مصباح المنهاج - كتاب التجارة المجلد 3

اشارة

مصباح المنهاج - كتاب التجارة

سيد محمد سعيد طباطبايي حكيم

دارالهلال

الطبعة الاولي

1427ه - 2006م

ص: 1

اشارة

مصباح المنهاج

ص: 2

مصباح المنهاج - كتاب التجارة

سيد محمد سعيد طباطبايي حكيم

دارالهلال

ص: 3

الجزء الثالث

بسم الله الرحمن الرحيم

ص: 4

(5) (5)

الفصل الثالث: في شروط العوضين

وفيه مسائل:

(مسألة 1): يشترط في المبيع أن يكون عيناً (1)، سواء كان موجودا

---------------

(1) كما صرح به غير واحد، ونفي الإشكال والخلاف فيه بعض الأعاظم (قدس سره)

وجعله في مبحث التدبير من الجواهر من الأمور المعلومة. ومن أجل ذلك نزلوا ما تضمن بيع المنفعة وحق الاستغلال من النصوص الواردة في بيع خدمة العبد المدبر(1) ، والأرض الخراجية(2) ، وسكني الدار التي يسكنها الإنسان من دون أن يملكها(3) علي التوسع، من دون أن يكون بيعاً وشراء حقيقياً.

وما ذكروه قريب جداً. ويناسبه ما هو المرتكز عرفاً من الفرق بين البيع والإجارة مورداً. ولو فرض عدم بلوغه مرتبة اليقين فلا أقل من كونه مقتضي الأصل، حيث لابد من الاقتصار في ترتيب الأحكام علي المتيقن من موارد انطباق عناوين موضوعاتها. ومجرد استعمال البيع في النصوص المشار إليها في بيع غير الأعيان لا يشهد بالعموم لغة ولا عرفاً، لأن استعمال أعم من الحقيقة.

نعم ذلك لا يقتضي بطلان بيع غير الأعيان من الحقوق والمنافع، لعدم

********

(1) راجع وسائل الشيعة ج: 16 باب: 3 من أبواب التدبير.

(2) راجع وسائل الشيعة ج: 11 باب: 71 جهاد العدو، وج: 12 باب: 21 من أبواب عقد البيع وشروطه.

(3) راجع وسائل الشيعة ج: 12 باب: 1 عقد البيع وشروطه.

ص: 5

في الخارج أم في الذمة (1)، وسواءً أكانت الذمة ذمة البايع أم غيره (2)، كما إذا كان له مال في ذمة غيره فيبيعه علي شخص ثالث. كما يشترط فيه أن يكون مالاً (3)، بحيث يتنافس عليه العقلاء (4). فلا يجوز بيع المنفعة، كمنفعة الدار، ولا بيع العمل، كخياطة الثوب، ولا بيع الحق (5)، كحق الخيار، ولا بيع ما لا يكون مالاً (6) كالحشرات. وأما الثمن فيشترط فيه

-

اختصاص دليل النفوذ بالبيع، بل يعم جميع العقود، والبيع المذكور وإن لم يحرز كونه بيعاً حقيقياً، غلا أنه لا يخرج عن كونه عقداً، فينفذ بمقتضي عموم نفوذ العقود. وإنما يظهر أثر ذلك في الأحكام الخاصة بالبيع، كخيار المجلس.

(1) بلا إشكال ظاهر. وعليه يبتني بيع السلف.

(2) بلا إشكال ظاهر. ويقتضيه مضافاً إلي الإطلاق النصوص الخاصة الواردة في بيع الدين(1).

(3) كما يظهر من غير واحد المفروغية عنه. وقال شيخنا الأعظم (قدس سره): (إن ما تحقق أنه ليس بمال عرفاً فلا إشكال ولا خلاف في عدم جواز وقوعه أحد العوضين). لكن سبق منا المنع من ذلك في المسألة الرابعة من مقدمة كتاب التجارة. فراجع.

(4) لأن ذلك هو معيار المالية، كما سبق في أواخر المسألة الأولي من مقدمة كتاب التجارة.

(5) يظهر مما سبق أن المعاملات المذكورة صحيحة ونافذة، وإن لم تترتب عليها آثار البيع. نعم لابد في صحة بيع الحق من قابليته الحق المبيع للنقل. إلا أن يراد ببيعه إسقاطه، فتصح المعاملة علي ذلك.

(6) مما سبق يظهر صحة البيع المذكور.

********

(1) راجع وسائل الشيعة ج: 13 باب: 15 من أبواب الدين والقرض.

ص: 6

(7)

أن يكون مالاً (1)، سواءً أكان عيناً أم منفعة (2) أم عملاً (3) أم حقاً (4).

---------------

(1) الكلام فيه هو الكلام في اعتبار المالية في المبيع.

(2) كما صرح به غير واحد، وحكي عن غير موضع من التذكرة والقواعد. وعن الوحيد (قدس سره) الخلاف فيه. قال شيخنا الأعظم (قدس سره): (ولعله لما اشتهر في كلامهم من أن البيع لنقل الأعيان. والظاهر إرادتهم بيان المبيع، نظير قولهم: الإجارة لنقل المنافع).

والعمدة في المقام هو العموم ارتكازاً، الذي لا مجال له في المبيع بعد ما سبق من الفرق بين البيع والإجارة مورداً. وقد يهون الأمر حيث يظهر مما سبق في المبيع أن عدم صحته بيعاً لا يستلزم بطلانه، بل يتعين البناء علي صحته وإن كان عقداً آخر.

(3) الكلام فيه هو الكلام في المنفعة، بل هو من أفرادها. لكن قال شيخنا الأعظم (قدس سره): (وأما عمل الحر فإن قلنا إنه قبل المعاوضة عليه من الأموال فلا إشكال، وإلا ففيه إشكال، من حيث احتمال اعتبار كون العوضين في البيع مالاً قبل المعاوضة).

وما ذكره (قدس سره) لا يخلو عن غموض. فإن مراده بالمال إن كان هو الأمر الذي له مالية بسبب تنافس العقلاء عليه فلا إشكال في كون عمل الحر كعمل العبد منه، ولولا ذلك لم يقدم العقلاء نوعاً علي محاولة كسبه، وبذل المال بإزائه في الإجارة وغيرها. وإن كان هو الملك، بمعني كونه مملوكاً لصاحبه قبل المعاوضة عليه فمن الظاهر أن ذلك غير معتبر في المقام، لاختصاصه بالأعيان الخارجية دون الذمية، لظهور أن الإنسان لا يملك في ذمته شيئاً، ودون منافع أعيانه التي يملكها وأعمال عبيده الذين يملكهم، مع وضوح إمكان كون الجميع طرفاً للمعاوضة، ومثمناً أو ثمناً في البيع.

(4) إذ بناء علي ما هو الظاهر، من كون الحق نحواً من الملك، فلا مانع من جعل الأمر المحقوق ثمناً. غاية الأمر أنه ليس عيناً. ولا ملزم بكون الثمن في البيع

ص: 7

نعم إذا كان الحق لا يقبل الانتقال كحق الشفعة أو لا يقبل الانتقال إلي خصوص البايع كحق القسم الذي لا يقبل الانتقال إلي غير الضرة (1). ففي جواز جعله ثمناً إشكال، وإن كان هو الأظهر، فيسقط بمجرد وقوع البيع من دون انتقال إلي المشتري (2).

---------------

عيناً، كما سبق. ولو فرض الشك في ذلك تعين البناء علي صحة المعاملة وإن لم تكن بيعاً، نظير ما سبق.

(1) ظاهره أنه يقبل الانتقال إلي الضرة. والكلام فيه موكول إلي محله.

(2) الظاهر أنه لا مجال للبناء علي كون المعاملة بيعاً صحيحاً مع ذلك. بل إن كان المفروض في محل الكلام ما إذا لم يقصد بالمعاملة انتقال الحق للبايع، بل قصد سقوط حق المشتري في مقابل انتقال المبيع له، فالظاهر عدم صدق البيع حينئذ، لابتناء البيع علي صيرورة الثمن عوضاً عن المبيع، وذلك لا يكون إلا بتملك البايع له، ومع فرض عدم انتقال الحق له لا يتحقق ذلك.

ودعوي: أن ذلك ينتقض ببيع الدين علي من هو عليه، أو جعله ثمناً في الشراء منه. مدفوعة بأن النقض بذلك لا يتجه بناء علي إمكان ملك الإنسان لما في ذمته، لا بمعني أن يملكه علي نفسه، لامتناع ذلك ارتكازاً، بل بمعني أن يملك الذات التي انشغلت بها ذمته، فتسقط عن ذمته بسبب الامتناع المذكور، نظير ما إذا كان مديناً لمورثه فمات المورث.

وأظهر من ذلك ما إذا لم يكن موضوع المعاملة عين ما في الذمة، بل مثله في ذمة الدائن، فيسقط ما في الذمة بالتهاتر.

أما إذا كان موضوع المعاملة عين ما في الذمة، وبني علي امتناع ملك الإنسان لما في ذمته حتي بالوجه المتقدم، فالمتعين البناء علي عدم صدق البيع، كما هو الحال فيما نحن فيه من بيع الحق الذي لا يقبل النقل.

ص: 8

(9)

(مسألة 2): يشترط في كل من العوضين أن يكون معلوماً مقداره المتعارف تقديره به عند البيع (1)

---------------

غاية الأمر أنه تقدم أن عدم كون المعاملة بيعاً حقيقياً إنما يقتضي عدم ترتب الأحكام الخاصة بالبيع عليها، وإن كانت صحيحة في نفسها، لعموم أدلة نفوذ العقود.

وإن كان المفروض في محل الكلام ما إذا قصد بالمعاملة انتقال الحق للمشتري ثمناً للبيع تشريعاً، أو للجهل بعدم قابلية الحق المذكور للانتقال، فالمعاملة وإن كانت بيعاً، إلا أن المتعين بطلانها، لعدم تحقق مضمونها. ولا مجال للبناء علي صحتها مع سقوط الحق، لعدم كون ذلك هو المقصود منها، فما قصد لم يقع، وما يدعي وقوعه لم يقصد.

(1) كما هو المعروف بين الأصحاب، وقد نفي في الغنية الخلاف في بطلان العقد علي المجهول، وادعي في التذكرة إجماع علمائنا علي اعتبار العلم بالعوضين، وفي الخلاف الإجماع علي عدم جواز بيع المكيل جزافاً، ونحوه كلام غيرهم. وبعض الأصحاب وإن لم يتعرض لذلك في كبري تتضمن اشتراط العلم بالعوضين في صحة البيع، إلا أنه يظهر من جملة من كلماتهم الجري عليها، لتعليلهم الفساد في كثير من هذه الموارد بالجهالة.

نعم قد يظهر من بعض كلماتهم عدم الجري عليها. فالسيد المرتضي (قدس سره) في الناصريات حينما تعرض لقول الناصر: (معرفة مقدار رأس المال شرط في صحة السلم) قال: (ما أعرف لأصحابنا إلي الآن نصاً في هذه المسألة. إلا أنه يقوي في نفسي أن رأس مال السلم إذا كان معلوماً بالمشاهدة مضبوطاً بالمعاينة لم يفتقر إلي ذكر صفاته ومبلغ وزنه). وعدده وبذلك صرح الشيخ (قدس سره) في إجارة المبسوط، وهو المناسب لما في الغنية من الاكتفاء في شروط السلم بمشاهدة رأس المال، حيث لم يذكر معرفة

ص: 9

مقداره بالعد أو الوزن.

بل في إجارة المبسوط عمم ذلك لغير السلم. قال: (إذا باع شيئاً بثمن جزافاً جاز إن كان معلوماً مشاهداً وإن لم يعلم وزنه... والثمن في السلم أيضاً يجوز أن يكون جزافاً).

وذكر في بيع المبسوط أنه لا يجوز بيع صبرة من طعام بصبرة من طعام من دون تحديد بكيل إذا كانا من جنس واحد، لئلا يلزم الربا، ويصح إذا كانا من جنسين، لأن التفاضل يصح فيهما. وحكي نحوه عن الإسكافي.

كما حكي عن الإسكافي جواز البيع مع جهل أحدهما بمقدار الثمن، كما لو باعه بسعر ما باعه سابقاً، لكن له الخيار لو علم، علي غموض في كلامه.

ويأتي من الشيخ وابن حمزة وعن الإسكافي جواز بيع الجملة كل مقدار منها بكذا من دون معرفة مقدارها حين البيع، ومن المشهور عدم اعتبار الذرع في المذروع... إلي غير ذلك مما قد يجده المتتبع.

كما يأتي عند الكلام في اعتبار القدرة علي التسليم من بعضهم جواز بيع جملة لا يعلم غلا بسلامة بعضها، نظير ما هو المعروف من جواز بيع العبد الآبق مع الضميمة. وذلك مستلزم للجهل بمقدار البيع، إذ لا معني لبيع ما يسلم. ومن ثم بشكل دعوي الإجماع علي الكبري المذكورة.

وأشكل من ذلك جعله دليلاً في المسألة، لعدم وضوح كونه إجماعاً تعبدياً لو تم. ولاسيما مع عدم تيسر الإطلاع علي فتوي قدماء الأصحاب ممن تعرف فتاواهم من طريق رواياتهم، لعدم وجود رواية من طرق الأصحاب تتضمن الكبري المذكورة، ولو كانت ضعيفة. مضافاً إلي ظهور كثير من كلماتهم في التعويل علي بعض النصوص العامة أو الخاصة وأنها هي الدليل في المسألة، دون الإجماع.

بل كالصريح من المبسوط، حيث قال: (إذا قال: بعتك هذه الصبرة بعشرة

ص: 10

دراهم صحّ البيع، لأن الصبرة مشاهدة، ومشاهدة البيع تغني عن معرفة مقداره. وقد روي أن ما يباع كيلاً لا يباع جزافاً. وهو الأقوي عندي. فإن أجزنا البيع نظر، فإن كان ظاهرها وباطنها واحداً لم يكن للمشتري الخيار...).

ومن هنا لا مجال لإحراز إجماع تعبدي حجة ينهض بإثبات الكبري المذكورة. بل يتعين النظر في النصوص. وقد شاع في كلماتهم الاستدلال بعموم النبوي المشهور المتضمن النهي عن بيع الغرر. وهذا الحديث لم نعثر عليه من طرقنا إلا ما رواه الصدوق بأسانيد ثلاثة عن الإمام الرضا (عليه السلام) عن آبائه عن الإمام الحسين (عليه السلام) أنه قال: (خطبنا أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال: سيأتي علي الناس زمان عضوض... وسيأتي زمان يقدم فيه الأشرار وينسي فيه الأخيار، ويبايع المضطر، وقد نهي رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلّم) عن بيع المضطر وعن بيع الغرر...)(1). ونحوه عن صحيفة الإمام الرضا (2)(عليه السلام).

نعم ورد من طرق العامة مستفيضاً. قال في الجواهر عن الحديث المذكور: (المشهور المعتبر المتلقي بالقبول. بل قيل: إنه قد أجمع عليه المؤالف والمخالف القائل بحجية خبر الواحد وغيره، كالسيد المرتضي وابني زهرة وإدريس. بل رُدّ به كثير من الأخبار المسندة المروية من طرق الأصحاب). ومن ثم يقرب الركون له وإن لم يصح سنده.

نعم في بلوغ ذلك حداً يستلزم حجيته إشكال. فإن الصدوق لم يرو الحديث في كتاب الفقيه المعدّ للفتوي، وإنما رواه في كتاب عيون الأخبار المبني علي استقصاء أحوال الإمام الرضا (عليه السلام) وما يتعلق بما في ذلك جمع الأخبار المروية عنه، والكثير عن رجال طرقه فيما يبدو ليسوا من الخاصة.

ولا طريق لإحراز اعتماد فقهائنا علي حديث الصدوق بنحو يكشف عن وثوقهم

********

(1) عيون أخبار الرضا ج: 2 ص: 45 طبعة النجف الأشرف، وقد ذكر الفقرة الأخيرة منه في وسائل الشيعة ج: 12 باب: 40 من أبواب آداب التجارة حديث: 3.

(2) مستدرك الوسائل ج: 13 باب: 33 من أبواب آداب التجارة حديث: 1.

ص: 11

بصدوره، ليكون جابراً لسنده، بل من القريب أخذهم له من العامة، كما يحصل كثيراً منهم، خصوصاً في المعاملات، لأن المعهود من طريقتهم نسبة أحاديثه (صلي الله عليه وآله وسلّم) المروية عن طريق الأئمة (عليهم السلام) لهم، وعدم نسبتها للنبي رأساً، فنسبتهم الحديث له (صلي الله عليه وآله وسلّم) رأساً يناسبه أخذه من العامة.

وهو لا يكشف عن توثقهم من سنده، بل يمكن أن يكون ذكر كثير منهم له مجاراة للعامة، لاشتهاره بينهم، مع كون جريهم علي مضمونه لموافقته للاعتبار بنظرهم، أو لكون موافقته للاعتبار قرينة علي صحته عندهم. وإلا فيصعب جداً توثق أصحابنا من إسناد العامة، مع ما هو المعلوم من اضطراب أمرهم في ذلك.

ولو غض النظر عن السند فمادة الغرر علي ما يظهر من كلمات اللغويين وكثير من الاستعمالات يراد منها:

تارة: التغرير والخديعة، كما في مثل قوله تعالي: (فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور)(1).

وأخري: الإقدام علي الخطر والتعرض للهلكة، ففي الدعاء الواحد والثلاثين من أدعية الصحيفة السجادية: (هذا مقام من تداولته أيدي الذنوب... فقصّر عما أمرت به تفريطاً، وتعاطي ما نهيت عنه تغريراً)، وفي الدعاء الثالث والخمسين منها: (سبحانك أي جرأة اجترأت عليك، وأي تغرير غررت بنفسي). ولم يتضح استعمال المادة المذكورة في الجهل إلا بلحاظ ملازمته لأحد المعنيين المذكورين.

ومن هنا يبتني الاستدلال به في المقام علي حمله علي المعني الثاني، وهو الذي صرح به غير واحد من اللغويين، حيث فسروا الحديث الشريف، ببيع الخطر. وعليه جري الفقهاء، فقد استدلوا به علي اعتبار القدرة علي التسليم في العوضين، لمنع مثل بيع العبد الآبق والسمك في الماء والطير في الهواء.

********

(1) سورة لقمان الآية: 33.

ص: 12

وحينئذ يمكن تقريب الاستدلال به علي اعتبار العلم بالعوضين بأنه مع الجهل بأحدهما يكون الإقدام علي المعاملة خطراً بلحاظ بعض مراتب المالية.

لكنه يشكل أولاً: بأنه لا شاهد علي حمل الحديث المتقدم علي المعني الثاني، بل يمكن حمله علي المعني الأول، فيساوق ما تضمن النهي عن الغش في البيع. ولاسيما مع ما في لسان العرب، حيث قال: (وأنا غرر منك، أي: مغرور)، فإن مقتضاه أنه قد يراد من الغرر المغرور. بل ذلك هو المناسب لسياقه مع النهي عن بيع المضطر في الحديث المتقدم.

وثانياً: بأنه لا يمكن البناء علي عموم النهي عن البيع الخطري، كيف! ولا إشكال في جواز شراء ما يحتمل تعرضه للتلف بسرقة أو عفن أو غيرهما. وأظهر من ذلك ما لو عمم للخطر بلحاظ بعض مراتب المالية، إذ لا إشكال في جواز القيام بالمعاملات التي لا يعلم مقدار ربحها، بل وإن احتمل ترتب الخسارة عليها. وذلك يكشف عن أن المراد بالغرر المنهي عنه هو الخطر من حيثية خاصة، فيكون مجملاً.

نعم مثلوا له ببيع السمك في الماء والطير في الهواء. فيكون المراد به بيع ما لا يقدر عليه، ولا يضمن حصوله للمشتري، بحيث يكون تمام المال مورداً للخطر. وهو المناسب لما في الانتصار والغنية وظاهر الخلاف من أن الضميمة في بيع العبد الآبق رافعة للغرر.

وقد يشهد لهذا التفسير ما في حديث ابن مسعود: (قال رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلّم): لا تشتروا السمك في الماء، فإنه غرر)(1). وهو وإن لم يتضمن تحديد الغرر بذلك، إلا أنه يكون متيقناً منه بعد ما سبق من إجماله في نفسه.

لكن من الظاهر عدم حجية الخبر المذكور. ويأتي إن شاء الله تعالي في المسألة الخامسة عشرة عند الكلام في اشتراط القدرة علي التسليم ما ينفع في المقام.

********

(1) مسند أحمد ج: 1 ص: 388، سنن البيهقي ج: 5 ص: 340، المعجم الكبير للطبراني ج: 10 ص: 209.

ص: 13

وكيف كان فلا مجال للتعويل علي إطلاق النهي عن بيع الغرر، بنحو يشمل جهالة مقدار أحد العوضين مع العلم بحصوله.

وثالثاً: بأن جهل المتبايعين أو أحدهما بقدر العوضين أو بقدر أحدهما قد لا يوجب الخطر حتي بلحاظ بعض مراتب المالية، كما لو كان هناك جنسان مما يكال أو يوزن مجهولاً المقدار، إلا أنهما بقدر واحد فبيع أحدهما بالآخر، أو كانت هناك صبرة من طعام فبيعت جملة علي أن كل صاع بدرهم، أو علم البايع بقدر المبيع وجهله المشتري، فأقدم علي شرائه بقيمة أقل ما يحتمل فيه. كما علم البايع أن الطعام صاعان وترد عند المشتري بين الصاعين والثلاثة فاشتراه بسعر صاعين، وغير ذلك.

ومن هنا لا مجال للاستدلال في المقام بالعموم المذكور، وليس في المقام إلا النصوص الخاصة التي ذكروها في المقام.

منها: صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام): (أنه قال في رجل اشتري من رجل طعاماً عِدلاً بكيل معلوم، وإن صاحبه قال للمشتري: ابتع مني هذا العدل الآخر بغير كيل، فإن فيه مثل ما في الآخر الذي ابتعت. قال: لا يصلح إلا بكيل. وقال: ما كان من طعام سميت فيه كيلاً فإنه لا يصلح مجازفة. هذا مما يكره من بيع الطعام)(1).

والاستدلال به من وجهين:

الأول: نهيه (عليه السلام) في صدر الجواب عن بيع العدل الآخر بغير كيل. وأما حمل قوله (عليه السلام): (يصلح) علي الكراهة فلا ينافي صحة البيع. فهو مخالف للظاهر، بل ظاهر عدم الصلاح الفساد.

نعم قد يشكل الاستدلال المذكور بأن المراد من السؤال تارة: بيع العدل بكيل مع تصديق البايع في كيله. وأخري: بيعه جزافاً برجاء صدق البايع في كيله.

فإن حمل علي الأول خرج عن محل الكلام من المنع عن البيع جزافاً. مع أنه

********

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 4 من أبواب عقد البيع وشروطه حديث: 2.

ص: 14

(15)

مخالف لما تضمن جواز تصديق البايع في الكيل مما يأتي بعضه. فلابد من حمله إما علي الكراهة، أو علي فرض إخبار البايع تخميناً من دون اختبار، كما قد يناسبه عدم دعوي البايع كيل العدل الآخر، بل مجرد مماثلته في المقدار للعدل المكيل.

وإن حمل علي الثاني صلح للاستدلال. لكنه لا شاهد عليه، بل لعل الأقرب الأول، لانصراف السؤال لحيثية إحراز الكيل المناسب للمفروغية عن أخذه في البيع. ويناسبه ما يأتي.

الثاني: قوله (عليه السلام): (ما كان من طعام سميت فيه كيلاً...) بحمله علي النهي عن بيع الطعام جزافاً إذا كان من شأنه أن يكال.

وفيه: أنه لا شاهد عليه، بل ظاهر الوصف التنويع، فيرجع إلي النهي عن أخذ الطعام جزافاً إذا كان بيعه بكيل مسمي، وهو الوجه الأول الذي تقدم، وتقدم أنه خارج عن محل الكلام.

والحاصل: أن الظاهر أو المتيقن من الجواب بصدره وذيله المنع من أخذ الطعام جزافاً في فرض بيعه بكيل مسمي، وهو خارج عن محل الكلام. ولا ظهور له في المنع من بيعه جزافاً، لينفع فيما نحن فيه. غايته أن مقتضي صدره عدم تصديق البايع في مفروض السؤال، إما بحمله علي الكراهة، أو علي كون إخبار البايع حدسياً من دون اختبار، وهو أمر آخر.

ومنها: ما تضمن النهي عن بيع الطعام الذي قد ابتيع قبل أن يكال أو يوزن. كصحيح معاوية بن وهب: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل ببيع البيع قبل أن يقبضه. قال: ما لم يكن كِيل أو وُزِن فلا تبعه حتي تكيله أو تزنه، إلا أن توليه الذي قام عليه)(1). وصحيح الحلبي عنه (عليه السلام): (أنه قال في الرجل يبتاع الطعام ثم يبيعه، قبل أن يكتال قال: لا يصلح له ذلك)(2) وغيرهما. فقد يستدل بها كما في الجواهر

بحملها علي صورة عدم تحقق الكيل في البيع الأول.

********

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 16 من أبواب أحكام العقود حديث: 11، 5.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 16 من أبواب أحكام العقود حديث: 11، 5.

ص: 15

لكنه كما تري لو تم اقتضي صحة البيع الأول من دون كيل، فيكون علي خلاف المطلوب أدل. ولاسيما مع التفصيل في بعضها كالحديث الأول بين بيع التولية فلا يجب الكيل، وغيره فيجب.

والظاهر أن النصوص المذكورة أجنبية عما نحن فيه وواردة في مقام بيان حكم بيع الإنسان ما اشتراه قبل أن يقبضه في فرض كونه قد اشتراه بكيل. كما يظهر بمراجعتها. ويأتي بعض الكلام فيه

ومنها: ما تضمن النهي عن البيع بصاع غير صاع المصر(1). قال في الجواهر: (فإن إطلاق المنع منه يتناول صورة العلم بالمغايرة).

وفيه: أن المنع كما يتناول صورة العلم بالمغايرة يتناول ما إذا كان الصاع المغاير لصاع المصر معلوم المقدار، وحيث لا إشكال ظاهراً في جواز الكيل به مع علمهما بمغايرته لصاع المصر وبمقداره، فلابد إما من حمله علي خصوص صورة الجهل بالمغايرة، أو حمله علي خصوص الجهل بمقداره ولو مع العلم بالمغايرة، لينفع فيما نحن فيه. ولا قرينة علي الثاني،

بل لعل الأظهر الأول، لقرب انصرافه لصورة الخيانة والغش، كما هو المصرح به في خبر الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام): (لا يحل لأحد أن يبيع بصاع سوي صاع المصر، فإن الرجل يستأجر الحمال فيكيل له بمدّ بيته، لعله يكون أصغر من مد السوق. ولو قال هذا أصغر لم يأخذ به، ولكنه يحمّله ذلك، ويجعله في أمانته(2).

ومنها: ما دل علي وجوب تقدير المبيع في السلم بالكيل والوزن، كصحيح عبد الله بن سنان: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يسلم في غير زرع ولا نخل فقال: تسمي كيلاً معلوماً إلي أجل معلوم...)(3). قال في الجواهر: (فإن السلف نوع

********

(1) راجع وسائل الشيعة ج: 12 باب: 26 من أبواب عقد البيع وشروطه.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 26 من أبواب عقد البيع وشروطه حديث: 2.

(3) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 6 من أبواب السلف حديث: 3.

ص: 16

من البيع).

وفيه: أنه يمكن امتيازه عن بقية أنواع البيع بابتنائه علي نحو من الضبط، لعدم إمكان رؤية المبيع فيه، وتجنباً عن النزاع.

ومنها: صحيح أبي عبيدة الحذاء، عن أبي جعفر (عليه السلام)، وفيه: (قيل له: فما تري في الحنطة والشعير، يجيئنا القاسم فيقسم لنا حظنا ويأخذ حظه، فيعزله بكيل، فما تري في شراء ذلك الطعام منه ؟ فقال: إن كان قبضه بكيل وأنتم حضور ذلك فلا بأس بشرائه منه من غير كيل)(1). وهو ظاهر الدلالة علي توقف شرائه من غير كيل علي سبق كيله.

ومنها: موثق سماعة: (سألته عن شراء الطعام وما يكال ويوزن [مما يكال أو يوزن. كافي] هل يصلح شراؤه بغير كيل ولا وزن ؟ فقال: أما أن تأتي رجلاً في طعام قد كيل و [أو] وزن تشتري منه مرابحة فلا بأس إن اشتريته منه ولم تكله ولم تزنه إذا كان المشتري الأول قد أخذه بكيل أو وزن، وقلت له عند البيع: إني أربحك كذا وكذا، وقد رضيت بكيلك ووزنك فلا بأس)(2). ودلالته كالصحيح السابق.

ومنها: ما تضمن أن من أخذ طعاماً بتصديق البايع في كيله ليس له أن يبيعه من غير كيل، كصحيح محمد بن حمران: (قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): اشترينا طعاماً فزعم صاحبه أنه كاله فصدقناه وأخذناه بكيله. فقال: لا بأس. فقلت: أيجوز أن أبيعه كما اشتريته بغير كيل ؟ قال: لا. أما أنت تبعه حتي تكيله)(3) ، وغيره. حيث تدل هذه النصوص علي عدم جواز البيع من غير كيل في غير مورد تصديق البايع في دعوي الكيل.

اللهم إلا أن يكون المنهي عنه في هذه النصوص ليس هو البيع جزافاً، بل البيع بكيل مع الاكتفاء بتعهد البايع الأول بالكيل في تعهد البايع الثاني به، لبيان أن تعهد

********

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 52 من أبواب ما يكتسب به حديث: 5.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 5 من أبواب عقد البيع وشروطه حديث: 7، 4.

(3) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 5 من أبواب عقد البيع وشروطه حديث: 7، 4.

ص: 17

البايع الأول بالكيل إنما يكون حجة علي الكيل في الشراء منه، لا مطلقاً بنحو يصحح تعهد المشتري بالكيل عندما يبيع ما اشتري منه، بل لابد في تعهده به من كيله له بنفسه، خروجاً عن مقتضي الأمانة. وهو خارج عن محل الكلام.

إن قلت: السؤال عن جواز الأخذ بكيل البايع يدل علي المفروغية عن وجوب الكيل إذ لو لم يجب فلا وجه للتوقف فيه والسؤال عنه.

ومثلها في ذلك موثق ابن بكير عن رجل من أصحابنا قال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يشتري الجص، فيكيل بعضه، ويأخذ البقية بغير كيل. فقال: إما أن يأخذ كله بتصديقه، وإما أن يكيله كله)(1) فإن السؤال عن تصديق البايع في كيل البعض فرع عن وجوب الكيل.

وحديث عبد الملك بن عمرو: (قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أشتري مائة راوية من زيت، فأعترض راوية أو اثنتين فأتزنهما، ثم آخذ سائره علي قدر ذلك. قال: لا بأس)(2).

وصحيح الحلبي عنه (عليه السلام): (أنه سئل عن الجوز لا نستطيع أن نعده، فيكال بمكيال، ثم يعدّ ما فيه، ثم يكال ما بقي علي حساب ذلك العدد. قال: لا بأس به)(3).

فإن السؤال عن إحراز الوزن والعدد عن طريق القياس علي الموزون والمعدود فرع وجوب الوزن والعدّ، وعدم جواز البيع جزافاً.

وبالجملة: الإشكال في مقام الإثبات في إحراز الكيل والوزن والعدد فرع المفروغية في مقام الثبوت عن وجوبه.

قلت: السؤال عن إحراز الكيل أو الوزن أو العدد بإخبار البايع وغيره من الطرق غير العلمية إنما يتفرع علي ابتناء البيع الواقع علي الكيل أو الوزن أو العدد، ل

********

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 5 من أبواب عقد البيع وشروطه حديث: 3، 1.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 5 من أبواب عقد البيع وشروطه حديث: 3، 1.

(3) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 7 من أبواب عقد البيع وشروطه حديث: 1.

ص: 18

علي لزوم ابتنائه علي أحدها، بحيث لا يجوز البيع جزافاً. بل يمكن جواز البيع جزافاً، إلا أنه لو ابتني البيع علي الكيل أو الوزن يقع الإشكال والسؤال في أنه هل يلزم العلم بهما، أو يكتفي بإحرازهما بالطرق غير العلمية، كإخبار البايع، والقياس علي الموزون والمعدود وغير ذلك، مما تضمنته النصوص. نظير ما تقدم في صحيح الحلبي الأول.

نعم قد تستفاد المفروغية عن وجوب الكيل من حديث عبد الكريم بن عمرو: (قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أشتري طعام فأكتاله ومعي من شهد الكيل، وإنما أكيله لنفسي، فيقول: بعنيه، فأبيعه إياه علي ذلك الكيل الذي اكتلته. قال: لا بأس)(1) وما في خبر أبي العطارد عنه (عليه السلام): (قلت: فأخرج الكر والكرين، فيقول الرجل: أعطنيه بكيلك. قال: إذا ائتمنك فلا بأس)(2). وقريب منه خير ابن حجاج الكرخي(3).

فإن السؤال فيها ليس عن إحراز الكيل بالطرق غير العلمية، لفرض أن السائل قد كال الطعام بنفسه، بل عن لزوم تكرار الكيل عند بيعه له، ومن الظاهر أنه لولا المفروغية عن لزوم ابتناء البيع علي الكيل وعدم جواز البيع جزافاً لم يكن موقع للسؤال المذكور. بل قوله (عليه السلام) في خبر أبي العطار: (إذا ائتمنك فلا بأس) كالصريح في أن البيع إنما يجوز إذا ابتني علي الائتمان في إحراز الكيل الذي هو فرع وقوع البيع عليه، وأنه لا يصح إذا كان جزافاً مبتنياً علي إهمال الكيل.

هذه هي النصوص التي يستدل بها في المقام. وقد ظهر أن ما ينهض بالاستدلال هو صحيح أبي عبيدة وموثق سماعة، معتضدين بالمفروغية المستفادة من أحاديث عبد الكريم وأبي العطارد والكرخي.

وهي كما تري مختصة بالمكيل والموزون. والتعدي منهما لجميع جهات التحديد كالعد والمساحة في مثل الأرض والثياب يحتاج إلي دليل. والاستدلال عليه بحديث النهي عن بيع الغرر قد عرفت حاله.

********

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 5 من أبواب عقد البيع وشروطه حديث: 2، 6.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 5 من أبواب عقد البيع وشروطه حديث: 2، 6.

(3) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 16 من أبواب أحكام العقود حديث: 19.

ص: 19

نعم استدل شيخنا الأعظم (قدس سره) وغيره بصحيح الحلبي المتقدم لاعتبار العلم بالعدد في المعدود بناء علي الوجه المتقدم الذي عرفت الاشكال فيه.

ثم إن أكثر النصوص المتقدمة مختصة بالطعام، إلا أن موثق سماعة يعمّ كل مكيل وموزون علي رواية التهذيب والوسائل، ويختص بالطعام علي رواية الكافي، ولا يبعد فهم العموم منه بحمله علي تبعية الحكم للقيد من دون خصوصية للطعام.

كما أن مقتضي الإطلاق في الموثق وجوب الكيل والوزن فيه حتي لو لم يتوقف عليهما دفع الغرر، كما لو كان العوضان مجهولي المقدار، إلا أنهما بوزن واحد.

هذا كله في المبيع وأما الثمن فلم يذكر ما يشهد باعتبار العلم فيه عدا ما عن أبي عبد الله (عليه السلام): (أنه كره أن يشتري بدينار غير درهم، لأنه لا يدري كم الدينار من الدرهم)(1).

لكن سنده لا يخلو عن خدش، لعدم ثبوت وثاقة بعض رواته، واختلاف الطرق والنسخ في روايته عن الإمام (عليه السلام)، كما يظهر بمراجعة المصادر. وقد جمعها بعض مشايخنا (قدس سره) في ترجمة حماد بن ميسر.

وأما دلالته فقد تقرب بلحاظ أن مقتضي التعليل فيه مانعية الجهالة من صحة البيع، بناء علي ظهور الكراهة في البطلان. لكن قد يشكل بعد تسليم ظهور الكراهة في أمثال المقام في البطلان بغلبة معرفة نسبة الدرهم للدينار عند إيقاع المعاملة، حيث قد يوجب ذلك الريب في التعليل.

ولاسيما مع ما موثق السكوني عن جعفر عن أبيه (عليه السلام) عن علي (عليه السلام): (في رجل يشتري السلعة بدينار غير درهم إلي أجل، قال: فاسد. فلعل الدينار يصير بدرهم)(2). وخبر وهب عنه (عليه السلام) عن أبيه: (أنه كره أن يشتري الرجل بدينار إلا درهم وإل

********

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 23 من أبواب أحكام العقود حديث: 1، 4.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 23 من أبواب أحكام العقود حديث: 2.

ص: 20

درهمين نسية، ولكن يجعل ذلك بدينار إلا ثلثاً، أو إلا ربعاً...)(1).

لظهورهما في خصوصية النسيئة في المنع بلحاظ احتمال تبدل نسبة الدينار للدرهم، من دون عموم للمنع بلحاظ جهالة نسبة الدرهم للدينار.

ولعل المنع من ذلك في النسيئة لخصوصية فيها، لاحتمال ابتنائها علي نحو من الضبط، ولو لتجنب النزاع، نظير السلف. ولربما يكون ذلك هو الوجه فيما حكي عن الاسكافي من الاقتصار في المنع من نحو ذلك علي بيع النسيئة، بينما عمم غيره المنع.

هذا وعن الحدائق الاستدلال علي عدم قدح الجهل بالثمن بصحيح رفاعة النخاس: (قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ساومت رجلاً بجارية فباعنيها بحكمي، فقبضتها منه علي ذلك، ثم بعثت إليه بألف درهم، فقلت: هذه ألف درهم حكمي، عليك أن تقبلها. فأبي أن يقبلها مني، وقد كنت مسستها قبل أن أبعث إليه بالثمن. فقال: أري أن تقوم الجارية قيمة عادلة، فإن كانت قيمتها أكثر مما بعثت إليه كان عليك أن ترد عليه [إليه. يب] ما نقص من القيمة، وإن كان ثمنها أقل مما بعثت إليه فهو له. قلت: جعلت فداك إن وجدت بها عيباً بعد ما مسستها. قال: ليس لك أن تردها. ولك أن تأخذ قيمة ما بين الصحة والعيب منه)(2).

وهو كالصريح في صحة البيع. غاية الأمر أن حكم الإمام (عليه السلام) بالرجوع للقيمة السوقية، مع عدم استرجاع الزائد عليها لو كانت دون الألف التي دفعها يحتاج للتوجيه، إذ مقتضي تبعية الثمن لحكم المشتري هو الاكتفاء بالألف زادت أو نقصت عن القيمة السوقية. ولو فرض تنزيله علي البيع بالقيمة السوقية مع تحكيمه في تعيينها، بأن يكون حكمه كاشفاً عن الثمن، لا معياراً فيه، فاللازم الرجوع بالزائد عليها لو كانت دون الألف.

ولعل الأقرب توجيهه بأن تحكيم البايع للمشتري في الثمن مقيد لباً بعدم

********

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 23 من أبواب أحكام العقود حديث: 3.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 18 من أبواب عقد البيع وشروطه حديث: 1.

ص: 21

(22)

الإخلال بالقيمة السوقية مع توقع الزيادة عليها، فإن ذلك هو المعلوم من طريقة العرف في تعاملهم، وليس بناؤهم علي التسامح في ذلك إلا في حالات خاصة تبتني علي الإيثار أو شدة الحاجة للمال، كما ذكر ذلك في الجملة بعض مشايخنا (قدس سره). ولو فرض حمله علي التحكيم في تعيين القيمة السوقية فحكمه علي نفسه بالزيادة قد يلزم عليه بعد قبض البايع لها، لأنه أشبه بالصلح.

ودعوي: أن ذلك لا يناسب عمل رفاعة، لأنه لو فهم من البيع المذكور أحد الوجهين لراعي القيمة السوقية، ولو راعاه لذكر ذلك للإمام (عليه السلام) حينما أمره بمراعاتها.

مدفوعة بأنه لا يبعد مراعاته لها من دون تثبت وتأكد، فيرجع أمر الإمام (عليه السلام) بها إلي الأمر بالتثبت منها، وعدم الاكتفاء بالتخمين تسامحاً.

وكيف كان فإن تم التوجيه المذكور فذاك، وإلا تعين حمل ما تضمنه الصحيح علي أنه حكم تعبدي من دون أن يخل بدلالته علي صحة البيع. نظير ما ورد فيمن تزوج امرأة علي حكمه أو علي حكمها(1).

وأما حمل البيع بحكمه كما في كلام غير واحد علي توكيل البايع للمشتري في تولي طرفي المعاملة بعد تعيين الثمن المناسب بنظره.

فهو خروج عن ظاهر الصحيح أو صريحه من دون أن ينهض بدفع الإشكال السابق. بل قد يزيد الأمر تعقيداً، إذ مع عموم التوكيل لما حصل من رفاعة من تعيين الثمن بالألف يتعين نفوذه وعدم الحاجة لمراعاة القيمة السوقية. ومع عدمه يتعين بطلان الشراء، وانحصار الأمر بإرجاع الجارية، أو مساومة مالكها علي ثمن خاص من أجل تجديد شرائها.

ومن هنا كان الظاهر نهوض الصحيح في نفسه بجواز البيع بحكم المشتري.

********

(1) راجع وسائل الشيعة ج: 15 باب: 21 من أبواب المهور.

ص: 22

لكن مع مراعاته في حكمه للقيمة السوقية، ونفوذ الزيادة عليه لو زاد عليها.

نعم قد يدعي سقوطه عن الحجية بهجر الأصحاب له لعدم ظهور فتواهم بمضمونه. لإطلاقهم عدم جواز الجهالة في الثمن، ودعوي غير واحد منهم الإجماع علي ذلك. وتصريح غير واحد ببطلان البيع بحكم أحدهما، وتصريح آخرين ببطلانه بحكم المشتري كما في المقنعة والنهاية وعن وابن البراج وأبي الصلاح وغيرهم. بل في التذكر والروضة وعن غيرهم الإجماع علي ذلك. وفي الروضة رمي الصحيح المتقدم بالشذوذ، بل في مفتاح الكرامة: (رماها جماعة بالشذوذ والندرة).

لكنه لا يخلو عن إشكال بعد ظهور اعتماد الكليني والصدوق علي الصحيح، لابتناء كتابيهما علي انتقاء الأحاديث الصحيحة المعول عليها عندهما. وربما كان ذلك حال من قبلهما ممن لا تعرف فتاواه إلا من طريق الروايات التي يرويها من أجل العمل بها. بل حتي الشيخ في التهذيب، حيث ذكره في الباب المناسب، من دون أن يظهر منه التوقف في العلم به.

بل حتي هو نفسه في النهاية والمفيد في المقنعة وابن البراج وأبي الصلاح فيما حكي عنهما. فإنهم وإن حكموا ببطلان البيع كما سبق وأن للبايع انتزاع المبيع من المشتري، إلا أنهم صرحوا بأن المبيع لو تلف لزمه القيمة، إلا أن يحكم علي نفسه بأكثر منها، فيلزمه ما حكم به. ومن الظاهر أن ذلك لا وجه له إلا الصحيح.

بل قد يظهر من الشيخ (قدس سره) في النهاية الصحة في نظير المسألة، وهو ما إذا كان الشراء بحكم البايع، لأنه لم يحكم ببطلان البيع، وإنما قال: (فإن ابتاعه بحكم البايع في ثمنه فحكم البايع بأقل من القيمة كان ذلك ماضياً ولم يكن له أكثر من ذلك، وإن حكم بأكثر من قيمته لم يكن له أكثر من القيمة في حال البيع...). وهو غريب جداً. إلا أن يكون قد اكتفي عن التنبيه للبطلان هنا بتصريحه به في مسألتنا.

وأغرب من ذلك ما في الغنية، حيث قال: (ومن باع بشرط حكم البايع أو المشتري في الثمن فالبيع فاسد، لما قدمناه من الجهالة بالثمن. فإن تراضيا بإنفاذه

ص: 23

(24)

فحكم المشتري بالقيمة فما فوقها، أو حكم البايع بالقيمة فمادونها مضي ما حكما به، وإن حكم البايع بأكثر والمشتري بأقل لم يمض).

إذ مع فساد البيع كيف يترتب الأثر علي تراضيهما بإنفاذه، بحيث يمضي حكمهما في الثمن علي التفصيل المذكور؟! وإنما يتجه ذلك بناء علي العمل بالصحيح ولو في بعض مضمونه.

وذلك بمجموعه يكشف عن اضطرابهم بنحو يصعب معه ترتيب الأثر علي هجرهم. وكان ذلك ناشئ عن استحكام كبري بطلان البيع مع الجهالة التي لم يتضح منشؤها وقد خرجوا عنها في بعض الموارد، كما سبق.

بقي في المقام أمران:

الأول: أنه روي جميل في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام): (في رجل اشتري طعاماً كل كر بشيء معلوم، فارتفع الطعام أو نقص وقد اكتال بعضه، فأبي صاحب الطعام أن يسلم له ما بقي، وقال: إنما لك ما قبضت. فقال: إن كان يوم اشتراه ساعره علي أنه له فله ما بقي، وإن كان اشتراه ولم يشترط ذلك فإن له بقدر ما نقد)(1). وفي صحيحه الآخر (قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): اشتري رجل تبن بيدر، ركل كرّ بشيء معلوم، فيقبض التبن ويبيعه قبل أن يكال الطعام. قال: لا بأس به)(2). ومقتضاهما جواز شراء الطعام والتبن من دون معرفة مقدارهما، ولا مقدار ثمنهما، وغايته أن يعين لكل كر من الطعام أو تبن الكر منه ثمناً، ثم يعرف مقدار المبيع والثمن بعد أن يكال الطعام.

ويظهر من جملة النصوص شيوع مثل هذا البيع في المكيل والموزون، ففي صحيح معاوية بن وهب: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يبيع البيع قبل أن يقبضه. فقال: ما لم يكن كيل أو وزن فلا تبعه حتي تكيله أو تزنه، إلا أن توليه الذي

********

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 26 من أبواب أحكام العقود حديث: 3.

(2) الكافي ج: 5 ص: 180. واللفظ له. وسائل الشيعة ج: 12 باب: 13 عقد البيع وشروطه حديث: 1.

ص: 24

قام عليه)(1) ، وصحيح الحلبي عنه (عليه السلام): (أنه قال في الرجل يبتاع الطعام ثم يبيعه قبل أن يكال. قال: لا يصلح له ذلك)(2) ، وخبر خالد بن حجاج الكرخي: (قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أشتري الطعام من الرجل، ثم أبيعه من رجل آخر قبل أن أكتاله، فأقول: ابعث وكيلك حتي يشهد كيله إذا قبضته قال: لا بأس)(3). ونحوها غيرها.

فإنها صريحة في تحقق البيع وملك المشتري للطعام المبيع قبل أن يكال، ولا يكون ذلك إلا لكون التحديد بالكيل مبنياً علي مقابلة كل وحدة تفرض بما يقابلها بالثمن بنحو تحفظ فيه نسبة المالية بين العوضين، فالتحديد به أشبه ما يكون بالقضية الحقيقية.

هذا وقد يدعي مخالفة هذه النصوص لما عليه الأصحاب من اعتبار العلم حين البيع بقدر العوضين، فتسقط عن الحجية بالهجر. ولاسيما مع تصريح جمع بعدم صحة مثل هذا البيع.

لكن لا مجال لذلك بعد فتوي الإسكافي والشيخ وابن حمزة بمضمونها في الجملة، ففي كلام محكي عن الاسكافي ما يظهر منه جواز بيع الصبرة من الطعام كل كر بكذا، وصرح في النهاية والوسيلة بجواز بيع تبن البيدر لكل كر من الطعام تبنة بشيء معلوم، وصرح في المبسوط والخلاف بجواز بيع الصبرة من الطعام كل قفيز بدرهم، وبيع السمن كل رطل بدرهم، وبيع الدار كل ذراع بدينار، كما يظهر من الكليني الاعتماد علي صحيحي جميل.

ومن الغريب ما في الشرايع من عدم جواز ذلك في بيع الصبرة والدار بالكيل والذراع، وجوازه في بيع السمن بظروفه بالوزن. وما في الجواهر من حمل الأخير علي صورة العلم بوزن المجموع لا قرينة عليه.

وكيف كان فالمتعين البناء علي جواز ذلك مطلقاً بعد وفاء النصوص به وعمل

********

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 16 من أبواب أحكام العقود حديث: 11.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 16 من أبواب أحكام العقود حديث: 5، 3.

(3) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 16 من أبواب أحكام العقود حديث: 5، 3.

ص: 25

(26)

من عرفت بها فيحمل ما دلّ علي وجوب التحديد بالكيل أو غيره علي ما يعم التحديد بالوجه المذكور.

وكذا الحال في النهي عن بيع الغرر بناء علي عمومه لما نحن فيه، حيث يتعين حمله علي الغرر بالنحو الذي لا تراعي فيه نسبة المالية بين العوضين، دون الغرر من سائر الجهات.

وأظهر من ذلك الحال في غير المكيل والموزون مما لم يقم دليل علي وجوب التحديد فيه، كالمعدود بناء علي ما سبق وما تتقوم ماليته بمساحته كالثوب والأرض. بل حتي بيع قطيع الغنم كل رأس بكذا. لأن هذه الأمور وإن لم ترد فيها نصوص خاصة، إلا أن الصحة فيها مقتضي العمومات. ولاسيما بعد ورود النصوص المتقدمة في نظائرها من المكيل والموزون.

ومن الغريب أن غير واحد من الأصحاب ممن تعرض لذلك مجوزاً أو مانعاً لم يشر لهذه النصوص، حيث يوهم ابتناء مذهب المجوزين علي مجرد الاجتهاد منهم في الاكتفاء بذلك في العلم المعتبر في العوضين، مع رده باشتمال البيع فيها علي الغرر والجهل المفروغ عندهم عن مانعيتها من صحته. فراجع ما ذكروه في صور بيع الصبرة.

نعم أشار لصحيح جميل الثاني في السرائر، وذكر أن الأولي رده، لأنه بيع مجهول، نظير بيع الصبرة كل قفيز بدينار، وهو باطل بالإجماع.

لكن عرفت تصريح الشيخ بالجواز في بيع الصبرة المذكور أيضاً. كما أن رد الصحيح للوجه الذي ذكره ظاهر الوهن، لأن عدم جواز بيع المجهول ليس حكماً عقلياً غير قابل للتخصيص.

الثاني: قال شيخنا الأعظم (قدس سره): (لو وقعت معاملة الموزون بعنوان معلوم عند أحد المتبايعين دون الآخر كالحقة والرطل والوزنة باصطلاح أهل العراق الذي لا يعرفه غيرهم، خصوصاً الأعاجم غير جائز، لأن مجرد ذكر أحد العنوانات عليه

ص: 26

(27)

من كيل أو وزن أو عدّ أو مساحة (1)، فلا تكفي المشاهدة، ولا تقديره بغير المتعارف فيه عند البيع (2)، كبيع المكيل بالوزن وبالعكس،

---------------

وجعله في الميزان ووضع صخرة مجهولة المقدار معلومة الاسم في مقابله لا يوجب للجاهل معرفة زائدة علي ما يحصل بالمشاهدة).

وفيه: أن الزائد في المقام هو معرفة أن الموزون بالغ المقدار المضبوط المعهود عند أهل البلد الذي عليه التعامل بينهم. وهذا مخرج عن الجزاف، ومحقق لعنوان الوزن أو الكيل المعتبرين. وإلا فمعرفة تفاصيل المكاييل والأوزان مقصورة علي الخاصة، ولا تعرفها عامة الناس، حتي من أهل البلد.

علي أنه تكفي السيرة في المقام شاهداً علي الجواز، لظهور أن الابتلاء بالسفر لا يختص بزمان، واختلاف البلدان في مقادير المكاييل والموازين شايع، والجهل بالنِسَب بينهما أشيع، والتعرف عليها أصعب، خصوصاً في العصور السابقة، لعدم تيسر وسائل الضبط. فلو بني علي لزوم العلم بها لوقع الهرج والمرج ولكثر السؤال عن الحلّ، وحيث لا أثر لذلك تعين اكتفاء الشارع بالرجوع لكيل البلد ووزنه.

هذا وأما الاستدلال علي الجواز بما تضمن لزوم كون البيع بصاع المصر(1) ، فهو في غير محله، لأن الظاهر ورود المضمون المذكور لبيان عدم جواز الغش والتطفيف، كما تقدم عند الكلام في أدلة المسألة. فلاحظ.

(1) يأتي منه (قدس سره) في المسألة الرابعة ما يظهر منه التوقف في وجوب التقدير بالمساحة.

(2) كما صرح به غير واحد. عملاً بظاهر دليل التقدير بكل وجه من الوجوه المعتبرة. ودعوي: أن مقتضي عمومات النفوذ عدم وجوب التقدير، وقد سبق انه لا مخرج عن ذلك إلا في المكيل والموزون، وموثق سماعة الوارد فيهما معاً إنما تضمن

********

(1) راجع وسائل الشيعة ج: 12 باب: 26 من أبواب عقد البيع وشروطه.

ص: 27

وجوب أحدهما، من دون أن يصرّح فيه بالتقسيم ولا بالتخيير، ومع إجماله من هذه الجهة يتعين الرجوع لعمومات النفوذ المقتضية للاكتفاء بكل منهما، المطابق للتخيير عملاً.

مدفوعة بأن ذلك وإن كان هو مقتضي الجمود علي عبارة الموثق، إلا أن المناسبات الارتكازية قاضية بأن اعتبار التقدير بكل منهما إنما هو من أجل معرفة مقدار مالية المقدر، ولذا لا يكتفي بالتقدير بالكيل والوزن غير المعروفي المقدار، وذلك يقتضي الاقتصار في كل مقدر علي ما يتعارف تقديره به من كيل أو وزن، بحيث ينحصر معرفة مقداره بلحاظ ماليته عرفاً به، وعدم الاجتزاء في تقديره بالآخر إذا لم تعرف ماليته به عرفاً.

مضافاً إلي أن مقتضي صحيح أبي عبيدة لزوم الكيل في المكيل وعدم الاجتزاء بالوزن فيه بدلاً عنه، وهو يصلح شاهداً علي حمل موثق سماعة علي التقسيم. فلاحظ.

هذا وقد احتمل في اللمعة الاجتزاء بكل منهما في مورد الآخر ووجهه في الروضة بالانضباط، وبرواية وهب الآتية. واستوجهه في الدروس في السلم، قال: (ولو أسلم في المكيل وزناً أو بالعكس فالوجه الصحة، لرواية وهب عن الصادق عليه السلام).

ومراده بها رواية وهب عن جعفر عن أبيه عن علي (عليه السلام): (قال: لا بأس بالسلف ما يوزن فيما يكال، وما يكال فيما يوزن)(1). وقد استشكل في الاستدلال بها لذلك بضعفها سنداً ودلالة.

أما السند فلضعف وهب، وقد رماه غير واحد بالكذب، بل عن الفضل بن شاذان أنه كان من أكذب البرية، وفي معتبر العباس بن هلال عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنه قال عنه: (لقد كذب علي الله وملائكته ورسله).

********

(1) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 7 من أبواب السلف حديث: 1.

ص: 28

نعم ذلك لا يتناسب مع إيداع الأصحاب رواياته في الفقه في كتبهم، حتي أن للصدوق (قدس سره) له طريقاً في كتاب من لا يحضره الفقيه الذي صرح بأنه لا يودع فيه إلا ما هو يفتي به ويحكم بصحته ويعتقد أنه حجة فيما بينه وبين ربه تقدس ذكره وتعالت قدرته، وأن جميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة عليها المعول وإليها المرجع. وقد افتي الشهيد (قدس سره) اعتماداً علي هذه الرواية بمثل هذا الحكم المخالف لما هو المعلوم من مبانيهم خصوصاً المتأخرين من الإصرار علي اعتبار العلم بالعوضين.

ومن ثم لا يبعد ظهور بعض القرائن لهم توجب الوثوق بمثل هذه الرواية، كما يناسبه ما عن كتاب ابن الغضائري، حيث قال: (وهب بن وهب... أبو البختري القاضي كذاب عامي، إلا أن له عن جعفر بن محمد عليهما السلام أحاديث كلها يوثق بها).

غاية الأمر أن خفاء هذه القرائن علينا يمنعنا من الاعتماد علي هذه الرواية وأمثالها. ولاسيما مع عدم ظهور انجبارها بعمل قدماء الأصحاب غير الصدوق.

وأما الدلالة فقد قال في مفتاح الكرامة تعقيباً علي كلام الشهيد: (وفيه: أن الظاهر من معني الرواية إنما هو أنه لا بأس بسلف المكيل في الموزون وبالعكس. يعني: أن يكون أحدهما ثمناً للآخر مثمناً، لا ما ذكره من كيل الموزون ووزن المكيل. ويشير إلي ذلك أن الشيخ ذكر الرواية في باب إسلاف السمن في الزيت...). وقد جري علي ذلك غير واحد ممن تأخر عنه.

وهو مبني علي حمل (في) علي معني باء العوض، وهو مخالف للظاهر، ولذا عنون الشيخ في الاستبصار الباب بالباء، فقال: (باب إسلاف السمن بالزيت)، وذكر فيه حديث عبد الله بن سنان: (سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا ينبغي للرجل إسلاف السمن بالزيت، ولا الزيت بالسمن)(1). ولاسيما أن وضوح جواز ذلك بحد يبعد معه تعرض الرواية له، لوضوح أن غالب الأثمان هو الدراهم والدنانير التي هي

********

(1) الاستبصار ج 3 ص 79.

ص: 29

من الموزون، وأغلب ما يسلم فيه هو الطعام الذي هو من المكيل. ومن ثم قد يكون المراد بالرواية ما فهمه الشهيدان.

وإن كان الإنصاف أنه لا يناسب تركيبها اللفظي أيضاً، والبناء علي إجمالها هو الأنسب. والأمر سهل بعد عدم حجية الرواية.

وأما ما سبق من الروضة من توجيه احتمال الاجتزاء بكل منهما بدل الآخر بالانضباط، فيدفعه أن المراد بالانضباط ليس هو الانضباط في الجملة. ولذا لا إشكال في عدم الاجتزاء بالوزن والكيل غير المعروفين، بل الانضباط بلحاظ مقدار المالية، فإذا كان مقدارها تابعاً عرفاً لأحد التقديرين فالتقدير بالآخر لا يحقق الانضباط المطلوب.

وربما قيل بالتفصيل بين وزن المكيل وكيل الموزون، فيجوز الأول، كما عن المبسوط والسرائر وظاهر الشرايع، وفي الرياض أنه المشهور، دون الثاني، فعن السرائر أن ما يباع وزناً لا يباع كيلاً بلا خلاف.

وقد يستدل له بوجوه:

الأول: أن الوزن أضبط من الكيل. وفيه: أن كلاً منهما يضبط المقدر من جهة خاصة فالوزن يضبطه بلحاظ كثافته، والكيل يضبطه بلحاظ حجمه، ومع تبعية المالية لإحدي الجهتين دون الأخري يكون الضبط من الجهة الأخري خارجاً عن موضوع دليل لزوم التقدير بالكيل والوزن، كما يظهر مما سبق.

الثاني: ما ذكره شيخنا الأعظم (قدس سره) من أن بيع المكيل وزناً ليس من بيع المجازفة المنهي عنه في الأخبار ومعقد الاجماعات.

وفيه: أولاً: أنه لا يمكن أن يراد بالمجازفة عدم الضبط من جميع الجهات، لما عرفت من عدم الإشكال في عدم الاجتزاء بالوزن والكيل غير المعروفين، بل أن يراد بها عدم الضبط بلحاظ مقدار المالية، فإذا كان مقدارها تابعاً للكيل كان البيع بالوزن

ص: 30

من بيع المجازفة. وبعبارة أخري: مقتضي الأدلة المتقدمة وجوب كيل المكيل ووزن الموزون، لا مجرد منع البيع المجازفة.

وثانياً: أن لازمه الاجتزاء بالكيل في الموزون، لعدم كونه بيع مجازفة بالمعني الذي ذكره. والتفريق بينهما في ذلك غير ظاهر. ولا ينفع فيه نفي الخلاف المتقدم عن السرائر، لظهور عدم نهوضه بالحجية.

الثالث: ما عن الإيضاح من أن الوزن أصل الكيل.

وفيه: أولاً: أنه وإن كان مسلماً في الجملة، كما يظهر مما ذكروه تحديد المد والصاع والكر، إلا أنه لا يتيسر لنا الجزم به بنحو العموم. بل الوزن المشهور هذه الأيام الذي أصله الغرام متفرع علي الكيل، لأن الغرام هو وزن السنتمتر المكعب من الماء المقطر.

وثانياً: أنه لا ينفع إذا صارت مالية الجنس المقدر تابعة لكيله، كما هو المفروض في المقام.

نعم لو ثبت أن مالية كل جنس مكيل تابعة لوزنه، وأن الاكتفاء فيه بالكيل لأنه يرجع إليه ولو تقريباً، للتسامح في الفرق، اتجه الاكتفاء بالوزن في المكيلات، لرجوع ذلك إلي أنها موزونة حقيقية. والي ذلك يرجع ما ذكره شيخنا الأعظم (قدس سره)، حيث قال: (والمحكي بالتتبع أن الوزن أصل الكيل، وأن العدول إلي الكيل من باب الرخصة. وهذا هو معلوم لمن تتبع موارد تعارف الكيل في الموزنات).

لكن عهدة ذلك علي مدعيه. وشيخنا الأعظم (قدس سره) إنما ادعي العلم بذلك في المكيلات الموزونة، لا في جميع المكيلات.

ومن هنا لا مخرج عما سبق من لزوم الاقتصار في كل جنس علي التقدير بالوجه الذي يعرف به مقدار ماليته عرفاً.

نعم لو فرض معرفة مقدار ماليته بكل من الوجهين عرفاً، تعين التخيير في تقديره بين الوجهين حتي في البلد الذي يتعارف تقديره بخصوص أحدهما، لأنه

ص: 31

(32)

أسهل، أو لمجرد التعارف. لما ذكرناه آنفاً من قضاء المناسبات الارتكازية بأن التقدير بالكيل والوزن من أجل ضبط مقدار مالية المبيع. ولا يبعد كون غالب المكيلات كذلك.

وكذا الحال لو فرض معرفة مالية الشيء بالعدّ أيضاً حيث يتعين الاكتفاء في تقديره بكل من الوجوه الثلاثة وإن تعارف خصوص بعضها، لعدم نهوض موثق سماعة بالمنع عن ذلك بعدما سبق من اختصاصه بالتقدير الدخيل في معرفة مقدار مالية المقدر.

بقي في المقام أمور:

الأول: أن تقدير الشيء بغير ما يتعارف تقديره به تارة: يكون مبنياً علي الإعراض عن تقديره بما يتعارف تقديره به، ويكون في قباله، وهو الذي تقدم الكلام فيه.

وأخري: يكون في طول تقدير بما يتعارف تقديره من أجل إحرازه به، كما إذا وزنت كيلة من الطعام الذي من شأنه أن يكال ثم وزن الباقي منه بقدرها، أو كيل رطل من الزيت الذي من شأنه أن يوزن ثم كيل الباقي منه بقدره، وهكذا الحال في المعدود.

ولا إشكال في الاجتزاء به لو أوجب العلم بالمقدار المعتبر في ذلك الشيء بالأصل، لظهور أن اعتبار التقدير بالمقادير المذكورة إنما هو من أجل معرفة مقدار الأمر المقدر بحسبها، لا لاعتبارها تعبداً، فمع فرض العلم يتحقق المقدار المذكور من طريق آخر يتعين الاجتزاء به، ولا يحتاج للقيام بعملية التقدير. وإنما الكلام فيما إذا احتمل الفرق. وحينئذ فالفرق المحتمل تارة: يكون قليلاً يتسامح فيه. وأخري: يكون كثيراً لا يتسامح فيه.

أما الأول فقد ذكر شيخنا الأعظم (قدس سره) وغيره أنه يجتزأ به، لأنه تقدير للشيء بما يتعارف تقديره به.

ص: 32

ويشكل بأن المفروض أن التقدير الذي يناط به معرفة ماليته هو التقدير الآخر الذي لم يقدر به، وأن تقديره بالوجه الذي قدر به ليس لكونه معياراً في معرفة ماليته، بل لجعله طريقاً لمعرفة التقدير المطلوب الذي لم يقدر به، بحيث يكون أمارة عليه، ومن الظاهر أن الأمارية المذكورة تحتاج إلي دليل، نظير ما يأتي في المسألة الثالثة من تصديق قول البايع في الكيل والوزن.

وقد يستدل في المقام بخبر عبد الملك بن عمرو: (قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أشتري مائة رواية من زيت فاعترض رواية أو اثنتين، فأتزنهما، ثم آخذه سائره علي قدر ذلك. قال: لا بأس)(1).

لكنه مع غض النظر عن سنده إن حمل علي العلم باتفاق الروايات في الوزن خرج عن محل الكلام. وإن حمل علي الظن بذلك، نتيجة تشابهها، مع التسامح في الفرق، رجع إلي حجية الظن، لا إلي حجية الكيل علي تعيين مقدار الوزن، لعدم كيل الروايا الباقية.

كما أنه لا يناسب صحيح الحلبي المتقدم عن أبي عبد الله (عليه السلام): (أنه قال: في رجل اشتري من رجل طعاماً عدلاً بكيل معلوم، وإن صاحبه قال للمشتري: ابتع مني هذا العدل الآخر بغير كيل، فإن فيه مثل ما في الآخر الذي ابتعت. قال: لا يصلح إلا بكيل...)(2) ، بناء علي ما سبق من حمله علي أن إخبار البايع عن تخمين.

اللهم إلا أن يحمل علي الكراهة. أو يفرق بينهما بأن الصحيح وارد في إخبار البايع عن تخمين، وخبر عبد الملك وارد في ظن المشتري بنفسه بسبب تشابه الروايا، ويعمل بكل منهما في مورده.

كما أن خبر عبد الملك وإن لم يكن مما نحن فيه، إلا أن ما نحن فيه مثله، بل أولي منه، لاحتمال الفرق بين الروايات في الحجم قليلاً، وعدم احتمال ذلك المقام بعد

********

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 5 عقد البيع وشروطه حديث: 1.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 4 عقد البيع وشروطه حديث: 2.

ص: 33

فرض تكرار الكيل بكيل واحد. فالظاهر نهوضه بالمطلوب لولا الإشكال في سنده، لعدم ثبوت وثاقة عبد الملك بوجه يعتمد عليه، وإن كانت مظنونة.

هذا وفي صحيح الحلبي عنه (عليه السلام): (أنه سئل عن الجوز لا نستطيع أن نعده، فيكال بمكيال ثم يعد ما فيه، ثم يكال ما بقي علي حساب ذلك العدد. قال: لا بأس به)(1).

لكنه مع اختصاصه بصورة تعسر العد وارد في كيل المعدود، الذي لا دليل فيه علي وجوب العد، إلا ما قد يدعي من دلالة هذا الصحيح عليه، كما يظهر مما سبق، فكيف يمكن التعدي منه لوزن المعدود، فضلاً عن وزن المكيل وكيل الموزن، مع ما سبق من وفاء النصوص بوجوب كيل الأول ووزن الثاني.

اللهم إلا أن يقال: بعد فرض ابتناء البيع في الموزون علي الوزن وعدم الجزاف فالإشكال إنما هو في إحراز الوزن، وهو بذلك يشارك ما يبتني فيه البيع علي العد، وإن لم يجب العد، وبلحاظ ذلك يكون فهم العموم من صحيح الحلبي للموزن قريباً جداً. وأما التقييد بتعسر العد فقد وقع في كلام السائل ومن البعيد جداً دخله في الجواز. ومن ثم يقرب البناء علي الاجتزاء بالكيل لإحراز العدد والوزن معاً. ولاسيما مع اعتضاده أو تأيده في الثاني بحديث عبد الملك، ومع قرب قيام السيرة علي ذلك في عصور المعصومين (صلوات الله عليهم) وإن كان شيوعها بحيث يحرز إقرارهم (عليه السلام) لها لا يخلو عن إشكال.

وأما الاكتفاء بالوزن أو العدّ عن الكيل وبالوزن عن العدّ وبالعدّ عن الوزن فلا يخلو عن إشكال، لعدم الدليل عليه بعد اختصاص النصوص بالكيل. ولاسيما مع عدم وضوح قيام سيرة عليه.

وأشكل من ذلك الأمر في الثاني، وهو ما إذا كان الفرق المحتمل كثيراً لا يتسامح فيه، حيث لا مجال لدعوي قيام السيرة عليه، فضلاً عن نهوض النصوص به.

********

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 7 عقد البيع وشروطه حديث: 1.

ص: 34

لكن قال شيخنا الأعظم (قدس سره): (وأما إذا كان التفاوت مما لا يتسامح فيه فالظاهر أيضاً الجواز مع البناء علي ذلك المقدار المستكشف من التقدير إذا كان ذلك التقدير أمارة علي ذلك المقدار، لأن ذلك أيضاً خارج عن الجزاف، فيكون نظير إخبار البايع بالكيل. ويتخير المشتري لو نقص).

وهو كما تري! إذ المراد بأماريته إن كان هو أماريته شرعاً، ولو إمضاء لما عند العرف، فهي تحتاج إلي دليل. وإن كان هو أماريته قصداً، في مقابل ما إذا لم يكن القيام بالتقدير الخاص بنية طريقتيه للتقدير الآخر المطلوب، فهو وحده لا يكفي في صحة البيع بعد فرض ظهور الأدلة في وجوب التقدير المطلوب من أجل معرفة مقدار المقدر به، المفروض عدم حصوله. وإلا جاز مثل شراء صبرة غير مكيلة ولا موزونة بنية كونها بكيل أو وزن خاص، ولا يظن بأحد البناء علي ذلك.

ومثل ذلك في الإشكال ما ذكره (قدس سره) من ثبوت الخيار للمشتري لو نقص فإن متقضي مقايسته بإخبار البايع بالقدر هو رجوع البايع بالزيادة والمشتري بالنقيصة، لتوزيع الثمن علي أجزاء المقدار، كما يأتي في المسألة الثالثة.

مع أنه لا مجال لمقايسته بإخبار بالمقدار، لرجوع إخبار البايع إلي تعهده بتحقق ما أخبر به، الملزم له عرفاً بتحمل دركه، كما لو أخبر بسائر صفات المبيع المرغوبة. ولذا لو أقدم المشتري علي شراء الشيء بسبب إخبار غير البايع بصفة فيه مرغوبة فظهر الخطأ لم يرجع علي البايع ولم يكن له خيار. والظاهر أن مرجع إقدامهما علي التقدير المذكور مع الإطلاق هو الصلح بينهما علي الاجتزاء بالمقدر عن المقدار الذي وقع عليه البيع بالأصل، كما في الصورة الأولي، ولا رجوع مع ذلك.

نعم لو ابتني اكتفاؤهما عند البيع بالطريق المذكور علي اشتراط الرجوع مع الخطأ تعين في فرض صحة البيع رجوع المشتري عند ظهور النقص ورجوع البايع عند ظهور الزيادة، عملاً بالشرط المفروض. وهو غير محل الكلام.

وقد تحصل من جميع ما سبق جواز الاكتفاء بالكيل عن الوزن والعد مع

ص: 35

التسامح عرفاً في الفرق دون غيره.

نعم يجوز ذلك في موارد:

الأول: ما إذا كان التقدير الآخر أوفي من التقدير الذي يقع البيع بلحاظه، كما لو باع عشرة أرطال من الطعام فكاله له بكيل يعلم بزيادته علي العشرة ولو قليلاً، لكن مع كون المبيع المقابل بالثمن هو العشرة لا غير، والزيادة من سنخ الهبة، نظير الزيادة في الميزان التي ورد الحث عليها(1). لأن مقتضي الجمع بين دليلي وجوب الكيل والوزن واستحباب الزيادة هو لزوم العلم ببلوغ المبيع المقدار المطلوب مع استحباب زيادة المدفوع هبة.

الثاني: ما إذا بيعت الجملة كل مقدار بثمن معين، كما لو بيعت الصبرة كل قفيز بكذا أو كل رطل بكذا، بناء علي ما سبق من جواز ذلك، حيث لا يحتاج للكيل والوزن والعدّ من أجل تصحيح البيع، بل من أجل معرفة مقدار الثمن المستحق. وحينئذ لا ما نع من رضا الطرفين بتعيين المقدار الذي يدور الثمن مداره من طريق التقدير الآخر وفي طوله، لرجوع ذلك إلي الصلح بينهما علي تعيين الثمن تبعاً للتقدير الآخر، فينفذ، لعمومات نفوذ الصلح.

الثالث: ما إذا كان المبيع كلياً في الذمة بكيل أو وزن أو عدد خاص وكذا كل ما تنشغل به الذمة ولو من غير طريق البيع، فكما يجوز تسليمه بالكيل أو الوزن والعدد الذي أخذ فيه، يجوز تسليمه من طريق تعيين القدر المطلوب بالوجه الآخر، لرجوعه إلي الصلح أيضاً عن المقدار المستحق بالتقدير الذي يسلم به. بل يجزي فيه الجزاف أيضاً. لعموم نفوذ الصلح.

مضافاً إلي صحيح يعقوب بن شعيب: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون لي عليه أحمال كيل مسمي، فيبعث إلي بأحماله فيها أقل من الكيل الذي لي عليه،

********

(1) راجع وسائل الشيعة ج: 12 باب: 7 من أبواب آداب التجارة.

ص: 36

(37)

وآخذ مجازفة. فقال: لا بأس)(1).

وهذه الموارد الثلاثة خارجة عن محل كلامهم. والدليل فيها العموم من دون أن يحتاج فيها لأدلة خاصة. وإنما ذكرناها استطراداً، لمناسبتها في الجملة لمحل الكلام.

الثاني: يشيع بين الناس الإندار للظروف في الموزونات، وذلك بوزن المظروف المبيع مع ظرفه، ثم إسقاط شيء من وزن المجموع يخص الظرف، ويحسب الباقي وزناً للمظروف. وهو يبتني غالباً علي نحو من التخمين تسامحاً في الفرق، ويستلزم نحواً من عدم الضبط في وزن المظروف المبيع. والمعروف بين الأصحاب جوازه، بل قال شيخنا الأعظم (قدس سره): (لا خلاف فيه في الجملة).

وهو تارة: يكون بعد تمامية البيع إما من أجل تسليم المبيع، كما لو كان كلياً في الذمة وسلم البايع للمشتري من جنسه بظروفه وفاء له، وإما من أجل معرفة قدر الثمن، كما لو بيعت الجملة بظروفها كل مقدار منها بكذا بناء علي ما سبق منا من صحة ذلك ثم وزنت بظروفها من أجل معرفة قدرها وقدر ثمنها.

وأخري: يكون عند البيع من أجل إحراز وزن المبيع الذي هو شرط في صحته، كما لو أريد بيع ما في الظرف، فوزن مع ظرفه، ثم أندر للظرف مقدار من الوزن، وحسب الباقي وزناً للمبيع عند بيعه.

أما في الصورة الأولي فمقتضي القاعدة جوازه، لرجوع رضا المتبايعين به إلي التصالح بينهما علي وفاء ما انشغلت به الذمة بما يبقي بعد الإندار، أو علي وفاء الثمن الذي انشغلت به الذمة عند بيع الجملة بالثمن المقابل لما يبقي بعد الإندار، ومقتضي العمومات نفوذ الصلح المذكور.

وأما في الصورة الثانية فمقتضي القاعدة عدم جوازه في فرض عدم العلم بالوزن الحقيقي للمبيع، لابتناء الإندار علي التسامح في وزن الظرف. ومجرد العلم

********

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 5 من أبواب عقد البيع وشروطه حديث: 5.

ص: 37

بوزن المجموع من المظروف المبيع والظرف الخارج عنه لا يكفي في صحة البيع، بل لابد فيه من العلم بوزن المبيع وحده. والاكتفاء فيه بالتخمين يحتاج إلي دليل.

ودعوي: أن تعارفه في البيوع يرجع إلي كون تقدير المبيع بذلك هو التقدير بالوجه المتعارف في تحديد مالية المبيع، وهو كاف في المقام.

مدفوعة بأن المفروض أن التقدير الدخيل في مالية المبيع عرفاً هو الوزن، فاللازم مراعاته، عملاً بالأدلة. وتعارف الإندار يرجع إلي تعارف الاكتفاء به عن الوزن، أو إلي التعارف أحراز الوزن به، وكلاهما يحتاج إلي دليل. نعم لو فرض كون الاكتفاء به مورداً لسيرة متصلة بعصور المعصومين (صلوات الله عليهم)، بحيث يحرز إقرارهم لها اتجه الاجتزاء به. لكنه غير ثابت.

فالعمدة في المقام النصوص، كموثق حنان: (كنت جالساً عند أبي عبد الله (عليه السلام) فقال له معمر الزيات: إنا نشتري الزيت في زقاقة، ويحسب لنا فيه نقصان لمكان الزقاق. فقال: إن كان يزيد وينقص فلا بأس، وإن كان يزيد ولا ينقص فلا تقربه)(1) وحديث علي بن أبي حمزة: (سمعت معمر الزيات يسأل أبا عبد الله (عليه السلام) فقال: جعلت فداك إني رجل أبيع الزيت... فقال: فإنه يطرح لظروف السمن والزيت لكل ظرف كذا وكذا رطلاً، ربما زاد وربما نقص. فقال: إذا كان ذلك عن تراض منكم فلا بأس)(2). وحديث علي بن جعفر عن أخيه موسي بن جعفر (عليه السلام): (سألته عن الرجل يشتري المتاع وزناً في الناسية والجوالق، فيقول: ادفع للناسية رطلاً أو أقل أو أكثر من ذلك أيحل ذلك البيع. قال: إذا لم يعلم وزن الناسية والجوالق فلا بأس إذا تراضيا)(3).

وحمل هذه النصوص علي خصوص الصورة الأولي بلا شاهد، بل مقتضي ترك الاستفصال فيها العموم للصورتين معاً.

نعم مقتضي الأول عدم جواز الإندار إذا كان يزيد ولا ينقص، فاللازم الخروج به عن إطلاق الأخيرين لو نهضا في أنفسهما بالاستدلال.

********

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 20 من أبواب عقد البيع وشروطه حديث: 4، 1، 3.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 20 من أبواب عقد البيع وشروطه حديث: 4، 1، 3.

(3) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 20 من أبواب عقد البيع وشروطه حديث: 4، 1، 3.

ص: 38

وإن كان من القريب حمله علي الكراهة، لما فيه من إجحاف بالبايع واستغلال له، لابتنائه غالباً علي جعل تعذر وزن المظروف وحده أو صعوبته نقطة ضعف في البايع تستغل من أجل إرغامه علي الرضا باستثناء أكثر من وزن الظرف. فإن ذلك وإن كان جائزاً بمقتضي القاعدة، لأن من حق المشتري أن لا يرضي إلا باستثناء الأكثر، إلا أنه استغلال مخالف للإنصاف وأخلاقيات التعامل.

وإلا فمن البعيد جداً عدم جواز استثناء الأكثر. إذ هو نظير ما ورد الحث عليه من دفع الزائد وإرجاح الميزان(1).

غاية الأمر أن الفرق بينهما أن إرجاح الميزان مما يقدم عليه البايع بدافع أخلاقي، والإندار بالوجه المذكور مما يضطر للرضا به غالباً لاستغلال نقطة الضعف المذكورة، ويبعد كون هذا الفرق سبباً للحرمة.

وأبعد منه عموم الكراهة فضلاً عن الحرمة لما لو أقدم البايع علي ذلك ورضي به بدافع أخلاقي من دون استغلال له.

وإن كان في بلوغ ذلك حداً يسوغ الخروج عن ظاهر النهي في الموثق وعن إطلاقه إشكال.

ومن الغريب ما في الشرايع والقواعد وعن غيرهما من إطلاق جواز الإندار إذا كان محتملاً للزيادة والنقيصة، وتوقف جوازه مع الزيادة علي التراضي.

فإنه إن ابتني علي العمل بالقواعد فهي تقتضي المنع أو الجواز في الجميع، لكن مع التراضي. وإن ابتني علي العمل بالنصوص فهي تقتضي التفصيل حتي مع التراضي، حيث لا مجال لحمل موثق حنان علي صورة عدم التراضي، لانصرافه إلي كون الذي يندر للظرف هو الذي بيده المعاملة وإنداره باختياره.

نعم قد يحمل كلامهم علي أن المراد بالتراضي التراضي الصريح، بخلاف صورة

********

(1) راجع وسائل الشيعة ج: 12 باب: 7 من آداب التجارة.

ص: 39

(40)

احتمال الزيادة والنقصان، فإنه يكفي فيها التراضي الارتكازي بسبب تعارف الإندار بالوجه المذكور، حيث يكون الإقدام علي المعاملة حينئذ مبتنياً علي الرضا ارتكازاً بالجري علي إيقاعها بالوجه المتعارف. فلاحظ.

وكيف كان فلا يبعد أن يلحق بالظروف كل ما يكون متصلاً بالمبيع ولا يكون مقابلاً بالمال كالرصاص أو الشمع الذي يملأ به تجاويف الذهب والفضة المصوغين، والأحجار غير ذات المالية المثبتة فيهما، ونحوها مما يصعب فصله. إذ من القريب إلغاء خصوصية الظروف في ذلك عرفاً، بحيث يفهم من النصوص المتقدمة أن المدار علي صعوبة تجريد المبيع مما يتصل به، تسهيلاً وجرياً علي ما عليه العرف عند الحاجة.

الثالث: المستفاد من دليل وجوب الكيل والوزن هو لزوم كيل أو وزن كل جنس يكال أو يوزن بنفسه ولوحده. فلا يكتفي بوزن أو كيل أكثر من جنس واحد جمله من دون أن يعرف وزن كل منها وحده. بل لا يبعد اعتبار معرفة كيل أو وزن كل صنف علي انفراده في أصناف الجنس الواحد إذا اختلفت بينها في مقدار المالية.

لما سبق من أن المستفاد من موثق سماعة هو اعتبار تقدير الشيء بالنحو الدخيل في تحديد ماليته، ومع اختلاف أجناس المكيلات والموزونات وأصنافها الدخيلة في المالية لا يتحقق ذلك إلا بإفراد كل منها بالكيل.

نعم إذا تعارف كيل أو وزن المركب من أكثر من جنس أو صنف واحد كيلاً أو وزناً واحداً، تعين الاجتزاء به، لرجوعه إلي كون الممتزج بنفسه جنساً واحداً له مواصفاته الدخيلة في المالية عرفاً.

من دون فرق في ذلك بين كون التركيب بنحو الامتزاج الموجب للاتحاد عرفاً، كالحليب والعصير، وكونه بنحو الاختلاط الذي يصعب الفصل معه، كالرز والماش، وكونه بنحو يتميز كل جنس منه بنفسه بحيث يسهل فصله، كالمصوغ من الذهب المشتمل علي بعض الأحجار الكريمة، أو المصوغ من قطع متصلة بعضها ذهب وبعضها فضة وغير ذلك، لأن المدار علي تعارف كون الشيء بمجموعه له مواصفاته

ص: 40

(41)

وكبيع المعدود بالوزن أو الكيل (1)، وبالعكس (2)، وإذا كان الشيء مما يباع في حال بالمشاهدة وفي حال أخري بالوزن أو الكيل كالثمر يباع علي الشجرة بالمشاهدة وفي المخازن بالوزن، والحطب محمولاً علي الدابة بالمشاهدة وبالمخزن بالوزن، واللبن المخيض يباع في السقاء بالمشاهدة وفي المخازن بالكيل فصحة بيعه مقدراً أو مشاهداً تابعة للمتعارف (3).

-

الخاصة التي بها قوام ماليته ككل، ومقدار ماليته بمجموعه تابع لمقدار كيله أو وزنه. كل ذلك مع تعارف تحديد مالية المجموع بكيل أو وزن واحد. أما مع عدمه فلا مجال لشيء من ذلك، لخروجه عن ظاهر دليل الكيل والوزن.

وبذلك يتجه الاكتفاء بوزن الشيء مع ظرفه، بحيث يكون الظرف مبيعاً وموزوناً معه إذا تعارف فيه ذلك، بحيث تحدد ماليته بهذا النحو. أما مع عدم تعارف ذلك فلا مجال له، سواءً كان الظرف من الموزون أم لم يكن، كما يظهر مما سبق.

(1) حيث سبق عدم الدليل علي وجوب العد في المعدود يتعين جواز بيعه بالوزن والكيل، سواء كان التقدير بهما في قباله أم في طوله من أجل إحرازه بهما. وكذا الحال لو تم الاستدلال لوجوب العدّ بصحيح الحلبي المتقدم المتضمن لبيع المعدود كيلاً من أجل معرفة عدده، فإنه إنما يدل عليه في الجملة ولو لكون وجوبه تخييرياً. ومثله الإجماع الذي قد يدعي في المقام، فإن المتيقن منه وجوبه في مقابل البيع جزافاً.

(2) يعني: بيع المكيل والموزون عداً. ويظهر مما سبق عدم جوازه إلا في فرض معرفة مالية الشيء بالعد وإن لم يكن متعارفاً فيه، كما ذكرناه في ذيل الكلام في جواز تقدير المكيل بالوزن والموزون بالكيل. فراجع.

(3) لأن موضوع موثق سماعة ما يكال ويوزن المراد به شأنية ذلك، فمع عدم كون المبيع كذلك في بعض الأحوال يتعين الاكتفاء فيه بالمشاهدة في تلك الحال، لخروجه عن موضوع النص. بل ربما يدعي عدم وجوب المشاهدة فيه، علي ما يأتي

ص: 41

وكذا إذا كان يباع في حال بالكيل وفي أخري بالوزن (1)، كالفحم يباع كثيراً في الأكياس الكبيرة بالكيل (2)، وفي المخازن قليلاً قليلاً بالوزن، فإن المدار في التقدير ما يكون متعارفاً في تلك الحال التي بيع فيها كيلاًَ أو وزن

---------------

الكلام فيه في المسألة الرابعة إن شاء الله تعالي.

ويشهد بعدم وجوب الكيل والوزن حينئذ مضافاً إلي ذلك النصوص الكثيرة الواردة في بيع الثمار، وفي بيع الصوف علي ظهر الغنم(1) وفي بيع اللبن في ضروعها(2) وغيرها، مع وضوح أن الثمار من المكيل والموزون في بعض الأحوال والصوف واللبن من الموزون والمكيل كذلك. ويأتي في المسألة الخامسة إن شاء الله تعالي ما ينفع المقام.

وبذلك يظهر عدم وجوب الكيل والوزن في القليل الذي هو دون الوزن والكيل المتعارفين في جنسه، فإنه لقلته ليس من المكيل والموزون، وإن أمكن أن يكال أو يوزن بمكاييل وموازين ليس من شأن ذلك الجنس أن يكال أو يوزن بها، كالسمن يوزن بالغرامات والمثاقيل، والجص يكال بالكوب ونحوه. مضافاً إلي قيام السيرة علي ذلك، لشيوع الابتلاء ببيع القليل والقطع بعد الالتزام بكيله ولا وزنه. فلاحظ.

(1) لنظير الوجه المتقدم. نعم لا يبعد أن يكون بيعه بالكيل في بعض الأحوال وبالوزن في أخر ليس لانحصار معرفة ماليته بأحدهما، بل لكونه متعارفاً أو أيسر في تلك الحال، مع كون كل من التقديرين كافياً في معرفة ماليته عرفاً، وحينئذ يتعين التخيير بينهما في جميع الأحوال، كما يظهر مما ذكرناه في ذيل الكلام في جواز تقدير المكيل بالوزن والموزون بالكيل. فراجع.

(2) الذي نعهده أنه يباع بالأكياس، وهي ليست كيلاً، ولذا قد تختلف قليلاً، بل هي نحو من العدد. وكذا الحال في المعلبات الشايعة في عصورنا.

********

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 10 من أبواب عقد البيع وشروطه حديث: 1.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 8 من أبواب عقد البيع وشروطه حديث: 1.

ص: 42

(43)

أو عداً (1).

(مسألة 3): يكفي في معرفة التقدير إخبار البايع بالقدر (2)

---------------

(1) بناء علي وجوب العد في المعدود.

(2) كما ذكره في الجملة غير واحد، وذكر شيخنا الأعظم (قدس سره) أنه المشهور، واستظهر في الرياض عدم الخلاف في الاعتماد علي إخبار البايع في الكيل والوزن، وظاهر التذكرة إجماع أصحابنا علي جواز الاعتماد عليه في الكيل.

وذكر بعض الأعاظم (قدس سره) في وجهه أن اعتبار التقدير بأحد الوجوه المذكورة إنما هو لخروج البيع عن كونه جزافاً، وإذا وقع البيع بناء علي إخبار البايع بالقدر خرج عن كونه جزافاً.

وفيه: أن ظاهر النصوص اعتبار التقدير بالكيل والوزن، لا مجرد عدم كون البيع جزافاً، فلابد من إحراز الكيل أو الوزن بطريق معتبر، ولا يكفي مجرد ابتناء البيع علي التقدير بأحدهما، وخروجه بذلك عن الجزاف.

فالعمدة في المقام مضافاً إلي قاعدة قبول قول الإنسان فيما تحت يده غير واحد من النصوص، كصحيح عبد الرحمن بن أبي عبد الله: (أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام)

عن الرجل يشتري الطعام أشتريه منه بكيله وأصدقه. قال لا بأس، ولكن لا تبعه حتي تكيله)(1) ، وموثق سماعة المتقدم في أوائل المسألة السابقة وغيرهما مما تقدم بعضه.

ولا ينافيها صحيح الحلبي عنه (عليه السلام): (أنه قال في رجل اشتري من رجل طعاماً عدلاً بكيل معلوم، وإن صاحبه قال للمشتري: ابتع مني هذا العدل الآخر بغير كيل، فإن فيه مثل ما في الآخر الذي ابتعت. قال: لا يصلح إلا بكيل...)(2).

لما تقدم في أوائل المسألة السابقة من قرب حمله علي كون إخبار البايع تخمينياً،

********

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 5 من أبواب عقد البيع وشروطه حديث: 8.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 4 من أبواب عقد البيع وشروطه حديث: 2.

ص: 43

وإلا كان المناسب له أن يخبر بأنه قد كاله. ولو تعذر ذلك تعين حمله علي الكراهة بقرينة النصوص الأول.

نعم قد ينافيها صحيح أبي عبيدة الحذاء عن أبي جعفر (عليه السلام): (سألته عن الرجل منا يشتري من السلطان من إبل الصدقة وغنم الصدقة، وهو يعلم أنهم يأخذون منهم أكثر من الحق الذي يجب عليهم. قال: فقال: ما الإبل إلا مثل الحنطة والشعير وغير ذلك لا بأس به حتي تعرف الحرام بعينه. قيل له: ما تري في مصدق يجيئنا فيأخذ منا صدقات أغنامنا، فنقول: بعناها، فيبيعناها، فما تقول في شرائها منه ؟ فقال: إن كان قد أخذها وعزلها فلا بأس. قيل له: فما تري في الحنطة والشعير يجيئنا القاسم فيقسم لنا حظنا ويأخذ حظه، فيعزله بكيل، فما تري في شراء ذلك الطعام منه ؟ قال: إن كان قبضه بكيل وأنتم حضور ذلك فلا باس بشرائه منه من غير كيل)(1). لظهور اشتراطه حضورهم الكيل في لزوم علمهم به.

اللهم إلا أن يقال: سياق الحديث لا يناسب كون السؤال عن شراء الحنطة والشعير من دون كيل، بل عن أصل شرائها، وسوق الجواب لبيان أن شرط جوازه هو قبضه بحضورهم. ولعله من جهة أن تعين الحق في المعزول مشروطاً برضاهم، وبدونه يبقي ملكاً لهم، فلا يصح شراؤهم له. وتعرضه (عليه السلام) لجواز شرائه من دون كيل قد يكون تبعاً لفرضهم كيله، لا لكونه مشروطاً بحضورهم كيله، بحيث لابد من علمهم به، ولا يكفي إحرازه من طريق آخر، كإخبار البايع به، لينافي النصوص السابقة. نعم هو دال علي عدم جواز شرائه من غير كيل إذا لم يكن قد كيل سابقاً، كما تقدم، وهو أمر آخر غير محل الكلام.

