مناقب آل ابی طالب المجلد 12

اشارة

عنوان و نام پديدآور:مناقب آل ابی طالب/ تالیف رشید الدین ابی عبد الله محمد بن علی بن شهر آشوب. تحقیق علی السید جمال اشرف الحسینی.

مشخصات نشر:قم: المکتبه الحیدریه، 1432ق = 1390.

مشخصات ظاهری:12ج

وضعیت فهرست نویسی:در انتظار فهرستنویسی (اطلاعات ثبت)

يادداشت:ج.9. (چاپ اول)

شماره کتابشناسی ملی:2481606

ص: 1

اشارة

مناقب آل أبي طالب

تأليف الإمام الحافظ رشيد الدين أبي عبد اللّه محمد بن علي بن شهرآشوب

ابن أبي نصر بن أبي الجيش السروي المازندراني

المتوفى سنة 588 ه

الجزء الثاني عشر

تحقيق السيد علي السيد جمال أشرف الحسيني

ص: 2

بسم الله الرحمن الرحیم

ص: 3

ص: 4

باب إمامة أبي إبراهيم موسى بن جعفر الكاظم عليهماالسلام

اشارة

ص: 5

ص: 6

فصل 1 : في المقدّمات

اشارة

ص: 7

ص: 8

الحمد للّه الذي كبس بلطفه الصدور ، فألقى عسرها وغلّها ، الرحمن الذي كمل بفضله الأمور دقّها وجلّها ، الرحيم الذي أفاض من رحمته البحور ، فغسل الزلاّت صكّها وسجّلها ، علم الأشياء ، فأحصى كثرها وقلّها ، وسمع الأقوال فأثبت حرّها ونحلها ، وأفحم الملائكة حين « عَلَّمَ آدَمَ الأَْسْماءَ كُلَّها » .

الآيات

بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً

الكاظم عليه السلام في قوله تعالى : « بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً » ، قال : بغضنا ، « وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ » ، قال : من شرك في دمائنا .

فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ

وعنه عليه السلام في قوله تعالى : « فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ » ، قال : نحن هم ، نشهد للرسل على أممها .

ص: 9

وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ

وعنه في قوله تعالى : « وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ » ، قال : هم عدوّنا أهل البيت ، إذا سألوا عنّا قالوا ذلك .

بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ

الباقر عليه السلام في قوله تعالى : « بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ » ، قال : إيّانا عنى ، الأئمّة من آل محمد صلى الله عليه و آله(1) .

وروى هذا المعنى أبو بصير عن الباقر عليه السلام ، وعبد العزيز العبدي ، وهارون بن حمزة عن الصادق(2) عليه السلام .

وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ

وعنه عليه السلام في قوله تعالى : « وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ » ، نحن السبيل(3) لمن اقتدى بنا ، ونحن الهداة إلى الجنّة ، ونحن عرى الإسلام(4) .

وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِْسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ

وعنه في قوله تعالى : « وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِْسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآْخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ » ، فقال : غير التسليم لولايتنا .

ص: 10


1- بصائر الدرجات للصفار: 224 باب 11، الكافي: 1/213، تفسير مجمع البيان: 8/33.
2- بصائر الدرجات للصفار : 224 باب 11 ، الكافي : 1/213 .
3- تفسير القمّي : 1/221 .
4- كمال الدين للصدوق : 206 باب 21 ح 20 ، أمالي الطوسي : 654 ح 1354 .
ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللّهِ

وعنه في قوله تعالى : « ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللّهِ » ، نحن جنب اللّه (1) .

وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ

وعنه في قوله تعالى : « وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ » ، قال : نحن السابقون ، ونحن الآخرون(2) .

وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا

وعنه في قوله تعالى : « وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا » ، قال : هذه نزلت في آل محمد عليهم السلام وأشياعهم(3) .

وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ

وعنه في قوله تعالى : « وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ » ، قال : اتّبع سبيل محمد صلى الله عليه و آله وعلي عليه السلام(4) .

ص: 11


1- تفسير مجمع البيان : 8/410 ، بصائر الدرجات للصفار : 83 باب 3 ، تفسير القمّي : 2/251 .
2- بصائر الدرجات للصفار : 83 باب 3 ، كمال الدين للصدوق : 206 ، أمالي الطوسي : 654 ح 1354 .
3- شرح الأخبار للقاضي النعمان : 2/345 ، الاختصاص للمفيد : 127 ، تفسير فرات : 320 ، شواهد التنزيل للحسكاني : 1/569 .
4- تفسير القمّي : 2/165 .
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها

وعنه في قوله تعالى : « مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها » ، قال : الحسنة حبّنا ومعرفة حقّنا ، والسيّئة بغضنا ، وانتقاص حقّنا .

وقال زيد بن علي ، وأبو عبد اللّه الجدلي : قال علي عليه السلام : « مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ » ، قال : حبّنا ، « وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ » ، قال : بغضنا(1) .

ما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

أبو الحسن الماضي عليه السلام في قوله : « ما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ

يَظْلِمُونَ » ، إنّ اللّه أعزّ وأمنع من أن يظلم ، وأن ينسب نفسه إلى ظلم ، ولكنّ اللّه خلطنا بنفسه فجعل ظلمنا ظلمه ، وولايتنا ولايته(2) .

يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ

وعنه في قوله : « يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ » ، قال : نحن - واللّه - الآذنون(3) لهم يوم القيامة ، والقائلون صوابا(4) .

ص: 12


1- المحاسن للبرقى : 1/150 ح 69 ، شرح الأخبار للقاضي النعمان : 1/158 ح 106 ، أمالي الطوسي : 493 ح 1080 ، تفسير فرات : 312 ، تفسير مجمع البيان : 7/410 .
2- الكافي : 1/435 .
3- في المصادر : « المأذون » .
4- المحاسن للبرقي : 1/183 ح 173 ، الكافي : 1/435 ح 91 .
كَلاّ إِنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفِي سِجِّينٍ

وعنه في قوله تعالى : « كَلاّ إِنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفِي سِجِّينٍ » ، الذين فجروا في حقّ الأئمّة ، واعتدوا عليهم(1) .

إِنَّ فِي ذلِكَ لآَياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ

أمير المؤمنين عليه السلام في قوله تعالى : « إِنَّ فِي ذلِكَ لآَياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ » ، فكان رسول اللّه صلى الله عليه و آله المتوسّم ، والأئمّة من ذرّيتي المتوسّمون إلى يوم القيامة(2) .

وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ

« وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ » ، فذلك السبيل المقيم هو الوصيّ بعد النبي صلى الله عليه و آله .

ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ

الصادق عليه السلام في قوله تعالى : « ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ » ، أي عن ولايتنا(3) .

ص: 13


1- الكافي : 1/435 ح 91 .
2- بصائر الدرجات للصفار : 377 باب 17 ح 13 ، الكافي : 1/219 ح 5 ، مناقب أمير المؤمنين عليه السلام للكوفي : 1/561 ح 1073 ، الاختصاص للمفيد : 302 ، تفسير العياشي : 2/249 ، تفسير فرات : 229 ، شواهد التنزيل للحسكاني : 1/420 .
3- تأويل الآيات : 2/850 ح 2 .
وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لأُِنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ

وعنه في قوله : « وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لأُِنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ » ، قال : من بلغ أن يكون إماما ، من آل محمد عليهم السلام ، فهو ينذر بالقرآن كما أنذر به رسول اللّه (1) صلى الله عليه و آله .

الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإِْثْمِ وَالْفَواحِشَ

أبو جعفر وأبو عبد اللّه عليهماالسلام في قوله تعالى : « الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإِْثْمِ وَالْفَواحِشَ » ، نزلت في آل محمد صلى الله عليه و آله(2) .

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللّهِ كُفْراً

الصادق والباقر عليهماالسلام في قوله تعالى : « أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللّهِ كُفْراً » ، نعمة اللّه رسوله صلى الله عليه و آله ، إذ يخبر أمّته بمن يرشدهم من الأئمّة ، فأحلّوهم دار البوار ، ذلك معنى قول النبي صلى الله عليه و آله : لا ترجعنّ(3) بعدي كفّارا يضرب بعضكم رقاب بعض(4) .

ص: 14


1- الكافي : 1/416 ح 21 ، تفسير العياشي : 1/356 ح 13 ، تفسير مجمع البيان : 4/22 .
2- تفسير فرات : 453 ح 91 .
3- في المصادر : « ترجعوا » .
4- المسترشد : 229 ح 65 ، الإفصاح للمفيد : 50 ، التعجب : 89 ، كنز الفوائد للكراجكي : 61، أمالي الطوسي : 363 ح 760، الاحتجاج : 1/291، مسند أحمد : 1/230 .. ، سنن الدارمي : 2/69 ، البخاري : 1/38 . . ، مسلم : 1/58 . . ، سنن ابن ماجة : 2/1300 ، سنن أبي داود : 2/409 ، سنن الترمذي : 3/329 ، سنن النسائي : 7/126 ، المستدرك للحاكم : 1/93 ، السنن الكبرى للبيهقي : 5/140 . . ، مسند أبي داود الطيالسي : 92 ، المصنف لابن أبي شيبة الكوفي : 8/602 . . ، خلق أفعال العباد للبخاري : 78 ، تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة : 13 ، الآحاد والمثاني للضحاك : 3/209 . . ، السنن الكبرى للنسائي : 2/316 . . ، مسند أبي يعلى : 3/39 . . ، ابن حبان : 1/416 ، المعجم الأوسط للطبراني : 4/269 . . ، المعجم الكبير للطبراني : 2/307 . . ، المعجم الصغير : 1/153 . . .
بني الدين على اتباع النبي والكتاب والوصي

بُني الدين على اتّباع النبي صلى الله عليه و آله : « قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي » .

واتّباع الكتاب : « وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ » .

واتباع الأئمّة من أولاده : « وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ » .

فاتّباع النبي صلى الله عليه و آله يورث المحبّة : « يُحْبِبْكُمُ اللّهُ » .

واتّباع الكتاب يورث السعادة « فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى » .

واتباع الأئمّة يورث الجنّة « رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ » .

الأشياء سبعة

كادت الأشياء تكون سبعة : السماوات ، والأرضون ، والبحار ، والجزائر ، والنجوم السيّارة ، والأقاليم ، والأسابيع ، وأبواب جهنّم ، والأعضاء ، والوضوء ، والطواف ، والسعي ، ورمي الجمار ، وأسباع القرآن ،

ص: 15

وأكثر الأسماء(1) .

والمولود إذا بلغ سبعة أيّام عقّ عنه ، وإذا بلغ سبع سنين سقط سنّه ، وإذا بلغ ثلاثة أسباع توفّر لمحبّته ويلفّ عن النهر(2) ، ثمّ جعل طوله بشبره سبعة أشبار ، وإذا ولد في سبعة أشهر عاش .

و« لا إله إلاّ اللّه محمد رسول اللّه صلى الله عليه و آله » سبع كلمات .

وموسى بن جعفر سابع الأئمّة عليهم السلام .

إنّ الذي قسم الأئمّة حازها

في صلب آدم للإمام السابع

* * *

في الحساب

وميزان موسى بن جعفر من الحساب : إمام معصوم منصوص عليه ، لاستوائهما في أربعمائة وخمس وثمانين .

قال ابن حمّاد :

اصرف هواك إلى النبي وآله

وتولّهم أبدا بقلب غارب

قوم براهم ربّهم من نوره

والخلق من ماء وطين لازب

جاءت مراتبهم لديه فأصبحوا

باللّه معدن كلّ فضل راتب

طابت أصولهم معا وفروعهم

فتطهّروا من شبهة وشوائب

ص: 16


1- في النسخ جميعا : « وأكثر الأسماء نحو مسجككة » .
2- كذا في النسخ جميعا .

قوم هم حجج الإله على الورى

ممّن يرى بمشارق ومغارب

يا عاتبي في حبّهم قد زادني

حبّا لهم وهوى مقال العاتب

إن كان ذنبي حبّهم ومديحهم

فاشهد بأنّي منه غير التائب

أأتوب من عمل به أرجو النجا

يوم المعاد من العذاب الواصب

* * *

وقال الكميت :

بنو هاشم فهم الأكرمون

بنو الباذخ الأفضل الأطيب

وآباؤهم فاتّخذ أولياء

من دون ذي النسب الأقرب

وفي ودّهم فائتهم عادلاً

نهاك وفي حبلهم فاخطب

أرى لهم الفضل والسابغات

ولم أتمنّ ولم أحسب

لئن طال شربي للآجنات

لقد طاب عندهم مشربي

أناس إذا أوردت بحرهم

صوادي الغرائب لم تضرب

نجوم الأمور إذا دلّست

بظلماء ديجورها الغيهب

وأهل القديم وأهل الحديث

إذا نقصت حبوة المجتبي

* * *

وقال مهيار :

أين الذين بصروا من العمى

وفتحوا باب الرشاد المغلقا

وانتظم المجد نبيّا صادعا

بالمعجزات وإماما صادقا

مناسك الناس لكم وعندكم

جزاء من أسرف أو من اتّقى

والوحي والأملاك في أبياتكم

مختلفات مهبطا ومرتقى

ص: 17

لا يملك الناس عليكم إمرة

كنتم ملوكا والأنام سوقا

في جدّة الدهر وفي شبابه

وحين شاب عمره وأخلقا

مجدا إلهيّا توخّاكم به

ربّ العلى وشرفا مخلقا

رتّقتم بالدين قوم ألحدوا

فيكم وعن قوم حللتم ربقا

وآمن اللّه بكم عباده

حتى حمام بيته المطوّقا

ليس المسيح يوم أحيى ميّتا

ولا الكليم يوم خرّ مصعقا

ثنا لغير ما انثى في أمركم

وإن هما تقدّما وسبقا

وزالت الريح سليمان لو

ابتغاكم في ظهرها ما لحقا

ولا أبوه ناسجا أدراعه

مضاعفا سرودها وألحلقا

فضلتموهم ولكلٍ فضله(1)

فضيلة الرأس المطا والعنقا

وكلّ مهدي له معجزةباهرة بها التاب نطقا(2)

* * *

ص: 18


1- في النسخ المطبوعة : « فضلتموهم ولكن فضلكم » .
2- لم يوجد البيت الأخير في نسخة النجف .

فصل 2 : في إنبائه عليه السلام بالمغيّبات

اشارة

ص: 19

ص: 20

قبض اللّه أباك هذه الساعة

بيان بن نافع التفليسي ، قال : خلّفت والدي مع الحرم في الموسم وقصدت موسى بن جعفر عليه السلام ، فلمّا أن قربت منه هممت بالسلام عليه ، فأقبل عليّ بوجهه وقال : برّ حجّك يا ابن نافع ، آجرك اللّه في أبيك ، فإنّه قد قبضه إليه في هذه الساعة ، فارجع فخذ في جهازه ، فبقيت متحيّرا عند قوله - وقد كنت خلّفته وما به علّة - ، فقال : يا ابن نافع ، أفلا تؤمن ؟

فرجعت فإذا أنا بالجواري يلطمن خدودهنّ ، فقلت : ما وراكنّ ؟ قلن : أبوك فارق الدنيا .

قال ابن نافع : فجئت إليه أسأله عمّا أخفاه ورأى(1) ، فقال لي : أبدا(2) ما أخفاه وراك ، ثمّ قال : يا ابن نافع إن كان في أمنيّتك كذا وكذا أن تسأل عنه ، فأنا جنب اللّه ، وكلمته الباقية ، وحجّته البالغة .

إنّي لراجع إلى الحجاز

أبو خالد الرمّاني ، وأبو يعقوب الزبالي ، قال كلّ واحد منهما :

ص: 21


1- في المخطوطة : « وأرى » ، ولعلّها « ورائي » .
2- في المخطوطة : « ابد » .

استقبلت أبا الحسن بالأجفر في المقدِمة الأولى على المهدي ، فلمّا خرج ودّعته وبكيت ، فقال لي : ما يبكيك ؟ قلت : حملك هؤلاء ، ولا أدري ما يحدث .

قال : فقال لي : لا بأس عليّ منه في وجهي هذا ، ولا هو بصاحبي ، وإنّي لراجع إلى الحجاز ، ومارّ عليك في هذا الموضع راجعا ، فانتظرني في يوم كذا وكذا في وقت كذا وكذا ، فإنّك تلقاني راجعا ، قلت له : خير البشرى ، لقد خفته عليك ، قال : فلا تخف .

فترصّدته ذلك الوقت في ذلك الموضع ، فإذا بالسواد قد أقبل ، ومناد ينادي من خلفي ، فأتيته فإذا هو أبو الحسن عليه السلام على بغلة له ، فقال لي : إيها أبا خالد ، قلت : لبّيك يا ابن رسول اللّه ، الحمد للّه الذي خلّصك من أيديهم ، فقال : أما إنّ لي عودة إليهم لا أتخلّص من أيديهم(1) .

أنت تموت إلى شهر

إسحاق بن عمّار ، قال أبو الحسن عليه السلام لرجل : يا فلان ، أنت تموت إلى شهر ، فأضمرت في نفسي : كأنّه يعلم آجال الشيعة !

فقال لي : يا إسحاق ، ما تنكرون من ذلك ؟ كان رشيد الهجري مستضعفا ، وكان يعلم علم المنايا ، والإمام أولى بذلك منه .

ص: 22


1- الثاقب في المناقب لابن حمزة : 454 ح 382 ، اعلام الورى : 2/23 ، الكافي : 1/477 ح 3 ، قرب الإسناد : 331 ح 1229 ، الخرائج للراوندي : 1/315 ح 8 .

ثمّ قال : يا إسحاق ، تموت إلى سنتين ، ويتشتّت مالك وعيالك وأهل بيتك ويفلسون إفلاسا شديدا .

قال الحسن بن علي بن أبي عثمان : فكان كما قال(1) .

اذهب فغيّر اسم ابنتك

يعقوب السرّاج ، قال : دخلت على أبي عبد اللّه عليه السلام وهو واقف على رأس أبي الحسن عليه السلام - وهو في المهد - ، فجعل يسارّه طويلاً ، فقال لي : ادن إلى مولاك .

فدنوت فسلّمت عليه ، فردّ عليّ السلام بلسان فصيح ، ثمّ قال : اذهب فغيّر اسم ابنتك التي سمّيتها أمس ، فإنّه اسم يبغضه اللّه .

وكانت ولدت لي ابنة ، فسمّيتها بفلانة ، فقال لي أبو عبد اللّه عليه السلام : انته إلى أمره ترشد ، فغيّرت اسمها(2) .

قل للشجرة يقول لك موسى بن جعفر عليهماالسلام اقبلي

الرافعي : كان الحسن بن عبد اللّه مهيبا عند الملوك ، زاهدا في الدنيا ،

ص: 23


1- اعلام الورى : 2/23 ، بصائر الدرجات للصفار : 285 ح 13 ، اختيار معرفة الرجال للطوسي : 2/709 ح 768 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 434د ح 366 ، الكافي : 1/484 ح 7 .
2- الكافي : 1/310 ح 11 ، دلائل الإمامة : 327 ، الإرشاد للمفيد : 2/219 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 433 ح 365 ، اعلام الورى : 2/14 .

يأمر بالمعروف على السلطان ، فلقيه موسى بن جعفر عليهماالسلام فقال : يا أبا علي ، ما أحبّ إليّ ما أنت عليه وأسرّني به ! إلاّ أنّه ليست لك معرفة ، فاطلب المعرفة ، قال : وما المعرفة ؟ قال : اذهب وتفقّه واطلب الحديث .

قال : فذهب وكتب الحديث عن مالك وعن فقهاء المدينة ، وعرض عليه ، فأسقط عليه السلام كلّه .

فجاء وذهب معرضا ، وموسى عليه السلام يردّ عليه ويقول : اذهب واعرف - وكان الرجل معنيا(1) بدينه - ، فوجد منه الخلوة ، فقال : إنّي أحتجّ عليك بين يدي اللّه ، فدلّني إلى خيرة ، وسأله دلالة ، فقال : اذهب إلى تلك الشجرة ، فقل لها : يقول لك موسى بن جعفر عليهماالسلام اقبلي .

قال : فأتيتها وقلت لها ، فرأيتها - واللّه - تخدّ الأرض خدّا حتى وقفت بين يديه ، ثمّ أشار إليها بالرجوع فرجعت .

قال : فلزم الصمت ، وكان لا يراه أحد بعد ذلك(2) .

من الآن توضّأ كما أمرك اللّه

محمد بن الفضل ، قال : اختلفت الرواية بين أصحابنا في مسح الرجلين في الوضوء ، هو من الأصابع إلى الكعبين ؟ أم من الكعبين إلى الأصابع ؟

ص: 24


1- في النسخ : « معينا » ، وما أثبتناه من المخطوطة والمصادر عدا البصائر ، ومعنيا أي ذا عناية واهتمام بدينه .
2- بصائر الدرجات للصفار : 275 باب 13 ح 6 ، الكافي : 1/353 ح 8 ، الإرشاد للمفيد : 2/223 ، الخرائج للراوندي : 2/650 .

وكتب علي بن يقطين إلى أبي الحسن عليه السلام يسأله عن ذلك .

فكتب إليه : فهمت ما ذكرت من الاختلاف في الوضوء ، والذي آمرك به في ذلك أن تتمضمض ثلاثا ، وتستنشق ثلاثا ، وتخلّل لحيتك ، وتمسح رأسك كلّه - وبه تمسح ظاهر أذنيك وباطنهما - ، وتغسل رجليك إلى الكعبين ثلاثا ، ولا تخالف ذلك إلى غيره .

فلمّا وصل الكتاب إلى علي تعجّب ممّا رسم له فيه ، ثمّ قال : مولاي أعلم بما قال ، وأنا ممتثل أمره ، فكان يعمل في وضوئه على هذه .

وسعي بعلي إلى الرشيد بالرفض ، فقال : قد كثر القول عندي في رفضه ، فأمتحنه من حيث لا يعلم ، بالوقوف على وضوئه .

فلمّا دخل وقت الصلاة وقف الرشيد وراء حائط الحجرة بحيث يرى علي بن يقطين ولا يراه هو ، فدعا بالماء ، وتوضّأ على ما أمره الإمام عليه السلام ، فلم يملك الرشيد ! نفسه حتى أشرف عليه بحيث يراه ، ثمّ ناداه : كذّاب - يا علي - من زعم أنّك من الرافضة ، وصلحت حاله عنده .

وورد كتاب أبي الحسن عليه السلام : ابتدئ من الآن - يا علي بن يقطين - وتوضّأ كما أمرك اللّه ، وذكر وصفه ، ثمّ قال : فقد زال ما كنت أخافه عليك ، والسلام(1) .

قال الشاعر :

ثمّ حال الوضوء حال عجيب

كيف أنباه بالضمير وخبّر

ص: 25


1- الإرشاد للمفيد : 2/227 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 451 ح 380 ، اعلام الورى : 2/21 .

هو عين الحياة وهو نجاة

ورشاد لمن قرا وتدبّر

هو سرّ الإله في البأس والجود

فطوبى لمن به يتبصّر

* * *

احتفظ بالدراعة فستحتاج إليها

ابن سنان ، قال : حمل الرشيد في بعض الأيّام إلى علي بن يقطين ثيابا أكرمه بها ، وفيها درّاعة خزّ سوداء من لباس الملوك مثقّلة بالذهب ، فأنفذ ابن يقطين بها إلى موسى بن جعفر عليهماالسلام مع مال كثير .

فلمّا وصل إلى أبي الحسن عليه السلام قبل المال وردّ الدراعة ، وكتب إليه :

احتفظ بها ولا تخرجها من يدك ، فسيكون لك بها شأن تحتاج إليها معه .

فلمّا كان بعد أيّام تغيّر علي بن يقطين على غلام له ، فصرفه عن خدمته ، فسعى الغلام به إلى الرشيد ، فقال : إنّه يقول بإمامة موسى بن جعفر عليهماالسلام ، ويحمل إليه خمس ماله في كلّ سنة ، وقد حمل إليه الدراعة التي أكرمه بها أمير المؤمنين .

فغضب الرشيد ! غضبا شديدا وقال : إن كان الأمر على ما تقول أزهقت نفسه .

فأنفذ بإحضار ابن يقطين وقال : عليّ بالدراعة التي كسوتك بها(1) الساعة ، فأنفذ خادما وقال : آتيني بالسفط الفلاني .

ص: 26


1- في النسخ : « إليّ » ، وما أثبتناه من المخطوطة والمصادر .

فلمّا جاء به وضعه بين يدي الرشيد وفتحه ، فنظر إلى الدراعة بحالها مطويّة مدفونة في الطيب ، فسكن الرشيد من غضبه ، وقال : انصرف راشدا ، فلن أصدّق بعدها ساعيا .

وأمر أن يتبع بجائزة سنيّة ، وتقدّم بضرب الساعي حتى مات منه(1) .

وابن يقطين حين ردّ عليه

الطهر أثوابه وقال وحذّر

قال خذها وسوف تسأل عنها

ومعاديك فيّ لا شكّ يخسر

* * *

بحقّي عليك لما كففت عن الأخوص

أحمد بن عمر الخلاّل ، قال : سمعت الأخوص بمكّة يذكره ، فاشتريت سكّينا وقلت : واللّه لأقتلنّه إذا خرج من المسجد - وأقمت على ذلك وجلست له - ، فما شعرت إلاّ برقعة أبي الحسن عليه السلام قد طلعت عليّ فيها :

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ، بحقّي عليك لما كففت عن الأخوص ، فإنّ اللّه ثقتي وهو حسبي(2) .

ص: 27


1- روضة الواعظين للفتال : 213 ، الإرشاد للمفيد : 2/225 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 450 ح 379 ، الخرائج للراوندي : 1/334 ح 25 ، اعلام الورى : 2/19 .
2- بصائر الدرجات للصفار : 272 باب 12 ح 6 ، الخرائج للراوندي : 2/651 ح 3 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 438 ح 375 .

إنّما بقي من أجلي أسبوع

أحمد بن خالد البرقي عن محمد بن عباد المهلبي ، قال : لمّا حبس هارون الرشيد موسى بن جعفر عليهماالسلام ، وأظهر الدلائل والمعجزات - وهو في الحبس - ، دعا الرشيد يحيى بن خالد البرمكي ، وسأله تدبيرا في شأن موسى عليه السلام ، فقال : الذي أراه لك أن تمنّ عليه وتصل رحمه ، فقال الرشيد : انطلق إليه ، وأطلق عنه الحديد ، وأبلغه عنّي السلام ، وقل له : يقول لك ابن عمّك : إنّه قد سبق منّي فيك يمين أن لا أخلّيك حتى تقرّ لي بالإساءة ، وتسألني العفو عمّا سلف منك ، وليس عليك في إقرارك عار ، ولا في مسألتك إيّاي منقصة !!! وهذا يحيى - وهو ثقتي ووزيري - فسله(1) بقدر ما أخرج من يميني ، وانصرف راشدا .

فقال عليه السلام : يا أبا علي ، أنا ميّت ، وإنّما بقي من أجلي أسبوع ، اكتم موتي وائتني يوم الجمعة ، وصلّ أنت وأوليائي عليّ فرادى ، وانظر إذا سار هذا الطاغية إلى الرقّة ، وعاد إلى العراق لا يراك ولا تراه ، واحتل لنفسك ، فإنّي رأيت في نجمك ونجم ولدك ونجمه أنّه يأتي عليكم فاحذروه .

ثمّ قال له : يا أبا علي أبلغه عنّي : يقول موسى بن جعفر : رسولي يأتيك يوم الجمعة ، ويخبرك بما يرى ، وستعلم غدا إذا جاثيتك بين يدي اللّه مَن الظالم والمتعدّي على صاحبه .

ص: 28


1- في النسخ : « فله » ، وفي المخطوطة : « قله » ، وما أثبتناه من الغيبة .

فلمّا أخبره بجوابه قال له هارون : إن لم يدّع النبوّة بعد أيّام فما أحسن حالنا .

فلمّا كان يوم الجمعة توفّي أبو إبراهيم(1) عليه السلام .

إليّ إليّ

اجتمع الناس على عبد اللّه بن جعفر بعد وفاة الصادق عليه السلام ، فدخل عليه هشام بن سالم ومحمد بن النعمان صاحب الطاق ، فسألاه عن الزكاة في كم تجب ؟ قال : في مائتي درهم خمسةُ دراهم ، فقالا : ففي مائة ؟ قال : درهمين ونصف .

فخرجا يقولان : إلى المرجئة ؟ إلى القدرية ؟ إلى المعتزلة ؟ إلى الزيدية ؟ فرأيا شيخا يومئ إليهما ، فاتّبعاه خائفين أن يكون عينا من عيون أبي جعفر المنصور ، فلمّا ورد هشام على باب موسى عليه السلام ، فإذا خادم بالباب ، فقال له : ادخل رحمك اللّه .

فلمّا دخل قال : إليّ إليّ ، لا إلى المرجئة ، ولا إلى القدرية ، ولا إلى المعتزلة ، ولا إلى الزيدية .

فقال هشام : مضى أبوك موتا ؟ قال : نعم ، قال : فمن لنا بعده ؟ قال : إن شاء اللّه أن يهديك هداك ، قال : إنّ عبد اللّه يزعم أنّه إمام ، قال : عبد اللّه

يريد أن لا يعبد اللّه ، قال : فمن لنا بعده ؟ قال : إن شاء اللّه أن يهديك

ص: 29


1- الغيبة للطوسي : 25 ح 4 .

هداك ، قال : فأنت هو ؟ قال : وما أقول ذلك ، قال : عليك إمام ؟ قال : لا ، قال : أسألك كما كنت أسأل أباك ؟ قال : سل تخبر ولا تذع ، فإن أذعت فهو الذبح(1) .

خبر شطيطة

أبو علي بن راشد وغيره في خبر طويل : إنّه اجتمعت العصابة الشيعة بنيسابور ، واختاروا محمد بن علي النيسابوري ، فدفعوا إليه ثلاثين ألف دينار وخمسين ألف درهم وألفي شقّة من الثياب ، وأتت شطيطة بدرهم صحيح وشقّة خام من غزل يدها تساوي أربعة دراهم ، فقالت : إنّ اللّه لا يستحيي من الحقّ .

قال : فثنيت درهمها ، وجاؤوا بجزء فيه مسائل مل ء سبعين ورقة ، في كلّ ورقة مسألة ، وباقي الورق بياض ليكتب الجواب تحتها ، وقد حزمت كلّ ورقتين بثلاث حزم ، وختم عليها بثلاث خواتيم على كلّ حزام خاتم ، وقالوا : ادفع إلى الإمام ليلة ، وخذ منه في غد ، فإن وجدت الجزء صحيح الخواتيم فاكسر منها خمسة ، وانظره هل أجاب عن المسائل ؟ وإن لم تنكسر الخواتيم فهو الإمام المستحقّ للمال ، فادفع إليه ، وإلاّ فردّ إلينا أموالنا .

ص: 30


1- الكافي : 1/351 ح 1 ، الإرشاد للمفيد : 2/221 ، الخرائج للراوندي : 1/331 ح 23 ، اختيار معرفة الرجال للطوسي : 2/565 .

فدخل على الأفطح عبد اللّه بن جعفر وجرّبه ، وخرج عنه قائلاً : ربّ اهدني إلى سواء الصراط .

قال : فبينما أنا واقف إذا أنا بغلام يقول : أجب من تريد ، فأتى بي دار موسى بن جعفر عليهماالسلام ، فلمّا رآني قال لي : لِمَ تقنط يا أبا جعفر ؟ ولِمَ تفزع إلى اليهود والنصارى ؟ فأنا حجّة اللّه ووليّه ، ألم يعرفك أبو حمزة على باب مسجد جدّي ؟ وقد أجبتك عمّا في الجزء من المسائل بجميع ما تحتاج إليه منذ أمس ، فجئني به وبدرهم شطيطة الذي وزنه درهم ودانقان الذي في الكيس الذي فيه أربعمائة درهم للوازواري(1) ، والشقّة التي في رزمة الأخوين البلخيين .

قال : فطار عقلي من مقاله ، وأتيت بما أمرني ، ووضعت ذلك قبله ، فأخذ درهم شطيطة وإزارها ، ثمّ استقبلني وقال : إنّ اللّه لا يستحيي من الحقّ ، يا أبا جعفر ، أبلغ شطيطة سلامي ، وأعطها هذه الصرّة - وكانت أربعين درهما - .

ثمّ قال : وأهديت لك شقّة من أكفاني من قطن قريتنا صيداء - قرية فاطمة عليه السلام - وغزل أختي حليمة ابنة أبي عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق عليهماالسلام .

ثمّ قال : وقل لها : ستعيشين تسعة عشر يوما من وصول أبي جعفر ووصول الشقّة والدراهم ، فانفقي على نفسك منها ستّة عشر درهما ،

ص: 31


1- كذا في جميع النسخ .

واجعلي أربعة وعشرين صدقة منك ، وما يلزم عنك ، وأنا أتولّي الصلاة عليك .

فإذا رأيتني - يا أبا جعفر - فاكتم عليّ ، فإنّه أبقى لنفسك ، ثمّ قال : واردد الأموال إلى أصحابها ، وافكك هذه الخواتيم عن الجزء ، وانظر هل أجبناك عن المسائل أم لا ، - من قبل أن تجيئنا بالجزء - ؟! فوجدت الخواتيم صحيحة ، ففتحت منها واحدا من وسطها فوجدت فيه مكتوبا :

ما يقول العالم عليه السلام في رجل قال : نذرت للّه لأعتقنّ كلّ مملوك كان في رقّي قديما - وكان له جماعة من العبيد - ؟

الجواب بخطّه : ليعتقنّ من كان في ملكه من قبل ستّة أشهر ، والدليل على صحّة ذلك قوله تعالى : « وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ » ، الآية ، والحديث : من ليس له(1) ستّة أشهر .

وفككت الختم الثاني ، فوجدت ما تحته : ما يقول العالم في رجل قال : واللّه لأتصدّقنّ بمال كثير فيما يتصدّق ؟

الجواب تحته بخطّه : إن كان الذي حلف من أرباب شياهٍ ، فليتصدّق بأربع وثمانين شاة ، وإن كان من أصحاب النعم ، فليتصدّق بأربع وثمانين بعيرا ، وإن كان من أرباب الدراهم ، فليتصدّق بأربع وثمانين درهما ، والدليل عليه قوله تعالى : و« لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ » ، فعددت مواطن رسول اللّه صلى الله عليه و آله قبل نزول تلك الآية ، فكانت أربعة وثمانين موطنا .

ص: 32


1- في النسخ المطبوعة : « ليس له من » ، وما أثبتناه من المخطوطة .

فكسرت الختم الثالث ، فوجدت تحته مكتوبا : ما يقول العالم في رجل نبش قبر ميّت ، وقطع رأس الميّت ، وأخذ الكفن ؟

الجواب بخطّه : يقطع السارق ، لأخذ الكفن من وراء الحرز ، ويلزم مائة دينار لقطع رأس الميّت ، لأنّا جعلناه بمنزلة الجنين في بطن أمّه قبل أن ينفخ فيه الروح ، فجعلنا في النطفة عشرين دينارا . . المسألة إلى آخرها .

فلمّا وافى خراسان وجد الذين ردّ عليهم أموالهم ارتدّوا إلى الفطحية ، وشطيطة على الحقّ ، فبلّغها سلامه ، وأعطاها صرّته وشقّته ، فعاشت كما قال عليه السلام .

فلمّا توفّيت شطيطة جاء الإمام عليه السلام على بعير له ، فلمّا فرغ من تجهيزها ركب بعيره ، وانثنى نحو البرّيّة وقال : عرّف أصحابك واقرأهم منّي السلام ، وقل لهم : إنّي ومن يجري مجراي من الأئمّة لا بدّ لنا من حضور جنائزكم في أيّ بلد كنتم ، فاتّقوا اللّه في أنفسكم(1) .

قد دفن ناس كثير أحياء

علي بن أبي حمزة ، قال : كنّا بمكّة سنة من السنين ، فأصاب الناس تلك السنة صاعقة كبيرة(2) حتى مات من ذلك خلق كثير ، فدخلت على أبي الحسن عليه السلام ، فقال مبتدئا من غير أن أسأله : يا علي ينبغي للغريق

ص: 33


1- الثاقب في المناقب لابن حمزة : 439 ح 376 ، الخرائج للراوندي : 1/329 ح 22 .
2- في الكافي : « صواعق كثيرة » .

والمصعوق أن يتربّص به ثلاثا إلى أن يجيء منه ريح يدلّ على موته ، قلت له : جعلت فداك كأنّك تخبرني أنّه دفن ناس كثير أحياء ؟

قال : نعم يا علي قد دفن ناس كثير أحياء ، ما ماتوا إلاّ في قبورهم(1) .

إنّ أبا الخطّاب ممّن أعير الإيمان

عيسى بن شلقان ، قال : دخلت على أبي عبد اللّه عليه السلام وأنا أريد أن أسأله عن أبي الخطّاب ، فقال مبتدئا من قبل أن أجلس : يا عيسى ، ما يمنعك أن تلقى(2) ابني فتسأله عن جميع ما تريد ؟

فقال عيسى : فذهبت إلى العبد الصالح ، وهو قاعد وعلى شفتيه أثر المداد ، فقال مبتدئا : يا عيسى ، إنّ اللّه - تبارك وتعالى - أخذ ميثاق النبيّين على النبوّة ، فلم يتحوّلوا عنها أبدا ، وأعار قوما الإيمان ثمّ سلبه اللّه إيّاه ،

وإنّ أبا الخطّاب ممّن أعير الإيمان ، ثمّ سلبه اللّه إيّاه ، فقلت : « ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ »(3) .

انتفع بهذه الدراهم فإنّها تكفيك حتى تموت

علي بن أبي حمزة ، قال : أرسلني أبو الحسن

عليه السلام إلى رجل قدّامه طبق

ص: 34


1- الكافي : 3/210 ح 6، تهذيب الأحكام للطوسي : 1/338 ح 991 ، دلائل الإمامة : 329 ح 286 .
2- في النسخ : « من تلقاء » .
3- دلائل الإمامة : 330 ح 288 .

يبيع بفلس فلس ، وقال : اعطه هذه الثمانية عشر درهما وقل له : يقول لك أبو الحسن : انتفع بهذه الدراهم ، فإنّها تكفيك حتى تموت .

فلمّا أعطيته بكى ، فقلت : وما يبكيك ؟ قال : ولِمَ لا أبكي وقد نعيت إليّ نفسي ، فقلت : وما عند اللّه خير ممّا أنت فيه ، فسكت ، وقال : من أنت يا عبد اللّه ؟ فقلت : علي بن أبي حمزة ، قال : واللّه ، لهكذا قال لي سيّدي ومولاي : إنّي باعث إليك مع علي بن أبي حمزة برسالتي .

قال علي : فلبثت نحوا من عشرين ليلة ، ثمّ أتيت إليه وهو مريض ، فقلت : أوصني - بما أحببت - أنفذه من مالي ، قال : إذا أنا متّ ، فزوّج ابنتي من رجل ديّن ، ثمّ بع داري وادفع ثمنها إلى أبي الحسن عليه السلام ، واشهد لي بالغسل والدفن والصلاة .

قال : فلمّا دفنته زوّجت ابنته من رجل مؤمن ، وبعت داره وأتيت بثمنها إلى أبي الحسن عليه السلام ، فزكّاه وترحّم عليه وقال : ردّ هذه الدراهم ، فادفعها إلى ابنته(1) .

إنّك تجده في ميمنة المسجد

علي بن أبي حمزة ، قال : أرسلني أبو الحسن عليه السلام إلى رجل من بني حنيفة وقال : إنّك تجده في ميمنة المسجد ، فدفعت إليه كتابه ، فقرأ ثمّ قال : ائتني يوم كذا وكذا حتى أعطيك جوابه .

ص: 35


1- دلائل الإمامة : 331 ح 289 .

فأتيته في اليوم الذي كان وعدني ، فأعطاني جواب الكتاب ، ثمّ لبثت شهرا فأتيته لأسلّم عليه ، فقيل : إنّ الرجل قد مات .

فلمّا رجعت من قابل إلى مكّة لقيت أبا الحسن عليه السلام ، وأعطيته جواب كتابه ، فقال : رحمه اللّه .

فقال : يا علي ، لِمَ لم تشهد جنازته ؟ قلت : قد فاتت منّي(1) .

ردّها إلى موضعها فإنّ صاحبها يحتاج إليها

شعيب العقرقوفي ، قال : بعثت مباركا مولاي إلى أبي الحسن عليه السلام ، ومعه مائتا دينار ، وكتبت معه كتابا ، فذكر لي مبارك أنّه سأل عن أبي الحسن عليه السلام ، فقيل : قد خرج إلى مكّة ، فقلت : لأسير بين مكّة المدينة بالليل ، وإذا هاتف يهتف بي : يا مبارك مولى شعيب العقرقوفي ، فقلت : من أنت يا عبد اللّه ؟! فقال : أنا معتب ، يقول لك أبو الحسن عليه السلام : هات الكتاب الذي معك ، وواف بالذي معك إلى منى .

فنزلت من محملي ، ودفعت إليه الكتاب ، وصرت إلى منى ، فأدخلت عليه وصببت الدنانير التي معي قدّامه ، فجرّ بعضها إليه ، ودفع بعضها بيده ، ثمّ قال : يا مبارك ، ادفع هذه الدنانير إلى شعيب ، وقل له : يقول لك أبو الحسن عليه السلام : ردّها إلى موضعها الذي أخذتها منه ، فإنّ صاحبها يحتاج إليها .

ص: 36


1- مختصر البصائر : 297 .

فخرجت من عنده وقدمت على سيّدي ، وقلت : ما قصّة هذه الدنانير ؟ قال : إنّي طلبت من فاطمة خمسين دينارا لأتمّ بها هذه الدنانير ، فامتنعت عليّ وقالت : أريد أن أشتري بها قراح(1) فلان بن فلان ، فأخذتها منها سرّا ، ولم ألتفت إلى كلامها .

ثمّ دعا شعيب بالميزان ، فوزنها فإذا هي خمسين دينارا(2) .

يلقاك غدا رجل من أهل المغرب يسألك عنّي

علي بن أبي حمزة ، قال : قال لي أبو الحسن عليه السلام مبتدئا : يا علي ، يلقاك غدا رجل من أهل المغرب يسألك عنّي ، فقل : واللّه هو الإمام الذي قال لنا أبو عبد اللّه عليه السلام ، وإذا سألك عن الحلال والحرام فأجبه ، قلت : وما علامته ؟ قال : رجل طويل جسيم يقال له : يعقوب .

فبينا أنا في الطواف إذ أقبل رجل بهذه الصفة ، فقال لي : إنّي أريد أن أسألك عن صاحبك ، قلت : عن أيّ أصحابي ؟ قال : عن فلان بن فلان ، قلت : وما اسمك ؟ قال : يعقوب ، قلت : ومن أين أنت ؟ قال : رجل من أهل المغرب ، فقلت : ومن أين عرفتني ؟ قال : أتاني آت في منامي فقال : الق عليّا فاسأله عن جميع ما تحتاج إليه ، ثمّ سألني أن أدخله إلى أبي الحسن عليه السلام ، فاستأذنت عليه فأذن .

ص: 37


1- القراح : المزرعة التي ليس عليها بناء ولا فيها شجر .
2- دلائل الإمامة : 332 ح 290 .

فلمّا رآه أبو الحسن عليه السلام قال : يا يعقوب ، قدمت أمس ووقع بينك وبين أخيك شرّ في موضع كذا وكذا حتى شتم بعضكم بعضا ، وهذا ليس من ديني ، ولا من دين آبائي ، ونهاني عن مثل ذلك(1) . . الخبر .

من مات لا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية

أبو خالد الزبالي ، قال : نزل أبو الحسن عليه السلام منزلنا في يوم شديد البرد في سنة مجدبة ، ونحن لا نقدر على عود نستوقد به ، فقال : يا أبا خالد ، ائتينا بحطب نستوقد به ، قلت : واللّه ، ما أعرف في هذا الموضع عودا واحدا ، فقال : كلاّ - يا أبا خالد - ترى هذا الفجّ ؟ خذ فيه فإنّك تلقى أعرابيا معه حملان حطبا ، فاشترهما منه ولا تماكسه .

فركبت حماري وانطلقت نحو الفجّ الذي وصف لي ، فإذا أعرابي معه حملان حطبا ، فاشتريتهما منه وأتيته بهما ، فاستوقدوا منه يومهم ذلك ، وأتيته بطرف ما عندنا فطعم منه .

ثمّ قال : يا أبا خالد ، انظر خفاف الغلمان ونعالهم فاصلحها حتى نقدم عليك في شهر كذا وكذا .

قال أبو خالد : فكتبت تاريخ ذلك اليوم ، فركبت حماري يوم الموعود(2) حتى جئت إلى لزق ميل ونزلت فيه ، فإذا أنا براكب مقبل نحو القطار ،

ص: 38


1- دلائل الإمامة : 333 ح 291 ، اختيار معرفة الرجال للطوسي : 2/741 ح 831 .
2- في دلائل الإمامة : « يوم الميعاد » .

فقصدت إليه فإذا هو يهتف بي ويقول : يا أبا خالد ، قلت : لبّيك ، جعلت فداك ، قال : أتراك وفيناك بما وعدناك ؟

ثمّ قال : يا أبا خالد ، ما فعلت بالقبّتين اللتين كنّا نزلنا فيهما ؟ فقلت : جعلت فداك ، قد هيّأتهما لك ، وانطلقت معه حتى نزل في القبّتين اللتين كان نزل فيهما .

ثمّ قال : ما حال خفاف الغلمان ونعالهم ؟ قلت : قد أصلحناها ، فأتيته بهما .

فقال : يا أبا خالد ، سلني حاجتك ، فقلت : جعلت فداك ، أخبرك بما كنت فيه : كنت زيديّ المذهب حتى قدمت عليّ وسألتني الحطب ، وذكرت مجيئك في يوم كذا ، فعلمت أنّك الإمام الذي فرض اللّه طاعته .

فقال : يا أبا خالد ، من مات لا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية ، وحوسب بما عمل في الإسلام(1) .

قال الناشي :

أناس علوا أعلى المعالي من العلى

فليس لهم في الفاضلين ضريب

إذا انتسبوا جازوا التناهي لمجدهم

فما لهم في العالمين نسيب

هم البحر أضحى درّه وعبابه

فليس له من مبتغيه رسوب

تسير به فلك النجاة وماؤها

لشرّابه عذب المذاق شروب

هو البحر يغني من غدا في جواره

وساحله سهل المجال رحيب

ص: 39


1- دلائل الإمامة : 335 ح 293 .

هم سبب بين العباد وربّهم

محبّهم في الحشر ليس يخيب

حووا علم ما قد كان أو هو كائن

وكلّ رشاد يحتويه طلوب

وقد حفظوا كلّ العلوم بأسرها

وكلّ بديع يحتويه غيوب

هم حسنات العالمين بفضلهم

وهم للأعادي في المعاد ذنوب

* * *

وقال الحميري :

وطبتم في قديم الدهر إذ سطرت

فيه البريّة مرحوما وملعونا

ولن تزالوا بعين اللّه ينسجكم

في مستكنّات أصلاب الأبرّينا

يختار من كلّ قرن خيرهم لكم

لا النذل يلزمكم منهم ولا الدونا

حتى تناهت بكم في أمّة جعلت

من أجل فضلكم خير المصلّينا

فأنتم نعمة للّه سابغة

منه علينا وكان الخير مخزونا

لا يقبل اللّه من عبد له عملاً

ولا عدوّكم العمى المضلّينا

* * *

وقال شاعر :

أتنسى ذكر أهل الفضل جهلاً

وتذكر غيرهم في الذاكرينا

من الشفعاء يوم الحشر أكرم

بهم من شافعين مشفّعينا

من الأنوار في ظلم الليالي

من الأنوار عند المجدبينا

من الشجعان يوم الحرب لا بل

من الفرسان فيها المبدعونا

من الفقهاء في الشبه اللواتي

يحار لشرحها المتفقّهونا

ص: 40

من الحجج التي نصبت منارا

تزيد بصائر المستبصرينا

على من أنزل القرآن أم من

أبان الرشد للمسترشدينا

بمن هدي الورى لمّا استجابوا

بحجّة من أقرّوا مذعنينا

بمن فخر المطوق جبرئيل

أتعرف مثله في الفاخرينا

بمن ضمّ الكساء بمن يباهي

رسول اللّه من كالمنجحينا

بمن ذا باهل الكفّار لمّا

أتوه مجادلين مباهلينا

* * *

ص: 41

ص: 42

فصل 3 : في خرق العادات عليه السلام

اشارة

ص: 43

ص: 44

خروجه من سجن ابن شاهك مرارا

أبو الأزهر ناصح بن عليّة البرجمي في حديث طويل : إنّه جمعني مسجد بإزاء دار السندي بن شاهك وابن السكّيت ، فتفاوضنا في العربية ، ومعنا رجل لا نعرفه ، فقال : يا هؤلاء أنتم إلى إقامة دينكم أحوج منكم إلى إقامة ألسنتكم ، وساق الكلام إلى إمام الوقت وقال : ليس بينكم وبينه غير هذا الجدار ، قلنا : تعني هذا المحبوس موسى عليه السلام ؟ قال : نعم ، قلنا : سترنا عليك ، فقم من عندنا خيفة أن يراك أحد جليسنا فنؤخذ بك ، قال : واللّه لا يفعلون ذلك أبدا ، واللّه ما قلت لكم إلاّ بأمره ، وإنّه ليرانا ويسمع كلامنا ، ولو شاء أن يكون معنا لكان ، قلنا : فقد شئنا فادعه إلينا .

فإذا قد أقبل رجل من باب المسجد داخلاً كادت لرؤيته العقول أن تذهل ، فعلمنا أنّه موسى بن جعفر عليهماالسلام ، ثمّ قال : أنا هذا الرجل ، وتركنا وخرجنا من المسجد مبادرا ، فسمعنا وجيبا شديدا ، وإذا السندي بن شاهك يعدو داخلاً إلى المسجد معه جماعة ، فقلنا : كان معنا رجل فدعانا إلى كذا وكذا ، ودخل هذا الرجل المصلّي ، وخرج ذاك الرجل ولم نره .

فأمر بنا فأمسكنا ، ثمّ تقدّم إلى موسى عليه السلام ، وهو قائم في المحراب ، فأتاه من قبل وجهه ونحن نسمع ، فقال : يا ويحك ، كم تخرج بسحرك هذا

ص: 45

وحيلتك من وراء الأبواب والأغلاق والأقفال وأردّك ؟ فلو كنت هربت كان أحبّ إليّ من وقوفك هاهنا ، أتريد - يا موسى - أن يقتلني الخليفة ؟

قال : فقال موسى عليه السلام ونحن نسمع كلامه : كيف أهرب وللّه في أيديكم موقت لي يسوق إليها أقداره ، وكرامتي على أيديكم ؟ - في كلام له - .

قال : فأخذ السندي بيده ومشى ، ثمّ قال للقوم : دعوا هذين وأخرجوا إلى الطريق فامنعوا أحدا يمرّ من الناس حتى أتمّ أنا وهذا إلى الدار .

عاقبة الجارية التي أدخلت عليه في السجن

وفي كتاب الأنوار : قال العامري : إنّ هارون الرشيد(1) أنفذ إلى موسى بن جعفر عليهماالسلام جارية خصيفة - لها جمال ووضاءة - لتخدمه في السجن ، فقال : قل له : « بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ » ، لا حاجة لي في هذه ، ولا في أمثالها .

قال : فاستطار هارون غضبا ، وقال : ارجع إليه وقل له : ليس برضاك حبسناك ، ولا برضاك أخدمناك ، واترك الجارية عنده وانصرف .

قال : فمضى ورجع ، ثمّ قام هارون عن مجلسه ، وأنفذ الخادم إليه ليتفحّص عن حالها ، فرآها ساجدة لربّها لا ترفع رأسها تقول : قدّوس

ص: 46


1- هذه الألقاب التي تسمّى بها الملوك في التاريخ لا أساس لها ولا مناسبات ، إلاّ أن تكون من باب تسمية الشيء باسم ضدّه ، من قبيل تسمية الأعمى بالبصير ، ومن لدغته الحيّة بالسليم ، وهكذا ، وربما جرّتنا العادة أو أدب الاستسلام للمؤرخ إلى استعمال هذه الألقاب ، والإنصاف والذوق يقتضي مجانبة ذلك .

سبحانك سبحانك ، فقال هارون : سحرها - واللّه - موسى بن جعفر عليهماالسلام

بسحره ، عليّ بها .

فأتي بها ، وهي ترتعد شاخصة نحو السماء بصرها ، فقال : ما شأنك ؟ قالت : شأني الشأن البديع ، إنّي كنت عنده واقفة ، وهو قائم يصلّي ليله ونهاره ، فلمّا انصرف من صلاته بوجهه ، وهو يسبّح اللّه ويقدّسه ، قلت : يا سيّدي ، هل لك حاجة أعطيكها ؟ قال : وما حاجتي إليك ! قلت : إنّي أدخلت عليك لحوائجك ، قال : فما بال هؤلاء .

قالت : فالتفت فإذا روضة مزهّرة لا أبلغ آخرها من أوّلها بنظري ، ولا أوّلها من آخرها ، فيها مجالس مفروشة بالوشي والديباج ، وعليها وصفاء ووصائف لم أر مثل وجوهم حسنا ، ولا مثل لباسهم لباسا ، عليهم الحرير الأخضر ، والأكاليل والدرّ والياقوت ، وفي أيديهم الأباريق والمناديل ، ومن كلّ الطعام ، فخررت ساجدة حتى أقامني هذا الخادم ، فرأيت نفسي حيث كنت .

قال : فقال هارون : يا خبيثة ، لعلّك سجدت فنمت ، فرأيت هذا في منامك ! قالت : لا - واللّه - يا سيّدي إلاّ قبل سجودي رأيت ، فسجدت من أجل ذلك ، فقال الرشيد : اقبض هذه الخبيثة إليك ، فلا يسمع هذا منها أحد .

فأقبلت في الصلاة ، فإذا قيل لها في ذلك ، قالت : هكذا رأيت العبد

الصالح ، فسئلت عن قولها ، قالت : إنّي لمّا عاينت من الأمر نادتني الجواري : يا فلانة ، ابعدي عن العبد الصالح حتى ندخل عليه فنحن له دونك .

ص: 47

فما زالت كذلك حتى ماتت ، وذلك قبل موت موسى عليه السلام بأيّام يسيرة .

قال المرزكي :

قصدتك يا موسى بن جعفر راجيا

بقصدي تمحيص الذنوب الكبائر

ذخرتك لي يوم القيامة شافعا

وأنت لعمر اللّه خير الذخائر

* * *

دعاؤه للأسد ودعاء الأسد له ولشيعته

علي بن أبي حمزة البطائني ، قال : كنت مع أبي الحسن عليه السلام في طريق إذ استقبلنا أسد ، ووضع يده على كفل بغلته ، فوقف له أبو الحسن عليه السلام كالمصغي إلى همهمته ، ثمّ تنحّى الأسد إلى جانب الطريق ، وحوّل أبو الحسن عليه السلام وجهه إلى القبلة ، وجعل يدعو بما لم أفهمه ، ثمّ أومى ء إلى الأسد بيده أن امضِ ، فهمهم الأسد همهمة طويلة ، وأبو الحسن عليه السلاميقول : آمين آمين ، وانصرف الأسد .

فقلت له : جعلت فداك ، عجبت من شأن هذا الأسد معك ! فقال : إنّه خرج إليّ يشكو عسر الولادة على لبوته ، وسألني أن أسأل اللّه أن يفرّج عنها ، ففعلت ذلك ، وألقي في روعي أنّها تلد ذكرا ، فخبّرته بذلك ، فقال لي : امض في حفظ اللّه ، فلا سلّط اللّه عليك ، ولا على ذرّيتك ، ولا على أحد من شيعتك شيئا من السباع ، فقلت : آمين(1) .

ص: 48


1- روضة الواعظين للفتال : 214 ، الإرشاد للمفيد : 2/229 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 457 ح 284 .

وقد نظم ذلك :

واذكر الليث حين ألقى لديه

فسعى نحوه وزار وزمجر

ثمّ لمّا رأى الإمام أتاه

وتجافى عنه وهاب وأكبر

وهو طاو ثلاث هذا هو الحقّ

وما لم أقله أوفى وأكثر

* * *

الإمام يعرف كلّ اللغات

أبو بصير ، قال : قلت للكاظم عليه السلام : بمَ يعرف الإمام ؟

قال : بخصال : أوّلهنّ ، فإنّه شيء(1) قد تقدّم من أبيه بإشارته إليه

ليكون حجّة ، وليسأل فيجيب ، وإذا سكت عنه ابتدأ ، ويخبر بما في غد ، ويكلّم الناس بكلّ لسان .

ثمّ قال : يا أبا محمد ، أعطيك علامة قبل أن تقوم ؟ فلم ألبث أن دخل عليه رجل من أهل خراسان ، فقال : فكلّمه بالعربية ، فأجابه أبو الحسن عليه السلام بالفارسية .

فقال له الخراساني : واللّه ، ما منعني أن أكلّمك بالفارسية إلاّ أنّني ظننت أنّك لا تحسنها .

فقال له : سبحان اللّه ! إذا كنت لا أحسن ما أجيبك ، فما فضلي عليك فيما تستحقّ به للإمامة ؟

ص: 49


1- في النسخ : « تأبه بشيء » ، وما أثبتناه من الكافي والروضة .

ثمّ قال : يا أبا محمد ، إنّ الإمام لا يخفى عليه كلام أحد من الناس ، ولا منطق الطير ، ولا كلام شيء فيه روح(1) .

يا أسد اللّه خذ عدوّ اللّه

علي بن يقطين ، قال : استدعى الرشيد رجلاً يبطل به أمر أبي الحسن عليه السلام ، ويخجله في المجلس ، فانتدب له رجل معزّم .

فلمّا أحضرت المائدة عمل ناموسا على الخبز ، فكان كلّما رام خادم أبي الحسن عليه السلام تناول رغيف من الخبز طار من بين يديه ، واستفزّ هارون الفرح والضحك لذلك .

فلم يلبث أبو الحسن عليه السلام أن رفع رأسه إلى أسد مصوّر على بعض الستور ، فقال له : يا أسد اللّه ، خذ عدوّ اللّه .

قال : فوثبت تلك الصورة كأعظم ما يكون من السباع ، فافترس ذلك المعزّم ، فخرّ هارون وندماؤه على وجوههم مغشيّا عليهم ، وطارت عقولهم خوفا من هول ما رأوه .

فلمّا أفاقوا من ذلك بعد حين قال هارون لأبي الحسن عليه السلام : أسألك بحقّي

عليك لمّا سألت الصورة أن تردّ الرجل ، فقال : إن كانت عصا موسى عليه السلام

ص: 50


1- قرب الإسناد : 339 ح 1244 ، الكافي : 1/285 ح 1 ، روضة الواعظين للفتال : 213 ، دلائل الإمامة : 337 ، الإرشاد للمفيد : 2/224 ، الخرائج للراوندي : 1/333 ح 24 ، اعلام الورى : 2/22 .

ردّت ما ابتلعته من حبال القوم وعصيّهم ، فإنّ هذه الصورة تردّ ما ابتلعته من هذا الرجل(1) .

قال السوسي :

من صاحب الرشيد والإيوان

والسبع والساحر والرغفان

إذ طيّر الخبز على الخوان

وخلف هارون وسادتان

وفيهما للسبع تمثالان

فقال قول الحنق الحردان

يا سبع خذ ذا الكفر والطغيان

فزمجر السبع على المكان

وافترس الساحر ذا البهتان

وافتقد السبع عن العيان

معجزة للعالم الربّاني

الصادق اللهجة واللسان

* * *

قال الأسدان أنأخذ الرشيد

وفي رواية : إنّ الرشيد أمر حميد بن مهران الحاجب بالاستخفاف به عليه السلام فقال له : إنّ القوم قد افتتنوا بك بلا حجّة ، فأريد أن يأكلني هذان الأسدان المصوّران على هذا المسند ، فأشار عليه السلام إليهما وقال : خذا عدوّ اللّه .

فأخذاه وأكلاه ثمّ قالا : وما الأمر ؟ أنأخذ الرشيد ؟ قال : لا ، عودا إلى مكانكما .

ص: 51


1- أمالي الصدوق : 213 مج 29 ح 23 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 2/90 ح 1 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 431 ح 364 .

وله المعجز الذي بهر الخلق

بإهلاكه الذي كان يسحر

حين قال افترسه يا أسد اللّه

وأومى إلى هزبر مصوّر

فسعى نحوه ومدّ إليه

باع ليث عند الفريسة قسور

ثمّ غابا عن العيون جميعا

بعد أكل اللعين والخلق حضّر

* * *

دفاع جدّه أمير المؤمنين عنه

لمّا بويع محمد المهدي دعا حميد بن قحطبة نصف الليل ، وقال : إنّ إخلاص أبيك وأخيك فينا أظهر من الشمس ، وحالك عندي موقوف ، فقال : أفديك بالمال والنفس !!

فقال : هذا لسائر الناس .

قال : أفديك بالروح والمال والأهل والولد !! فلم يجبه المهدي ، فقال : أفديك بالمال والنفس والأهل والولد والدين !!! فقال : للّه درّك .

فعاهده على ذلك ، وأمره بقتل الكاظم عليه السلام في السحر بغتة ، فنام فرأى في منامه عليّا عليه السلام يشير إليه ، ويقرأ : « فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَْرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ » ، فانتبه مذعورا ، ونهى حميدا عمّا أمره ، وأكرم الكاظم عليه السلام ووصله(1) .

ص: 52


1- تاريخ بغداد : 13/32 ، تهذيب الكمال للمزي : 29/49 ، سير أعلام النبلاء للذهبي : 6/272 ، تاريخ الطبري : 6/398 .

من محاولات هارون لقتل الإمام عليه السلام

علي بن أبي حمزة ، قال : كان يتقدّم الرشيد إلى خدمه إذا خرج موسى بن جعفر عليهماالسلام من عنده أن يقتلوه ، فكانوا يهمّون به ، فيتداخلهم من الهيبة والزمع .

فلمّا طال ذلك أمر بتمثال من خشب ، وجعل له وجها مثل موسى بن جعفر عليهماالسلام ، وكانوا إذا سكروا أمرهم أن يذبحوه بالسكاكين ، فكانوا يفعلون ذلك أبدا .

فلمّا كان في بعض الأيّام جمعهم في الموضع - وهم سكارى - وأخرج سيّدي إليهم ، فلمّا بصروا به همّوا به على رسم الصورة ، فلمّا علم منهم ما يريدون كلّمهم بالخزرية والتركية ، فرموا من أيديهم السكاكين ، ووثبوا إلى قدميه فقبّلوها ، وتضرّعوا إليه ، وتبعوه إلى أن شيّعوه إلى المنزل الذي كان ينزل فيه .

فسألهم الترجمان عن حالهم ، فقالوا : إنّ هذا الرجل يصير إلينا في كلّ عام فيقضي أحكامنا ، ويرضي بعضنا من بعض ، ونستسقي به إذا قحط بلدنا ، وإذا نزلت بنا نازلة فزعنا إليه ، فعاهدهم أنّه لا يأمرهم بذلك ، فرجعوا(1) .

حمله الرجل الطالقاني على السحاب

خالد السمّان في خبر : إنّه دعا الرشيد رجلاً يقال له : « علي بن صالح

ص: 53


1- الهداية الكبرى : 275 .

الطالقاني » ، وقال له : أنت الذي تقول : إنّ السحاب حملتك من بلد الصين إلى طالقان ؟ فقال : نعم ، قال : فحدّثنا كيف كان ؟

قال : كسر مركبي في لجج البحر ، فبقيت ثلاثة أيّام على لوح تضربني الأمواج ، فألقتني الأمواج إلى البرّ ، فإذا أنا بأنهار وأشجار ، فنمت تحت ظلّ شجرة ، فبينا أنا نائم إذ سمعت صوتا هائلاً ، فانتبهت فزعا مذعورا ، فإذا أنا بدابّتين يقتتلان على هيئة الفرس ، لا أحسن أن أصفهما ، فلمّا بصرا بي دخلتا في البحر .

فبينما أنا كذلك إذا رأيت طائرا عظيم الخلق ، فوقع قريبا منّي بقرب كهف في جبل ، فقمت مستترا بالشجر حتى دنوت منه لأتأمّله ، فلمّا رآني طار ، وجعلت أقفو أثره ، فلمّا قمت بقرب الكهف سمعت تسبيحا وتهليلاً وتكبيرا وتلاوة قرآن ، فدنوت من الكهف ، فناداني مناد من الكهف : ادخل يا علي بن صالح الطالقاني ، رحمك اللّه .

فدخلت وسلّمت ، فإذا رجل فخم ضخم ، غليظ الكراديس ، عظيم

الجثّة ، أنزع ، أعين ، فردّ عليّ السلام ، وقال : يا علي بن صالح الطالقاني ، أنت من معدن الكنوز ، لقد أقمت ممتحنا بالجوع والعطش والخوف ، لولا أنّ اللّه رحمك في هذا اليوم فأنجاك ، وسقاك شرابا طيّبا ، ولقد علمت الساعة التي ركبت فيها ، وكم أقمت في البحر ، وحين كسر بك المركب ، وكم لبثت تضربك الأمواج ، وما هممت به من طرح نفسك في البحر لتموت - اختيارا للموت - لعظيم ما نزل بك ، والساعة التي نجوت فيها ،

ص: 54

ورؤيتك لمّا رأيت من الصورتين الحسنتين ، واتّباعك للطائر الذي رأيته واقعا ، فلمّا رآك صعد طائرا إلى السماء ، فهلمّ فاقعد رحمك اللّه .

فلمّا سمعت كلامه قلت : سألتك باللّه من أعلمك بحالي ؟ فقال : عالم الغيب والشهادة و« الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السّاجِدِينَ » .

ثمّ قال : أنت جائع ! فتكلّم بكلام - تململت به شفتاه - فإذا بمائدة عليها منديل ، فكشفه وقال : هلمّ إلى ما رزقك اللّه ، فكُل ، فأكلت طعاما ما رأيت أطيب منه ، ثمّ سقاني ماءا ما رأيت ألذّ منه ولا أعذب .

ثمّ صلّى ركعتين ، ثمّ قال : يا علي ، أتحبّ الرجوع إلى بلدك ؟ فقلت : ومن لي بذلك ؟ فقال : كرامة لأوليائنا أن نفعل بهم ذلك ، ثمّ دعا بدعوات ورفع يده إلى السماء وقال : الساعة الساعة ، فإذا سحاب قد أظلّت باب الكهف قطعا قطعا ، وكلّما وافت سحابة قالت : سلام عليك ، يا وليّ اللّه وحجّته ، فيقول : وعليك السلام ورحمة اللّه وبركاته أيّتها السحابة السامعة المطيعة ، ثمّ يقول لها : أين تريدين ؟ فتقول : أرض كذا ، فيقول : لرحمة أو سخط ؟ فتقول : لرحمة أو سخط ، وتمضي .

حتى جاءت سحابة حسنة مضيئة ، فقالت : السلام عليك يا وليّ اللّه وحجّته ، قال : وعليك السلام أيّتها السحابة السامعة المطيعة ، أين تريدين ؟ فقالت : أرض طالقان ، فقال : لرحمة أو سخط ؟ فقالت : لرحمة ، فقال لها : احملي ما حملت مودعا في اللّه ، فقالت : سمعا وطاعة ، قال لها : فاستقرّي بإذن اللّه على وجه الأرض فاستقرّت ، فأخذ بعض عضدي ،

ص: 55

فأجلسني عليها ، فعند ذلك قلت له : سألتك باللّه العظيم ، وبحقّ محمد خاتم النبيّين ، وعلي سيّد الوصيين والأئمّة الطاهرين من أنت ؟ فقد أعطيت - واللّه - أمرا عظيما .

فقال : ويحك - يا علي بن صالح - إنّ اللّه لا يخلي أرضه من حجّة طرفة عين ، إمّا باطن ، وإمّا ظاهر ، أنا حجّة اللّه الظاهرة وحجّته الباطنة ، أنا حجة اللّه يوم الوقت المعلوم ، وأنا المؤدّي الناطق عن الرسول ، أنا في وقتي هذا موسى بن جعفر .

