مناقب آل ابی طالب المجلد 4

اشارة

عنوان و نام پديدآور:مناقب آل ابی طالب/ تالیف رشید الدین ابی عبد الله محمد بن علی بن شهر آشوب. تحقیق علی السید جمال اشرف الحسینی.

مشخصات نشر:قم: المکتبه الحیدریه، 1432ق = 1390.

مشخصات ظاهری:12ج

وضعیت فهرست نویسی:در انتظار فهرستنویسی (اطلاعات ثبت)

يادداشت:ج.9. (چاپ اول)

شماره کتابشناسی ملی:2481606

ص: 1

اشارة

مناقب آل أبي طالب

تأليف الإمام الحافظ رشيد الدين أبي عبد اللّه محمد بن علي بن شهرآشوب

ابن أبي نصر بن أبي الجيش السروي المازندراني

المتوفى سنة 588 ه

الجزء الرابع

تحقيق السيد علي السيد جمال أشرف الحسيني

ص: 2

بسم الله الرحمن الرحیم

ص: 3

ص: 4

باب 3 : درجات أمير المؤمنين عليه السلام

اشارة

ص: 5

ص: 6

فصل 1 : في مقدماتها

اشارة

ص: 7

ص: 8

اجتماع الأمّة على أمور كلّها في علي عليه السلام

اجتمعت الأمّة على أن ليس لها تولية رجل بالاختيار والشورى إلاّ بعد أن يجدوا في الكتاب والسنة ما يدلّ على رجل باسمه وفعله ، فإذا وجدوه ولّوه عليهم .

* * *

واجتمعت المعتزلة على أنّ الخصال المستحقّة لصاحبها التعظيم الذهني في علي عليه السلام أوفر ممّا في غيره ، وذلك العلم ، والجهاد ، والزهد ، والجود .

الدليل السمعي

وأمّا الدليل السمعي الذي يوجب كثرة ثوابه وفضله على غيره ، ففي حديث الطير ، وحديث تبوك ، ونحوهما ، ومن افتقر البشر إليه كانت العصمة ثابتة عليه .

سبق أمير المؤمنين الى أفضل الفضائل

ثم أجمع الكلّ على أنّ أفضل الفضائل : السبق إلى الإسلام ، ثم القرابة ، ثم العلم ، ثم الهجرة ، ثم الجهاد ، ثم النفقة في سبيل اللّه ، ثم الزهد والورع ، ثم

رضى رسول اللّه صلى الله عليه و آله عنه يوم مات .

ص: 9

وقد سبق علي عليه السلام الكلّ في ذلك على ما يجيء بيانه إن شاء اللّه .

فأمّا رضى رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، فقد تفرّق في عدّة مواضع من هذا الكتاب .

وأمّا القرابة ، فلا يشكّ فيه مسلم ، وإن قالوا : حمزة وجعفر والحسن والحسين عليهم السلام والعباس ، وغيرهم ممّن حرّم اللّه عليهم الصدقة لقرباهم من رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، فكان علي عليه السلام أخصّهم به بأشياء كثيرة(1) .

وسئل الصادق عليه السلام عن فضيلة خاصة لأمير المؤمنين عليه السلام ، فقال : فضل الأقربين بالسبق ، وسبق الأبعدين بالقرابة(2) .

قال ديك الجن :

قرابة ونصرة وسابقه

هذي المعالي والصفات الفايقه(3)

* * *

قال الحميري :

ما استبق الناس إلى غاية

إلاّ حوى السبق على سبقه

* * *

وقال ابن حماد :

أمّا أمير

المؤمنين فإنّه

سبق الهداة ولم يكن مسبوقا

اختاره ربّ العلى وأقامه

علما إلى سبل الورى وطريقا(4)(4)

* * *

ص: 10


1- الدر النظيم : 278 .
2- نزهة الناظر وتنبيه الخاطر للحلواني : 109 ، كشف الغمة : 2/421 .
3- الدر النظيم : 278 .
4- الدر النظيم : 278 .

فضائل أمير المؤمنين على ثلاثة أنواع

ثم وجدنا فضائل علي عليه السلام على ثلاثة أنواع :

ما على الصحابة فيما شاركهم فيه .

وما اجتمع فيه وتفرّق في الكلّ .

وما تفرّد به .

قال جابر الأنصاري : كانت لأصحاب النبي صلى الله عليه و آله ثمانية عشر سابقة ، خصّ منها علي عليه السلام بثلاثة عشر ، وشركنا في الخمس(1) .

الفضائل عن العكبري : قال عبد اللّه بن شداد بن الهاد : قال ابن عباس : كان لعلي عليه السلام ثمانية عشر منقبة ، ما كانت لأحد في هذه الأمّة مثلها(2) .

ابن بطّة في الإبانة : عن عبد الرزاق عن أبيه قال : فضل علي بن أبي طالب عليهماالسلام أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه و آله بمائة منقبة ، وشاركهم في مناقبهم(3) .

كتاب أبي بكر بن مردويه : قال نافع بن الأزرق لعبد اللّه بن عمر : إنّي أبغض عليا عليه السلام ، فقال : قال : أبغضك اللّه ، أتبغض رجلاً سابقة من سوابقه خير من الدنيا وما فيها(4) .

ص: 11


1- الدر النظيم : 278 .
2- المعجم الأوسط للطبراني : 8/212 ، شواهد التنزيل للحسكاني : 1/22 .
3- تاريخ دمشق : 42/531 ، البداية والنهاية : 8/13 ، كشف الغمة : 1/161 ، كفاية الطالب : 230 .
4- المناقب لابن مردويه : 77 رقم 60 ، شرح الأخبار للقاضي النعمان : 1/162 ح 113 ، كنز الفوائد : 62 ، المصنف لابن أبي شيبة الكوفي : 7/505 رقم 64 .

قال الحميري :

لئن كان بالسبق للسابقين

مزية فضل على السابقينا

لقد فضّل اللّه آل الرسول

لفضل الرسول على العالمينا

* * *

وقال الحصفكي :

يا بن ياسين وطاسين وحاميم ونونا

يا بن من أنزل فيه السابقون السابقونا

* * *

وقال الحميري :

أين الجهاد وأين فضل قرابة

والعلم بالشبهات والتفصيل

أين التقدّم بالصلاة وكلّهم

للاّت يعبد جهرة ويحول

أين الوصية والقيام بوعده

وبدينه إن غرّك المحصول

أين الجواز بمسجد لا غيره

حينا يمرّ به فأين تحول

هل كان فيهم إن نظرت مناصحا

لأبي الحسين مقاسط وعديل

* * *

ص: 12

فصل 2 : في المسابقة بالإسلام

اشارة

ص: 13

ص: 14

سبقه بالإسلام

استفاضت الرواية : أنّ أول من أسلم علي عليه السلام ، ثم خديجة عليهاالسلام ، ثم جعفر عليه السلام ، ثم زيد ، ثم أبو ذر ، ثم عمرو بن عنبسة السلمي ، ثم خالد بن سعيد بن العاص ، ثم سميّة أمّ عمار ، ثم عبيدة بن الحرث ، ثم حمزة عليه السلام ، ثم خباب بن الأرت ، ثم سلمان ، ثم المقداد ، ثم عمار ، ثم عبد اللّه بن مسعود في جماعة، ثم أبو بكر وعثمان وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن زيد وصهيب وبلال .

تاريخ الطبري : إنّ عمر أسلم بعد خمسة وأربعين رجلاً ، وإحدى وعشرين إمرأة(1) .

أنساب الصحابة عن الطبري التاريخي والمعارف عن القتيبي : إنّ أول من أسلم خديجة(2) عليهاالسلام ، ثم علي عليه السلام ، ثم زيد ، ثم أبو بكر(3) .

ص: 15


1- تاريخ الطبري : 3/270 ، تاريخ المدينة لابن شبة : 2/660 ، الطبقات الكبرى لابن سعد : 3/269 .
2- في نهج البلاغة : 300 في خطبة له عليه السلام : وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ الشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيْهِ صلى الله عليه و آله ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! مَا هَذِهِ الرَّنَّةُ ؟ فَقَالَ : هَذَا الشَّيْطَانُ قَدْ أَيِسَ مِنْ عِبَادَتِهِ ، إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ وَتَرَى مَا أَرَى إِلاَّ أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ ، وَلَكِنَّكَ لَوَزِيرٌ وَإِنَّكَ لَعَلَى خَيْرٍ .
3- تاريخ الطبري : 2/60 ، المعارف لابن قتيبة : 168 ، مناقب أمير المؤمنين عليه السلامللكوفي : 1/42 .

يعقوب الفسوي في التاريخ : قال الحسن بن زيد : كان أبو بكر الرابع في الإسلام(1) .

وقال القرطي : أسلم علي عليه السلام قبل أبي بكر(2) .

واعترف الجاحظ في العثمانية بعد ما كرّ وفرّ : أنّ زيدا وخبابا أسلما قبل أبي بكر(3) .

ولم يقل أحد أنّهما أسلما قبل علي عليه السلام ، وقد شهد أبي بكر لعلي عليه السلام بالسبق إلى الإسلام(4) .

روى أبو زرعة الدمشقي وأبو إسحاق الثعلبي في كتابيهما أنّه قال أبو بكر : يا أسفي على ساعة تقدّمني فيها علي بن أبي طالب عليهماالسلام ، فلو سبقته لكان لي سابقة الإسلام(5) .

معارف القتيبي وفضائل السمعاني ومعرفة الفسوي : قالت معاذة العدوية : سمعت عليا عليه السلام يقول على منبر البصرة : أنا الصديق الأكبر ، آمنت قبل أن يؤمن أبو بكر ، وأسلمت قبل أن يسلم عمرا(6) .

ص: 16


1- تهذيب الكمال : 5/52 ، سير أعلام النبلاء : 1/216 .
2- شرح الأخبار للقاضي النعمان : 2/243 ، تاريخ دمشق : 45/45 ، تاريخ الإسلام للذهبي : 1/136 .
3- العثمانية : 4 .
4- الإحتجاج : 1/115 .
5- الدر النظيم : 279 .
6- المعارف لابن قتيبة: 169 ، العثمانية: 290 ، الإرشاد للمفيد : 1/31 ، الفصول المختارة: 261 ، أنساب الأشراف: 2/146، كنز الفوائد: 1/265، الآحاد والمثاني: 1/151 ، الكامل لابن عدي : 3/274 رقم 746 ، تاريخ دمشق : 42/33 .

تاريخ الطبري : قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن محمد بن سعد بن أبي وقاص قال : قلت لأبي : أكان أبو بكر أوّلكم إسلاما ؟

فقال : لا ، وقد أسلم قبله أكثر من خمسين رجلاً(1) ، ولكن كان أفضلنا إسلاما(2) .

الردّ على من قال بسبق غيره عليه السلام

وقال عثمان لأمير المؤمنين عليه السلام : إنّك إن تربّصت بي فقد تربّصت بمن هو خير منّي ومنك ، قال : ومن هو خير منّي ؟ ! قال : أبو بكر وعمر !!

فقال : كذبت أنا خير منك ومنهما ، عبدت اللّه قبلكم ، وعبدته بعدكم(3) .

فأمّا شعر حسان بأنّ أبا بكر أول من أسلم ، فهو شاعر ، وعناده لعلي عليه السلام ظاهر(4) .

وأمّا رواية أبي هريرة ، فهو من الخاذلين ، وقد ضربه عمر بالدرّة(5)

ص: 17


1- الإفصاح للمفيد : 232 ، التعجب للكراجكي : 97 ، كنز الفوائد : 124 .
2- تاريخ الطبري : 2/60 ، لم ترد الزيادة هذه في المصادر التي ذكرناها آنفا ، وليس لسعد وأمثاله أن يقرر من هو الأفضل إسلاما ، وليس ذاك إلاّ للّه ولرسوله ومن أطلعه اللّه على قلوب العباد وأعمالهم .
3- الإحتجاج : 1/229 .
4- الفصول المختارة : 258 .
5- الدّرّة بالكسر : السوط يضرب به .

لكثرة روايته ، وقال : إنّه كذوب(1)(2) .

وأمّا رواية إبراهيم النخعي ، فإنّه ناصبي جدّا ، تخلّف عن الحسين عليه السلام ، وخرج مع ابن الأشعث في جيش عبيد اللّه بن زياد إلى خراسان ، وكان يقول : لا خير إلاّ في النبيذ الصلب(3) .

ص: 18


1- الإيضاح لابن شاذان : 60، المسترشد للطبري: 170، شرح النهج لابن أبي الحديد : 4/17 .
2- في الخصال للصدوق : 1/190 ح 263 مسندا عن جعفر بن محمد بن عمارة عن أبيه قال : سمعت جعفر بن محمد عليهماالسلام يقول : ثلاثة كانوا يكذبون على رسول اللّه أبو هريرة وأنس بن مالك وامرأة .
3- المسترشد للطبري : 180 .

الكتب التي روت أنّ عليا عليه السلام أول الناس إسلاما

وأمّا الروايات

في أنّ عليا عليه السلام أول الناس إسلاما ، فقد

صنّف فيه كتب :

الآيات

السّابِقُونَ السّابِقُونَ

منها : ما رواه السدي عن أبي مالك عن ابن عباس في قوله : « وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ » ، فقال : سابق هذه الأمّة علي بن أبي طالب عليهماالسلام(1) .

مالك بن أنس عن أبي صالح عن ابن عباس : إنّها نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام ، سبق - واللّه - كلّ أهل الإيمان إلى الإيمان .

ثم قال : « وَالسّابِقُونَ » كذلك يسبق العباد يوم القيامة إلى الجنّة(2) .

ص: 19


1- شرح الأخبار للقاضي النعمان : 2/350 ح 702، شواهد التنزيل : 2/296 ح 929، لسان الميزان : 1/49 ، تفسير فرات : 463 ح 605 .
2- شواهد التنزيل : 2/295 .
وَالسّابِقُونَ الأَْوَّلُونَ

كتاب أبي بكر الشيرازي : مالك بن أنس عن سمي عن أبي صالح عن ابن عباس قال : « وَالسّابِقُونَ الأَْوَّلُونَ » نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام سبق الناس كلّهم بالإيمان ، وصلّى إلى القبلتين ، وبايع البيعتين : بيعة بدر ، وبيعة الرضوان ، وهاجر الهجرتين(1) مع جعفر من مكة إلى الحبشة ، ومن

الحبشة إلى المدينة !

وروي عن جماعة من المفسرين أنّها نزلت في علي(2) عليه السلام .

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا

وقد ذكر في خمسة عشر كتابا فيما نزل في أمير المؤمنين عليه السلام ، بل في أكثر التفاسير : أنّه ما أنزل اللّه - تعالى - في القرآن آية « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا » إلاّ وعلي عليه السلام أميرها(3) ، لأنّه أول الناس إسلاما .

ص: 20


1- شواهد التنزيل : 1/336 رقم 346 .
2- شواهد التنزيل : 1/335 .
3- روضة الواعظين : 104 ، المعجم الكبير للطبراني : 11/211 ، تفسير العياشي : 352 ح 91 ، تفسير فرات : 49 ، شواهد التنزيل : 1/30 رقم 13 . . ، المناقب لابن مردويه : 219 ، تنبيه الغافلين : 17 . .

الروايات

خصائص النطنزي

النطنزي في الخصائص العلوية بالإسناد عن إبراهيم بن إسماعيل عن المأمون عن الرشيد عن المهدي عن المنصور عن جدّه عن ابن عباس قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول :

قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : يا علي عليه السلام ، أنت أوّل المسلمين إسلاما ، وأوّل

المؤمنين إيمانا(1) .

المعرفة والتاريخ للنسوي

أبو يوسف الفسوي في المعرفة والتأريخ : روى السدي عن أبي مالك عن ابن عباس قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : علي أول من آمن بي وصدقني(2) .

حلية أبي نعيم وخصائص النطنزي

أبو نعيم في حلية الأولياء ، والنطنزي في الخصائص بالإسناد عن الخدري : أنّ النبي صلى الله عليه و آله قال لعلي عليه السلام ، وضرب يده بين كتفيه : يا علي عليه السلام ،

ص: 21


1- فردوس الأخبار للديلمي : 5/406 رقم 8308 .
2- تاريخ دمشق : 42/36 ، التعجب : 97 ، كنز الفوائد للكراجكي : 221 .

سبع خصال لا يحاجّك فيهنّ أحد يوم القيامة :

أنت أول المؤمنين باللّه إيمانا ، وأوفاهم بعهد اللّه ، وأقومهم بأمر اللّه ، وأرأفهم بالرعية ، وأقسمهم بالسوية ، وأعلمهم بالقضية ، وأعظمهم مزيّة يوم القيامة(1) .

أربعين الخطيب وفضائل أحمد وكشف الثعلبي

أربعين الخطيب بإسناده عن مجاهد عن ابن عباس ، وفضائل أحمد ، وكشف الثعلبي بإسنادهم إلى عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه قالا :

قال البني صلى الله عليه و آله : إنّ سبّاق الأمم ثلاثة ، لم يكفروا طرفة عين : علي بن أبي طالب عليهماالسلام ، وصاحب ياسين ، ومؤمن آل فرعون ، فهم الصدّيقون ، وعلي أفضلهم(2) .

فردوس الديلمي

فردوس الديلمي : قال أبو بكر : قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : « ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ » هما من هذه الأمّة(3) .

ص: 22


1- حلية الأولياء : 1/66 .
2- تفسير الثعلبي : 8/126 ، الكشاف للزمخشري : 3/319 ، تفسير مجمع البيان : 8/269 .
3- علل الدارقطني : 7/164 رقم 1277 «عن أبي بكرة » .
تفسير فرات

محمد بن فرات عن الصادق عليه السلام في هذه الآية « ثُلَّةٌ مِنَ الأَْوَّلِينَ » ابن آدم المقتول ، ومؤمن آل فرعون ، « وَقَلِيلٌ مِنَ الآْخِرِينَ » علي بن أبي طالب عليهماالسلام(1) .

شرف النبي صلى الله عليه و آله للخركوشي

شرف النبي صلى الله عليه و آله عن الخركوشي أنّه أخذ النبي صلى الله عليه و آله بيد علي عليه السلام ، فقال : ألا إنّ هذا أول من يصافحني يوم القيامة ، وهذا الصدّيق الأكبر ، وهذا فاروق هذه الأمّة ، يفرق بين الحقّ والباطل ، وهذا يعسوب(2) المسلمين ، والمال يعسوب الظالمين(3) .

جامع الترمذي وإبانة العكبري وتاريخ الخطيب والطبري

جامع الترمذي ، وإبانة العكبري ، وتاريخ الخطيب ، والطبري أنّه قال زيد بن أرقم وعليم الكندي : أول من أسلم علي بن أبي طالب عليهماالسلام(4) .

ص: 23


1- تفسير فرات: 465 ح 609، روضة الواعظين:105، شواهد التنزيل:2/298 رقم 933.
2- يعسوب القوم : رئيسهم وكبيرهم ومقدّمهم .
3- مناقب أميرالمؤمنين عليه السلام للكوفي: 1/267، شرح الأخبار للقاضي النعمان: 2/264 ح 567 ، كنز الفوائد للكراجكي : 121 ، أمالي الطوسي : 210 ح 361 ، المعجم الكبير للطبراني : 6/269 ، تاريخ دمشق : 42/41 ، بشارة المصطفى للطبري : 165 ، اعلام الورى : 1/360 .
4- سنن الترمذي: 5/306 باب 93 رقم 3818، مناقب أمير المؤمنين عليه السلام للكوفي: 1/282 ح 197 ، فضائل الصحابة للنسائي : 13 ، السنن الكبرى للبيهقي : 5/106 ، كتاب الأوائل للطبراني : 79 ، تاريخ دمشق : 42/37 .
طبقات ابن سعد ومسند أحمد

محمد بن سعد في كتاب الطبقات ، وأحمد في المسند : قال ابن عباس : أول من أسلم بعد خديجة علي عليهماالسلام(1) .

تاريخ الطبري وأربعين الخوارزمي

تاريخ الطبري ، وأربعين الخوارزمي : قال محمد بن إسحاق : أول ذكر آمن برسول اللّه صلى الله عليه و آله ، وصلّى معه ، وصدّقه بما جاء من عند اللّه علي عليه السلام(2) .

مروان وعبد الرحمن التميمي قالا : مكث الإسلام سبع سنين ليس فيه إلاّ ثلاثة :

رسول اللّه صلى الله عليه و آله وخديجة وعلي(3) عليهماالسلام .

ص: 24


1- الطبقات الكبرى لابن سعد : 3/21 ، الفصول المختارة : 258 ، مسند أحمد : 1/331 ، المستدرك للحاكم : 3/133 ، المصنف للصنعاني : 11/227 رقم 20392 ، الآحاد والمثاني : 1/151 ، كتاب الأوائل لابن أبي عاصم : 36 رقم 71 ، كتاب السنة لابن أبي عاصم : 589 ، السنن الكبرى للنسائي : 5/113 ، المعجم الأوسط للطبراني : 3/66 ، المعجم الكبير للطبراني : 11/21 ، الإستيعاب : 3/1094 ، تفسير فرات : 341 ، شواهد التنزيل : 1/125 ح 134 .
2- تاريخ الطبري : 2/55 ، روضة الواعظين : 85 .
3- شرح الأخبار : 1/178 ح 137 .
الفضائل للعكبري وأحمد

فضائل الصحابة عن العكبري، وأحمد بن حنبل: قال عباد بن عبداللّه: قال علي عليه السلام : أسلمت قبل الناس بسبع سنين(1) .

ابن مردويه والسمعاني وأمالي المروزي

كتاب ابن مردويه الأصفهاني ، والمظفر السمعاني ، وأمالي سهل بن عبد اللّه المروزي عن أبي ذر وأنس ، واللفظ لأبي ذر : أنّه قال النبي صلى الله عليه و آله :

إنّ الملائكة صلّت عليّ وعلى علي عليه السلام سبع سنين ، قبل أن يسلم بشر(2) .

تاريخ بغداد والقوامية ومسند الموصلي وخصائص النطنزي

تاريخ بغداد ، والرسالة القوامية ، ومسند الموصلي ، وخصائص النطنزي : أنّه قال حبّة العرني :

قال علي عليه السلام : بعث النبي صلى الله عليه و آله يوم الإثنين ، وأسلمت(3) يوم الثلاثاء(4) .

ص: 25


1- فضائل الصحابة لابن حنبل : 2/586 رقم 993 .
2- كنز الفوائد : 125 ، شواهد التنزيل : 2/184 رقم 818 ، تاريخ دمشق : 56/36 .
3- في نهج البلاغة : 300 في خطبة له عليه السلام : وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ الشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيْهِ صلى الله عليه و آله ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! مَا هَذِهِ الرَّنَّةُ ؟ فَقَالَ : هَذَا الشَّيْطَانُ قَدْ أَيِسَ مِنْ عِبَادَتِهِ ، إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ وَتَرَى مَا أَرَى إِلاَّ أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ ، وَلَكِنَّكَ لَوَزِيرٌ وَإِنَّكَ لَعَلَى خَيْرٍ .
4- مسند أبي يعلى : 1/348 رقم 446 ، روضة الواعظين : 85 ، مناقب أمير المؤمنين عليه السلامللكوفي : 1/278 ح 192 ، شرح الأخبار : 1/449 ح 83 ، كنز الفوائد : 121 ، شواهد التنزيل : 2/300 ، تاريخ دمشق : 42/28 .
تاريخ الطبري وتفسير الثعلبي

تاريخ الطبري ، وتفسير الثعلبي أنّه قال محمد بن المنكدر ، وربيعة بن أبي عبد الرحمن ، وأبو حازم المدني ، ومحمد بن السايب الكلبي ، وقتادة ، ومجاهد ، وابن عباس ، وجابر بن عبد اللّه ، وزيد بن أرقم ، وعمرو بن مرّة ، وشعبة بن الحجاج :

علي عليه السلام أول من أسلم(1) .

الصحابة والتابعون الذين رووا أنّ عليا أوّل من أسلم

وقد روى وجوه الصحابة وخيار التابعين وأكثر المحدّثين ذلك ، منهم :

سلمان ، وأبو ذر ، والمقداد ، وعمار ، وزيد بن صوحان ، وحذيفة ، وأبو الهيثم ، وخزيمة ، وأبو تراب ، والخدري ، وأُبيّ ، وأبو رافع ، وأم سلمة ، وسعد بن أبي وقاص ، وأبو موسى الأشعري ، وأنس بن مالك ، وأبو الطفيل ، وجبير بن مطعم ، وعمرو بن الحمق ، وحبّة العرني ، وجابر الحضرمي ، والحارث الأعور ، وعباية الأسدي ، ومالك بن الحويرث ، وقثم بن العباس ، وسعد بن قيس ، ومالك الأشتر ، وهاشم بن عتبة ، ومحمد بن كعب ، وأبو مجاز ، والشعبي ، والحسن البصري ، وأبو البختري ، والواقدي ، وعبد الرزاق ، ومعمر ، والسدي .

والكتب برواياتهم مشحونة .

ص: 26


1- تاريخ الطبري : 2/57 ، الكامل لابن عدي : 6/381 ، تاريخ دمشق : 42/36 .

وقال أمير المؤمنين عليه السلام :

صدّقته وجميع الناس في بهم

من الضلالة والإشراك والنكد(1)

* * *

قال الحميري :

من فضله أنّه قد كان أوّل من

صلّى وآمن بالرحمن إذ كفروا

سنين سبع وأياما محرّمة

مع النبي على خوف وما شعروا

* * *

وله أيضا :

من كان وحّد قبل كلّ موحّد

يدعو الإله الواحد القهارا

من كان صلّى القبلتين وقومه

مثل النواهق تحمل الأسفارا

* * *

ص: 27


1- شرح الأخبار : 1/428 ح 65 ، الفصول المختارة : 171 ، كنز الفوائد : 121 ، دستور معالم الحكم لابن سلامة: 203، تاريخ دمشق: 42/522، ذكر أخبار إصبهان: 2/99، المناقب للخوارزمي : 157 رقم 186 « في أبيات » .

كان إسلامه عليه السلام عن فطرة وإسلامهم عن كفر

اشارة

ولقد كان إسلامه عن فطرة ، وإسلامهم عن كفر ، وما يكون عن الكفر لا يصلح للنبوة ، وما يكون من الفطرة يصلح لها ، ولهذا قوله صلى الله عليه و آله : ألا إنّه لا نبي بعدي ، ولو كان لكنته(1) .

ولذلك قال بعضهم وقد سئل : متى أسلم علي عليه السلام ؟ قال : ومتى كفر ؟ إلاّ أ نّه جدّد الإسلام .

إنّه ما عبد الصنم قطّ

تفسير قتادة ، وكتاب الشيرازي : روى ابن جبير عن ابن عباس قال : واللّه ، ما من عبد آمن باللّه إلاّ وقد عبد الصنم - فقال وهو الغفور : « لِمَنْ تابَ » من عبادة الأصنام - إلاّ علي بن أبي طالب ، فإنّه آمن باللّه من غير أن عبد صنما ، فذلك قوله « وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ » يعني المحبّ لعلي بن أبي طالب عليهماالسلام ، إذ آمن به من غير شرك .

إنّه لم يلبس إيمانه بظلم

سفيان الثوري عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس في قوله «الَّذِينَ

ص: 28


1- أمالي الطوسي : 598 ح 1242 ، تاريخ بغداد : 4/56 ، تاريخ دمشق : 42/176 .

آمَنُوا » يا محمد صلى الله عليه و آله ، الذين صدّقوا بالتوحيد ، قال : هو أمير المؤمنين « وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ » أي ولم يخلطوا ، نظيرها « لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ »يعني الشرك ، لقوله « إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ » .

قال ابن عباس : واللّه ، ما من أحد إلاّ أسلم بعد شرك ما خلا أمير المؤمنين عليه السلام « أُولئِكَ لَهُمُ الأَْمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ » يعني عليا(1) .

إنّه لم يكذّب برسول اللّه قطّ

الكافي : أبو بصير عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه عليهماالسلام أنّهما قالا : إنّ الناس لمّا كذّبوا برسول اللّه صلى الله عليه و آله همّ اللّه - تبارك وتعالى - بهلاك أهل الأرض ، إلاّ عليا عليه السلام ، فما سواه بقوله « فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ » .

ثم بدا له ، فرحم المؤمنين ، ثم قال لنبيه صلى الله عليه و آله : « وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤمِنِينَ »(2) .

رجحان إيمان علي عليه السلام على إيمان الأمّة

وقد روى المخالف والمؤالف من طرق مختلفة ، منها : عن أبي بصير ومصقلة بن عبد اللّه عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه و آله قال :

لو وزن إيمان علي عليه السلام بإيمان أمّتي - وفي رواية : وإيمان أمّتي - لرجح إيمان علي عليه السلام على إيمان أمّتي إلى يوم القيامة(3) .

ص: 29


1- شواهد التنزيل : 1/262 رقم 255 .
2- الكافي : 8/103 ح 78 ، تفسير القمي : 2/330 .
3- شرح الأخبار للقاضي النعمان : 2/208 ح 540 .
ردّ أبو رجاء على من سبّ عليا عليه السلام

وسمع أبو رجاء العطاردي قوما يسبّون عليا عليه السلام فقال : مهلاً ، ويلكم أتسبّون أخا رسول اللّه صلى الله عليه و آله وابن عمّه، وأول من صدقه وآمن به، وإنّه لمقام علي عليه السلام مع رسول اللّه صلى الله عليه و آله ساعة من نهار خير من أعماركم بأجمعها(1) .

* * *

قال العبدي :

أشهد باللّه لقد قال لنا

محمد والقول منه ما خفى

لو أنّ إيمان جميع الخلق ممّن

سكن الأرض ومن حلّ السما

يجعل في كفّة ميزان لكي

يوفى بإيمان علي ما وفى

* * *

ص: 30


1- شرح الأخبار للقاضي النعمان : 2/321 ، أمالي الطوسي : 238 ، تاريخ دمشق : 42/341 ، المناقب للخوارزمي : 131 « بتفاوت » .

إيمانه في الباطن والظاهر وإسلامهم على الظاهر

اشارة

وإنّه مقطوع على باطنه ، لأنّه ولي اللّه بما ثبت في آية التطهير ، وآية المباهلة وغيرهما ، وإسلامهم على الظاهر .

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا نزلت في علي عليه السلام

الشيرازي في كتاب النزول : عن مالك بن أنس عن حميد عن أنس بن مالك في قوله « إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا » نزلت في علي عليه السلام ، صدّق أول الناس برسول اللّه (1) . . الخبر .

أَفَمَنْ شَرَحَ اللّهُ صَدْرَهُ لِلإِْسْلامِ

الواحدي في أسباب نزول القرآن في قوله « أَفَمَنْ شَرَحَ اللّهُ صَدْرَهُ لِلإِْسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ » نزلت في حمزة وعلي عليهماالسلام « فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ » أبو لهب وأولاده(2) .

ص: 31


1- نهج الإيمان : 557 « عن كتاب نزول القرآن لأبي بكر الشيرازي » .
2- أسباب النزول للواحدي : 248 .
لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤمِنِينَ

الباقر عليه السلام في قوله «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤمِنِينَ » علي بن أبي طالب عليهماالسلام .

الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ

وعنه عليه السلام في قوله « الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ » نزلت في علي عليه السلام وعثمان بن مظعون وعمار ، وأصحاب لهم(1) .

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ

« وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ » نزلت في علي عليه السلام ، وهو أول مؤمن ، وأول مصلّ(2) .

رواه الفلكي في إبانة ما في التنزيل عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس .

إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ

وعنه عليه السلام في قوله « إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ » نزلت في علي عليه السلام ، لأنّه أول من سمع ، والميّت الوليد بن عقبة .

ص: 32


1- شواهد التنزيل : 1/115 رقم 126 .
2- شواهد التنزيل : 1/117 رقم 127 ، تفسير فرات : 60 ح 22 .
إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤمِنِينَ

وعنه عليه السلام في قوله « إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللّهِ » إنّ المعني بالآية أمير المؤمنين(1) عليه السلام .

أَفَمَنْ كانَ مُؤمِناً

الشيرازي في نزول القرآن عن عطا عن ابن عباس ، والواحدي في الأسباب والنزول ، وفي الوسيط أيضا عن ابن ليلى عن حكم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ، والخطيب في تاريخه عن نوح بن خلف ، وابن بطة في الإبانة ، وأحمد في الفضائل عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ، والنطنزي في الخصائص عن أنس ، والقشيري في تفسيره ، والزجاج في معانيه ، والثعلبي في تفسيره ، وأبو نعيم فيما نزل من القرآن في علي عليه السلام عن الكلبي عن أبي صالح ، وعن ابن لهيعة عن عمرو بن دينار عن أبي العالية عن عكرمة ، وعن أبي عبيدة عن يونس عن أبي عمر ، وعن مجاهد كلّهم عن ابن عباس .

وقد روى صاحب الأغاني ، وصاحب تاج التراجم عن ابن جبير وابن عباس وقتادة .

وروي عن الباقر عليه السلام واللفظ له أنّه قال الوليد بن عقبة لعلي عليه السلام : أنا أحدّ منك سنانا ، وأبسط لسانا ، وأملأ حشوا للكتيبة .

ص: 33


1- تفسير القمي : 2/107 .

فقال أمير المؤمنين عليه السلام : ليس كما قلت يا فاسق .

وفي روايات كثيرة : اسكت ، فإنّما أنت فاسق .

فنزلت الآيات « أَفَمَنْ كانَ مُؤمِناً » علي بن أبي طالب عليهماالسلام « كَمَنْ كانَ فاسِقاً » الوليد « لا يَسْتَوُونَ » .

« وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ » الآية ، أنزلت في علي عليه السلام

« وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا » أنزلت في الوليد(1) .

فأنشأ حسان :

أنزل اللّه والكتاب عزيز

في علي وفي الوليد قرآنا

فتبوّا الوليد من ذاك فسقا

وعلي مبوء إيمانا

ليس من كان مؤمنا عرف اللّه

كمن كان فاسقا خوّانا

سوف يجزى الوليد خزيا ونارا

وعلي لا شكّ يجزى جنانا(2)

* * *

وقال الحميري :

من كان في القرآن سمّي مؤمنا

في عشر آيات جعلن خيارا

* * *

ص: 34


1- شواهد التنزيل: 1/572 بالأسانيد، أسباب النزول للواحدي: 236، تفسير السمعاني: 4/251 ، الفتوح لابن أعثم : 2/495 ، تفسير جامع البيان للطبري : 21/68 .
2- الفتوح لابن أعثم : 2/496 ، أمالي الصدوق : 579 ح 794 ، شرح النهج لابن أبي الحديد : 6/293 .

بقي بعد النبي صلى الله عليه و آله يفعل ما يميّز إيمانه

اشارة

وإنّه عليه السلام بقي بعد النبي صلى الله عليه و آله ثلاثين سنة في خيراته من الأوقاف

والصدقات ، والصيام والصلاة ، والتضرّع والدعوات ، وجهاد البغاة ، وبثّ الخطب والمواعظ ، وبيّن السير والأحكام ، وفرّق العلوم في العالم ، وكلّ ذلك من مزايا إيمانه .

شهد القرآن له بالصدق والوفاء

تفسير يوسف بن موسى القطان ووكيع بن الجراح وعطاء الخراساني أنّه قال ابن عباس : « إِنَّمَا الْمُؤمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا »يعني : لم يشكّوا في إيمانهم ، نزلت في علي وجعفر وحمزة عليهم السلام

«وَجاهَدُوا »الأعداء « فِي سَبِيلِ اللّهِ » في طاعته « بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ »

« أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ » في إيمانهم ، فشهد اللّه لهم بالصدق والوفاء(1) .

قال الضحاك : قال ابن عباس في قوله «إِنَّمَا الْمُؤمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللّهِ

وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ » ذهب علي بن أبي طالب عليهماالسلام بشرفها(2) .

ص: 35


1- شواهد التنزيل : 2/259 رقم 893 .
2- تأويل الآيات : 2/607 ح 8 .

وروي(1) عن النبي صلى الله عليه و آله أنّ رجلين كانا متواخيين ، فمات أحدهما قبل صاحبه ، فصلّى عليه النبي صلى الله عليه و آله ، ثم مات الآخر ، فمثّل الناس بينهما .

فقال عليه السلام : فأين صلاة هذا من صلاته ، وصيامه بعد صيامه ، لما بينهما كما بين السماء والأرض(2) .

* * *

قال الحميري :

بعث النبي فما تلبّث بعده

حتى تخيّف غير يوم واحد

صلّى وزكّى واستسرّ بدينه

من كلّ عمّ مشفق أو والد

حججا يكاتم دينه فإذا خلا

صلّى ومجّد ربّه بمحامد

صلّى ابن تسع وارتدى في برجد(3)

ولداته(4) يسعون بين براجد

* * *

ص: 36


1- ذكر الطبري في المسترشد هذه الرواية بعد أن قال : ثم هذا علي بن أبي طالب عليه السلامقد بقي بعد أبي بكر نحو ثلاثين سنة يعبد اللّه ، فقد عبد اللّه قبله وبعده .
2- المسترشد للطبري : 652 ، المصنف لابن أبي شيبة : 8/143 رقم 124 ، التمهيد لابن عبد البر : 24/226 .
3- البرجد : كساء غليظ .
4- اللّدة : مختصّة بالترب ، أي مثله في السنّ .

الردّ على من قال أنّ إسلامه عليه السلام كان قبل بلوغه

قول الحاكم النيسابوري
اشارة

قال ابن البيع في معرفة أصول الحديث : لا أعلم خلافا بين أصحاب التواريخ أنّ علي بن أبي طالب عليهماالسلام أوّل الناس إسلاما ، وإنّما اختلفوا في بلوغه(1) .

الجواب الأوّل

فأقول : هذا طعن منهم على رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، إذ كان قد دعاه إلى الإسلام وقبل منه ، وهو بزعمهم غير مقبول منه ، ولا واجب عليه ، بل إيمانه في صغره من فضائله .

الجواب الثاني

وكان بمنزلة عيسى عليه السلام وهو ابن ساعة ، يقول في المهد : « إِنِّي عَبْدُ اللّهِ آتانِيَ الْكِتابَ » ، وبمنزلة يحيى عليه السلام « وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا » ، والحكم درجة بعد الإسلام(2) .

* * *

ص: 37


1- معرفة علوم الحديث للحاكم : 22 .
2- شرح الأخبار للقاضي النعمان : 1/190 .

قال الحميري :

وصي محمد وأبا بنيه

ووارثه وفارسه الوفيّا

وقد أوتي الهدى والحكم طفلاً

كيحيى يوم أوتيه صبيّا

* * *

الجواب الثالث

وقد رويتم في حكم سليمان عليه السلام وهو صبي ، وفي دانيال ، وصاحب جريح ، وشاهد يوسف ، وصبي الأخدود ، وصبي العجوز ، وصبي مشاطة ابنة فرعون .

الجواب الرابع

وأخذتم الحديث عن عبد اللّه بن عمر ، وأمثاله من الصحابة : إنّ النبي صلى الله عليه و آله قال لوفد : ليؤمكم أقرؤكم ، فقدّموا عمر بن سلمة ، وهو ابن ثمان سنين - قال : وكانت عليّ بردة إذا سجدت انكشفت ، فقالت إمرأة من القوم : واروا سوءة إمامكم - وكان أمير المؤمنين عليه السلام ابن تسع في قول الكلبي(1) .

قال السيد الحميري :

وصدّق ما قال النبي محمد

وكان غلاما حين لم يبلغ العشرا

* * *

ص: 38


1- شرح الأخبار للقاضي النعمان : 1/190 ح 148 .
الجواب الخامس

وقال الشافعي : حكمنا بإسلامه ، لأنّ أقلّ البلوغ تسع سنين(1) .

سنّه عليه السلام يوم أظهر إسلامه

وقال مجاهد ومحمد بن إسحاق وزيد بن أسلم وجابر الأنصاري : كان ابن عشر(2) .

بيانه : إنّه عاش بقول العامة ثلاثا وستين سنة ، فعاش مع النبي صلى الله عليه و آله ثلاثا وعشرين سنة ، وبقي بعده تسعا وعشرين سنة وستة أشهر(3) .

وقال بعضهم : ابن إحدى عشرة سنة .

وقال أبو طالب الهاروني : ابن إثنتي عشرة سنة .

وقالوا : ابن ثلاث عشرة سنة(4) .

وقال أبو الطيب الطبري : وجدت في فضائل الصحابة عن أحمد بن حنبل : إنّ قتادة روى أنّ عليا عليه السلام أسلم وله خمس عشرة سنة .

ورواه الفسوي في التاريخ ، وقد روى نحوه عن الحسن البصري .

قال قتادة : أمّا بيته « غلاما ما بلغت أوان حلمي » إنّما قال : قد بلغت(5).

ص: 39


1- الخلاف للطوسي : 3/593 .
2- المستدرك للحاكم : 3/111 .
3- الفصول المختارة : 272 ، الطبقات الكبرى : 3/38 ، تاريخ بغداد : 1/145 ، اعلام الورى : 1/311 .
4- أنساب الأشراف : 1/126 .
5- الخلاف للطوسي : 3/594 ، المستدرك للحاكم : 3/111 .

قال الحميري :

فإنّك كنت تعبده غلاما

بعيدا من إساف ومن منات

ولا وثنا عبدت ولا صليبا

ولا عزّى ولم تسجد للات

* * *

وله أيضا :

وعلي أوّل الناس اهتدى

بهدى اللّه وصلّى وادكر

وحّد اللّه ولم يشرك به

وقريش أهل عود وحجر

* * *

وله أيضا :

وصي محمد وأبو بنيه

وأوّل ساجد للّه صلّى

بمكة والبرية أهل شرك

وأوثان لها البدنات تهدى

* * *

وله أيضا :

وصيّ رسول اللّه والأوّل الذي

أناب إلى دار الهدى حين أيفعا(1)

غلاما فصلّى مستسرّا بدينهمخافة أن يبغى عليه فيمنعا

بمكّة إذ كانت قريش وغيرهاتظلّ لأوثان سجودا وركعا

ص: 40


1- أيفع الغلام : شبّ وترعرع ، أو شارف الاحتلام ، وناهز البلوغ .

وله أيضا :

هاشمي مهذّب أحمدي

من قريش القرى وأهل الكتاب

خازن الوحي والذي أوتي الحكم

صبيّا طفلاً وفصل الخطاب

كان للّه ثاني إثنين سرّا

وقريش تدين للأنصاب

* * *

وقال العوني :

وغصن رسول اللّه أحكم غرسه

فعلا الغصون نضارة وتماما

واللّه ألبسه المهابة والحجى

وربا به أن يعبد الأصناما

ما زال يغذوه بدين محمد

كهلاً وطفلاً ناشئا وغلاما

* * *

ص: 41

ص: 42

فصل 3 : في المسابقة بالصلاة

اشارة

ص: 43

ص: 44

الآيات

وَارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ

أبو عبيد اللّه المرزباني وأبو نعيم الأصفهاني في كتابيهما فيما نزل من القرآن في علي عليه السلام ، والنطنزي في الخصائص عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ، وروى أصحابنا عن الباقر عليه السلام في قوله - تعالى - « وَارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ » نزلت في رسول اللّه صلى الله عليه و آله وعلي بن أبي طالب عليهماالسلام ، وهما أوّل من صلّى وركع(1) .

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ

المرزباني عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله « وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ »نزلت في علي عليه السلام خاصة ، وهو أوّل مؤمن ، وأوّل مصلّ بعد النبي(2) صلى الله عليه و آله .

ص: 45


1- تفسير فرات: 59 ح 20، خصائص الوحي: 234، شواهد التنزيل: 1/111 رقم 123 و124 ، المناقب للخوارزمي : 280 رقم 274 .
2- تفسير فرات : 60 ح 22 ، شواهد التنزيل : 1/117 ح 127 .
إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ

تفسير السدي عن قتادة عن عطا عن ابن عباس في قوله « إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ » ، فأوّل من صلّى مع رسول اللّه صلى الله عليه و آله علي بن أبي طالب عليهماالسلام(1) .

يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ

تفسير القطان عن وكيع عن سفيان عن السدي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله « يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ » يعني : محمدا صلى الله عليه و آله يدثر بثيابه « قُمْ فَأَنْذِرْ »

أي : فصلّ وادع علي بن أبي طالب عليهماالسلام إلى الصلاة معك « وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ »

ممّا تقول عبدة الأوثان .

صلّى فقال أهل مكة إنّه مجنون !

تفسير يعقوب بن سفيان قال : حدّثنا أبو بكر الحميدي عن سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس في خبر يذكر فيه كيفية بعثة النبي صلى الله عليه و آله ، ثم قال :

بينا رسول اللّه صلى الله عليه و آله قائم يصلّي مع خديجة عليهاالسلام ، إذ طلع عليه علي بن أبي طالب عليهماالسلام ، فقال له : ما هذا يا محمد صلى الله عليه و آله ؟

ص: 46


1- شواهد التنزيل : 2/387 ح 184 .

قال : هذا دين اللّه ، فآمن به وصدّقه(1)(2) .

ثم كانا يصلّيان ويركعان ويسجدان ، فأبصرهما أهل مكة ، ففشى الخبر فيهم أنّ محمدا صلى الله عليه و آله قد جنّ ، فنزل «ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ »(3) .

جبرئيل علّم النبي صلى الله عليه و آله ! والنبي علّم عليا عليه السلام

شرف النبي صلى الله عليه و آله عن الخركوشي قال : وجاء جبرئيل عليه السلام بأعلى مكة ، وعلّمه الصلاة ، فانفجرت من الوادي عين حتى توضأ جبرئيل عليه السلام بين يدي رسول اللّه صلى الله عليه و آله، وتعلّم رسول اللّه صلى الله عليه و آله منه الطهارة، ثم أمر به عليا(4) عليه السلام .

إنّه أوّل من صلّى

تاريخ الطبري ، والبلاذري ، وجامع الترمذي ، وإبانة العكبري ،

ص: 47


1- شرف النبي صلى الله عليه و آله : 52 ، كنز الفوائد : 120 ، السيرة النبوية لابن إسحاق : 118 .
2- الخبر عامي لا وزن له ولا اعتبار، ومتى انفصل أمير المؤمنين عليه السلام عن النبي صلى الله عليه و آله حتى يسأله عن الصلاة ، وقد مرّت الأخبار والأحاديث التي صرحت أنّ أمير المؤمنين عليه السلامصلّى مع النبي صلى الله عليه و آله قبل الناس جميعا ، وهو القائل كما في نهج البلاغة : 300 في خطبة له عليه السلام : وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ الشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيْهِ صلى الله عليه و آله ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! مَا هَذِهِ الرَّنَّةُ ؟ فَقَالَ : هَذَا الشَّيْطَانُ قَدْ أَيِسَ مِنْ عِبَادَتِهِ ، إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ وَتَرَى مَا أَرَى إِلاَّ أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ ، وَلَكِنَّكَ لَوَزِيرٌ وَإِنَّكَ لَعَلَى خَيْرٍ .
3- سعد السعود : 216 .
4- شرف النبي صلى الله عليه و آله : 52 .

وفردوس الديلمي ، وأحاديث أبي بكر بن مالك ، وفضائل الصحابة عن الزعفراني عن يزيد بن هارون عن شعبة عن عمرو بن مرّة عن أبي حمزة عن زيد بن أرقم ، ومسند أحمد عن عمرو بن ميمون عن ابن عباس قالا :

قال النبي صلى الله عليه و آله : أول من صلّى معي علي عليه السلام(1) .

تاريخ الفسوي قال زيد بن أرقم : أول من صلّى مع رسول اللّه صلى الله عليه و آله علي عليه السلام(2) .

جامع الترمذي ومسند أبي يعلى الموصلي عن أنس ، وتاريخ الطبري عن جابر قال : بعث النبي صلى الله عليه و آله يوم الإثنين ، وصلّى علي عليه السلام يوم الثلاثاء(3) .

أبو يوسف الفسوي في المعرفة ، وأبو القاسم عبد العزيز بن إسحاق في أخبار أبي رافع من عشرين طريقة عن أبي رافع قال : صلّى النبي صلى الله عليه و آله أوّل يوم الإثنين ، وصلّت خديجة آخر يوم الإثنين ، وصلّى علي عليه السلام

ص: 48


1- فردوس الأخبار للديلمي : 1/57 رقم 39 ، فرائد السمطين : 1/245 رقم 190 ، أنساب الأشراف: 1/125، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 2/272، سنن الترمذي: 5/305.
2- الفصول المختارة : 263 ، فضائل الصحابة لابن حنبل : 2/591 ، مسند أحمد : 4/368 ، فضائل الصحابة للنسائي : 13 ، السنن الكبرى للبيهقي : 6/206 ، مسند أبي داود : 93 ، مسند ابن الجعد : 29 ، السنن الكبرى للنسائي : 5/105 ، خصائص أمير المؤمنين عليه السلام للنسائي : 42 ، حديث خيثمة : 130 ، المعجم الأوسط للطبراني: 2/290 ، المعجم الكبير للطبراني : 5/177، معرفة السنن والآثار: 5/39، الإستيعاب : 3/1095، أنساب الأشراف : 1/125 ، ذكر أخبار اصبهان : 2/150 ، المناقب للخوارزمي : 56 .
3- تاريخ الطبري: 2/55، سنن الترمذي: 5/304 رقم 3812، مسند أبي يعلى : 7/213، الإستيعاب : 3/1095 ، روضة الواعظين : 85 ، المستدرك للحاكم : 3/112 ، تاريخ بغداد : 1/144 ، تاريخ دمشق : 42/29 ، العثمانية : 291 .

يوم الثلاثاء من الغد(1)(2) .

أحمد بن حنبل في مسند العشرة وفي الفضائل أيضا ، والفسوي في المعرفة ، والترمذي في الجامع ، وابن بطة في الإبانة : روى علي بن الجعد عن شعبة عن سلمة بن كهيل عن حبّة العرني قال :

سمعت عليا عليه السلام يقول : أنا أوّل من صلّى مع رسول اللّه صلى الله عليه و آله(3) .

ابن حنبل في مسند العشرة وفي فضائل الصحابة أيضا عن سلمة بن كهيل عن حبّة العرني ، في خبر طويل ، أنّه قال علي عليه السلام :

اللّهم لا أعرف أنّ عبدا من هذه الأمّة عبدك قبلي غير نبيك ، ثلاث مرات(4) . . الخبر .

ص: 49


1- المعجم الكبير للطبراني : 1/320 رقم 952 ، روضة الواعظين : 85 ، مناقب أمير المؤمنين عليه السلام للكوفي : 1/262 رقم 174 ، كنز الفوائد للكراجكي : 125 ، شواهد التنزيل : 2/185 ، العثمانية : 291 ، اعلام الورى : 1/361 ، المناقب للخوارزمي : 57 رقم 24 .
2- صلّى أمير المؤمنين عليه السلام مع النبي صلى الله عليه و آله ، وربما كان هذا الترتيب إشارة الى الترتب الزمني ليس إلاّ ومع ذلك لا دليل على سبق خديجة عليهاالسلام لأمير المؤمنين عليه السلام ، بل الدليل خلاف ذلك ، ويشهد له ما يأتي بعد قليل في مسند أبي يعلى وخبر حبّة العرني أنّ أمير المؤمنين عليه السلام نفى أن يكون ثمة من عبد اللّه قبله في هذه الأمّة سوى النبي صلى الله عليه و آله .
3- فضائل الصحابة لابن حنبل : 2/590 رقم 999 ، المصنف لابن أبي شيبة الكوفي : 8/43 رقم 21 ، المعارف لابن قتيبة : 169 ، أنساب الأشراف : 1/125 ، الطبقات الكبرى : 3/21 ، الإستيعاب : 3/1095 ، خصائص أمير المؤمنين عليه السلامللنسائي : 42 ، السنن الكبرى للنسائي : 5/105 رقم 8390 ، مناقب أمير المؤمنين عليه السلامللكوفي : 1/269 ح 180 .
4- مسند أحمد : 1/99 ، مسند زيد : 405 ، مناقب أمير المؤمنين عليه السلام للكوف-ي : 1/288 ح 205 ، شرح الأخبار للقاضي النعمان : 1/177 ح 136 ، فضائل الصحابة لابن حنبل : 2/681 رقم 1164 ، كنز الفوائد للكراجكي : 122 ، التعجب : 89 ، تاريخ دمشق : 42/32 .

وفي مسند أبي يعلى : ما أعلم أحدا من هذه الأمّة بعد نبيها عبد اللّه غيري(1) . . الخبر .

قال كعب بن زهير :

صهر النبي وخير الناس كلّهم

وكلّ من رامه بالفخر مفخور

صلّى الصلاة مع الأمّي أوّلهم

قبل العباد وربّ الناس مكفور(2)

* * *

وقال أبو الأسود الدؤلي :

وإنّ عليا لكم مفخر

يشبه بالأسد الأسود

أما إنّه ثاني العابدين

بمكة واللّه لم يعبد(3)

* * *

نزول بعض الآيات فيه عليه السلام

الحسين بن علي عليهماالسلام في قوله « تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً » نزلت في علي بن

ص: 50


1- مسند أبي يعلى: 1/348 رقم 447، تاريخ دمشق: 42/30، مناقب أمير المؤمنين عليه السلام للكوفي : 1/269 ح 181 .
2- مناقب أمير المؤمنين عليه السلام للكوفي : 1/86 ح 571 ، الفصول المختارة : 267 .
3- الفصول المختارة : 270 .

أبي طالب عليهماالسلام(1) .

وروى جماعة أنّه نزل فيه : « الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ »(2) .

تفسير القطان : قال ابن مسعود : قال علي عليه السلام : يا رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، ما أقول في السجود في الصلاة ؟

فنزل « سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَْعْلَى » .

قال : فما أقول في الركوع ؟

فنزل « فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ » ، فكان أول من قال ذلك .

قال العوني :

علي خير الورى بعد النبي ومن

في الشرق والغرب مضروب به المثل

علي صام وصلّى القبلتين وكم

في الجاهلية قوم ربّهم هبل

ص: 51


1- المناقب لابن مردويه : 323 ، تأويل الآيات : 579 ، كشف الغمة : 1/322 ، نهج الحقّ : 247 .
2- مناقب أمير المؤمنين عليه السلام للكوفي : 1/151 ، العمدة : 122 ، تفسير أبي حمزة الثمالي : 158 ، تفسير فرات : 124 ، تفسير التبيان : 3/559 ، الكشاف للزمخشري : 1/624 ، تفسير مجمع البيان : 3/361 ، تفسير جامع البيان للطبري : 6/389 ، تفسير ابن أبي حاتم : 4/1162 ، معاني القرآن للنحاس : 2/325 ، أحكام القرآن للجصاص : 2/557 ، تفسير السمعاني : 2/48 ، شواهد التنزيل : 1/209 ، تفسير النسفي : 1/289 ، المناقب لابن مردويه : 233 رقم 335 .

وقال الزاهي :

صنو النبي المصطفى والكاشف

الغماء عنه والحسام المخترط

أوّل من صام وصلّى سابقا

إلى المعالي وعلى السبق غبط

* * *

صلّى عليه السلام قبل الناس كلّهم سبع سنين

وإنّه عليه السلام صلّى قبل الناس كلّهم سبع سنين وأشهرا مع النبي(1) صلى الله عليه و آله ، وصلّى مع المسلمين أربع عشرة سنة ، وبعد النبي صلى الله عليه و آله ثلاثين سنة .

ابن فياض في شرح الأخبار عن أبي أيوب الأنصاري قال : سمعت النبي صلى الله عليه و آله يقول : لقد صلّت الملائكة عليّ وعلى علي بن أبي طالب عليهماالسلام سبع سنين ، وذلك أنّه لم يؤمن بي ذكر قبله(2) ، وذلك قول اللّه « الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا »(3) .

وفي رواية زياد بن المنذر عن محمد بن علي عن أمير المؤمنين عليه السلام : لقد مكثت الملائكة سنين لا تستغفر إلاّ لرسول اللّه صلى الله عليه و آله ولي ، وفينا نزلت : « الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤمِنُونَ بِهِ

ص: 52


1- الإحتجاج : 1/206 ، تاريخ دمشق : 42/38 .
2- مناقب أمير المؤمنين عليه السلام للكوفي : 1/283 ، العثمانية : 292 ، الفصول المختارة : 266، كنز الفوائد للكراجكي : 125 ، تاريخ دمشق : 42/39 ، اعلام الورى : 1/361.
3- شرح الأخبار للقاضي النعمان : 2/409 ح 755 .

وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا » الى قوله « الْحَكِيمُ »(1)(2) .

وروى جماعة عن أنس وأبي أيوب ، وروى ابن شيرويه في الفردوس عن جابر قالوا : قال النبي صلى الله عليه و آله : لقد صلّت الملائكة عليّ وعلى علي بن أبي طالب عليهماالسلام سبع سنين قبل الناس ، وذلك أنّه كان يصلّي ولا يصلّي معنا غيرنا(3) .

وفي رواية : لم يصلّ فيها غيري وغيره(4) .

وفي رواية : لم يصلّ معي رجل غيره(5) .

سنن ابن ماجة وتفسير الثعلبي عن عبد اللّه بن أبي رافع عن أبيه : إنّ عليا عليه السلام صلّى مستخفيا مع النبي صلى الله عليه و آله سبع سنين وأشهرا(6) .

ص: 53


1- في المصادر : « الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » . وفي النسخ : والملائكة يسبحون بحمد ربّهم ويستغفرون للذين آمنوا ربّنا إلى قوله ( الحكيم ) .
2- شواهد التنزيل : 2/183 ، تأويل الآيات : 2/527 ، بحار الأنوار : 24/209 عن كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات . .
3- فردوس الأخبار للديلمي : 3/482 رقم 5371 .
4- الفصول المختارة : 178 ، تفسير مجمع البيان : 5/113 .
5- روضة الواعظين : 85 ، الفصول المختارة : 262 ، اعلام الورى : 1/361 .
6- مناقب أمير المؤمنين عليه السلام للكوفي : 1/285 ح 202 ، كنز الفوائد للكراجكي : 125 ، شواهد التنزيل : 2/185 رقم 141 ، تاريخ دمشق : 42/28 ، المناقب للخوارزمي : 57 رقم 24 ، المعجم الكبير للطبراني : 1/230 رقم 952 .

تاريخ الطبري وابن ماجة : قال عباد بن عبد اللّه : سمعت عليا عليه السلامقال : أنا عبد اللّه وأخو رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، وأنا الصدّيق الأكبر ، لا يقولها بعدي إلاّ كاذب مفتر ، صلّيت مع رسول اللّه صلى الله عليه و آله سبع سنين(1) .

مسندي أحمد وأبي يعلى : قال حبّة العرني : قال علي عليه السلام : صلّيت قبل أن يصلّي الناس سبعا(2) .

* * *

قال الحميري :

ألم يصلّ علي قبلهم حججا

ووحّد اللّه ربّ الشمس والقمر

وهؤلاء ومن في حزب دينهم

قوم صلاتهم للعود والحجر

* * *

وله أيضا :

وكفاه بأنّه سبق الناس

بفضل الصلاة والتوحيد

حججا قبلهم كوامل سبعا

بركوع لديه أو بسجود

* * *

ص: 54


1- سنن ابن ماجة : 1/44 رقم 120 ، تفسير الثعلبي : 5/85 ، تاريخ الطبري : 2/56 ، الخصال : 402 ح 110 ، مناقب أمير المؤمنين عليه السلام للكوفي : 1/260 ح 172 ، كنز الفوائد : 125 ، المستدرك للحاكم : 3/112 ، المصنف لابن أبي شيبة الكوفي : 7/498 رقم 21 ، الآحاد والمثاني : 1/148 ، كتاب السنة لابن أبي عاصم : 584 رقم 1324 ، السنن الكبرى للنسائي : 5/107 رقم 8395 ، تفسير مجمع البيان : 5/113 ، تنبيه الغافلين : 148 ، اعلام الورى : 1/360 .
2- مسند أحمد : 1/99 ، مسند أبي يعلى : 1/348 .

وله أيضا :

أليس علي كان أوّل مؤمن

وأوّل من صلّى غلاما ووحّدا

فما زال في سرّ يروح ويغتدي

فيرقي بثورا وحراء مصعدا

يصلّي ويدعو ربّه فهما به

مع المصطفى مثنى وإن كان أوحدا

سنين ثلاثا بعد خمس وأشهرا

كوامل صلّى قبل أن يتمردا

* * *

وله أيضا :

ألم يؤت الهدى والناس حيرى

فوحّد ربّه الأحد العليا

وصلّى ثانيا في حال خوف

سنين تجرّمت سبعا أسيّا

* * *

وله أيضا :

وصلّى ولم يشرك سنين وأشهرا

ثمانية من بعد سبع كوامل

* * *

وقال غيره :

أما لا يرون أقام الصلاة

وتوحيده وهم مشركونا

ويشهد أن لا إله سوى

ربّنا أحسن الخالقينا

سنينا كوامل سبعا يبيت

يناجي الإله له مستكينا

بذلك فضّله ربّنا

على أهل فضلكم أجمعينا

* * *

ص: 55

إنّه عليه السلام أوّل من صلّى القبلتين

وهو أوّل من صلّى القبلتين(1) ، صلّى إلى بيت المقدس أربع عشرة سنة ، والمحراب الذي كان النبي صلى الله عليه و آله يصلّي ومعه علي عليه السلاموخديجة عليهاالسلاممعروف ، وهو على باب مولد النبي صلى الله عليه و آله في شعب بني هاشم .

وقد روينا عن الشيرازي ما رواه عن ابن عباس في قوله « وَالسّابِقُونَ الأَْوَّلُونَ » نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام ، سبق الناس كلّهم بالإيمان ، وصلّى

القبلتين ، وبايع البيعتين(2) .

