موسوعه ام المومنین السیده خدیجه علیها السلام فی مصادر اهل السنه المجلد 2

اشارة

عنوان و نام پديدآور:موسوعه ام المومنین السیده خدیجه علیها السلام فی مصادر اهل السنه/ ناصر رفیعی المحمدی، مع مجموعه من المؤلفین.

مشخصات نشر:قم : مرکز بین المللی ترجمه و نشرالمصطفی(ص)، 1441ق.= 1398.

مشخصات ظاهری:2ج.

فروست:مجتمع العلیا التاریخ والسیره والحضاره الاسلامیه؛ 1619.

شابک:دوره: 978-600-429-662-5 ؛ 830000 ریال: ج.1: 978-600-429661-8 ؛ 880000 ریال: ج.2: 978-600-429-663-2

وضعیت فهرست نویسی:فاپا( چاپ دوم)

يادداشت:عربی.

يادداشت:چاپ دوم.

موضوع:خدیجه (س) بنت خویلد، 68 - 3 قبل از هجرت.

موضوع:زنان مقدس مسلمان

موضوع:Muslim wmen saints

موضوع:احادیث اهل سنت -- قرن 14

موضوع:*Hadith (Sunnites) -- Texts -- 20th century

شناسه افزوده:رفیعی محمدی، ناصر، 1344 -

شناسه افزوده:جامعة المصطفی(ص) العالمیة. مرکز بین المللی ترجمه و نشر المصطفی(ص)

شناسه افزوده:Almustafa Internatinal University‪Almustafa Internatinal Translatin and Publicatin center

رده بندی کنگره:BP26/2

رده بندی دیویی:297/9722

شماره کتابشناسی ملی:6052531

وضعيت ركورد:فاپا

ص: 1

اشارة

ص: 2

موسوعه ام المومنین السیده خدیجه علیها السلام فی مصادر اهل السنه

ناصر رفیعی المحمدی، مع مجموعه من المؤلفین

ص: 3

ص: 4

الفهرس الإجمالي

تصویر

ص: 5

تصویر

ص: 6

کلمة المدیر العلمي للمؤتمر

إنّ البحث حول الجوانب المختلفة لشخصیّة أُمّ المؤمنین السیّدة خدیجة الکبری، من الموضوعات المهمّة الجدیرة بالتحقیق والتنقیب؛ فإنّ الفحص والمطالعة في تاریخ حیاة هذه السیّدة العظیمة سواء قبل البعثة أو بعدها، ترینا بوضوح أنّها کانت مجمعاً للفضائل الإنسانیّة والکمالات المعنویّة، بحیث صارت قدوة للمرأة في مختلف الأعصار، ومثلاً للاحتذاء بسلوکها القیّم في الإیثار والتضحیة، والنزاهة والنجابة، والفهم والمعرفة والبصیرة، والعزم والکرم والحلم، والمحبّة والمودّة، والصبر والاستقامة، والاهتمام بالفقراء والضعفاء.

کانت السیّدة خدیجة أوّل من لبّت الرسالة من النساء، وأوّل وأفضل أزواج الرسول(صلی الله علیه و آله) وصاحبة سرّه وأنیس وحدته وغربته، ومستودع أُمّ أبیها وأُمّ المؤمنین. ولم یخف علی أحد دورها الهامّ والبنّاء في تثبیت الإسلام ونشره في فجر الإسلام وبدایة أمره، فمواقفها الصریحة والثابتة في دعم الأفکار التوحیدیّة التي جاء بها الرسول الکریم في غایة الوضوح.

قال قائد الثورة الإسلامیّة - مُدّ ظلّه - : «إنّ السیّدة خديجة(علیها السلام) لا زالت مظلومة؛ وذلك أنّ أُمومتها للأُمّة کانت في فترة حسّاسة وظروف صعبة، لا تشارکها في تلك الفترة واحدة من اُمّهات المؤمنین فیما تحمّلته من أذیً ومتاعب إلی جانب النبي(صلی الله علیه و آله) عند انبثاق الدعوة».

وبالرغم ممّا کُتب من بحوث قیّمة في التعریف بهذه الشخصیّة السماویّة، فلا زالت هناك حاجة ملحّة إلی تحقیقات جدیدة وعمیقة للکشف عن أبعاد

ص: 7

شخصیّتها وفضائلها، وإزاحة الستار عن ملامح جوانب حیاتها النورانیّة، وإماطة اللثام عن مظلومیّتها وعدم معرفتها.

وما نقدّمه هنا في مؤتمر الحفل التکریمي لصدف الکوثر، خطوة قصیرة للتعریف بهذه السیّدة الجلیلة، ویشتمل علی:

1. مجموعة مقالات المؤتمر، في ثلاث مجلّدات.

2. ما کُتب حول السیّدة خديجة(علیها السلام) بالفارسیّة، في ثلاث مجلّدات.

3. ما کُتب حول السیّدة خديجة(علیها السلام) بالعربیّة، في مجلّد واحد.

4. أُمّ المؤمنین خديجة(علیها السلام) في مصادر أهل السنّة، في مجلّد واحد.

ونأمل أن تنال هذه المجموعة التراثیّة القبول عند اللّه، وأن ننال بها جمیعاً عنایة رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) وزوجته الکریمة أُمّ المؤمنین السیّدة خدیجة الکبری(علیها السلام)، وشفاعتهما.

وفي الختام نتقدّم بالشکر لکافّة الأساتیذ والمحقّقین الذین ساهموا في تدوین هذه المجامیع، وخاصّة السادة: مهدي مهریزي، ومحمّد اسفندیاري، وهادي ربّاني، ووحیدرضا نوربخش.

وکذلك نشکر رئیس جامعة المصطفی العالمیّة آیة اللّه عليرضا أعرافي، وحجّة الإسلام والمسلمین الدکتور محمّدجواد زارعان رئیس مجمع الإمام الخمیني العالي، واللجنة العلمیّة لهذا المؤتمر؛ بما قدّموه من دَعم وإسناد لإنجاح هذه المهمّة. ربّنا تقبّل منّا إنّك أنت السمیع العلیم.

المدیر العلمي لمؤتمر صدف الکوثر

ناصر رفیعي المحمّدي

12/ربیع الأوّل/1438ه

ص: 8

المقدّمة

اشارة

قبل الدخول في صُلب البحث، نوّدّ ابتداءً عرض مجموعة من الملاحظات التمهيدية؛ من أجل تكوين رؤية أوضح عن الموضوع الذي نريد طرحه هاهنا.

أوّلاً: إذا أردنا معرفة رأي الإسلام في المرأة، علينا الرجوع إلى المصادر الخمسة للإسلام، ومن الطبيعي أنّ النظر إلى هذه المصادر إلى جانب بعضها، يمكن أن يقدّم لنا صورة شاملة وجامعة لرأي الإسلام والتعاليم الإسلامية في المرأة. وأمّا الفصل بين هذه المصادر والنظرة التجزيئية إليها، والأخذ بكلّ واحدٍ منها على حِدة وبمعزلٍ عن المصادر الأُخرى، فلا يُقدّم لنا إلّا رؤية ناقصة، بل وأُحاديّة الجانب أحياناً. وهذه المصادر الخمسة هي:

1. القرآن الکريم.

2. السُّنّة القولية لرسول اللّه(صلی الله علیه و آله) وأئمّة الشيعة:.

3. السُّنّة والسيرة العملية لرسول اللّه(صلی الله علیه و آله) وأئمّة الشيعة:.

4. الأعلام والشخصيّات الإسلامية البارزة والمشهورة.

5. الرموز والمعالم في الشعائر المذهبية والدينية.

هنالك مؤلّفات كثيرة ومتعدّدة المرامي والمقاصد كُتبت حول القرآن والسُّنّة القولية، بينما لم تحظ السيرة والسُّنّة العملية لرسول اللّه(صلی الله علیه و آله) والأئمّة في ما يخصّ المرأة إلّا بالقليل من الاهتمام والبحث. بالنسبة إلى المصدر الرابع (الأعلام والشخصيّات)، دُوّنت على مدى القرون الماضية إلى يومنا هذا الكثير من الكتب

ص: 9

والمؤلّفات التي تتناول هذا الموضوع بشكل مستقلّ أو مزجيّ مع موضوعات أُخرى، إلّا أنّ ما تفتقر إليه الكتب التي أُلّفت في هذا المجال، هو انعدام التحليل والنظرة الشاملة والجامعة.

وفي ما يخصّ باب الرموز والمعالم، لم نعثر حتّی الآن على عملٍ أو كتاب في هذا الخصوص. والمراد من الرموز في الشعائر الدينية، بعض الأحکام والتکاليف في عباداتٍ مثل الحجّ، ممّا يمكن أن يعكس صورة للمجتمع الإسلامي المثالي، ومن ذلك مثلاً في المسجد الحرام وأعمال الحجّ والعمرة، هناك بعض الأحکام الخاصّة التي تتجلّى بين المذاهب الفقهية والإسلامية الرائجة على نحوٍ آخر في غير المسجد الحرام وفي ظروف أُخرى غير الحجّ والعمرة. في صلاة الجماعة في المسجد الحرام، عدم رعاية تقدّم وتأخّر الرجل والمرأة في صفوف الصلاة غير مبطل لها، مع أنّ جميع المذاهب الإسلامية تعدّ تأخّر المرأة شرطاً لصحّة الصلاة في غير المسجد الحرام.

أو في حالة الإحرام لا ينبغي أن يكون وجه المرأة مغطّىً، في حين أنّ فتوى ستر الوجه أمام غير المَحرم واحد من الآراء المتداولة في هذا المجال بين الفقهاء من الشيعة وأهل السنّة. وكذلك يمكن أن يُستنتج من جواز إتمام الصلاة في المسجد الحرام، أنّ المسجد الحرام وطن لكلّ المسلمين.

وكذلك الحال في ما يتعلّق بنوع ثياب الإحرام، حيث يمكن الاستنتاج منها إلغاء التمييز بين الأقوام والشعوب وبين الفقراء والأغنياء. ويمكن أن يُستفاد من هذه الأحکام أيضاً ما يدلّ على نظرة الإسلام إلى المرأة في المجتمع المثالي المنشود.

ثانياً: القرآن کتاب اللّه، وهو المصدر الأوّل والأصيل للتعاليم الإسلاميّة، وقد تعامل مع قضية المرأة بمنتهى الحکمة وبنظرة نبيلة وسامية. فقد جاء في هذا الکتاب السماوي ما يقارب 350 آية تتناول قضيّة المرأة وشؤونها المختلفة، بصور وأساليب شتّى، وينصبّ قسم كبير منها على محاولة تغيير النظرة التي كانت رائجة يومذاك عن المرأة.

بدأ نزول الآيات المتعلّقة بالمرأة منذ السنة الأُولى للبعثة في مکّة، واستمرّت إلى السنة

ص: 10

الأخيرة من حياة رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) في المدينة. يمكن من خلال نظرة عامّة وکلّیة، تقسيم مراحل طرح قضيّة المرأة في القرآن الكريم إلى أربعة مراحل، نلخّصها في ما يلي:

1. محاربة النظرة الجاهلية المُهينة للمرأة

بدأ هذا التوجّه منذ السنة الأُولى للبعثة النبويّة، وتكرّر في السنوات: الثانية، والتاسعة، والعاشرة، والحادية عشر؛ في ما نزل من الآيات المکّيّة(1). ومن أمثلة هذه الآيات نستعرض ما يلي:

- السنة الأُولى للبعثة: (وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ*وَإِذَا الْمَوْءُدَةُ سُئِلَتْ*بِأَىِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ)(2).

- السنة الثانية للبعثة: (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى*تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى)(3).

- السنة الحادية عشر للبعثة: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَى ظَ-لَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَ هُوَ كَظِيمٌ)(4).

2- طرح مباحث معرفية والدفاع عن الهوية الإنسانية للمرأة

يتناول القرآن الکريم في هذا الخصوص التعريف بالهوية الإنسانية للمرأة والرجل، وكيفية خلق كلّ واحدٍ منهما، مع بيان للقدرات والمؤهّلات التي يتّصف بها الرجال والنساء. بدأ طرح هذا الموضوع مع طرح مسألة خلق الذكر والأُنثى منذ السنة الأُولى للبعثة، واستمرّ

على هذا المنوال في السنوات: الثانية، والثالثة، والخامسة، والعاشرة، والحادية عشرة، والثالثة عشر، في ما نزل من الآيات المکّية، وكذلك في السنوات: الأُولى، والخامسة للهجرة، في السور المدنية(5). ومن الأمثلة على هذه الآيات إليكم ما يلي:

ص: 11


1- . نسق هذه الآيات حسب ترتيب تاريخ نزولها، كالآتي: التکوير: 7 - 9، النجم: 21 - 22 و27، الصافّات: 149 - 153، الزخرف: 16، النحل، 58.
2- . التکوير: 7 - 9.
3- . النجم: 21 - 22.
4- . النحل: 58.
5- . نسق هذه الآيات حسب ترتيب تاريخ نزولها، كالآتي: الليل: 3، النجم: 45، الأعراف: 19، طه: 117، النحل: 58، الروم: 21، النساء: 1.

- السنة الثالثة للبعثة: (وَقلنا يَ-ا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا)(1).

- السنة العاشرة للبعثة: (جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا)(2).

3. طرح القدوات والأمثلة الإيجابية

المرحلة الثالثة التي واصل فيها القرآن الکريم إظهار وتركيز النظرة الإيجابية إلى المرأة، تجسّد في ما عرضه من أمثلة وقدوات إيجابية للمرأة في أدوار قديمة من التاريخ. وقد بدأ هذا التوجّه منذ السنة الرابعة للبعثة، بطرح شخصية مريم ابنة عمران، وفي السنة الخامسة صوّر جهود نساء لهن صلة بقصّة موسى (أُمّه وأُخته)، وفي السنة السادسة طرح من جديد قضيّة المرأتين اللتين كان لهما دور في قصّة النبي موسى، مع ذكر قصّة ابنتي شعيب ، وسلطة ملکة سبأ وحکمها لهذا البلد، وفي السنة الثانية عشر أعاد الكلام عن زوجة النبي زکريا ومريم(علیها السلام)، وفي السنوات: الثالثة، والخامسة، والثامنة، والتاسعة، حيث كان نزول الآيات في المدينة المنوّرة أيضاً، كشف عن جوانب من حياة مريم(3). ومن الأمثلة على هذه الآيات إليكم ما يلي:

- السنة الرابعة للبعثة: (وَاذْكُرْ فِى الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا)(4).

- السنة السادسة للبعثة: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى)(5).

- السنة السادسة للبعثة: (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَ-أجِرْهُ)(6).

- السنة السادسة للبعثة: (إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَىْ ءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ)(7).

ص: 12


1- . الأعراف: 19
2- . الشورى: 11.
3- . نسق هذه الآيات حسب ترتيب تاريخ نزولها كالآتي: مريم: 16 - 29، طه: 38 - 40، القصص: 7 و26، النحل: 23، الأنبياء: 90، المؤمنون: 50، آل عمران: 37 - 36، النساء: 171، التحريم: 11.
4- . مريم: 16
5- . القصص: 7.
6- . القصص: 26.
7- . النمل: 23.

- السنة الثامنة للهجرة: (وَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ)(1).

4- تغيير وتعديل قوانين عهد الجاهلية بخصوص المرأة

الحقل المتعلّق ببيان الأحکام والمقرّرات المتعلّقة بالمرأة على صعيد مجالات الحياة الفردية والأُسرية والاجتماعية، بدأ منذ السنة الأُولى لحياة المسلمين في المدينة، وتواصل في السنوات: الرابعة، والخامسة، والسابعة، والثامنة، والتاسعة، والعاشرة؛ حيث طُرحت في هذه السنوات الموضوعات التالية(2): الطلاق، الشهادة، القصاص، الظهار، الزواج، الحجاب، تعدّد الزوجات، الإرث، الزنا، السرقة، الأمر بالمعروف، النهي عن المنکر. ونقدّم في ما يلي أمثلة من هذه الآيات كالآتي:

- السنة العاشرة: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ)(3).

- السنة العاشرة للهجرة: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)(4).

ثالثاً: في المصادر الإسلامية بشكل عامّ والشيعية على وجه الخصوص؛ أي الکتاب والسنّة، نُلاحظ وجود نساء ألمعيات وذوات أسماء بارزة، يتّصفن بکمالات معنوية وإنسانية وأخلاقية رفيعة، وهذا ما جعل منهنّ قدوات وغَدَون موضع تکريم من قِبَل الأئمّة:، بحيث اتّخذنَ كمثال يُحتذى به، مثل: مريم، وآسية، وخديجة، وفاطمة، وزينب، وفاطمة المعصومة، وحکيمة (عمّة إمام الزمان)، ونرجس (أُم إمام الزمان)، وغيرهنّ الكثير من النساء الأُخر.

إنّ هذا التکريم والاحترام بلغ حدّاً بحيث إنّ بعض هؤلاء النساء شُيّدت على أضرحتهن قِبابٌ وأبنية، وغدت هذه الأضرحة مزارات معنوية يأمّها المسلمون وخاصّة

ص: 13


1- . التحريم: 11.
2- . نسق هذه الآيات حسب ترتيب تاريخ نزولها، كالآتي: الأحزاب: 4-6، 28-37، 49-53، النساء: 1، 3،4،6،7 و... ، الطلاق: 1، 2، 4، 6، النور: 2، 4، 6، 11، 12،23، 26، 29، 31، 58، 61.
3- . التوبة: 71.
4- . النساء: 19.

العلماء والصالحون منهم. ومن الأمثلة التي يُشار اليها بالبَنان في هذا المجال: روضة السيّدة زينب في دمشق وفي القاهرة، وروضة السيّدة المعصومة في قم.

إنّ ما لقيته هؤلاء النسوة من تربية وما وصلن إليه من درجات التكامل من ناحية، والدعوة إلى تکريمهنّ والتأسّي بهنّ من ناحية أُخرى، يعكس لنا رؤية الإسلام عن المرأة وطبيعة نظرة التعاليم الإسلامية إليها. فالتعاليم الإسلامية جاءت على النحو الذي يُنشئ نساءً من أمثال خديجة وفاطمة وزينب، ويجعل منهنّ مثالاً جديراً بالاقتداء به في السير والسلوك المعنوي والأخلاقي.

رابعاً: السيّدة خديجة أُولى زوجات رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) وسيّدة الإسلام الأُولى، وأوّل امرأة آمنت برسول اللّه(صلی الله علیه و آله)، عملت طيلة حياتها على مناصرة رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) ونشر رسالته بكلّ ما أُوتيت من قوّة ماليّة وقبليّة، حتّی جاء وصفها في الروايات الإسلاميّة تارةً بأنّها إحدى النساء البارزات في الجنّة(1)، وتارةً أُخرى بأنّها واحدة من النساء اللّاتي اصطفاهنّ اللّه(2)، ووُصفت في مواقف أُخرى بأنّها من النساء اللّاتي بلغن الکمال(3).

أبلغ رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) خديجة سلام اللّه وجبرئيل لها في الليلة التي عرج بها إلى السماء، كما جاء في رواية وردت في تفسير العيّاشي(4)، كما بشّرها رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) عدّة مرّات بالجنّة(5).

وخلاصة الكلام: أنّ خديجة هي سيّدة الإسلام الأُولى، وجميع الفرق والمذاهب الإسلامية، تكرّمها وتقرّ بعلوّ مكانتها وتشير إليها كواحدة من الشخصيات النسوية البارزة.

جاء تدوين هذا الكتاب بهدف تخليد المكانة الشامخة لهذه السيّدة الجليلة من جهة، ولأجل التعريف بقدوات أفرزتها الثقافة والهويّة الدينية من جهة أُخرى. ولغرض

ص: 14


1- . بحار الأنوار: ج16، ص 2، ج 3 و4 (نقلاً عن الخصال).
2- . بحار الأنوار: ج 5 (نقلاً عن الخصال).
3- . صحيح البخاري: ج 4 ص 62 و63 وج 7 ص 142، سنن ابن ماجه: ج2 ص 191 ح 2280.
4- . بحار الأنوار: ج4 ص 2 ح 11 (نقلاً عن تفسير العيّاشي).
5- . بحار الأنوار؟؟؟؟: ص 7، ح 12.

الوصول إلى هذه الغاية أجرينا عملية مسحٍ وتقصٍّ شامل نسبيّاً للتحرّي عن كلّ ما كُتب وكلّ مدوّنة حول هذه السيّدة باللغتين العربية والفارسية. ومن بعد التعرّف على تلك المصادر وتقييمها، وقع الاختيار على ثمانين مدوّنة، کانت ستّون منها باللغة الفارسية، وعشرون باللغة العربية، وجُمعت كلّها في أربع مجلّدات؛ ثلاث مجلّدات منها باللغة الفارسية، ومجلّد واحد باللغة العربية.

وجد بر بالذکر أنّ ترتیب المقالات في هذا المجلّد علی حسب زمان تألیف المصدر، ولهذا بدأ بنقل من سیرة أبي هشام و بعده من طبقات ابن سعد، وعلی هذا الترتیب.

خامساً: في الختام نودّ تقديم الشکر والثناء للإخوة الذين ساهموا بشكل أو آخر في الإعداد لمؤتمر تخليد ذكرى السيّدة خديجة، ونخصّ منهم بالذكر الأمين المشرف على المؤتمر سماحة حجّة الإسلام والمسلمين الدکتور ناصر رفيعي، ثمّ الإخوة أصحاب الفضيلة والعلم الذين كان لهم دور في مراحل جمع وتنقيح وصياغة هذه المجموعة،

ونذكر منهم: محمّد باقر النجفي، ومحمّد ربّاني، وسيّد رضا باقريان موحّد، ومحمّد پورصبّاغ، وخلیل عصامي، وحسين أفخميان، ومهدي خوشرفتار أکرم.

مهدي مهريزي -هادي ربّاني

13 جمادی الثاني 1439ه

2 مارس 2018م

ص: 15

ص: 16

1. حدیث تزویج رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) خدیجة

اشارة

* حدیث تزویج رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) خدیجة(1)

ابن هشام

ملخّص البحث

هذا النصّ يحكي قصّة خروج رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) إلى بلاد الشام مضارباً بمال خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزّى. وکانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إيّاه بشيء تجعله لهم. وكانت قريش قوماً تجّاراً. فلمّا بلغها ما بلغها من صدق حديث النبيّ وعظم أمانته وكرم أخلاقه، بعثت إليه، فعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجراً. وبعدما بلغها ما كان من كراماته عرضت عليه نفسها. وكانت خديجة يومئذٍ أوسط نساء قريش نسباً، وأعظمهنّ شرفاً، وأكثرهنّ مالاً، كلّ قومها كان حريصاً على الزواج منها لو يقدر عليه. ثمّ يواصل سرد مجريات الخطبة والزواج، وذكر أنّها ولدت لرسول اللّه ولده كلّهم إلّا إبراهيم. وكان أكبر بنيه القاسم، ثمّ الطيب، ثمّ الطاهر. وأكبر بناته رقيّة، ثمّ زينب، ثمّ أُمّ كلثوم، ثمّ فاطمة. فأمّا القاسم، والطيّب، والطاهر، فهلكوا في الجاهليّة. وأمّا بناته فكلّهنّ أدركن الإسلام، فأسلمن وهاجرن معه. وبعد نزول الوحي عليه آمنت به خديجة بنت خويلد، وصدّقت بما جاءه من اللّه، ووازرته على أمره. فهي أوّل من آمن باللّه وبرسوله.

وكانت أوّل امرأة تزوّجها رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)، ولم يتزوّج عليها غيرها حتّى ماتت. وقد

ص: 17


1- السیرة النبویّة، حقّقها وضبطها وشرحها ووضع فهارسها : مصطفی السقا، إبراهیم الأبیاري وعبدالحفیظ شلبي، بیروت، دار الإحیاء التراث العربي، الطبعة الأُولی، 1415ه / 1995م: ج 1 ص 224 - 229.

أخبرها في مواقف عديدة أنّها من أهل الجنّة، وبشّرها أنّ لها في الجنّة بيت من قصب، لا لغو ولا نصب.

سنّه(صلی الله علیه و آله) حين زواجه

قال ابن هشام: «فلمّا بلغ رسول اللّه (صلی الله علیه و آله) خمساً وعشرين سنة(1)، تزوّج خديجة(2) بنت خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصيّ بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب، فيما حدّثني غير واحد من أهل العلم عن أبي عمرو المدني».

خروجه(صلی الله علیه و آله) إلى التجارة بمال خديجة

قال ابن إسحاق: «وكانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة، ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها، وتضاربهم(3) إيّاه بشيء تجعله لهم، وكانت قريش قوماً تجّاراً، فلمّا بلغها عن رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) ما بلغها من صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه، بعثت إليه فعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجراً، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجّار، مع غلامٍ لها يقال له: ميسرة، فقبله رسول اللّه (صلی الله علیه و آله) منها وخرج في مالها ذلك، وخرج معه غلامها ميسرة، حتّی قدم الشام».

حديثه(صلی الله علیه و آله) مع الراهب: فنزل رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) في ظلّ شجرة قريباً من صومعة راهب(4) من

ص: 18


1- . وقیل: کان سنّه إحدی وعشرین سنة، وقیل: ثلاثین، کما قیل: سبعاً وثلاثین، وقیل غیر ذلك (راجع: شرح المواهب والاستیعاب).
2- . وکان عمر خدیجة إذ ذاك أربعین سنة، وقیل: خمساً وأربعین. وکانت تُدعی في الجاهلیة بالطاهرة؛ لشدّة عفافها وصیانتها، وکانت تحت أبي هالة بن زرارة التمیمي، ومات أبو هالة في الجاهلیة وقد ولدت له خدیجة هنداً الصحابي، راوي حدیث صفة النبي ، وقد شهد بدراً، وقیل: أُحداً، وقد روی عنه الحسن بن علي، فقال: «حدّثني خالي»؛ لأنّه أخو فاطمة لأُمّها. وکان هند فصیحاً بلیغاً وصّافاً، وکان یقول: أنا أکرم الناس أباً وأُمّاً وأخاً وأُختاً؛ أبي رسول اللّه ، وأخي القاسم، وأُختي فاطمة، وأُمّي خدیجة(علیها السلام). وقُتل هند مع علي یوم الجمل، وقیل: مات في البصرة بالطاعون، ویقال: إنّ الذي مات بالطاعون ولده، واسمه هند أیضاً. کما ولدت خدیجة أیضاً لأبي هالة: هالة بن أبي هالة، وکان له صحبة، وبعد أن مات أبو هالة عن خدیجة، تزوّجها عتیق بن عابد المخزومي، فولدت له بنتاً اسمها هند، وقد أسلمت وصحبت (راجع: شرح المواهب، والاستیعاب).
3- . تضاربهم: تقارضهم. والمضاربة: المقارضة.
4- . وکان اسم هذا الراهب نسطورا، ولیس هو بحیری المتقدّم ذکره.

الرهبان، فاطّلع الراهب إلى ميسرة فقال له: من هذا الرجل الذي نزل تحت هذه الشجرة؟ قال له ميسرة: هذا رجل من قريش من أهل الحرم، فقال له الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة قطّ إلّا نبيّ(1).

ثمّ باع رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) سلعته التي خرج بها، واشترى ما أراد أن يشتري، ثمّ أقبل قافلاً إلى مكّة ومعه ميسرة، فكان ميسرة - فيما يزعمون - إذا كانت الهاجرة واشتدّ الحرّ، يرى ملكين يظلّانه من الشمس وهو يسير على بعيره، فلمّا قدم مكّة على خديجة بمالها، باعت ما جاء به، فأضعف أو قريباً(2)، وحدّثها ميسرة عن قول الراهب، وعمّا كان يرى من إظلال الملكين إيّاه.

خديجة ترغب في الزواج منه(صلی الله علیه و آله)

وكانت خديجة امرأة حازمة شريفة لبيبة، مع ما أراد اللّه بها من كرامته، فلمّا أخبرها ميسرة ممّا أخبرها به، بعثت(3) إلى رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) فقالت له -

فيما يزعمون - : يابن عمِّ، إنّي قد رغبت فيك؛ لقرابتك وسِطَتك(4) في قومك وأمانتك، وحسن خُلقك

ص: 19


1- . یرید: ما نزل تحتها هذه الساعة إلّا نبيّ، ولم یرد: ما نزل تحتها قطّ إلّا نبي؛ لبعد العهد بالأنبیاء قبل ذلك، وإن کان في لفظ الخبر «قطّ»، فقد تکلّم بها علی جهة التوکید للنفي، والشجرة لا تُعمّر في العادة هذا العمر الطویل حتّی یدري أنّه لم ینزل تحتها إلّا عیسی أو غیره من الأنبیاء:، ویبعد في العادة أن تکون شجرة تخلو من أن ینزل تحتها أحد حتّی یجيء نبيّ، إلّا أن تصحّ روایة من قال في هذا الحدیث: «لم ینزل تحتها أحد بعد عیسی بن مریم »، وهي روایة عن غیر ابن إسحاق، فالشجرة علی هذا مخصوصة بهذه الآیة (راجع: الروض الأنف).
2- . وروی الزرقاني عن الواقدي وابن السکن في اختیار خدیجة لرسول اللّه : «إنّ أبا طالب قال: یابن أخي، أنا رجل لا مال لي، وقد اشتدّ الزمان علینا، وألحّت علینا سنون منکرة، ولیس لنا مادّة ولا تجارة، وهذه عِیر قومك قد حضر خروجها إلی الشام، وخدیجة تبعث رجالاً من قومك یتّجرون في مالها ویصیبون منافع، فلو جئتها لفضّلتك علی غیرك؛ لما یبلغها عنك من طهارتك، وإن کنت أکره أن تأتي الشام، وأخاف علیك من یهود، ولکن لا نجد من ذلك بدّاً. فقال : لعلّها ترسل إليَّ في ذلك، فقال أبو طالب: إنّي أخاف أن تولّي غیرك. فبلغ خدیجة ما کان من محاورة عمّه له، ثمّ کان أن أرسلت إلیه؛ لعلمها قبل هذا بصدقه وأمانته».
3- . هذا قول ابن إسحاق: أنّها عرضت علیه نفسها من غیر وساطة، ویذهب غیره إلی أنّها عرضت علیه نفسها بوساطة، وأنّ ذلك کان علی ید نفیسة بنت منیة، والجمع ممکن، فقد تکون بعثت نفیسة أوّلاً؛ لتعلم أیرضی أم لا؟ فلمّا علمت بذلك کلّمته بنفسها (راجع: شرح المواهب).
4- . کذا في أ، وشرح المواهب، وشرح السیرة، والروض، والطبري. وسطتك: شرفك؛ مأخوذة من الوسط، مصدر، کالعدّة والزنة؛ والوسط من أوصاف المدح والتفضیل، وفي سائر الأُصول: «وسطتك»، وهو تحریف.

وصدق حديثك. ثمّ عرضت عليه نفسها، وكانت خديجة يومئذٍ أوسط نساء قريش نسباً، وأعظمهنّ شرفاً، وأكثرهنّ مالاً، كلّ قومها كان حريصاً على ذلك منها لو يقدر عليه.

نسب خديجة(علیها السلام)

وهي خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصيّ بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر. وأُمّها: فاطمة بنت زائدة بن الأصمّ بن رواحة بن حجر بن عبد بن معيص بن عامر بن لؤي بن غالب بن فهر.

وأُمّ فاطمة: هالة بنت عبد مناف بن الحارث بن عمرو بن منقذ بن عمرو بن معيص بن عامر بن لؤي بن غالب بن فهر.

وأُمّ هالة: قلابة بنت سعيد بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر.

الرسول(صلی الله علیه و آله) يتزوّج من خديجة بعد استشارة أعمامه

فلمّا قالت ذلك لرسول اللّه(صلی الله علیه و آله) ذكر ذلك لأعمامه، فخرج معه عمّه حمزة(1) بن عبد المطّلب حتّی دخل على خويلد(2) بن أسد، فخطبها إليه، فتزوّجها.

صداق خديجة: قال ابن هشام: «وأصدقها رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) عشرين بكرة، وكانت أوّل امرأة تزوّجها رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)، ولم يتزوّج عليها غيرها حتّی ماتت(علیها السلام)».

ص: 20


1- . ویقال: إنّ الذي نهض معه هو أبو طالب، وهو الذي خطب خطبة النکاح، وقیل: لعلّهما خرجا معها جمیعاً، وخطب أبو طالب الخطبة؛ لأنّه کان أسنّ من حمزة (راجع: شرح المواهب والروض).
2- . وذکر الزهري أنّ خویلداً أبرم هذا الزواج وهو سکران، فلمّا أفاق أنکر ذلك، ثمّ رضیه وأمضاه، وفي ذلك یقول راجز من أهل مکّة: لاتزهدي خدیج في محمّد نجم یضيء کإضاء الفرقد وذکر غیر ابن إسحاق أنّ خویلداً کان إذ ذاك قد هلك، وأنّ الذي نکح خدیجة(علیها السلام) هو عمّها عمرو بن أسد، کما یقال أیضاً أنّ الذي أنکحها هو أخوها عمرو بن خویلد (راجع: شرح المواهب، والروض).

أولاده(صلی الله علیه و آله) من خديجة

قال ابن إسحاق: «فولدت لرسول اللّه(صلی الله علیه و آله) وُلده كلّهم إلّا إبراهيم: القاسم، وبه كان يُكنّى(صلی الله علیه و آله) والطاهر والطيّب(1)، وزينب ورقيّة، وأُمّ كلثوم، وفاطمة:».

ترتيب ولادتهم: قال ابن هشام: «أكبر بنيه: القاسم، ثمّ الطيّب، ثمّ الطاهر. وأكبر بناته: رقيّة، ثمّ زينب، ثمّ أُمّ كلثوم، ثمّ فاطمة».

قال ابن إسحاق: «فأمّا القاسم والطيّب والطاهر، فهلكوا(2) في الجاهلية. وأمّا بناته فكلّهن أدركن الإسلام، فأسلمن وهاجرن معه(صلی الله علیه و آله)».

إبراهيم وأُمّه: قال ابن هشام: «وأمّا إبراهيم، فأُمّه مارية القبطية. حدّثنا عبد اللّه بن وهب عن ابن لهيعة، قال: أُمّ إبراهيم مارية، سرية النبي(صلی الله علیه و آله) التي أهداها إليه المقوقس من حفن من كورة أنصنا».

ورقة يتنبّأ له(صلی الله علیه و آله) بالنبوّة

قال ابن إسحاق: «وكانت خديجة بنت خويلد قد ذكرت لورقة(3) بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى - وكان ابن عمّها، وكان نصرانياً قد تتبّع الكتب وعلم من علم الناس - ما ذكر لها غلامها ميسرة من قول الراهب، وما كان يرى منه، إذ كان الملكان يظلّانه، فقال ورقة: لئن كان هذا حقّاً يا خديجة، إنّ محمّداً لنبيّ هذه الأُمّة، وقد عرفت أنّه كائن لهذه الأُمّة نبيّ يُنتظر، هذا زمانه، أو كما قال:

شعر

لورقة: فجعل ورقة يستبطئ الأمر ويقول: حتّی متى؟ فقال ورقة في ذلك:

ص: 21


1- . یُشعر سیاق الحدیث هنا وفیما سیأتي أنّ الطاهر والطیّب شخصان، والمعروف أنّهما لقبان لعبد اللّه، وبهما کان یُلقّب (راجع: زاد المعاد، والروض الأنف، والمعارف).
2- . في موت القاسم في الجاهلیة خلاف، فقد ذکر السهیلي عن الزبیر أنّ القاسم مات رضیعاً، وأنّ رسول اللّه دخل علی خدیجة بعد موت القاسم وهي تبکي، فقالت: یا رسول اللّه، لقد درّت لُبَینة القاسم (اللبینة تصغیر لبنة، وهي قطعة من اللبن) فلو کان عاش حتّی یستکمل رضاعه لهوّن عليَّ. فقال: إن شئتِ أسمعتكِ صوته في الجنّة، فقالت: بل أُصدّق اللّه ورسوله. وفیما روی الزبیر دلیل علی أنّ القاسم لم یهلك في الجاهلیة.
3- . أُمّ ورقة: هند بنت أبي کبیر بن عبد بن قصيّ، ولا عقب لورقة هذا، وهو أحد من آمن بالنبي قبل البعث (راجع: الروض).

لججتُ وكنتُ في الذكرى لَجوجاً

لِهَمٍّ طالما بعث النشيجا(1)

ووَصفٌ مِن خديجة بعد وَصفٍ

فقد طال انتظاري يا خديجا

ببطن المكّتين على رجائي

حديثك أن أرى منه خروجا(2)

بما خَبّرتنا من قول قَسٍّ

من الرهبان أكره أن يَعوجا

بأنّ محمّداً سيسودُ فينا

ويخصِم من يكون له حَجيجا

ويظهرُ في البلاد ضياءُ نورٍ

يُقيم به البَريّةَ أن

تموجا(3)

فيَلقى من يُحاربه خَساراً

ويَلقى من يُسالمه فُلوجا(4)

فيا ليتي إذا ما كان ذاكم

شهدتُ فكنتُ أوّلهم وُلوجا(5)

وُلوجاً في الذي كَرِهت قريشٌ

ولو عَجت بمكّتها عَجيجا(6)

أُرجّي بالذي كرهوا جميعاً

بمن يختار مَن سَمَك البُروجا

وهل أمرُ السفالة غيرُ كفرٍ

إلى ذي العرش إن سفلوا عُروجا(7)

فإن يبقوا وأبقَ تكن أُمورٌ

يضجّ الكافرون لها ضجيجا

وإن أهلِك فكلّ فتىً سيَلقى

من الأقدار مَتلفةَ(8) حَروجا»

الرسول(صلی الله علیه و آله) يخبر خديجة بنزول جبرئيل عليه

«وانصرفتُ راجعاً إلى أهلي حتّی أتيتُ خديجة، فجلست إلى فخذها مضيفاً(9) إليها، فقالت: يا أبا القاسم، أين كنت؟ فواللّه لقد بعثتُ رُسلي في طلبك حتّی بلغوا مكّة

ص: 22


1- . النشیج: البکاء مع صوت.
2- . الهاء في «منه» راجعة علی الحدیث، وحرف الجرّ متعلّق بالخروج.
3- . تموّج: تضطرب.
4- . الفُلوج: الظهور علی الخصم والعدوّ.
5- . کذا في أ، وفي سائر الأُصول: «أکثرهم».
6- . عجّت: ارتفعت أصواتها.
7- . العروج: الصعود والعلوّ.
8- . المتلفة: المهلکة. والحروج: الکثیرة التصرّف.
9- . مضیفاً: ملتصقاً، یقال: أضفت إلی الرجل؛ إذا ملت نحوه ولصقت به، ومنه سُمّي الضیف ضیفاً.

ورجعوا لي. ثمّ حدّثتها بالذي رأيت، فقالت: أبشر يا ابن عمِّ واثبُت، فوالذي نفس خديجة بيده إنّي لأرجو أن تكون نبيّ هذه الأُمّة».

خديجة(علیها السلام) تخبر ورقة بن نوفل: ثمّ قامت فجمعت عليها ثيابها، ثمّ انطلقت إلى ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى بن قصيّ، وهو ابن عمّها، وكان ورقة قد تنصّر وقرأ الكتب وسمع من أهل التوراة والإنجيل، فأخبرته بما أخبرها به رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) أنّه رأى وسمع، فقال ورقة بن نوفل: قُدّوسٌ قُدّوسٌ(1)، والذي نفس ورقة بيده، لئن كنت صَدَقتيني يا خديجة، لقد جاءه الناموس(2) الأكبر الذي كان يأتي موسى، وإنّه لنبيّ هذه الأُمّة، فقولي له فليثبت.

فرجعت خديجة إلى رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) فأخبرته بقول ورقة بن نوفل.

فلمّا قضی رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) جواره وانصرف، صنع كما كان يصنع، بدأ بالكعبة فطاف بها، فلقيه ورقة بن نوفل وهو يطوف بالكعبة، فقال يا ابن أخي، أخبرني بما رأيت وسمعت. فأخبره رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)، فقال له ورقة: والذي نفسي بيده إنّك لنبيّ هذه الأُمّة، وقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى، ولتُكذّبنّه ولتُؤذينّه ولتُخرجنّه ولتُقاتلنّه، ولئن أنا أدركتُ ذلك اليوم لأنصرنّ اللّه نصراً يعلمه. ثمّ أدنى رأسه منه فقبّل يافوخه(3)، ثمّ انصرف رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) إلى منزله

تثبّت خديجة من الوحي

قال ابن إسحاق: «وحدّثني إسماعيل بن أبي حكيم(4) مولى آل الزبير، أنّه حدّث عن خديجة(علیها السلام) أنّها قالت لرسول اللّه(صلی الله علیه و آله): أي ابن عمِّ، أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك؟ قال: نعم، قالت: فإذا جاءك فأخبرني به، فجاءه جبرئيل كما كان يصنع، فقال رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) لخديجة: يا خديجة هذا جبرئيل قد جاءني، قالت: قم

ص: 23


1- . قدّوس قدّوس: أي طاهر طاهر، وأصله من التقدیس؛ وهو التطهیر.
2- . الناموس (في الأصل): صاحب سرّ الرجل في خیره وشرّه، فعبّر عن الملك الذي جاءه بالوحي به.
3- . الیافوخ: وسط الرأس.
4- . هو إسماعیل بن أبي حکیم القرشي، روی عن سعید بن المسیّب والقاسم بن محمّد وعبیدة بن شعبان الحضرمي وغیرهم، وعنه مالك وابن إسحاق وإسماعیل بن جعفر وأبو الأسود وغیرهم. وکان عاملاً لعمر بن عبد العزیز. وتوفّي سنة 130 (راجع: تهذیب التهذیب).

يا ابن عمِّ فاجلس على فخذي اليسرى. قال: فقام رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) فجلس عليها، قالت: هل تراه؟ قال: نعم، قالت: فتحوّل فاجلس على فخذي اليمنى. قالت: فتحوّل رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) فجلس على فخذي اليمنى، فقالت: هل تراه؟ قال: نعم، قالت: فتحول فاجلس في حجري. قال: فتحوّل رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) فجلس في حجرها، قالت: هل تراه؟ قال: نعم. قال: فتحسّرت وألقت خمارها ورسول اللّه(صلی الله علیه و آله) جالس في حجرها، ثمّ قالت له: هل تراه؟ قال: لا، قالت يا ابن عمِّ، أثبُت وأبشر، فواللّه إنّه لمَلَك وما هذا بشيطان».

قال ابن إسحاق: «وقد حدّثت عبداللّه(1) بن حسن هذا الحديث، فقال: قد سمعت أُمّي فاطمة بنت حسين تحدّث بهذا الحديث عن خديجة، إلّا أنّي سمعتها تقول: أدخلت رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) بينها وبين درعها، فذهب عند ذلك جبرئيل، فقالت لرسول اللّه(صلی الله علیه و آله): إنّ هذا لمَلَك وما هو بشيطان».

ابتداء تنزيل القرآن

متى نزل القرآن: قال ابن إسحاق: «فابتُدئ رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) بالتنزيل في شهر رمضان، بقول اللّه عزّوجلّ: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ)(2)، وقال اللّه تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ*وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ*لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ*تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ*سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ)(3)، وقال اللّه تعالى: (حم*وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ*إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ*فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ*أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ)(4)، وقال تعالى: (إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ)(5)، وذلك ملتقى رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) والمشركين ببدر».

ص: 24


1- . هو عبد اللّه بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب، وأُمّه فاطمة بنت الحسین أُخت سکینة، واسمها آمنة، وسکینة لقب لها، التي کانت ذات دعابة ومزح.
2- . البقرة: 185.
3- .القدر: 1-5.
4- .الدخان: 1-5.
5- .الأنفال: 41.

تاريخ وقعة بدر: قال ابن إسحاق: «وحدّثني أبو جعفر محمّد بن علي بن حسين: أنّ رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) التقى هو والمشركون ببدر يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من رمضان».

قال ابن إسحاق: «ثمّ تتامّ الوحي إلى رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) وهو مؤمنٌ باللّه مصدّقٌ بما جاءه منه، قد قبله بقبوله، وتحمّل منه ما حمله على رضا العباد وسخطهم والنبوّة أثقال ومؤونة لا يحملها ولا يستطيع بها إلّا أهل القوّة والعزم من الرسل، بعون اللّه تعالى وتوفيقه؛ لما يلقون من الناس وما يرد عليهم ممّا جاؤوا به عن اللّه سبحانه وتعالى.

قال: فمضى رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) على أمر اللّه على ما يلقى من قومه من الخلاف والأذى».

إسلام خديجة بنت خويلد

وقوفها بجانبه(صلی الله علیه و آله): وآمنت به خديجة بنت خويلد وصدّقت بما جاءه من اللّه، ووازرته على أمره، وكانت أوّل من آمن باللّه وبرسوله وصدّق بما جاء منه، فخفّف اللّه بذلك عن نبيّه(صلی الله علیه و آله)، لا يسمع شيئاً ممّا يكرهه من ردٍّ عليه وتكذيبٍ له فيحزنه ذلك، إلّا فرّج اللّه عنه بها إذا رجع إليها، تثبّته وتخفّف عليه وتصدّقه وتهوّن عليه أمر الناس رحمها اللّه تعالى.

تبشير خديجة ببيت من قصب

قال ابن إسحاق: «وحدّثني هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير، عن عبداللّه بن جعفر بن أبي طالب، قال: قال رسول اللّه(صلی الله علیه و آله): أُمرتُ أن أُبشّر خديجة ببيتٍ من قصب، لا صخب فيه ولا نصب».

قال ابن هشام: «القصب: اللؤلؤ المجوّف».

جبرئيل يُقرئ خديجة السلام

قال ابن هشام: «وحدّثني من أثق به أنّ جبرئيل أتى رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) فقال: أقرئ خديجة السلام من ربّها، فقال رسول اللّه(صلی الله علیه و آله): يا خديجة، هذا جبرئيل يُقرئك السلام من ربّك، فقالت خديجة: اللّه السلام ومنه السلام وعلى جبرئيل السلام». …

تعلیم الرسول(صلی الله علیه و آله) خديجة الوضوء والصلاة

فجاء رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) خديجة فتوضّأ لها؛ ليُريها كيف الطهور للصلاة كما أراه جبرئيل، فتوضّأت كما توضّأ لها رسول اللّه عليه الصلاة والسلام، ثمّ صلّى بها رسول اللّه عليه

ص: 25

الصلاة والسلام كما صلّى به جبرئيل، فصلّت بصلاته.

ص: 26

فهرس المصادر

1. الاستیعاب، أبو عمر یوسف بن عبداللّه بن عبدالبرّ النمري (ت463ه )، تحقیق: علي محمّد البجاوي، بیروت: دار الجیل، الطبعة الأُولى، 1412ه .

2. تهذیب التهذیب، أبو الفضل أحمد بن علي العسقلاني (ابن حجر) (ت852ه )، تحقیق: خلیل مأمون شیحا، وعمر السلامي، وعلي بن مسعود، بیروت: دار المعرفة، ودار الفكر، الطبعة الأُولى، 1404ه ، و1417ه .

3. الروض الأنف شرح السیرة النبویة لابن هشام، عبدالرحمن بن عبداللّه السهیلي (ت581ه )، تحقیق: عبدالرحمن الوكیل، بیروت: دار إحیاء التراث العربي، 1412ه .

4. زاد المعاد، أبو عبداللّه محمّد بن أبي بكر ابن قیم الجوزیة (ت751ه )، القاهرة: مؤسّسة المختار، 1427ه .

5. تاریخ الطبري (تاریخ الأُمم والملوك)، أبو جعفر محمّد بن جریر الطبري (ت310ه )، تحقیق: محمّد أبو الفضل إبراهیم، القاهرة: دار المعارف، الطبعة الأُولى، 1968م.

6. المعارف، أبو محمّد عبداللّه بن مسلم بن قتیبة الدینَوَري (ت276ه )، تحقیق: ثروت عكاشة، القاهرة: دار المعارف.

ص: 27

2. ذکر خروج رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) إلی الشام في المرّة الثانیة

اشارة

* ذکر خروج رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) إلی الشام في المرّة الثانیة(1)

ابن سعد

ملخّص البحث:

يرتكز هذا النصّ على نقل المرويات التاريخية حول موضوع السيّدة خديجة بنت خويلد الأسدي، وقصّة عمل رسول اللّه معها في التجارة حين كان في عزّ أيّام شبابه، وما ورد في ذلك من آراء. وما حصل أثناء ذلك من حوادث ومعجزات جعلت خديجة تلك المرأة الشريفة والثرية وذات المكانة العليّة بين أبناء قومها، تفكّر في الزواج من هذا الشابّ الذي كان يُعرف بين أوساط المجتمع المكّي يومذاك باسم الصادق الأمين. وجاء في وصفه لهذه المرأة ونسبها أنّها: خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزّی بن قصيّ، امرأة حازمة جلدة شريفة، مع ما أراد اللّه بها من الكرامة والخير، وهي يومئذٍ أوسط قريش نسباً وأعظمهم شرفاً وأكثرهم مالاً، وكلّ قومها كان حريصاً علی نكاحها لو قدر علی ذلك، قد طلبوها وبذلوا لها الأموال. وذكر أيضاً كيفية الخطبة والزواج، ومن ولدتهم من الأولاد لرسول اللّه(صلی الله علیه و آله).

قال: «أخبرنا محمّد بن عمر بن واقد الأسلمي، أخبرنا موسی بن شيبة عن عميرة بنت عبيد اللّه بن كعب بن مالك، عن أُمّ سعد بنت سعد بن الربيع، عن نفيسة بنت منية أُخت يعلی بن منية، قالت: لمّا بلغ رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) خمساً وعشرين سنة، قال له أبو

ص: 28


1- الطبقات الکبری، بیروت: دار إحیاء التراث العربي: ج1 ص61-63.

طالب: أنا رجلٌ لا مال لي، وقد اشتدّ الزمان علينا، وهذه عِير قومك وقد حضر خروجها إلی الشام، وخديجة بنت خويلد تبعث رجالاً من قومك في عِيراتها، فلو جئتها فعرضت نفسك عليها لأسرَعَت إليك.

وبلغ خديجة ما كان من محاورة عمّه له، فأرسلت إليه في ذلك وقالت له: أنا أُعطيك ضعف ما أعطي رجلاً من قومك».

قال: «أخبرنا عبد اللّه بن جعفر الرقي، حدّثني أبو المليح عن عبد اللّه بن محمّد بن عقيل، قال: قال أبو طالب: يا بن أخي، قد بلغني أنّ خديجة استأجرت فلاناً ببكرين ولسنا نرضی لك بمثل ما أعطته، فهل لك أن تكلّمها؟ قال: ما أحببت.

فخرج إليها فقال: هل لكِ يا خديجة أن تستأجري محمّداً؟ فقد بلغنا أنك استأجرتِ فلاناً ببكرين، ولسنا نرضی لمحمّد دون أربع بكار. قال: فقالت خديجة: لو سألتَ ذاك لبعيدٍ بغيضٍ فعلنا، فكيف وقد سألتَ لحبيبٍ قريبٍ»؟

قال: «أخبرنا محمّد بن عمر، أخبرنا موسی بن شيبة عن عميرة بنت عبيد اللّه بن كعب بن مالك، عن أُمّ سعد بنت سعد بن الربيع، عن نفيسة بنت منية، قالت: قال أبو طالب: هذا رزق قد ساقه اللّه إليك. فخرج مع غلامها ميسرة، وجعل عمومته يوصون به أهل العِير حتّی قدما بصری من الشام، فنزلا في ظلّ شجرة، فقال نسطور الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة قطّ إلّا نبي. ثمّ قال لميسرة: أفي عينيه حمرة؟ قال: قال: نعم لا تفارقه، قال: هو نبي وهو آخر الأنبياء.

ثمّ باع سلعته، فوقع بينه وبين رجل تلاح، فقال له: احلف باللّات والعزّی، فقال رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) ما حلفت بهما قطّ، وإنّي أمرّ فأعرض عنهما، فقال الرجل: القول قولك. ثمّ قال لميسرة: هذا واللّه نبيّ تجده أحبارنا منعوتاً في كتبهم.

وكان ميسرة إذا كانت الهاجرة واشتدّ الحرّ يري ملكين يظلّان رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) من الشمس، فوعی ذلك كلّه ميسرة. وكان اللّه قد ألقی عليه المحبّة من ميسرة، فكان كأنّه عبد له، وباعوا تجارتهم وربحوا ضعف ما كانوا يربحون، فلمّا رجعوا فكانوا بمرّ

ص: 29

الظهران، قال ميسرة: يا محمّد، انطلق إلی خديجة فأخبرها بما صنع اللّه لها علی وجهك، فإنّها تعرف لك ذلك.

فتقدّم رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) حتّی دخل مكّة في ساعة الظهيرة وخديجة في عليةٍ لها، فرأت رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) وهو علی بعيره وملكان يظلّان عليه، فأرته نساءها، فعجبن لذلك. ودخل عليها رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) فخبّرها بما ربحوا في وجههم، فسرّت بذلك، فلمّا دخل ميسرة عليها أخبرته بما رأت، فقال ميسرة: قد رأيت هذا منذ خرجنا من الشام. وأخبرها بما قال الراهب نسطور وبما قال الآخر الذي خالفه في البيع، وقدم رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) بتجارتها، فربحت ضعف ما كانت تربح وأضعفت له ضعف ما سمّت له.

3. ذكر تزويج رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) خديجة بنت خويلد

اشارة

قال: «أخبرنا محمّد بن عمر بن واقد الأسلمي، أخبرنا موسی بن شيبة عن عميرة بنت عبيد اللّه بن كعب بن مالك، عن أُمّ سعد بنت سعد بن الربيع، عن نفيسة بنت منية، قالت: كانت خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزّی بن قصيّ امرأة حازمة جلدة شريفة، مع ما أراد اللّه بها من الكرامة والخير، وهي يومئذٍ أوسط قريش نسباً وأعظمهم شرفاً وأكثرهم مالاً، وكلّ قومها كان حريصاً علی نكاحها لو قدر علی ذلك، قد طلبوها وبذلوا لها الأموال.

فأرسلتني دسيساً إلی محمّد بعد أن رجع في عِيرها من الشام، فقلت: يا محمّد، ما تجيب؟ قال: فمن هي؟ قلت: خديجة، قال: وكيف لي بذلك؟ قالت: قلت: عليَّ، قال:

فأنا أفعل. فذهبت فأخبرتها، فأرسلت إليه أن ائت لساعة كذا وكذا، وأرسلت إلی عمّها عمرو بن أسد ليزوّجها، فحضر ودخل رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) في عمومته، فزوّجه أحدهم، فقال عمرو بن أسد: هذا البضع لا يُقرع أنفه.

وتزوّجها رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) وهو ابن خمس وعشرين سنة وخديجة يومئذٍ بنت أربعين سنة؛ ولدت قبل الفيل بخمس عشرة سنة».

قال: «أخبرنا محمّد بن عمر عن محمّد بن عبد اللّه بن مسلم، عن أبيه، عن محمّد

ص: 30

بن جبير بن مطعم، وعن ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، وعن ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قالوا: إنّ عمّها عمرو بن أسد زوّجها رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)، وإنّ أباها مات قبل الفِجَار».

قال: «أخبرنا هشام بن محمّد بن السائب الكلبي، قال: أخبرني أبي عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، قال: زوّج عمرو بن أسد بن عبد العزّی بن قصيّ خديجة بنت خويلد النبي(صلی الله علیه و آله) وهو يومئذٍ شيخ كبير لم يبق لأسد لصلبه يومئذٍ غيره، ولم يلد عمرو بن أسد شيئاً، قال: أخبرنا خالد بن خُداش بن عجلان، أخبرنا معتمر بن سليمان، قال: سمعت أبي يذكر أنّ أبا مجلز حدّث أنّ خديجة قالت لأُختها: انطلقي إلی محمّد فاذكريني له. أو قال: وسنت علی الشيخ حلّة، فلمّا صحا قال: ما هذه الحلّة؟ قالوا كساكها ختنك محمّد، فغضب وأخذ السلاح، وأخذ بنو هاشم السلاح وقالوا: ما كانت لنا فيكم رغبة. ثمّ إنّهم اصطلحوا بعد ذلك».