علي أنه لو سلم حمل الصحيح كون العلم بالكيل شرطاً في جواز الشراء من دون كيل فمقتضي الجمع بينه وبين النصوص السابقة المتضمنة تصديق البايع في الكيل هو حمل العلم في الصحيح علي أنه مأخوذ بنحو الطريقية، يقوم مقامه سائر

********

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 52 من أبواب ما يكتسب به حديث: 5.

ص: 44

(45)

كيلاً (1) أو وزناً (2) أو عداً (3). ولا فرق بين عدالة البايع وفسقه (4). والأحوط اعتبار حصول اطمئنان المشتري بإخباره (5)

---------------

الطرق المعتبرة، ومنها إخبار البايع.

نعم لو كان السؤال ناظراً لإخبار البايع، والجواب مسوقاً للردع عن التعويل عليه، تعذر الجمع بذلك، وكان الصحيح منافياً للنصوص السابقة. لكن من الظاهر عدم إشعار السؤال بذلك. ومن هنا لا مخرج عما تضمنته النصوص السابقة التي هي حجة في نفسها، ومعول عليها عند الأصحاب.

(1) كما تضمنته جميع نصوص المقام. مضافاً إلي قاعدة قبول قول الإنسان فيما تحت يده.

(2) كما تضمنه موثق سماعة. وقد يستفاد من بقية النصوص بإلغاء خصوصية الكيل فيها عرفاً. مضافاً إلي قاعدة قبول قول الإنسان فيما تحت يده.

(3) النصوص المتقدمة وإن لم تتضمن ذلك، إلا أنه قد يستفاد منها بإلغاء خصوصية مواردها عرفاً. مضافاً إلي قاعدة قبول قول الإنسان فيما تحت يده.

علي أنه حيث سبق عدم الدليل علي وجوب العد في المعدودات إلا دعوي إلحاقها بالمكيل والموزون فهي كما تقتضي إلحاقها بها في أصل وجوب العد تقتضي إلحاقها بها في تصديق البايع فيه.

(4) كما استظهره في مفتاح الكرامة، وهو مقتضي إطلاق الأصحاب، تبعاً لإطلاق النصوص السابقة، وعموم قاعدة قبول قول الإنسان فيما تحت يده للفاسق.

(5) ولعله إلي هذا يرجع ما في مفتاح الكرامة من أن المدار علي السكون إليه. قال سيدنا المصنف (قدس سره) تعقيباً علي النصوص: (نعم لا يبعد انصرافها إلي سكون المشتري إلي الإخبار. ويقتضيه ما في خبر أبي العطارد المتقدم من قوله (عليه السلام): إذا ائتمنك فلا بأس).

ص: 45

لكن لم يتضح منشأ الانصراف. ولاسيما مع ما في صحيح محمد بن حمران: (قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): اشترينا طعاماً، فزعم صاحبه أنه كاله، فصدقناه وأخذناه بكيله. فقال: لا بأس...)(1) ، فإن التعبير بالزعم لا يناسب الانصراف للوثوق.

وأما خبر أبي العطارد المتقدم في الاستدلال علي وجوب الكيل فهو مع غض النظر عن سنده إنما تضمن استئمان المشتري للبايع، وجعل أمر الكيل في عهدته، في مقابل ما إذا أقدم علي المعاملة جزافاً معرضاً عن الكيل، ولم يتضمن اعتبار إيمان المشتري بقول البايع، ليناسب اطمئنانه أو وثوقه بقوله.

ومثله ما ذكر بعض مشايخنا (قدس سره) من تأييد اعتبار الوثوق بما في مرسل بن

بكير المتقدم فيمن يشتري الجص، فيكيل بعضه ويأخذ البقية من غير كيل من

قوله (عليه السلام): (إما أن يأخذ كله بتصديقه، وإما أن يكيله كله) حيث يبدو أنه (قدس سره) فهم من تصديقه له ركونه لقوله وإيمانه بصدقه.

لكن لدلالة فيه علي ذلك، بل ظاهره إرادة التصديق العملي بالاجتزاء بقوله، وإنما قد يتجه ذلك لو قال: إن صدقه أخذه كله بغير كيل، وإلا كاله كله.

ومن هنا لا مجال لاعتبار الركون والوثوق أو الاطمئنان في المقام. ومثله ما قواه شيخنا الأعظم (قدس سره) من اعتبار حصول الظن منه.

نعم قد تنصرف النصوص عما إذا ظن بكذبه أو كان هناك ما يوجب الريب فيه. علي أنه لا يخلو عن إشكال بعد عموم صحيح محمد بن حمران.

نعم لو انحصر لدليل في المقام بقاعدة قبول قول الإنسان فيما تحت يده تعين الاقتصار علي ما إذا لم يكن متهماً، لأن ذلك هو المتيقن منها.

بقي في المقام أمور:

الأول: قال في القواعد: (ولو عرف أحدهما الكيل أو الوزن وأخبر الآخر

********

(1) وسائل الشيعة ج: 2 باب: 5 من أبواب عقد البيع وشروطه حديث: 4.

ص: 46

صح، فإن نقص أو زاد تخير المغبون) وهو صريح في قبول قول المشتري في الكيل والوزن كالبايع. بل قد يستفاد منه كما قد يظهر من مفتاح الكرامة قبول قول كل منهما فيما يخص الآخر، كالبايع في الثمن، والمشتري في المثمن.

وهو متجه لو أوجب العلم، لما سق من أن لزوم الكيل والوزن ليس لذاتهما، بل لمعرفة المقدار بهما، فمع فرض معرفته بدونهما يتعين الاجتزاء به. ولكن الظاهر خروجه عن مفروض كلامهم في المقام، وأن الكلام فيما لا يوجب العلم.

وحينئذ يتجه التعميم بناء علي ما سبق من بعض الأعاظم (قدس سره) في توجيه قبول قول البايع بخروج البيع معه عن كونه جزافاً، لعدم الفرق بينه وبين المشتري في ذلك، بل حتي الأجنبي، كما لعله ظاهر.

نعم سبق المنع منه، وأن العمدة في المقام النصوص. وهي مختصة بالبايع في المبيع، والتعدي لغيره يحتاج إلي دليل. غاية الأمر أنه لا يبعد التعدي للمشتري في الثمن لفهم عدم الخصوصية عرفاً بعد كون كل منهما يخبر عما يختص به، ويقع تحت يده. ولا مجال لما زاد علي ذلك.

نعم مع كون الثمن تحت يد البايع أو المبيع تحت يد المشتري لم يبعد تصديق صاحب اليد منهما في وزن أو كيل ما تحت يده إذا لم يكن متهماً، لما سبق من القاعدة العقلائية.

الثاني: محل الكلام ما إذا كان المبيع شخصياً يراد بكيله أو وزنه تصحيح البيع. وكذا الحال في الثمن لو قلنا بحجية قول المشتري فيه. أما لو كان المبيع أو الثمن كلياً محدداً بكيل أو وزن، ولا يراد بالكيل والوزن تصحيح البيع، بل إحراز الوفاء لا غير فهو خارج عن محل الكلام.

وحينئذ فالقبول بغير العلم تابع لرضا صاحب الحق الذي يراد وفاؤه، ومن حقه الرضا به ثبوتاً، الراجع لمصالحته عن حقه بالمقدار غير المعلوم، فيتحقق الوفاء واقعاً، لعموم نفوذ الصلح. كما أن له القبول به ظاهراً بمعني عدم مطالبته بما زاد

ص: 47

(48)

ولو تبين الخلاف بالنقيصة (1) رجع المشتري علي البايع بثمن النقيصة (2)،

---------------

عليه، وإن كان يستحقه واقعاً لو كان ما استلمه أقل من حقه.

الثالث: يلحق بإخبار البايع كل طريق لتشخيص المقدار ثبتت حجيته شرعاً، ولو إمضاء لما عند العرف. وحكم الخطأ فيه هو الحكم الآتي في خطأ البايع. نعم لو ظهر من دليله ترتب الأثر علي مضمونه واقعاً فلا أثر للخطأ فيه. كما لا يبعد ذلك في صحيح الحلبي المتقدم في كيل المعدود، فإن الظاهر بناء المتعاملين معه علي التسامح في الفرق المتوقع الراجع لنحو من الصلح بينهما وظاهر الصحيح صحة المعاملة معه علي النحو الذي يقدمان عليه. فلاحظ.

(1) الظاهر أن موضع كلامهم مطلق النقيصة والزيادة وإن لم يلزم غبن أحد الطرفين، كما يظهر مما يأتي في وجه المسألة. وما تقدم من القواعد من التعبير بالمغبون يراد به من يكون النقص أو الزيادة علي خلاف مصلحته إيجازاً في العبارة، لا الغبن المصطلح.

لكن في مفتاح الكرامة: (وتخير المغبون لأن كان الخيار خيار غبن. وقضيته أن التفاوت اليسير غير معتبر). وهو كما تري، فإن لازمه عدم اعتبار التفاوت الكثير إذا لم يستلزم الغبن، لكون البيع مع النقيصة بأقل من ثمن المثل كثيراً، ومع الزيادة بأكثر من ثمن المثل كذلك. ولا يظن بأحد الالتزام به.

(2) ظاهرهم المفروغية عن عدم بطلان البيع، وقد صرح في مبحث الشروط من جامع المقاصد بذلك في نظيره، وهو ما إذا ظهرت الزيادة، قال: (وهل يحتمل البطلان، كما لو باعه ثوباً علي أنه قطن فبان كتاناً؟ الظاهر العدم، للفرق بين كون ذلك من غير الجنس، وهذا منه، إنما الفائت الوصف).

نعم الظاهر أن المعيار في البطلان وعدمه ليس علي كون الفائت جنساً وكونه وصفاً، بل علي كون العنوان مقوماً للبيع عرفاً وكونه زائداً عليه مرغوباً فيه، علي م

ص: 48

تقدم منا توضيحه في المسألة السابعة والعشرين من مقدمة كتاب التجارة عند الكلام في حكم الغش.

وكيف كان فلا ينبغي الإشكال في عدم بطلان البيع في محل الكلام، لأن الكيل والوزن ليسا مقومين للمبيع. وإنما الكلام في أن فوتهما من فوت الجزء وتبعض الصفقة، أو من فوت الوصف من دون أن تتبعض، بل تصح بتمامها مع ثبوت الخيار، كما لو باعه الشيء علي أنه جيد، فبان رديئاً.

قد يقرب الأول بأن مبني التقدير في محل الكلام علي التوزيع وأن لكل جزء من المبيع قسماً من الثمن بما يناسب التقدير المذكور، فإذا باعه الطعام علي أنه عشرة أقفزة بعشرة دراهم انصرف إلي أن لكل قفير درهم، فإذا انكشف أنه تسعة أقفزة تعين بطلان البيع في قفيز، لعدم سلامة المبيع، وإذا انكشف أنه أحد عشر قفيزاً تعين قصور البيع عن قفيز منها، فيبقي علي ملك البايع.

وفيه: أن هذا إنما يتجه فيما إذا وقع البيع علي أجزاء المقادير، كما لو اعتقد أن صبرة من الطعام عشرة أقفزة، فباعه صاحبها عشرة أقفزة منها بعشرة دراهم. وأظهر من ذلك ما إذا باعها كل قفيز بدرهم.

أما إذا وقع البيع علي الجملة بناء علي بلوغها المقدار المذكور، فالجملة لم يفقد منها شيء، ليبطل البيع فيما يقابله من الثمن. وتوزع الثمن لباً علي أجزاء المقدار الملحوظ في المعاملة وإن كان مسلماً، إلا أنه لا يقتضي عموم البيع لشيء مفقود بعد فرض كون المبيع هو الجملة لا غير. غاية الأمر أن يكون في المقام تدافع بين جعل المبيع هو الجملة وأخذ المقدار الخاص فيها، وهو مغفول عنه بسبب الخطأ في تقديرها، وهو أمر آخر غير عدم سلامة بعض المبيع.

اللهم إلا أن يقال: التدافع المذكور كسائر موارد التدافع بين عنواني موضوع العقد، كما لو زوجه بنته الكبري زينب، فظهر أن زينب ليست هي الكبري، وكما لو باعه هذا القميص، فبان قماشاً غير مخيط، أو باعه هذا العبد الكاتب، فبان غير

ص: 49

كاتب... إلي غير ذلك. وبناء العرف في جميع ذلك علي ترتيب الأثر علي ما هو المقصود بالأصل، وإلغاء المقصود تبعاً، علي الاختلاف بين الموارد.

وحينئذ فمرجع ما سبق من أن مبني التقدير علي التوزيع هو كون المقصود بالأصل هو التوزيع، وأن جعل الثمن في مقابل الجملة مقصود بالتبع، لتخيل بلوغها المقدار المذكور، فيتعين العمل علي ذلك.

بخلاف ما لو انعكس الأمر، وكان المقصود بالأصل هو الجملة، وكان التقدير مقصوداً تبعاً من دون أن يؤخذ بنحو التوزيع، فإن تخلفه لا يوجب تبعض الصفقة، كما يأتي إن شاء الله تعالي في المسألة السادسة.

ويتضح ذلك بالرجوع للعرف في المقام، لظهور مبناهم علي عدم استحقاق الزائد عن مقتضي التوزيع في الزيادة والنقيصة رأساً، وأن الذي يأخذه يأخذ ما لم يملك، وأن البيع لا يصح في تمام الثمن مع النقيصة، ولا في تمام المثمن مع الزيادة.

ويشهد به ما في موثق السكوني عن جعفر عن أبيه: (أن علياً (عليه السلام) قضي في رجل اشتري من رجل عكة فيها سمن احتكرها حكرة، فوجد فيها رباً، فخاصمه إلي علي (عليه السلام)، فقال له علي (عليه السلام): لك بكيل الرب سمناً. فقال له الرجل: إنما بعته منك حكرة. فقال له علي (عليه السلام): إنما اشتري منك سمناً، ولم يشتر منك رباً)(1). فإن الظاهر أن المراد من بيعه حكرة بيعه جملة جزافاً من دون أخذ الكيل فيه. وحينئذ يظهر من البايع المفروغية عن أنه لو أخذه بكيل لاستحق عليه الفرق.

ومثله في ذلك معتبر عمر بن حنظلة عنه (عليه السلام): (في رجل باع أرضاً علي أنها عشرة أجربة، فاشتري المشتري [ذلك] منه بحدوده، ونقد الثمن، ووقع صفقة البيع وافترقا، فلما مسح الأرض إذا هي خمسة أجربة. قال: إن شاء استرجع فضل ماله [وأخذ الأرض]، وإن شاء رد البيع، وأخذ ماله كله. إلا أن يكون له إلي جنب تلك الأرض أرضون، فليؤخذ [فليوفه]، ويكون البيع لازماً له، وعليه الوفاء بتمام

********

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 7 من أبواب أحكام العيوب حديث: 3.

ص: 50

البيع...)(1). ويأتي في صحيح عمر بن يزيد ما يناسب ذلك. ومن هنا لا ينبغي الإشكال في تبعض الصفقة.

وحينئذ فمقتضي القاعدة رجوع المشتري بما يقابل النقص من الثمن، كما ذكره سيدنا المصنف (قدس سره). ويظهر منهم المفروغية عنه في تبعض الصفقة.

لكن قال العلامة في التذكرة: (لو أخبره البايع بكيله، ثم باعه بذلك الكيل، صح عندنا... فإن زاد رد الزيادة، وإن نقص رجع بالناقص). ولعل مقتضي الجمود عليه هو لزوم البيع في التام، ووجوب تدارك النقص علي البايع من جنس المبيع. إلا أن عدم معهودية ذلك عندهم تبعد إرادته.

ويظهر من شيخنا الأعظم حمله علي فسخ البيع الواقع علي الناقص، ليرجع إلي أن المقام بنظره من موارد تخلف الوصف، لا تخلف الجزء. وربما يحمل علي إرادة الرجوع بثمن الناقص، ليطابق ما ذكره في القواعد في بيع الصرف في نظير المسألة من تخييره بين الفسخ والإمضاء بحصة الباقي من الثمن، وهو المفروغ عنه عندهم في تبعض الصفقة.

وربما انصرف ذهنه الشريف إلي فرض وقوع البيع علي الكلي التام ويكون دفع الناقص وفاء به، فيجب إتمامه. وإن كان الظاهر خروجه عن محل الكلام.

وكيف كان فوجوب تدارك البايع للنقص في محل الكلام وهو وقوع البيع علي الموجود الخارجي الناقص مخالف للقواعد التي جروا عليها في نظائر المقام.

نعم تقدم في موثق السكوني ومعتبر عمر بن حنظلة ما يناسب ذلك. لكن ظاهرهم الإعراض عنهما في هذه الجهة، كما يظهر بمراجعة كلماتهم في المواضع المتفرقة. ومن ثم يشكل التعويل عليهما.

ولاسيما مع ما في صحيح ميسر عن أبي عبد الله (عليه السلام): (قلت له: رجل اشتري

********

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 14 من أبواب الخيار حديث: 1.

ص: 51

زق زيت وجد فيه دردياً. قال: فقال: إن كان يعلم أن ذلك يكون في الزيت لم يرده، وإن لم يكن يعلم أن ذلك يكون في الزيت رده علي صاحبه)(1). فإنه مشابه لموثق السكوني مورداً.

وفي مكاتبة الصفار للإمام أبي محمد العسكري (عليه السلام) فيمن باع قرية بحدودها، وليس له منها إلا قطاع أرضين فوقع (عليه السلام): (لا يجوز بيع ما ليس يملك، وقد وجب الشراء من البايع علي ما يملك)(2) ومورده من سنخ مورد معتبر عمر بن حنظلة، ولم يتضمن التفصيل المذكور فيه.

بل في صحيح عمر بن يزيد: (بعت بالمدينة جراباً هروياً، كل ثوب بكذا وكذا، فأخذوه فاقتسموه، ثم وجدوا بثوب فيها عيباً، فردوه علي. فقلت لهم: أعطيكم ثمنه الذي بعتكم به. فقالوا: لا، ولكنا نأخذ قيمته منك، فذكرت ذلك لأبي عبد الله (عليه السلام) فقال: يلزمهم ذلك)(3). فإنه صريح فيما ذكره الأصحاب في حكم تبعض الصفقة.

نعم رواه في الكافي هكذا: (يلزمه ذلك)(4). بنحو يظهر منه إلزام عمر بما قالوه من دفع قيمة الثوب لهم. وهو مع غرابة مضمونه لا يخلو عن اضطراب رافع للوثوق به، كما يظهر بملاحظته. علي أنه يمكن حمله علي أنه يلزم عمر ما قاله، دون ما قالوه، فيطابق رواية الفقيه.

ومن هنا لا يبعد حمل موثق السكوني علي كونه (عليه السلام) بصدد بيان ما يصحح أخذ تمام الثمن. ولاسيما مع صعوبة تشخيص نسبة مقدار الرب لمجموع العكة، ليعرف مقدار ما يناسبها من الثمن، كما تقدم منا في آخر المسألة السابعة والعشرين من مقدمة كتاب التجارة.

********

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 7 من أبواب أحكام العيوب حديث: 1.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 2 من أبواب عقد البيع وشروطه حديث: 1.

(3) من لا يحضره الفقيه ج: 3 ص: 136.

(4) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 16 من أبواب الخيار حديث: 1.

ص: 52

وكان له الخيار في الفسخ والإمضاء في الباقي (1)، ولو تبينت الزيادة كانت الزيادة

---------------

كما يحتمل حمل معتبر عمر بن حنظلة علي كون المبيع ليس هو الأرض الخاصة بحدودها، بل ما يساوي عشرة أجربة منها، وشخّص البايع ذلك بما يناسب الحدود الخاصة، فمع فرض وجود أرض مجاورة ينكشف دخولها في المبيع، فيجب عليه دفعها للمشتري.

فإن أمكن ذلك، وإلا تعين ردّ علم الحديثين لقائليهما (عليهما السلام). والعمل علي ما جري عليه الأصحاب، عملاً بالقاعدة المعتضدة بالنصوص السابقة، خصوصاً صحيح عمر بن يزيد. فلاحظ.

(1) وهو خيار تبعض الصفقة، بتقريب: أن المشتري إنما أقدم علي شراء التام، فحيث لم يسلم له كان له الخيار كسائر صفات المبيع التي يبتني عليها البيع.

لكن الظاهر أن ذلك إنما يتجه إذا كانت التمامية مورداً لغرض المشتري، بحيث أقدم علي شراء الجملة بناء علي واجديتها لذلك، كما لو تعلق غرضه بشراء طن من الطعام جملة، فأخبره صاحب الطعام ببلوغ الطعام الذي عنده المقدار المذكور، فاشتراه علي ذلك، فتبين نقصه. أما إذا أقدم علي شراء جملة من الطعام مهما بلغ قدرها، فأخبره البايع أنها بقدر خاص من أجل تحديد ثمنها لا غير، فلا موجب للخيار لو بان النقص، لعدم ابتناء البيع علي المقدار المذكور. بل ليس له الرجوع إلا بما يقابل النقص من الثمن.

نعم لو قيل بأن المقام ليس من تخلف جزء المبيع، بل من تخلف الوصف، لعدم ابتناء التقدير علي توزيع الثمن علي أجزاء المقدار، بل علي مقابلة الجملة بالجملة، وأن البيع يصح بتمام الثمن في الناقص، فالمتعين ثبوت الخيار مطلقاً، لظهور ابتناء جعل جملة الثمن في مقابل الجملة ذات المقدار الخاص علي سلامة ذلك المقدار.

ص: 53

(54)

للبايع (1)، وكان المشتري بالخيار بين الفسخ والإمضاء بتمام الثمن (2).

---------------

(1) كما صرح به غير واحد. ويظهر وجهه مما سبق. نعم لابد هنا من كون الزيادة من باب الغلط في التقدير، دون الزيادة التي يقدم عليها البايع من أجل رجحان الوزن، أو الخطأ في الوزن والكيل بالوجه المتعارف والمتوقع، فإنها هبة من البايع خارجة عن المبيع، كما هو ظاهر، وصرح بجواز أخذها في النصوص الواردة في فضول المكاييل والموازين(1).

(2) علله (قدس سره) بلزوم الشركة بين المالين من دون إقدام عليها. لكن الظاهر أن ثبوت الخيار بذلك بلحاظ كونها صفة مرغوباً عنها. وهو يختص بما إذا احتاجت القسمة إلي مؤنة، فثبوت الخيار في غير ذلك لا يخلو عن إشكال.

نعم يتجه ثبوت الخيار له لو ابتني البيع علي حفظ الجملة، كما لو كان بصدد شراء قدر خاص من الحنطة في كيس كامل مختوم، فأخبره البايع بأن ما في الكيس المختوم بقدر المطلوب ثم تبين زيادته، حيث يتعين ثبوت الخيار له بتبعض الصفقة الراجع لخيار تخلف الوصف.

هذا وقد ذكر سيدنا المصنف (قدس سره) أن الشركة مع الزيادة وإن كانت تثبت لكل من المشتري والبايع، إلا أنها لا تقتضي الخيار للبايع، لأن الشركة في حقه ليست في المبيع، بل في ماله الذي بقي له بعد البيع.

ويشكل بأن ثبوت الخيار بتخلف وصف المبيع إنما هو من أجل انكشاف عدم وقوع البيع علي الوجه المطلوب الذي بني عليه، وذلك كما يحصل في حق المشتري في المقام، لأنه أقدم علي شراء ما ليس مشاعاً، كذلك يحصل في حق البايع لأنه أقدم علي بيع ما ليس مشاعاً أيضاً. ومجرد كون المشاع المملوك مبيعاً في حق المشتري ليس مبيع

********

(1) راجع وسائل الشيعة ج: 12 باب: 27 من أبواب أحكام العقود.

ص: 54

(55)

(مسألة 4): الأحوط في مثل الثوب والأرض ونحوهما مما يكون تقديره بالمساحة دخيلاً في زيادة القيمة معرفة مقداره (1)، ولا يكتفي في

---------------

في حق البايع، ليس فارقاً بعد كون البيع والمبيع في حق كل منهما علي خلاف النحو المرغوب فيه الذي أقدم عليه.

ومنه يظهر اندفاع ما ذكره بعض الأعاظم (قدس سره) من عدم دخول الفرز وعدم الاشاعة في مال البايع تحت الالتزام العقدي. وجه الاندفاع: أنه يكفي في ثبوت الخيار لهما معاً التزامهما معاً بكون المبيع مفروزاً غير مشاع. غايته أن المشتري يلتزم بذلك ويرغب فيه لأن الإشاعة عيب فيما ينتقل له، والبايع يلتزم بذلك ويرغب فيه لأن إشاعة المبيع تستلزم العيب فيما يبقي له. وهو ليس فارقاً.

ومن ثم يتعين البناء علي ثبوت الخيار للبايع أيضاً، كما صرح بذلك في الوسيلة فيمن باع ثوباً أو أرضاً علي ذرع خاص فبان أكثر.

نعم لابد من جهل البايع كالمشتري بالحال، أما مع علمه به، فيكون قد أقدم بنفسه علي بيع المشاع الذي يستلزم العيب في ملكه، فلا موضوع للخيار في حقه، كما هو ظاهر. والظاهر خروجه عن محل الكلام.

هذا ولو قيل بأن المتخلف في المقام هو وصف المبيع لأجزؤه، وأنه لابد إما من الرضا بالبيع في تمام المبيع والثمن أو الفسخ كذلك من دون أن تتبعض الصفقة فالظاهر ثبوت الخيار للبايع مع الزيادة كما يثبت للمشتري مع النقيصة، لتخلف وصف المبيع الذي وقع عليه البيع في حق كل منهما.

(1) ظاهره التوقف في وجوب ذلك، بل قرب في نهج الفقاهة عدمه، وهو لا يناسب ما تقدم منه في المسألة الثانية من عد المساحة من وجوه التقدير التي يجب العلم بها.

وكيف كان فقد صرح في الشرايع والقواعد والدروس بكفاية المشاهدة في

ص: 55

بيع الثوب والأرض وإن لم يذرعا. ونحوه في المختلف في الثوب، وحكاه عن ابن إدريس، بل نسبه للمشهور. وعن التحرير جواز بيع قطيع الغنم وإن لم يعلم عددها. وفي المبسوط أن بيع الثوب المشاهد صحيح بلا خلاف، وفي التذكرة: (لو باع مختلف الأجزاء مع المشاهدة صح كالثوب والدار والغنم بالإجماع).

وعن أبي الصلاح اعتبار الذرع في المذروع. ويناسبه ما في المبسوط والخلاف من لزوم العلم بمعرفة مقدار الثمن في السلم بالذرع في المذروع.

هذا ويظهر من الجواهر حمل كلام من جوز علي فرض تعارف بيعه بالمشاهدة، ولو مع تعارف بيعه بالذراع أيضاً. وحينئذ قد يوجه بارتفاع الجهالة معه بالمشاهدة، لأن معرفة مالية كل شيء بالنحو الذي يتعارف به، فإذا كانت تعرف بالوجهين اجتزئ بكل منهما في المعرفة المعتبرة في البيع.

لكن لا قرينة علي حمل كلامهم علي خصوص ذلك. كما لا ملزم به بعدما سبق من اختصاص الدليل علي وجوب التقدير بالمكيل والموزون، فيكون المرجع في غيرهما عمومات النفوذ. وإلي هذا يرجع استدلال غير واحد علي الجواز.

لكن قال كاشف الغطاء في شرحه علي القواعد: (والحق أن قاعدة الغرر مثبتة لا يسوغ هدمها إلا بأقوي منها، وأني لنا بذلك ؟! فيدور الحكم مدارها، فما كان من الثياب مخيطاً يطلب وضعه لا ذرعه ومن الأرض يطلب فسحته لا ذرعته، ومن البهائم تطلب هيئة اجتماعها لا عددها، لا يتوقف بيعه علي ذرع أو عد. وما بني علي المداقة فلابد من ذلك منه).

وقال شيخنا الأعظم (قدس سره): (يشكل الحكم بالجواز في كثير من هذه الموارد، لثبوت الغرر غالباً مع جهل أذرع الثوب وعدد قطيع الغنم. والاعتماد في عددها علي ما يحصل تخميناً بالمشاهدة عين المجازفة) ونحوهما في الجملة كلام غيرهما.

ويظهر ضعف ذلك مما سبق في أوائل المسألة الأولي من عدم نهوض عموم النهي عن بيع الغرر بالاستدلال.

ص: 56

بيعه بالمشاهدة (1).

---------------

(1) ظاهرهم المفروغية عن وجوب المشاهدة. وربما ذكروا قيام الوصف والرؤية السابقة مقامها، علي ما يأتي في نظيره في المسألة السابعة.

وكيف كان فقد يستدل علي وجوب المشاهدة أو ما يقوم مقامها مضافاً إلي حديث النهي عن بيع الغرر بمعتبر عبد الأعلي بن أعين قال: (نئبت عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه كره شراء ما لم تره)(1) ومعتبره الآخر: (نئبت عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه كره بيعين: اطرح وخذ علي غير تقليب، وشراء ما لم تر)(2). وروي نحوه بطريق معتبر عن محمد بن سنان عنه (3)(عليه السلام).

لكن تكرر منا عدم نهوض حديث النهي عن بيع الغرر بالاستدلال.

وأما النصوص المتقدمة فهي: أولاً: مراسيل. أما حديث محمد بن سنان فظاهر، لأنه لم يدرك أبا جعفر (عليه السلام) الذي يراد به الإمام الباقر (عليه السلام) في هذه الروايات. والظاهر أنه عين حديث عبد الأعلي الثاني، لأن محمد بن سنان في طريقه. وأما حديثا عبد الأعلي فلظهورهما في عدم سماعه ذلك من الإمام (عليه السلام)، وأنه بلغه عنه من غيره من دون تعيين منه له.

ثانياً: لا ظهور لهما في الحرمة، لأن الكراهة وإن كانت قد تستعمل في الحرمة، بل قد يكون ذلك هو الأصل فيها، إلا أن ذلك يختص بما إذا أطلقت، كما إذا قيل: (يكره كذا) أو: (ذلك مكروه). وأما إذا أسندت إلي شخص الإمام فلا ظهور لها في ذلك. بل قد تكون ظاهرة في الكراهة المصطلحة حيث قد يشعر نسبة الكراهة لشخصه (عليه السلام) في عدم الكراهة المطلقة، وإلا كان الأولي بيانها، لأنه أدعي للعمل لو كان لازماً. هذا مضافاً إلي صحيح جميل: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشتري ضيعة، وقد

********

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 25 من أبواب عقد البيع وشروطه حديث: 2.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 18 من أبواب الخيار حديث: 1.

(3) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 12 من أبواب عقد البيع وشروطه حديث: 14 وباب: 25 منها حديث: 3.

ص: 57

(58)

(مسألة 5): إذا اختلفت البلدان في تقدير شيء بأن كان موزوناً في بلد ومعدوداً في آخر ومكيلاً في ثالث فالظاهر أن المدار في التقدير اللازم العلم به في بلد المعاملة (1).

---------------

كان يدخلها ويخرج منها، فلما أن نقد المال صار إلي الضيعة، فقلبها [ففتشها. فقيه] ثم رجع فاستقال صاحبه فلم يقله. فقال أبو عبد الله (عليه السلام): إنه لو قلب منها أو نظر [لو قلبها ونظر منها. فقيه] إلي تسع وتسعين قطعة ثم بقي منها قطعة [و. يب] لم يرها لكان له في ذلك خيار الرؤية)(1). وهو كالصريح في صحة البيع مع عدم الرؤية. غاية الأمر ثبوت خيار الرؤية، فيرفع به اليد عن النصوص السابقة لو فرض ظهورها في بطلان بيع ما لم يرَ، ويكون قرينة علي حملها علي الكراهة.

لكن حيث كان المعروف بينهم بطلان بيع المجهول خصوا خيار الرؤية بما إذا لم يقع البيع عن جهالة، وصرح بعضهم بتنزيل الصحيح علي ذلك. قال شيخنا الأعظم (قدس سره) بعد أن ذكر الرواية دليلاً لخيار الرؤية: (لابد من حملها علي صورة يصح معها بيع الضيعة، إما بوصف القطعة غير المرئية أو بدلالة ما رآه منها علي ما لم يره). لكنه لا ملزم بذلك، بل لا مجال له بعد إطلاق الصحيح. ويأتي عند الكلام في خيار الرؤية إن شاء الله تعالي ما ينفع في المقام.

(1) قال في المبسوط في مبحث الربا: (المماثلة شرط في الربا، وإنما يعتبر المماثلة بعرف العادة في الحجاز علي عهد رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلّم)، فإن كانت العادة فيه الكيل لم يجز إلا كيلاً في سائر البلاد، وما كان العرف فيه الوزن لم يجز فيه إلا وزناً في سائر البلاد. والمكيال مكيال أهل المدينة، والميزان ميزان أهل مكة. هذا كله لا خلاف فيه. فإن كان مما لا يعرف عادته في عهد النبي (صلي الله عليه وآله وسلّم) حمل علي عادة البلد الذي فيه ذلك الشيء. فإذا ثبت ذلك فما عرف بالكيل لا يباع إلا كيلاً، وما كان العرف فيه وزناً ل

********

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 15 من أبواب الخيار حديث: 1.

ص: 58

يباع إلا وزناً). ونحوه في المهذب. وفي المختلف أنه الأقرب. ونحوه في الجملة في الشرايع والتذكرة والدروس في المبحث المذكور، وفي الحدائق وظاهر مجمع البرهان نسبته للأصحاب.

وكأنه يبتني علي حمل ما تضمن أحكام الكيل والوزن، علي المكيل والموزون في زمان النبي (صلي الله عليه وآله وسلّم) والعرف الذي عاش فيه.

لكنه لو تم لزم الاحتياط فيما تردد الأمر بينهما في زمانه (صلي الله عليه وآله وسلّم)، فيجب فيما نحن فيه الجمع بينهما في المعاملة الواحدة بناء علي عدم جواز بيع المكيل وزناً، وإلا كفي الوزن.

كما أن مقتضاه، عدم جريان حكم الكيل والوزن فيما ثبت عدم الالتزام بأحدهما في زمانه (صلي الله عليه وآله وسلّم) ولو لعدم الابتلاء به، حتي لو كان من المكيل أو الموزون في بقية البلدان أو في العصور المتأخرة عنه (صلي الله عليه وآله وسلّم)، لخروجه عن موضوع الأدلة. بل حتي لو شك في ذلك، لأصالة عدم أحدهما، حيث يحرز بها خروجه عن موضوعها.

علي أنه غير تام، لأن مقتضي الإطلاقات المقامية للأدلة الرجوع للعرف الذي يقع البيع فيه، الذي هو يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، ولا خصوصية للعرف الذي عاشه النبي (صلي الله عليه وآله وسلّم).

ولاسيما بملاحظة ما أشرنا إليه آنفاً عند الكلام في عدم جواز التقدير بغير ما يتعارف التقدير به من قضاء المناسبات الارتكازية بأن اعتبار التقدير بالكيل والوزن من أجل معرفة مالية المقدر، لظهور أن تحديد مقدار المالية عند المعاملة تابع للعرف الذي تجري المعاملة فيه، ولا أثر فيه للأعراف الأخري.

وأما ما عن جماعة في توجيه ما تقدم من الأصحاب من أن اللازم حمل اللفظ علي المتعارف عند الشارع، ومع عدم التعارف عنده فالمتعين الرجوع للعرف العام.

ففيه: أن ذلك إنما يتم في الجملة في تحديد المفاهيم ومعاني الألفاظ، حيث يتعين

ص: 59

حمل كلامه (صلي الله عليه وآله وسلّم) وكلام الأئمة (عليهم السلام) مع وجود الحقيقة الشرعية عليها، ومع عدمها علي الحقيقة العرفية القائمة في عصر المتكلم وإن خالفت الحقيقة العرفية القائمة في عصره (صلي الله عليه وآله وسلّم) أو العصور المتأخرة. ولا يحمل علي الحقيقة المتأخرة عن عصورهم (صلوات الله عليهم)، إلا مع احتمال مطابقتها للحقيقة العرفية القائمة في عصر المتكلم، لأصالة تشابه الأزمان وعدم النقل. أما مع العلم بمخالفتها للحقيقة العرفية القائمة في عصر المتكلم فلا يحمل عليها، بل يتعين مع عدم عرفة الحقيقة العرفية القائمة في عصر المتكلم التوقف والبناء علي إجمال الكلام، والرجوع للأصل في المسألة.

أما في معايير تطبيق المفهوم وتشخيص أفراده فلا يراعي عرف الشارع، بل مقتضي الإطلاقات المقامية الرجوع إلي عرف المكلف حين العمل بالحكم الشرعي، كما لو ورد الحث علي إكرام الجار، وتبجيل العالم، والتجمل للناس، واختلفت الأعراف في مظاهر الإكرام والتبجيل والتجمل، كما ذكر ذلك في الجملة في الجواهر وغيره.

ومثل ذلك ما قد يدعي من الإجماع علي أن المكيل والموزون في عصر النبي (صلي الله عليه وآله وسلّم) لا يباع جزافاً.

لاندفاعه بعدم وضوح قيام إجماع تعبدي علي ذلك ينهض بالخروج عما تقتضيه القواعد.

أولاً: لأنه قد أطلق غير واحد من الأصحاب أولهم فيما عثرت عليه الصدوق في المقنع اعتبار الكيل والوزن في موضوع الربا من دون إشارة لهذا التفصيل، حيث يظهر من إطلاقهم الرجوع للعرف مطلقاً. بل تعرض جملة منهم كالمفيد في المقنعة والشيخ نفسه في النهاية وسلار وابن إدريس لحكم اختلاف البلدان من دون أن يشيروا لذلك.

وثانياً: لقرب اعتمادهم من ذهب إلي ذلك إلي بعض الوجوه الاجتهادية، نظير ما أشرنا إليه، بل هو المصرح به في كلام بعضهم، من دون أن يكون ذلك منهم لتعبد خاص مخرج عن مقتضي القاعدة.

ص: 60

(61)

(مسألة 6): قد يؤخذ الوزن شرطاً (1) في المكيل أو المعدود، أو الكيل شرطاً في الموزون (2). مثل أن يبيعه عشرة أمنان من الدبس بشرط أن يكون كيلها صاعاً، فيتبين أن كيلها أكثر من ذلك لرقة الدبس، أو يبيعه عشرة أذرع من قماش (3) بشرط أن يكون وزنها ألف مثقال، فيتبين

---------------

ومن هنا لا مخرج عما تقتضيه القاعدة من أن المدار علي التقدير المعتمد في بلد المعاملة، لما أشرنا إليه آنفاً من الإطلاقات المقامية.

وبذلك يظهر الحال فيما لو اختلفت البلدان في أصل التقدير للجنس، فكان يباع في بعضها جزافاً، وفي آخر مقدراً بعض الوجوه، حيث يتعين الرجوع في كل بلد لما يتعارف فيه أيضاً. نظير ما تقدم في المسألة الثانية من اختلاف حالات الجنس الواحد ولو في البلد الواحد.

نعم أشرنا عند الكلام في جواز تقدير الشيء بغير ما يتعارف التقدير به إلي أن المناسبات الارتكازية قاضية بأن اعتبار التقدير بالكيل والوزن إنما هو من أجل معرفة مقدار مالية المقدر، فإذا فرض معرفته بالتقدير غير المتعارف تعين الاكتفاء به. وبذلك يتعين جواز التقدير بغير ما يتعارف التقدير به في البلد بين غير أهل البلد ممن يتعارف في بلدهم التقدير به. فلاحظ.

(1) المراد بالشرط الوصف الذي تبتني عليه المعاملة، لا الشرط الحقيقي الراجع لاستحقاق شيء للمشروط عليه، والذي يأتي الكلام فيه في أحكام الشروط إن شاء الله تعالي.

(2) ويجري ذلك حتي في المبيع جزافاً، كما لو اشتري صبرة من الطعام جزافاً، واشترط أن يزن المدّ منه رطلاً من أجل تحديد مقدار رطوبته أو جفافه.

(3) هذا ليس من المعدود، بل مما يتحدد بالمساحة. وإنما المعدود هو الصنف ذو الأفراد المتماثلة في المالية كالبيض والجوز، وما تنتجه المعامل الحديثة من ذوات

ص: 61

أن وزنها تسعمائة، لعدم إحكام النسج، أو يبيعه عشرة أذرع من الكتان بشرط أن يكون وزنه مائة مثقال، فيتبين أن وزنه مائتا مثقال لغلظة خيوطه،

ونحو ذلك مما كان التقدير فيه صفة كمال للمبيع لا مقوماً له (1). والحكم أنه مع التخلف بالزيادة أو النقيصة يكون الخيار للمشتري لتخلف الوصف (2)، فإن أمضي العقد (3) كان عليه تمام الثمن (4)، والزيادة للمشتري علي كل حال (5).

---------------

الماركات الخاصة، كالجوراب والألبسة الداخلية. والأمر سهل.

(1) تقدم في المسألة الرابعة أن الوزن والكيل في الموزون والمكيل ليسا مقومين للمبيع أيضاً، وإنما يؤخذان فيه لتحديد نسبة الثمن للمثمن ولذا لا يبطل البيع بتخلفهما، بل مع النقيصة تتبعض الصفقة، ومع الزيادة يخرج الزائد عن المبيع. أما في المقام فهما غير مأخوذين فيه بلحاظ ذلك، بل هما صفتان كماليتان فيه، ككتابة العبد وصفاء اللون.

(2) هذا إذا رجع أخذ المقدار إلي التحديد به في طرفي الزيادة والنقيصة معاً. أما إذا رجع إلي التحديد به من أحد الطرفين فلا خيار بتخلفه من الطرف الآخر.

(3) يكفي عدم إعمال الخيار، لصحة العقد في نفسه، فما لم يعمل المشتري الخيار ويفسخ ولو لجهله بتخلف الشرط يتعين ترتب أثره. ولعل ذلك مراده (قدس سره).

(4) لأن الشرط والوصف وإن كانا داعيين لزيادة الثمن، إلا أنهما ليسا مقابلين بجزء منه. وربما يأتي بعض الكلام في ذلك في خيار الرؤية وأحكام الشروط.

(5) كان الأولي أن يقول: وللمشتري المبيع بتمامه علي كل حال. يعني: سواءً زاد أم نقص، لفرض مقابلة الثمن بالمبيع جملة بجملة من دون أن يتوزع علي أجزاء المقدار المأخوذ في المعاملة.

ص: 62

(63)

(مسألة 7): يشترط معرفة جنس العوضين وصفاتهما التي تختلف القيمة باختلافهما (1)، كالألوان والطعوم والجودة والرداءة والرقة والغلظة

---------------

ثم إن الشرط أو الوصف المذكور ونحوه كما يمكن أن يبتني عليه التزام المشتري وحده بالمعاملة يمكن أن يبتني عليه التزام البايع وحده به، ويمكن أن يبتني عليه التزامهما معاً، وعلي الأول يثبت بتخلفه الخيار للمشتري فقط، وهو مفروض كلام سيدنا المصنف (قدس سره)، وعلي الثاني يثبت بتخلفه الخيار للبايع فقط، وعلي الثالث يثبت بتخلفه الخيار لهما معاً. وملاك الكلام في الجميع واحد.

(1) قد اختلفت كلمات الأصحاب في هذه المسألة كثيراً، فقد صرح بشرطية الاختبار في صحة البيع في المراسم والوسيلة، وحكي عن أبي الصلاح. وقال في المقنعة: (وكل شيء من المطعومات والمشمومات وما يمكن الإنسان اختباره من غير أفساد له كالأدهان المستخبرة بالشم، وصنوف الطيب والحلواء المذوقة فإنه لا يصح بيعه بغير اختبار له، فإن ابتيع من غير اختبار كان البيع باطلاً، والمتبايعان فيه بالخيار)، ونحوه في النهاية، إلا أنه قال: (والمتبايعان فيه بالخيار، فإن تراضيا بذلك لم يكن به بأس) وكذا عن ابن البراج، إلا أنه ذكر الخيار للمشتري لا غير. وقد يجعل ذكرهم للخيار قرينة علي أن مرادهم من البطلان جواز البيع وعدم لزومه، لا عدم انعقاده.

وقرب عدم اشتراط الاختبار وصحة البيع مع الجهل بحال المبيع من هذه الجهات في الشرايع والنافع وكشف الرموز والقواعد والمختلف والدروس والتنقيح وغيرها. ونسبه للمتأخرين في التنقيح، وفي جامع المقاصد أنه المشهور بين الأصحاب، وفي الرياض: (وعليه الأكثر، بل لعله عليه عامة من تأخر). وظاهرهم بل صريحهم لزوم البيع إلا أن يظهر معيباً، فيثبت خيار العيب بشروطه.

وقد يستفاد من ذلك أن مرادهم بالصفات التي يقع الكلام في وجوب التعرف عليها هي الصفات التي يتوقف عليها سلامة المبيع والتي يكون فقدها عيباً فيه، دون غيرها مما له دخل في زيادة القيمة، فضلاً عن غيرها مما تختلف فيه الرغبات. كما هو

ص: 63

والثقل والخفة ونحو ذلك مما يوجب اختلاف القيمة. أما ما لا يوجب اختلاف القيمة منها فلا تجب معرفته (1) وإن كان مرغوباً عند قوم وغير

---------------

أيضاً مقتضي المقابلة في كلماتهم بين ما يفسده الاختبار وغيره، حيث أجمعوا علي عدم وجوب الاختبار في الأول، وأن الخيار فيه يدور مدار العيب وعدمه، حيث يناسب ذلك كون الفحص الذي هو محل الكلام فيما لا يفسده الاختبار هو الفحص عما يكون تخلفه عيباً.

نعم هو لا يناسب إطلاق من أوجب الفحص، خصوصاً بعد أن كان دليله تجنب الغرر، لوضوح أن مرادهم بالغرر يعم كل ما يتعلق بمقدار المالية، لا خصوص ما يتعلق بالعيب.

وكيف كان فحيث سبق عدم نهوض النهي عن بيع الغرر بالاستدلال في أمثال المقام فالمتعين البناء علي عدم وجوب الاختبار، عملاً بعموم أدلة النفوذ. بل من القريب قيام السيرة علي عدم الالتزام بذلك، لما في الالتزام من تكلف ظاهر، ولأن من الشايع التعرف علي حال الشيء وصفاته بشراء كمية قليلة منه للاختيار والتجربة.

نعم قد يستدل علي وجوب الاختبار بخبر محمد بن الفيض: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشتري ما يذاق، يذوقه قبل أن يشتري ؟ قال: نعم فليذقه، ولا يذوقن ما لا يشتري)(1).

لكن لو غض النظر عن سنده فمن القريب كون السؤال فيه عن جواز الذوق لتوهم حرمته لكونه تصرفاً في مال الغير قبل شرائه أو لكون عدم منع المالك منه للإحراج أو نحوه، فلا يدل الجواب علي الوجوب، بل علي مجرد الترخيص دفعاً للتوهم المذكور. ولا أقل من احتمال ذلك بنحو يرجع إلي إجماله من هذه الجهة.

(1) كأنه لحملهم دليل النهي عن الغرر علي الغرر بلحاظ المالية، دون الغرر

********

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 25 من أبواب عقد البيع وشروطه حديث: 1.

ص: 64

مرغوب عند آخرين. والمعرفة إما بالمشاهدة (1)، أو بتوصيف البايع (2)،

---------------

بلحاظ الدواعي والرغبات. ولم يتضح منشؤه. ولاسيما أن الثاني قد يكون أهم بلحاظ حال شخص المشتري، بل قد يؤدي إلي الضرر المالي، حيث قد يضطر إلي عدم الانتفاع بما لا يلائمه حتي يكون بحكم التالف عليه، أو إلي بيعه بأقل من ثمنه الذي

اشتراه به.

(1) المراد بالمشاهدة هنا تعرف المتبايعين بأنفسهما علي الخصوصية بالوجه المناسب لها، من نظر أو شمّ أو ذوق أو لمس أو غيرها. والاجتزاء بها متيقن من كلماتهم.

(2) كما ذكره غير واحد هنا، ويظهر مما ذكروه من أن مورد خيار الرؤية بيع ما يكتفي عند البيع بوصفه من دون أن يري. نعم هو لا يناسب بعض كلماتهم السابقة. كما أن ابن إدريس خصه، بما إذا لم يكن المبيع حاضراً، أما مع حضوره فلابد من اختباره.

وكيف كان فقد وجهه غير واحد بأنه يكفي في رفع الغرر بناء علي كونه الدليل في المسألة بالتقريب المتقدم. وكأنه لابتناء البيع علي كون المبيع بالوصف الخاص، لا مردد الحال. وبذلك يختلف وصف البايع عن وصف غيره، حيث لا يبتني البيع معه علي الوصف.

لكن ذلك وحده لا يكفي في رفع الغرر بالتقريب المذكور إذا لم يكن التوصيف موجباً للعلم بحصول الصفة المطلوبة.

نعم قد يقال: إن ثبوت الخيار بتخلف الوصف حينئذ يكفي في رفع الغرر، لإمكان تدارك الأمر بالفسخ.

وفيه: أنه كما يمكن تدارك الأمر بالخيار مع الوصف يمكن تدارك الأمر به مع اشتراطه مطلقاً، او بتخلف الوصف، لكن من دون تعهد من البايع بالوصف، كما لو

ص: 65

أو بالرؤية السابقة (1).

---------------

باعه ما يجهل حاله من حيثية الجودة والرداءة من دون أن يوصف بالجودة مع اشتراط الخيار لو لم يكن جيداً. وظاهر كلمات القائلين باشتراط العلم بحال المبيع عدم كفاية ذلك في صحة البيع. وذلك يكشف عن أن تطبيق الغرر عندهم بلحاظ نفس البيع ومضمونه، لا بلحاظ ما يترتب عليه من خيار أو نحوه.

مضافاً إلي أن تدارك الأمر بالخيار لا يتم فيما لو اشترط سقوط خيار الرؤية، بناء علي نفوذ الشرط المذكور، علي ما يأتي الكلام فيه في محله إن شاء الله تعالي.

(1) أما مع اعتقاد عدم التغير ولو للغفلة عن الحال فظاهر، بل هو المدعي عليه في الجملة الإجماع في ظاهر التذكرة وعن غيرها. لعدم الغرر الذي هو دليلهم في المقام.

وأما مع احتماله فهو المصرح به في المبسوط والخلاف والشرايع والتذكرة والقواعد وغيرها. وقد استدل عليه غير واحد بالأستصحاب، الراجع لأصالة عدم تغير الشيء عما كان عليه حين رؤيته.

لكن من الظاهر أنه ليس أصلاً شرعياً بعد أن لم يكن الحال السابق مأخوذاً شرعاً في صحة البيع، وإنما المأخوذ فيه عندهم عدم الغرر والخطر.

ومن ثم لا ينفع إلا في مورد عدم تغير المبيع عما كان عليه عادة، حيث لا يبعد بناء العقلاء علي عدم الاعتناء باحتمال التغير، بحيث لا يكون الإقدام معه برجاء بقاء الحال السابق تغريراً بنظرهم. أما في غير ذلك فلا يخرج البيع معه عن كونه غررياً. ومجرد ثبوت الخيار بالتخلف لا ينفع في رفع الغرر عندهم، كما يظهر مما سبق عند الكلام في الوصف.

هذا وقد يدعي عدم وجوب الفحص عن الصفة التي يكون المبيع بتخلفها تالفاً عرفاً، كموت الشاة وفساد اللبن، أو معيباً كمرض في الحيوان وتخرق الثوب،

ص: 66

(67)

(مسألة 8): يشترط أن يكون كل واحد من العوضين ملكاً مثل أكثر البيوع الواقعة بين الناس أو ما هو بمنزلته (1)، لاختصاصه بجهة

---------------

لا لعدم وجوب العلم بها، بل لكون أصالة السلامة من الأصول المعول عليها عند العقلاء، وهي تقتضي إحراز الصفة المشكوكة بنحو يقوم مقام العلم.

لكن عدم صدق الغرر بذلك إنما يكون مع الغفلة عن عدم حصول الصفة المذكورة، لارتكاز أصالة السلامة، أو كان تخلفها بعيداً عادة، أما مع احتمالها بوجه معتد به فالغرر حاصل قطعاً. وأما بطلان البيع بتخلف القسم الأول، وثبوت الخيار فيه بتخلف القسم الثاني فهو لا يكفي في منع صدق الغرر، كما يظهر مما سبق عند الكلام في وصف البايع.

هذا كله بناء علي تحكيم النهي عن بيع الغرر في المقام، أما بناء علي ما ذكرنا من عدم نهوضه بالاستدلال فلا ملزم بشيء مما ذكره سيدنا المصنف (قدس سره) وذكروه في المقام.

(1) قد يقرب ذلك بأن البيع لما كان من المعاوضات المبتنية علي سد العوض مسد العوض وتدارك خسارته به فلابد من كون المبيع مختصاً بجهة يلحقها النقص بفقده، سواءً كانت الجهة مالكة له، كما في بيع الإنسان لملكه، أم كانت تلك الجهة عنواناً يختص بها المبيع من دون أن يكون مملوكاً لأحد، كما في بيع المال الزكوي وبقية الصدقات والمال الموصي به ومال الوقف ونحوها. لعدم الفرق بينهما في صدق المعاوضة المقومة للبيع.

لكن من الظاهر أن كل شيء له عنوان يختص به حتي الحر والمباحات الأصلية، فكما أن الوقف مثلاً يختص بالجهة الموقوف عليها، كذلك الحر معنون بعنوان خاص، فيمكن فرض بيعه وقيام الثمن مقامه في كونه غير مملوك لأحد. كما أن المباحات الأصلية علي حال خاص، فيمكن فرض بيعها وقيام الثمن مقامها في ذلك.

ص: 67

من الجهات (1)، مثل بيع ولي الزكاة بعض أعيان الزكاة وشراء العلف لها. وعليه فلا يجوز بيع ما ليس كذلك، مثل بيع السمك في الماء والطير في

---------------

علي أن التقريب المذكور إنما يجري في الثمن بناء علي لزوم خروجه ممن يصير المثمن له، ليكون المثمن ساداً مسده وعوضاً عنه. أما بناء علي ما هو التحقيق من عدم لزوم ذلك كما تقدم منا عند الكلام في معني البيع فلا يجري فيه هذا التقريب، لعدم كون المبيع ساداً مسد الثمن، ليلزم واجدية الثمن لعنوان خاص به يقوم المبيع مقامه فيه.

فالعمدة في وجه ما ذكره (قدس سره) وذكروه في المقام هو عدم السلطنة في غير الملك ونحوه من ذوات العناوين الخاصة التي يكون لها متول خاص أو عام. فعدم جواز بيع المباحات الأصلية مثلاً ليس لامتناع كونها موضوعاً للبيع ثمناً أو مثمناً، بل لعدم السلطنة عليها من عامة الناس، فلا ينفذ بيعهم لها. ومجرد سلطنتهم علي تملكها بالحيازة لا يقتضي سلطنتهم علي بيعها قبل ذلك.

ولو فرض قيام الولي العام ببيعها صح ونفذ بمقتضي ولايته. وكذا الحال في الحرّ، أو يلتزم بعدم جواز بيعه تعبداً، كالميتة.

ومن هنا كان اشتراط السلطنة والقدرة علي التصرف الذي تقدم في الشرط الرابع من شروط المتعاقدين مغنياً عن هذا الشرط، وهو في الحقيقة من صغرياته.

(1) الظاهر عدم الإشكال بينهم في ذلك، كما يظهر بالنظر في كلماتهم، وبملاحظة عمل المتشرعة في الصغريات المختلفة لذلك.

نعم أطلق في بعض كلماتهم اعتبار الملك، وفي الجواهر أن الإجماع بقسميه عليه. لكن الظاهر أن مرادهم بذلك ليس هو الحصر الحقيقي، بل في مقابل الحرّ والمباحات الأصلية. أو أنه مبني علي تكلف دعوي الملكية في جميع ذلك لله تعالي أو للمسلمين أو للفقراء أو غير ذلك، كما يظهر مما يأتي منهم في مال الوقف.

ص: 68

(69)

الهواء (1)، وشجر البيداء قبل أن يصطاد أو يحاز.

(مسألة 9): يشترط أن يكون كل من العوضين طلقاً (2). يعني: لا

---------------

(1) هذا فيما إذا أمكن تسليمها. أما إذا تعذر، أو لم تحرز القدرة عليه، فيبطل البيع من جهة أخري، كما يظهر مما يأتي في المسألة الخامسة عشرة إن شاء الله تعالي.

(2) كذا عبر في الشرايع في شروط المبيع، وتبعه غير واحد. وقد ذكر شيخنا الأعظم (قدس سره) أن مرجع الشرط المذكور إلي عدم وجود مانع شرعي من بيع المبيع.

لكن من الظاهر أن ذلك بنفسه ليس شرطاً شرعياً، بل هو منتزع من مانعية الموانع الشرعية من البيع في الموارد المختلفة. وبعبارة أخري: الكبري المذكورة ليست شرعية، بل هي منتزعة من كبريات شرعية تتضمن مانعية الموانع المذكورة.

وأما ما ذكره بعض الأعاظم (قدس سره) من أن مرجع الشرط المذكور إلي اشتراط تمامية السلطنة زائداً علي الملكية. ففيه: أن امتناع البيع عبارة عن قصور السلطنة عنه، فلا معني لتفريع أحدهما علي الآخر. علي أن ذلك ليس مراداً لهم قطعاً، ولذا جعلوا الشرط المذكور في مقابل الشروط الأخر.

نعم قد يراد بقصور السلطنة ما يرجع لنقص في سلطنة الشخص علي التصرف مع مشروعيته في نفسه. وذلك تارة: لعدم أهلية الشخص للتصرف. وأخري: لمزاحمة سلطنته علي المبيع لسلطنة الآخرين، كما لو كان بيعه مزاحماً لحق الغير. ومن الظاهر أن الأول يذكر في شروط المتعاقدين.

وحينئذ قد يدعي أن ما يبحث عنه هنا هو الثاني وهو مرجع عدم الطلقية في كلماتهم، ومنه عدم جواز بيع العين المرهونة لمنافاته لحق المرتهن. ويظهر من سيدنا المصنف (قدس سره) الجري علي ذلك.

لكن لا مجال لذلك في كلماتهم بعد ذكرهم من صغريات اشتراط الطلقية عدم جواز بيع أم الولد، مع وضوح أنه حكم شرعي، كعدم جواز بيع الميتة. وليس من

ص: 69

(70)

يكون موضوع حق لغير البايع، فلا يجوز بيع العين المرهونة (1).

---------------

أجل منافاته لحقها، ولذا ليس لها الإذن في البيع تنازلاً عن حقها. ولعله لذا جعل سيدنا المصنف (قدس سره) عدم جواز بيع أم الولد في مسألة مستقلة عن هذه المسألة التي موضوعها عدم الطلقية.

مضافاً إلي أن بعض الصغريات المذكورة في كلماتهم ليست مملوكة أصلاً، كالوقف، علي الظاهر الذي قربه سيدنا المصنف (قدس سره). ومن هنا لا معدل عما ذكره شيخنا الأعظم (قدس سره).

أما العلامة (قدس سره) فقد عبر في التذكرة والقواعد بتمامية الملك. قال في التذكرة: (يشترط في الملك التمامية، فلا يصح بيع الوقف، لنقص الملك فيه). وهو بظاهره شرط شرعي مستقل تتفرع عليه عدم صحة البيع في الموارد المذكورة في كلماتهم، نظير القدرة علي التسليم. وحينئذ يقع الكلام تارة: في دليله. وأخري: في صغرياته.

لكن لا حقيقة لما ذكره أصلاً، لعدم معهودية النقص في الملكية عرفاً. بل تقدم أن بعض الصغريات المذكورة في كلماتهم ليست مملوكة أصلاً، كالوقف.

ولذا حمل كاشف الغطاء في شرحه علي القواعد التمامية علي تمامية السلطنة قال: (إذ لا يعقل في أصل الملك الزيادة والنقصان). لكنه مخالف لظاهر القواعد، وما هو كالصريح مما تقدم من التذكرة.

نعم لا يبعد اختلاط نقص السلطنة بنقص الملكية علي العلامة (قدس سره).

كما قد يكون مراده من تمامية الملكية عين مراد الآخرين من الطلقية. ويظهر من شيخنا الأعظم (قدس سره) وغيره أنهم فهموا منه ذلك. والأمر سهل.

(1) بلا خلاف كما في الرياض، ويستفاد من جملة من كلماتهم المفروغية عنه، بل الظاهر الإجماع عليه. والعمدة فيه منافاته لحق المرتهن، لأن مقتضي عقد الرهن توثقه لدينه به، بحيث يمكن استيفاؤه منه، والبيع بطبعه مفوت لذلك.

ص: 70

ويؤيده النبوي: (الراهن والمرتهن ممنوعان من التصرف)(1). إما لعمومه للتصرف الاعتباري، أو لفهمه منه تبعاً، لإلغاء خصوصية التصرف الخارجي عرفاً. غاية الأمر أن ضعف سنده مانع من نهوضه بالاستدلال.

هذا وقد استشكل في ذلك بعض مشايخنا (قدس سره) بأنه لم يتضح قيام إجماع تعبدي في المقام ينهض بالاستدلال، لاحتمال استناد الأصحاب للوجه المذكور في المسألة. وأما منافاة البيع لحق الراهن فهي ممنوعة، حيث لا يعتبر في العين المرهونة أن تكون ملكاً للراهن، وقد صرحوا بجواز استعارة الشيء لرهنه. وحينئذ لا مانع من صحة بيع المرهون مع اشتراط فكّ الرهن، بل مع عدم اشتراط فكه، غاية الأمر أن للمشتري الفسخ، لكون المبيع معيباً. وأما النبوي فهو مع ضعفه منصرف للتصرف المنافي لحق الراهن.

وما ذكره (قدس سره) وإن كان متيناً في الجملة، إلا أن من الظاهر خروج البيع المذكور عن مفروض كلامهم، وأن كلامهم في البيع المتبني علي خروج العين المرهونة عن كونها رهناً، ولذا وقع الكلام بينهم في أنه مع إذن الراهن في البيع هل ينتقل حقه للثمن، فيكون رهناً، أو يسقط حقه بتحقق البيع.

كما أن ما ذكره من أن البيع بشرط فك الرهن لا ينافي حق المرتهن، في محله جداً لو فكه، أو لم يفكه وفسخ المشتري، وإنما الإشكال فيما إذا لم يفكه ورضي المشتري، أو لم يشترط الفك ورضي المشتري، إما لعلمه بالرهن وإقدامه علي شرائه مرهوناً، أو جهله به ثم رضاه ببقائه مرهوناً بعد علمه.

فإنه أولاً: قد يبطل البيع لعدم العلم بسلامة المبيع للمشتري، علي ما يأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالي عند الكلام في اعتبار القدرة علي تسليم المبيع.

وثانياً: قد ينافي حق المرتهن، لأن الغرض من الرهن ليس مجرد استحقاق

********

(1) مستدرك الوسائل ج: 13 باب: 17 من أبواب كتاب الرهن حديث: 6. كما روي عن المختلف ج: 5 ص: 221.

ص: 71

(72)

نعم لو أذن الراهن (1)

---------------

استيفاء الدين شرعاً، بل التوثق لذلك بالنحو الذي أقدم عليه المرتهن، ولذا كثيراً ما يبتني الرهن علي حبس العين المرهونة عنده وعدم تصرف الراهن فيها تصرفاً قد يصعب معه استيفاء الدين منها وإن كان مستحقاً شرعاً. وحينئذ قد يكون تبدل مالك العين المرهونة مخالفاً لما أقدم عليه المرتهن ولو ارتكازاً من غير تصريح، حيث قد يكون ذلك سبباً لإحراجه أو صعوبة استيفاء دينه من العين أو نحو ذلك.

وبعبارة أخري: التصرف الممنوع منه الراهن لم يثبت تحديده شرعاً، ولاسيما بعد ضعف النبوي، وإنما هو تابع لما أقدم عليه المتراهنان ولو ارتكازاً، وقد يكون تبدل المالك منافياً له، فيكون البيع منافياً لحق المرتهن.

وعلي كل حال محل كلامهم البيع المبتني علي سقوط حق المرتهن من العين، بحيث يستقل المشتري بها. فإن تمت منافاة البيع مطلقاً لحق المرتهن لما ذكرنا تعين عدم نفوذه مطلقاً أو إذا لم يجز المرتهن علي ما يأتي الكلام فيه وإلا تعين عدم نفوذ خصوص البيع المبتني علي استقلال المشتري بالعين مطلقاً أو إذا لم يجز المرتهن. فلاحظ.

(1) الظاهر أن المراد إذن المرتهن، وهو الذي تكون العين المرهونة وثيقة لدينه، لأنه هو الذي يثبت حقه في العين المرهونة، ويكون بيعها منافياً لحقه في الجملة. أما الراهن فهو المالك لها غالباً، والبيع من غير إذنه راجع إلي فقد شرط الملك، لا فقد شرط الطلقية الذي هو محل الكلام.

هذا والظاهر عدم الإشكال في جواز البيع مع إذن المرتهن. ويظهر مما ذكروه في بعض فروع الإذن في البيع المفروغية عنه. ويظهر وجهه مما سبق في وجه المنع، لظهور أنه إذا كان وجه المنع هو منافاته لحق المرتهن فله التنازل عن حقه، والإذن في الخروج عن مقتضاه، فيرتفع المانع من البيع.

غاية الأمر أن الإذن إن رجع إلي إسقاط حقه رأساً خرجت العين بالإذن عن

ص: 72

أو أجاز (1)

---------------

كونها مرهونة وإن لم يتحقق البيع. وإن رجع إلي الأذن في الخروج عن مقتضي الحق، من دون إسقاط له، لم تخرج عن كونها مرهونة قبل البيع.

وفي الثاني تارة: يرجع إلي التنازل عن حقه مع البيع رأساً، بحيث يسقط حق الرهانة. ولا إشكال في صحته، وترتب الأثر عليه. وهو المتيقن من كلماتهم.

وأخري: إلي التنازل عن حقه في شخص المبيع، مع انتقال حق الرهانة للثمن بدله. والظاهر صحته وترتب الأثر عليه أيضاً.

نعم في الجواهر: (ظاهر الأصحاب في المقام سقوط حق الرهانة، لعدم تعقل بقائها في المبيع حتي تقابل بالثمن... وإن كان فيه نوع تأمل). لكن لا تأمل في أنه متعقل. بل هو مقتضي الأصل، فإن رفع اليد عن حق الارتهان رأساً يحتاج إلي مؤنة، والأصل عدمه.

وثالثة: إلي عدم التنازل عن حقه حتي في شخص المبيع، بحيث يبقي مرهوناً وهو في ملك المشتري. والظاهر صحته وترتب الأثر عليه أيضاً.

لعدم المانع منه بعد إمكان كون العين المرهونة ملكاً لغير الراهن. وقد سبق الكلام في توقف صحة البيع بالنحو المذكور علي إذن المرتهن.

(1) قال في النهاية: (ومتي باع الرهن أو تصدق به أو وهبه أو آجره أو عارضه [عاوضه. ظ] من غير علم المرتهن كان ذلك باطلاً... فإن أمضي المرتهن ما فعله الراهن كان ذلك جائزاً ماضياً...). وبذلك صرّح غير واحد ممن تأخر عنه ونسبه شيخنا الأعظم (قدس سره) لجمهور المتأخرين. وقد يحمل عليه إطلاق من حكم بالبطلان من قدماء الأصحاب، كما في المقنعة والخلاف والمبسوط وعن غيرها. حيث قد يحمل علي البطلان في نفسه، فلا ينافي صحته بالإجازة.

وكيف كان فهو مقتضي عموم نفوذ العقود المستفاد من قوله تعالي: (أوفو

ص: 73

بالعقود)(1) بالتقريب المتقدم عند الكلام في عقد الفضولي.

وحاصل تقريبه في المقام: أن المخاطب الوفاء بالعقد هو خصوص من يتعلق العقد به، لكون مضمونه منافياً لسلطنته علي نفسه أو ماله، أو منافياً لحقه، كما في المقام. غايته أن خطابه بالوفاء به لما كان متفرعاً علي نفوذ العقد ودالاً عليه فهو كما ينفذ في حقه ينفذ في حق غيره، لعدم قابلية النفوذ للتبعيض عقلاً ولا عرفاً.

وحينئذ فمن الظاهر أن الوفاء بالعقد فرع الالتزام به، نظير الوفاء بالوعد والنذر والعهد وغيرها، ومع عدم الالتزام به لا موضوع للوفاء. وكما يكون الالتزام به قبل وقوعه بالإذن فيه أو بالقيام به مباشرة يكون أيضاً بإمضائه له وإجازته بعد وقوعه. وبذلك يدخل المرتهن بإجازته للعقد الواقع علي العين المرهونة في الخطاب بالوفاء في الآية الشريفة، فينفذ في حقه بعد أن لم يكن نافذاً بسبب منافاته لحق الرهانة.

مضافاً إلي ما في صحيح زرارة من تعليل صحة نكاح العبد بغير إذن سيده إذا أجازه سيده بقوله (عليه السلام): (إنه لم يعص الله، وإنما عصي سيده، فإذا أجازه فهو له جائز)(2). لظهوره في أن الخلل في العقد إذا كان لذاته، وللخروج به عما هو المشروع، لا يمكن تصحيحه. أما إذا كان للخروج به عن سلطنة من يعتبر إعمال سلطنته كالمرتهن في المقام أمكن تصحيحه بإمضاء صاحب السلطنة له. وهو المطابق للمرتكزات العقلائية المؤيدة ببعض النصوص الخاصة في الموارد المتفرقة، علي ما فصلنا الكلام فيه في مبحث بيع الفضولي. فراجع.

هذا وقد خالف في ذلك المحقق التستري (قدس سره) في المقابس فذهب إلي بطلان البيع رأساً وعدم نفوذه بإجازة المرتهن، وأطال في بيان ذلك بما لا يسعنا تعقيبه، لظهور ضعفه. وما ينبغي التعرض له أمران يتعلقان بالاستدلال السابق:

الأول: أن بيع الفضولي يبطل رأساً إذا وقع علي وجه التعدي علي الأصيل،

********

(1) سورة المائدة الآية: 1.

(2) وسائل الشيعة ج: 14 باب: 24 من أبواب نكاح العبيد والإماء حديث: 1.

ص: 74

أو فكّ الرهن (1) صح.

---------------

وإنما يصح بالإجازة إذا وقع علي وجه النيابة عن المالك، وذلك لا يجري في المقام لفرض أن البايع هو المالك، وهو الراهن، فلا معني لقصده النيابة عن المرتهن، بل هو واقع علي وجه التعدي عليه.

ويظهر اندفاعه مما سبق عند الكلام في بيع الفضولي من صحة بيع الفضولي بالإجازة وإن باع لنفسه، لاعتقاد كونه مالكاً، أو تعدياً كالغاصب، عملاً بالعموم المتقدم.

الثاني: أن التعليل المتقدم في صحيح زرارة إنما يجري إذا كان الفضولي غير مالك، لأنه يكون قد عصي المالك بإيقاعه العقد علي ملكه، أما إذا كان مالكاً محجوراً عليه كالراهن في المقام فهو عاص لله تعالي بتصرفه، وليس هو عاصياً لغيره، كالمرتهن في المقام، لعدم كونه مالكاً.

وفيه: أن العصيان للمالك في مورد الصحيح إنما هو بلحاظ مخالفته لمقتضي سلطنته علي ماله ونظيره حاصل في المقام بالإضافة إلي المرتهن، لمخالفة البيع لمقتضي حقه في العين المرهونة.

والمراد بعصيان الله تعالي في الصحيح إنما هو بعدم شرعية العقد ذاتاً، كالتزويج في العدة كما صرح به في بعض النصوص(1) دون ما يعم قصور السلطنة، وإلا كان التزويج أو البيع بغير إذن المالك معصية لله سبحانه أيضاً. ومن هنا لا معدل عما تقتضيه الأدلة من نفوذ البيع بإجازة المرتهن، علي ما سبق توضيحه.

(1) قال في التذكرة: (ولو باع ولم يعلم المرتهن ففك لزم البيع). وحكي نحوه عن الإيضاح والشهيد في الحواشي، وقواه في جامع المقاصد وغيره. لارتفاع المانع. وتنظر فيه في القواعد.

********

(1) وسائل الشيعة ج: 14 باب: 24 من أبواب نكاح العبيد والإماء حديث: 2.

ص: 75

(76)

وكذا لا يجوز بيع الوقف (1) إلا في موارد:

---------------

والظاهر عدم لزوم البيع بذلك، ويبقي غير نافذ، لأنه نظير من باع فضولاً ثم ملك، الذي كان التحقيق فيه عدم نفوذ البيع، علي ما أوضحناه في ذيل الكلام في البيع المذكور من المسألة الثالثة عشرة من فصل شروط المتعاقدين. فراجع.

نعم لو قلنا بعدم منافاة البيع للرهن، وأن المبيع يبقي مرهوناً ولا يستقل به المشتري، فيكون له الخيار لو لم يعلم بالرهن للعيب، لم يبعد سقوط خياره بالفك، إذا رضي بعدم الاستقلال بالمبيع إلي حين الفك، أو كانت المدة قصيرة، بحيث لا يعد عدم الاستقلال فيها عيباً عرفاً.

(1) قال شيخنا الأعظم (قدس سره): (إجماعاً محققاً ومحكياً). وفي شرح القواعد لكاشف الغطاء أنه من الظهور بحد يعد من الضروريات. وقد يستدل عليه مضافاً إلي ذلك بوجوه:

الأول: ما في الشرح المذكور وأقره سيدنا المصنف (قدس سره) - من أخذ الدوام في مفهوم الوقف. ويناسبه ما في الجواهر، حيث قال: (والذي يقوي في نظر [النظر. ظ] بعد إمعانه أن الوقف مادام وقفاً لا يجوز بيعه. بل لعل جواز بيعه مع كونه وقفاً من المتضاد. نعم إذا بطل الوقف اتجه حينئذ جواز البيع).

وحمله كما يظهر من سيدنا المصنف (قدس سره) - علي جواز البيع بمعني نفوذه، ليرجع إلي أن صحة البيع تستلزم بطلان الوقف، مما يأباه سياق كلامه، لأن حديثه في مسوغات البيع، لا في آثاره. بل بطلان الوقف بالبيع من الوضوح والبداهة بحيث لا يحسن بيانه، مع أن مقتضي كلامه أنه أمر لا يخلو عن خفاء، وإنما يتضح بعد إمعان النظر.

هذا وقد ذكر سيدنا المصنف (قدس سره) أن أخذ التأبيد في مفهوم الوقف لا ينافي جواز بيعه شرعاً وهو وقف قبل أن تبطل وقفيته، لإمكان رفع الشارع الأقدس اليد

ص: 76

عن لزوم الوقف وحكمه بجواز إبطاله، فهو قبل إبطاله بالبيع وقف يبتني علي التأبيد، إلا أنه غير لازم الوقفية مؤبداً، بل يجوز شرعاً إبطال وقفيته ببيعه.

وعلي ذلك جري الأصحاب في بعض موارد جواز بيع الوقف، حيث لا إشكال بينهم في عدم بطلان الوقف بجواز بيعه فيها، كما نبّه له شيخنا الأعظم (قدس سره).

لكن ذلك مستلزم لكون دليل جواز البيع منافياً لدليل نفوذ الوقف ومخصصاً له، لأنه إذا فرض أن مفاد الوقف التأبيد فحيث كان نفوذ البيع مستلزماً لبطلان الوقف وعدم تأبيده، فدليل نفوذ البيع يكون منافياً لدليل نفوذ الوقف ومخصصاً له في الحال المذكور. مع أنه لا تنافي بين الدليلين عرفاً، بل جواز البيع متفرع علي نفوذ الوقف، والنسبة بين دليليهما نظير النسبة بين دليل نفوذ النكاح ودليل جواز الطلاق.

مضافاً إلي أن أخذ التأبيد في مفهوم الوقف بالنحو الذي يمنع من البيع لا يناسب جواز اشتراط الواقف البيع، كما يأتي في المسوغ الثالث لبيع الوقف إن شاء الله تعالي. لظهور أن الشرط لا ينفذ إذا كان منافياً لمضمون الأمر المشترط فيه.

ومن هنا يتعين البناء علي عدم أخذ الدوام في مفهوم الوقف، أو علي أن الدوم المأخوذ في مفهومه لا ينافي البيع. والظاهر الثاني. وتوضيح ذلك:

أن الوقف متقوم بانقطاع علاقة الواقف بالعين الموقوفة، بحيث تخرج عن ملكه ولا تعود إليه، في مقابل مثل التحبيس، الذي تبقي معه العين في ملك المالك، ويكون حبسها بلحاظ منفعتها لا غير، ومثل بيع الشرط الذي تخرج فيه العين عن ملك البايع مع استحقاقه الرجوع بها بعد مدة.

ولذا لو بطل الوقف بخراب أو انتفاء الجهة الموقوف عليها أو غيرهما لا تعود العين الموقوفة إلي ملك الواقف، بل تبقي صدقة. كما أنه لا يشرع الوقف المنقطع، إلا أن يرجع للتحبيس الذي تبقي فيه العين ملكاً للمحبس.

والذي يترتب علي ذلك هو عدم جواز بيعه بنحو يصير ثمنه للواقف، لانقطاع

ص: 77

علقته به، وعدم مشروعية اشتراط مثل البيع المذكور، ولمنافاته لمفاد الوقف. أما عدم جواز بيعه بالنحو المذكور، أو عدم جواز اشتراط ذلك فهو لا يترتب علي التأبيد بالمعني المذكور.

الثاني: أن عدم مشروعية البيع من لوازم الوقف وخواصه، كما يستفاد من بعض النصوص، كصحيح ربعي بن عبد الله عن أبي عبد الله (عليه السلام): (قال: تصدق أمير المؤمنين (عليه السلام) بدار له في المدينة في بني زريق، فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما تصدق به علي بن أبي طالب وهو حي سوي، تصدق بداره التي في بني زريق صدقة لا تباع ولا توهب حتي يرثها الله الذي يرث السماوات والأرض. وأسكن هذه الصدقة خالاته ما عشن وعاش عقبهن، فإذا انقرضوا فهي لذي الحاجة من المسلمين)(1). وقريب منه معتبر عجلان أبي صالح(2).

فقد استظهر شيخنا الأعظم (قدس سره) أن الوصف لنوع الصدقة وهو الوقف لا لشخصها، كشرط خارجي منه (عليه السلام)، وإلا كان المناسب تأخيره عن ركن العقد، وهو الموقوف عليه.

ويشكل بأن ذلك وحده لا يكفي في تقريب الظهور. ولاسيما بعد أن لم يؤخذ الموقوف عليه جزءاً من جملة إنشاء الوقف، بل ذكر في جملة مسأنفة. ولعله لذا أخر عدم البيع عن بيان الموقوف عليه في صحيح أيوب بن عطية: (سمعت أبا عبد الله (عليه السلام)

يقول: قسم رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلّم) الفيء، فأصاب علياً (عليه السلام) أرض فاحتفر فيها عيناً، فخرج منها ماء... فجاء البشير يبشره. فقال: بشر الوارث. بشر الوارث. هي صدقة بتاً بتلا، في حجيج بيت الله وعابر سبيله، لا تباع ولا توهب ولا تورث. فمن باعها أو وهبها فعلية لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ولا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً)(3). ونحوه في ذلك صحيح عبد الرحمن بن الحجاج في صدقة الإمام الكاظم (4)(عليه السلام).

********

(1) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 6 من أبواب أحكام الوقوف والصدقات حديث: 4، 3، 2.

(2) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 6 من أبواب أحكام الوقوف والصدقات حديث: 4، 3، 2.

(3) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 6 من أبواب أحكام الوقوف والصدقات حديث: 4، 3، 2.

(4) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 10 من أبواب أحكام الوقوف والصدقات حديث: 5.

ص: 78

ومثله ما ذكره بعض الأعاظم (قدس سره) من أن جملة لا تباع ولا توهب في حديثي ربعي وعجلان صفة للمصدر الذي هو مفعول مطلق لبيان النوع، وهو صدقة. ومقتضي ذلك أن عدم البيع والهبة من خواص نوع هذه الصدقة، وهي الوقف.

إذ فيه: أن المراد بالمصدر المبين للنوع في كلام النحويين ما يعم الدال علي الخصوصية الشخصية، كقولنا: سرت سيراً متعباً. بل لعله مختص بذلك.

نعم لا يبعد إشعار الأحاديث المتقدمة بسبوق عدم البيع والهبة لبيان خاصة هذا النوع من الصدقة، لا شرطاً زائداً عليه من قبله (عليه السلام) في خصوص الفرد الخاص منها، لتعارف بيان الخصوصيات الفردية بصورة الشرط، وفي جملة مستأنفة.

لكن من القريب جداً سوقه بلحاظ طبيعة الوقف لتأكيد كونه محبساً وغير مملوك لأحد، ليجوز له بيعه وهبته حيث يكون البايع حينئذ غاصباً معتدياً، كما قد يناسبه قوله (عليه السلام) في صحيح عبد الرحمن بن الحجاج المشار إليه آنفاً: (لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيعها، ولا يبتاعها، ولا يهبها، ولا ينحلها، ولا يغير شيئاً مما وصفت عليه، حتي يرث الله الأرض ومن عليها).

ولا أقل من كون ذلك مقتضي الجمع بينها وبين ما تضمن مشروعية ترخيص الواقف في نفسه بيع الوقف، علي ما أشرنا إليه آنفاً.

الثالث: إطلاق بعض النصوص الخاصة المتضمنة عدم جواز بيع الوقف كصحيح أبي علي بن راشد: (سألت أبا الحسن (عليه السلام) قلت: جعلت فداك اشتريت أرضاً إلي جنب ضيعتي بألفي درهم، فلما وفرت المال خبرت أن الأرض وقف. فقال: لا يجوز شراء الوقوف [الوقف. يب]، ولا تدخل الغلة في مالك [ملكك]...)(1).

الرابع: أن مقتضي أدلة نفوذ الوقف لزوم العمل علي مقتضاه وعدم الخروج عنه بالبيع وغيره فيما إذا كان منافياً له.

********

(1) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 10 من أبواب أحكام الوقوف والصدقات حديث: 1.

ص: 79

(80)

(منها): أن يخرب بحيث لا يمكن الانتفاع به (1) مع بقاء عينه، كالحيوان المذبوح والجذع البالي والحصير المخرق.

---------------

نعم إذا لم يكن منافياً له تعين قصور هذا الوجه عنه، ولم يبق إطلاق إلا صحيح أبي علي بن راشد.

ثم إن مقتضي هذين الوجهين عدم الفرق بين أنواع الوقف من الخاص والعام، وعدم الفرق أيضاً بين البناء علي كون الوقف فيها أو في بعضها يبتني علي تمليك الموقوف عليهم وعدمه، غاية الأمر أنه مع ابتناء الوقف علي التمليك يكون المورد من صغريات شرطية الطلقية في الملك في جواز البيع، ومع عدمه يكون المورد من موارد المنع عن البيع بملاك آخر، ولا أثر لذلك عملاً. ومن ثم لا ينبغي إطالة الكلام في ذلك هنا. إلا أن يبتني عليه الاستدلال في بعض الفروع المتعلقة بالمقام، فيبحث عن ذلك حينئذ، كما يأتي إن شاء الله تعالي.

(1) يعني: في الجهة الموقوف عليها. وجواز بيعه حينئذ هو المصرح به في كلام جماعة. بل لعله المعروف بين الأصحاب. وقد يستدل عليه بوجوه:

الأول: أن ذلك مقتضي نفس الوقف، لأن تسبيل المنفعة بنحو التأييد وحتي يرث الله الأرض ومن عليها، مع ما هو معلوم من أن العين الموقوفة كثيراً ما تسقط عن الانتفاع بنفسها، كاشف عن سعة موضوع الوقف والتحبيس بنحو يقتضي الانتقال للبدل والانتفاع به، وأن وقف العين إنما هو بلحاظ ماليتها التي يمكن حفظها بالتبديل.

وتعابيرهم في بيان ذلك وإن كانت لا تخلو عن اختلاف وإشكال، إلا أنه يمكن استيضاحه بملاحظة نظيره، وهو ما إذا دفع الأب لولده قدراً من المال، وقال له: تعيش بهذا المال، فإن قلة المال بنحو لا تناسب كونه معاشاً له طول عمره قرينة علي أن المراد به اتخاذه رأس مال يتجر به ويعيش بربحه، فكذلك الحال في المقام.

ص: 80

ولا يخفي أن ذلك لو تم إنما ينهض بتصحيح البيع فيما إذا كان الوقف الخراب صالحاً لأن يستبدل به ما يمكن الانتفاع به في الجهة الموقوف عليها بنحو الاستمرار ولو بتكرار التبديل بمرور الزمن. أما إذا لم يصلح لذلك فالوجه المذكور يقصر عنه.

علي أن الوجه المذكور لا يخلو عن إشكال، لأن المراد بسعة موضوع الوقف والتحبيس بنحو يقتضي الانتقال للبدل إن كان هو إلغاء خصوصية شخص العين الموقوفة، وأن الانتفاع بالعين بلحاظ ماليتها، نظير مثال رأس المال المتقدم كما قد يظهر بدواً من تقرير درس بعض مشايخنا (قدس سره) - فهو خلاف المقطوع به من حقيقة الوقف، ولذا صرحوا بعدم جواز وقف النقود إذا لم تصلح للانتفاع بشخصها، بل بالاتجار بها لا غير، كما صرحوا بأن البيع مخالف لمقتضي الوقف في الجملة ولو بإطلاقه. بل هو أوضح من أن يحتاج لذكر الشواهد.

وإن كان المراد بذلك انحلال الوقف إلي وقف العين بشخصها مع إمكان الانتفاع بها، ووقفها بلحاظ كونها مالاً صالحاً للتبديل عند تعذر الانتفاع بها كما يظهر من بعض المحققين (قدس سره) في حاشيته علي المكاسب، ومما حكاه عن شيخه المحقق الخراساني (قدس سره) في بعض كلماته فالظاهر أن الانحلال المذكور مغفول عنه نوعاً. ولو فرض التفات الواقف إليه فمن شأنه أن ينص عليه، وعلي بيان حال الوقف مع تعذر الانتفاع به الخراب ونحوه. وأما ابتناء الوقف علي الدوام فإنما هو بمعني الدوام مادامت العين صالحة للانتفاع بها.

والتعبير بمثل: حتي يرث الله الأرض ومن عليها إنما يحسن فيما من شأنه البقاء، ولو للغفلة أو التغافل عن تقلبات الدنيا وتغير الأوضاع، كالأرض الزراعية والدار التي يفترض تعميرها أو ترميمها ولو من قبل الموقوف عليهم من أجل أن ينتفعوا بها، كما يناسب ذلك مثل قوله (عليه السلام): في صحيح ربعي المتقدم: (صدقة لا تباع ولا توهب حتي يرث الله الأرض ومن عليها).

ولو فرض التعبير بذلك عما ليس من شأنه البقاء، بنحو يمكن الانتفاع به

ص: 81

بالوجه الذي يتضمنه الوقف، فلابد كون المراد به الكناية عن مجرد الدوام بالمعني الذي ذكرنا. كيف والأعيان الموقوفة التي يمكن الانتفاع بها بالنحو المنصوص عليه في الوقف باستمرار ولو من طريق التبديل بحيث يستغني به عن الدعم من جهات خارجية كتبرع ونحوه أندر النادر، وغالب الأوقاف لا تصلح لذلك لنقص ماليتها بخرابها.

بل كثير منها يضمحل أو يتعطل حتي يفقد ماليته، أو يبقي القليل منها بحيث لا يعتد بمنفعته بدله، كالكتب والفرش والآلات المختلفة وكثير من أدوات البناء وغيرها وغيرها، فكيف يمكن مع ذلك أن يكون قصد الواقف ارتكازاً وبنحو العموم هو وقف العين بلحاظ ماليتها، لينتفع ببدلها في الجهة الموقوفة عليها؟!.

هذا مضافاً إلي أن المصرح به فيما عن بعض مشايخنا (قدس سره) في التقرير المذكور أن الموضوع في هذه المسألة ليس هو الخراب، بل ما يترتب عليه، وهو تعذر الانتفاع في الجهة الموقوف عليها، فمعه يجوز البيع ولو مع عدم الخراب، كالدار الموقوفة لسكني الموقوف عليهم إذا كانت في بلدة قد خربت وتركها أهلها، بحيث لا يمكن الانتفاع بالدار في السكن. ولعله عليه يبتني ما أفتي به من جواز البيع في الصورة الرابعة.

وحينئذ كما يمكن جعل دوام الانتفاع بالعين الموقوفة حتي يرث الله تعالي الأرض ومن عليها قرينة علي إلغاء خصوصية العين ولو بنحو تعدد المطلوب، فيجب بيع الدار في الفرض المتقدم لشراء داراً أخري في بلدة عامرة بالسكن، كذلك يمكن جعلها قرينة علي إلغاء خصوصية المنفعة التي أوقفت العين بلحاظها، فلا يجوز بيع الدار في الفرض المتقدم، بل يجب تبديل منفعتها، فبدلاً من سكنها تكون مثلاً محلاً تجارياً أو مزرعة ينفق واردها لصالح الموقوف عليهم. بل لعل الثاني أقرب عرفاً.

وبالجملة: الوجه المذكور يبتني علي تكلف يقطع بعدم ابتناء الوقف عليه. ومن ثم كان الظاهر أن البيع في المقام وأمثاله ليس مقتضي نفس الوقف، ولابد في تصحيحه من وجه آخر خارج عنه.

ص: 82

الثاني: ما ذكره الشيخ في الخلاف أن الدليل علي ذلك الأخبار المروية عن الأئمة (صلوات الله عليهم). لكن لم يتضح مراده من تلك الأخبار، حيث لم نعثر علي ما يدل علي ذلك، ولا علي من استدل عليه بشيء منها.

الثالث: وهو العمدة في المقام. إن الوقف وإن تضمن حبس العين بنحو ينافيه البيع، إلا أنه حبس خاص يبتني علي الانتفاع بالعين في الجهة الخاصة، فمع سقوط العين عن ذلك لخرابها يرتفع موضوع الحبس الذي به قوام الوقف، وتبقي صدقة بمقتضي ما سبق عند الكلام في تقوم الوقف بالتأييد من ابتناء الوقف علي انقطاع علقة المالك بالعين، بحيث لا تعود إليه. ولا أقل من الشك في عودها إليه أو لورثته، فيستصحب عدم ملكهم لها.

وكيف كان فلا ينهض الوجه الرابع بالمنع من البيع حينئذ. كما أن النصوص المتقدمة في الوجه الثاني تقصر عنه، كما يظهر بالرجوع لما سبق عند الكلام فيها. فلم يبق إلا إطلاق صحيح أبي علي بن راشد وهو لا ينهض بالاستدلال أيضاً.

أولاً: لأن من القريب قصوره عن المنع حينئذ، لعدم وضوح صدق الوقف علي العين حينئذ بعد ما سبق من تقوم الوقف بالتحبيس المفروض ارتفاع موضوعه بالخراب، ولو فرض صدقه عرفاً إغفالاً لهذه النكتة، فمن القريب انصراف النهي فيه للبيع المنافي لمقتضي الوقفية، لأن موضوع النهي عن البيع في المقام حيث كان مناسباً للمنهي عنه ارتكازاً فمن القريب قصور النهي عن غير مورد الارتكاز، نظير ما ذكرناه في نصوص الوجه الثاني، وليس هو مثل النهي في موضوع تعبدي محض كالنهي عن بيع مثل الخمر والميتة.

وثانياً: لأنه مروي بوجهين: (الوقف) بالإفراد و (الوقوف) بالجمع. ويظهر من كتاب الوقوف من الوسائل طبعة الحروف الأولي أن الأول هو الوارد في التهذيب فقط والثاني هو الوارد في الكافي والفقيه والاستبصار، ولكن في الطبعات الحديثة لهذه الكتب قد ورد الثاني في التهذيب فقط، والأول قد ورد في الكتب الثلاثة الباقية.

