131)

البروسويّ: صفة أخرى لكتاب،أي لا يتطرّق إليه الباطل و لا يجد إليه سبيلا من جهة من الجهات حتّى يصل إليه و يتعلّق به...فيكون قوله: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ... استعارة تمثيليّة شبّه الكتاب في عدم تطرّق الباطل إليه بوجه من الوجوه بمن هو محميّ بحماية غالب قاهر يمنع جاره من أن يتعرّض له العدوّ من جهة من جهاته،ثمّ أخرجه مخرج الاستعارة بأن عبّر عن المشبّه بما عبّر به عن المشبّه به،فقال: (لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ...) أو لا يأتيه الباطل فيما أخبر عمّا مضى و لا فيما أخبر عن الأمور الآتية،أو الباطل هو الشّيطان لا يستطيع أن يغيّره بأن يزيد فيه أو ينقص منه،أو لا يأتيه التّكذيب من الكتب الّتي قبله،و لا يجيء بعده كتاب يبطله أو ينسخه.(8:270)

نحوه الآلوسيّ.(4:127)

الطّباطبائيّ: إتيان الباطل إليه وروده فيه و صيرورة بعض أجزائه أو جميعها باطلا بأن يصير ما فيه من المعارف الحقّة أو بعضها غير حقّة،أو ما فيه من الأحكام و الشّرائع و ما يلحقها من الأخلاق،أو بعضها

ص: 221

لغي لا ينبغي العمل به.و عليه فالمراد بقوله: مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ زمانا الحال و الاستقبال،أي زمان النّزول و ما بعده إلى يوم القيامة.

و قيل:المراد بما بين يديه و من خلفه جميع الجهات، كالصّباح و المساء،كناية عن الزّمان كلّه،فهو مصون من البطلان من جميع الجهات،و هذا العموم على الوجه الأوّل مستفاد من إطلاق النّفي في قوله: لا يَأْتِيهِ.

و المدلول على أيّ حال أنّه لا تناقض في بياناته، و لا كذب في إخباره و لا بطلان يتطرّق إلى معارفه و حكمه و شرائعه،و لا يعارض و لا يغيّر بإدخال ما ليس منه فيه، أو بتحريف آية من وجه إلى وجه.فالآية تجري مجرى قوله: إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنّا لَهُ لَحافِظُونَ الحجر:9.(17:398)

ياتيهم

هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ... (البقرة:210)

ابن عبّاس: هذا من المكتوم الّذي لا يفسّر.

(القرطبيّ 3:26)

الأخفش الأوسط: ليس الكلام على ظاهره في حقّه سبحانه،و إنّما المعنى يأتيهم أمر اللّه و حكمه.

(القرطبيّ 3:25)

الطّبريّ: أختلف في صفة إتيان الرّبّ تبارك و تعالى الّذي ذكره في قوله: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ، فقال بعضهم:لا صفة لذلك غير الّذي وصف به نفسه عزّ و جلّ من المجيء و الإتيان و النّزول،و غير جائز تكلّف القول في ذلك لأحد إلاّ بخبر من اللّه جلّ جلاله أو من رسول مرسل.فأمّا القول في صفات اللّه و أسمائه فغير جائز لأحد من جهة الاستخراج إلاّ بما ذكرنا.

و قال آخرون:إتيانه عزّ و جلّ نظير ما يعرف من مجيء الجائي من موضع إلى موضع،و انتقاله من مكان إلى مكان.

و قال آخرون:معنى قوله: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللّهُ... يعني به«هل ينظرون إلا أن يأتيهم أمر الله،»كما يقال:قد خشينا أن يأتينا بنو أميّة،يراد به حكمهم.

و قال آخرون:بل معنى ذلك هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ ثوابه و حسابه و عذابه،كما قال عزّ و جلّ: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ سبأ:33،و كما يقال:قطع الوالي اللّصّ أو ضربه،و إنّما قطعه أعوانه...

فمعنى الكلام إذن:هل ينظرون التّاركون الدّخول في السّلم كافّة و المتّبعون خطوات الشّيطان إلاّ أن ياتيهم اللّه في ظلل من الغمام فيقضي في أمرهم ما هو قاض.