قال: «أخبرنا محمّد بن عمر بغير هذا الإسناد: أنّ خديجة سقت أباها الخمر حتّی ثمل، ونحرت بقرة، وخلّقته بخلوق، وألبسته حلّة حبرة، فلمّا صحا قال: ما هذا العقير وما هذا العبير وما هذا الحبير؟ قالت: زوّجتني محمّداً، قال: ما فعلتُ، أنا أفعل هذا وقد خطبك أكابر قريش فلم أفعل؟ قال: وقال محمّد بن عمر: فهذا كلّه عندنا غلط ووهل، والثبت عندنا المحفوظ عن أهل العلم أنّ أباها خويلد بن أسد مات قبل الفِجَار، وأن عمّها عمرو بن أسد زوّجها رسول اللّه(صلی الله علیه و آله).

ذكر أولاد رسول(صلی الله علیه و آله) وتسميتهم

قال: «أخبرنا هشام بن محمّد بن السائب الكلبي عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، قال: كان أوّل من وُلد لرسول اللّه(صلی الله علیه و آله) بمكّة قبل النبوّة القاسم، وبه كان يُكنّی، ثمّ وُلد له زينب ثمّ رقيّة ثمّ فاطمة ثمّ أُمّ كلثوم، ثمّ وُلد له في الإسلام عبد اللّه، فسُمّي الطيّب والطاهر، وأُمّهم جميعاً خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزّی بن قصيّ، وأُمّها فاطمة بنت زائدة بن الأصمّ بن هرم بن رواحة بن حجر بن عبد بن معيص بن

ص: 31

عامر بن لؤي، فكان أوّل من مات من وُلده القاسم، ثمّ مات عبد اللّه بمكّة، فقال العاص بن وائل السهمي: قد انقطع وُلده فهو أبتر، فأنزل اللّه تبارك وتعالی: (إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ)».

قال: «أخبرنا محمّد بن عمر، قال: حدّثني عمرو بن سلمة الهذلي بن سعيد بن محمّد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، قال: مات القاسم وهو ابن سنتين».

قال: «وقال محمّد بن عمر: وكانت سلمی مولاة صفية بنت عبد المطّلب تقبّل خديجة في ولادها، وكانت تعقّ عن كلّ غلام بشاتين وعن الجارية بشاة، وكان بين كلّ ولدين لها سنة، وكانت تسترضع لهم، وتُعِدّ ذلك قبل ولادها».

ص: 32

ص: 33

ذکر تزویج النبي(صلی الله علیه و آله) خدیجة

* ذکر تزویج النبي(صلی الله علیه و آله) خدیجة(1)

محمّد بن جریر الطبري

ملخّص البحث:

في هذا النصّ نقلٌ لما جاء من روايات وأخبار حول زواج النبي(صلی الله علیه و آله) من خديجة بنت خويلد، وكم كان عمر كلّ واحد منهما في ذلك الوقت. وممّا جاء في الأخبار أنّ خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزّی بن قصيّ كانت امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إيّاه بشيء تجعله لهم منه. وكانت قريش قوماً تجّاراً، فلما بلغها عن رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) ما بلغها من صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه، بعثت إليه فعرضت عليه أن يخرج في مالها إلی الشام تاجراً، فقبله منها، وخرج في مالها ذلك. ودوّن بأُسلوب السرد التاريخي ما كان في هذا السفر من معجزات وكرامات شاهدها منه غلام السيّدة خديجة ونقله لها، فازداد إعجابها به، وعرضت عليه الزواج. وكانت خديجة يومئذٍ أوسط نساء قريش نسباً وأعظمهنّ شرفاً وأكثرهنّ مالاً، كلّ قومها كان حريصاً علی ذلك منها لو يقدر عليها. فلمّا قالت ذلك لرسول(صلی الله علیه و آله) ، ذكر ذلك لأعمامه، فخرج معه حمزة بن عبد المطّلب عمّه، حتّی دخل علی خويلد بن أسد، فخطبها إليه، فتزوّجها فولدت له وُلده كلّهم إلّا إبراهيم.

ص: 34


1- تاریخ الطبري، تاریخ الأُمم والملوك، تحقیق: محمّد أبو الفضل إبراهیم، بیروت: دار سویدان: ج2 ص280-282.

قال هشام بن محمّد: «نكح رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) خديجة وهو ابن خمس وعشرين سنة، وخديجة يومئذٍ ابنة أربعين سنة.

حدّثنا ابن حميد، قال: حدّثنا سلمة عن ابن إسحاق، قال: كانت خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزّی بن قصيّ امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إيّاه بشيء تجعله لهم منه، وكانت قريش قوماً تجّاراً، فلمّا بلغها عن رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) ما بلغها من صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه، بعثت إليه فعرضت عليه أن يخرج في مالها إلی الشام تاجراً، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجّار، مع غلامٍ لها يقال له ميسرة، فقبله منها رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)، فخرج في مالها ذلك، وخرج معه غلامها ميسرة، حتّی قدما الشام، فنزل رسول اللّه في ظلّ شجرة قريباً من صومعة راهب من الرهبان(1)، فأطلع الراهب رأسه إلی ميسرة فقال: من هذا الرجل الذي نزل تحت هذه الشجرة؟ فقال له ميسرة: هذا رجل من قريش من أهل الحرم، فقال له الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة قطّ إلّا نبيّ(2).

ثمّ باع رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) سلعته التي خرج بها، واشتری ما أراد أن يشتري، ثمّ أقبل قافلاً إلی مكّة ومعه ميسرة، فكان ميسرة فيما يزعمون إذا كانت الهاجرة واشتدّ الحرّ يري ملكين يظلّانه من الشمس وهو يسير علی بعيره، فلمّا قدم مكّة علی خديجة بمالها، باعت ما جاء به فأضعفت أو قريباً من ذلك. وحدّثها ميسرة عن قول الراهب وعمّا كان يری من إظلال الملكين إيّاه، وكانت خديجة امرأة حازمة لبيبة شريفة، مع ما أراد اللّه بها من كرامته، فلمّا أخبرها ميسرة بما أخبرها، بعثت إلی رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) فقالت له - فيما يزعمون - : يا ابن عمِّ، إنّي قد رغبت

فيك؛ لقرابتك وسِطَتك(3) في قومك وأمانتك وحسن خلقك وصدق حديثك. ثمّ عرضت عليه نفسها، وكانت خديجة يومئذٍ أوسط

ص: 35


1- . هو نسطورا، ولیس هو بحیری المتقدّم ذکره، کذا قاله السهیلي.
2- . قال السهیلي: یرید: ما نزل تحتها هذه الساعة إلّا نبي؛ لبعد العهد بالأنبیاء قبل ذلك.
3- . السطة مثل الوسیط؛ وهو من أوصاف المدح والتفضیل.

نساء قريش نسباً وأعظمهنّ شرفاً وأكثرهنّ مالاً، كلّ قومها كان حريصاً علی ذلك منها لو يقدر عليها.

فلمّا قالت ذلك لرسول اللّه، ذكر ذلك لأعمامه، فخرج معه حمزة بن عبد المطّلب عمّه، حتّی دخل علی خويلد بن أسد(1)، فخطبها إليه، فتزوّجها فولدت له وُلده كلّهم إلّا إبراهيم: زينب ورقيّة وأُمّ كلثوم وفاطمة والقاسم، وبه كان يُكنّی(صلی الله علیه و آله)، والطاهر والطيّب؛ فأمّا القاسم والطاهر والطيّب فهلكوا في الجاهلية، وأمّا بناته فكلّهنّ أدركن الإسلام فأسلمن وهاجرن معه(صلی الله علیه و آله).

حدّثني الحارث، قال: حدّثنا محمّد بن سعد، قال: حدّثنا محمّد بن عمر، قال: حدّثنا معمر وغيره عن ابن شهاب الزهري، وقد قال ذلك غيره من أهل البلدان: خديجة إنّما كانت استأجرت رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) ورجلاً آخر من قريش إلی سوق حُباشة بتهامة، وكان الذي زوّجها إيّاه خويلد، وكان التي مشت في ذلك مولاة مولّدة من مولّدات مكّة.

قال الحارث: قال محمّد بن سعد: قال الواقدي: فكلّ هذا غلط.

قال الواقدي: ويقولون أيضاً إنّ خديجة أرسلت إلی النبي(صلی الله علیه و آله) تدعوه إلی نفسها؛ تعني التزويج، وكانت امرأة ذات شرف، وكان كلّ قريش حريصاً علی نكاحها، قد بذلوا الأموال لو طمعوا بذلك، فدعت أباها فسقته خمراً حتّی ثمل، ونحرت بقرة وخلّقته بخلوق وألبسته حلّة حبرة، ثمّ أرسلت إلی رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) في عمومته، فدخلوا عليه فزوّجه، فلمّا صحا قال: ما هذا العقير وما هذا العبير وما هذا الحبير؟ قالت: زوّجتني محمّد بن عبد اللّه، قال: ما فعلت، إنّي أفعل هذا وقد خطبك أكابر قريش فلم أفعل؟

قال الواقدي: وهذا غلط، والثبت عندنا المحفوظ من حديث محمّد بن عبد اللّه بن مسلم، عن أبيه، عن محمّد بن جبير بن مطعم. ومن حديث ابن أبي الزناد عن هشام

ص: 36


1- . قال السهیلي: «وذکر غیر ابن إسحاق أنّ خویلداً کان إذ ذاك قد هلك، وأنّ الذي أنکح خدیجة(علیها السلام) هو عمّها عمرو بن أسد؛ قاله المبرّد وطائفة معه». وقال أیضاً: «إنّ أبا طالب هو الذي نهض مع رسول اللّه ، وهو الذي خطب خطبة النکاح».

بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. ومن حديث ابن أبي حبيبة عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عبّاس: أنّ عمّها عمرو بن أسد زوّجها رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)، وأنّ أباها مات قبل الفِجَار.

قال أبو جعفر: وكان منزل خديجة يومئذٍ المنزل الذي يُعرف بها اليوم، فيقال: منزل خديجة، فاشتراه معاوية فيما ذُكر، فجعله مسجداً يصلّي فيه الناس، وبناه علی الذي هو عليه اليوم لم يغيّر، وأمّا الحجر الذي علی باب البيت عن يسار من يدخل البيت، فإنّ رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) كان يجلس تحته ويستتر به من الرمي إذا جاءه من دار أبي لهب ودار عدي بن حمراء الثقفي خلف دار ابن علقمة، والحجر ذراع وشبر في ذراع.

ص: 37

4. ذکر الحوادث التي کانت في سنة خمس وعشرین من مولده(صلی الله علیه و آله)

اشارة

* ذکر الحوادث التي کانت في سنة خمس وعشرین من مولده(صلی الله علیه و آله)(1)

محمّد بن الجوزي

ملخّص البحث:

تنقل هذه النصوص الأخبار التي تحدّثت عن السفر الثاني للنبي محمّد(صلی الله علیه و آله) إلى بلاد الشام، وكان فيه منتدباً من قبل خديجة بنت خويلد للتجارة بمالها. وقد تناهى إلى سمع خديجة ما كان في ذلك السفر من كرامات، وبعد العودة من ذلك السفر أرسلت إليه من يدعوه إلى الزواج منها، رغم أنّ كبار قومها كانوا قد عرضوا عليها الزواج، لكنّها رفضتهم. ونقل فيه أيضاً مجريات الخطبة وما دار فيها من الكلام، ومن بعد الزواج كان أوّل ولد وُلد لرسول اللّه(صلی الله علیه و آله) بمكّة قبل النبوّة: القاسم وبه كان يُكنّی، ثمّ وُلد له زينب، ثمّ رقيّة، ثمّ فاطمة، ثمّ أُمّ کلثوم. ثمّ وُلد له في الإسلام عبد اللّه، فسُمّي الطيّب والطاهر، وأُمّهم جميعاً خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزّی بن قصيّ.

فمن ذلك: « خروجه إلی الشام في المرّة الثانية في تجارة لخديجة وتزويجه بها(علیها السلام)».

أخبرنا أبو بكر بن أبي طاهر البزّاز، قال: أخبرنا أبو محمّد الحسن بن علي الجوهري،

ص: 38


1- المنتظم في تاریخ الأُمم والملوك، دراسة وتحقیق: محمّد عبد القادر عطا ومصطفی عبد القادر عطا، بیروت: دار الکتب العلمیة، الطبعة الأُولی، 1412ه /1992م: ج2 ص313-317.

قال: أخبرنا أبو عمرو بن حيويه، قال: أخبرنا أحمد بن معروف الخشّاب، قال: أخبرنا الحارث بن أبي أُسامة، قال: أخبرنا محمّد بن سعد، قال: أخبرنا محمّد بن عمر، قال: حدّثني موسی بن شيبة، عن عميرة بنت عبيد اللّه بن كعب بن مالك، عن أُمّ سعد بنت سعد بن الربيع، عن نفيسة بنت منية أُخت يعلّی بن منيّة، قالت: لمّا بلغ رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) خمساً وعشرين سنة، قال له أبو طالب: أنا رجل فقير لا مال لي، وقد اشتدّ الزمان علينا، وهذه عِير قومك قد حضر خروجها إلی الشام، وخديجة بنت خويلد تبعث رجالاً من قومك في عِيراتها، فلو جئتها فعرضت نفسك عليها لأسرعت إليك. فبلغ خديجة ما كان من محاورة عمّه له، فأرسلت إليه في ذلك، وقالت: أنا أُعطيك ضعف ما أُعطي رجلاً من قومك. فقال له أبو طالب: هذا رزق قد ساقه اللّه إليك.

فخرج مع غلامها ميسرة، وجعل عمومته يوصون به أهل العِير، حتّی قدما بُصری من أرض الشام، فنزلا في ظلّ شجرة، فقال نسطور الراهب: ما نزل تحت هذه قطّ إلّا نبيّ. ثمّ قال لميسرة: أفي عينيه حمرة؟ فقال: نعم لا تفارقه، قال: هو نبيّ، وهو آخر الأنبياء.

ثمّ باع سلعته، فوقع بينه وبين رجل تلاحّ، فقال له: احلف باللّات والعزّی، فقال له رسول اللّه(صلی الله علیه و آله): ما حلفت بهما قطَّ، وإنّي لأمرّ فأعرض عنهما، فقال الرجل: القول قولك. ثمّ قال لميسرة: هذا واللّه نبيّ تجده أحبارنا منعوتا في كتبهم.

وكان ميسرة إذا كانت الهاجرة واشتدّ الحرّ، يری ملكين يظلّان رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) من الشمس، فوعی ذلك كلّه ميسرة، وباعوا تجارتهم وربحوا ضعف ما كانوا يربحون، ودخل مكّة في ساعة الظهيرة وخديجة في علّيّةٍ لها، فرأت رسول اللّه وهو علی بعيره وملكان يظلّان عليه، فأرته نساءها فعجبن لذلك، ودخل عليها رسول اللّه فخبّرها بما ربحوا في تجارتهم ووجههم، فسرّت بذلك، فلمّا دخل عليها ميسرة أخبرته بما رأت، فقال: قد رأيت هذا منذ خرجنا من الشام. وأخبرها بما قال الراهب نسطور، وبما قال الآخر الذي خالفه في البيع.

وكانت خديجة امرأة حازمة جادّة شريفة، مع ما أراد اللّه بها من الكرامة والخير، وهي

ص: 39

يومئذٍ أوسط قريش نسباً وأعظمهم شرفاً وأكثرهم مالاً، وكلّ قومها كان حريصاً علی نكاحها لو قدر علی ذلك، قد طلبوا ذلك وبذلوا الأموال، فأرسلتني دسيساً إلی محمّد(صلی الله علیه و آله) بعد أن رجع من الشام، فقلت: يا محمّد، ما يمنعك أن تزوّج؟ قال: ما بيدي ما أتزوّج به، قلت: فإن كُفيت ذلك ودُعيت إلی الجمال والمال والشرف والكفاءة، ألا تجيب؟ قال: فمن هي؟ قلت: خديجة، قال: وكيف لي بذلك؟ قال: قلت: عليَّ، قال: أفعل.

فذهبت فأخبرتها، فأرسلت إليه أن ائت الساعة كذا وكذا. فأرسلت إلی عمّها عمرو بن أسد ليزوّجها، فحضر ودخل رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) في عمومته، فتزوّجها وهو ابن خمس وعشرين سنة، وخديجة يومئذٍ بنت أربعين سنة(1).

وقد روی قوم: أنّ خديجة سقت أباها الخمر، فلمّا صحا ندم.

قال الواقدي: هذا غلط والصحيح عندنا المحفوظ عند أهل العلم أنّ عمّها زوّجها، وأنّ أباها مات قبل الفِجَار. وذكر ابن فارس: أنّ أبا طالب خطب يومئذٍ فقال: الحمد لله الذي جعلنا من ذرّية إبراهيم، وزرع إسماعيل، وضئضئ(2) معد، وعنصر مضر، وجعلنا حضنة بيته، وسوّاس حرمه، وجعل لنا بيتاً محجوباً، وحرما آمناً، وجعلنا الحكّام علی الناس. ثمّ إنّ ابن أخي هذا محمّد بن عبد اللّه لا يوزن به رجل إلّا رجح به، وإن كان في المال قلّ فإنّ المال ظلّ زائل وأمر حائل، ومحمّد من قد عرفتم قرابته، وقد خطب خديجة بنت خويلد، وبذل لها من الصداق ما آجله وعاجله من مالي، وهو واللّه بعد هذا له نبأ عظيم، وخطر جليل.

فتزوّجها رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)، وكانت خديجة قد ذكرت أوّل ما ذكرت

للأزواج لورقة بن نوفل، فلم يقض بينهما نكاح، فتزوّجها أبو هالة، واسمه: هند، وقيل: مالك بن النبّاش، فولدت له هند وهالة وهما ذكران، ثمّ خلف عليها بعده عتيق بن عائذ المخزومي، فولدت له جارية اسمها: هند، وبعضهم يقدّم عتيقاً علی أبي هالة. ثمّ تزوّجها رسول اللّه(صلی الله علیه و آله).

ص: 40


1- . الطبقات الکبری لابن سعد: ج1 ص129- 132، الوفا لابن الجوزي: رقم: 171، 172.
2- . الضئضئ: الأصل.

قال ابن إسحاق: فولدت له ولده كلّهم إلّا إبراهيم: زينب ورقيّة وأُمّ كلثوم وفاطمة والقاسم، وبه كان يُكنّی، والطاهر، والطيّب؛ وهلك هؤلاء الذكور في الجاهلية، وأدرك الإناث الإسلام، فأسلمن وهاجرن معه. وقال غيره: الطيّب والطاهر لقبان لعبد اللّه، ووُلد في الإسلام.

وأمّا منزل خديجة فإنّه يُعرف بها اليوم، اشتراه معاوية فيما ذُكر، فجعله مسجداً يصلّي فيه الناس، وبناه علی الذي هو عليه اليوم ولم يغيّره.

أخبرنا محمّد بن عبد الباقي، قال: أخبرنا أحمد بن معروف، قال: أخبرنا الحارث بن أبي أُسامة، قال: أخبرنا محمّد بن سعد، قال: أخبرنا هشام بن محمّد بن السائب الكلبي، عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، قال: كان أوّل ولد وُلد لرسول اللّه(صلی الله علیه و آله) بمكّة قبل النبوّة: القاسم، وبه كان يُكنّی، ثمّ وُلد له زينب، ثمّ رقيّة، ثمّ فاطمة، ثمّ أُمّ كلثوم، ثمّ وُلد له في الإسلام عبد اللّه، فسُمّي الطيّب والطاهر، وأُمّهم جميعاً خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزّی بن قصيّ، وأُمّها فاطمة بنت زائدة بن الأصمّ.

وكان أوّل من مات من وُلده: القاسم، ثمّ مات عبد اللّه بمكّة، فقال العاص بن وائل السهمي: قد انقطع ولده فهو أبتر، فأنزل اللّه : (إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ)(1).

قال محمّد بن سعد: وأخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني عمرو بن أبي سلمة، عن سعيد بن محمّد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، قال: مات القاسم وهو ابن سنتين(2).

وقال محمّد بن عمر: وكانت سلمی مولاة صفيّة بنت عبد المطّلب تقبّل خديجة في ولادها، وكانت تعقّ عن كلّ غلام شاتين وعن الجارية شاة، وكان بين كلّ ولدين لها سنة، وكانت تسترضع لهم، وتُعِدّ ذلك قبل ولادتها(3).

ص: 41


1- . الکوثر: 3.
2- . الطبقات الکبری لابن سعد: ج1 ص133.
3- . الطبقات الکبری لابن سعد: ج1 ص133-134.

فهرس المصادر

1. الطبقات الكبرى (الطبقه الخامسة من الصحابة)، محمّد بن سعد الزهري (كاتب الواقدي) (ت230)، تحقیق: محمّد بن صامل السلمي، بیروت: دار صادر، و الطائف: مكتبة الصدّیق، الطبعة الأُولى،1414ه .

2. المنتظم فى تاریخ الملوك و الأُمم، عبدالرحمن بن علي ابن الجوزي، تحقیق: محمّد عبدالقادر عطا، بیروت: دار الكتب العلمیة، 1412ه .

3. وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى، نور الدین علي بن أحمد السمهودي (ت911ه )، تحقیق: محمّد محیي الدین عبد الحمید، بیروت: دار إحیاء التراث العربي، الطبعة الثالثة، 1401ه .

ص: 42

ص: 43

5. ذکر نکاح النبي(صلی الله علیه و آله) خدیجة- ابن الأثیر

ملخّص البحث:

يحتوي النصّ الذي بين أيدينا على ما نقله الرواة بشأن زواج النبي(صلی الله علیه و آله) من خديجة بنت خويلد، وذكر فيه أنّ خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزّی بن قصيّ كانت امرأة تاجرة ذات شرف ومال، وتستأجر في مالها وتضاربهم إيّاه بشيء تجعله لهم منه. فلمّا بلغها عن رسول اللّه صدق الحديث وعظم الأمانة وكرم الأخلاق، أرسلت إليه ليخرج في مالها إلی الشام تاجراً وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره مع غلامها ميسرة. ثمّ أنّها بعد ذلك أرسلت إلی النبي(صلی الله علیه و آله) عارضة عليه الزواج منها، فأخبر أعمامه بالأمر، وخرج معه حمزة بن عبد المطّلب وأبو طالب، وغيرهما من عمومته، حتّی دخل علی خويلد بن أسد، فخطبها إليه فتزوّجها، فولدت له أولاده كلّهم إلّا إبراهيم: زينب، ورقيّة، وأُمّ کلثوم، وفاطمة، والقاسم وبه كان يُكنّی. وعبد اللّه والطاهر والطيّب. وقيل إنّ عبد اللّه وُلد في الإسلام هو والطاهر والطيّب؛ فأمّا القاسم والطاهر والطيّب فهلكوا في الجاهلية ، وأمّا بناته فكنّ أدركن الاسلام فأسلمن وهاجرن معه.

ونكح رسول اللّه خديجة بنت خويلد وهو ابن خمس وعشرين سنة وخديجة يومئذٍ ابنة أربعين سنة؛ وسبب ذلك أنّ خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزّی بن قصي

ص: 44

كانت امرأة تاجر ذات شرف ومال، وتستأجر في مالها وتضاربهم إيّاه بشيءٍ تجعله لهم

منه، وكانت قريش تجّاراً، فلمّا بلغها عن رسول اللّه صدق الحديث وعظم الأمانة وكرم الأخلاق، أرسلت إليه ليخرج في مالها إلی الشام تاجراً وتُعطيه أفضل ما كانت تُعطي غيره، مع غلامها ميسرة، فأجابها وخرج معه ميسرة حتّی قدم الشام، فنزل رسول اللّه في ظلّ شجرة قريباً من صومعة راهب، فأطلع الراهب رأسه إلی ميسرة فقال: من هذا؟ فقال ميسرة: هذا رجل من قريش، فقال الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة إلّا نبيّ.

ثمّ باع رسول اللّه واشتری وعاد، فكان ميسرة إذا كانت الهاجرة يری ملكين يظلّانه من الشمس وهو علی بعيره، فلمّا قدم مكّة ربحت خديجة ربحاً كثيراً، وحدّثها ميسرة عن قول الراهب وما رأی من إظلال الملكين إيّاه.

وكانت خديجة امرأة حازمة عاقلة شريفة، مع ما أراده اللّه من كرامتها، فأرسلت إلی رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) فعرضت عليه نفسها(1)، وكانت أوسط نساء قريش نسباً وأكثرهنّ مالاً وشرفاً، وكلّ قومها كان حريصاً علی ذلك منها لو يقدر عليه، فلمّا أرسلت إلی النبيّ قال لأعمامه، وخرج معه حمزة بن عبد المطّلب وأبو طالب وغيرهما من عمومته، حتّی دخل علی خويلد بن أسد فخطبها إليه، فتزوّجها فولدت له أولاده كلّهم إلّا إبراهيم: زينب ورقيّة وأُمّ كلثوم وفاطمة والقاسم، وبه كان يُكنّی، وعبد اللّه والطاهر والطيّب. وقيل: إنّ عبد اللّه وُلد في الإسلام، هو والطاهر والطيّب، فأمّا القاسم والطاهر والطيّب فهلكوا في الجاهلية، وأمّا بناته فكنّ أدركن الإسلام فأسلمن وهاجرن معه.

وقيل: إنّ الذي زوّجها عمّها عمرو بن أسد، وأنّ أباها مات قبل التجارة. قال الواقدي: وهو الصحيح؛ لأنّ أباها توفّي قبل الفِجَار، وكان منزل خديجة يومئذٍ المنزل الذي يُعرف بها اليوم، فقال: إنّ معاوية اشتراه وجعله مسجداً يصلّي فيه. وكان الرسول بين خديجة وبين النبي، نفيسه بنت منيّة أُخت يعلّی بن منيّة، وأسلمت يوم الفتح فبرّها رسول اللّه وأكرمها.

ص: 45


1- . عرضت نفسها بواسطة نفیسة بنت منیة، أُخت یعلّی بن منیة، کما سیذکره المصنّف.

6. تزویجه(علیها السلام) خدیجة بنت خویلد بن أسد بن العُزّی بن قصيّ

* تزویجه(علیها السلام) خدیجة بنت خویلد بن أسد بن العُزّی بن قصيّ(1)

أبو الفداء إسماعیل بن کثیر (701 -747ه )

ملخّص البحث:

يقتصر هذا البحث على نقل نصوص تاريخية عن كتب أُخرى سابقة عليه من كتب التاريخ والسيرة، من غير أن يبدي رأياً في تأييد تلك النصوص أو رفضها، أو إبداء ملاحظات أو اعتراضات عليها. كما أنّه يتحاشى التشكيك في أيٍّ من تلك النصوص، ولم يتوقّف عند أيٍّ منها، ولم يوجّه نقداً ولم يأتِ بما يتعارض حتّى مع تلك المرويات التي تتعارض مع ما هو مشهور في كتب التاريخ. فهذا النصّ الذي بين أيدينا مجرّد نقل وتكرار لنصوص سابقة عليه، ولا يختلف عنها في شيء سوى التقديم والتأخير، وفقاً لما يرتئيه من تبويبه للموضوعات.

قال ابن إسحاق: وكانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال على مالها مضاربةً، فلمّا بلغها عن رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) ما بلغها من صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه، بعثت إليه فعرضت عليه أن يخرج لها في مالٍ تاجراً إلى الشام وتعطيه أفضل ما تعطي غيره من التجّار، مع غلامٍ لها يقال له ميسرة، فقبله رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) منها، وخرج في مالها ذاك وخرج معه غلامها ميسرة، حتّى نزل الشام، فنزل رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) في ظلّ شجرة قريباً من صومعة راهب من الرهبان، فاطّلع الراهب إلى ميسرة فقال: مَن هذا الرجل الذي نزل تحت الشجرة؟ فقال ميسرة: هذا رجل من قريش من أهل

ص: 46


1- السیرة النبویة، تحقیق: مصطفی عبد الواحد، بیروت: دار إحیاء التراث: ج1 ص262 - 267.

الحرم، فقال له الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة إلّا نبيّ(1).

ثمّ باع رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) سلعته يعنى تجارته التي خرج بها، واشترى ما أراد أن يشتري، ثمّ أقبل قافلاً إلى مكّة ومعه ميسرة. فكان ميسرة فيما يزعمون إذا كانت الهاجرة واشتدّ الحرّ، يرى مَلَكين يظلّانه من الشمس وهو يسير على بعيره.

فلمّا قدم مكّة على خديجة بمالها، باعت ما جاء به فأضعف أو قريباً، وحدّثها ميسرة عن قول الراهب، وعمّا كان يرى من إظلال الملائكة إيّاه، وكانت خديجة امرأة حازمة شريفة لبيبة، مع ما أراد اللّه بها من كرامتها، فلمّا أخبرها ميسرة ما أخبرها، بعثت إلى رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) فقالت له فيما يزعمون: يا ابن عمِّ، إنّي قد رغبت فيك لقرابتك ووِسطتك(2) في قومك وأمانتك وحسن خلقك وصدق حديثك. ثمّ عرضت نفسها عليه. وكانت أوسط نساء قريش نسباً وأعظمهنّ شرفاً وأكثرهنّ مالاً، كلّ قومها كان حريصاً على ذلك منها لو يقدر عليه.

فلمّا قالت ذلك لرسول اللّه(صلی الله علیه و آله) ذكر ذلك لأعمامه، فخرج معه عمّه حمزة حتّى دخل على خويلد بن أسد، فخطبها إليه، فتزوّجها عليه الصلاة والسلام.

قال ابن هشام: فأصدقها عشرين بكرة، وكانت أوّل امرأة تزوّجها، ولم يتزوّج عليها غيرها حتّى ماتت.

قال ابن إسحاق: فولدت لرسول اللّه(صلی الله علیه و آله) وُلده كلّهم إلّا إبراهيم: القاسم وكان به يُكنّى، والطيّب، والطاهر، وزينب، ورقيّة، وأُمّ كلثوم، وفاطمة.

قال ابن هشام: أكبرهم القاسم، ثمّ الطيّب، ثمّ الطاهر. وأكبر بناته رقيّة، ثمّ زينب، ثمّ أُمّ كلثوم، ثمّ فاطمة.

قال البيهقي عن الحاكم: قرأتُ بخطّ أبي بكر بن أبي خيثمة: حدّثنا مصعب بن عبد

اللّه الزبيري، قال: أكبر ولده عليه الصلاة والسلام القاسم، ثمّ زينب، ثمّ عبد اللّه، ثمّ أُمّ

ص: 47


1- . يريد: ما نزل الآن، وإلّا فلم یخل أن ينزل تحتها کثير من الناس غير أنبياء.
2- . وَسِطتك: توسّطك في قومك وکونك من أعرقهم. وتُروی: وصیتك.

كلثوم، ثمّ فاطمة، ثمّ رقيّة. وكان أوّل من مات من ولده القاسم، ثمّ عبد اللّه.

وبلغت خديجة خمساً وستّين سنة، ويقال خمسين، وهو أصحّ. وقال غيره: بلغ القاسم أن يركب الدابّة والنجيبة، ثمّ مات بعد النبوّة، وقيل: مات وهو رضيع، فقال رسول اللّه(صلی الله علیه و آله): «إنّ له مرضعاً في الجنّة يستكمل رضاعَه». المعروف أنّ هذا في حق إبراهيم.

وقال يونس بن بكير: حدّثنا إبراهيم بن عثمان عن القاسم، عن ابن عبّاس، قال: ولدت خديجة لرسول اللّه(صلی الله علیه و آله) غلامين وأربع نسوة: القاسم، وعبد اللّه، وفاطمة، وأُمّ كلثوم، وزينب، ورقيّة.

وقال الزبير بن بكار: عبد اللّه هو الطيّب وهو الطاهر؛ سُمّي بذلك لأنّه وُلد بعد النبوّة. [وأمّا الباقون] فماتوا قبل البعثة، وأمّا بناته فأدركن البعثة ودخلن في الإسلام، وهاجرن معه(صلی الله علیه و آله).

قال ابن هشام: وأمّا إبراهيم، فمن مارية القبطية التي أهداها له المقوقس صاحب إسكندرية من كورة أنضاء(1).

وسنتكلّم على أزواجه وأولاده عليه الصلاة والسلام في باب مفرد لذلك في آخرة السيرة إن شاء اللّه تعالى، وبه الثقة.

***

قال ابن هشام: «وكان عمر رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) حين تزوّج خديجة خمساً وعشرين سنة، فيما حدّثني غير واحد من أهل العلم، منهم أبو عمرو المدني». وقال يعقوب بن سفيان: «كتبتُ عن إبراهيم ابن المنذر: حدّثني عمر بن أبي بكر المؤمّلي، حدّثني غير واحد أنّ عمرو بن أسد زوّج خديجة من رسول اللّه(صلی الله

علیه و آله) وعمره خمس وعشرون سنة، وقريش تبني الكعبة». وهكذا نقل البيهقي عن الحاكم أنّه كان عمر رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) حين تزوّج خديجة خمساً وعشرين سنة، وكان عمرها إذ ذاك خمساً وثلاثين، وقيل: خمساً وعشرين سنة.

ص: 48


1- . مدینة بالصعید شرق النیل.

وقال البيهقي «باب ما كان يشتغل به رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) قبل أن يتزوّج خديجة»: «أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ، أخبرنا أبو بكر بن عبد اللّه، أخبرنا الحسن بن سفيان، حدّثنا سويد بن سعيد، حدّثنا عمرو بن أبي يحيى بن سعيد القرشي، عن جدّه سعيد عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه(صلی الله علیه و آله): "ما بعث اللّه نبيّاً إلّا راعي غنم"، فقال له أصحابه: وأنت يا رسول اللّه؟ قال: "وأنا رعيتها لأهل مكّة بالقراريط". رواه البخاري عن أحمد بن محمّد المكّي عن عمرو بن يحيى به».

ثمّ روى البيهقي من طريق الربيع بن بدر وهو ضعيف عن أبي الزبير عن جابر، قال: «قال رسول اللّه(صلی الله علیه و آله): "آجرتُ نفسي من خديجة سفرتين بقلوص"».

وروى البيهقي من طريق حمّاد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن عمّار بن أبي عمّار، عن ابن عبّاس: «إنّ أبا خديجة زوّج رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) وهو أظنّه قال سكران».

ثمّ قال البيهقي: «أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطّان، أنبأنا عبد اللّه بن جعفر، حدّثنا يعقوب بن سفيان، قال: حدّثني إبراهيم بن المنذر، حدّثني عمر بن أبي بكر المؤمّلي، حدّثني عبد اللّه بن أبي عُبيد بن محمّد بن عمّار بن ياسر عن أبيه، عن مقسم بن أبي القاسم مولى عبد اللّه بن الحارث بن نوفل، أنّ عبد اللّه بن الحارث حدّثه أنّ عمّار بن ياسر كان إذا سمع ما يتحدّث به الناس عن تزويج رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) خديجة وما يكثرون فيه، يقول: أنا أعلم الناس بتزويجه إيّاها، إنّي كنت له ترباً، وكنت له إلفاً وخدناً، وإنّي خرجت مع رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) ذات يوم حتّى

إذا كنّا بالحزورة أجزنا على أُخت خديجة وهي جالسة على أدم تبيعها، فنادتني فانصرفت إليها، ووقف لي رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)، فقالت: أما بصاحبك هذا من حاجة في تزويج خديجة؟

قال عمّار: فرجعت إليه فأخبرته فقال: بلى لعمري. فذكرت لها قول رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)، فقالت: اغدوا علينا إذا أصبحنا. فغدونا عليهم فوجدناهم قد ذبحوا بقرة وألبسوا أبا خديجة حلّة وصُفّرت لحيته، وكلّمت أخاها فكلّم أباه وقد سُقي خمراً، فذكر له رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) ومكانه، وسأله أن يزوّجه، فزوّجه خديجة، وصنعوا من البقرة طعاماً، فأكلنا منه،

ص: 49

ونام أبوها ثمّ استيقظ صاحياً، فقال: ما هذه الحلّة وما هذه الصفرة وهذا الطعام؟ فقالت له ابنته التي كانت قد كلّمت عمّاراً: هذه حلّة كساكها محمّد بن عبد اللّه ختنك، وبقرة أهداها لك، فذبحناها حين زوّجته خديجة. فأنكر أن يكون زوّجه، وخرج يصيح حتّى جاء الحجر، خرج بنو هاشم برسول اللّه(صلی الله علیه و آله) فجاؤوه فكلّموه، فقال: أين صاحبكم الذي تزعمون أنّي زوّجته خديجة؟ فبرز له رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)، فلمّا نظر إليه قال: إن كنت زوّجته فسبيل ذاك، وإن لم أكن فعلت فقد زوّجته».

وقد ذكر الزهري في سيره أنّ أباها زوّجها منه وهو سكران. وذكر نحو ما تقدّم.

حكاه السهيلي.

قال المؤمّلي: «المجتمع عليه أنّ عمّها عمرو بن أسد هو الذي زوّجها منه، وهذا هو الذي رجّحه السهيلي، وحكاه عن ابن عبّاس وعائشة، قالت: وكان خويلد مات قبل الفِجَار، وهو الذي نازع تُبّعاً حين أراد أخذ الحجر الأسود إلى اليمن، فقام في ذلك خويلد وقام معه جماعة من قريش، ثمّ رأى تبع في منامه ما روّعه، فنزع عن ذلك وترك

الحجر الأسود مكانه».

وذكر ابن إسحاق في آخر السيرة أنّ أخاها عمرو بن خويلد هو الذي زوّجها رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)، فاللّه أعلم.

ص: 50

ص: 51

7. باب سفره إلی الشام ثانیاً - ابن برهان الحلبي

ملخّص البحث:

هنا سردٌ لقصّة سفر النبي(صلی الله علیه و آله) إلى بلاد الشام مضارباً بأموال خديجة التي انتدبته إلى هذا العمل بعدما سمعت عن أمانته واستقامته. وقد حصلت لمحمّد(صلی الله علیه و آله) في هذا السفر كرامات، وجاءت بشأنها أخبار يندرج بعضها في سياق المعقولات، والآخر منها يدخل في عداد الأساطير والمبالغات. وهو هنا يجري تمحيصاً سطحياً وغربلة للأخبار، ومقارنة بينها لاستجلاء حقيقة الأمر. أمّا بالنسبة إلى خديجة، فقد كانت امرأة حازمة جلدة، وهي يومئذٍ أوسط نساء قريش نسباً وأعظمهنّ شرفاً وأكثرهنّ مالاً وأحسنهنّ جمالاً، وكانت تُدعی في الجاهلية بالطاهرة. بعدما عرضت على النبي(صلی الله علیه و آله) الزواج منها، جاء مع عمومته خاطبين، وتمّ الزواج، وأنجبت له أولاده كلّهم ما عدا إبراهيم الذي كانت أُمّه مارية القبطية. ونقل الآراء المختلفة في عمر خديجة يوم زواجها من رسول اللّه(صلی الله علیه و آله).

وذلك مع ميسرة غلام خديجة بنت خويلد(علیها السلام)، لمّا بلغ رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) خمسا وعشرين سنة؛ أي علی الراجح من أقوالٍ ستّة(1)، وعليه جمهور العلماء، وتلك أقوال

ص: 52


1- .والتي ترجّحت فیها سنّه بین إحدی وعشرین وثلاثین.

ضعيفة لم تقم لها حجّة علی ساق، وليس له(صلی الله علیه و آله) اسم بمكّة إلّا الأمين؛ لما تكامل فيه من خصال الخير كما تقدّم. وسبب ذلك أنّ عمّه أبا طالب قال له: يا ابن أخي، أنا رجل لا مال لي وقد اشتدّ الزمان(1) - أي القحط - وألحّت علينا - أي أقبلت ودامت - سنون منكرة - أي شديدة الجدب - وليس لنا مادّة - أي ما يمدّنا وما يقوّمنا ولا تجارة، وهذه عِير قومك - وتقدّم أنّها الإبل التي تحمل الميرة، وفي رواية عِيرات جمع عِير - قد حضر خروجها إلی الشام، وخديجة بنت خويلد تبعث رجالاً من قومك في عِيراتها فيتّجرون لها في مالها ويصيبون منافع، فلو جئتها فوضعت نفسك عليها لأسرعت إليك وفضّلتك علی غيرك؛ لما يبلغها عنك من طهارتك، وإن كنت لأكره أن تأتي الشام، وأخاف عليك من يهود، ولكن لا تجد لك من ذلك بدّاً. فقال له رسول اللّه(صلی الله علیه و آله): فلعلّها ترسل إليَّ في ذلك، فقال أبو طالب: إنّي أخاف أن تولّی غيرك فتطلب أمراً مدبراً.

فافترقا، فبلغ خديجة(علیها السلام) ما كان من محاورة عمّه أبي طالب له، فقالت: ما علمت أنّه يريد هذا. ثمّ أرسلت إليه(صلی الله علیه و آله) فقالت: إنّي دعاني إلی البعثة إليك ما بلغني من صدق حديثك وعظم أمانتك وكرم أخلاقك، وأنا أُعطيك ضعف ما أعطي رجلاً من قومك. ففعل رسول اللّه، ولقي عمّه أبا طالب فذكر له ذلك، فقال: إنّ هذا لرزق ساقه اللّه إليك. فخرج(صلی الله علیه و آله) مع غلامها ميسرة؛ أي يريد الشام، وقالت خديجة لميسرة: لا تعصِ له أمراً ولا تخالف له رأياً. وجعل عمومته يوصون به أهل العِير؛ أي ومن حين سيره(صلی الله علیه و آله) أظللته الغمامة.

فلمّا قدم(صلی الله علیه و آله) الشام نزل في سوق بُصری في ظلّ شجرة قريبة من صومعة راهب يقال له نسطورا؛ أي بالقصر، فاطّلع الراهب إلی ميسرة - وكان يعرفه - فقال: يا ميسرة، من هذا الذي نزل تحت الشجرة؟ فقال ميسرة: رجل من قريش من أهل الحرم، فقال له الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة قطّ إلّا نبيّ؛ أي صانها اللّه تعالی عن أن ينزل تحتها غير نبيّ، ثمّ قال له: أفي عينيه حمرة؟ قال ميسرة: نعم لا تفارقه، فقال الراهب: هو هو،

ص: 53


1- .إضافة الشارح.

وهو آخر الأنبياء، ويا ليت أنّي أُدركه حين يُؤمر بالخروج؛ أي يبعث، فوعی ذلك ميسرة؛ أي والحمرة كانت في بياض عينيه، وهي الشكلة(1)، ومن ثمّ قيل في وصفه(صلی الله علیه و آله): أشكل العينين، فهذه الشكلة من علامات نبوّته في الكتب القديمة؛ أي وقد تقدّم ذلك.

قال: وفي الشرف للنيسابوري: فلمّا رأی الراهب الغمامة تظلّله فزع وقال: ما أنتم عليه؟ - أي أيّ شيء أنتم عليه - قال ميسرة غلام خديجة(علیها السلام): فدنا إلی النبي سرّاً من ميسرة وقبّل رأسه وقدمه، وقال: آمنتُ بك وأنا أشهد أنّك الذي ذكره اللّه في التوراة(2). ثمّ قال: يا محمّد، قد عرفت فيك العلامات كلّها؛ أي العلامات الدالّة علی نبوّتك المذكورة في الكتب القديمة، خلا خصلة واحدة، فأوضح لي عن كتفك. فأوضح له فإذا هو بخاتم النبوّة يتلألأ، فأقبل عليه يقبّله ويقول: أشهد أن لا إله إلّا اللّه، وأشهد أنّك رسول اللّه، النبيّ الأُمّي الذي بشّر بك عيسی بن مريم، فإنّه قال: لا ينزل بعدي تحت هذه الشجرة إلّا النبيّ الأُمّي الهاشمي العربي المكّي، صاحب الحوض والشفاعة، وصاحب لواء الحمد. انتهی.

أقول: قال في النور(3): ولم أجد أحداً عدّ هذا الراهب الذي هو نسطورا في الصحابة؟رضهم؟، كما عدّ بعضهم فيها بحيرا الراهب، وينبغي أن يكون هذا مثله، هذا كلامه. وقد قدّمنا أنّه سيأتي أنّ بحيرا ونسطورا ونحوهما ممّن صدّق بأنّه(صلی الله علیه و آله) نبيّ هذه الأُمّة من أهل الفترة لا من أهل الإسلام، فضلاً عن كونه صحابياً؛

لأنّ المسلم من أقرّ برسالته(صلی الله علیه و آله) بعد وجودها، إلی آخر ما يأتي.

ومن ثمّ ذكر الحافظ ابن حجر في الإصابة أنّ بحيرا ممّن ذُكر في كتب الصحابة غلطاً. قال: لأنّ تعريف الصحابي لا ينطبق عليه، وهو مسلم لقی النبي مؤمناً به ومات علی ذلك. قال: فقولي «مسلم» يُخرج من لقيه مؤمناً به قبل أن يُبعث كهذا الرجل؛

ص: 54


1- .الشکلة: الحمرة في بیاض، جمعها: شُکل.
2- .جاء ذکره في الإنجیل، ولمّا کان الکتابان یُدعیان «الکتاب المقدّس»، فقد توهّموا بالاسم.
3- .نور الحدیقة للسیوطي.

يعني بحيرا. هذا كلامه ومراده ما ذكرنا.

ولعلّ نسطورا هذا هو الذي تُنسب إليه النسطورية من النصاری(1)، فإنّ النصاری افترقت ثلاث فرق: نسطورية(2)، قالوا: «عيسی ابن اللّه»، ويعقوبية(3)، قالوا: «عيسی هو اللّه هبط إلی الأرض ثمّ صعد إلی السماء»، وملكانية(4)، قالوا: عيسی عبد اللّه ونبيّه». زاد بعضهم فرقة رابعة وهم إسرائيلية، قالوا: «هو إله وأُمّه إله واللّه إله».

هذا وفي القاموس: النُّسطورية - بالضمّ ويُفتح - : أُمّة من النصاری تخالف بقيّتهم، وهم أصحاب نسطور الحكيم الذي ظهر في أيّام المأمون وتصرّف في الإنجيل برأيه، وقال: إنّ اللّه واحد ذو أقانيم(5) ثلاثة، وهو بالرومية نسطورس. كما افترقت اليهود ثلاث فرق، فإنّها افترقت إلی قرّائية وربّانية وسامرية.

ولا يخفی أنّ بقاء تلك الشجرة هذا الزمن الطويل قبل عيسی وبعده إلی زمن نبيّنا(صلی الله علیه و آله) علی خلاف العادة، وصرف غير الأنبياء عن النزول تحت تلك الشجرة، وكذا صرف الأنبياء الذين وُجدوا بعد عيسی علی ما تقدّم عن النزول تحت تلك الشجرة بعد عيسی الذي دلّت عليه الرواية الأُولی والرواية الثانية، ممكن، وإن كانت الشجرة لا تبقی في العادة هذا الزمن الطويل(6)، ويبعد في العادة أن تكون شجرة تخلو عن أن ينزل تحتها أحد غير الأنبياء؛ لأنّ هذا الأمر مع كونه خارقاً للعادة والأنبياء لهم خرق

ص: 55


1- .هذا غیر صحیح؛ لأنّ نسطور هو بطریرك القسطنطینیة بین 428-430، وعاش في القرن الخامس المیلادي، وقد حرمه المجمع المسکوني عام 431م.
2- .النسطوریة والنساطرة: طائفة من المسیحیین الآشوریین ینتسبون إلی نسطور بطریرك القسطنطینیة.
3- .یعقوبیة أو یعاقبة: طائفة قالت بالطبیعة الواحدة، وینتسبون إلی یعقوب البردعي أسقف الرُّها، ویُسمّون السریان القدیم أو الأرثوذکس؛ تمییزاً عن السریان الکاثولیك.
4- . ملکانیة أو ملکیون: المسیحیون الذین خضعوا للمجمع الخلقیدوني عام 451م، الذي انحاز إلیه الملك مرقیانوس، وهم في طاعة بطریرك إنطاکیة.
5- . الأقنوم: کلمة سریانیة؛ معناها الشخص والأصل.
6- . واحتمال بقائها أنّها کانت شجرة زیتون؛ لأنّ شجر الزیتون یُعمّر ثلاثة آلاف سنة. هذا ما جاء في السیرة النبویة والآثار المحمّدیة: ج1 ص102.

العوائد سيّما نبيّنا(صلی الله علیه و آله).

وبهذا يُرَدّ قول السهيلي: يريد ما نزل تحت هذه الشجرة الساعة إلّا نبيّ، ولم يرد: ما نزل تحتها قطّ إلّا نبي؛ لبعد العهد بالأنبياء: قبل ذلك، وإن كان في لفظ الخبر «قطّ»؛ أي كما تقدّم، فقد تكلّم بها علی جهة التأكيد للنفي، والشجرة لا تُعمّر في العادة هذا العمر الطويل حتّی يُدری أنّه لم ينزل تحتها إلّا عيسی أو غيره من الأنبياء، ويبعد في العادة أيضاً أن تكون شجرة تخلو من أن ينزل تحتها أحد حتّی يجيء نبيّ.هذا كلامه.

وقد يقال: يجوز أن تكون تلك الشجرة كانت شجرة زيتون، فقد ذُكر أنّ شجرة الزيتون تُعمّر ثلاثة آلاف سنة. علی أنّ في بعض الروايات: ونزل رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) تحت شجرة يابسة نحر عودها، فلمّا اطمأنّ تحتها اخضرّت ونوّرت واعشوشب ما حولها، وأينع ثمرها وتدلّت أغصانها ترفرف علی رسول اللّه.

قال بعضهم: المختار عند جمهور المحقّقين من أهل السنّة أنّ كلّ ما جاز وقوعه للأنبياء عليهم الصلاة والسلام من المعجزات، جاز للأولياء مثله من الكرامات، بشرط عدم التحدّي؛ لأنّ المعجزة يعتبر فيها التحدّي وأن تكون بعدالنبوّة وما قبل النبوّة، كما هنا يقال له: إرهاص(1).

وحينئذٍ لا يُستبعد ما ذُكر عن الشيخ رسلان أنّه كان إذا استند إلی شجرة يابسة قد ماتت، تورق ويخرج ثمرها في الحال، علی أنّه سيأتي في الكلام علی غزاة الخندق، أنّ كرامات الأولياء معجزات لأنبيائهم.

ولمّا رأی الراهب ما ذُكر، لم يتمالك الراهب أن انحدر من صومعته وقال له: باللّات والعزّی ما اسمك؟ فقال له: إليك عنّي ثكلتك أُمّك! ومع ذلك الراهب رقّ مكتوب، فجعل ينظر في ذلك الرقّ، ثمّ قال: هو هو ومنزل التوراة! فظنّ بعض القوم أنّ الراهب يريد بالنبي مكراً، فانتضی سيفه وصاح: يا آل غالب يا آل غالب، فأقبل الناس يهرعون إليه من كلّ ناحية يقولون: ما الذي راعك؟ فلمّا نظر الراهب إلی ذلك أقبل

ص: 56


1- . الإرهاص: التأسیس والتثبیت.

يسعی إلی صومعته، فدخلها وأغلق عليه بابها، ثمّ أشرف عليهم فقال: يا قوم، ما الذي راعكم منّي؟ فوالذي رفع السماوات بغير عمدٍ إنّي لأجد في هذه الصحيفة أنّ النازل تحت هذه الشجرة هو رسول ربّ العالمين، يبعثه اللّه بالسيف المسلول وبالريح الأكبر، وهو خاتم النبيّين، فمن أطاعه نجا، ومن عصاه غوی.

ثمّ حضر رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) سوق بُصری، فباع سلعته التي خرج بها واشتری. قال: ولم أقف علی تعيين ما باعه وما اشتراه. انتهی.

وكان بينه(صلی الله علیه و آله) وبين رجل اختلاف في سلعة، فقال الرجل لرسول اللّه: احلف باللّات والعزّی، فقال النبي(صلی الله علیه و آله): ما حلفت بهما قطّ، فقال الرجل: القول قولك، ثمّ قال الرجل لميسرة وقد خلا به: يا ميسرة، هذا نبيّ، والذي نفسي بيده إنّه لهو الذي تجده أحبارنا منعوتاً؛ أي في الكتب. فوعی ميسرة ذلك.

وقبل أن يصلوا إلی بُصری عيي بعيران لخديجة وتخلّف معهما ميسرة، وكان رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) في أوّل الركب، فخاف ميسرة علی نفسه وعلی البعيرين، فانطلق يسعی إلی رسول اللّه، فأخبره بذلك، فأقبل رسول اللّه إلی البعيرين، فوضع يده

علی أخفافهما وعوّذهما، فانطلقا في أوّل الركب ولهما رغاء(1).

قال: وفي الشرف: أنّهم باعوا متاعهم وربحوا ربحاً ما ربحوا مثله قطّ. قال ميسرة: يا محمّد، اتّجرنا لخديجة أربعين سنة ما ربحنا ربحاً قطّ أكثر من هذا الربح علی وجهك. انتهی.

أقول: لا يخفی ما في قول ميسرة: «اتّجرنا لخديجة أربعين سنة»، ولعلّها مصحّفة عن سفرة، أو هو علی المبالغة، واللّه أعلم.

ثمّ انصرف أهل العِير جميعاً راجعين مكّة، وكان ميسرة يری ملكين يظلّلانه(صلی الله علیه و آله) من الشمس وهو علی بعيره إذا كانت الهاجرة واشتدّ الحرّ، وهذا هو المعنيّ بقول الخصائص الصغری: وخُصّ(صلی الله علیه و آله) بإظلال الملائكة له في سفره. ويُحتمل أنّ المراد في كلّ

ص: 57


1- .رغاء الإبل: صوتها.

سفر سافره، لكن لم أقف علی إظلال الملائكة له في غير هذا السفرة.

وقد ألقی اللّه تعالی محبّة رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) في قلب ميسرة، فكان كأنّه عبده، فلمّا كانوا بمرّ الظهران - أي وهو وادٍ بين مكّة وعسفان، وهو الذي تسمّيه العامّة بطن مرو، وهو المعروف الآن بوادي فاطمة - قال ميسرة للنبي: هل لك أن تسبقني إلی خديجة فتخبرها بالذي جری؛ لعلّها تزيدك بكرةً إلی بكرتيك؛ أي وفي رواية تخبرها بما صنع اللّه تعالی لها علی وجهك.

فركب النبي(صلی الله علیه و آله) وتقدّم حتّی دخل مكّة في ساعة الظهيرة، وخديجة في علّيّة(1) - أي في غرفة مع النساء - فرأت رسول اللّه حين دخل وهو راكب علی بعيره وملكان يظلّلان عليه، فأرته نساءها فعجبنَ لذلك، ودخل عليها رسول اللّه فخبّرها بما ربحوا، وهو ضعف ما كانت تربح، فسرّت بذلك وقالت: أين ميسرة؟ قال:

خلّفته في البادية، قالت: عجّل إليه ليعجل بالإقبال؛ وإنّما أرادت أن تعلم أهو الذي رأت أم غيره؟ فركب رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)، وصعدت خديجة تنظر، فرأته علی الحالة الأُولی، فاستيقنت أنّه هو، فلمّا دخل عليها ميسرة أخبرته بما رأت، فقال لها ميسرة: قد رأيت هذا منذ خرجنا من الشام.