قال الحميري :

وصلّى القبلتين وآل تيم

وإخوتها عدي جاحدونا

* * *

صلّى الى الكعبة تسعا وثلاثين سنة

وصلّى إلى الكعبة تسعا وثلاثين سنة .

تاريخ الطبري بثلاثة طرق ، وإبانة العكبري من أربعة طرق ، وكتاب المبعث عن محمد بن إسحاق ، والتاريخ عن الفسوي ، وتفسير الثعلبي ، وكتاب الماوردي ، ومسند أبي يعلى الموصلي ويحيى بن معين ، وكتاب أبي

ص: 56


1- شرح الأخبار للقاضي النعمان : 2/221 ، المناقب للخوارزمي : 314 ، المحاسن للبرقي : 2/331 ، المسترشد : 307 ، مائة منقبة : 143 ، أمالي المفيد : 235 ، أمالي الطوسي : 11 .
2- شواهد التنزيل : 1/336 .

عبد اللّه محمد بن زياد النيسابوري عن عبد اللّه بن أحمد بن حنبل بأسانيدهم عن ابن مسعود ، وعلقمة البجلي وإسماعيل بن إياس بن عفيف عن أبيه عن جدّه أنّ كلّ واحد منهم قال :

رأى عفيف - أخو الأشعث بن قيس الكندي - شابا يصلّي ، ثم جاء غلام فقام عن يمينه ، ثم جاءت إمرأة فقامت خلفهما .

فقال للعباس : هذا أمر عظيم !

قال : ويحك ، هذا محمد صلى الله عليه و آله ، وهذا علي عليه السلام ، وهذه خديجة عليهاالسلام ، إنّ ابن أخي هذا حدّثني أنّ ربّه ربّ السماوات والأرض أمر بهذا الدين ، واللّه ما على ظهر الأرض على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة(1) .

وفي كتاب الفسوي : إنّه كان عفيف يقول بعد إسلامه : لو كنت أسلمت - يومئذٍ - كنت ثانيا مع علي بن أبي طالب عليهماالسلام(2) .

ص: 57


1- تاريخ الطبري : 2/56 ، مسند أبي يعلى : 3/117 رقم 1547 ، تفسير الثعلبي : 5/84 ، شواهد التنزيل : 1/113 رقم 125 ، روضة الواعظين : 86 ، مناقب أمير المؤمنين عليه السلامللكوفي : 1/271 ، اعلام النبوة للماوردي : 1/313 ، شرح الأخبار للقاضي النعمان : 1/180 ح 142 ، مسند أحمد : 1/209 ، الإرشاد للمفيد : 1/30 ، كنز الفوائد : 120 ، المستدرك للحاكم : 3/183 ، الآحاد والمثاني للضحاك : 5/384 رقم 2999 ، السنن الكبرى للنسائي : 5/106 ، خصائص أمير المؤمنين عليه السلامللنسائي : 45 ، المفاريد عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله لأبي يعلى الموصلي : 62 ، المعجم الكبير للطبراني : 18/101 ، الإستيعاب : 3/1243 ، تفسير مجمع البيان : 5/113 ، الطبقات الكبرى لابن سعد : 8/17 ، الكامل لابن عدي : 1/399 ، العثمانية للجاحظ : 289 .
2- الإستيعاب : 3/1242 ، مسند أحمد : 1/210 ، شرح النهج : 4/120 .

وفي رواية محمد بن إسحاق عن عفيف قال : خرجت من مكة ، إذا أنا بشاب جميل على فرس ، فقال : يا عفيف ، ما رأيت في سفرك هذا ؟

فقصصت عليه ، فقال : لقد صدقك العباس ، واللّه ، إنّ دينه لخير الأديان ، وإنّ أمّته أفضل الأمم .

قلت : فلمن الأمر من بعده ؟ قال : لابن عمّه وختنه على بنته ، يا عفيف ، الويل كلّ الويل لمن يمنعه حقّه .

قامت به عليه السلام أوّل صلاة جماعة

ابن فياض في شرح الأخبار : عن أبي الجحاف عن رجل : إنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال في خبر : هجم على رسول اللّه صلى الله عليه و آله - يعني أبا طالب عليه السلام - ونحن ساجدان ، قال : أفعلتماها ؟! ثم أخذ بيدي فقال : انظر كيف تنصره ، وجعل يرغّبني في ذلك ، ويحضّني عليه(1) . . الخبر .

وفي كتاب الشيرازي : إنّ النبي صلى الله عليه و آله لمّا نزل الوحي عليه أتى المسجد الحرام ، وقام يصلّي فيه ، فاجتاز به علي عليه السلام ، وكان ابن تسع سنين ، فناداه : يا علي ، إليّ أقبل ، فأقبل إليه ملبيّا .

قال : إنّي رسول اللّه صلى الله عليه و آله إليك خاصة ، والى الخلق عامة ، تعال - يا علي - فقف عن يميني وصلّ معي .

فقال : يا رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، حتى أمضي وأستأذن أبا طالب عليه السلام والدي .

ص: 58


1- شرح الأخبار للقاضي النعمان : 1/179 ح 140 .

قال : اذهب ، فإنّه سيأذن لك(1) .

فانطلق يستأذن في إتباعه ، فقال : يا ولدي ، تعلم أنّ محمدا - واللّه - أمين منذ كان ، إمض وإتبعه ترشد وتفلح وتشهد .

فأتى علي عليه السلام ورسول اللّه صلى الله عليه و آله قائم يصلّي في المسجد ، فقام عن يمينه يصلّي معه ، فاجتاز بهما أبو طالب عليه السلام وهما يصلّيان ، فقال : يا محمد صلى الله عليه و آله ما تصنع ؟ قال : أعبد إله السماوات والأرض ، ومعي أخي علي عليه السلام يعبد ما أعبد ، يا عمّ ، وأنا أدعوك إلى عبادة اللّه الواحد القهار .

فضحك أبو طالب عليه السلام حتى بدت نواجذه ، وأنشأ يقول :

واللّه لن يصلوا إليك بجمعهم

حتى أغيب في التراب دفينا(2)

.. . لأبيات .

تاريخ الطبري وكتاب محمد بن إسحاق : إنّ النبي صلى الله عليه و آله كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة ، وخرج معه علي بن أبي طالب عليهماالسلام

مستخفيا من قومه ، فيصلّيان الصلوات فيها ، فإذا أمسيا رجعا ، فمكثا كذلك زمانا .

ثم روى الثعلبي معهما : إنّ أبا طالب عليه السلام رأى النبي صلى الله عليه و آله وعليا عليه السلام

ص: 59


1- كلّما ورد في هذه الأخبار ممّا يوافق عقائد الإمامية في إيمان أبي طالب وسبق أمير المؤمنين عليهماالسلام وملازمته للنبي صلى الله عليه و آله وغيرها ممّا مرّ التدليل عليه ، فهو مقبول ، وما خالف ذلك فهو ردّ على قائله ، ويكفي في الباب ما سيرويه المؤلف عن الصادق عليه السلامقال : أوّل جماعة كانت أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله كان يصلّي وأمير المؤمنين عليه السلام معه . . .
2- تفسير الثعلبي : 4/141 ، تاريخ اليعقوبي : 2/31 .

يصلّيان ، فسأل عن ذلك ، فأخبره النبي صلى الله عليه و آله : إنّ هذا دين اللّه ودين ملائكته ودين رسله ودين أبينا إبراهيم عليه السلام . في كلام له . .

فقال علي عليه السلام : يا أبت آمنت باللّه وبرسوله ، وصدّقته بما جاء به ، وصلّيت معه للّه ، فقال له : أما أنّه لا يدعو إلاّ إلى خير فالزمه(1) .

الصادق عليه السلام قال : أوّل جماعة كانت أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله كان يصلّي وأمير المؤمنين عليه السلام معه ، إذ مرّ أبو طالب عليه السلام به ، وجعفر معه ، فقال : يا بني

صل جناح ابن عمّك ، فلمّا أحسّ به رسول اللّه صلى الله عليه و آله تقدّمهما ، وانصرف أبو طالب عليه السلام مسرورا ، وهو يقول :

إنّ عليا وجعفرا ثقتي

عند ملمّ الزمان والكرب

واللّه لا أخذل النبي ولا

يخذله من بنيّ ذو حسب

اجعلهما عرضة العدى وإذا

اترك ميتا نما إلى حسبي

لا تخذلا وانصرا ابن عمّكما

أخي لأمّي من بينهم وأبي(2)

* * *

قال الحميري :

ألم يك لمّا دعاه الرسول

أصاب النبي ولم يدهش

فصلّى هنيئا له القبلتين

على أنسه غير مستوحش

* * *

ص: 60


1- تاريخ الطبري : 2/58 ، تفسير الثعلبي : 5/84 ، تفسير مجمع البيان : 5/112 .
2- أمالي الطوسي : 597 ح 825 ، روضة الواعظين : 86 ، الفصول المختارة : 171 ، كنز الفوائد : 79 ، اعلام الورى : 1/103 .
خشوعه الصلاة

ونزل فيه « قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ » .

وقيل : الخاشع في الصلاة من تكون نفسه في المحراب وقلبه عند الملك الوهاب .

ابن عباس والباقر عليه السلام في قوله « وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاّ عَلَى الْخاشِعِينَ » ، والخاشع الذليل في صلاته ، المقبل إليها ، يعني رسول اللّه صلى الله عليه و آله وأمير المؤمنين عليه السلام(1) .

أبو المضا صبيح عن الرضا عليه السلام قال النبي صلى الله عليه و آله: في هذه الآية علي عليه السلاممنهم.

صلاته تحكي صلاة النبي صلى الله عليه و آله

وجاء أنّه لم يقدر أحد أن يحكي صلاة رسول اللّه صلى الله عليه و آله إلاّ علي عليه السلام ، ولا صلاة علي عليه السلام إلاّ علي بن الحسين عليهماالسلام(2) .

توجّهه في الصلاة

تفسير وكيع والسدي وعطاء أنّه قال ابن عباس : أهدي إلى رسول اللّه صلى الله عليه و آله ناقتان عظيمتان سمينتان ، فقال للصحابة : هل فيكم أحد يصلّي ركعتين بقيامهما وركوعهما وسجودهما ووضوئهما وخشوعهما ، لا يهتم

ص: 61


1- تفسير فرات : 60 ح 21 ، شواهد التنزيل : 1/115 رقم 126 .
2- شرح الأخبار للقاضي النعمان : 2/220 .

فيهما من أمر الدنيا بشيء ، ولا يحدّث قلبه بفكر الدنيا ، أهدي إليه إحدى هاتين الناقتين ، فقالها مرّة ومرّتين وثلاثة ، لم يجبه أحد من أصحابه .

فقام أمير المؤمنين عليه السلام فقال : أنا - يا رسول اللّه صلى الله عليه و آله - أصلّي ركعتين أكبر تكبيرة الأولى والى أن أسلم منهما لا أحدّث نفسي بشيء من أمر الدنيا ، فقال : يا علي ، صلّ ، صلّى اللّه عليك .

فكبّر أمير المؤمنين عليه السلام ، ودخل في الصلاة .

فلمّا سلّم من الركعتين هبط جبرئيل عليه السلام على النبي صلى الله عليه و آله فقال : يا محمد صلى الله عليه و آله ، إنّ اللّه يقرئك السلام ويقول لك : اعطه إحدى الناقتين .

فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : إنّي شارطته أن يصلّي ركعتين لا يحدّث فيهما بشيء من الدنيا أعطيه إحدى الناقتين إن صلاهما ، وإنّه جلس في التشهد فتفكّر في نفسه أيّهما يأخذ .

فقال جبرئيل عليه السلام : يا محمد صلى الله عليه و آله ، إنّ اللّه يقرئك السلام ويقول لك : تفكّر أيّهما يأخذها ، أسمنهما وأعظمهما ، فينحرها ويتصدّق بها لوجه اللّه ، فكان تفكّره للّه - عزّ وجلّ - لا لنفسه ولا للدنيا .

فبكى رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، وأعطاه كليهما ، وأنزل اللّه فيه « إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى » لعظة « لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ » عقل « أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ » يعني يستمع أمير المؤمنين عليه السلام بأذنيه إلى من تلاه بلسانه من كلام اللّه « وَهُوَ شَهِيدٌ »

يعني وأمير المؤمنين عليه السلام شاهد القلب للّه في صلاته ، لا يتفكّر فيها بشيء من أمر الدنيا(1) .

ص: 62


1- شواهد التنزيل : 2/267 رقم 900 .

قال البرقي :

ومن وحّد اللّه من قبلهم

ومن كان صام وصلّى صميّا

وزكّى بخاتمه في الصلاة

ولم يك طرفة عين عصيّا

لقد فاز من كان مولى لهم

وقد نال خيرا وحظّا سنيّا

وخاب الذي قد يعاديهم

ومن كان في دينه ناصبيّا

* * *

وقال بعض الأعراب :

ألا إنّ خير الناس بعد محمد

علي وإن لام العذول وفنّدا(1)

وإنّ عليا خير من وطأ الحصاسوى المصطفى أعني النبي محمدا

هما أسلما قبل الأنام وصلّياأغارا لعمري في البلاد وانجدا

* * *

وقال غيره :

علي وصي المصطفى وابن عمّه

وأول من صلّى ووحّد فاعلم(2)

* * *

ص: 63


1- فند الرأي : أضعفه وخطّأه وأبطله .
2- أخبار السيد الحميري للمرزباني : 172 .

ص: 64

فصل 4 : في المسابقة بالبيعة

اشارة

ص: 65

ص: 66

أنواع البيعة للنبي صلى الله عليه و آله

اشارة

كان للنبي صلى الله عليه و آله بيعة عامّة وبيعة خاصّة :

الخاصّة

فالخاصّة : بيعة الجنّ ، ولم يكن للإنس فيها نصيب ، وبيعة الأنصار ، ولم يكن للمهاجرين فيها نصيب ، وبيعة العشيرة إبتداء ، وبيعة الغدير إنتهاء ، وقد تفرّد علي عليه السلام بهما ، وأخذ بطرفيهما .

العامّة

وأمّا البيعة العامّة : فهي بيعة الشجرة ، وهي شجرة - أو أراك - عند بئر الحديبية ، ويقال لها « بيعة الرضوان » ، لقوله « رَضِيَ اللّهُ عَنِ الْمُؤمِنِينَ » .

والموضع مجهول ، والشجرة مفقودة ، فيقال : إنّها بروحاء ، فلا يدرى أروحاء مكة عند الحمام ، أو روحاء في طريقها ، وقالوا : الشجرة ذهبت السيول بها .

ص: 67

بيعة الرضوان

سبقه عليه السلام في بيعة الرضوان

وقد سبق أمير المؤمنين عليه السلام الصحابة كلّهم في هذه البيعة أيضا بأشياء ، منها أنّه كان من السابقين فيها .

ذكر أبو بكر الشيرازي في كتابه عن جابر الأنصاري : إنّ أول من قام للبيعة أمير المؤمنين عليه السلام ، ثم أبو سنان عبد اللّه بن وهب الأسدي ، ثم سلمان الفارسي .

وفي أخبار الليث : إنّ أول من بايع عمار(1) - يعني بعد علي عليه السلام - .

إنّه أولى الناس بالآية فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ . .

ثم إنّه أولى الناس بهذه الآية ، لأنّ حكم البيعة ما ذكره اللّه - تعالى - « إِنَّ اللّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالإِْنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ » الآية .

ورووا جميعا عن جابر الأنصاري أنّه قال : بايعنا رسول اللّه صلى الله عليه و آله

ص: 68


1- شرح الأخبار للقاضي النعمان : 1/411 ح 366 .

على الموت(1) .

وفي معرفة الفسوي أنّه سئل سلمة : على أيّ شيء كنتم تبايعون تحت الشجرة ؟ قال : على الموت(2) .

وفي أحاديث البصريين عن أحمد : قال أحمد بن يسار : إنّ أهل الحديبية بايعوا رسول اللّه صلى الله عليه و آله على أن لا يفرّوا(3) .

وقد صحّ أنّه لم يفرّ في موضع قطّ ، ولم يصحّ ذلك لغيره .

بايع وهو سيد المؤمنين

ثم إنّ اللّه - تعالى - علّق الرضا في الآية بالمؤمنين .

وكان أصحاب البيعة ألفا وثلاثمائة عن ابن أوفى .

وألفا وأربعمائة عن جابر بن عبد اللّه .

وألفا وخمسمائة عن ابن المسيب .

وألفا وستمائة عن ابن عباس(4) .

ولا شكّ أنّه كان فيهم جماعة من المنافقين ، مثل : جدّ بن قيس ، وعبد اللّه بن أبي سلول .

ص: 69


1- الكشاف للزمخشري : 3/543 ، تفسير الثعلبي : 9/45 ، تفسير النسفي : 4/154 ، الإستغاثة : 2/71 .
2- كتاب البخاري : 4/8 « باب دعاء النبي صلى الله عليه و آله » .
3- مسند أحمد : 5/25 ، المعجم الكبير للطبراني : 20/201 ، تفسير مجمع البيان : 9/195 ، تفسير الثعلبي : 9/47 .
4- الطبقات الكبرى لابن سعد : 2/99 .
بايع فصدق ووفى ونزلت عليه السكينة

ثم إنّ اللّه - تعالى - علّق الرضا في الآية بالمؤمنين الموصوفين بأوصاف ، قوله « فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ » ، ولم ينزل السكينة على أبي بكر في آية الغار ، قوله « فَأَنْزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ »(1) .

قال السدي ومجاهد : فأوّل من رضي اللّه عنه ممّن بايعه علي عليه السلام ، فعلم في قلبه الصدق والوفاء .

بايع ولم ينكث ولم يفرّ

ثم إنّ حكم البيعة ما ذكره اللّه « وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأَْيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً » .

وقال « إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللّهَ يَدُ اللّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللّهَ فَسَيُؤتِيهِ أَجْراً عَظِيماً »الآية .

وإنّما سمّيت بيعة ، لأنّها عقدت على بيع أنفسهم بالجنة للزومهم في الحرب إلى النصر(2) .

وقال ابن عباس : أخذ النبي صلى الله عليه و آله تحت شجرة السمرة بيعتهم على أن لا يفرّوا ، وليس أحد من الصحابة إلاّ نقض عهدا في الظاهر بفعل أو بقول .

ص: 70


1- انظر المسترشد للطبري : 436 ، الإحتجاج : 2/326 ، شرح المنام للمفيد : 25 .
2- تفسير مجمع البيان : 9/129 .

وقد ذمّهم اللّه - تعالى - فقال في يوم الخندق : « وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَْدْبارَ » .

وفي يوم حنين « وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَْرْضُ بِمارَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ».

وفي يوم أحد « إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ » .

ثباته عليه السلام يوم خيبر وفرار الشيخين

وإنهزم أبو بكر وعمر في يوم خيبر بالإجماع ، وعلي عليه السلام في وفائه اتفاق(1) ، فإنّه لم يفرّ قطّ ، وثبت مع رسول اللّه صلى الله عليه و آله حتى نزل « رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللّهَ عَلَيْهِ » ، ولم يقل المؤمنين «فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ »

يعني حمزة وجعفر وعبيدة « وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ » يعني عليا عليه السلام(2) .

علي موفي العهد

وما كان بغدّار

* * *

قال السوسي :

ذاك الإمام المرتضى

إن غدر القوم وفى

أو كدر القوم صفا

فهو له مطاول

ص: 71


1- الإستغاثة للكوفي : 2/77 ، الشافي للمرتضى : 4/28 ، المسترشد : 428 ، كتاب سليم : 409 ، الإرشاد للمفيد : 1/36 ، السنن الكبرى للنسائي : 5/108 .
2- الخصال للصدوق : 376 ، تفسير القمي : 2/188 .

مونسه في وحدته

صاحبه في شدّته

حقّا مجلّي كربته

والكرب كرب شامل

* * *

ثم إنّ اللّه - تعالى - قال « وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً » يعني فتح خيبر ، وكان على يد علي عليه السلام بالإتفاق .

نكث الأول والثاني ووفاء أمير المؤمنين

وقد وجدنا النكث في أكثرهم ، خاصة في الأول والثاني لمّا قصدوا في تلك السنة إلى بلاد خيبر ، فانهزم الشيخان ، ثم انهزموا كلّهم في يوم حنين ، فلم يثبت منهم تحت راية علي عليه السلام إلاّ ثمانية من بني هاشم ذكرهم ابن قتيبة في المعارف(1) .

قال الشيخ المفيد - رحمه اللّه - في الإرشاد ، وهم : العباس بن عبد المطلب

عن يمين رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، والفضل بن العباس بن عبد المطلب عن يساره ، وأبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب ممسك بسرجه عند لغد(2) بغلته ، وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهماالسلام بين يديه يقاتل بسيفه ، ونوفل بن الحرث بن عبد المطلب ، وربيعة بن الحرث بن عبد المطلب ، وعبد اللّه بن الزبير بن عبد المطلب ، وعتبة ومعتب ابنا أبي لهب بن عبد المطلب حوله(3) .

ص: 72


1- المعارف لابن قتيبة : 163 .
2- في المصدر : « ثفر » ، والثفر : السير في مؤخر السرج الذي يجعل تحت ذنب الدابة ، واللّغد ، اللحمة بين الحنك وصفحة العنق .
3- الإرشاد للمفيد : 1/141 .

وقال العباس :

نصرنا رسول اللّه في الحرب تسعة

وقد فرّ من قد فرّ منهم فاقشعوا(1)(2)

* * *

وقال مالك بن عبادة :

لم يواس النبي غير بني هاشم

عند السيوف يوم حنين

هرب الناس غير تسعة رهط

فهم يهتفون بالناس أين(3)

والتاسع : أيمن بن عبيد قتل بين يدي النبي(4) صلى الله عليه و آله .

* * *

قال العوني :

وهل بيعة الرضوان إلاّ أمانة

فأوّل من قد خالف السلفان(5)

* * *

أخذ النبي صلى الله عليه و آله البيعة لنفسه ولذرّيّته

ثم إنّ النبي صلى الله عليه و آله إنّما كان يأخذ البيعة لنفسه ولذرّيّته .

ص: 73


1- الإرشاد للمفيد : 1/141 .
2- أقشع القوم : تفرّقوا .
3- الإرشاد للمفيد : 1/142 .
4- الإرشاد للمفيد : 1/142 .
5- الصراط المستقيم : 3/101 .

روى الحافظ بن مردويه في كتابه بثلاثة طرق عن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين عن جعفر بن محمد عليهم السلام قال : أشهد لقد حدّثني أبي عن أبيه عن جدّه عن الحسين بن علي عليهم السلام قال :

لمّا جاءت الأنصار تبايع رسول اللّه صلى الله عليه و آله على العقبة قال : قم يا علي عليه السلام ، فقال علي عليه السلام : على ما أبايعهم يا رسول اللّه صلى الله عليه و آله ؟

قال : على أن يطاع اللّه فلا يعصى ، وعلى أن يمنعوا رسول اللّه صلى الله عليه و آلهوأهل بيته وذرّيّته ممّا يمنعون منه أنفسهم وذراريهم .

أمير المؤمنين كتب الكتاب بينهم

ثم إنّه كان الذي كتب الكتاب بينهم(1) .

ذكر أحمد في الفضائل عن حبّة العرني ، وعن ابن عباس ، وعن الزهري : إنّ كاتب الكتاب يوم الحديبية علي بن أبي طالب عليهماالسلام(2) .

وذكر الطبري في تاريخه بإسناده عن البراء بن عازب عن قيس النخعي ، وذكر القطان ، ووكيع ، والثوري ، والسدي ، ومجاهد في تفاسيرهم عن ابن عباس في خبر طويل :

إنّ النبي صلى الله عليه و آله قال : ما كتبت - يا علي عليه السلام - حرفا إلاّ وجبرئيل ينظر إليك

ويفرح ، ويستبشر بك .

ص: 74


1- مناقب أمير المؤمنين عليه السلام للكوفي : 1/165 ح 644 ، المعجم الأوسط للطبراني : 2/207 ، الكافي : 8/261 .
2- المصنف للصنعاني : 5/343 رقم 9721 .

بيعة العشيرة

اشارة

وأمّا بيعة العشيرة ، قال النبي صلى الله عليه و آله : بعثت إلى أهل بيتي خاصّة ، والى الناس عامّة(1) .

وقد كان بعد مبعثه بثلاث سنين على ما ذكره الطبري في تاريخه ، والخركوشي في تفسيره ، ومحمد بن إسحاق في كتابه عن أبي مالك عن ابن عباس وعن ابن جبير أنّه :

لمّا نزل قوله : « وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَْقْرَبِينَ » جمع رسول اللّه صلى الله عليه و آله بني هاشم ، وهم - يومئذٍ - أربعون رجلاً ، وأمر عليا عليه السلام أن ينضج رجل شاة ، وخبز لهم صاعا من طعام ، وجاء بعسّ(2) من لبن ، ثم جعل يدخل إليه عشرة عشرة حتى شبعوا، وإنّ منهم لمن يأكل الجذعة، ويشرب الفرق(3)(4).

وفي رواية مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس أنّه قال : وقد رأيتم من هذه الآية ما رأيتم(5) .

ص: 75


1- روضة الواعظين : 53 ، التعجّب : 133 ، خصائص أمير المؤمنين عليه السلام للنسائي : 86 ، شرح النهج : 13/212 ، شواهد التنزيل : 1/545 .
2- العسّ : القدح الضخم .
3- روضة الواعظين : 52 ، مناقب أمير المؤمنين عليه السلام للكوفي : 1/370 ، تفسير مجمع البيان : 7/356 .
4- الفرق : مكيال لأهل المدينة معروف .
5- مسند أحمد : 1/159 ، شواهد التنزيل للحسكاني : 1/548 .

وفي رواية البراء بن عازب وابن عباس أنّه بدرهم أبو لهب ، فقال : هذا ما سحركم به الرجل(1) .

ثم قال لهم النبي صلى الله عليه و آله : إنّي بعثت إلى الأسود والأبيض والأحمر ، إنّ اللّه أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين ، وإنّي لا أملك لكم من اللّه شيئا إلاّ أن تقولوا : لا إله إلاّ اللّه ، فقال أبو لهب : ألهذا دعوتنا ! ثم تفرّقوا عنه ، فنزلت

« تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ » .

ثم دعاهم دفعة ثانية ، وأطعمهم وسقاهم ، ثم قال لهم : يا بني عبد المطلب ، أطيعوني تكونوا ملوك الأرض وحكّامها ، وما بعث اللّه نبيا إلاّ جعل له وصيّا أخا ووزيرا ، فأيّكم يكون أخي ووزيري ، ووصيّي ، ووارثي ، وقاضي ديني(2) ؟

وفي رواية الطبري عن ابن جبير وابن عباس : فأيّكم يوازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم ؟ فأحجم القوم(3) .

وفي رواية أبي بكر الشيرازي عن مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس .

وفي مسند العشرة وفضائل الصحابة عن أحمد بإسناده عن ربيعة بن ناجد عن علي عليه السلام : فأيّكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي ؟

ص: 76


1- تفسير مجمع البيان : 7/356 ، تفسير مقاتل : 3/531 ، تفسير جامع البيان للطبري : 19/149 .
2- روضة الواعظين : 52 ، دعائم الإسلام للقاضي النعمان : 1/16 .
3- تاريخ الطبري : 2/63 ، رسائل المرتضى : 4/93 ، تفسير جامع البيان للطبري : 19 ./149

فلم يقم إليه أحد ، وكان علي عليه السلام أصغر القوم يقول : أنا ، فقال في الثالثة : أجل ، وضرب بيده على يد أمير المؤمنين عليه السلام(1) .

وفي تفسير الخركوشي عن ابن عباس ، وابن جبير ، وأبي مالك ، وفي تفسير الثعلبي عن البراء بن عازب :

فقال علي عليه السلام ، وهو أصغر القوم : أنا يا رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، فقال : أنت ، فلذلك كان وصيّه .

قالوا : فقام القوم وهم يقولون لأبي طالب عليه السلام : أطع ابنك فقد أمّر عليك(2) .

وفي تاريخ الطبري : فأحجم القوم ، فقال علي عليه السلام : أنا - يا نبي اللّه - أكون وزيرك عليه ، فأخذ برقبته ، ثم قال : هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا .

قال : فقام القوم يضحكون ، فيقولون لأبي طالب عليه السلام : قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع(3) !

وفي رواية الحرث بن نوفل وأبي رافع وعباد بن عبد اللّه الأسدي عن

ص: 77


1- مسند أحمد : 1/159، السنن الكبرى للنسائي : 5/126، خصائص أمير المؤمنين عليه السلام للنسائي : 86 ، تاريخ الطبري : 2/64 .
2- تفسير الثعلبي : 7/182 ، تفسير مجمع البيان : 7/356 ، تفسير جوامع الجامع : 2/693 ، العثمانية للجاحظ : 303 ، تنبيه الغافلين : 120 .
3- تاريخ الطبري : 2/63 ، أمالي الطوسي : 583 ح 1206 ، تفسير جامع البيان للطبري : 19/149 رقم 20374 .

علي عليه السلام : فقلت : أنا يا رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، قال : أنت ، وأدناني إليه ، وتفل في في ، فقاموا يتضاحكون ويقولون : بئس ما حبا ابن عمّه إذ اتّبعه وصدّقه .

علّة وراثة أمير المؤمنين النبي دون العباس

تاريخ الطبري عن ربيعة بن ناجد : إنّ رجلاً قال لعلي عليه السلام : يا أمير المؤمنين ، بم ورثت ابن عمّك دون عمّك ؟

فقال عليه السلام - بعد كلام ذكر فيه حديث الدعوة - : فلم يقم إليه أحد ، فقمت إليه ، وكنت من أصغر القوم ، قال : فقال : اجلس .

ثم قال ذلك ثلاث مرات ، كلّ ذلك أقوم إليه ، فيقول لي : اجلس ، حتى كان في الثالثة ضرب بيده على يدي ، قال : فبذلك ورثت ابن عمّي دون عمّي(1) .

وفي حديث أبي رافع أنّه قال أبو بكر للعباس : أنشدك اللّه ، تعلم أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قد جمعكم وقال : يا بني عبد المطلب ، إنّه لم يبعث اللّه نبيا إلاّ جعل له من أهله وزيرا وأخا ووصيا ، وخليفة في أهله ، فمن يقم منكم يبايعني على أن يكون أخي ووزيري ووارثي ووصيّي وخليفتي في أهلي ؟ فبايعه علي عليه السلام على ما شرط له(2) .

وإذا صحّت هذه الجملة وجبت إمامته بعد النبي صلى الله عليه و آله بلا فصل .

ص: 78


1- تاريخ الطبري : 2/64 ، علل الشرائع : 1/170 باب 134 ح 1 ، السنن الكبرى للنسائي : 5/126 رقم 8451 .
2- نهج الإيمان : 240 .

قال الحميري :

وقيل له أنذر عشيرتك الألى

وهم من شباب أربعين وشيب

فقال لهم إنّي رسول إليكم

ولست أراني عندكم بكذوب

وقد جئتكم من عند ربّ مهيمن

جزيل العطايا للجزيل وهوب

فأيّكم يقفوا مقالي فأمسكوا

فقال ألا من ناطق فمجيبي

ففاز بها منهم علي وسادهم

وما ذاك من عاداته بغريب

* * *

وله أيضا :

أنت أولى الناس بالناس وخير الناس دينا

كنت في الدنيا أخاه يوم يدعو الأقربينا

ليجيبوه إلى اللّه فكانوا أربعينا

بين عمّ وابن عمّ حوله كانوا عرينا

* * *

وله أيضا :

ويوم قال له جبريل قد علموا

أنذر عشيرتك الأدنين إن بصروا

فقام يدعوهم من دون أمّته

فما تخلّف عنه منهم بشر

فمنهم آكل في مجلس جذعا

وشارب مثل عسّ وهو محتفر

ص: 79

فصدّهم عن نواحي قصعة شبعا

فيها من الحبّ صاع فوقه الوذر(1)

فقال يا قوم إنّ اللّه أرسلنيإليكم فأجيبوا اللّه وادكروا

فأيّكم يجتبي قولي ويؤمن بيإنّي نبي رسول فانبرى غدر

فقال تبّا أتدعونا لتلفتناعن ديننا ثم قام القوم فانشمروا

من الذي قال منهم وهو أحدثهمسنّا وخيرهم في الذكر إذ سطروا

آمنت باللّه قد أعطيت نافلةلم يعطها أحد جنّ ولا بشر

وإنّ ما قلته حقّ وإنّهمإن لم تجيبوا فقد خانوا وقد خسروا

ففاز قدما بها واللّه أكرمهفكان سبّاق غايات إذا ابتدروا

* * *

وله أيضا :

أبو حسن غلام من قريش

أبرّهم وأكرمهم نصابا

ص: 80


1- الوذر القطعة من اللحم .

دعاهم أحمد لمّا أتته

من اللّه النبوة فاستجابا

فأدّبه وعلّمه وأملى

عليه الوحي يكتبه كتابا

فأحصى كلّ ما أملى عليه

وبيّنه له بابا فبابا

* * *

وله أيضا :

لأقدم أمّته الأولين

هدى ولأحدثهم مولدا

دعاه ابن آمنة المصطفى

وكان رشيد الهدى مرشدا

إلى أن يوحّد ربّ السماء

تعالى وجلّ وأن يعبدا

فلبّاه لمّا دعاه إليه

ووحّده مثل ما وحّدا

وأخبره أنّه مرسل

فقال صدقت وما فنّدا

فصلّى الصلاة وصام الصيام

غلاما ووافى الوغى أمردا

فلم ير يوما كأيامه

ولا مثل مشهده مشهدا

* * *

وقال العوني :

تخيّره اللّه من خلقه

فحمّله الذكر وهو الخبير

وأنزل بالسور المحكمات

عليه كتابا مبين منير

وأغشاه نورا وناداه قم

فأنذر وأنت البشير النذير

فلاح الهدى وإضمحل العمى

وولّى الضلال وعيف الغرور

فوصّى عليا فنعم الوصي

ونعم الولي ونعم النصير

* * *

ص: 81

وله أيضا :

إنّ رسول اللّه مصباح الهدى

وحجّة اللّه على كلّ البشر

جاء بقرآن مبين ناطق

بالحقّ من عند مليك مقتدر

فكان من أول من صدّقه

وصيّه وهو بسنّ من صغر

ولم يكن أشرك باللّه ولا

دنّس يوما بسجود لحجر

فذاكم أوّل من آمن باللّه

ومن جاهد فيه وصبر

أوّل من صلّى من القوم ومن

طاف ومن حجّ بنسك واعتمر

* * *

وقال دعبل :

سقيا لبيعة أحمد ووصيّه

أعني الإمام وليّنا المحسودا

أعني الذي نصر النبي محمدا

قبل البرية ناشئا ووليدا

أعني الذي كشف الكروب ولم يكن

في الحرب عند لقائها رعديدا(1)

أعني الموحّد قبل كلّ موحّدلا عابدا وثنا ولا جلمودا(2)

* * *

ص: 82


1- الرعديد : الجبان يرتعد ويضطرب عند القتال جبنا .
2- ديوان دعبل : 96 .

وقال آخر :

فلمّا دعى المصطفى أهله

إلى اللّه دعاه سرّا رفيقا

ولاطفهم عارضا نفسه

على قومه فجزوه عقوقا

فبايعه دون أصحابه

وكان لحمل أذاه مطيقا

ووحّد من قبلهم سابقا

وكان إلى كلّ فضل سبوقا

* * *

ص: 83

ص: 84

فصل 5 : في المسابقة بالعلم

اشارة

ص: 85

ص: 86

الآيات

الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِْيمانَ

سفيان عن ابن جريح عن عطاء عن ابن عباس في قوله « وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِْيمانَ » قال : قد يكون مؤمنا ولا يكون عالما ، فواللّه لقد جمع لعلي عليه السلام كلاهما العلم والإيمان .

إِنَّما يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ

مقاتل بن سليمان عن الضحاك عن ابن عباس في قوله « إِنَّما يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ » قال : كان علي عليه السلام يخشى اللّه ويراقبه ، ويعمل بفرائضه ، ويجاهد في سبيله(1) .

حم عسق

الصفواني في الإحن والمحن عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال :

ص: 87


1- روضة الواعظين : 105 ، شواهد التنزيل : 2/152 .

« حم » اسم من أسماء اللّه ، « عسق » علم علي عليه السلام سبق كلّ جماعة ، وتعالى عن كلّ فرقة(1) .

وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ

محمد بن مسلم ، وأبو حمزة الثمالي ، وجابر بن يزيد عن الباقر عليه السلام .

وعلي بن فضال ، والفضيل بن يسار ، وأبو بصير عن الصادق عليه السلام .

وأحمد بن محمد الحلبي ، ومحمد بن الفضيل عن الرضا عليه السلام .

وقد روي عن موسى بن جعفر عليهماالسلام ، وعن زيد بن علي ، وعن محمد ابن الحنفية رضى الله عنه ، وعن سلمان الفارسي ، وعن أبي سعيد الخدري ، وعن إسماعيل السدي :

إنّهم قالوا في قوله - تعالى - « قُلْ كَفى بِاللّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ » : هو علي بن أبي طالب(2) عليهماالسلام .

الثعلبي في تفسيره بإسناده عن أبي معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن ابن عباس ، وروي عن عبد اللّه بن عطاء عن أبي جعفر عليه السلامأنّه قيل لهما : زعموا أنّ الذي عنده علم الكتاب عبد اللّه بن سلام !

ص: 88


1- تأويل الآيات : 2/542 ، وفيه : « علم علي بفسق كلّ جماعة ونفاق كلّ فرقة » .
2- بصائر الدرجات : 233 ح 5 ، أمالي الصدوق : 659 ح 892 ، روضة الواعظين : 111 ، مناقب أمير المؤمنين عليه السلام للكوفي : 1/191 ح 115 ، تفسير العياشي : 220 ح 77 ، تفسير مجمع البيان : 6/53 ، شواهد التنزيل : 1/401 رقم 423 ، تنبيه الغافلين : 96 ، تفسير الثعلبي : 5/303 ، تفسير أبي حمزة الثمالي : 220 .

قال : ذاك علي بن أبي طالب عليهماالسلام(1) .

ثم روى أيضا أنّه سئل سعيد بن جبير « وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ » عبد اللّه بن سلام ؟ قال : لا ، فكيف ! وهذه سورة مكية(2) .

وقد روي عن ابن عباس : لا - واللّه - ما هو إلاّ علي بن أبي طالب عليهماالسلام ، لقد كان عالما بالتفسير والتأويل ، والناسخ والمنسوخ ، والحلال والحرام(3) .

وروي عن ابن الحنفية رضى الله عنه : علي بن أبي طالب عليهماالسلام « عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ »الأول والآخر(4) . ورواه النطنزي في الخصائص .

ومن المستحيل أنّ اللّه - تعالى - يستشهد بيهودي ، ويجعله ثاني نفسه .

وزنه في الحساب

وقوله « قُلْ كَفى بِاللّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ »

موافق لقوله : « كلاّ أنزل في أمير المؤمنين علي عليه السلام » ، وعدد حروف كلّ واحد منهما ثمانمائة وسبعة عشر .

* * *

قال العوني :

ومن عنده علم الكتاب وعلم ما

يكون وما قد كان علما مكتما

ص: 89


1- تفسير الثعلبي : 5/303 .
2- تفسير الثعلبي : 5/302 .
3- شواهد التنزيل : 1/405 رقم 427 .
4- روضة الواعظين : 105 « عن الباقر عليه السلام » .

وقال أبو مقاتل بن الداعي العلوي :

وإنّ عندك علم الكون أجمعه

ما كان من سالف منه ومؤتنف

* * *

وقال نصر بن المنتصر :

ومن حوى علم الكتاب كلّه

علم الذي يأتي وعلم ما مضى

* * *

ظهور علمه على سائر الصحابة واعترافهم بعلمه

وقد ظهر علمه على سائر الصحابة حتى اعترفوا بعلمه وبايعوه .

قال الجاحظ : اجتمعت الأمّة على أنّ الصحابة كانوا يأخذون العلم من أربعة : علي عليه السلام ، وابن عباس ، وابن مسعود ، وزيد بن ثابت .

وقال : قالت طائفة : وعمر بن الخطاب(1) !!!

ثم أجمعوا على أنّ الأربعة كانوا أقرأ لكتاب اللّه من عمر ، وقال عليه السلام : يؤم بالناس أقرأهم ، فسقط عمر .

ص: 90


1- سيخرج المؤلف عمر في السطور اللاحقة باعتباره لا يجيد قراءة القرآن فضلاً عن العلم به وبالشريعة وأحكامها وسنة النبي صلى الله عليه و آله ، ولم يكن عمر من المعدودين في علماء الصحابة ، ولم يعرف ذلك عنه ، وقد عقد الشيخ الأميني رحمه الله عنوانا إستغرق الجزء السادس من كتابه الغدير ، سمّاه « نوادر الأثر في علم عمر » أحصى فيه أكثر من مائة مورد لمخالفات عمر ودلائل جهله ، وهو بحث شيّق ، يتضمّن ظرائف جميلة .

ثم أجمعوا على أنّ النبي صلى الله عليه و آله قال : الأئمة من قريش ، فسقط ابن مسعود وزيد .

وبقى علي عليه السلام وابن العباس ، إذ كانا عالمين فقيهين قرشيين ، فأكثرهما سنّا ، وأقدمهما هجرة علي عليه السلام ، فسقط ابن عباس .

وبقي علي عليه السلام أحقّ بالإمامة بالإجماع(1) .

* * *

وكانوا يسألونه ولم يسأل هو أحدا(2) .

* * *

وقال النبي صلى الله عليه و آله : إذا اختلفتم في شيء ، فكونوا مع علي بن أبي طالب عليهماالسلام .

عبادة بن الصامت : قال عمر : كنّا أمرنا إذا اختلفنا في شيء أن نحكّم عليا عليه السلام(3) .

إتّباع علماء الصحابة لأمير المؤمنين

ولهذا تابعه المذكورون بالعلم من الصحابة نحو : سلمان ، وعمار ، وحذيفة ، وأبو ذر ، وأبي بن كعب ، وجابر الأنصاري ، وابن عباس ، وابن

ص: 91


1- كشف الغمة : 1/40 ، شرح الأخبار للقاضي النعمان : 2/217 .
2- شرح الأخبار للقاضي النعمان : 1/91 .
3- شرح الأخبار للقاضي النعمان : 2/305 .

مسعود ، وزيد بن صوحان ، ولم يتأخّر إلاّ زيد بن ثابت ، وأبو موسى ، ومعاذ ، وعثمان(1) ، وكلّهم معترفون له بالعلم ، مقرّون له بالفضل(2) .

إقرار ابن عباس بعلمه

النقاش في تفسيره : قال ابن عباس : علي عليه السلام علم علما علّمه رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، ورسول اللّه صلى الله عليه و آله علّمه اللّه ، فعلم النبي صلى الله عليه و آله علم اللّه ، وعلم علي عليه السلام من علم النبي صلى الله عليه و آله ، وعلمي من علم علي عليه السلام ، وما علمي وعلم أصحاب محمد صلى الله عليه و آله في علم علي عليه السلام إلاّ كقطرة في سبعة أبحر(3) .

الضحاك عن ابن عباس قال : أعطي علي بن أبي طالب عليهماالسلام تسعة أعشار العلم ، وإنّه لأعلمهم بالعشر الباقي(4) .

ص: 92


1- قال أمير المؤمنين عليه السلام في خطبته الشقشقية المعروفة نهج البلاغة : 48 يصف عثمان : . . إِلَى أَنْ قَامَ ثَالِثُ الْقَوْمِ نَافِجاً حِضْنَيْهِ بَيْنَ نَثِيلِهِ وَمُعْتَلَفِهِ وَقَامَ مَعَهُ بَنُو أَبِيهِ يَخْضَمُونَ مَالَ اللَّهِ خِضْمَةَ الإِبِلِ نِبْتَةَ الرَّبِيعِ إِلَى أَنِ انْتَكَثَ عَلَيْهِ فَتْلُهُ وَأَجْهَزَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ وَكَبَتْ بِهِ بِطْنَتُهُ . . ومن كانت هذه صفته كيف يذكر في صفّ العلم والعلماء ، والأسماء الثلاثة التي ذكرها المؤلف قبله إنّما هم أتباع ومتسكّعون على فتات مائدة عثمان ، فإذا كان إمامهم كما وصفه أمير المؤمنين عليه السلام فما ظنّك بهم ، وهؤلاء ليس لهم حظّ من العلم ، وكيف يقرن من كان « نَافِجاً حِضْنَيْهِ بَيْنَ نَثِيلِهِ وَمُعْتَلَفِهِ » ، وقد « كَبَتْ بِهِ بِطْنَتُهُ » بأمير المؤمنين عليه السلاموسيد الوصيّين « وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ » ؟!!
2- شرح الأخبار للقاضي النعمان : 2/217 .
3- أمالي المفيد : 236 ، أمالي الطوسي : 12 مج 1 ح 14 .
4- دلائل الإمامة للطبري:22، الإستيعاب: 3/1104، شواهد التنزيل:1/110 رقم 123.
إقرار سلمان بعلمه

أمالي الطوسي : مرّ أمير المؤمنين بملأ فيهم سلمان ، فقال لهم سلمان : قوموا فخذوا بحجزة هذا ، فواللّه لا يخبركم بسرّ نبيّكم غيره(1) .

إقرار أبي أمامة بعلمه

أمالي ابن بابويه : قال محمد بن المنذر : سمعت أبا أمامة يقول : كان علي عليه السلام إذا قال شيئا لم يشكّ فيه ، وذلك أنّا سمعنا رسول اللّه صلى الله عليه و آلهيقول : خازن سرّي بعدي علي عليه السلام(2) .

قال الحميري :

وعلي خازن الوحي الذي

كان مستودع آيات السور

* * *

إقرار عطاء بعلمه

يحيى بن معين بإسناده عن عطاء بن أبي رياح أنّه سئل : هل تعلم أحدا بعد رسول اللّه صلى الله عليه و آله أعلم من علي عليه السلام ؟

فقال : لا - واللّه - ما أعلمه(3) .

ص: 93


1- أمالي الطوسي: 124 ح 194، أمالي المفيد: 354 ح 6، بشارة المصطفى للطبري: 199.
2- أمالي الصدوق : 641 مج 76 ح 868 .
3- تاريخ دمشق : 42/410 ، شرح الأخبار للقاضي النعمان : 2/310 ح 635 ، الإستيعاب : 3/1104 .
إقرار عمر بعلمه عليه السلام

فأمّا قول عمر بن الخطاب في ذلك فكثير .

رواه الخطيب في الأربعين : قال عمر : العلم ستة أسداس ، لعلي عليه السلاممن ذلك خمسة أسداس ، وللناس سدس ، ولقد شاركنا في السدس حتى لهو أعلم به منّا(1) .

عكرمة عن ابن عباس : إنّ عمر بن الخطاب قال له : يا أبا الحسن ، إنّك لتعجل في الحكم والفصل للشيء إذا سئلت عنه !

قال : فأبرز علي عليه السلام كفّه وقال له : كم هذا ؟ فقال عمر : خمسة .

فقال : عجلت يا أبا حفص ، قال : لم يخف عليّ ، فقال علي عليه السلام : أنا أسرع فيما لا يخفى عليّ .

واستعجم عليه شيء ، ونازع عبد الرحمن ، فكتبنا إليه أن يتجشّم بالحضور ، فكتب إليهما : العلم يؤتى ولا يأتي ، فقال عمر : هناك شيخ من بني هاشم ، وإثارة من علم يؤتى إليه ولا يأتي .

فصار إليه ، فوجده متكئا على مسحاة ، فسأله عمّا أراد ، فأعطاه الجواب ، فقال عمر : لقد عدل عنك قومك ، وإنّك لأحقّ به ، فقال عليه السلام : « إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً »(2) .

يونس عن عبيد : قال الحسن : إنّ عمر بن الخطاب قال : اللّهم إنّي

ص: 94


1- نهج الإيمان : 294 ، المناقب للخوارزمي : 92 « عن ابن عباس » .
2- الإرشاد للديلمي : 2/219 ، الطرائف : 424 .

أعوذ بك من عضيهة(1) ليس لها علي عليه السلام عندي حاضرا .

إبانة بن بطة : كان عمر يقول فيما يسأله عن علي عليه السلام ، فيفرج عنه : لا أبقاني اللّه بعدك(2) .

تاريخ البلاذري : لا أبقاني اللّه لمعضلة ليس لها أبو الحسن(3) .

الإبانة والفائق : أعوذ باللّه من معضلة ليس لها أبو حسن(4) .

وقد ظهر رجوعه إلى علي عليه السلام في ثلاث وعشرين مسألة ، حتى قال : لولا علي لهلك عمر(5) .

وقد رواه الخلق ، منهم أبو بكر بن عباس وأبو المظفر السمعاني .

* * *

ص: 95


1- العضيهة : البهت والكذب والزور ، والقذف بالباطل .
2- شرح الأخبار للقاضي النعمان: 2/316 ح 650، المناقب للخوارزمي: 101 رقم 104.
3- أنساب الأشراف : 2/100 ، شرح الأخبار للقاضي النعمان : 2/216 ح 651 .
4- الفائق للزمخشري : 2/375 ، تاريخ دمشق : 42/406 ، غريب الحديث لابن قتيبة : 2/293 ، تأويل مختلف الحديث : 152 .
5- مسند زيد : 335 ، الأحكام ليحيى بن الحسين : 2/220 ، الكافي : 7/424 ح 6 ، دعائم الإسلام للقاضي النعمان : 1/86 ، الفقيه للصدوق : 4/36 ح 5025 ، خصائص الأئمة : 85 ، التهذيب للطوسي : 6/306 ح 849 ، الإيضاح لابن شاذان : 191 ، شرح الأخبار للقاضي النعمان : 2/319 ، المسترشد للطبري : 548 ، دلائل الإمامة : 22 ، نوادر المعجزات للطبري : 133 ، الإختصاص للمفيد : 111 ، التعجب للكراجكي : 62 ، تفسير العياشي : 1/75 ح 155 ، تمهيد الأوائل للباقلاني : 547 ، تفسير السمعاني : 5/154 ، الإستغاثة : 2/42 ، تنبيه الغافلين : 29 ، المناقب للخوارزمي : 81 ، الشافي في الإمامة : 4/181 ، شرح المواقف : 8/370 ، مؤتمر علماء بغداد : 155 .

قال الصاحب :

في مثل فتواك إذ قالوا مجاهرة

لولا علي هلكنا في فتاوينا(1)

* * *

وقال خطيب خوارزم :

إذا عمر تخطّى في جواب

ونبّهه علي بالصواب

يقول بعدله لولا علي

هلكت هلكت في ذاك الجواب

* * *

اعتراف أبي بكر وعمر بجهلهما

وقد اشتهر عن أبي بكر قوله : فإن استقمت فاتبعوني ، وإن زغت فقوّموني(2) .

وقوله : أمّا الفاكهة فأعرفها ، وأمّا الأب فاللّه أعلم(3) .

ص: 96


1- ديوان الصاحب : 110 .
2- المعجم الأوسط للطبراني : 8/267 ، المصنف للصنعاني : 11/336 ، إعجاز القرآن للباقلاني : 137 ، تفسير السمعاني : 4/130 ، الطبقات الكبرى لابن سعد : 3/183 ، العثمانية للجاحظ : 202 ، تاريخ اليعقوبي : 2/127 ، تاريخ الطبري : 2/460 ، الإمامة والسياسة لابن قتيبة : 1/22 ، تقريب المعارف : 317 ، المسترشد : 240 .
3- الإرشاد للمفيد : 1/200 ، الفصول المختارة : 206 ، المصنف لابن أبي شيبة الكوفي : 7/180 رقم 7 ، الكشاف للزمخشري : 4/220 ، تفسير الثعلبي : 10/134 .

وقوله في الكلالة : أقول فيها برأي(1) ، فإن أصبت فمن اللّه ، وإن أخطأت فمنّي ومن الشيطان ، الكلالة : ما دون الولد والوالد(2) .

وعن عمر : سؤال السبيع عن الذاريات(3) .

وقوله : لا تتعجبوا من إمام أخطأ ، وإمرأة أصابت ، ناضلت أميركم فنضلته(4)(5) .

ص: 97


1- في « دا » : « رأيي » .
2- تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة : 26 ، الإرشاد للمفيد : 1/200 ، الإستغاثة للكوفي : 2/41 ، سنن الدارمي : 2/365 ، السنن الكبرى للبيهقي : 6/223 ، معرفة السنن للبيهقي : 5/49، التمهيد لابن عبد البر : 5/196، الكشاف للزمخشري : 1/510، الفصول للجصاص : 4/336 ، الأحكام لابن حزم : 6/844 ، المستصفى للغزالي : 287 .
3- المسترشد للطبري : 542 ح 222 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 12/102 واللفظ للأول : وممّا نقموا عليه : أنّه أتاه رجل يقال له « ضبيع » - وكان سيد قومه - فسأله عن قول اللّه عزّ وجلّ : « وَالذّارِياتِ ذَرْواً » ، وعن : « وَالنّازِعاتِ غَرْقاً » ، وعن : « وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً » ، وكان معتمّا ، فحسر عن رأسه فإذا له وفرة ، وقال له : أولى لك ، لو أحسبك محلوقا لضربت عنقك . ثم أمر به فحبس ، فجعل يخرجه كلّ يوم فيضربه خمسين جريدة ، حتى ضربه أربعمائة !! فقال له الرجل : قد عذّبتني ، فإن يكن قتلي تريد فالسيف أروح لي ، بما استوجبت ما صنعت بي ؟! إنّما سألتك عن شيء من كتاب اللّه ، فإن كان لك علم فعلّمني ، وإن لم يكن لك علم فقل : لا علم لي ، فانصرف عنك ، وإلاّ فإنّي ما سألتك ما أستحقّ به الضرب ، فأمر به فسيّر به إلى البصرة ، فصار منفيا ، وكتب إلى أهل البصرة ، لا تجالسوه ولا تبايعوه .
4- محاضرات الأدباء للراغب : 1/101 ، شرح النهج : 12/17 ، الصراط المستقيم : 3/161 .
5- نضلته : سبقته وغلبته .

ومسألة الحمارية(1) ، وآية الكلالة(2) ، وقضاؤه في الجدّ(3) ، وغير ذلك(4) .

شهادة النبي صلى الله عليه و آله له عليه السلام بالعلم

وقد شهد له رسول اللّه صلى الله عليه و آله بالعلم :

قوله صلى الله عليه و آله : علي عليه السلام عيبة علمي(5) .

وقوله صلى الله عليه و آله : علي عليه السلام أعلمكم علما ، وأقدمكم سلما(6) .

وقوله صلى الله عليه و آله : أعلم أمّتي من بعدي علي بن أبي طالب عليهماالسلام(7) ، رواه علي بن هاشم ، وابن شيرويه الديلمي بإسنادهما إلى سلمان .

النبي صلى الله عليه و آله : أعطى اللّه عليا عليه السلام من الفضل جزءا لو قسم على أهل الأرض لوسعهم(8) .

ص: 98


1- المبسوط للسرخسي : 29/155 ، المستصفى للغزالي : 287 .
2- سنن ابن ماجة : 2/911 ، كتاب مسلم : 2/81 ، السنن الكبرى للبيهقي : 6/224 ، المصنف للصنعاني : 10/301 .
3- المبسوط للسرخسي : 29/180 ، التعجب : 142 ، الإيضاح لابن شاذان : 337 ، الأم للشافعي : 7/299 .
4- انظر للمزيد الجزء السادس من كتاب الغدير للعلامة الأميني رحمه الله .
5- شرح الأخبار للقاضي النعمان : 2/201 ، الكامل لابن عدي : 4/101 ، تاريخ دمشق : 42/385 .
6- بصائر الدرجات : 314 باب 11 ح 9 ، الإحتجاج : 1/156 .
7- رسائل المرتضى : 4/93 ، أمالي الصدوق : 63 مج 4 ح 25 ، شرح الأخبار للقاضي النعمان : 2/310 ، الإرشاد للمفيد : 1/33 ، المناقب للخوارزمي : 82 .
8- أمالي الصدوق : 57 مج2 ح 14 ، روضة الواعظين : 110 ، كتاب سليم : 479 .

حلية الأولياء : سئل النبي صلى الله عليه و آله عن علي بن أبي طالب عليهماالسلام ، فقال : قسمت الحكمة عشرة أجزاء ، فأعطي علي عليه السلام تسعة أجزاء ، والناس جزء واحد(1) .

ربيع بن خثيم : ما رأيت رجلاً من يحبّه أشدّ حبّا من علي عليه السلام ، ولا من يبغضه أشدّ بغضا من علي عليه السلام ، ثم التفت فقال : « وَمَنْ يُؤتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً »(2) .

الإستدلال بالحساب

واستدلّ بالحساب ، فقالوا : أعلم الأمّة علي بن أبي طالب عليهماالسلام ، إتفقا في مائتين وثمانية عشر .

وكذلك قولهم : أعلم الأمّة جمال الأمّة علي بن أبي طالب عليهماالسلام سيد النجباء ، إتفقا في ثلاثمائة وسبعين .

قال ديك الجنّ :

هو الذي سمّي أبا البيان

صدقت قد أصبت بالبيان

وهو أبو العلم الذي لا يعلم

من قوله قولوا ولا تحمحموا

* * *

ص: 99


1- حلية الأولياء : 1/65 ، شواهد التنزيل : 1/135 رقم 146 ، تاريخ دمشق : 42/384 .
2- شواهد التنزيل : 1/137 رقم 148 .

أقضاكم علي عليه السلام

وقد أجمعوا على أنّ النبي صلى الله عليه و آله قال : أقضاكم علي(1) .

وروينا عن سعيد بن أبي الخصيب وغيره : أنّه قال الصادق عليه السلام لابن أبي ليلى : أتقضي بين الناس يا عبد الرحمن ؟ قال : نعم يا بن رسول اللّه .

قال : بأيّ شيء تقضي ؟ قال : بكتاب اللّه .

قال : فما لم تجد في كتاب اللّه ؟ قال : من سنّة رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، وما لم أجده فيهما أخذته عن الصحابة بما اجتمعوا عليه .

قال : فإذا اختلفوا ، فبقول من تأخذ منهم ؟ قال : بقول من أردت ، وأخالف الباقين .

قال : فهل تخالف عليا عليه السلام فيما بلغك أنّه قضى به ؟ قال : ربما خالفته إلى غيره منهم .

قال أبو عبد اللّه عليه السلام : ما تقول يوم القيامة إذا رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال : أي ربّ إنّ هذا بلغه عنّي قول فخالفه ؟ قال : وأين خالفت قوله ، يا بن رسول اللّه ؟

ص: 100


1- المسائل الصاغانية للمفيد : 109 ، الكافي : 7/429، دعائم الإسلام : 1/92، الخصال: 551 ، عيون أخبار الرضا 7 : 2/80 ، الإيضاح : 231 ، شرح الأخبار للقاضي النعمان : 1/91 ، دلائل الإمامة : 236 ، نوادر المعجزات للطبري : 133 ، الفصول المختارة : 135 ، المسائل العكبرية : 53 ، النكت الإعتقادية : 41 ، التعجب : 61 ، الإحتجاج : 1/175 ، شرح النهج : 1/18 ، المستصفى للغزالي : 170 ، تاريخ دمشق : 51/300 ، العثمانية للجاحظ : 94 ، الفتوح لابن أعثم : 4/243 ، تنبيه الغافلين : 29 .

قال : فبلغك أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال : أقضاكم علي عليه السلام ؟ قال : نعم .

قال : فإذا خالفت قوله ألم تخالف قول رسول اللّه صلى الله عليه و آله ؟ فاصفر وجه ابن أبي ليلى ، وسكت(1) .

الإبانة : قال أبو أمامة : قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : أعلم بالسنة والقضاء بعدي علي بن أبي طالب عليهماالسلام .

كتاب الجلاء والشفاء ، والإحن والمحن : قال الصادق عليه السلام : قضى علي عليه السلام بقضية باليمن ، فأتوا النبي صلى الله عليه و آله فقالوا : إنّ عليا عليه السلام ظلمنا !!

فقال صلى الله عليه و آله : إنّ عليا عليه السلام ليس بظالم ، ولم يخلق للظلم ، وإنّ عليا عليه السلاموليّكم بعدي ، والحكم حكمه ، والقول قوله ، لا يردّ حكمه إلاّ كافر ، ولا يرضى به إلاّ مؤمن(2) .

وإذا ثبت ذلك ، فلا ينبغي لهم أن يتحاكموا بعده إلى غير علي عليه السلام ، والقضاء يجمع علوم الدين ، فإذا يكون هو الأعلم فلا يجوز تقديم غيره عليه ، لأنّه يقبح تقديم المفضول على الفاضل .

قال الأصفهاني :

وله يقول محمد أقضاكم

هذا وأعلم يا ذوي الأذهان

إنّي مدينة علمكم وأخي له

باب وثيق الركن مصراعان

فاتوا بيوت العلم من أبوابها

فالبيت لا يؤتى من الحيطان

* * *

ص: 101


1- دعائم الإسلام للقاضي النعمان : 1/92 .
2- دعائم الإسلام : 2/425 ، أمالي الصدوق : 429 .

وقال العوني :

أمن سواه إذا أتى بقضية

طرف الشكوك وأخرس الحكّاما

فإذا رأى رأيا فخالف رأيه

قوم وإن كدّوا له الأفهاما

نزل الكتاب برأيه فكأنّما

عقد الإله برأيه الأحكاما

* * *

وقال ابن حماد :

عليم بما قد كان أو هو كائن

وما هو دقّ في الشرائع أو جلّ

مسمّى مجلّى في الصحائف كلّها

فسل أهلها واسمع تلاوة من يتلو

ولولا قضاياه التي شاع ذكرها

لعطلت الأحكام والفرض والنفل

* * *

وقال الحميري :

من كان أعلمهم وأقضاهم ومن

جعل الرعية والرعاء سواء

* * *

ص: 102

إنّه عليه السلام باب مدينة علم النبي صلى الله عليه و آله

اشارة

الباقر وأمير

المؤمنين عليهماالسلام في قوله « وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ » الآية ، وقوله - تعالى - « وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ » : نحن البيوت التي أمر اللّه أن يؤتى من أبوابها ، نحن باب اللّه وبيوته التي نؤتى منه ، فمن تابعنا

وأقرّ بولايتنا فقد أتى البيوت من أبوابها ، ومن خالفنا وفضّل علينا غيرنا ، فقد أتى البيوت من ظهورها(1) .