(2:329)

الزّجّاج: أي بما وعدهم من الحساب و العذاب في ظلل،مثل: فَأَتاهُمُ اللّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا الحشر:2،أي بخذلانه إيّاهم.(القرطبيّ 3:25)

الجصّاص: هذا من المتشابه الّذي أمرنا اللّه بردّه إلى المحكم في قوله: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ آل عمران:7،و إنّما كان متشابها لاحتمال حقيقة اللّفظ

ص: 222

و إتيان اللّه،و احتماله أن يريد أمر اللّه،و دليل آياته كقوله في موضع آخر: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ الأنعام:158،فجميع هذه الآيات المتشابهة محمولة على ما بيّنه في قوله: أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ النّحل:33،لأنّ اللّه تعالى لا يجوز عليه الإتيان و لا المجيء و لا الانتقال و لا الزّوال،لأنّ ذلك من صفات الأجسام و دلالات الحدث،و قال تعالى في آية محكمة:

لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ... الشّورى:11.

فإن قيل:فهل يجوز أن يقال:جاء ربّك،بمعنى جاء كتابه أو جاء رسوله أو ما جرى مجرى ذلك؟

قيل له:هذا مجاز،و المجاز لا يستعمل إلاّ في موضع يقوم الدّليل عليه،و قد قال تعالى: وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها يوسف:82،و هو يريد أهل القرية،و قال:

إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللّهَ وَ رَسُولَهُ الأحزاب:57،و هو يعني أولياء اللّه.و المجاز إنّما يستعمل في الموضع الّذي يقوم الدّليل على استعماله فيه أو فيما لا يشتبه معناه على السّامع.(1:318)

عبد الجبّار: ربّما قيل:كيف قال تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللّهُ... و كيف يصحّ ذلك و يتعالى اللّه عن جواز الإتيان عليه؟

و جوابنا:أنّ المراد إتيان الملائكة أو متحمّلي أمره كما قال تعالى في سورة النّحل: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ النّحل:33،و هذا كقوله:

وَ جاءَ رَبُّكَ الفجر:22،و المراد رسل ربّك.(48)

الطّوسيّ: معنى الآية ما ينظرون يعني المكذّبين بآيات اللّه محمّدا و ما جاء به من القرآن و الآيات إلاّ أن يأتيهم أمر اللّه و عذابه.

و قد يقال:«أتى»و«جاء»فيما لا يجوز عليه المجيء و الذّهاب،يقولون:أتاني و عيد فلان و كلام فلان،و كلّ ذلك لا يراد به الإتيان الحقيقيّ.(2:189)

الزّمخشريّ: إتيان اللّه:إتيان أمره و بأسه كقوله:

أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ النّحل:33، فَجاءَها بَأْسُنا الأعراف:4،و يجوز أن يكون المأتيّ به محذوفا بمعنى أن يأتيهم اللّه ببأسه أو بنقمته،للدّلالة عليه بقوله: فَإِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ... (1:353)

مثله البيضاويّ.(1:112)

الطّبرسيّ: [نحو الطّوسيّ و أضاف]

قيل:معناه ما ينتظرون إلاّ أن يأتيهم جلائل آيات اللّه،غير أنّه ذكر نفسه تفخيما للآيات،كما يقال:دخل الأمير البلد،و يراد بذلك جنده.(1:303)

الفخر الرّازيّ: [له بحث مستوفى في معنى مجيء اللّه لخصّه النّيسابوريّ كما يأتي].(5:232)

القرطبيّ: [نقل قول الزّجّاج و الأخفش ثمّ قال:]

و قد يحتمل أن يكون معنى الإتيان راجعا إلى الجزاء، فسمّي الجزاء إتيانا كما سمى التّخويف و التّعذيب في قصّة نمرود إتيانا،فقال: فَأَتَى اللّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ النّحل:26.