ص: 83

وكيف كان فالحديث مروي بالوجهين، وذلك مانع من حجيته في الإطلاق، لاحتمال صحة الرواية بالإفراد، ومعه يحتمل إرادة العهد من اللام، بأن يكون المراد عدم جواز بيع الوقف المسؤول عنه، المفروض كونه ضيعة عامرة ذات غلة، فعدم الاستفصال فيه لا تقتضي العموم للوقف الخراب الذي هو محل الكلام، ولا ينهض بالمنع عن بيعه.

ودعوي: أن مقتضي الاستصحاب عدم جواز بيعه. مدفوعة بأن المراد من عدم جواز البيع لما كان هو عدم جوازه وضعاً، الراجع لعدم نفوذه، فهو راجع إلي حكم تعليقي، وهو عدم نفوذه لو وقع، والتحقيق عدم جريان الاستصحاب التعليقي ذاتاً علي ما أوضحناه في الأصول. إلا أن يراد بالاستصحاب أصالة ترتب الأثر علي البيع وعدم نفوذه، لعدم إحراز السلطنة عليه، وهو أمر آخر يأتي الكلام فيه.

ومثلها دعوي: أن بيع الوقف حينئذ ينافي حق البطون اللاحقة فيه لاندفاعها بأن حقهم في العين إنما هو بلحاظ انتفاعهم بها، واستغلالهم لمنفعتها، فمع فرض تعذر انتفاعهم بها بلحاظ خرابها لا موضوع لحقهم فيها، لينافيه البيع.

نعم بناء علي أن الوقف يرجع إلي تمليك العين للموقوف عليهم بجميع بطونهم علي نحو التعاقب، نظير ملك المسلمين لأرض الخراج، فقد يدعي أن ارتفاع موضوع التحبيس بالخراب لا ينافي بقاء العين في ملكهم. ولا أقل من كونه مقتضي الاستصحاب، فيكون البيع منافياً لسطنتهم علي ما لهم.

والولي المنصوب من قبل الواقف إنما يكون ولياً علي إيصال حقهم لهم، لا ولياً عليهم، بحيث له التصرف في مالهم بالبيع، خصوصاً إذا لم يكن صلاحاً للبطون اللاحقة. غاية الأمر أنه قد يتجه حينئذ بيع الإمام له، لأنه أولي بهم من أنفسهم. وهو خارج عن محل كلام الأصحاب (رضي الله عنهم).

لكن المبني المذكور في غير محله.

أولاً: لما هو الظاهر من وحدة مفاد الوقف في جميع أقسامه، مع أن الجهة

ص: 84

الموقوف عليها قد لا تقبل الملك، كالمساجد والمشاهد والحيوانات وبعض الأعمال الراجحة، كترويج الدين وطبع الكتب النافعة، وغير ذلك.

ودعوي: أن الوقف حينئذ علي المسلمين، كما في الشرايع والقواعد وغيرهما ممنوعة، لأن صيغة الوقف لا تناسب ذلك، ومجرد انتفاع المسلمين به لا يقتضيه، بل هو كانتفاع من ينزل من الباعة ومؤجري وسائل النقل بفناء المنازل الموقوفة علي عابري السبيل، الذي لا إشكال في عدم اقتضائه الوقف عليهم أو ملكهم لها.

بل قد لا ينتفع به المسلمون، كالوقف علي وسائل الدعوة للدين والدعاية له في وسط المجمعات الكافرة.

وثانياً: أن الوقف لو كان علي الإنسان فلا يتعقل فيه الملك إذا ابتني علي بذل المنفعة في العنوان بنحو التخيير بين أفراده، لعدم تعقل الملكية التخييرية.

كما لا يتعقل الملك بنحو التعاقب إلا مع استقلال كل بالملك في وقته، كما في التعاقب علي الملك بمثل البيع والميراث، ولا يتحقق ذلك في الوقف علي البطون، لأن كل بطن يستقل بملك العين بلحاظ استغلاله لتمام منفعتها، ولا يستقل به بلحاظ تعلق حق البطون اللاحقة بها.

ومن هنا يتعين البناء علي عدم ملك الموقوف عليهم للعين، بل هي صدقة محبسة عليهم بالنحو الخاص، غير مملوكة لهم، من دون فرق بين البطن الموجود والمعدوم.

والظاهر أن ذلك يجري في جميع الأموال العامة، كالزكاة ونمائها، فإنها صدقة بنحو خاص من دون أن تكون محبسة ولا مملوكة، وأرض الخراج، فإنها مستحقة بنحو خاص من دون أن تكون مملوكة.

والتعبير عن أرض الخراج في النصوص بأنها للمسلمين لا يحمل علي الملك بالمعني المعهود الذي هو موضوع للسلطنة، بل الاختصاص بهم ولو بلحاظ كونهم مصرفاً لها، أو استحقاقهم لها بنحو خاص.

ص: 85

وبذلك يظهر ضعف ما في القواعد من أن الوقف إن كان علي معين فالأقرب أنه يملكه، وإن كان علي جهة عامة فالأقرب أن الملك لله تعالي.

وجه الضعف: ما أشرنا إليه من وحدة مفاد الوقف، وعدم تعقل ملك الإنسان بالنحو الذي يقتضيه الوقف. مضافاً إلي أن الله سبحانه هو المالك الحقيقي لكل شيء، والملكية الاعتبارية تابعة لجعل الواقف، وهي لا تتضمن تمليك الله تعالي في الجميع.

ومجرد كون الجهة قربية إنما تقتضي نسبة الوقف له تعالي في جميع أقسامه حتي الخاص منه، لأنه نحو من الصدقة التي هي من العبادات. لكن مرجع ذلك إلي كونه عز وجل غاية للواقف من إنشاء الوقف، لا كونه مالكاً للعين الموقوفة ملكية اعتبارية زائداً علي الملكية الحقيقية.

هذا مضافاً إلي أن بقاء الوقف الخراب معطلاً غير قابل لأن تنتفع به الجهة الموقوف عليها أو تستثمره مما يقطع عدم تعلق غرض الشارع الأقدس به، بحيث يستكشف جواز بيعه والانتفاع بثمنه في الجملة حتي لو فرض البناء علي كونه ملكاً للموقوف عليهم، فضلاً عما إذا لم يثبت ذلك أو ثبت عدمه، كما سبق.

وبذلك يظهر أنه لا مجال لأصالة عدم ترتب الأثر، لما سبق من عدم إحراز السلطنة. لظهور أن ما سبق من العلم برضا الشارع الأقدس ببيعه راجع إلي إحراز السلطنة عليه في الجملة.

ثم إنه لا يفرق في ذلك بين الوقف الخاص والوقف العام عدا المساجد ونحوها، لما يأتي في المسألة العاشرة.

لكن منع كاشف الغطاء (قدس سره) في شرحه علي القواعد من بيع الوقف العام مطلقاً. قال: (فلا يصح بيع أرض الوقف العام، لعدم التمامية، بل لعدم أصل الملكية، لرجوعها إلي الله تعالي ودخولها في مشاعره، أمكن الانتفاع بها في الوجه الذي وضعت له أولاً. ومع اليأس من الانتفاع بالجهة المقصودة تؤجر للزراعة ونحوها مع المحافظة علي الآداب اللازمة لها إن كانت مسجداً مثلاً، وإحكام السجلات، لئلا تغلب اليد،

ص: 86

فتقضي بالملك دون الوقف المؤبد. وتصرف فائدتها فيما يماثلها من الأوقاف، مقدماً للأقرب والأحوج والأفضل احتياطاً...).

هذا وقد سبق منع اعتبار الملكية في البيع. كما أنه لم يتضح مراده برجوع الأوقاف العامة لله سبحانه وصيرورتها في مشاعره. فإن أراد بذلك ملكه تعالي لها فقد ظهر ضعفه ما سبق. وإن أراد احترامها باعتبار انتسابها له فهو لا يمنع من بيعها.

ولا مجال لقياسها بمواضع مناسك الحج ونحوها، لأن جعل تلك المواضع مورداً لأداء المناسك مستلزم للمنع من بيعها واختصاص بعض الناس بملكها، فكيف يقاس بها ما تعطل، وسقط عن الانتفاع المعد له ؟! وإلا فما المسوغ لإجارتها، مع أن إجارة العين كبيعها من حيثية اعتبار السلطنة، لظهور تبعية المنفعة للعين.

علي أن الإجارة قد لا تتيسر، أو تكون سبباً للخطر علي مالية العين، لعدم تيسر الضبط المانع من العدوان عليه والاختلاس له.

ومن جميع ما سبق يظهر أنه لا ينبغي الإشكال في جواز البيع مطلقاً.

نعم لابد من تعذر عمارته، بحيث يلزم من عدم بيعه تعطيله. أما مع إمكان عمارته بالنحو الذي وقف عليه فاللازم عمارته وعدم جواز بيعه.

أما إذا كان بوجه قد تعرض له الواقف عند الوقف وعين له مالاً كما لو وقف مدرسة ووقف لها محلات تجارية يكون ريعها لترميم المدرسة وعمارتها فظاهر، لأنه مقتضي نفس الوقف، المفروض نفوذه علي ما أوقف عليه. وأما إذا لم يتعرض الواقف لذلك ولم يكن مقتضي الوقف. فالعمارة تكون بأحد وجهين:

الأول: أن تكون ببذل أجنبي. والوجه في عدم جواز البيع حينئذ أن الواقف وإن حبّس الأرض والعمارة معاً في الجهة الموقوف عليها، وبالخراب بطل تحبيس العمارة، لتعذر الانتفاع بها، إلا أن ذلك لا يقتضي بطلان تحبيس الأرض بعد إمكان عمارتها جديداً والانتفاع بها في الجهة المذكورة، لعدم الارتباطية في الوقف من هذه

ص: 87

الجهة عرفاً. نظير ما إذا خرب بعض الوقف، حيث لا يحتمل بطلان وقف العامر منه.

بل هو أولي من تبعض الصفقة في البيع ونحوه، لأن تبعض الصفقة يكون ببطلان البيع في البعض من أول الأمر ومن حين وقوعه، وبطلان الوقف هنا في البعض وهو العمارة يكون من حين الخراب بعد أن صح بتمامه مدة من الزمن.

الثاني: أن تكون بإجارة الأرض نفسها وبذل الأجرة في عمارتها، وهو ما يعرف في زماننا بالمساطحة. والظاهر أنه مقدم علي البيع، لعدم بطلان وقفية الأرض بعد إمكان الانتفاع بها في الجهة التي عينها الواقف. وغاية ما يلزم هو تأخر بذل المنفعة، أو بذل بعضها، في الجهة المذكورة إلي انتهاء مدة الإجارة، وذلك وحده لا يكفي في بطلان الوقف وجواز بيعه، نظير ما لو تعذر الانتفاع بالوقف في الجهة الموقوف عليها موقتاً، لمانع خارجي، كسلطان قاهر، أو فتنة تخل بالنظام أو نحو ذلك. ولعله ظاهر.

بقي شيء: وهو أن مقتضي الوجه المتقدم كون المعيار في بطلان التحبيس علي الجهة الموقوف عليها هو تعذر استيفاء المنفعة في الجهة التي عينها الواقف، وذلك يكون:

تارة: لخراب الوقف، بحيث يسقط عن أن ينتفع به، وهو ما سبق في كلام سيدنا المصنف (قدس سره) وذكره كثير من الأصحاب.

وأخري: لاستغناء الجهة الموقوف عليها عن منفعة الوقف، كما إذا وقف للمسجد فراش أو جهاز تبريد، فاستغني المسجد عنه بما هو الأحسن.

وثالثة: لتعذر انتفاع الجهة الموقوف عليها بالموقف، كما لو منع السلطان من ذلك.

ورابعة: لارتفاع الجهة الموقوف عليها، كما لو وقف منزلاً أو سقاية في طريق الحجاج أو الزوار، فتبدل الطريق.

ص: 88

وفي الجميع يتعين بطلان التحبيس بارتفاع موضوعه، وهو بذل المنفعة في الجهة التي عينها الواقف.

نعم قد تختلف هذه الصور في جواز البيع وعدمه، إذ مع سقوط العين عن الانتفاع بالخراب ونحوه لا موضوع للتحبيس رأساً، أما مع بقائها صالحة لأن ينتفع بها فيمكن بقاء حبسها بلحاظ الانتفاع بها في جهة خيرية أخري، كنقل فراش المسجد لمسجد آخر أو حسينية مثلاً، وبذل المنزل الموقوف للحجاج أو الزوار في طريقهم مع تبدل طريق الحج أو الزيارة، لغير الحجاج والزوار من المارة في الطريق أو جعله معهداً خيرياً أو غير ذلك.

ولعله إلي ذلك يرجع ما في النهاية والشرايع وغيرهما: وقيل: إنه المشهور، من أنه لو وقف علي مصلحة فبطل رسمها صرف في وجوه البر، وما عن الأصحاب من نقل آلات المسجد لمسجد آخر.

وحينئذ قد يدعي وجوب ذلك لأحد وجوه:

الأول: أن التحبيس علي الجهة الخاصة وإن بطل بارتفاع موضوعه، إلا أنه يتعين بقاء أصل التحبيس بلحاظ وجود المنفعة للعين، وعدم تعذر الانتفاع بها. لابتناء قصر التحبيس علي الجهة الخاصة علي تعدد المطلوب، نظير بقاء العين صدقة عند بطلان أصل التحبيس لخراب الوقف بنحو لا ينتفع به.

وحينئذ يستعمل في وجوه البر، إما لابتناء التحبيس الباقي علي ذلك ارتكازاً، أو لما في الجواهر من أن كل مال لا يعلم مصرفه يصرف في وجوه البر، كما يستفاد مما ورد فيما لو نسي الوصي المصارف التي عينها الموصي(1) وما تضمن جواز التصدق بالمال الموصي به إذا لم يف بالجهة التي أوصي به فيها(2).

وفيه: أن فهم تعدد المطلوب إنما يتجه في التكليف، لابتنائه علي الملاك الذي قد

********

(1) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 61 من أبواب كتاب الوصايا حديث: 1.

(2) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 87 من أبواب كتاب الوصايا حديث: 1.

ص: 89

يستفاد من القرائن أو المرتكزات انحلاله إلي مراتب، فيلزم انحلال التكليف تبعاً لها. ولا مجال له في الإنشائيات ذات المضامين الاعتبارية، كالبيع والوقف وغيرها، لوحدة الأمر المنشأ، وإناطته بموضوعه بتمام قيوده، والمفروض ارتفاعه.

ولا يقاس ذلك ببقاء أصل التصدق، لأن بقاء التصدق مستفاد من ابتناء الوقف علي انقطاع علقة الواقف بالعين الموقوفة التي سبق ابتناء الوقف عليها. ولا أقل من كون عدم رجوع العين للواقف أو وارثه مقتضي الاستصحاب، كما سبق أيضاً، فيكون بحكم الصدقة غير مملوك لأحد.

الثاني: أن ذلك أقرب لغرض الواقف إذ بعد تعذر الانتفاع بالعين في الجهة الموقوف عليها، فاستمرار الانتفاع بها في الوجه القربي الآخر أولي من بيعها وانقطاع الانتفاع بها.

وفيه أولاً: أنه لا عبرة بغرض الواقف، لأن الأدلة إنما تضمنت نفوذ الوقف ولزوم العمل عليه، وهو متقوم بالإنشاء لا بغرض الواقف.

وثانياً: أن ذلك قد يتجه فيما إذا بني علي إنفاق الثمن في وجوه البر المنقطعة، أما إذا بني علي تبديله بما يستمر الانتفاع به من وجوه البر فيختلف حال الواقف.

مثلاً: من وقف فراشاً لمسجد خاص.

تارة: يكون غرضه المهم حين الوقف جعل الفراش صدقة جارية، وإنما اختار المسجد الخاص له لحاجته للفراش. وأخري: يكون غرضه المهم اكتفاء المسجد الخاص، فاختار وقف الفراش له لحاجته له.

فمع فرض تعذر الانتفاع بالفراش في المسجد المذكور يكون الأقرب لغرضه في الصورة الأولي نقل الفراش لمسجد آخر أو معهد خيري أو نحو ذلك. أما في الصورة الثانية فيكون الأقرب لغرضه تبديل الفراش بشيء آخر يحتاجه المسجد نفسه كجهاز التبريد أو الإنارة. بل حتي ما يحتاجه من المصالح المنقطعة، كدفع ثمن الماء أو

ص: 90

(91)

(ومنها): أن يخرب علي نحو يسقط عن الانتفاع المعتد به، مع كونه ذا منفعة يسيرة ملحقة بالمعدوم عرفاً (1).

---------------

الكهرباء أو أجرة الحارس.

الثالث: أن مقتضي الأصل عدم نفوذ البيع وعدم ترتب الأثر عليه مع إمكان الانتفاع بالوقف في وجوه البر الأخري. إذ المتيقن مما سبق في وجه البيع والخروج عن أصالة عدم ترتب الأثر عليه ما إذا لزم من عدم البيع تعطيل المال، دون ما إذا أمكن الانتفاع به في وجه آخر راجح شرعاً.

وفيه: أن الشك في جواز البيع ونفوذه إن كان لاحتمال وجود مانع شرعي من البيع، فالمانع المحتمل إن كان هو التحبيس فالمفروض ارتفاعه بتعذر الانتفاع بالعين في الجهة التي تضمنها الوقف، وصيرورة العين صدقة. وإن كان أمراً آخر فمقتضي عموم أدلة النفوذ عدمه.

وإن كان لاحتمال قصور السلطنة عنه فهو مشترك بين البيع والتصرف الخارجي، إذ لا إشكال في احترام المال وعدم جواز التصرف فيه لكل أحد كيفما شاء، بل لابد من الرجوع فيه للولي. وحينئذ يكون نظر الولي محكماً في اختيار التصرف المناسب. وربما يأتي في المسألة الحادية عشرة ما ينفع في المقام.

(1) بحيث لا يشملها نظر الواقف عند الوقف، ولا يكون التحبيس بلحاظها، كما لو وقفت الدار لسكني الموقوف عليهم، فخربت بحيث تعذرت السكني بها مدة معتداً بها، وإن أمكن قضاء بعض الوقت فيها للعابر والمضطر. أو وقف مدرسة كبيرة لأهل العلم، فخربت ولم يبق منها إلا غرفة يمكن أن يسكنها شخص أو شخصان. وحينئذ يتجه بيعها لعين الوجه المتقدم، وهو ارتفاع موضوع التحبيس.

أما إذا كان ذلك لتبدل نوع الانتفاع كما إذا ماتت النخلة الموقوفة لصالح المسجد، فأمكن الانتفاع بجذعها لتسقيفه فيدخل في المسوغ الرابع الذي يأتي الكلام

ص: 91

(92)

(ومنها): ما إذا اشترط الواقف بيعه (1)

---------------

فيه إن شاء الله تعالي، كما يتضح بملاحظته.

(1) قال في الإرشاد: (ولو شرط بيع الوقف عند حضور ضرر به كالخراج والمؤن من قبل الظالم وشراء غيره بثمنه فالوجه الجواز). وقال في الدروس: (ولا يجوز بيع الوقف إلا إذا خيف من خرابه أو خلف بين أربابه المؤدي إلي فساد... ولو شرط الواقف بيعه عند حاجتهم أو وقوع الفتنة بينهم فأولي بالجواز. وفي شراء بدله في هذه المواضع نظر).

واستشكل في جواز الشرط المذكور في القواعد، ومنع منه في محكي الإيضاح مطلقاً. وإليه يرجع ما في جامع المقاصد عن عدم صحة اشتراط بيعه في غير مورد مسوغات البيع الشرعية.

وكأنه لمنافاة البيع للوقف أو للتأبيد، كما صرح بذلك غير واحد منهم سيدنا المصنف (قدس سره) قال: (وأما تصحيحه بإرجاعه إلي شرط فسخ الوقف أولاً ثم يبيع. ففيه: أن الفسخ أيضاً ينافي التأبيد، كالبيع، فلا يمكن شرط فعله في عقد الوقف. والمائز بين الوقف وسائر العقود التي يجوز فيها شرط الفسخ أن المجعول فيها مجرد حدوث المضمون من دون نظر إلي بقائه ودوامه، فلا مانع من شرط الفسخ... بخلاف الوقف حسب الفرض من كون التأبيد والدوام مقوماً له مجعولاً بجعل الواقف).

وفيه: أن مبني الفسخ علي حلّ العقد بتمام مضمونه، ومع حله كذلك يتعين ارتفاع مضمونه، من دون فرق بين ابتنائه علي التأبيد وعدمه. نظير ما إذا اشترط البايع علي المشتري بقاء المبيع في ملك المشتري وعدم خروجه عن ملكه، واشترط لنفسه الخيار في فسخ البيع، حيث لا تنافي بين الشرطين.

نعم اشتراط الفسخ إنما يشرع فيما إذا كان لزوم المضمون حقياً، علي ما يأتي عند الكلام في خيار الشرط. ولا طريق لإحراز ذلك في الوقف، خصوصاً علي م

ص: 92

هو الظاهر من أنه إيقاع لا عقد. بل الظاهر عدمه. ولذا كان الظاهر اتفاقهم علي عدم جواز اشتراط الفسخ في الوقف. وقد يستفاد مما تضمن عدم جواز الرجوع في الصدقة وما أريد به وجه الله(1).

كما أن البناء علي رجوع شرط البيع في الوقف إلي شرط فسخ الوقف، ثم البيع، خروج عن محل كلامهم. كيف ولازمه رجوع العين للواقف أو لورثته، وليس بناؤهم علي ذلك.

هذا وحيث منع سيدنا المصنف (قدس سره) من رجوع شرط البيع لشرط فسخ الوقف ثم البيع لما سبق فقد حاول توجيه الشرط المذكور بأنه راجع إلي تعليق الوقف والتأبيد بعدم حصول السبب المنوط به الشرط، فمع حصوله يرتفع الوقف والتأبيد فيصح البيع، فمرجع اشتراط الواقف جواز البيع عند حاجة الموقوف عليهم مثلاً إلي أن الوقف معلق علي عدم حاجتهم، فإن احتاجوا فلا وقف، فيجوز البيع.

وقد ذكر (قدس سره) أن التعليق وإن كان يبطل العقد والإيقاع عندهم رأساً، إلا أن الدليل علي مبطليته ينحصر بالإجماع، ولولاه لكان مقتضي العمومات الصحة، وحيث لا إجماع في المقام، لخلافهم في جواز شرط البيع في الوقف، تعين البناء علي عدم مبطليته عملاً بالعمومات. قال (قدس سره): (واحتمال أن الخلاف كان لشبهة، لا لجواز العليق، غير ظاهر. فالعمل بالعمومات متعين).

لكن التوجيه بذلك ليس كتوجيه الحكم الشرعي التعبدي لا يتوقف علي قصد الواقف، ولا علي ظهور كلامه فيه، بل يكفي فيه الفرار عن مخالفة الحكم لمبني الموجِّه، بل هو راجع إلي حمل مراد الواقف علي ذلك، وهو موقوف علي التفات الواقف له، وظهور كلامه فيه. وكلاهما يحتاج إلي إثبات. بل قد يقطع بعدمهما. علي أنه يشكل:

أولاً: بأن ذلك مستلزم لرجوع العين الموقوفة للواقف، وقد سبق عدم بنائهم

********

(1) راجع وسائل الشيعة ج: 13 باب: 11، 13 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات، وباب: 3 من أبواب كتاب الهبات.

ص: 93

عليه، حيث ينكشف بحصول السبب المذكور عدم حصول الوقف.

وثانياً: بأن المعلق علي عدم حصول السبب المنوط به الشرط إن كان هو أصل وجود الوقف لزم كون حصول السبب المذكور كاشفاً عن عدم حصول الوقف من حين إنشائه، وبقاء العين الموقوفة علي ملك الواقف، المستلزم لملكه لمنافعها ونمائها السابقة بنحو يستلزم ضمان الموقوف عليهم لها لو كانوا قد استغلوها. ولا يظن بأحد البناء علي ذلك.

وإن كان المعلق هو بقاء الوقف واستمراره، بحيث يرتفع الوقف بحصول السبب المذكور فهو مناف لفرض أخذ التأبيد في الوقف كما لعله ظاهر.

وثالثاً: بأن الوقف إذا كان معلقاً علي عدم حصول السبب المذكور لزم عدم الوقف علي تقدير حصوله وإن لم يتحقق البيع، ولا يظن منه (قدس سره) ولا من غيره البناء علي ذلك. خصوصاً إذا كان مفاد الشرط الترخيص في البيع لا الإلزام به.

إلا أن يلتزم (قدس سره) بأنه منوط بعدم حصول السبب المتعقب بالبيع، نظير الشرط المتأخر. وهو يحتاج إلي كلفة يقطع بعدم توجه الواقف لها حين إنشاء الوقف لها. بل الإنصاف أن أصل التعليق المذكور يحتاج إلي كلفة يغفل عنها الواقف، كما أشرنا إليه آنفاً.

ورابعاً: بأن مراده (قدس سره) بعدم مبطلية التعليق للوقف إن رجع إلي عدم مبطليته له مطلقاً، فهو خلاف المقطوع به من بناء الأصحاب علي عدم مشروعية اليمين المعروف عند العامة بالطلاق والعتاق وصدقة ما يملك، وإن كان عدم مبطليته في خصوص مورد شرط البيع، فهو يبتني علي تكلف منهم في الفتوي يكاد يقطع بعدمه.

أما شيخنا الأعظم (قدس سره) فقد احتمل منافاة البيع لإطلاق الوقف، لا لأصله. وحينئذ لا مانع من اشتراطه والخروج عن مقتضي الإطلاق. قال (قدس سره): (ثم إنه لو سلم المنافاة فإنما هو بيعه للبطن الموجود وأكل ثمنه، وأما تبديله بوقف آخر فلا تنافي بينه وبين مفهوم الوقف. فمعني كونه حبساً كونه محبوساً من أن يتصرف فيه بعض

ص: 94

طبقات الملاك علي نحو الملك المطلق، وأما حبس شخص الوقف فهو لازم لاطلاقه وتجرده عن مسوغات الإبدال، شرعية كانت، كخوف الخراب، أو بجعل الواقف، كالاشتراط في متن العقد. فتأمل).

وما ذكره أخيراً يصلح لأن يكون وجهاً لما سبق من الإرشاد. وهو المناسب لما سبق من غير واحد من ابتناء وقف العين علي البقاء ولو بلحاظ إبدالها بمثلها. وإن سبق الإشكال فيه. نعم هو يقصر عن شرط البيع بنحو لا يبتني علي الإبدال، بل علي انتفاع البايع من الموقوف عليهم بالثمن وأكله له.

وكيف كان فالعمدة في جواز البيع في الثاني فضلاً عن الأول صحيح عبد الرحمن بن الحجاج: (بعث إليّ بهذه الوصية أبو إبراهيم (عليه السلام): هذا ما أوصي به وقضي في ماله عبد الله علي ابتغاء وجه الله... وإن الذي كتبت من أموالي صدقة واجبة بتلة حياً أنا أو ميتاً، ينفق في كل نفقة أبتغي بها وجه الله في سبيل الله ووجه، وذوي الرحم من بني هاشم وبني المطلب والقريب. وإنه يقوم علي ذلك الحسن بن علي يأكل منه بالمعروف، وينفقه حيث يريد الله في حل محلل لا حرج عليه فيه. فإن أراد أن يبيع نصيباً من المال، فيقضي به الدين فليفعل إن شاء لا حرج عليه فيه... وإن كان دار الحسن غير دار الصدقة فبداله أن يبيعها فليبعها إن شاء لا حرج عليه فيه. وإن باع فإنه يقسمها ثلاثة أثلاث، فيجعل ثلثاً في سبيل الله، ويجعل ثلثاً في بني هاشم وبني المطلب، ويجعل ثلثاً في آل أبي طالب، وأنه يضعه حيث يريد الله. وإن حدث بحسن بن علي حدث وحسين حي فإنه إلي حسين بن علي. وإن حسيناً يفعل فيه مثل الذي أمرت به حسناً، له مثل الذي كتبت للحسن، وعليه مثل الذي علي الحسن... وإنه شرط علي الذي يجعله إليه أن يترك المال علي أصوله، وينفق حيث أمره به... لا يباع منه ولا يوهب ولا يورث...)(1).

وهو صريح في جواز بيع الوقف لغير إبداله بمثله، سواء كان صرف الثمن

********

(1) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 10 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات حديث: 4.

ص: 95

عند حدوث أمر (1) من قلة المنفعة أو كثرة الخراج أو كون بيعه أنفع، أو لاختلاف بين أرباب الوقف أو احتياجهم إلي عوضه أو نحو ذلك.

---------------

لصالح البايع كقضاء الدين أم في جهات البر الأخري.

كما أنه صريح في عدم أخذ التأييد بالمعني المنافي للبيع في مفهوم الوقف، كما سبق منا توضيحه في أول المسألة وبذلك يكون نفوذ الشرط المذكور هو مقتضي دليل نفوذ الوقف بعد أن لم يكن منافياً له.

لكن قال شيخنا الأعظم (قدس سره): (وظاهرها جواز اشتراط البيع في الوقف لنفس البطن الموجود، فضلاً عن البيع لجميع البطون وصرف ثمنه فيما ينتفعون به. والسند صحيح. والتأويل مشكل، والعمل أشكل).

ولم يتضح وجه الإشكال في العمل به، خصوصاً بعدما سبق منه (قدس سره) من احتمال عدم منافاة البيع لأصل الوقف، بل لإطلاقه.

ودعوي: ظهور هجره عند قدماء الأصحاب، حيث لم يذكروا ذلك في مسوغات بيع الوقف.

مدفوعة بأنه لا مجال لإحراز هجرهم له بعد ظهور حال الكليني في العمل به، وذكر الشيخ له في التهذيب في الموضع المناسب له، وإطلاقه في النهاية وإطلاق المفيد في المقنعة لزوم العمل علي ما يشترطه الواقف. وربما يوجد ذلك في كلام غيرهما. ومن ثم قد يكون منصرف كلامهم في بيان مسوغات البيع الخارج عن مقتضي الوقف، ولا يكون عدم ذكرهم للمسوغ المذكور شاهداً ببنائهم علي عدمه، للإعراض عن الصحيح، ومن ثم يتعين العمل بالصحيح، والبناء علي نفوذ شرط البيع في الوقف.

(1) الصحيح المتقدم وإن تضمن الترخيص في البيع في مورد خاص، إلا أن إلغاء خصوصية مورده عرفاً قريب جداً. ولاسيما وأن من القريب كون إرسال الإمام الكاظم (عليه السلام) بهذه الوصية لعبد الرحمن بن الحجاج من أجل تعليم كيفية التصدق

ص: 96

(97)

(ومنها): ما لو لاحظ الواقف في قوام الوقف عنواناً خاصاً في العين الموقوفة مثل كونها بستاناً أو داراً أو حماماً فيزول ذلك العنوان، فإنه يجوز البيع حينئذ (1)

---------------

المشروع. ولا أقل من كشفه عن عدم منافاة الترخيص في البيع لحقيقة الوقف وحينئذ يكون مقتضي عموم دليل نفوذ الوقف عموم جواز الترخيص في البيع فيه.

وربما يستدل عليه حينئذ أيضاً بعموم نفوذ الشروط، المستفاد من قوله (صلي الله عليه وآله وسلّم): (المؤمنون عند شروطهم)(1).

لكنه لا يخلو عن إشكال، لاختصاصه بالشرط الذي يشترطه الإنسان علي نفسه لغيره، بحيث يكون الوفاء به له من شؤونه، دون مطلق بالشرط وإن لم يتضمن كلفة علي المشترط لغيره، وليس الوفاء به من شؤونه، كما في المقام. فالعمدة ما سبق.

نعم لا يبعد قصوره عن اشتراط الواقف البيع لنفسه، لما تضمن بطلان الوقف علي النفس(2). خصوصاً معتبر إسماعيل بن الفضل: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتصدق ببعض ماله في حياته في كل وجه من وجوه الخير قال: إن احتجت إلي شيء من المال فأنا أحق به. تري ذلك له وقد جعله لله يكون له في حياته، فإذا هلك الرجل يرجع ميراثاً أو يمضي صدقة ؟ قال: يرجع ميراثاً علي أهله)(3). وقريب منه أو عينه موثقه عنه (عليه السلام): (قال: من أوقف أرضاً، ثم قال: إن احتجت إليها فأنا أحق بها، ثم مات الرجل، فإنها ترجع إلي الميراث)(4). وتمام الكلام في محله من كتاب الوقف.

(1) كما يظهر من الجواهر لارتفاع موضوع التحبيس، وهو منفعة العنوان الخاص وإن كانت في العين منافع أخري فيجري فيه ما سبق في الخراب.

********

(1) وسائل الشيعة ج: 15 باب: 20 من أبواب المهور حديث: 4.

(2) راجع وسائل الشيعة ج: 13 باب: 3 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات.

(3) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 3 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات حديث: 3.

(4) تهذيب الأحكام ج: 9 ص: 150.

ص: 97

غاية الأمر أنه بناء علي ملكية الموقوف عليهم للعين لا مجال لدعوي القطع برضا الشارع الأقدس بالبيع، لعدم لزوم تعطيل العين مع وجود منافع أخري فيها. لكن سبق ضعف المبني المذكور.

وقد استشكل فيه شيخنا الأعظم (قدس سره) بأن أخذ العنوان في الوقف لا يقتضي دوران الوقف مداره، كأخذ العنوان في البيع.

لكنه يندفع بالفرق بابتناء البيع علي مجرد تبديل أحد العوضين بالآخر من دون نظر إلي منافعهما، ومع تملك الذات المعنونة بعنوان خاص لا تخرج عن الملك بفقدها للعنوان. أما الوقف فإنه متقوم بتحبيس العين ذات العنوان الخاص بلحاظ منفعتها الخاصة المناسبة للعنوان، فمع فرض تعذر المنفعة المذكورة لتبدل العنوان يتعين بطلان التحبيس، نظير إجارة العين ذات العنوان الخاص لو تبدل عنوانها.

نعم بناء علي رجوع الوقف إلي تمليك العين للموقوف عليهم يتجه عدم خروجها عن ملكهم ببطلان التحبيس، كما تقدم عند الكلام في الخراب. وكأن ذلك هو المنشأ لقياس شيخنا الأعظم (قدس سره) الوقف بالبيع.

ثم إن بطلان التحبيس بارتفاع العنوان المأخوذ في العين حين الوقف إنما يتضح فيما إذا كان العنوان مقوماً للعين الموقوفة عرفاً، كما لو وقف نخلة لمصلحة المسجد فماتت وأمكن الانتفاع بجذعها لتسقيفه، لمباينة التسقيف عرفاً للمنفعة الملحوظة للواقف عند وقف النخلة.

وكذا إذا ابتني الوقف علي استغلال الموقوف عليهم لنفس المنفعة المختصة بالعنوان، كالأكل من ثمرة البستان والغسل في الحمام وتغسيل الموتي في المغتسل، وسكني طلبة العلم في المدرسة.

أما إذا ابتني الوقف علي الانتفاع بمالية المنفعة، كما لو وقف البستان أو الحمام أو المحل التجاري علي أن ينفق واردها في جهة معينة شخصية كأهل العلم، أو خيرية كترويج الدين فمن القريب جداً إلغاء خصوصية منفعة العنوان عرفاً، وفهم

ص: 98

(99)

وإن كانت الفائدة باقية بحالها أو أكثر (1).

(ومنها): ما إذا طرأ ما يستوجب أن يؤدي بقاؤه إلي الخراب المسقط له عن المنفعة المعتد بها عرفاً. واللازم تأخير البيع إلي آخر أزمنة إمكان البقاء (2).

---------------

أن الوقف للعين بلحاظ منفعتها وواردها بنحو الإطلاق، وأن ذكر العنوان لتعنون العين به واختصاص منفعتها بمنفعة حين الوقف.

ويترتب علي ذلك بقاء الوقف والتحبيس مع تبدل العنوان، بل جواز تبديل عنوان العين اختياراً إذا رآه الولي أصلح وأنفع للجهة الموقوف عليها.

ولو فرض الشك في ذلك أشكل البيع، لعدم إحراز بطلان التحبيس والوقف. غاية الأمر أنه لا يحرز بقاؤه، ولا يمكن استصحابه، لأنه من استصحاب المفهوم المردد، لدوران التحبيس المتيقن سابقاً بين تحبيس المنفعة الخاصة المعلومة الارتفاع، ومطلق المنفعة ذات المالية المعلومة البقاء. لكنه لا يكفي في جواز البيع، بل مقتضي أصالة عدم ترتب الأثر بطلانه. فلاحظ.

(1) لأن الفائدة الأخري الحاصلة مع تبدل العنوان ليست موضوعاً للوقف والتحبيس، فلا تجدي في بقائهما وترتب أثرهما.

نعم لا ينحصر الأمر حينئذ بالبيع، بل يمكن إبقاء العين واستغلال منافعها الأخري لصالح الجهة الموقوف عليها، نظير ما تقدم في ذيل الكلام في الصورة الأولي، من أنه قد يسقط الوقف عن أن ينتفع به الموقوف عليهم من دون أن يخرب. فراجع.

(2) يظهر منه (قدس سره) بملاحظة كلامه في نهج الفقاهة أن المراد بذلك تأخير البيع إلي آخر أزمنة بقائه علي حاله لم يخرب بالوجه المذكور. فمثلاً إذا تحول النهر عن البستان بحيث تعرض للجفاف والخراب جاز بيعه في آخر سنة عمرانه بالزرع، وإن لم يخرب بعد، إذا ابتني البيع علي عدم أخذ المشتري ثمرته حين البيع، بل تصرف الثمرة في الجهة الموقوف عليها.

ص: 99

والوجه في جواز البيع حينئذ هو الوجه المتقدم في جواز البيع في الصورة الثانية، لفرض عدم تجدد المنفعة المعتد بها له، ليبقي التحبيس بلحاظها. ولا موضوع للتحبيس إلا بلحاظ الثمرة الموجودة المفروض عدم منافاة البيع لمقتضي التحبيس فيها، لفرض صرفها في الجهة الموقوف عليها.

وبذلك يظهر جواز البيع قبل ذلك مسلوب المنفعة، كما لو علم أن البستان يخرب ويتعذر زراعته بعد خمس سنين، فيباع مسلوب المنفعة خمس سنين.

نعم بناء علي ملكية الموقوف عليهم للعين، فحيث سبق أن عدم البيع مع الخراب مما يعلم بعدم رضا الشارع الأقدس به، للزوم تعطيل المال وهو العين الموقوفة فلا مجال لذلك في الفرض، إلا إذا علم بعدم تيسر البيع بعد ذلك، بحيث لو لم يبادر لبيع مسلوبة المنفعة تعذر البيع بعد ذلك، ولزم تعطيل المال.

هذا ومقتضي القاعدة لزوم العلم بحصول الخراب بالنحو المذكور وما ذكره شيخنا الأعظم (قدس سره) من كفاية الظن بذلك غير ظاهر المنشأ.

وأشكل من ذلك ما في كلام جماعة كثيرة أولهم فيما عثرنا عليه الشيخ (قدس سره) في المبسوط من الاكتفاء بالخوف. لأنه أعم من الظن، حيث يكفي فيه الاحتمال المعتد به مطلقاً أو مع وجود ما يثيره وإن لم يكن أمارة عرفاً، بحيث توجب الظن نوعاً أو فعلاً. وأما ما ذكره شيخنا الأعظم (قدس سره) من توقفه علي قيام الأمارة علي الأمر المخوف، ليرجع للظن. فهو ممنوع جداً.

هذا وقد قال الشيخ (قدس سره) في المبسوط: (وإنما يملك بيعه في علي وجه عندنا، وهو إذا خيف علي الوقف الخراب، وكان بأربابه حاجة شديدة، أو لا يقدرون علي القيام به، فحينئذ لهم بيعه، ومع عدم ذلك لا يجوز بيعه). وقال في النهاية: (ولا يجوز بيع الوقف ولا هبتة ولا الصدقة به إلا أن يخاف علي الوقف هلاكه أو فساده، أو كان بأرباب الوقف حاجة... فحينئذ يجوز بيعه). وتبعه غير واحد ممن تأخر عنه، وإن اختلفوا بين من جعل خوف الخراب قيداً في مسوغ البيع، كما في المبسوط، ومن جعله

ص: 100

مسوغاً مستقلاً، كما في النهاية.

وكيف كان فمقتضي إطلاقهم جواز بيعه حينئذ ولو مع كونه صالحاً للانتفاع بنحو معتد به مدة من الزمن.

لكن من الظاهر منافاة ذلك لمقتضي الوقف، لعدم بطلان التحبيس مع كونه صالحاً للانتفاع. ولا يبطل بمجرد كونه يؤول إلي الخراب مع العلم به، فضلاً عما لو خيف ذلك.

نعم قد يستدل عليه بصحيح علي بن مهزبار: (كتبت إلي أبي جعفر (عليه السلام): إن فلاناً ابتاع ضيعة، فوقفها، وجعل لك في الوقف الخمس، ويسألك عن رأيك في بيع حصتك من الأرض أو تقويمها علي نفسه بما اشتراها أو يدعها موقوفة. فكتب (عليه السلام) إليّ: أعلم فلاناً أني آمره أن يبيع حقي من الضيعة وإيصال ثمن ذلك إليّ، وإن ذلك رأيي إن شاء الله تعالي، أو يقومها علي نفسه إن كان ذلك أوفق له. وكتبت إليه: إن الرجل ذكر أن بين من وقف بقية هذه الضيعة عليهم اختلافاً شديداً، وأنه ليس يأمن أن يتفاقم ذلك بينهم بعده، فإن كان تري أن يبيع هذا الوقف، ويدفع إلي كل إنسان منهم ما وقف له من ذلك، أمرته. فكتب بخطه إليّ: وأعلمه أن رأيي له إن كان قد علم الاختلاف ما بين أصحاب الوقف أن يبيع الوقف أمثل، فإنه ربما جاء في الاختلاف ما فيه تلف الأموال والنفوس)(1).

بتقريب أن مقتضي تعليل جواز البيع مع الاختلاف بأنه قد يكون سبباً لتلف الأموال والنفوس دوران الترخيص في البيع مدار الخوف من تلفها وإن لم يكن بسبب الاختلاف بين الموقوف عليهم. كما أن ضم تلف النفوس لتلف الأموال ليس لاعتبار اجتماعهما، بل لكون كل منهما موضوعاً مستقلاً لجواز البيع، وعلي ذلك يكفي في جوازه خوف تلف الأموال. وبذلك يجوز بيع الوقف مع خوف خرابه، إما لكونه هو

********

(1) الكافي ج: 7 ص: 36. واللفظ له. وسائل الشيعة ج: 13 باب: 6 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات حديث: 5، 6.

ص: 101

المراد بالأموال، أو لكونه من أفرادها، كما هو الظاهر.

وفيه أولاً: أن خراب الوقف قد لا يكون تلفاً له، إذ كثيراً ما يبقي معه شيء من ماليته بلحاظ مادته، كالأرض وأدوات البناء، وغيرها من أدوات الأجهزة الموقوفة. وإنما يصدق معه تلف الأموال بلحاظ بعض مراتب ماليته بسبب تلف هيئته في الجملة. وإذا كان ذلك معياراً في جواز البيع لزم جواز بيعه إذا خيف نقص ماليته ولو بسبب تقادم عهده وإن لم يخرب ولم يسقط عن الانتفاع المعتد به. ولا يظن بأحد البناء علي ذلك.

وثانياً: أن مقتضي الجمود علي جمع النفوس والأموال اعتبار اجتماعهما، ولو لأنه المتيقن من التعليل، والبناء علي الانحلال يحتاج إلي قرينة. أما مقتضي سياق الكلام فهو بيان أهمية محذور الخلاف، وأنه قد يفضي إلي فتنة شديدة ينبغي الاحتياط لدفعها، وذلك لا يتحقق بمجرد خراب الوقف إلا إذا كان من الأهمية بحيث يعد محذوراً يشبه محذور الفتنة المذكورة، ويكون دفع محذوره ببيعه. وهو أمر نادر أو لا واقع له، لأن الأوقاف التي هي بهذه الأهمية هي التي لها شيء من القدسية، ولا يدفع محذور خرابها إلا بعمرانها، وأما الأوقاف المتمحضة في الجانب المالي فليس لها غالباً من الأهمية ارتكازاً ما يجعل محذور خرابها مناسباً لمحذور الخلاف والفتنة المشار إليها في الصحيح.

وثالثاً: أنه لا ظهور للفقرة المذكورة في التعليل الذي يدور الحكم مداره، ويكون هو الموضوع له حقيقة، بل في مجرد التنبيه للفائدة المترتبة علي الحكم من أجل تقريبه للمخاطب وإقناعه به، فهو أشبه بالحكمة. إذ ليس من شأن الاحتمالات غير المنضبطة أن تكون معياراً في الأحكام. ولاسيما أن البناء علي عمومه لو حمل علي التعليل يستلزم البناء علي جواز بيع الوقف لمجرد احتمال ترتب الفساد المذكور ولو من غير جهة الاختلاف، كما لو احتمل أن يؤدي بقاء الوقف إلي مضايقات الأجانب، عداء أو حسداً بنحو يؤدي إلي المحذور المذكور، ولا يظن بأحد البناء علي ذلك.

ص: 102

وبذلك يظهر دلالة الصحيح علي جواز البيع عند اختلاف الموقوف عليهم اختلافاً شديداً، بحيث يخشي أن يتفاقم. وصريح المسالك والروضة ومحكي الكفاية العمل به في ذلك.

والظاهر أنه يرجع إلي ذلك ما في وقف التذكرة مستدلاً عليه بالصحيح من جواز بيعه مع خوف الفتنة بين أربابه يحصل باعتبارها فساد لا يمكن استدراكه مع بقائه. وقريب منه ما في جامع المقاصد. وكذا ما عن بيع التحرير من جواز بيعه لو خشي وقوع فتنة بين أربابه لو بقي علي الوقف، وما ذكره الشهيد في الدروس من جواز البيع مع خوف خلاف يؤدي إلي فساد، ونحوه ما عنه في غاية المراد، وما عن النزهة من اعتبار أن يؤدي النزاع بين أربابه إلي ضرر عظيم.

هذا وفي الجامع تقييد ذلك بخوف وقوع فتنة بين أربابه تجتاح فيها الأنفس وقريب منه ما عن إيضاح النافع. وكأنه لحمل الفقرة المذكورة في الصحيح علي التقييد أو التعليل الذي يدور الحكم مداره. ويدفع الأول أن الاحتمال المذكور قد أثير من الإمام (عليه السلام) من دون أن يشار لاعتبار حصوله لمتولي الوقف أو للموقوف عليهم أو لغيرهم. كما يظهر اندفاع الثاني مما سبق.

وأشكل من ذلك ما سبق من المبسوط من تقييد خوف الخراب ببعض القيود. ومثله ما في كلام غير واحد. قال في كتاب البيع من الشرايع: (فلا يصح بيع الوقف ما لم يؤد بقاؤه إلي خرابه لاختلاف بين أربابه ويكون البيع أعود علي الأظهر). وقال في كتاب الوقوف والصدقات منه: (ولو وقع بين الموقوف عليهم خلف بحيث يخشي خرابه جاز بيعه) ومثلهما عبارة القواعد في الكتابين. وعن تلخيص الخلاف أنه أشهر الأقوال وفي كتاب البيع من التذكرة: (لو كان بيعه أعود لوقوع خلف بين أربابه وخشي تلفه أو ظهور فتنة بسببه جوز أكثر علمائنا بيعه).

إذ فيه: أن التقييد مع الاختلاف بخوف الخراب، أو شدة حاجة الموقوف عليهم، أو كون البيع أعود لهم، أو غير ذلك، مخالف لإطلاق الصحيح. ومجرد اشتمال بعض

ص: 103

النصوص كما يأتي علي تسويغ البيع مع كونه أصلح لهم، واقتضاء القاعدة تسويغه مع الخراب لا يقتضي التقييد، لإمكان كون كل منها مسوغاً مستقلاً. ولاسيما أن التنبيه في الصحيح علي أهمية محذور لاختلاف يناسب استقلاله في تسويغ البيع.

ومن الغريب ما في التهذيبين من حمل قيد ترتب الخراب من جملة مفاد الصحيح قال في الاستبصار: (فالوجه في هذا الخبر أن نحمله علي جواز بيع ذلك إذا كان بالشرط الذي تضمنه الخبر من أن كونه وقفاً يؤدي إلي ضرر ووقوع اختلاف وهرج ومرج وخراب الوقف، فحينئذ يجوز بيعه...) ونحوه في التهذيب. مضافاً إلي أن تحديد محذور الخلاف بهذا النحو لا يقتضيه الصحيح.

نعم قد يستشكل في نهوض الصحيح بإثبات مضمونه بوجهين:

الأول: ما ذكره شيخنا الأعظم (قدس سره) من مخالفته للمشهور. وفيه: أن ما يسقط الحديث عن الحجية هو إعراض الأصحاب عنه، ولا يظهر منهم ذلك في الصحيح، بل يظهر من الأكثر العمل به، وإن قيدوا الحكم ببعض القيود لتخيل دلالته عليها أو كونه مقتضي الجمع بينه وبين بقية الأدلة. علي أن ظاهر وصريح غير واحد من الأكابر العمل به في مضمونه الذي ذكرناه، كما يظهر مما سبق.

الثاني: مخالفته للقواعد المانعة من بيع الوقف. ولاسيما مع ما فيه من قسمة الثمن علي البطن الموجود لا غير، وتصدي الواقف للسؤال، وجعل المدار علي علمه بالاختلاف، وإيكان أمر البيع له، مع أنه ينبغي أن يكون ذلك كله من وظيفة متولي الوقف، لانقطاع علاقة الواقف بالعين وخروجها عن ملكه بالوقف.

وفيه: أن الخروج عن القواعد في الأحكام الشرعية غير عزيز. ولاسيما إذا كان لمحذور يزاحم ملاك التشريع الأولي كما في المقام بالإضافة إلي أصل البيع والي تقسيم الثمن علي البطن الموجود، لعدم تجنب المحذور إلا بذلك. وأما تولي الواقف للأمر فلعله لأنه قد جعل نفسه هو المتولي للوقف عند إنشائه.

فالعمدة في الإشكال في الصحيح ظهور صدره في أن وقف الضيعة علي نحو

ص: 104

واحد بالإضافة إلي الخمس المجعول للإمام (عليه السلام) والأخماس الأربعة الباقية، وظاهر الصدر أن وقف الخمس علي الإمام (عليه السلام) غير مقبوض له (عليه السلام)، لأنه قد تضمن إخبار علي بن مهزيار له بذلك، ثم سؤاله عن كيفية العمل به، ومن الممكن أن يكون الأمر كذلك في بقية الموقوف عليهم.

كما أن الخمس المذكور قد وقف له (عليه السلام) بشخصه بنحو الوقف المنقطع، ومن الممكن أن يكون الأمر كذلك في بقية الموقوف عليهم. بل هو مقتضي الجمود علي قول السائل: (ويدفع إلي كل إنسان منهم ما كان قد وقف له من ذلك).

ولابد حينئذ أن يرجع إلي الصدقة بالضيعة علي أشخاصهم، بحيث يملك كل منهم خصته ويستقل بها. غاية الأمر أن يبتني ملكه لها علي البقاء، ويكون السؤال عن جواز الخروج عن ذلك شرعاً بالبيع، أو لا يبتني علي البقاء، ويكون مرجع السؤال إلي استشارة الإمام (عليه السلام) في البيع بعد الفراغ عن جوازه شرعاً. ومجرد ظهور إطلاق الوقف في الوقف المؤبد لا يكفي في الحمل عليه مع ما سبق.

ولاسيما مع تأيد ذلك بما عن دعائم الإسلام: روي عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام أن بعض أصحابه كتب إليه: (إن فلاناً ابتاع ضيعة فأوقفها وجعل لك في الوقف الخمس، وذكر أنه وقع بين الذين أوقف عليهم هذا الوقف اختلاف شديد، وأنه ليس يأمن أن يتفاقم ذلك بينهم، وسأل عن رأيك في ذلك. فكتب إليه: إن رأيي له إن لم يكن جعل آخر الوقف لله أن يبيع حقي من هذه الضيعة، ويوصل ثمن ذلك إليّ، وأن يبيع القوم إذا تشاجروا، فإنه ربما جاء في الاختلاف إتلاف الأموال والأنفس)(1). ولسانه يناسب كون أصله الصحيح الذي هو محل الكلام.

غاية الأمر أن لا يناسب ما هو المعروف عن صاحب دعائم الإسلام من جريه علي ما يلائم مذهب الإسماعيلية من عدم روايته عمن بعد الإمام الصادق من الأئمة الاثني عشر. ولعله أوهم أو توهم بسبب إتحاد الإمامين الباقر والجواد صلوات الله

********

(1) مستدرك الوسائل ج: 14 باب: 4 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات حديث: 1.

ص: 105

(106)

عليهما في الاسم واسم الأب والكنية. وكيف كان فقد تضمن الحديث اعتبار عدم التأبيد في جواز البيع فيناسب ما ذكرنا.

ولعله لذا قال في الفقيه بعد أن ذكر الصحيح: (هذا وقف كان عليهم دون من بعدهم. ولو كان عليهم وعلي أولادهم ما تناسلوا، ومن بعد علي فقراء المسلمين إلي أن يرث الله الأرض ومن عليها، لم يجز بيعه أبداً).

ولا أقل من إجمال حال الوقف المسؤول عنه في الصحيح، بحيث لا مجال لحمله علي الوقف المصطلح، المبني علي بقاء العين واستغلال منفعتها في الجهة الموقوف عليها باستمرار، لينفع فيما نحن فيه.

بقي في المقام صور لبيع الوقف تعرض لها الأصحاب لم يتعرض لها سيدنا المصنف (قدس سره) ولم يتقدم منا التعرض لها ينبغي التعرض لها تتميماً للفائدة واستيفاء لمحل الكلام.

الأولي: أن يكون بيع الوقف أعود علي الموقوف عليهم. فقد نسب في جامع الدروس والمقاصد جواز البيع حينئذ للمفيد (قدس سره).

لكن كلامه في المقنعة لا يظهر في ذلك قال: (والوقوف في الأصل صدقات لا يجوز الرجوع فيها، إلا أن يحدث الموقوف عليهم ما يمنع الشرع من معونتهم والقربة إلي الله تعالي بصلتهم، أو يكون تغير الشرط في الوقف إلي غيره أدرّ عليهم وأنفع لهم من تركه علي حاله. وإذا أخرج الواقف الوقف عن يده إلي من وقفه عليه لم يجز له الرجوع في شيء منه ولا تغيير شرائطه ولا نقله من وجوهه وسبله...).

وهو كما تري أولاً: صريح في جواز تغيير الشرط في الوقف إلي غيره إذا كان أدر عليهم وأنفع لهم، لا بيعه.

وثانياً: كالصريح في أن ذلك إنما يجوز قبل إقباض الوقف ما دام في يد الواقف، أما بعد إخراجه من يده إلي أيدي الموقوف وقبضهم له فلا يجوز الرجوع فيه ولا تغيير

ص: 106

شرطه.

غاية الأمر أن مقتضي دليل اشتراط القبض في صحة الوقف جواز الرجوع في الوقف وتغيير شرطه مطلقاً من دون أن يكون مشروطاً بشيء. وهو أمر آخر.

وكيف كان فقد يستدل علي ذلك بخبر جعفر بن حنان [حيان]: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل وقف غلة له علي قرابته من أبيه وقرابته من أمه، وأوصي لرجل ولعقبه ليس بينه وبينه قرابة بثلاثمائة درهم في كل سنة، ويقسم الباقي علي قرابته من أبيه وقرابته من أمه. فقال: جائز للذي أوصي له بذلك. قلت: أرأيت إن لم يخرج من غلة الأرض التي وقفها إلا خمسمائة درهم. فقال: أليس في وصيته أن يعطي الذي أوصي له من [تلك] الغلة ثلاثمائة درهم ؟ ويقسم الباقي علي قرابته من أبيه وقرابته من أمه ؟ قلت: نعم. قال: ليس لقرابته أن يأخذوا من الغلة شيئاً حتي يوفوا الموصي له ثلاثمائة درهم، ثم لهم ما بقي بعد ذلك. قلت: أرأيت إن مات الذي أوصي له ؟ قال: إن مات كانت الثلاثمائة لورثته يتوارثونها بينهم. فأما إذا انقطع ورثته فلم يبق منهم أحد كانت الثلاثمائة درهم لقرابة الميت ترد إلي ما يخرج من الوقف، ثم يقسم بينهم يتوارثون ذلك ما بقوا وبقيت الغلة. قلت: فللورثة من قرابة الميت أن يبيعوا الأرض إن احتاجوا ولم يكفهم ما يخرج من الغلة ؟ قال: نعم إذا رضوا كلهم وكان البيع خيراً لهم باعوا)(1).

ومكاتبة الحميري لصاحب الزمان (عليه السلام): (روي عن الصادق خبر مأثور: إذا كان الوقف علي قوم بأعيانهم وأعقابهم فاجتمع أهل الوقف علي بيعه، وكان ذلك أصلح، لهم أن يبيعوه. فهل يجوز أن يشتري من بعضهم إن لم يجتمعوا كلهم علي البيع، أم لا يجوز إلا أن يجتمعوا كلهم علي ذلك ؟ وعن الوقف الذي لا يجوز بيعه. فأجاب (عليه السلام): إذا كان الوقف علي إمام المسلمين فلا يجوز بيعه، وإذا كان علي قوم من المسلمين فليبع كل قوم ما يقدرون علي بيعه، مجتمعين ومتفرقين، إن شاء الله)(2).

********

(1) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 6 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات حديث: 8، 9.

(2) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 6 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات حديث: 8، 9.

ص: 107

بدعوي: أن مقتضي خبر جعفر جواز البيع إذا كان خيراً لهم. ولعله هو المراد بالأصلح في الخبر المأثور المشار إليه في المكاتبة، حيث يقرب أن يراد به الإشارة لهذا الخبر، لتقاربهما مضموناً، فيناسب اشتهار خبر جعفر، وكونه مورداً لعمل الشيعة في عهد الحميري. ولذا كان ظاهر المكاتبة المفروغية عن مضمونه من جواز البيع مع اجتماع الموقوف عليهم، وأن السؤال فيها عن الشراء من بعضهم حصته إن لم يجتمعوا علي بيع الكل. وبذلك قد تكون المكاتبة عاضدة لسند الخبر وإن كان ضعيفاً في نفسه بسبب عدم ثبوت وثاقة جعفر ولاسيما وأن ظاهر الصدوق أخذه من كتاب الحسن بن

محبوب الذي هو من الكتب المشهورة التي لا يبعد تعويل الأصحاب عليها. غاية الأمر أن مقتضي إطلاق المكاتبة جواز البيع مطلقاً، إلا أنه يتعين تقييده بخبر جعفر.

هذا ولكن خبر جعفر لم يتضمن جواز البيع إذا كان أعود، بل إذا كان خيراً لهم، وبينهما عموم من وجه. مع أن المتيقن منه صورة احتياج الموقوف عليهم، لذكره في السؤال، وابتناء الجواب عليه.

وعلي كل حال لم يظهر عامل به بعدما سبق من كلام المفيد (قدس سره)، فكيف يمكن التعويل عليه مع ضعفه في نفسه ؟!.

ولاسيما مع عدم خلوه عن الاضطراب والإشكال أولاً: لنسبة الوقف فيه للغلة، دون الأرض. وثانياً: للجمع فيه بين الوقف والوصية. وكما يمكن حمل الوصية فيه علي الشرط في الوقف، يمكن حمل الوقف فيه علي الوصية بالغلة لقرابته من دون وقف للأرض، بل تبقي ملكاً لهم، وأدخل في وصيته بالغلة لهم وصيته بثلاثمائة درهم للرجل من غير قرابته.

كما قد يناسبه ما تضمنه من دفع الثلاثمائة درهم لورثة الموصي له بعد موته، لأن ذلك وارد في الوصية(1) ، وما تضمنه أيضاً من جواز بيع الأرض لقرابة الميت، مع أنه لو كان الرجل غير القرابة الموصي بثلاثمائة درهم وورثته من جملة من وقفت عليه

********

(1) راجع وسائل الشيعة ج: 13 باب: 30 من أبواب كتاب الوصايا.

ص: 108

(109) (109)

الأرض لكان المناسب اعتبار رضاهم معهم. وحمل الخبر علي فرض موته وانقراض عقبه، كما تضمنه السؤال السابق، مخالف لظاهره، لظهوره في كون السؤال عن البيع في قبال السؤال عن حكم موته وعن حكم انقراض عقبه لا متفرعاً عليهما. وذلك بمجموعه مما يثير الريب في الخبر ويزيد في الإشكال فيه.

وأما المكاتبة فالسؤال فيها وإن كان ظاهراً في التعويل علي الخبر المأثور، إلا أن الجواب فيها ظاهر في الإعراض عنه، وبيان ضابط جواز البيع استقلالاً، وهو إنما تضمن جواز البيع مطلقاً للموقوف عليهم في حصصهم، وذلك يختص بالوقف المنقطع الذي تقدم الكلام فيه عند الكلام في مفاد صحيح ابن مهزيار لأن الوقف المؤبد لا يختص بالموجودين الذين قد يجوز لهم بيعه. وحينئذ لا ينهض بإثبات جواز البيع لبعض البطون في الوقف المؤبد. ومن ثم قد يكون الجواب موهناً للخبر المأثور ورادعاً عما استفيد منه. فلاحظ.

الثانية: أن يحدث الموقوف عليهم ما يمنع الشرع من معونتهم والتقرب إلي الله بصلتهم. فقد نسب في جامع المقاصد للمفيد جواز البيع حينئذ. وكأنه لكلامه المتقدم.

لكنه إنما تضمن جواز رجوع الواقف في الوقف حينئذ، لا جواز بيعه، واختصاص ذلك بما إذا كان الوقف في يد الواقف، ولم يخرجه من يده ولم يقبضه الموقوف عليهم، كما يظهر بالرجوع إليه.

كما أنه لا دليل ظاهر علي جواز بيع الوقف حينئذ مع نفوذه، وقبض الموقوف عليهم له.

الثالثة: أن يلحق الموقوف عليهم حاجة شديدة لثمنه، عبر عنها بالضرورة في بعض كلماتهم، وبالضرورة الشديدة في أخري. وقد صرح بجواز البيع حينئذ في المقنعة والمبسوط والمراسم والوسيلة والغنية والجامع، وعن فقه القرآن للراوندي والنزهة وغيرها. وفي الانتصار أنه مما انفردت به الإمامية، ورد علي ابن الجنيد في منعه من بيع

ص: 109

الوقف مطلقاً بأنه مسبوق وملحوق بالإجماع، كما ادعي الإجماع عليه في الغنية.

وقد يستدل عليه مضافاً إلي الإجماع المذكور بوجهين:

الأول: ما في الانتصار قال: (فأما إذا صار الوقف بحيث لا يجدي نفعاً أو ادعت أربابه الضرورة إلي ثمنه لشدة فقرهم فالأحوط ما ذكرناه من جواز بيعه، لأنه إنما جعل لمنافعهم، فإذا بطلت منافعهم منه فقد انتقض الغرض فيه ولم يبق منفعة فيه إلا من الوجه الذي ذكرناه). وقريب منه في الغنية.

لكنه كما تري إنما ينهض وجهاً لجواز البيع مع الخراب، لا مع الضرورة لثمنه، لإمكان انتفاعهم به مع بقائه ولو مع عدم دفع ضرورتهم بثمنه.

الثاني: خبر جعفر المتقدم بحمل ما تضمنته من كون البيع أصلح مع حاجتهم وعدم كفاية الغلة لهم علي خصوص حال الضرورة، كما يظهر من النهاية، حيث قال: (أو كان بأرباب الوقف حاجة ضرورية كان معها بيع الوقف أصلح لهم وأدر عليهم).

لكنه خروج عن ظاهر الخبر بلا قرينة. وتعذر العمل بظاهره لا يصحح حمله علي خلاف ظاهره، بل هو في الحقيقة هجر له. مضافاً إلي ما سبق من الإشكال في الخبر بضعف السند وغيره. فراجع.

وأما الإجماع المدعي فلا مجال للتعويل عليه مع ظهور الخلاف، وقرب استناد القائلين بجواز البيع لخبر جعفر بعد تأويله بما سبق، وظهور عدول بعض القائلين بجواز البيع هنا، كما هو مقتضي ما سبق من التهذيبين عند الكلام في صحيح ابن مهزيار، وظهور اضطراب الأصحاب في هذه المسألة جداً.

علي أن كثرة دعاوي الإجماع ممن سبق مع ظهور الخلاف مانع من الوثوق بها والتعويل عليها، بل من التعويل علي أكثر دعاوي الاجماع. كما حقق في الأصول مفصلاً.

هذا تمام الكلام في مسوغات بيع الوقف. وقد ظهر انحصار مسوغ البيع

ص: 110

(111)

(مسألة 10): ما ذكرناه من جواز البيع في الصور المذكورة لا يجري في المساجد، فإنها لا يجوز بيعها علي كل حال (1).

---------------

بالصور التي ذكرها سيدنا المصنف (قدس سره). والله سبحانه وتعالي العالم العاصم. والحمد لله رب العالمين.

(1) كما صرح بذلك غير واحد، وعن غير واحد نفي الخلاف فيه.

وظاهر بعضهم وصريح آخرين ابتناء ذلك علي ما أشرنا إليه في المسألة السابقة من اشتراطهم الملك في العوضين، مع البناء علي امتياز المساجد عن غيرها بعدم ابتناء وقفها علي تمليك العين الموقوفة لجهة تختص بها، بل يبتني وقفها علي فكّ الملك والتحرير، فهي كالحرّ لا تكون موضوعاً للبيع.

ويظهر مما سبق في المسألتين السابقتين الإشكال فيه تارة: بعدم اعتبار الملكية في العوضين. وأخري: بعدم ابتناء الوقف علي التمليك لا في المسجد ولا في غيره من الأوقاف، وأن جميع الأوقاف تبتني علي انقطاع علقة المالك بالعين، وأن ذلك هو مرجع التأبيد المدعي أخذه في مفهوم الوقف، من دون أن يمنع من بيعه.

فالأولي في وجه ذلك ما ذكره سيدنا المصنف (قدس سره) من أن وقف المسجد لا يبتني علي تحبيس العين بلحاظ منفعتها، ليكون تعذر الانتفاع بها لخراب أو غيره مما تقدم عند الكلام في الصورة الأولي لجواز البيع موجباً لبطلان التحبيس، ولا يكون البيع منافياً لمقتضي الوقف، بل هو مبني علي مجرد تعنون العين بعنوان خاص، وهو عنوان المسجد، وإيقاع العبادة فيه ليس مقوماً لعنوان المسجدية، بخلاف المصلي والمدرس ومنزل الحجاج أو الزوار وغيرها مما يبتني علي تهيئة المكان للانتفاع الخاص. غاية الأمر أنه يستحب شرعاً إيقاع العبادة فيه، كما يستحب مطلق الكون فيه، ويجوز القيام فيه ببعض الأعمال الأخري، ويكره بعضها، ويحرم بعضها. لكن ذلك غير مقوم لعنوان المسجد، ولا مأخوذ فيه.

ص: 111

ومن هنا لا يكون تعذر الانتفاع به بالوجه المطلوب شرعاً من إيقاع العبادة ونحوها به بسبب الخراب أو غيره، مبطلاً لوقفيته، ومخرجاً له عن كونه مسجداً، ليجوز بيعه.

نعم قد يقال: إن ذلك إنما يقتضي عدم مسوغية الخراب أو نحوه لبيع المسجد، ولا يمنع من جواز بيعه إذا اشترط الواقف ذلك، فإنه سبق أن النص المتقدم المتضمن اشتراط الواقف البيع يكشف عن عدم منافاة الشرط المذكور للوقف. وحينئذ يكون مقتضي عموم دليل نفوذ الوقف نفوذ الشرط المذكور حتي في غير مورد النص.

لكن ذلك موقوف علي عدم أخذ التأبيد في مفهوم المسجد، ولا طريق لإحراز ذلك، بل الظاهر تبعاً للمرتكزات المتشرعية ابتناء المسجدية علي التأبيد، وليس هو كسائر الأوقاف المبنية علي انتفاع الجهة الموقوف عليها بها، كي يمكن تحديد أمد الانتفاع الملحوظ. ولعله لذا سبق منهم دعوي ابتناء وقف المسجد علي التحرير المبتني علي التأبيد. ولاسيما أن دليل نفوذ شرط البيع في الوقف مختص بالوقف المبتني علي انتفاع الموقوف عليهم بالعين. ولا مجال للتعدي منه للمسجد بعدما سبق من احتمال ابتناء المسجدية علي التأبيد، حيث يكون الشرط المذكور منافياً للوقف.

وأشكل من ذلك ما في المسالك، حيث إنه بعد أن استدل لعدم بطلان وقف المسجد بما سبق في كلام الأصحاب قال: (وهذا كله يتم في غير المبني في الأرض المفتوحة عنوة، حيث يجوز وقفه تبعاً لآثار التصرف، فإنه حينئذ ينبغي بطلان الوقف بزوال الآثار، لزوال المقتضي للاختصاص وزوال حكم الأصل).

إذ فيه: أن المسجد حقيقة واحدة، تبتني كسائر الأوقاف علي انقطاع علقة المالك بالعين. وحينئذ إن شرع إنشاؤه في الأرض المفتوحة عنوة كما يظهر مفروغيتهم عنه، تبعاً للسيرة تعين انقطاع علقة المسلمين بالأرض، ولا وجه لرجوعها بعد ذلك إليهم. وإلا يتعين عدم مشروعية إنشائه فيها.

وأما إنشاؤه بلحاظ آثار التصرف مع بقاء العين علي ملك المسلمين، فهو راجع

ص: 112

(113) (113) (113)

إلي تحبيس منفعته مدة وجود آثار التصرف، من دون وقف للعين، نظير إجارة الأرض لتكون مسجداً، وهو لا يتناسب مع مفهوم المسجدية ارتكازاً، ولم تتضح مشروعيته في نفسه. وقد تقدم في فصل أحكام النجاسة من كتاب الطهارة عند الكلام في حرمة تنجيس المسجد ما ينفع في المقام.

بقي في المقام أمران:

الأول: سبق من كاشف الغطاء (قدس سره) المنع من بيع الأوقاف العامة ومنها المساجد وذكر أنه يمكن إجارتها بما لا ينافي الآداب اللازمة لها. وقد سبق جواز البيع في غير المساجد. وأما الإجارة فقد تتجه في غير المساجد لو قيل بعدم جواز بيعها، أو بجوازه لكن لم تبع لعدم جواز الانتفاع بها في غير الجهة التي عينها الواقف، فمع فرض تعطيل الوقف يجوز إجارتها لغير المنفعة التي عينها الواقف من أجل استغلالها بالمقدار الميسور.

أما في المساجد فلا مجال لذلك، لجواز الانتفاع بها لكل أحد بالنحو الذي لا يزاحم إقامة العبادة فيها مع عمرانها، فضلاً عن خرابها، ومع جواز الانتفاع بالوجه المذكور وعدم سلطنة أحد علي المنع منه لا وجه لأخذ الأجرة عليه.

وبعبارة أخري: لما لم تختص منفعة المساجد بجهة معينة تكون هي المستحقة لها لا مجال لأخذ الأجرة من أي جهة علي استغلالها والانتفاع بها.

الثاني: الظاهر أن ما سبق في المساجد يجري في مثل مشاهد النبي والأئمة (صلوات الله عليهم) والأولياء (رضوان الله عليهم). لأنها تشارك المساجد في أنها متقومة بحفظ عنوان خاص، من دون أن يؤخذ فيها الانتفاع بالمكان بالتعبد ونحوه من شؤون زيارتها، وإن ترتب عليها خارجاً ذلك، فلا يكون تعذر الانتفاع المذكور، لانصراف الناس عن زيارتها مبطلاً لوقفها ومسوغاً لبيعها.

وهذا بخلاف المكان المعد مصلي للزائرين أو مستراحاً لهم أو منزلاً يبيتون فيه أو مطعماً لهم، فإنه كسائر الأوقاف العامة المحبسة بلحاظ المنفعة الخاصة تبطل وقفيته

ص: 113

(114)

نعم يجري في مثل الخانات الموقوفة للمسافرين وكتب العلم والمدارس والرباطات الموقوفة علي الجهات الخاصة (1).

(مسألة 11): إذا جاز بيع الوقف (2) فالأحوط مراجعة الحاكم

---------------

بتعذر الانتفاع به بتلك المنفعة.

وكذا الحال في المقامات المنسوبة للأنبياء والأئمة صلوات الله عليهم والأولياء المنتشرة في بقاع الأرض، فإن الظاهر تقومها بالنسبة المذكورة، وابتناء وقفيتها علي حفظ العنوان المنتزع منها. وقصد الناس لها وتعبدهم فيها أمر مترتب علي ذلك، من دون أن يكون مأخوذاً في وقفيتها، ليكون تعذره لخراب أو غيره مبطلاً لها.

ولا يعتبر في مشروعية الوقف المذكور ثبوت النسبة بوجه شرعي، بل يكفي احتمال ذلك والعمل عليه بحيث يصير المكان معلماً دينياً ورمزاً يشد الناس للمقدسات الدينية ويذكرهم بها، لكفاية ذلك في رجحان تشييده والتقرب به.

نعم لا يجوز تعمد اختراعه افتراءً علي الناس وتضليلاً لهم، لحرمة ذلك، فلا يصح الوقف له، لما هو معلوم من أن الوقف نوع من الصدقة المبنية علي التقرب. إلا أن يجري الناس علي ذلك لغفلتهم حتي يصير المكان معلماً مذكراً بالدين ورموزه، فيحسن تشييده حينئذ، ويشرع الوقف له.

(1) لأن الوقف في جميع ذلك يبتني علي تحبيس العين بلحاظ منفعتها، فمع تعذر الانتفاع بها يتعين بطلان التحبيس، فيجري ما سبق في الصورة الأولي من مسوغات بيع الوقف. خلافاً لما سبق من كاشف الغطاء (قدس سره) من عدم جواز البيع في هذه الأمور وغيرها من الأوقاف العامة. فراجع.

(2) الظاهر أن مراده غير صورة شرط الواقف للبيع. لوضوح أن المتبع فيها ما يستفاد من الشرط من حيثية متولي البيع ومصرف البدل، وإنما الكلام في مثل الخراب مما لا يكون البيع فيه مقتضي الوقف.

ص: 114

(115)

الشرعي والاستئذان منه في البيع (1). كما أن الأحوط أن يشتري بثمنه ملكاً ويوقف علي النهج الذي كان عليه الوقف الأول (2).

---------------

(1) أما مع عدم وجود الولي المنصوب للوقف فلخروج البيع عن مقتضي الوقف، ولا إطلاق يقتضي السلطنة عليه، فيجب الاقتصار علي المتيقن، وهو صورة مراجعة الحاكم الشرعي. وأما مع وجود الولي المنصوب للوقف فلأن المتيقن من ولايته المجعولة من قبل الواقف ولايته في إدارة الوقف والقيام بمقتضاه، وحيث كان البيع خارجاً عن مقتضي الوقف كانت ولايته قاصرة عنه، فيجب مراجعة الحاكم حينئذ، لما سبق، ويأتي تمام الكلام فيه.

لكن استئذان الحاكم الشرعي حيث لم يكن لثبوت ولايته كما تقدم في محله مفصلاً بل للخروج عن احتمال ولايته، فاللازم الجمع بين الاستئذان منه والاستئذان من كل من يحتمل ولايته، كالموقوف عليهم والولي المنصوب من قبل الواقف.

نعم إنما يحتمل اعتبار الاستئذان من الموقوف عيهم إذا كانوا محصورين ولو بلحاظ البطن الموجود حين البيع. أما مع عدم حصرهم كما في الأوقاف العامة فلا مجال للاحتمال المذكور.

كما أنه لو استفيد من الواقف عموم ولاية المنصوب من قبله لمثل البيع مما هو من شؤون بطلان الوقف، فلا إشكال في الاكتفاء بإذنه مع وجوده، وعدم وجوب الاستئذان الحاكم الشرعي. ولا يبعد استفادة ذلك عرفاً ولو تبعاً في جميع موارد نصب الولي. وأظهر من ذلك ما إذا قلنا بأن البيع من شؤون الوقف، لا من شؤون بطلانه، كما سبق ويأتي من بعضهم.

(2) كما صرح به كثير منهم، ويظهر من بعض كلماتهم المفروغية عنه. ويتضح الوجه فيه بناء علي ما سبق من غير واحد في وجه جواز البيع مع الخراب ونحوه من أن وقف العين ينحل إلي حبسها بشخصها من أجل انتفاع الموقوف عليهم بها، مع إمكان

ص: 115

ذلك، وحبسها بما أنها مال من أجل انتفاعهم ببدلها.

بل بناء علي ذلك لا يحتاج إلي وقف جديد، حيث يكون بنفسه وقفاً بمقتضي وقف العين، المفروض ابتناؤه علي الانحلال، بضميمة البدلية التي يقتضيها.

غاية الأمر أنه قد يقرب جواز بيع البدل وإبداله بغيره ولو مع صلاحيته للانتفاع وعدم خرابه إذا كان تبديله أصلح للموقوف عليهم، لأن الحبس بلحاظ الانتفاع بالعين بشخصها إنما كان في العين الموقوفة بالأصل، فيجب إبقاؤها بشخصها مادام يمكن الانتفاع بها. أما بعد سقوطها عن الانتفاع بالخراب أو نحوه وجواز تبديلها بلحاظ حبسها بما هي مال كما هو المدعي فلا موجب لحبس شخص البدل، لعدم تضمن الوقف له،، بل للحبس بلحاظ أصل المالية المقتضي لجواز التبديل.

فكما كان الوقف بلحاظ أصل المالية مقتضياً لجواز تبديل العين الأصلية عند تعذر الانتفاع بها بالثمن، وتبديل الثمن بالعين الأخري، يكون مقتضياً لجواز تبديل العين الثانية بالثمن وهكذا، من دون ملزم بانتظار تعذر الانتفاع بالعين الثانية. فتعذر الانتفاع بالعين إنما يكون شرطاً في تبديل العين الأولي التي وقع الوقف عليها، لا في تبديل ما بعدها من الأبدال.

بل ذكر بعض مشايخنا (قدس سره) أنه لا يجب شراء المماثل إذا لم يشترط الواقف ذلك، لأن مقتضي الجمع بين تأبيد الوقف المستفاد من مثل: حتي يرث الله تعالي الأرض ومن عليها، وواقع العين الموقوفة هو التبديل بلحاظ أصل الوقف، دون خصوصية المماثلة. بل مقتضي ولاية المتولي ملاحظته مصلحة الموقوف عليهم واختيار ما هو الأصلح لهم.

لكنه يشكل بأن التأبيد المستفاد من العبارة المذكورة لو تم إنما ورد في صيغة الوقف علي الانتفاع الخاص، لا مطلق الانتفاع، ولا يتحقق تأبيد الانتفاع الخاص بالعين بلحاظ ماليتها إلا بالتبديل بالمثل مع الإمكان. كما جري علي ذلك بعض المحققين (قدس سره) في حاشيته علي المكاسب.

ص: 116

نعم حيث سبق ضعف المبني المذكور من أصله فلا مجال لاستفادة وجوب التبديل منه، فضلاً عن حفظ خصوصية المماثلة.

هذا وأما بناء علي ما اشتهر بينهم من كون الوقف ملكاً للموقوف عليهم بجميع بطونهم فسقوطه عن الانتفاع وإن اقتضي بطلان حبسه وجواز بيعه، إلا أنه لا يقتضي خروجه عن ملكهم، وبذلك يتعين قيام البدل مقامه في ملكيتهم له، كما هو مقتضي البدلية من دون حاجة إلي أن يوقف عليهم. كما أن اللازم بعد ملكيتهم له مراعاة مصلحتهم ولو بشراء غير المماثل، كما صرح بذلك شيخنا الأعظم (قدس سره).

لكن صرح غير واحد بوجوب شراء المماثل مع الإمكان، إما لأنه الأقرب لغرض الواقف، وإما لأنه الميسور من العمل بمقتضي الوقف، إذ مع تعذر العمل بمقتضي الوقف بنحو التأبيد في شخص العين الموقوفة يتعين العمل به في النوع باختيار المماثل.

وفيه: أنه لا دليل علي وجوب مراعاة غرض الواقف، وإنما تضمنت الأدلة وجوب العمل بالوقف المفروض تعذره. مضافاً إلي أنه لا ضابط لغرض الواقف. إذ قد لا يكون اختياره للخصوصية حين الوقف لانحصار غرضه بسنخها، بل لأنها الأنفع للموقوف عليهم بنظره أو في وقته، فمع تعذر العمل بالوقف يكون الأقرب لغرضه هو مراعاة مصلحتهم والأنفع لهم، دون اختيار المماثل. وقد تقدم نظير ذلك في ذيل الكلام في الصورة الأولي من مسوغات البيع.

كما أنه لا دليل علي وجوب مراعاة الميسور في العمل بالوقف، لعدم ثبوت عموم قاعدة الميسور في الأحكام التكليفية التي قد تبتني علي ملاك قابل للانحلال، فضلاً عن الوضعيات التابعة للإنشاء والجعل غير القابل للانحلال، ومنها الوقف.

ومن هنا قال شيخنا الأعظم (قدس سره): (والحاصل: أن الوقف مادام موجوداً بشخصه لا يلاحظ فيه إلا مدلول كلام الواقف، وإذا بيع وانتقل الثمن إلي الموقوف عليهم لم يلاحظ فيه إلا مصلحتهم).

ص: 117

كما أن مقتضي ذلك عدم وجوب حبس البدل، بحيث لا يباع مادام يمكن الانتفاع به، بل يجوز تبديله للأصلح ولو مع قابليته لأن ينتفع به.

بل مقتضاه جواز نفعهم به ما تعاقبوا ولو بمثل الاتجار به واستغلال ربحه من دون ملزم بشراء ما تبقي عينه، ويستغل بمنفعته أو نمائه، ويكون اختيار الأصلح تابعاً لتشخيص الولي.

نعم سبق منا منع المبني المذكور من أصله، وأن العين الموقوفة ليست ملكاً للموقوف عليهم، بل هي نحو من الصدقة عليهم، فإذا بطل تحبيسها بلحاظ منفعتها تعين بقاؤها صدقة عليهم. وحينئذ لا موجب لشراء المماثل ووقفه أيضاً، بعد ما سبق من عدم وجوب موافقة غرض الواقف وعدم انضباط غرضه، وعدم جريان قاعدة الميسور. وعلي ذلك جري سيدنا المصنف (قدس سره) في نهج الفقاهة.

اللهم إلا أن يقال: مصرف الصدقة تارة: يؤخذ من الشارع الأقدس، كما في الزكاة والكفارات. وأخري: من المتصدق نفسه، كما في مثل الوقف المبتني علي الإنشاء والجعل، والتبرع المبتني علي البذل.

والمتبع في تحديد الأول الدليل الشرعي، الذي يختلف باختلاف أنواع الصدقات. وفي تحديد الثاني سعة الأمر المنشأ، أو سعة إذن الباذل.

ولا مجال لشيء من ذلك في المقام بعد عدم تعرض النصوص التي بأيدينا لحكم الوقف الخراب والمعطل، وبعد اختصاص جعل الواقف بالعين الموقوفة، وسكوته عن حكم بدلها.

ومن هنا يتعين الاقتصار في علي المتيقن، لاحترام المال المانع من التصرف الخارجي فيه إلا بمسوغ، ولأصالة عدم ترتب الأثر علي التصرف الاعتباري.

ولا إشكال في أن المماثل ولو في الجملة هو المتيقن بالإضافة إلي غيره مع تساويهما في مقدار مصلحة الموقوف عليهم.

ص: 118

(119)

نعم لو خرب بعض الوقف جاز بيع ذلك البعض (1)، وصرف ثمنه في مصلحة المقدار العامر (2)، أو في وقف آخر إذا كان موقوفاً علي نهج

---------------

كما لا يبعد قضاء المرتكزات بأن المماثل من جميع الجهات هو المقدم علي غيره ولو كان غيره هو الأصلح، كما إذا كان الوقف مدرسة تسع مائة طالب علم في حاجة للسكن، فدار الأمر بين صرف البدل في مدرسة كذلك وصرفه في جهة أنفع لطلاب العلم.

أما لو دار الأمر بين المماثل في الجملة وغيره مما هو أصلح فلا يخلو الأمر عن إشكال، كما لو دار الأمر بين في الفرض المتقدم إنفاق البدل في مدرسة تسع ثلاثين طالباً، وصرفه في جهة أنفع لطلاب العلم. وإن لم يبعد قضاء المرتكزات بترجيح الأصلح حينئذ.

وبذلك يظهر الحال فيما لو تعذر المماثل، حيث لا يبعد ترجح الأقرب فالأقرب مع عدم مزاحمته بالأصلح، وأما مع مزاحمته به فلا يبعد ترجيح الأصلح.

هذا والظاهر عدم الحاجة لوقف البدل، بل يكفي استغلاله في الجهة الموقوف عليها مع إمكانها، أو في الجهة الأقرب إليها حسب تشخيص الولي. لتعيينه لها بمقتضي البدلية بلا حاجة للوقف، بل يكون الوقف لغواً.

كما أنه لا ينحبس عليها، بل يجوز تبديله إذا كان أصلح بنظر الولي وإن كان باقياً علي صلاحيته للانتفاع فيما عين له، لعدم موجب للحبس بعد فرض عدم وقفه، فهو صدقة تستغل في الجهة الخاصة مادام الولي يري الصلاح في استغلالها فيها.

(1) بالشروط المتقدمة.

(2) لأنه في الحقيقة من أفراد الصرف في المماثل للجهة الموقوف عليها في الجملة. ومما سبق يظهر أن المتيقن من ذلك ما إذا لم يكن صرفه في جهة أخري أصلح للموقوف عليهم، ومنه ما إذا أمكن استغناء المقدار العامر منه بتبرع أو نحوه.

ص: 119

وقف الخراب (1). وإذا خرب الوقف ولم يمكن الانتفاع به، وأمكن بيع بعضه وتعمير الباقي بثمنه، جاز بل وجب علي الولي بيع بعضه، ولم يجز بيع جميعه (2).

(مسألة 12): لا يجوز بيع الأمة إذا كانت ذات ولد لسيدها (3) ولو

---------------

(1) لعين ما سبق. ويجري فيه ما جري في سابقه.

(2) لعدم سقوطه عن الانتفاع به في الجهة الموقوف عليها، ليبطل تحبيسه، غاية الأمر تعذر الانتفاع ببعضه فيها، والبناء علي الانحلال في ذلك قريب جداً بالنظر للمرتكزات العرفية، نظير الانحلال في تبعض الصفقة في جميع العقود والإيقاعات.

ولولا ذلك للزم بطلان الوقف بتمامه لو خرب بعضه وتعذر الانتفاع به في الجهة الموقوف عليها، ولا يظن بأحد البناء علي ذلك.

غاية الأمر أن تبعض الصفقة فيها في البعض المعين، وفيما نحن فيه قد يكون في بعض غير معين، وهو غير فارق عرفاً. فلاحظ.

(3) إجماعاً بقسميه. كذا في الجواهر. والنصوص به مستفيضة، كصحيح

عمر بن يزيد عن أبي إبراهيم (عليه السلام): (قلت: لِمَ باع أمير المؤمنين (عليه السلام) أمهات الأولاد؟ قال: في فكاك رقابهن... قلت: فتباع فيما سوي ذلك من الدين ؟ قال: لا)(1) وغيره.

نعم في صحيح زرارة: (سألته عن أم الولد. قال: أمة تباع وتوهب وتورث. وحدّها حدّ الأمة)(2). وفي الجواهر أنه من الشواذ التي يجب طرحها. وربما يحمل علي ما إذا مات ولدها، كما عن الشيخ وغيره.

وأما حمله علي بيعها في ثمن رقبتها فهو لا يناسب ما تضمنه من الهبة والميراث. ولاسيما مع تأكيد ذلك بأن حدها حد الأمة.

********

(1) وسائل الشيعة ج: 16 باب: 2 من أبواب الاستيلاء حديث: 1.

(2) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 24 من أبواب بيع الحيوان حديث: 3.

ص: 120

(121)

كان حملاً غير مولود (1).

---------------

ومثله في ذلك حمله علي أنه قد يعرض لأم الولد ما يسوغ بيعها وهبتها أو يصيرها موروثة. فإنه بعيد عن ظاهره جداً. ولاسيما مع التأكيد المذكور.

ثم إن ما تقدم في صحيح محمد مسلم يجري في صحيح وهب بن عبد ربه عن أبي عبد الله (عليه السلام) علي ما رواه الصدوق قال: (في رجل زوج أم ولد له عبداً، ثم مات السيد. قال: لا خيار لها علي العبد، هي مملوكة للورثة)(1). بل الحال فيه أشكل. لمنافاته لما تضمن انعتاق الأم إذا ملكها ابنها حتي في غير أم الولد.

نعم رواه الشيخ هكذا: (في رجل زوج عبداً له من أم ولد له ولا ولد لها من السيد...)(2). فيخرج عن محل الكلام، لأن المراد به من مات ولدها.

(1) كما صرح به غير واحد، بل أرسله في الجواهر إرسال المسلمات. ويقتضيه صحيح محمد بن مارد عن أبي عبد الله (عليه السلام): (في الرجل يتزوج الأمة، فتلد منه أولاداً، ثم يشتريها، فتمكث عنده ما شاء الله لم تلد منه شيئاً بعدما ملكها، ثم يبدو له في بيعها. قال: هي أمته إن شاء باع، ما لم يحدث عنده حمل بعد ذلك، وإن شاء أعتق)(3).

ومنه يظهر توقف ترتب أحكام أم الولد علي حصول الولد لها من سيدها وهي في ملكه، ولا يكفي فيه حصول الولد له منها قبل ملكه لها، كما صرح بذلك في الشرايع وغيرها في الجواهر أنه المشهور بينهم شهرة عظيمة.

خلافاً للمبسوط، فحكم بصيرورتها أم ولد إذا كان ولدها حراً حينما علقت به، وهو ظاهر الوسيلة. بل في الخلاف عموم ذلك لما إذا تحرر الولد وإن كان رقاً حين علوقها به. وكان الوجه فيهما الإطلاق. لصدق أم الولد عليها. لكنه لو تم وجب الخروج عنه بالصحيح.

********

(1) من لا يحضره الفقيه ج: 3 ص 82.

(2) وسائل الشيعة ج: 16 باب: 5 من أبواب الاستيلاء حديث: 4.

(3) وسائل الشيعة ج: 16 باب: 4 من أبواب الاستيلاء حديث: 1.

ص: 121

(122)

وكذا لا يجوز نقلها بسائر النواقل (1). وإذا مات ولدها جاز بيعها (2).

---------------

وإنما يظهر الأثر في جواز بيعها وعدمه. أما انعتاقها في الجملة من نصيب ولدها لو مات سيدها وهي في ملكه فهو أمر لا إشكال فيه، لعموم ما دل علي عدم ملك الإنسان لأحد عموديه(1).

(1) كما صرح به غير واحد، وعن غير واحد إرساله إرسال المسلمات. وعن الإيضاح دعوي الإجماع عليه. بل ذكر شيخنا الأعظم (قدس سره) أنه قول جميع المسلمين.

وقد ذكر أن المستفاد من نصوص المنع عموم المنع لكل ناقل. وكأنه لأن المناسبات الارتكازية قاضية بأن منشأ المنع من البيع هو تشبثها بالحرية بسبب ولدها، حيث نعتق من نصيبه، وهو المناسب لما في معتبر الوليد بن هشام عن أبي الحسن (عليه السلام)، وفيه: (فقلت: إن فيهم جارية قد وقعت عليها، وبها حمل. قال: لا بأس. أليس ولدها بالذي يعتقها؟! إذا هلك سيدها صارت من نصيب ولدها)(2) فإن إعتاق الولد لها لا يكون إلا للمفروغية عن بقائها علي ملك أبيه إلي يموت.

(2) بلا خلاف أجده فيه، بل لعل الإجماع بقسميه عليه. كذا في الجواهر وقال شيخنا الأعظم (قدس سره): (اتفاقاً فتوي ونصاً).