وقال النبي صلى الله عليه و آله بالإجماع : أنا مدينة العلم وعلي بابها ، فمن أراد العلم فليأت الباب .

طرق الحديث

رواه أحمد من ثمانية طرق ، وإبراهيم الثقفي من سبعة طرق ، وابن بطّة من ستة طرق ، والقاضي الجعاني من خمسة طرق ، وابن شاهين من أربعة طرق ، والخطيب التاريخي من ثلاثة طرق ، ويحيى بن معين من طريقين .

وقد رواه السمعاني ، والقاضي الماوردي ، وأبو منصور السكري ، وأبو الصلت الهروي ، وعبد الرزاق ، وشريك عن ابن عباس ومجاهد وجابر .

ص: 103


1- الإحتجاج : 1/338 ، تفسير فرات : 142 ح 174 .
دلالات الحديث

وهذا يقتضى وجوب الرجوع إلى أمير المؤمنين عليه السلام ، لأنّه كنّى عنه بالمدينة ، وأخبر أنّ الوصول إلى علمه من جهة علي عليه السلام خاصّة ، لأنّه جعله كباب المدينة الذي لا يدخل إليها إلاّ منه ، ثم أوجب ذلك الأمر به بقوله : فليأت الباب .

وفيه دليل على عصمته ، لأنّه من ليس بمعصوم يصحّ منه وقوع القبيح ، فإذا وقع كان الإقتداء به قبيحا ، فيؤدي إلى أن يكون صلى الله عليه و آله قد أمر بالقبيح ، وذلك لا يجوز .

ويدلّ أيضا أنّه أعلم الأمّة ، يؤيد ذلك ما قد علمناه من اختلافها ورجوع بعضها إلى بعض وغناؤه عليه السلام عنها .

وأبان ولاية علي عليه السلام وإمامته ، وأنّه لا يصحّ أخذ العلم والحكمة في حياته وبعد وفاته إلاّ من قبله ، وروايته عنه ، كما قال اللّه - تعالى - « وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها » .

في الحساب

وفي الحساب : علي بن أبي طالب باب مدينة الحكمة ، استويا في مائتين وثمانية عشر .

قال البشنوي :

فمدينة العلم التي هو بابها

أضحى قسيم النار يوم مآبه

فعدوّه أشقى البرية في لظى

ووليّه المحبوب يوم حسابه

* * *

ص: 104

وله أيضا :

مدينة العلم ما عن بابها عوض

لطالب العلم إذ ذو العلم مسؤول

* * *

وقال الصاحب :

كان النبي مدينة هو بابها

لو أثبت النصّاب ذات المرسل

* * *

وله أيضا :

باب المدينة لا تبغوا سواه لها

لتدخلوها فخلّوا جانب التيه

* * *

وقال السيد الحميري :

من كان باب مدينة العلم الذي

ذكر النزول وفسّر الأنباء

* * *

وقال ابن حماد :

باب الإله تعالى لم يصل أحد

إليه إلاّ الذي من بابه يلج

* * *

وله أيضا :

هذاالإمام لكم بعدي يسدّدكم

رشدا ويوسعكم علما وآدابا

إنّي مدينة علم اللّه وهو لها

باب فمن رامها فليقصد البابا

* * *

ص: 105

وقال خطيب منبج :

أنا دار الهدى والعلم فيكم

وهذا بابها للداخلينا

أطيعوني بطاعته وكونوا

بحبل ولائه مستمسكينا

* * *

وقال خطيب خوارزم :

إنّ النبي مدينة لعلومه

وعلي الهادي لها كالباب

* * *

فتح له عليه السلام النبي صلى الله عليه و آله أبواب العلم

أفلا يكون أعلم الناس ، وكان مع النبي صلى الله عليه و آله في البيت والمسجد يكتب وحيه ومسائله ، ويسمع فتاويه ويسأله .

وروي أنّه كان النبي صلى الله عليه و آله إذا نزل عليه الوحي ليلاً لم يصبح حتى يخبر به عليا عليه السلام ، وإذا نزل عليه الوحي نهارا لم يمس حتى يخبر به عليا عليه السلام(1) .

ومن المشهور إنفاقه الدينار قبل مناجاة الرسول(2) .

ص: 106


1- أمالي الصدوق : 642 مج 76 ح 871 ، روضة الواعظين : 111 .
2- روضة الواعظين : 383 ، الفقيه للصدوق : 2/288 ، مناقب أمير المؤمنين عليه السلام للكوفي : 1/166 ، شرح الإخبار للقاضي النعمان : 2/346 ، تفسير العياشي : 1/151 ، تفسير فرات: 71، تفسير التبيان للطوسي: 2/357، تفسير السمرقندي: 1/206، تفسير الثعلبي : 2/279 ، أسباب النزول للواحدي : 58 ، تفسير الواحدي : 1/191 ، تفسير السمعاني : 1/278 ، شواهد التنزيل : 1/140 ، تفسير النسفي : 1/133 ، بشارة المصطفى : 416 ، المناقب للخوارزمي : 281 .

وسأله عن عشر مسائل فتح له منها ألف باب ، فتح من كلّ باب ألف باب ، وكذلك حين وصّى النبي صلى الله عليه و آله قبل وفاته(1) .

أبو نعيم الحافظ بإسناده عن زيد بن علي عن أبيه عن جدّه عن علي عليه السلام قال : علّمني رسول اللّه صلى الله عليه و آله ألف باب ، يفتح كلّ باب إلى ألف

باب .

وقد روى أبو جعفر بن بابويه هذا الخبر في الخصال من أربع وعشرين طريقة(2) ، وسعد بن عبد اللّه القمّي في بصائر الدرجات من ستة وستين طريقة(3) .

أبو عبد اللّه عليه السلام : كان في ذؤابة سيف النبي صلى الله عليه و آله صحيفة صغيرة هي الأحرف التي يفتح كلّ حرف ألف حرف ، فما خرج منها حرفان حتى الساعة .

وفي رواية : إنّ عليا عليه السلام دفعها إلى الحسن عليه السلام ، فقرأ منها حروفا ، ثم أعطاها الحسين عليه السلام ، فقرأها أيضا ، ثم أعطاها محمدا عليه السلام ، فلم يقدر على أن يفتحها(4) .

ص: 107


1- الكافي : 1/296 ح 4 ، أمالي الصدوق : 737 مج 76 ح 1004 ، كتاب سليم : 330 ، دلائل الإمامة : 235 ، الإرشاد للمفيد : 1/34 ، الإختصاص : 282 ، الثاقب في المناقب : 120 ، شرح الأخبار : 2/308 ، اعلام الورى للطبرسي : 1/367 .
2- الخصال : 642 .
3- بصائر الدرجات : 322 باب 16 .
4- يعني ابنه محمد ابن الحنفية رضى الله عنه ففي بصائر الدرجات : 327 ح 1 ، والإختصاص للمفيد : 284 : حدّثنا أحمد بن محمد عن الحسين بن سعيد عن القاسم بن محمد عن علي بن أبي حمزة عن حمران الحلبي عن أبان بن تغلب قال : حدّثني أبو عبد اللّه عليه السلام : كان في ذؤابة سيف علي عليه السلام صحيفة صغيرة ، وإنّ عليا عليه السلام دعا ابنه الحسن عليه السلام ، فدفعها إليه ، ودفع إليه سكينا ، وقال له : افتحها ، فلم يستطع أن يفتحها ، ففتحها له ، ثم قال له : إقرأ ، فقرأ الحسن عليه السلام الألف والباء والسين واللام ، وحرفا بعد حرف ، ثم طواها ، فدفعها إلى ابنه الحسين عليه السلام ، فلم يقدر على أن يفتحها ، ففتحها له ، ثم قال له : إقرأ يا بني ، فقرأها كما قرأ الحسن عليه السلام ، ثم طواها ، فدفعها إلى ابنه ابن الحنفية ، فلم يقدر على أن يفتحها ، ففتحها له ، فقال له : إقرأ ، فلم يستخرج منها شيئا ، فأخذها علي عليه السلام وطواها ، ثم علّقها من ذؤابة السيف . قال : قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام : وأيّ شيء كان في تلك الصحيفة ؟ قال : هي الأحرف التي يفتح كلّ حرف ألف حرف . قال أبو بصير : قال أبو عبد اللّه عليه السلام : فما خرج منها إلاّ حرفان إلى الساعة .

قال أبو القاسم البستي : وذلك نحو أن يقول : الربا في كلّ مكيل في العادة ، أيّ موضع كان ، وفي كلّ موزون ، وإذا قال : يحلّ من البيض كلّ ما دقّ أعلاه وغلظ أسفله ، وإذا قال : يحرم من السباع كلّ ذي ناب ، وذي مخلب من الطير ، ويحلّ الباقي ، وكذلك قول الصادق عليه السلام : كلّ ما غلب اللّه عليه من أمره فاللّه أعذر لعبده(1) .

* * *

ص: 108


1- يبدو أنّ المراد من ألف باب من العلم غير ما بيّنه أبو القاسم السبتي ، ولو كان كذلك لما كان خاصا بهم ، ولعلمه غيرهم ، فإنّ ما ذكره عمومات وردت كثيرا في كلام النبي صلى الله عليه و آلهوأهل البيت عليهم السلام ، والظاهر أنّه علم خاصّ بهم - صلوات اللّه عليهم - ، ويشهد لذلك أنّه لمّا عرضه الإمام أمير المؤمنين عليه السلام على الحسنين عليهماالسلام قرأه كلّ منهما ، ولمّا عرضه على ابنه محمد ابن الحنفية لم يستطع قراءته ، كما مرّ في رواية البصائر المذكورة في الهامش السابق .

قال الحميري :

حدّثه في مجلس واحد

ألف حديث معجب حاجب

كلّ حديث من أحاديثه

يفتح ألفا عدّة الحاسب

فتلك وفّت ألف ألف له

فيها جماع المحكم الصائب

* * *

وله أيضا :

وكفاه بألف ألف حديث

قد وعاهنّ من وحي مجيد

قد وعاها في مجلس بمعانيها

وأسبابها ووقت الحدود

* * *

وله أيضا :

علي أمير المؤمنين أخو الهدى

وأفضل ذي نعل ومن كان حافيا

أسرّ إليه أحمد العلم جملة

وكان له دون البرية واعيا

ودونه في مجلس منه واحد

بألف حديث كلّها كان هاديا

وكلّ حديث من أولئك فاتح

له ألف باب فاحتواها كما هيا

* * *

وقال الشريف ابن الرضا :

يا بني أحمد أناديكم اليوم

وأنتم غدا لردّ جوابي

ألف باب أعطيتم ثم أفضى

كلّ باب منها إلى ألف باب

لكم الأمر كلّه واليكم

ولديكم يؤول فصل الخطاب

* * *

ص: 109

العلم الذي أفضاه اليه عليه السلام النبي صلى الله عليه و آله بعد وفاته

أبان بن تغلب والحسين بن معاوية وسليمان الجعفري وإسماعيل بن عبد اللّه بن جعفر ، كلّهم عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال :

لمّا حضر رسول اللّه صلى الله عليه و آله الموت دخل عليه علي عليه السلام ، فأدخل رأسه معه ، ثم قال : يا علي ، إذا أنا متّ فغسّلني وكفّني ، ثم أقعدني وسائلني واكتب(1) .

تهذيب الأحكام : فخذ بمجامع كفني وأجلسني ، ثم اسألني عمّا شئت ، فواللّه لا تسألني عن شيء إلاّ أجبتك فيه(2) .

وفي رواية أبي عوانة بإسناده قال علي عليه السلام : ففعلت ، فأنبأني بما هو كائن إلى يوم القيامة(3) .

جميع بن عمير التيمي عن عائشة في خبر أنّها قالت : وسالت نفس رسول اللّه صلى الله عليه و آله في كفّه ، ثم ردّها في فيه(4) .

وبلغني عن الصفواني أنّه قال : حدّثني أبو بكر بن مهرويه بإسناده إلى أم سلمة في خبر :

ص: 110


1- بصائر الدرجات : 303 باب 6 ، الكافي : 1/297 .
2- تهذيب الإحكام للطوسي : 1/435 ح 1397 ، بصائر الدرجات : 304 ، الكافي : 1/315 ح 1 .
3- خصائص الأئمة للرضي : 55 ، الخرائج : 2/803 ح 10 .
4- المصنف لابن أبي شيبة الكوفي : 1/501 رقم 38 ، مناقب أمير المؤمنين عليه السلام للكوفي : 1/91 ح 577 ، شرح الأخبار للقاضي النعمان : 2/69 ح 432 ، المسترشد للطبري : 304 .

قالت : كنت عند النبي صلى الله عليه و آله ، فدفع إليّ كتابا ، فقال : من طلب هذا الكتاب منك ممّن يقوم بعدي فادفعيه إليه ، ثم ذكرت قيام أبي بكر وعمر وعثمان ، وأنّهم ما طلبوه .

ثم قالت : فلمّا بويع علي عليه السلام نزل عن المنبر ، ومرّ وقال لي : يا أم سلمة ، هاتي الكتاب الذي دفع إليك رسول اللّه صلى الله عليه و آله .

فقالت : قلت له : أنت صاحبه ؟

فقال : نعم ، فدفعته إليه .

قيل : ما كان في الكتاب ؟

قال : كلّ شيء دون قيام الساعة(1) .

وفي رواية ابن عباس : فلمّا قام علي عليه السلام أتاها وطلب الكتاب ، ففتحه ونظر فيه ، فقال : هذا علم الأبد(2) .

ما كان عنده عليه السلام من العلم

قال أبو عبد اللّه عليه السلام : يمصّون الثماد(3) ، ويدعون النهر الأعظم ، فسئل عن معنى ذلك ، فقال : علم النبيين بأسره أوحاه اللّه إلى محمد صلى الله عليه و آله ، فجعل محمد صلى الله عليه و آله ذلك كلّه عند علي عليه السلام ، وكان عليه السلام يدّعي في العلم دعوى ما سمعت قطّ من أحد(4) .

ص: 111


1- نهج الإيمان : 269 .
2- نهج الإيمان : 269 .
3- الثماد : الماء القليل الذي لا مادّة له .
4- بصائر الدرجات : 137 ح 12 ، الكافي : 1/223 ح 6 .

روى حنش الكناني أنّه سمع عليا عليه السلام يقول : واللّه ، لقد علمت بتبليغ

الرسالات وتصديق(1) العدات ، وتمام(2) الكلمات(3) .

وقوله : إنّ بين جنبيّ لعلما جمّا ، لو أصبت له حملة(4) .

وقوله : لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقينا(5) .

قال ابن العودي :

ومن ذا يساميه بمجد ولم يزل

يقول سلوني ما يحلّ ويحرم

سلوني ففي جنبيّ علم ورثته

عن المصطفى ما فات منّي به الفم

سلوني عن طرق السماوات إنّني

بها عن سلوك الطرق في الأرض أعلم

ص: 112


1- في كتاب سليم : « لتنجيز » .
2- في النهج : « إتمام » .
3- كتاب سليم : 260 ، بشارة المصطفى : 312 ، نهج البلاغة : 176 خ 120 .
4- الخصال : 186 ، كمال الدين للصدوق : 291 ، خصائص الأئمة للرضي : 105 ، مناقب أمير المؤمنين عليه السلام للكوفي : 1/96 ، شرح الأخبار للقاضي النعمان : 2/370 ، الإرشاد للمفيد : 1/228 ، أمالي المفيد : 249 مج 29 ، أمالي الطوسي : 25 ح 23 ، تاريخ بغداد : 6/376 ، تاريخ اليعقوبي : 2/205 ، المناقب للخوارزمي : 366 ، غريب الحديث لابن قتيبة : 1/354 .
5- المناقب للخوارزمي : 375 ، غرر الحكم للآمدي : 2/142 ح 1 ، إرشاد القلوب للديلمي : 1/124 باب 27 ، مطلوب كلّ طالب : 3 .

ولو كشف اللّه الغطاء لم أزد به

يقينا على ما كنت أدري وأفهم

* * *

وقال الزاهي :

ما زلت بعد رسول اللّه منفردا

بحرا يفيض على الورّاد زاخره

أمواجه العلم والبرهان لجّته

والحلم شطّاه والتقوى جواهره

* * *

سلوني قبل أن تفقدوني

وروى ابن أبي البختري من ستة طرق ، وابن المفضل من عشر طرق ، وإبراهيم الثقفي من أربعة عشر طريقا ، منهم : عدي بن حاتم ، والأصبغ بن نباتة ، وعلقمة بن قيس ، ويحيى بن أم الطويل ، وزر بن حبيش ، وعباية بن ربعي ، وعباية بن رفاعة ، وأبو الطفيل :

إنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال بحضرة المهاجرين والأنصار ، وأشار إلى صدره : كيف(1) ملى ء علما ، لو وجدت له طالبا ، سلوني قبل أن تفقدوني ، وهذا سفط العلم ، هذا لعاب رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، هذا ما زقّني به رسول اللّه صلى الله عليه و آله

زقّا ، فاسألوني فإنّ عندي علم الأولين والآخرين ، أما - واللّه - لو ثنيت

ص: 113


1- في الصراط المستقيم ونهج الإيمان لابن جبر : «كنيف» ، والكنيف : السترة والساتر، وصورة الكلمة في المخطوطة تشبه ما في الصراط والنهج ، وما في البحار عن المناقب « كيف » .

لي الوسادة ، ثم أجلست عليها ، لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم ، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم ، وبين أهل الزبور بزبورهم ، وبين أهل الفرقان بفرقانهم ، حتى ينادي كلّ كتاب بأنّ عليا عليه السلام حكم بحكم(1) اللّه فيّ(2) .

وفي رواية : حتى ينطق اللّه التوراة والإنجيل(3) .

وفي رواية : حتى يزهر كلّ كتاب من هذه الكتب ويقول : يا ربّ ، إنّ عليا قضى بقضائك(4) .

ثم قال : سلوني قبل أن تفقدوني ، فوالذي فلق الحبّة وبرأ النسمة ، لو سألتموني عن آية آية ، في ليلة أنزلت ، أو في نهار أنزلت ، مكّيها ومدنيها ، وسفريّها وحضريّها ، ناسخها ومنسوخها ، ومحكمها ومتشابهها ، وتأويلها وتنزيلها ، لأخبرتكم(5) .

وفي غرر الحكم عن الآمدي : سلوني قبل أن تفقدوني ، فإنّي بطرق السماوات أخبر منكم بطرق الأرض(6) .

ص: 114


1- في نسخة « النجف » : « حكم فيّ بحكم اللّه فيّ » ، وفي المخطوطة : « بأنّ عليا حكم في حكم اللّه فيّ » .
2- أمالي الصدوق: 422، التوحيد للصدوق: 305، روضة الواعظين: 118، الإختصاص : 235 .
3- المناقب للخوارزمي : 91 رقم 85 ، فرائد السمطين : 1/355 رقم 281 .
4- الفصول المختارة : 77 .
5- أمالي الصدوق: 423، التوحيد للصدوق: 305 ، روضة الواعظين: 118، الإختصاص: 236 .
6- غرر الحكم للآمدي : 119 ح 2081 .

وفي نهج البلاغة : فوالذي نفسي بيده ، لا تسألوني عن شيء فيما بينكم وبين الساعة ، ولا عن فئة تهدي مائة وتضلّ مائة ، إلاّ أنبأنكم بناعقها ، وقائدها وسائقها ، ومناخ ركابها ، ومحطّ رحالها ، ومن يقتل من أهلها قتلاً ، ويموت موتا(1) .

وفي رواية : لو شئت أخبرت كلّ واحد منكم بمخرجه ومولجه ، وجميع شأنه لفعلت(2) .

وعن سلمان أنّه قال عليه السلام : عندي علم المنايا والبلايا والوصايا والألباب

وفصل الخطاب ومولد الإسلام ومولد الكفر ، وأنا صاحب الميسم ، وأنا الفاروق الأكبر ، ودولة الدول ، فسلوني عمّا يكون إلى يوم القيامة ، وعمّا كان قبلي وعلى عهدي والى أن يعبد اللّه (3) .

قال ابن المسيب : ما كان في أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه و آله أحد يقول : سلوني ، غير علي بن أبي طالب عليهماالسلام(4) .

وقال ابن شبرمة : ما أحد قال على المنبر : سلوني ، غير علي عليه السلام(5) .

ص: 115


1- نهج البلاغة : 137 خ 93 .
2- غرر الحكم : 119 ح 2088 ، نهج البلاغة : 250 خ 175 .
3- بصائر الدرجات : 222 باب 10 ح 5 .
4- الإستيعاب : 3/1104 ، جامع بيان العلم وفضله : 1/114 ، تاريخ ابن معين : 1/106 ، المناقب للخوارزمي : 90 .
5- شرح الإخبار للقاضي النعمان : 2/311 ح 638 ، شواهد التنزيل : 1/50 ، تاريخ دمشق : 42/399 .
النتيجة

وقال اللّه : « تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ » ، وقال « وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ » ، وقال « وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ » ، فإذا كان ذلك لا يوجد في ظاهره ، فهل يكون موجودا إلاّ في تأويله ، كما قال « وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ » ، وهو الذي عنى عليه السلام : سلوني قبل أن تفقدوني ، ولو كان إنّما عنى به في ظاهره ، فكان في الأمّة كثير يعلم ذلك ولا يخطى ء فيه حرفا ، ولم يكن عليه السلام ليقول من ذلك على رؤوس الأشهاد ما يعلم أنّه لايصحّ من قوله ، وأنّ غيره يساويه فيه ، أو يدّعي على شيء منه معه ، فإذا ثبت أنّه لا نظير له في العلم صحّ أنّه أولى بالإمامة(1) .

وقال العونى :

وكم علوم مقفلات في الورى

قد فتح اللّه به أقفالها

حرّم بعد المصطفى حرامها

كما أحلّ بينهم حلالها

وكم بحمد اللّه من قضية

مشكلة حلّ لهم إشكالها

حتى أقرّت أنفس القوم بأن

لولا الوصي ارتكبت ضلالها

* * *

وله أيضا :

ومن ركب الأعواد يخطب في الورى

وقال سلوني قبل فقدي لأفهما

* * *

ص: 116


1- شرح الأخبار للقاضي النعمان : 2/460 .

وقال ابن حماد :

قلت سلوني قبل فقدي إنّ لي

علما وما فيكم له مستودع

وكذاك لو ثني الوساد حكمت

بالكتب التي فيها الشرائع تشرع

* * *

وله أيضا :

سلوني أيّها الناس

سلوني قبل فقداني

فعندي علم ما كان

وما يأتي وما يانى(1)

شهدنا أنّك العالمفي علمك ربّاني

وقلت الحقّ يا حقّولم تنطق ببهتان

* * *

وله أيضا :

هل سمعتم بقائل قبله

قال سلوني من قبل أن تفقدون

* * *

وله أيضا :

من قال بالبصرة للناس سلوني

من قبل أن أفقد من طرق السماء

* * *

وقال زيد المرزكي :

مدينة العلم علي بابها

وكلّ من حاد عن الباب جهل

أم هل سمعتم قبله من قائل

قال سلوني قبل إدراك الأجل

ص: 117


1- يأني : يحين ويقرب .

وقال شاعر آخر :

قال اسألوني قبل فقدي وذا

إبانة عن علمه الباهر

لو شئت أخبرت بمن قد مضى

وما بقي في الزمن الغابر

* * *

ص: 118

علي عليه السلام قدوة لأهل العلوم كلّها

اشارة

ومن عجب أمره في هذا الباب أنّه لا شيء من العلوم إلاّ وأهله يجعلون عليا عليه السلام قدوة ، فصار قوله قبلة في الشريعة .

جمع القرآن

فمنه سمع القرآن(1) .

ذكر الشيرازي في نزول القرآن وأبو يوسف يعقوب في تفسيره عن ابن عباس في قوله «لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ » كان النبي صلى الله عليه و آله يحرّك شفتيه عند الوحي ليحفظه ، وقيل له : «لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ » يعني بالقرآن « لِتَعْجَلَ بِهِ » من قبل أن يفرغ به من قراءته عليك(2) « إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ »

قال : ضمن اللّه محمدا أن يجمع القرآن بعد رسول اللّه صلى الله عليه و آلهعلي بن أبي طالب عليهماالسلام .

قال ابن عباس : فجمع اللّه القرآن في قلب علي عليه السلام ، وجمعه علي عليه السلامبعد

موت رسول اللّه صلى الله عليه و آله بستة أشهر .

ص: 119


1- انظر شرح النهج : 1/17 .
2- تفسير مجمع البيان : 7/59 ، تفسير مقاتل : 3/423 ، تفسير ابن أبي حاتم : 10/3387 .

وفي أخبار ابن أبي رافع : إنّ النبي صلى الله عليه و آله قال في مرضه الذي توفى فيه لعلي عليه السلام : يا علي عليه السلام ، هذا كتاب اللّه خذه إليك ، فجمعه علي عليه السلام في ثوب ، فمضى إلى منزله .

فلمّا قبض النبي صلى الله عليه و آله جلس علي عليه السلام فألّفه كما أنزله اللّه ، وكان به عالما .

وحدّثني أبو العلاء العطار والموفق خطيب خوارزم في كتابيهما بالإسناد عن علي بن رباح : إنّ النبي صلى الله عليه و آله أمر عليا عليه السلام بتأليف القرآن ، فألّفه وكتبه(1) .

جبلة بن سحيم عن أبيه عن أمير المؤمنين عليه السلام قال : لو ثنيت لي الوسادة ، وعرف لي حقّي لأخرجت مصحفا كتبته وأملاه عليّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله .

ورويتم أيضا أنّه إنّما أبطأ علي عليه السلام عن بيعة أبي بكر لتأليف القرآن(2) .

أبو نعيم في الحلية ، والخطيب في الأربعين بالإسناد عن السدي عن عبد خير عن علي عليه السلام قال :

لمّا قبض رسول اللّه صلى الله عليه و آله أقسمت - أو حلفت - أن لا أضع ردائي عن ظهري حتى أجمع ما بين اللوحين ، فما وضعت ردائي حتى جمعت القرآن(3) .

وفي أخبار أهل البيت عليهم السلام أنّه آلى أن لا يضع رداءه على عاتقه إلاّ للصلاة حتى يؤلف القرآن ويجمعه(4) ، فانقطع عنهم مدّة إلى أن جمعه ، ثم خرج إليهم به في إزار يحمله ، وهم مجتمعون في المسجد ، فأنكروا

ص: 120


1- الإيضاح : 222 ، دلائل الإمامة : 236 .
2- الإيضاح : 222 .
3- المناقب للخوارزمي : 94 رقم 93 ، حلية الأولياء : 1/67 .
4- شواهد التنزيل : 1/37 .

مصيره بعد انقطاع مع إلّيتة(1) ، فقالوا : الأمر ما جاء به أبو الحسن عليه السلام .

فلمّا توسّطهم وضع الكتاب بينهم ، ثم قال : إنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال : إنّي مخلّف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلّوا : كتاب اللّه ، وعترتي أهل بيتي ، وهذا الكتاب ، وأنا العترة .

فقام إليه الثاني ، فقال له : إن يكن عندك قرآن فعندنا مثله ، فلا حاجة لنا فيكما ، فحمل عليه السلام الكتاب وعاد بعد أن ألزمهم الحجّة(2) .

ص: 121


1- الاليّة : أي يحلف .
2- في كتاب سليم بن قيس - تحقيق محمد باقر الأنصاري : 146 : فلمّا رآى غدرهم وقلّة وفائهم له لزم بيته ، وأقبل على القرآن يؤلّفه ويجمعه ، فلم يخرج من بيته حتى جمعه ، وكان في الصحف والشظاظ والأسيار والرقاع . فلمّا جمعه كلّه ، وكتبه بيده على تنزيله وتأويله ، والناسخ منه والمنسوخ ، بعث إليه أبو بكر أن اخرج فبايع ، فبعث إليه علي عليه السلام : إنّي لمشغول ، وقد آليت نفسي يمينا أن لا أرتدي رداء إلاّ للصلاة حتى أؤلف القرآن وأجمعه . فسكتوا عنه أياما ، فجمعه في ثوب واحد وختمه ، ثم خرج إلى الناس وهم مجتمعون مع أبي بكر في مسجد رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، فنادى علي عليه السلام بأعلى صوته : يا أيّها الناس ، إنّي لم أزل منذ قبض رسول اللّه صلى الله عليه و آله مشغولاً بغسله ، ثم بالقرآن حتى جمعته كلّه في هذا الثوب الواحد ، فلم ينزل اللّه - تعالى - على رسول اللّه صلى الله عليه و آله آية إلاّ وقد جمعتها ، وليست منه آية إلاّ وقد جمعتها ، وليست منه آية إلاّ وقد أقرأنيها رسول اللّه صلى الله عليه و آلهوعلّمني تأويلها . ثم قال لهم علي عليه السلام : لئلا تقولوا غدا : « إِنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ » . ثم قال لهم علي عليه السلام : لئلا تقولوا يوم القيامة : إنّي لم أدعكم إلى نصرتي ، ولم أذكركم حقّي ، ولم أدعكم إلى كتاب اللّه من فاتحته إلى خاتمته . فقال عمر : ما أغنانا ما معنا من القرآن عمّا تدعونا إليه . ثم دخل علي عليه السلام بيته . ورواه الطبرسي في الاحتجاج : 1/225 - 228 بلفظ آخر .

وفي خبر طويل عن الصادق عليه السلام : أنّه حمله وولّى راجعا نحو حجرته ، وهو يقول « فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ »(1) .

ولهذا قرأ ابن مسعود : « إنّ عليا جمعه وقرأ به فإذا قرأه فاتبعوا قراءته »(2) .

قال الناشي :

جامع وحي اللّه إذ فرّقه

من رام جمع آية فما ضبط

أشكله لشكله بجهله

فاستعجمت أحرفه حين نقط

* * *

وقال العوني :

لمّا رأى الأمر قبيح المدخل

حرّد في جمع الكتاب المنزل

* * *

وقال الصاحب :

هل مثل جمعك للقرآن تعرفه

نظما ومعنى وتأويلاً وتبيينا

* * *

وقال خطيب منبج :

علي جامع القرآن جمعا

يقصّر عنه جمع الجامعينا

* * *

ص: 122


1- الإعتقادات للصدوق : 86 ، الإحتجاج : 1/383 .
2- الأنساب للسمعاني : 3/396 « نسبه للشيعة » .
الثلاثة لم يجمعوا القرآن

فأمّا ما روي أنّه جمعه أبو بكر وعمر وعثمان ، فإنّ أبا بكر أقرّ لما التمسوا

منه جمع القرآن ، فقال : كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، ولا أمرني به ، ذكره البخاري في صحيحه(1) .

وادعى علي عليه السلام أنّ النبي صلى الله عليه و آله أمره بالتأليف .

ثم إنّهم أمروا زيد بن ثابت ، وسعيد بن العاص ، وعبد الرحمن بن الحارث بن هاشم ، وعبد اللّه بن الزبير بجمعه(2) ، فالقرآن يكون جمع هؤلاء جميعهم .

القراءات
اشارة

ومنهم العلماء بالقراءات(3) .

أحمد بن حنبل وابن بطّة وأبو يعلى في مصنفاتهم عن الأعمش عن أبي بكر بن عياش في خبر طويل : أنّه قرأ رجلان ثلاثين آية من الأحقاف ، فاختلفا في قراءاتهما .

فقال ابن مسعود : هذا بخلاف ما أقرأه .

ص: 123


1- البخاري : 5/210 « كتاب التفسير » ، مسند أحمد : 1/13 ، سنن الترمذي : 4/347 ، السنن الكبرى للبيهقي : 2/41 ، مسند أبي يعلى : 1/66 .
2- البخاري : 6/97 ، سنن الترمذي : 4/348 ، مسند الشاميين للطبراني : 4/157 .
3- في نسخة « النجف » : « القرآن » .

فذهب بهما إلى النبي صلى الله عليه و آله ، فغضب وعلي عليه السلام عنده ، فقال علي عليه السلام : رسول اللّه صلى الله عليه و آله يأمركم أن تقرأوا كما علمتم(1) .

وهذا دليل على علم علي عليه السلام بوجوه القراءات المختلفة .

وروي أنّ زيدا لمّا قرأ « التابوه » ، قال علي عليه السلام : اكتبه « التابوت(2) » ، فكتبه كذلك .

رجوع القراء السبعة الى قراءته

والقراء السبعة إلى قراءته يرجعون ، فأمّا حمزة والكسائي ، فيعوّلان على قراءة علي عليه السلام وابن مسعود ، وليس مصحفهما مصحف ابن مسعود ، فهما إنّما يرجعان إلى علي عليه السلام ، ويوافقان ابن مسعود فيما يجري مجرى الإعراب .

وقد قال ابن مسعود : ما رأيت أحدا أقرء من علي بن أبي طالب عليهماالسلام

للقرآن(3) .

وأمّا نافع وابن كثير وأبو عمرو ، فمعظم قراءاتهم ترجع إلى ابن عباس ، وابن عباس قرأ على أبي بن كعب وعلي عليه السلام ، والذي قرأه هؤلاء القراء يخالف قراءة أبي ، فهو إذا مأخوذ عن علي عليه السلام .

ص: 124


1- مسند أحمد : 1/106 ، كتاب ابن حبان : 3/22 ، تفسير جامع البيان للطبري : 1/26 رقم 11 ، البيان في عدّ آي القرآن للداني : 39 .
2- تاريخ المدينة لابن شبة : 3/996 .
3- الصراط المستقيم : 1/219 ، تفسير مجمع البيان : 6/54 ، شواهد التنزيل : 1/33 ، تاريخ دمشق : 42/401 « عن السلمي » .

وأمّا عاصم فقرأ على أبي عبد الرحمن السلمي ، وقال أبو عبد الرحمن : قرأت القرآن كلّه على علي بن أبي طالب عليهماالسلام(1) .

فقالوا : أفصح القراءات قراءة عاصم لأنّه أتى بالأصل ، وذلك أنّه يظهر ما أدغمه غيره ، ويحقّق من الهمز ما ليّنه غيره ، ويفتح من الألفات ما أماله غيره .

العدد في القرآن

والعدد الكوفي في القرآن منسوب إلى علي عليه السلام ، وليس في الصحابة من ينسب إليه العدد غيره ، وإنّما كتب عدد ذلك كلّ مصر عن بعض التابعين .

المفسّرون
اشارة

ومنهم المفسّرون : كعبد اللّه بن عباس ، وعبد اللّه بن مسعود ، وأبيّ بن كعب ، وزيد بن ثابت ، وهم معترفون له بالتقدّم .

تفسير النقاش ، قال ابن عباس : جلّ ما تعلّمت من التفسير من علي بن أبي طالب عليهماالسلام وابن مسعود ، إنّ القرآن أنزل على سبعة أحرف ، ما منها إلاّ وله ظهر وبطن ، وإنّ علي بن أبي طالب عليهماالسلام علم الظاهر والباطن(2) .

ص: 125


1- تاريخ دمشق : 25/229 .
2- حلية الأولياء : 1/65 ، تاريخ دمشق : 42/400 .

فضائل العكبري : قال الشعبي : ما أحد أعلم بكتاب اللّه بعد نبي اللّه صلى الله عليه و آله من علي بن أبي طالب عليهماالسلام(1) .

تاريخ البلاذري وحلية الأولياء : وقال علي عليه السلام : واللّه ما نزلت آية إلاّ وقد علمت فيما نزلت ، وأين نزلت ، أبليل نزلت ، أم بنهار نزلت ، في سهل أو جبل ، إنّ ربّي وهب لي قلبا عقولاً ولسانا سؤولاً(2) .

قوت القلوب : قال علي عليه السلام : لو شئت لأوقرت سبعين بعيرا في تفسير فاتحة الكتاب(3) .

لا يأخذ المفسّرون إلاّ بقوله عليه السلام

ولمّا وجد المفسّرون قوله لا يأخذون إلاّ به .

سأل ابن الكواء وهو على المنبر : ما « الذّارِياتِ ذَرْواً » ؟ فقال: الرياح .

فقال : وما « فَالْحامِلاتِ وِقْراً » ؟ قال : السحاب .

قال : وما « فَالْجارِياتِ يُسْراً » ؟ قال : الفلك .

قال : فما « فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً » ؟ قال : الملائكة(4) .

ص: 126


1- تفسير مجمع البيان : 6/54 ، تنبيه الغافلين : 98 .
2- سنن الترمذي : 5/595 ، حلية الأولياء : 1/67 ، تفسير العياشي : 1/17 ح 12 ، شواهد التنزيل : 1/45 رقم 38 ، الطبقات الكبرى لابن سعد : 2/338 ، تاريخ دمشق : 42/398 ، أنساب الأشراف « تحقيق المحمودي » : 99 ح 27 .
3- قوت القلوب : 1/67 .
4- الإحتجاج : 1/386 ، المستدرك للحاكم : 2/467 ، المعيار الموازنة : 298 ، جامع بيان العلم وفضله للخطيب البغدادي : 1/114 ، تفسير التبيان للطوسي: 9/378، الكشاف للزمخشري : 4/13 ، تفسير مجمع البيان : 9/253 ، تفسير مقاتل : 3/275 ، تفسير الصنعاني : 3/241 ، تفسير جامع البيان للطبري : 26/240 ، تفسير السمرقندي : 3/324 . . .

فالمفسرون كلّهم على قوله .

وجهلوا تفسير قوله « إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ » ، فقال له رجل : هو أوّل بيت ؟ قال : لا ، قد كان قبله بيوت ، ولكنّه أوّل بيت وضع للناس مباركا فيه الهدى والرحمة والبركة ، وأوّل من بناه إبراهيم عليه السلام ، ثم بناه قوم من العرب من جرهم ، ثم هدم فبنته قريش(1) ، وإنّما استحسن قول ابن عباس فيه لأنّه قد أخذ منه .

أحمد في المسند : لمّا توفي النبي صلى الله عليه و آله كان ابن عباس ابن عشر سنين ، وكان قرأ المحكم - يعني المفصّل(2) - .

قال الصاحب :

هل مثل علمك لو زلّوا وإن وهنوا

وقد هديت كما أصبحت تهدينا

* * *

الفقهاء

ومنهم الفقهاء ، وهو أفقههم ، فإنّه ما ظهر عن جميعهم ما ظهر منه .

ص: 127


1- الكشاف للزمخشري : 1/446 ، تفسير الرازي : 8/154 .
2- مسند أحمد : 1/253 ، كتاب البخاري : 6/110 ، مسند أبي داود : 343 .
رجوع فقهاء الأمصار اليه

ثم إنّ جميع فقهاء الأمصار إليه يرجعون ، ومن بحره يغترفون .

أمّا أهل الكوفة وفقهاؤهم : سفيان الثوري ، والحسن بن صالح بن حي ، وشريك بن عبد اللّه ، وابن أبي ليلى ، وهؤلاء يفرّعون المسائل ، ويقولون : هذا قياس قول علي عليه السلام ، ويترجمون الأبواب بذلك(1) .

وأمّا أهل البصرة ، فقهاؤهم : الحسن ، وابن سيرين ، وكلاهما كانا يأخذان عمّن أخذ عن علي عليه السلام ، وابن سيرين يفصح بأنّه أخذ عن الكوفيين ، وعن عبيده السمعاني ، وهو أخصّ الناس بعلي عليه السلام .

وأمّا أهل مكة ، فإنّهم أخذوا عن ابن عباس وعن علي عليه السلام ، وقد أخذ عبد اللّه معظم علمه عنه .

وأمّا أهل المدينة ، فعنه أخذوا .

وقد صنّف الشافعي كتابا مفردا في الدلالة على اتّباع أهل المدينة لعلي عليه السلام وعبد اللّه .

وقال محمد بن الحسن الفقيه : لولا علي بن أبي طالب عليهماالسلام ما علمنا حكم أهل البغي(2) .

ص: 128


1- المغني لابن قدامة : 7/135 ، الشرح الكبير لعبد الرحمن بن قدامة : 7/227 .
2- في شرح النهج لابن أبي الحديد : 9/231 نقلاً عن كتاب الأم للشافعي : 4/233 باب الخلاف في قتال أهل البغي : قال الشافعي : أخذ المسلمون السيرة في قتال المشركين من رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، وأخذوا السيرة في قتال البغاة من علي عليه السلام .

ولمحمد بن الحسن كتابا يشتمل على ثلاثمائة مسألة في قتال أهل البغي بناء على فعله .

مسند أبي حنيفة : قال هشام بن الحكم : قال الصادق عليه السلام لأبي حنيفة : من أين أخذت القياس ؟ قال : من قول علي بن أبي طالب عليهماالسلام ، وزيد بن ثابت حين شاهدهما عمر في الجدّ مع الإخوة ، فقال له علي عليه السلام : لو أنّ شجرة انشعب منها غصن ، وانشعب من الغصن غصنان ، أيّما أقرب إلى أحد الغصنين ، أصاحبه الذي يخرج معه أم الشجرة(1) ؟

فقال زيد : لو أنّ جدولاً انبعث فيه ساقية ، فانبعث من الساقية ساقيتان ، أيّما أقرب ، أحد الساقيتين إلى صاحبهما أم الجدول(2) ؟

أخذ الفرائض منه عليه السلام

ومنهم الفرضيون ، وهو أشهرهم فيها .

فضائل أحمد : قال عبد اللّه : إنّ أعلم المدينة بالفرائض علي بن أبي طالب عليهماالسلام(3) .

ص: 129


1- وهذا ليس من القياس الذي يستعمله أبو حنيفة ، وإنّما هو مثال لتفهيم الحكم الشرعي بعد ثبوته .
2- لم أجده في مسند أبي حنيفة المطبوع ، ورواه علي بن يونس العاملي في الصراط المستقيم : 1/219 ، وابن جبر في نهج الإيمان : 275 كلاهما عن مسند أبي حنيفة .
3- الاستيعاب: 3/1105، تاريخ دمشق: 42/405، أنساب الأشراف: 2/105 رقم 40، فتح الملك العلي : 72 .

قال الشعبي : ما رأيت أفرض من علي عليه السلام ، ولا أحسب منه ، وقد سئل وهو على المنبر يخطب عن رجل مات وترك إمرأة وأبوين وابنتين ، كم نصيب المرأة ؟ فقال عليه السلام : صار ثمنها تسعا ، فلقبت بالمسألة المنبرية(1) .

شرح ذلك :

للأبوين السدسان ، وللبنتين الثلثان ، وللمرأة الثمن ، عالت الفريضة ، فكان لها ثلث من أربعة وعشرين ثمنها ، فلمّا صارت إلى سبعة وعشرين صار ثمنها تسعا ، فإنّ ثلاثة من سبعة وعشرين تسعها ، ويبقى أربعة وعشرون ، للابنتين ستة عشر ، وثمانية للأبوين سواء .

قال هذا على الاستفهام ، أو على قولهم صار ثمنها تسعا ، أو على مذهب نفسه ، أو بيّن كيف يجيء الحكم على مذهب من يقول بالعول ، فبيّن الجواب ، والحساب ، والقسمة ، والنسبة .

ومنه المسألة الدينارية وصورتها(2) .

ص: 130


1- المصنف لابن أبي شيبة الكوفي : 7/349 رقم 1 ، الإنتصار للمرتضى : 565 ، المبسوط للطوسي : 4/83 .
2- في نهج الإيمان لابن جبر : 276 ، وقد نقل الفصل كلّه - ظاهرا - عن المناقب : ومنه المسألة الدينارية ، وصورتها : ما روته العامة : أنّه عليه السلام سئل عن رجل مات وخلّف ستمائة دينار ، فقسمت بين الورثة ، فاستحقّت امرأة منهم دينارا واحدا ، كم كان عدد الورثة ؟ فقال عليه السلام : كانت الورثة بنت لها أربعمائة دينار ، وأمّ لها مائة دينار ، وزوجة لها خمس وسبعون دينارا ، وإثني عشر أخ وأخت واحدة لهم الباقي خمس وعشرون دينارا ، للذكر مثل حظّ الأنثيين ، فلكلّ أخ ديناران ، وللأخت دينار واحد . والظاهر أنّ السائل في المسألتين عامّي ، وقد أجابه مولى الثقلين عليه السلام وفق مذهب السائل ، هذا على فرض صحّة الخبر ، لأنّ الخبر أيضا عامّي لم نسمع به عن طرق أهل البيت عليهم السلام ، فلا يعتمد عليه . وفي كشف الغمة للإربلي : 1/129 : أمّا الفرائض وقسمة التركات ، فقدمه فيها ثابتة ، ونكتفي بذكر ما وقع منها ، فمن ذلك المسألة المعروفة بالدينارية ، وشرحها : إنّ امرأة جاءت إليه عليه السلام وقد وضع رجله في الركاب ، فقالت : يا أمير المؤمنين ، إنّ أخي مات وخلّف ستمائة دينار ، وقد دفعوا إليّ من ماله دينارا واحدا ، فأسألك إنصافي ، فقال عليه السلاملها : خلّف أخوك بنتين ؟ قالت : نعم ، قال : لهما الثلثان أربعمائة ، وخلّف أمّا ؟ قالت : نعم ، قال : لها السدس مائة ، وخلّف زوجة ؟ قالت : نعم ، قال : لها الثمن خمسة وسبعون دينارا ، وخلّف معك إثني عشر أخا ؟ قالت : نعم ، قال : لكلّ أخ ديناران ، ولك دينار ، فقد أخذت حقّك فانصرفي ، وركب ، فسمّيت هذه المسألة الدينارية . ومنه المسألة المنبرية : وذلك أنّه كان على منبر الكوفة ، فقام إليه رجل فقال : يا أمير المؤمنين ، إنّ ابنتي قد مات زوجها ، ولها من تركته الثمن ، وقد أعطوها التسع ، فأسألك الإنصاف ، فقال عليه السلام : خلّف صهرك بنتين ؟ قال : نعم ، قال : وأبواه باقيان ؟ قال : نعم ، قال : صار ثمنها تسعا ، فلا تطلب سواه إرثا ، ثم مضى في خطبته ، فانظر إلى استحضاره الأجوبة في أسرع من رجع الطرف ، واعلم أنّه عليه السلام قد تجاوز غايات الوصف .
أصحاب الروايات

ومنهم أصحاب الروايات ، نيف وعشرون رجلاً ، منهم : ابن عباس ، وابن مسعود ، وجابر الأنصاري ، وأبو أيوب ، وأبو هريرة ، وأنس(1) ،

ص: 131


1- روى الصدوق في الخصال : 1/ 190 ح 263 عن جعفر بن محمد بن عمارة عن أبيه قال : سمعت جعفر بن محمد عليهماالسلام يقول : ثلاثة كانوا يكذبون على رسول اللّه صلى الله عليه و آلهأبو هريرة وأنس بن مالك وامرأة .

وأبو سعيد الخدري ، وأبو رافع ، وغيرهم ، وهو أكثرهم رواية ، وأتقنهم حجّة ، ومأمون الباطن لقوله : علي مع الحقّ(1) .

الترمذي والبلاذري : قيل لعلي عليه السلام : ما بالك أكثر أصحاب النبي صلى الله عليه و آله

حديثا ؟ قال : كنت إذا سألته أنبأني ، وإذا سكتّ عنه ابتدأني(2) .

كتاب ابن مردويه : أنّه قال : كنت إذا سألت أعطيت ، وإذا سكتّ ابتديت(3) .

قال محمد الإسكافي :

حبر عليهم بالذي هو كائن

واليه في علم الرسالة يرجع

أصفاه أحمد من خفي علومه

فهو البطين من العلوم الأنزع

* * *

ص: 132


1- يأتي تخريجه .
2- الطبقات الكبرى لابن سعد : 2/338 ، تاريخ دمشق : 42/377 ، أمالي الصدوق : 315 ح 365 ، كتاب سليم : 197 ، المسترشد للطبري : 235 ، سنن الترمذي : 5/301 رقم 3806 ، المستدرك للحاكم : 2/125 ، المصنف لابن أبي شيبة الكوفي : 7/495 رقم 7 ، السنن الكبرى للنسائي : 5/142 رقم 8504 ، خصائص أمير المؤمنين عليه السلامللنسائي : 112 .
3- أمالي الصدوق : 34 مج 43 ح 377 ، روضة الواعظين : 281 ، الغارات للثقفي : 1/177 ، مناقب أمير المؤمنين عليه السلام للكوفي : 2/46 ح 536 ، شرح الأخبار للقاضي النعمان : 2/202 ح 532 ، الإحتجاج : 1/388 ، المعيار والموازنة للاسكافي : 300 ، المصنف لابن أبي شيبة الكوفي : 7/495 رقم 6 ، السنن الكبرى للنسائي : 5/142 رقم 8505 ، خصائص أمير المؤمنين عليه السلام للنسائي : 112 ، المعجم الكبير للطبراني : 6/213 ، الطبقات الكبرى لابن سعد : 2/246 ، تاريخ دمشق : 12/276 . . ، فضائل أمير المؤمنين عليه السلام لابن عقدة : 46 .
المتكلّمون
اشارة

ومنهم المتكلّمون ، وهو الأصل في الكلام .

قال النبي صلى الله عليه و آله : علي عليه السلام ربّاني هذه الأمّة(1) .

وفي الأخبار : إنّ أول من سنّ دعوة المبتدعة بالمجادلة إلى الحقّ علي عليه السلام(2) .

وقد ناظره الملاحدة في مناقضات القرآن ، وأجاب مشكلات مسائل الجاثليق حتى أسلم(3) .

ص: 133


1- نهج الإيمان لابن جبر : 277 ، شرح الأخبار للقاضي النعمان : 2/182 ح 525 ، أمالي المرتضى : 1/112 « عن الحسن البصري » ، مفردات الراغب : 184 « قال علي عليه السلام : أنا ربّاني هذه الأمّة » .
2- إحياء العلوم للغزالي : 1/96 .
3- ف2ي الأمالي للطوسي : 218 ح 328 : أخبرنا محمد بن محمد ، قال : أخبرني أبو الحسن علي بن خالد ، قال : حدّثنا العباس بن الوليد ، قال : حدّثنا محمد بن عمرو الكندي ، قال : حدّثنا عبد الكريم بن إسحاق الرازي ، قال : حدّثنا محمد بن يزداد عن سعيد بن خالد عن إسماعيل بن أبي أويس عن عبد الرحمن بن قيس البصري قال : حدّثنا زاذان عن سلمان الفارسي ، قال : لمّا قبض النبي صلى الله عليه و آله وتقلّد أبو بكر الأمر ، قدم المدينة جماعة من النصارى يتقدّمهم جاثليق له سمت ومعرفة بالكلام ووجوهه ، وحفظ التوراة والإنجيل ، وما فيهما ، فقصدوا أبو بكر ، فقال له الجاثليق : إنّا وجدنا في الإنجيل رسولاً يخرج بعد عيسى عليه السلام ، وقد بلغنا خروج محمد بن عبد اللّه صلى الله عليه و آله يذكر أنّه ذلك الرسول ، ففزعنا إلى ملكنا ، فجمع وجوه قومنا ، وأنفذنا في التماس الحقّ فيما اتصل بنا ، وقد فاتنا نبيكم محمد صلى الله عليه و آله ، وفيما قرأناه من كتبنا أنّ الأنبياء لا يخرجون من الدنيا إلاّ بعد إقامة أوصياء لهم يخلّفونهم في أممهم ، يقتبس منهم الضياء فيما أشكل ، فأنت أيّها الأمير وصيّه ؟ لنسألك عمّا نحتاج إليه ، فقال عمر : هذا خليفة رسول اللّه صلى الله عليه و آله . فجثا الجاثليق لركبتيه ، وقال له : خبّرنا - أيّها الخليفة - عن فضلكم علينا في الدين ، فإنّا جئنا نسأل عن ذلك ؟ فقال أبو بكر : نحن مؤمنون وأنتم كفار ، والمؤمن خير من الكافر ، والإيمان خير من الكفر . فقال الجاثليق : هذه دعوى تحتاج إلى حجّة ، فخبّرني أنت مؤمن عند اللّه أم عند نفسك ؟ فقال أبو بكر : أنا مؤمن عند نفسي ، ولا علم لي بما عند اللّه . قال : فهل أنا كافر عندك على مثل ما أنت مؤمن ، أم أنا كافر عند اللّه ؟ فقال : أنت عندي كافر ، ولا علم لي بحالك عند اللّه . فقال الجاثليق : فما أراك إلاّ شاكّا في نفسك وفيّ ، ولست على يقين من دينك ، فخبّرني ألك عند اللّه منزلة في الجنّة بما أنت عليه في الدين تعرفها ؟ فقال : لي منزلة في الجنّة أعرفها بالوعد ، ولا أعلم هل أصل إليها أم لا . فقال له : فترجو أن تكون لي منزلة في الجنّة ؟ قال : أجل أرجو ذلك ، فقال الجاثليق : فما أراك إلاّ راجيا لي ، وخائفا على نفسك ، فما فضلك عليّ في العلم ؟ ثم قال له : أخبرني هل احتويت على جميع علم النبي صلى الله عليه و آله المبعوث إليك ؟ قال : لا ، ولكن أعلم منه ما قضى لي علمه ، قال : فكيف صرت خليفة للنبي صلى الله عليه و آله ، وأنت لا تحيط علما بما تحتاج إليه أمّته من علمه ؟ وكيف قدّمك قومك على ذلك ؟ فقال له عمر : كفّ - أيّها النصراني - عن هذا العنت ، وإلاّ أبحنا دمك ، فقال الجاثليق : ما هذا عدل على من جاء مسترشدا طالبا . فقال سلمان رحمه الله : فكأنّما ألبسنا جلباب المذلّة ، فنهضت حتى أتيت عليا عليه السلام ، فأخبرته الخبر ، فأقبل - بأبي وأمّي - حتى جلس والنصراني يقول : دلّوني على من أساله عمّا أحتاج إليه ، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام : سل - يا نصراني - فوالذي فلق الحبّة وبرأ النسمة ، لا تسألني عمّا مضى ولا ما يكون إلاّ أخبرتك به عن نبي الهدى محمد صلى الله عليه و آله . فقال النصراني : أسالك عمّا سألت عنه هذا الشيخ ، خبّرني أمؤمن أنت عند اللّه ، أم عند نفسك ؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام : أنا مؤمن عند اللّه كما أنا مؤمن في عقيدتي ، فقال الجاثليق : اللّه أكبر ، هذا كلام وثيق بدينه ، متحقّق فيه بصحّة يقينه ، فخبّرني الآن عن منزلتك في الجنّة ما هي ؟ فقال عليه السلام : منزلتي مع النبي صلى الله عليه و آله الأمّي في الفردوس الأعلى ، لا أرتاب بذلك ، ولا أشكّ في الوعد به من ربّي . فقال النصراني : فبماذا عرفت الوعد لك بالمنزلة التي ذكرتها ؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام : بالكتاب المنزل، وصدق النبي صلى الله عليه و آله المرسل، قال: فبماذا علمت صدق نبيك ؟ قال عليه السلام : بالآيات الباهرات ، والمعجزات البينات . قال الجاثليق : هذا طريق الحجّة لمن أراد الاحتجاج ، فخبرني عن اللّه تعالى ، أين هو اليوم ؟ فقال : يا نصراني ، إنّ اللّه - تعالى - يجلّ عن الأين ، ويتعالى عن المكان ، كان فيما لم يزل ولا مكان ، وهو اليوم على ذلك لم يتغيّر من حال إلى حال . فقال : أجل ، أحسنت أيّها العالم ، وأوجزت في الجواب ، فخبّرني عنه - تعالى - أمدرك بالحواس عندك ، فيسلك المسترشد في طلبه استعمال الحواس ، أم كيف طريق المعرفة به ، إن لم يكن الأمر كذلك ؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام : تعالى الملك الجبار أن يوصف بمقدار ، أو تدركه الحواس ،، أو يقاس بالناس ، والطريق إلى معرفته صنائعه الباهرة للعقول ، الدالّة ذوي الإعتبار بما هو عنده مشهود ومعقول . قال الجاثليق : صدقت ، هذا - واللّه - الحقّ الذي قد ضلّ عنه التائهون في الجهالات ، فخبّرني الآن عمّا قاله نبيكم في المسيح ، وأنّه مخلوق ، من أين أثبت له الخلق ، ونفى عنه الإلهية ، وأوجب فيه النقص ؟ وقد عرفت ما يعتقد فيه كثير من المتديّنين ؟! فقال أمير المؤمنين عليه السلام : أثبت له الخلق بالتقدير الذي لزمه ، والتصوير والتغيير من حال إلى حال ، والزيادة التي لم ينفك منها والنقصان ، ولم أنف عنه النبوة ، ولا أخرجته من العصمة والكمال والتأييد ، وقد جاءنا عن اللّه - تعالى - بأنّه مثل « آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ » . فقال له الجاثليق : هذا ما لا يطعن فيه الآن ، غير أنّ الحجاج ممّا تشترك فيه الحجّة على الخلق والمحجوج منهم ، فبم بنت أيّها العالم من الرعية الناقصة عنك ؟ قال : بما أخبرتك به من علمي بما كان وما يكون ، قال الجاثليق : فهلمّ شيئا من ذكر ذلك ، أتحقّق به دعواك . فقال أمير المؤمنين عليه السلام : خرجت - أيّها النصراني - من مستقرّك مستفزّا لمن قصدت بسؤالك له ، مضمرا خلاف ما أظهرت من الطلب والاسترشاد ، فأريت في منامك مقامي ، وحدّثت فيه بكلامي ، وحذّرت فيه من خلافي ، وأمرت فيه باتباعي . قال : صدقت واللّه الذي بعث المسيح ، وما إطلع على ما أخبرتني به إلاّ اللّه تعالى ، وأنا أشهد أن لا إله إلاّ اللّه ، وأنّ محمدا صلى الله عليه و آله رسول اللّه ، وأنّك وصي رسول اللّه ، وأحقّ الناس بمقامه . وأسلم الذين كانوا معه كإسلامه ، وقالوا : نرجع إلى صاحبنا ، فنخبره بما وجدنا عليه هذا الأمر ، وندعوه إلى الحقّ . فقال له عمر : الحمد للّه الذي هداك - أيّها الرجل - إلى الحقّ ، وهدى من معك إليه ، غير أنّه يجب أن تعلم أنّ علم النبوة في أهل بيت صاحبها ، والأمر من بعده لمن خاطبت أولاً برضا الأمّة واصطلاحها عليه !! وتخبر صاحبك بذلك ، وتدعوه إلى طاعة الخليفة . فقال : قد عرفت - أيّها الرجل - وأنا على يقين من أمري فيما أسررت وأعلنت . وانصرف الناس ، وتقدّم عمر ألاّ يذكر ذلك المقام من بعد ، وتوعّد على من ذكره بالعقاب ، وقال : أما واللّه ، لولا أنّني أخاف أن يقول الناس : قتل مسلما ، لقتلت هذا الشيخ ومن معه ، فإنّي أظنّ أنّهم شياطين أرادوا الإفساد على هذه الأمّة ، وايقاع الفرقة بينها . فقال أمير المؤمنين عليه السلام لي : يا سلمان ، أما ترى كيف يظهر اللّه الحجّة لأوليائه ، وما يزيد بذلك قومنا عنّا إلاّ نفورا !

ص: 134

ص: 135

أبو بكر بن مردويه في كتابه عن سفيان أنّه قال : ما حاجّ علي عليه السلامأحدا

إلاّ حجّه(1) .

ص: 136


1- حلية الأولياء : 7/34 .
وَكانَ الإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً

أبو بكر الشيرازي في كتابه عن مالك عن أنس عن ابن شهاب ، وأبو يوسف يعقوب بن سفيان في تفسيره ، وأحمد بن حنبل وأبو يعلي في مسنديهما ، قال ابن شهاب : أخبرني علي بن الحسين عليهماالسلام : أنّ أباه الحسين بن علي عليهماالسلام أخبره : أنّ علي بن أبي طالب

عليهماالسلام أخبره :

إنّ النبي صلى الله عليه و آله طرقه وفاطمة عليهاالسلام بنت رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، فقال : ألا تصلّون ؟ فقلت : يا رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، إنّما أنفسنا بيد اللّه ، فإذا شاء أن يبعثنا - أي يكثر اللطف بنا - .

فانصرف حين قلت ذلك ، ولم يرجع إليّ ، ثم سمعته وهو مولّ يضرب فخذيه يقول : « وَكانَ الإِنْسانُ » يعني علي بن أبي طالب عليهماالسلام « أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً » يعني متكلّما بالحقّ والصدق(1)(2) .

ردّه على رأس الجالوت

وقال لرأس الجالوت لمّا قال له : لم تلبثوا بعد نبيكم إلاّ ثلاثين سنة حتى ضرب بعضكم وجه بعض بالسيف .

ص: 137


1- مسند الشاميين للطبراني : 4/163 رقم 3005 ، مسند أحمد : 1/112 ، كتاب البخاري : 2/43 « باب التهجّد بالليل » ، السنن الكبرى للبيهقي : 2/500 ، تفسير البغوي : 3/168 .
2- الخبر عاميّ ، فلابد من النظر اليه بعين الريبة والتحقّق ، لما يتضمّن من جواب أمير المؤمنين عليه السلام للنبي صلى الله عليه و آله .

فقال عليه السلام : وأنتم لم تجفّ أقدامكم من ماء البحر حتى قلتم لموسى : « اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ »(1) .