و قال في قصّة النّضير: فَأَتاهُمُ اللّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا الحشر:2، وَ إِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها الأنبياء:47،و إنّما احتمل الإتيان هذه المعاني،لأنّ أصل الإتيان عند أهل اللّغة هو القصد إلى الشّيء،فمعنى الآية هل ينظرون إلاّ أن يظهر اللّه تعالى

ص: 223

فعلا من الأفعال مع خلق من خلقه؟يقصد إلى مجازاتهم و يقضي في أمرهم ما هو قاض،و كما أنّه سبحانه أحدث فعلا سمّاه نزولا و استواء،كذلك يحدث فعلا يسمّيه إتيانا،و أفعاله بلا آلة و لا علّة،سبحانه.و قد سكت بعضهم عن تأويلها،و تأوّلها بعضهم كما ذكرنا.

و لا يجوز أن يحمل هذا و ما أشبهه ممّا جاء في القرآن و الخبر على وجه الانتقال و الحركة و الزّوال،لأنّ ذلك من صفات الأجرام و الأجسام،تعالى اللّه الكبير المتعال ذو الجلال و الإكرام عن مماثلة الأجسام علوّا كبيرا.

(3:25)

النّيسابوريّ: أمّا إتيان اللّه فقد أجمع المفسّرون على أنّه سبحانه منزّه عن المجيء و الذّهاب،لأنّ هذا من شأن المحدثات و المركّبات،و أنّه تعالى أزليّ فرد في ذاته و صفاته.فذكروا في الآية وجهين:

الأوّل:و هو مذهب السّلف الصّالح،السّكوت في مثل هذه الألفاظ عن التّأويل،و تفويضه إلى مراد اللّه تعالى،كما يروى عن ابن عبّاس أنّه قال:نزل القرآن على أربعة أوجه:وجه لا يعذر أحد بجهالته،و وجه يعرفه العلماء و يفسّرونه،و وجه يعرف من قبل العربيّة فقط،و وجه لا يعلمه إلاّ اللّه.

الثّاني:و هو قول جمهور المتكلّمين أنّه لا بدّ من التّأويل على سبيل التّفصيل،فقيل:جعل مجيء الآيات مجيئا له تفخيما لها،كما يقال:جاء الملك،إذا جاء جيش عظيم من جهته.

و قيل:المراد إتيان أمره و بأسه،فحذف المضاف بدليل قوله في موضع آخر: أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ النّحل:

33 فَجاءَها بَأْسُنا الأعراف:4.

قيل:المأتيّ به محذوف،و المعنى إلاّ أن يأتيهم اللّه ببأسه أو بنقمته؛للدّلالة عليه بقوله:(عزيز).و فائدة الحذف كونه أبلغ في الوعيد،لانقسام خواطرهم و ذهاب فكرتهم في كلّ وجه.

و قيل:الغرض من ذكر إتيان اللّه تصوير غاية الهيبة و نهاية الفزع،كقوله تعالى: وَ الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ السَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ الزّمر:67، و لا قبض و لا طيّ و لا يمين،و إنّما الغرض تصوير عظمة شأنه.(2:204)

أبو حيّان: الإتيان:حقيقة في الانتقال من حيّز إلى حيّز،و ذلك مستحيل بالنّسبة إلى اللّه تعالى،فروى أبو صالح عن ابن عبّاس أنّ هذا من المكتوم الّذي لا يفسّر و لم يزل السّلف في هذا و أمثاله يؤمنون،و يكلون فهم معناه إلى علم المتكلّم به و هو اللّه تعالى.

و المتأخّرون تأوّلوا«الإتيان»و إسناده على وجوه:

أحدها:أنّه إتيان على ما يليق باللّه تعالى من غير انتقال.

الثّاني:أنّه عبّر به عن المجازات لهم و الانتقام،كما قال: فَأَتَى اللّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ النّحل:26، فَأَتاهُمُ اللّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا الحشر:2.

الثّالث:[قول الزّجّاج و قد تقدّم].

الرّابع:أنّه على حذف مضاف،التّقدير:أمر اللّه، بمعنى ما يفعله اللّه بهم،لا الأمر الّذي مقابله النّهي، و يبيّنه قوله بعد: وَ قُضِيَ الْأَمْرُ... البقرة:210.

الخامس:قدرته.