وإلی ذلك أشار الإمام السبكي في تائيته بقوله:

وميسرة قد عاين الملكين إذ

أظلّاك لمّا سرت ثاني سفرة

وأخبرها ميسرة بقول الراهب نسطورا، وقول الآخر الذي حالفه؛ أي استحلفه في البيع، وقصّة البعيرين، وحينئذٍ أعطت خديجة له(صلی الله علیه و آله) ضعف ما سمّته له؛ أي وما سمّته له ضعف ما كانت تعطيه لرجل من قومه، كما تقدّم. وقول ميسرة له(صلی الله علیه و آله) فيما تقدّم: «لعلّها تُزيدك بكرةً إلی بكرتيك»، يدلّ علی أنّها سمّت له بكرتين، وكانت تُسمّي لغيره بكرةً، وفي كلام بعضهم: وفي الروض الباسم(2): استأجرته علی أربع بكرات. وفي الجامع الصغیر ما نصّه: «آجرتُ نفسي من خدیجة سفرتین بقلوصین(3)»، ثمّ رأیت في الإمتاع ما یوافق ذلك، ونصّه: آجر(صلی الله علیه و آله)

ص: 58


1- .العلیّة: الغرفة العالیة.
2- . الروض الباسم لأبي حیّان الأندلسي، توفّي سنة 745ه- .
3- . القلوص من الإبل، أو ما یُرکب من إناثها.

نفسه من خدیجة سفرتین بقلوصین، وفي السفرة الأُولی أرسلته مع عبدها میسرة إلی سوق حُباشة؛ وهو مکان بأرض الیمن بینه وبین مکّة ستّ لیالٍ، کانوا یبتاعون فیه ثلاثة أیّام من أوّل رجب في کلّ عام، فابتاعا منه بُزّاً ورجعا إلی مکّة، فربحا ربحاً حسناً، وفي السفرة الثانیة أرسلته مع عبدها میسرة إلی الشام.

وفیه: إنّ سفره مع میسرة إلی الشام سفرةٌ ثالثةٌ، فعن مستدرك الحاکم وصحّحه وأقرّه الذهبي: عن جابر: أنّ خدیجة استأجرته(صلی الله علیه و آله) سفرتین إلی جُرش - بضمّ الجیم وفتح الراء: موضع بالیمن - کلّ سفرة بقلوص؛ وهي الشابّة من الإبل؛ وهو یفید

أنّه(صلی الله علیه و آله) سافر لها ثلاث سفرات کما تقدّم. ولعلّ سوق حُباشة هو جُرش، وإلّا لزم أن یکون(صلی الله علیه و آله) سافر لها خمس سفرات؛ أربعة إلی الیمن وواحدة إلی الشام، وما تقدّم عن الروض الباسم من أنّها استأجرته في سفرة إلی الشام بأربع بکرات، لا یناسب ما تقدّم عن میسرة.

قد جاء في بعض الروایات أنّ أبا طالب جاء لخدیجة وقال لها: هل لكِ أن تستأجري محمداً؟ فقد بلغنا أنكِ استأجرتِ فلاناً ببکرتین، ولیس نرضی لمحمّدٍ دون أربع بکرات، فقالت خديجة: «لو سألت لبعيدٍ بغيضٍ، فكيف وقد سألت لحبيبٍ قريب»؟

ثمّ لا يخفی أنّ كون سفره مع ميسرة بسوق حُباشة قبل سفره معه إلی الشام، مخالف لظاهر ما تقدّم من قول عمّه أبي طالب: «وهذه عِير قومك قد حضر خروجها إلی الشام، فلو جئتها فوضعت نفسك عليها»، وقول خديجة: «ما علمت أنّه يريد هذا»، وإنّما قلنا: «ظاهر»؛ لأنّه يجوز أن يكون بعد قول أبي طالب، وقولها المذكور أرسلته مع ميسرة إلی سوق حُباشة؛ لقرب مسافته وقصر زمنه، ثمّ أرسلته مع ميسرة إلی الشام، أو كانت خديجة لا تجوّز أنّ أبا طالب يرضی بسفره إلی الشام، وأنّه يوافق علی ذلك، فليُتأمّل.

وتقدّم أنّه من حين سيره - أي من مكّة - صارت الغمامة تظلّه، فإن كانت غير الملكين فالغمامة كانت تظلّه في الذهاب والملكين يظلّانه في العود، ولعلّ عدم ذكر ميسرة لخديجة تظليل الغمامة له في ذهابه، أنّه لم يفطن لها مثلاً، ولكن سيأتي في

ص: 59

كلام صاحب الهمزية ما يدلّ علی أنّ الملكين هما الغمامة، وفيه وقوع رؤية البشر غير نبيّنا للملائكة غير جبرئيل، وسيأتي رؤية جمع من الصحابة لجبرئيل.

وفي المنقذ من الضلال للغزالي: أنّ الصوفية يشاهدون الملائكة في يقظتهم؛ أي لحصول طهارة نفوسهم وتزكية قلوبهم وقطعهم العلائق، وحسمهم موادّ أسباب الدنيا من

الجاه

والمال، وإقبالهم علی اللّه تعالی بالكلّية علماً دائماً وعملاً مستمرّاً، واللّه أعلم. قال: ولم أقف علی اسم الرجل الذي حالفه؛ أي استخلفه. وقال الحافظ ابن حجر: لم أقف علی رواية صحيحة صريحة فيه بأنّه - أي ميسرة - بقي إلی البعثة. انتهی.

ثمّ إنّ خديجة ذكرت ما رأته من الآيات وما حدّثها به غلامها ميسرة لابن عمّها ورقة بن نوفل، وكان نصرانياً - أي بعد أن كان يهودياً علی ما يأتي قد تبع الكتب - فقال لها: إن كان هذا حقّاً يا خديجة إنّ محمّداً نبيّ هذا الأُمّة، وقد عرفت أنّه كائن لهذه الأُمّة نبيّ منتظر هذا زمانه.

أي وكان يتّجر قبل النبوّة قبل أن يتّجر لخديجة، وكان شريكاً للسائب بن أبي السائب صيفي(1)، ولمّا قدم عليه السائب يوم فتح مكّة، قال له: مرحبا بأخي وشريكي، كان لا يداري - أي لا يرائي - ولا يماري - أي يخاصم صاحبه - ، وهذا يدلّ علی أنّ قوله كان: لا «يداري... إلخ» من مقوله.

وقد قال فقهاؤنا: والأصل في الشركة خبر السائب بن يزيد(2) أنّه كان شريكاً للنبي قبل البعثة، وافتخر بشركته بعد المبعث؛ أي قال: كان نعم الشريك، لا يداري ولا يماري ولا يشاري؛ والمشاراة المشاحّة في الأمر واللجاج فيه، وهو يدلّ علی أنّ ذلك كان من مقول السائب، ولا مانع أن یكون كلّ من النبي والسائب قال في حقّ الآخر: «كان لا يداري ولا يماري»، وبهذا يندفع قول بعضهم: اختلفت الروايات في هذا

ص: 60


1- . کان شریك النبي قبل المبعث بمکّة، وقیل: بل إنّ أبوه صیفي شریکه. واختلفوا في إسلامه، ولکن لأولاده صحبة.
2- .لم یکن السائب بن یزید شریکاً للنبي (أُسد الغابة: ج2 ص257)، فقد وُلد في السنة الثانیة للهجرة، وهو ترب ابن الزبیر والنعمان بن بشیر، دعا له النبي حین مرض، ورأی یومها خاتم النبوّة.

الكلام الذي هو كان خير شريك، كان لا يشاري ولا يماري، فمنهم من يجعله من قول النبي(صلی الله علیه و آله) في السائب، ومنهم من يجعله من قول السائب في حقّ النبي.

ويمكن أن لا يكون مخالفة بين السائب بن أبي السائب صيفي، وبين السائب بن يزيد؛ لأنّه يجوز أن يكون صيفي لقباً لوالده ولاسمه يزيد.

وفي الاستيعاب: وقع اضطراب، هل الشريك كان أبا السائب، أو ولده السائب بن أبي السائب، أو ولد السائب، وهو قيس بن السائب بن أبي السائب، لا أخا السائب وهو عبد اللّه بن أبي السائب. قال: وهذا اضطراب لا يثبت به شيء، ولا تقوم به حجّة.

والسائب بن أبي السائب من المؤلّفة، أعطاه يوم الجعرانة من غنائم حنين، وبه يرد قول بعضهم أنّ السائب بن أبي السائب قُتل يوم بدر كافراً. وممّا يدلّ علی أنّ الشركة كانت لقيس بن السائب، قوله: «كان رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) في الجاهلية شريكي، فكان خير شريك، كان لا يشاريني و لا يماريني»، ووجه الدلالة أنّه سمع قوله: «كان شريكي»، وأقرّه عليه.

وذكر في الإمتاع: أنّ حكيم بن حزام اشتری من رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) بُزّاً من بُزّ تهامة بسوق حباشة، وقدم به مكّة، فكان ذلك سبباً لإرسال خديجة له مع عبدها ميسرة إلی سوق حُباشة؛ ليشتريا لها بُزّاً.

وفي سفر السعادة: أنّه وقع منه أنّه باع واشتری، إلّا أنّه بعد الوحي وقبل الهجرة، كان شراؤه أكثر من البيع، وبعد الهجرة لم يبع إلّا ثلاث مرّات، وأمّا شراؤه فكثير. وآجر واستأجر، والاستئجار أغلب، ووكّل وتوكّل، وكان توكّله أكثر.

باب تزوّجه خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزّی بن قصيّ

فهي تجتمع معه في قصيّ. قال الحافظ ابن حجر: وهي من أقرب نسائه إليه في

ص: 61

النسب، ولم يتزوّج من ذرّية قصيّ غيرها، إلّا أُمّ حبيبة. هذا كلامه.

وعن نفيسة بنت مُنية(علیها السلام) - وهي أُخت يعلّی بن مُنية(1)، ففي الإمتاع: مُنیة أُخت يعلّی بن مُنیة، وعليه يكون ضمير «وهي» راجع لمُنیة لا لنفيسة - . قالت: كانت خديجة بنت خويلد امرأة حازمة - أي ضابطة - جلدة - أي قويّة - شريفة - أي مع ما أراد اللّه تعالی لها من الكرامة والخير - وهي يومئذٍ أوسط نساء قريش نسباً وأعظمهم شرفاً وأكثرهم مالاً - أي وأحسنهم جمالاً - وكانت تُدعی في الجاهلية بالطاهرة. وفي لفظٍ كان يُقال لها: «سيّدة قريش»؛ لأنّ الوسط في ذكر النسب من أوصاف المدح والتفضيل، يقال: فلان أوسط القبيلة؛ أعرفها في نسبها، وكلّ قومها كان حريصاً علی نكاحها لو قدر علی ذلك، قد طلبوها وذكروا لها الأموال، فلم تقبل، فأرسلتني دسيساً - أي خفية - إلی محمّد بعد أن رجع في عِيرها من الشام، فقلت: يا محمّد، ما يمنعك أن تتزوّج؟ فقال: ما بيدي ما أتزوّج به، قلت: فإن كُفيت ذلك ودُعيت إلی المال والجمال والشرف والكفاية، ألا تجيب؟ قال: فمن هي؟ قلت: خديجة، قال: وكيف لي بذلك - بكسر الكاف لأنّه خطاب لنفيسة - قلت: بلی، وأنا أفعل.

فذهبتُ فأخبرتها، فأرسلت إليه أن ائت لساعة كذا وكذا، فأرسلت إلی عمّها عمرو بن أسد ليزوّجها، فحضر، ودخل رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) في عمومته، فزوّجه أحدهم، وهو أبو طالب علی ما يأتي، وقال في في خطبته: وابن أخي له في خديجة بنت خويلد رغبة ولها فيه مثل ذلك. فقال عمرو بن أسد: هذا الفحل لا يُقدع أنفُه - بالقاف والدال المهملة - ؛ أي لا يُضرب أنفه؛ لكونه كريماً؛ لأنّ غير الكريم إذا أراد ركوب الناقة الكريمة يضرب أنفه ليرتدع، بخلاف الكريم.

وكون المزوّج لها عمّها عمرو بن أسد، قال بعضهم: هو المجمع عليه. وقيل:

ص: 62


1- . اسمه یعلی بن أُمیة بن أبي عبیدة التیمي، ومُنیة أُمّه، وهي بنت غزوان وأُخت عتبة بن غزوان، وقیل غیر ذلك. شهد بدراً، وقیل: بل أسهم یوم الفتح، وشهد حنیناً والطائف وتبوك، استعمله عمر علی بعض الیمن وعثمان علی صنعاء.

المزوّج لها أخوها عمرو بن خويلد(1). وعن الزهري: أنّ المزوج لها أبوها خويلد بن أسد، وكان سكران من الخمر، فألقت عليه خديجة حلّة؛ وهي ثوب فوق ثوب؛ لأنّ الأعلی يحل فوق الأسفل، وضمّخته بخلوق؛ أي لطّخته بطيب مخلوط بزعفران، فلمّا صحا من سكره قال: ما هذه الحلّة والطيّب؟ فقيل له: لأنّك أنكحت محمّداً خديجة، وقد ابتنی بها، فأنكر ذلك، ثمّ رضيه وأمضاه؛ أي لأنّ خديجة استشعرت من أبيها أنّه يرغب عن(2) أن يزوّجها له، فصنعت له طعاماً وشراباً، ودعت أباها ونفراً من قريش، فطعموا وشربوا، فلمّا سكر أبوها قالت له: إنّ محمّد بن عبد اللّه يخطبني، فزوّجني إيّاه، فزوّجها، فخلّقته وألبسته؛ لأنّ ذلك إلباس الحلّة، وجعل الخلوق به، كان عادتهم أنّ الأب يفعل به ذلك إذا زوّج بنته، فلمّا صحا من سكره قال: ما هذا؟ قالت له خديجة: زوّجتني من محمّد بن عبد اللّه، قال: أنا أُزوّج يتيم أبي طالب؟ لا لعمري! فقالت له خديجة: ألا تستحي؟ تريد أن تُسفّه نفسك عند قريش تخبرهم أنّك كنت سكران؟ فلم تزل به حتّی رضي؛ أي وهذا ممّا يدلّ علی أنّ شرب الخمر كان عندهم ممّا يُتنزّه عنه، ويدلّ له أنّ جماعة حرّموها علی أنفسهم في الجاهلية، منهم من تقدّم ومنهم من يأتي.

وفي رواية: أنّها عرضت نفسها عليه فقالت: يا ابن عمِّ إنّي قد رغبت فيك؛ لقرابتك وأمانتك وحسن خلقك وصدق حديثك، فذكر ذلك لأعمامه، فخرج معه عمّه حمزة بن عبد المطّلب2، حتّی دخل علی خويلد بن أسد فخطبها إليه، فزوّجها.

أقول: قال في النور: ولعلّ الثلاثة - أي أباها وأخاها وعمّها - حضروا ذلك، فنُسب الفعل إلی كلّ واحد منهم. هذا كلامه. وفي كون المزوّج لها أبوها خويلد أو كونه حضر تزويجها نظر ظاهر؛ لأنّ المحفوظ عن أهل العلم أنّ خويلد بن أسد مات قبل حرب الفِجَار المتقدّم ذكرها. قال بعضهم: وهو الذي نازع تُبّعاً؛ أي حين أراد أخذ

ص: 63


1- . کانت خدیجة أوّلاً زوجة لعتیق بن عائذ، وولدت له ولداً هو عبد مناف، وبنتاً هي هند، ثمّ تزوّجت هند بن زرارة، فولدت له ابنة اسمها هند أیضاً، وولداً اسمه هند کذلك، ولها من هند صبیان: الطاهر وهالة.
2- . رغب عنه: لم یرضَ به.

الحجر الأسود إلی اليمن(1)، فقام في ذلك خويلد، وقام معه جماعة من قريش، ثمّ رأی تُبّع في منامه ما ردعه عن ذلك، فترك الحجر الأسود مكانه.

وعلی كون المزوّج له عمّه حمزة، اقتصر ابن هشام في سيرته(2)، وذكر أنّ رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) أصدقها عشرين بكرة. وعبارة المحبّ الطبري: فلمّا ذكر ذلك لأعمامه، خرج معه منهم حمزة بن عبد المطّلب، حتّی دخل علی خويلد بن أسد فخطبها إليه ففعل، وحضره أبو طالب ورؤساء مضر، فخطب أبو طالب فقال: الحمد للّه... القصّة، واللّه أعلم.

قال: وعن ابن إسحاق: أنّها قالت له: يا محمّد، ألا تتزوّج؟ قال: ومن؟ قالت: أنا، قال: ومن لي بك؟ أنتِ أيّم قريش(3) وأنا يتيم قريش، قالت: اخطبني... الحديث؛ أي وفيه: إطلاق اليتيم علی البالغ، وذلك بحسب ما كان، والمراد به المحتاج، وإلّا فالعرف الشرعي واللغوي خصّه بغير البالغ ممّن مات أبوه الحقيقي.

وعن بعضهم قال: مررت أنا ورسول اللّه(صلی الله علیه و آله) علی أُخت خديجة، فنادتني فانصرفتُ إليها، ووقفت لي رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) فقالت: أما لصاحبك هذا من حاجة في تزويج خديجة؟ فأخبرته فقال: بلی لعمري. فذكرت ذلك لها، فقالت: اغدوا علينا إذا أصبحنا. فغدونا عليهم فوجدناهم قد ذبحوا بقرة وألبسوا خديجة حلّة. الحديث.

وفي الإمتاع، بعد أن ذكر أنّ السفير بينهما نفيسة بنت مُنیة، ذكر أنّه قيل: كان السفير بينهما غلامها، وقيل: مولاةً مولّدةً، وقد يقال: لا منافاة؛ لجواز أن يكون كلّ ممّن ذُكر كان سفيراً. وفي الشرف أنّ خديجة(علیها السلام) قالت للنبي(صلی الله علیه و آله): اذهب إلی عمّك فقل له: تعجّل إلينا بالغداة، فلمّا جاءها معه رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)، قالت له: يا أبا طالب، تدخل علی عمّي فكلّمه يزوّجني من ابن أخيك محمّد بن عبد اللّه، فقال أبو طالب: يا

ص: 64


1- . یروي یاقوت أنّ تُبّعاً أوّل من کساها الخصف؛ وهي حصر من خوص النخل، ثمّ کساها الأنطاع، ثمّ المعافر والوصائل؛ وهي ثیاب یمانیة، کلّ ذلك کان یراه في منامه، وردعه عن أخذ الحجر.
2- .وکذلك ابن الأثیر في ترجمة خدیجة.
3- .آم الرجل من زوجته أو المرأة من زوجها: فقدها أو فقدته؛ فهي وهو أیّم.

خديجة، لا تستهزئي، فقالت: هذا صنع اللّه. فقام فذهب وجاء مع عشرة من قومه إلی عمّها. الحديث.

وفي رواية: ومعه بنو هاشم ورؤساء مضر، ولا مخالفة؛ لجواز أن يكون المراد ببني هاشم أُولئك العشرة، وأنّهم كانوا هم المراد برؤساء مضر في ذلك الوقت.

وذكر أبو الحسين بن فارس وغيره: أنّ أبا طالب خطب يومئذٍ فقال: الحمد للّه الذي جعلنا من ذرّية إبراهيم وزرع إسماعيل وضئضئ معد - أي معدنه - وعنصر مضر - أي أصله - وجعلنا حضنة بيته - أي المتكفّلين بشأنه - وسواس حرمه - أي القائمين بخدمته - وجعله لنا بيتاً محجوجاً وحرماً آمناً، وجعلنا حكّام الناس. ثمّ إنّ ابن أخي هذا محمّد بن عبد اللّه لا يُوزن به رجلٌ إلّا رجح به شرفاً ونبلاً وفضلاً وعقلاً، وإن كان في المال قلّ، فإنّ المال ظلٌّ زائلٌ وأمرٌ حائلٌ وعاريةٌ مسترجعةٌ، وهو واللّه بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل، وقد خطب إليكم رغبةً في كريمتكم خديجة، وقد بذل لها من الصداق ما عاجله وآجله اثنتي عشرة أُوقية ونشّاً(1)؛ أي وهو عشرون درهماً، والأُوقية أربعون درهماً؛ أي وكانت الأواقي والنشّ من ذهب، كما قال المحبّ الطبري؛ أي فيكون جملة الصداق خمسمائة درهم شرعي. وقيل: أصدقها عشرين بكرة؛ أي كما تقدّم.

أقول: لا منافاة؛ لجواز أن تكون البكرات عوضاً عن الصداق المذكور، وقال بعضهم: يجوز أن يكون أبو طالب أصدقها ما ذُكر وزاد من عنده تلك البكرات في صداقها، فكان الكلّ صداقاً، واللّه أعلم.

قال: وما قيل: إنّ عليّاً2 ضمن المهر، فهو غلط؛ لأنّ عليّاً لم يكن وُلد علی جميع الأقوال في مقدار عمره، وبه يرد قول بعضهم، وكون علي ضمن المهر غلط؛ لأنّ عليّاً كان صغيراً لم يبلغ سبع سنين؛ أي لأنّه وُلد في الكعبة وعمره ثلاثون سنة فأكثر، وسنّه

ص: 65


1- . النشّ: وزن نواة من ذهب، وقیل: هو وزن خمسة دراهم، وقیل: هو ربع أُوقیة؛ والأُوقیة أربعون درهماً. عن ابن منظور: «إنّ النبي لم یُصدق امرأة من نسائه أکثر من اثنتي عشرة أُوقیة ونشّ، الأُوقیة أربعون والنشّ عشرون، فیکون الجمیع خمسمائة درهم». ویذکر الجوهري: النشّ عشرون درهماً، وهو نصف أُوقیة... ویسمّون الخمسة نواة.

حين تزوّج خديجة كان خمساً وعشرين سنة علی ما تقدّم، أو زيادة بشهرين وعشرة أيّام، وقيل: خمسة عشرة يوماً علی ما يأتي.

وقيل: الذي وُلد في الكعبة حكيم بن حزام، قال بعضهم: لا مانع من ولادة كليهما في الكعبة، لكن في النور حكيم بن حزام وُلد في جوف الكعبة، ولا يُعرف ذلك لغيره، وأمّا ما روي أنّ عليّاً وُلد فيها، فضعيف عند العلماء. قال النووي: وعند ذلك قال عمّها عمرو بن أسد: هو الفحل لا يُقدع أنفه، وأنكحها منه. وقيل: قائل ذلك ورقة بن نوفل؛ أي فإنّه بعد أن خطب أبو طالب بما تقدّم، خطب ورقة فقال: الحمد لله الذي جعلنا كما ذكرت وفضّلنا علی ما عددت، فنحن سادة العرب وقادتها، وأنتم أهل ذلك كلّه، لا ينكر العرب فضلكم، ولا يردّ أحد من الناس فخركم وشرفكم، ورغبتنا في الاتّصال بحبلكم وشرفكم، فاشهدوا عليَّ معاشر قريش أنّي قد زوّجت خديجة بنت خويلد من محمّد بن عبد اللّه.

وذكر المهر، فقال أبو طالب: قد أحببت أن يشركك عمّها، فقال عمّها: اشهدوا عليَّ معاشر قريش أنّي قد أنكحت محمّد بن عبد اللّه خديجة بنت خويلد.

وأولم عليها، نحر جزوراً، وقيل: جزورين، وأطعم الناس، وأمرت خديجة جواريها أن يرقصن ويضربن الدفوف. وفرح أبو طالب فرحاً شديداً، وقال: الحمد اللّه الذي أذهب عنّا الكرب ودفع عنّا الغموم. وهي أوّل وليمة أولمها رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)، أقول: ولا ينافي هذا ما تقدّم من قوله: فوجدناهم قد ذبحوا بقرةً وألبسوا خديجة

حلّة؛ لجواز أن يكون ذلك كان عند العقد، وهذا عند إرادة الدخول، ولا ينافي ذلك ما تقدّم من قوله: «وقد ابتنی بها»؛ لأنّ تلك الرواية غير صحيحة، ولا ينافي كون المزوّج له عمّه أبو طالب ما تقدّم أنّ المزوّج له عمّه حمزة؛ لجواز أن يكون حضر مع أبي طالب فنُسب التزويج إليه أيضاً، واللّه أعلم.

والسبب في ذلك - أي في عرض خديجة(علیها السلام) نفسها عليه أيضاً مع ما أراد اللّه تعالی بها من الخير - ما ذكره ابن إسحاق، قال: كان لنساء قريش عيد يجتمعن فيه في

ص: 66

المسجد، فاجتمعن يوماً فيه، فجاءهنّ يهودي وقال: أيا معشر نساء قريش، إنّه يوشك فيكنّ نبيّ قرب وجودُه، فأيّتكنّ استطاعت أن تكون فراشاً له فلتفعل، فحصبته النساء - أي رمينه بالحصباء - وقبّحنّه وأغلظن له، وأغضت خديجة علی قوله، ووقع ذلك في نفسها، فلمّا أخبرها ميسرة بما رآه من الآيات وما رأته هي؛ أي وما قاله لها ورقة لمّا حدّثته بما حدّثها به ميسرة ممّا تقدّم، قالت: إن كان ما قاله اليهودي حقّاً ما ذاك إلّا هذا.

وذكر الفاكهي عن أنس2: أنّ النبي(صلی الله علیه و آله) كان عند أبي طالب، فاستأذن أبا طالب في أن يتوجّه إلی خديجة؛ أي ولعلّه بعد أن طلبت منه الحضور إليها، وذلك قبل أن يتزوّجها، فأذن له وبعث بعده جارية له يقال لها نبعة، فقال: انظري ما تقول له خديجة. فخرجت خلفه، فلمّا جاء إلی خديجة، أخذت بيده فضمّتها إلی صدرها ونحرها، ثمّ قالت: بأبي أنت وأُمّي، واللّه ما أفعل هذا الشيء، ولكنّي أرجو أن تكون أنت النبيّ الذي سيُبعث، فإن تكن هو فاعرف حقّي ومنزلتي، وادعُ الإله الذي سيبعثك لي، فقال لها: واللّه لئن كنتُ أنا هو، لقد اصطنعتِ عندي ما لا أُضيّعه أبداً، وإن يكن غيري، فإنّ الإله الذي تصنعين هذا لأجله لا يضيّعك أبداً. فرجعت نبعة وأخبرت أبا طالب بذلك.

وكان تزويجه بخديجة(علیها السلام) بعد مجيئه من الشام بشهرين أو خمسة عشر يوماً، وعمره إذا ذاك خمس وعشرون سنة علی ما هو الصحیح الذي علیه الجمهور،

کما تقدّم. زاد بعضهم علی الخمسة والعشرین سنة شهرین وعشرة أیّام، وقد أشار إلی ما تقدّم صاحب الهمزیة بقوله:

ورأته خديجة والتُّقی والزه-

د فيه سجيّة والحياء

وأتاها أنّ الغمامة والسر

ح أظلّته منهما أفياء

وأحاديث أنّ وعد رسول اللّه

بالبعث حان منه الوفاء

فدعته إلی الزواج وما أح-

سن ما يبلغ المنی الأذكياء

أي وعلّمته خديجة(علیها السلام) ذات الشرف الطاهر والمال الوافر الظاهر والحسب الفاخر والحال، أنّ التُّقی والزهد والحياء فيه سجية وطبيعة، وأتاها الخبر بأنّ الغمامة

ص: 67

والشجر أظلّته أفياء؛ أي أظلال، حالة كون تلك الأفياء من الغمامة والشجر، وفيه: أن هذا يدلّ علی أنّ الملكين هما الغمامة.

قال بعضهم: وتظليل الغمامة له كان قبل النبوّة، تأسيساً لها، وانقطع ذلك بعد النبوّة، وأتی خديجة الأحاديث والأخبار من بعض الأحبار بأنّ وعد اللّه لرسوله بالبعث والإرسال إلی الخلق قرب الوفاء به منه تعالی لرسوله، فبسبب ذلك خطبته إلی أن يتزوّج بها، وعرضت نفسها عليه، وما أحسن بلوغ الأذكياء ما يتمنّونه، وتزوّجها رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) وهي يومئذٍ بنت أربعين سنة. قال: وقيل: خمس وأربعين سنة، وقيل: ثلاثين، وقيل: ثمان وعشرين، وقيل: خمس وثلاثين، وقيل: خمس وعشرين.

وتزوّجت قبله برجلين: أوّلهما عتيق بن عابد - بالموحّدة والمهملة، وقيل بالمثنّاة تحت والمعجمة - فولدت له بنتاً اسمها هند، وهي أُمّ محمّد بن صيفي المخزومي. وثانيهما أبو هالة، واسمه هند، فولدت له ولداً اسمه هالة وولداً اسمه هند أيضاً، فهو

هند بن هند، وكان يقول: أنا أكرم الناس أباً وأُمّاً وأخاً وأُختاً؛ أبي رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) - لأنّه زوج أُمّه - ، وأُمّي خديجة، وأخي القاسم، وأُختي فاطمة.

قُتل هند هذا مع علي يوم الجمل2. وفي كلام السهيلي أنّه مات بالطاعون بالبصرة، وكان قد مات في ذلك اليوم نحو من سبعين ألفاً، فشغل الناس بجنائزهم عن جنازته، فلم يوجد من يحملها، فصاحت نادبته: واهنداه بن هنداه، وا ربيب رسول اللّه، فلم تبق جنازة إلّا تُركت واحتُملت جنازته علی أطراف الأصابع؛ إعظاماً لربيب رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) هذا.

هذا وفي المواهب أنّها كانت تحت أبي هالة أوّلاً، ثمّ كانت تحت عتيق ثانياً، وستأتي بقيّة ترجمتها(علیها السلام) في أزواجه.

ص: 68

فهرس المصادر

1. أُسد الغابة في معرفة الصحابة، أبو الحسن عزّ الدین علي بن أبي الكرم محمّد الشیباني، المعروف بابن الأثیر الجَزَري (ت630ه )، تحقیق: علي محمّد معوّض وعادل أحمد عبد الموجود، بیروت: دار الكتب العلمیة، الطبعة الأُولى، 1415ه .

2. تراجم سیّدات البیت النبوي، عائشة عبدالرحمن (بنت الشاطئ)، القاهرة: دار الحدیث، 1423ه .

3. سيرة الأئمّة الاثني عشر ، السيّد هاشم معروف الحسني (ت1984م)، بيروت: دار التعارف، 1406ه .

4. السیرة النبویة، عبد الملك بن هشام الحمیري (ابن هشام) (ت 218ه )، تحقیق: مصطفى السقّا و إبراهیم الأبیاري، قم: مكتبة المصطفى، الطبعة الأُولى، 1355ه .

5. السیرة الحلبیة، علي بن برهان الدین الحلبي الشافعي (ت1044ه )، بیروت: دار إحیاء التراث العربي، دار المعرفة، 1400ه .

6. الصحیح من سیرة النبي الأعظم، جعفر مرتضى العاملي (معاصر)، بیروت: دار الهادي، الطبعة الرابعة، 1415ه .

7. موسوعة التاریخ الإسلامي، محمّد هادي یوسفي الغروي، قم: مجمع الفكر الإسلامي، 1417ه .

ص: 69

8. خدیجة بنت خویلد أُمّ المؤمنین الأُولی ووزیر النبي(صلی الله علیه و آله)

اشارة

الدکتورة عائشة عبدالرحمن

(بنت الشاطئ)

ملخّص البحث:

استهلّت الكاتبة بحثها هذا بحديث نبوي روته عائشة نفسها، نقله أحمد في مسنده، وهو قوله صلوات اللّه عليه: «... واللّه ما أبدلني اللّه خيراً منها؛ آمنت بي حين کفر الناس، وصدّقتني إذ کذّبني الناس، واستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني منها اللّه الولد دون غيرها من النساء»، للاستدلال به على جلالة قدر السيّدة خديجة ومكانتها عند رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)، وأنّه ما من زوجة أُخرى من أزواجه تضاهيها في المنزلة. عموم هذا البحث ذو طابع وصفي خيالي، وبعض مشاهده موثّقة بنصوص منقولة من بطون كتب التاريخ والسير. تزوّجت خديجة قبل زواجها من رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) مرّتين، باثنين من سادات العرب وأشرافهم: عتيق بن عائذ بن عبداللّه المخزومي، وأبي هالة هند بن زرارة التميمي. وقد وجدت في هذا الشابّ الذي كان لا يُعرف في مكّة إلّا بالأمين، صفات لم تعهدها في غيره من الرجال الذين خبرتهم وبلتهم. وبعد الإسهاب في سرد وقائع زواج النبي من خديجة،

ص: 70

انطلق البحث لتسليط الضوء على ما تلا ذلك من أحداث نزول الوحي على النبي الذي كان يسارع إلى إنباء زوجته المخلصة به، فما كان منها إلّا أن آمنت بدعوته

وعاضدته على إبلاغ الرسالة. ومن الأُمور التي يتطرّق إليها هذا البحث، الآراء التي طرحها المستشرقون في ما يخصّ زواج النبي(صلی الله علیه و آله) من خديجة، مع السعي لتفنيد بعض الآراء والتفسيرات المغلوطة.

«... واللّه ما أبدلني اللّه خیراً منها؛ آمنت بي حین کفر الناس، وصدّقتني إذ کذّبني الناس، واستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني منها اللّه الولد دون غیرها من النساء».

من حدیث السیّدة عائشة، مرفوعاً، أخرجه الأمام أحمد في مسندها، وابن عبد البرّ في ترجمتها بالاستیعاب.

ذکری ألیمة

أینع صباه واکتمل شبابه في بیئة تَعِد أمثاله من الفتیة الهاشمیین بما شاؤوا من ملذّات، لکنّه کان یجد طعمَ الحیاة في مذاقه مرّاً کلّما عاودته ذکری بعیدة.

وما فتئت تلك الذکری تعاوده وتردّه إلی لحظة طواها الزمن منذ ثمانیة عشر عاماً، وما یزال یذکر موقفه في بقعة موحشة من الصحراء بین مکّة ویثرب أمام أُمّه آمنة، والحیاة تتسرّب من جسدها رویداً ثمّ تنطفئ إلی الأبد... .

ثمانیة عشر عاماً، وما یزال المشهد الألیم یتراءی له عبر السنین، فیری نفسه مکبّاً علی الحفرة التي ألقوا فیها جثمان الغالیة بالأبواء، ضائع الحیلة مهیض الجناح، لا یملك أن یستبقي أُمّه لحظة واحدة بعد أن حال أجلها، ولا أن یرد عنها عادیات الوحشة والبرد والظلام، بعد أن هالوا علیها الرمال.

وربّما شغلته شواغل العیش حیناً عن أشجانه، وصرفته دواعی الحیاة فترة عن تمثّل ذاك الموت الذي غال أعزّ من له أمام عینیه وبین یدیه، لکنّه لا یلبث أن یُنتزع من حاضره مُستثار الحزن، فإذا قلبه یخفق بین جوانحه شعوراً بعالم بعید، في طریق الشمال، لیطوف بمرقد الثاویة في جوف الصحراء، ثمّ ینثني مثقلاً بالأسی والشجن.

ص: 71

ما أكثر ما كان يمرّ في مكّة بالبيت المهجور الذي ضمّه وأُمّه زمناً، ثمّ أوحش من بعدها وخلا... ما أكثر ما كان ينطلق إلى المراعى خارج مكّة، فإذا حان المساء وآن له أن يثوب إلى منزله، تلبّث برهة عند مدخل البلد الحرام، وتمثّل نفسه عائداً من رحلته الأُولى إلى يثرب، وحيداً محزوناً مضاعف اليتم، يتبع جاريته «بركة» واتَى الخطو صامتاً واجماً، وهي تسعى به إلى بيت جدّه الشيخ عبد المطّلب.

وكم حاول الجدّ الرحيم أن يذود عن أُفق الغلام اليتيم تلك الرؤى الحزينة التي تروّع صباه، كم جاهد - عامين كاملين - ليضمد بيده الرقيقة ذلك الجرح الدامي في قلب حفيده الصغير العزيز!

لكنّ الزائر المرهوب الذي آلم بال الغلام فانتزع أباه ثمّ أُمّه، عاد من جديد فطوّف بحيِّ بني هاشم، وتلبّث برهة حول فراش عميدهم الشيخ عبدالمطّلب، وينذر بالرحيل.

ووقف الغلام مرّة ثانية، يرقب الحياة وهي تنطفئ فيمن كان له أبا بعد أبيه... وأصغى في وجوم حزين إلى صوت الشيخ المحتضر، وهو يدني إليه ولده أبا طالب فيوصيه بمحمّد، ابن أخيه عبداللّه، ثمّ يمضي... .

***

وانتقل الصبي من بعده إلى منزل جديد، ووجد في عمّه أباً ثالثاً، لكنّه ظلّ يفتقد الأُمّ، وبقي قلبه على الأيّام والشهور والسنين، ينزع نحو مرقدها الأخير في الأبواء... .

ولم يستطع ضجيج صبية بني هاشم في ملاعب حداثتهم، أن يمحو من مسمعه صدى الحشرجة الرهيبة التي صَكّت أُذنيه وقلبه في جوف البيداء، ولا استطاعت مشاهد الحياة الزاخرة الحافلة حول البيت العتيق في أُمّ القرى أن تطوي في متاهة النسيان ذلك المشهد الفاجع لاحتضار أُمّه وموتها قرب الأبواء(1).

ص: 72


1- . بتفصيل في كتابنا أُمّ النبيّ .

وهذا هو يقف في المساء الساجي عند مدخل مكّة شارد البال، والكون من حوله موحش واجم، يلفّه الغلَس برداء أربد، ويتنفّس فيه الصمتُ العميق شجناً وإعياءً، وتتكاثف الظلمة من حوله، فيجمع نفسه في جهد، ويأخذ طريقه إلى منزل عمّه، وفي نفسه إحساس مرهف بفراقٍ وشيك، فقد آن له أن يغادر هذا المنزل الذي آواه سبعة عشر عاماً، وحسبُ العمّ ما يحمل من أعباء بنيه الكثار... ولكن إلى أين؟ إلى الشام مؤقّتاً كما أراد له عمُّه في صباح يومه ذاك، فلقد حدّثه في مطلع الشمس عن رحلةٍ مرجوّة الخير، وقال له فيما قال:

«يا بن أخي، أنا رجل لا مال لي، وقد اشتدّ الزمان علينا، وألحّت علينا سِنونَ منكرة، وليس لنا مال ولا تجارة، وهذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشام، وخديجة تبعث رجالاً يتّجرون في مالها ويصيبون منافع، فلو جئتَها لفضّلتك على غيرك؛ لما يبلغها عنك من أمانتك وطهارتك، وإن كنت أكره أن تأتي الشام وأخاف عليك من يهود... وقد بلغني أنّها استأجرت فلاناً ببكرين، ولسنا نرضى لك بمثل ما أعطته، فهل لك في أن أُكلّمها؟»(1).

قال محمّد: ما أحببت يا عمّ.

ترى هل كلمها العمّ واستقرّ العزم على الرحيل؟

إذن فليرحل تاركاً تدبير المستقبل للغد المطويّ في ضمير الغيب.

لقاء

القافلة تغذّ السير نحو أُمّ القرى عائدة من رحلة الصيف إلى الشام، والحداة يهزجون بأغانيهم

التي تَعِدُ الإبل بالراحة والظلّ والري، وتمنّى الركب بالأُنسِ في لقاء الأهل والأحباب.

والمسافرون قد استغرقتهم نشوة حالمة منذ بلغوا «مرّ الظهران» على مقربة من

ص: 73


1- . ابن سعد في الطبقات الکبری عن الواقدي: ج1 ص130، وابن سيّد الناس في عيون الأثر: ج1 ص57، والذي في السيرة الهاشمية: ج1 ص199، السمط الثمين للمحبّ الطبري: ص13، ط حلب، تاريخ الطبري: ج2 ص196: أنّ السيّدة خديجة هي التي عرضت عليه مباشرة أن يخرج في مالها إلى الشام تاجراً.

مکّة، واشرأبّت أعناقهم إلى معالمها التي لاحت لهم من بعيد، تناديهم في لهفة واشتياق... لكنّه وحده، من بين هؤلاء جميعاً، انطوى على نفسه يكابد أشجانه التي هاجها مرور القافلة قريبة من الأبواء في طريق عودتها إلى مكّة.

وعبثاً حاول تابعه المرافق أن يغريه بالتطلّع إلى أُمّ القرى، أو يشغله بالحديث عمّا ينتظره هنالك من تقدير السيّدة الثرية الكريمة، التي اختارته ليخرج في مالها إلى الشام، ووعدته بأن تعطيه ضعف ما كانت تعطي غيره ممّن استأجرتهم قبله... وقال ميسرة:

«أسرع أنا إلى سيّدتي فأُخبرها بما صنع اللّه لها على وجهك، فإنّها تعرف ذلك لك»(1).

فتركه محمّد يمضي، وفرغ لتأمّلاته:

أهذا كلّ ما ينتظر المسافر العائد من الشام؟ والحُداة يمنّون الركب بالأُنس في لقاء العشيرة والأحباب!

وكَرّ بصرهُ راجعاً إلى وراء، يتبع آثار طيف من أُمّه آمنة، بدا كأنّما يملأ فضاء الصحراء.

وتذكّر رحلته الأُولى في السادسة من عمره عائداً من يثرب بغير أُمّ!

***

حتّى علا ضجيج الركب مختلطاً بهتاف المستقبِلين ورغاء الإبل التي أناخت على ثرى مكّة مطمئنّة، فمضى محمّد على بعيره قاصداً، دار خديجة بعد أن طاف بالبيت العتيق... وكانت خديجة الطاهرة هناك في دارها، ترقب الطريق من عِلّيّةٍ لها في لهفة مشوبة بشي ء من القلق، وإلى جانبها غلامها ميسرة يملأ سمّعَها بحديث مثير عن رحلته مع محمّد.

وإذ ظهر لها أخيراً يدنو من الدار بطلعته الوسيمة وملامحه النبيلة، عَجِلت إليه تستقبله لدى الباب مرحّبة مهنّئة بسلامة العودة، في صوت يفيض عذوبة ورقة وحناناً.

ورفع إليها وجهه شاكراً وقد غضّ من بصره، ثمّ مضى يقصّ عليها أنباء رحلته وربح

ص: 74


1- . السيرة، والطبقات الکبری: ج1 ص130.

تجارته ما جاءها به من طيّبات الشام... وأنصتت إليه شبه مأخوذة، حتّى إذا ودّعها ومضى، ظلّت واقفة حيث هي، تتبعه عيناها إلى أن توارى في منعطف الطريق.

واتّجه هو إلى منزل عمّه أبي طالب وهو يحسّ شيئاً من الرضى والارتياح، أن عاد إليه من رحلته موفّقاً سالماً، لم يمسسه أذىً من يهود... .

زواج سعيد

وسارت الحياة في مکّة على وتيرتها أيّاماً، وقد عكف أصحاب الأموال على مراجعة حساباتهم وإحصاء أرباحهم أو خسارتهم، وانصرف التجّار العائدون إلى أهليهم يستجمّون من آثار سفر شاقّ طويل محفوف بالأخطار... وصُفّي حساب القافلة أو كاد، وانقطع ما بين التجّار والأجرّاء إلى حين، اللّهمّ إلّا ما كان بين السيّدة خديجة الطاهرة ومحمّد الصادق الأمين... .

لقد بلت خديجة الدنيا وعرفت الرجال، وتزوّجت مرّتين، باثنين من سادات العرب وأشرافهم: عتيق بن عائذ بن عبداللّه المخزومي، وأبي هالة هند بن زرارة التميمي(1)، واستأجرت غير واحد من الكهول والشبّان، فما رأت فيمن عرفت ذلك النمط الفريد من الرجال.

واستغرقت في تفكيرها، تستعيد صوته الفريد المميّز وهو يحدّثها عن رحلته، ويطالعها مرآه وهو مقبل عليها مل ء المهابة والجلال.

وفجأة، ألفت خواطرها تحوم حول الموضع الذي التقت فيه بالشابّ الهاشمي، فهزّها شعور مباغت، خفق له قلبها: فيم الخفقان وقد أدبر الشباب أو كاد؟

وانتفضت لا تدرى كيف تواجه دنياها بمثل هذه العاطفة، بعد أن نفضت يديها من الرجال أو خرجت - في حساب بيئتها - من حياة الرجال؟ وكيف تلقى بها قومها وقد

ص: 75


1- . هذه رواية السيرة: ج4 ص193، تاريخ الطبري: ج3 ص175، السمط الثمين: ص13، عيون الأثر: ج1 ص51. قابل على رواية الاستيعاب، وعلى رواية ابن حبيب في المحبّر. وانظر ترجمة عتيق وأبي هالة (جمهرة أنساب العرب لابن حزم: ص133 و199).

ردّت عن بابها الخُطّاب من سادة قريش وسراة مكّة؟(1)

لقد فكّرت في قومها دون أن تعرف رأى محمّد فيها، أتراه يستجيب لعاطفة أرملة كهلة في الأربعين من عمرها، وهو الذي انصرف حتّى اليوم عن عذارى مكّة وزهرات بني هاشم الناضرات؟

وانتابها ما يشبه الخجل، فما هي في كهولتها بالقياس إلى محمّد في شبابه غير خالة أو أُمّ، ولو عاشت آمنة بنت وهب لما جاوزت يومئذٍ سنّ الأربعين!... وهي بعد ليست خليّة من هموم الأُمومة، فقد ترك لها زوجها عتيق بن عائذ المخزومي ابنة أدركت سنّ الزواج، وخلّف لها زوجها أبو هالة هند بن زرارة التميمي ولدها «هندا»، غلاماً لم يشب عن الطوق(2).

فأيّ طائل وراء هذه العاطفة التي تبدو يائسة عقيماً؟

وفيما هي في حيرتها، زارتها صديقتها نفيسة بنت مُنية، فلم يغب عنها الذي تجد صاحبتها، فما زالت بها حتّى كشفت لها عن سرّها المطويّ... وهوّنت نفيسة الأمر عليها، فما في نساء قريش مَن تفوقها نسباً وشرفاً، وهي بعدُ ذات غِنىً وجمال، كلُّ

قومها حريص على الزواج منها لو يقدر عليه(3). ثمّ تركتها وقد اعتزمت أمراً... .

***

جاءت(4) محمّداً فسألته فيمَ عزوفه عن الدنيا وقضاؤه على شبابه بالحرمان؟... هلّا سكن إلى زوج تحنو عليه وتؤنسه وتزيل وحشته؟

ص: 76


1- . السيرة: ج1 ص201، السمط الثمين: ص13.
2- . انظر ترجمة أُمّ محمّد بنت عتيق في جمهرة الأنساب: ص133، وانظر ترجمة هند بن أبي هالة ربيب رسول اللّه في الاستيعاب: ج4 ص1545، وفي الجمهرة: ص199.
3- . السيرة: ج1 ص201، طبقات ابن سعد: ج1 ص131.
4- . من طبقات ابن سعد عن الواقدي: ج1 ص131، والإصابة في ترجمتي خديجة ونفيسة، والذي في سيرة ابن هشام أنّ السيّدة خديجة عرضت نفسها عليه من غير وساطة، وانظر: تاريخ الطبري: ج2 ص197، والروايتان في عيون الأثر: ج1 ص49.

فأمسك الشابّ دمعة كادت تخونه وهو يذكر ما ذاق من حرمان منذ تركته أُمّه صبيّاً في السادسة من عمره، وتكلّف الابتسام ليردّ على محدّثته:

- ما بيدي ما أتزوّج به... .

قالت على الفور:

- فإن دُعيتَ إلى الجمال والمال والشرف والكفاءة، ألا تجيب؟

فما مسّ سؤالها أُذنيه حتّى أدرك من تعني:

تلك خديجة وربّ الكعبة، ومن سواها تدانيها شرفاً وجمالاً وكفاءةً؟

ألا لو دعته لأجاب، ولكن هل تدعوه؟

وانصرفت نفيسة وتركته مشغول البال، يرنو في رقّة إلى طيفٍ من خديجة، وقد تراءت له في وحدته طلقة المحيا باشّة الأسارير، تشعّ لطفاً وبهاءً وحنوّاً... وأشفق من أن تبعد به أمانيه، إذ كان يعلم ردّها أشراف قريش وأغنياءها، فغالب نفسه ليستردّها إلى واقعه، وانطلق يسعى نحو الكعبة، فإذا كاهنة تلقاه في طريقه فتستوقفه سائلة: جئت خاطباً يا محمّد؟

أجاب غير كذّاب: كلّا.

فتأمّلته برهة ثمّ هزّت رأسها وهي تقول: ولم؟... فواللّه ما في قريش امرأة، وإن كانت خديجة، لا تراك كفئاً لها(1).

***

ثمّ لم تك إلّا فترة قصيرة المدى، حتّى تلقّى دعوة خديجة، فسارع إليها ملبّياً وفي صحبته عمّاه أبو طالب وحمزة، ابنا عبدالمطّلب، وهناك في بيتها ألفَوا قومها ينتظرون، وكلّ شي ء مهيّأ لزواج سريع... وتكلّم أبو طالب:

«أمّا بعد: فإن محمّداً ممّن لا يُوازن به فتىً من قريش، إلّا رجح به شرفاً ونبلاً

ص: 77


1- . الروض الأنف: ج1 ص214، عيون الأثر: ج1 ص50، مع ترجمة نفيسة في نساء الإصابة: ج8 ص200، والاستيعاب: ج4 ص1919.

وفضلاً وعقلاً، وإن كان في المال قلّ، فإنّما المال ظلّ زائل وعارية مسترجعة، وله في خديجة بنت خويلد رغبة، ولها فيه مثل ذلك...».

فأثنى عليه عمّها عمرو بن أسد بن عبد العزّى بن قصيّ، وأنكحها منه على صداق قدره عشرون بكرة(1).

ولمّا انتهى العقد، نُحِرت الذبائح ودُقّت الدفوف، وفُتحت دار خديجة للأهل والأصدقاء، فإذا بينهم حليمة قد جاءت من بادية بني سعد لتشهد عرس ولدها الذي أرضعته، ثمّ لتعود في الغداة ومعها أربعون رأساً من الغنم، هبةً من العروس الكريمة لتلك التي أرضعت محمّداً زوجها الحبيب... .

وتندّت عينا محمّد وهو يتفقّد أُمّه آمنة، فإذا يد لطيفة رقيقة تأسو الجرح القديم في حنان غامر، وإذا به يجد في خديجة عوضاً جميلاً عمّا قاساه من طويل حرمان... .

***

ولم يعنِ مکّة من أمر الزوجين السعيدين، سوى أنّ زواجاً ربط بين محمّد بن عبداللّه بن عبدالمطّلب بن هاشم القرشي وخديجة بنت خويلد بن أسعد بن عبد العزّى بن قصي(2)، القريشية الطاهرة.

ولكنّ التاريخ تلبّث بعد بضع عشرة سنة، ليسترجع يوم العرس المشهود، ويُسجّله بين أيّامه الخالدات على مرّ الزمان. وقد انصرف إلى حين، تاركاً هذين الزوجين ينعمان بأطيب حياة زوجية شهدتها «مكّة، ويرتشفان على مهل، رحيق ودٍّ صافٍ عميق، سيظلّ حديث التاريخ».

واستغرقا في هناءتهما خمسة عشر عاماً، ناعمين بالأُلفة والاستقرار، وقد أتمّ اللّه عليهما

ص: 78


1- . في رواية لابن إسحاق عن الزهري أنّ أباها هو الذي زوّجها، والتفصيل في عيون الأثر: ج1 ص50، مع السيرة: ج1 ص201، وهّمه الواقدي، وقال: والثابت عندنا المحفوظ عن أهل العلم أنّ أباها خويلد ابن أسد مات قبل الفِجَار، وأنّ عمّها عمرو بن أسد هو الذي زوّجها (طبقات ابن سعد: ج1 ص133).
2- . وأُمّ خديجة: فاطمة بنت زائدة بن الأصمّ بن هرم بن رواحة (راجع: الاستيعاب: ج4 ص1917، وتاريخ الطبري: ج3 ص175، ونسب قريش: ص230، والمحبّر: ص12 - 18).

نعمته، فرزقهما البنين والبنات: القاسم، وعبداللّه، وزينب، ورقية، وأُمّ كلثوم، وفاطمة(1).

وأرخى الزمن لهما في حياتهما تلك الرضية الهادئة أعواماً ذات عدد، ارتوى محمّد خلالها من نبع الحنان، معوّضاً بذلك حرمان ماضٍ يتيم، ومتزوّداً لغد مقبل، حافل بالكفاح المضني والشواغل الجسام، وقد ذاقا في تلك الفترة لوعة الثكل في الولدين العزيزين، فكان للزوجين في وئامهما وتصبّرهما، ما أعانهما على تجرّع الكأس التي تدور على الناس جميعاً، فلا يعفى من شربها أحد، وما كان ولداهما إلّا وديعة، ولا بدّ يوماً أن تستردّ الودائع!(2)

مع المصطفى في ليلة القدر

ثمّ كان الحادث الخطير، لا في حياة هذه الأُسرة الوادعة فحسب، ولا في حياة قريش والعرب وحدهم، بل في حياة الإنسانية أجمع.

لقد تلقّى محمّد رسالة الوحي في ليلة القدر، واصطفاه اللّه تعالى خاتماً للنبيّين، وبعثه في الناس بشيراً ونذيراً... .

وكانت الرسالة إيذاناً بحياة جديدة، شاقّة كادحة، وبدءاً لعهد ملؤه الاضطهاد والأذى والجهاد ثمّ النصر.

وفي الحقّ لم يكن الحادث الأكبر مفاجأة للعرب، فما أكثر ما تناقلت الجزيرة أنباء إرهاصات عن نبي جديد قد حان مبعثه، وما أكثر ما تحدّث السمّار والكهّان والمتحنّفون عن رسالة سماوية منتظرة آن أوانها!(3)

ص: 79


1- . انظر السيرة: ج1 ص202، وطبقات ابن سعد: ج1 ص133، وتاريخ الطبري: ج3 ص175، والمحبّر: ص79، والاستيعاب: ج4 ص1817، ونسب قريش: ص21.
2- . لم نطل الحديث هنا عن أُبوّة محمّد وأُمومة خديجة(علیها السلام)؛ لأنّ موضع هذا الحديث يأتي في كتابنا عن بنات النبي . وذكر الطبري أنّ هند بن أبي هالة كان عند أُمّه خديجة بعد زواجها بمحمّد ، وفي ترجمة هند بطبقات الصحابة والحفّاظ وكتب الأنساب، أنّه ربيب رسول اللّه .
3- . انظر هذه المرويات بالتفصيل في الجزء الأوّل من سيرة ابن هشام، ط الحلبي، وطبقات ابن سعد، والشفا للقاضي عياض، وفي الجزء السادس عشر من نهاية الأرب للنويري، ط دار الكتب، وفي الجزء الأوّل من عيون الأثر ووفاء الوفا بأخبار دار المصطفى للسمهودي، ط السعادة بمصر.

ومکّة على الخصوص، كانت الموضع الذي تتلاقى فيه تلك الإرهاصات والبُشريات، وتتجمّع روافدها من هنا ومن هناك وهنالك، لتصبّ حول البيت العتيق: مثابة الحجّ ومركز العبادة من قديم العصور والآباد... غير بعيد من دار المولد وما حفّ بها من ذكرى قصّة الفداء، وبشريات الحمل والمولد والرضاعة، والرحلة إلى الشام.

لكنّ أحداً لم يكن يدري يقيناً كيف ومتى يكون المبعث المنتظر، ومن هنا كان لنزول الوحي على المصطفى، وقع المفاجئة العنيفة التي جاوزت أبعاد التصوّر، كان منذ استقرّت به الحياة في رعاية الزوج الرؤوم، وأعفته ظروفه المادّية من عناء الكفاح اليومي، قد أُتيح له أن يستجيب لما في نفسه من نزوع إلى التأمّل، وميل إلى التفكير المستغرق، وهي نزعة ظهرت فيه واضحة منذ الصبا، ووجدت في ساعات فراغه - أيّام رعيه للغنم - مجالاً رحباً، ثمّ صرفه عنها كدح العيش، لتعود فتظهر من جديد، قوية

أصيلة، كأنّما هي فطرة فيه.