فذكرت إمامته وإمامة آبائه ، وأمر السحاب بالطيران فطارت ، واللّه ما وجدت ألما ولا فزعت ، فما كان بأسرع من طرفة العين حتى ألقتني بالطالقان في شارعي الذي إليه أهلي وعقاري سالما في عافية .

فقتله الرشيد وقال : لا يسمع بهذا أحد .

سقا البلخي سويقا وسكرا من الرمل

وفي كتاب أمثال الصالحين : قال شقيق البلخي : وجدت رجلاً عند « فيد » يملأ الإناء من الرمل ويشربه ، فتعجّبت من ذلك ، واستسقيته ، فسقاني ، فوجدته سويقا وسكّرا(1) . . القصّة . .

وقد نظموها :

سل شقيق البلخي عنه بما شاهد

منه وما الذي كان أبصر

ص: 56


1- نوادر المعجزات للطبري : 157 .

قال لمّا حججت عاينت شخصا

ناحل الجسم شاحب اللون أسمر

سائرا وحده وليس له زاد

فما زالت دائبا أتفكّر

وتوهّمت أنّه يسأل الناس

ولم أدر أنّه الحجّ الأكبر

ثمّ عاينته ونحن نزول

دون « فيد » على الكثيب الأحمر

يضع الرمل في الإناء ويشربه

فناديته وعقلي محيّر

اسقني شربة فلمّا سقاني

منه عاينته سويقا وسكّر

فسألت الحجيج من يك هذا

قيل هذا الإمام موسى بن جعفر(1)

* * *

خروجه من السجن لوداع أهله

عيون أخبار الرضا عليه السلام عن ابن بابويه : إنّ موسى عليه السلام دعا بالمسيّب - وذلك قبل وفاته بثلاثة أيّام ، وكان موكّلاً به - ، فقال له : يا مسيّب ، إنّي ظاعن في هذه الليلة إلى المدينة - مدينة جدّي رسول اللّه صلى الله عليه و آله - لأعهد إلى علي ابني ما عهده إليّ أبي ، وأجعله وصيّي وخليفتي ، وآمره بأمري .

فقال المسيّب : كيف تأمرني أن أفتح لك الأبواب وعليها أقفالها والحرس معي على الأبواب ؟

فقال : يا مسيّب ، ضعف يقينك في اللّه - عزّ وجلّ - وفينا ؟ قلت : لا يا سيّدي .

ص: 57


1- كشف الغمة : 3/5 .

قال : فمه ، فسمعته يدعو ، ثمّ فقدته عن مصلاّه ، فلم أزل قائما على قدمي حتى رأيته قد عاد إلى مكانه ، وأعاد الحديد إلى رجليه ، فخررت للّه ساجدا شاكرا على ما أنعم عليّ به من معرفته .

فقال لي : ارفع رأسك - يا مسيّب - واعلم أنّي راحل إلى اللّه - عزّ وجلّ - في ثالث هذا اليوم ، لا تبك يا مسيّب ، فإنّ عليّا ابني هو إمامك ومولاك بعدي ، فائته فتمسّك بولايته ، فإنّك لن تضلّ ما لزمته(1) .

من محاولات هارون لقتل الإمام عليه السلام

عمرو بن رافد : إنّ الرشيد وضع في صينية عشرين رطبة ، وأخذ سلكا ففركه في السمّ ، وأدخله في سمّ الخياط ، وأخذ رطبة منها ، فأقبل يردد عليها ذلك السمّ حتى حصل فيها ، وقال لخادم : احمل هذه الصينية إلى موسى بن جعفر عليهماالسلام ، وقل له : إنّي اذخرتها لك بيدي ، بحقّي لا تبق منها شيئا ، ولا تطعم منها أحدا .

فأتاه بها الخادم ، فكان يأكل بالخلال ، وكان للرشيد كلبة تعزّ عليه ، فجذبت نفسها ، وخرجت تجرّ سلاسلها من ذهب وجوهر حتى حاذت موسى بن جعفر عليهماالسلام ، فبادر بالخلال إلى الرطبة المسمومة ، ورمى بها إلى الكلبة ، فأكلتها ولم تلبث أن ضربت نفسها الأرض وعوت ، وتهرت قطعة قطعة ، واستوفى عليه السلام باقي الرطب .

ص: 58


1- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 2/95 ، دلائل الإمامة : 313 ح 261 .

فأخبر الخادم الرشيد بذلك ، فقال : ما ربحنا من موسى عليه السلام إلاّ أن أطعمناه الرطب ، وضيّعنا سمّنا ، وقتل كلبتنا ، ما في موسى عليه السلام من حيلة(1) .

أعطاه الحكم وذكر له ما حدّثته نفسه

محمد بن الحسن : إنّ بعض أصحابنا كتب إلى أبي الحسن الماضي عليه السلام يسأله عن الصلاة على الزجاج ، قال : فلمّا نفذت كتابي إليه تفكّرت وقلت : هو ممّا تنبت الأرض ، وما كان لي أن أسأله عنه .

فقال : فكتب إليّ : لا تصلّ على الزجاج ، وإن حدّثتك نفسك : إنّه ممّا أنبتته الأرض ، ولكنّه من الملح والرمل ، وهما ممسوخان(2) .

كتاب مدّة حياة علي بن أبي حمزة

علي بن أبي حمزة ، قال : كنت معتكفا في مسجد الكوفة ، إذ جاءني أبو جعفر(3) الأحول بكتاب مختوم من أبي الحسن عليه السلام ، فقرأت كتابه ، فإذا فيه : إذا قرأت كتابي الصغير الذي في جوف كتابي المختوم ، فاحرزه حتى أطلبه منك .

ص: 59


1- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 2/94 ح 6 ، الهداية الكبرى : 264 ، دلائل الإمامة : 316 ح 262 .
2- الكافي : 3/332 ح 13 ، علل الشرائع : 2/342 باب 44 ح 5 ، تهذيب الأحكام للطوسي : 2/304 ح 1231 ، دلائل الإمامة : 414 ح 375 .
3- في المصادر : « حبيب » .

فأخذ علي الكتاب ، فأدخله بيت بزّه(1) في صندوق مقفّل في جوف قمطر في جوف حقّ مقفل ، وباب البيت مقفل ، ومفاتيح هذه الأقفال في حجرته ، فإذا كان الليل ، فهي تحت رأسه ، وليس يدخل بيت البزّ غيره .

فلمّا حضر الموسم خرج إلى مكّة ، وأفاد بجميع ما كتب إليه من حوائجه ، فلمّا دخل عليه قال له العبد الصالح عليه السلام : يا علي ، ما فعلت بالكتاب الصغير الذي كتبت إليك فيه أن احتفظ به ؟ فحكيته ، قال : إذا نظرت إلى الكتاب أليس تعرفه ؟ قلت : بلى .

قال : فرفع مصلّى تحته ، فإذا هو قد أخرجه إليّ ، فقال : احتفظ به ، فلو تعلم ما فيه لضاق صدرك .

قال : فرجعت إلى الكوفة ، والكتاب معي ، فأخرجته من دروز جيبي عند إبطي ، فكان الكتاب [ مدّة ] حياة علي في جيبه .

فلمّا مات علي قال محمد وحسن ابناه : فلم يكن لنا همّ إلاّ الكتاب ، ففقدناه ، فعلمنا أنّ الكتاب قد صار إليه(2) .

ص: 60


1- بيت بزّه : أي بيت ثيابه . وفي دلائل الإمامة : قال : فأخذت الكتاب وأدخلته بيت بزي ، فجعلته في جوف صندوق مقفل ، في جوف قمطر مقفل ، وبيت البزّ مقفل ، ومفاتيح هذه الأقفال في حجرتي ، فإذا كان الليل فهي تحت رأسي ، وليس يدخل بيت بزّي أحد غيري . . وفي الهداية الكبرى : قال : فأخذت الكتاب فأدخلته في بيت جوف بيت فيه ثوبي ، ومتاعي فجعلته في صندوق مقفل ، وأخذت مفاتيح الأقفال ، فكانت معي في نهاري وليلي ، ولا يأخذها غيري ، ولا يدخل ذلك البيت أحد سواي . .
2- دلائل الإمامة : 342 ح 300 ، الهداية الكبرى : 267 .

معاجزه منظومة

ومن معجزاته ما نظم .

قصيدة ابن الغار البغدادي :

وله معجز القليب فسل عنه

رواة الحديث بالنقل تخبر

ولدى السجن حين أبدى إلى السجّان

قولاً في السجن والأمر مشهر

ثمّ يوم الفصاد حتى أتى الآسي

إليه فردّه وهو يذعر

ثمّ نادى آمنت باللّه لا غير

وأنّ الإمام موسى بن جعفر

واذكر الطائر الذي جاء بالصكّ

إليه من الإمام وبشّر

ولقد قدّموا إليه طعاما

فيه مستلمح أباه وأنكر

وتجافى عنه وقال حرام

أكل هذا فكيف يعرف منكر

واذكر الفتيان أيضا ففيها

فضله أذهل العقول وأبهر

عند ذاك استقال من مذهب كان

يوالي أصحابه وتغيّر

ص: 61

ص: 62

فصل 4 : في استجابة دعواته عليه السلام

اشارة

ص: 63

ص: 64

ما قصد قبره بحاجة إلاّ سهلت

الخطيب في تاريخه بإسناده عن علي بن الخلاّل ، قال : ما همّني أمر فقصدت قبر موسى بن جعفر عليهماالسلام ، وتوسّلت به إلاّ سهل اللّه - تعالى - لي ما أحبّ(1) .

أطلق سراح المحبوس وأخذ ابن المستهزئ

ورؤي في بغداد امرأة تهرول ، فقيل : إلى أين ؟ قالت : إلى موسى بن جعفر عليهماالسلام ، فإنّه حبس ابني ، فقال لها حنبلي : إنّه قد مات في الحبس ، فقالت : بحقّ المقتول في الحبس أن تريني القدرة .

فإذا بابنها قد أطلق وأخذ ابن المستهزئ بجنايته .

اللّهم كما أريته ذلّ معصيته فأره عزّ طاعتي

وحكي أنّه مغص بعض الخلفاء ، فعجز بختيشوع النصراني عن دوائه ، وأخذ جليدا ، فأذابه بدواء ، ثمّ أخذ ماء وعقده بدواء ، وقال : هذا الطبّ إلاّ أن يكون مستجاب دعاء ذا منزلة عند اللّه يدعو لك .

ص: 65


1- تاريخ بغداد : 1/133 .

فقال الخليفة : عليّ بموسى بن جعفر عليهماالسلام .

فأتي به ، فسمع في الطريق أنينه ، فدعا اللّه سبحانه ، وزال مغص الخليفة . فقال له : بحقّ جدّك المصطفى أن تقول بم دعوت لي ؟ فقال عليه السلام قلت : اللّهم كما أريته ذلّ معصيته ، فأره عزّ طاعتي ، فشفاه اللّه من ساعته .

دعاء الإمام عليه السلام في الحبس وإطلاقه

محمد بن علي بن ماجيلويه ، قال : لمّا حبس هارون الكاظم عليه السلام جنّ عليه الليل ، فجدّد موسى عليه السلام طهوره ، فاستقبل بوجهه القبلة ، وصلّى أربع ركعات ، ثمّ دعا فقال : يا سيّدي ، نجّني من حبس هارون ، وخلّصني من يده ، يا مخلّص الشجر من بين رمل وطين ، ويا مخلّص النار من بين الحديد والحجر ، ويا مخلّص اللّبن من بيت فرث ودم ، ويا مخلّص الولد من بين مشيمة ورحم ، ويا مخلّص الروح من بيت الأحشاء والأمعاء ، خلّصني من يد هارون الرشيد .

قال : فرأى هارون رجلاً أسودا بيده سيف قد سلّه واقفا على رأس هارون ، وهو يقول : يا هارون ، أطلق عن موسى بن جعفر ، وإلاّ ضربت علاوتك بسيفي هذا .

فخاف من هيبته ، ثمّ دعا بحاجبه ، فجاء الحاجب ، فقال له : اذهب إلى السجن وأطلق عن موسى بن جعفر(1) .

ص: 66


1- أمالي الصدوق : 460 مج 60 ح 613 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 2/87 ح 13 ، أمالي الطوسي : 422 ح 945 .

وفي رواية الفضل بن الربيع أنّه قال : صر إلى حبسنا ، وأخرج موسى بن جعفر عليهماالسلام ، وادفع إليه ثلاثين ألف درهم ، واخلع عليه خمس خلع ، واحمله على ثلاث مراكب ، وخيّره إمّا المقام معنا أو الرحيل إلى أيّ البلاد أحبّ .

فلمّا عرض الخلع عليه أبى أن يقبلها(1) .

اللّهم ارزقه دارا وزوجة وولدا . .

معرفة الرجال : حماد بن عيسى قال : دخلت على أبي الحسن الأوّل عليه السلام ، فقلت له : جعلت فداك ، ادع لي أن يرزقني اللّه دارا وزوجة وولدا وخادما والحجّ في كلّ سنة ، فقال : اللّهم صلّ على محمد وآل محمد ، وارزقه دارا وزوجة وولدا وخادما والحجّ خمسين سنة .

قال : فرزقت كلّ ذلك .

ثمّ إنّه خرج بعد الخمسين حاجّا ، فزامل أبا العبّاس النوفلي القصير ، فلمّا صار في موضع الإحرام دخل يغتسل في الوادي ، فحمله فغرّقه الماء(2) .

الدعاء المعروف بالجوشن الصغير

علي بن يقطين وعبد اللّه بن أحمد الوضّاح ، قالا : لمّا حمل رأس صاحب فخّ إلى موسى بن المهدي أنشأ يقول :

ص: 67


1- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 2/74 ح 4 ، الاختصاص للمفيد : 59 .
2- قرب الإسناد : 310 ح 1210 ، دلائل الإمامة : 328 ح 284 ، الاختصاص للمفيد : 205 ، اختيار معرفة الرجال للطوسي : 2/605 ح 572 .

بني عمّنا لا تنطقوا الشعر بعدما

دفنتم بصحراء الغميم القوافيا

فلسنا كمن كنتم تصيبون سلمه

فيقبل قيلاً أو يحكّم قاضيا

ولكن حدّ السيف فيكم مسلّط

فنرضى إذا ماأصبح السيف راضيا

فإن قلتم إنّا ظلمنا فلم نكن

ظلمنا ولكنّا أسأنا التقاضيا

فقد ساءني ما جرّت الحرب بيننا

بني عمّنا لو كان أمرا مدانيا

* * *

ثمّ أخذ في ذكر الطالبيّين ، وجعل ينال منهم إلى أن ذكر موسى بن جعفر عليهماالسلام ، وحلف اللّه بقتله ، فتكلّم فيه القاضي أبو يوسف حتى سكن غضبه .

وأنهي الخبر إلى الإمام عليه السلام ، وعنده جماعة من أهل بيته ، فقال لهم : ما تشيرون ؟ قالوا : نشير عليك بالابتعاد عن هذا الرجل ، وأن تغيب شخصك عنه ، فإنّه لا يؤمن شرّه .

فتبسّم أبو الحسن وتمثّل :

زعمت سخينة أن ستغلب(1) ربّها

وليغلبنّ مغلب الغلاب

* * *

ثمّ أنشد :

زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا

أبشر بطول سلامة يا مربع

* * *

ص: 68


1- في النسخ المطبوعة : « ستقتل » ، وما أثبتناه من المخطوطة .

ثمّ رفع رأسه إلى السماء وقال : إلهي كم من عدوّ شحذ لي ظبة مديته ، وأرهف لي شبا حدّه ، ودفع لي قواتل سمومه ، ولم تنم عنّي عين حراسته ، فلمّا رأيت ضعفي عن احتمال الفوادح ، وعجزي عن ملمّات(1) الجوائح ، صرفت ذلك بحولك وقوّتك . .، إلى آخر الدعاء .

ثمّ أقبل على أصحابه فقال لهم : يفرّج روعكم ، فإنّه لا يأتي أوّل كتاب من العراق إلاّ بموت موسى بن المهدي ، قالوا : وما ذاك أصلحك اللّه ؟ قال : وحرمةِ صاحب القبر قد مات من يومه هذا ، واللّه « إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ » .

ثمّ تفرّق القوم ، فما اجتمعوا إلاّ لقراءة الكتب الواردة بموت موسى بن المهدي(2) .

وقال بعض أهل بيته شعرا منه :

يمرّ وراء الليل والليل ضارب

بجثمانه فيه سمير وهاجع

تفتّح أبواب السماء ودونها

إذا قرع الأبواب منهنّ قارع

إذا وردت لم يردد اللّه وفدها

على أهلها واللّه راء وسامع

وإنّي لأرجو اللّه حتى كأنّني

أرى بجميل الظنّ ما هو صانع(3)

* * *

ص: 69


1- في المخطوطة : « ظلمات » .
2- أمالي الصدوق : 459 مج 60 ح 612 ، أمالي الطوسي : 421 ح 944 .
3- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 2/77 باب 7 ح 7 .

الإمام عليه السلام وعلي بن يقطين عند هارون

ولمّا أمر هارون موسى بن جعفر عليه السلام أن يحمل إليه ، أدخل عليه وعلي بن يقطين على رأسه - متوكّئ على سيفه - فجعل يلاحظ موسى عليه السلام

ليأمره ، فيضرب به هارون ، ففطن له هارون ، فقال : قد رأيت ذلك ، فقال : يا أمير المؤمنين ، سللتُ من سيفي شبرا رجاء أن تأمرني فيه بأمرك ، فنجا منه بهذه المقالة .

سعاية يحيى البرمكي في قتل الإمام

ويقال : إنّ بعض الأسباب في أخذه عليه السلام أنّ الرشيد جعل ابنه في حجر جعفر بن محمد الأشعث - وكان يقول بالإمامة - ، فحسده يحيى البرمكي حتى داخله فآنس به ، وكان يكثر غشيانه في منزله ، ويقف على أمره ، ويرفعه إلى الرشيد .

ثمّ قال يوما لبعض ثقاته : تعرفون طالبيّا معدما(1) يعرّفني ما يحتاج إليه ؟

فدلّ على علي بن إسماعيل بن جعفر بن محمد عليه السلام ، فحمل إليه يحيى مالاً - وكان موسى عليه السلام يبرّ علي بن إسماعيل ويصله - ، ثمّ أنفذ إليه يحيى يرغّبه في قصد الرشيد .

فدعاه موسى عليه السلام فقال له : إلى أين يا ابن الأخ ؟ فقال : إلى بغداد .

فقال : وما تصنع ؟ قال : عليّ دين ، وأنا مملق منه ، قال : أنا أقضي دينك وأصنع ، فلم يلتفت إلى ذلك .

ص: 70


1- المعدم : الفقير .

فاستدعاه أبو الحسن عليه السلام ، فقال له : أنت خارج ، انظر يا ابن أخي ، واتّق اللّه ولا تؤتم أولادي ، وأمر له بثلاثمائة دينار وأربعة آلاف درهم .

فلمّا قام من بين يديه قال : واللّه ليسعينّ في دمي ، ويؤتمنّ أولادي ، فقالوا : فتعطيه وتصله ؟!

قال : نعم ، حدّثني أبي عن آبائه عليهم السلام عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله : إنّ الرحم إذا قطعت فوصلت قطعها اللّه .

قالوا : فلمّا أتى علي إلى يحيى رفعه إلى الرشيد ، فسأله عن عمّه ، فسعى به ، فقال : إنّ الأموال تحمل إليه من الآفاق ، وإنّه اشترى ضيعة سمّاها « اليسيرة » بثلاثين ألف دينار ، فقال له صاحبها - وقد أحضر المال - : إنّي أريد نقد كذا ، فأعطاه ذلك .

فسمع ذلك منه الرشيد فأمر له بمائتي ألف درهم تسبيبا على النواحي ، فاختار بعض كور المشرق ، فلمّا أتي بها زحر زحرة خرجت عنه حشاشته كلّها ، فسقط ، فقال : ما أصنع بالمال وأنا في الموت(1) ؟

ص: 71


1- لا يخفى أنّ القصّة لا تنتهي الى معصوم ، وناقلها الأوّل - حسب فحصنا - أبو الفرج في المقاتل ، وقد صرّح أبو الفرج أنّه سمع خبر شهادة المولى المسموم عليه السلام من عدّة أفراد وبنقولات مختلفة فجمع بعضها الى بعض وألف ما رواه ، فقال : « حدّثني بذلك أحمد بن عبيد اللّه بن عمار قال : حدّثنا علي بن محمد النوفلي عن أبيه وحدّثني أحمد بن سعيد ، قال : حدّثني يحيى بن الحسن العلوي ، وحدّثني غيرهما ببعض قصّته ، فجمعت ذلك بعضه إلى بعض » . فالخبر عامّي ملفّق يحتاج قبوله الى تريث وتثبّت فيما يخصّ أولاد الأئمة عليهم السلاموذريّاتهم ، لا ما يخصّ القتلة والمجرمين الذين سعوا في إطفاء نور اللّه . وذلك لأنّ الأصل في أولاد الأئمة عليهم السلام أنّهم مطهّرون منزّهون يعيشون في أفياء جنان الإمامة وتشملهم الرحمة الواسعة وينعمون برعاية راعي الأمّة مباشرة ، وأنّ الملائكة تلطف بهم وترعاهم ، كما ورد في الأحاديث من قبيل ما رواه الكليني رحمه الله في الكافي : 1/394 : بسنده عَنْ مِسْمَعٍ كِرْدِينٍ الْبَصْرِيِّ قَالَ : كُنْتُ لاَ أَزِيدُ عَلَى أَكْلَةٍ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فَرُبَّمَا اسْتَأْذَنْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام وَأَجِدُ الْمَائِدَةَ قَدْ رُفِعَتْ لَعَلِّي لاَ أَرَاهَا بَيْنَ يَدَيْهِ فَإِذَا دَخَلْتُ دَعَا بِهَا فَأُصِيبَ مَعَهُ مِنَ الطَّعَامِ وَلاَ أَتَأَذَّى بِذَلِكَ وَإِذَا عَقَّبْتُ بِالطَّعَامِ عِنْدَ غَيْرِهِ لَمْ أَقْدِرْ عَلَى أَنْ أَقِرَّ وَلَمْ أَنَمْ مِنَ النَّفْخَةِ فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَيْهِ وَأَخْبَرْتُهُ بِأَنِّي إِذَا أَكَلْتُ عِنْدَهُ لَمْ أَتَأَذَّ بِهِ . فَقَالَ : يَا أَبَا سَيَّارٍ إِنَّكَ تَأْكُلُ طَعَامَ قَوْمٍ صَالِحِينَ تُصَافِحُهُمُ الْمَلاَئِكَةُ عَلَى فُرُشِهِمْ . قَالَ : قُلْتُ : وَيَظْهَرُونَ لَكُمْ ؟ قَالَ : فَمَسَحَ يَدَهُ عَلَى بَعْضِ صِبْيَانِهِ ، فَقَالَ : هُمْ أَلْطَفُ بِصِبْيَانِنَا مِنَّا بِهِمْ . وروى عن مُحَمَّدٌ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ عَطِيَّةَ الأْحْمَسِيُّ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عليهماالسلامفَاحْتُبِسْتُ فِي الدَّارِ سَاعَةً ثُمَّ دَخَلْتُ الْبَيْتَ وَهُوَ يَلْتَقِطُ شَيْئاً وَأَدْخَلَ يَدَهُ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ فَنَاوَلَهُ مَنْ كَانَ فِي الْبَيْتِ . فَقُلْتُ : جُعِلْتُ فِدَاكَ هَذَا الَّذِي أَرَاكَ تَلْتَقِطُهُ أَيُّ شَيْءٍ هُوَ ؟ فَقَالَ : فَضْلَةٌ مِنْ زَغَبِ الْمَلاَئِكَةِ نَجْمَعُهُ إِذَا خَلَّوْنَا نَجْعَلُهُ سَيْحاً لأَوْلاَدِنَا . فَقُلْتُ : جُعِلْتُ فِدَاكَ وَإِنَّهُمْ لَيَأْتُونَكُمْ ؟ فَقَالَ : يَا أَبَا حَمْزَةَ إِنَّهُمْ لَيُزَاحِمُونَّا عَلَى تُكَأَتِنَا . . . ولمّا لم يجد الظالم في الأئمة مهمزا ولا مغمزا ، ولم يجد سبيلاً لإطفاء نور اللّه أو التعتيم عليه صار يحاول النيل من أولادهم ومن المقرّبين من أصحابهم . فربما أرادوا بهذه القصّة أن يشركوا الطالبيين في دم الإمام عليه السلام وأنّهم كانوا السبب وراء قتل سيّدهم ، وبذلك يخفّفوا من جرم الطاغية العباسي .

ثمّ إنّه زال ملك البرامكة ، واجتثّ أصلهم(1) .

ص: 72


1- روضة الواعظين للفتال : 218 ، الإرشاد للمفيد : 2/237 ، الغيبة للطوسي : 27 ، مقاتل الطالبيين : 333 .

إحياؤه البقرة الميّتة

عبد اللّه بن المغيرة ، قال : مرّ العبد الصالح عليه السلام بامرأة يمنية(1) تبكي وصبيانها حولها يبكون - وقد ماتت بقرة لها - ، فدنا منها ، فقال : ما يبكيك يا أمة اللّه ؟ فقالت : يا عبد اللّه ، إنّ لي صبية أيتاما ، وكانت لي بقرة ، وكانت معيشتي ومعيشة صبياني منها ، فقد ماتت وبقيت منقطعة بي وبولدي لا حيلة لنا(2) .

فتنحّى عليه السلام فصلّى ركعتين ، ثمّ رفع يده ، وقلب يمينه ، وحرّك شفتيه ، ثمّ قام فمرّ بالبقرة ، فنخسها نخسا ، أو صدمها برجله ، فاستوت على الأرض قائمة .

فلمّا نظرت المرأة إلى البقرة قد قامت قالت : عيسى بن مريم وربّ الكعبة ، فخالط الناس ومضى(3) عليه السلام .

قال ابن حمّاد :

وأنفع أعمال الفتى صدق ودّه

لآل رسول اللّه أكرم شافع

لأكرم خلق اللّه حيّا وميّتا

وأفضلهم من بين كهل ويافع

بهم أوضح اللّه الهدى وبنورهم

أنارت لنا سبل التقى والشرائع

* * *

ص: 73


1- في المصادر : « بمنى » .
2- في النسخ المطبوعة : « لها » ، وما أثبتناه من المخطوطة .
3- بصائر الدرجات للصفار : 292 باب 4 ح 2 ، الكافي : 1/484 ح 6 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 431 ح 363 .

وقال الشريف المرتضى :

قوم ولاؤهم حصن وودّهم

لمن أعدّ نجاة أوثق العدد

* * *

وقال أبو الرضا الحسني الراوندي :

أرادكم الحسود بكيد سوء

فلا يك ما أراد عليه غمّه

يريد ليطفئ النور المصفّى

ويأبى اللّه إلاّ أن يتمّه

* * *

وقال الحيري :

فهم مصابيح الدجى لذوي الحجى

والعروة الوثقى لدى استمساك

وهم الصراط المستقيم ونورهم

يجلو عمى المتحيّر الشكّاك

وهم الأئمّة لا إمام سواهم

فدعي لتيم وغيرها دعواك

* * *

وقال العبدي :

علي والأئمّة من بنيه

هم سادوا الأولى عربا وعجما

نجوم نورها يهدي إذا ما

مضى نجم أتى واللّه نجما

* * *

وقال الحميري :

رضيت بالرحمن ربّا وبالإ

سلام دينا أتوخّاه

وبالنبي المصطفى هاديا

وكلّ ما قال قبلناه

ص: 74

ثمّ الإمام ابن أبي طالب

الطاهر الطهر وابناه

والعالم الصامت والناطق ال-

-باقر علما كان أخفاه

وجعفر المخبر عن جدّه

بأوّل العلم وأخراه

ثمّ ابنه موسى ومن بعده

وارثه علم وصاياه

* * *

ص: 75

ص: 76

فصل 5 : في علمه عليه السلام

اشارة

ص: 77

ص: 78

هذا وارث علم النبيّين

الريّان بن شبيب : قال المأمون : استأذن الناس على الرشيد ، فكان آخر من أذن له موسى بن جعفر عليهماالسلام ، فلمّا نظر إليه الرشيد تحرّك ، ومدّ بصره وعنقه إليه ، حتى دخل البيت الذي كان فيه ، فلمّا قرب منه جثا الرشيد على ركبتيه وعانقه ، ثمّ أقبل يسأل عن أحواله ، وأبو الحسن عليه السلام يقول : خير خير ، فلمّا قام عانقه وودّعه .

فقلت : يا أمير المؤمنين ! لقد رأيتك عملت بهذا الرجل شيئا ما عملته مع أحد قطّ ! فمن هذا الرجل ؟! فقال : يا بنيّ ، هذا وارث علم النبيّين ، هذا موسى بن جعفر بن محمد عليهم السلام ، إن أردت العلم الصحيح فعند هذا .

قال المأمون : فعند ذلك انغرس(1) في قلبي حبّهم(2) !

ما قرأ الإنجيل هكذا إلاّ المسيح

هشام بن الحكم : قال موسى بن جعفر عليهماالسلام لأبرهة(3) النصراني : كيف

ص: 79


1- كذب اللعين ، ولو كان يحبّ عترة الرسول صلى الله عليه و آله وذرّية البتول عليهاالسلام لما جرّعهم الغصص ألوانا ، وولغ في دمائهم المقدّسة الزكية .
2- أمالي الصدوق : 458 مج 60 ح 611 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 2/87 ح 12 .
3- في المصادر : « بريهة » ، وفي المخطوطة : « لأبريهة » .

علمك بكتابك ؟ قال : أنا عالم به وبتأويله ، قال : فابتدأ موسى عليه السلام يقرأ الإنجيل ، فقال أبرهة : والمسيح لقد كان يقرأها هكذا ، وما قرأ هكذا إلاّ المسيح ، وأنا كنت أطلبه منذ خمسين سنة . فأسلم على يديه(1) .

إنّي ما أخبرك إلاّ عن رسول اللّه عن جبرئيل عن اللّه

كافي الكليني : إنّ رجلاً افتضّ جارية معصرا(2) لم تطمث ، فسال الدم نحوا من عشرة أيّام ، فاختلف القوابل أنّه دم الحيض أم دم العذرة .

وسألوا أبا حنيفة عن ذلك ، فقال : هذا شيء قد أشكل ، فلتتوضّأ ولتصلّ وليمسك عنها زوجها حتى ترى البياض .

فسأل خلف بن حمّاد موسى بن جعفر عليهماالسلام ، فقال عليه السلام : تستدخل القطنة ، ثمّ تدعها مليّا ، ثمّ تخرجها إخراجا رفيقا ، فإن كان الدم مطوّقا في القطنة ، فهو من العذرة ، وإن كان مستنقعا في القطنة ، فهو من الحيض .

فبكى خلف وقال : جعلت فداك ، من يحسن(3) هذا غيرك .

قال : فرفع يده إلى السماء وقال : إنّي - واللّه - ما أخبرك إلاّ عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله عن جبرئيل عليه السلام عن اللّه تعالى(4) .

ص: 80


1- بصائر الدرجات للصفار : 156 باب 10 ح 4 ، التوحيد : 175 ، الاختصاص للمفيد : 292 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 172 ح 159 .
2- الجارية المعصر - زنة مكرم - التي أوّل ما أدركت وحاضت ، أو أشرفت على الحيض ولم تحض ، يقال : قد أعصرت كأنّها دخلت عصر شبابها أو بلغته .
3- في النسخ المطبوعة « يحسّ » ، وما أثبتناه من المصدر والمخطوطة .
4- الكافي : 3/92 ح 1 ، المحاسن للبرقي : 2/307 ح 22 .

بأبي أنت وأمّي يا مودع الأسرار

ودخل أبو حنيفة على أبي عبد اللّه عليه السلام فقال له : رأيت ابنك موسى عليه السلام

يصلّي والناس يمرّون بين يديه ! فقال أبو عبد اللّه عليه السلام : ادعوا لي موسى عليه السلام ، فدعاه ، فقال له في ذلك ، فقال : نعم يا أبه ، إنّ الذي كنت أصلّي له كان أقرب إليّ منهم ، يقول اللّه تعالى : « وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ » .

فضمّه أبو عبد اللّه عليه السلام إلى نفسه ، ثمّ قال : بأبي أنت وأمّي يا مودع الأسرار .

وقال الكليني : هذا تأديب منه إلاّ أنّه ترك الأفضل(1) !!!

هؤلاء أصحاب الأحقاف

حجّ المهدي ، فلمّا صار في فتق(2) العبادي ضجّ الناس من العطش ، فأمر أن يحفر بئرا ، فلمّا بلغوا قريبا من القرار هبّت عليهم ريح من البئر فوقعت الدلاء ، ومنعت من العمل ، فخرجت الفعلة خوفا على أنفسهم .

فأعطى علي بن يقطين لرجلين عطاءا كثيرا ليحفرا ، فنزلا فأبطئا ، ثمّ خرجا مرعوبين قد ذهبت ألوانهما ، فسألهما عن الخبر ، فقالا : إنّا رأينا آثارا وأثاثا ورأينا رجالاً ونساء ، فكلّما أومأنا إلى شيء منهم صار هباء .

ص: 81


1- الكافي : 3/297 ح 4 ، الاختصاص للمفيد : 189 .
2- الفتق : الموضع الذي لم يمطر وقد مطر ما حوله .

فصار المهدي يسأل عن ذلك ولا يعلمون ، فقال موسى بن جعفر عليهماالسلام : هؤلاء أصحاب الأحقاف غضب اللّه عليهم ، فساخت بهم وديارهم وأموالهم(1) .

أجوبة مسائل الراهب في الشام

دخل موسى بن جعفر عليه السلام بعض قرى الشام متنكّرا هاربا ، فوقع في غار ، وفيه راهب يعظ في كلّ سنة يوما .

فلمّا رآه الراهب دخله منه هيبة ، فقال : يا هذا ، أنت غريب ؟ قال : نعم .

قال : منّا أو علينا ؟ قال : لست منكم .

قال : أنت من الأمّة المرحومة ؟ قال : نعم .

قال : أفمن علمائهم أنت أم من جهّالهم ؟ قال : لست من جهّالهم .

فقال : كيف طوبى أصلها في دار عيسى عليه السلام ، وعندكم في دار محمد صلى الله عليه و آله ، وأغصانها في كلّ دار ؟ فقال عليه السلام : الشمس قد وصل ضوؤها إلى كلّ مكان ، وكلّ موضع ، وهي في السماء .

قال : وفي الجنّة لا ينفد طعامها ، وإن أكلوا منه ، ولا ينقص منه شيء ؟ قال : السراج في الدنيا يقتبس منه ، ولا ينقص منه شيء .

قال : وفي الجنّة ظلّ ممدود ؟ فقال عليه السلام : الوقت الذي قبل طلوع الشمس كلّها ظلّ ممدود ، قوله : « أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ » .

ص: 82


1- الاحتجاج : 2/160 .

قال : ما يؤكل ويشرب في الجنّة لا يكون بولاً ولا غائطا ؟ قال عليه السلام : الجنين في بطن أمّه .

قال : أهل الجنّة لهم خدم يأتونهم بما أرادوا بلا أمر ؟ فقال عليه السلام : إذا احتاج الإنسان إلى شيء عرفت أعضاؤه ذلك ، ويفعلون بمراده من غير أمر .

قال : مفاتيح الجنّة من ذهب أو فضّة ؟ قال : مفتاح الجنّة لسان العبد : لا إله إلاّ اللّه .

قال : صدقت وأسلم ، والجماعة معه(1) .

مناظرة هارون في الطواف

الفضل بن الربيع ورجل آخر ، قالا : حجّ هارون الرشيد ! وابتدأ بالطواف ، ومنعت العامّة من ذلك لينفرد وحده ، فبينما هو في ذلك ، إذ ابتدر أعرابي البيت وجعل يطوف معه ، وقال الحجّاب : تنحّ - يا هذا - عن وجه الخليفة ! فانتهرهم الأعرابي وقال : إنّ اللّه ساوى بين الناس في هذا الموضع ، فقال : « سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ » ، فأمر الحاجب بالكفّ عنه .

فكلّما طاف الرشيد طاف الأعرابي أمامه ، فنهض إلى الحجر الأسود ليقبّله ، فسبقه الأعرابي إليه والتثمه ، ثمّ صار الرشيد إلى المقام ليصلّي فيه فصلّى الأعرابي أمامه .

ص: 83


1- تفسير القمّي : 1/98 ، الكافي : 8/123 ح 94 « عن الباقر عليه السلام » .

فلمّا فرغ الرشيد من صلاته استدعى الأعرابي ، فقال الحجّاب : أجب أمير المؤمنين ! فقال : ما لي إليه حاجة فأقوم إليه ، بل إن كانت الحاجة له فهو بالقيام إليّ أولى ، قال : صدق .

فمشى إليه ، وسلّم عليه ، فردّ عليه السلام ، فقال هارون : أجلس يا أعرابي ؟ فقال : ما الموضع لي فتستأذنني فيه بالجلوس ، إنّما هو بيت اللّه نصبه لعباده ، فإن أحببت أن تجلس فاجلس ، وإن أحببت أن تنصرف فانصرف .

فجلس هارون وقال : ويحك يا أعرابي ، مثلك من يزاحم الملوك ؟! قال : نعم ، وفيّ مستمع ، قال : فإنّي سائلك فإن عجزت آذيتك ، قال : سؤالك هذا سؤال متعلّم أو سؤال متعنّت ؟ قال : بل متعلّم ، قال : اجلس مكان السائل من المسؤول وسل ، وأنت مسؤول .

فقال : أخبرني ما فرضك ؟ قال : إنّ الفرض - رحمك اللّه ! - واحد ، وخمسة ، وسبعة عشر ، وأربع وثلاثون ، وأربع وتسعون ، ومائة وثلاثة وخمسون على سبعة عشر ، ومن اثني عشر واحد ، ومن أربعين واحد ، ومن مائتين خمس ، ومن الدهر كلّه واحد ، وواحد بواحد .

قال : فضحك الرشيد وقال : ويحك أسألك عن فرضك ، وأنت تعدّ عليّ الحساب ؟ قال : أما علمت أنّ الدين كلّه حساب ، ولو لم يكن الدين حسابا لما اتّخذ اللّه للخلائق حسابا ؟ ثمّ قرأ : « وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ » .

ص: 84

قال : فبيِّن لي ما قلت ، وإلاّ أمرت بقتلك بين الصفا والمروة ، فقال الحاجب : تهبه للّه ولهذا المقام !

قال : فضحك الأعرابي من قوله ، فقال الرشيد : ممّا ضحكت يا أعرابي ؟ قال : تعجّبا منكما ، إذ لا أدري مَن الأجهل منكما ، الذي يستوهب أجلاً حضر ، أو الذي استعجل أجلاً لم يحضر ! فقال الرشيد : فسّر ما قلت .

قال : أمّا قولي الفرض واحد ، فدين الإسلام كلّه واحد ، وعليه خمس صلوات ، وهي سبع عشرة ركعة ، وأربع وثلاثون سجدة ، وأربع وتسعون تكبيرة ، ومائة وثلاث وخمسون تسبيحة .

وأمّا قولي : من إثنى عشر واحد ، فصيام شهر رمضان من إثني عشر شهرا .

وأمّا قولي : من الأربعين واحد ، فمَن ملك أربعين دينارا أوجب اللّه عليه دينارا .

وأمّا قولي : من مائتين خمسة ، فمن ملك مائتي درهم أوجب اللّه عليه خمسة دراهم .

وأمّا قولي : فمن الدهر كلّه واحد ، فحجّة الإسلام .

وأمّا قولي : واحد من واحد ، فمن أهرق دما من غير حقّ وجب إهراق دمه ، قال اللّه تعالى : « النَّفْسَ بِالنَّفْسِ » .

فقال الرشيد : للّه درّك ، وأعطاه بدرة ، فقال : فبم استوجب منك هذه البدرة يا هارون ، بالكلام أو بالمسألة ؟

ص: 85

قال : بل بالكلام .

قال : فإنّي مسائلك عن مسألة ، فإن أنت أتيت بها كانت البدرة لك تصدّق بها في هذا الموضع الشريف ، فإن لم تجبني عنها أضفتَ إلى البدرة بدرة أخرى لأتصدّق بها على فقراء الحيّ من قومي ، فأمر بإيراد أخرى ، وقال : سل عمّا بدا لك .

فقال : أخبرني عن الخنفساء تزق أم ترضع ولدها ؟ فخرد(1) هارون وقال : ويحك - يا أعرابي - مثلي من يسأل عن هذه المسألة ؟!

فقال : سمعت ممّن سمع من رسول اللّه صلى الله عليه و آله يقول : من ولي أقواما وهب له من العقل كعقولهم ، وأنت إمام هذه الأمّة يجب أن لا تسأل عن شيء من أمر دينك ، ومن الفرائض إلاّ وأجبت عنها ، فهل عندك له الجواب ؟ قال هارون : رحمك اللّه لا ، فبيِّن لي ما قلته ، وخذ البدرتين .

فقال : إنّ اللّه - تعالى - لمّا خلق الأرض خلق دبابات الأرض [ الذي ]

من غير فرث ولا دم ، خلقها من التراب ، وجعل رزقها وعيشها منه ، فإذا فارق الجنين أمّه لم تزقه ولم ترضعه ، وكان عيشها من التراب ، فقال هارون : واللّه ما ابتلي أحد بمثل هذه المسألة .

وأخذ الأعرابي البدرتين وخرج ، فتبعه بعض الناس وسأله عن اسمه ، فإذا هو موسى بن جعفر بن محمد عليهم السلام ، فأخبر هارون بذلك ، فقال : واللّه ، لقد ركنت أن تكون هذه الورقة من تلك الشجرة .

ص: 86


1- خرد الرجل : طال سكوته ، وخرد إذا ذلّ واستحيا .

مناظرتان في ردّ القياس

وروى ابن بابويه في من لا يحضره الفقيه : إنّ أبا يوسف أمره الرشيد بسؤال موسى بن جعفر عليهماالسلام ، قال : ما تقول في التظليل للمحرم ؟ قال : لا يصلح .

قال : فيضرب الخباء في الأرض ، ويدخل البيت ؟ قال : نعم .

قال : فما الفرق بين الموضعين ؟ قال أبو الحسن عليه السلام : ما تقول في الطامث أتقضي الصلاة ؟ قال : لا .

قال : فتقضي الصوم ؟ قال : نعم .

قال : ولمَ ؟ قال : هكذا جاء ، قال أبو الحسن عليه السلام : وهكذا جاء هذا .

فقال المهدي لأبي يوسف : ما أراك صنعت شيئا ، قال : رماني من حجر دامغ(1) .

وروي من وجه آخر : إنّ محمد بن الحسن سأله عنها فأجابه بما أجاب ، قال : فتضاحك محمد من ذلك ، فقال أبو الحسن عليه السلام : أتعجب من سنّة رسول اللّه صلى الله عليه و آله وتستهزئ ؟ إنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله كشف ظلاله في إحرامه ، ومضى تحت الظلال وهو محرم ، إنّ أحكام اللّه لا تقاس ، مَن قاس بعضها على بعض ، « فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ »(2) .

ص: 87


1- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 2/76 ح 6 .
2- روضة الواعظين للفتال : 216 ، ألقاب الرسول وعترته : 64 ، الإرشاد للمفيد : 2/235 ، الاحتجاج : 2/168 ، اعلام الورى : 2/30 .

أجوبة مسائل أبي حنيفة

وقال أبو حنيفة : رأيت موسى بن جعفر عليهماالسلام - وهو صغير السنّ - في دهليز أبيه ، فقلت : أين يحدث الغريب منكم إذا أراد ذلك ؟

فنظر إليّ ، ثمّ قال : يتوارى خلف الجدار ، ويتوقّى أعين الجار ، ويتجنّب شطوط الأنهار ، ومساقط الثمار ، وأفنية الدور ، والطرق النافذة ، والمساجد ، ولا يستقبل القبلة ، ولا يستدبرها ، ويرفع ويضع بعد ذلك حيث شاء .

قال : فلمّا سمعت هذا القول منه نبل في عيني ، وعظم في قلبي ، فقلت له : جعلت فداك ، ممّن المعصية ؟

فنظر إليّ ، ثمّ قال : اجلس حتى أخبرك ، فجلست ، فقال : إنّ المعصية لا بدّ أن تكون من العبد ، أو من ربّه ، أو منهما جميعا ، فإن كانت من اللّه - تعالى - فهو أعدل وأنصف من أن يظلم عبده ، ويأخذه بما لم يفعله ، وإن كانت منهما فهو شريكه ، والقويّ أولى بإنصاف الضعيف ، وإن كانت من العبد وحده ، فعليه وقع الأمر ، وإليه توجّه النهي ، وله حقّ الثواب والعقاب ، ووجبت الجنّة والنار .

فقلت : « ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ »(1) ، الآية .

ص: 88


1- روضة الواعظين للفتال : 39 ، الفصول المختارة للمرتضى : 72 ، أمالي الصدوق : 495 مج 4 ، ح 675 ، التوحيد : 96 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 2/126 ، تحف العقول : 411 ، أمالي المرتضى : 1/105 ، الاحتجاج : 2/159 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 171 ، اعلام الورى : 2/29 .

مسائل علي بن جعفر عليه السلام

وسأل علي بن جعفر أخاه عليه السلام عن المحرم إذا اضطرّ إلى أكل الصيد أو الميتة ؟ فقال : يأكل الصيد .

فقلت : إنّ اللّه - عزّ وجلّ - حرّم الصيد ، فقال : إنّ اللّه - عزّ وجلّ - حرّم الصيد وأحلّ له الميتة ؟!

فقال عليه السلام : يأكل الصيد ويفديه ، فإنّما يأكل من ماله(1) .

وقال علي بن جعفر : وسألته عن رمي الجمار ، لمَ جعل ؟ قال : لأنّ إبليس اللعين كان يترائى لإبراهيم عليه السلام في موضع الجمار ، فرجمه إبراهيم عليه السلام ، فجرت السنّة بذلك(2) .

مسائل هشام بن الحكم عن بعض علل الصلاة

وسأل هشام بن الحكم موسى بن جعفر عليه السلام : لأيّ علّة صار التكبير في الافتتاح سبع تكبيرات ؟ ولأيّ علّة يقال في الركوع : سبحان ربّي العظيم وبحمده ؟ وفي السجود : سبحان ربّي الأعلى وبحمده ؟

قال عليه السلام : إنّ اللّه - تعالى - خلق السماوات سبعا والأرضين سبعا ، فلمّا أسري بالنبي عليه السلام ، وصار من ملكوت الأرض كقاب قوسين أو أدنى ، رفع

ص: 89


1- تفسير العياشي : 2/274 ، الكافي : 4/383 « عن الصادق عليه السلام » .
2- مسائل علي بن جعفر : 270 ح 664 ، قرب الإسناد : 238 ح 934 ، علل الشرائع : 2/437 باب 177 ح 1 .

له حجابا من حجبه ، فكبّر رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، وجعل يقول الكلمات التي تقال في الافتتاح ، فلمّا رفع الثاني كبّر ، فلم يزل كذلك حتى رفع سبع حجب، وكبّر سبع تكبيرات ، فلذلك العلّة يكبّر في الافتتاح سبع تكبيرات.

فلمّا ذكر ما رأى من عظمة اللّه ارتعدت فرائصه ، فابترك على ركبتيه ، وأخذ يقول : سبحان ربّي العظيم وبحمده .

فلمّا اعتدل من ركوعه قائما نظر إلى تلك العظمة في موضع أعلى من ذلك الموضع خرّ على وجهه ، وهو يقول : سبحان ربّي الأعلى وبحمده .

فلمّا قالها سبع مرّات سكن ذلك الرعب ، فلذلك جرت به السنّة(1) .

مناظرة في مجلس المأمون

جمع المأمون المتكلّمين على رجل من ولد الصادق عليه السلام ، فاختاروا يحيى بن الضحّاك السمرقندي ، وكلّفوا العلوي سؤاله في الإمامة ، فقال العلوي : يا يحيى ، أخبرني عمّن ادّعى الصدق لنفسه وكذّب الصادقين عليه ، أَيكون(2) محقّا صادقا أو كاذبا ؟ فأمسك يحيى(3) .

فقال له المأمون : أجبه ، فقال يحيى : لا جواب يا أمير المؤمنين ، فقد قطعني .

ص: 90


1- علل الشرائع : 2/332 باب 30 ح 4 .
2- في النسخ المطبوعة : « ليكون » ، وما أثبتناه من المخطوطة .
3- في عيون الأخبار والاحتجاج : « فقال له : يا يحيى ، أخبرني عمّن صدق كاذبا على نفسه أو كذب صادقا على نفسه ، أيكون محقّا مصيبا أم مبطلاً مخطيا ؟ » .

فقال له المأمون : ما هذه المسألة ؟ فقال له : يا أمير المؤمنين ، لا يخلو يحيى من ثلاثة أجوبة :

إن زعم أنّه صدق وكذب الصادقين على أنفسهم ، فلا إمامة لكذّاب ، لقول أبي بكر : « ولّيتكم ولست بخيركم ، أقيلوني » ، وقوله : « إنّ لي شيطانا يعتريني ، فإذا ملت فسدّدوني لئلاّ أوثر في أشعاركم وأبشاركم » .

وإن زعم يحيى أنّه كذب وصدّق الصادقين على أنفسهم ، فلا إمامة لمن أقرّ على رؤوس الأشهاد بمثل ما أقرّ به الصادق عند أصحابنا المقتدين به الموقنين بإمامته ، ولا إمامة لمن أقرّ بالعجز على نفسه ، ولا إمامة لمن قال صاحبه بعده : « كانت إمامة أبي بكر فلتة وقى اللّه شرّها ، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه » ، ولا تصحّ الإمامة من بعده ، لأنّه عقدها له من كانت بيعته فلتة .

وإن قال يحيى : لا أدري ، ففي أيّ الأحزاب ؟ أيعدّ في العلماء أم من الجهّال ؟

فقبل(1) المأمون في وجهه وقال : ما يحسن يتكلّم بهذا غيرك(2) .

متى يزول عنك هذا الذي ظننته بأخيك

وقال بعض خواصّ موسى بن جعفر عليهماالسلام له : إنّ فلانا ينافقك في الدين ،

ص: 91


1- كذا في النسخ جميعا ، وفي العيون والاحتجاج : « فعجب المأمون من كلامه ، وقال : يا أبا الحسن ، ما في الأرض من يحسن هذا سواك » .
2- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/255 باب 57 ح 1 ، الاحتجاج : 2/234 .

لأنّه قال له صاحب المجلس : أنت تزعم أنّ موسى بن جعفر عليهماالسلامإمام ؟ فقال : إن لم أكن أعتقد أنّه غير إمام فعليّ وعلى من يعتقد ذلك لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين .

فقال موسى عليه السلام : إنّما قال : موسى ، عنى : غير إمام(1) ، أي إنّ الذي هو غير إمام فموسى غيره ، فهو إذا إمام ، فإنّما أثبت بقوله هذا إمامتي ، ونفى إمامة غيري(2) .

ص: 92


1- في المصدر : قال رجل لموسى بن جعفر عليهماالسلام من خواص الشيعة - وهو يرتعد بعد ما خلا به - : يا بن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - ما أخوفني أن يكون فلان بن فلان ينافقك في إظهاره اعتقاد وصيّتك وإمامتك ؟! فقال موسى عليه السلام : وكيف ذاك ؟ قال : لأنّي حضرت معه اليوم في مجلس فلان - رجل من كبار أهل بغداد - فقال له صاحب المجلس : أنت تزعم أنّ موسى بن جعفر عليهماالسلام إمام دون هذا الخليفة القاعد على سريره ؟ فقال له صاحبك هذا : ما أقول هذا ، بل أزعم أن موسى بن جعفر عليهماالسلام غير إمام ، وإن لم أكن أعتقد أنّه غير إمام ، فعليّ وعلى من لم يعتقد ذلك لعنة اللّه ، والملائكة والناس أجمعين ، فقال له صاحب المجلس : جزاك اللّه خيرا ، ولعن اللّه من وشى بك . قال له موسى بن جعفر عليهماالسلام : ليس كما ظننت ، ولكن صاحبك أفقه منك ، إنّما قال : إنّ موسى غير إمام ، أي إنّ الذي هو غير إمام فموسى غيره ، فهو إذا إمام ، فإنّما أثبت بقوله هذا إمامتي ، ونفى إمامة غيري . يا عبد اللّه ، متى يزول عنك هذا الذي ظننته بأخيك هذا من النفاق ، تب إلى اللّه . ففهم الرجل ما قاله واغتم ، وقال : يا بن رسول اللّه ، ما لي مال فارضيه به ، ولكن قد وهبت له شطر عملي كلّه من تعبدي ، ومن صلاتي عليكم أهل البيت ، ومن لعنتي لأعدائكم . قال موسى بن جعفر عليهماالسلام : الآن خرجت من النار .
2- تفسير الإمام العسكري عليه السلام : 359 ح 248 ، الاحتجاج : 2/169 .

مفاخرة على باب السلطان

الشريف المرتضى في الغرر عن أبي عبد اللّه عليه السلام بإسناده عن أيّوب الهاشمي أنّه حضر باب الرشيد رجل يقال له : « نفيع الأنصاري » ، وحضر موسى بن جعفر عليهماالسلام على حمار له ، فتلقّاه الحاجب بالإكرام وعجّل له بالإذن .

فسأل نفيع عبد العزيز بن عمر : من هذا الشيخ ؟ قال : شيخ آل أبي طالب شيخ آل محمد صلى الله عليه و آله ، هذا موسى بن جعفر عليهماالسلام .

قال : ما رأيت أعجز من هؤلاء القوم ، يفعلون هذا برجل يقدر أن يزيلهم عن السرير ، أما إن خرج لأسوءنه ، فقال له عبد العزيز : لا تفعل ، فإنّ هؤلاء أهل بيت قلّ ما تعرّض لهم أحد في الخطاب إلاّ وسموه في الجواب سمة يبقى عارها عليه مدى الدهر .

قال : وخرج موسى عليه السلام وأخذ نفيع بلجام حماره ، وقال : من أنت يا هذا ؟

قال : يا هذا ، إن كنت تريد النسب ، أنا ابن محمد صلى الله عليه و آله حبيب اللّه بن

إسماعيل ذبيح اللّه بن إبراهيم خليل اللّه عليهم السلام ، وإن كنت تريد البلد ، فهو الذي فرض اللّه على المسلمين - إن كنت منهم - الحجّ إليه ، وإن كنت تريد المفاخرة ، فواللّه ما رضوا مشركوا قومي مسلمي قومك أكفاء لهم حتى قالوا : يا محمد صلى الله عليه و آله ، أخرج إلينا أكفاءنا من قريش ، وإن كنت تريد الصيت والإسم ، فنحن الذين أمر اللّه بالصلاة علينا في الصلوات

ص: 93

المفروضة ، تقول : اللّهم صلّ على محمد وآل محمد ، فنحن آل محمد صلى الله عليه و آله ، خلّ عن الحمار .

فخلّى عنه ويده ترتعد ، وانصرف مخزيّا ، فقال له عبد العزيز : ألم أقل لك(1) ؟!

قال ابن المعاذ :

سل بحال الإمام يوم نفيع

كيف أخزاه اللعين وكفّر

هو للأولياء اسم ومعنى

وهو في القلب للمحقّ مصوّر

* * *

أخذ عنه العلماء ما لا يحصى كثرته

وأخذ عنه العلماء ما لا يحصى كثرته .

وذكر عنه الخطيب في تاريخ بغداد ، والسمعاني في الرسالة القوامية ، وأبو صالح أحمد المؤذّن في الأربعين ، وأبو عبد اللّه بن بطّة في الإبانة ، والثعلبي في الكشف والبيان .

لو قرئ إسناده على المجنون لأفاق

وكان أحمد بن حنبل - مع انحرافه عن أهل البيت عليه السلام - لمّا روى عنه قال : حدّثني موسى بن جعفر عليهماالسلام ، قال : حدّثني أبي جعفر بن محمد عليهماالسلام ،

ص: 94


1- أمالي المرتضى : 1/199 ، اعلام الورى : 2/28 .

قال : حدّثني أبي محمد بن علي عليهماالسلام ، قال : حدّثني أبي علي بن الحسين عليهماالسلام ، قال : حدّثني أبي الحسين بن علي عليهماالسلام ، قال : حدّثني أبي علي بن أبي طالب عليهماالسلام ، قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله .

ثمّ قال أحمد : وهذا إسناد لو قرئ على المجنون لأفاق(1) .

ولقيه أبو نؤاس فقال :

إذا أبصرتك العين من غير ريبة

وعارض فيه الشكّ أثبتك القلب

ولو أنّ ركبا أمّموك لقادهم

نسيمك حتى يستدلّ بك الركب

جعلتك حسبي في أموري كلّها

وما خاب من أضحى وأنت له حسب(2)

* * *

وقال العوني :

نعم آل طه خير من وطأ الحصى

وأكرم أبصارا على الأرض تطرف

هم الكلمات الطيّبات التي بها

يتاب على الخاطي فيحبا ويزلف

ص: 95


1- حلية الأولياء : 3/192 .
2- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/156 ح 11 .

هم البركات النازلات على الورى

تعمّ جميع المؤمنين وتكنف

هم الباقيات الصالحات بذكرها

لذاكرها خير الثواب المضعف

هم الصلوات الزاكيات عليهم

يدلّ المنادي بالصلاة ويعكف

هم الحرّ والمأمون آمن أهله

وأعداؤه من حوله تتخطف

هم الوجه وجه اللّه والجنب جنبه

وهم فلك نوح خاب عنه المخلّف

هم الباب باب اللّه والحبل حبله

وعروته الوثقى توارى وتكتف

وأسماؤه الحسنى التي من دعا بها

أجيب فما للناس عنها تحرّف

هم الآية الكبرى بهم صارت العصا

لموسى الكليم حيّة تتلقّف

* * *

وقال شاعر :

وسيلتي يوم المحشر

مولاي موسى بن جعفر

وجدّه وأبيه

والسيّدان وحيدر

ص: 96

فصل 6 : في معالي أُموره عليه السلام

اشارة

ص: 97

ص: 98

لا يلهو ولا يلعب

صفوان الجمّال : سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن صاحب هذا الأمر ؟ فقال : صاحب هذا الأمر لا يلهو ولا يلعب .

فأقبل موسى بن جعفر عليهماالسلام - وهو صغير - ومعه عناق مكّية ، وهو يقول لها : اسجدي لربّك .

فأخذه أبو عبد اللّه عليه السلام ، فضمّه إليه وقال : بأبي وأمّي لا يلهو ولا يلعب(1) .

عبادته وسجوده ودعاؤه

اليوناني(2) : كانت لموسى بن جعفر عليهماالسلام بضع عشرة سنّة ، كلّ يوم سجدة بعد ابيضاض(3) الشمس إلى وقت الزوال(4) .

وكان عليه السلام أحسن الناس صوتا بالقرآن ، فكان إذا قرأ يحزن وبكى السامعون لتلاوته(5) .

ص: 99


1- الكافي : 1/311 ح 15 ، الغيبة للطوسي : 52 ح 41 .
2- في العيون : « الثوباني » .
3- في العيون : « انقضاض » .
4- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 2/88 باب 7 ح 14 .
5- ألقاب الرسول وعترته : 65 ، روضة الواعظين للفتال : 216 .

وكان يبكي من خشية اللّه حتى تخضلّ لحيته بالدموع(1) .

أحمد بن عبد اللّه عن أبيه ، قال : دخلت على الفضل بن الربيع ، وهو جالس على سطح ، فقال لي : اشرف على هذا البيت وانظر ما ترى ؟ فقلت : ثوبا مطروحا ، فقال : انظر حسنا ، فتأمّلت ، فقلت : رجل ساجد .

فقال لي : تعرفه ؟ هو موسى بن جعفر عليهماالسلام ، أتفقّده الليل والنهار ، فلم أجده في وقت من الأوقات إلاّ على هذه الحالة ، إنّه يصلّي الفجر فيعقّب إلى أن تطلع الشمس ، ثمّ يسجد سجدة ، فلا يزال ساجدا حتى تزول الشمس ، وقد وكّل من يترصّد أوقات الصلاة ، فإذا أخبره وثب يصلّي من غير تجديد وضوء ، وهو دأبه ، فإذا صلّى العتمة أفطر ، ثمّ يجدّد الوضوء ، ثمّ يسجد ، فلا يزال يصلّي في جوف الليل حتى يطلع الفجر(2) .

وقال بعض عيونه : كنت أسمعه كثيرا يقول في دعائه : اللّهمّ إنّني كنت أسألك أن تفرّغني لعبادتك ، اللّهمّ وقد فعلت فلك الحمد(3) .

وكان عليه السلام يقول في سجوده : قبح الذنب من عبدك فليحسن العفو والتجاوز من عندك(4) .

ومن دعائه : اللّهمّ إنّي أسألك الراحة عند الموت والعفو عند الحساب .

ص: 100


1- الإرشاد للمفيد : 2/231 ، مكارم الأخلاق للطبرسي : 318 ، اعلام الورى : 2/25 .
2- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 2/98 ح 10 ، روضة الواعظين للفتال : 216 ، أمالي الصدوق : 210 مج 29 ح 19 .
3- روضة الواعظين للفتال : 219 ، الإرشاد للمفيد : 240 .
4- الإرشاد للمفيد : 2/231 ، اعلام الورى : 2/25 ، تاريخ بغداد : 13/29 .

كرمه وجوده وسخاؤه

وكان يتفقّد فقراء أهل المدينة ، فيحمل إليهم في الليل العين والورق ، وغير ذلك ، فيوصله إليهم وهم لا يعلمون من أيّ جهة هو(1) .

وكان عليه السلام يصل بالمائة دينار إلى الثلاثمائة دينار .

وكانت صرار موسى مثلاً(2) .

وشكا محمد البكري إليه ، فمدّ يده إليه ، فدفع(3) إليّ صرّة فيها ثلاثمائة دينار(4) .

هديته لمن أنشد أبيات في جدّه الحسين عليه السلام

وحكي أنّ المنصور تقدّم إلى موسى بن جعفر عليهماالسلام بالجلوس للتهنئة في يوم النيروز ، وقبض ما يحمل إليه ، فقال عليه السلام : إنّي قد فتّشت الأخبار عن جدّي رسول اللّه صلى الله عليه و آله فلم أجد لهذا العيد خبرا ، وإنّه سنّة للفرس ومحاها الإسلام ، ومعاذ اللّه أن نحيي ما محاه الإسلام ، فقال المنصور : إنّما نفعل هذا سياسة للجند ، فسألتك باللّه العظيم إلاّ جلست .

ص: 101


1- الإرشاد للمفيد : 2/231 ، اعلام الورى : 2/25 .
2- مقاتل الطالبيين : 332 ، ألقاب الرسول وعترته : 65 ، اعلام الورى : 2/27 ، تاريخ بغداد : 13/29 .
3- في النسخ : « فجعل » ، وفي المخطوطة : « فرجع » ، وما أثبتناه من المصادر .
4- روضة الواعظين للفتال : 215 ، دلائل الإمامة : 310 ، الإرشاد للمفيد : 2/232 ، تاريخ بغداد : 13/29 ، والخبر طويل .

فجلس ودخلت عليه الملوك والأمراء والأجناد يهنّونه ، ويحملون إليه الهدايا والتحف ، وعلى رأسه خادم المنصور يحصي ما يحمل .

فدخل في آخر الناس رجل شيخ كبير السنّ ، فقال له : يا ابن بنت رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، إنّني رجل صعلوك لا مال لي ، أتحفك بثلاث أبيات قالها جدّي في جدّك الحسين بن علي عليهماالسلام :

عجبت لمصقول علاك فرنده

يوم الهياج وقد علاك غبار

ولأسهم نفذتك دون حرائر

يدعون جدّك والدموع غزار

الاّ تقضقضت(1) السهام وعاقها

عن جسمك الإجلال والإكبار

* * *

قال : قبلت هديّتك ، اجلس بارك اللّه فيك .

ورفع رأسه إلى الخادم وقال : امض إلى أمير المؤمنين وعرّفه بهذا المال ، وما يصنع به ؟

فمضى الخادم وعاد وهو يقول : كلّها هبة منّي له يفعل به ما أراد .

فقال موسى عليه السلام للشيخ : اقبض جميع هذا المال ، فهو هبة منّي لك .

عطاؤه لعمري كان يؤذّيه ويشتم عليّا

وكان عمريّ يؤذّيه ويشتم عليّا عليه السلام ، فقال له بعض حاشيته : دعنا نقتله ، فنهاهم عن ذلك .

ص: 102


1- في المخطوطة : « تقصقصت » ، وفي البحار عن المناقب : « تغضغضت » ، وتقضقض الشيء : تكسر وتحطم .

فركب يوما إليه ، فوجده في مزرعة ، فجالسه وباسطه ، وقال له : كم عزمت في زرعك هذا ؟ قال : مائة دينار ، قال : وكم ترجو أن تصيب ؟ قال : مائتي دينار .

قال : فأخرج له صرّة فيها ثلاثمائة دينار ، فقال : هذا زرعك على حاله يرزقك اللّه فيه ما ترجو .

فاعتذر العمري إليه وقال : اللّه أعلم حيث يجعل رسالاته ، وكان يخدمه بعد ذلك(1) .

إجازته شعر أبيه في الصغر !

موسى بن جعفر عليهماالسلام قال : دخلت ذات يوم من المكتب ومعي لوحي !! قال : فأجلسني أبي بين يديه وقال : يا بنيّ اكتب : « تنحّ عن القبيح ولا ترده » ، ثمّ قال : أجزه(2) .

فقلت : « ومن أوليته حسنا فزده » .

ثمّ قال : « ستلقى من عدوّك كلّ كيد » .

فقلت : « إذا كاد العدوّ فلا تكده » .

قال : فقال : « ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ »(3) .

ص: 103


1- دلائل الإمامة : 311 ، الإرشاد للمفيد : 2/233 ، اعلام الورى : 2/26 ، تاريخ بغداد : 13/29 .
2- أجز الشعر : أي تمّمه .
3- في الخبر مجال للتأمّل !

لست بحيث أحتاج أن أطلب أو أُطلب

ابن عمّار : إنّه استقبل الرشيد على بغلة فاستنكر ذلك ، فقال : أتركب دابّة إن طلبت عليها لم تلحق ، وإن طلبت لم تسبق ؟!

وفي رواية أنّه قال : إن طلبت عليها لم تدرك ، وإن طلبت لم تفت ؟

فقال عليه السلام : لست بحيث أحتاج أن أطلب أو أُطلب ، وإنّها تطأطأت عن خيلاء الخيل ، وارتفعت عن ذلّة العير ، وخير الأمور أوساطها(1) .

السلام عليك يا أبه يا رسول اللّه

وحجّ هارون ، فلمّا دخل المدينة تقدّم إلى التربة ، فقال : السلام عليك يا ابن العمّ - مفتخرا بذلك على غيره - ، فتقدّم أبو الحسن عليه السلام وقال : السلام عليك يا رسول اللّه ، السلام عليك يا أبه .

فتغيّر وجه هارون(2) ، وأمر به فأخذ من المسجد(3) .

ص: 104


1- روضة الواعظين للفتال : 215 ، مقاتل الطالبيين : 333 ، الإرشاد للمفيد : 2/234 ، اعلام الورى : 2/27 .
2- روضة الواعظين للفتال : 216 ، ألقاب الرسول وعترته : 64، الإرشاد للمفيد : 2/234 ، الفصول المختارة للمرتضى : 36، كنز الفوائد للكراجكي : 166، الاحتجاج : 2/167، تاريخ بغداد : 13/32 ، اعلام الورى : 2/28 .
3- روضة الواعظين للفتال : 219 ، مقاتل الطالبيين : 334 ، الغيبة للطوسي : 29 ، الإرشاد للمفيد : 1/239 .