محاججته مع كليب الجرمي

وأرسل إليه أهل البصرة كليبا الجرمي بعد يوم الجمل ليزيل الشبهة عنهم في أمره ، فذكر له ما علم أنّه على الحقّ .

ثم قال له : بايع ، فقال : إنّي رسول القوم ، فلا أحدث حدثا حتى ارجع إليهم ، فقال : أرأيت لو أنّ الذين ولّوك بعثوك رائدا تبتغي لهم مساقط الغيث ، فرجعت إليهم ، فأخبرتهم عن الكلأ والماء ، قال : فامدد إذا يدك .

قال كليب : فواللّه ما استطعت أن أمتنع عند قيام الحجّة عليّ ، فبايعته(2) .

كلامه عليه السلام في التوحيد

وقوله عليه السلام : أول معرفة اللّه توحيده وأصل توحيده نفي الصفات عنه(3) . . إلى آخر الخبر .

ص: 138


1- فضائل الصحابة لابن حنبل : 2/725 ، العرائس للثعلبي : 113 ، نهاية الأرب : 6/31 ، جواهر المطالب : 1/259 .
2- نهج البلاغة : 244 خ 170 ، ربيع الأبرار للزمخشري : 1/710 ، تاريخ الطبري : 3/505 « نزول أمير المؤمنين عليه السلام ذا قار » .
3- في الإحتجاج للطبرسي : 1/298 ، والإقتصاد للطوسي : 14 ، وتحف العقول لابن شعبة الحراني : 61 : إنّ أوّل عبادة اللّه معرفته ، وأصل معرفته توحيده ، ونظام توحيده نفي الصفات عنه ، لشهادة العقول أنّ كلّ صفة وموصوف مخلوق ، وشهادة كلّ مخلوق أنّ له خالقا ليس بصفة ولا موصوف ، وشهادة كلّ صفة وموصوف بالاقتران ، وشهادة الاقتران بالحدث ، وشهادة الحدث بالامتناع من الأزل الممتنع من حدثه ، فليس اللّه عرف من عرف ذاته ، ولا له وحّد من نهاه ، ولا به صدّق من مثّله ، ولا حقيقته أصاب من شبّهه ، ولا إياه أراد من توهّمه ، ولا له وحّد من اكتنهه ، ولا به آمن من جعل له نهاية ، ولا صمّده من أشار إليه ، ولا إياه عنى من حدّه ، ولا له تذلّل من بعّضه ، كلّ قائم بنفسه مصنوع ، وكلّ موجود في سواه معلول بصنع اللّه يستدلّ عليه ، وبالعقول تعتقد معرفته ، وبالفكرة تثبت حجّته ، وبآياته احتجّ على خلقه ، خلق اللّه الخلق فعلّق حجابا بينه وبينهم ، فبمباينته إيّاهم مفارقته إنّيتهم وإيداؤه إيّاهم شاهد على ألاّ أداة فيه لشهادة الأدوات بفاقة المؤدين ، وابتداؤه إيّاهم دليل على ألاّ ابتداء له ، لعجز كلّ مبتدأ عن إبداء غيره ، أسماؤه تعبير ، وأفعاله تفهيم ، وذاته حقيقة ، وكنهه تفرقة بينه وبين خلقه . قد جهل اللّه من استوصفه ، وتعدّاه من مثّله ، وأخطأه من اكتنهه ، فمن قال : أين ؟ فقد بوأه ، ومن قال : فيم ؟ فقد ضمّنه ، ومن قال : إلى م ؟ فقد نهّاه ، ومن قال : لم ؟ فقد علّله ، ومن قال : كيف ؟ فقد شبّهه ، ومن قال : إذ ، فقد وقته ، ومن قال : حتى ، فقد غيّاه ، ومن غيّاه فقد جزّاه ، ومن جزّاه فقد وصفه ، ومن وصفه فقد ألحد فيه ، ومن بعّضه فقد عدل عنه ، لا يتغيّر اللّه بتغيير المخلوق ، كما لا يتحدّد بتحديد المحدود ، أحد لا بتأويل عدد ، صمد لا بتبعيض بدد ، باطن لا بمداخلة ، ظاهر لا بمزايلة ، متجلّ لا باشتمال رؤية ، لطيف لا بتجسم ، فاعل لا باضطراب حركة ، مقدر لا بجول فكرة ، مدبر لا بحركة ، سميع لا بآلة ، بصير لا بأداة ، قريب لا بمداناة ، بعيد لا بمسافة ، موجود لا بعد عدم ، لا تصحبه الأوقات ، ولا تتضمّنه الأماكن ، ولا تأخذه السنات ، ولا تحدّه الصفات ، ولا تقيّده الأدوات ، سبق الأوقات كونه ، والعدم وجوده ، والابتداء أزله ، بتشعيره المشاعر علم أن لا مشعر له ، وبتجهيره الجواهر علم أن لا جوهر له ، وبإنشائه البرايا علم أن لا منشئ له ، وبمضادته بين الأمور عرف أن لا ضدّ له ، وبمقارنته بين الأشياء علم أن لا قرين له ، ضادّ النور بالظلمة ، والصرد بالحرور ، مؤلفا بين متعادياتها ، متقاربا بين متبايناتها ، دالة بتفريقها على مفرّقها ، وبتأليفها على مؤلّفها ، جعلها - سبحانه - دلائل على ربوبيته ، وشواهد على غيبته ، ونواطق عن حكمته ، إذ ينطق تكوّنهن عن حدثهن ، ويخبرن بوجودهن عن عدمهن ، وينبئن بتنقيلهن عن زوالهن ، ويعلن بأفولهن أن لا أفول لخالقهن ، وذلك قوله جلّ ثناؤه : « وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ » ، ففرّق بين هاتين قبل وبعد ، ليعلم أن لا قبل له ولا بعد ، شاهدة بغرائزها أن لا غريزة لمغرزها ، دالّة بتفاوتها أن لا تفاوت في مفاوتها ، مخبرة بتوقيتها أن لا وقت لموقّتها ، حجب بعضها عن بعض ، ليعلم أن لا حجاب بينه وبينها ، ثبت له معنى الربوبية إذ لا مربوب ، وحقيقة الإلهية ولا مألوه ، وتأويل السمع ولا مسموع ، ومعنى العلم ولا معلوم ، ووجوب القدرة ولا مقدور عليه ، ليس مذ خلق الخلق استحق اسم الخالق ، ولا بإحداثه البرايا استحقّ اسم البارئ ، فرّقها لا من شيء ، وألّفها لا بشيء ، وقدّرها لا باهتمام ، لا تقع الأوهام على كنهه ، ولا تحيط الأفهام بذاته ، لا تفوته متى ، ولا تدنيه قد ، ولا تحجبه لعلّ ، ولا تقارنه مع ، ولا تشتمله هو ، إنّما تحدّ الأدوات أنفسها ، وتشير الآلة إلى نظائرها ، وفي الأشياء توجد أفعالها ، وعن الفاقة تخبر الأداة ، وعن الضدّ يخبر التضادّ ، وإلى شبهه يؤول الشبيه ، ومع الأحداث أوقاتها ، وبالأسماء تفترق صفاتها ، ومنها فصلت قرائنها ، وإليها آلت أحداثها ، منعتها مذ القدمة ، وحمتها قد الأزلية ، ونفت عنها لولا الجبرية افترقت فدلّت على مفرّقها ، وتباينت فأعربت عن مباينها ، بها تجلّى صانعها للعقول ، وبها احتجب عن الرؤية ، وإليها تحاكم الأوهام ، وفيها أثبتت العبرة ، ومنها أنيط الدليل بالعقول ، يعتقد التصديق باللّه ، وبالإقرار يكمل الإيمان . لا دين إلاّ بمعرفة ، ولا معرفة إلاّ بتصديق ، ولا تصديق إلاّ بتجريد التوحيد ، ولا توحيد إلاّ بالإخلاص ، ولا إخلاص مع التشبيه ، ولا نفي مع إثبات الصفات ، ولا تجريد إلاّ باستقصاء النفي كلّه ، إثبات بعض التشبيه يوجب الكلّ ، ولا يستوجب كلّ التوحيد ببعض النفي دون الكلّ ، والإقرار نفي الإنكار ، ولا ينال الإخلاص بشيء من الإنكار ، كلّ موجود في الخلق لا يوجد في خالقه ، وكلّ ما يمكن فيه يمتنع في صانعه ، لا تجري عليه الحركة ، ولا يمكن فيه التجزئة ولا الاتصال ، وكيف يجري عليه ما هو أجراه ، أو يعود إليه ما هو ابتدأه ، أو يحدث فيه ما هو أحدثه ، إذا لتفاوتت ذاته ، ولتجزأ كنهه ، ولامتنع من الأزل معناه ، ولما كان للأزل معنى إلاّ معنى الحدث ، ولا للبارئ إلاّ معنى المبروء ، لو كان له وراء لكان له أمام ، ولو التمس التمام إذا لزمه النقصان ، وكيف يستحق اسم الأزل من لا يمتنع من الحدث ، وكيف يستأهل الدوام من تنقله الأحوال والأعوام ، وكيف ينشئ الأشياء من لا يمتنع من الأشياء ، إذا لقامت فيه آلة المصنوع ، ولتحوّل دليلاً بعد أن كان مدلولاً عليه ، ولاقترنت صفاته بصفات ما دونه ، ليس في محال القول حجّة ، ولا في المسألة عنها جواب ، هذا مختصر منها . .

ص: 139

ص: 140

وما أطنب المتكلّمون في الأصول إنّما هو زيادة لتلك الجمل ، وشرح لتلك الأصول ، فالإمامية يرجعون إلى الصادق عليه السلام ، وهو إلى آبائه عليهم السلام ، والمعتزلة والزيدية يرويه لهم القاضي عبد الجبار بن أحمد عن أبي عبد اللّه الحسين البصري ، وأبي إسحاق عباس عن أبي هاشم الجبائي عن أبيه أبي علي عن أبي يعقوب الشحام عن أبي الهذيل العلاف عن أبي عثمان الطويل عن واصل بن عطا عن أبي هاشم عبد اللّه بن محمد بن علي عن أبيه محمد بن الحنفية عنه عليه السلام .

قال الورّاق القمّي :

علي لهذا الناس قد بيّن الذي

هم اختلفوا فيه ولم يتوهّم

علي أعاش الدين وفّاه حقّه

ولولاه ما أفضى إلى عشر درهم

* * *

ص: 141

النحاة
اشارة

ومنهم النحاة ، وهو واضع النحو ، لأنّهم يروونه عن الخليل بن أحمد بن عيسى بن عمرو الثقفي عن عبد اللّه بن إسحاق الحضرمي عن أبي عمرو بن العلاء عن ميمون الأفرن عن عنبسة الفيل عن أبي الأسود الدؤلي عنه عليه السلام .

علّة تأسيس النحو

والسبب في ذلك أنّ قريشا كانوا يزوّجون بالأنباط ، فوقع فيما بينهم أولاد ، ففسد لسانهم حتى أن بنتا لخويلد الأسدي كانت متزوّجة بالأنباط ، فقالت : إنّ أبوي مات ، وترك عليّ مال كثير ، فلمّا رأوا فساد لسانها أسّس النحو .

وروي أنّ أعرابيا سمع من سوقي يقرأ : « إنّ اللّه برئ من المشركين ورسوله » ، فشج رأسه ، فخاصمه إلى أمير المؤمنين عليه السلام ، فقال له في ذلك ، فقال : إنّه كفر باللّه في قراءته ، فقال عليه السلام : إنّه لم يتعمد ذلك .

وروي أنّ أبا الأسود كان في بصره سوء ، وله بنيّة تقوده إلى علي عليه السلام ، فقالت : يا أبتاه ، ما أشدّ حرّ الرمضاء ! تريد التعجب ، فنهاها عن مقالتها ، فأخبر أمير المؤمنين عليه السلام بذلك فأسّس .

وروي أنّ أبا الأسود كان يمشي خلف جنازة ، فقال له رجل : من المتوفي ؟

فقال : اللّه ، ثم أخبر عليا عليه السلام بذلك فأسّس .

ص: 142

فعلى أيّ وجه كان وقعه إلى أبى الأسود ، وقال : ما أحسن هذا النحو ، احش له بالمسائل ، فسمّي نحوا(1) .

* * *

قال ابن سلام : كانت الرقعة : الكلام "كلّه" ثلاثة أشياء : اسم ، وفعل ، وحرف جاء لمعنى ، فالاسم : ما أنبأ عن المسمّى ، والفعل : ما أنبأ عن حركة المسمّى ، والحرف : ما أوجد معنى في غيره(2) .

وكتب «علي بن أبو طالب عليهماالسلام» ، فعجزوا عن ذلك ، فقالوا : أبو طالب عليه السلام اسمه كنيته(3) ، وقالوا : هذا تركيب مثل « دراخنا » ، و« حضرموت » .

وقال الزمخشري في الفائق : ترك في حال الجرّ على لفظه في حال الرفع ، لأنّه اشتهر بذلك وعرف ، فجرى مجرى المثل الذي لا يغيّر(4) .

الخطباء

ومنهم الخطباء وهو أخطبهم ، ألا ترى إلى خطبه ، مثل : التوحيد ، والشقشقية، والهداية ، والملاحم ، واللؤلؤة ، والغراء ، والقاصعة ، والافتخار، والأشباح ، والدرّة اليتيمة ، والأقاليم ، والوسيلة ، والطالوتية ، والقصبية ، والنخيلة ، والسلمانية ، والناطقة ، والدامغة ، والفاضحة ، بل إلى نهج البلاغة

ص: 143


1- تاريخ الإسلام للذهبي : 5/278 .
2- الفصول المختارة للمرتضى : 91 .
3- معرفة الحديث للحاكم : 187 ، المجدي في أنساب الطالبيين : 7 .
4- الفائق للزمخشري : 1/14 .

عن الشريف الرضي ، وكتاب خطب أمير المؤمنين عليه السلام عن إسماعيل بن مهران السكوني عن زيد بن وهب أيضا .

قال الحميري :

من كان أخطبهم وأنطقهم ومن

قد كان يشفى حوله البرحاء(1)

من كان أنزعهم من الاشراك وللعلم كان البطن منه خفاء

من ذا الذي أمروا إذ اختلفوا بأنيرضوا به في أمرهم قضاء

من قيل لولاه ولولا علمههلكوا وعانوا فتنة صماء

* * *

الفصحاء والبلغاء
اشارة

ومنهم الفصحاء والبلغاء ، وهو أوفرهم حظّا .

قال الرضي : كان أمير المؤمنين عليه السلام مشرع الفصاحة وموردها ، ومنشأ البلاغة ومولدها ، ومنه ظهر مكنونها ، وعنه أخذت قوانينها(2) .

الجاحظ في كتاب الغرّة : كتب إلى معاوية : غرّك عزّك ، فصار قصارى ذلك ذلّك ، فاخش فاحش فعلك فعلّك تهدى بهدى(3)(4) .

وقال عليه السلام : من آمن أمن(5) .

ص: 144


1- البرحاء : الشدائد ، وبرحاء الحمى : شدّتها .
2- نهج البلاغة : 1/11 .
3- في المخطوطة : « تهدا بهذا » .
4- وفيات الأعيان لابن خلكان : 4/53 ، سير أعلام النبلاء : 16/308 ، البداية والنهاية : 11/300، الكامل لابن الأثير : 9/9، الوافي بالوفيات: 3/198، مطالب السؤول: 301.
5- عيون الحكم والمواعظ : 428 .
خطبته الخالية من الألف

وروى الكلبي عن أبي صالح وأبو جعفر بن بابويه بإسناده عن الرضا عليه السلام عن آبائه عليهم السلام : أنّه اجتمعت الصحابة ، فتذاكروا أنّ الألف أكثر دخولاً في الكلام ، فارتجل عليه السلام الخطبة المونقة التي أولها :

حمدت من عظمت منّته ، وسبغت نعمته ، وسبقت رحمته ، وتمّت كلمته ، ونفذت مشيّته ، وبلغت قضيته(1) . . إلى آخرها .

ص: 145


1- في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 19/140 ، ومطالب السؤول في مناقب آل الرسول : لابن طلحة الشافعي : 297 ، ونهج الإيمان لابن جبر : 278 ، والصراط المستقيم لعلي بن يونس العاملي : 1/222 ، والمصباح للكفعمي : 741 : حمدت من عظمت منّته ، وسبغت نعمته ، وتمّت كلمته ، ونفذت مشيّته ، وبلغت حجّته ، وعدلت قضيّته ، وسبقت غضبه رحمته ، حمدته حمد مقرّ بربوبيته ، متخضّع لعبوديته ، متنصل من خطيئته ، معترف بتوحيده ، مستعيذ من وعيده ، مؤمّل من ربّه مغفرة تنجيه ، يوم يشغل كلّ عن فصيلته وبنيه . ونستعينه ونسترشده ، ونؤمن به ونتوكّل عليه ، وشهدت له شهود عبد موقن ، وفرّدته تفريد مؤمن متقن ، ووحّدته توحيد عبد مذعن ، ليس له شريك في ملكه ، ولم يكن له ولي في صنعه ، جلّ عن مشير ووزير ، عون ومعين ونظير ، علم فستر ، وبطن فخبر ، وملك فقهر ، وعصى فغفر ، وعبد فشكر ، وحكم فعدل ، وتكّرم وتفضّل ، لن يزول ولم يزل ، ليس كمثله شيء ، وهو قبل كلّ شيء ، وبعد كلّ شيء ، ربّ متفرّد بعزّته ، متمكّن بقوّته ، متقدّس بعلوه ، متكبّر بسمّوه ، ليس يدركه بصر ، ولم يحيط به نظر ، قوي منيع ، بصير سميع ، رؤوف رحيم ، عجز عن وصفه من وصفه ، وضلّ عن نعته من عرفه ، قرب فبعد ، وبعد فقرب ، يجيب دعوة من يدعوه ، ويرزقه ويحبوه ، ذو لطف خفي ، وبطش قوي ، ورحمة موسعة ، وعقوبة موجعة ، رحمته جنّة عريضة مونقة ، وعقوبته جحيم ممدودة موبقة . وشهدت ببعث محمد عبده ، ورسوله ، ونبيّه ، وصفيّه ، وحبيبه ، وخليله ، بعثه في خير عصر ، وحين فترة وكفر ، رحمة لعبيده ، ومنّة لمزيده ، ختم به نبوته ، ووضحت به حجّته ، فوعظ ونصح ، وبلّغ وكدح ، رؤوف بكلّ مؤمن ، رحيم سخي ، وليّ رضيّ زكيّ ، عليه رحمة وتسليم ، وبركة وتعظيم وتكريم من ربّ غفور رحيم ، قريب مجيب حليم . وصيّتكم معشر من حضر بوصية ربّكم ، وذكّرتكم سنّة نبيكم ، فعليكم برهبة تسكن قلوبكم ، وخشية تذري دموعكم ، وتقية تنجيكم قبل يوم يذهلكم ويبتليكم ، يوم يفوز فيه من ثقل وزن حسنته ، وخفّ وزن سيئته ، وعليكم بمسألة ذلّ وخضوع ، وتملّق وخشوع ، وتوبة ونزوع ، وليغنم كلّ منكم صحّته قبل سقمه ، وشبيبته قبل هرمه ، وسعته قبل فقره ، وفرغته قبل شغله ، وحضره قبل سفره ، وحياته قبل موته ، قبل يهن ويمرض ويسقم ، ويملّه طبيبه ، ويعرض عنه حبيبه ، وينقطع عمره ويتغيّر عقله ، ثمّ قيل : هو موعوك ، وجسمه منهوك ، ثم جدّ في نزع شديد ، وحضر كلّ قريب وبعيد ، فشخص ببصره ، وطمح بنظره ، ورشح جبينه ، وخطف عرينه ، وسكن حنينه ، وجذبت نفسه ، وبكت عرسه ، وحفر رمسه ، ويتم منه ولده ، وتفرّق عنه عدده ، وفصم جمعه ، وذهب بصره وسمعه ، وجرّد وغسّل ، ونشّف وسجى ، وبسط له وهي ، ونشر عليه كفنه ، وشدّ منه ذقنه ، وحمل فوق سرير ، وصلّى عليه بتكبير ، بغير سجود وتعفير ، ونقل من دور مزخرفة ، وقصور مشيّدة ، وفرش منجّده ، فجعل في ضريح ملحود ، ضيّق مرصود ، بلبن منضود ، مسقف بجلمود ، وهيل عليه عفره ، وحثى مدره ، وتحقّق حذره ، ونسي خبره ، ورجع عنه وليّه ، ونديمه ونسيبه وحميمه ، وتبدّل به قريبه وحبيبه ، فهو حشو قبر ، ورهين حشير ، يدبّ في جسمه دود قبره ، ويسيل صديده من منخره ، وتسحقّ تربته لحمه ، وينشف دمه ، ويرم عظمه ، حتى يوم حشره ، فينشره من قبره ، وينفخ في صور ، ويدعى لمحشر ونشور . فثمّ بعثرت قبور ، وحصلّت سريرة صدور ، وجيء بكلّ نبي وصديق ، وشهيد ونطيق ، وقعد لفصل حكمه قدير ، بعبده خبير بصير ، فكم زفرة تغنيه ، وحسرة تضنيه ، في موقف مهيل ، ومشهد جليل ، بين يدي ملك عظيم ، بكلّ صغيرة وكبيرة عليم ، فحينئذ يلجمه عرقه ، ويحفزه قلقه ، فعبرته غير مرحومة ، وصرخته غير مسموعة ، وبرزت صحيفته ، وتبيّنت جريرته ، فنظر في سوء عمله ، وشهدت عينه بنظره ، ويده ببطشه ، ورجله بخطوه ، وجلده بلمسه ، وفرجه بمسّه ، وتهدّده منكر ونكير ، وكشف له حيث يصير ، فسلسل جيده ، وغلّت يده ، وسيق يسحب وحده ، فورد جهنم بكرب شديد ، وضلّ يعذّب في جهنم جحيم ، ويسقى شربة من حميم ، تشوي وجهه ، وتسلخ جلده ، يستغيث فيعرض عنه خزنة جهنم ، ويستصرخ خفية بندم . نعوذ بربّ قدير ، من شرّ كلّ مصير ، ونسأل عفو من رضي عنه ، ومغفرة من قبل منه ، وهو وليّ مسألتي ، ومنجح طلبتي ، فمن زحزح عن تعذيب ربّه جعل في جنته بقربه ، وخلّد في قصور ونعمة ، وملك بحور عين ، وتقلّب في نعيم ، وسقي من تسنيم ، مختوم بمسك وعبير ، يشرب من خمر معذوذب شربه ، ليس تنزف لبّه . هذه منزلة من خشي ربّه ، وحذر نفسه ، وتلك عقوبة من عصى مشيّته ، وسوّلت له نفسه معصيته ، لهم قول فصل ، خير قصص قصّ ، ووعظ به ونصّ « تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ » .

ص: 146

خطبته الخالية من النقط

ثم ارتجل خطبة أخرى من غير النقط التي أولها : الحمد للّه أهل الحمد ومأواه ، وله أوكد الحمد وأحلاه ، وأسرع الحمد وأسراه ، وأظهر الحمد وأسماه ، وأكرم الحمد وأولاه(1) . . إلى آخرها ، وقد أوردتهما في المخزون المكنون .

من كلامه عليه السلام

ومن كلامه عليه السلام : تخفّفوا تلحقوا ، فإنّما ينتظر بأوّلكم آخركم(2) .

ص: 147


1- نهج الإيمان : 278 .
2- نهج البلاغة : 1/58 ، روضة الواعظين : 490 ، عيون الحكم والمواعظ : 203 ، تفسير مجمع البيان : 4/40 .

وقوله عليه السلام : ومن يقبض يده عن عشيرته ، فإنّما يقبض عنهم بيد(1) واحدة ، ويقبض منهم عنه أيدٍ كثيرة ، ومن تلن حاشيته يستدم من قومه المودّة(2) .

وقوله عليه السلام : من جهل شيئا عاداه(3) ، مثله « بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ » .

وقوله عليه السلام : المرء مخبو تحت لسانه ، فإذا تكلّم ظهر ، مثله « وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ » .

وقوله عليه السلام : قيمة كلّ إمرئ ما يحسن ، مثله « إِنَّ اللّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ

وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ » .

وقوله عليه السلام : القتل يقلّ القتل ، مثله « وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ »(4) .

الشعراء

ومنهم الشعراء وهو أشعرهم .

الجاحظ في كتاب البيان والتبيين ، وفي كتاب فضائل بني هاشم أيضا ، والبلاذري في أنساب الأشراف : إنّ عليا أشعر الصحابة وأفصحهم وأخطبهم وأكتبهم .

ص: 148


1- في « النهج » : « يد » .
2- نهج البلاغة : 1/62 .
3- كنز الفوائد للكراجكي : 283 ، المناقب للخوارزمي : 368 رقم 385 .
4- أمالي الطوسي : 494 ح 1082 .

تاريخ البلاذري : كان أبو بكر يقول الشعر ، وعمر يقول الشعر ، وعثمان يقول الشعر ، وكان علي أشعر الثلاثة(1) .

أهل العروض

ومنهم العروضيون .

ومن داره خرجت العروض ، روي أنّ الخليل بن أحمد أخذ رسم العروض عن رجل من أصحاب محمد الباقر عليه السلام ، أو علي بن الحسين عليهماالسلام ، فوضع لذلك أصولاً .

أصحاب العربية

ومنهم أصحاب العربية وهو أحكمهم .

ابن الحريري البصري في درّة الغواص ، وابن فياض في شرح الأخبار : إنّ الصحابة قد اختلفوا في المؤودة ، فقال لهم علي عليه السلام : إنّها لا تكون مؤودة حتى يأتي عليها التارات السبع ، فقال له عمر : صدقت أطال اللّه بقاك ، أراد بذلك المبينة في قوله « وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِْنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ

مِنْ طِينٍ » الآية ، فأشار أنّه إذا استهل بعد الولادة ثم دفن فقد وئد(2) .

ص: 149


1- أنساب الأشراف : 2/152 ، الإستيعاب : 3/1225 ، تاريخ دمشق : 42/520 .
2- في شرح الأخبار للقاضي النعمان المغربي : 2/316 ح649 : يزيد بن أبي جندب ، بإسناده عن أبي رافع قال : تذاكر أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه و آله العزل يوما عند عمر بن الخطاب في أيامه ، وفيهم علي عليه السلام وعثمان وطلحة ومعاذ بن جبل ، فاجتمع رأيهم على أن لا بأس له ، ثم أصغى رجل منهم إلى صاحبه ، فقال : إنّهم يزعمون أنّها الموؤدة الصغرى ، فقال عمر : ما تقول ؟ فأخبره . فقال : إذا اختلفتم ، وأنتم أهل بدر ، فإلى من نرجع ؟ فقال علي عليه السلام : إنّها لا تكون موؤدة حتى تمرّ بالتارات ، ألست تكون نطفة ، ثم تكون علقة ، ثم تكون مضغة ، ثم عظما ، ثم لحما ، ثم يكون خلقا آخر .فقال له عمر : صدقت يا أبا الحسن ، فأبقاك اللّه للمعضلات .
الوعاظ

ومنهم الوعاظ ، وليس لأحد من الأمثال والعبر والمواعظ والزواجر ما له ، نحو قوله :

من زرع العدوان حصد الخسران(1) .

من ذكر المنيّة نسي الأمنيّة(2) .

من قعد به العقل قام به الجهل(3) .

يا أهل الغرور ، ما ألهجكم بدار خيرها زهيد ، وشرّها عتيد ، ونعيمها مسلوب، وعزيزها منكوب ، ومسالمها محروم ، ومالكها مملوك ، وتراثها متروك(4) .

وصنف عبد الواحد الآمدي غرر الحكم من كلامه عليه السلام .

الفلاسفة

ومنهم الفلاسفة وهو أرجحهم .

ص: 150


1- غرر الحكم : 261 ح 10572 ، عيون الحكم والمواعظ : 431 .
2- غرر الحكم : 146 ح 2655 .
3- غرر الحكم : 55 ح 505 .
4- غرر الحكم : 129 ح 2183 .

قال عليه السلام : أنا النقطة ، أنا الخطّ ، أنا الخطّ ، أنا النقطة ، أنا النقطة والخطّ .

فقال جماعة : إنّ القدرة هي الأصل ، والجسم حجابه ، والصورة حجاب الجسم ، لأنّ النقطة هي الأصل ، والخطّ حجابه ومقامه ، والحجاب غير الجسد الناسوتي(1) .

وسئل عليه السلام عن العالم العلوي ، فقال : صور عارية عن المواد ، عالية عن القوّة والاستعداد ، تجلّى لها فأشرقت ، وطالعها فتلألأت ، وألقى في هويّتها مثاله ، فأظهر عنها أفعاله ، وخلق الإنسان ذا نفس ناطقة ، إن زكّاها بالعلم فقد شابهت جواهر أوائل عللها ، وإذا اعتدل مزاجها ، وفارقت الأضداد ، فقد شارك بها السبع الشداد(2) .

أبو علي بن سينا : لم يكن شجاعا فيلسوفا(3) قطّ إلاّ علي عليه السلام .

الشريف الرضي : من سمع كلامه لا يشكّ أنّه كلام من قبع في كسر بيت أو انقطع في سفح جبل ، لا يسمع إلاّ حسّه ، ولا يري إلاّ نفسه ، ولا يكاد يوقن بأنّه كلام من يتغمّس في الحرب مصلتا سيفه ، فيقطّ(4) الرقاب ،

ص: 151


1- نهج الإيمان : 279 ، الصراط المستقيم : 1/222 .
2- غرر الحكم : 231 ح 4622 ، عيون المواعظ والحكم : 304 .
3- قد لا يصحّ إطلاق « الفيلسوف » على الإمام أمير المؤمنين وسيد الموحّدين ووصي رسول ربّ العالمين المحدّث عن النبي صلى الله عليه و آله عن اللّه تعالى ، ومقيم الحجّة وراسم المحجّة ، والمبلّغ الهادي عن اللّه عزّ وجلّ ، وعلمه من علم النبي صلى الله عليه و آله وعلم اللّه سبحانه ، فربما أخذ الفلاسفة منه عليه السلام ، أمّا أن يكون الإمام فيلسوفا فلا ، على أنّ أصل الفسلفة ليست من العلوم الإسلامية .
4- قطّ الشيء قطّا : قطعه عرضا ، والقطّ : قطع الشيء الصلب .

ويجدّل الأبطال ، ويعود به ينطف دما ، ويقطر مهجا ، وهو مع ذلك زاهد الزهاد ، وبدل الأبدال .

وهذه من فضائله العجيبة ، وخصائصة التي جمع بها بين الأضداد(1) .

* * *

قال السوسي :

في كفّه سبب الموت الوفي فمن

عصاه مدّ له من ذلك السبب

في فيه سيف حكاه سيف راحته

سيّان ذاك وذا في الخطب والخطب

لو قال للحي مت لم يحيي من رهب

أو قال للميت عش ما مات من رعب

أو قال لليل كن صبحا لكان ولو

للشمس قال اطلعي بالليل لم تغب

أو مدّ كفّا إلى الدنيا ليقلبها

هانت عليه بلا كدّ ولا تعب

ذاك الإمام الذي جبريل خادمه

إن ناب خطب ينب عنه ولا ينب

وعزرائيل مطواع له فمتى

يقل أمت ذا يمل أو هبه لي يهب

ص: 152


1- نهج البلاغة : 1/12 مقدمة المؤلف .

رضوان راض به مولى ومالك

مملوك يطيعانه في منتدب

* * *

المهندسون
اشارة

ومنهم المهندسون وهو أعلمهم .

وزن القيد بإزاحة الماء

حفص بن غالب مرفوعا قال : بينا رجلان جالسان في زمن عمر ، إذ مرّ بهما عبد مقيد ، فقال أحدهما : إن لم يكن في قيده كذا وكذا فامرأته طالق ثلاثا ، وحلف الآخر بخلاف مقاله ، فسئل مولى العبد أن يحلّ قيده حتى يعرف وزنه ، فأبى .

فارتفعا إلى عمر ، فقال لهما : اعتزلا نساءكما .

وبعث إلى علي عليه السلام وسأله عن ذلك ، فدعا بإجّانة(1) ، فأمر الغلام أن يجعل رجله فيها ، ثم أمر أن يصبّ الماء حتى غمر القيد والرجل ، ثم علّم في الإجّانة علامة ، وأمره أن يرفع قيده من رجله ، فنزل الماء من العلامة ، فدعا بالحديد فوضعه في الإجّانة حتى تراجع الماء إلى موضعه ،

ص: 153


1- الإجّانة : بالكسر والتشديد : واحدة الإجاجين ، وهي المركن ، والذي يغسل فيه الثياب . مجمع البحرين .

ثم أمر أن يوزن الحديد ، فوزن ، فكان وزنه بمثل وزن القيد ، وأخرج القيد فوزن ، فكان مثل ذلك ، فعجب عمر(1) .

وزن الفيل بإزاحة الماء

التهذيب : قال رجل لأمير المؤمنين عليه السلام : إنّى حلفت أن أزن الفيل ، فقال : لم تحلفون بما لا تطيقون ؟!

فقال : قد ابتليت .

فأمر عليه السلام بقرقور(2) فيه قصب ، فأخرج منه قصب كثير ، ثم علّم صنع الماء بقدر ما عرف صنع الماء قبل أن يخرج القصب ، ثم صيّر الفيل فيه حتى رجع إلى مقداره الذي كان انتهى إليه صنع الماء أولاً ، ثم أمر بوزن القصب الذي أخرج .

فلمّا وزن قال : هذا وزن الفيل(3) .

وضع الكلك وعمل المجداف

ويقال : وضع كلكا(4) ، وعمل المجداف ، وأجري على الفرات أيام صفين .

ص: 154


1- الفقيه للصدوق : 3/17 ح 3246 ، خصائص الأئمة للشريف الرضي : 85 ، الروضة لشاذان : 214 ح 182 ، التهذيب للطوسي : 8/318 .
2- القرقور : السفينة الطويلة أو العظيمة .
3- التهذيب للطوسي : 8/318 ح 1184 .
4- الكلك : مركب يركب في أنهر العراق .
المنجمّون
اشارة

ومنهم المنجمون ، وهو أكيسهم .

خبر الدهقان المنجم مع أمير المؤمنين عليه السلام

سعيد بن جبير أنّه قال : استقبل أمير المؤمنين عليه السلام دهقان - وفي رواية قيس بن سعد : أنّه مزجان بن شاشوا - استقبله من المدائن إلى جسر بوران ، فقال له :

يا أمير المؤمنين عليه السلام تناحست النجوم الطالعات ، وتناحست السعود بالنحوس ، فإذا كان مثل هذا اليوم وجب على الحكيم الاختفاء ، ويومك هذا يوم صعب ، قد اقترن فيه كوكبان ، وانكفى فيه الميزان ، وانقدح من برجك النيران ، وليس الحرب لك بمكان .

فقال أمير المؤمنين عليه السلام : أيّها الدهقان ، المنبئ بالآثار ، المخوّف من الأقدار ، ما كان البارحة صاحب الميزان ، وفي أيّ برج كان صاحب السرطان ، وكم الطالع من الأسد ، والساعات في الحركات ، وكم بين السراري والذراري ، قال : سأنظر إلى الأصطرلاب .

فتبسم أمير المؤمنين عليه السلام وقال له : ويلك يا دهقان ، أنت مسير الثابتات ؟ أم كيف تقضي على الجاريات ؟ وأين ساعات الأسد من المطالع ؟ وما الزهرة من التوابع والجوامع ؟ وما دور السراري المحركات ؟ وكم قدر شعاع المنيرات ؟ وكم التحصيل بالغدوات ؟ فقال : لا علم لي بذلك يا أمير المؤمنين عليه السلام .

ص: 155

فقال عليه السلام له : يا دهقان ، هل نتج علمك أن انتقل بيت ملك الصين ، واحترقت دور بالزنج ، وخمد بيت نار فارس ، وانهدمت منارة الهند ، وغرقت سرانديب ، وانقض حصن الأندلس ، ونبح بترك الروم بالرومية.

وفي رواية : البارحة وقع بيت بالصين ، وانفرج برج ماجين ، وسقط سور سرانديب ، وانهزم بطريق الروم بأرمينية ، وفقد ديان اليهود بايلة ، وهاج النمل بوادي النمل ، وهلك ملك إفريقية ، أكنت عالما بهذا ؟ قال : لا يا أمير المؤمنين عليه السلام .

وفي رواية : أظنّك حكمت باختلاف المشتري وزحل ، إنّما أنار لك في الشفق ، ولاح لك شعاع المريخ في السحر ، واتصل جرمه بجرم القمر .

ثم قال : البارحة سعد سبعون ألف عالم ، وولد في كلّ عالم سبعون ألفا ، والليلة يموت مثلهم ، وهذا منهم ، وأومى ء بيده إلى سعد بن مسعدة الحارثي ، وكان جاسوسا للخوارج في عسكره ، فظن الملعون أنّه يقول : خذوه ، فأخذ بنفسه فمات .

فخر الدهقان ساجدا ، فلمّا أفاق قال أمير المؤمنين عليه السلام : ألم أروك من عين التوفيق ؟ فقال : بلى .

فقال : أنا وصاحبي لا شرقيون ولا غربيون ، نحن ناشئة القطب ، وأعلام الفلك .

أمّا قولك : انقدح من برجك النيران ، فكان الواجب أن تحكم به لي لا عليّ ، أمّا نوره وضياؤه ، فعندي ، وأمّا حريقه ولهبه ، فذهب عنّي ، وهذه مسألة عميقه احسبها إن كنت حاسبا .

ص: 156

فقال الدهقان : أشهد أن لا إله إلاّ اللّه ، وأنّ محمدا رسول اللّه ، وأنّك علي ولي اللّه (1) .

الحسّاب
اشارة

ومنهم الحسّاب ، وهو أوفرهم نصيبا .

خبر حساب ثمن الأرغفة

ابن أبي ليلى : إنّ رجلين تغديا في سفر ، ومع أحدهما خمسة أرغفة ، ومع الآخر ثلاثة ، وواكلهما ثالث ، فأعطاهما ثمانية دراهم عوضا ، فاختصما وارتفعا إلى أمير المؤمنين عليه السلام .

فقال : هذا أمر فيه دناءة ، والخصومة فيه غير جميلة ، والصلح أحسن .

فأبى صاحب الثلاثة إلاّ مرّ القضاء ، فقال عليه السلام : إذا كنت لا ترضى إلاّ بمرّ القضاء ، فاّنّ لك واحدة من ثمانية ، ولصاحبك سبعة ، أليس كان لك ثلاثة أرغفة ولصاحبك خمسة ؟ قال : بلى ، قال : فهذه أربعة وعشرون ثلثا ، أكلت منه ثمانية ، وللضيف ثمانية ، فلمّا أعطاكما الثمانية الدراهم كان لصاحبك سبعة ولك واحدة(2) .

ص: 157


1- دلائل الإمامة للطبري : 58 ، الإحتجاج : 1/357 .
2- الكافي : 7/427 ح10 ، الفقيه للصدوق : 3/37 ح 3279 ، التهذيب للطوسي : 6/290 ح 805 و8/319 ، الإرشاد للمفيد : 1/219 ، الإختصاص : 107 ، كنز الفوائد : 216 ، الإستيعاب : 3/1105 .
أصحاب الكيمياء

ومنهم أصحاب الكيمياء ، وهو أكثرهم حظّا .

سئل أمير المؤمنين عليه السلام عن الصنعة ، فقال : هي أخت النبوة ، وعصمة المروّة ، والناس يتكلّمون فيها بالظاهر ، وإنّي لأعلم ظاهرها وباطنها ، هي - واللّه - ما هي إلاّ ماء جامد ، وهواء راكد ، ونار جائلة ، وأرض سائلة .

وسئل في أثناء خطبته : هل الكيمياء يكون ؟ فقال : وهو كائن وسيكون .

فقيل : من أيّ شيء هو ؟ فقال : إنّه من الزئبق الرجراج ، والأسرب(1) والزاج ، والحديد المزعفر ، وزنجار النحاس الأخضر الحبور(2) إلاّ توقف على عابرهن .

فقيل : فهمنا لا يبلغ إلى ذلك ، فقال : اجعلوا البعض أرضا ، واجعلوا البعض ماء ، وافلحوا الأرض بالماء ، وقد تمّ .

فقيل : زدنا يا أمير المؤمنين عليه السلام ، فقال : لا زيادة عليه ، فإنّ الحكماء القدماء ما زادوا عليه كيما يتلاعب به الناس(3) .

* * *

ص: 158


1- الأسرب : الرصاص .
2- كذا في المخطوطة وفي البحار عن الناقب ، وفي بعض النسخ : « الحور » ، وفي نهج الإيمان : « الجسور لا يوفق على عايرهن » ، وفي الصراط المستقيم : « تكون إصباغ لا يؤتى على عايرهن » .
3- نهج الإيمان لابن جبر : 282 .

قال ابن رزيك :

علي الذي قد كان ناظر قلبه

يريه عيانا ما وراء العواقب

علي الذي قد كان أفرس من علا

على صهوات الصافنات الشوارب

* * *

الأطباء
اشارة

ومنهم الأطباء ، وهو أكثرهم فطنة .

معرفة ما يرجى من الولد من أعضائه

أبو عبد اللّه عليه السلام قال :

كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول : إذا كان الغلام ملتاث الأدرة(1) ، صغير الذكر ، ساكن النظر ، فهو ممّن يرجى خيره ، ويؤمن شرّه ، وإذا كان الغلام شديد الأدرة ، كبير الذكر ، حادّ النظر ، فهو ممّن لا يرجى خيره ، ولا يؤمن شرّه(2) .

ص: 159


1- الالتياث : الاختلاط والالتفاف ، ولاث العمامة على رأسه يلوثها لوثا : أي تعصّب بها وأدارها على رأسه ، ولاث به الناس : استداروا حوله . والأدرة - بالضمّ - : الخصية .
2- الكافي : 6/51 ح 1 ، التهذيب للطوسي : 8/114 ح 393 وفيهما : « الادرة » .
من يعيش من المواليد

وعنه عليه السلام قال : يعيش الولد لستة أشهر ولسبعة ولتسعة ، ولا يعيش لثمانية أشهر(1) .

مخرج لبن الجارية ولبن الغلام

وعنه عليه السلام : لبن الجارية وبولها يخرج من مثانة أمّها ، ولبن الغلام يخرج من العضدين والمنكبين(2) .

نمو الصبي كلّ سنة

وعنه عليه السلام : يشبّ الصبي كلّ سنة أربع أصابع بأصابع نفسه(3) .

علّة شبه الولد بالأم أو الأب . .

وسأل رجل أمير المؤمنين عليه السلام عن الولد ما باله تارة يشبه أباه وأمّه ، وتارة يشبه خاله وعمّه ؟

فقال للحسين عليه السلام : أجبه .

فقال عليه السلام : أمّا الولد ، فإنّ الرجل إذا أتى أهله بنفس ساكنة ، وجوارح غير مضطربة ، اعتلجت النطفتان كاعتلاج المتنازعين ، فإن علت نطفة

ص: 160


1- الكافي : 6/52 ح 2 ، التهذيب للطوسي : 8/115 ح 398 .
2- فقه الرضا عليه السلام : 95، المقنع: 15، الهداية للصدوق : 72، الخلاف للطوسي : 1/485 ، علل الشرائع : 1/294 ح 1 ، الفقيه للصدوق : 1/68 ، الإستبصار : 1/173 ح 601 ، التهذيب للطوسي : 1/250 ح 718 .
3- الكافي : 6/46 ح 2 ، الفقيه للصدوق : 3/493 ح 4747 .

الرجل نطفة المرأة جاء الولد يشبه أباه ، وإذا علت نطفة المرأة نطفة الرجل شبه أمّه ، وإذا أتاها بنفس منزعجة ، وجوارح مضطربة غير ساكنة ، اضطربت النطفتان ، فسقطتا عن يمنة الرحم ويسرته ، فإن سقطت عن يمنة الرحم سقطت على عروق الأعمام والعمات ، فشبه أعمامه وعمّاته ، وإن سقطت عن يسرة الرحم سقطت على عروق الأخوال والخالات ، فشبه أخواله وخالاته .

فقام الرجل وهو يقول : « اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ » .

وروي أنّه كان الخضر(1) عليه السلام .

كيف تؤنث المرأة ويذكّر الرجل

وسئل النبي صلى الله عليه و آله : كيف تؤنث المرأة ، وكيف يذكر الرجل ؟

قال : يلتقي الماءان ، فإذا علا ماء المرأة ماء الرجل أنثت ، وإن علا ماء الرجل ماء المرأة أذكرت(2) .

علم المعاملة على طريق السوقية

ومنهم من تكلّم في علم المعاملة على طريق السوقية ، وهم يعترفون أنّه الأصل في علومهم ، ولا يوجد لغيره إلاّ اليسير .

ص: 161


1- الإمامة والتبصرة : 107 ، علل الشرائع : 1/97 ح 6 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 2/68 ح 35 ، كمال الدين : 314 ح 1 ، كتاب الغيبة للنعماني : 67 ح 2 ، دلائل الإمامة : 175 ، اعلام الورى : 2/192 .
2- السنن الكبرى للبيهقي : 5/336 ، المعجم الكبير للطبراني : 12/36 .

حتى قال مشايخهم : لو تفرّغ إلى إظهار ما علم من علومنا لأغنى في هذا الباب(1) .

من فرط حكمته عليه السلام
اشارة

ومن فرط حكمته :

التوراة عربية عند أمير المؤمنين عليه السلام

ما روي عن أسامة بن زيد وأبي رافع في خبر : إنّ جبرئيل عليه السلام نزل على النبي صلى الله عليه و آله فقال : يا محمد عليه السلام ، ألا أبشرك بخبيئة لذريّتك ؟ فحدّثه بشأن التوراة ، وقد وجدها رهط من أهل اليمن بين حجرين أسودين ، وسمّاهم له .

فلمّا قدموا على رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال لهم : كما أنتم حتى أخبركم بأسمائكم وأسماء آبائكم ، وأنتم وجدتم التوراة ، وقد جئتم بها معكم ، فدفعوها له ، وأسلموا .

فوضعها النبي صلى الله عليه و آله عند رأسه ، ثم دعا اللّه باسمه ، فأصحبت عربية ، ففتحها ونظر فيها ، ثم رفعها إلى علي بن أبي طالب عليهماالسلام ، وقال : هذا ذكر لك ولذريّتك من بعدي .

نبي أسود لم يذكر في القرآن

أمير المؤمنين عليه السلام في قوله « وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ » بعث اللّه نبيا أسود لم يقصّ علينا قصّته(2) .

ص: 162


1- نهج الإيمان : 283 .
2- تفسير مجمع البيان : 8/458، تفسير التبيان للطوسي: 9/98، تفسير النسفي: 4/81 .
تفسيره كتاب معاوية الى أبي أيوب

وكتب معاوية إلى أبي أيوب الأنصاري : أمّا بعد : فحاجيتك "بما" لا تنسى شيبا .

فقال أمير المؤمنين عليه السلام : أخبره أنّه من قتلة عثمان ، وأنّ من قتل عنده مثل الشيباء ، فإنّ الشيباء لا تنسى قاتل بكرها ، ولا أبا عذرها(1) أبدا(2) .

من وفور علمه عليه السلام
معرفته لغة الحيوانات

ومن وفور علمه عليه السلام أنّه عبّر منطق الطير والوحوش والدواب .

زرارة عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال : قال أمير المؤمنين عليه السلام : علمنا منطق الطير كما علمه سليمان بن داود ، وكلّ دابة في برّ أو بحر(3) .

ص: 163


1- في نسخة « النجف » : « مخدرها » .
2- وقعة صفين للمنقري : 366 . وفيه في كلام طويل : « فأمّا كتابه إلى أبي أيوب فكان سطرا واحدا : لا تنسى شيباء أبا عذرتها ، ولا قاتل بكرها . فلم يدر أبو أيوب ما هو ؟ فأتى به عليا عليه السلام ، وقال : يا أمير المؤمنين ، إنّ معاوية ابن أكالة الأكباد ، وكهف المنافقين ، كتب إليّ بكتاب لا أدري ما هو ؟ فقال له علي عليه السلام : وأين الكتاب ؟ فدفعه إليه فقرأه وقال : نعم ، هذا مثل ضربه لك ، يقول : ما أنسى الذي لا تنسى الشيباء ، لا تنسى أبا عذرتها ، والشيباء : المرأة البكر ليلة افتضاضها ، لا تنسى بعلها الذي افترعها أبدا ، ولا تنسى قاتل بكرها ، وهو أول ولدها ، كذلك لا أنسى أنا قتل عثمان .
3- بصائر الدرجات : 364 ح 12 .

ابن عباس قال : قال علي عليه السلام : نقيق الديك : اذكروا اللّه يا غافلين .

وصهيل الفرس : اللّهم انصر عبادك المؤمنين على عبادك الكافرين .

ونهيق الحمار : أن يلعن العشارين ، وينهق في عين الشيطان .

ونقيق الضفدع : سبحان ربّي المعبود المسبّح في لحج البحار .

وأنيق القبرة : اللّهم العن مبغضي آل محمد(1) .

قال العبدي :

وعلّمك الذي علم البرايا

وألهمك الذي لا يعلمونا

فزادك في الورى شرفا وعزّا

ومجدا فوق وصف الواصفينا

* * *

معرفته لغات الملائكة

وروى سعيد بن طريف عن الصادق عليه السلام ، وروى أبو أمامة الباهلي كلاهما عن النبي صلى الله عليه و آله في خبر طويل ، واللفظ لأبي أمامة :

إنّ الناس دخلوا على النبي صلى الله عليه و آله ، وهنّوه بمولوده ، ثم قام رجل في وسط الناس ، فقال : بأبي أنت وأمّي يا رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، رأينا من علي عليه السلامعجبا في هذا اليوم ، قال : وما رأيتم ؟

قال : أتيناك لنسلّم عليك ، ونهنّيك بمولودك الحسين عليه السلام ، فحجبنا عنك ، وأعلمنا أنّه هبط عليه مائة ألف ملك وأربعة وعشرون ألف ملك ، فعجبنا من إحصائه وعدّده الملائكة .

ص: 164


1- الإختصاص للمفيد : 136 .

فقال النبي صلى الله عليه و آله ، وأقبل بوجهه إليه متبسّما : ما علمك أنّه هبط عليّ مائة وأربعة وعشرون ألف ملك ؟

قال : بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، سمعت مائة ألف لغة وأربعة وعشرين ألف لغة ، فعلمت أنّهم مائة وأربعة وعشرون ألف ملك .

قال صلى الله عليه و آله : زادك اللّه علما وحلما يا أبا الحسن .

معرفته لغات البشر
الرومية

الفائق عن الزمخشري : أنّه سئل شريح عن إمرأة طلّقت ، فذكرت أنّها حاضت ثلاث حيضات في شهر واحد ، فقال شريح: إن شهدت ثلاث نسوة من بطانة أهلها أنّها كانت تحيض قبل أن طلّقت في كلّ شهر ، فالقول قولها .

فقال علي عليه السلام : قالون ، أي : أصبت بالرومية ، وهذا إذا اتهمت المرأة(1) .

النبطية

بصائر الدرجات عن سعد القمّي : إنّ أمير المؤمنين عليه السلام حين أتى أهل النهر نزل قطقطا ، فاجتمع إليه أهل بادوريا ، فشكوا ثقل خراجهم ، وكلّموه بالنبطية، وأنّ لهم جيرانا أوسع أرضا منهم، وأقلّ خراجا،فأجابهم بالنبطية: زعرا وطائه من زعرا رباه ، معناه : دخن صغير خير من دخن(2) كبير(3) .

ص: 165


1- الفائق للزمخشري : 3/120 .
2- في المصدر : « رجز » في الموضعين .
3- بصائر الدرجات : 355 ح 10 .
العجمية

وروي أنّه قال عليه السلام لابنة يزدجرد : ما اسمك ؟ قالت : جهان بانويه ، فقال : بل ، شهر بانويه ، وأجابها بالعجمية(1) .

تفسيره صوت الناقوس

وأنّه عليه السلام قد فسّر صوت الناقوس .

ذكره صاحب مصباح الواعظ ، وجمهور أصحابنا عن الحارث الأعور ، وزيد وصعصعة ابني صوحان ، والبراء بن سيرة ، والأصبغ بن نباتة، وجابر بن شرحبيل ، ومحمود بن الكواء ، أنّه قال عليه السلام : يقول :

سبحان اللّه حقّا حقّا ، إنّ المولى صمد يبقى ، يحلم عنّا رفقا رفقا ، لولا حلمه كنّا نشقى ، حقّا حقّا ، صدقا صدقا ، إنّ المولى يسائلنا ، ويوافقنا ويحاسبنا ، يا مولانا لا تهلكنا ، وتداركنا واستخدمنا ، واستخلصنا حلمك عنّا ، قد جرأنا عفوك عنّا ، إنّ الدنيا قد غرّتنا ، واشتغلتنا واستهوتنا ، واستهلتنا واستغوتنا ، يا بن الدنيا جمعا جمعا ، يا بن الدنيا مهلاً مهلاً ، يا بن الدنيا دقّا دقّا ، تفنى الدنيا قرنا قرنا ، ما من يوم يمضي عنّا ، إلاّ يهوى منّا ركنا ، قد ضيّعنا دارا تبقى ، واستوطنّا دارا تفنى ، تفنى الدنيا قرنا قرنا ، كلاّ موتا كلاّ موتا ، كلاّ موتا كلاّ دفنا ، كلاّ فيها موتا كلاّ فناء ، كلاّ فيها موتا ، نقلاً نقلاً ، دفنا دفنا ، يا بن الدنيا مهلاً مهلاً ، زن ما يأتي وزنا وزنا ، لولا

جهلي ما إن كانت ، عندي الدنيا سجنا ، خيرا خيرا ، شرّا شرّا ، شيئا شيئا ،

ص: 166


1- الكافي : 1/467 ، بصائر الدرجات : 655 ح 8 .

حزنا حزنا ، ما ذا من ذا ، كم ذا أم ذا ، ترجو تنجو تخشى تردى ، عجّل قبل الموت الوزنا ، ما من يوم يمضي عنّا ، إلاّ أوهى منّا ركنا ، إنّ المولى قد أنذرنا ، إنّا نحشر عزلاً(1) بهما .

قال : ثم انقطع صوت الناقوس ، فسمع الديراني ذلك وأسلم ، وقال : إنّي وجدت في الكتاب أنّ في آخر الأنبياء من يفسّر ما يقول الناقوس(2) .

الإستدلال بالأدلة الثلاثة على أفضلية الإمام علي عليه السلام

أجمعوا على أنّ خيرة اللّه من خلقه هم المتّقون ، لقوله « إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاكُمْ » .

ثم أجمعوا على أنّ خيرة المتّقين الخاشعون ، لقوله « وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ » إلى قوله(3) « مُنِيبٍ » .

ثم أجمعوا على أنّ أعظم الناس خشية العلماء ، لقوله « إِنَّما يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ » .

وأجمعوا على أنّ أعلم الناس أهداهم إلى الحقّ ، وأحقّهم أن يكون متّبعا ، ولا يكون تابعا ، لقوله « أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاّ أَنْ يُهْدى » .

ص: 167


1- في بعض النسخ : « غرلاً » .
2- أمالي الصدوق : 295 ح 329 ، معاني الأخبار : 231 ح 1 ، روضة الوعظين : 443 ، فتوح الشام للواقدي : 2/157 ، دستور معالم الحكم لابن سلامة : 134 .
3- « وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوّابٍ حَفِيظٍ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ » .

وأجمعوا على أنّ أعلم الناس بالعدل أدلّهم عليه ، وأحقّهم أن يكون متّبعا ، ولا يكون تابعا ، لقوله « يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ » .

فدلّ كتاب اللّه ، وسنّة نبيّه ، وإجماع الأمّة على أنّ أفضل هذه الأمّة بعد نبيها علي(1) عليه السلام .

ص: 168


1- كشف الغعمة : 1/39 .

فصل 6 : في المسابقة إلى الهجرة

اشارة

ص: 169

ص: 170

للصحابة الهجرة :

الهجرة الأولى

وأوّلها : إلى الشعب(1)، وهو شعب أبي طالب وعبد المطلب عليهماالسلام، والإجماع

أنّهم كانوا بني هاشم ، وقال اللّه - تعالى - فيهم « وَالسّابِقُونَ الأَْوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالأَْنْصارِ »(2) .

الهجرة الثانية

وثانيها : هجرة الحبشة .

معرفة الفسوي قال : أمرنا رسول اللّه صلى الله عليه و آله أن ننطلق مع جعفر إلى أرض النجاشي ، فخرج في إثنين وثمانين رجلاً(3) .

ص: 171


1- روضة الواعظين : 53 ، السنن الكبرى : 6/366 ، الدرر : 52 ، الطبقات الكبرى لابن سعد : 1/209 ، سيرة ابن إسحاق : 2/140 ، الفتوح لابن أعثم : 6/254 . . .
2- متشابه القرآن : 2/34 .
3- المصنف لابن أبي شيبة الكوفي : 8/465 ، منتخب مسند عبد حميد : 193 ، الآحاد والمثاني : 1/278 ، الطبقات الكبرى لابن سعد : 4/105 .

الواحدي : نزل فيهم « إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ » حين لم يتركوا دينهم ، ولمّا اشتدّ عليهم الأمر صبروا وهاجروا(1) .

الهجرة الثالثة

ثالثها : للأنصار الأوّلين ، وهم العقبيون بإجماع أهل الأثر ، وكانوا سبعين رجلاً ، وأوّل من بايع فيه أبو الهيثم بن التيهان(2) .

الهجرة الرابعة

ورابعها : للمهاجرين إلى المدينة ، والسابق فيه : مصعب بن عمير ، وعمار بن ياسر ، وأبو سلمة المخزومي ، وعامر بن ربيعة ، وعبد اللّه بن جحش ، وابن أم مكتوم ، وبلال ، وسعد ، ثم ساروا أرسالاً(3) .

* * *

قال ابن عباس : نزل فيهم « وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الأَْرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللّهِ » .

ص: 172


1- تفسير البغوي : 4/74 .
2- المعجم الكبير للطبراني : 9/250 ، الدرر لابن عبد البر : 70 ، تفسير السمعاني : 4/267 .
3- متشابه القرآن : 2/34 .

ذكر المؤمنين ، ثم المهاجرين ، ثم المجاهدين ، وفضّل عليهم كلّهم ، فقال : « وَأُولُوا الأَْرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ » .

فعلي عليه السلام سبقهم بالإيمان ، ثم بالهجرة إلى الشعب ، ثم بالجهاد ، ثم سبقهم بعد هذه الثلاثة الرتب بكونه من ذوي الأرحام(1) .

مبيت الإمام عليه السلام خير من خروج أبي بكر

فأمّا أبو بكر، فقد هاجر إلى المدينة إلاّ أنّ لعلي عليه السلام مزايا فيها عليه ، وذلك أنّ النبي صلى الله عليه و آله أخرجه مع نفسه ، أو خرج هو لعلّة ، وترك عليا عليه السلامللمبيت

باذلاً مهجته ، فبذل النفس أعظم من الإتقاء على النفس في الهرب إلى الغار .

وقد روى أبو المفضل الشيباني بإسناده عن مجاهد قال : فخرت عائشة بأبيها ومكانه مع رسول اللّه صلى الله عليه و آله في الغار ، فقال عبد اللّه بن شداد بن الهاد : فأين أنت من علي بن أبي طالب عليهماالسلام حيث نام في مكانه ، وهو يرى أنّه يقتل ، فسكتت ولم تحر جوابا(2) .

وشتان بين قوله « وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللّهِ » ، وبين قوله « لا تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنا » .

وكان النبي صلى الله عليه و آله معه يقوّي قلبه ، ولم يكن مع علي عليه السلام ، وهو لم يصبه وجع ، وعلي عليه السلام يرمى بالحجارة ، وهو مختف في الغار ، وعلي عليه السلام ظاهر للكفار .

ص: 173


1- متشابه القرآن : 2/34 .
2- أمالي الطوسي : 447 مج 16 ح 999 .

استخلافه عليه السلام لردّ الودائع

واستخلفه الرسول صلى الله عليه و آله لردّ الودائع ، لأنّه كان أمينا(1) ، فلمّا أدّاها قام على الكعبة ، فنادى بصوت رفيع : يا أيّها الناس ، هل من صاحب أمانة ؟ هل من صاحب وصيّة ؟ هل من عدة له قبل رسول اللّه (2) صلى الله عليه و آله ؟

فلمّا لم يأت أحد لحق بالنبي صلى الله عليه و آله ، وكان في ذلك دلالة على خلافته

وأمانته وشجاعته .

منّته عليه السلام على أبي بكر وعائشة في الهجرة

وحمل نساء الرسول صلى الله عليه و آله خلفه بعد ثلاثة أيام ، وفيهن عائشة ، فله المنّة على أبي بكر بحفظ ولده ، ولعلي عليه السلام المنّة عليه في هجرته .

ثقة النبي صلى الله عليه و آله بنجدة علي عليه السلام ليلة المبيت

وعلي عليه السلام ذو الهجرتين ، والشجاع البائت بين أربعمائة سيف ، وإنّما أباته على فراشه ثقة بنجدته ، فكانوا محدقين به إلى طلوع الفجر ليقتلوه ظاهرا ، فيذهب دمه بمشاهدة بني هاشم قاتليه من جميع القبائل(3) .

قال ابن عباس : فكان من بني عبد شمس : عتبة وشيبة ابنا ربيعة بن

ص: 174


1- اعلام الورى : 1/375 .
2- الصراط المستقيم : 1/174 .
3- نهج الأيمان : 307 .

هشام ، وأبو سفيان ، ومن بني نوفل : طعمة بن عبدي ، وجبير بن مطعم ، والحارث بن عمر ، ومن بني عبد الدار : النضر بن الحارث ، ومن بني أسد : أبو البختري ، وزمعة بن الأسود ، وحكيم بن حزام ، ومن مخزوم : أبو جهل ، ومن بني سهم : نبيه ومنبه ابنا الحجاج ، ومن بني جمح : أمية بن خلف ممّن لا يعدّ من قريش .