و كثيراً ما حامت تأمّلاته حول الكعبة، تلك التي صنعت تاريخ مکّة وتاريخ أُسرته بوجه خاصّ(1)، ووصلت ما بين أبيه عبد اللّه وإسماعيل جدّ العرب، برباط وثيق نسجته يد الزمن طوال قرون لا عداد لها، فأحيت بحادث فداء عبد اللّه من الذبح، ذكرى متناهية في القدم، لمشهد الذبيح الأوّل: ابن إبراهيم.

وانبلج له نور الحقّ، فرفض هذه الأصنام التي تكدّست في بيت اللّه، صمّاء عمياء، لا تملك لنفسها نفعاً ولا تردّ عن نفسها ضرّاً، وأنكر أن تخف أحلام قومه، فيتعبّدوا لحجارة بالغة الهوان، ويقدّموا القرابين لأوثان وأصنام صنعوها بأيديهم، ثمّ جعلوا منها آلهة لهم وأرباباً.

وأرهف التأمّل حسّه، فإذا هو يستشفّ أدقّ ما في الكون من أسرار، ويلمح وراء جلال الليل ورهبة الصحراء وسنا الضوء وبهاء السماء، قوّة عظمى خفية، تدبّر هذا الكون وفق نظام دقيق ونواميس مطردة، (لاَ الشَّمْسُ يَنبَغِى لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَ لاَ الَّيْلُ

ص: 80


1- . السيرة: ج1 ص153، واقرأ الفصل الخاصّ بمكّة في كتابنا أُمّ النبيّ .

سَابِقُ النَّهَارِ وَ كُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)(1).

وما شارف الأربعين حتّى كان قد ألف الخلوة في غار حراء، واستطاب رياضته الروحية التي يحسّ خلالها كأنّما يدنو من الحقيقة الكبرى ويستجلي السرّ الأعظم، ما كانت خديجة في وقار سنّها وجلال أُمومتها لتضيق بهذه الخلوات التي تبعده عنها أحياناً، أو تعكّر عليه صفو تأملّاته بالمعهود من فضول النساء، بل حاولت ما وَسِعَها الجهد أن تحوطه بالرعاية والهدوء ما أقام في البيت، فإذا انطلق إلى غار حِراء ظلّت عيناها عليه من بعيد، وربّما أرسلت وراءه من يحرسه ويرعاه(2).

وهكذا بدا كأنّ شیئاً مهيّأ لاستقبال الرسالة المرتقبة، لكنّها رغم هذا التهيّؤ، زلزلت

حين جاءت أرجاء ذلك العالم الذي طالما أرهص بنبوّة وشيكة، وهزّت ذلك النبي المصطفى محمّد بن عبد اللّه الذي ما رضي قطّ عن موضع الأصنام بالكعبة، ولا ارتاب قطّ في أنّ حياة قومه لن تمضي هكذا على سفه وضلال... .

فلمّا نزل عليه الوحي في ليلة القدر وهو في غار حراء، انطلق يلتمس بيته في غبش الفجر خائفاً شاحباً يرجف فؤاده، حتّى بلغ حجرة زوجه وذهب عنه الروع، فحدّثها في صوت مرتجف عن كلّ ما كان، ونفض لديها مخاوفه، قال: «لقد خشيت على نفسي».

أتراه يهذي حالما؟ أم به جُنّة؟

وضمّته إلى صدرها، وقد أثار مرآه أعمق عواطف الأُمومة في قلبها، وهتفت في ثقة ويقين:

«اللّه يرعانا يا أبا القاسم، أبشر يا بن العمّ واثبت، فوالذي نفس خديجة بيده، إنّي لأرجو أن تكون نبيّ هذه الأُمّة، واللّه لا يُخزيك اللّه أبداً... إنّك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكَلّ، وتُقرى الضيف، وتعين على نوائب الحقّ»(3).

ص: 81


1- . يس: 40.
2- . السيرة: ج1 ص263، الدرر: ص34، الإصابة ج8 ص200.
3- . متّفق عليه من حديث بدء الوحي، ومعه السيرة: ج1 ص253، وشرحها في الروض الأنف: ج1 ص270، وابن سعد بإسناده من عدّة طرق: ج1 ص194، وتاريخ الطبري: ج2 ص205 - 207، والسمط الثمين: ص10، وعيون الأثر، والإصابة: ج8 ص200 بألفاظ متقاربة.

وزايله روعه، فما هو بالكاهن ولا به جُنّة، وهذا صوت خديجة العذب الواثق ينساب مع ضوء الفجر إلى فؤاده، فيبثّ فيه الثقة والأمن والهدوء.

وأحسّ الراحة والطمأنينة وهي تقوده في رفق إلى فراشه فتضعه فيه كما تفعل أُمّ بولدها الغالي، ثمّ تهدهده بصوتها الأليف... .

واستراحت عيناها عليه برهة وهو مستغرق في نومه الهادئ المطمئنّ، ورفرف عليه قلبها مل ء الحبّ والإيمان، ثمّ قامت فتسلّلت من المخدع على حذر، حتّى إذا بلغت الباب اندفعت إلى الطريق الخالي تحثّ خُطاها نحو ابن عمّها ورقة بن نوفل، ومكّة ما تزال تنعم بغفوة الصبح، والكون يبدأ تفتّحه للضوء والحياة.

وجاءت ورقة، فأقعدته الشيخوخة عن النهوض للقائها، لكنّه ما كاد يصغي إلى ما تتحدّث به حتّى اهتزّ منفعلاً، وتدفّقت الحيوية في بدنه الواهن، فانتفض يقول في حماسة:

«قُدّوسٌ... قُدّوسٌ، والذي نفس ورقة بيده، لئن كنتِ صدقتني يا خديجة، لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى وعيسى، وإنّه لنبيّ هذه الأُمّة، فقولى له فليثبت»(1).

ولم تنتظر مزيداً من قوله، ولم تستعد كلمة واحدة منه، بل أسرعت إلى زوجها الحبيب تعجّل إليه بالبشرى.

***

في حديث السيّدة عائشة عن بدء الوحي، قالت: «فانطلقت به خديجة حتّى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العُزّى، ابن عمّ خديجة، وكان امرءاً تنصّر في الجاهلية... يكتب الإنجيل بالعبرانية، وكان شيخاً كبيراً قد عمي، فقالت له خديجة: يا بن عمِّ، اسمع من ابن أخيك... فأخبره بخبر ما رأى وسمع، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزل على موسى ، يا ليتني فيها جَذَعاً، ليتني أكون حيّاً إذ يُخرجك قومك. فقال رسول اللّه(صلی الله علیه و آله): أو مُخرِجيّ هم؟ قال: نعم، لم يأت رجل قطّ بمثل ما جئت به

ص: 82


1- . السيرة: ج1 ص254، تاريخ الطبري: ج2 ص206، والحديث مخرج في الصحيحين عن عائشة، ومجال عرضه بتفصيل في كتابي: مع المصطفى .

إلّا عُودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزّراً»(1).

وطابت نفسه بما سمع، فانصرف إلى بيته مطمئنّاً مع زوجه أُمّ المؤمنين الأُولى، ليبدأ نضاله من أجل الدعوة، وليلقي في سبيلها أشقّ ما وعى التاريخ من أذىً واضطهاد، فما كانت قريش لترضى أن يعيب دينها ويسفّه أحلامها ويحقّر آلهتها التي

وجدوا آباءهم لها عابدين.

***

ووقفت زوجه المحبّة المؤمنة إلى جانبه، تنصر وتشدّ أزره، وتعينه على احتمال أقسى ضروب الأذى والاضطها سنين عدداً، فلمّا قُضي على بني هاشم وعبدالمطّلب أن يخرجوا من مكّة لائذين بشِعب أبي طالب بعد أن أعلنت قريش عليهم حرباً مدنية لا تُرحم، وسجّلت مقاطعتها لهم في صحيفة عُلّقت في جوف الكعبة(2)، ولم تتردّد خديجة في الخروج مع زوجها، وهكذا تخلّت عن دارها الحبيبة، مغنى صباها ومجمع هواها ومثابة ذكرياتها، وقامت تتبع رجلها ونبيّها، وقد علت بها السن وناءت بأثقال الشيخوخة والثكل والاضطهاد.

وأقامت هنالك في شِعب أبي طالب ثلاث سنين، صابرة مع زوجها النبي(صلی الله علیه و آله) ومن معه من صحبه وقومه، على عنت الحصار المنهك، وجبروت الوثنية العاتية العمياء(3).

***

عام الحزن

حتّى تهاوى الحصار أمام قوّة الإيمان الصادق والمجاهَدة الباسلة، وآن للنبي(صلی الله علیه و آله) أن يعود إلى بيته في جيرة الحرم المكّي مع زوجه المؤمنة الصابرة التي بذلت له في المنحة، ما

ص: 83


1- . متّفق عليه، وانظر السيرة: ج1 ص254، وتاريخ الطبري: ج2 ص206، 207، مع فتح الباري: ج1 ص17، وعيون الأثر: ج1 ص80.
2- . السيرة: ج1 ص375، تاريخ الطبري: ج2 ص228.
3- . السيرة، والمحبّر لابن حبيب: ص11، وفي رواية لابن سعد أنّهم أقاموا سنتين، ورواية أُخرى بلفظ «مكثوا سِنينَ»، الطبقات الکبری لابن سعد: ج1 ص210.

أبقى لها الزمن من طاقة في عامها الخامس والستّين.

بعد نحو ستّة أشهر من انهيار الحصار، مات العمّ أبو طالب بن عبد المطّلب بن هاشم، وقد كان لابن أخيه أباً صديقاً وكافلاً وحامياً، ومانعاً له من طواغيت قريش، قومه.

ولم تشهد مأتمه، كانت في فراشها تودّع الدنيا، وزوجها إلى جانبها يرعاها ويؤنس وحشة احتضارها ببشرى ما لها عند الرفيق الأعلى، ويتزوّد منها لفراق لا لقاء بعده في هذه الدنيا، ثمّ أسلمت الروح بعد ثلاثة أيّام بين يدى الزوج الذي تفانت في حبّه منذ لقيته، والنبي الذي صدّقته وآمنت برسالته من فجر ليلة القدر، وجاهدت معه حتّى الرمق الأخير من حياتها، وكانت له سكناً وأنساً وملاذاً، إلى أن رجعت نفسها المطمئنّة إلى ربّها راضية مرضية، ودفنها بالحجون.

***

كانت وفاتها(علیها السلام) ، قبل الهجرة بثلاث سنين على الصحيح(1).

وتلفّت محمّد(صلی الله علیه و آله) حوله، فإذا الدار من بعدها موحشة خلاء، وإذا مکّة تنبو به بعد رحيلها، فليس له على أرضها مكان... .

قال ابن إسحاق: «فتتابعت على رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) المصائب بهلك خديجة، وكانت له وزير صدق على الإسلام»(2).

وأسند الواقدي عن عبداللّه بن ثعلبة بن صُعَير2، قال: «لمّا توفّي أبو طالب وخديجة بنت خويلد، وكان بينهما شهر وخمسة أيّام، اجتمعت على رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) مصيبتان، فلزم بيته وأقَلّ الخروج، ونالت منه قريش ما لم تكن تنال ولا تطمع به...».

وبلغت متاعبه أقسى مداها في عام موت خديجة الذي سُمّي عام الحزن، وخيّل إلى أعدائه المشركين أنّ الظلمات تكاثفت حوله، فما عاد يبدو على الأُفق شعاع من

ص: 84


1- . ابن إسحاق في رواية يونس بن بكير، عيون الأثر: ج1 ص130، والاصابة: ج8 ص62، والمحبّر لابن حبيب: ص11.
2- . السيرة: ج2 ص57، تاريخ الطبري: ج2 ص229، عيون الأثر: ج1 ص130.

ضياء، وكذّبتهم أمانيهم، فظنّوا أنّ الظفر به جدّ قريب، وما دروا أنّ الظلمة تبلغ ذروتها قبيل الفجر... .

ذلك أنّ خديجة لم تمض إلّا وأمين الوحي يرعى النبي(صلی الله علیه و آله) غادياً رائحاً، يذود عنه اليأس والإحباط، والسابقون الأوّلون من المؤمنين يحيطون بنبيّهم مستبسلين، يفتدونه بالمهج والأرواح، ويرون الاستشهاد في سبيل دعوته مجداً وانتصاراً... .

لم تمت خديجة إلّا والدعوة قد ذاعت وجاوزت مکّة إلى أطراف الحجاز، ثمّ إلى ما وراءها من بلاد العرب، وحملها فئة من صحابته عبر البيد والبحار إلى الحبشة، مهاجرين بدينهم، متخلّين عن ديارهم وأهليهم، عارضين على الدنيا مشهداً رائعاً فريداً من مشاهد الإيمان الباذل الصابر، مالئين الأسماع والقلوب بحديث مير عن صدق الجهاد ومحد التضحية وبطولة الاستشهاد.

لم تمت خديجة إلّا وفي الموسم بمكّة رجال من يثرب لن يلبثوا أن يبايعوا الرسول ويعودوا فيعبّئوا المدينة كلّها لنصرته، وأقصى أمانيهم أن يخوض بهم المعركة الباسلة، ليظفروا بإحدى الحُسنيين: النصرى على أعداء اللّه، أو الاستشهاد في سبيله... .

***

مل ء الحياة

ولكن، هل ماتت خديجة حقّاً؟ كلّا... إنّها لمثالة في حياة زوجها الرسول، فما يسير إلّا وطيف منها يتبعه، وما يسري إلّا وسنى مشرق منها يبدّد من حوله حالك الغواشي... .

وستدخل بعدها في حياته نساء ذوات عدد، لكن مكانها من قبله وفي دنياه سيظلّ أبداً خالصاً لهذه الزوج الأُولى، والحبيبة الرؤوم التي انفردت ببيت رجلها ربع قرن من الزمان، لم تشركها فيه أُخرى، ولا لاح في أُفقه ظلّ من شريكة سواها.

سوف تفد على هذا البيت بعدها أزواج أُخريات فيهنّ ذوات الصبا والجمال والحسب والجاه، ولكن واحدة منهنّ لن تستطيع أن تزحزح خديجة عن مكانها هناك، ولن تفلح في إبعاد طيفها الذي أقام أبداً يحوم حول الحبيب ويستأثر بإعزازه ما عاش.

ص: 85

وستشهده المدينة بعد أعوام عندما انتصر في بدر يتلقّى فداء الأسرى من قريش، فلا يكاد يلمح قلادة لخديجة بعثت بها ابنتها زينب في فداء زوجها الأسير أبي العاص ابن الربيع، حتّى يرقّ قلب البطل المصطفى من شجو وشجن، ويسأل أتباعه الظافرين في أن يردّوا على زينب قلادتها ويفكّوا أسيرها(1).

وسيشهد بيت النبي عائشة بنت أبي بكر في عزّة صباها ونضرة شبابها وحبّ النبي(صلی الله علیه و آله) لها، تشعلها الغيرة من تلك الضرّة التي سبقتها إلى قلب محمّد واستأثرت به وحدها حتّى يومها الأخير، ثمّ ظلّت بعد موتها حيث كانت من قبله.

فى الصحيحين من حديث عائشة، قالت: «استأذنت هالة بنت خويلد أُخت خديجة على رسول اللّه، فعرف استئذان خديجة، فارتاع لذلك فقال: اللّهمّ هالة! فغِرت فقلت: ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين هلكت في الدهر أبدلك اللّه خيراً منها؟»(2).

زادت في رواية الإمام أحمد بالمسند وابن عبد البرّ في الاستيعاب، وابن حجر في الإصابة من طريق أبي بشر الدولاني:

فتغيّر وجهه وزجر عائشة غاضباً، قال: «واللّه ما أبدلني اللّه خيراً منها؛ آمنت بي حين كفر الناس، وصدّقتني إذ كذّبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني منها اللّه الولد دون غيرها من النساء». وزاد الطبراني في روايته: «قالت: قلت: يا رسول اللّه،

اعف عنّي، ولا تسمعني أذكر خديجة بعد هذا اليوم بشيء تكرهه».

وكانت قبل ذاك لا تكفّ عن الكلام فيها في الصحيحين من حديثها، قالت: «ما غِرت على أحد من نساء النبي(صلی الله علیه و آله) ما غِرت على خديجة، وما رأيتها، ولكن كان النبي(صلی الله علیه و آله) يكثر ذكرها، وربّما ذبح الشاة ثمّ قطّعها أعضاءً ثمّ يبعثها في صدائق خديجة، فربّما قلت له: كأن لم يكن في الدنيا امرأة إلّا خديجة، فيقول: إنّها كانت وكانت، وكان لي

ص: 86


1- . السيرة: ج2 ص207، ولحديث القلادة فصل خاصّ في كتاب بنات النبي .
2- . متّفق عليهما، من فضائلها(علیها السلام).

منها ولد...»(1).

وفي رواية صحيح مسلم، أنّه قال: «إنّي قد رُزِقتُ حبّها»(2).

وعن عائشة قالت: «ما حسدت امرأة ما حسدت خديجة، وما تزوّجني رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) إلّا بعدما ماتت»(3).

***

وحتّى يوم الفتح - وقد مضى على وفاة خديجة أكثر من عشر سنين حافلة بأجلّ الأحداث - رُئى رسول اللّه، يختار مكاناً إلى جوار القبر الذي ثوت فيه زوجه أُمّ المؤمنين الأُولى؛ ليشرف منه على فتح مکّة، وليقيم في قبّة ضُربت له هناك، تؤنسه روح خديجة، ثمّ تصحبه من بعد الفتح وهو يطوف بالكعبة ويحطّم الأصنام، ملتفتاً بين آونة وأُخرى إلى دارهما، حيث نهل من نبع الحبّ والحنان ما تزوّد به لذاك الجهاد المضني الطويل... .

وستدخل في الإسلام من بعد خديجة ملايين النساء، لكنّها ستظلّ منفردة دونهنّ بلقب المسلمة الأُولى التي آثرها اللّه بالدور الأجلّ في حياة المصطفى، وسيذكر لها

المؤرّخون - المسلمون وغير المسلمين - ذلك الدور، فيقول «بودلي»: «إنّ ثقتها في الرجل الذي تزوّجته - لأنّها أحبّته - كانت تضفي جوّاً من الثقة على المراحل الأُولى للعقيدة التي يدين بها اليوم واحد في كلّ سبعة من سكّان العالم»(4).

ويؤرّخ «مرجليوث» حياة محمّد(صلی الله علیه و آله) باليوم الذي لقي فيه خديجة، «ومدّت يدها إليه تقديراً»، كما يؤرّخ حادث هجرته إلى يثرب باليوم الذي خلت فيه مکّة من خديجة... .

ويطيل «درمنجم»(5) الحديث عن موقف خديجة حين جاءها زوجها من غار حراء

ص: 87


1- . متّفق عليهما، من فضائلها(علیها السلام).
2- . صحيح مسلم: ح2435 فضائلها(علیها السلام)، الإصابة: ج8 ص62.
3- . تاريخ الطبري: حوادث السنة الثامنة للهجرة: ج3.
4- . الرسول لبودلي، الترجمة العربية لمحمّد فرج وعبد الحميد السحّار.
5- . حياة محمّد لدرمنجم: ص58، من الترجمة العربية للأُستاذ عادل زعيتر.

«خائفاً مقروراً أشعث الشعر واللحية، غريب النظرات... فإذا بها تردّ إليه السكينة والأمن، وتسبغ عليه ودّ الحبيبة وإخلاص الزوجة وحنان الأُمّهات، وتضمّه إلى صدرها، فيجد فيه حضن الأُمّ الذي يحتمي به من كلّ عدوان في الدنيا».

وكتب عن وفاتها: «... فَقَد محمّد بوفاة خديجة تلك التي كانت أوّل من علم أمره فصدّقته، تلك التي لم تكفّ عن إلقاء السكينة في قلبه... والتي ظلّت ما عاشت تشمله بحبّ الزوجات وحنان الأُمّهات».

و«درمنجم» هنا يدرك ما غاب عن كثير من قومه المستشرقين، فاتهم أن يقدّروا حاجة الشابّ اليتيم إلى الأُمومة، حين تحدّثوا عن زواجه بالأرملة الموسرة؛ فمرجليون يجعل لمال خديجة المكان الأوّل في زواج كهذا «بين شابّ فقير وأرملة كهذه كهلة، مات عنها زوجان من بني مخزوم، وتركا لها ثروة ذات شأن».

ثمّ يمضي فيكتب بكلمات تقطر حقداً وزُوراً: «إنّ دعوة خديجة جاءت محمّداً وهو يجترّ كلمات مريرة سمعها من عمّه أبي طالب حين خطب إليه ابنته أُمّ هانئ، فردّه لفقره وزوّجها لذي مال، واستشعر محمّد ذلّة الفقر ومهانته، فما كاد يسمع عن رغبة خديجة في

الزواج منه حتّى أقبل متلهّفاً على الثراء، يداوي به جرح كرامته التي أهدرها فقره»(1).

وليس هذا بمستغرب من مثله، فكذلك يَلوُون الأخبار في تفسيرهم لتاريخ الإسلام، وكلامه هنا مردود بما في مصادرنا الموثقة من حديث عبداللّه بن عبّاس ابن عمّ أُمّ هانئ، ذكر خطبته أُمّ هانئ إلى أبيها، عمّه أبي طالب، وقد سبقه إلى خطبتها هبيرة بن عمرو بن عائذ المخزومي، وهو كف ء كريم، فقال أبو طالب: يابن أخي، إنّا قد صاهرنا إليهم، والكريم يكافئ الكريم، «ثم فرّق الإسلام بين أُمّ هانئ وهبيرة، فخطبها، فقالت: واللّه إنّي كنت لأحبّك في الجاهلية، فكيف في الإسلام؟ ولكنّي امرأة مصبية - أي ذات صبية - فأكره أن يؤذوك»(2). وفيها قال: «نساء قريش خير نساء

ص: 88


1- . المصدر السابق.
2- . ترجمتها بالإصابة، والحديث متّفق عليه.

ركبن الإبل؛ أحناه على طفل، وأرعاه على زوج في ذات يده»(1).

وفي رواية من طريق الشعبي أنّ أُمّ هانئ(علیها السلام) قالت: «يا رسول اللّه، لأنت أحَبُّ إليَّ من سمعي وبصري، حقُّ الزوج عظيم، فأخشى إن أقبَلتُ على زوجي أن أُضيّع بعض شأني وولدي، وإن أقبلت على ولدي أن أضيّع حقّ الزوج، فقال رسول اللّه(صلی الله علیه و آله): إنّ خير نساء ركبن الإبل نساء قريش، أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على بعل في ذات يده»(2).

وفسّر «موير» في كتابه حياة محمّد وتاريخ الإسلام وفاء محمّد(صلی الله علیه و آله) لخديجة بتهيّبه لمركزها المالي والاجتماعي، وخوفه من أن تطالبه بالطلاق!

وكان على «موير» أن يفسّر لنا: فيم إذن كان وفاء محمّد(صلی الله علیه و آله) لخديجة بعد موتها؟... وهل كان يخاف أن تطالبه بالطلاق وهو يخاصم عائشة فيها

بعد وفاتها بسنين، ويأبى عليها أن تمسّ ذكراها؟!

لقد كانت خديجة مل ء حياته حيّةً وميّتةً، وما جاورت عائشة الحقّ حين قالت: «كأن لم يكن في الدنيا امرأة سواها».

وهل كان باستطاعة امرأة سواها أن تأسو جرحه القديم الغائر الذي تركه في أعماقه موت أُمّه بين يديه؟!

هل كان لأُنثى غيرها أن تهيِّئ له الجوّ المسعف على التأمّل، وأن تبذل له من نفسها - في إيثار نادر - ما أعدّه لتلقّي ختام الرسالات؟

هل كان لزوج عداها أن تستقبل عودته التاريخية من غار حراء بمثل ما استقبلته هي به من حنان مستثار وعطف فيّاض وإيمان راسخ، دون أن يساورها في صدقه أدنى ريب أو يتخلّى عنها يقينها في أنّ اللّه غير مخزيه أبداً؟!

هل كان في طاقة سيّدة غير خديجة غنية مترفة منعمة، أن تتخلّى راضية عن كلّ ما ألفت من راحة ورخاء ونعمة لتقف إلى جانبه في أحلك أوقات المحنة، وتعينه على

ص: 89


1- . ترجمتها بالإصابة، والحديث متّفق عليه.
2- . طبقات ابن سعد: ج8 ص151، وانظر في نسب قريش أبناء هبيرة المخزومي من أُمّ هانئ رضي اللّه عنها: ص344.

احتمال أفدح ألوان الأذى وصنوف الاضطهاد في سبيل ما تؤمن بأنّه الحقّ؟

كلّا... بل هي وحدها التي مَنّ اللّه تعالى عليها بأن ملأت حياة الرجل الموعود بالنبوّة، وأن كانت أوّل الناس إسلاماً، كما منّ بها على رسوله، ملاذاً ومسكناً ووزيراً.

قال ابن إسحاق: «كان رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) لا يسمع شيئاً يكرهه من ردٍّ عليه وتكذيبٍ له فيحزنه ذلك، إلّا فرّج اللّه عنه بها؛ إذا رجع إليها تثبته وتخفّف عنه، وتصدّقه وتهوّن عليه أمر الناس، حتّى ماتت(علیها السلام) »(1).

وتركت الراحلة من بعدها، بناتها الأربع مل ء حياة أبيهنّ الرسول، ومل ء التاريخ الإسلامي، وقد أفردت لهنّ كتابي عن بنات النبي، وفيه تفصيل ما أجملتُ هنا عن

أُمومة السيّدة خديجة، أُمّ المؤمنين الأُولى(2).

ومَنّ اللّه عليها وعلى المسلمين، بأن حفظ في نسل الزهراء بنت الطاهرة ذرّية نبيّه، قَبَساً من سَنا نوره ونفحة من عطر شذاه، فهي أُمّ آل بيت النبي(صلی الله علیه و آله).

***

ص: 90


1- . في السيرة: ج1 ص257، وانظر السمط الثمين: ص23.
2- . وانظر فضائلها رضي اللّه عنها في: المناقب من صحيح البخاري والفضائل من صحيح مسلم.

فهرس المصادر

1. الاستيعاب، أبو عمر يوسف بن عبداللّه بن عبدالبرّ النمري (ت463ه )، تحقيق: علي محمّد البجاوي، بيروت: دار الجيل، الطبعة الأُولى، 1412ه .

2.الإصابة في تمييز الصحابة، أبو الفضل أحمد بن علي بن الحجر العسقلاني (ت852ه )، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود، وعلي محمّد معوّض، بيروت: دار الكتب العلمية، الطبعة الأُولى، 1415ه .

3.تاريخ الطبري (تاريخ الأُمم والملوك)، أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري (ت310ه )، تحقيق: محمّد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة: دار المعارف، الطبعة الأُولى، 1968 م.

4. تراجم سيّدات بيت النبوي، عائشه عبدالرحمن (بنت الشاطي)، القاهرة: دار الحديث، 1423ه .

5.جمهرة أنساب العرب، علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي، نشر: دار الكتب العلمية، بيروت 1403ه .

6.حياة محمّد، محمّد حسين هيكل (ت1956)، تعليق: عبدالرحيم الموسوي، قم: المجمع العالمي لأهل البيت:، 1386.

7.الروض الأنف شرح السيرة النبوية لابن هشام، عبدالرحمن بن عبداللّه السهيلي (ت581ه )، تحقيق: عبدالرحمن الوكيل، بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1412ه .

8.السمط الثمين في مناقب أُمّهات المؤمنين، محبّ الدين أحمد بن عبداللّه الطبري (ت694ه )، تحقيق: محمّد علي قطب، القاهرة: دار الحديث، 1408ه .

9.السيرة النبوية، عبد الملك بن هشام الحميري (ابن هشام) (ت218ه )، تحقيق: مصطفى السقّا و إبراهيم الأبياري، قم: مكتبة المصطفى، الطبعة

الأُولى، 1355ه .

ص: 91

10. الشفا بتعريف حقوق المصطفى، عِياض بن موسى اليحصبي (القاضي عِياض) (ت544ه )، بيروت: دار الكتب العلمية.

11. صحيح البخاري، أبو عبد اللّه محمّد بن إسماعيل البخاري (ت256ه )، تحقيق: مصطفى ديب البغا، بيروت: دار ابن كثير، الطبعة الرابعة، 1410ه .

12. صحيح مسلم، أبو الحسين مسلم بن الحجّاج القشيري النيسابوري (ت261ه )، تحقيق: محمّد فؤاد عبدالباقي، القاهرة: دار الحديث، الطبعة الأُولى، 1412ه .

13. الطبقات الكبرى (الطبقه الخامسة من الصحابة)، محمّد بن سعد الزهري (كاتب الواقدي) (ت230ه )، تحقيق: محمّد بن صامل السلمي، بيروت: دار صادر، والطائف: مكتبة الصدّيق، الطبعة الأُولى، 1414ه .

14. الطبقات الكبرى، ابن سعد، محمّد بن سعد الزهري (كاتب الواقدي) (ت230ه )، تحقيق: محمّد بن صامل السلمي، بيروت: دار صادر، والطائف: مكتبة الصدّيق، الطبعة الأُولى، 1414ه .

15. بنات النبي أم ربائبه، جعفر مرتضي العاملي، قم، 1413ه .

16. عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير (السيرة النبوية لابن سيّد الناس)، محمّد عبد اللّه بن يحيى ابن سيّد الناس (ت734ه )، بيروت: مؤسّسة عزّ الدين، 1406ه .

17. فتح الباري (شرح صحيح البخاري)، أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت852ه )، تحقيق: فؤاد عبد الباقي عبد العزيز بن عبد اللّه بن باز، بیروت: دار الفكر، الطبعة الأُولى، 1379ه .

18. المُحبَّر، أبو جعفر محمّد بن حبيب الهاشمي البغدادي (ت245ه )، تحقيق: ايلزه ليختن شتيتر، بيروت: المكتب التجاري للطباعة والنشر، مطبعة الدائرة، 1361ه .

19. نسب قريش، مصعب بن عبد اللّه الزبيري (ت236ه )، تحقيق: بروفنسل، القاهرة: دار المعارف.

20. نهاية الأرب في فنون الأدب، أحمد بن عبد الوهّاب النويري (ت733ه )، القاهرة: وزارة الثقافة والإرشاد القيومي، الطبعة الأُولى، 1395 و 1396.

21. وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى، نورالدين علي بن أحمد السمهودي (ت911ه )، تحقيق: محمّد محيي الدين عبد الحميد، بيروت: دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثالثة، 1401ه .

ص: 92

ص: 93

9. خدیجة بنت خویلد - هاشم معروف الحسني

ملخّص البحث:

يمثّل هذا البحث سرداً تاريخياً يبدأ بذكر نسب خديجة بنت خويلد من جهة الأب والأُمّ والأقارب والقبيلة، وزواجها قبل النبي(صلی الله علیه و آله). ويصف فيه أيضاً مواقفها الداعمة للنبي في جميع الظروف والأحوال، ومدى محبّة النبي واحترامه لها وحفظه لذكراها. حين أخرجت قريش بني هاشم إلى شِعب أبي طالب وفرضت عليهم الحصار هناك، تخلّت هذه المرأة عن دارها ومالها، وخرجت مع زوجها إلى الشِّعب. المنهج الذي انتهجه هذا البحث هو الطابع المكتبي، ويتّصف بأُسلوب السرد الأدبي الذي يستعين في بعض الحالات بتوثيق من مصادر تاريخية.

لقد رأیت قبل الحدیث عن سیرة الأئمّة الاثني عشر أن أتحدّث ولو یسیراً عن السیّدتین خدیجة أُم الزهراء وجدّة الأئمّة الاثني عشر التي ساهمت في بناء الإسلام بمالها وجاهها، وتحمّلت في سبیل ذلك کلّ أنواع الأذی والاضطهاد، واستقبلت الدعوة بقلبٍ مفتوح لکلّ تعالیمها، وإیمانٍ راسخ بأنّ اللّه لن یخذل نبیّه، وحینما جاءها في اللحظات الأُولی من نزول الوحي علیه خائفاً غریب النظرات، حاولت أن تردّ إلیه السکینة والأمن، وتسبغ علیه ودّ الحبیبة وإخلاص الزوجة، وتضمّه إلی صدرها،

ص: 94

فیجد فیها حنان الأُم الذي یحمیه من کلّ عدوان في هذه الدنیا.

وفي ذلك أيضاً تقول الدكتورة بنت الشاطئ: «هل كان لزوجة عداها أن تستقبل دعوته التاريخية من غار حراء بمثل ما استقبلته خدیجة به من حنان مستثار، وعطف فيّاض، وإيمان قويّ، دون أن يساورها في صدقه أدنى ريب، أو يتخلّى عنها يقينها بأنّ الله غير مخزيه أبداً؟ وهل كان في طاقة سيّدة غير خديجة غنية مترفة منعّمة أن تتخلّى راضية عن كلّ ما ألفت من راحة ورخاء ونعمة، لتقف إلی جانب زوجها في أحلك أوقات المحنة، وتشارکه في أفدح ألوان الأذی وصنوف الاضطهاد في سبيل ما تؤمن به، كلّا، بل هي وحدها التي أعدّتها الأقدار لتملأ حیاة النبي(صلی الله علیه و آله)، ولتكون له ثقة وطمأنينة وسلاماً».

فمن الوفاء لحقّها العظیم علی جمیع المسلمین أن نتحدّث عنها حسبما یسمح به الوقت، ونحن بصدد الحدیث عن أحفادها الأئمّة الاثني عشر الذین شاء اللّه أن تکون لهم أُمّاً وزوجها العظیم أباً.

وعن ابنتها فاطمة الزهراء التي آثرها اللّه بالنعمة الکبری، فحصر في وُلدها ذرّیة الرسول، وحفظ بها أشرف سلالة عرفها العرب في تاریخهم الطویل، فکانت وحدها الوعاء الطاهر للسلالة الطاهرة والمنبت الطیّب لعترة الرسول من أهله وذویه.

لقد ولدت خدیجة بنت خویلد زوجة النبي الأُولی من أبوین قرشیین؛ فأبوها خویلد بن أسد بن عبد العزّی بن قصي بن کلاب بن مرّة بن کعب بن لؤي بن غالب.

وأُمّها فاطمة بنت زائدة ابن الأصمّ، وتنتهي في نسبها إلی لؤي بن فهر بن غالب، کما وأنّ أُمّ فاطمة هالة بنت عبد مناف بن الحارث، وتنتهي أیضاً إلی فهر بن لؤي بن غالب، وبذلك کما یدّعي الأخباریون تکون خدیجة قد وُلدت لأبوین کلاهما من أعرق الأُسر في الجزیرة العربیة، وقد اجتمع لها بالإضافة إلی هذا النسب الرفیع الذکر الطیّب والخلق الکریم والصفات الفاضلة، وبلغ من علوّ شأنها أنّها کانت قبل أن تتزوّج بالنبي(صلی الله علیه و آله) تُعرف بالطاهرة وبسیّدة نساء قریش، وهي مع ذلك

من أثریاء قریش

ص: 95

وأوسعهم جاهاً ومفطورة علی التدیّن بعامل الوراثة والتربیة؛ فأبوها خویلد هو الذي نازع (تُبّعاً الآخر)حین أراد أن یحمل الحجر الأسود معه إلی الیمن، فتصدّی له، ولم ترهبه قوّته وکثرة أنصاره؛ حرصاً منه علی هذا النسك من مناسك دینه.

وابن عمّها ورقة بن نوفل کان یعکف علی دراسة کتب النصاری والیهود ویعمل بما یستحسنه منهما، لا لأنّه کان یعاشر النصاری والیهود، ولا لأنّ مکّة کانت مقرّاً لهما، بل لأنّه کان یسخر من عبادة الأصنام والتماثیل ویبحث عن دین یطمئنّ إلیه.

ویحدّث الأخباریون والمؤلفّون في سیرة الرسول أنّ النبي(صلی الله علیه و آله) حینما رأی تباشیر النبوّة في غار حراء وسمع مَن یکلّمه في الغار وعاد إلی بیته خائفاً غریب النظرات یقصّ علی زوجته الوفیّة الصادقة ما رأی وما سمع، أسرعت إلی ابن عمّها لتقصّ علیه ما جری للنبي(صلی الله علیه و آله)، فبشّرها بمستقبله العظیم الذي سیهزّ العالم بأسره، ویحدث تحوّلاً في تاریخ البشریة، وبما سیلاقیه من قومه من عنف وجور واضطهاد.

لقد تزوّجت السیّدة خدیجة قبل الرسول مرّتین، الزواج الأوّل من أبي هالة النبّاش بن زرارة، فأولدت منه ولداً أسمته هنداً، أدرك الإسلام وکان من السابقین إلیه، وروی عنه الحسن بن علي7 حدیث وصف النبي، وتناقله عنه أکثر الرواة والمحدّثین، وشاع عنه أنّه کان یقول: «أنا أکرم الناس أباً وأُمّاً وأخاً وأُختاً».

وقد اشترك مع النبي(صلی الله علیه و آله) في جمیع حروبه وغزواته، وکان مخلصاً للدعوة کأُمّه، متفانیاً في سبیلها إلی أبعد الحدود، ولازم علیّاً بعد وفاة النبي(صلی الله علیه و آله)، وقُتل معه في البصرة.

وبعد وفاة زوجها الأوّل أبي هند، تزوّجت من عتیق بن عاید المخزومي، ورُزقت منه بنتاً أسمتها هنداً أیضاً، بقیت في أحضان أُمّها وأسلمت منذ ظهور الإسلام، وکانت من الصحابیات الکریمات اللواتي أخلصن للإسلام.

وبعد وفاة زوجها الثاني عتیق بن عاید المخزومي، أعرضت عن الرجال وهي لا تزال في ریعان شبابها، فخطبها أشراف قریش، وقدّموا لها العروض المغریة، فلم

ص: 96

تستجب لأحدٍ منهم، وظلّت تعیش بعیدة عن الرجال ومشاکلهم، طیّبة النفس مرتاحة الضمیر؛ لأنّ أکثر الخاطبین کانوا یضعون في حسابهم ثروتها الواسعة، حتّی بلغت الأربعین من عمرها.

ویروي المحدّثون والمؤلّفون في سیرة الرسول أنّها کانت ترسل في تجارتها إلی الشام جماعة بأجرٍ معیّن، وقبیل زواجها بالنبي أرسلت إلیه لیذهب في تجارتها، وبذلت له ضعفي ما کانت تبذله لغیره؛ لأنّه کان حدیث الناس رجالاً ونساءً في أمانته وصدقه واستقامته، فوافق علی طلبها بعد أن استشار عمّه أبا طالب، وأرسلت معه غلامها میسرة لخدمة القافلة ورعایتها، وکانت الرحلة ناجحة وموفّقة نجاحاً لم تصادفه رحلة قبلها، وأسرع میسرة قبل دخول القافلة مشارف مکّة لیخبرها بما جری وما حدث لمحمّد في طریقه مع بُحیرا وغیره من الأحداث التي لم یجدوا لها نظیراً من قبل.

وبدأت مکّة تسمع ضجیج الرکب وهو یقترب منها، فخرج الناس لاستقباله، وامتزج رغاء الإبل بهتاف المستقبلین وضجیجهم، هذا والصدّیقة الکبری خدیجة في دارها تراقب طریق القافلة في لهفة ممزوجة بشيء في نفسها لا تجد له تفسیراً، وإلی جانبها الغلام یملأ أُذنیها بنجاح الرحلة وما جری لمحمّد في الطریق من الغرائب.

وفیما هي غارقة في التفکیر والتأمّل، وإذا بمحمّد(صلی الله علیه و آله) یدنو من دارها بطلعته الوسیمة وملامحه النبيلة، فاستقبلته مرحّبة بقدومه ومهنّئة بسلامة العودة، بکلمات تفیض عذوبةً وحناناً، وردّ علیها شاکراً لها هذا الموقف، وعاد یقصّ علیها أنباء رحلته وربح تجارتها وما حمله معه من انتاج بلاد الشام ممّا تفتقر إلیه أسواق الحجاز، وأصغت إلیه معجبة بحدیثه وبشخصه الکریم الذي وجدت فیه من النبل وکریم الصفات ما لم تجده عند غیره من کهول مکّة وشبابها المترفین، حتّی انتهی وخرج من دارها، وظلّت واقفة تتبعه عیناها إلی أن تواری في منعطف الطریق متّجهاً إلی حیث یقیم عمّه الکفیل أبو طالب، فاستقبله بلهفة وارتیاح، وهنّأه بالعودة سالماً لم یمسّه مکروه من أعدائه ولا من وعثاء السفر وبُعد المسافة.

ص: 97

وبعد هذه الرحلة الموفّقة، یدّعي المؤرّخون أنّ خدیجة التي أکبرت في محمّد نبله وصدقه وجمیع صفاته وما حدّثها به میسرة من غرائب الأحداث التي حصلت له في طریقه، باتت لیلتها تفکّر في أمره وبما سیکون له من شأن في مستقبله القریب، وعادت تستعرض شمائله وسیرته الطیّبة العطرة، وتمنّت لو أنّها تصبح شریکة له فیما بقي من عمرها بعد أن نفضت یدیها من الرجال، وراحت تستعرض ما یحول بینها وبین ذلك، وهل یستجیب ابن عبد اللّه مع شبابه الغضّ وفتوّته الساحرة وصیته الذي ملأ القلوب والأسماع، لعاطفة أرملة کهلة بلغت الأربعین، وهو لا یزال في ریعان شبابه قد انصرف عن عذاری مکّة وزهرات بني هاشم، وما هي بالنسبة إلیه إلّا کخالة أو أُمّ، ولو عاشت آمنة بنت وهب لذلك التاریخ لما تجاوزت سنّ الأربعین، فکیف بها وقد بلغت هذا السنّ وتزوّجت قبله مرّتین.

وفیما هي في تلك الغمرة الهائجة من القلق والصور تتزاحم في نفسها، وإذا بنفیسة ابنة منبّه إحدی صدیقاتها تدخل علیها زائرة، وعبثاً تحاول خدیجة بنت خویلد أن تعود إلی طبیعتها، ولم یغب عن الزائرة ما في نفسها من القلق والاضطراب، فلم تترکها حتّی کشفت لها عمّا في نفسها، فهوّنت علیها الأمر، وتعهّدت لها بأن تفاتحه في الزواج منها وتعمل علی تحقیق أُمنیتها الغالیة بکلّ ما أُوتیت من خبرة ودهاء.

فقصدته وهو یخلو بنفسه، وابتدأت حدیثها معه تسأله عن أسباب عزوفه عن الزواج

وقد تجاوز العشرین من عمره وأصبح في أمسّ الحاجة إلی امرأة یسکن إلیها وتملأ دنیاه بهجةً وأُنساً، فأمسك عن جوابها، وتراکمت في نفسه صور عن مشاکل الزواج ویُتمه وفقره، واستمرّ في صمته وتفکیره، ولکنّها أعادت علیه الحدیث لتسمع منه الجواب، وأحرجته في أُسلوبها وإلحاحها، فابتسم وقال: واللّه ما بیدي شيء من المال لکي أتزوّج به. وهنا وجدت نفیسة منفذاً للمصارحة، فردّت علیه تقول: إذا دُعیت إلی الجمال والشرف والمال والکفاءة، ألا تجیب؟ تلك هي خدیجة التي لا یساویها أحد من القرشیات والمکّیات. فرحّب بتلك البادرة وعرضها علی عمّه أبي طالب، فأشرق

ص: 98

لها وجهه وغلبته ابتسامته، واطمأنّ علی مصیر ابن أخیه الذي کان یفکّر فیه أکثر من تفکیره بأعزّ أولاده علیه.

وفي فترة قصیرة من الزمن تمّ التفاهم بین الزوجین علی کلّ شيء، فأسرع إلی بیتها وفي صحبته عمّاه أبو طالب والحمزة، وکان کلّ شيء مهیّأً لهذا الزواج الذي خطّطت له مشیئة اللّه لیکون عوناً لمحمّد علی أداء الرسالة التي تنتظره بعد سنوات قلیلات.

وتمّ الزواج بینهما بعد کلمة قصیرة ألقاها أبو طالب جریاً علی المتعارف في مجلس الخطبة، کما یدّعي ذلك أکثر المؤرّخین والمؤلّفین في سیرة النبي(صلی الله علیه و آله)، کما روی جماعة منهم إلی جانب هذه الروایة الشائعة التي نصّت علی أنّ رحلته في تجارتها إلی الشام وما رافقها من نجاح وأحداث قد مهّدت لهذا الزواج علی النحو الذي صوّرناه.

إلی جانب ذلك روی جماعة منهم أنّ زواجه منها لم یکن من نتائج رحلته إلی الشام في تجارتها، ولم تکن الواسطة بینهما نفیسة بنت منبّه، بل کان بواسطة أُختها هالة وبناءً لطلبها، فقد جاء في تاریخ الیعقوبي عن عمّار بن یاسر أنّه قال: «أنا أعلم الناس بزواج خدیجة بنت خویلد من رسول اللّه، لقد کنت صدیقاً له، وإنّا لنمشي یوماً بین الصفا والمروة، وإذا بخدیجة وأُختها هالة معها، فلمّا رأت رسول اللّه جاءتني أُختها هالة وقالت: یا عمّار، ما لصاحبك رغبة في خدیجة؟ فقلت لها: واللّه لا أدري. فرجعت إلیه وذکرتُ ذلك

له، فقال لي: ارجع فواضعها وعدها یوماً نأتیها فیه، فلمّا کان ذلك الیوم أرسلت إلی عمّها عمرو بن أسد، ودهنت لحیته وألقت علیه حبراً، ثمّ حضر رسول اللّه في نفر من أعمامه یتقدّمهم أبو طالب، فخطب في الحاضرین وتمّ الزواج بینهما».

وأضاف عمّار بن یاسر إلی ذلك أنّها لم تستأجره في تجارتها ولم یکن أجیراً لأحد أبداً، کما أورد حدیث زواجه منها علی هذا النحو ابن کثیر في تاریخه بعد أن أورد الصورة الأُولی الشائعة بین المحدّثین.

وجاء في تاریخ أبي الفداء أنّه بعد أن رجع من الشام وحدّثها میسرة بما حدث له في طریقه، تعرّضت له مباشرة وخطبته لنفسها، وتمّ الزواج بینهما علی عشرین بکراً.

ص: 99

وقد عرضتُ في کتابي سیرة المصطفی مراحل حیاة النبي منذ طفولته إلی زواجه من خدیجة، والمرویات التي تحدّثت عن زواجه، ورجّحتُ روایة عمّار بن یاسر، وذکرتُ الأسباب التي أراها مرجّحة لها.

ومهما کانت الأسباب والملابسات التي اقترنت بهذا الزواج، فممّا لاشكّ فیه بأنّ زواجهما کان بناءً لطلبها ورغبتها بعد أن ردّت عن بابها الخطّاب من سادة قریش وأشراف مکّة، کما وأنّ محمّداً کان له من شبابه وفتوّته وشمائله وصفاته الکریمة التي عُرِف بها في مکّة وجوارها، ما یوفّر له الزواج من أيّ فتاة أرادها من عذاری مکّة وزهرات بني هاشم، ولکنّ مشیئة اللّه سبحانه قد هیّأت لهذا الزواج الذي لم تشهد مکّة زوجین ینعمان بحیاتهما الزوجیة ویرتشفان علی مهل رحیق ودّ صاف سیظلّ حدیث الزمان، وظلّا خمسة عشر عاماً ناعمین بالأُلفة والاستقرار، وأتمّ اللّه علیهما نعمته بالبنین والبنات، کانت آخرهم الزهراء سیّدة نساء العالمین.

قال الأُستاذ کتّاني في کتابه الزهراء: إنّ خمساً وعشرین سنة کانت ملیئة بالحبّ والتفاني ذابت خدیجة في حبّها لزوجها، وأخذت منه کلّ ما أعطاها، وأعطته کلّ ما أخذ منها، لقد کان الأخذ والعطاء بنسبة واحدة بدون أيّ شعور من الطرفین بأنّ الأخذ

هو غیر العطاء، أو أنّ العطاء هو غیر الأخذ.

ومضی یقول: لقد أعطته خدیجة زوجها حبّاً وهي لا تشعر بأنّها تُعطي، بل تأخذ منه هدایة تفوق کنوز الأرض، وهو بدوره أعطاها حبّاً وتقدیراً رفعها إلی أعلی مرتبة، وهو لا یشعر بأنّه قد أعطاها، بل قال: «ما قام الإسلام إلّا بسیف عليّ ومال خدیجة»، وأعطاها مع ذلك عمره وزهرة شبابه، ولم یتزوّج بغیرها حتّی غابت عن الوجود وهو لا یشعر بأنّه أعطاها، وکان یقول: «لا واللّه ما أبدلني اللّه خیراً منها، آمنت بي إذ کذّبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس».

بعد خمسة عشر عاماً من تاریخ زواجهما الفرید من نوعه والذي کان وسیظلّ حدیث الناس؛ لأنّه کان سخیاً في البذل والعطاء والصبر والتضحیات في سبیل المبدأ

ص: 100

والعقیدة في أحلك الساعات وأقسی المراحل التي لا یقوی علی تحمّلها إنسان.

بعد هذه الأعوام التي أطلّ بعدها الزوج العظیم علی الأربعین، استقبل الزوجان ذلك الحدث الخطیر لا في حیاة تلك الأُسرة الوادعة فحسب ولا في حیاة قریش والعرب وحدهم، بل في حیاة الإنسانیة جمعاء، فقد تلقّی الزوج العظیم رسالة السماء إیذاناً بحیاة جدیدة شاقّة ملیئة بالاضطهاد والمتاعب والنضال المریر.

وفي الحقّ أنّ ذلك الحادث الذي نرید أن نمرّ علیه مروراً خاطفاً لنشیر إلی دور تلك الزوجة الفاضلة فیه، هذا الحادث لم یکن مفاجئاً لمحمّد بن عبد اللّه بکلّ ما في هذه الکلمة من معنی، ولم یکن یستبعد أن ینتهي إلی شيء من تأمّلاته العمیقة وتفکیره الطویل في خلواته بنفسه بعیداً عن الناس، لیجد المناخ الملائم للتفکیر والتأمّل في الکون وتقلّباته وما فیه من الکائنات، ویستشفّ أدقّ ما فیه من أسرار لیلمح من ورائها قوّة عظمی خفیة تدبّر وُفق نظام دقیق ونوامیس منتظمة متناسقة: (لَا الشَّمْسُ

يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)(1).

وهو مع ذلك یستخفّ بقومه ویستبشع منهم تقدیس تلك الأصنام التي کدّسوها حول الکعبة وقدّموا لها القرابین، وعبدوها من دون اللّه وهي لا تجلب لهم نفعاً ولا تدفع عنه سوءاً.

لقد کانت مواقفه تلك توحي إلیه أنّه سینتهي إلی شيء، ویحسّ من خلالها أنّه سیدنو من الحقیقة الکبری، وسیتجلّی له السرّ الأعظم. وظلّ یتابع مواقفه هذه وقد أشرف علی الأربعین من عمره، وألف الخلوة في غار حراء واستطابها، وما کانت خدیجة وقد قاربت الستّین من عمرها لتضیق بهذه الخلوات التي تحول بینها وبینه في أکثر الأحیان، أو تحاول أن تعکّر علیه صفو تأمّلاته، بل کانت تحوطه بالرعایة والهدوء ما دام في بیتها، فإذا انطلق إلی حراء ظلّت عیناها تشخص إلیه ولا تفکّر بشيء سواه، وترسل إلیه من یحرسه ویرعاه، ولو من بعید بدون أن یقتحم علیه خلوته أو یفسد علیه وحدته.

ص: 101


1- . یس: 41.

وهکذا کان یبدو علی الزوج العظیم وکأنّه مهیّأ لاستقبال تلك الرسالة، ولکنّه بالرغم من ذلك فما جاءه الوحي وهو معتکف في الغار حتّی انطلق یلتمس بیته مع ظلمة الفجر مرتعد الأوصال، حتّی بلغ حجرة زوجته الوفیة الصادقة، فأحسّ وکأنّه قد بلغ مأمنه، وجلس إلی جانبها یحدّثها بکلّ ما جری وما حدث معه في الغار، وقد بدأ علیه الإجهاد، فأقبلت علیه بلهفة الأُمّ الرؤوف، وهتفت به في ثقة ویقین قائلة: «أبشر یا ابن العمّ، وثق بأنّ اللّه لا یخذلك أبداً، إنّك لتصل الرحم وتصدق الحدیث وتحمل الکَلّ وتُقري الضیف وتُعین علی نوائب الدهر»، وما زالت به حتّی هدأ روعه وأحسّ بالراحة والطمأنینة، وهي تهیّئ له فراشه وتأخذ بیده إلیه کما تفعل أُمّ بطفلها الوحید.

ومازالت به حتّی اطمأنّ إلی النوم وغرق فیه، فانسلّت من الحجرة ثقیلة الخطا،

حتّی إذا بلغت الطریق اندفعت تجري نحو ابن عمّها ورقة بن نوفل ومکّة لا تزال تنعم بغفوة الصبح، وقد بدأت تباشیر الفجر تسیر علی مهل نحو النهار. وجاءت ابن عمّها فأقعدته من فراشه وقد ظهر علیه الإعیاء من آثار الشیخوخة، فأخذت تحدّثه وهو یصغي إلی ما تحدّث به من أنباء محمّد وما جری له في الغار، فاستعاد نشاطه وأشرقت أساریره لحدیثها، وانتفض یقول: «قدّوس قدّوس، والذي نفس ورقة بیده، لئن صدّقتني یا خدیجة لقد جاءه الناموس الأکبر الذي کان یأتي موسی وعیسی بن مریم، وأنّه لنبيّ هذه الأُمّة، قولي له فلیثبت ولیکن علی یقین من أمره».

فانطلقت نحو بیتها بسرعة من غیر أن تنتظر منه المزید من البیان، مطمئنّة وکأنّها تأخذ من وحي السماء، انطلقت لتزفّ إلیه البشری بالنبوّة التي کان یترقّب ظهورها في شبه الجزیرة ابن عمّها ورقة وعمرو بن نفیل، وغیرهما من المتألّهین والکهنة والرهبان، فإذا به لا یزال نائماً کما ترکته، فوقفت إلی جنبه ووجهها یطفح بالبشر، وغابت عنها جمیع الهواجس التي مرّت بخیالها حینما رأته بعد رجوعه من الغار خائفاً شاحب اللون.

وعزّ علیها أن توقظه من نومه، وظلّت واقفة إلی جانبه تنظر إلیه بلهفة وحنان، وفیما هي غارقة في التفکیر بمستقبله السعید، وإذا به ینتفض في فراشه ویثقل تنفّسه ویتقاطر العرق

ص: 102

من جبهته، واستمرّ علی ذلك فترة من الوقت قبل أن یعود إلی حالته الطبیعیة وکأنّه یستمع إلی محدّث، کلّ ذلك والصدّیقة الکبری تنظر إلیه وقد عاودها القلق لحاله.

وانتبه بعد أن سری عنه الوحي یتلو ما أُوحي إلیه: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ... قُمْ فَأَنذِرْ)(1)، ونظر إلیها ملیاً بنظرة تفیض بالشکر والامتنان، وقد بدا علیها القلق لحاله، فرغبت إلیه أن یستمرّ في نومه، فقال لها: «لقد انتهی یا خدیجة عهد النوم والراحة، هذا الأمین جبرئیل یأمرني أن أنذر الناس وأدعوهم إلی اللّه وعبادته، فمن ذا أدعو ومن ذا یستجیب لدعائي»؟

فمضت به من ساعته إلی عمّها ورقة بن نوفل لتقصّ علیه ما جری له، ولم یکد یراه حتّی صاح: «والذي نفسي بیده إنّك لنبيّ هذه الأُمّة، ولتُکذّبنّ ولتُؤذینّ ولتُخرجنّ وتُقاتلنّ، ولئن أدرکت ذلك الیوم لأنصرنّ اللّه فیك». ثمّ دنا منه وقبّل یافوخه، فقال له النبي: «أو مخرجي هم»؟ فقال له: «نعم، لم یأت رجلٌ بمثل ما جئتَ به إلّا عودي، لیتني أکون جذعاً، لیتني أکون فیها حیّاً».