فهم أبي حمزة الثمالي وصيّة الإمام

داود بن كثير الرقّي ، قال : أتى أعرابي إلى أبي حمزة الثمالي فسأله خبرا ، فقال : توفّي جعفر الصادق عليه السلام ، فشهق شهقة وأغمي عليه ، فلمّا أفاق قال : هل أوصى إلى أحد ؟ قال : نعم ، أوصى إلى ابنه عبد اللّه ، وموسى عليه السلام ، وأبي جعفر المنصور .

فضحك أبو حمزة وقال : الحمد للّه الذي هدانا إلى المهدي ، وبيّن لنا عن الكبير ، ودلّنا على الصغير ، وأخفى عن أمر عظيم .

فسئل عن قوله ، فقال : بيّن عيوب الكبير ، ودلّ على الصغير لإضافته إيّاه ، وكتم الوصيّة للمنصور ، لأنّه لو سأل المنصور عن الوصيّ لقيل : أنت(1) .

أوصى عليه السلام إلى خمسة

ودعا أبو جعفر المنصور في جوف الليل أبا أيّوب الحوبي ، فلمّا أتاه رمى كتابا إليه - وهو يبكي - وقال : هذا كتاب محمد بن سليمان يخبرنا بأنّ جعفر بن محمد عليهماالسلام قد مات ف-« إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ » ، وأين مثل جعفر(2) ؟!

ص: 105


1- الثاقب في المناقب لابن حمزة : 441 ح 5 ، الخرائج للراوندي : 1/328 .
2- كذب اللعين اللئيم المنافق ، كيف يقول ذلك وسيحشر غدا ليخاصم بدمه عليه السلام بين يدي اللّه، ولم يكتف بقتل سليل النبوة حتى فكّر في قتل وصيّه في نفس المجلس، « وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللّهِ كَذِباً أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَْشْهادُ هؤلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظّالِمِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالآْخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَْرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآْخِرَةِ هُمُ الأَْخْسَرُونَ » ، « وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ » .

ثمّ قال له : اكتب : إن كان أوصى إلى رجل بعينه فقدّمه واضرب عنقه .

فكتب ، وعاد الجواب : قد أوصى إلى خمسة ، أحدهم أبو جعفر المنصور ، ومحمد بن سليمان ، وعبد اللّه ، وموسى عليه السلام ، وحميدة(1) .

قال المنصور : ما إلى قتل هؤلاء سبيل(2) .

حدود فدك

وفي كتاب أخبار الخلفاء : إنّ هارون الرشيد كان يقول لموسى بن جعفر عليهماالسلام : خذ فدكا حتى أردّها إليك ، فيأبى حتى ألحّ عليه ، فقال عليه السلام : لا آخذها إلاّ بحدودها ، قال : وما حدودها ؟ قال : إن حدّدتها لم تردّها ، قال : بحقّ جدّك إلاّ فعلت .

قال : أمّا الحدّ الأوّل : فعدن ، فتغيّر وجه الرشيد وقال : إيها .

قال : والحدّ الثاني : سمرقند ، فأربد وجهه .

والحدّ الثالث : إفريقية ، فاسودّ وجهه ، وقال : هيه .

ص: 106


1- في النسخ جميعا : « حميد » ، وما أثبتناه من المصادر .
2- اعلام الورى : 2/13 ، الكافي : 1/310 ، الغيبة للطوسي : 197 .

قال : والرابع : سيف البحر ، ممّا يلي الجزر وأرمينية .

قال الرشيد : فلم يبق لنا شيء ، فتحوّل إلى مجلسي ، قال موسى عليه السلام : قد أعلمتك أنّني إن حدّدتها لم تردّها ، فعند ذلك عزم على قتله .

وفي رواية ابن أسباط أنّه قال :

أمّا الحدّ الأوّل : فعريش مصر .

والثاني : دومة الجندل .

والثالث : أحد .

والرابع : سيف البحر .

فقال : هذا كلّه ! هذه الدنيا ، فقال : هذا كان في أيدي اليهود بعد موت أبي هالة ، فأفاءه اللّه على رسوله بلا خيل ولا ركاب ، فأمره اللّه أن يدفعه إلى فاطمة عليهاالسلام .

النصّ عليه

يزيد بن أسباط ، قال : دخلت على أبى عبد اللّه عليه السلام في مرضته التي مات فيها ، فقال لي : يا يزيد ، أترى هذا الصبي ؟ إذا رأيت الناس قد اختلفوا فيه فاشهد عليّ بأنّي أخبرتك أنّ يوسف عليه السلام إنّما كان ذنبه عند إخوته - حتى طرحوه في الجبّ - الحسد له حين أخبرهم أنّه رأى أحد عشر كوكبا والشمس والقمر ، وهم له ساجدون ، وكذلك لابدّ لهذا الغلام من أن يحسد .

ثمّ دعا موسى عليه السلام وعبد اللّه وإسحاق ومحمدا والعبّاس ، وقال لهم : هذا وصيّ الأوصياء ، وعالم علم العلماء ، وشهيد على الأموات والأحياء .

ص: 107

ثمّ قال : يزيد ، « سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ »(1) .

ولمّا نصّ الصادق عليه السلام على موسى عليه السلام - وهو غلام - قال فيض بن المختار : جعلت فداك ، أخبر به أحدا ؟ قال : نعم ، أهلَك وولدك ورفقاك .

قال : فأخبرت يونس بن ظبيان ، فقال : لا - واللّه - حتى أسمع ذلك منه ، فلمّا انتهى إلى الباب سمعت الصادق عليه السلام يقول له : الأمر كما قال لك فيض .

ثمّ دخلت ، فقال لي : يا فيض ، زرقه زرقه ، أي احتفظ به بالنبطية(2) .

رواة النصّ عليه

وروى صريح النصّ عليه بالإمامة من أبيه ثقاتٌ منهم : أخوه علي ، وإسحاق ، والمفضّل بن عمر الجعفي ، ومعاذ بن كثير ، وعبد الرحمن بن الحجّاج ، والفيض بن المختار ، ويعقوب السرّاج ، وسليمان بن خالد ، وصفوان بن مهران الجمّال ، وحمران بن أعين ، وأبو بصير ، وداود الرقّي ، ويزيد بن سليط ، ويونس بن ظبيان .

وقطع عليه العصابة إلاّ طائفة عمّار الساباطي(3) .

ص: 108


1- انظر الكافي : 1/313 ح 14، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 2/33 ح 9، الإمامة والتبصرة لابن بابويه : 77 ، الإرشاد للمفيد : 2/252 ، اعلام الورى : 2/47 ، وفيها جميعا « يزيد بن سليط » .
2- بصائر الدرجات للصفار : 356 باب 11 ح 11 ، كتاب الغيبة للنعماني : 345 ح 2 ، اعلام الورى : 2/12 ، الكافي : 1/309 ح 9 .
3- الكافي : 1/352 ، الإرشاد للمفيد : 2/223 ، الخرائج للراوندي : 1/332 ، اعلام الورى : 2/18 .

اعتبار القطع على عصمة الإمام ووجوب النصّ عليه يوجب إمامته ويبطل إمامة كلّ من يدّعى له الإمامة ، لأنّهم بين من لم يكن مقطوعا على عصمته ، وبين من يدّعى له العصمة ولم يكن مقطوعا ، وعليه في ثبوت الأمرين ثبوت إمامته خلفا عن سلف بالنصّ عليه من أبيه عليه السلام

وعن آبائه عليهم السلام وعن النبي صلى الله عليه و آله .

قال بعض شعراء أهل مصر :

يا ابن النبي المصطفى

وخليفة الرحمن ربّك

وصلاتنا وصيامنا

لا يقبلان بغير حبّك

* * *

وقال داود بن سالم :

يا ابن بنت النبي زارك زور

لم يكن ملحفا ولا سؤالاً

ذاك خير الأنام أبا وأمّا

والذي يمنح الندا والسؤالا

وإذا مرّ عابر ابن سبيل

يجمع الفاضلين والعقالا

بهت الناس ينظرون إليه

مثل ما ترقب العيون الهلالا

* * *

وقال عبد المحسن :

عرفت فضلكم ملائكة اللّه

فدانت وقومكم في شقاق

يستحقّون حقّكم زعموا ذا

مستحقّا لهم من استحقاق

واستشار والسيوف فيكم فقمنا

نستشير الأقلام في الأوراق

* * *

ص: 109

وقال السوسي :

يلومني في هوا أبناء فاطمة

قوم وما عدلوا باللّه إذ عدلوا

واليت قوما تميد الأرض إن ركبوا

وتطمئنّ وتهدأ إن هم نزلوا

قوم بهم تكشف الأمراض والعلل

وفيهم يستقرّ الحرّ والنغل

بحور جود فلا غاضوا ولا جهلوا

بدور فخر فلا غابوا ولا أفلوا

إن يغضبوا صفحوا أو يسألوا سمحوا

أو يوزنوا رجحوا أو يحكموا عدلوا

يوفون إن نذروا يعفون إن قدروا

وإن يقولوا نعم من وقتهم فعلوا

وإن سألت بهم أعطي الذي اسل

وهم غناي إذا ضاقت بي الحيل

إن خفت في هذه الدنيا بحبّهم

فما عليّ غدا خوف ولا وجل

* * *

ص: 110

فصل 7 : في أحواله وتواريخه عليه السلام

اشارة

ص: 111

ص: 112

ألقابه وكنيته

اشارة

موسى بن جعفر عليهماالسلام الكاظم الإمام العالم .

كنيته

أبو الحسن الأوّل ، وأبو الحسن الماضي ، وأبو إبراهيم ، وأبو علي .

ألقابه

ويعرف بالعبد الصالح ، والنفس الزكية ، وزين المجتهدين ، والوافي ، والصابر ، والأمين ، والزاهر(1) ، وسمّي بذلك لأنّه زهر بأخلاقه الشريفة وكرمه المضي التامّ .

سبب تلقيبه بالكاظم

وسمّي الكاظم لما كظمه من الغيظ ، وغضّ بصره عمّا فعله الظالمون به حتى مضى قتيلاً في حبسهم(2) .

والكاظم الممتلئ خوفا وحزنا ، ومنه : كظم قربته إذا شدّ رأسها ،

ص: 113


1- تهذيب الأحكام للطوسي : 6/81 ، القاب الرسول وعترته : 63 ، الإرشاد للمفيد : 2/215 .
2- القاب الرسول وعترته : 63 ، الإرشاد للمفيد : 2/235 ، الخرائج للراوندي : 2/897 ، اعلام الورى : 2/32 .

والكاظمة : البئر الضيّقة ، والسقاية المملوءة .

وقال الربيع بن عبد الرحمن : كان - واللّه - من المتوسّمين ، فيعلم من يقف عليه بعد موته ، ويكظم غيظه عليهم ، ولا يبدي لهم ما يعرفه منهم ، فلذلك سمّي الكاظم(1) .

حليته

وكان عليه السلام أزهر إلاّ في القيظ(2) - لحرارة مزاجه - ، ربع تمام ، خضر ، حالك ، كثّ اللحية .

بعض صفاته

وكان أفقه أهل زمانه ، وأحفظهم لكتاب اللّه ، وأحسنهم صوتا بالقرآن ، فكان إذا قرأ يحزن وبكى وبكى السامعون لتلاوته(3) .

وكان أجلّ الناس شأنا ، وأعلاهم في الدين مكانا ، وأسخاهم بنانا ، وأفصحهم لسانا ، وأشجعهم جنانا(4) .

وقد خصّ بشرف الولاية ، وحاز إرث النبوّة ، وبوّأ محلّ الخلافة ، سليل النبوّة ، وعقيد الخلافة .

ص: 114


1- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 2/103 ح 2 ، علل الشرائع : 1/235 باب 171 ح 1 .
2- في النسخ : « الغيظ » ، وما أثبتناه من المخطوطة ونسخة البحار عن المناقب .
3- روضة الواعظين للفتال : 216 ، الإرشاد للمفيد : 2/235 .
4- اعلام الورى : 2/25 .

أمّه

أمّه : حميدة المصفّاة ابنة صاعد البربري(1) .

ويقال : إنّها أندلسية(2) ، أمّ ولد تكنّى : لؤلؤة .

مولده

ولد عليه السلام بالأبواء موضع بين مكّة والمدينة يوم الأحد لسبع خلون من صفر سنة ثمان وعشرين ومائة(3) .

الملوك في عهد إمامته

وكان في سنيّ إمامته بقيّة ملك المنصور ، ثمّ ملك المهدي عشر سنين وشهرا وأيّاما ، ثمّ ملك الهادي سنة وخمسة عشر يوما ، ثمّ ملك الرشيد ثلاث وعشرين سنة وشهرين وسبعة عشر يوما .

ص: 115


1- دلائل الإمامة : 307 ، تاريخ الأئمة : 25 ، الكافي : 1/397 ، الهداية الكبرى : 263 ، الإرشاد للمفيد : 2/288 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 2/48 ، كمال الدين للصدوق : 307 ، تهذيب الأحكام للطوسي : 6/81 ، الاحتجاج : 2/137 ، تاريخ مواليد الأئمة لابن خشاب : 33 .
2- تذكرة الخواص : 312 ، الهداية الكبرى : 263 ، تاريخ مواليد الأئمة لابن خشاب : 34 .
3- روضة الواعظين للفتال : 221 ، الكافي : 1/476 ، تهذيب الأحكام للطوسي : 6/81 ، الإرشاد للمفيد : 2/215 ، تاج المواليد للطبرسي : 46 ، تاريخ مواليد الأئمة : 32 ، دلائل الأئمة : 303 .

شهادته

وبعد مضيّ خمس عشر سنة من ملك الرشيد استشهد مسموما(1) في حبس الرشيد على يدي السندي بن شاهك(2) يوم الجمعة لستّ بقين من رجب - وقيل : لخمس خلون من رجب - ، سنة ثلاث وثمانين ومائة(3) ، وقيل : سنة ستّ وثمانين .

مقامه مع أبيه وأيام إمامته

وكان مقامه مع أبيه عشرين سنة ، ويقال : تسع عشرة سنة . وبعد أبيه أيّام إمامته خمس وثلاثين سنة . وقام بالأمر وله عشرون سنة(4) .

مدفنه

ودفن ببغداد بالجانب الغربي في المقبرة المعروفة بمقابر قريش من باب التين(5) ، فصارت باب الحوائج .

ص: 116


1- دلائل الإمامة : 305 ، تاج المواليد : 46 .
2- الهداية الكبرى : 264 ، مقاتل الطالبيين : 335 ، دلائل الأمامة : 373 ، الإرشاد للمفيد : 2/241، الغيبة للطوسي : 29، تاج المواليد : 27، تاريخ بغداد : 13/33، تاريخ اليعقوبي : 2/414 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 2/92 ، اعلام الورى : 2/33 ، الكافي : 1/476 .
3- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 2/92 ، الهداية الكبرى : 263 .
4- تاج المواليد : 47 ، الهداية الكبرى : 363 ، تاريخ مواليد الأئمة لابن خشاب : 33 .
5- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 2/62 ، تاج المواليد : 47 ، روضة الواعظين للفتال : 220 ، الإرشاد للمفيد : 2/242 .

مدّة عمره

وعاش أربعا وخمسين سنة .

أولاده

أولاده ثلاثون فقط - ويقال : سبعة وثلاثون - ..

فأبناؤه ثمانية عشر : علي الإمام ، وإبراهيم ، والعبّاس ، والقاسم ، وعبد اللّه ، وإسحاق ، وعبيد اللّه ، وزيد ، والحسن ، والفضل ، من أمّهات أولاد .

وإسماعيل ، وجعفر ، وهارون ، والحسن ، من أمّ ولد .

وأحمد ، ومحمد ، وحمزة ، من أم ولد .

ويحيى ، وعقيل ، وعبد الرحمن .

المعقّبون منهم ثلاثة عشر : علي الرضا عليه السلام ، وإبراهيم ، والعبّاس ، وإسماعيل ، ومحمد ، وعبد اللّه ، وعبيد اللّه ، والحسن ، وجعفر ، وإسحاق ، وحمزة .

بناته

وبناته تسع عشرة : خديجة ، وأم فروة ، وأم أبيها ، وعليّة ، وفاطمة الكبرى ، وفاطمة الصغرى ، ونزيهة ، وكلثوم ، وأم كلثوم ، وزينب ، وأم القاسم ، وحكيمة ، ورقيّة الصغرى ، وأمّ وحية ، وأم سلمة ، وأم جعفر ، ولبابة ، وأسماء ، وأمامة ، وميمونة ، من أمّهات أولاد(1) .

ص: 117


1- الإرشاد للمفيد : 2 / 244 ، اعلام الورى : 2 / 36، ت-اري-خ م-والي-د الأئمة لابن خشاب : 34 ، الهداية الكبرى : 263 ، دلائل الأئمة : 309 .

الذين تولّوا حبسه

وكان تولّى حبسه عيسى بن جعفر(1) ، ثمّ الفضل بن الربيع ، ثمّ الفضل

بن يحيى البرمكي ، ثمّ السندي بن شاهك ، سقاه سمّا في رطب أو طعام آخر ، ولبث ثلاثا بعده موعوكا ، ثمّ مات في اليوم الثالث(2) .

موضع شهادته

وكانت وفاته في مسجد هارون الرشيد ، وهو المعروف بمسجد المسيّب ، وهو في الجانب الغربي من باب الكوفة ، لأنّه نقل إليه من دار تعرف بدار عمرويه(3) .

وكان بين وفاة موسى عليه السلام إلى وقت حرق مقابر قريش مائتان وستّون سنة .

بابه

بابه : المفضّل بن عمر الجعفي(4) .

ص: 118


1- الكافي : 1/476 .
2- الإرشاد للمفيد : 2/242 ، دلائل الإمامة : 306 ، روضة الواعظين للفتال : 220 ، اعلام الورى : 2/34 .
3- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 2/62 ، عيون المعجزات لابن عبد الوهاب : 91 .
4- تاريخ الأئمة للغدادي : 32 ، دلائل الإمامة : 308 ، وفيهما : « محمد بن الفضل » .

المصدّقون من أصحابه

وفي اختيار الرجال ، عن الطوسي : إنّه اجتمع أصحابنا على تصديق ستّة نفر من فقهاء الكاظم والرضا عليه السلام ، وهم : يونس بن عبد الرحمن ، وصفوان بن يحيى بيّاع السابري ، ومحمد بن أبي عمير ، وعبد اللّه بن المغيرة ، والحسن بن محبوب السرّاد ، وأحمد بن محمد بن أبي نصر(1) .

ثقاته

ومن ثقاته : الحسن بن علي بن فضّال الكوفي ، مولى لتيم الرباب ، وعثمان بن عيسى ، وداود بن كثير الرقّي ، مولى بني أسد ، وعلي بن جعفر الصادق عليه السلام .

خواص أصحابه

ومن خواصّ أصحابه : علي بن يقطين ، مولى بني أسد ، وأبو الصلت عبد السلام بن صالح الهروي ، وإسماعيل بن مهران ، وعلي بن مهزيار - من قرى فارس ثمّ سكن الأهواز - ، والريّان بن الصلت الخراساني ، وأحمد بن محمد الحلبي ، وموسى بن بكير الواسطي ، وإبراهيم بن أبي البلاد الكوفي(2) .

ص: 119


1- اختيار معرفة الرجال للطوسي : 2/830 ح 1050 .
2- انظر رجال الطوسي : 331 ، الاختصاص للمفيد : 8 .

قال الكوفي :

سادتي عدّتي عمادي ملاذي

خمسة عندهم تحطّ الرحال

سادتي سادة بهم ينزل الغيث

علينا وتقبل الأعمال

سادة حبّهم تحطّ الخطايا

ولديهم تصدق الآمال

سادة قادة إليهم إذا ما

ذكر الفضل تضرب الأمثال

وبهم تدفع المكاره والخيفة

عنّا وتكشف الأهوال

وبهم طابت المواليد وامتاز

لنا الحقّ والهدى والضلال

وبهم حرّم الحرام وزال

الشكّ في ديننا وحلّ الحلال

* * *

وله أيضا :

يا آل أحمد أنتم خير مشتمل

بالمكرمات وأنتم خير معترف

خلافة اللّه فيكم غير خافية

يفضي بها سلف منكم إلى خلف

طبتم فطاب مواليكم لطيبتكم

وباء أعداؤكم بالخبث في النطف

رأيت نفعي وضرّي عندكم فإذا

ما كان ذاك فعنكم أين منصرفي

* * *

وقال العوني :

فقالت إلى أين انصرافك نبّني

فقلت إلى أولاد فاطمة الزهرا

إلى آل وحي اللّه عند نزوله

على المصطفى أعلى به عنده قدرا

إلى شفعاء الخلق في يوم بعثهم

إلى المرتضى للنار يزجرها زجرا

* * *

ص: 120

وقال ابن طباطبا :

في كلّ يوم للفخار بنيّة

ما بيننا تبنى ومجد يبدع

أو جحفل يقتاد أو سيف على

أعداء دين اللّه فينا يطبع

أو ليث غاب نرفع الجلى به

أو كوكب من أهلنا يستطلع

أو منبر يرقى على أعواده

منّا لخطبته خطيب مصقع

فينا النبوّة والإمامة والهدى

والآي والسنن التي لا تدفع

إنّ المعالي إن أطعن معاشرا

لتقى فهن لآل أحمد أطوع

* * *

ص: 121

ص: 122

فصل 8 : في وفاته عليه السلام

اشارة

ص: 123

ص: 124

السعاية بالإمام

كان محمد(1) بن إسماعيل بن الصادق عليه السلام مع عمُّه موسى الكاظم عليه السلام يكتب له الكتب إلى شيعته في الآفاق ، فلمّا ورد الرشيد إلى الحجاز سعى بعمّه إلى الرشيد ، فقال : أما علمت أنّ في الأرض خليفتين يجبى إليهما الخراج ؟ فقال الرشيد : ويلك أنا ومن ؟ قال : موسى بن جعفر عليهماالسلام .

وأظهر أسراره ، فقبض عليه ، وحظي محمد عند الرشيد ، ودعا عليه موسى الكاظم عليه السلام بدعاء استجابه اللّه فيه وفي أولاده(2) .

وفي رواية : إنّه جاء محمد بن إسماعيل إليه عليه السلام واستأذن منه ، فأذن له ، فقال : يا عمّ أحبّ أن توصّيني ، فقال : أوصيك أن تتّقي اللّه في دمي ، [ ثم ناوله أبو الحسن عليه السلام صرّة فيها مائة وخمسون دينارا فقبضها محمد ] ، وأعطاه صرّة أخرى وصرّة أخرى ، وأمر له بألف وخمسمائة درهم .

ص: 125


1- مرّ فيما سبق عن مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الاصفهاني والأرشاد للمفيد وروضة الفتال أنّ الذي سعى بعمّه إنّما هو علي بن إسماعيل ، وذكرنا هناك أنّ قبول هذه الأخبار العامّية أو التي لا تنتهي الى معصوم وتنسب الى ذريّة الأئمة عليهم السلام أمرا عظيما مثل السعاية بالإمام - وهو عمّه - محلّ تأمّل عميق وتوقف ، ولا ينبغي الركون إليها والاعتماد عليها .
2- سرّ السلسلة العلوية : 35 ، عمدة الطالب : 234 .

فجاء محمد بن إسماعيل إلى الرشيد ، فدخل عليه وسعى بعمّه ، فأمر له بمائة ألف درهم ، فلمّا قبضها دخل إلى منزله ، فأخذته الذبحة في جوف ليلته ، فمات(1) .

نقل الإمام من سجن الى سجن

وروي أنّه لمّا دخل الرشيد إلى المدينة أمر بقبض موسى بن جعفر عليهماالسلام ، وكان قائما يصلّي عند رأس النبي صلى الله عليه و آله ، فقطع عليه صلاته ، وحمل وهو يبكي ويقول : إليك أشكو يا رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، وقيّد ، واستدعى قبّتين ، فجعله في أحدهما ، وخرج البغلان من داره ، ومع كلّ واحد منهما خيل ، فأخذوا واحدة على طريق البصرة ، والأخرى على طريق الكوفة ، وكان أبو الحسن عليه السلام في التي على طريق البصرة ، وأمرهم بتسليمه إلى عيسى بن جعفر بن المنصور ، فحسبه عنده سنة .

فكتب عيسى إلى الرشيد : قد طال أمر موسى عليه السلام ومقامه في حبسي ، وقد اختبرت حاله ، ووضعت من يسمع منه ما يقول ، فما دعا عليك ولا عليّ بسوء ، ما يدعو لنفسه إلاّ بالمغفرة ، فإن أنفذت إليّ من يتسلّمه منّي ، وإلاّ خلّيت سبيله ، فإنّني متحرّج من حبسه .

فوجّه الرشيد من يتسلّمه من عيسى ، وصيّر به إلى بغداد ، فسلّم إلى الفضل بن الربيع يقتله ، فأبى ، فأمر بتسليمه إلى الفضل بن يحيى ، فوسّع عليه الفضل وأكرمه .

ص: 126


1- إختيار معرفة الرجال للطوسي : 2/540 ح 478 .

فوجّه إليه مسرور الخادم ليتعرّف حاله ، فحكى كما كان ، فأمر السندي وعبّاس بن محمد بضرب الفضل ، فضربه السندي بين يديه مائة سوط .

وأخبر الرشيد بذلك ، فقال : أيّها الناس ، إنّ الفضل بن يحيى قد عصاني وخالف طاعتي فالعنوه ، فلعنه الناس من كلّ جانب .

فاستدبر يحيى بن خالد وقال : إنّ الفضل حدث وأنا أكفيك ما تريد ، فقال الرشيد : ألا إنّ الفضل قد تاب وأناب إلى طاعتي ، فتولّوه .

ثمّ خرج يحيى إلى بغداد ، فدعا السندي ، فأمره بأمره فامتثله ، وجعل سمّا في طعام فقدّمه إليه(1) .

واللّه لهو أعلم بما فعلتم به منكم

وقال أحمد بن عبد اللّه : لمّا نقل الكاظم عليه السلام من دار الفضل بن الربيع إلى الفضل بن يحيى البرمكي كان ابن الربيع يبعث إليه في كلّ ليلة مائدة ، ومنع أن يدخل من عند غيره حتى مضى ثلاثة أيّام .

فلمّا كانت الليلة الرابعة قدّمت إليه مائدة البرمكي ، قال : فرفع رأسه إلى السماء ، فقال : يا ربّ إنّك تعلم أنّي لو أكلت قبل اليوم كنت أعنت على نفسي .

قال : فأكل فمرض .

ص: 127


1- روضة الواعظين للفتال : 219 ، الإرشاد للمفيد : 2/241 .

فلمّا كان من الغد بعث إليه بالطبيب ، فقال عليه السلام : هذه علّتي ، وكانت خضرة في وسط راحته تدلّ على أنّه سمّ ، فانصرف إليهم وقال : واللّه لهو أعلم بما فعلتم به منكم .

ثمّ توفّي(1) .

إنّي سقيت السمّ في تسع تمرات

وفي رواية الحسن بن محمد بن بشّار : إنّ السندي بن شاهك جمع ثمانين رجلاً من الوجوه وأدخلهم على موسى بن جعفر عليهماالسلام ، وقال : يا هؤلاء ، انظروا إلى هذا الرجل ، هل حدث به حدث ، وهذا منزله وفرشه موسّع عليه ؟

فقال عليه السلام : أمّا ما ذكرت من التوسعة وما أشبه ذلك ، فهو على ما ذكر ، غير أنّي أخبركم أيّها النفر : إنّي سقيت السمّ في تسع تمرات ، وأنا أخضر غدا ، وبعد غد أموت .

وفي رواية غيره : أنّه قال عليه السلام يا فلان وفلان ، إنّي سقيت السمّ في يومي هذا ، وفي غد يصفرّ بدني ، وبعد غد يسودّ ، وأموت(2) .

ص: 128


1- أمالي الصدوق : 211 مج 29 ح 235 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 2/99 ح 10، روضة الواعظين للفتال : 217 .
2- قرب الإسناد : 334 ح 1236 ، الكافي : 1/259 ح 2 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 2/91 ح 2 ، روضة الواعظين للفتال : 217 ، الغيبة للطوسي : 32 ح 7 ، أمالي الصدوق : 213 مج 29 ح 23 .

الإمام يخبر عن وفاته وتجهيزه

وفي كتاب الأنوار : أنّه قال عليه السلام للمسيّب : إذا دعا لي بشربة من ماء فشربتها ، ورأيتني قد انتفخ بطني ، واصفرّ لوني ، وتلوّن أعضائي ، فهي وفاتي(1) .

وروي أنّه قال للمسيّب : ذا الرجس ابن شاهك يقول : إنّهّ يتولّى أمري ويدفنني ، هيهات أن يكون ذلك أبدا .

ووجدت شخصا جالسا على يمينه ، فلمّا قضى غاب الشخص .

ثمّ أوصلت الخبر إلى الرشيد ، فوافى السندي يظنّ أنّه يفعل ذلك ، وهو مغسّل مكفّن محنّط ، فحمل حتى دفن في مقابر قريش(2) .

نداء السندي على جنازة الإمام وموقف سليمان

ولمّا مات أخرجه السندي ، ووضعه على الجسر ببغداد ونودي : هذا موسى بن جعفر عليهماالسلام الذي تزعم الرافضة أنّه لا يموت ، فانظروا إليه .

وإنّما قال ذلك لاعتقاد الواقفة أنّه القائم ، وجعلوا حبسه غيبة القائم(3) ، فنفر بالسندي فرسه نفرة وألقاه في الماء فغرق فيه ، وفرّق اللّه جموع يحيى بن خالد .

ص: 129


1- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 2/95 ح 6 ، الهداية الكبرى : 266 ، دلائل الإمامة : 315 .
2- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 2/95 ح 6 ، الهداية الكبرى : 266 ، دلائل الإمامة : 315 .
3- روضة الواعظين للفتال : 220 ، مقاتل الطالبيين : 336 ، الإرشاد للمفيد : 2/242 ، الغيبة للطوسي : 31 ، اعلام الورى : 2/34 .

وقيل : إنّ سليمان بن جعفر بن أبي جعفر المنصور كان ذات يوم جالسا في دهليزه في يوم مطر ، إذ مرّت جنازته عليه السلام ، فقال : سلوا هذه جنازة من ؟ فقيل : هذا موسى بن جعفر عليهماالسلام مات في الحبس ، فأمر الرشيد أن يدفن بحاله .

فقال سليمان : موسى بن جعفر عليهماالسلام يدفن هكذا ؟! فهب في الدنيا كان يخاف على الملك في الآخرة لا يؤتى حقّه(1) !

فأمر سليمان غلمانه بتجهيزه ، وكفّنه بكفن فيه حبرة استعملت له بألفين وخمسمائة دينار ، مكتوب عليها القرآن كلّه ، ومشى حافيا ودفنه في مقابر قريش(2) .

قال القاضي :

وهارونكم أردى بغير جريرة

نجوم تقى مثل النجوم الكواكب

ومأمونكم سمّ الرضا بعد بيعة

فآدت له شمّ الجبال الرواسب

* * *

أتقتل يا ابن الشفيع المطاع

ويا ابن المصابيح الغرر

ويا ابن الشريعة وابن الكتاب

ويا ابن الرواية وابن الأثر

مناسب ليست بمجهولة

ببدو البلاد ولا بالحضر

مهذبة من جميع الجهات

ومن كلّ شائبة أو كدر

ص: 130


1- في النسخ : « فإنّ في الدنيا من كان يخاف على الملك في الآخرة لا يوفي حقّه » ، وما أثبتناه من المخطوطة .
2- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 2/93 ح 5 ، كمال الدين للصدوق : 39 ، اعلام الورى : 2/34 .

ربيع اليتامى والأرامل كلّهم

مداريس للقرآن في كلّ سحرة

مصابيح أعلام نجوم هداية

مراجيح أحلام لقوا كلّ كربة

وأعلام دين المصطفى وولاته

وأصحاب قرآن وحجّ وعمرة

أآل رسول اللّه صبرا على الذي

أضيم به فالصبر أوثق عروة

* * *

زيارته

ابن سنان : قلت للرضا عليه السلام : ما لمن زار أباك ؟

قال : له الجنّة ، فزره(1) .

زكريّا بن آدم عن الرضا عليه السلام : إنّ اللّه نجّا بغداد بمكان قبر أبي الحسن عليه السلام(2) .

وقال

عليه السلام :

وقبر ببغداد لنفس زكيّة

تضمّنها الرحمن بالغرفات

وقبر بطوس يا لها من مصيبة

ألحّت على الأحشاء بالزفرات(3)

* * *

ص: 131


1- تهذيب الأحكام للطوسي : 6/82 ح 160 ، المزار للمفيد : 191 ح 2 .
2- المزار للمفيد : 192 ح 4 ، تهذيب الأحكام للطوسي : 6/82 ح 162 .
3- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/294 ، كمال الدين للصدوق : 374 باب 350 ح 6 ، دلائل الإمامة : 357 ، اعلام الورى : 2/67 ، وفيها جميعا البيت الأوّل لدعبل .

قال أبو الحسن المعاذ :

زر ببغداد موسى بن جعفر

قبر موسى مديحه ليس ينكر

هو باب إلى المهيمن تقضى

منه حاجاتنا وتحبى وتجبر

هو حصني وعدّتي وغياثي

وملاذي وموئلي يوم أحشر

صائم القيظ كاظم الغيظ في ا

للّه مصفّى به الكبائر تغفر

كم مريض وافى إليه فعافاه

وأعمى أتاه صحّ وأبصر

* * *

وقال الناشي :

ببغداد وإن ملئت قصورا

قبور أغشت الآفاق نورا

ضريح السابع المعصوم موسى

إمام يحتوي مجدا وخيرا

بأكناف المقابر من قريش

له جدث غدا بهجا نضيرا

وقبر محمد في ظهر موسى

يغشي نور بهجته الحضورا

هما بحران من علم وحلم

تجاوز في نفاستها البحورا

إذا غارت جواهر كلّ بحر

فجوهرها ينزّه أن يغورا

يلوح على السواحل من بغاه

تحصّل كفّه الدرّ الخطيرا

* * *

ص: 132

باب إمامة أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليهماالسلام

اشارة

ص: 133

ص: 134

فصل 1 : في المقدّمات

اشارة

ص: 135

ص: 136

الحمد للّه الذي لكلّ أحد في كلّ لحظة من صنعه لطيفة ، الرحمن الذي لكلّ حيوان من خزائن امتنانه وظيفة ، الرحيم الذي ستر القبائح والفضائح بنظرته الشريفة ، أقبل كلّ مدبر لقبول حضرته المنيفة ، وأدبر كلّ مقبل لورود ضربته العنيفة ، إن عاقب فلا طاقة لعقوبته للنفس الضعيفة ، قرب المؤمن فصار بين أرجى الرجاء وأخوف الخيفة ، فخلق آدم عليه السلام فهيّأه تهيئة طريفة ، وصوّره في صورة نظيفة ، وناظر عنه ملائكة الملكوت حتى أبرزوا آراءهم سخيفة ! فذلك قوله : « وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَهِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الأَْرْضِ خَلِيفَةً » .

الآيات

وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ

يحيى بن محمد الفارسي عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى : « وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ » قال : أنزلت في الأئمّة الأوصياء من آل محمد(1) عليهم السلام .

ص: 137


1- تفسير فرات : 356 ح 487 ، تفسير القمّي : 2/227 .
وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ

عبد العظيم الحسني بإسناده إلى جعفر عليه السلام في قوله تعالى : « وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأََسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً » يقول : لأشربنا قلوبهم الإيمان ، والطريقة هي ولاية علي بن أبي طالب والأوصياء عليهم السلام(1) .

الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا

محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه عليه السلام في قوله تعالى : « إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا » ، قال : استقاموا على الأئمّة عليهم السلام واحدا بعد واحد ، « تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ »(2) .

ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ

إدريس بن عبد اللّه ، عن أبي عبد اللّه عليه السلام في قوله تعالى : « ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ » ، قال : عنى بها لم نك من أتباع الأئمّة عليهم السلام الذين قال فيهم « وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ » ، إنّا نرى أنّ الناس يسمعون الذي يلي السابق في الحلبة(3) المصلي ، فذلك الذي عنى حيث قال : « لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ » ، قالوا : لم نك من أتباع السابقين(4) .

ص: 138


1- الكافي : 1/419 ح 39 .
2- الكافي : 1/220 ح 2 .
3- في بعض النسخ : « الجلية » ، وفي بعضها : « الحلية » .
4- الكافي : 1/419 ح 38 .
وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ

عبد اللّه بن خليل عن علي عليه السلام في قوله تعالى : « وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ » ، قال : نزلت فينا(1) .

وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ

وروي عن الأئمّة عليهم السلام في قوله تعالى : « وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ » ، وعنهم عليهم السلام في قوله تعالى : « وَاللّهُ يُؤتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ » ، إنّهما نزلتا فينا(2) .

وَعَلَى اللّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ

زيد بن علي في قوله تعالى : « وَعَلَى اللّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ » ، قال : سبيلنا أهل البيت .

القصد : السبيل الواضح .

أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا

ابن عباس في قوله تعالى : « أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ » ، عنى بني المطّلب(3) .

ص: 139


1- شواهد التنزيل للحسكاني : 1/266 رقم 259 .
2- تفسير فرات : 315 ح 422 .
3- شواهد التنزيل للحسكاني : 2/237 رقم 872 .
وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً

سليمان بن عبد اللّه بن الحسين عن أبيه عن آبائه عليهم السلام في قوله تعالى : « وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً » ، قال : المودّة لآل محمد(1) عليهم السلام .

إِنّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدّارِ

ابن عباس في قوله : « إِنّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدّارِ » . . الآيات ، نزلت في أهل البيت عليهم السلام .

أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً

سئل أبو الحسن¨ عليهماالسلام عن الواقفة ، فقال : مَلْعُونون « أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً سُنَّةَ اللّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللّهِ تَبْدِيلاً » ، واللّه إنّ اللّه لا يبدّلها حتى يقتلوا عن آخرهم(2) .

فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ

وقال عليه السلام لمحمد بن عاصم : لا تجالسهم ، فإنّ اللّه - عزّ وجلّ - يقول : « فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ »

الآيات ، يعني الأوصياء عليهم السلام الذين كفر بهم الواقفة(3) .

ص: 140


1- تفسير مجمع البيان : 9/49 ، تفسير الثعلبي : 8/314 ، شواهد التنزيل للحسكاني : 2/212 .
2- إختيار معرفة الرجال للطوسي : 2/758 ح 865 .
3- إختيار معرفة الرجال للطوسي : 2/758 ح 864 .
متابعة ثمانية أورثت ثمانية

ومتابعة ثمانية أورثت ثمانية :

ففي متابعة النفس الندامة ، كما في قصّة قابيل : « فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ » .

وفي متابعة الهوى الخساسة ، كما في قصّة بلعام : « وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ » .

وفي متابعة الشهوات الكفر ، كما في قصّة الكفرة : « وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ » .

وفي متابعة الشيطان النار : « إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ » .

وفي متابعة الفراعنة الغرق في الدنيا ، والحرق في العقبى : « فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ » .

وفي متابعة الضالّين الكون معهم : « يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ » .

وفي متابعة الرسول عليه السلام محبّة اللّه : « فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ » .

وفي متابعة أهل البيت عليهم السلام الحشر معهم : « الَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ » .

وضع اللّه أشياء على ثمانية

وقد وضع اللّه أشياء على ثمانية :

العرش ، قوله : « وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ » .

وأبواب الجنّة ، لقوله : « وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتّى إِذا جاؤها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها » .

قالوا : أثبت « الواو » لزيادة الباب الثامن .

وأرباب الصدقات ، لقوله : « إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ » .

ص: 141

وقوله : « ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ » .

وقوله : « سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ » !!

وقوله : « عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ » .

والمولود تتكامل حركته وقواه وخلقته فيها .

وقد كان خاتم سليمان مثمّن الشكل .

وجميع من حوت سفينة نوح وسلموا من الغرق كانوا ثمانين ، وسمّي منزلهم سوق الثمانين .

والأفلاك سبعة ، وفلك البروج المحيط بها الثامن .

والقفيز ثمانية مكاكيك .

والدانق من الدرهم ثماني حبّات .

والإعراب والبناء ثمانية .

والعروض مبناها على ثمانية أجزاء .

ويشتقّ من المصدر ثمانية مجاري .

والجسم من ثمانية جواهر .

ومدار سائر الأعداد على ثمانية درج ، وهي آحاد وعشرات .

وأوتار البربط ثمانية !!!

وقولهم بهدل في أعداد النرد ، ليس كما يزعمون ، لأنّ تفسيره « نفس أجود » ، ألا ترى أنّ « به » أجود ، و« دل » نفس(1) !!

ص: 142


1- لا نرى وجها جميلاً للتشبيه أو الإفادة التي أفادها رحمه الله في بعض هذه الموارد ، بل نحسب أن التشبيه غير موفق وربما تجاوز حدود الأدب ، ولو كان له وجه .

وعلي الرضا عليه السلام ثمانية أحرف ، وهو ثامن الأئمّة عليهم السلام .

قال الصولي :

ألا إنّ خير الناس نفسا ووالدا

ورهطا وأجدادا علي المعظم

أتينا به للحلم والعلم ثامنا

إماما يؤدّي حجّة اللّه تكتم

* * *

في الحساب

وعلي بن موسى عليهماالسلام ميزانه في الحساب : أمين اللّه على عباده ووليّه في بلاده ، لاستوائهما في خمسمائة وثلاثة وخمسين .

الدليل على إمامته

اعتبار العصمة ووجوب النصّ وكون الإمام عالما بجميع أحكام الشريعة تدلّ على إمامة الرضا عليه السلام ، لأنّ كلّ من ادّعيت إمامته ، فهذه الصفات عنه منفيّة .

ويدلّ أيضا على إمامته تواتر الشيعة بالنصّ من أبيه .

قال محمد بن النعمان :

معادن العلم والآيات والحكم

وموضع الجود والإفضال والكرم

قوم بهم فتح اللّه الهدى وبهم

ختامه عند درس الحقّ في الأمم

ص: 143

إن كان دين إله الخلق إذ لهم

سوالف في الورى من خالص النعم

كانوا لدى العرش أنوارا تضييء بهم

طرف السماء لما فيها من الظلم

وملجئا لأبينا عند توبته

من ذنبه في قبول التوب والندم

لمّا دعا اللّه إذعانا بحقّهم

أجابه معظما للحقّ في القسم

* * *

وقال ابن العوذي :

هم التين والزيتون آل محمد

هم شجر الطوبى لمن يتفهّم

هم جنّة المأوى هم الحوض في غد

هم اللوح والسقف الرفيع المعظّم

هم آل عمران هم الحجّ والنسا

هم سبأ والذاريات ومريم

هم آل ياسين وطاها وهل أتى

هم النمل والأنفال لو كنت تعلم

هم الآية الكبرى هم الركن والصفا

هم الحجر والبيت العتيق وزمزم

ص: 144

هم في غد سفن النجاة لمن وعى

هم العروة الوثقى التي ليس تفصم

هم الجنب جنب اللّه واليد في الورى

هم العين لو قد كنت تدري وتفهم

هم السرّ فينا والمعالي هم الأولى

نيمّم في منهاجهم حيث يمّموا

هم الغاية القصوى هم منتهى المنى

سل النصّ في القرآن يخبرك عنهم

هم في غد للقادمين سقاتهم

إذا وردوا والحوض بالماء مفعم

هم شفعاء الناس في يوم عرضهم

إلى اللّه فيما أسرفوا وتجرّموا

هم ينقذونا من لظى النار في غد

إذا ما غدت في وقدها تتضرّم

* * *

ص: 145

ص: 146

فصل 2 : في إنبائه بالمغيّبات ومعرفته باللّغات عليه السلام

اشارة

ص: 147

ص: 148

ستلد غلاما صحيحا مليحا أشبه الناس بأمّه

الجلاء والشفاء : محمد بن عبد اللّه بن الحسن في خبر طويل : قال المأمون : قلت للرضا عليه السلام : « الزاهرية » حظيّتي ، ومن لا أقدّم عليها أحدا من جواريّ ، وقد حملت غير مرّة كلّ ذلك تسقط ، فهل عندك في ذلك شيء ينتفع به ؟

فقال : لا تخش من سقطها ، ستسلم وتلد غلاما صحيحا مليحا أشبه الناس بأمّه ، وقد زاده اللّه مزيدتين في يده اليمنى خنصر ، وفي رجله اليمنى خنصر .

فقلت في نفسي : هذه - واللّه - فرصة ، إن لم يكن الأمر على ما ذكر خلعتُه !

فلم أزل أتوقّع أمرها حتى أدركها المخاض ، فقلت للقيّمة : إذا وضعت فجيئيني بولدها ذكرا كان أو أنثى .

فما شعرت إلاّ والقيّمة قد أتتني بالغلام كما وصفه زائد اليد والرجل ، كأنّه كوكب درّي ، فأردت أن أخرج من الأمر - يومئذٍ - وأسلّم ما في يدي إليه ، فلم تطاوعني نفسي ، لكنّي دفعت إليه الخاتم(1) .

ص: 149


1- في عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/161 والكافي : 1/489 في خبر طويل : .. قال المأمون : فولاية العهد فأجابه إلى ذلك وقال له على شروط أسألها قال المأمون : سل ما شئت ، قالوا : فكتب الرضا عليه السلام : إنّي أدخل في ولاية العهد على أن لا آمر ولا أنهي ولا أقضي ولا أغيّر شيئا ممّا هو قائم ، وتعفيني من ذلك كلّه فأجابه المأمون إلى ذلك . .

فقلت : دبّر الأمر ، فليس عليك منّي خلاف وأنت المقدّم(1) .

يكلّم الناس بلغاتهم

أبو الصلت الهروي قال : كان الرضا عليه السلام يكلّم الناس بلغاتهم ، فقلت له في ذلك ، فقال : يا أبا الصلت ، أنا حجّة اللّه على خلقه ، وما كان اللّه ليتّخذ حجّة على قوم وهو لا يعرف لغاتهم ، أو ما بلغك قول أمير المؤمنين عليه السلام : أوتينا فصل الخطاب ، وهل هو إلاّ معرفة(2) اللغات(3) .

سقى القوم وكلّمهم بالفارسية

وفي حديث طويل عن علي بن مهران : إنّ أبا الحسن عليه السلام أمره أن يعمل له مقدار الساعات .

قال : فحملناه إليه ، فلمّا وصلنا إليه نالنا من العطش أمر عظيم ، فما قعدنا حتى خرج إلينا بعض الخدم ومعه قلال من ماء أبرد ما يكون ، فشربنا .

ص: 150


1- الغيبة للطوسي : 75 ح 81 .
2- في النسخ المطبوعة : « معرفته للّغات » ، وما أثبتناه من المخطوطة .
3- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/251 باب 54 ح 3 ، اعلام الورى : 2/70 .

فجلس عليه السلام على كرسيّ ، فسقطت حصاة ، فقال مسرور : هَشْت ، - أي ثمانية - .

ثمّ قال عليه السلام لمسرور : دَرْ بِبَنْد ، - أي أغلق الباب(1) - .

سمعهم يتراطنون فحقّق لهم ما أرادوا

محمد بن جندل عن ياسر الخادم ، قال : كان لأبي الحسن عليه السلام في البيت صقالبة وروم ، وكان أبو الحسن عليه السلام قريبا منهم ، فسمعهم بالليل يتراطنون بالصقلبية والرومية ، ويقولون : إنّا كنّا نفصد كلّ سنة في بلادنا ، ثمّ ليس نفصد هاهنا .

فلمّا كان من الغد وجّه أبو الحسن عليه السلام إلى بعض الأطبّاء ، فقال له : افصد فلانا عرق كذا ، وافصد فلانا عرق كذا .

ثمّ قال : يا ياسر ، لا تفصد أنت ذاك ، فافتصدت ، فورمت يدي واخضرّت ، فقال : يا ياسر ، ما لك ؟ فأخبرته ، فقال لي : ألم أنهك عن ذلك ؟ هلمّ يدك ، فمسح يده عليها ، وتفل عليها ، ثمّ أوصاني أن لا أتعشّى .

فكنت بعد ذلك كلمّا أغفل فأتعشّى تضرب عليّ(2) .

ص: 151


1- بصائر الدرجات للصفار : 357 باب 12 ح 15 « في حديث طويل » .
2- بصائر الدرجات للصفار : 358 باب 12 ح 4 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/250 باب 54 ح 1 ، الاختصاص للمفيد : 291 ، اعلام الورى : 2/70 .

سقى من كتم عطشه

محمد بن عبيد اللّه الأشعري ، قال : كنت عند الرضا عليه السلام ، فأصابني عطش شديد ، فكرهت أن استسقي في مجلسه ، فدعا بماء فذاقه ، ثمّ قال : يا محمد ، اشرب فإنّه بارد(1) .

أعطي محمدا وآل محمد عليهم السلام أكثر من داود

هارون بن موسى في خبر ، قال : كنت مع أبي الحسن عليه السلام في مفازة ، فحمحم فرسه ، فخلّى عنه عنانه ، فمرّ الفرس يتخطّى إلى أن بال وراث ورجع .

فنظر إليّ أبو الحسن عليه السلام وقال : إنّه لم يعط داود عليه السلام شيئا إلاّ وأعطى محمدا وآل محمد عليهم السلام أكثر منه(2) .

إغاثته العصفور

سليمان بن جعفر الجعفري ، قال : كنت مع الرضا عليه السلام في حائط له ، وأنا معه إذ جاء عصفور ، فوقع بين يديه وأخذ يصيح ، ويكثر الصياح ويضطرب ، فقال لي : يا سليمان ، تدري ما يقول العصفور ؟ قلت : لا ،

ص: 152


1- بصائر الدرجات للصفار : 259 باب 10 ح 16 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/222 باب 47 ح 3 ، دلائل الإمامة : 369 ، الخرائج للراوندي : 2/732 ح 39 .
2- بصائر الدرجات للصفار : 370 باب 15 ح 9 ، الاختصاص للمفيد : 299 .

قال : إنّه يقول : إنّ حيّة تريد تأكل أفراخي في البيت ، فقُم فخذ النبعة في يدك - يعني العصا - وادخل البيت واقتل الحيّة .

فأخذت النبعة ودخلت البيت ، فإذا حيّة تجول في البيت ، فقتلتها(1) .

يحسبهم الجاهل أنبياء

سليمان الجعفري ، قال : كنت عند أبي الحسن الرضا عليه السلام والبيت مملوّ من الناس يسألونه ، وهو يجيبهم ، فقلت في نفسي : ينبغي أن يكونوا أنبياء .

فترك الناس ، ثمّ التفت إليّ ، فقال : يا سليمان ، إنّ الأئمّة حلماء علماء ، يحسبهم الجاهل أنبياء ، وليسوا أنبياء .

سترونه عن قريب كثير المال كثير التبع

ابن بابويه عن الحسن بن موسى بن جعفر عليهماالسلام ، قال : مرّ علينا جعفر بن عمر العلوي - وهو رثّ الهيئة - فنظر بعضنا إلى بعض ، فقال عليه السلام : سترونه عن قريب كثير المال كثير التبع .

فما مضى إلاّ شهر حتى ولّي المدينة(2) .

إنّ عبد اللّه يقتل محمد ابن زبيدة

الحسين بن بشّار : قال الرضا عليه السلام : إنّ عبد اللّه يقتل محمدا .

ص: 153


1- بصائر الدرجات للصفار : 365 باب 14 ح 19 ، دلائل الإمامة : 343 ، الخرائج للراوندي : 1/359 باب 9 ح 13 .
2- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/226 باب 47 ح 11 ، اعلام الورى : 1/56 .

قلت : عبد اللّه بن هارون يقتل محمد بن هارون ؟ قال : نعم ، عبد اللّه الذي بخراسان يقتل محمد بن زبيدة الذي هو ببغداد ، فقتله(1) .

وكان

عليه السلام يتمثّل :

وإنّ الضغن بعد الضغن يفشو

عليك ويخرج الداء الدفينا

* * *

فرّغ فيما بينك وبين من كان له عمل معك

خالد بن نجيح ، قال لي أبو الحسن عليه السلام : فرّغ(2) فيما بينك وبين من كان له عمل معك في سنة أربع وسبعين ومائة حتى يجيئك كتابي ، واخرج وانظر ما عندك ، فابعث به إليّ ، ولا تقبل من أحد شيئا ، وخرج إلى المدينة وبقي خالد بمكّة .

قال الراوي : فلبث خالد بعده خمسة عشر يوما ، ثمّ مات(3) .

استراح المفضل

وعنه قال : قلت لأبي الحسن عليه السلام : إنّ أصحابنا قدموا من الكوفة ، فذكروا أنّ المفضّل شديد الوجع ، فادع اللّه له .

ص: 154


1- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/226 باب 47 ح 12 ، دلائل الإمامة : 367 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 481 ح 409 ، اعلام الورى : 1/56 .
2- في النسخ : « تنزع » ، وفي المخطوطة : « تفرّغ » ، وما أثبتناه من المصادر .
3- بصائر الدرجات للصفار : 285 باب 17 ح 12 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 434 ح 367 .

فقال عليه السلام : قد استراح ، وكان هذا الكلام بعد موته بثلاثة أيّام(1) .

كفّ عن إخراج من يموت

وعنه قال : دخلت على الرضا عليه السلام ، فقال لي : مَن هاهنا من أصحابكم مريض ؟ فقلت : عثمان بن عيسى من أوجع الناس ، فقال : قل له : يخرج .

ثمّ قال : مَن هاهنا ، فعددت عليه ثمانية ، فأمر بإخراج أربعة ، وكفّ عن أربعة ، فما أمسينا من الغد حتى دفنّا الأربعة الذي كفّ عن إخراجهم ، وخرج عثمان بن عيسى(2) .

سيموت الباكي ويبكي عليه المريض

ودخل أبو الحسن عليه السلام على عمّه محمد بن جعفر يعوده ، وإسحاق بن جعفر يبكي عليه ، ثمّ قام ، فقال لأخيه الحسين بن موسى : أرأيت هذا الباكي ؟ سيموت ويبكي ذاك عليه .

قال : فبرأ محمد بن جعفر ، واشتكى إسحاق فمات ، وبكى محمد بن جعفر(3) .

ص: 155


1- بصائر الدرجات للصفار : 284 باب 17 ح 10 ، الخرائج للراوندي : 2/715 ح 13 .
2- بصائر الدرجات للصفار : 286 باب 2 ح 1 ، دلائل الإمامة : 341 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 435 ح 369 .
3- بصائر الدرجات للصفار : 284 باب 2 ح 7 ، دلائل الإمامة : 341 ، الخرائج للراوندي : 2/717 ح 17 .

يُحمل هرثمة إلى مرو فتضرب عنقه

موسى بن مهران قال : رأيت الرضا عليه السلام وقد نظر إلى هرثمة بالمدينة ، فقال : كأنّي به وقد حمل إلى مرو فضربت عنقه .

فكان كما قال(1) .

أخبر البزنطي بما حدّث به نفسه

أحمد بن محمد بن أبي نصر ، قال : بعثني الرضا عليه السلام في حاجة ، فأركبني دابّته ، وبيّتني في منزله ، فلمّا دخلت في فراشي رددت الباب ، وقلت : مَن أعظم منزلة منّي ؟! بعثني في حاجة ! وأركبني دابّته ! وبيّتني في منزله !

قال : فلم أشعر إلاّ بخفق نعليه حتى فتح الباب ودخل عليّ ، وقال : يا أحمد ! إنّ أمير المؤمنين عليه السلام عاد صعصعة بن صوحان وقال : لا تتّخذنّ عيادتي فخرا على قومك(2) .

هم اليوم شكّاك لا يموتون غدا إلاّ على الزندقة

وذكر أبو جعفر الطوسي في كتاب الغيبة : إنّه مات أبو إبراهيم عليه السلام ، وكان عند زياد القندي سبعون ألف دينار ، وعند حمزة بن بزيع سبعون

ص: 156


1- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/227 باب 47 ح 14 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 482 ح 410 ، اعلام الورى : 1/57 .
2- الهداية الكبرى : 287 ، إختيار معرفة الرجال للطوسي : 2/852 ح 1099 .

ألفا ، وعند عثمان بن عيسى الرواسي ثلاثون ألفا ، وعند أحمد بن أبي بشر السرّاج عشرة آلاف ، وكان ذلك سبب وقفهم ، فكتب الرضا عليه السلامإليهم

يطلب المال ، فأنكروا وتعلّلوا(1) .

فقال الرضا عليه السلام : هم اليوم شكّاك ، لا يموتون غدا إلاّ على الزندقة .

قال صفوان : بلغنا عن رجل منهم أنّه قال عند موته : هو كافر بربّ أماته(2) .

وقال ابن فضّال : قال لي أحمد بن حمّاد السرّاج : كان عندي عشرة آلاف دينار وديعة لموسى بن جعفر عليهماالسلام ، فقلت : إنّ أباه لم يمت ، فاللّه اللّه خلّصوني من النار ، وسلّموها إلى الرضا عليه السلام(3) .

ثمّ قال : ورجع جماعة عن القول بالوقف ، مثل : عبد الرحمن بن الحجّاج ، ورفاعة بن موسى ، ويونس بن يعقوب ، وجميل بن درّاج ، وحمّاد بن عيسى ، وأحمد بن محمد بن أبي نصر ، والحسن بن علي الوشّا ، وغيرهم ، والتزموا الحجّة(4) .

أخبر البزنطي بما أضمر في نفسه

وقال أحمد بن محمد : كتبت إلى أبي الحسن الرضا عليه السلام كتابا ، وأضمرت في نفسي أنّي متى دخلت عليه أسأله عن قوله تعالى : « أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ

ص: 157


1- الغيبة للطوسي : 65 ح 67 .
2- الغيبة للطوسي : 69 ح 72 .
3- الغيبة للطوسي : 67 ح 69 .
4- الغيبة للطوسي : 71 ح 75 .

الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ » ، وقوله : « فَمَنْ يُرِدِ اللّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ » ، وقوله : « إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ » .

فأجابني عن كتابي ، وكتب في آخره الآيات التي أضمرتها في نفسي ، فقلت : أيّ شيء هذا من جوابي ؟ ثمّ ذكرت أنّه ما أضمرته(1) .

أخبر الوشا بموضع الحبرة وأجابه على مسائل . .

وقال الحسن بن علي الوشّا : بعث إليّ الرضا عليه السلام يطلب منّي حبرة - وكانت بين ثيابي قد خفى عليّ أمرها - ، فقلت : ما معي منها شيء ، فردّ الرسول وذكر علامتها ، وأنّها في سفط كذا ، فطلبتُها فكان كما قال ، فبعثت بها إليه .

ثمّ كتبت مسائل أسأله عنها ، فلمّا وردت بابه خرج إليّ جواب المسائل التي أردت أن أسأله عنها من غير أن أظهرها(2) .

أخبر بإمامة ابنه قبل أن يولد

وقال أحمد بن محمد بن أبي نصر : قال لي ابن النجاشي : من الإمام بعد صاحبك ؟ فدخلت على الرضا عليه السلام فأخبرته ، فقال : الإمام بعدي ابني .

ثمّ قال : هل يجترئ أحد أن يقول : ابني ، وليس له ولد(3) ؟

ص: 158


1- الغيبة للطوسي : 71 ح 76 .
2- الغيبة للطوسي : 72 ح 77 .
3- الغيبة للطوسي : 73 ح 78 .

أموت بالمشرق وتموت بالمغرب

وقال محمد بن عبد اللّه بن الأفطس : دخلت على المأمون ، فقرّبني وحباني ، ثمّ قال : رحم اللّه الرضا عليه السلام ما كان أعلمه ، لقد أخبرني بعجب ، سألته ليلة - وقد بايع له الناس - فقلت له : جعلت فداك أرى لك أن تمضي إلى العراق ، وأكون خليفتك بخراسان .

فتبسّم ، ثمّ قال : لا - لعمري - ولكنّه من دون خراسان درجات(1) ، إنّ لنا هاهنا مسكنا ، ولست بنازح حتى يأتيني الموت ، ومنها المحشر لا محالة .

فقلت له : جعلت فداك ، وما علمك بذلك ؟ قال : علمي بمكاني كعلمي بمكانك .

قلت : وأين مكاني أصلحك اللّه ؟ فقال : لقد بعدت الشقّة بيني وبينك ، أموت بالمشرق وتموت بالمغرب .

فجهدت الجهد كلّه ، وأطمعته في الخلافة ، فأبى(2) .

إخباره بموت البطائني وما جرى له في القبر

الحسن بن علي الوشّا ، قال : دعاني سيّدي الرضا عليه السلام بمرو ، فقال : يا حسن ، مات علي بن أبي حمزة البطائني في هذا اليوم ، وأدخل في قبره

ص: 159


1- في بعض النسخ : « نذر جاءت » ، وفي المخطوطة : « قد جاءت » ، وفي البحار عن المناقب : « تدرجات » ، وما أثبتناه من الغيبة للطوسي .
2- الغيبة للطوسي : 73 ح 80 .

الساعة ، ودخلا عليه ملكا القبر ، فسألاه : من ربّك ؟ فقال : اللّه ، ثمّ قالا : من نبيّك ؟ فقال : محمد صلى الله عليه و آله ، فقالا : من وليّك ؟ فقال : علي بن أبي طالب عليهماالسلام،

قالا : ثمّ من ؟ قال : الحسن عليه السلام ، قالا : ثمّ من ؟ قال : الحسين عليه السلام ، قالا : ثمّ من ؟ قال : علي بن الحسين عليهماالسلام ، قالا : ثمّ من ؟ قال : محمد بن علي عليهماالسلام ، قالا : ثمّ من ؟ قال : جعفر بن محمد عليهماالسلام ، قالا : ثمّ من ؟ قال : موسى بن جعفر عليهماالسلام ، قالا : ثمّ من ؟ فلجلج ، فزجراه وقالا : ثمّ من ؟ فسكت ، فقالا له : أفموسى بن جعفر عليهماالسلام أمرك بهذا ؟ ثمّ ضرباه بمقمعة من نار ، فألهبا عليه قبره إلى يوم القيامة .

فخرجت من عند سيّدي ، فأرّخت ذلك اليوم ، فما مضت الأيّام حتى وردت كتب الكوفيّين بموت البطائني في ذلك اليوم ، وأنّه دخل قبره في تلك الساعة(1) .

قضى حاجته قبل أن يسأل

وفي الروضة : قال عبد اللّه بن إبراهيم الغفّاري في خبر طويل : أنّه ألحّ عليّ غريم لي وآذاني ، فلمّا مضى عنّي مررت من وجهي إلى صريا ليكلّمه أبو الحسن عليه السلام في أمري ، فدخلت عليه ، فإذا المائدة بين يديه ، فقال لي : كل ، فأكلت .

فلمّا رفعت المائدة أقبل يحادثني ، ثمّ قال : ارفع ما تحت ذاك المصلّى ، فإذا هي ثلاثمائة دينار وتزيد ، فإذا فيها دينار مكتوب عليه ثابت فيه :

ص: 160


1- دلائل الإمامة : 366 ح 318 ، نوادر المعجزات للطبري : 170 ح 9 .

« لا إله إلاّ اللّه محمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وعلى أهل بيته » من جانب ، وفي الجانب الآخر : « إنّا لم ننساك فخذ هذه الدنانير فاقض بها دينك وأنفق ما بقي على عيالك(1) » .

شعر تمثل به الإمام

وفي كتاب الشعر : أنّه كان عليه السلام يتمثّل :

تضيء كضوء السراج السليط

لم يجعل اللّه فيه نحاسا

* * *

دعبل بين يدي الإمام

ولمّا دخل دعبل بن علي الخزاعي على الرضا عليه السلام وأنشده :

مدارس آيات خلت من تلاوة

ومنزل وحي مقفّر العرصات

* * *

قيل : له لِم تركت التشبيب ؟ قال : استحييت من الإمام(2) .

فلمّا بلغ إلى قوله :

أرى فيئهم في غيرهم متقسّما

وأيديهم من فيئهم صفرات

* * *

ص: 161


1- روضة الواعظين للفتال : 222 ، الكافي : 1/487 ح 4 ، الإرشاد للمفيد : 2/255 .
2- روضة الواعظين للفتال : 227 .

بكى عليه السلام وقال له : صدقت يا خزاعي .

فلمّا بلغ إلى قوله :

إذا وتروا مدّوا إلى واتريهم

أكفّا عن الأوتار منقبضات

* * *

جعل الرضا يقلّب كفّيه ويقول : أجل واللّه منقبضات .

فلمّا بلغ إلى قوله :

لقد خفت في الدنيا وأيّام سعيها

وإنّي لأرجو الأمن بعد وفاتي

* * *

قال الرضا عليه السلام : آمنك اللّه يوم الفزع الأكبر .

فلمّا انتهى إلى قوله :

وقبر ببغداد لنفس زكيّة

قال الرضا عليه السلام : أفلا ألحق لك بهذا الموضع بيتين بهما تمام قصيدتك ؟ قال : بلى يا ابن رسول اللّه .

فقال

عليه السلام :

وقبر بطوس يا لها من مصيبة

ألحّت على الأحشاء بالزفرات

إلى الحشر حتى يبعث اللّه قائما

يفرّج عنّا الهمّ والكربات

* * *

فقال دعبل : يا ابن رسول اللّه ، هذا الذي بطوس قبر من هو ؟!

قال : قبري ، ولا تنقضي الأيّام والليالي حتى تصير طوس مختلف شيعتي وزوّاري .

ص: 162

فلمّا انتهى إلى قوله :

خروج إمام لا محالة خارج

يقوم على اسم اللّه والبركات

يميّز فينا كلّ حقّ وباطل

ويجزي على النعماء والنقمات

* * *

قال الرضا عليه السلام: يا خزاعي ، نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين.

وفي رواية : رزقك اللّه رؤيته ، وحشرك في زمرته .

قال : فحباه بمائة دينار ، فردّ الصرّة ، وسأل ثوبا من ثياب الرضا عليه السلام ليتبرّك به ويتشرّف ، فأنفذ إليه بجبّة خزّ مع الصرّة ، وقال للخادم : قل له : خذ هذه الصرّة فإنّك ستحتاج إليها ، ولا تراجعني فيها .

فانصرف دعبل ، وسار من مرو في قافلة ، فوقع عليهم اللصوص ، وأخذوا القافلة ، وكتفوا أهلها ، وجعلوا يقسّمون أموالهم ، فتمثّل رجل منهم بقوله :

« أرى فيئهم في غيرهم متقسّما »

فقال دعبل : لمن هذا البيت ؟ فقال : لرجل من خزاعة ، قال : فأنا دعبل قائل هذه القصيدة ، فخلّوا كتافه وكتاف جميع القافلة ، وردّوا إليهم جميع ما أخذوا منهم .

وسار دعبل حتى وصل إلى قم ، وأنشدهم القصيدة ، فوصلوه بمال

كثير ، وسألوه أن يبيع الجبّة منهم بألف دينار ، فأبى وسار عن قم ، فلحقه قوم من أحداثهم وأخذوا الجبّة منه ، فرجع دعبل وسألهم ردّها عليه ،

ص: 163

فقالوا : لا سبيل لك إليها ، فخذ ثمنها ألف دينار ، فقال : على أن تدفعوا إليّ شيئا منها ، فأعطوه .

وانصرف إلى وطنه ، فوجد اللصوص أخذوا جميع ما في منزله ، فباع المائة دينار التي كان الرضا عليه السلام وصله بها من الشيعة كلّ دينار بمائة درهم ، وتذكّر قول الرضا عليه السلام : إنّك ستحتاج إليها(1) .

حذّر ابن المسيب فلم يحذر

هشام : لمّا أراد هارون بن المسيّب أن يواقع محمد بن جعفر ، قال لي الرضا عليه السلام : اذهب إليه وقل له : لا تخرج غدا ، فإنّك إن خرجت هزمت وقتل أصحابك ، فإن سألك : من أين عرفت هذا ؟ فقل : رأيت في النوم .

قال : فقال : نام العبد ولم يغسل استه .

ثمّ خرج ، فهزم وقتل أصحابه(2) .

