المرتقی الی الفقه الارقی: کتاب الزکاه

اشارة

سرشناسه : روحانی، محمد، 1376 - 1298

عنوان و نام پديدآور : المرتقی الی الفقه الارقی: کتاب الزکاه/ تقریرا لابحاث محمد الحسینی الروحانی؛ [تصحیح] محمدصادق الجعفری

مشخصات نشر : تهران: موسسه الجلیل للتحقیقات الثقافیه، 1418ق. = - 1376.

مشخصات ظاهری : ج 14

فروست : (دار الجلی؛ 48، 36)

شابک : 964-5972-07-x15000ریال(ج.1) ؛ 964-5972-07-x15000ریال(ج.1) ؛ 964-5972-07-x15000ریال(ج.1) ؛ 964-5972-07-x15000ریال(ج.1) ؛ 1964-5972-24-8 ؛ 2964-5972-16-7

يادداشت : عربی

یادداشت : کتابنامه

عنوان دیگر : کتاب الزکاه

موضوع : زکات

شناسه افزوده : جعفری، محمدصادق، مصحح

رده بندی کنگره : BP188/4/ر9م 4 1376

رده بندی دیویی : 297/356

شماره کتابشناسی ملی : م 77-7278

الجزء الأول

اشارة

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

تقديم بين يدي الكاتب

1- الفقه

اشارة

لل" فقه" إطلاقات مختلفة باختلاف الأعراف، باعتبار ذلك يختلف تاريخه الزمنيّ، فيتقلّص تارة، و يتسّع أخرى.

الف- اللّغة:

يطلق ال" فقه" ليراد به- حسب متفاهم الناطقين باللغة العربيّة- ال «فهم» و الإدراك «1». و هو- بهذا الاعتبار- ممّا يقترن تاريخه بتاريخ الإنسان، حيث أنّ اللّه سبحانه و تعالى منذ الاوّل خصّ هذا الموجود الإنسانيّ- دون سائر مخلوقاته المنظورة على وجه الأرض- بميزة الفهم و الإدراك، فامتاز بذلك من بين سائر المخلوقات الشّاعرة بتحمل المسئوليّة، و الاضطلاع بثقل التكاليف.

و في نصوص القرآن الكريم، و السنّة الشريفة، اطلاقات شائعة بهذا المعنى «2».

______________________________

(1)- قال الجوهري: «الفقه: الفهم. قال أعرابيّ لعيسى بن عمر: «شهدت عليك بالفقه» ...» (الجوهري: صحاح اللغّة، ج 6: ص 2243، طبعة دار العلم للملايين، بيروت؛ ابن دريد:

جمهرة اللغة، ج 3: ص 157، ط دار المعارف العثمانيّة، حيدرآباد- الهند؛ ابن منظور: لسان العرب، ج 13: ص 522، ط دار صادر، بيروت).

(2)- أمّا القرآن الكريم، فقوله تعالى: انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيٰاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (الأنعام،-

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 12

ب- علماء القانون:

يطلق ال «فقه» عندهم مرادفا لكلمة «القانون «1»» بشقّيه: المدنيّ و الجزائيّ. و هو- أي القانون- ما يعنى بشئون الإنسان- جماعات و أفرادا- و يتكفّل بتنظيم حياتهم الماديّة، وفق تشريعات وضعيّة، فيقولون: «الفقه العبري» أو «الفقه الروماني «2»»، كما نراهم يعبّرون عن القانون القضائي الفرنسيّ- مثلا- ب «الفقه الفرنسيّ «3»».

______________________________

- 6: 65)، و قوله تعالى: قَدْ فَصَّلْنَا الْآيٰاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (الأنعام، 6: 98)، و قال عزّ شأنه- عن لسان الكليم موسى بن عمران عليه السّلام-: وَ احْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسٰانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي (طه، 20: 29) و قوله: وَ إِنْ مِنْ شَيْ ءٍ إِلّٰا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لٰكِنْ لٰا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ... (الاسراء، 17: 46)

و أما الأخبار، فقول أمير المؤمنين عليه السّلام لسائل

سأله عن معضلة: «سل تفقّها، و لا تسأل تعنّتا، فإنّ الجاهل المتعلّم شبيه بالعالم، و انّ العالم المتعسّف شبيه بالجاهل المتعنّت» (نهج البلاغة، الحكمة 32)

و خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فإذا في المسجد مجلسان، مجلس يتفقهون، و مجلس يدعون اللّه و يسألونه، فقال: كلا المجلسين إلى خير، أمّا هؤلاء فيدعون اللّه، و أمّا هؤلاء فيتعلّمون، و يفقّهون الجاهل، هؤلاء أفضل، بالتعليم أرسلت، ثم قعد معهم» (الشهيد الثاني: منية المريد/ تحقيق: رضا المختاري، ص 106).

و في حديث سلمان رضى اللّه عنه: أنّه نزل على نبطيّة بالعراق، فقال: «هل هنا مكان نظيف أصلّي فيه؟ فقالت: طهّر قلبك و صلّ حيث شئت، فقال سلمان: فقهت» اي: فطنت و فهمت (الزبيدي: تاج العروس، ج 9: ص 403، الطبعة الأولى- بولاق).

(1)- محمد يوسف موسى: المدخل لدراسة الفقه الإسلامي، ص 10، نشر دار الفكر العربيّ، الطبعة الثالثة.

(2)- دانش پژوه: محمد تقى: فهرستواره فقه هزار و چهار صدساله اسلامي در زبان فارسى، صص 14، 16.

(3)- السنهوري، عبد الرزاق أحمد: الوسيط في شرح القانون المدني، ج 1، الكلمة الافتتاحيّة.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 13

و لعلّ تاريخه- بهذا المعنى- يرجع إلى سالف العهود، و ذلك: حينما تحقق للإنسان ما صحّ أن يعبّر عنه ب «الاجتماع «1»»، حيث كان لكلّ من تلكم الجوامع قانون تحظى حياة الإنسان في ظلّه بالطمأنينة و الاستقرار «2».

و من أقدم ما حفظه لنا التاريخ من القانون المدوّن هو: ما عرف ب «شريعة حمورابيّ «3»»، رغم ما يحدثنا التاريخ عن قوانين أخرى سبقته كقانون «اور- نموّ «4»» و قانون «لبت عشتار «5»» و قانون «اشنونا «6»» حسب رأى

______________________________

(1)- ليس المراد به: ما يحصل

من اجتماع فردين أو أكثر، بل المراد به: هو اجتماع عدّة من البشر بحيث يحصل بينهم روابط اجتماعية، و علائق متبادلة، في المعاملات و غيرها.

(2)- و هناك من يذهب إلى أنّه في الجوامع الأوليّة لم يكن ما يسمّى بالقانون، سوى مجموعة من الأعراف و العادت القبليّة، و ليس من تشريعات هيئة أو جماعة مخوّلة بذلك، كما عليه الحال في عصر الحضارة. و هذا لا ينافي ما ذكرناه، فإنّ المقصود هو وجود ما ينظّم الاجتماع، مع الغضّ عن كيفيّة تحققه و منشأه. (- الدكتور عامر سليمان: القانون في العراق القديم، صص 139- 140؛ على پاشا صالح: مباحثي از تاريخ حقوق، صص 15- 16)

(3)- (1797- 1750 ق م) أشهر ملوك العهد البابلي القديم، و سادس الحكّام من سلالة بابل الأولى.

(4)- ينسب إلى الملك «اور- نموّ» (2113- 2095 ق م) مؤسّس سلالة «أور» الثالثة، التى استمرت (2113- 2006 ق م)، و هى تمثّل ذروة ما وصلت إليه الحضارة السومريّة. (- الدكتور عامر سليمان: القانون في العراق القديم، ص 191؛ على پاشا صالح: مباحثي أز تاريخ حقوق، ص 94- و بين المصدرين بعض الاختلاف في التحديد الزمني)

(5)- من القوانين السومريّة التي تعود إلى بداية العهد البابلي القديم، أو الفترة التي يطلق عليها بعض العلماء: فترة «ايسن- لارسا» هو قانون «لبت- عشتار» خامس ملوك سلالة «ايسن» الذي حكم في الفترة (1934- 1924 ق م). (- الدكتور عامر سليمان: القانون العراق القديم، ص 199؛ على پاشا صالح: مباحثي أز تاريخ حقوق، ص 94)

(6)- ينسب القانون إلى مملكة «اشنونا»، إحدى الدويلات الّتي حكمت في منطقة «ديالي» في

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 14

الپروفيسور «دراى ور» «1» استاذ جامعة اوكسفورد

لكنّها- هذه الأخيرات- لم تكن بمستوى «شريعة حمورابى» فى الكمال النسبيّ، كما أنّها لم تحظ بما حظي به قانون حمورابي من الجمع و التدوين.

ج- النصوص الإسلاميّة:
اشارة

استعملت الكلمة في بعض من آيات الذكر الحكيم، و كذلك في عدّة من الروايات المأثورة، في المعنى اللّغوي سالف الذكر، لكن مع خصوصيّة في المتعلّق، بمعنى كون المتفقّه فيه هو خصوص أحكام الشرعية، أو بتعبير آخر: الدّين بشطره العمليّ الفرعيّ فحسب. و عزّاه العلّامة المجلسي رحمه اللّه إلى أكثر العلماء، و إن كان هو قدّس سرّه لم يستبعد التعميم للشطر الآخر منه، أعني به: الشطر الاعتقادي الأصوليّ «2».

______________________________

بداية العهد البابلي القديم، و عاصمتها «اشنونا» (تلّ اسمر حاليّا، الواقعة على نهر ديالي- شرقيّ نهر دجلة) و هو أقدم القوانين المدوّنة باللغة «الأكديّة» المكتشفة حتى الآن، و يعود تاريخه إلى ما قبل حكم الملك «حمورابي» بفترة يصعب تحديدها في الوقت الحاضر. (- الدكتور عامر سليمان: القانون في العراق القديم، ص 25؛ على پاشا صالح: مباحثى أز تاريخ حقوق، ص 93)

(1)- على پاشا صالح: مباحثي أز تاريخ حقوق، صص 93- 94؛ الدكتور عامر سليمان: القانون في العراق القديم، ص 219.

(2)- المجلسي، العلّامة، محمد باقر (10378- 11 أو 1110 ه/ 16278- 700 أو 1699 م):

مرآت العقول، ج 1: ص 100، الطبعة الثانية. قال قدّس سرّه معلّقا على خبر عليّ بن أبي حمزة (الكلينى: الاصول من الكافي، ج 1: ص 31/ ح 6) و فيه: «تفقهوا في الدّين ...» ما لفظه:

«حمله الأكثر على تعلّم فروع الدّين، إمّا بالاجتهاد أو بالتقليد. و يمكن حمله على الاعمّ من الأصول و الفروع، بتحصيل اليقين فيما يمكن تحصيله فيه، و بالظنّ الشرعي في غيره».

قلت: لا بعد فى هذا الاحتمال، بملاحظة

عموم كلمة «الدين» للاصول الاعتقادية أيضا.

فيكون المراد بالتفقه في الدّين- إذن- هو العلم بالشريعة، أصولا و فروعا.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 15

1- الكتاب العزيز:

قوله تعالى: وَ مٰا كٰانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لٰا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طٰائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذٰا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ «1»

قال شيخ الطائفة رحمه اللّه: «و التفقه: تعلّم الفقه، و الفقه: فهم موجبات المعنى المتضمّنة بها، من غير تصريح بالدّلالة عليها. و صار بالعرف مختصّا بمعرفة الحلال و الحرام، و ما طريقه الشّرع «2»».

2- السنّة الشريفة:

رواية حمّاد بن عثمان، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: «إذا أراد اللّه بعبد خيرا فقّهه في الدّين «3»».

______________________________

و في المسألة رأيان آخران:

أحدهما: أنّ المراد ب «الفقه» فى هذه النصوص: البصيرة في الدّين. قال شيخنا البهائي (953- 35 أو 31 أو 1030 ه/ 1546- 26 أو 22 أو 1621 م): «ليس المراد بالفقه الفهم، و لا العلم بالأحكام الشرعية عن أدلّتها التفصيليّة، فإنّه معنى مستحدث، بل المراد به البصيرة في الدين. و الفقه أكثر ما يأتى في الحديث بهذا المعنى» (بحر العلوم، السيد جعفر (1281- 1377 ه/ 1864- 1957 م): تحفة العالم في شرح خطبة المعالم، ج 2: ص 224؛- و أيضا- الطريحي، فخر الدين (م 1085 ه): مجمع البحرين، ج 6: ص 355، نشر المكتبة المرتضويّة، طهران؛ الشهابي، محمود (1319- 1408 ه/ 1901- 1987 م): أدوار فقه، ج 1: صص 31، 32، ط جامعة طهران، الطبعة الثالثة).

و الآخر: أنّ المراد به: العلم بالأحكام الشرعيّة الفرعيّة عن أدلّتها التفصيليّة. يظهر ذلك من «المعالم» (جمال الدين، الحسن بن زين الدين (905- 1011 ه/ 1496- 1602 م):

معالم الأصول/ تحقيق: عبد الحسين محمّد على البقّال، صص 56- 67).

(1)- التوبة، 9: 122.

(2)- الطوسي، محمد بن الحسن (358- 460 ه/ 995- 1067 م): التبيان/ تحقيق: احمد حبيب قصير

العاملي، ج 5: ص 322؛ الطبرسى، الفضل بن الحسن (78 أو 69 أو 470- 548 ه/ 75 أو 76 أو 1077- 1153 م): مجمع البيان، ج 5: ص 83، أفست طبع صيدا.

(3)- الكليني، محمّد بن يعقوب (م 329 ه/ 941 م): الاصول من الكافي، ج 1: ص 32/ ح 3،

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 16

و رواية علي بن أبي حمزة، قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: «تفقهوا في الدّين، فإنّه من لم يتفقّه منكم في الدّين فهو أعرابيّ. إنّ اللّه تعالى يقول:

لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذٰا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ «1»». و غيرهما من الرّوايات «2».

و كما يبدو- بملاحظة النصوص التى سبقت الاشارة إلى بعضها-: أنّ الاستعمال فى المعنى الخاص- بادئ الأمر- كان بنحو تعدّد الدالّ و المدلول، كما هو في الآية الكريمة المتقدمة، و جملة من الرّوايات، ثمّ غلب الاستعمال، فاستعملت الكلمة- وحدها- في المعنى الخاصّ.

و المصطلحات التالية كلّها مخرجة على هذا السبيل، أعني به: مسألة تعدّد الدال و المدلول، «فقه اللّغة»، «فقه الحديث»، ...

د- عرف الإسلاميّين:
اشارة

تطلق الكلمة في عرف الإسلاميّين بأحد معنين:

1- العلم بالأحكام الشرعيّة الفرعيّة عن أدلّتها التفصيليّة «3».

______________________________

نشر مكتبة الصدوق، طهران.

(1)- المصدر، ص 31/ ح 6.

(2)- الكليني، محمد بن يعقوب: الأصول من الكافي، ج 1: ص 31/ ح 7، 8، 9، ص 32/ ح 4، ص 33/ ح 6، ص 40/ ح 4، ص 56/ ح 9، ص 36/ ح 3، 4، ص 38/ ح 1، 2، 3، 4، ص 40/ ح 4، ص 45/ ح 6، ص 46/ ح 5، ص 67/ ح 100، ص 70/ ح 8؛ الصدوق، محمّد بن علي

بن الحسين (306- 381 ه/ 918- 991 م): فقيه من لا يحضره الفقيه، ج 4:

ص 277.

(3)- الشهيد الأوّل، محمد بن مكّى (734- 786 ه/ 4 [أو] 1333- 1384 م): القواعد-

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 17

و هذا المعنى يرتبط بالمعنى اللغوى ارتباط الخاصّ بالعام «1».

2- نفس الأحكام المستفادة من الأدلّة. و حسب الاصطلاح الثاني يقع «الفقه» متعلقا لصفة العلم و ما يقابله، يقال: فلان يعلم- او عالم ب «الفقه». أو يقال: إنه لا يعلم- أو يجهل- الفقه، أو غير عالم- او جاهل- بذلك.

______________________________

- و الفوائد، ص 301، الطبعة الثانية المحقّقة؛ الشهيد الثاني، زين الدين (911- 56 أو 965 ه/ 1506- 59 أو 1558 م): تمهيد القواعد الأصوليّة و العربيّة لتفريع الأحكام الشرعيّة، القاعدة الأولى: ص 2، ط إيران الحجريّة (ملحق بكتاب «الذكرى» للشهيد الأوّل رحمه اللّه، جمال الدين، الحسن بن زين الدين: معالم الأصول/ تحقيق: عبد الحسين محمّد علي البقّال، ص 66، ص 26، ط جامعة المدرسين، قم؛ الجرجاني، مير سيّد شريف (740- 816 ه/ 40 أو 1339- 14 أو 1413 م): التعريفات، ص 112، طبعة اسطنبول، عام 1327 ه؛ التهانوي، محمّد أعلى (م 1158 ه/ 1745 م): كشّاف اصطلاحات الفنون، ج 1:

صص 36- 37؛ ابن خلدون، عبد الرحمن (732- 808 ه/ 32 أو 1331- 56 أو 1405 م): المقدّمة، ص 353، ط مطبعة التقدّم، عام 1322 ه

(1)- قال أبو هلال العسكري- في تعريف الفقه لغة-: «هو العلم بمقتضى الكلام على تأمّله- أي فهم مدلول الكلام بالتأمل- و لهذا لا يقال: «إن اللّه يفقه» لأنّه لا يوصف بالتأمّل، و تقول لمن تخاطبه: «تفقه ما أقوله» أي: تامّله تعرفه ...- إلى أن

قال:- و سمّي علم الشرع فقها، لانه منبئ عن معرفة كلام اللّه تعالى، و كلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله (أبو هلال العسكري:

الفروق اللغويّة، ص 69، نشر مكتبة القدسي، القاهرة).

و قال السيّد عبد اللّه الجزائري (1114- 1173 ه/ 1703- 1760 م)، حفيد السيد نعمة اللّه (1050- 1112 ه/ 1640- 1701 م) رحمه اللّه فى أجوبة مسائل السيّد على النهاوندي: «فأعلم، إنّ الفقه- بحسب اللغة- الفهم، ثم نقل إلى معنى آخر يناسب المعنى اللغوي مناسبة المسبّب للسّبب، أو النوع للجنس (و هو ما مرّ عن أبي هلال العسكري). و سموه: بالعلم بالأحكام الشرعيّة عن أدلّتها التفصيليّة، فعلا او قوّة قريبة ...» (الخوانساري، محمد باقر (1226- 1313 ه/ 1811- 1895 م): روضات الجنّات، ج 4:

ص 260، مكتبة اسماعيليان، قم).

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 18

و هذا الاصطلاح الأخير شائع فى التصنيف الموضوعيّ في المكتبات أو فهرسة الكتب، حيث يجعل كتب الفقه- مثلا- في جناح خاص من المكتبة، أو أنّه يدوّن الكتب الفقهيّة في قائمة خاصّة، كل ذلك تحت عنوان: «الفقه». و من هذا المنطلق سمّى قطب الدّين، سعيد بن هبة اللّه الراوندي (م 573 ه/ 1187 م) كتابه: «فقه القرآن».

و المتفاهم في عرف الإسلاميين حتى عصرنا الحاضر إنّما هو أحد المعنيين، فإذا قيل: «الفقيه» اريد بذلك- حسب العرف القائم- العالم بالمسائل الفقهيّة عن الأدلّة الخاصّة. و إذا قيل: «الفقه» اريد به- لا محالة- أحد المعينين: إمّا العلم بالأحكام ...، أو نفس الأحكام ...، و كان تعيّن كلّ منهما حسب القرائن المقاميّة و غيرها.

كما أنّه حينما تطلق الكلمة و يراد بها المعنى الثاني، قد يكون المراد بها الأعمّ من المسائل المقرونة بذكر

أدلّتها، و قد يراد بها خصوص ما اقترن بذكر الأدلّة، و يقال له: «الفقه الاستدلاليّ»، و هو اصطلاح شائع في تراجم الفقهاء، و كمثال لذلك، فقد الّف شيخنا الطوسي رحمه اللّه كتاب «النهاية» في الفقه، مقتصرا فيه على مجرّد الفتاوى، و الّف كتابيه «المبسوط» و «الخلاف»- و هو في الفقه المقارن- متعرضا فيهما لأدلّة الرأي المختار، مع تفنيده لدلائل سائر الأقوال.

و أظنّ: أنّ الحري بنا- و نحن بصدد الإشارة إلى المبدأ التاريخي للكلمة بحسب العرف الإسلامي- أن نفارق بين الإطلاقين من حيث تاريخ نشوئهما، إذ أن تاريخ نشوء الاصطلاح الثاني- كما يبدو- هو مبدأ تاريخ تدوين الفقه، و إن نشأة الاصطلاح المذكور قد عاصرت مرحلة التدوين، في حين كان الاصطلاح الأوّل قد سبقه بكثير من الوقت، و أنّه كان قائما في عرف الإسلاميين قبل مرحلة التدوين.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 19

[1] لعلّ تاريخ تدوين الفقه يرجع إلى أوليّات عهد الغيبة الكبرى للإمام الحجة المنتظر- عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف

- الّذي استهلّ بوفاة أبى الحسن، عليّ بن محمّد السمريّ، في النصف من شعبان، سنة (329 ه/ 941 م) «1» في بغداد، ففي

______________________________

(1)- و قد يقال: إن أوّل مصنّف للشيعة في «الفقه» هو كتاب عبيد اللّه بن على الحلبي، من أصحاب الإمام الصادق عليه السّلام (الطهراني، الشيخ، آغا بزرگ: الذريعة، ج 16: ص 281) و استناده قدّس سرّه إلى ما ذكره أحمد بن ابي عبد اللّه البرقي (م 80 أو 274 ه/ 93 أو 882 م) في رجاله، و العلّامة الحلّي قدّس سرّه (648- 726 ه/ 1250- 1325 م) في «الخلاصة». و تفصيل القول فيه: أنّ البرقي رحمه اللّه ذكر في رجاله، في عداد أصحاب الصادق عليه السّلام عبيد اللّه بن عليّ الحلبي، و قال: «كوفي، و كان

متجره إلى حلب، فغلب عليه هذا اللّقب، مولى، ثقة، له كتاب، و هو أول كتاب صنّفه الشيعة» (البرقى: كتاب الرّجال، ص 23، طبع جامعة طهران) و لم ينصّ فى هذا الكلام على أن الكتاب كان في الفقه.

و ترجمه الشيخ الطوسي رحمه اللّه فى «الفهرست»، و قال: «له كتاب مصنف، معمول عليه. و قيل: إنّه عرضه على الصادق عليه السّلام، فلما رآه استحسنه، و قال: ليس لهولاء- يعنى:

المخالفين- مثله» (الطوسي: الفهرست، ص 132، ط النجف الاشرف) و ليس في هذا الكلام تنصيص على أنّ الكتاب في «الفقه»، إلّا أن يقال: إنّ قوله: «معمول عليه» ظاهر في كونه في الفقه.

و ترجمه العلامة الحلّى رحمه اللّه في القسم الأول من كتاب «الخلاصة»، و قال: «و آل أبي شعبة بيت مذكور في أصحابنا، روى جدّهم أبو شعبة عن الحسن و الحسين عليهما السّلام، و كانوا- جميعا- ثقات، مرجوعا إليهم فيما يقولون، و كان عبيد اللّه كبيرهم و وجههم، و صنّف الكتاب المنسوب إليه و عرضه على الصادق عليه السّلام، و صحّحه و استحسنه، و قال عند قراءته: ليس لهولاء في الفقه مثله، و هو أول كتاب صنفه الشيعة» (العلامة الحلى: الخلاصة، صص 112- 113، طبع النجف الأشرف) و منها يظهر: أنّ الأساس في هذه النسبة هو كلام العلامة الحلي رحمه اللّه في «الخلاصة»، إلّا أنّه لم يظهر لنا الوجه في استظهاره رحمه اللّه كون

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 20

هذا العصر دوّنت فروع الفقه الجعفري، و كان أوّل من فتح هذا الباب هو الحسن بن على بن أبي عقيل العمانيّ، الحذّاء «1» فألّف كتابه المعروف ب «المتمسّك بحبل آل الرسول صلّى اللّه عليه و آله

و سلّم» و غيره. ثم تلاه محمد بن أحمد بن الجنيد، أبو علي، الكاتب الإسكافي (م 381 ه/ 991 م) «2»، المعاصر لأبي جعفر، محمد بن يعقوب الكليني

______________________________

- الكتاب المذكور فى الفقه، و لعلّه يكون هو ما اشرنا إليه آنفا- غير أنّه، على فرض الثبوت- لا ينافي ما ذكرناه، فإنّ تدوين الفقه في عصر الائمّة عليهم السّلام، و من قبل أصحابهم- رضي اللّه عنهم- كان يعنى به: تنظيم الروايات الأحكاميّة في أبواب خاصّة، لا تدوين الفروع الفقهيّة عن استنباط و اجتهاد مصطلح.

(1)- هذا على فرض أن يكون العمانيّ أعلى طبقة من ابن الجنيد- كما في «الفوائد الرجاليّة»- حيث عدّ ابن ابي عقيل من مشايخ جعفر بن محمد بن قولويه (م 68 أو 367 ه/ 79 أو 78 أو 977 م)، و ابن الجنيد من مشايخ الشيخ المفيد (336- 413 ه/ 947- 1022 م)، و قيل: أنّه كان معاصرا للكليني، و لعليّ بن بابويه (م 329 ه/ 941 م) (الصدر، السيد حسن: تأسيس الشيعة الكرام لعلوم الاسلام، ص 303).

(2)- قيل: توفى ابن الجنيد، بالرّي، سنة إحدى و ثمانين و ثلاثمائة، و على هذا فتكون وفاته و وفاة الشيخ الصدوق رحمه اللّه معا، بالرّي، في سنة واحدة (بحر العلوم، السيد محمد مهدى:

الفوائد الرجاليّة، ج 3: ص 222، طبع النجف الاشرف؛ الأردبيلي، محمد بن على، جامع الرواة، ج 2: ص 59، طبع إيران؛ العاملي، الشيخ عبد اللطيف بن ابي الجامع، الرجال (نقلا عن هامش «الفوائد الرجاليّة»).

و قال السيّد رحمه اللّه بعد ذلك: «و الظاهر وقوع الوهم في هذا التاريخ من تاريخ الصدوق، و أن وفاة ابن الجنيد قبل ذلك» (المصدر).

و لعلّ وجه الخطا في ذلك و إن

كان لم يشر إليه قدّس سرّه- كما في هامش الفوائد- هو: إنّ لابن الجنيد رحمه اللّه جوابات مسائل معزّ الدّولة، أحمد بن بويه (م 356 ه/ 967 م) فيكون بينه- أي بين معزّ الدّولة- و بين وفاة أبى الحسن، عليّ بن محمّد السمري- آخر السفراء- نحو من سبع و عشرين سنة، و هذا يقتضي أن يكون ابن الجنيد رحمه اللّه معاصرا للسفراء، و-

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 21

(م 329 ه/ 941 م)، و الشيخ عليّ بن الحسين بن بابويه (والد الشيخ الصّدوق رحمه اللّه) (م 329 ه/ 941 م) «1» فألّف كتاب «تهذيب الشيعة» و «الأحمدي في الفقه المحمّدي».

ثم تلاهما بالتأليف و التدوين النخبة المنتجبة من علمائنا الأبرار- قدّس اللّه تعالى أسرارهم- و استمرّ الحال على ذلك حتى عصرنا الحاضر، و نأمل منه- تعالى شأنه- أن يديم هذه الحركة الخيّرة و المباركة حتى عصر ظهور امام العصر- عجل اللّه فرجه الشريف- و أن يكون انفتاح باب الاجتهاد عند الإمامية خير حافز لاستمراريّة التأليف و التدوين، خلافا للنهج غير المرضيّ و المبتدع لدى السنيّين، من انسداد باب الاجتهاد و الدؤب على اجترار ما قاله الأقدمون، حقا كان ذلك أم باطلا!!!

[2] تعارف لدى فريق من كتبة التقدمة للكتب الفقهية، أو مؤرخة علم «الفقه»: [عبر مسيرته الطويلة]

______________________________

من رجال الغيبة الصغرى، فيبعد- بعد هذا- أن يكون الرجل قد عاش الى سنة 381 ه و اللّه العالم.

(1)- يظهر من المحدث القمي رحمه اللّه: أن المعاصر للكليني ليس هو ابن الجنيد، بل هو شخص آخر يشترك معه في لقب (الإسكافى)، قال قدّس سرّه: «و قد يطلق الإسكافى على الشيخ الأقدم، أبي على، محمد بن أبي بكر، همام بن سهيل بن بيزان، الإسكافى، المعاصر للشيخ الكليني ... ذكره الخطيب البغدادي في

تاريخه، و قال: أنه أحد شيوخ الشيعة. و قال: توفى في ج 2، سنة 332، و كان يسكن فى سوق العطش، و دفن في مقابر قريش» (القمي، الشيخ عباس: الكنى و الألقاب، ج 2: ص 27، المطبعة الحيدرية، النجف الاشرف، 1389 ه/ 1970 م).

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 22

عرض مناشئ تطوّر علم الفقه و تكامله، و تعداد موجبات ذلك عبر مسيرته الطويلة، و ربّما جاوز بعضهم ذلك و أفرط بحصر موجبات التطور و التكامل في عوامل خاصّة معيّنة، كعامل الزّمان، و البيئة، و ذاتيّات من يزاول علم الفقه، أو بتعبير آخر: شخصيّة الفقيه ذاته. علما بأنّها- و لا نفرّط في الحصر ابدا- أوسع من ذلك بكثير. فهناك عامل الاتّصال بين الفقهاء و يسر وقوفهم على آراء الآخرين الفقهيّة، نتيجة بروز «الطباعة» على المسرح، ثم تطوّرها ...

و أيضا، عامل الموضوعات المستجدّة كنتيجة طبيعية لتطوّر التكنولوجيا، او كنتيجة طبيعية للمقارنة بين الشريعة و القوانين الوضعية السائدة، فإنّ لمثل هذه العوامل التأثير الجادّ و القطعيّ في التطوّر الكميّ و الكيفي للفقه، تأثيرا يأبى كلّ إنكار و مكابرة.

و إرجاع مثل هذه العوامل إلى عامل الزّمان لا يتناسب و البحث التفصيلي في تبيين العوامل و الأسباب، و إلّا أمكن الإيجاز في المقال بإرجاع الأسباب كلّها إلى عامل القضاء و القدر، مثلا! ...

كما انّ لضدّ ذلك، و أعني به: زوال الموضوع من على مسرح الحياة الاثر البارز في تقلّص مسائل الفقه شيئا ما، ففي الدّور الّذي كانت مسألة العبيد و الاماء قائمة و رائجة، كانت المباحث الفقهية المرتبطة بهذا الموضوع يشكل قسطا لا يستهان به من علم الفقه، و حيث اختفى الموضوع المذكور اختفت- على أثره-

المسائل المرتبطة به من كتب الفقه أيضا.

ثم إنّ الارتباط العضويّ الآليّ القائم بين علم الفقه و اصوله يقتضي- بطبع الحال- أن يكون لتطوّر علم اصول الفقه، و مدى توسّع مزاول الفقه فيه، الاثر الحاسم و القطعيّ في تطوّر الفقه و التوسع فيه، سواء فيه ما يرجع إلى نوعيّة

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 23

عرض المسائل الفقهيّة، و نوعيّة التدليل و البرهنة عليها، و نوعيّة معالجة النصوص و الأدلّة ...

و بعد هذا كلّه، فالموضوع ممّا يطول شرحه، و يكثر العثار فيه و الاعتذار منه، و الأجدر بنا الإعراض عنه، و الاتّجاه نحو الأمور الّتي تعود بالنفع على طالب الفقه، المبتدى منه و غيره.

نعم، هناك تطوّر ظاهر لا ينكر في «الفقه» عبر مسيرته منذ بدى على الساحة أمر التقليد و حتّى يومنا الحاضر، و هو ظاهرة تبدّل كيفيّة عرض الأحكام الفقهية في الكتب، و هذه الظاهرة تتجلى كالآتي:

الف) تبويب النصوص الروائية للأحكام- بشطريه الاعتقادي و العملي- أو خصوص الشطر العملي، بألفاظها مع ذكر الأسناد، كما هو الحال في الكتب الأربعة (الاصول) عند الإماميّة، و هي كتاب «الكافي» لثقة الاسلام الكليني رحمه اللّه و «فقيه من لا يحضره الفقيه» للشيخ الصدوق رحمه اللّه و كتابا «التهذيب» و «الاستبصار» لشيخ الطائفة الطوسي رحمه اللّه. و على هذا النهج- و إن لم يكن الغرض نفس الغرض في تأليف الكتب الأربعة- محمد بن الحسن الحرّ العاملي (1033- 1104 ه/ 1623- 1692 م)، في كتابه «تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة»، و محمد محسن، المعروف بالفيض الكاشاني (1008- 91 أو 1090 ه/ 1600- 1680 م)، في كتاب «الوافي»، و الميرزا حسين النوري (1254- 1320 ه/ 1838-

1902 م)، في كتابه «مستدرك الوسائل و مستنبط المسائل»، و العلامة المجلسى رحمه اللّه في موسوعته «بحار الأنوار».

و يعدّ هذا النوع من تدوين «الفقه» امتدادا لعصر أصحاب الائمّة

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 24

الطاهرين عليهم السّلام حيث تداول لدى البعض منهم تبويب الروايات الأحكاميّة حسب الأبواب الفقهية، بذكر الروايات بألفاظها، و أسنادها إذا كان هناك واسطة بين الرّاوي صاحب الأصل و المرويّ عنه، كلّ ذلك فيما يخصّه من الباب.

ب) جمع النصوص و الروايات الأحكاميّة و تبويبها حسب أبواب الفقه، مع الحفاظ على الفاظ النّص، و لكن مع حذف الاسناد، كما قيل ذلك في كل من كتاب «المقنع» و «الهداية» للشيخ الصدوق رحمه اللّه، و «المقنعة» للشيخ المفيد رحمه اللّه، و «النهاية» للشيخ الطوسى رحمه اللّه. و يقال: إنّ بعض الأصحاب كان إذا أعوزه النصّ رجع إلى الكتب المذكورة «1».

و على ذلك جرى الحرّ العاملي صاحب «تفصيل وسائل الشيعة» في تأليفه كتاب «هداية الأمّة إلى أحكام الأئمّة عليهم السّلام»، و قد جاء فى مقدّمته ما لفظه: «هذه رسالة مشتملة على ما لا بدّ منه من الأحكام الثابتة عن أهل العصمة عليهم السّلام، ينتفع بها العوام، بل العلماء الأعلام ...- إلى أن قال:- و لم انقل الأحاديث إلّا من الكتب المعتمدة، و تركت اسانيدها اختصارا، و اعتمادا على وجودها هناك ... «2»».

ج) قيل «3»: ما جمعت فيه نصوص الأخبار مرتبة على أبواب الفقه، من غير التزام بألفاظها، و مع إسقاط أسانيدها، ك «المراسم» لأبي يعلي، حمزة بن عبد العزيز، المعروف ب «سلّار» (م 463 ه/ 107 م)، و «الوسيلة» لابن حمزة (م بعد

______________________________

(1)- كاشف الغطاء، الشيخ على بن الشيخ هادي: أدوار

علم الفقه و أطواره، ص 109، نشر دار الزهراء عليه السّلام، بيروت.

(2)- الحرّ العاملى: هداية الأمّة إلى الأحكام الأئمّة، ج 1: ص 3.

(3)- المصدر، ص 109.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 25

560 ه/ بعد 1165 م)، و «الكافي» لأبي الصلاح، تقي الدّين (374- 67 أو 446 ه/ 85 أو 984- 10545 م).

[3] اهتمّ علمائنا الأبرار- قدّس اللّه أسرارهم- منذ عهد التدوين و حتى يومنا الحاضر بتدوين «الفقه» و لكن لا على وتيرة واحدة و نهج متشابه،

فهم بين مدون للفقه بكامل أبوابه، و بين مدوّن رسائل- أو كتب- فقهية تخصّ أبواب معيّنة، ككتاب الصّلاة، و الصوم، و الزكاة و الخمس ... و ما شاكل ذلك، هذا عدا ما كانت النية للمؤلّف بادئ الامر هو تدوين «الفقه» بكامل أبوابه، غير أنّ المنيّة- او عوائق اخر- حالت دون تحقيق هذه الامنيّة.

و إعطاء فهرس مستوعب لكلّ ذلك مشكل جدا، بل يكاد يلحق بالمتعذر منه عادة، فان كتب الفهرسة- كالذريعة و غيرها- غير مستوعبة لكلّ تآليف الطائفة، فضلا عن أنّ الكتب الفقهيّة مختلفة، فهى بين ما يكون للكتاب اسم و عنوان خاص لا يستبان منه محتوى الكتاب، او إذا كان العنوان المذكور حاكيا و معربا عن المحتوى، غير أنّ المعاجم المفهرسة للكتب- عادة- ذكرت الكتاب المذكور بترتيب الأحرف الهجائية لأوّل حرف من العنوان، و ذلك يقتضي متابعة جميع أجزاء الكتاب لاستخراج كتاب فقهي منه. نعم، الكتب المعنونة باسم «الفقه»، أو المعنونة بأسماء الأبواب الفقهية الخاصة، ك «كتاب الصلاة» أو «الصوم»، أو «الزكاة» ... يمكن تعدادها- لا باستقراء كامل طبعا- على ضوء المعاجم.

و إلقاء نظرة على كتاب «الذريعة إلى تصانيف الشيعة» لشيخنا العلّامة، محمد

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 26

محسن، المشتهر ب «آغا بزرگ» الطهراني (1293- 1389 ه/ 1876- 1970 م) قدّس سرّه، و شكر

مساعيه الحميدة في إحياء آثار الطائفة و مآثرها، فيما ذكره- طاب ثراه- تحت عنوان «الفقه» و هو غيض من فيض من مؤلّفات الطائفة في هذا المجال، و كذلك ما جاء فيه بعنوان الأبواب الخاصة، من الصلاة، و الصوم، و الحج، و الزكاة ... و يبيّن بوضوح مدى الاهتمام الأكيد بتدوين الفقه.

و قد حظي من بين مختلف أبواب الفقه بعضها بعناية خاصة و اهتمام بالغ، و من جملة ذلك هو باب «الزكاة» فقد اهتمّ به جملة من علمائنا الماضين و المعاصرين، حيث أعطوه من أنفسهم الاهتمام البالغ. و لعلّ ذلك إنّما كان اسوة منهم بصاحب الشريعة، الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فقد قيل: إنّه من «ما أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم- بعد هجرته للمدينة- بكتابته، كأحكام الزكاة، و ما تجب فيه، و مقادير ذلك، و قد كتبت في صحيفتين ... «1» و مما يزيد في الاهتمام بها: إنّها- مع

______________________________

(1)- كاشف الغطاء، الشيخ على بن الشيخ هادي: أدوار الفقه و أطواره، ص 21، نشر دار الزّهراء عليهم السّلام، بيروت.

و روى الترمذي باسناده عن سالم (و هو سالم بن عبد اللّه بن عمر)، عن أبيه: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كتب كتاب الصّدقة، فلم يخرجه إلى عمّاله حتى قبض، فقرنه بسيفه ...- إلى أن قال:- و كان فيه: «في خمس من الإبل شاة، و في عشر شاتان ...» (الترمذي: الجامع الصحيح، ج 3: ص 17/ باب 4: ح 621؛ أبو داود: السنن، ج 1: باب زكاة السائمة/ ح 1568، ح 1570- مع اختلاف-؛ أحمد بن حنبل: المسند، ج 3: ص 15؛ الحاكم: المستدرك على الصحيحين،

ج 1: ص 392).

و قال ابن قدّامة المقدسي، في ترجمة (عمرو بن حزم بن زيد): «أوّل مشاهده الخندق، و استعمله رسول اللّه- صلّى اللّه عليه [و آله] و سلّم- على نجران، و هو ابن سبع عشرة سنة، ليفقّههم في الدّين، و يعلّمهم القرآن، و يأخذ صدقاتهم، و ذلك سنة عشرة، و كتب له

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 27

الإيمان، و الصّلاة- توجب دخول المرء في جماعة المسلمين. قال تعالى: فَإِنْ تٰابُوا وَ أَقٰامُوا الصَّلٰاةَ وَ آتَوُا الزَّكٰاةَ فَإِخْوٰانُكُمْ فِي الدِّينِ ... «1» و في رواية العزرمي، عن الصادق عليه السّلام: «أثافيّ الإسلام ثلاثة: الصّلاة، و الزكاة، و الولاية، لا تصحّ واحدة منها الا بصاحبتها «2»».

[4] إنّ الفقه بمعناه المصطلح يرتبط ارتباط المعلول بعلّته،

أو ارتباط ذى الآلة بالآلة، بعمليّة «الاجتهاد»، فان تعريف «الفقه» المشهوري، و هو: «العلم بالأحكام الشرعية الفرعيّة عن ادلّتها التفصيلية، و كذلك سائر ما قيل في تعريفه، حسبما يقف عليه المراجع في مظانّه، كلّه يبتني على كون العلم المذكور هو حصيلة عمليّة «الاجتهاد» فلا يقال: «الفقيه» للعالم بالأحكام الشرعية الفرعيّة لا عن اجتهاد، بل عن تقليد، كالعاميّ العارف بالاحكام الشرعيّة تقليدا، و من هنا مسّت الحاجة إلى البحث عن كلمة «الاجتهاد» أيضا.

______________________________

كتابا فيه الفرائض و الصدقات و الديات. و مات بالمدينة سنة نيف و خمسين، و كتاب عمرو بن حزم مشهور تحتج به العلماء ...» (المقدسي: الاستبصار في نسب الصّحابة من الأنصار/ تحقيق علي نويهض، ص 74).

(1)- التوبة، 9: 11.

(2)- الحرّ العاملي، محمد بن الحسن: تفصيل وسائل الشيعة/ باب مقدّمة العبادات، ح 7.

بالإضافة إلى الروايات المستفيضة- بل المتواترة- الجاعلة لها احد أركان الإسلام الخمس (- لاحظ الباب المذكور من" وسائل الشيعة").

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب

الزكاة، ج 1، ص: 29

2- الاجتهاد

[1] لكلمة «الاجتهاد» تأريخ عبر الزمن، قد يشبه- نوعامّا- ما لكلمة «الفقه» من تأريخ و أدوار.

فهو- لغة- بذل الجهد (بالضمّ)، أو الجهد- (بالفتح) «1» من دون اختصاص له بمتعلّق، أو قل: بمورد- خاصّ، فبذل الجهد في شتّى مجالات الحياة ممّا يستلزم الكلفة و المشقّة، يعتبر «اجتهادا» في عرف اللغة.

قال الآمدي: «أمّا الاجتهاد، فهو- في اللغة- عبارة عن استفراغ الوسع في تحقيق أمر من الامور، مستلزم للكلفة و المشقّة، و لهذا يقال: اجتهد فلان في حمل حجر البزّارة «2» و لا يقال: اجتهد فى حمل خردلة «3».

______________________________

(1)- الجهد (بالفتح) و الجهد (بالضمّ): الطاقة و المشقّة. و قيل: الجهد (بالفتح) المشقة ...

و الاجتهاد: أخذ النفس ببذل الطاقة و المشقة.

(- الراغب الأصفهاني: معجم مفردات ألفاظ القرآن/ تحقيق: نديم المرعشلي، ص 99؛ الفيروزآبادي، محمّد بن يعقوب: بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب اللّه العزيز، ج 2:

ص 451، الطبعة الاولى؛ و غيرهما من كتب اللغة).

(2)- البزّارة: باعة البزور، و حجر البزّارة: الحجر الذي يطحن به البزور.

(3)- الآمدي، الإحكام في اصول الأحكام، ج 4: ص 218.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 30

و لا اختصاص لها- أي: الحياة- بالدنيا، بل بذل الجهد فيما يرجع إلى الحياة الاخرى، بالجهد في أعمال البرّ و الطاعات ...، اجتهاد، لغة.

و تأريخ الاجتهاد- بهذا المعنى- قديم قدم تأريخ الإنسان، فمنذ أن وضع الإنسان قدميه على ظهر هذا الكوكب كانت معه هذه الظاهرة. قال تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسٰانَ فِي كَبَدٍ «1» أي: خلق مغمورا في مكابدة المشاقّ و الشّدائد. و قال تعالى: يٰا أَيُّهَا الْإِنْسٰانُ إِنَّكَ كٰادِحٌ إِلىٰ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلٰاقِيهِ «2» أي: إنّك- أيّها الإنسان- في أمرك بشدّة و مشقّة إلى أن تلقى جزاء عملك من ربّك «3».

بل إنّه لا اختصاص له بنوع

الإنسان، بل هي ظاهرة عامّة لكلّ أنواع الحيوان، على تفاوت بينها في ذلك شدّة و ضعفا.

و قد استعملت الكلمة (أي: المادّة الأصليّة و ما هو مبدأ الاشتقاق عرفا «4») في المعنى المذكور، في جملة من الآيات الذكر الحكيم، و كذلك السنّة الشريفة.

أمّا الآيات، فمنها:

قوله تعالى: وَ يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَ هٰؤُلٰاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللّٰهِ جَهْدَ أَيْمٰانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمٰالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خٰاسِرِينَ «5»، أي: إنّهم حلفوا و اجتهدوا في الحلف أن يأتوا به على أبلغ ما في وسعهم «6».

______________________________

(1)- البلد، 90: 4.

(2)- الانشقاق، 84: 6.

(3)- الطوسي، محمّد بن الحسن: التبيان/ تحقيق: أحمد حبيب قصير العاملي، ج 10: ص 307.

(4)- وجه التقييد بذلك ظاهر عند الواقف على البحث الاصولي المعروف في فصل «المشتق».

(5)- المائدة، 5: 53.

(6)- الطوسي، محمّد بن الحسن: التبيان/ تحقيق: أحمد حبيب قصير العاملي، ج 5: ص 267؛ الطبرسي، الفضل بن الحسن: مجمع البيان، ج 5: ص 54، ط صيدا.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 31

و قوله تعالى: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقٰاتِ وَ الَّذِينَ لٰا يَجِدُونَ إِلّٰا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّٰهُ مِنْهُمْ وَ لَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ «1»

و أمّا السنّة، فكثير، نشير إلى بعضها:

أ) في خطبة لمولانا أمير المؤمنين عليه السّلام يوم الجمعة: «فاجعلوا- عباد اللّه- اجتهادكم في هذه الدنيا التزوّد من يومها القصير ليوم الآخرة الطويل ... «2»».

ب) في رسالة الإمام الصادق عليه السّلام إلى جماعة الشيعة: «و عليكم بهدى الصالحين و وقارهم، و سكينتهم، و حلمهم، و تخشّعهم، و ورعهم عن محارم اللّه، و صدقهم، و وفائهم، و اجتهادهم للّه في العمل بطاعته ... «3»».

ج) في رواية مسعدة بن صدقة، عن الصادق عليه السّلام، في

نوافل ليالي شهر رمضان: «و يدعو، و يجتهد اجتهادا شديدا ...».

د) في رواية يونس بن ظبيان، عن الصادق عليه السّلام: «و أشدّ الناس اجتهادا من ترك الذنوب ... «4»».

______________________________

(1)- التوبة، 9: 79.

(2)- الكليني، محمّد بن يعقوب: الروضة من الكافي، ج 8: صص 13، 174، المطبعة الإسلامية، طهران.

(3)- الطوسي، محمّد بن الحسن: تهذيب الأحكام، ج 3: ص 63، طبعة النجف الأشرف.

(4)- الصدوق، محمّد بن عليّ بن الحسين: فقيه من لا يحضره الفقيه، ج 4: ص 395، مكتبة الصدوق، طهران.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 32

[2] «الاجتهاد» في المصطلح الإسلامي: «استفراغ الوسع في تحصيل الظنّ بالحكم الشرعيّ

«1»». و المراد بالحكم الشرعي المأخوذ في تعريف «الاجتهاد»: الحكم الفرعي- في مقابل الحكم الاصولي- الكلّي، أي: المترتّب على الموضوع العامّ، المفروض وجوده، مع قطع النظر عن انطباقه حسب الموارد الشخصيّة، كوجوب صلاة الجمعة- مثلا- تخييرا أو تعيينا، في زمن الغيبة. و كحرمة الفعل المعيّن، أو نجاسة البدن أو الثوب ... بملاقاة النجس أو المتنجس، مع الرطوبة المسرية في أحد المتلاقيين.

و لم أعثر في أحاديثنا المرويّة- فيما وسعني الفحص و البحث- على استعمال الكلمة- بصيغها المختلفة- في المصطلح الإسلامي، بل إنّها استعملت- فيها- في المعنى اللغويّ، سالف الذكر.

______________________________

(1)- الحاجبي: شرح مختصر الاصول، ص 406؛ العلّامة الحلّي، الحسن بن يوسف: التهذيب (مخطوط)؛ و يقرب منه ما في كتابه الآخر: مبادي الوصول إلى علم الاصول، ص 240، ط النجف الأشرف؛ جمال الدين، الحسن بن زين الدين: معالم الاصول/ تحقيق: عبد الحسين محمد علي البقّال، ص 381؛ المحقّق الحلّي، جعفر بن الحسن: معارج الاصول، ص 179، مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام، قم.

هذا هو التعريف الشائع بينهم قديما، و قد عرف بتعاريف اخر، منها: إنّه «ملكة يقتدر بها على استنباط الحكم

الشرعي الفرعي من الأصل، فعلا أو قوّة قريبة» (البهائي، محمّد بن عبد الصمد: زبدة الاصول، ص 115، الطبعة الحجريّة).

و جدير بالذكر: إنّ هذه التعاريف كلّها خاضعة للنقاش و النقد من قبل علمائنا الأعلام المتأخّرين و من شاء الوقوف على تفاصيل ذلك، فليراجع كتب الاصول للمعاصرين، تأليفا و تقريرا.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 33

[3] ثمّ إنّ ارتباط المصطلح الإسلامي بالمعنى اللغويّ هو ارتباط الخاصّ بالعامّ

و الخصوصيّة المفروضة تتركّز في ثلاث نقاط مهمّة:

1- المجال، أو «الإطار»، فإنّ الاجتهاد حسب المصطلح الإسلامي لا يكون إلّا في مجال- أو اطار- خاصّ، و هي الأدلّة: الكتاب، السنّة، الإجماع، العقل، في حين أنّ مجاله- حسب المعنى اللغويّ- واسع عامّ، لا يتقيّد بمثل ذلك أبدا.

2- النتيجة، حيث أنّ المستحصل من الاجتهاد و معطياته- حسب المصطلح الإسلامي- إنّما هو الوقوف على الوظيفة الشرعية، في حين أنّه- بمعناه اللغويّ- لا يحدّه مثل هذا الإطار الضيّق و المحدود.

3- المبادي و المقدّمات، إذ إنّ مبادي «الاجتهاد» حسب المدلول اللغويّ، هي: كل ما يوجب الاستطاعة و القدرة على الشي ء، في حين أنّ مبادي الاجتهاد- حسب المصطلح الإسلاميّ- امور خاصّة، نوجزها كالآتي:

أ) معرفة اللغة العربيّة و قواعدها- من علمي النحو و الصرف- بمقدار يتوقّف عليه فهم الحكم الشرعي من الأدلّة، فإنّ الكثرة من الأحكام الشرعيّة مستفادة من الكتاب العزيز و السنّة الشريفة و الأحكام المستفادة من الإجماع و دليل العقل نادرة بجنب ذلك، و هما باللغة العربية.

ب) معرفة ما يتوقّف عليه صحّة الاستدلال، و تأليف الأقيسة و الأشكال بوجه صحيح و منتج، و هذا ما يرجع إلى المعرفة بعلم المنطق، بالقدر الذي يسهّل للمجتهد ذلك.

و المهم من المبادي الأمران الآتيان:

ج) معرفة علم الأصول، أي: اصول الفقه، فإنّ الأحكام الشرعيّة- اللّهم

المرتقى إلى الفقه

الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 34

إلّا النادر منها- ليست هي من الامور الضرورية، و إلّا لما مسّت الحاجة فيها إلى الاجتهاد، بل هي من الامور النظرية، التي لا يحصل العلم بها إلّا عن طريق النظر و الاستدلال. و المتكفّل لأدلّة الأحكام الشرعية- كمباحث الحجج و الإمارات- هو علم اصول الفقه.

د) المعرفة بعلم الرجال. فإنّ ما يستفاد من الحكم الشرعي من الكتاب العزيز قليل جدّا لو قيس إلى مجموعة الأحكام الشرعية، التي تشكّل مسائلها «علم الفقه» و الكثرة الكاثرة منها هي المستفادة من السنّة الشريفة، و إذا افترضنا: إنّنا انطلقنا- في اصول الفقه- من النظرية القائلة: بأنّ الحجّة هي الرواية الصحيحة سندا- و المراد بالصحّة أعمّ من معناها المصطلح عليه في علم الحديث، إذ يعنى بها هناك: الصحّة المصطلحة، بالإضافة إلى الموثّق و الحسن- بالإضافة إلى ما تطمئنّ النفس بصدوره من المعصوم عليهم السّلام، فلا بدّ لنا من المعرفة بحال الرواة، و هي ممّا لا يتيسّر- عادة- إلّا عن طريق علم الرجال و إذا لاحظنا: أنّ موارد الاطمئنان النفسي بالصدور نادرة جدّا، تبيّن لنا بوضوح: وجه الحاجة إلى علم الرجال، في الاجتهاد «1».

[4] الاجتهاد، حسب المصطلح الإسلامي [إنّما يقع في الأحكام الشرعيّة، إذا خلت عن دليل قطعيّ]

- كما صرّح به العلّامة الحلّي رحمه اللّه و

______________________________

(1)- لاحظ بهذا الصدد، ما أفاده المحقّق الخراساني، محمّد كاظم: كفاية الاصول، ج 2: ص 468، مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام، قم؛ الغروي، ميرزا علي التبريزي: التنقيح في شرح العروة الوثقى/ بحث الاجتهاد و التقليد، تقرير بحث سماحة آية اللّه العظمى، السيّد الخوئي- طاب ثراه-: صص 24- 27.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 35

غيره إنّما يقع في الأحكام الشرعيّة، إذا خلت عن دليل قطعيّ «1».

يقول الاستاذ عبد الوهاب

خلاف: «الواقعة التي دلّ على حكمها نصّ قطعيّ في وروده، و في دلالته، بمعنى: أنّه لا مجال للعقل لأن يدرك منه إلّا حكما بعينه- لا مساغ للاجتهاد فيها، و الواجب اتّباع النصّ بعينه، فلا مجال للاجتهاد في: أنّ إقامة الصلاة فريضة، و لا في فروض أصحاب الفروض من الورثة. و لهذا اشتهر قول الاصوليّين: لا مساغ للاجتهاد فيما فيه نصّ قطعيّ صريح «2»».

و لعلّه: لأجل أنّ فهم الحكم الشرعي- حينئذ- من النصّ يكون عاريا عن أيّ كلفة و مشقّة، و معه لا مجال لإطلاق «الاجتهاد» عليه، بعد ما عرفت فيما سبق: أنّ الاجتهاد- لغة- أمر يستلزم الكلفة و المشقّة، و لذلك لا يقال- كما مرّ عن الآمدي-: «اجتهد فلان في حمل خردلة».

[5] إنّ تاريخ «الاجتهاد» حسب المصطلح الإسلاميّ، لا يعود إلى زمن الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،

و هو زمان التشريع، و تكميل الشريعة بالتدريج. فإنّه- عند الإماميّة «3»- لا مساغ للاجتهاد بحق النبيّ، بعد كونه مؤيّدا بالوحي و مسدّدا من ناحية اللّه عزّ و جلّ. قال تعالى: وَ مٰا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوىٰ إِنْ هُوَ إِلّٰا وَحْيٌ يُوحىٰ «4» و لوجوه اخر لا طائل في ذكرها «5».

______________________________

(1)- العلّامة الحلّي، الحسن بن يوسف: مبادي الوصول إلى علم الاصول، ص 243- 244؛ المحقّق الحلّي، جعفر بن الحسن: معارج الاصول: ص 181.

(2)- عبد الوهّاب: مصادر التشريع الإسلامي، صص 8- 9.

(3)- البهائي، محمّد بن عبد الصمد: زبدة الاصول، ص 116، الطبعة إيران الحجريّة.

(4)- النجم، 53: 3- 4.

(5)- العلّامة الحلّي، الحسن بن يوسف: مبادي الوصول إلى علم الاصول، صص 240- 241؛ نهج الحقّ و كشف الصدق، صص 405- 406، مؤسّسة دار الهجرة، قم.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 36

كما لا نعتقد ذلك في حقّ أحد من الصحابة في هذه الفترة الرساليّة،

أعني بها:

فترة حياة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كما سيظهر ذلك- إن شاء اللّه تعالى- عند عرض مراحل الاجتهاد عند السنّة.

و هكذا لا يسوغ- عندهم- ذلك بحقّ واحد من الأئمّة المعصومين عليهم السّلام بعد ما ثبتت لنا عصمتهم، و أنّهم إنّما يأخذون الأحكام بتعليم من الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أو بإلهام من اللّه تعالى «6».

هذا و لو افتر ضنا إمكان «الاجتهاد» بحقهم، فليس هو من الاجتهاد الذي يكون عرضة للخطأ، و لا يأمن صاحبه من ذلك، و الذي قيل فيه: «للمصيب أجران، و للمخطئ أجر واحد «7»» كما كان هو الحال في «الاجتهاد» المصطلح، إذ أنّه مع افتراض عصمتهم- و هي تقضي بصيانتهم من الخطأ و النسيان ...-

______________________________

(6)- العلّامة الحلّي، الحسن بن يوسف، مبادي الوصول إلى علم الاصول، ص 241.

(7)- أخرج البخاري و مسلم، عن عمرو بن العاص، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، أنّه قال: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثمّ أصاب فله أجران، و إذا حكم ثمّ أخطأ فله أجر واحد» (البخاري:

الصحيح/ كتاب الاعتصام: باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ؛ صحيح مسلم/ تحقيق: محمّد فؤاد عبد الباقي، كتاب الأقضية: ح 15؛ سنن ابن ماجة/ تحقيق: محمّد فؤاد عبد الباقي، ج 2: ص 776/ باب 2، كتاب الأحكام، ح 2314. غير أنّه قال: «فأصاب» و «فأخطأ» بدل ما في الصحيحين من: «ثمّ أصاب» و «ثمّ أخطأ». و أخرجه الترمذي، عن أبي هريرة (و متن الحديث كما في سنن ابن ماجة)، سنن الترمذي/ تحقيق: محمّد فؤاد عبد الباقي، ج 3: ص 615/ ح 1326).

و روي مرسلا عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أنّه قال:

«من أصاب فله أجران، و من أخطأ فأجر واحد» قاضي القضاة، ناصر الدين البيضاوي (م 685 ه): منهاج الوصول في معرفة الاصول، ص 73، القاهرة (1389 ه/ 1969 م).

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 37

لا يبقى مجال لمثل هذا الاجتهاد بحقّهم عليهم السّلام. و هناك وجوه اخر ذكرت لإبعاد مثل ذلك عن ساحتهم، من شاء الوقوف عليها فليراجع: «الذريعة إلى اصول الشريعة»، للشريف المرتضى رحمه اللّه «1» و «معارج الاصول»، للمحقّق الحلّي رحمه اللّه «2».

و أمّا المأثور عن أمير المؤمنين عليه السّلام في قصّة الشورى السداسيّ- الّذي ابتدعه الخليفة عمر- حينما عرض عبد الرحمن بن عوف عليه الخلافة، شريطة العمل بكتاب اللّه، و سنّة رسوله، و سيرة الشيخين، فقال عليه السّلام: «أرجو أن أفعل و أعمل بمبلغ علمي و طاقتي «3»» فليس معناه: الاجتهاد المصطلح، بل المراد به:

التقيّد بالكتاب و السنّة حسب ما أوتيه عليه السّلام من علم بهما، و حيثما يسعه ذلك.

هذا و مبلغ علمه عليه السّلام بكتاب اللّه العزيز ممّا لا يدركه أفهامنا، لو لا أنّه عليه السّلام قد أخبرنا عنه بقوله: «سلوني من كتاب اللّه، فإنّه ليس من آية إلّا و قد عرفت بليل نزلت أم بنهار، في سهل أم جبل «4»».

______________________________

(1)- الشريف المرتضى، عليّ بن الحسين: الذريعة إلى اصول الشريعة؛ ج 2:

صص 794- 795، ط جامعة طهران.

(2)- المحقّق، جعفر بن الحسن: معارج الاصول، ص 180، ط مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام، قم.

(3)- الطبري، محمّد بن جرير: تاريخ الرسل و الملوك، ج 4: ص 233، ط دار المعارف، مصر.

(4)- ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج 2: ق 2/ ص 101، طبع اروبا.

و بهذا المضمون مع زيادة- تهذيب التهذيب، لابن

حجر العسقلاني، ج 7: ص 337؛ الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر العسقلاني، ج 4: ق 1/ ص 270؛ الاستيعاب، لابن عبد البرّ، ج 2: ص 463؛ جامع البيان (تفسير)، للطبري، ج 26: ص 116، الطبعة الاولى؛ كنز العمّال، للمتّقي الهندي، ج 1: ص 228؛ و غير ذلك.

قال المناوي: «قال الغزالي: قد علم الأوّلون و الآخرون: أنّ فهم كتاب اللّه منحصر إلى

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 38

و أمّا مبلغ علمه عليه السّلام بالسنّة، فيكفيك في هذا الباب قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في الحديث المتواتر بين الفريقين: «أنا مدينة العلم و عليّ بابها ... «1»».

و موجز القول: أنّ من أحاط علما بالكتاب و السنّة، فهو في غنى عن احتذاء سيرة الشيخين، تلك السيرة التي وصفها أمير المؤمنين عليه السّلام في خطبته المعروفة ب «الشقشقيّة» بأبلغ وصف، و أوجز عبارة، فقال عليه السّلام، في وصف سيرة الخليفة الأوّل: «و طفقت أرتأي بين أن أصول بيد جذّاء، أو أصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير، و يشيب فيها الصغير، و يكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربّه ...».

و قال عليه السّلام في وصف ميزة ثاني الخليفتين: «فيا عجبا! بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته، لشدّ ما تشطّرا ضرعيها، فصيّرها في حوزة خشناء، يغلظ كلامها، و يخشن مسّها، و يكثر العثار فيها، و الاعتذار منها ... «2»».

و دونك مدوّنات التأريخ- على علّاتها و هناتها- تقف في طيّاتها على الكثير

______________________________

عليّ [عليه السّلام]، و من جهل ذلك فقد ضلّ عن الباب الذي من ورائه يرفع اللّه عن القلوب الحجاب، حتى يتحقّق اليقين الذي لا يتغيّر بكشف الغطاء» (المناوى:

فيض القدير، ج 4:

ص 46).

(1)- لا يسع المجال- في هذه العجالة- لتفصيل القول في مصادر الحديث، فليراجع:

عبقات الأنوار، للسيّد مير حامد حسين، الجزء الخامس؛ الغدير، للشيخ الأميني، الجزء 6، 7، 9، 11؛ ملحقات إحقاق الحقّ، للسيّد النجفي المرعشي، ج 4:

صص 376- 377، ج 5: صص 52، 469، 501، ج 8: ص 184، ج 9: ص 149، ج 16:

صص 277- 297، ج 21: صص 415- 428 (و بألفاظ اخر في مواضع اخر منه)؛ سبيل النجاة في تتمّة «المراجعات»، لحسين علي الراضي، المطبوع ملحقا ب «المراجعات»:

صص 144- 145، الطبعة المحقّقة.

(2)- نهج البلاغة، الخطبة 3.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 39

ممّا حفلت به سيرة الخليفتين، و سيرة ثالث ثلاثتهما ... من مناقضات لكتاب اللّه، و سنّة رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و قد ألمّ بها إلمام فاحص متتبع لا مستقص مستوعب، سيّدنا الشريف المبجّل، العلّامة، السيّد عبد الحسين شرف الدين رحمه اللّه، في كتابه القيّم: «النصّ و الاجتهاد» فليراجع بإمعان، و ليلاحظ بتدبّر و إتقان.

[6] في ثبوت «الاجتهاد» المصطلح بحقّ أصحاب الائمّة عليهم السّلام، تفصيل،

أفاده شيخنا العلّامة الأنصاري- قدّس اللّه نفسه الزكيّة- في رسالة «تقليد الميّت» المطبوعة مع كتاب «مطارح الأنظار» للميرزا أبي القاسم الكلانتري، و يظهر: أنّها تقرير لبحث الشيخ الأنصاري، بقلم صاحب «مطارح الأنظار». قال:

«إنّ الناس في زمان أصحاب الأئمّة عليهم السّلام بين أصناف، فإنّهم بين العامل بما يسمعه شفاها عن المعصوم، و بين العامل بالأخبار المنقولة عنهم- مثل الفتاوى المنقولة عن المجتهدين- و بين العامل بفتاوى المجتهدين في تلك الأزمنة، ك «أبان بن تغلب» و «محمّد بن مسلم» ... و أضرابهما ممّن له أهليّة الاجتهاد و الإفتاء. و لا ريب أنّ القسمين الأوّلين ليس عملهم من التقليد

في شي ء، و ذلك هو الغالب في الموجودين في تلك الأزمنة و إن كان بلدهم بعيدا عن بلاد الأئمّة عليهم السّلام، كما يظهر من ملاحظة أحوالهم و مقايستها بأحوال المقلّدين، النائين عن بلد المجتهد، في الفتاوى المنقولة إليهم. و أمّا القسم الثالث فهم المقلّدون. و لا ريب في قلّة هذا القسم بالنسبة إليهم، بل و في نفسه أيضا، لتيسّر الاجتهاد في تلك الأزمنة، و عدم احتياجه إلى ما يحتاج إليه في أمثال زماننا ... «1»».

______________________________

(1)- الكلانتري، ميرزا أبو القاسم: رسالة تقليد الميّت، صص 270- 271، ط إيران الحجريّة.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 40

و قد سئل استاذنا الأعظم، المرجع الديني الأعلى للطائفة، المرحوم السيّد أبو القاسم الخوئي- طيّب اللّه رمسه- عن ذلك، و فيما يلي نصّ السؤال و الجواب:

السؤال: «متى وجب التقليد على المسلمين؟ و هل كان المسلمون أيام الأئمّة مقلّدين؟ خصوصا اولئك الذين كانوا في مناطق بعيدة عن الأئمّة؟»

الجواب: «التقليد كان موجودا في زمان الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و زمان الأئمّة عليه السّلام، لأنّ معنى التقليد هو: أخذ الجاهل فهم العالم، و من الواضح: أنّ كلّ أحد في ذلك الزمان لم يتمكّن من الوصول إلى الرسول الأكرم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أو أحد الأئمّة عليه السّلام و أخذ معالم دينه منه مباشرة «1»».

و قد استنتج من هذا الجواب بعضهم وجود الاجتهاد المصطلح في كلّ من زمان الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الأئمّة عليه السّلام فقال ما نصّه:

«و من المعلوم: أنّ وجود «التقليد» يستلزمه وجود «الاجتهاد»؛ لأنّ التقليد في الأحكام الشرعيّة لا يكون إلّا للمجتهد «2»».

لكنّه- بما سبق عن

شيخنا الأنصاري قدّس سرّه- يظهر: أنّ عمل من لا تصل يده إلى المعصوم عليه السّلام لا ينحصر بالتقليد، و إنّما يكون ذلك تقليدا إذا كان عمله مستندا إلى فهم ناقل الرواية، أي: اجتهاد الراوي، لا ما إذا كان مستنده هو الرواية المنقولة، و إن كان ذلك بالمعنى لا بنص الألفاظ.

إذن فلا دليل على ثبوت الاجتهاد المصطلح، إلّا في زمان الأئمّة عليهم السّلام دون الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و ذلك بحقّ جملة من خواصّ أصحابهم عليهم السّلام ك «أبان بن تغلب»

______________________________

(1)- الشهابي، محمّد جواد رضي- النجّار، عبد الواحد محمّد: مسائل و ردود، طبقا لفتاوى المرجع الديني، السيّد أبي القاسم الخوئي، ج 1: ص 5، الطبعة الثانية.

(2)- الدكتور عبد الهادي الفضلي: تأريخ التشريع الإسلامي، ص 49.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 41

و «زرارة بن أعين»، و «محمّد بن مسلم» و أضرابهم من فقهاء الرواة، حسب تنصيص الرجاليّين على ذلك.

[7] إنّ لكلمة «الاجتهاد» عند غير الإماميّة من سائر المذاهب- عبر التأريخ- معاني مختلفة،
اشارة

عدا ما لها من المعنى لغة، و هي كالآتي:

الأوّل: الرأي في مورد خلوّ الواقعة عن النصّ في الكتاب و السنّة.

و يفترض ذلك في موردين:

أحدهما- أنّه يفترض بحقّ الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، حينما كان يعوزه- مثلا- الوحي الإلهي، فكان صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يركن إلى الاجتهاد، و أحيانا كان اللّه سبحانه و تعالى- كما يقولون- لا يقرّه على ذلك، بل كان يعاتب نبيّه الكريم على اجتهاده و يؤنّبه.

قال محمّد يوسف موسى، في كتابه «المدخل لدراسة الفقه الإسلامي»:

«فكان الرسول إذا سئل عن مسألة، أو جدّت حادثة تقتضي حكما من الشارع، ينتظر الوحي السماوي، فإن نزل بالمراد كان بها، و إلّا كان هذا إيذانا من اللّه بأنّه أوكل إلى رسوله أن ينطق بالتشريع اللّازم، و معلوم: أنّه لا ينطق عن الهوى، و أحيانا اخرى كان الرسول يجتهد في الحكم، ثمّ يصدر رأيه، و هنا لا يقرّه اللّه على هذا الرأي، إلّا إذا كان صوابا ...- إلى أن قال:- و ليس هنا مجال البتّ في الخلاف بين مانعي اجتهاد الرسول و مجيزيه، فقد اشتدّ الخلاف في ذلك بين علماء الاصول و الفقه وَ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهٰا ... و سنده الذي يستند عليه، و لكن علينا أن نقرر: أنّه قد جاء في القرآن نفسه ما يفيد: أنّه كان للرسول اجتهاد في بعض

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 42

النوازل و الأحداث، و أنّ اللّه لم يقرّه على رأيه في بعض ما ذهب إليه، و كان منه له- من أجل ذلك- عتاب شديد أحيانا ...».

و أدلى- لما قاله- بشاهدين:

الأوّل: ما رواه أحمد بن حنبل، في «المسند» بالإسناد، عن عمر، في قضية أسرى غزوة بدر الكبرى، و أخذه صلّى اللّه

عليه و آله و سلّم الفدية منهم، عملا منه برأي أبي بكر في الموضوع، في حين أن رأي عمر كان هو تمكين كلّ من علي بن أبي طالب عليه السّلام، و حمزة، و أبا بكر، و هو نفسه، من قتل الأقربين منهم، حتّى يعلم اللّه أنّه ليست في قلوبهم هوادة للمشركين، على حدّ تعبير عمر.

يقول: فلمّا أن كان من الغد، قال عمر: «غدوت إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فإذا هو قاعد و أبا بكر، و إذا هما يبكيان، فقلت: يا رسول اللّه! ما ذا يبكيك أنت و صاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، و إن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما. قال:

قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: الّذي على أصحابك من الفداء، و لقد عرض عليّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة (يشير إلى شجرة قريبة منه) و أنزل اللّه تعالى: مٰا كٰانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرىٰ حَتّٰى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ... (إلى قوله:) لَمَسَّكُمْ فِيمٰا أَخَذْتُمْ عَذٰابٌ عَظِيمٌ «1»

ثمّ قال: فقال النبيّ- كما جاء في رواية اخرى-: أبكي الذي عرض لأصحابي من أخذهم الفداء، لقد عرض عليّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة (يشير إلى شجرة كانت قريبة منه) ثمّ قال: إن كاد ليمسّنا في خلاف عمر بن الخطّاب عذاب عظيم، و لو نزل العذاب ما أفلت إلّا عمر «2»».

______________________________

(1)- الأنفال، 8: 67- 68.

(2)- محمّد يوسف موسى، المدخل لدراسة الفقه الإسلامي، ص 26، الطبعة الثانية. و الرواية

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 43

الثاني: ما صدر عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من الإذن للمتخلّفين في غزوة «تبوك». قال:

«استأذن بعض المنافقين الرسول صلّى اللّه عليه

و آله و سلّم فى التخلّف عن غزوة «تبوك»، متقدّمين بأعذار قبلها الرسول على ضعف فيها، كما تخلّف بعض المؤمنين أيضا، و أذن الرسول في التخلّف عن الذهاب معه في هذه الغزوة للجميع، لكنّ اللّه، الذي يعلم ما في الضمائر و النقوس من نيّات، لم يرض منه هذا الأذن و أفهمه أنّه كان أولى به التريث في الإذن لمن استأذن، حتّى يعلم المنافقين منهم و الصادقين في الاعتذار، إذ أنّ الأوّلين- أي المنافقين- كانوا سيتخلّفون و إن لم يأذن لهم. و في ذلك أنزل اللّه قوله تعالى: لَوْ كٰانَ عَرَضاً قَرِيباً وَ سَفَراً قٰاصِداً لَاتَّبَعُوكَ وَ لٰكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَ سَيَحْلِفُونَ بِاللّٰهِ لَوِ اسْتَطَعْنٰا لَخَرَجْنٰا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَ اللّٰهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكٰاذِبُونَ* عَفَا اللّٰهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ تَعْلَمَ الْكٰاذِبِينَ «1» فقول اللّه تعالى: عَفَا اللّٰهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ينطوي على أنّ الرسول لم يصحبه توفيق اللّه في اجتهاده و إذنه لمن استأذن، و فيهم المنافق و المؤمن الحقّ، و لذلك لم يقرّه اللّه على هذا الاجتهاد «2»».

______________________________

تجدها في: مسند أحمد بن حنبل، ج 1: صص 30- 31، صص 32- 33. و أمّا الرواية الاخرى التي أشار إليها في آخر كلامه فلم أجدها في «المسند». و في تفسير القرطبي، في تفسير الآية الكريمة: «في رواية؛ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: إن كاد ليصيبنا في خلاف ابن الخطّاب عذاب، و لو نزل عذاب ما أفلت إلّا عمر» (القرطبي، محمّد بن أحمد: الجامع لأحكام القرآن، ج 8: ص 47، افست دار إحياء الكتاب العربي، بيروت). و هي رواية مرسلة غير مسندة إلى أصل حديثي. و

بهذا النحو وردت الرواية في غير واحد من تفاسير السنيّين.

(1)- التوبة، 9: 42- 43.

(2)- محمّد يوسف موسى: المدخل لدراسة الفقه الإسلامي، ص 27، الطبعة الثانية.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 44

و قبل كلّ شي ء يجدر بنا أن نستوضح الكاتب عمّا يعنيه بقوله: «فكان الرسول إذا سئل عن مسألة ...- إلى قوله:- و إلّا كان هذا إيذانا من اللّه بأنّه و كلّ إلى رسوله أن ينطق بالتشريع اللّازم، و معلوم: أنّه لا ينطق عن الهوى» فهل المعنيّ بذلك: أنّ اجتهاده صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إذن يكون مضمون الإصابة لأنّ اللّه تعالى أذن له بذلك؟ ليكن الأمر كذلك، بل لا يكاد يحتمل غيره، خصوصا بملاحظة استتباع ذلك بقوله: «و معلوم: أنّه لا ينطق عن الهوى».

و إذا كان الفرض هو ذلك، فما الذي يعنيه بقوله بعده: «و أحيانا اخرى كان الرسول يجتهد في الحكم، ثمّ يصدر رأيه، و هنا لا يقرّه اللّه على هذا الرأي، إلّا إذا كان صوابا!»؟ أ ليس هذا يناقض كلامه الأوّل؟

فإنّه مع افتراض قوله الأوّل، و هو أنّ انتظار الوحي السماوي، و عدم نزوله، يكون إيذانا من اللّه تعالى بأن ينطق بالتشريع اللازم، و بالنتيجة لا ينطق هو صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلّا بالوحي، فيكون اجتهاده صوابا لا محالة، فأين يبقى بعد ذلك مجال لافتراضه الثاني، و هو افتراض اجتهاد منه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لا يقرّه اللّه تعالى عليه، فلا يكون صوابا؟!

و لنترك هذه النقطة جانبا، فإنّ فقه الكاتب، كفقه بني أعمامه سلفا و خلفا فقه لا يوزن بمقاييس العقول الراجحة، و إنّما يوزن بمنطق الكهنة و المنجّمين ...، و

لنعد إلى الحديث عن الشاهدين اللذين استند إليهما لإثبات دعواه.

أمّا رواية أحمد بن حنبل، فمع غضّ الطرف عن النقاش السندي فيها، فإنّ فيه: «عكرمة بن عمار» و الّذي قال فيه، عبد اللّه بن أحمد بن حنبل، عن أبيه:

«عكرمة مضطرب الحديث عن غير إياس بن سلمة» و هذه الرواية ليست هي عن «إياس». و قال ابن المديني: «كان يحيى يضعّف رواية أهل اليمامة، مثل

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 45

عكرمة و حزبه ... «1»».

لندع ذلك جانبا، و لنتّجه نحو فقه الحديث، لنرى هل هناك مساغ لمن يؤمن باللّه عزّ و جلّ و باليوم الآخر، و يؤمن بالرسول كما يصفه القرآن الكريم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه، أن يخبت لهذه الرواية؟!

هلم معي لنتلو بعض آيات الذكر الحكيم:

أ) قال تعالى: وَ مٰا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوىٰ، إِنْ هُوَ إِلّٰا وَحْيٌ يُوحىٰ «2» و منطق الهوى- حسب الآية الكريمة- في مقابل منطق الوحي، و مقتضى التقابل بينهما هو ثبوت أحدهما عند انتفاء الآخر، كما نطقت الآية الكريمة بذلك، فيا ترى! ما شأن حكمه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في أخذه الفداء، أ كان ذلك من منطق الهوى؟! فهذا ما يجلّه القرآن الكريم عنه، أو هو من منطق الوحي؟ فما شأن الرواية على هذا؟ و أيّهما هو القول الفصل، أ هو قوله تعالى، أو مقالة عمر!

و لو افترضنا- كما يقوله القوم- أنّ حكمه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم على الإطلاق لا يكون من منطق الوحي، بل هو في ما لا يرجع إلى امور الدنيا «3»، و أمّا ما يرجع إلى الدنيا، ممّا يتساوى فيه، في تشخيص

أوجه الصلاح و عدمه، النبيّ و غيره، فهو خارج عن مفاد الآية الكريمة، و أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لا يقول إلّا بالمنطق الّذي يقول به فيه غيره من عامّة الناس، و قلنا أيضا: بأنّ الحكم بأخذ الفداء في مورد الرواية من قبيل الثاني لم يكن في ذلك حلّ للإشكال، بل كان ذلك تكذيبا صريحا للرواية القائلة بنزول الوحي عليه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و معاتبته- إيّاه- عتابا شديدا.

ب) قال تعالى: وَ لَوْ لٰا فَضْلُ اللّٰهِ عَلَيْكَ وَ رَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طٰائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ

______________________________

(1)- ابن حجر العسقلاني، أحمد بن عليّ: تهذيب التهذيب، ج 7: صص 261- 262.

(2)- النجم، 53: 3- 4.

(3)- محمود أبو ريّة: أضواء على السنّة المحمّدية، صص 42- 44، طبعة الثالثة.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 46

يُضِلُّوكَ وَ مٰا يُضِلُّونَ إِلّٰا أَنْفُسَهُمْ وَ مٰا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْ ءٍ وَ أَنْزَلَ اللّٰهُ عَلَيْكَ الْكِتٰابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ عَلَّمَكَ مٰا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَ كٰانَ فَضْلُ اللّٰهِ عَلَيْكَ عَظِيماً «1». تنفي الآية الكريمة- بصراحة و وضوح- أيّ احتمال، بحقّ أيّ شخص- مهما كان- أن يضلّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في رأيه، و يجرّه إلى حكم لا يرضاه اللّه تعالى و لم يشرّعه، سواء أ كان ذلك حكمه بأخذ الفداء، عملا منه برأي أبي بكر، أم حكمه لصالح أحد المتخاصمين- كما في مورد نزول الآية الكريمة «2»- أم سائر الوقائع و الحوادث، لكونه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم- بحكم الآية الكريمة- مؤيّدا من عند اللّه تعالى- في جميع ذلك كلّه- بالكتاب و الحكمة، مسدّدا من ناحيته عزّ شأنه بالعلم و المعرفة.

ج) قال

تعالى: قُلْ مٰا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقٰاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلّٰا مٰا يُوحىٰ إِلَيَّ «3». حيث دلّ ذلك- بأداة الحصر- على أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم دائما و أبدا، و في كلّ الوقائع و الأحداث، لا يتّبع إلّا الوحي ... إلى غير ذلك من الآيات الدالّة على ذلك.

أضف إلى ذلك: إنّا نسائل الكاتب و نستفتيه بشأن الأخذ بأيّ القولين من عمر! أ نأخذ بمقالته في رواية ابن حنبل المتقدّمة؟ أو نأخذ بمقاله الآخر و هو: ما رواه أبو داود في «السنن»، عن ابن شهاب: «إنّ عمر بن الخطّاب (...) قال- و هو على المنبر-: يا أيّها النّاس، إنّ الرأي إنّما كان من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مصيبا، لأنّ اللّه كان يريه، و إنّما هو منّا الظنّ و التكلّف «4»».

______________________________

(1)- النساء، 4: 113.

(2)- السيوطي، جلال الدين: الدرّ المنثور، ج 2: صص 217 و 219، طبعة بولاق- مصر.

(3)- يونس، 10: 15.

(4)- أبو داود، سليمان بن الأشعث: السنن/ تحقيق: محمّد محيي الدين عبد الحميد، ج 3:

ص 302/ ح 3586.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 47

على أنّ في تفسير الآية الكريمة رأيين لعلمين من أعلام الامّة، يتبيّن لك على ضوئهما مدى مجانبة تفسير الكاتب للحقيقة و الواقع.

أمّا الرأي الأوّل، فهو للعلّامة الأكبر، سيّدنا الحبر الجليل، السيّد عبد الحسين الموسوي، آل شرف الدين- طيّب اللّه ثراه- يقول: «و ما قدروا اللّه حقّ قدره، إذ أمعنوا في التيه، فجوّزوا الاجتهاد على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و اللّه تعالى يقول: إِنْ هُوَ إِلّٰا وَحْيٌ يُوحىٰ، و قد أوغلوا في الجهل إذ نسبوا إليه

الخطأ، و تسكّعوا في الضلال إذ آثروا قول غيره، و اشتبهت عليهم- في هذه الآية- معالم القصد، و عميت لديهم- فيها- وجوه الرشد، فقالوا بنزولها في التنديد برسول اللّه و أصحابه، حيث آثروا- بزعم هؤلاء الحمقى- عرض الدنيا على الآخرة فاتّخذوا الأسرى، و أخذوا منهم الفداء قبل أن يثخنوا في الأرض، و زعموا أنّه لم يسلم- يومئذ- من هذه الخطيئة إلّا عمر! و أنّه لو نزل العذاب لم يفلت منه إلّا ابن الخطّاب. و كذب من زعم أنّه اتّخذ الأسرى، و أخذ منهم الفداء قبل أن يثخن في الأرض، فإنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إنّما فعل ذلك بعد أن أثخن في الأرض، و قتل صناديد قريش و طواغيتها، كأبي جهل بن هشام ...- و عدّ أسماء ستّ و ثلاثين رجلا من طواغيت المشركين- و قال: إنّ عدد القتلى يبلغ سبعين من رءوس الكفر، و زعماء الشرك، كما هو معلوم بالضرورة ...».

قال- قدّس اللّه نفسه-: «و الصواب إنّ الآية إنّما نزلت في التنديد بالذين كانوا يودّون العير و أصحابه، على ما حكاه اللّه تعالى عنهم في قوله- عن هذه الواقعة- عزّ من قائل: وَ إِذْ يَعِدُكُمُ اللّٰهُ إِحْدَى الطّٰائِفَتَيْنِ أَنَّهٰا لَكُمْ وَ تَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذٰاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَ يُرِيدُ اللّٰهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمٰاتِهِ وَ يَقْطَعَ دٰابِرَ

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 48

الْكٰافِرِينَ «1»، و كان صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قد استشار أصحابه فقال لهم: إنّ القوم قد خرجوا على كلّ صعب و ذلول، فما تقولون؟ العير أحبّ إليكم أم النفير؟ قالوا: بل العير أحبّ إلينا من لقاء العدوّ. و قال بعضهم- حين رآه

مصرّا على القتال-: هلّا ذكرت لنا القتال لنتأهّب له!، إنّا خرجنا للعير لا للقتال، فتغيّر وجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فأنزل اللّه تعالى: كَمٰا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكٰارِهُونَ* يُجٰادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مٰا تَبَيَّنَ كَأَنَّمٰا يُسٰاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَ هُمْ يَنْظُرُونَ «2».

و حيث أراد اللّه عزّ و جلّ أن يقنعهم، بمعذرة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في إصراره على القتال و عدم مبالاته بالعير و أصحابه، قال عزّ من قائل: مٰا كٰانَ لِنَبِيٍّ من الأنبياء المرسلين قبل نبيّكم محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرىٰ حَتّٰى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ فنبيّكم لا يكون له أسرى حتّى يثخن في الأرض، على سنن غيره من الأنبياء، الذين اتّخذوا أسرى، و لذلك لم يبال إذ فاته أسر أبي سفيان و أصحابه حين هربوا بعير هم إلى مكّة، لكنّكم أنتم تُرِيدُونَ إذ تودّون أخذ العير و أسر أصحابه عَرَضَ الدُّنْيٰا وَ اللّٰهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ باستئصال ذات الشوكة من أعدائه وَ اللّٰهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ و العزّة و الحكمة تقتضيان- يومئذ- اجتثاث عزّ العدوّ، و إطفاء جمرته. ثمّ قال تنديدا بهم: لَوْ لٰا كِتٰابٌ مِنَ اللّٰهِ سَبَقَ في علمه الأزليّ، بأن يمنعكم من أخذ العير، و أصحابه، لأسرتم القوم و أخذتم عير هم، و لو فعلتم ذلك لَمَسَّكُمْ فِيمٰا أَخَذْتُمْ قبل أن تثخنوا في الأرض عَذٰابٌ عَظِيمٌ. هذا معنى الآية الكريمة، و لا يصحّ حملها على غيره ... «3»».