ويشهد به صحيح ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام): (في رجل اشتري جارية يطأها، فولدت له ولداً فمات ولدها. قال: إن شاؤوا باعوها في الدين الذي يكون علي مولاها من ثمنها. وإن كان لها ولد قومت من نصيبه)(3) ومعتبر أبي مخلد السراج: (قال أبو عبد الله (عليه السلام) لإسماعيل وحقيبة والحارث النضري: اطلبوا لي جارية... فدلو لنا علي جارية رجل من السراجين قد ولدت له ابن

********

(1) راجع وسائل الشيعة ج: 16 باب: 7، 8، 9 من أبواب كتاب العتق.

(2) وسائل الشيعة ج: 16 باب: 6 من أبواب الاستيلاء حديث: 3.

(3) وسائل الشيعة ج: 16 باب: 5 من أبواب الاستيلاء حديث: 2.

ص: 122

ومات ولدها، فأخبروه بخبرها، فأمرهم فاشتروها...)(1).

نعم في صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث قال: (في جارية لرجل كان يأتيها، فأسقطت سقطاً منه بعد ثلاثة أشهر. قال: هي أم ولد)(2). وإذا كان السقط لا يخرجها عن كونها أم ولد فموت ولدها أولي بذلك.

لكن من الظاهر أن أظهر أحكام أم الولد انعتاقها من نصيب ولدها من ميراثه من أبيه، ولا موضوع له مع موت الولد، فضلاً عن السقط.

ومن ذلك يظهر الإشكال فيما يظهر من الوسائل من حمله علي سقطها بعد موت السيد، وجعله مع خبر أبي البختري الآتي دليلاً علي انعتاقها حينئذ.

إذ فيه أولاً: أنه لا شاهد علي الحمل المذكور. وثانياً: أنه حيث لا إشكال في أن السقط لا يرث فكيف تنعتق به ؟!.

ومن هنا ذكر صاحب الجواهر وشيخنا الأعظم (قدس سره) أن أثر الاكتفاء بالحمل في صدق أم الولد هو بطلان البيع الواقع حاله، لعدم الإشكال في صحة بيعها بعد الإسقاط. وربما يحمل الصحيح علي ذلك.

لكنه مخالف لظاهره جداً، لقوة ظهوره في بيان حكمها بعد الإسقاط، لا في انكشاف حكمها الثابت قبله.

ومن ثم لا يبعد جريه علي ما يظهر مما عن بعض العامة من تشبثها بالحرية بمجرد الحمل ولو مع موت الولد. ونحوه في ذلك خبر أبي البختري عن الإمام الصادق (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام): (قال: إذا أسقطت الجارية من سيدها فقد عتقت)(3) ، سواء حمل علي عتقها فعلاً، كما هو المعني الحقيقي، أم علي أنها تتشبث بالحرية، بمعني أنه يقطع عليها بأنها سوف تعتق بموت سيدها. وكيف كان فلابد من الإعراض عن الحديثين، لمخالفتهما لما عليه الطائفة وللنصوص المعول عليها عندهم، ومنما ما تقدم.

********

(1) وسائل الشيعة ج: 16 باب: 5 من أبواب الاستيلاء حديث: 1.

(2) وسائل الشيعة ج: 16 باب: 3 من أبواب الاستيلاء حديث: 1، 2.

(3) وسائل الشيعة ج: 16 باب: 3 من أبواب الاستيلاء حديث: 1، 2.

ص: 123

(124)

كما يجوز بيعها في ثمن رقبتها مع إعسار المولي (1). وفي هذه المسألة فروع كثيرة لم نتعرض لها لقلة الابتلاء.

(مسألة 13): لا يجوز بيع الأرض الخراجية، وهي الأرض المفتوحة عنوة العامرة حين الفتح، فإنها ملك للمسلمين من وجد ومن يوجد (2)،

---------------

(1) كما هو مقتضي إطلاق جماعة، ونسب للأكثر. لموثق عمر بن يزيد عن أبي الحسن (عليه السلام): (سألته عن أم الولد تباع في الدين ؟ قال: نعم في ثمن رقبتها)(1) ولا يبعد ظهوره في صورة إعسار المولي، لأن خصوصية الدين تناسب ذلك.

هذا وقد تردد الفاضلان قدس سرهما في إطلاقه أو تقييده بصورة موت المولي، بل قوي تقييده بصورة موته غير واحد من متأخري المتأخرين.

لصحيح عمر بن يزيد المتقدم. وفيه: (قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام): أسألك قال: سل. قلت: لِمَ باع أمير المؤمنين (عليه السلام) أمهات الأولاد؟ قال: في فكاك رقابهن. قلت: وكيف ذلك ؟ قال: أيما رجل اشتري جارية فأولدها، ثم لم يؤد ثمنها ولم يدع من المال ما يؤدي عنه أخذ ولدها منها، فبيعت وأدي ثمنها. قلت: فيبعن فيما سوي ذلك من دين ؟ قال: لا)(2).

لظهور قوله (عليه السلام): (ولم يدع من المال ما يؤدي عنه) في موت المولي. كما أنه صريح في الحصر، وهو من سنخ المبين للإطلاق. ومن ثم يتعين قصر الإطلاق عليه. ولنكتف بهذا المقدار في المسألة، لخروجها عن مورد الابتلاء في عصورنا.

(2) كما هو المعروف بين الأصحاب، المدعي عليه الإجماع في كلام غير واحد. والنصوص به مستفيضة. كصحيح الحلبي: (سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن السواد ما منزلته ؟ فقال: هو لجميع المسلمين، لمن هو اليوم، ولمن يدخل في الإسلام بعد اليوم، ولمن لم يخلق بعد. فقلت: الشراء من الدهاقين. قال: لا يصلح. إلا أن تشتري منهم

********

(1) ، وسائل الشيعة ج: 13 باب: 24 من أبواب بيع الحيوان حديث: 2، 1.

(2) ، وسائل الشيعة ج: 13 باب: 24 من أبواب بيع الحيوان حديث: 2، 1.

ص: 124

علي أن يصيرها للمسلمين، فإذا شاء ولي الأمر أن يأخذها أخذها...)(1) ، ومعتبر أبي بردة بن رجا: (قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): كيف تري في شراء أرض الخراج ؟ قال: ومن يبيع ذلك ؟! هي أرض المسلمين. قلت: يبيعها الذي هي في يده، قال: ويصنع بخراج المسلمين ماذا؟! ثم قال: لا بأس اشتري حقه منها، ويحول حق المسلمين عليه. لعله يكون أقوي عليها، وأملأ بخراجهم منه)(2) ، وغيرهما.

لكن في صحيح حريز عنه (عليه السلام): (قال: رفع إلي أمير المؤمنين (عليه السلام) رجل مسلم اشتري أرضاً من أراضي الخراج. فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): له ما لنا، وعليه ما علينا، مسلماً كان أو كافراً. له ما لأهل الله، وعليه ما عليهم)(3). وقد يظهر في إقراره (عليه السلام) للشراء.

ولابد من حمله وحمل غيره مما قد يظهر في ذلك علي شراء حق الاختصاص والاستغلال، مع بقاء العين علي ملك المسلمين، ولزوم أداء الخراج، بقرينة التفصيل الذي تضمنته النصوص الأول.

نعم النصوص المذكورة لا تقتضي عدم قابلية الأرض المذكورة للبيع والنقل، وإنما تقتضي منع من بيده الأرض من بيعها ونقلها، لعدم ملكه لها، وعدم سلطنته عليها بعد أن كانت ملكاً للمسلمين، وليس له إلا حق الاختصاص باستغلالها علي أن يؤدي خراجها لهم.

ولا ينافي ذلك جواز بيع ولي المسلمين لها، بل حتي هبته لها وإقطاعها لبعض الناس مجاناً، كما يظهر من بعض كلمات شيخنا الأعظم (قدس سره) المفر وغية عنه. لعموم ولايته، وقابليتها للنقل ذاتاً، كسائر أملاك المسلمين.

وقد يجري علي ذلك صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) والساباطي وزرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام): (أنهم سألوهما عن شراء أرض الدهاقين من أرض

********

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 21 من أبواب عقد البيع وشروطه حديث: 4.

(2) وسائل الشيعة ج: 11 باب: 71 من أبواب جهاد العدو وما يناسبه حديث: 1.

(3) وسائل الشيعة ج: 11 باب: 72 من أبواب جهاد العدو وما يناسبه حديث: 6.

ص: 125

الجزية. فقال: إنه إذا كان ذلك انتزعت منك، أو تؤدي عنها ما عليها من الخراج. قال عمار: ثم أقبل علي، فقال: اشترها، فإن لك من الحق ما هو أكثر من ذلك)(1) ومعتبر إبراهيم بن أبي زياد: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الشراء من أرض الجزية. فقال: اشترها فإن لك من الحق ما هو أكثر من ذلك)(2).

فإن ما تضمنه الصحيح من أنها تنتزع منه عد ظهور القائم (عجّل الله تعالي فرجه الشريف) أو يؤدي ما عليها من الخراج، ثم الترخيص في الشراء للتعليل المذكور ظاهر في كون الترخيص المذكور شخصاً لخصوص عمار، وأن الشراء المرخص فيه هو شراء عين الأرض، بحيث لا يجب الخراج فيها، وإلا فجواز الشراء مع دفع الخراج قد بين أولاً، وهو لا يحتاج للتعليل المذكور. وذلك يبتني إعمال ولايته (عليه السلام) علي الأرض وأربابها في الترخيص المذكور.

قال في محكي مرآة العقول تعقيباً علي الصحيح المتقدم: (ثم جوز عليه السلام له شراءها لأن له الولاية عليها. وعلل بأن لك من الحق بعد ظهور دولة الحق في الأرض أكثر من ذلك، فلذلك جوزنا لك ذلك). ومنه يظهر الوجه في حمل معتبر إبراهيم المتقدم علي ذلك أيضاً.

اللهم إلا أن يقال: لم يتضح كون المراد بالحديثين من أرض الجزية الأرض المفتوحة عنوة التي هي ملك المسلمين، بل لا يبعد كون المراد بها الأرض التي صالح أهلها علي أن تكون جزيتهم من حاصل أرضهم، فإن الأرض المذكورة باقية علي ملك أصحابها الأولين، ولا تكون ملكاً للمسلمين، ولا مانع من شرائها منهم.

غاية الأمر أن في حاصلها جزيتهم فيكون في شرائها منهم والاستقلال بها تفريط بجزيتهم التي هي ملك للمسلمين أيضاً، ولذا احتاج للترخيص الشخصي المبتني علي التعليل المذكور، وعلي إعمال الإمام (عليه السلام) لولايته عليها. فالعمدة ما ذكرناه

********

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 21 من أبواب عقد البيع وشروطه حديث: 1.

(2) وسائل الشيعة ج: 11 باب: 71 من أبواب جهاد العدو وما يناسبه حديث: 4.

ص: 126

(127)

ولا فرق بين أن تكون فيها آثار مملوكة للبايع من بناء أو شجر أو غيرهم

وأن لا تكون (1).

---------------

أولاً من عموم الولاية.

نعم استشكل في الجواهر في بيعها حتي لولي المسلمين. قال: (لاحتمال كون حكمها شرعاً بقاؤها وصرف خراجها، كالوقف).

لكن لا شاهد للاحتمال المذكور. إذ النصوص لم تتضمن إلا أنها للمسلمين، والظاهر أن تعيينها لأخذ الخراج منها لأنه الوجه المتعارف لانتفاع عموم المسلمين منها، لا لحبسها شرعاً علي ذلك. كيف ولا إشكال - بملاحظة السيرة - في اتخاذ المساجد فيها، والظاهر أنها علي حدّ سائر المساجد تبتني علي وقف الأرض مسجداً، كما سبق في المسألة العاشرة. بل لا إشكال في شق الطرق فيها، وبناء المساكن ونحوها مما يحتاجه من يعمرها.

وما ذلك إلا لعدم تعينها للخراج، بل لانتفاع المسلمين بها بعد أن كانت لهم بنحو من أنحاء الملك ولو تسامحاً. وذلك يقتضي سلطنة ولي الأمر علي نقلها ببيع وغيره إذا كان صلاحاً لهم.

وبذلك يظهر نفوذ بيع وإقطاع ولاة الجور للأرض المذكورة في حق المؤمنين. لما دل علي جواز تعاملهم معهم، والترخيص لهم في أخذ جوائزهم، ونحو ذلك، والظاهر شيوع إقطاع ولاة الجور للأرضين في عهود الأئمة (صلوات الله عليهم)، فلو لم يكن نافذاً في حق المؤمنين لكان المناسب استثناؤه.

(1) كما هو مقتضي إطلاق جماعة وصريح آخرين. لإطلاق النصوص السابقة. لكن في بيع التذكرة وفي اللمعتين والمسالك جواز بيعها تبعاً للآثار. وحكي عن غير واحد، علي إشكال في النسبة، لصراحة كلام بعضهم في بيع نفس الآثار.

والذي ينبغي أن يقال: إحداث آثار التصرف من البناء ونحوه إن لم يكن بوجه

ص: 127

مأذون فيه شرعاً كان عدواناً، فيحق للولي قلعه، وهو لا يقتضي حقاً في الأرض، فضلاً عن أن يقتضي ملكها تبعاً له، ليجوز بيعها معه. ولعله خارج عن محل كلامهم.

وكذا إذا كان بوجه مأذون فيه إذا ابتني علي انتفاعه به بنفسه مادام هو في الأرض من دون أن يستحق إبقاءه. فإنه إذا لم يستحق إبقاءه في الأرض بعد خروجه منها، فلا منشأ لتوهم ملكه للأرض بتبعه، بحيث يصح بيعها معه. غايته أنه يملك أثر التصرف بنفسه، فله قلعه عند خروجه من الأرض، وله بيعه ممن يخلفه فيها.

وإن ابتني علي استحقاقه إبقاء أثر التصرف مادام قائماً، بحيث لا يجوز للولي قلعه عند خروجه منها، فهو وإن اقتضي حقاً لصاحب التصرف في الأرض لا ينتهي بخروجه منها، إلا أنه لا يقتضي ملك الأرض بنفسها، لعدم المنشأ لذلك. ولاسيما مع عدم معهودية الملكية الموقتة، إذ مبني الملكية ارتكازاً علي البقاء ما لم يحدث الرافع لها، ولو مثل فسخ العقد الناقل.

وحينئذ إن كان مرادهم بيع الحق المذكور تبعاً لآثار التصرف فهو متين جداً، إلا أنه لا يصح استثناؤه من عموم منع بيع الأرض. وإن كان مرادهم بيع نفس الأرض التي تقوم عليها آثار التصرف. فهي غير مملوكة له ليصح منه بيعها.

ودعوي: أن ذلك مقتضي السيرة. مدفوعة بأنه لم يتضح قيام سيرة في المقام متصلة بعصور المعصومين صلوات الله عليهم كاشفة عن رضاهم. ولاسيما مع ما هو المعلوم من عدم بسط أيديهم (عليه السلام)، بحيث يستطيعون استنكار ما يحصل، ليكشف عدم استنكارهم إياه عن إقرارهم له.

علي أن المتيقن من السيرة إنما هو بيع أثر التصرف، ولا يعلم منها بيع رقبة الأرض تبعاً له إلا بناء علي الملازمة بين الأمرين، وهي ممنوعة. غاية الأمر ملازمة بيع أثر التصرف لبيع حقّ إبقائه في الأرض الذي تقدم الكلام فيه.

ومثله الاستدلال بما تضمن جواز شراء أرض الخراج. فإنه مع عدم وروده فيما نحن فيه من بيع الآثار محمول علي بيع حق الاختصاص بالأرض واستغلالها، ل

ص: 128

(129)

بل الظاهر عدم جواز التصرف فيها (1)

---------------

عينها ورقبتها، كما سبق.

(1) قال في المبسوط: (ولا يصح بيع شيء من هذه الأرضين ولا هبته ولا معاوضته ولا تمليكه ولا وقفه ولا رهنه ولا إجارته ولا إرثه. ولا يصح أن يبني دوراً ومنازل ومساجد وسقايات، ولا غير ذلك من أنواع التصرف الذي يتبع الملك. ومتي فعل شيء من ذلك كان التصرف باطلاً، وهو باق علي الأصل).

والوجه فيه ظاهر بعد ما سبق من كون الأرض المذكورة للمسلمين علي نحو خاص، حيث يكون التصرف المذكور تعدياً عليهم، ومنافياً لما هو المعلوم من حرمتهم وحرمة أموالهم وحقوقهم، فلابد في جوازه من إذن وليهم، وهو الإمام أو من يقوم مقامه، علي ما يأتي الكلام فيه.

نعم قد يدعي أن النصوص المتقدم بعضها، المتضمنة جواز شراء أرض الخراج علي أن يقوم المشتري مقام البايع في عمارتها وأداء خراجها، ظاهرة في جواز التصرف فيها بالوجه المذكور لكل أحد من دون حاجة لإذن الإمام أو غيره.

لكنه لا يخلو عن إشكال أو منع، فإن الأرض المذكورة لما كانت للمسلمين فلا يتيسر التصرف فيها غالباً إلا بمراجعة السلطان. غاية الأمر أن لأهلها الأولين حق الأولوية في استغلالها وعمارتها، بحيث لا يجوز إخراجهم منها قسراً عليهم، حتي بالتضييق عليهم بتحميلهم من الخراج أكثر من طاقتهم، كما يظهر من النصوص.

ومنها موثق إسماعيل بن الفضل الهاشمي: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشتري [اكتري] أرضاً من أرض أهل الذمة من الخراج وأهلها كارهون. وإنما يقبلها من السلطان لعجز أهلها أو غير عجز. فقال: إذا عجز أربابها عنها فلك أن تأخذها، إلا أن يضاروا. وإن أعطيتهم شيئاً فسخت أنفس أهلها لكم فخذوها...)(1).

********

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 21 من أبواب عقد البيع وشروطه حديث: 10.

ص: 129

وعلي ذلك يكون المراد بشراء أرض الخراج في النصوص المتقدمة هو شراء حق الأولوية المذكور الثابت لهم، نظير شراء حق السرقفلية للمستأجر المتعارف في عصورنا.

أما استحقاق المباشرة بعمارة الأرض واستغلالها فلابد أن يبتني علي إذن السلطان في عصر صدور تلك النصوص، إما لابتناء تعامله مع أهل الأرض الأولين علي أن لهم بيعها بالوجه المذكور علي غيرهم، أو لمراجعة المشتري بالخصوص له باستئذانه قبل الشراء، أو بطلب إقراره وإمضائه بعده، كما يناسبه قوله (عليه السلام) في صحيح الحلبي المتقدم: (فإذا شاء ولي الأمر أن يأخذها أخذها).

وعلي ذلك فغاية ما تدل عليه النصوص المذكورة الاكتفاء في جواز التصرف في الأرض المذكورة بإذن سلطان الجور، لا إطلاق جواز التصرف فيها لكل أحد، ليخرج بها عما سبق.

هذا وقد يظهر ممن سبق منه جواز بيع الأرض المذكورة تبعاً لآثار التصرف جواز إحداث الآثار المذكورة الموجبة لنحو من الحق في الأرض من دون حاجة إلي إذن. ولم يتضح وجهه.

غاية الأمر أنه قد يبتني تقبيل الأرض من قبل من يتولي أمر المسلمين - بحق أو بجور - علي الإذن ضمناً في التصرف الذي يقتضيه الارتباط بالأرض من أجل عمارتها وزراعتها لاستحصال الخراج منها، كمساكن العاملين فيها ومرافقهم من مخازن ومساجد وسقايات لهم وللعابرين فيها، ونحو ذلك بالنحو المتعارف.

لكن هذا - مع اختصاصه بمن يتقبل الأرض، دون من هو أجنبي عرفاً، وبالتصرف المتعارف دون غيره - ليس تصرفاً من دون إذن، بل هو تابع للإذن الضمنية التي يبتني عليها تقبيل الأرض من قبل من يتولي أمر المسلمين، فلو منع من التصرف المذكور أو من بعض أقسامه تعين عدم جوازه، بل يكون تعدياً لا يترتب عليه حق الإبقاء في الأرض، علي ما سبق.

ص: 130

كما أنه قد فصل في الدروس بين زمان الحضور وزمان الغيبة، فلا يجوز التصرف في الأول إلا بإذن الإمام (عليه السلام)، ويجوز التصرف في الثاني من دون حاجة لذلك، ووافقه في جامع المقاصد، وحكاه عن غيره.

وكأنه لأن توقف التصرف علي إذنه (عليه السلام) مستلزم لتعذر التصرف في عصر الغيبة في الأرض المذكورة، وهو مما يقطع بعدم رضا الشارع به، لاستلزامه تعطيلها وعدم الاستفادة بها.

لكن ذلك يجري أيضاً في عصر الحضور لو تعذر استئذان الإمام أو امتنع هو (عليه السلام) من الإذن ومزاولة وظائف الإمامة حذراً من ظهور ذلك عنه بنحو يعرضه أو يعرض شيعته للخطر.

وحيث يعلم بعدم رضا الشارع الأقدس بتعطيل الأرض حينئذ بنحو يعلم بجواز التصرف في الجملة، فاللازم الاقتصار علي المتيقن من الجواز، وهو صورة استئذان سلطان الجور، حيث لا إشكال في الجواز حينئذ ولو بلحاظ السيرة في عصور حضور الأئمة (عليهم السلام).

ولا أقل من كونه مقتضي النصوص المتقدمة المتضمنة جواز شراء أرض الخراج علي أن يقوم المشتري مقام البايع في أداء خراجها، لما هو المعلوم من أن أداء خراجها إنما كان في تلك العصور لولاة الجور، وكانوا هم المتولون لإدارة شؤونها.

ودعوي: أنه يعلم بعدم الأثر لإذن الجائر، لأن عدوانه لا يناسب اهتمام الشارع الأقدس به وبإذنه. ممنوعة، لإمكان اهتمام الشارع الأقدس بضبط أمر أرض الخراج، وتنظيم التصرف فيها دفعاً للتشاح والخلاف وما يترتب عليهما من مفاسد في المجتمع قد تسود حتي علي الأرض وعلي غلتها، ومع تعذر تنظيمها بالوجه الأكمل بإيكالها لنظر الإمام العادل يكتفي بتنظيمها من طريق سلطان الجور، لأنه خير من الانفراط المطلق. ولعله لذا جاز التعامل في الخراج مع السلطان.

ومثل ذلك ما قد يدعي من أن مقتضي السيرة جواز التصرف فيها لكل أحد،

ص: 131

إلا بإذن الحاكم الشرعي (1)، إلا أن تكون تحت سلطة السلطان المدعي للخلافة العامة، فيكفي الاستئذان منه (2). بل في كفاية الاستئذان من الحاكم الشرعي حينئذ إشكال (3). ولو ماتت الأرض العامرة حين الفتح

---------------

حيث يشيع من عامة الشيعة وخاصتهم التصرف فيها من دون توقف منهم أو استئذان من أحد.

إذ فيه أولاً: أن السيرة الحادثة في عصر الغيبة لا تصلح للاستدلال، وما ينهض بالاستدلال هو السيرة المتصلة بعصور ظهور المعصومين صلوات الله عليهم بحيث يكشف عدم ظهور الردع منهم عنها في إمضائهم لها.

وثانياً: أن السيرة من الخاصة قد تبتني علي ما سبق منا من نفوذ إقطاع السلطان الجائر، ومن العامة علي ذلك وعلي عدم مراعاة الحكم الشرعي جهلاً به أو تسامحاً. ولاسيما أن كثيراً منهم من ذوي القوة والنفوذ وممن يغمض بسببهما عن الموازين الشرعية.

ومن هنا لا مخرج في عصر الغيبة عن مقتضي القاعدة المتقدمة من عدم جواز التصرف في الأرض المذكورة من دون إذن ولي المسلمين، أو من يقوم مقامه.

(1) لأن احتمال ولايته كاف في وجوب الاستئذان منه بعد العلم بجواز التصرف في الجملة، للعلم بعدم رضا الشارع الأقدس بتعطيل الأرض عن الانتفاع.

(2) لما هو المعلوم ويستفاد من النصوص السابقة وغيرها من إمضاء التعامل معه شرعاً. وعليه كان العمل في عصور حضور الأئمة صلوات الله عليهم.

(3) لعدم إطلاق يقتضي ولاية الحاكم الشرعي، كما يظهر مما سبق في أواخر الكلام في شروط المتعاقدين، وإنما يرجع إليه لاحتمال ولايته في مورد يعلم بجواز التصرف في الجملة، ولا يعلم بجوازه من دون إذنه. أما في المقام فحيث يعلم بكفاية استئذان سلطان الجور ودفع التعطيل بمراجعته فلا طريق لإحراز الاكتفاء بإذن

ص: 132

(133)

فالظاهر أنها لا تملك بالإحياء، بل هي باقية علي ملك المسلمين (1). أما الأرض الميتة زمان الفتح فهي ملك للإمام (عليه السلام) (2). وإذا أحياها أحد ملكها بالإحياء (3)،

---------------

الحاكم الشرعي.

بل لا ينبغي التأمل في عدم البناء علي الاكتفاء باستئذانه بدلاً عن السلطان في عصور الأئمة صلوات الله عليهم، مع أن أكثر الأدلة التي سيقت لإثبات ولاية الحاكم الشرعي أو كلها لا يختص بعصر الغيبة، كما يظهر بمراجعة ما تقدم منا عند الكلام في أدلة ولايته، وذلك يكشف عن أن ولايته لو تمت ليست بنحو تقتضي الاكتفاء باستئذانه بدلاً عن السلطان.

نعم لو فرض عدم بناء السلطان علي التصدي للأرض، جهلاً بكونها خراجية، أو لتبدل القوانين التي يجري عليها، فلا طريق لإحراز الاكتفاء بإذنه، لخروجه عن موضوع السيرة والنصوص السابقة. بل لا منشأ لاحتمال اعتبار إذنه حينئذ، ويتعين الاكتفاء باستئذان الحاكم الشرعي. والظاهر خروجه عن مفروض كلام سيدنا المصنف (قدس سره).

(1) كما صرح به غير واحد، بل قد يظهر منهم عدم الخلاف فيه. والكلام في ذلك متفرع علي الكلام في مملكية الإحياء، وفي عمومها للأرض المفتوحة عنوة، ويأتي الكلام فيهما إن شاء الله تعالي.

(2) كما تقدم منا عند الكلام في الأنفال من خاتمة كتاب الخمس من هذا الشرح.

(3) الظاهر عدم الإشكال فيه في الجملة، وأرسل في بعض كلماتهم إرسال المسلمات، وأدعي عليه في كلمات بعضهم الإجماع.

ويقتضيه جملة من النصوص، كصحيح زرارة ومحمد بن مسلم وأبي بصير وفضيل وبكير وحمران وعبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام):

ص: 133

(134)

(قالا: قال رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلّم): من أحيي أرضاً مواتاً فهي له)(1) ، وصحيح عبد الله بن

سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام): (سئل وأنا حاضر عن رجل أحيي أرضاً مواتاً، فكري فيها نهراً، وبني فيها بيوتاً، وغرس نخلاً وشجراً، فقال: هي له وله أجر بيوتها، وعليه فيها العشر فيما سقت السماء أو سيل وادي أو عين، وعليه فما سقت الدوالي والغرب نصف العشر)(2) وغيرهما، مما يأتي بعضه إن شاء الله تعالي. وعلي كل حال فالحكم في الجملة لا شبهة فيه، إلا أنه ينبغي الالتفات لأمرين:

الأول: أنه يظهر من بعض مواضع المبسوط أن الإحياء لا يوجب ملك الأرض، بل مجرد حق التصرف فيها. قال في كتاب الجهاد في فصل حكم ما يغنم وما لا يغنم: (فأما الموات فإنها لا تغنم، وهي للإمام خاصة، فإن أحياها أحد من المسلمين كان أولي بالتصرف فيها، ويكون للإمام طسقها). ونحوه في كتاب الزكاة من النهاية مع إطلاق المحيي من دون تقييد له بالمسلمين. وهو صريح الاستبصار في باب من أحيي أرضاً مستدلاً عليه بصحيح الكابلي وغيره من النصوص الكثيرة التي يأتي الكلام فيها.

وقال في كتاب إحياء الموات من المبسوط: (إذا تحجر أرضاً وباعها لم يصح بيعها... لأنه لا يملك رقبة الأرض بالإحياء، وإنما يملك التصرف بشرط أن يؤدي إلي الإمام ما يلزمه عليها). وكلامه بدواً وإن أوهم أنه في التحجير إلا أن الظاهر عدم التفريق عنده بينه وبين الإحياء، كما نبه لذلك في السرائر. ويناسبه ما ذكره من التعليل المتقدم، وما ذكره بعد ذلك من أن ملك الأرض تارة: يكون بإقطاع السلطان لها. وأخري: يكون بإحداث شيء فيها. قال: (وذلك مثل الموات من الأرض، وقد ذكرنا أنه يملك بالإحياء بإذن السلطان التصرف فيها، وهو أولي من غيره. وإذا تحجر صار أحق به من غيره). وجري علي ذلك في المهذب والغنية والسرائر.

********

(1) وسائل الشيعة ج: 17 باب: 1 من أبواب كتاب إحياء الموات حديث: 5.

(2) وسائل الشيعة ج: 17 باب: 1 من أبواب كتاب إحياء الموات حديث: 8.

ص: 134

الثاني: أن الأصحاب صرحوا بعدم جواز إحياء الأرض الميتة التي هي ملك الإمام إلا بإذنه، مطلقاً كما يظهر مما سبق من المبسوط أو مع ظهوره (عليه السلام)، كما في الشرايع، أو مع بسط يده، كما في الجواهر. قال في كتاب الجهاد: (بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه. مضافاً إلي عموم قاعدة قبح التصرف في مال الغير بغير إذنه).

إذا عرفت هذا فإن كان مرادهم من الإذن الإذن الخاص لكل شخص بشخصه، فمن الظاهر أن الإذن إن ابتنت علي الإذن في الإحياء المبني علي التملك رجعت إلي الإقطاع الذي سبق من المبسوط حصول التملك به، وإن ابتنت علي الإذن في الإحياء بنفسه من دون تملك تعين عدم حصول الملك بالإحياء، كما ذكره في المبسوط، لأنها تكون نظير المزارعة.

غاية الأمر أن سعة حق الأولوية بتبع الإحياء تابع لسعة الإحياء المأذون فيه. ولا يبعد كون مفروض كلام المبسوط إطلاق الإذن في الإحياء بنحو يستلزم الأولوية مادام المأذون في مقام الإحياء غير معرض عنه.

كما قد يتجه ما ذكره غير واحد من الفرق بين عصر الحضور، فيشترط في جواز الإحياء فيه الإذن منه (عليه السلام)، وعصر الغيبة فلا يشترط فيه الإذن مطلقاً، كما يظهر من الشرايع، أو لخصوص الشيعة كما في الجواهر.

إذ قد يكون الوجه في عدم اعتبار الإذن في الإحياء في عصر الغيبة أن اعتباره مستلزم لتعطيل الأرض الموات، وهو مما يعلم بعدم رضا الشارع الأقدس به.

وأما الاستدلال له بنصوص التحليل فلا يخلو عن إشكال إذا لو تم عموم التحليل فهو لا يختص بعصر الغيبة، بل عصر الحضور متيقن منه لورود نصوصه فيه. وهذا بخلاف محذور التعطيل الذي أشرنا إليه.

نعم لو تم الاستدلال بمحذور التعطيل فهو إنما يقتضي جواز الإحياء وأولوية المحيي بالأرض، لكفاية ذلك في الحث علي عمران الأرض وعدم تعطيلها، ول

ص: 135

يتوقف علي ملك المحيي لها كما هو مقتضي إطلاق الأصحاب، وصريح الشرايع وغيره في خصوص عصر الغيبة، بخلاف الإذن الخاص، حيث قد يستفاد منه الإحياء المبتني علي التملك، الذي سبق رجوع الإذن فيه للإقطاع.

كما أن اعتبار الإذن الخاص في الإحياء لا يناسب إطلاق النصوص المتقدمة دليلاً علي مملكية الإحياء. بل يكاد يقطع بعدم اعتباره حتي في عصر الحضور بالنظر للسيرة، ولذا لم تتعرض النصوص لطلب أفراد الشيعة الإذن من الأئمة (صلوات الله عليهم) في الإحياء، مع شيوع حاجتهم له وكونه مورداً لابتلائهم.

وإن كان مرادهم من الإذن المعتبر في جواز الإحياء ما يعم الإذن العام المستفاد من النصوص السابقة، فبعد إطلاق النصوص المذكورة، وظهورها في مملكية الإحياء، لا يظهر الوجه لما سبق من المبسوط من عدم مملكية الإحياء، ولا لما سبق من الشرايع وغيره من الفرق بين عصر الحضور والغيبة.

كما أنه لا فائدة في بيان اشتراط الإذن بعد أن كان حاصلاً بمقتضي هذه النصوص. ومن ثم فكلام الأصحاب لا يخلو عن اضطراب وإشكال.

ولا يبعد كون منشئه اختلاف الأخبار فإن النصوص المتقدمة وغيرها وإن كانت ظاهرة في مملكية الإحياء، إلا أن نصوصاً أخر قد تضمنت أن الأرض كلها للإمام بنحو يظهر في عدم خروجها عن ملكه بالإحياء، كصحيح أبي خالد الكابلي عن أبي جعفر (عليه السلام): (قال: وجدنا في كتاب علي (عليه السلام): (إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين). أنا وأهل بيتي الذين أورثنا الأرض، ونحن المتقون، والأرض كلها لنا. فمن أحيي أرضاً من المسلمين فليعمرها، وليؤد خراجها إلي الإمام من أهل بيتي، وله ما أكل منها. فإن تركها وأخربها فأخذها رجل من المسلمين بعده فعمرها وأحياها فهو أحق بها من الذي تركها، فليؤد خراجها إلي الإمام من أهل بيتي، وله ما أكل منها حتي يظهر القائم عليه السلام من أهل بيتي بالسيف، فيحويها ويمنعها ويخرجهم منها، كما حواها رسول الله صلي الله عليه وآله ومنعها. إلا ما كان

ص: 136

في أيدي شيعتنا، فإنه يقاطعهم علي ما في أيديهم، ويترك الأرض في أيديهم)(1).

وصحيح مسمع بن عبد الملك عن أبي عبد الله (عليه السلام) وكان قد حمل إليه مالاً من الخمس، فرده عليه. وفيه: (إني قلت له حين حملت إليه المال: إني كنت قد وليت البحرين الغوص، فأصبت أربعمائة ألف درهم، وقد جئتك بخمسها بثمانين ألف درهم... فقال: أو مالنا من الأرض وما أخرج الله منها إلا الخمس يا أبا سيار؟! إن الأرض كلها لنا، فما أخرج الله منها من شيء فهو لنا. فقلت له: وأنا أحمل إليك المال كله. فقال: يا أبا سيار قد طيبناه لك وأحللناك منه، فضم إليك مالك. وكل ما في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محللون حتي يقوم قائمنا، فيجبيهم طسق ما كان في أيديهم، ويترك الأرض في أيديهم. وأما ما كان في أيدي غيرهم فإن كسبهم من الأرض حرام عليهم حتي يقوم قائمنا، فيأخذ الأرض من أيديهم، ويخرجهم صَغَرة)(2). ونحوهما غيرهما. وقد عقد في الكافي باباً لذلك(3).

ومن الظاهر منافاتها بدواً لنصوص الإحياء المتقدم بعضها، ولغيرها مما تضمن ملكية الناس بأسباب التمليك المختلفة. بل حتي مثل الأوقاف ونصوص الأرض المفتوحة عنوة وغيرها.

وقد يجمع بين الطائفتين تارة: بحمل الطائفة الثانية علي نحو خاص من الملكية لا ينافي في ثبوت الملكية بالمعني المعروف لغيرهم (عليهم السلام)، عملاً بظاهر الطائفة الأولي. ومرجعها إلي ولايتهم (عليهم السلام) وأحقيتهم بالتصرف، بحيث لا يحلّ تصرف الناس في أملاكهم إلا بموالاتهم (عليهم السلام)، أو تحليلهم منه.

وأخري: بإبقاء الطائفة الثانية علي ظاهرها في الملكية بالمعني المعروف، وحمل

********

(1) وسائل الشيعة ج: 17 باب: 3 من أبواب كتاب إحياء الموات حديث: 2.

(2) الكافي ج 1 ص 408، واللفظ له. وسائل الشيعة ج: 6 باب: 4 من أبواب الأنفال وما يختص بالإمام حديث: 12.

(3) الكافي ج: 1 ص: 407-410.

ص: 137

الطائفة الأولي علي أولوية التصرف، ومضيه حقيقة في حق الشيعة، وحكماً - من أجل تمشية الأمور بسبب الهدنة - في حق غيرهم، بمعني أن علي الشيعة أن يرتبوا أحكام ملكية غيرهم لما تحت أيديهم، وإن لم يكن أولئك مالكين، وكان تصرفهم محرماً عليهم واقعاً.

والظاهر أن الثاني هو المتعين، لمناسبته للصحيحين المتقدمين، لصعوبة تنزيلهما علي الأول، بلحاظ ما تضمناه من الآثار المناسبة لملكيتهم (عليهم السلام) الحقيقية، ولتضمن أكثر نصوص هذه الطائفة أن حِلّ الأرض للشيعة لتحليل الأئمة (عليهم السلام) لهم، بخلاف غيرهم، مع أن ملكية الناس لو كانت حقيقية لكان المناسب عدم احتياج الشيعة للتحليل، غاية الأمر أن يحرم ما في الأرض علي غيرهم، لعدم تحقق شرط الحل وهو الولاية أو أداء الخراج.

ولاسيما أن بعض نصوص الإحياء قد اقتصر فيه علي أن محيي الأرض أحق بها، أو أنه أحق بها وهي له، كصحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام): (قال: أيما قوم أحيوا شيئاً من الأرض أو عمروها فهم أحق بها)(1). وفي صحيحه الآخر: (فهم أحق بها، وهي لهم)(2). حيث يسهل بلحاظه تنزيل الحكم في بقية النصوص بأنها له علي أنه أحق بها.

وأظهر من ذلك قوله (عليه السلام) في صحيح عمر بن يزيد الآتي: (من أحيي أرضاً من المؤمنين فهي له، وعليه طسقها يؤديه إلي الإمام في حال الهدنة. فإذا ظهر القائم فليوطن نفسه علي أن تؤخذ منه)(3). لظهور أن دفع الطسق وأخذها منه عند ظهور القائم (عليه السلام) يناسب بقاءها علي ملك الإمام، وأن المراد من كونها له أنه أحق بها.

ولعل غرابة مضمون هذه النصوص، وثقله وصعوبة تحمله، ومنافاته بدواً للنصوص الأخر وغيرها مما يتضمن ملكية الناس بأسبابها المعروفة، ومخالفة ذلك

********

(1) وسائل الشيعة ج: 17 باب: 1 من أبواب كتاب إحياء الموات حديث: 3، 4.

(2) وسائل الشيعة ج: 17 باب: 1 من أبواب كتاب إحياء الموات حديث: 3، 4.

(3) وسائل الشيعة ج: 6 باب: 4 من أبواب الأنفال وما يختص بالإمام حديث: 13.

ص: 138

لظاهر عمل الناس وسيرتهم، وعدم ظهور الأثر العملي له بعد صدور التحليل للشيعة، وعدم ظهور الأثر للتحريم في حق غيرهم، كل ذلك أوجب عدم تركيز أكثر الأصحاب علي هذه النصوص ومدارسة مضمونها.

إن أن ذلك لا يبلغ ما ذكره في الجواهر من إعراض الأصحاب عنها، الموهن لها والمسقط لها عن الحجية. ومثله ما ذكره سيدنا المصنف (قدس سره) من مخالفة صحيح الكابلي وعمر بن يزيد المتقدمين لظاهر النص والفتوي من مملكية الإحياء.

ولاسيما بعد ما سبق من المبسوط وغيره، وبعد ظهور حال الكليني قدس سره في البناء عليها، حيث ذكرها في باب أن الأرض كلها للإمام، وقرب كون ذلك مذهب رواة هذه الأخبار من قدماء الأصحاب، حيث لا تعرف فتاواهم إلا من طريق رواياتهم، وبعد ما سبق من الشيخ (قدس سره) وغيره من عدم مملكية الإحياء، وبعد تعرض كثير ممن تأخر عنهم لهذه النصوص عملهم ببعض مضامينها في الجملة، وبعد ما سبق من ظهور اضطراب الأصحاب في هذه المسألة.

بل روي في الكافي في ذيل الباب المذكور أن ابن أبي عمير كان يري أن الدنيا للإمام علي حهة الملك، وأنه غضب علي هشام بن الحكم وهجره بعد أن كان لا يعدل به شيئاً، وذلك لأن هشاماً لم يقر بذلك، وذكر أن أملاك الناس لهم إلا ما حكم الله تعالي به له من الفيء والخمس والمغنم. ومن الظاهر أن ابن أبي عمير من أعيان الطائفة وفقهائها وربما يكون معه غيره علي ذلك.

نعم قد يستشكل في هذه النصوص بوجهين:

الأول: أن النصوص لا تناسب نصوص الأرض المفتوحة عنوة حيث تضمنت أنها للمسلمين وخراجها لهم لا للإمام، ولا نصوص الأنفال، كالأرض الخربة والتي لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب وبطون الأودية وشطوط الأنهار، لظهورها في خصوصية العناوين المذكورة في كونها ملكاً للإمام، وهو لا يناسب ما تضمنته هذه النصوص من أن الأرض كلها للإمام.

ص: 139

ويندفع أولاً: بإمكان حمل نصوص الأرض المفتوحة عنوة علي أولوية المسلمين بها قبل ظهور القائم (عجّل الله تعالي فرجه الشريف) بسبب فتحهم لها، نظير أولوية المحيي.

وأما نصوص الأنفال فيمكن ورودها لدفع توهم عدم ملك الإمام لها، لتوهم كون الأرض الميتة أو العامرة بالأصل باقية علي الإباحة الأصلية، والقري التي انجلي أهلها أو الخربة باقية علي ملك أهلها، والتي لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب للمسلمين، كسائر الغنائم.

ثانياً: بأن مضمون هذه النصوص ثقيل جداً، ولا يسهل تقبله علي عامة الشيعة، كما لا يحسن ظهوره لغيرهم. ولعل المصلحة كانت في التدرج في بيان حقهم (عليهم السلام) في الأرض، تبعاً للتدرج في إظهار رفيع مقامهم، وإذعان النفوس به بعد تحقق الأرضية الصالحة بسبب تركز دعوة التشيع بأبعادها العقائدية.

الثاني: أن صحيح الكابلي قد أطلق فيه دفع الخراج إلي الإمام (عليه السلام) في حال الهدنة، مع عدم عمل الشيعة علي ذلك في عصر الغيبة، ولا نقل عنهم في عصر الحضور، وإلا لظهر في النصوص.

لكن لا يخفي أن ما سبق من المبسوط وغيره يناسب العمل علي مضمون الصحيح. مع أنه يمكن البناء علي سقوط الخراج عن الشيعة بنصوص التحليل، ومنها صحيح مسمع المتقدم وغيره من نصوص المقام، حيث لا مخرج عنها إلا في الخمس، للنصوص الكثيرة المتضمنة للمطالبة به، خصوصاً من الأئمة المتأخرين (صلوات الله عليهم).

مضافاً إلي ظهور نصوص الإحياء المتقدمة في عدم وجوب دفع الطسق. بل هو كالصريح من صحيح عبد الله بن سنان، فإن الاقتصار فيه علي التنبيه لوجوب الزكاة الذي هو ضروري مستغن عن التنبيه يجعله كالصريح في عدم وجوب شيء غيرها، كالطسق.

ص: 140

(141)

مسلماً كان المحيي أو كافراً (1) وليس عليه دفع العوض.

---------------

(1) كما استحسنه في الشرايع. لكن في التذكرة: (إذا أذن الإمام لشخص في إحياء الأرض الموات ملكها المحيي إذا كان مسلماً، ولا يملكها الكافر بالإحياء، ولا بإذن الإمام في الإحياء. فإن أذن الإمام فأحياها لم يملك عند علمائنا).

هذا وقد ذكرنا آنفاً أنهم اشترطوا في الإحياء إذن الإمام. فإن أرادوا به الإذن الخاص، فهو إن ابتني علي الإذن بالإحياء المبتني علي التملك رجع للإقطاع، وتعين حصول الملك بالإحياء للمسلم والكافر، للقطع بنفوذ ما يأذن به الإمام. وإن ابتني علي الإذن بالإحياء المجرد تعين عدم حصول الملك بالإحياء لا للمسلم ولا للكافر.

وإن أرادوا به الإذن العام المستفاد من النصوص السابقة فهي ظاهرة بدواً في مملكية الإحياء، إلا أن يخرج عنها بنصوص ملك الإمام لجميع الأرض، فتحمل علي أولوية المحيي، علي ما سبق الكلام فيه.

وكيف كان فمقتضي إطلاقها العموم للكافر، ولا وجه لحمله علي خصوص المسلم. بل بعضها صريح أو كالصريح في عموم الحكم للكافر، كصحيح محمد بن مسلم: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الشراء من أرض اليهود والنصاري. فقال: ليس به بأس. قد ظهر رسول الله (صلي الله عليه وآله) علي أهل خيبر فخارجهم علي أن يترك الأرض في أيديهم يعملونها ويعمرونها. فلا أري بأساً لو أنك اشتريت منها شيئاً. وأيما قوم أحيوا شيئاً من الأرض وعملوها فهم أحق بها وهي لهم)(1) ، وصحيح أبي بصير: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن شراء الأرضين من أهل الذمة. فقال: لا بأس أن يشتريها منهم. إذا عملوها وأحيوها فهي لهم...)(2).

********

(1) وسائل الشيعة ج: 11 باب: 71 من أبواب جهاد العدو حديث: 2.

(2) وسائل الشيعة ج: 17 باب: 4 من أبواب إحياء الموات حديث: 1.

ص: 141

(142)

وإذا تركها حتي ماتت فهي علي ملكه (1).

---------------

(1) إذ بناء علي مملكية الإحياء يكون مقتضي الاستصحاب عدم خروجها عن ملكه بالخراب. بل لا يبعد بناء العقلاء والمتشرعة مع قطع النظر عن الاستصحاب علي أن المضامين الاعتبارية - كالملكية والزوجية والطهارة والنجاسة إذا جعلت بنحو الإطلاق ولم تجعل بنحو التوقيت - يبني علي بقائها ما لم يثبت حصول الرافع لها وذلك أصل عقلائي مطابق للاستصحاب، ولا يتوقف علي القول بجريانه.

علي أنه قد يدعي أن ذلك مقتضي إطلاق دليل مملكية الإحياء، لأن مقتضي إطلاق مثل قوله (صلي الله عليه وآله وسلّم) في الصحيح المتقدم: (ومن أحيي أرضاً مواتاً فهي له) أنها له سواءً بقيت محياة أم ماتت. نعم لو كان التعبير هكذا: (من أحيي أرضاً مواتاً ملكها) كان ناظراً للحدوث من دون نظر للبقاء، للفرق بين الفعل والجملة الاسمية، في تمحض الفعل للحدوث، وابتناء الجملة الاسمية علي الثبوت.

إلا أنه لا يخلو عن إشكال، لأن الثبوت المستفاد من الجملة الاسمية ليس هو البقاء زائداً علي الحدوث، بل مفاد اسم المصدر في مقابل الفعل الذي يدل علي الحدوث بالمعني المصدري، مع اشتراكهما في عدم النظر للبقاء. ومن هنا كان الظاهر انحصار الأمر بالاستصحاب والأصل العقلائي المشار إليه لو تم.

هذا وقد تضمنت نصوص كثيرة عدّ الأرض الخربة من الأنفال، التي هي ملك الإمام (عليه السلام)، كصحيح حفص بن البختري عن أبي عبد الله (عليه السلام): (قال: الأنفال ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب... وكل أرض خربة وبطون الأودية فهو لرسول الله صلي الله عليه وآله، وهو للإمام من بعده يضعه حيث يشاء)(1) ، ونحوه موثق سماعة(2) وصحاح محمد بن مسلم(3) وغيرها.

********

(1) وسائل الشيعة ج: 6 باب: 1 من أبواب الأنفال وما يختص بالإمام حديث: 1، 8.

(2) وسائل الشيعة ج: 6 باب: 1 من أبواب الأنفال وما يختص بالإمام حديث: 1، 8.

(3) وسائل الشيعة ج: 6 باب: 1 من أبواب الأنفال وما يختص بالإمام حديث: 10، 12، 22.

ص: 142

ومقتضاها أن الأرض المحياة لو كانت ملكاً لمحييها فهي تخرج بالخراب عن ملكه، وترجع إلي ملك الإمام (عليه السلام). وبذلك يخرج عن الاستصحاب والأصل المتقدمين. ومثلها في ذلك قوله (عليه السلام) في مرفوع أحمد بن محمد: (والموات كلها هي له)(1) وإن لم ينهض بالاستدلال لضعف سنده.

نعم في مرسلة حماد عن العبد الصالح (عليه السلام) - التي لا تخلو عن اعتبار لانجبارها بعمل الأصحاب -: (والأنفال كل أرض خربة باد أهلها... وكل أرض ميتة لا رب لها...)(2) وحيث كانت واردة في بيان الأنفال كان ظاهرها الحصر، ويكون التقييد فيها ظاهراً في المفهوم، المخرج عن العموم المتقدم، حيث يكون مقتضاه اختصاص الأنفال بالأرض الميتة والخربة التي لا رب لها، وحيث سبق أن مقتضي الاستصحاب والأصل العقلائي بقاء الأرض المحياة بعد موتها علي ملك المحيي، يتعين البناء علي عدم كونها من الأنفال.

اللهم إلا أن يقال: كثرة اختلاف النصوص في بيان الأنفال توجب وهن ظهورها في التحديد والحصر. ومن ثم يشكل حمل التقييد المتقدم علي المفهوم.

ولاسيما بلحاظ صحيح إسحاق بن عمار: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام): عن الأنفال، فقال: هي القري التي خربت وانجلي أهلها...)(3). للتصريح فيه بكفاية انجلاء أهل الأرض، الراجع لتركهم لعمارتها، من دون اعتبار هلاكهم مع ذلك.

وصحيح عمر بن يزيد: (سمعت رجلاً من أهل الجبل يسأل أبا عبد الله (عليه السلام)

عن رجل أخذ أرضاً مواتاً تركها أهلها، فعمرها وكري أنهارها وبني فيها بيوتاً وغرس فيها نخلاً وشجراً. قال: فقال أبو عبد الله (عليه السلام): كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: من أحيي أرضاً من المؤمنين فهي له. وعليه طسقها يؤديه إلي الإمام في حال الهدنة، فإذا ظهر القائم فليوطن نفسه علي أن تؤخذ منه)(4) فإنه لم يفرض فيه موت أهلها ول

********

(1) وسائل الشيعة ج: 6 باب: 1 من أبواب الأنفال وما يختص بالإمام حديث: 17، 4، 20.

(2) وسائل الشيعة ج: 6 باب: 1 من أبواب الأنفال وما يختص بالإمام حديث: 17، 4، 20.

(3) وسائل الشيعة ج: 6 باب: 1 من أبواب الأنفال وما يختص بالإمام حديث: 17، 4، 20.

(4) وسائل الشيعة ج: 6 باب: 4 من أبواب الأنفال وما يختص بالإمام حديث: 13.

ص: 143

جهالتهم، بل مجرد تركهم لها وخرابها.

وهو وإن لم يصرح فيه بأنه من الأنفال، إلا أن جريان حكم الأنفال عليها ظاهر في المفروغية عن كونها منها. ولو كانت باقية علي ملك أصحابها لكان المناسب التعرض لوجه التصرف فيها، ولم يكن وجه لدفع طسقها للإمام.

غاية الأمر أنه لابد من حمل بيان دفع الطسق للإمام علي مجرد استحقاقه له، وإن لم يجب دفعه له فعلاً من أجل تحليلهم (عليهم السلام) حقهم لشيعتهم. أو حمل المؤمنين فيه علي عموم المسلمين، بل خصوص غير الشيعة منهم، كما يناسبه ما في ذيله من أخذ الأرض منه عند ظهور القائم (عجّل الله فرجه الشريف)، لما تضمنه صحيحا الكابلي ومسمع من أنه لا يأخذها من الشيعة، بل من غيرهم.

هذا ويظهر من غير واحد توقف صيرورتها من الأنفال ملكاً للإمام علي عدم وجود مالك معروف لها. ولم يتضح الوجه فيه، فإن مرسلة حماد تضمنت هلاك أهل الخربة، وبقية النصوص تضمنت تركهم لها وانجلاءهم عنها، وهما لا يستلزمان الجهل بهم وضياعهم.

ومن ثم يشكل الخروج عن عموم النصوص السابقة. ولاسيما مع كثرتها، حيث يبعد جداً إهمال القيد فيها لو كان معتبراً.

ومن هنا يقرب البناء علي خروج الأرض عن ملك المحيي وصيرورتها من الأنفال إذا ترك عمارتها حتي خربت. نعم ذلك لا يناسب صحيحي سليمان بن خالد والحلبي الآتيين، ويأتي الكلام فيهما إن شاء الله تعالي.

هذا وأما بناء علي ما سبق منا ومن جماعة من عدم ملكية المحيي للأرض، وإنما يكون له الأولوية بها، فيكون مرجع النصوص المذكورة إلي اشتراط أولويته بما إذا كان في مقام عمرانها، فإذا تركها عادت لما كانت عليه من الإطلاق كسائر الأنفال. وذلك أقرب ارتكازاً من خروجها عن ملكه بعد دخولها فيه. ومن ثم قد يكون مؤيداً لما سبق من عدم مملكية الإحياء. فلاحظ.

ص: 144

(145)

فإذا ترك زرعها جاز لغيره زرعها بلا إذن منه (1) ويعطيه خراجها (2)

---------------

(1) كلمات الأصحاب في المقام في غاية الاضطراب والاختلاف، كما يظهر بمراجعة كتاب الجهاد وإحياء الموات من المسالك والجواهر وغيرهما. ولا يسعنا التعرض لها. فالأولي النظر في الأدلة.

ومن الظاهر أنها تقتضي جواز عمران الأرض للثاني بناء علي عدم ملك الأول الأرض بالإحياء، لأن أولويته بها إنما تمنع من مزاحمته فيها، ومع تركه عمارتها لا يكون في إحياء غيره مزاحمة له فيها. وكذا الحال بناء علي ملكه لها بالإحياء، إلا أنها تخرج بتركه لعمارتها وخرابها عن ملكه وتصير من الأنفال.

أما بناء علي بقائها في ملكه مع خرابها فينحصر الوجه في جواز إحيائها لغيره من دون إذنه بالنصوص، كصحيح الكابلي وعمر بن يزيد المتقدمين.

وصحيح معاوية بن وهب: (سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: أيما رجل أتي خربة بائرة، فاستخرجها وكري أنهارها وعمرها، فإن عليه فيها الصدقة. فإن كانت لرجل قبله، فغاب عنها وتركها فأخربها، ثم جاء بعد يطلبها فإن الأرض لله ولمن عمرها)(1). ولعل المراد بالصدقة فيه الزكاة، نظير ما تقدم في صحيح عبد الله بن سنان. وقد يستفاد جواز إحياء الغير لها من بعض النصوص الأخر التي يأتي الكلام فيها.

(2) كما صرح به غير واحد، ونسبه في المسالك للأكثر. وقد يوجه بأن ذلك مقتضي القاعدة، لما هو المعلوم من ضمان المنافع المستوفاة لمالك العين ذات المنفعة، وهي الأرض في المقام. لكنه مع ابتنائه علي بقاء الأرض علي ملك المحيي الأول، الذي عرفت ويأتي الكلام فيه مختص بما إذا لم يكن الاستيفاء مأذوناً فيه شراعاً، والمفروض في المقام جواز الإحياء للثاني. ولولا ذلك لكان مقتضي القاعدة إرجاع الأرض نفسها.

********

(1) وسائل الشيعة ج: 17 باب: 3 من أبواب كتاب إحياء الموات حديث: 1.

ص: 145

هذا وقد استدل غير واحد لوجوب دفع خراجها للأول. بصحيح سليمان بن خالد: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يأتي الأرض الخربة، فيستخرجها ويجري أنهارها ويعمرها ويزرعها ماذا عليه ؟ قال: الصدقة. قلت: فإن كان يعرف صاحبها. قال: فليؤد إليه حقه)(1).

بحمل حقه فيها علي الطسق، إذ لو أريد به ردّ نفس الأرض لكان التصريح به أخصر وأفيد. ولاسيما أنه لم يفرض فيه تجدد معرفة المالك، بل هو ظاهر في معرفته من أول الأمر، فلو كان الحكم عدم جواز الاستيلاء علي الأرض لكان المناسب الإنكار علي الثاني في إحيائها. وقريب منه في ذلك ما عن نوادر أحمد بن محمد بن عيسي بسنده عن الحلبي(2).

نعم لا يخلو ذلك عن غرابة، لأن جواز التصرف في ملك الغير بغير إذنه، وحبسه عنه، ودفع بدل المنفعة له، لا يناسب القواعد التي عليها العمل.

ولعله لذا خص ذلك في الدروس بما إذا امتنع المالك من عمارة الأرض. قال: (نعم لو تعطلت الأرض وجب عليه أحد الأمرين، إما الإذن لغيره أو الانتفاع. فلو امتنع فللحاكم الإذن، وللمالك طسقها علي المأذون. ولو تعذر الحاكم فالظاهر جواز الإحياء مع الامتناع من الأمرين، وعليه طسقها).

لكنه لا شاهد عليه من الحديثين المتقدمين، ولا يكون عملاً بهما. كما لا دليل عليه من غيرهما. بل مقتضي عموم قاعدة السلطنة عدم إجباره علي أحد الأمرين المذكورين، وله تعطيل الأرض.

هذا وفي الوسائل بعد أن ذكر صحيح سلمان ذكر أن مثله ما رواه بسند صحيح الحلبي عنه (عليه السلام). وتبعه غير واحد. لكن صحيح الحلبي يختلف عنه لقوله (عليه السلام) في

********

(1) وسائل الشيعة ج: 17 باب: 3 من أبواب كتاب إحياء الموات حديث: 3.

(2) مستدرك الوسائل ج: 17 باب: 2 من أبواب كتاب إحياء الموات حديث: 2.

ص: 146

جوابه: (فليرد إليه حقه)(1). وهو كالصريح في إرجاع الأرض بنفسها، لأنها هي المأخوذة. ومرجع ذلك إلي كون التصرف عدواناًَ محرماً.

ولو كانا عن راو واحد لكانا حديثاً واحداً مضطرباً قد يمكن إرجاعه لمضمون واحد، وحمل الاختلاف فيه علي أنه بسبب النقل بالمعني. إلا أن اختلاف الراويين ملزم بالبناء علي أنهما حديثان مختلفا المضمون.

نعم قد يتجه الجمع بينهما بحمل صحيح سليمان علي دفع نفس الأرض، بأن تكون هي المراد من حق صاحب الأرض الأول. وإن كان ذلك خلاف ظاهره بدواً، كما سبق. وحينئذ لا يبقي وجه لما سبق منهم.

بل حتي لو فرض استحكام التعارض بينهما وتساقطهما، فبناء علي ملكية المحيي الأول للأرض يكون مقتضي القاعدة أن له استرجاعها، كما تضمنه صحيح الحلبي، وبناء علي عدم ملكيته لها يكون مقتضي القاعدة عدم استحقاقه الطسق علي الثاني.

علي أن الصحيحين منافيان للنصوص السابقة، خصوصاً صحيحي الكابلي ومعاوية بن وهب، لصراحتهما في عدم استحقاق الأول شيئاً، حيث تضمن الأول أن الطسق للإمام، والثاني عدم شرعية مطالبته، لأن الأرض لمن عمرها.

ومن هنا فقد يجمع بين النصوص بأن صحيح الكابلي حيث كان مختصاً بما إذا كان الأول قد ملك الأرض بالإحياء فهو يكون شاهد جمع بين إطلاق صحيحي معاوية بن وهب وعمر بن يزيد وإطلاق صحيحي سليمان والحلبي، فيحمل الثاني علي ما كان الأول قد ملك الأرض بغير الإحياء من شراء أو إرث أو نحوهما والأول علي ما إذا ملكها بالإحياء.

لكن فيه أولاً: أن الظاهر إلغاء خصوصية الإحياء عرفاً في صحيح الكابلي بعد

********

(1) التهذيب ج 7 ص 201 باب المزارعة حديث: 34.

ص: 147

تفريع الحكم فيه علي ملكيتهم (عليهم السلام) للأرض، وظهوره في أن الإحياء إنما يقتضي أولوية المحيي بالأرض من دون أن يملكها، ولذا يجب عليه الطسق للإمام (عليه السلام)، إذ انتقالها منه بالبيع أو الميراث أو غيرهما لا يقتضي ملكية الذي تنتقل إليه للأرض نفسها، بل أولويته بها من غيره، كالأول، فيكون مثله في دفع الطسق وغيره. ولذا يظهر منه ومن صحيح مسمع وغيرهما استرجاع الإمام القائم عجل الله فرجه للأرض بأجمعها من غير الشيعة، وإبقاء ما يبقي منها تحت يد الشيعة من أجل عمارتهم لها بالطسق، لا من أجل ملكهم لها.

وثانياً: أن حمل صحيح معاوية علي خصوص ما إذا كان صاحب الأرض الأول قد أحياها بنفسه صعب جداً، لاحتياجه لعناية خاصة مغفول عنها.

وأصعب منه حمل صحيح عمر بن يزيد علي ذلك، لأن فرض ترك أهل الأرض لها وإن لم يستلزم الجهل بهم، إلا أنه كثيراً ما يكونون كذلك فإغفال القيد فيه أصعب.

هذا مضافاً إلي أن غالب أفراد الملك بغير الإحياء يتفرع علي الملك بالإحياء، كالشراء والاتهاب من المحيي والميراث منه. والمرتكز أن الأسباب المذكورة إنما تقتضي تبدل المالك من دون أن تقتضي تبدل نحو الملكية، فمع فرض أن الملكية بالإحياء نحو خاص من الملكية يناط حدوثاً وبقاء بالإحياء، كما هو المفروض، وأكده (عليه السلام) بقوله: (فإن الأرض لله ومن عمرها)، كيف تكون الملكية المتفرعة عليها غير منوطة بقاء بالإحياء؟!.

نعم لا يجري هذا في مثل إقطاع الأرض من الإمام نفسه. لكنه فرض نادر أو غير واقع. والحاصل: أن الجمع المذكور ليس عرفياً، بل هو مغفول عنه.

ولعل الأقرب ما ذكره بعض مشايخنا (قدس سره) من حمل صحيحي سليمان والحلبي علي ما إذا لم يكن الأول قد ترك الأرض وأخربها، وإنما خربت قهراً عليه، كما لو حبسه ظالم، أو منعه من عمرانها، أو انقطع عنها الماء أو نحو ذلك، مع بقاء علقته بها،

ص: 148

واهتمامه بعمرانها، لقصور صحيحي عمر بن يزيد والكابلي عن ذلك.

وأما صحيح معاوية بن وهب فهو إن كان يشمله لفظاً، بلحاظ قوله (عليه السلام) فيه: (فإن الأرض لله ولمن عمرها) إلا أنه لا يبعد انصرافه عنه ولو بضميمه مرتكزات المتشرعة. إلا أن تطول المدة بحيث يلزم تعطيل الأرض. فلاحظ.

ولو فرض استحكام التعارض بين الطائفتين، فإن تم ما سبق من عدم مملكية الإحياء فالأصل يقتضي عدم وجوب إرجاع الأرض ولا دفع الطسق للأول. وكذا إذا قلنا بمملكية الإحياء وصيرورتها بالموت من الأنفال، علي ما سبق الكلام فيه.

وإن لم يثبت ذلك، فمقتضي الاستصحاب ملكية الأول للأرض. وعليه يحرم علي الثاني إحياؤها، ويجب عليه إرجاعها للأول، كما تضمنه صحيح الحلبي.

ولو فرض العلم بجواز إحيائها تعين عدم وجوب دفع الطسق، لما ذكرناه آنفاً من اختصاص ضمان المنافع المستوفاة بما إذا كان استيفاؤها عدوانياً غير مأذون فيه شرعاً.

نعم قد يدعي حكومة عمومات الإحياء علي استصحاب ملكية الأول للأرض، وقضائها بملكية الثاني، لأن العمومات المذكورة كما تنطبق علي إحياء الأول تنطبق علي إحياء الثاني، ولا تعارض بين التطبيقين بعد ما سبق من دلالة نصوص الإحياء علي سببية الإحياء لحدوث الملكية من دون نظر لبقائها. وحينئذ يكون مقتضي تطبيقها علي إحياء الثاني انتقال الأرض به من الأول للثاني.

اللهم إلا أن يدعي انصراف أدلة الإحياء للأرض غير المملوكة للناس لظهورها في المفروغية عن جواز الإحياء.

وذلك لا يكون مع ملكية الأرض للغير، لارتكاز أن إحياءها مع ملكية الأرض من دون إذن مالكها عدوان محرم.

وأظهر من ذلك ما لو استفيد من نصوص الإحياء ابتناؤه علي إعمال النبي والأئمة (صلوات الله عليهم) سلطنتهم في أملاكهم وهي الأنفال، لقصور الأنفال

ص: 149

عن ملك الغير قطعاً.

وعلي ذلك يكون استصحاب ملكية المحيي الأول وارداً علي عمومات الإحياء ورافعاً لموضوعها، لا محكوماً لها.

هذا ما يتيسر لنا ذكره في هذه المسألة. وقد سبق أن تعرضنا لها في ذيل كتاب الخمس من هذا الشرح عند التعرض لحكم الأنفال. وقد خرجنا هنا في غير مورد عما ذكرناه هناك. ونسأل الله سبحانه أن يوفقنا لتحقيق الحقائق، ويعصمنا من الزلل في القول والعمل، ويعفو عن أخطائنا، ويوفقنا لتدارك ما فرط منا. إنه ولي المؤمنين. وهو حسبنا ونعم الوكيل.

بقي الكلام في أرض الخراج إذا تركت حتي خربت. وقد سبق من سيدنا المصنف (قدس سره) وغيره عدم تملك غيرها لها بالإحياء. وهو المتعين بناء علي ما سبق عن الأكثر من وجوب دفع الطسق لصاحب الأرض مع معرفته. لظهور أنها معلومة المالك، وهو المسلمون. بل يجب استئذان وليهم أو من يقوم مقامه في إحيائها، علي ما يأتي الكلام فيه. أما بناء علي عدم تمامية ما سبق عن الأكثر فمن الظاهر أن المتيقن من دليل ملكية المسلمين لها أو أوليتهم بها وإن كان هو حال عمرانها، إلا أن مقتضي الاستصحاب بقاؤها علي ذلك بعد خرابها.

نعم لو تم عموم أن الأرض الميتة للإمام، جري عليها حكم الأنفال من جواز إحيائها للشيعة فيملكها المحيي أو يكون أولي بها علي الكلام السابق من دون ملزم بدفع الطسق للمسلمين ولا للإمام.

أما إذا اختص العموم المذكور بالأرض التي لا رب لها، أو التي انجلي أهلها، أو تركوها، فلا مخرج عن الاستصحاب. وحينئذ لا يجوز إحياؤها ولا تملك بالإحياء بناء علي ما سبق من قصور عموم مملكية الإحياء عن الأرض المملوكة.

بل ذكر سيدنا المصنف (قدس سره) أن صحيح سليمان والحلبي بعد حملهما علي الأرض المملوكة بغير الإحياء ينهضان بالمنع عن ملكيتها بالإحياء، لأن سبب ملك المسلمين

ص: 150

(151)

وإذا أحياها السلطان المدعي للخلافة علي أن تكون للمسلمين لحقها حكم الأرض الخراجية (1).

---------------

لها هو الفتح حال الإحياء، لا الإحياء نفسه.

لكن الظاهر قصور الصحيحين وغيرهما من نصوص المقام الواردة في إحياء الأرض التي كان لها صاحب سابق عن الأرض المفتوحة عنوة، لانصرافها واختصاصها بما إذا اختص بها سابقاً شخص أو أشخاص معينون، دون ما إذا كانت للنوع من وجد منه ومن لم يوجد، كالمسلمين في المقام، حيث لا يصدق ترك أهلها لها وإخرابهم إياها إلا بنحو من التسامح.

نعم لا يبعد عموم التعليل في صحيح معاوية بن وهب بقوله (عليه السلام): (فإن الأرض لله ولمن عمرها) لها، لظهوره في أن عمران الأرض شرط في بقاء أولوية صاحبها بها، وهي قضية ارتكازية أعم من مورد الصحيح. ومقتضاها جواز إحيائها للغير إذا لم يكن ولي المسلمين في مقام عمرانها.

هذا ولو تم ذلك فلا يحتاج عمرانها حينئذ إلي إذن سلطان الجور، أو الحاكم الشرعي أو غيرهما أما لو لم يتم، وقلنا ببقائها علي ملك المسلمين بعد خرابها، ولو للاستصحاب، فاللازم الاستئذان. لظهور اختصاص ما يستفاد من النصوص السابقة من جواز التصرف في الأرض من دون إذن صاحبها السابق بمواردها.

(1) كأنه لظهور الأدلة في إمضاء تصرفه في حقهم، فتكون الأرض لهم كالأرض الخراجية. نعم إنما تكون بحكم الأرض المفتوحة عنوة من حيثية كون خراجها للمسلمين، ولا يمنع ذلك من بيعها حتي لو قيل بعدم جواز بيع الأرض الخراجية لولي المسلمين.

كما أنه لو كان الوجه في عدم ملك المحيي للأرض الخراجية هو أن المسلمين قد ملكوها بغير الإحياء - كما تقدم من سيدنا المصنف (قدس سره) - فالوجه المذكور يقصر

ص: 151

(152)

(مسألة 14): في تعيين أرض الخراج إشكال. وقد ذكر العلماء والمؤرخون مواضع كثيرة منها. وإذا شكّ في أرض أنها ميتة أو عامرة حين الفتح يعمل علي أنها ميتة (1)، فيجوز إحياؤها وتملكها إن كانت حية (2)، كما يجوز بيعها وغيره من التصرفات الموقوفة علي الملك.

---------------

هذه الأرض، كما هو ظاهر.

(1) لاستصحاب عدم كونها عامرة إلي حين الفتح، لظهور أن العمران أمر حادث علي الأرض.

(2) إن كان مراده (قدس سره) تملكها ممن هي بيده بشراء أو غيره فلا إشكال فيه. لحجية اليد. وإن كان مراده تملكها بالحيازة فهو متجه مع إحراز كونها من الأنفال - كما لو كانت ميتة حين الفتح، أو كانت عامرة واحتمل عمرانها بنفسها من دون ملك أحد لها، لأصالة عدم جريان ملك أحد عليها أو عمرانه لها - لأن الظاهر تحليلهم (عليهم السلام) الأنفال للشيعة.

إلا أن يحرز ولو بالأصل كونها ميراث لا وارث له، كما لو علم بجريان ملك مسلم عليها وموته واحتمل أو علم بعدم الوارث له. فإن الظاهر عدم تحليلهم (عليهم السلام) له، بل له مصارفه الخاصة، علي ما ذكرناه في حكم الأنفال في ذيل كتاب الخمس من هذا الشرح.

أما لو لم يحرز كونها من الأنفال، بل أحرز كونها لمالك مجهول فلا مجال لتملكها، بل يتعين جريان حكم مجهول المالك عليها. إلا أن يكون قد تركها حتي ماتت، فيجوز إحياؤها، كما سبق.

هذا ولو علم أنها كانت حين الفتح عامرة وشك في كونها مفتوحة عنوة، بأن احتمل كونها مما لم يوجف عليه بخيل أو ركاب لتكون من الأنفال، أو أن أهلها قد أسلموا طوعاً أو صالحوا المسلمين لتبقي لهم، تعين استصحاب عدم فتحها عنوة، فل

ص: 152

(153)

(مسألة 15): يشترط في كل من العوضين أن يكون مقدوراً علي تسليمه (1)، فلا يجوز بيع الجمل الشارد أو الطير الطائر أو السمك المرسل في الماء.

---------------

يحكم بأنها من أرض الخراج.

وحينئذ إن كانت حين الابتلاء بها عامرة تعين ترتيب آثار ملكية من هي تحت يده لها. وإن لم تكن تحت يد أحد معروف، فإن احتمل حياتها بنفسها من دون محي لها جري عليها حكم الأنفال، لاستصحاب عدم إحياء أحد لها.

وإن علم بإحيائها من قبل شخص بحيث يحرز ولو بالاستصحاب وجود مالك لها، جري عليها حكم مجهول المالك. وإن لم يحرز للعلم بموت مالكها واحتمل عدم الوارث له جري عليها حكم ميراث من لا وارث له، نظير ما سبق. وإن لم تكن حين الابتلاء بها عامرة جاز إحياؤها، كما يظهر مما سبق.

بقي شيء: وهو أنه لو علم كون الأرض خراجية، لفتحها عنوة وهي عامرة. فلها صورتان:

الأولي: أن تكون عامرة حين الابتلاء بها. وحينئذ إن كانت تحت يد شخص خاص واحتمل ملكه لها، لإقطاع السلطان إياها له أو لمن وصلت إليه منه، حكم بملكيته لها عملاً بمقتضي اليد. وإلا تعين البناء علي كونها ملكاً للمسلمين.

الثانية: أن تكون حين الابتلاء بها ميتة. وحينئذ إن علم بسبق يد عليها مبنية علي التملك، واحتمل صدقها جري عليها ما سبق في الأرض المملوكة للغير إذا تركها حتي ماتت. وإن لم يعلم بسبق يد بهذا النحو عليها جري فيها الكلام السابق في جواز تملك أرض الخراج الميتة بإحيائها.

(1) بلا خلاف، كما في الغنية وإجماعاً، كما في التذكرة وتعليق الإرشاد وعن محكي كنز الفوائد وحواشي التحرير. وفي المبسوط الإجماع علي عدم جواز بيع السمك

ص: 153

(154)

في الماء والطير في الهواء.

وفي الخلاف الإجماع علي عدم جواز بيع ما في الماء وحده. والحكم في الجملة مما لا إشكال فيه عندهم، وإن اختلفوا في بعض فروعه.

وكيف كان فقد استدل عليه بوجوه:

الأول ولعله عمدتها: حديث النهي عن بيع الغرر بناء علي حمل الغرر فيه علي الخطر، بلحاظ أن ما لا يقدر علي تسليمه يتعرض المشتري للخطر المالي بشرائه.

وقد تقدم في المسألة الثانية من هذا الفصل أن الحديث المذكور لو تم سنده فلا شاهد علي حمل الغرر فيه علي الخطر، بل يمكن حمله علي التغرير والخديعة، فيناسب النهي عن الغش.

مضافاً إلي أنه لا مجال للبناء علي عموم النهي عن البيع الخطري، فلو تم حمل الغرر في المقام علي الخطر تعين كون المراد به الخطر من حيثية خاصة، فيكون الحديث مجملاً في نفسه.

غاية الأمر أنه ورد في روايات العامة ما يناسب كون المراد به أو المتيقن منه أن يكون المبيع بحيث لا يعلم بسلامته للبايع، كالسمك في الماء والطير في الهواء. وهو لا ينهض بالحجية.

هذا وأما ما ذكره شيخنا الأعظم (قدس سره) من أنه أخص من المدعي، لقصوره عما إذا كان المبيع مما يتعذر الوصول إليه عادة كالغريق في البحر بنحو لا يتيسر إخراجه لأن الخطر إنما يصدق مع احتمال السلامة ولو ضعيفاً.

فيندفع بأنه لو تمت دلالة الحديث علي النهي عن البيع الخطري أمكن استفادة النهي منه عن البيع المذكور بالأولوية العرفية، كما أشار إليه في الجملة بعض

مشايخنا (قدس سره).

ومعه لا حاجة للتشبث في بطلان بيعه بما ذكره شيخنا الأعظم (قدس سره) من لزوم

ص: 154

(155)

السفاهة بشرائه، وكون أكل المال في مقابله أكلاً له بالباطل. بل هو لا يعد مالاً عرفاً.

علي أن الاستدلال بالوجوه المذكورة لا يخلو عن إشكال، لمنعها كبروياً أو صغروياً، كما يظهر مما ذكرناه غير مرة في هذا الشرح، لشيء منه في نظير المقام.

الثاني: ما ورد في روايات الخاصة والعامة من نهي النبي (صلي الله عليه وآله وسلّم) عن بيع الإنسان ما ليس عنده، كمعتبر سليمان بن صالح عن أبي عبد الله (عليه السلام): (قال: نهي رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلّم) عن سلف وبيع وعن بيعين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم يضمن)(1) ونحوه في ذلك خبر الحسين بن زيد عنه (2)(عليه السلام).

فقد ذكر شيخنا الأعظم (قدس سره) أنه لا يراد بكونه عنده حضوره عنده، للإجماع علي جواز بيع السلف والغائب، ولا ملكيته له، وإلا كان المناسب أن يقول: ما ليس لك، ولا السلطنة عليه والقدرة علي تسليمه، لمنافاته لتمسك الخاصة والعامة علي عدم جواز بيع العين الشخصية المملوكة للغير، ثم شرائها منه وتسليمها للمشتري، مع تحقق القدرة في ذلك، ولاسيما مع وكالته علي مالكها في بيعها ولو من نفسه. وحينئذ يتعين أن يكون كناية عن السلطنة التامة الفعلية التي تتوقف علي الملك، مع كونه تحت اليد حتي كأنه عنده وإن كان غائباً.

وفيه: أن مفاد (عند) الحقيقي هو الحضور الخارجي. ومع تعذر الحمل عليه فالأقرب حمله علي الملك، لشيوع استعماله فيه عرفاً وفي النصوص(3). ومجرد كون اللام أظهر في الملك لو تم لا يمنع من حمله عليه بعد كونه أقرب المجازات.

أما المعني الذي ذكره (قدس سره) فهو ليس عرفياً، فإن السلطنة التامة التي ذكرها مركبة من السلطنة الخارجية والشرعية ولا سنخية بينهما عرفاً، فضلاً عن أن يفهم من الكلام المذكور المعني المركب منهما.

********

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 7 من أبواب أحكام العقود حديث: 2.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 7 من أبواب عقد البيع وشروطه حديث: 12.

(3) راجع وسائل الشيعة ج: 12 باب: 8 من أبواب أحكام العقود وغيرها.

ص: 155

(156) (156) (156)

علي أن السلطنة المذكورة متحققة في العين الشخصية المملوكة للغير إذا كان البايع قادراً علي تسليمها خارجاً وشرعاً، بأن كان مأذوناً في شرائها ولو لنفسه، مع

أنه (قدس سره) ذكر أن عدم جواز بيعه متيقن من النهي المذكور.

وبالجملة: لا ينبغي الإشكال في لزوم حمله علي الملك بعد تعذر حمله علي الحضور الخارجي. غاية الأمر أن يخص ببيع الأمر الشخصي، أما الكلي فهو خارج قطعاً. ولعله لأن السلطنة عليه شرعاً لا تتوقف علي ملك فرد منه، بل هو لا يملك إلا في الذمة.

الثالث: أن لازم البيع وجوب تسليم كل من المتبايعين ما انتقل منه من العوضين لصاحبه، فيجب أن يكون التسليم مقدوراً.

وفيه أولاً: أن التسليم إنما يجب إما لحرمة حبس العين عن صاحبها ووجوب تمكينه منها، وإما لأن البيع يبتني علي التسليم، بحيث يكون شرطاً ضمنياً في العقد يجب الوفاء به، كما يجب الوفاء بالعقد. والأول يختص بمن تكون العين عنده وإن لم يكن طرفاً في العقد، ولا يجري في حق طرف العقد مع فرض خروج العين عن يده وتعذر تسليمها عليه. والثاني يختص بما إذا ابتني عقد البيع علي التسليم، كما هو الغالب، دون ما إذا لم يبتن عليه، لفرض تعذره، كما لعله محل الكلام.

وثانياً: أنه لو تم عموم وجوب التسليم فهو كسائر التكاليف، حيث تناط فعليتها بالقدرة. وحينئذ مع العجز لا يكون التكليف بالتسليم فعلياً من دون أن يقتضي بطلان البيع، ولذا لا يكون العجز عن تسليم أحد العوضين إذا كان كلياً مستلزماً لبطلان البيع، ولا كاشفاً عنه حتي لو انكشف العجز من أول الأمر. بل قد يجري ذلك في المبيع الشخصي، علي ما يأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالي عند التعرض لما إذا اعتقد القدرة علي التسليم فانكشف عدمها.

الرابع: أن الغرض من البيع انتفاع كل منهما بما يصير إليه، وهو لا يتم إلا بالتسليم.

وفيه أولاً: أن كون الغرض من البيع ذلك إنما يقتضي ابتناء العقد علي اشتراط

ص: 156

(157) (157)

التسليم ضمناً، وذلك إنما يقتضي وجوب التسليم عملاً بالشرط، وثبوت الخيار بتخلفه، من دون أن يقتضي كونه شرطاً في صحة العقد، بحيث يبطل بتخلفه، فضلاً عن أن يكون الشرط هو القدرة عليه حين العقد، كما هو المدعي.

وثانياً: أن الغرض من البيع قد لا يكون فعلية الانتفاع بالعين، بل مجرد القدرة علي الانتفاع بها شرعاً في فرض القدرة عليها خارجاً، كما هو الحال فيما لو أقدما علي البيع مع احتمال عدم القدرة علي التسليم أو العلم بذلك.

الخامس: أن بذل الثمن علي غير المقدور سفه، فيكون ممنوعاً منه، وأكله أكلاً له بالباطل.

وفيه: أن بذل المال القليل في مقابل المال الكثير المحتمل الحصول ليس سفهاً، كما ذكر ذلك شيخنا الأعظم (قدس سره). مضافاً إلي ما سبق منا في أوائل الكلام في المكاسب المحرمة من أن الممنوع منه هو معاملة السفيه، لا المعاملة السفهية، وأن أكل المال بالباطل لا يراد به مثل ذلك. كما أنه قد يتعلق بالمعاملة غرض آخر غير الانتفاع الخارجي بالعين يخرجها عن السفه.

السادس: ما ذكره بعض الأعاظم (قدس سره): من أن ما لا يمكن التصرف فيه للبايع ولا للمشتري لا يعد مالاً عرفاً، فإن مالية المال في عالم الاعتبار إنما هي باعتبار كونه منشأ للآثار والانتفاع، وما لا يكون كذلك لا يعده العقلاء مالاً، وإن ترتب عليه بعض الآثار الجزئية، كالعتق.

لكنه مع غض النظر عما تكرر منا من عدم اعتبار المالية في العوضين لا يخرج عن كونه قناعة منه (قدس سره) في تحديد المالية لا تخلو عندنا عن غرابة. كيف ولازمه أن مثل الحيوان الوحشي لا يكون مالاً إلا بصيده، كالماء علي النهر الذي لا يكون مالاً إلا بتثليجه أو نحوه. مع وضوح أنه إنما يصاد ويهتم بتحصيله لكونه مالاً مورداً للتنافس بين العقلاء.

بل مقتضي ما ذكره أنه لو أمكن انتفاع غير المتبايعين بالشيء كان مالاً في حقه

ص: 157

دونهما، فتختلف مالية المال باختلاف الأشخاص. ثم لماذا لا يكون مثل العتق منفعة معتداً بها مع أنه قد يبذل من أجلها ثمن العبد غير الآبق ؟!.

هذا مع أن كلام الأصحاب في هذا الشرط يعم عدم قدرة البايع حين البيع علي التسليم ولو مع رجاء القدرة عليها بعد ذلك، كما لو احتمل القدرة علي الآبق أو الضال أو الضايع بالفحص، فإن كان كلامه يعمّ ذلك فالأمر أعجب، وإلا كان قاصراً عن إثبات تمام المدعي.

ومثله ما ذكره بعض مشايخنا (قدس سره) أن ما يتعذر الانتفاع به حتي لغير المتابعين إذا كان ميؤوساً من رجوعه - كالحيوان الوحشي إذا فر من صاحبه - يعد تالفاً عرفاً، فلا يجوز بيعه حتي بناء علي عدم اعتبار المالية في العوضين، إذ لابد في المبيع من أن يكون موجوداً، ليكون طرفاً لنحو من الإضافة مع المالك بلحاظها يقع البيع والمعاوضة.

ويترتب علي ذلك أنه لو كان من محتمل الرجوع من دون أن يعلم أو يطمأن برجوعه فهو مشكوك الوجود، وتكون صحة المعاوضة عليه مراعاة برجوعه نظير وجود الثمرة بعد العدم.

فإنه - مع وفائه بتمام المدعي - غريب أيضاً. إذ فيه:

أولاً: أن لازمه كون الاستيلاء علي مثل الحيوان المذكور وصيده ابتداء سبباً لوجود المال بعد العدم، نظير وجود الثمرة بعد العدم، لا لتملك المال المباح.

وثانياً: أنه لو فرض ضياع المال علي صاحبه بحيث لا يرجع إليه ووجده شخص آخر لا يعرفه ولا يصل إليه، فهل هو موجود في حقهما معاً، أو مفقود وتالف في حقهما معاً، أو تالف في حق أحدهما موجود في حق الآخر، وهل التلف أمر إضافي ؟!.

وثالثاً: أنه لا ريب في بقاء المال في ملك مالكه، وكيف يمكن ملكية المعدوم ؟!.

ورابعاً: أن ذلك لا يناسب ما ذكره عند الكلام في الضمان في مورد بدل

ص: 158

(159)

الحيلولة من أن المدفوع في مثل ما نحن فيه مما يلحق بالتلف عرفاً يكون بدلاً عن العين المضمونة وعوضاً عنها بمعاوضة قهرية. إذ كما أمكن أن يكون المال المذكور طرفاً للمعاوضة القهرية يمكن أن طرفاً للمعاوضة الاختيارية، كالبيع في المقام.

علي أنه يرد علي ما ذكراه معاً أن ما تضمن جواز بيع العبد الآبق مع الضميمة وإن كان عندهم مخالفاً للقاعدة إلا أنه لا إشكال ظاهراً في كونه بيعاً حقيقياً واجداً لأركان البيع ومقوماته، كما يظهر بمراجعة كلماتهم، وليس هو معاملة أخري أطلق عليها البيع مجازاً، لفقدها لمقوماته من المعاوضة أو المالية أو غيرهما.

هذا ما ذكروه من وجوه الاستدلال في المقام، وقد ظهر عدم نهوضها باثبات المدعي.

والذي ينبغي أن يقال: البيع تارة: يبتني علي التسليم كما هو الغالب. وأخري: لا يبتني عليه، لإقدام المشتري علي شراء ما لا يمكن تحصيله برجاء تحصيله أو بدونه، لانحصار غرضه في تملك المبيع، كما لو كان المبيع عبداً وأراد عتقه.

أما الأول فلا ينبغي الإشكال في لزوم القدرة علي التسليم فيه، لما أشرنا إليه في الوجه الثالث من رجوعه إلي اشتراط التسليم ضمناً، ولا معني لأن يجعل الإنسان علي نفسه مالا يقدر عليه.

لكن ذلك بنفسه لا يقتضي بطلان البيع مع عدم القدرة علي التسليم، بل غايته ثبوت الخيار للمشتري، لتخلف الشرط المذكور، كما أشرنا إليه آنفاً.

نعم قد يستدل علي بطلان البيع حينئذ بصحيح عبد الرحمن بن الحجاج: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام): عن الرجل يشتري الطعام من الرجل ليس عنده فيشتري منه حالاً. قال: ليس به بأس... إلا أن يكون بيعاً لا يوجد، مثل العنب والبطيخ وشبهه في غير زمانه، فلا ينبغي شراء ذلك حالاً)(1). وفي صحيحه الآخر عنه (عليه السلام):

********

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 7 من أبواب أحكام العقود حديث: 1.

ص: 159

(160)

(إن أبي كان يقول: لا بأس ببيع كل متاع كنت تجده في الوقت الذي بعته فيه)(1) ونحوهما غيرهما.

ومقتضي النهي فيها الفساد. وهي وإن وردت في بيع الكلي، إلا أن إلغاء خصوصية مواردها، والتعدي للمبيع الشخصي، قريب عرفاً.

لكن النهي في المعاملات نوعاً وإن كان ظاهراً في الإرشاد للفساد، دون الحرمة التكليفية، إلا أنه في مثل المقام لا ظهور له في فساد وأصل البيع، بل قد يكون وارداً للإرشاد إلي بيان المورد الذي يناسب الشرط الذي يبتني عليه العقد.

ولا أقل من كون ذلك مقتضي الجمع بين هذه النصوص وما يستفاد من جملة من النصوص من صحة بيع السلف لو عجز البايع عن تسليم المبيع في وقته(2) ، وصحة بيع النسيئة مع تعذر الثمن عند حلول الأجل ونحو ذلك. ولذا لا يظن منهم البناء في المقام علي بطلان البيع لو رضي المشتري بتأخير التسليم.

وأما الثاني فالمستفاد من جملة من النصوص الواردة في الموارد المتفرقة بطلان البيع في الجملة فيه بتعذر التسليم، وأنه لا يجوز شراء ما لا يحرز سلامته للمشتري، بحيث لا يحصل في مقابل له الثمن شيء.

كصحيح محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام): (لا تبع راحلة عاجلاً بعشر ملاقيح من أولاد جمل في قابل)(3) ، وخبر مسمع عن أبي عبد الله (عليه السلام): (قال: إن أمير المؤمنين (عليه السلام)

نهي أن يشتري شبكة الصياد يقول: اضرب بشبكتك فما خرج فهو من مالي)(4) ، ومعتبر غياث بن إبراهيم عن جعفر عن أبيه عن علي (عليه السلام): (أنه كره بيع صك الورق حتي يقبض)(5) وخبر الحسين بن زيد عنه (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) عن النبي (صلي الله عليه وآله وسلّم) في

********

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 7 من أبواب أحكام العقود حديث: 3.

(2) راجع وسائل الشيعة ج: 13 باب: 11 من أبواب السلف.

(3) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 17 من أبواب الربا حديث: 5.

(4) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 12 من أبواب عقد البيع وشروطه حديث: 1.

(5) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 12 من أبواب عقد البيع وشروطه حديث: 7.

ص: 160

حديث المناهي قال: (ونهي عن بيع وسلف... ونهي عن بيع ما لم يضمن)(1).

بناء علي أن المراد بالضمان إحراز الحصول، فيدل علي العموم، ويكون مؤيداً لإلغاء خصوصية موارد النصوص المتقدمة وفهم العموم منها.

لكن لم يتضح كون المراد بالضمان ذلك، بل قد يكون المراد به أمراً آخر، مثل كون الشيء في عهدة البايع ومملوكاً له، لبيان عدم جواز بيع الإنسان أمراً لا يملكه، ثم يشتريه ويسلمه للمشتري.

علي أنه قد تضمن في معتبر سليمان بن صالح - المتقدم في الوجه الثاني للاستدلال

بدل النهي عن بيع ما لم يضمن النهي عن ربح ما لم يضمن. ولعله الأنسب بالمعني الذي تقدم احتماله في الضمان. ومن ثم يشكل استفادة العموم من هذه النصوص.

علي أنه يظهر من جملة من النصوص أنه يكفي في صحة البيع إحراز سلامة بعض البيع، بحيث يسلم للمشتري شيء في مقابل الثمن، ولا يذهب هدراً، كما هو مورد النصوص السابقة. وهي علي طائفتين:

الأولي: ما ورد فيما لا يحرز وجود بعضه. كموثق سماعة: (سألته عن اللبن يشتري وهو في الضرع. فقال: لا. إلا أن يحلب لك منه اسكرجة، فيقول: اشتر مني ما في هذه الاسكرجة وما في ضروعها بثمن مسمي. فإن لم يكن في الضرع شيء كان ما في الاسكرجة)(2).

ومعتبر إبراهيم بن ميمون: (أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) فقال: نعطي الراعي الغنم بالجبل يرعاها، وله أصوافها وألبانها، ويعطينا لكل شاة دراهم. فقال: ليس بذلك بأس. فقلت: إن أهل المسجد يقولون: لا يجوز، لأن منها ما ليس له صوف ولا لبن. فقال (عليه السلام): وهل يطيبه إلا ذلك ؟! يذهب بعضه وبقي بعضه)(3).