فطابت نفس النبي(صلی الله علیه و آله) بما سمع، وآب إلی بیته لیبدأ نضاله في سبیل الدعوة مهما کلّفه ذلك من جهد وتضحیات، وهو یعلم أنّ قریش لا تتنازل عن کبریائها وجبروتها، وهي تری أنّ محمّداً یسخر من الأصنام والأوثان التي وجدوا آباءهم لها عابدین من عشرات السنین، ویدعو إلی إلهٍ واحد لا شریك له ولا نظیر، وإلی تحریر العبید والمستضعفین من تسلّط السادة والمترفین.

ووقفت زوجته إلی جانبه من اللحظات الأُولی، بنفسها ومالها وجاهها، تنصره وتشدّ أزره، وتشارکه کلّ أنواع الأذی والاضطهاد والحرمان في جمیع المراحل التي مرّ بها، کما اتّفق علی ذلك جمیع المؤرّخین والمحدّثین.

ولمّا اتّفقت قریش علی مقاطعة الهاشمیین والتضییق علیهم وحرمانهم حتّی من ضرورات العیش، وأخرجتهم من مکّة إلی شِعب أبي طالب وضیّقت علیهم الحصار حتّی یموتوا جوعاً أو یعودوا إلی قریش وآلهتها، لما اتّفقت قریش علی ذلك ونفذت

ص: 103


1- . المدّثر: 2 - 8.

بنود الاتّفاق، لم تتردّد السیّدة الجلیلة في الخروج مع زوجها العظیم، وتخلّت عن دارها ومالها تارکة کلّ ذلك بنفسٍ طیّبة مطمئنّة بحسن المصیر، وأنّ الفوز في النهایة سیکون للمؤمنین بحقّهم والصابرین علی الأذی في سبیل اللّه.

وأقامت معه في الحصار نحواً من ثلاث سنوات، تشارکه أهوال الحصار ومرارة الجوع والحرمان، وقد أشرفت علی الشیخوخة المضنیة تکافح الوهن الذي أخذ طریقه إلی جسمها وقد تخطّت الستّین، وظلّت إلی جانب محمّد(صلی الله علیه و

آله) والمحاصرین معه من القلّة المؤمنة التي صبرت علی کلّ أنواع الضیم وعلی صراخ الأطفال من الجوع والحرمان، وتحدّت قریشاً وغطرستها وعددها وعدّتها.

وکان من المحکوم علی تخطیط قریش أن یفشل کما فشلت في التدابیر التي اتّخذتها من قبل، فدب الخلاف بین الذین تعاقودا علی الحصار، وأرسل اللّه الأرضَة لتأکل الصحیفة ما عدا لفظ الجلالة، واتّفق جماعة من وجوه المکّیین علی رفع الحصار وإفساح المجال للهاشمیین لیرجعوا إلی بیوتهم، وعادت قریش تجرّ من ورائها الخزي والعار والخذلان.

وتعاظم أمر النبي(صلی الله علیه و آله)، واتّخذت دعوته طابعاً جدیداً بعد فشل محاولات قریش وخذلانها. وشاءت الأقدار والدعوة في عامها العاشر أن یفقد النبي عمّه أبا طالب، أقوی أنصار الدعوة وأصلبهم عوداً في وجه محاولات قریش وأتباعها، وبعده بأیّام أو شهور حسب اختلاف الروایات فقد شریکته في الجهاد والبذل والتضحیات التي صدّقته وآمنت به منذ أن قصّ علیها حدیث الوحي، وبذلت في سبیله کلّ مالها وراحتها، وظلّت تبذل وتعطیه ممّا تملك من إمکانیاتها حتّی النفس الأخیر، فعزّ ذلك علی النبي(صلی الله علیه و آله)، وتلفّت إلی مکّة فوجدها موحشة من عمّه المحامي والکفیل، وإلی داره فوجدها خالیة موحشة من شریکته في البذل والعطاء والتضحیات.

واشتدّت قریش علیه في ذلك العام الذي سمّاه عام الأحزان، وظنّت قریش بأنّ الظلمات قد تکاثفت من حوله وأنّ آماله وأمانیه قد تحوّلت إلی یأس وخیبة، ولکن

ص: 104

سرعان ما تبدّدت أمانیهم وخابت ظنونهم، وبدا محمّد(صلی الله علیه و آله) ومن معه من المسلمین أشدّ ثباتاً وأکثر تصمیماً وأمضی عزیمةً من ذي قبل، یفتدون الدعوة بالمُهج والأرواح، ویرون الاستشهاد في سبیلها مجداً وانتصاراً.

لم یمت أبو طالب وخدیجة إلّا بعد أن مرّت الدعوة بمراحل واسعة، وتخطّت مکّة

وجوارها إلی جمیع أطراف الحجاز وإلی ما وراءها من البلاد المتاخمة لحدوده، وأصبحت حدیث الناس في کلّ بقعة ومکان، وحملتها فئة من صحابته عبر البحار إلی الحبشة، تارکین أهلهم ودیارهم لیعرضوا علی الدنیا صوراً من الإیمان والبطولات والتضحیات التي برزت في حیاة محمّد وصحبه الأکرمین، لیجمع الناس کلّهم علی صعید الإیمان بالواحد الأحد والمحبّة والعمل لخیر الناس أجمعین.

لقد ماتت خدیجة وغابت عن دنیا الناس، ولکنّها ظلّت ماثلة بین عینَي زوجها العظیم الوفي، ودخلت في حیاته من بعدها نساء عدیدات حسبما یحدّث بذلك التاریخ، ولکن مکانها من قلبه وفي دنیاه ظلّ خالیاً لم تشغله امرأة غیرها، ولم تستطع واحدة منهنّ أن تحتلّ مکانها وأن تفلح في إبعاد طیفها من قلبه ونفسه، الذي کان یتبعه حیث یسیر.

وشهد بیته عائشة بنت أبي بکر وهي في مطلع صباها ونضرة شبابها، تستبدّ بها الغیرة من خدیجة التي سبقتها إلی قلبه؛ لأنّه ظلّ یردّد اسمها ووفاءها في کلّ صباح ومساء.

لقد وفدت علی المدینة أُختها هالة، فما أن سمع محمّد صوتها حتّی تذکّر صوت أُختها الراحلة، فخفق لها قلبه وصاح: «مرحباً بك یا هالة»، فلم تملك عائشة نفسها حتّی هتفت به تقول: «ما زلت تذکر بحسرة وألم عجوزاً من عجائز قریش حمراء الشدقین هلکت من عدّة سنین، وقد أبدلك اللّه خیراً منها»(1).

ومع أنّه کان واسع الصدر صبوراً علی الأذی لا ینفعل لکلمات عابرة من هذا النوع، بدا علیه الانفعال وتغیّر لونه، والتفت إلیها وقد استولی علیه الغضب وقال: «واللّه ما أبدلني اللّه خیراً منها، آمَنَت بي حین کفر الناس، وصدّقتني إذ کذّبني الناس، وواستني

ص: 105


1- . تاریخ الطبري والسمط الثمین.

بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني اللّه منها الولد دون غیرها من النساء»(1).

فأمسکت عائشة عن الکلام وهي تقول: «واللّه لا أذکرها بعد الیوم».

ولکنّها الغیرة کانت تستبدّ بها في أکثر الأحیان، فلا تملك نفسها إذا ذکرها النبي(صلی الله علیه و آله) لمناسبة من المناسبات وما أکثر المناسبات التي کانت تذکره بها، فلا تملك نفسها أن تنال منها وتقول: «کأن لم یکن في الدنیا غیرها»، وعندما یسمع منها ذلك یأخذ في تعداد محاسنها ومواساتها له وبذلها السخي في سبیل اللّه والإسلام.

ویحدّث الرواة عنه أنّه کان إذا ذبح شاةً یقول: «ارسلوا إلی أصدقاء خدیجة»، فیُوزّع علیهم منها، فإذا عاتبته عائشة علی ذلك یقول: «واللّه إنّي لأُحبّ مَن کان یُحبّها»(2).

وجاء عن عائشة أنّها قالت في أکثر من مناسبة: «ما حسدتُ أحداً کما حسدتُ خدیجة، وما تزوّجني رسول اللّه إلّا بعد أن ماتت». وأحیاناً تقول: «ما غرتُ من امرأةٍ لرسول اللّه کما غرت من خدیجة حینما کنت أسمع رسول اللّه یذکرها، وما تزوّجني إلّا بعد موتها بثلاث سنین».

وحتّی یوم الفتح وقد مضی علی وفاتها أکثر من عشر سنین حافلة بالأحداث، نری رسول اللّه وقد دخل مکّة یختار مکاناً لینزل فیه قریباً من قبرها، في قبّة بُنیت له إلی جوار القبر؛ لیشرف منها علی فتح مکّة، کما جاء في حوادث السنة الثامنة في المجلّد الثالث من تاریخ الطبري.

وستدخل في الإسلام بعد خدیجة مئات الملایین من النساء، ولکنّها ستبقی وحدها من تلك الملایین المسلمة الأُولی التي آثرها اللّه بالدور العظیم في بناء الإسلام، رمزاً للوفاء والمحبّة، والإیثار لزوجها الذي کانت أوّل من صدّقه وآمن به وبذلت له راحتها ومالها وهان علیها کلّ شيء في

سبیله.

وجاء في سیرة ابن إسحاق أنّ رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) کان لا یسمع شیئاً یکرهه ویحزنه إلّا فرّجه اللّه عنه بخدیجة، تثبّته وتخفّف عنه وتهوّن علیه أمر الناس،

حتّی فارقت الدنیا.

ص: 106


1- . المصدرین السابقین والاستیعاب لابن عبد البرّ.
2- . نفس المصادر.

فهرس المصادر

1. الاستيعاب، أبو عمر يوسف بن عبداللّه بن عبدالبرّ النمري (ت463ه )، تحقيق: علي محمّد البجاوي، بيروت: دار الجيل، الطبعة الأُولى، 1412ه .

2.تاريخ الطبري (تاريخ الأُمم والملوك)، أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري (ت310ه )، تحقيق: محمّد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة: دار المعارف، الطبعة الأُولى، 1968 م.

3.السمط الثمين في مناقب أُمّهات المؤمنين، محبّ الدين أحمد بن عبداللّه الطبري (ت694ه )، تحقيق: محمّد علي قطب، القاهرة: دار الحديث، 1408ه .

ص: 107

10. أُمّ المؤمنین خدیجة بنت خویلد- عبد الحمید العبادي

ملخّص البحث:

يرسم هذا البحث الواقع الذي كانت تعيشه جزيرة العرب في القرن السادس الميلادي، حيث أخذت تتهيّأ للأحداث الجسام التي تمخّض عنها القرن الذي تلاه. وقد بدأ ذلك التهيّؤ في جميع مناحي الحياة العربية العامّة، سياسية کانت أم اقتصادية أم اجتماعية، وما يهمّنا هنا الناحية الاجتماعية فيه، ويهمّنا منها بصفة خاصّة نظام الأُسرة، فقد کان نظام الأُسرة آخذاً بالتحوّل في حواضر الحجاز عامّة ومکّة خاصّة، إلی النحو الذي أقرّه بجملته الإسلام فيما بعد؛ فأخذت تتلاشی ضروب الازدواج القديمة التي اعتبرها الإسلام سفاحاً، ويحلّ محلّها نظام الزواج القائم علی التراضي والتعاقد. ورافق هذا التطوّر الخطير في بناء الأُسرة، تطوّر خطير مثله في مکانة المرأة الاجتماعية، فبعد أن کانت المرأة العربية ليس لها حقّ التملّك ولا حقّ الإرث، بل بعد أن کانت هي نفسها تملك وتورِّث في بعض الحالات، أصبحت تستمتع بحقّ الملکية وحقّ الميراث وحقّ التصرّف في مالها، وحقّ مفارقة الزوج عند اللزوم، هذه الحرّية المستحدثة جعلت المرأة العربية عاملاً فعّالاً في الحياة المکّية العامّة قبيل ظهور الإسلام وفي عصر النبوّة. ثمّ يستغرق هذا البحث في بيان صفات أُمّ المؤمنين خديجة بنت خويلد، فيقول:

ص: 108

إنّها كانت تتّصف بمناقب المرأة الکاملة، من جمال وطُهر وعفاف وزوجية بارّة وأُمومة صحيحة، ومواساة في أشرف معانيها، كما إنّها ورثت عن أبويها مزايا

السؤدد العربي، کالنبل وکرم الخُلق والوفاء والشجاعة، کما لقفت عن عمومتها تلك الاستنارة العقلية، وذلك السموّ الروحاني الذي أعدّها لتقدير الدعوة الإسلامية وقبولها عن طيب نفس وطواعية خاطر. ويسرد بأُسلوب أدبي ما جاء من أخبارها في كتب التاريخ والسير. وکما کانت خديجة مثال الزوجة الحفيّة بزوجها، فإنّها کانت مثال الأُمّ المعنية بأولادها، لقد رُزق محمّد منها کلّ أولاده غير إبراهيم؛ رُزق منها القاسم وبه کان يُکنّی، ثمّ ولدت له زينب ورقيّة وفاطمة وأُمّ کلثوم، وکلّ هؤلاء وُلدوا قبل النبوّة، ثمّ أنجبت له في الإسلام عبد اللّه الذي عُرف بالطيّب والطاهر، ومات الغلامان في صغرهما. وقد كان فضل خديجة الأکبر وفخرها الخالد خلود الزمن یتمثّل هو في موقفها من زوجها عندما نُبّئ، ومن الدعوة الإسلامية التي أخذ يدعو إليها بعد خمس عشرة سنة من زواجه منها. ويمكن القول بايجاز إنّها سيرة أوّل امرأة وخير امرأة مسلمة يعرف فيها القارئ المثل الأعلی للمرأة کزوجة وأُمّ، وعون علی جلائل الأُمور، في غير خروج علی طبيعة الجنس ومواضعات الناس منذ صار الإنسان إنساناً. الأُسلوب الذي اتّبعه البحث هو الأُسلوب المكتبي التوثيقي المقرون بسرد أدبي.

کم یودّ صاحب هذا المقال لو کان شاعراً وثّاب الخیال، مطلق العاطفة، جزل الألفاظ، سري المعاني، إذاً لاستطاع أن یصوغ للقرّاء من سیرة أُمّ المؤمنین خدیجة بنت خویلد قصیدة عصماء یضمّنها مناقب تلك السیّدة الجلیلة، وما مناقبها إلّا مناقب المرأة الکاملة من جمال وطهر وعفاف وزوجیة بارّة وأُمومة صحیحة، ومواساة في أشرف معانیها، ولکنّ صاحب هذا المقال وا أسفاه! لیس شیئاً من ذلك الشاعر الذي یتمنّی أن یکونه، إن هو إلّا مؤرّخ یعرض لوقائع الحیاة العامّة من ناحیتها الوضعیة جهد طاقته، ویشدّ خیاله الراکد إلی تلك الوقائع، فلا یأذن له ولا بمحاولة التطایر والتحلیق، ویکتم عاطفته حتّی لا یطغی علیه سلطانها فیتنکّب سبیل المؤرّخ الذي همّه البحث والتحقیق، ثمّ العرض البسیط للأشیاء، فلیقنع القارئ الکریم بالصورة المجملة التي

ص: 109

أرسمها في هذا المقال، حتّی یتأذّن اللّه بظهور شاعر عظیم ینظم الألیاذة العربیة، فیطالع فیها إذ ذاك فصلاً عن تلك السیّدة یکون من أبلغ ما خطّه یراع شاعر وأروعه.

***

کانت جزیرة العرب في القرن السادس المیلادي قد أخذت تتهیّأ للأحداث الجسام التي تمخّض عنها القرن السابع، وقد بدأ ذلك التهیّؤ في جمیع مناحي الحیاة العربیة العامّة، سیاسیة کانت أم اقتصادیة أم اجتماعیة، ونحن إنّما تهمّنا في هذا المقام الناحیة الاجتماعیة، ویهمّنا منها بصفة خاصّة نظام الأُسرة، کان نظام الأُسرة قد أخذ یتحوّل في حواضر الحجاز عامّة ومکّة خاصّة إلی النحو الذي أقرّه في جملته الإسلام فیما بعد، فأخذت تتلاشی ضروب الازدواج القدیمة التي اعتبرها الإسلام سفاحاً، ویحلّ محلّها نظام الزواج القائم علی التراضي والتعاقد.

وصاحب هذا التطوّر الخطیر في بناء الأُسرة، تطوّر خطیر مثله في مکانة المرأة الاجتماعیة، فبعد أن کانت المرأة العربیة لیس لها حقّ التملّك ولا حقّ الإرث، بل بعد أن کانت هي نفسها تملك وتورث في بعض الحالات أصبحت تستمتع بحقّ الملکیة وحقّ المیراث وحقّ التصرّف في مالها، وحقّ مفارقة الزوج عند اللزوم، هذه الحرّیة المستحدثة جعلت المرأة العربیة عاملاً فعّالاً في الحیاة المکّیة العامّة قبیل الإسلام وفي عصر النبوّة.

***

ولدت خدیجة بمکّة حوالی منتصف القرن السادس المذکور، وهي خدیجة بنت خویلد بن أسد بن العزّی بن قصي، وکان خویلد ممّن قاد قریشاً في حرب الفِجَار، ثمّ هي ابنة فاطمة بنت زائدة ابن الأصمّ من بني عامر بن لؤي، ولا نعرف عن فاطمة شیئاً غیر أنّ الذهبي یقول في جدّها عمرو بن خنثر المزني أنّه کان من أبطال الجاهلیة، فنسب خدیجة لأبیها وأُمّها یدلّ علی أنّها تنتمي إلی بیت من أعزّ بیوت قریش، وهو بیت عبد العزّی بن قصي، وإلی قبیلة من أعزّ قبائل مضر هي عامر بن لؤي.

ص: 110

واکتنفت عمود هذا النسب الجلیل فروع وحواش زاهیة زاهرة نعدّ منها عمّ خدیجة عمرو بن أسد، وکان سیّداً من سادات قریش، وأبناء عمومتها حکیم بن حزام، وورقة بن نوفل، وأُخته قتیلة بنت نوفل؛ فأمّا حکیم فکان صاحب مروءة وعاطفة طیّبة تتجلّی في صنیعه لبني هاشم والمطّلب عندما حصرتهم قریش في الشِّعب، وأمّا ورقة بن نوفل فکان معدوداً في تلك العصبة المستنیرة التي یعرف آحادها باسم «المتحنّفین» قد ترك الوثنیة وتنصّر وقرأ التوراة والإنجیل وکتب العبرانیة، وشارکته أُخته قتیلة في میوله الأدبیة والدینیة، فکانت «ممّن ینظر في الکتب»، علی حدّ تعبیر القدماء.

ومن هذه الفروع أخو خدیجة العوامّ بن خویلد، وکان من رجالات قریش، وهو والد الزبیر بن العوّام حواري رسول اللّه.

فخدیجة من أوسط نساء قریش نسباً، کما یقول مؤرّخو العرب، وإذا جاز للمؤرّخ أن یلحظ عمل الوراثة في هذا المقام، فإنّا نقول: إنّها ورثت عن أبویها مزایا السؤدد العربي، من نبل وکرم خلق ووفاء وشجاعة، کما لقفت عن عمومتها تلك الاستنارة العقلیة، وذلك السموّ الروحاني الذي أعدّها لتقدیر الدعوة الإسلامیة وقبولها عن طیب نفس وطواعیة خاطر.

***

تزوّجت خدیجة مرّتین في مقتبل حیاتها وقبل تزوّجها من محمّد بن عبد اللّه؛ تزوّجت للمرّة الأُولی من عتیق بن عائذ بن عبد اللّه بن مخزوم، ثمّ مات عنها عتیق فتزوّجت بعده أبا هالة هند بن زرارة التمیمي، ثمّ توفّي أبو هالة فغدت أیماً، وقد ورثت علی ما یظهر عن أبویها وزوجیها میراثاً فیما رأت أن تقوم علی استغلاله في التجارة التي کانت مرتزق قریش في ذلك الزمان، فکانت کما یحدّثنا الرواة تستأجر الرجال في الاتّجار لها بمالها لقاء نصیب تهبه لهم من الربح.

لکنّ خدیجة الحسیبة النسیبة الثریة الوسیمة لم تزل بعد نصفاً في النساء عواناً بین

الشباب والکهولة، قد شارفت الأربعین ولمّا تعدّها، وهي سنّ لها عند بعض النساء

ص: 111

جمال وروعة وملاحة وأخذة، وکان غیر واحد من کبار قریش حریصاً علی خطبتها، ولکنّ خدیجة کانت تتأبّی علی الخطّاب، لا رغبة منها في العزوبة، فهي أعمر قلباً وأنضر شباباً من أن ترغب فیها، ولکن لأنّ الأیدي التي کانت تمتدّ لخطبتها لیست من الطراز الذي یعجبها، لقد نضج عقلها وکبر قلبها وأصبح کلّ منهما ینشد الکفء والمثیل، ومن لها بالعقل الراجح والقلب الکبیر في مجتمع خشن کثیف غلیظ؟ أصبحت لا یروقها ذلك السؤدد العربي الجاهلي بما ینطوي علیه في واقع الأمر من بداوة وأعرابیة، لا یمکن أن تفيء منهما إلی ظلیل.

وبینا خدیجة تروّض النفس علی احتمال الحیاة الجدیدة، إذا بقلبها قد أخذت تنطبع علیه شیئاً فشیئاً صورة نجم شارق في أُفق المجتمع المکّي، ویوشك أن ینکشف عن کوکب وقّاد یملأ الکون نوراً هادیاً، وحرارة تبعث فیه الحیاة قویة بعد أن لم یبق له منها إلّا الدماء، ولقد کانت تلك الصورة منتزعة من الحقیقة لا من الوهم ولا الخیال، إنّها کانت صورة فتیً لا یزال مغموراً، ولکن کلّ مخایله کانت تؤذن في نظر خدیجة بأنّه سوف یأخذ بزمام العالم ویوجّهه وجهة جدیدة، ذلك الفتی هو محمّد بن عبد اللّه.

کان محمّد إذ ذاك شابّاً قد ناهز الخامسة والعشرین من عمره، سويّ الخلقة مشرق الطلعة نبیل المظهر کریم المخبر، وکان یحیا حیاة لعلّه لم یکن یحیاها بمکّة أحد غیره، کان زاهداً في الناس، عزوفاً عنهم، إلّا ما اقتضته ضرورة المعایشة والمساکنة، نزوعاً إلی التفکیر، محبّاً للعزلة، قاذعاً للشهوة رادعاً للنفس، فأوشك بذلك أن یستغني بنفسه عن غیره، وغدا آنه في وحشته وانبساطه في انقباضه، وغناه في إقلاله، قد حدّ ما بینه وبین الناس بحدّ واضح المعالم، ثمّ لم یأذن لعلاقته بهم أن یتجاوز هذا الحدّ فتنغص علیه نعمة باله، وتفسد علیه هدوء سربه.

لقد کان قلب خدیجة یخفق خفقاناً شدیداً عندما کانت تلمح هذا الفتی العجیب یروح

لطیّته ویغدو في طرق مکّة وأسواقها وأندیتها، وأدرکت من فورها أنّه حاجة قلبها ومهوی فؤادها، ولکن کیف تفضي إلیه بدخیلة نفسها، وتبثّه لاعج حبّها؟ إنّ الحبّ والنسب والخفر

ص: 112

والحیاء، کلّ ذلك کان یمنعها أن تکون هي التي تخطو في الأمر الخطوة الأُولی وتقول فیه الکلمة الأُولی، لقد کان الموقف دقیقاً کلّ الدقّة حرجاً کلّ الحرج.

فلتسر في الأمر بحذر واحتیاط محافظة علی نسبها وحسبها وتوفیراً لخفرها وقنیة لحیائها.

إنّها کانت تستأجر الرجال في الاتّجار لها بمالها وتساهمهم بنصیب مسمّی من الربح، فلم لا تستأجر محمّداً وتضاعف له الجعل الذي کانت تجعله لغیره؟ وأنشأت من فورها تجیب عن هذا السؤال، فوسّطت إلی محمّد من عرض علیه رغبتها، فقبل محمّد ما عُرض علیه، وسافر إلی الشام في صیف عام (594) متّجراً في مال السیّدة، وسافر معه میسرة غلام خدیجة لیرقبه عن کثب وینهي إلی السیّدة عند عودته جملة حاله في السفر، فتلمّ بجملة حاله في السفر والحضر.

وباع محمّد واشتری، ولقي الرهبان ببادیة الشام، وتحدّث إلیهم وتحدّثوا إلیه، ثمّ عاد وقد ربحت التجارة ربحاً وفیراً، وقصّ میسرة علی السیّدة ما رأی من محمّد في السفر من رقّة الشمائل وسهولة الخلق وصدق المعاملة، فعلمت السیّدة عند ذلك أنّ قلبها لم یکذّبها، فقطعت کلّ تردّد وأجمعت أن تخطو هي الخطوة الأُولی وتقول هي الکلمة الأُولی، وکانت لها صدیقة تثقّ بها اسمها نفیسة بنت منیة، فدسّتها إلی محمّد لتلوّح له بالأمر وتعلم رأیه فیه:

نفیسة: یا محمّد، ما یمنعك أن تزوّج؟

محمّد: ما بیدي ما أتزوّج به.

نفیسة: فإن کُفیت ذلك ودُعیت إلی الجمال والمال والشرف والکفاءة، ألا تجیب؟

محمّد: فمن هي؟

نفیسة: خدیجة.

محمّد: وکیف لي بذلك؟

نفیسة: عليَّ.

محمّد: فأنا أفعل.

ص: 113

لاشكّ أنّ محمّداً لم یقل مقالته الأخیرة إلّا بعد أن أصبح یشعر نحو السیّدة خدیجة بمثل شعورها نحوه، وبعد أن أصبح یبادلها عطفاً بعطف وتقدیراً بتقدیر. نعم، إنّها أسنّ منه، ولکنّ ذلك لیس شیئاً بالقیاس إلی محاسنها وفضائلها الکثیرة التي جعلته یری فیها رغبة نفسه وطلبة قلبه، وعرض محمّد الأمر علی عمومته کما عرضته خدیجة علی عمّها، فکلّ وافق. وبنی محمّد بها بعد أن أصدقها عشرین بکرة کما یروون.

***

کان هذا الزواج لمحمّد وخدیجة فاتحة حیاة زوجیة هادئة وادعة هنیئة، کأهدأ ما تکون حیاة زوجیة وأروعها وأهنئها، ولم لا تکون کذلك؟ وکانت تقوم علی الکثیر المتبادل من الحبّ والإخلاص والتقدیر. کانت خدیجة تقدّر في محمّد کرم الخلق ورقّة القلب وروحانیة النفس، وکان هو یقدّر فیها رجاحة العقل وکثرة العطف علیه والإعجاب به، والتوقیر لأسباب راحته في منزله، ومطابقته فیما یحبّ وما لا یحبّ.

ولا ننسی أنّ محمّداً لم یکن کسائر الرجال یعیش کیفما اتّفق، فهو رجل کثیر العنایة بأمر نفسه، لیس کلّ الطعام یطعم، ولا کلّ الشراب یشرب، ولا کلّ الملبس یلبس، ولا بکلّ الزینة یزدان، ثمّ هو میّال بطبعه إلی العزلة، مؤثّر للصمت مطیل للفکر فعلی جلیسه وعشیره أن یعرف فیه کلّ ذلك ویرعاه له، وقد عرفت خدیجة ذلك ورعته له أتمّ رعایة، فلا شكّ أنّها کانت تعد له ما یستطیبه من الدباء والعسل والتمر المنقوع في اللبن أو المخلوط بالقثاء أحیاناً، ولاشكّ أنّها کانت تقلّ في طعامه من البصل والثوم اللذین کانت تعاف کثرتهما نفسه، کما کانت تغني بنظافة ثیابه وأدوات طیبه

وادّانه، فقد کان محمّد یحبّ أن یبرز للناس عطر الجسم نظیف الملبس، ولاشكّ أنّها کان توفّر له الهدوء في المنزل، وإذا جنح إلی الخلوة أو التحدّث في الغار لم تقطع علیه سکونه، بل أعانته علی ذلك بأعداد الزاد الذي یحتاج إلیه، فإذا طالت غیبته افتقدته في غیر إعاج له، ولا تکدیر لصفو نفسه.

وکما کانت خدیجة مثال الزوجة الحفیة بزوجها، فإنّها کانت مثال الأُمّ المعنیة

ص: 114

بأولادها، لقد رُزق محمّد منها کلّ أولاده غیر إبراهیم؛ رُزق منها القاسم وبه کان یُکنّی، ثمّ وُلدت له زینب ورقیّة وفاطمة وأُمّ کلثوم، وکلّ هؤلاء وُلدوا قبل النبوّة، ثمّ وُلد له في الإسلام عبد اللّه الذي عُرف بالطیّب والطاهر، وقد مات الغلامان صغیرین.

أمّا البنات فکلّهنّ أدرکن الإسلام وتزوّجن وهاجرن، وقد انضمّ إلی هؤلاء علي بن أبي طالب، ضمّه النبي إلی أولاده تخفیفاً عن عمّه أبي طالب الذي کان فقیراً کثیر العیال، ولیس بأیدینا مع الأسف نصوص نعرف منها کیف کانت خدیجة تعوّل أولادها وتنشئهم، غیر أنّ ما ورد من الأخبار علی قلّته لا یخلو من الفائدة فیما نحن بصدده.

روی ابن سعد عن الواقدي قال: «وکانت سلمی مولاة صفیة بنت عبد المطّلب تقبل خدیجة في ولادها، وکانت تعقّ عن کلّ غلام بشاتین، وعن الجاریة بشاة، وکان بین کلّ ولدین لها سنة، وکانت تسترضع لهم، وتعدّ ذلك قبل ولادها».

وکما کانت خدیجة تعني بولادة أولادها ورضاعتهم وتنشئتهم، فقد کانت تتخیّر الأزواج لبناتها، فهي التي أشارت علی النبي بأن یزوّج سعد بن الربیع من بنتها زینب، فلمّا زُفّت إلیه أهدتها خدیجة قلادة کان لها شأن بعد سیرد ذکره.

ثمّ إنّ کلّ من أصهر إلی محمّد سعد بزواجه، فسعد بن الربیع أبی أن یفارق زینب عندما أرادت قریش حمله علی طلاقها نکایةً في محمّد، مع أنّ سعداً لم یکن قد أسلم بعد، وقد تزوّج عثمان بن عفّان رقیّة، فلمّا توفّیت ورآه النبي حزیناً مهموماً لهفان زوّجه أُختها أُمّ کلثوم، وکانت فاطمة عند زوجها علي بن أبي طالب بالمحلّ الرفیع والمکان الممتاز.

***

لکن فضل خدیجة الأکبر وفخرها الخالد خلود الزمن إنّما هو في موقفها من زوجها عندما نُبّئ، ومن الدعوة الإسلامیة التي أخذ یدعو إلیها بعد خمس عشرة سنة من زواجه منها.

لقد أصبح محمّد بعد تزوّجه من خدیجة هادئ السرب ناعم البال، وأصبح له منزل وأهل یسکن إلیهما، فانصرف إلی ما کانت تصبو إلیه نفسه من الخلوة وإطالة الفکر،

ص: 115

فکانت خدیجة تعینه علی ذلك دون أن تری في مسلکه بأساً.

فلمّا فاجأ الوحي محمّداً وأصابه ما أصابه أوّل الأمر من الذهول والحیرة، ورجع إلی منزله رعباً حائراً وقال لها: «لقد خشیت أن یکون بي جنن، لم یکن منها إلّا أن ثبّتت فؤاده وسکّنت خاطره بمقالتها المشهورة: «واللّه لا یخزیك اللّه أبداً، إنّك لتصل الرحم، وتحمل الکَلّ وتُکسِب المعدم وتقري الضیف وتعین علی نوائب الحقّ...» إلخ.

ثمّ إنّها انطلقت من فورها إلی ابن عمّها ورقة بن نوفل، وقصّت علیه خبر زوجها، فبشّرها ورقة بأنّ الذي رآه محمّد إنّما هو الناموس الأکبر الذي نزل علی عیسی وموسی، وقد أثلجت تلك المقالة فؤادها وغدت من ذلك الوقت مؤمنة بدعوة زوجها، فکانت بذلك أوّل من صدّقه وآمن به.

روی الطبري بإسناده إلی عفیف الکندي أنّه قال: « کنت امرءاً تاجراً، فقدمت أیّام الحجّ فأتیت العبّاس، فبینا نحن عنده إذ خرج رجل یصلّي، فقام تجاه الکعبة، ثمّ خرجت امرأة فقامت معه تصلّي، وخرج غلام فقام یصلّي معه، فقلت: یا عبّاس، ما هذا الدین؟ قال: هذا محمّد بن عبد اللّه یزعم أنّ اللّه أرسله به، وأنّ کنوز کسری وقیصر ستُفتح علیه، وهذه امرأته خدیجة بنت خویلد آمنت به، وهذا الغلام ابن عمّه علي بن أبي طالب آمن به. قال عفیف: فلیتني کنت آمنت یومئذٍ، فکنت أکون ثالثاً».

ولم یزدد إیمان خدیجة مع الزمن إلّا رسوخاً ولا یقینها إلّا قوّةً، ولا تعلّقها بزوجها إلّا

شدّةً، فکانت في السنوات العشر الأُولی للبعثة وهي السنوات التي توالت فیها الأرزاء والمحن علی محمّد وأصحابه، واضطهدت فیها الدعوة أیما اضطهاد، کانت خدیجة في تلك السنوات إلی جانب زوجها، تریّش بتأییدها جناحه، وتأسو بعطفها جراحه.

روی ابن الأثیر بإسناده فقال: «وکانت خدیجة أوّل من آمن باللّه ورسوله وصدّق بما جاء به، فخفّف اللّه بذلك عن رسوله، لا یسمع شیئاً یکرهه من ردٍّ علیه وتکذیب له فیحزنه، إلّا فرّج اللّه عنه بها إذا رجع إلیها، تثبّته وتخفّف عنه، وتصدّقه وتهوّن علیه أمر الناس».

ولم تتردّد خدیجة عندما جدّ الجدّ أن تشرك زوجها في محنته وتقاسمه مرّ العیش کما

ص: 116

قاسمته حلوه، وتعمل لنصرة دعوته صابرة محتسبة، فعندما اشتدّت قریش علی بني هاشم والمطّلب وحصرتهم في الشِّعب ومنعتهم حتّی الماء والزاد، کانت خدیجة في الشِّعب تقاسي ما یقاسیه زوجها وأقرباؤه علی کبر سنها واضمحلال بنیتها، فلمّا فاءت قریش إلی صوابها وخلّت سبیل أُولئك المجاهدین المجهودین، کان طول الحصار قد أضرّ بخدیجة واخترم المرض جثمانها، فلم تعش إلّا قلیلاً، وقضت لعشر خلون من رمضان من العام العاشر للبعثة، بالغة من العمر خمسة وستّین عاماً، وقد دفنها الرسول بالحجون، وسوّی علیها التراب بعد أن نزل قبرها وألقی علیها النظرة الأخیرة.

وقضی اللّه أن یفقد الرسول بعد خدیجة وفي نفس العام عمّه أبا طالب، وهو الذي کان ینافح دونه ویتولّی حمایته من عدوان أعدائه، فاجتمع علی محمّد في وقت واحد خطبان فادحان، ورزآن بالغان، ولکن لاشكّ في أنّ داخل رأییه کان الأفدح وباطن جرحیه کان الأدمی، لقد تهدّم صرح سعادته المنزلیة وغدت الحیاة مشغلة له في الداخل والخارج، علی کثرة ما أعطاه اللّه في الداخل والخارج.

***

کان محمّد أکبر من أن ینسی لمحسن إحسانه، وأکرم من ألّا یفي لحبیب صدقه الحبّ وإصفاء الودّ، ولو باعدت بینه وبینه أطباق الثری، وکذلك کان شأنه مع خدیجة

بنت خویلد، لقد وفی لها في حالي الحیاة والموت، أحبّها ولم یتزوّج علیها في حیاتها، فلمّا لحقت بربّها لم تبرح صورتها خاطره، ولا فارق تذکّرها لسانه، وهم یروون في ثنائه علیها ودوام تذکّره لها أخباراً کثیرة یرون أنّه فضّلها هي ومریم بن عمران علی نساء العالمین، وأنّه بشّرها ببیت في الجنّة من قصب، ولا صخب فیه ولا نصب، وأنّه عندما أرسلت إلیه ابنته زینب بقلادة قلّدتها إیّاها خدیجة لتفتدي بها زوجها سعد بن الربیع وکان قد أُسر ببدر، رقّ النبي لذلك رقّة شدیدة، وطلب إلی أصحابه أن یطلقوا لزینب أسیرها ومالها ففعلوا، وأنّه کان إذا ذبح شاةً تتبّع صدیقات خدیجة یهدي الیمن منها، وأنّه کان لا یکاد یخرج من منزله حتّی یذکر خدیجة ویثني علیها، والحقّ

ص: 117

أنّ دوام تذکّره لها هاج غیرة عائشة وهی بعد آثر نسائه لدیه، وأجملهنّ، وأصغرهن سناً.

روی ابن الأثیر بإسناده إلی عائشة أنّها قالت: «کان رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) لا یکاد یخرج من البیت حتّی یذکر خدیجه فیحسن الثناء علیها. فذکرها یوماً من الأیّام، فأدرکتني الغیرة، فقلت: هل کانت إلّا عجوزاً فقد أبدلك اللّه خیراً منها. فغضب حّتی اهتزّ مقدّم شعره من الغضب، ثمّ قال: لا واللّه ما أبدلني اللّه خیراً منها، آمنت إذ کفر الناس، وصدّقتني وکذّبني الناس، واستني في مالها إذ حرمني الناس، ورزقني اللّه منها أولاداً اذ حرمني أولاد النساء. قالت عائشة: فقلت في نفسي: لا أذکرها بسیّئة أبداً».

***

تلك بالاختصار سیرة أوّل امرأة مسلمة، وخیر امرأة مسلمة یعرف فیها القارئ المثل الأعلی للمرأة زوجة، وأُمّاً، وعوناً علی جلائل الأُمور، في غیر خروج علی طبیعة الجنس ومواضعات الناس منذ صار الإنسان إنساناً.

ص: 118

ص: 119

11. خدیجة بنت خویلد- علي محمّد علي دخیل

ملخّص البحث:

يجري هذا البحث على غرار البحوث الأُخرى، متتبّعاً وناقلاً للنصوص التاريخية. کان وجود خديجة عاملاً مهمّاً في حياة الرسول الأعظم، أو في حياة الإسلام وهو لا يزال في بدایته، ولو لم يکن لوجود خديجة إلی جنب الرسول الأعظم هذا الأثر الکبير، لما عزّ فقدها عليه وهدّ موتها رکنه، ولما کان عام فقدها عام الأحزان، ولما ظلّ يذکرها السنين المتطاولة يحنّ لذکرها ويبکي لفقدها، ويذکر أياديها علی الرسالة ومساهمتها في تحقيق النصر.

عاش النبي(صلی الله علیه و آله) مع خديجة خمساً وعشرين سنة بأحسن عيش وأتمّ وفاق، وبقيت صورتها بعد موتها مرتسمة بمخيلته حتّی وفاته. وعاش من بعدها مع زیجات کثيرة، ولکن قلبه بقي متعلّقاً بها؛ لما رأی من إيمانها باللّه وتصديقها لرسوله، وبذلها جميع ما تملك في سبيل الإسلام، ولما کان يجده عندها من الإکرام والتبجيل والحبّ. وقد قابل هذه العواطف وقدّر هذا الشعور وهذه المودّة، فلم يتزوّج في حياتها؛ إکراماً لها وإعظاماً لشأنها، فقد قضی ربيع حياته معها ولم يشرك به غيرها. وسَمّي عام وفاتها - ووفاة عمّه أبي طالب - عام الحزن؛ لما دهمه من موتها، فقد عزّ عليه فراقها وأوحشه فقدها. وحديث ثنائه عليها بعد موتها حديث طويل ذکره رواة الحديث وأصحاب التراجم. وخليق بامرأة تستأثر بحبّ النبي وإکرامه في حياتا ومماتها أن يخلّدها

ص: 120

التاريخ، وأن يعکف الباحثون علی دراسة سيرتها ومزاياها؛ ليستوحوا منها العقيدة

الصادقة والإيمان الثابت والمُثُل الرفيعة.

وأجمل ما قيل فيها: إذا أردنا مثالاً للزوجة المخلصة الصالحة والمرأة الرزينة العاقلة، فقد لا نجد خيراً من خديجة أُمّ المؤمنين، هذه السيّدة العظيمة في عقليتها، أدرکت الجاهلية والإسلام، وکان لها في کليهما مرکز ممتاز، حتّی سُمّيت: الطاهرة، فجمعت بين المال والجمال والکمال، وهذه الصفات الثلاث إذا اجتمعت - وقلّما تجتمع - فإنّها تضفي علی المرأة ألواناً من السموّ والرفعة، وهکذا کان شأن خديجة. إنّ الحديث عن خديجة حديث عن الإسلام في نشوئه وارتقائه.

الإهداء

سیّدتي یا بنت رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)، یشرّفني أن أرفع إلیكِ کتابي هذا مستعرضاً فیه سیرة أُمّكِ العظیمة خدیجة وبعض مواقفها الجهادیة في سبیل الدفاع عن الرسول الأعظم والإسلام. وأرجو منكِ یا سیّدتي القبول.

هذا الکتاب

نقدّم للقرّاء الکرام الکتاب الأوّل من هذه السلسلة: «خدیجة بنت خویلد»، والحدیث عن خدیجة حدیث عن الإسلام في نشوئه وارتقائه، فهي أوّل امرأة لبّت دعوة الرسول الأعظم، واستجابت لنداء السماء، ووقفت بجانب الرسول بکلّ ما تملك من حول وقوّة.

أتبعت خدیجة إسلامها بتقدیم ثرواتها الطائلة وإمکانیاتها المالیة الکبیرة في سبیل الإسلام وتحت تصرّف الرسول، ینفق منها علی جمهور المعوّزین الذین استجابوا للدین الجدید، وفي الشؤون الأُخری التي یرتئیها، حتّی نفذ مالها کلّه.

وممّا تسالم علیه المؤرّخون والباحثون: إنّ أعظم مقوّمات هذا الدین الدفاعیة هي: نصرة أبي طالب وأموال خدیجة وسیف علي بن أبي طالب ، فبهذه العوامل استطاع الإسلام أن یقف أمام التیّارات المعادیة التي کادت أن تقضي علیه وهو لا یزال غضّاً في بدایة حیاته.

ص: 121

ولخدیجة بعد هذا حلقات أُخری حریّة بالدرس، وجوانب کثیرة جدیرة بالعنایة.

وهذا الکتاب لا یدّعي الإحاطة، بل هو إلمامة سریعة ببعض مآثر هذه المرأة العظیمة، وإشارة إلی جوانب من حیاتها الکریمة ومن اللّه التوفیق.

في سطور

أبوها: خویلد بن أسد بن عبد العزّی بن قصيّ بن کلاب.

أُمّها: فاطمة بنت زائدة ابن الأصمّ.

ولادتها: سنة 68 قبل الهجرة.

أزواجها: أبو هالة بن زرارة التیمي، عتیق بن عائذ المخزومي(1).

زواجها منه : وعمره الشریف خمس وعشرون سنة، وعمرها أربعون سنة.

أولادها: القاسم، عبد اللّه (یقال له الطیّب والطاهر؛ لولادته بعد النبوّة).

بناتها: زینب، أُمّ کلثوم، فاطمة، رقیّة(2).

أموالها: کانت أکثر قریش مالاً، وکان أهل مکّة یتّجرون بأموالها قبل زواجها به ، ثمّ وهبته صلوات اللّه علیه جمیع ما تملك، فکانت هذه الثروة الطائلة من مقوّمات الدعوة الإسلامیة.

ألقابها: الطاهرة.

إسلامها: هي أوّل امرأة أسلمت.

قرابتها: هي أقرب أزواجه إلیه نسباً.

في بیت الرسول: لم یتزوّج غیرها في حیاتها؛ إکراماً لها وتعظیماً لشأنها.

وفاتها: في شهر رمضان السنة العاشرة من البعثة، وبعد وفاة أبي طالب بثلاثة أیّام.

ص: 122


1- . جاء في المجلّد السادس من البحار في باب نساء النبي : «روی أحمد البلاذري وأبو القاسم الکوفي في کتابیهما، والمرتضی في الشافي، وأبو جعفر في التلخیص: إنّ النبي تزوّج بها وکانت عذراء، یؤکّد ذلك ما ذکره في کتاب الأنوار والبدع، أنّ رقیّة وزینب کانتا ابنتي هالة أُخت خدیجة».
2- . أنکر صاحب الاستغاثة ذلك، وذکر أنّهنّ بنات أُختها هالة، أُلحقن بها لخمول هالة وسموّ خدیجة، وعلی رأیه لم یکن لها إلّا فاطمة(علیها السلام).

دفنها في الحجون، وأدخلها بنفسه القبر، سُمّي عام وفاتها «عام الحزن»، عمرها 65 سنة.

إسلامها

هنیئاً لك یا محمّد بهذا النصر، فهب أنّ قریشاً هبّت تدافعك وتقهرك، لکنّ الدنیا کانت بأسرها في قبضتك، فهذا ابن عمّك وحبیبك أوّل من یتابعك علی دینك، ویصدّقك علی رسالتك، ویؤازرك علی نشر تعالیمك، وهذه زوجتك أوّل امرأة تؤمن بك وتناصرك، ومن ورائك عمّك شیخ الأباطح، فهو لا یسلّمك ولا یتخلّی عنك، ویأمر نجله الآخر (جعفراً) حینما رآك تصلّي وخلفك علي وخدیجة أن یکون معهما ثالثاً، وتلا هؤلاء آخرون هم من أکثر الناس اتّصالاً بك، ورحماً منك، فقد أسلم مولاك زید بن حارثة، وعمّك الحمزة، وزوجة عمّك فاطمة بنت أسد، وحاضنتك أُمّ أیمن. فلو تابعك من في المشرق والمغرب وکنت لم تحصل علی هؤلاء لکنت لم تحصل علی شيء.

أفلا یستدلّون علی صحّة دینك بمتابعة أقرب الناس منك وأطلعهم علی أسرارك وأعلمهم بأحوالك؟ فلو کنت والعیاذ باللّه مفتریاً لکان لهؤلاء شأن آخر معك، ولما وجدناهم یسارعون إلی ندائك، ویبذلون في سبیلك النفس والنفیس، ویتحمّلون المصاعب في سبیل إنجاح دعوتك ونشر مبادئك، ثمّ تکون خاتمة المطاف لبعضهم الشهادة.

والحدیث عن إسلام خدیجة هوالحدیث عن بدء الإسلام في یومه الأوّل، فقد أجمعت الأُمّة بأسرها علی أنّها أوّل امرأة أسلمت.

عن أبي یحیی بن عفیف، عن أبیه، عن جدّه عفیف قال: «جئت في الجاهلیة إلی مکّة

وأنا أُرید أن أبتاع لأهلي من ثیابها وعطرها، فأتیت العبّاس بن عبد المطّلب وکان رجلاً تاجراً، فأنا عنده جالس حیث أنظر إلی الکعبة وقد حلقت الشمس في السماء فارتفعت وذهبت، إذ جاء شابّ فرمی ببصره إلی السماء، ثمّ قام مستقبل القبلة، ثمّ لم ألبث إلّا یسیراً حتّی جاء غلام فقام عن یمینه، ثمّ لم ألبث إلّا یسیراً حتّی جاءت امرأة فقامت خلفهما،

ص: 123

فرکع الشابّ فرکع الغلام والمرأة، فسجد الشابّ فسجد الغلام والمرأة.

فقلت: یا عبّاس، أمر عظیم! قال العبّاس: أمر عظیم، أتدري من هذا الشاب؟ قلت: لا، قال: هذا محمّد بن عبد اللّه ابن أخي، أتدري من هذا الغلام؟ هذا علي ابن أخي، أتدري من هذه المرأة؟ هذه خدیجة بنت خویلد زوجته، إنّ ابن أخي هذا أخبرني أنّ ربّه ربّ السماء والأرض أمره بهذا الدین الذي هو علیه، ولا واللّه ما علی الأرض کلّها أحد علی هذا الدین غیر هؤلاء الثلاثة»(1).

في عهد الرسالة

هبّت قریش في وجه الرسول الأعظم تدافعه عن أوثانها وتقالیدها واستغلالها، مجنّدة کلّ قواها في صدّه عند دعوته، ومنعه عن أداء رسالته، استعملت لذلك شتّی الوسائل والسبل، وبلغت في إیذائها أقصی ما یتصوّر، حتّی قال علیه الصلاة والسلام: «ما أُوذي نبيّ بمثل ما أُوذیت».

ومن الغریب أن یکون محمّد بالأمس الصادق الأمین، ویصبح الیوم الساحر الکذّاب! هکذا یتنکّر الإنسان لأخیه الإنسان عندما تصطدم مصالحه وتتضرّر منافعه.

وفي الوقت الذي کان فیه الرسول الأعظم یعاني الأذی ویکابد المصاعب، کان هناك من یطیّب خاطره ویخفّف عنه آلامه ویُنسیه همومه وأحزانه؛ إنّها خدیجة، إنّها

المرأة المؤمنة، إنّها المرأة العظیمة، إنّها ناصرة محمّد وشریکته.

کانت ابتسامتها تخفّف عنه عناءه وأتعابه، وحبّها الطافي علی محیاها یُنسیه آلامه وأتعابه، وقلبها الکبیر المفعم بالعقیدة والإیمان یشرح صدره.

کان إیمانها یوحي للرسول بمستقبل الدعوة الزاهر، وکانت صلابة عقیدتها دلیلاً علی بدایة النصر.

أنا لا أقول: إنّ موقف خدیجة کان یزید من نشاط الرسول وجهاده ویدفع به إلی تحقیق أهدافه وآماله، فالرسل صلوات اللّه علیهم لا یزدهم کثرة الناس حولهم عزّة ولا

ص: 124


1- . خصائص أمیر المؤمنین : ص45.

تفرّقهم عنهم وحشة، فهم یسیرون وفق مخطّط رسمه لهم الجلیل جلّ شأنه، ملتزمون من قبل الحقّ تبارك وتعالی، ومن کان اللّه ناصره کفاه أمره وألهمه رشده، فهم لا یستوحشون وإن وقفت الدنیا کلّها في وجوههم، ولا یخافون ولو تجندّت الخلائق بأسرها لحربهم.

ولکنّي معتقد بأنّ وجود خدیجة کان ضروریاً في حیاة الرسول؛ بما لها من إیمان وعقیدة وتفانٍ وإخلاص وحبّ وعطف وذهب وفضّة وتجارة وماشیة وعبید وإماء.

کان وجود خدیجة عاملاً مهمّاً في حیاة الرسول الأعظم، أو في حیاة الإسلام وهو لا یزال في بدء نموّه، ولو لم یکن لوجود خدیجة إلی جنب الرسول الأعظم هذا الأثر الکبیر لما عزّ فقدها علیه وهدّ موتها رکنه، ولما کان عام فقدها عام الأحزان، ولما ظلّ یذکرها السنین المتطاولة یحنّ لذکرها ویبکي لفقدها، ویذکر أیادیها علی الرسالة ومساهمتها في تحقیق النصر.

إنّ کلّ من درس السنین العشر التي تلت البعثة النبویة یلمس جیّداً أثر هذه المرأة في نشر الإسلام، وما قدّمته من خدمات في سبیل إعلاءکلمة الحقّ. إنّ التاریخ لم یغفل موقفها البطولي وتضحیاتها الکبیرة وما بذلته من أموال طائلة في نصرة الدین الجدید.

فأعظم خطر واجهه الرسول الأعظم علی الرسالة «حصار الشِّعب»، وکانت أموال

خدیجة هي مفتاح الحصار، فکانت تشتري الموادّ الاستهلاکیة بأضعاف أثمانها غذاءً لمن في الشِّعب، حتّی مرّت سنوات الحصار بسلام علی من في الشِّعب وأُحبط تدبیر قریش.

ولیست مواقفها في المجالات الأُخری دون هذا الموقف، فیتّضح لك من هذا وغیره عظمة هذه المرأة وأثرها في نشر هذا الدین الحنیف.

سیرتها

للشخصیات الکبیرة التي استأثرت بالتاریخ قروناً طویلة، وستبقی إلی الأبد تحتلّ الصدارة فیه، سیرة کریمة ساروا علیها من بدایة حیاتهم وحتّی نهایة مطافهم، ولم تکن

ص: 125

هذه السیرة منهم ولیدة الصدفة ولا هي ممّا تخلّقوا به في أوج عظمتهم، أو رداءً تقمّصوه في عنفوان زعامتهم، بل جبلة طبعوا علیها وفطرة خیّرة فُطروا علیها وغریزة صالحة نشأوا علیها.

فالرسول الأعظم کان یُعرف من بدایة حیاته ب-«الصادق الأمین»؛ لما ظهر من صدقه وأمانته. وشاء المهیمن أن تکون لخدیجة سیرة مثلی تنفرد بها عن جمیع النساء، وتمتاز بها من بین العقائل، فقد کانت تُعرف في الجاهلیة ب-«الطاهرة»، وناهیك بهذا شرفاً وفخراً.

وفي هذه الصفات بعض ما ورد من سیرتها(علیها السلام):

1. قال ابن حجر العسقلاني: «ومن مزایا خدیجة أنّها ما زالت تعظّم النبي(صلی الله علیه و آله) وتصدّق حدیثه قبل البعثة وبعدها... ومن طواعیتها له قبل البعثة أنّها رأت میله إلی زید بن حارثة بعد أن صار في ملکها، فوهبته له، فکانت هي السبب فیما امتاز به زید من السبق إلی الإسلام»(1).

2. قال ابن إسحاق: «وکانت خدیجة أوّل من آمن باللّه ورسوله، وصدّقت بما جاء به، فخفّف اللّه بذلك عن رسوله، فکان لا یسمع شیئاً یکرهه من ردّ علیه وتکذیب له فیحزنه، إلّا فرّج اللّه عنه بها، إذا رجع إلیها تثبّته وتخفّف عنه وتصدّقه، وتهوّن علیه أمر الناس،(علیها السلام) »(2).

3. قالت خدیجة لابن عمّها ورقة بن نوفل: «اعلن بأنّ جمیع ما تحت یديّ من مالٍ وعبید فقد وهبته لمحمّد یتصرّف فیه کیف شاء»، فوقف ورقة بین زمزم والمقام ونادی بأعلی صوته: «یا معاشر العرب، إنّ خدیجة تُشهدکم علی أنّها وهبت لمحمّد نفسها ومالها وعبیدها وجمیع ما تملکه یمینها؛ إجلالاً له وإعظاماً لمقامه ورغبةً فیه». وأنفذت إلی أبي طالب غنماً کثیراً ودنانیر ودراهم وثیاباً وطیباً؛ لیعمل الولیمة. أقام أبو

ص: 126


1- . الإصابة: ص275.
2- . أُسد الغابة: ج5 ص437.

طالب لأهل مکّة ولیمة عظیمة ثلاثة أیّام حضرها الحاضر والبادي(1).

4. قال الزهري: «بلغنا أنّ خدیجة أنفقت علی رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) أربعین ألفاً وأربعین ألفاً»(2).

مکانتها عند الرسول الأعظم

عاش النبي(صلی الله علیه و آله) مع خدیجة خمساً وعشرین سنة بأحسن عیش وأتمّ وفاق، وبقیت صورتها بعد موتها مرتسمة بمخیلته حتّی انتقل إلی الرفیق الأعلی.

عاش من بعدها مع أزواج کثیرة، ولکن قلبه بقي متعلّقاً بخدیجة؛ لما رأی من إیمانها باللّه وتصدیقها لرسوله وبذلها جمیع ما تملك في سبیل الإسلام وإعلاء کلمة اللّه، ولما کان یجده عندها من الإکرام والتبجیل والحبّ.