______________________________

(1)- الأنفال، 8: 7.

(2)- الأنفال، 8: 5- 6.

(3)- شرف الدين، السيد عبد الحسين: النصّ و الاجتهاد، صص 262- 264، ط النجف

المرتقى إلى الفقه الأرقى

- كتاب الزكاة، ج 1، ص: 49

و الرأي الثاني، للعلّامة القرطبي، حيث قال في تفسيره ما نصّه: «هذه الآية نزلت يوم بدر، عتابا من اللّه عزّ و جلّ لأصحاب نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و المعنى: ما كان ينبغي لكم أن تفعلوا هذا الفعل الذي أوجب أن يكون للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أسرى قبل الإثخان (أي: المبالغة في قتل الكفّار)، و لهم- أي للأصحاب- هذا الإخبار بقوله:

تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيٰا و النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لم يأمر باستبقاء الرجال وقت الحرب، و لا أراد- قطّ- عرض الدنيا، و إنّما فعله جمهور مباشري الحرب فالتوبيخ و العتاب إنّما كان متوجّها بسبب من أشار على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بأخذ الفدية. هذا هو قول أكثر المفسّرين، و هو الذي لا يصحّ غيره ... «1»».

ثمّ إنّ لي رأيا سوف أكشف عنه بحيطة و حذر تامّين، و هو: أنّ مرويّات عمر بن الخطّاب، عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم محاطة بهالة من الريب و الشكّ، و يبدو لي أنّها مجعولة- جلّها إن لم نقل كلّها- بحقّ الرجل، فإنّ المعلوم عن الخليفة الثاني هو تبنّيه مبدأ: «حسبنا كتاب اللّه «2»» بل الأمر- كما يبدو- هو ما آمن به الخليفة الأوّل أيضا، و ليس هو- كما زعمه الذهبي «3»- من رأي الخوارج.

فقد روى الذهبي: «إنّ أبا بكر جمع الناس بعد وفاة النبيّ، فقال: إنّكم تحدّثون عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أحاديث تختلفون فيها، و الناس بعدكم أشدّ اختلافا، فلا

______________________________

الأشرف، صص 321- 323، ط قم.

(1)- القرطبي، محمّد بن أحمد،

الجامع لأحكام القرآن، ج 8: صص 45- 46.

و لاحظ بهذا الصدد- الملطاوي، حسن كامل: رسول اللّه في القرآن الكريم، صص 278- 279، طبع دار المعارف بمصر.

(2)- البخاري، محمّد بن إسماعيل: الصحيح/ كتاب العلم: باب العلم. و رواه في غير موضع من كتابه بعبارات متقاربة، كما تجد ذلك في غير واحد من كتب السير و التأريخ.

(3)- الذهبي، شمس الدين: تذكرة الحفّاظ، ج 1: صص 2- 3، طبعة حيدرآباد- الهند.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 50

تحدّثوا عن رسول اللّه شيئا، فمن سألكم فقولوا: بيننا و بينكم كتاب اللّه، فاستحلّوا حلاله، و حرّموا حرامه «1»».

و روى عن القاسم بن محمّد، عند عائشة، قالت: جمع أبي الحديث عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم- و كانت خمسمائة حديثا- فبات ليلته يتقلّب كثيرا، قالت فغمّني، فقلت: أ تتقلّب لشكوى، أو لشي ء بلغك؟ فلمّا أصبح قال: أي بنيّة! هلمّي الأحاديث التي عندك، فجئته بها، فدعا بنار فحرقها، فقلت: لهم أحرقتها؟ قال:

خشيت أن أموت و هي عندي، فيكون فيها أحاديث عن رجل قد ائتمنته و و ثقت به، و لم يكن كما حدّثني، فأكون قد نقلت ذلك «2»».

و روي عن قرظة بن كعب، قال: «لمّا سيّرنا عمر إلى العراق، مشى معنا عمر، و قال: أ تدرون لم شيّعتكم؟ قالوا: نعم، تكرمة لنا، قال: و مع ذلك، إنّكم تأتون أهل قرية لهم دويّ بالقرآن كدويّ النحل، فلا تصدّوهم بالأحاديث فتشغلوهم، جرّدوا القرآن، و أقلّوا الرواية عن رسول اللّه، و أنا شريككم. فلمّا قدم قرظة بن كعب، قالوا: حدّثنا، فقال: نهانا عمر «3»».

و روى عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه: إنّ عمر حبس ثلاثة: ابن مسعود، و

أبا الدرداء، و أبا مسعود الأنصاري، فقال: قد أكثرتم الحديث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم «4».

______________________________

(1)- الذهبي، شمس الدين: تذكرة الحفّاظ، ج 1: صص 2- 3، طبعة حيدرآباد- الهند.

(2)- المصدر، ص 5.

(3)- الذهبي، شمس الدين: تذكرة الحفّاظ، ج 1: ص 7، طبعة حيدرآباد- الهند؛ الدارمي:

السنن، ج 1: ص 85، نشر دار إحياء السنّة النبوية؛ ابن ماجة: السنن/ تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، ج 1: ص 12/ ح 28؛ الحاكم النيسابوري: المستدرك، ج 1: ص 102.

(4)- الذهبي، شمس الدين: تذكرة الحفّاظ، ج 1: ص 7، طبعة حيدرآباد- الهند؛ الهيثمي،

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 51

و قال عبد الرحمن بن عوف: «ما مات عمر بن الخطّاب حتّى بعث إلى أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فجمعهم من الآفاق؛ عبد اللّه بن حذيفة، و أبا الدرداء، و أبا ذرّ، و عقبة بن عامر، فقال: ما هذه الأحاديث التي أفشيتم عن رسول اللّه في الآفاق؟ قالوا: تنهانا؟! قال: لا، أقيموا عندي، لا و اللّه لا تفارقوني ما عشت فنحن أعلم، نأخذ منكم و نردّ عليكم، فما فارقوه حتّى مات «1»».

و الّذي يظهر من ملاحظة هذه النصوص و غيرها- ممّا لم نر ضرورة في التعرّض لها- هو: أنّ مبدأ الخليفتين كان هو عدم التحديث بالرواية، لا المنع عن تدوينها فقط- كما اشتهر- و عليه فكيف يتلاءم هذا المبدأ- مع ما عرفت من موقف الرجلين الحاسم تجاه ذلك- مع تحديثهما بالرواية عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم! فإنّ ما عرف عنهما من المبدأ المذكور سوف يلقي ظلالا من الشكّ على جميع مرويّاتهما عنه صلّى

اللّه عليه و آله و سلّم، بل و عن غيره الصحابة.

و لا مجال لتعليل المنع المذكور بكثرة الحيطة منهما تجاه الحديث، خشية تفشّي و انتشار الأحاديث المجهولة في المجتمع الإسلامي، فإنّ ذلك خلاف ما تنبئنا عنه رواية قرظة بن كعب المتقدّمة، من تعليل الخليفة الثاني نفسه.

كما أنّه لا يوجّه بذلك عمل الخليفة الثاني بحقّ أبي ذرّ- رضوان اللّه تعالى عليه- و قد ثبت عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم القول بحقّه: «ما أظلّت الخضراء، و لا أقلّت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذرّ ... «2»».

______________________________

مجمع الزوائد، ج 1: ص 149، نشر دار الكتاب اللبنانيّ.

(1)- المتّقي الهندي: كنز العمّال، ج 5: ص 239/ ح 4865، الطبعة الأولى.

(2)- ابن سعد: الطبقات الكبرى، ج 4: صص 167- 168، طبع ليدن؛ الترمذي:

الجامع الصحيح/ تحقيق: إبراهيم عطوة عوض، ج 5: صص 669- 670/ ح 3801،

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 52

على أنّه لو كان للتعليل المذكور مبرّر بالنظر إلى ما جاء في رواية القاسم بن محمّد، عن عائشة المتقدّمة، فالذي يمنعنا عن الركون إليه هو: إنّ ذلك لا ينسجم مع المبدأ القائل بأنّ الصحابة- قاطبة- عدول، ثقاة، مستندين إلى ما زعموه و أسندوه إلى الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من قوله: «أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهديتم «1»»، أ فلا كان الخليفة مؤمنا و مصدّقا بهذا الحديث! و إذا لم يكن هو قد آمن به، فكيف بأتباعه و أشياعه و هم يؤمنون به إيمانا أعمى، هوّن أمام أعينهم كلّ صغيرة و كبيرة اشتهرت عن واحد من الصحابة!

و أمّا الشاهد الآخر، و هو: الإذن للمتخلّفين في غزوة «تبوك» فالذي يثير العجب

و الدهشة في كلّ مسلم، هو جرأة هذا الكتاب على تحريف كتاب اللّه العزيز عن مواضعه، حيث يقول: «استأذن بعض المنافقين الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في التخلّف عن غزوة «تبوك»، متقدّمين بأعذار قبلها الرسول، على ضعف فيها، كما تخلّف بعض المؤمنين أيضا ...» و في هذه الفقرة من كلامه من الجرأة على اللّه و رسوله، أمّا

أوّلا: إسناده قبول الأعذار الضعيفة و الواهية إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، أو ليس هذا- في الحقيقة- هو ما تعنيه الآية الكريمة: وَ مِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَ يَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ رَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّٰهِ لَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ «2» و هذه جرأة منه على

______________________________

ح 3802؛ ابن ماجة: السنن/ تحقيق: محمّد فؤاد عبد الباقي، ج 1: ص 55/ ح 156؛ أحمد بن حنبل: المسند، ج 2: صص 163، 175، 223؛ و غيرها من المصادر، و اختلاف ألفاظ الحديث يسير جدّا.

(1)- ابن قيّم الجوزيّة: أعلام الموقّعين/ تحقيق: محيي الدين عبد الحميد، ج 2: ص 223.

(2)- التوبة، 9: 61.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 53

الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم!

دع عنك: أنّ حديث قبوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الأعذار على ضعف فيها، لا أساس له إطلاقا، فمن أيّ مصدر حديثي أو تأريخي استقاه؟ و الآية الكريمة- على فرض الأخذ بما قاله فيها- إنّما تنظر إلى قبول تلكم الأعذار قبل تبيّن الحال، بمعنى:

الإسراع في القبول، فإن كان وهن- بفرض المحال- ففي الإسراع في قبول الأعذار، لا في الأعذار أنفسها.

و ثانيا:

قوله: «كما تخلّف بعض المؤمنين أيضا» من أين جاء بذلك؟ إنّ قوله تعالى: عَفَا اللّٰهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ... «1» إنّما يرتبط بما سبقه، من قوله تعالى:

لَوْ كٰانَ عَرَضاً قَرِيباً ... «2» و معلوم- باتّفاق المفسّرين- أنّ اولئك المتخلّفين كانوا هم المنافقون، فمن أين أتى الكاتب بحديث: تخلّف بعض المؤمنين!، ليس ذلك- في ظنّي- إلّا لأن يصلح- بزعمه- معنى الآية القائلة: حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ... «3» ففرض تخلّف بعض المؤمنين أيضا حتّى يتمّ المعنى، و هذه جرأة منه على اللّه سبحانه و تعالى، و جرأة على كتابه العزيز!!.

ثمّ لننظر- بعد هذا كلّه- في النقطة التي ركّز الكاتب استدلاله عليها، و هي:

قوله تعالى: عَفَا اللّٰهُ عَنْكَ ... حيث استفاد الكاتب منه توجيه العتاب نحو النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و لا شاهد له في ذلك، فإنّ هذه الجملة من افتتاحيّات الكلام، كنظائرها مثل: «أصلحك اللّه» و «أعزّك اللّه» و «رحمك اللّه» و ما شاكلها، و لا يقصد بها مفادها اللغوي في خصوص مساق الكلام، و لهذا يحسن الوقوف

______________________________

(1)- التوبة، 9: 43.

(2)- التوبة، 9: 42.

(3)- التوبة، 9: 43.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 54

عليها، و تكون جملة: لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ... مستأنفة «1» و حينئذ فلا يكون المقصود بها العفو عن الإذن، حتّى تدلّ على العتاب.

و مع غضّ النظر عن ذلك، و افتراض استفادة العتاب منها. أو أنّ نفس الاستفهام الإنكاري التوبيخي المستفاد من قوله تعالى: لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ... يكفي لإثبات المقصود، و إن أنكره- أي: كون الاستفهام إنكاريا- بعضهم «2»، لنفرض هذا، أو ذاك، نقول:

إنّ المستفاد من الآيات الكريمة الآتية هو: أنّ الإذن في

عدم الخروج- أي عدم خروج المتخلّفين- كان في صالح المسلمين، كما يدلّ عليه قوله تعالى: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مٰا زٰادُوكُمْ إِلّٰا خَبٰالًا وَ لَأَوْضَعُوا خِلٰالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَ فِيكُمْ سَمّٰاعُونَ لَهُمْ وَ اللّٰهُ عَلِيمٌ بِالظّٰالِمِينَ* لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَ قَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتّٰى جٰاءَ الْحَقُّ وَ ظَهَرَ أَمْرُ اللّٰهِ وَ هُمْ كٰارِهُونَ «3»

فقد كان الأصلح بحال المسلمين هو أن يؤذن لهم في التخلّف ليصان الجمع من الخبال، و فساد الرأي، و تفرّق الكلمة، فإنّ في الجمع ضعفاء الإيمان، مرضى القلوب، سمّاعون لقولهم، مسارعون إلى المطاوعة لهم، إذن، فالإذن لهم بالتخلّف كان مرضيّا للربّ تعالى، و لم يكن ذلك منه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن اجتهاد مرفوض من قبله تعالى، معاتب عليه من ناحيته عزّ شأنه، كما فهمه الكاتب.

فليس العتاب على اجتهاده صلّى اللّه عليه و آله و سلّم اجتهادا غير مصيب به، بل العتاب على

______________________________

(1)- القرطبي، محمّد بن أحمد: الجامع لأحكام القرآن، ج 8: ص 154؛ الشريف المرتضى، عليّ بن الحسين: تنزيه الأنبياء، ص 132، الطبعة الثالثة، المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف.

(2)- الشريف المرتضى، علي بن الحسين: تنزيه الأنبياء، ص 132، الطبعة الثالثة، المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف.

(3)- التوبة، 9: 47- 48.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 55

شي ء آخر، و هو: أنّ إذنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم صار ساترا لفضيحة نفاقهم، و لو لا ذلك لظهر نفاقهم بأحسن وجه، لأنّهم- في الحقيقة- لم يكونوا ناوين الخروج معه، و إلّا لكانوا قد أعدّوا له- من قبل- عدّتهم، قال تعالى: وَ لَوْ أَرٰادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَ لٰكِنْ كَرِهَ اللّٰهُ انْبِعٰاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَ قِيلَ اقْعُدُوا

مَعَ الْقٰاعِدِينَ «1» و لو لا إذنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لهم بالتخلّف، كانوا هم من المتخلّفين، و بذلك كان يبدو للكلّ نفاقهم، لكنّهم تذرّعوا بذريعة الإذن في تخلّفهم، فلم يبد لعامّة المسلمين نفاق هؤلاء، و ما كانوا قد أضمروه في طيّات أنفسهم من قبل.

و لهذا العتاب- كما في نظائره- محمل صحيح، بل محامل، مذكورة في محلّه، و لكن لا ارتباط له بمسألة الاجتهاد غير الصواب، كما عرفت.

و أجدر بنا أن نختم هذا الفصل بكلام ابن حزم في الموضوع، فقد قال: «إنّ من ظنّ أنّ الاجتهاد يجوز للأنبياء عليهم السّلام في شرع شريعة لم يوح إليهم فيها، فهو كفر عظيم. و يكفي في إبطال ذلك: أمره تعالى لنبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن يقول: إِنْ أَتَّبِعُ إِلّٰا مٰا يُوحىٰ إِلَيَّ ...* «2».

هذا و لا يخفى عليك، أنّ أدلّة القائلين بجواز الاجتهاد بحقّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لا تنحصر بما ذكرناه، بل إنّهم استدلّوا له بأدلّة كثيره، و لكنّها- و أيم اللّه- واضحة الفساد، بل أكثرها ممّا يضحك الثكلى. و من شاء الوقوف عليها فليراجع كتاب:

«الإحكام في اصول الأحكام» للآمدي (الجزء الرابع) و «الإحكام باصول الأحكام»، لابن حزم، و كتاب «إرشاد الفحول ...»، للشوكاني، و غير ذلك من الكتب الاصوليّة.

______________________________

(1)- التوبة، 9: 46.

(2)- الدكتورة نادية العمري: اجتهاد الرسول، صص 40- 41، طبع مؤسّسة الرسالة، بيروت (نقلا عن «تأريخ التشريع الإسلامي» للدكتور عبد الهادي الفضلي، صص 43- 44).

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 56

و الآخر: افتراض الاجتهاد- بمعنى: الرأي، في فرض خلوّ النصّ- بحقّ الصحابة، في حياته صلّى اللّه عليه و آله و

سلّم.

و لعلّ عمدة أدلّة القائلين به الوجوه الثلاثة الآتي ذكرها. و أمّا سائر الوجوه التي استدلّوا بها لذلك، و قد جمعها ابن حزم في كتابه «الإحكام في اصول الأحكام» فهي موهونة جدّا، و لذلك عقّبها ابن حزم بقوله: «هذا كلّ ما موّهوا به، ما نعلم لهم شيئا غيره، و كلّه لا حجّة لهم في شي ء منه «1»».

و إليك الوجوه الثلاثة:

1- جاء في «سنن الدارمي» و غيره، عن معاذ: «إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لمّا بعثه إلى اليمن قال له: أ رأيت إن عرض لك قضاء، كيف تقضي؟ قال: أقضي بكتاب اللّه، قال: فإن لم يكن في كتاب اللّه، قال: فبسنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، قال: فإن لم يكن في سنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، قال: اجتهد رأيي، و لا آلو. قال: فضرب صدري، و قال: الحمد للّه الذي وفّق رسول رسول اللّه لما يرضي رسول اللّه «2»».

2- في «صحيح البخاري» و غيره أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: إذا حكم الحاكم فاجتهد ثمّ أصاب فله أجران، و إذا حكم فاجتهد ثمّ أخطأ فله أجر

______________________________

(1)- ابن حزم، عليّ بن أحمد: الإحكام باصول الأحكام، ج 6: ص 30.

و من الغريب جدّا بهذا الصدد ما جاء في «الخطط» للمقريزي: «و كان يفتي في زمن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله من الصحابة: أبو بكر، و عمر، و عثمان، و عليّ، و عبد الرحمن بن عوف، و عبد اللّه بن مسعود، و أبي بن كعب، و معاذ بن جبل، و عمّار بن ياسر، و حذيفة بن اليمان، و زيد

بن ثابت، و أبو الدرداء، و أبو موسى الأشعري، و سلمان الفارسي- رضي اللّه عنهم (المقريزي:

الخطط الشام، ج 3: ص 258، طبع دار التحرير للنشر بمصر). فإنّ ظاهر هذا الكلام هو استغناؤهم في الفتيا عنه صلّى اللّه عليه و آله و أنّهم كانوا لا يتتبّعون موارد خلوّ النصّ، بل كان لهم الاستقلاليّة في ذلك سبحانك اللّهمّ هذا بهتان عظيم.

(2)- الدارمي: السنن، ج 1: ص 60؛ أحمد بن حنبل: المسند، ج 5: صص 230- 276.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 57

واحد «1».

3- جاء في كتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري: «ثمّ الفهم الفهم فيما ادلي إليك، ممّا ورد عليك، ممّا ليس في قرآن و لا سنّة، ثمّ قايس الامور عند ذلك، و اعرف الأمثال، ثمّ اعمد- فيما ترى- إلى أحبّها إلى اللّه و أشبهها بالحقّ «2»».

و قريب منه قوله لشريح حين أرسله قاضيا على الكوفة: «انظر ما يتبيّن لك في كتاب اللّه فلا تسأل عنه أحدا، و ما لم يتبيّن لك في كتاب اللّه فاتّبع فيه سنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ما لم يتبيّن لك فيه السنّة فاجتهد فيه رأيك «3»». هذا، و قد ناقش ابن حزم في جميع هذه الوجوه، قال: «أمّا خبر معاذ، فإنّه لا يحلّ الاحتجاج به لسقوطه، و ذلك: لأنّه إنّه لم يرو- قطّ- إلّا من طريق الحارث بن عمرو و هو مجهول، لا يدري أحد من هو؟ و قال البخاري في تأريخه الأوسط:

و لا يعرف الحارث إلّا بهذا- الحديث- و لا يصحّ. ثمّ إنّ الحارث روى عن رجال من أهل حمص، لا يدرى من هم؟ ثمّ لم يعرف- قطّ- في عصر

الصحابة، و لا ذكره أحد منهم، ثمّ لم يعرفه أحد- قطّ- في عصر التابعين، حتّى أخذه (أبو عون) وحده عمّن لا يدرى من هو؟، فلمّا وجده أصحاب الرأي عند (شعبة) طاروا به كلّ مطار، و أشاعوه في الدنيا، و هو باطل لا أصل له».

قال: «و برهان وضع هذا الخبر و بطلانه: هو أنّ من الباطل الممتنع، أن يقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: فإن لم تجد في كتاب اللّه و لا في سنّة رسول اللّه، و هو

______________________________

(1)- البخاري: الصحيح/ كتاب الاعتصام: باب أجر الحاكم إذا اجتهد. و قد مرّت الإشارة إلى مصادر الحديث المذكور. فراجع.

(2)- ابن حزم، عليّ بن أحمد: الإحكام باصول الأحكام، ج 5: ص 1003؛ ابن قيّم الجوزيّة:

أعلام الموقّعين/ تحقيق: محيي الدين عبد الحميد، ج 1: ص 86.

(3)- ابن قيّم الجوزية: أعلام الموقّعين/ تحقيق: محيي الدين عبد الحميد، ج 1: ص 63.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 58

يسمع قول ربّه: وَ اتَّبِعُوا أَحْسَنَ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ... «1»، و قوله تعالى:

الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ... «2»، و قوله تعالى: وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّٰهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ... «3» مع الثابت عنه عليه السّلام: من تحريم القول بالرأي في الدين ...».

«ثمّ لو صحّ، لكان معنى قوله: «أجتهد رأيي»، استنفذ جهدي حتّى أرى الحقّ في القرآن و السنّة و لا أزال أطلب ذلك أبدا».

«و أيضا: لو صحّ لكان لا يخلو من أحد وجهين: إمّا أن يكون ل «معاذ» وحده، فيلزمهم أن لا يتّبعوا رأي أحد إلّا رأي معاذ، و هم لا يقولون بهذا. أو يكون ل «معاذ» و غيره، فإن كان ذلك فكلّ

من اجتهد رأيه فقد فعل ما أمر به، فهم- كلّهم- محقّون، ليس أحد منهم أولى بالصواب من آخر، فصار الحقّ- على هذا- في المتضادّات، و هذا خلاف قولهم، و خلاف المعقول، بل هذا المحال الظاهر. و ليس لأحد أن ينصر قوله بحجّة، لأنّ مخالفه- أيضا- قد اجتهد رأيه، و ليس في الحديث الذي احتجّوا به أكثر من اجتهاد الرأي و لا مزيد، فلا يجوز لهم أن يزيدوا فيه ترجيحا لم يذكر في الحديث.

«و أيضا: فليس أحد أولى من غيره، و من المحال البيّن: أن يكون ما ظنّه الجهّال في حديث معاذ- لو صحّ- من أن يكون عليه السّلام يبيح ل «معاذ» أن يحلّل برأيه و يحرّم برأيه، و يوجب الفرائض برأيه و يسقطها برأيه، و هذا ما لا يظنّه مسلم، و ليس في الشريعة شي ء غير ما ذكرناه، البتة «4».

______________________________

(1)- الزمر، 39: 55.

(2)- المائدة، 5: 3.

(3)- الطلاق، 65: 1.

(4)- ابن حزم، عليّ بن أحمد: الإحكام باصول الأحكام، ج 5: صص 773- 775.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 59

قال: «و أمّا حديث عمرو بن العاص- حسب رواية البخاري و بعض آخر- فأعظم حجّة عليهم، لأنّ فيه: أنّ الحاكم المجتهد يصيب و يخطئ، فإن كان ذلك كذلك، فحرام الحكم في الدين بالخطإ، و ما أحلّ اللّه تعالى- قطّ- إمضاء الخطأ، فبطل تعلّقهم «1»».

و قال بشأن كتاب عمر إلى أبي موسى- بعد إيراده بسندين-: «و هذا لا يصحّ، لأنّ السند الأوّل فيه: عبد الملك بن الوليد بن معدان، و هو كوفي متروك الحديث، ساقط، بلا خلاف، و أبوه مجهول. و أمّا السند الثاني، فمن بين الكرجي إلى سفيان مجهول، و هو- أيضا- منقطع، فبطل

القول به جملة «2»».

هذا نصّ كلام ابن حزم في مناقشته في الوجوه الثلاثة، نقلته حرفيّا ليعلم أنّ تضعيفها غير منحصر بنا، بل ضعّفها من هو في الاصول على رأيهم.

و يبدو لي من القول تجاه الوجوه المتقدّم ذكرها، أمّا بالنسبة إلى خبر معاذ، فمع غضّ البصر عمّا سبق هو: أنّه لا ريب عند المسلمين- شيعة و سنّة- في كون الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام هو أعلم الامّة بالقضاء. و قد قال النبيّ عليه السّلام بحقّه:

«أقضاكم عليّ «3»». و لكن حينما بعثه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى اليمن، قال له: أ تبعث بي و أنا

______________________________

(1)- ابن حزم، عليّ بن أحمد: الإحكام باصول الأحكام، ج 5: ص 771.

(2)- المصدر، ص 1003.

(3)- ابن الديبع: تمييز الخبيث من الطيّب، ص 29، طبع دار الكتاب العربي، بيروت؛ الفخر الرازي: الأربعين في اصول الدين، ص 466، طبع حيدرآباد- الهند؛ الشنقيطي: كفاية الطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب، ص 46، طبع مصر؛ ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة/ تحقيق: محمّد أبو الفضل إبراهيم، ج 7: ص 219؛ محمّد بن طلحة:

مطالب السئول، ص 25، طبع مصر؛ القاضي الايجي: المواقف، ج 3: صص 276- 411، ط

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 60

شابّ، و لا علم لي بكثير من الأحكام! قال عليه السّلام: فضرب بيده على صدري و قال: «اللّهمّ اهد قلبه، و ثبّت لسانه «1»».

و المقصود بدعائه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «اللّهمّ اهد قلبه» هو اهتداء قلبه إلى أحكام اللّه تعالى في شريعته، المبيّنة بكتابه العزيز، و سنّة رسوله الأمين. و بعبارة واضحة:

دعا له بالمعرفة بالأحكام الشرعية التي أنكر عليه السّلام معرفته بالكثير

منها. فلو كانت الأحكام المبيّنة بالقرآن و السنّة غير وافية بجميع الوقائع و الأحداث التي يلزمه عليه السّلام أن يقضي فيها، لكان عليه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن ير شده إلى ما يقضي به فيها، كما أرشد بتقريره- لو صحّ الحديث- معاذ إلى ذلك!

و أمّا مسألة اجتهاد القاضي ...، فالاستدلال ساقط جدّا، إذ المفروض هو الاجتهاد في مورد خلوّ الواقعة عن نصّ الكتاب و السنّة، و لا يخلو الحال

______________________________

عالم الكتب، بيروت؛ ابن عبد البر: الاستيعاب (بهامش الإصابة)، ج 3: ص 38 [و لكن متن الحديث: «أقضاهم عليّ ...»].

و للوقوف على نصوص الحديث، يراجع: الغدير للشيخ الأميني رحمه اللّه، ج 3: صص 97- 99، ط طهران؛ إحقاق الحقّ (الملاحق) للسيّد المرعشي رحمه اللّه، ج 8: صص 57- 67، ط قم؛ فضائل الخمسة منت الصحاح الستّة للسيد الفيروزآبادي رحمه اللّه، ج 2: ص 265، ط بيروت.

(1)- لاحظ الحديث باختلاف ألفاظه مع تقارب المعنى في- ابن ماجة القزويني: سنن المصطفى/ تحقيق: محمّد فؤاد عبد الباقي، ج 2: ص 774/ ح 2310؛ ابن سعد: الطبقات الكبرى، ج 2: ق 2/ صص 100- 101، طبع هولندا؛ أحمد بن حنبل: المناقب/ تحقيق:

السيد عبد العزيز الطباطبائي، ص 72؛ النسائي: الخصائص، صص 11- 12، ط مطبعة التقدّم، مصر؛ الخطيب البغدادي: تأريخ بغداد، ج 12: ص 443، ط دار السعادة؛ الحاكم النيسابوري: المستدرك، ج 3: ص 135، ط حيدرآباد- الهند.

و للوقوف على كامل نصوص الحديث و مصادره راجع: إحقاق الحقّ، ج 7 [الملاحق]:

صص 63- 77، ج 8 [الملاحق]: صص 34- 47؛ فضائل الخمسة من الصحاح الستّة، ج 2:

صص 296- 299، ط بيروت.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص:

61

- حينئذ- من أحد أمرين فإمّا أن تكون الوظيفة هو العمل بالرأي، فكان الرأي حينئذ بمنزلة نصوص الكتاب و السنّة و عدلا لهما عند تواجدهما، فلا يكاد يتصوّر فيه الخطأ.

و بعبارة واضحة: مبنى الكلام على أنّ اصول الشريعة و منابعها ثلاثة:

الكتاب، السنّة، الرأي، و في مثل ذلك لا يتصوّر في الأخير الخطأ، كما هو الحال في السابقين عليه، إذن فالاستدلال لحجّية الرأي، بمثل هذه النصوص التي يفترض فيها الخطأ و الصواب بلا وجه.

نعم، إذا قلنا بأنّ الشريعة وافية بأحكام جميع الوقائع، و أنّ النصّ،- من الكتاب أو السنّة- موجود في جميع ذلك، أمّا بالخصوص، أو في ضمن العموم، فحينئذ يكون افتراض الخطأ في الرأي أمرا معقولا، و لكنّه خروج عن الفرض.

و أمّا ما في كتاب عمر إلى أبي موسى، فحيث أنّ قول عمر- هذا- مبنيّ على الاجتهاد و الرأي، و لم يستند في ذلك إلى نصّ من الكتاب أو السنّة، كان الاستدلال به لحجّية الاجتهاد و الرأي مصادرة بالمطلوب، على حدّ تعبير علماء المنطق.

و بمثله يقال في كلام عمر لشريح القاضي، حين أرسله للقضاء على الكوفة.

ثمّ إنّ الرأي في كتاب عمر إلى أبي موسى يشبه أن يكون هو القياس، الذي تبنّاه المذهب الحنفي فيما بعد. و لأجله عدّ بعضهم أبا حفص أوّل من غرس بذرة العمل بالقياس «1».

هذا و قد عقد ابن قيّم الجوزيّة، في كتابه «أعلام الموقّعين» فصولا في بطلان العمل بالرأي، مستشهدا له بأقوال كبار الصحابة و التابعين، مفنّدا لأدلّة

______________________________

(1)- المقرّم، السيّد عبد الرزّاق: مقدّمة كتاب «الاجتهاد و التقليد من التنقيح»، رقم و- ز.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 62

أهل الرأي. فلاحظ «1».

و رأي الإماميّة- تبعا لأئمّتهم

من أهل البيت عليهم السّلام- في هذا الموضوع ظاهر و بيّن، حيث أنّهم لا يرون للرأي مجالا في عرض نصوص الكتاب و السنّة، بأن يكون أصلا من اصول الشريعة، كالكتاب و السنّة، و كنموذج لبعض ما جاء عن الأئمّة عليهم السّلام في هذا الباب، نشير إلى ما يلي:

1- روى الكليني رحمه اللّه، عن قتيبة، قال: سأل رجل أبا عبد اللّه عليه السّلام عن مسألة فأجابه فيها، فقال الرجل: أ رأيت إن كان كذا و كذا ما يكون القول فيها؟ فقال له:

مه، ما أجبتك فيه من شي ء فهو عن رسول اللّه عليه السّلام لسنا من: (أ رأيت) في شي ء «2»».

2- و روى أيضا، عن مسعدة بن صدقة، قال: حدّثني جعفر، عن أبيه عليهما السّلام:

إنّ عليّا- صلوات اللّه عليه- قال: «من نصب نفسه للقياس لم يزل دهره في التباس، و من دان اللّه بالرأي لم يزل دهره في ارتماس». قال: و قال أبو جعفر عليه السّلام: «من أفتى الناس برأيه فقد دان اللّه بما لا يعلم ... «3»».

3- روى سماعة، عن أبي الحسن (موسى بن جعفر) عليه السّلام، قال: قلت له: كلّ

______________________________

(1)- ابن القيم الجوزية: أعلام الموقّعين عن ربّ العالمين/ تحقيق: محيي الدين عبد الحميد، ج 1:

صص 47- 84.

(2)- الكليني، محمّد بن يعقوب: الاصول من الكافي، ج 1: صص 57- 58/ ح 21، 17، طبع مكتبة الصدوق، طهران؛ الفيض، محمّد محسن: الوافي، ج 1: صص 258- 255/ ح 22، 19، الطبعة المحقّقة، أصفهان.

(3)- الكليني، محمّد بن يعقوب: الاصول من الكافي، ج 1: صص 57- 58/ ح 17، ط مكتبة الصدوق، طهران؛ الفيض، محمّد محسن: الوافي، ج 1: صص 258- 255/ ح 19، الطبعة المحقّقة، أصفهان.

المرتقى إلى

الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 63

شي ء تقول به، في كتاب اللّه و سنّته، أو تقولون فيه برأيكم؟ قال: «بل كلّ شي ء نقوله في كتاب اللّه و سنّة نبيّه «1»».

4- روى جابر، عن أبي جعفر (الباقر) عليه السّلام، قال: «يا جابر، إنّا لو كنّا نحدثكم برأينا و هوانا لكنّا من الهالكين، و لكنّا نحدثكم بأحاديث نكنزها عن رسول اللّه عليه السّلام، كما يكنز هؤلاء ذهبهم و فضّتهم «2»».

و حيث قد عرفت أنّ أرضيّة الأخذ بالرأي هي: عدم وفاء ما في الكتاب العزيز و السنّة الشريفة بجميع الأحداث و الوقائع، و هذا ما أنكره الأئمّة عليهم السّلام أشدّ الإنكار و قد عقد الكليني رحمه اللّه في الكافي الشريف بابا عنونه ب «باب الردّ إلى الكتاب و السنّة، و أنّه ليس شي ء من الحلال و الحرام، و جميع ما يحتاج إليه الناس إلّا و قد جاء فيه كتاب و سنّة» و ذكر في الباب المذكور جملة وافرة من الروايات نشير- منها- إلى بعضها:

أ) روى قدّس سرّه بإسناده، عن مرازم، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: «إنّ اللّه تبارك و تعالى أنزل في القرآن تبيان كلّ شي ء، حتّى و اللّه ما ترك اللّه شيئا يحتاج إليه العباد، حتّى لا يستطيع عبد يقول: لو كان هذا انزل في القرآن، إلّا و قد أنزله اللّه فيه «3»».

ب) و روى- أيضا- بإسناده عن حماد، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: سمعته يقول: «ما من شي ء إلّا و فيه كتاب أو سنّة «4»».

______________________________

(1)- الصّفار، محمّد بن الحسن: بصائر الدرجات، ج 6: ص 301/ ح 1، الطبعة الثانية.

(2)- الصّفار، محمّد بن الحسن: بصائر الدرجات، ج 6: ص 299/ ح

1، و نحوه: ح 2، 3، 4، 5، 6، 7، 8، 9، 10.

(3)- الكليني، محمّد بن يعقوب: الاصول من الكافي، ج 1: ص 59/ ح 1.

(4)- المصدر، ص 59/ ح 4.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 64

ج) و أيضا: بإسناده عن سماعة، عن أبي الحسن موسى عليه السّلام، قال: قلت له:

أ كلّ شي ء في كتاب اللّه و سنّة نبيّة صلّى اللّه عليه و آله و سلّم؟! أو تقولون فيه؟ قال: «بل كلّ شي ء في كتاب اللّه و سنّة نبيّه صلّى اللّه عليه و آله «1»».

الثاني: التأويل،

و يعنى به: تغيير الأحكام الشرعيّة عمّا تعنيه نصوص الكتاب أو السنّة، فهو محاولة تهدف إلى تحوير النصّ- كتابا و سنّة- عن معناه الظاهر فيه و مدلوله المتفاهم منه، في حين كان الرأي- بالمعنى الأوّل- محاولة هادفة في مجال خلا من النصّ. فكان يعنى ب «الاجتهاد»: «التأويل»، و كان يعتبر هذا مخلصا لارتكاب مخالفة النصّ، حيث كانوا يوجّهون عذرهم في ذلك بارتكابهم التأويل. و من أمثلته:

أ) اعتذار خالد بن الوليد من قتله مالك بن نويرة «2» عامل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم على صدقات قومه، حيث قال لأبي بكر: «يا خليفة رسول اللّه! إنّي تأوّلت و أصبت، فأخطأت «3»».

______________________________

(1)- الكليني، محمّد بن يعقوب: الاصول من الكافي، ج 1: ص 62/ ح 10.

(2)- لاحظ ترجمته في- ابن حجر العسقلاني: الإصابة في تمييز الصحابة/ تحقيق: علي محمّد البجاوي، ج 5: صص 754- 757؛ المرزباني: معجم الشعراء، ص 260؛ ابن الاثير:

اسد الغابة في معرفة الصحابة/ تحقيق: محمّد إبراهيم البنّا- محمّد أحمد عاشور، ج 2:

صص 5- 54؛ و غيرها من كتب التراجم و التأريخ.

(3)- ابن واضح،

أحمد بن أبي يعقوب: تأريخ اليعقوبي، ج 2: ص 132، ط دار صادر، بيروت.

و المراد بقوله: «أصبت» هو: ما فعله خالد من الطامّات، من قتله النفس- بل النفوس- المحترمة، و التزويج و البناء بزوجة المقتول تلك الليلة في العدّة، و جعل الرءوس أثافي

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 65

ب) قول أبي بكر لعمر- حين قال له هذا الأخير: «إنّ خالدا زنى فارجمه»:

«ما كنت أرجمه، فإنّه تأوّل فأخطأ «1». أو قال له: «هيه، يا عمر! تأوّل فأخطأ «2»».

ج) في رواية الزهري، عن عروة، عن عائشة: «إنّ الصلاة أوّل ما فرضت ركعتين، فأقرّت الصلاة في السفر، و أتمّت صلاة الحضر» قال الزهري: فقلت لعروة: ما بال عائشة تتمّ في السفر؟ قال: «إنّها تأوّلت كما تأوّل عثمان «3»».

هذا، و قد أدّى هذا الرأي السقيم إلى ما يندى منه الجبين، و يأباه الضمير الحرّ، و يتجافاه الإنسان الشريف فضلا عن أنّه ممّا ينكره العلم الصحيح، و العرفان الواعي و الشامل و إليك بعض الأمثلة:

أ) قالوا بحقّ أبي العادية الفزاري- لعنه اللّه- قاتل عمّار بن ياسر، الذي قال بحقّه الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «يزول مع الحقّ حيث زال ... «4»»، و أخبره صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بأنّه تقتله الفئة الباغية «5»-: إنّه متأوّل، مجتهد، مخطئ، باغ عليه، مأجور أجرا

______________________________

للقدور ... ممّا تأباه الوحوش الكواسر، حاشا بامّة خاتم الأنبياء صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و شريعته العادلة! و ليس المراد به: «الصواب» في مقابل «الخطأ» فإنّه لا يتلاءم مع قوله بعد ذلك:

«فأخطأت». فتدبّر.

(1)- أبو الفداء، عماد الدين إسماعيل: المختصر في أخبار البشر، ج 1: ص 158، طبع

دار المعرفة، بيروت؛ ابن خلّكان، شمس الدين أحمد: وفيات الأعيان/ تحقيق: إحسان عبّاس، ج 6:

صص 13- 14، المتّقي الهندي: كنز العمّال، ج 3: ص 132/ ح 228، الطبعة الاولى.

(2)- الطبري، محمّد بن جرير: تأريخ الرسل و الملوك/ تحقيق: محمّد أبو الفضل إبراهيم، ج 3:

ص 278، الطبعة الثانية.

(3)- النيسابوري: صحيح مسلم/ تحقيق: محمّد فؤاد عبد الباقي، ج 1: ص 478/ ح 3 (كتاب صلاة المسافر).

(4)- المتّقي الهندي: كنز العمّال، ج 6: ص 183.

(5)- ابن سعد: الطبقات الكبرى، ج 3: ص 180، طبع ليدن؛ ابن هشام: السيرة النبويّة، ج 2:

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 66

واحدا. و ليس هذا كقتله عثمان، لأنّهم لا مجال لهم في قتله! «1» قاتل اللّه الجهل المردي، و التعصّب المزري!.

ب) قالوا بحقّ عبد الرحمن بن ملجم المرادي- لعنه اللّه- قاتل أمير المؤمنين عليه السّلام الذي وصفه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بأنّه: «أشقى الآخرين، أو أشقى النّاس، أو أشقى هذه الأمة «2»: أنّه لا خلاف بين أحد من الامّة في أنّ عبد الرحمن بن ملجم لم يقتل عليّا إلّا متأوّلا، مجتهدا، معتذرا أنّه على صواب!! «3» كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلّا كذبا، و لو أنّه أفسح لهم لقالوا بحقّ قاتل حمزة سيّد الشهداء- أيضا- أنّه مجتهد، متأوّل مخطئ ...!!

ج) و قد بلغ بهم صلافة الوجه، أن يردّدوا هذه المقولة الجائفة في تنزيه ساحة ابن ميسون، يزيد المخازي و الفجور، في قتله ريحانة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و سيّد شباب أهل الجنّة ... «4».

و رحم اللّه الشاعر إذ قال:

من أين تخجل أوجه أمويّة سكبت بلذّات الخمور حياءها

______________________________

ص

114؛ الحاكم النيسابوري: المستدرك، ج 3: صص 386، 387، 391؛ و غيرها.

(1)- ابن حزم، عليّ بن أحمد: الفصل في الملل و الأهواء و النحل، ج 4: ص 161؛ ابن حجر، أحمد بن عليّ: الإصابة في تمييز الصحابة/ تحقيق: محمّد أحمد البنّاء- محمّد أحمد عاشور، ج 7: ص 313.

(2)- أحمد بن حنبل: المسند، ج 4: ص 263؛ النسائي: الخصائص، ص 39؛ الحاكم النيسابوري: المستدرك، ج 3: ص 140؛ الخطيب البغدادي: تأريخ بغداد، ج 1: ص 135؛ ابن عبد البرّ: الاستيعاب (هامش الإصابة)، ج 3: ص 60؛ و غيرها.

(3)- ابن حزم، عليّ بن أحمد: المحلّى، ج 10: ص 484؛ ابن التركماني، علاء الدين عليّ: الجوهر النقي (بذيل سنن البيهقي)، ج 8: صص 58- 59، افست دار الفكر، بيروت.

(4)- ابن كثير: البداية و النهاية، ج 8: ص 223.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 67

و ما أحسن ما قيل- و هو العلامة صاحب الاعيان-:

داء لعمرك أعيا الطبيب و المتطبّب إن كان هذا اجتهادا فليس في الأرض مذنب

الثالث: القياس،

و هو- كما عن القاضي أبي بكر الباقلاني-: «حمل معلوم على معلوم، في إثبات حكم لهما، أو نفيه عنهما، بأمر جامع بينهما، من حكم أو صفة «1»». و هذا التعريف هو مختار جمهور محقّقي السنّيّين «2».

و عرّفه الآمدي ب «الاستواء بين الفرع و الأصل في العلّة المستنبطة من حكم الأصل «3»». و عن ابن الهمّام: أنّه «مساواة محلّ لآخر في علّة حكم له شرعيّ، لا تدرك بمجرّد فهم اللّغة «4»».

و هو عند الشافعي- إمام المذهب الشافعي- ممّا يعتبر مرادفا للاجتهاد، قال: «فما القياس؟ أ هو الاجتهاد؟ أم هما مفترقان؟ قلت: هما اسمان لمعنى واحد «5»». و ربّما

جعل «القياس» و «الاجتهاد» و «الرأي» و «الاستحسان» و «الاستنباط»- كلّها- بمعنى واحد. يقول مصطفى عبد الرزاق: «فالرأي، الذي نتحدّث عنه، هو الاعتماد على الفكر في استنباط الأحكام الشرعية، و هو مرادنا

______________________________

(1)- الشوكاني: إرشاد الفحول إلى تحقيق الحقّ من علم الاصول، ص 198

(2)- الغزّالي، محمّد بن أحمد: المستصفى من علم الاصول، ج 2: ص 54.

(3)- الآمدي: الإحكام في أصول الأحكام، ج 3: صص 170- 171، ط دار الكتب العلميّة، بيروت.

(4)- عمر عبد اللّه: سلّم الوصول إلى علم الاصول، ص 274.

(5)- الشافعي (إمام الشوافع)، محمّد بن إدريس: الرسالة/ تحقيق: محمّد سيّد كيلاني، ص 25.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 68

«بالاجتهاد»، و «القياس». و هو- أيضا مرادف «للاستنباط» و «الاستحسان» «1».

و بعضهم اعتبر «الاجتهاد»- بمفهومه الخاصّ- مرادفا للرأي، عند غير الإماميّة و في أنّ القياس، و الاستحسان، و المصالح المرسلة و نظائرها- كلّها- من قبيل المصاديق لهذا المفهوم «2»».

و قد أنكر الأئمّة من أهل البيت عليهم السّلام القياس أشدّ الإنكار، و اعتبروا أوّل عامل به هو إبليس اللعين «3»، كما أنّهم جعلوه ما حقا للدين «4» ...، إلى غير ذلك ممّا حفلت به مجاميعنا الحديثيّة حول الموضوع.

الرابع: الاجتهاد بالمعنى المصطلح المتقدّم ذكره،

و قد عرّفه الآمدي ب «استفراغ الوسع في طلب الظنّ بشي ء من الأحكام الشرعيّة، على وجه يحسّ من النفس

______________________________

(1)- مصطفى عبد الرزاق: تمهيد لتأريخ الفلسفة، ج 8: ص 137، الطبعة الثالثة.

(2)- الحكيم، السيّد محمّد تقي: مقدّمة كتاب «النصّ و الاجتهاد» للعلّامة الأكبر، المرحوم، السيّد عبد الحسين شرف الدين رحمه اللّه، ص 49، طبع النجف الأشرف.

(3)- أبو نعيم: حلية الأولياء، ج 3: ص 196؛ ابن حزم: إبطال القياس، ص 71.

(4)- الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، كتاب

القضاء: الباب 6.

و قد صنّف العلماء في إبطال القياس و دفعه كتبا منها «الاستفادة في الطعون على الأوائل»، و «الردّ على أصحاب الاجتهاد» لعبد اللّه بن عبد الرحمن الزبيريّ (رجال النجاشي، ج 2:

ص 19، ط دار الأضواء، بيروت، ص 220، طبع جامعة المدرّسين، قم). و منها: «الردّ على أصحاب الاجتهاد في الأحكام» لأبي القاسم عليّ بن أحمد الكوفي (رجال النجاشي، ج 2:

ص 97، دار الأضواء، ص 266، طبع جامعة المدرّسين)، و منها «النقض على ابن الجنيد في اجتهاد الرأي» للشيخ المفيد رحمه اللّه، و غيرها. و من العامّة، ابن حزم الأندلسي:

«إبطال القياس» و غيره.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 69

العجز عن المزيد عليه «1»».

و عن الحاجبي: إنّه «استفراغ الوسع في تحصيل الظنّ بالحكم الشرعي «2»».

و يبدو: أنّ المعنى غير واضح عندهم تماما، فإنّ المراد ب «الحكم» الشرعي- كما سبق منّا الإشارة إليه- ينبغي أن يكون هو الحكم الكلّي، و هو الحكم المترتّب على الموضوع المفروض وجوده، مع قطع النظر عن انطباقاته حسب الموارد الشخصيّة، فالظنّ بوجوب الفعل الخاصّ بنحو كلّي- لا وجوبه على زيد و عمرو- هو الذي ينبغي أن يكون نتيجة «الاجتهاد» و من معطياته.

و لكن الشاطبي قال في كتابه «الموافقات» ما لفظه: «الاجتهاد على ضربين:

أحدهما- لا يمكن أن ينقطع حتّى ينقطع أصل التكليف، و ذلك عند قيام الساعة.

و الثاني- يمكن أن ينقطع قبل فناء الدنيا».

و علّق عليه الشارح في الهامش: الاجتهاد، هو استفراغ الجهد و بذل غاية الوسع، إمّا في درك الأحكام الشرعية، و إمّا في تطبيقها، فالاجتهاد في تطبيق الأحكام هو الضرب الأوّل، الذي لا يخصّ طائفة من الامّة دون طائفة، و هو لا ينقطع باتّفاق. و الاجتهاد

في درك الأحكام هو الضرب الثاني، الذي يخصّ من هو أهل له.

«و قد اختلفوا في إمكان انقطاعه، فقال الحنابلة: لا يخلو عصر من مجتهد. و قال الجمهور: يجوز أن يخلو ... «3»».

قلت: ألا سائل هؤلاء عمّا يعنون ب «الاجتهاد»، فإن كانوا يعنون به المعنى

______________________________

(1)- الآمدي: الإحكام في أصول الأحكام، ج 3: ص 396، ط دار الكتب العلميّة، بيروت.

(2)- الحاجبي: شرح مختصر الاصول، ص 460.

(3)- الشاطبي، إبراهيم بن موسى: الموافقات في اصول الشريعة- و شرحه في الهامش، للشيخ عبد اللّه درّاز، ج 4: ص 89، ط المكتبة التجارية الكبرى بمصر.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 70

اللغوي، فقد عرفت فيما سبق، أنّه- بمستوى اللغة- ليس سوى بذل الجهد في كلّ ما يستلزم الكلفة و المشقّة، بلا اختصاص له بالأحكام الشرعية، لا دركا و لا تطبيقا، بل و لو كان ذلك في سبيل تحصيل لقمة العيش، فإنّه يعدّ- في اللغة- مجتهدا.

و إذا كان المعني به هو المعنى المصطلح، فأين يكون تطبيق الحكم الشرعي على موارده و موضوعاته الشخصيّة من الاجتهاد، و إلّا لأصبح جميع المقلّدين مجتهدين، فإنّ تطبيق الكبريات الشرعية على الموارد شأن المقلّد- بالكسر- و هل هذا إلّا من سفاسف القول، و هذر اللسان!!

ثمّ إنّ تحديد هذه المعاني للاجتهاد بحسب الأدوار و الأزمان، أمر مشكل جدّا، بل هي- كما يلاحظه المتتبّع- متداخلة، فربّما اجتمع المعنيان أو الثلاثة، بل الأربعة فى مرحلة واحدة من الزمن، و لأجل ذلك لا نتطرّق لمثل هذا البحث، مع كونه عديم الجدوى أيضا.

هذا و قد انتهى المطاف- في اختلاف الإماميّة مع غيرهم في الاجتهاد- إلى سدّ باب الاجتهاد عند الجماعة، و الاقتصار على المذاهب الأربعة المعروفة، و تأريخ

سدّ باب الاجتهاد و مناشئة معروف و محرّر.

و لعلّ ذلك كان من مشيئات حكمة القدر، إذ مع شرعيّة الرأي، و التأويل، و القياس ... لو لم يكن قد سدّ باب الاجتهاد، لا ندري- و لا يكاد يدري أحد سوى اللّه تعالى- ما ذا كان يؤول إليه أمر الشريعة الإسلاميّة؟!

و نختم الكلام بذلك، مرجئين استيفاء البحث حول الموضوع إلى المجال المناسب له.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 71

3- الكتاب

هذه صحف وفّقت لتحريرها منذ ما يقرب من أربعين عاما، و كان قد أحاط بتحريرها- في حينه- ظروف و ملابسات معيّنة، جعلت منها- في وقته- أقرب ما تكون من الانتساب إليّ، و أبعد ما تكون عن الانتساب إلى ساحة سيدنا الاستاذ المعظّم- دام ظلّه- فضلا عن اعتبارها تمثّل أنظار سيّدنا الاستاذ في الوقت الحاضر، مع ما يتمتّع به- دام ظلّه- من بداهة الخاطر، و عمق التفكير، ممّا يجعلانه لا يستقر على رأي، و لا يستكين لفكرة، و إنما يتحوّل من فكرة إلى راي، و ينتقل من راق إلى ما هو أرقى منه.

كما أنّه- لسوء الحظ، او مشيئة القدر- تحيط بهذا الأوان- و هو أوان العزم على جعلها ترى النور، و تبرز في عالم الطباعة- ظروف و ملابسات من نوع آخر و هو نسيج وحده، حالت دون إمكان أي عطف نظر تجديدي عليها يقلل من شأن الهفوات المحتملة فيها، أو المقارنة بينها و بين ما استجدّ لسيّدنا الاستاذ- دام ظلّه- حول المسائل المطروحة فيها.

و بكلمة موجزة: لم يسمح لي القدر- أو أنّه لم يسعفني الحظّ- من الإشراف على الكمال النسبيّ، لا في حين تحرير هذه الصحف، و لا في أوان تقديمها إلى

________________________________________

قمّى، سيد محمد

حسينى روحانى، المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، 3 جلد، مؤسسة الجليل للتحقيقات الثقافية (دار الجلي)، تهران - ايران، اول، 1418 ه ق

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة؛ ج 1، ص: 72

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 72

الطبع. و الحمد للّه الّذي لا يحمد على مكروه سواه.

غير أني لا ادّعي رفض إجراء أي عمل إيجابيّ تجاهها- و هي مشرفة على الطبع- مطلقا، فقد أجريت- قدر ما ساعدني التوفيق- عليها بعض التحويرات الجانبيّة، ممّا يرجع إلى تبيين منابع و مصادر الأقوال أو الأدلّة التي وقعت الإشارة إليها طيّ عرض المسألة. و كذلك تخريج الآيات الكريمة و الأحاديث الشريفة، و غير ذلك، مما يخلو منه- عادة- تقرير الأبحاث الحوزويّة حين تحريره، و هو أمر معلوم لدى مزاولي هذا العمل في الدراسات الحوزيّة.

*** لقد كان يدور بخلدي حين تحرير هذه الصحف بعض الأمور، حول إفادات سيّدنا الاستاذ- دام ظلّه- و كنت- على الأغلب- أتحاشى عن تدوين ذلك، إلّا النزر اليسير منه جدّا، فقد كنت أشير إليه إشارة عابرة كخاطر يخطر بالبال، لا بصيغة الإيراد و الإشكال. و لكنّي- حينما تمّ العزم- بحوله و قوّته تعالى- على تقديمها للطبع تحاشيت عن كلّ ذلك على سبيل الإطلاق، حتى لا أخلّ بذلك بقدسيّة الكتاب، أو لئلّا أشوّه معالمه بما لم يكن بذلك المستوى.

*** ثم إنّه قد لا يكون من نافلة الكلام التنبيه على أن هذه المجموعة- و هي التي أرجو اللّه العليّ القدير أن يوفّقني لإنجاز طبعها- تشتمل على مباحث فقهية متفرقة، على محاور مختلفة. فمحور البحث في كتاب «الزكاة» و «الخمس» و «الصوم» هو كتاب «العروة الوثقى» لآية اللّه العظمى، السيّد الطباطبائيّ اليزديّ- طاب

ثراه-، و محور البحث في كتاب «الحج» هو كتاب «شرائع الإسلام» للمحقّق الحلي- قدّس اللّه روحه-، مع الإشارة إلى الفروعات المناسبة من كتاب

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 73

العروة. و محور البحث في «المكاسب المحرّمة»، و «البيع» و «الخيارات» هو كتاب «المكاسب» لشيخنا الأعظم الانصاري- قدّس اللّه نفسه الزكيّة-. و آخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين.

و السّلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته

محمد صادق الجعفري

22 ذى الحجة الحرام 1415 ق

1 خرداد ماه 1374 ش

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 75

كتاب الزكاة

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 77

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

كتاب الزكاة (1)

[فصل في شرائط وجوب الزكاة]

اشارة

[فصل] في شرائط وجوب الزكاة

______________________________

(1) الزكاة في اللغة: الطهارة «1» و النموّ «2». و لعلّ من الأول «3»: قوله

______________________________

(1)- قال ابن الأثير: «أصل الزكاة في اللّغة: الطّهارة، و النّماء، و البركة و المدح. و كلّ ذلك قد استعمل في القرآن و الحديث ...» (ابن الأثير، المبارك بن محمّد: النهاية في غريب الحديث و الأثر/ تحقيق: محمود محمّد الطناحي- طاهر أحمد الزاوي، ج 2: ص 307).

و قال الأزهري: «قال الليث: الزّكاة: زكاة المال، و هو تطهيره، و الفعل منه: زكّى، يزكّي، تزكية ...» (الأزهري، محمد بن احمد: تهذيب اللغة، ج 10: ص 319).

و قال ابن منظور: «الزكاة: زكاة المال معروفة، و هو تطهيره، و الفعل منه: زكّى، يزكّي، تزكية: إذا أدّى عن ماله الزكاة ...- إلى أن قال:- و قوله تعالى: ... وَ تُزَكِّيهِمْ بِهٰا ... (التوبة، 9: 103) قالوا: تطهّرهم بها ...» (ابن منظور، محمد بن مكرم: لسان العرب، ج 14:

ص 358، ط دار

صادر، بيروت).

- و لاحظ أيضا: المحكم، و قاموس اللغة، و تاج العروس، و غيرهما من المصادر اللغويّة.

(2)- كما مرّ ذلك عن ابن الأثير في «النهاية». و قال ابن دريد: «الزّكو: مصدر زكا، يزكو، زكوا و زكّوا و زكاء، و الزّكاء و النّماء و الإتاء: ما يخرجه اللّه تعالى من الثمر» (ابن دريد: جهرة اللغة، ج 3: ص 17).

و قال الجوهري: «و زكا الزرع يزكو زكاء، ممدود، أي: نما ...» (الجوهرى، إسماعيل بن حماد: صحاح اللغة، ج 6: ص 2368، ط دار الملايين، بيروت).

و قال الفيّومي: «الزّكاء- بالمدّ- النّماء و الزّيادة، يقال: زكا الزّرع و الأرض، تزكو زكوّ، من باب قعد- و أزكى- بالألف- مثله، و سمّي القدر المخرج من المال زكاة، لأنّه سبب يرجى به الزّكاء ...» (الفيّومي، أحمد بن محمّد: المصباح المنير، ج 1: ص 301، ط بولاق الثانية).

و قال الراغب: «أصل الزكاة: النموّ الحاصل عن بركة اللّه عزّ و جلّ ...» (الراغب، الحسين بن أحمد: معجم مفردات ألفاظ القرآن/ تحقيق: نديم المرعشلي، ص 218).

(3)-- علي بن إبراهيم: تفسير القمي، ج 2: ص 424، ط النجف الأشرف؛ الطبرسى: مجمع البيان، ج 10: ص 498، ط بيروت؛ الطبرى، محمد بن جرير: جامع البيان، ج 30:

ص 143، ط بولاق؛ النيسابوري: غرائب القرآن/ تحقيق: إبراهيم عطون عوض، ج 30:

ص 106.

و اختاره جمع من الفقهاء قدّس سرّهم- البحراني، الشيخ يوسف: الحدائق الناضرة، ج 12:

ص 2، ط النجف الأشرف؛ النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 2، ط النجف الأشرف.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 78

..........

______________________________

تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّٰاهٰا «4» و في اصطلاح أهل الشرع «5» تطلق على

______________________________

(4)- الشمس، 91: 9.

(5)-

المحقق الحلّي، جعفر بن الحسن: المعتبر، ج 2: ص 485، ط مؤسّسة سيد الشهداء عليه السّلام، قم؛ العلامة الحلّي، الحسن بن يوسف: منتهى المطلب، ج 1: ص 470، ط إيران الحجريّة؛ الموسوي، السيد محمد: مدارك الأحكام، ج 5: ص 5، ط مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام، قم؛ الشهيد الأول، محمد بن مكي: الدروس الشرعية، ج 1: ص 228، ط جامعة المدرسين، قم (و لكنّه عرفها بأنّها «صدقة ...» بدلا عن التعبير ب «الحقّ» و تبعه فى ذلك الشهيد الثاني:

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 79

..........

______________________________

الحق الخاصّ، المفروض في المال الخاصّ، في أصل الشريعة، لا بأسباب ثانويّة معلومة؛ من عهد، و نذر، و نحوهما. كما أنّها تطلق- أيضا- على إخراج المكلّف ذلك الحق المفروض، فتكون عنوانا لأفعال المكلّفين، كما يلاحظ ذلك في تعاريف كثير من الفقهاء، حيث عرّفوها ب «إخراج ... «1»». و تطلق أيضا على نفس المال المخرج، كما يلاحظ ذلك في استعمالات الفقهاء «2»، و بعض الروايات «3» ثمّ

______________________________

مسالك الافهام، ج 1: ص 37، ط إيران الحجريّة [و] ابن فهد الحلّي، أحمد بن محمد: المهذّب البارع، ج 1: ص 499، ط جامعة المدرّسين، قم [و] العاملي، السيد محمد جواد: مفتاح الكرامة، ج 3/ كتاب الزكاة: ص 2 [و] النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15:

صص 2- 3، ط النجف الأشرف [و] الفقيه الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3:

ص 2، ط إيران الحجريّة).

(1)- الطوسي: المبسوط، ج 1: ص 190، ط الثانية، المكتبة المرتضوية، طهران؛ ابن إدريس الحلّي، محمد بن منصور: السّرائر، ج 1: ص 428، ط جامعة المدرسين، قم؛ النجفي، محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 3،

طبعة النجف الأشرف؛ النراقي، أحمد بن مهدي:

مستند الشيعة، ج 2: ص 4، ط إيران الحجريّة.

(2)- العلّامة الحلّي، الحسن بن يوسف: تحرير الأحكام، ج 1: ص 57، ط إيران الحجريّة؛ الشهيد الأول، محمد بن مكّي: البيان، ص 275، ط المؤسّسة الثقافية للإمام المهدي (عج)؛ النراقي، أحمد بن مهدي: مستند الشيعة، ج 2: ص 4، ط إيران الحجريّة.

قال الزمخشري: «و الزكاة فعلة كالصّدقة، و هي من الأسماء المشتركة، تطلق على عين، و هي الطائفة من المال المزكّى بها، و على معنى، و هو الفعل الّذي هو التزكية، كما أنّ الذّكاة هي التذكية في قوله صلّى اللّه عليه و آله: «ذكاة الجنين زكاة أمّه». و من الجهل بهذا أتى من ظلم نفسه بالطّعن على قوله عزّ و جلّ: وَ الَّذِينَ هُمْ لِلزَّكٰاةِ فٰاعِلُونَ ذاهبا إلى العين، و إنّما المراد المعنى الّذي هو الفعل، أعني التزكية» (الزمخشري: الفائق في غريب الحديث/ تحقيق:

على محمد البجاوي- محمد أبو الفضل إبراهيم، ج 2: ص 119).

(3)- هو ما رواه الكلينى قدّس سرّه باسناده عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «إنّ اللّه عزّ و جلّ فرض الزكاة كما فرض الصلاة، فلو أنّ رجلا حمل الزكاة فأعطاها علانية لم يكن عليه في ذلك عيب- الحديث» (الحرّ العاملي: وسائل الشيعة، باب 1/ ما تجب فيه الزكاة و ما تستحب فيه، ح 3).

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 80

الّتي وجوبها من ضروريات الّذين، و منكره مع العلم به كافر (2).

______________________________

إنّ البحث عن الحقيقة الشرعية ممّا لا ثمرة فيه أصلا، مع فرض صلوح المقام لكلا الأمرين، حيث أنّ استعمال الزكاة بما لها من المعنى اللّغوي- كالطهارة مثلا- في

المعنى الشرعيّ صحيح، لوجود العناية المصحّحة له، حيث أنّ في ذلك طهارة للمال من الأوساخ، كما أنّ فيها طهارة للنفس من درن الشحّ و البخل. و عليه فيمكن أن تكون الكلمة في موارد استعمالات المتشرعة باقية على ما كانت عليها سابقا من المعنى اللّغوي. كما أنّه يحتمل فيها النقل عن ذلك المعنى إلى المعنى الشرعيّ المستحدث، و على كلا التقديرين فلا ثمرة تترتّب على البحث عن ذلك أصلا.

(2) و يدلّ عليه من الكتاب العزيز، قوله تبارك و تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ ... «1»، و أمّا قوله تعالى: وَ فِي أَمْوٰالِهِمْ حَقٌّ لِلسّٰائِلِ وَ الْمَحْرُومِ، «2» و قوله عزّ من قائل: وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصٰادِهِ ... «3».

______________________________

(1)- التوبة، 9: 103.

(2)- الذاريات، 51: 19.

و مثله قوله تعالى: وَ الَّذِينَ فِي أَمْوٰالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ* لِلسّٰائِلِ وَ الْمَحْرُومِ (المعارج، 70: 24- 25).

(3)- الأنعام، 6: 141.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 81

..........

______________________________

فليسا هما من أدلّة وجوب الزكاة «1».

و أمّا الروايات الدالّة على ذلك فهي كثيرة جدا «2». و لعلّه لا يبعد فيها دعوى التواتر الإجمالي، مضافا إلى أنّ الحكم المذكور متسالم عليه بين الفقهاء قدّس سرّهم، بل عند عامّة المسلمين، على اختلاف مذاهبهم. و من هنا كان إنكاره- مع العلم به- موجبا للكفر، لكونه تكذيبا للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فيما جاء به.

ثم إنّ الصحيح في هذا المقام إنّما هو التعبير بالثبوت دون الوجوب، بأن يقال: إنّ ثبوت الزكاة- في الجملة- في الشريعة المقدّسة من الضروريّات، و إلّا فلا بدّ من البحث- كما سيأتى ذلك إن شاء اللّه تعالى- في أنّ الحكم الوارد من الشارع في المقام، هل

هو حكم تكليفيّ بوجوب أداء المقدار المخصوص من المال إلى الجهة المعيّنة له شرعا، أو أنّه حكم وضعيّ مستتبع للحكم التكليفيّ، و هو:

جعل حق للفقراء في أموال الأغنياء؟ و حينئذ، فقبل تنقيح البحث المذكور يكون التعبير ب «الوجوب» في المقام ليس كما ينبغي، كما هو ظاهر.

______________________________

(1)- كما دلّت على ذلك جملة من الأخبار الواردة في تفسير الآيتين الكريمتين، منها: موثق سماعة بن مهران، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال- في حديث-: «و لكن اللّه عزّ و جلّ فرض في أموال الأغنياء حقوقا غير الزكاة، فقال عزّ و جلّ: وَ فِي أَمْوٰالِهِمْ حَقٌّ لِلسّٰائِلِ ...، فالحقّ المعلوم غير الزكاة، و هو شي ء يفرضه الرجل على نفسه في ماله، يجب عليه أن يفرضه على قدر طاقته- الحديث» و نحوه غيره (لاحظ- وسائل الشيعة، باب 7:

ما تجب فيه الزكاة و ما تستجب فيه). و في صحيح الفضلاء، عن أبي جعفر عليه السّلام، في قول اللّه عزّ و جلّ: وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصٰادِهِ، فقالوا جميعا: قال أبو جعفر عليه السّلام: «هذا من الصّدقة، تعطى المسكين القبضة بعد القبضة، و من الجذاذ: الحفنة بعد الحفنة، حتى يفرغ ...» و نحوه غيره، (لاحظ- وسائل الشيعة، باب 13، 14: زكاة الغلّات).

(2)- كما يلاحظها المراجع في «وسائل الشيعة»/ باب 1، 3، 4، 5 و غيرها من أبواب الزكاة.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 82

بل في جملة من الأخبار: أنّ مانع الزكاة كافر (3).

______________________________

(3) كما يدلّ عليه جملة من الرّوايات، ذكرها صاحب الوسائل قدّس سرّه في الباب الرّابع، من أبواب ما تجب فيه الزكاة و ما تستحب فيه، و عنونه ب «باب ثبوت الكفر، الارتداد، و القتل بمنع

الزكاة استحلالا و جحودا» و من المعلوم: أنّ المنع من إخراج الزكاة بمجرّده ما لم يكن عن إنكار و جحود لأصل وجوبه لا يوجب الكفر المقابل للإسلام، بماله من الآثار الخاصّة، و لعلّ هذا هو المعنيّ به في الروايات المذكورة، حسبما يفصح عنه عنوان الباب في الوسائل- كما عرفت- أو يرد علمه إلى أهله، بحثان:

الأوّل: هل الحكم الثابت في المقام هو مجرّد الحكم التكليفي، و هو وجوب الإعطاء، أو المجعول هو الحكم الوضعيّ، و هو ثبوت حق الفقراء في أموال الاغنياء، المستتبع ذلك لوجوب الإعطاء؟

و يترتّب على ذلك: أنّه على التقدير الأوّل، يكون اشتراط البلوغ و العقل في المقام على طبق القاعدة، نظرا إلى اشتراط التكاليف عامة بهما. و أمّا على الثاني، فمقتضى القاعدة هو عدم الاشتراط بهما، فانّ حديث رفع القلم عن الصبيّ حتّى يحتلم، و المجنون حتى يفيق لا يقتضي إلّا رفع الحكم التكليفيّ دون الحكم الوضعيّ، فغايته أن لا يكون الإعطاء واجبا على الصبيّ و المجنون، مع فرض ثبوت أصل الحق المعبر عنه ب «الزكاة» في مالهما.

و مقتضى النصوص الخاصة- كما سنتعرض لها إن شاء اللّه تعالى- و إن كان هو اعتبار البلوغ و العقل، بلا فرق بين أن يكون المجعول حكما تكليفيا أو يكون حكما وضعيّا، إلّا أنّ تنقيح البحث المذكور لازم، نظرا إلى أنّ هناك بعض الفروع

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 83

..........

______________________________

المشكوك شمول النصوص الخاصة لها، و حينئذ فتظهر الثمرة العمليّة بين القولين في أمثال تلك الفروع، كما سيجي ء ذلك في مطاوى الكلام إن شاء اللّه تعالى.

و كيف كان، فالظاهر من بعض النصوص الواردة في المقام هو أنّ المجعول هنا إنّما هو الحكم الوضعيّ،

كصحيح زرارة و محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السّلام- في حديث- قال: «إن اللّه عزّ و جلّ فرض للفقراء في مال الأغنياء ما يسعهم، و لو علم أنّ ذلك لا يسعهم، لزادهم- الحديث «1»». فإنّ الظاهر من ذلك هو أنّ المجعول حكم وضعيّ، فإنّ تقدير الكلام: «إنّ اللّه فرض للفقراء في مال الأغنياء مالا يسعهم ...»، و الظّاهر من فرض المال لهم هو ثبوت حقّ لهم في أموال الأغنياء، لا مجرد وجوب الإعطاء على الأغنياء.

و مثله رواية عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: «و ذلك إنّ اللّه عزّ و جلّ فرض للفقراء في أموال الأغنياء ما يكتفون به- الخبر «2»»، و موثق سماعة، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: «إنّ اللّه عزّ و جلّ فرض للفقراء في أموال الأغنياء فريضة لا يحمدون إلّا بأدائها، و هي الزكاة- الحديث «3»»، و حسن ابن مسكان، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: «إنّ اللّه عزّ و جلّ جعل للفقراء في أموال الأغنياء ما يكفيهم- الحديث «4»».

ثمّ إنّه قد يقال: باستفادة ذلك من الآية الكريمة، و هي قوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ ... «5» بتقريب: أنّ اللّه سبحانه و تعالى أمر

______________________________

(1)- الحرّ العاملي: وسائل الشيعة/ باب 1: ما تجب فيه الزكاة و ما تستحب فيه، ح 2.

(2)- المصدر، ح 3.

(3)- المصدر، ح 10.

(4)- المصدر، ح 9.

(5)- التوبة، 9: 103.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 84

..........

______________________________

نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالأخذ من أموالهم، فيكون هذا ظاهرا في أنّ الثابت في حقّهم إنّما هو الحكم الوضعيّ، و إلّا لأمره

صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بأمرهم بالإعطاء، كما هو ظاهر.

و يتوجّه عليه: أنّ الآية الكريمة غير دالّة إلّا على أصل تشريع الحكم المذكور و ثبوته، من دون تعرّض لما هو الثابت، من كونه هو الحكم التكليفي المحض، أو الحكم الوضعيّ، و أخذه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم منهم كما يكون لأجل وجوب اعطاء الزكاة عليهم تكليفا، كذلك يكون لأجل ثبوت حق الفقراء في أموالهم، المستتبع ذلك لوجوب الإعطاء عليهم، خروجا عن عهدة الحقّ المذكور «1».

الثاني: كيفيّة تعلّق الزكاة، و أنّها متعلّقة بالذمّة أو بالعين؟

المشهور و المعروف فيما بينهم «2»، بل لم ينقل الخلاف فيه صريحا، كما قيل «3».

بل عن غير واحد دعوى الإجماع عليه «4»، إنّما هو تعلق الزكاة بالعين، و أمّا

______________________________

(1)- اقول: بناء على مسلكه- دام ظلّه- من كون الأحكام الوضعيّة منتزعة عن التكاليف، كما أوضحه فى بحث الاصول، لا بدّ من الالتزام في المقام بثبوت الحكم التكليفيّ، كما هو مقتضى البرهان الذي أقامه- دام ظلّه- إلّا أنّه التزم بخروج الملكيّة عن هذه القاعدة العامة، نظرا إلى تسالم الكلّ على كونها مجعولة بالاستقلال. و لعلّه لا يخلو من بعد، بعد البرهان على الانتزاعيّة. ثمّ إنّ الحكم الوضعيّ منتزع عن الحكم التكليفي فى مرحلة الجعل، كما صرّح به شيخنا الانصاري قدّس سرّه، و حينئذ فلا وجه للإيراد بأنّ مقتضى الالتزام بالمسلك المذكور في المقام هو عدم ثبوت الزكاة في حق الصبيّ و المجنون على طبق القاعدة، كما هو ظاهر.

(2)- الفيض الكاشاني، محمد محسن: مفاتيح الشرائع، ج 1: ص 203، ط قم- إيران؛ البحرانى، الشيخ يوسف: الحدائق الناضرة، ج 12: ص 141، ط النجف الأشرف؛ النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام،

ج 15: ص 138، ط النجف الأشرف.

(3)- الفقيه الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3: ص 42، ط إيران الحجريّة.

(4)- العلّامة الحلّي، الحسن بن يوسف: منتهى المطلب، ج 1: ص 505، ط إيران الحجريّة؛ تذكرة الفقهاء، ج 1: ص 224، ط إيران الحجريّة؛ العاملى، السيّد محمد جواد: مفتاح

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 85

..........

______________________________

القول باشتغال الذمّة فلم ينقل ذلك إلّا عن بعض مجهول الحال «1». قال المحقق الفقيه الهمداني قدّس سرّه في «مصباح الفقيه»: «حكى في البيان، عن ابن حمزة، أنّه حكى عن بعض الأصحاب: تعلّقها بالذمّة ... «2»»، و هو منسوب أيضا إلى الشافعي «3». و عن المحقق قدّس سرّه في «المعتبر» نسبته إلى بعض العامة «4». و فصّل

______________________________

الكرامة، ج 3/ كتاب الزكاة، ص 109، ط مصر.

و قال المرتضى رحمه اللّه: «فإنّ أصول الشريعة تقتضي أنّ الزكاة إنّما تجب في الأعيان، لا الأثمان» (الانتصار، ص 79، ط النجف الأشرف)؛ المقدس الأردبيلى، احمد: مجمع الفائدة و البرهان، ج 4: ص 124، ط جامعة المدرسين، قم.

(1)- العاملي، السيد محمد جواد: مفتاح الكرامة، ج 3/ كتاب الزكاة، ص 109؛ البحراني، الشيخ يوسف: الحدائق الناضرة، ج 12، ص 141، ط النجف الأشرف.

(2)- الشهيد الاول، محمد بن مكى: البيان، ص 303، ط بنياد فرهنگي إمام المهدي (عج)؛ الفقيه الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3: ص 42، ط ايران الحجرية؛ العاملي، السيد محمد جواد: مفتاح الكرامة، ج 3/ كتاب الزكاة، ص 109.

و ما نسبه الشهيد رحمه اللّه إلى ابن حمزة غير موجود في كتاب «الوسيلة» لابن حمزة، كما اعترف به السيّد العاملي فى «مفتاح الكرامة» (ج 3/ كتاب الزكاة، ص 109). و قال قدّس

سرّه:

«و لعلّه في «الواسطة»- و هو كتاب فقهيّ اخر لابن حمزة- إذ ليس لذلك فى «الوسيلة» أثر».

و الغريب: أنّ محقق كتاب «البيان» في طبعة الجديدة أحال ذلك إلى «الوسيلة» (ص 130) و لا وجود له فى الكتاب المذكور، رغم انّ المحقق للكتاب الأخير هو محقق «البيان» نفسه.

(3)- العلّامة الحلّي، الحسن بن يوسف: تذكرة الفقهاء، ج 1: ص 224، ط إيران الحجريّة؛ منتهى المطلب، ج 1: ص 505، ط إيران الحجريّة؛ العاملي، السيد محمد جواد: مفتاح الكرامة، ج 3/ كتاب الزكاة، ص 109؛ ابن قدامة، شمس الدين: الشرح الكبير، ج 2، صص 463- 464.

قال ابن قدامة: «الزكاة تجب في عين المال، إذا تمّ الحول، في إحدى الروايتين عن أحمد و أحد قولي الشافعي، و هذه الرواية هي الظاهرة عند أكثر الأصحاب ...- إلى أن قال:- و الرواية الثانية: أنّها تجب في الذمّة و هو القول الثاني للشافعيّ، و اختيار الخرقي ...» (ابن قدامة، موفق الدين: المغني، ج 2، ص 537، افست دار الكتاب العربي، بيروت).

(4)- كذا جاء في «مصباح الفقيه» للفقيه الهمداني، و في «مفتاح الكرامة»: «و نقله في المعتبر عن بعض العامّة» و الموجود في «المعتبر»: «و للشافعي و أحمد قولان، لأنّها لو وجبت في العين لكان للمستحق إلزام المالك بتسليمها منه ...»- المحقّق، جعفر بن الحسن:

المعتبر، ج 2: ص 520، ط مؤسّسة سيد الشهداء عليه السّلام، قم [و] ص 265، ط إيران الحجريّة.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 86

..........

______________________________

صاحب المستند قدّس سرّه «1» بين ما كانت الفريضة من جنس العين، كما في أربعين شاة شاة، أو في عشرين مثقالا من الذهب نصف مثقال، فالزكاة متعلّقة بالعين، و بين ما لم

تكن من جنسها، كما في خمس من الإبل شاة، فهي متعلّقة بالذمّة. و كيف كان، فالقول باشتغال الذمّة ممّا لا ينبغي المصير إليه، كما لا يجدر الاهتمام به، بعد تسالمهم على خلافه، و لا سيّما مع كونه على خلاف كثير من النصوص الواردة في المقام، إن لم يكن جميعها. و ممّا يدلّنا على تسالم الفقهاء قدّس سرّه على خلاف القول المذكور هو: أنا لم نجد منهم من التزم باللوازم الآتية، المتفرعة على القول باشتغال الذمّة، و هى:

1- إنّه إذا تكرّر الحول على النصاب الواحد تكرّرت الزكاة به، كما إذا كان له أربعون شاة، و مضى عليها حولان و أكثر، و هذا بخلاف ما إذا تعلقت بالعين، حيث لا تجب إلّا زكاة واحدة، و ذلك: لنقصان النصّاب بمضيّ الحول الأوّل، فإن جزءا من العين يكون متعلّقا لحق الفقراء- مثلا- لا محالة، و يوجب ذلك نقصان النصّاب بالنسبة إلى الحول الثانى.

2- عدم تقديم الزكاة على الدين، عند قصور التركة، بأن تضرب مع الدين، و يدخل النقص على الجميع بنسبة معيّنة، مع أنّ الفقهاء التزموا بتقديمها على الدّين، و عدم دخول النقص عليها.

______________________________

(1)- النراقي، احمد بن مهدى: مستند الشيعة، ج 2: ص 38، ط إيران الحجريّة.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 87

..........

______________________________

3- عدم توزيع التلف على الزكاة فيما إذا تلف بعض المال الزكويّ، كما هو لازم القول باشتغال الذمّة، مع أنّ الفتوى بالخلاف، و هو التوزيع.

4- عدم تتبّع ساعي الزكاة العين المبيعة إذا لم يؤدّ المالك زكاتها، مع أنّهم افتوا بالتتبّع «1».

و على الجملة: الآثار المترتبة على القول باشتغال الذمّة، و هي التي أشرنا إليها، لم نعثر من الفقهاء على من التزم بها، و

هو كاشف عن رفضهم لأصل المبنى، كما هو ظاهر. فالأولى البحث- أولا- عن صور تعلّق الزكاة بالعين، بحسب مقام الثبوت، ثم النظر فيما يساعده الدليل. و الكلام في ذلك و إن كان محلّه فيما سيأتي- إن شاء اللّه تعالى- كما هو معنون في كلماتهم قدّس سرّهم، إلّا أنّ في تقديمه فائدة لازمة، نظرا إلى الانتفاع به في بعض الفروع، كما سيمرّ عليك ذلك خلال البحث، إن شاء اللّه. و على هذا فالكلام يقع في مقامين:

المقام الأوّل: صور تعلّقها بالعين ثبوتا

الأولى: أن يكون على وجه الشركة الحقيقيّة، بمعنى كون جزء مشاع من مجموع العين ملكا للفقراء، ففي مثل أربعين شاة، يكون المملوك لهم هو الجزء المشاع، الذي بنسبة إلى الكل نسبة الواحد إلى الأربعين، و حينئذ فأيّ جزء فرضناه في هذا المال يكون جزء منه، بنسبته الواحد إلى الأربعين، مملوكا للفقراء، و الباقي ملكا للمالك. و يترتب على هذا:

1- عدم جواز تصرّف المالك في ماله قبل إخراج الزكاة إلّا بإذن وليّ

______________________________

(1)- البحراني، الشيخ يوسف: الحدائق الناضرة، ج 12: ص 142، ط النجف الأشرف؛ النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 139، ط النجف الأشرف.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 88

..........

______________________________

الفقراء، و ذلك: لاشتراط صحّة تصرّف أحد الشريكين في المال المشترك بإجازة الشريك الآخر.

2- عدم جواز تطبيق المالك بنفسه الجزء المملوك للفقراء، إلّا برضا وليّ الفقراء، و هو الفقيه الجامع الشرائط. و بكلمة أخرى: لا يكون المتّبع في مقام افراز حق الفقراء هو نظر المالك فقط، بل منضما إلى نظر وليّ الفقراء أيضا، كما هو ظاهر.

3- ضمان المالك المنافع، المستوفاة و غيرها، إذا لم يؤدّ زكاة العين. و ذلك:

لأنّ جزءا

من المال مملوك للفقراء، على الفرض، فنماء آته تكون مملوكة لهم أيضا، فيكون المالك حينئذ ضامنا لها، بنسبة أصل العين المملوكة لهم إلى المجموع، سواء أ كان المالك، قد استوفاها أم لم يكن قد استوفاها.

4- إنّه إذا لم يؤدّ الحق المفروض إلى صاحبه، كما في الخمس المشترك مع الزكاة من هذه الجهة، فيما إذا كان له خمسمائة دينار- مثلا- فلم يؤدّ خمس المال- و هو مائة دينار- إلى أن مر على ذلك الحول الثاني، فزاد المال و بلغ ألف دينار، كان اللّازم حينئذ- على القول بالشركة الحقيقيّة- هو إخراج الخمس من أربعمائة دينار من الخمسمائة الثانية. و ذلك: لأنّ مائة منها إنّما هي من ربح المائة الّتي هي حق الخمس، فهي ملك لأصحاب الخمس، و التخميس إنّما يلزم في الأربعمائة الباقية، الّتي هي من ربح الأربعمائة من الخمسمائة الأولى. فيكون ما يؤدّيه من الخمس مائتين و ثمانين دينارا، لا تخميس الألف دينار- الّذي ربحه في حولين على الفرض- و خمسه مائتا دينار «1». ثم إنّه لا يخفى عليك: أنّه لم يلتزم أحد

______________________________

(1)- لا يخفى: أنّ المفروض في المثال هو ربح المال بمثله، بأن يكون ربح الدينار الواحد- مثلا- دينارا واحدا، و يكون كلّ مائة دينار فى المثال موجبا لربح مائة دينار.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 89

..........

______________________________

باللّازم الأخير، كما لم يلتزم باللّوازم الثلاث المتقدمة عليه، و هذا ممّا يكشف عن تسالم الفقهاء قدّس سرّه على خلاف القول المذكور.

الثانية: الشركة الحقيقيّة في الماليّة دون العين بأن يشترك الفقراء مع الملّاك في قيمة العين، بنسبة الواحد إلى الأربعين، مثلا، كما في أوّل نصاب الغنم، نظير إرث الزّوجة من أعيان الأراضي و نحوها.

الثالثة:

أن يكون حقّ الفقير المتعلق بالعين من قبيل الكلّي في المعيّن، بمعنى: أن يكون متعلق حقّه فردا مبهما من مسمّى الفريضة، و غاية ما يكون له من التعيّن هو أن يكون الفرد المذكور مخرجا من هذا العين، كما في صاع من صبرة معيّنة و يترتّب على هذا جواز تصرّف المالك فيما عدا مسمّى الفريضة، فإذا كان له أربعين شاة، كانت واحدة منهما- بنحو الكلّي في المعيّن- متعلقا لحقّ الفقير، و حينئذ جاز له التصرف في تسعة و ثلاثين منها، دون مجموع الأربعين.