إن أخذ هارون من رأسي شعرة فاشهدوا أنّني لست بإمام

محمد بن سنان : قيل للرضا عليه السلام : إنّك قد شهرت نفسك بهذا الأمر ، وجلست مجلس أبيك ، وسيف هارون يقطر دما ، فقال : جوابي(3) هذا ما

ص: 164


1- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/294 ح 34 ، كمال الدين للصدوق : 373 باب 35 ، اعلام الورى : 2/66 .
2- الإرشاد للمفيد : 2/268 ، الكافي : 1/491 ح 9 .
3- في الكافي : « جرأني على هذا ما قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله » .

قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : إن أخذ أبو جهل من رأسي شعرة ، فاشهدوا أنّني لست بنبيّ ، وأنا أقول لكم : إن أخذ هارون من رأسي شعرة ، فاشهدوا أنّني لست بإمام(1) .

أنا وهارون كهاتين

مسافر ، قال : كنت عند الرضا عليه السلام بمنى ، فمرّ يحيى بن خالد ، فغطّى أنفه من الغبار ، فقال : مساكين لا يدرون ما يحلّ بهم في هذه السنة .

ثمّ قال : وأعجب من هذا هارون وأنا كهاتين ، وضمّ بين إصبعيه .

[ قال مسافر : ما عرفت معنى حديثه حتى دفنّاه معه (2)] .

إنّ إسحاق سيموت قبله

ابن بابويه بإسناده عن يحيى بن محمد بن جعفر ، قال : مرض أبي مرضا شديدا ، فأتاه الرضا عليه السلام يعوده ، وعمّي إسحاق جالس يبكي ، فالتفت إليّ وقال : ما يبكي عمّك ؟ قلت : يخاف عليه ما ترى ، قال : فقال : لا تغتمّ ، فإنّ إسحاق سيموت قبله . قال : فبرأ أبي محمد ومات إسحاق(3) .

ص: 165


1- الكافي : 1/257 ح 371 .
2- بصائر الدرجات للصفار : 504 باب 10 ح 14 ، الكافي : 1/491 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/245 باب 5 ح 2 ، الإرشاد للمفيد : 2/258 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 482 ح 411 ، اعلام الورى : 2/60 .
3- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/224 باب 47 ح 7 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 81 ح 408 ، اعلام الورى : 2/55 .

إنّ الريّان يريد الدخول علينا

معمّر بن خلاّد ، قال : قال لي الريّان بن الصلت : أحبّ أن تستأذن لي على أبي الحسن عليه السلام ، فأسلّم عليه ، وأحبّ أن يكسوني من ثيابه ، وأن يهب لي من الدراهم التي ضربت باسمه .

فدخلت على الرضا عليه السلام ، فقال لي مبتدئا : إنّ الريّان بن الصلت يريد الدخول علينا ، والكسوة من ثيابنا ، والعطيّة من دراهمنا .

فأذنت له ، فدخل وسلّم ، فأعطاه ثوبين وثلاثين درهما من الدراهم المضروبة باسمه(1) .

باني « فارع » وهادمه يقطع إربا إربا

ابن قولويه : إنّه لمّا خرج من المدينة في السنة التي حجّ فيها هارون يريد الحجّ ، فانتهى إلى جبل على يسار الطريق يقال له « فارع » ، فنظر إليه أبو الحسن عليه السلام ، ثمّ قال : باني « فارع » وهادمه يقطع إربا إربا ، فلم ندر ما معنى ذلك .

فلمّا بلغ هارون ذلك الموضع نزله ، وصعد جعفر بن يحيى الجبل ، وأمر أن يبنى له فيه مجلس ، فلمّا رجع من مكّة صعد إليه ، وأمر بهدمه .

ص: 166


1- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/225 باب 47 ح 10 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 476 ح 399 ، إختيار معرفة الرجال للطوسي : 2/824 ح 1036 ، اعلام الورى : 2/55 .

فلمّا انصرف ، فأتى العراق ، فقطع جعفر بن يحيى إربا إربا(1) .

يجهد جهده فلا سبيل له عليّ

صفوان بن يحيى ، قال : لمّا مضى أبو الحسن موسى عليه السلام ، وتكلّم الرضا عليه السلام خفنا عليه من ذلك ، وقلنا له : إنّك قد أظهرت أمرا عظيما ، وإنّا نخاف عليك من هذا الطاغي .

فقال عليه السلام : يجهد جهده فلا سبيل له عليّ(2) .

إنّي لا أرجع إلى عيالي أبدا

الحسن بن علي الوشّا ، قال الرضا عليه السلام : إنّي لمّا أرادوا الخروج بي من المدينة جمعت عيالي ، وأمرتهم أن يبكوا عليّ حتى أسمع ، ثمّ فرّقت فيهم إثني عشر ألف دينارا . ثمّ قال : أما إنّي لا أرجع إلى عيالي أبدا(3) .

يا طوس ! ستجمعني وإيّاه

حمزة بن جعفر الأرجاني ، قال : خرج هارون من المسجد الحرام مرّتين ،

ص: 167


1- الكافي : 1/488 ح 5 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 498 ح 430 ، الإرشاد للمفيد : 2/257 .
2- الكافي : 1/487 ح 2 ، الإرشاد للمفيد : 2/255 ، اعلام الورى : 2/60 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/246 باب 50 ح 4 .
3- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/235 باب 47 ح 28 ، دلائل الإمامة : 349 ، الخرائج للراوندي : 1/363 ح 19 ، اعلام الورى : 2/59 .

وخرج الرضا عليه السلام مرّتين ، فقال الرضا عليه السلام : ما أبعد الدار وأقرب اللقاء [ بطوس ، يا طوس ] ! يا طوس ! ستجمعني وإيّاه(1) .

حضوره جنازة شيعي أوّل يوم من ورود طوس

موسى بن سيار ، قال : كنت مع الرضا عليه السلام وقد أشرف على حيطان طوس ، وسمعت واعية فاتّبعتها ، فإذا نحن بجنازة ، فلمّا بصرت بها رأيت سيّدي وقد ثنى رجله عن فرسه ، ثمّ أقبل نحو الجنازة فرفعها ، ثمّ أقبل يلوذ بها كما تلوذ السخلة بأمّها ، ثمّ أقبل عليّ وقال : يا موسى بن سيار ، من شيّع جنازة وليّ من أوليائنا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه لا ذنب عليه .

حتى إذا وضع الرجل على شفير قبره رأيت سيّدي قد أقبل ، فأفرج الناس عن الجنازة حتى بدا له الميّت ، فوضع يده على صدره ، ثمّ قال : يا فلان بن فلان ، ابشر بالجنّة فلا خوف عليك بعد هذه الساعة .

فقلت : جعلت فداك ، هل تعرف الرجل ؟ فواللّه إنّها بقعة لم تطأها قبل يومك هذا !

فقال لي : يا موسى بن سيار ، أما علمت أنّا معاشر الأئمّة تعرض علينا أعمال شيعتنا صباحا ومساء ؟ فما كان من التقصير في أعمالهم سألنا اللّه - تعالى - الصفح لصاحبه ، وما كان من العلوّ سألنا اللّه الشكر لصاحبه .

ص: 168


1- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/234 باب 47 ح 24 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 492 ح 420 ، اعلام الورى : 2/59 .

إنّكم ستمطرون

الحسن بن موسى قال : خرجنا مع الرضا عليه السلام إلى بعض أمواله في يوم طلق ، فقال : حملتم معكم الماطر(1) ؟ فقلنا : وما حاجتنا إليها في هذا اليوم ؟! قال : لكنّي حملته وستمطرون .

قال : فما مضينا إلاّ يسيرا حتى مطرنا(2) .

استعد لما لا بدّ منه

وممّا روته العامّة ممّا ذكره الحاكم أبو عبد اللّه الحافظ بإسناده عن سعد بن سعد أنّه قال : نظر الرضا عليه السلام إلى رجل فقال : يا عبد اللّه ، أوص ممّا تريد ، واستعدّ لما لابدّ منه ، فمات الرجل بعد ثلاثة أيّام(3) .

أجاب مسائل الوشاء قبل استلامها

وروى الحسن بن محمد بن أحمد السمرقندي المحدّث بالإسناد عن الحسن بن علي الوشّاء الكوفي ، قال : كتبت مسائل في طومار لأجرّب بها علي بن موسى عليهماالسلام ، فغدوت إلى بابه فلم أصل إليه لزحام الناس .

ص: 169


1- في المصادر : « المماطر » .
2- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/238 باب 47 ح 37 ، الخرائج للراوندي : 1/357 ح 10 ، اعلام الورى : 2/61 .
3- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/241 باب 47 ح 43 ، اعلام الورى : 2/55 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 481 ح 407 .

فبينما خادم يسأل الناس عنّي ، وهو يقول : مَن الحسن بن علي الوشّاء ابن بنت إلياس البغدادي ؟

فقلت له : يا غلام ، فها أنا ذا ، فأعطاني كتابا وقال لي : هذه جوابات مسائلك التي معك .

فقطعت بإمامته ، وتركت مذهب الوقف(1) .

أخبر الوشا بموضع الحلّة

وروى الحسن السمرقندي هذا عن ابن الوشّاء ، قال : خرجت من الكوفة إلى خراسان ، فقالت لي ابنتي : يا أبه ، خذ هذه الحلّة فبعها ، وخذ لي بثمنها فيروزجا .

فلمّا نزلت مرو ، فإذا غلمان الرضا عليه السلام قد جاؤوا وقالوا : نريد حلّة نكفن بها بعض غلماننا ، فقلت : ما عندي .

فمضوا ، ثمّ عادوا وقالوا : مولانا يقرأ عليك السلام ويقول لك : معك حلّة في السفط الفلاني دفعتها إليك ابنتك وقالت : اشتر لي بثمنها فيروزجا ، وهذا ثمنها(2) .

ص: 170


1- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/252 باب 55 ح 1 ، الخرائج للراوندي : 2/768 ح 86 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 479 ح 405 .
2- الثاقب في المناقب لابن حمزة : 479 ح 406 ، اعلام الورى : 2/53 ، تفسير مجمع البيان : 5/353 ، دلائل الإمامة : 374 ح 337 .

لو زادك جدّي رسول اللّه صلى الله عليه و آله لزدناك

وروى الحاكم أبو عبد اللّه الحافظ بإسناده عن محمد بن عيسى عن أبي حبيب البناجي ، قال : رأيت رسول اللّه صلى الله عليه و آله في المنام . .

وحدّثني محمد بن منصور السرخسي بالإسناد عن محمد بن كعب القرطي ، قال : كنت في جحفةٍ نائما فرأيت رسول اللّه صلى الله عليه و آله في المنام ، فأتيته ، فقال لي : يا فلان سررت بما تصنع مع أولادي في الدنيا ، فقلت : لو تركتهم فبمن أصنع ؟

فقال عليه السلام : فلا جرم تجزى منّي في العقبى ، فكان بين يديه طبق فيه تمر صيحاني ، فسألته عن ذلك ، فأعطاني قبضة فيها ثماني عشرة تمرة ، فتأوّلت ذلك أن أعيش ثماني عشر سنة .

فنسيت ذلك ، فرأيت يوما ازدحام الناس ، فسألتهم عن ذلك ، فقالوا : أتى علي بن موسى الرضا عليهماالسلام ، فرأيته جالسا في ذلك الموضع وبين يديه طبق فيه تمر صيحاني ، فسألته عن ذلك ، فناولني قبضة فيها ثماني عشرة تمرة ، فقلت له : زدني منه ، فقال : لو زادك جدّي رسول اللّه صلى الله عليه و آله لزدناك(1) .

ذكره عمر الملاّ الموصلي في الوسيلة إلاّ أنّه روى : أنّ ابن علوان قال : رأيت في منامي كأنّ قائلاً يقول : قد جاء رسول اللّه صلى الله عليه و آله إلى البصرة ، قلت : وأين نزل ؟

فقيل : في حائط بني فلان .

ص: 171


1- دلائل الإمامة : 367 ح 321 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/227 باب 47 ح 15 .

قال : فجئت الحائط ، فوجدت رسول اللّه صلى الله عليه و آله جالسا ومعه أصحابه وبين يديه أطباق فيها رطب برني ، فقبض بيده كفّا من رطب وأعطاني ، فعددتها فإذا هي ثماني عشرة رطبة .

ثمّ انتبهت ، فتوضّأت وصلّيت ، وجئت إلى الحائط ، فعرفت المكان الذي فيه رأيت رسول اللّه صلى الله عليه و آله .

فبعد ذلك سمعت الناس يقولون : قد جاء علي بن موسى الرضا عليهماالسلام ، فقلت : أين نزل ؟ فقيل : في حائط بني فلان ، فهديت فوجدته في الموضع الذي رأيت النبي صلى الله عليه و آله فيه ، وبين يديه أطباق فيها رطب ، وناولني ثماني عشرة رطبة ، فقلت : يا ابن رسول اللّه صلى الله عليه و آله زدني ، فقال : لو زادك جدّي لزدتك .

ثمّ بعث إليّ بعد أيّام يطلب منّي رداءا ، وذكر طوله وعرضه ، فقلت : ليس هذا عندي ، فقال : بلى ، هو في السفط الفلاني بعثت به امرأتك معك .

قال : فذكرت فأتيت السفط ، فوجدت الرداء فيه كما قال .

ودخل أبو نؤاس على هارون الرشيد ، وعنده الرضا عليه السلام فقال :

قيل لي أنت أوحد الناس طرّا

في علوم الورى وشعر البديه

لك من جوهر الكلام نظام

يثمر الدرّ في يدي مجتنيه

فعلى ما تركت مدح ابن موسى

والخصال التي تجمّعن فيه

قلت لا أهتدي لمدح إمام

كان جبريل خادما لأبيه(1)

ص: 172


1- اعلام الورى : 2/65 ، البدء والتاريخ : 1/181 ، ملحق الأغاني لأبي الفرج : 1/293 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/154 باب 40 ح 9 ، بشارة المصطفى : 133 .

قال ابن الحجّاج :

يا ابن من تؤثر المكارم عنه

ومعالي الآداب تمتار منه

من سمّي الرضا علي بن موسى

رضي اللّه عن أبيه ثم عنه(1)

* * *

وله أيضا :

وسمّي الرضا علي بن موسى

لك فعل يرضي صديقك عنكا

* * *

وقال السروجي :

عليك بتقوى اللّه ما عشت إنّه

لك الفوز من نار تقاد بأغلال

وحبّ علي والبتول ونسلها

طريق إلى الجنّات والمنزل العالي

إلى اللّه أبرء من موالاة ظالم

لآل رسول اللّه في الأهل والمال

* * *

وقال الحميري :

لا فرض إلاّ فرض عقد الولا

في أوّل الدهر وفي الآخره

لأهل بيت المصطفى إنّهم

صفوة حزب اللّه ذي المغفره

ص: 173


1- في النسخ المطبوعة : « وعنه » ، وما أثبتناه من المخطوطة .

أعطاهم الفضل على غيرهم

بسؤدد البرهان والمقدره

فهم ولاة الأمر في خلقه

حكّامه الماضون في أدهره

* * *

ص: 174

فصل 3 : في خرق العادات منه عليه السلام

اشارة

ص: 175

ص: 176

أنبع الماء من الأرض فتوضأ ومن معه

أبو الصلت الهروي : لمّا بلغ الرضا عليه السلام من نيسابور إلى القرية الحمراء قيل له : قد زالت الشمس ، أفلا تصلّي ؟ فنزل ودعا بماء ، فقيل له : ما معنا ماء .

فبحث بيده الأرض ، فنبع من الأرض ماء توضّأ به هو ومن معه ، وأثره باق إلى اليوم يقال له : «چشمه رضا»(1) .

دعاؤه لجبل سناباد

فلمّا بلغ سناباد استند إلى الجبل الذي تنحت منه القدور ، فقال : اللّهم انفع به وبارك فيما يجعل منه ، وفيما ينحت منه .

ثمّ أمر به فنحت منه قدور من الجبل ، وقال : لا يطبخ ما آكله إلاّ فيها ، وكان خفيف الأكل ، قليل الطعم .

فاهتدى الناس إليه من ذلك اليوم ، وظهرت بركة دعائه فيه(2) .

قال بعضهم : يقول أهل طوس : قد ألان اللّه لنا الحجارة كما ألان لداود عليه السلام الحديد .

ص: 177


1- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/147 باب 39 ح 1 ، القاب الرسول وعترته : 67 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 145 ح 137 .
2- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/147 باب 39 ح 1 ، القاب الرسول وعترته : 67 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 145 ح 137 .

هذه تربتي وسيجعلها اللّه مختلف شيعتي

قال أبو(1) الصلت : ثمّ دخل دار حميد بن قحطبة البطائني ، ودخل القبّة التي فيها قبر هارون ، ثمّ خطّ بيده إلى جانبه ، ثمّ قال : هذه تربتي ، وسيجعل اللّه هذا المكان مختلف شيعتي(2) . . الخبر .

اللوزة التي زرعها الإمام

الحاكم أبو عبد اللّه الحافظ : لمّا دخل الرضا عليه السلام نيسابور ، ونزل محلّة فور(3) - ناحية يعرفها الناس بلاد سناباد(4) في دار تعرف بدار « پسنديده » ،

وإنّما سمّيت پسنديده ، لأنّ الرضا عليه السلام ارتضاه من بين الناس .

فلمّا نزلها زرع في جانب من جوانب الدار لوزة ، فنبتت وصارت شجرة ، فأثمرت في كلّ سنة ، وكان أصحاب العلل يستشفون بلوز هذه الشجرة ، وعوفي أعمى وصاحب قولنج ، وغير ذلك .

فمضت الأيّام على ذلك ويبست ، فجاء حمدان وقطع أغصانها ، ثمّ جاء ابن لحمدان يقال له « أبو عمرو » ، فقطع تلك الشجرة من وجه الأرض ، فذهب ماله كلّه ، وكان له ابنان يقال لأحدهما « أبو القاسم » ، والآخر

ص: 178


1- في النسخ : « ابن » .
2- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/147 باب 39 ح 1 ، القاب الرسول وعترته : 67 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 145 ح 137 .
3- في العيون : « الغربي » ، وفي الثاقب : « قرفى » ، و« قوفي » .
4- في المخطوطة : « بالاسياد » ، وفي النسخ : « بالاسناد » ، وما أثبتناه من المصادر .

« أبو صادق » ، فأرادا عمارة تلك الدار ، وأنفقا عليها عشرين ألف درهم ، فقلعا الباقي من أصل تلك الشجرة ، فماتا في مدّة سنة(1) .

استعمل ما وصفتُه لك في منامك

الصفواني : قطع اللصوص على قافلة خراسان ، وأقاموا واحدا اتّهموه بكثرة المال ، وملؤوا فاه من الثلج ، ففسد فمه ولسانه ، وعجزت الأطبّاء عن دوائه ، فرأى في منامه الرضا عليه السلام فسأله عن علّته ، فقال : خذ من الكمّون والسعتر(2) والملح ، ودقّه ، وخذ منه في فمك مرّتين أو ثلاث ، فإنّك تعافى .

فلمّا انتبه قيل له : ورد الرضا عليه السلام ، فارتحل من نيسابور ، وهو برباط سعد ، فأتاه وقصّ عليه قصّته ، وسأله الدواء ، فقال : ألم أعلّمك ؟! فاستعمل ما وصفتُه لك في منامك .

فاستعمل ما وصفه ، فعوفي من ساعته(3) .

مناجاة الجنّ معه

حكيمة بنت موسى عليه السلام قالت : رأيت الرضا عليه السلام واقفا على باب بيت

ص: 179


1- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/141 باب 36 ح 1 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 496 ح 425 .
2- في نسخ المناقب : « الشعير » وما أثبتناه من المصادر .
3- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/282 باب 47 ح 16 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 484 ح 413 ، اعلام الورى : 2/58 .

الحطب ، وهو يناجي ، ولست أرى أحدا ، فقلت : سيّدي من تناجي ؟ فقال : هذا عامر الدهراني(1) أتاني يسألني ويشكو إليّ ، فقلت : سيّدي ، أحبّ أن أسمع كلامه ، فقال : إنّك إن سمعت حممت سنة ، فقلت : سيّدي ، أحبّ أن أسمعه ، فقال لي : اسمعي ، فاستمعت ، فسمعت شبه الصفير ، وركبتني الحمى سنة(2) .

حكّ بسوطه الأرض فتناول منه سبيكة ذهب

الكليني ، بإسناده إلى إبراهيم بن موسى ، قال : قلت للرضا عليه السلام في طريق : جعلت فداك ، هذا العيد قد أظلّنا ، ولا واللّه ما أملك درهما فما سواه ، وكنت أطالبه بآية من زمان ، فحكّ بسوطه الأرض حكّا شديدا ، ثمّ ضرب بيده ، فتناول منه سبيكة ذهب ، ثمّ قال : انتفع بها ، واكتم ما رأيت(3) .

أعطاني دنانير مكتوب عليها مقدار ديني

الغفّاري، قال: كان لرجل من آل أبيرافع مولى رسول اللّه صلى الله عليه و آله عليّ حقّ،

ص: 180


1- في الكافي : « الزهرائي » .
2- الكافي : 1/395 ح 5 .
3- الكافي : 1/488 ح 6، بصائر الدرجات للصفار : 394 باب 2 ح 2، روضة الواعظين للفتال : 222 ، الإرشاد للمفيد : 2/258 ، الاختصاص للمفيد : 270 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 474 ح 397 ، الخرائج للراوندي : 1/337 ح 2 ، اعلام الورى : 2/61 ، دلائل الإمامة : 369 ح 323 .

فألحّ عليّ ، فأتيت الرضا عليه السلام وقلت : يا ابن رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، إنّ لمولاك فلان عليّ حقّ وقد شهرني .

فأمرني بالجلوس على الوسادة ، فلمّا أكلنا وفرغنا قال : ارفع الوسادة ، وخذ ما تحتها ، فرفعتها فإذا دنانير فأخذتها .

فلمّا أتيت المنزل نظرت إلى الدنانير ، فإذا هي ثمانية وأربعون دينارا ، وفيها دينار يلوح ، منقوش عليه : حقّ الرجل عليك ثمانية وعشرون دينارا ، وما بقي فهو لك ، ولا واللّه ما كنت عرفت ما له عليّ على التحديد(1) .

دعاء الإمام على المأمون

أبو الصلت عبد السلام بن صالح ، قال : رفع إلى المأمون : أنّ الرضا عليه السلام يعقد مجالس الكلام ، والناس يفتنون بعلمه ، فأنفذ محمد بن عمرو الطوسي ، فطرد الناس عن مجلسه ، وأحضره ، فلمّا نظر إليه المأمون زبره واستخفّ به ، فخرج الرضا عليه السلام يقول : وحقّ المصطفى والمرتضى وسيّدة النساء ، لأستنزلنّ من حول اللّه - عزّ وجلّ - بدعائي عليه ما يكون سببا لطرد كلاب أهل هذه الكورة إيّاه ، واستخفافهم به ، وبخاصّته وعامّته .

ثمّ أتى منزله واغتسل وصلّى ركعتين قال في قنوته : يا ذا القوّة الجامعة والرحمة الواسعة ، - إلى آخر دعائه - صلّ على من شرّفت الصلاة بالصلاة عليه ، وانتقم لي ممّن ظلمني ، واستخفّ بي ، وطرد الشيعة عن بابي ،

ص: 181


1- الكافي : 1/488 ح 4 ، روضة الواعظين للفتال : 223 ، الإرشاد للمفيد : 2/256 .

وأذقه مرارة الذلّ والهوان كما أذاقنيها ، واجعله طريد الأرجاس ، وشريد الأنجاس ، فلم يتمّ دعائه حتى وقعت الرجفة ، وارتفعت الزعفة ، وثارت الغبرة .

فلمّا سلّم من صلاته قال : اصعد السطح ، فإنّك سترى امرأة بغيّة رثّة غثّه متّسخة الأطمار ، مهيّجة الأشرار ، يسمّيها أهل هذه الكورة « سمانة » ، لغباوتها(1) وتهتّكها ، قد أسندت مكان الرمح إلى نحرها قصبا ، وقد شدّت وقاية لها حمرا(2) إلى طرف لها مكان اللواء ، فهي تقود جيوش الغاغة ، وتسوق عساكر الطغام إلى قصر المأمون، وهو قصر أبي مسلم في شاهجان.

قال : ورأيت المأمون متدرعا قد برز من قصر الشاهجان متوجّها للهرب ، فما شعرت إلاّ بشاجرد الحجّام قد رماه من بعض أعالي السطوح بلبنة ثقيله أسقطت عن رأسه بيضته بعد أن شقّت جلدة هامّته .

فقال بعض من عرف المأمون : ويلك أمير المؤمنين ، فسمعت سمانة ، فقالت : اسكت - لا أمّ لك - ليس هذا يوم التمييز والمحاباة ، ولا يوم إنزال الناس على طبقاتهم ومقاديرهم ، فلو كان هذا أمير المؤمنين لما سلّط ذكور الفجّار على فروج الأبكار .

وطرد المأمون أسوء طرد بعد إذلال واستخفاف شديد ، ونهبوا أمواله(3) .

ص: 182


1- كذا في النسخ والعيون ، وفي المخطوطة : « لعيارتها » .
2- كذا في العيون والمخطوطة ، وفي النسخ « خمرا » .
3- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/187 ح 1 .

فصلب المأمون أربعين غلاما وأسلى دهقان مرو ، وأمر أن يطول جدرانهم ، وعلم أنّ ذلك من استخفاف الرضا عليه السلام ، فانصرف ودخل عليه وحلّفه أن لا يقوم له ، وقبّل رأسه وجلس بين يديه ، وقال : لم تطب نفسي بعدُ مع هؤلاء ، فما ترى ؟

فقال الرضا عليه السلام : اتّق اللّه في أمّة محمد صلى الله عليه و آله ، وما ولاّك من هذا الأمر وخصّك به ، فإنّك قد ضيّعت أمور المسلمين ، وفوّضت ذلك إلى غيرك يحكم فيها بغير حكم اللّه - عزّ وجلّ - ، وقعدت في هذه البلاد ، وتركت دار الهجرة ومهبط الوحي ، وإنّ المهاجرين والأنصار يظلمون دونك ، ولا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمّة ، ويأتي على المظلوم دهر يتعب فيه نفسه ، ويعجز عن نفقته ، فلا يجد من يشكو إليه حاله ، ولا يصل إليه ، فاتّق اللّه - يا أمير المؤمنين - في أمور المسلمين ، وارجع إلى بيت النبوّة ، ومعدن الرسالة ، وموضع المهاجرين والأنصار .

أما علمت - يا أمير المؤمنين - أنّ والي المسلمين مثل العمود في وسط الفسطاط ، مَن أراده أخذه ؟

فقال : نعم ما قلت - يا سيّدي - هذا هو الرأي ، وخرج يجهّز للرحيل .

وأتاه ذو الرياستين وقال : قتلت أمس أخاك ، وأظهرت اليوم عقد الرضا عليه السلام ، وأخرجت الخلافة من بني العباس ، أفترضي الناس عنك وهاهنا في حبسك أولياء أبيك نحو علي بن عمران وابن مؤنس والجلودي - وكانوا لم يدخلوا في عهد الرضا عليه السلام - .

ص: 183

فأمر بإحضار المحبوسين واحدا بعد واحد ، فأدخل عليه ابن عمران ، فخاض في عقده للرضا ، فأمر بقتله ، وثنّى بابن مؤنس بعد هجره في الرضا عليه السلام .

فلمّا أدخل الجلودي قال الرضا عليه السلام من كرمه : هبني هذا - وكان أغار ذلك في دور آل أبي طالب وقت خروج محمد بن أبي طالب وعرّى نساءهم - ، فقال : يا أمير المؤمنين ، باللّه لا تصغ إلى مقاله فيّ ، قال : نعم ، وأمر بقتله .

فاغتمّ بذلك ذو الرياستين ، فقال المأمون لتسليته : اكتب حجّة لك أن لا أعزلك ما دمت حيّا ، وكتب بما شاء ، فوقّع عليه أمير المؤمنين ! المأمون ، واستأذنه في توقيع الرضا عليه السلام ، فقال : إنّه لا يكتب ، فأتاه واستدعاه للتوقّع ، فأبى .

فكان ذو الرياستين يخلط على الرضا عليه السلام ، ويغيظ المأمون ، ويكتب إلى بغداد بأحواله .

فبويع إبراهيم بن المهدي ، وفيه قال دعبل :

يا معشر الأجناد لا تقنطوا

خذوا عطاياكم ولا تسخطوا

فسوف يعطيكم حنينية

يلذّها الأمرد والأشمط

والمعبديات لقوّادكم

لا تدخل الكيس ولا تربط

وهكذا يرزق أصحابه

خليفة مصحفه البربط

* * *

ص: 184

فلمّا سمع المأمون ذلك اغتمّ ، وأثّر فيه كلام ذو الرياستين وغيره ، فعزم على إهلاك الرضا(1) عليه السلام .

رأيت النبي صلى الله عليه و آله فنهاني عن دخول الحمام

وفي رواية ياسر : إنّ الحسن بن سهل كتب إلى أخيه الفضل بن سهل في تحويل السنة ، فوجدت فيه : أنّك تذوق في شهر كذا يوم الأربعاء حرّ الحديد وحرّ النار ، وأرى أنّك تدخل أنت وأمير المؤمنين والرضا عليه السلام الحمّام ، وتحتجم فيه ليزول عنك نحسه .

فكتب الفضل إلى المأمون ، وكتب المأمون إلى الرضا عليه السلام بالحضور ، فأجابه الرضا عليه السلام : لست بداخل الحمّام غدا ، فأعاد عليه الرقعة مرّتين ، فأجابه : رأيت النبي صلى الله عليه و آله فنهاني عن ذلك .

فكتب إليه المأمون : صدقت ، وصدق رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، لست بداخل الحمّام والفضل أعلم بما يفعله .

فلمّا غابت الشمس قال لنا الرضا عليه السلام : قولوا : نعوذ باللّه من شرّ ما ينزل في هذه الليلة ، فلم نزل نقول ذلك .

فلمّا صلّى الصبح قال : اصعد السطح فاستمع هل تجد شيئا ، فسمعت صيحة وكثرت ، فإذا نحن بالمأمون ، وقد دخل من بابه إلى الرضا عليه السلام ، وهو يقول :

ص: 185


1- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/172 ح 24 .

يا أبا الحسن ، آجرك اللّه في الفضل ، فإنّه دخل الحمّام وقتلوه ، فأخذ ثلاثة ، أحدهم ابن خالة الفضل ذي القلمين .

قال : فشغب رجال الفضل على باب المأمون ، وجاءوا بالنيران ليحرقوا الباب ، وقالوا : هو اغتاله ، فقال المأمون : يا سيّدي ، ترى أن تخرج إليهم .

فركب أبو الحسن عليه السلام .

فلمّا ركب نظر إلى الناس ، فقال بيده : تفرّقوا ، فما أشار إلى أحد إلاّ ركض ومضى لوجهه يقع بعضهم على بعض(1) .

ميّز شعر لحية رسول اللّه

وأتى رجل من ولد الأنصار بحقّة فضّة مقفل عليها ، وقال : لم يتحفك أحد بمثلها ، ففتحها ، وأخرج منها سبع شعرات ، وقال : هذا شعر النبي صلى الله عليه و آله ، فميّز الرضا عليه السلام أربع طاقات منها ، وقال : هذا شعره ، فقبل في ظاهره دون باطنه .

ثمّ إنّ الرضا عليه السلام أخرجه من الشبهة بأن وضع الثلاثة على النار ، فاحترقت ، ثمّ وضع الأربعة ، فصارت كالذهب(2) .

ص: 186


1- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/172 ح 24 ، روضة الواعظين للفتال : 229 ، الإرشاد للمفيد : 2/268 ، اعلام الورى : 2/71 ، الكافي : 1/491 ح 8 .
2- الثاقب في المناقب لابن حمزة : 497 ح 426 .

لستَ من غنمي

علي بن إبراهيم ، قال : دخل أبو سعيد المكاري - وكان واقفيّا - على الرضا عليه السلام ، فقال له : أَبَلغ من قدرك أنّك تدّعي ما ادّعاه أبوك ؟!

فقال عليه السلام : ما لك أطفأ اللّه نورك ، وأدخل الفقر بيتك ؟ أما علمت أنّ اللّه - عزّ وجلّ - أوحى إلى عمران: إنّي واهب لك ذكرا يبرئ الأكمه والأبرص، فوهب له مريم ، ووهب لمريم عيسى عليهماالسلام ، فعيسى من مريم ، ومريم من عيسى ، فعيسى ومريم شيء واحد ، وأنا من أبي ، وأبي منّي ، وأنا وأبي شيء واحد .

فقال : أسألك عن مسأله ؟ فقال : سل ، لا أخالك تقبل منّي ، ولستَ من غنمي ، ولكن هلمّها .

قال : ما تقول في رجل قال عند موته : كلّ عبد لي قديم فهو حرّ لوجه اللّه ؟ . . المسألة .

قال : فخرج من عنده وذهب بصره ، وكان يسأل على الأبواب حتى مات(1) .

معجزات الإمام في « فوزا »

ولمّا نزل الرضا عليه السلام في نيسابور بمحلّة « فوزا » أمر ببناء حمّام ، وحفر

ص: 187


1- الكافي : 6/195 ح 6 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 2/276 ح 71 ، معاني الأخبار للصدوق : 218 ح 1 ، الفقيه للصدوق : 3/155 ح 3564 ، تفسير القمّي : 2/215 ، تفسير مجمع البيان : 8/275 .

قناة ، وصنعة حوض فوقه مصلّى ، فاغتسل من الحوض ، وصلّى في المسجد ، فصار ذلك سنّة .

فيقال : « گرمابه رضا » ، و « آب رضا » ، و « حوض كاهلان » .

ومعنى ذلك : أنّ رجلاً وضع هميانا على طاقه واغتسل منه ، وقصد إلى مكّة ناسيا ، فلمّا انصرف من الحجّ أتى الحوض للغسل فرآه مشدودا(1) ، فسأل الناس عن ذلك ، فقالوا : قد آوى فيه ثعبان ، ونام على طاقه ، ففتحه الرجل ودخل في الحوض ، وأخرج هميانه وهو يقول : هذا من معجز الإمام عليه السلام .

فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا : « اي كاهلان(2) » ! ألاّ(3) يأخذوها ، فسمّي الحوض بذلك « كاهلان » ، وسمّيت المحلة « فوز » ، لأنّه فتح أوّلاً ، فصحّفوها وقالوا : « فوزا » .

التجاء الظبية له

وروي أنّه أتته ظبية فلاذت فيه .

قال ابن حمّاد :

الذي لاذ به الظبية والقوم جلوس

من أبوه المرتضى يزكو ويعلو ويروس

ص: 188


1- في النسخ : « أتى الحوض فرآه للغسل مشدودا » ، وما أثبتناه من المخطوطة .
2- « كاهلان » أي « متقاعسون » .
3- في النسخ : « لئلا » ، وما أثبتناه من المخطوطة .

أضاءت أصابعه كأنّها المصابيح

الكليني عن الحسين بن منصور عن أخيه ، قال : دخلت على الرضا عليه السلام في بيت داخل في جوف بيت ليلاً ، فرفع يده ، فكانت كأنّ في البيت عشرة مصابيح ، فاستأذن عليه رجل ، فخلاّ يده ، ثمّ أذن له(1) .

سال الذهب من بين أصابعه

وعنه أنّه حمل إليه مالاً خطيرا ، قال : فلم أره سرّ به ، فاغتممت لذلك ، وقلت في نفسي : قد حملت مثل هذا المال ولم يسرّ به !

قال : فقال للغلام : صبّ عليّ الماء ، فجعل يسيل من بين أصابعه في الطشت ذهب ، ثمّ التفت إليّ ، فقال لي : من كان هكذا لا يبالي بالذي حملت إليه(2) .

قتلوه وما قتلوه

وذكره أبو الحسن القزويني في بعض كتبه بالإسناد عن هرثمة بن أعين أنّه قال : حدّثني صبيح الديلمي :

أنّ المأمون دعاني البارحة في ثلاثين غلاما من ثقاته في الثلث الأوّل من الليل ، فأخذ علينا العهد ، وأمرنا أن نفتك بالرضا عليه السلام ، [ وقال :

ص: 189


1- الكافي : 1/487 ح 3 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 153 ح 140 .
2- الكافي : 1/491 ح 10 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 497 ح 427 .

]وقد جعلت لكلّ واحد منكم على هذا الفعل عشرة بدر دراهم ، وعشرة أضياع منتخبة ، والحظوة(1) عندي ما بقيت .

ففعلوا ذلك ، وزعموا أنّهم قطّعوه ، ثمّ طوّوا عليه بساطه ، ومسحوا أسيافهم ، وخرجوا حتى دخلوا على باب المأمون ، فقال : ما الذي صنعتم ؟ فقالوا : الذي أمرتنا به يا أمير المؤمنين ، فقال : أيّكم كان المسرع إليه ؟ فقالوا بأجمعهم : صبيح الديلمي ، فقال : لا - واللّه - ما مددت إليه يدا .

فجزّاني خيرا ، وقرّبني إليه ، ثمّ قال : لا تعيدوا عليّ الذي فعلتم ، فتبخسوا جعلكم ، وتتعجّلوا الفناء ، وتخسروا الآخرة والأولى .

فلمّا كان في بلج الفجر خرج المأمون ، فجلس في مجلسه مكشوف الرأس محلّل الأزرار ، وأظهر وفاته وقعد للتعزية ، فقبل أن يصل الناس إليه قام قائما يمشي إلى الدار ، فينظر إليه ، وأنا بين يديه .

فلمّا دخل في حجرته عليه السلام سمع همهمة فأراعه ، ثمّ قال : من عنده ؟ فقلنا : لا علم لنا يا أمير المؤمنين ، فقال : أسرعوا وانظروا .

قال صبيح : فأسرعت إلى البيت ، فإذا أنا بسيّدي جالس في محرابه يصلّي ويسبّح ، فانتفض المأمون وأرعد ، ثمّ قال : غررتموني لعنكم اللّه .

ثمّ التفت إليّ من بين الجماعة ، فقال لي : يا صبيح ، أنت تعرفه ، فانظر من المصلّي عنده ؟

ص: 190


1- في النسخ : « الحظوظ » ، وما أثبتناه من المخطوطة .

قال صبيح : وتولّى المأمون راجعا ، فلمّا صرت بعتبة الباب قال لي : يا صبيح ، قلت : لبّيك يا مولاي ، وسقطت لوجهي ، فقال عليه السلام : قم يرحمك اللّه ، فارجع ، وقال : « يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤا نُورَ اللّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ » .

فرجعت إلى المأمون وحكيت له ، فانتعل وتعمّم ، ثمّ قال : اغلقوا عليّ الأبواب ، وافتحوا عليه ، وقولوا : كانت البارحة غشي على الرضا عليه السلام .

قال هرثمة : فرآني الرضا عليه السلام فقال : لا يضرّنا كيدهم شيئا « حَتّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ » ، ونهاني عن إفشاء قول صبيح(1) .

أبيات الصولي في تفضيل الإمام على المأمون

أبو العباس الصولي يخاطب علي بن موسى الرضا عليهماالسلام ويفضّله على المأمون :

كفى بفعال امرئ عالم

على أهله عادلاً شاهدا

يرى لهم طارقا مونقا

ولا يشبه الطارق التالدا

يمنّ عليكم بأموالكم

وتعطون من مائة واحدا

فلا يحمد اللّه مستنصرا

يكون لأعدائكم حامدا

فضلت قسيمك في قعدد

كما فضّل الوالد الوالدا(2)

ص: 191


1- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/231 باب 47 ح 22 ، الهداية الكبرى : 281 ، دلائل الإمامة : 360 .
2- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 2/25 باب 2 ح 2 ، أمالي المرتضى : 2/131 .

وكان الرضا عليه السلام والمأمون يجتمعان في الأب الثامن من عبد المطّلب ، كان يقول : فضّل أبوك علي عليه السلام أباه عبد اللّه بن عباس .

قال أبو بكر الخوارزمي :

يا هارون من أمره بدعة

جاورت قبرا قربه رفعة

تريد أن تفلح من أجله

لن تدخل الجنّة بالشفعة

* * *

وقال ابن حمّاد :

ساقها شوقي إلى طوس ومن تحويه طوس

مشهد فيه الرضا العالم والحبر النفيس

ذاك بحر العلم والحكمة إن قاس مقيس

ذاك نور اللّه لا يطفي له قطّ طميس

* * *

وقال الأديب :

تجوز زيارة قبر ابن حرب

وتربة حفص ويحيى بن يحيى

فلِمَ لا تجوز زيارة قبر

الإمام علي بن موسى الرضا

سليل البتول وسبط الرسول

ونجل أبي الحسن المرتضى

* * *

ص: 192

فصل 4 : في علمه عليه السلام

اشارة

ص: 193

ص: 194

ما سئل عن شيء قطّ إلاّ علمه

كان المأمون يمتحنه بالسؤال عن كلّ شيء ، فيجيب فيه ، وكان كلامه كلّه وجوابه وتمثيله بآيات من القرآن .

وقال إبراهيم بن العباس : ما رأيته سئل عن شيء قطّ إلاّ علمه(1) .

جمع من مسائله ثمانية عشر ألف مسألة

الجلاء والشفاء : قال محمد بن عيسى اليقطيني : لمّا اختلف الناس في أمر أبي الحسن الرضا عليه السلام جمعت من مسائله ممّا سئل عنه وأجاب فيه ثمانية عشر ألف مسألة(2) .

المصنفون الذين رووا عنه

وقد روى عنه جماعة من المصنفين ، منهم : أبو بكر الخطيب في تاريخه ، والثعلبي في تفسيره ، والسمعاني في رسالته ، وابن المعتزّ في كتابه ، وغيرهم .

ص: 195


1- أمالي الصدوق : 758 مج 76 ح 1023 ، روضة الواعظين للفتال : 229 ، اعلام الورى : 2/63 .
2- الغيبة للطوسي : 73 ح 79 .

جمع المأمون له علماء الملل فقطعهم جميعا

وذكر أبو جعفر القمّي في عيون أخبار الرضا عليه السلام :

إنّ المأمون جمع علماء سائر الملل ، مثل : الجاثليق ، ورأس الجالوت .

ورؤساء الصابئين ، منهم : عمران الصابي ، والهربذ الأكبر .

وأصحاب زرادشت ونسطاس الرومي .

والمتكلّمين ، منهم : سليمان المروزي .

ثمّ أحضر الرضا عليه السلام فسألوه ، فقطع الرضا عليه السلام واحدا بعد واحد(1) .

انقياد المأمون له بالعلم

وكان المأمون أعلم خلفاء بني العباس ، وهو مع ذلك كلّه انقاد له اضطرارا حتى جعله وليّ عهده ، وزوّجه ابنته(2) .

مناظرة مع يحيى في مجلس المأمون

وروى ابن جرير بن رستم الطبري ، عن أحمد الطوسي عن أشياخه في حديث : أنّه انتدب الرضا عليه السلام قوم يناظرونه في الإمامة عند المأمون ، فأذن لهم ، فاختاروا يحيى بن الضحّاك السمرقندي ، فقال : سل يا يحيى .

ص: 196


1- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 2/139 باب 12 ح 1 ، التوحيد للصدوق : 417 ح 1 ، الاحتجاج : 2/199 .
2- انظر عيون دلائل الإمامة : 350 ، أخبار الرضا عليه السلام : 1/159 ، اعلام الورى : 2/86 .

قال يحيى : بل سل أنت - يا ابن رسول اللّه صلى الله عليه و آله - لتشرّفني بذلك .

فقال عليه السلام : يا يحيى ، ما تقول في رجل ادّعى الصدق لنفسه ، وكذّب الصادقين ، أيكون صادقا محقّا في دينه أم كاذبا ؟

فلم يحر جوابا ساعة ، فقال المأمون : أجبه يا يحيى ، فقال : قطعني يا أمير المؤمنين .

فالتفت إلى الرضا عليه السلام ، فقال : ما هذه المسألة التي أقرّ يحيى بالانقطاع فيها ؟

فقال عليه السلام : إن زعم يحيى أنّه صدّق الصادقين ، فلا إمامة لمن شهد بالعجز على نفسه ، فقال على منبر الرسول صلى الله عليه و آله : « ولّيتكم ولست بخيركم » ، والأمير خير من الرعية ، وإن زعم يحيى أنّه صدّق الصادقين ، فلا إمامة لمن أقرّ على نفسه على منبر الرسول صلى الله عليه و آله : « أنّ لي شيطانا يعتريني » ، والإمام لا يكون فيه شيطان ، وإن زعم يحيى أنّه صدّق الصادقين ، فلا إمامة لمن أقرّ عليه صاحبه ، فقال : « كانت إمامة أبي بكر فلتة وقى اللّه شرّها ، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه » .

فصاح المأمون عليهم ، فتفرّقوا ، ثمّ التفت إلى بني هاشم ، فقال لهم : ألم أقل لكم أن لا تفاتحوه ولا تجمعوا عليه ؟ فإنّ هؤلاء علمهم من علم رسول اللّه صلى الله عليه و آله(1) .

ص: 197


1- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/255 باب 57 ح 1 ، الاحتجاج : 2/235 .

مناظرة مع ابن قرّة النصراني

وفي كتاب الصفواني أنّه قال الرضا عليه السلام لابن قرّة النصراني : ما تقول في المسيح ؟ قال : يا سيّدي ، إنّه من اللّه .

فقال : ما تريد بقولك : «مِن » ؟ و « مِن » على أربعة أوجه لا خامس لها :

أتريد بقولك : « من » كالبعض من الكلّ ، فيكون مبعّضا .

أو كالخلّ من الخمر ، فيكون على سبيل الاستحالة .

أو كالولد من الوالد ، فيكون على سبيل المناكحة .

أو كالصنعة من الصانع ، فيكون على سبيل المخلوق من الخالق .

أو عندك وجه آخر فتعرّفناه ؟ فانقطع(1) .

تأويل رؤيا ياسر الخادم

ياسر الخادم ، قال : قلت لأبي الحسن الرضا عليه السلام : رأيت في النوم كأنّ قفصا فيه سبعة عشر قارورة ، إذ وقع القفص فتكسّرت القوارير ، فقال : إن صدقت رؤياك يخرج رجل من أهل بيتي يملك سبعة عشر يوما ، ثمّ يموت .

فخرج محمد بن إبراهيم بالكوفة مع أبي السرايا ، فمكث سبعة عشر يوما ، ثمّ مات(2) .

ص: 198


1- انظر مناظرة الإمام عليه السلام مع أبي قرّة النصراني : الاحتجاج : 2/186 .
2- الكافي : 8/257 ح 370 .

مناظرة مع الجاثليق في مجلس المأمون

وكان الجاثليق يناظر المتكلّمين ، فيقول : نحن نتّفق على نبوّة عيسى عليه السلام وكتابه ، وأنّه حيّ في السماء ، ونختلف في بعثة محمد صلى الله عليه و آله ، ونتّفق في موته ، فما الذي يدلّ على نبوّته ؟ فيحيّرهم .

فأُحضر عند الرضا عليه السلام والمأمون ، فقال : ما تقول في نبوّة عيسى عليه السلام وكتابه ؟ هل تنكر منهما شيئا ؟

فقال الرضا عليه السلام : أنا مقرّ بنبوّة عيسى عليه السلام وكتابه ، وما بشّر به أمّته ، وأقرّ

به الحواريّون ، وكافر بنبوّة كلّ عيسى عليه السلام لم يقرّ بنبوّة محمد صلى الله عليه و آله وكتابه ، ولم يبشّر به أمّته ، فانقطع .

ثمّ قال الرضا عليه السلام : يا نصراني ، واللّه إنّا لنؤمن بعيسى عليه السلام الذي آمن بمحمد صلى الله عليه و آله ، وما ننقم على عيساكم إلاّ ضعفه ، وقلّة صيامه وصلاته ، فقال : واللّه ، ما زال عيسى عليه السلام صائم النهار ، قائم الليل .

قال عليه السلام : لِمن كان يصلّي ويصوم ؟ فخرس .

مناظرة أخرى مع الجاثليق

وقال الجاثليق : مَن أحيى الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص مستحقّ أن يعبد .

فقال الرضا عليه السلام : فإن اليسع صنع ما صنع ، مشى على الماء ، وأبرأ الأكمه والأبرص ، وحزقيل أحيى خمسة وثلاثين ألف رجل من بعد

ص: 199

موتهم بستّين سنة ، وقوم بني إسرائيل خرجوا من بلادهم من الطاعون « وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ » ، فأماتهم اللّه في ساعة واحدة ، فأوحى اللّه إلى نبيّ مرّ على عظامهم بعد سنين : أن نادهم ، فقال : أيّتها العظام البالية ، قومي بإذن اللّه ، فقاموا .

وذكر عليه السلام حديث إبراهيم عليه السلام والطير : « فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ » ، وحديث موسى عليه السلام : « وَاخْتارَ مُوسى » لمّا قالوا : « لَنْ نُؤمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللّهَ جَهْرَةً »فاحترقوا ، فأحياهم اللّه من بعد قول موسى عليه السلام : « لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ » ، وسؤال قريش رسول اللّه صلى الله عليه و آله أن يحييهم .

ثمّ قال : والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان قد نطقت به ، فإن كان مَن أحيى الموتى يتّخذ ربّا من دون اللّه ، فاتّخذوا هؤلاء كلّهم أربابا ، فأسلم النصراني(1) .

مناظرة مع رأس الجالوت

الفضل بن سهل : قال الرضا عليه السلام لرأس الجالوت : هل تنكر أنّ التوراة تقول : جاء النور من جبل طور سيناء ، وأضاء للناس(2) من جبل ساعير ، واستعلن لنا من بجل فاران ؟ قال رأس الجالوت : اعرف هذه الكلمات ، وما أعرف تفسيرها .

ص: 200


1- عيون أخبار الرضا عليه السلام: 2/141 باب 12 ح 1، التوحيد للصدوق: 420، الاحتجاج: 2/201 .
2- في المصادر : « لنا » .

قال الرضا عليه السلام : أنا أخبرك :

أمّا قوله : « جاء النور من طور سيناء » ، فذلك وحي اللّه الذي أنزله على موسى عليه السلام على جبل طور سيناء .

وأمّا قوله : « وأضاء للناس من جبل ساعير » ، فهو الجبل الذي أوحى إلى عيسى عليه السلام ، وهو عليه .

وأمّا قوله : « واستعلن لنا من جبل فاران » ، فذلك جبل من جبال مكّة ، وبينهما يوم(1) .

النهار خلق قبل أم الليل ؟

الأشعث بن حاتم : سئل الرضا عليه السلام بمرو على مائدة عليها المأمون والفضل : النهار خلق قبل أم الليل ؟ قال عليه السلام : أمِن القرآن ؟ أم من الحساب ؟ فقال الفضل : من كليهما .

فقال عليه السلام : قد علمت أنّ طالع الدنيا السرطان والكواكب في موضع شرفها ، فزحل في الميزان ، والمشتري في السرطان ، والشمس في الحمل ، والقمر في الثور ، فذلك يدلّ على كينونة الشمس في الحمل في العاشرة في وسط السماء ، ويوجب ذلك أنّ النهار خلق قبل الليل .

وأمّا دليل ذلك من القرآن : فقوله تعالى : « لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلاَ اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ »(2) .

ص: 201


1- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 2/148 ، التوحيد للصدوق : 427 ، الاحتجاج : 2/209 .
2- تفسير مجمع البيان : 8/285 ، تحف العقول : 447 .

علّة التزويج بالليل

كافي الكليني : أنّه سئل الرضا عليه السلام عن وقت التزويج بالليل ؟

فقال : لأنّ اللّه - تعالى - جعل الليل سكنا ، والنساء إنّما هنّ سكن(1) .

طعم الخبز والماء

وسئل عليه السلام عن طعم الخبز والماء ؟

فقال : الماء طعم الحياة(2) ، وطعم الخبز طعم العيش .

مسائل الهندي والصابي في مجلس المأمون

وممّا أجاب عليه السلام بحضرة المأمون لصباح بن نصر الهندي وعمران الصابي عن مسائلهما .

قال عمران : العين نور مركّبة ، أم الروح تبصر الأشياء من منظرها ؟

قال : العين شحمة ، وهو البياض والسواد ، والنظر للروح ، دليله : أنّك تنظر فيه فترى صورتك في وسطه ، والإنسان لا يرى صورته إلاّ في ماء أو مرآة ، وما أشبه ذلك .

قال صباح : فإذا عميت العين كيف صارت الروح قائمة والنظر ذاهب ؟ قال عليه السلام : كالشمس طالعة يغشاها الظلام .

ص: 202


1- الكافي : 5/366 ح 1 ، تهذيب الأحكام للطوسي : 7/418 ح 1675 .
2- قرب الإسناد : 116 ح 405 ، الكافي : 6/381 ح 7 « عن الصادق عليه السلام » .

قال : أين تذهب الروح ؟ قال : أين يذهب الضوء الطالع من الكوّة في البيت إذا سدّت الكوة ؟

قال : أوضح لي ، قال عليه السلام : الروح مسكنها في الدماغ ، وشعاعها منبث في الجسد بمنزلة الشمس دارتها في السماء وشعاعها منبسط في الأرض ، فإذا غابت الدائرة فلا شمس ، وإذا قطع الرأس فلا روح .

قالا : فما بال الرجل يلتحى دون المرأة ؟ قال : زيّن اللّه الرجال باللحى ، وجعلها فضلاً يستدلّ بها على الرجال من النساء .

قال عمران : ما بال الرجل إذا كان مؤنّثا ، والمرأة إذا كانت مذكّرة ؟

قال عليه السلام : علّة ذلك أنّ المرأة إذا حملت وصار الغلام في الرحم موضع الجارية كان مؤنّثا ، وإذا صارت الجارية موضع الغلام كانت مذكّرة ، وذلك أنّ موضع الغلام في الرحم ممّا يلي ميامنها ، والجارية ممّا يلي مياسرها ، وربما ولدت المرأة ولدين في بطن واحد ، فإن عظم ثدياها جميعا تحمل توأمين ، وإن عظم أحد ثدييها كان ذلك دليلاً على أنّه تلد واحدا ، إلاّ أنّه إذا كان الثدي الأيمن أعظم كان المولود ذكرا ، وإذا كان الأيسر أعظم كان المولود أنثى ، وإذا كانت حاملاً فضمر ثديها الأيمن ، فإنّها تسقط غلاما ، وإذا ضمر ثديها الأيسر ، فإنّها تسقط أنثى ، وإذا ضمرا جميعا تسقطهما جميعا .

قالا : من أيّ شيء الطول والقصر في الإنسان ؟

فقال عليه السلام : من قبل النطفة إذا خرجت من الذكر فاستدارت جاء القصر ، وإن استطالت جاء الطول .

ص: 203

قال صباح : ما أصل الماء ؟

قال عليه السلام : أصل الماء خشية اللّه ، بعضه من السماء ، ويسلكه في الأرض ينابيع ، وبعضه ماء عليه الأرضون ، وأصله واحد عذب فرات .

قال : فكيف منها عيون نفط وكبريت ، ومنها قار وملح ، وأشبه ذلك ؟

قال عليه السلام : غيّره الجوهر ، وانقلبت كانقلاب العصير خمرا ، وكما انقلبت الخمر فصارت خلاًّ ، وكما يخرج من بين فرث ودم لبنا خالصا .

قال : فمن أين أخرجت أنواع الجوهر ؟

قال : انقلبت منها كانقلاب النطفة علقة ، ثمّ مضغة ، ثمّ خلقة مجتمعة مبنيّة على المتضادّات الأربع .

قال عمران : إذا كانت الأرض خلقت من الماء ، والماء البارد رطب ، فكيف صارت الأرض باردة يابسة ؟

قال عليه السلام : سلبت النداوة فصارت يابسه .

قال : الحرّ أنفع أم البرد ؟

قال : بل الحرّ أنفع من البرد ، لأنّ الحرّ من حرّ الحياة ، والبرد من برد الموت ، وكذلك السموم القاتلة الحارّ منها أسلم وأقلّ ضررا من السموم الباردة .

وسألاه عن علّة الصلاة ؟

فقال : طاعة أمرهم بها ، وشريعة حملهم عليها ، وفي الصلاة توقير له وتبجيل وخضوع من العبد إذا سجد ، والإقرار بأنّ فوقه ربّا يعبده ويسجد له .

ص: 204

وسألاه عن الصوم ؟

فقال عليه السلام : امتحنهم بضرب من الطاعة كيما ينالوا بها عنده الدرجات ، ليعرّفهم فضل ما أنعم عليهم من لذّة الماء وطيب الخبز ، وإذا عطشوا يوم صومهم ذكروا يوم العطش الأكبر في الآخرة ، وزادهم ذلك رغبة في الطاعة .

وسألاه لم حرّم الزنا ؟

قال : لما فيه من الفساد وذهاب المواريث وانقطاع الأنساب ، لا تعلم المرأة في الزنا مَن أحبلها ، ولا المولود يعلم من أبوه ، ولا أرحام موصولة ، ولا قرابة معروفة .

مسائل قوم من وراء النهر

أبو إسحاق الموصلي : إنّ قوما ممّا وراء النهر سألوا الرضا عليه السلام عن الحور العين ممّ خلقن ؟ وعن أهل الجنّة إذا دخلوها أوّل ما يأكلون ؟ وعن معتمد ربّ العالمين أين كان ؟ وكيف كان ؟ إذ لا أرض ولا سماء ولا شيء ؟ .

فقال عليه السلام : أمّا الحور العين ، فإنّهنّ خلقن من الزعفران والتراب لا يفنين .

وأمّا أوّل ما يأكل أهل الجنّة ، فإنّهم يأكلون أوّل ما يدخلونها من كبد الحوت التي عليها الأرض .

وأمّا معتمد الربّ - عزّ وجلّ - ، فإنّه أيّن الأين ، وكيّف الكيف ، وإنّ ربّي بلا أين ولا كيف ، وكان معتمده على قدرته سبحانه وتعالى .

ص: 205

علّة الوضوء

وفيما كتب عليه السلام إلى محمد بن سنان في علّة الوضوء : إنّه لقيامه بين يدي اللّه - عزّ وجلّ - واستقباله إيّاه بجوارحه الطاهرة ، وملاقاته بها الكرام الكاتبين ، فغَسل الوجه للسجود والخضوع ، وغسل اليد ليقلبهما(1) ويرغب بهما ويرهب ويبتهل بهما ، ومسح الرأس والقدمين ، لأنّه ظاهر مكشوف مستقبل بهما في حالاته ، وليس فيها من الخضوع والتبتّل ما في الوجه والذراعين(2) .

وقيل للنبي صلى الله عليه و آله : لأيّ علّة تغسل هذه المواضع الأربع ، وهي أنظف المواضع في الجسد ؟ فقال النبي صلى الله عليه و آله : لمّا أن وسوس الشيطان إلى آدم عليه السلام

دنا من الشجرة ونظر إليها ذهب ماء وجهه ، ثمّ قام ومشى إليها ، وهي أوّل قدم مشت إلى الخطيئة ، ثمّ تناول بيده منها ما عليها ، فأكل وطار الحليّ والحلل عن جسده ، فوضع آدم يده على أمّ رأسه وبكى ، فلمّا تاب اللّه عليه فرض عليه وعلى ذرّيته غسل هذه الجوارح الأربعة ، فأمره بغسل الوجه لما نظر إلى الشجرة ، وأمره بغسل اليدين إلى المرفقين لما تناول بيده منها ، وأمره بمسح الرأس لما وضع يده على أمّ رأسه ، وأمره بمسح القدمين لما مشى بهما إلى الخطيئة(3) .

ص: 206


1- في نسخ المناقب : « ليقبلهما » ، وما أثبتناه من المصادر .
2- الفقيه للصدوق : 1/56 ح 128 ، علل الشرائع : 1/280 باب 191 .
3- المحاسن للبرقي : 2/323 ح 63 ، علل الشرائع : 1/280 باب 191 ح 1 ، الفقيه للصدوق : 1/55 ح 127 .

علّة غسل الجنابة

وفيما كتب الرضا عليه السلام إلى محمد بن سنان : علّة غسل الجنابة النظافة وتطهير الإنسان نفسه ممّا أصابه من أذى وتطهير سائر جسده ، لأنّ الجنابة خارج من كلّ جسده ، فلذلك وجب عليه تطهير جسده كلّه .

وعلّة التخفيف في البول والغائط ، لأنّه أكثر وأدوم من الجنابة ، فرضي فيه بالوضوء ، لكثرته ومشقّته ومجيئه بغير إرادة منه ولا شهوة ، والجنابة لا تكون إلاّ بالاستلذاذ منه ، والإكراه لأنفسهم(1) .

وكان عليه السلام قال في جواب الصابيء : الجنابة بمنزلة الحيض ، وذلك أنّ النطفة دم لم يستحكم ، ولا يكون الجماع إلاّ بحركة شديدة ، وشهوة غالبة ، فإذا فرغ ، تنفّس البدن ، فوجد له الرجل من نفسه رائحة كريهة مع دم قد ينشقّ عن النطفة ، فوجب الغسل لذلك .

وغسل الجنابة مع ذلك أمانة امتحنهم اللّه بها ، فأمر اللّه عبيده ليختبرهم بها(2) .

علّة غسل الميّت

وقال في علّة غسل الميّت : لأنّه تطهّر وتنظّف من أدناس أمراضه ،

ص: 207


1- علل الشرائع : 1/281 باب 195 ح 1 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/95 باب 33 ح 1 ، الفقيه للصدوق : 1/76 ح 171 .
2- الاحتجاج : 2/93 « عن الصادق عليه السلام » .

ولأنّه يلقى الملائكة ويباشر أهل الآخرة(1) .

وفي رواية : إنّه يخرج منه الأذى(2) الذي منه خلق(3) .

علّة غسل العيد والجمعة

قال : وعلّة غسل العيد ويوم الجمعة تعطيف العبد ربّه ، واستقباله الجليل الكريم ، وطلبه المغفرة لذنوبهم ، وليكون لهم يوم عيد معروف يجتمعون فيه على ذكر اللّه ، وليكون ذلك طهارة لهم من الجمعة إلى الجمعة .

وفي رواية عن بعضهم عليهم السلام : أنّه كان الناس يتأذّون من روائح من يسقي بالنواضح ، فأمر النبي صلى الله عليه و آله بالغسل في يوم الجمعة(4) .

علّة أنّ البينة في الحقوق على المدّعي

قال عليه السلام : والعلّة في أنّ البيّنة في جميع الحقوق على المدّعي واليمين على المدّعى عليه ما خلا الدم ، لأنّ المدّعى عليه جاحد ، ولا يمكنه إقامة البيّنة على الجحود ، لأنّه مجهول .

ص: 208


1- علل الشرائع : 1/300 باب 238 ح 3 .
2- في العلل : « القذى » ، وفي العيون : « المني » .
3- علل الشرائع : 1/300 باب 238 ح 3 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/96 باب 33 ح 1 .
4- علل الشرائع : 1/285 باب 203 ح 4 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/96 باب 33 ح 1 .

وصارت البيّنة في الدم على المدّعى عليه واليمين على المدّعي ، لأنّه حوط يحتاط به المسلمون ، لئلاّ يبطل دم امرئ مسلم ، وليكون ذلك زاجرا وناهيا للقاتل ، لشدّة إقامة البيّنة عليه ، لأنّ من شهد عليه أنّه لم يفعل قليل(1) .

علّة القسامة

وأمّا علّة القسامة أن جعل خمسين رجلاً ، فلِما في ذلك من التغليظ والتشديد والاحتياط ، لئلاّ يهدر دم امرئ مسلم(2) .

علّة شهادة امرأتين شهادة رجل واحد

قال عليه السلام : وعلّة شهادة امرأتين شهادة رجل واحد ، لأنّها نصف رجل في سهم المواريث ، ولأنّ المرأة لا تحفظ حفظ الرجل ، فتذكّر إحداهما الأخرى .

علّة شهادة أربعة في الزنا

قال : وعلّة شهادة أربعة في الزنا وإثنين في سائر الحقوق ، لشدّة حدّ المحصن ، لأنّ فيه القتل ، فجعل الشهادة فيه مضاعفة ومغلظة ، ولأنّ الزنا يقام على إثنين ، فاحتيج لكلّ واحد منهما شاهدين ، لأنّهما حدّان(3) .

ص: 209


1- علل الشرائع: 2/542 باب 328 ح 2، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/103 باب 33.
2- علل الشرائع: 2/542 باب 328 ح 2، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/103 باب 33.
3- علل الشرائع : 2/510 باب 283 ح 2 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/102 باب 33 .

وسئل الصادق عليه السلام عن ذلك ، فقال : إنّ اللّه - تعالى - أحلّ لكم المتعة ، وعلم أنّها ستنكر عليكم ، فجعل الأربعة إحتياطا لكم(1) .

علّة تحريم سباع الطير والوحش

وفيما كتب الرضا عليه السلام : وحرّم سباع الطير والوحش كلّها ، لأكلها الأقذار من الجيف ولحوم الناس والعذرة ، وما أشبه ذلك(2) .

علّة تحريم الميتة

قال : وحرّم اللّه الميتة لما فيها من الإفساد(3) للأبدان والآفة ، ولما أراد اللّه أن يجعل التسمية سببا للتحليل ، وفرقا بينها وبين الحلال والحرام .

علّة تحريم الدم

وحرّم الدم كتحريم الميتة ، لأنّه يورث القساوة ، ويعفّن البدن ويغيره(4) .

علّة تحليل مال الولد للوالد

قال : وعلّة تحليل مال الولد للوالد بغير إذنه ، وليس ذلك للولد ، لأنّ

ص: 210


1- علل الشرائع : 2/509 باب 282 ح 1 ، الفقيه للصدوق : 3/365 ح 4608 .
2- علل الشرائع : 2/482 باب 235 ح 1 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/100 .
3- في المصادر : « إفساد » .
4- علل الشرائع : 2/485 باب 239 ح 4 .

الولد موهوب للوالد في قول اللّه تعالى : « يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ » ، مع أنّه المأخوذ بمؤنته صغيرا وكبيرا ، والمنسوب إليه ، والمدعوّ به ، لقول اللّه تعالى : « ادْعُوهُمْ لآِبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللّهِ » ، وقول النبي صلى الله عليه و آله : أنت ومالك لأبيك .

وليست الوالدة كذلك ، فلا يحلّ لها أن تأخذ من ماله إلاّ بإذنه ، أو بإذن الأب ، لأنّ الأب مأخوذ بنفقة الولد ، ولا تؤخذ المرأة بنفقة ولدها(1) .

علّة وجوب المهر على الرجال

وسئل عليه السلام عن علّة وجوب المهر على الرجال ؟ قال : لأنّ على الرجل مؤنة المرأة ، ولأنّ المرأة بائعة نفسها والرجل مشتر ، ولا يكون البيع بلا ثمن ، ولا الشراء بغير إعطاء الثمن ، مع أنّ النساء محصورات عن التعامل والذهاب والمجيء مع علل كثيرة(2) .

علّة تعدّد الأزواج وتحريم ذلك على المرأة

قال عليه السلام : وعلّة تزويج الرجل أربع نسوة والتحريم أن تتزوّج المرأة أكثر من واحد ، لأنّ الرجل إذا تزوّج أربعة كان الولد منسوبا إليه ، والمرأة لو كان لها زوجان أو أكثر من ذلك لم يعرف الولد لمن هو ،

ص: 211


1- علل الشرائع : 2/524 باب 239 ح 1 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/103 .
2- علل الشرائع : 2/501 باب 264 ح 1 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/101 .

إذ هم مشتركون في نكاحها ، وفي ذلك فساد الأنساب(1) والمواريث والتعارف(2) .

قال : وتحليل أربع نسوة لرجل واحد لأنّهنّ أكثر من الرجال(3) .

قال عليه السلام : وعلّة تزويج العبد إثنتين لا أكثر منه ، لأنّه نصف رجل في النكاح والطلاق ، لا يملك نفسه(4) .