********

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 12 من أبواب عقد البيع وشروطه حديث: 12.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 8 من أبواب عقد البيع وشروطه حديث: 2.

(3) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 9 من أبواب عقد البيع وشروطه حديث: 2.

ص: 161

(162)

ومعتبر إبراهيم الكرخي: (قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما تقول في رجل اشتري من رجل أصواف مائة نعجة وما في بطونها من حمل بكذا وكذا درهماً. فقال: لا بأس بذلك. إن لم يكن في بطونها حمل كان رأس ماله في الصوف)(1).

ومعتبر أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي عن بعض أصحابه عنه (عليه السلام): (قال: إذا كان أجمة ليس فيها قصب أخرج شيء من السمك، فيباع وما في الأجمة)(2).

وقريب منه خبر أبي بصير عنه (3)(عليه السلام). وحديث معاوية بن عمار عنه (عليه السلام): (قال: لا بأس أن يشتري الآجام إذا كان فيها قصب)(4).

ومعتبر إسماعيل بن الفضل الهاشمي عنه (عليه السلام): (في الرجل يتقبل بجزية رؤوس الرجال وبخراج النخل والآجام والطير، وهو لا يدري لعله لا يكون من هذا شيء أبداً، أو يكون، أيشتريه ؟ وفي أي زمان يشتريه ويتقبل منه ؟ قال: إذا علمت أن من ذلك شيئاً واحداً أنه قد أدرك فاشتره وتقبل به [منه])(5) وغيرها.

الثانية: ما ورد فيما لا يحرز القدرة علي تحصيل بعضه مع إحراز وجوده ولو بالاستصحاب، وهو ما ورد في الآبق، كصحيح رفاعة: (سألت أبا الحسن موسي (عليه السلام)، قلت: أيصلح لي أن أشتري من القوم الجارية الآبقة، وأعطيهم الثمن، وأطلبها أنا؟ قال: لا يصلح شراؤها، إلا أن تشتري منهم معها ثوباً أو متاعاً، فتقول لهم: اشتري منكم جاريتكم فلانة وهذا المتاع بكذا وكذا درهم، فإن ذلك جائز)(6).

وموثق سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام): (في الرجل يشتري العبد وهو آبق عن أهله. قال: لا يصلح إلا أن يشتري معه شيئاً آخر، ويقول: أشتري منك هذا الشيء وعبدك بكذا وكذا. فإن لم يقدر علي العبد كان الذي نقده فيما اشتري منه)(7).

********

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 10 من أبواب عقد البيع وشروطه حديث: 1.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 12 من أبواب عقد البيع وشروطه حديث: 2، 6.

(3) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 12 من أبواب عقد البيع وشروطه حديث: 2، 6.

(4) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 12 من أبواب عقد البيع وشروطه حديث: 5، 4.

(5) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 12 من أبواب عقد البيع وشروطه حديث: 5، 4.

(6) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 11 من أبواب عقد البيع وشروطه حديث: 1، 2.

(7) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 11 من أبواب عقد البيع وشروطه حديث: 1، 2.

ص: 162

وهاتان الطائفتان تشتركان في قدر جامع واحد، وهو إحراز سلامة بعض المبيع للمشتري دون بعض، ويظهر من مجموع نصوصهما علي اختلاف مواردها وألسنتها أن المعيار في صحة البيع عموماً هو إحراز ذلك.

ولاسيما بملاحظة التعليل المتقدم في موثقي سماعة ومعتبري إبراهيم بن ميمون وإبراهيم الكرخي المتضمن أنه إن لم يسلم ما لم يعلم وجوده أو وصوله للمشتري كان الثمن فيما تحرز سلامته.

ودعوي: أن ذلك ليس وارداً مورد التعليل وبيان ضابط صحة المعاملة، بل لبيان أن الثمن لا يقسط علي ما لا يسلم، بل يكون بمجموعه مقابل ما سلم، وهو الضميمة، وإن كانت القاعدة تقتضي التقسيط.

مدفوعة بأن ذلك مخالف للظاهر جداً. ولاسيما أن ذلك لم يرد في خصوص ما يعلم بوجوده ويشك في وصوله للمشتري، بل فيما يشك في حصوله أيضاً، ومن الظاهر أنه لا معني للتقسيط فيه.

علي أن مبني هذه البيوع علي عدم التقسيط، ولذا استشكل فيها العامة باحتمال عدم وجود بعض المبيع، فيكون الثمن في حصته بلا مقابل، علي ما تقدم في معتبر إبراهيم بن ميمون، وأجاب عنه الإمام (عليه السلام) بأن سلامة بعض المبيع كاف في طيب تمام الثمن.

ومثله ما قد يدعي من أنه مسوق لبيان أن وقوع المعاملة علي المشكوك مراعي بحصوله، فإن حصل كان موضوع المعاملة المجموع، وإن لم يحصل كان موضوعها خصوص معلوم الحصول.

إذ فيه: أن ذلك في الطائفة الأولي معلوم من واقع المعاملة، فيلغو بيانه، وفي الطائفة الثانية أمر تعبدي يحتاج إلي عناية، لما فيه من عدم مطابقة واقع المعاملة شرعاً لقصد المتعاقدين، فلا يتناسب مع وحدة لسان البيان في الطائفتين. بل لا يظن بأحد البناء علي عدم ملكية المشتري للآبق لو لم يحصل عليه.

ص: 163

(164)

ومن ثم لا مخرج عما ذكرنا من ظهور ذلك في التعليل وبيان الضابط في صحة المعاملة. ولاسيما مع ورود نظيره في بيع الثمرة قبل وجودها مع الضميمة تعليلاً لجواز البيع(1) علي ما يأتي في محله، ويأتي هناك ما ينفع في المقام إن شاء الله تعالي.

وبذلك يخرج عما قد يستظهر من النصوص الأول من اعتبار سلامة المبيع بتمامه.

وكذا الحال في حديث النهي عن بيع الغرر لو تم الاستدلال به في المقام. ولاسيما بعد ما سبق من تعذر البناء علي عموم النهي عن البيع الغرري، وأن المتيقن منه بسبب التفسير الذي سبق عن العامة ما إذا كان تمام المبيع معرضاً للخطر، كالطير في الهواء والسمك في الماء. ولعله لذا كان ظاهر أو صريح غير واحد ممن يأتي خروج البيع بالضميمة عن الغرر.

نعم قد يدعي سقوط النصوص المذكورة عن الحجية بإعراض الأصحاب عنها، حيث أطبقوا علي اعتبار القدرة علي التسليم، ويظهر منهم كون مرادهم القدرة عليه في تمام المبيع، وحيث اقتصروا في الاكتفاء بالضميمة علي بيع الآبق، مع الكلام منهم في إلحاق الضال به.

لكن لا مجال لذلك بعد كثرة هذه النصوص، وذكر الأصحاب لها من دون ذكر معارض، حيث يقرب عمل الأصحاب في عصور الأئمة (صلوات الله عليهم) عليها. بل هو ظاهر الكليني والصدوق قدس سرهما لابتناء كتابيهما علي إثبات الروايات المعول عليها عندهما. وحتي الشيخ، حيث ذكر في أكثر هذه الأخبار في باب الغرر والمجازفة وشراء السرقة وما يجوز من ذلك وما لا يجوز من بيع التهذيب وكذا في الاستبصار حيث ذكر بعض هذه الأخبار بنحو يظهر منه التعويل عليه.

وفي المبسوط - بعد أن ذكر الإجماع علي عدم جواز بيع السمك في الماء والطير في الهواء - قال: (وروي أصحابنا أنه يجوز بيع قصب الآجام مع ما فيها من السمك). ولعله يشير إلي حديث معاوية بن عمار المتقدم. وقد يظهر ركونه إليه من سكوته عنه،

********

(1) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 13 من أبواب بيع الثمار حديث: 1.

ص: 164

وعدم رده له.

وأظهر منه في ذلك ما في الغنية، حيث ذكر رواية الأصحاب لذلك ولبيع الآبق مع الضميمة، مع وضوح اشتهار العمل بالثانية، بل صريح تتمة كلامه العمل بالرواية في الموردين، بل دعوي الإجماع علي مضمونها كما ادعي في الخلاف الإجماع علي جواز بيع السمك في الماء مع الضميمة، مع تصريحهما بخروجه بسبب الضميمة عن بيع الغرر، كالتصريح في الانتصار بذلك في بيع العبد الآبق.

ومثله ما في النهاية حيث صرح بجواز بيع اللبن في الضرع إذا حلب منه شيئاً وباعه مع ما في الضرع، وجواز بيع ما في بطون الأنعام إذا جعل معها شيئاً آخر قال: (فإن لم يكن ما في البطون حاصلاً كان الثمن في الآخر... ولا بأس أن يشتري الإنسان أو يتقبل بشيء معلوم جزية رؤوس أهل الذمة وخراج الأرضين وثمرة الأشجار وما في الآجام من السموك إذا كان أدرك شيء من هذه الأجناس وكان البيع في عقد واحد. ولا يجوز ذلك ما لم يدرك منه شيء علي حال).

كما صرح في الوسيلة بجواز بيع ما في الأرحام والبيض في جوف الحيوان واللبن في الضرع والسمك في الأجمة مع الضميمة، وحكي جواز بيع اللبن في الضرع والسمك والآجام مع الضميمة عن ابني الجنيد والبراج.، ونسب للشهيد في بعض كتبه الميل لذلك أو القول. كما مال إليه أو قال به غير واحد من متأخري المتأخرين.

وقد تعرض لمضامين النصوص المذكورة في السرائر بنحو قد يظهر في حصول الفتوي بها، وإن ذكر أن الأولي عدم العمل بها، لأنها من أخبار الآحاد علي ما هو المعروف من مذهبه، ولا يظهر منه إعراض الأصحاب عنها.

ومثله ما في الشرايع والنافع من أن الأصح عدم صحة بيع بعض هذه الأمور مع الضميمة حيث يظهر منه أن المسألة خلافية. بل هو صريح ما في جامع المقاصد والروضة وعن غيرهما من أنه المشهور، وما في التذكرة من أنه الأشهر عندنا.

كما أن عدم تعرض بعضهم لغير العبد الآبق قد لا يكون لذهابه لاختصاص

ص: 165

التفصيل بين الضميمية وعدمها به، بل لعدم كونه في مقام استيفاء الفروع والأمثلة كما لا تأباه عبارة الشرائع والنافع.

ومع كل ذلك كيف يدعي هجر النصوص المذكورة بنحو يسقطها عن الحجية ؟!.

والمظنون أن استحكام عموم النهي عن بيع الغرر في نفوس المتأخرين هو الذي منعهم من العمل بهذه النصوص أو التوقف فيها. وقد ظهر مما سبق وهن العموم المذكور.

هذا وقد يظهر من غير واحد حمل النصوص في الطائفة الأولي وكلمات الأصحاب في الذين يظهر منهم العمل بها علي جواز ضم معلوم المقدار إلي مجهول المقدار في البيع، فيكون موردها من صغريات مسألة اعتبار العلم بمقدار العوضين. فراجع ما ذكره شيخنا الأعظم (قدس سره) في فروع المسألة المذكورة.

لكنه في غير محله، بل الظاهر أنها واردة في ضم معلوم الحصول إلي مجهول الحصول، كما يناسبه التعليل في النصوص المذكورة، وذكرهم له في سياق بيع السمك في الماء والطير في الهواء، وفي سياق مسألة بيع العبد الآبق مع الضميمة، وغير ذلك مما يظهر بالتأمل في النصوص وكلماتهم في المقام. ومن ثم يكون المقام مناسباً لمسألة اعتبار القدرة علي التسليم التي محل الكلام.

ومثله ما قد يظهر من شيخنا الأعظم (قدس سره) من جواز بيع ما لا يقدر علي تسليمه مراعي بتسليمه أو بالقدرة عليه. لدعوي: أن المتيقن من دليل النهي عن بيع الغرر وبيع الإنسان ما ليس عنده عدم كون البيع علة تامة في ترتب الأثر المقصود، فلا ينافي في وقوعه مراعي بانتفاء صفة الغرر وبصيرورة المبيع عند البايع.

إذ فيه: أن ذلك مخالف لظاهر الدليل المذكور، كسائر أدلة الموانع الشرعية. والالتزام بذلك في عقد الفضولي إنما كان لخصوصية السلطنة عرفاً وشرعاً في كيفية دخلها في العقد، كما يتضح مما ذكرنا في بحث عقد الفضولي، فلا يقاس عليها بقية

ص: 166

الشروط والموانع. أما بناء علي ما ذكرناه فالأمر أظهر، فإن النصوص المتقدمة كالصريحة في عدم صحة البيع إلا بالضميمة.

هذا وفي اللمعة بعد أن ذكر اشتراط القدرة علي التسليم، وأنه لا يصح بيع العبد الآبق إلا مع الضميمة، قال: (أما الضال والمجحود فيصح البيع ويراعي بإمكان التسليم وإن تعذر فسخ المشتري إن شاء).

وكأنه يبتني علي الاكتفاء بابتناء البيع علي التسليم، لا بمعني اشتراطه ضمناً، إذ لا مجال لاشتراطه مع فرض العجز عنه، بل بمعني ابتناء الالتزام بالبيع عليه، نظير وصف السلامة من العيب الذي يثبت بتخلفه الخيار من دون أن يبطل به البيع. وكأن الوجه فيه كفاية الخيار في عدم كون البيع غررياً.

لكنه يشكل أولاً: بأن ابتناء البيع علي التسليم بالمعني المذكور إنما يتجه مع الجهل بالحال، أما مع العلم بعدم القدرة علي التسليم فلا معني لأن يبتني عليه، ولذا لا يبتني البيع علي سلامة المبيع من العيب مع وجود إمارة علي العيب.

غاية الأمر أنه يمكن اشتراط الخيار حينئذ صريحاً لو انكشف تعذر التسليم، أو عدم السلامة من العيب. كما يمكن تعليق البيع علي التسليم أو السلامة، بحيث لا بيع مع عدمهما. لكنه يقتضي البطلان بتخلفهما، لا ثبوت الخيار. علي أنهم أجمعوا علي مبطلية التعليق للعقد رأساً.

وثانياً: بأن المستفاد من دليل الغرر وغيره من أدلة المسألة لو تمت عدم صحة البيع رأساً، لا مجرد ثبوت الخيار بعد التسليم أو عدم سلامة المبيع. وأظهرها في ذلك النصوص التي عولنا عليها. ولذا ذكر هو تبعاً للأصحاب اشتراط القدرة علي التسليم، بنحو يظهر منه أنها كسائر شروط البيع التي يبطل بتخلفها رأساً.

ولعله لذا قال في الروضة: (ويحتمل قوياً بطلان البيع، لفقد شرط الصحة، وهو القدرة علي التسليم).

ص: 167

والحاصل: أنه يتعين العمل بالنصوص المتقدمة، والبناء علي ما يستفاد منها ولو بضميمة التعليل المتقدم من عموم اعتبار إحراز سلامة شيء من المبيع للمشتري، بحيث لا يذهب الثمن الذي دفعه هدراً وأنه يبطل البيع بدون ذلك.

وبذلك يظهر أن ما هو الشرط في الحقيقة ليس هو قدرة البايع أو من يقومه علي التسليم، كما هو مقتضي الجمود علي عبارتهم، بل هو إحراز سلامة المبيع أو بعضه للمشتري ولو لتحصيله بنفسه أو بتوسط شخص أجنبي أو غير ذلك. وهو أيضاً مقتضي أكثر الوجوه المتقدمة في كلماتهم كما يظهر بملاحظتها.

وعليه يترتب صحة البيع لو تعذر تسليم المبيع وتسلم المشتري له بنفسه، إلا أن المشتري كان قادراً أن يبيعه، أو يصالح عليه من شخص قادر علي تحصيله، أو يفي به دينه عليه، أو يهبه له أو نحو ذلك، إذ في جميع ذلك يصدق عرفاً أن المبيع قد سلم له ولم يذهب الثمن الذي دفعه للبايع هدراً. نعم لا يكفي القدرة علي العتق، وإلا لجاز بيع العبد الآبق وحده.

اللهم إلا أن يقال: سلامة المبيع في الفروض المتقدمة إنما تصدق عرفاً بتحقق الأمور المذكورة، لا بمجرد القدرة عليها، فإذا كان المشتري قد أقدم علي الشراء عازماً علي شيء منها كان محرزاً حين البيع سلامة المبيع له، وبذلك يتحقق الشرط، فيصح البيع، فإن أعرض عنها بعد ذلك كان هو المضيع لماله، أما إذا لم يقدم عليها فهو لا يحرز سلامة المبيع له، ولا يصح البيع، لفقده للشرط.

وذلك يجري في العتق. وأما دليل عدم جواز بيع الآبق وحده فهو مختص أو منصرف إلي صورة عدم شرائه من أجل عتقه، كما هو مقتضي قوله في صحيح رفاعة: (وأطلبها أنا)، وقوله (عليه السلام) في موثق سماعة: (فإن لم يقدر علي العبد كان الذي نقده فيما اشتري منه). لظهوره في فرض الاهتمام بتحصيل العبد واحتمال عدم القدرة عليه، بحيث يذهب الثمن الذي نقده هدراً، وذلك لا يجري فيما إذا كان عازماً علي عتقه.

ومن هنا يتعين جواز شراء من ينعتق عليه إذا كان عالماً بحاله بلا حاجة

ص: 168

(169)

ولا فرق بين العلم بالحال والجهل بها (1). ولو باع العين المغصوبة وكان

---------------

للضميمة، وأما إذا لم يكن عالماً بحاله فلا يخلو عن إشكال، لعدم إحرازه حين البيع سلامة المبيع.

(1) قد يشكل ذلك لو كان دليل المنع هو النهي عن بيع الغرر، بناء علي أن المراد به البيع الخطري. لعدم صدق ذلك مع الإقدام علي شراء ما يعتقد القدرة علي تسليم البايع وتحصيل المشتري له ولو مع العجز عن ذلك واقعاً.

ودعوي: أنه يكفي في كون البيع خطرياً تعرض المبيع لما قد يؤدي إلي تلفه أو ضياعه وإن لم يعلم بذلك حين البيع.

مدفوعة بأن ذلك خلاف ظاهر توصيف البيع نفسه بالغرر والخطر. علي أن المراد بذلك إن كان هو تعرض المبيع لما من شأنه نوعاً أن يعرضه للضياع والتلف لزم عدم صحة المبيع لو أقدما علي بيع مثل الطائر في القفص إذا كان القفص مفتوحاً من دون أن يعلما به، وإن صادف أن لم يفر حتي حصل التسليم. وإن كان هو تعرضه لما يضيع به فعلاً لزم صحة بيع الحيوان الوحشي الهارب والعبد الآبق إذا صادف أن رجع بعد البيع، أو انكشف ذهابه إلي مكان يمكن استرجاعه، وحصل التسليم بالنحو المتعارف، وهو لا يناسب إطلاق دليل النهي عن بيع الآبق.

هذا وأما بناء علي ما ذكرناه، فإن ابتني البيع علي التسليم لتخيل القدرة عليه، فإن صادف أن قدر البايع علي التسليم بعد ذلك، بحيث حصل التسليم في الوقت المتعارف صح البيع. وإن لم يحصل في الوقت المذكور لاستمرار العجز عنه كان للمشتري الخيار، وله الانتظار حتي يصدق عرفاً عدم سلامة المبيع له، فيبطل البيع، لما تضمن أن كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بايعه.

وإن لم يبتن البيع علي التسليم فإن كان المشتري لا يحرز القدرة علي تحصيله بطل البيع من حين وقوعه، إلا أن ينضم إليه ما يحرز تحصيله. وإن كان يعتقد القدرة علي

ص: 169

(170)

المشتري قادراً علي أخذها من الغاصب صح (1). كما أنه يصح بيعها علي الغاصب أيضاً وإن كان البايع لا يقدر علي أخذها منه ثم الدفع إليه (2). وإذا كان المبيع مما لا يستحق المشتري أخذه كما لو باع من ينعتق علي المشتري صح وإن لم يقدر علي تسليمه (3).

(مسألة 16): لو علم بالقدرة علي التسليم فباع، فانكشف الخلاف بطل (4)، ولو علم العجز عنه، فانكشف الخلاف فالظاهر الصحة (5).

---------------

تحصيله، فإن حصل عليه صح البيع، وإن لم يحصل عليه انكشف بطلان البيع، لأن المستفاد من نصوص المقام عدم الاكتفاء باحراز سلامة المبيع، بل لابد من سلامته أيضاً، لئلا يذهب ماله هدراً. مضافاً إلي عموم كل مبيع تلف قبل قضه فهو من مال بائعه، لأن المتيقن من دليل تخصيصه ما إذا أحرز سلامة بعض المبيع حين البيع.

(1) لتحقق القدرة علي التسليم.

(2) لقصور أكثر الوجوه المتقدمة منهم والوجه المتقدم منّا عن هذه الصورة، كما يظهر بالرجوع إليها، وسبق منا التنبيه لذلك.

(3) كما أشرنا إلي ذلك آنفاً مع شيء من التفصيل.

(4) يظهر الكلام فيه مما سبق عند الكلام في عدم الفرق بين العلم والجهل.

(5) حيث كان عمدة دليلهم في المقام هو النهي عن بيع الغرر، فالظاهر صدقه في المقام، إلا أن يكون المعيار فيه كون المبيع معرضاً لما يؤدي إلي تلفه، علي ما ذكرناه آنفاً، وذكرنا الإشكال فيه. فراجع.

أما بناء علي ما ذكرنا فالأمر أظهر، لعدم إحراز سلامة المبيع. وسلامته واقعاً لا تكفي، لظهور النصوص المتقدمة في عدم صحة البيع مراعي بسلامة المبيع، بل توقف صحته علي إحراز سلامته من أول الأمر وحين البيع.

ص: 170

(171)

(مسألة 17): لو انتفت القدرة علي التسليم في زمان استحقاقه، لكن علم بحصولها بعده، فإن كانت المدة يسيرة صح (1)، وإذا كانت المدة طويلة لا يتسامح بها، فإن كانت مضبوطة مثل سنة أو أكثر فالظاهر الصحة مع علم المشتري بها (2). وكذا مع جهله بها، لكن يثبت الخيار للمشتري (3). وإن كانت غير مضبوطة فالظاهر البطلان (4)، كما لو باعه دابة غائبة يعلم بحضورها، لكن لا يعلم زمانه.

(مسألة 18): إذا كان العاقد هو المالك فالاعتبار بقدرته، وإن كان وكيلاً في إجراء الصيغة فقط فالاعتبار بقدرة المالك، وإن كان وكيلاً في المعاملة كعامل المضاربة فالاعتبار بقدرته أو قدرة المالك، فيكفي قدرة أحدهما علي التسليم في صحة المعاملة، فإذا لم يقدرا معاً بطل البيع (5).

---------------

نعم إذا وقع مبيناً علي التسليم، بأن لم يُعلِم البايع المشتري بالحال فقد تتجه الصحة، لابتناء البيع علي إحراز سلامة المبيع مع سلامته فعلاً. فلاحظ.

(1) عملاً بالعمومات بعد قصور الوجوه السابقة عن ذلك.

(2) لعين الوجه السابق. والظاهر كفاية انضباط منتهي المدة، كما لو تردد الأمر من السنة إلي السنتين، لقصور الوجوه السابقة أيضاً، فيرجع للعمومات.

(3) لما ذكرناه آنفاً من أن البيع يبتني علي اشتراط التسليم ضمناً، فيثبت الخيار بتخلف الشرط المذكور.

(4) لا يخلو عن إشكال، لعدم وضوح جريان الوجوه السابقة. نعم قد يتجه ذلك مع طول المدة، بحيث يلحق المبيع بالتالف عرفاً. فتأمل.

(5) لا وجه لذلك إذا كان المشتري قادراً علي تحصيل المبيع، ورضي بأن يسعي هو لتحصيله، لعدم جريان الوجوه السابقة، كما ذكرناه آنفاً. بل هو لا يناسب ما سبق

ص: 171

(172)

(مسألة 19): يجوز بيع العبد الآبق مع الضميمة (1)

---------------

منه (قدس سره) فيما لو كانت العين مغصوبة. ولأجل ذلك قد يكون فرض قدرة المشتري علي تحصيل المبيع خارجاً عن مفروض كلامه (قدس سره).

بل يكفي قدرة الأجنبي علي تسليم المبيع إذا كان في مقام إعمال قدرته في ذلك، لعين ما سبق. نعم لا تكفي إذا لم يكن في مقام إعمال قدرته، لعدم إحراز سلامة المبيع للمشتري حينئذ، وصدق الغرر وغيره مما ذكروه في المقام، كما هو ظاهر.

(1) لا خلاف فيه نصاً وفتوي، كما في الجواهر. بل إجماعاً، كما في الانتصار والخلاف وكشف الرموز والتنقيح، وسبق من الغنية. ويقتضيه صحيح رفاعة وموثق سماعة المتقدمان. بل يستفاد من جميع النصوص المتقدمة بضميمة التعليل فيها، كما يظهر مما سبق. ويظهر منه أيضاً عدم الاختصاص بالآبق، بل يعم كلما يحتمل عدم وجوده، أو عدم حصوله للمشتري مع العلم بوجوده، كالحيوان الضال والشارد، وكالضايع.

ويظهر من الجواهر وشيخنا الأعظم (قدس سره) اختصاص ذلك بما إذا كان الآبق محتمل الحصول، دون ما إذا كان ميؤوساً من تحصيله، لقصور الحديثين عنه. أما صحيح رفاعة فلقوله فيه: (وأنا أطلبها)، فإن طلبها فرع رجاء الظفر بها. وأما موثق سماعة فلقوله (عليه السلام): (فإن لم يقدر علي العبد كان الذي نقده فيما اشتري منه)، لظهور (إن) الشرطية في أن الشرط أمر استقبالي.

لكن لا يبعد إلغاء خصوصية ذلك بلحاظ التعليل المذكور، لظهوره في أن المهم في المقام هو سلامة شيء في مقابل الثمن، وذلك حاصل مع اليأس عن تحصيل الآبق ولو للعجز عن الفحص عنه.

هذا وفي التنقيح: (الآبق مادام آبقاً ليس مبيعاً في الحقيقة، ولا جزء مبيع، لكنه مشروط الملكية للمشتري، كمن اشتري الحامل وشرط الحمل له، فإن الحمل ليس

ص: 172

(173)

مبيعاً ولا جزء مبيع... فلو تلف قبل قبضه لم ينقص شيء من الثمن).

وهو كما تري أولاً: لابتناء المعاملة في ظاهر النصوص علي كونه جزء مبيع، بل هو المقصود الأهم، لا مشروطاً تابعاً للمبيع.

وثانياً: لأنه فرض كونه مشروطاً فهو كذلك مطلقاً، لعدم انقلاب المعاملة بوجدانه عما وقعت عليه. وأما ما ذكره في آخر المسألة من زوال العلة التي هي العجز عن قبضه فيدفعه أن أولاً: المستفاد من نصوص بيع الآبق مع الضميمة قصور العلة في المقام عن المنع من كونه جزء مبيع. وثانياً: أن ارتفاع العلة لا يوجب انقلاب المعاملة عما وقعت عليه، كولادة الحمل في النظير الذي ذكره.

بقي شيء: وهو أنه لو مات الآبق قبل القدرة عليه فظاهر شيخنا الأعظم (قدس سره) المفروغية عن عدم تقسيط الثمن عليه لو كان الموت بعد اليأس من تحصيله، وإنما الإشكال فيما لو كان الموت قبل اليأس من تحصيله.

أما سيدنا المصنف (قدس سره) فقد أطلق ولم يستبعد تقسيط الثمن عليه، عملاً بعموم: كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بايعه. قال (قدس سره): (لخروج الفرض عن ظاهر النص أو منصرفه).

لكن لم يتضح الوجه في خروجه عنه بعد كون الآبق معرضاً لكل شيء حتي الموت، وابتناء بيعه علي أن يطلبه المشتري وعلي عدم مسؤولية البايع عنه وانقطاع علقته به.

وعليه يترتب عدم تقسيط الثمن عليه حتي لو مات قبل اليأس من تحصيله. وهذا هو العمدة، لا ما سبق من التنقيح من خروجه عن المبيع. لما عرفت من ضعفه.

ومنه يظهر عدم ثبوت الخيار أو الأرش لو أصابه عيب بعد البيع وقبل الحصول عليه. بل لا يبعد عدم ثبوتهما لو حصل العيب فيه بعد الإباق قبل البيع، حيث لا يبعد اختصاص ابتناء البيع علي السلامة من العيب إذا كان المبيع تحت يد البايع. نعم لو

ص: 173

(174) (174)

انكشف ثبوت العيب فيه قبل الإباق يتجه ثبوت الخيار أو الأرش.

كما أنه لو انكشف موته قبل البيع فالظاهر تقسيط الثمن، عملاً بالقاعدة بعدما سبق من كونه جزء مبيع لقصور الحديثين المتقدمين عنه. قال في الحدائق: (فلو ظهر تلفه حين العقد أو استحقاق الغير له بطل البيع فيما قابله من الثمن. ولو ظهر كونه مخالفاً للوصف تخير المشتري).

اللهم إلا أن يقال: تقدم منا رجوع التعليل في نصوص بيع العبد الآبق ونصوص بيع مشكوك الحصول كالسمك في الماء إلي قدر مشترك واحد وهو كفاية إحراز سلامة شيء من المبيع للمشتري، وذلك بعمومه شامل للمقام. ولاسيما أنه لم يفرض في حديثي بيع الآبق قرب الإباق من البيع، بحيث يكون بقاء الآبق علي حاله متوقعاً، ويكون البيع مبتنياً علي فرض وجود الآبق وبقائه علي حاله. ومن هنا يتعين البناء علي صحة البيع وعدم تقسيط الثمن، ولا ثبوت الخيار. إلا أن ينصرف البيع إلي فرض وجود الآبق، أو بقائه علي حاله، بحيث يبتني البيع علي ذلك، فيتعين التقسيط أو الخيار.

نعم إذا ظهر مستحقاً للغير أو مخالفاً للوصف قبل الإباق اتجه التقسيط، أو ثبوت الخيار، عملاً بالقاعدة بعد خروجه عن مفاد النصوص قطعاً.

هذا وأما لو تلفت الضميمة بعد البيع قبل قبضها وقبل تحصيل الآبق، فحيث كان مقتضي عموم: كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بايعه فساد البيع فيما يقابلها من الثمن، يتعين في المقام بطلان البيع رأساً حتي بالإضافة إلي الآبق، لأن مقتضي النص - ولو بلحاظ التعليل المشار إليه - عدم صحة بيع الآبق وحده حدوثاً وبقاء، كما أشار إليه شيخنا الأعظم (قدس سره). إذ لو صح البيع بالإضافة إليه حينئذ لا يحرز حصول المشتري علي شيء في مقابل ما دفعه من الثمن، كما لو اشتري الآبق وحده من أول الأمر.

ومثله ما لو فسخ البيع بالإضافة إلي الضميمة، لوجود عيب فيها قبل البيع

ص: 174

(175)

إذا كانت ذات قيمة معتد بها (1).

---------------

أو قبل قبضها. وأظهر من ذلك ما إذا انكشف بطلان البيع بالإضافة إلي الضميمة، لكونها مغصوبة مثلاً من دون أن يجيز مالكها بيعها.

نعم يتجه التقسيط وصحة البيع بالإضافة إلي الآبق لو حصل عليه وسلم له، ثم تلفت الضميمة قبل قبضها أو فسخ البيع بالإضافة إليها لعيب أو غيره، كما لعله ظاهر. غاية الأمر أن للمشتري حينئذ خيار تبعض الصفقة بالإضافة إلي الآبق.

ثم إن جميع ما ذكر في بيع الآبق مع الضميمة يجري في جميع موارد ضمّ معلوم الوجود والحصول في البيع إلي مجهول الوجود أو الحصول، بناء علي ما سبق منّا من استفادة العموم من مجموع النصوص المتقدمة، وعدم اختصاص الجواز ببيع الآبق مع الضميمة.

(1) أما بناء علي عدم جواز بيع ما لا قيمة له معتد بها فظاهر. وأما بناء علي جواز بيعه - كما سبق منّا في أوائل الكلام في المكاسب المحرمة - فلانصراف نصوص المقام للضميمة المعتد بها، أو اختصاصها بذلك، خصوصاً بلحاظ مواردها. فتأمل جيداً.

بقي شيء: وهو أن جميع ما تقدم يجري في الثمن. لأن جملة من الوجوه المتقدمة تشمله بعمومها كالمنهي عن بيع الغرر وكون المعاملة سفهية وغيرهما. وأما بقية الوجوه المستفادة من النصوص - كالنهي عن بيع ما ليس عندك، والتعليل المتقدم في النصوص التي اعتمدناها - فهي وإن اختصت بالمبيع، إلا أن المناسبات الارتكازية تقضي بإلغاء خصوصيته، والعموم للثمن.

نعم لو بني علي أن مقتضي القاعدة عموم اشتراط القدرة علي التسليم في العوضين، وأن جواز بيع الآبق مع الضميمة حكم تعبدي مخالف للقاعدة، فالمتعين الاقتصار فيه علي مورد النصوص، وهو كون الآبق مبيعاً، دون ما إذا كان ثمناً.

ص: 175

لكن في التنقيح: (ويحتمل الصحة. وهو الأقرب. إذ لا تغاير بين العوضين إلا باعتبار عارض). وهو كما تري بالقياس أشبه. إلا أن يرجع إلي فهم عدم الخصوصية من النص. ولا يخلو عن إشكال. فالعمدة ما سبق من ضعف المبني المذكور. فلاحظ. والله سبحانه وتعالي العالم العاصم. والحمد لله رب العالمين.

ص: 176

(177) (177)

الفصل الرابع: في الخيارات

وفيه مسائل..

(مسألة 1): الخيار (1)

---------------

(1) لا ينبغي التأمل في أن الأصل في العقود اللزوم لوجهين:

الأول: أن أدلة النفوذ - المتقدمة منا في أوائل كتاب التجارة - كما تقتضي نفوذ العقود تقتضي لزومها، كما يظهر بالتأمل فيها.

ودعوي: أن أدلة النفوذ خصوصاً قوله تعالي: أوفوا بالعقود(1) إنما تقتضي نفوذ العقد مادام موجوداً، فإذا احتمل انفساحه بالفسخ فلا مجال للتمسك بها لإحراز نفوذه، لعدم إحراز الموضوع، وهو العقد.

مدفوعة بأن نفوذ الفسخ لا يقتضي ارتفاع العقد، لأن العقد أمر حقيقي لا يرتفع بعد وقوعه، وإنما يقتضي ارتفاع أثره ومضمونه، ولذا كان الفسخ عرفاً رجوعاً عن مقتضي العقد منافياً للوفاء به، فإطلاق نفوذ العقد ووجوب الوفاء به يقتضي عدم مشروعية الفسخ وعدم ترتب الأثر عليه.

الثاني: استصحاب مضمون العقد عند الشك في ارتفاعه بالفسخ، بناء علي ما هو التحقيق من جريان استصحاب الأحكام الشرعية عند الشك في ارتفاعها مع بقاء موضوعها، كما هو محل الكلام. لظهور أن الخيار في العقد لا يرجع إلي ارتفاع

********

(1) سورة المائدة الآية: 1.

ص: 177

(178)

موضوعه بالفسخ، نظير انتهاء ملكية المنفعة بانتهاء مدة الإجارة، بل ارتفاع أثر العقد مع بقاء الموضوع، كالعوضين في البيع والإجارة، والعين الموهوبة في الهبة والزوجين في النكاح ونحوها.

نعم قد يستشكل فيه بأنه إنما يتم فيما إذا لم يكن مضمون العقد متصفاً بالجواز سابقاً، وإلا كان استصحاب جوازه حاكماً علي استصحابه. والي ذلك يرجع ما ذكره بعض مشايخنا (قدس سره) في المقام.

لكن من الظاهر أن اللزوم والجواز ليسا من الأحكام المجعولة للمضمون العقدي، ولا من التقسيمات الشرعية لحقيقته، وإنما ينتزعان من جواز الرجوع فيه شرعاً وعدمه.

وحينئذ فجواز الرجوع إن كان حكمياً رجع إلي ترتب الأثر علي الرجوع، الذي هو أمر تعليقي، بمعني أنه إن فسخ العقد ورجع فيه ارتفع المضمون العقدي، فيبتني استصحابه علي جريان الاستصحاب التعليقي، والتحقيق عدمه.

وإن كان حقياً فهو مجعول شرعاً، لرجوعه إلي ثبوت الحق لصاحب الخيار في فسخ العقد، وهو أمر قابل للاستصحاب. إلا أن يرجع الشك في بقائه للشك في أمد الفسخ المستحق، لا في أمد استحقاق الفسخ، حيث لا مجال للاستصحاب، لعدم إحراز الموضوع. فلاحظ.

هذا كله في وجه عموم اللزوم في العقود عموماً. أما البيع فيزيد علي بقية العقود بوجوه:

الأول: عموم قوله تعالي: ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم)(1). فإن مقتضي إطلاقه الأحوالي جواز أكل المال مع التجارة ولو بعد الفسخ من أحد الطرفين.

********

(1) سورة النساء الآية: 29.

ص: 178

(179)

ودعوي: أن الآية الشريفة إنما تضمنت نفوذ التجارة، وترتب الأثر عليها، ولا نظر فيها إلي بقاء نفوذها، وعدم ارتفاع أثرها بالفسخ.

مدفوعة بأن دلالتها علي النفوذ حيث كانت بلسان ترتب أثرها، وهو جواز أكل المال، وكان مقتضي إطلاقه جواز أكله ولو بعد الفسخ، فهو يدل علي عدم ترتب الأثر علي الفسخ.

الثاني: قوله تعالي: (وأحل الله البيع وحرم الربا)(1). فإن البيع لما كان مبنياً علي الإلزام والالتزام بمضمونه بنحو الإطلاق، لا موقتاً، فالحكم بحله المستتبع لنفوذه، ظاهر في نفوذه علي نحو ما التزم به من الإطلاق. غاية الأمر أنه تقدم في أول كتاب التجارة أنه لا إطلاق له من حيثية أفراد البيع. لكن ذلك لا يمنع من البناء علي لزوم ما ثبت نفوذه.

مضافاً إلي استفادة الإطلاق من حيثية أفراد البيع من صحيح عمر بن يزيد: (قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك إن الناس يزعمون أن الربح علي المضطر حرام، وهو من الربا. قال: وهل رأيت أحداً يشتري غنياً أو فقيراً إلا من ضرورة ؟! يا عمر قد أحلّ البيع وحرم الربا. فاربح، ولا تربه [ترب]. قلت: وما الربا؟ قال: دراهم بدراهم مثلين بمثل)(2).

اللهم إلا أن يقال: الالتزام بمضمون البيع بنحو الإطلاق، ودلالة الآية الشريفة علي نفوذه كذلك، وإن كانا مسلمين، إلا أن ذلك إنما يقتضي ترتيب أثره كذلك إذا بقي نافذاً، والآية الشريفة إنما تدل علي أصل نفوذه، لا علي استمرار نفوذه. وهذا بخلاف الآية السابقة، فإن مقتضي إطلاقها جواز أكل المال بالنحو الذي تقتضيه التجارة بعد حصولها مطلقاً ولو بعد فسخها، وذلك يستلزم لغوية الفسخ، وعدم ترتب الأثر عليه. فلاحظ.

********

(1) سورة البقرة الآية: 275.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 40 من أبواب آداب التجارة حديث: 1.

ص: 179

(180) (180)

الثالث: ما تضمن استحباب إقالة النادم في البيع(1) لظهوره في المفروغية عن لزوم البيع، وأنه ليس للنادم فسخه إلا أن يرضي الآخر، فيقيله. نعم لا إطلاق له في ذلك، لعدم وروده لبيان لزوم البيع، بل لبيان استحباب الإقالة فيه بعد المفروغية عن لزومه.

الرابع: النبوي المشهور: (إن الناس مسلطون علي أموالهم)(2). فإنه يقتضي سلطنة الإنسان علي ما دخل في ملكه بسبب البيع وغيره من العقود الناقلة للمال، بحيث لا يخرج عن ملكه بغير رضاه، ومن دون إعمال سلطنته، وذلك مستلزم للزوم العقد، وعدم نفوذ فسخه بغير رضاه.

ودعوي: أن الحديث إنما يدل علي سلطنة الإنسان علي ماله، لا علي انحصار السلطنة عليه به، بحيث لا سلطنة عليه لغيره، ليدل علي عدم نفوذ فسخ الطرف الآخر للعقد.

مدفوعة: بأن إطلاق السلطنة علي المال كما السلطنة علي إيقاع التصرف فيه، يقتضي السلطنة علي منع حصول التصرف فيه، فحصول التصرف فيه من الغير مناف لسلطنة المالك عليه.

نعم لو كان موضوع السلطنة نفس إيقاع التصرف فسلطنة المالك علي إيقاعه لا ينافي سلطنة غيره علي إيقاعه أيضاً. والفرق بينهما نظير الفرق بين قولنا: زيد مسلط علي أن يسكن الدار، وقولنا: زيد مسلط علي الدار. فإن الأول لا ينافي سلطنة غيره علي أن يسكن فيها، بخلاف الثاني.

ومن ثم كان تعدد السلطان علي الشيء موجباً لضعف سلطنة كل منهم، لمزاحمتها بسلطنة الآخرين، ومقتضي الإطلاق كمال السلطنة.

نعم النبوي المذكور ضعيف بالإرسال. لكن مضمونه مقتضي المرتكزات

********

(1) راجع وسائل الشيعة ج: 12 باب: 3 من أبواب آداب التجارة.

(2) بحار الأنوار ج: 2 ص 272.

ص: 180

(181)

العقلائية التي عليها العمل. فلاحظ.

الخامس: ما تضمن جعل الغاية في خيار المجلس الافتراق، وجعل الغاية في خيار الحيوان ثلاثة أيام، كما يأتي، فإنه يقتضي عموم لزوم البيع بعد الغايتين المذكورتين.

وأما ما ذكره بعض المحققين (قدس سره) وحكي عن أستاذه المحقق الخراساني (قدس سره) من أن مفاد نصوص خيار المجلس ثبوت اللزوم من حيثية خيار المجلس لا مطلقاً، فلا ينافي ثبوت الخيار من حيثية أخري.

فهو إنما يتجه لو كانت النصوص المذكورة واردة لبيان أمد الخيار المذكور بعد الفراغ من ثبوته. أما حيث كانت واردة في مقام تشريع هذا الخيار، فهي ظاهرة في تحديد أصل الخيار وعدم ثبوته بعد التفرق والأيام الثلاثة.

ودعوي: أن ذلك مقتضي الجمع بين أدلة الخيارات المختلفة، لأنه أولي من حملها علي التخصيص. ممنوعة جداً، لقوة ظهورها في تحديد أصل الخيار.

وهناك بعض النصوص المتفرقة الأخر الدالة علي لزومه في الجملة. بل تعرض النصوص لموارد الخيار في البيع، وعدم تعرضها لموارد لزومه، شاهد بأن البيع بطبعه يبتني علي اللزوم، وأن الخيار فيه خروج عن مقتضاه، ولذا احتاج للبيان دون اللزوم.

وهناك بعض الوجوه الأخر ذكرت في المقام لا ملزم بإطالة الكلام فيها بعد وفاء ما سبق بالمطلوب. ومن ثم لا ينبغي الإشكال في أصالة اللزوم في البيع وجميع العقود.

بقي شيء: وهو أن موضوع اللزوم في المقام لما كان هو العقد بملاك الوفاء به، فلابد فيه من أمرين:

الأول: أن يكون المضمون المنشأ عقدياً، وقد سبق في أول الكلام في فصل

ص: 181

شروط العقد أنه لابد في صدق العقد من التزام كل من الطرفين بمضمون واحد للآخر علي نفسه، لابتنائه علي نحو من الكلفة عليه. فلو كان الالتزام من جانب واحد علي نفسه لم يكن عقداً، بل إيقاعاً، كما في المسابقة والجعالة ونحوهما مما كان من سنخ الوعد.

وحينئذ لا يجب الوفاء به بملاك الوفاء بالعقد، بل له العدول عنه قبل الشروع في العمل قطعاً. غاية الأمر أن بناء العقلاء علي لزوم الوفاء بالوعد إذا ابتني علي حمل الموعود علي بذل جهد وإنجاز عمل من أجل تحصيل الأمر الموعود به، فلا يجوز الامتناع عن دفع الجعل بعد إنجاز العمل بالقصد المذكور. لكنه ليس بملاك الوفاء بالعقد، بل بملاك آخر.

بل إذا كان العمل الذي يترتب عليه الجعل مركباً - كبناء الدار وخياطة

الثوب - يتعين عرفاً تقسيط الجعل علي بعض العمل.

نعم إذا ابتني الشروع في العمل علي إكماله، رجع ذلك إلي الالتزام من الطرفين عند الشروع في العمل بالمعاوضة بين تمام العمل والأجرة، بمعني التزام العامل لباذل الأجر بتمام العمل في مقابل الأجرة، والتزام الباذل بتمام الأجرة في مقابل تمام العمل. وحينئذ لا يجوز الرجوع لكل منهما، لأن ذلك نحو من العقد والصلح بين الطرفين يجب الوفاء به.

كما قد يكون ذلك بإشغال المسافر المقعد في السيارة أو تحركها به نحو مقصد متفق عليه بين الطرفين، علي اختلاف الأعراف. فإنه لا يجوز لكل منهما الرجوع وإن لم يقع بينهما العقد قبل الركوب في السيارة.

كما أنه لا يبعد عدم جواز الرجوع في المسابقة للباذل بمجرد الشروع في التسابق، لأن موضوع الوعد وإن كان هو السبق الذي هو نتيجة التسابق، إلا أن المراد به هو التسابق المفضي للسبق. فالشروع في التسابق شروع في العمل عرفاً، لا في مقدمته، وهو ملحوظ بنحو المجموعية، لا بنحو الانحلال.

ص: 182

ولا أقل من ابتناء المسابقة عرفاً علي عدم الرجوع بالشروع بالتسابق، وإلا كان له الرجوع عند ظهور أمارة السبق، وهو لا يناسب وضع المسابقة.

بل إذا ابتني البذل علي تعهد الباذل بعدم الرجوع عنه بمجرد الشروع في المقدمات من أجل التشجيع علي العمل الموعود عليه تعين عدم جواز الرجوع بالشروط فيها. لرجوعه إلي دخول المقدمات في موضوع البذل.

وكيف كان فعدم الرجوع في ذلك وأمثاله ليس بملاك لزوم العقد، بل بملاك احترام عمل المبذول له بعد وقوعه مبنياً علي البذل ولذا يجوز الرجوع قبل الشروع في العمل. نعم إذا ابتني البذل علي التعهد من كل من الطرفين للآخر بالعمل في مقابل المال المبذول، بأن يتعهد العامل بالعمل مقابل المال المبذول ويتعهد الآخر بالمال في مقابل العمل، رجع إلي التعاقد بينهما نظير عقد الإجارة وتعين لزوم العقد المذكور وعدم جواز الرجوع فيه حتي قبل الشروع في العمل.

الثاني: أن يكون الرجوع في العقد منافياً لمقتضاه لابتناء مضمونه علي البقاء كالبيع والهبة والإجارة والنكاح وغيرها، فإن الرجوع فيه حينئذ ينافي الوفاء بالعقد اللازم بمقتضي الأدلة المتقدمة.

أما إذا لم يكن مضمون العقد مبنياً علي البقاء فارتفاع مضمونه لا ينافي الوفاء بالعقد، كما في الوديعة، فإنها وإن كانت عقداً يبتني علي الائتمان علي العين لحفظها، بحيث يكون المودع متعهد بإيكال حفظها للودعي، والودعي ملزماً بذلك، إلا أنها لا تبتني علي بقاء الائتمان المذكور، لما هو المعلوم من ابتناء الوديعة علي رجوع العين لصاحبها، فلا بد من رجوعها إلي الائتمان ماداما راضيين بذلك. وحينئذ لا يكون رجوع كل منهما عن الاستيداع منافياً للوفاء بالعقد، فينفذ بمقتضي سلطنة كل منهما علي نفسه وماله.

بل حتي لو حدد بمدة معينة لا يراد بذلك إلزام كل منهما باستمرار الاستيداع في تمام المدة المذكورة، بل مجرد تحديد مدة الاستيداع في نفسه من دون أن ينافي الرجوع

ص: 183

(184)

حق يقتضي السلطنة علي فسخ العقد (1)،

---------------

فيه منهما قبل انقضاء المدة.

نعم قد يرجع ذكر المدة إلي إلزام أحد الطرفين أو كليهما بها، كما لو كان المالك لا يسهل عليه استرجاع الوديعة أو حفظها قبل انقضاء المدة، فيشترط علي الودعي الاستيداع في تمامها، أو كان الودعي لا يسهل عليه إرجاع الوديعة قبل انقضاء المدة، فيشترط علي المالك الاستيداع في تمامها.

وحينئذ يتعين البناء علي لزوم الوفاء من أحدهما أو منهما معاً بالشرط، وعدم الرجوع في الاستيداع في تمام المدة المشروطة. لكن ليس لابتناء عقد الاستيداع علي البقاء، بل من جهة الشرط المذكور.

ويجري ذلك في مثل العادية والوكالة مما لا يبتني علي البقاء في نفسه، وإن كان قد يبتني عليه بشرط زائد علي العقد. فلاحظ. والله سبحانه العالم العاصم، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

(1) قد أشار شيخنا الأعظم (قدس سره) إلي الكلام في بعض الجهات المتعلقة بتعريف الخيار، وأطال من بعده في ذلك بما لا يسعنا التعرض له، لعدم وضوح ترتب الفائدة عليه بعد رجوعه لتحديد المعني الاصطلاحي للخيار، ولا مشاحة في الاصطلاح. ولعل الأنسب التعرض لأمرين:

الأول: أن الخيار الذي هو محل الكلام من الحقوق. ولذا أخذت الملكية في تعريفيه الآتيين منهم. والحق نحو من الملك، تكون السلطنة عليه متفرعة علي استحقاقه وتملكه، نظير السلطنة علي المال. وليس هو حكماً يرجع للسلطنة علي الفسخ ابتداء، نظير السلطنة علي المباح الأصلي، كما هو الحال في العقد الجائز، حيث لصاحبه فسخه من دون أن يكون ذلك حقاً مملوكاً له.

ويمتاز الحق بكونه قابلاً للمعاوضة، كما سبق في أول الفصل الثالث. كما أنه

ص: 184

(185)

يقبل الإسقاط الرافع لموضوع السلطنة. بخلاف الحكم، فإنه لا يقبله، بل هو تابع سعة وضيقاً للجعل الشرعي ابتداء.

الثاني: المحكي عن فخر المحققين في الإيضاح تعريف الخيار بأنه ملك فسخ العقد، ونسبه شيخنا الأعظم (قدس سره) لجماعة من المتأخرين وإليه يرجع ما في المتن.

وعرفه في التنقيح بأنه عبارة عن ملك إقرار العقد وإزالته. وتبعه علي ذلك غير واحد. قال شيخنا الأعظم (قدس سره): (ويمكن الخدشة فيه بأنه إن أريد من إقرار العقد إبقاؤه علي حاله بترك الفسخ، فذكره مستدرك، لأن القدرة علي الفسخ عين القدرة علي تركه، إذ القدرة لا تتعلق بأحد الطرفين. وإن أريد منه إلزام العقد وجعله غير قابل لأن يفسخ، ففيه أن مرجعه إلي إسقاط حق الخيار، فلا يؤخذ في تعريف نفس الخيار...).

لكن الظاهر الفرق بين الأمرين، وأنه يبتني علي نحو حال العقد في زمان الخيار. فإن قلنا بأنه كالعقدة السهلة الحل، يمكن حلها لصاحب الخيار، ويصير بانتهاء زمن الخيار كالعقدة المحكمة الشدّ، بحيث لا يمكنه حلها، أمكن فرض الفسخ والإقرار فيه، ويكون الفسخ نظير حلّ العقدة والإقرار نظير إحكام شدها.

كما أنه يمكن إسقاط الخيار، ويكون مرجعه إلي بقاء العقد في زمن الخيار علي ما هو عليه قابلاً للحل والشد، غاية الأمر أنه لا سلطان لصاحب الخيار علي أحد التصرفين، لسقوط حقه. ولا يقرّ العقد، بحيث يكون كالعقدة المحكمة الشد إلا بانتهاء زمن الخيار.

وإن قلنا بأن العقد لا يختلف حاله في زمن الخيار عن حاله بعده. غايته أن لصاحب الخيار السلطنة علي فسخه، فحينئذ لا موضوع للإقرار، لعدم الأثر له. غايته أنه يمكن إسقاط الخيار، فترتفع السلطنة علي الفسخ، كما لو انتهي زمن الخيار.

والمرتكز عرفاً الثاني. ولاسيما في الخيار المشروط، إذ ليس قصد المتعاقدين من جعل الخيار وجداناً إلا جعل السلطنة علي فسخه من دون تبديل لواقع العقد.

ص: 185

نعم قد يظهر من بعض النصوص الأول، كصحيح علي بن رئاب عن أبي عبد الله (عليه السلام): (قال: الشرط في الحيوان ثلاثة أيام للمشتري اشترط أم لم يشترط. فإن أحدث المشتري فيما اشتري حدثاً قبل الثلاثة أيام فذلك رضاً منه فلا شرط له...)(1).

وموثق السكوني عنه (عليه السلام): (أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قضي في رجل اشتري ثوباً بشرط إلي نصف النهار، فعرض له ربح فأراد بيعه. قال: ليشهد أنه قد رضيه واستوجبه، ثم ليبعه إن شاء. فإن أقامه في السوق ولم يبع فقد وجب عليه)(2).

وفي صحيح الحلبي: (إن رغب في الربح فليوجب الثوب علي نفسه، ولا يجعل في نفسه أن يرد الثوب علي صاحبه إن رد عليه)(3) ونحوها غيرها.

لصراحتها في أن لزوم العقد بالتصرف ليس لكون التصرف ملزماً بنفسه، كانتهاء أمد الخيار، بل لكونه متفرعاً علي الرضا بمضمون العقد واستيجابه، المستلزم لاختلاف حال العقد. بالرضا والاستيجاب عما كان عليه قبلهما.

وحمل الرضا والاستيجاب علي إسقاط حق الخيار - كما قد يظهر من شيخنا الأعظم (قدس سره) وغيره - تكلف مخالف لظاهر النصوص، ولواقع حال المتصرف. إذ غاية ما يكون منه هو البناء علي عدم إعمال حق الخيار، وهو أمر آخر غير إسقاطه.

وهو المناسب لما ذكره شيخنا الأعظم (قدس سره) من الاستدلال علي سقوط الخيار بإسقاطه بفحوي ما تضمن أن التصرف في المبيع مسقط للخيار، معللاً بأنه رضا بالبيع. لظهوره في أن الإسقاط أمر زائد علي الرضا. ومن ثم تكون النصوص المذكورة مناسبة للتعريف الثاني.

اللهم إلا أن يقال: النصوص المذكورة لم تتضمن استيجاب البيع والرضا به، ليحمل - بقرينة سبق إيجابه والرضا به حين إيقاعه - علي إرادة إقرار العقد زائداً علي

********

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 4 من أبواب الخيار حديث: 1.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 12 من أبواب الخيار حديث: 1.

(3) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 4 من أبواب الخيار حديث: 2.

ص: 186

(187)

برفع مضمونه (1). وهو أقسام:

(الأول): ما يسمي خيار المجلس (2). يعني: مجلس البيع. فإنه إذا وقع البيع كان لكل من المشتري والبايع الخيار في الفسخ في المجلس (3) م

---------------

إيقاعه، وإنما تضمنت الرضا بالمبيع، المستلزم للبناء علي عدم إعمال حق الخيار.

وهو وإن لم يرجع إلي إسقاط حق الخيار، كما سبق، إلا أنه لا يرجع إلي إقرار العقد بالمعني المتقدم. بل غاية الأمر سقوط الخيار بالرضا المذكور، وهو لا يشهد بصحة التعريف الثاني. بل يجتمع مع التعريف الأول، فلا مخرج عنه بعدما سبق من مناسبته للمرتكزات. فلاحظ.

(1) أشار (قدس سره) بذلك إلي ما ذكرنا آنفاًً من أن الفسخ لا يرفع العقد، بل يرفع أثره ومضمونه.

(2) قال في المسالك: (إضافة هذا الخيار إلي المجلس إضافة إلي بعض أمكنته، فإن المجلس موضع الجلوس، وليس بمعتبر في تحقق هذا الخيار...). وتبعه علي ذلك غير واحد ممن تأخر عنه. وهو متين جداً، لأن موضوع الخيار في النصوص ليس هو المجلس، بل عدم الافتراق، فيشمل ما لو أوقعا البيع ماشيين مصطحبين، أو فارقا مجلس العقد كذلك، كما يظهر مما يأتي.

(3) إجماعاً منا بقسميه ونصوصاً مستفيضة أو متواترة. كذا في الجواهر. ومن تلك النصوص صحيح محمد مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام): (قال: قال رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم): البيعان بالخيار حتي يفترقا. وصاحب الحيوان بالخيار ثلاثة أيام)(1). ونحوه غيره. ومنها يظهر أن موضوع الخيار هو الاجتماع المقابل للافتراق، لا كونهما في المجلس، كما سبق.

نعم في موثق غياث بن إبراهيم عنه عن أبيه عن علي عليهم السلام: (قال: قال

********

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 1 من أبواب الخيار حديث: 1.

ص: 187

(188)

لم يفترقا، فإذا افترقا ولو بخطوة لزم البيع وانتفي الخيار (1).

---------------

علي (عليه السلام): إذا صفق الرجل علي البيع فقد وجب وإن لم يفترقا)(1). ولا مجال للخروج به عن النصوص الكثيرة المشهورة المعول عليها عند الأصحاب.

وقد يحمل علي إرادة نفوذ البيع وصحته، لا علي لزومه، كما ذكره الشيخ في التهذيبين. أو علي التقية، كما في الجواهر، حيث حكي إنكار هذا الخيار عن شريح والنخعي وأبي حنيفة ومالك.

واحتمل في الوسائل حمله علي اشتراط سقوط الخيار. وهو الذي استظهره بعض مشايخنا (قدس سره) من الحديث، لأن معني الصفق - علي ما في اللغة - ضرب أحدهما يده علي الآخر دلالة علي لزوم البيع وكناية عنه، فإذا صفقا فقد ألزما البيع بإسقاطهما الخيار.

وكأنه أخذه من مثل ما في لسان العرب. قال: (وصفق يده بالبيعة والبيع وعلي يده صفقاً: ضرب بيده علي يده عند وجوب البيع). لكن لم يتضح كون مراده بوجوب البيع لزومه، بل لعل المراد به أصل إنشاء البيع وعقده، كما لعله المناسب لقولهم: ربحت صفقتك، وصفقة رابحة أو خاسرة، ونحو ذلك.

وكيف كان فإن أمكن توجيه الموثق بما يناسب النصوص المشهورة، وإلا تعين الإعراض عنه ورد علمه لقائله (عليه السلام).

(1) لا ريب في سقوط هذا الخيار بالافتراق، وهو المصرح به في كلام كل من ذكره. وفي الجواهر: (إجماعاً بقسميه ونصوصاً مستفيضة أو متواترة).

وأما الاكتفاء في تحقق الافتراق بالخطوة فهو المصرح به في المبسوط والخلاف والتهذيبين والغنية والوسيلة والشرايع والقواعد وعن غيرها، وفي الجواهر: (بلا خلاف يعتد به أجده فيه).

********

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 4 من أبواب الخيار حديث: 7.

ص: 188

قال في التذكرة: (التفرق حقيقة في غير المتماسين، وهو يحصل بأن يكون كل واحد منهما في مكان ثم يتبايعان. لكن ذلك غير مراد من قوله (عليه السلام): ما لم يتفرقا. أي ما لم يجددا افتراقاً بعد عقدهما، فيبقي المراد ما لم يفارق أحدهما مكانه، فإنه متي فارق تخللها أجسام أكثر مما كان تخللهما أولاً، فيثبت معني الافتراق بأقل انتقال ولو بخطوة). وقريب منه في جامع المقاصد والمسالك ويبدو من غير واحد الجري علي ذلك. ومن الظاهر أن مرادهم بمفارقة أحدهما لمكانه مفارقته له بعكس اتجاه الآخر.

وفيه: أن ما ذكره من أن التفرق حقيقة في غير المتماسين لا يخلو عن إشكال، فإن التفرق عرفاً مقابل الاجتماع، لا مقابل الالتصاق والتماس، والمقابل للالتصاق والتماس هو الانفصال، لا التفرق. ولا أقل من كون ذلك هو المراد من النصوص في المقام.

وإلا فبعد أحدهما عن الآخر مهما كثر لا يوجب حدوث الافتراق بالمعني المقابل للتماس بعد العدم، لأن الافتراق لا يتعدد، بل غايته أن يصدق زيادة البعد والنصوص كالصريحة في أن المسقط للخيار هو حدوث الافتراق بعد العدم، لا زيادة البعد. وحملها علي ذلك ليس بأولي من حمل الافتراق فيها علي ما يقابل الاجتماع. بل لا ريب في تعين الثاني لو غض النظر عما سبق من أنه هو معني الافتراق عرفاً.

وأما ما ذكره شيخنا الأعظم (قدس سره) من حمل الافتراق علي الافتراق الإضافي بلحاظ الهيئة الاجتماعية الحاصلة لهما حين العقد. فهو غريب جداً، إذ الافتراق ليس أمراً إضافياً، بل هو أمر حقيقي عرفي يقابل الاجتماع، كما ذكرنا.

وأشكل من ذلك ما في مفتاح الكرامة، حيث وافقهم فيما سبق، إلا أنه ذكر أن الافتراق لا يتجدد بأقل من خطوة، لأن الغالب عدم حفظ النسبة بين المتعاقدين في مجلس العقد، وللإجماع علي ذلك في ظاهر الغنية.

إذ فيه: أن غلبة عدم حفظ النسبة بين المتعاقدين إنما يكشف عدم كفاية البعد بالمقدار القليل الذي يغلب التعرض له حال الجلوس، ولا ينافي كفاية البعد بما زاد

ص: 189

عليه مما هو دون الخطوة، كالشبر والشبرين. وأما ظهور دعوي الإجماع في الغنية فهو - لو تم - لا ينهض بالحجية، لعدم حجية الإجماع المنقول، خصوصاً في مثل الغنية. ولاسيما مع عدم وضوح كونه إجماعاً تعبدياً.

وبذلك يظهر أن المعيار في سقوط الخيار هو صدق الافتراق بعد الاجتماع، ولا إشكال في عدم تحققه بتجدد البعد بينهما بمقدار خطوة أو أكثر إذا لم يخل بالاجتماع عرفاً، كما لو كانا في مجلس واحد ودخل عليهما شخص فجلس إلي جنب أحدهما فابتعد عنه الآخر بمقدار خطوة. وكذا لو رجع إلي الوراء مقدار خطوة محافظاً علي المواجهة بينهما.

بل قد يشكل تحققه عرفاً بالسير خطوة في مقام الافتراق. ولاسيما بلحاظ صحيح محمد بن مسلم: (سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إني ابتعت أرضاً، فلما استوجبتها قمت فمشيت خطي، ثم رجعت، فأردت أن يجب البيع)(1) ، وفي صحيحه الآخر: (ثم رجعت إلي مجلسي ليجب البيع حين افترقا)(2) ، وصحيح الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام): (أنه قال: إن أبي اشتري أرضاً يقال لها العريض، فلما استوجبها قام فمضي. فقلت له: يا أبه عجلت القيام. فقال: يا بني أردت أن يجب البيع)(3) ، ونحوه صحيحه الآخر(4).

فإن ما تضمنه الأولان من رجوعه (عليه السلام) بعد مشيه يناسب توقف لزوم البيع علي المشي خطي، ولا يكفي فيه الخطوة الواحدة، إذ لا داعي للزيادة عليها لو كانت كافية في لزوم البيع بعد أن كان (عليه السلام) في مقام الرجوع. كما أن ما تضمنه الأخيران من التعبير بالمضي يناسب اعتبار صدق المضي الذي يشكل صدقه بالخطوة.

ومن ثم يتعين اعتبار صدق الافتراق بينهما عرفاً. ولا يبعد اختلاف الموارد في مقدار البعد المتجدد الذي يتوقف عليه، ولا يتيسر لنا فعلاً إعطاء الضابط في ذلك، بل

********

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 2 من أبواب الخيار حديث: 2، 3.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 2 من أبواب الخيار حديث: 2، 3.

(3) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 2 من أبواب الخيار حديث: 1، 4.

(4) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 2 من أبواب الخيار حديث: 1، 4.

ص: 190

يتعين الاقتصار علي ذكر الافتراق العرفي، كما ذكره بعض مشايخنا (قدس سره).

وبذلك يظهر الحال فيما لو كانا مفترقين حين البيع، كما لو تناديا بالبيع من بُعد، وكما لو كان إيقاع البيع بينهما بالهاتف أو نحوه من طرق الاتصال الشايعة في عصورنا. فإنه لو كان المعيار في التفرق علي ما سبق منهم أمكن تحققه في ذلك بتجدد زيادة في البعد المكاني بينهما، كما صرح بذلك في جامع المقاصد. قال: (ولا فرق فيما قلناه بين قرب المكانين وبعدهما، حتي لو تناديا بالبيع من بعد اعتبر التفرق من مكانيهما لسقوط الخيار).

أما بناء علي ما ذكرناه فلا موضوع للافتراق. وهل يثبت الخيار حينئذ. قال في التنقيح: (هل عدم الافتراق هنا بمعني السلب أو عدم الملكة، أي عدم الافتراق عما من شأنه. كلاهما محتمل. وتظهر الفائدة في العاقد عن اثنين، فإنه علي السلب يثبت الخيار ما لم يشترط سقوطه أو يلتزم به عنهما بعد العقد... وهو قول الشيخ في المبسوط وعلي الثاني وهو عدم الملكة لم يثبت، لعدم تحقق الافتراق إلا بين اثنين). وقد صرح بثبوت الخيار هنا غير واحد.

لكن لا ينبغي التأمل في ظهور النصوص في إرادة الافتراق بعد الاجتماع، فتقصر عن الصورة المذكورة ويتعين البناء علي عدم ثبوت الخيار رأساً ولزوم البيع عملاً بعمومات اللزوم.

نعم قد يدعي قيام مثل الاتصال بالهاتف مقام الاجتماع، وقيام قطع الاتصال مقام الافتراق. إلا أنه لا مجال لاستظهار ذلك من نصوص المقام بل هو بالقياس أشبه.

وأشكل منه ما نقله في المبسوط قولاً من أنه مع تولي شخص وحد طرفي العقد يثبت الخيار وتقوم مفارقة المكان الذي يقع فيه العقد مقام الافتراق ويلزم بها العقد. فإنه تحكم صرف.

ومثله ما في التذكرة في بيع الأب أو شرائه من ولده الصغير من ثبوت الخيار

ص: 191

(192)

وعدم سقوطه في حق كل من الطرفين إلا بالتزام العقد منه أو ممن يقوم مقامه. بدعوي: أن الولي قائم مقام الشخصين في صحة العقد، فكذا في الخيار.

إذ فيه: أن قيامه مقام الشخصين في صحة العقد مقتضي ولايته. أما الخيار فحيث كان موضوعه الاجتماع قبل الافتراق فلا يكفي في تحققه الولاية، بل لابد من تعدد المعاقدين كما هو مقتضي تثنية البيع في النصوص. وأما ما ذكره من حملها علي الغالب فهو لا يناسب جعل الافتراق غاية الخيار.

وأوضح من ذلك ما إذا كان العاقد قد اشتري لنفسه من المال الذي له الولاية عليه من دون أن يكون للمال صاحب يكون ولياً عليه، كشراء الوصي من ثلث الميت، وشراء ولي الزكاة من المال الزكوي. لعدم تعدد المتعاقدين لا بلحاظ الأصل ولا بلحاظ المباشرة. حيث يقصر موضوع الخيار عن البيع المذكور، لأن موضوع الخيار هو المتبايعان لا البيع، فيتعين لزوم البيع. عملاً بعمومات اللزوم.

بقي في المقام أمور:

الأول: قال في الشرايع: (لو ضرب بينهما حائل لم يبطل الخيار. وكذا لو أكرها علي التفرق). ونحوه كلام غيره.

أما ما ذكره في الحائل فقد عقب عليه في الجواهر بقوله: (قطعاً. لعدم صدق التفرق به، سواء كان غليظاً أو رقيقاً ثوباً أو جداراً من طين أو جص، بلا خلاف أجده بيننا...).

لكن عدم صدق التفرق قد يتضح في بعض أفراده، كالرقيق والغليظ غير المبني علي الثابت. بل يكفي الشك في صدق التفرق إذا كان للشبهة الموضوعية. لاستصحاب عدمه. وأما إذا كان للشبهة المفهومية فلا مجال لاستصحاب عدم التفرق، لأنه من استصحاب المفهوم المردد.

ومن ثم قد يرجع فيه لاستصحاب الخيار، بناء علي أنه المرجع عند الشك في

ص: 192

(193)

استمرار حكم المخصص. لكن الظاهر ضعف المبني المذكور، وأن المرجع في مثل المقام هو العام - علي ما ذكرناه في الأصول - وهو في المقام عموم لزوم العقد.

هذا وأما مثل الحائط المبني علي الثبات فالظاهر صدق التفرق به، الذي هو غاية للخيار، وسبب للزوم البيع. ودعوي: أنه لابد من إسناد التفرق للمتبايعين، وهو غير حاصل في المقام. ممنوعة، لأن نسبة الافتراق إليهما في النصوص أعمّ من ذلك.

ولذا لا إشكال في الاكتفاء بقيام أحدهما من المجلس مع بقاء الآخر فيه، كما تضمنته النصوص السابقة. وهو المقطوع به من السيرة. ولو كان المعتبر هو استناد الافتراق لهما لم يكف ذلك، لأنه يستند إلي أحدهما فقط. كيف ولازم ذلك بقاء الخيار وإن قاما عن مجلسهما بعد ذلك، لأن قيامهما عن مجلسهما لا يحقق الافتراق منهما بعد أن تحقق قبل ذلك.

نعم بناء علي أن المراد بالافتراق زيادة البعد المكاني بينهما يتجه عدم تحقق الافتراق بينهما بذلك، بل لابد فيه من زيادة البعد المكاني. لكن سبق المنع من ذلك، وأن المدار علي الافتراق المقابل للاجتماع.

الثاني: قال في المبسوط: (فإن أكرها أو أحدهما علي التفرق فإن منعنا [منعا. ظ] التخاير والفسخ معاً كان وجود هذا التصرف [التفرق. خ ل] وعدمه سواء... وإن كان الإكراه علي التفرق لا يمنع التمكن من التخاير والفسخ ينقطع الخيار، لأنه إذا كان متمكناً من الإمضاء والفسخ فلم يفعل حتي وقع التفرق كان ذلك دليلاً علي الرضا والإمضاء). وقريب منه كلام غيره.

ومرجع ما ذكروه إلي أن مسقط الخيار ليس مطلق التفرق، بل التفرق الكاشف عن الرضا بالعقد، والبناء علي عدم الفسخ.

وقد يستدل لهم بصحيح فضيل عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: (قلت له: ما الشرط في غير الحيوان ؟ قال: البيعان بالخيار ما لم يفترقا، فإذا افترقا فلا خيار

ص: 193

بعد الرضا منهما)(1). حيث يدل علي أن مسقطية الافتراق للخيار من أجل كشفه عن الرضا بالبيع والبناء علي عدم فسخ.

وفيه أولاً: أن الصحيح لم يتضمن تقييد الافتراق بما يكشف عن الرضا بالعقد والبناء علي عدم فسخه، ولا تعليل مسقطية الافتراق للخيار بذلك، ليرجع للتقييد، بل غايته بيان حصول الأمر المناسب لسقوط الخيار ارتكازاً، ولو بلحاظ غلبة مقارنته للافتراق. فهو من سنخ الحكمة التي لا يدور الحكم مدارها وجوداً وعدماً.

غاية الأمر أن يكون الصحيح قاصراً عن صورة عدم كشف الافتراق عن الرضا، من دون أن ينهض بتقييد إطلاقات مسقطية الافتراق للخيار.

نظير ما لو ورد: وضع الله عز وجل الصوم عن المسافر، ولم يكن ليجمع عليه جهد الصوم وجهد السفر، أو ورد: إذا رأت المطلقة الطهر الثالث فلتتزوج بعد أن أمنت الحمل. فإن الأول، لا ينهض بتقييد إطلاقات النهي عن الصوم في السفر، وقصرها علي خصوص من كان السفر مجهداً له. والثاني لا ينهض بتقييد إطلاقات اعتداد المطلقة بثلاثة قروء، وقصرها علي خصوص من لا تأمن الحمل قبلها.

وثانياً: أنه لم يتضح كون المراد بالرضا في الصحيح هو الرضا ببقاء العقد، والبناء علي عدم فسخه، بل قد يكون المراد به هو الرضا بأصل العقد حين إنشائه، فيرجع المراد إلي أنه لا خيار لهما بعد أن صدر العقد برضاهما، وانتهي زمن الخيار بالافتراق.

فإن تم هذان الوجهان في أنفسهما بدوا، ولم يكونا مخالفين لظاهر الصحيح فذاك، وإلا تعين حمله عليهما أو علي أحدهما، حيث لا يمكن البناء علي اختصاص الافتراق المجعول غاية للخيار بما يكشف عن الرضا ببقاء العقد، والبناء علي عدم فسخه، إذ لا إشكال ظاهراً في كفاية الافتراق سهواً، أو غفلة عن البيع أو عن ثبوت خيار المجلس، أو جهلاً به. وفي كفاية مفارقة أحدهما من دون مراعاة التفات الآخر،

********

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 1 من أبواب الخيار حديث: 3.

ص: 194

كما هو منصرف النصوص المتقدمة المتضمنة لمشي الإمام (عليه السلام) خطي، حيث يصعب حملها علي خصوص ما إذا كان المشتري ملتفتاً لذلك، ولما يترتب عليه من لزوم العقد.

وأشكل من ذلك ما في الجواهر من إطلاق عدم سقوط الخيار بالافتراق عن إكراه بحيث يشمل ما إذا كانا قادرين علي الفسخ ولم يفسخا. قال: (للأصل بعد تبادر الاختيار من النصوص. ولذا يصح أن يقال: لم يفترقا، ولكن فرقا. معتضداً بأنه شرع للإرفاق المفقود مع الإجبار. وبما في صحيح الفضيل السابق من الإشعار. بل لو أريد منه بعد الرضا بالافتراق كان نصاً في المطلوب).

لكن التبادر ممنوع. ولاسيما بملاحظة ما ذكرناه آنفاً من أن النصوص قد تضمنت نسبة الافتراق لهما، مع أنه لا ريب في عدم اعتبار استناده لهما معاً، فضلاً عن كونه باختيارهما، بل يكفي أن يستند لأحدهما فقط، كما جرت عليه السيرة وهو منصرف نصوص مشي الإمام (عليه السلام) خطي.

وأما قولنا: لم يفترقا، ولكن فرقا. فالاستدراك فيه قرينة علي أن المراد بالافتراق خصوص الاختياري منه من دون أن يكون ذلك هو الظاهر منه في نفسه. نظير قولنا: لم يأتنا رجل بل رجلان، حيث لا يدل علي صدق مجيء الرجل بمجيء رجلين.

علي أنه لو تم كون ذلك هو الظاهر منه في نفسه فلا مجال للبناء علي أن ذلك هو المراد منه في نصوص المقام بعد ما سبق.

ثم إن ما ذكره من التبادر إن بلغ مرتبة اليقين بظهور نسبة الافتراق للمتبايعين في صدوره باختيارهما تعين الرجوع في بقاء الخيار لإطلاق دليله بعد عدم حصول الغاية، من دون حاجة للأصل وهو استصحاب الخيار.

وإن لم يبلغ مرتبة اليقين بالظهور المذكور، بحيث يرجع إلي إجمال دليل الخيار فالمرجع عمومات اللزوم، دون الأصل بناء علي ما هو التحقيق من أن المرجع مع الشك في بقاء حكم المخصص هو عموم العام، لا الاستصحاب.

ص: 195

وأما تشريع الخيار للإرفاق فهو - لو تم - لا ينفع في المقام، لأن الإرفاق في أصل تشريع الخيار، لا في تحديد أمده، فلا ينافي كون الغاية له مطلق الافتراق ولو لا عن تروّ واقتناع بصلاح البيع. ولذا لا ينافي الإرفاق المدعي الاكتفاء بالافتراق لحاجة ملحة تمنع من التروي لاستيضاح أن الأصلح هو الفسخ أو عدمه.

وأما صحيح الفضيل فحمل الرضا فيه علي الرضا بالافتراق لا شاهد له. وحمله علي الرضا بالبيع والبناء علي عدم فسخه لو تم وغض النظر عما سبق منا إنما يقتضي عدم سقوط الخيار بالإكراه علي الافتراق مع المنع من إعمال الخيار، لا مطلقاً، كما لعله ظاهر.

نعم قد يستدل علي ذلك بما تضمن رفع ما استكرهوا عليه(1) بلحاظ أن مرجع الرفع الشرعي إلي عدم ترتب الأثر علي الفعل المستكره عليه، وهو في المقام سقوط الخيار.

لكن تقدم عند الكلام في بيع المكره اختصاص الرفع عرفاً بما كان من سنخ تبعة الفعل المكره عليه، وما هو من سنخ المسؤولية المترتبة عليه، كالعقوبة الأخروية والدنيوية بمثل الحدود والتعزير والقصاص، وكوجوب الكفارة، والنفوذ في مثل العقد والإيقاع والإقرار والنذر واليمين، فإن مرجع ذلك عرفاً إلي تحمل الإنسان تبعة عمله ومسؤوليته به، فيكون هو المرفوع بمقتضي الأدلة المذكورة، دون بقية آثار

العمل - كانفعال الماء بملاقاة النجاسة، وحرمة الحيوان بالذبح علي خلاف الوجه الشرعي - ومنه المقام، فإن سقوط الخيار بالافتراق ليس لكونه من سنخ التبعة له، بل لمجرد كونه غاية له شرعاً.

هذا وبناء علي عدم سقوط الخيار بالافتراق عن إكراه مطلقاً أو مع المنع من إعمال الخيار فاللازم البناء علي بقاء الخيار بعد زوال الإكراه مهما طال الزمان وأبعدا في الافتراق وقطع المسافة، عملاً بعموم ثبوت الخيار للمتابعين بعد فرض اختصاص

********

(1) راجع وسائل الشيعة ج: 11 باب: 56 من أبواب جهاد النفس، وج: 16 باب: 12، 16 من كتاب الأيمان.

ص: 196

(197)

غاية الخيار بالافتراق الاختياري غير الحاصل في المقام. والإبعاد في الافتراق ليس إحداثاً لافتراق جديد، بل هو استمرار في الافتراق الواحد المفروض عدم ترتب الأثر عليه.

نعم لو اجتمعا بعد الافتراق المذكور اتجه سقوط الخيار بتجدد الافتراق عنه، لحصول الغاية به بعد فرض عدم حصولها بالافتراق الأول. وكلماتهم في المقام في غاية الاضطراب والإشكال، ولا يسعنا تعقيبها.

الثالث: قال في التذكرة: (لو مات أحد المتعاقدين في مجلس العقد احتمل سقوط الخيار، لأنه يسقط بمفارقة المكان فبمفارقة الدنيا أولي. وعدمه لانتفاء مفارقة الأبدان...) لكن ما ذكره في وجه السقوط من الأولوية ممنوع، كما في جامع المقاصد. كما أن ما ذكره في وجه عدم السقوط من انتفاء مفارقة الأبدان يشكل بأن المعيار ليس مفارقة الأبدان، بل مفارقة المتبايعين.

ومن هنا فقد يوجه بقاء الخيار تارة: بإطلاق ما تضمن بقاء الخيار ما لم يفترقا، لأن الموت ليس افتراقاً. وأخري: بالاستصحاب، كما في جامع المقاصد.

لكن من الظاهر أنه كما لا يصدق بالموت الافتراق لا يصدق الاجتماع، حتي بالمعني الذي سبق منهم، وهو كونهما علي الهيئة التي كانا عليها حين العقد، وقد ظهر مما سبق أن جعل الغاية الافتراق شاهد بكون موضوع الخيار هو الاجتماع بأي معني فرض، فمع تجدد حالة لا يصدق فيها الاجتماع ولا الافتراق يخرج المورد عن موضوع الخيار المذكور. ولا أقل من كونه خارجاً عن منصرف نصوصه.

وحينئذ يكون المرجع فيه عموم لزوم العقد. وبه يخرج عن استصحاب الخيار لو جري في نفسه، لإحراز بقاء الموضوع، لما هو المعلوم من حكومة الدليل علي الأصل.

نعم لو سقط أحدهما أو كلاهما من قابلية إعمال الخيار بجنون أو إغماء، مع بقاء حياته تعين بقاء الخيار ماداما لم يفترقا، ويتعين قيام الولي مقام صاحب الخيار في إعماله

ص: 197

(198)

ولو كان المباشر للعقد الوكيل كان الخيار للمالك (1).

---------------

أو إسقاطه حسب ما يراه صلاحاً. فإذا لم يعمل ولايته في أحد الأمرين حتي تفرقا ولو لا عن قصد لزم العقد. فلاحظ.

(1) قال في التذكرة: (لو اشتري الوكيل أو باع، أو تعاقد الوكيلان، فالأقرب تعلق الخيار بهما وبالموكلين في المجلس، وإلا فبالوكيلين. فلو مات الوكيل في المجلس والموكل غائب انتقل الخيار إليه، لأن ملكه أقوي من ملك الوارث).

وظاهره ملك الوكيل للخيار، وهو الظاهر من غير واحد. وكأنه لإطلاق ما دل علي ثبوته للمتايعين، لصدق البايع علي الوكيل بلحاظ صدور البيع منه.

والذي ينبغي أن يقال: لما كان المراد بالبيعين البايع والمشتري، فنسبة البيع والشراء للشخص تارة: يكون بلحاظ وقوع أحدهما له، لتعلقه، بملكه. وأخري: يكون بلحاظ صدور أحد طرفي العقد منه للإيجاب أو القبول.

فإن حملت نصوص المقام علي الأول كان الخيار حقاً ثابتاً للأصيل، فينتقل لوارثه لو بقي موضوع الخيار بعد موته، ولا حق فيه للوكيل ولا للولي. غاية الأمر أنهما قد يقومان مقام الأصيل في إعماله.

وإن حملت نصوص المقام علي الثاني كان الخيار حقاً ثابتاً لمتولي طرف العقد، سواءً كان أصيلاً أم ولياً أم وكيلاً. بل حتي الفضولي لو فرض تحقق الإجازة مع بقاء موضوع الخيار. ولا يقصر عن أحدهم إلا بدليل، ولو لدعوي انصراف الإطلاق عنه لو تمت. وحينئذ كما يستقل بإعماله لنفسه إذا كان أصيلاً، كذلك يستقل بأعماله لنفسه وإن لم يكن أصيلاً. لكن لا بلحاظ قيامه مقام الأصيل، فلا يجب عليه مراعاة مصلحة الأصيل ولا رضاه، بل له اعماله حتي مع نهيه. كما ينتقل لوارثه لو بقي موضع الخيار بعد موته، ولا دخل للأصيل حينئذ به.

ولا مجال للحمل علي الأمرين معاً، بحيث يثبت للكل، كما يظهر مما تقدم

ص: 198

من التذكرة وغير واحد منهم شيخنا الأعظم (قدس سره) لدعوي صدق البايع علي الكل، فيكون مقتضي الإطلاق العموم للجميع.

إذ فيه: أنه لا جامع بين الأمرين عرفاً، ليكون هو الموضوع له المراد في المقام، لظهور اختلاف منشأ انتزاع نسبة البيع للشخص بين الوجهين.

ولاسيما مع ظهور كون اللام في قولهم (عليه السلام): (البيعان بالخيار...) للعهد الجنسي، المستلزم لانحصار موضوع الخيار المذكور بشخصين. نعم لو كان التعبير هكذا: المتبايعون بالخيار، أو كل بايع يثبت له الخيار، أو: كل بيعين يثبت لهما الخيار، أمكن ثبوته لأكثر من أثنين. فلاحظ.

ومن هنا يدور الأمر بين الوجهين المقدمين. ولا ينبغي التأمل في قضاء المناسبات الارتكازية بالأول، لظهور أن الخيار عموماً يبتني علي الإرفاق بالأصيل وإعطاء الفرصة له ليختار الأصلح بنظره. ويؤكد ذلك أمور:

الأول: أنه من شؤون المعاملة التابعة للأصيل، والمنظور فيها صلاحه.

الثاني: أن دليله عرفاً مخصص لوجوب الوفاء بالعقد، مع وضوح أن المخاطب بوجوب الوفاء بالعقد هو الذي يتعلق العقد به. غاية الأمر أن صحته في حقه تستلزم صحته في كل أحد. وذلك يناسب كون الخيار حقاً لمن يخاطب بوجوب الوفاء.

الثالث: أن خيار الحيوان ثابت للأصيل، لأنه صاحب الحيوان، الذي تضمنته النصوص، ومنها ما يأتي، ولأنه هو المشتري الذي يكون تصرفه في الحيوان مسقطاً لخياره.

كما أن خيار المجلس قد سيق في جملة من النصوص في مساق خيار الحيوان، بنحو يظهر في كون خيار الحيوان مستثني من عموم لزوم العقد بالافتراق.

ففي صحيح محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام): (قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: البيعان بالخيار حتي يفترقا. وصاحب الحيوان بالخيار ثلاثة

ص: 199

أيام)(1) ، ونحوه صحيح زرارة عن أبي جعفر (2)(عليه السلام).

وفي صحيح فضيل عن أبي عبد الله (عليه السلام): (قلت له: ما الشرط في غير الحيوان ؟ قال: البيعان بالخيار ما لم يفترقا...)(3). وفي معتبر علي بن أسباط عن أبي الحسن

الرضا (عليه السلام): (سمعته بقول: الخيار في الحيوان ثلاثة أيام للمشتري وفي غير الحيوان أن يتفرقا. وأحداث السنة ترد بعد السنة...)(4).

فإذا كان خيار الحيوان ثابتاً للأصيل - كما سبق - تعين ثبوت خيار المجلس له أيضاً... إلي غير ذلك.

والحاصل: أنه لا ينبغي التأمل في قضاء المناسبات الارتكازية وغيرها بكون الخيار حقاً للأصيل. وسلطنة الوكيل والولي عليه - لو تمت - في طول سلطنة الأصيل عليه، لا لثبوته لهما في أنفسهما، فلا يحق لهما إعماله مع نهي الأصيل أو مخالفته لمصلحته.

نعم قد يشكل الأمر في خيار المجلس بأن الغاية له لما كانت هي افتراق المتابعين فإذا كان المراد من المتبايعين فيه الأصيل لزم كون المدار في ثبوته وارتفاعه علي اجتماع الأصيلين حين العقد وافتراقهما بعده، ولا اعتبار باجتماع المباشرين للعقد وافتراقهما إذا لم يكونا معاً أصيلين.

بل حيث كان منصرف الأدلة هو افتراق المباشرين للعقد بعد اجتماعهما، لزم اختصاصه بما إذا كان المباشران معاً أصيلين، فلا يثبت مع كون المباشر هما الوكيلين أو الوليين أو الولي والوكيل أو أحد الأصيلين مع أحدهما.

ويصعب جداً البناء علي ذلك، لشيوع تصدي الولي والوكيل للمعاملة،

********

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 1 من أبواب الخيار حديث: 1.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 3 من أبواب الخيار حديث: 6.

(3) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 1 من أبواب الخيار حديث: 3.

(4) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 2 من أبواب العيوب حديث: 4.

ص: 200

وظهور مفروغية الأصحاب عن ثبوت الخيار حينئذ. بل لا يبعد قيام السيرة علي ذلك، خصوصاً في مثل المضارب، والذي يخلف صاحب المحل في محله والوكيل المفوض والولي، للغفلة عن الفرق بينهم وبين المالك.

لكن من الظاهر أن بناءهم علي ثبوت الخيار حينئذ لا يرجع إلي البناء علي استحقاق الوكيل والولي له استقلالاً، بحيث لهما إعماله علي خلاف مصلحة الأصيل أو مع نهيه لو كان كاملاً، بل لا بد من مراعاة مصلحته وعدم الخروج عن إذنه. وذلك يكشف عن أن سلطنتهما علي الخيار كسلطنتهما علي المعاملة في طول سلطنته، المناسب لكون الخيار حينئذ حقاً للأصيل. غاية الأمر أنهما يقومان مقامه في إعماله.

ومن هنا يتعين النظر في كيفية تنزيل النصوص والأدلة علي ما يناسب ذلك.

قال في جامع المقاصد: (والذي يجب أن يحقق في الحديث: أن البيعين إن أريد بهما العاقدان لأنفسهما لم يعم الوكيلين ولا الموكلين. وإن أريد بهما مالك المبيع ومالك الثمن لم يطابق أول الحديث آخره إلا إذا كان المالكان هما العاقدان، لأن قوله: ما لم يفترقا. لا يصدق في المالكين إذا كان العاقد غيرهما، لأنه يصير معناه حينئذ: البيعان بالخيار ما لم يفترق العاقدان، وهو غير ظاهر. إلا أن يدعي وجود القرينة الدالة علي مرجع هذا الضمير لسبق [عدم(1)] الاجتماع للعقد. أو يقال: الحديث دال علي حكم المالكين المتعاقدين، لأنه الغالب. وحكم ما إذا كان العاقد وكيلاً مستفاد من خارج).

هذا ولا يخفي أن الوجه الأول للتعميم ظاهر التكلف بنحو يكاد يقطع بعدم إرادته من النصوص. وأما الوجه الثاني فكان الأولي له (قدس سره) تتميمه بتوجيه اختصاص النصوص بالمالكين المتعاقدين، بأن الأصل في تصرف الإنسان تصرفه أصالة عن نفسه. وإلا فالغلبة لو تمت ليست بمرتبة تقتضي انصراف النصوص.

وكيف كان فقد عقب في الجواهر علي استفادة حكم الوكيل من الخارج بقوله:

********

(1) الظاهر زيادتها، كما يناسبه ما حكاه عنه في الجواهر.

ص: 201

(قد يصعب إقامة دليل معتبر علي ثبوته للوكيلين صالح لقطع أصالة اللزوم مع فرض عدم إرادتهما من لفظ الحديث).

لكن يمكن ابتناء الوكالة علي أن الوكيل كما يقوم مقام الموكل في إجراء عقد البيع يقوم مقامه في الاجتماع والافتراق اللذين يناط بهما الخيار وجوداً وعدماً، وفي إعمال حق الخيار، كما يقوم مقامه في إحراز سلامة المبيع أو بعضه علي النحو المتقدم عند الكلام اعتبار القدرة علي التسليم، وفي العلم بقدر العوضين بالمقدار المعتبر في صحة البيع، وفي القبض قبل الافتراق المعتبر في الصرف.

وحينئذ يتجه البناء علي ذلك ولو للجمع بين ما تقدم من الوجه في كون الخيار حقاً للأصيل والسيرة علي عدم اختصاصه بما إذا كان المتولي للمعاملة هو الأصيلين.

وعلي ذلك يكون إلحاق الوكيلين مستفاداً من مقتضي الوكالة، ولو بضميمة السيرة الارتكازية. وأظهر منه في ذلك الولي، حيث لا رأي ولا سلطنة ولا تصرف للمولي عليه معه.

وبذلك يتعين قصور ذلك عن الوكيل في خصوص إجراء صيغة العقد، حيث لا وجه لقيامه مقام الموكل في بقية شؤون المعاملة ومتعلقاتها. بل الظاهر انصراف البيع عنه، وصدقه عرفاً علي من تناط به المعاملة أصيلاً كان أو ولياً أو وكيلاً، فيكون المدار علي اجتماعه وافتراقه، كما يكون هو المتولي لإعمال الخيار لو أراد.