الرابعة: أن يكون ذلك من قبيل حق الغرماء المتعلّق بالتركة، فيكون الفقير مستحقا للفريضة، الّتي سمّاها الشارع، من هذا العين، كما يكون الغرماء مستحقّين لحقوقهم من عين التركة، إلّا أنّ الحق غير متقوم بالعين المذكورة، فلو تبرّع أحد فأدّى دين الميّت كان قد أدّى نفس الحق لا بدّ له، كذلك في المقام لو أدّى المالك من غير الجنس كان قد أدّى عين ما يستحقه الفقير دون بدله.

الخامسة: أن يكون ذلك من قبيل حقّ الجناية المتعلق برقبة العبد، فكما أنّ من تحت يده العبد الجاني يكون مخيّرا في فكّ رقبته، بأداء الحق المفروض من ماله، أو تفويض نفس العبد إلى أولياء المجنيّ عليه، كذلك المالك في المقام.

السادسة: أن يكون ذلك من قبيل حق الرّهانة، و مرجعه إلى اشتغال ذمّة المالك بالكلّي، غايته: أن تكون العين المذكورة بمنزلة العين المرهونة استيثاقا لدى

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 90

..........

______________________________

الفقراء.

السابعة: أن يكون من قبيل حق منذور الصّدقة، فكما لا يخرج عن ملكه قبل دفعه- المنذور له- بقصد التقرّب، و لا يكون ملكا للمنذور له إلّا بعد الدّفع إليه كذلك، الحال في المقام، فيكون

حق الفقير- في المقام- المتعلق بالعين إنّما هو استحقاق صرف شي ء منه إليه، لا كونه مملوكا له بالفعل.

هذه هي الوجوه المتصورة ثبوتا، و حيث إنّما كانت مغفولا عنها- معاذ اللّه- في كلمات القوم، فلأجل ذلك كان الفرار من محاذير القول بالشركة الحقيقيّة عندهم مستلزما للّركون إلى القول باشتغال الذمّة، حيث لم يتصوّروا الواسطة بين القولين، أو بتعبير أصحّ: لم يتصوّروا القول الثالث في المقام اصلا. و على هذا، فبإمكاننا نحن رفض القول باشتغال الذمّة و الشركة الحقيقيّة معا، و اختيار أحد الفروض الأخر المتقدم ذكرها، إذا ساعدنا الدليل. هذا تمام الكلام في المقام الأول.

المقام الثاني: ما تقتضيه الأدلّة في المقام

استدل للأوّل، و هو الشركة الحقيقيّة، بعدّة وجوه، كالآتى:

الأوّل: الرّوايات الدالّة على أنّ في أربعين شاة شاة، أو في خمس من الإبل شاة، أو في عشرين مثقالا من الذهب نصف مثقال، أو: فيما سقت السّماء العشر «1» و نحو ذلك من الرّوايات الواردة في تقدير نصب الزكاة في الغنم، و الإبل، و غيرهما، ممّا اشتملت على كلمة «في» الظرفيّة، بتقريب: أنّ كلمة: «في» ظاهرة في

______________________________

(1)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 2، 3: زكاة الانعام، باب 1: زكاة الذهب و الفضّة، باب 1: زكاة الغلّات.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 91

..........

______________________________

الظرفيّة، فتكون دالّة على أنّ مقدار الفريضة، حالّ في الجميع، بحيث تكون نسبته إلى العين نسبة الجزء إلى الكلّ، و هذا ينطبق لا محالة على الجزء المشاع.

و يتوجّه على ذلك: أنّ هذه الرّوايات غير ناظرة إلى بيان كيفيّة تعلّق الزكاة بالمال. و بعبارة أخرى: ليست هي مسوقة لبيان كيفيّة تعلّق الفريضة بالمال، و إنّما هي مسوقة لبيان تحديد الفريضة

المتعلّقة بالمال بأيّ نحو كان التعلّق ذلك، فكان أصل تعلق الفريضة، و كيفيّته، مفروغا عنهما في مورد هذه الروايات، و ملحوظين فيها بنحو الأصول الموضوعة، على حدّ تعبير علماء المنطق. فيكون تحليل التعابير المتقدمة إلى أنّ: الزكاة، المفروغ عنه، كلّ من أصل تعلقها بالمال، و كيفيّة تعلّقها به، هي محدودة بهذه الحدود، ففي أربعين شاة شاة ... و هكذا. و على هذا، فلا ظهور لها في الجزء المشاع، بعد أن لم يكن المقصود منها بيان كيفيّة تعلّقها بالمال، بل كانت الكيفيّة- كأصل تعلّقها- به أمرا مفروغا عنه في موردها، كما لا يخفى. و حينئذ كان المرجع في استكشاف كيفيّة التعلّق غير هذه الأدلّة.

و لا يتوهم: أنّ مرجع المناقشة في الاستدلال بها إنّما هو إلى دعوى كونها واردة لبيان حكم آخر، لأنّها حينئذ لا تضرّ بالاستدلال بظهورها، و إنّما تضرّ بالاستدلال بإطلاقها في غير الجهة الّتي سيقت لبيانها. بل حاصل المناقشة هو إنكار ظهورها في المدّعى، بدعوى أنّها إنّما تكون ظاهرة في ذلك لو كانت مسوقة لبيان أصل تعلّق الزكاة، و كيفيّة تعلقها، أمّا لو كان ذلك أمرا مفروغا عنه و مبيّنا بدليل آخر مستقل، فلا يبقى- بعد ذلك- مجال لدعوى ظهورها في المدّعى، كما لا يخفى.

الثاني: الرّوايات المتقدّمة «1»، الدالّة على أنّ «اللّه عزّ و جل فرض للفقراء في

______________________________

(1)-- ص 83.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 92

..........

______________________________

أموال الأغنياء ما يكتفون به ...» أو: «أنّ اللّه عزّ و جل جعل للفقراء في أموال الأغنياء ما يكفيهم ...»؛ بتقريب: أنّ الظاهر منها: أنّ الفقراء مشتركون مع الملّاك في أموالهم، بمقدار الفريضة، على نحو الشركة الحقيقيّة بنحو إلا شاعة.

و يتوجّه عليه: أنّ ما

اشتمل منها على كلمة: «فرض ...» غير ظاهر في الحكم الوضعيّ أصلا، فضلا عن كونه عبارة عن اشتراك الفقراء مع الملّاك في الملكيّة بنحو الإشاعة، لاحتمال أن تكون الكلمة ممّا يراد بها مجرد التكليف المحض، فتكون مساوقة لكلمة «أوجب»، مثلا، فالاستدلال بهذه الطائفة من جهة الإجمال غير صحيح. بل عن الفقيه الهداني «1» قدّس سرّه ظهور الكلمة فى الايجاب التكليفي. هذا و لكن المناقشة ساقطة، فإنّ المستفاد من كلمات أهل اللّغة «2» هو:

أنّ معنى «الفرض» التعيين، و اختلاف إرادة التكليف أو الوضع باختلاف متعلّقه، فإذا كان متعلقه الفعل أفاد التكليف، و إذا كان هو العين- كما في المقام- أفاد الوضع، فلا فرق- إذن- بين «فرض» و «جعل» من هذه الجهة. نعم، في اصطلاح الفقهاء يكون الفرض بمعنى الوجوب، و لذلك يطلقون على الواجب عنوان «الفريضة».

و أمّا ما اشتمل منها على كلمة «جعل»، كحسن ابن مسكان المتقدّم «3»، فهو

______________________________

(1)- الفقيه الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3/ كتاب الزكاة، ص 43، ط إيران الحجريّة.

(2)- فسّر الفرض- في اللّغة- بالقطع. قال أحمد رضا: «و يقال: أصل الفرض قطع الشي ء الصلب، ثمّ استعمل في التقدير، لأنّ المفروض مقتطع من الشي ء الذي يقدّر منه» (معجم متن اللغة، ج 4: ص 391). و التقدير عبارة أخرى عن التعيين. و فسّر الراغب في «مفرداته» الآية الكريمة: لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبٰادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (النساء، 4: 118)، أي:

معلوما. و المعلوم بمعنى المعيّن، كما لا يخفى (الراغب الأصبهاني: معجم مفردات الفاظ القرآن/ تحقيق: نديم مرعشلي، ص 390).

(3)-- ص 83.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 93

..........

______________________________

و إن كان ظاهره الحكم الوضعيّ، إلّا أنّه لا ظهور له في كون المجعول الملكيّة بنحو

الإشاعة، بل يحتمل فيه: كون المجعول هو مجّرد حق للفقراء في أموال الأغنياء. و بكلمة أوضح: كلمة «الجعل» غير ظاهرة فى الملكيّة، كما لا يخفى.

الثالث: معتبرة عبد الرّحمن، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: «رجل لم يزك إبله، أو شاته عامين، فباعها، على من اشتراها أن يزكّيها لما مضى؟ قال: نعم، تؤخذ منه زكاتها، و يتبع بها البائع. أو يؤدّى زكاتها البائع «1»» بتقريب: أنّه لو لا تعلّق الحق بالعين بنحو الإشاعة لم يكن وجه لثبوت الزكاة على المشتري، كما لا يخفى. و يتوجه عليه: أنّها غير ظاهرة في ذلك، بل إنّها على خلاف القول المذكور- كما قيل «2»- أدلّ. و ذلك: فإنّها قد دلّت على أنّ للمشتري أداء الزكاة، ثمّ له الرجوع على البائع و أخذ بدلها منه كما أنّ للبائع أن يؤدّي الزكاة بنفسه. و على كلا التقديرين، فالمؤدّى إنّما هو عين الزكاة لا بدّ لها، و من الظاهر: أنّ البائع- في مفروض الرواية- إذا أراد أن يؤدّي فإنّه لا الجزء المفروض في المال الزكويّ من عين المال، إذ المفروض انتقاله إلى المشتري، و إنّما يؤدّي ما يقوم مقامه، لكن يكون كل ما أدّاه هو عين الزكاة، بحكم الرواية، لا بد لها. و على هذا، فبمقتضى المقابلة بين المشتري و البائع في الرواية، لا بدّ من تخيير المشتري- أيضا- في مقام أداء الزكاة- إذا اختار ذلك- بين أن يدفع الزكاة من عين المبيع، أو من غير ذلك، لكن على كلّ تقدير يكون المدفوع هو عين الزكاة لا بد لها، كما في طرف البائع.

و عليه، فالمتحصّل من الرواية هو: أنّ للمشتري- إذا اختار الزكاة- الدّفع من عين المبيع، و الدفع من غيره، و

هذا المعنى لا يجتمع مع الشركة الحقيقيّة بنحو

______________________________

(1)- الحرّ العاملي، محمد بن الحسن: وسائل الشيعة، باب 12/ زكاة الأنعام، ح 1.

(2)- الفقيه الهمداني آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3/ كتاب الزكاة: ص 44، ط إيران الحجريّة.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 94

..........

______________________________

الإشاعة، و ذلك لأنّ الحال- لا يخلو من أحد أمرين، فإمّا أن يكون البيع صحيحا في المجموع، أو لا يكون صحيحا إلّا فيما عدا حق الفقراء. و على الأوّل، لا بدّ للمشتري من أن يدفع من الثمن بمقدار ما يقع منه بإزاء الجزء المملوك للفقراء، ثم له أن يرجع به على البائع، لا أنّه يتخيّر بين الدفع من نفس العين و الدفع من غيرها. و على الثاني، يلزم الدّفع من نفس العين بالمقدار المفروض لهم، و لا مجال للتخيير فيه أيضا. و الحاصل: أنّ ما يستفاد من الرواية غير منطبق على هذا القول مطلقا، لا على تقدير صحّة البيع في الجميع، في مفروض الرّواية، و لا على تقدير فساده في المقدار المفروض للفقراء. نعم، ينطبق ذلك على القول بتعلق حقّ الفقراء بالمال، نظير تعلّق حق الجناية برقبة العبد، فكما أنّ الحقّ هناك يتبع العبد، فمن كان تحت يده يتخيّر في فكّ رقبته بأداء المقدار المعيّن إلى أولياء المجنيّ عليه، و بين دفع العبد إليهم ليفعلوا به ما شاءوا، كذلك الحال في المقام، كما هو مفاد الرواية المذكورة عينا. فلاحظ و تأمّل.

الرابع: ما في معتبرة بريد بن معاوية قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول:

«بعث أمير المؤمنين عليه السّلام مصدّقا من الكوفة إلى باديتها، فقال له: يا عبد اللّه، انطلق، و عليك بتقوى اللّه ...- إلى أن قال عليه

السّلام:- فإذا أتيت ماله فلا تدخله، فإنّ أكثره له- الحديث «1»» و في «نهج البلاغة» عن أمير المؤمنين عليه السّلام- في وصيّة كان يكتبها لمن يستعمله على الصدقات-: «فإن كانت له ماشية، أو إبل، فلا تدخلها إلّا بإذنه، فإنّ أكثرها له ... «2»» فإنّ مقابل الأكثر هو الأقل، فتكون

______________________________

(1)- الحرّ العاملي، محمد بن الحسن: وسائل الشيعة، باب 14/ زكاة الأنعام، ح 1.

(2)- نهج البلاغة/ تحقيق: صبحى الصالح، قسم الرسائل/ الوصيّة رقم 25: ص 381؛ [عنه] الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة، باب 14/ زكاة الأنعام، ح 7.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 95

..........

______________________________

الرواية دالّة على أنّ الأقل ملك الفقراء، فتدلّ على الشركة الحقيقيّة، بنحو الإشاعة لا محالة.

و يتوجّه عليه: أنّ ظاهر صدر الرواية و إن كان هو ذلك، إلّا أنّ في ذيلها التصريح: بأنّ الأقل، الّذي هو فى مقابل الأكثر، إنّما هو من حق اللّه. ففي ذيل رواية بريد بن معاوية المتقدمة: «فقل: يا عبد اللّه، أ تأذن لي في دخول مالك؟ فإن أذن لك فلا تدخله دخول متسلّط عليه فيه، و لا عنف به، فاصدع المال صدعين، ثم خيّره أيّ الصّدعين شاء، فأيّهما اختار فلا تعرّض له. ثمّ اصدع الباقي صدعين، ثمّ خيّره، فأيّهما اختار فلا تعرّض له و لا تزال كذلك حتّى يبقى ما فيه وفاء لحقّ اللّه في ماله، فإذا بقي ذلك فاقبض حق اللّه منه- الحديث». و كذا الحال فيما روي عن أمير المؤمنين عليه السّلام في «نهج البلاغة»، إلّا أنّها مؤيّدة، و الاعتماد على الأولى فقط. و هي- بعد التصريح في ذيلها بما هو مقابل الأكثر، و أنّه هو الأقل الّذي هو حق اللّه-

لا تكون دالّة- بمقتضى المقابلة مع الأكثر الّذي هو ملك المالك- على أنّ الأقل ملك للفقراء. نعم، إنّما تدلّ على أنّ الأقل حق اللّه تعالى، باعتبار كونه مشرّعا للحكم المذكور، و أمّا كيفيّة تشريعه له، و أنّه بنحو الشركة الحقيقيّة، أو غير ذلك فغير مستفادة من الرّواية، كما لا يخفى.

الخامس: صحيح أبي المغراء، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «إنّ اللّه تبارك تعالى أشرك بين الفقراء و الأغنياء في الأموال، فليس لهم أن يصرفوا إلى غير شركائهم «1»». فإنّ الشركة ظاهرة في الشركة الحقيقيّة بنحو الإشاعة، كما لا يخفى.

السادس: رواية عليّ بن أبي حمزة، عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السّلام، قال:

«سألته عن الزّكاة يجب عليّ في مواضع لا يمكنني أنّ أؤدّيها؟ قال: اعزلها- إلى ان

______________________________

(1)- الحرّ العاملي، محمد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 4: المستحقين للزكاة، ح 4.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 96

..........

______________________________

قال عليه السّلام:- و إن [فإن- نسخة الكافي] لم تعزلها فاتّجرت [و اتّجرت- نسخة الكافي] بها في جملة مالك، فلها تقسيطها من الربح، و لا وضيعة عليها «1»» فإنّ تقسيط الربح- كما هو مفاد الخبر- لا يتم إلّا على القول بالشركة الحقيقيّة، بنحو الإشاعة، كما هو ظاهر.

و الإنصاف: أنّ ظهور الروايتين في الشركة الحقيقيّة بنحو الإشاعة غير قابل للإنكار، إلّا أنّه لا بدّ من ملاحظة ما يدلّ على خلاف ذلك أيضا، ثمّ الجمع بينهما، أو تقديم أحدهما. فنقول: إنّ الشركة الحقيقيّة بنحو الإشاعة ممنوع منها، لوجوه:

الأوّل: إنّها خلاف ظاهر قوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ- الآية «2» من وجهين:

1- إنّ ظاهره كون متعلّق الأخذ الواجب عليه صلّى اللّه عليه و آله و

سلّم إنّما هو الأموال المضافة إليهم، و هذا ينافي الشركة بنحو الإشاعة، فإنّه على هذا، يكون المأخوذ- قبل الأخذ- ملكا للفقراء، فلا يرد الأخذ على أموالهم كما هو ظاهر. نعم، على القول بأنّ الآية الكريمة بصدد بيان أصل التشريع، لا تنفيذ الحكم بعد التشريع، لا يكون هناك منافاة بين ظاهر الآية- و هو كون المال مضافا إليهم- مع اشتراك الفقراء معهم.

2- إنّه أطلق فيه- كما في غير واحد من الروايات أيضا- الصدقة على الزّكاة، و الصدقة- على ما صرّح به بعض أهل اللغة «3». عبارة عمّا أعطي تبرّعا،

______________________________

(1)- الحرّ العاملي، محمد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 52: المستحقين للزكاة، ح 3.

(2)- التوبة، 9: 103.

(3)- في «لسان العرب»: «و الصّدقة: ما أعطيته في ذات اللّه للفقراء» (ابن منظور، محمد بن مكرم: لسان العرب، ج 10، ص 196، ط دار صادر، بيروت)، و في «القاموس»: «و

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 97

..........

______________________________

بقصد القربة، و هذا ينافي الشركة بنحو الملك المشاع، فإنّه على هذا، يكون من باب دفع المملوك إلى مالكه، و هو ممّا لا يطلق عليه إنّه: «إعطاء تبرّعيّ»، كي يكون مصداقا للصدقة، كما لا يخفى. و على الجملة، إطلاق الصدقة عليها في الآية الكريمة، و في الروايات، ينافي الملك بنحو إلا شاعة.

الثاني: إنّ الملك بنحو إلا شاعة ينافي اعتبار القربة عند الدفع، بحيث لو دفع- و هو غير قاصد لها- لم يكن دافعا للزكاة المفروضة عليه، و ذلك: لأنّ المفروض كون المدفوع ملكا للفقير، و لا معنى لاعتبار قصد القربة في هذا المقام.

نعم، يمكن توجيه ذلك: بأنّ المملوك لهم إنّما هو الجزء المشاع، كما هو المفروض، و تعيّن ذلك خارجا في نظر

الشارع في جزء مشخص إنّما يكون بقصد القربة، بمعنى: أنّ الشارع إنّما اعتبر القربة في تعيّن المقدار المملوك لهم في الجزء الخارجي المشخّص، و لم يكتف في ذلك بمطلق الإفراز، و هذا أمر معقول، كما لا يخفى.

الثالث: إن استحباب الزّكاة في بعض الموارد- كزكاة مال اليتيم، و فيما عدا الغلّات الأربع من المكيل و الموزون، مع اتحاد سياق الروايات الواردة في الزّكوات الواجبة و المستحبّة- ممّا ينافي الشركة بنحو الإشاعة، إذ لا معنى لملكيّة الفقراء على وجه الاستحباب، كما يخفى. فإذا امتنع ذلك في الزكوات المستحبّة امتنع في الواجبة أيضا، بمقتضى وحدة السياق، بل في بعض الروايات «1» الجمع

______________________________

الصّدقة- محرّكة- ما أعطيته في ذات اللّه» (الفيروزآبادي، محمد بن يعقوب: قاموس اللغة، ج 2: ص 253). و قال الراغب: «و الصّدقة: ما يخرجه الإنسان من ماله، على وجه القربة، كالزكاة- لكن الصّدقة- في الأصل- تقال للمتطوّع به، و الزكاة للواجب ...» (الراغب، الحسين بن محمد: معجم مفردات الالفاظ القرآن/ تحقيق: نديم المرعشلي، ص 286).

(1)-- الحرّ العاملي، محمد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 7: ما تجب فيه الزكاة و ما

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 98

..........

______________________________

بين الزكوات الواجبة و المستحبّة، و حينئذ فلا مجال لدعوى الملك بنحو الإشاعة في خصوص الواجبة، مع فرض اشتمال الرواية الواحدة على الزكاة الواجبة و المستحبّة، كما لا يخفى.

الرابع: إنّه لم يلتزم أحد من الفقهاء قدّس سرّه بشي ء من اللّوازم الّتي ذكرناها سابقا للقول بالشركة بنحو الملك المشاع، بل السّيرة القطعيّة جارية على خلاف ذلك، كما يشهد بها جريان السّيرة في مقام احتساب الخمس في أرباح المال غير المخمّس، كما أشرنا إليه سابقا «1»، بل الروايات العديدة

دالّة على نفي آثار الشركة الحقيقيّة، حيث إنّها دالّة على جواز تصرّف المالك في جميع العين، قبل إخراج زكاتها، بل جواز تبديلها و لو ببيع، كما في معتبرة عبد الرحمن البصري المتقدّمة «2»، و جميع ذلك كلّه بالملازمة العرفيّة يقتضي انتفاء الملكيّة بنحو الإشاعة، و إن لم تكن هناك ملازمة عقليّة، كما لا يخفى.

الخامس: إنّ الروايات «3» الواردة في كيفيّة أخذ الصدقة، و أنّ المصدّق ليس له أن يطالب بأكثر من الفريضة إذا دفعها إليه، ممّا يبعّد القول بالشركة الحقيقيّة. و ذلك لأنّ من المستبعد جدّا أن يصل المصدّق في أول وقت تعلّق الزكاة بالمال، بل المصدّق المعيّن من قبل الإمام عليه السّلام- مثلا- في ناحية معيّنة، إنّما يجبي الصدقات على سبيل التدريج، كما هو مقتضى العادة. و حينئذ، فقد يتفق وصوله إلى صاحب المال بعد مضيّ شهرين أو اكثر على أول زمان تعلّق الزكاة بماله، و من الظاهر: أنّ الغنم و الإبل و غيرهما ممّا فيه الزكاة، يستحيل أن يبقى هذا المدّة

______________________________

تستحب فيه.

(1)-- ص 88.

(2)-- ص 93.

(3)-- الحرّ العاملي، محمد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 14: زكاة الأنعام.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 99

..........

______________________________

بلا نماء، أعم من المتصل و المنفصل، و لو كانت الزكاة متعلّقة بالعين بنحو الإشاعة في الملكيّة لكان على المصدّق أن يطالبهم حينئذ بالنماء، و هذا ينافي ما في الروايات المذكورة من المنع عن المطالبة بأكثر من الفريضة، بل ينافي عدم التعرض فيها لهذه الجهة، كما لا يخفى.

و دعوى أنّ عدم تعرّضه عليه السّلام لها محمول على عدم كون الروايات بصدد البيان من ناحية الخصوصيّات، مدفوعة بالتعرّض فيها لجملة من الخصوصيات، كما ورد في زكاة الإبل

«1». إنه إذا كانت الزكاة المفروضة هى ابنة لبون مثلا، و لم يوجد ذلك عند المزكّي، و لكن كان عنده ما هو أعلى منها سنّا، دفعها إلى المصدّق، و استرجع منه التفاوت بين ما دفعه إليه و بين ما هو واجب عليه، إمّا بأن يأخذ منه شاتين، أو عشرين درهما «2». و كيف كان، فالتعرض لمثل هذه الخصوصيّات مع إهمال النماءات ممّا يدلّ على عدم الشركة الحقيقيّة، كما لا يخفى.

السادس: معتبرة ابن الحجّاج «3»، و قد مرّ بيان وجه دلالتها على نفي الشركة «4».

هذه هي الوجوه الدالّة على عدم الشركة الحقيقيّة بنحو الإشاعة في باب الزكاة. و بإزائها الروايتان المتقدمتان «5»، و هما روايتا أبي المغراء، و على بن أبي حمزة، الدالّتان على الشركة الحقيقيّة بنحو الإشاعة، كما عرفت. و حينئذ فلا بدّ من

______________________________

(1)-- الحرّ العاملي، محمد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 13: زكاة الأنعام.

(2)- لا يخفى عليك: أنّ تحديده عليه السّلام المتفاوت، بشاتين، أو عشرين درهما، باعتبار كون التفاوت في ذلك الوقت بهذا المقدار، فانه حكم في قضيّة خارجيّة.

(3)-- ص 93.

(4)-- ص 98.

(5)-- صص 95- 96.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 100

..........

______________________________

النظر فيما هو مقتضى القاعدة؛ باعمال قواعد التعارض، من التقديم، أو الطرح و الرجوع إلى دليل آخر.

اختار الفقيه المحقق الهمداني قدّس سرّه في «مصباح الفقيه «1»»: تقديم ما دلّ على نفي الشركة الحقيقيّة بنحو الإشاعة، نظرا إلى أنّها أقوى من ظهور الروايتين في الشركة الحقيقيّة بنحو الإشاعة، و حاصل استدلاله قدّس سرّه على ذلك هو: إنّ «الشركة» كما تصدق في مورد الاشتراك في العين، كذلك تكون صادقة في مورد الشركة في الماليّة أيضا، و لا إشكال في أنّا

إذا جمعنا بين الرواية الدّالة على أنّ اللّه شرّك بين الفقراء و الأغنياء في أموالهم، و بين ما دلّ على أنّ اللّه فرض للفقراء في أموال الأغنياء ما يكفيهم، كان مقتضى الجمع العرفي هو حمل الشركة في الرواية على غير الشركة في العين. فإذا كان الكلام الملقى إلى العرف هكذا: «إنّ اللّه شرّك بين الأغنياء و الفقراء في الأموال، بأن فرض على الأغنياء في أموالهم للفقراء، بأن يتصدّقوا عليهم بقدر كفايتهم» فهم العرف من ذلك لا محالة أنّ للفقراء سنخ حق في أموال الفقراء، غير قائم بشخص المال، و لا بنوعه، بل كحق غرماء الميّت المتعلق بتركته. و على الجملة: لا بدّ من حمل الشركة في الرواية على غير الشركة الحقيقية في العين، بملاحظة الروايات الأخر الدالّة على أنّ الفرض للفقراء إنّما هو بقدر كفايتهم.

أقول: لا ينبغي الإشكال في لزوم حمل الشركة على خلاف الشركة في العين، فيما لو كان الكلام الملقى إلى العرف هو ما أفاده قدّس سرّه، إلّا أنّ الوجه في ذلك ليس هو أقوائيّة ظهور ما دلّ على نفي الشركة الحقيقيّة، كما هو مقتضى صدر كلامه قدّس سرّه، بل من جهة ما ثبت في الأصول من: أنّ ظهور ما هو مسوق للقرينيّة مقدّم على

______________________________

(1)- الفقيه الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3/ كتاب الزكاة: ص 45، ط إيران الحجريّة.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 101

..........

______________________________

ظهور غيره، و لو كان الظهور الأوّل أضعف بمراتب من الظهور الثاني، كما في تقديم ظهور «يرمى» فى رمي السهم، على ظهور «الأسد» في الحيوان المفترس، في مثل قولنا: «رايت أسدا يرمي» مع أن ظهور «أسد» في الحيوان المفترس بالوضع، و ظهور «الرمى»

في رمي السهم بالانصراف.

و المقام من هذا القبيل، فإن مقتضى كلمة «الباء» في الجملة المذكورة في كلامه قدّس سرّه، حيث قال: «إن اللّه شرّك ...، بأن فرض ...» هو: أنّ الجملة الثانية مسوقة لبيان المراد بالجملة الأولى، و حينئذ فيتقدم ظهورها على ظهور الأولى في الشركة الحقيقيّة بنحو الإشاعة، بلا إشكال. إلّا أنّ الذي يتوجّه على هذا التقريب: أنّه لما ذا يجعل الجملة المسوقة للقرينية و التفسير هي جملة: «فرض ...»

و لما ذا لا يعكس الأمر، بأن يقال: «إنّ اللّه فرض للفقراء ...، بأن شرّك الفقراء ...» فيكون مقتضاه هو استفادة الشركة الحقيقيّة بنحو الإشاعة، من الجملة الأولى أيضا.

و الحاصل، إنّ تعيين الجملة المفسّرة- مع عدم التعرض له في الروايات- على النحو المذكور في كلامه قدّس سرّه ممّا لا دليل عليه أصلا، كما لا يخفى على الملاحظ المتامل.

و التحقيق: أمّا في صحيح أبي المغراء، المشتمل على كلمة «أشرك» فبأن يقال:

أنّ إسناد الشركة إلى العين على وجه الحقيقة يكون في موارد:

الأوّل: أن تكون العين مشتركة بين اثنين حقيقة، مطلقا، بأن يشتركا فيها، و في منافعها، و في الانتفاع بها، و في ماليّتها، و تسمّى هذه بالشركة في العين بنحو مطلق.

الثاني: أن يشتركا في الانتفاع بها فقط.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 102

..........

______________________________

الثالث: ما إذا اشتركا في منافعها فقط.

الرابع: ما إذا كانا مشتركين في ماليّتها، كشركة الزوجة مع الورثة في البناء مثلا. ففي جميع هذه الصور الأربع يكون إسناد الشركة إلى العين على وجه الحقيقة و بذلك يظهر: أنّ ظهور كلمة «الشركة» في الصّورة الأولى ليس هو بالوضع، المستلزم للتجوّز فيما إذا أريد بها سائر صور الشركة، كما أنّه ليس بالانصراف، إذ

لا موجب للانصراف، بعد فرض صحّة الإسناد الحقيقي في جميعها، و إنّما هو بالإطلاق، فإنّ الشركة الحقيقيّة فيما عدا الصورة الأولى إنّما تكون من جهة معيّنة، كجهة الانتفاع، أو المنفعة، و نحو ذلك، بخلافها في الصّورة الأولى، فإنّها تكون من جميع الجهات. و على هذا، فإذا وردت الكلمة و لم تكن مقيّدة بجهة معيّنة، كالشركة في الانتفاع بالعين مثلا، و كان المتكلم في مقام البيان، و بتعبير أصحّ: تمّت فيه مقدمات الحكمة، كان اللازم حينئذ حملها على الصورة الأولى، فإطلاق الكلمة- بعد تماميّة مقدمات الحكمة- يقتضي حملها على الشركة في العين بنحو مطلق، و هى الصّورة الأولى من الصّور المتقدّمة.

و بهذا يظهر الجواب عن الرواية، و ذلك لأنّها ليست في مقام البيان من هذه الناحية، و أنّ الشركة هل تكون من جميع الجهات أو من جهة معينة، كي تحمل بإطلاقها- بعد تماميّة مقدمات الحكمة- على الشركة الحقيقيّة بنحو مطلق، و إنّما هي بصدد بيان أمر آخر و هو: أنّ مصرف الزكاة هم الفقراء، فلا ينبغي لهم أن يصرفوها إلى غير تلك الجهة المعيّنة لها شرعا، فالغرض إنّما هو التعريض بمن كان يصرفها إلى غير جهتها المعيّنة لها شرعا. و يشهد بذلك: قوله عليه السّلام بعد ذلك: «فليس لهم أن يصرفوا إلى غير شركائهم»، كما لا يخفى ذلك على المتأمّل.

و مع التنزل، و تسليم ظهور الرواية بإطلاقها في الشركة الحقيقيّة بنحو

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 103

..........

______________________________

مطلق، تتحقق المعارضة- لا محالة- بينها و بين ما دلّ على نفي الشركة كذلك إلّا أنّ من الواضح الّذي لا يقبل الجدال و النزاع هو: أنّا لو ضممناها إلى الروايات الكثيرة الدالّة على نفي آثار

الشركة الحقيقيّة بنحو الإشاعة، من جواز تصرف المالك في العين و تبديلها بالبيع، و عدم كون النماء بنسبة الأصل مملوكا للفقراء، و غير ذلك ممّا دلّت عليه الرّوايات النافية لآثار الشركة الحقيقيّة، كما أشرنا إلى ذلك سابقا «1»، فلا إشكال في أنّه لا يبقى لرواية أبي المغراء ظهور حينئذ فيما ينافي مفاد تلكم الروايات الكثيرة. و على الجملة، إذا فرضنا ظهور الشركة في الصورة الأولى من الصور المتقدمة بالوضع أو بالإطلاق، و لكنّها كانت واردة في كلام من ينفى آثار الشركة الحقيقيّة، بحيث كان الكلامان صادرين من شخص واحد، أ فهل ينبغي لأحد دعوى التنافي بين الكلامين و إعمال قاعدة التعارض بينهما، أو يقال حينئذ بعدم ظهور الكلمة في معناها؟ الظاهر، هو الثاني، كما لا يخفى ذلك على المنصف المتأمّل.

و حاصل المناقشة أولا: أنّ الرواية بنفسها لا ظهور لها في الشركة الحقيقيّة بنحو إلا شاعة. و ثانيا: إنّه- على فرض التسليم بظهورها في نفسها في ذلك- لا حجّية لمثل هذا الظاهر بملاحظة الروايات الأخر النافية لآثار الشركة الحقيقيّة، بعد فرض أقوائية ظهورها في نفى الشركة الحقيقيّة في العين بقول مطلق.

مضافا إلى ذلك التسالم على عدم الشركة الحقيقيّة كذلك، كما أشرنا إليه آنفا. هذا في صحيح أبي المغراء.

و أمّا رواية عليّ بن أبي حمزة، فالمعروف «2» في تقريب الاستدلال بها

______________________________

(1)-- ص 87.

(2)- الأنصاري، الشيخ مرتضى: رسالة الزكاة، ص 443، ط إيران الحجريّة.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 104

..........

______________________________

للشركة الحقيقيّة بنحو الإشاعة، و إن كان هو من جهة حكمه عليه السّلام فيها- على فرض صدق الحديث- بتقسيط الربح على مقدار الزكاة، إلّا أنّه يمكن الاستدلال بها لذلك- مع الغضّ عما هو المعروف-

بوجهين آخرين:

1- قوله عليه السّلام في صدرها: «اعزلها ...» فإن مفهوم «العزل» غير صادق إلّا فيما إذا كان ما يراد عزله داخلا في الشي ء و حالّا فيه، فينطبق ذلك- لا محالة- على القول بالشركة الحقيقيّة بنحو الإشاعة.

2- قوله عليه السّلام: «فإن لم تعزلها و اتّجرت بها في جملة مالك ...» فإنّ انطباق ذلك على القول المذكور في غاية الظهور، و إلّا ففي غيره لا يصدق عليه: الاتّجار بها في جملة المال، كما لا يخفى.

و الجواب عن الوجه الأوّل: أنّ العزل كما يطلق على إفراز الحصّة المشاعة، يطلق على إفراز ما اختلط من المالين بغير شركة، و على إفراز ما تعلّق به الحق أيضا بلا عناية و لا مسامحة، فلا موجب لحمله على إفراز الحصّة المشاعة. غايته أن يكون ظاهرا في ذلك، إلا أنّه بعد ملاحظة أقوائية ظهور الأدلّة النافية لآثار الإشاعة، لا بدّ من رفع اليد من ظهوره في الشركة بنحو الإشاعة، و حمله على أن يكون العزل لأجل تعلّق حق الفقراء بالمال، نظير حق الجناية المتعلّق برقبة العبد.

و بذلك يظهر الجواب عن الوجه الثاني، فإنّ الاتّجار بالشي ء في ضمن الشي ء- بعد ملاحظة تلكم الأدلّة- لا بدّ من حمله على غير مورد الشركة بنحو الإشاعة، فإنّ الاتّجار بالشي ء في ضمن المال صادق فيما إذا كانت الشركة في الماليّة أيضا.

و أمّا الحكم بتقسيط الربح، فغايته أنّه إذا لم يحمل ذلك على التعبّد المحض- كما لا تخلو الرواية في بعض ما اشتملت عليه من التعبّد ظاهرا- بالملازمة العرفيّة يكون دالّا على الشركة بنحو الإشاعة، كما أنّ الأدلّة النافية لآثار الشركة بنحو الإشاعة تكون بالملازمة العرفيّة- أيضا- دالّة على نفى الشركة بنحو الإشاعة، و

المرتقى إلى الفقه الأرقى

- كتاب الزكاة، ج 1، ص: 105

..........

______________________________

حينئذ فيتعارض الدليلان في مدلوليهما الالتزاميّين، فيتساقطان معا، و نتيجة ذلك عدم الدليل على الملكيّة بنحو الإشاعة، كما لا يخفى.

هذا كلّه، مع قطع النظر عن ضعف الرواية بالإرسال، و مع الغضّ عن عليّ بن أبي حمزة البطائني في سند الرواية، و المعروف هو ضعفه، و إلّا كانت الرواية ضعيفة من وجهين، كما لا يخفى.

أدلّة القول بالكليّ في المعيّن و جوابها:

و قد استدل للقول: بتعلّق الزكاة بالعين بنحو الكليّ في المعيّن- و هو مختار المصنف قدّس سرّه- فيما سيجي ء إن شاء اللّه، و لم نجد من وافقه على ذلك من المتأخّرين- بنفس الوجوه المتقدّمة الّتي استدلّ بها للقول بالشركة الحقيقيّة بنحو الإشاعة. و قبل التعرض لبيان تقريب الاستدلال بها للقول المذكور، لا بدّ لنا من الإشارة العابرة إلى تصوير الكلّي في المعيّن في نفسه، فقد ذكروا في تصويره وجوها:

آ- إنّه عبارة عن الفرد المردّد بين شي ء معيّن، كصاع من صبرة، مثلا. و يورد عليه- كما عن المحقّقين: صاحب الكفاية و الأصفهاني قدّس سرّهما «1»-: بأنّ الفرد ممّا لا يمكن اتّصافه بالتردّد، فإنّ الموجود منه خارجا هو المعيّن لا محالة، و ليس هناك في الخارج ما يكون مصداقا للفرد المردّد، كما لا يخفى.

ب- إنّه عبارة عن الفرد المنتشر، و يتوجّه عليه: أنّه إذا كان مرجعه إلى أنّ المملوك هي الطبيعة السارية فله معنى وجيه، غير أنّه يسأل حينئذ عن الوجه في الاختصاص ببعض الأفراد دون الجميع. و إلّا فالانتشار مع فرض الفرديّة ممّا

______________________________

(1)- الآخوند الخراساني، مولى محمّد كاظم: كفاية الأصول، ج 1/ بحث المطلق و المقيّد؛ الأصفهاني، الشيخ محمد حسين: الحاشية على المكاسب، ج 1: ص 313، ط الحجريّة.

المرتقى إلى

الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 106

..........

______________________________

لا يجتمعان، كما هو ظاهر.

ج- إنّه عبارة عن حقيقة الوجود الساري في أفراد الأصوع من صبرة معيّنة، مثلا. و لا يخفى أنّ تصور حقيقة الوجود- من غير جهة قيام البرهان عليه- في غاية الإشكال، فضلا عن انطباق ذلك على محلّ الكلام، فإنّه أشدّ إشكالا. على أنّه- مع الغض عن ذلك كلّه- أمر بعيد عن أذهان أهل العرف، مع أن بيع الكليّ في المعيّن شائع لدى العرف.

د- إنّ الكلّي في المعيّن مرجعه إلى أنّ المملوك هو الكلّي في الذمّة، غايته أنّ لذلك الكلّي نحو إضافة إلى ما في الخارج، و هو أن يكون تطبيقه على خصوص أفراد هذه الصبرة، مثلا. ففي بيع صاع من صبرة، يكون المبيع هو الصّاع الكلّي المضاف إلى الصبرة المتحققة خارجا، على أن يكون إخراجه من تلك الصبرة لا من غيرها، فيكون هذا برزخا بين الكلّي في الذمّة الّذي لا إضافة فيه لما في الذمة إلى ما في الخارج أصلا، و بين الفرد المعيّن الخارجيّ الّذي لا ربط له بالكلّي في الذمّة، و هذا المعنى هو الذي يمكننا تصوره، و هو الموافق للذوق العرفيّ كما هو مختار المحقق العراقى قدّس سرّه، على ما هو المنقول عنه. و كيف كان، فتحقيق الكلام في ذلك موكول إلى محلّه، فلنكتف بهذا المقدار، و لنعد إلى ما هو الغرض، و هو بيان تقريب الاستدلال بالوجوه المتقدّمة للقول المذكور، و إليك ذلك:

الأوّل: الأدلّة المشتملة على كلمة «في»، كقوله عليه السّلام: «في كلّ أربعين شاة شاة ... «1»» و «في عشرين مثقالا من الذهب نصف مثقال ... «2»» و «فيما سقت السّماء

______________________________

(1)- كما في صحيح الفضلاء، عن أبي جعفر،

و أبي عبد اللّه عليهما السّلام (- الحرّ العاملي، محمد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 6: زكاة الأنعام، ح 1).

(2)- هذا هو مضمون الرواية، كما في رواية عليّ بن عقبة- و عدّة من أصحابنا- عن أبي جعفر،

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 107

..........

______________________________

فالعشر ... «1»» و نحو ذلك، بتقريب: أنّ كلمة «في» ظاهرة في الظرفيّة، و هي ابتداء تناسب القول بالشركة الحقيقيّة بنحو الإشاعة، إلّا أنّه بعد بطلان القول المذكور- كما عرفت آنفا- لا بدّ من حملها على الكلّي في المعيّن، فإنّ الفرد المردّد، أو المنتشر أيضا يكون في ضمن العين، و يكون العين ظرفا بالإضافة إليه، فيكون هذا المعنى في طول المعنى الأوّل، و بعد امتناع حمل الأدلّة المذكورة على ذلك، يلزم حملها على هذا المعنى لا محالة، كما هو ظاهر. و قريب منه سائر روايات الباب المذكور، فراجع.

و يتوجّه عليه: ما عرفته سابقا، من أنّ أصل تعلّق الزكاة بالمال، و كذلك كيفيّة تعلّقها به، ممّا أخذ مفروغا في هذه الأدلّة، فهي واردة في مقام بيان حدود الزّكاة، الواجبة في الشريعة بالكيفيّة الخاصّة عنه، فلا يمكن الاستدلال بها على كيفيّة تعلّق الزكاة بالمال، كما لا يخفى. على أنّ الأقربيّة بالنسبة إلى المختار في معنى الكلّي في المعيّن ممنوعة لعدم الشركة حينئذ، لو سلّمنا بها في سائر ما قيل في تفسير الكلّي في المعيّن.

الثاني: الرّوايات «2» المتضمّنة لقوله عليه السّلام: «إنّ اللّه عزّ و جلّ فرض ...» أو «إنّ اللّه عزّ و جلّ جعل للفقراء ...» بعين التقريب المتقدّم، و هو: أنّ الكلّي في المعيّن إنّما هو في طول الشركة الحقيقيّة بنحو الإشاعة، فإذا امتنع حمل النصوص

______________________________

و أبي عبد اللّه

عليهما السّلام، قالا: «ليس فيما دون العشرين مثقالا من الذّهب شي ء، فإذا كملت عشرين مثقالا، ففيها نصف مثقال- الخبر» (- الحرّ العاملي، محمد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب زكاة الذهب و الفضة، ح 5). و قريب منه سائر روايات الباب المذكور، فراجع.

(1)- الحرّ العاملي، محمد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 6: زكاة الغلّات، ح 1. و قريب منه غيره.- الحرّ العاملي، محمد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 4، 5: زكاة الغلّات.

(2)-- ص 83.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 108

..........

______________________________

المذكورة على ذلك لزم حملها على الكلّي في المعيّن لا محالة.

و يتوجّه عليه: أنّ هذه الروايات لا دلالة لها إلّا على أنّ المجعول الشرعيّ في باب الزّكاة إنّما هو الحكم الوضعيّ دون التكليفيّ، حيث إنّ «فرض» في اللّغة «1» بمعنى التعيين، و اختلاف إرادة التكليف و الوضع منه إنّما هو باختلاف متعلّقه، فإذا تعلّق بالفعل كان ظاهرا في الحكم التكليفيّ، و أمّا إذا تعلّق بالأعيان- كما في المقام- حيث أنّ متعلّقه إنّما هو المال، لقوله عليه السّلام: «إنّ اللّه عزّ و جلّ فرض للفقراء في مال الأغنياء ما يسعهم ...»، و كلمة «ما» الّتي هي مفعول «فرض» يراد بها المقدار من المال كان ظاهرا في الحكم الوضعيّ، خلافا للفقيه المحقق الهمداني قدّس سرّه حيث جعله مساوقا لكلمة «أوجب» «2».

و كيف كان، فالمستفاد من الأدلّة المذكورة إنّما هو كون المجعول حكما وضعيّا، و أمّا أنّه هو الملكيّة بنحو الإشاعة، أو بنحو الكلّي في المعيّن، فهذا ممّا لا يستفاد منها أصلا، لإمكان أن يكون هو الحقّ المتعلّق بالمال، نظير حقّ الجناية المتعلّق برقبة العبد، كما هو ظاهر.

الثالث: معتبرة عبد الرحمن «3»، الدالّة على ثبوت الزكاة

على من اشترى

______________________________

(1)- قال في «تاج العروس»: «و الفرض، القطع و التقدير. و يقال: أصل الفرض: قطع الشي ء الصلب، ثم استعمل في التقدير، لكون المفروض مقتطعا من الشي ء الّذي يقدر منه ...» (الزبيدي: تاج العروس، ج 5: ص 68، ط الأولى) و لاحظ بهذا الصّدد أيضا- الأزهري: تهذيب اللغة، ج 12: ص 13؛ ابن منظور: لسان العرب، ج 2: ص 202، ط دار صادر- بيروت؛ الطريحي: مجمع البحرين/ تحقيق: السيد أحمد الحسيني، ج 4: ص 221).

فيمكن أن يراد بالتعين التقدير، كما لا يخفى. هذا و لكن معاجم اللغة متفقة القول- ظاهرا- على أنّ المعنى الظاهر من كلمة «فرض» هو: «أوجب» فراجع.

(2)- الفقيه الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3: ص 45.

(3)-- ص 93.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 109

..........

______________________________

العين غير الزّكاة، فإنّها ابتداء إنّما تدلّ على الشركة الحقيقيّة بنحو الإشاعة، و مع امتناع ذلك تحمل على الكلّي في المعيّن، لكونه في طولها، نظرا إلى أنّ المملوك على هذا أيضا داخل في العين، الّتي هي تحت يد المشتري بالفعل، فيجوز له أن يؤدّي الزّكاة، و يرجع بها إلى البائع.

و يتوجه عليه: أنّها لا تدلّ على المدّعى، سواء فسّرنا الكلّي في المعيّن بما يقوله المشهور: من أنّه هو الفرد المردّد، أو الفرد المنتشر. أم فسّرناه بما هو المختار، من أنّه الكلّي في الذمّة، المضاف إلى ما في الخارج بنحو إضافة. أمّا على الأوّل، فلمّا عرفت آنفا: من أنّ الرواية ظاهرة في صحّة المعاملة، و أنّ للمشتري أنّ يؤدّي الزكاة من غير العين أيضا، بقرينة المقابلة بينه و بين أداء البائع لها، و لا ينبغي الإشكال حينئذ في لزوم الأداء من الثمن- بمقدار

ما يقع منه بإزاء الفريضة- إلى الفقير، دون شي ء آخر. كما أنّه، على تقدير فساد المعاملة، يلزمه أداء الزّكاة من نفس العين، لا أنّه يكون مخيّرا في ذلك، إذ المفروض كون بعض العين- و لو بنحو الكلّي في المعيّن- مملوكا للفقير. و الحاصل: أنّ ما في الرواية لا يستقيم مع القول بالشركة الحقيقيّة و لو بنحو الكلّي في المعيّن، مطلقا، سواء قلنا بصحّة المعاملة المذكورة- كما هو ظاهر الرواية- أم قلنا بفسادها.

و أمّا على الثاني، فلأجل أنّ تكليف المشتري بأداء الزكاة ممّا لا معنى له أصلا، بعد فرض تعلّقها بذمّة البائع، بل عليه أن يؤدّي ذلك من العين الّتي باعها، كما لا يخفى. مضافا إلى أنّ صحة المعاملة- بناء على الكلّي في المعيّن- بدون الإجازة، لا وجه لها.

الرابع: ما في روايات المصدّق «1» من أنّ: «أكثره له»، بتقريب أنّ في مقابل

______________________________

(1)- الحرّ العاملي، محمد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 14: زكاة الأنعام، ح 1، 7.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 110

..........

______________________________

الأكثر هو الأقل، فيلزم أن يكون ذلك للفقراء، و حيث إنّه على نحو الشركة الحقيقيّة بنحو الإشاعة ممتنع، فلا بدّ و أن يكون ذلك بنحو الكلّي في المعيّن.

و يتوجه عليه: ما تقدّم آنفا، من أنّ التصريح بمقابل الأكثر في ذيل الرواية ينفي الاستدلال بها في الموردين، فراجع و لاحظ.

الخامس: معتبرة أبي المغراء المتقدّمة «1»، الدالّة على أنّ اللّه قد أشرك بين الفقراء و الأغنياء في الأموال، بتقريب: أنّها- بعد امتناع حملها على الإشاعة- لا بدّ من حملها على التعلّق بالعين، بنحو الكلّي في المعيّن، حيث إنّ الفقير يكون شريكا في المال بمقدار الفريضة المتعلقة بالعين بنحو الكلّي في المعيّن.

و يتوجه

عليه: ما قدمناه هناك: من أنّ حملها على الإشاعة موقوف على تماميّة مقدمات الحكمة، مع أنّ الرواية ليست بصدد البيان من هذه الجهة، كما يشهد به ما في ذيلها: «فليس لهم أن يصرفوا إلى غير شركائهم» و الحمل على الكلّي في المعيّن- أيضا- موقوف على تماميّة مقدمات الحكمة، فإنّ الشركة كذلك في ضمن العين على نحو الكلّي في المعيّن- كما تقدّم- إنّما تستفاد من إطلاق الشركة و عدم تقييدها بجهة خاصة، كالشركة في الانتفاع و نحوها، مع أنّها ليست في مقام البيان من هذه الجهة، كما عرفت.

السادس: خبر عليّ بن أبي حمزة المتقدّم «2»، بعين التقريب المتقدم في الوجوه السابقة.

و يتوجّه عليه أوّلا: أنّها ضعيفة السّند من وجهين، كما مرّ. و ثانيا: أنّها

______________________________

(1)-- صص 95- 96.

(2)-- صص 95- 96.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 111

..........

______________________________

معارضة بصحيحة بريد بن معاوية المتقدّمة «1» الدالة على صحة المعاملة الواقعة على العين الّتي لم يؤدّ زكاتها، فان صحّة المعاملة حينئذ بدون لحوق إجازة من وليّ الفقير مناف لكون الزكاة متعلقة بالعين على نحو الكلّي في المعيّن، و بما أنّ ظهور الصحيحة أقوى، فلا بدّ من حمل الشركة في الرواية على ما لا ينافي ذلك، فلاحظ و تأمّل.

السابع: موثق سماعة قال: سألته عن الرجل يكون له الدين على الناس، تجب فيه الزكاة؟ قال: «ليس عليه فيه زكاة حتى يقبضه، فإذا قبضه فعليه الزكاة- الخبر «2»» بتقريب: أنّه قد جمع في الرواية بين كلمة «على»- الظاهرة في اشتغال الذمّة إذا كان متعلّقها العين، كما في المقام، و إن كانت ظاهرة في مجرّد التكليف إذا كان المتعلق فعلا- و بين كلمة «في» الظاهرة في الظرفيّة، حيث قال

عليه السّلام: «ليس عليه فيه ...» فإنّ ذلك يقتضي تعلّق الزكاة بالعين على نحو الكلّي في المعيّن، على التفسير المعقول الّذي ذكرناه، فإن مقتضى كلمة «على» هو اشتغال الذمّة بالزكاة، و مقتضى كلمة «في» إضافة ما في الذمّة إلى ما في الخارج، فينطبق ذلك على الكلّي في المعيّن، على الوجه المختار. و مثله صحيح زرارة و عبيد بن زرارة، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «أيّما رجل كان له حرث أو ثمرة فصدّقها، فليس عليه فيه شي ء- الخبر «3»» و مثله أيضا: ما في صحيح زرارة، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام- في حديث- فقال: «صدق أبي، عليه أن يؤدّي ما وجب عليه، و ما لم يجب عليه فلا شي ء عليه

______________________________

(1)-- ص 94.

(2)- الحرّ العاملي، محمد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 6: من تجب عليه الزكاة و من لا تجب عليه، ح 6.

(3)- المصدر، باب 11: زكاة الغلّات، ح 1.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 112

..........

______________________________

فيه- الحديث «1»».

و يتوجه عليه: أنّ التعبير المذكور في نفسه صالح لأن ينطبق على الحق المتعلّق بالعين، إذ يصح على هذا أن يقال: «عليه في ماله كذا ...» و لا يختصّ بما إذا كان الكلّي الشي ء المتعلّق بالعين بنحو الكلّي فى المعيّن هي الملكيّة، كما هو المدّعى. فالتعبير يلائم كلا الأمرين، كما أن كلمة «في» صحيحة في مورد تعلق الحق بالعين و لكنّه يتعيّن الأوّل ذلك بملاحظة ما دلّ على صحة المعاملة و أنّ الساعي يتبع العين، كصحيح أو حسن البصري المتقدّم «2»، و ما دلّ على أنّ التلف من حقّ الفقير في باب الزكاة «3»، فإنّ ذلك ينافي كون المملوك للفقراء هو الكلّي

في المعيّن، حتى على الوجه المعقول، كما هو ظاهر.

و قد فصّل صاحب «المستند «4»» قدّس سرّه- كما أشرنا إليه في صدر البحث- بين ما كانت الفريضة من جنس العين، كما: في أربعين شاة شاة، و: فيما سقت السماء العشر، و نحوهما، فالزكاة متعلقة بالعين على نحو الكلّي في المعيّن، و ما لم تكن من جنسها، كما: في خمس من الإبل شاة، فهي متعلّقة بالذمّة و استدلّ للأوّل ببعض الوجوه المتقدّمة في الاستدلال للقول بتعلقها بنحو الكلّي في المعيّن، و قد عرفت الجواب عنها. و للثانى، و هو اشتغال الذمة في ما لا تكون الفريضة من جنس العين، بأنّ الفريضة غير داخلة في العين على الفرض، فإنّ الشاة ليست بداخلة في الإبل، و الشاة بنحو الكلّي في المعيّن في سائر أمواله غير واجبة إجماعا، و عليه

______________________________

(1)- المصدر، باب 12: زكاة الذهب و الفضّة، ح 2.

(2)- المراد: معتبرة عبد الرحمن، المتقدّمة ص 86.

(3)-- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 39: مستحقّي الزكاة، ح 1، 2، 2، 5 [و] باب 12: زكاة الأنعام، ح 2.

(4)- النراقي، احمد بن مهدى: مستند الشيعة، ج 2: ص 38، ط إيران الحجريّة.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 113

..........

______________________________

فينحصر الأمر في القول بتعلقها بالكلّي في الذمة، كما لا يخفى.

و قد يناقش في ذلك: بأنّ المرتكز في أذهان المتشرّعة و العرف: إنّما هو كون فرض الزكاة في جميع الموارد بنحو واحد، و أنّ مساق قوله عليه السّلام: «في خمس من الإبل شاة» هو مساق قوله عليه السّلام: «في أربعين شاة شاة»، و هكذا ...، و حينئذ فالتفصيل المذكور يكون على خلاف ما هو الثابت في ارتكاز المتشرعة

و العرف.

و يتوجّه عليه: أنّ الارتكاز في أذهان المتشرعة ليس هو بدليل مستقل في المقام، فإنّ من القريب جدا: استنادهم في ذلك إلى الأدلّة الواردة في المسألة. و أمّا ارتكاز أهل العرف، فهو إنّما يكون متّبعا في مفاهيم الألفاظ، لا في مثل المقام الّذي يكون المتفاهم العرفي في كلّ من الدليلين واضحا، و إنّما يراد بالارتكاز العرفيّ التصرف في ظهور أحد الدليلين. و الحاصل، أنّ المستدلّ إنّما يسلّم بظهور الأدلّة- فيما كانت الفريضة فيه من جنس العين- في الكلّي في المعيّن، كما أنّه يسلّم بظهورها في غير ذلك في اشتغال الذمة، و بعد هذا كلّه فلا مجال للمناقشة المتقدمة أصلا، فإنّ مرجعها إلى اثبات الملازمة- بالارتكاز العرفيّ- بين ظهور إحدى الطائفتين من الأدلّة في شي ء و ظهور الأخرى فيه، و لا دليل على حجيّة الارتكاز العرفيّ في مثل ذلك، كما لا يخفى.

و الصحيح أن يجاب عن ذلك: بأنّ قوله عليه السّلام: «في خمس من الإبل شاة» في نفسه صالح لأن يحمل على الشركة في العين، بنسبة الشاة إلى خمس من الإبل، فيكون متعلق حق الفقير إنّما هو مقدار من العين، نسبته إليها نسبة الشاة الواحدة إلى خمس من الإبل، و يعلم هذه النسبة بتقويم الشاة، و تقويم خمس من الإبل، ثمّ نسبة الأولى إلى الثانية، فبأيّ مقدار كانت النسبة بين القيمتين كان حق الفقراء متعلقا بالعين بتلك النسبة، فالكلام المذكور في نفسه صالح للحمل على ذلك، و

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 114

..........

______________________________

لذلك، و لأجله حمله القائلون بالإشاعة أو بالكلّي في المعيّن على ذلك، إلّا أنّ مجرّد صلاحية الكلام للحمل على المعنى المذكور لا يقتضي تعين الحمل المذكور، و إنما

كان التعيّن بملاحظة ما دلّ على أنّ السّاعي يتبع العين، كما في معتبرة البصريّ المتقدمة، و ما دلّ على أنّ التلف يقسّط على الفريضة أيضا، كما فى بعض النصوص «1». فان الجمع بين هذين الحكمين ينافي القول باشتغال الذمّة في المقام، إذ لا معنى لاتبّاع الساعي العين إذا كانت ذمة المالك مشغولة بالزكاة. كما لا معنى لتقسيط التلف على الفريضة أيضا على هذا المبنى، كما هو ظاهر. و بما أنّ الحكمين ثابتان بصريح النصّ أو ما يقرب من الصّريح فلا محالة يلزمنا التصرف في الظهور الأوّلي للكلام الذكور، و حمله على ما لا ينافيهما، كما لا يخفى. على أنّه يمكن القول بأنّ هذه الروايات بصدد بيان مقدار الزكاة المفروضة، و لا دلالة لها على كيفيّة تعلّقها بالعين، و إنّما يكون المتبع في كيفيّة التعلق غيرها من الأدلّة.

تنبيه:

قد عرفت ممّا تقدم: أنّ القائلين بالإشاعة أو بالكلّي في المعيّن، إنّما اعتمدوا في استدلالهم النصوص المشتملة على كلمة: «في» لظهورها في الظرفية، كما عرفت ذلك آنفا بالتفصيل، و لأجل ذلك أو رد عليهم «2»: بعدم ظهورها في الظرفية، بعد شيوع استعمالها في السببيّة، كما في قولهم: «في القتل خطأ الدية»، و كما في الحديث

______________________________

(1)- لم أعثر على نصّ في هذا الباب، رغم ما كان من الفحص الجادّ عنه. و لكنه يبدو: أن الحكم اتفاقي ظاهرا، كما يظهر من تعليلهم لجعل الأربعمائة- في الغنم- نصابا، في مقابل الثلاثمائة و واحد. و لاحظ.

(2)- البحراني، الشيخ يوسف: الحدائق الناضرة، ج 12: ص 142، ط النجف الأشرف؛ النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 139، ط النجف الأشرف؛ الفقيه الهمداني، الآغا رضا:، مصباح الفقيه، ج 3/ كتاب الزكاة: ص

43، ط إيران الحجريّة.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 115

..........

______________________________

- على تقدير صحّة السند: «إنّ امرأة دخلت النار في هرّة حبستها ...» و حينئذ فلا يتمّ الاستدلال بالنصوص المذكورة للدعوى المتقدّمة.

و قد أنكر بعض الأعلام- دام ظلّه- «1» استعمالها في السببيّة حتى في المثالين المتقدمين، بل هي تكون ظاهرة دائما في الظرفيّة، إلّا أنّه مع ذلك لا يتمّ استدلالهم بالنصوص المتقدمة على الكلّي في المعيّن. و حاصل ما أفاده: أنّ الاستدلال بها للكلّي في المعيّن موقوف على كون الظرف مستقرا، بأن يكون متعلقا بمثل «كائن» محذوفا، فقوله عليه السّلام: «في أربعين شاة شاة» مرجعه إلى قوله: «شاة كائنة في أربعين شاة» فينطبق ذلك على الكلّي في المعيّن، فإن الفريضة على هذا تكون واحدة ثابتة في المجموع، كما هو ظاهر.

مع أنّ الظرف- في النصوص المذكورة- ظرف لغو متعلّق بفعل محذوف غير أفعال العموم، مثل: «فرض»، «اوجب»، «جعل» و نحو ذلك، و حينئذ فلا دلالة لها على الكلّي في المعيّن، فإنّ العين- على هذا- إنّما تكون ظرفا لأصل الفرض و الجعل، لا ظرفا لمتعلّقهما، فيكون مفاد النصوص هو: أنّ ظرف الجعل و الوجوب هو العين، لا أنّ متعلق الجعل- و هو الشاة في المثال المتقدم- ظرفه العين، كي يتمّ الاستدلال المذكور. و ممّا يدلّ على كون الظرف فيها لغوا- مضافا إلى ظهور الظرف في نفسه بأنفسها في ذلك- التصريح بالأفعال المذكورة في جملة أخرى من النصوص، كصحيح الفضلاء، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه عليه السّلام قالا: «فرض اللّه عزّ و جل الزكاة مع الصلاة في الأموال- الحديث «2»» و غيره من الرّوايات الّتي

______________________________

(1)- الحكيم، السيد محسن: مستمسك العروة الوثقى، ج

9: صص 178- 179، ط الثالثة.

(2)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 8: ما تجب فيه الزكاة، ح 4.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 116

..........

______________________________

صرّح فيها بالمتعلّق «1».

أقول: هذا حاصل ما أفيد في المقام إلّا أنّه ممّا لا يمكننا المساعدة على ذلك، بيانه: إنّ إسناد المظروفيّة إلى الأفعال على وجه الحقيقة غير ممكن، و إنّما القابل لذلك الأعيان. فالضحك، أو الأكل و نحوهما ممّا لا يصح أن يقال بوقوعهما حقيقة في ظرف خاصّ، كالدار و نحوها، و إنّما يصحّ ذلك بالعناية، باعتبار أنّ المكان ظرف حقيقة بالإضافة إلى من يكون الفعل المذكور قائما به، فتكون الظرفيّة بالإضافة إلى الأفعال بالعناية، لا على وجه الحقيقة. و قد تعرّض الفقهاء قدّس سرّه لذلك في بحث الساتر في الصلاة، فإنّ قولهم: «الصلاة في ما لا يؤكل لحمه باطلة» مثلا- مع أنّ الصلاة بنفسها غير قابلة لأن تقع في اللباس- مبنىّ على العناية و المسامحة، و باعتبار أنّ المصلّي في اللباس، و على هذا، فلا معنى لأن يقال: إنّ الظرف إنّما هو بالإضافة إلى نفس الجعل و الوجوب و نحوهما من الأفعال، فإن الإسناد الحقيقى إليها غير معقول. و أمّا الظرفية بالعناية فهي موقوفة على أن تكون الظرفيّة بالإضافة إلى من يقوم الفعل به على وجه الحقيقة، و هو في المقام عبارة عن موضوع الجعل و الوجوب. مع أنّ من الظاهر هو عدم قيام الحكم بموضوعه، فإنّ نسبة الحكم و الموضوع نسبة الماهيّة و الوجود، و هل يتوهّم أحد قيام أحدهما بالآخر!، كما هو ظاهر.

و المتحصّل من ذلك: أنّ الظرفيّة الحقيقيّة إنّما هو بالإضافة إلى موضوع الحكم الشرعيّ، و أمّا بالإضافة إليه نفسه

فلا ظرفيّة مطلقا، لا حقيقة- كما هو ظاهر- و لا عناية، لتوقّف ذلك على قيام الحكم بموضوعه، و هو في محلّ المنع «2».

______________________________

(1)- المصدر، باب 1: ما تجب فيه الزكاة، ح 1، 2، 3، 8، 9، 10.

(2)- مضافا إلى أنّ الالتزام بالظرفيّة الحقيقية بالإضافة إلى موضوع الحكم الشرعي كاف في

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 117

..........

______________________________

ثمّ إنّه- بعد ما عرفت، من بطلان القول بالإشاعة أو الكلّي في المعيّن في المقام- يتردّد الأمر لا محالة بين سائر الوجوه المتقدمة، الّتي تشترك في كون الحكم الوضعيّ المجعول إنّما هو الحقّ دون الملكيّة، و إنّ كان هناك اختلاف بين بعضها و آخر في بعض الآثار، فنقول:

أمّا احتمال كون الحقّ الثابت في المقام من قبيل حق الغرماء المتعلّق بتركة الميّت، فمدفوع: بأنّ المستفاد ممّا دلّ «1» في باب الزكاة على تقسيط التلف على الفريضة هو: أنّ الحق متعلق بجميع العين، و هذا بخلاف الحق هناك، فإنه متعلق بالمجموع، و لذلك لو فرضنا أنّ التركة كانت أزيد من الدين، و تلف منها ما يبقى بعد ذلك ما يكون وافيا بالدين، لم يقسّط التلف حينئذ على الغريم أصلا، فإنّ ثبوت هذا الحكم هناك كاشف عن الفرق بين الحقّين. مضافا إلى أنّ المستفاد من قوله تعالى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهٰا أَوْ دَيْنٍ ... «2» أنّ الدين مانع من انتقال التركة إلى الوارث، و المقام ليس كذلك.

و أمّا احتمال كونه من قبيل حق الرّهانة، فيدفعه أوّلا- أنّ مرجع ذلك- كما أشرنا إليه سابقا- إلى تعلّق الحق بالكلّي في الذّمة، و هذا ممّا ينافيه في المقام ما لعلّه هو صريح معتبرة البصريّ المتقدّمة «3»، الدالّة على أنّ الساعي يتبع

العين، و أنّ للمشتري أن يؤدّي الزكاة من ماله، ثم يرجع بها إلى البائع. إذ لو كانت ذمّة المالك مشغولة بالزكاة، لم يكن وجه لأداء المشتري الزكاة من ماله، بل كان

______________________________

تماميّة الاستدلال المتقدّم، و انّ التزمنا بصحّة الإسناد العنائي بالإضافة إلى نفس الجعل فرضا، كما لا يخفى، فتأمّل.

(1)- مرّ في هامش صفحة 110 ما يرتبط بذلك فراجع.

(2)- النساء، 4: 11.

(3)-- ص 93.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 118

..........

______________________________

السّاعي يأخذها من المالك المفروض اشتغال ذمّته بها. أو أنّ الساعي ينتزعها من العين المبيعة، فإنّها كانت بمنزلة الوثيقة لدى الفقير، من دون أن يكون للمشتري أدائها من ماله، كما يؤدّيها المالك من ماله. كما ينافيه أيضا: ما دلّ على التقسيط عند التلف.

و ثانيا: إنّ حق الرّهانة مانع عن صحة المعاملة عليها إلّا بإذن المرتهن، مع أنّ صريح تلك الرواية إنّما هو جواز المعاملة بلا إجازة من الفقير أصلا.

و أمّا احتمال كونه من قبيل الحق في منذور الصدقة، أي حق من نذر له أن يتصدّق عليه بشي ء منه، فيدفعه: فساد الحكم في المقيس عليه، إذ لا ثبوت للحق هناك أصلا، كي يكون المقام مسانخا له، بل الثابت هناك إنّما هو مجرّد التكليف بأداء العين إلى المنذور له، و على هذا فيبقى في المقام احتمالان:

أحدهما- أنّه يكون من قبيل حقّ الجناية.

و الآخر- أن يكون من قبيل حقّ الزّوجة المتعلّق بالبناء، الراجع إلى اشتراكها مع سائر الورثة في الماليّة دون نفس العين. و حيث أنّه لم يظهر لنا بعد الفرق الأساس بين الحقّين المذكورين بحسب الآثار المترتّبة على كلّ منهما شرعا، فلذلك لا يمكننا الجزم بأحد الاحتمالين في المقام، فإنّه مترتّب على ثبوت الفرق بينهما

أولا، ثمّ ملاحظة انطباق أيّ منهما على المقام، كما هو ظاهر و لكنّ أصل ثبوت الفرق بين الأمرين غير معلوم لدينا بالفعل. فليتأمّل. و بهذا نختم الكلام في هذا المقام حامدين للّه تعالى، و مصلّين و مسلّمين على خاتم أنبيائه، و أوصيائه الائمّة الطاهرين، صلواته و سلامه عليهم أجمعين. و لنعد إلى ما جرى عليه البحث من شرح كتاب «العروة».

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 119

[يشترط فى وجوبها أمور]

[الأوّل البلوغ]

و يشترط فى وجوبها أمور: (الأوّل) البلوغ، فلا تجب على غير البالغ في تمام الحول فيما يعتبر فيه الحول (4).

______________________________

(4) لا بدّ لنا من تأسيس الأصل في المسألة كي يكون هو المرجع في موارد الشكّ، و هو إنّما يكون في مقامين:

المقام الأوّل: الأصل في المسألة في المرحلة السّابقة على الأدلّة العامة

أي فيما إذا فرضنا العلم بثبوت الزكاة في الجملة، و شككنا في ذلك في غير الموارد المتيقّن ثبوتها فيها، مع قطع النظر عن الأدلّة العامّة المقتضية لثبوتها، كإطلاق دليل الزّكاة أو عمومه. أو المقتضية لعدمه، كحديث «رفع القلم». و كذا، مع قطع النظر عن الأدلّة الخاصّة، مثل ما دلّ على نفيها عن مال اليتيم، و نحو ذلك، كما هو ظاهر.

و مقتضى الأصل العملي في أمثال هذه الموارد، إنّما هو عدم الثبوت، لاستصحاب البراءة عن ثبوت الزكاة. و أمّا ما عن شيخنا العلّامة الانصاري قدّس سرّه «1» من الإشكال في جريان الأصل المذكور. فقد أوضحنا الكلام في مراده قدّس سرّه في بحث الأصول، و قلنا: إنّ إشكاله قدّس سرّه راجع إلى نفي المؤاخذة و استحقاق العقاب بالاستصحاب المذكور، لا إلى نفي التكليف به، حسبما فهمنا ذلك من كلامه قدّس سرّه. و على هذا ففي المقام ننفي

بالاستصحاب المذكور ثبوت أصل

______________________________

(1)- الأنصاري، الشيخ مرتضى: فرائد الأصول، مبحث البراءة، ص 337، ط الأولى، جامعة المدرّسين، قم.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 120

..........

______________________________

الحكم، و أمّا نفي المؤاخذة فنرجع فيه إلى قاعدة «قبح العقاب بلا بيان»، كما هو ظاهر.

و على الجملة: الغرض إنّما هو إثبات عدم ثبوت الزكاة، و عدم المؤاخذة على تركها، و الأوّل نثبته بالاستصحاب، و الثاني بقاعدة «قبح العقاب بلا بيان».

و دعوى: أنّ المرجع إنّما هو البراءة الشرعيّة، بلا حاجة إلى الرجوع إلى الاستصحاب المذكور فاسدة، لا من جهة اختصاص حديث الرفع بالأحكام التكليفيّة الإلزاميّة، و عدم عمومه بالإضافة إلى الأحكام الوضعيّة، مع أنّ الحكم الثابت في باب الزكاة- على فرض الثبوت واقعا- إنّما هو الحكم الوضعيّ، كما هو الحق على ما عرفته سابقا. و ذلك لعدم اختصاصه بالأحكام التكليفيّة، كما يشهد به ما في الرواية، من «رفع ما استكرهوا عليه ...» و الكراهة رافعة للأحكام الوضعيّة، بلا إشكال.

بل الوجه في فساد الدعوى المذكورة هو: أنّ مساق الحديث المذكور- كما هو المعروف- مساق الامتنان على نوع الأمّة، نظرا إلى أنّ نسبة الحاكم و الشارع- و هو اللّه سبحانه و تعالى، أو غيره- إلى العباد نسبة واحدة، و الامتنان على أحدهم دون الآخر مناف لذلك، فلا محالة لا بدّ و أن يكون في الرفع امتنان على نوع الأمّة، و بما أنّ رفع الزكاة في المقام ليس فيه أيّ امتنان على نوع الأمّة، بعد كونه تضييعا لحقّ الفقراء، و إن كان فيه امتنان بالإضافة إلى خصوص المالك، فلا يمكن رفعها بالحديث المسوق للامتنان على النوع، كما لا يخفى.

المقام الثاني: الأصل بملاحظة الأدلّة العامّة

أمّا الأصل اللفظيّ، كأصالة العموم و

الإطلاق، فهو غير متحقق بالنظر إلى الروايات الواردة في باب الزكاة، و ذلك لأنّ مساقها- كما يظهر بالتأمّل في

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 121

..........

______________________________

المقدار الذي عثرنا عليه منها- مساق الخطابات الّتي يلقيها الوعّاظ، لأجل الترغيب في الخير، أو للزجر عن المنكر، و ليس فيها ما يكون دالا على تشريعها، و مسوقا لبيان ثبوتها في الشريعة الاسلاميّة ابتداء. و عليه، فلا مجال للتمسّك بإطلاقها بعد أن لم تكن مسوقة للبيان من هذه الجهة، بل مسوقة لبيان ما يترتّب على الفعل من خير و صلاح، ترغيبا لهم في ذلك، و ما على الترك من شر و فساد زجرا لهم عن ذلك، كما أنّه لا عموم لها- أيضا- بالإضافة إلى هذه الجهة.

نعم، لا بأس بإطلاق الآية الكريمة: خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِهٰا ... «1»، فإنّها سواء أ كانت الآية فى مقام تكليف النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بأخذ الزكاة، أو أمره صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إيّاهم باعطاء الزكاة، مطلقة بالإضافة إلى كون المأخوذ منه كبيرا أو صغيرا، و نحو ذلك من الخصوصيّات، و حينئذ فمقتضى الإطلاق المذكور، هو ثبوت الزكاة في كلّ مورد، إلّا ما دلّ الدليل فيه على انتفائها.

و ربما يقال «2»: إنّ الآية المذكورة لا إطلاق لها بالإضافة إلى بعض الخصوصيّات، كما إذا شككنا في ثبوت الزكاة في مال الصغير مثلا، مع الغضّ عن حديث الرفع، و عمّا دلّ على انتفائها في خصوص مال الصغير. و ذلك: لأنّ الآية دلّت على أنّ الزكاة توجب تزكيتهم و تطهيرهم، و هو كناية عن ما يوجب محو الذنوب و الآثام، و هذا ممّا يمنع

عن الأخذ بإطلاقها في مورد الصغير، لاختصاصها بمن يكون له ذنب و إثم، و الصبيّ ممّن لا ذنب له و لا إثم، كما هو ظاهر.

و يندفع ذلك: بأنّه لا بدّ من حمل التطهير و التزكية- في الآية الكريمة- على

______________________________

(1)- التوبة، 9: 103.

(2)- البحراني، الشيخ يوسف: الحدائق الناضرة، ج 12: ص 19، ط النجف الأشرف.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 122

..........

______________________________

بعض الجهات الأخلاقيّة و الأدبيّة، و يشهد بذلك: أنّه لا ينبغي الإشكال في إطلاق الآية الكريمة بالإضافة إلى المعصومين عليه السّلام، أو بالإضافة إلى البالغ في اوائل بلوغه الّذي لم يسبق منه ذنب أصلا، حيث أنّ الزكاة ثابتة في أموال هؤلاء- بمقتضى إطلاقها- كما في أموال غيرهم، مع أنّه لا ذنب لهم أيضا. و على الجملة:

لا بدّ من حمل الآية الكريمة على ما لا ينافي إطلاقها بالإضافة إلى الصغير.

و المتحصّل من ذلك كلّه: أنّ الأصل الأوّلي إنّما هو ثبوت الزكاة فيما عدا الموارد الخارجة بالدّليل، خلافا للفقيه المحقق الهمداني قدّس سرّه «1»، و غيره «2»، ممّن جعل الأصل الأوّلي عدم ثبوتها إلّا فيما دلّ الدليل عليها. هذا بالإضافة إلى أدلّة تشريع الزكاة.

و أمّا المخرج عن الأصل المذكور، ففي خصوص المقام- و هو اعتبار البلوغ في ثبوت الزكاة- فهو أحد أمرين:

الأوّل: ما دلّ على أنّه رفع القلم عن ثلاث: «عن الصبيّ حتى يحتلم، و عن المجنون حتى يفيق، و عن النائم حتى يستيقظ «3»» إلّا أنّ في كونه مخرجا عن حكم الأصل المتقدم تفصيلا، و هو أنّه بناء على الالتزام في باب الزكاة بالحكم التكليفيّ

______________________________

(1)- قال قدّس سرّه في مسألة عدم وجوب الزكاة في المال الصّامت للمجنون، ما لفظه: «فعمدة المستند

لذلك: هو الأصل، بعد قصور أدلّة الزكاة عن شمول مال المجنون ...» (الفقيه الهمدانى، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3: ص 6، ط إيران الحجريّة). و قد تكرّر منه قدّس سرّه ذلك في تضاعيف مسائل الزكاة.

(2)-- البحراني، الشيخ يوسف: الحدائق الناضرة، ج 12، ط النجف الأشرف؛ النجفى، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15، ط النجف الأشرف؛ الانصاري، الشيخ مرتضى: رسالة الزكاة، ط إيران الحجريّة؛ النراقي، أحمد: مستند الشيعة، ج 2: ص 4، ط إيران الحجريّة.

(3)- الحرّ العاملي، محمد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 4: مقدمة العبادات، ح 10.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 123

..........

______________________________

المحض، فلا إشكال في أنّ حديث الرفع ممّا يوجب اختصاصها بغير الصغير، كسائر الأحكام التكليفيّة، كما هو ظاهر. و أمّا بناء على أنّ الثابت فيه إنّما هو الحكم الوضعيّ و إن استتبع ذلك تكليفا- كما هو المختار- على ما مرّ بيانه، فالحديث المذكور ممّا لا أثر له حينئذ أصلا. و ذلك لأنّ المرفوع بحديث الرفع إنّما هو الأحكام الإلزاميّة، فإنّ الرفع في مقابل الوضع، الخاص بالحكم الإلزاميّ، دون مطلق الأحكام المتعلّقة بفعل الشخص، أو ما يكون موضوعها هو الفعل. و بكلمة أخرى: كلّ حكم إلزاميّ، وضعا كان أم تكليفا، كان متعلّقا بفعل أم كان موضوعه هو الفعل، فذلك مرفوع بالحديث المذكور. و الوجه في اختصاص ذلك بالفعل هو: أنّ اختصاص الصبيّ- مثلا- بالرفع يقتضي- بمناسبة الحكم و الموضوع- أن يكون المرفوع الأحكام المترتبة على فعله، فإنّ المناسبة المذكورة تقتضي كون الحكم المذكور ناشئا عن جهة فارقة بين الصبيّ و غيره، و المائز بينه و بين غيره إنّما هو في خصوص أفعاله، من حيث ضعف الإرادة فى المباشر

للفعل في الصبيّ و قوّتها في غيره، و أمّا في غير الأفعال فلا مائز هناك بين الصبيّ و بين غيره، فإنّ الحكم المترتب على موضوع خارجيّ، كثبوت الزكاة- مثلا- المترتّب على بلوغ المال حدّ النصاب، الّذي لا يفترق فيه الصبيّ عن غيره، لا معنى لارتفاعه عن الصبيّ من جهة صباوته، بعد إن لم تكن الصباوة موجبة للفرق من هذه الجهة أصلا.

و حاصل الكلام، أنّ قوله عليه السّلام ما مضمونه: «رفع القلم عن الصبيّ حتّى يحتلم ...» ظاهر في أنّ للصّباوة دخلا في الحكم المذكور. و من البيّن جدّا: إنّ ما يمتاز به الصبيّ عن غيره إنّما هو في أفعاله، و حينئذ فبمقتضى ذلك نحكم باختصاصه بالإلزام المتعلق بالفعل، أو المترتب على الفعل ترتّب الحكم على

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 124

و لا على من كان غير بالغ في بعضه، فيعتبر ابتداء الحول من حين البلوغ (5)، و امّا ما لا يعتبر فيه الحول من الغلّات الأربع

______________________________

موضوعه، كما في باب العقود و الإيقاعات، فإنّ مثل هذه الأحكام تكون مرفوعة عن الصبيّ، و أمّا غيرهما ممّا لا يكون متعلقا بفعل، و لا يكون موضوعه فعل أيضا، كثبوت الزكاة الّذي موضوعه بلوغ المال حدّ النصاب، فلا معنى لأنّ يكون مرفوعا بحديث الرفع، كما هو ظاهر.

و خلاصة القول: أنّ اختصاص الرفع بطائفة من الأحكام- مع عدم التصريح به في الحديث المذكور- إنّما هو من جهة مناسبة الحكم و الموضوع، إذ لولاه لم يكن لاختصاص الرفع بالصبيّ مناسبة أصلا، كما هو ظاهر. و على هذا، فلا موجب لعدم ثبوت الزكاة في مال الصبيّ من جهة حديث الرفع. نعم، غايته عدم أمره تكليفا بالأداء.

الثاني: الرّوايات الكثيرة

الدالّة على عدم ثبوت الزكاة في مال اليتيم، بعد العلم بارتفاع اليتم بالبلوغ، و هي كثيرة، يلاحظها المراجع في «وسائل الشيعة «1»»، مضافا إلى أنّه من المتسالم عليه ظاهرا في خصوص النقدين، كما سيمرّ عليك التفصيل إن شاء اللّه.

(5) المشهور هو ذلك «2»، بل قيل: إنّه لم ينقل فيه التصريح بالخلاف من أحد «3».

______________________________

(1)- في «وسائل الشيعة» (باب 1: من أبواب من تجب عليه الزكاة).

(2)-- العاملي، السيّد محمّد جواد: مفتاح الكرامة، ج 3/ كتاب الزكاة، ص 5.

(3)-- شيخنا الأنصاري: رسالة الزكاة، ص 410، ط إيران الحجريّة؛ الفقيه الهمداني، آغا

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 125

فالمناط البلوغ قبل وقت التعلّق، و هو انعقاد الحب و صدق الاسم، على ما سيأتي.

______________________________

نعم، استشكل ذلك الفاضل السبزواري قدّس سرّه صاحب «الذخيرة «1»» و كيف كان، فقد استدلّوا لذلك بوجوه ثلاث:

الاوّل:

ما رواه الشيخ قدّس سرّه في ال «تهذيب» عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، أنّه سمعه يقول: «ليس في مال اليتيم زكاة، و ليس عليه صلاة، و ليس على جميع غلّاته من نخل، أو زرع، أو غلّة زكاة، و إن بلغ اليتيم فليس عليه لما مضى زكاة، و لا عليه لما يستقبل حتى يدرك، فإذا أدرك كانت عليه زكاة واحدة، و كان عليه مثل ما على غيره من الناس «2»».

و الاستدلال إنّما هو بقوله عليه السّلام في الخبر: «فليس عليه لما مضى زكاة ...»،

بتقريب: أنّ المراد بالموصول هو الزمان، و إطلاقه يقتضي عدم ثبوت الزكاة بالإضافة إلى الزمان الماضي، بلا فرق بين الأحوال الكاملة الماضية، و بين الماضي الّذي ينقص عن الحول الكامل بأيّام، و حينئذ فيدلّ على أنّ مبدأ الحول إنّما هو

من حين البلوغ، و إلّا كان عليه الزكاة فيما لو مضى عليه قبل بلوغه ما ينقص من الحول بقليل، ثم بلغ قبل حلول الحلول، بحيث حال الحول عليه و هو

______________________________

رضا: مصباح الفقيه، ج 3/ كتاب الزكاة: ص 3، ط إيران الحجريّة.

(1)- السبزواري، محمّد باقر: ذخيرة المعاد، ص 421، ط إيران الحجريّة.

(2)- الطوسي: تهذيب الأحكام، ج 4: صص 29- 30/ ح 14، ط النجف الأشرف؛ الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 1: من تجب عليه الزكاة، ح 11.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 126

..........

______________________________

بالغ. و الحاصل، أنّ الرواية بإطلاقها دالّة على عدم ثبوت الزكاة بالحول الناقص الّذي مضى، و كان تمامه في حال بلوغه، و هذا يقتضي كون المبدأ من حين البلوغ، كما لا يخفى.

أقول: لا بدّ أوّلا من ذكر محتملات الرواية ثبوتا، و هي كما يأتي:

الأوّل: أن يراد بالموصول الزمان الماضي، لكن لا مطلق الماضي الشامل لمثل الاسبوع، و الشهر، فإنّ عدم ثبوت الزكاة في ذلك غير مختصّ باليتيم، بل غيره أيضا ممّن لم يثبت في حقّه الزكاة بمضيّ أسبوع أو شهر، مع أنّ ظاهر النصوص هو اختصاص الحكم بعنوان «اليتيم». و عليه، فلا بدّ و أن يراد به الزمان الماضي الموجب لثبوت الزكاة لو لا المانع، و هو اليتم، و هو الحول الكامل، فيكون المراد به عدم ثبوت الزكاة للحول الماضي بتمامه.

الثاني: أن يراد به الماضي، الأعمّ من الحول الكامل و الناقص عنه بمقدار يصدق عليه عرفا أنّه حول، كما إذا نقص عنه بأربعة أيّام، مثلا.

الثالث: أن يراد به الزمان، لكن لا خصوص الحول الكامل، و لا الأعمّ منه و من الناقص بمقدار يسير، بل يراد به

حلول الحول. و تعبير آخر: يراد به الزمان الّذي به يكمل الحول، و هو الّذي يعبّر عنه بزمان الحلول، فتكون الرواية دالّة على عدم ثبوت الزكاة بالحلول الماضي. أي الحلول الواقع في حال اليتم.

الرابع: أن يراد بالموصول: الغلّات المتقدّم ذكرها، دون الزمان، كما في الاحتمالات المتقدّمة، و يكون المراد بالإدراك هو بلوغ الغلّات حدّ الكمال فتكون دالّة على نفي الزكاة عن الغلّات الماضية و الآتية ما لم تبلغ حدّ الكمال، و على هذا فالرواية أجنبيّة عن محلّ البحث.