ووصّى إليه في ماله وأهله وولده ، فأنامه منامه ، وأقامه مقامه ، وهذا دليل على أنّه وصيّه .

هجرة أمير المؤمنين عليه السلام الى المدينة

تاريخ الخطيب ، والطبري ، وتفسير الثعلبي ، والقزويني في قوله « وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا » ، والقصّة مشهورة :

جاء جبرئيل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه و آله فقال له : لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه .

فلمّا كانت العتمة اجتمعوا على بابه يرصدونه ، فقال لعلي عليه السلام : نم على فراشي ، واتشح ببردي الحضرمي الأخضر ، وخرج النبي صلى الله عليه و آله .

قالوا : فلمّا دنوا من علي عليه السلام عرفوه ، فقالوا : أين صاحبك ؟ فقال : لا أدري ، أو رقيبا كنت عليه ، أمرتموه بالخروج فخرج(1) .

ص: 175


1- تاريخ الطبري : 2/99 ، العثمانية للجاحظ : 43 ، السيرة لابن هشام : 2/333 ، تفسير الثعلبي : 4/349 ، تاريخ بغداد : 13/193 .

أبي رافع : إنّ النبي صلى الله عليه و آله قال : يا علي عليه السلام ، إنّ اللّه قد أذن لي بالهجرة ، وإنّي آمرك أن تبيت على فراشي ، وإنّ قريشا إذا رأوك لم يعلموا بخروجي .

الطبري ، والخطيب ، والقزويني ، والثعلبي : ونجّا اللّه رسوله

صلى الله عليه و آله من مكرهم ، وكان مكر اللّه - تعالى - بيات علي عليه السلام على فراشه(1) .

عمار وأبو رافع وهند بن أبي هالة : إنّ أمير المؤمنين عليه السلام وثب وشدّ عليهم بسيفه فانحازوا عنه .

محمد بن سلام في حديث طويل عن أمير المؤمنين عليه السلام : ومضى رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، واضطجعت في مضجعه أنتظر مجيء القوم إليّ حتى دخلوا عليّ ، فلمّا استوى بي وبهم البيت نهضت إليهم بسيفي ، فدفعتهم عن نفسي بما قد علمه الناس(2) .

فلمّا أصبح عليه السلام امتنع ببأسه ، وله عشرون سنة ، وأقام بمكة وحده مراغما لأهلها حتى أدّى إلى كلّ ذي حقّ حقّه(3) .

محمد الواقدي ، وأبو الفرج النجدي ، وأبو الحسن البكري ، وإسحاق الطبراني :

إنّ عليا عليه السلام لمّا عزم على الهجرة ، قال له العباس : إنّ محمدا صلى الله عليه و آله ما خرج إلاّ خفيّا ، وقد طلبته قريش أشدّ طلب ، وأنت تخرج جهارا في إناث

ص: 176


1- تاريخ الطبري : 2/101 ، تفسير الثعلبي : 4/349 ، تاريخ بغداد : 3/193 .
2- شرح الأخبار للقاضي النعمان : 1/255 ، الخصال : 367 .
3- نهج الإيمان : 307 .

وهوادج ومال ورجال ونساء ، وتقطع بهم السباسب(1) والشعاب من بين قبائل قريش ؟! ما أرى لك أن تمضي إلاّ في خفارة خزاعة .

فقال علي عليه السلام :

إنّ المنيّة شربة مورودة

لا تنزعن وشدّ للترحيل

إنّ ابن آمنة النبي محمدا

رجل صدوق قال عن جبريل

ارخ الزمام ولاتخف من عائق

فاللّه يرديهم عن التنكيل

إنّي بربّي واثق وبأحمد

وسبيله متلاحق بسبيلي

* * *

قالوا : فكمن مهلع غلام حنظلة بن أبي سفيان في طريقه بالليل ، فلمّا رآه سلّ سيفه ونهض إليه ، فصاح علي عليه السلام صيحة خرّ على وجهه ، وجلّله بسيفه .

فلمّا أصبح توجّه نحو المدينة ، فلمّا شارف « ضجنان » أدركه الطلب بثمانية فوارس ، وقالوا : يا غدر ، أظننت أنّك ناج بالنسوة . . . القصّة .

وكان اللّه - تعالى - قد فرض على الصحابة الهجرة ، وعلى علي عليه السلام المبيت ، ثم الهجرة .

ثم إنّه - تعالى - قد كان امتحنه بمثل ما امتحن به إبراهيم عليه السلام

بإسماعيل عليه السلام ، وعبد المطلب عليه السلام بعبد اللّه عليه السلام .

ثم إنّ التفدية كانت دأبه في الشعب ، فإن كان بات أبو بكر في الغار

ص: 177


1- السبسب : الأرض المستوية البعيدة ، المفازة والقفر .

ثلاث ليال ، فإنّ عليا عليه السلام بات على فراش النبي صلى الله عليه و آله في الشعب ثلاث سنين(1) ، وفي رواية : أربع سنين .

العكبري في فضائل الصحابة والفنجكردي في سلوة الشيعة : إنّ عليا عليه السلام قال :

وقيت بنفسي خير من وطأ الحصى

ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر

محمد لمّا خاف أن يمكروا به

فوقاه ربّي ذو الجلال عن المكر

وبتّ أراعيهم وما يثبتونني

وقد صبرت نفسي على القتل والأسر

وبات رسول اللّه في الغار آمنا

وذلك في حفظ الإله وفي ستر

أردت به نصر الإله تبتلاً

وأضمرته حتى أوسّد في قبري

* * *

وقال الحميري :

ومن ذا الذي قد بات فوق فراشه

وأدنى وساد المصطفى فتوسّدا

ص: 178


1- تنبيه الغافلين : 24 ، روضة الواعظين : 53 .

وخمّر منه وجهه بلحافه

ليدفع عنه كيد من كان أكيدا

فلمّا بدا صبح يلوح تكشّفت

له قطع من حالك اللون أسودا

ودارت به أحراسهم يطلبونه

وبالأمس ما سبّ النبي وأوعدا

أتوا طاهرا والطيّب الطهر قد مضى

إلى الغار يخشى فيه أن يتورّدا

فهمّوا به أن يقتلوه وقد سطوا

بأيديهم ضربا مقيما ومقعدا

* * *

وله أيضا :

وليلة كاد المشركون محمدا

شرى نفسه للّه إذ بتّ لا تشري

فبات مبيتا لم يكن ليبيته

ضعيف عمود القلب منتفح السحر

* * *

وله أيضا :

باتوا وبات على الفراش ملفّفا

فيرون أنّ محمدا لم يذهب

حتى إذا طلع الشميط كأنّه

في الليل صفحة خدّ أدهم معرب

ص: 179

ثاروا لأحداج الفراش فصادفت

غير الذي طلبت أكفّ الخيّب

فوقاه بادرة الحتوف بنفسه

حذرا عليه من العدو المجلب

حتى تغيب عنهم في مدخل

صلّى الإله عليه من متغيّب

* * *

وله أيضا :

وسرى النبي وخاف أن يسطى به

عند انقطاع مواثق ومعاهد

وأتى النبي فبات فوق فراشه

متدثّرا بدثاره كالراقد

وذكت عيون المشركين ونطقوا

أبيات آل محمد بمراصد

حتى إذا ما الصبح لاح كأنّه

سيف تخرّق عنه غمد الغامد

ثاروا وظنوا أنّهم ظفروا به

فتعاوروه وخاب كيد الكائد

فوقاه بادرة الحتوف بنفسه

ولقد تنوول رأسه بجلامد

* * *

وله أيضا :

وبات على فراش أخيه فردا

يقيه من العتاة الظالمينا

وقد كمنت رجال من قريش

بأسياف يلحن إذا انتضينا

فلمّا أن أضاء الصبح جاءت

عداتهم جميعا مخلفينا

فلمّا أبصروه تجنّبوه

وما زالوا له متجنّبينا

* * *

وقال ابن علوية :

أمن شرى للّه مهجة نفسه

دون النبي عليه ذا تكلان

هل جاد غير أخيه ثم بنفسه

فوق الفراش يغطّ كالنعسان

ص: 180

وقال الصاحب :

هل مثل فعلك في ليل الفراش وقد

فديت بالروح ختّام النبيّبنا

* * *

وقال المرزكي :

ونام على الفراش له فداء

وأنتم في مضاجعكم رقود

* * *

وقال ابن طوطي :

ولمّا سرى الهادي النبي مهاجرا

وقد مكر الأعداء واللّه أمكر

ونام علي في الفراش بنفسه

وبات ربيط الجأش ما كان يذعر

فوافوا بياتا والدجى متقوّض

وقد لاح معروف من الصبح أشقر

فألفوا أبا شبلين شاكي سلاحه

له ظفر من صائك الدم أحمر(1)

فصال علي بالحسام عليهمكما صال في العريس ليث غضنفر(2)

ص: 181


1- صائك : اسم فاعل من صاك بمعنى لزق .
2- العريس : الشجر الملتف ، يكون مأوى للأسد .

فولّوا سراعا نافرين كأنّماهم حمر من قسور الغاب تنفر

فكان مكان المكر حيدرة الرضامن اللّه لمّا كان بالقوم يمكر

* * *

وقال الزاهي :

بات على فرش النبي آمنا

والليل قد طافت به أحراسه

حتى إذا ما هجم القوم على

مستيقظ ينصله أشماسه

ثار إليهم فتولّوا مزقا

يمنعهم عن قربه حماسه

* * *

وقال الناشي :

وقى النبي بنفس كان يبذلها

دون النبي قرير العين محتسبا

حتى إذا ما أتاه القوم عاجلهم

بقلب ليث يعاف الرشد ما وجبا

فسائلوه عن الهادي فشاجرهم

فخوّفوه فلمّا خافهم وثبا

* * *

وقال ابن دريد الأسدي :

أولم يبت عنه أبو حسن

والمشركون هناك ترصده

متلفّفا ليردّ كيدهم

ومهاد خير الناس ممهده

فوقى النبي ببذل مهجته

وبأعين الكفار منجده

* * *

ص: 182

وقال دعبل :

وهو المقيم على فراش محمد

حتى وقاه كائدا ومكيدا

وهو المقدّم عند حومات الندى

ما ليس ينكر طارفا وتليدا

* * *

وقال مهيار :

وأحقّ بالتمييز عند محمد

من كان منهم منكبيه راقيا

من بات عنه موقيا حوباؤه

حذر العدا فوق الفراش وفاديا

* * *

وقال العبدي :

ما لعلي سوى أخيه

محمد في الورى نظير

فداه إذ أقبلت قريش

عليه في فرشه الأمير

وافاه في خمّ وارتضاه

خليفة بعده وزير

* * *

وقال الأجل المرتضى :

وهو الذي ما كان دين ظاهر

في الناس لولا رمحه وحسامه

وهو الذي لا يقتضى في موقف

أقدامه نكص به إقدامه

ثانيه في كلّ الأمور وحصنه

في الباينات وركنه ودعامه

للّه در بلائه ودفاعه

فاليوم يغشى الدارعين قتامه

وكأنّما أجم العوالي غيله

وكأنّما هو بينه ضرغامه

طلبوا مداه ففاتهم سبقا إلى

أمد يشقّ على الرجال مرامه

ص: 183

وقال العوني :

أبن لي من كان المقدّم في الوغى

بمهجته عن وجه أحمد دافعا

أبن لي من في القوم جدّل مرحبا

وكان لباب الحصن بالكفّ قالعا

ومن باع منهم نفسه واقيا بها

نبي الهدى في الفرش أفديه يافعا

وقد وقفوا طرّا بجنب مبيته

قريش تهزّ المرهفات القواطعا

ومولاي يقظان يرى كلّ فعلهم

فما كان مجزاعا من القوم فازعا

* * *

وقال شاعر آخر :

وليلته في الفرش إذ صمدت له

عصائب لا نالوا عليه انهجامها

فلمّا تراءا ذو الفقار بكفّه

أطار بها خوف الردى وأهامها

وكم كربة عن وجه أحمد لم يزل

يفرّجها قدما وينفي اهتمامها

* * *

المبيت أعظم من القتال

كلّما كانت المحنة أغلظ كان الأجر أعظم ، وأدلّ على شدّه الإخلاص ، وقوّة البصيرة ، والفارس يمكنه الكرّ والفرّ ، والروغان والجولان ، والراجل قد ارتبط روحه ، وأوثق نفسه ، وألجج بدنه محتسبا صابرا على مكروه الجراح ، وفراق المحبوب ، فكيف النائم على الفراش بين الثياب والرياش .

ص: 184

نزول قوله « وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ . . »

نزل قوله « وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللّهِ » في علي عليه السلامحين بات على فراش رسول اللّه

صلى الله عليه و آله .

رواه إبراهيم الثقفي ، والفلكي الطوسي بالإسناد عن الحكم عن السدي ، وعن أبي مالك عن ابن عباس ، ورواه أبو المفضل الشيباني بإسناده عن زين العابدين عليه السلام ، وعن الحسن البصري عن أنس ، وعن أبي زيد الأنصاري عن أبي عمرو بن العلاء ، ورواه الثعلبي عن ابن عباس والسدي ومعبد :

أنّها نزلت في علي عليه السلام بين مكة والمدينة لمّا بات علي عليه السلام على فراش رسول اللّه (1) صلى الله عليه و آله .

فضائل الصحابة عن عبد الملك العكبري ، وعن أبي المظفر السمعاني بإسنادهما عن علي بن الحسين عليهماالسلام قال :

أول من شرى نفسه للّه علي بن أبي طالب عليهماالسلام(2) ، كان المشركون

يطلبون رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، فقام من فراشه ، وانطلق هو وأبو بكر ، واضطجع علي عليه السلام على فراش رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، فجاء المشركون فوجدوا عليا عليه السلام ،

ص: 185


1- تنبيه الغافلين : 24 ، تفسير مجمع البيان : 2/57 ، شرح الأخبار للقاضي النعمان : 2/345، أمالي الطوسي: 446 مج 16 ح996، تفسير الثعلبي: 2/126، تفسير فرات: 65 ح 32 ، شواهد التنزيل : 1/131 ح 142 .
2- مناقب أمير المؤمنين عليه السلام للكوفي : 1/124 ح 69 ، المستدرك للحاكم : 3/4 ، شواهد التنزيل : 1/130 .

ولم يجدوا رسول اللّه (1) صلى الله عليه و آله .

الثعلبي في تفسيره ، وابن عقب في ملحمته ، وأبو السعادات في فضائل العشرة ، والغزالي في الإحياء وفي كيمياء السعادة أيضا برواياتهم عن أبي اليقظان .

وجماعة من أصحابنا ، ومن ينتمي إلينا ، نحو : ابن بابويه ، وابن شاذان ، والكليني ، والطوسي ، وابن عقدة ، والبرقي ، وابن فياض ، والعبدلي ، والصفواني ، والثقفي ، بأسانيدهم عن ابن عباس ، وأبي رافع ، وهند بن أبي هالة أنّه :

قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : أوحى اللّه إلى جبرئيل وميكائيل عليهماالسلام إنّي آخيت بينكما ، وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر صاحبه ، فأيّكما يؤثر أخاه ؟ فكلاهما كرها الموت .

فأوحى اللّه إليهما : ألا كنتما مثل وليّي علي بن أبي طالب عليهماالسلامآخيت بينه وبين محمد صلى الله عليه و آله نبيّي ، فآثره بالحياة على نفسه ، ثم ظلّ اؤرقه على فراشه يقيه بمهجته ، اهبطا إلى الأرض جميعا فاحفظاه من عدوّه .

فهبط جبرئيل عليه السلام فجلس عند رأسه، وميكائيل عليه السلام عند رجليه، وجعل جبرئيل عليه السلام يقول : بخ بخ ، من مثلك يا بن أبي طالب ! واللّه يباهي به الملائكة ، فأنزل اللّه « وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللّهِ »(2) .

ص: 186


1- نهج الإيمان : 304 ، تفسير الثعلبي : 3/128 ، تاريخ اليعقوبي : 2/39 .
2- أمالي الطوسي : 469 ، تفسير الثعلبي : 2/126 ، شواهد التن-زيل : 1/123 ، أسد الغابة : 4/25 ، فضائل أمير المؤمنين عليه السلام لابن عقدة : 181 ، خصائص الوحي : 120 ، الفضائل لشاذان : 64 ، كشف الغمة : 1/316 ، روضة الواعظين : 52 ، تفسير مجمع البيان : 2/57 ، إحياء علوم الدين للغزالي : 3/224 ، تاريخ اليعقوبي : 2/39 ، إختيار معرفة الرجال : 1/133 ، تنبيه الغافلين : 24 ، الكافي : 8/119 .

قال الشاعر :

يجود بالنفس إذ ضنّ الجواد بها

والجود بالنفس أقصى غاية الجود

* * *

وقال ابن حماد :

باهى به الرحمن أملاك العلى

لمّا انثنى من فرش أحمد يهجع

يا جبرئيل وميكائيل فإنّني

آخيت بينكما وفضلي أوسع

أفإن بدا في واحد أمرى فمن

يفدي أخاه من المنون ويقنع

فتوثّقا كلّ يضنّ بنفسه

قال الإله أنا الأعزّ الأرفع

إنّ الوصي فدى أخاه بنفسه

ولفعله زلفى لديّ وموضع

فلتهبطا ولتمنعا من رامه

أم من له بمكيده يتسرّع

* * *

وقال خطيب خوارزم :

علي في مهاد الموت عار

وأحمد مكنس غار اغتراب

يقول الروح بخ بخ يا علي

فقد عرّضت روحك لانتهاب

* * *

ص: 187

ص: 188

فصل 7 : في المسابقة بالجهاد

اشارة

ص: 189

ص: 190

اجتمعت الأمّة أنّ عليا عليه السلام خيرة اللّه

اجتمعت الأمّة ووافق الكتاب والسنة :

أنّ للّه خيرة من خلقه ، وأنّ خيرته من خلقه المتّقون ، قوله « إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاكُمْ »(1) .

وأنّ خيرته من المتّقين المجاهدون « فَضَّلَ اللّهُ الُْمجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً » .

وأنّ خيرته من المجاهدين السابقون إلى الجهاد ، قوله «لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ » الآية .

وأنّ خيرته من المجاهدين أكثرهم عملاً في الجهاد .

واجتمعت الأمّة على أنّ السابقين إلى الجهاد هم البدريّون ، وأنّ خيرة البدريّين علي عليه السلام .

فلم يزل القرآن يصدّق بعضه بعضا بإجماعهم حتى دلّوا بأنّ عليا عليه السلام خيرة هذه الأمّة بعد نبيها(2) .

* * *

ص: 191


1- المستدرك للحاكم : 2/463 ، تفسير مجمع البيان : 9/230 ، تفسير الثعلبي : 9/71 ، تفسير السمعاني : 5/229 ، تاريخ بغداد : 11/337 .
2- كشف الغمة : 1/38 .

قال العلوي البصري :

ولو يستوي بالنهوض الجلوس

لمّا بيّن اللّه فضل الجهاد

* * *

علي عليه السلام قاتل المنافقين بأمر النبي صلى الله عليه و آله والأول قتل المسلمين

قوله تعالى : « يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ » ، فجاهد النبي صلى الله عليه و آله الكفار في حياته ، وأمر عليا عليه السلام بجهاد المنافقين .

قوله : تقاتل الناكثين ، والقاسطين ، والمارقين(1) ، وحديث خاصف

النعل(2) ، وحديث كلاب الحوأب(3) ، وحديث تقتلك الفئة الباغية(4) ،

ص: 192


1- الخصال : 558 ، علل الشرائع : 1/222 ، الإحتجاج : 1/174 ، المستدرك للحاكم : 3/140، تنبيه الغافلين : 75، المبسوط للسرخسي : 10/124، معاني الأخبار : 204، مناقب أمير المؤمنين عليه السلام للكوفي : 2/339، شرح الأخبار للقاضي النعمان : 1/339، المعيار والموازنة : 119 ، المعجم الكبير للطبراني : 4/172 ، الكامل لابن عدي : 2/188 ، تاريخ دمشق : 42/473 .
2- سيأتي تخريجه في فصل مستقل إن شاء اللّه تعالى .
3- يأتي تخريجه .
4- الإقتصاد للطوسي : 181 ، دعائم الإسلام : 1/392 ، الإيضاح لابن شاذان : 521 ، مناقب أمير المؤمنين عليه السلام للكوفي : 2/350، شرح الأخبار للقاضي النعمان : 1/407، المسترشد : 657، الإحتجاج : 1/266، مسند أحمد : 5/307 .. ، كتاب مسلم: 8/186، سنن الترمذي : 5/333، فضائل الصحابة للنسائي : 51، المستدرك للحاكم : 2/148 .. ، السنن الكبرى للبيهق-ي : 8/189 ، مسن-د أبي داود الطيالسي : 84 ، المعي-ار والموازنة : 182 ، الآحاد والمثاني : 3/436 ، السنن الكبرى للنسائي : 5/75 .. ، خصائص أمير المؤمنين عليه السلام للنسائي : 132 ، مسند أبي يعلى : 3/209 ، المعجم الأوسط للطبراني : 7/291 ، المعجم الكبير للطبراني : 1/320 . . ، الإستيعاب : 3/1139 ، تفسير الإمام العسكري عليه السلام : 85 ، الطبقات الكبرى لابن سعد : 1/241 ، الثقات لابن حبان : 1/135 ، الكامل لابن عدي : 3/207 . . . .

وحديث ذي الثدية(1) ، وغير ذلك .

وهذا من صفات الخلفاء ، ولا يعارض ذلك بقتال أهل الردّة ، لأنّ النبي صلى الله عليه و آله كان أمر عليا عليه السلام بقتال هؤلاء بإجماع أهل الأثر ، وحكم المسمّين أهل الردّة لا يخفى على منصف .

علي عليه السلام أفضل المجاهدين والإثنان لم يقاتلا قطّ

المعروفون بالجهاد : علي عليه السلام وحمزة ، وجعفر ، وعبيدة بن الحارث ، والزبير ، وطلحة ! وأبو دجانة ، وسعد بن أبي وقاص !! والبراء بن عازب !! وسعد بن معاذ ، ومحمد بن مسلمة .

وقد اجتمعت الأمّة على أنّ هؤلاء لا يقاسون بعلي عليه السلام في شوكته ، وكثرة جهاده .

فأمّا أبو بكر وعمر ، فقد تصفّحنا كتب المغازي فما وجدنا لهما فيه أثرا البتة(2) .

ص: 193


1- الإقتصاد للطوسي : 181 ، الفصول المختارة : 233 ، المعيار والموازنة : 224 ، التمهيد : 23/331 ، الخصال : 574 . . . .
2- تنبيه الغافلين : 56 .

ثبات علي عليه السلام في كلّ قتال وفرارهما

وقد اجتمعت الأمّة على أنّ عليا عليه السلام كان المجاهد في سبيل اللّه ، والكاشف الكروب عن وجه رسول اللّه صلى الله عليه و آله المقدّم في سائر الغزوات إذا لم يحضر النبي صلى الله عليه و آله ، وإذا حضر فهو تاليه ، وصاحب الراية واللواء معا ، وما كان قطّ تحت لواء جماعة أحد ، ولا فرّ من زحف ، وإنّهما فرّا في غير موضع ، وكانا تحت لواء جماعة(1) .

الآيات النازلة فيه

لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ

واستدلّ أصحابنا بقوله « لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ

بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ » أنّ المعني بها أمير المؤمنين عليه السلام ، لأنّه كان جامعا لهذه الخصال بالإتفاق ، ولا قطع على كون غيره جامعا لها ، ولهذا قال الزجاج والفراء : كأنّها مخصوصة بالأنبياء والمرسلين(2) .

ص: 194


1- المسترشد : 648 .
2- تفسير مجمع البيان : 1/488 .

وقال الزاهي :

أيجعل سيد الثقلين شبها

لما لا يرتضيه له غلاما

إلى من قطّ لم يهزم شجاعا

ولم يحمل بقبضته حساما

* * *

وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالأَْرْضِ

ابن عباس في قوله « وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالأَْرْضِ » قال : أسلمت الملائكة في السماوات ، والمؤمنون في الأرض ، وأوّلهم علي عليه السلام إسلاما ، ومع المشركين قتالاً ، وقاتل من بعده المقاتلين ، ومن أسلم كرها(1) .

وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ

تفسير عطاء الخراساني قال ابن عباس في قوله « وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ » أي قوّى ظهرك بعلي بن أبي طالب عليهماالسلام(2) .

هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ

أبو معاوية الضرير عن الأعمش عن مجاهد في قوله « هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ » أي قومك بأمير المؤمنين عليه السلام وجعفر وحمزة وعقيل .

وقد روينا نحو ذلك عن الكلبي عن أبي صالح عن أبي هريرة(3) .

ص: 195


1- أمالي الطوسي : 503 ح 1103 .
2- تفسير القمي : 2/428 ، الفضائل لشاذان : 151 .
3- حلية الأولياء : 3/27 ، شواهد التنزيل : 1/223 رقم 299 ، خصائص الوحي : 178 ، تاريخ دمشق : 42/360 ، فضائل أمير المؤمنين عليه السلام لابن عقدة : 190 .
وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً

كتاب أبي بكر الشيرازي قال ابن عباس « وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ » يعني مكة « وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً » قال : لقد استجاب اللّه لنبيه دعاءه ، وأعطاه علي بن أبي طالب عليهماالسلام

سلطانا ينصره على أعداءه(1) .

العكبري في فضائل الصحابة عن ابن عباس قال : رأيت رسول اللّه صلى الله عليه و آله يوم فتح مكة متعلّقا بأستار الكعبة ، وهو يقول : اللّهم ابعث إليّ من بني عمّي من يعضدني .

فهبط عليه جبرئيل عليه السلام كالمغضب ، فقال : يا محمد صلى الله عليه و آله ، أوليس قد أيّدك اللّه بسيف من سيوف اللّه مجرّد على أعداء اللّه - يعني بذلك علي بن أبي طالب عليهماالسلام - .

لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا

أبو المضا صبيح مولى الرضا عليه السلام عن الرضا عن آبائه عليهم السلام في قوله « لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا » قال : منهم علي بن أبي طالب عليهماالسلام .

قال الناشي :

أيا ناصر المصطفى أحمد

تعلّمت نصرته من أبيكا

وناصبت نصابه عنوة

فلعنة ربّي على ناصبيكا

ولو آمنوا بنبي الهدى

وباللّه ذي الطول ما ناصبوكا

ص: 196


1- شواهد التنزيل : 1/452 .

وقال غيره :

كان يصير له سيف الرشاد انتضى

سلّ على كلّ من عن أمره أعرضا

* * *

إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ

قوله « إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ » ، وكان عليه السلام إذا صفّ في القتال كأنّه بنيان مرصوص ، وما قتل المشركين قتله أحد(1) .

سفيان الثوري ، كان علي بن أبي طالب عليهماالسلام كالجبل بين المسلمين والمشركين ، أعزّ اللّه به المسلمين ، وأذلّ به المشركين .

قال العوني :

فلك النجاة وباب للجنان غدا

وملتجى وصراط غير ذي جنف

جنب عزيز يلوذ اللائذون به

حبل متين قويّ محكم الطرف

* * *

وَجاهِدُوا فِي اللّهِ حَقَّ جِهادِهِ

ويقال أنّه نزل فيه « وَجاهِدُوا فِي اللّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ »(2) .

ص: 197


1- روضة الواعظين : 105 ، شواهد التنزيل : 2/338 .
2- كتاب الغيبة للنعماني : 77 ، تفسير القمي : 2/88 ، تفسير فرات : 275 .
وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ

أبو جعفر وأبو عبد اللّه عليهماالسلام نزل قوله « وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ »في أمير المؤمنين عليه السلام .

وفي حديث جبير : أنت أوّل من آمن بي ، وأوّل من جاهد معي ، وأوّل من ينشق عنه القبر(1) .

كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ

وكان النبي صلى الله عليه و آله إذا خرج من بيته تبعه أحداث المشركين يرمونه بالحجارة حتى أدموا كعبة وعرقوبيه ، وكان علي عليه السلام يحمل عليهم فينهزمون ، فنزل « كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ »(2) .

وَلا يَطَؤنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفّارَ

ولا خلاف أنّ أوّل مبارز في الإسلام علي عليه السلام ، وحمزة ، وأبو عبيدة بن الحارث في يوم بدر .

قال الشعبي : ثم حمل علي عليه السلام على الكتيبة مصمّما وحده(3) .

واجتمعت الأمّة أنّه ما رأى أحد ادّعيت له الإمامة عمل في الجهاد ما عمل علي عليه السلام .

قال اللّه - تعالى - « وَلا يَطَؤنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ » .

ص: 198


1- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 2/272 ، بشارة المصطفى : 201 .
2- نهج الإيمان : 315 .
3- أنساب الأشراف : 2/121 .
وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ

ولقد فسّر قوله « وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ » يعني عليا عليه السلام ، لأنّ الكفّار كانوا يسمّونه الموت الأحمر ، سمّوه يوم بدر لعظم بلائه ونكايته .

قال العوني :

من اسمه الموت في القرآن فهل

يسبقه في الحروب من هربا

ومن رأى وحده مبارزة إلاّ

رأى الموت منه والعطبا

* * *

أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ

قال المفسّرون : لمّا أسر العباس يوم بدر أقبل المسلمون ، فعيّروه بكفره باللّه وقطيعة الرحم ، وأغلظ علي عليه السلام له القول .

فقال العباس : ما لكم تذكرون مساوينا ولا تذكرون محاسننا ؟! فقال علي عليه السلام : ألكم محاسن ؟

قال : نعم ، إنّا لنعمر المسجد الحرام ، ونحجب الكعبة ، ونستقي الحاج ، ونفكّ العاني .

فأنزل اللّه - تعالى - ردّا على العباس ، ووفاقا لعلي بن أبي طالب عليهماالسلام « ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللّهِ » الآية .

ثم قال : « إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللّهِ » الآية .

ثم قال : « أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ »(1) .

ص: 199


1- تفسير الثعلبي : 5/18 ، أسباب النزول للواحدي : 163 ، تفسير البغوي : 2/273 .

وروى إسماعيل بن خالد عن عامر ، وابن جريح عن عطاء عن ابن عباس ، ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس ، والسدي عن أبي صالح وابن أبي خالد ، وزكريا عن الشعبي أنّه نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب(1) .

الثعلبي والقشيري والجبائي والفلكي في تفاسيرهم ، والواحدي في أسباب نزول القرآن عن الحسن البصري ، وعامر الشعبي ومحمد بن كعب القرطي ، وروينا عن عثمان بن أبي شيبة ، ووكيع بن الجراح ، وشريك القاضي ، ومحمد بن سيرين ، ومقاتل بن سليمان ، والسديري ، وأبي مالك ، ومرّة الهمداني ، وابن عباس :

أنّه افتخر العباس بن عبد المطلب ، فقال : أنا عمّ محمد صلى الله عليه و آله ، وأنا صاحب سقاية الحجيج ، فأنا أفضل من علي بن أبي طالب عليهماالسلام .

وقال شيبة بن عثمان ، أو طلحة الداري ، أو عثمان : وأنا أعمر بيت اللّه الحرام ، وصاحب حجابته ، فأنا أفضل .

وسمعهما علي عليه السلام ، وهما يذكران ذلك ، فقال : أنا أفضل منكما ، لقد صلّيت قبلكما ستّ سنين .

ص: 200


1- الكافي : 8/203 ، دعائم الإسلام : 1/19 ، روضة الواعظين : 104 ، مناقب أمير المؤمنين عليه السلام للكوفي : 1/135 ، شرح الأخبار للقاضي النعمان : 1/324 ، المصنف لابن أبي شيبة الكوفي : 7/504 ، تفسير العياشي : 2/83 ، تفسير القمي : 1/283 ، تفسير فرات : 164 ، تفسير القرآن للصنعاني : 2/268 ، تفسير جامع البيان للطبري : 10/123 ، تفسير ابن أبي حاتم : 6/1767 ، معاني القرآن للنحاس : 3/192 ، أسباب النزول للواحدي : 164 . . . .

وفي رواية : سبع سنين ، وأنا أجاهد في سبيل اللّه .

وفي رواية الحسكاني عن أبي بريدة : أنّ عليا عليه السلام قال : استحييت لكلّ ، فقد أوتيت على صغري ما لم تؤتيا ، فقالا : وما أوتيت يا علي عليه السلام ؟ قال : ضربت خراطيمكما بالسيف حتى آمنتما باللّه وبرسوله صلى الله عليه و آله .

فشكا العباس ذلك إلى النبي صلى الله عليه و آله ، فقال : ما حملك على ما استقبلت به عمّك ؟ فقال : صدمته بالحقّ ، فمن شاء فليغضب ، ومن شاء فليرض(1) ! فنزلت هذه الآية .

قال الناشي :

إذ فاخر العباس عمّ المصطفى

لعلي المختار صهر محمد

بعمارة البيت المعظّم شأنه

وسقاية الحجّاج وسط المسجد

فأتى بها جبريل عن ربّ السما

يقري السلام على النبي المهتدي

أجعلتم سقي الحجيج وما يرى

من ظاهر الأستار فوق الجلمد

كالمؤمنين الضاربي هام العدى

وسط العجاج بساعد لم يرعد

* * *

وقال البشنوي :

يا قاري القرآن مع تأويله

مع كلّ محكمة أتت في حال

أعمارة البيت المحرّم مثله

وسقاية الحجّاج في الأمثال

أم مثلي التيمي أم عدويّهم

هل كان في حال من الأحوال

لا والذي فرض عليّ وداده

ما عندي العلماء كالجهال

ص: 201


1- تفسير مجمع البيان : 5/28 ، شواهد التنزيل : 1/329 .

وقال خطيب منبج :

وقال جعلتم السقيا كمن لا

يزال مجاهدا لا يستوونا

* * *

وقال القاضي بن قابوس المصري :

يا سيد العالم طرّا

بدوهم والحضر

إن عظّموا سقي الحجيج

فأنت ساقي الكوثر

أنت الإمام المرتضى

وشفيعنا في المحشر

* * *

لا تَجِدُ قَوْماً يُؤمِنُونَ بِاللّهِ

في بعض التفاسير : أنّه نزل قوله - تعالى - « لا تَجِدُ قَوْماً يُؤمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ » الآية ، في علي عليه السلام ، لأنّه قتل عشيرته مثل عمرو بن عبد ودّ ، والوليد بن عتبة في خلق .

قال أبقراط النصراني :

أما ردّ عمرا يوم سلع بباتر

كأنّ على جنبيه لطخ العنادم

وعادى ابن معدى نحو أحمد خاضعا

كشارب أثل في خطام الغمائم

وعاديت في اللّه القبائل كلّها

ولم تخش في الرحمن لومة لائم

وكنت أحقّ الناس بعد محمد

وليس جهول القوم فضلاً كعالم

ص: 202

فصل 8 : في المسابقة بالسخاء والنفقة في سبيل اللّه

اشارة

ص: 203

ص: 204

المشهور من الصحابة بالنفقة في سبيل اللّه : علي عليه السلام ، وأبو بكر وعمر وعثمان وعبد الرحمن وطلحة(1) !!!

ولعلي عليه السلام في ذلك فضائل ، لأنّ الجود جودان : نفسي ، ومالي ، قال : «وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ » ، وقال النبي صلى الله عليه و آله : أجود الناس من جاد بنفسه في سبيل اللّه (2) . . الخبر .

فصار قوله « لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا » أليق بعلي عليه السلام ، لأنّه جمع بينهما ولم يجمع لغيره .

وقولهم : إنّ أبا بكر أنفق على النبي صلى الله عليه و آله أربعين ألفا(3) ، فإن صحّ هذا الخبر فليس فيه أنّه كان دينارا أو درهما ، وأربعون ألف درهم هو أربعة آلاف دينار ، ومال خديجة عليهاالسلام أكثر من ماله ، ونفع ذلك للمسلمين عامّة ، وقد شرحت ذلك في كتابي المشهور .

ص: 205


1- يبدو أنّ المؤلف في هذا المورد وغيره من الموارد الأخرى المشابة لها يستعمل أسلوب التسليم للخصم ، فيقول لهم : لو سلّمنا بما تقولون من أنّ فلان وفلان هم المشهورون بالإنفاق فيبقى أمير المؤمنين عليه السلام أفضلهم ، كما سيتضح لك من كلامه فيما يأتي ، إن شاء اللّه .
2- شرح الأخبار للقاضي النعمان : 1/327 .
3- كتاب ابن حبان : 15/274 ، المسترشد : 647 .

فأمّا قوله « فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى » عموم ، ويعارض بقوله « وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى » بمال خديجة(1) عليهاالسلام ، وروي أنّه نزلت في علي عليه السلام .

وفيه يقول العبدي :

أبوكم هو الصديق آمن واتقى

وأعطى وما أكدى وصدّق بالحسنى

* * *

ص: 206


1- علل الشرائع : 1/130 باب 109 ح 1 ، معاني الأخبار : 53 ح 4 ، الكشاف للزمخشري : 4/265 ، تفسير مجمع البيان : 10/384 ، تفسير السمرقندي : 3/568 ، تفسير الثعلبي : 10/229 ، تلفسير الواحدي : 2/12110 ، تفسير السمعاني : 3/526 ، تفسير البغوي : 4/499 ، تفسير النسفي : 4/245 .

الآيات

الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ

الضحاك عن ابن عباس نزلت في علي عليه السلام « ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً » الآية .

ابن عباس ، والسدي ، ومجاهد ، والكلبي ، وأبو صالح ، والواحدي ، والطوسي ، والثعلبي ، والطبرسي ، والماوردي ، والقشيري ، والثمالي ، والنقاش ، والفتال ، وعبيد اللّه بن الحسين ، وعلي بن حرب الطائي في تفاسيرهم :

أنّه كان عند علي بن أبي طالب عليهماالسلام أربعة دراهم من الفضّة ، فتصدّق بواحد ليلاً ، وبواحد نهارا ، وبواحد سرّا ، وبواحد علانية ، فنزل « الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ » الآية ، فسمّى كلّ درهم مالاً ، وبشّره بالقبول ، رواه النطنزي في الخصائص(1) .

ص: 207


1- روضة الواعظين : 105 ، تفسير أبي حمزة الثمالي : 120 ، مناقب أمير المؤمنين عليه السلام للكوفي : 1/166 ، تفسير التبيان : 2/357 ، تفسير مجمع البيان : 2/204 ، خصائص الوحي : 203، تفسير فرات : 72، تفسير الثعلبي : 2/279، تفسير الواحدي : 1/191، شواهد التنزيل : 1/146، الفقيه للصدوق: 2/288، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 1/67 ، شرح الأخبار للقاضي النعمان : 2/246 ، الإختصاص للمفيد : 150 ، معاني القرآن للنحاس : 1/305، تفسير السمرقندي: 1/206، أسباب النزول للواحدي: 58، تفسير السمعاني : 1/278 ، تاريخ دمشق : 42/358 ، بشارة المصطفى : 416 ، المناقب للخوارزمي : 281 .

تفسير النقاش وأسباب النزول : قال الكلبي : فقال له النبي صلى الله عليه و آله : ما حملك على هذا ؟

قال : حملني أن استوجب على اللّه الذي وعدني ، فقال له رسول اللّه صلى الله عليه و آله : ألا إنّ ذلك لك ، فأنزل اللّه هذه الآية(1) .

قال الحميري :

وأنفق ماله ليلاً وصبحا

وأسرارا وجهر الجاهرينا

وصدّق ماله لمّا أتاه

الفقير بخاتم المتختمينا

* * *

لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا

الضحّاك عن ابن عباس قال : لمّا أنزل اللّه « لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ » الآية ، بعث عبد الرحمن بن عوف بدنانير كثيرة إلى أصحاب الصفة حتى أغناهم ، وبعث علي بن أبي طالب عليهماالسلام في جوف الليل بوسق من تمر ، فكان أحبّ الصدقتين إلى اللّه صدقة علي عليه السلام ، وأنزلت الآية(2) .

ص: 208


1- أسباب النزول للواحدي : 58 ، تفسير العياشي : 1/151 ، تفسير مقاتل : 1/147 ، شواهد التنزيل : 1/144 .
2- تفسير الثعلبي : 2/279 ، شواهد التنزيل : 1/148 ، العمدة : 350 .

وسئل النبي صلى الله عليه و آله : أيّ الصدقة أفضل في سبيل اللّه ؟ فقال : جهد من مقلّ(1) .

تاريخ البلاذري وفضائل أحمد : إنّه كانت غلّة علي عليه السلام أربعين ألف دينار، فجعلها صدقة ، وإنّه باع سيفه ، وقال : لو كان عندي عشاء ما بعته(2).

إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً

شريك والليث والكلبي وأبو صالح والضحاك والزجاج ومقاتل بن حنان ومجاهد وقتادة وابن عباس :

كانت الأغنياء يكثرون مناجاة الرسول صلى الله عليه و آله ، فلمّا نزل قوله : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً » انتهوا ، فاستقرض عليه السلام دينارا وتصدّق به ، فناجى النبي صلى الله عليه و آله عشر نجوات ، ثم نسخته الآية التي بعدها .

أمير المؤمنين عليه السلام : كان لي دينار ، فبعته بعشرة دراهم ، فكنت كلّما أردت أن أناجي رسول اللّه صلى الله عليه و آله قدّمت درهما ، فنسختها الآية الأخرى(3) .

ص: 209


1- دعائم الإسلام : 2/328 ، الخصال : 532 ، معاني الأخبار : 333 ، شرح الأخبار للقاضي النعمان : 2/219 ، أمالي الطوسي : 540 ، مسند أحمد : 5/178 ، السنن الكبرى للبيهقي : 9/164 ، الآحاد والمثاني : 2/174 ، المعجم الكبير للطبراني : 8/226 ، المعجم الأوسط للطبراني : 5/78 ، أنساب الأشراف : 2/52 . . . .
2- أنساب الأشراف : 2/117 .
3- تفسير القمّي : 2/257 ، شواهد التنزيل : 2/324 ، شرح الأخبار للقاضي النعمان : 2/282 ، تفسير مجمع البيان : 9/417 ، تفسير التبيان : 9/551 .

الواحدي في أسباب نزول القرآن والوسيط أيضا ، والثعلبي في الكشف والبيان ما رواه علي بن علقمة ومجاهد :

إنّ عليا عليه السلام قال : إنّ في كتاب اللّه لآية ما عمل بها أحد قبلي ، ولا عمل بها أحد بعدي ، ثم تلا هذه الآية(1) .

جامع الترمذي ، وتفسير الثعلبي ، واعتقاد الأشنهي ، عن الأشجعي والثوري وسالم بن أبي حفصة وعلي بن علقمة الأنماري عن علي عليه السلامفي

هذه الآية : فبي خفّف اللّه ذلك عن هذه الأمّة(2) .

وفي مسند الموصلي : فبه خفّف اللّه عن هذه الأمّة(3) .

وزاد أبو القاسم الكوفي في الرواية : إنّ اللّه امتحن الصحابة بهذه الآية ، فتقاعسوا كلّهم عن مناجاة الرسول صلى الله عليه و آله ، فكان الرسول صلى الله عليه و آلهاحتجب في

ص: 210


1- تفسير الثعلبي : 9/262 ، أسباب النزول للواحدي : 276 ، شواهد التنزيل : 2/319 ، تفسير النسفي : 4/226 ، العمدة : 185 ، تفسير القمي : 2/357 ، تفسير فرات : 470 ، الكشاف للزمخشري : 4/76 ، تفسير جوامع الجامع : 3/525 ، تفسير مجمع البيان : 9/417 ، تفسير جامع البيان للطبري : 28/27 ، أحكام القرآن للجصاص : 3/572 ، تنبيه الغافلين : 169 ، المناقب للخوارزمي : 277 .
2- سنن الترمذي : 5/81 رقم 3355 ، تفسير الثعلبي : 9/363 ، مناقب أمير المؤمنين عليه السلامللكوفي : 1/123 ، السنن الكبرى للنسائي : 5/152 ، خصائص أمير المؤمنين عليه السلامللنسائي : 128 ، كتاب ابن حبان : 15/390 ، تفسير مجمع البيان : 9/417 ، خصائص الوحي : 164 ، تفسير جامع البيان للطبري : 28/28 ، شواهد التنزيل : 2/313 ، تفسير البغوي : 4/311 ، الكامل لابن عدي : 5/204 ، اعلام الورى : 1/371 . . . .
3- مسند أبي يعلى : 1/323 .

منزله عن مناجاة أحد إلاّ من تصدّق بصدقة ، فكان معي دينار . . وساق عليه السلام كلامه إلى أن قال :

فكنت أنا سبب التوبة من اللّه على المسلمين حين عملت بالآية ، فنسخت ، ولو لم أعمل بها - حين كان عملي بها سببا للتوبة عليهم - لنزل العذاب عند امتناع الكلّ عن العمل بها(1) .

وقال القاضي الطرثيثي : إنّهم عصوا في ذلك إلاّ علي عليه السلام ، فنسخه عنهم ، يدلّ عليه قوله « فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللّهُ عَلَيْكُمْ » ، ولقد استحقّوا العذاب لقوله « أَأَشْفَقْتُمْ » .

وقال مجاهد : وما كان إلاّ ساعة ، وقال مقاتل بن حبان : كان ذلك عشر ليال ، وكانت الصدقة مفوّضة إليهم غير مقدّرة(2) .

سفيان بإسناده عن علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه و آله : فيما استطعت تصدّقت .

وروى الثعلبي عن أبي هريرة وابن عمر : أنّه قال عمر بن الخطاب : كان لعلي عليه السلام ثلاث ، لو كان لي واحدة منهن كانت أحبّ إليّ من حمر النعم : تزويجه فاطمة عليهاالسلام ، واعطاؤه الراية يوم خيبر ، وآية النجوى(3) .

* * *

ص: 211


1- نهج الإيمان : 605 ، تأويل الآيات : 2/675 .
2- الكشاف للزمخشري : 4/76 ، تفسير الثعلبي : 9/262 ، تفسير البغوي : 4/311 .
3- الكشاف للزمخشري : 4/76 ، العمدة : 185 ، تفسير جوامع الجامع : 3/535 ، تفسير مجمع البيان : 9/417 ، خصائص الوحي : 164 ، تفسير الثعلبي : 9/262 ، المناقب للخوارزمي : 277 .

قال الوراق القمّي :

علي الذي ناجاه بالوحي أحمد

فعلّمه أبواب سلم مسلم

* * *

وقال الأصفهاني :

وبألف حرف أيّكم ناجي أخي

فيهن دونكم أخي ناجاني

ولكلّ حرف ألف باب شرحه

عندي بفضل حكومة وبيان

* * *

ص: 212

ضيافته عليه السلام

سورة هل أتى

وأنفق على ثلاث ضيفان(1) من الطعام قوت ثلاث ليال ، فنزلت فيه ثلاثون آية(2) ، ونصّت على عصمته ، وستره ومراده ، وقبول صدقته .

وكفاك من جوده قوله « عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللّهِ » الآية ، وإطعام الأسير خاصّة ، وهو عدوّ في الدين .

قال العوني :

من أطعم المسكين واليتيم

والأسير للّه ثلاثا وطوى

* * *

إطعام أبي هريرة

وحدّث أبو هريرة : أنّه كان في المدينة مجاعة ، ومرّ بي يوم وليلة لم أذق شيئا ، وسألت أبا بكر آية كنت أعرف بتأويلها منه ، ومضيت معه إلى بابه ، وودعني وانصرفت جائعا يومي .

ص: 213


1- ضيفان : جمع ضيف ، ويقصد هنا المسكين واليتيم والأسير .
2- سورة الإنسان ، « هل أتى » .

وأصبحت ، وسألت عمر آية كنت أعرف منه بها ، فصنع كما صنع أبو بكر .

جئت في اليوم الثالث إلى علي عليه السلام ، وسألته ما يعلمه فقط ، فلمّا أردت أن أنصرف دعاني إلى بيته ، فأطعمني رغيفين وسمنا .

فلمّا شبعت انصرفت إلى رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، فلمّا بصر بي ضحك في وجهي ، وقال : أنت تحدّثني أم أحدّثك ؟! ثم قصّ عليّ ما جرى ، وقال لي : جبرئيل عليه السلام عرّفني .

حزنه إذا انقطع عنه الضيف

ورؤي أمير المؤمنين عليه السلام حزينا ، فقيل له : ممّ حزنك ؟ قال : لسبع أتت لم يضف الينا ضيف .

أطعم الضيف وبات وأهله جياع

تفسير أبي يوسف يعقوب بن سفيان ، وعلي بن حرب الطائي ، ومجاهد بأسانيدهم عن ابن عباس وأبي هريرة ، وروى جماعة عن عاصم بن كليب عن أبيه ، واللّفظ له عن أبي هريرة :

إنّه جاء رجل إلى رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، فشكا إليه الجوع ، فبعث رسول اللّه صلى الله عليه و آله إلى أزواجه ، فقلن : ما عندنا إلاّ الماء .

فقال صلى الله عليه و آله : من لهذا الرجل الليلة ؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام : أنا يا رسول اللّه صلى الله عليه و آله .

ص: 214

وأتى فاطمة عليهاالسلام وسألها : ما عندك يا بنت رسول اللّه صلى الله عليه و آله ؟ فقالت : ما عندنا إلاّ قوت الصبية ، لكنّا نؤثر به ضيفنا ، فقال علي عليه السلام : يا بنت محمد صلى الله عليه و آله ، نوّمي الصبية ، واطفي المصباح ، وجعلا يمضغان بألسنتهما ، فلمّا فرغ من الأكل أتت فاطمة عليهاالسلام بسراج ، فوجدت الجفنة مملؤة من فضل اللّه .

فلمّا أصبح صلّى مع النبي صلى الله عليه و آله ، فلمّا سلّم النبي صلى الله عليه و آله من صلاته نظر إلى أمير المؤمنين عليه السلام ، وبكى بكاء شديدا ، وقال : يا أمير المؤمنين عليه السلام ، لقد عجب الربّ من فعلكم البارحة ، إقرأ « وَيُؤثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ » أي مجاعة « وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ »يعني عليا وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام « فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ »(1) .

* * *

وقال الحميري :

قائل للنبي إنّي غريب

جائع قد أتيتكم مستجيرا

فبكى المصطفى وقال غريب

لا يكن للغريب عندي ذكورا

من يضيف الغريب قال علي

أنا للضيف فانطلق مأجورا

ابنة العمّ هل من الزاد شيء

فأجابت أراه شيئا يسيرا

كفّ برّ قال اصنعيه فإنّ اللّه

قد يجعل القليل كثيرا

سوف أطفي المصباح كي لا يراني

فاخلّي طعامه موفورا

ص: 215


1- أمالي الطوسي : 185 ح 309 ، شواهد التنزيل : 2/331 رقم 972 .

جاهد يلمظ الأصابع والضيف

يراه إلى الطعام مشيرا

عجبت منكم ملائكة اللّه

وارضيتم اللطيف الخبيرا

ولهم قال يؤثرون على

أنفسهم نال(1) ذاك فضلاً كبيرا

* * *

وله أيضا :

وآثر ضيفه لمّا أتاه

وأهله يتلمّظونا

فسمّاه الإله بما أتاه

من الآثار باسم المفلحينا

* * *

ص: 216


1- في نسخة « النجف » : « قال » .

تصدّقه عليه السلام

تصدّق على ثلاث فتابوا الى اللّه

كتاب أبي بكر الشيرازي بإسناده عن مقاتل عن مجاهد عن ابن عباس في قوله « رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ » إلى قوله « بِغَيْرِ حِسابٍ » قال : هو - واللّه - أمير المؤمنين

عليه السلام .

ثم قال بعد كلام : وذلك أنّ النبي صلى الله عليه و آله أعطى عليا عليه السلام يوما ثلاثمائة دينار أهديت إليه .

قال علي عليه السلام : فأخذتها وقلت : واللّه ، لأتصدقنّ الليلة من هذه الدنانير صدقة يقبلها اللّه منّي .

فلمّا صلّيت العشاء الآخرة مع رسول اللّه صلى الله عليه و آله أخذت مائة دينار وخرجت من المسجد ، فاستقبلتني إمرأة ، فأعطيتها الدنانير ، فأصبح الناس بالغد يقولون : تصدّق علي عليه السلام الليلة بمائة دينار على إمرأة فاجرة ، فاغتممت غمّا شديدا !!

فلمّا صلّيت القابلة صلاة العتمة أخذت مائة دينار ، وخرجت من المسجد ، وقلت : واللّه ، لأتصدّقن الليلة بصدقة يتقبّلها ربّي منّي ، فلقيت رجلاً ، فتصدّقت عليه بدنانير ، فأصبح أهل المدينة يقولون : تصدّق علي عليه السلام البارحة بمائة دينار على رجل سارق ، فاغتممت غمّا شديدا !! وقلت : واللّه ، لأتصدّقن الليلة صدقة يتقبّلها ربّي منّي .

ص: 217

فصلّيت العشاء الآخرة مع رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، ثم خرجت من المسجد ، ومعي مائة دينار ، فلقيت رجلاً فأعطيته إياها ، فلمّا أصبحت قال أهل المدينة : تصدّق علي عليه السلام البارحة بمائة دينار على رجل غني ، فاغتممت غمّا شديدا !!

فأتيت رسول اللّه صلى الله عليه و آله فخبّرته ، فقال لي : يا علي ، هذا جبرئيل عليه السلام يقول لك : إنّ اللّه - عزّ وجلّ - قد قبل صدقاتك ، وزكّى عملك ، إنّ المائة دينار التي تصدّقت بها أوّل ليلة وقعت في يدي إمرأة فاسدة ، فرجعت إلى منزلها ، وتابت إلى اللّه - عزّ وجلّ - من الفساد ، وجعلت تلك الدنانير رأس مالها ، وهي في طلب بعل تتزوّج به .

وإنّ الصدقة الثانية وقعت في يدي سارق ، فرجع إلى منزله ، وتاب إلى اللّه من سرقته ، وجعل الدنانير رأس ماله يتّجر بها .

وإنّ الصدقة الثالثة وقعت في يدي رجل غني لم يزكّ ماله منذ سنين ، فرجع إلى منزله ، ووبّخ نفسه ، وقال : شحّا عليك يا نفس ، هذا علي بن أبي طالب عليهماالسلام تصدّق عليّ بمائة دينار ولا مال له ، وأنا قد أوجب اللّه على مالي الزكاة لأعوام كثيرة لم أزكه ، فحسب ماله وزكّاه ، وأخرج زكاة ماله كذا وكذا دينارا .

وأنزل اللّه فيك«رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ »(1) الآية .

ص: 218


1- كتاب مسلم : 3/89 ، السنن الكبرى للبيهقي : 4/192 ، كتاب ابن حبان : 5/143 ، باختلاف ونسبوه الى رجل .
يطعم اليتامى العسل

أبو الطفيل : رأيت عليا عليه السلام يدعو اليتامى فيطعمهم العسل ، حتى قال بعض أصحابه : لوددت أنّي كنت يتيما(1) .

تصدّقه على النيام في ظلّة بني ساعدة

المعلّى بن خنيس عن الصادق عليه السلام : أنّه عليه السلام أتى ظلّة بني ساعدة في ليلة قد رشت السماء ، ومعه جراب ، فإذا نحن بقوم نيام ، فجعل يدسّ الرغيف والرغيفين حتى أتى على آخره(2) .

قال الحميري :

ومن ذا كان للفقراء كنزا

إذا نزل الشتاء بهم كنينا

* * *

منع نفسه مع شدّة سغبه طلبا للقربة

محمد بن الصمّة عن أبيه عن عمّه قال : رأيت في المدينة رجلاً على ظهره قربة ، وفي يده صحفة يقول : اللّهم ولي المؤمنين ، وإله المؤمنين ،

ص: 219


1- المعيار والموازنة : 251 ، ربيع الأبرار : 2/148 ، أنساب الأشراف : 2/373 ، الكافي : 1/406 ح 5 .
2- ثواب الأعمال للصدوق : 144 ، الكافي : 4/8 ح 3 ، التهذيب للطوسي : 4/105 ح 300 ، تفسير العياشي : 2/107 ، وهو مروي عن الصادق عليه السلام .

وجار المؤمنين ، اقبل قرباني الليلة ، فما أمسيت أملك سوى ما في صحفتي ، وغير ما يواريني ، فإنّك تعلم أنّي منعته نفسي مع شدّة سغبي في طلب القربة إليك غنما ، اللّهم فلا تخلق وجهي ، ولا تردّ دعوتي ، فأتيته حتى عرفته ، فإذا هو علي بن أبي طالب عليهماالسلام ، فأتى رجلاً فأطعمه .

أضاف النبي صلى الله عليه و آله وجماعة فأعطاه اللّه دينارا

عبد اللّه بن علي بن الحسين يرفعه : إنّ النبي صلى الله عليه و آله أتى مع جماعة من أصحابه إلى علي عليه السلام ، فلم يجد علي عليه السلام شيئا يقرّبه إليهم ، فخرج ليحصل

لهم شيئا ، فإذا هو بدينار على الأرض ، فتناوله ، وعرّف به فلم يجد له طالبا ، فقوّمه على نفسه ، واشترى به طعاما ، وأتى به إليهم .

وأصاب عوضه ، وجعل ينشد صاحبه فلم يجده ، فأتى به النبي صلى الله عليه و آله ، وأخبره بالخبر ، فقال : يا علي عليه السلام ، إنّه شيء أعطاكه اللّه لمّا اطلع على نيّتك وما أردته ، وليس هو شيء للناس ، ودعا له بخير .

قال الحميري :

فمال إلى أدناهم منه بيّعا

توسّم فيه خير ما يتوسّم

فقال له بعني طعاما فباعه

جميل المحيّا ليس منه التجهّم

فكال له حبّا به ثمّ ردّه

إليه وارزاق العباد تقسّم

فآب برزق ساقه اللّه نحوه

إلى أهله والقوم للجوع رزّم

فلا ذلك الدينار أحمى تبره

يقينا وأمّا الحبّ فاللّه أعلم

ص: 220

أمن زرع أرض كان أم حبّ جنة

حباه به من ناله منه أنعم

وبيّعه جبريل أطهر بيّع

فأيّ أيادي الخير من تلك أعظم

يكلّم جبريل الأمين فإنّه

لأفضل من يمشي ومن يتكلّم

* * *

عوض دينار استقرضه وتصدّق به

روت الخاصّة والعامّة ، منهم : ابن شاهين المروي ، وابن شيرويه الديلمي عن الخدري وأبي هريرة :

إنّ عليا عليه السلام أصبح ساغبا ، فسأل فاطمة عليهاالسلام طعاما ، فقالت : ما كانت إلاّ ما أطعمتك ، منذ يومين آثرت به على نفسي وعلى الحسن والحسين عليهماالسلام ، فقال : ألا أعلمتني فأتيتكم بشيء ، فقالت : يا أبا الحسين ، إنّي لأستحي من إلهي أن أكلفك ما لا تقدر عليه .

فخرج واستقرض من النبي صلى الله عليه و آله دينارا ، فخرج يشتري به شيئا ، فاستقبله المقداد قائلاً : ما شاء اللّه ، فناوله علي عليه السلام الدينار ، ثم دخل المسجد ، فوضع رأسه فنام .

فخرج النبي صلى الله عليه و آله فإذا هو به ، فحرّكه وقال : ما صنعت ؟ فأخبره ، فقام وصلّى معه ، فلمّا قضى النبي صلى الله عليه و آله صلاته قال : يا أبا الحسن ، هل عندك شيء نفطر عليه ، فنميل معك ؟ فأطرق لا يجيب جوابا حياء منه ، وكان اللّه أوحى إليه : أن يتعشّى تلك الليلة عند علي عليه السلام .

ص: 221

فانطلقا حتى دخلا على فاطمة عليهاالسلام ، وهي في مصلاها ، وخلفها جفنة تفور دخانا ، فأخرجت فاطمة عليهاالسلام الجفنة ، فوضعتها بين أيديهما ، فسأل علي عليه السلام « أَنّى لَكِ هذا » ؟ قالت : هو من فضل اللّه ورزقه « إِنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ » .

قال : فوضع النبي صلى الله عليه و آله كفّه المبارك بين كتفي علي عليه السلام ، ثم قال : يا علي ، هذا بدل دينارك ، ثم استعبر النبي صلى الله عليه و آله باكى : وقال : الحمد للّه الذي لم يمتني حتى رأيت في ابنتي ما رأى زكريا لمريم عليهماالسلام .

وفي رواية الصادق عليه السلام : أنّه أنزل اللّه فيهم « وَيُؤثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ »(1) .

* * *

قال الحميري :

وحدّثنا عن حارث الأعور الذي

نصدّقه في القول منه وما يروي

بأنّ رسول اللّه نفسي فداؤه

وأهلي ومالي طاوي الحشي يطوي

لجوع أصاب المصطفى فاغتدى إلى

كريمته والناس لاهون في سهو

ص: 222


1- أمالي الطوسي : 616 ح 1272 ، تفسير فرات : 83 ح 60 ، شرح الأخبار للقاضي النعمان : 2/401 ، المعيار والموازنة : 236 ، مناقب أمير المؤمنين عليه السلام للكوفي : 1/201 ح 124 .

فصادفها وابني علي وبعلها

وقد أطرقوا من شدّة الجوع كالنضو(1)

فقال لها يا فطم قومي تناوليولم يك فيما قال ينطق بالهزو

هدية ربّي أنّه مترحّمفقامت إلى ما قال تسرع بالخطو

فجاءت عليها اللّه صلّى بجفنةمكومة باللحم جزوا على جزو

فسمّوا وظلّوا يطعمون جميعهمفبخ بخ لهم نفسي الفداء وما أحوي

فقال لها ذاك الطعام هديةمن اللّه جبريل أتاني به يهوي

ولم يك منه طاعما غير مرسلوغير وصي خصّه اللّه بالصفو

* * *

عوض التصدّق بثمن القطيفة

وفي رواية حذيفة : إنّ جعفرا أعطى النبي صلى الله عليه و آله الفرع من العالية والقطيفة ، فقال النبي صلى الله عليه و آله : لأدفعن هذه القطيفة إلى رجل يحبّ اللّه ورسوله ، ويحبّه اللّه ورسوله ، وأعطاها عليا عليه السلام .