علّة الطلاق ثلاثا

قال عليه السلام : وعلّة الطلاق ثلاثا لما فيه من المهلة فيما بين الواحدة إلى الثلاث ، لرغبة تحدث ، أو سكون غضب إن كان ، وليكون ذلك تخفيفا وتأديبا للنساء ، وزاجرا لهنّ عن معصية أزواجهنّ ، فإذا مضت المرأة على معصية زوجها استحقّت الفرقة والمباينة ، لدخولها فيما لا ينبغي ، ومعصية زوجها(5) .

علّة تحريم المرأة بعد تسع تطليقات

قال عليه السلام : وعلّة تحريم المرأة بعد تسع تطليقات ، فلأجل عقوبة ، لئلاّ

ص: 212


1- في نسخ المناقب : « الأب » ، وما أثبتناه من المصادر .
2- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/102 ، علل الشرائع : 2/504 باب 272 ح 1 .
3- علل الشرائع : 2/504 باب 272 ح 1 .
4- علل الشرائع : 2/504 باب 272 ح 1 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/102 .
5- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/102 ، علل الشرائع : 2/507 باب 277 ح 1 .

يتلاعب بالطلاق ، ولا يستضعف المرأة ، وليكون ناظرا في أموره متّعظا معتبرا ، وإياسا لهم من الاجتماع بعد تسع تطليقات(1) .

علّة طلاق المملوك إثنتين

قال عليه السلام : وعلّة طلاق المملوك إثنتين ، لأنّ طلاق الأمة على النصف جعله إثنتين إحتياطا لكمال الفرائض ، كذلك في الفرق عند عدّة المتوفّى عنها زوجها(2) .

علّة تحريم الزنا

قال عليه السلام : حرّم اللّه الزنا لما فيه من الفساد ، ومن ذهاب الأنساب ، وترك التربية للأطفال ، وفساد المواريث ، وما أشبه ذلك(3) .

علّة ضرب الزاني مائة على جسده

قال عليه السلام : وعلّة ضرب الزاني مائة على جسده بأشدّ الضرب ، لمباشرته الزنا ، واستلذاذ الجسد كلّه ، فجعل الضرب عقوبة له وعبرة لغيره ، وهو أعظم الجنايات(4) .

ص: 213


1- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/102 ، علل الشرائع : 2/507 باب 277 ح 1 .
2- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/102 ، علل الشرائع : 2/507 باب 277 ح 1 .
3- علل الشرائع : 2/479 باب 230 ح 1 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/99 ، الفقيه للصدوق : 3/565 ح 4934 .
4- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/104 ، علل الشرائع : 2/544 باب 334 ح 2 .

علّة تحريم قذف المحصنات

قال عليه السلام : وحرّم قذف المحصنات لما فيه فساد الأنساب ، ونفي الولد ، وإبطال المواريث ، وترك التربية ، وذهاب المعارف ، ولما فيه من التعاير ، والعلل التي ترد إلى فساد الخلق(1) .

علّة قطع اليمين من السارق

قال عليه السلام : وعلّة قطع اليمين من السارق ، لأنّه يباشر الأشياء بيمينه ، وهي أفضل أعضائه ، وأنفعها له ، فجعل قطعها نكالاً له ، وعبرة للخلق ، ليمتنعوا من أخذ الأموال من غير حلّها ، ولأنّه أكثر ما يباشر السرقة بيمينه(2) .

علّة تحريم عقوق الوالدين

قال عليه السلام : وحرّم اللّه عقوق الوالدين لما فيه من الخروج من التوقير للّه ، والتوقير للوالدين ، وكفر النعمة ، وإبطال الشكر ، وما يدعو من ذلك إلى قلّة النسل(3) .

علّة تحريم لحم البغال والحمير الأهلية

قال عليه السلام : وحرّم لحم البغال والحمير الأهلية ، لحاجة الناس إلى ظهورها

ص: 214


1- علل الشرائع : 2/480 باب 232 ح 1 ، الفقيه للصدوق : 3/565 ح 4934 .
2- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/103 .
3- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/98 ، الفقيه للصدوق : 3/565 ح 4934 .

واستعمالها ، والخوف من فنائها لقلّتها ، لا لقذر خلقها ، ولا لقذر غذائها(1) .

وعن أبي جعفر عليه السلام : وليست الحمر بحرام ، ثمّ قرأ « لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً »(2) .

علّة الخنثى في الناس والبهائم

وسئل عن علّة الخنثى في الناس والبهائم ؟ قال : علّة ذلك أنّ اللّه أراد أن يعرّف قدرته فيهم أنّه قادر ، يعني على الزيادة والنقصان .

القليل هو النصف

امتحان الفقهاء : رجل حضرته الوفاة ، فقال عند موته : لفلان عندي ألف درهم إلاّ قليلاً ، كم القليل ؟ قال : القليل هو النصف ، لقوله تعالى : « يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلاّ قَلِيلاً نِصْفَهُ » ، بالأثر عن الرضا عليه السلام .

قال دعبل :

أربع بطوس على قبر الزكيّ بها

إن كنت تربع من دين على وطر

قبران في طوس خير الناس كلّهم

وقبر شرّهم هذا من العبر

ص: 215


1- علل الشرائع : 2/563 باب 360 ح 4 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/104 .
2- الاستبصار للطوسي : 4/75 ح 275 ، تهذيب الأحكام للطوسي : 9/42 ح 176 .

ما ينفع الرجس من قرب الزكيّ ولا

على الزكيّ بقرب الرجس من ضرر

هيهات كلّ امرئ رهن بما كسبت

له يداه فخذ ما شئت أو فذر

* * *

وقال محمد بن حبيب الضبّي :

قبران في طوس الهدى في واحد

والغي في لحد ثراه ضرام

قرب الغوي من الزكي مضاعف

لعذابه ولأنفه الإرغام

* * *

وقال علي بن أحمد الحواقي :

يا أرض طوس سقاك اللّه رحمته

ماذا حويت من الخيرات يا طوس

طابت بقاعك في الدنيا وطيّبها

شخص زكيّ بسنآباذ مرموس

شخص عزيز على الإسلام مصرعه

في رحمة اللّه مغمور ومغموس

يا قبر إنّك قبر قد تضمّنه

علم وحلم وتطهير وتقديس

فافخر بأنّك مغبوط بجثّته

وبالملائكة الأبرار محروس

ص: 216

[ في كلّ عصر لنا منكم إمام هدى

فربعه آهل منكم ومأنوس

أمست نجوم سماء الدين آفلة

وظلّ أسد الشرى قد ضمّها الخيس

غابت ثمانية منكم وأربعة

يرجى مطالعها ما حنّت العيس

حتى متى يظهر الحقّ المنير بكم

فالحقّ في غيركم داج ومطموس (1)]

* * *

وقال المشيع :

يا بقعة مات بها سيّد

ما مثله في الناس من سيّد

مات الهدى من بعده والندى

وشمّر الموت به يقتدي

لا زال غيث اللّه يا قبره

عليك منه رائحا يغتدي

إنّ عليّا ابن موسى الرضا

قد حلّ والسؤود في ملحد

* * *

وقال الحميري :

فطوبى لمن أمسى لآل محمد

وليّا إماماه شبير وشبر

وقبلهما الهادي وصيّ محمد

علي أمير المؤمنين المطهّر

ومن نسله طهر فروع أطايب

أئمّة حقّ أمرهم يتنظر

ص: 217


1- ما بين المعقوفين من نسخة النجف .

وقال بعض البصريّين :

خذا بيدي يا آل بيت محمد

إذا زلّت الأقدام في غدوة الغد

أبى القلب إلاّ حبّكم وولاءكم

وما ذاك إلاّ من طهارة مولدي

* * *

ص: 218

فصل 5 : في مكارم أخلاقه ومعالي أُموره عليه السلام

اشارة

ص: 219

ص: 220

كان يختم القرآن في كلّ ثلاث

كان عليه السلام يختم القرآن في كلّ ثلاث ، ويقول : لو أردت أن أختم في أقلّ من ثلاث لختمت ، ولكن ما مررت بآية قطّ إلاّ فكّرت فيها ، وفي أيّ شيء أنزلت ، وفي أيّ وقت ، فلذلك صرت أختمه في ثلاث(1) .

ما رأيت ولا سمعت بأحد أفضل من الرضا

وقال إبراهيم بن العباس : ما رأيت ولا سمعت بأحد أفضل من أبي الحسن الرضا عليه السلام ، ما جفا أحدا ، ولا قطع على أحد كلامه ، ولا ردّ أحدا عن حاجة ، وما مدّ رجليه بين يدي جليس ، ولا اتّكى قبله ، ولا شتم مواليه ومماليكه ، ولا قهقه في ضحكه ، وكان يجلس على مائدة مماليكه ومواليه .

قليل النوم بالليل ، يحيي أكثر لياليه من أوّلها إلى آخرها ، كثير الصوم ، كثير المعروف والصدقة في السرّ ، وأكثر ذلك في الليالي المظلمة(2) .

ص: 221


1- روضة الواعظين للفتال : 229 ، اعلام الورى : 2/63 ، أمالي الصدوق : 758 مج 76 ح 1023 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/193 باب 44 ح 7 .
2- اعلام الورى : 2/63 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/197 باب 44 ح 7 .

يجلس في الصيف على حصير وفي الشتاء على مسح

محمد بن عباد، قال: كان جلوس الرضا عليه السلام على حصير في الصيف، وعلى مسح في الشتاء ، ولبسه الغليظ من الثياب ، حتى إذا برز للناس تزيّا(1)(2) .

الخزّ للخلق والمسح للحقّ

ولقيه سفيان الثوري في ثوب خزّ ، فقال : يا ابن رسول اللّه صلى الله عليه و آله ! لو لبست ثوبا أدنى من هذا !! فقال : هات يدك ، فأخذ بيده ، وأدخل كمّه ، فإذا تحت ذلك مسح .

فقال : يا سفيان الخزّ للخلق والمسح للحقّ .

أعطني على قدر مروّتك

يعقوب بن إسحاق النوبختي ، قال : مرّ رجل بأبي الحسن الرضا عليه السلام ، فقال له : أعطني على قدر مروّتك ، قال عليه السلام : لا يسعني ذلك ، فقال : على قدر مروّتي ، قال : إذا فنعم ، ثمّ قال : يا غلام اعطه مائتي دينار(3) .

خذ واخرج لا أراك ولا تراني

اليسع بن حمزة في حديثه : إنّ رجلاً قال له : السلام عليك يا ابن رسول

ص: 222


1- في المصادر : « تزين لهم » .
2- اعلام الورى : 2/64 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/192 باب 44 ح 1 .
3- كشف الغمّة للإربلي : 3/161 .

اللّه صلى الله عليه و آله ، أنا رجل من محبّيك ، ومحبّي آبائك ، مصدري من الحجّ ، وقد نفدت نفقتي ، وما معي ما أبلغ مرحلة ، فإن رأيت أن تهيّئني إلى بلدي - وللّه عليّ نعمة - فإذا بلغت بلدي تصدّقت بالذي تولّيني عنك ، فلستُ موضع صدقة .

فقام عليه السلام فدخل الحجرة ، وبقى ساعة ، ثمّ خرج ، وردّ الباب ، وأخرج يده من أعلى الباب ، فقال : خذ هذه المائتي دينار فاستعن بها في أمورك ونفقتك ، وتبرّك بها ، ولا تتصدّق بها عنّي ، اخرج ولا أراك ولا تراني .

فلمّا خرج سئل عن ذلك ، فقال : مخافة أن أرى ذلّ السؤال في وجهه لقضاء حاجته ، أما سمعت حديث رسول اللّه صلى الله عليه و آله : المستترّ بالحسنة تعدل سبعين حجّة ، والمذيع بالسيّئة مخذول ، والمستترّ بها مغفور ، أما سمعت قول الأوّل :

متى آته يوما أطالب حاجة

رجعت إلى أهلي ووجهي بمائه(1)

* * *

فرّق ماله كلّه في يوم عرفة

وفرّق عليه السلام بخراسان ماله كلّه في يوم عرفة ، فقال له الفضل بن سهل : إنّ هذا لمغرم ، فقال : بل هو المغنم ، لا تعدّنّ مغرما ما ابتغيت به أجرا وكرما(2) .

ص: 223


1- الكافي : 4/24 ح 3 .
2- محاضرات الأدباء : 1/684 .

كان يجلس مماليكه على مائدته

إبراهيم بن العباس : كان الرضا عليه السلام إذا جلس على مائدته أجلس عليها مماليكه حتى السائس والبوّاب(1) .

من شعره عليه السلام

وله

عليه السلام :

لبست بالعفّة ثوب الغنى

وصرت أمشي شامخ الرأس

لست إلى النسناس مستأنسا

لكنّني آنس بالناس

إذا رأيت التيه من ذي الغنى

تهت على التائه بالياس

ما إن تفاخرت على معدم

ولا تضعضعت لإفلاس

* * *

استعمال التقيّة في مجلس المأمون

ودخل زيد بن موسى بن جعفر عليهماالسلام على المأمون فأكرمه ، وعنده الرضا عليه السلام ، فسلّم زيد عليه فلم يجبه ، فقال : أنا ابن أبيك ، ولا تردّ عليّ سلامي ؟

فقال عليه السلام : أنت أخي ما أطعت اللّه ، فإذا عصيت اللّه فلا إخاء بيني وبينك(2).

ص: 224


1- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/198 باب 44 ح 7 ، اعلام الورى : 2/63 .
2- رواه بالمعنى والمضمون عن عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/259 ، وليس في المصدر أنّه سلّم على الإمام عليه السلام فلم يردّ عليه السلام . .

إسلام معروف الكرخي على يديه

وذكر ابن الشهرزوري في مناقب الأبرار : إنّ معروف الكرخي كان من موالي علي بن موسى الرضا عليهماالسلام ، وكان أبواه نصرانيّين ، فسلّما معروفا إلى المعلّم ، وهو صبي ، فكان المعلّم يقول له : قل : ثالث ثلاثة ، وهو يقول : بل هو الواحد ، فضربه المعلّم ضربا مبرحا ، فهرب(1) ، ومضى إلى الرضا عليه السلام ، وأسلم على يده .

ثمّ إنّه أتى داره ، فدقّ الباب ، فقال أبوه : من بالباب ؟ فقال : معروف ، فقال : على أيّ دين ؟ قال : على ديني الحنيفي ، فأسلم أبوه ببركات الرضا عليه السلام .

قال معروف : فعشت زمانا ، ثمّ تركت كلّما كنت فيه إلاّ خدمة مولاي علي بن موسى الرضا(2) عليهماالسلام .

دلّك رجلاً في الحمام

ودخل عليه السلام الحمّام ، فقال له بعض الناس : دلّكني يا رجل ، فجعل يدلّكه ، فعرّفوه ، فجعل الرجل يستعذر منه ، وهو يطيب قلبه ويدلّكه .

سبعة أشراف عند الخاصّ والعامّ كتب عنهم الحديث

وفي المحاضرات : إنّه ليس في الأرض سبعة أشراف عند الخاصّ والعامّ

ص: 225


1- سير أعلام النبلاء للذهبي : 9/339 .
2- وفيات الأعيان : 5/232 .

كتب عنهم الحديث إلاّ علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام(1) .

قال عبد اللّه بن المبارك :

هذا علي والهدى يقوده

من خير فتيان قريش عوده(2)

* * *

أمّ الرضا عليه السلام

هشام بن أحمد ، قال أبو الحسن الأوّل عليه السلام : هل علمت أحدا من أهل المغرب قدم ؟ قلت : لا ، قال : بلى ، قد قام رجل من أهل المغرب إلى المدينة ، فانطلق بنا .

فركب وركبت معه حتى انتهينا إلى الرجل ، فاستعرضت منه جارية ، فعرض علينا سبع جواري ، كلّ ذلك يقول أبو الحسن عليه السلام : لا حاجة لي فيها ، ثمّ قال : اعرض علينا ، فقال : ما عندي إلاّ جارية مريضة ، فقال له : ما عليك أن تعرضها ؟ فأبى عليه ، فانصرف .

ثمّ أرسلني من الغد ، فقال لي : قل له : كم غايتك فيها ؟ فإذا قال لك : كذا وكذا ، فقل : قد أخذتها ، قال : هي لك ، ولكن أخبرني مَن الرجل الذي كان معك أمس ؟ قلت : رجل من بني هاشم .

ص: 226


1- محاضرات الأدباء : 1/405 « عن جعفر بن محمد عليه السلام . . » .
2- الفتوح لابن أعثم : 3/179 ، المناقب للخوارزمي : 227 « من أراجيز صفين » .

قال : أخبرك أنّي اشتريتها من أقصى المغرب ، فلقيتني امرأة من أهل الكتاب ، فقالت : ما هذه الوصيفة معك ؟ قلت : اشتريتها لنفسي ، قالت : ما ينبغي أن تكون هذه عند مثلك ، إنّ هذه الجارية ينبغي أن تكون عند خير أهل الأرض ، فلم تلبث عنده إلاّ قليلاً حتى تلد غلاما لم يولد بشرق الأرض ولا غربها مثله ، فولدت له الرضا(1) عليه السلام .

أنت تجلّ عن وصفنا

وعزّى أبو العيناء ابن الرضا عليه السلام عن أبيه ، قال له : أنت تجلّ عن وصفنا ، ونحن نقلّ عن عظتك ، وفي علم اللّه ما كفاك ، وفي ثواب اللّه ما عزّاك .

مسجد زرد ومدفن ولد الرضا عليه السلام

والأصل في مسجد زرد(2) في كورة مرو أنّه صلّى فيه الرضا عليه السلام ، فبنى مسجدا ، ثمّ دفن فيه ولد الرضا عليه السلام ، ويروى فيه من الكرامات .

ولاية العهد

أبو الصلت وياسر وغيرهما : إنّ المأمون قال للرضا عليه السلام : يا ابن رسول

ص: 227


1- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 2/26 ح 4 ، الكافي : 1/486 ح 1 ، روضة الواعظين للفتال : 235 ، الإرشاد للمفيد : 2/254 ، الاختصاص للمفيد : 197 ، الخرائج للراوندي : 2/654 ، بشارة المصطفى : 333 ح 21 .
2- في النسخ المطبوعة : « رزد » ، وما أثبتناه من المخطوطة ونسخة البحار .

اللّه صلى الله عليه و آله ، قد عرفت فضلك وعلمك وزهدك وورعك وعبادتك ، وأراك أحقّ بالخلافة منّي ، فقال الرضا عليه السلام : بالعبوديّة للّه أفتخر ، وبالزهد في الدنيا أرجو النجاة من شرّ الدنيا ، وبالورع عن المحارم أرجو الفوز بالمغانم ، وبالتواضع في الدنيا أرجو الرفعة عند اللّه .

فقال له المأمون : فإنّي قد رأيت أن أعزل نفسي عن الخلافة ، وأجعلها لك وأبايعك ، فقال له الرضا عليه السلام : إن كانت هذه الخلافة لك ، فلا يجوز أن تخلع لباسا ألبسكه اللّه وتجعله لغيرك ، وإن كانت الخلافة ليست لك ، فلا يجوز أن تجعل لي ما ليس لك .

فقال المأمون : لابدّ لك من قبول هذا الأمر ، فقال : لست أفعل ذلك طائعا أبدا .

فما زال يجهد به أيّاما ، والفضل والحسن يأتيانه حتى يئس من قبوله ، فقال : فكُن وليّ عهدي .

فقال الرضا عليه السلام : واللّه لقد حدّثني أبي عن آبائه عن أمير المؤمنين عن رسول اللّه - صلوات اللّه عليهم - أنّي أخرج من الدنيا قبلك مقتولاً بالسمّ مظلوما ، تبكي عليّ ملائكة السماء والأرض ، وأدفن في أرض غربة إلى جنب هارون .

فقال : ومن الذي يقتلك أو يقدر على الإساءة إليك وأنا حيّ ؟! قال : أما إنّي لو أشاء أن أقول من الذي يقتلني لقلت ، فقال : إنّما تريد التخفيف عن نفسك بهذا !

ص: 228

قال : وإنّي لأعلم ما تريد بذلك ، أن تقول للناس : إنّ علي بن موسى لم يزهد في الدنيا ، بل الدنيا زهدت فيه ، ألا ترون كيف قبل ولاية العهد طمعا في الخلافة ؟!

فقال المأمون : إنّ عمر بن الخطاب جعل الشورى في ستّة نفر ، وشرط فيمن خالف منهم أن يضرب عنقه ، فباللّه أقسم لئن قبلت ولاية العهد ، وإلاّ أجبرتك على ذلك ، فإن فعلت وإلاّ ضربت عنقك .

فقال الرضا عليه السلام : إنّ اللّه نهاني أن ألقي بيدي إلى التهلكة ، فإن كان الأمر على هذا ، فافعل ما بدا لك ، وأنا أقبل ولاية العهد على أنّني لا آمر ولا أنهى ، ولا أُفتي ولا أقضي ، ولا أولّي ولا أعزل ، ولا أغيّر شيئا ممّا هو قائم .

فأجابه المأمون إلى ذلك كلّه ، وخرج ذو الرياستين قائلاً : واعجبا ، وقد رأيت عجبا ، رأيت المأمون أمير المؤمنين يفوّض أمر الخلافة إلى الرضا عليه السلام ، ورأيت الرضا عليه السلام يقول : لا طاقة لي بذلك ، ولا قوّة لي عليه ، فما رأيت خلافة قطّ كانت أضيع منه(1) .

ثمّ إنّه خرج الفضل ، فأعلم الناس برأي المأمون في علي بن موسى الرضا عليهماالسلام ، وأنّه قد ولاّه عهده ، وسمّاه الرضا !!

قال العوني :

ذاك الذي آثره المأمون بال-

-عهد وسمّاه الرضا لما اختبر

* * *

ص: 229


1- أمالي الصدوق : 127 مج 16 ح 115 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/151 ح 3 ، روضة الواعظين للفتال : 225 .

وأمرهم بلبس الخضرة ، والعود لبيعته في الخميس على أن يأخذوا أرزاق سنة .

فلمّا كان ذلك اليوم جلس المأمون والرضا في الخضرة ، ثمّ أمر ابنه العباس بن المأمون يبايع له أوّل الناس ، فدفع الرضا عليه السلام يده ، فتلقى بها(1) وجه نفسه وببطنها وجوههم ، فقال المأمون : ابسط يدك للبيعة ، فقال عليه السلام : إنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله هكذا كان يبايع .

فبايعه الناس ، ويده فوق أيديهم ، ووضعت البدر ، وجعل أبو عباد يدعو بعلويّ وعباسيّ ، فيقبضون جوائزهم .

فخطب عبد الجبار بن سعيد في تلك السنة على منبر رسول اللّه صلى الله عليه و آله بالمدينة ، فقال في الدعاء له : وليّ عهد المسلمين علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام :

ستّة آباؤهم من هم(2)

أفضل من يشرب صوب الغمام(3)

* * *

فأمر المأمون فضربت له الدراهم ، وطبع عليها اسم الرضا عليه السلام ، وهي الدراهم المعروفة بالرضوية .

ص: 230


1- في النسخ المطبوعة : « فتلقائها » ، وما أثبتناه من المخطوطة والإرشاد ، وفي المقاتل والروضة : « فتلقى بظاهرها » .
2- في بعض المصادر : « ما هم » ، وفي بعضها : « أمهاتهم » .
3- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/157 ، روضة الواعظين للفتال : 226 ، مقاتل الطالبيين : 377 ، الإرشاد للمفيد : 2/262 .

اللّهم إنّك تعلم أنّي مكره مضطرّ

ونظر الرضا إلى وليّ له وهو مستبشر بما جرى ، فأومى إليه أن ادن ، فدنا منه ، فقال سرّا : لا تشغل قلبك بهذا الأمر ، ولا تستبشر ، فإنّه شيء لا يتمّ .

فسمع منه وقد رفع يده إلى السماء وقال : اللّهم إنّك تعلم أنّي مكره

مضطرّ ، فلا تؤاخذني ، كما لم تؤاخذ عبدك ونبيّك يوسف عليه السلام حين دفع إلى ولاية مصر(1) .

دخل في ولاية العهد كما دخل جدّه في الشورى

اشارة

محمد بن عرفة ، قلت للرضا عليه السلام : يا ابن رسول اللّه ما حملك على الدخول في ولاية العهد ؟

فقال : ما حمل جدّي أمير المؤمنين عليه السلام على الدخول في الشورى(2) .

نسخة خطّ الرضا عليه السلام على العهد الذي عهده المأمون إليه

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه الفعّال لما يشاء ، لا معقّب لحكمه ، ولا رادّ لقضائه ، « يَعْلَمُ خائِنَةَ الأَْعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ » ، وصلواته على نبيّه محمد خاتم النبيين

وآله الطيّبين الطاهرين .

ص: 231


1- روضة الواعظين للفتال : 226 ، مقاتل الطالبيين : 367 ، شرح الأخبار للقاضي النعمان : 3/340 ، الإرشاد للمفيد : 2/261 ، اعلام الورى : 2/93 .
2- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/152 ح 1 .

أقول ، وأنا علي بن موسى بن جعفر :

إنّ أمير المؤمنين - عضّده اللّه بالسداد ، ووفّقه للرشاد - عرف من حقّنا ما جهله غيره ، فوصل أرحاما قطعت ، وآمن أنفسا فزعت ، بل أحياها وقد تلفت ، وأغناها إذ افتقرت ، مبتغيا رضى ربّ العالمين ، لا يريد جزاء من غيره « وَسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرِينَ » و« لا يُضِيعُ أَجْرَ الُْمحْسِنِينَ » ، فإنّه جعل إليّ عهده ، والإمرة الكبرى إن بقيتُ بعده ، فمن حلّ عقدة أمر اللّه بشدّها ، وقصم عروة أحبّ اللّه إيثاقها ، فقد أباح حريمه ، وأحلّ محرّمه ، إذ كان بذلك زاريا على الإمام ، متهتّكا حرمة الإسلام ، بذلك جرى السالف فصبر منه على الفلتات ، ولم يعترض بها على الغرمات ، خوفا على شتات الدين ، واضطراب حبل المسلمين ، ولقرب أمر الجاهلية ، ورصد فرصة تنتهز ، وبائقة تبتدر ، وقد جعلت للّه على نفسي إذ استرعاني أمر المسلمين ، وقلّدني خلافته العمل فيهم عامّة ، وفي بني العباس بن عبد المطلب خاصّة بطاعته وسنّة رسوله صلى الله عليه و آله ، وأن لا أسفك

دما حراما ، ولا أبيح فرجا ولا مالاً إلاّ ما سفكته حدوده وأباحته فرائضه ، وأن أتخيّر الكفاة جهدي وطاقتي ، وقد جعلت بذلك على نفسي عهدا مؤكّدا يسألني اللّه عنه ، فإنّه - عزّ وجلّ - يقول : « أَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤلاً » ، فإن أحدثت أو غيّرت أو بدّلت كنتُ للعتب مستحقّا ، وللنكال متعرّضا ، وأعوذ باللّه من سخطه ، وإليه أرغب في التوفيق لطاعته ، والحول بيني وبين معصيته في عافية لي وللمسلمين ، والجامعة والجفر يدلاّن على ضدّ ذلك ، « وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا

ص: 232

بِكُمْ » ، « إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ » ، لكنّي امتثلت أمر أمير المؤمنين وآثرت رضاه ، واللّه يعصمني وإيّاه ، وأشهدت اللّه على نفسي بذلك « وَكَفى بِاللّهِ شَهِيداً » .

وكتبت بخطّي بحضرة أمير المؤمنين - أطال اللّه بقاه - ، والفضل بن سهل ، ويحيى بن أكثم ، وعبد اللّه بن طاهر ، وثمامة بن أشرس ، وبشر بن المعتمر ، وحمّاد بن النعمان ، في شهر رمضان سنة إحدى ومائتين(1) .

وقد ذكر ابن المعتزّ ذلك مع نصبه في قصائد منها :

وأعطاكم المأمون حقّ خلافة

لنا حقّها لكنّه جاد بالدنيا(2)

فمات الرضا من بعد ما قد علمتمولاذت بنا من بعده مرّة أخرى

* * *

دخول الشعراء عليه

وكان دخل عليه الشعراء :

فأنشد دعبل :

مدارس آيات خلت من تلاوة

ومنزل وحي مقفّر العرصات(3)

ص: 233


1- صبح الأعشى : 9/412 ، التدوين في أخبار قزوين : 3/427 ، المنتظم : 10/98 ، كشف الغمّة للإربلي : 3/128 ، الفصول المهمة لابن الصباغ : 2/1011 .
2- الوافي بالوفيات : 17/246 .
3- روضة الواعظين للفتال : 226 ، الإرشاد للمفيد : 2/263 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/53 ، أمالي المرتضى : 130 .

وأنشد إبراهيم بن العباس :

أزالت عزاء القلب بعد التجلّد

مصارع أولاد النبي محمد(1)

* * *

وأنشد أبو نؤاس :

مطهّرون نقيّات ثيابهم

تتلى الصلاة عليهم أينما ذكروا

مَن لم يكن علويّا حين تنسبه

فما له في قديم الدهر مفتخر

واللّه لمّا برا خلقا فأتقنه

صفاكم واصطفاكم أيّها البشر

فأنتم الملأ الأعلى وعندكم

علم الكتاب وماجاءت به السور

فقال الرضا عليه السلام : قد جئتنا بأبيات ما سبقك أحد إليها ، يا غلام ، هل معك من نفقتنا شيء ؟ فقال : ثلاثمائة دينار ، فقال : أعطها إيّاه ، ثمّ قال : يا غلام ، سق إليه البغلة(2) .

وقال ابن حمّاد :

إذا جذت شبهة في الدين مبهمة

فهم مصابيحها للخلق والسرج

هم الشموس التي تهدى الأنام وما

غير المنيف إذا يعزى ولا فرج

مشكاة نور ومصباح يضيى ء بها

كأنّه كوكب يوري وينسرج

* * *

ص: 234


1- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/154 ، أمالي المرتضى : 130 .
2- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/155 باب 4 ح 10 ، بشارة المصطفى : 134 ، اعلام الورى : 2/65 .

وقال كشاجم :

فكم فيهم من هلال هوى

قبيل التمام وبدر أفل

هم حجّة اللّه يوم المعاد

هم الناصرين على من خذل

ومن أنزل اللّه تفضيلهم

فردّ على اللّه ما قد نزل

فجدّهم خاتم الأنبياء

يعرف ذاك جميع الملل

ووالدهم سيّد الأوصياء

معطي الفقير ومردي البطل

* * *

وقال أسامة :

أمّكم فاطمة وجدّكم محمد

وحيدر أبوكم طبتم وطاب المولد

* * *

ص: 235

ص: 236

فصل 6 : في أحواله وتواريخه عليه السلام

اشارة

فصل 6 : في أحواله وتواريخه عليه السلام(1)

ص: 237


1- في المخطوطة وبعض النسخ المطبوعة : « في المفردات » ، وما أثبتناه من نسخة « النجف » .

ص: 238

اسمه

علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام .

كنيته

يكنّى أبو الحسن ، والخاصّ : أبو علي(1) .

ألقابه

وألقابه : سراج اللّه ، ونور الهدى ، وقرّة عين المؤمنين ، ومكيدة الملحدين ، كفو الملك ، وكافي الخلق ، وربّ السرير ، ورأب(2) التدبير ، والفاضل ، والصابر ، والوفي ، والصدّيق ، والرضي(3) .

علّة تسميته الرضا

قال أحمد البزنطي : وإنّما سمّي الرضا ، لأنّه كان رضى اللّه - تعالى -

ص: 239


1- في المصادر : « أبو محمد » .
2- في المخطوطة : « راب » ، وفي البحار وبعض النسخ : « رئاب » ، وهو المصلح .
3- دلائل الإمامة : 359 ، الهداية الكبرى : 279 .

في سمائه ، ورضى لرسوله والأئمّة عليهم السلام بعده في أرضه(1) . وقيل : لأنّه رضي به المخالف والمؤالف .

وقيل : لأنّه رضي به المأمون(2) !!

أُمّه

وأمّه أمّ ولد يقال لها « سكن النوبية » .

ويقال : خيزران المرسية .

ويقال : نجمة ، رواه ميثم .

ويقال : صقر(3) .

وتسمّى أروى أمّ البنين(4) .

ولمّا ولدت الرضا عليه السلام سمّاها الطاهرة .

تاريخ ولادته

ولد يوم الجمعة بالمدينة .

وقيل : يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الأوّل(5) سنة

ص: 240


1- اعلام الورى : 2/42 .
2- علل الشرائع : 1/237 باب 173 ح 1 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 2/22 ح 1 .
3- في بعض المصادر : « صفراء » ، وفي بعضها : « شقراء » .
4- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 2/26 ، روضة الواعظين للفتال : 235 ، دلائل الإمامة : 359 ، اعلام الورى : 2/40 .
5- في روضة الوعظين واعلام الورى : « ذو القعدة » .

ثلاث وخمسين ومائة(1) ، بعد وفاة الصادق عليه السلام بخمس سنين ، رواه ابن بابويه(2) .

وقيل : سنة إحدى وخمسين ومائة .

ملوك عصره

فكان في سنيّ إمامته بقيّة ملك الرشيد ، ثمّ ملك الأمين ثلاث سنين وثمانية عشر يوما ، وملك المأمون عشرين سنة وثلاثة وعشرين يوما(3) .

وأخذ البيعة في ملكه للرضا عليه السلام بعهد المسلمين من غير رضى في الخامس من شهر رمضان سنة إحدى ومائتين(4) .

وزوّجه ابنته أمّ حبيب(5) في أوّل سنة إثنتين ومائتين ، وقيل : سنة ثلاث ، وهو - يومئذٍ - ابن خمس وخمسين سنة ، وذكر ابن همّام تسعة وأربعين سنة وستّة أشهر . وقيل : وأربعة أشهر(6) .

مدّة إمامته

وقام بالأمر ، وله تسع وعشرون سنة وشهران .

ص: 241


1- روضة الواعظين للفتال : 235 ، اعلام الورى : 2/40 .
2- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 2/28 ، بشارة المصطفى : 336 .
3- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 2/29 ، بشارة المصطفى : 337 .
4- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 2/29 ، بشارة المصطفى : 337 .
5- تاريخ الطبري : 7/149 ، الفتوح لابن أعثم : 8/424 .
6- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/274 ، اعلام الورى : 2/86 .

وعاش مع أبيه تسعا وعشرين سنة وأشهرا ، وبعد أبيه أيّام إمامته عشرين سنة(1) .

ولده

وولده محمد الإمام عليه السلام فقط(2) .

مشهده

ومشهده بطوس من خراسان في القبّة التي فيها هارون ، إلى جانبه ممّا يلي القبلة ، وهي دار حميد بن قحطبة الطائي في قرية يقال لها : « سناباذ » من رستاق نوقان(3) .

رواة نصّ أبيه

ورواة نصّ أبيه : داود بن كثير الرقّي ، ومحمد بن إسحاق بن عمّار ، وعلي بن يقطين ، ونعيم القابوسي ، والحسين بن المختار ، وزياد بن مروان ، وداود بن سليمان ، ونصر بن قابوس ، وداود بن رزين ، ويزيد بن سليط ، ومحمد بن سنان المخزومي(4) .

ص: 242


1- الهداية الكبرى : 279 ، تاريخ الأئمة للبغدادي : 12 ، دلائل الإمامة : 177 .
2- دلائل الإمامة : 359 ، تاريخ الأئمة لابن خشاب : 38 « ذكر له عليه السلام ستة » ، تاج المواليد : 51 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/279 باب 64 .
3- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 2/28 ، بشارة المصطفى : 336 .
4- الإرشاد للمفيد : 2/248 .

وروى نعيم القابوسي عن أبي الحسن عليه السلام أنّه قال : ابني علي أكبر ولدي ، وآثرهم عندي ، وأحبّهم إليّ ، وهو ينظر معي في الجفر ، ولم ينظر إليه إلاّ نبيّ أو وصيّ نبيّ(1) .

داود بن رزين ، قال : جئت إلى أبي إبراهيم عليه السلام بمال ، فأخذ بعضه وترك بعضه ، فقلت : أصلحك اللّه لأيّ شيء تركته عندي ؟ فقال : إنّ صاحب هذا الأمر يطلبه منك .

فلمّا جاء نعيه بعث إليّ أبو الحسن عليه السلام ، فسألني ذلك المال ، فدفعته إليه(2) .

بابه

وكان بابه : محمد بن راشد(3) .

ثقاته

ومن ثقاته : أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي ، ومحمد بن الفضل الكوفي الأزدي ، وعبد اللّه بن جندب البجلي ، وإسماعيل بن سعد الأخوص الأشعري ، وأحمد بن محمد الأشعري .

ص: 243


1- بصائر الدرجات للصفار : 178 باب 14 ح 24 ، الكافي : 1/311 ح 2 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 2/40 ح 27 ، الإرشاد للمفيد : 2/249 ، الغيبة للطوسي : 35 ح 12 ، اعلام الورى : 2/44 .
2- الكافي : 1/131 ح 13 ، الإرشاد للمفيد : 2/252 ، الغيبة للطوسي : 39 ح 18 ، اعلام الورى : 2/47 .
3- في دلائل الإمامة : 359 « محمد بن فرات » .

أصحابه

ومن أصحابه : الحسن بن علي الخزّاز - ويعرف بالوشّاء - ، ومحمد بن سليمان الديلمي البصري ، وعلي بن الحكم الأنباري ، وعبد اللّه بن المبارك النهاوندي ، وحمّاد بن عثمان الباب ، وسعد بن سعد ، والحسن بن سعيد الأهوازي ، ومحمد بن الفرج الرجحي ، وخلف البصري ، ومحمد بن سنان ، وبكر بن محمد الأزدي ، وإبراهيم بن محمد الهمداني ، ومحمد بن أحمد بن قيس بن غيلان ، وإسحاق بن محمد الحضيني(1) .

سبب قتله

قال ابن سنان : كان المأمون يجلس في ديوان المظالم يوم الإثنين ويوم الخميس ، ويقعد الرضا عليه السلام على يمينه ، فرفع إليه أنّ صوفيّا من أهل الكوفة سرق ، فأمر بإحضاره ، فرأى عليه سيماء الخير ، فقال : سوءا لهذه الآثار الجميلة بهذا الفعل القبيح ، فقال الرجل : فعلت ذلك اضطرارا لا اختيارا ، وقال اللّه تعالى : « فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لإِِثْمٍ » فلا إثم ، وقد منعتَ من الخمس والغنائم ، فقال : وما حقّك منها ؟ فقال : قال اللّه تعالى : « وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ » ، فمنعتني حقّي ، وأنا مسكين وابن السبيل ، وأنا من حملة القرآن ، وقد منعت كلّ سنة منّي مائتي دينار بقول النبي صلى الله عليه و آله .

ص: 244


1- انظر رجال الطوسي : 351 .

فقال المأمون : لا أعطّل حدّا من حدود اللّه ، وحكما من أحكامه في السارق من أجل أساطيرك هذه .

قال : فابدأ أوّلاً بنفسك فطهّرها ، ثمّ طهّر غيرك ، وأقم حدود اللّه عليها ثمّ على غيرك .

قال : فالتفت المأمون إلى الرضا عليه السلام فقال : ما تقول ؟

قال : إنّه يقول : سرقتَ فسرق .

قال : فغضب المأمون ، ثمّ قال : واللّه لأقطعنّك ، قال : أتقطعني وأنت عبدي ؟

فقال : ويلك أيش تقول ؟!

قال : أليس أمّك اشتريت من مال الفيء ، ولا تقسمها بالحقّ ، وأنت عبد لمن في المشرق والمغرب من المسلمين حتى يعتقوك ، وأنا منهم وما أعتقتك ، والأخرى أنّ النجس لا يطهّر نجسا ، إنّما يطهّره طاهر ، ومَن في جنبه حدّ لا يقيم الحدود على غيره حتى يبدأ بنفسه ، أما سمعت اللّه - تعالى - يقول : « أَتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ » ؟

فالتفت المأمون إلى الرضا عليه السلام ، فقال : ما تقول ؟

قال : إنّ اللّه - عزّ وجلّ - قال لنبيّه : « قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ » ، وهي التي تبلغ الجاهل فيعلمها بجهله كما يعلمها العالم بعلمه ، والدنيا والآخرة قائمتان بالحجّة ، وقد احتجّ الرجل .

ص: 245

قال : فأمر بإطلاق الرجل الصوفي وغضب على الرضا عليه السلام في السرّ(1)(2) .

المأمون لا يميز بين عقد البيعة وفسخها

وفي حديث الريّان بن شبيب : إنّه لمّا أراد المأمون أن يأخذ البيعة لنفسه بإمرة المؤمنين ، وللرضا عليه السلام بولاية العهد ، وللفضل بن سهل بالوزارة ، أذن للناس فدخلوا يبايعون يصفقون أيمانهم على أيمانهم من أعلى الإبهام إلى الخنصر ويخرجون .

حتى بايع فتى في آخر الناس من أولاد الأنصار ، فصفق يمينه من الخنصر إلى أعلى الإبهام ، فتبسّم الرضا عليه السلام ، ثمّ قال للمأمون : كلّ من بايعنا يفسخ البيعة من عقدها غير هذا الفتى ، فإنّه بايعنا بعقدها ، فقال المأمون : وما فسخ البيعة من عقدها ؟

قال : عقد البيعة من الخنصر إلى أعلى الإبهام ، وفسخها من أعلى الإبهام إلى الخنصر .

فأمر المأمون بإعادة الناس إلى البيعة ، فقالوا : كيف يستحقّ البيعة والإمامة وهو لا يعرف عقد البيعة ؟ إنّ من علم أولى بهذا ممّن لا يعلم(3) .

ص: 246


1- علل الشرائع : 1/240 باب 174 ح 2 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/263 .
2- قال الصدوق رحمه الله في كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام بعد ذكر الخبر : روي هذا الحديث كما حكيته وأنا بريء من عهدة صحّته .
3- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/265 باب 59 ح 2 .

ما يكفينا ما صنعنا بأبيه ؟!

صفوان : قال يحيى بن خالد الطاغي : هذا علي ابنه قد قعد وادّعى الأمر لنفسه ، فقال : ما يكفينا ما صنعنا بأبيه تريد أن تقتلهم جميعا(1) ؟!

قد أمنّا جانبه

وفي إعلام الورى أنّه قال الحسن الطيّب : لمّا توفّي أبو الحسن موسى عليه السلام دخل الرضا عليه السلام السوق ، واشترى كلبا وكبشا وديكا ، فلمّا كتب صاحب الخبر بذلك إلى هارون قال : قد أمنّا جانبه .

وكتب الزبيري : إنّ علي بن موسى عليهماالسلام قد فتح بابه ، ودعى إلى نفسه ، فقال هارون : واعجبا ، إنّ علي بن موسى عليهماالسلام قد اشترى كلبا وكبشا وديكا ، ويكتب فيه بما يكتب(2) !

استسقاء الإمام ومصير المستهزى ء

علي بن محمد بن سيّار ، عن آبائه ، قال : لمّا بويع الرضا عليه السلام قلّ المطر ، فقالوا : هذا من نكده ، فسأله المأمون أن يستسقي ، فقبل ، وقال : رأيت رسول اللّه صلى الله عليه و آله في منامي يقول : يا بنيّ انتظر يوم الإثنين ، وابرز إلى

ص: 247


1- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/246 باب 50 ح 4 ، اعلام الورى : 2/60 .
2- اعلام الورى : 2/60 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/222 باب 47 ح 4 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 492 .

الصحراء واستسق ، فإنّ اللّه يسقيهم ، وأخبرهم بما يريد اللّه ، وهم لا يعلمون حالك ، ليزداد علمهم بفضلك ومكانك من ربّك .

فبرز يوم الإثنين ، وصعد المنبر ، وحمد اللّه وأثنى عليه ، ثمّ قال :

اللّهمّ يا ربّ أنت عظّمت حقّنا أهل البيت ، فتوسّلوا بنا كما أمرت ، وأمّلوا فضلك ورحمتك ، وتوقّعوا إحسانك ونعمتك ، فاسقهم سقيا نافعا عامّا غير رائث ولا ضائر ، وليكن ابتداء مطرهم بعد انصرافهم من مشهدهم هذا إلى منازلهم ومقارّهم .

فرعدت السماء وبرقت وهاجت الرياح ، فتحرّك الناس ، فنبّأهم أنّ هذا العارض لبلدة كذا ، إلى تمام عشر مرّات ، ثمّ بدا عارض ، فقال : هذا لكم ، وأمرهم بالانصراف ، وقال : لم تمطر عليكم ما لم تبلغوا منازلكم ، ونزل من المنبر .

فكان كما قال ، فقالوا : هنيئا لولد رسول اللّه صلى الله عليه و آله كرامات اللّه - عزّ وجلّ - .

فلمّا حضر عند المأمون قال له حميد بن مهران : تجاوزت حدّك وصلت على قومك بناموسك ، فإن صدقت ، فامر هذين الأسدين المصوّرين الذين على مسند المأمون أن يأخذاني .

فغضب الرضا عليه السلام ونادى : دونكما الفاجر فافترساه ، ولا تبقيا له عينا ولا أثرا ، فانقلبا وقطّعاه وأكلاه .

ثمّ استقبلا الرضا عليه السلام وقالا : يا وليّ اللّه في أرضه ، ماذا تأمرنا أن نفعل بهذا ؟ قال : فغشي عليه ، فقال : امكثا .

ص: 248

ثمّ قال: صبّوا عليه ماء ورد وطيّبوه ، فلمّا صبّ عليه أفاقه، فقالا : أتأمرنا أن نلحقه بصاحبه ؟ فقال : لا ، لأنّ للّه - تعالى - فيّ تدبيرا هو متمّمه ، فقالا :

فما تأمرنا ؟ قال : عودا إلى مقرّكما كما كنتما ، فصارا صورتين على المسند .

فقال المأمون : الحمد للّه الذي كفاني شرّ حميد بن مهران(1) .

دعا فقال بالحقّ

معرفة الرجال : عن الكشّي ، قال محمد بن إسحاق لأبي الحسن عليه السلام : إنّ أبي يقول بحياة أبيك ، وأنا كثيرا ما أناظره ، فقال لي يوما : سل صاحبك إن كان بالمنزل الذي ذكرت أن يدعو اللّه لي حتى أصير إلى قومكم ، فأنا أحبّ أن تدعو اللّه له .

قال : فرفع أبو الحسن عليه السلام يده اليمنى ، فقال : اللّهمّ خذه بسمعه وبصره ومجامع قلبه حتى تردّه إلى الحقّ .

فأتى بريد فأخبرني بما كان ، فواللّه ما لبثت إلاّ قليلاً حتى قلت بالحقّ(2) .

استجاب اللّه دعوتك وهداك إلى دينك

وفيه : أنّه قال عبد اللّه بن المغيرة : كنت واقفا ، فتعلّقت بالملتزم وقلت :

اللّهمّ ارشدني إلى خير الأديان ، فوقع في نفسي أن آتي الرضا عليه السلام .

ص: 249


1- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/179 باب 41 ح 1 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 467ح 394 .
2- إختيار معرفة الرجال للطوسي : 2/865 ح 1126 .

فأتيت المدينة ، فوقفت ببابه وقلت للغلام : قل لمولاك : رجل من أهل العراق بالباب ، فسمعت نداء : ادخل يا عبد اللّه بن المغيرة ، فدخلت .

فلمّا نظر إليّ قال : قد استجاب اللّه دعوتك ، وهداك إلى دينك .

فقلت : أشهد أنّك حجة اللّه (1) .

أخبره باسم ولد له لا يعرفه

إبراهيم بن شعيب ، قال : كتبت إلى الرضا عليه السلام : إنّ من كان قبلنا من آبائك كان يخبرنا بأشياء فيها براهين ، قد أحببت أن تخبرني باسمي واسم أبي وولدي .

فجاء جوابه : يا إبراهيم ، إنّ من آبائك شعيبا وصالحا ، ومن أبنائك محمدا وعليا ، وفلانة وفلانة ، وزاد اسما لا نعرفه(2) .

قال : فقال له بعض أهل المجلس : اعلم أنّه كما صدقك في غيره صدقك فيه ، فابحث عنه(3) .

صلاة العيد

ياسر الخادم وريّان بن الصلت : إنّ المأمون بعث إلى الرضا عليه السلام

ص: 250


1- إختيار معرفة الرجال للطوسي : 2/857 ح 1110 ، الكافي : 1/355 ج 13 ، الاختصاص للمفيد : 84 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 5 ح 398 ، الخرائج للراوندي : 1/361 ح 15 .47
2- في نسخة : « فقال الناس : إنّه اسم حنث انبئك » .
3- إختيار معرفد الرجال للطوسي : 2/770 ح 896 .

بالركوب إلى العيد والصلاة بالناس والخطبة بهم - وذلك بمرو - ، فقال : قد علمت ما كان بيني وبينك من الشرائط في دخول الأمر ، فاعفني من الصلاة بالناس .

فألحّ عليه ، فقال : إن أعفيتني فهو أحبّ إليّ ، وإن لم تعفني خرجت كما خرج رسول اللّه صلى الله عليه و آله وأمير المؤمنين عليه السلام ، قال : اخرج كما شئت .

وأمر أن يبكّروا إلى بابه ، فوقف الناس والجنود في المواضع ينتظرونه .

فلمّا طلعت الشمس ، اغتسل أبو الحسن عليه السلام ، ولبس ثيابا بيضا من قطن ، وتطيّب طيبا ، وأخذ بيده عكازة ، وهو حاف قد شمّر سراويله إلى نصف الساق ، فمشى قليلاً ورفع رأسه إلى السماء وكبّر .

فلمّا رآه القوّاد هكذا تزيّوا بزيّه ، فخيّل إلينا أنّ السماء والأرض تجاوبه ، وتزعزعت مرو بالبكاء لمّا رأوه وسمع تكبيره .

فقال الفضل بن سهل : يا أمير المؤمنين ، إن بلغ الرضا افتتن به الناس ، وخفنا كلّنا على دمائنا .

فبعث إليه المأمون : قد كلّفناك شططا ، ولسنا نريد أن يلحقك أذى ، فارجع ، وليصلّ بالناس من كان يصلّي بهم على رسمه ، وكان قد بلغ مسجد« خركاه تراشان » ، فدخل فيه ، وصلّى تحت عباية فيه ، ثمّ لبس الموزج(1) ، وركب وانصرف ، فاختلف أمر الناس ، ولم ينتظم في صلاتهم(2) .

ص: 251


1- الموزج : الخفّ .
2- الكافي : 1/489 ح 7 ، روضة الواعظين للفتال : 227 ، الإرشاد للمفيد : 2/264 ، اعلام الورى : 2/76 .

وقال البحتري :

ذكروا بطلعتك النبي فهلّلوا

لمّا طلعت من الصفوف وكبّروا

حتى انتهيت إلى المصلّى لابسا

نور الهدى يبدو عليك فيظهر

ومشيت مشية خاشع متواضع

للّه لا يزهى ولا يتكبّر

ولو أنّ مشتاقا تكلّف غير ما

في وسعه لمشى إليك المنبر

* * *

من شعره عليه السلام

وأنشأ الرضا عليه السلام :

إذا كان من دوني بليت بجهله

أبيت لنفسي أن أقابل بالجهل

وإن كان مثلي في محلّي من النهى

أخذت بحلمي كي أجلّ عن المثل

وإن كنت أدنى منه في الفضل والحجى

عرفت له حقّ التقدّم والفضل

* * *

وله

عليه السلام :

وذي غيلة سالمته فقهرته

فأوقرته منّي بعفو التحمّل

ولم أر للأشياء أسرع مهلكا

لغمر قديم من وداد معجّل

* * *

ص: 252

شهادته عليه السلام برواية هرثمة

هرثمة بن أعين ، قال : كنت ليلة بين يدي المأمون حتى مضى من الليل أربع ساعات ، ثمّ أذن لي في الانصراف ، فانصرفت .

فلمّا مضى من الليل نصفه قرع قارع الباب ، فأجابه بعض غلماني ، فقال : قل لهرثمة : أجب سيّدك .

قال : فقمت مسرعا ، وأخذت على أثوابي ، وأسرعت إلى سيّدي الرضا عليه السلام ، فدخل الغلام بين يديّ ، ودخلت ورائه ، فإذا أنا بسيدي في صحن داره جالس ، فقال : يا هرثمة ، فقلت : لبّيك يا مولاي ، فقال لي : اجلس .

فجلست ، فقال لي : اسمع وعِ - يا هرثمة - هذا أوان رحيلي إلى اللّه - تعالى - ولحوقي بجدّي وآبائي ، وقد بلغ الكتاب أجله ، وعزم هذا الطاغي على سمّي في عنب ورمّان مفروك ، فأمّا العنب فإنّه يغمس بالسلك في السمّ ويجذبه بالخيط في العنب ليخفى ، وأمّا الرمّان ، فإنّه يطرح السمّ في كفّ بعض غلمانه(1) ، ويفرك الرمّان بيده ليلطخ حبّه في ذلك ، وإنّه سيدعوني في يومي هذا المقبل ، ويقرب إليّ الرمّان والعنب ، ويسألني أكلهما ، فآكلهما ، ثمّ ينفذ الحكم ، ويحضر القضاء ، فإذا أنا متّ فسيقول المأمون : أنا أغسّله بيدي ، فإذا قال ذلك ، فقل له عنّي - بينك وبينه - : إنّه قال لي : قل لا تتعرّض لغسلي ولا لتكفيني ولا لدفني ، فإنّه إن فعل ذلك عاجله من العذاب ما أخّر عنه ، وحلّ به اليوم ما يحذر ، فإنّه سينتهي .

ص: 253


1- في النسخ : « في كفّ غلمته » ، وما أثبتناه من المصدر .

قال : قلت : نعم يا سيّدي ، ثمّ قال لي : فإذا خلّى بينك وبين غسلي ، فسيجلس في علوّ من أبنيته هذه مشرفا على موضع غسلي لينظر ، فلا تعرض - يا هرثمة - لشيء من غسلي حتى ترى فسطاطا قد ضرب في جانب الدار أبيض ، فإذا رأيت ذلك ، فاحملني في أثوابي التي أنا فيها ، وضعني من وراء الفسطاط ، وتراني فيها ، فإنّه سيشرف عليك ويقول لك : يا هرثمة ، أليس زعمتم أنّ الإمام لا يغسّله إلاّ إمام مثله ، فمن يغسّل أبا الحسن ، وابنه محمد بالمدينة من بلاد الحجاز ، ونحن بطوس ؟

فإذا قال ذلك فأجبه وقل له : ما يغسّله أحد غير مَن ذكرتَه ، فإذا ارتفع الفسطاط ، فسوف تراني مدرجا في أكفاني ، فضعني على نعشي واحملني ، فإذا أراد أن يحفر قبري ، فإنّه سيجعل قبر أبيه هارون الرشيد قبلة لقبري ، ولن يكون ذلك - واللّه - أبدا ، فإذا ضربوا المعاول نبت من الأرض ، ولا ينحفر لهم منها ، ولا كقلامة الظفر ، فإذا اجتهدوا في ذلك وصعب عليهم ، فقل له عنّي : إنّي أمرتك أن تضرب معولاً واحدا في قبلة قبر أبيه هارون ، فإذا ضربت نفذ في الأرض إلى قبر محفور ، وضريح قائم ، فإذا انفرج ذلك القبر ، فلا تنزلني فيه حتى يفور من ضريحه ماء أبيض ، فيمتلي به ذلك القبر ، حتى يصير الماء مع وجه القبر ، ثمّ يضطرب فيه حوت بطوله ، فإذا اضطربت ، فلا تنزلني في القبر ، حتى إذا غابت الحوت ، وغار الماء ، فأنزلني في ذلك القبر ، وألحدني في ذلك الضريح ، ولا تتركهم يأتوا بتراب يلقونه عليّ ، فإنّ القبر ينطبق من نفسه ويمتلي ، فكان كما قال عليه السلام .

ص: 254

قال : فلمّا انصرف ، فأخلى مجلسه ، ثمّ قال لي : واللّه لتصدقني يا هرثمة ، ما أسرّ إليك ؟ قلت : خبر العنب والرمان .

قال : فأقبل يتلوّن ألوانا ، ويقول في غشيته : ويل للمأمون من فاطمة عليهاالسلام ، ويل للمأمون من الحسن والحسين عليهماالسلام ، ويل للمأمون من علي بن أبي طالب عليهماالسلام ، ويل للمأمون من رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، ويل للمأمون من علي بن موسى عليهماالسلام ، ويل للمأمون من موسى بن جعفر عليهماالسلام ، هذا - واللّه - الخسران حقّا ، ثمّ أخذ عليّ العهد أن لا أفشيه إلى أحد .

فلمّا ولّيت عنه صفق بيده ، وسمعته يقول : « يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ »(1) .

سقاه المأمون السمّ بيده

وفي الإرشاد ، في خبر : إنّ المأمون أمر عبد اللّه بن بشير أن يطوّل أظفاره ، وأخرج إليه شيئا كالتمر [ الهندي ] ، وقال : اعجن هذا بيدك جميعا ، ثمّ أمر للرضا عليه السلام بالرمّان ، وأمر لابن بشير أن يعصره بيده ، ففعل ، وسقاه المأمون للرضا عليه السلام بيده(2) .

ص: 255


1- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/275 باب 64 ح 1 ، الهداية الكبرى : 282 ، دلائل الإمامة : 351 ح 305 ، اعلام الورى : 2/86 .
2- الإرشاد للمفيد : 2/270 ، روضة الواعظين للفتال : 232 ، الخرائج للراوندي : 2/898 ، اعلام الورى : 2/81 .

يا أبا الصلت قد فعلوها

وقال أبو الصلت الهروي : دخلت على الرضا عليه السلام ، وقد خرج من عند المأمون ، فقال : يا أبا الصلت ، قد فعلوها ، وجعل يوحّد اللّه ويمجّده(1) .

سمّه بالعنب

وروى محمد بن الجهم : أنّه كان الرضا عليه السلام يعجبه العنب ، فأخذ له شيء منه ، فجعل في موضع أقماعه الإبر المسمومة أيّاما ، ثمّ نزع منه وجيء به ، فأكل منه ومات(2) .

قال السوسي :

بأرض طوس نائي الأوطان

إذ غرّه المأمون بالأماني

حين سقاه السمّ في الرمّان

* * *

شهادة الإمام وتجهيزه برواية أبي الصلت

وفي روضة الواعظين عن النيسابوري ، روى عن أبي الصلت في خبر

ص: 256


1- الإرشاد للمفيد : 2/270 ، الخرائج للراوندي : 2/898 ، روضة الواعظين للفتال : 232 ، مقاتل الطالبيين : 377 ، شرح الأخبار للقاضيالنعمان : 3/432 ح 1210 .
2- روضة الواعظين للفتال : 232 ، مقاتل الطالبيين : 378 ، الإرشاد للمفيد : 2/270 ، الخرائج للراوندي : 2/897 ، اعلام الورى : 2/81 .

أنّه قال : بينا أنا واقف بين يدي الرضا عليه السلام إذ قال لي : يا أبا الصلت ، ادخل إلى هذه القبّة التي فيها قبر هارون ، وائتني بتراب من أربع جوانبها .

قال : فأتيت به ، فأخذه وشمّه ، ثمّ رمى به ، ثمّ قال : سيحفر لي هاهنا قبر ، ثمّ أوصى بما أوصى ، وجلس في محرابه ينتظر ، إذ دعاه المأمون .

فلمّا أتاه وثب إليه وعانقه ، وقبّل ما بين عينيه ، وأجلسه معه ، وناوله عنقود عنب كان بيديه قد أكل بعضه ، وقال : يا بن رسول اللّه ، ما رأيت عنبا أحسن من هذا .

فقال الرضا عليه السلام : ربما كان عنبا حسنا ، فيكون في الجنّة ، فقال له : كل منه ، فقال : تعفيني منه ، قال : لابدّ من ذلك ، ما يمنعك منه ؟ لعلك تتّهمنا بشيء !

فتناول العنقود ، فأكل منه ثلاث حباب ، ثمّ رمى به وقام ، فقال : إلى أين ؟ قال : إلى حيث وجّهتني .

وخرج حتى دخل الدار ، وأمر أن يغلق الباب ، ونام على فراشه ، فمكثت واقفا في صحن الدار مهموما محزونا ، إذ دخل عليّ شابّ حسن الوجه ، قطط الشعر ، أشبه الناس بالرضا عليه السلام ، فقلت له : من أين دخلت والباب مغلق ؟ قال : الذي جاء بي من المدينة في هذا الوقت أدخلني الدار ، فقلت : ومن أنت ؟ قال : أنا حجّة اللّه عليك - يا أبا الصلت - أنا محمد بن علي .

ثمّ مضى نحو أبيه ، فدخل وأمرني بالدخول معه ، فلمّا نظر اليه الرضا عليه السلام وثب إليه فعانقه ، وضمّه إلى صدره ، وقبّل ما بين عينيه ،

ص: 257

ثمّ سحبه سحبا في فراشه ، وأكبّ عليه محمد يقبّله ويسّاره(1) ، وجعل يكلّمه بشيء لم أفهمه ، ورأيت على شفتي الرضا عليه السلام زبدا أشدّ بياضا من الثلج ، وأبو جعفر عليه السلام يلحسه بلسانه ، ثمّ أدخل يده بين ثوبيه وصدره ، واستخرج منه شيئا شبيها بالعصفور فابتلعه ، ومضى الرضا عليه السلام .

فقال أبو جعفر عليه السلام : قم - يا أبا الصلت - فائتني بالمغتسل والماء من الخزانة ، فقلت : ما في الخزانة مغتسل ولا ماء ، فقال : ائت بما آمرك به ، فأتيت بهما ، وشمّرت ثيابي لأغسّله معه ، فقال : تنحّ ، فإنّ لي من يعينني غيرك ، فغسّله .

ثمّ قال : ادخل الخزانة ، فأخرج السفط الذي فيه كفنه وحنوطه ، ثمّ أمرني بالتابوت من الخزانة ، فأتيته به - ولم أر ذلك في الخزانة قطّ - فوضعه في التابوت ، وصلّى عليه ركعتين لم يفرغ منهما حتى علا التابوت ومضى ، فقلت : فإنّ المأمون يطالبني به ، فقال : اسكت فإنّه سيعود يا أبا الصلت ، ما من نبيّ يموت بالمشرق ويموت وصيّه بالمغرب إلاّ جمع اللّه بين أرواحهما وأجسادهما .

فما تمّ الحديث حتى انشقّ السقف ، ونزل التابوت ، فاستخرج من التابوت ووضعه على فراشه ، كأنّه لم يغسّل ولم يكفّن .

قال : يا أبا الصلت ، قم فافتح الباب للمأمون ، ففتحت للمأمون والغلمان بالباب ، فدخل باكيا قد شقّ جيبه ، ولطم رأسه ، وهو يقول : يا سيّداه ! فجعت بك يا سيّدي ، وأمر بتجهيزه ، وحفر قبره .

ص: 258


1- في النسخ : « يمينه ويساره » ، وما أثبتناه من المصدر .

فحفروا الموضع ، فبدا نداوة ، فنبع الماء حتى امتلأ اللّحد ، وبدا فيه حيتان صغار ، ففتت لها الخبز الذي كان أعطانيه الرضا عليه السلام لها ، فالتقطوا ، فإذا لم يبق منه شيء خرجت منه حوتة كبيرة ، فالتقطت الحيتان الصغار حتى لم يبق فيها شيء ، ثمّ غابت ، فوضعت يدي على الماء ، وتكلّمت بكلام علّمنيه الرضا عليه السلام ، فنضب الماء .

فقال المأمون : لم يزل الرضا عليه السلام يرينا عجائبه في حياته حتى أراناها بعد وفاته ، فقال له وزير كان معه : أتدري ما أخبرك به الرضا عليه السلام ؟ إنّه أخبرك أنّ ملككم بني العباس مع كثرتكم مثل هذه الحيتان ، إذا فنيت آجالكم ، وانقطعت آثاركم ، وذهبت دولتكم سلّط اللّه عليكم رجلاً منّا ، فأفناكم عن آخركم ، قال : صدقت .

ثمّ قال : يا أبا الصلت ، علّمني الكلام ، قلت : واللّه نسيت الكلام من ساعتي - وقد كنت صدقت - ، فأمر بحبسي ، ودفن الرضا عليه السلام .

فلمّا أضاق عليّ الحبس ، وسهرت الليالي دعوت اللّه بدعاء ذكرت فيه محمدا وآل محمد ، وسألت اللّه أن يفرّج عنّي ، فما استتمّ الدعاء حتى دخل محمد بن علي عليهماالسلام ، فقال : يا أبا الصلت ! ضاق صدرك ؟ قم فاخرج .

ثمّ ضرب يده إلى القيود التي كانت عليّ ففكّها ، وأخذ بيدي وأخرجني من الدار ، والحرسة يرونني فلم يستطيعوا أن يكلّموني ، وخرجت من باب الدار ، ثمّ قال : امض في ودائع اللّه ، فإنّه لن يصل يده إليك ابدا(1) .

ص: 259


1- روضة الواعظين للفتال : 229 ، اعلام الورى : 2/81 ، أمالي الصدوق : 759 مج 76 ح 1026 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/2710 باب 63 ح 1 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 489 ح 417 ، الخرائج للراوندي : 1/352 .

قال أبو فراس :

باؤا بقتل الرضا من بعد بيعته

وأبصروا بعضهم من رشدهم وعموا

عصابة شقيت من بعدما سعدوا

ومعشر هلكوا من بعدما سلموا

لا بيعة ردعتهم عن دمائهم

ولا يمين ولا قربى ولا رحم

* * *

وأكثر دعبل مراثيه عليه السلام ، منها :

يا حسرة تتردّد

وعبرة ليس تنفد

على علي بن موسى

بن جعفر بن محمد(1)

* * *

ومنها :

يا نكبة جاءت من الشرق

لم تترك منّي ولم تبق

موت علي بن موسى الرضا

من سخط اللّه على الخلق

وامسح الإسلام مستعبرا

لثلمة باينة الرتق

سقى الغريب المبتنى قبره

بأرض طوس سبل الودق

ص: 260


1- ديوان دعبل : 97 .

أصبح عيني مانعا للكرى

وأولع الأحشاء بالخفق(1)

* * *

ومنها :

ألا ما لعين بالدموع استهلّت

ولو نفدت ماء الشؤون لقلّت

على من بكته الأرض واسترجعت له

رؤوس الجبال الشامخات وذلّت

وقد أعولت تبكي السماء لفقده

وأنجمها ناحت عليه وكلّت

فنحن عليه اليوم أجدر بالبكا

لمرزئة عزّت لدينا وجلّت

رزينا رضى اللّه سبط نبيّنا

فأخلفت الدنيا له وتولّت

وما خير دينا بعد آل محمد

ألا لا نباليها إذا ما اضمحلّت

تجلّت مصيبات الزمان ولا أرى

مصيبتنا بالمصطفين تجلّت(2)

* * *

ص: 261


1- ديوان دعبل : 136 .
2- ديوان دعبل : 66 .

ومنها :

ألا أيّها القبر الغريب محلّه

بطوس عليك الساريات هتون

شككت فما أدري أمسقيّ شربة

فأبكيك أم ريب الردى فيهون

أيا عجبا منهم يسمّونك الرضا

ويلقاك منهم كلحة وغضون(1)

* * *

ومنها :

وقد كنّا نؤمّل أن سيحيى

إمام هدى له رأي طريف(2)

ترى سكناته فيقول عنهم

وتحت سكونه رأي ثقيف

له سمحاء تغدو كلّ يوم

بنايلة وسارية تطوف

فأهدى ريحه قدر المنايا

وقد كانت له ريح عصوف

أقام بطوس تلحقه المنايا

مزار دونه نأي قذوف(3)

* * *

ص: 262


1- ديوان دعبل : 169 ، مقاتل الطالبيين : 380 .
2- في الديوان : « حصيف » .
3- ديوان دعبل : 132 .

باب إمامة أبي جعفر محمد بن علي التقى عليهماالسلام

اشارة

ص: 263

ص: 264

فصل 1 : في المقدّمات

اشارة

ص: 265

ص: 266

المقدّمة

الحمد للّه الملك الشكور ، القادر الغفور ، الذي بيده مفاتيح الأمور ، عالم السرّ والنجوى ، وكاشف الضرّ والبلوى ، أهل المغفرة والتقوى ، له الحمد في الآخرة والأولى ، « وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ » .

له العزّة والجلال ، والقدرة والكمال ، والإنعام والإفضال ، وهو الكبير المتعال ، « سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ » .

له الحجّة القاهرة ، والنعمة الزاهرة ، والآلاء المتظاهرة ، يرزق من في السماء والأرض « أَإِلهٌ مَعَ اللّهِ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ » .

يرجع الأمر كلّه إليه ، وينطق الكتاب بالحقّ لديه ، « وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ » .

يظهر بصنعه شرائف صفاته ، ويحقّ الحقّ بكلماته ، ويحشر الخلق لميقاته ، « وَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَأَيَّ آياتِ اللّهِ تُنْكِرُونَ » .

وجعل « السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً » ، وبناء مصنوعا ، وممسكا بلا عمد

ممنوعا ، وهم عن آياته معرضون .

بسط الأرض فأخرج نباتها ، وأسكنها أحياءها وأمواتها ، « فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ » .

ص: 267

بعث المصطفى داعيا إلى جنانه ، خالصا في إسلامه وإيمانه ، « وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ » .

نصب عليّا عليه السلام إماما إزاحة للعلّة ، وتأكيدا للأدلّة ، وإظهارا للملّة ، « لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ » .

واختار أولاده أوصياء خلفاء عليهم السلام كما قال تعالى : « وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ » .

الصادق عليه السلام ، في هذه الآية قال : النجم رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، والعلامات الأئمّة عليهم السلام من بعده(1) .

ص: 268


1- أمالي الطوسي : 163 ح270 ، تفسير العياشي : 2/255 ، الكافي : 1/206 ح 1 ، تفسير القمّي : 1/383 .

الآيات

الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ

أبو الورد عن أبي جعفر عليه السلام : « الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ » ، قال : هم آل محمد صلى الله عليه و آله(1) .

بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ

أبو جعفر وأبو عبد اللّه عليه السلام في قوله : « بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ » ، إنّهم الأئمّة من آل محمد صلى الله عليه و آله(2) .

وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا

زيد بن علي في قوله : « وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا » ، قال : نحن هم(3) .

الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ

الباقر عليه السلام في قوله : « الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ » ، إلى قوله :

ص: 269


1- تفسير القمّي : 2/150 .
2- تفسير مجمع البيان : 8/33 ، تفسير القمّي : 2/151 .
3- تأويل الآيات : 1/433 ح 17 .

« راجِعُونَ » ، نزل في علي عليه السلام(1) ، ثمّ جرت في المؤمنين ، وشيعته هم المؤمنون حقّا .

وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لأُِنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ

مالك الجهني : قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام : « وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لأُِنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ » أن يكون إماما من آل محمد صلى الله عليه و آله ينذر بالقرآن كما أنذر به رسول اللّه (2) صلى الله عليه و آله .

وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللّهِ أَحَداً

محمد بن الفضيل عن أبي الحسن عليه السلام في قوله : « وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللّهِ أَحَداً » ، قال : هم الأوصياء(3) عليهم السلام .

فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤمِنِينَ . .

حنّان بن سالم الحنّاط : سألت أبا جعفر عليه السلام عن قوله : « فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤمِنِينَ فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ » ، فقال أبو

جعفر عليه السلام : آل محمد صلى الله عليه و آله لم يبق فيها غيرهم(4) .

ص: 270


1- تأويل الآيات : 1/353 ح 4 .
2- الكافي : 1/416 ح 21 ، تفسير مجمع البيان : 4/22 .
3- الكافي : 1/425 ح 65 .
4- الكافي : 1/425 ح 67 .
قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللّهِ عَلى بَصِيرَةٍ

سلام بن المستنير عن أبي جعفر عليه السلام : في قوله : « قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي » ، قال : ذلك رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، وأمير المؤمنين عليه السلام ، والأوصياء عليهم السلام من بعدهما(1) .

ص: 271


1- الكافي : 1/425 ح 66 ، تفسير العياشي : 2/201 ح 101 .

ص: 272

فصل 2 : في كناه وألقابه وتواريخه عليه السلام

اشارة

ص: 273

ص: 274

نسبه بالكنى

أبو جعفر بن أبي الحسن بن أبي إبراهيم بن أبي عبد اللّه بن أبي جعفر بن أبي محمد بن أبي عبد اللّه بن أبي الحسن بن أبي طالب عليهم السلام .

اسمه

اسمه : محمد .

كنيته

وكنيته : أبو جعفر ، والخاصّ أبو علي(1) .

ألقابه

وألقابه : المختار ، والمرضي ، والمتوكّل ، والمتّقي ، والزكي ، والتقي ، والمنتجب ، والمرتضى ، والقانع ، والجواد(2) ، والعالم الربّاني ، ظاهر المعاني ، قليل التواني ، المعروف بأبى جعفر الثاني .

ص: 275


1- الهداية الكبرى : 295 ، دلائل الإمامة : 396 ، تاريخ الأئمة : 30 ، تاج المواليد : 127 .
2- الهداية الكبرى : 295 ، دلائل الإمامة : 396 ، تاريخ الأئمة : 29 .

المنتجب المرتضى ، المتوشّح بالرضا ، المستسلم للقضا ، له من اللّه أكثر الرضا ، ابن الرضا .

توارث الشرف كابرا عن كابر ، وشهد له بذا الصوامع ، استسقى عروقه من منبع النبوّة ، ورضعت شجرته ثدي الرسالة ، وتهدّلت أغصانه ثمر الإمامة .

تاسع الأئمة

وحساب الجمل وحساب الهند وطبقات الأسطرلاب تسعة تسعة ، ومحمد بن علي تاسع الأئمّة عليهم السلام .

للمؤلف :

فديت إمامي أبا جعفر

جوادا يلقّب بالتاسع

* * *

في الحساب

ومحمد بن علي الجواد ميزانه في الحساب : إمام عادل زاهد وفيّ ، لاتّفاقهما في ثلاثمائة .

ولادته

ولد بالمدينة ، ليلة الجمعة ، التاسع عشر من شهر رمضان ، ويقال :

ص: 276

للنصف منه(1) .

وقال ابن عيّاش : يوم الجمعة ، لعشر خلون من رجب ، سنة خمس وتسعين ومائة .

شهادته ومدفنه ومدّة عمره

وقبض ببغداد مسموما في آخر ذي القعدة .

وقيل : يوم السبت لستّ خلون من ذي الحجّة سنة عشرين ومائتين .

ودفن في مقابر قريش إلى جنب موسى بن جعفر عليهماالسلام .

وعمره خمس وعشرون سنة ، قالوا : وثلاثة أشهر وإثنان وعشرون يوما(2) .

أُمّه

وأمّه أم ولد تدعى « درّة » ، وكانت مريسية ، ثمّ سمّاها الرضا عليه السلام خيزران ، وكانت من أهل بيت مارية القبطية .

ويقال : إنّها سبيكة ، وكانت نوبية .

ص: 277


1- دلائل الإمامة : 383 ، الكافي : 1/492 ، الإرشاد للمفيد : 2/273 ، تاريخ مواليد الأئمة : 39 ، تاج المواليد : 52 ، اعلام الورى : 2/91 .
2- الكافي : 1/492 ، الإرشاد للمفيد : 2/273 ، دلائل الإمامة : 395 ، تاريخ مواليد الأئمة : 39 ، تاج المواليد : 53 ، اعلام الورى : 2/91 .

ويقال : ريحانة ، وتكنّى أم الحسن(1) .

مدّة ولايته

ومدّة ولايته سبع عشر سنة .

ويقال : أقام مع أبيه سبع سنين وأربعة أشهر ويومين ، وبعده ثمانية عشر سنة إلاّ عشرين يوما(2) .

ملوك عصره

فكان في سنيّ إمامته بقيّة ملك المأمون ، ثمّ ملك المعتصم والواثق ، وفي ملك الواثق استشهد(3) .

قال ابن بابويه : سمّ المعتصم لمحمد بن علي عليهماالسلام .

أولاده

وأولاده : علي الإمام ، وموسى ، وحكيمة ، وخديجة ، وأم كلثوم(4) .

ص: 278


1- الكافي : 1/492 ، الإرشاد للمفيد : 2/273 ، دلائل الإمامة : 396 ، تاج المواليد : 52 ، اعلام الورى : 2/91 .
2- دلائل الإمامة : 394 ، تاج المواليد : 53 ، اعلام الورى : 2/91 .
3- دلائل الإمامة : 395 .
4- دلائل الإمامة : 397 ، تاج المواليد : 276 .

وقال أبو عبد اللّه الحارثي : خلف فاطمة وأمامة فقط(1) .

وقد كان زوّجه المأمون ابنته ، ولم يكن له منها ولد(2) .

سبب وتاريخ وروده بغداد

وسبب وروده بغداد إشخاص المعتصم له من المدينة ، فورد بغداد لليلتين من المحرّم سنة عشرين ومائتين ، وأقام بها حتى توفّي في هذه السنة(3) .

الدليل على إمامته

والدليل(4) على إمامته اعتبار القطع على العصمة ، ووجوب كونه أعلم الخلق بالشريعة ، واعتبار القول بإمامة الإثني عشر ، وتواتر الشيعة .

وأمّا قول الكيسانية والفطحية وغيرهم ، فكلّهم قد انقرضوا ، ولو كانوا محقّين لما جاز انقراضهم ، لأنّ الحقّ لا يجوز أن يخرج عن أمّة محمد صلى الله عليه و آله .

رواة النصّ عليه من أبيه

وقد ثبت بقول الثقات إشارة أبيه إليه ، منهم : عمّه علي بن جعفر

ص: 279


1- تاج المواليد : 54 ، اعلام الورى : 2/106 .
2- سرّ السلسلة العلوية : 38 ، مقاتل الطالبيين : 377 ، شرح الأخبار للقاضي النعمان : 3/342 .
3- الإرشاد للمفيد : 2/295 ، اعلام الورى : 2/106 .
4- في نسخة النحف : « رواة النصّ عليه وثقاته وأصحابه والدليل على إمامته » .

الصادق عليه السلام ، وصفوان بن يحيى ، ومعمّر بن خلاّد ، وابن أبي نصر البزنطي ، والحسين بن يسار ، والحسن بن جهم ، وأبو يحيى الصنعاني ، ويحيى بن حبيب الزيّات(1) .

بابه

وكان بابه عثمان بن سعيد السمّان(2) .

ثقاته

ومن ثقاته : أيّوب بن نوح بن درّاج الكوفي ، جعفر بن محمد بن يونس الأحول ، والحسين بن مسلم بن الحسن ، والمختار بن زياد العبدي البصري ، ومحمد بن الحسين بن أبي الخطّاب الكوفي .

أصحابه

ومن أصحابه : شاذان بن الخليل النيسابوري ، ونوح بن شعيب البغدادي ، ومحمد بن أحمد المحمودي ، وأبو يحيى الجرجاني ، وأبو القاسم إدريس القمّي ، وعلي بن محمد بن هارون بن الحسن بن محبوب ، وإسحاق بن إسماعيل النيسابوري ، وأبو حامد أحمد بن إبراهيم المراغي ،

ص: 280


1- الإرشاد للمفيد : 2/274 ، اعلام الورى : 2/92 .
2- دلائل الإمامة : 397 ، تاريخ الأئمة للبغدادي : 33 ، وفيهما : « عمر بن فرات » .

وأبو علي بن بلال ، وعبد اللّه بن محمد الحضيني ، ومحمد بن الحسن بن شمّون البصري(1) .

تزويجه أمّ الفضل وما جرى في مجلس العقد

اشارة

ريّان بن شبيب ، ويحيى الزيّات وغيرهما(2) : إنّ المأمون قد شغف بأبي جعفر عليه السلام لما رأى من فضله مع صغر سنّه ، فعزم أن يزوّجه بابنته أمّ الفضل ، فغلظ ذلك على العباسيّين ، فاجتمعوا عنده وقالوا : ننشدك اللّه - يا أمير المؤمنين - أن تقيم على هذا الأمر الذي قد عزمت ، فتخرج به عنان أمرٍ قد ملّكناه اللّه ، وتنزع منّا عزّا قد ألبسناه اللّه ، وقد عرفت ما بيننا وبين هؤلاء القوم قديما وحديثا ، وما كان عليه الخلفاء من التصغير بهم ! وقد كنّا في وهلة من عملك مع الرضا عليه السلام حتى أنّه مات .

فأجابهم المأمون لكلّ كلمة جوابا ، ثمّ قال : وأمّا أبو جعفر عليه السلام ، فقد برز على كافّة أهل الفضل مع صغر سنّه .

فقالوا : إنّ هذا الفتى وإن راقك منه هديه لا معرفة له ! فامهل ليتأدّب !! ثمّ افعل ما تراه .

فقال المأمون : ويحكم ، إنّي أعرف به منكم ، وإنّ أهل هذا البيت علمهم من اللّه وموادّه وإلهامه ، فإن شئتم فامتحنوه .

ص: 281


1- انظر رجال الطوسي : 371 .
2- في نسخة « النجف » : « ومحمد بن الحسن بن شمّون البصري وريان بن شبيب ويحيى الزيّات وغيرهم إنّ المأمون . . » .

فقالوا : قد رضينا بذلك .

واجتمع رأيهم على أن يسأله قاضي القضاة يحيى بن أكثم مسألة لا يعرف الجواب فيها ، ووعدوه بأموال نفيسة على ذلك .

فجلس المأمون في دست ، وأبو جعفر في دست ، فسأله يحيى : ما تقول - جعلت فداك - في محرم قتل صيدا ؟

فقال عليه السلام : قتل في حلّ أو حرم ؟ عالما كان المحرم أم جاهلاً ؟ عمدا كان أو خطأً ؟ حرّا كان أو عبدا ؟ صغيرا كان أم كبيرا ؟ مبتدءا أو معيدا ؟ من ذوات الطير كان الصيد أم غيرها من ذوات الظلف ؟ من صغار الصيد كان أم من كبارها ؟ مصرّا على ما فعل أو نادما ؟ في الليل كان قتله للصيد أم نهارا ؟ محرما كان بالعمرة إذ قتله أم بالحجّ كان محرما ؟

فانقطع يحيى ، فسأله المأمون عن بيانه ، فأجابه بما هو مسطور في كتب الفقه .

ثمّ التمس منه أن يسأل يحيى ، فقال عليه السلام : رجل نظر أوّل النهار إلى امرأة ، فكان نظره إليها حراما ، فلمّا ارتفع النهار حلّت له ، وعند الزوال حرمت ، وعند العصر حلّت ، وعند الغروب حرمت ، وعند العشاء حلّت ، وعند انتصاف الليل حرمت ، وعند الفجر حلّت ، وعند ارتفاع النهار حرمت ، وعند الظهر حلّت ؟

تفسيره : هذا رجل نظر إلى أمة غيره ثمّ ابتاعها ، ثمّ أعتقها ، ثمّ تزوّجها ، ثمّ ظاهرها ، ثمّ كفّر عن الظهار ، ثمّ طلّقها طلقة واحدة ، ثمّ راجعها ، ثمّ خلعها ، ثمّ استأنف العقد ، وذلك بالإجماع .

ص: 282

وفي رواية : إنّه ارتدّ عن الإسلام ثمّ تاب .

وقد أتاه ابن أكثم جدلاً

فانصاع لما يعلمه قطعه

* * *

خطبته عليه السلام

فقال المأمون : اخطب - جعلت فداك - لنفسك .

فقال : الحمد للّه إقرارا بنعمته ، ولا إله إلاّ اللّه إخلاصا لوحدانيّته ، وصلّى اللّه على محمد سيّد بريّته ، والأصفياء من عترته .

أمّا بعد :

فقد كان من فضل اللّه على الأنام ، أن أغناهم بالحلال عن الحرام ، فقال سبحانه : « وَأَنْكِحُوا الأَْيامى مِنْكُمْ وَالصّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ » .

ثمّ إنّ محمد بن علي بن موسى يخطب أمّ الفضل بنت عبد اللّه المأمون ، وقد بذل لها من الصداق مهر جدّته فاطمة بنت محمد صلى الله عليه و آله ، وهو خمسمائة درهم جياد ، فهل زوّجته - يا أمير المؤمنين - بها على هذا الصداق المذكور ؟

قال : نعم ، زوّجتك - يا أبا جعفر - أمّ الفضل ابنتي على الصداق المذكور ، فهل قبلت النكاح ؟

قال : قد قبلت(1) .

ص: 283


1- الإرشاد للمفيد : 2/281 ، روضة الواعظين للفتال : 238 .
خطبة المأمون

الخطيب في تاريخ بغداد عن يحيى بن أكثم : إنّ المأمون خطب فقال : الحمد للّه الذي تصاغرت الأمور لمشيّته ، ولا إله إلاّ اللّه إقرارا بربوبيّته ، وصلّى اللّه على محمد عبده وخيرته .

أمّا بعد :

فإنّ اللّه جعل النكاح الذي رضيه لكما سبب المناسبة ، ألا وإنّي قد زوّجت زينب ابنتي من محمد بن علي بن موسى الرضا أمهرناها عنه أربعمائة درهم(1) .

سنّه عليه السلام عند الزواج

ويقال : إنّه كان عليه السلام ابن تسع سنين وأشهر(2) ، ولم يزل المأمون متوفّرا على إكرامه وإجلال قدره(3) .

شكاية أمّ الفضل

وقد روى الناس : أنّ أمّ الفضل كتبت إلى أبيها من المدينة تشكو أبا جعفر عليه السلام وتقول : إنّه يتسرّى عليّ ، ويغيرني إليها .

ص: 284


1- تاريخ بغداد : 6/60 رقم 3096 .
2- روضة الواعظين للفتال : 239 ، الإرشاد للمفيد : 2/284 ، الاحتجاج : 2/242 ، اعلام الورى : 2/103 . .
3- الفصول المهمة لابن الصباغ : 2/1041 .

فكتب إليها المأمون : يا بنيّة ، إنّا لم نزوّجك أبا جعفر لنحرّم عليه حلالاً ، فلا تعاودي لذكر ما ذكرت بعدها(1) .

أسئلة الناس بصريا

الجلاء والشفاء : في خبر : إنّه لمّا مضى الرضا عليه السلام جاء محمد بن جمهور القمّي ، والحسن بن راشد ، وعلي بن مدرك ، وعلي بن مهزيار ، وخلق كثير من سائر البلدان إلى المدينة ، وسألوا عن الخلف بعد الرضا عليه السلام ، فقالوا : بصريا - وهي قرية أسّسها موسى بن جعفر عليهماالسلام على ثلاثة أميال من المدينة - .

فجئنا ودخلنا القصر ، فإذا الناس فيه متكابسون ، فجلسنا معهم ، إذ خرج علينا عبد اللّه بن موسى - وهو شيخ - ، فقال الناس : هذا صاحبنا ، فقال الفقهاء : قد روينا عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه عليهماالسلام أنّه لا تجتمع الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين عليهماالسلام ، وليس هذا صاحبنا .

فجاء حتى جلس في صدر المجلس ، فقال رجل : ما تقول - أعزّك اللّه - في رجل طلّق امرأته عدد نجوم السماء ؟ قال : بانت منه بصدر الجوزا والنسر الطائر والنسر الواقع ، فتحيّرنا في جرأته على الخطأ .

إذ خرج علينا أبو جعفر عليه السلام - وهو ابن ثمان سنين - ، فقمنا إليه ، فسلّم على الناس ، وقام عبد اللّه بن موسى من مجلسه ، فجلس بين يديه ، وجلس أبو جعفر عليه السلام في صدر المجلس ، ثمّ قال : سلوا رحمكم اللّه .

ص: 285


1- روضة الواعظين للفتال : 241 ، الإرشاد للمفيد : 2/288 .

فقام إليه الرجل الأوّل وقال : ما تقول - أصلحك اللّه - في رجل أتى حمارة ؟

قال : يضرب دون الحدّ ، ويغرم ثمنها ، ويحرم ظهرها ونتاجها ، وتخرج إلى البريّة حتى تأتي عليها منيّتها ، سبع أكلها ، ذئب أكلها .

ثمّ قال بعد كلام : يا هذا ، ذاك الرجل ينبش عن ميتة ، فيسرق كفنها ، ويفجر بها يوجب عليه القطع بالسرق ، والحدّ بالزنا ، والنفي إذا كان عزبا ، فلو كان محصنا لوجب عليه القتل والرجم .

فقال الرجل الثاني : يا بن رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، ما تقول في رجل طلّق امرأته عدد نجوم السماء ؟

قال : تقرأ القرآن ؟ قال : نعم ، قال : إقرأ سورة الطلاق إلى قوله : « وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلّهِ » ، يا هذا ، لا طلاق إلاّ بخمس : شهادة شاهدين عدلين في طهر من غير جماع بإرادة عزم .

ثمّ قال بعد كلام : يا هذا ، هل ترى في القرآن عدد نجوم السماء ؟ قال : لا . . الخبر .

فقالت المرضعة له من سعد بن بكير

إنّي أشبهك يا مولاي ذا لبة

شثن البراثن أو صماء حيات

ولست تشبه ورد الّلون ذا لبد

ولا ضئيلاً من الرقش الضئيلات

ولو خسأت سباع الأرض أسكتها

إشجاء صوتك حتفا أيّ إسكات

ولو عزمت على الحيات تأمرها

بالكفّ ما جاوزت تلك العزيمات

* * *

ص: 286

المصنفون الذين رووا عنه

وقد روى عنه المصنّفون نحو : أبي بكر أحمد بن ثابت في تاريخه ، وأبي إسحاق الثعلبي في تفسيره ، ومحمد بن منده بن مهربذ في كتابه .

ثلاثون ألف مسألة في مجلس واحد

وروى إبراهيم بن هاشم ، قال : استأذنت أبا جعفر عليه السلام لقوم من الشيعة ، فأذن لهم ، فسألوه في مجلس واحد عن ثلاثين ألف مسألة ، فأجاب فيها ، وهو ابن عشر سنين(1) .

علّة نتن الغائط

وكتب عبد العظيم الحسني إلى أبي جعفر عليه السلام يسأله عن الغائط ونتنه ، فقال عليه السلام : إنّ اللّه خلق آدم عليه السلام ، فكان جسده طينا ، وبقى أربعين سنة ملقى ، تمرّ به الملائكة تقول : لأمر ما خلقت ؟ وكان إبليس يدخل في فيه ويخرج من دبره ، فلذاك صار ما في جوف ابن آدم منتنا خبيثا غير طيّب(2) .

علّة نظر الأنسان الى بوله أو غائطه

ويقال : إذا بال الإنسان أو تغوّط يردّد النظر إليهما ، لأنّ آدم عليه السلام لمّا

ص: 287


1- الكافي : 1/496 ح 7 ، الاختصاص للمفيد : 102 .
2- علل الشرائع : 1/275 باب 184 ح 2 .

هبط من الجنّة لم يكن له عهد بهما ، فلمّا تناول الشجرة المنهية أخذه ذلك ، فجعل ينظر إلى شيء يخرج منه ، فبقي ذلك في أولاده ، لأنّه تغذّى في الجنّة وبال وتغوّط في الدنيا .

إحضاره وسمّه بشراب حماض الأترج

ولمّا بويع المعتصم جعل يتفقّد أحواله ، فكتب إلى عبد الملك الزيّات أن ينفذ إليه التقي عليه السلام وأمّ الفضل ، فأنفذ ابن الزيّات علي بن يقطين إليه .

فتجهّز وخرج إلى بغداد ، فأكرمه وعظّمه ، وأنفذ اشناس بالتحف إليه والى أم الفضل .

ثمّ أنفذ إليه شراب حماض الأترج تحت ختمه على يدي اشناس ، وقال : إنّ أمير المؤمنين ذاقه قبل أحمد بن أبي داود وسعد بن الخصيب وجماعة من المعروفين ، ويأمرك أن تشرب منها بماء الثلج وصنع في الحال ، فقال : أشربها بالليل ، قال : إنّما ينفع باردا ، وقد ذاب الثلج ، وأصرّ على ذلك ، فشربها عالما بفعلهم .

وروي من وجه آخر سنذكره في فصل معجزاته إن شاء اللّه تعالى .

قال عمير بن المتوكّل :

كنّا كشارب سمّ حان مهلكه

أغاثه اللّه بالترياق من كثب

هاجت بمصرعه الدنيا فما سكنت

إلاّ باسمهم المحّاء للريب

* * *

ص: 288

زيارته

وكتب إبراهيم بن عقبة إلى أبي الحسن الثالث عليه السلام يسأله عن زيارة الحسين بن علي ، وموسى بن جعفر ، ومحمد بن علي عليهم السلام ببغداد ، فكتب عليه السلام : الأفضل المقدّم ، وهذان أجمع وأعظم أجرا(1) .

قال العبدي :

يا سادتي يا بني علي

يا آل طه وآل صاد

من ذا يوازيكم وأنتم

خلائف اللّه في البلاد

أنتم نجوم الهدى اللواتي

يهدي بها اللّه كلّ هاد

لولا هداكم إذا ضللنا

والتبس الغيّ بالرشاد

لا زلت في حبّكم أوالي

عمري وفي بغضكم أعادي

وما تزوّدت غير حبّي

إيّاكم وهو خير زاد

وذاك ذخري الذي عليه

في عرصة الحشر اعتمادي

ولاؤكم والبراء ممّن

يشنأكم اعتقادي

* * *

وقال الناشي :

يا آل ياسين من يحبّكم

بغير شكّ لنفسه نصحا

أنتم رشاد من الضلال كما

كلّ فساد بحبّكم صلحا

ص: 289


1- كامل الزيارات : 500 باب 99 ح 13 ، الكافي : 4/584 ح 3 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/292 ح 25 .

وكلّ مستحسن لغيركم

إن قيس يوما بفضلكم قبحا

ما محيت آية النهار لنا

بذاته الليل ذو الجلال محا

وكيف يمحى رشاد نوركم

وأنتم في دجى الظلام ضحى

أبوكم أحمد وصاحبه

الممنوح من علم ربّه منحا

* * *

وقال مهيار :

غلامكم في الجحفل ابن عجاجة

مغيمة من دجنها الدم يهطل

تعانق منه الموت عريان تحتها

شجاع بغير الصبر لا يتبتّل

فكم لكم في فتكه وانبساطه

فتى وفتاكم في الحجى يتكهّل

وأنتم ولاة الدين أرباب حقّه

مبيّنوه في آياته وهو مشكل

مساقط وحي اللّه في حجراتكم

وبيتكم كان الكتاب ينزل

يذاد عن الحوض الشقيّ ببغضكم

ويورد من أحببتموه فينهل

* * *

عجبت لقوم أضلّوا السبل

ولم يبتغوا اتّباع الهدى

فما عرفوا الحقّ حين استنار

ولا أبصروا الفجر لمّا بدا

ألا أيّها المعشر النائمون

أحذركم أن تعصوا الكرى

أفيقوا فما هي إلاّ اثنتان

إمّا الرشاد وإمّا العمى

وما خفى الرشد لكنّما

أضلّ الحلوم اتّباع الهوى

وما خلقت عبثا أمّة

ولا ترك اللّه قوما سدى

أكلّ بني أحمد فضله

ولكنّه الواحد المجتبى

ص: 290

وقال ابن الحجّاج :

يا باني الشرف الذي

أوفى وعمّ وطبّقا

سبا بأسباب النبي

وجبرئيل معلّقا

* * *

وقال ابن رزيك :

قوم علومهم عن جدّهم أخذت

عن جبرئيل وجبرئيل عن اللّه

هم السفينة ما كنّا لنطمع أن

ننجو من الهول يوم الحشر لولا هي

الخاشعون إذا جنّ الظلام فما

تغشاهم سنة تنفى بإنباه

ولا بدت ليلة إلاّ وقابلها

من التهجّد منهم كلّ أوّاه

وليس يشغلهم عن ذكر ربّهم

تغريد شاد ولا ساق ولا طاه

سحايب لا تزال العلم هامية

أجلّ من سحب تهمي بأمواه

* * *

ص: 291

ص: 292

فصل 3 : في معجزاته عليه السلام

اشارة

ص: 293

ص: 294

خطبته وهو ابن خمس وعشرين شهرا

كان عليه السلام شديد الأدمة ، فشكّ فيه المرتابون - وهو بمكّة - ، فعرضوه على القافة ، فلمّا نظروا إليه خرّوا لوجوههم سجّدا ، ثمّ قاموا فقالوا : يا ويحكم ، أمثل هذا الكوكب الدرّي ، والنور الزاهر ، تعرضون على مثلنا ، وهذا - واللّه - الحسب الزكي ، والنسب المهذّب الطاهر ، ولدته النجوم الزواهر ، والأرحام الطواهر ، واللّه ما هو إلاّ من ذرّية النبي صلى الله عليه و آله وأمير المؤمنين عليه السلام - وهو في ذلك الوقت ابن خمس وعشرين شهرا - .

فنطق بلسان أرهف من السيف وأفصح من الفصاحة يقول :

الحمد للّه الذي خلقنا من نوره ، واصطفانا من بريّته ، وجعلنا أمناء على خلقه ووحيه .

معاشر الناس ، أنا محمد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي سيّد العادين بن الحسين الشهيد بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، وابن فاطمة الزهراء بنت محمد المصطفى ، عليهم السلام أجمعين .

أفي مثلي يشكّ ، وعلى اللّه - تبارك وتعالى - وعلى جدّي يُفترى ، وأُعرض على القافة ؟!

ص: 295

إنّي - واللّه - لأعلم ما في سرائرهم وخواطرهم ، وإنّى - واللّه - لأعلم الناس أجمعين بما هم إليه صائرون .

أقول حقّا وأظهر صدقا ، علما قد نبّأه اللّه - تبارك وتعالى - قبل الخلق أجمعين ، وقبل بناء السماوات والأرضين ، وأيم اللّه لولا تظاهر الباطل علينا ، وغواية ذرّية الكفر ، وتوثّب أهل الشرك والشكّ والشقاق علينا ، لقلتُ قولاً يعجب منه الأوّلون والآخرون .

ثمّ وضع يده على فيه ، ثمّ قال : يا محمد ، اصمت كما صمت آباؤك ، و« اصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ » .

ثمّ أتى إلى رجل بجانبه ، فقبض على يده ، فما زال يمشي يتخطّى رقاب الناس وهم يفرجون له .

قال : فرأيت مشيخة أجلاّءهم ينظرون إليه ويقولون : « اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ » ، فسألت عنهم ، فقيل : هؤلاء قوم من بني هاشم من أولاد عبد المطّلب .

فبلغ الرضا عليه السلام - وهو في خراسان - ما صنع ابنه ، فقال : الحمد للّه ، ثمّ ذكر ما قذفت به مارية القبطية ، ثمّ قال : الحمد للّه الذي جعل في ابني محمد أسوة برسول اللّه صلى الله عليه و آله وابنه إبراهيم(1) .

ص: 296


1- دلائل الإمامة : 388 ح 342 ، نوادر المعجزات للطبري : 173 ح 1 ، الهداية الكبرى : 295 .

تصرّف الإمام في جسده

قال عسكر مولى أبى جعفر عليه السلام : دخلت عليه فقلت في نفسي : يا سبحان اللّه ! ما أشدّ سمرة مولاي وأضوى جسده !

قال : فواللّه ما استتمّمت الكلام في نفسي حتى تطاول وعرض جسده وامتلأ به الإيوان إلى سقفه ومع جوانب حيطانه ، ثمّ رأيت لونه وقد أظلم حتى صار كالليل المظلم ، ثمّ ابيضّ حتى صار كأبيض ما يكون من الثلج ، ثمّ احمرّ حتى صار كالعلق المحمرّ ، ثمّ اخضرّ حتى صار كأخضر ما يكون من الأغصان الورقة الخضرة ، ثمّ تناقض جسمه حتى صار في صورته الأولى ، عاد لونه الأوّل ، وسقطت لوجهي ممّا رأيت .

فصاح بي : يا عسكر ، تشكّون فننبّئكم ، وتضعفون فنقوّيكم ، واللّه لا وصل إلى حقيقة معرفتنا إلاّ مَن مَنّ اللّه عليه ، وارتضاه لنا وليّا(1) .

قال العوني :

هذا الذي إذ ولدته أمّه

عاجلها منه حسيبا فابتدر

حتى تفرّغن النسا من حولها

وقلن هذا هو أمر مبتكر

والولد الطيّب قد جلّله

عنهنّ مولاه بنوب فاستتر

* * *

جوابه لابن نافع

بنان بن نافع ، قال : سألت علي بن موسى الرضا عليه السلام فقلت : جعلت

ص: 297


1- الهداية الكبرى : 299 ، دلائل الإمامة : 404 ح 365 .

فداك ، مَن صاحب الأمر بعدك ؟ فقال لي : يا ابن نافع ، يدخل عليك من هذا الباب من ورث ما ورثته من قبلي ، وهو حجّة اللّه - تعالى - من بعدي .

فبينا أنا كذلك ، إذ دخل علينا محمد بن علي عليهماالسلام ، فلمّا بصر بي قال لي : يا ابن نافع ، ألا أحدّثك بحديث ؟

إنّا معاشر الأئمّة إذا حملته أمّه يسمع الصوت من بطن أمّه أربعين يوما ، فإذا أتى له في بطن أمّه أربعة أشهر رفع اللّه - تعالى - له أعلام الأرض ، فقرب له ما بعُد عنه ، حتى لا يغرب عنه حلول قطرة غيث نافعة ولا ضارّة ، وإنّ قولك لأبي الحسن عليه السلام : « مَن حجّة الدهر والزمان من بعده » ، فالذي حدّثك أبو الحسن عليه السلام ما سألت عنه هو الحجّة عليك ، فقلت : أنا « أَوَّلُ الْعابِدِينَ » .

ثمّ دخل علينا أبو الحسن عليه السلام فقال لي : يا ابن نافع ، سلّم وأذعن له بالطاعة ، فروحُه روحي ، وروحي روح رسول اللّه صلى الله عليه و آله .

سلني عن أخبار السماوات

اجتاز المأمون بابن الرضا عليه السلام ، وهو بين صبيان ، فهربوا سواه ، فقال : عليّ به ، فقال له : ما لك ما هربت في جملة الصبيان ؟ قال : ما لي ذنب فأفرّ ، ولا الطريق ضيق فأوسّعه عليك ، تمرّ من حيث شئت .

فقال : من تكون ؟ قال : أنا محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام .

ص: 298

فقال : ما تعرف من العلوم ؟ قال : سلني عن أخبار السماوات .

فودّعه ومضى ، وعلى يده باز أشهب يطلب به الصيد ، فلمّا بعد عنه نهض عن يده الباز ، فنظر يمينه وشماله لم ير صيدا ، والباز يثب عن يده ، فأرسله ، وطار يطلب الأفق حتى غاب عن ناظره ساعة ، ثمّ عاد إليه ، وقد صاد حيّة ، فوضع الحيّة في بيت الطعم ، وقال لأصحابه : قد دنا حتف ذلك الصبي في هذا اليوم على يدي .

ثمّ عاد ، وابن الرضا في جمله الصبيان ، فقال : ما عندك من أخبار السماوات ؟ فقال : نعم ، يا أمير المؤمنين ، حدّثني أبي عن آبائه عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه و آله عن جبرئيل عليه السلام عن ربّ العالمين أنّه قال : بين السماء والهواء بحر عجّاج يتلاطم به الأمواج ، فيه حيات خضر البطون رقط الظهور ، ويصيدها الملوك بالبزاة الشهب يمتحن بها العلماء ، فقال : صدقت وصدق آباؤك وصدق جدّك وصدق ربّك . فأركبه ، ثمّ زوّجه أمّ الفضل .

إخباره بشهادة أبيه

محمد بن أحمد بن يحيى في نوادر الحكمة عن أميّة بن علي ، قال : دعا أبو جعفر عليه السلام يوما بجارية ، فقال : قولي لهم يتهيّأون للمأتم ، قالوا : مأتم مَن ؟ قال : مأتم خير من على ظهرها .

فأتى خبر أبيالحسن عليه السلام بعد ذلك بأيّام، فإذا هو قد مات في ذلك اليوم(1).

ص: 299


1- دلائل الإمامة : 401 ح 359 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 516 ح 443 ، اعلام الورى : 2/100 .

إخباره بشهادته

محمد بن الفرج : كتب إليّ أبو جعفر عليه السلام : احملوا إليّ الخمس ، فإنّي لست آخذه منكم سوى عامي هذا ، فقبض في تلك السنة(1) .

يوشك أن يكون هذا الرجل نبيّا

وفي كتاب معرفة تركيب الجسد عن الحسين بن أحمد التميمي : روي عن أبي جعفر الثاني عليه السلام أنّه استدعى فاصدا في أيّام المأمون ، فقال له : افصدني في العرق الزاهر ، فقال له : ما أعرف هذا العرق - يا سيّدي - ولا سمعته ، فأراه إيّاه.

فلمّا فصده خرج منه أصفر ، فجرى حتى امتلأ الطست ، ثمّ قال له : امسكه ، فأمر بتفريغ الطست ، ثمّ قال : خلّ عنه ، فخرج دون ذلك ، فقال : شدّه الآن .

فلمّا شدّ يده أمر له بمائة دينار ، فأخذها وجاء إلى بخناس ، فحكى له ذلك ، فقال : واللّه ما سمعت بهذا العرق مذ نظرت في الطبّ ، ولكن هاهنا فلان الأسقف قد مضت عليه السنون ، فامض بنا إليه ، فإن كان عنده علمه وإلاّ لم نقدر على من يعلمه .

فمضيا ودخلا عليه ، وقصّ القصص ، فأطرق مليّا ، ثمّ قال : يوشك أن يكون هذا الرجل نبيّا ، أو من ذرّية نبي .

ص: 300


1- الثاقب في المناقب لابن حمزة : 522 ح 456 ، اعلام الورى : 2/100 .

إنّ اللّه احتجّ في الإمامة بمثل ما احتجّ في النبوّة

معلى بن محمد ، قال : خرج عليّ أبو جعفر عليه السلام حدثان موت أبيه ، فنظرت إلى قدّه لأصف قامته لأصحابنا بمصر ، فقعد ، ثمّ قال : يا معلّى ، إنّ اللّه احتجّ في الإمامة بمثل ما احتجّ في النبوّة ، فقال : « وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا » .

وقد رواه علي بن أسباط(1) .

شفاه من الصمم

أبو سلمة ، قال : دخلت على أبي جعفر عليه السلام - وكان بي صمم شديد - ، فخبّر بذلك لمّا أن دخلت عليه ، فدعاني إليه ، فمسح يده على أذني ورأسي ، ثمّ قال : اسمع وعِه .

فواللّه إنّي لأسمع الشيء الخفيّ عن أسماع الناس من بعد دعوته .

توضأ عند نبقة فحملت ثمرا لا عجم له

وروي أنّ أبا جعفر عليه السلام لمّا صار إلى شارع الكوفة نزل عند دار المسيّب ، وكان في صحنه نبقة لم تحمل ، فدعا بكوز فيه ماء ، فتوضّأ في أسفل النبقة ، وقام فصلّى بالناس المغرب والعشاء الآخرة ، وسجد سجدتي التكبير ، ثمّ خرج .

ص: 301


1- بصائر الدرجات للصفار : 258 باب 10 ح 10 ، الكافي : 1/384 ح 7 ، الإرشاد للمفيد : 2/293 ، الخرائج للراوندي : 1/384 ح 14 ، اعلام الورى : 2/99 ، تفسير مجمع البيان : 6/408 .

فلمّا انتهى إلى النبقة رآها الناس ، وقد حملت حسنا ، فتعجّبوا من ذاك ، وأكلوا منها ، فوجدوا نبقا حلوا لا عجم له ، وودّعوه ، ومضى إلى المدينة(1) .

قال الشيخ المفيد : وقد أكلت من ثمرها ، وكان لا عجم له .

عيّن أصحاب الرقاع

ابن عيّاش في كتاب أخبار أبي هاشم الجعفري ، قال : دخلت على أبي جعفر عليه السلام ، ومعي ثلاث رقاع غير معنونة ، فاشتبهت عليّ ، فاغتممت لذلك .

فتناول إحداهنّ وقال : هذه رقعة ريّان بن شبيب ، وتناول الثانية وقال : هذه رقعة محمد بن أبي حمزة ، وتناول الثالثة وقال : هذه رقعة فلان .

فبهتّ ، فنظر عليه السلام ، وتبسّم .

أرسل صرّة وأخبر بما سيقول

وفيه أنّه قال الحميري : قال لي أبو هاشم : أعطاني أبو جعفر عليه السلام ثلاثمائة دينار في صرّة ، فأمرني أن أحملها إلى بعض بني عمّه ، وقال : أما إنّه سيقول لك : دلّني على حريف يشتري لي بها متاعا ، فدلّه عليه ، فكان كما قال .

ص: 302


1- روضة الواعظين للفتال : 241 ، القاب الرسول وعترته : 72 ، الإرشاد للمفيد : 2/289 ، اعلام الورى : 2/106 ، الخرائج للراوندي : 1/378 ح 8 .

انجز ما أراد قبل أن يتكلّم

وقال أبو هاشم : كلّمني جمّال أن أكلّمه له ليدخل في بعض أموره ، فدخلت عليه أكلّمه ، فوجدته يأكل في جماعة ، فلم يمكنّي كلامه ، فقال : يا أبا هاشم ، كُل ، ووضع الطعام بين يدي ، ثمّ قال : يا غلام ، انظر الجمّال الذي أتانا به أبو هاشم فضمّه إليك .

شفاه من أكل الطين

وقال أبو هاشم : قلت له : جعلت فداك ، إنّي مولع بأكل الطين ، فادع اللّه لي ، فسكت .

ثمّ قال لي بعد أيّام : يا أبا هاشم ، قد أذهب اللّه عنك أكل الطين ، قلت : فما شيء أبغض إليّ منه(1) .

إنّه يعلم ما في النفوس

محمد بن حمزة الهاشمي ، قال : أصابني العطش عند أبي جعفر عليه السلام ، فنظر في وجهي وقال : أراك عطشانا ؟ قلت : أجل ، قال : يا غلام ، اسقنا ماء ، فقلت : الساعة يأتونه بماء مسموم من بيت المأمون ، واغتممت لذلك ، فتبسّم في وجهي .

ص: 303


1- الكافي : 1/495 ح 5 ، الإرشاد للمفيد : 2/294 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 519 ، الخرائج للراوندي : 2/664 ، اعلام الورى : 2/98.

ثمّ قال : يا غلام ، ناولني الماء ، فتناول الماء فشرب ، ثمّ ناولني فشربت .

فعطشت مرّة أخرى ، فدعا بالماء ، ففعل كما فعل أوّلاً .

فقال محمد الهاشمي : واللّه ، أظنّ أبا جعفر يعلم ما في النفوس ، كما تقول الرافضة(1) .

أراه أباه في المنام فأخبره بموضع المال

الحسن بن علي : إنّ رجلاً جاء إلى التقي عليه السلام وقال : أدركني يا ابن رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، فإنّ أبي قد مات فجأة ، وكان له ألفا دينار ، ولست أصل إليه ، ولي عيال كثير .

فقال : إذا صلّيت العتمة ، فصلّ على محمد وآله مائة مرّة ليخبرك به .

فلمّا فرغ الرجل من ذلك رأى أباه يشير إليه بالمال ، فلمّا أخذه قال : يا بنيّ ، اذهب إلى الإمام ، وأخبره بقصّتي ، فإنّه أمرني بذلك .

فلمّا انتبه الرجل أخذ المال ، وأتى أبا جعفر عليه السلام وقال : الحمد للّه الذي أكرمك واصطفاك(2) .

وفي رواية ابن أسباط : وهو إذ ذاك خماسي ، إلاّ أنّه لم يذكر موت والده .

ص: 304


1- روضة الواعظين للفتال : 243 ، الإرشاد للمفيد : 2/292 ، الخرائج للراوندي : 1/379 ، الكافي : 1/495 ح 6 .
2- الدعوات للراوندي : 57 ح 145 .

مضى أبو الحسن عليه السلام ولك عليه أربعة آلاف درهم

وقال المطرفي : مضى أبو الحسن عليه السلام ولي عليه أربعة آلاف درهم لم يكن يعرفها غيري ، فأرسل إليّ أبو جعفر عليه السلام : إذا كان في غد فائتني .

فأتيته من الغد ، فقال لي : مضى أبو الحسن عليه السلام ولك عليه أربعة آلاف درهم ، فدفع دنانير من تحت مصلاّه ، وكانت قيمتها في الوقت أربعة آلاف درهم(1) .

دعاؤه على زوجته أمّ الفضل

وروي أنّ امرأته أمّ الفضل بنت المأمون سمّته في فرجه بمنديل(2) ، فلمّا أحسّ بذلك قال لها : أبلاكِ بداء لا دواء له .

فوقعت الآكلة في فرجها ، وكانت تنتصب للطبيب ، فينظرون إليها ويسرون بالدواء عليها ، فلا ينفع ذلك حتى ماتت من علّتها(3) .

قال العوني :

يا آل أحمد لولاكم لما طلعت

شمس ولا ضحكت أرض على العشب

يا آل أحمد لا زال الفؤاد بكم

صباية بادرت تبكي على الندب

ص: 305


1- روضة الواعظين للفتال : 243 ، الإرشاد للمفيد : 2/292 ، الكافي : 1/497 ح 11 ، الخرائج للراوندي : 1/378 ح 7 ، اعلام الورى : 2/99 .
2- روي في عيون المعجزات : 118 أنّها سمّته بعنب رازقي .
3- دلائل الإمامة : 395 .

يا آل أحمد أنتم خير من وجدت

به المطايا وأنتم منتهى إربي

يا زينة الأرض يا فجر الظلام بها

يا درّة المجد يا عرعورة العرب

* * *

وقال العبدي :

صلوات الإله ربّي عليكم

أهل بيت الصيام والصلوات

قدّم اللّه كونكم في قديم

الكون قبل الأرضين والسماوات

واصطفاكم لنفسه وارتضاكم

وأرى الخلق فيكم المعجزات

وعلمتم ما قد يكون وما كان

وعلم الدهور والحادثات

أنتم جنبه وعروته الوثقى

وأسماؤه وباب النجاة

وبكم يعرف الخبيث من الطيّب

والنور في دجى الظلمات

لكم الحوض والشفاعة والأعراف

عرفتم جميع السمات

* * *

وقال المعرّي :

يا بن الذي بلسانه وبنانه

هدي الأنام ونزّل التنزيل

عن فضله نطق الكتاب وبشّرت

لقدومه التوراة والإنجيل

لولا انقطاع الوحي بعد محمد

قلنا محمد من أبيه بديل

هو مثله في الفضل إلاّ أنّه

لم يأته برسالة جبريل

* * *

ص: 306

وقال مهيار :

لئن قام دهري دون المنى

وأصبح عن نيلها مقعدي

ولم آل أحمد أفعاله

فلي أسوة ببني أحمد

بخير الورى وهم خيرهم

إذا ولد الخير لم يولد

وأكرم حيّ على الأرض قام

وميّت توسّد في ملحد

وبيت تقاصر عنه البيوت

وطاول علي على الفرقد

نجوم الملائك من حوله

ويصبح في الوحي دار الند

ومنها :

وإرث علي لأولاده

إذا انه الإرث لم يفسد

فمن قاعد منهم خائف

ومن ناثر قام لم يسعد

فسلّط بغي أكفّ النفا

ق منهم على سيّد سيّد

أبوهم وأمّهم من علمت

فأنقص متأخّرهم أو زد

ستعلم من فاطم خصمه

بأيّ نكال غدا يرتدي

* * *

وقال ابن الحجّاج :

ابن النبي المصطفى

والمرتضي الهادي الوصي

* * *

ص: 307

ص: 308

فصل 4 : في آياته عليه السلام

اشارة

ص: 309

ص: 310

معجزته مع الشامي المتعبّد

أخبر علي بن خالد بالعسكر : أنّ متنبّيا أتي من الشام وحبس فيه ، فأتاه وقال : ما قصّتك ؟ قال : كنت بالشام أعبد اللّه في الموضع الذي يقال : إنّه نصب فيه رأس الحسين عليه السلام ، فبينا أنا ذات ليلة في موضعي مقبل على المحراب أذكر اللّه ، إذ رأيت شخصا يقول : قم ، فقمت ، فمشى بي قليلاً ، وإذا أنا في مسجد الكوفة ، فصلّينا فيه ، ثمّ انصرفنا ، ومشينا قليلاً ، فإذا نحن بمسجد الرسول صلى الله عليه و آله ، فصلّينا فيه ، ثمّ خرجنا ، فمشينا قليلاً ، وإذا نحن بمكّة ، فطفنا بالبيت ، ثمّ خرجنا ، فمشينا قليلاً ، فإذا نحن بموضعي ، ثمّ غاب الشخص عن عيني ، فبقيت متعجّبا بذلك حولاً بما رأيت .

فلمّا كان في العام المقبل أتاني أيضا ، ففعل كما فعل في العام الماضي ، فلمّا أراد مفارقتي قلت له : أسألك بالحقّ الذي أقدرك على ما رأيت منك إلاّ أخبرتني من أنت ؟

قال : أنا محمد بن علي بن موسى بن جعفر عليهم السلام ، فحدّثت بذلك ، فرفع إلى محمد بن عبد الملك الزيّات ، فأخذني وكبّلني كما ترى ، وادّعى عليّ المحال .

فكتب خالد عنه قصّته ، ورفعها إلى ابن الزيّات ، فوقع في ظهرها : قل للذي أخرجك من الشام في ليلة إلى الكوفة ، ومن الكوفة إلى المدينة ،

ص: 311

ومن المدينة إلى مكّة ، ومن مكّة إلى الشام ، أن يخرجك من حبسك هذا ، فانصرف خالد محزونا .

فلمّا كان من الغد باكر الحبس ليأمره بالصبر ، فوجد أصحاب الحرس وغوغاء يهرجون ، فسأل عن حالهم ، فقيل : المحمول من الشام افتقد البارحة من الحبس .

وكان علي بن خالد زيديّا ، فقال بالإمامة لمّا رأى ذلك ، وحسن اعتقاده(1) .

تكلّمت العصا في يده

محمد بن أبي العلاء : سألت يحيى بن أكثم بعد التحف والطرف(2) ، فقلت له : علّمني من علوم آل محمد صلى الله عليه و آله ، فقال : أخبرك بشرط أن تكتمه عليّ حال حياتي ، فقلت : نعم .

قال : دخلت المدينة ، فوجدت محمد بن علي الرضا عليهماالسلام يطوف عند قبر النبي صلى الله عليه و آله ، فناظرته في مسائل ، فأجابني .

فقلت في نفسي - خفية - : أريد أن أبديها .

ص: 312


1- روضة الواعظين للفتال : 242 ، الإرشاد للمفيد : 2/89 ، الاختصاص للمفيد : 320 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 510 ح 436 ، الخرائج للراوندي : 1/380 ح 10 ، اعلام الورى : 2/96 ، بصائر الدرجات للصفار : 422 باب 13 ح 1 ، الكافي : 1/492 ح 1 .
2- أي بعد أن قدّمت له التحف والطرف .

فقال : إنّي أخبرك بها تريد أن تسأل : من الإمام في هذا الزمان ؟

فقلت : هو - واللّه - هذا ، فقال : إنّني .

فسألته علامة ، فتكلّم عصا في يده ، فقال : إنّ مولاي إمام هذا الزمان ، وهو الحجّة(1) .

معاجزه عند ولادته

حكيمة بنت أبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام قالت : لمّا حضرت ولادة الخيزران - أمّ أبي جعفر عليه السلام - ، دعاني الرضا عليه السلام ، فقال لي : يا حكيمة ، احضري ولادتها ، وادخلي وإيّاها والقابلة بيتا ، ووضع لنا مصباحا ، وأغلق الباب علينا .

فلمّا أخذها الطلق طفي المصباح - وبين يديها طست - ، فاغتممت بطفي المصباح ، فبينا نحن كذلك إذ بدر أبو جعفر عليه السلام في الطست ، وإذا عليه شيء رقيق كهيئة الثوب يسطع نوره حتى أضاء البيت ، فأبصرناه ، فأخذته فوضعته في حجري ونزعت عنه ذلك الغشاء .

فجاء الرضا عليه السلام ، ففتح الباب وقد فرغنا من أمره ، فأخذه ، فوضعه في المهد وقال لي : يا حكيمة الزمي مهده .

قالت : فلمّا كان في اليوم الثالث رفع بصره إلى السماء ، ثمّ نظر يمينه ويساره ، ثمّ قال : أشهد أنّ لا إله إلاّ اللّه ، وأشهد أنّ محمدا رسول اللّه صلى الله عليه و آله .

ص: 313


1- الكافي : 1/353 ح 9 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 508 ح 434 ، دلائل الإمامة : 403 ح 362 .

فقمت ذعرة فزعة ، فأتيت أبا الحسن عليه السلام ، فقلت له : لقد سمعت من هذا الصبي عجبا ، فقال : وما ذاك ؟ فأخبرته الخبر ، فقال : يا حكيمة ، ما ترون من عجائبه أكثر(1) .

قتله المأمون وما قتله

صفوان بن يحيى ، قال : حدّثني أبو نصر الهمداني وإسماعيل بن مهران وحبران الأسباطي عن حكيمة بنت أبي الحسن القرشي عن حكيمة بنت موسى بن عبد اللّه عن حكيمة بنت محمد بن علي بن موسى التقي عليه السلام ، قال :

دخلت على أمّ الفضل بنت المأمون يوم السابع من وفاة التقي عليه السلام فوجدتها جزعة ، وكان الناس يعزّونها ، ويذكرون مناقبه ، فدعت ياسر الخادم ، وجواري كثيرة ، وقالت : كنت أغار على محمد التقي عليه السلام ، وكان يشدّد عليّ القول ، وكنت أشكو ذلك إلى والدي ، فيقول والدي : يا بنيّة ، احتمليه ، فإنّه بضعة من رسول اللّه صلى الله عليه و آله .

فبينا أنا جالسة يوما ، إذ دخلت امرأة من أحسن الناس ، وسلّمت عليّ ، فسألتها من أنت ؟ قالت : أنا من أولاد عمّار بن ياسر .

فأجلستها لحرمته ، فقالت : أنا زوجة محمد التقي عليه السلام ، فوسوس إليّ الشيطان بقتلها ، ثمّ احتملت ، ورحّبت إليها وأعطيتها .

ص: 314


1- الثاقب في المناقب لابن حمزة : 504 ح 432 ، عيون المعجزات لابن عبد الوهاب : 114 .

فلمّا خرجت دخلت على والدي ، وقصصت عليه - وهو سكران لا يعقل - ، فقال : عليّ بالسيف - واللّه - لأقتلنّه ، ودخل عليه وضربه حتى قطعه وانصرف ، فنام .

فلمّا انتبه رآني ، فقال : ما تصنعين هاهنا ؟ قلت : قد قتلت البارحة ابن الرضا عليه السلام ، فبرقت عيناه وغشي عليه .

فلمّا أفاق قال : ويلك ما تقولين ؟! قلت : نعم ، يا أبه ، دخلت عليه ولم تزل تضربه بالسيف حتى قتلته ، فاضطرب من ذلك اضطرابا شديدا ، ثمّ قال : عليّ بياسر الخادم ، فلمّا حضر قال : ويلك ما هذا الذي تقول هذه ؟ فقال : صدقت يا أمير المؤمنين .

فضرب نفسه وحوقل ، وقال : هلكنا - واللّه - وعطبنا وافتضحنا إلى آخر الأبد ، ويلك ، فانظر ما القصّة .

فخرج وانصرف قائلاً : البشرى يا أمير المؤمنين ، قال : فما عندك ؟ قال : رأيته يستاك ، فقلت : يا ابن رسول اللّه ، أريد أن تخلع عليّ ثوبك ، وغرضي أن أرى أعضاءه ، قال : بل أكسوك خيرا منه ، قلت : لست أريد غيره ، فأتى بآخر فنزعه ، وخلع عليّ ، فلم أجد عليه أثرا .

فبكى والدي وقال : ما بقي بعد هذا شيء آخر ، إنّ هذا لعبرة الأوّلين والآخرين .

ثمّ قال : اعلمه من قصّتها ودخولي عليه بالسيف ، لعن اللّه هذه البنت ، وهدّدها في شكايتها عنه ، وأنفذ ياسر إليه بألف دينار ، وأمر الهاشميّين أن يأتوه في الخدمة .

ص: 315

فنظر التقي عليه السلام إليه مليّا ، فقال : هكذا كان العهد بينه وبين أبي ، وبينه وبيني ، حتى هجم عليّ بالسيف ، أو ما علم أنّ لي ناصرا وحاجزا يحجز بيني وبينه ؟

فقال ياسر : ما شعر واللّه ، فدع عن عتابك ، فإنّه لن يسكر أبدا .

ثمّ ركب حتى أتى إلى والدي ، فرحّب به والدي ، وضمّه إلى نفسه ، وقال : إن كنت وجدت عليّ فاعف عنّي وأصلح ، فقال : ما وجدت شيئا ، وما كان إلاّ خيرا .

فقال المأمون : لأتقرّبنّ إليه بخراج الشرق والغرب ، ولأهلكنّ أعداءه كفّارة لما صدر منّي ، ثمّ أذن للناس ودعا بالمائدة(1) .

عامله الإمام وفق نيّته أياما

الحسين بن محمد الأشعري ، قال : حدّثني شيخ من أصحابنا يقال له « عبد اللّه بن رزين » ، قال : كنت مجاورا بالمدينة - مدينة الرسول صلى الله عليه و آله - ، وكان أبو جعفر عليه السلام يجيء في كلّ يوم مع الزوال إلى المسجد ، فينزل على الصخرة ، ويسير إلى رسول اللّه صلى الله عليه و آله ويسلّم عليه ، ويرجع إلى بيت فاطمة عليهاالسلام ، ويخلع نعله ، فيقوم فيصلّي ، فوسوس إليّ الشيطان(2) !

ص: 316


1- الثاقب في المناقب لابن حمزة : 219 ح 193 .
2- يبدو أنّه عبّر عمّا نواه بوسوسة الشيطان ، لأنّه كان ينوي بذلك الغلو والارتفاع بالمعنى المنهي عنه في شرع أهل البيت عليهم السلام ، والظاهر أنّ الإمام عليه السلام إنّما حرمه من أخذ التراب لفساد عقيدته ، لا لمنع التبرّك . .

فقال : إذا نزل فاذهب حتى تأخذ من التراب الذي يطأ عليه .

فجلست في ذلك اليوم أنتظره لأفعل هذا ، فلمّا أن كان في وقت الزوال أقبل عليه السلام على حمار له ، فلم ينزل في الموضع الذي كان ينزل فيه ، وجازه حتى نزل على الصخرة التي كانت على باب المسجد ، ثمّ دخل فسلّم على رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، ثمّ رجع إلى مكانه الذي كان يصلّي فيه ، ففعل ذلك أيّاما .

فقلت : إذا خلع نعليه جئت ، فأخذت الحصا الذي يطأ عليه بقدميه ، فلمّا كان من الغد جاء عند الزوال ، فنزل على الصخرة ، ثمّ دخل على رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، وجاء إلى الموضع الذي كان يصلّي فيه ولم يخلعهما ، ففعل ذلك أيّاما .

فقلت في نفسي : لم يتهيّأ لي هاهنا ، ولكن اذهب إلى الحمّام ، فإذا دخل الحمّام آخذ من التراب الذي يطأ عليه ، فلمّا دخل الحمّام دخل في المسلخ بالحمار ، ونزل على الحصير ، فقلت للحمّامي في ذلك ، فقال : واللّه ما فعل هذا قطّ إلاّ في هذا اليوم ، فانتظرته ، فلمّا خرج دعا بالحمار ، فأدخل المسلخ ، وركب فوق الحصير وخرج .

فقلت : واللّه آذيته ولا أعود أروم ما رمت منه أبدا ، فلمّا كان وقت الزوال نزل في الموضع الذي كان ينزل فيه(1) .

اتّق اللّه يا ذا العثنون

الكليني بإسناده إلى محمد بن الريّان ، قال : احتال المأمون على أبي

ص: 317


1- الكافي : 1/493 ح 2 .

جعفر عليه السلام بكلّ حيلة ، فلم يمكنه فيه شيء ، فلمّا أراد أن يبني(1) عليه ابنته دفع إلى مائة وصيفة من أجمل ما يكون ، إلى كلّ واحدة منهنّ جاما فيه جوهر يستقبلون أبا جعفر عليه السلام إذا قعد في موضع الأختان ، فلم يلتفت إليهنّ .

وكان رجل يقال له : « مخارق » صاحب صوت وعود وضرب ، طويل اللحية ، فدعاه المأمون فقال : يا أمير المؤمنين إن كان في شيء من أمر الدنيا ، فأنا أكفيك أمره ، فقعد بين يدي أبي جعفر عليه السلام ، فشهق مخارق شهقة اجتمع إليه أهل الدار ، وجعل يضرب بعوده ويغنّي .

فلمّا فعل ساعة ، وإذا أبو جعفر عليه السلام لا يلتفت إليه ، ولا يمينا ولا شمالاً ، ثمّ رفع رأسه وقال : اتّق اللّه يا ذا العثنون .

قال : فسقط المضراب من يده والعود ، فلم ينتفع بيده إلى أن مات(2) .

توضأ عند سدرة يابسة فأورقت وحملت

أبو هاشم الجعفري ، قال : صلّيت مع أبي جعفر عليه السلام في مسجد المسيّب ، وصلّى بنا في موضع القبلة سواء ، وذكر أنّ السدرة التي في المسجد كانت يابسة ليس عليها ورق ، فدعا بماء وتهيّأ تحت السدرة ، فعاشت السدرة ، وأورقت ، وحملت من عامها(3) .

ص: 318


1- في ا لنسخ : « يثني » .
2- الكافي : 1/495 ح 4 .
3- الكافي : 1/497 ح 10 .

إخباره بانتقام حدث في آل فرج وسبب ذلك

وقال ابن سنان : دخلت على أبي الحسن عليه السلام ، فقال : يا محمد ، حدث بآل فرج حدث ! فقلت : مات عمر ، فقال : الحمد للّه على ذلك - أحصيت له أربعا وعشرين مرّة - .

ثمّ قال : أفلا تدري ما قال - لعنه اللّه - لمحمد بن علي أبي عليه السلام ؟ قال : قلت : لا ، قال : خاطبه في شيء ، قال : أظنّك سكرانا !!!

فقال أبي : اللّهمّ إن كنت تعلم أنّي أمسيت لك صائما فأذقه طعم الحرب(1) وذلّ الأسر .

فواللّه ما أن ذهبت الأيّام حتى حرب ماله ، وما كان له ، ثمّ أخذ أسيرا ، فهو ذا ذليل(2) حتى مات(3) . . الخبر .

أنقاذه الخراساني المذبوح

أحمد بن علي بن كلثوم السرخسي : قال أبو زينبة : وفي حلق الحكم بن يسار المروزي شبه الخطّ ، كأنّه أثر الذبح ، فسألته عن ذلك .

فقال : كنّا سبعة نفر في حجرة واحدة ببغداد في زمان أبي جعفر الثاني عليه السلام ، فغاب عنّا الحكم عند العصر ، ولم يرجع تلك الليلة .

ص: 319


1- في النسخ : « الخرب » في الموضعين ، وما أثبتناه من الكافي .
2- في بعض النسخ : « فهو ذا مات » ، وفي الكافي : « فهو ذا قد مات » .
3- الكافي : 1/496 ح 9 .

فلمّا كان جوف الليل جاءنا توقيع من أبي جعفر عليه السلام : إنّ صاحبكم الخراساني مذبوح مطروح في لبد في مزبلة كذا وكذا ، فاذهبوا فداووه بكذا وكذا .

فذهبنا ، فحملناه وداويناه بما أمرنا به ، فبرأ من ذلك(1) .

كنت لا أخاف الموت ما كان يحيى حيّا

إبراهيم بن محمد الهمداني ، قال : كتب أبو جعفر عليه السلام إليّ كتابا ، وأمرني أن لا أفكّه حتى يموت يحيى بن عمران .

قال : فمكث الكتاب عندي سنين ، فلمّا كان اليوم الذي مات فيه يحيى بن عمران ، فككته فإذا فيه : قم بما كان يقوم به - أو نحو هذا - من الأمر .

قال : فقرأ إبراهيم هذا الكتاب في المقبرة يوم مات يحيى بن عمران ، وكان إبراهيم يقول : كنت لا أخاف الموت ما كان يحيى حيّا(2) .

حال تراب الهدم عن معرفة قبره

ابن الهمداني الفقيه في تتمّة تاريخ أبي شجاع الوزير ذيله على تجارب الأمم : إنّه لمّا حرقوا القبور بمقابر قريش جادلوا حفر ضريح أبي جعفر محمد بن علي عليهماالسلام ، وإخراج رمته ، وتحويلها إلى مقابر أحمد ، فحال تراب الهدم ، وزناد الحريق بينهم وبين معرفة قبره .

ص: 320


1- إختيار معرفة الرجال للطوسي : 2/840 ح 107 .
2- بصائر الدرجات للصفار : 283 ح 2 .

قال شاعر :

سيحبر من جمع المكارم كلّها

والعلم أجمع للإمام محمد

يميز الخلائق فضله وجلاله

وهو ابن سيّدنا النبي محمد

* * *

وقال الشريف المرتضى :

أقلني ربّي بالذين اصطفيتهم

وقلت لنا هم خير من أنا خالق

وإن كنت قد قصّرت سعيا إلى التقى

فإنّي بهم ما شئت عندك لاحق

هم أنقذوا لمّا فزعت إليهم

وقد صممت نحوي السنون العوارق

وهم جدبوا صنعي إليهم من الأذى

وقد طرقت باب الخطوب الطوارق

ولولاهم ما زلت في الدين خطوة

ولا اتّسعت فيه عليّ المضايق

ولا سيّرت فضلي إليها مغارب

ولا طيّرته بينهنّ مشارق

ولا صيّرت قلبي من الناس كلّهم

لها وطنا تأوي إليه الحقائق

* * *

ص: 321

وقال ابن حمّاد :

ما اتّكالي إلاّ على عفو ربّي

وولائي للطاهرين الطياب

آل طاها وآل ياسين صفو

الصفو من ذا الورى ولبّ اللباب

خير من كان أو يكون من الخلق

وأزكى من حلّ فوق التراب

من إليهم يوم الإياب إيابي

وعليهم يوم الحساب حسابي

من زكاتي بهم زكت وصلاتي

قبلت إذ جعلتهم محرابي

أهل بيت الإله طهّرهم من

كلّ رجس وريبة ومعاب

والبيوت التي تأذن أن تر

فع فاسأل بها ذوي الألباب

ومعاني الأسماء قال له الر

حمن فليرتقوا إلى الأسباب

خلفاء الإله يقضون بالحكمة

بين الورى وفصل الخطاب

* * *

وقال الحصكفي الخطيب :

إنّي جعلت في الخطوب مؤمّلي

محمدا والأنزع البطينا

أحببت ياسين وطاسين ومن

يلزم في ياسين أو طاسينا

سفن النجاة والمناجاة ومن

آوى إلى الفلك وطور سينا

والعلم في الصين ولكن كشفه

في قصدهم لا أن ترون الصينا

ذروا الغبا فإنّ أصحاب العبا

هم النبأ إن شئتم التبيينا

قوموا ادخلوا الباب وقولوا حطّة

يغفر لنا الذنوب أجمعينا

* * *

ص: 322

وقال محمد بن أبي النعمان :

سلام على آل النبي محمد

ورحمة ربّي دائما أبدا يجري

وصلّى عليهم ذو الجلال معظّما

وزادهم في الفضل فخرا على فخر

فهم خير خلق اللّه أصلاً ومحتدا

وأكرمهم فرعا على الفحص والسدر

وأوسعهم علما وأحسنهم هدى

وأتقاهم للّه في السرّ والجهر

وأفضلهم في الفضل في كلّ مفضل

وأقولهم بالحكم في محكم الذكر

وأشجعهم في النازلات وفي الوغى

وأجودهم للّه في العسر واليسر

أناس علوا كلّ المعاني بأسرها

فدقّت معانيهم على كلّ ذي فكر

* * *

وقال الحميري :

بيت الرسالة والنبوّة والذين

نعدّهم لذنوبنا شفعاء

الطاهرين الصادقين العالمين

العارفين السادة النجباء

إنّي علقت بحبلهم مستمسّكا

أرجو بذاك من الإله رضاء

أسواهم أبغي لنفسي قدوة

لا والذي فطر السماء سماء

ص: 323

ص: 324

باب إمامة أبي الحسن علي بن محمد النقي عليهماالسلام

اشارة

ص: 325

ص: 326

فصل 1 : في المقدّمات

اشارة

ص: 327

ص: 328

المقدّمة

الحمد للّه الذي لم يحتج في صنعه إلى الآلة والعلّة والحيلة ، الرحمن الذي قدّر لأهل البيت عليهم السلام بفضله كلّ فضيلة ، الرحيم الذي أزال من المؤمن بلطفه من الذلّة كلّ ذليلة ، عرّف الخلائق بأن جعلها شعبا وقبيلة ، وعدّ في كتابه للمؤمنين الموقنين عدّة جميلة ، وجعل الفردوس للمشتاقين مثوبة جزيلة ، فقال : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ » .

سعيد بن طريف عن علي عليه السلام ، قال : في الجنّة لؤلؤتان إلى بطنان العرش : إحداهما بيضاء ، والأخرى صفراء ، في كلّ واحدة منها سبعون ألف غرفة ، أبوابها وأكوابها من عرق واحد ، فالبيضاء الوسيلة لمحمد صلى الله عليه و آله وأهل بيته ، والصفراء لإبراهيم عليه السلام وأهل بيته(1) .

الصادق عليه السلام : نحن السبب بينكم وبين اللّه (2) .

ص: 329


1- تفسير الثعلبي : 4/59 ، تفسير جوامع الجامع : 1/469 ، تفسير مجمع البيان : 3/327 .
2- أمالي الطوسي : 157 ح 260 ، فضائل أمير المؤمنين عليه السلام لابن عقدة : 149 ، بشارة المصطفى : 147 ح 101 .

الآيات

عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ

يزيد بن معاوية عن الصادق عليه السلام في قوله : « عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ » ، إيّانا عنى ، وعلي عليه السلام أوّلنا وأفضلنا وخيرنا بعد النبي(1) صلى الله عليه و آله .

سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللّهِ

وسأل يحيى بن أكثم أبا الحسن عليه السلام عن قوله : « سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللّهِ » ، قال : هي عين الكبريت ، وعين اليمن ، وعين البرهوت ، وعين الطبرية ، وحمّة(2) ماسيدان ، وحمّة إفريقية ، وعين باحوران ، ونحن الكلمات التي لا تدرك فضائلنا ولا تستقصى(3) .

فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤمِنُونَ

عروة بن أذينة : سألت أبا عبد اللّه

عليه السلام عن قوله : « وَقُلِ اعْمَلُوا

ص: 330


1- الكافي: 1/229 ح 6 ، بصائر الدرجات للصفار: 234 ح 7 ، دعائم الإسلام: 1/22، الخرائج للراوندي : 2/799 ، تفسير العياشي : 2/220 ح 76 ، تفسير مجمع البيان : 6/54 ، بشارة المصطفى : 299 .
2- الحَمَّةُ : عين الماء ، فيها ماء حارّ يُسْتَشْفى بالغسل منه .
3- الاختصاص للمفيد : 94 ، تحف العقول : 479 ، الاحتجاج : 2/259 .

فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤمِنُونَ » ، فقال : إيّانا عنى(1) .

أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي . .

زيد بن علي في قوله : « أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي

إِلاّ أَنْ يُهْدى » ، نزلت فينا .

. . إِلاّ مَنْ رَحِمَ اللّهُ

زيد الشحّام : قال أبو عبد اللّه عليه السلام في قوله : « إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ إِلاّ مَنْ رَحِمَ اللّهُ » ، نحن - واللّه - الذي رحم اللّه (2) ، ونحن - واللّه - الذين استثنى اللّه - عزّ وجلّ - لكنّا نغني عنهم(3) .

فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى

علي بن عبد اللّه ، قال : سأله رجل عن قوله : « فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى » ، قال : من قال بالأئمّة عليهم السلام ، وتبع أمرهم ، ولم يجز طاعتهم(4) .

ص: 331


1- بصائر الدرجات للصفار: 447 باب 5 ح 1، دعائم الإسلام : 1/21 ، أمالي الطوسي: 409 ح 918 ، بشارة المصطفى : 298 .
2- في النسخ : « رحم اللّه الذي يرحم للّه » ، وما أثبتناه من الكافي .
3- الكافي : 1/423 ح 56 .
4- بصائر الدرجات للصفار : 34 ح 2 ، الكافي : 1/414 ح 10 ، تفسير العياشي : 2/206.
. . أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ

عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السلام عن قوله : « وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ » ، قال : هم الأئمّة عليهم السلام(1) .

وَتَكُونُوا شُهَداءَ

وإنّ اللّه - تعالى - جعل على عهدة الأئمّة شهداء ، قال : « وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ » ، وقال في النبي صلى الله عليه و آله : « وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً » ، وفي علي عليه السلام : « وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ » ، وفي الأئمّة عليهم السلام : « وَتَكُونُوا شُهَداءَ » ، آل محمد صلى الله عليه و آله يكونوا شهداء على الناس بعد النبي صلى الله عليه و آله .

ص: 332


1- بصائر الدرجات للصفار : 56 باب 17 ح 8 ، الكافي : 1/414 ح 13 ، تفسير العياشي : 2/42 ح 120 .

فصل 2 : في كناه وألقابه وتواريخه عليه السلام

اشارة

ص: 333

ص: 334

نسبه بالألقاب

هو النقي بن التقي بن الصابر بن الوفي بن الصادق بن الباقر بن السجّاد بن حيدر بن عبد مناف عليهم السلام .

اسمه

اسمه : علي .

كنيته

وكنيته : أبو الحسن(1) ، لا غيرها .

ألقابه

وألقابه : النجيب ، المرتضى ، الهادي ، النقي ، العالم ، الفقيه ، الأمين ، المؤتمن ، الطيّب ، المتوكّل ، العسكري(2).

ويقال له : أبو الحسن الثالث ، والفقيه العسكري .

ص: 335


1- دلائل الإمامة : 411 ، اعلام الورى : 2/109 ، تاج المواليد : 54 .
2- دلائل الإمامة : 411 ، اعلام الورى : 2/109 ، تاج المواليد : 54 .

وكان أطيب الناس بهجة ، وأصدقهم لهجة ، وأملحهم من قريب ، وأكملهم من بعيد ، إذا صمت علته هيبة الوقار ، وإذا تكلّم سماه البهاء ، وهو من بيت الرسالة والإمامة ، ومقرّ الوصيّة والخلافة ، شعبة من دوحة النبوّة منتضاة مرتضاة ، وثمرة من شجرة الرسالة مجتناة مجتباة .

مولده ومدّة عمره شهادته

ولد بصرياء من المدينة للنصف من ذيالحجّة سنة إثنتي عشرة ومائتين.

ابن عيّاش : يوم الثلاثاء الخامس من رجب سنة أربع عشرة .

وقبض بسرّ من رأى الثالث من رجب سنة أربع وخمسين ومائتين .

وقيل : يوم الإثنين لثلاث ليال بقين من جمادى الآخرة نصف النهار(1) ، وليس عنده إلاّ ابنه أبو محمد عليه السلام .

وله - يومئذٍ - أربعون سنة ، وقيل : واحد وأربعون وسبعة أشهر(2) .

أُمّه

أُمّه أمّ ولد يقال لها « سمانة المغربية(3) » .

ويقال : إنّ أمّه المعروفة بالسيدة « أمّ الفضل » .

ص: 336


1- اعلام الورى : 2/109 ، دلائل الإمامة : 409 ، الكافي : 1/498 .
2- الإرشاد للمفيد : 2/297 ، روضة الواعظين للفتال : 246 .
3- دلائل الإمامة : 410 ، الإرشاد للمفيد : 2/297 ، اعلام الورى : 2/109 ، روضة الواعظين للفتال : 246 ، تاج المواليد : 55 ، الكافي : 1/498 .

فأقام مع أبيه ستّ سنين وخمسة أشهر ، وبعده مدّة إمامته ثلاثا وثلاثين سنة .

ويقال : وتسعة أشهر(1) .

مدّة مقامه بسامرا وموضع قبره

ومدّة مقامه بسرّ من رأى عشرون سنة ، وتوفّي فيها ، وقبره في داره .

ملوك عصره

وكان في سنيّ إمامته بقيّة ملك المعتصم ، ثمّ الواثق ، والمتوكّل ، والمنتصر ، والمستعين ، والمعتزّ(2) .

وفي آخر ملك المعتمد استشهد مسموما .

وقال ابن بابويه : وسمّه المعتمد(3) .

زيارته

وقيل لأبي عبد اللّه عليه السلام : ما لمن زار أحدا منكم ؟

قال : كمن زار رسول اللّه (4) صلى الله عليه و آله .

ص: 337


1- دلائل الإمامة : 409 ، تاج المواليد : 55 ، الكافي : 1/489 .
2- دلائل الإمامة : 409 ، اعلام الورى : 1/109 ، تاج المواليد : 55 .
3- الإعتقادات للصدوق : 98 .
4- روضة الواعظين للفتال : 246 ، الكافي : 4/579 ح 1 ، كامل الزيارات لابن قولويه : 278 باب 59 ح 437 ، تهذيب الأحكام للطوسي : 6/79 ح 157 .

قال دعبل :

قبور بكوفان وأخرى بطيبة

وأخرى بفخّ نالها صلواتي

وآخر من بعد النقي مبارك

زكيّ أرى بغداد في الحفرات

* * *

في الحساب

علي بن محمد النقي في الحساب يوافق . . .(1) ، لكونهما خمسا وأربعمائة .

أولاده

وأولاده : الحسن الإمام ، والحسين ، ومحمد ، وجعفر الكذّاب(2) ، وابنته عليّة(3) .

ص: 338


1- ساقط من النسخ .
2- في كمال الدين للصدوق : 2/483 باب 45 ، الغيبة للطوسي : 290 فصل 4 ، الاحتجاج : 2/469 ، إعلام الورى : 452 الفصل 3 ، الخرائج والجرائح : 3/1113 ، كشف الغمّة : 2/531 الفصل 3 : محمد بن يعقوب الكليني عن إسحاق بن يعقوب قال : سألت محمد بن عثمان العمري - رحمه اللّه - أن يوصل إليّ كتابا سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ فورد التوقيع بخطّ مولانا صاحب الزمان عليه السلام : أمّا ما سألت عنه - أرشدك اللّه وثبّتك - من أمر المنكرين لي من أهل بيتنا وبني عمّنا ، فاعلم أنّه ليس بين اللّه - عزّ وجلّ - وبين أحد قرابة ، ومن أنكرني فليس منّي ، وسبيله سبيل ابن نوح عليه السلام ، وأمّا سبيل عمّي جعفر وولده فسبيل إخوة يوسف عليه السلام . . .
3- الإرشاد للمفيد : 2/311 ، اعلام الورى : 2/127 ، تاج المواليد : 56 .

بوّابه

بوّابه : محمد بن عثمان العمري(1) .

ثقاته

ومن ثقاته : أحمد بن حمزة بن اليسع ، وصالح بن محمد الهمداني ، ومحمد بن جزك الجمّال ، ويعقوب بن يزيد الكاتب ، وأبو الحسين بن هلال ، وإبراهيم بن إسحاق ، وخيران الخادم ، والنضر بن محمد الهمداني .

وكلاؤه

ومن وكلائه : جعفر بن سهيل الصيقل(2) .

أصحابه

ومن أصحابه : داود بن زيد ، وأبو سليم زنكان ، والحسين بن محمد المدائني ، وأحمد بن إسماعيل بن يقطين ، وبشر بن بشّار النيسابوري الشاذاني ، وسليمان بن جعفر المروزي ، والفتح بن يزيد الجرجاني ، ومحمد بن سعيد بن كلثوم - وكان متكلّما - ، ومعاوية بن حكيم الكوفي ، وعلي بن معد بن محمد البغدادي ، وأبو الحسن بن رجا العبرتائي(3) .

ص: 339


1- دلائل الإمامة : 409 ، تاريخ الأئمة : 33 ، وفيهما : « عثمان بن سعيد العمري » .
2- رجال الطوسي : 398 .
3- انظر رجال الطوسي : 383 .

رواة النصّ عليه

ورواة النصّ عليه جماعة ، منهم : إسماعيل بن مهران ، وأبو جعفر الأشعري ، والخيراني(1) .

الدليل على إمامته

والدليل على إمامته : إجماع الإمامية على ذلك ، وطريق النصوص والعصمة ، والطريقان المختلفان من العامّة والخاصّة : من نصّ النبي صلى الله عليه و آله على إمامة الإثني عشر ، وطريق الشيعة : النصوص على إمامته عن آبائه عليهم السلام .

نذر المتوكّل أن يتصدّق بمال كثير

وقال أبو عبد اللّه الزيادي : لمّا سُمّ المتوكّل نذر للّه : إن يرزقه اللّه العافية أن يتصدّق بمال كثير .

فلمّا عوفي اختلف العلماء في المال الكثير ، فقال له الحسن - حاجبه - : إن أتيتك - يا أمير المؤمنين - بالصواب فما لي عندك ؟ قال : عشرة آلاف درهم ، وإلاّ ضربتك مائة مقرعة ، قال : قد رضيت .

فأتى أبا الحسن عليه السلام ، فسأله عن ذلك ، فقال : قل له : يتصدّق بثمانين درهما ، فأخبر المتوكّل ، فسأله ما العلّة ؟

ص: 340


1- الإرشاد للمفيد : 2/298 ، الكافي : 1/323 .

فأتاه ، فسأله ، قال : إنّ اللّه - تعالى - قال لنبيّه : « لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ » ، فعددنا مواطن رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، فبلغت ثمانين موطنا .

فرجع إليه فأخبره ، ففرح ، فأعطاه عشرة آلاف درهم(1) .

أجوبة مسائل ابن السكيت وابن أكثم

وقال المتوكّل لابن السكّيت : اسأل ابن الرضا عليه السلام مسألة عوصاء - بحضرتي - ، فسأله ، فقال : لمَ بعث اللّه موسى عليه السلام بالعصا ، وبعث عيسى عليه السلام بإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى ، وبعث محمدا صلى الله عليه و آلهبالقرآن والسيف ؟

فقال أبو الحسن عليه السلام : بعث اللّه موسى عليه السلام بالعصا واليد البيضاء في زمان الغالب على أهله السحر ، فأتاهم من ذلك ما قهر سحرهم وبهرهم ، وأثبت الحجّة عليهم ، وبعث عيسى عليه السلام بإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى - بإذن اللّه - في زمان الغالب على أهله الطبّ ، فأتاهم من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى - بإذن اللّه - فقهرهم وبهرهم ، وبعث محمدا صلى الله عليه و آله بالقرآن والسيف في زمان الغالب على أهله السيف والشعر ، فأتاهم من القرآن الزاهر ، والسيف القاهر ، ما بهر به شعرهم ، وقهر سيفهم ، وأثبت الحجّة عليهم .

ص: 341


1- الكافي : 7/463 ح 21 ، تحف العقول : 481 ، تهذيب الأحكام للطوسي : 8/309 ح 1147 ، تفسير مجمع البيان : 5/32 .

فقال ابن السكيت : فما الحجّة الآن ؟ قال : العقل ، يعرف به الكاذب على اللّه ، فيكذّب(1) .

فقال يحيى بن أكثم : ما لابن السكيت ومناظرته ! وإنّما هو صاحب نحو وشعر ولغة ، ورفع قرطاسا فيه مسائل .

فأملى علي بن محمد عليهماالسلام على ابن السكيت جوابها ، وأمره أن يكتب : سألت عن قول اللّه تعالى : « قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ » ، فهو آصف بن برخيا ، ولم يعجز سليمان عن معرفة ما عرفه آصف ، ولكنّه أحبّ أن يعرف أمّته من الجنّ والإنس أنّه الحجّة من بعده ، وذلك من علم سليمان أودعه آصف بأمر اللّه ، ففهّمه ذلك لئلاّ يختلف في إمامته وولايته من بعده ، ولتأكيد الحجّة على الخلق .

وأمّا سجود يعقوب عليه السلام لولده ، فإنّ السجود لم يكن ليوسف عليه السلام ، وإنّما كان ذلك من يعقوب وولده طاعة للّه - تعالى - وتحيّة ليوسف عليه السلام ، كما أنّ السجود من الملائكة لم يكن لآدم عليه السلام، فسجد يعقوب عليه السلام وولده ويوسف عليه السلام معهم شكرا للّه - تعالى - باجتماع(2) الشمل ، ألم تر أنّه يقول في شكره في ذلك الوقت : « رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ » الآية .

وأمّا قوله : « فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤنَ الْكِتابَ » ، فإنّ المخاطب بذلك رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، ولم يكن في شكّ ممّا أنزل

ص: 342


1- الكافي : 1/24 ح 20 ، علل الشرائع : 1/121 باب 99 ح 6 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/85 ح 12 « عن الرضا عليه السلام » .
2- في النسخ : « بإجماع » ، وما أثبتناه من الاختصاص .

اللّه إليه ، ولكن قالت الجهلة : كيف لم يبعث نبيّا من الملائكة ؟ ولمَ لم يفرّق بينه وبين الناس في الاستغناء عن المأكل والمشرب والمشي في الأسواق ؟ فأوحى اللّه إلى نبيّه : « فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤنَ الْكِتابَ » بمحضر من الجهلة : هل بعث اللّه نبيّا قبلك إلاّ وهو يأكل الطعام والشراب ، ولك بهم أسوة - يا محمد صلى الله عليه و آله - وإنّما قال : « فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ » ، ولم يكن للنصفة كما قال : « قُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ » ، ولو قال : تعالوا نبتهل فنجعل لعنة اللّه

عليكم لم يكونوا يجيبوا إلى المباهلة ، وقد علم اللّه أنّ نبيّه مؤدّ عنه رسالته ، وما هو من الكاذبين ، وكذلك عرف النبي صلى الله عليه و آله بأنّه صادق فيما يقول ، ولكن أحبّ أن ينصف من نفسه .

وأمّا قوله : « وَلَوْ أَنَّ ما فِي الأَْرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ » الآية ، فهو كذلك لو أنّ أشجار الدنيا أقلام ، والبحر مداد يمدّه سبعة أبحر مدّا حتى انفجرت الأرض عيونا - كما انفجرت في الطوفان - ما نفدت كلمات اللّه ، وهي : عين الكبريت ، وعين اليمن ، وعين برهوت ، وعين الطبرية ، وحمّة ماسيدان - تدعى لسان - ، وحمّة إفريقية - تدعى سيلان - ، وعين باحوران ، ونحن الكلمات التي لا تدرك فضائلنا ولا تستقصى .

وأمّا الجنّة ففيها من المأكل والمشرب والملاهي ما تشتهي الأنفس وتلذّ الأعين ، وأباح اللّه ذلك لآدم عليه السلام ، والشجرة التي نهى اللّه آدم عنها وزوجته أن يأكلا منها شجرة الحسد ، عهد اللّه إليهما أن لا ينظر إلى من فضّله اللّه عليهما وإلى خلائقه بعين الحسد ، فنسي ولم يجد له عزما .

ص: 343

وأمّا قوله : « أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً » ، فإنّ اللّه - تعالى - زوّج الذكران المطيعين ، ومعاذ اللّه أن يكون الجليل العظيم عنى ما لبست على نفسك تطلب الرخص لارتكاب المحارم ، « وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً » إن لم يتب .

فأمّا قول شهادة امرأة وحدها التي جازت ، فهي القابلة التي جازت شهادتها مع الرضا ، فإن لم يكن رضى فلا أقلّ من امرأتين تقوم المرأتان بدل الرجل للضرورة ، لأنّ الرجل لا يمكنه أن يقوم مقامها ، فإن كانت وحدها قبل قولها مع يمينها .

فأمّا قول علي عليه السلام في الخنثى ، فهو كما قال : يرث من المبال ، وينظر إليه قوم عدول يأخذ كلّ واحد منهم مرآة ، ويقوم الخنثى خلفهم عريانة ، وينظرون إلى المرأة ، فيرون الشيء ويحكمون عليه .

وأمّا الرجل الناظر إلى الراعي ، وقد نزا على شاة ، فإن عرفها ذبحها وأحرقها ، وإن لم يعرفها قسمها الإمام نصفين ، وساهم بينهما ، فإن وقع السهم على أحد القسمين ، فقد أقسم النصف الآخر ، ثمّ يفرّق الذي وقع عليهم السهم نصفين ، ويقرع بينهما ، فلا يزال كذلك حتى تبقى إثنتان ، فيقرع بينهما ، فأيّتهما وقع السهم عليها ذبحت وأحرقت ، وقد نجا سائرها ، وسهم الإمام سهم اللّه لا يخيب .

وأمّا صلاة الفجر والجهر فيها بالقراءة ، لأنّ النبي صلى الله عليه و آله كان يغلس بها ، فقراءتها من الليل .

ص: 344

وأمّا قول أمير المؤمنين عليه السلام : بشّر قاتل ابن صفيّة بالنار ، لقول رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، وكان ممّن خرج يوم النهروان ، فلم يقتله أمير المؤمنين عليه السلام

بالبصرة ، لأنّه علم أنّه يقتل في فتنة النهروان .

وأمّا قولك : « إنّ عليّا قاتل أهل صفّين مقبلين ومدبرين وأجهز على جريحهم ، وإنّه يوم الجمل لم يتبع مولّيا ، ولم يجهز على جريحهم ، وكلّ من ألقى سيفه وسلاحه آمنه » ، فإنّ أهل الجمل قتل إمامهم ، ولم يكن لهم فئة يرجعون إليها ، وإنّما رجع القوم إلى منازلهم غير محاربين ولا محتالين ولا متجسّسين ولا مبارزين ، فقد رضوا بالكفّ عنهم ، وكان الحكم فيه رفع السيف والكفّ عنهم ، إذ لم يطلبوا عليه أعوانا ، وأهل صفّين يرجعون إلى فئة مستعدّة ، وإمام منتصب يجمع لهم السلاح من الرماح والدروع والسيوف ، ويستعدّ لهم ، ويسني لهم العطاء ، ويهيّء لهم الأموال ، ويعقب مريضهم ، ويجبر كسيرهم ، ويداوي جريحهم ، ويحمل راجلهم ، ويكسو حاسرهم ، ويردّهم ، فيرجعون إلى محاربتهم وقتالهم .

فإنّ الحكم في أهل البصرة الكفّ عنهم لمّا ألقوا أسلحتهم ، إذ لم تكن لهم فئة يرجعون إليها ، والحكم في أهل صفّين أن يتبع مدبرهم ، ويجهّز على جريحهم ، فلا يساوي بين الفريقين في الحكم ، ولولا أمير المؤمنين عليه السلام وحكمه في أهل صفّين والجمل لما عرف الحكم في عصاة أهل التوحيد ، فمن أبى ذلك عرض على السيف .

وأمّا الرجل الذي أقرّ باللواط ، فإنّه أقرّ بذلك متبرّعا من نفسه ، ولم تقم عليه بيّنة ، ولا أخذه سلطان ، وإذا كان الإمام الذي من اللّه أن يعاقب

ص: 345

في اللّه ، فله أن يعفو في اللّه ، أما سمعت اللّه يقول لسليمان : « هذا عَطاؤنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ » ، فبدأ بالمنّ قبل المنع .

فلمّا قرأ ابن أكثم ، قال للمتوكّل : ما نحبّ أن تسأل هذا الرجل عن شيء بعد مسائلي هذه ، وإنّه لا يرد عليه شيء بعدها إلاّ دونها ، وفي ظهور علمه تقوية للرافضة(1) .

حكم نصراني فجر بمسلمة وأسلم

جعفر بن رزق اللّه ، قال : قدّم إلى المتوكّل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة ، فأراد أن يقيم عليه الحدّ ، فأسلم ، فقال يحيى بن أكثم : الإيمان يمحو ما قبله ، وقال بعضهم : يضرب ثلاثة حدود .

وكتب المتوكّل إلى علي بن محمد النقي عليه السلام يسأله ، فلمّا قرأ الكتاب كتب : يضرب حتى يموت .

فأنكر الفقهاء ذلك ، فكتب إليه يسأله عن العلّة .

فقال : « بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ » « فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ » ، السورة .

قال : فأمر المتوكّل فضرب حتى مات(2) .

ص: 346


1- الاختصاص للمفيد : 93 ، تحف العقول : 478 .
2- الكافي : 7/238 ح 2 ، تهذيب الأحكام للطوسي : 10/38 ح 135 ، الاحتجاج : 2/258 .

عندنا إثنان وسبعون حرفا من الاسم الأعظم

علي بن محمد النوفلي ، قال : سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول : اسم اللّه الأعظم ثلاثة وسبعون حرفا ، وإنّما كان عند آصف حرف واحد ، فتكلّم به فانخرق له الأرض فيما بينه وبين سبأ ، فتناول عرش بلقيس حتى صيّره إلى سليمان عليه السلام ، ثمّ انبسطت الأرض في أقلّ من طرفة عين ، وعندنا منه إثنان وسبعون حرفا ، وحرف واحد عند اللّه مستأثر به في علم الغيب(1) .

رسول اللّه جدّي أم جدّك ؟

أبو محمد الفحّام ، قال : سأل المتوكّل ابن الجهم : مَن أشعر الناس ؟ فذكر شعراء الجاهلية والإسلام .

ثمّ إنّه سأل أبا الحسن عليه السلام ، فقال : الجماني حيث يقول :

لقد فاخرتنا من قريش عصابة

بمدّ خدود وامتداد أصابع

فلمّا تنازعنا المقال قضى لنا

عليهم بما نهوى نداء الصوامع

ترانا سكوتا والشهيد بفضلنا

عليهم جهير الصوت في كلّ جامع

فإنّ رسول اللّه أحمد جدّنا

ونحن بنوه كالنجوم الطوالع

* * *

قال : وما نداء الصوامع ، يا أبا الحسن ؟

ص: 347


1- بصائر الدرجات للصفار : 231 ح 3 ، الكافي : 1/230 ح 3 .

قال : أشهد أن لا إله إلاّ اللّه ، وأشهد أنّ محمدا رسول اللّه ، جدّي أم جدّك ؟ فضحك المتوكّل ، ثمّ قال : هو جدّك لا ندفعك عنه(1) .

قال ابن حمّاد :

لا يستوي من وفى يوما ومن نكثا

وليس من طاب أصلاً كالذي خبثا

قد شرّف اللّه خلقا من بريّته

لولاهم ما بدا نفسا ولا نفثا

قوم أبوهم علي خير منتجب

وجدّهم في البرايا خير من بعثا

وأمّهم فاطم الطهر التي طهرت

فلا نفاسا رأت يوما ولا طمثا

رمتهم نايبات الدهر عن لبث

فلا تدع منهم كهلاً ولا حدثا

* * *

ص: 348


1- أمالي الطوسي : 287 ح 557 ، المحاسن والأضداد : 148 .

فصل 3 : في معجزاته عليه السلام

اشارة

ص: 349

ص: 350

الهواء يشيل له الستر

أبو محمد الفحّام بالإسناد عن سلمة الكاتب ، قال : قال خطيب - يلقّب بالهريسة - للمتوكّل : ما يعمل أحد بك ما تعمله بنفسك في علي بن محمد ! فلا في الدار إلاّ من يخدمه ، ولا يتعبونه يشيل الستر لنفسه ، فأمر المتوكّل بذلك .

فرفع صاحب الخبر أنّ علي بن محمد عليهماالسلام دخل الدار ، فلم يخدم ، ولم يشل أحد بين يديه الستر ، فهبّ هواء فرفع الستر حتى دخل وخرج .

فقال : شيلوا له الستر بعد ذلك ، فلا نريد أن يشيل له الهواء(1) .

وفي تخريج أبي سعيد العامري رواية عن صالح بن الحكم بيّاع السابري ، قال : كنت واقفيا ، فلمّا أخبرني حاجب المتوكّل بذلك أقبلت أستهزئ به ، إذ خرج أبو الحسن عليه السلام ، فتبسّم في وجهي من غير معرفة بيني وبينه وقال : يا صالح ، إنّ اللّه - تعالى - قال في سليمان : « فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ » ، ونبيّك وأوصياء نبيّك أكرم على اللّه

- تعالى - من سليمان عليه السلام .

قال : وكأنّما انسلّ من قلبي الضلالة ، فتركت الوقف .

ص: 351


1- أمالي الطوسي : 287 ح 556 .

تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيّامٍ

الحسين بن محمد ، قال : لمّا حبس المتوكّل أبا الحسن عليه السلام ، ودفعه [ الى ]

علي بن كركر ، قال أبو الحسن عليه السلام : أنا أكرم على اللّه من ناقة صالح ، « تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ » .

قال : فلمّا كان من الغد أطلقه واعتذر إليه ، فلمّا كان في اليوم الثالث وثب عليه باغز وتامش ومعلون(1) ، فقتلوه ، وأقعدوا المنتصر ولده

خليفة(2) .

وفي رواية أبي سالم : إنّ المتوكّل أمر الفتح بسبّه ، فذكر الفتح له ذلك ، فقال : قل له : « تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيّامٍ » ، الآية .

فأنهى ذلك إلى المتوكّل ، فقال : اقتله بعد ثلاثة أيّام ، فلما كان اليوم الثالث قتل المتوكّل والفتح(3) .

أما لك أن تنتبه

أبو الحسين سعيد بن سهل البصري - المعروف بالملاّح - ، قال : دلّني أبو الحسن عليه السلام - وكنت واقفيّا - فقال لي : الى كم هذه النومة ؟ أما لك أن تنتبه منها ؟ فقدح في قلبي شيئا ، وغشي عليّ ، وتبعت الحقّ(4) .

ص: 352


1- في المصادر : « يغلون » .
2- الثاقب في المناقب لابن حمزة : 536 ح 473 ، اعلام الورى : 2/123 .
3- الهداية الكبرى : 321 ، الخرائج للراوندي : 1/402 ، اعلام الورى : 2/123 .
4- اعلام الورى : 2/123 .

واللّه ما ملكنا أنفسنا حتى ترجّلنا له

محمد بن الحسن الأشتر العلوي : كنت مع أبي على باب المتوكّل في جمع من الناس ما بين طالبي إلى عباسي وجعفري ، فتحالفوا لا نترجّل لهذا الغلام ، فما هو بأشرفنا ، ولا بأكبرنا - يعنون أبا الحسن عليه السلام - ، فما هو إلاّ أن أقبل ، وبصروا حتى ترجّل له الناس كلّهم .

فقال لهم أبو هاشم : أليس زعمتم أنّكم لا تترجّلون له ؟ فقالوا : واللّه ما ملكنا أنفسنا حتى ترجّلنا(1) .

لأقعدنّ بك من اللّه مقعدا لا تبقى لك معه باقية

أبو يعقوب ، قال : رأيت أبا الحسن عليه السلام مع أحمد بن الخصيب يتسايران ، وقد قصر أبو الحسن عليه السلام عنه ، فقال له ابن الخصيب : سر جعلت فداك ؟ فقال له أبو الحسن عليه السلام : أنت المقدّم .

فما لبثنا إلاّ أربعة أيّام حتى وضع الوهق على ساق ابن الخصيب وقتل .

قال : وقد ألحّ عليه ابن الخصيب قبل هذا في الدار التي كان نزلها وطالبه بالانتقال عنها وتسليمها إليه ، فبعث إليه أبو الحسن عليه السلام : لأقعدنّ بك من اللّه مقعدا لا تبقى لك معه باقية ، فأخذه اللّه في تلك الأيّام(2) .

ص: 353


1- الثاقب في المناقب لابن حمزة : 542 ح 484 ، الخرائج للراوندي : 2/675 ح 7 ، اعلام الورى : 2/118 .
2- الإرشاد للمفيد : 2/306 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 535 ح 472 ، الخرائج للراوندي : 2/681 ح 11 ، الكافي : 1/501 ح 6 .

عند هذه يخاف عليّ

إسماعيل بن مهران : لمّا خرج أبو جعفر عليه السلام من المدينة إلى بغداد في الدفعة الأولى من خرجيته قلت له : جعلت فداك ، إنّي أخاف عليك في هذا الوجه ، فإلى من الأمر بعدك ؟

قال : فكرّ بوجهه إليّ ضاحكا ، وقال لي : ليس حيث ما ظننت في هذه السنة .

فلمّا استدعى به المعتصم صرت إليه ، وقلت له : جعلت فداك ، أنت خارج ! فإلى من هذا الأمر بعدك ؟

فبكى حتى خضب(1) لحيته ، ثمّ التفت إليّ وقال : عند هذه يخاف عليّ ، الأمر من بعدي إلى علي ابني(2) .

الدواء الناجع

زيد بن علي بن الحسين بن زيد : مرضت ، فدخل الطبيب عليّ ليلاً ، ووصف لي دواء آخذه في السحر كذا وكذا يوما ، فلم يمكنّي تحصيله من الليل ، وخرج الطبيب من الباب ، وقد ورد صاحب أبي الحسن عليه السلامفي

الحال ، ومعه صرّة فيها ذلك الدواء بعينه ، فأخذته ، فشربت فبرأت(3) .

ص: 354


1- في المصادر : « اخضلّت » .
2- الكافي : 1/323 ح 1 ، الإرشاد للمفيد : 2/298 ، روضة الواعظين للفتال : 244 ، اعلام الورى : 2/111 .
3- روضة الواعظين للفتال : 244 ، الإرشاد للمفيد : 2/308 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 549 ح 492 ، الخرائج للراوندي : 1/407 ح 12 ، الكافي : 1/502 ح 9 .

خاطب التركي بالتركية

أبو هاشم الجعفري ، قال : مرّ بأبى الحسن عليه السلام تركيّ ، فكلّمه أبو الحسن عليه السلام بالتركية ، فنزل عن فرسه ، فقبّل حافر دابّته .

قال : فحلّفتُ التركي أنّه ما قال لك الرجل ؟ قال : هذا تكنّاني باسم سمّيت به في صغري في بلاد الترك ما علمه أحد إلاّ الساعة(1) .

علّم الجعفري ثلاثة وسبعين لسانا بحصاة مصّها

وعنه ، قال : دخلت عليه ، فكلّمني بالهندية ، فلم أحسن أن أردّ عليه - وكان بين يديه ركوة ملأى حصا - ، فتناول حصاة واحدة ، فوضعها في فيه ، فمصّها ثلاثا ، ثمّ رمى بها إليّ ، فوضعتها في فمي ، فواللّه ما برحت من عنده حتى تكلّمت بثلاثة وسبعين لسانا ، أوّلها الهندية(2) .

تكلّم مع الغلام بالصقلبية

علي بن مهزيار ، قال : أرسلت إلى أبي الحسن الثالث عليه السلام غلامي - وكان صقلبيا - ، فرجع الغلام إليّ متعجّبا ، فقلت له : مالك يا بنيّ ؟

ص: 355


1- الثاقب في المناقب لابن حمزة : 539 ح 478 ، اعلام الورى : 2/117 ، القاب الرسول وعترته : 77 ، الخرائج للراوندي : 2/675 ح 4 .
2- القاب الرسول وعترته : 77 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 533 ح 469 ، الخرائج للراوندي : 2/673 ح 2 ، اعلام الورى : 2/117 .

فقال : وكيف لا أتعجّب ؟ ما زال يكلّمني بالصقلبية كأنّه واحد منّا ، وإنّما أراد بهذا الكتمان عن القوم .

دفع رملاً للجعفري فصار ذهبا

أبو هاشم ، قال : شكوت إليه قصور يدي ، فأهوى بيده إلى رمل كان عليه جالسا ، فناولني منه كفّا ، وقال : اتّسع بهذا ، فقلت لصائغ : اسبك هذا ، فسبكه وقال : ما رأيت ذهبا أشدّ منه حمرة(1) .

خطّ في الأرض فصار ذهبا

داود بن القاسم الجعفري ، قال : دخلت عليه بسرّ من رأى ، وأنا أريد الحجّ لأودّعه ، فخرج معي .

فلمّا انتهى إلى آخر الحاجز نزل ونزلت معه ، فخطّ بيده الأرض خطّة شبيهة بالدائرة ، ثمّ قال لي : يا عمّ ، خذ ما في هذه يكون في نفقتك وتستعين به على حجّك ، فضربت بيدي ، فإذا سبيكة ذهب ، فكان منها مائتا مثقال .

دفع تسعين ألف دينار لثلاثة في مجلس واحد

دخل أبو عمر عثمان بن سعيد وأحمد بن إسحاق الأشعري وعلي بن

ص: 356


1- الثاقب في المناقب لابن حمزة : 532 ح 467 ، الخرائج للراوندي : 2/673 ح 3 ، اعلام الورى : 2/118 .

جعفر الهمداني على أبى الحسن العسكري عليه السلام ، فشكا إليه أحمد بن إسحاق دينا عليه ، فقال : يا أبا عمرو - وكان وكيله - ادفع إليه ثلاثين ألف دينار ، وإلى علي بن جعفر ثلاثين ألف دينار ، وخذ أنت ثلاثين ألف دينار .

فهذه معجزة لا يقدر عليها إلاّ الملوك(1) ، وما سمعنا بمثل هذا العطاء .

اخرج فإنّ فيه فرجك

النوفلي : أنّه كتب علي بن الخصيب إلى محمد بن الفرج بالخروج إلى العسكر ، فكتب إلى أبى الحسن عليه السلام يشاوره ، فكتب إليه : اخرج ، فإنّ فيه فرجك إن شاء اللّه .

فخرج ، فلم يلبث إلاّ يسيرا حتى مات(2) .

قوّاك اللّه يا أبا هاشم وقوّى برذونك

عبد اللّه بن عبد الرحمن الصالحي : أنّه شكا أبو هاشم إلى أبى الحسن عليه السلام ما لقي من السوق إليه إذا انحدر من عنده إلى بغداد ، وقال له : يا سيّدي ، ادع اللّه لي ، فما لي مركوب سوى برذوني هذا على ضعفه ، قال : قوّاك اللّه - يا أبا هاشم - وقوّى برذونك .

ص: 357


1- وأنّى للملوك ذلك ، وإنّما الإمام ملك الملوك ، وسلطان السلاطين ، والمسلّط على ملكوت السماوات والإرضين بأمر ربّ العالمين .
2- الكافي : 1/500 ح 5 ، الإرشاد للمفيد : 2/305 ، اعلام الورى : 2/115 .

قال : وكان أبو هاشم يصلّي الفجر ببغداد ، والظهر بسرّ من رأى ، والمغرب ببغداد إذا شاء(1) .

قصّة السيد موسى المبرقع !

الحسين بن الحسن الحسني ، قال : حدّثني أبو الطيّب المديني قال : كان المتوكّل يقول : أعياني ابن الرضا ، فلا يشاربني ، فقيل له : فهذا أخوه موسى(2) ! قصّاف عزّاف ، فأحضره واشهره ، فإنّ الخبر يسمع عن

ص: 358


1- اعلام الورى : 2/119 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 544 ح 486 ، الخرائج للراوندي : 2/672 ح 1 .
2- الخبر لا ينتهي الى معصوم ، وفيه طعن بأولاد الأئمة عليهم السلام الصلبيين ، ووزنه وزن أخبار التاريخ لا وزن أحاديث أهل البيت عليهم السلام ، فلا يركن اليه ببساطة ، وعلينا التريّث في قبوله والتحفّظ منه ، من دون المسّ بعظماء الرجال من أمثال الكليني ، لأنّ الكليني رحمه اللهوأمثاله صحّ لهم طريق الخبر الى روايه الأوّل ، فهم قد نقلوا ما صحّ لديهم ، أمّا أن يكون نفس الراوي الأوّل - وهو من رجال البلاط - صادقا أيضا ، فهذا ما يحتاج الى تأمّل وإثبات . وذلك لأنّ الأصل في أولاد الأئمة عليهم السلام أنّهم مطهّرون منزّهون يعيشون في أفياء جنان الإمامة وتشملهم الرحمة الواسعة وينعمون برعاية راعي الأمّة مباشرة ، وأنّ الملائكة تلطف بهم وترعاهم ، كما ورد في الأحاديث من قبيل ما رواه الكليني رحمه الله في الكافي : 1/394 : بسنده عَنْ مِسْمَعٍ كِرْدِينٍ الْبَصْرِيِّ قَالَ : كُنْتُ لاَ أَزِيدُ عَلَى أَكْلَةٍ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فَرُبَّمَا اسْتَأْذَنْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام وَأَجِدُ الْمَائِدَةَ قَدْ رُفِعَتْ لَعَلِّي لاَ أَرَاهَا بَيْنَ يَدَيْهِ فَإِذَا دَخَلْتُ دَعَا بِهَا فَأُصِيبَ مَعَهُ مِنَ الطَّعَامِ وَلاَ أَتَأَذَّى بِذَلِكَ وَإِذَا عَقَّبْتُ بِالطَّعَامِ عِنْدَ غَيْرِهِ لَمْ أَقْدِرْ عَلَى أَنْ أَقِرَّ وَلَمْ أَنَمْ مِنَ النَّفْخَةِ فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَيْهِ وَأَخْبَرْتُهُ بِأَنِّي إِذَا أَكَلْتُ عِنْدَهُ لَمْ أَتَأَذَّ بِهِ . فَقَالَ : يَا أَبَا سَيَّارٍ إِنَّكَ تَأْكُلُ طَعَامَ قَوْمٍ صَالِحِينَ تُصَافِحُهُمُ الْمَلاَئِكَةُ عَلَى فُرُشِهِمْ . قَالَ : قُلْتُ : وَيَظْهَرُونَ لَكُمْ ؟ قَالَ : فَمَسَحَ يَدَهُ عَلَى بَعْضِ صِبْيَانِهِ ، فَقَالَ : هُمْ أَلْطَفُ بِصِبْيَانِنَا مِنَّا بِهِمْ . وروى عن مُحَمَّدٌ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ عَطِيَّةَ الأْحْمَسِيُّ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عليهماالسلامفَاحْتُبِسْتُ فِي الدَّارِ سَاعَةً ثُمَّ دَخَلْتُ الْبَيْتَ وَهُوَ يَلْتَقِطُ شَيْئاً وَأَدْخَلَ يَدَهُ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ فَنَاوَلَهُ مَنْ كَانَ فِي الْبَيْتِ ، فَقُلْتُ : جُعِلْتُ فِدَاكَ هَذَا الَّذِي أَرَاكَ تَلْتَقِطُهُ أَيُّ شَيْءٍ هُوَ ؟ فَقَالَ : فَضْلَةٌ مِنْ زَغَبِ الْمَلاَئِكَةِ نَجْمَعُهُ إِذَا خَلَّوْنَا نَجْعَلُهُ سَيْحاً لأَوْلاَدِنَا ، فَقُلْتُ : جُعِلْتُ فِدَاكَ وَإِنَّهُمْ لَيَأْتُونَكُمْ ؟ فَقَالَ : يَا أَبَا حَمْزَةَ إِنَّهُمْ لَيُزَاحِمُونَّا عَلَى تُكَأَتِنَا . . . ولمّا لم يجد الظالم في الأئمة مهمزا ولا مغمزا ، ولم يجد سبيلاً لإطفاء نور اللّه أو التعتيم عليه صار يحاول النيل من أولادهم ومن المقرّبين من أصحابهم .

ابن الرضا ، ولا يفرّق في فعلهما .

وأمر بإحضاره واستقباله ، وأمر له بصلات وأقطاع ، وبنى له فيها [ وحوّل اليه ] من الخمّارين والقينات .

فلمّا وافى موسى تلقّاه أبو الحسن عليه السلام في قنطرة « وصيف » ، فسلّم عليه ، ثمّ قال : إنّ هذا الرجل قد أحضرك ليهتكك ويضع منك ، فلا تقرّ له أنّك شربت نبيذا قطّ ، واتّق اللّه - يا أخي - أن تركب محظورا ، فقال موسى : وإنّما دعاني لهذا ، فما حيلتي ؟ قال : فلا تضع من قدرك ، ولا تعص ربّك ، ولا تفعل ما يشينك ، فما غرضه إلاّ هتكك ، فأبى عليه موسى .

وكرّر أبو الحسن عليه السلام عليه القول والوعظ ، وهو مقيم على خلافه ، فلمّا رأى أنّه لا يجيب قال : أما إنّ الذي تريد الاجتماع معه عليه لا تجتمع عليه أنت وهو أبدا .

ص: 359

قال : فأقام ثلاث سنين يبكّر كلّ يوم إلى باب المتوكّل ويروح ، فيقال له : قد سكر ، أو قد شرب دواء ، حتى قتل المتوكّل(1) .

أخبر بموت الواثق وتولّي جعفر وقتل ابن الزيات

خيران الأسباطي ، قال : قدمت على النقي عليه السلام ، فقال : ما خبر الواثق ؟ قلت : في عافية ، قال : إنّ أهل المدينة يقولون : إنّه قد مات ، قلت : إنّني أقرب الناس به عهدا منذ عشرة أيّام ، فقال : إنّ الناس يقولون : إنّه مات ، فعلمت أنّه نعى نفسه .

ثمّ قال : ما فعل جعفر ؟ قلت : تركته في السجن ، فقال : أما إنّه صاحب الأمر .

ثمّ قال : ما فعل ابن الزيّات ؟ قلت : الناس معه ، والأمر أمره ، فقال : إنّه شوم عليه .

ثمّ قال : لابدّ أن يجري مقادير اللّه وأحكامه - يا خيران - مات الواثق ، وقد قعد المتوكّل جعفر ، وقد قتل ابن الزيّات .

قلت : متى جعلت فداك ؟ قال : بعد خروجك بستّة أيّام(2) .

ص: 360


1- الكافي : 1/502 ح 8 ، الإرشاد للمفيد : 2/307 ، الخرائج للراوندي : 2/940 ، اعلام الورى : 2/121 .
2- الكافي : 1/498 ح 1 ، روضة الواعظين للفتال : 244 ، الهداية الكبرى : 314 ، الإرشاد للمفيد : 2/301 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 534 ح 1 ، اعلام الورى : 2/114 .

توقير عمّ أبيه له

ابن سهلويه : وقع زيد بن موسى إلى عمر بن الفرج مرارا يسأله أن يقدّمه على ابن أخيه(1) ، ويقول : إنّه قد حدث ، وأنا عمّ أبيه ، فقال عمر : ذاك له ، فقال : افعل .

فلمّا كان من الغد أجلسه وجلس في الصدر ، ثمّ أحضر أبا الحسن عليه السلام ، فدخل ، فلمّا رآه زيد قام من مجلسه ، وأقعده في مجلسه ، وجلس وقعد بين يديه ، فقيل له في ذلك ، فقال : لمّا رأيته لم أتمالك نفسي(2) .

سخّر قلب المتوكّل لأبي موسى بأمر اللّه

أبو محمد الفحّام بالإسناد عن أبي الحسن محمد بن أحمد ، قال : حدّثني عمّ أبي قال : قصدت الإمام يوما ، فقلت : إنّ المتوكّل قطع رزقي ، وما اتّهم في ذلك إلاّ علمه بملازمتي لك ، فينبغي أن تتفضّل عليّ بمسألته ، فقال : تكفى إن شاء اللّه .

فلمّا كان في الليل طرقني رسل المتوكّل ، رسول يتلو رسولاً ، فجئت إليه فوجدته في فراشه ، فقال : يا أبا موسى ، يشتغل شغلي عنك(3) وتنسينا نفسك ، أيّ شيء لك عندي ؟ فقلت : الصلة الفلانية - وذكرت

ص: 361


1- يرد على هذا الخبر التحفّظ الوارد على الأخبار التاريخية العامّية التي تمسّ أولاد الأئمة عليهم السلام .
2- اعلام الورى : 2/125 .
3- في المصادر : « نشتغل عنك » .

أشياء - ، فأمر لي بها وبضعفها ، فقلت للفتح : وافى علي بن محمد عليهماالسلام إلى هاهنا أو كتب رقعة ؟ قال : لا .

قال : فدخلت على الإمام عليه السلام ، فقال لي : يا أبا موسى ، هذا وجه الرضا ، فقلت : ببركتك يا سيّدي ، ولكن قالوا : إنّك ما مضيت إليه ولا سألت ، قال : إنّ اللّه - تعالى - علم منّا أنّا لا نلجأ في المهمّات إلاّ إليه ، ولا

نتوكّل في الملمّات إلاّ عليه ، وعوّدنا إذا سألناه الإجابة ، ونخاف أن نعدل فيعدل بنا(1) .

لسنا في خان الصعاليك

صالح بن سعيد ، قال : دخلت على أبى الحسن عليه السلام يوم وروده بسرّ من رأى ، فقلت له : جعلت فداك ، في كلّ الأمور أرادوا إطفاء نورك حتى أنزلوك هذا الخان الأشنع - خان الصعاليك - ! فقال : هاهنا أنت يا بن سعيد !

ثمّ أومئ بيده ، فإذا أنا بروضات آنقات ، وأنهار جاريات ، وجنّات بينها خيرات عطرات ، وولدان كأنّهم اللؤلؤ المكنون ، فحار بصري ، وكثر عجبي ، فقال لي : حيث كنّا ، فهذا لنا - يا ابن سعيد - لسنا في خان الصعاليك(2) .

ص: 362


1- أمالي الطوسي : 285 ح 555 ، بشارة المصطفى : 214 .
2- بصائر الدرجات للصفار : 426 باب 13 ح 7 ، الكافي : 1/498 ح 2 ، روضة الواعظين للفتال : 246 ، الإرشاد للمفيد : 2/311 ، الاختصاص للمفيد : 324 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 542 ح 483 ، الخرائج للراوندي : 2/680 ح 10 ، اعلام الورى : 2/126 .

عرّفت بالعسكر وخرجت ببغداد إلى العيد

وقال إسحاق الجلاّب : اشتريت لأبي الحسن عليه السلام غنما كثيرة يوم التروية ، فقسّمتها في أقاربه ، ثمّ استأذنته في الانصراف ، فكتب إليّ : تقيم غدا عندنا ، ثمّ انصرف .

فبتّ ليلة الأضحى في رواق له ، فلمّا كان وقت السحر أتاني ، فقال : يا أبا إسحاق قم ، فقمت ، ففتحت عيني وأنا على بابي ببغداد ، فدخلت على والدي ، فقلت : عرّفت بالعسكر ، وخرجت ببغداد إلى العيد(1) .

قال أبو الأسود الكندي :

أمفندي في حبّ آل محمد

حجر بفيك فدع ملامك أو زد

من لم يكن بحبالهم مستمسّكا

فليعرفنّ بولادة لم تشهد

* * *

وقال الصاحب :

حبّي محض لبني المصطفى

بذاك قد تشهد أضماري

ولامني جاري في حبّهم

فقلت بعدا لك من جار

واللّه ما لي عمل صالح

أرجو به العتق من النار

إلاّ موالاة بني المصطفى

آل رسول الخالق الباري

ص: 363


1- بصائر الدرجات للصفار : 426 باب 13 ح 6 ، الكافي : 1/498 ح 3 ، الاختصاص للمفيد : 325 .

وقال ابن حمّاد :

بنى مريم الكبرى بني خيرة الورى

بني الحجّة العظمى بني خاتم النذر

بني العلم والأحكام والزهد والتقى

وآل الندا والجود والمجد والفخر

بني التين والزيتون في محكم الذكر

أجل وبني طوبى بني ليلة القدر

* * *

وقال زيد المرزبي :

قوم رسول اللّه جدّهم

وعلي الأب فانتهى الشرف

غفر الإله لآدم بهم

ونجا بنوح هلكة القذف

أمناء قد شهدت بفضلهم

التوراة والإنجيل والصحف

* * *

وقال أبو علي البصير :

بنفسي ومالي من طريف وتالد

كذا الأهل أنتم يا بني خاتم الرسل

بحبّكم ينجو من النار من نجا

ويزكو لدى اللّه اليسير من العمل

أواصل من واصلتموه وإن جفا

فأقطع من قاطعتموه وإن وصل

عليه حياتي ما حييت وإن أمت

فلست على شيء سوى ذاك أتّكل

* * *

ص: 364

وقال محمد بن علي بن هرمة :

ومهما ألام على حبّهم

بأنّي أحبّ بني فاطمه

بني بنت من جاء بالمحكمات

وبالدين والسنّة القائمه

ولست أبالي بحبّي لهم

سواهم من النعم السائمه

* * *

وقال بعض المغاربة :

إن كنت تمدح قوما

للّه لا لتعله

فاقصد بمدحك قوما

هم الهداة الأدلّه

إسنادهم عن أبيهم

عن جبرئيل عن اللّه

* * *

ص: 365

ص: 366

فصل 4 : في آياته عليه السلام

اشارة

ص: 367

ص: 368

إنّ اللّه يحفظ لنا وعلينا

الفتح بن خاقان ، قال : قد ذكر عند المتوكّل خبر مال يجيء من قم ، وقد أمرني أن أرصده لأخبره به ، فقلت لأبي موسى : من أيّ طريق يجيء به حتى اجتنبه ؟

فجئت إلى الإمام عليه السلام ، فصادفت عنده من احتشمه ، فتبسّم وقال : لا يكون إلاّ خيرا يا أبا موسى ، لمَ لم تعد الرسالة الأوّلة ؟ فقلت : أجللتك يا سيّدي ، فقال : المال يجيء الليل ، وليس يصلون إليه ، فبت عندي .

فلمّا كان من الليل قام إلى ورده ، فقطع الركوع بالسلام وقال لي : قد جاء الرجل ومعه المال ، وقد منعه الخادم الوصول إليّ ، فاخرج فخذ ما معه .

فخرجت ، فإذا معه زنفيلجة(1) فيها المال ، فدخلت بها إليه ، فقال : قل له : هات الجبّة التي قالت القيّمة : أنّها ذخيرة جدّتها .

فخرجت إليه ، فأعطانيها ، فدخلت بها عليه ، فقال : قل له : الجبّة التي أبدلتها منها ردّها إلينا .

فخرجت إليه ، فقلت له ذلك ، فقال : نعم كانت ابنتي استحسنتها فأبدلتها بهذه الجبّة ، وأنا أمضي وأجيء بها .

ص: 369


1- الزنفيلجة - بكسر الزاء وفتح اللام - شبيه بالكنف معرّب « زنبيلة » .

فقال : اخرج فقل له : إنّ اللّه يحفظ لنا وعلينا ، هاتها من كتفك .

فخرجت إلى الرجل ، فأخرجها من كتفه ، فغشي عليه ، فخرج إليه عليه السلام ، فقال له : قد كنت شاكّا فتيقّنت(1) .

إنّك تعلم الغيب

ووجّه المتوكّل عتاب بن أبي عتاب إلى المدينة يحمل علي بن محمد عليه السلام إلى سرّ من رأى ، وكان الشيعة يتحدّثون أنّه يعلم الغيب ، فكان في نفس عتاب من هذا شيء .

فلمّا فصل من المدينة رآه وقد لبس لبّادة والسماء صاحية ، فما كان أسرع من أن تغيّمت وأمطرت ، وقال عتاب : هذا واحد .

ثمّ لمّا وافى شطّ القاطون رآه مقلق القلب ، فقال له : ما لك يا أبا أحمد ؟ فقال : قلبي مقلق بحوائج التمستها من أمير المؤمنين ، قال له : فإنّ حوائجك قد قضيت ، فما كان بأسرع من أن جاءته البشارات بقضاء حوائجه .

قال : الناس يقولون : إنّك تعلم الغيب ، وقد تبيّنت من ذلك خلّتين .

بدّد شكوك ابن مهزيار في الإمامة

المعتمد في الأصول : قال علي بن مهزيار : وردت العسكر وأنا شاكّ في الإمامة ، فرأيت السلطان قد خرج إلى الصيد في يوم من الربيع إلاّ أنّه

ص: 370


1- أمالي الطوسي : 276 ح-528 .

صائف ، والناس عليهم ثياب الصيف ، وعلى أبي الحسن عليه السلام لباد ، وعلى فرسه تجفاف لبود ، وقد عقد ذنب الفرس ، والناس يتعجّبون منه ويقولون : ألا ترون إلى هذا المدني ! وما قد فعل بنفسه ؟! فقلت في نفسي : لو كان هذا إماما ما فعل هذا .

فلمّا خرج الناس إلى الصحراء لم يلبثوا أن ارتفعت سحابة عظيمه هطلت ، فلم يبق أحد إلاّ ابتلّ حتى غرق بالمطر ، وعاد عليه السلام وهو سالم من جميعه .

فقلت في نفسي : يوشك أن يكون هو الإمام ، ثمّ قلت : أريد أن أسأله عن الجنب إذا عرق في الثوب ، فقلت في نفسي : إن كشف وجهه ، فهو الإمام ، فلمّا قرب منّي كشف وجهه ، ثمّ قال : إن كان عرق الجنب في الثوب ، وجنابته من حرام لا يجوز الصلاة فيه ، وإن كانت جنابته من حلال فلا بأس .

فلم يبق في نفسي بعد ذلك شبهة .

إنّ اللّه يغضب على من لا يقبل رخصته

كافور الخادم : قال لي الإمام علي بن محمد عليهماالسلام : اترك لي السطل الفلاني في الموضع الفلاني لأتطّهر منه للصلاة ، وأنفذني في حاجة ، فنسيت ذلك حتى انتبه ليصلّي - وكانت ليلة باردة - .

ثمّ إنّه ناداني ، فقال : ما ذاك ! أما عرفت رسمي أنّني لا أتطهّر إلاّ بماء بارد ؟ سخّنت لي الماء ، وتركته في السطل ؟! فقلت : واللّه - يا سيّدي - ما تركت السطل ولا الماء .

ص: 371

قال : الحمد للّه ، واللّه ما تركنا رخصة ، ولا رددنا منحة ، الحمد للّه الذي جعلنا من أهل طاعته ، ووفّقنا للعون على عبادته ، ثمّ إنّ النبي صلى الله عليه و آلهيقول : إنّ اللّه يغضب على من لا يقبل رخصته(1) .

اجمع أمرك وخذ حذرك

محمد بن الفرج الرخجي ، قال : كتب أبو الحسن عليه السلام : اجمع أمرك ، وخذ حذرك ، فبينا أنا في حذري ، إذ صفّد بي ، وضرب على كلّ ما أملك ، فمكثت في السجن ثمان سنين .

ثمّ ورد عليّ كتاب منه في السجن : يا محمد ، لا تنزل في ناحية الجانب الغربي ، ففرّج عنّي بعد يوم .

فكتبت إليه أن يسأل اللّه أن يردّ عليّ ضيعتي ، فكتب إليّ : سوف يردّ إليك ، وما يضرّك ألاّ يردّ عليك .

قال النوفلي : كتب له بردّ ضياعه ، فلم يصل الكتاب حتى مات(2) .

أنفذ اليه ثوب فكفّن فيه

أبو يعقوب : رأيت محمد بن الفرج ينظر إليه أبو الحسن عليه السلام نظرا شافيا ، فاعتلّ من الغد .

ص: 372


1- أمالي الطوسي : 298 ح 587 .
2- الكافي : 1/500 ح 5 ، الإرشاد للمفيد : 2/304 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 535 ح 371 ، الخرائج للراوندي : 2/679 ح 9 ، اعلام الورى : 2/115 .

فدخلت عليه ، فقال : إنّ أبا الحسن عليه السلام قد أنفذ إليه بثوب ، فأرانيه مدرجا تحت رأسه .

قال : فكفنّ فيه واللّه (1) .

أنت بعد ثلاثة أيّام من أهل القبور

سعيد بن سهل البصري ، قال : كان لبعض أولاد الخلافة(2) وليمة ، فدعا أبا الحسن عليه السلام فيها .

فلمّا رأوه أنصتوا إجلالاً له ، وجعل شابّ في المجلس لا يوقّره ، وجعل يلفظ ويضحك ، فقال له : ما هذا الضحك مل ء فيك ، وتذهل عن ذكر اللّه ، وأنت بعد ثلاثة أيّام من أهل القبور ؟

فكفّ عمّا هو عليه ، وكان كما قال(3) .

أما إنّه لا يأكل من هذا الطعام

سعيد الملاّح : اجتمعنا في وليمة ، فجعل رجل يمزح ، فأقبل أبو الحسن عليه السلام على جعفر بن القاسم بن هاشم البصري ، فقال : أما إنّه لا يأكل من هذا الطعام ، وسوف يرد عليه من خبر أهله ما ينغّص عليه عيشه .

ص: 373


1- الإرشاد للمفيد : 2/306 ، اعلام الورى : 2/116 ، الكافي : 1/500 ح 1 .
2- في الثاقب : « الخلفاء » ، وفي الاعلام : « الخليفة » .
3- الثاقب في المناقب لابن حمزة : 536 ح 474 ، اعلام الورى : 2/123 .

فلمّا قدّمت المائدة أتى غلامه باكيا أنّ أمّه وقعت من فوق البيت ، وهي بالموت ، فقال جعفر : واللّه لا وقفت بعد هذا ، وقطعت عليه(1) .

أخبره بأكله التين

وفي كتاب البرهان عن الدهني : أنّه لمّا ورد به سرّ من رأى كان المتوكّل برّا به(2) !! ووجّه إليه يوما بسلّة فيها تين ، فأصاب الرسول المطر ، فدخل إلى المسجد ، ثمّ شرهت نفسه إلى التين ، ففتح السلّة ، وأكل منها .

فدخل - وهو قائم يصلّي - ، فقال له : ما قصّتك ؟ فعرّفه القصّة .

قال له : أو ما علمت أنّه قد عرف خبرك ، وما أكلت من هذا التين ، فقامت على الرسول القيامة ، ومضى مبادرا حتى إذا سمع صوت البريد ارتاع هو ومن في منزله بذلك الخبر .

تفتيش دار الإمام

إبراهيم بن محمد الطاهري : إنّه مرض المتوكّل من خرّاج خرج به ، فأشرف منه على الموت ، فلم يجسر أحد أن يمسّه بحديدة ، فنذرت أمّه : إن عوفي أن تحمل إلى أبي الحسن عليه السلام بأموال نفيسة .

ص: 374


1- الثاقب في المناقب لابن حمزة : 537 ح 6 ، اعلام الورى : 2/124 .
2- متى كان المتوكّل الناصبي الحاقد برّا بأولاد فاطمة عليهاالسلام ؟!

وقال الفتح بن خاقان : لو بعثت إلى هذا الرجل فسألته ، ربما كان عنده شيء ، فسأل عن الإمام عليه السلام فقال : خذوا كسب الغنم ، فديفوه بماء ورد ، وضعوه على الخراج .

وفعل ذلك ، فنعش المتوكّل وخرج منه ما كان فيه ، فحملت إليه عشرة آلاف دينار تحت ختمها .

ثمّ إنّه سعى إليه أنّ عنده أموالاً وسلاحا ، فتقدّم المتوكّل إلى سعيد الحاجب أن يهجم عليه ليلاً ، ويأخذ ما يجد عنده .

فصعد سعيد سقف داره ، ولم يهتد أن ينزل ، فنادى أبو الحسن عليه السلام : يا سعيد ، مكانك حتى يأتوك بشمعة .

فلمّا دخل الدار قال : دونك والبيوت ، فما وجد إلاّ كيسا مختوما ، وبدرة مختومة ، وسيفا تحت مصلاّه ، فأتى به المتوكّل .

فلمّا رأى ختم أمّه سألها عنها ، فحكت نذرها ، فخجل وضاعف بذلك وردّ إليه .

فقال الحاجب : أعزز عليّ بدخولي دارك بغير إذنك ، ولكنّني مأمور ! فقال : يا سعيد « وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ »(1) .

قصّة زينب الكذّابة

أبو الهلقام وعبد اللّه بن جعفر الحميري والصقر الجبلي وأبو شعيب

ص: 375


1- الكافي : 1/499 ح 4 ، الإرشاد للمفيد : 2/402 ، الخرائج للراوندي : 2/676 ح 8 ، اعلام الورى : 2/119 ، الدعوات للراوندي : 202 ح 555 .

الحنّاط وعلي بن مهزيار ، قالوا : كانت زينب الكذّابة تزعم أنّها بنت علي بن أبي طالب ، فأحضرها المتوكّل ، وقال : اذكري نسبك ، فقالت : أنا زينب بنت علي ، وأنّها كانت حملت إلى الشام ، فوقعت إلى بادية من بني كلب ، فأقامت بين ظهرانيهم .

فقال لها المتوكّل : إنّ زينب بنت علي قديمة ، وأنت شابّة ! فقالت : لحقتني دعوة رسول اللّه صلى الله عليه و آله بأن يردّ شبابي في كلّ خمسين سنة .

فدعا المتوكّل وجوه آل أبي طالب ، فقال : كيف يعلم كذبها ؟ فقال الفتح : لا يخبرك بهذا إلاّ ابن الرضا عليه السلام .

فأمر بإحضاره وسأله ، فقال عليه السلام : إنّ في ولد علي علامة ، قال : وما هي ؟ قال : لا تعرض لهم السباع ، فألقها إلى السباع ، فإن لم تعرض لها فهي صادقة .

فقالت : يا أمير المؤمنين ، اللّه اللّه فيّ ، فإنّما أراد قتلي ، وركبت الحمار ،

وجعلت تنادي : ألا إنّني زينب الكذّابة .

وفي رواية : أنّه عرض عليها ذلك فامتنعت ، فطرحت للسباع فأكلتها(1) .

قال علي بن مهزيار : فقال علي بن الجهم : جرّب هذا على قائله .

فأجيعت السباع ثلاثة أيّام ، ثمّ دعى بالإمام عليه السلام وأخرجت السباع ، فلمّا رأته لاذت به ، وبصبصت بأذنابها ، فلم يلتفت الإمام عليه السلام إليها ، وصعد السقف ، وجلس عند المتوكّل .

ص: 376


1- الفرج بعد الشدّة للتنوخي : 2/306 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 545 ح 5 ، مروج الذهب : 4/86 ، الخرائج للراوندي : 1/405 ح 11 .

ثمّ نزل من عنده ، والسباع تلوذ به ، وتبصبص حتى خرج ، وقال : قال النبي صلى الله عليه و آله : حرم لحوم أولادي على السباع .

أنقذ الشاب الذي أخذ بمحبّتهم

الحسين بن علي : إنّه أتى النقي عليه السلام رجل خائف ، وهو يرتعد ، ويقول : إنّ ابني أخذ بمحبّتكم ، والليلة يرمونه من موضع كذا ، ويدفنونه تحته ، قال ، فما تريد ؟ قال : ما يريد الأبوان ، فقال عليه السلام : لا بأس عليه ، اذهب ، فإنّ ابنك يأتيك غدا .

فلمّا أصبح أتاه ابنه ، فقال : يا بنيّ ما شأنك ؟ فقال : لمّا حفر القبر ، وشدّوا لي الأيدي ، أتاني عشرة أنفس مطهّرة عطرة ، وسألوا عن بكائي ، فذكرت لهم ، قالوا : لو جعل الطالب مطلوبا تجرّد نفسك وتخرج ، وتلزم تربة النبي(1) صلى الله عليه و آله ؟ قلت : نعم ، فأخذوا الحاجب فرموه من شاهق الجبل ، ولم يسمع أحد جزعه ، ولا رآني الرجال ، وأوردوني إليك ، وهم ينتظرون خروجي إليهم ، وودّع أباه ، وذهب .

فجاء أبوه إلى الإمام عليه السلام ، وأخبره بحاله ، فكان الغوغاء تذهب وتقول : وقع كذا وكذا ، والإمام يتبسّم ويقول : إنّهم لا يعلمون ما نعلم(2) .

ص: 377


1- في الثاقب : « أرأيت لو جعلنا الطالب مثل المطلوب ، فدهدهناه من الجبل ودفنّاه في القبر ، أتحرّر نفسك ، فتكون لقبر رسول اللّه صلى الله عليه و آله خادما ؟ » .
2- الثاقب في المناقب لابن حمزة : 543 ح 485 .