وکان یقابل هذه العواطف والشعور ویثمّن هذه المودّة، فهو لم یتزوّج في حیاتها؛ إکراماً لها وإعظاماً لشأنها، فقد قضی ربیع حیاته معها لم یشرك به غیرها، ویُسمّي عام وفاتها - ووفاة عمّه أبي طالب - عام الحزن؛ لما دهمه من موتها، فقد عزّ علیه فراقها وأوحشه فقدها.

وحدیث ثنائه علیها بعد موتها حدیث طویل ذکره رواة الحدیث وأصحاب التراجم.

قالت عائشة: «کان رسول اللّه لا یکاد یخرج من البیت حتّی یذکر خدیجة فیحسن الثناء علیها، فذکرها یوماً من الأیّام فأدرکتني الغیرة، فقلت: هل کانت إلّا عجوزاً، فقد أبدلك اللّه خیراً منها.

فغضب حتّی اهتزّ مقدّم شعره من الغضب، ثمّ قال: لا واللّه ما أبدلني اللّه خیراً منها، آمنت بي إذ کفر الناس، وصدّقتني إذ کذّبني الناس، وواستني في مالها إذ حرمني الناس، ورزقني اللّه منها أولاداً إذ حرمني أولاد النساء.

قالت عائشة: فقلت في نفسي لا أذکرها بسیّئة أبداً»(3).

ص: 127


1- . وفاة الزهراء للمقرّم: ص7.
2- . تذکرة الخواصّ: ص314.
3- . الاستیعاب: ج2 ص721، أُسد الغابة: ج5 ص539.

وقالت أیضاً: «ما غرت علی أحدٍ من أزواج النبي ما غرت علی خدیجة، وما بي أن أکون أدرکتها؛ وما ذاك إلّا لکثرة ذکر رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) لها، وإن کان ممّا یذبح الشاة یتبع بها صدائق خدیجة، فیهدیها لهنّ»(1).

وقالت أیضاً: «ما رأیت خدیجة قطّ، ولا غرت علی امرأة من نسائه أشدّ من غیرتي علی خدیجة؛ وذلك من کثرة ما کان یذکرها»(2).

وتکلّمه أزواجه في زواج فاطمة، ویذکرن خدیجة، تقول أُمّ سلمة: «فلمّا ذکرنا خدیجة بکی وقال: خدیجة، وأین مثل خدیجة؟ وأخذ في الثناء علیها».

وخلیق بامرأة تستأثر بحبّ النبي(صلی الله علیه و آله) وإکرامه في حیاتها ومماتها أن یخلّدها التاریخ، وأن یعکف الباحثون علی دراسة سیرتها ومزایاها؛ لیستوحوا منها العقیدة الصادقة والإیمان الثابت والمُثُل الرفیعة.

في أحادیث الرسول الأعظم

من تصفّح کتب الحدیث ومعاجم الأخبار، وجد قسماً کبیراً من هذه الأحادیث في مناقب بعض الصحابة رضوان اللّه علیهم، حتّی أنّ المؤلّفین أفردوا في کتبهم باباً مستقلاً للمناقب، وتختلف هذه الأحادیث کیفیةً وکمّیةً حسب اختلاف الصحابة، وتتفاضل حسب تفاضلهم، وهي إن دلّت علی شيء فإنّما تدلّ علی تکریم الرسول الأعظم للسلف، وتثمینه لجهودهم وجهادهم، وتقییم کلّ واحد منهم.

ومن المؤسف أن تزعج هذه الأحادیث بعض المتأخّرین من التابعین وغیرهم، إذ یجدونها خالیة من ذکر بعض من یهوون من الصحابة، فعمدوا إلی الکذب علی الرسول الأعظم، والتقوّل علیه بأحادیث کثیرة نسبوها إلیه ظلماً وافتراءً. والجدیر بالذکر أنّ محتوی بعضها لا یتمشّی مع العقل السلیم، وقد یشکّل طعناً في قدسیة الرسول.

وقد ذکرتُ في الکتاب التاسع من سلسلة الأئمّة: أسئلة یحیی بن أکثم - قاضي القضاة في

ص: 128


1- . أُسد الغابة: ج5 ص438.
2- . المستدرك علی الصحیحین: ج3 ص186. قال الحاکم: «صحیح علی شرط الشیخین، ولم یخرّجاه».

القرن الثالث - للإمام محمّد الجواد عن بعض هذه الأحادیث، فبیّن له زیفها وکذبها.

وقد تناول الشیخ الأمیني رحمه اللّه في کتابه الغدیر هذه الأحادیث بالبحث والتنقیب، وبیّن بطلانها للجمهور.

وفي هذه الصفحات بعض ما ورد عنه في خدیجة رضوان اللّه علیها:

1. قال: «أتاني جبرئیل فقال: یا رسول اللّه، هذه خدیجة قد أتتك ومعها إناء فیه أدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ علیها السلام من ربّها ومنّي، وبشّرها ببیت في

الجنّة من قصب(1)، لا صخب فیه ولا نصب»(2).

2. روي من وجوه: أنّ النبي(صلی الله علیه و آله) قال: «یا خدیجة، جبرئیل یُقرئك السلام». ومن بعضها: «یا محمّد، اقرأ علی خدیجة من ربّها السلام»(3).

3. إنّ جبرئیل قال: «یا محمّد، اقرأ علی خدیجة من ربّها السلام، فقال النبي(صلی الله علیه و آله): یا خدیجة، هذا جبرئیل یُقرئك السلام من ربّك. فقالت خدیجة: اللّه هو السلام ومنه السلام وعلی جبرئیل السلام»(4).

4. قال: «خیر نسائها مریم ابنة عمران، وخیر نسائها خدیجة»(5).

5. عن عائشة: «إنّ رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) بشّر خدیجة ببیتٍ في الجنّة من قصب، لا صخب فیه ولا نصب»(6).

6. قال: «خدیجة سابقة نساء العالمین إلی الإیمان باللّه وبمحمّد»(7).

7. قال ابن عبّاس: «خطّ رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) في الأرض أربعة خطوط، ثمّ قال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: اللّه ورسوله أعلم، فقال رسول اللّه(صلی الله علیه و آله): أفضل نساء أهل الجنّة أربع: خدیجة بنت خویلد،

ص: 129


1- . القصب: الزبرجد الرطب المرصّع بالیاقوت.
2- . أُسد الغابة: ج5 ص438.
3- . سیر أعلام النبلاء: ج2 ص85.
4- . الاستیعاب: ج2 ص719.
5- . صحیح البخاري: ج4 ص164.
6- . الإصابة: ج4 ص273.
7- . المستدرك علی الصحیحین: ج3 ص184.

وفاطمة بنت محمّد، ومریم بنت عمران، وآسیة بنت مزاحم امرأة فرعون»(1).

8. قال: «خیر نسائها خدیجة بنت خویلد، خیر نسائها مریم بنت عمران»(2).

9. قال: «أربع نسوة سیّدات سادات عالمهنّ: مریم بنت عمران، وآسیة بنت مزاحم، وخدیجة بنت خویلد، وفاطمة بنت محمّد، وأفضلهنّ عالماً فاطمة»(3).

10. قالت عائشة: «کان رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) إذا ذکر خدیجة لم یکد یسأم من ثناءٍ علیها، واستغفارٍ لها، فذکرها یوماً فحملتني الغیرة، فقلت: لقد عوّضك اللّه من کبیرة السنّ.

قالت: فرأیته غضب غضباً فأسقط في یدي، وقلت في نفسي: اللّهمّ إن إذهبت غضب رسولك عنّي لم أعد أذکرها بسوء، فلمّا رأی النبي ما لقیت قال: کیف قلتِ؟ واللّه لقد آمنت بي إذ کذّبني الناس، وآوتني إذ رفضني الناس، ورُزقت منها الولد - أو - حرمته منّي. قالت: فغدا وراح عليَّ بها شهراً»(4).

11. قال: «کمل من الرجال کثیر، ولم یکمل من النساء إلّا: مریم بنت عمران، وآسیة بنت مزاحم امرأة فرعون، وخدیجة بنت خویلد، وفاطمة بنت محمّد»(5).

12. قالت عائشة: «کان رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) إذا ذبح الشاة یقول: ارسلوا إلی أصدقاء خدیجة، فذکرت له یوماً، فقال: إنّي لأُحبّ حبیبها»(6).

13. قال رسول اللّه(صلی الله علیه و آله): «خیر نساء العالمین: مریم بنت عمران، وآسیة بنت مزاحم، وخدیجة بنت خویلد، وفاطمة بنت محمّد»(7).

14. قال رسول اللّه(صلی الله علیه و آله): «أفضل نساء أهل الجنّة: خدیجة بنت خویلد، وفاطمة بنت محمّد، ومریم بنت عمران، وآسیة بنت مزاحم امرأة فرعون»(8).

ص: 130


1- . الاستیعاب: ج2 ص720.
2- . أُسد الغابة: ج5 ص438.
3- . ذخائر العقبی: ص44.
4- . سیر أعلام النبلاء: ج2 ص82.
5- . الفصول المهمّة: ص129.
6- . الإصابة: ج4 ص275.
7- . أُسد الغابة: ج5 ص537.
8- . الاستیعاب: ج2 ص720.

کلمات العلماء والعظماء

لیس القصد من هذه الکلمات أن نرفع من مکانة أُمّ المؤمنین رضوان اللّه علیها، فقد کفاها رفعةً وعلوّاً أحادیث الرسول الأعظم في فضلها وبیان منزلتها؛ إنّ الغرض من هذه الکلمات أن یلمس المطالع الکریم تسالم العلماء والمؤرّخین والکتّاب - علی مرّ العصور واختلاف المذاهب والنحل - علی تمجید هذه المرأة وتقدیسها وذکرها بکلّ جمیل؛ لما لمسوه من عقیدة صادقة وإیمان قویم وتفانٍ في سبیل المبدأ، بینما نراهم یختلفون في تقییم غیرها من أزواج النبي(صلی الله علیه و آله)، فنراهم یغمزون بعضهنّ ویذکرون لهنّ مواقف لا یُحسدن علیها، وهذه من الفوارق والممیّزات التي بیّنها وبیّن بعض أزواجه علیه الصلاة والسلام.

نذکر من کلماتهم:

1. قالت أُمّ سلمة للرسول: «إنّك لا تذکر من خدیجة أمراً إلّا وقد کانت کذلك، غیر أنّها مضت إلی ربّها فهنّأها اللّه بذلك وجمع بیننا وبینها في جنّته»(1).

2. قال الزبیر بن بکار: «کانت خدیجة تُدعی في الجاهلیة: الطاهرة»(2).

3. قال ابن إسحاق: «کانت خدیجة وزیرة صدق علی الإسلام»(3).

وقال: «وکانت خدیجة امرأة حازمة، شریفة، لبیبة، مع ما أراد اللّه بها من کرامته»(4).

4. قال هشام بن محمّد: «کان رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) یودّها ویحترمها ویشاورها في أُموره کلّها، وکانت وزیرة صدق، وهي أوّل امرأة آمنت به، ولم یتزوّج في حیاتها أبداً، وجمیع أولاده منها إلّا إبراهیم»(5).

5. قال ابن الأثیر: «وکانت خدیجة امرأة حازمة عاقلة شریفة، مع ما أراد اللّه من

ص: 131


1- . أعیان الشیعة: ج15: ص79.
2- . سیر أعلام النبلاء: ج2 ص82، أُسد الغابة: ج5 ص435، الإصابة: ج4 ص273، السمط الثمین.
3- . أُسد الغابة: ج5 ص439.
4- . السیرة النبویة لابن هشام: ج1 ص200.
5- . تذکرة الخواصّ: ص312.

کرامتها، فأرسلت إلی رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) فعرضت علیه نفسها، وکانت أوسط نساء قریش نسباً، وأکثرهنّ مالاً وشرفاً، وکلّ قومها کان حریصاً علی ذلك منها لو یقدر علیه»(1).

6. قال محمّد بن أحمد الذهبي: «أُمّ المؤمنین وسیّدة نساء العالمین في زمانها، أُمّ القاسم، بنت خویلد بن أسد بن عبد العزّی بن قصيّ بن کلاب، القرشیة الأسدیة، أُمّ أولاد رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)، وأوّل من آمن به وصدّقه قبل کلّ أحد، وثبتت جأشه، ومضت به إلی ابن عمّها ورقة.

ومناقبها جمّة، وهي ممّن کمل من النساء، کانت عاقلة جلیلة دیّنة مصونة کریمة، من أهل الجنّة، وکان النبي(صلی الله علیه و آله) یثني علیها ویفضّلها علی سائر نساء المؤمنین، ویبالغ في تعظیمها، بحیث إنّ عائشة کانت تقول: ما غرت من امرأة ما غرت من خدیجة؛ من کثرة ذکر النبي(صلی الله علیه و آله) لها

ومن کرامتها علیه أنّه لم یتزوّج امرأة قبلها، وجاءه منها عدّة أولاد، ولم یتزوّج علیها قطّ امرأة ولا تسرّی إلی أن قضت نحبها، فوجد لفقدها، فإنّها کانت نعم القرین، وکانت تنفق علیه من مالها، ویتّجر لها، وقد أمره اللّه أن یبشّرها ببیت في الجنّة من قصب، لا صخب فیه ولا نصب»(2).

7.قال جمال الدین أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي: «وجاءت النبوّة فأسلمت، فهي أوّ امرأة آمنت به، ولم ینکح امرأة غیرها حتّی ماتت، وجمیع أولاده منها سوی إبراهیم»(3).

8. قال عبد الملك بن هشام: «وآمنت به خدیجة بنت خویلد، وصدّقت بما جاءه من اللّه ووازرته علی أمره، وکانت أوّل من آمن باللّه ورسوله وصدّق بما جاء منه، فخفّف

اللّه بذلك عن نبیّه، لا یسمع شیئاً ممّا یکرهه من ردّ علیه وتکذیب له فیحزنه ذلك، إلّا فرّج اللّه عنه بها إذا رجع إلیها»(4).

ص: 132


1- . الکامل في التاریخ: ج2 ص14.
2- . سیر أعلام النبلاء: ج2 ص81.
3- . صفوة الصفوة: ج2 ص2.
4- . السیرة النبویة: ج1 ص257.

9. قال الحافظ عبد العزیز الجنابذي الحنبلي في کتابه معالم العترة النبویة: «کانت خدیجة(علیها السلام) امرأة حازمة لبیبة شریفة، وهي یومئذٍ أوسط قریش نسباً وأعظمهم شرفاً وأکثرهم مالاً، وکلّ قومها قد کان حریصاً علی تزویجها فأبت، وعرضت نفسها علی النبي(صلی الله علیه و آله) وقالت: یا ابن عمّ، إنّي رغبت فیك؛ لقرابتك منّي وشرفك في قومك، وأمانتك عندهم وحسن خلقك، وصدق حدیثك »(1).

10. قال أشرف علي الهندي: «وکانت من أفضل نسائه وأحبّهنّ إلیه، وکانت تنتظر نبوّته، ویسألها ابن عمّها عن ذلك وعن دلائل تعرّفها فیه، فتخبره بذلك فیقول: هو واللّه النبي المنتظر»(2).

11. قال السیّد عبد الحسین شرف الدین: «صدّیقة هذه الأُمّة وأوّلها إیماناً باللّه وتصدیقاً بکتابه ومواساةً لرسول اللّه(صلی الله علیه و آله)... انفردت برسول اللّه(صلی الله علیه و آله) خمساً وعشرین سنة لم تشارکها فیه امرأة ثانیة، ولو بقیت ما شارکها فیه أُخری، وکانت شریکته في محنته طیلة أیّامها معه، تقوّیه بمالها، وتدافع عنه بکلّ ما لدیها من قول وفعل، وتعزّیه بما یفاجئه به الکفّار في سبیل الرسالة وأدائها، وکانت هي وعلي معه في غار حراء إذ نزل علیه الوحي أوّل مرّة»(3).

12. قال عبد اللّه العلایلي: «کانت تستقبل آلام الکفاح الذي خاضه قرینها النبيّ وخاضته معه، عاملة ماضیة وصابرة محتسبة، لا ینبض عندها عرق بلین أو تخوّف، بل تقطع قناطر الدموع والخطوب المتغوّلة في بسمة کبریاء، لم یعهد مثلها إلّا بعض نفر

من صانعي التاریخ، بصدرها الرحب کانت تستقبل العاصفة، وشظایاها المشتعلة، لا لیکون في حسّها ذلك الرجع المدمّر، أو ذاك الواقع الصاعق...». إلخ(4).

13. قال عمر أبو النصر: «انتهی إلی خدیجة بنت خویلد السیّدة العربیة الجلیلة

ص: 133


1- . الفصول المهمّة: ص133.
2- . ریاض الجنان (الجنّة السادسة): ص8.
3- . عقیلة الوحي: ص20.
4- . مثلهنّ الأعلی خدیجة بنت خویلد: ص98.

شرف النسب وکرم المحتد وسؤدد القبیل وعزّ العشیرة والغنی الوفیر، تتوفّر بواسطته علی إعالة المعدم وإطعام الجائع وکسوة العاري، فکانت خدیجة في أخلاقها ونسبها وثروتها وحیدة بین قومها فریدة بین أترابها»(1).

14. قال الدکتور علي إبراهیم حسن: «إذا أردنا مثالاً للزوجة المخلصة الصالحة والمرأة الرزینة العاقلة، فقد لا نجد خیراً من خدیجة أُمّ المؤمنین، هذه السیّدة العظیمة في عقلیتها، أدرکت الجاهلیة والإسلام، وکان لها في کلیهما مرکز ممتاز، حتّی سُمّیت الطاهرة، فجمعت بین المال والجمال والکمال، وهذه الصفات الثلاث إذا اجتمعت - وقلّما تجتمع - فإنّها تضفي علی المرأة ألواناً من السموّ والرفعة، وهکذا کان شأن خدیجة.

وقالت: وهکذا کانت خدیجة(علیها السلام)، أوّل امرأة انتقت الإسلام، ومن ذلك الحین کانت تصلّي مع زوجها وتوالیه بتشجیعها، وتبثّ فیه من روحها ثباتاً وقوّة.

کان علیه السلام یخرج یبشّر قومه بالإسلام، فلا ینال منهم غیر التکذیب والإهانة، فیرجع إلی بیته حزیناً یائساً فتزیل خدیجة حزنه وتحیل یأسه أملاً، وتهوّن علیه الأمر»(2).

15. قال عمر رضا کحالة: «ولدت سنة 68 قبل الهجرة، من بیت مجد وسؤدد ورئاسة، فنشأت علی التخلّق بالأخلاق الحمیدة، واتّصفت بالحزم والعقل والعفّة، حتّی دعاها قومها في الجاهلیة: الطاهرة»(3).

16. قال «بودلي» في کتابه الرسول: «فکانت ثقتها في الرجل الذي أحبّته وصدّقته وآمنت به حتّی الرمق الأخیر تضفي جوّاً من الثقة علی المراحل الأُولی للعقیدة التي یدین بها الیوم واحد من کلّ ستّة من سکّان العالم»(4).

17. قال سلیمان کتّاني: «أعطت خدیجة زوجها حبّاً وهي لا تشعر بأنّها تعطي، بل تأخذ منها حبّاً فیه کلّ السعادة، وأعطته ثروة وهي لا تشعر بأنّها تعطي، بل تأخذ منه

ص: 134


1- . فاطمة بنت محمّد: ص6.
2- . نساء لهنّ في التاریخ الإسلامي نصیب: ص21 و23.
3- . أعلام النساء: ج1 ص326.
4- . بطلة کربلاء: ص14.

هدایة تفوق کنوز الأرض، وهو بدوره أعطاها حبّاً وتقدیراً رفعاها إلی أعلی مرتبة، وهو لا یشعر بأنّه أعطاها، بل یقول: ما قام الإسلام إلّا بسیف علي وثروة خدیجة. وأعطاها عمره وزهرة شبابه، ولم یبدّل علیها امرأة حتّی غابت عن الوجود، وهو لا یشعر بأنّه أعطاها وهو یقول: لا واللّه ما أبدلني اللّه خیراً منها، آمنت بي إذ کذّبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس»(1).

18. قالت الدکتورة بنت الشاطئ: «خدیجة بنت خویلد، أُولی أُمّهات المؤمنین، وأقرب زوجات النبي وأعزّهنّ علیه حیّة ومیّتة، انفردت بحبّه وإعزازه خمساً وعشرین سنة، لا تشارکها فیه امرأة أُخری، ووقفت إلی جانبه في سني الاضطهاد الأُولی تؤازره وترعاه، وتهوّن علیه ما یلقی من قریش في سبیل رسالته»(2).

وقالت: «وستدخل في الإسلام من بعد خدیجة ملایین النساء، ولکنّها ستظلّ منفردة دونهنّ بلقب المسلمة الأُولی التي آثرها اللّه بالدور الأجلّ في حیاة البطل الرسول، وسیذکر لها المؤرّخون - المسلمون منهم وغیر المسلمین - ذلك الدور»(3).

19. قالت زینب بنت علي الفوّاز العاملي: «وکانت امرأة حاذقة عاقلة شریفة، من أوسط نساء قریش نسباً، وأکثرهنّ مالاً وشرفاً، وکان کلّ من قومها یتمنّی أن یتزوّج بها

فلم یقدروا»(4).

20. قالت سنیة قراعة: «سیّدة قریش وثریّتها الملحوظة، ذات المکانة العالیة والنسب الرفیع.

وقالت: إنّ خدیجة لم تکن هي التي سوف تحقّق للأمین أُمنیته تلك؛ لأنّ اللّه تعالی أرادها وقدّرها، وکانت في علمه منذ آماد عدیدة.

وقالت: إنّ التاریخ لیحني رأسه أمام عظمة أُمّ المؤمنین خدیجة، ویقف أمامها

ص: 135


1- . فاطمة الزهراء وتر في غمد: ص112.
2- . بطلة کربلاء: ص13.
3- . موسوعة آل النبي: ص230.
4- . الدرّ المنثور في طبقات ربّات الخدور: ص180.

خاشعاً مکتوف الیدین، لا یدري أین یضعها في سجل العظماء»(1).

21. قالت الأمیرة قدریة حسین: «سیّدة النساء خدیجة الکبری، نموذج من أطهر نماذج الإسلام، وأعظمه خطراً، وأجلّه شأناً...». إلخ(2).

نهایة المطاف

ذکرتُ في مقدّمة الکتاب: إنّ الحدیث عن خدیجة حدیث عن الإسلام في نشوئه وارتقائه، وإذا کان الحدیث عن الإسلام فهو بحاجة إلی مجلّدات، فضلاً عن کتاب صغیر، وأستمیح العذر من صاحب الرسالة في کتابي هذا، فالحدیث عن قرینته وحبیبته ونصیرته، وأستمیح القارئ الکریم عذراً إذ جاء کتابي بهذه الکیفیة والکمّیة.

وختاماً وکلّي أمل أن تحذو المرأة المسلمة حذو هذه السیّدة العظیمة، وتترسّم خطاها وتنهج نهجها، واللّه وليّ التوفیق.

ص: 136


1- . نساء محمّد: ص16 و20 و37.
2- . شهیرات النساء في العالم الإسلامي: ج2 ص5

فهرس المصادر

1. الاستغاثة، أبو القاسم علي بن أحمد الكوفي (ت352ه )، طهران: مؤسّسة الأعلمي، الطبعة الأُولى، 1373ش.

2.الاستيعاب، أبو عمر يوسف بن عبداللّه بن عبدالبرّ النمري (ت463ه )، تحقيق: علي محمّد البجاوي، بيروت: دار الجيل، الطبعة الأُولى، 1412ه .

3.أُسد الغابة في معرفة الصحابة، أبو الحسن عزّ الدين علي بن أبي الكرم محمّد الشيباني، المعروف بابن الأثير الجَزَري (ت630ه )، تحقيق: علي محمّد معوّض وعادل أحمد عبد الموجود، بيروت: دار الكتب العلمية، الطبعة الأُولى، 1415ه .

4.الإصابة في تمييز الصحابة، أبو الفضل أحمد بن علي بن الحجر العسقلاني (ت852ه )، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود، وعلي محمّد معوّض، بيروت: دار الكتب العلمية، الطبعة الأُولى، 1415ه .

5.أعلام النساء، علي محمّد علي دخيل، لبنان: الدار الإسلامية، 1412ه .

6.أعيان الشيعة، السيّد محسن الأمين، تحقيق: السيّد حسن الأمين، بيروت: دار التعارف للمطبوعات، 1406ه .

7.بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار:، محمّد باقر بن محمّد تقي المجلسي (ت1110ه )، تحقيق: دار إحياء التراث، بيروت: دار إحياء التراث، الطبعة الأُولى، 1412ه .

8.تذكرة الخواصّ (تذكرة خواصّ الأُمّة في خصائص الأئمّة:)، يوسف بن فُرغلي بن عبداللّه، المعروف بسبط ابن الجوزي (ت654ه )، تقديم: السيّد محمّد صادق بحر العلوم،

ص: 137

طهران: مكتبة نينوى الحديثه.

1. تلخيص الشافي، أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (الشيخ الطوسي) (ت460ه )، تحقيق: السيّد حسين بحر العلوم، قم: دار الكتب الإسلامية، الطبعة الثالثة، 1394ه .

2. خصائص الإمام أميرالمؤمنين ، أبو عبدالرحمن أحمد بن شعيب النسائي (ت303ه )، تحقيق: محمّد هادي الأميني، طهران: وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، الطبعة الأُولى، 1403ه .

3. الدرّ المنثور في طبقات ربات الخدور، زينب بنت فوّاز العاملي، الكويت: مكتبة ابن قتيبة.

4. ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى، أبو العبّاس أحمد بن محمّد الطبري (ت694ه )، تحقيق: أكرم البوشي، جدّة: مكتبة الصحابة، الطبعة الأُولى، 1415ه .

5. السمط الثمين في مناقب أُمّهات المؤمنين، محبّ الدين أحمد بن عبداللّه الطبري (ت694ه )، تحقيق: محمّد علي قطب، القاهرة: دار الحديث، 1408ه .

6. سير أعلام النبلاء، أبو عبداللّه محمّد بن أحمد الذهبي (ت748ه )، تحقيق: شُعيب الأرنؤوط، بيروت: مؤسّسة الرسالة، الطبعة العاشرة، 1414ه .

7. السيرة النبوية، عبد الملك بن هشام الحميري (ابن هشام) (ت218ه )، تحقيق: مصطفى السقّا و إبراهيم الأبياري، قم: مكتبة المصطفى، الطبعة الأُولى، 1355ه .

8. صحيح البخاري، أبو عبد اللّه محمّد بن إسماعيل البخاري (ت256ه )، تحقيق: مصطفى ديب البغا، بيروت: دار ابن كثير، الطبعة الرابعة، 1410ه .

9. صفة الصفوة، أبو الفرج جمال الدين عبد الرحمن بن علي (ابن الجوزي) (ت597ه )، تحقيق: محمود فاخوري و محمّد قلعة جي، حلب: دار الوعي، الطبعة الأُولى، 1389ه .

10. عقيلة الوحي، السيّد عبدالحسين شرف الدين الموسوي، تحقيق: محمّد رضا المامقاني، قم: دليل ما، 1426ه .

11. فاطمة الزهراء وتر في غمد، سليمان كتّاني، بيروت: دار الكتاب العربي، 1399ه .

ص: 138

1. الفصول المهمّة في أُصول الأئمّة، الشيخ محمّد بن الحسن الحرّ العاملي (ت1104ه )، تحقيق: محمّد بن محمّد الحسين القائيني، مؤسّسة معارف إسلامي إمام رضا ، الطبعة الأُولى، 1418ه .

2. الكامل في التاريخ، علي بن محمّد الشيباني الموصلي (ت630ه )، تحقيق: علي شيري، بيروت: دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأُولى، 1408ه .

3. مثلهنّ الأعلي الخديجة، عبداللّه العلايلي، بيروت: دار الجديد، 1371ه .

4. المستدرك على الصحيحين، أبو عبد اللّه محمّد بن عبد اللّه الحاكم النيسابوري (ت405ه )، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، بيروت: دار الكتب العلمية، الطبعة الأُولى، 1411ه .

موسوعة آل النبي:، عائشة عبدالرحمن (بنت الشاطي)، بيروت: دار الكتاب العربي، 1387ه .

ص: 139

12. فضائل خدیجة، والفضائل عند قومها- عبد الحمید الزهراوي

ملخّص البحث:

يستعرض هذا البحث أحوال العرب قبل الإسلام، وما كان لهم من الأخبار والكرم والجود والمعارف والفصاحة والبلاغة، وما عُرفوا به من الشجاعة وشدّة البأس في الحروب والوقائع، ويستشهد على ذلك بمعركة ذي قار. ثمّ يعرّج على ذكر ما كان لقوم خديجة من صفات اشتهروا بها ومآثر تفرّدوا بفعلها. وقد اجتمعت في خديجة صفات دالّة على سموّ شخصيّتها؛ فرأينا في سيرتها ذلك المثال السنيّ والكمال السميّ، وعرفنا حسن استعدادها من حسن تربيتها، وعرفنا شيئاً آخر جديراً بالتنويه وقلّما رأينا من نوّه به أو التفت إليه؛ فلذلك عنينا به نحن كثيراً في صدد متابعة هذه السيرة، وهو ارتقاء قوم خديجة ارتقاءً عظيماً، فإنّ التربية الشخصية مقتبسة في الغالب من التربية العمومية. ينتهج البحث الأُسلوب المكتبي التوثيقي في الاستنتاج من الوقائع والمرويات التاريخية؛ ليخلص منها إلى الخصال والمكارم التي كان يتميّز بها العرب عموماً وقوم السيّدة خديجة من بني أسد خصوصاً. وينتهي من كلّ ذلك إلى أنّ تلك الصفات والمآثر والمكارم تجسّدت فيها خير تجسيد، وأنّها كانت خليقة بأن تكون زوجة مثالية لنبيّنا صلوات اللّه عليه.

ص: 140

تبارك واهب الحياة، فقد أبدع لنا في «خديجة» المثال الأسنى منها، وأطلع لنا في

شخصها زواهر الإنسانية الفضلى، وبنور هذه الزواهر رأينا مدارك قريش في الأُفق الأعلى، وتربيتهم الأدبية والعقلية في المنزلة العليا.

نحن معشر بني الحياة متفاوتون كثيراً في قوى النفوس وأكثرنا في الحقيقة مغبون الحظّ، منقوص النصيب من القوى التي تكون بها الحياة هنيئة شريفة مسعدة لصاحبها وغيره، وقليل منّا من رُزقوا فضلاً من هذه القوى النافعة الآتية بالغبطة والحبور.

ولدى التأمّل نجد استعداد فطرة الشخص هو الأساس في حسن الحظّ من هذه القوى النافعة، ثمّ للتربية دخل كبير، فإذا اجتمع في الشخص استعداد حسن وتربية حسنة، كان حظّه عظيماً من فضائل النفس، وقد اجتمعتا في «خديجة»، فرأينا في سيرتها ذلك المثال السنيّ، والكمال السميّ.

عرفنا حسن استعدادها؛ لأنّ التربية وحدها لا تفعل شيئاً في جوهر النفس إذا كان غير صالح لفطها كما لا يصلح الماء لأن تطبع فيه ما تشاء، وعرفنا حسن تربيتها؛ لأنّ الاستعداد وحده لا يسير بصاحبه إلى المرغوب في المجتمع.

ومن حسن استعداد هذه السيّدة وحسن تربيتها عرفنا شيئاً آخر جديراً بالتنويه وقلّما رأينا من نوّه به أو التفت إليه، فلذلك عنينا به نحن كثيراً في صدد هذه السيرة، وهو ارتقاء قوم «خديجة» ارتقاءً عظيماً، فإنّ التربية الشخصية مقتبسة في الغالب من التربية العمومية.

والمجتمع غالباً أشبه بالمرآة، يرينا من الأشیاء مقبولاً ومردوداً ومسكوتاً عنه. وتشتهر المقبولات حتّى يُطلق عليها اسم المعروف، والمردودات حتّى يُطلق عليها اسم المنكر، ويضطرّ الناس إلى تقرير تربية عمومية هي أن لا يخالف المعروف ولا يوافق المنكر، ويبقى للناس سبع في المسكوت عنه من الأشیاء حتّى يرى كلّ منهم رأيه فيها، فهذا يستحسن شيئاً حتّى يوجبه على نفسه، وذاك يستقبح شيئاً حتّى يحرّمه عليها.

وأعقل الناس في هذه الأشیاء المسكوت عنها من جعل المعروف والمنكر معياراً لها، فكلّ ما قرب من المعروف كان حسناً ويكون وجوبه على حسبه درجة قربه من

ص: 141

المعروف، وكلّ ما قرب من المنكر كان مسترذلاً ويكون حظره على حسب درجة قربه من المنكر. والأصل في المنكر هو الأذى والعدوان، وعليه قيس الأصل في المعروف قياس الضدّ فالأصل فيه العدل والإحسان.

فعلى هذين الأصلين تقوم دعامة النظريات في التربية، و عليهما تُشاد الأعمال فيها، وأيّ باحث لا تأخذه هيبة إذا اطّلع على ما كان لقوم «خديجة» من التعمّق في دقائق هذا الفنّ من حيث النظر، وعلى بدائع النتائج فيه من حيث العمل. أي واللّه إنّ هؤلاء القوم لنازلين في ذلك البلد الصغير البعيد، وإخوانهم الآخرين للضاربين في تلك الفيافي، يدهش المطالع ما يراه لهم من الباع لتطويلٍ في فنّ التربية على مقتضى مجتمعهم ذاك. فتراهم مثلاً لمّا كانت السماعة ضرورية - ولا سيّما لذلك الاجتماع - جمّلوها في المنام الأوّل ولم يألوا بطبعها في النفوس، حتّى نبغ فيهم أجواد ابتغوا بهمّتهم في الجود الكواكب وازینّت الأرض بمناقب همّهم وإیثار أخیهم الإنسان علی أنفسهم، کما فعل کعب بن مامة الذي آثر رفیقه بمائه ومات هو عطشاً.

ولمّا کانت الشجاعة ضربة لازب لکلّ شخص وکلّ جماعة في کلّ زمان وکلّ مکان، تجدهم جعلوها شعار المحامد وتاج المناقب، وسیّروا فیما ضربوه من الأمثال قولهم: «الشجاع موقی، والجبان ماقی»، وکا وأینما دحون بالموت قتلاً ویتهاجون بالموت علی الفراش؛ ولمّا بلغ عبداللّه بن الزبیر - وهو ابن أخي خدیجة - قتل أخیه مصعب، خطب فقال: «إن یُقتل فقد قُتل أبوه وأخوه وعمّه، إنّنا لا نموت حتفاً، ولکن قطعاً بأطراف الرماح وموتاً تحت ظلال السیوف، وإن یُقتل المصعب فإنّ في آل الزبیر خلفاً منه»؛ ذلك لأنّهم کانوا یکرهون الحیاة إذا لم تشرّف، ویرون الحیاة الرذیلة معرضة للعدم أکثر من الحیاة الشریفة، ولمثل هذا یقول علي بن أبي طالب: «بقیّة السیف أنمي عدداً وأطيب ولداً»، وتقول الخنساء؛ وهي إحدى الشهيرات في العرب:

نهين النفوس وبذل النفو

س يوم الكريهة أبقى لها

ص: 142

لا يستنكرنّ أحد إذا قيل له أنّ الشجاعة - وهي السجية التي لا ترقى الأُمم إذا خلت منها - كانت في العرب من الأخلاق الغاشية التي لا يعتدّون بأحد منهم ما لم تكن فيه، وقد سهل على نفوسهم انطباع هذا الخلق فيها؛ لأنّ أكثر شيء كانوا يتناقلونه هو حديث الشجعان وإقدامهم في الشدائد، حتّى فُضّلوا، والجبناء وإحجامهم فيها حتّى رُذّلوا.

وهنالك من الشعر في الشجاعة والشجعان ما يفعل في النفوس فعل السحر فيستنزلها من الخوف على الحياة والهرب بها إلى الخوف على الشرف حتّى تهون النفوس في سبيله كقول عنترة وهو أحد مشهوري شجعانهم:

بَكَرَت تخوفني الحتوف كأنّني

أصبحت عن غرض

الحتوف بمعزل

فأجبتها أنّ المنيّة منهل

لا بدّ أن أُسقى بكأس المنهل

فاقني حياء لا أبا لك واعلمي

أنّي امرؤ سأموت إن لم أُقتل

وقد يظنّ ظانٌّ أن شجاعة العرب وبأسهم لم يكن إلّا فيما بينهم، ومثل هذا الظنّ من قلّة الاطّلاع على جملة أخبارهم، فنحن لا نريد أن نأتي بآية على شجاعتهم ممّا فعل هؤلاء القوم بعد إسلامهم، فإنّ ذلك مشهور، ولكن حسبنا أن ندلّ القارئ على ما كان من بأس العرب يوم ذي قار، إذ أراد كسرى أن يوقع سوءاً ببني بكر بن وائل لسببٍ لا محلّ لتفصيله، فجهّز عليهم جيشاً كثيفاً ليُهلكهم به، وبلغهم خبره، فتجهّزوا له، وأعانهم قبائل أُخرى، فتوافوا بوادٍ اسمه «ذوقار»، وكانت الهزيمة على جيش كسرى، حتّى تبعهم العرب إلى داخل البلاد الفارسية، وهي واقعة مشهورة كثرت فيها الأشعار، وظهر فيها ما للشجاعة من الفضل في كسب الفخار وحمى الذمار واتّقاء العار، وفي هذه الواقعة يقول الأعشى أعشى بني بكر:

وجند كسرى غداة الحنو صبّحهم

منّا غطاريف ترجو الموت وانصرفوا

لقوا ململمة شهباء يقدمها

طب

ص: 143

ببط

للموت لا عاجز منّا ولا خوّف

فرع نمته فروع غير ناقصة

موفّق حازم في أمره أنف

فيها فوارس محمود لقاؤهم

مثل الأسنّة لا مِيلٌ ولا كُشُف

لمّا رأونا كشفنا عن جماجمنا

ليعلموا أنّنا بكر فينصرفوا

قالوا البقيّة والهنديّ يحصدهم

ولا بقيّة إلّا السيف فانكشفوا

لو أنّ كلّ مَعَدٍّ كان شاركنا

في يوم ذي قارما أخطأهم الشرف

لمّا أمالوا إلى النشاب أيديهم

ملنا ببيضٍ لمثل الهام تختطف

إذا عطفنا عليهم عطفة صبرت

حتّى تولّت وكاد القوم ينتصفوا

بطارق وبني ملك مرازبة

من الأعاجم في آذانها الشُّنُف

من كلّ مرجانة في البحر أحرزها

تيّارها ووقاها طينها الصدف

كأنّما الآل في حافات جمعهم

والبيض برق بدا في عارض يكف

ما في الحدود صدود عن سيوفهم

ولا عن الطعن في اللبّات منحرف

وفي هذه الواقعة يقول العديل ابن الفرج العجلي:

ما أوقد الناس من نار لمكرمة

إلّا اصطلينا وكنّا موقدي النار

وما يعدّون من يوم سمعت به

للناس أفضل من يوم بذي قار

جئنا بأسلابهم والخيل عابسة

لمّا استلبنا لكسرى كلّ أسوار

وفيها يقول شاعر آخر من بني عجل:

إن كنت ساقيةً يوماً ذوي كرم

فاسقي الفوارس من

ذُهل بن شيبانا

واسقي فوارس حاموا عن ذمارهم

وأعلى مفارقهم مسكاً ورمجانا

وهي واقعة شهيرة ظهرت فيها الشجاعة العربية أكمل مظهر، وكان المنذر لهم بنيّة كسرى وعزمه لقيط الأيادي، إذ كتب إلى بني شيبان يخبرهم بذلك في شعر مشهور غاية في البلاغة والتحميس واستثارة العزائم، وفيه يقول:

ص: 144

قوموا جميعاً على أمشاط أرجلكم

ثمّ افزعوا قد ينال الأمن من فزعا

وقلّدوا أمركم للّه درّكمو

رحب الذراع بأمر

الحرب مضطلعا

لا مسترفاً إن رخاء العيش ساعده

ولا إذا عضّ مكروه به خشعا

مازال يحلب هذا الدهر أشطره

يكون متبِعاً طورا ومتَّبَعا

حتّى استمرّ على شزر مويرته

مستحكم لرأي لا فحماء

لا ضرعا

وليس بشغله مال يثوّره

عنكم ولا ولد يبغي له الرفعا

فعلى مثل ما ذكرنا كان نصيب العرب عامّة وقبيلة خديجة خاصّة من الشجاعة التي لا قوام للأُمم بدونها، وكانوا لا يعتمدون بالجبان ولا يعدّونه شيئاً مذکوراً. ينبئك بذلك قول أحد شعرائهم:

خرجنا نريد مغاراً لنا

وفينا زياد أبو صعصعة

فستّة رهط به خمسة

وخمسة رهط به أربعة

ثمّ لم يكن نصيب قوم «خديجة» في فقه النفس والحكمة والمعارف بأقلّ من نصيبهم العظيم في الشجاعة، فقد كانوا يتناقلون المعارف ویتدارسونها من غير كتب، وكان لهم إلمام قليل بحركات الكواكب والأنواء التي تتبعها، وهو يقتضي شيئاً من معرفة الحساب. وكان لهم معرفة غير قليلة بالطبّ وحفظ الصحّة، سواء كان طبّ الإنسان أو طبّ الحيوان. والطبّ يقتضي أيضاً نصيباً من علم الخواصّ التي أودعها

الباري في المعدن والنبات والحيوان.

أمّا معرفتهم بالأخبار أي التاريخ، فحدّث عنها ولا حرج، وكانوا يعبّرون عن هذا العلم بعلم النسب، فإنّ علم النسب في الحقيقة لیس عبارةً عن معرفة نسب الأشخاص والقبائل، فإنّ هذه معرفة بسيطة لا تستحقّ أن تُسمّى علماً، وإنّما كان النسّابون يعرفون أخبار أُولئك الأشخاص وأخبار تلك القبائل، وهذا هو التاريخ، وربّما كان السبب في اشتهار هذه المعرفة باسم علم الأنساب أنّ عارفي الأحبار كان إليهم

ص: 145

المرجع في معرفة الأنساب التي من أهمّ فوائدها معرفة تفريع القبائل وإلحاق الفروع بأُصولها على شدّة البعد بين الأُصول وتلك الفروع أحياناً.

وقد كان منهم اختصاصيون بهذا العلم، يلقون منه على من يتحلّقون حولهم. قال

رؤبة ابن العجاج: «قال لي النسّابة البكري: يا رؤبة، لملك من قوم إن سكت عنهم لم يسألوني، وإن حدّثتهم لم يفهموني؛ يعيب بذلك على الذين لا يرغبون في تلقّي هذا العلم حقّ الرغبة. قال رؤبة: فقلت له: إنّي أرجو أن لا أكون كذلك. قال: فما آفة العلم ونكرته وهجئته؟ قلت: تخبرني: قال آفة العلم النسيان، ونكرته الكذب، وهجنته نشره عند غير أهله».

وأمّا الحكمة والآداب والبيان فقد بلغ فيها هذا الشعب العربي من الانصباب على حفظها ودراسة الكلم الجوامع فيها مبلغاً عظيماً ويمكنني أن أقول إنّها من أشهر ما اشتهر عنهم.

وهل يجد الباحث معنیً من المعاني التي يخطر للنفس فيها الاستحسان أو الاستهجان إلّا ويجد لهم الشافي الوافي من البيان في تصويره وإبرازه بأبدع حلّة، ولا يُنبئك ببعض ذلك شيء كالمأثور من كلمهم الجوامع التي سارت مسير الأمثال، وكانت كالدرر الفرائد بين سائر الأقوال، ولا نستطيع أن نأتي هنا بقليل من ذلك الكثير؛ لكيلا نبعد بالقارئ عن سياق السيرة، ولكنّا نذكر خبراً واحداً يدلّ على مقدار عناية العرب بتذاكر

الحكم والآداب، وصياغتها بأبدع البيان، ومقدار ما وسعت منها تلك الأفكار:

«ذكروا أنّ عمرو بن الظرب العدواني وحمعة بن رافع الدوسي اجتمعا عند ملك من ملوك حمير، فقال: تساءلا حتّى أسمع ما تقولان. فقال عمرو لحمعة أين تحبّ أن تكون أياديك؟ قال: عند ذي الرتبة العديم، وعند ذي الخلّة الكريم، والمعسر العديم، والمستضعف الحليم. قال: مَن أحقّ الناس بالمقت؟ قال: الفقير المختال، والضعيف الصوّال، والغني القوّال. قال: فمن أحقّ الناس بالمنع؟ قال: الحريص الكائد، والمستميد(1) الحاسد، والمخلف الواجد. قال: من أجدر الناس بالصنيعة؟ قال: من إذا أُعطي شكر، وإذا

ص: 146


1- . المستميد هو: المستعطي.

مُنع عذر، وإذا مُطل صبر، وإذا قدم العهد ذكر. قال: من أكرم الناس عشرة؟ قال: من إذا قرب منح، وإذا ظلم صفح، وإن ضويق سمح. قال: من ألأم الناس؟

قال: من إذا سأل خضع، وإذا سُئِل منع، وإذا ملك كنع(1)، ظاهره جشع، وباطنه طَبَع(2). قال: فمن أجلّ الناس؟ قال: من عفا إذا قدر، وأجمل إذا انتصر، ولم تطغه عزّة الظفر. قال: فمن أحزم الناس؟ قال: من أخذ رقاب الأسود بيديه، وجعل العواقب نصب عينيه، ونبذ التهيّب دبر أُذنيه. قال: فمن أخرق الناس؟ قال من ركب الخطار، واعتسف العثار، وأسرع في البدار قبل الاقتدار(3). قال: من أجود الناس؟ قال: من بذل المجهود، ولم يأسَ على المفقود. قال: فمن أبلغ الناس؟ قال: من حلّى المعنى العزيز باللفظ الوجيز، وطبّق المفصل قبل التحزيز. قال: من أنعم الناس عيشاً؟ قال: من تحلّى بالعفاف، ورضي بالكفاف، وتجاوز ما يخاف إلى ما لا يخاف.

قال: فمن أشقى الناس؟ قال: من حسد على النعم، وسخط على القسم، واستشعر الندم على ما انحتم. قال: من أغنى الناس؟ قال: من استشعر اليأس، وأظهر التجمّل

للناس، واستكثر قليل النعم، ولم يسخط على القسم. قال: فمن أحكم الناس؟ قال: من صمت فأذكر، ونظر فاعتبر، ووعظ فازدجر. قال: من أجهل الناس؟ قال: من رأى الخرق مغنماً، والتجاوز مغرماً».

وما ذكرناه من جهة معارف القوم الذين نشأت منهم هذه السيّدة كافٍ في الدلالة على أنّه كان من جملة ما يعنون به من التربية ثقيف ناشئتهم بما عندهم من المعارف على الطريقه التي ألفوها وتعوّدوهها في التعليم، وهي الطريقة الطبيعية الساذجة الخالية من الاصطلاحات والتعاريف والتفاصيل التي يحتاج إليها نفر قليلون، ويستغني عليها الآخرون. ولكلّ فرع أهله الذين بهم استعداد لالتقاطه بسهولة، ولا يُكلّف البليد في شيء أن يكدّ في تفهّمه مدركته، أو ينضي في حفظه ذاكرته، أو في توسيعه مخيلته.

ص: 147


1- . معنى كنع هنا: انكمش.
2- . الطَّبَع - بفتحتين - هو الدنس.
3- . يريد بالبدار: معالجة الخصم.

ثمّ قد كان ممّا عني به العقلاء من رهط خديجة التربية على العدل، ولقد أسلفنا شيئاً عن ولعهم به وحرصهم على حماية المظلوم ووقاية المهضوم، وكذلك ولعوا بتمداح العفاف وتشريف الإعفاف والمفائف، وإجلال الطهارة وأهلها، وكان من أكرم آلتهم وأجلّها لقب الطاهر، وقد حازت السيّدة «خديجة» هذا اللقب الشريف باستحقاق، إذ كان يُقال لها: «الطاهرة».

فإذا عرف المطالع الكريم أنّ لهؤلاء القوم حظّاً كبيراً من هذه الأشیاء التي هي أُصول الفضائل؛ نعني السماحة والشجاعة والحكمة والآداب والبيان والعدل والتعفّف، كان جديراً به أن لا ينظر إلى صغر شأن ذلك المجتمع إذا قورن ببلاد الحضارة، فإن الفضل الإنساني الممنوح من يد الفاطر المبدع، لا يتوقّف على زخرف البيوت وكثرتها وفي البلد الواحد، بل يصل ذلك الفضل بإرسال ربّاني من يده سبحانه إلى الذرّات الصغيرة التي في الأدمغة، ويختصّ به سبحانه أفراداً ممّن عنوا بتوجيه العقول والقلوب إلى تصفية النفس وتزكيتها من النقائص وتحليتها بالفضائل، ممّن لم يجعلوا أكبر همّهم تجويد المأكل والملبس والمسكن والفراش.

فإذا كثر من هؤلاء الأفراد في أُمّة ظهرت، وإن حلّ الخفاء بهم واستوفت وإن بخس الوزن لهم، ولم يكن الأفراد الذين تلقّوا هدية الفضل الإنساني من الإحسان الربّاني قليلين في قوم «خديجة» الفاضلة، بل كانت كثرتهم خير مقدّمة لخير نتيجة هي ظهور ذلك الرسول الكريم الذي كان من أكبر مميّزات جماعته الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أُولئك الذين وافاهم الوحي ينعتهم بما هم أهله قائلاً: ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وتُؤْمِنُونَ باللهِ).

ص: 148

ص: 149

13. أُمّ المؤمنين الطاهرة خديجة بنت خويلد

اشارة

الشيخ جعفر عبّاس الحائري(1)

ملخّص البحث:

يجري مؤلّف هذا البحث دراسة تاريخية لنسب السيّدة خديجة، ويتحرّى المصادر التاريخية الموثّقة؛ لغرض تسليط الضوء على الامتدادات التاريخية لأُسرتها وتاريخ وظروف ولادتها ونشأتها، والألقاب التي وُصفت بها. ثمّ يأتي بعد ذلك على شرح سيرة حياتها، وما كانت تمارسه من عمل التجارة، وما اشتهرت به من حسن السيرة، وما نالته من ثناء ممّن عرفها وعمل معها. ثمّ يستعرض بعد ذلك الظروف التي تعرّفت فيها على النبيّ محمّد(صلی الله علیه و آله) ودعته إلى الخروج في قافلة تجارتها المتوجّهة إلى الشام برفقة غلامها ميسرة، وكيف انتهى الحال إلى زواجها منه. كما يبيّن كيفية إيمانها برسالة الإسلام لمّا بُعث بها الرسول نبيّاً، ودورها في مؤازرته في دعوته بكلّ ما أُوتيت من قوّة وجاه ومال وثروة.

وسرد في سياق هذا البحث أنّ رسول اللّه كان يشاورها في أُموره، وقد بشّرها بالجنّة في مواقف متعدّدة، ومدى حزنه على وفاتها. وكان المنهج الذي اتّبعه المؤلّف هو المنهج التوثيقي المكتبي.

ويتناول في هذا البحث ما ورد في ذكر السيّدة خديجة على لسان الأعلام

ص: 150


1- . علّق على هذا البحث الشيخ علي أبو عمّار المعبودي الشطري، وميّزنا تعليقاته بكلمة (الشطري)، وميّزنا تعليقات المؤلّف بوضع كلمة (المؤلّف) بين قوسين في نهايتها.

والمؤرّخين، وما ذكروه من فضائلها وتفضيلها على سائر أزواج النبي(صلی الله

علیه و آله)، ويسهب في بيان كيفية إسلامها وإيمانها برسالته، وأنّها كانت أوّل مَن آمن بدعوته، مع التأكيد على إبراز مواقفها الداعمة للنبيّ ومؤازرته، وأنّها قد كرّست ثروتها لخدمة نشر الإسلام وتوطيد أركانه. ويذكر فيه أيضاً سائر أحوال هذه المرأة الجليلة وقصّة زواجها بالنبي(صلی الله علیه و آله)، وما وُلد له منها من الأولاد. ويسرد فيه ما اختُلف من الأقوال في عددهم، مع ذكر نبذة عن حياة كلّ واحدٍ منهم، ومدّة حياته وظروف وفاته وموضع دفنه. ومن الأُمور التي تناولها هذا البحث قضيّة وفاة خديجة وتاريخ وفاتها، وتجهيزها وتكفينها ودفنها، وما جاء من أقوال المؤرّخين في ذلك. المنهج الذي سار عليه الكاتب هو المنهج المكتبي التوثيقي حيث تقصّى فيه مختلف الآراء التي ذكرها المؤرّخون بشأن السيّدة خديجة.

الحمد للّه وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، محمّد وآله الأئمّة الأُمناء، واللعنة الدائمة على أعدائهم من الأوّلين والآخرين.

وبعد؛ فهذه نُتَف أفرغتها في بوتقة التأليف، فجاءت سبائك ذهبيّة من حياة أُمّ المؤمنين، وأحظى النساء بالفضيلة والشرف، والدة سيّدة نساء العالمين، خديجة بنت خويلد سلام اللّه علیها.

وتحرّيت في جمع ما أردت تأليفه أوثق المصادر، فتجلّت حقائق ناصعة يكاد سنا برقها يذهب بالأبصار، وقد كلّفني ذلك متاعب ومصاعب، فاستسهلتُها راجياً شفاعتها يوم الحشر، ومن اللّه أستمدّ التوفيق وأسأله المعونة. وإليك البيان:

اسمها وكنيتها ولقبها

قال العلّامة سبط ابن الجوزي(1): أمّا خديجة، فهي بنت خويلد بن أسد بن عبد العزّى(2) بن قُصي بن كلاب بن مُرّة بن كعب بن لويّ - ويقال بالهمزة - ... إلى أن ينتهي نسبها إلى عدنان.

ص: 151


1- . تذكرة الخواصّ: ص170. (المؤلّف).
2- . عبد العزّى أخو عبد منافُ أحد أجداد النبيّ ، أبوهما قصيّ بن كلاب، فهي(علیها السلام) تلتقي مع رسول اللّه في الجدّ الرابع وهو قصي بن كلاب. (الشطري).

وأُمّها: فاطمة بنت زائدة بن الأصمّ، من وُلد فِهر بن مالك(1).

وأُمّ فاطمة: هالة بنت عبد مناف(2).

وأُمّ هالة: العَرَقة، وهي قَلابة بنت سعيد، من بني لؤيّ بن غالب(3).