ص: 223


1- النضو : المهزول .

ففصل علي عليه السلام القطيفة سلكا ، فباع بالذهب ، فكان ألف مثقال ، ففرّقه في فقراء المهاجرين كلّها .

فلقيه النبي صلى الله عليه و آله ، ومعه حذيفة وعمار وسلمان وأبو ذر والمقداد ، فسأله النبي صلى الله عليه و آله الغداء ، فقال حياء منه : نعم ، فدخلوا عليه ، فوجدوا الجفنة(1) .

عوض صدقته على المقداد

وفي حديث ابن عباس : إنّ المقداد قال له : أنا منذ ثلاثة أيام ما طعمت شيئا ، فخرج أمير المؤمنين عليه السلام وباع درعه بخمسمائة ، ودفع إليه بعضها ، وانصرف متحيّرا .

فناداه أعرابي : اشتر منّي هذه الناقة مؤجلاً ، فاشتراها بمائة درهم ، ومضى الأعرابي ، فاستقبله آخر ، وقال : بعني هذه الناقة بمائة وخمسين درهما ، فباع وصاح : يا حسن ، ويا حسين ، امضيا في طلب الأعرابي ، وهو على الباب .

فرآه النبي صلى الله عليه و آله فقال وهو متبسم : يا علي ، الأعرابي صاحب الناقة جبرئيل ، والمشتري ميكائيل ، يا علي المائة عن الناقة ، والخمسين بالخمس التي دفعتها إلى المقداد ، ثم تلا « وَمَنْ يَتَّقِ اللّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً »

الآية .

* * *

ص: 224


1- دلائل الإمامة : 144 ، أمالي الطوسي : 614 ح 1271 .

قال السيد الحميري :

أليس المؤثر المقداد لمّا

أتاه مقويا في المقويينا(1)

بدينار وما يحوي سواهوما كلّ الأفاضل مؤثرينا

* * *

وقال الوراق :

علي غدا يبتاع قوتا لأهله

فبايعه جبريل بيع المحكم

* * *

صدقته على الأعرابي

وسمع أمير المؤمنين عليه السلام أعرابيا يقول وهو آخذ بحلقه الباب : البيت بيتك ، والضيف ضيفك ، ولكلّ ضيف قرى ، فاجعل قراي منك في هذه الليلة المغفرة .

فقال : يا أعرابي ، هو - واللّه - أكرم من أن يردّ ضيفه بلا قرى .

وسمعه الليلة الثانية قائلاً : يا عزيزا في عزّك يعزّ من عزّ عزّك ، أنت أنت ، لا يعلم أحد كيف أنت إلاّ أنت ، أتوجه إليك بك ، وأتوسل بك إليك ، وأسألك بحقّك عليك ، وبحقّك على آل محمد صلى الله عليه و آله أعطني ما لا يملكه غيرك ، واصرف عنّي ما لا يصرفه سواك ، يا أرحم الراحمين .

فقال عليه السلام : هذا اسم اللّه الأعظم بالسريانية .

ص: 225


1- المقوي ، أقوى : افتقر ، نفد طعامه وفني زاده .

وسمعه الليلة الثالثة يقول : يا زين السماوات والأرض ، ارزقني أربعة آلاف درهم .

فضرب يده على كتف الأعرابي ، ثم قال : قد سمعت ما طلبت وما سألت ربّك ، فما الذي تصنع بأربعة آلاف درهم ؟ قال : ألف صداق إمرأتي ، وألف أبني به دارا ، وألف أقضي به ديني ، وألف ألتمس به المعاش .

قال : أنصفت يا أعرابي إذا قدمت المدينة ، فسل عن علي بن أبي طالب عليهماالسلام .

قال : فلمّا أتى الأعرابي المدينة قال للحسين عليه السلام : قل لأبيك : صاحب الضمان بمكة ، فدخل فأخبره ، قال : إي - واللّه - يا حسين ، ايتيني بسلمان .

فلمّا أتاه قال : يا سلمان ، اجمع لي التجار ، فلمّا اجتمعوا قال لهم : اشتروا منّي الحائط الذي غرسه لي رسول اللّه صلى الله عليه و آله بيده ، فباعه منهم بإثني عشر ألف درهم ، فدفع إلى الأعرابي أربعة آلاف ، فقال : يا أعرابي ، كم أنفقت في طريقك ؟ قال : ثلاثة عشر درهما ، قال : ادفعوا له ستا وعشرين درهما حتى يصرف الأربعة آلاف حيث سأل ، وصيّر بين يديه الباقي ، فلم يزل يعطي قبضة قبضة حتى لم يبق منها درهم .

فلمّا أتى فاطمة عليهاالسلام ذكر بيع الحائط ، قالت : فأين الثمن ؟

قال : دفعته - واللّه - إلى عيون استحييت منها أن أحوجها إلى ذلّ المسألة ، فأعطيتهم قبل أن يسألوني .

فقالت : لا أفارقك أو يحكم بيني وبينك أبي ، إذ أنا جائعة وابناي جائعان لم يكن لنا في إثني عشر ألف درهم درهم نأكل به الخبز .

ص: 226

فقال : يا فاطمة ، لا تلاحيني وخلّي سبيلي(1) !!!

فهبط جبرئيل عليه السلام على النبي صلى الله عليه و آله فقال : السلام يقرأ عليك السلام

ويقول : بكت ملائكة السماوات للزوم فاطمة عليهاالسلام عليا عليه السلام ، فاذهب إليهما .

فجاء إليهما ، فقال : يا بنتي مالك تلزمين عليا ؟ فقصّت عليه القصّة ، فقال : خلّ سبيله ، فليس على مثل علي عليه السلام تضرب يد .

ثم خرجا من الدار ، فما لبث أن رجع النبي صلى الله عليه و آله فقال : يا فاطمة ، رجع أخي ؟ فقالت : لا ، فأعطاها سبعه دراهم سودا هجرية ، وقال : قولي له يبتاع لكم بها طعاما .

فلمّا أتاها أعطته الدراهم ، فأخذها وقال : بسم اللّه والحمد للّه كثيرا طيّبا من فضل اللّه .

فذهب إلى السوق ، فإذا سائل يقول : من يقرض اللّه الملي الوفي ، فقال : يا أبا الحسن ، أتسمع ما يقول ؟ أقرض اللّه .

ثم مضى ليستقرض من أحد ، فإذا بشيخ معه ناقة ، فقال : يا علي ، ابتع منّي هذه الناقة ، فقال : ليس معي ثمنها ، قال : إنّي أنظرك بثمنها ، فابتاعها بمائة درهم ، ثم اشترى . . . إلى آخر القصّة . .

ص: 227


1- روى المؤلف قبل قليل تقديم فاطمة عليهاالسلام الضيف على نفسها وزوجها وأولادها عليهم السلام ، وقد نزلت فيها وفيهم سورة هل أتى ، وهي صدّيقة معصومة ، وقد آثرت بنفسها وبعلها وولدها وقوتها للّه ربّ العالمين ، وربما كانت ألفاظ الراوي وصياغته قاصرة عن وصف موقف سيدة نساء العالمين ، فعبّر بالملاحات والعتاب والالتزام ، وإلاّ فسيدة نساء الجنّة ، وكفو أمير المؤمنين عليه السلام أعرف به وبرسوله وباللّه .

المخبرة :

أمن طوى يومين لم يطعم ولم

تطعم حليلته ولا الحسنان

فمضى لزوجته ببعض ثيابها

ليبيعه في السوق كالعجلان

يهوى ابتياع جرادق لعياله

من بين ساغبة ومن سغبان(1)

إذ جاءه مقداد يخبر أنّهمذ لم يذق أكلاً له يومان

فهوى إلى ثمن المثال فصبّهمن كفّ أبيض في يدي غرثان(2)

فطرا من الأعراب سابق ناقةحسناء تأجره له معسان

نادى ألا اشترها فقال وكيف ليبشرا البعير وما معي فلسان

قال الفتى ابتعها فإنّك منظرفيما به الكفّان تصطفقان

فبدا له رجل فقال أبائعمنّي بعيرك أنت يا ربّاني

أخبر شراك أهنّ ربحك قال هامائة فقال فهاكها مائتان

وأتى النبي معجبا فأهابهواليه قبل قد انتهى الخبران

نادى أبا حسن أبدء بالذيأقبلت تبيّنيه(3) أم تبدأني

قال الوصي له فانبئني بهإنّي اتجرت فتاح لي ربحان(4)

ربح لآخرتي وربح عاجلوكلاهما لي يا أخي فخران

فأبثّه ما في الضمير وقال هلتدري فداك أحبّتي من ذان

ص: 228


1- الجرادق ، جمع جردق وجردقة : رغيف .
2- غرثان : جائع .
3- في نسخة « النجف » : « ما استلفيت » .
4- تاح له الشيء تيحا : تهيأ ، وتاح الأمر : قدر عليه .

جبريل صاحب بيعها والمشتريميكال طبت وانجح السعيان

والناقة الكوماء كانت ناقةترعى بدار الخلد في بطنان

* * *

التصدّق بالخاتم

وإنّه عليه السلام طلب السائل منه صدقة ، فأعطى خاتما ، فنزلت « إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ » .

فيه يضرب المثل في الصدقات

وفيه يضرب المثل في الصدقات ، يقال في الدعاء : يقبل اللّه منه كما يقبل توبة آدم عليه السلام ، وقربان إبراهيم عليه السلام ، وحجّ المصطفى صلى الله عليه و آله ، وصدقة أمير المؤمنين عليه السلام .

لم يخلّف إلاّ ثمانمائة درهم

وكان عليه السلام يأخذ من الغنائم لنفسه وفرسه ، ومن سهم ذي القربى ، وينفق جميع ذلك في سبيل اللّه ، وتوفي ولم يترك إلاّ ثمانمائة درهم(1) .

* * *

ص: 229


1- الإستيعاب : 3/1112 .

ص: 230

فصل 9 : في المسابقة بالشجاعة

اشارة

ص: 231

ص: 232

الآيات

كان شديدا على الكفّار دون الأول

وصف اللّه - تعالى - أصحاب محمد صلى الله عليه و آله فقال : « وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ » ثبتت هذه الصفة لعلي عليه السلام دون من يدعون له الشدّة على الكفار(1) .

وقال - تعالى - في قصّة طالوت « إِنَّ اللّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ » .

واجتمعت الأمّة على أنّ عليا عليه السلام أشدّ من أبي بكر ، واجتمعت أيضا على علمه ، واختلفوا في علم أبي بكر ، وليس المجتمع عليه كالمختلف فيه(2) .

الباقر والرضا عليهماالسلام في قوله « لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ » البأس الشديد علي بن أبي طالب عليهماالسلام ، وهو لدن رسول اللّه صلى الله عليه و آله يقاتل معه عدوه(3) .

ص: 233


1- المسترشد : 644 .
2- المسترشد : 644 .
3- تفسير العياشي : 2/321 ح 2 .

ويروى أنّه نزل فيه « وَالصّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ »(1) .

قال الحيص بيص :

وأنزع من شرك الرجال مبرّأ

بطين من الأحكام جمّ النوافل

سديد مضاء البأس يغني بلاؤه

إذا زحموه بالقنا والقنابل

* * *

العزّة والقدرة في سورة المنافقين

علي بن جعد عن شعبة عن قتادة عن الحسين عن ابن عباس : إنّ عبد اللّه بن أبي سلول كان يتنحّى عن النبي صلى الله عليه و آله مع جماعة من المنافقين في ناحية من العسكر ، ليخوضوا في أمر رسول اللّه صلى الله عليه و آله في غزوة حنين .

فلمّا أقبل راجعا إلى المدينة رأى حفالاً ، وهو مسلم ، لطم للحمقاء ، وهو منافق ، فغضب ابن أبي سلول وقال : لو كففتم عن إطعام هؤلاء لتفرّقوا عنه - يعني عن النبي صلى الله عليه و آله - ، واللّه « لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَْعَزُّ مِنْهَا الأَْذَلَّ » يعني نفسه والنبي صلى الله عليه و آله .

فأخبر زيد بن أرقم للنبي صلى الله عليه و آله بمقاله ، فأتى ابن أبي سلول في أشراف الأنصار إلى النبي صلى الله عليه و آله يعذّرونه ، ويكذّبون زيدا ، فاستحيى زيد ، فكفّ

ص: 234


1- تفسير مجمع البيان : 1/488 .

عن إتيان رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، فنزل : « هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا وَلِلّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالأَْرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَْعَزُّ مِنْهَا الأَْذَلَّ وَلِلّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤمِنِينَ » يعني القوّة والقدرة لأمير المؤنين عليه السلاموأصحابه على المنافقين .

فأخذ رسول اللّه صلى الله عليه و آله بيد زيد وعركها ، وقال : أبشر يا صادق ، فقد صدّق اللّه حديثك ، وأكذب صاحبك المنافق(1) ، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه عليه السلام .

لا يقاس الإمام عليه السلام بمن لم يصب محجمة من دم قطّ

عجب لمن يقاس بمن لم يصب محجمة من دم في جاهلية أو إسلام ، مع من علم أنّه قتل في يوم بدر خمسا وثلاثين مبارزا دون الجرحى ، على قول العامّة ، وهم :

من قتلهم الإمام عليه السلام يوم بدر

[ 1 ] الوليد بن عتبة

[ 2 ] والعاص بن سعيد بن العاص .

ص: 235


1- المجازات النبوية : 130 ، مسند أحمد : 4/369 ، كتاب البخاري : 6/64 «باختلاف»، تفسير القمّي : 2/368 ، تفسير مجمع البيان : 10/22 ، تاريخ المدينة لابن شبة : 1/352 .

[ 3 ] وطعيمة(1) بن عدي بن نوفل .

[ 4 ] وحنظلة بن أبي سفيان .

[ 5 ] ونوفل بن خويلد .

[ 6 ] وزمعة بن الأسود .

[ 7 ] والحارث بن زمعة .

[ 8 ] والنضر بن الحارث بن عبد الدار .

[ 9 ] وعمير بن عثمان بن كعب ، عمّ طلحة .

[ 10 ] [ 11 ] وعثمان ومالك أخوا طلحة .

[ 12 ] ومسعود بن أبي أميّة بن المغيرة .

[ 13 ] وقيس بن الفاكهة بن المغيرة(2) .

[ 14 ] وأبو القيس بن الوليد بن المغيرة .

[ 15 ] وعمرو بن مخزوم .

[ 16 ] والمنذر بن أبي رفاعة .

[ 17 ] ومنبه بن الحجاج السهمي .

[ 18 ] والعاص بن منبه .

[ 19 ] وعلقمة بن كلدة .

[ 20 ] وأبو العاص بن قيس بن عدي .

[ 21 ] ومعاوية بن المغيرة بن أبي العاص .

ص: 236


1- في نسخة « النجف » : « مطعم » .
2- سقط من النسخ : «حذيفة بن أبي حذيفة بن المغيرة»، كما في الإرشاد، وبه تمام العدد .

[ 22 ] ولوذان بن ربيعة .

[ 23 ] وعبد اللّه بن المنذر بن أبي رفاعة .

[ 24 ] ومسعود بن أمية بن المغيرة .

[ 25 ] والحاجب بن السائب بن عويمر .

[ 26 ] وأوس بن المغيرة بن لوذان .

[ 27 ] وزيد بن مليص .

[ 28 ] وعاصم بن أبي عوف .

[ 29 ] وسعيد بن وهب .

[ 30 ] ومعاوية بن عامر بن عبد القيس .

[ 31 ] وعبد اللّه بن جميل بن زهير .

[ 32 ] والسائب بن سعيد بن مالك .

[ 33 ] وأبو الحكم بن الأخنس .

[ 34 ] وهاشم بن أبي أمية(1)(2) .

ويقال : قتل بضعة وأربعين رجلاً(3) .

من قتلهم الإمام عليه السلام يوم أحد

وقتل عليه السلام في يوم أحد كبش الكتيبة طلحة بن أبي طلحة ، وابنه أبا

ص: 237


1- الإرشاد للمفيد : 1/70 ، الإرشاد للديلمي : 2/243 .
2- في بعض الأسماء أدنى اختلاف .
3- تنبيه الغافلين : 52 .

سعيد ، واخوته : خالدا ومخلدا وكلدة والمحالس ، وعبد الرحمن بن حميد بن زهرة ، والحكم بن الأخنس بن شريق الثقفي ، والوليد بن أرطأة ، وأميّة بن أبي حذيفة ، وأرطاة بن شرحبيل ، وهشام بن أمية ، ومسافع ، وعمرو بن عبد اللّه الجمحي ، وبشر بن مالك المغافري ، وصواب مولى عبد الدار ، وأبا حذيفة بن المغيرة ، وقاسط بن شريح العبدي ، والمغيرة بن المغيرة ، سوى من قتلهم بعد ما هزمهم(1) .

ولا إشكال في هزيمة عمر وعثمان ، وإنّما الإشكال في أبي بكر ، هل ثبت إلى وقت الفرج أو انهزم(2)(3) .

ص: 238


1- الإرشاد للمفيد : 1/91 .
2- تفسير القمّي : 1/286 .
3- في الإفصاح : 67 : وعلى أنّ الذي تلوناه في باب الأسرى ، و إخبار اللّه - تعالى - عن إرادة المشير به لعرض الدنيا ، وحكمه عليه باستحقاق تعجيل العقاب ، لولا ما رفع عن أمّة رسول اللّه صلى الله عليه و آله من ذلك ، وأخّر للمستحقّين منهم إلى يوم المآب ، لخصّ أبا بكر ومن شاركه في نيّته وإرادته فيه ، لأنّه هو المشير في الأسرى بما أشار على الإجماع من الأمّة والاتفاق ، فما عصمته السوابق والفضائل على ما ادعيتموه له من الأخبار بعاقبته ، والقطع له بالجنان حسب ما اختلقتموه من الغلط في دين اللّه - عزّ وجلّ - والتعمّد لمعصية اللّه ، وإيثار عاجل الدنيا على ثواب اللّه - تعالى - حتى وقع من ذلك ما أبان اللّه به عن سريرته ، وأخبر لأجله عن استحقاقه لعقابه ، وهو وعمر وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن وسعد وسعيد وأبو عبيدة بن الجراح في جملة من انهزم يوم أحد ، وتوجّه إليهم الوعيد من اللّه - عزّ وجلّ - ولحقهم التوبيخ والتعنيف على ما اكتسبوه بذلك من الآثام في قوله تعالى « إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ »الآية .. .
من قتلهم يوم الأحزاب

وقتل عليه السلام في يوم الأحزاب : عمرو بن عبد ودّ وولده ، ونوفل بن عبد اللّه بن المغيرة ، ومنبه بن عثمان العبدري ، وهبيرة بن أبي هبيرة(1) المخزومي ، وهاجت الرياح ، وانهزم الكفار(2) .

من قتلهم يوم حنين

وقتل عليه السلام يوم حنين أربعين رجلاً ، وفارسهم أبو جرول ، وإنّه قدّه عظيما بنصفين بضربة في الخوذة والعمامة والجوشن والبدن إلى القربوس ، وقد اختلفوا في اسمه(3) .

ووقف عليه السلام يوم حنين في وسط أربعة وعشرين ألف ضارب سيف إلى أن ظهر المدد من السماء .

غزاة السلسلة وبني نضير وبني قريظة وبني المصطلق

وفي غزاة السلسلة قتل السبعة الأشدّاء ، وكان أشدّهم آخرهم ، وهو سعيد بن مالك العجلي(4) .

ص: 239


1- في المصادر : « وهب » .
2- اعلام الورى : 1/380 ، الإرشاد للمفيد : 1/100 ، تفسير الثعلبي : 8/16 .
3- الكافي : 8/376 ح 566 ، الإرشاد للمفيد : 1/143 ، اعلام الورى : 1/387 .
4- الإرشاد للمفيد : 1/116 ، اعلام الورى : 1/382 .

في بني نضير قتل أحد عشر منهم غرورا(1) .

وفي بني قريظة ضرب أعناق رؤساء اليهود ، مثل حي بن أخطب ، وكعب بن الأشرف(2) .

وفي غزوة بني المصطلق قتل مالكا وابنه(3) .

من قتلهم في غزوات ومواقع شتى

وفي(4) يوم الفتح قتل فاتك العرب أسد بن غويلم(5) .

وفي غزوة وادي الرمل قتل مبارزيهم(6) .

وبخيبر قتل مرحبا ، وذا الخمار ، وعنكبوتا .

وبالطائف هزم خيل خثعم ، وقتل شهاب بن عيس ، ونافع بن غيلان(7) .

وقتل مهلعا وجناحا وقت الهجرة .

وقتاله لأحداث مكة عند خروج النبي صلى الله عليه و آله من داره إلى المسجد .

ص: 240


1- في المخطوطة : « غزورا » .
2- اعلام الورى : 1/382 ، الإرشاد للمفيد : 1/116 .
3- تنبيه الغافلين : 56 .
4- في نسخة « النجف » تأخر قوله « وفي يوم الفتح . . » على صفة ضرباته ، فأعدنا ترتيبه حسب المخطوطة .
5- تنبيه الغافلين : 55 .
6- الإرشاد للمفيد : 1/116 ، اعلام الورى : 1/382 .
7- اعلام الورى : 1/388 ، الإرشاد للمفيد : 1/153 .

ومبيته على فراشه ليلة الهجرة ، وله المقام المشهور في الجمل حتى قطع يد الجمل ، ثم قطع رجليه حتى سقط .

وله ليلة الهرير ثلاثمائة تكبيرة ، أسقط بكلّ تكبيرة عدوا .

وفي رواية : خمسمائة وثلاثة وعشرون ، رواه الأعثم(1) .

وفي رواية : سبعمائة .

صفة ضرباته عليه السلام

الفائق : كانت لعلي عليه السلام ضربتان : إذا تطاول قدّ ، وإذا تقاصر قطّ(2) .

وقالوا : كانت ضرباته أبكار ، إذا اعتلى قدّ ، وإذا اعترض قطّ ، وإذا أتى حصنا هدّ .

وقالوا : كانت ضرباته مبتكرات لا عونا ، يقال : ضربة بكر ، أي قاطعة لا تثنّى ، والعون التي وقعت مختلسة ، فأحوجت إلى المعاودة(3) .

ويقال : أنّه كان يوقعها على شدّة في الشدّة ، لم يسبقه إلى مثلها بطل .

زعمت الفرس أنّ أصول الضرب ستّة ، وكلّها مأخوذة عنه ، وهي : علوية ، وسفلية ، وغلبة ، وماله ، وجاله ، وجرهام .

ص: 241


1- كتاب الفتوح لابن أعثم : 3/181 ، مروج الذهب : 2/431 .
2- الفائق : 3/73 ، حياة الحيوان : 1/53 ، نثر الدرر : 1/408 ، الفتوح لابن أعثم : 3/181 ، أمالي الطوسي : 576 ح 1188 .
3- الفائق : 1/112 « مادة بكر » .
كرار غير فرار

ولم يكن لدرعه ظهر ، ولا لمركوبه كرّ وفرّ .

وفيما كتب أمير المؤمنين إلى عثمان بن حنيف : لو تظاهرت العرب على قتالي لما ولّيت عنها ، ولو أمكنت الفرصة من رقابها لسارعت إليها(1) .

وفي الفائق : إنّ عليا عليه السلام حمل على المشركين ، فما زالوا يبقطون - يعني تعادوا - إلى الجبال منهزمين(2) .

وكانت قريش إذا رأوه في الحرب تواصت خوفا منه .

وقد نظر إليه رجل وقد شقّ العسكر ، فقال : علمت بأنّ ملك الموت في الجانب الذي فيه علي عليه السلام(3) .

قال الناشي :

همام ملك الموت إذا بادر في كد

لذاك الموت يقضي حاجة في صورة العبد

ولا يبرح حتى يولج المرهف في الغمد

ولا يقتل إلاّ كلّ ليث باسل نجد

ولا يتبع من ولى من الحر إلى العبد

* * *

ص: 242


1- نهج البلاغة : 6/73 ك 45 .
2- الفائق : 1/110 .
3- محاضرات الأدباء للراغب : 2/138 ، المستطرف للأبهيشي : 1/221 .

وقد سمّاه رسول اللّه صلى الله عليه و آله كرار غير فرار في حديث خيبر(1) .

* * *

قال الصاحب :

قد كان كرارا فسمّي غيره

في الوقت فرّارا فهل من معدل

* * *

وقال غيره :

نفسي فداء علي من إمام هدى

مجاهدا في سبيل اللّه كرار

* * *

وقال ابن الحجاج :

أنا مولى الكرار يوم حنين

والظبا قد تحكّمت في النحور

أنا مولى لمن به افتتح الإسلام

حصني قريضة والنضير

والذي علّم الأرامل في بدر

على المشركين جزّ الشعور

من مضت ليلة الهرير وقتلاه

جزافا يحصون بالتكبير

* * *

كان النبي صلى الله عليه و آله يهدّد الكفار به عليه السلام

وكان النبي صلى الله عليه و آله يهدّد الكفار به عليه السلام ، وروى أحمد بن حنبل في الفضائل

ص: 243


1- رسائل المرتضى : 4/104 ، كتاب سليم : 322 ، شرح الأخبار للقاضي النعمان : 1/148 ، المسترشد : 299 ، نوادر المعجزات للطبري : 70 ، تاريخ اليعقوبي : 2/56 ، الجمل للمفيد : 219 ، تنبيه الغافلين : 61 ، الكافي : 8/351 ، كتاب البخاري : 4/720 ، مسند أبي يعلى : 13/531 . . . .

عن شداد بن الهاد قال : لمّا قدم على رسول اللّه صلى الله عليه و آله وفد من اليمن لسرح(1) ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : اللّهم لتقيمن الصلاة أو لأبعثن إليكم رجلاً يقتل المقاتلة ، ويسبي الذريّة .

قال : ثم قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : اللّهم أنا أو هذا ، وانتشل بيد علي عليه السلام(2) .

تاريخ الفسوي : قال عبد الرحمن بن عوف : قال النبي صلى الله عليه و آله لأهل الطائف في خبر : والذي نفسي بيده ، لتقيمنّ الصلاة ، ولتؤتنّ الزكاة ، أو لأبعثنّ إليكم رجلاً منّي - أو كنفسي - فليضربنّ أعناق مقاتليكم ، وليسبينّ ذراريكم .

قال : فرأى الناس أنّه عنى أبا بكر وعمر ! فأخذ بيد علي بن أبي طالب عليهماالسلام ، فقال : هذا(3) .

صحيح الترمذي وتاريخ الخطيب وفضائل السمعاني : أنّه قال صلى الله عليه و آلهيوم الحديبية لسهيل بن عمير : يا معشر قريش ، لتنتهنّ أو ليعثنّ اللّه عليكم من يضرب رقابكم على الدين(4) . . . الخبر .

ص: 244


1- في المصادر : « أبي سرح » ، « آل تنوح » .
2- فضائل الصحابة : 2/600 رقم 1024 ، مناقب أمير المؤمنين عليه السلام للكوفي : 1/468 ح 370 ، المصنف لابن أبي شيبة الكوفي : 7/499 رقم 30 ، أنساب الأشراف : 1/319 رقم 85 .
3- المصنف لابن أبي شيبة الكوفي : 7/497 ح 18 ، بصائر الدرجات : 432 ح 10 ، مناقب أمير المؤمنين عليه السلام للكوفي : 1/467 ، الإختصاص : 200 ، أمالي الطوسي : 579 ح 1196 .
4- سنن الترمذي : 5/298 ب-اب 82 رقم 3799 ، المعجم الأوسط للطب-ران-ي : 4/158 ، الإرشاد للمفيد : 1/122 ، الإفصاح : 135 ، المستدرك للحاكم : 2/138 ، السنن الكبرى للنسائي : 5/115 ، تفسير مجمع البيان : 3/358 ، تنبيه الغافلين : 164 ، اعلام الورى : 1/372 .

ولذلك فسّر الرضا عليه السلام قوله « وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ » إنّ عليا عليه السلام منهم .

* * *

إفتخار الأعداء بشجاعته عليه السلام

وقال معاوية يوم صفين : أريد منكم - واللّه - أن تشجروه بالرماح ، فتريحوا العباد والبلاد منه .

قال مروان : واللّه لقد ثقلنا عليك - يا معاوية - إذ كنت تأمرنا بقتل حيّة الوادي والأسد العادي ، ونهض مغضبا .

فأنشأ الوليد بن عقبة :

يقول لنا معاوية بن حرب

أما فيكم لواتركم طلوب

يشدّ على أبي حسن علي

بأسمر لا تهجّنه الكعوب

فقلت له أتلعب يا بن هند

فإنّك بيننا رجل غريب

أتأمرنا بحيّة بطن واد

يتاح لنا به أسد مهيب

كأنّ الخلق لمّا عاينوه

خلال النقع ليس لهم قلوب

* * *

ص: 245

فقال عمرو : واللّه ، ما يعيّر أحد بفراره من علي بن أبي طالب عليهماالسلام(1) .

ولمّا نعى بقتل أمير المؤمنين عليه السلام دخل عمرو بن العاص على معاوية مبشّرا ، فقال : إنّ الأسد المفترش ذراعيه بالعراق لاقى شعوبه .

فقال معاوية :

قل للأرانب تربع حيث ماسلكت

وللظباء بلا خوف ولا حذر

* * *

وقال الصاحب :

أسد ولكن الكلاب تعاورته بالنباح

لم يعرفوا لضلالهم فضل الزئير على الضباح

* * *

وقال أبو العلاء السروري :

تخاله أسدا يحمي العرين إذا

يوم الهياج بأبطال الوغى وجفا

يظلّه النصر والرعب اللّذان هما

كانا له عادة إذ سار أو وقفا

شواهد فرضت في الخلق طاعته

برغم كلّ حسود مال وانحرفا

* * *

وقد أسر يزيد بن ركانة أشجع العرب ، وعمرو بن معدي كرب ، حتى فتح اللّه به بلاد العجم ، وقتل بنهاوند(2) .

ص: 246


1- الفتوح لابن أعثم : 3/116 ، شرح النهج : 6/314 .
2- الإرشاد للمفيد : 1/160 ، تنبيه الغافلين : 55 .

قال السوسي :

فتى قدّ عمرا حين خندقهم عبر

وساق ابن معدى بالعمامة إذ أسر

* * *

وقال مهيار :

وتفكّروا في أمر عمرو أولاً

وتفكّروا في أمر عمرو ثانيا

أسدان كانا من فرائس صيده

ولقلّما هابا سواه مناديا

* * *

وقال الناشي :

وافى علي وعمرو في وقائعه

حتى إذا ما رآه حار واضطربا

واستعمل الصمت حتى لامه عمر

فقال يؤمي إليه وهو قد رعبا

هذا أحاديثه من عظمها أكلت

كلّ الأحاديث حتى أنّه رهبا

هذا الذي ترك الألباب حائرة

وأبلس العجم بالإقدام والعربا

في كفّه كنت مأسورا فأطلقني

فقد غدوت على شكري له جدبا

* * *

طلب العدو سيفه فرماه اليه

أبو السعادات في فضائل العشرة : روي أنّ عليا عليه السلام كان يحارب رجلاً من المشركين ، فقال المشرك : يا بن أبي طالب ، هبني سيفك ، فرماه إليه .

ص: 247

فقال المشرك : عجبا - يا بن أبي طالب - في مثل هذا الوقت تدفع إليّ سيفك ! فقال : يا هذا ، إنّك مددت يد المسألة إليّ ، وليس من الكرم أن يردّ السائل .

فرمى الكافر نفسه إلى الأرض وقال : هذه سيرة أهل الدين ، فباس قدمه ، وأسلم .

جبرئيل يجرّب ثبات قلبه ويمدحه

وقال له جبرئيل عليه السلام : لا سيف إلاّ ذو الفقار ، ولا فتى إلاّ علي(1) .

وروى الخلق : أنّ يوم بدر لم يكن عند الرسول صلى الله عليه و آله ماء ، فمرّ علي عليه السلام

يحمل الماء إلى وسط العدو ، وهم على بئر بدر ، فيما بينهم ، وجاء إلى البئر ، ونزل وملأ السطيحة ، ووضعها على رأس البئر ، فسمع حسّا ، وأشار لمن يقصده ، فبرك في البئر ، فلمّا سكن صعد ، فرأى الماء مصبوبا .

ثم نزل ثانيا ، فكان مثل ذلك ، فنزل ثالثا ، وحمل الماء ولم يصعد به ، بل صعد به حاملاً للماء .

فلمّا حمل إلى النبي صلى الله عليه و آله ضحك النبي صلى الله عليه و آله في وجهه وقال : أنت تحدّث أو أنا ، فقال : بل أنت يا رسول اللّه صلى الله عليه و آله فكلامك أحلى ، فقصّ عليه ، ثم قال له : كان ذلك جبرئيل عليه السلام يجرّب ويري الملائكة ثبات قلبك .

ص: 248


1- رسائل المرتضى : 4/119 ، الكافي : 8/110 ح 90 ، أمالي الصدوق: 268 ح 292، علل الشرائع : 1/7 باب 7 ح 3 ، مناقب أمير المؤمنين عليه السلام للكوفي : 1/491 ، تاريخ الطبري : 2/197 ، وسيأتي تخريجه في مغازيه عليه السلام أيضا ، إن شاء اللّه تعالى .

قال ابن رزيك :

ما جرّدت من علي ذا الفقار يد

وأغمده في هامة البطل

لم يقترب يوم حرب للكمي به

إلاّ وقرّب منه مدّة الأجل

كم كربة لأخيه المصطفى فرجت

به وكان رهين الحادث الجلل

* * *

أمير المؤمنين عليه السلام يقاتل الجن

محمد بن أبي السرى التميمي عن أحمد بن الفرج عن النهدي عن وبرة عن ابن عباس قال : لمّا خرج النبي صلى الله عليه و آله إلى بني المصطلق نزل بقرب وادي وعر .

فلمّا كان آخر الليل هبط عليه جبرئيل عليه السلام يخبره أنّ كفارا من الجن قد استبطنوا الوادي يريدون كيده ، فدعا أمير المؤمنين عليه السلام وقال : اذهب إلى هذا الوادي .

فلمّا قارب شفيره أمر أصحابه أن يقفوا بقرب الشفير ، ولا يحدثوا شيئا حتى يأذن لهم .

ثم تقدّم فوقف على شفير الوادي ، وتعوّذ باللّه من أعدائه ، وسمّاه بأحسن أسمائه ، ثم أمر أصحابه أن يقربوا منه ، ثم أمر بالهبوط إلى الوادي ، فاعترضتهم ريح عاصف كاد القوم يقعون على وجوههم لشدّتها ، فصاح : أنا علي بن أبي طالب بن عبد المطلب وصيّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله وابن عمّه ، اثبتوا إن شئتم .

ص: 249

وظهر أشخاص مثل الزطّ يخيّل الينا أنّ في أيديهم شعل النار ، وقد اطمأنوا بجنبات الوادي ، فتوغل أمير المؤمنين عليه السلام بطن الوادي ، وهو يتلو القرآن ، ويؤمي بسيفه يمينا وشمالاً ، فما لبث الأشخاص حتى صارت كالدخان الأسود ، وكبّر أمير المؤمنين عليه السلام ، ثم صعد فقال : كفى اللّه كيدهم ، وكفى المسلمين شرّهم ، وسيسبقني بقيتهم إلى النبي صلى الله عليه و آلهفيؤمنوا به .

قال : فلمّا وافى النبي صلى الله عليه و آله قال له : لقد سبقك - يا علي - إليّ من أخافه اللّه بك فأسلم(1) .

وهذا كما رويتم عن ابن مسعود قصّة ليلة الجن(2) ، وتصحّ محاربة الجن بأسماء اللّه تعالى .

قال أبو الفتح محمد السابوري :

وفي الجنّ فضل وفي حرفهم

أعاجيب علم لمستعلم

* * *

وقال أبو الحسن البياضي :

من قاتل الجنّ غير حيدرة

وصاح فيهم بصوته الجهور

فصوته قد علا عزيفهم(3)

إذ قال هات الحسام يا قنبر

فانهزموا ثم مزّقت شيعامنه العفاريت خيفة تذعر

* * *

ص: 250


1- اعلام الورى : 1/353 ، الإرشاد للمفيد : 1/340 .
2- انظر القصّة وتخريجها في الجزء الأول .
3- في نسخة « النجف » : « غريفهم » .

وقال أبو الحسن الأسود :

من قاتل الجنّ الطغاة فأسلموا

في البئر كرها يا أولي الألباب

من هزّ خيبر هزّة فتساقطت

أبراجها لمّا دحى بالباب

* * *

مع الجنّ عند بئر ذات العلم في الحديبية

محمد بن إسحاق عن يحيى بن عبد اللّه بن الحارث عن أبيه عن ابن عباس ، وأبو عمر وعثمان بن أحمد عن محمد بن هارون بإسناده عن ابن عباس في خبر طويل :

أنّه أصاب الناس عطش شديد في الحديبية ، فقال النبي صلى الله عليه و آله : هل من رجل يمضى مع السقاة إلى بئر ذات العلم ، فيأتينا بالماء ، وأضمن له على اللّه الجنّة .

فذهب جماعة فيهم سلمة بن الأكوع ، فلمّا دنوا من الشجرة والبئر سمعوا حسّا وحركة شديدة ، وقرع طبول ، ورأوا نيرانا تتّقد بغير حطب ، فرجعوا خائفين .

ثم قال : هل من رجل يمضي مع السقاة فيأتينا بالماء ، أضمن له على اللّه الجنّة ، فمضى رجل من بني سليم ، وهو يرتجز :

أمن غريف ظاهر نحو السلم

ينكل من وجهه خير الأمم

من قبل أن يبلغ آبار العلم

فيستقي والليل مبسوط الظلم

ويامن الذمّ وتوبيخ الكلم

ص: 251

وصلوا إلى الحسّ رجعوا وجلين ، فقال النبي صلى الله عليه و آله : هل من رجل يمضي مع السقاة إلى البئر ذات العلم فيأتينا بالماء ، اضمن له على اللّه الجنّة ، فلم يقم أحد ، واشتد بالناس العطش ، وهم صيام .

ثم قال لعلي عليه السلام : سر مع هؤلاء السقاة حتى ترد بئر ذات العلم ، وتستقي وتعود إن شاء اللّه . فخرج علي عليه السلام قائلاً :

أعوذ بالرحمن أن أميلا

من عزف(1) جنّ أظهروا تأويلا

وأوقدت نيرانها تغويلا(2)وقرعت مع عزفها(3) طبولا

* * *

قال : فداخلنا الرعب ، فالتفت علي عليه السلام إلينا وقال : اتبعوا أثري ، ولا يفزعنّكم ما ترون وتسمعون ، فليس بضائركم إن شاء اللّه ، ثم مضى .

فلمّا دخلنا الشجر ، فإذا بنيران تضطرم بغير حطب ، وأصوات هائلة ، ورؤوس مقطّعة لها ضجّة ، وهو يقول : اتبعوني ولا خوف عليكم ، ولا يلتفت أحد منكم يمينا ولا شمالاً .

فلمّا جاوزنا الشجرة ، ووردنا الماء ، أدلى البراء بن عازب دلوه في البئر ، فاستقى دلوا أو دلوين ، ثم انقطع الدلو ، فوقع في القليب ، والقليب ضيّق مظلم بعيد القعر ، فسمعنا من أسفل القليب قهقهة وضحكا شديدا ، فقال علي عليه السلام : من يرجع إلى عسكرنا فيأتينا بدلو ورشا ؟

ص: 252


1- في نسخة « النجف » : « غرف » .
2- في نسخة « النجف » : « تهويلا » .
3- في نسخة « النجف » : « غرفها » .

فقال أصحابه : لن نستطيع ذلك .

فاتزر بمئزر ، ونزل في القليب ، وما تزداد القهقهة إلاّ علوا ، وجعل ينحدر في مراقي القليب ، إذ زلّت رجله فسقط فيه ، فسمعنا وجبة شديدة ، واضطرابا وغطيطا كغطيط المخنوق ، ثم نادى : اللّه أكبر ، اللّه أكبر ، أنا عبد اللّه وأخو رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، هلمّوا قربكم ، فأقعمها واصعدها على عنقه شيئا فشيئا ، ومضى بين أيدينا ، فلم نر شيئا ، فسمعنا صوتا يقول :

أيّ فتى ليل أخي روعات

وأيّ سبّاق إلى الغايات

للّه درّ الغرر السادات

من هاشم الهامات والقامات

مثل رسول اللّه ذي الآيات

أو كعلي كاشف الكربات

كذا يكون المرء في الحاجات

* * *

فارتجز أمير المؤمنين عليه السلام :

الليل هول يرهب المهيبا

ويذهل المشجّع اللبيبا

فإنّني أهول منه ذيبا

ولست أخشى الروع والخطوبا

إذا هززت الصارم القضيبا

أبصرت منه عجبا عجيبا

* * *

وانتهى إلى النبي صلى الله عليه و آله وله زجل ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : ماذا رأيت في طريقك يا علي ؟ فأخبره الخبر كلّه .

فقال : إنّ الذي رأيته مثل ضربه اللّه لي ولمن حضر معي في وجهي هذا ، قال علي عليه السلام : اشرحه لي يا رسول اللّه صلى الله عليه و آله .

ص: 253

فقال صلى الله عليه و آله : أمّا الرؤوس التي رأيتم لها ضجّة ، ولألسنتها لجلجة ، فذلك مثل قوم معي يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ، ولا يقبل اللّه منهم صرفا ولا عدلاً ، ولا يقيم لهم يوم القيامة وزنا .

وأمّا النيران بغير حطب ، ففتنة تكون في أمّتي بعدي ، القائم فيها والقاعد سواء ، لا يقبل اللّه لهم عملاً ، ولا يقيم لهم يوم القيامة وزنا .

وأمّا الهاتف الذي هتف بك ، فذاك سلقعة ، وهو سلقعة بن غراف الذي قتل عدو اللّه مسعرا ، شيطان الأصنام الذي كان يكلّم قريشا منها ، ويشرع في هجائي(1) .

عبد اللّه بن سالم : إنّ النبي صلى الله عليه و آله بعث سعد بن مالك بالروايا يوم الحديبية ، فرجع رعبا من القوم ، ثم بعث عليا عليه السلام فاستسقى ، ثم أقبل بها إلى النبي صلى الله عليه و آله ، فكبّر ودعا له بخير(2) .

قال العبدي :

من قاتل الجنّ في القليب ترى

من قلع الباب ثم أدحاها

من كان في الحرب فارس بطل

أشدّهم ساعدا وأقواها

* * *

وقال أبو الحسين :

من قاتل الجنّ على الماء ومن

ردّت له الشمس فصلّى وسرى

* * *

ص: 254


1- العقد النضيد : 167 .
2- الإرشاد للمفيد : 1/121 ، الإصابة : 5/269 ، كشف الغمة : 1/210 .

وقال العوني :

علي هبط الجبّ

وجنح الليل كالقار

* * *

وقال السروجي :

والبئر لمّا عندها محمد

حلّ وللبئر لهيب قد سعر

وادّلى الوارد منها دلوه

فعاد مقطوعا إلى حيث انحدر

وأظهرت نار فولى هاربا

عنها وفي أعقابه رمى الحجر

فعندها وافى وصي أحمد

صلّى عليه من عفا ومن غفر

ومرّ فيها نازلاً حتى إذا

صار إلى النصف به الحبل انبتر

فطال فيها لبثه ثم ارتقى

لسانه القرآن يقرا والسور

فاغترف الناس وأسقى وسقى

والماء فيه من دم الجان عكر

* * *

غالب كلّ غالب

وهل ثبت مثل ذلك لكرد(1) من الفرس ، مثل : رستم واسفنديار

وكشتاسف وبهمن ؟

ص: 255


1- كذا في النسخ المطبوعة والمخطوطة ، والكَرْدُ : الطَّرْدُ ، والمُكارَدَةُ : المُطارَدَةَ ، كَرَدَهُمْ يَكْردُهُم كَرْداً : ساقَهم وطَرَدَهم ودفَعهم ، وخصّ بعضهم بالكَرْدِ سَوْقَ العَدُوّ في الحَمْلَة . ولعلّها تصحيف « لفرد » ، واللّه العالم .

أو لفرسان من العرب ، مثل : عنتر العبسي ، وعامر بن الطفيل ، وعمرو بن عبد ودّ ؟

أو لمبارز من الترك ، مثل : افراسياب ، وشبهه ؟

فهو الفارس الذي يفرّق العسكر كفرق الشعر ، ويطويهم كطيّ السجل ، الحرب دأبه ، والجدّ آدابه ، والنصر طبعه ، والعدو غنمه ، جرى ء خطّار ، وجسور هصّار ، ما لسيفه إلاّ الرقاب قراب ، إنّه لو حضر لكفى الحذر .

ويقال له : غالب كلّ غالب علي بن أبي طالب عليهماالسلام .

وقد رويتم علي كان أشجعه

وأشجع الجمع بالأعداء أثقفه

* * *

وقال السروجي :

فقلت أمّا علي آية خلقت

واللّه أظهرها للناس في رجل

مخيفة بعلي ثم ألحقها

بذي الفقار وفيه قبضة الأجل

ما سلّه ورحاء الحرب دائرة

إلاّ وأغمده في هامة البطل

ما صاح في الجيش صوتا ثم اتبعه

أنا علي تولّى الجيش من جفل

* * *

وقال الزاهي :

هذا الذي أردى الوليد وعتبة

والعامري وذا الخمار ومرحبا

هذا الذي هشمت يداه فوارسا

قسرا ولم يك خائفا مترقّبا

في كلّ منبت شعرة من جسمه

أسد يمدّ إلى الفريسة مخلبا

* * *

ص: 256

وقال دعبل :

سنان محمد في كلّ حرب

إذا نهلت صدور السمهري

وأوّل من يجيب إلى براز

إذا زاغ الكمّي عن الكمّي

مشاهد لم تفلّ سيوف تيم

بهن ولا سيوف بني عدي

* * *

وقال ابن حماد :

ذاك الفتى النجد الذي إذا بدا

بمعرك ألقت له فتيانه

ليث لو الليث الجريء خاله

أطار من هيبته جنانه

ذاك الشجاع إذ بدا بمعرك

تفرّقت من خوفه شجعانه

تبكي الطلا إن ضحكت أسيافه

ويرتوي إن عطشت سنانه

صقر ولكن صيده صيد الوغى

ليث ولكن فرسه فرسانه

ترى سباع البيد تقفوا أثره

لأنّها يوم الوغى ضيفانه

يقرن أرواح الكماة بالردى

كذاك خاضت دونه أقرانه

وكم كمّي قد سقاه في الوغى

وليس تخبو للقرى نيرانه

* * *

ومن قوله :

مجلّي الكرب يوم الحرب

في بدر وفي أحد

إذا الهيجاء هاج لها

بقلب غير مرتعد

ترى الأبطال باطلة

لخوف الفارس الأسد

فأنفسهم مودّعة

لها بتنفس الصعد

ص: 257

وقد خنقوا لخيفته

فلست تحسّ من أحد

فلا صوت بغير البيض

فوق البيض والزرد

سقى عمرا منيّته

وعمرا قاد في الصفد

أمير النحل مولى ال-

خلق غير الواحد الصمد

فلن تلد النسا شبها

له كلاّ ولم تلد

شبيه المصطفى في الفضل

لم ينقص ولم يزد

* * *

وقالت جرهمة الأنصارية :

صهر النبي فذاك اللّه أكرمه

إذ اصطفاه وذاك الصبر مدخر

لا يسلم القرن منه إن ألمّ به

ولا يهاب وإن أعداؤه كثروا

من رام صولته وافت منيّته

لا يدفع الثكل عن أقرانه الحذر

* * *

ص: 258

فصل 10 : في المسابقة بالزهد والقناعة

اشارة

ص: 259

ص: 260

إنّه عليه السلام أورع الصحابة

المعروفون من الصحابة بالورع : علي ، وأبو بكر ، وعمر(1) ، وابن مسعود، وأبو ذر ، وسلمان ، وعمار ، والمقداد ، وعثمان بن مظعون ، وابن عمر !!!

ومعلوم أنّ أبا بكر توفي وعليه لبيت مال المسلمين نيف وأربعون ألف درهم ، وعمر مات وعليه نيف وثمانون ألف درهم(2) ، وعثمان مات وعليه ما لا يحصى كثرة ، وعلي عليه السلام مات ، وما ترك إلاّ سبعمائة درهم فضلاً عن عطائه أعدّها لخادم(3) .

قال السوسي :

من فارق الدنيا وما

أفاد منهما درهما

ولم يكن كغيره

مستأكلا متّهما

* * *

ص: 261


1- مرّ في تعليقة سابقة أنّ ذكر هؤلاء الأسماء من باب التسليم للخصم ، وسيناقش فيهم كما سيأتي ، وإلاّ فأيّ ورع ينسب لمن قتل بضعة النبي صلى الله عليه و آله وانتهك حرماته ، وخالف اللّه ورسوله صلى الله عليه و آلهواغتصب الخلافة وو . . .
2- الشافي في الإمامة : 4/185 .
3- أمالي الصدوق : 397 مج 52 ح 510 .

زهده

زهد في الدنيا وتكالبوا عليها

وقد ثبت من زهده أنّه عليه السلام لم يحفل بالدنيا ، ولا الرئاسة فيها دون أن عكف على غسل رسول اللّه صلى الله عليه و آله وتجهيزه ، وقول أولئك منّا أمير ومنكم أمير(1) إلى أن تقمّصها أبو بكر .

وقال اللّه « إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاكُمْ » .

وقال - تعالى - « لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا » الآية .

كان من فقراء المهاجرين

واجتمعت الأمّة على أنّه من فقراء المهاجرين ، وأجمعوا على أنّ أبا بكر كان غنيا(2) .

شهادة النبي صلى الله عليه و آله بزهده

وكان عليه السلام جلي الصفحة ، نقي الصحيفة ، ناصع الجيب ، تقي الذيل ، عذب المشرب ، عفيف المطلب ، لم يتدنّس بحطام ، ولم يتلبّس بآثام ، وقد شهد

ص: 262


1- يأتي تخريجه .
2- المسترشد : 647 .

النبي صلى الله عليه و آله بزهده ، قوله : علي لا يزرء من الدنيا ، ولا تزرء الدنيا منه(1) .

أمالي الطوسي في حديث عمار : يا علي ، إنّ اللّه قد زيّنك بزينة لم يزيّن العباد بزينة أحبّ إلى اللّه منها ، زيّنك بالزهد في الدنيا ، وجعلت لا ترزأ منها شيئا ، ولا ترزأ منك شيئا ، ووهبك حبّ المساكين ، فجعلت ترضى بهم أتباعا ، ويرضون بك(2) إماما .

أزهد من في الدنيا

اللؤليات : قال عمر بن عبد العزيز : ما علمنا أحدا كان في هذه الأمّة أزهد من علي بن أبي طالب عليهماالسلام بعد النبي(3) صلى الله عليه و آله .

قوت القلوب : قال ابن عيينة : أزهد الصحابة علي بن أبي طالب عليهماالسلام(4) .

ص: 263


1- شرح الأخبار للقاضي النعمان : 2/225 .
2- أمالي الطوسي : 181 مج 7 ح 303 ، المعجم الأوسط للطبراني : 2/337 ، شواهد التنزيل : 1/459 ، تاريخ دمشق : 42/282 .
3- المناقب للخوارزمي : 117 رقم 128 ، المعيار والموازنة : 240 .
4- قوت القلوب : 1/370 ، تفسير السمعاني : 6/50 .

الآيات

وَأَمّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ

سفيان بن عيينة عن الزهري عن مجاهد عن ابن عباس : « فَأَمّا مَنْ طَغى وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا » هو علقمة بن الحارث بن عبد الدار ، « وَأَمّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ » علي بن أبي طالب عليهماالسلام خاف فانتهى عن المعصية ، ونهى عن الهوى نفسه ، « فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى » - خاصا - لعلي عليه السلام ، ومن كان على منهاجه ، هكذا عامّا(1) .

إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً

قتادة عن الحسن عن ابن عباس في قوله « إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً » هو علي بن أبي طالب عليهماالسلام سيد من اتقاه عن ارتكاب الفواحش(2) .

ثم ساق التفسير إلى قوله « جَزاءً مِنْ رَبِّكَ » لأهل بيتك خاصّا لهم ، وللمتّقين عامّا .

إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ

تفسير أبي يوسف يعقوب بن سفيان عن مجاهد وابن عباس : « إِنَّ

ص: 264


1- شواهد التنزيل : 2/422 رقم 192 .
2- شواهد التنزيل : 2/419 رقم 1076 .

الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ » من اتقى الذنوب علي بن أبي طالب والحسن والحسين عليهم السلام « فِي ظِلالٍ » من الشجر ، والخيام من اللؤلؤ ، طول كلّ خيمة مسيرة فرسخ في فرسخ . . .

ثم ساق الحديث إلى قوله « إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الُْمحْسِنِينَ » المطيعين للّه أهل بيت محمد صلى الله عليه و آله في الجنّة(1) .

إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا

وجاء في تفسير قوله - تعالى - « إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ » علي بن أبي طالب عليهماالسلام .

ص: 265


1- شواهد التنزيل : 2/416 رقم 1071 .

سيرته في الزهد

سيرته عليه السلام في بيت المال

الحلية : قال سالم بن الجعد : رأيت الغنم تبعر في بيت المال في زمن أمير المؤمنين عليهماالسلام [ فيقسّمه (1)] .

وفيها عن الشعبي قال : كان أمير المؤمنين عليه السلام ينضحه ويصلّي فيه(2) .

وروى أبو عبد اللّه بن حمويه البصري بإسناده عن سالم الجحدري قال : شهدت علي بن أبي طالب عليهماالسلام أُتي بمال عند المساء ، فقال : اقتسموا هذا المال ، فقالوا : قد أمسينا يا أمير المؤمنين ، فأخّره إلى غد ، فقال لهم : تقبّلون(3) لي أن أعيش إلى غد ؟ قالوا : ماذا بأيدينا ، فقال : لا تؤخروه حتى تقسموه(4) .

ويروى أنّه كان يأتي عليه وقت لا يكون عنده قيمة ثلاثة دراهم يشتري بها أزارا ، وما يحتاج إليه ، ثم يقسم كلّ ما في بيت المال على الناس ، ثم يصلّى فيه ويقول : الحمد للّه الذي أخرجني منه كما دخلته(5) .

وروى أبو جعفر الطوسي : أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قيل له : أعط هذه

ص: 266


1- حلية الأولياء : 7/300 ، فضائل الصحابة لابن حنبل : 1/453 .
2- حلية الأولياء : 7/300 ، فضائل الصحابة لابن حنبل : 1/453 .
3- في نسخة « النجف » : « تضمنون » ، والمعنى واحد .
4- أمالي الطوسي : 404 ح 904 .
5- أنساب الأشراف : 2/134 .

الأموال لمن يخاف عليه من الناس فراره إلى معاوية ، فقال عليه السلام : أتأمروني أن أطلب النصر بالجور ؟! لا واللّه لا أفعل ما طلعت شمس ، وما لاح في السماء نجم ، واللّه لو كان مالهم لي لواسيت بينهم ، وكيف وإنّما هي أموالهم(1) .

وأُتي إليه بمال ، فكوّم كومة من ذهب ، وكومة من فضة ، وقال : يا صفراء اصفري ، يا بيضاء ابيضي ، وغرّي غيري .

هذا جناي وخياره فيه

وكلّ جان يده إلى فيه(2)

* * *

قال العبدي :

وكان يقول يا دنياي غرّي

سواي فلست من أهل الغرور

* * *

وله أيضا :

لم تستمل قلبه الدنيا بزخرفها

بل قال غرّي سواي قول محتقر

* * *

ص: 267


1- أمالي الطوسي : 194 ح 331 ، أمالي المفيد : 176 مج 22 ح 6 ، الغارات للثقفي : 1/75 ، الإمامة والسياسة : 1/132 ، نهج البلاغة : 2/6 خ 126 ، تحف العقول : 185.
2- غريب الحديث لابن قتيبة : 2/96 ، الفائق للزمخشري : 2/252، روضة الواعظين: 117 ، الغارات للثقفي : 1/53 ، مناقب أمير المؤمنين عليه السلام للكوفي : 2/33 ح 249 ، أمالي الصدوق : 357 ح 440 ، شرح الأخبار للقاضي النعمان : 2/361 ، الإختصاص للمفيد : 151 ، المعيار والموازنة : 228 ، المصنف لابن أبي شيبة الكوفي : 7/621 ، الإستيعاب : 3/1114 .
ما وضع لبنة على لبنة

الباقر عليه السلام في خبر : ولقد ولي خمس سنين ، وما وضع آجرة على آجرة ، ولا لبنة على لبنة ، ولا أقطع قطيعا ، ولا أورث بيضا ولا حمرا(1) .

بشّر الوارث

ابن بطة عن سفيان الثوري : إنّ عينا نبعت في بعض ماله ، فبشّر بذلك ، فقال عليه السلام : بشّر الوارث ، وسمّاها عين ينبع(2) .

قال ابن حماد :

لقد نبعت له عين فظلّت

تفور كأنّها عنق البعير

فوافاه البشير بها مغذّا

فقال علي ابشر يا بشيري

فقد صيّرتها وقفا مباحا

لوجه اللّه ذي العزّ القدير

* * *

ملبسه عليه السلام

الفائق عن الزمخشري : إنّ عليا عليه السلام اشترى قميصا ، فقطع ما فضل عن

ص: 268


1- روضة الواعظين : 117 ، الكافي : 8 / 130 ح 10 ، أمالي الصدوق : 356 مج 47 ح 437 ، أمالي الطوسي : 693 ح 1470 .
2- الكافي : 7/54 ح 9 ، دعائم الإسلام للقاضي النعمان : 2/341 ، التهذيب للطوسي : 9/148 ح 609 ، الإختصاص للمفيد : 157 ، السنن الكبرى للبيهقي : 6/160 .

أصابعه ، ثم قال للرجل : حصّه ، أي خطّ كفافه(1) .

خصال الكمال عن أبي الحسن البلخي : إنّه عليه السلام اجتاز بسوق الكوفة ، فتعلّق به كرسي ، فتخرّق قميصه ، فأخذه بيده ، ثم جاء به إلى الخياطين ، فقال : خيطوا لي ذا بارك اللّه فيكم .

الأشعث العبدي قال : رأيت عليا عليه السلام في الفرات يوم جمعة ، ثم ابتاع قميصا كرابيس بثلاثة دراهم ، فصلّى بالناس الجمعة وما خيط جربانه(2) بعد(3) .

عن شبيكة قال : رأيت عليا عليه السلام يأتزر فوق سترته ، ويرفع إزاره إلى أنصاف ساقيه(4) .

الصادق عليه السلام : كان علي عليه السلام يلبس القميص الزابي ، ثم يمدّ يده فيقطع مع أطراف أصابعه(5) .

وفي حديث عبد اللّه بن الهذيل : كان إذا مدّه بلغ الظفر ، وإذا أرسله كان مع نصف الذراع(6) .

ص: 269


1- الفائق للزمخشري : 1/291 .
2- الجربان : جيب القميص .
3- الغارات للثقفي : 1/97 ، مكارم الأخلاق للطبرسي : 113 .
4- مكارم الأخلاق للطبرسي : 112 ، الطبقات الكبرى لابن سعد : 3/28 ، أنساب الأشراف : 2/129 .
5- مكارم الأخلاق للطبرسي : 111 ، الكافي : 8/130 ح 100، دعائم الإسلام : 2/158، أمالي الصدوق : 256 مج 47 ح 437 ، روضة الواعظين : 117 ، أمالي الطوسي : 693 ح 1470 .
6- الطبقات الكبرى لابن سعد : 3/27 ، التواضع والخمول لابن أبي الدنيا : 177 رقم 134 ، أنساب الأشراف : 2/128 ، المناقب للخوارزمي : 117 .

علي بن ربيعة : رأيت عليا عليه السلام يأتزر ، فرأيت عليه ثيابا ، فقلت له في ذلك ، فقال : وأيّ ثوب أستر منه للعورة ، وأنشف للعرق(1) .

وفي فضائل أحمد : رؤي على علي عليه السلام أزار غليظ اشتراه بخمسة دراهم .

ورؤي عليه أزار مرقوع ، فقيل له في ذلك ، فقال : يقتدي به المؤمنون ، ويخشع له القلب ، وتذلّ به النفس ، ويقصد به المبالغ .

وفي رواية : أشبة بشعار الصالحين .

وفي رواية : أحصن لفرجي .

وفي رواية : هذا أبعد لي من الكبر ، وأجدر أن يقتدي به المسلم(2) .

مسند أحمد : أنّه قال الجعدي بن نعجة الخارجي : اتق اللّه - يا علي - إنّك ميت ، قال : بل - واللّه - قتلاً ، ضربة على هذا ، قضاء مقضيّا ، وعهدا معهودا ، « وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى »(3) .

وكان كمّه لا يجاوز أصابعه ، ويقول : ليس للكمّين على اليدين فضل(4) .

ونظر عليه السلام إلى فقير انخرق كمّ ثوبه ، فخرق كمّ قميصه وألقاه إليه .

ص: 270


1- مكارم الأخلاق للطبرسي : 99 .
2- فضائل الصحابة لابن حنبل : 1/542 رقم 908 و909 .
3- مسند أحمد : 1/91 ، فضائل الصحابة لابن حنبل : 1/541 ، الغارات للثقفي : 1/108 ، المستدرك للحاكم : 3/143 .
4- كنز العمال : 15/464 « عن ابن عيينة في جامعه والعسكري في المواعظ » .