أمّا الاحتمال الأوّل، فمضافا إلى أنّه لا يبتني عليه المذهب المشهور في المقام-

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 127

..........

______________________________

لدلالة الرواية- حينئذ على عدم وجوب الزكاة للسنوات الكاملة الماضية، و ليس هذا محلّ الكلام، ضعيف في نفسه، نظرا إلى أنّ الظاهر هو وحدة المراد من الموصول في المقامين، فإذا أريد به في قوله: «لما مضى ...» السنة الكاملة، كان هو المراد أيضا من قوله: «و لا عليه لما يستقبل حتى يدرك ...» مع أنّه فاسد قطعا، إذ لا يحتمل عدم ثبوت الزكاة في حقّه بالإضافة إلى السنة المستقبلة. و الحاصل، أنّ مفاد الرواية يكون هو: عدم ثبوت الزكاة عليه بعد البلوغ للسنة الكاملة المستقبلة، كما لم تثبت عليه بالإضافة إلى السنة الكاملة، الماضية، مع أن هذا لا يمكن لأحد الالتزام به كما و لم يلتزم به- أيضا- أحد.

و أمّا الاحتمال الثاني، فهو مبنيّ على أنّ إرادة خصوص السنة الكاملة من الموصول في «لما مضى ...» إذا كانت غير معقولة لما تقدم، فلا محالة لا بدّ من إرادة الأعمّ منها و من الناقص عن الحول بقليل، فإن إرادة الأعمّ معقولة، كما لا يخفى.

و حينئذ فيتمّ الاستدلال

بها للمذهب المشهور، فإنّه إذا لم تثبت الزكاة بالحول الناقص الماضي، المستلزم لاعتبار وقوع تمام الحول في حال البلوغ، فلا محالة يكون مقتضاه هو اعتبار وقوع تمام الحول بعد البلوغ، لا مجرّد وقوع الحول بعده، كما هو ظاهر.

إلّا أنّ الأخذ بهذا الاحتمال موقوف على عناية زائدة، نظرا إلى أنّ أخذ الموصول كناية عن الأعمّ من الحول التام و الناقص بمقدار قليل، أمر يحتاج إلى عناية زايدة، فلا يمكننا المصير إليه إلّا بدليل. نعم، على هذا لا يأتي الإشكال المتقدّم، إذ لا مانع من إرادة الأعمّ أيضا من الموصول في قوله عليه السّلام: «لما يستقبل ...» فإنّه حينئذ يكون دالّا على نفي الزكاة عن الحول المستقبل قبل إدراكه، فالنفي يكون مغيّا لا محالة بإدراك الحول الكامل بعد البلوغ، كما لا يخفى.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 128

..........

______________________________

و أمّا الاحتمال الثالث، فهو في نفسه قريب جدا، فإنّ إرادة رأس الحول من الموصول في الموردين ممّا لا تحتاج إلى أيّة عناية زائدة، كما لا يخفى. و يكون الاستدلال بالرواية للمذهب المشهور إنّما هو بالفقرة الثانية، و هو قوله عليه السّلام: «و لا عليه لما يستقبل حتى يدرك ...»، بتقريب: أنّه دالّ على نفي الزكاة بالحول المستقبل، ما دام لم يدرك تمام السنة المستقبلة، أي إنّه قبل تمام السنة الآتية لا تثبت الزّكاة في حقّه، و إنّما تثبت بعد إدراك تمامها، فيكون المفعول ل «يدرك» هو تمام السنة، و ما أشبه ذلك، و حينئذ فيدلّ على أنّ الزكاة إنّما تثبت بالحول الّذي مبدؤه من حين البلوغ، و ذلك لنفيه عليه السّلام الزكاة بعد البلوغ، قبل إدراك تمام السنة المستقبلة، كما هو ظاهر.

غير أنّ الّذي يمنعنا

عن الاستدلال بها للمذهب المشهور إنّما هو الاحتمال الرابع، فإنّها- على هذا الاحتمال- تكون أجنبيّة عن المقام، فإنّه إذا كان المراد بالموصول الغلّات، كان مفادها حينئذ إنّما هو نفي الزكاة عن الماضية منها، اي الّتي صرفها المالك ببيع، أو أكل، و نحو ذلك. و نفيها أيضا عن المستقبلة قبل إدراكها، أي قبل أن تصل الغلّة إلى حدّ الكمال الّذي هو زمان الثبوت، فيكون المراد بالإدراك حينئذ هو بلوغ الغلّة الحدّ الّذي يثبت به الزكاة، فيكون أجنبيّا عن إدراك الحول المعتبر في خصوص النقدين، كما لا يخفى.

ثم إنّ الاحتمال الثالث لقربه- كما أشرنا إليه آنفا- كان له التقدّم على الاحتمال الأخير، لو لا أنّ الرواية رويت في «الكافي» بصورة أخرى، و بينهما شي ء من التفاوت، فقد رواها الكلينى قدّس سرّه في «الكافى» باسناده إلى عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: «ليس على مال اليتيم زكاة، و إن بلغ اليتيم فليس عليه لما مضى زكاة، و

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 129

..........

______________________________

لا عليه فيما بقي حتى يدرك، فإذا أدرك فإنّما عليه زكاة واحدة، ثم كان عليه مثل ما على غيره من النّاس «1»». و الرواية على هذا- أي يكون «فيما بقي» بدل «لما يستقبل»- لا تحتمل غير الاحتمال الأخير، و حينئذ يأتى الإجمال في المتن الصادر منه عليه السّلام، و بذلك تسقط الرواية عن الاعتبار، إن لم نقل- كما قيل- بأنّ «الكافي» اضبط من «التهذيب» و عند التعارض يقدّم عليه.

تنبيه:

لا يخفى إنّ كلمة «يدرك» في الرواية، دائر أمرها بين كونها بمعنى إدراك تمام السنة و الحول،

و بين أن تكون بمعنى إدراك الغلّة الكمال و الحدّ الّذي به تثبت الزكاة فيها، كما تقدم آنفا. و أمّا ما يقال «2»: من احتمالها لمعينين آخرين: أحدهما أن يكون بمعنى البلوغ. و الآخر كونه بمعنى الرشد، ففاسد جدّا. أمّا:

الأوّل، فلأجل أنّ المفروض في الرواية ابتداء هو البلوغ، و نفي الزكاة فيما يستقبل حتى يدرك متفرع عليه، حيث قال عليه السّلام: «و إن بلغ فليس عليه لما مضى زكاة، و لا عليه لما يستقبل، حتى يدرك ...» و حينئذ فكيف يصحّ جعل الكلمة بمعنى البلوغ، كما هو ظاهر.

و أمّا الثاني، فللاتّفاق على ثبوت الزكاة في مال السفيه، و عدم اعتبار الرشد في ذلك، فلاحظ و تأمّل.

______________________________

(1)- الكلينيّ: الفروع من الكافى/ باب زكاة مال اليتيم، ج 3: ص 541/ ح 4، ط دار الكبت الإسلامية، طهران؛ الحرّ العاملي، محمد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 1: من أبواب من تجب عليه الزكاة، ح 3.

(2)- الفقيه الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3/ كتاب الزكاة: ص 3، ط إيران الحجريّة.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 130

..........

______________________________

الثاني:

ممّا استدل به للمشهور «1»، ما دلّ على اعتبار حلول الحول على المال في يد المالك «2» بتقريب: أنّ حلول الحول على المال مطلقا لا يوجب ثبوت الزكاة، بل على المال الّذي يكون تحت يد مالكه، و بما أنّ الصغير لا يد له، فحول الحول على ماله بعد بلوغه يكون موجبا لثبوت الزكاة.

و يتوجّه عليه: أنّ التصديق بكون موضوع الروايات المذكورة، و هو:

«كون المال تحت يد المالك» بمعنى لا ينطبق على ما تحت يد الصبيّ، بحيث يكون ذلك خارجا عن موضوع الزكاة، لعدم صدق «كون المال تحت يده» بذلك

المعنى، غير واضح عندنا بالفعل، نظرا إلى أنّ المحتمل في الروايات المذكورة لا ينحصر في واحد، لاحتمال أنّ يراد بذلك ما يقابل المال الغائب، و المفقود، و المغصوب و الاستدلال بها للمذهب المشهور لا يتمّ على هذا التقدير. و حينئذ فالأولى ارجاء البحث عنها إلى ما سيأتي إن شاء اللّه تعالى من المصنف قدّس سرّه، من اشتراط التمكّن من التصرّف في الزكاة.

و منه يظهر ما في الاستدلال لذلك «3» أيضا، بما دلّ على اعتبار الحول في بعض الأجناس، بدعوى أنّها ظاهرة في اعتبار الحول، بعد اجتماع جميع الشرائط، بما فيها البلوغ، فكأنّ المأخوذ في موضوع دليل اعتبار الحول: إنّما هو المال المجتمع فيه جميع شرائط الزكاة، ما عدا الحول. إذ على هذا يكون مبدأ الحول بعد البلوغ

______________________________

(1)- الشيخ الانصاري: رسالة الزكاة، ص 410، ط إيران الحجريّة.

(2)- الحرّ العاملي، محمد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 5: من تجب عليه الزكاة و من لا تجب عليه، ح 1، 2، 3، 6، 7 [و] باب 6، ح 1 [و] باب 8: زكاة الأنعام، ح 1.

(3)- المحقق النراقي: مستند الشيعة، ج 2: ص 5، ط إيران الحجريّة.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 131

..........

______________________________

لا محالة، فإنّ اشتراط ثبوت الزكاة به ممّا لا ينبغي الإشكال فيه. و الوجه فيه: أنّ الحال فى هذا هو الحال فيما ما تقدّم من الاستدلال السابق بعينه، من جهة أنّ البتّ في أمره صحّة و فسادا موقوف على النّظر في أدلّة اعتبار الحول، و هل إنّها تكون ظاهرة في ذلك- كما أدّعي- أو لا؟ و سيأتي الكلام في ذلك- إن شاء اللّه تعالى- عند التعرض لاعتبار الحول.

و حاصل القول في هذا

الاستدلال و ما تقدّمه: أنّ تماميّتهما و إثباتهما للمذهب المشهور غير معلومة عندنا فعلا، و إنّما يتوقفان على البحث عن أدلّة اعتبار كون المال تحت يد المالك، و أدلّة اعتبار الحول. و سوف يأتي الكلام فيهما مفصّلا إن شاء اللّه تعالى. و لعلّه يظهر لنا بعد ذلك تماميّة كلا الاستدلالين أو أحدهما للمذهب المشهور!

الثّالث:

ممّا استدل به لذلك أيضا «1»: الروايات النافية للزكاة عن مال اليتيم «2»، بتقريب: أنّ في المقام طوائف ثلاث من الأدلّة:

إحداها: ما دلّت على أصل ثبوت الزكاة في الأموال.

و الأخرى: ما تدلّ على اعتبار الحول في بعض أقسام الأموال.

و ثالثتها: ما دلّت على نفي الزكاة عن مال اليتيم. أمّا الطائفة الأولى، فهي إنّما تدلّ على الحكم الاقتضائي الشأني، بمعنى: أنّها مسوقة لبيان أنّ في الأموال

______________________________

(1)- الشيخ الأنصاري: رسالة الزكاة، ص 410، ط الحجرية- إيران؛ الفقيه الهمداني: مصباح الفقيه، ج 3: ص 3، الطبعة الحجرية- إيران.

(2)- الحرّ العاملي، محمد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 1: من تجب عليه الزكاة و من لا تجب عليه.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 132

..........

______________________________

اقتضاء ثبوت الزكاة. و الطائفة الثالثة تكون مقيّدة لمفاد الطائفة الأولى، فيكون المستفاد من الجمع بين الطائفتين: أنّ الحكم الاقتضائي غير متحقّق في مطلق الأموال، بل في خصوص مال البالغ، فالّذي فيه اقتضاء ذلك إنّما هو خصوص مال البالغ. و حينئذ فتكون الطائفة الثانية مسوقة لبيان فعلية الحكم الاقتضائي، المذكور بتحقق الحول، و نتيجة ذلك: اعتبار مبدأ حول التملّك من حين البلوغ، فإنّ ما دلّ على اعتبار الحول إنّما يدلّ على فعليّة الحكم الاقتضائي بتحقق الحول، و قد فرضنا أنّ ذلك ليس بثابت إلّا في خصوص مال البالغ، كما

هو ظاهر.

و إن شئت قلت: إنّ الطائفة الأولى متكلفة ببيان الحكم الوضعيّ، و الطائفة الثانية دالّة على فعليّة ذلك الحكم بتحقق الحول. و أمّا الثالثة فتكون ناظرة إلى الطائفة الأولى، و أنّ الحكم الوضعيّ ثابت في خصوص مال البالغ. و لعلّ كلام الفقيه المحقق الهمداني قدّس سرّه في «مصباح الفقيه «1»» ناظر إلى التقريب الأوّل. و كيف كان، فالاستدلال بالروايات المذكورة للمذهب المشهور مبنيّ على كونها مقيّدة لما دلّ على ثبوت الزكاة، قبل تقيّدها بما دلّ على اعتبار الحول، كما نبّه على ذلك شيخنا العلّامة الأنصارى قدّس سرّه في «رسالة الزّكاة»، حيث قال: «ثم إنّ ظاهر أخبار المسألة، مثل قوله عليه السّلام: «ليس على مال اليتيم زكاة» هو عدم تعلّق الزكاة بهذا العنوان، فلا يجري في الحول ما دام كونه مال اليتيم، نظير قوله عليه السّلام: «ليس على المال الغائب صدقة ... «2»».

أقول: المحتمل بدوا في المقام- بحسب مقام الثبوت- أمور ثلاث: الأوّل أن يكون مبدأ الحول من حين البلوغ، فيعتبر في ثبوت الزكاة مضيّ حول التملّك

______________________________

(1)- الفقيه الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3/ كتاب الزكاة: ص 3، ط إيران الحجريّة.

(2)- الأنصاري، الشيخ مرتضى: رسالة الزكاة، ص 410، ط إيران الحجريّة.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 133

..........

______________________________

على مال البالغ، و هذا هو المذهب المشهور. الثاني اعتبار تقدّم البلوغ على حلول الحول، بمعنى أنّه يحول الحول عليه في حال بلوغه، و إن لم يكن تمام الحول واقعا بعد البلوغ. و هو ما ذهب إليه الفاضل السبزواري قدّس سرّه في «الذخيرة «1»». الثالث أن يكون المعتبر في ثبوتها الحول و البلوغ معا، بمعنى أنّها لا تثبت إلّا عند هذين الشرطين مثلا،

سواء كان البلوغ مقدّما على حلول الحول، أم كان حلول الحول مقدّما عليه، فضلا عن اعتبار وقوع الحول بتمامه بعد البلوغ. و هذا ممّا لم يحتمله أحد من الأعلام في المقام. هذا كلّه بحسب مقام الثبوت.

و أمّا بحسب مقام الإثبات، فالّذي تساعده الأدلّة- بالنظر البدوي- هو الوجه الأخير، فإن الأدلّة في المقام- كما عرفت- على طوائف ثلاث: إحداها ما تدلّ على ثبوت الزكاة بنحو الإطلاق، و الطائفتان الأخيرتان إحداهما تدلّ على تقييد ذلك بالبلوغ، كما تدلّ الأخرى منهما على التقييد بحلول الحول، و كلا التقييدين بالإضافة إلى الدليل المطلق في عرض واحد، فلا وجه لأن يلاحظ تقييده بأحدهما في مرحلة سابقة على التقييد بالآخر. و عليه، فلا يستفاد إلّا اعتبار تحقق الشرطين، و هما: البلوغ و الحول، في ثبوتها، من دون ثبوت اعتبار تقدّم أحدهما على الآخر، كما هو ظاهر. إلّا أنّ هذا ممّا لا يمكن الأخذ به، نظرا إلى أنّ المتسالم عليه هو خلافه، حتّى إنّه لم يحتمله أحد، كما أشرنا إليه. فيبقى الاحتمالان الآخران. أمّا الاحتمال الأوّل، و هو المذهب المشهور، فاستفادته من الأدلّة في غاية الإشكال، إذ قد عرفت آنفا: ابتناء الاستدلال للمذهب المشهور على افتراض ما دلّ على أصل ثبوت الزكاة متكفّلا ببيان الحكم الاقتضائي، أو

______________________________

(1)- السبزواري، محمّد باقر: ذخيرة المعاد، ص 421، ط إيران الحجريّة.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 134

..........

______________________________

الحكم الوضعيّ، و جعل ما دلّ على اعتبار البلوغ ناظرا إليه. و أمّا ما دلّ على اعتبار الحول فهو متكفّل ببيان فعليّة هذا الحكم الاقتضائي أو الوضعيّ، و هذا كله فرض في فرض. فإنّ أصل ثبوت الحكم الاقتضائيّ فرض محض، ثم فرض أحد الدليلين ناظرا

إلى الحكم الاقتضائي، و الآخر إلى الحكم الفعليّ فرض آخر، حيث أنّه لا دليل لنا على الفرض الأوّل، كما لا دليل على جعل أحدهما ناظرا إلى الحكم الوضعيّ و الآخر إلى الحكم الفعليّ، كما أنّه لا وجه لجعل الطائفة الأولى ناظرة إلى الحكم الوضعيّ دون ما عداها، بعد كون الأدلّة على نسق واحد، كما لا يخفى ذلك على المتأمّل. و هناك تقريب ثالث يستدلّ به «1» للمذهب المشهور، و هو تقييد المال، المفروض كونه موضوعا في الطائفة الأولى لوجوب الزكاة، بجميع الشرائط بما في ذلك البلوغ، و لكن ما عدا حولان الحول، و حينئذ فيكون مقتضى ما دلّ على اعتبار الحول دالّا على فعليّة وجوب الزكاة فى المال الواجد لجميع الشرائط بحولان الحول. و المناقشة فيه ظاهرة، إذ لا دليل على تأخّر دليل اعتبار الحول عن سائر أدلّة الشرائط، كما لا يخفى.

و أمّا الاحتمال الثاني، فالّذي يمكن أن يقال في تقريبه هو أنّ ما دلّ على اعتبار الحول في ثبوت الزكاة، مشتمل على خصوصيّة تقتضي اعتبار حلول الحول بعد البلوغ، بأن يكون البلوغ مقدّما على حلول الحول. بيان ذلك: إنّ ما دلّ على اعتبار البلوغ في الزكاة على قسمين: قسم لم يتكفّل إلّا ببيان الحكم السلبيّ، و هو نفي الزكاة عن مال اليتيم، و هو الكثير، كقوله عليه السّلام: «ليس في مال اليتيم

______________________________

(1)- النراقي، ملّا أحمد: مستند الشيعة، ج 2: ص 5، ط إيران الحجريّة. و قد مرّت الإشارة إلى كلامه قدّس سرّه في صفحة 130.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 135

..........

______________________________

زكاة»، و ما أشبه ذلك، ممّا يلاحظها المراجع «1». و قسم آخر منه و إن تكفّل ببيان الحكم من

الناحية الإيجابيّة، كموثق يونس بن يعقوب، قال: «أرسلت إلى أبي عبد اللّه عليه السّلام: «إنّ لي إخوة صغارا، فمتى تجب على أموالهم الزكاة؟ قال: إذا وجب عليهم الصلاة وجب عليهم الزكاة ... «2»»، إلّا أنّه لا يدلّ إلّا على أصل ثبوت الزكاة عند ثبوت البلوغ و تحقّقه. و هذا بخلاف ما دلّ على اعتبار الحول، فإنّ بعضها- مضافا إلى دلالته على اعتبار الحول في ثبوت الزكاة- متكفّل ببيان أنّ الزكاة ممّا يتبع تحقق الحول، بمعنى أنّ الحكم المذكور يتبع الحول، فمتى ما تحقّق هذا تحقّق ذاك أيضا. و بتعبير آخر، إنّه كما يدلّ على الاشتراط بالحول كذلك يدلّ على كونه الشرط الأخير. و ذلك، كصحيح الفضلاء، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه عليهما السّلام، قالا: «ليس على العوامل من الإبل و البقر شي ء- إلى أن قال:- و كلّ ما لم يحل عليه الحول عند ربّه فلا شي ء عليه فيه، فإذا حال عليه الحول وجب عليه «3»» فإنّ مقتضى قوله عليه السّلام: «فإذا حال عليه الحول وجب عليه» هو أنّ الوجوب بعد الحول، فإذا كان البلوغ في مرحلة متقدمة على الحول، ثم تحقّق الحول، تحقّق الوجوب لا محالة، و أمّا إذا لم يكن كذلك، فلا دليل حينئذ على ثبوت الزكاة. و النتيجة هي موافقة المحقّق السبزواري قدّس سرّه، و لا يضرّنا مخالفة المشهور، بعد مساعدة الأدلّة.

______________________________

(1)- كما في «وسائل الشيعة» (باب 1: من تجب عليه الزكاة).

(2)- الحرّ العاملي، محمد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 1: من تجب عليه الزكاة و من لا تجب عليه، ح 5.

(3)- الحرّ العاملي، محمد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 8: زكاة الأنعام، ح 1.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة،

ج 1، ص: 136

[الثاني العقل]

(الثاني) العقل (6) فلا زكاة في مال المجنون، في تمام الحول أو بعضه و لو أدوارا.

______________________________

(6) الكلام فيه- أيضا- يقع في مقامين:

المقام الأوّل: في بيان مقتضى الأصل في المسألة

و قد أفاد الفقيه المحقق الهمداني قدّس سرّه «1»: أنّ مقتضى الأصل العملي في المسألة إنّما هو البراءة، في كل مورد شككنا فيه في ثبوت الزكاة، بتقريب: أنّ نصوص الباب منقسمة إلى ما تكون مبيّنة للحكم التكليفيّ بالمطابقة و للحكم الوضعيّ بالالتزام، و إلى ما تكون مبيّنة للحكم الوضعيّ بالمطابقة. أمّا القسم الأوّل، فهو مختصّ بالعاقلين، بمقتضى حديث «رفع القلم عن المجنون حتّى يفيق» فلا يبقى له إطلاق بالإضافة إلى المجنون. و أمّا الثاني كقوله عليه السّلام: «فيما سقت السّماء ...

فالعشر» و نحو ذلك، فهو مسوق لبيان أمر آخر، و ليس مسوقا لبيان أصل ثبوت الزّكاة، فلا إطلاق له أصلا، نظرا إلى عدم تماميّة مقدّمات الحكمة، الّتي من جملتها:

كون المتكلم في مقام البيان، و على هذا، فالمرجع عند الشك يكون هو البراءة، كما لا يخفى.

و يتوجّه عليه: ما أشرنا إليه آنفا، في اعتبار البلوغ، من أنّ مقتضى الأصل في المسألة، و هو إطلاق قوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ

______________________________

(1)- الفقيه الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3: ص 6، ط إيران الحجريّة.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 137

..........

______________________________

بِهٰا ... «1»، إنّما هو ثبوت الزكاة في الموارد المشكوك فيها، فإنّ الآية الكريمة ناظرة إلى بيان أصل ثبوت الزكاة في الشريعة المقدّسة، مع الغضّ عن كون الثابت- ابتداء- هو التكليف، أو أنّ الثابت هو الحكم الوضعيّ، كما لا يخفى.

المقام الثاني: في ما هو مقتضى الدليل الاجتهادي

المنسوب إلى الأكثر،

بل المشهور «2» هو: أنّ حكم المجنون حكم الطفل، في عدم ثبوت الزكاة عليه. و يدلّ على ذلك صحيح عبد الرحمن بن الحجّاج، قال:

قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: امرأة من أهلنا مختلطة، أ عليها زكاة؟ فقال: «إن كان عمل به فعليها زكاة، و إن لم يعمل به فلا»، و موثق موسى بن بكير، قال: «سألت أبا الحسن عليه السّلام عن امرأة مصابة، و لها مال في يد أخيها، هل عليه زكاة؟ قال:

«إن كان أخوها يتّجر به فعليه زكاة «3»».

ثمّ إنّ الكلام في هذه المسألة هو الكلام بعينه في المسألة السابقة، من اعتبار الحول- فيما يعتبر فيه ذلك- بعد العقل، أو عدم اعتباره كذلك و كفاية تحقّق العقل قبل حلول الحول، أو مجرّد تحقّق الأمرين، و غير ذلك. و قد عرفت: أنّ المختار هو ما ذهب إليه الفاضل السبزواري قدّس سرّه، من اعتبار حلول الحول متأخّرا عن تحقّق العقل، من دون اعتبار لوقوع تمام الحول بعد العقل. و أمّا فيما لا يكون الحول فيه

______________________________

(1)- التوبة، 9: 103.

(2)- العاملي، السيد محمد جواد: مفتاح الكرامة، ج 3/ كتاب الزكاة، ص 9؛ النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 28، ط النجف الأشرف؛ الفقيه الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3/ كتاب الزكاة: ص 6، ط إيران الحجريّة.

(3)- الحرّ العاملي، محمد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 3: من تجب عليه الزكاة و من لا تجب عليه، ح 1، 2.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 138

بل قيل: إنّ عروض الجنون آنا ما يقطع الحول، لكنّه مشكل، بل لا بدّ من صدق اسم المجنون و أنّه لم يكن في تمام الحول عاقلا، و

الجنون آنا مّا، بل ساعة و أزيد لا يضرّ، لصدق كونه عاقلا (7)،

______________________________

معتبرا، فاللازم إنّما هو تحقّق العقل- كغيره من الشرائط- في زمان تعلّق الوجوب، و هو زمان انعقاد الحبّ، و نحو ذلك، كما سيأتي التفصيل إن شاء الله.

نعم، قلنا هناك: إنّ الجزم بهذا المذهب موقوف على تنقيح البحث عن اعتبار شرطين آخرين في الزكاة، و هما: التمكّن من التصرّف، و حلول الحول في بعض الأقسام، و يأتي ذلك إن شاء الله تعالى.

(7) هذا مبنيّ على الالتزام بالمذهب المشهور، من جعل ابتداء الحول بعد العقل، بحيث يكون الحول بتمامه على مال العاقل، و حينئذ، فما اختاره المصنّف قدّس سرّه، من عدم كون الجنون بمقدار يسير- كالآن، و الساعة، و نحوهما- مضرّا، مبنيّ على أنّ موضوع الحكم إنّما هو مال العاقل الّذي مضى عليه الحول، فالجنون بالمقدار اليسير المتخلّل ممّا لا يضرّ بصدق الموضوع المذكور عرفا.

و يمكن ابتناء ذلك أيضا على ما أفاده في «المستند «1»»، من أنّ عدم ثبوت الزكاة في مال المجنون- و لو كان كذلك في بعض الحول- إنّما هو بملاك الحجر من التصرّف، مع أنّ المعتبر في باب الزكاة هو التمكّن منه، و لا شك في أنّ ما دلّ على

______________________________

(1)- المحقق النراقي: مستند الشيعة، ج 2: ص 5، ط إيران الحجريّة.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 139

[الثالث الحرّية]

(الثالث) الحرّية (8) فلا زكاة على العبد، و إن قلنا بملكه،

______________________________

محجوريّة المجنون عن التصرّف، منصرف عرفا عن المجنون بمقدار ساعة و نحو ذلك، إذ يصدق عليه: أنّه متمكّن من التصرف في تمام الحول، فتثبت الزكاة في ماله مع اجتماع سائر الشرائط، كما هو ظاهر.

(8) أمّا على القول: بأنّ العبد يملك،

فعدم ثبوت الزكاة مطلقا، لا عليه و لا على مولاه، في غاية الظهور. أمّا على مولاه، فلعدم كونه مالكا للمال، و يشترط في الزكاة الملكيّة، و أمّا على العبد، فللروايات الخاصّة الدالّة على ذلك، كمعتبرة عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: «ليس في مال المملوك شي ء و لو كان له ألف ألف، و لو احتاج لم يعط من الزكاة شيئا «1»»، و صحيحته عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أيضا، قال: «سأله رجل- و أنا حاضر- عن مال المملوك، أ عليه زكاة؟ فقال: لا، و لو كان له ألف ألف درهم، و لو احتاج لم يكن له من الزكاة بشي ء «2»»، و موثق إسحاق بن عمّار قال: قلت لأبى عبد اللّه عليه السّلام: ما تقول في رجل يهب لعبده ألف درهم، أو أقل، أو أكثر- إلى أن قال:- قلت: «فعلى العبد أن يزكّيها إذا حال عليه الحول؟ قال: لا، إلّا أن يعمل له فيها، و لا يعطى العبد من الزكاة شيئا «3»».

______________________________

(1)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 4: من تجب عليه الزكاة و من لا تجب عليه، ح 1.

(2)- المصدر، ح 3.

(3)- المصدر، ح 6.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 140

..........

______________________________

هذا على القول بقابليّته للتملّك. و أمّا على القول بعدمها- كما هو المنسوب إلى المشهور «1»- فالزكاة غير واجبة على العبد قطعا، لاشتراطها بالملكيّة المفقودة في حقّه- على الفرض- و أمّا على مولاه، فهو محل الخلاف فيما بينهم، فقد ذهب جماعة «2» إلى عدم وجوبها عليه أيضا، مستدلّين لذلك بما يلي:

الأوّل: النصوص المتقدّمة، فإنّها ظاهرة في عدم ثبوت الزكاة في مال المملوك، فكأنّ

المال- في نفسه- غير قابل لأن يتعلّق به الزكاة، و عليه فالقول بوجوب الزكاة على المولى يكون منافيا لظاهرها، كما لا يخفى. نعم، لو كان مفاد النصوص هو عدم وجوب الزكاة على العبد، لكان للقول بثبوتها في حق المولى مجال واسع، كما هو ظاهر. ثم إنّ المفروض في مورد النصوص المتقدمة إنّما هو المال المضاف إلى العبد، و مع فرض القول بعدم ملكيّة العبد يمتنع الاستدلال بها فى المقام، غير أنّا يمكننا توجيه ذلك بالقول: بأنّ مصحّح الإضافة- على هذا المبنى- إنّما هو كون منشأ مالكيّة المولى للمال المذكور من ناحية العبد، كما إذا وصل إليه من طريق الإرث، أو الهبة أو نحو ذلك، فإنّه حينئذ يصحّ إضافته إليه عرفا.

الثاني: صحيحة عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: قلت له:

مملوك في يده مال، أ عليه زكاة؟ قال: «لا، قلت: فعلى سيّده؟ فقال: لا، لأنّه لم يصل إلى السيّد، و ليس هو للمملوك «3»»، فإنّها صريحة في عدم وجوب الزكاة

______________________________

(1)- النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 31، ط النجف الأشرف؛ الشيخ الانصاري: رسالة الزكاة، ص 414، ط إيران الحجريّة؛ الفقيه الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3/ كتاب الزكاة: ص 7، ط إيران الحجريّة.

(2)- العاملي، السيد محمد جواد: مفتاح الكرامة، ج 3/ كتاب الزكاة، ص 12؛ النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 32، ط النجف الأشرف.

(3)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 4: من تجب عليه الزكاة و من لا تجب عليه، ح 4.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 141

..........

______________________________

على المولى، مع فرض عدم كون العبد قابلا للتملّك.

الثالث: إنّ

مقتضى القاعدة بعد اعتبار أن يكون المال تحت يده في باب الزكاة- كما سيجي ء ذلك إن شاء الله تعالى- إنّما هو عدم ثبوت الزكاة على المولى حينئذ، أمّا الكبرى، و هو اعتبار كون المال تحت اليد في باب الزكاة، فلما سيأتي إن شاء الله تعالى، و أمّا الصغرى، فللصحيحة المتقدّمة، الدالّة على أنّ المال- في مثل هذا الفرض- ممّا لم يصل إلى المولى، كما هو ظاهر.

و المشهور «1» ذهبوا إلى وجوب الزكاة على المولى حينئذ. و عمدة ما استدلّوا به لذلك هو: أنّ الثابت بالإجماع القطعيّ إنّما هو وجوب الزّكاة على البالغ، العاقل، الحرّ، المالك للنصّاب ...، و المفروض هو اجتماع هذه الشرائط كلّها في المولى، فيجب عليه الزّكاة لا محالة، و مع هذا الإجماع القطعيّ لا بدّ من التصرّف في الوجوه المتقدّمة. أمّا النصوص الدالّة على نفي الزّكاة عن مال المملوك، فبحملها على عدم وجوب الزّكاة على خصوص العبد، و لا ينافي ذلك وجوبها على المولى، فإنّ دلالتها على نفي الزّكاة عن السيّد إنّما هو بالإطلاق، و الإجماع القطعيّ يمكن جعله مقيّدا لذلك، كما لا يخفى.

و أمّا الصحيحة، فبحملها على خصوص ما إذا كان عدم الوصول إليه تكوينا، كما إذا كان المال بعيدا عن المالك، و لا موجب لحملها على تقرير ما هو الثابت عند العرف، من تقبيح المولى التصرّف في الأموال الّتي يكون منشأ الملكيّة فيها حاصلا من العبد، مع فرض أنّ المال ملك للمولى، كما في المال المبذول للضيافة، فإنّ المضيّف ممنوع عرفا من التصرف فيه كيف شاء، كمنع

______________________________

(1)- النجفي: الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 32، ط النجف الأشرف؛ الفقيه الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3/ كتاب

الزكاة: ص 7، ط إيران الحجريّة.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 142

..........

______________________________

الضيف نفسه مثلا، لمنافاته للمروّة، و هذا لا ينافي كون التصرّف فيه مباحا له شرعا، من جهة كونه مالكا.

و على الجملة: لا ينبغي الإشكال في إمكان كون المولى ممنوعا من التصرّف في بعض أمواله بحسب الموازين الأخلاقيّة الموجودة لدى العرف، و أنّ هذا لا ينافي كونه مالكا للمال المذكور أصلا، و حينئذ فإن حملنا عدم الوصول في الصحيحة على هذا المعنى، كان المستفاد منها: هو عدم ثبوت الزكاة على السيّد في فرض القول بعدم ملكيّة العبد، و أمّا إذا حملناه على كون ماله بعيدا عنه، بحيث لا يكون في متناول يده، فهي لا تدل على عدم ثبوتها فيما إذا كان المال قريبا منه، كما هو ظاهر.

و من هنا يظهر وجه التأويل في الوجه الثالث، فإنّ الوجه الاعتباريّ لا قيمة له في قبال الإجماع القطعيّ، فلا بد من تأويله بما تقدّم. و لأجل ذلك استوجه صاحب «الجواهر» قدّس سرّه المذهب المشهور «1».

أقول: يمكن منع الإجماع المذكور صغرويا، فإنّ ثبوته على نحو يشمل المقام، بحيث يكون لمعقده إطلاق بالإضافة إليه، في محلّ المنع، و على فرض التسليم به، فالكبرى ممنوعة، فإنّه غير واجد لملاك الحجيّة، و هو الكشف عن قول المعصوم عليه السّلام، فإنّ بعض القائلين بالمذهب المشهور استدلّوا لما ذهبوا إليه ببعض الوجوه الاعتباريّة، كما في «مصباح الفقيه «2»» للمحقق الهمداني قدّس سرّه و غيره «3».

و الاحتمال استناد الكلّ- أو الجلّ- إلى ذلك، أو ما يشبهه، مجال واسع، و معه لا يحتمل أن يكون الإجماع المذكور إجماعا تعبديّا، كما لا يخفى.

______________________________

(1)- النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 33،

ط النجف الأشرف.

(2)- الفقيه الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3: ص 7، ط إيران الحجريّة.

(3)- الأنصاري، الشيخ مرتضى: رسالة الزكاة، ص 415، ط إيران الحجريّة.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 143

من غير فرق بين القنّ، و المدبّر، و أمّ الولد، و المكاتب المشروط، و المطلق الّذي لم يؤدّ شيئا من مال الكتابة (9) و أمّا المبعّض، فيجب عليه، إذا بلغ ما يتوزّع على بعضه الحرّ النصاب (10).

________________________________________

قمّى، سيد محمد حسينى روحانى، المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، 3 جلد، مؤسسة الجليل للتحقيقات الثقافية (دار الجلي)، تهران - ايران، اول، 1418 ه ق

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة؛ ج 1، ص: 143

______________________________

و الحاصل: أنّ الالتزام بالمذهب المشهور موقوف على تماميّة الإجماع المذكور صغرى و كبرى، و تماميّة كلتيهما في محلّ المنع، كما عرفت.

ثم إنّه من جميع ما ذكرناه يظهر: أنّ الفرد الخفيّ لمورد عدم وجوب الزكاة على العبد، إنّما هو فرض عدم مالكيّة العبد، و أمّا مع فرض قابليّته لذلك فالقول بنفي الزكاة عن ماله في غاية الظهور خلافا للمصنّف قدّس سرّه حيث عكس، فقال:

«فلا زكاة على العبد، و إن قلنا بملكه ...» فإنّ ظاهره أنّ نفي الزكاة في فرض الملكيّة أخفى. و السّر فيه: أنّ الاستدلال بالنصوص الخاصّة النافية للزّكاة عن مال العبد واضحة الدلالة، على تقدير كون العبد مالكا، و أمّا على تقدير العدم، فيتوقّف الاستدلال بها لنفي الزكاة عن مال، على عناية زائدة، من جهة أنّ المأخوذ في موضوعها إنّما هو المال المضاف إلى العبد، و لا بدّ من فرض المصحّح لهذه الإضافة على هذا المبنى، كما أشرنا إليه آنفا. فلاحظ.

(9) لإطلاق الأدلّة، فإنّ المأخوذ في

الأدلّة النّافية للزكاة إنّما هو عنوان:

«المملوك» و «العبد» و هو صادق على جميع ذلك كلّه، كما لا يخفى.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 144

..........

______________________________

(10) بلا خلاف أجده «1» أو ظاهر «2». و قد يستشكل ذلك كما فى «الجواهر «3»»، بدعوى: انصراف ما دلّ على وجوب الزكاة على الحرّ عند بلوغ ماله النصاب عن المقام، فيما اذا كان البعض الحرّ منه يسيرا بالإضافة الى الأجزاء المملوكة. و يمكن المناقشة فيه: بأنّ ذلك ممّا لا يوجب الانصراف، كما حقّق في محلّة من بحث الأصول.

و صاحب «الحدائق» قدّس سرّه استشكل نفي الزكاة عما يقع من المال بإزاء الجزء المملوك منه، لو لا الاتّفاق على ذلك، فقال- ما لفظه-: «و لو لا الاتّفاق على الحكم المذكور، لأمكن المناقشة في دخوله تحت العمومات المذكورة- يعني:

العمومات الدالّة على سقوط الزكاة عن المملوك مطلقا- فإنّ تلك العمومات إنّما تنصرف- بإطلاقها- إلى الأفراد الشائعة المتكثّرة، و هو من كان رقّا بتمامه، لا من تبعّض، بأن صار بعضه رقّا و بعضه حرّا، فإنّه من الفروض النادرة «4»».

و فيه- مضافا إلى ما عرفت في سابقه- من فساد دعوى الانصراف في المقام، من جهة أنّ ندرة الفرد لا توجب الانصراف أنّ النصوص المتقدّمة ظاهرة في أنّ عنوان «المملوكيّة»- مثلا- من قبيل العلّة لنفي الزكاة، فيكون الحكم المذكور فيها، المترتب على العنوان المذكور، دائرا مدار العنوان المذكور وجودا و عدما. و من الواضح أنّ دعوى الانصراف- بعد فرض التسليم بالكبرى- غير متمشية في أمثال هذه النصوص، كما لا يخفى. و عليه، فما أفاده المصنف قدّس سرّه هو

______________________________

(1)- النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 34، ط النجف الأشرف.

(2)- الأنصاري، الشيخ

مرتضى: رسالة الزكاة، ص 415، ط إيران الحجريّة.

(3)- النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 34، ط النجف الأشرف؛ العاملي، السيد محمد جواد: مفتاح الكرامة، ج 3/ كتاب الزكاة، ص 13.

(4)- البحراني، الشيخ يوسف: الحدائق الناضرة، ج 12: ص 29، ط النجف الأشرف.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 145

..........

______________________________

الصحيح ظاهرا. فلاحظ.

تذييل:

من الغريب أنّي لم أجد «1»- فيما وسعني من الكتب الفقهيّة- من تعرّض للبحث عن اعتبار الحرّية في تمام الحول و عدمه، جريا على عادتهم في البلوغ، و العقل و غير ذلك. نعم، اختصّ بالتعرض له- فيما رأيت- صاحب «المستند» قدّس سرّه «2» فقال ما حاصله: إنّه، بناء على الالتزام بعدم قابليّة العبد للتملّك فالمعتبر إنّما هو مضيّ الحول على المال من حين الحرّية، و ذلك لأنّ اعتبار البلوغ و العقل في الزكاة إنما هو بمناط أنّ غير البالغ و المجنون ممنوعان من التصرّف، و العبد يشترك معهما في ذلك على هذا الفرض، فلا بدّ فيه أيضا من جعل مبدأ الحول من حين ارتفاع المنع عنه. و أمّا بناء على القول بملكيّته، فإن فرضناه غير مأذون من قبل مولاه في التصرّفات، إذ لا إشكال في إناطتها بإذنه حتى مع كونه مالكا، فالأمر حينئذ كما في سابقه، فإنّه كالطفل و المجنون ممنوع من التصرّف، و ينبغي جعل مبدأ الحول من حين ارتفاع المنع، و اذا فرضناه مأذونا في ذلك فاعتبار الحرية المنع حينئذ يكون ثابتا بالأدلّة الخاصّة، لا بملاك المنع من التصرّف، و إذا كان اللازم فرض مبدأ الحول من حين ارتفاع المنع، فيما يكون اعتباره في الزكاة، من جهة أنّه مع عدمه يكون ممنوعا من التصرف، لم يوجب

______________________________

(1)-

أقول: تعرض له- اجمالا- صاحب «الجواهر» قدّس سرّه بقوله: «ثم إنّ الكلام في اشتراط استمرار الحرّية من مبدأ الحول إلى حين التعلّق فيما يعتبر فيه الحول، و حصولها قبل التعلّق مستمرّا إلى حينه في غيره، هو الكلام في البلوغ و العقل» (النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 35، ط النجف الأشرف).

(2)- النراقي، مولى أحمد: مستند الشيعة، ج 2: ص 7، ط إيران الحجريّة.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 146

[الرّابع أن يكون مالكا]

(الرّابع) أن يكون مالكا (11) فلا تجب قبل تحقّق الملكيّة.

______________________________

ذلك اعتباره في الحرية أيضا المفروض اعتبارها بغير هذا الملاك، و حينئذ فيكفي في ثبوت الزكاة مجرّد ارتفاع الرقيّة قبل تمام الحول، إن لم يكن إجماع على خلافه.

هذا، و لا يخفى أنّ هذا الكلام إنّما يتمّ على المذهب المشهور، و أمّا على المختار، فالحال في جميع الفروض المتقدّمة على نهج واحد، كما لا يخفى. فلاحظ. ثمّ إنّ المستفاد من الروايات هو انّ الرقيّة مانعة من وجوب الزكاة، لا أنّ الحرية شرط.

اذن، فالتعبير بأنّ عدم الرقيّة شرط، اوان الرقيّة مانعة أولى من التعبير بشرطيّة الحريّة، كما في «العروة».

(11) اشتراط الزكاة بالملك ممّا لا ينبغي الإشكال فيه «1»، بل قيل إنّه من الواضحات الّتي لا مجال للارتياب فيه «2»، كما هو ظاهر قوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً ... «3». إنّما الإشكال فيما ذكره في «الشرائع «4»» و غيره «5» زائدا

______________________________

(1)- العاملي، السيد محمد جواد: مفتاح الكرامة، ج 3/ كتاب الزكاة، ص 13؛ النراقي، مولى أحمد: مستند الشيعة، ج 2: ص 7، ط إيران الحجريّة.

(2)- الفقيه الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3: ص 8، ط إيران الحجريّة.

(3)- التوبة، 9: 103.

(4)-

المحقّق الحلّي، جعفر بن الحسن: شرائع الإسلام/ تحقيق: عبد الحسين محمّد علي البقّال، ج 1: ص 141.

(5)- العلّامة الحلّي، الحسن بن يوسف: تذكرة الفقهاء، ج 1: ص 201، ط إيران الحجريّة؛ تحرير الأحكام، ج 1: ص 58، ط إيران الحجريّة؛ نهاية الأحكام/ تحقيق: السيد مهدي

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 147

..........

______________________________

على ذلك من اعتبار كونه تامّا، فقد وقع الكلام في المراد من تماميّة الملك، فإنّه لا يخلو الحال فيه أن يكون أحد ما يأتي، و كلّ ذلك لا يخلو عن الإشكال:

الأوّل: أن يراد بالتام ما هو في قبال المتزلزل، بأن يعتبر في الزكاة الملكيّة اللّازمة، غير المتزلزلة بالخيار و نحو ذلك. و لكن هذا ينافي ما فرّع عليه في العبارة، من ثبوت الزّكاة في المبيع بالخيار، فيما إذا مضى عليه الحول الكامل من حين العقد، و لم يأخذ ذو الخيار به في أثناء الحول، فإنّ مقتضى اعتبار التماميّة- بالمعنى المذكور- نفي الزكاة في هذا الفرض، كما لا يخفى.

الثاني: أن يراد به التمكّن من التصرّف، في مقابل الملك الناقص الممنوع مالكه عن التصرف فيه، عقلا، أو شرعا. و هذا مناف لذكر اعتبار التمكّن من التصرّف بعد ذلك مستقلا.

الثالث: أن يراد به تماميّة مقتضى الملك، بأن يكون مقتضى الملك تامّا، غير موقوف على شي ء آخر. و لكن هذا ليس بشرط آخر وراء اعتبار الملكيّة، فلا وجه لعدّه في جملة الشرائط مستقلا، كما لا يخفى.

و كيف كان، فالمراد من هذا الكلام غير واضح. و يمكن توجيه ذلك بما عن صاحب «الجواهر «1»» قدّس سرّه من أنّ المراد به ما هو في مقابل الملك الناقص، و هو ما يكون المنع عن التصرّف فيه لقصور فى

الملكيّة، لا لأمر خارجيّ. فيحترز به عن الغنيمة، و المنذور التصدّق به، فإنّ المانع من ثبوت الزكاة فيهما إنّما هو النقص في الملك، دون المنع من التصرّف لأمر خارجيّ. و أمّا اعتبار التمكّن من

______________________________

الرجائي، ج 2: ص 302؛ إرشاد الأذهان/ تحقيق: الشيخ فارس الحسّون، ج 1: ص 278؛ الشهيد الأوّل، محمد بن مكّي: البيان/ تحقيق: الشيخ محمد الحسّون، ص 278؛ العاملي، السيد محمد جواد: مفتاح الكرامة، ج 3/ كتاب الزكاة، ص 13.

(1)- النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 36، ط النجف الأشرف.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 148

كالموهوب قبل القبض، و الموصى به قبل القبول، أو قبل القبض، و كذا في القرض لا تجب إلّا بعد القبض (12).

______________________________

التصرّف، فللاحتراز به عن المغصوب، و المسروق، و نحوهما، ممّا يكون المنع فيه لا لأجل نقص الملك بل لأمر خارجيّ. و الأمر سهل، بعد العلم بعدم ورود لفظ «التمام» او «التمكّن» في شي ء من النصوص، كما لا يخفى.

(12) لا إشكال في اشتراط حصول الملكيّة- في الهبة، و القرض- بالقبض، و عليه فيعتبر فيهما مضيّ حول كامل- فيما يعتبر الحول فيه- بعد القبض، بناء على المشهور، و أمّا الموصى به، فيعتبر في تحقق الملكيّة للموصى له القبول، و أمّا القبض، فهو غير معتبر في ذلك، بل المعتبر في حصولها- مضافا إلى القبول- إنّما هو وفاة الموصي، و عليه، فما في العبارة لعلّه من سهو النسّاخ، أو من سهو القلم، كما نبّه عليه جملة من المحشّين الأعلام، و قد يقال «1»: إنّ الصحيح هو «الوفاة» بدل «القبض». و ربّما وجهه بعض محشي «2» الكتاب، بحمله على ما إذا كان القبض في مقام

القبول، بأن يكون قبولا فعليّا، فيكون المراد بالقبول المذكور في المتن هو القبول القوليّ. و اللّه العالم.

______________________________

(1)- الحكيم، السيد محسن: مستمسك العروة الوثقى، ج 9: ص 12، ط الثالثة.

(2)- السيّد الشاهرودي- طاب ثراه.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 149

[الخامس تمام التمكّن من التصرّف]

(الخامس) تمام التمكّن من التصرّف (13) فلا تجب في المال الّذي لا يتمكّن المالك من التصرّف فيه.

______________________________

(13) لا إشكال في اعتبار التمكّن من التصرّف في الجملة، بل عن شيخنا العلّامة الانصاري قدّس سرّه «1» دعوى الإجماع عليه، محقّقا و مستفيضا. و يدلّ على ذلك جملة من النصوص، كصحيح عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «لا صدقة على الدّين، و لا على المال الغائب عنك حتى يقع في يديك «2»»، و صحيح إبراهيم بن أبي محمود، قال: «قلت لأبي الحسن الرضا عليه السّلام: الرجل يكون له الوديعة و الدين، فلا يصل إليهما، ثم يأخذهما، متى يجب عليه الزكاة؟ قال: إذا أخذهما، ثمّ يحول عليه الحول، يزكي «3»»، و موثق زرارة، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّه قال: «في رجل ماله عنه غائب، لا يقدر على أخذه؟ قال: فلا زكاة عليه حتّى يخرج، فإذا خرج زكّاه لعام واحد، فإن كان يدعه متعمّدا، و هو يقدر على أخذه، فعليه الزكاة لكل ما مرّ به من السنين «4»».

______________________________

(1)- الانصاري، الشيخ مرتضى: رسالة الزكاة، ص 428، ط إيران الحجريّة.

(2)- الحرّ العاملي، محمد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 5: من تجب عليه الزكاة و من لا تجب عليه، ح 6.

(3)- المصدر/ باب 6: من تجب عليه الزكاة و من لا تجب عليه، ح 1.

(4)- المصدر/ باب 5: من تجب عليه الزكاة و

من لا تجب عليه، ح 7.

و الرّواية بإسناد الشيخ إلى علي بن الحسن بن فضّال، عن أخويه، عن أبيهما، عن الحسن بن الجهم، عن عبد اللّه بن بكير، عمّن رواه عن زرارة، فهي مرفوعة. و تعبير سيّدنا الأستاذ- دام ظلّه- عنها بالموثّقة، إنّما هو على أساس تعبير الفقهاء قدّس سرّه عنها بذلك كما هو الحال في غيرها، فلا تغفل.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 150

..........

______________________________

و خبر سدير الصيرفيّ، أو حسنته، قال: قلت لأبي جعفر عليه السّلام: ما تقول في رجل كان له مال، فانطلق به فدفنه في موضع، فلمّا حال عليه الحول ذهب ليخرجه من موضعه، فاحتفر الموضع الّذي ظنّ أنّ المال فيه مدفون فلم يصبه، فمكث بعد ذلك ثلاث سنين، ثم إنّه احتفر الموضع الّذي من جوانبه كلّه [كلّها]، فوقع على المال بعينه، كيف يزكّيه؟ قال: «يزكّيه لسنة واحدة، لأنّه كان غائبا عنه، و إن كان احتبسه «1»»، و موثق إسحاق بن عمّار، قال: سألت أبا إبراهيم عليه السّلام عن الرجل يكون له الولد، فيغيب بعض ولده، فلا يدرى أين هو، و مات الرجل، كيف يصنع بميراث الغائب من أبيه؟ قال: «يعزل حتى يجي ء، قلت: فعلى ماله زكاة؟ قال: لا، حتّى يجي ء، قلت: فإذا جاء أ يزكّيه؟ قال: لا حتّى يحول الحول عليه في يده «2»»، و نحوه موثّقة الآخر «3».

و على الجملة، اعتبار التمكّن من التصرّف- في الجملة- ممّا لا كلام فيه و لا إشكال، و إنّما الكلام في المراد من ذلك، فقد يقال: إنّه عبارة عن التمكن من جميع التصرّفات، و القدرة على كلّ تصرّف شائه المالك. و لكنّه واضح الخلل لاستلزامه، نفي الزّكاة فيما إذا امتنع على

المالك بعض التصرّفات، كما إذا أمره- من يجب عليه إطاعته- بعدم بيع ماله مثلا، أو نذر ذلك، فإنّه حينئذ لا يكون متمكّنا من جميع التصرفات، فلو كان ذلك شرطا في الزكاة، لزم منه القول بعدم ثبوتها في مثل هذه الموارد، و هو فاسد بالوجدان.

و قد يقال: يكفي- في التمكّن المأخوذ شرطا- القدرة على التصرّف في

______________________________

(1)- الحرّ العاملي، محمد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 5: من تجب عليه الزكاة و من تجب عليه، ح 1.

(2)- المصدر/ باب 5: من تجب عليه الزكاة و من لا تجب عليه، ح 2.

(3)- المصدر/ باب 5: من تجب عليه الزكاة و من لا تجب عليه، ح 3.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 151

..........

______________________________

الجملة، دون التمكّن من جميعها. و هو- أيضا- كسابقه باطل، فإنّ المالك متمكّن كذلك في المال المغصوب أو المسروق أيضا، إذ لا إشكال في أنّه قد يكون قادرا على بيع ماله من الغاصب- مثلا- و لو بقيمة نازلة، مع أن نفي الزكاة فى هذه الموارد ممّا لا إشكال فيه و لا خلاف.

و عن شيخنا العلّامة الأنصاري قدّس سرّه «1»: أنّه عبارة عن القدرة- عقلا و شرعا- على دفع المال إلى الغير و إقباضه إيّاه، و تمكّنه من التسليم إليه، و قد حمل قدّس سرّه النصوص الدالّة على اعتبار ذلك كالإجماعات الماخوذ في معاقدها لفظ «التمكن» على ذلك المعنى. و حاصل ما استند إليه قدّس سرّه في ذلك هو: أنّ المستفاد من النصوص المتقدّمة، كموثق إسحاق بن عمّار في المال الموروث الغائب: «أ يزكّيه؟

قال: «لا، حتّى يحول عليه الحول في يده «2»»، و «حتّى يحول الحول و هو عنده»، كما فى روايته الأخرى «3»،

و قوله عليه السّلام: «أيّما رجل كان له مال موضوع، حتّى يحول عليه الحول، فانه يزكّيه ... «4»» و غير ذلك «5» هو: أنّ التمكّن في تمام الحول علّة تامّة لوجوب الزكاة، و حيث أنّ التمكّن المعتبر في آخر الحول، و هو زمان وجوب الزكاة، عبارة عن القدرة على التسليم و دفع الزكاة الى الفقير مثلا، فلا بدّ من القول بأنّ التمكن- المعتبر في تمام الحول أيضا- إنّما هو هذا المعنى. و ذلك لأنّه لو كان ذلك عبارة عن التمكّن في الجملة، الّذي هو دون القدرة على التسليم، لزم

______________________________

(1)- الأنصاري، الشيخ مرتضى: رسالة الزكاة، ص 428، ط إيران الحجريّة.

(2)- الحرّ العاملي، محمد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 5: من تجب عليه الزكاة و من لا تجب عليه، ح 2.

(3)- المصدر/ باب 5: من تجب عليه الزكاة و من لا تجب عليه، ح 3.

(4)- المصدر/ باب 10: من تجب عليه الزكاة و من تجب عليه، ح 1.

(5)- المصدر/ باب 7: من تجب عليه الزكاة و من لا تجب عليه، ح 1.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 152

..........

______________________________

منه عدم كون التمكّن في تمام الحول علّة تامة، لفرض اعتبار القدرة على التسليم، زائدا على ذلك، في آخر الحول، مع أنّه خلاف المفروض، كما عرفت.

و على الجملة: الاستدلال المذكور مبنيّ على مقدّمتين: الأولى أنّ المستفاد من النصوص إنّما هو كون التمكن في تمام الحول علّة تامة لوجوب الزكاة. الثانية اعتبار القدرة على التسليم في آخر الحول قطعا، و نتيجة هاتين المقدّمتين إنّما هي:

كون التمكّن المفروض علّة تامّة، هو التمكّن بهذا المعنى، و إلّا خرج عن كونه علّة تامّة، و هو خلاف الفرض. هذا حاصل

ما أفاده قدّس سرّه، لعلّه بتوضيح منّا.

و قد أورد عليه الفقيه المحقق الهمداني قدّس سرّه «1» أوّلا: أنّ مراد الأصحاب قدّس سرّهم من التمكّن إنّما هو سلطنة المالك و بقاء المال تحت يده و اختياره، احترازا عن المال الخارج عن يده أو يد وكيله، كالمسروق و المغصوب و نحوهما، فحمل معاقد الإجماعات على ما أفاده قدّس سرّه ممّا لا مجال له. كما أنّ المستفاد من النصوص المتقدّمة، ليس هو إلّا اعتبار استيلاء المالك و بقاء المال تحت يده، من دون أن يكون مفادها كون ذلك علّة تامة لوجوب الزكاة، و لذلك لا تنافى بينها و بين ما دلّ على اعتبار سائر الشروط، كالبلوغ حدّ النصاب، و كون المال من الأجناس التسعة الآتية ...، و عليه، فالمقدّمة الأولى غير سليمة عن الخلل.

و ثانيا: أنّه مع التسليم بالمقدّمة الأولى، للمناقشة في الثّانية مجال واسع، إذ لا دليل على اعتبار التمكّن بالمعنى المذكور في آخر الحول، و لذلك لا ينبغي الإشكال في وجوب الزكاة، في ما لو نذر عدم التصرّف في المال المذكور إلى ما بعد حلول الحول، أو أمره بذلك من تجب عليه اطاعته، فان التمكّن بهذا المعنى- مع قطع النظر عن دليل وجوب الزكاة- غير متحقّق، غير انّه بلحاظ دليل

______________________________

(1)- الفقيه الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3: ص 12، ط إيران الحجريّة.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 153

..........

______________________________

وجوبها يلزمه إخراج الزكاة، نظرا إلى أنّ وجوب الوفاء بالنذر، أو وجوب إطاعة الوالد و نحوه، مشروط بعدم كونه موجبا لمخالفة حكم شرعي، أو مزاحمة حق واجب، كما لا يخفى.

و على الجملة، لا دليل على اعتبار التمكّن من الدفع و الإقباض في آخر

الحول، مع الغضّ عن ثبوت الزكاة في المال، بحيث يكون متمكنا من ذلك و لو لم تكن الزكاة ثابتة عليه، كما هو مقتضى المقدّمة الثانية. فما ذكره قدّس سرّه على هذا ممّا لا يمكننا مساعدته فيه. و إليك نصّ بعض كلامه: «و الحاصل، أنّ التمكّن من الدفع و الإقباض حال تعلّق الوجوب ليس شرطا في الزكاة، فضلا عن اعتباره في تمام الحول، فليس هذا المعنى مرادا من النص و الفتوى جزما. فالّذي ينبغي أن يقال: إنّ الّذي يستفاد من هذه الأخبار ليس إلّا اعتبار كون المال في يده تمام الحول، أي تحت تصرّفه، بحيث يكون بقائه عنده مستندا إلى اختياره، فإن هذا هو المنساق إلى الذهن من مثل هذه الأخبار، و لو بانضمام بعضها إلى بعض، فلا يكفي مجرّد وصول المال إليه و بقائه عنده بقهر قاهر، من غير أن يتحقّق له استيلاء عليه بابقائه و اتلافه. و أمّا كون تصرّفه بكلّ من الإبقاء و الإتلاف سائغا له شرعا، فهو أمر آخر لا يفهم اعتباره من هذه الأخبار. و غاية ما يمكن الاستدلال به لذلك: ما سبقت الإشارة إليه عند البحث عن اشتراط كون الملك تامّا، من أنّ المنساق إلى الذهن من أدلّة الزكاة إنّما هو تعلّقها بالملك الطلق، الّذي يكون لمالكه التصرّف فيه و التسلّط على دفعه إلى الفقير، أو صرفه في سائر مقاصده. و هذا بالنسبة إلى حال تعلّق الوجوب واضح. و لكن الاستدلال به لاعتبار كون المال كذلك فى تمام الحول إنّما يتمّ بانضمامه إلى ما يظهر من كلماتهم من التسالم على أنّ ما هو شرط لتعلّق الزكاة يعتبر استمراره في تمام الحول، كما

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1،

ص: 154

..........

______________________________

يشعر بذلك أدلّة اعتبار الحول، حيث يستشعر منها إرادته فى المال الذي من شأنه الصرف في مقاصده، و أنّه إذا تركه حتى حال عليه الحول فإنّه يزكّيه- إلى أن قال:- و لكن هذا كلّه بعد تسليم أصل الانصراف المزبور، و القدر المتيقّن منه الّذي يصحّ تسليمه إنّما هو انصراف ادلّة الزكاة عن المال الّذي ليس لمالكه- من حيث هو- التصرّف فيه كيف ما شاء، و إخراجه عن ملكه، بهبة أو بيع و نحوه، لقصور سلطنته بالذات كما فى الوقف، او بواسطة تعلّق حقّ الغير به كما فى الرهن و شبهه، لا مجرّد تعلّق حكم تكليفي بترك إخراجه عن ملكه، أو صرفه في مصرف معيّن، من غير أن يؤثّر ذلك- شرعا أو عرفا- نقصا في ملكيّته، كما إذا منعه أبوه عن إخراج النصاب عن ملكه، أو نذر بذلك أو حلف عليه، فإنّ هذا النحو من المنع عن التصرف ليس موجبا لانصراف الأدلّة عنه جزما، بل و كذا لو حلف على صرفه في مصرف معين لمصلحة نفسه مثلا، فإنّ هذا- أيضا- غير موجب لنقص ملكيّته، و لا لانصراف أدلّة الزكاة عنه- إلى أن قال:- و أمّا نذر الصدقة و شبهها فقد التزمنا بانقطاع الحول به و مانعيّته عن الزكاة، لكونه لأجل سببيّته للأمر بدفعه إلى الفقير على الإطلاق موجبا لنقص ملكيّته عرفا و شرعا «1»».

و التحقيق أن يقال: إنّ لفظ «التمكّن» غير وارد في شي ء من النصوص، حتّى يقع الكلام في مدلوله سعة و ضيقا، و إنّما هو معنى اصطياديّ من الأدلّة، فلا بدّ من ملاحظه النصوص الواردة، و المستفاد منها هو اعتبار الاستيلاء على المال خارجا، المعبّر عنه بالتمكّن من التصرّف فيه عقلا، مع

عدم المانع من ذلك شرعا، فثبوت الزكاة مشروط باستيلاء المالك على ماله، و كونه تحت يده خارجا،

______________________________

(1)- الفقيه الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3: صص 12- 13، ط إيران الحجريّة.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 155

..........

______________________________

بحيث يكون كلّ من إبقائه تحت يده و إخراجه عنها أمرا راجعا إلى اختياره و إرادته. و كذلك مشروط- أيضا- بعدم المانع من التصرّف فيه شرعا، و عليه فالمعتبر حينئذ بعنوان «التمكّن من التصرّف» بحسب الحقيقة إنّما هو أمران:

أحدهما الاستيلاء الخارجي على المال. و الآخر عدم المانع الشرعيّ و العرفيّ من التصرّف فيه.

و الّذي يدلّ على الأمر الأوّل: إنّما هو النصوص المتقدّمة، فإنّها ظاهرة في اعتبار التمكّن بمعنى الاستيلاء، باعتبار ورودها في مورد الدّين، و المال الغائب، و المدفون في مكان منسي، و نحو ذلك ممّا لا يكون للمالك فيه استيلاء خارجيّ على ماله، و لا يكون ذلك تحت يده، بحيث يكون كل من الإبقاء و الإخراج منوطا باختياره و إرادته، فلا يستفاد من تلك النصوص أكثر من اعتبار التمكّن بهذا المعنى، كما لا يخفى.

و أمّا الأمر الثاني، و هو اعتبار عدم المنع الشرعيّ من التصرّف، كما في المرهون، و الموقوف و نحوهما، فالدّليل عليه: إنّما هو انصراف أدلّة الزكاة عن أمثال ذلك، فإنّ الزكاة إنّما تكون متعلّقة بالعين ابتداء، سواء أ كان ذلك بنحو الملك أم بنحو الحقّ، فإذا كانت العين متعلّقا لحقّ الغير- كما في المرهون مثلا- لم يمكن تعلّقها بالمال حينئذ، فإنّ كون المال كذلك مناف لتعلّق حق الغير به أو صيرورته ملكا له. و عليه، فتكون أدلّة الزكاة منصرفة إلى ما يكون المال ملكا طلقا، بحيث لا يكون متعلّقا لحق الغير

أبدا. و ما ذكرناه هو مختار الفقيه المحقّق الهمداني قدّس سرّه أيضا، مع اختلاف يسير في تقريب الاستدلال للأمر الثاني. فلاحظ و تأمّل «1».

______________________________

(1)- هذا و قد بنى سيّدنا الأستاذ- دام ظلّه- أخيرا على أنّه: لا يبعد القول بتقديم الزكاة على

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 156

بأن كان غائبا، و لم يكن في يده، و لا في يد وكيله (14).

______________________________

و ممّا ذكرنا يظهر أنّ الاستدلال بالنصوص المذكورة للمذهب المشهور، و هو اعتبار وقوع الحول بتمامه بعد البلوغ و العقل- كما أشرنا إليه سابقا، و أرجأنا الكلام فيه إلى البحث الّذي نحن فيه- ممّا لا وجه له أصلا. و ذلك: لما عرفت: من أنّ التمكن المستفاد اعتباره من النصوص المذكورة، إنّما هو عبارة عن الاستيلاء الخارجيّ على المال و كونه تحت يده خارجا، و مثل هذا التمكّن مفروض في مورد الصبيّ قبل البلوغ، كما لا يخفى. ثمّ إنّه هل يعتبر التمكّن من التصرّف بالمعنى المختار في تمام الحول- فيما يعتبر فيه ذلك- او يكفي تحقّقه عند حلول الحول- كما اخترناه في البلوغ و العقل- فيه كلام يأتي إن شاء اللّه تعالى عند التعرّض لاعتبار الحول، فانتظر.

(14) الصحيح في المقام هو أن يفصّل في الوكيل بين ما يكون يده على المال و استيلائه عليه بمنزلة يد الموكّل و استيلائه عليه، كما إذا كان وكيلا في إبقاء المال عنده- كما في الودعيّ- أو وكيلا مطلقا، له أن يتصرّف في المال كيف شاء، أو كان وكيلا في جهة خاصّة، و كان الموكّل متمكّنا من عزله أو أمره بصرف المال في

______________________________

النّذر فى الفرض المذكور. و كأنّه لأجل أن النّذر لا يوجب حقّا للغير كما لا

يوجب الملكيّة له، فلا قصور- إذن- في الملكيّة حتى بمنع ذلك من وجوب الزكاة. نعم، إذا كان النذر من قبيل نذر النتيجة كان ذلك موجبا لخروج المال المنذور عن ملك الناذر، و صيرورته ملكا للمنذور له، كما هو الحال في النذر للمشاهد المشرّفة و نحوها، فلا تجب الزكاة حينئذ، إلّا أنّ ذلك خارج عن كلام المصنّف قدّس سرّه.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 157

..........

______________________________

جهة أخرى متى ما شاء. فإنّ استيلاء الوكيل- في هذه الموارد- إنّما هو بحكم استيلاء الموكّل و بين ما لا يكون كذلك، كما إذا كان وكيلا في صرف المال في جهة خاصّة، و لم يتمكّن من الصرف فيها فرضا، و لم يتمكّن الموكّل من الوصول إلى وكيله لانقطاعه عنه، فان المالك في مثل هذا الفرض لا يكون مستوليا على ماله عرفا، كما هو ظاهر.

و الوجه في هذا التفصيل هو: أنّ الغيبوبة بما هي غير مانعة عن ثبوت الزكاة، و لذا لا إشكال في ثبوتها فيما لو كان له مال في بلد بعيد، يقطع الطريق إليه في شهر أو شهرين مثلا، إلّا أنّه كان متمكّنا من إحضار المال و التصرّف فيه، و إن لم يمكنه التصرّف فيه بالفعل، فإنّ ذلك ممّا لا يضرّ، بعد كونه مستندا إلى اختياره و إرادته، بل المانع إنّما هي الغيبوبة الموجبة لعدم استيلاء المالك على ماله خارجا. و حينئذ ففي كلّ مورد كان له الاستيلاء عليه و لو كان لأجل استيلاء وكيله عليه، كانت الزكاة ثابتة لا محالة، و إذا لم يكن الأمر كذلك، فلا دليل على ثبوت الزكاة فيه، فإنّ موضوع السقوط- و هو الغيبة المانعة عن الاستيلاء- متحقّق فيه، و لا دليل

على كون يد الوكيل- كما في المثال المتقدّم- بمنزلة يد المالك، كي يتحقّق له الاستيلاء على المال، حتّى تثبت الزكاة، كما هو ظاهر للمتأمّل.

و ربما يستدلّ لذلك- كما في «المستند «1»»، أو يؤيّد، بل يستشهد له- كما في «مصباح الفقيه «2»»- بالنصوص الواردة في مال تركه لنفقة عياله، كموثق إسحاق بن عمار، عن أبي الحسن الماضي عليه السّلام، قال: قلت له: رجل خلّف عند أهله نفقة ألفين لسنتين، عليها زكاة؟ قال: «إن كان شاهدا فعليه زكاة، و إن كان

______________________________

(1)- النراقي، ملا احمد: مستند الشيعة، ج 2: ص 9، ط إيران الحجريّة.

(2)- الفقيه الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3: ص 15، ط إيران الحجريّة.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 158

و لا في المسروق، و المحجور، و المدفون في مكان منسيّ، و لا في المرهون، و لا في الموقوف، و لا في المنذور التصدّق به (15).

______________________________

غائبا فليس عليه زكاة «1»»، و نحوه غيره «2»، فإنّها دلّت على ثبوت الزكاة على الزوج عند حضوره، و أمّا مع غيبته فلا زكاة عليه، مع أنّ المال كان بيد الزوجة، و هي وكيلة من قبل زوجها في صرف ذلك المال.

(15) أمّا في المسروق- و في حكمه المغصوب و المدفون في مكان منسيّ- فعدم ثبوت الزكاة إنّما هو لأجل عدم الاستيلاء على المال، المستفاد اعتباره من النصوص المتقدّمة. و أمّا في البقيّة، فلأجل انصراف أدلّة ثبوت الزكاة عنها، كما عرفت آنفا.

ثمّ إنّ الفرق بين منذور التصدّق به، و بين ما إذا نذر صرف المال في جهة خاصّة، كزيارة مشهد الإمام الرضا عليه السّلام- مثلا- حيث تثبت الزكاة في الثاني عند اجتماع شرائطها دون الأوّل، إنّما هو:

من جهة انصراف أدلّة الزكاة عن الأوّل دون الثاني، و ذلك لأنّ تعلّق حقّ الفقراء بالمال- فيما إذا نذر التصدّق به عليهم- ينافي تعلّق الزكاة به، كما أشرنا إليه آنفا. و أمّا النذر في الفرض الثاني، فمرجعه إلى نذر إبقاء المال في جميع الآنات و الأزمنة إلى أن يصرفه في طريق

______________________________

(1)- الحرّ العاملي، محمد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 17: زكاة الذهب و الفضّة، ح 1.

(2)- المصدر/ باب 17: زكاة الذهب و الفضّة، ح 2، 3 [و] باب 5: من تجب عليه الزكاة و من لا تجب عليه، ح 2.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 159

و المدار في التمكّن على العرف (16).

______________________________

الزيارة مثلا، و انعقاد هذا النذر بالإضافة إلى زمان وجوب الزكاة موقوف على أن لا يكون هذا مزاحما لحقّ واجب، أو موجبا لمخالفة حكم شرعيّ، و ذلك لأنّ وجوب الوفاء بالنذر مشروط بذلك، كما عرفته آنفا. و على الجملة، يشترط في انعقاد النذر أن يكون العمل في ظرفه راجحا و غير مزاحم بحقّ واجب، و عليه فلا ينعقد النذر بالإضافة إلى آن الوجوب، بل تتقدّم أدلّة الزكاة على دليل وجوب الوفاء بالنذر «1».

(16) قال في «المستند «2»»، ما حاصله: «إنّ العرف قد يختلف نظره- في صدق التمكّن و عدمه- بالإضافة إلى شي ء واحد بلحاظ حالتين، فإذا فرضنا أنّ الغائب الوارث حضر بعد مضيّ يوم- مثلا- على موت مورّثه، فإنّه- بنظر العرف- يعدّ زمان التمكّن من زمان حضوره، و يرونه في اليوم الّذي كان غائبا غير متمكّن من التصرّف، و أمّا إذا غاب المالك في أثناء الحول يوما واحدا- و مثلا- و كانت غيبته بنحو يعدّ بها غير متمكّن من

التصرّف، صدق عليه عرفا أنّه كان متمكّنا من التصرّف تمام الحول، و لا يضرّ بذلك غيبته في الأثناء يوما واحدا، مع كون هذا المقدار من الغيبة مضرّا عندهم في الفرض الأوّل، و حينئذ فالمدار في التمكّن على العرف في كلّ مورد.

______________________________

(1)- هذا و قد عرفت مما مرّت الإشارة إليه فى الهامش: أنّه لا فرق بين الأمرين، على رأى الأستاذ- دام ظلّة.

(2)- النراقي، ملا احمد: مستند الشيعة، ج 2: ص 9، ط إيران الحجريّة.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 160

و مع الشكّ يعمل بالحالة السابقة (17) و مع عدم العلم بها فالأحوط الإخراج.

______________________________

و لا يخفى أنّ الاعتماد على العرف في الفرض الثاني إنّما هو من الرجوع إلى نظر أهل العرف فى المصاديق، المبنيّ على التسامح فى المصاديق، و لا دليل على لزوم اتّباع نظرهم في ذلك، كما هو مفصّل في محلّه. إلّا أنّ الكبرى، و هي كون المدار فى ذلك على العرف صحيحة، إذ قد يكون لنا مورد نشك فيه في تحقّق التمكّن و عدمه، و حينئذ فلا بدّ فيه من الرجوع إلى العرف، كما إذا علمنا أنّ الغيبة بنحو خاصّ مناف للتمكّن يقينا، و أنّ الغيبة على نحو آخر لا ينافيه قطعا، و شككنا في منافاة الغيبة بنحو ثالث، فإنّه لا بدّ من الرجوع حينئذ إلى نظر العرف.

كما هو ظاهر.

(17) ظاهر العبارة أنّه بصدد بيان الشك بنحو الشبهة المفهوميّة، إلّا أنّه لا بدّ من صرفها عن هذا الظاهر قطعا، إذ لا ينبغي الشك في عدم إمكان الرجوع حينئذ إلى الاستصحاب أصلا، لوجهين:

الأوّل: لما قرّر في محلّه من بحث الأصول: من عدم الرجوع إلى الاستصحاب في موارد الشبهات المفهوميّة، كما إذا ورد:

الأمر بإكرام العلماء، و النهي عن إكرام فسّاقهم، و تردّد الفاسق بين مرتكب الكبيرة و الأعمّ منه و من مرتكب الصغيرة، فإنّ الاستصحاب الموضوعيّ فيه غير جار، إمّا للعلم بالبقاء، أو للعلم بعدم الحدوث، فإنّا إذا أردنا استصحاب ارتكاب الصغيرة كان ذلك معلوم البقاء، و إن أردنا استصحاب ارتكاب الكبيرة كان مقطوع العدم حدوثا، و

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 161

..........

______________________________

المفروض: أنّ الاستصحاب الحكميّ مع عدم تنقيح الموضوع غير جار. و مفهوم الفاسق- أيضا- ليس له حالة سابقة معلومة كي يستصحب ذلك، و عليه فلا مجال لجريان الأصل حينئذ أصلا.

الثاني: إنّه مع وجود الإطلاق، و هو قوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً و هو دليل اجتهاديّ لا مجال للرجوع إلى الأصل العمليّ في ما إذا كان المخصّص المنفصل مجملا، مردّدا بين الأقلّ و الأكثر، كما لا يخفى.

و على هذا، فالعبارة لا بدّ و أن تحمل على بيان غير الشبهة المفهوميّة، و حينئذ فقد يكون الشك في الشبهة الموضوعيّة، كما إذا شك في بقاء التمكّن و عدمه، بعد أن كان عالما بحدوثه، فيستصحب ذلك. و يترتّب عليه وجوب الزكاة، أو تكون الحالة السابقة هو عدم التمكّن، فيستصحب ذلك، و يترتّب عليه عدم وجوبها. و قد يكون مصداقيّة، كما إذا شكّ في تحقّق التمكّن العرفيّ و عدمه، مع عدم العلم بالحالة السابقة، و لا يمكنه حينئذ الرّجوع إلى الاستصحاب، بل المرجع البراءة، كما هو ظاهر. و منه يظهر الخلل في عبارة المتن على كلّ تقدير، فإنّها إذا حملت على الشبهة المفهوميّة كانت غير صحيحة من جهة الحكم فيها بالرجوع إلى الاستصحاب مع العلم بالحالة السابقة، مع أنّ الاستصحاب لا مجرى له على

هذا التقدير. و إذا حملت على الشبهة الموضوعيّة، كان الرجوع إلى الاستصحاب في مورد العلم بالحالة السابقة وجيها، إلّا أنّه مع الجهل بها لا مجال للاحتياط بالإخراج، فإنّه لا يتمّ إلّا على جواز الرّجوع إلى العام في الشبهات المصداقيّة و لو لم يكن المخصّص لبيّا، و ربّما ينسب ذلك إلى المصنّف قدّس سرّه على ما نسب إليه من التصريح به في حاشيته على مكاسب شيخنا العلّامة الأنصاري قدّس سرّه، و قد حملوا بعض الفروع المذكورة في مختلف أبواب هذا الكتاب عليه أيضا. و كيف كان، فالصحيح ما ذكرناه: من لزوم حمل العبارة على بيان

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 162

[السادس) النصاب]

(السادس) النصاب (18) كما سيأتي تفصيله.

[مسألة 1: يستحبّ للوليّ الشرعيّ إخراج الزكاة في غلّات غير البالغ]

[مسألة 1]: يستحبّ (19) للوليّ الشرعيّ إخراج الزكاة في غلّات غير البالغ، يتيما كان أو لا، ذكرا كان أو أنثى، دون النقدين.

______________________________

الشبهة الموضوعيّة، و عليه، فمع عدم العلم بالحالة السابقة لا يكون الاحتياط بالإخراج، بل يكون مقتضى الأصل- و هو البراءة- العدم، إلّا على جواز الأخذ بالعام في الشبهة المصداقيّة. فلاحظ و تأمّل.

(18) سيأتي الكلام فيه إن شاء اللّه تعالى.

(19) اختلفوا في اشتراط البلوغ في ثبوت الزكاة في الغلّات و عدمه، فالمشهور «1» هو اعتباره في ذلك كما في النقدين، و لذلك ذهبوا إلى استحباب إخراج الزكاة من مال الطفل على وليّه الشرعيّ. و نسب إلى جماعة «2»، كالشيخين «3» و

______________________________

(1)- العاملي، السيد محمد جواد: مفتاح الكرامة، ج 3/ كتاب الزكاة، ص 4؛ البحراني، الشيخ يوسف: الحدائق الناضرة، ج 12: ص 18، ط النجف الأشرف؛ النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 25، ط النجف الأشرف.

(2)- العاملي، السيد محمد جواد: مفتاح الكرامة، ج 3/ كتاب الزكاة، ص 4؛ البحراني، الشيخ يوسف: الحدائق الناضر، ج 12: ص 18، ط النجف الأشرف؛ النجفي، الشيخ محمد حسن:

جواهر الكلام، ج 15، ص 25، ط النجف الأشرف؛ الأنصاري، الشيخ مرتضي: رسالة الزكاة، ص 424، ط إيران الحجريّة؛ النراقي، ملا أحمد: مستند الشيعة، ج 2: ص 4، ط إيران الحجريّة؛ الفقيه الهمداني، الآغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3: ص 5، ط إيران الحجريّة.

(3)- المراد بهما: 1- الشيخ المفيد، محمد بن محمد بن النعمان (336- 413 ه/ 947- 1022 م)

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 163

..........

______________________________

أتباعهما «1»، و السيّد المرتضى في «الناصريّات «2»» القول بعدم الاشتراط، فالتزموا بوجوب إخراجها

من مال الطفل على الوليّ.

و عمدة ما استدل به هولاء هو: صحيح زرارة و محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّهما قالا: «ليس على مال اليتيم في الدّين و المال الصامت شي ء، فأمّا الغلات فعليها الصدقة واجبة «3»» و المناقشة في دلالتها «4»:

بأنّ الوجوب غير ظاهر في المعنى المصطلح المقابل للاستحباب، بل هو ظاهر في المعنى اللّغوي، المرادف للثبوت، و لا ظهور له في الوجوب المصطلح فاسدة، أمّا أوّلا فلأنّ الوجوب حقيقة في المعنى المصطلح، حقيقة شرعيّة أو متشرعيّة، فإطلاقه و إرادة غيره بلا قرينة غير جائز. و ثانيا إنّه مع التسليم بكونه بمعنى الثبوت في المقام، فلا ينبغي الإشكال في أنّ الثبوت على وجه الإطلاق يساوق الوجوب المصطلح، كما لا يخفى. فتأمّل.

و بإزائها طائفتان من الروايات:

إحداهما- الرّوايات النافية للزكاة عن مال اليتيم «5»، إلّا أنّ النسبة بينها و بين الصحيحة المتقدّمة هي العموم المطلق، و الصحيحة اخصّ، و حينئذ فيخصّص

______________________________

2- الشيخ الطوسي، محمد بن الحسن بن علي (358- 460 ه/ 995- 1067 م)

(1)- المراد بهم: ابن زهرة، و ابن سعيد، و ابن حمزة و التقي، و القاضي (النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 25، ط النجف الأشرف).

(2)- العاملي، السيد محمد الموسوي: مدارك الأحكام، ج 5: ص 22، ط مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام، قم.

(3)- الحرّ العاملي، محمد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 1: من تجب عليه الزكاة، و من لا تجب عليه، ح 1.

(4)- الموسوي، السيد محمّد: مدارك الأحكام، ج 5: ص 22، ط مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام، قم.

(5)- وسائل الشيعة/ باب 1: من تجب عليه الزكاة و من لا تجب عليه.

المرتقى إلى

الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 164

..........

______________________________

عمومها بالصّحيحة المذكورة، و نتيجة ذلك: وجوب الزكاة في غلّات الطفل، كما لا يخفى.

و الأخرى- موثّقة أبي بصير، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، أنّه سمعه يقول: «ليس في مال اليتيم زكاة، و ليس عليه صلاة، و ليس على جميع غلّاته، من نخل، أو زرع، أو غلّة زكاة- الخبر «1»». و قد يقال «2»: إنّ المورد من موارد الجمع العرفيّ لا من موارد التعارض، نظرا إلى أنّ الصحيحة ظاهرة في الوجوب، و الموثّقة صريحة في نفي الوجوب، و بمقتضى حمل الظاهر على النصّ تحمل الصّحيحة على الاستحباب، و بذلك يجمع بين الخبرين، كما أنّه به يثبت المذهب المشهور، و هو استحباب إخراج زكاة الغلّات من مال الطفل.

و يتوجّه عليه: أنّ المورد من أوضح موارد التعارض بنظر العرف، إذ لا إشكال في أنّه لو جمع بين الكلامين: «فأمّا الغلّات فعليها الصدقة واجبة» و:

«ليس على جميع غلّاته، من نخل أو زرع أو غلّة زكاة» و ألقيا إلى العرف لفهم التعارض بينهما بلا ريب. و عليه، فلا مجال للجمع العرفيّ في المقام، بل لا بدّ فيه من إعمال قواعد باب التعارض.

فربما يقال «3»: بلزوم ترجيح الموثّقة على الصّحيحة، و حمل الصّحيحة على التقيّة، نظرا إلى موافقتها لمذهب جمهور العامّة، و عليه فلا يكون الزكاة في غلّات الطفل واجبا و لا مستحبّا، كما أفتى به بعض المتأخّرين من المعاصرين أو من

______________________________

(1)- الحرّ العاملي، محمد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 1: من تجب عليه الزكاة و من لا تجب عليه، ح 11.

(2)- الفقيه الهمداني، الآغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3: ص 5، ط إيران الحجريّة.

(3)- البحراني، الشيخ يوسف: الحدائق الناضرة، ج

12: ص 19، ط النجف الأشرف؛ الفقيه الهمداني، الآغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3: ص 6، ط إيران الحجريّة.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 165

و في استحباب إخراجها من مواشيه إشكال (20)، و الأحوط الترك.

______________________________

قارب عصرنا؛ إلّا أنّ التحقيق هو خلاف ذلك فإنّ مقتضى الصّناعة إنّما هو تقديم الصحيحة على الموثّقة، و ذلك: لأنّ الترجيح عند التعارض أوّلا- بناء على انحصار المرجّحات في باب التعارض بموافقة الكتاب و مخالفة العامّة- إنّما هو بموافقة الكتاب، و مع عدمها تصل النوبة إلى الترجيح بمخالفة العامّة، و لا ريب في أنّ الصحيحة موافقة للكتاب العزيز، المصرّح فيه بقوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ- الآية، القاضي ذلك بوجوب الزكاة في المقام. و على هذا فالّذي يترجّح في النظر بحسب القواعد: إنّما هو مذهب الشيخين قدّس سرّهما و أتباعهما، الذاهبين إلى وجوب الزكاة في غلّات الطفل. و اللّه العالم.

ثم انّه قد يقال «1»: بأنّ النفي في الموثّقة بمعنى سلب العموم، فقوله عليه السّلام: «و ليس على جميع غلّاته، من نخل أو زرع ...» لا ينافي الزكاة في بعض الغلّات، فلا تكون الموثّقة معارضة للصّحيحة و يتوجّه عليه: أنّ المفهوم- عرفا- من الموثقة إنّما هو عموم السّلب، لا سلب العموم، كما هو ظاهر، فاحتمال كونه من قبيل سلب العموم ساقط جدّا.

(20) لم يرد فى باب المواشي نصّ يدلّ على إلحاقها بالغلّات و مقتضى ما دلّ على

______________________________

(1)- الشيخ الطوسي، محمد بن الحسن: تهذيب الأحكام، ج 4: ص 30/ ح 73، ط النجف الأشرف؛ الاستبصار، ج 2: ص 31/ ح 91، ط النجف الأشرف.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 166

..........