والحاصل: أنه لا ينبغي التأمل بعد النظر في النصوص والرجوع للمرتكزات والسيرة في عموم ثبوت الخيار لعقد الولي والوكيل الذي تناط به المعاملة، وفي كون الخيار ملكاً للأصل، وأنهما يقومان مقامه في تحقيق موضوعه وإعماله، من دون أن يكون حقاً لهما في قباله. وإنما الكلام في كيفية استفادته من النصوص وتوجيه دلالتها عليه. وهو غير مهم بعد ثبوت أصل الحكم. فلاحظ. والله سبحانه وتعالي العالم العاصم.

ص: 202

فإن كان الوكيل وكيلاً في إجراء الصيغة فقط فليس له الفسخ عن المالك (1). ولو كان وكيلاً في تمام المعاملة وشؤونها كان له الفسخ عن المالك (2). والمدار علي اجتماع المباشرين وافتراقهما، لا المالكين (3). ولو فارقا المجلس مصطحبين بقي الخيار لهما حتي يفترقا (4). ولو كان الموجب والقابل واحداً - وكالة عن المالكين أو ولاية عليهما - ففي ثبوت الخيار إشكال، بل الأظهر العدم (5).

---------------

(1) كما يظهر مما ذكرنا. ويأتي تمام الكلام في ذلك.

(2) لأنه المتيقن مما تقدم في وجه قيام الوكيل مقام الأصل. ومنه يظهر أنه لابد من مراعاة مصلحة المالك ومتابعة أمره. ونظيره في جميع ذلك الولي.

(3) هذا ظاهر في الوليين والوكيلين اللذين تناط بهما المعاملة، إذ مع قيامهم مقام الأصيل في جميع شؤون المعاملة يتعين كون المدار في الاجتماع والافتراق عليهم، لا علي الأصيل. غاية الأمر أنه حيث تقدم أن الخيار حق للأصيل فلابد من البناء علي جواز إعماله له مع أهليته، كما هو الحال في الموكلين قبل افتراق الوكيلين.

أما الوكيلان في إجراء صيغة العقد فقط فبعد فرض قصور وكالتهما لا وجه لكون المدار علي اجتماعهما وافتراقهما، بحيث يجوز للأصيلين إعمال حق الخيار قبل افتراق الوكيلين المذكورين، بل يتعين كون المدار علي اجتماع الموكلين حينئذ وافتراقهما، كما ذكرناه آنفاً.

(4) لما سبق في أول الكلام في هذا الخيار من أن موضوعه ليس هو مجلس العقد، بل الاجتماع المقابل للافتراق.

(5) كما يظهر وجهه مما تقدم عند الكلام في تحديد الافتراق.

ص: 203

(204) (204)

(مسألة 2): هذا الخيار يختص بالبيع، ولا يجري في غيره من المعاوضات (1).

(مسألة 3): يسقط هذا الخيار باشتراط سقوطه في العقد (2).

---------------

(1) كما صرح به غير واحد. ويظهر من بعض المواضع من المبسوط وغيره المفروغية عن عدم جريانه في غير البيع، ونسبه في التذكرة لعلمائنا، وادعي في الغنية الإجماع عليه.

وهو المتعين بعد اختصاص النصوص به. والمرجع في غيره عموم اللزوم في العقد واستصحاب مضمونه، كما يظهر مما تقدم في أول هذا الفصل.

لكن في المبسوط: (وأما الوكالة والعارية والوديعة والقراض والجعالة فلا يمنع من دخول الخيارين فيها مانع) ومراده بالخيارين خيار المجلس وخيار الشرط.

وهو خال عن الوجه بعد ما سبق. بل لا يناسب ما سبق منه من اختصاص خيار المجلس بالبيع. ومن ثم حاول غير واحد تأويل كلامه وتوجيهه بما لا يسعنا إطالة الكلام فيه.

(2) بلا خلاف أجده فيه بل في الغنية الإجماع عليه. كذا في الجواهر. لعموم نفوذ الشرط المستفاد مما تضمن أن المسلمين أو المؤمنين عند شروطهم(1).

وقد يستشكل فيه بوجوه:

الأول: ما ذكره بعض مشايخنا (قدس سره) من أن ظاهر الكبري المذكورة لزوم العمل علي الشرط تكليفاً، نظير قولنا: المؤمن عند وعده. وهو إنما يتم في اشتراط الأعمال التي تكون تحت قدرة المكلف، ولا تشمل المقام، حيث يكون الشرط سقوط الخيار بنحو شرط النتيجة من دون أن يتوقف علي فعل المكلف، ولا يتعلق به.

********

(1) راجع وسائل الشيعة ج: 12 باب: 6 من أبواب الخيار، وج: 15 باب: 20، 40 من أبواب المهور، وج: 16 باب: 4، 11 من أبواب المكاتبة وغيرها.

ص: 204

وفيه: أن الكبري المذكورة لم تتضمن الحث علي تحقيق الشرط، ليختص بشرط الفعل، بل الالتزام بمقتضاه وتنفيذه عملاً، وهو كما يكون بفعل الأمر المشروط لو كان عملاً، كذلك يكون بترتيب أثره لو كان أمراً آخر، كما في المقام.

ولا مجال لقياسه بمثل قولنا: المؤمن عند وعده. فإن اختصاصه بالفعل ناشئ من اختصاص الوعد به، حيث لا يتعلق الوعد إلا بالأفعال، بخلاف الشرط، فإنه

- كالعقد - يتعلق بالأفعال وبالنتائج معاً.

ويشهد بما ذكرنا تطبيق الكبري المذكورة في النصوص علي شرط النتيجة. ففي صحيح علي بن رئاب عن أبي الحسن موسي (عليه السلام): (سئل وأنا حاضر عن رجل تزوج امرأة علي مائة دينار علي أن تخرج معه إلي بلاده، فإن لم تخرج معه فإن مهرها خمسون ديناراً إن أبت أن تخرج معه إلي بلاده. فقال: إن أراد أن يخرج بها إلي بلاد الشرك فلا شرط له عليها في ذلك. ولها مائة دينار التي أصدقها إياها. وإن أراد أن يخرج بها إلي بلاد المسلمين ودار الإسلام فله ما اشترط عليها. والمسلمون عند شروطهم...)(1) لظهور أن نقصان المهر وصيرورته خمسين ديناراً ليس من شرط الغعل.

وفي صحيح الحلبي: (سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول في المكاتب: كان الناس مرة لا يشترطون ان عجز فهو ردّ في الرق، فهم اليوم يشترطون، والمسلمون عند شروطهم...)(2) ونحوه غيره.

وفي صحيح سليمان بن خالد عنه (عليه السلام): (سألته عن رجل كان له أب مملوك، وكان لأبيه امرأة مكاتبة قد أدت بعض ما عليها، فقال لها ابن العبد: هل لك أن أعينك في مكاتبتك حتي تؤدي ما عليك بشرط أن لا يكون لك الخيار علي أبي إذا أنت ملكت نفسك ؟ قالت نعم. فأعطاه في مكاتبتها علي أن لا يكون لها الخيار

********

(1) وسائل الشيعة ج: 15 باب: 40 من أبواب المهور حديث: 2.

(2) وسائل الشيعة ج: 16 باب: 4 من أبواب المكاتبة حديث: 5.

ص: 205

عليه بعد ذلك. قال: لا يكون لها الخيار. المسلمون عند شروطهم)(1).

علي أنه قد شاع في النصوص تنفيذ الشرط الذي ليس بفعل، ومن القريب جداً أن يكون نفوذه من صغريات الكبري المذكورة، لا أجنبياً عنها وبملاك آخر. ولا أقل من نهوض هذه النصوص بالقرينية علي عموم نفوذ الشرط لذلك لو سلم قصور الكبري المتقدمة عنه لفظاً. ومن هنا لا ينبغي الإشكال في العموم.

نعم النتائج التي يصح اشتراطها هي المتعلقة بما للمشروط عليه السلطنة عليه من أمواله وحقوقه، كاشتراط أن عليه كذا درهماً، أو نماء شجره، أو منفعة داره، أو انتفاء حق له كاشتراط عدم ثبوت النفقة للزوجة، أو ثبوت حق عليه، كالخيار أو نحو ذلك.

أما نتائج المعاملات - ككون الشيء مبيعاً، والمرأة زوجة أو مطلقة، أو نحو ذلك - فلا مجال له، بل هو تابع لتحقق سببه. لسوق دليل نفوذ الشروط لبيان كون الاشتراط سبباً لاستحقاق الأمر المشروط علي المشروط عليه، أو تخليه عنه، بعد الفراغ عن سلطنته عليه، لا لبيان سببية الشرط للمسببات في عرض أسبابها.

وبعبارة أخري: مبني الشرط علي استحقاق الشيء، أو التخلي عنه وإسقاطه، عملاً كان أو عيناً أو منفعة أو حقاً، لا علي جعل مضامين عقدية أو إيقاعية، بل هو تابع لإنشائها بشروطها المقررة.

الثاني: ما ذكره (قدس سره) أيضاً من أن الشرط المذكور مخالف للسنة، لإطلاق دليل ثبوت خيار المجلس في البيع، الشامل لصورة اشتراط عدمه، وهو موجب لبطلان الشطر - كمخالفة الكتاب - كما يستفاد من النصوص(2).

وفيه: أن الخيار بعد أن كان حقاً لصاحبه فإعمال السلطنة فيه باشتراط السقوط

********

(1) وسائل الشيعة ج: 16 باب: 11 من أبواب المكاتبة حديث: 1.

(2) وسائل الشيعة ج: 20 باب: 4 من أبواب المهور حديث: 6 وباب: 29 منها حديث: 1، وباب: 38 منها حديث: 1، وج: 16 باب: 15 من أبواب المكاتبة حديث: 1، وقد يستفاد من غيرها.

ص: 206

أو الثبوت لا ينافي أدلة التشريع الأولية، فكما لا يكون اشتراط الخيار في العقد اللازم منافياً للزومه، لا يكون اشتراط سقوط الخيار في العقد الخياري منافياً لثبوته. ونظير ذلك بيع العين مسلوبة المنفعة إلي أمد، وبيعها بشرط استحقاق منفعة عين أخري، كما لو اشتري الرضيع وحده بشرط أن ترضعه أمه أو تحضنه حتي يستقل. فإن كلا الأمرين لا ينافي حكم الشارع الأقدس، بتبعية العين للمنفعة في الملكية. والي هذا يرجع ما ذكره شيخنا الأعظم (قدس سره) في المقام.

نعم لو كان الخيار حكمياً، كما في العقود الجائزة، اتجه عدم نفوذ اشتراط سقوطه. كما لا يصح اشتراط ثبوته في العقد اللازم، بأن يشترط صيرورة العقد جائزاً من دون أن يكون الخيار فيه حقاً للمشترط. لمنافاة الشرط في الموردين لحكم الشارع الأقدس.

ويناسب ذلك ما سبق في صحيح سليمان بن خالد في اشتراط عدم الخيار للمكاتبة إذا ملكت نفسها. وأما ما ذكره بعض مشايخنا (قدس سره) من الاقتصار فيه علي مورده، فهو لا يناسب ما تضمنه من تطبيق كبري نفوذ الشروط، لظهوره في أن الكبري المذكورة تنهض بجعل الشرط مسقطاً لحق الخيار، وأنه لا ينافي ثبوته لو لا الشرط.

ومثله ما ذكره أيضاً من حمله علي اشتراط أن لا تُعمِل حق الخيار بالفسخ، مع ثبوت الخيار لها شرعاً. فإنه مخالف لظاهر الصحيح جداً. وإنما يتجه لو كان التعبير هكذا: بشرط أن لا تختاري.

الثالث: ما ذكره شيخنا الأعظم (قدس سره) من أن الشرط إنما يجب الوفاء به إذا كان العقد المشروط فيه لازماً، دون ما إذا كان جائزاً. لأن الشرط لا يزيد علي أصل العقد، فكيف يكون الشرط في المقام موجباً للزوم العقد بعد أن كان جائزاً في نفسه، لفرض ثبوت الخيار فيه ؟!.

وفيه: أن عدم لزوم الشرط في ضمن العقد الجائز إنما هو بمعني جواز رفع اليد

ص: 207

عنه تبعاً لرفع اليد عن العقد بفسخه، لا بمعني جواز رفع اليد عنه مطلقاً ولو بقاء العقد وعدم فسخه. فمع فرض صحة العقد في نفسه في المقام يتعين نفوذ الشرط، فإذا نفذ واقتضي سقوط الخيار تعين لزوم العقد. وربما يرجع إلي ذلك ما ذكره شيخنا الأعظم (قدس سره) في الجواب عن هذا الوجه. وإن كان الظاهر عدم رجوعه إليه. فلاحظ. وربما يأتي عند التعرض لاشتراط عدم الفسخ ما ينفع في المقام.

الرابع: إن إسقاط الخيار في ضمن العقد إسقاط لما لم يجب، لأن الخيار لا يحدث إلا بعد البيع، فإسقاطه فيه كإسقاطه قبله، وكأنه إلي هذا يرجع ما حكاه في التذكرة عن بعض الشافعية.

وقد أجاب عن ذلك شيخنا الأعظم (قدس سره) بانصراف دليل ثبوت الخيار عن صورة الشرط المذكور، فيكون الشرط موجباً لخروج العقد عن موضوع الخيار تخصصاً، لا أنه موجب لسقوط الخيار مع ثبوته اقتضاء، ليكون من إسقاط ما لم يجب.

لكنه كما تري لا يناسب استدلاله (قدس سره) علي نفوذ الشرط المذكور بعموم نفوذ الشرط، فإن الاحتياج في سقوط الخيار لعموم نفوذ الشرط فرع ثبوت الخيار اقتضاء، تبعاً لعموم دليله. كما هو أيضاً مقتضي تعبير كثير منهم عن الشرط المذكور باشتراط سقوط الخيار، لا باشتراط عدم ثبوته. ويأتي تمام الكلام في ذلك.

كما أن الانصراف في غاية المنع. وهل يمكن البناء علي ذلك في إطلاقات سائر الأحكام، كالميراث ووجوب نفقة الأرحام ؟! وما هو الضابط في الفرق ؟

فالأولي الجواب عن الوجه المذكور بأن الشرط المذكور لا يتضمن إسقاط الخيار، ليكون من إسقاط ما لم يجب، بل اشتراط سقوطه بنفسه من دون إسقاط له، فيكون مقتضي نفوذ الشرط هو سقوط الخيار في مرتبة متأخرة عن تمامية الشرط تبعاً لتمامية العقد، المستتبعة لثبوت الخيار اقتضاء. وبعبارة أخري: بعد أن كان مقتضي تمامية العقد ثبوت الخيار فالشرط يقتضي سقوطه في مرتبة متأخرة عن ذلك.

ص: 208

وبذلك يظهر الإشكال فيما ذكره بعض مشايخنا (قدس سره) في المقام، فإن - بعد أن منع من تحكيم عموم نفوذ الشرط للوجهين السابقين - ذكر أن الخيار بعد أن كان من الحقوق فكما يمكن إسقاطه بعد العقد وفعلية ثبوت الخيار بلا كلام، يمكن إسقاطه حين العقد معلقاً علي ثبوته به. ولا محذور في التعليق بعد انحصار الدليل علي مبطليته بالإجماع القاصر عن المقام، لمعروفية القول بسقوط الخيار بذلك، بل أدعي عليه الإجماع.

وجه الإشكال: أن المفروض في المقام ليس هو إسقاط الخيار لا منجزاً ولا معلقاً، بل اشتراط سقوطه، فإذا فرض قصور عموم نفوذ الشرط عن الشرط المذكور فما الوجه في صحته في المقام ؟

مع أن قصور الإجماع علي مبطلية التعليق في المقام لا ينفع في إثبات صحة الإسقاط المعلق بعد أن كان الإسقاط إيقاعاً لا دليل علي نفوذه. لانحصار عموم النفوذ بالعقود التي ليس الإسقاط منها قطعاً، وبالشروط المفروض في كلامه (قدس سره) قصور دليل نفوذها عن المقام، بل مقتضي الأصل عدم ترتب الأثر علي الإسقاط المعلق، وبقاء الخيار المسبب عن العقد بمقتضي إطلاق أدلته.

ولاسيما مع عموم معقد الإجماع علي مبطلية التعليق للمقام، لما سبق من أن مورد كلامهم في المقام هو اشتراط سقوط الخيار، لا إسقاطه معلقاً علي حصوله. فتأمل.

وقد تحصل من جميع ما تقدم أنه لا مانع من صحة الشرط المذكور بعد أن كان مقتضي عموم نفوذ الشروط صحته.

وبذلك يظهر صحة اشتراط سقوط الخيار، سواءً كان في نفس العقد أم في عقد آخر، كما لو باعه الكتاب واشترط عليه سقوط الخيار في بيع الدار الواقع قبل بيع الكتاب أو الذي يقع بعده. كل ذلك لعموم نفوذ الشروط بالتقريب المتقدم.

وأما ما ذكره بعض مشايخنا (قدس سره) من عدم التزام الفقهاء بصحة اشتراط سقوط

ص: 209

(210) (210)

الخيار في بيع متأخر عن العقد الذي يقع فيه الشرط. فهو غير ظاهر المأخذ. بل مقتضي إطلاق كلام شيخنا الأعظم (قدس سره) - بمقتضي النسخة المعروفة - صحته. فراجع.

بقي في المقام أمور:

الأول: أن شيخنا الأعظم (قدس سره) قال في بيان هذا الشرط: (أن يشترط عدم الخيار. وهذا هو مراد المشهور من اشتراط السقوط، فيقول: بعت بشرط أن لا يثبت بيننا خيار المجلس - كما مثل به في الخلاف والمبسوط والغنية والتذكرة - لأن المراد بالسقوط هنا عدم الثبوت لا الارتفاع).

ويناسب ذلك ما ذكره (قدس سره) من أن الإسقاط بعد العقد هو المسقط الحقيقي. وهو المتعين بناء علي ما سبق منه من انصراف إطلاق دليل ثبوت الخيار عن صورة اشتراط عدمه. لرجوعه إلي أن الشرط يوجب خروج العقد عن دليل ثبوت الخيار موضوعاً. لكن سبق المنع من ذلك.

وعليه فالخيار وإن كان حقاً لصاحبه فله السلطنة علي إعماله وإسقاطه، إلا أن ثبوته للمتبايعين في المقام حكم شرعي مستفاد من النصوص، لا سلطنة للمتبايعين عليه، ليكون موضوعاً للاشتراط. بل يكون اشتراط عدمه مخالفاً للسنة، نظير ما تقدم في الوجه الثاني من الإشكال. بخلاف سقوطه بعد ثبوته بالعقد، فإنه يكون تحت سلطنة صاحبه.

ومن ثم يتعين تنزيل التعبير باشتراط عدم الخيار في بعض كلماتهم علي اشتراط سقوطه، كما عبر به جماعة في بيان هذا المسقط.

غاية الأمر أن الترتب بين ثبوته بالعقد وسقوطه بالشرط ليس زمانياً، بل رتبياً لا غير، لأن موضوع السقوط المشروط هو الثبوت بالعقد، فبمجرد تمامية العقد يثبت الخيار ويسقط، نظير ملك أحد العمودين وانعتاقه علي المشتري. فلاحظ.

الثاني: أن الشرط إذا رجع إلي شرط الفعل - كشرط عدم الفسخ - فهل يقتضي

ص: 210

مجرد وجوب العمل بالشرط وحرمة مخالفته تكليفاً، نظير وجوب العمل بالقَسَم، كما ذكره بعض مشايخنا (قدس سره)، أو يقتضي استحقاق الأمر المشروط للمشروط له علي المشروط عليه، فيجب علي المشروط عليه القيام بالشرط بملاك وجوب أداء الحق، وتحرم عليه مخالفته بملاك حرمة التعدي علي الحق.

وتظهر الثمرة بين الوجهين فيما لو خالف المشروط عليه مقتضي الشرط ففسخ العقد في مفروض الكلام، حيث يتعين ترتب الأثر علي الفسخ علي الأول، بناء علي ما هو التحقيق من أن النهي عن المعاملة لا يقتضي الفساد. وعدم ترتب الأثر عليه علي الثاني، لقصور سلطنة المشروط عليه عن مخالفة الشرط، لمنافاتها لحق المشروط له. نظير حق المرتهن الموجب لقصور سلطنة الراهن علي ماله.

ولا ينبغي التأمل في قضاء المرتكزات بالثاني. وذلك لأن قصد المتعاقدين استحقاق المشروط له الأمر المشروط علي المشروط عليه، كما هو مبني المعاملات عموماً، مع ظهور دليل نفوذ الشرط في إمضاء ذلك شرعاً - كظهور دليل نفوذ العقد في إمضاء مضمونه - لا في الإلزام بمضمون الشرط ابتداء، كالإلزام بالكفارة.

وهو المناسب لمثل قوله (عليه السلام) في صحيح علي بن رئاب: (فله ما اشترط عليها، والمسلمون عند شروطهم)(1). وقوله (عليه السلام): (من شرط لامرأته شرطاً فليف لها به، فإن المسلمين عند شروطهم...)(2). وقوله (عليه السلام) في معتبر منصور: (فليف للمرأة بشرطها، فإن رسول الله (صلي الله عليه وآله) قال: المؤمنون عند شروطهم)(3) ، ونحوها غيرها. فإن نسبة الشرط والوفاء به للمشروط له ظاهرة في استحقاقه للشرط.

ولذا له إسقاطه، والمعاوضة عليه، ومطالبة المشروط عليه به. بل له إرغامه عليه ولو برفعه للحاكم، علي ما يأتي في المسألة الرابعة والستين عند الكلام في أحكام الشروط إن شاء الله تعالي.

********

(1) وسائل الشيعة ج: 15 باب: 40 من أبواب المهور حديث: 2، 4.

(2) وسائل الشيعة ج: 15 باب: 40 من أبواب المهور حديث: 2، 4.

(3) وسائل الشيعة ج: 15 باب: 20 من أبواب المهور حديث: 4.

ص: 211

بخلاف ما لو كان نفوذ الشرط متمحضاً في التكليف، نظير ما لو أقسم علي أن يهدي لشخص شيئاً، فإن نفوذ القَسَم لا يقتضي شيئاً من ذلك. غاية الأمر أنه يجب المطالبة به بملاك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيكون مشروطاً بشروطه، ويعمّ كل من تمت شروطه في حقه ولو كان شخصاً آخر غير من أقسم علي أن يهدي له.

ويزيد الأمر وضوحاً بناء علي ما سبق من عدم اختصاص دليل نفوذ الشرط بشرط الفعل، بل يعم شرط النتيجة في الجملة. حيث لا يتجه ذلك لو كان مفاد نفوذ الشرط محض والتكليف من دون أن يبتني علي الاستحقاق، لوضوح عدم قابلية النتائج للتكليف.

وبذلك يظهر الحال فيما لو كان الشرط هو إسقاطه الخيار، فإن لو امتنع من القيام به كان للمشروط له مطالبته به، وإرغامه عليه ولو برفعه للحاكم. وقد يلتزم بأن الحاكم يقوم مقامه فيه لو تعذر عليه إجباره علي القيام به.

ولو فسح حينئذ قبل إسقاط الخيار، فإن استبطن اشتراط إسقاط الخيار اشتراط عدم الفسخ كما هو الغالب تعين عدم ترتب الأثر علي الفسخ، لما تقدم. وإلا تعين نفوذ الفسخ.

هذا وقد يستشكل في اشتراط عدم فسخ العقد الجائز في متن العقد نفسه من وجهين:

الأول: ما ذكره سيدنا المصنف (قدس سره) في المسألة الثانية من كتاب المضاربة، حيث قال (قدس سره): (شرط عدم فسخ العقد يمتنع أن يكون موجباً للزوم العقد وامتناع فسخه، لأن لزوم عدم الفسخ يتوقف علي وجود العقد، فلا يتوقف وجود العقد عليه). ومرجع ذلك إلي أن لزوم العمل بالشرط لما كان منوطاً ببقاء مضمون العقد الذي وقع فيه الشرط، وعدم ارتفاعه بالفسخ، فلا يمكن أن يستند إليه بقاء المضمون المذكور، بحيث لا يمكن فسخه.

ويندفع بأن الذي يناط به نفوذ الشرط ولزوم العمل به هو ثبوت المضمون

ص: 212

العقدي في المرتبة السابقة علي نفوذ الشرط، والذي يستند إلي نفوذ الشرط ولزوم العمل به هو بقاء المضمون العقدي في المرتبة اللاحقة لنفوذ الشرط.

وبعبارة أخري: حدوث المضمون العقدي لا يتوقف علي نفوذ الشرط، بل يكفي فيه تمامية العقد، فإذا حدث المضمون العقدي ونفذ الشرط تبعاً له كان نفوذ الشرط دخيلاً في بقاء العقد في المرتبة اللاحقة لنفوذ الشرط. فلاحظ.

الثاني: ما ذكره بعض مشايخنا (قدس سره) في المقام، وأشار إليه في حاشيته علي المسألة المذكورة من العروة الوثقي، من أن ارتباط الشرط بالعقد يبتني علي إناطة إنفاذ المشروط له العقد وعدم رجوعه عنه علي قيام المشروط له بالشرط. فإذا اشتري الثوب من صاحبه بشرط أن يخيطه له رجع ذلك إلي توقف جريان المشتري علي البيع وعدم رجوعه عنه علي الخياطة، وأنه إن لم يخط الثوب رجع عن التزامه بالبيع. وذلك إنما يتم في غير اشتراط عدم فسخ العقد نفسه، إذ مع فسخ المشروط عليه للعقد، لا يبقي موضوع لالتزام المشروط له بالعقد ورجوعه عنه، فلا معني للشرط المذكور.

وفيه: أن مرجع ذلك إلي أن اشتراط عدم الفسخ لغو من الكلام، وتهافت بنظر العرف والعقلاء، مع أنه ليس كذلك وجداناً. ولذا وقع الكلام في نفوده وعدمه عند الفقهاء. وذلك يكشف عن خلل فيما ذكره (قدس سره) وأنه كالشبهة في مقابل البديهة، لا يعول عليه حتي لو خفي وجه دفعه.

وحينئذ نقول: المراد بذلك إن كان هو إناطة البقاء علي الالتزام بالعقد ونفوذه بحصول الشرط لزم انفساح العقد بتخلف الشرط، مع وضوح عدم انفساخه بذلك. غاية الأمر أن للمشروط له الفسخ، كما له البقاء علي الالتزام بالعقد وعدم فسخه.

وإن كان المراد بذلك هو اشتراط الخيار بتخلفه فذلك في الحقيقة ليس اشتراطاً للعمل، بحيث يلزم الطرف الآخر بالقيام به، فإذا اشتري ثوباً واشترط علي البايع أنه إن لم يخطه كان له الخيار والرجوع بالبيع وفسخه، لم تكن الخياطة شرطاً علي البايع، ولم يجب عليه القيام بها. ولذا يصح اشتراط الخيار عند عدم تحقق العمل من غير البايع.

ص: 213

أما مفاد الشرط فهو جعل الأمر المشروط علي الأمر المشروط عليه، بنحو يؤدي إلي إلزامه به، نظير إلزام المشتري بالثمن والبايع بالمثمن، والأجير بالعمل والمستأجر بالأجرة ونحو ذلك. ولذا يقع الاشتراط في العقد الذي يعلم بعد مشروعية الفسخ فيه بتخلف الشرط.

وأما ترتب الخيار بتخلفه فهو ليس لتضمن الاشتراط ذلك، بل هو حكم عقلائي ارتكازي ناشئ من بناء العقلاء علي أن لزوم الوفاء بالعقد بتمام خصوصياته بنحو الارتباطية، بحيث لا يلزم الوفاء مع تخلف بعضها. ومن ثم كان خيار تخلف الشرط مبايناً لخيار الشرط وليس من أفراده.

وارتباط الشرط بالعقد ليس بلحاظ اشتراط الخيار في العقد بتخلفه، بل لمجرد كون الالتزام بكل من مضمون العقد ومضمون الشرط بنحو الارتباطية لا بنحو الانحلال. ويأتي في أوائل الكلام في خيار الشرط إن شاء الله تعالي ما ينفع في المقام.

ولعله لذا لم يتعرض في تقرير درسه لكتاب المضاربة لذلك، حيث قد يظهر من ذلك عدوله (قدس سره) عنه حين تدرسيه للكتاب المذكور.

الثالث: صرح غير واحد بأن الشرط المذكور لا يترتب عليه الأثر إلا إذا وقع في ضمن العقد دون ما إذا وقع قبله، ونسب ذلك للمشهور. لاختصاص الشرط بالالتزام ضمن الالتزام علي ما تقدم منا توضيحه في أوائل الكلام في المكاسب المحرمة عند التعرض لأدلة نفوذ العقد، والالتزام قبل العقد التزام مجرد لا دليل علي نفوذه، فضلاً عن لزومه.

لكن في الخلاف وجواهر القاضي نفوذ الشرط المذكور وسقوط الخيار في البيع الواقع بعده، لدعوي عموم دليل نفوذ الشرط له.

فإن كان مرادهما ما إذا لم يبتن العقد علي الشرط المذكور أشكل بما ذكرنا من عدم صدق الشرط علي الالتزام المذكور.

ص: 214

(215) (215)

كما يسقط بإسقاطه بعد العقد (1).

---------------

وإن كان مرادهما ما إذا ابتني العقد علي الشرط المذكور فالظاهر تماميته ونفوذ الشرط، كما في المختلف وظاهر الجواهر، لا لصدق الشرط علي الاشتراط السابق، بل لصدقه علي الشرط الضمني الذي يبتني عليه العقد.

وأما ما ذكره شيخنا الأعظم (قدس سره)، من أن الشرط إلزام مستقل لا يرتبط بالعقد إلا بجعل المتكلم، فإن أراد به جعله لفظاً فهو ممنوع، وإن أراد به جعله قصداً فهو حاصل. ولا أقل من جريان السيرة الارتكازية علي ذلك وقضائها به.

نعم ورد في بعض النصوص أن الشرط بعد النكاح، ولا يعتد به قبله(1). وربما يستظهر منه عدم الاكتفاء بالشرط السابق وإن ابتني عليه العقد.

لكن النكاح يمتاز عن أكثر العقود بأنه لابد فيه من اللفظ، ولا يكتفي فيه بإبراز الالتزام بوجه آخر كالمعاطاة، وربما يكون لهذه الخصوصية دخل في لزوم التلفظ بالشرط عند العقد، ولا يكتفي بابتناء العقد عليه بحسب القصد. ومن ثم لا مخرج عما ذكرنا.

(1) يظهر من تصريحهم بسقوط هذا الخيار باشتراط سقوطه مفروغيتهم عن سقوطه بالإسقاط ومن ثم استظهر شيخنا الأعظم (قدس سره) عدم الخلاف فيه. بل يظهر ذلك حتي ممن منع من العامة من صحة الشرط المذكور معللاً بأنه إسقاط لما لم يجب، حيث يظهر منه المفروغية عن قابليته للإسقاط بعد أن يتم العقد ويثبت الخيار.

وقد استدل علي ذلك شيخنا الأعظم (قدس سره) بفحوي ما دل علي سقوط الخيار بالتصرف، معللاً بأنه رضا منه. ففي صحيح علي بن رئاب عن أبي عبد الله (عليه السلام): (قال: الشرط في الحيوان ثلاثة أيام للمشتري اشترط أم لم يشترط. فإن أحدث المشتري

********

(1) وسائل الشيعة ج: 14 باب: 19 من أبواب المتعة حديث: 4، وباب: 32 منها حديث: 2، وج: 15 باب: 39 من أبواب المهور حديث: 2.

ص: 215

حدثاً قبل الثلاثة أيام فذلك رضا منه، فلا شرط...)(1). وكأنه بلحاظ أن الإسقاط يتضمن الرضا وزيادة.

لكن ذلك إنما ورد في خيار الحيوان، كما تضمنت بعض النصوص سقوط خيار الشرط بالرضا(2) ، ولم يرد ذلك في خيار المجلس.

ودعوي: أن مقتضي عموم التعليل سقوط جميع الخيارات بذلك. مدفوعة بأن التعليل إنما يقتضي العموم من حيثية سبب السقوط، وأنه كلما يكشف عن الرضا وإن لم يكن أمراً غير التصرف، لا من حيثية الخيار الساقط بنحو يعم غير خيار الحيوان.

وبعبارة أخري: التعليل إنما يقتضي عموم الحكم المعلل، لا العموم لحكم آخر، فإذا قيل: لا تفطر بالرمان لأنه حامض. دلّ علي النهي عن الإفطار بكل حامض، لا علي عموم النهي لغير الإفطار من أنحاء الأكل. والحكم المعلل في المقام هو سقوط خيار الحيوان، فلا يعم التعليل سقوط غيره.

ومثل ذلك في الإشكال ما يظهر منه (قدس سره) في مسألة سقوط خيار المجلس بالتصرف من أن مقتضي عموم قوله (عليه السلام) في الصحيح المتقدم: (فلا شرط) هو نفي كل خيار، لا خصوص خيار الحيوان: إذ فيه: أنه لا مجال لفهم العموم بعد تفريع مسقطية التصرف علي الحكم بثبوت خيار الحيوان. ولعله لذا أمر (قدس سره) بالتأمل.

نعم سبق عند الكلام في مسقطية الافتراق عن إكراه قوله (عليه السلام) في صحيح الفضيل: (فإذا افتراقا فلا خيار بعد الرضا منهما)(3). لكن تقدم عدم إمكان البناء علي كون المسقط هو الرضا المقارن للافتراق، دون الافتراق بنفسه، لينفع فيما نحن فيه.

فالعمدة في المقام هو ارتكاز أن الخيار في المقام من سنخ الحق، والحق قابل للإسقاط. ولعل ذلك هو المنشأ لظهور مفروغية الأصحاب من ذلك، كما سبق.

********

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 4 من أبواب الخيار حديث: 1.

(2) راجع وسائل الشيعة ج: 12 باب: 5، 12 من أبواب الخيار.

(3) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 1 من أبواب الخيار حديث: 3.

ص: 216

(217) (217)

(الثاني): خيار الحيوان (1).

(مسألة 4): كل من اشتري حيواناً (2)

---------------

علي أن من القريب إلغاء خصوصية خياري الحيوان والشرط في السقوط بالرضا، كما يظهر من الأصحاب، وإنما لم يتعرض في النصوص لذلك في خيار المجلس لقصر زمانه غالباً. لأن الرضا ارتكازاً من سنخ الإعمال للخيار. ولاسيما مع ظهور صحيح علي بن رئاب - الوارد في خيار الحيوان والمتقدم عند الكلام في تعريف الخيار - في الإشارة إلي قضية ارتكازية لا خصوصية لخيار الحيوان فيها.

ويترتب علي ذلك سقوط خيار المجلس بكل ما يدل علي الرضا بالمبيع، والبناء علي عدم الرجوع به من تصرف أو غيره، ولو مثل عرضه للبيع، كما تضمنته بعض النصوص المتقدمة عند الكلام في تعريف الخيار. ولعله لذا صرح بسقوط الخيار المذكور بالتصرف في الجملة في المبسوط وغيره.

أما لو لم يتم ذلك فلا ينبغي الإشكال في سقوط الخيار المذكور بالتصرف الموجب لاختلاف الرغبة في المبيع، كلبس الجورب، بل حتي مثل الإخلال بتعليبه، بحيث لا يعود لحاله. لانصراف أدلة الخيار عنه. مع قضاء سيرة العرف الارتكازية بسقوط الخيار بذلك.

وإن شئت قلت: منصرف نصوص الخيار مراعاة نظر المتبايعين، واستكمال التزامهما وتوثقهما من رجحانه، لا إسقاط حرمة المال. فلاحظ.

(1) قال في التذكرة: (عند علمائنا أجمع خلافاً للجمهور كافة). وقال في الجواهر: (هو في الجملة إجماعي، بل ضروري عند علماء المذهب).

(2) لا ينبغي الإشكال في أن موضوع هذا الخيار هو الحيوان الواجد للحياة فعلاً، دون الميت منه وإن كان مذكي، لعدم صدق الحيوان عليه. إلا أنه يحسن التعرض لأمرين ذكرهما شيخنا الأعظم (قدس سره).

ص: 217

(218)

الأول: قال (قدس سره): (وظاهر النص والفتوي العموم لكل ذي حياة، فيشمل، مثل الجراد والزنبور والسمك والعلق. ولا يبعد اختصاصه بالحيوان المقصود حياته في الجملة، فمثل السمك المخرج من الماء والجراد المحرز في الإناء وشبه ذلك خارج، لأنه لا يباع من حيث إنه حيوان، بل من حيث إنه لحم مثلاً. ويشكل فيما صار كذلك لعارض، كالصيد المشرف علي الموت بإصابة السهم أو بجرح الكلب المعلم).

والعمدة في وجه ذلك هو انصراف شراء الحيوان الذي هو موضوع هذا الخيار في النصوص لشرائه بما هو حيوان لا بما هو لحم لا غرض في بقاء حياته. لما ذكره بعض الأعاظم (قدس سره) من أن ذلك هو مقتضي مناسبة الحكم والموضوع.

ولاسيما مع مناسبته لما تضمنته النصوص من أن الحيوان لو مات في مدة الخيار كان من مال البايع(1). لأن المنساق منه تعلق غرض المشتري ببقاء حياته.

ولا أقل من عدم وضوح عموم النصوص لذلك، فيكون المرجع عمومات اللزوم. فلا وجه لما في الجواهر من استظهار عدم اعتبار استقرار الحياة في ثبوت الخيار.

وبذلك يظهر عدم الوجه في استشكال شيخنا الأعظم (قدس سره) فيما إذا كان ذلك لعارض. بل هل يمكن البناء علي أنه لو أدرك المشتري ذكاته إلا أنه لم يذكه لتعذر ذلك عليه أن يتلف من مال البايع ؟!.

علي أنه لم يتضح الفرق بين مثل السمك المخرج من الماء والصيد المشرف علي الموت، فإن كلاً منهما قد صار كذلك لعارض.

هذا وقد قال (قدس سره) بعد ذلك: (وعلي كل حال فلا يعدّ زهاق روحه تلفاً من البايع قبل القبض أو زمن الخيار).

فإن أراد به زهاق روحه بنحو لا يحرم لحمه، كما لو لم يدرك ذكاته، فهو ليس

********

(1) راجع وسائل الشيعة ج: 12 باب: 5 من أبواب الخيار.

ص: 218

(219)

تلفاً لا من البايع ولا من المشتري، بل ولا عيباً. لعدم نقص قيمته بذلك.

وإن أراد به زهاق روحه بنحو يحرم لحمه، لإدراكه لذكاته، إلا أنه لم يبادر لتذكيته لعجزه، فالجزم بعدم ضمان البايع له لا يناسب التوقف في ثبوت الخيار فيه بعد إطلاق ما دل علي أن تلف الحيوان في مدة الخيار من مال البايع. فلاحظ.

هذا وربما يستشكل في ثبوت الخيار حتي في مستقر الحياة فيما لو ابتني البيع علي التعجيل بذبح الحيوان، كالهدي الذي يشتري للذبح في ساعته، والدجاج الذي يشتري ليؤكل في يومه، ونحو ذلك مما يبتني فيه البيع علي عدم الغرض ببقاء الحيوان في الأيام الثلاثة. لابتناء الخيار علي استحقاق صاحب الحيوان سلامته في مدة الثلاثة، فمع فرض الخروج عن ذلك، وعدم تعلق الغرض به، يخرج عن منصرف الأدلة. وإن كان الأمر محتاجاً لمزيد من التأمل.

ودعوي: أن الأمر في جميع ذلك يرجع في الحقيقة إلي اشتراط سقوط الخيار ضمناً وإن كان مستحقاً بمقتضي إطلاق الأدلة. لا تخلو عن إشكال. ولاسيما أن المتبايعين كثيراً ما لا يعلمان بثبوت الخيار ذاتاً، ليكون سقوطه مشترطاً ضمناً. فلاحظ.

الثاني: هل يختص هذا الخيار ببيع المعين، أو يعم بيع الكلي ؟. قال شيخنا الأعظم (قدس سره): (لم أجد مصرحاً بأحد الأمرين. نعم يظهر من بعض المعاصرين قدس سره الأول. ولعله الأقوي).

وكأن وجهه انصراف نصوص المقام بلحاظ الحكمة والأحكام المصرح بها في بعض النصوص، كصحيح عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (عهدة البيع في الرقيق ثلاثة أيام إن كان بها حبل أو برص أو نحو هذا. وعهدته سنة من الجنون، فما بعد السنة فليس بشيء)(1) ، وما تضمن سقوط الخيار بالتصرف، وضمان البايع درك الحيوان في مدة الخيار. لظهور النصوص المذكورة في فرض كون المبيع شخصياً.

********

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 3 من أبواب الخيار حديث: 7.

ص: 219

إنساناً كان أو غيره (1)

---------------

وبعبارة أخري: النصوص المذكورة تناسب انصراف نصوص خيار الحيوان للمبيع الشخصي. وليس المدعي أنها مخصصة لنصوص الخيار المذكور، ليمنع من نهوضها بالتخصيص، لإمكان اختصاص الأحكام التي تضمنتها ببعض أفراد موضوع الخيار مع عموم موضوعه لبيع الكلي تبعاً لعموم نصوصه.

ودعوي: جريان ذلك في بيع الكلي بلحاظ الفرد الذي يسلم بدلاً عنه، حيث يصدق عرفاً أنه مبيع. مدفوعة بأن صدق المبيع عليه تسامحي لا حقيقي. ولذا يجب إبداله لو كان معيباً أو مخالفاً للوصف، ولا يجري فيه خيار العيب وخيار تخلف الوصف.

مع أن مبدأ خيار الحيوان فيه إن كان من حين البيع فقد ينتهي أمده قبل التسليم، وتقصر عنه النصوص المذكورة. وإن كان من حين القبض فهو خلاف ظاهر نصوص خيار الحيوان.

وبذلك يظهر أنه لو بني علي ثبوت خيار الحيوان في بيع الكلي فمبدؤه من حين البيع لا من حين القبض، ولا من حين استحقاق القبض في بيع السلف. وبذلك يظهر الإشكال في كلمات بعض الأعاظم وبعض مشايخنا (قدس سرهما) في المقام. فراجع.

هذا ويأتي في المسألة التاسعة والثلاثين في فروع خيار التأخير ما ينفع في المقام.

(1) بلا إشكال ولا خلاف ظاهر. لإطلاق وعموم كثير من النصوص، وصراحة جملة منها. ويأتي بعضها.

نعم في موثق عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام): (في رجل اشتري جارية بثمن مسمي، ثم افترقا. قال: وجب البيع. وليس له أن يطأها وهي عند صاحبها حتي يقبضها، ويعلم صاحبها...)(1).

********

(1) الكافي ج: 5 ص 474 باب استبراء الأمة حديث: 10. وروي أكثره في وسائل الشيعة ج: 12 باب: 2 من أبواب الخيار حديث: 5.

ص: 220

(221)

ثبت له الخيار ثلاثة أيام (1)

---------------

لكن من القريب حمله علي بيان مجرد صحة البيع، وملكية المشتري للجارية من أجل التمهيد لحكم وطئها. ومجرد ذكر الافتراق في كلام السائل لا ينافي ذلك، ولا يلزم بحمله علي بيان لزوم البيع.

ولا أقل من لزوم حمله علي ما ذكرنا جمعاً مع النصوص الكثيرة المعول عليها عندهم. ولعله لذا لم يتعرض الفقهاء - فيما تيسر لي من الفحص - للحديث وللكلام فيه.

(1) كما هو المعروف بين الأصحاب المدعي عليه الإجماع في الانتصار والخلاف والسرائر وكشف الرموز والتذكرة والمختلف والتنقيح وعن غيرها.

والنصوص به مستفيضة، منها صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): (سمعته يقول: قال رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلّم): البيعان بالخيار حتي يفترقا، وصاحب الحيوان ثلاثة أيام...)(1) ونحو غيره.

وفي الغنية وعن الحلبي أن مدة خيار الأمة مدة استبرائها، بل في الأول دعوي الإجماع عليه. وقد ينسب ذلك للمقنعة والنهاية والمراسم، للحكم فيها بأنها إذا هلكت في المدة المذكورة كانت من مال البايع. بل في الأخيرين أن نفقتها في المدة المذكورة عليه أيضاً.

لكن ذلك لا يناسب إطلاقهم كالأصحاب أن الخيار في الحيوان ثلاثة أيام. فلابد من عدم ابتناء ذلك عندهم علي استمرار الخيار، بل علي أنهما حكمان تعبديان لأدلة خاصة وإن خفيت علينا، وينحصر الخلاف بالأولين.

وكيف كان فلا يظهر وجه لاستمرار الخيار في الأمة مدة الاستبراء بعد عموم وإطلاق نصوص خيار الحيوان، بل صراحة بعضها في العموم للأمة، كصحيح علي بن رئاب عن أبي عبد الله (عليه السلام): (قال: الشرط في الحيوان ثلاثة أيام للمشتري اشترط أم

********

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 3 من أبواب الخيار حديث: 6.

ص: 221

(222)

مبدؤها زمان العقد (1)

---------------

لم يشترط. فإن أحدث المشتري فيما اشتري حدثاً قبل الثلاثة الأيام فذلك رضاً منه فلا شرط له. قيل له: وما الحدث ؟ قال: إن لامس أو قبل أو نظر منها إلي ما كان يحرم عليه قبل الشراء)(1). وصحيحه الآخر المروي في قرب الإسناد: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام)

عن رجل اشتري جارية لمن الخيار للمشتري أو للبايع أو لهما كلاهما؟ فقال: الخيار لمن اشتري ثلاثة أيام نظرة، فإذا مضت ثلاثة أيام فقد وجب الشراء...)(2).

(1) كما هو المنساق من إطلاق الأصحاب والمصرح به في كلام جماعة منهم. وفي مجمع البرهان أنه المشهور. وهو المنساق من النصوص، خصوصاً ما اقتصر فيه علي خيار الحيوان كصحيح الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام): (قال: في الحيوان كله شرط ثلاثة أيام للمشتري، وهو بالخيار فيها إن شرط أن لم يشترط). إذ مع عدم ذكر المبدأ فيه يظهر منه أن المبدأ تحقق البيع وصدق المشتري وصاحب الحيوان.

كما أن ما تضمن منها سوقه في سياق خيار المجلس، يقوي ظهوره في أن الاختلاف بين الخيارين في المنتهي دون المبدأ. واحتمال الاعتماد في بيان مبدأ خيار الحيوان علي ذكر الافتراق في خيار المجلس بعيد جداً.

ولاسيما في معتبر علي بن أسباط عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام): (سمعته يقول: الخيار في الحيوان ثلاثة أيام للمشتري، وفي غير الحيوان أن يفترقا...)(3) إذ مع تقديم خيار الحيوان في الذكر لا مجال لاحتمال الاعتماد في بيان مبدئه علي ما تضمنته بعد ذلك من انتهاء خيار المجلس بالافتراق.

ومن ذلك يظهر ضعف ما في الغنية من إطلاق أن مبدأ الخيار من حين التفرق. وذكر غير واحد أن ذلك هو اللازم من استدلال الشيخ وابن إدريس في المبسوط

********

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 4 من أبواب الخيار حديث: 1.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 3 من أبواب الخيار حديث: 9.

(3) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 1 من أبواب الخيار حديث: 5.

ص: 222

والخلاف والسرائر لكون مبدأ خيار الشرط هو التفرق. قال في المبسوط: (والأولي أن نقول أن يثبت من حين التفرق، لأن الخيار يدخل إذا ثبت العقد، والعقد لم يثبت قبل التفرق. فإن شرطاً أن يكون من حين العقد صح ذلك. للخبر في جواز الشرط) وقريب منه في الخلاف والسرائر.

لكن حيث صرحا بجواز اشتراط كون مبدئه من حين العقد، فلا يبعد كون الاستدلال المذكور راجعاً إلي تشخيص مقتضي إطلاق الاشتراط إثباتاً، لا لبيان امتناع اجتماع الخيارين ثبوتاً، ليناسب العموم لخيار الحيوان، فيكون مرجعه إلي أنه حيث لا يحتاج لخيار الشرط مع ثبوت الخيار بنفس العقد فظاهر اشتراط الخيار هو جعله عند الحاجة إليه بانتهاء خيار المجلس وهذا لا يجري في خيار الحيوان الثابت بجعل الشارع، فإنه تابع لظاهر دليله، وقد سبق ظهوره في أن مبدأه حين العقد كخيار المجلس. ولا محذور في اجتماع أكثر من خيار في وقت واحد، تبعاً لتحقق موضوعاتها. بل الظاهر أن عبارة الغنية لا تأبي الاختصاص بخيار الشرط، كما يظهر بملاحظتها.

ومن هنا لا مجال لنسبة كون مبدأ خيار الحيوان من حين التفرق للشيخ وابن إدريس بعد أن كان مقتضي إطلاق المبسوط والخلاف الثلاثة في الحيوان أن مبدأها من حين العقد. بل صرح في السرائر بأنه يثبت للمشتري في الحيوان بمجرد العقد الخياران خيار المجلس وخيار الحيوان.

وكيف كان فقد تعرض شيخنا الأعظم (قدس سره) للاستدلال لكون مبدأ خيار الحيوان هو التفرق باختلاف حكم الخيارين، لأن تلف الحيوان في زمان خياره من البايع، والتلف في زمان خيار المجلس من المشتري.

وأشار إلي دفعه بأن ذلك لا يمنع من اجتماع الخيارين. غاية الأمر أنه لابد من استثناء الحكم المذكور عند اجتماع الخيارين من عموم حكم أحدهما.

وقد ذكر (قدس سره) أن ما تضمن أن تلف الحيوان في زمان خياره من البايع محمول علي الغالب من كونه بعد المجلس. لكنه خروج عن عموم دليله من دون وجه، فإن

ص: 223

وإذا كان العقد في أثناء النهار لفق المنكسر من اليوم الرابع (1) والليلتان المتوسطتان داخلتان في مدة الخيار (2). وكذا الليلة الثالثة في صورة تلفيق

---------------

التلف في زمن خيار المجلس من مال المشتري لم يتضمنه دليل خاص، ليعارض الدليل المذكور، بل هو مقتضي القاعدة، والمفروض الخروج عنها في الحيوان بالدليل المذكور، فيتعين العمل به بعمومه، كما جري عليه بعض مشايخنا (قدس سره).

والحاصل: أنه لا مخرج عما يظهر من نصوص خيار الحيوان من كون مبدئه زمان العقد، دون التفرق.

(1) كما صرح بذلك غير واحد. وذلك لأنه بعد أن كان ظاهر اليوم هو النهار المقابل لليل فاللازم تمامية الأيام الثلاثة، عملاً بظاهر النصوص. والاكتفاء في اليوم الأول بالناقص يحتاج إلي دليل، كما ورد نظيره في أقراء عدة الطلاق، وهو مفقود في المقام.

ويكتفي في تمامية اليوم بالتلفيق، كما هو المفهوم عرفاً في مقام التحديد في سائر الموارد. بخلاف التوصيف. مثلاً: إذا أريد توصيف الأيام أو الشهور بأنها حارة أو باردة أو مريحة ومتعبة، فلابد من اتصافها كاملاً بذلك، ولا يكفي التلفيق. وإذا أريد تحديد الحر أو البرد أو الراحة أو التعب كفي التلفيق. ومنه المقام، كما هو ظاهر.

وأما احتمال التلفيق من الليلة الثالثة بقدر ما نقص من اليوم فلا مجال له مع التحديد بالأيام. نعم لو كان التحديد بمقدار الأيام الثلاثة، لا بنفس الأيام الثلاثة، اتجه التلفيق من الليل. كما يتجه حينئذ البناء علي أنه لو وقع البيع ليلاً ينقص من اليوم بقدره لكنه خلاف ظاهر النصوص، بل المقطوع منها. كيف ولازمه الاكتفاء بيوم وليلتين، أو ليلة ويومين، أو نحو ذلك مما يقطع ببطلانه.

(2) كما صرح به غير واحد، ونفي الإشكال فيه شيخنا الأعظم (قدس سره). لا لأن المراد من اليوم ما يعم الليل، كما في قولنا: الشهر ثلاثون يوماً والأسبوع سبعة أيام.

ص: 224

(225)

المنكسر (1). وإذا لم يفترق المتبايعان حتي مضت ثلاثة أيام سقط خيار الحيوان وبقي خيار المجلس (2).

---------------

فإن ذلك مخالف لمفهوم اليوم عرفاً، ويحتاج إلي قرينة خاصة مفقودة في المقام. بل لمفروغية الأصحاب، تبعاً للمنصرف من أكثر النصوص، من وحدة الخيار وابتنائه علي الاستمرار. خصوصاً قوله (عليه السلام) في صحيح علي بن رئاب: (فإذا مضت الثلاثة أيام فقد وجب الشراء)(1). فإن مقتضي مفهوم الشرط فيه عدم وجوب البيع ولزومه، واستمرار الخيار، حتي تمضي الأيام الثلاثة.

وبذلك يظهر عدم دخول الليلة الثالثة فيما لو دخل اليوم وهما متبايعان، لتمامية الأيام الثلاثة قبلها، وعدم توقف وحدة الخيار واستمراره عليها. نعم لو كان المراد من اليوم ما يعم الليل تعين دخولها. لكن عرفت المنع من ذلك.

قال في مفتاح الكرامة: (والمراد بالأيام الثلاثة ما كانت مع الليالي الثلاثة [كذا] لدخول الليلتين أصالة، فتدخل الثالثة، وإلا لاختلفت مفردات الجمع في استعمال واحد).

ويظهر اندفاعه مما سبق من عدم دخول الليلتين المتوسطتين بالأصل، بل لتوقف استمرار الخيار عليها، وهو غير حاصل في الليلة الثالثة.

(1) لعين ما سبق في الليلتين المتوسطتين. وكذا الليلة السابقة علي الأيام الثلاثة لو وقع العقد ليلاً، لما سبق من ظهور النصوص في أن مبدأ الخيار زمان العقد.

(2) كما يظهر من الجواهر ناسباً له لظهور الفتاوي. والعمدة فيه إطلاق نصوص خيار المجلس. كقوله (صلي الله عليه وآله وسلّم) في صحيح زرارة: (البيعان بالخيار حتي يفترقا...)(2) وغيره.

ودعوي: ظهور بعض نصوص خيار الحيوان في استثنائه من عموم خيار

********

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 3 من أبواب الخيار حديث: 9.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 1 من أبواب الخيار حديث: 2.

ص: 225

المجلس، كقوله (صلي الله عليه وآله وسلّم) في صحيح زرارة: (البيعان بالخيار حتي يفترقا، وصاحب الحيوان ثلاث...)(1). مدفوعة: بأن الاستثناء - لو تم - إنما هو في عدم انتهاء الخيار بالتفرق، من دون أن ينافي بقاءه مع عدم التفرق.

نعم قد يظهر تباين موضوع الخيارين من مثل صحيح محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (المتبايعان بالخيار ثلاثة أيام في الحيوان، وفيما سوي ذلك من بيع حتي يفترقا)(2). وقريب منه في ذلك معتبر علي بن أسباط عن أبي الحسن الرضا (3)(عليه السلام).

لكن من القريب حمله علي بيان مجرد ثبوت خيار المجلس في غير الحيوان، لا علي نفيه في الحيوان، جمعاً مع الإطلاقات المشار إليها. ولاسيما بلحاظ صحيح فضيل عنه (عليه السلام): (قلت له: ما الشرط في الحيوان ؟ فقال: إلي ثلاثة أيام للمشتري. قلت: فما الشرط في غير الحيوان ؟ قال: البيعان بالخيار ما لم يفترقا، فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما)(4).

فإن العدول عن بيان ثبوت خيار المجلس في غير الحيوان إلي بيان كبري خيار المجلس، بنحو يشمل الحيوان وغيره، موجب لقوة ظهور الإطلاق في العموم، وظهور الصحيح في أن الحيوان يختص بخيار زائد علي خيار المجلس، من دون أن يقصر عنه الخيار المذكور. وذلك هو المنساق من مجموع النصوص وفتاوي الأصحاب، والمفهوم منها عرفاً، كما سبق من الجواهر.

كيف ولازم البناء علي قصور خيار المجلس عن بيع الحيوان عدم ثبوت الخيار في بيع الحيوان لغير صاحبه أصلاً بناء علي ما يأتي من قصور خيار الحيوان عنه. وهو

********

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 3 من أبواب الخيار حديث: 6، 3.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 3 من أبواب الخيار حديث: 6، 3.

(3) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 1 من أبواب الخيار حديث: 5.

(4) الكافي ج: 5 ص: 170 باب الشرط والخيار في البيع حديث: 6. وأورد في وسائل الشيعة ج: 12 صدره بتصرف في باب: 3 من أبواب الخيار حديث: 5 وذيله في باب: 1 من الأبواب المذكورة حديث: 3.

ص: 226

(227)

(مسألة 5): يسقط هذا الخيار باشتراط سقوطه في متن العقد (1). كما يسقط بإسقاطه بعده (2)، وبالتصرف في الحيوان (3) تصرفاً يدل علي

---------------

مما تأباه المرتكزات الفقهية جداً.

(1) بلا إشكال ولا خلاف ظاهر بل إجماعاً، كما في التذكرة، ونسبه في الحدائق للأصحاب. لعين ما تقدم في خيار المجلس.

قال في مفتاح الكرامة: (وكذا يصح اشتراط سقوط بعضه، فيسقط ما شرط سقوطه يوماً أو أكثر أو أقل). وقال شيخنا الأعظم (قدس سره): (ولا بأس به).

وكأنه يبتني علي انحلال الخيار المذكور إلي خيارات متعددة بعدد أجزاء زمانه، بحيث يكون كل منها حقاً قابلاً للإسقاط، فيصح اشتراط سقوطه، كما صرح بذلك بعض مشايخنا (قدس سره).

لكنه لا يخلو عن إشكال أو منع. بل إسقاط خصوص الأسبق مع بقاء المتأخر، أو المتوسط مع بقاء الطرفين، لا يخلو عن غرابة.

نعم لا إشكال في جواز إسقاطه بعد مضي زمان منه، كإسقاطه في اليوم الثاني. لكنه لا يرجع إلي إسقاط بعض الخيار، بل إلي إسقاط تمام الحق الباقي، فيجوز اشتراط سقوطه كذلك. وكذا الحال في اشتراط إسقاطه بنحو شرط الفعل.

أما اشتراط عدم إعمال حق الخيار، أو عدم الفسخ، فيجوز مطلقاً ولو في خصوص زمان خاص منه، كاليوم الثاني منه. لعموم أدلة نفوذ الشروط من دون محذور، إذ هو شرط فعل، ولا يرجع إلي تبعيض الحق، كما لعله ظاهر.

(2) بلا إشكال ظاهر. ونسبه للأصحاب في الحدائق. والوجه فيه ما سبق في أول الكلام في الخيار من كونه حقاً، فيسقط بالإسقاط. والكلام في إسقاط بعضه يظهر مما سبق في اشتراط سقوطه.

(3) كما صرح بذلك جماعة. بل بلا خلاف، كما في الغنية، وإجماعاً، كما في التذكرة

ص: 227

إمضاء العقد واختيار عدم الفسخ (1).

---------------

وجامع المقاصد، ونسبه في الحدائق للأصحاب. ويقتضيه في الجملة النصوص الآتية.

(1) كما هو مقتضي تعليل مسقطية التصرف في التذكرة بأنه دليل الرضا. وقد يستدل علي ذلك بأنه مقتضي الجمع بين النصوص.

ففي صحيح علي بن رئاب عن أبي عبد الله (عليه السلام): (فإن أحدث المشتري فيما اشتري حدثاً قبل الثلاثة فذلك رضاً، منه فلا شرط له. قيل له: وما الحدث ؟ قال: إن لامس أو قبّل أو نظر منها إلي ما كان يحرم عليه قبل الشراء)(1).

وفي صحيحه الآخر عنه (عليه السلام): (قلت له: أرأيت إن قبلها المشتري أو لامس. فقال: إذا قبل أو لامس أو نظر منها إلي ما يحرم علي غيره فقد انقضي الشرط ولزمته)(2). وفي صحيح الصفار: (كتبت إلي أبي محمد (عليه السلام) في الرجل اشتري من رجل دابة، فأحدث فيها حدثاً من أخذ الحافر أو أنعلها، أو ركب ظهرها فراسخ، أله أن يردها في الثلاثة الأيام التي له فيها الخيار بعد الحدث الذي يحدث فيها أو الركوب الذي يركبها فراسخ. فوقع (عليه السلام): إذا أحدث فيها حدثاً فقد وجب الشراء إن شاء الله)(3).

فإن مقتضي الأخيرين وإن كان هو سقوط الخيار بالتصرف مطلقاً، إلا أن مقتضي تفريع سقوطه في الأول علي كون التصرف رضاً بالبيع كون المسقط هو الرضا اللازم للتصرف والمنكشف به. ومرجع ذلك اختصاص التصرف المسقط بما يكون ملازماً للرضا وكاشفاً عنه.

لكن لا مجال للبناء علي كون تطبيق الرضا علي التصرفات المذكورة في الصحيح الأول بلحاظ ملازمته لها، لما هو المعلوم من عدم ملازمته لها ولو غالباً. بل كثيراً ما يكون الداعي لها مجرد إشباع الشهوة، أو الاطلاع علي خبايا الجارية، أو حلية التصرف المذكور، فإن الملكية المؤقتة كالزوجية المؤقتة كافية في حلها. ولذا تقع من الغافل عن

-

********

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 4 من أبواب الخيار حديث: 1، 3، 2.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 4 من أبواب الخيار حديث: 1، 3، 2.

(3) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 4 من أبواب الخيار حديث: 1، 3، 2.

ص: 228

ثبوت خيار الحيوان، وممن هو عازم علي الفسخ أو متردد فيه إذا لم يعلم بأنه مسقط للخيار. بل قد تقع من غير المالك عصياناً لمجرد إشباع الشهوة.

علي أن المسقط للخيار إذا كان هو الرضا بالبيع، والبناء علي عدم الفسخ الملازم للتصرف كما هو مقتضي التفريع في الصحيح رجع ذلك إلي عدم الأثر للتصرف في سقوط الخيار، وهو لا يناسب التنبيه له والتركيز عليه في كلام الإمام (عليه السلام).

بل إن كانت مسقطية الرضا للخيار ظاهرة عرفاً - بحيث لا تحتاج للبيان - فلا فائدة في التعرض لذلك. وإن لم تكن كذلك كما هو الظاهر، لما سبق عند الكلام في تعريف الخيار من أن الرضا لا يستلزم إسقاط حق الخيار فالمناسب التنبيه لذلك والتركيز عليه، لدفع توهم أن لصاحب الخيار في مدة الخيار الرجوع عن رضاه بالمبيع وبنائه علي عدم فسخ البيع. وهو أنسب من التنبيه علي مسقطية التصرف بلحاظ ملازمته تكويناً للرضا التي هي لو تمت ولو غالباً ليس من شأن الإمام (عليه السلام) بيانها.

وأشكل من ذلك الحال في الصحيحين الآخرين، فإن المفروض للسائل فيهما إن كان صورة حصول الرضا حين التصرف فالأولي به التنبيه له دون التصرف. وإن لم يكن المفروض فيه ذلك - لما سبق من عدم الملازمة بين الرضا والتصرف معني غالباً

فإهمال الإمام (عليه السلام) للتنبيه علي الرضا الذي هو المسقط حقيقة، والاكتفاء ببيان مسقطية الأمر المقارن له غير الملازم له، لا يخلو عن غرابة. وليس هو من سنخ الإطلاق في مورد التقييد، بل هو راجع إلي بيان أمر آخر غير موضوع الحكم.

وبالجملة: لا مجال لحمل التفريع المذكور علي بيان أن المسقط الحقيقي هو الرضا المقارن للتصرف، ليرجع إلي تقييد سقوط الخيار مع التصرف بما إذا كان مقارناً للرضا وكاشفاً عنه، بل لابد من حمله علي وجوه أخر ذكرها شيخنا الأعظم (قدس سره).

وأقربها حمل التفريع علي الرضا الادعائي الراجع إلي أن التصرف بحكم الرضا شرعاً في مسقطيته للخيار، ومانعيته من الرجوع في البيع. ومرجع ذلك إلي خصوصية التصرف المذكور في إسقاط الخيار. بل مقتضي الإطلاق عموم مسقطيته له ولو مع

ص: 229

عدم مقارنته للرضا، كما هو مقتضي الصحيحين الآخرين أيضاً.

إنما الإشكال في تحديد التصرف المسقط للخيار. إذ لا مجال للبناء علي الاكتفاء بمطلق التصرف، وإن كان هو مقتضي إطلاق جماعة أولاً: لعدم الدليل علي الإطلاق المذكور. وثانياً: عدم إمكان البناء علي ذلك، لعدم انفكاك وجود الحيوان عند المشتري عنه عادة، ولو بمثل سقيه وإطعامه، ونقله في المكان المناسب له. ومن ثم يقرب عدم إرادة من أطلق العموم.

وقد ذكر بعض مشايخنا (قدس سره) أن المدار فيه علي ما يصدق به الحدث في الحيوان، وهو عرفاً يوجب زيادته أو نقصه عما كان عليه، عملاً بمكاتبة الصفار المتقدمة، بحمل الجواب فيها علي خصوص الأخذ من الحافر والتنعيل، دون الركوب فراسخ.

لكن ذلك لا يناسب صحيح علي بن رئاب، حيث فسر الحدث باللمس والتقبيل والنظر منها إلي ما كان يحرم عليه، مع وضوح أنه لا يصدق بها وبأمثالها الحدث بالمعني الذي ذكره (قدس سره).

وأما ما ذكره من احتمال كون المراد من الحدث فيه هو المعني المذكور، وكون تطبيق الحدث علي الأمور المذكورة تعبدياً يقتصر فيه عليها، ولا يتعدي فيها لأمثالها، وأن ذلك إن لم يكن هو الأظهر من حمله علي كون تفسير الحدث بتلك الأمور وأمثالها حقيقياً فلا أقل من إجمال الصحيح، وسقوطه عن الحجية، وينحصر الدليل علي سقوط الخيار بالحدث بالمعني المذكور بمكاتبة الصفار.

فهو مخالف للظاهر جداً، لأن الإمام (عليه السلام) اكتفي في أول الأمر ببيان مسقطية الحدث للخيار، ولم يتصد لتطبيقه علي الأمثلة المذكورة إلا بعد أن طلب السائل إليه شرحه لإجماله عنده. ومن الظاهر أن السائل قد سأل من أجل معرفة المراد الحقيقي من الحدث، ولازم ذلك كون تطبيقه عليها حقيقياً من أجل شرح المراد منه، لا تعبدياً مع كون المراد من الحدث المعني الذي ذكره (قدس سره).

وعليه يتعدي لأمثالها بعد وضوح عدم انحصار عنوان الحدث بها. ولاسيما أن

ص: 230

صدر الحديث قد تضمن مسقطية الحدث للخيار في مطلق الحيوان، لا في خصوص الجارية، فلابد من كون ذكر هذه الأمثلة لمجرد التطبيق من أجل شرح، عنوان الحدث بما يماثلها، لا من أجل الانحصار.

هذا مضافاً إلي أن حمل الحدث في المكاتبة علي خصوص الأخذ من الحافر والتنعيل دون الركوب فراسخ وإن كان هو مقتضي الجمود علي لفظ السؤال، إلا أنه مستلزم، لعدم استيفاء الجواب للسؤال، لعدم التعرض فيه لحكم الركوب المذكور. ولأجل ذلك يقرب عموم الحدث في الجواب للركوب فراسخ. ولاسيما أنه أهم ارتكازاً من التنعيل والأخذ من الحافر. ولذا لا يبعد غفلة الناظر في المكاتبة عن قصورها عن إثبات مسقطية الركوب المذكور للخيار، وفهمه عموم المسقطية له.

ومن هنا لا يبعد عموم التصرف المسقط لكل تصرف ليس من شأن غير المالك أن يقوم به، إلا ما كان شؤون رعاية الحيوان وحفظه، كسقيه وإطعامه وربطه، أو تقتضيه طبيعة الحيوان، كحلب لبنه، أو تمكين الجارية المشتراة مع ولدها من إرضاعه، وتمكين زوج الجارية من مواقعتها لو اشتراهما معاً ونحو ذلك.

ويناسب ذلك صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام): (في رجل اشتري شاة فأمسكها ثلاثة أيام، ثم ردها. فقال: إن كان في تلك الثلاثة الأيام يشرب لبنها رد معها ثلاثة أمداد، وإن لم يكن لها لبن فليس عليه شيء)(1). لظهوره في المفروغية عن عدم مانعية شرب اللبن من الرد. وقد يستفاد ذلك من غيره.

بل حتي بعض التصرفات الخفيفة التي هي من شؤون المخالطة أو المعاشرة، كتكليفه بفتح الباب وسقي الماء أو نحو ذلك، لخروج ذلك عن المتيقن مما يستفاد من النصوص المتقدمة، لأنها لم تتضمن عنوان التصرف وإنما تضمنت عنوان الحدث، وفسرته بتصرفات خاصة بنحو يستفاد منه عدم خصوصيتها والتعدي منها لما يشبهها ويسانخها، والتصرفات المذكورة خارجة عن المتيقن من ذلك.

********

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 13 من أبواب الخيار حديث: 1.

ص: 231

(232)

بل حتي مثل النظر إلي ما يحرم علي غير المالك من الجارية إذا لم يكن بطلب من المشتري أو تكلف منه، بل كان لتكشفها. لخروجه عن المتيقن من النصوص، لعدم وضوح صدق كونه أمراً قد أحدثه فيها.

هذا ويظهر من كلام غير واحد احتمال أو قوة استثناء صورة ما إذا كان التصرف بقصد الاختبار. فإن أرادوا التصرفات التي تقدم استثناؤها، فالظاهر عدم توقف استثنائها علي قصد الاختبار، لما سبق من قصور النصوص المتقدمة عنها رأساً.

وإن أرادوا غيرها مما يستفاد من النصوص المتقدمة مسقطيته للخيار فكأن الوجه في استثنائها هو ابتناء جعل خيار الحيوان علي إعطاء الفرصة لصاحبه من أجل التعرف علي خباياه. لكن ذلك لا ينهض بالخروج عن إطلاق النصوص المتقدمة ومن هنا لا مجال للتفصيل المذكور والمتعين ما تقدم.

بقي شيء: وهو أنه لا ينبغي الإشكال في مسقطية الرضا بالبيع والبناء علي عدم الفسخ للخيار، كما صرح بذلك غير واحد ونسبه في الحدائق للأصحاب.

لأن الرضا المذكور وإن لم يكن إسقاطاً لحق الخيار، كما سبق في أول الكلام في تعريف الخيار، إلا أن مقتضي صحيح علي بن رئاب مسقطيته، أما بناء علي سوقه لبيان ملازمة التصرف للرضا الحقيقي فظاهر، لرجوعه إلي أن المسقط هو الرضا المذكور، دون التصرف المقارن له.

وأما بناء علي ما ذكرنا من سوقه لبيان كون التصرف رضاً تعبدياً، وأنه بحكم الرضا في مسقطيته للخيار، فلظهوره في المفروغية عن مسقطية الرضا الحقيقي للخيار. ويؤيد ذلك ما تضمن مسقطية الرضا لخيار الشرط(1). بل تقدم عند الكلام في سقوط خيار الحيوان بالإسقاط تقريب فهم عموم مسقطية الرضا للخيار. ومن ذلك يظهر مسقطية الرضا للخيار ولو مع عدم التصرف.

********

(1) راجع وسائل الشيعة ج: 12 باب: 5، 12 من أبواب الخيار.

ص: 232

(233)

(مسألة 6): لا يثبت هذا الخيار للبايع (1)

---------------

ودعوي: أن المتيقن من ذلك ما إذا أبرز الرضا المذكور بمبرز من قول أو فعل، كما هو الحال في سائر المضامين الإنشائية.

مدفوعة بأن ذلك إنما يحتاج إليه في المضامين الإنشائية الاعتبارية، حيث لا يكتفي عرفاً في تحققها بمجرد الالتزام بها، بل لابد من إبرازها بأحد الوجهين. أما الرضا المذكور فهو أمر حقيقي قائم بالنفس، راجع إلي البناء علي التمسك بالمبيع، والبناء علي عدم إرجاعه بفسخ البيع، ولا يتوقف علي المبرز إلا بلحاظ كشفه عنه، مع ظهور النص في أن الأثر للمنكشف وحده.

نعم لو كان مرجع الرضا المذكور إلي إسقاط حق الخيار كان أمراً اعتبارياً واحتاج المبرز. لكن سبق المنع من ذلك. وقد يناسبه عدهم التصرف المذكور مسقطاً آخر للخيار غير إسقاطه. فلاحظ.

(1) كما صرح بذلك جمع كثير من الأصحاب، وفي الجواهر أنه المشهور شهرة عظيمة، وظاهر الغنية دعوي الإجماع عليه، وظاهر الدروس دعوي الإجماع عليه ممن عدا المرتضي.

ويقتضيه بعد عموم دليل اللزوم في العقود النصوص الكثيرة المتضمنة قصره علي المشتري، أو صاحب الحيوان، الذي يراد منه صاحبه بعد البيع، إذ لا إشكال في عدم اختصاص الخيار بالبايع. ولاسيما ما تضمن من هذه النصوص ذكره في سياق ثبوت خيار المجلس للمتبايعين، فإن العدول عن المتبايعين لخصوص أحدهما كالصريح في الاختصاص به.

بل هو مقتضي الحصر في بعضها، كصحيح فضيل عن أبي عبد الله (عليه السلام): (قلت له: ما الشرط في الحيوان ؟ قال: ثلاثة أيام للمشتري...)(1). فإن شرح الماهية بشيء

********

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 3 من أبواب الخيار حديث: 5.

ص: 233

كالصريح في انحصارها به. وكذا صحيح علي بن رئاب عنه (عليه السلام):

(قال الشرط في الحيوان ثلاثة أيام للمشتري...)(1). ونحوه معتبر علي بن أسباط عن أبي الحسن الرضا (2)(عليه السلام) لما هو المعلوم من أن تعريف المسند إليه من أدوات الحصر.

وأصرح من الجميع صحيح علي بن رئاب المروي في قرب الإسناد: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشتري جارية، لمن الخيار للمشتري أو للبايع أو لهما كلاهما؟ قال: الخيار لمن اشتري ثلاثة أيام نظرة، فإذا مضت ثلاثة أيام فقد وجب الشراء...)(3) مع ما هو المعلوم عن عدم الفرق بين الجارية وغيرها.

ونسب غير واحد الخلاف في ذلك للسيد المرتضي (قدس سره)، وأنه ذهب إلي ثبوته للمتبايعين معاً. كما نسب ذلك في كشف الرموز للسيد احمد بن طاووس في كتابه البشري. وقد يظهر الميل إليه من الروضة، وفي المسالك: (فالقول به في غاية القوة إن لم يثبت الإجماع علي خلافه). وعن الشهيد في غاية المراد والحاشية النجارية وأبي العباس في المقتصر التوقف عن الترجيح.

ويشهد له صحيح محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام): (قال: المتبايعان بالخيار ثلاثة أيام في الحيوان، وفيما سوي ذلك من بيع حتي يفترقا)(4).

لكن لا مجال للخروج به عما سبق من النصوص الكثيرة المعول عليها عند الأصحاب. قال في الدروس: (والرواية صحيحة، إلا أن الشهرة رواية وفتوي، بل الإجماع يعارضها).

وأما ما ذكره بعض مشايخنا (قدس سره) من عدم بلوغ النصوص الأخر حد الشهرة لموجبة للقطع بصدور بعضها، وأن اللازم النظر في بقية المرجحات المنصوصة بين الصحيح المذكور وغيره.

فهو لا يخلو من غرابة. علي أنه غير مهمّ بعد عموم لزوم العقد، حيث يكون

********

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 4 من أبواب الخيار حديث: 1، 8.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 4 من أبواب الخيار حديث: 1، 8.

(3) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 3 من أبواب الخيار حديث: 9، 3.

(4) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 3 من أبواب الخيار حديث: 9، 3.

ص: 234

مرجحاً لنصوص المشهور، أو مرجعاً بعد تساقط النصوص. وكيف كان فالمتعين طرح صحيح محمد بن مسلم، أو تأويله.

ولعل الأقرب ما ذكره غير واحد من حمله بيان أصل ثبوت الخيار بين المتبايعين من دون نظر إلي من له الخيار منهما، جمعاً مع النصوص المشهورة وإن كان ذلك مخالفاً لظاهره بدواً. ولا يمنع من ذلك اشتماله علي بيان خيار المجلس، المعلوم ثبوته للمتبايعين معاً. لإمكان سوقه أيضاً لمجرد بيان ثبوته بينهما. خصوصاً مع رواية محمد بن مسلم نفسه عن الإمام الصادق (عليه السلام) عن النبي (صلي الله عليه وآله وسلّم) ما تضمن الاختصاص بالمشتري(1). ووقوع مثل هذا الاختلاف بسبب النقل بالمعني غير عزيز. ولعله لذا لم يتعرض الشيخ في التهذيب عند ذكره للحديث لمخالفته لبقية النصوص ولوجه جمعه معها، وكأنه لا يخالفها.

بل قد يحمل علي ذلك كلام السيد المرتضي (قدس سره)، حيث قال في الانتصار: (مما انفردت به الإمامية أن الخيار يثبت للمتبايعين في بيع الحيوان خاصة ثلاثة أيام وإن لم يشترط... دليلنا الإجماع المتردد. ويمكن أيضاً أن يكون الوجه في ثبوت هذا الخيار في الحيوان خاصة أن العيوب فيه أخفي والتغابن فيه أقوي...). والتعليل الذي ذكره يناسب اختصاص الخيار بمن يصير الحيوان له بالبيع. وهو المناسب لدعواه الإجماع في المقام من دون أن يشير للخلاف بين الطائفة فيمن يثبت له الخيار، حيث يقرب كون نظره لأصل ثبوت الخيار من دون نظر لمن يستحقه، في مقابل العامة المانعين من ثبوته رأساً.

وأما حمل الصحيح علي ما إذا كان كلا العوضين حيواناً - كما ذكره غير

واحد - فهو بعيد جداً، لأنه حمل علي الفرد النادر. وكذا ما في الوسائل من حمله علي التقية. لما أشرنا إليه من إنكار المعاملة لهذا الخيار رأساً. إلا أن يكون معيار التقية عنده مجرد الاختلاف بين الأخبار، كما جري عليه صاحب الحدائق.

********

(1) وسائل الشيعة ج: 2 باب: 1 من أبواب الخيار حديث: 1.

ص: 235

حتي لو كان الثمن حيواناً (1).

---------------

والحاصل: أنه لا معدل عما هو المعروف بين الأصحاب - تبعاً للنصوص الكثيرة - من اختصاص الخيار بالمشتري، أو بمن يصير له الحيوان، علي ما يأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالي.

(1) كما هو مقتضي إطلاق المشهور وصريح غير واحد. للتقييد به في النصوص الكثيرة.

وقوّي في المسالك والروضة ومجمع البرهان ثبوته لصاحب الحيوان إذا كان بائعاً بأن كان الثمن حيواناً. وهو المناسب لما احتمله في الدروس من حمل صحيح محمد بن مسلم المتقدم علي ما إذا كان العوضان حيوانين، ونسب في مفتاح الكرامة القول به أو الميل إليه إلي جماعة، بل نسبه في الوسائل للأصحاب.

وقد استدل للقول المذكور في جامع المقاصد والمسالك - ويستفاد من غيرها - بأن فيه جمعاً بين الأخبار. وزاد في الثاني وغيره تحقق حكمة الخيار، لأن اختصاص الحيوان بالخيار إنما كان لاشتماله علي أمور باطنية لا يطلع عليها غالباً إلا بالتروي والاختبار.

لكن الثاني بالقياس أشبه، لعدم النص علي التعليل بالجهة المذكورة، ليظهر منه أن الخيار يدور مدارها سعة وضيقاً.

وأما الأول فكأن المنظور لهم أن فيه عملاً بصحيح محمد بن مسلم بحمله علي صورة بيع حيوان بحيوان، وبإطلاق ما تضمن ثبوته لصاحب الحيوان، وبما تضمن ثبوته للمشتري بحمله علي الغالب من كون المبيع حيواناً.

لكن سبق أن حمل صحيح محمد بن مسلم علي الصورة المذكورة بعيد جداً، لأنه حمل له علي الفرد النادر. مع أن الجمع بينه وبين بقية النصوص بذلك تبرعي من دون شاهد.

ص: 236

وأما إطلاق ما تضمن ثبوته لصاحب الحيوان فقد استشكل فيه بأنه مقيد بموثق بن فضال: (سمعت أبا الحسن علي بن موسي الرضا (عليه السلام) يقول: صاحب الحيوان المشتري بالخيار بثلاثة [ثلاثة. يب] أيام)(1).

لكن الظاهر أنه ليس وارداً للتقييد، بل للتفسير بلحاظ الغلبة، لدفع توهم كون المراد بصاحب الحيوان صاحبه قبل البيع، وهو البايع، فهو بدل أو عطف بيان، وليس نعتاً لبيان قيد احترازي. ولا أقل من احتمال ذلك، فلا ينهض دليلاً علي التقييد. نعم لو كان التعبير هكذا: صاحب الحيوان إن كان مشترياً فهو بالخيار. كان دالاً علي التقييد.

ومن هنا فالموثق لا يزيد مفاده عن النصوص المتضمنة ثبوت الخيار للمشتري. فاللازم النظر في الجمع بين النصوص المذكورة ونصوص ثبوته لصاحب الحيوان.

ويبدو أن المشهور جمعوا بين الطائفتين بالتقييد. وقد يناسبه ما تقدم من النصوص المتضمنة للحصر بالمشتري، وهي صحيحاً فضيل وعلي بن رئاب ومعتبر علي بن أسباط.

لكن الظاهر أن الحصر مستفاد من كلتا الطائفتين ولو بلحاظ سوق الخيار المذكور في أكثر النصوص في سياق خيار المجلس الثابت للمتبايعين معاً. فهي واردة لبيان موضوع خيار الحيوان ومختلفة بدواً في تحديده.

ويبتني مذهب المشهور علي الجمع بين التحديدين. إما للبناء علي التقييد، تقديماً لظهور كل من الطائفتين في لزوم تحقق موضوعها علي الإطلاق في الطائفة الأخري. أو للتوقف في ترجيح أحد الأمرين والاقتصار في الخروج عن عموم اللزوم علي المتيقن، وهو اجتماع الحدين.

لكن الظاهر أن مناسبة الحكم والموضوع تقضي بأولوية عنوان صاحب

********

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 3 من أبواب الخيار حديث: 2.

ص: 237

الحيوان من المشتري بالموضوعية، بنحو يصلح عرفاً للقرينية علي كون ذكر المشتري في نصوصه بلحاظ غلبة كونه صاحب الحيوان دون العكس.

فالحكمة المتقدمة وإن لم تصلح لأن تكون دليلاً علي التعدي من المشتري للبايع إذا كان صاحب الحيوان، إلا أنها بسبب ارتكازيتها تصلح لأن تكون قرينة عرفاً علي تقديم نصوص صاحب الحيوان، بلحاظ أولويته بالموضوعية ارتكازاً. بل ربما تصلح الجهة المذكورة قرينة علي إلغاء خصوصية المشتري في نصوصه والتعدي لما إذا كان صاحب الحيوان بائعاً من دون حاجة لنصوص صاحب الحيوان. بل التعدي في كلماتهم من أحد المتبايعين للآخر ومن أحد العوضين للآخر في الأحكام غير عزيز.

ويشهد بما ذكرنا من أولوية صاحب الحيوان من المشتري ارتكازاً بالموضوعية أنه لو فرض انحصار الدليل علي هذا الخيار بنصوص ثبوت الخيار لصاحب الحيوان فلا منشأ للإشكال في بقائها علي إطلاقها بنحو تشمل ما إذا كان الحيوان ثمناً، وكان صاحبه هو البايع وإن كان ذلك فرداً نادراً.

أما إذا انحصر الدليل بنصوص ثبوته للمشتري فمن الصعب جداً البناء علي إطلاقها بنحو تشمل الصورة المذكورة، بحيث يثبت الخيار للمشتري وإن كان صاحب الحيوان هو البايع.

وما ذلك إلا لقوة المناسبة الارتكازية بنحو تقتضي حمل الثاني علي الغالب دون الأول. وهو نحو من الجمع العرفي.

والحاصل: أن الظاهر كون مقتضي الجمع العرفي - تبعاً لمناسبة الحكم والموضوع - هو تحكيم نصوص صاحب الحيوان علي نصوص المشتري، دون الجمع بينهما بالتقييد، أو التوقف الملزم بالاقتصار علي المتيقن في الخروج عن أصالة اللزوم، بحيث يقتصر علي ما إذا كان صاحب الحيوان هو المشتري، كما ينسب للمشهور.

وكأن ذلك هو المنظور لشيخنا الأعظم (قدس سره) في المقام، كما يظهر بملاحظة كلامه. وبعض مشايخنا (قدس سره) وإن أنكر عليه ذلك، إلا أنه جري عليه في فتواه.

ص: 238

(239) (239)

(مسألة 7): يختص هذا الخيار بالبيع، ولا يثبت في غيره من المعاوضات (1).

(مسألة 8): إذا تلف الحيوان قبل القبض أو بعده في مدة الخيار كان تلفه من مال البايع (2)، ورجع المشتري عليه بالثمن إذا كان دفعه إليه.

---------------

بل لا يبعد كون مراد كثير ممن أطلق اختصاص خيار الحيوان بالمشتري ما إذا كان الحيوان مبيعاً، في مقابل ثبوته لهما معاً، من دون نظر لما إذا كان الحيوان ثمناً، كما يظهر مما سبق منهم من كم في صحيح محمد بن مسلم. ومن ثم لا يخلو ما سبق من نسبة عدم ثبوت الخيار للبايع في الفرض للمشهور عن إشكال.

وبذلك يظهر أنه لو كان كلا العوضين حيواناً ثبت الخيار للمتبايعين معاً. لا لحمل صحيح محمد بن مسلم علي ذلك، لما سبق من أنه فرد نادر، بل لإطلاق نصوص ثبوت الخيار لصاحب الحيوان.

(1) الظاهر مفروغية الأصحاب عن ذلك، لسوقهم له في سياق خيار المجلس، ولخلافهم المتقدم في اختصاصه بالمشتري أو عمومه للمتبايعين. ويقتضيه اختصاص نصوصه بالبيع.

(2) أما إذا كان قبل القبض فالظاهر التسالم علي ذلك. وفي الجواهر: (إجماعاً بقسميه). ويأتي من سيدنا المصنف (قدس سره) التعرض لذلك في الفصل السابع في القبض والتسليم. ولعل الله سبحانه وتعالي يوفق لتعقيب كلماته هناك. مضافاً إلي استفادته من النصوص الآتية بالإطلاق أو بالأولوية العرفية.

وأما إذا كان بعد القبض في مدة الخيار فالظاهر أيضاً التسالم عليه. وفي الجواهر: (إجماعاً بقسميه). وتشهد به النصوص، كصحيح عبد الله بن سنان: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يشتري الدابة أو العبد، ويشترط إلي يوم أو يومين، فيموت العبد والدابة أو يحدث فيه حدث، علي من ضمان ذلك ؟ فقال: علي البايع حتي ينقضي

ص: 239

الشرط ثلاثة أيام ويصير المبيع للمشتري). وزيد في بعض طرقه: (شرط البايع أو لم يشترطه)(1) ، ومرسلة ابن رباط عنه (عليه السلام): (إن حدث بالحيوان حدث قبل ثلاثة أيام فهو من مال البايع)(2) وغيرهما.

وبذلك يخرج عما تقتضيه القاعدة من ضمان المشتري له، بناء علي ما هو الظاهر من ملكيته له بالعقد. لأن الأصل تلف المال من مالكه، وعدم تحمل غيره لدركه.

نعم قد يظهر من الصحيح وغيره عدم تملك المشتري للحيوان قبل الثلاثة. لكن لابد من حمله علي إرادة لزوم البيع بعد الثلاثة مع ملكيته له بمقتضي نفوذ العقد وصحته، ولنصوص أخر ظاهرة في ترتب أثره عليه بمجرد تمامية العقد. وللكلام في ذلك مقام آخر.

هذا والمذكور في كلماتهم أن الضامن هو من ليس له الخيار من المتابعين. قال في الشرايع: (إن تلف المبيع قبل قبضه فهو من مال بايعه. وإن تلف بعد قبضه وبعد انقضاء الخيار فهو من مال المشتري. وإن كان في زمن الخيار من غير تفريط وكان الخيار للبايع فالتلف من مال المشتري وإن كان الخيار للمشتري فالتلف من مال البايع).

لكن لم يتضح منشأ هذه الكبري بعد اختصاص النصوص بخيار الحيوان وخيار الشرط في الجملة علي ما ربما يأتي التعرض له في محله.

نعم بناء علي ما سبق منا من أن موضوع الخيار صاحب الحيوان، لا خصوص المشتري، فلا يبعد التعدي عن مورد النصوص السابقة، والبناء علي ضمان المشتري للحيوان في الأيام الثلاثة إذا كان ثمناً. لأن المفهوم من النصوص بقاء الحيوان في مدة الخيار في عهدة من انتقل عنه بالبيع. ويأتي من سيدنا المصنف (قدس سره) التعرض لحكم الضمان في آخر الفصل الخامس في أحكام الخيار. وربما يأتي منا هناك تمام الكلام في ذلك.

********

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 5 من أبواب الخيار حديث: 2، 3.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 5 من أبواب الخيار حديث: 5.

ص: 240

(241) (241)

(مسألة 9): إذا طرأ عيب في الحيوان من غير تفريط من المشتري لم يمنع من الفسخ والرد (1)، وإن كان بتفريط منه سقط خياره (2).

(الثالث): خيار الشرط (3). والمراد به الخيار المجعول باشتراطه في العقد

---------------

(1) الظاهر عدم الإشكال في ذلك. لأولويته من التلف ارتكازاً في كونه مضموناً علي البايع. وللتصريح في صحيح عبد الله بن سنان المتقدم بضمانه للحدث كالموت، والظاهر أن المراد من الحدث المرض ونحوه من العيوب. وهو مقتضي إطلاق الحدث في مرسلة ابن رباط. وبعد كونه مضموناً علي البايع لا منشأ لمانعيته من الرد. بل قوله (عليه السلام) في صحيح عبد الله بن سنان: (حتي ينقضي الشرط ويصير المبيع للمشتري) كالصريح في عدم مسقطيته للخيار، فيتعين جواز الرد مع بقاء موضوعه، لعدم تلف الحيوان.

(2) أما عدم ضمان البايع له فلأنه مقتضي القاعدة بعد ما أشرنا إليه آنفاً من ملكية المشتري له بالعقد، وظهور قصور النصوص السابقة عنه، لأنها بصدد بيان بقاء الحيوان في عهدة البايع في مدة الخيار، لا سقوط حرمة المال، كي لا يضمن بالتفريط. وبذلك يظهر جريان ذلك في التلف في المسألة الأولي. وربما يكون عدم تنبيه سيدنا المصنف (قدس سره) لذلك لوضوحه.

وأما سقوط الخيار بذلك فلأن منصرف أدلة الخيار إرجاع كل من العوضين علي حاله، ولا مخرج عن ذلك إلا النصوص المتقدمة التي عرفت قصورها عن مورد الكلام.

أما إذا كان التفريط بحيث يستند العيب إلي فعل المشتري، فيدخل في الضابط الذي تقدم منا في المسألة الخامسة للتصرف المسقط للخيار. وتمام الكلام في المسألة في فصل أحكام الخيار إن شاء الله تعالي.

(3) بلا خلاف، كما في التذكرة وعن الكفاية وغيرهما. ودعوي الإجماع في

ص: 241

فروعه - فضلاً عن أصله - متكررة في كلماتهم. وفي الجواهر: (بالضرورة بين علماء المذهب).

وقد استدل عليه غير واحد بعموم نفوذ الشروط المستفاد من النصوص الكثيرة المتضمنة أن المؤمنين أو المسلمين عند شروطهم(1).