أمير المؤمنين عليه السلام : ما كان لنا إلاّ إهاب كبش ، أبيت [ عليه ] مع فاطمة عليهاالسلام بالليل ، ويعلف عليها الناضح(1) .

مسند الموصلي : الشعبي عن الحارث عن علي عليه السلام قال : ما كان ليلة أهدت لي فاطمة عليهاالسلام شيء ينام عليه إلاّ جلد كبش(2) ، واشترى عليه السلام ثوبا فأعجبه ، فتصدّق به(3) .

* * *

الغزالي في الإحياء : كان علي بن أبي طالب عليهماالسلام يمتنع من بيت المال حتى يبيع سيفه ، ولا يكون له إلاّ قميص واحد في وقت الغسل لا يجد غيره(4) .

ورأى عقيل بن عبد الرحمن الخولاني عليا عليه السلام جالسا على بردعة(5) حمار مبتلة ، فقال لأهله في ذلك ، فقالت : لا تلومني ، فواللّه ما يرى شيئا ينكره إلاّ أخذه وطرحه في بيت المال(6) .

فضائل أحمد : قال زيد بن محجن : قال علي عليه السلام : من يشتري سيفي هذا ، فواللّه لو كان عندي ثمن أزار ما بعته(7) .

ص: 271


1- الطبقات الكبرى لابن سعد ، تاريخ دمشق : 42/376 .
2- مسند أبي يعلى : 1/363 رقم 471 ، المصنف لابن أبي شيبة الكوفي : 8/156 رقم 9 .
3- تفسير مجمع البيان : 2/342 .
4- إحياء العلوم للغزالي : 2/123 .
5- البردعة : ما يوضع على الحمار أو البغل ليركب عليه .
6- مكارم الأخلاق للطبرسي : 133 ، أخبار القضاة : 3/219 .
7- فضائل الصحابة لابن حنبل : 1/537 ، الغارات للثقفي : 1/63 ، حلية الأولياء : 1/80 .

الأصبغ وأبو مسعدة والباقر عليه السلام : أنّه أتى البزازين ، فقال لرجل : بعني ثوبين ، فقال الرجل : يا أمير المؤمنين عندي حاجتك ، فلمّا عرفه مضى عنه .

فوقف على غلام ، فأخذ ثوبين : أحدهما بثلاثة دراهم ، والآخر بدرهمين ، فقال : يا قنبر خذ الذي بثلاثة ، فقال : أنت أولى به ، تصعد المنبر ، وتخطب الناس ، قال : أنت شاب ، ولك شره الشباب ، وأنا استحي من ربّي أن أتفضّل عليك ، سمعت رسول اللّه صلى الله عليه و آله يقول : ألبسوهم ممّا تلبسون ، وأطعموهم ممّا تأكلون .

فلمّا لبس القميص مدّ كمّ القميص ، فأمر بقطعه واتخاذه قلانس للفقراء .

فقال الغلام : هلمّ أكفّه .

قال : دعه كما هو ، فإنّ الأمر أسرع من ذلك .

فجاء أبو الغلام ، فقال : إنّ ابني لم يعرفك ، وهذان درهمان ربحهما ، فقال : ما كنت لأفعل ، قد ماكست وما كسني ، واتفقنا على رضى(1) .

رواه أحمد في الفضائل .

قال أبو أيوب المورياني :

ينشر ديباجا على صحبه

وهم إذا ما نشروا كربسوا

* * *

ص: 272


1- مكارم الأخلاق للطبرسي : 112 .

علي بن أبي عمران قال : خرج ابن للحسن(1) بن علي عليهماالسلاموعلي عليه السلام

في الرحبة ، وعليه قميص خزّ ، وطوق من ذهب ، فقال : ابني هذا ؟! قالوا : نعم .

قال : فدعاه ، فشقّه عليه ، وأخذ الطوق منه ، فجعله قطعا قطعا(2) .

مركبه عليه السلام

عمرو بن نعجة السكوني قال : أُتي علي عليه السلام بدابة دهقان ليركبها ، فلمّا وضع رجله في الركاب قال : بسم اللّه ، فلمّا وضع يده على القربوس زلّت يده من الصفة ، فقال : أديباج هي ؟ قال : نعم ، فلم يركب(3) .

مأكله عليه السلام
يختم جرابه

الإحياء عن الغزالي : أنّه عليه السلام كان له سويق في إناء مختوم يشرب منه ، فقيل له : أتفعل هذا بالعراق مع كثرة طعامه ؟!

فقال : أما أنّي لا أختمه بخلاً به ، ولكنّي أكره أن يجعل فيه ما ليس منه ، وأكره أن يدخل بطني غير طيب(4) .

ص: 273


1- في مكارم الإخلاق : « خرج الحسين عليه السلام » .
2- مكارم الأخلاق للطبرسي : 107 .
3- مكارم الأخلاق : 108 .
4- إحياء العلوم للغزالي : 2/138 .
لا يأكل من العراق

معاوية بن عمار عن الصادق عليه السلام قال : كان علي عليه السلام لا يأكل ممّا هنا حتى يؤتى به من ثمّ - يعنى الحجاز(1) - .

الأصبغ بن نباتة : قال علي عليه السلام : دخلت بلادكم بأسمالي هذه ، ورحلتي

وراحلتي ها هي ، فإن أنا خرجت من بلادكم بغير ما دخلت ، فإنّني من الخائنين .

وفي رواية : يا أهل البصرة ، ما تنقمون منّي إنّ هذا لمن غزل أهلي ، وأشار إلى قميصه(2) .

رغيف لم ينخل ولبن حامض

ورآه سويد بن غفلة ، وهو يأكل رغيفا يكسر بركبتيه ، ويلقيه في لبن حازر(3) يجد ريحه من حموضته ، فقلت : ويحك يا فضّه ، أما تتّقون اللّه - تعالى - في هذا الشيخ ، فتنخلون له طعاما لما أرى فيه من النخال .

فقال أمير المؤمنين عليه السلام : بأبي وأمّي من لم ينخل له طعام ، ولم يشبع من خبز البرّ حتى قبضه اللّه (4) .

وقال لعقبة بن علقمة : يا أبا الجنوب ، أدركت رسول اللّه صلى الله عليه و آله يأكل أيبس من هذا ، ويلبس أخشن من هذا ، فإن أنا لم آخذ به خفت أن

ص: 274


1- الغارات للثقفي : 1/82 .
2- الجمل للمفيد : 224 ، الغارات للثقفي : 1/68 .
3- اللبن الحازر : الحامض جدّا .
4- الغارات للثقفي : 2/707 ، شرح النهج : 2/201 ، المناقب للخوارزمي : 118 .

لا ألحق به(1) .

وترصّد غداه عمرو بن حريث ، فأتت فضة بجراب مختوم ، فأخرج منه خبزا متغيرا خشنا ، فقال عمرو : يا فضّة ، لو نخلت هذا الدقيق وطيّبته ، قالت : كنت أفعل فنهاني ، وكنت أضع في جرابه طعاما طيبا ، فختم جرابه .

ثم إنّ أمير المؤمنين فتّه في قصعة ، وصبّ عليه الماء ، ثم ذرّ عليه الملح ، وحسر عن ذراعه .

فلمّا فرغ قال : يا عمرو ، لقد حانت(2) هذه ، ومدّ يده إلى محاسنه ، وخسرت هذه إن أدخلها النار من أجل الطعام ، وهذا يجزيني .

علّل النفس بالقنوع

ورآه عدي بن حاتم ، وبين يديه شنة فيها قراح ماء ، وكسرات من خبز شعير وملح ، فقال : إنّي لا أرى لك يا أمير المؤمنين عليه السلام ، لتظلّ نهارك طاويا مجاهدا ، وبالليل ساهرا مكابدا ، ثم يكون هذا فطورك ! فقال عليه السلام :

علّل النفس بالقنوع وإلاّ

طلبت منك فوق ما يكفيها

* * *

طعامه يوم العيد

وقال سويد بن غفلة : دخلت عليه يوم عيد ، فإذا عنده فاثور(3) عليه

ص: 275


1- الغارات للثقفي : 1/85 ، مكارم الأخلاق للطبرسي : 158 ، شرح النهج : 2/201 .
2- في حلية الأبرار للبحراني : 2/232 : « خابت » ، وفي المستدرك على الوسائل للنوري : 16/298 : « هانت » ، كلاهما عن المناقب .
3- الفاثور : الخوان أو الجفنة .

خبز السمراء ، وصحفة فيها خطيفة وملبنة(1) ، فقلت : يا أمير المؤمنين عليه السلام يوم عيد وخطيفة ! فقال : إنّما هذا عيد من غفر له(2) .

ما جمع إدامين

ابن بطّة في الإبانة عن جندب : إنّ عليا عليه السلام قدم إليه لحم غثّ ، فقيل له : نجعل لك فيه سمنا ؟ فقال عليه السلام : إنّا لا نأكل ادمين جميعا .

اجعلها باجا

واجتمع عنده في يوم عيد أطعمة ، فقال : أجعلها باجا(3) ، وخلط بعضها ببعض ، فصارت كلمته مثلاً .

اجتنب الفالوذج تنزّها

العرني : وضع خوان من فالوذج بين يديه ، فوجأ بإصبعه حتى بلغ أسفله ، ثم سلّها ولم يأخذ منه شيئا ، وتلمّظ بإصبعه ، وقال : طيب طيب ، وما هو بحرام ، ولكن أكره أن أعوّد نفسي بما لم أعوّدها(4) .

ص: 276


1- في الفائق في غريب الحديث للزمخشري : 1/314 : يقال ليوم العيد : يوم الخروج ، ويوم الزينة ، ويوم الصف ، ويوم المشرق . الفاثور : الخوان من رخام ونحوه ، ويقال للجام أو الطست .. السمراء : الخشكار لسمرته ، كما قيل للباب : الحواري لبياضه ، والسمراء أيضا من أسماء البرّ ، والصحفة : القصعة المسلنطحة . الخطيفة : الكبولاء ، وقيل : لبن يوضع على النار ، ثم يذر عليه دقيق ، ويطبخ ، ويختطف بالملاعق . الملبنة : ملعقة يلعق بها الخطيفة ونحوها ، وهي من اللبن .
2- الفائق للزمخشري : 1/314 .
3- يقال : اجعلْ الطعام باجاً واحداً ، أَي ضرباً واحداً ، ولوناً واحداً ، وهو معرَّب وأَصله بالفارسية : بَاهَا ، أَي أَلوان الأَطعمة انظر لسان العرب .
4- المحاسن للبرقي : 2/409 ح 134 .

وفي خبر عن الصادق عليه السلام : أنّه مدّ يده إليه ، ثم قبضها ، فقيل له في ذلك ، فقال : ذكرت رسول اللّه صلى الله عليه و آله أنّه لم يأكله قطّ ، فكرهت أن آكله(1) .

وفي خبر آخر عن الصادق عليه السلام : أنّه قالوا له : تحرّمه ؟ قال : لا ، ولكن أخشى أن تتوق إليه نفسي ، ثم تلا « أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا »(2) .

يطعم اللحم ويأكل الخلّ

الباقر عليه السلام في خبر : كان عليه السلام ليطعم خبز البرّ واللحم ، وينصرف إلى منزله ويأكل خبز الشعير والزيت والخل(3) .

رفاه المجتمع في عهده

فضائل أحمد : قال علي عليه السلام : ما أصبح بالكوفة أحد إلاّ ناعما ، إنّ أدناهم منزلة ليأكل البرّ ، ويجلس في الظل ، ويشرب من ماء الفرات(4) .

قال الحميري :

وكان طعامه خبزا وزيتا

ويؤثر باللحوم الطارقينا

* * *

ص: 277


1- المحاسن للبرقي : 2/410 ح 135 .
2- المحاسن للبرقي : 2/409 ح 133 ، الغارات للثقفي : 1/90 ، أمالي المفيد : 134 مج 16 ح 2 .
3- أمالي الصدوق : 356 مج 47 ح 437 ، روضة الواعظين : 117 ، تفسير مجمع البيان : 9/147 .
4- فضائل الصحابة لابن حنبل : 1/531 رقم 883 ، المصنف لابن أبي شيبة الكوفي : 8/157 رقم 15 ، تفسير جامع البيان للطبري : 30 رقم 29333/368 .

وقال الشريف المرتضى :

وإذا الأمور تشابهت وتبهّمت

فجلاؤها وشفاؤها أحكامه

وإذا التفت إلى التقى صادفته

من كلّ برّ وافر أقسامه

فالليل فيه قيامه متهجّدا

يتلو الكتاب وفي النهار صيامه

يعفى الثلاث تعفّفا وتكرّما

حتى يصادف زاده ومقامه

فمضى بريئا لم تشنه ذنوبه

يوما ولا ظفرت به آثامه

* * *

وقال الحيص بيص :

صدوق عن الزاد الشهي فؤاده

رغيب إلى زاد التقى والفضائل

جري إلى قول الصواب لسانه

إذا ما الفتاوى أفحمت بالمسائل

أعيدت له الشمس الأصيل جلالة

وقد حال ثوب الصبح في أرض بابل

* * *

سيرته عليه السلام مع بعض أزواجه

أبو صادق عن علي عليه السلام : أنّه تزوّج ليلى ، فجعلت له حجلة فهتكها ، وقال : حسب آل علي ما هم فيه(1) .

ص: 278


1- الغارات للثقفي : 1/92 ، شرح النهج : 2/202 .

الحسن بن صالح بن حي قال : بلغني أنّ عليا عليه السلام تزوّج إمرأة ، فنجّدت له بيتا ، فأبى أن يدخله .

كلاب بن علي العامري قال : زفّت عمّتي إلى علي عليه السلام على حمار بإكاف(1) ، تحتها قطيفة ، وخلفها قفّة معلّقة .

ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ » الآية : نزلت في علي عليه السلام وأبي ذر وسلمان والمقداد وعثمان بن مظعون وسالم ، أنّهم اتفقوا على أن يصوموا النهار ، ويقوموا الليل ، ولا يناموا على الفراش ، ولا يأكلوا اللحم ، ولا يقربوا النساء والطيب ، ويلبسوا المسوح ، ويرفضوا الدنيا ، ويسيحوا في الأرض ، وهمّ بعضهم أن يجبّ مذاكيره .

فخطب النبي صلى الله عليه و آله وقال : ما بال أقوام حرّموا النساء والطيب والنوم وشهوات الدنيا ! أما أنّي لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهبانا ، فإنّه ليس في ديني ترك اللحم والنساء ، ولا اتخاذ الصوامع ، وإنّ سياحة أمّتي ورهبانيتهم الجهاد(2) . . إلى آخر الخبر .

أبو عبد اللّه عليه السلام : نزلت في علي وبلال وعثمان بن مظعون ، فأمّا علي عليه السلام فإنّه حلف أن لا ينام بالليل أبدا إلاّ ما شاء اللّه ، وأمّا بلال فإنّه حلف أن لا يفطر بالنهار أبدا ، وأمّا عثمان بن مظعون فإنّه حلف أن لا ينكح أبدا(3) .

ص: 279


1- الإكاف من المراكب شبه الرّحال والأقتاب .
2- أسباب النزول للواحدي : 137 ، شواهد التنزيل : 1/260 .
3- تفسير مجمع البيان : 3/405 .

وقال مهيار :

كلاّ ولا أغنته عفّة نفسه

عن جاعل يرضى سواه حاضر

ولقاؤه شهواته ببصيرة

معصومة عنها بذيل طاهر

* * *

سيرته عليه السلام وزهده في الحكم
كتابه لابن حنيف

وفيما كتب عليه السلام إلى سهل بن حنيف : أما علمت أنّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ، ويسدّ فاقة جوعه بقرصيه ، ولا يأكل الفلذة في حوليه ، إلاّ في سنة أضحيته ، يستشرف الإفطار على أدميه ، ولقد آثر اليتيمة على سبطيه ، ولم تقدروا على ذلك ، فأعينوني بورع واجتهاد .

واللّه ما كنزت من دنياكم تبرا ، ولا ادخرت من غنائمها وفرا ، ولا أعددت لبالي ثوبي طمرا ، ولا ادخرت من أقطارها شبرا ، وما أقتات منها إلاّ كقوت أتان دبرة ، ولهي في عيني أهون من عصفة .

ولقد رقّعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها ، فقال قائل : ألقها فذو الأتن لا ترضى لبراذعها ، فقلت : اغرب عنّي ، فعند الصباح يحمد القوم السرى(1) .

* * *

ص: 280


1- نهج البلاغة : 3/70 ك 70 ، أمالي الصدوق : 718 مج 46 ح 988 ، مكارم الأخلاق للطبرسي : 10 .

قال ابن رزيك :

هو الزاهد الموفي على كلّ زاهد

فما قطع الأيام بالشهوات

بإيثاره بالقوت يطوي على الطوى

إذا أمّه المسكين في الأزمات

تقرّب للرحمن إذ كان راكعا

بخاتمه في جملة القربات

* * *

اعتراض عمّه العباس

تاريخ الطبري والبلاذري ، إنّ العباس قال لعلي عليه السلام : ما قدّمتك إلى شيء إلاّ تأخرت عنه ! أشرت عليك عند وفاة رسول اللّه صلى الله عليه و آله تسأله في من هذا الأمر ؟ فأبيت ، وأشرت عليك بعد وفاته أن تعاجل الأمر ، فأبيت ، وأشرت عليك حين سمّاك عمر في الشورى لا تدخل معهم ، فأبيت ، فما الحيلة(1) ؟!

الحكم لإقامة الحقّ ودفع الباطل

دخل ابن عباس على أمير المؤمنين عليه السلام وقال : إنّ الحاج قد اجتمعوا ليسمعوا منك ، وهو يخصف نعلاً .

ص: 281


1- تاريخ الطبري : 3/294 « قصة الشورى » ، تاريخ المدينة لابن شبة : 3/926 ، أنساب الأشراف : 5/23 .

قال : أما - واللّه - إنّها لأحبّ إليّ من إمرتكم هذه ، إلاّ أن أقيم حقّا أو أدفع باطلاً(1) .

وكتب عليه السلام إلى ابن عباس :

أمّا بعد : فلا يكن حظّك في ولايتك ما لا تستفيده ، ولا غيظا تشتفيه ، ولكن إماتة باطل وإحياء حقّ .

زهده عليه السلام في الدنيا
اشارة

وقال عليه السلام : يا دنيا يا دنيا ، أبي تعرضت ! أم إليّ تشوقت ! لا حان حينك ، هيهات غرّي غيري ، لا حاجة لي فيك ، قد طلّقتك ثلاثا لا رجعة لي فيك(2) .

وله

عليه السلام :

طلّق الدنيا ثلاثا

واتخذ زوجا سواها

إنّها زوجة سوء

لا تبالي من أتاها

* * *

وقال الصاحب :

من كمولانا علي زاهد

طلّق الدنيا ثلاثا ووفى

* * *

ص: 282


1- نهج البلاغة : 1/80 خ 33 ، الإرشاد للمفيد : 1/247 .
2- نهج البلاغة : 4/16 ح 77 ، خصائص الأئمة : 71 ، روضة الواعظين : 441 ، مشكاة الأنوار : 467 .

وقال ابن رزيك :

ذاك الذي طلّق الدنيا لعمري عن

زهد وقد سفرت عن وجهها الحسن

وأوضح المشكلات الخافيات وقد

دقّت عن الفكر واعتاضت على الفطن

* * *

ما بخل به الباخلون

جمل أنساب الأشراف : إنّ أمير المؤمنين عليه السلام مرّ على قذر بمزبلة ، وقال : هذا ما بخل به الباخلون(1) .

تمثّل الدنيا له وإعراضه عنها

ويروى أنّ أمير المؤمنين عليه السلام كان في بعض حيطان فدك ، وفي يده مسحاة ، فهجمت عليه إمرأة من أجمل النساء ، فقالت : يا بن أبي طالب ! إن تزوّجتني أغنيك عن هذه المسحاة ، وأدلّك على خزائن الأرض ، ويكون لك الملك ما بقيت ، قال لها : فمن أنت حتى أخطبك من أهلك ؟ قالت : أنا الدنيا ، فقال عليه السلام : ارجعي فاطلبي زوجا غيري ، فلست من شأني ، وأقبل على مسحاته .

وأنشأ :

لقد خاب من غرّته دنيا دنية

وما هي إن غرّت قرونا بباطل

أتتنا على زيّ العروس بثينة

وزينتها في مثل تلك الشمائل

ص: 283


1- أنساب الأشراف : 2/134 .

فقلت لها غرّي سواي فإنّني

عزوف عن الدنيا ولست بجاهل

وما أنا والدنيا وإنّ محمدا

رهين بقفر بين تلك الجنادل

وهبها أتتني بالكنوز ودرّها

وأموال قارون وملك القبائل

أليس جميعا للفناء مصيرنا

ويطلب من خزّانها بالطوائل

فغرّي سواي إنّني غير راغب

لما فيك من عزّ وملك ونائل

وقد قنعت نفسي بما قد رزقته

فشأنك يا دنيا وأهل الغوائل

فإنّي أخاف اللّه يوم لقائه

وأخشى عذابا دائما غير زائل

* * *

أخذه بأشدّ الأمرين

الباقر عليه السلام : إنّه ما ورد عليه أمران كلاهما للّه رضىً(1) إلاّ أخذ بأشدّهما على بدنه(2) .

وصف ضرار له أمام معاوية

وقال معاوية لضرار بن ضمرة : صف لي عليا عليه السلام .

قال : كان - واللّه - صوّاما بالنهار ، قوّاما بالليل ، يحبّ من اللباس أخشنه ، ومن الطعام أجشبه ، وكان يجلس فينا ، ويبتدي إذا سكتنا ، ويجيب إذا سألنا ، يقسم بالسوية ، ويعدل في الرعية ، لا يخاف الضعيف من جوره ، ولا يطمع القوي في ميله .

ص: 284


1- في نسخة « النجف » : « كلاهما رضى اللّه » .
2- الكافي : 8/130 ح 100 ، أمالي الصدوق : 356 مج 47 ح 437 ، روضة الواعظين : 117 ، الغارات للثقفي : 1/82 ، الإرشاد للمفيد : 2/141 ، أمالي الطوسي : 693 ح 1470 ، تفسير مجمع البيان : 9/147 .

واللّه لقد رأيته ليلة من الليالي ، وقد أسبل الظلام سدوله ، وغارت نجومه ، وهو يتململ في المحراب تململ السليم ، ويبكي بكاء الحزين ، ولقد رأيته مسيلاً للدموع على خدّه ، قابضا على لحيته ، يخاطب دنياه فيقول : يا دنيا أبي تشوّقت ! ولي تعرّضت ! لا حان حينك ، فقد أبنتك ثلاثا لا رجعة لي فيك ، فعيشك قصير ، وخطرك يسير ، آهٍ من قلّة الزاد ، وبعد السفر ، ووحشة الطريق(1) .

الخلافة ابتلاء

ابن بطّة في الإبانة ، وأبو بكر بن عياش في الأمالي عن أبي داود عن السبيعي عن عمران بن حصين قال : كنت عند النبي صلى الله عليه و آله وعلي عليه السلامإلى

جنبه ، إذ قرأ النبي صلى الله عليه و آله هذه الآية « أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الأَْرْضِ » .

قال : فارتعد علي عليه السلام ، فضرب النبي صلى الله عليه و آله على كتفيه ، وقال : مالك يا علي ؟ قال : قرأت يا رسول اللّه صلى الله عليه و آله هذه الآية ، فخشيت أن أبتلي بها ، فأصابني ما رأيت ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : لا يحبّك إلاّ مؤمن ، ولا يبغضك إلاّ منافق إلى يوم القيامة(2) .

ص: 285


1- أمالي الصدوق : 724 مج 76 ح990 ، مناقب أمير المؤمنين عليه السلام للكوفي : 2/51 ، كنز الفوائد للكراجكي : 270 ، العمدة : 16 ، الإستيعاب : 3/1107 ، شرح النهج : 18/225 ، تاريخ دمشق : 24/401 ، حلية الأولياء : 1/84 .
2- أمالي المفيد : 308 ح 5 ، أمالي الطوسي : 78 ح 112 ، فضائل أمير المؤمنين عليه السلام لابن عقدة : 205 رقم 26 ، بشارة المصطفى : 29 .

قال الحميري :

وإنّك قد ذكرت لدى مليك

يذلّ لعزّه المتجبرونا

فخرّ لوجهه صعقا وأبدى

لربّ الناس رهبة راهبينا

وقال لقد ذكرت لدى إلهي

فأبدى ذلّة المتواضعينا

* * *

وقال حسان بن ثابت :

جزى اللّه خيرا والجزاء بكفّه

أبا حسن عنّا ومن كأبي حسن

سبقت قريشا بالذي أنت أهله

فصدرك مشروح وقلبك ممتحن

* * *

ص: 286

فصل 11 : في المسابقة بالتواضع

اشارة

فصل 11

في المسابقة بالتواضع (1)

ص: 287


1- في نسخة « النجف » : « المسابقة بالسخاء والتفقّه في سبيل اللّه » .

ص: 288

الآيات

وَعِبادُ الرَّحْمنِ

الأصبغ عن علي عليه السلام في قوله « وَعِبادُ الرَّحْمنِ » قال : فينا نزلت هذه الآية(1) .

* * *

الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ

أبو الجارود : سألت أبا جعفر عليه السلام عن قوله « إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ » إلى قوله(2) « راجِعُونَ » [ قال عليه السلام : نزلت في علي بن أبي طالب(3) عليهماالسلام (4)] .

* * *

ص: 289


1- تفسير القمي : 2/116 .
2- « إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِ آياتِ رَبِّهِمْ يُؤمِنُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ وَالَّذِينَ يُؤتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ » .
3- تفسير فرات : 278 ح 377 ، تفسير القمي : 2/91 .
4- ما بين المعقوفين بياض في النسخ ، نقلناه من المصادر المشار اليها .
عمله في البيت

الصادق عليه السلام : كان أمير المؤمنين عليه السلام يحطب ويستسقي ويكنس ، وكانت فاطمة عليهاالسلام تطحن وتعجن وتخبز(1) .

حمله الطعام الى البيت

الإبانة عن ابن بطة والفضائل عن أحمد : أنّه اشترى عليه السلام تمرا بالكوفة ، فحمله في طرف ردائه .

فتبادر الناس إلى حمله ، وقالوا : يا أمير المؤمنين نحن نحمله ، فقال عليه السلام : ربّ العيال أحقّ بحمله(2) .

قوت القلوب عن أبي طالب المكي : كان علي عليه السلام يحمل التمر والملح بيده ، ويقول :

لا ينقص الكامل من كماله

ما جرّ من نفع إلى عياله(3)

* * *

مواضع كان يمشي فيها حافيا

زيد بن علي عليه السلام : أنّه كان يمشي في خمسة حافيا ، ويعلّق نعليه بيده

ص: 290


1- الكافي: 5/86 ح 1، الفقيه للصدوق: 3/69 ح 3640، أمالي الطوسي: 661 ح 1369.
2- فضائل الصحابة لابن حنبل : 1/403 رقم 916 .
3- قوت القلوب : 2/202 .

اليسرى : يوم الفطر ، والنحر ، ويوم الجمعة ، وعند العيادة ، وتشييع الجنازة ، ويقول : إنّها مواضع اللّه ، وأحبّ أن أكون فيها حافيا(1) .

يمشي في الأسواق وحده

زادان : أنّه عليه السلام كان يمشي في الأسواق وحده ، وهو ذاك ، يرشد الضال ، ويعين الضعيف ، ويمرّ بالبياع والبقال فيفتح عليه القرآن ، ويقرأ « تِلْكَ الدّارُ الآْخِرَةُ نَجْعَلُها »(2) .

نهيه عن المشي خلفه

الصادق عليه السلام : خرج أمير المؤمنين عليه السلام على أصحابه وهو راكب ، فمشوا معه ، فالتفت إليهم فقال : ألكم حاجة ؟ قالوا : لا ، ولكنّا نحبّ أن نمشي معك .

فقال لهم : انصرفوا وارجعوا ، النعال خلف أعقاب الرجال مفسدة لقلوب النوكى(3) .

وترجّل دهاقين الأنبار له ، وأسندوا بين يديه ، فقال : ما هذا الذي صنعتموه ؟ قالوا : خلق منّا نعظّم به أمراءنا ، فقال : واللّه ما ينتفع بهذا

ص: 291


1- دعائم الإسلام : 1/185 .
2- تفسير مجمع البيان : 7/464 ، تاريخ دمشق : 42/489 .
3- المحاسن للبرقي : 2/629 باب 12 ح 104 ، الكافي : 6/540 ح 16 ، مشكاة الأنوار : 364 .

امراؤكم ، وإنّكم لتشقّون به على أنفسكم ، وتشقون به في آخرتكم ، وما أخسر المشقّة وراءها العقاب ، وما أربح الراحة معها الأمان من النار(1) .

نهيه عن التفاخر الباطل

أبو عبد اللّه عليه السلام : افتخر رجلان عند أمير المؤمنين عليه السلام فقال : أتفتخران بأجساد بالية ، وأرواح في النار ، إن لم يكن له عقل ، فإنّ لك خلقا ، وإن لم يكن له تقوى ، فإنّ لك كرما ، وإلاّ فالحمار خير منكما ، ولست بخير من أحد(2) .

صبّ الماء على يد ضيفه

الحسن العسكري عليه السلام في خبر طويل : إنّ رجلاً وابنه وردا عليه عليه السلام ، فقام إليهما وأجلسهما في صدر مجلسه ، وجلس بين أيديهما .

ثم أمر بطعام ، فأحضر ، فأكلا منه ، ثم أخذ الإبريق ليصبّ على يد الرجل ، فتمرّغ الرجل في التراب ، فقال : يا أمير المؤمنين ! كيف اللّه يراني وأنت تصبّ على يدي !

قال : اقعد واغسل ، فإنّ اللّه يراني أخاك الذي لا يتميّز منك ، ولا يتفضّل عنك ، ويزيد بذاك في خدمه في الجنّة مثل عشرة أضعاف عدد أهل الدنيا ، وعلى حسب ذلك في مماليكه فيها ، فقعد الرجل وغسل يده .

ص: 292


1- نهج البلاغة : 4/10 خ 37 ، الفتوح لابن أعثم : 2/555 ، وقعة صفين للمنقري : 144 .
2- علل الشرائع : 2/393 باب 131 ح 8 .

فلمّا فرغ ناول الإبريق محمد بن الحنفية وقال : يا بني ، لو كان هذا الابن حضرني دون أبيه لصببت على يده ، ولكنّ اللّه يأبى أن يسوّي بين ابن وأبيه إذا جمعهما ، قد صبّ الأب على الأب ، فليصبّ الابن على الابن(1) .

ترافع مع يهودي عند شريح القاضي

حلية الأولياء ونزهة الأبصار : إنّه مضى علي عليه السلام في حكومة إلى شريح مع يهودي ، فقال : يا يهودي ، الدرع درعي ، ولم أبع ولم أهب ، فقال اليهودي : الدرع لي وفي يدي .

فسأله شريح البينة ، فقال : هذا قنبر والحسين عليه السلام يشهدان لي بذلك ، فقال شريح : شهادة الابن لا تجوز لأبيه ، وشهادة العبد لا تجوز لسيده ، وإنّهما يجرّان إليك .

فقال أمير المؤمنين عليه السلام : ويلك يا شريح ، أخطأت من وجوه : أمّا واحدة ، فأنا إمامك تدين اللّه بطاعتي ، وتعلم أنّي لا أقول باطلاً ، فرددت قولي وأبطلت دعواي ، ثم سألتني البينة ، فشهد عبدي وأحد سيدي شباب أهل الجنّة ، فرددت شهادتهما ، ثم ادعيت عليهما أنّهما يجرّان إلى أنفسهما ، أما أنّي لا أرى عقوبتك إلاّ أن تقضي بين اليهود ثلاثة أيام ، أخرجوه .

فأخرجه الى قبا ، فقضى بين اليهود ثلاثا ، ثم انصرف .

ص: 293


1- تفسير الإمام العسكري عليه السلام : 325 ح 173 ، الإحتجاج : 2/267 .

فلمّا سمع اليهودي ذلك ، قال : هذا أمير المؤمنين عليه السلام جاء إلى الحاكم ، والحاكم حكم عليه ، فأسلم ، ثم قال : الدرع درعك ، سقط يوم صفين من جمل أورق(1) فأخذته(2) .

ترافع مع التميمي عند شريح

وفي الأحكام الشرعية عن الخزاز القمّي : إنّ عليا عليه السلام كان في مسجد الكوفة ، فمرّ به عبد اللّه بن قفل التيمي ، ومعه درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة ، فقال عليه السلام : هذه درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة ، فقال ابن قفل : يا أمير المؤمنين عليه السلام ، اجعل بيني وبينك قاضيا !!

فحكّم شريحا ، فقال علي عليه السلام : هذه درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة ، فالتمس شريحا البينة !! فشهد الحسن بن علي عليهماالسلام بذلك ، فسأل آخر ، فشهد قنبر بذلك ، فقال : هذا مملوك ، ولا أقضي بشهادة المملوك ، فغضب علي عليه السلام ، ثم قال : خذوا الدرع ، فقد قضى بجور ثلاث مرات .

فسأله عن ذلك ، فقال عليه السلام : إنّي لمّا قلت لك : إنّها درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة ، فقلت : هات على ما قلت بينة ، فقلت : رجل لم يسمع الحديث ، وقد قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : حيث ما وجد غلولاً أخذ بغير بينة .

ص: 294


1- الأورق من الإبل الذي في لونه سواد الى بياض ، أي ما كان لونه لون الرماد .
2- حلية الأولياء : 4/139 ، تاريخ دمشق : 42/487 ، أخبار القضاة لابن حبان : 2/200 .

ثم أتيتك بالحسن عليه السلام فشهد ، فقلت : هذا شاهد ، ولا أقضي بشاهد حتى يكون معه آخر ، وقد قضى رسول اللّه صلى الله عليه و آله بشاهد ويمين ، فهذان إثنتان .

ثم أتيتك بقنبر ، فقلت : هذا مملوك ، ولا بأس بشهادة المملوك إذا كان عدلاً ، فهذه الثالثة .

ثم قال عليه السلام : يا شريح ، إنّ إمام المسلمين يؤتمن في أمورهم على ما هو أعظم من هذا(1) .

مشى الى بيت شاب ليصلح بين زوجين

الباقر عليه السلام في خبر : أنّه رجع علي عليه السلام إلى داره في وقت القيظ ، فإذا إمرأة

قائمة تقول : إنّ زوجي ظلمني وأخافني ، وتعدّى عليّ ، وحلف ليضربني ، فقال عليه السلام : يا أمة اللّه ، اصبري حتى يبرد النهار ، ثم أذهب معك إن شاء اللّه ، فقالت : يشتدّ غضبه وحرده عليّ .

فطأطأ رأسه ، ثم رفعه وهو يقول : لا واللّه ، أو يؤخذ للمظلوم حقّه غير متعتع ، أين منزلك ؟

فمضى إلى بابه ، فوقف على بابه ، فقال : السلام عليكم ، فخرج شاب ، فقال علي عليه السلام : يا عبد اللّه ، اتق اللّه ، فإنّك قد أخفتها وأخرجتها .

ص: 295


1- الكافي : 7/385 ح 5 ، الإستبصار للطوسي : 3/34 ح 117 ، التهذيب للطوسي : 6/273 ح 747 .

فقال الفتى : وما أنت وذاك ؟! واللّه لأحرقنّها لكلامك .

فقال أمير المؤمنين عليه السلام : آمرك بالمعروف وأنهاك عن المنكر ، تستقبلني بالمنكر وتنكر المعروف ؟!

قال : فأقبل الناس من الطرق ويقولون : سلام عليكم يا أمير المؤمنين ، فسقط الرجل في يديه ، فقال : يا أمير المؤمنين عليه السلام ، أقلني عثرتي ، فواللّه لأكوننّ لها أرضا تطأني ، فأغمد علي عليه السلام سيفه ، وقال : يا أمة اللّه ، ادخلي منزلك ولا تلجئي زوجك إلى مثل هذا وشبهه .

شعره في التواضع

وروى الفنجكردي في سلوة الشيعة له عليه السلام :

ودع التجبّر والتكبّر يا أخي

إنّ التكبّر للعبيد وبيل

واجعل فؤادك للتواضع منزلاً

إنّ التواضع بالشريف جميل

* * *

ص: 296

فصل 12 : في المسابقة بالعدل والأمانة

اشارة

ص: 297

ص: 298

الآيات

إِنّا جَعَلْنا ما عَلَى الأَْرْضِ زِينَةً

عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن عطاء عن ابن مسعود في قوله « إِنّا جَعَلْنا ما عَلَى الأَْرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً » قال : زينة الأرض الرجال ، وزنية الرجال علي بن أبي طالب عليهماالسلام(1) .

هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ

حمزة بن عطاء عن أبي جعفر عليه السلام في قوله « هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ » قال : هو علي بن أبي طالب عليهماالسلام ، يأمر بالعدل ، وهو على صراط مستقيم(2) .

وروى نحوا منه أبو المضا عن الرضا عليه السلام .

يحاجّ الناس يوم القيام بتسع

فضائل أحمد بن حنبل : قال علي عليه السلام : أحاج الناس يوم القيامة بتسع :

ص: 299


1- شواهد التنزيل : 1/458 رقم 485 .
2- كشف الغمة : 1/331 ، الصراط المستقيم : 1/284 .

بإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، والعدل في الرعية ، والقسم بالسوية ، والجهاد في سبيل اللّه ، وإقامة الحدود ، وأشباهه(1) .

أنا أبو الحسن القرم

الفائق : إنّه بعث العباس بن عبد المطلب وربيعة بن الحارث ابنيهما الفضل بن عباس وعبد المطلب بن ربيعة يسألانه أن يستعملهما على الصدقات ، فقال علي عليه السلام : واللّه ، لا يستعمل منكم أحد على الصدقة ، فقال له ربيعة : هذا أمرك ، نلت صهر رسول اللّه صلى الله عليه و آله فلم نحسدك عليه .

فألقي علي عليه السلام رداءه ، ثم اضطجع عليه ، فقال : أنا أبو الحسن القرم ، واللّه لا أريم حتى يرجع اليكما ابناكما بحور ما بعثتما به ، قال صلى الله عليه و آله : إنّ هذه الصدقة أوساخ الناس ، وإنّها لا تحلّ لمحمد صلى الله عليه و آله ولا لآل محمد(2) .

قال الزمخشري : الحور الخيبة(3) .

قصّة استقراض العسل من بيت المال

نزل بالحسن بن علي عليهماالسلام ضيف ، فاستقرض من قنبر رطلاً من العسل الذي جاء من اليمن .

ص: 300


1- فضائل الصحابة لابن حنبل : 1/538 رقم 898 ، الخصال : 363 ح 53 .
2- سنن أبي داود : 2/27 .
3- الفائق : 2/268 .

فلمّا قعد علي عليه السلام ليقسمها قال : يا قنبر قد حدث في هذا الزقّ حدث ! قال : صدق فوك ، وأخبره الخبر .

فهم بضرب الحسن عليه السلام !! وقال : ما حملك على أن أخذت منه قبل القسمة ؟ قال : إنّ لنا فيه حقّا ، فإذا أعطيتناه رددناه ، قال : فداك أبوك ، وإن كان لك فيه حقّ فليس لك أن تنتفع بحقّك قبل أن ينتفع المسلمون بحقوقهم ، لولا أنّي رأيت رسول اللّه صلى الله عليه و آله يقبل ثنيتك لأوجعنك ضربا !!

ثم دفع إلى قنبر درهما وقال : اشتر به أجود عسل تقدر عليه .

قال الراوي : فكأنّي أنظر إلى يدي علي عليه السلام على فم الزقّ ، وقنبر يقلّب العسل فيه ، ثم شدّه ويقول : اللّهم اغفرها للحسن(1) فإنّه لا يعرف(2) .

ص: 301


1- في شرح النهج : « للحسين عليه السلام » .
2- نقل القصّة ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : 11/253 عن عقيل وأنّ الذي أخذ رطل العسل إنّما هو الحسين عليه السلام ، وأنّ أمير المؤمنين عليه السلام رفع الدرّة ليضربه فأقسم عليه الحسين عليه السلام بعمّه جعفر فتركه ! والقصّة كما ترى عامية غير مسندة ، ولا منسوبة لمصدر ، لا عند ابن أبي الحديد ولا عند ابن شهرآشوب، إضافة الى ما فيها من تعامل الإمام أمير المؤمنين عليه السلام مع ريحانتي رسول اللّه صلى الله عليه و آله والإمامين قاما أو قعدا ، سواء كانت القصّة مع الحسين عليه السلام على حدّ نقل المعتزلي، أو مع الحسن عليه السلام على حدّ نقل السروي ، والحال أنّ القصّة حدثت أيام خلافة مولى الموحدين وسيد الوصيين عليه السلام ، وهذا يعني أنّ سيدي شباب أهل الجنّة كانا شابين كبيرين ، فكيف يصدر منهما ما يوبخهما به أمير المؤمنين عليه السلام ، وهما قد ولدا إمامين معصومين ، وحكم لهما النبي صلى الله عليه و آله بتسنّم سيادة الجنّة ؟ وكيف يتصوّر تعامل الإمام أمير المؤمنين عليه السلام معهما بهذه الصورة ، وهو الذي أوصى لهما بالإمامة والولاية الكلية ؟ ثم كيف يقول عليه السلام : اغفرها له فإنّه لا يعلم ؟!! ولو لم يكن في الخبر سوى هذه الفقرة لكفى التشكيك بها ! أضف الى أنّ الخبر منقول في صورة حوار دار بين عقيل ومعاوية ، وكأنّ عقيلاً كان يحدّث معاوية عن سلوك أمير المؤمنين عليه السلام الذي برر له الخروج من عنده واللجوء الى معاوية ، وفي هذا نظر للمتأمل ، وذلك : أنّ أصل خروج عقيل عليه السلام الى معاوية أيام خلافة أمير المؤمنين عليه السلام لم يثبت . وأنّ بني أمية ما زالوا يضعون الأخبار والقصص على عقيل بن أبي طالب عليهماالسلام إنتقاما منه - لما كان يفضحهم في أنسابهم وأيامهم العفنة - ومن أبيه ومن أخيه أميرالمؤمنين عليه السلام. وهم يبررون بذلك ما صنعوه بالحسن والحسين عليهماالسلام ، فإذا كان أمير المؤمنين عليه السلام- وهو خليفة - يرفع الدرّة ليوجعنّه ضربا لعسل كان من حقّه إلاّ أنّه سبق المسلمين في الأخذ منه ، فكيف لا يحقّ لمعاوية أن يسمّ الحسن عليه السلام ، وليزيد أن يقرع ثنايا الحسين عليه السلامبالقضيب بعد قتله ، وقد نازعاهم السلطان والولاية ؟!! وكيف كان ، فالخبر يمسّ دائرة العصمة والولاية الإلهية في معصومين على الأقل ، وهو يتعرّض لسيد الأوصياء وقسيم الجنّة والنار من جهة ، ولسيد شباب أهل الجنّة وريحانة الرسول صلى الله عليه و آله من جهة أُخرى ، بيد أنّ هذا الأمر لا يفوت ابن شهرآشوب - لما عرفناه فيه من علم وولاية - فلابد أن يكون قد نقله للإحتجاج والمخاصمة ، كما هو دأبه في هذا الكتاب ، أو أنّ له فهما أخر غاب عنّا ، وحينئذٍ نردّ علمه الى اللّه ورسوله صلى الله عليه و آلهوأمير المؤمنين عليه السلام .
قصّة عقد الؤلؤ المستعار

التهذيب: قال علي بن أبي رافع ، وكان على [ بيت ] مال أمير المؤمنين عليه السلام : أخذت منّي ابنته عقد لؤلؤ عارية مضمونة مردودة بعد ثلاثة أيام في أيام الأضحى ، فرآه عليه السلام عليها فعرفه ، وقال لي : أتخون المسلمين ؟!

فقصصت عليه وقلت : قد ضمنته من مالي . فقال : ردّه من يومك هذا ، وإيّاك أن تعود لمثل هذا ، فتنالك عقوبتي .

ثم قال : لو كانت ابنتي أخذت هذا العقد على غير عارية مضمونة ،

ص: 302

لكانت إذا أوّل هاشمية قطعت يدها على سرقة .

فقالت ابنته في ذلك مقالاً ، فقال : يا بنت علي بن أبي طالب ، لا تذهبنّ بنفسك عن الحقّ ، أكلّ نساء المهاجرين يتزيّن في هذا العيد بمثل هذا ؟!(1) .

تقسيم الأترج بين الناس

فضائل أحمد : أم كلثوم : يا أبا صالح ، لو رأيت أمير المؤمنين عليه السلاموأُتي بأترج ، فذهب الحسن والحسين عليهماالسلام يتناول أترجة ، فنزعها من يده !! ثم أمر به فقسم بين الناس(2)(3) .

ما أغفلك عن أمير المؤمنين

إنّ رجلاً من خثعم رأى الحسن والحسين عليهماالسلام يأكلان خبزا وبقلاً وخلاً ، فقال لهما : أتأكلان من هذا وفي الرحبة ما فيها ، فقالا : ما أغفلك عن أمير المؤمنين عليه السلام(4)(5) .

ص: 303


1- التهذيب للطوسي : 10/151 ح 606 ، والخبر كما ترى لا ينتهي الى معصوم ، والتوقف فيه حسن .
2- فضائل الصحابة لابن حنبل : 1/540 رقم 901 ، المعيار والموازنة : 250 ، المصنف لابن أبي شيبة الكوفي : 7/622 رقم 3 ، الورع لابن أبي الدنيا : 91 رقم 131 .
3- الخبر عامّي !
4- أنساب الأشراف : 2/139 ، الورع لابن أبي الدنيا : 90 رقم 129 .
5- الخبر عامّي !
تقسيم أواني الفضّة والذهب

عن زاذان : إنّ قنبرا قدم إلى أمير المؤمنين عليه السلام جامات من ذهب وفضّة في الرحبة ، وقال : إنّك لا تترك شيئا إلاّ قسمته ، فخبأت لك هذا ، فسلّ سيفه وقال : ويحك ، لقد أحببت أن تدخل بيتي نارا ؟!

ثم استعرضها بسيفه ، فضربها حتى انتثرت من بين إناء مقطوع بضعة وثلاثين ، وقال : عليّ بالعرفاء ، فجاؤوا ، فقال : هذا بالحصص ، وهو يقول :

هذا جناي وخياره فيه

وكلّ جان يده إلى فيه(1)

* * *

اجتنابه قطيفة الصدقة

جمل أنساب الأشراف : إنّه أعطته الخادمة في بعض الليالي قطيفة ، فأنكر دفأها ، فقال : ما هذه ؟ قالت الخادمة : هذه من قطف الصدقة ، قال : أصردتمونا بقية ليلتنا(2) .

مع أخيه عقيل عليه السلام

وقدم عليه عقيل ، فقال للحسن عليه السلام : اكس عمّك ، فكساه قميصا من قميصه ، ورداء من أرديته .

ص: 304


1- الغارات للثقفي : 1/56 ، مناقب أمير المؤمنين عليه السلام للكوفي : 2/33 ، المصنف لابن أبي شيبة الكوفي : 7/621 رقم 1 .
2- أنساب الأشراف : 2/117 ، خصائص الأئمة للرضي : 79 .

فلمّا حضر العشاء ، فإذا هو خبز وملح ، فقال عقيل : ليس إلاّ ما أرى ! فقال : أو ليس هذا من نعمة اللّه ، فله الحمد كثيرا ، فقال : أعطني ما أقضي به ديني ، وعجّل سراحي حتى أرحل عنك ، قال : فكم دينك يا أبا يزيد ؟ قال : مائة ألف درهم ، قال : واللّه ما هي عندي ، ولا أملكها ، ولكن اصبر حتى يخرج عطاي فأواسيكه ، ولولا أنّه لابد للعيال من شيء لأعطيتك كلّه ، فقال عقيل : بيت المال في يدك وأنت تسوّفني إلى عطائك ؟! وكم عطاؤك ؟ وما عسى يكون ولو أعطيتنيه كلّه ؟! فقال : ما أنا وأنت فيه إلاّ بمنزلة رجل من المسلمين .

وكانا يتكلّمان فوق قصر الإمارة ! مشرفين على صناديق أهل السوق ، فقال له علي عليه السلام : إن أبيت - يا أبا يزيد - ما أقول ، فأنزل إلى بعض هذه الصناديق ، فاكسر أقفاله ، وخذ ما فيه ، فقال : وما في هذه الصناديق ؟ قال : فيها أموال التجار ، قال : أتأمرني أن أكسر صناديق قوم قد توكّلوا على اللّه ، وجعلوا فيها أموالهم ؟! فقال أمير المؤمنين عليه السلام : أتأمرني أن أفتح بيت المال المسلمين فأعطيك أموالهم ، وقد توكّلوا على اللّه واقفلوا عليها ، وإن شئت أخذت سيفك ، وأخذت سيفي ، وخرجنا جميعا إلى الحيرة ، فإنّ بها تجارا مياسير ، فدخلنا على بعضهم فأخذنا ماله ، فقال : أو سارق جئت ! قال : تسرق من واحد خير من أن تسرق من المسلمين جميعا .

قال له : أفتأذن لي أن أخرج إلى معاوية ؟ فقال له : قد أذنت لك .

قال : فأعنّي على سفري هذا ، قال : يا حسن ، أعط عمّك أربعمائة درهم .

ص: 305

فخرج عقيل وهو يقول :

سيغنيني الذي أغناك عنّي

ويقضي ديننا ربّ قريب(1)

* * *

وذكر عمرو بن العاص : أنّ عقيلاً لمّا سأل عطاءه(2) من بيت المال ، قال له أمير المؤمنين عليه السلام : تقيم إلى يوم الجمعة ، فأقام .

فلمّا صلّى أمير المؤمنين عليه السلام الجمعة قال لعقيل : ما تقول فيمن خان هؤلاء أجمعين ؟ قال : بئس الرجل ذاك ، قال : فأنت تأمرني أن أخون هؤلاء وأعطيك(3) .

ومن خطبة له عليه السلام : ولقد رأيت عقيلاً(4) وقد أملق ، حتى استماحني من برّكم صاعا ، وعاودني في عشر وسق من شعيركم يقضمه جياعه ، وكاد

ص: 306


1- كتاب الفنون لعلي بن عقيل البغدادي : 47 ، ولم يثبت خروج عقيل أيام خلافة أمير المؤمنين عليه السلام ، بل ثبت خلاف ذلك .
2- في الغارات وغيره : « إنّ عقيل بن أبي طالب عليهماالسلام لمّا قدم على علي عليه السلام بالكوفة يسترفده عرض عليه عطاءه ، فقال : إنّما أريد أن تعطيني من بيت المال ، فقال عليه السلام : ..» .
3- الغارات للثقفي : 2/550 .
4- في نهج البلاغة وغيره في خطبة : وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ عَقِيلاً وَقَدْ أَمْلَقَ حَتَّى اسْتَمَاحَنِي مِنْ بُرِّكُمْ صَاعاً وَرَأَيْتُ صِبْيَانَهُ شُعْثَ الشُّعُورِ غُبْرَ الأْلْوَانِ مِنْ فَقْرِهِمْ ، كَأَنَّمَا سُوِّدَتْ وُجُوهُهُمْ بِالْعِظْلِمِ ، وَعَاوَدَنِي مُؤكِّداً ، وَكَرَّرَ عَلَيَّ الْقَوْلَ مُرَدِّداً ، فَأَصْغَيْتُ إِلَيْهِ سَمْعِي ، فَظَنَّ أَنِّي أَبِيعُهُ دِينِي ، وَأَتَّبِعُ قِيَادَهُ مُفَارِقاً طَرِيقَتِي ، فَأَحْمَيْتُ لَهُ حَدِيدَةً ، ثُمَّ أَدْنَيْتُهَا مِنْ جِسْمِهِ لِيَعْتَبِرَ بِهَا ، فَضَجَّ ضَجِيجَ ذِي دَنَفٍ مِنْ أَلَمِهَا ، وَكَادَ أَنْ يَحْتَرِقَ مِنْ مِيسَمِهَا ، فَقُلْتُ لَهُ ثَكِلَتْكَ الثَّوَاكِلُ يَا عَقِيلُ ، أَتَئِنُّ مِنْ حَدِيدَةٍ أَحْمَاهَا إِنْسَانُهَا لِلَعِبِهِ ، وَتَجُرُّنِي إِلَى نَارٍ سَجَرَهَا جَبَّارُهَا لِغَضَبِهِ ، أَتَئِنُّ مِنَ الأْذَى وَلاَ أَئِنُّ مِنْ لَظَى .

يطوي ثالث أيامه خامصا ما استطاعه ، ولقد رأيت أطفاله شعث الألوان من صرّهم ، كأنّما اشمأزت وجوههم من قترهم ، فلمّا عاودني في قوله وكرّه أصغيت إليه سمعي ، فغرّه وظنني أوثغ(1) ديني ، وأتبع ما أسره ، أحميت له حديدة لينزجر ، إذ لا يستطيع مسّها ولا يصبر ، ثم أدنيتها من جسمه ، فضجع من ألمه ضجيج دنف يئن من سقمه ، وكاد يسبّني سفها من كظمه ، ولحرقة في لظى أدنى له من عدمه ، فقلت له : ثكلتك الثواكل يا عقيل ، أتئن من أذى ولا أئن من لظى(2) .

أم ولد له تطلب منه قرنفلاً

وعن أم عثمان - أم ولد علي عليه السلام - قالت : جئت عليا عليه السلام وبين يديه قرنفل مكبوب في الرحبة ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، هب لابنتي من هذا القرنفل قلادة ، فقال : هاك ذا - ونفذ بيده إليّ درهما - فإنّما هذا للمسلمين ، أو لا فاصبري حتى يأتينا حظّنا منه ، فنهب لابنتك قلادة(3) .

ص: 307


1- وثغ : الوَثِيغةُ : الدُّرْجةُ التي تُتَّخَذُ للناقة تُدْخَلُ في حَيائها إِذا أَرادوا أَن يَظْأَرُوها على ولد غيرها ، وقد وَثَغَها الظائِرُ يَثِغُها وَثْغاً أَي اتَّخَذَ لها وَثِيغةً ، ويقال لما اخْتَلَطَ والتفَّ من أَجناس العُشْبِ الغَضِّ وثِيغةٌ ووَثِيخةٌ، بالغين والخاء . وفي بعض النسخ : « أوتغ» أي أهلك وأفسد ، وفي النهج وغيره : « أبيعه ديني » .
2- نهج البلاغة : 346 خ 224، أمالي الصدوق : 720 مج 76 ح 988، رسائل المرتضى : 3/139 .
3- المصنف لابن أبي شيبة الكوفي : 7/622 رقم 2 ، الورع لابن أبي الدنيا : 90 رقم 130 .
مع ابن زمعة

وسأله عبد اللّه بن زمعة مالاً ، فقال : إنّ هذا المال ليس لي ولا لك ، وإنّما

هو للمسلمين ، وجلب أسيافهم ، فإن شركتهم في حربهم كان لك مثل حظّهم ، وإلاّ فجناة أيديهم لا تكون لغير أفواههم(1) .

مع عاصم بن ميثم

وجاء إليه عاصم بن ميثم ، وهو يقسم مالاً ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إنّي شيخ كبير مثقل ، قال : واللّه ، ما هو بكدّ يدي ، ولا بتراثي عن والدي ، ولكنّها أمانة أوعيتها(2) قال : رحم اللّه من أعان شيخا كبيرا مثقلاً(3) .

أيّها الناس لا تشكو عليا

تاريخ الطبري وفضائل أمير المؤمنين عليه السلام عن ابن مردويه : أنّه لمّا أقبل من اليمن تعجّل إلى النبي صلى الله عليه و آله ، واستخلف على جنده الذين معه رجلاً من أصحابه ، فعمد ذلك الرجل فكسا كلّ رجل من القوم حلّة من البزّ الذي كان مع علي عليه السلام .

فلمّا دنى جيشه خرج علي عليه السلام ليتلقّاهم ، فإذا هم عليهم الحلل ، فقال : ويلك ما هذا ؟

ص: 308


1- نهج البلاغة : 2/226 خ 232 .
2- كذا في النسخ ، وفي « المصادر » : « أرعيتها » .
3- دعائم الإسلام : 2/310 ح 1171 .

قال : كسوتهم ليتجمّلوا إذا قدموا في الناس ، قال : ويلك من قبل أن ينتهي إلى رسول اللّه صلى الله عليه و آله ؟!

قال : فانتزع الحلل من الناس ، وردّها في البزّ ، وأظهر الجيش شكاية لما صنع بهم(1) .

ثم روى عن الخدري أنّه قال : شكا الناس عليا عليه السلام ، فقام رسول اللّه صلى الله عليه و آله خطيبا ، فقال : أيّها الناس لا تشكو عليا ، فواللّه إنّه لخشن في ذات اللّه (2) .

اطفأ سراج بيت المال

وسمعت مذاكرة : أنّه دخل عليه عمرو بن العاص ليلة ، وهو في بيت المال ، فطفأ السراج ، وجلس في ضوء القمر ، ولم يستحلّ أن يجلس في الضوء من غير استحقاق .

استرجاعه قطائع عثمان

ومن كلام له فيما ردّه على المسلمين من قطائع عثمان : واللّه لو وجدته قد تزوّج به النساء ، وملك به الإماء لرددته ، فإنّ في العدل سعة ، ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق(3) .

ص: 309


1- المناقب لابن مردويه : 96 رقم 94 ، تاريخ الطبري : 2/402 « السنة العاشرة » .
2- الإستيعاب : 4/1857 ، السيرة لابن هشام : 4/1022 ، مسند أحمد : 3/86 ، المستدرك للحاكم : 3/134 ، تاريخ دمشق : 42/200 ، تاريخ الطبري : 2/402 .
3- نهج البلاغة : 1/46 خ 46 ، دعائم الإسلام : 1/396 ، شرح الأخبار للقاضي النعمان : 1/373 .
كلامه لمّا أراده الناس للبيعة

ومن كلام له لمّا أراده الناس على البيعة بعد قتل عثمان : دعوني والتمسوا غيري ، فأنّا مستقبلون أمرا له وجوه وألوان ، لا يقوم لها القلوب ، ولا يثبت عليه العقول ، وإنّ الآفاق قد أغامت ، والمحجّة قد تنكّرت ، واعلموا إنّي إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ، ولم أصغ إلى قول القائل ، وعتب العاتب(1) .

عطاء طلحة والزبير

وفي رواية عن أبي الهيثم بن التيهان وعبد اللّه بن أبي رافع : إنّ طلحة والزبير جاءا إلى أمير المؤمنين عليه السلام وقالا : ليس كذلك كان يعطينا عمر ، قال : فما كان يعطيكما رسول اللّه صلى الله عليه و آله ؟ فسكتا .

قال : أليس كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله يقسم بالسوية بين المسلمين ؟ قالا : نعم ، قال : فسنّة رسول اللّه صلى الله عليه و آله أولى بالإتباع عندكم أم سنّة عمر ؟ قالا : سنّة رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، يا أمير المؤمنين ، لنا سابقة وعناء وقرابة ، قال : سابقتكما أقرب أم سابقتي ؟ قالا : سابقتك ، قال : فقرابتكما أم قرابتي ؟ قالا : قرابتك ، قال : فعناؤكما أعظم من عنائي ؟ قالا : عناؤك ، قال : فواللّه ، ما أنا وأجيري هذا إلاّ بمنزلة واحدة ، وأومى ء بيده إلى الأجير(2) .

ص: 310


1- نهج البلاغة : 1/181 خ 92 ، الفتنة للضبي : 93 ، تاريخ الطبري : 3/456 .
2- دعائم الإسلام : 1/384 .
عطاء ابن حنيف وعبده

كتاب ابن الحاشر بإسناده إلى مالك بن أوس بن الحدثان في خبر طويل : أنّه قام سهل بن حنيف فأخذ بيد عبده ، فقال : يا أمير المؤمنين ، قد أعتقت هذا الغلام ، فأعطاه ثلاثة دنانير مثل ما أعطى سهل بن حنيف(1) .

كتابه الى مولى له أصاب مالاً

وسأله عليه السلام بعض مواليه مالاً ، فقال : يخرج عطائي فأقاسمكم ، فقال : لا أكتفي ، وخرج إلى معاوية فوصله ، فكتب إلى أمير المؤمنين عليه السلام يخبره بما أصاب من المال .

فكتب إليه أمير المؤمنين عليه السلام : أمّا بعد : فإنّ ما في يدك من المال قد كان له أهل قبلك ، وهو صائر إلى أهل من بعدك ، فإنّما لك ما مهّدت لنفسك ، فآثر نفسك على أحوج ولدك ، فإنّما أنت جامع لأحد رجلين : أمّا رجل عمل فيه بطاعة اللّه ، فسعد بما شقيت ، وأمّا رجل عمل فيه بمعصية اللّه ، فشقي بما جمعت له ، وليس من هذين أحد بأهل أن تؤثره على نفسك ، ولا تبرد له على ظهرك ، فارج لمن مضى رحمة اللّه ، وثق لمن بقي برزق اللّه (2) .

ص: 311


1- أمالي الطوسي : 686 مج 38 ح 1457 .
2- الكافي : 8/72 ح 28 ، نهج البلاغة : 4/97 خ 416 .
تقسيم زقاق العسل

حكيم بن أوس : كان علي عليه السلام يبعث الينا بزقاق العسل ، فيقسم فينا ، ثم يأمر أن يلعقوه .

بيع أحمال الفاكهة

وأُتي إليه بأحمال فاكهة ، فأمر ببيعها ، وأن يطرح ثمنها في بيت المال .