______________________________

وجوب الزكاة في مال

اليتيم هو العدم، و المفروض هو اختصاص الصحيحة و الموثّقة بالغلّات، و إنّما كان الإلحاق من جهة القول بعدم الفصل، فإنّ من ذهب إلى الوجوب في الغلّات قال به في المواشي أيضا، كما أنّ من التزم بالاستحباب هناك قال به في المقام أيضا. نعم، نسب إلى المرتضى قدّس سرّه في «الناصريات «1»» أنّه قال: «ذهب أكثر أصحابنا إلى أنّ الإمام يأخذ من زرع الطفل و ضرعه ...» فإن كان هذا إخبارا منه قدّس سرّه عن فعل الإمام عليه السّلام خارجا، كان ذلك مندرجا- لا محالة- في الرواية المرسلة، و هي غير حجّة عندنا. و إن كان بيانا لما هو وظيفته عليه السّلام، كما يناسبه قوله: «ذهب أكثر أصحابنا» فمرجعه إلى نقل الفتوى في المسألة. و كيف كان، فالجزم بالحكم في المسألة مشكل، فإنّ الالتزام بعدم وجوب الزكاة و بعدم استحبابها في المواشي، مع ذهاب جلّ العلماء قدّس سرّهم، و فيهم الفطاحل و الأساطين إلى أحد الأمرين، في غاية الإشكال لاحتمال استنادهم إلى دليل لم يصلنا. كما أنّ الالتزام بالاستحباب اعتمادا على القول بعدم الفصل- كما أفاده المصنف قدّس سرّه- أيضا مشكل، لعدم ثبوت القول المذكور. و هكذا الحال في الالتزام بالوجوب، بناء على المختار. و حينئذ فلا ينبغي ترك الاحتياط في المسألة. و اللّه العالم.

ثم إنّ كون الاحتياط في إخراج الزكاة أو عدمه، الجزم به مشكل جدّا.

______________________________

(1)- نصّ عبارته كما يلي: «فأمّا الزرع و الضّرع، فقد ذهب أكثر أصحابنا إلى أنّ الإمام يأخذ منه الصّدقة ...» (السيد المرتضى: الناصرّيات، ص 205، ط الحجرية/ ضمن «الجوامع الفقهيّة»).

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 167

نعم، إذا اتّجر الوليّ بماله يستحبّ إخراج زكاته أيضا (21).

______________________________

(21)

المشهور «1» و المعروف بينهم في المسألة هو ذلك، بل عن «المعتبر «2»» و «المنتهى «3»»، و «نهاية الأحكام «4»»، و ظاهر «الغنية»- على ما في «مصباح الفقيه «5»»- دعوى الإجماع عليه. و نسب الى «المقنعة «6»» القول بالوجوب. و النصوص الواردة هنا مستفيضة، على حدّ تعبير غير واحد، منها معتبرة محمد بن مسلم، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: هل على مال اليتيم زكاة؟ قال: «لا، إلّا أن يتّجر به، أو تعمل به «7»»، و منها: رواية إسحاق بن عمّار، عن أبي العطارد الخيّاط، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: مال اليتيم يكون عندي فأتّجر به، فقال:

«إذا حرّكته فعليك زكاته- الخبر «8»»، و منها: خبر محمد بن الفضيل، قال: سألت أبا الحسن الرّضا عليه السّلام عن صبية صغار، لهم مال بيد أبيهم أو أخيهم، هل يجب

______________________________

(1)- العلّامة، الحسن بن يوسف: مختلف الشيعة، ج 2: ص 17، ط إيران الحجريّة؛ العاملي، السيد محمد الموسوي: مدارك الأحكام، ج 5: ص 18، ط مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام، قم؛ البحراني، الشيخ يوسف: الحدائق الناضرة، ج 12: ص 22، ط النجف الأشرف.

(2)- المحقّق، جعفر بن الحسن: المعتبر، ج 2: ص 487، ط مؤسّسة سيّد الشهداء عليه السّلام، قم.

(3)- العلامة الحلّي، الحسن بن يوسف: منتهى المطلب، ج 1: ص 472، ط إيران الحجريّة.

(4)- العلّامة، الحسن بن يوسف: نهاية الأحكام، ج 2: ص 299، ط مؤسّسة اسماعيليان، قم.

(5)- الفقيه الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3: ص 3، ط إيران الحجريّة.

(6)- الشيخ المفيد، محمّد بن محمّد بن النعمان: المقنعة، ص 38، ط إيران الحجريّة [و] ص 238، طبعة جامعة المدرسين، قم.

(7)- الحرّ العاملي، محمد بن الحسن: وسائل

الشيعة/ باب 2: من تجب عليه الزكاة و من لا تجب عليه، ح 1.

(8)- المصدر، ح 3.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 168

..........

______________________________

على ما لهم زكاة؟ فقال: «لا يجب على ما لهم زكاة حتّى يعمل به، فإذا عمل به وجبت الزّكاة- الخبر «1»»، و غير ذلك ممّا يلاحظها المراجع في «وسائل الشيعة» (باب 2: من تجب عليه الزكاة و من لا تجب عليه). و هذه الرّوايات الكثيرة- و فيها الصّحيح و الموثّق، فضلا عن دعوى الاستفاضة فيها- صريحة في وجوب الزكاة عند الاتّجار بمال الطفل. و إعراض المشهور عن ظاهرها لا يكون و هنا في دلالتها، كما لا يخفى.

و التحقيق أن يقال: إنّ الروايات الواردة في مطلق مال التجارة إنّما هي على طائفتين، إحداهما: ما دلّت على وجوب الزكاة فيه، و الأخرى: دالّة على نفي وجوبها، فإن أخذنا- في تلك المسألة- بالطائفة الأولى، كان القول بوجوب الزّكاة في المقام في غاية الظهور. و أمّا إذا أخذنا هناك بالطائفة الثانية، فحينئذ يقع الكلام في ملاحظتها مع الرّوايات الظاهرة- بل الصريحة- في وجوبها في خصوص الاتّجار بمال الطفل، و مقتضى القاعدة إنّما هو تخصيص تلك الروايات بالرّوايات الواردة في المقام، من جهة أنّها أخصّ مطلقا- بحسب المورد- من تلك الروايات، و مقتضى ذلك: أن يكون اليتيم أسوأ حالا من البالغين لعدم وجوبها عليهم دونه، و هو امر مستبعد حدّا. و عليه فالبتّ في حكم المسألة موقوف على النظر في مسألة الزّكاة في مطلق مال التجارة، و سيأتي ذلك إن شاء اللّه تعالى.

______________________________

(1)- الحرّ العاملي، محمد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 2: من تجب عليه الزكاة و من لا تجب عليه، ح 4.

المرتقى إلى

الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 169

و لا يدخل الحمل في غير البالغ (22) فلا يستحبّ إخراج زكاة غلّاته و مال تجارته، و المتولّي لإخراج الزّكاة هو الوليّ (23)، و مع غيبته يتولّاه الحاكم الشرعيّ، و لو تعدّد الوليّ جاز لكلّ منهم ذلك، و من سبق نفذ عمله. و لو تشاحّوا فى الإخراج و عدمه

______________________________

(22) و الوجه فيه: هو عدم صدق عنوان «اليتيم» أو «الصبيّ» و نحوهما عليه، كي يقال بالوجوب أو الاستجاب بحقّه كاليتيم. و ربما يقال: إنّ الآية الكريمة: خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ- الآية بإطلاقها تقتضى وجوب الزكاة عليه و على غيره، خرج منه اليتيم فقط و قد يجاب عنه: بأنّ الحمل لا يمكن أن يكون أسوأ حالا من اليتيم، فاذا لم يجب على اليتيم، لم يجب عليه بالأولويّة القطعيّة. و الأولى أن يجاب عنه بعدم شمول الآية- في حدّ نفسها- له، فان الضمير في «أموالهم» إن كان مرجعه هو عنوان «الناس» أو «المسلمين» و نحو ذلك، فهو غير صادق على الحمل بلا إشكال. و أمّا إذا كان هو عنوان «الملّاك» و شبهه، فصدقه عليه و إن كان ظاهرا، إلّا أنّ كونه كذلك غير معلوم، و حينئذ فلا يجزم بشمول الآية الكريمة و أشباهها الحمل، و يكفي ذلك لنفي الوجوب كما هو ظاهر.

(23) حال المقام حال سائر الموارد الّتي يكون المتصدّي فيها هو الوليّ، كما في باب الغرامات و نحو ذلك، فكما ثبت الترتيب المذكور في تلك الموارد يثبت فى المقام أيضا.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 170

قدّم من يريد الإخراج (24)، و لو لم يؤدّ الوليّ إلى أن بلغ المولّى عليه، فالظّاهر ثبوت الاستحباب بالنسبة

إليه (25).

______________________________

(24) و الوجه في ذلك: أنّ إخراج الزكاة على الوليّ- عند تعدّده- مستحبّ، نظير الوجوب الكفائي، فلا يسقط الاستحباب عن أحدهما بمجرّد عدم إرادة الآخر التصدّي للإخراج، بل إرادة عدمه، و حينئذ فمن أراد منهما الإخراج قدّم ذلك- لا محالة- على من لا يريده، فإنّه على الفرض غير مشروط بإرادة الاخر لذلك، كما عرفت.

و من هنا يظهر: أنّ ما في بعض الحواشي «1» على المتن، من تفسير العبارة كما يلي: «بمعنى: أنّه إذا أخرجها لم يكن منع الآخر مؤثرا في إبطالها» ممّا لا نفهم له وجها معقولا، فان الظاهر- كما عرفت- أنّ العبارة متفرّعة على الحكم باستحباب الإخراج على الوليّ، و معه لا حاجة إلى مثل هذا التفسير، فلاحظ.

(25) فإنّ الظاهر من النصّ هو: ثبوت الزكاة في مال الصبيّ الّذي اتّجر به الوليّ، و خطاب الوليّ بأدائها حال الصّبا إنّما هو لأجل كونه هو المالك للتصرّف في المال، و عليه فمع عدم أداء الوليّ، يؤمر الصّبي- استجابا- بالأداء بعد البلوغ، و على تقدير الشك في سقوط الاستجاب يستصحب ذلك.

______________________________

(1)- السيّد الطباطبائي البروجردي- طاب ثراه.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 171

[مسألة 2: يستحبّ للوليّ الشرعيّ إخراج زكاة مال التجارة للمجنون دون غيره]

[مسألة 2]: يستحبّ للوليّ الشرعيّ إخراج زكاة مال التجارة للمجنون (26) دون غيره، من النقدين كان أو من غيرهما.

______________________________

(26) المحكيّ عن غير واحد من المتأخّرين «1»، و فاقا للمحقق في «الشرائع «2»» و غيره «3»، إنّما هو استحباب إخراج زكاة مال التجارة للمجنون، و استدلّوا لذلك بصحيح عبد الرحمن بن الحجّاج، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: امرأة من أهلنا مختلطة، أ عليها زكاة؟ فقال: «إن كان عمل به فعليها زكاة، و إن لم يعمل به فلا «4»»، و

خبر موسى بن بكير، قال: سألت أبا الحسن عليه السّلام عن امرأة مصابة، و لها مال في يد أخيها، هل عليه زكاة؟ قال: «إن كان أخوها يتّجر به فعليه زكاة «5»»، و هذان الخبران و إن كانا ظاهرين في الوجوب، إلّا أنّهم حملوهما على الاستحباب، جمعا بينهما و بين الأخبار الصريحة في نفي الوجوب، الواردة في

______________________________

(1)- البحراني، الشيخ يوسف: الحدائق الناظرة، ج 12: صص 21- 22، ط النجف الأشرف؛ المحقق النراقي: مستند الشيعة، ج 2: ص 6، ط إيران الحجريّة؛ الفقيه الهمداني، الآغا رضا:

مصباح الفقيه، ج 3: ص 6، ط إيران الحجريّة.

(2)- المحقق الحلّي، جعفر بن الحسن: شرائع الإسلام/ تحقيق: عبد الحسين محمّد على البقّال، ج 1: ص 140؛ المعتبر، ج 2: ص 487، ط مؤسّسة سيّد الشهداء عليه السّلام، قم.

(3)- العلّامة، الحسن بن يوسف: منتهى المطلب في تحقيق المذهب، ج 2: ص 472، ط إيران الحجريّة؛ ابن زهرة: الغنية، ص 569، ط إيران الحجريّة (ضمن «الجوامع الفقهيّة»).

أقول: الّذي ينبغى الإشارة إليه: أنّ كلام هؤلاء الأعلام قدّس سرّهم بين مصرّح باختصاص الحكم بالمال الصامت، أعنى به النقدين، و ظاهر في ذلك. فلاحظ.

(4)- الحرّ العاملي، محمد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 3: من تجب عليه الزكاة و من لا تجب عليه، ح 1.

(5)- المصدر، ح 2.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 172

[مسألة 3: الأظهر وجوب الزكاة على المغمى عليه في أثناء الحول، و كذا السكران]

[مسألة 3]: الأظهر وجوب الزكاة على المغمى عليه في أثناء الحول، و كذا السكران (27).

______________________________

مطلق مال التجارة.

أقول: تحقيق الحال في هذه المسألة موقوف على النظر في ما سيأتي- إن شاء اللّه تعالى- من مسألة إخراج الزكاة في مطلق مال التجارة، كما أشرنا إليه أيضا في مسألة التجارة بمال الطفل.

(27)

كون الإغماء و السكر قاطعين للحول، إمّا باعتبار الممنوعيّة من التصرّف في ذلك الحال، مع أنّ التمكّن منه شرط في وجوب الزكاة، و إمّا باعتبار أنّهما بحكم الجنون، فكما أنّه في أثناء الحول يكون قاطعا له كذلك الإغماء و السكر. أمّا الأوّل، فيكفي في بطلانه عدم العموم المقتضي لكون مطلق الممنوعيّة قاطعا للحول بعد فرض استيلائهما على المال خارجا، و لذلك لا يضرّ بوجوبها النوم في الأثناء بالمقدار الزائد على المتعارف. و أمّا الثاني، فإن كان المراد به: أنّ قاطعيّة الجنون للحول إنّما هي باعتبار كونه مانعا من التصرّف، فيشترك في ذلك مع السكر و الإغماء، فيلزم كونهما قاطعين له أيضا. فقد ظهر الجواب عنه بما ذكرناه آنفا. و إن كان المراد به: إسراء حكم الجنون- بما هو كذلك- إلى السكّر و الإغماء، فهو من القياس الظّاهر بطلانه عندنا. و لذلك كان من حقّ المصنّف قدّس سرّه أن يقول: «الأقوى» بدل قوله: «الأظهر».

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 173

فالإغماء و السكر لا يقطعان الحول فيما يعتبر فيه، و لا ينافيان الوجوب (28) إذا عرضا حال التعلّق في الغلّات.

[مسألة 4: كما لا تجب الزكاة على العبد]

[مسألة 4]: كما لا تجب الزكاة على العبد، كذا لا تجب على سيّده فيما ملكه، على المختار من كونه مالكا (29) و أمّا على القول بعدم ملكه، فيجب عليه، مع التمكّن العرفي من التصرّف فيه.

[مسألة 5: لو شكّ حين البلوغ في مجي ء وقت التعلق، من صدق الاسم و عدمه]

[مسألة 5]: لو شكّ حين البلوغ في مجي ء وقت التعلق، من صدق الاسم و عدمه (30)، أو علم تاريخ البلوغ و شكّ في سبق

______________________________

(28) ما أفاده قدّس سرّه بظاهره مشكل. و لعلّه أراد بالوجوب: الحكم بمرتبة الاقتضاء، دون البالغ حدّ الفعليّة، و إلّا فكيف يمكن الالتزام بفعليّة الوجوب مع فرض عدم القدرة، كما هو المفروض.

(29) مرّ الكلام في هذه المسألة سابقا، فراجع و لاحظ.

(30) محتملات العبارة ثلاث:

الأوّل: أن يكون البلوغ معلوما و يكون الشك في تحقّق صدق الاسم قبله و عدمه، و مثل هذا الشك لا أثر له أصلا، فإنّه- على تقدير الصدق قبل البلوغ و

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 174

زمان التعلّق و تأخّره، ففي وجوب الإخراج إشكال (31)؛

______________________________

عدمه- لا يترتّب عليه الأثر الشرعيّ أبدا.

الثاني: أن يكون تاريخ البلوغ معلوما، و يكون الشك في تقدّم الصدق عليه و تأخّره عنه، و هذا- بعينه- هو الفرض المذكور في المتن في العبارة التالية، فحملها عليه مستلزم للتكرار، كما لا يخفى.

الثالث: أن يكون تاريخ كلّ منهما مجهولا، و يكون الشك في التقدم و التأخّر.

و لا إشكال في أنّ حملها عليه- مضافا إلى أنّه يستلزم التكرار، لتعرّضه قدّس سرّه لحكم مجهولي التاريخ فيما بعد، و مضافا إلى الاختلاف بين ما يفيده في مجهولي التاريخ. و ما أفاده هنا ينافي التعليل المذكور فى المتن، لعدم وجوب الزكاة في الفرض المذكور، و هو قوله: «لأنّ أصالة التأخّر لا تثبت البلوغ

حال التعلّق ...» و الحاصل: أنّ حمل العبارة على كلّ من الفروض المتقدّمة ممّا لا يخلو عن محذور، كما عرفت، و اللّه العالم.

(31) وجه الإشكال فيه هو: أنّ استصحاب عدم صدق الاسم- و هو المراد بالتعلّق- إلى ما بعد البلوغ، ليكون صدق الاسم في زمان تحقّق البلوغ، غير جار، للعلم الاجماليّ بتحقق الصدق قبل البلوغ أو بعده، فاستصحاب عدمه إلى ما بعد البلوغ مصادم للعلم المذكور. كما أنّ أصالة تأخّر الحادث ممّا لا دليل عليها بنفسها، و حينئذ فيبقى: استصحاب عدم صدق الاسم إلى زمان البلوغ، و لا يترتّب على هذا الأصل وجوب الإخراج، إلّا على القول بحجيّة الأصل

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 175

..........

______________________________

المثبت، فإنّ الموضوع للوجوب إنّما هو التعلّق حال البلوغ، و استصحاب عدمه إلى زمان البلوغ لا يثبت التعلّق حال البلوغ، أيّ لا يكون مثبتا لعنوان «الحاليّة»، كما لا يخفى.

أقول: الظاهر: أنّ مقتضى الأصل في المسألة إنّما هو عدم وجوب الإخراج، و فاقا لجملة من المحشّين، و بيان ذلك: أنّا إذا بنينا على ما بنى عليه شيخنا العلّامة الأنصاري قدّس سرّه- كما أشرنا إليه سابقا «1»- من أنّ اعتبار البلوغ في وجوب الإخراج يوجب تقسيم موضوعه- و هو الأموال- إلى قسمين: مال البالغ و مال غيره، و حينئذ فاعتبار الحول أو صدق الاسم في الوجوب المذكور، إنّما يكون في مال البالغ، فمال البالغ الّذي حال عليه الحول يجب فيه الزكاة، و مال البالغ الّذي صدق عليه الاسم يجب فيه ذلك، و لأجل ذلك بنى المشهور على أنّ مبدأ الحول من حين البلوغ، كما تقدّم بيانه. و الحاصل، يكون الموضوع الحول الجاري على المال حال كونه مال البالغ،

أو بالأصحّ: حال كونه مال غير اليتيم، و كذا صدق الاسم عليه حال كونه كذلك، و لازمه تقدّم البلوغ على صدق الاسم و عدم كفاية التقارن بين الأمرين. و على هذا، فلا يثبت باستصحاب عدم صدق الاسم إلى زمان البلوغ وجوب الإخراج، لأنّ الأصل المذكور لا ينقّح الموضوع، و هو الصدق حال البلوغ، كما عرفت.

و أمّا إذا بنينا على ما هو الحقّ في المسألة؛ من كون الموضوع لوجوب الزكاة هو مطلق الأموال، غاية الأمر يعتبر فيه- بمقتضى أدلّة اعتبار البلوغ، و صدق الاسم مثلا- أن يكون المالك غير يتيم و يكون الصّدق متحققا أيضا، و عليه، فيمكن نفي وجوب الإخراج في المقام باستصحاب عدم الصدق إلى زمان

______________________________

(1)-- في ص 131.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 176

لأنّ أصالة التأخّر لا تثبت البلوغ حال التعلّق، و لكنّ الأحوط الإخراج (32). و أمّا إذا شك حين التعلّق في البلوغ و عدمه، أو علم زمان التعلّق و شك في سبق البلوغ و عدمه، أو جهل التاريخين، فالأصل عدم الوجوب (33)، و أمّا مع الشكّ في العقل، فإن كان مسبوقا بالجنون، و كان الشكّ.

______________________________

البلوغ، فإنّه يكفي حينئذ في وجوب الإخراج صدق الاسم في زمان تحقّق البلوغ بنحو المقارنة، فلا محالة يكون انتفاء الوجوب المذكور باستصحاب عدم الصدق إلى زمان البلوغ، كما لا يخفى.

ثمّ إنّ الصحيح في التعليل للإشكال هو أن يقال: لأنّ أصالة التأخّر لا تثبت التعلّق حال البلوغ ...، لا كما ورد في المتن، من قوله: «لأنّ أصالة التأخّر لا تثبت البلوغ حال التعلّق»، كما لا يخفى ذلك على المتأمّل.

(32) لعلّ منشأ الاحتياط المذكور هو احتمال حجّية أصالة تأخّر الحادث بنفسها، بأن تكون أصلا

مستقلّا. حيث لم يثبت- عنده قدّس سرّه- عدم حجّيتها جزما.

(33) أمّا في الفرضين الأوّلين، فالوجه في عدم الوجوب ظاهر، فإنّ أصالة عدم البلوغ إلى زمان التعلّق، عند الشك في تحقّق البلوغ حال الصدق و عدمه، كما في الفرض الأوّل، أو الشكّ في سبق البلوغ عليه و تأخّره عنه، مع العلم بأصل

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 177

..........

______________________________

وجوده- كما في الفرض الثاني- ممّا يترتّب عليه عدم الوجوب، كما هو ظاهر.

و أمّا الفرض الثالث، فإن بيننا في مجهولي التاريخ على عدم جريان كلّ من الأصلين في نفسه- كما هو مختار المحقّق صاحب الكفاية «1» قدّس سرّه- فالمرجع في المقام إنّما هو الأصل الحكميّ، و هو أصالة البراءة عن الوجوب- أو استصحابها- على ما نقّحناه من الأصل في المسألة، في صدر هذا المبحث.

و أمّا بناء على جريان الأصلين، لو كانا ممّا يترتب الأثر الشرعيّ على كلّ منهما في نفسه، و سقوطهما بالتعارض، فالمرجع حينئذ يكون هو الأصل الحكميّ على أحد التقديرين، و هو ما إذا بنينا على كفاية التقارن- بمعنى الاجتماع في الزّمان دون اعتبار الوصف المذكور- بين البلوغ و صدق الاسم في وجوب الإخراج، كما أشرنا إليه آنفا، فإنّ استصحاب عدم صدق الاسم إلى زمان البلوغ المترتّب عليه نفي الوجوب، معارض باستصحاب عدم اليتم في زمان صدق الاسم، المترتّب عليه وجوب الزكاة، و ذلك لأنّ موضوع وجوب الزكاة- بعد إخراج عنوان اليتيم- كما في الروايات المتقدّمة في صدر المبحث- إنّما هو مال غير اليتيم الّذي صدق عليه الاسم، فمع الشك في تقدّم البلوغ- بمعنى عدم اليتم- على صدق الاسم و تأخّره عنه، نستصحب- لا محالة- عدم اليتم في زمان صدق الاسم، فيثبت

بذلك موضوع وجوب الزكاة.

و أمّا على التقدير الثاني، و هو ما لو بنينا على عدم كفاية التقارن بين البلوغ و صدق الاسم في وجوب الزكاة، و إنّما اعتبرنا تقدّم البلوغ على الصدق، فالمرجع- حينئذ- إنّما هو استصحاب عدم صدق الاسم في حال عدم اليتم- أي

______________________________

(1)- المحقق الخراساني، الشيخ محمد كاظم: كفاية الأصول/ بحاشيته المشكيني، ج 2:

صص 334- 336 [و] صص 419- 420، ط مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام، قم.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 178

في حدوث العقل، قبل التعلّق أو بعده (34) فالحال كما ذكرنا في البلوغ من التفصيل. و إن كان مسبوقا بالعقل، فمع العلم بزمان التعلّق و الشك في زمان حدوث الجنون، فالظاهر الوجوب (35).

______________________________

في حال البلوغ- المترتّب عليه عدم وجوب الزّكاة، و أمّا الأصل الثاني- و هو استصحاب عدم اليتم في زمان صدق الاسم- فلا يكفي لإثبات وجوب الزكاة، إذ لا يثبت بهذا الأصل تأخّر صدق الاسم عن البلوغ، و قد عرفت أنّ موضوع الوجوب هو صدق الاسم بعد البلوغ، فهذا الأصل- في نفسه- غير جار، فيبقى الأصل الأوّل النافي لوجوب الزكاة بلا معارض. فلاحظ و تأمّل.

(34) مفروض المسألة: أنّه كان مجنونا سابقا، فصار عاقلا بعد ذلك، و لكن شكّ في أنّ العقل الطاري كان قبل تعلّق الزكاة أو بعده، و يظهر الحال فيه ذلك ممّا تقدّم في البلوغ. فلاحظ بتأمّل و إمعان.

(35) هذا عكس الفرض الأوّل، و هو أنّه كان عاقلا سابقا فطرأ عليه الجنون، و شكّ في سبقه على التعلّق و عدمه.

و باستصحاب عدم حدوث الجنون، أو استصحاب العقل إلى زمان التعلّق، يحكم بوجوب الزكاة عليه لا محالة، فإنّ الموضوع للوجوب إنّما هو مال غير

المجنون الصّادق عليه الاسم، و صدق الاسم محرز بالوجدان، و عدم الجنون

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 179

و مع العلم بزمان حدوث الجنون و الشكّ في سبق التعلّق و تأخّره، فالأصل عدم الوجوب (36).

______________________________

بالأصل، فيكون الموضوع- بعد ضمّ الأصل إلى الوجدان- بكلا جزئيه محرزا، كما هو ظاهر.

(36) و علّق عليه المحقّق الخوئي «1»- مدّ ظلّه- في حاشيته، بقوله: «بل مقتضى الأصل الوجوب ...» و حاصل بيانه: أنّ الأصل في المقام إنّما يجري في أحد الطرفين، و هو معلوم التاريخ، و أمّا في مجهوله يجري لعدم ترتّب الأثر عليه، إلّا بناء على حجّية الأصل المثبت، ففي فرض العلم بتاريخ الجنون، و الشكّ في تاريخ التعلق- كما هو مفروض المسألة- يستصحب بقاء العقل إلى زمان التعلّق، فيترتّب عليه وجوب الزّكاة، و أمّا استصحاب عدم التعلّق إلى زمان الجنون، فلا يترتّب عليه نفي وجوب الزكاة، كى يعارض به الأصل الأوّل. و ذلك: لأنّ الخارج من دليل وجوب الزكاة إنّما هو صدق الاسم في مال المجنون، و استصحاب عدم الصدق إلى زمان الجنون لا يثبت كون الصدق في مال المجنون،

______________________________

(1)- و إليك نصّ- عبارته قدّس سرّهما في الحاشية: «بل مقتضى الأصل هو الوجوب، فإنّ استصحاب بقاء العقل إلى زمان التعلّق يترتّب عليه وجوب الإخراج، و أمّا استصحاب عدم التعلّق إلى زمان الجنون، فلا يترتّب عليه كون المال حال التعلّق مال المجنون، و ما لم يثبت ذلك يجب الإخراج، لأنّ الخارج عن دليل وجوب الزكاة، هو ما كان مال المجنون.

و من ذلك يظهر الحال في مجهولي التاريخ» (المحقّق الخوئي: الحاشية على العروة، ص 177، ط الخامسة).

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 180

..........

______________________________

كي يتحقّق به موضوع عدم وجوب الزكاة، إلّا على حجّية الأصل المثبت.

و الحاصل: أنّ الموضوع الخارج عن دليل الوجوب إنّما هو صدق الاسم فيما كان مال المجنون، و استصحاب عدم الصدق إلى زمان الجنون لا يثبت به الموضوع المذكور، كما لا يخفى. ثمّ قال- مدّ ظله-: «و من ذلك يظهر الحال في مجهولي التاريخ»، فإنّ استصحاب العقل إلى زمان الصدق، المترتّب عليه وجوب الزكاة، بلا معارض، كما عرفت.

و يتوجّه على ما أفاده- مدّ ظله-:

أوّلا: أنّ مبنى جريان الأصل في معلوم التاريخ غير واضح عندنا، كما هو محرّر في بحث الأصول.

و ثانيا: إنّ التخصيص بالمجنون لا يعطي العامّ عنوانا وجوديّا، و هو عنوان «العاقل»، بل يكون المأخوذ فيه حينئذ عنوانا عدميّا، و هو «عدم الجنون» كما هو مختاره- دام ظلّه- في بحث الأصول، مع أنّ ظاهر عبارته يعطي خلاف ذلك، كما لا يخفى.

و ثالثا: إنّ موضوع وجوب الزّكاة إنّما هو «مال غير المجنون الّذي صدق عليه الاسم»، و بما أنّا نشكّ في كون المال مال غير المجنون في زمان صدق الاسم، فالأصل عدمه- أي عدم كونه مال غير المجنون- حال الصدق، فينتفي وجوب الزكاة لا محاله، و حينئذ فإذا فرضنا أنّ ما أفاده- دام ظلّه- من استصحاب العقل إلى زمان صدق الاسم كان تاما، فلا محالة تتحقّق المعارضة بين الاصلين، و يكون المرجع- بعد ذلك- هو الأصل الحكمي، و هو البراءة، كما هو ظاهر.

و الحاصل: أنّ النتيجة إنّما هي عدم وجوب الزكاة، إمّا بمقتضى الأصل الموضوعيّ، أو الأصل الحكميّ. فلاحظ.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 181

و كذا مع الجهل بالتاريخين، كما أنّ مع الجهل بالحالة السابقة (37)، و أنّها الجنون أو العقل،

كذلك.

[مسألة 6: ثبوت الخيار للبائع و نحوه لا يمنع من تعلّق الزكاة]

[مسألة 6]: ثبوت الخيار للبائع و نحوه لا يمنع من تعلّق الزكاة، إذا كان في تمام الحول (38)، و لا يعتبر ابتداء الحول من حين انقضاء زمانه، بناء على المختار من عدم منع الخيار من التصرّف، فلو اشترى نصابا من الغنم أو الإبل- مثلا- و كان للبائع الخيار، جرى في الحول من حين العقد، لا من حين انقضائه.

______________________________

(37) فرض المسألة مشكل، و إذا فرضناه فيمن يشكّ في عقله و جنونه فعلا، و أنّه كان ممّن قد تواردت عليه الحالتان سابقا مع الشك في المتقدّم و المتأخّر منهما، كان مقتضى استصحاب عدم ثبوت الزكاة، أو بتعبير آخر: استصحاب عدم التعلّق، هو عدم وجوب الزكاة عليه، كما هو ظاهر.

(38) بناء على ما هو الحق: من أنّ الملك في المعاملة الخياريّة متزلزل في مرحلة البقاء دون الحدوث، لا إشكال في وجوب الزكاة، و لو كان المال ممّا ثبت فيه الخيار تمام الحول أو بعضه، فإنّ المانع عن الزكاة إنّما هو كون المالك ممنوعا من التصرّف فيه، و الخيار- على الفرض- لا يكون مانعا من ذلك، كما لا يخفى.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 182

..........

______________________________

نعم، على مذهب الشيخ «1» قدّس سرّه و تابعيه- على ما نسب إليه- من أنّ الملك فيما ثبت فيه الخيار متزلزل حدوثا، بمعنى أنّ حدوث الملكيّة مراعى بانقضاء الخيار، فهو- أي المشتري- لا يكون مالكا ما دام لم يسقط حق البائع، إمّا بالأخذ بالخيار، من الفسخ أو الإمضاء، أو بانقضاء زمانه، و حينئذ فلا مجال لتعلّق الزكاة بالمال المذكور بعد عدم حصول الملكيّة للمشتري، كما عرفت. إلّا أنّ المبنى غير صحيح، كما هو محرّر في محلّه، فإنّ ذا الخيار مسلّط

على فسخ العقد، من دون أن يكون ذلك مانعا عن ملكيّة الطرف الآخر. و تمام الكلام في محلّه.

نعم، يستثنى من ذلك الخيار المشروط بردّ مثل الثمن، كما إذا باع داره- مثلا- بثمن، و اشترط على المشتري حفظ المبيع، و أنّه متى ما ردّ مثل الثمن إلى مدّة معيّنة مثلا، استحق المبيع، و يسمّى مثله- في العرف الفارسيّ الدّارج اليوم- ب «بيع شرط»، و عليه، فمثل هذا المبيع ممّا لا يتعلّق به الزكاة، فيما لو كان هو من الأجناس الزكويّة، و ذلك لأنّه- في الحقيقة- لا يكون بيعا، بل الغرض هو وصول البائع إلى المال بوجه مشروع، و لذلك بحسب الارتكاز العرفي اشترط على المشتري عدم التصرّف في المبيع.

______________________________

(1)- العاملي، السيد محمد جواد: مفتاح الكرامة، ج 3/ كتاب الزكاة، ص 19؛ البحراني، الشيخ يوسف: الحدائق الناضرة، ج 12: ص 31، ط النجف الأشرف؛ النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 39، ط النجف الأشرف؛ الفقيه الهمداني، الآغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3: ص 9، ط إيران الحجريّة.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 183

[مسألة 7: إذا كانت الأعيان الزكويّة مشتركة بين اثنين أو أزيد، يعتبر بلوغ النصاب في حصّة كلّ واحد]

[مسألة 7]: إذا كانت الأعيان الزكويّة مشتركة بين اثنين أو أزيد، يعتبر بلوغ النصاب في حصّة كلّ واحد (39)، فلا تجب في النصاب الواحد إذا كان مشتركا.

______________________________

(39) اجماعا «1» و قد يقال: إنّ مقتضى القاعدة هو ثبوت الزّكاة في المال المشترك، فيما إذا كان بحدّ النصاب، و لو لم تكن حصّة كل واحد من الشريكين بالغا حدّ النصاب، و ذلك لاحتمال أن تكون الملكيّة في المال المشترك ملكيّة واحدة، غاية ما هناك: أنّ الملكيّة الواحدة- و هي إضافة بين المال و المالك- قد يكون أحد طرفي الإضافة

فيها- و هو المالك- واحدا، كما في المال الخاص، و قد يكون متعدّدا، و الملكيّة على كلا التقديرين واحدة، و حينئذ فبمقتضى الآية الكريمة «2» الدالّة على ثبوت الزكاة في أموال الملّاك- بعد تقييدها بصورة بلوغ النصاب- تجب الزكاة في المال المذكور، فإنّه على هذا مال مملوك، بالغ حدّ النصاب. نعم،

______________________________

(1)- العاملي، السيد محمد الموسوي: مدارك الأحكام، ج 5: ص 66، ط مؤسسة آل البيت عليهم السّلام، قم؛ العاملي، السيد محمد جواد: مفتاح الكرامة، ج 3/ كتاب الزكاة، ص 71؛ البحراني، الشيخ يوسف: الحدائق الناضرة، ج 12: ص 82، ط النجف الأشرف؛ النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 91، ط النجف الأشرف؛ النراقي، ملا احمد: مستند الشيعة، ج 2: ص 25، ط إيران الحجريّة؛ الفقيه الهمداني، الآغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3: ص 27، ط إيران الحجريّة.

و لاحظ بهذا الصدد- الشيخ الطوسي، محمد بن الحسن: الخلاف، ج 2: صص 37- 38، ط جامعة المدرّسين، قم؛ ابن ادريس الحلّي: السرائر، ج 1: ص 451، ط جامعة المدرّسين، قم؛ العلّامة الحلّي، الحسن بن يوسف: منتهى المطلب، ج 1: ص 505، ط إيران الحجريّة.

(2)- التوبة، 9: 103.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 184

[مسألة 8: لا فرق- في عدم وجوب الزكاة في العين الموقوفة بين أن يكون الوقف عامّا أو خاصّا]

[مسألة 8]: لا فرق- في عدم وجوب الزكاة في العين الموقوفة بين أن يكون الوقف عامّا أو خاصّا (40)، و لا تجب في

______________________________

بناء على أن يكون كلّا من الشريكين مالكا بملكيّة مستقلّة لجزء مشاع غير بالغ حد النصاب- كما هو الواقع- لا مجال لثبوت الزكاة حينئذ، لعدم بلوغ المال حدّ النصّاب على الفرض. غير أنّه لا فائدة في هذا البحث بعد ورود النصّ الدالّ على اعتبار بلوغ حصة

كلّ واحد من الشريكين حد النصّاب في ثبوت الزكاة، كخبر زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام- في حديث- «قلت له: مأتي درهم بين خمس أناس أو عشرة، حال عليها الحول و هي عندهم، أ يجب عليهم زكاتها؟ قال: «لا، هي بمنزلة تلك- يعنى جوابه في الحرث- ليس عليهم شي ء حتى يتمّ لكلّ إنسان منهم مأتا درهم. قلت: و كذلك في الشاة، و الإبل، و البقر، و الذهب، و الفضّة و جميع الاموال؟ قال: نعم، «1»»، و صحيح محمد بن قيس عن أبي عبد اللّه عليه السّلام- في حديث زكاة الغنم- قال: «و لا يفرّق بين مجتمع، و لا يجمع بين متفرّق «2»»، و خبر محمد بن خالد: أنّه «سأل أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الصّدقة، فقال: «مر مصدّقك أن لا يحشر من ماء إلى ماء، و لا يجمع بين المتفرّق، و لا يفرّق بين المجتمع- الحديث «3»».

(40) أمّا في نفس الوقف- العام أو الخاص- فلعدم الملكيّة، و هي معتبرة في ثبوت

______________________________

(1)- الحرّ العاملي، محمد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 5: أبواب زكاة الذهب و الفضة، ح 2.

(2)- المصدر/ باب 11: أبواب زكاة الأنعام، ح 1.

(3)- المصدر، ح 2.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 185

نماء الوقف العام، و أمّا في نماء الوقف الخاصّ فتجب على كلّ من بلغت حصّته حدّ النصاب.

[مسألة 9: إذا تمكّن من تخليص المغصوب، أو المسروق، أو المحجور، بالاستعانة بالغير، أو البيّنة، أو نحو ذلك بسهولة]

[مسألة 9]: إذا تمكّن من تخليص المغصوب، أو المسروق، أو المحجور، بالاستعانة بالغير، أو البيّنة، أو نحو ذلك بسهولة، فالأحوط إخراج زكاتها (41).

______________________________

الزكاة، كما مرّ بيانه. و أمّا في نماء الوقف العام، فلأجل أنّ تعيّن كون الشخص مالكا له- أو بتعبير آخر صيرورة المال ملكا لشخصه- إنّما يكون بالقبض،

و إلّا فهو ملك للكلّي، فقبل القبض لا يكون المال ملكا له بالخصوص، و الزكاة إنّما تثبت في الملك، كما مرّ بيانه.

و منه يظهر وجه ثبوتها في نماء الوقف الخاصّ، فإنّه مملوك له، بلا توقّف له على القبض، إذ المفروض كونه وقفا خاصّا، لا عامّا كالوقف على الفقراء أو طلّاب العلوم الدينيّة و نحوهما من الأوقاف العامة، و حينئذ فإذا بلغ نماء الوقف الخاصّ حدّ النصاب ثبت فيه الزكاة بلا إشكال.

(41) البحث في المسألة إنّما هو عن اعتبار السلطنة الفعليّة في ثبوت الزكاة، أو الأعمّ منها و من السلطنة الشأنيّة. و ليعلم أنّ فرض كون المال تحت يد شخص باختيار من مالكه و إرادته، بمعنى أنّ المالك باختياره كان قد أخرج ماله إليه، و هو متمكّن من استرجاع المال منه متى شاء، و إن اعتقد ذلك الشخص عدم تمكّن المالك منه، خارج عن محلّ الكلام، إذ المفروض في المثال هو عدم انقطاع

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 186

..........

______________________________

السلطنة الفعليّة في زمان، و محلّ الكلام هو فرض انقطاع السلطنة الفعليّة في زمان، ثم تمكّن بعد ذلك من إعادة السلطنة الفعليّة عليه ثانيا، كما في المال المسروق أو المغصوب الّذي لم يتمكّن المالك من استرجاعه فترة من الزمن، ثمّ تمكّن منه بعد ذلك، و كذا ما إذا لم تكن له السلطنة الفعليّة عليه أصلا، ثم تمكّن من تحقيقها بعد ذلك، كما في ميراث الغائب: و كيف كان، فالبحث إنّما هو في كفاية هذا المقدار من التمكّن، في ثبوت الزكاة و عدمه.

و أساس البحث المذكور هو أنّ مقتضى أدلّة اعتبار التمكّن، من التصرّف مثل ما دلّ على اعتبار كون المال عنده، أو تحت

يده، و نحوهما من التعابير، إنّما هو اعتبار السلطنة الفعليّة، و حينئذ فتتقيّد أدلّة الزكاة، بما إذا كان التمكّن الفعليّ من التصرّف حاصلا، فلا تجب الزكاة في الّتي يفرض فيها التمكّن الشأنيّ دون الفعليّ،- كالأمثلة الّتي أشار إليها المصنّف قدّس سرّه- كما اختاره بعضهم «1»، منهم الفقيه المحقّق الهمداني قدّس سرّه في «مصباح الفقيه «2»»، و ذهب بعضهم «3»، و منهم صاحب المستند «4» قدّس سرّه و وافقهم المصنّف قدّس سرّه أيضا، إلى كفاية التمكّن الشأنيّ، و ثبوت

______________________________

(1)- المحقق الثاني، عليّ بن الحسين: جامع المقاصد، ج 3: ص 6، ط مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام، قم؛ المقدس الأردبيليّ، ملا أحمد: مجمع الفائدة و البرهان، ج 4: ص 21، ط جامعة المدرّسين، قم؛ النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: صص 52- 53، ط النجف الأشرف.

(2)- الفقيه الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3: ص 13، ط إيران الحجريّة.

(3)- الشهيد الأوّل، محمد بن مكي: البيان/ تحقيق الشيخ محمد الحسّون، ص 279؛ الشهيد الثاني، زين الدين: الروضة البهيّة، ج 1: ص 160، أفست الطبعة الحجرية- إيران، بخط الكاتب، عبد الرحيم تبريزي رحمه اللّه؛ العاملي، السيد محمد الموسوي: مدارك الأحكام، ج 5:

ص 34، ط مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام، قم- إيران.

(4)- النراقي، ملا احمد: مستند الشيعة، ج 2: ص 10، ط إيران الحجريّة.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 187

..........

______________________________

الزكاة في الموارد المتقدّمة. و استدلّوا لذلك برواية زرارة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّه قال: «في رجل ماله عنه غائب، لا يقدر على أخذه، قال: «لا زكاة عليه حتّى يخرج، فإذا خرج زكّاه لعام واحد، فإن كان يدعه متعمّدا و هو يقدر

على أخذه، فعليه الزكاة لكلّ ما مرّ به من السنين «1»»، بتقريب: أنّها دالّة على أنّ المالك إذا كان متمكّنا من أخذ ماله و لكنّه يدعه متعمّدا وجب عليه الزكاة، و حينئذ فتتقيّد أدلّه ثبوت الزكاة- لا محالة- بموارد التمكّن، الأعمّ من الفعليّ و الشأنيّ بالمعنى المتقدّم.

و أورد عليه المحقق الهمدانى قدّس سرّه في «مصباح الفقيه «2»»، ما حاصله: أنّ الرّواية- بملاحظة صدرها- غير دالّة على ذلك، و ذلك لأنّ صدرها دالّ على أنّ المال الغائب الّذي انقطعت عنه سلطنة المالك عليه، بأن كانت غيبته بدون اختياره، و لم يقدر على أخذه، لا زكاة فيه، و ذيلها دالّ على حكم نقيض هذا الفرض. و بتعبير آخر: صرّح فى الذيل بمفهوم الصّدر، و هو أنّ المال الغائب الّذي لم تنقطع عنه سلطنته عليه، بأن كانت غيبته باختياره، و كان قادرا على أخذه و لكنّه يدعه و لا يأخذه متعمّدا، كالمال المستودع القادر على أخذه، غير أنّه يدعه عند الودعيّ و لا يأخذه منه، فهذا المال ممّا ثبت فيه الزكاة. و عليه، فالمال الغائب الّذي انقطعت سلطنته عليه مدّة، ثم تمكّن بعد ذلك من أخذه- الّذي هو محلّ الكلام- خارج عن مفاد الرواية صدرا و ذيلا. و دعوى أنّ المستفاد من إطلاق قوله عليه السّلام: «و إن كان يدعه متعمّدا و هو يقدر على أخذه ...»

______________________________

(1)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 5: من تجب عليه الزكاة و من لا تجب عليه، ح 7.

(2)- الفقيه الهمداني، الآغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3: ص 13، ط إيران الحجريّة.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 188

..........

______________________________

هو أنّ ثبوت الزكاة دائر مدار القدرة على

الأخذ و عدمه، بلا فرق في ذلك بين أن تكون القدرة على الأخذ مسبوقة بالعجز عنه- كما هو محلّ الكلام- و بين ما لا تكون كذلك، مدفوعة بما عرفت، من أنّ الجملة لا إطلاق لها أصلا، فإنّها عبارة عن التصريح بمفهوم الصدر، فان الموضوع في الرواية هو المال الغائب، فإذا كان مقيّدا بعدم القدرة على الأخذ من الأوّل لم يكن فيه الزكاة، و هذا ما يفيده صدر الرواية. كما أنّه إذا لم يكن فيه هذا القيد من الأوّل، بأن كان قادرا على الأخذ من الأوّل كان فيه الزكاة، و هذا هو مفاد الذيل. و حينئذ فالمال الغائب القادر على أخذه، المسبوق بالعجز عنه، خارج عن مفادها صدرا و ذيلا، كما لا يخفى.

و دعوى أنّ المورد و إن كان خارجا عن مفاد الرواية- صدرا و ذيلا- إلّا أنّه يعلم حكمه منها بتنقيح المناط، حيث إنّه يستفاد منها كون المناط هو القدرة على الأخذ، و المفروض حصولها في محلّ الكلام، مدفوعة أيضا: بأنّ المناط في ثبوت الزكاة- كما يستفاد من الروايات الدالّة على اعتبار كون المال عنده أو تحت يده- إنّما هي السلطنة الفعليّة، و هي غير منقطعة عرفا في المورد المفروض في ذيل الرواية، بخلاف المقام، فإنّها منقطعة فيه، فكيف يمكن استفادة حكمه منها بتنقيح المناط، كما هو ظاهر. هذا هو حاصل ما أفاده قدّس سرّه.

و يتوجّه عليه: أنّ الظاهر من الرواية صدرا و ذيلا هو أنّ المال الغائب إذا لم يقدر على أخذه لا يثبت فيه الزكاة، و أمّا الّذي يقدر على أخذه و لكن يدعه متعمدا، فهو ممّا ثبت فيه الزكاة، و هذا كما يشمل المال المستودع الّذي يتمكّن من استرجاعه متى ما شاء،

كذلك يشمل المال المغصوب و نحوه، الخارج عن قدرته برهة من الزمان، و قد تمكّن من استرجاعه بعد ذلك، و لكنّه يدعه متعمّدا، فليست الرواية- صدرا و ذيلا- متمحّضة لبيان حكم المال الغائب الّذي لا يقدر

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 189

..........

______________________________

على أخذه من حين غيبته، و المال الغائب الّذي يقدر على أخذه من ذلك الحين، كي يكون المال غير القادر على أخذه من الأوّل المتمكّن منه فيما بعد، خارجا عن مورد الرواية، كما لا يخفى.

و على الجملة: الموضوع العام هو المال الغائب، فإن كان هذا ممّا لا يقدر على أخذه فلا زكاة فيه، و إن كان ممّا يقدر على أخذه ففيه الزكاة، و الثاني- بإطلاقه- يشمل محلّ الكلام بلا إشكال. نعم، على ما أفاده قدّس سرّه من أنّ موضوع الحكم في الصدر هو المال الغائب الّذي خرج عن كونه مورد السلطنة الفعليّة، و موضوع حكم الذيل هو المال الغائب الّذي لم يخرج بعد عن مورد السلطنة الفعليّة لا يكون للذيل إطلاق بالإضافة إلى ما خرج عن مورد السلطنة الفعليّة مدّة، ثمّ حصل له التمكّن من إعادة تلك السلطنة؛ إلّا أنّ هذا المعنى خلاف الظاهر، كما لا يخفى على المتأمّل.

و المتحصّل من ذلك هو: أنّه- مع التمكّن من التخليص و تركه متعمّدا- يجب فيه الزكاة. ثم إنّ المصنّف قدّس سرّه قيّد ثبوت الزكاة في فرض التمكّن من التخليص بما إذا كان ذلك بسهولة. و الوجه في التقييد المذكور هو: أنّ المفروض في الرواية «فإن كان يدعه متعمّدا ...» و هو منصرف عرفا عمّا اذا كان متمكّنا من التخليص بمشقّة، فان ترك التخليص حينئذ لا يكون مصداقا للترك متعمّدا، فإنّ معنى

«يدعه متعمّدا» هو ما يعبّر عنه في اللّغة الفارسية «واگذاردن دل بخواهى» و ما يقرب من ذلك، و هو غير صادق فيما إذا كان في التخليص مشقّة، فإنّه لا يدعه حينئذ متعمدا، كما هو ظاهر.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 190

و كذا لو مكّنه الغاصب من التصرّف فيه مع بقاء يده عليه (42)، أو تمكن من أخذه سرقة (43)، بل و كذا لو أمكن تخليصه ببعضه (44)، مع فرض انحصار طريق التخليص بذلك أبدا.

______________________________

(42) فإنّه يشمله حينئذ قوله عليه السّلام في الرواية المتقدّمة: «و إن كان يقدر على أخذه فإن كان يدعه متعمدا- و هو يقدر على أخذه- فعليه الزكاة لكلّ ما مرّ من السنين».

(43) و علّق عليه بعض محشي الكتاب «1» بقوله: «من دون مشقّة و لا مهانة» و الوجه في هذا التقييد ظاهر، فإنّه إذا كانت فيها مشقّة أو مهانة، لم يشمله قوله عليه السّلام: «فإن كان يدعه متعمّدا ...» لما عرفت من انصرافه عرفا عمّا فيه المشقّة، و كذلك منصرف أيضا عمّا فيه المهانة، فإن تركه حينئذ لا يكون مصداقا للترك متعمّدا عند العرف، بل يكون مصداقا للترك مع المانع، كما هو ظاهر.

(44) قد يفرض التمكّن من التخليص في وقت ما من دون أن يتوقّف على رفع اليد عن بعض المال، إلّا أنّه بالفعل لا يتمكّن من ذلك إلّا برفع اليد عن بعضه. و قد يفرض عدم التمكّن من ذلك بدون رفع اليد عن البعض إلى الأبد، بمعنى: أنّه لا بدّ

______________________________

(1)- السيد العلّامة البروجردي- طالب ثراه.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 191

و كذا في المرهون (45)، إن أمكنه فكّه بسهولة.

[مسألة 10: إذا أمكنه استيفاء الدين بسهولة و لم يفعل]

[مسألة 10]: إذا

أمكنه استيفاء الدين بسهولة و لم يفعل،

______________________________

له من رفع اليد عن بعضه في أي وقت أراد استرجاع ماله. أمّا في الفرض الأوّل، فلا تثبت الزكاة في المقدار الّذي يتمكّن من تخليصه برفع اليد عن المقدار الآخر، و ذلك لعدم دخوله في قوله عليه السّلام «فإن كان يدعه متعمّدا ...» حيث إنّه لا يدعه حينئذ متعمّدا، بل لغرض عقلائي و لمانع معقول و هو انتظار الفرصة الّتي يمكنه تخليصه فيها بلا تنازل له عن بعضه و مثله: ما إذا توقّف تخليصه على تأدية شي ء من مال آخر غير هذا المال. و أمّا في الثاني، فالزكاة في ذلك المقدار ثابت، فإنّ مرجعه إلى أنّ بعض ماله قد ذهب من يده على كلّ حال، سواء أراد تخليص المال بالفعل أم أمهله إلى زمان آخر، و أمّا البعض الآخر فهو متمكّن من أخذه بلا مئونة و لا مشقّة، فترك أخذه حينئذ يكون مشمولا لقوله عليه السّلام: «فإن كان يدعه متعمّدا ...» و مقتضى ذلك ثبوت الزكاة.

(45) الفرق بين المرهون و بين المغصوب و المسروق و أمثالهما هو: أنّ عدم التمكّن من التصرّف في الأوّل لمانع شرعيّ، و هو تعلّق حقّ المرتهن بذلك، و في الثاني لمانع تكوينيّ، و هو عدم كون المال تحت استيلائه خارجا، و هذا هو الوجه في إفراده بالذكر، و إلّا فحكم هذا يظهر ممّا سبق أيضا، فإنّ الدليل واحد في الموردين، كما لا يخفى.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 192

لم يجب إخراج زكاته (46)، بل و إن أراد المديون الوفاء و لم يستوف اختيارا، مسامحة أو فرارا من الزكاة.

______________________________

(46) في المسألة قولان: أحدهما القول بالوجوب، اختاره الشيخ رحمه اللّه في «النهاية

«1»»، و «الجمل «2»» و «الخلاف «3»» و «المبسوط «4»» و المفيد «5» و المرتضى «6» رحمهما اللّه و الآخر: العدم، اختاره ابن أبي عقيل «7» و ابن الجنيد «8» و ابن إدريس «9» و هو المشهور بين المتأخّرين و متأخّريهم «10»، بل عليه إجماع المتأخّرين «11». و الكلام في المسألة يمكن أن يقع من ناحيتين: إحداهما بالنظر إلى القواعد، و هي الّتي تعرّض لها المصنّف قدّس سرّه، و حاصله: أنّ المستفاد من أدلّة

______________________________

(1)- لم يقع التعرض للمسألة في «النهاية» و إنّما تعرض فيها المسألة الزكاة في الغائب، كما في مفتاح الكرامة (ج 3/ كتاب الزكاة، ص 17). و لعلّه استفيد حكم المسألة ممّا ذكره قدّس سرّهما في المال الغائب.

(2)- الطوسي، محمد بن الحسن: الجمل و العقود، صص 101- 102، ط جامعة مشهد- إيران.

(3)- الطوسي، محمد بن الحسن: الخلاف، ج 2: ص 80/ المسألة 96، ط جامعة المدرّسين، قم.

(4)- الطوسي، محمّد بن الحسن: المبسوط، ج 1: ص 211، ط المكتبة المرتضويّة، طهران.

(5)- المفيد، محمد بن محمد: المقنعة، ص 239، ط جامعة المدرسين، قم.

(6)- المرتضى، على بن الحسين: جمل العلم و العمل/ بشرح القاضي ابن البرّاج، ص 241، ط جامعة مشهد [و] جمل العلم و العمل/ تحقيق: رشيد الصفّار، ص 123.

(7)- ابن إدريس: السرائر، ج 1: صص 443- 444، ط جامعة المدرسين، قم.

(8)- المصدر، ج 1: صص 443- 444.

(9)- المصدر، ج 1: صص 443- 444.

(10)- البحراني، الشيخ يوسف: الحدائق الناضرة، ج 12: ص 33، ط النجف الأشرف.

(11)- النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 59، ط النجف الأشرف؛ العاملي، السيد محمد جواد: مفتاح الكرامة، ج 3/ كتاب الزكاة، ص 17.

المرتقى إلى الفقه الأرقى

- كتاب الزكاة، ج 1، ص: 193

..........

______________________________

الزّكاة إنّما هو تعلّقها بالعين، و أمّا الكليّ في الذمّة فما دام كونه كذلك، و لم يتعيّن في العين الخارجيّ، فلا يكون متعلّقا للزكاة، لظاهر قوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ- الآية، و حينئذ فالدائن مالك للكلّي في ذمّة المدين، و الزّكاة انما تتعلّق بالعين. و أمّا العين الّتي ينوي المدين أدائها إلى الدائن بعنوان الوفاء بالدين فهي لا تكون ملكا للدائن ما لم يتحقّق القبض، و مجرّد تمكّنه من قبضها، أو أنّ المدين ينوى دفعه وفاء بالدين، و لكنّ الدائن يتسامح في الاستيفاء لا يحقّق ملكيّته لها، فالعين- على هذا- ممّا لا تثبت الزكاة فيهما أيضا لاشتراطها بالملك، كما هو ظاهر. و نتيجه ذلك أنّ مقتضى القاعدة هو عدم ثبوت الزكاة في الفرضين المذكورين في المتن.

الناحية الأخرى بالنظر إلى النصوص الواردة في المقام، و هي على طائفتين:

الأولى: النصوص الدالّة على عدم وجوب الزكاة، كصحيح عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: «لا صدقة على الدّين، و لا على المال الغائب عنك، حتّى يقع بين يديك «1»»، و موثق إسحاق بن عمار، قال: قلت لأبي إبراهيم عليه السّلام:

الدّين عليه زكاة؟ قال: «لا، حتى يقبضه، قلت: فإذا قبضه أ يزكّيه؟ قال: لا، حتّى يحول الحول عليه في يده «2»»، و موثق سماعة، قال: «سألته عن الرجل يكون له الدين على الناس، تجب فيه الزكاة؟ قال: ليس عليه فيه زكاة حتى يقبضه، فإذا قبضه فعليه الزكاة- الخبر «3»». و يؤيّد ذلك- على فرض الخدشة في سند الشيخ إلى ابن فضال- رواية محمّد بن عليّ الحلبي، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: قلت له:

______________________________

(1)- الحرّ العاملي،

محمد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 5: من تجب عليه الزكاة و من لا تجب عليه، ح 6.

(2)- المصدر/ باب 6: من تجب عليه الزكاة و من لا تجب عليه، ح 3.

(3)- المصدر، ح 6.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 194

..........

______________________________

ليس في الدين زكاة! فقال: «لا «1»،».

الطائفة الثانية: النصوص الّتي استدلّ بها لثبوت الزكاة على الدائن، كرواية زرارة، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، أنّه قال: في رجل ماله عنه غائب، لا يقدر على أخذه، قال: «فلا زكاة عليه حتّى يخرج، فإذا خرج زكّاه لعام واحد. فإن كان يدعه متعمّدا، و هو يقدر على أخذه، فعليه الزكاة لكلّ ما مرّ من السنين «2»»، و رواية ميسرة، عن عبد العزيز، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يكون له الدين، أ يزكّيه؟ قال: «كلّ دين يدعه هو إذا أراد أخذه فعليه زكاته، و ما كان لا يقدر على أخذه فليس عليه زكاة «3»»، و رواية عمر بن يزيد، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: «ليس في الدين زكاة، إلّا أن يكون صاحب الدّين هو الّذي يؤخّره، فإذا كان لا يقدر على أخذه فليس عليه زكاة حتى يقبضه «4»»، و صحيحة أبي الصّباح الكناني، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: فى الرّجل ينسئ، أو يعين «5»، فلا يزال ماله دينا، كيف يصنع في زكاته؟ قال: «يزكّيه، و لا يزكّي ما

______________________________

(1)- الحرّ العاملي، محمد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 6: من تجب عليه الزكاة و من لا تجب عليه، ح 4.

(2)- المصدر/ باب 5: من تجب عليه الزكاة و من لا تجب عليه، ح 7.

(3)- المصدر/ باب 6: من تجب

عليه الزكاة و من لا تجب عليه، ح 5.

(4)- المصدر، ح 7.

(5)- كما في نسخة الكافي (ج 3: ص 521/ ح 12، ط دار الكتب الإسلاميّة، طهران) و رواه في الوسائل (باب 6: من تجب عليه الزكاة و من لا تجب عليه، ح 11)، و فيه: «يعير» بدل «يعين». قال العلامة المجلسي رحمه اللّه: «في القاموس: أخذ بالعينة- بالكسر- أي: السلف، أو أعطى بها ...» (المجلسي: مرآت العقول، ج 16: ص 40، ط دار الكتب الإسلامية، طهران).

و عليه، فالمراد به في مقابل قوله: «ينسئ» أنّه يشترى المال سلفا، فيكون المال دينا له على البائع، كما أنّه في «بيع النسيئة» يكون الثمن دينا له على المشتري. و قال الطريحي رحمه اللّه:

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 195

..........

______________________________

عليه من الدّين، إنّما الزكاة على صاحب المال».

و لا يخفى أنّ الطائفة الثانية لا تنهض بمعارضة الطائفة الأولى، أمّا رواية زرارة، فلكونها أجنبيّة عن المقام، فإنّ الظاهر منها أنّ موضوعها هو العين الغائبة، فلا تشمل الدين. و أمّا روايتا عبد العزيز، و عمر بن يزيد فهما ضعيفتا السند.

و أمّا صحيحة الكناني، فهي- بحسب موردها، و هو النسيئة- واردة في الدّين الّذي لا سلطنة لصاحبه على استيفائه، فلا يمكن تخصيصه بالدين الّذي يكون تأخيره من قبل صاحبه، فهي معارضة للطائفة الأولى، المصرّحة بانتفاء الزكاة في الدّين، و مقتضى الجمع هو حملها على الاستحباب. و لو قيل: إنّها- بظاهرها- تعارض الطائفة الأولى بنحو لا تقبل الجمع العرفي، فلا بدّ من طرحها، لأنّ الطائفة الأولى قطعيّة الصدور باعتبار استفاضتها، كما لا يخفى «1».

______________________________

«و العينة- بالكسر-: السّلعة، و قد جاء ذكرها في الحديث. و اختلف في تفسيرها، فقال ابن إدريس

في «السرائر»: العينة، معناها في الشريعة هو: أن يشتري سلعة بثمن مؤجّل، ثم يبيعها بدون ذلك الثمن نقدا ليقضي دينا عليه لمن قد حلّ له عليه، و يكون الدين الثاني- و هو العينة- من صاحب الدين الأوّل، مأخوذ ذلك من «العين»، و هو النقد الحاضر ...» (الطريحي: مجمع البحرين، ج 6: ص 288، ط المكتبة المرتضويّة، طهران).

(1)- و قد استوضحت- بعد ذلك- سيّدنا الاستاذ- دام ظلّه- بشأن صحيحة أبي الصباح، فأدلى بما يلي: إنّ الرّواية إنما تدلّ على أنّ الزكاة على صاحب المال، أي من يكون له مال، من دون دلالة لها على أن ذلك بالفعل، حتى تنافي الروايات النافية للزكاة عن الدين. و بعبارة اخرى: تدلّ على أنّ الزكاة على من له مال، و أنّ المدين حيث لا مال له فلا زكاة عليه، و لكن لا دلالة لها على ثبوت الزكاة على صاحب المال فى مفروض الرواية فعلا.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 196

و الفرق بينه و بين ما ذكر في المغصوب و نحوه (47): أنّ الملكيّة حاصلة في المغصوب و نحوه، بخلاف الدين، فإنّه لا يدخل في ملكه إلّا بعد قبضه.

[مسألة 11: زكاة القرض على المقترض بعد قبضه، لا المقرض]

[مسألة 11]: زكاة القرض على المقترض بعد قبضه (48)، لا المقرض، فلو اقترض نصابا من أحد الأعيان الزكويّة، و بقي عنده سنة، وجب عليه الزكاة. نعم، يصحّ أن يؤدّي المقرض عنه تبرّعا (49)، بل يصحّ تبرّع الأجنبيّ أيضا.

______________________________

(47) فإنّ المغصوب، و المسروق ملك لمالكه، و لا يخرج بالغصب و نحوه عن الملكيّة، و هذا بخلاف الدين، فانه لا يكون ملكا لصاحبه إلّا بعد قبضه، فقبل القبض لا يكون ملكا، و من شرائط الزكاة كون المال ملكا، كما مرّ.

(48)

وجه التقييد بما بعد القبض بالإضافة إلى المقترض، إنّما هو من جهة أنّ الملكيّة لا تحصل في الفرض إلّا بعد القبض، و ما لم تحصل الملكيّة، و يمضي عليها الحول عند مالك المال لم تثبت الزكاة فيه، كما مرّ الكلام فيه تفصيلا. و من هنا يظهر الوجه في عدم ثبوت الزكاة على المقرض بعد تحقق القبض، و ذلك لأنّ المال- بالقبض- يخرج عن ملكه، كما عرفت.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 197

..........

______________________________

(49) ربما يعلّل ذلك- كما حكي عن صاحب المدارك «1» قدّس سرّه- بأنّه بمنزلة أداء الدّين، فكما يسقط الدّين بإبراء المالك، أو بتبرّع الأجنبيّ، كذلك تسقط الزكاة أيضا بأداء المقرض. أو بتبرّع الأجنبيّ، و لا يخلو هذا عن المناقشة، و ذلك لأنّ الدائن مالك لما في ذمّة المدين، فإذا تبرّع بأدائه شخص ثالث كان قد استوفى حقه، و لا تبقى ذمّة المدين مشغولة به بعد ذلك. و كذلك الحال فيما إذا أبرأه المالك، كما هو ظاهر، و هذا بخلاف باب الزكاة، فإنّ المالك لها إنّما هو الكلّي، و تعيّن الفقير الخاصّ بكونه مالكا لها إنّما يكون بأداء و تعيين من له الولاية على ذلك، كالمالك و وكيله و نحو ذلك، و حينئذ فلا دليل على تعيّن ذلك بمجرّد دفع المقرض، المفروض عدم كونه مالكا للمال، لخروجه عن ملكه بالقبض على الفرض، و لا مأذونا من قبله.

و إن شئت قلت: إنّ الزكاة متعلّقة بمال المقترض دون المقرض، و تعيّنها في المال الخاص إنّما يكون بتعيين من له حقّ التعيين، و لم يعلم ثبوت ذلك في حقّ المقرض، و هذا بخلاف الدين فإنّه من حقّ الدائن، فإذا استوفى حقّه و لو بتبرّع

الأجنبيّ لم يبق له حقّ بعد ذلك، كما هو ظاهر.

فالأولى أن يستدل للحكم المذكور بصحيح منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في رجل استقرض مالا، فحال عليه الحول و هو عنده، فقال: «إن كان الّذي أقرضه يؤدّي زكاته فلا زكاة عليه، و إن كان لا يؤدّي أدّى المستقرض «2»».

______________________________

(1)- قال قدّس سرّه: «و لو تبرّع المقرض بالإخراج عن المقترض، فالوجه الإجزاء، سواء أذن له المقترض في ذلك أم لا، و به قطع في «المنتهى»، قال: لأنّه بمنزلة الدّين ...» (العاملي، السيد محمّد: مدارك الأحكام، ج 5: ص 38، ط مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام، قم).

(2)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 7: من تجب عليه الزكاة و من لا

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 198

و الأحوط (50) الاستيذان من المقترض في التبرّع عنه، و إن كان الأقوى عدم اعتباره، و لو شرط في عقد القرض أن يكون زكاته على المقرض، فإن قصد أن يكون خطاب الزكاة متوجّها إليه لم يصحّ (51)، و إن كان المقصود أن يؤدّي عنه صحّ (52).

______________________________

(50) لعلّ منشأ الاحتياط هو احتمال اختصاص النصّ المتقدّم بصورة الاستيذان، كما يناسبه التعبير عنه بقوله: «إن كان الّذي أقرضه يؤدّي زكاته ...» و إلّا كان التعبير المناسب به هكذا: «فإن أدّى الّذي أقرضه ...». و لعلّه لأجل قوّة هذا الاحتمال علّق ذلك عليه بعض المحشّين «1» بقوله: «لا يترك»

(51) لأنّ الشروط إنّما يجب الوفاء بها ما لم تحلّل حراما أو تحرّم حلالا، أو بتعبير آخر: ما لم تكن مخالفة للكتاب و السّنة، و الشرط على النحو المذكور مخالف لهما، فإنّ خطاب الزكاة- بنصّ الكتاب و

السّنة- متوجّه إلى المالك، و هو المقترض، بلا إشكال.

(52) إذ لا مانع من وجوب الوفاء بالشرط المذكور، كبرى و صغرى، كما هو

______________________________

تجب عليه، ح 2.

(1)- الحجّة، السيد البروجردي- طاب ثراه- و نحوه غيره من الأعلام- قدّس اللّه أسرارهم.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 199

[مسألة 12: إذا نذر التصدّق بالعين الزكويّة]

[مسألة 12]: إذا نذر التصدّق بالعين الزكويّة، فإن كان مطلقا غير موقّت، و لا معلّقا على شرط، لم تجب الزكاة فيها (53)، و إن لم تخرج عن ملكه بذلك، لعدم التمكّن من التصرّف فيها، سواء تعلّق بتمام النصاب أو بعضه. نعم، لو كان النذر بعد تعلّق الزكاة، وجب إخراجها أوّلا، ثمّ الوفاء بالنذر (54)،

______________________________

ظاهر. إلّا أنّ الزكاة لا تسقط بالشرط المذكور، بل بأداء المقرض، كما نبّه عليه عليه بعض محشي الكتاب «1»

(53) و الوجه في ذلك هو انصراف الأدلّة عنه، لما مرّ من الوجه فيه. أو لما أفاده الفقيه المحقق الهمداني «2» قدّس سرّه من أنّ الملكيّة في أمثال هذه الموارد ملكيّة ناقصة بنظر العرف، فكأنّه لا ملك، فينصرف عنها ما دلّ على ثبوت الزكاة.

(54) ظاهر المتن إنّما هو إخراج مقدار الزكاة، ثمّ التصدّق بالباقي، بعنوان الوفاء بالنذر، و هو مبنيّ على «قاعدة الميسور»، بدعوى أنّ الوفاء بالنذر بالتمام معسور، و ببعضه ميسور منه، و ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه، كما عن المحقّق الهمداني قدّس سرّه في «مصباح الفقيه «3»».

______________________________

(1)- الحجّة، السيد البروجردي- طاب ثراه- و نحوه غيره من الأعلام- قدّس اللّه أسرارهم.

(2)- الفقيه الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3: ص 10، ط إيران الحجريّة.

(3)- المصدر.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 200

..........

______________________________

و فيه أنّ كبرى «قاعدة الميسور» غير مسلّمة

عندنا، لعدم خلوّ ما استدلّ به للقاعدة من المناقشة سندا، أو سندا و دلالة، كما هو محرّر في محلّه من بحث الأصول.

و الصّحيح إنّما هو التصدّق بجميع النصاب وفاء بالنذر، و إخراج الزكاة من غيره، كما احتمله قويّا المحقق الهمداني قدّس سرّه أيضا، إلّا انه وجّه ذلك بأنّ للمالك أن يتعهّد بالزكاة من غير جنسه، إذ لا يلزمه إخراجها من نفس الجنس، فمع الالتفات إلى ذلك، إذا نذر التصدّق بجميع النصاب كان مرجعه إلى الالتزام بأداء الزكاة من غير النصاب مقدّمة للوفاء بالنذر «1». و لا يخفى ما فيه، إذ أنّه- مع الغفلة عن الأمر المذكور- لا يكون مرجع النذر بالتصدّق إلى الالتزام بأداء الزكاة من غير النّصاب، كما هو ظاهر.

و التحقيق أن يقال: إنّ المورد خارج عن باب التزاحم رأسا، و ذلك لما ذكرناه في بحث الأصول من عدم المزاحمة بين واجبين، أحدهما ممّا له البدل دون الآخر، لقدرة المكلّف على امتثالهما معا، و قوام التزاحم بعدم القدرة على ذلك، ففي المقام، حيث أنّ حقّ الزكاة متعلّق بالمال بنحو تعلّق حق الجناية برقبة العبد، من جهة تخيير المالك بين أدائها من نفس الجنس أو من مال آخر، كما أنّه مخيّر- في ذلك الباب- بين دفع العبد إلى أولياء المجنيّ عليه، و بين فكّ رقبته بدفع مال آخر إليهم. و على هذا، فالزكاة ممّا لها بدل، بخلاف الصدقة، و حينئذ فلا تزاحم أصلا، فيجمع المكلّف بينهما بالتصدّق بالمال وفاء بالنذر، و يضمن الزكاة من غيره. أو و إن كان موقّتا بما قبل الحول و وفى بالنذر، فكذلك لا تجب الزكاة، إذا لم يبق بعد ذلك مقدار النصاب، و كذا إذا لم يف به، و قلنا

بوجوب القضاء ...»، أو

______________________________

(1)- الفقيه الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3: ص 10، ط إيران الحجريّة.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 201

و إن كان موقتا بما قبل الحول و وفى بالنذر، فكذلك لا تجب الزكاة، إذا لم يبق بعد ذلك مقدار النصاب (55)، و كذا إذا لم يف به و قلنا بوجوب القضاء، بل مطلقا، لانقطاع الحول

______________________________

إنّ التزاحم و إن كان موجودا، إلّا أن ثبوت البدليّة لأحدهما دون الآخر من المرجّحات، كما ذكره جملة من الأعلام «1»، و إن كان ذلك خلاف التحقيق. و المسألة محرّرة في الأصول.

ثمّ إنّه قد يوجّه ما هو ظاهر المتن: بأنّ الزكاة- بناء على تعلّقها بالعين بنحو الشركة الحقيقيّة، أو بنحو الكليّ في المعيّن- يوجب أن يكون المال بمقدار الزكاة ملكا للفقراء، و حينئذ فيكون النذر باطلا بالإضافة إلى ذلك المقدار، فيتمّ حينئذ ما أفيد، من وجوب إخراج الزكاة أوّلا، ثم التصدّق بالباقي. و يندفع ذلك: بأنّه إنّما يتمّ فيما لو قلنا بملكيّة المال للفقراء- بأحد النحوين- قبل وصوله إليهم، و هو ممنوع، فإن مقتضى ما ثبت من حق المالك في التبديل و إعطاء الزكاة من غير المال الزكويّ- كما سيأتي ان شاء الله تعالى- هو عدم الملكيّة قبل الإعطاء إليهم بنحو ينافي انعقاد النذر.

(55) و الوجه فيه ظاهر، فإنّه مع وجوب القضاء يكون داخلا في القسم الأوّل، و هو منذور الصدقة بنحو مطلق، و قد عرفت كونه مانعا عن تعلّق الزكاة.

______________________________

(1)- منهم المحقّق النائيني قدّس سرّه (المحقّق الخوئي قدّس سرّه، السيد ابو القاسم: أجود التقريرات، ج 1:

صص 271- 272، ط الثانية).

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 202

بالعصيان (56).

______________________________

(56) لم

يظهر وجه لما أفاده قدّس سرّه من الانقطاع بالعصيان، كما نبّه عليه جمع من محشي الكتاب «1»، بل الصحيح- على فرض تسليم الانقطاع- هو أنّ الحول ينقطع بنفس النذر، و ذلك لأنّ المعتبر هو التمكّن من التصرّف في تمام الحول، فبالنذر الموقّت بما قبل الحول ينقطع الحول لا محالة، لصيرورته بذلك غير متمكّن منه في بعض الحول. إلّا أنّ الانقطاع بالنذر مشكل، كما نبّه عليه بعض محشي المتن «2». فإنّ الدليل على اعتبار التمكّن إن كانت هي الروايات المتقدّمة، الصريحة في اعتباره في تمام الحول، فقد عرفت أنّها لا تدلّ إلّا على اعتبار التمكّن بمعنى الاستيلاء على المال خارجا، في مقابل المسروق، و المغصوب، و المدفون في مكان منسيّ، و لا تدلّ على اعتبار الأعمّ من ذلك، كي يشمل ما يكون منه في قبال منذور الصدقة.

و إن كان هو الانصراف، الموجب لاعتبار التمكّن في مقابل الوقف، و الرهن، و نذر الصدقة، و نحو ذلك، فهو إنّما يختصّ بمنذور الصدقة مطلقا، غير موقّت و لا معلّق، و ذلك لأنّ تقريب الانصراف- على الوجه الّذي ذكرناه سابقا- لا يتمّ إلّا على أن يكون زمان النذر مطلقا شاملا لزمان التعلّق أيضا، و

______________________________

(1)- كالحجّة، السيد الطباطبائي البروجردي، و العلم الحجّة السيد الخوئي قدّس سرّهما، و غيرهما من الأعلام.

(2)- هو سيدنا الاستاذ، المحقّق الخوئي قدّس سرّه، قال: «العصيان لا يوجب انقطاع الحول، فلو كان هناك قاطع فلا محالة يكون هو النذر نفسه، إلّا أنّك عرفت: أنّه ليس بقاطع، و لا سيّما في الفرض المذكور».

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 203

نعم، إذا مضى عليه الحول من حين العصيان وجبت (57)، على

______________________________

أمّا إذا كان موقّتا بما قبل

الحول- كما هو المفروض- لم تتمّ دعوى الانصراف على الوجه المتقدّم، فلاحظ ما ذكرناه هناك.

نعم، بناء على استفادة مانعيّة النذر، تتمّ دعوى انقطاع الحول بالنذر الموقّت بما قبل الحول، بأحد أمرين:

الأوّل: دعوى التسالم على اعتبار جميع الشرائط في تمام الحول، فإذا كان التمكّن بهذا المعنى شرطا، كان معتبرا- لا محالة- في تمام الحول بمقتضى التسالم، فلا محالة ينقطع الحول بالنذر المذكور.

الثاني: دعوى أنّ المستفاد من أدلّة الحول إنّما هو لزوم حول الحول مترتّبا على جميع الشرائط، بمعنى أنّ المال الّذي اجتمع فيه جميع الشرائط، إذا حال عليه الحول من حين اجتماع الشرائط كلّها، يثبت فيه الزكاة، و حينئذ فالحول ينقطع- لا محالة- بالنذر المذكور، حيث إنّه- على الفرض- لم يحل الحول على المال الجامع للشرائط كلّها، كما هو ظاهر.

و كلا الأمرين محلّ تأمّل، أمّا الأوّل، فلا دليلية له أصلا، إذ لا مجال للتعبّد بالتسالم في أمثال المقام، ممّا يحتمل أو يظنّ بهم الاستناد إلى الدليل الموجود في المسألة. و أمّا الثاني، فصحّته موقوفة على النظر في أدلّة اعتبار الحول، و ما يستظهر منها، و سيجي ء ذلك إن شاء اللّه تعالى.

(57) بناء على انقطاع الحول بالنذر ظاهر، فإنّ الانقطاع إنّما يكون بمقدار زمان النذر، كما أنّ زمان امتثال النذر و عصيانه هو ذلك أيضا، فإذا تحقّق منه العصيان

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 204

القول بعدم وجوب القضاء. و كذا إن كان موقّتا بما بعد الحول (58)، فإنّ تعلّق النذر به مانع عن التصرّف فيه. و أمّا إن كان معلّقا على شرط (59)، فإن حصل المعلّق عليه قبل تمام الحول لم تجب، و إن حصل بعده وجبت (60).

______________________________

فإنّما يكون ذلك بعدم الوفاء

بالنذر إلى آخر الوقت، فانّ المفروض كونه موقّتا، فيكون مبدأ الحول- على هذا- من حين العصيان، كما هو ظاهر.

(58) و وجهه ظاهر، لوجوب حفظ المال بملاك وجوب حفظ المقدمات المفوّتة، مقدّمة لوجوب الوفاء بالنذر، أو للبناء على الواجب المعلّق و وجوب مقدّماته قبل حلول زمانه، فلا يكون متمكّنا من التصرّف فيه، فينصرف عنه ما دلّ على وجوب الزكاة.

(59) كما إذا علّقه على قدوم المسافر، أو برء المريض و نحوهما، فحصل ذلك قبل تمام الحول، و كان تمام المال البالغ حدّ النصاب، أو بعضه موردا للنذر، كما هو المفروض. و الوجه فيه ظاهر، لاعتبار التمكّن من التصرّف في وجوب الزكاة، المفروض انقطاعه بوجوب صرف المال في النذر.

(60) الظاهر هو عدم وجوبها، سواء أ كان عالما بتحقّق المعلّق عليه، أم كان شاكّا

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 205

..........

______________________________

في ذلك. أمّا على الأوّل، فمع العلم بتحقّق شرط الوجوب في ظرفه، و صيرورة الفعل ذا ملاك ملزم بحقّه في ذلك الظرف، يجب عليه حفظ المال مقدّمة لتحصيل غرض المولى، فإنّ قبح تفويت الغرض الملزم- عند العقل- بحكم عصيان التكليف الفعليّ. و على الجملة وجوب حفظ المال فى هذا الفرض إنّما هو بملاك وجوب المقدمات المفوّتة، المعنونة في بحث الأصول، إمّا وجوبا شرعيّا أو وجوبا عقليّا، على الخلاف في ذلك. و كيف كان، فحفظ المال مقدّمة للوفاء بالنذر في ظرف حصول المعلّق عليه لازم، و هذا ينافي ثبوت الزكاة، كما هو الحال في النذر المطلق، أو الموقّت بما بعد الحول.

و أمّا على الثاني، فلأنّ مرجع النذر المذكور إلى التزامين: أحدهما متعلّق بحفظ المال إلى زمان حصول المعلّق عليه، و الآخر الالتزام بدفعه وفاء بالنذر، على

تقدير حصول المعلّق عليه، و حينئذ، فمع التزامه بحفظ المال المذكور إلى ذلك الوقت، كيف يمكن تعلق الزّكاة به؟ و ذلك، لأنّ الالتزام المذكور إنّما يجب بعنوان الوفاء بالنذر، لما عرفت من انحلال النذر في امثال المقام إلى ذلك.

و إجمال الكلام: أنّه لا ينبغي الشكّ في أنّ نذر التصدّق بالمال معلّقا على شي ء يشكّ في تحقّقه، يكون راجعا- بحسب نظر أهل العرف- إلى نذرين: أحدهما متعلّق بحفظ المال إلى ذلك الوقت، و الآخر بدفعه إلى مصرفه عند تحقّق الشرط، و هذا ينافي تعلّق الزكاة بالمال المذكور، كما يخفى. و هذا الملاك بعينه موجود في الفرض الأوّل أيضا، فعدم ثبوت الزكاة فيه إنّما هو بملاكين، و أمّا في الثاني فهو بملاك واحد، فلاحظ و تأمّل.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 206

و إن حصل مقارنا لتمام الحول. ففيه إشكال، و وجوه (61)، ثالثها: التخيير بين تقديم أيّهما شاء، و رابعها القرعة.

______________________________

(61) ذكر المصنّف قدّس سرّه في المسألة وجوها أربع:

الأوّل: وجوب الزّكاة دون الوفاء بالنذر. و لعلّ الوجه في ذلك أنّ الزكاة متعلّقة بالعين، على وجه الشركة الحقيقيّة، أو على نحو الكلّي فى المعيّن، فالفقراء مشتركون مع الملّاك في ملكيّة جزء مشاع، أو فرد مردّد بين أفراد الجنس المعيّن، كما هو المشهور في تعريف الكلّي في المعيّن. و حينئذ فلا يبقى موضوع لنذره التصدّق بتمام المال، بعد فرض كون مقدار منه مملوكا للغير. و لزوم الوفاء بالمقدار الباقي، بعد إخراج الزكاة، لا دليل عليه، حيث لم يتعلّق النذر به، كما هو ظاهر. و على الجملة: مع فرض وجوب الزكاة لتحقّق شرائط، لا يبقى مجال لصحّة لنذر المذكور أبدا لكونه مفوّتا لحقّ الفقراء و يعتبر

فيه أن يكون راجحا.

الثاني: وجوب الوفاء بالنذر دون الزكاة. و الوجه فيه أنّ الشرط إمّا أن يعلم بتحقّقه، أو يشكّ في ذلك، و على كلا التقديرين فالواجب هو حفظ المال إلى زمان تحقّقه- كما عرفت ذلك في الصورة السّابقة- و حينئذ، فهو غير متمكّن من التصرّف في مقدار من الحول، فيرتفع به موضوع وجوب الزكاة لا محالة.

الثالث: التخيير بين تقديم أيّهما شاء، فانّ وجوب الزكاة متعلّق بالعين، و المفروض عدم انتفاء التمكّن المعتبر فيه من ناحية النذر فعند حلول الحول تجب الزكاة، و من ناحية اخرى يجب الوفاء بالنذر لتحقّق الشرط المعلّق عليه، فيتزاحمان، و حينئذ فيسقط إطلاق كلا الدليلين، و نتيجته التخيير الشرعي. أو

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 207

[مسألة 13: لو استطاع الحج بالنصاب]

[مسألة 13]: لو استطاع الحج بالنصاب، فإن تمّ الحول قبل سير القافلة و التمكّن من الذّهاب، وجبت الزكاة أوّلا (62)، فإن

______________________________

أنّه- بعد العلم بعدم وجوبهما معا، و عدم الموجب لارتفاع الوجوبين كليهما- بمقتضى العلم بأحد الأمرين، يحكم العقل بالتخيير بعد سقوط كلا الدليلين بالمعارضة، كما هو الحال في تعارض الدليلين في الواجبات الضمنيّة.

الرّابع: القرعة، لكونها لكلّ أمر مشكل، أو مشتبه. و المقام من هذا القبيل.

هذا، و لكن الوجه الأوّل باطل، لفساد المبنى، كما تقدّم الكلام فيه بالتفصيل، و معه يبطل القول بالتخيير لا محالة، لابتنائه على الوجه الأوّل. كما أنّ الرجوع إلى القرعة باطل، أما أوّلا لاختصاصها بالشبهات الموضوعيّة، فلا تجرى في مورد الشبهات الحكميّة، كما في المقام. و ثانيا أنّه مع تماميّة الوجوه الأخر أو إنّه بعضها لا يبقى إشكال و اشتباه، كي يتحقّق موضوع الرجوع إلى قاعده القرعة.

و عليه فالصحيح هو الاحتمال الثاني، و هو وجوب الوفاء

بالنذر دون وجوب الزكاة، و مع التنزّل عنه، نقول بالجمع بين الوفاء بالنذر و أداء الزكاة، فان مقتضى أدلّة وجوب الزكاة هو وجوبها، كما أنّ مقتضى دليل الوفاء بالنذر هو وجوبه، و لا منافاة بينهما، فإنّ وجوب الوفاء بالنذر تعيينيّ، و وجوب الزكاة تخييريّ، حيث إنّه يمكن أداء الزكاة من مال آخر، و يمكن الجمع في امتثال كلا التكليفين. و هذا وجه خامس في المسألة.