ص: 224

و الأولى أن يكون المعنى أمر اللّه؛إذ قد صرّح به في قوله: أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ النّحل:33،و تكون عبارة عن بأسه و عذابه،لأنّ هذه الآية إنّما جاءت مجيء التّهديد و الوعيد.و قيل:المحذوف آيات اللّه فجعل مجيء آياته مجيئا له على التّفخيم لشأنها.(2:124)

الآلوسيّ: (إِلاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللّهُ) بالمعنى اللاّئق به جلّ شأنه منزّها عن مشابهة المحدثات و التّقيّد بصفات الممكنات.

و من النّاس من قدّر في أمثال هذه المتشابهات محذوفا،فقال في الآية:الإسناد مجازيّ،و المراد يأتيهم أمر اللّه تعالى و بأسه.أو حقيقيّ،و المفعول محذوف،أي يأتيهم اللّه تعالى ببأسه.و حذف المأتيّ به للدّلالة عليه بقوله سبحانه: أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ البقرة:209،فإنّ العزّة و الحكمة تدلّ على الانتقام بحقّ،و هو البأس و العذاب.(2:98)

رشيد رضا: إتيان اللّه تعالى فسّره الجلال و آخرون بإتيان أمره،أي عذابه،كقوله في آية أخرى:

هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ النّحل:33،أي فهو بمعنى ما جاء من التّخويف بعذاب الآخرة في الآيات الكثيرة الموافقة لهذه الآيات في أسلوبها.

و أقرّ الأستاذ الإمام الجلال على ذلك،و بيّن في الدّرس أنّ هذا الاستعمال من أساليب العرب المعروفة من حذف المضاف،و إسناد الفعل إلى المضاف إليه مجازا، و أوضحه أتمّ الإيضاح.فهو على حدّ (وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ) .

و من المفسّرين من قال:إنّ الإسناد حقيقيّ و إنّما حذف المفعول للعلم به من الوعيد السّابق،أي هل ينظرون إلاّ أن يأتيهم اللّه بما وعدهم به من السّاعة و العذاب.

و عدّه آخرون من المتشابهات،فقالوا:إنّ اللّه تعالى يأتي بذاته و لكن لا كإتيان البشر،بل إتيانه من صفاته الّتي لا نبحث عن كيفيّتها اتّباعا للسّلف.

و قد يقال:إنّه ليس من مقتضى مذهب السّلف أن يجعل كلّ ما يسند إلى اللّه تعالى من المتشابهات الّتي لا تفهم بحال و لا تفسّر و لو بإجمال،فحسبنا أن نقول على رأي من فسّر إتيان اللّه هنا بإتيان أمره و ما وعد به من العذاب،أو إتيانه بما وعد به إنّنا نفوّض إليه تعالى كيفيّة ذلك،و بذلك نكون على طريقة السّلف في التّفويض،مع العلم بأنّ اللّه تعالى ينذر الّذين زلّوا عن صراطه و فرّقوا دينه بأمر معروف في الجملة لا بشيء مجهول مطلق.

و ممّا يدلّنا على أنّ المراد بالآية ما ذكرنا قوله تعالى:

وَ يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَ نُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً الفرقان:25،مع الآيات الكثيرة النّاطقة بأنّ قيام السّاعة و خراب العالم يكون إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ الانشقاق:1،و انتثرت كواكبها،و إنّما يأتي بذلك اللّه تعالى بتغيير هذا النّظام الّذي وضعه لارتباط الكواكب و حفظ كلّ كوكب في فلكه.(2:262)

الطّباطبائيّ: إنّ من الضّروريّ الثّابت بالضّرورة من الكتاب و السّنّة أنّ اللّه سبحانه و تعالى لا يوصف بصفة الأجسام،و لا ينعت بنعوت الممكنات ممّا يقضي بالحدوث،و يلازم الفقر و الحاجة و النّقص،فقد قال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ الشّورى:11،و قال

ص: 225

تعالى: وَ اللّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الفاطر:15،و قال تعالى:

اَللّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ الزّمر:62،إلى غير ذلك من الآيات و هي آيات محكمات ترجع إليها متشابهات القرآن،فما ورد من الآيات و ظاهرها إسناد شيء من الصّفات أو الأفعال الحادثة إليه تعالى ينبغي أن يرجع إليها،و يفهم منها معنى من المعاني.لا ينافي صفاته العليا و أسماءه الحسنى تبارك و تعالى،فالآيات المشتملة على نسبة المجيء أو الإتيان إليه تعالى،كقوله تعالى: وَ جاءَ رَبُّكَ وَ الْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا الفجر:22،و قوله تعالى:

فَأَتاهُمُ اللّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا الحشر:2، و قوله تعالى: فَأَتَى اللّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ النّحل:

26،كلّ ذلك يراد فيها معنى يلائم ساحة قدسه تقدّست أسماؤه كالإحاطة و نحوها و لو مجازا،و على هذا فالمراد بالإتيان في قوله تعالى: أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللّهُ الإحاطة بهم للقضاء في حقّهم.

على أنّا نجده سبحانه و تعالى في موارد من كلامه إذا سلب نسبة من النّسب و فعلا من الأفعال عن استقلال الأسباب و وساطة الأوساط فربّما نسبها إلى نفسه و ربّما نسبها إلى أمره،كقوله تعالى: اَللّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ الزّمر:42،و قوله تعالى: يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ السّجدة:11،و قوله تعالى: تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا الأنعام:

61،فنسب التّوفّي تارة إلى نفسه و تارة إلى الملائكة،ثمّ قال تعالى في أمر الملائكة: بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ الأنبياء:

27،و كذلك قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يونس:93،و قوله تعالى: فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ المؤمن:78،و كما في هذه الآية: أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ...، و قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ النّحل:33.

و هذا يوجب صحّة تقدير الأمر في موارد تشتمل على نسبة أمور إليه لا تلائم كبرياء ذاته تعالى،نظير جاءَ رَبُّكَ، و يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فالتّقدير:جاء أمر ربّك،و يأتيهم أمر اللّه.

فهذا هو الّذي يوجبه البحث السّاذج في معنى هذه النّسب على ما يراه جمهور المفسّرين،لكن التّدبّر في كلامه تعالى يعطي لهذه النّسب معنى أرقّ و ألطف من ذلك،و ذلك أنّ أمثال قوله تعالى: وَ اللّهُ هُوَ الْغَنِيُّ فاطر:15،و قوله تعالى: اَلْعَزِيزِ الْوَهّابِ ص:9، و قوله تعالى: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى طه:

50،تفيد أنّه تعالى واجد لما يعطيه من الخلقة و شئونها و أطوارها،مليء بما يهبه و يجود به،و إن كانت أفهامنا من جهة اعتيادها بالمادّة و أحكامها الجسمانيّة يصعب عليها تصوّر كيفيّة اتّصافه تعالى ببعض ما يفيض على خلقه من الصّفات و نسبته إليه تعالى،لكن هذه المعاني إذا جرّدت عن قيود المادّة،و أوصاف الحدثان لم يكن في نسبته إليه تعالى محذور،فالنّقص و الحاجة هو الملاك في سلب معنى من المعاني عنه تعالى،فإذا لم يصاحب المعنى نقصا و حاجة لتجريده عنه صحّ إسناده إليه تعالى بل وجب ذلك؛لأنّ كلّ ما يقع عليه اسم شيء فهو منه تعالى بوجه على ما يليق بكبريائه و عظمته.

فالمجيء و الإتيان الّذي هو عندنا قطع الجسم مسافة بينه و بين جسم آخر بالحركة و اقترابه منه إذا جرّد عن خصوصيّة المادّة كان هو حصول القرب،و ارتفاع المانع

ص: 226

و الحاجز بين شيئين من جهة من الجهات،و حينئذ صحّ إسناده إليه تعالى حقيقة من غير مجاز،فإتيانه تعالى إليهم ارتفاع الموانع بينهم و بين قضائه فيهم،و هذه من الحقائق القرآنيّة الّتي لم يوفّق الأبحاث البرهانيّة لنيله إلاّ بعد إمعان في السّير،و ركوبها كلّ سهل و وعر،و إثبات التّشكيك في الحقيقة الوجوديّة الأصليّة.