علف الضوالّ من بيت المال

سعيد بن المسيب : رأيت عليا عليه السلام بنى للضوالّ مربدا ، فكان يعلفها علفا لا يسمنها ولا يهزلها من بيت المال ، فمن أقام عليها بينة أخذها ، وإلاّ أقرّها على حالها(1) .

تقسيم هدية الخبيص

عاصم بن ميثم : أنّه أهدي إلى علي عليه السلام سلال خبيص ، له خاصّة ، فدعا بسفرة فنثره عليه .

ثم جلسوا حلقتين يأكلون(2) .

ص: 312


1- دعائم الإسلام : 2/497 ، المصنف لابن أبي شيبة الكوفي : 5/133 رقم 2 .
2- حلية الأولياء : 1/80 ، فضائل الصحابة لابن حنبل : 1/537 رقم 895 .
هدية يوم النيروز

أبو حريز : إنّ المجوس أهدوا إليه يوم النيروز جامات من فضّة فيها سكر ، فقسم السكر بين أصحابه ، وحسبها من جزيتهم .

بيع الثوب المنسوج بالذهب

وبعث إليه دهقان بثوب منسوج بالذهب ، فابتاعه منه عمرو بن حريث بأربعة آلاف درهم إلى العطاء(1) .

تقسيم مال أصفهان

الحلية وفضائل أحمد وعاصم بن كليب عن أبيه أنّه قال : أُتي علي عليه السلام بمال من أصفهان ، وكان أهل الكوفة أسباعا ، فقسّمه سبعة أسباع ، فوجد فيه رغيفا ، فكسره بسبعة كسر .

ثم جعل على كلّ جزء كسرة ، ثم دعا أمراء الإسباع ، فأقرع [ بينهم ]

أيّهم [ يعطيه أولاً (2)] .

ص: 313


1- المصنف لابن أبي شيبة الكوفي : 5/34 رقم 3 ، الغارات للثقفي : 1/62 ، المصنف للصنعاني : 8/69 رقم 14348 .
2- فضائل الصحابة لابن حنبل : 1/543 رقم 913، الغارات للثقفي : 1/51، الإستيعاب : 3/1113 .
حبل بيت المال

فضائل أحمد : إنّه رأى حبلاً في بيت المال ، فقال : اعطوه الناس ، فأخذه بعضهم(1) .

كان عليه السلام قوالاً للحقّ ، قواما بالقسط

مجالس ابن مهدي : إنّه تخاير غلامان في خطّيهما إلى الحسن عليه السلامفقال : انظر ما تقول ، فإنّه حكم ، وكان عليه السلام قوالاً للحقّ ، قواما بالقسط ، إذا رضى لم يقل غير الصدق ، وإن سخط لم يتجاوز جانب الحقّ .

قال مهيار :

بنفسي من كانت مع اللّه نفسه

إذا قلّ يوم الخلق من لم يحارف

أبا حسن إن أنكر القوم فضله

على أنّه واللّه إنكار عارف

إذا ما عزوا دينا فأوّل عابد

وإن أقسموا دنيا فأوّل عائف

وأغرى بك الحسّاد أنّك لم تكن

على صنم فيما رووه بعاكف

أسرّ لمن والاك حبّ موافق

وأبدى لمن عاداك سبّ مخالف

* * *

ص: 314


1- فضائل الصحابة لابن حنبل : 1/531 رقم 882 .

فصل 13 : في المسابقة بالحلم والشفقة

اشارة

ص: 315

ص: 316

لكزه بائع التمر

مختار التمّار عن أبي مطر البصري : إنّ أمير المؤمنين عليه السلام مرّ بأصحاب التمر ، فإذا هو بجارية تبكي ، فقال : يا جارية ، ما يبكيك ؟ فقالت : بعثني مولاي بدرهم ، فابتعت من هذا تمرا ، فأتيتهم به فلم يرضوه ، فلمّا أتيته به أبى أن يقبله .

فقال : يا عبد اللّه ، إنّها خادم وليس لها أمر ، فاردد إليها درهمها وخذ التمر ، فقام إليه الرجل فلكزه ، فقال الناس : هذا أمير المؤمنين .

فربا الرجل واصفر ، وأخذ التمر وردّ إليها درهمها ، ثم قال : يا أمير المؤمنين ، ارض عنّي ، فقال : ما أرضاني عنك إن أصلحت أمرك(1) .

وفي فضائل أحمد : إذا وفيت الناس حقوقهم(2) .

أمن غلامه عقوبته فأعتقه

ودعا عليه السلام غلاما له مرارا فلم يجبه ، فخرج ، فوجده على باب البيت ،

ص: 317


1- مسند عبد بن حميد : 62 رمق 96 ، تاريخ دمشق : 42/486 ، المناقب للخوارزمي : 121 ، الغارات للثقفي : 2/714 ، مناقب أمير المؤمنين 7 للكوفي : 2/602 ح 1103 .
2- فضائل الصحابة لابن حنبل : 2/620 رقم 1062 .

فقال: ما حملك على ترك إجابتي؟ قال: كسلت عن إجابتك وأمنت عقوبتك.

فقال : الحمد للّه الذي جعلني ممّن تأمنه خلقه ، امض فأنت حرّ لوجه

اللّه (1) .

وأنشد الأشجع :

ولست بخائف لأبي حسين

ومن خاف الإله فلن يُخافا(2)

* * *

وقال أبو نؤاس :

قد كنت خفتك ثم آمنني

من أن أخافك خوفك اللاّها

* * *

وقال غيره :

آمنني منه ومن خوفه

خيفته من خشية الباري

* * *

حلمه في الصلاة عن ابن الكوا

وكان علي عليه السلام في صلاة الصبح ، فقال ابن الكواء من خلفه : « وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ » ، فأنصت علي عليه السلام تعظيما للقرآن حتى فرغ من الآية .

ص: 318


1- مناقب أمير المؤمنين عليه السلام للكوفي : 2/86 ح 572 ، أمالي المرتضى : 2/162 .
2- أمالي المرتضى : 2/162 .

ثم عاد في قراءته ، ثم أعاد ابن الكواء الآية ، فأنصت علي عليه السلامأيضا ، ثم قرأ ، ثم أعاد ابن الكواء ، فأنصت علي عليه السلام .

ثم قال : « فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ » ، ثم أتم وركع(1) .

عفا عن السيئة للحسنة

وبعث أمير المؤمنين عليه السلام إلى لبيد بن العطارد التيمي في كلام بلغه ، فمرّ به أمير المؤمنين عليه السلام في بني أسد ، فقام إليه نعيم بن دجاجة الأسدي فأفلته ، فبعث إليه أمير المؤمنين عليه السلام ، فأتوه به ، وأمر به أن يضرب ، فقال له : نعم ، واللّه إنّ المقام معك لذلّ ، وإنّ فراقك لكفر .

فلمّا سمع ذلك منه قال : قد عفونا عنك ، إنّ اللّه - عزّ وجلّ - يقول « ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ » ، أمّا قولك إنّ المقام معك ، لذلّ فسيئة اكتسبتها ، وأمّا قولك إنّ فراقك لكفر ، فحسنة اكتسبتها ، فهذه بهذه(2) .

سبّ بسبّ أو عفو عن ذنب

مرّت إمرأة جميلة فرمقها القوم بأبصارهم ، فقال أمير المؤمنين عليه السلام :

ص: 319


1- التهذيب للطوسي : 3/36 ح 128 ، الغارات للثقفي : 2/738 ، المستدرك للحاكم : 3/146 ، السنن الكبرى للبيهقي : 2/245 ، مسند ابن الجعد : 345 ، المصنف لابن أبي شيبة الكوفي : 8/731 رقم 11 .
2- الكافي : 7/268 ح 40 ، التهذيب للطوسي : 10/87 ح 337 .

إنّ أبصار هذه الفحول طوامح ، وإنّ ذلك سبب هناتها(1) ، فإذا نظر أحدكم إلى إمرأة تعجبه ، فليلمس أهله ، فإنّما هي إمرأة كامرأة .

فقال رجل من الخوارج : قاتله اللّه كافرا ما أفقهه !! فوثب القوم ليقتلوه ، فقال علي عليه السلام : رويدا إنّما هو سبّ بسبّ ، أو عفو عن ذنب(2) .

أستحي أن يغلب جهل أبي هريرة علمي

وجاءه أبو هريرة ، وكان يتكلّم فيه ، واسمعه في اليوم الماضي ، وسأله حوائجه فقضاها ، فعاتبه أصحابه على ذلك ، فقال : إنّي لأستحي أن يغلب جهله علمي ، وذنبه عفوي ، ومسألته جودي .

إلى كم أغضي الجفون على القذى

ومن كلامه : إلى كم أغضي الجفون على القذى ، وأسحب ذيلي على الأذى ، وأقول لعلّ وعسى .

مع عثمان

العقد ونزهة الأبصار : قال قنبر : دخلت مع أمير المؤمنين عليه السلام على عثمان ، فأحبّ الخلوة ، فأومى ء إليّ بالتنحي ، فتنحّيت غير بعيد .

ص: 320


1- في المصادر : « هبابها » .
2- نهج البلاغة : 550 ح 420 .

فجعل عثمان يعاتبه ، وهو مطرق رأسه ، وأقبل إليه عثمان ، فقال : ما لك لا تقول ، فقال عليه السلام : ليس جوابك إلاّ ما تكره ، وليس لك عندي إلاّ ما تحبّ(1) ، ثم خرج قائلاً :

ولو أنّني جاوبته لأمضّه

نواقد قولي واحتضار جوابي

ولكنّني أغضي على مضض الحشا

ولو شئت إقداما لأنشب نابي

* * *

حلمه وشفقته يوم الجمل

وأسر مالك الأشتر يوم الجمل مروان بن الحكم ، فعاتبه عليه السلاموأطلقه .

وقالت عائشة يوم الجمل : ملكت فاسجح ، فجهّزها أحسن الجهاز ، وبعث معها بتسعين إمرأة ، أو سبعين(2) .

واستأمنت لعبد اللّه بن الزبير على لسان محمد بن أبي بكر فآمنه ، وآمن معه سائر الناس .

وجى ء بموسى بن طلحة بن عبيد اللّه ، فقال له : قل : استغفر اللّه وأتوب إليه - ثلاث مرات - ، وخلّى سبيله ، وقال : إذهب حيث شئت ، وما وجدت لك في عسكرنا من سلاح أو كراع فخذه ، وإتق اللّه فيما تستقبله من أمرك ، واجلس في بيتك(3) .

ص: 321


1- معاني الأخبار : 309 ح 1 ، شرح النهج : 20/277 رقم 198 .
2- مسند ابن راهويه : 2/33 ، الفائق للزمخشري : 2/122 ، تاريخ الطبري : 3/520 .
3- شرح الأخبار للقاضي النعمان : 1/389 .

حلمه عليه السلام مع أسرى حروب الشام

ابن بطة العكبري وأبو داود السجستاني عن محمد بن إسحاق عن أبي جعفر عليه السلام قال : كان علي عليه السلام إذا أخذ أسيرا في حروب الشام أخذ سلاحه ودابته ، واستحلفه أن لا يعين عليه .

حلمه عليه السلام مع أصحاب النهر

ابن بطة بإسناده عن عرفجة عن أبيه قالا : لمّا قتل علي عليه السلامأصحاب النهر جاء بما كان في عسكرهم ، فمن كان يعرف شيئا أخذه حتى بقيت قدر ، ثم رأيتها بعد قد أُخذت .

حلمه عليه السلام مع طلحة العبدري

الطبري : لمّا ضرب علي عليه السلام طلحة العبدري تركه ، فكبّر رسول اللّه صلى الله عليه و آله وقال لعلي عليه السلام : ما منعك أن تجهز عليه ؟ قال : إنّ ابن عمّي ناشدني اللّه والرحم حين انكشفت عورته ، فاستحييته(1) .

حلمه عليه السلام مع عمرو بن عبد ودّ

ولمّا أدرك عمرو بن عبد ودّ لم يضربه ، فوقعوا في علي عليه السلام ، فردّ عنه حذيفة ، فقال النبي صلى الله عليه و آله : مه يا حذيفة ، فإنّ عليا سيذكر سبب وقفته .

ص: 322


1- تاريخ الطبري : 2/194 ، تفسير جامع البيان للطبري : 4/166 .

ثم إنّه ضربه ، فلمّا جاء سأله النبي صلى الله عليه و آله عن ذلك ، فقال : قد كان شتم أمّي ، وتفل في وجهي ، فخشيت أن أضربه لحظّ نفسي ، فتركته حتى سكن ما بي ، ثم قتلته في اللّه (1) .

صبره لمّا طالبوه بالبيعة

وإنّه عليه السلام لمّا امتنع من البيعة جرت من الأسباب ما هو معروف ، فاحتمل وصبر .

وروي أنّه لمّا طالبوه بالبيعة ، قال له الأول : بايع ، قال : فإن لم أفعل ؟! قال : واللّه الذي لا إله إلاّ هو نضرب عنقك .

قال : فالتفت علي عليه السلام إلى القبر فقال : « ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي

وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي »(2) .

عفا اللّه عمّا سلف

الجاحظ في البيان والتبيين : إنّ أول خطبة خطبها أمير المؤمنين عليه السلام

ص: 323


1- كلّ ما يفعله سيد الأوصياء إنّما هو للّه وحده لا شريك له ، وسبّ الإمام المنصوب من اللّه بنفسه ، والإعتداء عليه يستوجب القتل ، كما نصّت عليه الشريعة ، فربما كان إشارة الى ما يتصوّره الناس حظّا لنفسه ، فاجتنبه أمير المؤمنين عليه السلام ، فإن صحّ هذا التأويل ، وإلاّ فالخبر كما سمعته سندا ومتنا ، واللّه العالم .
2- المسترشد : 378 ، الإختصاص للمفيد : 187 ، تفسير الثمالي : 176 ح 106 ، كتاب سليم : 153 .

قوله : قد مضت أمور لم تكونوا فيها بمحمودي الرأي ، أما لو أشاء أن أقول لقلت، ولكن عفا اللّه عمّا سلف ، سبق الرجلان ، وقام الثالث كالغراب ، همّته بطنه ، يا ويله ، لو قصّ جناحه ، وقطع رأسه ، لكان خيرا له(1) .

ما زلت مظلوما منذ قبض اللّه نبيه

وقد روى الكافّة عنه : اللّهم إنّي استعديك على قريش ، فإنّهم ظلموني [ في ] الحجر والمدر(2) .

إبراهيم الثقفي عن عثمان بن أبي شيبة والفضل بن دكين بإسنادهما : قال علي عليه السلام : ما زلت مظلوما منذ قبض اللّه نبيه صلى الله عليه و آله إلى يومي هذا(3) .

وروى إبراهيم بإسناده عن المسيب بن نجية قال : بينما علي عليه السلام يخطب ، وأعرابي يقول : وا مظلمتاه .

فقال عليه السلام : ادن ، فدنا .

فقال : لقد ظلمت عدد المدر والمطر والوبر .

وفي رواية كثير بن اليمان : وما لا يحصى(4) .

ص: 324


1- البيان والتبيين : 1/237 ، الإرشاد للمفيد : 1/240 ، الجمل للمفيد : 62 ، الشافي : 3/227 ، تقريب المعارف : 239 .
2- الإقتصاد للطوسي : 210 ، الرسائل العشر للطوسي : 125 .
3- الغارات للثقفي : 2/768 ، كتاب سليم : 215 ، فضائل أمير المؤمنين عليه السلام لابن عقدة : 85 ، الشافي : 3/223 .
4- الشافي : 3/223 ، شرح النهج : 4/106 .

أبو نعيم الفضل بن دكين بإسناده عن حريث قال : إنّ عليا عليه السلام لم يقم مرّة على المنبر إلاّ قال في آخر كلامه قبل أن ينزل : ما زلت مظلوما منذ قبض اللّه نبيه(1) صلى الله عليه و آله .

بعض صفاته عليه السلام

وكان عليه السلام بشره دائم ، وثغره باسم ، غيث لمن رغب ، وغياث لمن وهب ، مآل الآمل ، وثمال الأرامل ، يتعطّف على رعيته ، ويتصرّف على مشيته ، ويكلاه بحجته ، ويكفيه بمهجته .

مع أرملة شهيد وأيتامه

ونظر علي عليه السلام إلى إمرأة على كتفها قربة ماء ، فأخذ منها القربة ، فحملها إلى موضعها ، وسألها عن حالها ، فقالت : بعث علي بن أبي طالب عليهماالسلام صاحبي إلى بعض الثغور فقتل ، وترك عليّ صبيانا يتامى ، وليس عندي شيء ، فقد ألجأتني الضرورة إلى خدمة الناس ، فانصرف ، وبات ليلته قلقا .

فلمّا أصبح حمل زنبيلاً فيه طعام ، فقال بعضهم : أعطني أحمله عنك ، فقال : من يحمل وزري عنّي يوم القيامة ؟!

فأتى وقرع الباب ، فقالت : من هذا ؟ قال : أنا ذلك العبد الذي حمل معك القربة ، فافتحي ، فإنّ معي شيئا للصبيان ، فقالت : رضى اللّه عنك ، وحكم بيني وبين علي بن أبي طالب عليهماالسلام!

ص: 325


1- الشافي للمرتضى : 3/224 ، كتاب سليم : 214 .

فدخل ، وقال : إنّي أحببت اكتساب الثواب ، فاختاري بين أن تعجنين وتخبزين ، وبين أن تعلّلين الصبيان لأخبز أنا ، فقالت : أنا بالخبز أبصر ، وعليه أقدر ، ولكن شأنك والصبيان فعلّلهم حتى أفرغ من الخبز .

فعمدت إلى الدقيق فعجنته ، وعمد علي عليه السلام إلى اللحم فطبخه ، وجعل يلقم الصبيان من اللحم والتمر وغيره ، فكلّما ناول الصبيان من ذلك شيئا قال له : يا بني اجعل علي بن أبي طالب عليهماالسلام في حلّ ممّا مرّ في أمرك .

فلمّا اختمر العجين قالت : يا عبد اللّه سجّر التنور ، فبادر لسجره ، فلمّا أشعله ولفح في وجهه جعل يقول : ذق - يا علي - هذا جزاء من ضيّع الأرامل واليتامى .

فرأته إمرأة تعرفه ، فقالت : ويحك ، هذا أمير المؤمنين !

قال : فبادرت المرأة وهي تقول : وا حيائي منك يا أمير المؤمنين ! فقال : بل وا حيائي منك يا أمة اللّه فيما قصرت في أمرك .

قال الناشي :

يا هالكا هلك الرشاد بهلكه

فلقد يئسنا بعده أن يوجدا

هتكت جيوب الصالحات فيابها

أضحى لأجلك مذ نأيت مسودا

* * *

ص: 326

فصل 14 : في المسابقة بالهيبة والهمّة

اشارة

ص: 327

ص: 328

الآيات

أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ

أبو الجارود عن أبي جعفر عليه السلام في قوله « أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ » الآية ، قال : علي بن أبي طالب - صلوات اللّه عليه - لم يسبقه أحد(1) .

تمكن هيبته في القلوب

وروي عن ابن عباس قال : كان أمير المؤمنين عليه السلام إذا أطرق هبنا أن نبتديه بالكلام(2) .

وقيل لأمير المؤمنين عليه السلام : بم غلبت الأقران ؟ قال : بتمكّن هيبتي في قلوبهم(3) .

خوف عمر منه إذا رآه وحيدا

النطنزي في الخصائص عن سفيان بن عيينة عن شقيق بن سلمة قال :

ص: 329


1- تفسير القمي : 2/92 .
2- الشافي للمرتضى : 4/204 .
3- نهج البلاغة : 4/75 خ 318 .

كان عمر يمشي ، فإلتفت إلى ورائه وعدا ، فسألته عن ذلك ، فقال : ويحك ، أما ترى الهزبر ابن الهزبر ، القثم ابن القثم ، الفلاّق للبهم ، الضارب على هامة من طغى وظلم ، ذا السيفين ورائي .

فقلت : هذا علي بن أبي طالب عليهماالسلام .

فقال : ثكلتك أمّك ، إنّك تحقّره ! بايعنا رسول اللّه صلى الله عليه و آله يوم أحد أنّ من فرّ منّا فهو ضالّ ، ومن قتل فهو شهيد ، ورسول اللّه صلى الله عليه و آله يضمن له الجنّة ، فلمّا التقى الجمعان هزمونا ، وهذا كان يحاربهم وحيدا ، حتى انسل نفس رسول اللّه صلى الله عليه و آله وجبرئيل عليه السلام ، ثم قال : عاهدتموه وخالفتموه ، ورمى بقبضة رمل وقال : شاهت الوجوه ، فواللّه ما كان منّا إلاّ وأصابت عينه رملة ، فرجعنا نمسح وجوهنا قائلين : اللّه اللّه يا أبا الحسن ، أقلنا أقالك اللّه ، فالكرّ والفرّ عادة العرب ، فاصفح ، وقلّ ما أراه وحيدا إلاّ خفت منه .

تورعه عن سلب القتيل

وقال النبي صلى الله عليه و آله من قتل قتيلاً فله سلبه(1) ، وكان أمير المؤمنين عليه السلام يتورّع عن ذلك ، وإنّه لم يتبع منهمزما ، وتأخر عمّن استغاث ، ولم يكن يجهز على جريح .

* * *

ص: 330


1- كتاب الموطأ : 2/455 رقم 19 ، كتاب البخاري : 4/57 ، سنن الترمذي : 3/62 باب 13 رقم 1608 ، السنن الكبرى للبيهقي : 6/307 ، المصنف لابن أبي شيبة الكوفي : 7/648 رقم 3 . . . .

قال بعض السادة :

لم يهتك العورة يبغي سلبا

ولا خطا متّبعا لمنهزم

ولا قضى يوما على جريحه

ولا استباح محرما ولا ظلم

* * *

وقال غيره :

إمام لا يراه اللّه يوما

يحيف على اليتيمة واليتيم

ولا ولّى على عقب غداة

الجلاد ولا أجاز على كليم

ولا عرف العبادة مع قريش

لغير الواحد الصمد القديم

* * *

ترك سلب عمرو بن ودّ

ولمّا أردى عليه السلام عمرا قال عمرو : يا بن عمّ ، إنّ لي إليك حاجة ، لا تكشف سوأة ابن عمّك ، ولا تسلبه سلبه ، فقال : ذاك أهون عليّ .

وفيه يقول عليه السلام :

وعففت عن أثوابه ولو أنّني

كنت المقطّر(1) بزّني أثوابي

* * *

محمد بن إسحاق : قال له عمر : هلاّ سلبت درعه ، فإنّها تساوي ثلاثة آلاف ، وليس للعرب مثلها ؟ قال : إنّي استحييت أن أكشف ابن عمّي(2) .

ص: 331


1- المقطّر : المقتول ، والمصروع صرعة شديدة .
2- مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا : 69 رقم 196 .

وروي أنّه جاءت أخت عمرو ، ورأته في سلبه ، فلم تحزن وقالت : إنّما قتله كريم .

وقال عليه السلام : يا قنبر ، لا تعرّ فرائسي ، أراد لا تسلب قتلاي من البغاة .

إنّ الأسود أسود الغاب همّتها

يوم الكريهة في المسلوب لا السلب

* * *

الذهب والفضة عنده حجران

وسأله أعرابي شيئا ، فأمر له بألف ، فقال الوكيل : من ذهب أو فضة ؟ فقال : كلاهما عندي حجران ، فاعط الأعرابي أنفعهما له .

حلل الوالد وأهدى المال للولد

وقال له ابن الزبير : إنّي وجدت في حساب أبي أنّ له على أبيك ثمانين ألف درهم ، فقال له : إنّ أباك صادق ، فقضى ذلك .

ثم جاءه ، فقال : غلطت فيما قلت ، إنّما كان لوالدك على والدي ما ذكرته لك ، فقال : والدك في حلّ ، والذي قبضته منّي هو لك .

له همم لا منتهى لكبارها

وهمّته الصغرى أجلّ من الدهر

له راحة لو أنّ معشار جودها

على البرّ صار البرّ أندى من البحر

* * *

ص: 332

فصل 15 : في المسابقة باليقين والصبر

اشارة

ص: 333

ص: 334

فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ

أبو معاوية الضرير عن الأعمش عن سمعي عن أبي صالح عن أبي هريرة وابن عباس في قوله - تعالى - « فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ » يقول : يا محمد صلى الله عليه و آله ، لا يكذبك علي بن أبي طالب عليهماالسلام بعد ما آمن بالحساب .

كلامه في جسارته على الحقّ

وقال أمير المؤمنين عليه السلام في مقامات كثيرة : أنا باب المقام ، وحجّة الخصام ، ودابة الأرض ، صاحب العصا ، وفاصل القضاء ، وسفينة النجاة ، من ركبها نجا ، ومن تخلّف عنها غرق(1) .

وقال عليه السلام : أنا شجرة الندى ، وحجاب الورى ، وصاحب الدنيا ، وحجّة الأنبياء ، واللسان المبين ، والحبل المتين ، والنبأ العظيم الذي عنه تعرضون ، وعنه تسألون ، وفيه تختلفون .

وقال عليه السلام : فوعزّتك وجلالك وعلو مكانك في عظمتك وقدرتك ما هبت عدوّا ، ولا تملّقت وليّا ، ولا شكرت على النعماء أحدا سواك .

وفي مناجاته : اللّهم إنّي عبدك ووليّك ، اخترتني وارتضيتني ورفعتني

ص: 335


1- الهداية الكبرى : 434 .

وكرّمتني بما أورثتني من مقام أصفيائك ، وخلافة أوليائك ، وأغنيتني وأفقرت الناس في دينهم ودنياهم إليّ ، وأعززتني وأذللت العباد إليّ ، وأسكنت قلبي نورك ، ولم تحوجني إلى غيرك ، وأنعمت عليّ ، وأنعمت بي ، ولم تجعل منّة عليّ لأحد سواك ، وأقمتني لإحياء حقّك ، والشهادة على خلقك ، وأن لا أرضى ولا أسخط إلاّ لرضاك وسخطك ، ولا أقول إلاّ حقّا ، ولا أنطق إلاّ صدقا .

فانظر إلى جسارته على الحقّ ، وخذلان جماعة كما تكلّموا بما روي عنهم في حلية الأولياء وغريب الحديث وغيرهما .

عدم مبالاته بالموت

وكان عليه السلام يطوف بين الصفين بصفين في غلالة ، فقال الحسن عليه السلام : ما هذا زي الحرب ، فقال : يا بني إنّ أباك لا يبالي وقع على الموت ، أو وقع الموت عليه(1) .

فزت وربّ الكعبة

وكان عليه السلام يقول : ما ينتظر أشقاها أن يخضبها من فوقها بدم(2) .

ص: 336


1- تفسير مجمع البيان : 1/309 ، جوامع الجامع : 1/130 ، الكشاف للزمخشري : 1/297 .
2- كتاب سليم : 256 ، الغارات للثقفي : 1/7 ، شرح الأخبار للقاضي النعمان : 2/287 .

ولمّا ضربه ابن ملجم - لعنه اللّه - قال : فزت وربّ الكعبة(1) ، فقد قال اللّه - تعالى - : « قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ » الآية .

أبالموت الذي لابد أنّي(2)

ملاق لا أباك تخوفيني

* * *

ص: 337


1- خصائص الأئمة: 63، شرح الأخبار للقاضي النعمان: 2/442، الإستيعاب:3/1125، تاريخ دمشق : 42/561 ، أنساب الأشراف : 2/488 ، الإمامة والسياسة : 1/138 .
2- في المخطوطة : « آت » .

الآيات

الصّابِرِينَ وَالصّادِقِينَ . .

ومن صبره ما قال اللّه - تعالى - فيه : «الصّابِرِينَ وَالصّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ

وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَْسْحارِ » .

والدليل على أنّها نزلت فيه أنّه قام الإجماع على صبره مع النبي صلى الله عليه و آله في الشدائد من صغره إلى كبره ، وبعد وفاته .

وَالصّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ

وقد ذكر اللّه - تعالى - صفة الصابرين في قوله « وَالصّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا » ، وهذا صفته بلا شكّ .

مجمع البيان ، وتفسير علي بن إبراهيم ، وابان بن عثمان : أنّه أصاب عليا عليه السلام يوم أحد ستون جراحة(1) .

تفسير القشيري : قال أنس بن مالك : إنّه أُتي رسول اللّه صلى الله عليه و آله بعلي عليه السلام

وعليه نيف وستون جراحة(2) .

قال أبان : أمر النبي صلى الله عليه و آله أم سليم وأم عطية أن تداوياه ، فقالتا : قد خفنا

ص: 338


1- تفسير مجمع البيان : 2/409 .
2- تفسير مجمع البيان : 2/399 .

عليه ، فدخل النبي صلى الله عليه و آله والمسلمون يعودونه ، وهو قرحة وأخذة ، فجعل النبي صلى الله عليه و آله يمسحه بيده ويقول : إن رجلاً لقي هذا في اللّه لقد أبلى وأعذر ، فكان يلتئم .

فقال علي عليه السلام : الحمد للّه الذي لم أفرّ ، ولم أولّ الدبر .

فشكر اللّه - تعالى - له ذلك في موضعين من القرآن ، وهو قوله - تعالى - « وَسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ » ، « وَسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرِينَ »(1) .

سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله : «أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرِينَ » يعني بالشاكرين صاحبك علي بن أبي طالب عليهماالسلام ، والمرتدّين على أعقابهم الذين ارتدوا عنه(2) .

إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا

سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود في قوله - تعالى - « إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا » يعني صبر علي بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام في الدنيا على الطاعات ، وعلى الجوع ، وعلى الفقر ، وصبروا على البلاء للّه في الدنيا « أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ »(3) .

ص: 339


1- تفسير مجمع البيان : 4/409 .
2- شرح الأخبار للقاضي النعمان : 2/263 ح 565 .
3- شواهد التنزيل : 1/531 رقم 665 .
وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ

وقال علي بن عبد اللّه بن عباس « وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ » علي ابن أبي طالب عليهماالسلام(1) .

الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنّا لِلّهِ

ولمّا نعى رسول اللّه صلى الله عليه و آله عليا عليه السلام بحال جعفر في أرض مؤته ، قال : إنّا للّه وإنّا إليه راجعون .

فأنزل« الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ » الآية .

إن كنت تحبّني فأعدّ للفقر جلبابا

وقال له رجل : إنّي - واللّه - لأحبّك في اللّه تعالى ، فقال عليه السلام : إن كنت تحبّني فأعدّ للفقر تجفافا(2) ، أو جلبابا(3) .

قال الحميري :

إن كنت من شيعة الهادي أبي حسن

حقّا فأعدد لريب الدهر تجفافا

ص: 340


1- تفسير الثعلبي : 10/284 ، شواهد التنزيل : 2/479 ، تنبيه الغافلين : 183 .
2- التجفاف : ما يلبسه المحارب كالدرع ، وما يجلّل به الفرس من سلاح وآلة يقيانه الجراح في الحرب .
3- سنن الترمذي : 4/7 رقم 2454 ، الشفاء للقاضي عياض : 2/28 ، مشكاة الأنوار : 161 ، روضة الواعظين : 454 ، الإختصاص للمفيد : 311 .

إنّ البلاء مصيب كلّ شيعته

فاصبر ولا تك عند الهم مقصافا(1)

* * *

قال أبو عبيدة وتغلب : أي استعد جلبابا من العمل الصالح والتقوى يكون لك جنّة من الفقر يوم القيامة .

وقال آخرون : أي فليرفض الدنيا ، وليزهد فيها ، وليصبر على الفقر(2) .

يدلّ عليه قول أمير المؤمنين عليه السلام : وما لي لا أرى منهم سيماء الشيعة ، قيل : وما سيماء الشيعة يا أمير المؤمنين ؟ قال : خمص البطون من الطوى ، يبس الشفاه من الظما ، عمش العيون من البكا(3) .

قال كشاجم :

زعموا أنّ من أحبّ عليا

ظلّ للفقر لابسا جلبابا

كذبوا كم حبّه من فقير

فتردّى من الغنى أثوابا

حرفوا منطق الوصي لمعنى

خالفوا إذ تأوّلوه الصوابا

إنّما قال ارفضوا عنكم

الدنيا إذا كنتم لنا أحبابا

* * *

ص: 341


1- رجل قصف ومقصاف : ريع الانكسار عن النجدة .
2- النهاية لابن الأثير : 1/283 .
3- صفات الشيعة للصدوق : 11 ، مناقب أمير المؤمنين عليه السلام للكوفي : 2/294 ح 769 ، شرح الإخبار للقاضي النعمان : 3/503 ح 1441 ، الإرشاد للمفيد : 1/237 ، أمالي الطوسي : 216 ح 377 ، مشكاة الأنوار : 119 . . .
حديث الحدائق السبع

في مسند أبي يعلى ، واعتقاد الأشنهي ، ومجموع أبي العلاء الهمداني : عن أنس وأبي برزة وأبي رافع ، وفي إبانة ابن بطّة من ثلاثة طرق :

إنّ النبي صلى الله عليه و آله خرج يمشي إلى قبا ، فمرّ بحديقة ، فقال علي عليه السلام : ما أحسن هذه الحديقة !

فقال النبي صلى الله عليه و آله : حديقتك - يا علي - في الجنّة أحسن منها ، حتى مرّ بسبع حدائق على ذلك ، ثم أهوى إليه ، فاعتنقه فبكى ، وبكى علي عليه السلام .

ثم قال علي عليه السلام : ما الذي أبكاك يا رسول اللّه ؟ قال : أبكي لضغائن في صدور قوم لن تبدو لك إلاّ من بعدي .

قال : يا رسول اللّه ، كيف أصنع ؟

قال : تصبر ، فإن لم تصبر تلق جهدا وشدّة ، قال : يا رسول اللّه ، أتخاف فيها هلاك ديني ؟ ، قال : بل فيها حياة دينك(1) .

* * *

وقال الحميري :

وقد كان في يوم الحدائق عبرة

وقول رسول اللّه والعين تدمع

ص: 342


1- مسند أبي يعلى : 1/427 رقم 565 ، مناقب أمير المؤمنين عليه السلام للكوفي : 1/231 ح 144 ، المصنف لابن أبي شيبة الكوفي : 7/502 ، تفسير الإمام العسكري عليه السلام : 408 ، تاريخ بغداد : 12/394 رقم 6859 ، تاريخ دمشق : 42/323 ، المناقب لابن مردويه : 124 رقم 156 .

فقال علي ممّ تبكي فقال من

ضغائن قوم شرّهم أتوقّع

عليك وقد يبدونها بعد ميتتي(1)

فماذا هديت اللّه في ذاك يصنع

* * *

وقال العوني :

وقد قال في يوم الحدائق موعزا

إليهم بما في فعلهم هو آت

ستغدر بعدي من قريش عصابة

بعهدك دهرا أعظم الغدرات

سيبدين أسرارا ثوت في صدورهم

قديما من الأضغان والإحنات

سيفتن قوم عندها أيّ فتنة

وأنت سليم غير ذي فتنات

ويوسع غدرا منكم بعهوده

ويملأ غيظا قبل حين مماتي

وتوجد صبّارا شكورا مسلّما

كظوما لغيظ النفس ذا حكمات

* * *

ص: 343


1- في نسخة « النجف » : « منيتي » .
كلامه في صبره على المحن

وقال أمير المؤمنين عليه السلام : ما رأيت منذ بعث اللّه محمدا صلى الله عليه و آله رخاء ، فالحمد

للّه ، ولقد خفت صغيرا ، وجاهدت كبيرا ، أقاتل المشركين ، وأعادي المنافقين ، حتى قبض اللّه نبيه صلى الله عليه و آله ، فكانت الطامة الكبرى ، فلم أزل

محاذرا وجلاً ، أخاف أن يكون ما لا يسعني فيه المقام ، فلم أر - بحمد اللّه - إلاّ خيرا ، حتى مات عمر ، فكانت أشياء ، ففعل اللّه ما شاء اللّه ، ثم أصيب فلان ، فما زلت بعد فيما ترون دائبا ، أضرب بسيفي صبيّا حتى كنت شيخا(1) .

عمرو بن حريث في حديثه : قال أمير المؤمنين عليه السلام : كنت أحسب أنّ الأمراء يظلمون الناس ، فإذا الناس يظلمون الأمراء(2) .

وقال الحميري :

ما زال مذ سلك السبيل محمد

ومضى لغير مذلّة مظلوما

ضامته أمّته وضيمهم له

قد كان أصغر ما يكون عظيما

* * *

ما زلت مظلوما منذ كنت

أبو الفتح الحفار بإسناده : إنّ عليا عليه السلام قال : ما زلت مظلوما منذ كنت .

ص: 344


1- الإرشاد للمفيد : 1/284 .
2- أنساب الأشراف : 2/142 .

قيل له : عرفنا ظلمك في كبرك ، فما ظلمك في صغرك ؟ فذكر أنّ عقيلاً كان به رمد ، فكان لا يذرهما حتى يبدأوا بي(1)(2) .

قال ابن الحجاج :

وقديما كان العقيل تداوى

وسوى ذلك العليل عليل

حين كانت تذرّ عين علي

كلّما إلتاث أو تشكّى عقيل

* * *

ص: 345


1- اعتقادات الصدوق : 105 ، علل الشرائع : 1/45 باب 40 ح 3 ، أمالي الطوسي : 350 ح 724 .
2- ينبغي الإلتفات الى أنّ الفاصل بين ولادة أمير المؤمنين عليه السلام وولادة عقيل عشرين سنة ، فيلزم أن يكون عمر عقيل عليه السلام أكثر من ذلك حينما كان يأبى أن يذرّ إلاّ أن يبدأوا بأخيه أمير المؤمنين عليه السلام ، وهذا بعيد من شاب عاقل كيّس رزن فطن مؤدب بأدب الأوصياط من مثل عقيل بن أبي طالب عليهماالسلام ، ثم إنّه يلزم أن ينسب الظلم الى أمّه الطيبة الطاهرة أو أبيه عليهماالسلام الصدّيق أبي الأئمة الطاهرين وكافل النبي الأمين صلى الله عليه و آله ، لأنّهما كانا يفعلان ذلك أو يرضيان به ، وغير ذلك من لوازم الخبر ، وطريق الخبر مشكل ، ويمكن أن تكون الزيادة التفسيرية من الرواي أو أنّ الإمام كلّمه على قدر عقله ، لأنّ صدر كلام مولى الموحّدين يوافق ما ورد في الأحاديث والزيارات من أنّه أوّل مظلوم وأوّل من غصب حقّه ، وهذا المعنى يناسب تظلّم الإمام وتعبيره ب-« منذ كنت » ، بخلاف تفسيره بما جرى عليه في البيت مع أخيه وأمّه وأبيه أيام صغره ، فإن كان هذا التوجيه سليما وإلاّ فالإحتياط في ردّ علمه الى أهله ، واللّه العالم .

ص: 346

فصل 16 : في المسابقة بصالح الأعمال

اشارة

ص: 347

ص: 348

الآيات

إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ

الباقر عليه السلام في قوله - تعالى - : « إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ » ، قال : قال : أمير المؤمنين عليه السلام وشيعته « فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ »(1) .

وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ

محمد بن عبد اللّه بن الحسن عن آبائه ، والسدي عن أبي مالك عن ابن عباس ، ومحمد الباقر عليه السلام في قوله - تعالى - « وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللّهِ » : واللّه ، لهو علي بن أبي طالب عليهماالسلام(2) .

وَيُبَشِّرُ الْمُؤمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ

والسدي وأبو صالح وابن شهاب عن ابن عباس في قوله« وَيُبَشِّرُ الْمُؤمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ » قال : يبشّر محمد صلى الله عليه و آله بالجنّة عليا عليه السلام

ص: 349


1- تفسير فرات : 578 ، شواهد التنزيل : 2/455 .
2- تفسير فرات : 348 ح 474 .

وجعفرا وعقيلاً وحمزة وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام ، « الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ » قال : الطاعات(1) .

أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ

قوله : « أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ » علي وحمزة وعبيد بن الحارث ، « كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَْرْضِ » عتبة وشيبة والوليد(2) .

أعتق ألف نسمة من كدّ يده

الصادق عليه السلام : إنّه أعتق ألف نسمة من كدّ يده(3) جماعة لا يحصون كثرة .

قال الحميري :

وأعتق ألفا ثم من صلب ماله

أراد بهم وجه الإله وثيبا

* * *

وله أيضا :

وأعتق من يديه ألف نفس

فأضحوا بعد رقّ معتقينا

* * *

ص: 350


1- تفسير مجمع البيان : 6/310 .
2- شواهد التنزيل : 2/172 ، تاريخ دمشق : 38/261 .
3- الكافي : 5/74 ح 4 ، أمالي الصدوق : 356 مج 47 ح 437 ، التهذيب للطوسي : 6/326 ، روضة الواعظين : 117 .
أوقافه

وقال له رجل ، ورأى عنده وسق نوى : ما هذا يا أبا الحسن ؟ قال : مائة ألف عذق(1) إن شاء اللّه ، فغرسه فلم يغادر منه نواة واحدة(2) ، فهو من أوقافه .

ووقف مالاً بخيبر ، وبوادي القرى .

ووقف مال أبي نيزر ، والبغيبغة ، وأرباجا ، وأذينه ، ورعدا ، ورزينا ، ورباحا ، على المؤمنين ، وأمر بذلك أكثر ولد فاطمة عليهاالسلام من ذوي الأمانة والصلاح .

وأخرج مائة عين بينبع جعلها للحجيج ، وهو باق إلى يومنا هذا .

وحفر آبارا في طريق مكة والكوفة .

وبنى مسجد الفتح في المدينة ، وعند مقابل قبر حمزة ، وفي الميقات ، وفي الكوفة ، وجامع البصرة ، وفي عبادان ، وغير ذلك .

بعض أعماله الصالحة

وكان يصوم النهار ، ويصلّي بالليل ألف ركعة(3) ، وعمر طريق مكة ، وصام مع النبي صلى الله عليه و آله سبع سنين ، وبعده ثلاثين سنة ، وحجّ مع النبي صلى الله عليه و آله

ص: 351


1- في المخطوطة : « عبد » .
2- الكافي : 5/75 ح6 ، دعائم الإسلام : 2/302 ح 1133 .
3- أمالي الصدوق : 356 مج 47 ح 437 .

عشر حجج ، وجاهد في أيامه الكفار ، وبعد وفاته البغاة ، وبسط الفتاوى ، وأنشأ العلوم ، وأحيا السنن ، وأمات البدع .

قال بعض السادة :

مفرّق الأحزاب ضرّاب الطلى

مكسّر الأصنام كشّاف الغمم

الزاهد العابد في محرابه

الساجد الراكع في جنح الظلم

صام هجيرا وعلى سائله

جاد بإفطار الصيام ثم تم

* * *

وقال العبدي :

وكم غمرة للموت في اللّه خاضها

ولجّة بحر في الحكوم أقامها

وكم ليلة ليلاء للّه قامها

وكم صبحة مسجورة الحرّ صامها

* * *

ص: 352

عبادته

صلاة الليل حتى ليلة الهرير

أبو يعلى في المسند : أنّه قال : ما تركت صلاة الليل منذ سمعت قول النبي صلى الله عليه و آله : صلاة الليل نور .

فقال ابن الكواء : ولا ليلة الهرير ؟

قال : ولا ليلة الهرير .

إحياء الليل طول السنة

إبانة العكبري : سليمان بن المغيرة عن أمّه قالت : سألت أم سعيد سريّة علي صلى الله عليه و آله عن صلاة علي صلى الله عليه و آله في شهر رمضان ، فقالت : رمضان وشوال

سواء ، يحيي الليل كلّه(1) .

أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً

النيسابوري في روضة الواعظين : أنّه قال عروة بن الزبير : سمع بعض التابعين أنس بن مالك يقول : نزلت في علي بن أبي طالب عليهماالسلام« أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً » الآية .

ص: 353


1- العلل لابن أبي حاتم : 1/111 .

قال الرجل : فأتيت عليا عليه السلام وقت المغرب ، فوجدته يصلّي ويقرأ القرآن إلى أن طلع الفجر ، ثم جدّد وضوءه ، وخرج إلى المسجد ، وصلّى بالناس صلاة الفجر ، ثم قعد في التعقيب إلى أن طلعت الشمس ، ثم قصده الناس ، فجعل يقضي بينهم إلى أن قام إلى صلاة الظهر ، فجدّد الوضوء ، ثم صلّى بأصحابه الظهر ، ثم قعد في التعقيب إلى أن صلّى بهم العصر ، ثم كان يحكم بين الناس ويفتيهم إلى أن غابت الشمس(1) .

تغيّر لونه وقت الصلاة

وفي تفسير القشيري : أنّه كان عليه السلام إذا حضر وقت الصلاة تلوّن وتزلزل ، فقيل له : ما لك ؟!

فيقول : جاء وقت أمانة عرضها اللّه - تعالى - « عَلَى السَّماواتِ وَ الأَْرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها » ، وحملها الإنسان في ضعفه ، فلا أدري أحسن إذا ما حملت أم لا !

مشهد من عبادته ومناجاته

عروة بن الزبير قال : تذاكرنا صالح الأعمال ، فقال أبو الدرداء : أعبد الناس علي بن أبي طالب عليهماالسلام ، سمعته قائلاً بصوت حزين ، ونغمة شجيّة في موضع خال :

ص: 354


1- روضة الواعظين : 117 ، أمالي الصدوق : 356 مج 47 ح 437 ، تنبيه الغافلين : 147 .

إلهي كم من موبقة حلمتها عنّي فقابلتها بنعمتك ، وكم من جريرة تكرّمت عليّ بكشفها بكرمك ، إلهي إن طال في عصيانك عمري ، وعظم في الصحف ذنبي ، فما أنا مؤمّل غير غفرانك ، ولا أنا براج غير رضوانك .

ثم ركع ركعات ، فأخذ في الدعاء والبكاء ، فمن مناجاته :

إلهي ، أفكّر في عفوك فتهون عليّ خطيئتي ، ثم أذكر العظيم من أخذك ، فتعظم عليّ بليّتي .

ثم قال : آه ، إن أنا قرأت في الصحف سيئة أنا ناسيها وأنت محصيها ، فتقول : خذوه ، فيا له من مأخوذ لا تنجيه عشيرته ، ولا تنفعه قبيلته ، يرحمه الملأ(1) إذا أذن فيه بالنداء ، آهٍ من نار تنضج الأكباد والكلى ، آهٍ من نار نزاعة(2) للشوى ، آهٍ من غمرة من ملهبات لظى .

ثم أنعم(3) عليه السلام في البكاء ، فلم أسمع له حسّا ، فقلت : غلب عليه النوم ، أوقظه لصلاة الفجر ، فأتيته فإذا هو كالخشبة الملقاة ، فحركّته فلم يتحرك ، فقلت : إنّا للّه وإنّا إليه راجعون ، مات - واللّه - علي بن أبي طالب .

قال : فأتيت منزله مبادرا أنعاه إليهم ، فقالت فاطمة عليهاالسلام : ما كان من شأنه؟ فأخبرتها ، فقالت : هي - واللّه - الغشية التي تأخذه من خشية اللّه - تعالى - .

ثم أتوه بماء فنضحوه على وجهه ، فأفاق ونظر إليّ ، وأنا أبكي ، فقال :

ص: 355


1- في نسخة « النجف » : « يرجمهم البلاء » .
2- في نسخة « النجف » : « لواعة » .
3- أنعم في البكاء : بالغ فيه .

ممّ بكاؤك يا أبا الدرداء ؟ فكيف ولو رأيتني ودعي بي إلى الحساب ، وأيقن أهل الجرائم بالعذاب ، واحتوشني ملائكة غلاظ ، وزبانية فظاظ ، فوقفت بين يدي الملك الجبار ، قد أسلمتني الأحباء ، ورحمني أهل الدنيا أشدّ رحمة لي بين يدي من لا يخفى عليه خافية(1) .

من يقوى على عبادة علي عليه السلام ؟

وأخذ زين العابدين عليه السلام بعض صحف عباداته، فقرأ فيها يسيرا، ثم تركها من يده تضجّرا وقال : من يقوى على عبادة علي بن أبي طالب عليهماالسلام(2) .

انتفاضه عند سماع القرآن

أنس بن مالك قال : لمّا نزلت الآيات الخمس في طس « أَمَّنْ جَعَلَ الأَْرْضَ قَراراً » انتفض علي عليه السلام انتفاض العصفور ، فقال له رسول

اللّه صلى الله عليه و آله : ما لك يا علي ؟ قال : عجبت - يا رسول اللّه - من كفرهم ، وحلم اللّه - تعالى - عنهم .

فمسحه رسول اللّه صلى الله عليه و آله بيده ، ثم قال : أبشر ، فإنّه لا يبغضك مؤمن ، ولا يحبّك منافق ، ولولا أنت لم يعرف حزب اللّه (3) .

ص: 356


1- روضة الواعظين : 112 .
2- شرح الأخبار للقاضي النعمان : 3/272 ، الإرشاد للمفيد : 2/142 ، مكارم الأخلاق للطبرسي : 318 ، اعلام الورى : 1/487 .
3- تفسير فرات : 309 ح 413 .
عمل ليسدّ جوع النبي صلى الله عليه و آله

صاحب الحلية ، وأحمد في الفضائل عن مجاهد ، وصاحب مسنده العشرة ، وجماعة عن محمد بن الكعب القرطي :

أنّه رأى أمير المؤمنين عليه السلام أثر الجوع في وجه النبي صلى الله عليه و آله ، فأخذ إهابا فحوى وسطه ، وأدخله في عنقه ، وشدّ وسطه بخوص نخل ، وهو شديد الجوع ، فاطلع على رجل يستقي ببكرة .

فقال : هل لك في كلّ دلوة بتمرة ؟

فقال : نعم .

فنزح له حتى امتلأ كفّه ، ثم أرسل الدلو ، فجاء بها إلى النبي(1) صلى الله عليه و آله .

قال الحميري :

حدّثنا وهب وكان إمرؤ

يصدق بالمنطق عن جابر

أنّ عليا عاين المصطفى

ذا الوحي من مقتدر قادر

عاينه من جوعه مطرقا

صلّى عليه اللّه من صابر

وظلّ كالواله ممّا رأى

بصهره ذي النسب الفاخر

يجول إذ مرّ بذي حائط

يسقى بدلو غير مستأجر

قال له ما أنت لي جاعل

بكلّ دلو مترع ظاهر

فقال ما عندي سوى تمرة

بكلّ دلو غير ما غادر

فأترع الدلو إمام الهدى

يسقي به الماء من الخاسر

ص: 357


1- حلية الأولياء : 1/70 ، فضائل الصحابة لابن حنبل : 1/537 .

حتى استقى عشرين دلو على

عشر بقول العالم الخابر

ثم أتى بالتمر يسعى به

إلى أخيه غير مستأثر

فقال ما هذا الذي جئتنا

به هداك اللّه من زائر

فاقتص ما قد كان من أمره

في عاجل الأمر وفي الآخر

فضمّه ثم دعا ربّه

له بخير دائم ماطر

* * *

وله أيضا :

فقام يسعى حتى استقى فملا

كفّيه يسعى به أبو حسن

أدناه منه فقال حين قضى

صلاته اُدن لي فخبّرني

من أين هذا فقصّ قصّته

عليه مستعبرا جوى حزن

فضمّه أحمد كوامقه

يا لك من وامق ومحتضن

فقال ذا للبتول فاطمة

أوثرها مرّة وتؤثرني

وهاك هذا فأنت أوّل من

آثرني ذو العلى وأكرمني

* * *

ص: 358

فصل 17 : في الإستنابة والولاية

اشارة

ص: 359

ص: 360

أداء سورة براءة

اشارة

ولاّه رسول اللّه صلى الله عليه و آله في أداء سورة براءة ، وعزل به أبا بكر بإجماع المفسرين ونقلة الأخبار .

رواه الطبري، والبلاذري، والترمذي، والواقدي ، والشعبي ، والسدّي، والثعلبي ، والواحدي ، والقرطي ، والقشيري ، والسمعاني ، وأحمد بن حنبل ، وابن بطّة ، ومحمد بن إسحاق ، وأبو يعلى الموصلي ، والأعمش ، وسماك بن حرب في كتبهم عن عروة بن الزبير ، وأبي هريرة ، وأنس ، وأبي رافع ، وزيد بن نقيع ، وابن عمر ، وابن عباس ، واللفظ له :

إنّه لمّا نزل « بَراءَةٌ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ » إلى تسع آيات ، أنفذ النبي صلى الله عليه و آله أبا بكر إلى مكة لأدائها ، فنزل جبرئيل عليه السلام فقال : إنّه لا يؤديها إلاّ أنت أو رجل منك .

فقال النبي صلى الله عليه و آله لأمير المؤمنين عليه السلام : اركب ناقتي العضباء ، والحق أبا

بكر ، وخذ براءة من يده .

قال : ولمّا رجع أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه و آله جزع وقال : يا رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، إنّك أهّلتني لأمر طالت الأعناق فيه ، فلمّا توجّهت له رددتني عنه .

فقال صلى الله عليه و آله : الأمين هبط إليّ عن اللّه - تعالى - أنّه لا يؤدي عنك إلاّ أنت

ص: 361

أو رجل منك ، وعلي منّي ، ولا يؤدي عنّي إلاّ علي عليه السلام(1) .

وفي خبر : أنّ عليا عليه السلام قال له : إنّك خطيب وأنا حديث السنّ ، فقال : لابد من أن تذهب بها أو أذهب بها ، قال : أمّا إذا كان كذلك ، فأنا أذهب بها يا رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، قال : اذهب ، فسوف يثبت اللّه لسانك ويهدي قلبك(2) .

أذانه في الموسم

أبو بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال : خطب علي عليه السلام الناس ، فاخترط سيفه وقال : لا يطوفنّ بالبيت عريان ، ولا يحجّنّ البيت مشرك ، ومن كان له مدّة فهو إلى مدّته ، ومن لم يكن له مدّة ، فمدّته أربعة أشهر(3) .

زيادة في مسند الموصلي : ولا يدخل الجنّة إلاّ نفس مؤمنة(4) .

وهذا هو الذي أمر اللّه - تعالى - به إبراهيم حين قال « وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ » ، فكان اللّه - تعالى - أمر إبراهيم

عليه السلام الخليل بالنداء أولاً ، قوله : « وَأَذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجِّ » ، وأمر الولي بالنداء آخرا ، قوله « وَأَذانٌ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ » .

ص: 362


1- الإرشاد للمفيد : 1/66 ، تاريخ اليعقوبي : 2/76 ، السيرة لابن هشام : 4/190 ، مسند أحمد : 1/3 ، المستدرك للحاكم : 3/51 ، تفسير جامع البيان للطبري : 10/46 ، شرح الأخبار للنعمان : 2/179 .
2- شرح الأخبار : 2/180 ، مسند أحمد : 1/150 .
3- تفسير العياشي : 2/74 ح 4 ، تفسير مجمع البيان : 5/9 .
4- مسند أبي يعلى : 1/35 ، أحكام القرآن لابن العربي : 2/451 .

قال السدي ، وأبو مالك ، وابن عباس ، وزين العابدين عليه السلام : الأذان علي بن أبي طالب عليهماالسلام الذي نادى به(1) .

تفسير القشيري : إنّ رجلاً قال لعلي بن أبي طالب عليهماالسلام : فمن أراد منّا أن يلقى رسول اللّه صلى الله عليه و آله في بعض الأمور بعد انقضاء الأربعة ، فليس له عهد ؟

قال علي عليه السلام : بلى ، إنّ اللّه - تعالى - قال : « وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ

اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ »(2) إلى آخر الآية .

موقف المشركين منه

وفي الحديث عن الباقرين عليهماالسلام قالا : قام خداش وسعيد - أخو عمرو بن ودّ - فقال : وما يسرنا على أربعة أشهر ، بل برئنا منك ومن ابن عمّك ، فليس بيننا وبين ابن عمّك إلاّ السيف والرمح ، وإن شئت بدأنا بك ، فقال علي عليه السلام : هلمّوا ، ثم قال :« وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ » . . إلى قوله : « إِلى مُدَّتِهِمْ »(3) .

تفسير الثعلبي : قال المشركون : نحن نبرأ من عهدك وعهد ابن عمّك إلاّ من الطعن والضرب ، وطفقوا يقولون : إنّا منعناك أن تبرك(4) .

وفي رواية عن النسابة ابن الصوفي : إنّ النبي

صلى الله عليه و آله قال في خبر طويل : إنّ أخي موسى عليه السلام ناجى ربّه على جبل طور سيناء ، فقال في آخر الكلام :

ص: 363


1- معاني الأخبار : 298 .
2- الكشاف للزمخشري : 2/175 ، تفسير الثعلبي : 5/13 .
3- نهج الإيمان : 252 .
4- تفسير الثعلبي : 5/9 .

امض إلى فرعون وقومه القبط ، وأنا معك لا تخف ، فكان جوابه ما ذكره اللّه - تعالى - « إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ » ، وهذا علي عليه السلام قد

أنفذته ليسترجع براءة ويقرأها على أهل مكة ، وقد قتل منهم خلقا عظيما ، فما خاف ولا توقف ولم تأخذه في اللّه لومة لائم(1) .

وفي رواية : فكان أهل الموسم يتلهّفون عليه ، وما فيهم إلاّ من قتل أباه أو أخاه أو حميمه ، فصدّهم اللّه عنه ، وعاد إلى المدينة سالما(2) .

تاريخ الأداء

وكان أنفذه أوّل يوم من ذي الحجة سنة تسع من الهجرة ، وأدّاها إلى الناس يوم عرفة ويوم النحر(3) .

* * *

قال الحميري :

من كان أذّن منهم ببراءة

في المشركين فأنذر الكفارا

منكم برأنا أجمعين فأشهر

في الأرض سيروا كلّكم فرارا

* * *

وله أيضا :

من كان أرسله النبي بسورة

في الحجّ كانت فيصلاً وقضاء

* * *

ص: 364


1- نهج الإيمان : 252 .
2- نهج الإيمان : 253 .
3- مصباح المتهجد للطوسي : 672 ، تفسير القمي : 1/281 .

وله أيضا :

براءة حين ردّ بها زريقا

وكان بأن يبلّغها ضنينا

وقال له رسول اللّه أنّى

يؤدي الوحي إلاّ الأقربونا

* * *

وقال ابن حماد :

بعث النبي براءة مع غيره

فأتاه جبريل يخبّ(1) ويوضع

قال ارتجعها وأعطها أولى الورىبأدائها وهو البطين الأنزع

فانظر إلى ذي النص من ربّ العلىيختصّ ربّي من يشاء ويرفع

* * *

وقال ابن أبي الحديد :

ولا كان يوم الغار يهفو جنانه

حذار ولا يوم العريش تسترا

ولا كان معزولاً غداة براءة

ولا عن صلاة أمّ فيها مؤخرا

ولا كان في بعث ابن زيد مؤمرا

عليه فأضحى لابن زيد مؤمرا

* * *

وله أيضا :

ففي براءة أعطيت الأداء لها

لمّا أتيت عليا بالبلاغ وفى

ص: 365


1- في نسخة « النجف » : « يحث » ، وفي بعض النسخ : « يحتّ » .

أ لّفت شمل الهدى بالسيف مجتهدا

لولاك لم تك في حال بمؤتلف

* * *

وقال الصاحب بن عباد :

سورة التوبة من وليّها

بينوا الحقّ ومن ذا صرفا

* * *

وله أيضا :

أذكرا أمر براءة

واصدقاني من تلاها

واذكرا من زوّج الز

هراء كيما يتناهى

* * *

وقال ابن علوية الأصفهاني :

أم أيّهم فخر الأنام بخصلة

طالت طوال فروع كلّ عنان

من بعد إذ بعث النبي إلى منى

ببراءة من كان بالخوان

فيها فاتبعه رسولاً ردّه

تعدو به القصوى كالسرحان

كانت لوحي منزل وافى به

الروح الأمين فقصّ عن تبيان

إذ قال لا عنّي يؤدي حجّتي

إلاّ أنا أو لي نسيب دان

* * *

وقال آخر :

وأعلم أصحاب النبي محمد

وأقضاهم من بعد علم وخبرة

براءة أداها إلى أهل مكة

بأمر الذي أعلى السماء بقدرة

* * *

ص: 366

الردّ على الجاحظ

وأمّا قول الجاحظ أنّه كانت عادة العرب في عقد الحلف وحلّ العقد أنّه كان لا يتولّى ذلك إلاّ السيد منهم ، أو رجل من رهطه(1) ، فإنّه أراد أن يذمّه فمدحه .

بعثه الى اليمن يدعوهم الى الإسلام

وأجمع أهل السير وقد ذكره التاريخي : إنّ النبي صلى الله عليه و آله بعث خالدا إلى اليمن يدعوهم إلى الإسلام ، فيهم البراء بن عازب ، فأقام ستة أشهر فلم يجبه أحد ، فساء ذلك على النبي صلى الله عليه و آله ، وأمره أن يعزل(2) خالد .

فلمّا بلغ أمير

المؤمنين عليه السلام القوم صلّى بهم الفجر ، ثم قرأ على القوم كتاب رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، فأسلم همدان كلّها في يوم واحد ، وبايع أهل اليمن على الإسلام .

فلمّا بلغ ذلك رسول اللّه صلى الله عليه و آله خرّ للّه ساجدا ، وقال : السلام على همدان(3) .

ص: 367


1- العثمانية للجاحظ : 130 .
2- في المخطوطة : « يفصل » .
3- الإرشاد للمفيد : 1/62 ، السنن الكبرى للبيهقي : 2/369 ، الإستيعاب : 3/1121 ، تاريخ الطبري : 2/390 ، اعلام الورى : 1/258 ، المستدرك للحاكم : 3/122 ، مسند أحمد : 3/483 ، دلائل النبوة للبيهقي : 495 .

ومن أبيات لأمير المؤمنين عليه السلام في يوم صفين :

ولو أنّ يوما كنت بواب جنة(1)

لقلت لهمدان ادخلوا بسلام