قال الواقدي(4): وكانت خديجة - وهي بِكْرٌ - قد ذكرت لورقة بن نوفل، وكان ابن عمّها، فلم يُقض بينهما نكاح، فتزوّجها أبو هالة، واسمه هند بن النبّاش التميمي(5)، فولدت له هنداً وهالة، اسم رجلين، ثمّ تزوّجها عتيق بن عائذ المخزومي(6)، فولدت له

ص: 152


1- . مقتل الحسين للخوارزمي: ج1 ص37. (المؤلّف).
2- . مقتل الحسين للخوارزمي: ج1 ص37 طبع النجف. (المؤلّف).
3- . مقتل الحسين للخوارزمي: ج1 ص37. (المؤلّف).
4- . هو أبو عبداللّه محمّد بن عمر ابن المدني، مولى بني هاشم. قال ابن النديم في الفهرست: كان يتشيّع، حسن المذهب، يلزم التقيّة، توفّي سنة 207ه . (المؤلّف).
5- . اختُلف في اسمه، ففي بعض المصادر: هند بن النبّاش بن زرارة التميمي (أبو هالة)، وفي بعضها: النبّاش بن زرارة. للاطّلاع على هذه الاختلافات وغيرها، راجع : الإصابة: ج3 ص611 - ص612، نسب قريش لمصعب الزبيري: ص22، السيرة الحلبية: ج1 ص140، قاموس الرجال: ج1 ص431، أُسد الغابة: ج5 ص12 - 13 ح71، الصحيح من السيرة: ج1 ص121. (الشطري).
6- . هو عتيق بن عائذ بن عبد المخزومي. أقول: اختلف المؤرّخون في زوج خديجة الأوّل، من هو؟ عند من يقول إنّها تزوّجت قبل النبيّ ، فبعض المصادر تشير إلى أنّ زوجها الأوّل هو عتيق بن عائذ بن عبد المخزومي، وزوجها الثاني هو أبو هالة، هند بن النبّاش بن زرارة (راجع: السيرة النبوية: ج4 ص193، تاريخ الطبري: ج3 ص175، المحبّر: ص79، السمط الثمين: ص13، عيون الأثر: ج4 ص51). بينما تشير مصادر أُخرى إلى أنّ زوج خديجة الأوّل هو أبو هالة، وعتيق هو الثاني (راجع: الاستيعاب: ج4 ص10 وص1817، وجمهرة أنساب العرب لابن حزم: ص133 وص199 ط أُولى سلسلة «من ذخائر العرب»، ففيه ترجمة الرجلين: عتيق، وأبي هالة. وهناك رأي ينفي زواج خديجة من أيّ شخص قبل رسول اللّه ، يذهب إليه صاحب مناقب آل أبي طالب، قال: روى أحمد البلاذري وأبو القاسم الكوفي في كتابيهما، والمرتضى في الشافي، وأبو جعفر في التلخيص: «أنّ النبيّ تزوّج بها وهي عذراء» (راجع: الصحيح من السيرة: ج1 ص121، نقلاً عن مناقب آل أبي طالب: ج1 ص159، الاستغاثة: ص70، بنات النبيّ أم ربائبه: ص88 - ص95). ومن الأدلّة على نفي زواج خديجة قبل رسول اللّه ، هو ما ذُكر في كتابي الأنوار والبدع: أنّ رقيّة وزينب كانتا ابنتي هالة أُخت خديجة (الصحيح من السيرة: ص121، بنات النبيّ أم ربائبه: ص88 - 95، مناقب آل أبي طالب: ج1 ص159). (الشطري).

جاريةً اسمُها هند، وكانت تُدعى أُمّ هند.

وحكى ابن سعد(1) في الطبقات عن الواقدي، قال: كانت أسنّ من رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) بخمسة عشر(2).

قال الواقدي: وكانت ذا شرفٍ ومالٍ كثيرٍ وتجارةٍ تبعث إلى الشام، فيكون عِيرُها كعِير عامّة قريش، وكانت تستأجر الرجال وتدفع المال مضاربةً، فلمّا بلغ رسول اللّه خمساً وعشرين سنةً - وليس له بمكّة اسم إلّا الأمين - أرسلت إليه تسأله الخروج إلى الشام مع عِيرها، مع مولاها ميسرة، فسافر رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) بعيرها إلى الشام، فرأى غلامها ميسرة منه في الطريق العجائب، ورأى الغمامة تُظلّه، فلمّا قدم مكّة رأت الغمامة على رأسه، وحكى لها ميسرة ما شاهد، فتزوّجته بعد قدومه من الشام بشهرين ويومين، زوّجه إيّاها أبوها(3)، وقيل: أخوها عمرو بن خويلد، وقيل: إنّما زوّجها عمّها عمرو، وهي بنت أربعين سنة، وهو الأصحّ؛ لأنّها ولدت قبل عام الفيل بخمسة عشر(4).

قال الواقدي: مات أبو خديجة قبل الفِجَار الأوّل، أو في حرب الفِجَار.

وأمّا كنيتها

فقد ذكر العلّامة المجلسي(5) نقلاً عن كتاب معالم العترة النبويّة لأبي محمّد، عبدالعزيز بن الأخضر الجُنابذي الحنبلي(6): رُوي أنّ خديجة رضوان اللّه عليها كانت تكنّى بأُمّ هند.

ص: 153


1- . هو أبو عبداللّه محمّد بن سعيد الزهري، كاتب الواقدي، توفّي سنة 230 (راجع: الكنى والألقاب للقمّي). (المؤلّف).
2- . تاريخ الخميس: ج1 ص264، السيرة الحلبية: ج1 ص140، سيرة مغلطاي: ص12، بحار الأنوار: ج16 ص12 وص19، البداية والنهاية: ج2 ص295. (الشطري).
3- . نقله الواقدي. (المؤلّف).
4- . كشف الغمّة للأربلي: ج2 ص139، وعنه بحار الأنوار: ج16 ص12 وص19 عن الواقدي، وراجع: السيرة الحلبية: ج1 ص138. (الشطري).
5- . بحار الأنوار: ج6 ص120. (المؤلّف).
6- . وُلد سنة 526ه ، وصنّف مصنّفات كثيرة في علم الحديث مفيدة، وأخذ من الخطيب كثيراً من كتبه، مات في 6 شوّال سنة 111ه ، ودُفن بباب الحرب في بغداد (راجع: معجم الأُدباء). والجُنابذي نسبة إلى جُنابذ - بالضمّ - : ناحية من نواحي نيسابور يقال لها كُناباد، يُنسب إليها جمع كثير. (المؤلّف).

قال الخوارزمي(1): قال محمّد: وكُنّيت خديجة أُمّ هند، وكان لها ابنٌ وبنت حين تزوّجها رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)، وأُمّ خديجة فاطمة بنت زائدة بن الأصمّ، وأُمّها هالة بنت عبد مناف.

وأمّا لقبها

واللقب يعرّفه النحويّون بأنّه هو: ما أشعر بمدح المسمّى أو ضعته. ومثال المشعر بالمدح: كجذل الطعان، وصيّاد الفوارس. ومثال المشعر بالذمّ: كالأعشى والأعمش.

وقال الرضيّ : الفرق بين اللقب والكنية معنىً: أنّ اللقب يُمدح الملقّب به أو يُذمّ بمعنى ذلك اللفظ، بخلاف الكنية، فإنّه لا يُعظّم المكنّى بمعناها، بل بعدم التصريح بالاسم؛ فإنّ بعض النفوس تأنف أن تُخاطَب باسمها(2).

ومن الألقاب التي تُشعر بالمدح هو ما لُقّبت به خديجة:.

جاء في السيرة الحلبيّة(3) وابن عبد البرّ(4) وابن الأثير(5)، قالوا جميعاً: كانت تُلقّب بالطاهرة(6).

فضائلها ومناقبها

قال الشيخ العلّامة، فقيه الحرمين، مفتي العراقين، محدّث الشام، صدر الحفّاظ، أبو عبداللّه، محمّد بن يوسف بن محمّد، القرشي الكنجي الشافعي، المتوفّى سنة 658(7): ومن مناقبها: سبقُ

ص: 154


1- . مقتل الحسين للخوارزمي: ج1 ص37، طبع النجف. (المؤلّف).
2- . لاحظ بحث «الكنية حقيقتها وأثرها في الحضارة والعلوم الإسلاميّة» للسيّد محمّد رضا الحسيني الجلالي، مطبوع في مجلّة تراثنا العدد (17).
3- . تأليف عليّ بن برهان الدين الحلبي الشافعي، صاحب إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون المعروف بالسيرة الحلبيّة. كان واسع العلم، غايةً في التحقيق، حادّ الفهم، قويّ الفكرة، متحرّياً في الفتوى، توفّي بالقاهرة سنة 1044، كما ذكر القمّي في الكنى والألقاب. (المؤلّف).
4- . هو الحافظ أبو عمر يوسف بن عبداللّه الأندلسي المغربي الأشعري، صاحب كتاب الاستيعاب في معرفة الأصحاب، كان إمام عصره في الحديث والأدب، توفّي بشاطبة سنة 463ه ، كما في الكنى والألقاب. (المؤلّف).
5- . هو عزّ الدين أبو الحسن عليّ بن المكرم، ولد بالجزيرة، وسكن الموصل، ولزم بيته منقطعاً على النظر في العلم والتصنيف، وكان بيته مجمع الفضل، وكان حافظاً للأحاديث والتواريخ، وخبيراً بأيّام العرب وأخبارهم، وصنّف مصنّفات، توفّي بالموصل سنة 630ه ، كما ذكر القمّي في الكنى والألقاب. (المؤلّف).
6- . السيرة الحلبية: ج1 ص137، الاستيعاب، أُسد الغابة، الإصابة في تمييز الصحابة، وانظر: تنقيح المقال: ج3 ص77، ولاحظ: الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم : ج1 ص112. (الشطري).
7- . كفاية الطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب : ص215، ط النجف. (المؤلّف).

هدايتها(1)، وبشارتها للنبي(صلی الله علیه و آله)، ومشورتها مع ورقة بن نوفل في أمر رسول اللّه في بدء الوحي.

وهو ما أخبرنا به أئمّة الأمصار وحفّاظ الوقت:

شيخ الإسلام حجّة العرب، أبو عبداللّه محمّد بن أبي الفضل المرسي، بمكّة شرّفها اللّه تعالى.

وأوحد دهره أبو عمرو، عثمان بن عبد الرحمن، أبو الصلاح.

وقدوة أهل الحديث، أبو إسحاق إبراهيم بن محمّد الصريفيني، بدمشق.

وبقيّة السلف، أبو عبداللّه محمّد بن عبد الواحد المقدّسي، بجبل قاسيون.

وشيخ المذهب، علّامة الزمان، أبو الثناء محمود بن أحمد الحصيري، بدمشق أيضاً، ومولده ببخارى سنة ستّ وأربعين وخمسمائة، وتوفّي يوم الأحد ثامن صفر سنة ستّ وثلاثين وستّمائة.

وحجّة الإسلام، شافعيّ الوقت، أبو سالم محمّد بن طلحة النصيبي(2).

ومؤرّخ العراق، أبو عبداللّه محمّد بن محمود بن الحسن، المعروف بابن النجّار، ببغداد، ومولده ليلة الأحد ثالث عشر من ذي القعدة سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، وتوفّي بُكرة الثلاثاء خامس شعبان سنة ثلاث وأربعين وستّمائة، وتقدّم في الصلاة عليه شيخنا العلّامة رئيس الأصحاب شرقاً وغرباً، أبو محمّد عبداللّه بن أبي الوفاء، الباذرائي، ودُفن بالشهداء من باب حرب.

قالوا جميعاً: أخبرنا المقرئ أبو الحسن المؤيّد بن محمّد بن عليّ، الطرسوسي، بنيسابور: أخبرنا أبو عبداللّه بن محمّد بن الفضل: أخبرنا أبو الحسين عبد الغافر، أخبرنا أبو أحمد محمّد، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم، أخبرنا الحافظ مسلم بن الحجّاج، أخبرنا أبو طاهر أحمد بن عمرو بن سرح، أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يوسف بن شهاب، قال: حدّثني ابن الزبير: أنّ عائشة زوج النبي(صلی الله علیه و آله) أخبرته أنّها قالت: كان أوّل ما بدئ به رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)

ص: 155


1- . لاحظ الصحيح من السيرة: ج1 ص245. (الشطري).
2- . هو كمال الدين محمّد بن طلحة بن محمّد بن الحسن النصيبي العدوي الشافعي، أحد الصدور والرؤساء المعظّمين، له: مطالب السؤول والعقد الفريد، توفّي بحلب سنة 652ه (راجع الكنى والألقاب للقمّي). (المؤلّف).

من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤياً إلّا جاءت مثل فلق الصبح، ثمّ حُبّب إليه الخلأ، فكان يخلو بغار حِراء(1) فيتحنّث فيه (وهو التعبّد) الليالي أُولات العدد، قبل أن يرجع إلى أهله، ويتزوّد لذلك، ثمّ يرجع إلى خديجة فيتزوّد لمثلها، حتّى فجأهُ الحقّ وهو في غار حِراء، فجاءهُ الملك، فقال له: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ. قال: فأخذني فغطّني(2) حتّى بلغ منّي الجهد، ثمّ أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطّني الثانية، حتّى بلغ منّي الجهد، ثمّ أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطّني الثالثة، حتّى بلغ منّي الجهد، ثمّ أرسلني، فقال: (اقْرَأْ باِسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ

مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ).

فرجع بها رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) يرجف فؤاده(3)، حتّى دخل على خديجة، فقال: زمّلوني زمّلوني! فزمّلوه حتّى ذهب منه الروع. ثمّ قال لخديجة: أي خديجة، مالي؟ وأخبرها الخبر، قال: لقد خشيتُ على نفسي، قالت له خديجة: كلّا، ابشر، فواللّه لا يُخزيك اللّه أبداً، واللّه إنّك لتصلُ الرحم، وتصدق الحديثَ، وتحمل الكلّ، وتكسر المعدومَ، وتُقري الضيفَ، وتُعين على نوائب الحقّ.

فانطلقت به خديجة حتّى أتت ورقة بن نوفل(4) بن أسد بن عبد العُزّى، وكان امرءاً تنصّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربيّ من الإنجيل بالعبريّة ما شاء اللّه، وكان شيخاً كبيراً قد عمي، فقالت له خديجة: أي ابن عمّ، اسمع من ابن أخيك.

قال ورقة بن نوفل: يابن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) خبر ما رآه.

فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أُنزلَ على موسى، يا ليتني فيها جذعاً، يا ليتني أكون حين يُخرجك قومك، قال رسول اللّه(صلی الله علیه و آله): أو مُخرِجِيَّ، هُم؟ قال ورقة: نعم، لم يأتِ

ص: 156


1- . قال ابن الأثير في النهاية في مادّة «حرا»: «في الحديث: كان (أي النبيّ ) يتحنّث بحِراء، وهي - بالكسر والمدّ - : جبلٌ من جبال مكّة، معروف، ومنهم من يُؤنّثه ولا يصرفه. قال الخطابي: وكثير من المحدّثين يغلطون فيه، فيفتحون حائه ويقصرونه ويميلونه، ولا يجوز إمالته؛ لأنّ الراء قبل الألف مفتوحة، كما لا تجوز إمالة رافع وراشد». (المؤلّف).
2- . قال ابن الأثير أيضاً في النهاية في مادّة «غطط» في حديث ابتداء الوحي: «فأخذني جبرئيلُ فغطّني»: «الغطّ: العصر الشديد والكبس، ومنه: الغطّ في الماء والغوص. قيل: إنّما غطّه ليختبره هل يقول من تلقاء نفسه شيئاً؟» (المؤلّف).
3- . ترجف بوادره (خ ل). (المؤلّف).
4- . جاء في عمدة القاري: ص62: كان في الجاهلية لفضله وفضيلته يُلقّب بالقسّ. (المؤلّف).

رجلٌ قطّ بما جئتَ به إلّا عُودِيَ، وإن يدركني يومُك أنصرك نصراً مؤزّراً(1).

قلت: هذا حديث متّفقٌ على صحّته، رواه مسلم كما سقناه، ورواه البخاري(2) في أوّل كتابه عن يحيى بن بكير، عن الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب.

وفي هذا الحديث حجّةٌ واضحةٌ تشهدُ بصحّة ما ذكرتُ في حقّها وسبقها للإسلام.

وروى الخوارزمي1 عن ابن إسحاق: حدّثني عبد الملك بن عبداللّه الثقفي، عن بعض أهل العلم. وساق حديث المبعث إلى أن قال: قال رسول اللّه(صلی الله علیه و آله): إنّي أخاف الجُنون!

فقالت له خديجة: أُعيذك باللّه يا أبا القاسم من ذلك، ما كان اللّه ليفعل بك ذلك مع ما أعلم من صدق حديثك، وعظم أمانتك، وحسن خلقك، وصلة رحمك، وما ذاك يابن العمّ؟ لعلّك قد رأيت شيئاً أو سمعته.

ص: 157


1- . قال العلّامة الطباطبائي في الميزان في تعليقه على قصّة ورقة بن نوفل مع خديجة:: «والقصّة لا تخلو من شيء، وأهون ما فيها من الإشكال شكّ النبيّ في كون ما شاهده وحياً إلهيّاً من مَلَكٍ سماويّ ألقى إليه كلام اللّه! وتردّده، بل ظنّه أنّه من مَسّ الشياطين بالجنون! وأشكل منه سكون نفسه في كونها نبوّةً إلى قول رجلٍ نصرانيّ مترهّب؟! وقد قال تعالى: (قُلْ إِنِّى عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّى) (الأنعام: 57)، وأيّ حجّة بيّنة في قول ورقة؟! وقد قال اللّه تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِى أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِى) (يوسف: 108)، فهل بصيرته هي سكون نفسه إلى قول ورقة؟ وسكون من اتبّعه سكون أنفسهم إلى سكون نفسه ما لا حجّة فيه قاطعة؟ وقال تعالى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ) (النساء: 163)، فهل اعتمادهم في نبوّتهم على مثل ما تقصّه هذه القصّة؟» (تفسیر المیزان: ج2 ص329). وللسيّد جعفر العاملي بحثٌ حول بدء الوحي وردّ الأساطير (كقصّة ورقة بن نوفل وغيرها) في الصحيح من السيرة: ج1 ص217 - 238، وكذلك للشيخ جعفر السبحاني في سيّد المرسلين: ج1 ص336 - 342، وكذلك للشيخ هادي معرفت في التمهيد في علوم القرآن: ج1 ص47 - 565، يجدر بالباحثين الوقوف عليها؛ لأنّ ذكر هذه القصّة تسيء إلى النبيّ ، لذا ردّها الكثير من علمائنا المحقّقين رحم اللّه الماضين منهم وأعلى شأن الحاضرين. وهذه القصّة ذكرها علماء العامّة وتكلّموا فيها بطريقة غير مألوفة، وربّما لا يستسيغها العقل الفطري في شيء، أمّا علماؤنا الإماميّة فتكلّموا فيها بطريقة عقليّة على أساس الاستدلال البرهاني، مدعماً بالنقل المأثور عن أئمّة أهل البيت: (التمهيد: ج1 ص47). (الشطري).
2- . ذكره البخاري في باب الوحي، كيف بُدئ الوحي إلى رسول اللّه : ج1 ص3 من صحيحه، وذكره أيضاً في الجزء الثالث: ص125 في كتاب التفسير عنوان سورة (اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الّذِى خَلَقَ). (الشطري).

فأخبرها أنّه رأى جبرئيل واقفاً بالهواء يقول: (اقْرَأْ باِسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ).(1) فقالت له:

ابشر يابن عمّ، واثبت له، فوالذي يُحلف به إنّي لأرجو أن تكون نبيّ هذه الأُمّة.

ثمّ قامت فجمعت ثيابها عليها وانطلقت إلى ورقة بن نوفل، وهو ابن عمّها وكان قد قرأ الكتب والإنجيل وتنصّر، فأخبرته الخبر، وقصّت عليه ما قصّه رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) عليها.

قال ورقة: قُدّوسٌ قُدّوسٌ، والذي نفس ورقة بيده، لئن كنتِ صدقتني يا خديجة، لهو نبيّ هذه الأُمّة، وإنّه ليأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، فقولي له فليثبت.

فرجعت إلى رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) فأخبرته الخبر، فسهّل ذلك عليه بعض ما فيه من الهمّ.

فلمّا قضى رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) جواره من حِراء بدأ بالكعبة، فطاف بها، فلقيه ورقة وهو يطوف بالكعبة، فقال: يابن أخي، خبّرنا بالذي رأيت وسمعت. فأخبره بذلك، فقال: إنّك لنبيّ هذه الأُمّة، ولتُؤذينَّ ولتُكذّبنَّ ولتُقاتلنَّ، ولئن أدركتُ ذلك لأنصرك نصراً يعلمه اللّه.

ثمّ أدنى إليه رأسه فقبّل يافوخه.

ثمّ انصرف رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) وقد زاده قولُ ورقة ثباتاً، وخفّف عنه بعض ما كان فيه من الهمّ، وقال ورقة لخديجة(علیها السلام) في ذلك:

فإن يكُ حقّاً يا

خديجةُ فاعلمي

حديثُك إيّانا فأحمدُ

مرسَلُ

يفوز به مَن فازَ فيها

بتوبةٍ

ويشقى

به العاتي الغويُّ المضلّلُ

فريقان منهم فرقةٌ في

جنانه

وأُخرى لترجو أن جحيم

تغللُ

وقال ورقة بن نوفل في ذلك أيضاً:

ياللرجالِ

لصرفِ الدهر والقَدَرِ

وما

لشيءٍ قضاهُ اللّهُ من غِيَرِ

أتت

خديجةُ تدعوني لأُخبرها

ص: 158


1- . الخوارزمي: هو الموفّق محمّد بن أحمد المؤيّد بن أبي سعيد إسحاق، المؤيّد المكّي الخوارزمي، كما ذكر ذلك صاحب كتاب الفوائد البهيّة في طبقات الحنفيّة وصاحب التعليقات عليها، المطبوعين بمطبعة الخانجي في مصر، قالا فيهما: ولد سنة أربع وثمانين وأربعمائة، وقرأ على أبيه وغيره، وتوفّي في خوارزم سنة ثمان وستّين وخمسمائة أو تسع. انتهى. (المؤلّف).

وما

لها بخفّي الغيب من خَبَر

جاءت

تسائلني عنه لأُخبرها

أمراً

أراه سيأتي الناس في أُخَرِ

بأنّ

أحمد يأتيه فأخبره

جبريل أن هو مبعوث إلى البشرِ

فقلتُ

علّ الذي ترجين ينجزه

لك

الإله فرجّي الخير وانتظري

وأرسليه

إلينا كي نسائله

عن أمره ما يرى في النوم والسهرِ

فقال

حين أتانا منطقاً عجباً

يقفّ

منه أعالي الجلد والشعَرِ

إنّي

رأيت أمين اللّه واجهني

في صورة أكملت من أهيب الصورِ

ثمّ

استمرّ فكاد الخوف يذعرني

ممّا يسلّم من حولي من الشجَرِ

فقلتُ

ظنّي وما أدري ليصدقني

أن سوف تُبعث تتلو منزل السُّورِ

وسوفَ تأتيك إن أعلنت دعوتهم

من

الجهاد بلا مَنٍّ ولانذرِ(1)

قال سبط ابن الجوزي: قال هشام بن محمّد: كان رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) يودّها ويحترمها ويشاورها في أُموره كلّها(2)، وكانت وزير صدقٍ(3)، وهي أوّل امرأةٍ آمنت به، ولم يتزوّج عليها في حياتها أبداً، وجميع أولاده منها، إلّا إبراهيم ابن مارية لما نذكر(4).

قال أحمد بن حنبل في المسند: حدّثنا عبداللّه، حدّثنا هشام عن أبيه، عن عبداللّه بن جعفر، عن عليّ ، قال: سمعتُ رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) يقول: خيرُ نسائها مريم بنت عمران، وخيرُ نسائها خديجة بنت خويلد(5).

متّفق عليه. والمراد بالأوّل نساء بني إسرائيل، وبالثاني نساء هذه الأُمّة.

ص: 159


1- . مقتل الحسين : ج1 ص21 ط النجف. (المؤلّف).
2- . بحار الأنوار: ج16 ص10، وج19 ص348. وفي رواية في صحيح مسلم: «إنّي قد رُزقت حبّها»، (فضائلها) (الجامع الصحيح: ج5 ص702، جامع الأُصول لابن الأثیر: ج1 ص80 ح2435). (الشطري).
3- . تراجم سيّدات بيت النبوّة: ص231 عن السيرة لابن إسحاق: ج2 ص57، تاريخ الطبري: ج2 ص229، عيون الأثر: ج1 ص130. (الشطري).
4- . تذكرة الخواصّ: ص70 ط النجف. (المؤلّف). وفي بحار الأنوار: ج16 ص10، وكفاية الطالب: ص359 عن عائشة أنّها قالت: «لم يتزوّج النبيّ على خديجة حتّى ماتت». أخرجه مسلم في صحيحه كما سقناه، وهذا دليل على جلالة قدرها وإكرام النبيّ لها بترك التزويج عليها حال حياتها، والمداومة على ذكرها بعد مماتها(علیها السلام) . وقال : «ورزقني منها الولد دون غيرها من النساء»، كما في السمط الثمين: ص26، الاستيعاب: ج1 ص1824. (الشطري).
5- . مسند أحمد: ج1 ص84، صحيح البخاري: ج5 ص47. (المؤلّف).

وفي الصحيحين أيضاً، من حديث أبي هريرة، قال: أتى جبرئيل رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) فقال: يا محمّد، هذه خديجة قد أتتك فاقرأها السلام من ربّها، وبشّرها ببيتٍ في الجنّة من قصب لا صخبٌ فيه ولا نَصَب(1).

القَصَب: الدرّ المجوّف، والصخب: الأصوات المختلفة، والنصب: التعب.

ومعناه أنّه لابدّ لكلّ بيتٍ من تعب وإصلاح، إلّا قصور الجنّة فإنّها لا تعب في بنائها. وقيل: لما تعبت في تربية الأولاد حصلت لها الراحة بالمناسبة.

وفي الصحيحين أيضاً أنّ عائشة قالت: ما غِرتُ(2) على أحدٍ من نساء رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) ما غِرتُ على خديجة، وما رأيتُها قطُّ، ولكن كان رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) يُكثرُ ذكرها، وربّما يؤتى الشاة فيقطّع أعضاءها، ويبعث بها إلى صدائق خديجة(3)، فأقول: كأنّه لم يكن في الدُّنيا امرأة إلّا خديجة! فيقول: إنّها كانت وكانت، وكان لي منها الأولاد(4).

الصدايق: الخلايل.

وفي رواية عن عائشة قالت: فأدركتني الغيرة يوماً، فقلتُ: وهل كانت إلّا عجوزاً قد أخلفَ اللّهُ لك خيراً؟! قالت: فغضبَ حتّى احتزّ مقدّم شعره، وقال: واللّهِ ما أخلفَ لي خيراً منها، لقد آمنت بي إذ كفرَ الناس، وصدّقتني إذ كذّبني الناس، وواسَتني(5) بمالها إذ

حرمني الناس، ورزقني اللّهُ أولادها إذ حرمني أولاد النساء. قالت: فقلت في نفسي:

ص: 160


1- . سنن الترمذي: ج5 ص659،وذكر قريباً منه في كنز العمّال: ج13 ص690، وذكره القندوزي الحنفي في ينابيع المودّة: ص174، والخوارزمي في مقتل الحسين: ص26، وهو في صحيح البخاري: ج5 ص47 - 48 وصحيح مسلم (باب فضائلها). (الشطري).
2- . من الغيرة. (المؤلّف).
3- . مناقب عليّ بن أبي طالب: ص339، ذكر قريباً منه ابن الجوزي في صفة الصفوة: ج2 ص4، والقندوزي الحنفي في ينابيع المودّة: ص170، الإصابة في تمییز الصحابة: ج8 ص62، صحيح مسلم (فضائلها): ح435، الاستيعاب: ج4 ص1823، السمط الثمين: ص26.
4- . صحيح مسلم (باب فضائلها): ح2437، الإصابة في تمییز الصحابة: ج4 ص283. (الشطري).
5- . من المواساة. (المؤلّف).

واللّه لا أذكرها بسوءٍ أبداً(1).

وفي رواية عن عائشة قالت: أغضبتُ رسولَ اللّه(صلی الله علیه و آله) يوماً وقلتُ: «خُدَيجة» - بالتصغير - فزجرني وقال: إنّي رُزِقتُ حُبّها(2).

واستأذنتْ عليه يوماً هالة أُخت خديجة، فارتاع لذلك وقال: اللّهمّ! هالة بنت خويلد! قالت: فغِرتُ وقلتُ: وما تذكرُ من عجوزٍ حمراءِ الشدقين هلكت في الدهر؟! فزجرني وقال بمعنى ما تقدّم(3).

ومعنى «حمراء الشدقين» أنّ المرأة إذا كبرت احمرّ شدقاها. وقيل: إنّه أرادت بالأحمر الأبيض، ومتى كبرت المرأة ابيضّ شدقاها، وهو الأصحّ.

وكلّ هذه الروايات في الصحيحين(4).

وقال الزُّهري(5): بلغنا أنّ خديجة أنفقت على رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) أربعين ألفاً وأربعين ألفاً. انتهى ما ذكرنا من التذكرة(6).

ص: 161


1- . الإصابة في تمييز الصحابة: ج4 ص284، وفيها بدل «سوء أبداً» «بنسبة أبداً»، الاستيعاب: ج4 ص1824، صحيح مسلم (باب فضائلها): ح2437، صفة الصفوة: ج2 ص4، وذكر قريباً منه الذهبي في سير أعلام النبلاء: ج2 ص112. (الشطري).
2- . صحيح مسلم (فضائلها): ح2435، الإصابة: ج8 ص62، تراجم سيّدات بيت النبوّة: ص234. (الشطري).
3- . صحيح مسلم (باب فضائلها): ح2437، تراجم سيّدات بيت النبوّة (عن صحيح مسلم): ص234، صحیح البخاري: ج5 ص48. (الشطري).
4- . صحيح مسلم (باب فضائلها): ح2437، صحيح البخاري: ج5 ص48. (الشطري).
5- . الزهريّ: هو محمّد بن شهاب، من معاصري الإمام السجّاد عليّ بن الحسين . قالوا فيه: «عَدوٌّ» (راجع الخلاصة للعلّامة الحلّي: ص121)، وقد أرسل الإمام إليه رسالةً يعظه فيها، أثبتناها في كتاب بلاغة الإمام السجّاد . (المؤلّف). وراجع: جهاد الإمام السجّاد : ص227 من الطبعة الثانية.
6- . تذكرة الخواصّ: ص70 ط طهران. (المؤلّف). قال السيّد المقرّم - في كتابه الإمام زين العابدين في هامش ص154 - : في البداية لابن كثير: ج9 ص340: ولد محمّد بن عبيد اللّه بن عبداللّه بن شهاب بن عبداللّه بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرّة، القرشي، الزُّهْري سنة (58ه)، وكان قصيراً قليل اللحية، له شعرات طوال، خفيف العارضين. وفي ترجمته من وفيات الأعيان لابن خلّكان: كان أبوه مسلم مع مصعب بن الزبير، وجدّه عُبيد اللّه مع المشركين في يوم بدر، ولم يزل هو مع عبدالملك بن مروان وهشام بن عبد الملك واستقضاء يزيد بن عبد الملك. وفي البداية: جعله هشام معلّم أولاده. Ñ Ø وفي تهذيب التهذيب: ج9 ص449: أمره هشام أن يملي على أولاده أحاديث، فأملی عليهم أربعمائة حديث. والقارئ الفطن خبيرٌ بأنّ من يتقلّب في دُنيا بني مروان لا يروي في أحاديثه شيئاً في فضل عليّ وأولاده الأطهرين:؛ لأنّه لا يروق لهم ذلك، والزهري على نهجهم وسيرتهم، يتطلّب دُنياهم، ومن هنا أطراهُ علماء العامّة ورفعوه إلى أعلى مستوى العلم والفضيلة، ويحكي ابن حجر تعجّبه من كثرة ما نشره من العلم. وإنّي لا أشكّ في انحراف الرجل عن أمير المؤمنين وأولاده، يشهد لذلك ما رواه ابن أبي الحديد في شرح النهج (ج1 ص371) عن جرير بن عبد الحميد، عن محمّد بن شيبة، قال: شهدتُ الزهري وعروة بن الزبير في مسجد النبيّ يذكران عليّاً، ونالا منه، فبلغ ذلك عليّ بن الحسين ، فجاء حتّى وقفَ عليهما فقال: «أمّا أنت يا عُروة، فإنّ أبي حاكم أباك فحكم لأبي على أبيك، وأمّا أنت يا زهري، فلو كنتُ في مكّة لأريتك كير أبيك». وقال السيّد ابن طاووس في التحرير الطاووسي بترجمة عبداللّه بن العبّاس: إنّ سفيان بن سعيد، والزُّهْري عدوّان متّهمان، وقد ذكرتُ في كتبي شيئاً يتعلّق بحالهما. وقال أبو علي الحائري في منتهى المقال بترجمته:لاريب في عداوته ونصبه لأمير المؤمنين. وفي رجال الشيخ الطوسي، والعلّامة، وابن داود، والسيّد مصطفى التفريشي: إنّه عدوّ لآل محمّد صلوات اللّه عليهم. وفي كشف الغمّة: ج2 ص317، والتهذيب للشيخ الطوسي: ج2 ص435: كانَ عاملاً لبني أُميّة، فعاقب رجلاً مات في عقوبته، فهرب لوجهه وتوحّش، ولكنّ الإمام زين العابدين أمره بإرسال الدية إلى أهل المقتول، ولا ييأس من رحمة اللّه. ومن جميع ما تقدّم جزم شيخنا المامقاني في تنقيح المقال بتلوّن الرجل وعدم استقامة رأيه. وما في الصحيفة الخامسة: ص289 من دعاء الإمام السجّاد له بالرزق والخلاص، إمّا لأنّه هو طلب ذلك منه وهم: لا يردّون متوقّعاً، أو من تاب وندم على ما أفرط، وسيأتي حديثه فيما شاهده من الإمام في عرفات (راجع: الإمام زين العابدين للمقرم: ص174 نقلاً عن تفسير الإمام العسكري: ص256). ولعلّ تفضّل الإمام السجّاد بتلك الكرامات ممّا هداه إلى الحقّ، ورواياته في الفقه كثيرة، فإذ لم يتب مع قراءته لهذا الكتاب الصادر من إمام الأُمّة وللمعاجز التي شاهدها من السجّاد، فهو ملعون، ومع ذلك فقد أدرجه العلّامة الحلّي وابن داود في قسم الضعفاء، ولم يقم له وزناً الشيخ محمّد طه نجف، حيث لم يذكره في إتقان المقال. توفّي - كما في وفيّات الأعيان - لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة 124 في بيته ب- «نعف»، وهي في آخر عمل الحجاز وأوّل عمل فلسطين، ودُفن في ضيعته «إدامي» خلف «شغب، وبدا»، وهما واديان أو قريتان. وفي معجم البلدان: ج5 ص277: دُفن في ضيعة خلف وادي القرى تسمّى «شغب». وعلماؤنا لم يختلفوا في قدحه، أجمعوا على ذلك، فراجع كتاب زين العابدين للمقرم: ص154- 158 الهامش. وقد أثبت السيّد الجلالي أنّ الزُّهري هو من أعمدة البلاط الأُموي، وجميع أهل البيت: يجرحونه، وكذلك يجرحه غيرهم، وأنّ الرجل كان كذّاباً ومتزلّفاً لبني أُميّة لعنهم اللّه. (جهاد الإمام السجّاد : ص268 - 280). (الشطري).

ورُوي مسنداً عن أبي هريرة، وبسند آخر عن أنس: قال رسول اللّه(صلی الله علیه و آله): خير نساء العالمين: مريم، وآسية بنت مزاحم، وخديجة، وفاطمة:(1).

ص: 162


1- . كما ورد بعدّة أسانيد عن عائشة، وورد في مسند أحمد عن ابن عبّاس (مسند أحمد: ج1 ص293، كنز العمّال: ج12 ص145). (الشطري).

وعن أبي زرعة قال: سمعت أبا هريرة يقول: أتى جبرئيل النبي(صلی الله علیه و آله) فقال: يا رسول اللّه، هذه خديجة قد أتتك معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ من ربّها ومنّي، وبشّرها ببيتٍ في الجنّة من قصب لا صخب فيه ولا نصب(1).

قلت: هذا حديث صحيح رواه الحافظ مسلم بن الحجّاج في صحيحه كما سُقناه(2).(3)

وروي عن عبداللّه بن مسعود(4)، قال: قال رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) في حديث طويل: إنّ اللّه اختار من الأيّام أربعة، ومن الشهور أربعة، ومن النساء أربعاً(5).

وساق الحديث إلى أن قال: وأمّا النساء فمريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، سابقة نساء العالمين إيماناً باللّه وبرسوله، وآسية امرأة فرعون، وفاطمة بنت محمّد سيّدة نساء أهل الجنّة(6).(7)

وعن ابن عبّاس قال: خطّ رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) أربع خطط في الأرض، فقال: أتدرون ما هذا؟ قلنا: اللّه ورسوله أعلم، فقال رسول اللّه(صلی الله علیه و آله): أفضل نساء الجنّة أربع: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمّد(صلی الله علیه و آله)، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون(8).

ص: 163


1- . أخرجه البخاري في باب غيرة النساء، وهو في أواخر كتاب النكاح: ص157 من الجزء الثالث من صحيحه، ورواه مسلم في صحيحه في باب فضائل فاطمة: ج7 ص133، مستدرك الحاكم: ج3 ص184 - 185 بطرق متعدّدة صحيحة على شرط الشيخين، وذكر حديث مشابه له في السيرة الحلبية: ج1 ص169 الهامش. (الشطري).
2- . كفاية الطالب للکنجي الشافعي: ص212. (المؤلّف).
3- . بحار الأنوار: ج16 ص2 نقلاً عن الخصال للشيخ الصدوق: ص96، إحقاق الحقّ: ج1 ص52، ذكر هذا الحديث ب- (29) طريقاً من العامّة. (الشطري).
4- . هو عبداللّه بن مسعود بن غافل أو عاقل، شهد مع رسول اللّه مشاهده، وكان أحد حفّاظ القرآن. قال الخطيب البغدادي في تاريخه: وكان من فقهاء الصحابة، ذكره عمر بن الخطّاب فقال: «كنيفٌ مُلئ علماً»، وبعثه إلى الكوفة ليقريهم القرآن ويعلّمهم الشرائع والأحكام، فبثّ عبداللّه فيهم علماً كثيراً، وفقّه منهم جمعاً غفيراً. (المؤلّف).
5- . المستدرك على الصحيحين: ج3 ص184 - 186، ووردت روايات بهذا المضمون ذيل الحديث في صحيح مسلم: ج7 ص133. (الشطري).
6- . مقتل الحسين للخوارزمي: ج1 ص20. (المؤلّف).
7- . مقتل الحسين للخوارزمي: ج1 ص25، المراجعات المراجعة 72، وقد ذكر في هامش هذه المراجعة مصادر كثيرة من العامّة تدلّ على أفضلية خديجة، فراجع: ص299 - 300 دار ومكتبة الرسول الأكرم بيروت، الخصال للصدوق : ص225 ص15 باب الأربعة. (الشطري).
8- . بحار الأنوار: ج6 ص132 نقلاً عن الخصال للشيخ الصدوق. (المؤلّف).

وعن عروة قال: قالت عائشة لفاطمة بنت محمّد رسول اللّه(صلی الله علیه و آله): ألا أُبشّرك؟ إنّي سمعت رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) يقول: سيّدات نساء أهل الجنّة أربع: مريم بنت عمران، وفاطمة بنت محمّد، وخديجة بنت خويلد، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون(1).

وعن عمّار بن ياسر2، قال: قال رسول اللّه(صلی الله علیه و آله): فُضِّلتْ خديجةُ على نساء العالمين(2).

وجاء في البحار: أنّ اللّه تعالى أعطى عشرة أشياء لعشرة من النساء: التوبة لحوّاء زوجة آدم، والجمال لسارة زوجة إبراهيم، والحفاظ لرحمة زوجة أيّوب، والحرمة لآسية زوجة فرعون، والحكمة لزليخا زوجة يوسف، والعقل لبلقيس زوجة سليمان، والصبر لبرخانة أُمّ موسى، والصفوة لمريم أُمّ عيسى، والرضا لخديجة زوجة المصطفى، والعلم لفاطمة زوجة المرتضى (3).

كما ورد أيضاً في البحار، عن عيون المعجزات(4)، عن جارية بن قدامة، قال: حدّثني سلمان، قال: حدّثني عمّار، وقال: أُخبرك عجباً؟ قلت: حدّثني يا عمّار، قال: شهدتُ

عليّ بن أبي طالب وقد ولج على فاطمة، فلمّا بصرت به نادت: أدنُ منّي لأُحدّثك بما كان وما هو كائن وبما لم يكن إلى يوم القيامة حين تقوم الساعة.

قال عمّار: فرأيت أمير المؤمنين يرجع القهقرى، فرجعت برجوعه، إذ دخل على رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) فقال: أدنُ منّي يا أبا الحسن. فدنا منه، فلمّا اطمئنّ به المجلس فقال له: تحدّثني أم أُحدّثك؟ قال : الحديث منك أحسن يا رسول اللّه، فقال: كأنّي بك وقد دخلتَ على فاطمة وقالت لك كذا وكذا، فرجعت. فقال : يا رسول اللّه، نور فاطمة من نورنا؟ فقال: بلى، أو لا تعلم؟ فسجد عليّ شكراً للّه تعالى.

قال عمّار: فخرج أمير المؤمنين وخرجتُ بخروجه، فولج على فاطمة وولجتُ، فقالت: يا أبا الحسن، كأنّك رجعت إلى أبي فأخبرته بما قلتُ لك؟ قال: كان كذلك يا فاطمة،

ص: 164


1- . مقتل الحسين للخوارزمي: ج1 ص21، نور الأبصار: ص40. (المؤلّف).
2- . مقتل الحسين للخوارزمي: ج1 ص31. (المؤلّف).
3- . بحار الأنوار: ج43 ص34 ح39 باب 3.
4- . تأليف الحسين بن عبد الوهّاب، ط النجف الأشرف. (المؤلّف).

فقالت: اعلم يا أبا الحسن، أنّ اللّه خلق نوري وكان يُسبّح اللّه جلّ جلاله، ثمّ أودعه بشجرة من شجر الجنّة أوحى اللّه إلهاماً: أن اقتطف الثمرة من تلك الشجرة وأدرها في لهواتك، ففعل، فأودعني اللّه صُلب أبي، ثمّ أودعني صلب خديجة بنت خويلد فوضعتني، وأنا من ذلك النور، أعلم ما كان وما يكون وما لم يكن. يا أبا الحسن، المؤمن ينظر بنور اللّه.

وأيضاً فيه: قال أمير المؤمنين : كنّا جُلوساً عند رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) فقال: أيّ شي ءٍ خيرٌ للنساء؟ فعيينا بذلك كلّنا، حتّى تفرّقنا، فرجعتُ إلى فاطمة فأخبرتُها بالذي قال لنا رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) وليس منّا أحد علمه ولا عرفه، فقالت: ولكنّي أعرفه، خيرٌ للنساء أن لا يرينَ الرجالَ ولا يراهنّ الرجالُ.

فرجعتُ إلى رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) فقلتُ: يا رسول اللّه، سألتنا أيّ شيءٍ خيرٌ للنساء؟ خيرٌ لهنّ أن لايَرَينَ الرجالَ، ولا يراهنّ الرجالُ.

قال: مَن أخبرك وأنت عندي فلم تعلمه؟ قلت: فاطمة. فأعجب ذلك رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) وقال: إنّ فاطمة بضعةٌ منّي.

وفي خبر: فضمّها إليه وقال: ذرّيةٌ بعضها من بعض.

وأيضاً فيه: سأل رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) أصحابه عن المرأة؟ قالوا: عورة، قال: فمتى تكون أدنى من ربّها؟ فلم يدروا، فلمّا سمعت فاطمة ذلك قالت: ما تكون من ربّها أن تلزم قعر بيتها. فقال رسول اللّه(صلی الله علیه و آله): إنّ فاطمة بضعةٌ منّي(1).

والبَضْعةُ - بالفتح والكسر - : قطعةٌ من اللحم.

ص: 165


1- . قال السيّد القزويني في كتاب فاطمة من المهد إلى اللحد: «فاطمة بضعة منّي، يؤذيني ما آذاها ويغضبني ما أغضبها». روى هذه الأحاديث أكثر من خمسين من رجال الحديث والسنن، كأحمد بن حنبل، والبخاري، وابن ماجه، والسجستاني، والترمذي والنسائي، وأبو الفرج الإصفهاني، والنيسابوري، وأبو نُعيم، والبيهقي، والخوارزمي، وابن عساكر، والبلاذري والبغويّ، وابن الجوزي، وابن الأثير، والسيوطي، وابن حجر، وغيرهم ممّا يعسر إحصاؤهم. وقد وقعت هذه الأحاديث موقع الرضا والقبول من الصحابة والتابعين؛ لتواترها وصحّة إسنادها، وشهرتها في الملأ الإسلامي. (فاطمة من المهد إلى اللحد: ص193، وراجع: بحار الأنوار: ج43 ص91 و92، وإحقاق الحقّ: ج10 ص258، ومستدرك الوسائل: ج14 ص289، ودعائم الإسلام: ج2 ص214، ومسند فاطمة: ص337). (الشطري).

في كلمات الأعلام

شيخ الإسلام زكريا الأنصاري

قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في بهجة الحاوي:

وأفضلهنّ (أي زوجات النبي(صلی الله علیه و آله)) خديجةُ وعائشة، وفي أفضلَيهما خلاف، صحّح ابن العماد تفضيل خديجة؛ لما ثبت أنّه قال لعائشة - حين قالت له: قد رزقك اللّه خيراً منها - : واللّه ما رزقني اللّه خيراً منها، آمنت بي حين كذّبني الناس، وأعطتني مالها حين حرمني الناس(1).

عبدالسلام

ونقله في شرح عبد السلام على الجوهرة، ونصّه: صحّح ابن العماد تفضيل خديجة وفاطمة، فتكون أفضل من عائشة.

قاضي القضاة السُّبكي

*قاضي القضاة السُّبكي(2)

ولمّا سُئِل السُّبكي عن ذلك، فقال: الذي نختاره وندين اللّه به أنّ فاطمة بنت محمّد(صلی الله علیه و آله) أفضل، ثمّ أُمّها خديجة، ثمّ عائشة(3).

ص: 166


1- . نور الأبصار للشبلنجي: ص43. (المؤلّف).
2- . السُّبْكيّ - بالضمّ - : قاضي القضاة، تقيّ الدين عليّ بن عبد الكافي بن علي الخزرجي الأنصاري المصري الشافعي الأشعريّ، وُلد أوّل صفر سنة 683ه ، وتوفّي سنة 756ه (راجع: الكنى والألقاب للقمّي). (المؤلّف). وله ترجمة واسعة في مقدّمة كتابه شفاء السقام في زيارة خير الأنام بقلم السيّد الجلالي، الطبعة الرابعة.
3- . الثابت عند علماء المسلمين جميعاً أنّ خديجة: هي أوّل مَن آمنت برسول اللّه من النساء، وأنّ رسول اللّه كان يجلّها ويحترمها في حياتها، وكان يثني عليها بعد وفاتها. ثمّ إنّ الحديث الذي ذكرته عائشة: «أفضل نساء الجنّة أربعة: مريم وآسية وخديجة وفاطمة»، لم يرد ذكر لفضل عائشة فيه، علماً بأنّ نساء أهل الجنّة خيرة نساء الأرض. بالإضافة إلى أنّ الثابت عند المسلمين جميعاً أنّ عائشة خرجت لحرب الإمام أمير المؤمنين وأنكرت خلافته التي أجمع عليها المسلمون، وسبّبت قتل ستّة عشر ألف مسلم فيهم عدد كبير من الصحابة، وأنّها خالفت قول اللّه تعالى:(وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ) (الأحزاب: 33)، وقول رسول اللّه لعليّ: «يا عليُّ، حربك حربي، وسلمك سلمي»، وحسدت خديجة الطاهرة:، كما صرّحت هي في أحاديثها السابقة، والحسد من الكبائر التي تخلّد صاحبها بالنار. ولم تزر الصدّيقة الطاهرة فاطمة أيّام مرضها، وكانت تحقد على فاطمة وعلى أُمّها خديجة، وعندما سمعت بنبأ استشهاد الإمام أمير المؤمنين، استبشرت وأنشدت: فألقتْ عصاها واستقرَّ بها النوى كم-ا قرّ ع-يناً بالإي-ابِ الم-سافرُ وخرجت مرّة أُخرى - وبتحريض من الملعون مروان بن الحكم - على بغلةٍ، عند شهادة الإمام الحسن Ñ Ø عندما أراد بنو هاشم أن يجدّدوا لجنازته العهد برسول اللّه ويدخلوا بها إلى قبر جدّه، خرجت قائلةً: «يا بني هاشم، إنّي لا أُحبّ من لا أُحبّ أن يدخل بيتي»! وهذا ردّ على قول رسول اللّه حيث قال: «الحسن والحسين ابناي، اللّهمّ إنّي أُحبّهما وأُحبّ من يُحبّهما»، فمنعت بني هاشم من زيارة النبيّ ، وقد أُصيب نعش الإمام الحسن في ذلك اليوم بخمسين سهماً، وقد علّمها ابنُ أخيها القاسم بن محمّد بن أبي بكر في ذلك الموقف طالباً منها الرجوع، حيث قال لها: يا عمّة، ما غسلنا رؤوسنا من يوم الجمل حتّى يُقال يوم البغلة الشهباء! وقال لها عبداللّه بن العبّاس: يومٌ على جملٍ، ويومٌ على بغلٍ؟! ثمّ أنشد: أي-ا بن-تَ أب-ي ب-ك-رٍ ف-لا ك-انَ ولا كُ-نتِ ت-ج-مّ-لْتِ ت-بغ-ّلْ-تِ ول-و عِ-شْتِ ت-فَ-يَّلْتِ لكِ التُسعُ من الثُمنِ وبِال-كُ-لِّ تَ-ص-َرَّفْ-تِ وقد استدلّ العامّة على زعم أفضليّتها بأنّها كانت عالمةً وحافظةً لكثير من أحاديث رسول اللّه ، وهذا لا قيمة له عند اللّه، لأنّها لم تعمل بما تعلم، بل يكون هذا حجّة قويّة عليها يوم القيامة، ورحم اللّه الشاعر الأُزري حيث قال: حَفِظَتْ أربعين ألف حديثٍ وم-ن ال-ذِكْرِ آيةً تَ-نْساه ا؟ (الشطري). وقال الشيخ عبد الحسين الحُويزي الحائري: نَسِيَتْ «قَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ» وكانَتْ تحفَظُ ال-ذِكْ-رَ، ما ال-ذي أنْساه ا؟

واختار السُّبكي أنّ مريم أفضل من خديجة؛ لقوله: خير نساء العالمين مريم بنت عمران، ثمّ خديجة بنت خويلد، ثمّ فاطمة بنت محمّد(صلی الله علیه و آله)، ثمّ آسية بنت مزاحم امرأة فرعون.

كيفيّة إسلامها

جاء في سيرة النبي(صلی الله علیه و آله) لابن هشام: أوّل الناس إيماناً برسول اللّه(صلی الله علیه و آله) عليٌّ وخديجة.

وفي البحار عن عبد الرحمن بن ميمون، عن أبيه، قال: سمعتُ ابن عبّاس(1)،(2) يقول:

ص: 167


1- . هو عبداللّه بن العبّاس، كان محبّاً لعليّ وتلميذه، حاله في الجلالة والإخلاص لأمير المؤمنين أشهر من أن يخفى، وقد ذكر الكشّي أحاديث تتضمّن قدحاً فيه، وهو أجلّ من ذلك (راجع: الخلاصة: ص5). وقال المحبّ الطبريّ في ذخائر العقبى: ص336: عبداللّه بن العبّاس، يُكنّى أبا العبّاس، أُمّه أُمّ الفضل، وُلد قبل الهجرة بثلاث سنين بالشعب قبل خروج بني هاشم، وتوفّي بالطائف سنة ثمان وستّين. (المؤلّف).
2- . قول المؤلّف: ذكر الكشّي في ترجمة عبداللّه بن عبّاس أحاديث تتضمّن قدحاً فيه، (وهو) أجلّ من ذلك. أقول: وقد دافع عن عبداللّه بن عبّاس، وردّ هذه الأحاديث آية اللّه العظمى السيّد علي الفاني في كتابه عبداللّه بن عبّاس، وكذلك دافع عنه العلّامة المحقّق السيّد جعفر العاملي في كتابه ابن عبّاس وأموال البصرة، يجدر بالباحثين الرجوع إليهما. (الشطري). وألّف العلاّمة الحجّة المحقّق النسّابة السيّد محمّد مهدي الموسوي الخرسان كتاباً حافلاً عن ابن عبّاس.

أوّل من آمن برسولّ اللّه(صلی الله علیه و آله) من الرجال عليٌّ(1)، ومن النساء خديجة

رضوان اللّه عليها.

وعن عيسى بن المستفاد، قال: حدّثني موسى بن جعفر، قال: سألت أبي جعفر ابن محمّد عن بدء الإسلام، كيف أسلم عليّ ؟ وكيف أسلمت خديجة؟

فقال لي موسى بن جعفر: تأبى إلّا أن تطلب أُصول العلم ومبتدأه، أما واللّه إنّك لتسأل تفقّهاً. قال موسى: فقال لي أبي: إنّهما أسلما، دعاهما رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) فقال: يا عليّ ويا خديجة، تُسلما وأطيعا تُهديا، فقالا: فعلنا وأطعنا، يا رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)، فقال: إنّ جبرئيل يقول لكما: إنّ للإسلام شروطاً ومواثيق، فابتدئا بما شرط اللّه عليكما لنفسه ولرسوله أن تقولا: نشهد أن لا إله إلّا اللّه، وحده لا شريك له في ملكه، ولم يلده والدٌ، ولم يتّخذ صاحبةً، وأنّ محمّداً عبده ورسوله أرسله إلى الناس كافّةً، بين يدي الساعة، ونشهد أنّ اللّهَ يُحيي ويُميتُ ويرفعُ ويضعُ، ويُغني ويفقرُ، ويفعلُ ما يشاء، ويبعثُ مَن في القُبور، قالا: شهدنا.

وإسباغ الوضوء، وغسل الجنابة في الحرّ والبرد، وإقام الصلاة، وأخذ الزكاة من حلّها ووضعها في أهلها، وحجّ البيت، وصوم شهر رمضان، والجهاد في سبيل اللّه، وبرّ الوالدين، وصلة الرحم، والعدل في الرعيّة، والقسم بالسوية، والوقوف عند الشُّبهة، إلّا الإمام فإنّه لا شبهة له، وطاعة وليّ الأمر بعدي، ومعرفته في حياتي وبعد موتي، والأئمّة من بعده واحداً فواحداً، وموالاة أولياء اللّه، ومعاداة أعداء اللّه، والبراءة من الشيطان الرجيم وحزبه وأشياعه، والبراءة من الأحزاب تيمٍ وعديّ وأُميّة وأشياعهم وأتباعهم، والحياة على ديني وسُنّتي ودين وصيّي وسنّته، إلى يوم القيامة، والموت على مثل ذلك، غير شاقّة لأمانته ولا متعدّية ولا متأخِّرة عنه، وترك شرب الخمر، وملاحاة النساء.

يا خديجة، فهمتِ ما شَرَطَ عليك ربُّك؟ قالت: نَعَم، وآمنتُ وصلّيتُ ورضيتُ وسلّمتُ. قال عليّ : وأنا على ذلك، فقال: يا عليّ، تُبايع على ما شرطتُ عليك؟ قال: نعم.

ص: 168


1- . وأيضاً جاء في من سيرة ابن هشام: ج1 ص224 أوّل ذَكَرٍ من الناس آمن برسول اللّه وصلّى معه وصدّق بما جاء به من اللّه تعالى: عليّ بن أبي طالب ، وهو ابن عشر سنين يومئذٍ. (المؤلّف).

قال: فبسطَ رسولُ اللّه(صلی الله علیه و آله) كفّه فوضعَ كفَّ عليٍّ في كفّه، فقال:

بايعني على ما شرطتُ عليك، وأن تمنعني ممّا تمنعُ منه نفسك.

فبكى عليّ وقال: بأبي وأُمّي، لا حول ولا قوّة إلّا باللّه، فقال رسول اللّه(صلی الله علیه و آله): اهتديتَ وربّ الكعبة، ورشدتَ ووفّقتَ وأرشدك اللّه. يا خديجة، ضعي يدكِ فوقَ يد عليّ فبايعي له، على أنّه لا جهاد عليك. فبايعتْ على مثل ما بايع عليّ .

ثمّ قال: يا خديجة، هذا عليٌّ مولاك ومولى المؤمنين وإمامهم بعدي، قالت: صدقتَ يا رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) قد بايعتهُ على ما قلتَ، أُشهد اللّه وأُشهدك بذلك، وكفى باللّه شهيداً وعليماً(1).