و كيف كان فهذه الآية تتضمّن الوعيد الّذي ينبئ عنه قوله سبحانه في الآية السّابقة: أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ البقرة:209،و من الممكن أن يكون وعيدا بما سيستقبل القوم في الآخرة يوم القيامة،كما هو ظاهر قوله تعالى في نظير الآية: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ... النّحل:33،و من الممكن أن يكون وعيدا بأمر متوقّع الحصول في الدّنيا،كما يظهر بالرّجوع إلى ما في سورة يونس بعد قوله تعالى: وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ يونس:47،و ما في سورة الرّوم بعد قوله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً... الرّوم:30، و ما في سورة الأنبياء و غيرها.على أنّ الآخرة آجلة هذه العاجلة و ظهور تامّ لما في هذه الدّنيا،و من الممكن أيضا أن يكون وعيدا بما سيقع في الدّنيا و الآخرة معا.

(2:103)

ياتيهم

...فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ الأنعام:5

الزّمخشريّ: سيعلمون بأيّ شيء استهزءوا، و سيظهر لهم أنّه لم يكن بموضع استهزاء.(2:5)

مثله أبو حيّان.(4:75)

القرطبيّ: أي يحلّ بهم العقاب.(6:391)

البروسويّ: سيعلمون ما يؤول إليه عاقبة استهزائهم بالآيات.(3:9)

3- ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَ هُمْ يَلْعَبُونَ. الأنبياء:2

قتادة: ما ينزل عليهم من شيء من القرآن إلاّ استمعوه و هم يلعبون.(الطّبريّ 17:2)

الطّبريّ: ما يحدث اللّه من تنزيل شيء من هذا القرآن للنّاس.(17:2)

ياتيكم

وَ قالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ... البقرة:248

أبو حيّان: نسبة الإتيان إلى التّابوت مجاز،لأنّ التّابوت لا يأتي إنّما يؤتى به،كقوله: فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ محمّد:21، فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ البقرة:16.

(2:261)

يات

1- ...أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. البقرة:148

الزّمخشريّ: أينما تكونوا من الجهات المختلفة يأت بكم اللّه جميعا،يجمعكم و يجعل صلواتكم كأنّها إلى جهة واحدة،و كأنّكم تصلّون حاضري المسجد الحرام.

ص: 227

(1:322)

أبو حيّان: أي يبعثكم و يحشركم للثّواب و العقاب،فأنتم لا تعجزونه وافقتم أم خالفتم.(1:439)

الآلوسيّ: المعنى في أيّ موضع تكونوا من المواضع الموافقة لطبعكم كالأرض،أو المخالفة كالسّماء،أو المجتمعة الأجزاء كالصّخرة،أو المتفرّقة الّتي يختلط بها ما فيها كالرّمل يحشركم اللّه تعالى إليه لجزاء أعمالكم.

أو في أيّ موضع تكونوا من أعماق الأرض و قلل الجبال يقبض اللّه تعالى أرواحكم إليه،فهي على حدّ قوله تعالى: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَ لَوْ كُنْتُمْ... النّساء 78.

أو أينما تكونوا من الجهات المتقابلات يمنة و يسرة و شرقا و غربا يجعل اللّه تعالى صلاتكم مع اختلاف جهاتها في حكم صلاة متّحدة الجهة،كأنّها إلى عين الكعبة أو في المسجد الحرام،فيأت بكم،مجاز عن جعل الصّلاة متّحدة الجهة.(2:15)

2- ...إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النّاسُ وَ يَأْتِ بِآخَرِينَ وَ كانَ اللّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً. النّساء:133

الزّمخشريّ: يوجد إنسا آخرين مكانكم أو خلقا آخرين غير الإنس.(1:570)

مثله البروسويّ.(2:299)

الآلوسيّ: أي يوجد مكانكم دفعة قوما آخرين من البشر.(5:164)

3- يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاّ بِإِذْنِهِ...

هود:105

الطّبريّ:اختلفت القرّاء في قراءة قوله: يوم ياتى ،فقرأ ذلك عامّة قرّاء أهل المدينة بإثبات الياء فيها يوم ياتى لا تكلم... ،و قرأ ذلك بعض قرّاء أهل البصرة و بعض الكوفيّين بإثبات الياء فيها في الوصل، و حذفها في الوقف،و قرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة بحذف الياء في الوصل و الوقف يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ....