وقد يستشكل فيه بمخالفته للكتاب المجيد، بلحاظ مخالفته لعموم قوله تعالي: (أوفوا بالعقود)(2) ، الذي تقدم دلالته علي عموم لزوم العقد.

وهو كما تري، لأن تضمن العقد للشرط المذكور يمنع من منافاة الخيار الذي هو مقتضي الشرط لوجوب الوفاء بالعقد. نعم قد يتجه ذلك في اشتراط الخيار في عقد آخر بين المتشارطين غير الذي وقع فيه الشرط.

كما قد يتجه دعوي مخالفته للسنة الشريفة بلحاظ عموم اللزوم في البيع الذي تضمنته الأدلة، ومنها ما دل علي لزومه بمجرد الافتراق ومضي الأيام الثلاثة في الحيوان، حيث قد يدعي أن مقتضي إطلاقه العموم لصورة اشتراط الخيار، كما أشار له في المستند.

لكنه يندفع بأن العقد حيث كان مبنياً علي الإلزام والالتزام بين أطرافه فلزومه ارتكازاً راجع إلي لزومه في حق كل طرف بلحاظ منافاة فسخه لحق الطرف الآخر ومرجع ذلك إلي كون لزوم العقد حقياً. ولذا كانت العقود نوعاً ومنها البيع قابلة للفسخ بالتقايل، من دون أن ينافي ذلك لزومها ارتكازاً. وحينئذ لا يكون اشتراط الخيار في العقد، أو في عقد آخر بين المتشارطين، منافياً للزوم العقد، لظهور أن لكل ذي حق التنازل عن حقه، والتصرف فيه بمقتضي سلطنته عليه.

نعم ما ثبت من العقود كون لزومه حكمياً، لعدم مشروعية التقابل فيه

********

(1) راجع وسائل الشيعة ج: 12 باب: 6 من أبواب الخيار، ج: 15 باب: 20، 40 من أبواب المهور، ج: 16 باب: 4، 11 من أبواب المكاتبة وغيرها.

(2) سورة المائدة الآية: 1.

ص: 242

- كالنكاح - يتجه عدم مشروعية شرط الخيار فيه، لمنافاته للزومه شرعاً.

وإلي هذا في الجملة يرجع ما ذكره شيخنا الأعظم (قدس سره) وبعض الأعاظم (قدس سره)

في المقام، وذكره سيدنا المصنف (قدس سره) في المسألة الخامسة من كتاب الضمان من مستمسكه. فراجع.

هذا وقد استشكل في ذلك بعض مشايخنا (قدس سره) بدعوي: عدم الفرق بين الحق والحكم، وأن كلاهما حكم شرعي. غاية الأمر أن بعض الأحكام قد ثبت ارتفاعه في بعض الموارد برفع المكلف اليد عنه، من دون أن يوجب اختلافاً بينهما. ولزوم البيع كلزوم النكاح، ولذا ثبت الخيار فيهما معاً في بعض الموارد. وحينئذ لابد من الاقتصار علي الموارد التي تثبت جوازاً رفع اليد فيها وعدم التعدي عنها. وقد ثبت جواز رفع اليد عن لزوم البيع بالتقايل، ولا مجال للتعدي منه والبناء علي جواز رفع اليد عنه باشتراط الخيار، بل لابد فيه من دليل خاص.

ويندفع بأن جعل الحق حكم شرعي، كسائر الأحكام الشرعية. أما نفس الحق فهو مباين للحكم، ونتيجة له، ويكون موضوعاً للسلطنة بملاك سلطنة الإنسان علي ماله. فالحكم شرعاً بثبوت حق الخيار في البيع مثلاً حكم شرعي كجواز الرجوع في الهبة. أما نفس حق الخيار فهو نتيجة للحكم شرعاً بثبوته، ويكون موضوعاً لسلطنة ذي الحق.

وبعبارة أخري: نفوذ رجوع الواهب في هبته مثلاً حكم شرعي ابتدائي، وليس تابعاً لسلطنته، أما نفوذ رجوع الخيار في البيع فهو نتيجة سلطنته علي الحق المجعول له. ولذا كان له إسقاطه والمعاوضة عليه ارتكازاً، كما كان له إعماله، ولم يكن للواهب إسقاط الحكم بجواز الرجوع له في هبته، ولا المعاوضة عليه، لعدم كونه حقاً له، ليكون مسلطاً عليه. وكذلك لزوم النكاح، فإنه حكم شرعي ابتدائي لا مجال للتنازل عنه. أما لزوم البيع فإنه ثبت نتيجة لاستحقاق كل من الطرفين مضمون العقد علي الآخر، ولذا يكون لهما التنازل عنه بالتقايل.

ص: 243

فالفرق بين الأمرين في المقام نظير الفرق بين الحكم بجواز النظر للمحارم وحرمة النظر للأجنبية، والحكم بجواز تصرف الإنسان في ماله وحرمة تصرف غيره فيه، حيث أن الأول حكم شرعي ابتدائي خارج عن سلطنة المكلف، والثاني متفرع علي ملكيته لماله وسلطنته عليه، فله رفع جواز التصرف له بتمليكه المال لغيره أو رهنه منه، ورفع حرمة تصرف غيره فيه بإذنه له فيه.

ويشهد بما ذكرنا أن جواز إسقاط الخيار ومشروعية الإقالة من الأمور الارتكازية التي يقدم عليها المتعاملان بطبعهما من دون حاجة للسؤال تبعاً لارتكاز سلطنتهما علي الحق الثابت لهما. ولذا لا إشكال ظاهراً في مشروعية الإقالة واشتراط الخيار في سائر العقود إلا ما ثبت عدم مشروعيته فيه كالنكاح، مع أن نصوصهما إنما وردت في البيع.

ولعله لذا لم يرد السؤال عن مشروعية الإقالة وإسقاط الخيار في النصوص، وإنما وردت النصوص في استحباب الإقالة، وفي عدم نفوذ رجوع أحد المتبايعين إلا برضا الآخر، وفي عدم جواز الإقالة بوضعية، ونحو ذلك مما يظهر منه المفروغية عن مشروعية الإقالة في نفسها.

بل لا يبعد ذلك في خيار الشرط، حيث يظهر من بعض نصوصه المفروغية عن جوازه، وإنما وردت لبيان حكم سقوطه بالتصرف، أو ضمان البايع للمبيع في مدة الخيار. وبعض النصوص وإن تضمنت السؤال عنه، إلا أنه ربما يكون منشأ السؤال فيها احتمال كون البيع فيه صورياً لا حقيقياً، أو احتمال الحرمة بلحاظ حاجة الشخص الذي يقوم ببيع الشرط، فيدخل في بيع المضطر الذي ورد النهي عنه في الجملة.

وأما ما ذكره (قدس سره) من أن ثبوت الخيار في بعض الموارد في البيع والنكاح معاً شاهد بأن اللزوم فيهما علي نهج واحد. فهو في غاية المنع، فإن جعل الشارع الأقدس حق الخيار في العقود المختلفة استثناء من عموم اللزوم فيها لا يمنع من اختلاف ملاك اللزوم فيها بالوجه الذي تقدم.

ص: 244

هذا وقد حاول بعض مشايخنا (قدس سره) تصحيح خيار الشرط بوجهين آخرين:

الأول: يبتني علي الاستدلال بعموم نفوذ الشرط. وذلك بلحاظ ما تقدم منه في مسقطات خيار المجلس عند الكلام في اشتراط عدم فسخ العقد من أن كل شرط في العقد يتضمن اشتراط الخيار بتخلفه، إذ عليه لو كان اشتراط الخيار منافياً للزوم العقد، بنحو يمنع من نفوذ الشرط، لم يبق لعموم نفوذ الشروط مورد. فلابد من البناء علي عدم مانعية أدلة لزوم العقد من التمسك بعموم نفوذ الشروط لتصحيح اشتراط الخيار في العقد.

ويظهر الإشكال فيه مما سبق من أن الشرط إنما يقتضي إلزام المشروط عليه بالأمر المشروط، وأن ثبوت الخيار بتخلفه حكم عقلائي، وليس جزءاً من مضمون الشرط.

مع أنه لو كان جزءاً من مضمون الشرط فلا ينهض عموم نفوذ الشروط بنفوذه بناء علي ما سبق منه (قدس سره) هناك من اختصاص عموم نفوذ الشروط بالتكليف بفعل الشرط، ولذا يختص بشرط الفعل دون شرط النتيجة.

وكان المناسب له (قدس سره) أن يمنع من نهوض عموم نفوذ الشرط بتصحيح شرط الخيار بلحاظ مبناه المذكور حتي لو فرض عدم منافاته لعموم نفوذ العقد. مع أنه لم يشر لذلك.

الثاني: لا يبتني علي عموم نفوذ الشروط، وحاصله: أن مرجع اشتراط الخيار إلي تضييق دائرة مضمون العقد وتقييده بصورة عدم الفسخ، للتنافي بيت جعل الخيار وإنشاء المضمون العقدي بنحو الإطلاق، لأن إنشاء المضمون العقدي بنحو الإطلاق يقتضي ثبوته سواءً تحقق الفسخ أم لم يتحقق، وجعل الخيار يقتضي عدم ثبوت المضمون العقدي مع الفسخ، وهما متنافيان.

ودعوي: أن تحديد المضمون العقدي في مثل البيع بزمان خاص أو حال خاص باطل قطعاً، فكيف يدعي تحديده في المقام بعدم الفسخ ؟!. مدفوعة بأن بطلانه إنما هو

ص: 245

لعدم جري العرف عليه في معاملاتهم، فتقصر عنه أدلة النفوذ، أما التحديد بعدم الفسخ بسبب جعل الخيار فهو حيث كان شايعاً عند العرف يتعين شمول أدلة النفوذ له.

وحينئذ لا يكون اشتراط الخيار منافياً للكتاب، لأن قوله تعالي: (أوفوا بالعقود)(1) إنما يقتضي نفوذ مضمونها ولزومه علي نحو ما جعل، والمفروض جعله مقيداً بعدم الفسخ، فلا تقتضي الآية الكريمة بقاءه بعد الفسخ.

كما لا يكون مخالفاً للسنة، لأن ما تضمن من النصوص مثلاً لزوم البيع بالافتراق إنما تقتضي لزومه علي نحو ما جعل، فإذا جعل مقيداً بعدم الفسخ لم تنهض تلك النصوص بإثبات بقائه بعد الفسخ.

لكنه يشكل أولاً: بأن إنشاء المضمون العقدي بنحو الإطلاق لا يرجع إلي إنشائه بنحو يبقي ويستمر، بل إلي أصل إيجاده، وبقاؤه إنما هو لأن مقتضي طبعه البقاء حتي يطرأ ما يرفعه، لا لأن مقتضي العقد بقاؤه.

وعلي هذا يكون الفرق بين إطلاق المضمون العقدي وتقييده كما في الزوجية الدائمة والمنقطعة ليس بسعة المضمون وضيقه، بل إلي إبقاء الأول علي مقتضي طبعه لا يرتفع إلا برافع، كالطلاق، والخروج بالثاني عن مقتضي طبعه بتحديد أمد بقائه.

********

(1) سورة المائدة الآية: 1.

ص: 246

(247)

إما لكل من المتعاقدين (1)، أو لأحدهما (2)

---------------

ولذا لا يكون حكم الشارع الأقدس بارتفاع المضمون العقدي برافع خاص - كالرضاع والطلاق الرافعين للزوجية - راجعاً ارتكازاً إلي عدم نفوذ العقد في بعض مضمونه، بل إلي ارتفاعه بعد ثبوته بنحو الإطلاق بسبب طروء المانع أو الرافع.

وعلي كل حال فسواءً كان الفرق بين الإطلاق والتقييد هو سعة الأول وتضييق الثاني أم ما ذكرنا، فارتفاع المضمون العقدي بالفسخ في مورد خيار الشرط لا يبتني علي انتهاء أمده، بل علي ارتفاعه - مع أن من شأنه البقاء - نتيجة إبطال العقد ورفع اليد عنه بالفسخ، لأن مفاد الفسخ هو إبطال العقد، لا إنهاء المضمون.

ولذا لو فرض مشروعية شرط الخيار في عقد النكاح لكان الفرق بينه وبين النكاح المنقطع في غاية الوضوح ارتكازاً. وحينئذ يكون اشتراط الخيار منافياً للزوم العقد الذي تضمنته الأدلة، وتعود شبهة مخالفته للكتاب المجيد والسنة الشريفة.

وثانياً: بأن مجرد كون فسخ المشرط للعقد موجباً لانتهاء أمد مضمونه لا يقتضي كون الخيار حقاً للمشترط، يقتضي سلطنته عليه بالمعاوضة عليه وإسقاطه، بل لازمه عدم ترتب الأثر علي إسقاطه، لظهور أن إسقاطه لا يوجب تبدل مضمون العقد، وصيرورته واسعاً بعد أن كان ضيقاً، فإن العقد لا ينقلب عما وقع عليه. مع أنه قابل للإسقاط قطعاً. والظاهر عدم الإشكال بينهم في إمكان المعاوضة عليه. وما ذلك إلا لكون حقاً للمشترط له السلطنة عليه علي نحو سلطنته علي ملكه.

ومن هنا لا يبعد انحصار الوجه في عموم عدم منافاة اشتراط الخيار لعموم لزوم العقد بما سبق من كون اللزوم في العقد حقياً لا حكمياً.

ومنه يظهر عدم اختصاص ذلك بالبيع، بل يجري في كل عقد لم يثبت عدم مشروعية الإقالة فيه. كما لا يفرق فيه بين اشتراط الخيار في نفس العقد المشتمل علي الشرط واشتراطه في عقد آخر. كل ذلك لعموم نفوذ الشرط بعد عدم منافاته لعمومات نفوذ العقد. أما بناء علي أن الوجه فيه ما ذكره بعض مشايخنا (قدس سره) من الوجهين فهو يختص باشتراط الخيار في نفس العقد المشتمل علي الشرط، كما يظهر بملاحظتهما.

(1) الظاهر عدم الإشكال فيه بينهم، بل هو داخل في معاقد الإجماع ونفي الخلاف المتقدمين. والوجه فيه عموم نفوذ الشرط بالوجه المتقدم.

(2) الأمر فيه كما في سابقه. مضافاً إلي بعض النصوص الواردة في جعل الخيار للمشتري. كصحيح الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام): (أنه سئل عن الرجل يبتاع

ص: 247

بعينه (1)، أو لأجنبي (2).

---------------

الثوب من السوق لأهله، ويأخذه بشرط، فيعطي الربح في أهله. قال: إن رغب في الربح فليوجب الثوب علي نفسه، ولا يجعل في نفسه أن يرد الثوب علي صاحبه إن رد عليه)(1) ، وغيره مما قد يأتي التعرض له. كما يأتي في المسألة الثانية عشرة ما يشهد بصحة شرط الخيار للبايع.

وقد يظهر من بعضهم أن منه معتبر أبي الجارود عن أحدهما (عليه السلام): (قال: إن بعت رجلاً علي شرط، فإن أتاك بمالك، وإلا فالبيع لك)(2). لكن الظاهر أن المراد بالشرط فيه شرط الأجل في الثمن. والخيار فيه خيار تخلف الشرط، لا خيار الشرط الذي هو محل الكلام، كما يظهر بأدني تأمل.

(1) أما مع عدم تعيين من له الخيار منهما فالمتعين بطلان الشرط، لعدم قابلية المردد للوجود الاعتباري، كما لا يقبل الوجود الحقيقي.

(2) كما صرح به جماعة، وهو مقتضي عموم معقد نفي الخلاف المحكي عن الكفاية، وفي التذكرة: (ذهب علمائنا أجمع إلي جوازه، وأنه يصح البيع والشرط). لكن النظر في كلماتهم يشهد بشدة اختلافهم في خصوصياته وآثاره بنحو قد يكون منشؤه عدم وضوح حقيقته عندهم.

والذي ينبغي أن يقال: العقد يبتني علي الإلزام والالتزام بين أطرافه، بنحو يقتضي بثبوت الاستحقاقات بينهم دون غيرهم ممن هو ليس طرفاً في العقد. والشرط الذي يتضمنه من جملة الالتزامات المبنية علي الاستحقاق، فلا يكون طرفه المستحق له والمستحق عليه إلا أحد أطراف العقد.

وحيث كان البيع قائماً بالمتبايعين فقط تعين عدم استحقاق غيرهما ما يتضمنه

********

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 12 من أبواب الخيار حديث: 2.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 7 من أبواب الخيار حديث: 2.

ص: 248

من الخصوصيات المأخوذة في العقد، ومنها شرط الخيار، كما لا يكون مستحقاً عليه شيء منها.

هذا وقد حاول بعض مشايخنا (قدس سره) توجيه جعل الخيار للأجنبي مع ذلك بما سبق عنه توجيه خيار الشرط به من ابتناء شرط الخيار علي تضييق مضمون العقد وتقييده بعدم فسخ من له الخيار، حيث لا يفرق في ذلك بين فسخ أحد المتعاقدين وفسخ الأجنبي.

لكن سبق المنع من رجوع الشرط لتضييق المضمون. وأنه لو رجع إليه لم يقتض كون الخيار حقاً للفاسخ. والحاصل أنه لا مخرج عما ذكرنا من عدم صحة شرط الخيار للأجنبي، بحيث يكون حقاً له كما يكون حقاً للمتبايعين.

غاية الأمر أنه يمكن أن يكون إعمال الخيار المشترط لهما أو لأحدهما بالفسخ منوطاً بالأجنبي، حيث لا مانع من ذلك بعد عموم نفوذ الشرط. لكن من دون أن يستحق الأجنبي الخيار، بحيث يكون له إسقاطه والمعاوضة عليه، وينتقل منه لو مات لوارثه، ونحو ذلك مما هو من شؤون الملكية والاستحقاق، بل كل ذلك لمستحق الخيار من المتبايعين.

كما يمكن جعل الخيار للمتبايعين أو لأحدهما علي أن يكون الأجنبي مسلطاً علي إسقاطه، لا بملاك إسقاط صاحب الخيار لحقه، بل لاشتراط بقاء الخيار المجعول لأحد المتبايعين أو كليهما بعدم إسقاطه، فيكون الأجنبي قادراً علي إسقاط الخيار بمقتضي الشرط المذكور، وصاحب الخيار مسلطاً علي إسقاطه بمقتضي كونه حقاً له. وأيهما سبق سقط الخيار.

ثم إن جعل الخيار للأجنبي بأحد هذين النحوين يكون تارة: للاهتمام برضاه ورغبته، حباً له، أو دفعاً لمشاكل مخالفة رغبته، كما لو بيع العبد واشترط الخيار له، أو بيعت الدار واشترط الخيار للجار. وأخري: للاهتمام بنظره وحسن اختياره لمن له الخيار استنصاحاً له وثقة به.

ص: 249

ولا ينبغي الإشكال في تبعية اختياره في الصورة الأولي لصلاحه ورغبته، دون صلاح ورغبة من له الخيار من المتبايعين. وحينئذٍ قد يتسني لأحد المتبايعين أو لكليهما أو لثالث إقناعه بإعمال الخيار بالفسخ، أو بإسقاطه الخيار في فرض اشتراط سقوطه بإسقاطه ولو ببذل شيء من المال له. وحينئذ يستحق المال جعالة أو مصالحة في مقابل عمله المذكور، لا بلحاظ استحقاق الخيار. ويترتب الأثر علي عمله بمقتضي إطلاق شرط الخيار المذكور، لفرض عدم أخذ صلاح صاحب الخيار من المتبايعين في شرط الخيار.

أما في الثانية فعقد البيع المتضمن لشرط الخيار بالنحو المذكور لا يكون ملزماً للأجنبي بمراعاة صلاح من له الخيار من المتبايعين. لما سبق من أن العقد لا يكون ملزماً لغير أطرافه. نعم قد يكون ذلك راجحاً في حقه، أو ملزماً، بملاك إعانة المؤمن والنصيحة له ونحو ذلك مما لا يكون الخروج عنه موجباً لبطلان التصرف.

وحينئذ ينفذ تصرفه بالفسخ أو الإسقاط وإن لم ينظر لصاحب الخيار ولم يتحر مصلحته تسامحاً، أو بسبب إغراء الطرف الآخر له أو الأجنبي بالمال أو نحوه، كما في الصورة السابقة.

نعم إذا لم يكن النظر لصاحب الخيار وتحري مصلحته داعياً مجرداً في إيكال إعمال الخيار له ثقة به، بل قيداً في إعمال الخيار المشروط تعين عدم نفوذ تصرفه مع خروجه فيه عن ذلك.

وفي جميع الصور يحق لصاحب الخيار المذكور من المتبايعين إسقاط الخيار أو المعاوضة عنه، لأنه هو المستحق له. ومجرد إيكال إعماله للأجنبي أو اشتراط سقوطه بإسقاطه لا يمنع من سلطنته عليه.

هذا ما تيسر لنا في بيان حقيقة الخيار المجعول للأجنبي وآثاره ولوازمه. ولا يسعنا استقصاء كلمات الأصحاب في المقام، لشدة اختلافها واضطرابها. وربما يكون الملحوظ لكل منهم شيئاً مما ذكرنا وتعميمه، مع الغفلة عن الباقي وعن لوازمه، كم

ص: 250

(251)

(مسألة 10): لا يتقدر هذا الخيار بمدة معينة، بل يجوز اشتراطه ما يشاء من مدة قصيرة أو طويلة (1)، متصلة بالعقد أو منفصلة عنه (2). نعم

---------------

قد يتضح ذلك بملاحظة كلماتهم ومقارنتها بما سبق. وإن كان الأمر غير مهم لمن يستوضح ما ذكرنا.

(1) كما صرح به غير واحد، وادعي الإجماع عليه في الانتصار والتذكرة وظاهر الغنية، وفي الخلاف: (عليه إجماع الفرقة، وأخبارهم متواترة بها). ولعله يريد بالأخبار الأخبار الواردة في الخيار برد الثمن، والتي يأتي التعرض لها في المسألة الثانية عشرة إن شاء الله تعالي. وإن كان الظاهر عدم بلوغها حدّ التواتر. والعمدة في وجه العموم المذكور عموم نفوذ الشروط.

لكن قال في مفتاح الكرامة: (إلا أن يعلم بعدم بقائها إليها، فإنه يحتمل البطلان، للزوم التعطيل، والصحة، لأن الأجل مضبوط والخيار موروث). وكأن لزوم التعطيل بلحاظ ابتناء جعل الخيار علي عدم التصرف بالعين تصرفاً يوجب اختلاف الرغبة فيها. وهو - لو تم - ليس محذوراً يخرج به عن عموم نفوذ الشروط، كما لعله ظاهر.

(2) قال في الجواهر: (كما هو صريح بعض وظاهر إطلاق آخرين. للعموم). وقال في التذكرة: (الأقرب عندي أنه لا يشترط اتصال مدة الخيار بالعقد).

ويظهر منه وجود شبهة تمنع منه. وهو صريح القواعد، حيث صرح بالتردد، لان العقد اللازم لا ينقلب جائزاً. وهو مصادرة. مع أنه ينتقض بخيار التأخير وخيار تخلف الشرط.

وقال في المسالك بعد التصريح بجواز الانفصال: (وفي جواز جعلها متفرقة وجهان أجودهما ذلك). وقد يظهر منه أيضاً وجود شبهة تمنع منه. بل هو كالصريح مما في الدروس من احتمال الجواز قال في الجواهر: (ولعله لاستظهار الاتحاد من

ص: 251

(252)

لا بد من تقديرها بقدر معين وتعيين مبدئها، فلا يجوز جعل الخيار بلا مدة (1)،

---------------

الإطلاق. وفيه منع واضح).

لكن المراد من الاتحاد إن كان هو اتحاد الحق، تبعاً لوحدة الشرط، فهو - لو تم

لا ينافي تعدد زمان الخيار المستحق. وإن كان هو اتحاد زمان الخيار الراجع لاتصال أجزائه، فلا منشأ لتوهم اعتباره.

(1) جعل الخيار بلا مدة يمكن أن يقع علي وجوه:

الأول: أن يراد به بقاؤه مدة مبهمة. والظاهر بطلانه، كما عن جماعة. وهو مقتضي ما في المبسوط والتذكرة والمختلف من بطلان البيع به، وحكاه في المختلف عن السيد المرتضي، وإن حكي عن انتصاره ما يأتي. والوجه فيه ما أشرنا إليه عند الكلام في لزوم تعيين من له الخيار من أنه لا وجود للأمر المردد، اعتبارياً كان أو حقيقياً.

وفي المقنعة والانتصار والخلاف وجواهر القاضي والغنية وعن الكافي أنه يصح، ويكون ثلاثة أيام. وقد يظهر من الدروس الميل إليه، وفي الانتصار أنه من متفردات الإمامية، وفي جواهر القاضي وظاهر الغنية دعوي الإجماع عليه، وفي الخلاف أن عليه إجماع الفرقة أخبارهم.

لكن صرح غير واحد بعدم وجود خبر به، ولم يثبت الشيخ نفسه في التهذيبين شيئاً منها. ولعله لذا حمل في التذكرة كلام الشيخ علي خيار الحيوان.

نعم قال في الجواهر: (إرسال الشيخ الأخبار المزبورة لا تقصر عن المراسيل في كتب الحديث، التي من المعلوم عدم بنائها علي الاستقصاء التام... فهي حينئذ مع الإجماعات المزبورة كافية في اثبات المطلوب... بل جزم به العلامة الطباطبائي في مصابيحه. وهو لا يخلو من قوة). وسبقه إلي هذا في مفتاح الكرامة.

لكن لم يتضح كون مراد الشيخ من الأخبار أخباراً دالة علي التحديد بذلك تعبداً، بل قد يكون مراده بها الأخبار المتضمنة نفوذ الشرط عموماً، ونصوص خيار

ص: 252

(253) (253)

الشرط، بضميمة ما في الانتصار والغنية من أن هذه المدة هي المدة المعهودة في الشريعة للخيار، فيحمل الإطلاق علي المعهود. وذلك راجع إلي تشخيص مقتضي الإطلاق نتيجة القرينة العامة، الذي لو تم فلا إشكال في الحكم.

وقد يكون ذلك هو المنشأ لدعاوي الإجماع، حيث يشيع عند القدماء دعواه علي الحكم بلحاظ الإجماع علي منشئه. وحتي الأخبار قد يدعي ورودها في خصوص مورد بلحاظ ورودها في كبري تشمله بنظر المدعي.

ومن هنا يلزم النظر في الدعوي المذكورة. وهي غير ظاهرة، إذ لم يرد تحديد الخيار بثلاثة أيام إلا في خيار الحيوان، وليس هو من الشيوع والظهور بحدّ ينهض بالقرينية علي تشخيص مقتضي الإطلاق عند العرف. ولاسيما بعدما سبق من الشيخ نفسه في المبسوط وعن السيد المرتضي من بطلان العقد بالشرط المذكور. ومن هنا لا مخرج عما سبق.

الثاني: أن يراد به بقاء الخيار مدة العمر، بحيث يلزم بعد الموت، ولا يثبت للوارث. ولا يبعد خروجه عن مورد كلامهم، لأن ما سبق من الكلام في حمله علي ثلاثة أيام وعدمه فرع العلم بعدم إرادة الاستمرار.

نعم يشمله استدلالهم علي البطلان فيما يأتي من فرض جعل المدة غير مضبوطة، لظهور عدم انضباط مدة العمر. ويأتي الكلام في الاستدلال المذكور إن شاء الله تعالي.

الثالث: أن يراد به بقاء الخيار أبداً، بحيث يبقي حتي في حق الوارث. وهو كالصورة السابقة في الخروج عن مورد كلامهم. كما أن الظاهر قصور استدلالهم المشار إليه آنفاً عنه، خلافاً لما يظهر من بعض الأعاظم (قدس سره). لظهور أنه لا جهل بحال الخيار المجعول ولا بمقداره بعد فرض جعله بنحو الاستمرار المطلق.

نعم ذكر بعض الأعاظم (قدس سره) وجهاً آخر للمنع منه. قال في منية المريد: (بل يمكن أن يقال: إن جعله أبداً يبطل من جهة أخري أيضاً، وهي منافاته لمقتضي العقد،

ص: 253

فإن مقتضاه بمدلوله الالتزامي هو التزام كل من المتبايعين بما أنشأه، فلو لم يلتزم به في مقدار من الزمان فهو ينافي إطلاقه، ولا بأس به. وأما لو لم يلتزم به أبداً فهو ينافي مقتضاه ويفسد).

وفيه: أنه لم يتضح أخذ ذلك في مقتضي العقد ومفاده، بل مقتضاه ليس إلا الالتزام بمضمونه، من معاوضة، أو تمليك مجاني، أو نكاح، أو غير ذلك. والفسخ رجوع عن الالتزام المذكور ينافي الوفاء به سواء كان مشروعاً أم لم يكن.

نعم العقد بطبعه يقتضي الجري عليه والوفاء به وعدم الرجوع فيه مطلقاً. إلا أنه يمكن رفع اليد عن ذلك بحكم الشارع بجواز العقد، أو بجعله الخيار فيه، أو ببناء المتعاقدين، لتقايلهما أو باشتراطهما الخيار. من دون أن ينافي ذلك أصل العقد ومقتضاه.

وكما لا تكون مشروعية الإقالة بنحو الإطلاق والاستمرار منافية لمقتضي العقد لا يكون اشتراطهما الخيار بنحو الإطلاق والاستمرار منافياً له، خصوصاً بناء علي ما سبق منه ومنا من أن مشروعية شرط الخيار بسبب كون اللزوم حقياً يشرع معه التقايل.

ويزيد في توضيح ذلك أن الشارع الأقدس لو حكم بجواز الرجوع في عقد ما بنحو الإطلاق والاستمرار، فلا إشكال في أن الحكم المذكور علي خلاف مقتضي طبع العقد، إلا أنه لا يظن بأحد دعوي أنه علي خلاف مقتضي العقد ومفاده، نظير ما لو حكم بوقوع الهبة بيعاً بثمن لم يذكره المتعاقدان، أو وقوع البيع هبة للمبيع مجاناً وبدون الثمن الذي ذكره المتعاقدان.

وبالجملة: الشرط المنافي لمقتضي العقد هو المنافي لمضمونه ومفاد، بحيث يكون القصد إليهما معاً من القصد للمتنافيين الراجع للقصد للمتناقضين، وليس شرط الخيار بنحو الإطلاق في العقد كذلك قطعاً، كما ذكر ذلك في الجملة بعض

مشايخنا (قدس سره).

ص: 254

ولا جعله مدة غير محدودة قابلة للزيادة والنقصان، مثل مجيء الحاج (1)،

---------------

(1) قولاً واحداً، كما في الجواهر، وصرح شيخنا الأعظم (قدس سره) بعدم الخلاف فيه، وفي مفتاح الكرامة ومحكي المقابس بالإجماع عليه. ويظهر من خلافهم في بطلان العقد به المفروغية عن بطلان الشرط. والمذكور في كلماتهم الاستدلال عليه بالغرر.

ودعوي: أن النهي في المقام عن بيع الغرر، والغرر في المقام إنما يكون في الشرط، لا في البيع. ويظهر من كلماتهم في الشروط عدم وضوح التلازم بين اعتبار العلم في البيع واعتباره في الشرط.

مدفوعة بأنه لو سلم عدم عموم سراية الغرر من الشرط للبيع، بلحاظ أن للشرط دخلاً في الرغبة فيه، إلا أنه لابد من البناء علي سرايته في المقام مما كان فيه الشرط من شؤون العقد، لتعرض البيع بالخيار للفسخ الرافع لأثره. هذا غاية ما يمكن أن يوجه به الاستدلال المذكور.

لكنه يشكل أولاً: بما سبق منا عند الكلام في اعتبار العلم بقدر العوضين من عدم نهوض حديث الغرر بإثبات اعتبارالعلم بقدرهما، فضلاً عن إثبات اعتبار العلم بغيرهما من متعلقات العقد، كالأمر المشروط في المقام بحيث يلزم تحديده بالوجه المدعي.

وثانياً: أن مبني اقتضاء النهي عن الغرر اعتبار العلم هو حمل الغرر علي الخطر ولو بلحاظ بعض مراتب المالية، حيث يستلزم ذلك اعتبار العلم بكل ماله دخل في زيادة المالية ونقصها في العوضين من المقادير والصفات. وذلك لا يستلزم ذلك اعتبار الضبط في المدة بالإضافة إلي الأعمال التي تكون طرفاً في المعاوضة - كما في الإجارة

فضلاً عن الشروط، إذ كثيراً ما يكون الموسم دخيلاً في قيمة العمل، دون الوقت. بل قد ينحصر الأمر بذلك.

مثلاً إذا كان السفر للحج في القافلة الأولي أفضل للحاج وأعلي قيمة، وكان

ص: 255

تحديد مسير القافلة الأولي تابعاً لقرار الدولة، يكون الدخيل في مالية العمل المستأجر عليه هو قرار الدولة المجهول الوقت ويكون التحديد به أدخل في المالية من التحديد بالوقت المنضبط، كاليوم والشهر. بل قد يتعذر التحديد بالثاني، لعدم إحراز القدرة علي مراعاته.

وإذا أمكن ذلك في العمل الذي يكون طرفاً في المعاوضة - كالعمل المستأجر عليه - أمكن في المقام. كما لو كان غرض المشتري من شرط الخيار استشارة خبير يوم يمر في سفره ببلد المشتري، ولا يعرف ذلك اليوم بعينه، وكان البايع لا يرضي باشتراط الخيار مدة طويلة. ومن هنا لا مجال لإناطة رفع الغرر بتحديد المدة بيوم أو شهر معينين، بل يختلف ذلك باختلاف الموارد.

هذا شيخنا الأعظم (قدس سره) بعد أن استدل علي بطلان بصيرورة المعاملة بذلك غررية قال: (ولا عبرة بمسامحة العرف في بعض المقامات، وإقدام العقلاء عليه أحياناً، فإن المستفاد من تتبع أحكام المعاملات عدم رضا الشارع بذلك، إذ كثيراً ما يتفق التشاح في هذه الساعة والساعتين من زمان الخيار، فضلاً عن اليوم واليومين) وقد يوجد نظير ذلك في كلام غيره.

لكن الظاهر أن الأحكام التي أشار فيها في الموارد المتفرقة تبتني عندهم علي كبري النهي عن الغرر، مع البناء منهم علي أن عدم انضباط المدة باليوم والشهر ونحوهما مستلزم للغرر، لا لورود النصوص الخاصة فيها، فمع ظهور بطلان منشأ بنائهم كيف يمكن استفادة القاعدة العامة من تلك الموارد؟!.

نعم ورد في السلف جملة من النصوص تتضمن اعتبار كون الأجل معلوماً، خصوصاً موثق غياث بن إبراهيم عن أبي عبد الله (عليه السلام): (قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لا بأس بالسلم كيلاً معلوماً إلي أجل معلوم. ولا تسلمه إلي دياس أو حصاد)(1). وربما تكون هذه النصوص منشأ لتأكد عموم النهي عن الغرر في نفوس قدماء الأصحاب

********

(1) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 3 من أبواب السلف حديث: 5.

ص: 256

بحيث يقتضي ضبط المدة شرعاً، وأكد ذلك في نفوس المتأخرين تخيل بلوغ ذلك منهم حد الإجماع الحجة، فاستوضحوا العموم بهذا النحو.

وقد يرجع إلي ذلك ما حكاه شيخنا الأعظم (قدس سره) عن بعض الأساطين من قوله: (إن دائرة الغرر في الشرع أضيق من دائرته في العرف).

لكن من المعلوم اختصاص بيع السلف ببعض الأحكام التعبدية، وعدم صلوح مورد واحد لاستفادة القاعدة الكلية. فلم يبق إلا الغرر الذي عرفت الإشكال في التعويل عليه كبروياً وصغروياً.

ولاسيما بعد ما سبق عند الكلام في اعتبار القدرة علي التسليم من دلالة النصوص الكثيرة علي الاكتفاء بإحراز سلامة بعض المبيع، وما تقدم عند الكلام في اعتبار العلم بقدر العوضين من دلالة النصوص علي جواز بيع الصبرة كل كر بكذا، وجواز البيع بحكم المشتري في تعيين الثمن.

مضافاً إلي أن ما ذكرناه في القوافل لا يختص بعصورنا، بل هو سابق من صدر الإسلام، فإن سير القوافل وتحديد أوقاتها إن لم يكن خاضعاً للدولة، فلا إشكال في أن كثيراً ما يتوقف علي أمور لا يتيسر ضبطها باليوم. كما أن مدة قطع الطريق كذلك. فلو لم يكن التحديد بالوجه غير الدقيق مشروعاً لظهر وبان، ولكثرت الأسئلة عن حلّ هذه المشكلة، مع أنه ليس لذلك في النصوص عين و لا أثر. فكيف يمكن مع ذلك استفادة القاعدة الكلية من نصوص بيع السلف، والخروج عن عموم نفوذ العقود والشروط في المقام. خصوصاً مع ما أشرنا إليه آنفاً من عدم وضوح التلازم بين العوضين والشرط في مانعية الغرر عندهم. بل ملاحظة كلماتهم في الشروط تشهد باضطرابها، كما أشار إلي ذلك شيخنا الأعظم (قدس سره) في مباحث الشروط.

ص: 257

ولا جعله شهراً مردداً بين الشهور (1)، وإلا بطل العقد (2). نعم إذا أطلق

---------------

(1) إن أريد به ترديده واقعاً وثبوتاً فالوجه في امتناعه ما تقدم في وجه امتناع جعله مدة مبهمة من امتناع الترديد في الأمور الاعتبارية - كحق الخيار - كامتناعه في الأمور الحقيقية.

وإن أريد به تردده ظاهراً وفي مقام الإثبات - كما لو اشترط الخيار في الشهر الذي يأتي فيه زيد من السفر - فالكلام فيه هو الكلام المتقدم في مثل جعله إلي مجيء الحاج.

(2) كما في الشرايع والتذكرة والقواعد وغيرها. وهو ظاهر بناء علي إفساد الشرط الفاسد للعقد. أما بناء علي عدم ثبوت العموم المذكور - كما هو الظاهر - فلأن منشأ فساد الشرط في أكثر فروض المقام عندهم لما كان هو الغرر فهو يسري للعقد، إما لما تكرر في كلماتهم من أن للشرط قسطاً من الثمن، وإما لما أشرنا إليه آنفاً من أن للشرط دخلاً في الرغبة في العوضين، فمع فرض لزوم العلم بكل ماله دخل في الرغبة فيهما دفعاً للغرر يتعين بطلان العقد بجهالة الشرط، وإما لما سبق منا أخيراً من أن الشرط حيث كان في المقام من شؤون العقد، لدخله في لزومه وجوازه يتعين سريان الغرر منه للعقد. فلاحظ.

وأما الموارد التي يكون منشأ بطلان الشرط فيها الترديد دون الغرر فينحصر وجه بطلان العقد فيها بالبناء علي إفساد الشرط الفاسد للعقد، وحيث سبق عدم ثبوت ذلك فيحتاج فساد العقد فيها للدليل.

اللهم إلا أن يقال: لما كان العقد مبتنياً علي الشرط و مرتبطاً به فدليل نفوذ العقد ولزوم الوفاء به يقصر عن صورة بطلان الشرط وعدم وجوب الوفاء به، وحينئذ يكون مقتضي الأصل عدم نفوذ العقد مجرداً عن الشرط، خرج من ذلك ما إذا كان الشرط مخالفاً للكتاب والسنة، حيث دلت النصوص علي صحة العقد وعدم مبطلية الشرط الفاسد له. ولعله من أجل الردع عن الاشتراط، وبيان عدم ترتب

ص: 258

(259)

الشهر كان الظاهر منه المتصل بالعقد (1)، وكذا الحكم في غير الشهر من السنة أو الأسبوع أو نحوهما.

(مسألة 11): لا يجوز اشتراط الخيار في الإيقاعات (2)،

---------------

الأثر عليه. ويبقي العقد المشتمل علي الشرط الباطل ذاتاً بسبب الترديد داخلاً تحت الأصل المتقدم، ولا دليل فيه مخرج عنه. وربما يأتي في مباحث الشروط ما ينفع في المقام. فلاحظ.

(1) بلا إشكال. وعليه يبتني اتصال الأيام الثلاثة في خيار الحيوان في العقد. وكأن الوجه فيه أن ارتكاز بطلان الترديد، واختلاف الرغبات باختلاف الزمن ملزمان عرفاً بتحديد الزمن المطلوب، فإطلاقه من دون تعيين وتحديد يوجب الانصراف إلي أول أزمنة انطباق العنوان المجعول فيه من اليوم والشهر وغيرهما.

(2) قال شيخنا الأعظم (قدس سره): (أما الإيقاعات فالظاهر عدم الخلاف في عدم دخول الخيار فيها، كما يرشد إليه استدلال الحلي في السرائر علي عدم دخوله في الطلاق بخروجه عن العقود). ويشهد به في الجملة تصريح غير واحد بعدم دخوله في بعضها كالطلاق والعتق والإبراء. بل في السرائر نفي الخلاف في عدم دخوله في الأولين، وفي المبسوط دعوي الإجماع علي ذلك، وفي المسالك دعوي الاتفاق علي عدم دخوله في العتق والإبراء.

وكيف كان فالكلام في مقامين:

المقام الأول: في شمول عموم نفوذ الشروط للإيقاعات. والظاهر قصور العموم المذكور عنها، لأنه لم يتضمن نفوذ الشرط علي الإطلاق، نظير نفوذ الوقف المستفاد من مثل قوله (عليه السلام) في مكاتبة الصفار: (الوقوف تكون علي حسب ما يوقفها أهلها إن شاء الله)(1) ، بل نفوذه علي من شرطه علي نفسه.

********

(1) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 2 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات حديث: 1.

ص: 259

لظهور أن مفاد مثل قولهم (عليه السلام): (المسلمون عند شروطهم) هو إلزام المشروط عليه بالجري علي مقتضي الشرط الذي جعله علي نفسه وتنفيذه، فهو يتضمن التضييق علي المشروط عليه وإلزامه بما جعله علي نفسه، لا التوسعة علي المشروط له باستحقاق لشرطه وجواز انتفاعه به، كما هو الحال لو قيل: المسلمون لهم شرطهم، أو هم في سعة ما اشترطوا.

كما أن المنساق من تلك الأدلة أن نفوذه علي المشروط عليه للمشروط له بلحاظ كون المشروط له قد اشترطه عليه، والتزم معه به مبنياً علي الالتزام الآخر، بحيث يكون الشرط منتسباً للمشروط له والمشروط عليه بلحاظ التزامهما به معاً مبنياً علي الالتزام الآخر.

كما يناسبه ما في بعض النصوص من نسبة الشرط للمشروط له، مثل قوله (عليه السلام):

(من اشترط شرطاً مخالفاً لكتاب الله فلا يجوز له، ولا يجوز علي الذي اشترط عليه، والمسلمون عند شروطهم مما وافق كتاب الله عز وجل)(1) وقوله (عليه السلام): (فليف للمرأة بشرطها، فان رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلّم) قال: المؤمنون عند شروطهم)(2) ، وقوله (عليه السلام): (فله ما اشترط عليها والمسلمون عند شروطهم(3) ، وقوله (عليه السلام) في المكاتب إذا أدي بعض مكاتبه: (إن الناس كانوا لا يشترطون، وهم اليوم يشترطون، والمسلمون عند شروطهم. فان كان شرط عليه إن عجز رجع، وإن لم يشترط عليه لم يرجع)(4) ، ونحوها غيرها.

وهو المناسب لما سبق عند الكلام في مثل اشتراط عدم الفسخ من أن مفاد أدلة الشروط ليس مجرد وجوب العمل علي الشرط تكليفاً، بل ثبوت الحق للمشروط له، لابتناء الشروط - كالعقود - علي الالتزام باستحقاق الأمر المشروط، لابتناء المعاملات

********

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 6 من أبواب الخيار حديث: 1.

(2) وسائل الشيعة ج: 15 باب: 20 من أبواب المهور حديث: 4.

(3) وسائل الشيعة ج: 15 باب: 40 من أبواب المهور حديث: 2.

(4) وسائل الشيعة ج: 16 باب: 4 من أبواب المكاتبة حديث: 3.

ص: 260

عموماً علي تبادل الحقوق وتقابلها، بحيث يلتزم كل طرف بثبوت الحق عليه للطرف الآخر في مقابل التزام الطرف الآخر بثبوت حق عليه له.

والحاصل: أن الشرط وإن كان هو الالتزام المبتني علي التزام آخر، فيصدق بالتزام شخص واحد بالشيء علي النحو المذكور، إلا أن المنساق من أدلة نفوذه - ولو

بضميمة المرتكزات العرفية - فرض انتسابه للمشروط له والمشروط عليه، بحيث يكون نفوذه علي المشروط عليه مبتنياً علي استحقاق المشروط له بسبب كونه طرفاً في الاشتراط، نظير استحقاق طرفي العقد لمضمونه.

وحينئذ لا مجال لصحة الشرط ونفوذه في الإيقاع، لأن الموقع إن اشترط أمراً له كما لو طلق المرأة واشترط له عليها أن تخدمه، فعموم نفوذ الشروط لا ينطبق عليه، لأنه لم يشترط علي نفسه، بل لنفسه. كما لا ينطبق علي المشروط عليه، كالمرأة في المثال،

لأنه أجنبي عن الإيقاع، ولم يشترط علي نفسه شيئاً، بل اشترط عليه اعتباطاً من دون أن يقرّ الشرط. بل حتي لو قبل به فهو بالإضافة إليه التزام ابتدائي وليس شرطاً له، لعدم التزامه بالأمر المشروط فيه كالطلاق في المثال بل هو أجنبي عنه.

وإن اشترط أمراً عليه، كما لو طلق المرأة واشترط علي نفسه أن يمتعها بقدر من المال، فهو وإن كان مشروطاً عليه، إلا أن الطرف المشروط له لم يشترط لنفسه لينتسب الشرط له. وحتي لو قَبِل به فهو بالإضافة إليه شرط ابتدائي، لأن التزامه به لا يبتني علي التزامه بالأمر المشروط فيه، كالطلاق بعد كونه أجنبياً عنه لا يكون تابعاً لالتزامه، بل لالتزام الموقع لا غير.

ويزيد في وضوح ما ذكرنا أنه لو بني علي عموم نفوذ الشرط ولو لم ينتسب للطرفين لزم نفوذ الشرط في الوعد. كما لو وعد زيد عمراً بأن يزوره، واشترط في الوعد بالزيارة تقديم هدية من أحد الشخصين للآخر، لأن عدم وجوب القيام بالأمر الموعود به، تبعاً لعدم نفوذ الوعد، وعدم وجوب الوفاء به، لا يمنع من وجوب الأمر المشروط علي أحد الطرفين لو تم عموم نفوذ الشرط، ووجوب الوفاء به بنحو يعمّ ذلك.

ص: 261

أما قياس ذلك بالشرط بعد فسخ العقد، حيث لا يجب القيام به، تبعاً لعدم وجوب القيام بمضمون العقد.

فهو في غير محله. لأن فسخ العقد راجع إلي رفع اليد عن تمام مضمونه بما في ذلك الشرط الذي يتضمنه، فمع فرض نفوذ الفسخ يتعين بطلان الشرط كالعقد. أما في المقام فالمفروض ثبوت كل من الوعد والشرط وعدم بطلانه، ولا محذور في التفكيك بينهما في اللزوم وعدمه، تبعاً لوجود الدليل علي نفوذ أحدهما ولزومه دون الآخر.

وقد جري علي ما ذكرنا في الجملة بعض مشايخنا (قدس سره) كما يظهر بمراجعة كلامه. كما تعرض غير واحد لوجوه أخر وقع الكلام في تماميتها وعدمها لا يسعنا التعرض لها بعد وفاء ما ذكرنا بالمطلوب.

نعم ما ذكرنا إنما يقتضي قصور عموم نفوذ الشرط عن الإيقاع. ولا ينافي إمكان نفوذه ثبوتاً، بحيث يمكن أن يدل عليه الدليل في خصوص بعض الموارد، كما لعله ظاهر.

المقام الثاني: في نفوذ شرط الخيار بالخصوص في الإيقاعات حتي لو فرض عموم نفوذ الشروط لها. ويظهر الحال فيه مما تقدم في وجه مشروعية شرط الخيار في العقود. حيث سبق أنه قد يستشكل فيه بمنافاته لما دلّ علي لزوم العقد في نفسه، فيكون شرطاً مخالفاً للكتاب والسنة. وتقدم أنه إنما ينافيه إذا كان لزوم العقد حكمياً، لعدم سلطنة المتعاقدين علي الحكم الشرعي ورفع اليد عنه بالشرط. أما إذا كان لزوم العقد حقياً لمشروعية التقايل فيه، فيكون تحت سلطنة المتعاقدين، فكما يكون لهما رفع اليد عن حقهما بالتقايل يكون لهما رفع اليد عنه بشرط الخيار.

فإن مقتضي ذلك عدم نفوذ شرط الخيار في الإيقاع، لظهور أن لزومه حكمي تابع لحكم الشارع الأقدس به ابتداء، لا بلحاظ استحقاق أحد لبقائه، ليمكن التنازل عنه بالتقايل ويشرع فيه شرط الخيار، فبقاء الطلاق مثلا ليس حقاً للمطلق، ليمكن

ص: 262

(263)

كالطلاق والعتق، ولا في العقود الجائزة (1)، كالوديعة. ويجوز اشتراطه في

---------------

تنازله عنه بشرط الخيار. وأما جواز الرجوع فيه فهو لا يستلزم كون بقائه حقاً له، لإمكان تسليط الشارع المكلف علي رفع ما لا يكون بقاؤه حقاً، كتسليط الزوج علي الطلاق الرافع للنكاح مع كون لزوم عقد النكاح حكمياً.

ويزيد في وضوح ما ذكرنا أنه لو أمكن اشتراط الخيار في الإيقاع حين إنشائه أمكن اشتراط الخيار فيه في ضمن عقد آخر. بل هو أولي بالنفوذ، لعدم جريان ما تقدم في المقام الأول فيه. مع أنه لا يظن بأحد البناء علي ذلك. وإلي هذا في الجملة يرجع ما ذكره شيخنا الأعظم (قدس سره) في المقام، كما يظهر بملاحظة كلامه.

وكأن ارتكازية ما ذكرناه في المقامين هي المنشأ لظهور مفروغية الأصحاب عن عدم مشروعية شرط الخيار في الإيقاعات. من دون أن يرجع ذلك منهم إلي إجماع تعبدي يكون حجة في المقام، كما قد يظهر من شيخنا الأعظم (قدس سره). لعدم تحرير المسألة إلا في كلام قليل منهم، وعدم ورود نصوص بها، ليعرف بها رأي قدمائهم ممن كانت تعرف فتاواه من طريق رواياته، وعدم وضوح سيرة للمتشرعة فيها، كي يمكن إحراز اتصالها بعصور الأئمة (صلوات الله عليهم)، ويُعرف بسببها حكمهم (عليهم السلام).

(1) كما يظهر من التذكرة والمختلف، وصرح به في جامع المقاصد والمسالك، وحكي عن التحرير وغاية المرام. وعلل في كلامهم بما يرجع إلي لغوية الشرط بعد جواز الرجوع فيها علي كل حال.

لكن صرح في المبسوط والمهذب والسرائر بجريانه في الجملة في جملة من العقود الجائزة. قال في مفتاح الكرامة: (واستندوا في ذلك إلي جواز هذه العقود. وهو يقتضي جريانه في كل عقد جائز).

ومن الظاهر أن الاستدلال المذكور يرجع إلي عدم منافاة الشرط لمقتضي العقد. وهو راجع إلي عدم المانع من صحة الشرط، فلا ينافي لغوية الشرط، لعدم ترتب الأثر

ص: 263

العقود اللازمة (1) عدا النكاح (2).

---------------

عليه.

نعم في مفتاح الكرامة: (والتأثير غير ملتزم في الشروط، فإن منها ما هو مؤكد لمقتضي العقد). لكن المؤكد لمقتضي العقد إن ترتب عليه شيء من الأثر - كثبوت الخيار بتخلفه - دخل في دليل نفوذ الشرط. وإن لم يترتب عليه شيء من الأثر - كما في مثل المقام - فهو وإن كان لا يبطل العقد، إلا أنه لا يدخل في عموم أدلة النفوذ، لعدم الموضوع للنفوذ فيه بعد فرض عدم الأثر له.

وبذلك يظهر أن عدم جواز اشتراط الخيار في العقود الجائزة إنما هو بمعني عدم ترتب الأثر لاشتراطه، لا بمعني لزوم محذور منه.

(1) كما هو مقتضي ما سبق منا عند الكلام في توجيه عدم منافاة اشتراط الخيار للزوم العقد من أن لزوم العقد نوعاً ليس حكمياً، ليتعذر رفع اليد عنه بالشرط المذكور، بل هو حقي بلحاظ منافاة الرجوع في العقد وفسخه من أحد الطرفين لحق الطرف الآخر وسلطنته علي نفسه أو علي ماله، ولذا تشرع فيه الإقالة. وحينئذ يجوز لكل منهما التصرف في حقه والتنازل عنه باشتراط الخيار للآخر، من دون أن ينافي ذلك لزوم العقد. ومقتضي عموم نفوذ الشروط نفوذ الشرط المذكور.

(2) بلا خلاف، كما في الخلاف، وإجماعاً، كما في المبسوط والسرائر وجامع المقاصد والمسالك. قال في جامع المقاصد: (ولأنه ليس عقد معاوضة، ليشرع له اشتراط التروي والاختيار. ولشدة الاحتياط في الفروج. ولأن فيه شائبة العبادة. ولأن رفعه يتوقف علي أمر معين، فلا يقع بغيره). والكل - كما تري - لا ينهض دليلاً عدا الأخير الذي لو تم فهو عين المدعي.

وهو العمدة، فإن ملاحظة مرتكزات المتشرعة وسيرتهم والنصوص الواردة في الموارد المختلفة توجب اليقين بأن لزوم النكاح حكمي، ولا ترفع اليد عنه إلا بأمور

ص: 264

(265)

خاصة، كحدوث موانع النكاح من الرضاع والكفر وغيرها، أو روافعه كالطلاق والفسخ بأسباب خاصة وغيرهما، وليس لزومه حقياً تابعاً لسلطنة الزوجين، ليمكن رفع اليد عنه بالتقايل أو شرط الخيار.

وإلا فلو شرع التقايل فيه لم يحتج في مورد اتفاق الزوجين علي الانفصال للخلع والمباراة بشروطها الثقيلة، ولا للإلزام بالطلاق بشروطه عند عدم تكفير الزوج في الظهار والإيلاء.

ولو شرع فيه شرط الخيار لم يحتج فيه للسؤال عن جواز اشتراط المرأة أن بيدها الطلاق(1) ، وعن اشتراط الرجل لها أنه إن هجرها أو تزوج عليها أو تسري فهي طالق(2). ووضوح ذلك يغني عن إطالة الكلام فيه.

نعم ينبغي الكلام في أمرين:

الأول: صرح غير واحد ممن تقدم وغيرهم أن الشرط المذكور يبطل عقد النكاح. ولم يتضح الوجه فيه بعد كون الشرط المذكور مخالفاً للكتاب والسنة، كشرط المرأة أن بيدها الطلاق، ويظهر من كثير من النصوص عدم بطلان العقد بالشرط المخالف للكتاب والسنة، كما أشرنا إلي ذلك في أوائل المسألة العاشرة.

الثاني: صرح في التذكرة وجامع المقاصد بدخول خيار الشرط في المهر. قال في الثاني: (لما فيه من معني المعاوضة، وجواز إخلاء العقد عنه. مع العموم السالف).

لكن الأول ممنوع صغروياً وكبروياً. والثاني لا يزيد علي عدم المانع، من دون أن ينهض دليلاً علي النفوذ. فالعمدة الأخير. وبه أستدل في التذكرة.

لكن الشرط المذكور ينافي ما يدل علي لزوم عقد النكاح، لظهوره في لزومه بجميع خصوصياته، فيكون مخالفاً للكتاب والسنة، ويقصر عنه العموم المذكور.

********

(1) وسائل الشيعة ج: 15 باب: 29 من أبواب المهور حديث: 1.

(2) وسائل الشيعة ج: 15 باب: 20 من أبواب المهور حديث: 6 وباب: 13 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه حديث: 2، 1.

ص: 265

(266)

وفي جواز اشتراطه في الصدقة وفي الهبة اللازمة وفي الضمان إشكال. وإن كان الأظهر الجواز في الأخير (1)،

---------------

ولذا لا يظن بأحد البناء علي جواز التقايل في المهر، ليكشف عن كون لزومه حقياً، ولا يكون اشتراط الخيار فيه منافياً للزومه. ولا أقل من عدم ثبوت ذلك. ومجرد كون لزوم أصل التمليك حقياً أمراً ارتكازياً في الجملة، لا يكفي بعد كون جعله مهراً أمراً زائداً علي التمليك، ومن شؤون النكاح الذي لا إشكال في كون لزومه حكمياً.

(1) كما هو مقتضي إطلاق غير واحد، منهم العلامة في كتاب البيع من القواعد وصرح به في بيع التذكرة، وكتاب الضمان من جامع المقاصد. وهو الظاهر أو الصريح من الدروس وغيره. لعموم أدلة نفوذ الشرط بعد ارتكاز كون لزومه حقياً لتعلقه بالأموال والذمم. ويأتي تمام الكلام في ذلك.

وصريح كتاب الضمان من التذكرة والقواعد عدم صحة اشتراط الخيار للضامن، ونسب لظاهر المبسوط. وقد يستدل لذلك بوجهين:

الأول: ما في التذكرة قال: (لأنه ينافي مقتضي الضمان، فإن الضامن علي اليقين من الغرر). ولا يخلو ما ذكره من غموض، لظهور أن الغرر يذكر في كلماتهم محذوراً في المعاملة غير منافاة مقتضي العقد. مع أن الغرر علي تقدير حصوله إنما يكون في حق المضمون له، لا في حق الضامن.

وكيف كان فقد يحمل ما ذكره تارة: علي أن الضمان يبتني علي توثق المضمون له من حصول دينه، ومع الخيار لا وثوق بذلك. وأخري: علي أن المضمون له يقع في الغرر، لأنه مع الخيار لا يعرف من المسؤول بدينه.

لكن يندفع الأول بأن الضمان ليس كالرهن مبنياً علي التوثق من حصول الدين، بل مجرد نقله من ذمة لأخري. مع أنه لو ابتني علي التوثق من حصول الدين، فما المانع من أن يكون التوثق منوطاً بعدم فسخ من له الخيار، كما تكون المعاوضة التي

ص: 266

يبتني عليها البيع منوطة بعدم فسخ من له الخيار؟! والمراد بالمنع من الشرط المنافي لمقتضي العقد هو ما يقتضي الجمع بين المتنافيين، كالبيع من دون ثمن، دون ما يكون بقاء مقتضي العقد ومضمونه منوطاً بعدم العمل عليه، لارتفاع مضمون العقد به، كالبيع بشرط الخيار.

ويندفع الثاني بأنه لا دليل علي مانعية مثل هذا الغرر، وليس هو بأكثر من الغرر الحاصل من ضمان من لا يعلم قدرته علي وفاء الدين، مع عدم الإشكال في صحة ضمانه.

الثاني: أن الضمان يتضمن إبراء ذمة المضمون عنه، والإبراء لا يدخله خيار الشرط. ولعله إلي هذا يرجع ما عن بعض الأعاظم (قدس سره) في توجيه كون لزوم الضمان حكمياً، من أن من أثره انتقال الدين إلي ذمة الضامن وبراءة المديون.

وقد دفعه في جامع المقاصد بأن الضمان لا يتضمن براءة ذمة المضمون عنه، وإنما هي من أحكام نقل الدين، ولا تترتب علي مطلق نقله ولو متزلزلاً بل علي خصوص النقل غير المتزلزل.

لكنه - كما تري - لا يخلو عن تدافع ظاهر. إذ مع فرض نقل الدين إلي ذمة الضامن ولو متزلزلاً كيف يمكن بقاء الدين في ذمة المضمون عنه ؟!.

نعم إذا كان مفاد الضمان مجرد التعهد بالدين، نظير الكفالة الشائعة في عصورنا، يتجه بقاء الدين في ذمة المضمون عنه. لكنه خلاف المفروض في مفاد الضمان عند الأصحاب.

هذا مع أن مقتضي إطلاق ما تضمن براءة ذمة المضمون عنه بالضمان هو براءتها مطلقاً ولو مع تزلزل الضمان و اشتراط الخيار فيه.

فالعمدة في الجواب عن الوجه المذكور: أنه إن أريد بالإبراء هو إنشاء الإبراء، فعدم دخول خيار الشرط فيه لكونه إيقاعاً لا يستلزم عدم دخوله في الضمان بعد كونه

ص: 267

(268)

وعدم الجواز في الأولين (1).

---------------

عقداً.

وإن أريد به كل ما يتحقق به براءة ذمة المدين، فلا وجه للبناء علي عدم دخول الخيار فيه إلا دعوي امتناع عود المعدوم. لكنها تختص بالأمور الحقيقية دون الاعتبارية. ولذا الإشكال ظاهراً في جواز اشتراط الخيار في البيع إذا كان الثمن ديناً في ذمة البايع، مع أنه بالفسخ يعود الدين في ذمة البايع بعد براءتها منه.

نعم استشكل فيه بعض مشايخنا (قدس سره) في كتاب الضمان بأن التقايل واشتراط الخيار إنما يصح في العقود التي يختص أثرها بالمتعاقدين، لسلطنتهما علي شؤونهما، دون ما يتعلق أثره بغيرهما، كما في المقام، فإن أثر عقد الضمان بين الضامن والمضمون له لا يختص بهما، بل يجري في المضمون عنه، حيث تبرأ ذمته، ولا سلطان لهما علي ذمته، ليتسني لهما إشغالها بالدين بعد براءتها منه. وقد يرجع إلي ذلك ما سبق من بعض الأعاظم (قدس سره).

لكن ذلك إنما يقتضي توقف نفوذ شرط الخيار علي إذن المضمون عنه، بحيث يكون ملزماً بمضمون الشرط، وذلك فيما إذا وقع الضمان المشروط مبنياً علي طلبه أو أذنه، بحيث يبتني ذلك علي الرضا بالشرط. نظير ما إذا طلب زيد من عمرو أن يبيع داره علي بكر نسيئة، فرضي عمرو بالبيع مشروطاً بأن يرهن بكر دار زيد استيثاقاً للثمن، فرضي زيد، ووقع البيع المشروط مبنياً علي رضاه وطلبه، حيث يلزمه بذل داره للرهن. فلاحظ.

(1) أما في الصدقة فهو المصرح به في وقف التذكرة. وقد يظهر من تعليلهم عدم الرجوع في الوقف باشتراط القربة فيه المفروغية عن ذلك. والوجه فيه ظهور النصوص في أن لزومها حكمي لا حقي، لأنها جعلت الله عز وجل(1).

********

(1) راجع وسائل الشيعة ج: 6 باب: 24 من أبواب الصدقة، ج: 13 وباب: 3، 5 من كتاب الهبات وباب: 11 من كتاب الوقوف والصدقات وغيرها.

ص: 268

وأما الهبة اللازمة فقد صرح غير واحد بدخول خيار الشرط فيها. وكأنه لعموم نفوذ الشروط.

لكن لم يتضح كون لزومها في موردها حقياً، بل يحتمل كونه حكمياً، كجوازها في مورده. ويصعب التعويل علي الارتكاز العام في ابتناء العقود علي كون لزومها حقياً بعد خروجها عن مقتضاه بلزومها تارة وجوازها أخري وفق ضوابط غير ارتكازية.

وبعبارة أخري: مقتضي الضوابط الارتكازية المتقدمة البناء علي لزوم الهبة مطلقاً لزوماً حقياً. لكن الشارع خرج عنها، وحكم بجواز الهبة في كثير من الموارد. ولم يحكم بلزومها إلا في موارد خاصة وفق ضوابط تعبدية، ولا طريق لإحراز كون لزومها حينئذ حقياً. فلاحظ.

وينبغي إتمام الكلام في المسألة بالتعرض للعقود اللازمة الأخري التي وقع الكلام بينهم في جواز اشتراط الخيار فيها.

منها: الصرف، فقد منع من خيار الشرط فيه في المبسوط والخلاف والغنية والسرائر وموضع من التذكرة وعن غيرها ونفي في الغنية الخلاف فيه، وادعي في المبسوط والسرائر الإجماع عليه. وقد علل في كلماتهم بأن من شرط صحة العقد في الصرف القبض.

لكن ذلك لا يختص بالصرف، بل يجري في السلف أيضاً مع تصريح الشيخ في المبسوط بعدم المانع من دخول خيار الشرط فيه، وهو ظاهر الغنية.

ولعله لذا عمم المنع لهما في بحث خيار المجلس من التذكرة. قال في وجه الاستدلال بالتعليل المذكور: (لافتقار العقد فيهما للتقابض في المجلس، والتفرق من غير علقة بينهما وثبوت الخيار بعد التفرق يمنع لزوم القبض فيه، ويثبت بينهما علقة بعد التفرق).

وهو كما تري فإن لزوم القبض فيهما قبل التفرق، لا يستلزم عدم بقاء علقة

ص: 269

بين المتبايعين. ولذا لا ريب في عدم انقطاع العلقة بينهما في السلف، لظهور استحقاق المشتري علي البايع تسليمه المبيع في وقته. ومن هنا كان الظاهر عدم نهوض التعليل المذكور بالاستدلال، والخروج عن عموم نفوذ الشروط.

وأما الإجماع المدعي ممن تقدم فلا يصلح دليلاً، كما يظهر مما ذكرناه في نظائر المقام. ولاسيما مع عدم التعرض لاستثناء الصرف من جواز اشتراط الخيار في البيع من المفيد و المرتضي وجماعة كثيرة ممن تأخر عنهما، بل صرح جماعة من المتأخرين بثبوته فيه. ومع قرب ابتنائه علي الإجماع علي اشتراط القبض في الصرف، حيث يكثر منهم دعوي الإجماع علي الحكم في المسألة بلحاظ الإجماع علي منشئه بنظر المدعي.

ومنها: السلف. فقد سبق من التذكرة في بحث خيار المجلس عدم جريان خيار الشرط فيه. ولم يعرف عن غيره. بل صرح هو في بحث خيار الشرط منها بدخوله فيه، وان استشكل في دخوله في الصرف. ويظهر الحال فيه مما سبق.

ومنها: الوقف. فقد صرح بعدم دخول خيار الشرط فيه في المبسوط والسرائر والشرايع والدروس وعن غيرها. وفي المسالك أنه موضع وفاق. لكن في الدروس وظاهر السرائر ثبوت الخلاف فيه.

وكيف كان فقد يدعي أن مقتضي إطلاق قوله (عليه السلام): (الوقوف تكون علي حسب ما يوقفها أهلها إن شاء الله)(1) هو نفوذ الشرط المذكور حتي لو كان الوقف إيقاعاً، لأن قصور عموم نفوذ الشروط عن الوقف بلحاظ ذلك لا ينافي نفوذه بأدلة نفوذ الوقف.

لكن لا مجال لذلك إذا وقع بقصد القربة، لما سبق عند الكلام في الصدقة من عدم مشروعية الرجوع فيما كان لله تعالي. أما لو لم يقع بقصدها - بناء علي عدم اعتباره فيه - فيبتني امتناع شرط الخيار فيه علي ما سبق منافي أوائل الكلام في بيع الوقف من ابتناء الوقف علي التأبيد بمعني انقطاع علقة المالك به، بحيث لا يرجع له. و قد تقدم

********

(1) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 2 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات حديث 1.

ص: 270

عند الكلام في جواز بيعه مع اشتراط الواقف ما ينفع في المقام. فراجع.

ومنها: الصلح ففي الخلاف والمبسوط لا يقع خيار الشرط فيه مطلقاً. لعموم دليل نفوذه وعدم الدليل علي إلحاقه بالبيع في دخول خيار الشرط فيه.

لكنه - كما تري - يجري في جميع العقود التي ليست ببيع والتي حكم بجريان خيار الشرط فيها. ويندفع بأن الدليل علي جريان خيار الشرط لا ينحصر بنصوص جريانه في البيع، بل يقتضيه أيضاً عموم دليل نفوذ الشروط القاضي بجريانه في كل عقد يكون لزومه حقياً، ومنه الصلح، كما يظهر مما سبق في أول الكلام في الخيار المذكور.

وعن غاية المرام أنه إن وقع معاوضة دخله الشرط. وإن وقع عما في الذمة مع جهالته أو علي إسقاط الدعوي قبل ثبوتها لم يدخله، لأن مشروعيته لقطع المنازعة فقط، واشتراط الخيار معرض لعود الخصومة، فينافي مشروعيته، وكل شرط ينافي مشروعية العقد غير لازم.

وفيه: أن الشرط إنما لا يشرع إذا كان منافياً لمقتضي العقد، بحيث يلزم التهافت وإنشاء المتنافيين. أما إذا كان منافياً لفائدته ولما شرع له، فلا محذور فيه، فضلاً عما إذا كان معرضاً لعدم استمرار فائدته مع تحققها في الجملة، كما في المقام، إذ غاية الأمر أن يكون إعمال الشرط معرضاً لعود التنازع بعد توقفه، وأي محذور في ذلك ؟ نظير المعاوضة المبنية علي تبديل الملكية، حيث لا مانع من شرط الخيار فيها، وإن كان معرضاً لعدم بقاء أثرها، نظير ما تقدم في الضمان.

نعم ذلك إنما يتم إذا كان الصلح في مقابل سقوط الدعوي، أو في مقابل إسقاطها إذا كان إعمال الخيار قبل إسقاطها. أما إذا كان بعد إسقاطها فلا يبقي موضوع للخيار، لنفوذ الإسقاط ولزومه بعد عدم إناطته بشيء، لأن موضوع الصلح وطرفه هو استحقاق الإسقاط، لا نفس الإسقاط، ولا يبقي موضوع لاستحقاق الإسقاط مع تحققه، ليمكن الفسخ بسبب الخيار.

وفي جامع المقاصد وعن التحرير عدم دخول شرط الخيار في الصلح الذي

ص: 271

(272)

(مسألة 12): يجوز اشتراط الخيار للبايع في مدة معينة (1) متصلة بالعقد (2) أو منفصلة عنه (3) علي نحو يكون له الخيار في حال رد الثمن (4)

---------------

يتضمن الإبراء. وكأنه لعدم دخول الخيار في الإبراء. ويظهر الوجه فيه والجواب عنه مما سبق في الضمان.

ومنها: الرهن. والظاهر عدم الإشكال في جوازه من جهة المرتهن، فيلحقه ما تقدم في العقود الجائزة. وأما من جهة الراهن فلا إشكال ظاهراً في لزومه. وعن ظاهر المبسوط وصريح التحرير و غاية المرام الإشكال في دخول خيار الشرط فيه.

قال في محكي الأخير: (وفي الراهن إشكال. من أصالة الجواز... ومن منافاته لعقد الرهن، لأنه وثيقة لدين المرتهن، ومع حصول الخيار ينفي الفائدة). وهو نظير ما تقدم منه في القسم الثاني من الصلح.

ويظهر الجواب عنه مما تقدم فيه وفي الضمان. هذا ما تيسر لنا ذكره في المقام. والله سبحانه وتعالي العالم. ومنه نستمد التوفيق والتسديد. وهو حسبنا ونعم الوكيل.

(1) لظهور تسالمهم علي اعتبار ضبط المدة في الخيار، كما سبق في أوائل المسألة العاشرة. وما قد يوهمه إطلاق المدة في الإرشاد - من عدم اعتبار ضبطها - غير مراد قطعاً، كما في مفتاح الكرامة. لما هو المعلوم من مباينهم في أمثال المقام.

نعم تقدم الإشكال في دليل ذلك بنحو يخرج به عن عموم نفوذ الشروط. وذلك يجري في المقام، فإنه لو تم اختصاص النصوص الآتية بصورة ضبط المدة كفي العموم المذكور.

(2) كما لو قال: لي الخيار إلي سنة. وهو مورد النصوص الآتية.

(3) كما لو قال: لي الخيار في آخر شهر من السنة. و يقتضيه - مضافاً إلي عموم نفوذ الشروط، كما يأتي - النصوص الآتية لإلغاء خصوصية مواردها عرفاً.

(4) إجماعاً، كما في الخلاف وجواهر القاضي وجامع المقاصد والمسالك و

ص: 272

ظاهر التذكرة وعن غيرها. وفي الجواهر إجماعاً بقسميه. ويقتضيه - مضافاً إلي عموم الشروط بالتقريب المتقدم - النصوص الخاصة.

ففي صحيح إسحاق بن عمار: (أخبرني من سمع أبا عبد الله (عليه السلام)، قال: سأله رجل وأنا عنده، فقال له: رجل مسلم احتاج إلي بيع داره، فمشي إلي أخيه، فقال له: أبيعك داري هذه، وتكون لك أحب إليّ من أن تكون لغيرك. علي أن تشترط لي إن أنا جئتك بثمنها إلي سنة أن ترد علي. فقال: لا بأس بهذا. إن جاء بثمنها إلي سنة ردها عليه. قلت: فإنها كانت فيها غلة كثيرة، فأخذ الغلة، لمن تكون ؟. قال: الغلة للمشتري. ألا تري أنه لو احترقت لكانت من ماله). كذا رواه الكليني(1).

وروي نحوه الصدوق، إلا أنه قال: (سأله رجل وأنا عنده، فقال: (رجل مسلم...)(2). وكذا الشيخ، إلا أنه قال: (حدثني من سمع أبا عبد الله (عليه السلام)، وسأله رجل وأنا عنده فقال: رجل مسلم...)(3). وهو الموجود في الوسائل(4).

ولا إشكال في كونه صحيحاً علي الثاني. وكذا علي الثالث، لظهوره في سماع إسحاق له بنفسه، وروايته له عمن سمعه من أبي عبد الله (عليه السلام).

كما لا يبعد اعتباره علي الأول، لأنه وإن لم يسمعه بنفسه، وإنما يرويه بطريق من حدثه به، من دون أن يعين الشخص الذي حدثه، إلا أن جزمه بأن الشخص المذكور سمع أبا عبد الله (عليه السلام) ظاهر في وثوقه، بل علمه بأنه قد سمعه (عليه السلام)، وحيث يمكن اعتماده في ذلك علي الحدس القريب من الحس، فيقرب قبول ذلك منه وقريب منه معتبر معاوية بن ميسرة(5).

وفي صحيح سعيد بن يسار: (قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنا نخالط أناساً من

********

(1) الكافي ج: 5 ص: 171.

(2) من لا يحضره الفقيه ج: 3 ص: 128.

(3) التهذيب ج: 7 ص: 23.

(4) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 8 من أبواب الخيار حديث: 1.

(5) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 8 من أبواب الخيار حديث: 3.

ص: 273

أهل السواد وغيرهم، فنبيعهم... ويكتب لنا الرجل علي داره أو علي أرضه - بذلك المال الذي فيه الفضل الذي أخذ منا - شراء قد باع وقبض الثمن منه، فنعده [فعندنا يب. فبعده خ. ل] إن هو جاء بالمال إلي وقت بيننا وبينه أن نرد عليه الشراء. فإن جاء الوقت ولم يأتنا بالدراهم فهو لنا. فما تري في الشراء؟ فقال أري أنه لك إن لم يفعل. وإن جاء بالمال للوقت فرد عليه)(1). بناء علي ما يظهر من غير واحد من حمل الوعد فيه علي الشرط. وقد استشهد له في الجواهر بما تضمنه من الأمر بالعمل عليه، مع أنه لا يجب العمل بالوعد.

اللهم إلا أن يقال: لو تم عدم وجوب الوفاء بالوعد في المقام، فحمل الوعد فيه علي الشرط، بقرينه الأمر بالعمل عليه، ليس بأولي من حمل الأمر بالعمل عليه علي الاستحباب، بقرينة التعبير بالوعد.

ودعوي: أن استحباب الرد مع الوعد من الوضوح بحيث لا يحتاج للسؤال، لوضوح استحباب الإقالة، خصوصاً مع الوعد.

مدفوعة بأن الصحيح لم يتضمن السؤال عن حكم الرد مع الإتيان بالثمن في الوقت المحدد، بل عن حكم البيع بالوجه المذكور، ولزومه مع عدم رد الثمن في الوقت المشروط. وكما يمكن أن يكون منشأ احتمال السائل البطلان هو ذهاب الجمهور لبطلان بيع الخيار - علي ما حكي عنهم - فيكون مما نحن فيه، يمكن أن يكون منشأه أن الداعي للبيع ليس هو الرغبة عن المبيع، بل الحاجة للثمن، فيشبه بيع المضطر. ومن ثم يشكل الاستدلال بالصحيح.

وأشكل منه الاستدلال بمعتبر أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) [أبي عبد الله]: (قال: إن بعت رجلاً علي شرط، فإن أتاك بمالك، وإلا فالبيع لك)(2). لما سبق في أول الكلام في خيار الشرط من ظهور الشرط فيه في شرط الأجل في الثمن، لا شرط الفسخ في البيع، فالخيار فيه خيار تخلف الشرط، لا خيار الشرط الذي هو محل الكلام.

********

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 7 من أبواب الخيار حديث: 1، 2.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 7 من أبواب الخيار حديث: 1، 2.

ص: 274

فالعمدة في المقام الحديثان الأوليان.

مضافاً إلي ما سبق من عموم نفوذ الشروط بالتقريب المتقدم عند الكلام في اشتراط الخيار. بل هو مهم جداً في المقام، لانحصار الدليل به في كثير من الفروع الآتية، وغيرها مما يقصر عنه الحديثان المتقدمان.

لكن في الجواهر في خاتمة الكلام في خيار المؤامرة والشرط قال: (واعلم أن جميع ما ذكرناه في خيار المؤامرة والخيار برد الثمن جرياً علي ما ذكره الأصحاب. وظاهرهم أنها علي ما تقتضي العمومات. بل هو صريح غير واحد منهم. بل هو مقتضي ما ذكروه من التعدي عن محل النص في الخيار برد الثمن. لكن قد يشكل ذلك بأنهما معاً من التعليق الممنوع في البيع ونحوه، من غير فرق فيه بين كونه في نفس العقد وبين كونه في متعلق العقد، كالشرط ونحوه. فلو باع واشترط شرطاً مثلاً قد علقه مجيء زيد في مدة معينة مثلاً لم يجز بلا خلاف أجده فيه. والفرق بينه وبين تعليق الخيار علي رد الثمن، أو علي أمر زيدٍ به، غير واضح. والتعبير بعبارة لا تعليق فيها في اللفظ لا يرفع التعليق في المعني. فإن اشتراط الخيار حال رد الثمن أو حال أمر زيدٍ به كاشتراطه حال قدوم الحاج أو مجيء زيد في مدة معينة. فالتحقيق حينئذ الاقتصار في خيار الرد علي النصوص وما يمكن إلحاقه بما فيها...).

وفيه: أنه لا عموم يقتضي امتناع التعليق، وإنما هو مقتضي الإجماع، والمتيقن منه مثل البيع ونحوه من المضامين العقدية والإيقاعية، دون مثل الشرط الذي تابع للمعاملة.

مع أن الممنوع منه هو تعليق المضمون المعاملي المنشأ، دون متعلقة. ولذا صرحوا بامتناع التعليق في الوكالة، دون الأمر الموكل فيه. والمضمون المنشأ بالشرط في المقام هو استحقاق الخيار بالنحو الخاص. وهو فعلي يحصل بمجرد الاشتراط في البيع، لأن الاشتراط لما لم يكن معلقاً، بل كان فعلياً فالخيار فعلي أيضاً، والمعلق علي الرد إنما هو إعمال حق الخيار بالفسخ. وذلك هو المرتكز عرفاً في المقام.

ص: 275

وعليه تنزل نصوصه، وكلمات الأصحاب - وإن كان الجمود علي حاق بعضها قد يوهم خلاف ذلك - لظهور الجميع في نفوذ الشرط الذي وقع من المتعاقدين بالنحو الذي وقع عليه ارتكاز.

بل يأتي في المسألة السابعة عشرة إن شاء الله تعالي أنه يظهر من بعض كلمات صاحب الجواهر (قدس سره) نفسه الميل إليه. وقد سبق أنه لا محذور في تعليق متعلق المضمون المعامل مع فعلية نفس المضمون، وهو الاستحقاق المستفاد من الاشتراط.

وأما ما ذكره بعض مشايخنا من عدم الفرق بين الوجهين، لأن القدرة في كليهما موقوفة علي الرد، ولا قدرة قبله.

فهو كما تري! لأن عدم القدرة علي الوجه المدعي، لعدم تحقق شرط المملوك، وعلي الوجه الآخر لعدم تحقق الملكية، نظير ما سبق في الوكالة. بل لو فرض حصول التعليق في الشرط نفسه، فحيث كان الدليل علي بطلان التعليق منحصراً بالإجماع، فلا وجه للمنع منه في مورد ظهور حال الأصحاب في الجري عليه، كما اعترف به (قدس سره).

وأما ما ذكره من عدم ظهور الخلاف في بطلان اشتراط شرط معلق علي مجيء زيد في مدة معينة. فإن كان المراد تعليق الاشتراط الذي يكون به الاستحقاق، فهو بناء علي ما سبق ليس نظيراً للمقام. وإن كان به تعليق الأمر المشروط - كدفع مال أو خياطة ثوب - فالظاهر صحته ولا يظهر منهم بطلانه.

ومثل ذلك الإشكال في المقام بجهالة زمان الخيار المشروط، لجهالة زمان الرد. لاندفاعه أولاً: بالمنع من بطلان الشرط بالجهالة، كما يظهر مما تقدم في المسألة العاشرة. وثانياً: بأن المجهول هو زمان إعمال الخيار المشروط، لازمان الخيار نفسه، كما ذكرناه آنفاً.

وقد ظهر من جميع ما سبق أنه لا ينبغي الإشكال فيما يظهر من الأصحاب من التمسك في المقام بعموم نفوذ الشروط.

ص: 276

هذا وحيث ظهر مما سبق أن المعلق علي رد الثمن وإرجاعه هو إعمال الخيار بالفسخ، لا أصل الخيار، فإرجاع الثمن تارة: يكون فسخاً فعلياً، لقصد الفسخ به، نظير عقد المعاطاة، كما يأتي الكلام فيه. وأخري: يكون مقدمة للفسخ القولي، لتوقف الفسخ المستحق بالشرط عليه.

وعلي أحد الوجهين ينزل قوله في معتبر معاوية بن ميسرة: (فشرط إنك إن أتيتني بمالي ما بين ثلاث سنين فالدار دارك). وليس المراد به انفساخ البيع بمجرد ردّ مقدار الثمن من دون فسخ، فإنه يحتاج إلي كلفة يبعد جداً حمل الحديث عليها، بخلاف ما ذكرنا، لأن شيوع شرط الخيار عند العرف وفي النصوص يوجب انصراف الصحيح اليه. ولاسيما وأن مصحح نسبة المال الذي يرجعه المشتري للبايع هو فرض انفساخ البيع، المناسب لتحقق الفسخ من المشتري.

ومن ثم لا مجال لحمل النصوص علي اشتراط انفساخ البيع بمجرد ردّ مقدار الثمن مطلقاً وان لم يقصد معه الفسخ، بل هبة أو أمانة أو غيرهما.

ثم إنه بعد فرض قصور نصوص المقام عن ذلك فلا مجال لتصحيحه بعموم نفوذ الشروط. لما أشرنا إليه - في أوائل الكلام في سقوط خيار المجلس باشتراط سقوطه - من قصور عموم الشروط عن نتائج المعاملات، ككون الشيء مبيعاً، و كون المرأة مطلقة، ومنها انفساخ البيع في المقام. لعدم كونها تحت سلطنة المشترط، بل هي تابعة لأسبابها الشرعية، كالفسخ في المقام.

وأشكل من ذلك ما لو قصد بالشرط انتهاء أمد البيع برد الثمن دون انفساخه، نظير الزواج المنقطع. لعدم ثبوت مشروعية ذلك في المعاملات. وقد تقدم عند الكلام في شرط الخيار في البيع ما ينفع في المقام.

هذا ولم يتعرض في الوسيلة لبيع الخيار في فروع خيار الشرط، وإنما ذكر من أقسام البيع بيع الإقالة، و ذكر شروطه بما يناسب بيع ما نحن فيه، ثم قال: (فإذا باع شيئاً علي أن يقيل البيع في وقت كذا بمثل الثمن الذي باعه به لزمته الإقالة إذا جاء

ص: 277

بنفسه مع وجوده، أو ببدله مع تلفه (1).

---------------

بمثل الثمن في المدة أو قبلها. فإن جاء به بعد انقضاء المدة لم تلزمه وكان مخيراً) وظاهر كلامه هذا إرادة اشتراط الإقالة علي المشتري عند ردّ الثمن، لا اشتراط الخيار للبايع مع رده، الذي سبق الكلام فيه.

فإن كان مراده بذلك صحة ذلك في نفسه، فهو في محله. لعموم أدلة نفوذ الشروط من دون مانع. وإن كان مراد بذلك حمل النصوص المتقدمة عليه، فلا وجه له إلا حمل الرد في حديثي معاوية بن عمار وسعيد بن يسار علي الإقالة.

لكنه غير ظاهر، لقرب حمله علي رفع اليد عن التمسك بالشراء بسبب الفسخ المتفرع علي الخيار المجعول، لما عرفت من أن ذلك هو المرتكز الذي تنصرف إليه النصوص، لاحتياج الإقالة إلي عناية مستغني عنها، حيث يكفي في تحقق غرض المشترط اشتراط الخيار التابع له، فلا داعي لاشتراطه الإقالة التابعة للطرف الآخر.

ولاسيما مع قوله في حديث معاوية بن ميسرة: (فشرط أنك إن أتيتني بمالي ما بين ثلاث سنين فالدار دارك). لقوة ظهوره في رجوع الدار للبايع بمجرد مجيئه بالثمن، من دون حاجة إلي إقالة من المشتري، وقرب رجوع مفاد النصوص لشيء واحد، وهو الأمر المرتكز الذي سبق.

وأشكل من ذلك حمل كلمات الأصحاب عليه، فإن كلماتهم كالصريحة فيما ذكرنا. ومن ثم قد يحمل كلامه علي ما ذكرنا، ويكون تعبيره عنه بالإقالة بلحاظ كونه كالإقالة في تراجع المشتري عن التمسك بالبيع، وإرجاع المبيع إن كان قد أخذه، لأن ذلك هو الأنسب بظهور كلامه في الإشارة إلي قسم من البيع معروف بين الأصحاب، وليس هو إلا ما ذكرنا. فلاحظ.

(1) من الظاهر أن الفسخ بالخيار أو بالتقايل يقتضي رجوع كل من العوضين إلي صاحبه الذي كان له قبل المعاوضة، فمع فرض بقاء الثمن بعينه لا بد من رجوعه

ص: 278

إلي ملك المشتري بالفسخ.

نعم يختص ذلك بما إذا كان الثمن شخصياً، وقد أخذه البايع. أما إذا كان كلياً وقد دفع المشتري فرداً منه للبايع، فالفسخ إنما يقتضي رجوع الثمن الكلي إلي المشتري، لا رجوع عين الفرد الذي سلمه، ليجب علي البايع إرجاعه بعد تملكه له، لعدم كون الفرد المذكور طرفاً في المعاوضة. غاية الأمر أن يجب علي المشتري إرجاع فرد من الكلي، كما أخذ فرداً منه.

وأما ما قد يظهر من الأعاظم (قدس سره) من أنه بعد تعين الثمن الكلي بالفرد المقبوض يكون هو الثمن. فهو غير ظاهر الوجه، لأن تحديد الثمن تابع لمفاد المعاوضة، والمفروض كون طرفها هو الكلي. ولذا لا إشكال ظاهراً في عدم استحقاق فسخ البيع لو كان المقبوض معيباً، بل يستحق التبديل لا غير.

وبالجملة: لا ينبغي الأشكال في عدم صيرورة المقبوض ثمناً مستحقاً بالبيع، بل هو فرد من الثمن المستحق به، ويستحق بشخصه بتراضيها بكون وفاء عنه.

ثم إن تملك المشتري بالفسخ لعين ما دفعه للبايع فيما إذا كان الثمن شخصياً - أو كلياً والمدفوع فرد منه لو قلنا بذلك فيه - لا يقتضي توقف جواز الفسخ البايع في المقام علي إرجاعه بعينه، بل هو تابع لما أخذ قيداً في الفسخ عند اشتراط الخيار في البيع.

فإن كان القيد هو إرجاع عين المدفوع، وعدم الاكتفاء بالبدل مطلقاً، تعين عدم جواز الفسخ مع عدم إرجاعه حتي مع تلفه أو تعذر إرجاعه، لضياع أو نحوه.

وإن كان القيد هو إرجاع الأعم منه ومن مثله، تعين الاكتفاء بإرجاع المثل ولو مع وجود عين المدفوع وإمكان إرجاعه، لرجوع ذلك إلي اشتراط الاكتفاء بالمثل بدلاً عن عين المدفوع في السلطنة علي الفسخ، وفي إرجاع الثمن المترتب عليه.

وإن كان القيد هو إرجاعه بنفسه وعدم الانتقال للبدل إلا في خصوص حال

ص: 279

(280)

- كتلف المدفوع، أو الأعم منه ومن تعذر إرجاعه، أو الأعم منهما ومن صعوبة الإرجاع، أو الأعم من جميع ذلك ومن لزوم محذور منه، كما لو اشتبه بغيره - تعين العمل علي ذلك سعة وضيقاً.

كل ذلك لأن ثبوت الخيار والسلطنة علي الفسخ لما كانا بسبب الشرط الواقع بين المتبايعين، فهما تابعاً للشرط سعة وضيقاً. وما تقدم من أن مقتضي القاعدة هو إرجاع عين الثمن مع وجوده عند الفسخ، إنما يكون في الفسخ المستحق شرعاً في مثل خيار المجلس أو الحيوان، أو الفسخ مع التقايل، دون ما نحن فيه، حيث يكون الفسخ مستحقاً بالشرط القابل للسعة والضيق.

إذ عرفت هذا فالظاهر من بناء العرف وعملهم في مورد النصوص، وما هو من سنخه، مما يكون فيه الثمن من سنخ النقود، عدم التقيد عند اشتراط الخيار بإرجاع عين المدفوع، والاكتفاء بالمثل. لعدم تعلق الغرض بعين المدفوع، وغلبة عدم تيسر إرجاعه، أو لزوم محذور منه بسبب اشتباهه بغيره، حيث يحتاج حينئذ التقييد به ولو في خصوص حال لعناية مغفول عنها.

نعم يمكن تعلق الغرض بالعين، بحيث يكون ظاهر الإطلاق إرادتها فيما لو كان الثمن من العروض، كما باعه الدار بالبستان. وحينئذ يتعين العمل علي ذلك، وعدم الاكتفاء برد المثل أو القيمة حتي مع تلفها. بل يسقط الخيار حينئذ. كما يمكن أيضاً التصريح بالفرق بين حال وجود العين أو تيسر إرجاعها وعدمه.

لكن ذلك كله خارج عن مورد النصوص، وعن ظاهر عمل العرف في موردها. ويأتي بعض ما يتعلق بذلك في المسألة الثامنة عشرة إن شاء الله تعالي. فلاحظ.

بقي في المقام أمران:

الأول: أن شيخنا الأعظم (قدس سره) استشكل في الاكتفاء بردّ المثل مع التمكن من ردّ عين الثمن، بأن مقتضي الفسخ شرعاً بل لغة ردّ العين مع الإمكان.

ص: 280

(281)

ويندفع بأن الفسخ لا يقتضي ردّ العين علي المشتري، بل استحقاقه إياها وتملكه لها مع وجودها، سواء أمكن ردها أم لا. ووجوب الردّ حينئذ إنما هو لضمانه بضمان المعاوضة الذي يلزم الخروج عنه بتسليم المضمون لصاحبه. وذلك لا ينافي في الاكتفاء بالمثل بدلاً عنه بمقتضي الشرط المفروض. فإرجاع المثل ليس لدعوي استحقاقه بالفسخ، بل الرجوع شرط الخيار بالوجه المتقدم إلي اشتراط الاكتفاء به بدلاً عن العين المستحقة بالفسخ. ولا محذور في الشرط المذكور يمنع من نفوذه.