(62) كما عن الشهيد قدّس سرّه في «البيان «1»»، قال: «و لو استطاع بالنصاب، فتمّ الحول

______________________________

(1)- الشهيد الأوّل، محمّد بن مكّي: البيان، ص 281، ط المؤسّسة الثقافيّة للإمام المهدي، قم.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 208

بقيت الاستطاعة بعد إخراجها وجب، و إلّا فلا، و إن كان مضيّ الحول متأخّرا عن سير القافلة، وجب الحجّ (63)، و سقط وجوب الزكاة. نعم، لو عصى و لم يحجّ وجبت بعد تمام الحول.

______________________________

قبل سير القافلة، وجبت الزكاة، فلو خرج بدفعها عن الاستطاعة، سقط وجوب الحجّ في عامه»، و نحوه غيره «1» و الوجه في ذلك ظاهر، فإنّ شرائط الزكاة متحقّقة، فتثبت هي لا محالة، و أمّا الحجّ، فالمفروض أنّ وجوبه مشروط بالاستطاعة حين سير القافلة و التمكّن من الذهاب، و هو غير مستطيع في ذلك الحين، لوجوب الزكاة عليه في زمان سابق على ذلك، كما هو واضح.

(63) لا بدّ من الإشارة العابرة إلى مقدّمة تمهيديّة- قبل الورود في المسألة- و هي أنّ التزاحم يكون على نحوين:

الأوّل: ما يكون التنافي بين التكليفين في مقام الامتثال، بمعنى أنّ عجز المكلّف عن امتثالهما معا أوجب تنافيهما، و إلّا لم يكن أيّ تناف بينهما أصلا، و ذلك كما في الواجبين المطلقين، غير المشروطين بالقدرة

شرعا، كوجوب إنقاذ غريقين، مع عدم تمكّن المكلّف من انقاذ كليهما و علاج التزاحم حينئذ إنّما يكون بملاحظة المرجّحات، من الأهميّة و غيرها، و مع عدمه فالتخيير. و أمّا الأسبقيّة زمانا فهي غير مرجّحة في هذا القسم، كما هو محقّق في محلّه.

______________________________

(1)- العاملي، السيد محمّد جواد: مفتاح الكرامة، ج 3/ كتاب الزكاة، ص 23.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 209

..........

______________________________

الثاني: ما يكون التنافي بينهما في مقام الامتثال، و لكن مع فرض كون كلّ منهما بنفسه رافعا لموضوع الآخر، كما في الوجوبين المشروطين بالقدرة شرعا، كوجوب الحجّ المشروط بالاستطاعة، و وجوب أداء الدّين المشروط باليسار، فإذا فرضنا أنّ المكلّف غير متمكّن من الأمرين معا، و كان الدائن مطالبا، فحينئذ يتزاحم وجوب الحجّ و أداء الدّين لا محالة، و كلّ منهما بوجوده يكون رافعا لموضوع الآخر، بمعنى أنّ وجوب الحج- على تقدير ثبوته- رافع لليسار المأخوذ في موضوع وجوب أداء الدين، كما أنّ ثبوت وجوب الأداء رافع للاستطاعة المأخوذة في وجوب الحجّ، و كما في المقام، حيث أنّ وجوب الحجّ يكون موجبا لحفظ المال و عدم التمكّن من التصرّف فيه، فيكون رافعا لموضوع وجوب الزّكاة، المشروط بالتمكّن من التصرّف في المال، كما أنّ وجوب الزكاة يكون رافعا للاستطاعة المشروط بها وجوب الحج. و الأسبقيّة زمانا- في الجملة- يكون من المرجّحات حينئذ و لكن الّذي ينبغي التنبيه عليه هو أنّ تسمية القسم الثاني من التزاحم مبنيّ على المسامحة، و إرادة المعنى اللغويّ من التزاحم، أعني به التمانع، و إلّا فليس هو من التزاحم المصطلح، فإنّه عبارة عمّا يكون امتثال كلّ من التكليفين المتزاحمين رافعا لموضوع التكليف بالآخر، من حيث أنّه بذلك تنتفى القدرة على

متعلّقه، و هي شرط في التكليف به، لا أن يكون كلّ من التكليفين بنفسه- لا بامتثاله- رافعا لموضوع الآخر، كما هو الحال في القسم الثاني.

و تفصيل الكلام: أنّ التمكّن- الّذي هو شرط في وجوب الزكاة- تارة يراد به «كون المال عنده» أو «تحت يده» و نحوهما من العناوين المستفادة من النّصوص، في مقابل المسروق، و المغصوب، و المال الغائب .... و بكلمة أخرى

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 210

..........

______________________________

يراد به التمكّن من التصرّفات التكوينيّة الخارجيّة، المستفاد اعتباره في باب الزكاة بالنصوص الخاصّة. و أخرى يراد به الأعمّ منه و من التمكّن الشرعيّ، في مقابل المرهون، و الموقوف، و منذور الصّدقة، و نحوها، كوجوب حفظ المال مقدّمة لواجب آخر مثلا.

و على التقدير الثاني، فإمّا أن يكون اعتبار التمكّن الشرعيّ في وجوب الزكاة مستفادا من أدلّة وجوب الزكاة نفسها، أو يكون ذلك بالانصراف. و يختلف الحال بذلك، فإنّ اعتبار ذلك بالانصراف في نفسه لا يقتضي إلّا اعتباره عند حلول الحول، لا في تمام الحول، و هذا بخلاف ما إذا قلنا باعتباره بمقتضى أدلّة وجوب الزّكاة عند حلول الحول- كما اختاره شيخنا العلّامة الأنصاري قدّس سرّه- فإنّه- على هذا- يكون اعتباره في تمام الحول، كاعتبار التمكّن من التصرّف في مقابل المسروق، كما هو ظاهر.

ثمّ إنّه من جهة أخرى، وجوب الحجّ- بعد سير القافلة و التمكّن من الذهاب معها- إمّا أن يكون فعليّا، أو يقال ببقائه مشروطا حتّى بعد سير القافلة أيضا. و الصّور الحاصلة من ضرب الاثنين في الثلاثة المتصوّرة في الزكاة ستّ، لا بدّ من الكلام على كل واحدة منها.

الأولى: فعليّة وجوب الحجّ عند خروج القافلة و التمكّن من الذهاب معها، و

يجب- حينئذ- على المكلّف حفظ المال لأنّ يحجّ به، و لكن وجوب الزكاة كان مشروطا بالقدرة الشرعيّة، بان كان مشروطا بالتمكّن من التصرّف في المال بحيث ينافيه وجوب حفظ المال لواجب آخر، مع فرض استفادة اعتباره من أدلّة وجوب الزكاة عند حلول الحول. و حينئذ لا يكون أيّ تزاحم بين وجوب الزكاة، بل يجب الحجّ، و يجب حفظ المال للحجّ، و لا تجب الزكاة عند حلول

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 211

..........

______________________________

الحول، لانتفاء القدرة الشرعيّة على التصرّف بواسطة وجوب حفظ المال للحجّ.

الثانية: الصورة بعينها، مع فرض استفادة اعتبار القدرة الشرعية في وجوب الزكاة- بالمعنى المتقدّم- من الانصراف، فإن حكمها هو حكم الصورة الأولى، فإنّ وجوب حفظ المال للحجّ يوجب انتفاء التمكّن من التصرف فيه عند حلول الحول، و بانتفائه ينتفي وجوب الزكاة لا محالة.

الثالثة: فعليّة وجوب الحج عند خروج الرفقة و امكان السّير معهم، مع عدم اعتبار التمكّن من التصرّف- بالمعنى الأعمّ- في وجوب الزكاة، لا من ناحية أدلّة الزكاة أنفسها، و لا من جهة الانصراف، فيكون وجوب الزكاة مطلقا- لا محالة- من ناحية التمكّن من التصرّف. فيكون من موارد التزاحم بين واجبين مطلقين، و قد ذكرنا: أنّ الأسبقيّة الزمانيّة لا مجال لها حينئذ، فإذا بقي المال إلى أن حال عليه الحول صار وجوب الزكاة- أيضا- فعليّا، فيتزاحمان، و مقتضى القاعدة في مثل ذلك التخيير، لو لا ترجيح أحدهما على الآخر بمثل الأهمّية و نحوها.

نعم، وجوب حفظ المال للحجّ لا ينافي جواز تبديل المال الزكويّ بمال آخر، فلو بدّ له بمال آخر قبل حلول الحول انتفى بذلك وجوب الزكاة، و وجب عليه الحجّ فقط، و حينئذ يجب عليه التبديل حفظا

للاستطاعة، لكنّه مع عدم التبديل تجب الزكاة عند حلول الحول أيضا، كما عرفت.

الرّابعة: كون وجوب الحج عند سير القافلة و إمكان الذهاب معها مشروطا، مع عدم اشتراط وجوب الزكاة بالتمكّن من التصرّف، بالمعنى الّذي ينافيه وجوب حفظ المال. و لا تزاحم- حينئذ- بين وجوب الحجّ و وجوب الزكاة، بل تجب عليه الزكاة عند حلول الحول، و المفروض أنّ وجوبها مطلق،

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 212

..........

______________________________

فيقدّم على وجوب الحجّ المفروض كونه مشروطا.

نعم، إذا قلنا: إنّ المستفاد من الأدلّة هو وجوب حفظ الاستطاعة عند سير القافلة و إمكان الذهاب معها، و إن لم يكن وجوب الحجّ- حينئذ- فعليّا، كان عليه تبديل المال الزكويّ، حيث لا سبيل له إلى حفظ الاستطاعة- على الفرض- إلّا بذلك، فينتفي به وجوب الزكاة، غير أنّه لو لم يفعل ذلك حتّى حال عليه الحول، و جبت عليه الزكاة، دون الحج، لما عرفت.

الخامسة: كون وجوب الحجّ عند سير القافلة مشروطا، مع فرض اشتراط وجوب الزكاة بالتمكّن من التصرّف بالمعنى الّذي ينافيه وجوب حفظ المال، و استفادة الاشتراط المذكور من أدلّة الزكاة نفسها، لا من جهة الانصراف. فيكون كلّ من الوجوبين بنفسه- لا بامتثاله- رافعا لموضوع الآخر، و هو ليس من التزاحم المصطلح- كما هو المشهور- بل هو من التزاحم بمعناه اللغوي، و هو التمانع، كما مرّت الإشارة إليه.

و مقتضى القاعدة- حينئذ- هو الترجيح بالأسبقيّة زمانا، و هو وجوب الحجّ، فإنّه سابق موضوعا على وجوب الزكاة، إذ المفروض: أنّ الاستطاعة محقّقة قبل حلول الحول، المفروض كونه موضوعا لوجوب الزكاة، و حينئذ فبملاك وجوب المقدّمة المفوّتة يلزمه المحافظة على الاستطاعة، إمّا بصرف المال المذكور في الحج، بأن يخرج مع القافلة- مثلا-

أو أنّه يبدّل المال الزكويّ بمال آخر، و على كلّ تقدير ينتفي بذلك موضوع وجوب الزكاة. و لا مانع من ذلك سوى وجوب الزكاة، و المفروض عدم مانعيّته، لعدم تحقّق موضوعه، و هو الحول، كما هو ظاهر.

السادسة: الصورة السابقة بعينها، لكن مع فرض استفادة اشتراط وجوب

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 213

و لو تقارن خروج القافلة مع تمام الحول وجب الزكاة أوّلا لتعلقها بالعين، بخلاف الحج (64).

______________________________

الزكاة بالتمكّن من التصرّف- بالمعنى المذكور- من الانصراف، لا من نفس أدلّة وجوب الزكاة عند حلول الحول. و حكمها حكم الصورة السابقة بعينه.

فالاختلاف في نحوي اعتبار التمكّن من التصرّف في وجوب الزكاة، بحيث ينافيه وجوب حفظ المال و عدم جواز صرفه، غير مؤثّر في مفروض المسألة ظاهرا «1».

(64) و ملخّص الكلام هنا على ضوء ما سبق في الفرع السابق: أنّ وجوب الحجّ عند خروج القافلة و إمكان السّير معها إن كان فعليّا غير مشروط، و كان وجوب الزّكاة مشروطا بالتمكّن من التصرّف بحيث ينافيه وجوب حفظ المال لواجب آخر، سواء أ كان ذلك بمقتضى الأدلّة الأوليّة، أم بالانصراف، فلا ريب في وجوب الحجّ- حينئذ- لأنّه واجب مطلق، يرتفع به- لا محالة- وجوب الزكاة المفروض اشتراطه بالقدرة الشرعيّة.

______________________________

(1)- لا يخفى أنّه بناء على ما استظهره سيّدنا الاستاذ- دام ظلّه- في مبحث الاستطاعة من كتاب الحجّ، من كون الاستطاعة- مطلقا- شرطا في وجوب الحج، و لو كانت قبل خروج القافلة و التمكّن من السّير معها، بل حتّى و لو كانت قبل أشهر الحجّ، تكون صيغة المسألة بنحو آخر، حيث أنّه- على هذا المبنى- لا يتحقّق فرض لتقدّم وجوب الزكاة على وجوب الحجّ، فإنّ ذلك مبنيّ على

كون الاستطاعة حين خروج القافلة، أو في أشهر الحجّ- مثلا- شرطا لوجوب الحجّ، كما هو ظاهر.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 214

[مسألة 14: لو مضت سنتان أو أزيد على ما لم يتمكّن من التصرّف فيه]

[مسألة 14]: لو مضت سنتان أو أزيد على ما لم يتمكّن من التصرّف فيه، بأن كان مدفونا و لم يعرف مكانه، أو غائبا، أو نحو ذلك، ثمّ تمكّن منه، استحبّ زكاته لسنة (65)، بل يقوى استحبابها بمضيّ سنة واحدة أيضا.

______________________________

و إن كان كلا الوجوبين مطلقين غير مشروطين، وقع التزاحم بينهما، و مقتضى القاعدة- حينئذ- هو الترجيح بالأهميّة، و إلّا فالتخيير.

و إن كان وجوب الحجّ مشروطا دون وجوب الزكاة، وجبت الزكاة، لأنّ وجوبها مطلق يرتفع به- لا محالة- موضوع وجوب الحجّ.

و أمّا إذا كان كلا الوجوبين مشروطا، تحقّق التزاحم- أيضا- بينهما، و القاعدة- حينئذ- الترجيح إن ثبت، و إلّا فالتخيير «1».

(65) المعروف فيما بينهم هو أنّه إذا مضى على الحيوان الضالّ، و المال المفقود، و نحو ذلك، سنون، و عاد، استحبّ زكاته لسنة واحدة. و في «مدارك الأحكام»: «هذا مذهب الأصحاب، لا أعلم فيه مخالفا ... «2»»، و عن العلامة في «المنتهى»: «فلا

______________________________

(1)- و تجدر الإشارة هنا- أيضا- إلى أن فرض التقارن إنّما يتمّ على المبنى القائل بكون الاستطاعة عند خروج القافلة، أو في أشهر الحج شرطا في وجوب الحجّ، و إلّا فبناء على تحقّق الوجوب بالاستطاعة مطلقا فى أيّ وقت كان، فلا يتصوّر فيه فرض التقارن بين موضوع وجوب الحجّ- و هو الاستطاعة بتمام النّصاب- و بين موضوع وجوب الزكاة، و هو الحول، كما هو واضح.

(2)- العاملي، السيد محمّد: مدارك الأحكام، ج 5: ص 31، ط مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام، قم.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة،

ج 1، ص: 215

..........

______________________________

تجب الزكاة في المال المغصوب، و المسروق و المحجوب، و الضالّ- إلى أن قال:- إذا عاد المغصوب و الضالّ إلى ربّه، استحبّ له أن يزكّيه لسنة واحدة، ذهب إليه علماؤنا ... «1»» و هو مؤذن بالإجماع عليه. و حكي عن بعض العامّة القول بالوجوب «2». و استدلّ له برواية زرارة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّه قال: في رجل ماله عنه غائب، لا يقدر على أخذه، قال: «فلا زكاة عليه حتّى يخرج، فإذا خرج زكّاه لعام واحد. و فإن كان يدعه متعمّدا و هو يقدر على أخذه، فعليه الزكاة لكل ما مرّ به من السنين «3»»، و حسن الصيرفي، قال: قلت لأبي جعفر عليه السّلام: ما تقول في رجل كان له مال، فانطلق به فدفنه في موضع، فلمّا حال عليه الحول ذهب ليخرجه من موضعه، فاحتفر الموضع الّذي ظنّ أنّ المال فيه مدفون فلم يصبه، فمكث بعد ذلك ثلاث سنين. ثم إنّه احتفر الموضع الّذي من جوانبه كلّه

______________________________

(1)- العلامة الحلّي، الحسن بن يوسف: منتهى المطلب، ج 1: ص 475، ط إيران الحجريّة.

و أخرج منه عبارة «التذكرة» حيث قال قدّس سرّه: «هو على الاستحباب عندنا ...» (تذكرة الفقهاء، ج 1: ص 201، ط إيران الحجريّة).

(2)- المراد هو محمد بن إدريس الشافعيّ، في قول ثالث له، و مالك، إمام المالكيّة. قال آية اللّه على الإطلاق، العلامة الحلّي رحمه اللّه: «و للشافعيّ قول ثالث: إن عاد المغصوب بجميع نمائه، زكّاه لما مضى، و قال مالك: إذا قبضه زكّاه لحول واحد ...» (العلّامة الحلي، الحسن بن يوسف: تذكرة الفقهاء، ج 1: ص 201، ط إيران الحجريّة). و اقتصر في «المنتهى» على إسناد القول بالوجوب

إلى مالك (منتهى المطلب، ج 1: ص 475، ط إيران الحجريّة). و فى «المحلّى»: «و قال مالك: لا زكاة عليه فيه، فإن رجع إليه زكّاه لسنة واحدة فقط، و إن غاب عنه سنين. و هذا قول ظاهر الخطأ، و ما نعلم لهم حجّة إلّا أنّهم قلّدوا في ذلك عمر بن عبد العزيز، في قول له رجع إليه، و كان قال قبل ذلك: بأخذ الزكاة منه لكلّ سنة خلت ...» (ابن حزم: المحلّى، ج 6: ص 94) و يظهر من المحقّق الفقيه الهمداني الميل إليه، أو القول به، من علماء الإماميّة (الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3: ص 16، ط إيران الحجريّة).

(3)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 5: من تجب عليه الزكاة و من لا تجب عليه، ح 7.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 216

..........

______________________________

[كلّها هامش المخطوطة من الوسائل]، فوقع على المال بعينه، كيف يزكّيه؟ قال:

«يزكّيه لسنة واحدة، لأنّه كان غائبا عنه، و إن كان احتبسه «1»».

ثم إنّ ظاهر الروايتين و إن كان هو الوجوب، إلّا أنّهما تحملان على الاستحباب، جمعا بينهما و بين ما دلّ من النصوص على اعتبار كون المال عنده في تمام الحول في ثبوت الزكاة، فإنّها صريحة في عدم وجوبها في فرض خروج المال عن تحت يده و عدم استيلائه عليه في تمام الحول، كما في مفروض الكلام. و حينئذ فيلزم حمل الرّوايتين على الاستحباب، كما هو مقتضى الجمع العرفي في أمثال المقام.

ثم إنّ موضوع استحباب الزكاة لسنة واحدة- على ما يستفاد من الروايتين- إنّما هو ما إذا كان المال غائبا عنه سنين، و أقلّ ذلك ثلاث سنوات فما فوق، كما هو مقتضى صيغة

الجمع لغة، و قد وقع التصريح بالثلاث سنين في حسن الصيرفي المتقدّم، و لذلك حرّر المسألة في «الشرائع» بما نصّه: «فإن مضى عليه سنون و عاد، زكّاه لسنته استحبابا ... «2»». و من هنا يشكل الأمر فيما أفاده المصنّف قدّس سرّه من الحكم بالاستحباب في فرض عدم التمكّن من التصرّف في المال، سنتين فما فوق. و أشدّ إشكالا منه ما قوّاه أخيرا من ثبوت الحكم في صورة الغيبة سنة واحدة «3».

______________________________

(1)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 5: من تجب عليه الزكاة و من لا تجب عليه، ح 1.

(2)- المحقّق الحلّي، جعفر بن الحسن: شرائع الإسلام/ تحقيق: عبد الحسين محمّد علي البقّال، ج 1: ص 142.

(3)- قال في «مدارك الأحكام»: «و أطلق العلّامة في «المنتهى» استحباب تزكية المغصوب و الضالّ، مع العود لسنة واحدة. و لا بأس به» (- العاملي، السيد محمّد الموسوي:

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 217

..........

______________________________

و قد يستدلّ لذلك «1» بإطلاق موثق زرارة المتقدّم، أنّه عليه السّلام قال: في رجل ماله عنه غائب لا يقدر على أخذه، قال: «فلا زكاة عليه حتى يخرج، فإذا خرج زكّاه لعام واحد ...» فإنّه شامل لصورة الغيبة سنتين، بل سنة واحدة، كما لا يخفى.

و فيه إنّ مقتضى الذيل: «فإن كان يدعه متعمّدا و هو يقدر على أخذه، فعليه الزكاة لكلّ ما مرّ من السنين» إنّما هو كون موضوع الحكم الغيبة ثلاث سنوات فما فوق، حسبما يقتضيه لفظ «سنين» الظاهر في ذلك كما عرفت، و بما أنّ ذيل الرواية تصريح بما هو مفهوم الصّدر، فلا بدّ و أن يكون الموضوع لحكم الصدر هو ذلك أيضا.

و على الجملة: إنّ مفاد الصّدر إنّما

هو نفي الزكاة في المال الغائب الّذي لا يقدر على أخذه قبل خروجه، و مفاد الذيل إنّما هو ثبوت الزكاة في المال الغائب الّذي انتفى فيه القيد المذكور، و هو عدم القدرة على أخذه. فإذا كان الحكم الوارد في الذيل ثابتا في فرض غيبة المال سنين، فلا بدّ و أن يكون مفاد الصّدر، و هو «أنّه لا يجب الزكاة قبل الخروج، و إذا خرج زكّاه لعام واحد»، إنّما هو ثبوت ذلك في الفرض المذكور أيضا، و إلّا لم يكن الذيل تصريحا بما هو مفهوم الصّدر، كما لا يخفى.

اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ الإجماع في المسألة دليل على أنّ الجمع منطقيّ، يشمل الاثنين فما فوق، و بذلك قد يوجّه ما أفاده قدّس سرّه أوّلا من ثبوت الاستحباب في الغيبة سنتين فما فوق. إلّا أنّ ما قوّاه أخيرا من الحكم بذلك في السنة الواحدة

______________________________

مدارك الأحكام، ج 5: ص 38، ط مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام، قم؛ العلّامة الحلّي، الحسن بن يوسف: منتهى المطلب، ج 1: ص 475، ط إيران الحجريّة).

(1)- الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3/ كتاب الزكاة، ص 16، ط إيران الحجريّة.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 218

[مسألة 15: إذا عرض عدم التمكّن من التصرّف بعد تعلّق الزكاة، أو بعد مضيّ الحول متمكّنا]

[مسألة 15]: إذا عرض عدم التمكّن من التصرّف بعد تعلّق الزكاة، أو بعد مضيّ الحول متمكّنا، فقد استقرّ الوجوب (66)، فيجب ألا داء إذا تمكّن بعد ذلك، و إلّا، فإن كان

______________________________

أيضا، باق- بعد- على إشكاله، و منه يظهر ما في إطلاق بعضهم ثبوت الحكم المذكور في المغصوب و الضالّ، كما عن العلامة في «المنتهى»، هذا، و الظاهر حسب الجمود على ظاهر النصّ هو عدم الاستحباب فى غييوبة المال سنة أو سنتين «1».

(66)

هذه المسألة غير معنونة في كلمات الفقهاء قدّس سرّهم- فيما عثرنا عليه- و إنّما

______________________________

(1)- و أمّا الاستدلال للتعميم- كما عن المحقّق الاستاذ الخوئي قدّس سرّه- بصحيحة سدير الصيرفي المتقدّمة في رجل كان له مال، فانطلق به فدفنه في موضع، فلمّا حال عليه الحول ذهب ليخرجه من موضعه، فاحتفر الموضع الّذي ظنّ أن المال فيه مدفون فلم يصبه، فمكث بعد ذلك ثلاث سنين، ثمّ إنّه احتفر الموضع الّذي من جوانبه كلّه، فوقع على المال بعينه كيف يزكّيه؟ قال: «يزكّيه لسنة واحدة، لأنّه كان غائبا عنه، و إن كان احتبسه» (الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 5: من تجب عليه الزكاة و من لا تجب عليه، ح 4) بدعوى: أنّ التعليل نفسه يستوجب التعدّي من حيث الزمان أيضا، فيشمل حتّى ما إذا كان زمان الغيبة لسنة واحدة، و لا يختصّ بمورد الصّحيحة، أعني ثلاث سنين، لأنّ الاعتبار إنّما هو بمجرّد الغياب كما عرفت (مستند العروة الوثقى/ كتاب الزكاة، ج 1:

ص 122) فيتوجّه عليه أنّ الرواية- ظاهرا- خارجة عن محلّ الكلام و أنّ وجوب الزكاة لسنة على مقتضي القاعدة، لكون غيبوبة المال بعد حولان الحول- كما هو المفروض في مورد السؤال- و عليه فيكون التعليل لنفي الزكاة زائدا على السّنة. و منه يظهر أنّ الاستدلال بها للمقام- كما عن سيّدنا الاستاذ دام ظلّه- أمر يصعب التصديق به، فتأمّل.

(منه عفي عنه)

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 219

مقصّرا يكون ضامنا، و إلّا فلا.

______________________________

المعنون عندهم مسألة عدم التمكّن من الأداء، أو بتعبير آخر: عدم إمكان الصرف. و لكن استيفاء الكلام في هذا المقام بأن يقال: إنّ عدم التمكّن من التصرّف إمّا أنّ يعرض بعد

تعلّق الزكاة أو بعد مضيّ الحول، و إمّا أن يكون مقارنا لتعلّق الزكاة، أمّا إذا كان ذلك بعد التعلّق، فتحقيق القول فيه بعد تمهيد مقدمة، و هي:

أنّ التمكّن من التصرّف، إمّا أن يكون بمعنى الاستيلاء الخارجي على المال، في مقابل المسروق، و المغصوب، و نحوهما. و إمّا أن يكون بمعنى عدم المانع الشرعيّ من التصرّف فيه، في مقابل المرهون، و الموقوف، و نحوهما. و قد عرفت أنّ اعتبار الأوّل إنّما ثبت بالنصوص الدالّة على اعتبار كون المال عنده، أو تحت يده، و نحو ذلك من العبارات. و أمّا الثاني، فاعتباره إنّما ثبت بانصراف أدلّة وجوب الزكاة، على ما مرّ بيانه. و المراد بعدم التمكّن في المقام إنّما هو بالمعنى الأوّل، و إلّا فعدمه بالمعنى الثاني غير متصوّر- كما لا يخفى- إذ لا يصحّ الرهن، و الوقف، و ما أشبههما بعد فرض تعلّق الزكاة بصدق الاسم، أو مضيّ الحول، كما هو المفروض. و على هذا، فالمراد بعدم التمكّن في المقام و ما إذا صار المال- بعد التعلّق أو حلول الحول- خارجا عن استيلائه التكويني، بسرقة، أو غصب و نحو ذلك.

ثمّ إنّ مفروض الكلام إنّما هو صورة رجاء الاستيلاء على المال ثانيا، و إلّا فمع اليأس عن ذلك يكون المال بحكم التالف، كما أنّه لا بدّ من فرض الكلام في خصوص ما إذا لم يتمكّن من أداء الزكاة المفروضة من مال آخر، و إلّا فمع

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 220

..........

______________________________

إمكانه، حيث يكون مخيّرا بين أداء الزكاة من العين أو من مال اخر، فالعجز عن بعض أفراد الواجب التخييرى لا يوجب سقوطه، كما هو ظاهر.

إذا عرفت ذلك، فنقول: إنّ المالك كان مأمورا

بالأداء لا محالة، إذ المفروض طروّ عدم التمكّن بعد وجوب الزكاة، بمضيّ الحول أو صدق الاسم، و مجرّد القدرة على امتثال التكليف المذكور في زمان ما يكفي في صحّة التكليف بالأداء.

و أمّا الضمان ففيه تفصيل: فإنّ المالك إذا قصّر في إخراج الزكاة بعد تعلّقها حتّى عرض عدم التمكّن، كان ضامنا لها لا محالة، بمقتضى عموم «قاعدة اليد»، بناء على القول بالملكيّة بنحو الإشاعة، أو بنحو الكلّي في المعيّن. نعم، بناء على أنّ تعلّقها بالعين من قبيل تعلّق حق الجناية- كما هو الصحيح- ليس مقتضى عموم «قاعدة» اليد هو الضمان، إذ لم يثبت أنّ وضع اليد على ما هو متعلّق حق الغير يوجب الضمان و ما أفاده المحقق الفقيه الهمداني «1» قدّس سرّه من تعميم القاعدة إلى موارد الحقوق الماليّة- كما في المقام- ممّا لا شاهد عليه، كما لا يخفى.

و على الجملة: فالمالك ضامن للزكاة إذا كان مقصّرا في الأداء حتّى عرض عدم التمكّن، فإنّ مقتضى عموم «قاعدة اليد» هو الضمان، بناء على الملكيّة بأحد النحوين في باب الزكاة. و أمّا مع عدم التقصير في ذلك فهو غير ضامن لها، إذ المفروض كون المال تحت يده بعنوان الأمانة الشرعيّة، و الأمين غير ضامن إلّا مع التعدّي و التفريط، و عليه فإن تمكّن من المال بعد ذلك وجب عليه الأداء، و إلّا فلا، و هذا بخلاف الفرض الأوّل، فإنّه ضامن للزكاة، فيجب عليه أدائها و إن لم يتمكّن من المال بعد ذلك أبدا.

هذا كلّه مع الغضّ عن النصّ، و أمّا بملاحظة النصّ، فالمالك ضامن في فرض

______________________________

(1)- المحقّق الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3/ كتاب الزكاة، ص 14، إيران الحجريّة.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة،

ج 1، ص: 221

..........

______________________________

التقصير مطلقا، حتّى على القول بالحقّ في باب الزكاة، كما أنّه غير ضامن لها في فرض عدم التقصير مطلقا، ففي حسن محمد بن مسلم- بابن هاشم- قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: رجل بعث زكاة ماله لتقسم فضاعت، هل عليه ضمانها حتّى تقسّم؟ فقال: «إذا وجد لها موضعا فلم يدفعها إليه فهو لها ضامن حتّى يدفعها إليه، و إن لم يجد لها من يدفعها إليه، فبعث بها إلى أهلها، فليس عليه ضمان، لأنّها قد خرجت من يده- الحديث «1»». هذا في فرض عروض عدم التمكّن بعد مضيّ الحول، أو صدق الاسم، و إن كانا متقارنين في الزمان، بأن كان عروض عدم التمكّن مقارنا لتمام الحول أو لصدق الاسم، و معلوم أنّ عدم التمكّن في المقام- أيضا- إنّما هو بالمعنى المتقدّم في الفرض السابق، إذ لا يتصوّر فيه عدم التمكّن من حيث الرهن، و الوقف، و نحوهما. كما أنّ مفروض الكلام إنّما هو صورة رجاء التمكّن، و إلّا فمع اليأس عنه يكون المال بحكم التالف، و إذا تلف المال مقارنا لزمان وجوب الزكاة لم يجب فيه شي ء أصلا، كما هو ظاهر.

ثم إنّه في هذا الفرض لا مجال للقول بالضمان على القاعدة، حتّى على القول بالملكيّة بنحو الإشاعة، أو بنحو الكلّي في المعيّن في باب الزكاة، إذ المفروض هو عدم تحقّق الملكيّة للفقراء بعد، و معه لا مجال لعموم «قاعدة اليد»، كما لا يخفى.

نعم، مقتضى النصّ المتقدّم هو عدم الضّمان، فإنّه قد دلّ على عدم الضمان فيما إذا لم يجد من يدفع الزكاة إليه، فيستفاد منه أنّ الملاك في عدم الضمان إنّما هو عدم التمكّن الّذي لا يكون مستندا إلى المالك، و إن

كان المفروض في مورد الرواية إنّما هو عدم التمكّن من الصّرف، لا عدم التمكّن من التصرّف، كما لا يخفى.

و من هنا يظهر الحال في عدم إمكان الصرف، و أنّ المالك إذا لم يمكنه صرف

______________________________

(1)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 39: المستحقين للزكاة، ح 1.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 222

[مسألة 16: الكافر تجب عليه الزكاة]

[مسألة 16]: الكافر تجب عليه الزكاة (67)،

______________________________

الزكاة إلى مستحقّيها، فإنّه لا يكون حينئذ ضامنا لها إذا تلفت، كما دلّ عليه النصّ المتقدّم. نعم، إذا أمكنه صرفها إلى مستحقّيها فلم يصرفها، كان ضامنا لها، فإذا تلفت كان عليه ضمان بدلها، كما هو صريح النص المتقدّم أيضا، فلاحظ.

(67) كما هو المعروف من تكليفه بالتكاليف الفرعيّة «1»، بل قد استفيض- كما قيل «2»- نقل الإجماع- في كتب الأصول و الفروع- على كونه مكلّفا بها. و ما يمكن أن يستدلّ به لذلك وجوه:

الأوّل: الإجماع الّذي استفاض نقله- كما قدّمناه- على كونهم مكلّفين

________________________________________

قمّى، سيد محمد حسينى روحانى، المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، 3 جلد، مؤسسة الجليل للتحقيقات الثقافية (دار الجلي)، تهران - ايران، اول، 1418 ه ق

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة؛ ج 1، ص: 222

______________________________

(1)- العاملي، السيد محمّد جواد: مفتاح الكرامة، ج 3/ كتاب الزكاة، ص 30؛ النجفي، الشيخ محمّد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 61، ط النجف الأشرف.

و أنكر ذلك الحنفيّة و الحنابلة، فقالوا باشتراط وجوبها بالإسلام. و أمّا الشافعيّة، فقالوا بوجوبها على المرتد خاصّة، وجوبا موقوفا على عوده إلى الإسلام، فإن عاد إليه تبيّن أنّها واجبة عليه، لبقاء ملكه، فيخرجها حينئذ. و قالت المالكيّة: «الإسلام شرط للصحّة لا للوجوب فتجب على الكافر، و إن

كانت لا تصحّ إلّا بالإسلام، و إذا أسلم فقد سقطت بالإسلام ...» (الجزيرى: الفقه على المذاهب الأربعة، ج 1: ص 591، ط الثالثة).

و قال ابن حزم: «هي- أي الزكاة- واجبة عليه- أي الكافر-، و هو معذّب على منعها، إلّا أنّها لا تجزئ عنه إلّا أن يسلم، و كذلك الصّلاة، و لا فرق، فإذا أسلم فقد تفضّل- عزّ و جلّ- بإسقاط ما سلف عنه، من كل ذلك- إلى أن قال:- و لا خلاف في كلّ هذا، إلّا في وجوب الشرائع على الكفّار، فإن طائفة، عندت عن القرآن و السنن، خالفوا في ذلك ...» (ابن حزم: المحلّى، ج 5: صص 208- 209).

(2)- الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3/ كتاب الزكاة، ص 17، ط إيران الحجريّة.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 223

..........

______________________________

بالفروع.

و فيه: أنّا لا نحتمل كونه إجماعا تعبّديا، بعد ملاحظه استدلال أكثر هم لذلك بالوجوه الآتية.

الثاني: إطلاق دليل وجوب الزكاة، و هو قوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِهٰا وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلٰاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ- الآية «1» فإنّه يشمل المسلم و الكافر، بلا إشكال.

و فيه: أنّ القرينة الداخليّة في الآية الكريمة قائمة على اختصاص الحكم- الوارد في الآية- بالمسلمين، و هي: قوله تعالى: «تطهّرهم و تزكّيهم» فإنّ هذا يكون قرينة على اختصاص وجوبها بمن يتطهّر و يتزكّى بأدائها، و لا شكّ في أنّ الكافر لا يتطهّر و لا يزكّى بذلك. و كذلك قوله: «و صلّ عليهم إنّ صلاتك سكن لهم» فإنّه- أيضا- قرينة على الاختصاص بالمسلمين، كما لا يبعد رجوع الضمير في «أموالهم» إلى المسلمين الذين سبق ذكرهم في الآيات المتقدّمة.

الثالث: خصوص قوله تعالى: ... وَ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ*

الَّذِينَ لٰا يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كٰافِرُونَ «2».

و فيه:

أوّلا: إنّه لم يتّضح لنا بعد ربط الآية- بظاهرها- بما تقدّمها من الآيات، و هي قوله تعالى: حم* تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ* كِتٰابٌ فُصِّلَتْ آيٰاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ* بَشِيراً وَ نَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لٰا يَسْمَعُونَ* وَ قٰالُوا قُلُوبُنٰا فِي أَكِنَّةٍ مِمّٰا تَدْعُونٰا إِلَيْهِ وَ فِي آذٰانِنٰا وَقْرٌ وَ مِنْ بَيْنِنٰا وَ بَيْنِكَ حِجٰابٌ فَاعْمَلْ

______________________________

(1)- التوبة، 9: 103.

(2)- فصلّت، 41: 6- 7.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 224

..........

______________________________

إِنَّنٰا عٰامِلُونَ* قُلْ إِنَّمٰا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحىٰ إِلَيَّ أَنَّمٰا إِلٰهُكُمْ إِلٰهٌ وٰاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَ اسْتَغْفِرُوهُ وَ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ* ... «1».

و ثانيا: إنّ المشركين لمّا أنكروا ما هو أهمّ من وجوب الزكاة- على فرض التسليم بوجوبها في حقّهم- حقّ لهم أنّ يتوعّدوا على ذلك، لا على إنكارهم وجوب الزكاة، فضلا من التوعّد على عدم إعطاء الزكاة، الّذي هو دون ذلك بمراتب.

و ثالثا: إنّه مع الغضّ عمّا ذكرناه، ففي الكريمة مجال للمناقشة من جهة أخرى، و هي احتمال- إن لم يكن هو الظاهر- أن يكون قوله تعالى: الَّذِينَ لٰا يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ ... بيانا للمشركين، فتدلّ على أنّ المكلّف بالزّكاة يصير مشركا بعدم إخراجها و يكون بذلك- عملا- كافرا بالآخرة، فلا دلالة للآية على أنّ المكلّف بها هو خصوص المسلم أو الأعمّ منه و من الكافر.

و على الإجمال: بناء على هذا الاحتمال تكون الآية أجنبيّة عن تعيين المكلّف بالزكاة، كما لا يخفى، و نفس هذا الاحتمال- و لو لم يقم عليه دليل- يكفي في سقوط الاستدلال بالآية بلا إشكال.

الرابع: ما عن بعض الأعلام- دام ظلّه- من الاستدلال له بقوله تعالى:

قٰالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ*

وَ لَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ «2» بدعوى: أنّ المراد بالإطعام في المقام ما هو الواجب عليهم، و ليس ذلك سوى الزكاة «3».

و فيه: أنّ هذا الكلام هو مقول قول المجرمين، كما تدلّ عليه الآيات السابقة،

______________________________

(1)- فصّلت، 41: 1- 6.

(2)- المدثر، 74: 43- 44.

(3)- الحكيم، السيّد محسن: مستمسك العروة الوثقى، ج 9: صص 47- 48، ط الثالثة.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 225

لكن لا تصحّ منه إذا أدّاها (68).

______________________________

فلا ربط له بالكافر أصلا. و أعجب من ذلك دعوى هذا القائل دلالة جملة من الآيات على ذلك، منها هذه الآية.

و قد ظهر بذلك أنّه لا دليل على وجوبها على الكفّار، وفاقا لبعض محشّي الكتاب «1» حيث قال- دام ظلّه- معلّقا على قول المصنّف رحمه اللّه بالوجوب: «و فيه إشكال، بل الأظهر عدمه ...» و قد ذكر في «المستند «2»» المسألة مرسلا إيّاها إرسال المسلّمات، ممّا يشعر بعدم وجود دليل معتبر- سوى الاتّفاق و التسالم- على الحكم، كما يخفى.

(68) كما هو المعروف و المشهور «3»، بل ادعى الإجماع عليه «4»، مستدلّين لذلك «5»: بأنّ الزكاة من الأعمال العباديّة المشروطة بالقربة، و هي غير متمشّية من الكافر، بل «6» لأجل التسالم- كما يظهر من كلماتهم- على اشتراط القربة بالإيمان، كما ربما يظهر ذلك من جملة من النصوص المستفيضة، إن لم تكن

______________________________

(1)- الخوئي، السيّد أبو القاسم الموسوي: التعليقة على عروة الوثقى، صص 178- 179، ط الخامسة.

(2)- قال قدّس سرّه: «المسألة الثانية: لا يشترط في وجوب الزكاة الإسلام، بل يجب على الكافر، كسائر الفروع ...» (النراقي، ملا احمد: مستند الشيعة، ج 2: ص 12، ط إيران الحجريّة).

(3)- النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص

63، ط النجف الأشرف.

(4)- العاملي، السيد محمد جواد: مفتاح الكرامة، ج 3/ كتاب الزكاة، ص 30.

(5)- المحقّق، جعفر بن الحسن: المعتبر، ج 2: ص 490، ط مؤسّسة سيّد الشهداء عليه السّلام، قم.

(6)- الفقيه الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3/ كتاب الزكاة: ص 17، ط إيران الحجريّة.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 226

..........

______________________________

متواترة، على حدّ تعبير الفقيه الهمداني قدّس سرّه، الدالّة على اشتراط قبول الأعمال بالولاية، كصحيح زرارة، عن أبي جعفر عليه السّلام- في حديث- قال: «ذروة الأمر و سنامه، و مفتاحه، و باب الاشياء و رضى الرحمن: الطاعة للإمام بعد معرفته، أما لو أنّ رجلا قام ليله، و صام نهاره، و تصدّق بجميع ماله، و حجّ جميع دهره، و لم يعرف ولاية وليّ اللّه فيواليه، و يكون جميع أعماله بدلالته إليه، ما كان له على اللّه حقّ في ثوابه، و لا كان من أهل الايمان»، و غيره، ممّا يلاحظها المراجع في «وسائل الشيعة «1»». فإنّ المستفاد من هذه النصوص إنّما هو عدم صحّة عبادات من لا يعترف بالولاية، و الكافر ممّن لا يعترف بذلك أيضا، فلا تصحّ عبادته.

أقول: أمّا ما ذكر، من عدم تمشّي قصد القربة من الكافر، فهو ممّا لم يثبت بإجماع تعبّدي يكون لمعقده إطلاق، كي يؤخذ به في جميع الموارد، بل عدم تمشّي قصد القربة إنّما ثبت في موارد خاصّة، و ذلك في الأعمال الّتي لا يمكن تحقّقها من الكافر، لاشتراطها بما هو غير مقدور في حقّه، كالطّهارة في الصّلاة- مثلا- فإنّ الكافر إنّما لا يتمشّى منه قصد القربة في أمثال هذه الموارد، لأجل أنّ طبيعة العمل مشروطة بالطهارة، و هو غير قادر على ذلك، بناء على

نجاسته، و لذلك لا يتمشّى منه قصد القربة جدّا، مع علمه بعدم صحّة العمل من جهة فقدان الشرط، فعدم تمشّي قصد القربة منه في أمثال هذه الموارد إنّما يكون لأجل أنّه- مع التفاته إلى وقوع العمل منه فاسدا- لا يتمشّى منه القصد الجدّي إلى ذلك، و إلّا فلا مانع من ذلك فيما لو كان الكافر معترفا بالمعبود الحقّ، كاليهود، و النصارى المعترفين بالإله الخالق للعالم، المستحقّ للعبادة و التسبيح.

و قد يكون ذلك لأجل إنكاره المعبود رأسا، كما في بعض أقسام الكفار،

______________________________

(1)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 29 من مقدّمة العبادات.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 227

..........

______________________________

كالملاحدة، فإنّهم لا يعترفون بذات المعبود أصلا، كي يتسنّى لهم قصد التقرب نحوه بالأعمال، و أمّا إذا فرضنا الكافر معترفا بالمعبود، و معترفا بخصوص الزكاة أيضا، كالنصرانيّ إذا اعترف بذلك، فلا مانع من أن يقصد به القربة، بعد العلم بأنّ الزكاة ليست من قبيل الأعمال المشروطة بالأمور المتعذرة في حقّ الكافر.

و على الإجمال: لم يثبت قيام دليل تعبّدي- كالإجماع مثلا- على عدم تمشّي قصد القربة من الكافر بما هو كافر، و إنّما ثبت ذلك- على طبق القاعدة- بالإضافة إلى بعض الأعمال، أو بالإضافة إلى بعض أقسام الكافر، كما عرفت.

و أمّا ما ذكر، من اشتراط صحّة العمل العباديّ بالإيمان، مستدلّا له بالنّصوص الدالّة على ذلك، فيمكن أن يقال في الرّد عليه: إنّ ما قضت به النصوص المذكورة، من بطلان أعمال من لا يوالي الأئمّة عليهم السّلام، مع فرض الإتيان بها على الوجه الصّحيح، من حيث الأجزاء و الشرائط- كما هو المفروض- لعلّه محمول على بعض الجهات الواقعيّة، و إلّا فلا ينبغي الإشكال في لزوم

ترتيب آثار الصحّة على أعمال المخالفين من صلاة، و صيام، و غير ذلك- بحسب الظاهر.

ثم إنّ المحقّق الفقيه الهمدانيّ قدّس سرّه استدلّ لبطلان عمل من لا يواليهم عليهم السّلام بما ملخّصه: «أنّ المستفاد من النصوص: إنّما هو اشتراط قبول الأعمال بالولاية، و أنّ من لم يوال الأئمة عليهم السّلام فيكون أعماله بدلالتهم، لم يكن له على اللّه شي ء، و لازم هذا بطلان عمله، و إلّا لكان له على اللّه شي ء، و هو خلاف صريح الأخبار «1»».

و هذا إنّما يتمّ على تقدير أن ينحصر الأثر المترتّب على العمل الصحيح بالأجر الأخرويّ، من دخول الجنّة و نحو ذلك، و إلّا فلا مانع من صحّة العمل و

______________________________

(1)- الفقيه الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3/ كتاب الزكاة، ص 17، ط إيران الحجريّة.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 228

نعم، للإمام عليه السّلام، أو نائبه، أخذها منه قهرا (69).

______________________________

عدم ترتّب ذلك الأثر، بأن يترتّب عليها الآثار الدنيويّة، من رفاهيّة في العيش، و صحّة في الأهل و الأولاد، و نحو ذلك. و هذا لا ينافي ما نطقت به النصوص المذكورة، من نفي استحقاقه الثواب منه تعالى، كما لا يخفى. و بعبارة ثانية: إنّ عدم قبول العمل واقعا مع انتفاء الولاية لا ينافي صحّته ظاهرا. و يؤيّد ذلك أنّ النّاس- كثيرا منهم- فى زمان صدور هذه الرّوايات كانوا غير موالين لهم، و مع ذلك فلم يرد منهم عليهم السّلام ما يدلّ على عدم صحّة صلاتهم و صومهم ...، و إن دلّ على عدم قبوله تعالى ذلك منهم.

و المتحصل من ذلك: أنّه- على تقدير الالتزام بوجوب الزكاة على الكافر- لا دليل على عدم صحّة الأداء منه.

(69) كما عن

«المسالك «1»» و الظاهر أنّه لا دليل على ذلك، فإنّ ولاية الإمام أو نائبه، بعنوان: «أنّ الحاكم وليّ الممتنع» إنّما تكون في الموارد الّتي يجب الأداء فيها، و يتمكّن الشخص فيها من التصدّي للعمل بنفسه، و يصحّ منه الأداء، و لكنّه يمتنع عن ذلك اختيارا. و هذا بخلاف المقام، الّذي لا يعترف الكافر فيه بالوجوب، و لا يصحّ منه لو أدّاها، فلا مجال لتطبيق الكبرى المذكورة على المقام، كما لا يخفى. كما أنّه لا مجال للقول به من باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، فإنّه يختصّ بما إذا كان المكلّف معترفا بالمنكر و المعروف، و متمكّنا من الانتهاء

______________________________

(1)- الشهيد الثاني، الشيخ زين الدين: مسالك الأفهام، ج 1: ص 38، ط إيران الحجريّة.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 229

و لو كان قد أتلفها فله أخذ عوضها منه (70).

______________________________

عن المنكر، أو العمل بالمعروف، و المفروض هو عدمه في المقام، كما لا يخفى.

هذا، و قد أفاد المحقّق الفقيه الهمداني قدّس سرّه بهذا الصدد: «أمّا بالنسبة إلى الذمّي و المعاهد، فإن كان أخذ الزكاة منهم داخلا في ما شرط عليهم فلا كلام فيه، و إلّا فإلزامهم بدفعها أو أخذها منهم بمحض ثبوتها في شرع الإسلام مشكل، لأنّه ينافي تقريرهم على ما هم عليه، لأنّ قضيّة ذلك عدم مزاحمتهم في ما يرونه ملكا لهم بسبب أو نسب أو معاملة فاسدة ... و أمّا بالنسبة إلى الحربيّ، فإنّه و إن جاز أخذ أمواله جميعها منه قهرا، و لكن إلزامه بدفع الزكاة أو أخذ شي ء منه بهذا العنوان، بحيث يترتّب عليه أثره، بأن يتعيّن صرفه إلى مصرفها المعيّن فلا يخلو من إشكال «1»».

(70) بناء على ما

تقدّم من عدم صحّة الأداء عن الكافر، يختصّ الضمان بفرض الإتلاف فقط، بلا فرق بين القول بتعلّقها بالعين بنحو الحق- كما هو الصحيح- أو بنحو الملك المشاع، أو الكلّي في المعيّن، إذ لا فرق في تحقق الضّمان بالإتلاف بين وروده على ما هو ملك الغير، و بين ما هو متعلّق حقّه، لعموم قاعدة «من أتلف مال الغير فهو له ضامن». و أمّا في فرض التلف فلا ينبغي القول بضمانه، لما تقدّم من أنّه مع عدم التمكّن من الأداء، إذا لم يكن ذلك عن تقصير منه، لا ضمان عليه.

هذا كلّه على فرض وجوب الزكاة، و عدم صحّة أداءها منه، و قد عرفت أنّه لا دليل على شي ء من الأمرين. فلاحظ.

______________________________

(1)- الفقيه الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3/ كتاب الزكاة، ص 18، ط إيران الحجريّة.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 230

[مسألة 17: لو أسلم الكافر بعد ما وجبت عليه الزكاة سقطت عنه]

[مسألة 17]: لو أسلم الكافر بعد ما وجبت عليه الزكاة سقطت عنه (71)، و إن كانت العين موجودة، فإنّ الإسلام يجبّ ما قبله.

______________________________

(71) المعروف هو سقوط الزكاة بالإسلام «1»، بل- كما قيل- لم ينقل الخلاف فيه صريحا عن أحد «2». و استدلّ له بحديث: «الإسلام يجبّ ما قبله «3»». إلّا أنّ

______________________________

(1)- العاملي، السيد محمد جواد: مفتاح الكرامة، ج 3/ كتاب الزكاة، ص 30.

(2)- الفقيه الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3/ كتاب الزكاة، ص 17، ط إيران الحجريّة.

(3)- الطريحي، فخر الدين: مجمع البحرين/ تحقيق السيد أحمد الحسيني، ج 2: ص 21/ مادّة:

جبب.

و ذيله- اي هذه الرواية-: «و التوبة تجبّ ما قبلها، من الكفر، و المعاصي، و الذنوب» (القميّ، علي بن ابراهيم: تفسير القميّ، ج 1: ص 148، منشورات مكتبة الهدى-

النجف الأشرف [في تفسير قوله تعالى: وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً- الآية (النساء، 4: 93)].

و نصّ الحديث «الإسلام يجبّ ما كان قبله» عنه: المجلسي، مولى محمّد باقر: بحار الأنوار، ج 6: ص 23، منشورات الآخوندي، طهران [و] ج 104: ص 371، نشر المكتبة الإسلاميّة، طهران. أيضا القميّ، علي بن ابراهيم: تفسير القميّ، ج 2: ص 26، منشورات مكتبة الهدى [في تفسير قوله تعالى: وَ قٰالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّٰى تَفْجُرَ لَنٰا- الآية (الإسراء، 017: 9)].

في حديث إسلام «سلمة» أخي «أمّ سلمة»: «قالت أمّ سلمة: بأبي أنت و أمّي يا رسول اللّه! أ لم تقل: «إنّ الإسلام يجبّ ما كان قبله». (عنه- اي القمي-: المجلسي، مولى محمّد باقر:

بحار الأنوار، ج 9: ص 222؛ ج 21: ص 114، منشورات الآخوندي، طهران) و في قضيّة سعيد بن العاص مع عمر بن الخطّاب، بشأن قتل العاص يوم بدر، قال عليّ عليه السّلام: «اللهمّ غفرا، ذهب الشرك بما فيه، و محا الإسلام ما تقدّم ...» و في قضية الرّجل الّذي كان طلق زوجته في الشرك مرّة، و في الإسلام تطليقتين، فاستفتى عمر بن الخطّاب، فقال له: «كما

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 231

..........

______________________________

للمناقشة فيه- سندا و متنا- كما مال إليه صاحب «المدارك» مجالا واسعا. أمّا من حيث السند، فهي نبويّة ضعيفة. و الانجبار بعمل المشهور غير ثابت عندنا كبرويّا، كما أوضحناه في بحث الأصول. و أمّا من حيث الدلالة، فالظّاهر اختصاص الخبر بما إذا كان الثابت من قبيل التبعات لما تقدّم، مع فرض كون

______________________________

أنت حتّى يجي ء عليّ بن أبي طالب ... فقال عليّ عليه السّلام: هدم الإسلام ما كان قبله، هي عندك على واحدة» (القاضي

نعمان المغربي: شرح الأخبار، ج 2: صص 317- 318، ط جامعة المدرسين، قم؛ [عنه:] ابن شهراشوب: مناقب آل أبي طالب، ج 2: ص 364، ط المطبعة العلمية، قم؛ [عنه:] المجلسي، مولى محمّد باقر: بحار الأنوار، ج 40: ص 230، ط الآخوندي، طهران).

و أمّا من طريق العامّة، فهي مرويّة عنه صلّى اللّه عليه و آله- أيضا- بألفاظ و مضامين مختلفة:

الف) «الإسلام يجبّ ما قبله» (ابن حجر: الإصابة/ تحقيق: علي محمّد البجاويّ، ج 6:

ص 527) في قصّة إسلام هبّار بن الأسود (الحلبي الشافعي، على بن برهان الدين: السيرة الحلبيّة، ج 3/ في قضيّة شفاعة عثمان لأخيه من الرضاعة عبد الله بن أبي سرح، ص 105، ط المكتبة التجارية الكبرى، مصر؛ المناوي، عبد الرءوف: كنوز الحقائق [بهامش الجامع الصغير]، ج 1: ص 95، ط البابي الحلبي و أولاده، مصر [و زاد فيه: «و الهجرة تجبّ ما قبلها»]).

ب) «الإسلام يجبّ ما كان قبله» (السيوطي، عبد الرحمن بن ابي بكر: الجامع الصغير/ فصل في المحلّى بالألف من هذا الحرف، ج 1: ص 123، ط البابي الحلبي و أولاده، مصر؛ الحلبي الشافعي، عليّ بن برهان الدين: السيرة الحلبيّة، ج 3: ص 106، ط المكتبة التجارية الكبرى، مصر [في قضيّة إسلام هبّار بن الأسود]؛ الديار بكريّ: تاريخ الخميس، ج 2: ص 93، ط الأولى [قصّة إسلام هبّار]؛ المتقي الهندي: كنز العمال، ج 1:

ص 57/ ح 243).

ج) «إنّ الاسلام يجبّ ما كان قبله، و الهجرة تجبّ ما كان قبلها» (المتقي الهندي: كنز العمّال، ج 1: ص 65/ ح 297؛ الحلبي الشافعي، على بن برهان الدين: السيرة الحلبيّة، ج 3:

ص 71، ط المكتبة التجاريّة الكبرى، مصر).

د) «أ ما علمت أنّ الإسلام يهدم ما كان

قبله، و أنّ الهجرة تهدم ما كان قبلها، و أنّ الحجّ يهدم ما كان قبله» (المتقي الهندي: كنز العمّال، ج 1: ص 58/ ح 247).

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 232

..........

______________________________

الثبوت من ناحية الإسلام، كاستحقاق العقوبة- مثلا- و نحو ذلك، لا ما كان ثابتا من غير جهة الإسلام، و كان أمرا مشتركا بين كافّة الأديان، كردّ الأمانات، و أداء الديون و الغرامات، و نحو ذلك، و حينئذ فلا يشمل مثل الزكاة، و الخمس، و نحوهما، بناء على ثبوتهما في حقّ الكافر، فانّ معني ذلك عدم دخل الإسلام في ثبوتهما. هذا و لا أقلّ من الاحتمال المورث للإجمال.

ثمّ إنّ هنا إشكالا تعرّض له الفقيه المحقّق الهمداني «1» قدّس سرّه، تبعا لصاحب «المدارك «2»» قدّس سرّه، و حاصله: أنّ لازم القول بسقوط الزكاة بالإسلام، هو عدم وجوب الزكاة في حقّ الكافر، فإنّه إذا كان في زمان كفره غير متمكّن من الأداء، و المفروض هو سقوطها بالإسلام، فلا يكلّف بالأداء بعد الإسلام، و حينئذ فلا مجال لوجوب الزكاة عليه، لعدم الفائدة في هذا التكليف.

و فيه: أنّ المقتضي لوجوب الزكاة على الكافر- بناء على القول به- متحقّق، و إن كان توجيه الخطاب بإخراج الزكاة، بعد مضيّ الحول أو صدق الاسم، غير معقول، لاستحالة الخطاب مع الامتناع و لو بالاختيار، إلّا أنّ العقاب على مثل ذلك، فيما يكون الامتناع راجعا إلى الاختيار، لتمكّنه من الإسلام قبل تمام الحول مقدّمة لصحّة الأداء منه، أمر معقول.

و على الجملة: حال المقام حال الملقي نفسه من شاهق، فإنّه غير مكلّف بحفظ النفس في أثناء الطريق، لعدم قدرته على ذلك، إلّا أنّه لا مانع من عقابه على ذلك، نظرا إلى انتهاء

الامتناع المذكور إلى اختياره، كما هو ظاهر. ثمّ إنّ سقوط الزكاة بالإسلام مع تلف المال الزكويّ، بناء على تماميّة حديث الجب ظاهر. و أمّا مع بقائه فكذلك لأنّ تعلّق الزكاة بالمال إن كان بنحو الحقّ فهو قابل للسقوط، و

______________________________

(1)- الفقيه الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3/ كتاب الزكاة، ص 17، ط إيران الحجريّة.

(2)- العاملي، السيد محمّد: مدارك الأحكام، ج 5: ص 42، ط مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام، قم.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 233

[مسألة 18: إذا اشترى المسلم من الكافر تمام النصاب بعد تعلّق الزكاة]

[مسألة 18]: إذا اشترى المسلم من الكافر تمام النصاب بعد تعلّق الزكاة، وجب عليه إخراجها (72).

______________________________

إن كان بنحو الملك المشاع او الكلي فى المعيّن و نحو ذلك، فلأنّ الشارع هو ولي الفقراء، فله إسقاط ما ملكوه.

و المتحصّل من ذلك كلّه: أنّه لا دليل يعتدّ به على ما ذكره المصنّف قدّس سرّه هنا من الأحكام، و هي وجوب الزكاة على الكافر، و عدم صحّة الأداء منه، و وجوب أخذها منه قهرا، و سقوطها بالإسلام، كما يظهر ذلك من «المستند «1»».

هذا و قد توقّف في الحكم الأخير، مع فرض بقاء العين، بعضى محشّي «2» الكتاب، أيضا.

(72) بناء على وجوب الزكاة على الكافر- و هو في محلّ المنع كما مرّ- لا ينبغي الإشكال فيما أفاده قدّس سرّه، بناء على ما هو الصحيح، من تعلّق الزكاة بالعين، إمّا بنحو حقّ الجناية- كما هو المختار- أو بنحو الملك المشاع، أو الكلّي في المعيّن، كما هو ظاهر. و يقتضيه معتبرة عبد الرحمن قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: رجل لم يزكّ إبله أو شاته عامين فباعها، على من اشتراها إن يزكّيها لما مضى؟ «قال:

نعم، تؤخذ منه زكاتها، و يتبع

بها البائع- الخبر «3»».

______________________________

(1)- النراقي، مولى أحمد بن مهدي: مستند الشيعة، ج 2: ص 12، ط إيران الحجريّة.

(2)- استشكل ذلك جملة من المحشّين، منهم السيّد العلامة البروجردي- طاب ثراه- بل استظهر المحقّق الخوئي رحمه اللّه عدم السقوط، و لا أقل من كونه هو الأحوط.

(3)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 12: زكاة الأنعام، ح 1.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 235

[فصل في الأجناس الّتي تتعلق بها الزّكاة]

اشارة

[فصل] في الأجناس الّتي تتعلق بها الزّكاة تجب في تسعة أشياء (73): الأنعام الثلاثة، و هي: الإبل، و البقر، و الغنم، و النقدين- و هما: الذّهب و الفضّة- و الغلّات الأربع- و هي: الحنطة، و الشعير و التمر، و الزبيب- و لا تجب فيما عدا ذلك، على الأصحّ.

______________________________

(73) وجوبها في التسعة المذكورة ممّا لا شبهة فيه، بل ممّا لا خلاف فيه نصّا و فتوى «1»، بل عن «التذكرة» و «المنتهى»: إجماع المسلمين كافّة أو اتّفاق علماء الإسلام على وجوبها في التسعة «2»، بل قيل: هو من ضروريّات الفقه، إن لم يكن من ضروريّات الدين «3». و خالف ابن الجنيد- كما حكي عنه «4»- في ذلك،

______________________________

(1)- الفقيه الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3/ كتاب الزكاة، ص 18، ط إيران الحجريّة.

(2)- العلّامة الحلّي، الحسن بن يوسف: تذكرة الفقهاء، ج 1: ص 205، ط إيران الحجريّة؛ منتهى المطلب، ج 1: ص 473، ط إيران الحجريّة.

(3)- النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 65، ط النجف الأشرف.

(4)- العلّامة الحلّي، الحسن بن يوسف: مختلف الشيعة، ج 3: ص 195، ط جامعة المدرسين، قم

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 236

..........

______________________________

فذهب إلى وجوبها فيما عدا ذلك أيضا، فقال-

فيما حكي عنه-: «تؤخذ الزكاة في أرض العشر «1» من كلّ ما دخل القفيز «2»، من حنطة، و شعير، و سمسم، و ارز، و دخن «3»، و ذرّة، و عدس، و سلت «4»، و سائر الحبوبات ...»، و فاقا للمحكيّ عن الشافعيّ «5»، و أبي حنيفة «6»، مالك «7»، و أبي يوسف «8».

______________________________

؛ النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 69، طبعة النجف الأشرف؛ الفقيه الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3/ كتاب الزكاة، ص 18، ط إيران الحجريّة.

(1)- أرض العشر: الأرض الّتي تسقى سيحا، أو بعلا، أو عذيا، حيث يجب إخراج العشر من غلّاتها زكاة، و تطلق في مقابل «أرض الخراج»، و هي ما يؤخذ منها من نقد، أو حصّة من نمائها، بالنّصف، أو الثلث، أو الرّبع، و تسمّى الأخير بالمقاسمة.

و المراد بالسيح الجريان على وجه الأرض، سواء كان قبل الزّرع كالنيل، أو بعده. و البعل- بالعين المهملة- ما يشرب بعروقه في الأرض الّتي تقرب من الماء. و بالعذي ما سقته السّماء (النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 237، ط النجف الأشرف).

(2)- القفيز: مكيال كان يكال به قديما، و يختلف مقداره فى البلاد. و في «المعجم الوسيط» أنّه يعادل بالتقدير الحديث نحو ستّة عشر كيلوغراما.

(3)- الدخن: نبات عشبيّ، حبّه صغير أملس كحبّ السّمسم، ينبت برّيا و مزروعا (المعجم الوسيط).

(4)- السلت: ضرب من الشعير ليس له قشر، يشبه الحنطة، يكون بالغور و الحجاز (المعجم الوسيط).

(5)- الشافعيّ: الأمّ/ تصحيح: محمد زهري النجّار، ج 2: ص 34؛ الجزيري: الفقه على المذاهب الأربعة، ج 1: ص 617، ط الثالثة. و لا لاحظ أيضا- الطوسي، الشيخ محمد بن الحسن: الخلاف، ج 2: ص 62

[متنا و هامشا]، مؤسّسة النشر الاسلامي، قم.

(6)- ابن حزم: المحلّى، ج 5: ص 211؛ الجزيري: الفقه على المذاهب الأربعة، ج 2: ص 616، ط الثالثة. و لاحظ أيضا- الطوسي، الشيخ محمد بن الحسن: الخلاف، ج 2: ص 62 [متنا و هامشا]، مؤسّسة النشر الإسلامي، قم.

(7)- مالك بن أنس: صحيح الموطّأ/ بشرح الزرقاني، ج 2: ص 131، مطبعة الاستقامة؛ أبو عبيد، القاسم بن سلّام: الأموال، ص 638، مكتبة الكليات الأزهريّة؛ ابن حزم: المحلّى، ج 5: ص 210.

(8)- ابن حزم: المحلّى، ج 5: ص 211.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 237

..........

______________________________

و يدلّ على انحصار وجوبها فى التسعة المذكورة أخبار متظافرة، كصحيح عبد اللّه بن سنان، قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: «لما نزلت آية الزكاة: خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِهٰا وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلٰاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ- الآية «1» في شهر رمضان، فأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مناديه، فنادى في الناس: إنّ اللّه تبارك و تعالى قد فرض عليكم الزكاة كما فرض عليكم الصّلاة، ففرض اللّه عليكم من الذّهب، و الفضّة، و الإبل، و البقر، و الغنم، و من الحنطة، و الشعير، و التمر، و الزبيب، و نادى فيهم بذلك في شهر رمضان، و عفى لهم عما سوى ذلك- الحديث «2»»، و صحيح الفضلاء، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه عليهما السّلام قالا: «فرض اللّه عزّ و جلّ الزكاة مع الصلاة في الأموال، و سنّها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في تسعة أشياء، و عفى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عمّا سواهن، في الذّهب، و

الفضّة، و الإبل، و البقر، و الغنم، و الحنطة، و الشعير، و التمر، و الزبيب، و عفى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عمّا سوى ذلك «3»»، و موثّق زرارة عن أحدهما عليه السّلام، قال: «الزّكاة على تسعة أشياء:

على الذّهب، و الفضّة، و الحنطة، و الشعير، و التمر، و الإبل، و البقر، و الغنم، و عفى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عمّا سوى ذلك «4»»، و روايته الأخرى، قال: سألت أبا جعفر عليه السّلام عن صدقات الأموال، فقال: «في تسعة أشياء ليس في غيرها شي ء في الذّهب، و الفضّة، و الحنطة، و الشعير، و التمر، و الزبيب، و الإبل، و البقر، و الغنم السائمة- الخبر «5»»، و غير ذلك من النصوص الكثيرة الّتي يلاحظها المراجع في

______________________________

(1)- التوبة، 9: 103.

(2)- الحرّ العاملي، محمد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 8: أبواب ما تجب فيه الزكاة و ما تستحب فيه، ح 1.

(3)- المصدر، ح 4.

(4)- المصدر، ح 8.

(5)- المصدر، ح 9.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 238

..........

______________________________

«وسائل الشيعة «1»».

و كثرة النصوص المذكورة و تظافرها ممّا يغنيان عن ملاحظة سند كلّ منها بالخصوص. على أنّ فيها الصحيح، و الموثّق، كما لا يخفى على من لا حظها.

ثم إنّه بإزائها روايات أخر كثيرة أيضا، ظاهرة في وجوب الزكاة، في غير التسعة، كخبر أبي مريم، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: سألته عن الحرث، ما يزكّى منه؟، فقال: «البرّ، و الشعير، و الذرّة و الأرز، و السلت، و العدس كلّ هذا ممّا يزكّى. و قال: كل ما كيل بالصّاع فبلغ الأوساق فعليه الزكاة «2»»، و مصحّح محمّد بن مسلم،

قال: سألته عن الحبوب، ما يزكّى منها؟ قال عليه السّلام: «البرّ، و الشعير، و الذرّة و الدخن، و الأرز، و السّلت، و العدس، و السّمسم، كلّ هذا يزكّى و أشباهه «3»»، و خبر المقنعة، عن زرارة، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «ما كيل بالصّاع فبلغ الأوساق، فعليه الزكاة «4»»، و مثله صحيح زرارة: «كلّ ما كيل بالصّاع فبلغ الأوساق فعليه الزكاة». و قال: «جعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الصدقة في كلّ شي ء أنبتت الأرض، إلّا ما كان في الخضر، و البقول، و كلّ شي ء يفسد من يومه «5»»، و موثّق أبي بصير، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: هل في الأرز شي ء؟ فقال: «نعم، ثمّ قال: إنّ المدينة لم تكن- يومئذ- أرض أرز، فيقال فيه، و لكنه قد جعل فيه، و كيف لا يكون فيه، و عامّة خراج العراق منه «6»!»، و خبر محمّد بن اسماعيل،

______________________________

(1)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 8 من أبواب وجوب الزكاة.

(2)- المصدر/ باب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة و ما تستحب فيه، ح 3.

(3)- المصدر، ح 4.

(4)- المصدر، ح 5.

(5)- المصدر، ح 6.

(6)- المصدر، ح 11.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 239

..........

______________________________

قال: قلت أبي الحسن عليه السّلام: إنّ لنا رطبة و ارزا، فما الّذي علينا فيها؟ فقال: «أمّا الرطبة فليس عليك فيها شي ء، و أمّا الأرز فما سقت السماء العشر، و ما سقي بالدّلو فنصف العشر، من كلّ ما كلت بالصّاع- أو قال:- و كيل بالمكيال «1»»، و خبر زرارة، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: في الذرّة شي ء، فقال لي: «الذرّة، و

العدس، و السّلت، و الحبوب، فيها مثل ما في الحنطة و الشعير، و كلّ ما كيل بالصّاع فبلغ الأوساق الّتي تجب فيها الزكاة، فعليه فيه الزكاة «2»».

و ممّا يشهد بصدق كلتا الطائفتين، و صدورهما معا عن المعصوم عليه السّلام:

صحيح عليّ بن مهزيار، قال: قرأت في كتاب عبد اللّه بن محمّد، إلى أبي الحسن عليه السّلام: جعلت فداك! روي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّه قال: «وضع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الزكاة على تسعة أشياء: الحنطة، و الشعير، و التمر، و الزبيب، و الذهب، و الفضّة، و الغنم، و البقر، و الإبل، و عفى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عمّا سوى ذلك. فقال له القائل: عندنا شي ء كثير يكون أضعاف ذلك، فقال: و ما هو؟ فقال له: الأرز، فقال له أبو عبد اللّه عليه السّلام: أقول لك: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم وضع الزكاة على تسعة أشياء، و عفى عمّا سوى ذلك، و تقول: عندنا أرز، و عندنا ذرّة، و قد كانت الذرّة على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فوقّع عليه السّلام: كذلك هو، و الزّكاة على كلّ ما كيل بالصّاع «3»».

قال: و كتب عبد اللّه- و روى غير هذا الرّجل عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: أنّه سأله عن الحبوب- فقال: «و ما هي؟ فقال: السّمسم، و الأرز، و الدّخن، و كلّ

______________________________

(1)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 9: ما تجب فيه الزكاة و ما تستحب فيه، ح 2.

(2)- المصدر، ح 10.

(3)- المصدر/ باب 8: ما تجب فيه الزكاة و ما تستحب

فيه، ح 6.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 240

..........

______________________________

هذا غلّة كالحنطة، و الشعير فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام: في الحبوب كلّها زكاة. و روي- أيضا- عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّه قال: كلّ ما دخل القفيز فهو يجري مجرى الحنطة، و الشعير، و التمر، و الزّبيب. قال: فأخبرني- جعلت فداك- هل على هذا الأرز و ما أشبهه من الحبوب- الحمّص، و العدس- زكاة، فوقّع عليه السّلام: صدقوا، الزّكاة في كل شي ء كيل «1»».

الجمع بين الطائفتين: فقد يقال- كما حكاه الكليني قدّس سرّه في «الكافي «2»» عن يونس بن عبد الرحمن- من قدماء أصحابنا- بحمل الطائفة الأولى، الحاصرة لوجوب الزكاة في التسعة، على الصّدر الأوّل من الإسلام، و حمل الثانية على ما بعد ذلك.

و لكن هذا الجمع على خلاف صريح جملة من الأخبار الحاصرة، فإنّ بعضها كالنصّ بالإضافة إلى ما عدا الصدر الأوّل كما يظهر ذلك لمن لا حظها «3».

______________________________

(1)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 9: ما تجب فيه الزكاة و ما تستحب فيه، ح 1.

(2)- الكليني، محمد بن يعقوب، الفروع من الكافي، ج 3: ص 509، ط دار الكتب الاسلاميّة، طهران.

و نصّ كلامه رحمه اللّه: «قال يونس: معنى قوله: إنّ الزكاة في تسعة أشياء، و عفى عمّا سوى ذلك، إنّما كان ذلك في أوّل النبوّة، كما كانت الصّلاة ركعتين، ثم زاد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فيها سبع ركعات. و كذلك الزكاة وضعها و سنّها في أوّل نبوّته على تسعة أشياء، ثم وضعها على جميع الحبوب».

(3)- كرواية محمد بن جعفر الطيّار، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام و فيه: فقلت: «أصلحك اللّه، فانّ عندنا

حبّا كثيرا، قال: و ما هو؟ قلت: الأرز، قال: نعم ما أكثره! فقلت: أ فيه الزكاة؟

فزبرني، قال: ثمّ قال: أقول لك: إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عفى عمّا سوى ذلك، و تقول: إنّ عندنا حبّا كثيرا، أ فيه الزكاة؟»، و نحوه: خبر جميل بن درّاج. (- وسائل الشيعة/ باب 8: ما تجب فيه الزكاة، ح 12، 13). قلت: و ينافيه- أيضا-: كثير من الروايات الدّالة على أن

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 241

..........

______________________________

و نسب إلى المشهور الجمع بينهما، بحمل هذه الأخبار- بالنسبة إلى ما عدى الأجناس الأربعة- على الاستحباب «1»؛ و عن السيّد المرتضى «2» قدّس سرّه: حمل الطائفة الثانية، الظاهرة في الوجوب، على التقيّة، و اختاره صاحب «الحدائق «3»» قدّس سرّه أيضا.

و التحقيق أن يقال: أنّا إذا أغمضنا النظر عن صحيح عليّ بن مهزيار المتقدّم، نظرا إلى اضطراب متنه، و ذلك من جهة اشتماله على بعض القرائن الدالّة على أنّ مكاتبة عبد اللّه بن محمّد إلى أبي الحسن عليه السّلام كانت متعدّدة، من جهة ورود كلمة التوقيع في مقام الجواب مرّتين:

أحدهما: في الأثناء، حيث قال: فوقع عليه السّلام «كذلك هو، و الزكاة على كلّ ما كيل بالصّاع».

و الآخر: ما جاء في خاتمة الحديث، من قوله: فوقع عليه السّلام «صدقوا، الزكاة في كلّ شي ء كيل»، و لم يعهد في المكاتبة الواحدة التوقيع في الأثناء، مضافا إلى التوقيع في آخر المكتوب، كما لا يخفى.

و من جهة أخرى: هناك بعض القرائن الّتي تؤيّد كون المكاتبة واحدة،

______________________________

رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عفى عمّا سوى التسعة، إذ كيف يجتمع ذلك مع ما قاله يونس بن عبد الرحمن في مقام الجمع

(- الطوسي، الشيخ محمد حسن: الاستبصار، ج 2: ص 4، ط النجف الأشرف).

(1)- الفقيه الهمداني، آغا رضا، مصباح الفقيه، ج 3/ كتاب الزكاة، ص 19، ط إيران الحجريّة؛ العاملي، السيد محمد جواد: مفتاح الكرامة، ج 3/ كتاب الزكاة، ص 127؛ البحراني، الشيخ يوسف: الحدائق الناضرة، ج 12: ص 108، ط النجف الأشرف؛ النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 68، ط النجف الأشرف.

(2)- علم الهدى، المرتضى: الانتصار، ص 78، ط النجف الأشرف.

(3)- البحراني، الشيخ يوسف: الحدائق الناضرة، ج 12: ص 108، ط النجف الأشرف.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 242

..........

______________________________

كقوله: «و روى غير هذا الرجل ...» فإنّ هذا ممّا يشهد بأنّ الرواية كانت مذكورة في المكاتبة عقيب الرواية الأولى عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، و لذلك نبّه على أنّ راويه هو غير الرّاوي الأوّل، و إلّا فالابتداء بهذه الجملة في المكاتبة ممّا لا يعرف له وجه صحيح، كما لا يخفى.

و كيف كان، فعلى تقدير وحدة المكاتبة، قد يكون هناك تكرار في بعض ما ورد فيها، و لأجل ذلك يحصل الاضطراب في متن الرواية، و على هذا، فلو أغمضنا النظر عن الرواية، كان مقتضى القاعدة في المقام هو حمل الطائفة الثانية على التقيّة، لا من جهة الأخبار العلاجيّة في مورد التعارض، بعد تعذّر الجمع العرفي بين المتعارضين، لاختصاص ذلك بالخبرين الظنيّين سندا، لا في مثل المقام الّذي يقطع فيه بصدور كلتا الطائفتين، فإنّه- بعد ما عرفت من كثرة الأخبار من الطرفين- لا مجال لاحتمال عدم صدور أحدهما كما يشهد بذلك- أيضا- صحيح على بن مهزيار المتقدّم، بل من جهة أنّه بعد القطع بصدور الطائفتين من المعصوم عليه السّلام، و

كون الدلالة في كلّ منهما قطعيّة، لا مناص من حمل الثانية على التقيّة، بمعنى التصرّف في جهة صدورها.

و بكلمة أخرى: إنّه لا شكّ في حصول القطع- و لا أقلّ من الاطمينان- بصدور كلتا الطائفتين، كما أنّ الدلالة في كلتيهما قطعيّة، أو مطمئن بها، و حينئذ فالقطع بمدلول الطائفة الأولى يستلزم القطع بخلل في الطائفة الثانية، و حيث إنّه لا مجال لفرض الخلل في السّند، أو الدلالة، فلا محالة يتعيّن فرضه- بحكم العقل- في جهة الصدور، و أنّ مفادها ليس بمراد جدّا للمعصوم عليه السّلام. و المتحصّل من ذلك: أنّه لا بدّ من الجمع، بالحمل على التقيّة مع قطع النظر عن صحيح ابن مهزيار، و لا مجال لحملها على الاستحباب.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 243

..........

______________________________

هذا كلّه مع الغضّ عن صحيح عليّ بن مهزيار، و أمّا بملاحظة الصحيح المذكور، فيقرب الحمل على الاستحباب، نظرا إلى أنّ قوله عليه السّلام في التوقيع:

«صدقوا، الزكاة في كلّ شي ء كيل» لا يدلّ إلّا على أصل رجحان الزكاة و مشروعيّته، و لا يمكن حمله على الوجوب، فإنّ ذلك ينافي تصديقه عليه السّلام بصدور الأخبار النافية للزكاة عن غير التسعة. و دعوى أنّ التوقيع المذكور ظاهر في الوجوب، فيحمل على التقيّة، مدفوعة بأنّ احتمال كون المقام مقام التقيّة، مدفوع بتصديق المعصوم عليه السّلام بصدور الأخبار النافية، فلو كان المقام ممّا يقتضي التقيّة لما صدر ذلك منه عليه السّلام، كما أنّ احتمال أن يكون عليه السّلام قد بيّن الحكم في مورد التقيّة، بمعنى أنّه أرشد السائل إلى ما يعمله في مورد التقية، مدفوع؛ بأنّه- على هذا- لا بدّ من الإلزام بذلك، بأن يلزمه بالعمل بالحكم المذكور في مورد التقيّة.

و

عليه، فالرواية تكون دالّة على أصل رجحان الزكاة و مشروعيّتها في كلّ شي ء كيل، و حينئذ تكون شاهدة على حمل الطائفة الثانية، الظاهرة في الوجوب، على الاستحباب، جمعا بينهما. و بذلك يوجّه ما عن المشهور، من الحمل على الاستحباب، كما يخفى.

ثمّ إنّ الفقيه الهمداني قدّس سرّه أورد على المذهب المشهور، الحاملين للطائفة الثانية على الاستحباب، بما حاصله: إنّ الجمع بين الخبرين المتعارضين، بحمل أحدهما على الاستحباب، و إن كان في حدّ ذاته أقرب من الحمل على التقيّة الّذي هو في حكم الطرح، إلّا أنّ هذا في غير المقام، و ذلك لأنّه بملاحظة سيرة سلاطين الجور على أخذ الزّكاة من غير التسعة، و ثبوت ذلك في مذهب العامّة، يحصل الاطمينان بعدم كون صدور الطائفة الثانية لبيان المراد الجدّي. و بتعبير أوضح: يحصل الاطمينان بأنّ المراد الاستعمالي في الطائفة الثانية ليس موافقا

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 244

..........

______________________________

للمراد الجدّي، و إنّما كان صدورها من جهة التقيّة فلا يبقى لها ظهور في كونها واردة لبيان الحكم الواقعيّ، و مع هذا الاطمينان لا بدّ من الحمل على التقيّة، و لا يبقى مجال للجمع بالحمل على الاستحباب، لاختصاص ذلك بما يتساوى فيه احتمال الصدور تقيّة مع احتمال غير ذلك، لا ما يطمئن فيه بصدوره كذلك.

و قد أجاب قدّس سرّه عن ذلك: بأنّه لا يعدو أن يكون من المغالطة، و ذلك لأنّ هذا الاطمينان لا يوجب تغييرا في المراد الاستعمالي أصلا، بل غايته الاطمينان بعدم كونه موافقا للمراد الجدي، و قد ثبت فى الأصول أنّ بناء العقلاء جار على موافقة المراد الاستعماليّ للمراد الجدّي- و هذا هو معنى الحجيّة- مطلقا، سواء أحصل الظنّ بها أم لم

يحصل، بل و إن حصل الظن بعدم ذلك، فإنّ هذا لا يوجب عدم البناء على الحجيّة، كما لا يخفى «1». و ما أفاده قدّس سرّه هو الصحيح.

نعم، ما أفاده «2» قدّس سرّه أخيرا من التفصيل و الجمع بين الروايات الحاصرة في التسعة و بين التوقيع، بالحمل على الاستحباب، ممّا لا يمكننا مساعدته في ذلك، كما لا يخفى على من لاحظ كلامه، فإنّه بما ذكرناه من طريق الجمع لا مجال لما أفاده قدّس سرّه أصلا، و لا ندري إنّه كيف جعل صحيح ابن مهزيار شاهد جمع كي يتوجّه عليه الإشكال، و اللّه العالم.

______________________________

(1)- الفقيه الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3/ كتاب الزكاة، ص 19، ط إيران الحجريّة.

(2)- المصدر.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 245

نعم، يستحبّ إخراجها من أربعة أنواع أخر:

أحدها: الحبوب، ممّا يكال أو يوزن (74)، كالأرز، و الحمّص، و الماش، و العدس و نحوها. و كذا الثمار (75)، كالتفّاح، و المشمش و نحوهما، دون الخضر و البقول، كالقتّ «1»، و الباذنجان، و الخيار، و البطّيخ، و نحوها.

______________________________

(74) كما هو المشهور، و قد عرفته آنفا.

(75) أفتى الشيخ الأكبر رحمه اللّه بعدم استحباب الزكاة فيها، ملحقا إيّاها بالخضراوات «2». و قال في «الجواهر»: «لكن لم أجد من أفتى به صريحا عدا الأستاذ في موضع من كشفه. نعم، في «الدروس» و «الروضة»: نسبته إلى الرواية «3»». و ممّا دلّ على نفي الزّكاة في الثمار صريحا، صحيح زرارة عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه عليهما السّلام، أنّهما قالا: «عفى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن الخضر. قلت:

و ما الخضر؟ قالا: كلّ شي ء لا يكون له بقاء، البقل، و البطّيخ،

و الفواكه، و شبه ذلك- الحديث «4»».

______________________________

(1)- القتّ جنس نباتات عشبيّة كلئيّة، فيه أنواع تزرع، و أخرى تنبت بريّة في المروج و الحقول.

(2)- الشيخ جعفر: كشف الغطاء، ص 353، ط إيران الحجريّة.

(3)- النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 71، ط النجف الأشرف.

(4)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 11: ما تجب فيه الزكاة و ...، ح 9.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 246

..........

______________________________

و يستفاد من هذه الصّحيحة: أنّ الفواكه داخلة في الخضر، مضافا إلى ما قيل من أنّها كذلك لغة و عرفا. و عليه فيدلّ على نفي الزكاة في الفواكه كلّ ما دلّ على نفي الزكاة عن الخضر و البقول، كصحيح زرارة المتقدّم «1»، و موثق سماعة، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «ليس على البقول، و لا على البطّيخ و أشباهه زكاة- الحديث «2»» و خبر أبي بصير، عن ابي عبد اللّه عليه السّلام، قال: «ليس على الخضر، و لا على البطّيخ، و لا على البقول و أشباهه زكاة- الحديث «3»»، و نحوها صحيح محمّد بن مسلم عن ابى جعفر عليه السّلام «4»، و صحيح زرارة عن ابي عبد اللّه عليه السّلام «5» و حينئذ فتكاد الروايات تكون متّفقة على نفي الزكاة في الفواكه، فكيف يمكن القول باستحباب الزكاة فيها!

فإن قلت: إنّ مقتضى إطلاق جملة من الروايات هو ثبوت الزكاة في الفواكه، و هي النصوص الدالّة على ثبوت الزكاة في كلّ ما كيل بالصّاع، او كلّ ما دخل في القفيز، كصحيح ابن مهزيار المتقدّم، و خبر محمّد بن اسماعيل «6»، و صحيح زرارة «7»، و خبر أبي مريم «8»، و حينئذ فمقتضى الجمع بينها

و بين النصوص النافية هو الحمل على الاستحباب.

______________________________

(1)-- ص 237.

(2)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 11: ما تجب فيه الزكاة و ما تستحب فيه، ح 7.