و الصّواب من القراءة في ذلك عندي (يَوْمَ يَأْتِ) بحذف الياء في الوصل و الوقف،اتّباعا لخطّ المصحف، و أنّها لغة معروفة لهذيل،تقول:ما أدر ما تقول؟

(12:115)

الفارسيّ: قرأ أهل الكوفة إلاّ الكسائيّ و ابن عامر (يأت)بغير ياء،الباقون بياء في الوصل دون الوقف،إلاّ ابن كثير فإنّه أثبت الياء في الحالين:

من أثبت الياء في الوصل فهو القياس البيّن،لأنّه لا شيء هاهنا يوجب حذف الياء في الوصل.و من حذفها في الوقف شبّهها بالفاصلة و إن لم يكن فاصلة، لأنّ هذه الياء تشبه الحركات المحذوفة،بدلالة أنّهم قد حذفوها كما حذفوا الحركة،فكما أنّ الحركة تحذف في الوقف فكذلك ما يشبهها من هذه الحروف فكان في حكمها.

و من أثبتها في الحالين فقد أحسن،لأنّها أكثر من الحركة في الصّوت،فلا ينبغي إذا حذفت الحركة للوقف أن تحذف الياء له،كما لا تحذف سائر الحروف.و من حذف الياء في الحالين جعلها في الحالين بمنزلة ما يستعمل محذوفا ممّا لم يكن ينبغي في القياس أن يحذف نحو«لم يك،و لا أدر»و هي لغة هذيل.(الطّوسيّ 6:64)

ص: 228

نحوه ملخّصا أبو زرعة(348)،و الزّمخشريّ(2:

293)،و الفخر الرّازيّ(18:59)،و القرطبيّ(9:96)، و الآلوسيّ(12:139)،و رشيد رضا(12:158).

4- فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً. يوسف:93

الفرّاء: أي يرجع بصيرا.(2:55)

مثله البيضاويّ.(1:507)

أبو عبيدة: أي يعد بصيرا،أي يعد مبصرا.(1:318)

مثله الطّبريّ(13:57)،و الهرويّ(1:13).

الزّمخشريّ: يصر بصيرا،كقولك:جاء البناء محكما،بمعنى صار،و يشهد له فَارْتَدَّ بَصِيراً، يوسف:96،أو يأت إلىّ و هو بصير،و ينصره قوله:

وَ أْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ يوسف:93،أي يأتني أبي و يأتني آله جميعا.(2:343).

مثله الفخر الرّازيّ(18:206)،و البروسويّ (4:315).

الآلوسيّ: أي يصر بصيرا،و يشهد له (فَارْتَدَّ بَصِيراً) أو يأت إليّ و هو بصير،و ينصره قوله:

وَ أْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ يوسف:93.

و حاصل الوجهين كما قال بعض المدقّقين:إنّ الإتيان في الأوّل مجاز عن الصّيرورة،و لم يذكر إتيان الأب إليه لا لكونه داخلا في الأهل،فإنّه يجلّ عن التّابعيّة بل تفاديا عن أمر الأخوّة بالإتيان؛لأنّه نوع إجبار على من يؤتى به فهو إلى اختياره.و في الثّاني،على الحقيقة و فيه التّفادي المذكور،و الجزم بأنّه من الآتين لا محالة وثوقا بمحبّته،و أنّ فائدة الإلقاء إتيانه على ما أحبّ من كونه معا في سليم البصر،و فيه أنّ صيرورته بصيرا أمر مفروغ عنه مقطوع،إنّما الكلام في تسبّب الإلقاء لإتيانه كذلك،فهذا الوجه أرجح و إن كان الأوّل من الخلافة بالقبول بمنزل.(13:52)

5- يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللّهُ...

لقمان:16

الطّبريّ: كان بعضهم يوجّه معناه إلى يعلمه اللّه، و لا أعرف«يأتي به»بمعنى يعلمه،إلاّ أن يكون قائل ذلك أراد أنّ لقمان إنّما وصف اللّه بذلك لأنّ اللّه يعلم أماكنه،لا يخفى عليه مكان شيء منه،فيكون وجها(21:73)