أخبرهم بما أرادوا السؤال عنه

قال أبو جعفر الطوسي في المصباح والأمالي : قال إسحاق بن عبد اللّه العلوي العريضي : اختلف أبي وعمومتي في الأربعة الأيّام التي تصام في السنة .

فركبوا إلى مولانا أبى الحسن علي بن محمد عليهماالسلام ، وهو مقيم بصيرا - قبل مصيره إلى سرّ من رأى - فقالوا : جئناك - يا سيّدنا - لأمر اختلفنا فيه .

فقال جئتم تسألونني عن الأيّام التي تصام في السنة ؟ وذكرنا(1) أنّها يوم مولد النبي صلى الله عليه و آله ، ويوم بعثه ، ويوم دحيت الأرض من تحت الكعبة ، ويوم الغدير ، وذكر فضائلها(2) .

إفتراء المتوكّل

وقال المنصوري : حدّثني عمّ أبي قال : دخلت يوما على المتوكّل وهو يشرب ، فدعاني إلى الشرب ، فقلت : يا سيّدي ، ما شربت قطّ ، قال : أنت تشرب مع علي بن محمد !!!!

ص: 378


1- في المصدر : « جئتم تسألوني عن الأيام التي تصام في السنة ؟ فقالوا : ما جئناك إلاّ لهذا ، فقال عليه السلام : اليوم السابع عشر من ربيع الأول ، وهو اليوم الذي ولد فيه رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، واليوم السابع والعشرون من رجب ، وهو اليوم الذي بعث اللّه فيه رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، واليوم الخامس والعشرون من ذي القعدة ، وهو اليوم الذي دحيت فيه الأرض ، واستوت سفينة نوح على الجودي ، فمن صام ذلك اليوم كان كفارة سبعين سنة ، واليوم الثامن عشر من ذي الحجّة ، وهو يوم الغدير يوم نصب فيه رسول اللّه صلى الله عليه و آلهعليا أمير المؤنين علما ، ومن صام ذلك اليوم كان كفارة ستّين عاما » .
2- مصباح المتهجد للطوسي : 820 ، الخرائج للراوندي : 2/759 ح 78 .

قال : فقلت له : إنّه ليس تعرف(1) من في يديك ، إنّه يضرّك ولا يضرّه ، ولم أعد ذلك عليه(2) .

أخبر المتوكّل بكذب الساعي به

وكان شخوصه عليه السلام من المدينة إلى سرّ من رأى [ ب- ]-سعاية عبد اللّه بن محمد إلى المتوكّل ، فكتب الإمام عليه السلام إلى المتوكّل بتحامل عبد اللّه ، وبكذبه ، ولؤمه فيما سعى به .

فدعاه المتوكّل بأحسن كتاب ! وأجلّ خطاب ! وأوفر موعود ! وخرج معه يحيى بن هرثمة ، ثمّ كان منه ما كان ، وأقام بسرّ من رأى حتى مضى(3) .

مدح سامراء

أبو محمد الفحام عن المنصوري عن عمّه عن أبيه قال : قال يوما الإمام علي بن محمد عليهماالسلام : يا أبا موسى ، أخرجت إلى سرّ من رأى كرها ، ولو أخرجت عنها أخرجت كرها .

قال : قلت : ولمَ يا سيّدي ؟ فقال : لطيب هوائها ، وعذوبة مائها ، وقلّة دائها .

ص: 379


1- في النسخ : « يعرف » ، وما أثبتناه من الأمالي .
2- أمالي الطوسي : 285 ح 528 .
3- روضة الواعظين للفتال : 245 ، الإرشاد للمفيد : 2/311 .

ثمّ قال : تخرب سرّ من رأى حتى يكون فيها خان وقفا للمارّة ، وعلامة خرابها تدارك العمارة في مشهدي من بعدي(1) .

دخلنا كارهين لها فلمّا

ألفناها خرجنا مكرهينا

* * *

قتل رجلاً بأمر الإمام فنجى

وقال أبو جنيد : أمرني أبو الحسن العسكري عليه السلام بقتل فارس بن حاتم القزويني ، فناولني دراهم ، وقال : اشتر بها سلاحا ، واعرضه عليّ .

فذهبت فاشتريت سيفا ، فعرّضته عليه ، فقال : ردّ هذا ، وخذ غيره .

قال : فرددته ، وأخذت مكانه ساطورا ، فعرضته عليه ، فقال : هذا نعم .

فجئت إلى فارس ، وقد خرج من المسجد بين الصلاتين المغرب والعشاء الآخرة ، فضربته على رأسه ، فسقط ميّتا ، ورميت الساطور ، واجتمع الناس ، وأُخذت إذ لم ير هناك أحد غيري ، فلم يروا معي سلاحا ، ولا سكّينا ، ولا أثر الساطور ، ولم يروا بعد ذلك ، فخلّيت(2) .

ص: 380


1- أمالي الطوسي : 281 ح 545 .
2- إختيار معرفة الرجال للطوسي : 2/807 ح 1006 .

شعر

وأنشد فيه عليه السلام أبو بديل التميمي :

أنت من هاشم بن مناف ب-

-ن قصي في سرّها المختار

في الباب والأرفع الأرفع

منهم وفي النضار النضار

* * *

وأنشدني أبو الفتح محمد بن الخشّان الكاتب لنفسه :

حبّي موقوف على سادة

قد اصطفاهم لنبي الهدى

سلم لمن سالمهم قلبه

وحرب من كان عليهم عدى

مهاجروه مثل أنصاره

وآله نحن لكلّ فدى

وفرق ما بينهم ربّنا

علّمه من دوننا أحمدا

* * *

وقال مهيار الديلمي :

اشدد يدا بحبّ آل أحمد

فإنّه عقدة فوز لا تحل

الطيّبون أزرا تحت الرجا

والكاتبون وزرا يوم الرجل

والمنعمون المطعمون والثرى

مقطب والعام عقبان أزل

يستشعرون اللّه أعلى في الوغى

وغيرهم شعاره اعل هبل

لم يتزخرف(1) وثن لعابد

منهم يزيغ قلبه ولا يضل(2)

ص: 381


1- في نسخة « النجف » : « يثن حرف » .
2- في نسخة « النجف » : « نصل » .

وقال علم الهدى :

يا عصب اللّه ومن حبّهم

مهيم ما عشت في صدري

ومن أرى ودّهم وحده

زادي إذا وسّدت في قبري

* * *

وهو الذي أعددته جنّتي

وعصمتي في ساعة الحشد

حتى إذا لم يك لي مفرّة

من أحد كان بكم نضدي

بموقف ليس به سلعة

لتاجر أنفق من يد

* * *

وقال السيد الحميري :

يا آل ياسين يا ثقاتي

أنتم مواليّ في حياتي

وعدّتي إذا دنت وفاتي

بكم لدى محشري نجاتي

إذ يفصل الحاكم القضاء

أبرء إليكم من الأعادي

من آل حرب ومن زياد

وآل مروان ذي العتاد

وأوّل الناس في العناد

مجاهرا أظهر البراء

* * *

وقال الهاشمي :

لي سادة قدمتهم الرسل

عليهم في المعاد أتّكل

محمد والوصيّ وابنته

والزهر أولادهم وما نسلوا

لحبّهم يدخل الجنان غدا

حشر البرايا ويغفر الزلل

ص: 382

هم حجج اللّه والذين بهم

يقبل يوم التغابن العمل

شيعتهم يوم بعثهم معهم

في جنّة الخلد حيث ما نزلوا

في حجرات غدت مقاصرها

بأهل بيت النبي تتّصل

* * *

وقال دعبل :

شفيعي في القيامة عند ربّي

محمد والوصيّ مع البتول

وسبطا أحمد وبنو بنيه

أولئك سادتي آل الرسول

* * *

وقال آخر :

إذا ما همومي أسرجتهم وألجمت

جعلت سلاحي حبّ آل محمد

* * *

ص: 383

ص: 384

باب إمامة أبي محمد الحسن بن علي العسكري عليهماالسلام

اشارة

ص: 385

ص: 386

فصل 1 : في المقدّمات

اشارة

ص: 387

ص: 388

المقدّمة

الحمد للّه الذي اختار من فضله لقضاء حقّه أحرارا أشرافا ، وأتاح لهم حقائق الحقّ اطلاعا وإشرافا ، وأباح لهم لامتصاص درر الفضل أخلافا ، وأودع في صدورهم لانتقاد درر الصدق أصدافا ، بهروا إلى نيل بساط القرب بعطف الحقّ أعطافا ، وأطافوا بكعبة المجد فنالوا في الطواف ألطافا ، فألفوا من الإحسان آلافا ، ووجدوا على الحسنات أضعافا ، وأعدّ لهم الحقّ طرف الطرف « وَجَنّاتٍ أَلْفافاً » ، فتجّملوا بلباس التعفّف واختاروا عفافا وكفافا ، الذين نعتهم النبي صلى الله عليه و آله في قوله :

يذهب الصالحون أسلافا(1) ، ووصفهم الربّ فقال : « تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النّاسَ إِلْحافاً » .

ص: 389


1- سنن الدارمي : 2/301 ، المستدرك للحاكم : 4/401 ، الآحاد والمثاني : 4/333 ، المعجم الكبير للطبراني : 9/105 ، مسند الشهاب لابن سلامة : 1/355 ، جامع البيان للطبري : 25/108 .

الآيات

بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ

بريد بن معاوية العجلي ، وأبو بصير ، وحمران ، وعبد اللّه بن عجلان ، وعبد الرحيم القصيري ، كلّهم عن أبي جعفر عليه السلام .

وروى أسباط بن سالم ، والحسين بن زياد الصيقل ، وحمران بن أعين ، والمثنّى الحنّاط ، وعبد الرحمن بن كثير ، وهارون بن حمزة الغنوي ، وعبد العزيز العبدي ، وسدير الصيرفي ، كلّهم عن أبي عبد اللّه عليه السلام .

وروى محمد بن الفضيل عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قالوا في قوله تعالى : « بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ » : نحن هم ، وإيّانا عنى(1) .

مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها

أبو عبد اللّه عليه السلام في قوله تعالى : « مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها » ، الآية ، قال : الحسنة معرفة الإمام وطاعته ، « وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ » ، الآية ، وإنّما أراد بالسيّئة إنكار الإمام(2) ، الذي هو من اللّه .

ص: 390


1- بصائر الدرجات للصفار : 224 باب 11 ح 1 و226 ح 10 ، دعائم الإسلام : 1/22 ، تأويل الآيات : 1/432 .
2- الكافي : 1/185 ح 14 .

وقال تعالى فيهم : « وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً » ، وقال : « لا يَسْئَلُونَ النّاسَ إِلْحافاً » .

ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ

زيد بن علي في قوله : « ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ » ، قال : نحن هم .

وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ

أبو الورد عن أبي جعفر عليه السلام : « وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ » ، الآية ، لآل محمد صلى الله عليه و آله .

وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى

علي بن إبراهيم في تفسير قوله تعالى : « قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى » ، هم آل محمد(1) صلى الله عليه و آله .

هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ . .

عبد الرحمن بن كثير عن أبي عبد اللّه

عليه السلام في قوله : « هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ » ، قال : أمير المؤمنين والأئمّة عليهم السلام ، « وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ » ، قال : فلان وفلان ، « فَأَمَّا الَّذِينَ فِي

ص: 391


1- تفسير القمّي : 2/129 .

قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ » ، أصحابهم وأهل ولايتهم ، « فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ

فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ » ، أمير المؤمنين والأئمّة(1) عليهم السلام .

وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤمِنِينَ وَلِيجَةً

عبد الرحمن بن عجلان عن أبي جعفر عليه السلام في قوله : « أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤمِنِينَ وَلِيجَةً » ، يعني بالمؤمنين الأئمّة عليهم السلام لم يتّخذوا الولائج من دونهم(2) .

وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ

عبد اللّه بن جندب عن أبي الحسن عليه السلام في قوله : « وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ » ، قال : إمام إلى إمام(3) .

الَّذِينَ إِنْ مَكَّنّاهُمْ فِي الأَْرْضِ

قوله تعالى : « الَّذِينَ إِنْ مَكَّنّاهُمْ فِي الأَْرْضِ » ، حمران بن أعين عن أبي جعفر عليه السلام ، وأبو الصباح عن أبي عبد اللّه عليه السلام قالا : نحن هم(4) .

ص: 392


1- الكافي : 1/415 ح 14 .
2- الكافي : 1/415 ح 15 .
3- بصائر الدرجات للصفار : 535 باب 18 ح 38 ، الكافي : 1/415 ح 18 ، أمالي الطوسي : 294 ح 576 .
4- فضائل أمير المؤمنين عليه السلام لابن عقدة : 198 .

فصل 2 : في كناه وألقابه وتواريخه عليه السلام

اشارة

ص: 393

ص: 394

كناه وصفاته

هو الحسن الهادي ابن علي المتوكّل ابن محمد القانع ابن علي الوفي ابن موسى الأمين ابن جعفر الفاضل ابن محمد الشبيه ابن علي ذي الثفنات ابن الحسين السبط ابن علي أبي تراب .

فتّاح الأبواب ، مذلّل الصعاب ، نقيّ الجيب ، بعيد الريب ، بريء من العيب ، أمين على الغيب ، معدن الوقار بلا شيب ، خافض الطرف ، واسع الكفّ ، كثير الحياء ، كريم الوفاء ، عظيم الرجاء ، قليل الإفتاء ، لطيف الغداء ، كثير التبسّم ، جميل التنعّم ، سريع التحكّم ، أبو الخلف ، مكنّى أبو محمد .

ألقابه

وألقابه : الصامت ، الهادي ، الرفيق ، الزكي ، السراج ، المضيء ، الشافي ، المرضي ، الحسن العسكري .

وكان هو وأبوه وجدّه يعرف كلّ منهم في زمانه بابن الرضا(1) عليه السلام .

ص: 395


1- اعلام الورى : 1/131 ، الهداية الكبرى : 327 .

أمّه

أمّه أم ولد يقال لها : حديث(1) .

ولده

وولده القائم عليه السلام لا غير(2) .

ميلاده

ميلاده يوم الجمعة لثمان خلون من شهر ربيع الآخر بالمدينة .

وقيل : ولد بسرّ من رأى سنة إثنين وثلاثين ومائتين(3) .

مدّة عمره

مقامه مع أبيه ثلاث وعشرون سنة ، وبعد أبيه أيّام إمامته ستّ سنين(4) .

ص: 396


1- الكافي : 1/503 ، تهذيب الأحكام للطوسي : 6/92 ، دلائل الإمامة : 424 ، الهداية الكبرى : 327 ، الإرشاد للمفيد : 2/313 .
2- دلائل الإمامة : 425 ، تاريخ الأئمة : 21 ، الإرشاد للمفيد : 2/336 ، الهداية الكبرى : 327 .
3- الكافي : 1/503 ، تهذيب الأحكام للطوسي : 6/92 ، الإرشاد للمفيد : 2/313 ، اعلام الورى : 2/131 .
4- الإرشاد للمفيد : 2/313 .

ملوك عصره

وكان في سنيّ إمامته بقيّة أيّام المعتزّ أشهرا ، ثمّ ملك المهتدي ، والمعتمد ، وبعد مضيّ خمس سنين من ملك المعتمد قبض(1) ، ويقال : استشهد(2) .

مدفنه

ودفن مع أبيه بسرّ من رأى .

مدّة عمره وتاريخ شهادته

وقد كمل عمره تسعة وعشرين سنة ، ويقال : ثمان وعشرين سنة(3) .

مرض في أوّل شهر ربيع الأوّل سنة ستّين ومائتين ، وتوفّي يوم الجمعة لثمان خلون منه(4) .

إخفاء مولد ولده عليه السلام

وقد أخفى مولد ابنه لشدّة طلب سلطان الوقت له ، فلم يره إلاّ الخواصّ

ص: 397


1- اعلام الورى : 2/132 .
2- صحّ الحديث عنهم أنّهم لا يخرجون من الدنيا إلاّ بالشهادة ، فما منهم إلاّ مقتول أو مسموم . انظر للتفصيل والتدليل على شهادة كلّ واحد من المعصومين عليهم السلام وخصوصا الإمام الحسن العسكري عليه السلام كتاب « ما منّا . . إلاّ مقتول أو مسموم » تأليف جعفر البياتي حفظه اللّه ورعاه .
3- اعلام الورى : 2/131 .
4- الإرشاد للمفيد : 2/336 .

من شيعته(1) .

وتولّى أخوه أخذ تركته ، وسعى إلى السلطان في حبس جواري أبى محمد عليه السلام ، وشنّع على الشيعة في انتظارهم ولده ، وجرى على المخلف كلّ بلاء .

واجتهد جعفر في المقام مقامه ، فلم يقبله أحد ، برأوا منه ، ولقّبوه « الكذّاب » .

فورد إلى عبد اللّه بن خاقان وقال : اجعل لي مرتبة أخي ، وأنا أوصل إليك في كلّ سنة عشرين ألف دينار ، فزبره وقال : يا أحمق ، إنّ السلطان جرّد سيفه في الذين زعموا أنّ أباك وأخاك أئمّة ليردّهم عن ذلك ، فلم يتهيّأ له ، فإن كنت عند شيعة أبيك وأخيك إماما ، فلا حاجة بك إلى مرتب ، ثمّ أمر أن يحجب عنه(2) .

الدليل على إمامته

و(3)يستدلّ على إمامته عليه السلام بطريق العصمة والنصوص .

وبما استدلّ على أمير المؤمنين عليه السلام بعد النبي صلى الله عليه و آله بلا فصل .

وكلّ من قطع على ذلك قطع على أنّ الإمام بعد علي بن محمد النقي

ص: 398


1- الإرشاد للمفيد : 2/336 .
2- الإرشاد للمفيد : 2/336 ، الكافي : 1/505 ، كمال الدين للصدوق : 44 ، اعلام الورى : 2/149 .
3- في نسخة النجف : « ثقاته وأصحابه ورواة النصّ عليه » .

الحسن العسكري عليهم السلام ، لأنّه لم يحدث مزقة أخرى بعد الرضا عليه السلام ، وقد صحّت إمامته .

وطريقُ النصّ من آبائه عليهم السلام من المؤالف والمخالف .

رواة النصّ من أبيه

ورواة النصّ من أبيه :

يحيى بن بشار القنبري ، وعلي بن عمرو النوفلي ، وعبد اللّه بن محمد الإصفهاني ، وعلي بن جعفر ، ومروان الأنباري ، وعلي بن مهزيار ، وعلي بن عمرو العطّار ، ومحمد بن يحيى ، وأبو هاشم الجعفري ، وأبو بكر الفهفكي ، وشاهويه بن عبد اللّه ، وداود بن القاسم الجعفري ، وعبدان محمد الإصفهاني(1) .

قال أبو الحسن عليه السلام : صاحبكم بعدي الذي يصلّي عليّ - ولم يكن يُعرف أبا محمد عليه السلام قبل ذلك - ، فلمّا مات أبو الحسن عليه السلام خرج أبو محمد عليه السلام ، فصلّى عليه(2) .

وروى ابن قولويه عن علي بن جعفر ومروان الأنباري والحسن الأفطس : أنّهم حضروا يوم توفّي محمد بن علي بن محمد عليه السلام دارَ أبي الحسن عليه السلام - وهي مملوءة من الناس - إذ نظر إلى الحسن عليه السلام ، وقد جاء

ص: 399


1- انظر الإرشاد للمفيد : 2/314 ، الكافي : 1/325 .
2- روضة الواعظين للفتال : 247 ، الكافي : 1/326 ح 3 و4 ، الإرشاد للمفيد : 2/315 .

مشقوق الجيب حتى قام عن يمينه - ونحن لا نعرفه - ، فنظر إليه أبو الحسن عليه السلام بعد ساعة من قيامه ، ثمّ قال : وأحدث للّه شكرا ، فقد أحدث فيك أمرا .

فبكى الحسن عليه السلام واسترجع ، ثم قال : الحمد للّه ربّ العالمين ، وأنا أسأل تمام النعمة ، « إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ »(1) .

ثقاته

ومن ثقاته : علي بن جعفر ، قيّم لأبي الحسن عليه السلام ، وأبو هاشم داود بن القاسم الجعفري ، وقد رأى خمسة من الأئمّة عليهم السلام ، وداود بن أبي يزيد النيسابوري ، ومحمد بن علي بن بلال ، وعبد اللّه بن جعفر الحميري القمّي ، وأبو عمرو عثمان بن سعيد العمري ، والزيّات ، والسمّان ، وإسحاق بن الربيع الكوفي ، وأبو القاسم جابر بن يزيد الفارسي ، وإبراهيم بن عبدة بن إبراهيم النيسابوري .

وكلاؤه

ومن وكلائه : محمد بن أحمد بن جعفر ، وجعفر بن سهيل الصيقل(2) ، وقد أدركا أباه وابنه .

ص: 400


1- الكافي : 1/327 ح 8 ، اعلام الورى : 2/135 ، بصائر الدرجات للصفار : 493 باب 2 ح 13 ، الإرشاد للمفيد : 2/318 .
2- رجال الطوسي : 398 .

أصحابه

ومن أصحابه : محمد بن الحسن الصفّار ، وعبدوس العطّار ، وسري بن سلامة ، وأبو طالب الحسن بن جعفر الفافاني ، وأبو البختري ، مؤدّب ولد الحجّاج(1) .

بابه

وبابه : الحسين بن روح النوبختي(2) .

ص: 401


1- رجال الطوسي : 397 .
2- دلائل الإمامة : 425 وفيه : « وبوابه : عثمان بن يعد العمري ، ويقال : محمد بن نصير ، والأول أصحّ » ، تاريخ الأئمة للبغدادي : 33 .

ص: 402

فصل 3 : في معالي أُموره عليه السلام

اشارة

ص: 403

ص: 404

إقرار ناصبي

قال الحسين بن محمد الأشعري ومحمد بن علي : جرى ذكر العلوية عند أحمد بن عبد اللّه بن خاقان بقم - وكان ناصبيّا - ، فقال : ما رأيت منهم مثل الحسن بن علي بن محمد بن الرضا عليهم السلام ، جاء ودخل حجّابه على أبي ، فقال : أبو محمد بن الرضا بالباب ، فزجرهم الآذن ، واستقبله ، ثمّ أجلسه على مصلاّه ، وجعل يكلّمه ، ويفديه بنفسه ، فلمّا قام شيّعه .

فسألت أبي عنه ، فقال : يا بنيّ ، ذاك إمام الرافضة ، ولو زالت الخلافة عن بني العبّاس ما استحقّها أحد من بني هاشم غيره ، لفضله وعفافه وصومه وصلاته وصيانته وزهده وجميع أخلاقه .

ولقد كنت أسأل عنه دائما ، فكانوا يعظّمونه ، ويذكرون له كرامات(1) .

وقال : ما رأيت أنقع ظرفا ، ولا أغضّ طرفا ، ولا أعفّ لسانا وكفّا من الحسن العسكري عليه السلام .

في الحساب

وميزان الحسن العسكري لاستوائهما(2) في أربعمائة وخمسين .

ص: 405


1- روضة الواعظين للفتال : 250 ، الإرشاد للمفيد : 2/322 ، اعلام الورى : 2/148 .
2- كذا في النسخ .

مكاتباته

وخرج من عند أبي محمد عليه السلام في سنة خمس وخمسين ومائتين كتاب ترجمة في جهة رسالة المقنعة يشتمل على أكثر علم الحلال والحرام ، وأوّله : أخبرني علي بن محمد بن موسى .

وذكر الحميري في كتاب سمّاه مكاتبات الرجال عن العسكريين من قطعه ، ومن أحكام الدين .

مناظرته مع إسحاق الكندي في القرآن

أبو القاسم الكوفي في كتاب التبديل : إنّ إسحاق الكندي - كان فيلسوف العراق في زمانه - أخذ في تأليف تناقض القرآن ، وشغل نفسه بذلك ، وتفرّد به في منزله .

وإنّ بعض تلامذته دخل يوما على الإمام الحسن العسكري عليه السلام ، فقال له أبو محمد عليه السلام : أما فيكم رجل رشيد يردع أستاذكم الكندي عمّا أخذ فيه من تشاغله بالقرآن ؟

فقال التلميذ : نحن من تلامذته كيف يجوز منّا الاعتراض عليه في هذا أو في غيره ؟

فقال له أبو محمد عليه السلام : أتؤدّي إليه ما ألقيه إليك ؟ قال : نعم .

قال : فصر إليه ، وتلطّف في مؤانسته ومعونته على ما هو بسبيله ، فإذا وقعت الأنسة في ذلك ، فقل : قد حضرتني مسألة أسألك عنها ؟

ص: 406

فإنّه يستدعي ذلك منك ، فقل له : إن أتاك هذا المتكلّم بهذا القرآن هل يجوز أن يكون مراده بما تكلّم منه غير المعاني التي قد ظننتها أنّك ذهبت إليها ؟

فإنّه سيقول لك : إنّه من الجائز ، لأنّه رجل يفهم إذا سمع .

فإذا أوجب ذلك ، فقل له : فما يدريك ؟ لعلّه قد أراد غير الذي ذهبت أنت إليه ، فيكون واضعا لغير معانيه .

فصار الرجل إلى الكندي ، وتلطّف إلى أن ألقى عليه هذه المسألة ، فقال له : أعد عليّ ، فأعاد عليه .

فتفكّر في نفسه ، ورأي ذلك محتملاً في اللغة ، وسائغا في النظر ، فقال : أقسمت عليك إلاّ أخبرتني من أين لك ؟ فقال : إنّه شيء عرض بقلبي ، فأوردته عليك ، فقال : كلاّ ، ما مثلك مَن اهتدى إلى هذا ، ولا من بلغ هذه المنزلة ، فعرّفني من أين لك هذا ؟ فقال : أمرني به أبو محمد عليه السلام ، فقال : الآن جئت به ، وما كان ليخرج مثل هذا إلاّ من ذلك البيت .

ثمّ إنّه دعا بالنار ، وأحرق جميع ما كان ألّفه .

كنوز الأرض تحت أيديهم

الجلاء والشفاء : قال أبو جعفر العمرى : إنّ أبا طاهر بن بلبل حجّ ، فنظر إلى علي بن جعفر الهمداني ، وهو ينفق النفقات العظيمة ، فلمّا انصرف كتب بذلك إلى أبي محمد عليه السلام .

ص: 407

فوقّع في رقعته : قد أمرنا له بمائة ألف دينار ، ثمّ أمرنا لك بمثلها(1) .

وهذا يدلّ على أنّ كنوز الأرض تحت أيديهم .

دفاعه عن دين جدّه وفضح الجاثليق

علي بن الحسن بن سابور ، قال : كان في زمن الحسن الأخير عليه السلامقحط ، فخرجوا للاستسقاء ثلاثة أيّام ، فلم يمطر عليهم .

قال : فخرج يوم الرابع بالجاثليق مع النصارى فسقوا .

فخرج المسلمون يوم الخامس فلم يمطروا ، فشكّ الناس في دينهم .

فأخرج المتوكّل الحسن عليه السلام من الحبس ، وقال : أدرك دين جدّك يا أبا محمد .

فلمّا خرجت النصارى ، ورفع الراهب يده إلى السماء ، قال أبو محمد عليه السلام لبعض غلمانه : خذ من يده اليمنى ما فيها ، فلمّا أخذه كان عظما أسود ، ثمّ قال : استسق الآن .

فاستسقى فلم يمطر ، وصحّت السماء .

فسأل المتوكّل عن العظم ، قال : لعلّه أخذ من قبر نبيّ ، ولا يكشف عظم نبي إلاّ ليمطر(2) .

ص: 408


1- الغيبة للطوسي : 350 ح 308 .
2- الخرائج للراوندي : 1/441 ح 23 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 575 ح 522 ، الصواعق المحرقة : 208 .

كتابه الى أهل قم وآبة

وكتب عليه السلام إلى أهل قم وآبه : إنّ اللّه - تعالى - بجوده ورأفته قد منّ على عباده بنبيّه محمد صلى الله عليه و آله بشيرا ونذيرا ، ووفّقكم لقبول دينه ، وأكرمكم بهدايته ، وغرس في قلوب أسلافكم الماضين رحمة اللّه عليهم ، وأصلابكم الباقين وتولّى كفايتهم ، وعمّرهم طويلاً في طاعته حبّ العترة الهادية ، فمضى من مضى على وتيرة الصواب ، ومنهاج الصدق ، وسبيل الرشاد ، فوردوا موارد الفائزين ، واجتنوا ثمرات ما قدّموا ، ووجدوا غبّ ما سلفوا .

ومنها : فلم تزل نيّتنا مستحكمة ، ونفوسنا إلى طيب آرائكم ساكنة ، القرابة الراسخة بيننا وبينكم قويّة ، وصيّة أوصى بها أسلافنا وأسلافكم ، وعهد عهد إلى شباننا ومشايخكم ، فلم يزل على حملة كاملة من الاعتقاد لما جمعنا اللّه عليه من الحال القريبة ، والرحم الماسّة ، يقول العالم سلام اللّه

عليه إذ يقول : المؤمن أخو المؤمن لأمّه وأبيه .

كتابه الى ابن بابويه القمّي

وممّا كتب عليه السلام إلى أبي الحسن علي بن الحسين بن بابويه القمّي :

اعتصمت بحبل اللّه ، بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ، والحمد للّه ربّ العالمين ، والعاقبة للمتّقين ، والجنّة للموحّدين ، والنار للملحدين ، ولا عدوان إلاّ على الظالمين ، ولا إله إلاّ اللّه أحسن الخالقين ، والصلاة على خير خلقه محمد وعترة الطاهرين .

ص: 409

منها : عليك بالصبر وانتظار الفرج ، قال النبي صلى الله عليه و آله : أفضل أعمال أمّتي انتظار الفرج ، ولا يزال شيعتنا في حزن حتى يظهر ولدي الذي بشّر به النبي صلى الله عليه و آله ، يملأ الأرض قسطا وعدلاً ، كما ملئت جورا وظلما ، فاصبر يا شيخي - يا أبا الحسن علي - وأمر جميع شيعتي بالصبر ، ف-« إِنَّ الأَْرْضَ لِلّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ » ، والسلام عليك وعلى جميع شيعتنا ، ورحمة اللّه وبركاته ، وصلّى اللّه على محمد وآله .

قبره بسامراء أمان لأهل الخافقين

وروى الحسين بن روح(1) ، قال الحسن عليه السلام : قبري بسرّ من رأى أمان لأهل الخافقين(2) .

قال أبو يحيى المغربي :

يا راكب الشهباء تعمل علبة

سلّم على قبر بسامرّاء

قبر الإمام العسكري وابنه

وسميّ أحمد خاتم الخلفاء

ص: 410


1- في التهذيب : « محمد بن همام عن الحسن بن محمد بن جمهور ، قال : حدّثني الحسين بن روح رضى الله عنه عن محمد بن زياد عن أبي هاشم الجعفري ، قال : قال لي أبو محمد الحسن بن علي عليهماالسلام : . . » .
2- تهذيب الأحكام للطوسي : 6/93 ح 176 ، روضة الواعظين للفتال : 246 ، المزار للمفيد : 202 ح 5 ، وفيها : « الجانبين » .

وقال الحميري :

هم الأئمّة بعد المصطفى وهم

من اهتدى بالهدى والناس ضلاّل

وإنّهم خير من يمشي على قدم

وهم لأحمد أهل البيت والآل

* * *

وقال العبدي :

لأنتم على الأعراف أعرف عارف

بسيما الذي يهواكم والذي يشنا

أئمّتنا أنتم سندعى بكم غدا

إذا ما إلى ربّ العباد معا قمنا

وإنّ إليكم في المعاد إيابنا

إذا نحن من أجداثنا صرّعا عدنا

وإنّ موازين الخلائق حبّكم

فأسعدهم من كان أثقلهم وزنا

وموردنا يوم القيامة حوضكم

فيظمى الذي يقصى ويروى الذي يدنى

وأمر صراط اللّه ثمّ إليكم

فعلوا لنا إذ نحن عن أربكم جدنا

وإنّ ولاكم يقسم الخلق في غد

فيسكن ذا نارا ويسكن ذا عدنا

وأنتم لنا غيث وأمن ورحمة

فما عنكم بدّ ولا عنكم مغنى

ص: 411

وقال العوني :

أبهى وأكرم عند اللّه ما خلقوا

ونور أنوارهم كالدرّ منعقد

يفديكم يا بني الهادي أبا حسن

نفسي ومالي والأهلون والولد

يا خيرة اللّه خار اللّه حالمها

لم يحتلم ( كذا) ما عاش يعتضد

* * *

وقال الحميري :

شهدت وما شهدت بغير حقّ

بأنّ اللّه ليس له شبيه

نحبّ محمدا ونحبّ فيه

بني أبنائه وبني أبيه

فأبشر بالشفاعة غير شكّ

من الموصى إليه ومن بنيه

فإنّ اللّه يقبل كلّ قول

يدان به الوصيّ ويرتضيه

* * *

ص: 412

فصل 4 : في معجزاته عليه السلام

اشارة

ص: 413

ص: 414

يونس النقاش وفصّ ابن بغا

كافور الخادم : كان يونس النقّاش يغشى سيّدنا الإمام ويخدمه ، فجاءه يوما يرعد ، فقال : يا سيّدي ، أوصيك بأهلي خيرا ، قال : وما الخبر ؟ قال : عزمت على الرحيل ، قال : ولمَ يا يونس ؟ - وهو يتبسّم - ، قال : وجّه إليّ ابن بغا بفصّ ليس له قيمة ، أقبلت أنقشه ، فكسرته بإثنين ، وموعده غدا ، وهو ابن بغا ! إمّا ألف سوط أو القتل ، قال : امض إلى منزلك إلى غد فرج ، فما يكون إلاّ خيرا .

فلمّا كان من الغد وافاه بكرة يرعد ، فقال : قد جاء الرسول يلتمس الفصّ ، قال : امض إليه ، فلن ترى إلاّ خيرا ، قال : وما أقول له يا سيّدي ؟ قال : فتبسّم ، وقال : امض إليه واسمع ما يخبرك به ، فلا يكون إلاّ خيرا .

قال : فمضى وعاد وقال : قال لي - يا سيّدي - : الجواري اختصمن ، فيمكنك أن تجعله إثنين حتى نغنك ؟

فقال الإمام عليه السلام : اللّهمّ لك الحمد ، إذ جعلتنا ممّن يحمدك حقّا ، فأيّ شيء قلت له ؟ قال : قلت له : أمهلني حتى أتأمّل أمره ،

فقال : أصبت(1) .

ص: 415


1- أمالي الطوسي : 288 ح 559 .

إنّ أخبارك وأحوالك ترد إلينا

أبو هاشم الجعفري عن داود بن الأسود - وقّاد حمام أبي محمد عليه السلام - قال : دعاني سيّدي أبو محمد عليه السلام ، فدفع إليّ خشبة كأنّها رجل باب مدوّرة طويلة مل ء الكفّ ، فقال : صر بهذه الخشبة إلى العمري ، فمضيت .

فلمّا صرت إلى بعض الطريق عرض لي سقّاء معه بغل ، فزاحمني البغل على الطريق ، فناداني السقّاء : صح على البغل ، فرفعت الخشبة التي كانت معي ، فضربت البغل فانشقّت ، فنظرت إلى كسرها ، فإذا فيها كتب ، فبادرت سريعا فرددت الخشبة إلى كمّي ، فجعل السقّاء يناديني ، ويشتمني ، ويشتم صاحبي .

فلمّا دنوت من الدار راجعا استقبلني عيسى الخادم عند الباب ، فقال : يقول لك مولاي - أعزّه اللّه - لمَ ضربت البغل ، وكسرت رجل الباب ؟ فقلت له : يا سيّدي ، لم أعلم ما في رجل الباب ، فقال : ولم احتجت أن تعمل عملاً تحتاج أن تعتذر منه ؟ إيّاك بعدها أن تعود إلى مثلها ، وإذا سمعت لنا شاتما ، فامض لسبيلك التي أمرت بها ، وإيّاك أن تجاوب من يشتمنا ، أو تعرّفه مَن أنت ، فإنّنا ببلد سوء ، ومصر سوء ، وامض في طريقك ، فإنّ أخبارك وأحوالك ترد إلينا ، فاعلم ذلك .

إنّما جئت أسألك عن هذا

إدريس بن زياد الكفرتوثائي(1) ، قال : كنت أقول فيهم قولاً عظيما ،

ص: 416


1- نسبة الى كفرتوثا بضمّ التاء المثناة وسكون الواو والثاء مثلثة ، قرية كبيرة من أعمال الجزيرة .

فخرجت إلى العسكر للقاء أبي محمد عليه السلام ، فقدمت وعليّ أثر السفر وعناؤه ، فألقيت نفسي على دكّان حمام ، فذهب بي النوم ، فما انتبهت إلاّ بمقرعة أبي محمد عليه السلام ، قد قرعني بها حتى استيقظت ، فعرفته ، فقمت قائما أقبّل قدميه وفخذه ، وهو راكب والغلمان من حوله ، فكان أوّل ما تلقّاني به أن قال : يا إدريس ، « بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ » ، فقلت : حسبي - يا مولاي - وإنّما جئت أسألك عن هذا .

قال : فتركني ومضى .

يعرف اللغات والأنساب والحوادث

أبو حمزة نصر الخادم ، قال : سمعت أبا محمد عليه السلام يكلّم غلمانه بلغاتهم - فيهم ترك وروم وصقالبة - ، فقلت في نفسي : هذا ولد بالمدينة ، ولم يظهر حتى مضى أبو الحسن عليه السلام ، فكيف هذا ؟!

فأقبل عليّ ، فقال : إنّ اللّه بيّن حجّته من سائر خلقه ، وأعطاه معرفة كلّ شيء ، فهو يعرف اللغات والأنساب والحوادث ، ولولا ذلك لما كان بين الحجّة والمحجوج فرق(1) .

أردت أن أسأل فأجاب

محمد بن صالح الخثعمي ، قال : عزمت أن أسأل في كتابي إلى أبي

ص: 417


1- الكافي : 1/509 ح 11 ، روضة الواعظين للفتال : 248 ، القاب الرسول وعترته : 83 ، الإرشاد للمفيد : 2/331 ، الخرائج للراوندي : 1/436 ح 14 ، اعلام الورى : 2/145 .

محمد عليه السلام عن أكل البطّيخ على الريق ، وعن صاحب الزنج ، فأنسيت .

فورد عليّ جوابه : لا يؤكل البطّيخ على الريق ، فإنّه يورث الفالج ، وصاحب الزنج ليس منّا أهل البيت(1) .

لا يموت حتى يسلّم إليك ما لك عنده

محمد بن موسى ، قال : شكوت إلى أبى محمد عليه السلام مطل غريم لي ، فكتب إليّ : عن قريب يموت ، ولا يموت حتى يسلّم إليك ما لك عنده .

فما شعرت إلاّ وقد دقّ عليّ الباب ، ومعه مالي ، وجعل يقول : اجعلني في حلّ ممّا مطلتك .

فسألته عن موجبه ، فقال : إنّي رأيت أبا محمد عليه السلام في منامي ، وهو يقول لي : ادفع إلى محمد بن موسى ما له عندك ، فإنّ أجلك قد حضر ، واسأله أن يجعلك في حلّ من مطلك .

لا تبرح .. وابن عمّك قد مات

حمزة بن محمد السروي ، قال : أملقت وعزمت على الخروج إلى يحيى بن محمد ابن عمّي بحرّان ، وكتبت إلى أبى محمد عليه السلام أسأله أن يدعو لي .

فجاء الجواب : لا تبرح ، فإنّ اللّه يكشف ما بك ، وابن عمّك قد مات .

وكان كما قال ، وصلت إليّ تركته .

ص: 418


1- كشف الغمّة للإربلي : 3/220 .

حدّثت نفسي بالأهواز فأجابني في سامراء

محمد بن الربيع الشيباني ، قال : ناظرت رجلاً من الثنوية ، فقويت في نفسي حجّته ، هذا ، وأنا بالأهواز .

ثمّ قدمت سامرّاء ، فحين رأيت أبا محمد عليه السلام أومى ء بسبّابته : أحد ، فوحِّده ، فخررت مغشيّا عليّ(1) .

حوّل شرّ الرجال الى عبّاد

محمد بن إسماعيل العلوي ، قال : دخل العبّاسيّون على صالح بن وصيف عندما حبس أبو محمد عليه السلام ، فقالوا له : ضيّق عليه ، قال : وكّلت به رجلين من شرّ من قدرت عليه علي بن بارمش واقتامش ، فقد صارا من العبادة والصلاة إلى أمر عظيم ، يضعان خدّيهما له .

ثمّ أمر باحضارهما ، فقال : ويحكما ! ما شأنكما في شأن هذا الرجل ؟ فقالا : ما نقول في رجل يقوم الليل كلّه ، ويصوم النهار ، لا يتكلّم ، ولا يتشاغل بغير العبادة ؟ فإذا نظرنا إليه ارتعدت فرائصنا ، وداخلنا ما لا نملكه من أنفسنا(2) .

ص: 419


1- الكافي : 1/511 ح 20 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 573 ح 517 ، الخرائج للراوندي : 1/445 ح 28 .
2- الكافي : 1/215 ح 23 ، روضة الواعظين للفتال : 248 ، اعلام الورى : 2/150 ، الإرشاد للمفيد : 2/334 .

رموه الى السباع فقام يصلّي بينها

وروي : أنّه سلّم إلى يحيى بن قتيبة ، وكان يضيّق عليه ، فقالت له امرأته : اتّق اللّه ، فإنّي أخاف عليك منه ، قال : واللّه لأرمينّه بين السباع .

ثمّ استأذن في ذلك ، فأذن له ، فرمى به إليها ، ولم يشكّوا في أكلها إيّاه ، فنظروا إلى الموضع ، فوجدوه قائما يصلّي ، فأمر بإخراجه إلى داره(1) .

وروي : أنّ يحيى بن قتيبة الأشعري أتاه بعد ثلاث مع الأستاذ ، فوجداه يصلّي والأسُود حوله ، فدخل الأستاذ الغيل ، فمزّقوه وأكلوه ، وانصرف يحيى في قومه إلى المعتمد .

فدخل المعتمد على العسكري عليه السلام ، وتضرّع إليه ، وسأل أن يدعو له بالبقاء عشرين سنة في الخلافة ، فقال عليه السلام : مدّ اللّه في عمرك ، فأجيب ، وتوفّي بعد عشرين سنة .

أخبر أبا جعفر بقتل المهتدي

أبو جعفر الطوسي : قال أبو هاشم الجعفري : كنت محبوسا مع الحسن العسكري عليه السلام في حبس المهتدي ابن الواثق ، فقال لي : في هذه الليلة يبتر اللّه عمره .

ص: 420


1- الكافي : 1/513 ح 26 ، روضة الواعظين للفتال : 249 ، القاب الرسول وعترته : 82 ، الإرشاد للمفيد : 2/334 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 581 ح 530 ، الخرائج للراوندي : 1/437 ح 15 ، اعلام الورى : 2/151 .

فلمّا أصبحنا شغب الأتراك ، وقتل المهتدي ، وولّي المعتمد مكانه(1) .

دعاؤه على المستعين

علي بن محمد بن زياد الصيمري ، قال : دخلت على أبي أحمد عبد اللّه بن طاهر ، وفي يديه رقعة أبي محمد عليه السلام ، فيها : إنّي نازلت اللّه في هذا الطاغي - يعني المستعين - ، وهو آخذه بعد ثلاث .

فلمّا كان اليوم الثالث خلع ، وكان من أمره ما كان إلى أن قتل(2) .

امض فكفّن هذا

أبو الحسن الموسوي الحيري(3) عن أبيه ، قال : قدّمت إلى أبى محمد عليه السلام دابّة ليركب إلى دار السلطان ، وكان إذا ركب يدعو له عامّي(4) ، وهو يكره ذلك .

ص: 421


1- الغيبة للطوسي : 205 ح 173 ، القاب الرسول وعترته : 83 ، الخرائج للراوندي : 1/431 ح 9 .
2- الغيبة للطوسي : 205 ح 172 ، دلائل الإمامة : 428 ح 393 ، نوادر المعجزات للطبري : 192 ح 4 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 576 ح 524 ، الخرائج للراوندي : 1/430 ح 8 .
3- الحيري لعلّه نسبة الى الحائر ، وهو كربلاء ، وفي الغيبة للطوسي : « الخيبري » .
4- في الغيبة للطوسي : « . . وكان يجيئه رجل من العامّة ، فإذا ركب دعا له وجاء بأشياء يشيّع بها عليه ، فكان عليه السلام يكره ذلك . . » .

فزاد يوما في الكلام وألحّ ، فسار حتى انتهى إلى مفرق الطريقين ، وضاق على الرجل العبور ، فعدل إلى طريق يخرج منه ويلقاه فيه ، فدعا عليه السلام ببعض خدمه وقال له : امض فكفّن هذا .

فتبعه الخادم ، فلمّا انتهى عليه السلام إلى السوق خرج الرجل من الدرب ليعارضه ، وكان في الموضع بغل واقف ، فضربه البغل فقتله ، ووقف الغلام فكفنّه(1) .

استبدل فرسك قبل المساء

علي بن زيد بن علي بن الحسين بن علي عليهم السلام ، قال : كان لي فرس ، وكنت به معجبا ، أكثر ذكره ، فقال أبو محمد عليه السلام : ما فعل فرسك ؟ فقلت : هو على بابك الآن ، فقال : استبدل به قبل المساء .

فمضيت ، ونفست على الناس ببيعه ، وأمسينا ، فلمّا صلّينا العتمة جاءني السائس ، فقال : إنّه نفق فرسك الساعة .

فدخلت على أبي محمد عليه السلام بعد أيّام ، وأنا أقول في نفسي : ليته أخلف عليّ دابّة ، فقال : نعم تخلف عليك ، يا غلام اعطه برذوني الكميت ، ثمّ قال : هذا خير من فرسك ، وأوطئ ، وأطول عمرا(2) .

ص: 422


1- الغيبة للطوسي : 206 ح 174 ، الخرائج للراوندي : 2/783 ح 109 .
2- الكافي : 1/510 ح 15 ، الإرشاد للمفيد : 2/332 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 572 ح 566 ، الخرائج للراوندي : 1/434 ح 12 ، اعلام الورى : 2/137 .

إنّ جاريتك قد ماتت

علي بن زيد العلوي الزيدي ، قال : أعطاني أبو محمد عليه السلام دنانير ، وقال : اشتر بهذه الدنانير جارية ، فإنّ جاريتك قد ماتت .

فأتيت داري ، وإذا بالجارية قد شرقت وماتت .

أردت أن أسأل فجاء الجواب

الحسن بن ظريف ، قال : اختلج في صدري أن أكتب إلى أبي محمد عليه السلام : أنّ القائم إذا قام بمَ يقضي ؟ وأين مجلسه للقضاء ؟ وأن أسأله عن شيء لحمّى الربع ، فأغفلت عنها .

فجاء الجواب : سألت عن القائم عليه السلام إذا قام بالناس بمَ يقضي ؟ يقضي بعلمه كقضاء داود عليه السلام ، لا يسأل عن بيّنة ، وأردت أن تسأل عن حمّى الربع ، فاكتب في ورقة وعلّقها على المحموم : « يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ »(1) .

حكّ بسوطه الأرض فأخرج سبيكة ذهب

أبو هاشم الجعفري ، قال : شكوت إلى أبي محمد عليه السلام الحاجة ، فحكّ بسوطه الأرض ، فأخرج منها سبيكة فيها نحو الخمسمائة دينار ، فقال : خذها - يا أبا هاشم - واعذرنا(2) .

ص: 423


1- الكافي : 1/509 ح 13 ، الإرشاد للمفيد : 2/331 ، اعلام الورى : 2/145 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 565 ح 504 .
2- الكافي : 1/507 ح 5 ، الإرشاد للمفيد : 2/329 .

امضوا فلا خوف عليكم

أبو علي المطهّري : كتب إليه من القادسية يعلمه إنصراف الناس عن المضيّ إلى الحجّ ، وأنّه يخاف العطش إن مضى .

فكتب : امضوا ، فلا خوف عليكم إن شاء اللّه ، فمضوا ولم يجدوا عطشا(1) .

تكفونهم إن شاء اللّه

علي بن الحسين بن الفضل اليماني ، قال : نزل الجعفري من آل جعفر خلق كثير لا قبل له بهم ، فكتب إلى أبي محمد عليه السلام يشكو ذلك ، فكتب إليه : تكفونهم إن شاء اللّه تعالى .

قال : فخرج إليهم في نفر يسير ، والقوم يزيدون على عشرين ألفا ، وهو في أقلّ من ألف ، فاستباحهم(2) .

الذي سمعتموه تكفونه

أبو طاهر : قال محمد بن بلبل : تقدّم المعتز إلى سعيد الحاجب أن اخرج أبا محمد عليه السلام إلى الكوفة ، ثمّ اضرب عنقه في الطريق .

فجاء توقيعه عليه السلام إلينا : الذي سمعتموه تكفونه .

فخلع المعتزّ بعد ثلاث وقتل(3) .

ص: 424


1- الإرشاد للمفيد : 2/329 ، الكافي : 1/507 ح 6 .
2- الإرشاد للمفيد : 2/329 ، الكافي : 1/508 ح 7 .
3- الغيبة للطوسي : 208 ح 177 .

حلف كاذبا وأعطاه الإمام

إسماعيل بن محمد العباسي ، قال : شكوت إلى أبي محمد عليه السلامالحاجة ، وحلفت أنّه ليس عندي درهم فما فوقه ، فقال : أتحلف باللّه كاذبا ، وقد دفنت مائتي دينار ؟ وليس قولي لك هذا دفعا عن العطيّة ، اعطه يا غلام ما معك ، فأعطاني مائة دينار .

ثمّ أقبل عليّ فقال : إنّك تحرم الدنانير التي دفنتها في أحوج ما تكون إليها .

وذلك أنّني اضطررت وقتا ، ففتّشت عنها فلم أجدها ، فنظرت فإذا ابن عمّ لي قد عرف موضعها ، فأخذها وهرب(1) .

أخبر أبا هاشم بما أضمر ودعا له

أبو هاشم ، قال : سمعت أبا محمد عليه السلام يقول : إنّ في الجنّة بابا يقال له : « المعروف » ، لا يدخله إلاّ أهل بيت المعروف ، فحمدت اللّه - تعالى - في نفسي ، وفرحت ممّا أتكلّفه من حوائج الناس .

فنظر إليّ أبو محمد عليه السلام ، فقال : نعم ، قد علمت ما أنت عليه ، وإنّ أهل المعروف في الدنيا أهل المعروف في الآخرة ، جعلك اللّه منهم - يا أبا هاشم - ورحمك(2) .

ص: 425


1- الكافي : 1/509 ح 14 ، الإرشاد للمفيد : 2/332 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 578 ح 527 ، الخرائج للراوندي : 1/427 ح 6 ، اعلام الورى : 2/137 .
2- اعلام الورى : 2/144 ، الخرائج للراوندي : 2/689 ح 2 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 564 ح 501 .

حدّثته نفسه فجاء الجواب

سفيان بن محمد الصيفي ، قال : كتبت إلى أبي محمد عليه السلام أسأله عن الوليجة ، وهو قول اللّه - عزّ وجلّ - : « وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤمِنِينَ وَلِيجَةً » ، قلت في نفسي - لا في الكتاب - : من ترى

المؤمن هاهنا ؟

فرجع الجواب : الوليجة التي تقام دون وليّ الأمر ، وحدّثتك نفسك عن المؤمنين : من هم في هذا الموضع ؟ فهم الأئمّة عليهم السلام الذين يؤمنون على اللّه ، فنحن(1) إيّاهم(2) .

تصلّي اليوم الظهر في منزلك

أبو هاشم الجعفري ، قال : شكوت إلى أبي محمد عليه السلام ضيق الحبس ، وكلب القيد ، فكتب إليّ : تصلّي اليوم الظهر في منزلك .

فأخرجت وقت الظهر ، وصلّيت في منزلي(3) .

صحّح عينيه وأخبره بموت ولده

أشجع بن الأقرع ، قال : كتبت إلى أبي محمد عليه السلام أسأله أن يدعو اللّه لي

ص: 426


1- في الكافي : « فيجيز أمانهم » .
2- الكافي : 1/507 ح 9 .
3- الإرشاد للمفيد : 2/330 ، الكافي : 1/508 ح 10 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 576 ح 525 ، الخرائج للراوندي : 1/435 ح 13 ، اعلام الورى : 2/140 .

من وجع عيني ، وكانت إحدى عيني ذاهبة ، والأخرى على شرف هار(1) .

فكتب إليّ : حبس اللّه عليك عينك ، وأقامت الصحيحة ، ووقّع في آخر الكتاب : أعزّك اللّه ، آجرك اللّه ، وأحسن ثوابك .

فاغتممت بذلك ، ولم أعرف في أهلي أحدا مات ، فلمّا كان بعد أيّام جاءني خبر وفاة ابني طيّب ، فعلمت أنّ التعزية له(2) .

ضيعتك تردّ عليك فلا تتقدّم إلى السلطان

عمر بن مسلم ، قال : قدم علينا بسرّ من رأى رجل من أهل مصر يقال له : « سيف بن الليث » يتظلّم إلى المهتدي في ضيعة له غصبها شفيع الخادم ، وأخرجه منها ، فأشرنا إليه أن يكتب إلى أبي محمد عليه السلام يسأله تسهيل أمرها .

فكتب إليه أبو محمد عليه السلام : لا بأس عليك ، ضيعتك تردّ عليك ، فلا تتقدّم إلى السلطان ، وإنّ الوكيل الذي في يده الضيعة قد كتب إليّ عند خروجك أن أطلبك ، وأن أردّ الضيعة عليك .

فردّها عليه بحكم القاضي ابن أبي الشوارب ، وشهادة الشهود ، ولم يحتجّ أن يتقدّم إلى المهتدي ، فصارت الضيعة له .

عوفي ابنك العليل ومات الكبير

وقال سيف بن الليث : خلّفت ابنا لي عليلاً بمصر عند خروجي منها ،

ص: 427


1- في الكافي : « ذهاب » .
2- الكافي : 1/510 ح 17 .

وابنا آخر أسنّ منه كان وصيّي ، فكتبت إلى أبي محمد عليه السلام أسأله الدعاء لابني العليل .

فكتب إليّ : قد عوفي ابنك العليل ، ومات الكبير وصيّك وقيّمك ، فاحمد اللّه ولا تجزع ، فيحبط أجرك .

فكان كما قال(1) .

يا هؤلاء خافوا اللّه

إسحاق ، قال : حدّثني يحيى القنبري قال : كان لأبي محمد عليه السلام وكيل قد اتّخذ منه في الدار حجرة يكون فيها ، وخادم أبيض ، فراود الوكيل الخادم على نفسه ، فأبى إلاّ أن يأتيه بنبيذ ، فاحتال له نبيذا ، ثمّ أدخله عليه ، وبينه وبين أبي محمد عليه السلام ثلاثة أبواب مغلقة .

قال : فحدّثني الوكيل قال : إنّي لمنتبه إذ أنا بالأبواب تفتح حتى جاء بنفسه ، فوقف على باب الحجرة ، ثمّ قال : يا هؤلاء خافوا اللّه .

فلمّا أصبحنا أمر ببيع الخادم وإخراجي من الدار(2) .

يا غلام .. دابّته !

أبو العيناء الهاشمي : كنت أدخل على أبي محمد عليه السلام ، فأعطش وأنا عنده ، وأجلّه أن أدعو بالماء ، ثمّ يقول : يا غلام ، اسقه .

ص: 428


1- الكافي : 1/511 ح 18 ، الثاقب في المناقب لابن حمزة : 580 .
2- الكافي : 1/511 ح 21 .

وربما حدّثتني نفسي بالنهوض ، فأفكّر في ذلك ، فيقول : يا غلام ، دابّته(1) .

حديث الفصّاد

وروى الكليني في الكافي حديث الفصّاد له(2) عليه السلام مثل الذي ذكرناه في باب أبي جعفر الثاني عليه السلام .

ص: 429


1- الكافي : 1/512 ح 22 ، الخرائج للراوندي : 1/445 ح 29 .
2- الكافي : 1/512 ح 24 : علي بن محمد عن الحسن بن الحسين قال : حدّثني محمد بن الحسن المكفوف قال : حدّثني بعض أصحابنا عن بعض فصّادي العسكر من النصارى أنّ أبا محمد عليه السلام بعث إليّ يوما في وقت صلاة الظهر ، فقال لي : افصد هذا العرق . قال : وناولني عرقا لم أفهمه من العروق التي تفصد ، فقلت في نفسي : ما رأيت أمرا أعجب من هذا يأمر لي أن أفصد في وقت الظهر ، وليس بوقت فصد ، والثانية عرق لا أفهمه ، ثم قال لي : انتظر وكن في الدار . فلمّا أمسى دعاني وقال لي : سرح الدم ، فسرحت ، ثم قال : لي امسك ، فأمسكت ، ثم قال لي : كن في الدار . فلمّا كان نصف الليل أرسل إليّ وقال لي : سرّح الدم ، قال : فتعجبت أكثر من عجبي الأوّل وكرهت أن أسأله قال : فسرحت ، فخرج دم أبيض كأنّه الملح ، قال : ثم قال لي : احبس قال : فحبست ، قال : ثم قال : كن في الدار . فلمّا أصبحت أمر قهرمانه أن يعطيني ثلاثة دنانير ، فأخذتها ، وخرجت حتى أتيت ابن بختيشوع النصراني ، فقصصت عليه القصّة ، قال : فقال لي واللّه ما أفهم ما تقول ، ولا أعرفه في شيء من الطب ، ولا قرأته في كتاب ، ولا أعلم في دهرنا أعلم بكتب النصرانية من فلان الفارسي ، فاخرج إليه . قال : فاكتريت زورقا إلى البصرة وأتيت الأهواز ، ثم صرت إلى فارس إلى صاحبي ، فأخبرته الخبر . قال : وقال : انظرني أياما فأنظرته ، ثم أتيته متقاضيا ، قال : فقال لي : إنّ هذا الذي تحكيه عن هذا الرجل فعله المسيح في دهره مرّة .

إنّ لك وله مقاما بين يدي اللّه

علي بن محمد عن بعض أصحابنا ، قال : كتب محمد بن حجر إلى أبي محمد عليه السلام يشكو عبد العزيز بن دلف ويزيد بن عبد اللّه .

فكتب إليه : أمّا عبد العزيز ، فقد كفيته ، وأمّا يزيد ، فإنّ لك وله مقاما بين يدي اللّه - عزّ وجلّ - .

فمات عبد العزيز ، وقتل يزيد محمد بن حجر(1) .

أردت أن أستوهبه القلم فوهبه لي

أحمد بن إسحاق ، قال : دخلت على أبي محمد عليه السلام ، فسألته أن يكتب لأنظر إلى خطّه ، فأعرفه إذا ورد ، فقال : نعم .

ثمّ قال : يا أحمد ، إنّ الخطّ سيختلف عليك ما بين القلم الغليظ والقلم الدقيق ، فلا تشكّنّ .

ثمّ دعا بالدواة ، فقلت في نفسي : أستوهبه القلم الذي كتب به .

فلمّا فرغ من الكتابة أقبل يحدّثني ، وهو يمسح القلم بمنديل الدواة ساعة ، ثمّ قال : هاك يا أحمد ، فناولنيه(2) . . الخبر .

ص: 430


1- الكافي : 1/513 ح 25 .
2- الكافي : 1/513 ح 27 .

اتساع الطريق له

غيبة الطوسي : أبي علي بن همّام عن شاكري(1) أبي محمد عليه السلام قال : كان أستاذي صالحا من العلويّين لم أر مثله قطّ ، وكان يركب إلى دار الخلافة في كلّ إثنين وخميس ، وكان يوم النوبة يحضر من الناس شيء عظيم ، ويغصّ الشارع بالدوابّ والبغال والحمير والضجّة ، لا يكون لأحد موضع يمشي ولا يدخل بينهم ، وإذا جاء أستاذي سكنت الضجّة وهدأ صهيل الخيل ، ونهاق الحمير ، وتفرّقت البهائم حتى يصير الطريق واسعا ، ثمّ يدخل ، وإذا أراد الخروج ، وصاح البوّابون : هاتوا دابّة أبي محمد عليه السلام ، سكن صياح الناس وصهيل الخيل ، وتفرّقت الدوابّ حتى يركب ويمضي .

انقياد الفرس الكبوس

وفيها : قال الشاكري : وجاء أستاذي يوما إلى سوق الدوابّ ، فجيء له بفرس كبوس ، لا يقدر أحد أن يدنو منه .

قال : فباعوه إيّاه بوكس ، فقال لي : يا محمد ، قم فاطرح السرج عليه .

قال : فقمت ، وعلمت أنّه لا يقول لي ما يؤذيني ، فحللت الحزام ، وطرحت السرج عليه ، فهدأ ولم يتحرّك .

فجئت به لأمضي ، فجاء النخّاس ، فقال لي : ليس يباع ، فقال لي : سلّمه إليهم .

ص: 431


1- الشاكري : الأجير والمستخدم ، معرب « چاكر » .

قال : فجاء النخّاس ليأخذه ، فالتفت إليه التفاتة ذهب منهزما .

قال : فركبت ، ومضينا وجئت به إلى الإصطبل ، فما تحرّك ، ولا آذاني ببركة أستاذي(1) .

إنّ كلامنا في النوم مثل كلامنا في اليقظة

ومن كتاب الكشي : الفضل بن الحرث قال : كنت بسرّ من رأى وقت خروج سيّدي أبي الحسن عليه السلام ، فرأينا أبا محمد عليه السلام ماشيا قد شقّ ثيابه ، فجعلت أتعجّب من جلالته ، وما هو له أهل ، ومن شدّة اللّون والأدمة ، وأشفق عليه من التعب .

فلمّا كان الليلة رأيته عليه السلام في منامي ، فقال : اللّون الذي تعجّبت منه اختيار من اللّه لخلقه يجريه كيف يشاء ، وإنّها لعبرة في الأبصار لا يقع فيه غير المختبر ، ولسنا كالناس فنتعب كما يتعبون ، فاسأل اللّه الثبات وتفكّر في خلق اللّه ، فإنّ فيه متّسعا ، واعلم أنّ كلامنا في النوم مثل كلامنا في اليقظة(2) .

عاقبة الاعتراض على الإمام

وخرج أبو محمد عليه السلام في جنازة أبي الحسن عليه السلام وقميصه مشقوق ، فكتب إليه أبو عون الأبرش في ذلك ، فقال عليه السلام : يا أحمق ، ما أنت وذاك ؟ قد شقّ موسى على هارون .

ص: 432


1- الغيبة للطوسي : 216 ح 17 ، دلائل الإمامة : 429 ح 394 .
2- اختيار معرفة الرجال للطوسي : 2/843 ح 1087 .

ثمّ قال بعد كلام : وإنّك لا تموت حتى تكفر ويتغيّر عقلك .

فما مات حتى حجبه ابنه عن الناس ، وحبسوه في منزله - في ذهاب العقل - عمّا كان عليه(1) .

كذب عليه فلعنه فقبض الى النار

وكان عروة الدهقان كذب على علي بن محمد بن الرضا ، وعلى أبي محمد الحسن بن علي العسكري عليهم السلام بعده ، ثمّ إنّه أخذ بعض أمواله ، فلعنه أبو محمد عليه السلام ، فما أمهل يومه ذلك وليلته حتى قبض إلى النار(2) .

شفا عينه وكتب له ما نوى

وقال محمد بن الحسن : لقيت من علّة عيني شدّة ، فكتبت إلى أبي محمد عليه السلام أسأله أن يدعو لي ، فلمّا نفذت الكتاب قلت في نفسي : ليتني كتبت إليه أن يصف لي كحلاً أكحلها .

فوقّع بخطّه يدعو لي سلامتها ، إذ كانت إحداهما ذاهبة ، وكتب بعده : أردت أن أصف لك كحلاً عليك أن تصيّر(3) مع الإثمد كافورا وتوتيا ، فإنّه يجلو ما فيها من الغشاء ، وييبس من الرطوبة .

قال : فاستعملت ما أمرني به ، فصحّت(4) .

ص: 433


1- إختيار معرفة الرجال للطوسي : 2/842 ح 1085 .
2- اختيار معرفة الرجال للطوسي : 2/843 ح 1086 .
3- في اختيار معرفة الرجال : « بصبر » .
4- اختيار معرفة الرجال للطوسي : 2/815 ح 1018 .

أخبره بما حدّثته نفسه عن الفقر

محمد بن الحسن قال : كتبت إليه أشكو الفقر ، ثمّ قلت في نفسي : أليس قد قال أبو عبد اللّه عليه السلام :

الفقر معنا خير من الغنى مع عدوّنا ، والقتل معنا خير من الحياة مع عدوّنا ؟

فرجع الجواب : إنّ اللّه - عزّ وجلّ - يخصّ أوليائنا إذا تكاثفت ذنوبهم بالفقر ، وقد يعفو عن كثير منهم ، وهو كما حدّثتك نفسك : الفقر معنا خير من الغنى مع عدوّنا ، ونحن كهف من التجأ إلينا ، ونور لمن استضاء بنا ، وعصمة لمن اعتصم بنا ، من أحبّنا كان معنا في السنام الأعلى ، ومن انحرف عنّا مال ، فإلى النار(1) .

قال العوني :

بهم بيّنات الأنبياء وصدّقوا

لما كان في كتب النبيّين مصحف

ألا هم وعيد اللّه فينا ووعده

فلا تحسبنّ اللّه للوعد مخلف

بهم قسم اللّه العظيم الذي به

يرى اللّه في القرآن ما تاح محلف

هم ما هم هم كلّ ما قيل فيهم

وزادوا سوى ما منهم زاد مسرف

هم الحقّ شاع الحقّ فيهم وعنهم

يطف بهم وصّافهم والمكيف

* * *

ص: 434


1- اختيار معرفة الرجال للطوسي : 2/814 ح 1018 ، الخرائج للراوندي : 2/739 ح 54 .

وقال أبو عمرو عبد الملك البعلبكي :

يا أهل بيت محمد

يا خير من ملك النواصي

أنتم وسيلتي التي

أنجوبها يوم القصاص

وأنا المعير بما اكتسبت

من القبائح والمعاصي

لكن بكم يا سادتي

أرجو غدا عنها خلاصي

من حاز علما بالولاء

فذاك للرحمن خاص

* * *

وقال أبو الفتح البستي :

من لم يكن للنبي عبدا

ولم يكن مخلصا لآله

فكلّ ما يخرج البرايا

من السبيلين في سباله

* * *

وقال عبد الرحمن بن حامد الخوافي :

سلام على نفس هي الآية الكبرى

وشخص هو المجد المنيف على الشعرى

هو الدين والدنيا يرى نوره متى

تحصل لك الأولى وتحصل لك الأخرى

* * *

ص: 435

ص: 436

فصل 5 : في آياته عليه السلام

اشارة

ص: 437

ص: 438

أجابه عمّا أضمر في نفسه

سأل محمد بن صالح الأرميني لأبي محمد عليه السلام عن قوله تعالى : « لِلّهِ الأَْمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ » ، فقال : الأمر من قبل أن يأمر به ، ومن بعد أن يأمر .

فقلت في نفسي : هذا قوله : « أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَْمْرُ » ، فنظر إليّ وتبسّم ، ثمّ قال : له الخلق والأمر(1) .

أجابه عمّا خطر بباله حول خلق القرآن

قال أبو هاشم : خطر ببالي أنّ القرآن مخلوق أم غير مخلوق ؟ فقال أبو محمد عليه السلام : يا أبا هاشم ، اللّه خالق كلّ شيء ، وما سواه مخلوق(2) .

عدّ من يومك خمسة أيّام ويقتل في اليوم السادس

وكتب محمد بن شمّون البصري ، فسأل أبا محمد عليه السلام عن الحال ، وقد اشتدّت على الموالي من محمد المهتدي .

ص: 439


1- الثاقب في المناقب لابن حمزة : 564 ح 502 ، الخرائج للراوندي : 2/686 ح 8 .
2- الخرائج للراوندي : 2/686 ح 6 .

فكتب إليه : عدّ من يومك خمسة أيّام ، فإنّه يقتل في اليوم السادس من بعد هوان يلاقيه .

فكان كما قال(1) .