الثاني: لو لم يقبض البايع الثمن من المشتري كان له الفسخ في المدة وإن لم يتحقق الردّ، لأن المراد عرفاً من ردّ الثمن ليس إلا تمكن المشتري من الثمن وانتفاعه به، وهو حاصل في المقام.

كما لو لو بقي الثمن في ذمة المشتري، أو دفع للبايع غير المشتري مقدار الثمن من ملك المشتري، أو غصب البايع من المشتري مقدار الثمن، أو اقترض، أو أحال عليه، فأراد المشتري بعد أحد هذه الأمور الفسخ في المدة.

لكن قال شيخنا الأعظم (قدس سره): (ويحتمل العدم، بناء علي أن اشتراط الردّ بمنزلة اشتراط القبض قبله). وكأنه لأن توقف صدق الرد علي قبض البايع يقتضي اشتراط القبض في الفسخ تبعاً لاشتراط الرد فيه، نظير نقل البايع للثمن - إذا كان قد قبضه مقدمة لرده علي المشتري.

وهو - كما تري - لا يناسب المفهوم عرفاً من اشتراط الرد، لما ذكرناه، والفرق بين نقل البايع للثمن وقبضه له أن قبضه له شرط للحاجة للرد من أجل انتفاع المشتري بالثمن، فمع عدمه يمكن للمشتري الانتفاع بالثمن وإن لم يرده البايع. أما نقله للثمن - إذا كان قد قبضه - فهو شرط لرد الثمن علي المشتري وانتفاعه به، وبدونه لا ينتفع المشتري بالثمن.

ص: 281

ويسمي بيع الخيار. فإذا مضت مدة الخيار لزم البيع وسقط الخيار، وامتنع الفسخ (1). وإذا فسخ في المدة من دون ردّ الثمن أو بدله مع تلفه لا يصح الفسخ (2). وكذا لو فسخ قبل المدة (3). فلا يصح الفسخ إلا في المدة المعينة في حال رد الثمن أو رد بدله مع تلفه. ثم الفسخ إما أن يكون بإنشاء مستقل في حال الرد، مثل: (فسخت) ونحوه، أو يكون بنفس الرد (4) علي أن يكون إنشاء الفسخ بالفعل، وهو الرد، لا بقوله: (فسخت) ونحوه.

---------------

(1) قطعاً. لعموم لزوم العقود بعد قصور الخيار المشترط. ولمفهوم الشرطية في حديث إسحاق بن عمار.

(2) لعدم تحقق شرطه الذي أخذ في الخيار.

(3) لعين ما سبق. ومثله ما لو فسخ بعد المدة. مضافاً فيه إلي مفهوم الشرطية في حديث إساق بن عمار.

(4) كما أشرنا إليه آنفاً. وذلك بأن يكون الرد بداعي الفسخ، نظير المعاطاة التي لو استشكل في الاكتفاء بها في العقود لا مجال للإشكال فيها في مثل الفسخ الذي صرحوا بالاكتفاء فيه بمثل التصرف الكاشف عنه.

لكن في جامع المقاصد والمسالك وعن غير واحد عدم كفاية الرد في انفساخ البيع.

فإن أرادوا بذلك الرد المجرد عن قصد الفسخ، فهو في محله، ويرجع إلي ما تقدم منا عند الكلام في مفاد الشرط في المقام. وإن أرادوا به عدم كفاية قصد الفسخ بالرد، بل لابد من الفسخ بعده. فلا مجال له بعد ما ذكرنا. بل هو لا يناسب نصوص المقام، كما يظهر بأدني ملاحظة لها.

وأما ما في مفتاح الكرامة من أن قضية كلام الأصحاب اشتراط الخيار بعد

ص: 282

(283)

(مسألة 13): المراد من رد الثمن إحضاره عند المشتري وتمكينه منه (1). فلو أحضره كذلك جاز له الفسخ (2) وإن امتنع المشتري من قبضه.

(مسألة 14): الظاهر أنه يجوز اشتراط الفسخ في تمام المبيع برد بعض الثمن (3). كما يجوز اشتراط الفسخ في بعض المبيع بذلك (4).

---------------

الرد. ففيه: أن ذلك لا ينهض دليلاً. لقرب تنزيل كلام كثير منهم علي مجرد اشتراط الرد في إعمال حق الخيار، كما سبق أنه المرتكز عرفاً. ولو تعذر ذلك في كلامهم أو كلام بعضهم لم ينهض كلامهم دليلاً مخرجاً عن مقتضي الأدلة الخاصة والعامة التي ذكرناها. فلاحظ.

(1) كما أشرنا إليه آنفاً. وهو كالصريح من نصوص المقام.

(2) كما يتحقق به الفسخ لو قصد إنشاءه بذلك.

(3) بلا إشكال ظاهر لعموم نفوذ الشروط. ومعه لا يهم قصور مورد نصوص المقام عنه. علي أنه لا يبعد استفادته منها، الإلغاء خصوصية مواردها عرفاً، وأن المفهوم منها نفوذ الشرط ولزوم الجري عليه.

(4) كما صرح به في التذكرة في شرط الخيار، وذكره هنا صاحب الجواهر وشيخنا الأعظم قد سرهما وغير واحد ممن تأخر عنهما. وفي المسالك أنه الأوجه. لعموم نفوذ الشروط.

وفيه: أن صحة الشرط فرع إمكان المشروط، ويمتنع تبعيض الفسخ مع وحدة العقد، لوضوح أن الفسخ حلّ للعقد، والعقد الواحد إما أن يحل بتمام مضمونه أولا يحل، ولا مجال للتبعيض في حله. ولعله لذا تردد في الدروس وظاهر جامع المقاصد في صحة ذلك.

لكن قد يدفع ما ذكرنا في وجه المنع بما ذكره سيدنا المصنف (قدس سره) في نهج الفقاهة عند الكلام في بيع ما يملكه البايع وما لا يملكه من أنه مع إنشاء العقد عن

ص: 283

غرض واحد قائم بالجملة يكون المنشأ علي وحدة المطلوب، ومع إنشائه عن غرضين، أحدهما قائم بالجملة، والآخر قائم بالأجزاء، يكون المنشأ علي نحو تعدد المطلوب، فلا مانع من التفكيك بين أبعاض العقد الواحد بلحاظ أبعاض موضوعه، كما لا مانع من الرضا بكل واحد من هذه الأبعاض ولو في حال الانفراد. ولو تم ذلك فحيث كان مقتضي الشرط في المقام هو الثاني، فكما يمكن التفكيك بين أبعاض العقد في الرضا يمكن التفكيك بينها في الفسخ وعدمه.

لكن سبق منا - في المسألة العشرين من الفصل الثاني في شروط المتعاقدين - الإشكال في ما ذكره (قدس سره) أولاً: بأنه لا أثر للغرض في تحديد موضوع العقد.

وثانياً: بأن وحدة المطلوب وتعدده إنما يتجهان في التكليف التابع للملاك، حيث يمكن وحدة الملاك في الذات الواجدة للخصوصية، كالصلاة عن طهارة فيتحد التكليف بها، كما يمكن تعدده، وقيام أحد الملاكين بأصل الذات والآخر بالخصوصية، كالصلاة في المسجد، فيتعدد التكليف بها.

أما المعاملات فوحدتها وتعددها تابعان لوحدة موضوعها وتعدده، وحيث كان الموضوع واحداً عرفاً في المقام تعين وحدة العقد، فلا مجال التفكيك في الفسخ بين أبعاض موضوعه. كما لا مجال لذلك في القبول، بل يبطل العقد، لعدم التطابق بين الإيجاب والقبول. وقد اعترف (قدس سره) في الجملة بذلك في غير موضوع من مستمسكه، علي ما تقدم هناك. والظاهر أن ذلك عدول منه عما سبق منه في نهجه، من دون أن ينبه في الفتوي هنا علي العدول المذكور.

ومثله ما ذكره بعض الأعاظم (قدس سره) في مسألة بيع ما يقبل التملك وما لا يقبله من انحلال العقد بالنسبة إلي جزئي المبيع، وما ذكره بعض مشايخنا (قدس سره) من أن البيع وإن كان واحداً إثباتاً من حيثية المبرز، إلا أنه ينحل ثبوتاً إلي بيوع متعددة بحسب أجزاء الثمن والمثمن، كما ينحل الحكم التكليفي في العموم الاستغراقي إلي أحكام متعددة.

ص: 284

لاندفاعهما بأن الانحلال المذكور في غاية المنع، بل العقد واحد متقوم بالتزام واحد متعلق بالمجموع. ولذا لا ينعقد بالرضا ببعض المضمون أو إجازته لو كان فضولياً، بل يبطل العقد في الأول لعدم التطابق بين الإيجاب والقبول، ولا ينفذ في الثاني، لعدم التطابق بين الإجازة والعقد المجاز.

وغاية ما يكون في المقام هو التحليل الدقي نظير تحليل التكليف بالمركب الارتباطي إلي تكاليف ضمنية بعدد أجزائه. وهو تحليل إدعائي، قياساً علي الأعراض الحقيقية الواردة علي المركبات الخارجية المنحلة علي أجزائها من دون أن يكون تحليلاً حقيقياً عرفياً، لوحدة العقد عرفاً تبعاً لوحدة موضوعه.

لكن قال في منية الطالب: (وتوهم أن الالتزام العقدي أمر بسيط، فإما أن يجعل للمشروط له تمام الالتزام، وإما أن يبطل. فاسد جداً، لأنه لا ينافي بساطة الالتزام جعل التبعيض في الملتزم. فإن التبعيض قد ينشأ من جعل مختلفي الحكم متعلقاً لبيع واحد، كما لو باع الخل والخمر، أو مال نفسه ومال غيره، صفقة. وقد ينشأ من جعل البايع أو المشتري بالنسبة إلي الثمن أو المثمن، الذي لولا الجعل كان جميع أجزائه متحد الحكم. ففيما لو أطلق اشتراط الفسخ برد الثمن لم يكن له الفسخ إلا برد الجميع. وأما لو شرط الفسخ في كل جزء بردّ ما يخصه من الثمن، فالبايع بالشرط جعل المبيع للمشتري متبعضاً، ولا مانع عنه).

أقول: من الظاهر أن تركب البيع وتعدّ أجزائه أمر واقعي سابق علي العقد، وغير تابع لجعل المتعاقدين، وهو بنفسه لا يقتضي تعدد البيع ولا المبيع بعد تعلق البيع بالجملة، إلا بناء علي التحليل الذي سبق المنع منه، والذي لو تم لم يفرق فيه بين اختلاف الأجزاء في الحكم وعدمه، ولا بين التفكيك بينهما في الاشتراط و عدمه. ومجرد اختلاف الأجزاء في الحكم لا يقتضي تعدد البيع الملتزم بعد تعلقه بالجملة، لعدم القصد الي التعدد بذلك. ولاسيما أنه قد يكون مجهولاً للمتبايعين. كما أن اشتراط التبعيض في الفسخ لا يرجع إلي تعدد البيع الملتزم بعد فرض تعلقه بالجملة.

ص: 285

اللهم إلا أن يكون مراده (قدس سره) بذلك أن وحدة البيع و المبيع لا ينافي التبعيض في جريان أحكامه شرعاً. وهو في محله جداً. لكنه - مع عدم مناسبته لما سبق منه (قدس سره) من دعوي الانحلال في بيع ما يقبل التملك وما لا يقبله إنما يتم مثل تبعض الصفقة مما يرجع إلي ثبوت أثر البيع في بعض المبيع دون بعض، دون مثل اشتراط الفسخ، لظهور أن الفسخ إنما هو من شؤون العقد، وهو حلّ له، ولا مجال لحل بعض العقد بعد فرض بساطته، كما لا مجال لإجازة بعضه لو كان فضولياً، أو قبول بعض الإيجاب، كما سبق.

وأما ما ذكره من قياس المقام بما إذا اشتري داراً من شريكين في جعل أحدهما الخيار لنفسه دون الآخر. فإن أراد به شراء حصة كل منهما مستقلاً عن شراء حصة الآخر، فالقياس في غير محله. وإن أراد به شراء مجموع الدار جملة واحدة - كما لو اشتراها من وكيلهما - فالمتعين المنع عنه، كما في المقام.

ومن هنا لا مجال للبناء علي صحة الشرط المذكور، لما ذكرناه من عدم قابلية العقد الواحد للتبعيض في الفسخ. وقد تقدم هناك ما ينفع في توضيح الكلام في المقام.

نعم لو كان العقد منحلاً عرفاً إلي عقدين، لعدم دخل المجموعية في موضوعه، كما لو باعه الدار بألف والأثاث بمائة، أو باعه الدار والأثاث بألف ومائه بنحو اللفّ النشر المرتب، أو باعه دارين كل دار بألف، أو باعهما معاً بألفين بنحو الانحلال والتوزيع من دون قصد المجموعية، ترتب حكم العقدين عرفاً.

فيصح العقد علي أحدهما بقبول الايجاب فيه وعدم قبول الايجاب في الآخر، من دون أن يخل بالتطابق بين الإيجاب والقبول، وتنفد إجازة العقد علي أحدهما دون العقد علي الآخر لو كانا فضوليين، و يصح اشتراط فسخ أحدهما دون الآخر. و يصح التقايل في أحدهما دون الآخر حينئذ.

كما أنه لا يثبت خيار تبعض الصفقة لو تحقق شرط صحة البيع في أحدهما دون

ص: 286

الآخر، لعدم أخذ وحدة الصفقة في موضوع العقد.

لكن ذلك خارج عن محل الكلام، فان الكلام إنما هو فيما إذا ابتني العقد علي المجموعية ووحدة البيع والمبيع. ولذا كان المدعي لهم الانحلال الذي هو فرع وحدة العقد، و الذي سبق منا المنع عنه، ومنع ما يترتب عليه، وهو صحة اشتراط الفسخ في بعض البيع.

بقي في المقام أمور:

الأول: قال شيخنا الأعظم (قدس سره): (إذا أطلق اشتراط الفسخ برد الثمن لم يكن له ذلك إلا برد الجميع. فلو رد بعضه لم يكن له الفسخ. وليس للمشتري التصرف في المدفوع إليه، لبقائه علي ملك البايع. والظاهر أنه ضامن له لو تلف إذا دفعه إليه علي وجه الثمنية. إلا أن يصرح بكونها أمانة عنده إلي أن يجتمع قدر الثمن، فيفسخ البايع).

والذي ينبغي أن يقال: بعد فرض كون شرط الخيار هو ردّ تمام الثمن، المستلزم لعدم استحقاق البايع الفسخ برد بعضه. فإذا رد بعضه بنية الثمينة والفسخ. فإن رضي المشتري بذلك تعين حصول الفسخ، لا من جهة الخيار المجعول، بل من جهة التقايل لحصول الرضا بالفسخ من الطرفين، فيملك المشتري الثمن، وله التصرف فيه.

وإن لم يرض بذلك لم يكن له قبض المدفوع، لعدم استحقاقه له. فإن قبضه مع ذلك، ولو بداعي حفظه للبايع، كان قبضه في غير محله، وتعين عدم جواز تصرفه فيه و ضمانه له.

وإن قبضه لتخيل أن المشتري قد دفعه أمانة عنده إلي أن يجتمع له قدر الثمن، فانكشف الخلاف، وأنه قد قصد الثمينة والفسخ، لم يبعد عدم ضمانه له مع انكشاف الحال له.

لظهور حال المشتري - بعد فرض عدم استحقاقه الفسخ - في كون دفعه بنحو

ص: 287

الأمانية، وفي مثل ذلك لا دليل علي الضمان، لقصور ضمان اليد عن صورة إيهام صاحب المال الإذن المالكي في القبض، لما تقدم - في المسألة الثالثة عشرة من الفصل الأول في شروط العقد - من انحصار دليل ضمان اليد ببناء العقلاء، ولا يتضح شموله لمحل الكلام.

نعم لو انكشف الحال له تعين عليه إرجاعه، أو تحصيل الإذن ببقائه أمانة في يده. فإن فرط كان ضامناً.

الثاني: قال شيخنا الأعظم (قدس سره) أيضاً: (ولو شرط البايع الفسخ في كل جزء برد ما يخصه من الثمن جاز الفسخ فيما قابل المدفوع. وللمشتري خيار التبعيض إذا لم يفسخ البايع بقية المبيع وخرجت المدة. وهل له ذلك قبل خروجها؟ الوجه ذلك). والذي ينبغي أن يقال: بناء علي جواز التبعيض في الفسخ. فاشتراطه

تارة: لا يبتني علي اشتراط فسخ الجميع في المدة تدريجاً. ولا مجال معه لخيار التبعيض قطعاً، بعد المدة، فضلاً عما قبلها، لإقدام المشتري عليه بمقتضي الشرط.

وأخري: يبتني علي ذلك. ومعه يتعين البناء علي انكشاف عدم صحة الفسخ في البعض إذا خرجت المدة قبل تمامية الفسخ في الجميع، لخروج الفسخ الواقع علي البعض عن مقتضي الشرط. ومعه لا موضوع لتبعض الصفقة، كما نبه لذلك بعض مشايخنا (قدس سره).

لكنه ذكر أن فسخ الجميع إذا أخذ بنحو الانحلال، بحيث يرجع إلي اشتراط الفسخ في كل جزء جزء، من دون أن يناط الخيار في الفسخ بكل جزء بالفسخ ببقية الأجزاء، فاللازم البناء علي صحة الفسخ في الأبعاض، و ثبوت خيار تخلف الشرط للمشتري، فيكون له الفسخ بمضي المدة.

وما ذكره وإن كان متيناً، إلا أنه خروج عن مورد الكلام من الاقتصارعلي اشتراط الخيار للبايع إلي إضافة اشتراط الفسخ عليه في بقية المبيع.

ص: 288

(289)

(مسألة 15): إذا تعذر تمكين المشتري من الثمن، لغيبة أو جنون أو نحوهما مما يرجع إلي قصور فيه، فالظاهر أنه يكفي في صحة الفسخ تمكين وليه (1)

---------------

و كيف كان فلا مجال للبناء علي ما ذكره شيخنا الأعظم (قدس سره) من ثبوت خيار تبعض الصفقة في شيء من فروض المسألة.

وأشكل من ذلك ما ذكره من ثبوت خيار تبعض الصفقة قبل خروج المدة. إذ لا وجه له بعد إقدام المشتري علي تبعض الصفقة بجعل الخيار للبايع بالفسخ في البعض في أثناء المدة، كما لعله ظاهر.

الثالث: يمكن تحقق نتيجة شرط التبعيض في الفسخ بوجه آخر، وهو اشتراط الاشتراك في المبيع بدفع بعض الثمن بنسبتة، نظير بيع العين بشرط بيعها علي المشتري في أجل معين. والذي لا مانع منه بمقتضي عموم نفوذ الشروط، وإن كان قد يمنع منه في الجملة للنصوص الخاصة به.

غاية الأمر أنه يختلف عنه بأن اشتراط البيع من سنخ اشتراط الفعل، واشتراط الاشتراك المذكور من سنخ شرط النتيجة.

لكن قد سبق عند الكلام في سقوط خيار المجلس باشتراط سقوطه أنه لا مانع منه فيما إذا كان متعلق النتائج المشترطة أمراً تحت سلطنة المشروط عليه بنحو ترجع إلي استحقاقه عليه، ومنه المقام، لأن بعض المبيع تحت سلطنته، فله التنازل عنه للمشروط له واشتراط صيرورته له مع دفع ما يناسبه من الثمن. فلاحظ.

(1) كما قواه شيخنا الأعظم (قدس سره) وغير واحد ممن تأخر عنه، وحكاه عن المحقق القمي (قدس سره) في بعض أجوبة مسائله. خلافاً لما حكاه عن شيخه في المناهل.

ولا إشكال في أن الجمود علي عنوان رد الثمن يقتضي الرد علي خصوص المشتري، لأن ردّ الشيء إنما يكون بإرجاعه لموضعه. ومثله الإتيان به الذي تضمنه النصوص.

ص: 289

ولو كان هو الحاكم الشرعي (1) أو وكيله، فإذا أحضره كذلك جاز له الفسخ.

---------------

إلا أن المستفاد عرفاً من طبيعة هذا الخيار كون أخذ رد الثمن في مقابل عجز البايع عن إرجاعه أو امتناعه من دفعه، وتمكين المشتري منه، لئلا يضيع علي المشتري فيخسر الثمن والمثمن، فيقصر عما إذا كان تعذر الرد لشخص المشتري لقصور فيه بغيبة أو جنون أو موت. ولذا لا يرون سقوط الخيار بتعمد المشتري التخفي أو السفر في المدة من أجل تضييع الفرصة في الفسخ علي البايع.

ومن هنا يتعين التعميم لمن يقوم مقام البايع من وكيل أو ولي أو وارث، إلا مع التنصيص علي خصوصية زائدة علي الإطلاق، فيتعين العمل بها.

هذا وفي منية الطالب: (وبالجملة: يجب أن يخرج الرد إلي الوارث عن محل الخلاف، لأن الوارث ينتقل إليه المال علي نحو تعلق حق المورّث البايع إليه...)

ولا يخلو ما ذكره عن إشكال، لأن المعيار في المقام ليس هو نحو الاستحقاق للمال، بل عموم موضوع الخيار المشروط. ولا إشكال في أن مقتضي الجمود علي ردّ الثمن أو الإتيان به القصور عن الوارث وغيره ممن يقوم مقام المشتري.

فإن بني علي العمل عليه قصر الخيار عن الرد للجميع، وإن بني علي ملاحظة ما ذكرنا تعين العموم للجميع، فالفرق بين الوارث وغيره غير ظاهر الوجه.

(1) بناء علي ثبوت ولايته. وقد أشار شيخنا الأعظم (قدس سره) وغيره للإشكال في ولاية الحاكم الشرعي بأنه إنما يتصرف لمصلحة المولي عليه، وقد لا يكون قبض الثمن الموجب لتسلط البايع علي الفسخ مصلحة للمشتري.

وهو لو تم يجري في جميع الأولياء. بل علي حتي في الوكيل إذا لم يكن مفوضاً، بحيث له مخالفة مصلحة الموكل، كما أشار لذلك بعض الأعاظم. (قدس سره).

والعمدة في دفع الإشكال المذكور أن الشرط في سلطنة البايع علي الفسخ ليس هو قبضه الثمن، بل إحضاره. فمع فرض ظهور الشرط بين المتبايعين في أن

ص: 290

(291)

(مسألة 16): نماء المبيع من زمان العقد إلي زمان الفسخ للمشتري (1). كما أن نماء الثمن للبايع (2).

---------------

ذكر إحضار الثمن من أجل أن لا يضيع علي المشتري، فيقصر عن صورة تعذر الرد لقصور في المشتري، ويتعين سلطنة البايع علي الرد بمجرد تهيؤ الثمن له، بحيث لا يضيع علي المشتري، فإذا فسخ حينئذ ملك المشتري الثمن، فيكون قبض وكيله ووليه حتي الحاكم مصلحة له.

بل حتي لو فرض أن الشرط هو القبض فمن الظاهر أن مقتضي الشرط لزوم القبض علي المشتري، و عدم جواز امتناعه منه، فيقوم مقامه الوكيل والولي، كما يقوم مقامه في أداء الحقوق عنه بمثل وفاء دينه، والإنفاق من ماله علي من تجب عليه نفقته.

هذا ولو فقد الولي، أو تعذر الرجوع إليه، تعين - بناء علي ما سبق - سقوط اعتبار الرد في جواز الفسخ وصيرورة الثمن بالفسخ في ذمة المشتري أو أمانة عنده، كما يظهر من محكي الحدائق دعوي ظهور اتفاق الأصحاب عليه في جميع موارد خيار الشرط.

نعم استشكل فيه بمخالفته لظهور نصوص المقام في اعتبار الرد. ويظهر اندفاعه مما سبق من قصور اشتراط رد الثمن عما إذا كان تعذر الرد لقصور في المشتري.

(1) كما في الدروس والجواهر، و به صرح شيخنا الأعظم (قدس سره) وظاهره

- كالجواهر - المفروغية عنه وعدم الخلاف فيه. وهو كذلك. إذ يقتضيه - مضافاً إلي قاعدة تبعية النماء للأصل - حديث إسحاق بن عماره، فلو كان بناء الأصحاب علي خلاف ذلك كان المناسب لهم التصريح به، وبيان المخرج عما ذكرنا.

(2) بلا إشكال ولا خلاف ظاهر. ويقتضيه مضافاً للقاعدة المتقدمة معتبر معاوية بن ميسرة. ومن هنا كان ظاهر الجواهر مفروغية الأصحاب عنه وهو كذلك، لنظير ما سبق.

ص: 291

(292)

(مسالة 17): لا يجوز للمشتري فيما بين العقد إلي زمان مدة الخيار التصرف الناقل للعين (1)، من هبة أو بيع أو نحوهما. ولو تلف كان ضمانه علي المشتري (2).

---------------

(1) الظاهر عدم الإشكال فيه. لما ذكره شيخنا الأعظم (قدس سره) من أن غرض البايع من الخيار استرداد عين ماله، ولا يتم إلا بالتزام إبقائه للبائع، فإبقاء عين المبيع شرط ضمني يبتني عليه البيع، فيجب الوفاء به.

ومنه يظهر عدم جواز إتلاف المشتري له. بل عدم جواز كل تصرف فيه يغيره عن صورته و يوجب اختلاف الرغبة فيه، فضلاً عما يوجب نقص ماليته.

إلا ما كان بالنحو المتعارف، بسبب الانتفاع به بالوجه الذي يبتني عليه البيع المشروط بالخيار كسكني الدار، وركوب الدابة. وعلي ذلك لا يجوز له أن يؤجر العين أكثر من مدة الخيار، لأن استرجاع العين مسلوبة المنفعة مدة من الزمن نقص فيها مرغوب عنه.

هذا ولو خالف المشتري فإن أتلف العين عصي. وإن نقلها بناقل - من بيع أو هبة أو نحوهما - لم ينفذ، بناء علي ما سبق منا - عند الكلام في سقوط خيار المجلس باشتراط سقوطه في العقد من المسألة الثالثة - من أن مقتضي الشرط كون الأمر المشروط لاحقاً للمشترط، ومقتضي دليل نفوذه ثبوت ذلك الحق شرعاً. حيث يتعين حينئذ قصور سلطنة المشتري عن فعل الناقل وعدم نفوذه منه، لمنافاته لحق صاحب الخيار، وهو البايع.

نعم بناء علي ما ذكره بعض مشايخنا (قدس سره)، من تمحض عموم نفوذ الشروط في التكليف، يتعين البناء علي عصيان المشتري بفعل الناقل مع نفوذه، بناء علي ما هو التحقيق من عدم اقتضاء النهي عن المعاملة فسادها.

(2) بلا خلاف أجده فيه، كما في الجواهر. ويقتضيه حديثا إسحاق بن عمار

ص: 292

ولا يسقط بذلك خيار البايع (1)

---------------

ومعاوية بن ميسرة. ففي الأول: (قلت: أرأيت لو أن للدار غلة لمن تكون ؟ قال: للمشتري. ألا تري إنها لو احترقت كانت من ماله)، وفي الثاني: (قال له أبو الجارود: فإن هذا الرجل قد أصاب في هذا المال في ثلاث سنين. قال: هو ماله. وقال عليه السلام: أرأيت لو أن الدار احترقت من مال من تكون ؟!). مضافاً إلي أنه مقتضي القاعدة كما يشير له الحديثان المذكوران، فإن تحل غير الممالك لدرك المال يحتاج لدليل.

لذا لا حاجة للتشبث بقاعدة أن التلف ممن لا خيار له لو تمت. وإنما يحتاج إليه

فيما لو لم يكن من لا خيار له مالكاً، كما لو تلف الحيوان في الأيام الثلاثة وهو عند المشتري، حيث يكون ضمانه علي البايع بمقتضي القاعدة المذكورة.

(1) كما استظهره شيخنا الأعظم (قدس سره) وأصرّ عليه الأعاظم (قدس سره) وغيره. لأن الخيار متعلق بالعقد، لا بالعين، ولازم ذلك الانتقال للبدل من المثل أو القيمة.

لكن ذلك - لو تم - إنما ينفع في الخيار الشرعي، دون ما نحن فيه ونحوه مما يكون فيه الخيار بجعل المتعاقدين واشتراطهما له في العقد، فإنه تابع لنحو الاشتراط وسعة الأمر المشروط.

ولعله لذا قال شيخنا الأعظم (قدس سره): (ويحتمل عدم الخيار، بناء علي أن مورد هذا الخيار هو إلزام أن له رد الثمن وارتجاع البيع [المبيع. ظ] وظاهره اعتبار بقاء المبيع في ذلك، فلا خيار مع تلفه).

نعم حيث كان المستفاد من شرط الخيار تشبث البايع بالعين، بحيث ليس للمشتري المنع من إرجاع المبيع بعينه بإتلافه أو نقله عن ملكه - كما تقدم - فمن القريب رجوع إلي ذلك اشتراط محافظته علي العين بماليتها، وتحمله دركها لو فرط في ذلك. ومرجع ذلك إلي اشتراط ضمانها مع الفسخ بما يحفظ ماليتها. خصوصاً إذا كان

ص: 293

البيع بأقل من ثمن المثل، كما هو شايع في بيع الخيار.

لكن لوتم ذلك فالمتيقن منه ما إذا كان التلف أو الخروج عن الملك بتفريط المشتري خارج عن المتعارف في الانتفاع بالمبيع، ولا يجري فيما لو لم يكن كذلك، كما لو تلف بآفة سماوية، أو بفعل غيره، أو بفعله بالنحو المتعارف في الانتفاع بالمبيع، أو صارت الجارية الصغيرة المشتراة بالخيار بفتالة من الرضاعة من دون تفريط منه بناء علي انعتاقها بذلك. لابتناء البيع المذكور علي انتفاع المشتري بالمبيع وتعامله معه كتعامله مع ملكه، من دون أن يخرج ذلك عن مقتضي شرط الخيار المفروض، ويقتضي الضمان مع الفسخ.

بل من القريب جداً كون المنصرف من حديثي إسحاق بن عمار ومعاوية بن ميسرة عدم الضمان بالوجه المذكور. لأن المراد من الحكم فيهما بأن الدار تحترق من مال المشتري مجرد خسارته لها، للمفروغية عن عدم تحقق الفسخ من البايع بعد الاحتراق، فعدم التنبيه فيهما لبقاء حق الخيار وضمان المشتري للدار لو فسخ يناسب جداً عدم بقاء حق الخيار.

غاية الأمر أن المنصرف من الاحتراق المفروض فيهما هو الاحتراق الذي لا يقدم عليه المالك تجنباً للخسارة، ولا يعم الاحتراق العمدي المخالف لما بني عليه اشتراط الخيار من عدم تفويت الرجوع بالعين علي البايع الذي تقدم تقريب الضمان معه. نعم لو اشترط الخيار بوجه خاص خارج عن المتعارف، تعين العمل علي ما مقتضاه.

هذا وقد فصل في الجواهر بين التلف قبل رد الثمن وبعد رده قبل الفسخ. ففي الأول يكون تلفه علي المشتري، لأنه ملكه، وحيث لا خيار حينئذ للبايع فلا ضمان علي المشتري. بل يسقط الخيار، لتعذر ردّ العين. بل يظهر منه جواز الإتلاف حينئذ، لأنه صرح بجواز نقل العين اختياراً مع عدم الشرط.

أما في الثاني فيكون تلفه علي المشتري أيضاً. لكن حيث كان التلف في حال ثبوت الخيار للبايع تعين كونه مضموناً علي المشتري، لأن التلف في زمن الخيار ممن ل

ص: 294

إلا إذا كان المقصود من الخيار المشروط خصوص الخيار في حال وجود العين، بحيث يكون الفسخ موجباً لرجوعها نفسها إلي البايع. لكن الغالب الأول (1).

---------------

خيار له. وحينئذ يتعين عدم سقوط الخيار بالتلف، بل للبايع الفسخ ويضمن المشتري المبيع بالمثل أو القيمة.

ويشكل أولاً: بابتنائه علي كون الرد شرطاً في ثبوت الخيار، وقد سبق أن الظاهر ثبوت حق الخيار بالشرط حين البيع، وكون الرد شرطاً في إعمال حق الخيار بالفسخ. بل قد يظهر من بعض كلماته (قدس سره) الميل إلي ذلك.

وثانياً: بأن قاعدة أن التلف في زمن الخيار ممن لا خيار له كقاعدة أن التلف قبل القبض من مال البايع، يراد بها الحكم ببطلان البيع وصيرورة التالف من مال من لا خيار له، وعليه إرجاع الثمن لصاحب الخيار، من دون حاجة للفسخ. ولا يراد بها بقاء البيع وتسلط صاحب الخيار علي الفسخ، و استحقاقه علي من ليس له الخيار المثل أو القيمة، كما هو المدعي له في المقام.

وثالثاً: بما ذكرناه آنفاً من أن مقتضي الشرط الضمني الذي يبتني عليه البيع في المقام عدم جواز تعمد المشتري لإتلاف العين أو نقلها، بحيث يتعذر إرجاعها للبايع لو أراد الفسخ. ومن هنا لا مخرج عما ذكرناه من التفصيل.

ومن جميع ماسبق يظهر أن العين لو نقصت قهراً علي المشتري، أو بالوجه المتعارف الذي تقتضيه طبيعة الانتفاع بها، تعين بقاء الخيار من دون أن يضمن المشتري النقص للبايع، بل البايع مخير بين الفسخ والرضا بالعين علي نقصها وعدم الفسخ، وإنما يضمن المشتري النقص مع تفريطه.

(1) هذا لا يناسب ما سبق منه (قدس سره) من عدم جواز نقل المشتري العين عن ملكه. إذا لو فرض إطلاق الخيار المجعول، بحيث يشمل الفسخ مع الرجوع للبدل،

ص: 295

(296)

(مسألة 18): إذا كان الثمن المشروط رده ديناً في ذمة البايع - كما إذا كان للمشتري دين في ذمة البايع، فباعه بذلك الدين، واشترط الخيار مشروطاً برده - كفي في رده إعطاء فرد منه (1). وإذا كان عيناً في يد البايع فالظاهر ثبوت الخيار في حال دفعها للمشتري (2). وإذا كان الثمن كلياً في ذمة المشتري فدفع منه فرداً إلي البايع بعد وقوع البيع، فالظاهر اشتراط

---------------

جاز للمشتري النقل والإتلاف مع الضمان بالمثل والقيمة لو أراد البايع إعمال الخيار بالفسخ.

ومن هنا كان الظاهر اختصاص الخيار المجعول بصورة بقاء العين، لكن بنحو يقتضي المنع من التفريط بهاو الضمان معه، بحيث يبقي الخيار مع التفريط بنحو يعمّ البدل، كما يظهر مما سبق.

(1) قطعاً لعدم تحقق رده إلا بذلك. وهو مورد صحيح سعيد بن يسار، بناء علي أنه من أدلة هذا الخيار، وقد سبق الكلام في ذلك.

(2) يعني: ولا يكفي دفع المثل. وقد سبق أن ذلك وإن كان مقتضي الفسخ، إلا أن المعيار في المقام علي ظهور إطلاق شرط الخيار. وقد ادعي شيخنا الأعظم (قدس سره) أن ذلك هو مقتضي ظاهر الشرط. لكن الظاهر أنه مقتضي الجمود علي حاق اللفظ من دون أن يكون هو الظاهر منه، بل الظاهر منه بسبب غلبة عدم بقاء العين إرادة الأعم من البدل، كما سبق في أول الكلام في بيع الخيار.

وهو مقتضي إطلاق الدروس ومحكي حاشية المحقق علي الإرشاد قال في الدروس: (ولا يحمل الإطلاق علي المعين. ولو اشترطا ردّ العين احتمل الجواز). وظاهر جامع المقاصد إقراره. ولعل منشأ توقفه في جواز اشتراط ردّ العين قصور نصوص المقام عنه. لكن يكفي فيه عموم نفوذ الشروط.

ودعوي: مخالفته للغرض من هذا العقد. مدفوعة بأن ذلك ليس محذوراً. علي

ص: 296

(297)

صحة الفسخ برد ذلك الفرد مع وجوده، ولا يكفي فيها رد فرد آخر (1).

(مسألة 19): لو اشتري الولي شيئاً للمولي عليه ببيع الخيار، فارتفع حجره قبل انقضاء المدة، كان الفسخ مشروطاً بردّ الثمن إليه، ولا يكفي الردّ علي وليه (2). ولو اشتري احد الوليين - كالأب - ببيع الخيار، جاز

---------------

أن الغرض المذكور ليس مطرداً، بل هو غالبي غير حاصل في مورد الشرط المذكور.

(1) سبق منّا في أول الكلام في بيع الخيار المنع من اقتضاء الفسخ رد عين المدفوع في مثل ذلك، فضلاً عن اقتضاء الإطلاق ذلك. وقد تقدم تمام الكلام في المسألة هناك.

(2) لما سبق في المسألة الخامسة عشرة من ظهور أخذ الردّ شرطاً في الخيار في كون المراد تمكين المشتري من الثمن، بحيث لا يضيع عليه، وذلك يقتضي حمل الردّ علي الردّ علي المشتري نفسه ولو بالردّ علي وليه.

ولو فرض ظهوره بدواً علي الرد علي الولي تعين حمله علي كون الرد له لقيامه مقام المشتري وولايته عليه، فيقصر عما لو خرج عن الولاية، لكمال المشتري واستقلاله بالسلطنة، بل يتعين حينئذ الإرجاع للمشتري نفسه، لعدم تحقق التمكين المقصود بالأصل إلا بذلك.

بل لو فرض عموم الرد المأخوذ شرطاً في الفسخ للرد للولي أو اختصاصه به، للتنصيص علي ذلك فالرد له وإن كان موجباً لتحقق شرط السلطنة علي الفسخ، إلا أنه بعد تحقق الفسخ يكون الثمن ملكاً للمشتري نفسه، فيجب علي البايع تسليمه له شرعاً بعد فرض استقلاله وانتهاء أمد ولاية الولي عليه.

ودعوي: أن الولي إذا رأي أن من مصلحة المولي عليه إيقاع التصرف بنحو ينفذ علي المولي عليه بعد استقلاله جاز له إيقاع التصرف بالنحو المذكور، كما لو رأي المصلحة في إجارة عقاره مدة أطول من مدة قصور المولي عليه وولايته عليه. وعليه له

ص: 297

الفسخ بالرد إلي الولي الآخر (1)، كالجد.

---------------

أن يشترط في بيع الخيار تسليم الثمن له عند الفسخ - بحيث تفرغ به ذمة البايع - حتي لو وقع بعد خروجه عن الولاية.

مدفوعة بأن ذلك إنما يتم بالإضافة إلي نفس التصرف الواقع حين ولايته، كما في مثال الإجارة المتقدم، وكالبيع الخياري في المقام. أما بالإضافة للتصرف الواقع بعد خروجه عن الولاية - كقبض الثمن في المقام بحيث تبرأ به ذمة البايع - فلا مجال له، لمخالفته لقاعدة السلطنة في حق المولي عليه بعد كماله، فيكون اشتراطه مخالفاً للكتاب والسنة، فلا ينفذ.

(1) كما صرح بذلك في منية المريد وغيره. ويظهر الوجه فيه مما سبق من ظهور الرد فيه للمشتري ولو بالرد لوليه، وأنه لو فرض ظهوره بدواً في الرد للولي المباشر فالمستفاد منه كون الرد بلحاظ قيامه مقام المشتري، فيشاركه فيه كل من يقوم مقامه من الأولياء.

قال شيخنا الأعظم (قدس سره): (ولو اشتري الأب للطفل بخيار البايع فهل يصح له الفسخ مع رد الثمن إلي الولي الآخر - أعني الجد - مطلقاً، أو مع عدم التمكن من الرد إلي الأب، أولاً؟ وجوه). وظاهره التوقف والتردد بين الوجوه الثلاثة. ولا وجه له بعد ما ذكرنا.

بل التوقف في كفاية الإرجاع للولي غير المباشر للمعاملة مع تعذر الإرجاع للولي المباشر لها لا يناسب ما قواه سابقاً من أنه مع إيقاع المعاملة مع المشتري نفسه إذا تعذر الرد إليه كفي الرد إلي وليه، كما لعله ظاهر.

نعم لو كان الولي المباشر للمعاملة هو الحاكم - بناء علي ولايته - فقد يستشكل في كفاية رد الثمن لحاكم آخر، بل يمنع منها.

لا لما ذكره شيخنا الأعظم (قدس سره) من أنها مزاحمة للحاكم الآخر عرفاً، بناء علي

ص: 298

(299)

إلا أن يكون المشروط الرد إلي خصوص الولي المباشر للشراء (1).

(مسألة 20): إذا مات البايع قبل إعمال الخيار انتقل الخيار إلي ورثته (2)

---------------

قصور ولاية الحاكم عن صورة مزاحمة الحاكم الآخر للأشكال فيه بعدم وضوح تحقق المزاحمة بذلك. ولا أقل من عدم اطرادها.

ولا لما ذكره في منية الطالب من أنه بتصرف الحاكم في مال اليتيم ووضع يده عليه يخرج المال عن المال الذي لا ولي له، فليس لحاكم آخر التصرف في هذا المال.

لاندفاعه بثبوت ولاية الحاكمين معاً قبل وضع اليد، بملاك كون المال لا ولي له، ولا أثر لوضع اليد في ذلك. كما لا دليل علي رفعه لولاية الحاكم الآخر بعد فرض ثبوتها بالملاك المذكور.

بل الوجه في ذلك ما عن بعض مشايخنا (قدس سره) من خروجه عن المتيقن من ولاية الحاكم بعد عدم ثبوتها بإطلاق دليل لفظي، بل هي ولاية الحسبة التي يلزم الاقتصار فيها علي المتيقن.

لكن لا بد من الاقتصار فيه علي صورة إمكان الرد للحاكم المباشر. أما مع تعذره - ولو لعدم رضاه باستلام الثمن - فلا إشكال في جواز كفاية الرد للحاكم الآخر. بل هو أولي مما سبق في المسألة الخامسة عشرة من الاكتفاء بالرد للحاكم - بناء علي ولايته - مع مباشرة المشتري نفسه للمعاملة وتعذر الرد له عند إرادة الفسخ، كما لعله ظاهر. وأظهر من ذلك ما لو صرح في شرط الخيار بالاكتفاء بالرد للحاكم الآخر.

(1) حيث يلزم الاقتصار علي مورد الشرط بعد عدم المانع من نفوذه. ولو تعذر الرد إليه فالاكتفاء بالرد لغيره موقوف علي قصور الشرط عن صورة تعذر الرد إليه.

(2) الكلام في هذه المسألة موكول إلي الفصل الخامس في أحكام الخيار. نعم دخول شرط الخيار المشروط في محل الكلام في موضوع هذه المسألة موقوف علي

ص: 299

(300)

فلهم الفسخ برد الثمن إلي المشتري. ويشتركون في المبيع علي حساب

سهامهم. ولو امتنع بعضهم من الفسخ لم يصح للآخر الفسخ لا في تمام المبيع، ولا في بعضه. ولو مات المشتري كان للبايع الفسخ برد الثمن إلي ورثته (1).

(مسألة 21): يجوز اشتراط الخيار في الفسخ برد الثمن إلي البايع (2). والظاهر منه رد نفس العين، فلا يكفي رد البدل (3) حتي مع تلفها (4). إلا أن

---------------

إطلاقه بنحو يشمل حال موت المورث، بأن لم يشترط في ثبوت الخيار حياته، ولا في الرد الموقوف عليه إعمال الخيار مباشرته له. وإلا ارتفع موضوعه بالموت، ولم يبق حق ليقع الكلام في إرثه، و في فروعه.

(1) يظهر الكلام فيه مما تقدم في المسألة الخامسة عشرة.

(2) كما في الدروس وجامع المقاصد والمسالك وغيرها. ومن الظاهر اختصاص نصوص المقام ببيع الخيار، دون شرائه الذي هو محل الكلام. كما أن بعض النصوص وأن ورد في شراء الثوب بشرط إلي نصف النهار أو مطلقاً(1) ، إلا أنها ظاهرة في الشراء المبتني علي التثبت من كون الشراء صلاحاً للمشتري. ولذا صرح بسقوط الخيار بالتصرف في المبيع في المقام عموم نفوذ الشروط.

(3) كما صرح به المسالك، وقد يظهر من غيره. بل قال شيخنا الأعظم (قدس سره): (ولا إشكال في انصراف الإطلاق إلي العين، ولا في جواز التصريح برد بدله مع تلفه). وما ذكره إنما يتم فيما إذا كان المبيع من العروض. أما إذا كان نقداً فلا يتضح الفرق بين كونه مبيعاً وثمناً. وقد تقدم نحو ذلك فيما إذا كان الثمن من سنخ العروض. ومن هنا يكون الفرق في أخذ خصوصية العين بين العروض والنقد، لا بين المبيع والثمن.

(4) إذ بعد فرض أخذ خصوصية العين يتعين تقييد إعمال الخيار المشروط

********

(1) راجع وسائل الشيعة ج: 12 باب: 12 من أبواب الخيار.

ص: 300

(301)

تقوم قرينة علي إرادة ما يعم رد البدل عند التلف (1). كما يجوز أيضاً اشتراط الخيار لكل منهما عند رد ما انتقل إليه (2) بنفسه أو ببدله عند تلفه (3).

(مسألة 22): لا يجوز اشتراط الخيار في الفسخ برد البدل مع وجود العين (4)، بلا فرق بين رد الثمن ورد المثمن. وفي جواز اشتراطه برد القيمة في المثلي أو المثل في القيمي مع التلف إشكال. وإن الأظهر أيضاً العدم (5).

---------------

بردها. ومعه لا مجال للاكتفاء فيه برد بدلها حتي مع التلف، بل يتعين سقوط الخيار بتعذر شرط إعماله.

(1) الظاهر أن القرينة العامة التي أشرنا إليها فيما لو كان المبيع من سنخ النقد تقتضي الاكتفاء بالبدل مطلقاً ولو مع عدم التلف، نظير ما سبق عند الكلام في اشتراط البايع الخيار برد الثمن. وعليه فتخصيص الاكتفاء برد البدل بصورة تلف العين إذا كانت نقداً هو الذي يحتاج إلي قرينة خاصة. هذا بناء علي ما ذكرناه من إمكان الاكتفاء بالبدل مع وجود العين. أما بناء علي امتناعه - كما يظهر هناك من سيدنا المصنف (قدس سره)

فلا يحتاج إلي قرينة.

(2) قطعاً، كما في الدروس. ويقتضيه بعد قصور نصوص المقام عنه عموم نفوذ الشروط.

(3) يجري فيه ما سبق.

(4) كأنه لمخالفته لمقتضي الفسخ. لكن يظهر مما سبق في أول المسألة الثانية عشرة عدم منافاته له. فراجع.

(5) كأنه لمنافاة الشرط للحكم الشرعي في كيفية الضمان، فلا ينفذ. لكن قال شيخنا الأعظم (قدس سره): (أمكن الجواز، لأنه بمنزلة اشتراط إيفاء ما في الذمة بغير جنسه، لا اشتراط ضمان التالف المثلي بالقيمة والقيمي بالمثل، ولا اشتراط رجوع غير

ص: 301

(302)

(مسالة 23): يسقط هذا الخيار بانقضاء المدة المجعولة له مع عدم الرد (1)، وبإسقاطه بعد العقد (2).

---------------

ما اقتضاه العقد للبايع. فتأمل). وهو نظير ما سبق منا في أول المسألة الثانية عشرة في توجيه الاكتفاء بالمثل مع بقاء العين. ومن ثم يتعين البناء علي جوازه.

ومن ذلك يظهر عدم مناسبة ذلك من شيخنا الأعظم (قدس سره) للتوقف في جواز اشتراط الاكتفاء برد البدل مع بقاء العين، علي ما سبق منه عند الكلام في اشتراط الخيار برد الثمن، وكرره عند الكلام في اشتراطه برد المبيع. ولعله لذا أمر بالتأمل.

(1) قطعاً. ومثله تعذر الرد المشروط مع بقاء المدة. لكنهما في الحقيقة ليسا من موارد سقوط الخيار، بل الأول راجع لانتهاء أمده، و الثاني راجع إلي تعذر إعماله.

(2) بلا إشكال ظاهر، لكونه حقاً، فيقبل الإسقاط. وقد تقدم تمام الكلام في ذلك عند الكلام في سقوط خيار المجلس بالإسقاط من المسألة الخامسة.

نعم هذا موقوف علي ما ذكرناه غير مرة من فعلية حق الخيار، وأن المعلق علي الرد هو إعماله بالفسخ. أما بناء علي تعليق الخيار علي الرد، بحيث لاحق قبله، فالمتعين عدم جواز الإسقاط، لأنه إسقاط لما لم يجب ولم يستحق.

وأما ما قد يدعي من أنه يكفي في الإسقاط القدرة علي الخيار بالقدرة علي سببه، وهو الرد فهو. كما تري! إذ لا موضوع لإسقاط الخيار قبل تحققه.

نعم يمكن عقلاً إسقاطه بنحو التعليق، بأن لا يراد إسقاطه فعلاً، بل معلقاً علي الرد الموجب لثبوته، نظير الطلاق معلقاً علي الزواج. وحينئذ يمتنع من المشتري الفسخ قبل الرد، لعدم تحقق الخيار، وبعده لسقوط الخيار بالإسقاط التعليقي.

لكن لامجال للبناء علي صحة الإسقاط التعليقي في المقام، لا لأجل الإجماع علي بطلان التعليق، ليدعي خروج المورد عن المتيقن من الإجماع بعد تصريح غير واحد بجواز الإسقاط بعد العقد. بل لأصالة عدم ترتب الأثر علي الإسقاط المذكور

ص: 302

(303)

(الرابع): خيار الغبن (1).

---------------

بعد كون الإسقاط من الإقاعات، و لا عموم يقتضي نفوذ الإيقاع، ليكون هو المرجع بعد قصور الإجماع علي بطلان التعليق عن المقام. وإنما يتجه ذلك. في العقود. لعموم نفوذها ولزومها الملزم بالاقتصار في الخروج علي المتيقن ومن هنا يتعين الاقتصار في نفوذ الإسقاط لتعليقي علي مورد الدليل الخاص كالتدبير والوصية التمليكية.

هذا وأما التصرف في الثمن فالظاهر سقوط الخيار و لزوم البيع به إذا كان بداعي الرضا بالبيع والبناء علي عدم إعمال الخيار. كمكا يظهر ما تقدم في أواخر المسألة الثالثة. فراجع. وأظهر من ذلك ما إذا رجع التصرف إلي إسقاط الخيار.

وأما إذا كان لم يكن كذلك - كما هو الغالب في هذا الخيار، لابتنائه علي الانتفاع بالثمن - فلا يسقط الخيار. بل هو كالصريح من حديث إسحاق بن عمار. لظهور أن الاحتياج لبيع الدار المفروض فيه إنما هو من أجل الانتفاع بثمنها.

وأما ما ينسب للأصحاب من أن تصرف من له الخيار فيما انتقل إليه مسقط لخياره، فلا مجال للبناء علي إطلاقه. ولاسيما مع ما سبق في خيار الحيوان من تعليل بعضهم له بدلالة التصرف علي الرضا.

نعم سبق أنه لا مجال لحمل التصرف الذي تضمنت النصوص مسقطيته له علي ذلك. بل لابد من تعميمه لغيره في الجملة وقد سبق الكلام في تحديده.

وعلي كل حال فهي مختصة بخيار الحيوان. ولا مجال للتعدي منه إلي بقية الخيارات، خصوصاً مثل هذا الخيار المبتني غالباً علي التصرف. وقد أطال شيخنا الأعظم (قدس سره) في المقام بما لا يسعنا متابعته فيه بعد ما ذكرنا.

(1) المصرح به في كلام غير واحد من اللغويين أن الغبن بسكون الباء في البيع، وبفتحها في الرأي، و يراد به ضعفه. وإن كانت كلماتهم فيه وفي اشتقاقاته لا تخلو عن غموض واضطراب.

ص: 303

(304)

ويهون الأمر أن تحديد معناه اللغوي أو العرفي غير مهمّ بعد عدم جعله بعنوانه موضوعاً للخيار في النصوص ونحوها من الأدلة اللفظية، و إنما يستدل عليه بأدلة أخر. فاللازم تحديد موضوعه تبعاً لما ينهض بالاستدلال من تلك الأدلة لو كان.

وكيف كان فالمعروف ثبوت هذا الخيار. وظاهر التذكرة وصريح الغنية في مبحث الخيار والمختلف في حكم تلقي الركبان الإجماع عليه، وعن نهج الحق وكشف الصدق نسبته الي الإمامية.

لكن في التنقيح: (إن هذا النوع من الخيار يذكره كثير من المتقدمين، بل ذكره المتأخرون) و في الدروس: (وهو ثابت في قول الشيخ وأتباعه... وربما قال المحقق في الدروس بعدم خيار الغبن. ويظهر من كلام ابن الجنيد، لأن البيع مبني علي المكاسبة و المغالبة... وفي الخلاف لم يستند إلي الإجماع، ولا إلي أخبار الأصحاب. وأكثر القدماء لم يذكروه) في المسالك: (المشهور بين الأصحاب، خصوصاً المتأخرين منهم، ثبوت خيار الغبن. وكثير من المتقدمين لم يذكره).

وقد حاول في مفتاح الكرامة تقريب عدم إخلال ذلك بالإجماع بما لا يرجع إلي محصل يعتد به، ولا ينبغي إطالة الكلام فيه.

ومن ثم لا مجال للاستدلال عليه بالإجماع، كما في كلام غير واحد من متأخري المتأخرين، بل ظاهر بعضهم وصريح آخر أنه العمدة من أدلة المسألة. و من هنا يلزم النظر في الأدلة الأخر التي استدل أو يستدل بها عليه. وهي أمور:

الأول: قوله تعالي: (إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم)(1) قال في التذكرة: (و معلوم أن المغبون لو عرف الحال لم يرض).

وهو كما تري! أولاًًً: لظهور الآية الشريفة في اعتبار الرضا الفعلي، وهو حاصل، كما أشار إليه في الجواهر. بل لا مجال لاحتمال مانعية عدم الرضا من أحد المتعاقدين

********

(1) سورة النساء الآية: 29.

ص: 304

معلقاً علي العلم بشيء مما يجهل به. إذ ما أكثر ما يندم أحدهما علي المعاملة لانكشاف أمر كان مجهولاً له من دون أن يكون ذلك مستلزماً لبطلان البيع.

وثانياً: لأن مقتضي ذلك بطلان البيع، كما ذكره في الجواهر أيضاً، لا ثبوت الخيار فيه مع صحته، كما هو المدعي. وقد حاول شيخنا الأعظم (قدس سره) دفع ذلك، فقال: (لكن لما كان المفقود صفة من صفات المبيع لم يكن تبين فقده كاشفاً عن بطلان البيع، بل كان كسائر الصفات المقصودة التي لا يوجب تبين فقدها إلا الخيار، فراراً عن استلزام لزوم المعاملة إلزامه بما لم يلتزم به ولم يرض به. فالآية إنما تدل علي عدم لزوم العقد، فإذا حصل التراضي بالعوض الغير المساوي كان كالرضا السابق، لفحوي حكم الفضولي والمكره).

وفيه: أن ذلك إنما يتجه مع تحقق الرضا المعتبر في صحة البيع، وتخلف الوصف المأخوذ في المبيع، ككون العبد كاتباً. والدليل عليه حينئذ ليس هو الآية الشريفة، بل هو حكم عقلاني.

أما مع عدم تحقق الرضا بالبيع بسبب تخلف الوصف - كما هو المفروض في المقام - فالمتعين البناء علي البطلان، كما لو أكره علي شراء الفاقد للوصف، غاية الأمر أن يكون البيع قابلاً للتصحيح بالرضا المتأخر، كما في بيع المكره والفضولي.

وبذلك يتضح أنه لا مورد لفحوي حكم الفضولي والمكره، لأن الرضا فيهما إنما يوجب نفوذ البيع بعد العدم، لا لزومه بعد نفوذه وثبوت الخيار فيه، كما هو المدعي في المقام.

ومثله في الإشكال ما في منية الطالب من أن التجارة التي يعتبر الرضا فيها ليست هي التجارة بالمعني المصدري، لتصح بالرضا الفعلي الحاصل حين إيقاع العقد، ولا تبطل بانكشاف الحال للمغبون. بل هي التجارة بالمعني الاسم المصدري. وحينئذ تصح حين العقد، لتحقق الرضا بها، وتبطل عند انكشاف الحال للمغبون إذا لم يرض بها، و تبقي علي الصحة إذا رضي بها.

ص: 305

(306)

قال: (نعم يمتاز هذا المعني من الخيار عن سائر الخيارات التي يحتاج الإمضاء والفسخ فيها إلي الإنشاء. فان الدليل المثبت لهذا الخيار بالتقريب المذكور لا يدل إلا علي أن مجرد الرضا بعد العلم يكفي في الصحة وعدمه يكفي في البطلان، والخيار الاصطلاحي ليس كذلك).

إذ فيه - مع أن التجارة من المصادر، لا من أسماء المصادر -: أن التجارة بالمعني الاسم المصدري لما كان لها وجود واحد مبني علي الاستمرار، فمقتضي إطلاق الآية الشريفة جواز أكل المال بسببها إذا صدرت عن الرضا ولو مع ارتفاع الرضا بها بعد ذلك. بل لا يمكن البناء علي اعتبار استمرار الرضا بها في جواز أكل المال، إذ ما أكثر ما يندم أحد المتعاقدين علي المعاملة بعد وقوعها، مع ما هو المعلوم من عدم بطلانها بذلك، كما اشرنا آنفاً.

وبالجملة: لا ينبغي الإشكال في عدم نهوض الآية الشريفة بالاستدلال.

الثاني: قوله تعالي: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلي الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وانتم تعلمون)(1) ، قال شيخنا الأعظم (قدس سره): (بناء علي أن أكل المال علي وجه الخدع ببيع ما يسوي درهماً بعشرة مع عدم تسلط المخدوع بعد تبين خدعه علي رد المعاملة وعدم نفوذ رده أكل للمال بالباطل. أما بعد رضاه بعد التبين بذلك فلا يعد أكلاً بالباطل. ومقتضي الآية وإن كان حرمة الأكل حتي قبل تبين الخدع، إلا أنه خرج بالإجماع، و بقي ما بعد اطلاع المغبون ورده للمعاملة).

وفيه - مع قصوره عن صورة عدم الخدع، لجهل المتعاقدين معاً بالقيمة السوقية للمبيع - أولاً: أن تسلط المخدوع علي ردّ المعاملة حكم شرعي لا يكون ثبوته أو عدمه دخيلاً في صدق أكل المال بالباطل الذي هو من الأمور العرفية. وإن أمكن أن يكون الحكم الشرعي المذكور متفرعاً علي صدق ذلك. غاية ما يمكن دعواه هو كون أكل

********

(1) سورة البقرة الآية: 188.

ص: 306

المال بالمعاملة الغبنية أكلاً له بالباطل. ولازم ذلك البناء علي بطلان المعاملة المذكورة، لا ثبوت الخيار فيها مع صحتها، كما هو المدعي.

نعم قد يدعي حينئذ صحتها برضا المغبون بالمعاملة، لخروج أكل المال به عن كونه أكلاً بالباطل. نظير صحة بيع المكره والفضولي بالإجازة. وهو غير المدعي.

وثانياً: أن عموم حرمة أكل المال بالباطل قضية ارتكازية آبية عن التخصيص عرفاً، فلا مجال لدعوي خروج ما قبل ظهور الخدع عن العموم المذكور بالإجماع. بل لو تم الإجماع كشف عن خلل في الاستدلال بالعموم المذكور.

وثالثاً: أنه لو سلم بدواً صدق الأكل بالباطل عرفاً في المورد المذكور، إلا أن المضمون المذكور وإن ورد مطلقاً في الآية الشريفة المتقدمة التي هي في سورة البقرة، إلا أنه ورد أيضاً في سورة النساء في قوله تعالي: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم)(1).

ومقتضي المقابلة في الآية الثانية بين الأكل بالباطل والتجارة عن تراض كون أكل المال بالتجارة عن تراض علي إطلاقه ليس أكلاً للمال بالباطل، وأن الأكل بالباطل لا يشمل صورة التجارة عن تراض.

نظير ما لو قيل: لا يحسن بالإنسان أن يعبث في إنفاق ماله، ويحسن منه أن ينفق ماله لإرضاء أبويه. حيث يكون مقتضاه أن إنفاق المال لإرضاء الأبوين خارج عن العبث من جهة المنفق مطلقاً وإن كانت دواعي الإنفاق من الأبوين عبثية مثلاً.

وحينئذ تصلح الآية الثانية لشرح أكل المال بالباطل، وبيان قصوره عن صورة التجارة عن تراض حتي في الآية الأولي. ولاسيما مع تطبيقه فيها علي الرشوة للحكام أو غصب أموال الناس بسببهم.

وحيث سبق صدق التجارة عن تراض في المقام بلحاظ حصول الرضا الفعلي فيه تعين قصوراً أكل المال بالباطل عنه وبذلك تكون الآية الثانية رادعة عن تطبيق

********

(1) سورة النساء الآية: 29.

ص: 307

(308)

الأكل بالباطل عليه عند العرف لو تم.

وبذلك يظهر أنه لا مجال لدعوي أن بين الدليلين عموماً من وجه، وأنهما يجتمعان في محل الكلام ويتعارضان فيه، لينظر في كيفية الجمع بينهما. وإن كان الظاهر أنه لو تم التعارض بينهما فالتقديم لعموم النهي عن أكل المال بالباطل، لما سبق من إبائه عن التخصيص.

ورابعاً: أن البيع في المقام يبتني علي أمرين:

الأول: الخروج في البيع عن القيمة السوقية. ولا إشكال في عدم كونه بنفسه منشأ لكون أكل المال أكلا له بالباطل بنظر العرف. ولذا لا يكون منه عندهم مع إقدام المتعاقدين علي ذلك أو احتمالهما له.

الثاني: خديعة أحد المتعاقدين للآخر، لا بإظهاره له علي خلاف الواقع، لعدم فرض ذلك في محل الكلام، بل بإبقائه علي غفلته، واستغلال ذلك وعدم تنبيهه لواقع الحال. وهذا وإن كان مستنكراً في الجملة بمقتضي المرتكزات العرفية. إلا أن استنكاره يرجع إلي كونه بنفسه نحواً من الباطل، من دون أن يكون أكل المال بالمعاوضة المبتنية عليه أكلاً له بالباطل.

وإلا فما أكثر ما تبتني المعاملة إبقاء أحد المتعاقدين علي غفلته بنحو لو التفت لما يعلم به الآخر لم يقدم علي المعاملة، كما لو اعتقد المشتري خطأ باستقرار السوق وعدم تبدل السعر، وأنه نتيجة لذلك قد اشتري الشيء بأقل من قيمته السوقية، أو اعتقد بوفاء ماشتراه بغرضه، أو اعتقد البايع أو بعدم تعرض الثمن للسرقة أو نحو ذلك، فإنه لو أبقاه الآخر علي غفلته، واستغل ذلك، فأوقع المعاملة، لايكون أكله للمال بالمعاملة حينئذ أكلا له بالباطل، بلا إشكال ظاهر.

الثالث: ما ورد عن النبي (صلي الله عليه وآله وسلّم) من إثبات الخيار في تلقي الركبان إذا دخل السوق. قال في الخلاف: (ومعلوم أنه إنما جعل له الخيار لأجل الغبن).

وفيه: أن ذلك لم يذكر مسنداً في كتب الحديث لأصحابنا، وإنما ذكر مرسلاً في

ص: 308

(309)

عوالي اللآلي قال: (وأنه نهي عن تلقي الركبان. وقال: من تلقاها فصاحبها بالخيار إذا دخل السوق)(1) والظاهر أنه أخذه من العامة، حيث رووه في كتب الحديث عندهم(2). ومجرد موافقة الحديث الضعيف لفتوي الأصحاب لا يكفي في جبره ما لم يثبت اعتمادهم عليه، ولا طريق لإحرازه في مثل ذلك، كما نبه لذلك هنا شيخنا الأعظم (قدس سره)، وأوضحناه عند الكلام في حديث: (علي اليد...) في حكم المقبوض بالعقد الفاسد.

ومن الغريب مع ذلك ما في الجواهر، حيث عقب علي ما ذكره في الحدائق من عدم ذكر الحديث في كتب أصول الحديث ولا في الفروع بقوله: (وإن كان فيه أنه يكفي إرسالهم له. بل لعله أقوي من ذكر المتن).

الرابع: النصوص الواردة في حكم الغبن، كموثق ميسر أو صحيحه عن أبي عبد الله (عليه السلام): (قال: غبن المؤمن حرام)(3) وخبر إسحاق بن عمار عنه (عليه السلام): (قال: غبن المسترسل سحت)(4) ، و مرسل أحمد بن محمد بن يحيي قال: (أراد بعض أصحابنا الخروج للتجارة، فقال لا أخرج حتي آتي جعفر بن محمد (عليه السلام)... فأتاه فقال له: يا ابن رسول الله إني عزمت علي الخروج إلي التجارة. وإني آليت علي نفسي أن لا أخرج حتي أتاك [آتيك. ظ] وأستشيرك، وأسألك الدعاء لي. قال: فدعا له، وقال: عليك بصدق اللسان في حديثك، ولا تكتم عيباً يكون في تجارتك. ولا تغبن المسترسل، فإن غبنه لا يحل...)(5) ، وفي بعض طرقه: (فإن غبنه ربا)(6) ، وما عن كتاب الإمامة والتبصرة بسنده عن السكوني عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه قال: (قال رسول الله صلي

********

(1) مستدرك الوسائل ج: 13 باب: 29 من أبواب آداب التجارة حديث: 3.

(2) صحيح البخاري ج: 3 ص: 28. صحيح مسلم ج: 4 ص: 138. صحيح سنن أبي داود ج: 2 ص: 132. وغيرها.

(3) ، وسائل الشيعة ج: 12 باب: 17 من أبواب الخيار حديث: 2، 1.

(4) ، وسائل الشيعة ج: 12 باب: 17 من أبواب الخيار حديث: 2، 1.

(5) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 2 من أبواب آداب التجارة حديث: 7

(6) مستدرك الوسائل ج: 13 باب: 3 من أبواب آداب التجارة حديث: 8.

ص: 309

الله عليه وآله: (غبن المسترسل ربا)(1).

ولا يخفي أن ما تضمن من النصوص المتقدمة التعبير بالسحت والربا كالصريح في إرادة البيع الغبني المبتني علي كسب المال. وقريب منه مرسل أحمد بن محمد بن يحيي، لمناسبة التجارة لذلك.

وأما ما عدا ذلك - كحديث ميسر - فقد ذكر شيخنا الأعظم (قدس سره) أنه ظاهر في حرمة الخيانة في المشاورة. قال: (فيحتمل كون الغبن بفتح الباء).

وفيه: أن الظاهر من كلمات اللغويين أن الغَبَن الذي هو بفتح الباء ليس هو الخيانة في الرأي، بل ضعف الرأي. قال في لسان العرب: (الغبن بالتسكين في البيع، والغبن بالتحريك في الرأي و غبنت رأيك. أي نسيته وضيعته...). وإن كانت كلماتهم لا تخلو عن اضطراب وغموض.

علي أنه لو تم أن الغبن بالفتح هو الخيانة في الرأي فاحتماله لا يقتضي استظهار المعني المذكور، بل احتماله، وإجمال مفاد الحديث. بل من القريب جداً أن يراد بحديث ميسر ما أريد ببقية النصوص المتقدمة، لأنه هو الشايع في النصوص وعند العرف. مع قرب تعاضد بقية النصوص، بحيث يوثق بصدور مضمونها. فلا يهم إجمال حديث ميسر لو تم.

فالعمدة في الجواب عن النصوص - بعد قصورها عن صورة عدم الخدع لجهل المتعاقدين معاً بالقيمة السوقية - ظهورها بدواً في بطلان البيع، كما هو مقتضي الظهور النوعي للنهي عن المعاملات وغيرها مما يطلب لأثره. وهو المناسب لإطلاق السحت والربا في بعض النصوص.

وأما ما ذكره بعض مشايخنا (قدس سره) من أن السحت وإن كان هو المال الحرام، إلا أنه قد أطلق في المقام علي نفس الغبن لا علي الثمن. والغبن إنما يكون بنفس المعاملة،

********

(1) مستدرك الوسائل ج: 13 باب: 13 من أبواب الخيار حديث: 1.

ص: 310

(311)

ولا يصح إطلاقه علي الثمن حتي مجازاً. وأنه لا بد من حمل السحت علي الحرمة التكليفية فيندفع بأن عدم إطلاق الغبن علي الثمن لا ينافي إطلاق السحت عليه بلحاظ حرمة الثمن من باب المجاز في النسبة.

ومن هنا لا يبعد ظهور النصوص بدواً في بطلان المعاملة. لكن حيث لا يظهر منهم البناء علي ذلك فلا بد من حملها علي الكراهة.

بل قد تحمل علي الحرمة التكليفية، بلحاظ أخذ الاسترسال في موضوعها. قال في لسان العرب: (وفي الحديث: أيما مسلم استرسل إلي مسلم فغبنه فهو كذا. الاسترسال الاستئناس والطمأنينة إلي الإنسان، والثقة به فيما يحدثه. وأصله السكون و الثبات) ونحوه في مجمع البحرين. ومع الثقة والطمأنينة قد يحرم الإغفال لأنه نوع من الخيانة للأمانة. وإن كانت المعاملة صحيحة، بناء علي ما هو التحقيق من أن الحرمة التكليفية لا تقتضي الفساد.

وكيف كان فلا مجال لاستفادة ثبوت الخيار منها، كما هو المدعي في المقام.

الخامس: قاعدة نفي الضرر. بتقريب: أن لزوم البيع ضرر علي المغبون، فيتعين جوازه في حقه، وإمكان فسخه له.

وقد يستشكل في ذلك بوجوه:

أحدها: ما ذكره شيخنا الأعظم (قدس سره) من أن انتفاء اللزوم وثبوت التزلزل في العقد لا يستلزم ثبوت الخيار للمغبون بين الرد والإمضاء، بل كما يمكن أن يكون بذلك يمكن أن يكون بتخييره بين إمضاء العقد بتمام الثمن ورده للمقدار الزائد من الثمن عن قيمة المثل أو رد بدله، وأن يكون بتخييره للغابن بين الفسخ في تمام العقد ودفع الزائد من الثمن للمغبون أو دفع بدله.

غاية الأمر أن رد ذلك أو دفعه ليس هبة مستقلة، ليقال إنه لا يخرج المعاملة عن كونها غبنية ضررية - كما يظهر من جامع المقاصد و محكي الإيضاح - ولا جزء من أحد

ص: 311

العوضين، ليتجه ما عن العلامة في نظير ذلك من أن استراد بعض العوضين من دون رد ما يقابله من الآخر ينافي مقتضي المعاوضة.

وإنما ذلك غرامة عما فات منه بسبب الغبن، نظير الارش مع العيب. ولذا لا يجب أن يكون من عين الثمن، بل يكتفي ببدله.

وكأنه إلي هذا أو نحوه يرجع ما في الجواهر من أن حديث الضرار - مع قطع النظر عن كلام الأصحاب - لا يشخص الخيار.

وفيه: أن قاعدة نفي الضرر لا تقتضي تدارك الضرر، بل نفي الحكم الشرعي الموجب للضرر، وحيث كان نفوذ العقد شرعاً بنحو اللزوم هو المنشأ لضرر المغبون، تعين نفي القاعدة له، دون إثبات لزوم دفع فرق الثمن له غرامه، لأنه من سنخ تدارك الضرر الحاصل عليه من نفوذ المعاملة ولزومها، وقد سبق أن القاعدة لا تنهض به

ثانيها: ما عن بعض الأعاظم (قدس سره) من أن الضرر في المقام لا يستند للحكم الشرعي بلزوم المعاملة، ليكون مرفوعاً، بل للإقدام عليها، وهو مستند للمالك، لا للشارع. وحكم الشارع بلزومه وعدم السلطنة علي رفعه بعد ثبوته لا يكون موضوعاً لقاعدة نفي الضرر، وإلا لزم ارتفاع الضمان مع فعل ما يوجبه شرعاً جهلاً بالحال.

وقد أجاب عنه بعض مشايخنا (قدس سره) بأنه لا إقدام في المقام علي الضرر، بل علي المعاملة بتخيل عدم الضرر، فنفوذها بنحو اللزوم مع ذلك هو الموجب للضرر.

وفيه: أنه بعد عدم أخذ عدم زيادة أحد العوضين شرطاً في العقد - كما هو المفروض في كلام بعض الأعاظم (قدس سره) - فالإقدام علي المعاملة وإن لم يكن إقداماً علي الضرر بخصوصه، إلا أنه كان بنحو الإطلاق بحيث يشمل صورة الضرر، فهو كالإقدام مع احتمال الضرر.

إلا أن يدعي أن الإقدام المذكور معاملي لا يكفي في قصور القاعدة، بل لا بد في قصورها من الإقدام القصدي ولو كان احتمالياً. فتأمل.

ص: 312

وأما النقض بأن لازم ذلك ارتفاع الضمان مع فعل ما يوجبه جهلاً بالحال، فقد دفعه بعض مشايخنا (قدس سره) بأن رفع الضمان حينئذ مناف للامتنان في حق المضمون له، فتقصر القاعدة عنه لذلك.

لكنه لا يخلو عن إشكال، لأن منافاته للامتنان في حق المضمون عنه إن كان بلحاظ كونه موجباً للضرر في حقه. ففيه: أنه لا يوجب الضرر في حقه، لحصوله الضرر بتلف ماله، وإنما يكون في الحكم بالضمان تدارك للضرر، الذي هو من سنخ النفع له، فليس في رفعه إضرار به، بل منع لنفعه.

وإن كان بلحاظ منع النفع المذكور، ففي كفايته في منع جريان قاعدة نفي الضرر إشكال.

فالأولي في الجواب عن النقض المذكور أن أدلة الضمان صريحة في العموم لحال الجهل وعدم الإقدام علي فعل ما يوجبه. فلتكن مخصصة للقاعدة.

ثالثها: ما ذكره بعض مشايخنا (قدس سره) من أن الضرر إنما يلزم من إمضاء الشارع للمعاملة و حكمه بصحتها، لأن إبدال الكثير بالقليل ضرر في حق أحد المتعاملين. وأما لزوم المعاملة فهو ليس حكماً ضررياً، بل غاية ما يلزم منه هو الإلزام بتحمل الضرر. وحينئذٍ فبعد فرض صحة المعاملة وعدم بطلانها لا وجه للبناء علي عدم لزومها من أجل قاعدة نفي الضرر.

وفيه أولاً: أن الحكم بصحة المعاملة من دون إلزام وإن كان ضررياً كما ذكره (قدس سره) وسبقه إليه بعض المحققين (قدس سره)، بل يظهر منه سبق غيرهما إليه إلا أن منصرف قاعدة نفي الضرر هو الضرر الذي يتعذر التخلص منه، لأنه هو المحذور عرفاً، والمنافي لسهولة الشريعة وكونها سمحاء، أما الضرر الذي يمكن التخلص منه من دون كلفة فهو ليس محذوراً، ولا ينافي سهولة الشريعة.

وكأنه إلي هذا نظر بعض المحققين (قدس سره)، فإنه - بعد ما سبق منه من أن الحكم بصحة المعاملة ضرري - قال: (فالحكم بصحة المعاملة الغبنية لأحد وجهين، إم

ص: 313

للإجماع علي الصحة، فيخصص به قاعدة الضرر، وإما لأن الصحة وإن كانت ضررية، إلا أن القاعدة لا تعمّ كل حكم ضرري، بل ما إذا كان رفعه موافقاً للامتنان، ولا منة في رفع الصحة وإبطال العقد).

وثانياً: أن لزوم المعاملة الضررية وإن لم يوجب حدوث الضرر، إلا أنه ضرري أيضاً بلحاظ استلزامه بقاء الضرر. ومن هنا ذهب بعض المحققين (قدس سره) إلي أن صحة المعاملة الغبنية ولزومها كلاهما ضرري. وعليه يتعين إعمال القاعدة في اللزوم بعد ما سبق من عدم إعمالها في الصحة.

إن قلت: بعد فرض صحة العقد ونفوذه فإعمال القاعدة في لزومه ينافي الامتنان في حق الغابن، لأن في الفسخ إضراراً به، إذ بعد أن ملك العوض الأكثر مالية فخروجه عن ملكه ورجوع الآخر له الأقل مالية له يستلزم الضرر عليه، وهذا بخلاف إعمالها في صحة العقد، فإنه لا يستلزم الإضرار به، بل فوت النفع عليه لا غير.

قلت: إنما يلزم الإضرار بالغابن من إعمال قاعدة الضرر إذا كان مقتضاها ارتفاع اللزوم عن العقد بعد ثبوته له. أما إذا كان مقتضاها صحة العقد ابتداء علي نحو الجواز وعدم اللزوم فلا يلزم الإضرار به، لظهور أن صحة العقد بالنحو المذكور ليست ضرراً عليه، بل هي نحو من النقص في الانتفاع، نظير صحة الهبة غير اللازمة كما لعله ظاهر.

رابعها: ما عن المحقق الخراساني (قدس سره). ومرجعه إلي أن القاعدة إنما تقتضي جواز العقد جوازاً حكمياً، نظير العقود الجائزة، لا جواز حقياً الذي هو مرادهم بالخيار، فإنه عندهم حق قابل للإسقاط - كما سبق - والتعويض والميراث مع إطلاق دليله بنحو يعم الوارث.

وهو في محله بناء علي ما سبق منا من الفرق بين الحق والحكم.

نعم قد لا يظهر الأثر بالإضافة إلي بعض الآثار. فاشتراط سقوط خيار الغبن عند العقد مستلزم للإقدام علي الضرر المانع من عموم قاعدة نفي الضرر. وإسقاطه

ص: 314

بعد العقد يكفي في لزوم العقد عملاً بعموم لزوم العقد بعد قصور القاعدة، لاستناد بقاء الضرر حينئذ لرضا المغبون به، لا للحكم باللزوم.

كما أن مرجع المعاوضة علي الحق حينئذ إلي المصالحة عن عدم الفسخ في مقابل المال المدفوع، وبعد الصلح المذكور لا ينفذ الفسخ، كما لو سقط حق الخيار.

فلم يبق إلا الميراث. فإن كان الخيار حقياً كان موروثاً، وإن كان حكمياً لم يورث. ولا مجال لإعمال قاعدة نفي الضرر في حق الورثة، لعدم استلزام نفوذ المعاملة في حقهم ولزومها الضرر عليهم، بل نقص النفع لهم، وهو لا يكفي في جريان القاعدة.

وقد حاول بعض مشايخنا (قدس سره) توجيه الميراث في المقام مع بنائه علي عدم الفرق بين الحق والحكم أنه ليس في المقام إلا الحكم الشرعي بجواز الفسخ وترتب الأثر عليه بأن المستفاد من بعض النصوص الواردة في الوصية أن الوارث وجود تنزيلي للمورث وأنه هو بعينه، ومن تلك النصوص ما تضمن عدم جواز الوصية بما زاد علي الثلث معللاً بأنه تضييع للورثة وظلم في حقهم، بدعوي: لولا اتحاد الورثة مع المورث لما كان لهذا النهي وجه، لأنه يتصرف في مال نفسه، وهو أجنبي عن ورثته.

ولا يخلو ما ذكره عن غموض، إذ يكفي في حسن التعليل لو تم حكم الشاعر باستحقاق الورثة للثلثين، بحيث لا يجوز التجاوز عليهما في الوصية إلا بإذنهم من دون توقف علي الاتحاد التنزيلي المدعي.

خامسها: أن القاعدة المذكورة تقصر عما لو تبدلت القيمة قبل الفسخ، بحيث لا يكون تبديل أحد العوضين بالآخر غبنياً، حيث لا يكون لزوم المعاملة السابقة ضررياً حينئذ، فيتعين البناء علي اللزوم حينئذ إما لما هو الظاهر من أن المرجع في مثل ذلك عموم العام، وهو في المقام عموم اللزوم، لا استصحاب حكم المخصص. وإما لما سبق من أن القاعدة إنما تقتضي الجواز الحكمي الذي هو عبارة عن كون العقد ينفسخ بالفسخ، فيكون استصحابه تعليقياً، وهو لا يجري علي التحقيق، بل يجري

ص: 315

(316)

حينئذ استصحاب عدم ترتب الأثر علي الفسخ، الراجع لاستصحاب ملكية كل من المتعاقدين لما ملكه بالعقد.

هذا وحيث لم يذكروا من مسقطات هذا الخيار ارتفاع الغبن قبل إعماله فظاهرهم عدم سقوطه بذلك.

كما أن الضرر لا يختص بالضرر المالي، بل له جهات أخري قد تندفع بنفوذ العقد الغبني، فتزاحم الضرر المالي الحاصل به، فلا يكون نفوذه بنحو اللزوم منافياً للامتنان، كما لو كان المشتري المغبون مضطراً للبيع أو انكشف كونه مضطراً له، مع أن بناءهم علي ثبوت الخيار في مثل ذلك.

وكلا الأمرين يناسب كون دليل الخيار في المقام أمراً غير قاعدة نفي الضرر. فلاحظ.

والمتحصل من جميع ما سبق: أن قاعدة نفي الضرر لا تنهض بإثبات الخيار مطلقاً، بناء أن القصد المعاملي للإقدام علي الضرر في المقام موجب لقصور القاعدة المذكورة، علي ما أشرنا إليه في الوجه الثاني للإشكال علي الاستدلال بالقاعدة.

وأما بناء علي عدم كفايته فالقاعدة إنما تقتضي جواز العقد حكماً، من دون أن يكون موضوعاً لحق الخيار، علي ما تقدم في الوجه الرابع. كما أنها تقصر عما إذا تبدل الحال بحيث لا يكون لزوم المعاملة ضررياً، أو ترتب علي المعاملة جهة تزاحم الضرر المالي علي ما ذكرناه في الوجه الخامس.

السادس: ما عن بعض الأعاظم (قدس سره). قال في منية الطالب في الاستدلال علي الخيار في المقام: (وأتم المدارك له هو حصوله من جهه تخلف الشرط الضمني. وذلك أنه لما كان تعيش بني آدم موقوفاً علي تبديل الأموال، وبناء المتعاقدين علي تساوي العوضين في المالية، فيناط التبديل بالتساوي. وحيث كان هذا البناء نوعياً بحسب العرف والعادة جري نفس إجراء العقد بين العوضين مجري اشتراط تساويهما في المالية، بحيث لو علم المغبون بالحال لم يرض. فمدرك ثبوت الخيار تباني المتعاقدين

ص: 316

علي تساوي العوضين في المالية. وهذا بمنزلة الصغري. والكبري أن تخلف البناء يوجب عدم التراضي بالمعاملة، ولما ثبت في باب الفضولي والمكره أن الرضاء اللاحق كالسابق، فلم يكن تخلف البناء موجباً لفساد البيع رأساً، فله إقرار العقد واختيار نتيجته، وله رده).

ومقتضي ما في ذيله - من أن عدم البناء يوجب عدم التراضي بالمعاملة، وتنظير المقام بالفضولي والمكره - هو بطلان المعاملة، لعدم التراضي. غاية الأمر أنه يمكن تصحيحها بالرضا اللاحق نظير عقد الفضولي والمكره. وهو - كما تري - غير عن المدعي من ثبوت الخيار مع صحة المعاملة.

نعم مقتضي ما في صدره - من ابتناء العقد علي اشتراط التساوي في المالية ضمناً - كون التساوي في المالية أمراً خارجاً عن موضوع العقد الذي صار مورداً في للتراضي. وعليه يكون التراضي حاصلاً بالعقد المتضمن للمعاوضة بين المالين، فيصح. غاية الأمر أن العقد الذي حصل التراضي به مبني علي الشرط المذكور، فيثبت بتخلف هذا الشرط الخيار، كما هو المدعي.

وبذلك يرجع خيار الغبن لخيار تخلف الوصف المشروط الثابت تبعاً للمرتكزات العقلائية، كما صرح بذلك السيد الطباطبائي (قدس سره) في حاشيته، وأشار إليه بعض المحققين (قدس سره). وعليه جري بعض مشايخنا (قدس سره) في تقريب الاستدلال للخيار في المقام. وهو لا يخلو عن وجه.

نعم الظاهر عدم اطراده، لعدم ابتناء العقد في كثير من الموارد علي الحفاظ علي المالية، بل علي الرغبة الشخصية والاتفاق بين الطرفين من دون نظر لشيء آخر.

منها: ما إذا لم تسهل معرفة القيمة السوقية، كما يغلب في مثل التحفيات والأثريات ونحوها من النوادر. حيث يتمحض الأمر فيها في التراضي بين المتعاقدين، من دون النظر للشرط المذكور.

ومنها: ما إذا كان أحد العوضين أمراً يعتز به أحد المتعاقدين، لخصوصية

ص: 317

شخصية، ككون المبيع منسوجاً بيده أو بيد شخص يخصه، وكون الكتاب قد درس فيه هو أو شخص يخصه، ونحو ذلك.

ومنها: ما تجهل خاصيته المرغبة فيه. ويعرض من أجل تحصيل من يرغب فيه لأجل صورته الظاهرة، أو لاطلاعه علي ميزة مرغبة، كمجموعة من الأحجار أو الكتب أو الطوابع أو نحوها مما قد يوجد فيه ما يدرك الخبير أو يحتمل وجود خاصية فيه توجب زيادة قيمته، من دون أن يكون ملزماً بإخبار البايع وتحديد قيمته الحقيقية تبعاً لذلك.

ومنها: ما يباع بالمزاد، حيث يكون المعيار في ثمنه علي قناعة المتزايدين الشخصية ومقدار الزيادة التي يتسابقون فيها.

ومنها: ما يأتي التعرض له عند الكلام في شرط ثبوت هذا الخيار.

وربما تكون هذه الصورة ونحوها خارجة عن مورد كلامهم لباً.

كما أنه ربما يكون مبني المعاملة علي قيمة خاصة بتعيين السلطة أو الجهة التي تنتمي إليها البضاعة، من أسواق أو شركات أو أصحاب معامل أو نحو ذلك. وقد تكون تلك القيمة أكثر من القيمة السوقية أو أقل. فتكون هي المعيار في الغبن، لأنها هي موضوع الشرط الضمني، دون القيمة السوقية، لابتناء المعاملة علي إغفالها.

هذا وقد قد يشكل أصل المطلب بلحاظ أن بناء المسألة علي الشرط الضمني يقتضي اتفاق الطرفين عليه، إذ مع اختلافهما في ذلك يلزم عدم التطابق بين الإيجاب والقبول المبطل للعقد. لعدم الفرق في مبطلية عدم التطابق بين أن يكون في أركان المعاملة - كالثمن والمثمن - وأن يكون فيما هو خارج عن ذلك، كالشرط والوصف، كما تقدم عند الكلام في شروط العقد. مع أن الظاهر عدم بناء العرف علي البطلان في فرض اتفاقهما علي الشرط المدعي في المقام، لابتناء العقد من أحدهما دون الآخر علي أحد علي الوجوه المتقدمة.

ص: 318

اللهم إلا أن يقال: يكفي في ترتب الأثر علي الشروط الضمنية بناء العرف عليها نوعاً ما لم يتفق المتعاقدان علي الخروج عنها. ولذا لا يظن منهم البناء علي البطلان لو لم يلتزم أحد المتعاقدين في نفسه بتعجيل التسليم، أو بالسلامة في المبيع، أو نحوهما من الشروط الارتكازية العامة، من دون أن ينبه الآخر لذلك. كما لا إشكال ظاهراً عندهم في ثبوت الخيار للآخر حينئذ بتخلفها.

ومرجع ذلك في الحقيقة إلي أن لزوم تحقق الأمور المذكورة وثبوت الخيار بتخلفها ليس بملاك نفوذ الشرط الضمني، لظهور أن الشرط أمر قائم بالطرفين بل هما من الأحكام العرفية الارتكازية. ولا يخرج عنها إلا باتفاق المتعاقدين، وبناء العقد منهما معاً علي عدم الالتزام بها.

بل لا يبعد الاكتفاء في الخروج عنها بإقدام من له الشرط العرفي علي عدم بناء المعاملة عليه، إما لعلمه بعدم تحققه، أو لاحتماله ذلك مع عدم ابتناء المعاملة من قبله عليه. لخروجه عن المتيقن من بناء العقلاء علي الإلزام بها وترتيب الأثر عليها.

نعم لو بني العقد عليها إلا أنه كان عازماً علي عدم المطالبة بها وعدم إعمال الخيار بفقدها، فالظاهر عدم منع عزمه المذكور من ترتب الأثر عليها. فله العدول عن عزمه، وإعمال حقه.

أما الشروط الضمنية فتختص بما يتفق عليه المتعاقدان، ويبتني العقد منهما عليه ضمناً من دون أن يصرحا به لفظاً ولو لإنشاء العقد بغير اللفظ، كما في المعاطاة.

ويترتب علي ذلك أن المعيار في ثبوت خيار الغبن علي الخروج عن قيمة المثل إلا مع تصريح المتبايعين حين العقد أو بنائهما - ولو بحسب ظهور حالهما - علي عدم ابتناء العقد عليها. وكذا لو أقدم المغبون وحده علي ذلك.

أما ابتناء العقد علي قيمة أخري غير قيمة المثل مما سبق التعرض له، فلابد فيه من اتفاقهما معاً عليه تصريحاً أو ضمناً كل ذلك لأن الأمر الارتكازي الذي عليه العرف والعقلاء نوعاً هو لزوم مراعاة قيمة المثل. وما عداها خارج عن ذلك. فلابد

ص: 319

(320)

(مسألة 24): إذا باع بأقل من قيمة المثل (1) ثبت له الخيار. وكذا إذا اشتري بأكثر من قيمة المثل. ولا يثبت هذا الخيار للمغبون إذا كان عالماً بالحال (2)

---------------

فيه من عناية خاصة يجري عليها المتعاقدان معاً. هذا ما يتضح لنا فعلاً. ولابد من مزيد من التأمل. والله سبحانه وتعالي العالم العاصم.

(1) الظاهر أن مراده بقيمة المثل هو القيمة السوقية وإن كان المبيع قيمياً كما أنه هو المراد لنا أيضاً فيما سبق. إذ لا إشكال ظاهراً في عدم اختصاص هذا الخيار بالمثليات، لعموم أدلته.

(2) بلا خلاف، وقطعاً، كما في الجواهر، وقال شيخنا الأعظم (قدس سره): (بلا خلاف ولا إشكال) وفي التذكرة والمسالك الإجماع عليه. وفي مفتاح الكرامة أن ذلك مما لا ريب فيه. وفي كلام غير واحد عدم صدق الغبن حينئذ. وهو غير بعيد، حيث لا يبعد كون أصله الخديعة.

لكنه إنما ينفع لو كان الدليل هو النصوص الواردة في حكم الغبن. بل اشتمال أكثرها علي غبن المسترسل موجب لاختصاصه بصورة الجهل حتي لو فرض عموم الغبن مفهوماً. وكذا لو كان الدليل عليه آيتا التجارة عن تراض وأكل المال بالباطل، كما هو ظاهر. ومثلها في ذلك ما ورد في تلقي الركبان، لأن موضوعه وإن كان هو دخول السوق، إلا أن منصرفه ما إذا ظهر أن القيمة أكثر من الثمن. وهو مبني استدلالهم به. لكن تقد عدم نهوض الجميع بالاستدلال.

كما أنه تقدم اختصاص قاعدة نفي الضرر بغير صورة الإقدام عليه الحاصل مع العلم. أما بناء علي أن الدليل هو الشرط الضمني أو بناء العقلاء بالنحو الذي تقدم منا التعرض له فالأمر أظهر.

هذا ومقتضي إطلاق الأصحاب وصريح التذكرة والمسالك ومحكي التحرير

ص: 320

عدم الفرق في ثبوت الخيار مع الجهل بالقيمة بين إمكان معرفة القيمة وتعذرها. وهو مقتضي أكثر الوجوه المتقدمة، ومنها الوجه الأخير الذي تقدم منا التعويل عليه.

لكن في الجواهر أنه قد يشكل - إن لم يكن إجماعاً - بأنه هو أدخل الضرر علي ن