(3)- المصدر، ح 10.

(4)- المصدر، ح 1.

(5)- المصدر، ح 4.

(6)- المصدر/ باب 9: ما تجب فيه الزكاة و ما تستحب فيه، ح 2.

(7)- المصدر، ح 10.

(8)- المصدر، ح 3.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 247

الثاني: مال التجارة على الأصحّ (76).

______________________________

قلت: لو سلّم بكون الفواكه مشمولة للعناوين المذكورة، و هي عنوان «ما كيل بالصّاع» و «ما دخل في القفيز» و نحو ذلك، لم يوجب ذلك الحمل، و ذلك، لأنّة استثني منه- في صحيح زرارة المتقدّم «1» الخضر و البقول، و قد عرفت أنّ الفواكه داخلة في الخضر، و عليه فلا يكون هناك مقتض لوجوب الزكاة فيها، حتى يجمع بينها و بين ما دلّ علي نفي الزّكاة بالاستحباب. و عليه، فلا دليل على استحباب الزكاة في الفواكه و الثّمار.

و منه يظهر الوجه في عدم استحباب الزكاة في الخضر و البقول، كما ذكره المصنّف رحمه اللّه.

(76) ألا شهر، بل المشهور، نقلا و تحصيلا- كما عن «الجواهر «2»»- بل عن ظاهري «الانتصار «3»» و «الغنية «4»»: نسبته إلى دين الاماميّة، هو الاستحباب.

و نسب القول بالوجوب إلى جماعة «5». و عن الحسن بن عيسى: نسبته إلى طائفة من الشيعة «6»، و في «المدارك «7»»: «و حكى المصنّف عن بعض علمائنا قولا

______________________________

(1)-- ص 237.

(2)- النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 73، ط النجف الأشرف (- العاملي، السيد محمد جواد: مفتاح الكرامة، ج 3/ كتاب الزكاة: ص 113).

(3)- علم الهدى، المرتضى: الانتصار، ص 78، ط النجف

الأشرف.

(4)- ابن زهرة، حمزة بن عليّ: الغنية، ص 569، ط إيران الحجريّة (ضمن «الجوامع الفقهيّة»).

(5)- العاملي، السيد محمد جواد: مفتاح الكرامة، ج 3/ كتاب الزكاة: ص 113.

(6)- المصدر.

(7)- العاملي، السيّد محمّد: مدارك الأحكام، ج 5: ص 49، ط مؤسّسة آل البيت عليه السّلام، قم.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 248

..........

______________________________

بالوجوب، و هو الظّاهر من كلام ابن بابويه في «من لا يحضره الفقيه «1»»

و يدلّ على الوجوب- في الجملة- أخبار كثيرة جدّا، جاوزت حدّ الكثرة المتعارفة، كصحيح إسماعيل بن عبد الخالق، قال: سأله سعيد الأعرج- و أنا أسمع- فقال: إنّا نكبس الزيت و السّمن، نطلب به التجارة، فربّما مكث عندنا السنة و السنتين، هل عليه زكاة؟ فقال: «إن كنت تربح فيه شيئا، أو تجد رأس مالك، فعليك زكاته، و إن كنت إنّما تربّص به لأنّك لا تجد إلّا وضيعة، فليس عليك زكاة، حتى يصير ذهبا أو فضّة، فإذا صار ذهبا أو فضّة، فزكّه للسنة الّتي اتّجرت فيها «2»»، و مصحّح محمد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل اشترى متاعا فكسد عليه متاعه، و قد زكّى ماله قبل أن يشتري المتاع، متى يزكّيه؟ فقال: «إن كان أمسك متاعه يبتغى به رأس ماله فليس عليه زكاة، و إن كان حبسه بعد ما يجد رأس ماله، فعليه زكاة، بعد ما أمسكه بعد رأس ماله. قال:

و سألته عن الرجل توضع عنده الأموال، يعمل بها، فقال: إذا حال عليه الحول فليزكّها «3»»، و خبر أبي الرّبيع الشامى، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في رجل اشترى متاعا فكسد عليه متاعه، و كان قد زكّى ماله قبل أن يشتري به، هل عليه

زكاة، أو حتّى يبيعه؟ فقال: «إن أمسكه التماس الفضل على رأس المال فعليه الزكاة «4»»، و خبر خالد بن الحجّاج الكرخي، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن

______________________________

(1)- الصدوق، محمد بن على: من لا يحضره الفقيه، ج 2: ص 11، ط النجف الأشرف.

قال قدّس سرّه: «و إذا كان مالك في تجارة، و طلب منك المتاع برأس مالك، و لم تبعه تبتغي بذلك الفضل، فعليك زكاته إذا حال عليك الحول ...».

(2)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 13: ما تجب فيه الزكاة و ما تستحب فيه، ح 1.

(3)- المصدر، ح 3.

(4)- المصدر، ح 4.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 249

..........

______________________________

الزكاة، فقال: «ما كان من تجارة في يدك، فيها فضل، ليس يمنعك من بيعها إلّا لتزداد فضلا على فضلك فزكّه، و ما كانت من تجارة في يدك فيها نقصان فذلك شي ء آخر «1»»، و موثق سماعة، قال: سألته عن الرجل يكون عنده المتاع موضوعا، فيمكث عنده السنة و السنتين و أكثر من ذلك، قال: «ليس عليه زكاة حتى يبيعه، إلّا أن يكون أعطى به رأس ماله فيمنعه من ذلك التماس الفضل، فإذا هو فعل ذلك وجبت فيه الزكاة، و إن لم يكن أعطى به رأس ماله فليس عليه زكاة حتّى يبيعه، و إن حبسه ما حبسه، فإذا هو باعه فإنّما عليه زكاة سنة واحدة «2»»، و غير ذلك ممّا دلّ بظاهره على وجوب الزكاة في مال التجارة، في الجملة «3».

و بإزائها روايات كثيرة استدلّ بها لنفي وجوب الزكاة في مال التجارة:

منها- الرّوايات الحاصرة لما يجب فيه الزكاة فى التسعة، و قد مرّت الإشارة إليها.

و المناقشة فيه: أنّها أجنبيّة عن

المدّعى، فإنّها إنّما تدلّ على انحصار ما يجب فيه الزكاة- بعنوانه الأوليّ، من ذهب، و فضّة، و نحوهما- في التسعة، و لا ينافي ذلك ثبوتها في غير التسعة المذكورة، بعنوان ثانوي، مثل كونه: «مال التجارة»، كما هو ظاهر.

و منها- صحيح زرارة، عن أبي جعفر عليه السّلام، أنّه قال: «الزكاة على المال الصامت، الّذي يحول عليه الحول و لم يحرّكه «4»»، بتقريب أنّ المستفاد منه

______________________________

(1)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 13: ما تجب فيه الزكاة و ما تستحب فيه، ح 5.

(2)- المصدر، ح 6.

(3)-- المصدر/ باب 13: ما تجب فيه الزكاة و ما تستحب فيه.

(4)- المصدر/ باب 14: ما تجب فيه الزكاة و ما تستحب فيه، ح 3.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 250

..........

______________________________

انحصار الزكاة في المال الصامت الّذي اجتمع فيه الشرطان: حولان الحول، و عدم التحريك، فلا تجب الزكاة حينئذ فيما حرّك، كمال التجارة.

و المناقشة فيه: أنّ الخبر لا يدلّ إلّا على اعتبار الشرطين في المال الصّامت، أعني به النقدين، الذّهب و الفضّة، لا على انحصار الزكاة بذلك. و بكلمة أخرى:

يشترط في ثبوت الزكاة في المال الصامت الحول، و عدم التحريك، لا أنّ كلّ مال حرّك- كمال التجارة- لا يثبت فيه الزكاة، و كم بينهما من فرق؟!

و منها- خبر سليمان بن خالد، قال: سئل أبو عبد اللّه عليه السّلام عن رجل، كان له مال كثير، فاشترى به متاعا ثمّ وضعه، فقال: هذا متاع موضوع، فإذا أحببت بعته فرجع إليّ رأس مالي و أفضل منه، هل عليه فيه صدقة و هو متاع؟ قال:

«لا، حتّى تبيعه، قال: فهل يؤدّي عنه إن باعه لما مضى، إذا كان متاعا؟ قال:

لا «1»».

و

المناقشة فيه: أنّ الخبر غير وارد في مورد مال التجارة، بل إنّ الظاهر من مورده هو أنّ الشخص اشترى المال لا بقصد التجارة، كما يقصد التجار في شراء الأمتعة، بل بقصد أن يضعه عنده، و أنّه متى ما أحبّ باعه فعاد عليه رأس ماله بفضل، فلم يكن قصده من الأوّل الاتّجار بالمال، بل اشترى المال ليضعه عنده، من جهة اطمينانه بعدم ضياع رأس ماله، و هذا أجنبيّ عن المقام، كما لا يخفى.

و منها- صحيح زرارة، قال: كنت قاعدا عند أبي جعفر عليه السّلام، و ليس عنده غير ابنه جعفر عليه السّلام، فقال: «يا زرارة، إنّ أبا ذر و عثمان تنازعا على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فقال: عثمان: كلّ مال، من ذهب أو فضّة، يدار به و يعمل به و

______________________________

(1)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 14: ما تجب فيه الزكاة و ما تستحب فيه، ح 2.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 251

..........

______________________________

يتّجر به، ففيه الزكاة إذا حال عليه الحول، فقال أبو ذر: أمّا ما يتّجر به، أو دير و عمل به، فليس فيه زكاة، إنّما الزّكاة فيه إذا كان ركازا، أو كنزا موضوعا، فإذا حال عليه الحول ففيه الزكاة. فاختصما إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، قال: فقال: القول ما قال أبو ذر. فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام لأبيه: ما تريد إلّا أن يخرج مثل هذا فيكفّ الناس أن يعطوا فقرائهم و مساكينهم! فقال أبوه: إليك عنّي، لا أجد منها بدّا «1»».

و المناقشة فيه أوّلا- مضافا إلى عدم انطباق ما في ذيل الرواية، من اعتراض الإمام عليه

السّلام على أبيه عليه السّلام و لا سيّما بهذا اللّحن، الظّاهر منه الازدراء بمثل زرارة، على الموازين القائمة عند الشيعة تجاه الائمّة المعصومين عليهم السّلام أنّ الظاهر من الرواية أنّ الموضوع المتنازع فيه بين أبي ذر و عثمان إنّما كان هو خصوص النقدين، لا مطلق الأموال، كما يشهد به قول عثمان- كما في الرواية-:

«كلّ مال، من ذهب أو فضّة، يدار به و يعمل به و يتّجر به، ففيه الزكاة- الرواية» فإنّ إرداف التجارة بالدّوران و العمالة ظاهر في أنّ المراد إنّما هو ثبوت الزكاة في المال في هذه الحالات كلّها، فلا بدّ و أن يكون المال في حدّ نفسه ممّا يثبت فيه الزكاة، غايته أنّ الخلاف قد وقع في ثبوته فيه في جميع الحالات، و هذا أجنبيّ عن المقام، حيث يراد فيه إثبات الزكاة في المال بعنوان كونه «مال التجارة»، مع عدم ثبوته فيه في حدّ نفسه.

و يشهد به أيضا: قول أبي ذر رحمه اللّه: «أمّا ما يتّجر به، أو دير و عمل به، فليس فيه زكاة، إنّما الزكاة فيه إذا كان ركازا، أو كنزا موضوعا، فإذا حال عليه الحول-

______________________________

(1)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 14: ما تجب فيه الزكاة و ما تستحب فيه، ح 1.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 252

..........

______________________________

الرواية» فإنّه يختصّ بما يطلق عليه «الركاز»، أو «الكنز» على تقدير عدم الاتّجار به، و هو خصوص الذّهب و الفضّة، و إلّا فسائر الأمتعة لا تكون من «الركاز» أو «الكنز»، كما لا يخفى. و يشهد به أيضا نفي أبي ذر الزّكاة عن ما يتّجر به، أو دير و عمل به، حيث قال: «فليس فيه زكاة ...» الظاهر

في نفي ثبوتها حتّى بعنوان الاستحباب، و لو كان مورد النزاع هو مال التجارة، كانت الرواية غير مطابقة للواقع قطعا، إذ لا إشكال في ثبوت الزكاة في مال التجارة، إمّا وجوبا، أو استحبابا، فيكون مفادها حينئذ خلاف ما هو الثابت بالإجماع المركّب، كما لا يخفى.

و على الإجمال، هذه الشواهد كلّها ممّا توجب القطع أو الاطمينان بخروج الرواية عن مورد البحث، و اختصاصها بالنقدين، من الذّهب، و الفضة، و بذلك يسقط الاستدلال بها لعدم وجوبها في مال التجارة.

و ثانيا: لو سلّمنا عدم القطع، أو الاطمينان، باختصاص الرّواية بالنقدين، فلا أقلّ من احتمال الاختصاص بهما، و حينئذ يتعيّن ذلك، بملاحظة النصوص المتقدّمة، الصريحة في وجوب الزكاة في مال التجارة، من باب الجمع العرفيّ.

و بكلمة أخرى: لو لم تنهض الشواهد المتقدّمة بإثبات صراحة الرواية في ورودها في خصوص النقدين، فلا أقلّ من كونها موجبة لاحتمال ذلك، و إذا ضممنا إليها سائر النصوص الكثيرة، الظاهرة في وجوبها في مال التجارة كان مقتضى الجمع العرفيّ إنّما هو حملها على خصوص النقدين، كما لا يخفى.

و منها- رواية عبد اللّه بن بكير، و عبيد، و جماعة من أصحابنا، قالوا: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: «ليس في المال المضطرب به زكاة، فقال له إسماعيل ابنه: يا أبه، جعلت فداك! أهلكت فقراء أصحابك! فقال: أي بنيّ، حقّ أراد اللّه أن يخرجه،

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 253

..........

______________________________

فخرج «1»».

و المناقشة فيه: أنّ الرواية أجنبيّة عن مال التجارة، لاختصاصها بما تكون الزكاة ثابتة فيه في حدّ نفسه، و يكون عدمه من جهة الاضطراب به، و هذا ينحصر- لا محالة- بالنقدين، فإنّ الزكاة ثابتة فيهما، غير أنّ المانع فيهما إنّما هو الاضطراب،

بتبديل أحدهما بالآخر، فرارا من الزكاة.

و على الإجمال، لا يصحّ مثل هذا الكلام إلّا فيما كانت الزكاة ثابتة فيه بعنوانه الأوليّ، و من الظاهر أنّ ثبوت الزكاة في مال التجارة إنّما هو بالعنوان الثانوي، دون العنوان الأوليّ. على أنّها لو كانت ظاهرة في مال التجارة لكان ممّا لا بدّ منه هو رفع اليد عن الظهور المذكور، نظرا إلى دلالتها على نفي الزكاة حتّى استحبابا، مع أنّ الزكاة على الجملة- و لو استحبابا- ثابتة في مال التجارة بلا ريب.

و منها- موثق إسحاق بن عمّار، قال: قلت لأبي إبراهيم عليه السّلام: الرجل يشتري الوصيفة، يثبتها عنده لتزيد، و هو يريد بيعها، أعلى ثمنها زكاة؟ قال: «لا، حتّى يبيعها. قلت: فإن باعها، أ يزكّي ثمنها؟ قال: لا، حتّى يحول عليها الحول و هو في يده «2»».

و المناقشة فيه: أنّ الظاهر من فرض الرّاوي في الخبر: «الرجل يشتري الوصيفة يثبتها عنده ...» و إن كان هو الاشتراء بعنوان التجارة، في مقابل اشترائها لا لأجل التجارة بها، بل لأجل إثباتها عنده، بأن يكون الغرض المهمّ

______________________________

(1)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 14: ما تجب فيه الزكاة و ما تستحب فيه، ح 5.

(2)- المصدر، ح 4.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 254

..........

______________________________

هو إثباتها عنده، غير إنّه قد لا يمتنع عن بيعها أيضا بعد ما انتفع بها مدة من الوقت، و حينئذ فتكون الرواية معارضة للنّصوص المتقدّمة، الدالّة على وجوب الزكاة في مال التجارة، باعتبار دلالتها على نفي الزكاة في مال التجارة، إلّا أنّها قابلة للحمل- أيضا- على غير مورد التجارة، و إن كان الظاهر- كما عرفت- هو الحمل على فرض التجارة، و لكن بملاحظة

صراحة موثق سماعة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «ليس على الرقيق زكاة، إلّا رقيق يبتغي به التجارة، فإنّه من المال الّذي يزكّى «1»» في ثبوت الزكاة في الرقيق الّذي يتّجر به، و أنّه من المال الّذي يزكّى، لا بدّ من حمل الرّواية على غير فرض التجارة بأن يكون المهمّ هو إبقاء الوصيفة طالبا بذلك زيادة الثمن، كما هو شأن المترفين في اقتنائهم الأشياء النفيسة، فإنّ الموثق صريح في ثبوت الزكاة في مال التّجارة إذا كان رقيقا، و تلك الرواية ظاهرة في عدم ثبوت الزكاة في فرض التجارة بالوصيفة، و مقتضى حمل الظاهر على النصّ أو الاظهر عرفا، هو ما تقدّم، و حينئذ فتخرج الرواية عن مورد الكلام، كما لا يخفى.

و المتحصّل من ذلك كلّه: أنّ القول بوجوب الزكاة في مال التجارة هو الأظهر، وفاقا لمن تقدّمت الإشارة إليهم، و اللّه العالم.

______________________________

(1)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 17: ما تجب فيه الزكاة و ما تستحب فيه، ح 2.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 255

الثالث: الخيل الإناث (77)، دون الذكور، و دون البغال، و الحمير.

______________________________

(77) في «الجواهر» إجماعا محصّلا، و محكيّا في «الخلاف» و «الغنية» و «التذكرة «1»» و استدلّ له بصحيح زرارة، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: هل في البغال شي ء؟ فقال: «لا، فقلت: فكيف صار على الخيل و لم يصر على البغال؟! فقال: لأنّ البغال لا تلقح، و الخيل الإناث ينتجن، و ليس على الخيل الذكور شي ء. قال: قلت: فما في الحمير؟ قال: ليس فيها شي ء. قال: قلت: هل على الفرس، أو البعير يكون للرجل يركبهما شي ء؟ فقال: لا، ليس على ما يعلف شي ء،

إنّما الصدقة على السائمة، المرسلة في مرجها عامها الّذي يقتنيها الرّجل، فأمّا ما سوى ذلك فليس فيه شي ء «2»»، و صحيح محمّد بن مسلم و زرارة عنهما عليهما السّلام جميعا، قالا: «وضع أمير المؤمنين عليه السّلام على الخيل العتاق «3»، الرّاعية، في كلّ فرس في كلّ عام، دينارين، و جعل على البراذين دينارا «4»»، و إطلاق الفرس

______________________________

(1)- النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 74، ط النجف الأشرف، و- الطوسي، الشيخ محمّد بن الحسن: الخلاف، ج 2: ص 55، ط جامعة المدرسين، قم- إيران؛ ابن زهرة، حمزة بن عليّ: الغنية، ص 569، ط الحجرية (ضمن «المجموعة الفقهيّة»)؛ العلامة الحلّي، الحسن بن يوسف: تذكرة الفقهاء، ج 1: ص 230، ط إيران الحجريّة.

(2)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 16: ما تجب فيه الزكاة و ما تستحب فيه، ح 3.

(3)- قال في «الحدائق»: «و المراد بالعتيق: كريم الأصل، و هو ما كان أبواه عربيّين، و البرذون- بكسر الباء- خلافه ...» (البحراني، الشيخ يوسف: الحدائق الناضرة، ج 12: ص 152).

(4)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 16: ما تجب فيه الزكاة و ما تستحب فيه، ح 1.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 256

و الرقيق (78).

______________________________

في الرواية الثانية ممّا يرفع اليد عنه بالصحيح الأوّل، الدالّ على اختصاص الحكم بخصوص الإناث من الخيل. هذا و بمقتضى الرّوايات الحاصرة، المتقدّم ذكرها، تحمل هاتان الروايتان- لو تمّ دلالتهما على الوجوب- على الاستحباب. هذا، مضافا إلى نصوص أخر صريحة في نفي الوجوب عن غير الأصناف الثلاثة من الحيوان، و هي: الإبل، و البقر، و الغنم، ففي خبر زرارة، عن أحدهما عليهما السّلام،

قال:

«ليس في شي ء من الحيوان زكاة، غير هذه الأصناف الثلاثة: الإبل، و البقر، و الغنم- الحديث»، و نحوه: خبره الآخر عن أبي جعفر عليه السّلام، و قريب منهما: خبره الثالث عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه «1» عليهما السّلام.

(78) و يدلّ عليه- مضافا إلى النصوص الحاصرة المتقدّم ذكرها- موثق سماعة، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: «ليس على الرقيق زكاة، إلّا رقيق يبتغي به التجارة، فإنّه من المال الّذي يزكّى «2»».

و أمّا صحيح زرارة و محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه عليهما السّلام، أنّهما سئلا عمّا في الرقيق، فقالا: «ليس في الرأس أكثر من صاع من تمر، إذا حال عليه الحول، و ليس في ثمنه شي ء حتّى يحول عليه الحول «3»»، فعن صاحب

______________________________

(1)- الحرّ العاملي، محمد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 17: ما تجب فيه الزكاة و ما تستجب فيه، ح 4، 5، 3.

(2)- المصدر، ح 2.

(3)- المصدر، ح 1.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 257

الرابع: الأملاك و العقارات الّتي يراد منها الاستنماء، كالبستان، و الخان، و الدكان، و نحوها (79).

______________________________

الجواهر قدّس سرّه «1»: إمكان حمل الرواية على زكاة الفطرة، على أن يكون المراد من حول الحول فيه، ليلة الفطر. و قوّى هذا الاحتمال المحقّق الهمداني «2» رحمه اللّه. و هذا الاحتمال و إن كان قويّا بملاحظة صدر كلامه عليه السّلام، حيث قال: «ليس في الرأس- يعني: كليّة، لا خصوص الرقيق- أكثر من صاع من تمر»، مع العلم بأنّه لا خصوصيّة للتمر في زكاة الأموال، إلّا أنّه خلاف ظاهر التقييد بقوله عليه السّلام: «إذا حال عليه الحول»، فإنّ حمله على «ليلة الفطر» خلاف الظاهر.

إلّا أنّه لا بدّ من الخروج عن الرّواية بنحو من التأويل، بملاحظة عدم القائل به من الأصحاب، مضافا إلى ما تقدّمت الإشارة إليه.

(79) قال في «المدارك»: «العقار- لغة- الأرض، و المراد هنا ما يعمّ البساتين، و الخانات، و الحمّامات، و نحو ذلك، على ما صرّح به الأصحاب. و استحباب الزكاة في حاصلها مقطوع به في كلامهم، و لم أقف له على مستند، و قد ذكره في «التذكرة «3»» و «المنتهى «4»» مجرّدا عن الدّليل ... «5»».

______________________________

(1)- النجفي، الشيخ محمد حسن، جواهر الكلام 15: ص 75 طبعة النجف الأشرف.

(2)- الفقيه الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3/ كتاب الزكاة: ص 21، ط إيران الحجريّة.

(3)- العلامة الحلي، الحسن بن يوسف: تذكرة الفقهاء، ج 1: ص 230، ط إيران الحجريّة.

(4)- العلامة الحلّي، الحسن بن يوسف: منتهى المطلب، ج 1: ص 510، ط إيران الحجريّة.

(5)- العاملي، السيد محمّد الموسوي: مدارك الأحكام، ج 5: صص 184- 185، ط مؤسسة آل البيت عليهم السّلام، قم.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 258

[مسألة: لو تولّد حيوان بين حيوانين، يلاحظ فيه الاسم في تحقّق الزكاة و عدمها]

[مسألة]: لو تولّد حيوان بين حيوانين، يلاحظ فيه الاسم في تحقّق الزكاة و عدمها (80)، سواء كانا زكويين أو غير

______________________________

و قال في «الجواهر»: «لا خلاف أجده فيه- إلى أن قال:- قلت: قد يقوى في الذهن أنّه من مال التجارة- بمعنى التكسب- عرفا، إذ هي- فيه- أعمّ من التكسّب بنقل العين، و استنمائها، فان الاسترباح له طريقان عرفا: أحدهما بنقل الأعيان، و الثاني باستنمائها مع بقائها، و لذا تعلّق فيه الخمس كغيره من أفراد الاسترباح ... «1»».

و ناقشه المحقّق الهمداني قدّس سرّه في ذلك، بقوله: «و فيه: أنّه إن أراد جعل نفس العقار المتّخذة للنماء مندرجة في

موضوع مال التجارة، بملاحظة أنّها مال ملك بعقد معاوضة بقصد الاكتساب، فله وجه، و لكن مقتضاه تعلّق الزكاة بعينها، لأنّها هي المال الّذي اتّجر به، و هذا ممّا لم يقل أحد بتعلّق الزكاة به. و أمّا حاصلها- الّذي هو محلّ الكلام- فلا مناسبة بينه و بين مال التجارة أصلا، فضلا عن استفادة تعلّق الزكاة به من الرّوايات الواردة في المال المستعمل في التجارة «2»».

و كيف كان، فالظاهر أنّه لا دليل على استحباب الزكاة، لا في أنفسها، و لا في أثمانها، و إن كان المشهور بين العلماء هو استحباب الزكاة في أثمانها، و المصنّف قدّس سرّه اختار الاستحباب في أنفسها.

(80) قال المحقّق رحمه اللّه في «الشرائع»: «و لو تولّد حيوان بين حيوانين، أحدهما

______________________________

(1)- النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 291، ط النجف الأشرف.

(2)- الفقيه الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3/ كتاب الزكاة: ص 84، ط إيران الحجريّة.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 259

زكويين، أو غير زكويين، أو مختلفين، بل سواء كانا محلّلين أو محرّمين أو مختلفين، مع فرض تحقّق الاسم حقيقة، لا أن يكون بمجرّد الصورة، و لا يبعد ذلك، فإنّ اللّه قادر على كلّ شي ء.

______________________________

زكاتي، روعي- في إلحاقه بالزكاتى- إطلاق اسمه «1»».

و قال في «الجواهر»: «بلا خلاف أجده إذا كان الزكوي الأمّ، بل و إن لم يكن ... «2»».

قلت: الأحكام الشرعية تدور مدار عناوين موضوعاتها الّتي أنيط بها الحكم، فاذا صدق- عرفا- على الحيوان المتولّد أحد العناوين المأخوذة موضوعا للزكاة وجبت الزكاة فيه، و لو كان متولّدا من حيوانين من غير جنسه، على خلاف العادة، و بقدرة اللّه تعالى. كما أنّه لا تجب الزكاة في المتولّد

من حيوانين زكويّين، إذا انطبق عليه- عرفا- اسم حيوان غير زكويّ، كما أفاده المحقّق الهمداني «3» قدّس سرّه. فلاحظ.

______________________________

(1)- المحقق الحلّي، جعفر بن الحسن: شرائع الإسلام/ تحقيق: عبد الحسين محمّد علي البقّال، ج 1: ص 142.

(2)- النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 75، ط النجف الأشرف.

(3)- الفقيه الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3/ كتاب الزكاة: ص 21، ط إيران الحجريّة.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 261

[فصل في زكاة الأنعام الثلاثة]

اشارة

[فصل] في زكاة الأنعام الثلاثة

[و يشترط في وجوب الزكاة فيها- مضافا إلى ما مرّ من الشرائط العامّة- أمور]

اشارة

و يشترط في وجوب الزكاة فيها- مضافا إلى ما مرّ من الشرائط العامّة- أمور:

[الشرط الأول النصاب]
[النصاب في الإبل اثنا عشر نصابا]
اشارة

الأوّل: النصاب، و هو في الإبل اثنا عشر نصابا (81).

الأوّل: الخمس، و فيها شاة.

الثاني: العشر، و فيها شاتان.

الثالث: خمسة عشر، و فيها ثلاث شياه.

الرابع: العشرون، و فيها أربع شياه.

الخامس: خمس و عشرون، و فيها خمس شياه.

______________________________

(81) لا خلاف في اعتبار النّصاب في الإبل نصّا و فتوى «1»، و أمّا كونه في الإبل

______________________________

(1)- قال في «الجواهر»- عند قول المصنف رحمه اللّه «الأوّل: اعتبار النصب»-: «إذا لا تجب الزكاة قبلها إجماعا، بل ضرورة في المذهب، إن لم يكن الدين» (النجفي، الشيخ محمد حسن:

جواهر الكلام، ج 15: ص 76، ط النجف الأشرف).

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 262

..........

______________________________

اثنا عشر، فهو المشهور، بل في «المدارك»: «هذه النصب مجمع عليها بين علماء الاسلام ... «1»».

و يدلّ عليه جملة من النصوص، كصحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام، قال:

«ليس في ما دون الخمس من الإبل شي ء، فإذا كانت خمسا ففيها شاة، إلى عشرة، فإذا كانت عشرا ففيها شاتان، فإذا بلغت خمسة عشر ففيها ثلاث من الغنم، فإذا بلغت عشرين ففيها أربع من الغنم، فإذا بلغت خمسا و عشرين ففيها خمس من الغنم، فإذا زادت واحدة ففيها ابنة مخاض «2»، إلى خمس و ثلاثين، فإن لم يكن عنده ابنة مخاض فابن لبون ذكر، فإن زادت على خمس و ثلاثين بواحدة ففيها بنت لبون، الى خمس و أربعين، فإن زادت واحدة ففيها حقّة «3» إلى ستّين، فإن زادت واحدة ففيها جذعة، إلى خمس و سبعين، فإن زادت واحدة ففيها ابنتا لبون، إلى تسعين، فإن زادت واحدة فحقّتان، إلى عشرين و مائة، فإن زادت على

العشرين و المائة واحدة، ففي كل خمسين حقّة، و في كلّ أربعين ابنة لبون «4»»، و مثله صحيح أبي بصير «5»، و صحيح عبد الرحمن بن الحجاج «6».

______________________________

(1)- العاملي، السيّد محمّد: مدارك الأحكام، ج 5: ص 53، ط مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام، قم.

(2)- بنت مخاض، و هي ما دخل في الثانية، فأمّها «ماخض»، أي «حامل» (العلّامة الحلّي، الحسن بن يوسف: قواعد الأحكام، ج 1: ص 336، ط جامعة المدرسين، قم- إيران).

(3)- و إنّما سميّت حقّة، لأنّها استحقّت أن يركب ظهرها.

(4)- الحرّ العاملي، محمد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 2: زكاة الأنعام، ح 1.

(5)- المصدر، ح 2.

(6)- المصدر، ح 4.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 263

السادس: ست و عشرون، و فيها بنت مخاض (82)، و هي الداخلة في السنة الثانية.

السابع: ستّ و ثلاثون، و فيها بنت لبون، و هي الداخلة في السنة الثالثة «1».

الثامن: ستّ و أربعون، و فيها حقّة، و هي الداخلة في السنة الرابعة «2».

التاسع: إحدى و ستّون، و فيها جذعة، و هي الّتي دخلت في السنة الخامسة «3».

______________________________

(82) كما هو المشهور «4» و قد دلّ على ذلك النصوص المتقدّمة. و نسب إلى ابن

______________________________

(1)- بنت لبون، و هي ما دخل في الثالثة، فصار لأمّها لبن (العلامة الحلّي، الحسن بن يوسف:

قواعد الأحكام، ج 1: ص 336).

(2)- حقّة- بكسر الحاء المهملة، و تشديد القاف- و هي ما دخل في الرّابعة، فاستحقت الحمل، أو الفحل (العلامة الحلي، الحسن بن يوسف: قواعد الأحكام، ج 1: ص 336).

(3)- جذعة- كقصبة- سميّت بذلك، لأنّها تجذع مقدّم أسنانها، أي تسقط، و الجمع جذعات، كقصبات (الطريحي، فخر الدين: مجمع البحرين/ تحقيق: السيد أحمد الحسيني، ج 4:

ص

10).

و لتفصيل الكلام في أسنان الفرائض، لاحظ- النجفي: الشيخ محمّد حسن: جواهر الكلام، ج 15: صص 123- 125، ط النجف الأشرف.

(4)- العلّامة، الحسن بن يوسف: مختلف الشيعة، ج 3: صص 168- 169، ط نشر الإسلامي، قم.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 264

..........

______________________________

أبي عقيل «1» أنّه أوجب بنت مخاض في خمس و عشرين، و هو النصاب الخامس على المشهور، و كأنّه استند في ذلك إلى صحيحة الفضلاء، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه عليهما السّلام، قالا: «في صدقة الإبل، في كلّ خمس شاة، إلى أن تبلغ خمسا و عشرين، فإذا بلغت ذلك ففيها ابنة مخاض، ثم ليس فيها شي ء حتى تبلغ خمسا و ثلاثين، فإذا بلغت خمسا و ثلاثين ففيها ابنة لبون- الخبر «2»».

قال الشيخ قدّس سرّه معلقا على الرواية: «ثمّ قوله عليه السّلام بعد ذلك: فإذا بلغت خمسا و عشرين ففيها ابنة مخاض» يحتمل أن يكون أراد و زادت واحدة، و إنّما لم يذكر في اللفظ لعلمه بفهم المخاطب ذلك، و لو صرّح فقال: في كل خمس شاة، إلى خمس و عشرين ففيها خمس شياه، و إذا بلغت خمسا و عشرين، و زادت واحدة، ففيها ابنة مخاض، لم يكن فيه تناقض ...» فينطبق حينئذ على المذهب المشهور. ثمّ قال:

«و لو لم يحتمل ما ذكرناه، لجاز لنا أن نحمل الرواية على ضرب من التقيّة، لأنّها موافقة لمذاهب العامّة ... «3»».

و الصحيح أن يقال: إنّ الحمل على التقيّة مع اشتمال الرّواية على ما يخالف العامّة و الخاصّة، كما في الفقرات التالية، الدالّة على أنّ النصاب، بعد خمس و عشرين، خمس و ثلاثون، و بعده خمس و أربعون ... و هكذا، فإنّا لم

نجد أحدا من العامّة «4» و الخاصّة التزم بذلك- غير صحيح، لأنّه لا يحلّ المشكلة كليّة، و يصلح

______________________________

(1)- العلّامة، الحسن بن يوسف: مختلف الشيعة، ج 3: صص 168- 169، ط جامعة المدرسين، قم.

(2)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 2: زكاة الأنعام، ح 6.

(3)- الطوسي، الشيخ محمد بن الحسن: تهذيب الكلام، ج 4: ص 23، ط النجف الأشرف.

(4)- قال القرطبى: «و أجمع المسلمون على أن في كلّ خمس من الإبل شاة، إلى أربع و عشرين، فإذا كانت خمسا و عشرين ففيها ابنة مخاض، إلى خمس و ثلاثين، فإن لم تكن ابنة مخاض

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 265

..........

______________________________

ذلك لأن يكون قرينة على صحّة تقدير جملة «و زادت واحدة ...» في الفقرات المذكورة، و إلّا كان ذلك مذهبا جديدا في باب الزكاة، و حينئذ فيستفاد من ذلك التقدير في الفقرة السابقة أيضا، و هي قوله عليه السّلام: «فإذا بلغت ذلك ففيها ابنة مخاض».

و على الجملة: الالتزام بالتقدير، و إن كان على خلاف الظاهر، و لا يمكن المصير إليه بغير دليل، إلّا أنّه بعد العلم القطعيّ بالتقدير في الفقرات اللّاحقة كما عرفت، لا مانع من الالتزام بالتقدير في الفقرة السابقة أيضا. نعم، يختلف ملاك التقدير، فملاك التقدير في الفقرة الّتي هي محل الكلام، هو التقيّة، و أمّا ملاكه في سائر الفقرات هو الانطباق على المذاهب القائمة، فإنّه باتّفاق من الخاصّة و العامّة يعتبر في النصب المذكورة الزيادة بواحدة، و حينئذ يكون التقدير فيها قرينة على التقدير في هذه الفقرة أيضا. و حاصل المقال: أنّ كل ناظر إلى الرّواية- لا محالة- يعتقد بالتقدير فيها، من جهة أنّه- مع عدم التقدير- لا

تنطبق الرواية على شي ء من المذهبين: العامّة و الخاصّة، فيجعل وضوح التقدير في تلك الفقرات قرينة على التقدير في هذه الفقرة أيضا. و يؤيّد ذلك: أنّ صاحب «الوسائل» روى

______________________________

فابن لبون ذكر، فإذا كانت ستّا و ثلاثين ففيها بنت لبون، إلى خمس و أربعين، فإذا كانت ستّا و أربعين ففيها حقّة، إلى ستيّن، فإذا كانت واحدا و ستّين ففيها جذعة، إلى خمس و سبعين، فإذا كانت ستّا و سبعين ففيها ابنتا لبون، إلى تسعين، فإذا كانت واحدا و تسعين ففيها حقّتان، إلى عشرين و مائة ...» (القرطبي، محمد بن أحمد: بداية المجتهد و نهاية المقتصد، ج 1: صص 266- 267، ط مكتبة الكليّات الأزهريّة)، و نحوه في «البحر الرائق» لابن نجيم (ج 2: ص 230، أفست دار المعرفة ابن عابدين [و] «منحه الخالق» لمحمّد أمين (بهامش «البحر الرائق» ج 2: ص 230) [و] «المحلّى» لابن حزم (ج 6: ص 17) [و] الفقه على المذاهب الأربعة (ج 1: صص 597- 598). و منه يظهر وجه الحمل على التقيّة في حكم الرواية بوجوب دفع ابنة مخاض في خمس و عشرين من الإبل.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 266

العاشر: ستّ و سبعون، و فيها بنتا لبون.

الحادي عشر: إحدى و تسعون، و فيها حقّتان.

الثاني عشر: مائة و إحدى و عشرون، و فيها في كلّ خمسين حقّة، و في كلّ أربعين بنت لبون، بمعنى: أنّه يجوز أن يحسب أربعين أربعين (83)، و في كلّ منها بنت لبون، أو خمسين خمسين، و في

______________________________

الرواية عن الصدوق رحمه اللّه في كتاب «معاني الأخبار» بعين السّند، و قال: «إلّا أنّه قال- على ما في بعض النسخ الصّحيحة-: فإذا بلغت خمسا

و عشرين، فإن زادت واحدة ففيها بنت مخاض ...» و هكذا بزيادة جملة: «فإن زادت واحدة» فى الفقرات التالية ... «1»» و عليه، فلا تكون الرواية معارضة للنصوص المتقدّمة، الدالّة على وجوب ابنة مخاض في ستّ و عشرين من الإبل.

(83) حاصل البحث في هذا المقام هو: أنّ التخيير بين عدّ أربعين أربعين، و العدّ خمسين خمسين، هل هو على وجه الإطلاق، حتّى فيما إذا لم يكن أحدهما عادّا، بأن لا يكون مستوعبا للعدد. أو أنّه ثابت في خصوص ما إذا كان كلّ منهما مستوعبا للعدد و عادّا له، و أمّا إذا كان أحدهما عادّا له دون الآخر تعيّن العادّ، كما أنّه إذا كان العادّ و المستوعب هما معا تعيّن العدّ بهما؟ وجهان، بل قولان. قال

______________________________

(1)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 2: زكاة الأنعام، ح 7.

و هذه الزيادة غير موجودة في النسخة المطبوعة من «معاني الأخبار». و قال محقق الكتاب في الهامش: أنّه لم يظفر بها (الصّدوق، محمد بن الحسين: معاني الأخبار، ص 327، ط مكتبة الصدوق، طهران).

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 267

كلّ منها حقّة. و يتخيّر بينهما مع المطابقة لكلّ منهما، أو مع عدم المطابقة لشي ء منهما، و مع المطابقة لأحدهما الأحوط مراعاتها، بل الأحوط مراعاة الأقلّ عفوا، ففي المائتين يتخيّر بينهما لتحقّق المطابقة لكلّ منهما، و في المائة و خمسين الأحوط اختيار الخمسين، و في المائتين و أربعين الأحوط اختيار الأربعين، و في المائتين و ستين يكون الخمسون أقلّ عفوا، و في المائة و أربعين يكون الأربعون أقلّ عفوا.

______________________________

بالأوّل المحقّق الأردبيلي «1» و نسب ذلك إلى الشهيد الثاني فى «فوائد القواعد»، و غيره في غيره

«2» كما قال به جملة ممّن تأخّر عنهم كأصحاب «المدارك «3»»، و «الحدائق «4»»، و «الرياض «5»». و نسب الثاني إلى الشهيد الثاني قدّس سرّه في «المسالك «6»»، و اختاره المحقّق الثاني «7» قدّس سرّه أيضا، بل ربما نسب ذلك إلى المشهور «8».

______________________________

(1)- الأردبيلى، أحمد: مجمع الفائدة و البرهان، ج: صص 61- 62، ط جامعة المدرسين، قم.

(2)- العاملي، السيد محمد جواد: مفتاح الكرامة، ج 3/ كتاب الزكاة: ص 60.

(3)- العاملي، السيد محمّد: مدارك الأحكام، ج 5: ص 58، ط مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام، قم.

(4)- البحراني، الشيخ يوسف: الحدائق الناظرة، ج 12: صص 49- 50، ط النجف الأشرف.

(5)- الطباطبائي، السيد علي: رياض المسائل، ج 1: ص 265، ط إيران الحجريّة.

(6)- الشهيد الثاني، زين الدين: مسالك الأفهام، ج 1: ص 38، ط إيران الحجريّة.

(7)- المحقّق الثاني، علي بن الحسين: جامع المقاصد، ج 3: ص 15، ط مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام، قم.

(8)- الطباطبائي، السيد علي: رياض المسائل، ج 1: ص 265، ط إيران الحجريّة.

نسب ذلك إلى ظاهر الأصحاب (- الفقيه الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3/ كتاب الزكاة: ص 23، ط إيران الحجريّة).

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 268

..........

______________________________

و الّذي يتخيّل كونه منشأ القولين في المسألة ثبوتا، هو أنّ النصاب- بعد تجاوز الإبل المائة و العشرين- هل يكون أمرا كليّا «1»، و يكون الخروج عن عهدة ذلك بعدّ الغنم أربعين أربعين، أو خمسين خمسين ...؟ و على هذا يتعيّن القول الثاني، و هو لزوم كون العدد عادّا، فإنّ الخروج عن العهدة لا يكون إلّا إذا استوعب تمام الغنم، ففيما يكون الأربعين مستوعبا له- كالمائة و الستّين- يتعيّن العدّ بالأربعين، و فيما

يكون بالخمسين- كالمائة و الخمسين- يتعيّن ذلك، و فيما يكون العدّ بكلّ واحد منهما- كالمائتين- يتخيّر؛ و فيما يكون ذلك بكليهما- كالمائة و السبعين- عدّها بكليهما، فيعدّها- في الفرض- بثلاث أربعينات، و خمسين واحد.

أو أنّ النصاب- بعد تجاوز الإبل العدد المذكور- يكون هو الأربعين أو الخمسين، فنصاب ما بلغ هذا الحدّ إنّما هو ذلك على وجه التخيير؟ و عليه فيتعيّن القول الأوّل. فمنشأ القولين في المسألة إنّما هو الاختلاف في ما هو النّصاب عند بلوغ الغنم إلى الحدّ المذكور، و هل أنّه كليّ، و العدّ بالأربعين، أو الخمسين إنّما يكون للخروج عن العهدة، أو أنّ النصاب يكون حينئذ هو الأربعين، أو الخمسين على وجه التخيير؟

و قد استدلّ للقول الأوّل بصحيح عبد الرحمن بن الحجّاج، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، و فيه- برواية الشيخ رحمه اللّه في كتابيه «التهذيب «2»»، و «الاستبصار «3»» «فإذا زادت واحدة ففيها حقّتان إلى عشرين و مائة، فإذا

______________________________

(1)- الشهيد الثاني، زين الدين: مسالك الأفهام، ج 1: ص 38، ط إيران الحجريّة.

(2)- الطوسي، محمّد بن الحسن: التهذيب، ج 4: ص 21، ط النجف الأشرف.

(3)- الطوسي، محمّد بن الحسن: الاستبصار، ج 2: صص 19- 20، ط النجف الأشرف.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 269

..........

______________________________

كثرت الإبل ففي كلّ خمسين حقّة «1»»، و نحوه صحيح أبي بصير «2».

و تقريب الاستدلال بهما: أنّ الظاهر من الرّوايتين و إن كان هو تعيّن العدّ بالخمسين مطلقا، إلّا أنّه لا بدّ من رفع اليد عن هذا الظهور و حملها على بيان أحد فردي الواجب التخييريّ، بمقتضى ما دلّ على التخيير بين الخمسين و الأربعين. و إلى هنا لا دخل لما ذكر في الاستدلال،

و إنّما الاستدلال بهما بعد حمل الروايتين على التخيير، إذ يقال عليه: إنّ مورد الروايتين الحاكمتين بالتخيير بين الخمسين و الأربعين هو عدد المائة و إحدى و عشرين، فإن قلنا بجواز عدّ ذلك بالخمسين أيضا، كما يجوز عدّه بالأربعين، ثبت المطلوب، و هو التخيير حتّى فيما لا يكون كلاهما عادّا، فإنّ الخمسين لا يستوعب المائة و إحدى و عشرين. و إن قلنا بعدم الجواز و لزوم العدّ بالأربعين، و أنّ التخيير بينهما يكون في غير ذلك لزم منه تخصيص المورد، و هو مستهجن، كما لا يخفى.

و على الإجمال: المتيقّن به من مورد الحكم بالتخيير إنّما هو المائة و إحدى و عشرين، و إذا ثبت التخيير فيه، تمّ المطلوب، و إلّا لزم تخصيص المورد، و هو غير معقول.

و يمكن الجواب عن ذلك: بأنّ التخيير بين الأربعين و الخمسين إنّما ثبت فيما إذا كثرت الإبل، إذ لم يحكم- في الروايتين- بالتخيير في عدد المائة و إحدى و عشرين، ليتمّ الاستدلال، بل قال عليه السّلام- بعد قوله: «فإذا زادت واحدة ففيها حقّتان إلى عشرين و مائة-: «فإذا كثرت الإبل، ففي كلّ خمسين حقّة»، فموضوع التخيير إنّما هو فرض كثرة الإبل، و يكفي في عدم لزوم تخصيص المورد، ثبوت التخيير بينهما في مثل المائتين. و على الجملة، لم يصرّح في الرّواية بالتخيير في

______________________________

(1)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 2: زكاة الأنعام، ح 4.

(2)- المصدر، ح 2.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 270

..........

______________________________

خصوص المائة و إحدى و عشرين، كي يلزم من عدم التخيير فيه تخصيص المورد، بل إنّما حكم بالتخيير في ذلك بعنوان «أنّه إذا كثرت الإبل»، فموضوع الحكم المذكور كلّى، و

حينئذ فلا يلزم من اعتبار العدّ بأربعين أربعين، في المائة و إحدى و عشرين دون التخيير بينه و بين العدّ بخمسين خمسين إخراج المورد، كما لا يخفى.

و يستدلّ له- أيضا- بصحيح زرارة المتقدّم «1»: «فإن زادت على العشرين و المائة واحدة، ففي كل خمسين حقّة، و في كلّ أربعين ابنة لبون»، و لا ينبغي الشك في دلالته على ذلك، لظهور الرواية في أنّ النصاب- بعد بلوغ الإبل الحدّ المذكور- إنّما هو الخمسين أو الاربعين، على وجه التخيير، لا أنّ النصاب كلّي، و أنّ العدّ بهما لأجل الخروج عن عهدة التكليف.

إلّا أنّه لا بدّ من رفع اليد عن الظهور المذكور، لوجهين:

الأوّل: ما ورد في ذيل صحيحة الفضلاء المتقدّمة «2»: «ثم ترجع الإبل إلى أسنانها ...» و هكذا في خبر الأعمش «3»، و هو إنّما يدل على أنّ النصاب بعد بلوغ الحدّ المذكور يكون كليّا، لصراحة الروايتين في أنّه لا يكون في الإبل- حينئذ- فريضة معينة، بل ترجع إلى أسنانها، بأن تجعل منطبقة على الأسنان الّتي بها يتحقّق تزكية الجميع، و هذا ممّا يختلف باختلاف الموارد، ففي مورد تكون الفريضة ثلاثة ابنة لبون، و في آخر بنتا لبون و حقّة، و في ثالث عكسه، حقّتان و ابنة لبون و هكذا.

الثاني: ما في ذيل الصّحيحة أيضا، من قوله عليه السّلام: «و ليس على النيّف شي ء،

______________________________

(1)-- ص 262.

(2)-- ص 264.

(3)- الصدوق، محمد بن عليّ: الخصال، ص 605/ ح 9، ط مكتبة الصدوق، طهران.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 271

..........

______________________________

و لا على الكسور شي ء ...» و هذا لا يجتمع مع القول بالتخيير على وجه الإطلاق، حيث أنّ مقتضى هذه الفقرة إنّما هو اختصاص العفو بالنيّف، و

هو ما بين العقدين دون نفس العقود «1»، و لو قلنا بالتخيير مطلقا استلزم العفو في غير النيّف أيضا، كما إذا عددنا المائة و الستين بالخمسين، أو المائة و الخمسين بالأربعين، فإنّه يكون العفو في الأوّل عشرة، و في الثاني ثلاثين، و هو خلاف صريح الفقرة المذكورة، لأنّ ذلك ليس من النيّف، كما لا يخفى.

كلام الفقيه المحقّق الهمداني قدّس سرّه:

استدلّ قدّس سرّه لما ذهب إليه، من القول بالتخيير في خصوص ما إذا كان كلاهما عادّا للعدد- كما في المائتين مثلا- بما حاصله: أنّه لا إشكال في تعلّق الزكاة بمجموع الإبل البالغ مائة و خمسين، بمقتضى قوله عليه السّلام: «في كلّ خمسين حقّة» حيث إنّ العدد المذكور عبارة عن ثلاث خمسينات، فتتعلّق الزكاة بمجموعه لا محالة، فإنّه عبارة عن ثلاث مصاديق لقوله: «في كلّ خمسين حقّة»، و لا دليل على العفو في شي ء من العدد المذكور، و حينئذ فإن عملنا فيه بعموم «في كلّ خمسين حقّة» فقد أدّينا زكاة الجميع، و أمّا إذا عملنا فيه بعموم «في كل أربعين ابنة لبون» فقد أدّينا زكاة، ثلاثة أربعينات، البالغة مائة و عشرين، و يبقى من العدد ثلاثين لم يؤدّ زكاته، فإن قلنا بالعفو فهو خلاف المفروض، و إن قلنا بأنّ زكاة الأربعينات الثلاث، زكاة للثلاثين الباقية أيضا، كان ذلك قولا بغير دليل، و حينئذ فلا مناص لنا عن العمل فيه بعموم «في كلّ خمسين حقّة». و هكذا يقال

______________________________

(1)- الطريحي، فخر الدّين: مجمع البحرين/ تحقيق: السيّد أحمد الحسيني، ج 5: ص 127.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 272

..........

______________________________

فيما يكون المستوعب للعدد خصوص الأربعين، كما هو ظاهر «1».

و يتوجّه عليه: أنّ كون المجموع متعلّقا للزكاة

مبنيّ على القول بأنّ النصاب

______________________________

(1)- الفقيه الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3/ كتاب الزكاة: ص 23، ط إيران الحجريّة.

و أليك نصّ عبارته قدّس سرّه: «و يتوجّه على الاستدلال بصحيحة زرارة و نظائرها- ممّا وقع به التعبير بأنّ في كلّ خمسين حقّة، و في كلّ أربعين ابنة لبون- أن المقصود بذلك بيان أنّ الإبل إذا كثرت و تجاوزت عن المائة و العشرين، لا يتعلّق النصاب بخصوص عدد المجموع، بل يلاحظ العدد خمسين خمسين، و أربعين أربعين، فيخرج الفريضة منه على ما يقتضيه ذلك العدد، بهذه الملاحظة. فالنّصاب- حينئذ- كلّ خمسين، و كلّ أربعين ... فكلّ جزء يفرض منه بالغا حدّ الأربعين فهو موجب لثبوت ابنة لبون فيه للفقير، و كلّ ما يفرض بالغا حد الخمسين فهو سبب لثبوت حقّة فيه، و لكن لا على سبيل الاجتماع، بل على سبيل التبادل، إذا المال الواحد لا يزكى مرّتين. فالمراد بهذه العبارة أنّ الزكاة الواجبة في هذا المال هي ما إذا قيست إلى كلّ أربعين أربعين، تقع ابنة لبون- في كلّ أربعين- مصداقا لها، بمعنى أنّه يحصل بدفعها إلى المستحقّ الخروج عن عهدة ما في كل أربعين من هذا العدد، و إذا قيست إلى كلّ خمسين خمسين فدفع حقّة عن كلّ منها، كذلك، فهو مخيّر في إخراج أيّهما شاء، إذا أمكن الخروج عن عهدة جميع ما ثبت في هذا المال، بأيّ من العددين، كما إذا كان كلّ من العددين عادّا للجميع، كما في المائتين و الأربعمائة، و إلّا تعيّن عليه الأخذ بما يحصل به الاستيعاب إن كان، و إلّا فالأكثر استيعابا. لأنّا إذا فرضنا المجموع مائة و خمسين، فقد تعلّقت الزكاة بمجموعها، لأنّ المجموع ثلاث مصاديق للخمسين،

و قد دلّت الأدلّة- بأسرها- على أنّ في كلّ خمسين حقّة، فلا عفو في هذا العدد، فلو عمل فيه بعموم قوله «في كلّ أربعين ابنة لبون»، لزم بقاء ثلاثين منه غير مزكّى، مع كونها جزء من النصّاب الآخر، لأنّ هذا العموم لا يقتضي إلّا كون ثلاث بنات لبون مجزية عمّا في هذا العدد من الأربعينات الثلاث، و أمّا كون الثلاثين الزائدة عليها عفوا- مع كونها جزء من النصاب الآخر- فليس من مقتضيات هذا العموم، فيجب في مثل الفرض- مقدّمة للخروج عن عهدة الزكاة الثابتة في الجميع- احتسابها خمسين خمسين. و من هنا يظهر الحال في الفرض الّذي حصل الاستيعاب بهما معا، أو كان أحدهما أكثر استيعابا، فإن مقتضى إطلاق سببيّة كلّ من الأربعين و الخمسين لثبوت موجبه، عدم الخروج عن عهدة الزكاة المفروضة في مجموع هذا المال، إلّا بالأخذ بما يحصل به الاستيعاب، مع الإمكان، و إلّا فالأكثر استيعابا ...»

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 273

..........

______________________________

- عند بلوغ الإبل الحدّ المذكور- يكون كليّا، و إلّا فلو قلنا بأنّ النصاب بعد ذلك يكون هو الأربعين أو الخمسين، على وجه التخيير، بمعنى أنّ الخيار فيه للمالك، فإن شاء عدّه بأربعين، كان النصاب حينئذ هو ذلك، فكانت الزكاة متعلّقة بما في الإبل من الأربعينات، و يكون المقدار الزائد على ذلك معفوّا عنه، و إن شاء عدّه بخمسين، كان ذلك هو النصاب، و كانت الزيادة عليه معفوّا عنها.

و الحاصل: أنّ ما أفاده قدّس سرّه لا يتمّ إلّا بعد إثبات أنّ النصاب حينئذ يكون كليّا، و أنّ التخيير إنّما هو في مقام الخروج عن العهدة، و مع إثبات ذلك لا تبقى حاجة إلى الوجه المذكور أصلا،

كما لا يخفى.

و المتحصّل، أنّ التخيير إنّما يثبت في ما إذا كان كلّ من الأربعين و الخمسين مستوعبا للعدد، كما في المائتين، و إلّا تعيّن أحدهما إن حصل الاستيعاب به، و إلّا فبالاثنين معا إن توقّف على ذلك، كما في المائة و السبعين مثلا، فيعدّها بالأربعين و الخمسين معا، لاشتمالها على ثلاثة أربعينات، و خمسين واحد. و على هذا، فلا يكون العفو إلّا فيما بين العقود، كما في المائة و إحدى و خمسين، إلى مائة تسع و خمسين، و نحو ذلك، كما هو ظاهر. و من ذلك كلّه يظهر الحال فيما أفاده المصنّف قدّس سرّه، فلاحظ و تأمّل.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 274

[مسألة 1: في النصاب السادس، إذا لم يكن عنده بنت مخاض، يجزى عنها ابن اللبون]

[مسألة 1]: في النصاب السادس، إذا لم يكن عنده بنت مخاض، يجزى عنها ابن اللبون (84). بل لا يبعد إجزاؤه عنها اختيارا أيضا (85).

______________________________

(84) بلا خلاف فيه ظاهرا «1»، بل قيل بكونه موضع وفاق العلماء «2» و يدلّ عليه صحيح زرارة المتقدّم «3»: «فإن لم يكن عنده ابنة مخاض فابن لبون ذكر ... «4»»،

و صحيح أبي بصير: «فإن لم يكن ابنة مخاض فابن لبون ذكر ...»، و صحيح زرارة الاخر، عن أبي جعفر عليه السّلام: «و من وجبت عليه ابنة مخاض و لم تكن عنده و كان عنده ابن لبون ذكر، فإنه يقبل منه ابن لبون ... «5»».

______________________________

(1)- النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 116، ط النجف الأشرف.

(2)- العلّامة الحلّي، الحسن بن يوسف: تذكرة الفقهاء، ج 1: ص 208، ط إيران الحجريّة.

(3)- تقدّم في 259.

(4)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 2: زكاة الأنعام، ح 2.

(5)- المصدر/ باب 13: زكاة الأنعام، ح

1.

اقول: و الظاهر- و اللّه العالم- أنّ ذلك من كلام شيخنا الصدوق قدّس سرّه، و قد أخذ من رواية زمعة بن سبيع، عن أمير المؤمنين عليه السّلام، في كتابه الّذي كتبه عليه السّلام له، حين بعثه على الصدقات، و فيه: «و من لم يكن عنده ابن مخاض على وجهها، و عنده ابن لبون ذكر، فانّه يقبل منه ابن لبون ...» (الكليني، محمّد بن يعقوب: الفروع من الكافي، ج 3: ص 504، ط دار الكتب الإسلاميّة، طهران [و] الحرّ العاملي: وسائل الشيعة/ باب 13: زكاة الأنعام، ح 2)، و ليس هو من تتمّة رواية زرارة الّتي رواها الصدوق قدّس سرّه في «من لا يحضره الفقيه» (ج 2: ص 23، ط مكتبة الصدوق، طهران) فلاحظ.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 275

..........

______________________________

(85) كما حكي ذلك عن «القواعد «1»» و غيره «2»، بل حكي عن «إيضاح النافع»: نسبته إلى المشهور «3»، و قوّاه في «الجواهر» أيضا، معلّلا بقيام علوّ السنّ مقام الأنوثة «4». إلّا أنّ من الظاهر عدم صلاحيّة التعليل المذكور و ما شاكله من الوجوه الاستحسانيّة لإثبات الأحكام الشرعيّة.

و الصحيح أن يقال: إنّ ما أفاده قدّس سرّه إنّما يتمّ على تقدير الالتزام بجواز تبديل الفريضة- في الأنعام- بغيرها، مطلقا، و لو بغير النقدين. إلّا أنّه على هذا لا يختصّ ذلك بابن اللّبون، بل يجزي عن بنت مخاض كلّ ما يساوى الفريضة في القيمة، حتى و لو كان ذلك من غير الأنعام، من سائر الأجناس، و إلّا فمع الغضّ عن ذلك- كما هو ظاهر المتن- فلا دليل على الإجزاء في حال الاختيار. و حينئذ فالقول بذلك لا يخلو عن بعد و إشكال.

______________________________

(1)- الحلّي، الحسن بن

يوسف: قواعد الأحكام، ج 1: ص 336، ط جامعة المدرّسين، قم.

(2)- جمال الدين، مقداد بن عبدا اللّه (الفاضل المقداد): التنقيح الرائع، ج 2: ص 306، منشورات مكتبة آية اللّه المرعشي رحمه اللّه، قم.

و نصّ كلامه: «الفتوى على الإجزاء مطلقا، اختيارا و اضطرارا ...».

(3)- النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 117، ط النجف الأشرف.

(4)- المصدر.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 276

و إذا لم يكونا معا عنده تخيّر في شراء أيّهما شاء (86).

______________________________

(86) كما هو صريح «الشرائع «1»»، بل ظاهر كلام المحقّق «2» و العلّامة «3» في جملة من كتبه- كما قيل «4» إنّه موضع وفاق بين علمائنا و أكثر العامّة «5» لإطلاق دليل البدليّة. و عن المحقّق قدّس سرّه في «المعتبر «6»»: القول بتعيّن شراء ابنة مخاض عن مالك «7»، و في «الجواهر «8»» حكاه عن «البيان «9»»، و نقل عن المحقّق الأردبيلي قدّس سرّه «10» الميل إليه.

و قد يوجّه القول «11» بجواز شراء ابن اللبون، بدعوى: أنّ المستفاد من

______________________________

(1)- المحقّق الحلّي، جعفر بن الحسن: شرائع الاسلام/ تحقيق: عبد الحسين محمّد علي البقّال، ج 1: ص 146، ط الأولى.

(2)- المصدر.

(3)- العلامة الحلي، الحسن بن يوسف: تذكرة الفقهاء، ج 1: ص 208، ط إيران الحجريّة؛ نهاية الأحكام، ج 2: ص 325، مؤسّسة اسماعيليان، قم.

(4)- الفقيه الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3/ كتاب الزكاة: ص 35، ط إيران الحجريّة.

(5)- نسب العلّامة قدّس سرّه هذا القول- في «التذكرة»- إلى الشافعيّ. لاحظ- تذكرة الفقهاء، ج 1: ص 208، ط إيران الحجريّة.

(6)- المحقّق الحلّي، جعفر بن الحسن: المعتبر، ج 2: ص 515، ط مؤسّسة سيد الشهداء عليه السّلام، قم؛ العلّامة الحلّي، الحسن

بن يوسف: تذكرة الفقهاء، ج 1: ص 208، ط إيران الحجريّة.

(7)- ابن قدامة، عبد اللّه بن احمد: المغني، ج 2: ص 447، افست دار الكتاب العربي، بيروت.

(8)- النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 117، ط النجف الأشرف.

(9)- الشهيد الأول، محمد بن مكّى: البيان/ تحقيق: الشيخ محمّد الحسّون، ص 286.

(10)- المقدّس الأردبيلى، الشيخ احمد: مجمع الفائدة و البرهان، ج 4: ص 80، ط جامعة المدرّسين، قم.

(11)- النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 117، ط النجف الأشرف.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 277

..........

______________________________

النصوص المتقدّمة إنّما هو جواز إعطاء ابن اللبون إذا لم تكن عنده ابنة مخاض، و هذا المعنى صادق في الفرض المذكور قطعا، فإنّه إذا اشترى ابن اللبون صدق عليه أنّه كان عنده ابن اللبون و لم تكن عنده ابنة مخاض. إلّا أنّ هذا التوجيه ممّا لا مجال له أصلا، و ذلك لتقييد جواز إعطاء ابن اللبون في أحد صحيحى زرارة- كما مرّت الإشارة إلى ذلك «1»- بما إذا كان عنده ابن لبون، قال عليه السّلام: «و من وجبت عليه ابنة مخاض و لم تكن عنده، و كان عنده ابن لبون ذكر، فإنّه يقبل منه ابن لبون ...»، و مقتضى ذلك هو عدم جواز إعطاء ابن اللبون في مثل المقام، إذ لا يصدق عليه- قبل شراء ابن اللّبون- أنّه «كان عنده ابن لبون»، كما لا يخفى.

و التحقيق أن يقال: إنّه ينبغي الكلام في المسألة من جهتين:

الأولى: من جهة الأصل العمليّ، و أنّ مقتضاه هو التعيين أو التخيير؟ و الظاهر أنّ مقتضى الأصل في المقام إنّما هو التعيين، و إن قلنا بالتخيير في سائر موارد الدوران بين

التعيين و التخيير، و وجهه: أنّ الواجب على المكلّف أوّلا و بالذات إنّما هو ابنة مخاض، غاية ما هناك أنّ الدليل قام على بدليّة ابن اللبون عنها، و بما أنّ دليل البدليّة خاصّ بمورد وجود ابن اللبون، بمعنى أنّه القدر المتيقّن به كما في المقام، يكون مقتضى إطلاق ما دلّ على وجوب ابنة مخاض، إنّما هو تعيّن شرائها. و على الإجمال، حيث أنّ الإطلاق المقتضي لوجوب ابنة مخاض في محلّ الكلام موجود، فلا مجال للالتزام فيه بالتخيير، بدعوى: أنّ الجامع معلوم، و الخصوصيّة مجهولة، فيجرى فيها الأصل، فإنّ الإطلاق المفروض في المقام يصلح للبيانيّة على الخصوصيّة، كما لا يخفى. هذا ما يقتضيه الأصل العمليّ.

الثانية: من جهة الأدلّة الاجتهاديّة. و لا يخفى أنّ النصوص في هذا الباب

______________________________

(1)-- ص 262.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 278

[أمّا في البقر فنصابان]

و أمّا في البقر فنصابان (87):

______________________________

تكون على طائفتين:

إحداهما- ما تدلّ على إجزاء ابن اللبون- مطلقا- عند عدم وجود ابنة مخاض، كصحيح زرارة، و صحيح ابى بصير المتقدّمين «1».

و الأخرى- ما دلّت على الاجتزاء فيما إذا كان ابن اللبون موجودا عنده في ذلك الحال، كالصحيحة الثانية لزرارة، المتقدّم «2» ذكرها أيضا، و مقتضى الصناعة حينئذ إنّما هو تقييد الطائفة الأولى بالثانية، فينتج عدم الإجزاء إلّا في فرض وجود ابن اللبون، فإذا لم يكن موجودا عنده- كما في المقام- كان عليه شراء ابنة مخاض، و لم يجز له شراء ابن اللبون، لفرض عدم كونه مجزيا حينئذ عن الفريضة، كما هو ظاهر. و منه يظهر ما في كلام المصنّف قدّس سرّه، فلاحظ.

(87) بلا إشكال و لا خلاف. و في «الحدائق «3»»: «فعليه الإجماع، نصّا و فتوى، و يدلّ عليه

صحيح الفضلاء، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه عليهما السّلام، قالا: «في البقر، في كلّ ثلاثين بقره تبيع حولي، و ليس في أقلّ من ذلك شي ء، و في أربعين بقرة مسنّة، و ليس فيما بين الثلاثين إلى الأربعين شي ء حتّى تبلغ أربعين، فإذا بلغت أربعين ففيها بقرة مسنّة، و ليس فيما بين الأربعين إلى الستّين شي ء، فإذا بلغت الستّين، ففيها تبيعان إلى السبعين، فإذا بلغت السبعين ففيها تبيع و مسنّة إلى الثمانين، فإذا

______________________________

(1)-- ص 274.

(2)-- ص 274.

(3)- البحراني، الشيخ يوسف: الحدائق الناظرة، ج 12: ص 55، ط النجف الأشرف.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 279

الأوّل: ثلاثون، و فيها تبيع أو تبيعة (88)، و هو ما دخل في

______________________________

بلغت الثمانين ففي كلّ أربعين مسنّة إلى تسعين، فإذا بلغت تسعين ففيها ثلاث تبايع حوليّات، فإذا بلغت عشرين و مائة ففي كلّ أربعين مسنّة، ثمّ ترجع البقر إلى أسنانها، و ليس على النيّف شي ء، و لا على الكسور شي ء، و لا على العوامل شي ء، إنّما الصدقة على السائمة الراعية- الحديث «1»».

(88) كما هو المشهور «2» و المذكور في النصّ إنّما هو التبيع «3»، و اقتصر على ذلك ابن أبي عقيل، و عليّ بن بابويه «4» و أمّا التبيعة فلم يرد ذكرها في ذلك «5»، و لا في شي ء من النصوص الأخر، و حينئذ فجواز إعطائها ممّا لا يخلو عن إشكال. و قد

______________________________

(1)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 4: أبواب زكاة الأنعام، ح 1.

(2)- العلّامة، الحسن بن يوسف: مختلف الشيعة، ج 3: ص 178، ط جامعة المدرسين، قم؛ الشهيد الثاني، زين الدين: مسالك الأفهام، ج 1: ص 365، ط مؤسّسة

المعارف الاسلامية، قم.

(3)- كما في رواية «الكافي» (- الكليني: الفروع من الكافي، ج 3/ باب صدقة البقر:

ص 534 ح 1/، ط دار الكتب الاسلامية، طهران؛ الطوسي: التهذيب، ج 4/ باب زكاة البقر: ص 24/ ح 1، ط النجف الأشرف).

(4)- العلّامة الحلّي، الحسن بن يوسف: مختلف الشيعة، ج 3: ص 178، ط جامعة المدرسين، قم.

(5)- غير أن المحقّق الحلي رحمه اللّه رواها في «المعتبر»: «في البقر، في كل ثلاثين تبيع، أو تبيعة ...» (المحقّق، جعفر بن الحسن: المعتبر، ج 2: ص 502، ط مؤسّسة سيد الشهداء عليه السّلام، قم).

و علّق عليه صاحب «الحدائق» رحمه اللّه- بعد نقل رواية «المعتبر»- بقوله: «و أمّا ما نقلناه عن «المعتبر» ففي النفس منه شي ء، من حيث عدم تعرّض أحد لنقل ذلك بالكليّة، مع تكرّر النقل عن «المعتبر» في كتب الأصحاب، في نقل الأقوال و الفتاوى ...» (البحراني، الشيخ يوسف: الحدائق الناظرة، ج 12: ص 57، ط النجف الأشرف).

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 280

السنة الثانية (89).

______________________________

يقال: إن التبيعة أنفع بحال الفقير «1»، و ذكر التبيع في الروايات لا يدلّ على الموضوعيّة فيه و إنّما هو لتعيين الصّنف «2». و لكنّه وجه استحساني لا يحسن الاعتماد عليه في رفع اليد عمّا هو ظاهر النصّ «3».

(89) كما هو صريح «الشرائع «4»»، بل قيل «5»: إنّه عند الأصحاب- أيضا- كذلك.

و عن «المدارك «6»»: «ذكر الجوهري «7» و غيره «8»: أنّ التّبيع ولد البقر في السنة الأولى، و إنّما اعتبر فيه تمام الحول، لقوله عليه السّلام- في حسنة الفضلاء-: «في كلّ ثلاثين بقرة تبيع حولي ...». و كيف كان، فلا إشكال في الحكم، إمّا لأنّ التبيع هو

______________________________

(1)- النجفي، الشيخ

محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 115، ط النجف الأشرف.

(2)- الفقيه الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3/ كتاب الزكاة: ص 35.

(3)- العلامة الحلي، الحسن بن يوسف: منتهى المطلب، ج 1: ص 488، ط إيران الحجريّة.

قال: «و في الأخرى: التبيعة، للأحاديث. و لأنّها أفضل بالدّر و النسل».

(4)- المحقق الحلّي، جعفر بن الحسن: شرائع الإسلام/ تحقيق: عبد الحسين محمّد علي البقّال، ج 1: ص 147.

قال قدّس سرّه: «و التبيع: هو الذي تمّ له حول».

(5)- القائل هو الأصبهاني في شرح اللّمعة (النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15:

ص 124، ط النجف الأشرف).

(6)- العاملي، السيّد محمّد: مدارك الأحكام، ج 5: ص 89، مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام، قم.

(7)- الجوهري، إسماعيل بن حمّاد: صحاح اللغة، ج 3: ص 1190، دار العلم للملايين، بيروت.

و نصّ عبارته: «و التبيع: ولد البقر في أوّل سنة، و الأنثى تبيعة، و الجمع تباع و تبائع ...».

(8)- ابن منظور، محمد بن مكرم: لسان العرب، ج 8: ص 29، ط دار صادر، بيروت؛ الفيروزآبادي، محمّد بن يعقوب: القاموس المحيط، ج 3: ص 8، افست دار الفكر، بيروت.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 281

الثاني: أربعون، و فيها مسنّة (90)، و هي الداخلة في السنة الثالثة (91)، و فيما زاد يتخيّر بين عدّ ثلاثين ثلاثين و يعطي

______________________________

ذلك لغة «1». أو لأنّ المراد به في المقام هو ذلك، بدليل الرواية المذكورة، فإن الحولي لا يقال إلّا لمن حال عليه الحول و دارت عليه السنّة، فيكون المراد بالتبيع، بمقتضى التوصيف المذكور، هو ما تمّ له السنة الأولى و دخل في الثانية.

(90) بلا خلاف، بل ادّعي عليه الإجماع «2» و يقتضيه الصحيح المتقدم.

(91) كما ذكره

جماعة من العلماء «3» مرسلين إيّاه إرسال المسلّمات «4»، بل ادّعي، عليه الإجماع «5».

______________________________

(1)- الأزهري، محمد بن أحمد: تهذيب اللغة/ تحقيق: محمّد علي النجّار، ج 2: ص 283.

و نصّ كلامه: «قلت: قول الليث: التبيع: المدرك، و هم، لأنّه يدرك إذا أثنى، أي: صار ثنيّا، و التبيع من البقر يسمّي تبيعا حين يستكمل الحول، و لا يسمّى تبيعا قبل ذلك ...».

(2)- العلامة الحلّي، الحسن بن يوسف: تذكرة الفقهاء، ج 1: ص 209، ط إيران الحجريّة؛ العاملي، السيد محمّد جواد: مفتاح الكرامة، ج 3/ كتاب الزكاة: ص 62.

(3)- العاملي، السيد محمّد جواد: مفتاح الكرامة، ج 3/ كتاب الزكاة: ص 63.

(4)- العلامة الحلّي، الحسن بن يوسف: تذكرة الفقهاء، ج 1: ص 213، ط إيران الحجريّة.

و نصّ كلامه قدّس سرّه: «و أسنان البقر- إلى أن قال:- فإذا كمل سنتين و دخل في الثالثة، فهو:

ثنّي، و ثنيّة، و هي «المسنّة» شرعا ...».

(5)- الفيض الكاشاني، محمّد محسن: مفاتيح الشرائع، ج 1: ص 199، نشر مجمع الذخائر

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 282

تبيعا، أو تبيعة، و أربعين أربعين و يعطي مسنّة (92).

______________________________

(92) الحكم في المقام هو ما تقدّم في النّصاب الأخير من نصب الإبل و هو التخيير- بالمعنى التالي: فإذا كان كلّ منهما عادّا- كالمائة و العشرين- اختار أيّا منهما، و إذا اختصّ أحدهما- من الثلاثين أو الأربعين- بالعدّ تعيّن ذلك، و إذا كان العدّ بالتلفيق- كالسبعين- اختار ذلك. و لا مجال للإشكال في الحكم المذكور أصلا،

و لا مجال للإشكال فى الحكم المذكور أصلا بعد صراحة الصحيحة المتقدّمة «1» في ذلك، و نتيجة التخيير على هذا النحو، هو: أنّ المعفوّ يختصّ بالنّيف فقط، إلّا في الخمسين، فإنّه- على

كلّ حال- مستثنى من ذلك، فيكون المعفوّ عنه فيه هو العشرة، بناء على تعيّن العدّ بأربعين، كما هو الصحيح، كما لا يخفى.

______________________________

الاسلاميّة، قم.

و نصّ عبارته: «المسنة- شرعا- ما دخلت في الثالثة، بالإجماع، و لم نقف- فى اللغة- على مدلولها».

أقول: قال الأزهري: «و البقرة و الشاة يقع عليهما اسم المسنّ إذا أثنيا، فاذا سقطت ثنيتها بعد طلوعها فقد أسنّت. و ليس معنى إسنانها كبرها كالرّجل، و لكن معناه: طلوع ثنيّتها.

و تثنى البقرة في السنة الثالثة، و كذلك المعزى تثنى في الثالثة ...» (الأزهري، محمد بن أحمد: تهذيب اللغة، ج 12: ص 299، الدار المصرية للتأليف و النشر [و] لاحظ- أيضا-- ابن الاثير: النهاية/ تحقيق: محمود محمد الطناجي [و] طاهر أحمد الزاوى، ج 2:

ص 413).

(1)-- ص 278.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 283

[أمّا فى الغنم، فخمسة نصب]

و أمّا فى الغنم، فخمسة نصب:

الأوّل: أربعون، و فيها شاة (93).

________________________________________

قمّى، سيد محمد حسينى روحانى، المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، 3 جلد، مؤسسة الجليل للتحقيقات الثقافية (دار الجلي)، تهران - ايران، اول، 1418 ه ق

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة؛ ج 1، ص: 283

الثاني: مائة و إحدى و عشرون، و فيها شاتان.

______________________________

(93) كما هو المشهور «1»؛ بل ادّعي الإجماع عليه «2»، و لم ينقل الخلاف في ذلك عن أحد إلّا ما نسب إلى الصدوقين «3» قدّس سرّهما: من اعتبار زيادة الواحد في النصاب الأوّل، إذ جعلاه واحد و أربعين. و يمكن أن يكون مستندهما في ذلك ما في «الفقه الرضويّ «4»»، لأنّ عبارة الصدوق قدّس سرّه في المقام هي بعينها عبارة الفقه الرضوي، فيعلم منه أن مستنده هو ذلك، و أيضا ما رواه في «الخصال» بإسناده عن

الأعمش، في حديث شرائع الدين، عن جعفر بن محمّد عليهما السّلام، قال: «و تجب على الغنم الزكاة إذا بلغ أربعين شاة و تزيد واحدة، فيكون فيها شاة، إلى عشرين و مائة ... «5»». إلّا أنّ في كليهما ما لا يخفى على المتأمّل، أمّا «الفقه الرضوي» فلم

______________________________

(1)- العلّامة، الحسن بن يوسف: مختلف الشيعة، ج 3: ص 180، ط جامعة المدرّسين، قم.

(2)- العلامة الحلّي، الحسن بن يوسف: منتهى المطلب، ج 1: ص 489، ط إيران الحجريّة.

و نصّ كلامه قدّس سرّه: «و قد أجمع كلّ من يحفظ عنه العلم: أنّ أوّل نصب الغنم أربعون ...»

(3)- الصدوق، محمّد بن على بن الحسين: المقنع، ص 50، نشر مؤسّسة مطبوعات دار العلم، قم؛ الهداية، ص 42.

و نسب ذلك إلى والد الصدوق رحمه اللّه، أيضا. قال العلّامة الحلّي قدّس سرّه: «و قال ابنا بابويه قدّس سرّهما:

ليس على الغنم شي ء حتى يبلغ أربعين، فإذا بلغت أربعين و زادت واحدة، ففيها شاة ...» (العلّامة، الحسن بن يوسف: مختلف الشيعة، ج 1: ص 181، ط جامعة المدرسين، قم).

(4)- قال: «و ليس على الغنم الزكاة حتى تبلغ أربعين شاة، فإذا زادت على الأربعين واحدة ففيها شاة ...» (الفقه الرضوي/ تحقيق: مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام، ص 196، قم).

(5)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 10: ما تجب فيه الزكاة و ...، ح 1.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 284

الثالث: مائتان و واحدة، و فيها ثلاث شياه (94).

______________________________

يثبت كونه رواية، فضلا عن اعتبار السند. و أمّا رواية «الخصال»، فهي ضعيفة السند. و كيف كان، فقد أدّعي الإجماع، صريحا «1»، و ظاهرا «2»- كما حكي- على خلاف ما ذهب إليه الصدوقان

قدّس سرّهما، و يدلّ عليه صحيح الفضلاء، الآتي ذكره إن شاء اللّه تعالى.

(94) قيل «3»: إجماعا صريحا، كما عن «التذكرة «4»» و «المنتهى «5»» و «المفاتيح «6»» و ظاهرا، كما عن «الغنية «7»»، و «الرياض «8»» و «الخلاف «9»» و يدلّ عليه صحيح الفضلاء الآتي.

______________________________

(1)- العلامة الحلّي، الحسن بن يوسف: منتهى المطلب، ج 1: ص 489، ط إيران الحجريّة؛ الفيض الكاشاني، محمد محسن: مفاتيح الشرائع، ج 1: ص 199، نشر مجمع الذخائر الاسلامية، قم.

(2)- الطوسي، محمّد بن الحسن: الخلاف، ج 2: ص 21، ط جامعة المدرسين، قم؛ الطباطبائي، السيّد علي: رياض المسائل، ج 5: ص 62، ط جامعة المدرسين، قم؛ ابن زهرة، حمزة بن عليّ: غنية النزوع، ص 568، ط إيران الحجريّة [ضمن «الجوامع الفقهيّة»].

(3)- العاملي، السيد محمد جواد: مفتاح الكرامة، ج 3/ كتاب الزكاة: ص 64.

(4)- العلامة الحلّي، الحسن بن يوسف: تذكرة الفقهاء، ج 1: ص 120، ط إيران الحجريّة.

(5)- العلامة الحلّي، الحسن بن يوسف: منتهى المطلب، ج 1: ص 489، ط إيران الحجريّة.

(6)- الفيض الكاشاني، محمد محسن: مفاتيح الشرائع، ج 1: ص 199، نشر مجمع الذخائر الاسلامية، قم.

(7)- ابن زهرة، حمزة بن عليّ: غنية النزوع، ص 568، ط إيران الحجريّة.

(8)- الطباطبائي، السيد علي: رياض المسائل، ج 5: ص 62، ط جامعة المدرسين، قم- إيران.

(9)- الطوسي، محمّد بن الحسن: الخلاف، ج 2: ص 21، ط جامعة المدرسين، قم- إيران.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 285

الرابع: ثلاثمائة و واحدة، و فيها أربع شياه.

الخامس: أربعمائة فما زاد، ففي كل مائة شاة (95).

______________________________

(95) كما هو الأشهر، بل المشهور، بل عن «الخلاف «1»»، و ظاهر «الغنية «2»»- كما في «الجواهر «3»»- دعوى الإجماع عليه.

و يدلّ عليه صحيح الفضلاء، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه عليهما السّلام: «في الشاة، في كلّ أربعين شاة، و ليس فيما دون الأربعين شي ء، ثمّ ليس فيها شي ء حتّى تبلغ عشرين و مائة، ففيها مثل ذلك شاة واحدة، فإذا زادت على مائة و عشرين، ففيها شاتان، و ليس فيها أكثر من شاتين حتّى تبلغ مائتين، فإذا بلغت المائتين ففيها مثل ذلك، فإذا زادت على المائتين شاة واحدة ففيها ثلاث شياه، ثم ليس فيها شي ء أكثر من ذلك حتّى تبلغ ثلاثمائة، فإذا بلغت ثلاثمائة ففيها مثل ذلك ثلاث شياه، فإذا زادت واحدة ففيها أربع شياه، حتّى تبلغ أربعمائة، فإذا تمّت أربعمائة، كان على كلّ مائة شاة، و سقط الأمر الأوّل. و ليس على ما دون المائة بعد ذلك شي ء، و ليس في النيّف شي ء ... «4»».

و عن جملة من الأجلّاء، كالشيخ المفيد «5»، و المرتضى «6»، و الصدوق «7»، و

______________________________

(1)- الطوسي، محمّد بن الحسن: الخلاف، ج 2: ص 21، ط جامعة المدرسين، قم.

(2)- ابن زهرة، حمزة بن علي: غنية النزوع، ص 568، ط إيران الحجريّة.

(3)- النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 84، ط النجف الأشرف.

(4)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 6: زكاة الأنعام، ح 1.

(5)- المفيد، محمّد بن محمّد بن النعمان: المقنعة، ص 238، ط جامعة المدرسين، قم.

(6)- المرتضى، عليّ بن الحسين: جمل العلم و العمل/ تحقيق: رشيد الصفّار، ص 126.

(7)- الصدوق، محمد بن على بن الحسين: المقنع، ص 50؛ الهداية، ص 43، ط مؤسّسة

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 286

..........

______________________________

ابن أبي عقيل «1»، و سلّار «2»، و ابن حمزة «3»، و ابن

إدريس «4»- قدّس اللّه أسرارهم- إنكار النصاب الخامس، و القول بأنّ النّصاب الأخير في الغنم هو ثلاثمائة و واحدة، و أنّ الواجب- حينئذ- في كلّ مائة شاة، فتكون نصب الغنم- على قولهم- أربع، و يكون الواجب عندهم في ثلاثمائة و واحدة: هو ثلاث شياه، خلافا للمشهور، حيث أوجبوا فيها أربع شياه، و جعلوا النصاب الأخير للغنم أربعمائة، و أوجبوا- حينئذ- في كلّ مائة شاة. و الثمرة بين القولين إنّما تظهر في ثلاثمائة و واحدة، اذ بناء على كون النصب أربعة يجب فيها ثلاث شياه، و على الخمسة تجب أربع شياه.

و قد استدلّ لهذا القول بصحيح محمد بن قيس عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال:

«ليس فيما دون الأربعين من الغنم شي ء، فإذا كانت أربعين ففيها شاة إلى عشرين و مائة، فإذا زادت واحدة ففيها شاتان إلى المائتين، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث من الغنم إلى ثلاثمائة، فإذا كثرت الغنم، ففي كلّ مائة شاة- الحديث «5»».

و قد يقال: بأنّ الخبرين غير متكافئين من حيث السند، و التعارض فرع التكافؤ. و قد يقرّب «6» عدم التكافؤ بينهما، بالمناقشة في سند خبر محمّد بن

______________________________

مطبوعات دار العلم، قم؛ من لا يحضره الفقيه، ج 2: ص 27، ط مكتبة الصدوق، طهران.

(1)- العلامة الحلّي، الحسن بن يوسف: مختلف الشيعة، ج 3: ص 179، ط جامعة المدرسين، قم.

و لم نعثر على مصدر لهذا القول سوى الكتاب المذكور.

(2)- سلّار، حمزة بن عبد العزيز: المراسم/ تحقيق: الدكتور محمود البستاني، ص 131.

(3)- ابن حمزة، محمد بن عليّ: الوسيلة/ تحقيق الشيخ محمد الحسّون، ص 126، منشورات مكتبة آية اللّه المرعشي رحمه اللّه، قم- ايران.

(4)- ابن إدريس، محمّد بن منصور: السّرائر، ج 1: صص 450- 451،

ط النشر الإسلامي، قم.

(5)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 6: زكاة الأنعام، ح 2.

(6)- العلّامة الحلّي، الحسن بن يوسف: مختلف الشيعة، ج 3: ص 180، ط جامعة المدرسين، قم.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 287

..........

______________________________

قيس، بدعوى أنّه مشترك بين أربعة، أحدهم ضعيف، و لعلّ الموجود في السند هو الضعيف، و هذا ممّا يسقط الخبر عن درجة الاعتبار. كما أنّه قد يقرّب ذلك «1» بالمناقشة في صحيح الفضلاء، بدعوى «2»: أنّ في السّند: إبراهيم بن هاشم، و هو غير منصوص على وثاقته في الكتب الرجاليّة، بل هو ممدوح حسن، فتصبح الرواية- على هذا- حسنة، و الحسنة لا تكافئ الصحيحة.

و الصحيح: عدم ورود شي ء من المناقشتين. أمّا «3» في صحيح محمد بن قيس، فلأنّ المستفاد من كلام النجاشيّ «4» و الشيخ «5» هو: أنّ من يروى عنه عاصم بن حميد، إنّما هو محمد بن قيس البجلّي الثقة «6» و لأجل ذلك يقال: إنّ

______________________________

(1)- العلامة الحلّي، الحسن بن يوسف: منتهى المطلب، ج 1: ص 489، ط الحجرية- إيران.

و نصّ كلامه: «إنّ طريق حديثنا- و يعنى به: صحيح محمد بن قيس- أصحّ من طريق حديثهم- و يعنى به: صحيح الفضلاء».

(2)- البحراني، الشيخ يوسف: الحدائق الناضرة، ج 12: ص 60، ط النجف الأشرف؛ الفقيه الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3: ص 25، ط إيران الحجريّة (و التقريب المذكور في المتن الأخير).

(3)- العاملي، السيد محمد: مدارك الاحكام، ج 5: ص 62، ط مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام، قم.

(4)- النجاشي، أحمد بن علي: رجال، ص 323، ط جامعة المدرسين، قم [و] ج 2:

ص 198- 199، ط دار الاضواء، بيروت.

(5)- الطوسي، محمّد بن الحسن:

الفهرست، ص 313، افست طبع اسيرنگر، الهند (منشورات جامعة مشهد).

(6)- قال المحقّق الخوئى رحمه اللّه: «إنّ محمد بن قيس، الّذي روى عن أحدهما عليهما السّلام، أحد اشخاص:

محمد بن قيس، أبو أحمد، الأسدي، و هو ضعيف. و محمد بن قيس، أبو عبد اللّه، الأسدي، و هو ممدوح. و محمّد بن قيس، أبو عبد اللّه، البجلّي، و هو ثقة. و محمد بن قيس، أبو قدامة، الأسدي، و هو مهمل. و محمد بن قيس، أبو نصر الأسدي، و هو ثقة. و محمّد بن قيس، الأنصاري، و هو مهمل. لكنّ الرجلين منهم- و هما: محمد بن قيس البجلّي، و محمد بن قيس، أبو نصر الأسدي- معروفان مشهوران، و لهما كتاب «القضايا» و لا شك في

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 288

..........

______________________________

محمّد بن قيس، الواقع في هذا الخبر، إنّما هو الثقة، لرواية عاصم بن حميد عنه. و أمّا صحيح الفضلاء، فلأنّ هاشم- و هو أبو ابراهيم بن هاشم- و إن لم ينصّ على توثيقه في الكتب الرجاليّة، إلّا أنّ جلالة شأنه، و كثرة رواياته، و اعتماد ابنه- اي:

ابراهيم- و الكليني، و الشيخ، و اضرابهم من العلماء و المحدّثين عليه، ممّا يجعله في غنى عن توثيق الرجاليين. بل قيل: «هو أوثق في النفس من أغلب الموثّقين الّذين لم تثبت وثاقتهم إلّا بظنون اجتهاديّة غير ثابتة الاعتبار. بل قيل: إنّه لا مجال للمناقشة في خصوص هذه الرواية، الّتي هي من أوثق الروايات المعمول بها لدى الأصحاب في جلّ فقراتها، حتى إنّ مثل السيد المرتضى قدّس سرّه الّذي لا يرى حجّية أخبار الآحاد اعتمدها و اعتبرها حجة ... «1»».

و قد يناقش- أيضا- في صحيح الفضلاء، كما عن «المدارك «2»»:

بأنّ الصحيح مشتمل على ما هو مخالف لما عليه الأصحاب، لدلالته على أنّ النصاب الثاني في الغنم إنّما هو عشرين و مائة، لقوله عليه السّلام: «و ليس فيما دون الأربعين

______________________________

انصراف محمد بن قيس- عند الإطلاق- إلى أحدهما دون الآخرين غير المعروفين، و بما أن عاصم بن حميد، روى كتاب كل منهما فلا تمييز عند الإطلاق. إلّا أنّه لا أثر له، لوثاقة كلّ منهما ...» (المحقّق الخوئي، السيد ابو القاسم: معجم رجال الحديث، ج 17:

صص 175- 176، الطبعة الثالثة).

(1)- الفقيه الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3: ص 25، ط إيران الحجريّة.

(2)- العاملي، السيد محمّد: مدارك الأحكام، ج 5: ص 63، مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام، قم.

و ممّا يجدر التنبيه عليه: أنّ هذا الإشكال ممّا اسند إلى العلامة قدّس سرّه في «المنتهى» فى غير واحد من الكتب الفقهيّة، ك «مصباح الفقيه» و غيره، و هو اشتباه، و إنّما هو تعقيب من المدارك على كلام العلامة قدّس سرّه و نصّ عبارته كما يلي: «و قال العلامة في «المنتهى»: إنّ طريق الحديث الأوّل أوضح من الثاني، و اعتضد بالاصل، فيتعين العمل به» (و هذا تمام كلام العلّامة قدّس سرّه). ثم عقبه قدّس سرّه بقوله: «و هو غير بعيد، مع أنّ الرواية الثانية مخالفة لما عليه الأصحاب في النصاب الثاني، و ذلك ممّا يضعف الحديث ...».

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 289

..........

______________________________

شي ء حتّى تبلغ عشرين و مائة ففيها شاتان ...» و هو ما خلاف ما اتّفقت عليه كلمة الأصحاب، من جعل النّصاب الثاني مائة و إحدى و عشرين، و هذا ممّا يوجب تضعيفه و إسقاطه عن حد المكافأة مع صحيح محمد بن قيس.

و أجيب

«1» عن ذلك: بأنّ الموجود في نسخ «الكافي «2»» الّذي هو الأصل فإنّ الشيخ قدّس سرّه إنّما رواه من «الكافي»: «و ليس فيما دون الأربعين شي ء حتّى تبلغ عشرين و مائة ففيها مثل ذلك شاة واحدة، فإذا زادت على عشرين و مائة ففيها شاتان ...» و كذلك الحال في كتاب «الاستبصار «3»». و لعلّ صاحب «المدارك» اعتمد على نسخة «التهذيب». قلت: الموجود في نسخة «التهذيب» و المطبوعة في النجف الأشرف «4»- أيضا- غير مشتملة على ما يخالف مذهب الأصحاب. و لو سلّمنا بأنّ الموجود في النسخة الأصليّة من «التهذيب» كان كما ذكره، فغايته الحمل على السهو، بعد العلم بأنّ المصدر للخبر المذكور هو «الكافي»، و هو أضبط و أمتن من «التهذيب»، كما هو معروف.

و على الإجمال، لا مجال في المقام لأمثال هذه المناقشات، و الصحيح في المقام إنّما هو الجمع بين الخبرين، بأن يقال إنّ دلالة صحيحة ابن قيس على حكم الثلاثمائة و واحدة إنّما هو بالإطلاق، فإنّ المذكور فيها: «فإذا كثرت الغنم، ففي كلّ مائة شاة» و شمول هذا للثلاثمائة و واحدة إنّما هو بالإطلاق، و أمّا شمول صحيح الفضلاء لذلك فهو بالتنصيص، و مقتضى القاعدة حينئذ إنّما هو حمل

______________________________

(1)- البحراني، الشيخ يوسف: الحدائق الناضرة، ج 12: ص 60، ط النجف الأشرف.

(2)- الكليني، محمد بن يعقوب: الفروع من الكافي، ج 3: ص 535، ط دار الكتب الاسلامية، طهران.

(3)- الطوسي، محمّد بن الحسن: الاستبصار، ج 2: ص 22، ط النجف الأشرف.

(4)- الطوسي، محمّد بن الحسن: تهذيب الأحكام، ج 4: ص 25، ط النجف الأشرف.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 290

و ما بين النصابين فى الجميع عفو (96)، فلا يجب فيه

غير ما وجب بالنصاب السابق.

[مسألة 2: البقر و الجاموس جنس واحد]

[مسألة 2]: البقر و الجاموس جنس واحد (97) كما أنّه

______________________________

الظاهر على النصّ، و نتيجة ذلك أن تحمل صحيحة محمد بن قيس على بيان النّصاب الأخير، و هو الأربعمائة فما فوق، و تكون الرواية قد أهملت بيان حكم الثلاثمائة و واحدة. و لعلّ الوجه في الإهمال هو التقيّة.

و بكلمة أخصر و أوضح: إنّ الجمع العرفي بين الخبرين موجود، و ما دام كذلك لا تصل النوبة إلى إعمال قواعد التعارض، و طريقة الجمع هي حمل صحيحة ابن قيس على غير فرض الثلاثمائة و واحدة، للتصريح في صحيح الفضلاء بوجوب أربع شياه في الثلاثمائة و واحدة. فلاحظ و تأمّل.

(96) كما دلّ على ذلك صحيح الفضلاء المتقدّم «1» و فيه: «و ليس في النيّف شي ء».

و كذلك الحال في صحيح محمد بن قيس المتقدّم «2».

(97) الظاهر أنّه ممّا لا خلاف فيه، بل قيل: إنّ الإجماع- بقسميه- عليه «3»، بل

______________________________

(1)-- ص 285.

(2)-- ص 286.

(3)- النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 151، ط النجف الأشرف.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 291

لا فرق في الإبل بين العراب و البخاتي «1»، و في الغنم بين المعز، و الشاة، و الضأن. و كذا لا فرق بين الذكر و الأنثى فى الكلّ (98).

______________________________

قيل «2»: إنّه مقطوع به في كلام الأصحاب- قدس اللّه اسرارهم- و غيرهم «3»، فإنّ البقر- لغة- صادق على الجاموس- أيضا-، غايته: أنّه ينفرد عن بقيّة أفراد البقر ببعض الخصوصيّات، كاللون و نحو ذلك، ففي الحقيقة هو صنف من أصناف البقر و التفرقة بينهما بالاسم أمر حادث. مضافا إلى صحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام:

قال: قلت له: في الجواميس شي ء؟

قال: «مثل ما في البقر «4»» فإنّه صريح في أنّ الزكاة الثابتة في الجواميس بعينها هي الثابتة في البقر.

(98) بلا خلاف في ذلك بل الإجماع عليه، و الوجه في الجميع ظاهر، فإنّ المراد بالإبل و الغنم في أدلّة النصب إنّما هو الجنس، الشامل ذلك لجميع الأقسام المذكورة، سواء في ذلك الذكر و الأنثى. ثمّ إنّ الظاهر هو مرادفة لفظ: «الشاة» للغنم، فلا وجه لجعلها في العبارة في رديف الضأن و المعز. و اللّه العالم.

______________________________

(1)- البختيّة: الأنثى من الجمال البخت، و الذكر: بختيّ، و هي جمال طوال الأعناق، و تجمع على: بخت، و بخاتيّ. (ابن الأثير، المبارك بن محمد الجزيري: النهاية/ تحقيق: طاهر احمد الزاوي [و] محمود محمّد الطناحي، ج 1: ص 101). و الابل العراب: خلاف البخاتيّ (الطريحي، الشيخ فخر الدين: مجمع البحرين، ج 2: ص 119/ تحقيق السيد أحمد الحسيني).

(2)- العاملي، السيّد محمّد الموسوي: مدارك الأحكام، ج 5: ص 101، ط مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام، قم.

(3)- ابن قدامة، موفق الدين: المغنى، ج 1: ص 470، افست دار الكتاب العربي، بيروت.

(4)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 5: زكاة الأنعام، ح 1.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 292

[مسألة 3: في المال المشترك إذا بلغ نصيب كلّ منهم النّصاب وجبت عليهم]

[مسألة 3]: في المال المشترك إذا بلغ نصيب كلّ منهم النّصاب وجبت عليهم (99)، و إن بلغ نصيب بعضهم وجبت عليه فقط، و إن كان المجموع نصابا، و كان نصيب كلّ منهم أقلّ لم يجب على واحد منهم.

______________________________

(99) تقدّم الكلام في المسألة على الوجه الكلّي، مع قطع النظر عن خصوص فرض الأنعام و غيرها، و إجمال القول فيها: إنّا إذا قلنا في المال المشترك بتعدّد الملكيّة بعدد أفراد المشتركين، كان

مقتضى القاعدة هو ثبوت الزكاة على من بلغ ماله النصاب، و أمّا إذا بنينا على أنّه ملكيّة واحدة، أحد طرفها المال، و الطرف الآخر هم الأفراد المشتركون فيه كالخيط المشدود بهما، كان مقتضى القاعدة هو وجوب الزكاة ببلوغ المجموع حدّ النصاب. و الّذي ينبغي أن يقال: أنّه لا مجال للبحث هنا من جهة القواعد، و أنّ مقتضاها هل هو ثبوت الزكاة في المال المشترك إذا كان المجموع نصابا، لا حصّة كلّ واحد منهم أو لا، و ذلك لورود النصّ القاضي بثبوت الزكاة في خصوص ما إذا كان حصّة كل واحد منهم نصابا، كخبر زرارة- المرويّ في «العلل»- عن أبي جعفر عليه السّلام- في حديث- قال زرارة:

«قلت له: مائتي درهم بين خمس أناس أو عشرة، حال عليها الحول و هي عندهم، أ يجب عليهم زكاتها؟ قال: لا، هي بمنزلة تلك- يعنى: جوابه في الحرث، ليس عليهم شي ء، حتى يتمّ لكلّ إنسان منهم مائتا درهم- قلت: و كذلك في الشاة، و الإبل، و البقر، و الذهب و الفضّة، و جميع الأموال؟ قال: نعم «1»،»

______________________________

(1)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 5: زكاة الذهب و الفضّة، ح 2.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 293

[مسألة 4: إذا كان مال المالك الواحد متفرّقا، و لو متباعدا، يلاحظ المجموع]

[مسألة 4]: إذا كان مال المالك الواحد متفرّقا، و لو متباعدا، يلاحظ المجموع (100)، فإذا كان بقدر النصاب وجبت، و لا يلاحظ كلّ واحد على حدة.

______________________________

و أمّا الاستدلال له بما في صحيح محمد بن قيس المتقدّم «1»: «و لا يفرّق بين مجتمع، و لا يجمع بين متفرّق»، و قريب منه أيضا ما في رواية محمّد بن خالد «2»، فهو غير خال عن الإشكال، من جهة أنّ الجملة

المذكورة من المتشابهات، حتّى أنّ مخالفينا «3» رووا ذلك عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و حملوها على التفرّق و الاجتماع في المكان، و استدلّوا بها على مذهبهم من ثبوت الزكاة في المجتمع في المكان. و كيف كان، ففي الخبر المتقدّم غنى و كفاية.

(100) بلا خلاف فيه بيننا، على الظاهر، كما صرّح به غير واحد «4»، بل ادّعي عليه الإجماع «5»، و الوجه فيه هو: أنّ المستفاد من أخبار الباب هو اعتبار كون المالك

______________________________

(1)-- ص 286.

(2)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 11: زكاة الأنعام، ح 2.

(3)- ابن قدامة، موفق الدين: المغني، ج 2: صص 489- 490، افست دار الكتاب العربي، بيروت.

(4)- الطباطبائي، السيد علي: رياض المسائل، ج 5: ص 83، ط جامعة المدرسين، قم؛ البحراني، الشيخ يوسف: الحدائق الناظرة، ج 12: ص 82، ط النجف الأشرف؛ النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 91، ط النجف الأشرف.

(5)- الطوسي، محمد بن الحسن: الخلاف، ج 2: ص 37، ط جامعة المدرسين، قم؛ العلامة الحلّي، الحسن بن يوسف: منتهى المطلب، ج 1: ص 504، ط إيران الحجريّة؛ تذكرة الفقهاء، ج 1:

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 294

[مسألة 5: أقلّ أسنان الشاة الّتي تؤخذ في الغنم و الإبل، من الضأن الجذع، و من المعز الثني]

[مسألة 5]: أقلّ أسنان الشاة الّتي تؤخذ في الغنم و الإبل، من الضأن الجذع، و من المعز الثني (101).

______________________________

مالكا للنصاب، سواء كان ذلك مجتمعا أم متفرّقا. و التعرّض لهذه المسألة إنّما هو لدفع ما بنى عليه بعض العامّة من اختصاص وجوب الزكاة في المتفرّق بما لم يبلغ حدّ المسافة «1».

(101) كما المشهور، كما حكي الاعتراف به عن غير واحد «2»، بل عن بعضهم دعوى الإجماع عليه «3». و

ذهب بعضهم «4» إلى كفاية ما يسمّى بالشاة، و مال

______________________________

ص 212، ط إيران الحجريّة؛ السيورى الحلّي، مقداد بن عبد اللّه: التنقيح الرائع، ج 1:

ص 307، منشورات مكتبة آية اللّه المرعشي رحمه اللّه، قم؛ النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 91، ط النجف الأشرف.

(1)- قال في «المغنى»: «فإن كانت سائمة الرجل في بلدان شتى، و بينهما مسافة لا تقصر فيها الصلاة، أو كانت مجتمعة، ضمّ بعضها إلى بعض، و كانت زكاتها كزكاة المختلطة بغير خلاف.

و إن كان بين البلدان مسافة، فعن أحمد فيه روايتان: إحداهما أنّ لكلّ مال حكم نفسه يعتبر على حدته، إن كان نصابا ففيه الزكاة، و إلّا فلا، و لا يضمّ إلى المال الّذي في البلد الآخر، قال ابن المنذر: لا أعلم هذا القول عن غير أحمد ...» (ابن قدّامي، موفق الدين:

المغني، ج 2: ص 489).

(2)- البحراني، الشيخ يوسف: الحدائق الناضرة، ج 12: ص 66، ط النجف الأشرف؛ الطباطبائي، السيد علي: رياض المسائل، ج 5: ص 70، ط جامعة المدرسين، قم؛ النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 130، ط النجف الأشرف.

(3)- الطوسي، محمد بن الحسن: الخلاف، ج 2: ص 24، ط جامعة المدرسين، قم؛ ابن زهرة، حمزة بن علي: غنية النزوع، ص 568، ط إيران الحجريّة [ضمن «المجموعة الفقهيّة»].

(4)- المحقّق الحلّي، جعفر بن الحسن: شرائع الاسلام/ تحقيق: عبد الحسين محمّد علي البقّال، ج 1: ص 147.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 295

..........

______________________________

إليه صاحب «الحدائق «1»» قدّس سرّه، و نسبه إلى جملة من أفاضل متأخّرى المتأخّرين.

و قد يستدلّ للمشهور- كما عن المعتبر «2»- بما رواه سويد بن غفلة، قال:

أتانا مصدّق رسول اللّه صلّى

اللّه عليه و آله و سلّم و قال: نهينا أن نأخذ المواضع و أمرنا أن نأخذ الجذعة و الثنيّة «3»»، و أيضا: بما عن «غوالي اللئالي» مرسلا، أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أمر

______________________________

(1)- البحراني، الشيخ يوسف: الحدائق الناضرة، ج 12: ص 66، ط النجف الأشرف.

(2)- المحقق الحلّي، جعفر بن الحسن: المعتبر، ج 2: ص 512، ط مؤسسة سيد الشهداء 7، قم.

(3)- الطوسي، محمّد بن الحسن: الخلاف، ج 2: ص 17، ط جامعة المدرّسين، قم، و نصّ الحديث «أتانا مصدّق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال: «نهينا أن نأخذ المراضع، و أمرنا أن نأخذ الجذع من الضأن، و الثني من الماعز». و رواه- أيضا- في موضع آخر: «أتانا مصدّق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقال: نهانا أن نأخذ من المراضع، و أمرنا أن نأخذ الجذعة و الثنيّة» (المصدر، ص 25).

«أتانا مصدق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و قال: نهانا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أن نأخذ من المراضع، و أمرنا بالجذعة و الثنيّة» (العلّامة الحلّي، الحسن بن يوسف: تذكرة الفقهاء، ج: ص 213، ط إيران الحجريّة).

و أمّا في روايات العامّة، فنصّ الحديث كما يلي: روى مالك، عن سويد بن غفلة، قال: «أتانا مصدّق رسول اللّه- صلّى اللّه عليه [و آله] و سلّم- و قال: أمرنا أن نأخذ الجذعة من الضأن، و الثنيّة من المعز» (ابن قدامة، موفق الدين: المغني، ج 2: ص 479، افست دار الكتاب العربي، بيروت) [و] عن سويد بن غفلة، قال: «أتانا مصدّق رسول اللّه- صلّى اللّه عليه [و آله] و سلّم- فقال: نهينا عن الأخذ من راضع لبن، و إنّما

حقّنا في الجذعة و الثنيّة» (النووي، المجموع، ج 5: ص 399 [نقلا عن هامش كتاب «الخلاف»] [و] بالاسناد عن سويد بن غفلة، قال: «أتانا مصدّق النبيّ- صلّى اللّه عليه [و آله] و سلّم- فأتيته فجلست إليه، فسمعته يقول: أنّ في عهدي أن لا نأخذ راضع لبن، و لا نجمع بين متفرّق، و لا نفرّق بين مجتمع- الخبر» (النسائي: سنن، ج 5، ص 30، نشر المكتبة التجارية الكبرى بمصر) [و] بالاسناد عن سويد بن غفلة، قال: سرت- أو قال: أخبرني من سار- مع مصدّق النبيّ- صلّى اللّه عليه [و آله] و سلّم- فإذا في عهد رسول اللّه- صلّى اللّه عليه

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 296

..........

______________________________

عامله بأن يأخذ الجذع من الضأن، و الثنيّة من المعز. قال: و وجد ذلك في «كتاب عليّ «1»». و نوقش في الأوّل «2»: بعدم وجوده في أصولنا المعتبرة، و أنّ الرواية عامّية. و في الثاني: بضعف السند بالإرسال.

و أجيب «3» عن الأوّل أوّلا: بأنّ الخبر و إن لم يرد ذكره في شي ء من كتبنا الحديثيّة، إلّا أن ذكره، في الكتب الاستدلاليّة على وجه يحصل الوثوق بالاستناد إليهما، هو بمثابة تدوينهما في كتب الأخبار، و نتيجة ذلك، انجبار الضعف بالشهرة.

و ثانيا إنّه مع الغضّ عن ذلك، فقد يحصل من الشهرة في هذا الحكم الجزم بوصول خبر إليهم بهذا المضمون عن المعصوم عليه السّلام، و بكلمة أخرى: إنّه يحصل لنا الجزم بالإجماع التعبّدي الكاشف عن رأي المعصوم عليه السّلام فالاعتماد- في الحقيقة- على الإجماع، لا على الرّواية. و عن الثاني بالانجبار بعمل المشهور. و لا يخفى ما في كلا الجوابين، أمّا الأوّل: فلمنع الكبرى، و هي انجبار الضعف بعمل

المشهور، فضلا عن أنّه لمنع الصغرى أيضا محالا واسعا، كما لا يخفى. و أمّا الثاني: فلأنّ الجزم بالإجماع التعبّدي- في مثل المسألة الّتي استدلّ فيها جماعة بالروايتين- مشكل

______________________________

[و آله] و سلّم-: «أن لا تأخذ من راضع لبن، و لا تجمع بين مفترق، و لا تفرّق بين مجتمع» (ابو داود: السنن، ج 2: ص 102/ ح 1579) [و] رواه- أيضا- باسناد آخر عنه، قال:

«أتانا مصدّق النبيّ- صلّى اللّه عليه [و آله] و سلّم- فأخذت بيده، و قرأت في عهده:

«لا يجتمع بين مفترق، و لا يفرّق بين مجتمع، خشية الصدقة» [و لم يذكر: «راضع لبن»] (المصدر/ ح 1580).

و أنت- كما ترى- لا تجد النصّ المروي فى «المعتبر» فى هذه المصادر، كما تجدها هي- بانفسها- مختلفة في متن الحديث.

(1)- ابن أبي جمهور، محمد بن علي بن إبراهيم: غوالى اللئالى العزيزة/ تحقيق: الشيخ مجتبى العراقي، ج 2: ص 230.

(2)- البحراني، الشيخ يوسف: الحدائق الناضرة، ج 12: ص 66، ط النجف الأشرف.

(3)- الفقيه الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3: ص 40، ط إيران الحجريّة.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 297

و الأوّل ما كمل له سنة واحدة و دخل في الثانية، و الثاني ما كمل له سنتان و دخل في الثالثة (102)،

______________________________

جدّا. و بذلك يظهر الجواب عن الرواية الثانية.

و قد يستدلّ «1» لذلك بقاعدة الاشتغال. بدعوى: أنّ اليقين بشغل الذمّة تقتضي اليقين بالبراءة منه، و هو لا يكون إلّا بالعمل بفتوى المشهور، إلّا أنّها إنّما تتمّ لو لم نسلّم بالإطلاقات القاضية بكفاية ما يسمّى بالشاة. و الصّحيح هو كفاية ما يسمّى شاة، و لا دليل على اعتبار ما عن المشهور. ثمّ إنّ البحث الآتي إنّما

يتّجه على تقدير الالتزام بالمذهب المشهور في المقام، و إلّا فلا أثر له، كما هو ظاهر.

(102) اختلفت كلمات اللغويّين و الفقهاء في تفسيرهما، و قد يستدلّ لما ذهب إليه المصنّف قدّس سرّه بوجوه:

الأوّل: إنّ جملة من اللغويّين «2» صرّحوا بذلك، و هم الحجّة في هذا الباب،

______________________________

(1)- النجفي، الشيخ محمد حسن، جواهر الكلام 15: ص 131، ط النجف الأشرف.

(2)- قال ابن الأثير: «الجذع من أسنان الدوابّ، و هو ما كان منها شابّا فتيّا، فهو من الإبل ما دخل في السنة الخامسة، و من البقر و المعز ما دخل في السنة الثانية، و قيل: البقر في الثالثة، و من الضأن ما تمّت له سنة ...» (ابن الأثير، المبارك بن محمّد: النهاية/ تحقيق:

طاهر أحمد الزاوي [و] محمود محمد الطناحي، ج 1: ص 250).

و قال أيضا: «الثنيّة من الغنم ما دخل في السنة الثالثة، و من البقر كذلك، و من الإبل في السّادسة، و الذّكر: ثنّي» (المصدر: ص 236).

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 298

..........

______________________________

كما ثبت في محلّه. و يتوجّه عليه: أنّ ذلك معارض بنقل خلافه عن جماعة آخرين، فقيل «1»: بأنّ الجذع من الضأن ماله ستّة أشهر، و قيل: سبعة، و قيل:

ثمانية، و قيل: ابن عشرة. و حكي عن كثير من الفقهاء، كما في «مصباح الفقيه «2»»: «أنّ المراد بالجذع من الضأن: ما كمل له سبعة أشهر، و الثني من المعز ما كملت له سنة. بل عن غير واحد: نسبته إلى المشهور، بل عن بعض محشّي «الروضة» أنّه لا يعرف قولا غيره ...». مضافا إلى ما عن بعضهم «3»، من أنّ

______________________________

و قال ابن فارس: «الجذع من الشاة: ما أتى له سنتان» (ابن فارس،

أحمد: معجم مقاييس اللغة، ج 1: ص 437، ط الثانية، القاهرة). و قال الفيّومي: «أجذع ولدا لشاة في السنة الثانية، و أجذع ولد البقر و الحافرة في الثالثة» (الفيّومي، أحمد بن محمد: المصباح المنير، ج 1: ص 255، ط بولاق، الطبعة الثانية).

و قال المطرّزي: «الجذع من البهائم قيل الثني، إلّا أنّه من الإبل في السنة الخامسة، و من البقر و الشاة في السنة الثانية، و من الخيل في الرّابعة» (المطرّزي، ناصر بن عبد السيّد:

المغرّب في ترتيب المعرّب، ص 78، ط دار الكتاب العربي، بيروت).

و قال أيضا: «الثني من الإبل: الّذي أثنى، أي ألقى ثنيّة، و هو ما استكمل السنة الخامسة و دخل في السادسة، و من الظلف: ما استكمل الثانية و دخل في الثالثة، و من الحافر: ما استكمل الثالثة و دخل في الرّابعة» (المصدر، ص 71).

و قال الدميرى: «الجذع- بفتح الجيم و الذال المعجمة- و هو: من الضأن ماله سنة تامّة، هذا هو الأصحّ عند أصحابنا، و هو الأشهر عند أهل اللغة و غيرهم ...» (الدميرى، كمال الدين: حياة الحيوان الكبرى، ج 1: ص 185، ط عبد الحميد أحمد الخيفى، القاهرة).

و قال أيضا: «الثني: الّذي يلقى ثنيّة، و يكون ذلك في ذوات الظلف و الحافر في السنة الثالثة، و في ذي الخفّ في السنة السّادسة ...» (المصدر، ص 180 [و]- الأزهري، محمد بن أحمد: تهذيب اللغة، ج 1: ص 532/ مادة «جذع» و ج 15: ص 140/ مادّة «ثني»، ط المؤسّسة المصريّة العامة للتأليف).

(1)- الدميرى، كمال الدين: حياة الحيوان الكبرى، ج 1: ص 185، ط عبد الحميد أحمد الخيفي، القاهرة.

(2)- الفقيه الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3: ص 40، ط إيران الحجريّة.

(3)- الأزهرى،

محمد بن أحمد: تهذيب اللغة، ج 1: ص 352/ مادة «جذع»، ط المؤسّسة

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 299

..........

______________________________

الإجذاع وقت و ليس بسنّ، فالعناق تجذع لسنة، و ربما أجذعت العناق قبل تمام السنة للخصب، و تسمن، فيسرع إجذاعها، فهي جذعة لسنة، و ثنية لتمام سنتين.

و قال آخر في الجذع، من الضأن: إذا كان ابن شابّين أجذع لستّة أشهر إلى سبعة أشهر. و إذا كان ابن هرمين أجذع لثمانية أشهر إلى عشرة أشهر». و أمّا الثنيّ من المعز، فقيل «1» بأنّه ما له سنة و دخل في الثانية. و كيف كان، فمع اضطراب النقل عن أهل اللغة و الفقهاء في تفسيرهما، يكون الجزم بما ذكره قدّس سرّه مشكل جدّا.

الثاني «2»: إنّ مقتضى ما دلّ على أنّ «في كلّ أربعين شاة شاة ...» هو اعتبار إكمال السنة في الجذع من الضأن، بناء على اعتبار الحول في النصاب. و ذلك لأنّ المنصرف إليه من هذا التعبير هو كون الفريضة المخرجة واحدا من النصاب، كما هو مقتضى تعلّقها بالعين، و حينئذ فلا يعقل أن تكون الفريضة المخرجة أقلّ من سنة، كسبعة أشهر، و نحو ذلك ممّا قيل به في تفسير الجذع، فإنّه ينافي اعتبار الحول في النصاب، كما لا يخفى.

و يتوجّه عليه: أوّلا منع الانصراف، فان المستفاد من النصّ المذكور هو وجوب إعطاء الزكاة، و أمّا كون المعطى من عين النصاب، فلا. و ثانيا أنّ تعلّق الزكاة بالعين، لا يقتضي كون الفريضة المخرجة واحدا من النصاب، بأن يلزم على المالك إخراج شاة من بين أربعين شاة مثلا، الّذي هو النصاب الأوّل، بحيث

______________________________

المصريّة العامة للتأليف.

(1)- الطريحي، فخر الدين: مجمع البحرين/ تحقيق: السيد أحمد الحسيني، ج

1: ص 77.

و فيه: «و قد جاء في الحديث «و الثني من البقر و المعز هو الّذي تمّ له سنة ...»

(2)- أوّل قائل بهذه الدّعوى- كما في «الجواهر»- هو المقدّس الأردبيلي رحمه اللّه (- الأردبيلي، أحمد: مجمع الفائدة و البرهان، ج 4: ص 78، ط جامعة المدرسين، قم. و لاحظ لمزيد الوقوف على القائلين بها- النجفي، الشيخ محمّد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 133، ط النجف الأشرف).

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 300

و لا يتعيّن عليه أن يدفع الزكاة من النصاب، بل له أن يدفع شاة أخرى (103)،

______________________________

لا يجوز له إعطاء شاة اخرى من غير الأربعين، كما يؤيّده- أو يدلّ عليه- جواز اعطاء القيمة بالدراهم و الدنانير. و عليه فيسقط الاستدلال المتقدّم.

الثالث: أنّ لفظ «الشاة» منصرف عمّا لم تستكمل سنة «1». و فيه: أنّ دعوى الانصراف غير مسموعة، إذا بلغت حدّا يتحقّق منها النزو و اللقاح. و على الإجمال، إذا بلغت الشاة الحدّ المذكور قبل إكمال السنة- كما هو المشهور بين الفقهاء و اللغويين على ما حكي «2»- لم يبق لدعوى الانصراف المتقدّمة حينئذ مجال أصلا.

و المتحصّل من ذلك: أنّ مقتضي إطلاق ما دلّ على أنّ في «كلّ أربعين شاة شاة»، و ما يشبه ذلك هو كفاية ما يكون مسمّى «الشاة». و الظاهر إطلاقها على البالغ سبعة أشهر.

(103) إجماعا، و يظهر من «المستند «3»» انحصار الدليل فيه؛ إلّا أنّه بالإمكان الاستدلال له بوجوه:

الأوّل: إنّ إيجاب الفريضة من غير جنس النصاب في موارد- كما في النصب

______________________________

(1)- الفقيه الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3: ص 41، ط إيران الحجريّة.

(2)- المصدر.

(3)- النراقي، أحمد بن مهدي: مستند الشيعة، ج 2: ص 39،

ط إيران الحجريّة.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 301

..........

______________________________

الخمس الأوّل للإبل، فإن في خمس منه شاة، و في عشر شاتان، و هكذا- يكشف عن عدم وجوب الأداء من عين ما في النصاب، حيث لا يمكن ذلك في الموارد المذكورة، فلا مناص فيها من الالتزام بأنّ المملوك للفقراء مقدار يقوّم بشاة، أو شاتين، و نحو ذلك، و بما أنّ مساق الحكم في جميع الموارد واحد، فلا محالة يكون مقتضى القاعدة، هو عدم وجوب الأداء ممّا هو في النصاب، حتّى في ما كانت الفريضة فيه من جنس النصاب.

الثاني: إنّه مقتضى ما دلّ على إجزاء ابن اللبون عن بنت مخاض عند عدم وجودها «1»، فإنّ وجوب بنت مخاض- مع فرض عدم وجودها عند المالك- و إيجاب البدل عنها حينئذ، و هو ابن اللبون، ممّا يكشف- لا محالة- عن عدم وجوب أداء الفريضة بما هو داخل في النصاب، و إلّا لما أجزاء ابن اللبون بدلا عن بنت مخاض في فرض عدم وجودها عند المالك، لعدم وجوب المبدل منه حينئذ، كما لا يخفى.

و على الإجمال، المستفاد من النصّ الدالّ على بدليّة ابن اللبون عن بنت مخاض عند عدم الوجود، هو كون إجزاء ابن اللبون من باب البدليّة عمّا هو الواجب في هذا الفرض، أعني به بنت مخاض، و لو كان اللازم دفع الزكاة من النصاب لم يكن الواجب حينئذ بنت مخاض لعدم وجودها على الفرض. بل إنّ مقتضى إطلاق المفهوم في قوله عليه السّلام: «فإن لم يكن ابنة مخاض فابن لبون ذكر ... «2»»، أو قوله عليه السّلام: «و من وجبت عليه ابنة مخاض، و لم تكن عنده، و كان عنده ابن لبون ذكر، فإنّه يقبل

منه ابن لبون ... «3»» إنّما هو وجوب أداء بنت

______________________________

(1)- تقدّم ما يدلّ على ذلك في صفحة 274، فراجع.

(2)- كما في أبي بصير، و نحوه صحيح زرارة. راجع صفحة 274.

(3)- كما في صحيح زرارة، راجع صفحة 274.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 302

..........

______________________________

مخاض، مطلقا، في فرض الوجود، حتّى و لو لم تكن من جملة النصاب، كما إذا كانت معلوفة مثلا، أو لكونها ممّا لم يحل عليها الحول في ملك المالك، و نحو ذلك. و كيف كان، فمقتضى إطلاق المفهوم هو وجوب أداء بنت مخاض في الموارد المذكورة، مع عدم كونها من النصاب.

الثالث: إنّ مقتضى صحيح البرقي، قال: كتبت إلى أبي جعفر الثاني عليه السّلام: هل يجوز أن أخرج عمّا يجب في الحرث من الحنطة و الشعير، و ما يجب على الذهب، دراهم قيمته «1» ما يسوى، أم لا يجوز؛ إلّا أن يخرج من كلّ شي ء ما فيه؟ فأجاب:

«أيّما تيسّر يخرج «2»»، هو عدم وجوب دفع الزكاة من النصاب، بناء على استفادة عموم السؤال من الرواية، و عدم اختصاصه بالموارد المذكورة، كما هو ظاهر قوله: «أم لا يجوز إلّا أن يخرج من كلّ شي ء ما فيه»، و ذلك لأنّ قوله عليه السّلام:

«أيّما تيسّر يخرج» معناه إجزاء كلّ ما كان عنده، ممّا كان مسمّى الفريضة، و إذا كان اللازم هو دفع الفريضة من النصاب، لم يكن لهذا الجواب مجال أصلا، فإنّ وجوب الزكاة إنّما هو بعد تماميّة النصاب، فكان إخراج الفريضة منه ميسّرا على كلّ حال.

و بكلمة أخرى: إنّ المتفاهم العرفي من التيسّر إنّما هو التيسّر من ناحية الوجود، لا التيسّر من جهة إخراج الموجود، فهو بمنزلة قوله: «يجزي إخراج ما كان

عنده»، و هذا الكلام- مع فرض تماميّة النصاب- لا يجتمع إلّا على القول بعدم وجوب دفع الزكاة من النصاب.

و على الإجمال، الملاحظ للوجوه المتقدّمة يقطع عادة بعدم وجوب دفع الزكاة من النصاب. هذا كلّه، مضافا إلى أنّه مقتضى إطلاق الأدلّة هو جواز

______________________________

(1)- في «الوسائل»- طبعة مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام، قم: «بقيمة».

(2)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 14: زكاة الذهب و الفضّة، ح 1.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 303

سواء كانت من ذلك البلد أو غيره (104)، و إن كانت أدون قيمة من أفراد ما في النصاب، و كذا الحال في الإبل (105)

______________________________

إعطاء الشاة من غير النصاب. على أنّ هذا البحث إنّما يتوجّه على القول بالملك المشاع، أو الكلّي في المعيّن في باب الزكاة، و إلّا فعلى القول بالحق، نظير حقّ الجناية- كما هو الصحيح- فلا ينبغي الشك في عدم وجوب دفع الزكاة من الفريضة، كما لا يخفى.

(104) قال المحقّق في «الشرائع «1»»: «و يجوز أن يدفع من غير غنم البلد، و إن كان أدون قيمة ...» و قال العلّامة فى «الفوائد «2»»: «و يجزي الذكر و الأنثى في الغنم، و من غير غنم البلد، و إن قصرت قيمتها ...». و في «الجواهر «3»»: «خالف الشهيدان، و الكركي، و أبو العبّاس، و الصميري- على ما حكي عن بعضهم- في زكاة الغنم، فلم يجوّزوا الدفع من غير غنم البلد، إلّا أن تكون أجود، أو بالقيمة، لقاعدة الشركة ...».

(105) خالف الشيخ رحمه اللّه في ذلك، فقال: «و يؤخذ من نوع البلد لا من نوع بلد آخر، لأنّ الأنواع تختلف فالمكيّة بخلاف العربيّة، و العربيّة بخلاف النبطيّة ... «4»»

______________________________

(1)-

المحقق الحلّي، جعفر بن الحسن/ تحقيق: عبد الحسين محمّد علي البقّال، ج 1: ص 149.

(2)- العلّامة، الحسن بن يوسف: قواعد الأحكام، ج 1: ص 338، ط جامعة المدرسين، قم.

(3)- النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 166، ط النجف الأشرف.

(4)- الطوسي، محمّد بن الحسن: المبسوط، ج 1: ص 196، المكتبة المرتضوية، طهران.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 304

و البقر، فالمدار في الجميع الفرد الوسط من المسمّى، لا الأعلى، و لا الأدنى (106).

______________________________

و قال في «الخلاف «1»»: «من وجبت عليه شاة في خمس الإبل، أخذت منه من غالب غنم أهل البلد، سواء كانت غنم أهل البلد شاميّة، أو مغربيّة، أو نبطيّة ...».

(106) قد يستدلّ لذلك بوجهين:

الأوّل:

إنّ الترديد في متعلّق الملكيّة أمر غير معقول، و حينئذ، ففي مثل «في خمس من الإبل شاة»، بناء على أنّ المملوك هو الكسر المشاع، لا بدّ من فرض المملوك في النصاب جزءا يساوي الشاة في القيمة، و لأجل ذلك يلزم تعيين الشاة الّتي تكون قيمتها هي المقياس و الميزان في تقدير المقدار المملوك، و الحدّ الّذي لا ترديد فيه إنّما هو الحدّ الوسط، دون الأعلى أو الأدنى.

و يرد عليه:

أوّلا: فساد المبنى- و هو كون المملوك للفقراء- في باب الزكاة الكسر المشاع من العين- و عدم وضوحه عندنا، كما أشرنا إليه سابقا.

و ثانيا: أنّ الحدّ الوسط- أيضا- غير مستقرّ على شي ء ثابت، بل يجزي فيه التفاوت و بالزيادة النقيصة أيضا، و لو بمقدار ما.

______________________________

(1)- الطوسي، محمّد بن الحسن: الخلاف، ج 2: ص 17/ مسألة 12، ط جامعة المدرسين، قم.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 305

و إن كان لو تطوّع بالعالي، أو الأعلى

كان أحسن و زاد خيرا (107)،

______________________________

و ثالثا: أنّ لازم ذلك- فيما لو دفع الأعلى- أن يكون قد دفع الفريضة مع زيادة، مع أنّ من المتسالم عليه خلافه، و أنّه يكون حينئذ مصداقا للفريضة، لا أنّها هي و زيادة، كما لا يخفى.

الثاني:

دعوى الانصراف «1»، و أنّ إطلاقات الأدلّة منصرفة إلى الحدّ الوسط، و هذه الدعوى- ذوقيّا- و إن كانت قريبة جدّا، فإنّ الذوق لعلّه يأبى عن الإذعان باكتفاء الشارع في هذا المقام بأقلّ ما يكون مصداقا للفريضة، كما أنّه يأبى عن ذلك في طرف الأعلى أيضا، إلّا أنّ إثباتها- صناعة- مشكل جدّا. و عليه، فلا يترك الاحتياط، بدفع غير الأدنى.

و ليعلم أنّ موضوع البحث ليس هو التفاوت في القيمة الناشئ من العوارض الخارجيّة، من مرض، أو هزال، أو كونها ذات عوار، و نحو ذلك، بل التفاوت في القيمة الحاصل لجهات أخر، إذ قد يكون التفاوت بين شاتين في القيمة مع عدم وجود شي ء من العيوب المتقدّمة أبدا، كما هو ظاهر.

(107) لا ينبغي الاشكال في حسن هذا العمل تطوّعا، بعد فرض عدم كونه ملزما بأداء ذلك، كما هو المفروض.

______________________________

(1)- النجفي، الشيخ محمد حسن، جواهر الكلام 15: ص 138، ط النجف الأشرف.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 306

و الخيار للمالك (108)، لا السّاعى، أو الفقير، فليس لهما الاقتراح عليه، بل يجوز للمالك أن يخرج من غير جنس الفريضة، بالقيمة السوقيّة من النقدين (109).

______________________________

(108) كما هو المشهور «1»، بل عن «التذكرة «2»»: الإجماع عليه إذ ليس للساعي، أو الفقير إلّا المطالبة بالخروج عن عهدة الزكاة الواجبة في ماله، فإذا دفع إليه المالك ما يكون مصداقا لمسمّى الفريضة، لم يكن له الامتناع من ذلك، كما أنّه

لم يكن له الاقتراح على المالك من الأوّل، بلا فرق في ذلك بين القول بالحق، و بين الملك المشاع أو الكلّي في المعيّن، في باب الزكاة. مضافا إلى ما ورد في آداب المصدّق و السّاعي، ممّا يدلّ عليه «3».

(109) أمّا جواز الإخراج بالقيمة من النقدين في غير الأنعام، ممّا لا شبهة فيه و لا خلاف معتدّ به «4»، بل حكي «5»، عن «المعتبر «6»»، و «التذكرة «7»»، و

______________________________

(1)- النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 136، ط النجف الأشرف.

(2)- العلّامة الحلّي، الحسن بن يوسف: تذكرة الفقهاء، ج 1: ص 207، ط إيران الحجريّة.

(3)-- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 13: زكاة الأنعام.

(4)- النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 126، ط النجف الأشرف.

(5)- العاملي، السيد محمد جواد: مفتاح الكرامة، ج 3/ كتاب الزكاة: ص 82.

(6)- المحقّق، جعفر بن الحسن: المعتبر، ج 2: ص 516، ط مؤسّسة سيد الشهداء عليه السّلام، قم.

(7)- العلّامة، الحسن بن يوسف: تذكرة الفقهاء، ج 5: ص 196، ط مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام، قم.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 307

..........

______________________________

«المفاتيح «1»»، و ظاهر «المبسوط «2»»، و «إيضاح النافع»، و «الرياض «3»» دعوى الإجماع عليه. بل قيل «4»: إنّه «لم ينقل الخلاف فيه إلّا عن الإسكافي، مع أنّه حكي عن «شرح اللّمعة» للأصبهاني التصريح بموافقة الإسكافي للمشهور «5».

و يدلّ عليه- مضافا إلى أنّه بناء على تعلق الزّكاة بالعين بنحو حقّ الجناية كما هو الحق، لا ينبغي الإشكال في جواز الإخراج بالقيمة من النقدين- صحيح البرقي المتقدّم «6» حيث صرّح فيه بجوازه في غير الأنعام، و كذا بصحيح على بن جعفر عليهما

السّلام، قال: سألت أبا الحسن موسى عليه السّلام، عن الرّجل يعطي زكاته عن الدراهم دنانير، و عن الدنانير دراهم، بالقيمة، أ يحلّ ذلك؟ قال: «لا بأس به «7»». و أمّا في الأنعام، فالمشهور هو الجواز «8»، بل نسب «9» إلى صريح الشيخ «10»، و ابن زهرة «11»، و ظاهر السيّد «12»، و الحلّي «13» دعوى الإجماع عليه،

______________________________

(1)- الفيض، محمد محسن: مفاتيح الشرائع، ج 1: ص 202، نشر مجمع الذخائر الإسلاميّة، قم.

(2)- الطوسي، محمّد بن الحسن: المبسوط، ج 1: ص 213، المكتبة المرتضويّة، طهران.

(3)- الطباطبائي، السيد علي: رياض المسائل، ج 5: ص 80، ط جامعة المدرسين، قم.

(4)- الفقيه الهمداني، آغا رضا، مصباح الفقيه 3: ص 38، ط إيران الحجريّة.

(5)- النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 126، ط النجف الأشرف.

(6)-- ص 302.

(7)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 14: زكاة الذهب و الفضّة، ح 2.

(8)- العاملي، السيد محمد جواد: مفتاح الكرامة، ج 3/ كتاب الزكاة: ص 82؛ النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 126، ط النجف الأشرف.

(9)- نفس المصادر.

(10)- الطوسي، الشيخ، محمّد بن الحسن: الخلاف، ج 2: ص 50، ط جامعة المدرسين، قم.

(11)- ابن زهرة، حمزة بن علي: غنية النزوع، ص 568، ط إيران الحجريّة (ضمن «الجوامع الفقهية»).

(12)- المرتضى، الشريف، على بن الحسين: الانتصار، ص 81، ط النجف الأشرف.

(13)- ابن إدريس الحلّي، محمّد بن منصور: السرائر، ج 1: ص 446، ط جامعة المدرسين، قم.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 308

..........

______________________________

خلافا للمفيد «1» قدّس سرّه. و استدلّ له- مضافا إلى الإجماع- بصحيح البرقي المتقدّم «2»، بدعوى أنّ الأنعام و إن كانت غير مصرّح بها في الرّواية،

إلّا أنّه يعلم عموم السؤال بالإضافة إليها من قول السّائل: «أم لا يجوز؛ إلّا أن يخرج من كلّ شي ء ما فيه»، فإنّ المستفاد من ذلك هو أنّ جهة السؤال هي لزوم إخراج الفريضة من عين النصّاب، أو أنّه لا إلزام من هذه الجهة، بل يجوز الإخراج بالقيمة من النقدين، بلا اختصاص لذلك ببعض الأجناس الزكويّة دون بعض.

و يتوجّه على هذه الدّعوى- كما قيل به أيضا- بأنّه لا يستفاد العموم من الجملة المذكورة بعد التصريح في السؤال، بموارد خاصّة، حيث إنّه تحمل الجملة على الموارد الخاصّة المصرّح بها في السؤال، كما لا يخفى ذلك على المتأمّل.

و أمّا الإجماع المدّعى، فعلى فرض التسليم به، فلم يثبت كونه إجماعا تعبديّا، بل هو من الإجماع المتيقّن باستناده إلى الأدلّة، و لا أقل من كونه محتمل الاستناد.

و قد يستدلّ له ببعض الوجوه الاعتباريّة؛ مثل ما نسب إلى العلّامة قدّس سرّه و غيره، من «أنّ المقصود بالزكاة دفع الخلّة و سدّ الحاجة، و هو ممّا يحصل بالقيمة كما يحصل بالعين «3»، و بأنّ الزكاة إنّما شرّعت جبرا للفقراء و معونة لهم، و ربما كانت القيمة أنفع لهم في بعض الأوقات، فاقتضت الحكمة التسويغ «4»»؛ إلى غير

______________________________

(1)- المفيد، محمّد بن محمّد بن النعمان: المقنعة/ كتاب الزكاة، ص 253، ط جامعة المدرسين، قم.

(2)- تقدّم في صفحة 302.

(3)- العلّامة الحلّي، الحسن بن يوسف: مختلف الشيعة، ج 3: ص 230، ط جامعة المدرّسين، قم.

(4)- العلّامة الحلّي، الحسن بن يوسف: تذكرة الفقهاء، ج 5: ص 197، ط مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام، قم.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 309

..........

______________________________

ذلك من الشواهد و المؤيّدات. إلّا أنّه غير خفيّ على البصير، عدم إمكان

الاستناد إلى أمثال هذه الوجوه في إثبات الأحكام الشرعيّة، غير المبتنية على الموازين الظاهرة لنا في أنظارنا، كما لا يخفى.

ثمّ إنّ هناك وجها آخر، لا بأس به، لجواز التبديل بالقيمة من النقدين، ذكره الفقيه المحقّق الهمداني «1» قدّس سرّه، و حاصله: أنّ الكتاب و السنّة يدلّان على الأمر بصرف الزكاة في موارد معيّنة، منها عمارة المساجد، و بناء القناطر، و معونة الحاجّ، و غير ذلك من وجوه البرّ، كما في أداء مال الكتابة، و فكاك الرقاب، و وفاء ديون الغارمين، و نحو ذلك ممّا يتعذّر فيه- غالبا- صرف عين الفريضة كبنت مخاض أو الشاة مثلا، و ليس من المحتمل في أمثالها جواز بيع عين الفريضة من شخص آخر و دفع ثمنها إلى الجهات المتقدّمة، و مع عدم جواز إخراج القيمة من الأوّل، بحيث يكون للبيع مدخليّة في جواز دفع القيمة ذلك. و على هذا، فيثبت- بدلالة الاقتضاء و صونا للأوامر المذكورة عن اللغويّة- جواز إخراج القيمة من الأوّل. نعم، لو قلنا بعدم جواز تصدّي المالك لصرفها في الجهات المذكورة، و لزوم إيكال ذلك إلى الإمام عليه السّلام أو السّاعي، كان اللّازم عليه- حينئذ- إنّما هو دفع الفريضة إلى من وظيفته الدفع إليه، و هو مخيّر في كيفيّة صرفها في الموارد المعيّنة للصرف، كيف شاء. غير أنّ الأمر ليس كذلك، إذ يجوز للمالك التصدّي للصرف، فإنّه المكلّف به أوّلا و بالذات، و إن جاز له إيكال إلى الغير أيضا، كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

______________________________

(1)- الفقيه الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3/ كتاب الزكاة: ص 39، ط إيران الحجريّة.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 310

أو غيرهما (110).

______________________________

(110) نسب إلى الأصحاب «1»

جواز إخراج الزكاة- فى الأنعام و غيرها- بالقيمة السوقيّة، و لو من غير النقدين، بل عن بعضهم «2» دعوى الإجماع عليه. و استشكله صاحب «المدارك «3»» قدّس سرّه، و خالفهم فيه صاحب «الوافي «4»» قدّس سرّه. و كيف كان، فقد استدلّ للمذهب المشهور، برواية «قرب الإسناد»، عن يونس بن يعقوب، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: عيال المسلمين، أعطيهم من الزكاة، فأشتري لهم منها ثيابا و طعاما و أرى ذلك خيرا لهم؟ قال: «لا بأس «5»». فإنّ إطلاق الزكاة في قوله: «من الزكاة» يشمل الأنعام و غيرها، فتدلّ على جواز تبديل الفريضة مطلقات بما يكون خيرا للفقراء، و لو كان من غير الن؟؟؟

و بإزائها رواية دلّت على المنع، و هي رواية سعيد بن عمر، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: قلت يشترى الرجل من الزّكاة الثياب، و السويق، و الدقيق، و البطّيخ، و العنب، فيقسّمه؟ قال: «لا يعطيهم إلّا الدّراهم، كما أمر اللّه «6»».

و يمكن أن يقال: إنّ المستفاد من الرواية الثانية هو عدم جواز الإخراج بالقيمة من غير النقدين، الدينار و الدرهم، و يكون ذكر الدّرهم- فيها-

______________________________

(1)- البحراني، الشيخ يوسف: الحدائق الناضرة، ج 12: ص 138، ط النجف الأشرف.

(2)- الطوسي، محمّد بن الحسن: الخلاف، ج 2: ص 50، ط جامعة المدرّسين، قم؛ ابن زهرة، حمزة بن عليّ: الغنية، ص 568 (ضمن «الجوامع الفقهيّة»)، ط إيران الحجريّة.

(3)- العاملي، السيّد محمّد: مدارك الأحكام، ج 5: ص 90، مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام، قم.

(4)- الفيض، محمد محسن: الوافي، ج 6: ص 152، ط مكتبة الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، أصبهان.

(5)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 14: زكاة الذهب و الفضة، ح 4.

(6)-

المصدر، ح 3.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 311

..........

______________________________

بالخصوص من باب المثال، و كونه الغالب من فردي النقد. و حينئذ فتكون الرّواية شاهدة للقول بعدم جواز الإخراج بالقيمة من غير النقدين. و حينئذ تصبح الرواية معارضة لما دلّ على جواز التبديل بغير النقدين. و لا مجال لحمل الرّواية- أي رواية سعيد بن عمر- على ما إذا كانت الفريضة هو الدّرهم، بأن يكون لزوم اعطاء الدرهم من باب أنّ المال الزكويّ هي الدراهم، فالفريضة هو الدّرهم، و لا بدّ من إخراج نفس الفريضة، كما يشهد به قوله عليه السّلام: «كما أمر اللّه».

و ذلك لمنافاته لما دلّ على جواز التبديل في الجملة، و لو كان بالنقدين، إجماعا نصّا و فتوى، كما أشرنا إليه سابقا. و حينئذ فالجمع بين الروايتين يكون بأحد وجهين:

الأوّل: أن يقال بحمل رواية سعيد بن عمر على الأفضليّة، حملا للأمر بالإعطاء، الظاهر في الوجوب، على الأفضليّة، لصراحة رواية يونس بن يعقوب المتقدّمة في الجواز، و مقتضى الجمع العرفيّ بينهما هو ذلك، كما لا يخفى.

الثاني: إنّه قد يكون التبديل بعد تعيّن الزكاة في شي ء، كما إذا تعيّن المخرج للزكاة- بما يحصل التعيين به- في شاة معيّنة مثلا، ثم أراد المالك تبديل ذلك المعيّن بشي ء آخر غير النقدين، و قد يكون التبديل بتطبيق الزكاة عليه ابتداء، كما إذا كان المفروض عليه- ابتداء- شاة، و لكنّه طبّق ما عليه من الزكاة على جنس آخر يساوي الشاة في القيمة. و ظاهر رواية سعيد بن عمر المانعة عن التبديل هو الفرض الأوّل، لأجل كون المفروض فيها هو الاشتراء من عين الزكاة، الظاهر في تعيّنها فيها يشتري به، و حينئذ فالمنع عن مثله يكون على طبق

القاعدة، إذ لا حقّ للمالك في التبديل بعد تعيّن الواجب عليه في شي ء معيّن خارجا. و أمّا رواية يونس بن يعقوب، فهي ظاهرة في الثاني، فقد جاء فيها

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 312

..........

______________________________

عيال المسلمين أعطيهم من الزكاة، فأشتري لهم ...»، و ظاهره أنّ إعطاء الزكاة إنّما كان بإخراج ما اشتراه لهم من الثياب، و غير ذلك، فقد طبّق المالك الزكاة المفروضة عليه على هذه الأمور و أخرجها إلى الفقراء، لا أنّه أبدل الزكاة- بعد تعيّنها- بالأمور المذكورة، و بذلك يرتفع التنافي و التصادم بين الرّوايتين، كما هو ظاهر. إلّا أنّ رواية البرقي ضعيفة السند، و لو لا ذلك لكان مقتضى القاعدة هو جواز التبديل.

و استدلّ المحقّق الفقيه الهمداني قدّس سرّه لجواز التبديل في المقام، بما استدلّ به لجوازه في التبديل بالنقدين، و حاصله أنّ الامر بصرف الزكاة في مثل بناء المساجد، و القناطر، و دار الأيتام، و نحو ذلك من سبل المعروف، يدلّ- بدلالة الاقتضاء- على جواز التبديل بغير الجنس، و ذلك لتعذّر صرف عين الزكاة- كبنت مخاض مثلا- في الموارد المذكورة. كما أنّه لا يحتمل تعيّن بيعها على المالك و شراء الجصّ، و الآجر، و نحوهما بثمنها للمصارف المذكورة، و عدم جواز إخراج الجصّ، و الآجر ابتداء بعنوان الزكاة، فيما إذا كانا موجودين عند المالك، بحيث يكون للبيع من الغير مدخليّة في ذلك، و نتيجة ذلك هو جواز التبديل ابتداء، و إذا ثبت التبديل في الموارد المذكورة ثبت في غيرها، لعدم القول بالفصل قطعا «1».

هذا، و لا يمكننا مساعدته فيما أفاده، نظرا إلى أنّ الجزم بعدم الفصل بين الموارد المشارة إليها و بين غيرها من الموارد مشكل جدّا،

فغاية ما يثبت بالاستدلال المتقدّم إنّما هو التبديل في خصوص تلك الموارد. و عليه، فلا يبعد القول بعدم جواز التبديل بغير النقدين، ممّا يساوي العين في القيمة السوقيّة.

______________________________

(1)- الفقيه الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3/ كتاب الزكاة: ص 39، ط إيران الحجريّة.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 313

[مسألة 6: المدار في القيمة على وقت الأداء]

[مسألة 6]: المدار في القيمة على وقت الأداء (111)، سواء كانت العين موجودة أو تالفة، لا وقت الوجوب.

______________________________

(111) قد يتوهّم: أنّ المدار على قيمة وقت الوجوب بدعوى أنّ المستفاد- بعد ملاحظة ما دلّ على جواز التبديل، و ملاحظة تعلّق الزكاة بالعين- كون الثابت في الذمّة هو الجامع بين العين و القيمة، بحيث يكون التخيير بينهما عقليّا، و حينئذ فوقت اشتغال الذمّة بالجامع إنّما هو زمان وجوب الزكاة، و لازم ذلك اعتبار قيمة وقت الوجوب، كما لا يخفى.

و يردّه أوّلا: أنّ المستفاد من ملاحظه النصوص الدالّة على جواز التبديل هو أنّ دفع القيمة من باب البدليّة عن الفريضة، لا أنّ الفريضة هو الجامع بين نفس العين و بين القيمة من النقدين ليكون الاعتبار بقيمة العين وقت الوجوب، بل الواجب هو إخراج العين، و لكنّه يجوز له تبديل العين- متى ما أراد إخراجها- بما يساوى قيمتها- آنذاك- من النقدين.

و ثانيا: إنّه- مع التسليم بالمبنى المذكور- فلا نسلّم باستلزامه لاعتبار القيمة وقت الوجوب، بل القيمة التى تكون أحد طرفي التخيير هو كلّي القيمة و لذلك كان له أن يعطي قيمة شاة تسوى بأربعة دراهم، أو قيمة شاة تسوى بخمسة دراهم، و عليه، فله ان يطبّقها على قيمة يوم الوجوب، كما يكون له تطبيقها على قيمة يوم الأداء، إلّا أن الظاهر من رواية البرقي المتقدّمة هو

اعتبار قيمة يوم الأداء، حيث وقع السؤال فيها على النحو التالي: «هل يجوز أن أخرج عمّا يجب في الحرث، من الحنطة و الشعير، و ما يجب على الذهب، دراهم قيمة ما يسوى

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 314

..........

______________________________

...» فإنّ ظاهر ذلك كون المساواة حال الإخراج لا وقت الوجوب، كما لا يخفى على المتأمل.

و الصحيح هو ما أفاده المصنف قدّس سرّه، من اعتبار القيمة الأداء، مطلقا، سواء أ كانت العين موجودة أم كانت تالفة. أمّا مع وجود العين، فلأنّ- المملوك للفقراء- بناء على القول بالملك المشاع- أو المتعلّق لحقّهم- بناء على المختار- إنّما هو العين فانتقاله عنها إلى غيره بعنوان البدليّة لا يكون إلّا مع كون البدل بدلا- أى مساويا للعين- حين الأداء، و إلّا فالقيمة وقت الوجوب لا تكون بدلا عن العين حالا الأداء، كما هو ظاهر.

هذا في فرض وجود العين، و أمّا في فرض تلفها، فعلى القول بالعهدة في باب الضّمان، كما هو مختار المصنّف قدّس سرّه في تعليقته على «مكاسب» شيخنا العلّامة الأنصاري قدّس سرّه- و هو الصّحيح- فالمناط انما هو بقيمة حال الأداء، فان العين إنّما تكون ثابتة في العهدة ما دام لم يتحقّق من الضّامن ردّ العين مع وجودها، أو ردّ بدلها عند تلفها، و حينئذ يلزم أداء قيمة العين حين الأداء، فإنّ بدل العين- المفروض ثبوتها في العهدة إلى ذلك الحين- انّما هو قيمة يوم الأداء، دون قيمة يوم التلف، كما هو ظاهر.

نعم، بناء على القول- في باب الضّمان- بثبوت العين في العهدة إلى حين التلف، و عند ذلك تكون الذمة مشغولة ببدلها، و هو القيمة مثلا، إذا كانت قيميّة، تعيّن عليه أداء قيمة يوم

التلف، فانّه زمان اشتغال الذمّة بالبدل، كما لا يخفى.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 315

ثمّ المدار على قيمة بلد الإخراج إن كانت العين تالفة (112).

______________________________

(112) بناء على المختار في باب الضمان، من ثبوت العين في العهدة، صحّ ما أفاده قدّس سرّه، فإنّ الخروج عن العهدة لا يكون إلّا بأداء ما هو بدله، في زمان الأداء، و في مكان الأداء، فيكون المدار على قيمة للأداء زمانا و مكانا. و أمّا على القول الآخر، و هو اشتغال الذمّة بالبدل من حين التلف، فمقتضى القاعدة إنّما هو ضمان قيمة بلد التلف، إذ المفروض- على هذا القول- هو اشتغال الذمّة بالبدل من حين التلف، فالثابت في الذمّة هو ما يكون بدلا عن العين حين تلفها، و لا يكون ذلك إلا قيمة بلد التلف و زمانه، كما سبقت الإشارة إليه آنفا.

ثمّ إنّ بعض الأعلام «1»- دام ظلّه- رتّب الحكم في ضمان القيمة في المقام- من حيث الزمان و المكان- على ما هو المقرّر في باب الضّمان بالتلف، من ضمان

______________________________

(1)- المحقّق الخوئي قدّس سرّه فقد علّق على المتن بما نصّه: «الأحوط إخراج أعلى القيمتين، إذا كان الدفع في غير البلد الّذي هي فيه» (التعليقة على العروة الوثقى، ص 116، الطبعة الثالثة).

و لكنه قدّس سرّه عدل عن ذلك فيما بعد، فوافق المصنف قدّس سرّه في بعض الفروض، قال قدّس سرّه: معلّقا على قول المصنف رحمه اللّه: «إن كانت العين تالفة» ما نصّه: «هذا في فرض عدم الإفراز، و أمّا في فرض الإفراز و كون التلف موجبا للضّمان، فالعبرة إنّما هي بقيمة يوم التلف، كما أنّ المناط في الضّمان قيمة البلد الّتي تلفت العين فيه. و أمّا إذا

كانت العين موجودة، فالظّاهر أن المدار على قيمة البلد الّذي هي فيه، و إن كان الأحوط أعلى القيمتين» (التعليقة، ص 179، الطبعة الخامسة). و معنى ذلك: أنّه- في فرض عدم الإفراز- حيث يكون حق الزّكاة في ماليّة العين، فلا محالة يكون اللازم- في فرض عدم وجود العين، و عدم أداء عين أخرى- هو أداء قيمة العين حين الإخراج، زمانا و مكانا. و أمّا مع الإفراز، و صيرورة العين متعلقا لحق الزكاة بلا اشتراك للفقيه مع المالك، كان ضمان القيمة- حينئذ- من باب ضمان التلف، و يبتني الحكم فيه على ما هو المقرّر في ذلك الباب.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 316

و إن كانت موجودة، فالظاهر أنّ المدار على قيمة البلد الّتي هي فيه (113).

[مسألة 7: إذا كان جميع النصاب في الغنم من الذكور يجوز دفع الأنثى و بالعكس]

[مسألة 7]: إذا كان جميع النصاب في الغنم من الذكور يجوز دفع الأنثى و بالعكس، كما أنّه إذا كان الجميع من المعز يجوز أن يدفع من الضّأن و بالعكس، و إن اختلفت في القيمة، و كذا مع الاختلاف يجوز الدفع من أيّ الصنفين شاء، كما أنّ في البقر يجوز أن يدفع الجاموس عن البقر و بالعكس، و كذا في الإبل يجوز دفع البخاتي عن العراب و بالعكس، تساوت في القيمة أو

______________________________

قيمة يوم التلف، أو يوم الأداء، أو أعلى القيم. و لكنّه غير وجيه على ما نعهده من مبناه- دام ظلّه- في باب الزكاة من إنكار تعلّق الزكاة بنفس العين مطلقا، و لو كان ذلك بنحو الحقّ، و اختياره الشركة في الماليّة، و اشتغال الذمّة بها، فإنّه- على هذا المبنى- لا يكون ضمان القيمة في المقام من باب التلف، كي يبتنى الحكم فيه على مسألة الضّمان بالتلف، كما

هو ظاهر.

(113) الوجه في ذلك ظاهر، فإنّ الخروج عن عهدة العين- مع فرض وجودها- إنّما يكون بأداء ما هو الأقرب إليها، و لا شكّ في أنّ قيمة البلد الّذي تكون العين فيه أقرب إليها عرفا من قيمة سائر البلدان.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 317

اختلفت (114).

[مسألة 8: لا فرق بين الصحيح و المريض، و السليم و المعيب، و الشابّ و الهرم في الدخول في النصاب]

[مسألة 8]: لا فرق بين الصحيح و المريض، و السليم و المعيب، و الشابّ و الهرم في الدخول في النصاب و العدّ منه (115)، لكن إذا كانت كلّها صحاحا لا يجوز دفع المريض، و كذا لو كانت كلّها سليمة لا يجوز دفع المعيب، و لو كانت كلّ منها

______________________________

(114) و الوجه في ذلك ظاهر، فإنّ الواجب في نصاب الغنم الأوّل- مثلا- هو ما يصدق عليه الشاة، الشامل ذلك للذكر و الأنثى، و المعز و الضّأن. و قد تقدّم عدم لزوم الإخراج من عين النّصاب، فلا محالة يجوز دفع الذّكر، و لو كان النصاب كلّه أنثى، و بالعكس، و هكذا.

و كذلك الحال في الإبل، حيث لا فرق فيها بين العراب و البخاتي، بعد صدق الإبل على الاثنين، كما هو الحال في البقر و الجاموس، فإنّهما من حقيقة واحده، و إختلاف الاسم إنّما هو باعتبار اختلافهما في اللّون، و بعض الخصوصيّات، و إلا فهما حقيقة واحدة، كما يدلّ صريحا صحيح زرارة، عن أبي جعفر عليه السّلام، قال:

«قلت له: فى الجواميس شي ء؟ قال: مثل ما في البقر «1»».

(115) للإطلاق الشامل لجميع ذلك، فإنّ قوله عليه السّلام مثلا: «في أربعين شاة شاة»

______________________________

(1)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 5: زكاة الأنعام، ح 1.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 318

شابّا لا يجوز دفع الهرم

(116).

______________________________

بإطلاقه شامل للصحيح و المريض، و هكذا الحال في سائر الأقسام ممّا يعدّ مصداقا للشاة عرفا.

(116) الظاهر أنّه ممّا لا خلاف فيه، كما نبّه عليه في «المنتهى «1»»، بل ادّعي عليه الإجماع «2». و استدلّ له «3» بقوله تعالى: ... وَ لٰا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ- الآية «4».

و صحيح محمد بن قيس، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في حديث زكاة الغنم: «و لا تؤخذ هرمة، و لا ذات عوار، إلّا أن يشاء المصدّق- الحديث «5»» و ذيل صحيح أبي بصير الوارد في زكاة الإبل، قال: «و لا تؤخذ هرمة، و لا ذات عوار، إلّا أن يشاء المصدّق، يعدّ صغيرها و كبيرها «6»» فإنّ المتيقّن من مورد النصوص

______________________________

(1)- العلامة الحلّي، الحسن بن يوسف: منتهى المطلب، ج 1: ص 485، ط إيران الحجريّة.

(2)- البحراني، الشيخ يوسف: الحدائق الناضرة، ج 12: ص 65، ط النجف الأشرف؛ النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 134، ط النجف الأشرف.

(3)- العلّامة الحلّي، الحسن بن يوسف: منتهى المطلب، ج 1: ص 485، ط إيران الحجريّة.

(4)- البقرة، 2: 267.

(5)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 6: زكاة الأنعام، ح 2.

و أورد قطعة أخرى من الحديث في باب 11 (زكاة الأنعام، ح 1) و لكن ما يرتبط من الحديث بالمقام لم يذكره في «الوسائل». راجع الحديث في- التهذيب 4. ص 25/ ح 59؛ الاستبصار، ج 2: ص 23/ ح 62.

(6)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 10: زكاة الأنعام، ح 3.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 319

بل مع الاختلاف أيضا الأحوط إخراج الصحيح (117)، من غير ملاحظة التقسيط. نعم، لو كانت كلّها

مراضا، أو معيبة، أو

______________________________

المذكورة إنّما هو مورد صحّة جميع النصاب، بأن كانت الأنعام كلّها صحيحة، سليمة، شابة.

ثم إنّ المريض و إن كان غير مذكور فيها، إلّا أنّه من أظهر مصاديق «ذات عوار»، مثلّثه، بمعنى العيب «1»، فيعلم حكمه من ذكر البقية، كما لا يخفى.

(117) قال في «المدارك»: «و إنّما يمنع من أخذ هذه الثلاثة- اي المريضة، و الهرمة، و ذات العوار- إذا كان في النّصاب صحيح، أو فتيّ، أو سليم من العوار «2»» و اختاره صاحب «الجواهر «3»» رحمه اللّه أيضا. و قد يقرب ذلك، بدعوى انصراف أدلّة الفرائض، كقوله عليه السّلام: «في أربعين شاة شاة» و نحو ذلك، عن ذات العوار، و المريضة، و الهرمة، فيما إذا كان النصاب مؤتلفا منها و من غيرها. و هذه الدعوى- القريبة بحسب الذوق- و إن كانت لا تقوى على أن تكون سندا للفقيه في مقام الإفتاء، إلّا أنّها صالحة لأن تكون منشأ الاحتياط في المسألة، كما لا يخفى.

______________________________

(1)- الفيروزآبادي، محمد بن يعقوب: القاموس المحيط، ج 2: ص 97؛ الجوهري، اسماعيل بن حمّاد: صحاح اللّغة، ج 2: ص 761، ط دار العلم للملايين، بيروت.

(2)- العاملي، السيد محمّد الموسوي: مدارك الأحكام، ج 5: ص 95، ط مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام، قم.

(3)- النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 135، ط النجف الأشرف.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 320

هرمة، يجوز الإخراج منها (118).

[الشرط الثانى: السّوم طول الحول]

الشرط الثانى: السّوم طول الحول (119)، فلو كانت معلوفة و لو في بعض الحول لم تجب فيها، و لو كان شهرا، بل أسبوعا. نعم،

______________________________

(118) قال في «الحدائق»: «هذا، إذا كان في النصاب ما هو سالم من هذه الأوصاف- و يعنى

بها المرض، و الهرم و العور- و لو كان النّصاب كلّه منها، لم يكلّف شراء

الخالي منها، إجماعا «1»» و في «المدارك»: «أمّا لو كان كلّه كذلك، فقد قطع الأصحاب بجواز الأخذ منه «2»» و في «المنتهى»: «لو كانت إبله مراضا كلّها لم يجب عليه شراء صحيحة، ذهب إليه علماؤنا «3»». و الوجه في ذلك خروج الفرض المذكور عن منصرف النصوص المتقدّمة، فإنّها منصرفة إلى ما إذا كانت الشياه- مثلا- كلّها صحيحة، سليمة، شابة.

(119) السّوم بمعنى الرّعي «4». و لا خلاف في اعتباره بيننا «5»، بل عن

______________________________

(1)- البحراني، الشيخ يوسف: الحدائق الناضرة، ج 12: ص 66، ط النجف الأشرف.

(2)- العاملي، السيد محمد الموسوي: مدارك الأحكام، ج 5: ص 95، ط مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام، قم.

(3)- العلّامة الحلّي، الحسن بن يوسف: منتهى المطلب، ج 1: ص 485، ط إيران الحجريّة.

(4)- سامت الماشية، تسوم، سوما، أي: رعت، فهي سائمة (الجوهري، إسماعيل بن حمّاد:

صحاح اللغة، ج 5: صص 1955- 1956، ط دار العلم للملايين، بيروت- لبنان. لاحظ أيضا- الفيروزآبادي: القاموس المحيط، ج 4: ص 133).

(5)- العاملي، السيد محمد جواد: مفتاح الكرامة، ج 3/ كتاب الزكاة: ص 40.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 321

لا يقدح في صدق كونها سائمة في تمام الحول عرفا علفها يوما أو يومين.

______________________________

«المعتبر «1»»: «إنّه قول العلماء كافّة، إلّا مالكا «2»»، و عن «المنتهى»: «عليه فتوى علمائنا أجمع «3»». و يدلّ عليه صحيح الفضلاء المتقدّم في حديث زكاة الإبل: «و ليس على العوامل شي ء، إنّما ذلك على السائمة الراعية- الخبر «4»»، و في حديث زكاة البقر: «ليس على النيّف شي ء، و لا على الكسور شي ء، و لا على العوامل

شي ء، و إنّما الصدقة على السائمة الراعية «5»»، و معتبرة زرارة، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: هل على الفرس او البعير يكون للرّجل يركبها شي ء؟ فقال: «ليس على ما يعلف شي ء، إنّما الصدقة على السائمة المرسلة في مرجها، عامها الّذي يقتنيها فيه الرّجل- الحديث «6»»، و غيرها «7».

ثمّ إنّه لا إشكال في اعتبار السّوم طول الحول، كما دلّت عليه معتبرة زرارة المتقدّمة: «إنّما الصدقة على السائمة المرسلة فى مرجها، عامها الّذي يقتنيها- الحديث»، و هل يعتبر ذلك بحيث ينافيه التلبّس بغيره، من نوم، أو بالعلف، و لو

______________________________

(1)- المحقّق، جعفر بن الحسن: المعتبر، ج 2: صص 505- 506، ط مؤسّسة سيد الشهداء عليه السّلام، قم.

(2)- العلّامة، الحسن بن يوسف: تذكرة الفقهاء، ج 5: ص 47، ط مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام، قم.

(3)- العلّامة الحلّي، الحسن بن يوسف: منتهى المطلب، ج 1: ص 486، ط إيران الحجريّة.

و قريب منه في- تذكرة الفقهاء، ج 5: ص 46، ط مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام، قم.

(4)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 7: زكاة الأنعام، ح 1.

(5)- المصدر، ح 2.

(6)- المصدر، ح 3.

(7)- المصدر، ح 5.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 322

..........

______________________________

يوما واحدا، أو أنّه يعتبر فيه السوم على النحو المتعارف، الّذي يجتمع مع النوم و التعليف في بعض الأحيان، و بتعبير آخر: يكون الاعتبار بصدق السّوم عرفا، أو يكون المدار على الأغلب، فإن كان سائما في أغلب أوقات السنة ففيه الزكاة و إلّا فلا؟ وجوه و أقوال:

ذهب المحقّق قدّس سرّه في «الشرائع» و «المعتبر» إلى الأوّل، فقال في الأوّل ما نصّه: «لو علفها بعضا، و لو يوما استأنف الحول عند

استيناف السّوم، و لا اعتبار باللحظة عادة ... «1»». و نسب ذلك أيضا إلى جملة من تأخّروا عنه «2». و نسب إلى الشيخ قدّس سرّه في «المبسوط «3»» و «الخلاف «4»» القول الثالث.

و الظاهر من هذه الأقوال هو الأوسط، وفاقا للعلّامة رحمه اللّه «5»، بل الظاهر أنّه المشهور بين المتأخّرين «6»، و ذلك لأنّ اعتبار السّوم بمعناه اللّغوي- طول الحول- كما هو مقتضى الوجه الأوّل- يقتضي اختصاص وجوب الزكاة بفرض نادر جدّا، بل لعلّه لا يتحقّق له فرد أصلا، إذ لا يمكن اتّصاف الحيوان بالرّعي طول السنة، بحيث لا ينام و لا يعلف و لو قليلا، و حينئذ يكون هذا قرينة موجبة

______________________________

(1)- المحقّق الحلّي: شرائع الإسلام/ تحقيق: عبد الحسين محمّد علي البقّال، ج 1: ص 144؛ المعتبر، ج 2: ص 507، ط مؤسّسة سيّد الشهداء عليه السّلام، قم.

(2)- العاملي، السيد محمد جواد: مفتاح الكرامة، ج 3/ كتاب الزكاة: ص 40؛ النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 94، ط النجف الأشرف.

(3)- الطوسي، محمّد بن الحسن: المبسوط، ج 1: ص 198، نشر المكتبة المرتضوية، طهران.

(4)- الطوسي، الشيخ محمّد بن الحسن: الخلاف، ج 2: ص 53، ط جامعة المدرسين، قم.

(5)- الحلّي، العلّامة، الحسن بن يوسف: تذكرة الفقهاء 5: ص 48، ط مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام، قم. قال- قدّس سرّه- ما لفظه: «و الأقرب عندى اعتبار الاسم، فان بقي عليها اسم السوم وجبت، و إلا سقطت» (تحرير الأحكام، ص 60، ط إيران الحجريّة).

(6)- البحراني، الشيخ يوسف: الحدائق الناضرة، ج 12: ص 79، ط النجف الأشرف.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 323

..........

______________________________

لانصراف عنوان «السائمة» المأخوذة في النصوص المتقدّمة إلى ما قد

تلبّس طول الحول بالسّوم على الوجه المتعارف، الّذي هو عبارة عن الرّعي المجتمع مع النوم، و مع التعليف أيضا في بعض الأحيان، فالسّوم اللّغوي و إن كان غير صادق حال النوم، أو التعليف، إلّا أنّ السّوم بالمعنى العرفيّ صادق معه بلا إشكال، إذ لا اختصاص للسائمة عرفا بحيوان يرعى طول السنة، بحيث لا ينام، و لا يعلف و لو قليلا، و إن كان الجمود على المعنى اللّغويّ يقتضي ذلك.

و على الإجمال، السائمة في النصوص منصرفة- بمقتضى القرينة المتقدّمة- إلى ما قد تلبّس بالسّوم على الوجه المتعارف طول الحول، لا ما تلبّس- بحسب ما للتلبس من المعنى لغة- بالسّوم طول السنة. و عليه، فلا يضرّ بصدق «السائمة»- عرفا- طول الحول، علفها يوما أو يومين- كما أفاده قدّس سرّه-، فانّ التلبّس بالسّوم على الوجه المتعارف إنّما هو كذلك. و قد يستدلّ لاعتبار الغلبة في هذا الباب، و أنّ المدار في صدق «السائمة» على الغلبة، فإذا كان الحيوان سائما في أغلب أوقات السنة، وجب فيه الزكاة، و إذا كان معلوفا كذلك لم تجب بأنّ في جملة من نصوص الباب فرض الزكاة على السائمة، و نفيها عن المعلوفة، فيستفاد منها أنّ الأمر دائر بين أمرين، لا ثالث لهما، فإمّا أن يكون سائما فيه الزكاة، أو معلوفا لا تجب الزكاة فيه، و حينئذ ففي الحيوان الذي يكون فى بعض السنة سائما، و في بعضها معلوفا، لا مناص من جعل العبرة في صدق أحد الأمرين على الحيوان بالغلبة، كما هو ظاهر و يتوجّه عليه:

أوّلا: أنّ اعتبار الغلبة لا ينهض بذلك، فان للحيوان السائم في بعض السنة و المعلوف في بعضها شقا ثالثا، و هو ما يتساوى فيه أيّام السّوم و التعليف،

بحيث لا يكون لأحدهما غلبة على الآخر، فهل تجب الزكاة في مثله أو لا تجب؟

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 324

و لا فرق (120) في منع العلف عن وجوب الزكاة بين أن يكون بالاختيار، أو بالاضطرار، لمنع مانع من السّوم، من ثلج، أو مطر، أو ظالم غاصب، أو نحو ذلك، و لا بين أن يكون العلف من مال المالك أو غيره، بإذنه أولا بإذنه، فإنّها تخرج بذلك كلّه عن السّوم، و كذا لا فرق بين أن يكون ذلك بإطعامها العلف المجزوز (121)،

______________________________

و ثانيا: أنّ اعتبار السّوم في تمام الحول إنّما هو بدليل منفصل، و ليس في ما دلّ على وجوب الزكاة في السائمة و نفيه في المعلوفة ما يدلّ على اعتبار الإثبات و النفي في تمام الحول، ليكون المدار في نفي الزكاة عن المعلوفة على الغلبة، كما هو واضح.

(120) وفاقا لجملة من الفقهاء- قدس اللّه اسرارهم- «1» و الوجه في ذلك كلّه ظاهر، فإنّه لا يصدق على الحيوان حينئذ أنّه قد رعى طول الحول، بل إنّه يصدق عليه المعلوفة كذلك، كما لا يخفى.

(121) و لو كان العلف غير مزروع، فإنّ موضوع الزكاة فى النصوص هي «السائمة الرّاعية»، فمع تقديم العلف لها- و إن كان العلف غير مزروع- لا يصدق عليها

______________________________

(1)- العاملي، السيد محمد جواد: مفتاح الكرامة، ج 3/ كتاب الزكاة: ص 41.

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 325

أو بإرسالها لترعى بنفسها في الزرع المملوك (122). نعم، لا يخرج عن صدق السوم باستئجار المرعى أو بشرائه، إذا لم يكن مزروعا (123)؛

______________________________

«السّائمة»، كما هو ظاهر.

(122) لما سيأتي، من أنّ الملاك فى السّوم أن يكون الرّعي من العلف غير

المزروع، و أمّا المملوك منه بالزّرع، فرعي الحيوان منه لا يوجب صدق عنوان «السائمة» عرفا. نعم، المملوك بتبع الأرض، كالحشيش، و الدغل «1» الّذي ينبت في الأرض المملوكة، أيّام الرّبيع، أو عند نضوب الماء، فالرّعي منه لا يمنع من صدق «السائمة» عرفا.

(123) قد يستشكل عدم الخروج عن صدق السوم باستئجار المرعى، أو شرائه، فيما إذا لم يكن مزروعا، بدعوى: أنّ المناط في سقوط الزكاة في فرض عدم السوم إنّما هو كون مئونة حفظ الأنعام على المالك، و هذا المعنى- و هي المئونة- متحقّق في هذا الفرض أيضا، فيلزم منه سقوط الزكاة فيه أيضا. فيكون الملاك في السّوم هو رعيه ما لا يكون مملوكا للمالك، بأن لم تكن الأرض مزروعة، و إن كانت

______________________________

(1)- الدّغل- بالتحريك- كثرة النبت و اشتباكه (ابن منظور، محمّد بن المكرّم: لسان العرب/ نسقه و علّق عليه و وضع فهارسه: علي شيري، ج 4: ص 365).

المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة، ج 1، ص: 326

..........

______________________________

الأرض مستأجرة او مشتراة. و لكن هذه الدعوى ممّا لا يكاد يثبت بها الحكم الشرعي، فإنّ الأحكام الشرعيّة ممّا لا يثبت بأمثالها من الاستحسانات الذوقيّة، و لا سبيل لنا إلى إحراز مناطات الأحكام الشرعيّة أصلا. و الصحيح هو ما أفاده قدّس سرّه من عدم الخروج عن صدق السوم بذلك، فإنّ السّوم- بنظر العرف- إنّما يكون بالرّعي في أرض تكون النبات و الأعشاب الموجودة فيها غير مزروعة، بل كان ذلك بفعله تعالى، و يسمّى بالفارسيّة «خودرو»، بلا فرق في ذلك بين استئجار مثل هذه الأرض أو شرائها، و بين الرّعي فيها مجّانا.

و على الجملة، السّوم على الوجه المتعارف صادق في أمثال المقام عرفا، كما لا يخفى «1».