وعن أبي هريرة(2) قال: قال رسول اللّه(صلی الله علیه و آله): كنت بأجياد الصغير أرعى الغنم قبل أن يُوحى إليّ، فأتاني جبرئيل فبشّرني بالنبوّة، ثمّ ركض برجله إلى الأرض فإذا بعين قد نبعت، فتوضّأ جبرائيل وعلّمني الوضوء، وصلّى وعلّمني الصلاة، ثمّ انصرفت إلى منزلي، فلم أمرّ بحجرٍ ولا شجر إلّا قالا: السلامُ عليك يا رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)، حتّى أتيتُ خديجة، فأريتها كما أراني جبرئيل وعلّمتها كما علّمني.

فبينما نحن كذلك، إذ دخل علينا عليّ بن أبي طالب ونحن كذلك، فقال: ما هذا الدّين يابن عمّ؟ فقلت: دين اللّه يابن عمّ، أدعوك إليه، فقال لي: أشاور أبا طالب، فقلت: يابن عمّ، إمّا أن تتّبعنا وإمّا أن تكتم علينا. قال: فخرج ثمّ رجع فقال: بل أتّبعك.

قال: وكانت خديجةُ تقول: أنا أوّلُ مَن أسلم، ثمّ عليّ (3).

ص: 169


1- . الطرف: ص5 (ط النجف) لرضيّ الدين أبي القاسم عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن طاووس الحسني الحسيني، المتوفّى سنة 664ه . (المؤلّف).
2- . أبو هريرة أسلم بعد الهجرة بسبع سنين، وكان أكذب الناس على رسول اللّه ،وقد ضربه عمر لكثرة روايته، وقال: إنّه كذوب، وقال له: لتتركنّ الحديث عن رسول اللّه وإلّا ألحقتُك بجبال دوس، وكان يلعب بالشطرنج والسدر. قال الدميري: والمرويّ عن أبي هريرة من اللعب مشهور في كتب الفقه. ومن أراد الاطّلاع على ترجمة حياته فعليه بكتاب أبي هريرة للعلّامة المجاهد آية اللّه السيّد عبد الحسين شرف الدين . (المؤلّف).
3- . مقتل الحسين للخوارزمي: ج1 ص30. قال المجلسي في البحار: ج16 ص7: إنّها سبقت كافّة الناس في إسلامها، وهو مشهور، وقد ردّ هذا القول علماء الشيعة، وللوقوف على ردّ هذا الرأي راجع الغدير: ج3 ص220، أعيان الشيعة: ج6 ص311 دار التعارف. (الشطري).

قال: وفي رواية ابن مسعود، قال العبّاس بن عبد المطّلب: ما أحد على وجه الأرض يعبدُ اللّه إلّا هؤلاء الثلاثة: رسول اللّه، وخديجة، وعليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليهم.

عن ابن إسحاق: حدّثني إسماعيل بن أبي الحكم مولى الزبير، أنّه حدّث عن خديجة بنت خويلد أنّها قالت لرسول اللّه(صلی الله علیه و آله) فيما يثبته ممّا أكرمه اللّه به من نبوّته: يابن عمّ، تستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك؟ قال: نعم، قالت: إذا جاءك فأخبرني.

فبينما رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) عندها إذ جاء جبرئيل، فرآه رسول اللّه، فقال: يا خديجة، هذا جبرئيل، فقالت: أتراه الآن؟ فقال: نعم، قالت: فاجلس إلى شقّي الأيمن. فتحوّل فجلس، فقالت: أتراه الآن؟ قال: نعم، قالت: فتحوّل فاجلس في حجري، فقالت: أتراه الآن؟ قال: نعم، فحسرت عن رأسها، وألقت خِمارها ورسول اللّه(صلی الله علیه و آله) جالسٌ في حجرها، فقالت: هل تراه الآن؟ قال: لا، قالت: ما هذا شيطان، إنّ هذا لملكٌ، يابن عمّ، فاثبت وأبشِر. ثمّ آمنتْ به، وشهدت أنّ الذي جاء به الحقّ(1).

زواجها

روي عن جابر قال: كان سبب تزويج خديجة محمّداً أنّ أبا طالب قال: يا محمّد، إنّي أُريد أن أُزوّجك، ولا مال لي أُساعدك به، وإنّ خديجة قرابتي وتُخرِج كلّ سنةٍ قريشاً في مالها مع غلمانها يَتّجرُ لها ويأخذُ وِقْر بعيرٍ ممّا أُتي به، فهل لك أن تخرج؟ قال: نعم.

فخرج أبو طالب إليها وقال لها ذلك، ففرحت وقالت لغلامها ميسرة: أنت وهذا

المال كلّه بحكم محمّد(صلی الله علیه و آله).

فلمّا رجع ميسرة حدّث أنّه ما مرّ بشجرةٍ ولا مدرةٍ إلّا قالت: السلام عليك يا رسول اللّه.

قال: جاء بَحِيرا الراهب وخدمنا لمّا رأى الغمامة على رأسه تسير حيثما سار تُظلّه

ص: 170


1- . مقتل الحسین للخوارزمي: ج2 ص21 – 22، التمهيد في علوم القرآن: ج2 ص52. قال: روى ذلك البخاري ومسلم وابن هشام والطبري وأضرابهم. وقد ردّ الرواية الشيخ هادي معرفت، وناقشها مناقشة مفصّلة علمية (راجع التمهيد: ج2 ص54 – 56). (الشطري).

بالنهار، وربحنا في ذلك السفر ربحاً كثيراً.

فلمّا انصرفا، قال ميسرة: لو تقدّمت يا محمّد إلى مكّة وبشّرت خديجة بما قد ربحنا لكان أنفع لك. فتقدّم محمّد على راحلته، فكانت خديجة في ذلك اليوم جالسةً على غرفة مع نسوة، فظهر لها محمّدٌ راكباً، فنظرت خديجة إلى غمامة عالية على رأسه تسير بسيره، ورأت ملكين عن يمينه وعن شماله في يد كلّ مَلَك سيفٌ مسلول يجيئان في الهواء معه.

فقالت: إنّ لهذا الراكب لشأناً عظيماً، ليته جاء إلى داري. فإذا هو محمّدٌ قاصدٌ إلى دارها، فنزلت حافيةً إلى باب الدار، وكانت إذا أرادت التحوّل من مكان إلى مكان حوّلت الجواري السرير الذي كانت عليه، فلمّا دنت منه قالت: يا محمّد، اخرج وأحضرني عمّك أبا طالب الساعة. وقد بعثت إلى عمّها أن زوّجني من محمّد إذا دخل عليك.

فلمّا حضر أبو طالب قالت: أخرجا إلى عمّي ليزوّجني من محمّد، فقد قلتُ له في ذلك. فدخلا على عمّها، وخَطَبَ أبو طالب الخُطبة المعروفة، وعَقَدَ النكاح، فلمّا قام محمّد ليذهب مع أبي طالب قالت خديجة: إلى بيتك، فبيتي بيتُك وأنا جاريتُك(1).

كيفيّة زواجها من رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)

جاء في سيرة النبيّ لابن هشام(2): كانت بنت خويلد امرأةً تاجرةً ذات شرفٍ ومالٍ، تستأجر

الرجال في مالها وتضاربهم إيّاه بشيء تجعله لهم، وكانت قريش قوماً تجّاراً، فلمّا بلغها عن رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) ما بلغها من صدق حديثه وعظم أمانته وكرائم أخلاقه، بعثت إليه فعرضت إليه أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجراً وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجّار، مع غلام لها يُقال له: ميسرة، فقبله رسول اللّه(صلی الله علیه و آله).

وخرج في مالها ذلك، وخرج معه غلامها ميسرة، حتّى قدم الشام فنزل رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)

ص: 171


1- . بحار الأنوار: ج16 ص8، وذكر قصّة الغمامة التي تظلّله في تفسير الإمام العسكري: ص155، وفي إثبات الهداة للحرّ العاملي: ج2 ص151. (الشطري).
2- . السيرة: ج1 ص303. ابن هشام، وهو: أبو محمّد عبد الملك بن هشام بن أيّوب الحميري البصري، نزيل مصر، صاحب كتاب السيرة المعروفة بسيرة ابن هشام، جمعها من المغازي والسير لابن إسحاق، توفّي سنة 218ه (راجع: الكنى والألقاب: ج1 ص437). (المؤلّف).

في ظلّ شجرة قريباً من صومعة راهب من الرهبان، فأطلع الراهب إلى ميسرة، فقال له: مَن هذا الرجل الذي نزل تحت هذه الشجرة؟ فقال له ميسرة: هذا رجل من قريش من أهل الحرم، فقال له الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة قطّ إلّا نبيّ.

ثمّ باعَ رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) سلعته(1) التي خرج بها، واشترى ما أراد أن يشتري، ثمّ أقبل قافلاً إلى مكّة ومعه ميسرة، فكان ميسرة إذا كانت الهاجرة واشتدّ الحرّ، يرى ملكين يُظلّانه من الشمس وهو يسير على بعيره.

فلمّا قدم مكّة على خديجة بمالها، باعت ما جاء به فأضعف أو قريباً، وحدّثها ميسرة عن قول الراهب، وعمّا كان يرى من إظلال ملكين إيّاه، وكانت خديجة امرأة حازمةً شريفةً لبيبةً، مع ما أراد اللّه بها من كرامة، فلمّا أخبرها ميسرة بما أخبرها به بعثت إلى رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) فقالت له: يابن عمّ، إنّي قد رَغبتُ فيك لقرابتك وسَطَتك(2) في قومك وأمانتك وحسن خلقك وصدق حديثك. ثمّ عرضت عليه نفسها.

وكانت خديجة أوسط نساء قريش نسباً وأعظمهنّ شرفاً وأكثرهنّ مالاً، كلّ قومها كان حريصاً على ذلك منها لو يقدروا عليه. فلمّا قالت ذلك لرسول اللّه(صلی الله علیه

و آله)، ذكر ذلك لأعمامه، فخرج مع عمّه حمزة بن عبد المطّلب حتّى دخل على خُويلد بن أسد، فخطبها وتزوّجها(3)، وأصدقها رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) عشرين بكرة.

وكانت أوّل امرأة تزوّجها رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)، ولم يتزوّج عليها غيرها حتّى ماتت.

وقال ابن دحلان في السيرة النبوية بهامش السيرة الحلبية: إنّ المزوّج لها عمّها عمرو بن أسد؛ لأنّ أباها مات قبل الفجّار(4)، وأنّ المزوّج للنبي(صلی الله علیه و آله) عمّه أبو طالب. ولمّا تمّ

ص: 172


1- . السِّلعة - بالكسر - :البضاعة، والجمع: السِّلَع، مثل سِدرة وسِدَر (راجع: مجمع البحرين). (المؤلّف).
2- . وسَطَتك: أي شرفك وسامي منزلتك. (المؤلّف).
3- . هذا يدلّ على أنّها كانت بكراً، ويدلّ على ذلك ما رواه في قرب الإسناد للحميري عن أبي الحسن موسى، في خديجة: هي سيّدة نساء العالمين، وقد خطبها كلّ صنديد ورئيس فأبتهم، فزوّجت نفسها بالذي بلغها من خبر بحيرا. (المؤلّف).
4- . سيرة ابن هشام: ج1 ص201، السيرة الحلبية: ج1 ص138، ونقل ذلك عن المحبّ الطبري، وقد ردّ السيّد العاملي Ñ Ø في الصحيح من السيرة: ج1 ص113- 114 قول ابن هشام: «إنّ الذي خطبها حمزة»، فقد أثبت السيّد العاملي أنّ أبا طالب هو الذي ذهب لخطبة خديجة، وليس حمزة الذي اقتصر عليه ابن هشام في سيرته؛ لأنّ ذلك لا ينسجم مع ما كان لأبي طالب من المكانة والسؤدد في قريش، ولاسيّما إذا لاحظنا أنّ حمزة يكبر النبيّ بسنتين أو بأربع كما قيل، هذا بالإضافة إلى مخالفة ذلك لما يذكره عامّة المؤرِّخين في المقام. وقد اعتذر البعض عن ذلك بأنّ من الممكن أن يكون حمزة قد حضر مع أبي طالب فنُسب ذلك إليه (السيرة الحلبية: ج1 ص139). قال العاملي: وهذا اعتذار واهٍ، إذ لم يُنسب ذلك إلى غير حمزة ممّن حضر مع أبي طالب من بني هاشم وغيرهم من القرشيين. (الشطري).

الإيجاب والقبول، أمرت السيّدة خديجة بشياهٍ وذُبحت، واتّخذت طعاماً، ودعت عمّها عمراً، وبعثت إلى رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)، فأتى ومعه حمزة بن عبد المطّلب وأبو طالب ورؤساء مُضَر، فأكلوا، ثمّ خَطَبَ أبو طالب فقال:

الحمدُ للّه الذي جعلنا من ذُرّية إبراهيم، وزرع(1) إسماعيل وضِئْضِئ(2) مَعَدٍّ وعنصر

مُضَر، وجعلنا حَضَنَةَ بيته وشوكة حرمه، وجعل لنا بيتاً محجُوجاً، وحرماً آمناً، وجعلنا الحُكّام على الناس، ثمّ إنّ ابنَ أخي هذا محمّد بن عبداللّه لايوزَنُ به رجلٌ إلّا رجح، وإن كان في المال قلّ، فالمال ظلٌّ زائل وأمرٌ حائل، ومحمّد ممّن قد عرفتم قرابته، وقد خطب خديجة بنت خويلد، وبذل لها من الصداق ما آجله وعاجله (كذا) من مالي، وهو واللّه بعد هذا له نبأٌ عظيمٌ وخطرٌ جَلَلٌ جسيمٌ(3).

فقال ابن عمّها ورقة بن نوفل: الحمد للّه الذي جعلنا كما ذكرت، وفضّلنا على ما عددت، فنحن سادة العرب وقادتها، وأنتم أهل لذلك كلّه لا ينكر العرب فضلكم، ولا يردّ أحدٌ من الناس فخركم وشرفكم، ورغبتنا في الاتّصال بحبلكم وشرفكم، فاشهدوا عليَّ معاشر قريش إنّي قد زوّجت خديجة بنت خويلد من محمّد بن عبداللّه.

ص: 173


1- . الزرع: الولد. (المؤلّف).
2- . الضِّئْضِئ - كجِرْجِر وجِرْجِير - : الأصل والمعدن، أو كثرة النسل وبركته. (المؤلّف).
3- . وقد ذكر الخطبة بألفاظ مقاربة في الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم: ج1 ص114 نقلاً عن الكافي: ج5 ص374 - 375، بحار الأنوار: ج16 ص14 عنه، وص16 عن كتاب من لا يحضره الفقيه: ص413، وفي ص5 عن شرف المصطفى والكشّاف وربيع الأبرار والإبانة لابن بطة والسيرة للجويني عن الحسن والواقدي وأبي صالح والعتبي، والمناقب: ص42، والسيرة الحلبية: ج1 ص139،و تاريخ اليعقوبي: ج2 ص20، والأوائل لأبي هلال العسكري: ج1 ص162، وغير ذلك. (الشطري).

وذكر المهر، ورغب أبو طالب مصادقة عمّها على هذا، فقال عمرو بن أسد عمّ خديجة: اشهدوا عليَّ معاشر قريش أنّي قد أنكحت محمّد بن عبداللّه خديجة بنت خويلد. فتهلّل وجه أبي طالب فرحاً وقال: الحمد للّه الذي أذهب عنّا الكُرَبَ ودفع عنّا الغمومَ.

وجاء في البحار: ونثر حمزة بن عبد المطّلب دراهم على مَن حضر مجلس الخطبة. وخرجت جوارٍ من الدار فنثرنَ على من حضرن، وأُلقي على الناس طيبٌ لا يعرفون من طيّبهم به، حتّى أنّ الرجل يقول لصاحبه: من أين لك؟ فلا يدري به غير أنّه يقول هذا طيب محمّد. وبعد هذا ظهر الحديث بأنّ الملقي عليهم جبرئيل .

فقال أبو جهل: رأينا الرجال يُمهِرون النساء، ولم نسمع بأنّ النساء يُمهِرن الرجالَ! فصاح به أبو طالب، يالكع الرجال، مثل محمّد يُعطى ويُهدى إليه، ومثلُك يَهدي فلا يُقبلُ!

فقال عبداللّه بن غنم:

هنيئاً مريئاً يا

خديجةُ قد جرى

لكِ الطيرُ فيما كان

منك بأَسْعدِ

تزوّجته خير البريّة

كلّها

ومن

ذا الذي في الناس مثل محمّدِ

وبشّر به البرّان عيسى

بن مريم

وموسى

بن عمران فيا قرب موعدِ

أقرّت به الكتّاب

قِدماً بأنّه

رسولٌ من البطحاء هادٍ

ومهتدِ

ثمّ قالت خديجة لابن عمّها ورقة: أعلن بأنّ جميع ما تحت يدي من مالٍ وعبيدٍ فقد وهبتُه لمحمّد يتصرّف فيه كيف يشاء.

فوقفَ ورقة بين زمزم والمقام، ونادى بأعلى صوته: يا معاشر العربِ، إنّ خديجة تُشهدكم على أنّها وهبت لمحمّد نفسها ومالها وعبيدها، وجميع ما تملكه يمينها، إجلالاً له وإعظاماً لمقامه ورغبةً فيه.

وأنفذت إلى أبي طالب غنماً كثيراً ودنانيراً ودراهم وثياباً وطيباً ليعمل الوليمة، فأقام أبو طالب لأهل مكّة وليمة عظيمة ثلاثة أيّام حضرها الحاضر والبادي، ولمّا تمّ ما صنعته خديجة من معدّات الزواج، أرسلت إلى أبي طالب تُعلمه بذلك وتطلب منه زفاف محمّد.

ص: 174

فخرج النبي(صلی الله علیه و آله) بين أعمامه وعليه ثياب من قباطي مصر، وغلمان بني هاشم بأيديهم الشموع والمصابيح، والناس ينظرون إلى النور الإلهي يسطع إلى عنان السماء من غرّته وجبينه، والعبّاس بن عبد المطّلب بينهم يقول:

يا آلَ فهرٍ وغالبِ

ابشروا بالمواهبِ

وافخروا يا قومنا

بالثنا والرغائبِ

شاع

في الناس فضلكمْ

وعلا في المراتبِ

قد فخرتمْ بأحمدٍ

زينِ كلِّ الأطائبِ

فهوَ كالبدر نورُهُ

مُشرقٌ غيرُ غائبِ

قد ظفرتِ خديجةٌ

بجليلِ المواهبِ

بفتى هاشم الذي

ما له من مُناسبِ

جمع اللّه شملكم

فهو ربُّ المطالبِ

أحمدٌ سيّدُ الورى

خيرُ ماشٍ وراكبِ

فعليه الصلاةُ ما

سار عيسٌ براكبِ

وأُحضرت لديه خديجة، وكانت امرأةً طويلةً عريضةً بيضاءَ، لم يُر في عصرها ألطف منها ولا أحسن، وعلى رأسها تاجٌ مرصّع بالدرّ والجواهر، وفي رجليها خلخالانِ من ذهب فيهما فيروزج، وفي عنقها قلائد من زبرجد وياقوت، فقالت صفيّة بنت عبد المطّلب:

جاء السرورُ مع الفرحْ

ومضى النّحوسُ مع الترحْ

بمحمّدِ

المذكور في

كلّ

المفاوزِ والبطحْ

لو

أنْ يوازنَ أحمدٌ

بالخلقِ

كلّهمُ رجحْ

ولقد

بدا من فضلهِ

لقريشَ

أمرٌ قد وضحْ

تمّ

السعودُ لأحمدٍ

والسعدُ

عنه ما برحْ

بخديجةٍ

بنتِ الكمالِ

وبحرُ

نائلها طفحْ

يا

حسنَها في حليها

ص: 175

والحلمُ

منها ما برحْ

هذا

النبيُّ محمّدٌ

ما في

مدايحه كلحْ

صلّوا

عليه تسعدُوا

واللّهُ

عنكم قد صفحْ

ثمّ أقبلنَ بها(علیها السلام) حتّى أوقفوها بين يدي النبي(صلی الله علیه و آله)، ثمّ بعد ذلك أخذوا التاج ورفعوها من رأسها ووضعوها على رأس النبي(صلی الله علیه و آله)، ثمّ أتوا بالدفوف، وهنّ يضربن لها، وقلن: يا خديجة لقد خُصصتِ هذه الليلة بشيءٍ ما خصّ به غيركِ، ولا ناله لسواكِ من قبائل العرب والعجم، فهنيئاً لكِ بما أوتيتِه، ووصل إليكِ من العزّ والشرف.

إلى أن قال في البحار: وأقبلت بين يديها صفيّة بنت عبد المطّلب(علیها السلام) وهي تقول شعراً:

أخذَ

الشوقُ موثقاتِ الفؤادِ

وألفت

السماء بعدَ الرّقادِ

فليالي

اللقا بنور التداني

مشرقاتٌ

خلافَ طول البعادِ

فُزتِ بالفخر يا خديجةُ إذ نِل-

تِ من المصطفى عظيمَ الودادِ

فغدا شكرُهُ على الناس فرضاً

شاملاً

كلّ حاضرٍ ثمّ بادِ

كبّرَ

الناسُ والملائكُ جمعاً

جبرئيلٌ

لدى السماء يُنادي

فُزتَ

يا أحمدٌ بكلّ الأماني

فنحى

اللّه عنك أهل العنادِ

فعليكَ الصلاةُ ما سرت العِی-

سُ

وحَطّت بثقلها في البلادِ

قال: ثمّ بعد ذلك أجلسوها مع النبيّ، وخرج جميعُ الناس عنها، وبقي عندها في أحسن حالٍ وأرخى بالٍ.

ولم يأخذ عليها أحدٌ من النساء حتّى ماتت، بعدما بُعثَ صلوات اللّه عليه وآله وآمنت به وصدّقته، وانتقلت إلى جنّات عدنٍ في أعلا علّيّين، من قصور الجنّة.

وجاء في مسارّ الشيعة للمفيد: وكان التزويجُ منها في العاشر من ربيع الأوّل، وعمره الشريف خمس وعشرون، ولخديجة أربعون سنة(1).

اعتزال النبي(صلی الله علیه و آله) عنها

ص: 176


1- . مسارّ الشيعة للمفيد: ص65 ط حجرية مع (المجموعة النفيسة). (الشطري).

قال العلّامة الإمام المحدّث الكبير المجلسي(1) : وقيل: بينما النبي(صلی الله علیه و آله) جالسٌ بالأبطح ومعه عمّار بن ياسر والمنذر بن الضحضاح وأبو بكر وعمر وعليّ بن أبي طالب والعبّاس بن عبد المطّلب وحمزة بن عبد المطّلب، إذ هبط جبرئيل في صورته العُظمى، وقد نشر أجنحته حتّى أخذت من المشرق إلى المغرب، فناداه: يا محمّد، العليُّ

الأعلى يُقرءُ عليك السلام، وهو يأمرك أن تعتزل عن خديجة أربعين صباحاً! فشقّ ذلك على النبي(صلی الله علیه و آله)، وكان مُحبّاً لها وبها وامقاً.

قال: فأقام النبي(صلی الله علیه و آله) أربعين يوماً يصوم النهار ويقوم الليل، حتّى إذا كان في آخر(2) أيّامه تلك، بعث إلى خديجة بعمّار بن ياسر، وقال: قل لها: يا خديجة، لا تظنّي أنّ انقطاعي عنك هجرةٌ ولا قلىً(3)، ولكنّ ربّي أمرني بذلك لينفّذ أمره، فلا تظنّي إلّا خيراً، فإنّ اللّه ليُباهي بكِ كرامَ ملائكته كلّ يومٍ، فإذا جنّك الليل فأجيفي الباب(4) وخُذي مضجعك من فِراشك، فإنّي في منزل فاطمة بنت أسد(5).

فجعلت خديجة تحزن في كلّ يوم مراراً لفقد رسول اللّه(صلی الله علیه و آله).

فلمّا كان في كمال الأربعين هبط جبرئيل فقال: يا محمّد، العليّ الأعلى يُقرئك السلامَ وهو يأمرك أن تتأهّب لتحيّته وتحفته. قال النبي(صلی الله علیه و آله): يا جبرئيل، وما تحفة ربّ العالمين وما تحيّته؟ قال: لا علم لي.

ص: 177


1- . بحار الأنوار: ج6 ص116. (المؤلّف).
2- . في نسخة: «في أواخر». (المؤلّف)
3- . القلى: بالكسر والقصر والفتح: البغض. (المؤلّف).
4- . قال الجوهري: أجَفتُ الباب: رددته. (المؤلّف).
5- . جاء في ص22 من كتاب بطلة كربلاء للدكتورة بنت الشاطئ: فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، زوجة أبي طالب عمّ الرسول، وأوّل هاشميّة تزوّجت هاشميّاً، وولدت له، أدركت النبيّ فأسلمت وحسن إسلامها، وأوصت إليه حين حضرتها الوفاة، فقبل وصيّتها وصلّى عليها، ونزل في لحدها واضطجع معها فيه، وأحسن الثناء عليها، ذكر ابن سعد في طبقاته وابن هشام في السيرة وأبو الفرج الأصبهاني في مقاتل الطالبيّين عن ابن عبّاس أنّه قال: لمّا ماتت فاطمة أُمّ عليّ بن أبي طالب ، ألبسها رسول اللّه قميصه واضطجع معها في قبرها، فقال له أصحابه: يارسول اللّه، ما رأيناك صنعتَ بأحدٍ ما صنعت بهذه المرأة، فقال: لأنّه لم يكن أحدٌ بعد أبي طالب أبرّ بي منها، إنّي إنّما ألبستها قميصي لتُكسى من حُلل الجنّة، واضطجعت معها في قبرها ليهوّن عليها. (المؤلّف).

فبينا النبي(صلی الله علیه و آله) كذلك إذ هبط ميكائيل ومعه طبقٌ مغطىً بمنديلٍ سندسٍ (أو قال: استبرق. الترديد من الراوي) فوضعه بين يدي النبي(صلی الله علیه و آله)، وأقبل جبرئيل على النبي(صلی الله علیه و آله) وقال: يا محمّد، يأمرك ربّك أن تجعل الليلة إفطارك على هذا الطعام.

فقال عليّ بن أبي طالب : كان النبي(صلی الله علیه و آله) إذا أراد أن يفطر أمرني أن أفتح الباب لمن يريد الإفطار، فلمّا كان في تلك الليلة أقعدني النبي(صلی الله علیه و آله) على باب المنزل وقال: يابن أبي طالب، إنّه طعامٌ محرّم إلّا عَلَيَّ.

فقال عليّ : جلستُ على الباب، وخلا النبي(صلی الله علیه و آله) بالطعام، وكشف الطبق، فإذا عِذق من رطب، وعنقود من عنب، فأكل النبي(صلی الله علیه و آله) منه شبعاً، وشرب من الماء ريّاً، ومدّ يده للغسل، فأفاض الماء عليه جبرئيل ، وغسل يده ميكائيل ، وتمندله إسرافيل ، فارتفع فاضلُ الطعام مع الإناء إلى السماء.

ثمّ قام النبي(صلی الله علیه و آله) ليصلّي، فأقبل عليه جبرئيل فقال: الصلاة محرّمة عليك في وقتك حتّى تأتي إلى منزل خديجة فتواقعها، فإنّ اللّه ألى على نفسه أن يخلق من صلبك في هذه الليلة ذرّيةً طيّبةً. فوثب رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) إلى منزل خديجة.

قالت خديجة رضوان اللّه عليها: وكنتُ قد ألفتُ الوحدة، فكان إذا جنّني الليل غطّيت رأسي وأسجفت(1) ستري، وغلّقت بابي، وصلّيت وردي، وأطفأت مصباحي، وأويت إلى فراشي، فلمّا كان في تلك الليلة لم أكن بالنائمة ولا بالمنتبهة، إذ جاء النبي(صلی الله علیه و آله) فقرع الباب، فناديتُ: مَن هذا الّذي قرع حَلقة لا يقرعها إلّا محمّد(صلی الله علیه و آله)؟ قالت خديجة: فناديت النبي(صلی الله علیه و آله)، فنادى النبي(صلی الله علیه و آله) بعذوبة كلامه وحلاوة منطقه: افتحي يا خديجة، فإنّي محمّد(صلی الله علیه و آله).

قالت خديجة: فقمتُ فرحةً مستبشرة بالنبي(صلی الله علیه و آله)، وفتحتُ الباب ودخل النبي(صلی الله علیه و آله)، وكان إذا دخل المنزلَ دعا بالإناء فتطهّر للصلاة، ثمّ يصلّي ركعتين يُوجز فيهما، ثمّ يأوي إلى فراشه، فلمّا كان في تلك الليلة لم يدع بالإناء ولم يتأهّب للصلاة، غير أنّه أخذ

ص: 178


1- . قال الجوهري: أسجَفتُ الستر: أي أرسلته. (المؤلّف).

بعضدي وأقعدني على فراشه، وداعبني ومازحني، وكان بيني وبينه ما يكون بين المرأة وبعلها، فوالذي سَمَكَ السماء وأنبع الماء، ما تباعد عنّي النبي(صلی الله علیه و آله) حتّى حسست بثقل فاطمة: في بطني.

أقول: قال العلّامة الثبت المحدّث القمّي(1): اعتزال النبي(صلی الله علیه و آله) عن خديجة(علیها السلام) أربعين يوماً كان للتأهّب لتحيّة ربّ العالمين وتُحفته، والمراد فاطمة:.

كما أُشير إلى ذلك في زيارتها: «وصلِّ على البتولة الطاهرة - إلى قوله - فاطمة بنت رسولك، وبضعة لحمه وصميم قلبه، وفلذّة كبده، والتحيّة منك له والتحفة».

وفي هذا الاعتزال دليل على جلالة فاطمة سيّدة النسوان بما لا يُطيق التحرير بيانه، ولعلّ التخصيص بالرطب والعنب لكثرة بركتهما وما يتولّد منهما من المنافع، فإنّه ليس في الأشجار ما يبلغ نفعُهُ نفعهما، مع أنّهما خُلقتا من فضلة طينة آدم .

ولا يبعد أن يكون في ذلك إشارة إلى كثرة نفع هذه النسلة الطاهرة المباركة، وكثرة ذرّيتها وبركاتها، كما قد نومئ إليه إن شاء اللّه تعالى في محلّه.

وأمّا قول جبرئيل للنبي(صلی الله علیه و آله): «الصلاة محرّمةٌ عليك في وقتك»، فالظاهر أنّها الصلاة النافلة دون الفريضة، فإنّه كان يقدّمها على الإفطار، واللّه أعلم بحقيقة الأحوال. انتهى كلامه(2).

أولادها من رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)

ذكر أيضاً العلّامة المجلسي(3)، عن جعفر، عن أبيه ، قال: وُلد لرسول اللّه(صلی الله علیه و آله) من خديجة: القاسم، والطاهر، وأُمّ كلثوم، ورقيّة، وفاطمة، وزينب(4).

ص: 179


1- . بيت الأحزان: ص21. (المؤلّف).
2- . بحار الأنوار: ج16 ص78. وقال السيّد القزويني في فاطمة من المهد إلى اللحد: ذكر هذا الحديث من علماء العامّة - بتغيير يسير - كلّ من: 1. الخوارزمي في مقتل الحسين. 2. الذهبي في ميزان الاعتدال: ج2 ص26. 3. تلخيص المستدرك: ج3 ص156. 4. لسان الميزان للعسقلاني: ج4 ص36. (الشطري).
3- . بحار الأنوار: ج6 ص911 نقلاً عن قرب الإسناد للحميري. (المؤلّف).
4- . عدّة رسائل للشيخ المفيد: ص229، والمسائل السروية، المسألة العاشرة. قال السيّد كاظم القزويني في فاطمة من المهد إلى اللحد (ص31): أنجبت خديجة أولاداً ماتوا كلّهم صغاراً، وأنجبت أربع بنات: زينب، وأُمّ كلثوم، ورقيّة، وفاطمة، وكانت فاطمة أصغرهنّ سنّاً وأجلّهنّ شأناً وأعظمهنّ قدراً. ثمّ قال: وفي الأُوليين اختلاف، فقيل: إنّهما ليستا من بنات رسول اللّه ، والصحيح أنّهما من بناته وصلبه. وقد ردّ على هذا القول السيّد العاملي في كتابه بنات النبيّ أم ربائبه؟. (الشطري).

فتزوّج عليّ فاطمة، وتزّوج أبو العاص بن الربيع - وهو من بني أُميّة - زينب، وتزوّج عثمان بن عفّان أُمّ كلثوم، ولم يدخل عليها حتّى هلكت، وزوّجه رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) مكانها رقيّة.

ثمّ وُلد لرسول اللّه(صلی الله علیه و آله) من أُمّ إبراهيم: إبراهيم، وهي مارية القبطيّة، أهداها إليه صاحب الإسكندرية مع البغلة الشهباء وأشياء معها.

وقال المسعودي(1): وُلد له من خديجة: القاسم، وبه يُكنّى(2)، وكان أكبر بنيه سنّاً، ورقيّة، وزينب، وأُمّ كلثوم.

ووُلد له بعدما بُعث: عبداللّه، وهو الطيّب، والطاهر، سُمّي بثلاثة أسماء؛ لأنّه وُلد في الإسلام، وفاطمة، وإبراهيم بعد مبعثه.

أقول: وكلّهم وُلدوا بمكّة من خديجة، إلّا إبراهيم فوُلد بالمدينة، وأُمّه مارية، فيكون مجموع أولاده سبعة: ثلاثة ذُكور، وأربع إِناث. سنذكر تراجمهم إن شاء اللّه، فنقول:

وأمّا القاسم

فمات بمكّة وعمره سنتان، وقيل: أقلّ، وقيل: أكثر، وهو أوّل ميّتٍ مات من وُلده.

عن فاطمة بنت الحسين، عن أبيها، قال: لمّا توفّي القاسمُ ابن رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)، قالت خديجة: يا رسول اللّه، دَرّ لَبَنِيَه للقاسم، فلو كان اللّهُ أبقاه حتّى يستكمل رضاعه! فقال: إنّ تمام رضاعه في الجنّة، قالت: لو أعلم ذلك يا رسول اللّه لهوّنَ عليَّ أمره. فقال رسول اللّه(صلی الله علیه و آله): إذا شئتِ فأسمعك صوتَه، قالت: يا رسول اللّه، حسبي، صدق اللّهُ ورسولُه(3).

وأمّا عبدُ اللّه

ص: 180


1- . مروج الذهب: ص408 ط مصر. (المؤلّف).
2- . جاء في السيرة الحلبية: ج3 ص418: وكنّى به ، فقد جاء أنّ جبرئيل قال له: السلام عليك يا أبا إبراهيم، إنّ اللّه قد وهب إليك غلاماً من أُمّ ولدك مارية، وأمرك أن تسمّيه إبراهيم، فبارك اللّه فيه وجعله قرّة عين لك في الدُّنيا والآخرة. (المؤلّف).
3- . ينابيع المودّة للقندوزي نقلاً عن سنن ابن ماجة (المؤلّف).

فمات أيضاً بمكّة صغيراً، وكان يُسمّى: «الطيّب والطاهر». وقيل: الطيّب والطاهر غير عبداللّه.

عن جابر عن أبي جعفر ، قال: توفّي الطاهر ابن رسول اللّه(صلی الله علیه و آل

ه)، فنهى رسول اللّه خديجة عن البكاء، فقالت: بلى يا رسول اللّه، ولكن دَرّت عليه الدريرةُ فبكيتُ، فقال لها: أما ترضين أن تجديه قائماً على باب الجنّة، فإذا رآكِ أخذ بيدكِ فأدخلكِ الجنّة، أطهرنا مكاناً وأطيبنا؟ قالت: وإنّ ذلك كذلك، قال: فإنّ اللّه أكرمُ من أن يسلب عبداً ثمرة فؤاده، فيصبر ويحتسب ويحمد اللّه ، ثمّ يعذّبه(1).

وأمّا إبراهيم

فأُمّه مارية القبطيّة، ولد في ذي الحجّة سنة ثمانٍ من الهجرة، ومات سنة عشرٍ، وعمره إذ ذاك سنة وعشرة أشهر، وقيل: سنة وستّة أشهر، ودُفن بالبقيع.

عن ابن عبّاس قال: كنتُ عند النبي(صلی الله علیه و آله) وعلى فخذه الأيسر ابنه

إبراهيم، وعلى فخذه الأيمن الحسين بن عليّ وهو تارةً يقبّل هذا، وتارةً يقبّل هذا، إذ هبط جبرئيل بوحيٍ من ربّ العالمين، فلمّا سُرِّيَ عنه قال: أتاني جبرئيل من ربّي فقال: يا محمّد، إنّ ربّك يقرءُ عليك السلام ويقول: لستُ أجمعهما، فافدِ أحدهما لصاحبه.

فنظر النبي(صلی الله علیه و آله) إلى إبراهيم فبكى، ونظر إلى الحسين فبكى، وقال: إنّ إبراهيم أُمّه أمةٌ ومتى مات لم يحزن عليه غيري، وأُمّ الحسين فاطمةٌ، وأبوه عليّ ابن عمّي لحمي ودمي، ومتى مات حزنتْ ابنتي وحزن ابن عمّي وحزنتُ أنا عليه، وأنا أوثر حزني على حزنهما، يا جبرئيل، يُقبض إبراهيم، فديتهُ للحسين.

قال: فقُبض بعد ثلاث.

فكان النبي(صلی الله علیه و آله) إذا رأى الحسين مُقبلاً، قبّله وضمّه إلى صدره ورشف ثناياه، وقال: فديتُ من فَديتُه(2).

ص: 181


1- . بحار الأنوار: ج2 نقلاً عن الكافي. (المؤلّف).
2- . بحار الأنوار: ج6 ص918 نقلاً عن المناقب لابن شهرآشوب. (المؤلّف).

وعن الحسين بن خالد قال: سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر يقول: لمّا قُبض إبراهيم ابن رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)، جرت في موته ثلاث سنن، أمّا واحدة: فإنّه لمّا قُبض انكسفت الشمس، فقال الناس: إنّما انكسفت الشمس لموت ابن رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)، فصعد رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) المنبر، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّ قال: أيّها الناس، إنّ الشمس والقمر آيتان من آيات اللّه يجريان بأمره مطيعان له، لا ينكسفان لموت أحد ولحياته، فإذا انكسفا أو أحدهما صلّوا.

ثمّ نزل من المنبر فصلّى بالناس الكسوف، فلمّا سلّم قال: يا عليّ، قم فجهّز ابني.

قال: فقام عليّ فغسّل إبراهيم وكفّنه وحنّطه. ومضى رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) حتّى أتى إلى قبره، فقال الناس: إنّ رسول اللّه نسي أن يُصلّي على ابنه لِما دخله من الجزع، فانتصب قائماً ثمّ قال: إنّ جبرئيل أتاني وأخبرني بما قُلتم، زعمتم أنّي نسيت أن أصلّي على ابني لما دخلني من الجزع، ألا وإنّه ليس كما ظننتم، ولكنّ اللطيف الخبير فرضَ عليكم

خمس صلوات، وجعل لموتاكم من كلّ صلاةٍ تكبيرةً، وأمرني أن لا أصلّي إلّا على مَن صلّى.

ثمّ قال: يا عليّ، انزل وألحِد ابني. فنزل عليّ فألحد إبراهيم في لحده. فقال الناس: إنّه لا ينبغي لأحد أن ينزل في قبر ولده؛ إذ لم يفعل رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) بابنه، فقال رسول اللّه(صلی الله علیه و آله): إنّه ليس عليكم بحرام أن تنزلوا في قبور أولادكم، ولكن لست آمن إذا حلّ أحدكم الكفن عن ولده أن يلعب به الشيطان، فيدخله من ذلك من الجزع ما يحبط أجره. ثمّ انصرف(1).

وأمّا زينب

فكانت ولادتها سنة ثلاثين من مولده. فتزوّجها أبو العاص(2) ابن الربيع، واسمه مقسم بن

ص: 182


1- . بحار الأنوار: ج6 ص705 عن المحاسن للبرقي. (المؤلّف).
2- . جاء في الكنى والألقاب للقمّي (ج1 ص110): أبو العاص هو ابن الربيع القرشي، اسمه لقيط أو مهشم أو هشيم، زوج زينب بنت النبيّ ، أُمّه هالة بنت خويلد أُخت خديجة(علیها السلام) ، وكان من أكثر رجال مكّة مالاً وأمانة وتجارة، والخبر في حسن مصاهرته في أيّام الشِّعب مشهور، وقصّة أسره ببدر وفدائه في الكتب مسطورة، توفّي سنة 12ه . (المؤلّف).

عبد العزّى بن عبد شمس، وهو ابن خالتها هالة بنت خويلد أُخت خديجة، ولدت منه ولداً سمّاه عليّاً، فتوفّي وهو صغير.

وقال ابن هشام: تزوّج أبو العاص زينبَ وهو مشركٌ، وأُسر يوم بدر، فمنّ عليه رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) على أن يجهّز إليه زينب، فجهّزها إليه.

فلمّا خرجت من مكّة لحقها هبّار بن الأسود فطعنَ بعيرها، فخرعها فأسقطت، وردّها وبقيت عند هند بنت زمعة.

وبعث رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) زيد بن حارثة، فتلطّف لها حتّى ورد بها المدينة، ففرح بها رسول اللّه(صلی الله علیه و آله).

قال الواقدي: وذلك بعد غزاة حنين، وليس بصحيح، وإنّما هو عقيب غزاة بدر. ثمّ قدم زوجها أبو العاص على رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) فاستجار بزينب فأجارته. فأمضى رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) ذاك، وردّ زينب عليه رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) بالنكاح الأوّل، وقيل: إنّها ردّها بنكاح جديد، وقيل: إنّما أسلم قبل انقضاء عدّتها، وقيل: كان هذا ثمّ فسخ؛ يعني النكاح الأوّل.

وكان لأبي العاص من زينب ابنةٌ يقال لها أُمامة، تزوّجها المغيرة بن نوفل، وفارقها، فتزوّجها عليّ بعد موت فاطمة، وقيل: إنّما تزوّجها بوصيّة فاطمة:. وهذه أُمامة هي التي كان رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) يحملها على كتفه وهي طفلة حتّى في الصلاة، فإذا سجد وضعها على الأرض، وإذا قام علا فحملها. وتوفّيت زينبٌ سنة ثمان من الهجرة(1).

وأمّا رقيّة

فولدت ولرسول اللّه(صلی الله علیه و آله) ثلاث وثلاثون سنة، فكان رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) زوّجها عُتبة بن أبي لهب، وزوّج أُمّ كلثوم عُتيبة بن أبي لهب، فلمّا نصَب أبو لهب العداوة لرسول اللّه(صلی الله علیه و آله) أمر ابنيه عُتبة وعُتيبة بطلاقهما، فطلّقاهما قبل الدخول، فتزّوجها عثمان، تزوّج في الجاهلية رقية أوّلاً، فولدت له عبداللّه وهاجرت معه إلى الحبشة، ثمّ عادت معه إلى المدينة، وتوفّيت

ص: 183


1- . تذكرة الخواصّ لابن الجوزي: ص210. (المؤلّف).

سنة اثنتين من الهجرة والنبي(صلی الله علیه و آله) ببدر، وكان لها من عثمان بن عفّان: عبداللّه، نقره ديك في عينه، فمات سنة أربع من الهجرة وله ستّ سنين(1).

عن أبي بصير قال: قلتُ لأبي عبداللّه : أيفلتُ من ضغطة القبر أحد؟ قال: فقال:

نعوذ باللّه منها، ما أقلّ من يُفلت من ضغطة القبر، إنّ رقيّة لمّا قتلها عثمان، وقف رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) على قبرها، فرفع رأسه إلى السماء فدمعت عيناه، وقال للناس: إنّي ذكرتُ هذه وما لقيت، فوقفتُ لها واستوهبتُها من ضمّة القبر.

قال: فقال: اللّهمّ هَب لي رقيّة من ضمّة القبر، فوهبها اللّه له.

قال: وإنّ رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) خرج في جنازة سعد، وقد شيّعه سبعون ألف مَلَك، فرفع رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) رأسه إلى السماء ثمّ قال: مثل سعد يُضمّ؟

قال: جُعلت فداك، إنّا نحدّث أنّه كان يستخفّ بالبول! فقال: معاذ اللّه، إنّما كان من زعارة في خُلُقه على أهله.

قال: فقالت أُمّ سعد: هنيئاً لك يا سعدُ، قال: فقال لها رسول اللّه(صلی الله علیه و آله): يا أُمّ سعدٍ، لا تحتّمي على اللّه(2).

عن يزيد بن خليفة قال: سأل عيسى بن عبداللّه أبا عبداللّه وأنا حاضر، فقال: تخرج النساء إلى الجنازة؟ وكان متّكئاً فاستوى جالساً، ثمّ قال: إنّ الفاسقَ عليه لعنة اللّه آوى عمّه المغيرة بن أبي العاص، وكان ممّن هدر رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) دمه، فقال لابنة رسول اللّه(صلی الله علیه و آله): لا تُخبِري أباك بمكانه، كأنّه لا يوقنُ أنّ الوحي يأتي محمّداً، فقالت: ما كنتُ لأكتمُ رسولَ اللّه(صلی الله علیه و آله) عدوّه.

فجعله بين مشجبٍ له ولحفه بقطيفة، فأتى رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) الوحيُ، فأخبره بمكانه، فبعث إليه عليّاً وقال: اشتمل على سيفك، وائت بيت ابنة ابن عمّك، فإن ظفرتَ بالمغيرة فاقتله.

ص: 184


1- . تذكرة الخواصّ. (المؤلّف).
2- . بحار الأنوار: ج6 ص707 نقلاً عن الكافي. (المؤلّف).

فأتى البيتَ، فجالَ فيه فلم يظفر به، فرجع إلى رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) فأخبره فقال: يا رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)، لم أره، فقال: إنّ الوحيَ أتاني فأخبرني

أنّه في المشجب. ودخل عثمان بعد خروج عليّ ، فلمّا رآه أكبَّ ولم يلتفت إليه، وكان النبي(صلی الله علیه و آله) حنيناً كريماً فقال: يا رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) هذا عمّي، هذا المغيرة بن أبي العاص، وقد - والذي بعثك بالحقّ - أمّنته. وكذب، فأعادها ثلاثاً، يأتيه عن يمينه، وعن يساره، فلمّا كان في الرابعة رفع رأسه إليه، فقال: قد جعلتُ لك ثلاثاً، فإن قدرتُ عليه بعد ثالثة قتلتُه.

فلمّا أدبرَ قال رسول اللّه(صلی الله علیه و آله): اللّهمّ العن المغيرةَ بن أبي العاص، والعن من يأويه، والعن من يحمله، والعن من يطعمه، والعن من يسقيه، والعن من يجهّزه، والعن من يعطيه سقاء أو خداعاً أو رشاء أو وعاء. وهو يعدّهنّ بيمينه.

وانطلق به عثمانُ، فآواه وأطعمه وسقاه وحمله وجهّزه، حتّى فعل جميع ما لعن عليه النبي(صلی الله علیه و آله) من يفعله به، ثمّ أخرجه في اليوم الرابع يسوقه، فلم يخرج من أبيات المدينة حتّى أعطب اللّه راحلته ونقب خداعه وورمت قدماه، فاستعان بيده وركبتيه، وأثقله جهازه، حتّى وجس(1)، فأتى سمرة(2) فاستظلّ بها، لو أتاها بعضكم ما أبهره ذلك، فأتى رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) الوحي فأخبره بذلك.

فدعا عليّاً فقال: خُذ سيفك فانطلق أنت وعمّار وثالث لهما، فأت المغيرة ابن أبي العاص تحت شجرة كذا وكذا. فأتاه عليّ فقتَله.

فضربَ عثمان بنتَ رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) وقال: أنتِ أخبرتِ أباك بمكانِهِ؛ فبعثت إلى رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) تشكو ما لقيت، فأرسل إليها رسول اللّه(صلی الله علیه و آله): أقني(3) حياك، ما أقبح بالمرأة ذات حَسَبٍ ودين في كلّ يوم تشكو زوجها(4).

ص: 185


1- . أي فزع. (المؤلّف).
2- . شجر معروف. (المؤلّف).
3- . أو احفظي. (المؤلّف).
4- . قارن هذا بما رواه الكليني في الكافي: ج1 ص70، وانظر منتخب الأنوار لابن همّام، المطبوع مع تاريخ أهل البيت:، تحقيق السيّد الجلالي،الطبعة الثانية قم 1423ه .

فأرسلت إليه مرّاتٍ، كلّ ذلك يقول لها ذلك، فلمّا كان في الرابعة دعا عليّاً وقال: خُذ سيفك واشتمل عليه ثمّ أئتِ بنت ابن عمّك، فخذ بيدها، فإن حال بينك وبينها أحد فاحطمه بالسيف.

وأقبل رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) كالوالِهِ من منزله إلى دار عثمان، فأخرج عليّ ابنة رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)، فلمّا نظرت إليه رفعت صوتها بالبكاء، واستعبرَ رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) وبكى، ثمّ أدخلها منزلَه، وكشفت عن ظهرها، فلمّا أن رأى ما بظهرها قال - ثلاث مرّات - : ما لهُ؟ قتلكِ، قتلهُ اللّهُ! وكان ذلك يوم الأحد، وبات عثمان ملتحفاً بجاريتها. فمكثت الاثنين والثلاثاء، وماتت في اليوم الرابع.

فلمّا حضر أن يخرج بها، أمر رسولُ اللّه(صلی الله علیه و آله) فاطمة: فخرجت ونساء المؤمنين معها، وخرج عثمان يشيّع جنازتها، فلمّا نظر إليه النبي(صلی الله علیه و آله) قال: من أطاف البارحة بأهله أو بفتاته فلا يتّبعن جنازتها. قال ذلك ثلاثاً، فلم ينصرف، فلمّا كان في الرابعة، قال: لينصرفنّ أو لأسمّينّ باسمه.

فأقبل عثمان متوكّئاً على مولىً له ممسكاً ببطنه، فقال: يا رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)، إنّي أشتكي بطني، فإن رأيت أن تأذنَ لي أن أنصرف! قال: انصرف.

وخرجت فاطمة ونساء المؤمنين والمهاجرين فصلّينَ على الجنازة(1).

وأمّا أُمّ كلثوم:

فتزوّجها أيضاً عثمان بعد أُختها رقيّة، وتوفّيت عنده سنة سبع من الهجرة، وكان تزويجها من عثمان سنة ثلاث من الهجرة.

وأمّا فاطمة::

قال ابن شهرآشوب(2): وُلدت فاطمة بمكّة بعد النبوّة، بخمس سنين، وبعد الإسراء

ص: 186


1- . الصدف المشحون: ج2 ص165 عن الكافي. (المؤلّف). وانظر الكافي: ج1 ص70، والاحتجاج للطبرسي: ج1 ص94، وبحار الأنوار: ج22 ص162.
2- . المناقب: ج4 ص22. (المؤلّف).

بثلاث سنين، في العشرين من جمادى الآخِرة، وأقامت مع أبيها ثماني سنين، ثمّ هاجرت معه إلى المدينة، وتزوّجها عليّ بعد مقدمها المدينة بسنتين، أوّل يوم من ذي الحجّة(1).

وعن حبيب السجستاني، قال: سمعتُ أبا جعفر يقول: وُلدت فاطمة بنت محمّد(صلی الله علیه و آله) بعد مبعث رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) بخمس سنين، وتوفّيت ولها ثمانية عشر سنة وخمسة وسبعون يوماً(2).

أقول: ذكر العلّامة الأمين(3)،(4): إنّ أكثر العامّة تروي أنّ مولدها قبل المبعث بخمس سنين، ولعلّ وقع اشتباه من الرواة بين كلمتي قبل وبعد، فتبدّلت إحداهما بالأُخرى(5).

وعن المفضّل بن عمر، قال: قلت لأبي عبداللّه الصادق : كيف كان ولادة فاطمة:؟ فقال: نعم، إنّ خديجة: لمّا تزوّج بها رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) هجرتها نسوان مكّة، فلم يدخلن عليها ولا يسلّمن عليها، ولا يتركن امرأة تدخل عليها، فاستوحشت خديجة لذلك، وكان جزعها وغمّها حذراً عليه، فلمّا حملت بفاطمة:، كانت فاطمة تُحدّثها من بطنها، وتصبّرها، وكانت تكتم ذلك من رسول اللّه(صلی الله علیه و آله).

فدخل رسول اللّه يوماً فسمع خديجة تحدّث فاطمة، فقال: يا خديجة! مَن تحدِّثين؟

قالت: الجنين الذي في بطني يحدّثني ويؤنسني(6).

ص: 187


1- . مسارّ الشيعة: ص53 ضمن مجموعة نفيسة ط حجرية. (الشطري).
2- . الكافي : ج1 ص380. (المؤلّف). وراجع: تاريخ أهل البيت:: ص90، تحقيق السيّد الجلالي، الطبعة الثانية قم 1423ه .
3- . هو العلّامة الكبير آية اللّه الحاج السيّد محسن الأمين العاملي، ولد بقرية شقراء إحدى قرى جبل عامل، في حدود سنة 1282ه ، وتوفّي سنة 1371 في شهر رجب. (المؤلّف).
4- . المجالس السنية: ج5 ص41. (المؤلّف).
5- . لاحظ حول هذا الاختلاف: تاريخ أهل البيت:: هامش ص90، تحقيق السيّد الجلالي، الطبعة الثانية قم 1423ه .
6- . من جملة مزايا فاطمة أنّها كانت تعلّم أُمّها وهي في بطنها، ولم يتفرّد بذلك الشيعة بذكر هذه الفضيلة، بل شاركهم عدد كثير من علماء العامّة ومحدِّثيهم، منهم: الصفوري الشافعي في نزهة المجالس: ج2 ص227، الدهلوي في تجهيز الجيوش عن كتاب مدح الخلفاء الراشدين، شعيب المصري في الروض الفائق: ص214 (فاطمة من المهد إلى اللحد: ص40). (الشطري).

قال: يا خديجة، إنّ جبرئيل يخبرني أنّها أُنثى، وأنّها النسلة الطاهرة الميمونة، وأنّ اللّه تبارك وتعالى سيجعل نسلي منها، وسيجعل من نسلها الأئمّة، ويجعلهم خلفاء في أرضه بعد انقضاء وحيه.

فلم تزل خديجة على ذلك إلى أن حضرت ولادتها، فوجّهت إلى نساء قريش وبني هاشم أن تعالين لتلينَ مِنّي ما تلي النساءُ من النساء.

فأرسلنَ إليها: أنتِ عصيتِنا ولم تقبلي قولنا، وتزوّجتِ محمّداً يتيم أبي طالب فقيراً لا مال له، فلسنا نجيء ولا نلي من أمرك شيئاً.

فاغتمّت خديجة لذلك، إذ دخل عليها أربع نسوة سمر طوال، كأنّهنّ من بني هاشم، ففزعت لذلك لمّا رأتهنّ، فقالت إحداهنّ: لا تحزني يا خديجة، فإنّا رُسل ربّك إليك، ونحن أخواتك؛ أنا سارة، وهذه آسية بنت مزاحم، وهي رفيقتك في الجنّة، وهذه مريم بنت عمران، وهذه كلثم أُخت موسى بن عمران، بعثنا اللّه إليك لنلي منك ما تلي النساء. فجلست واحدة عن يمينها وأُخرى عن يسارها، والثالثة بين يديها، والرابعة من خلفها، فوضعت فاطمة: طاهرةً مطهّرةً.

فلمّا سقطت إلى الأرض أشرق منها النور حتّى دخل بيوتات مكّة، ولم يبق في شرق الأرض وغربها موضع إلّا أشرق فيه ذلك النور.

ودخل عشر من الحور العين كلّ واحدةٍ منهنّ معها طَستٌ من الجنّة وإبريق من الجنّة، وفي الإبريق ماءٌ من الكوثر.

فناولتها المرأة التي كانت بين يديها فغسلتها بماء الكوثر، وأخرجت خرقتين

بيضاوَينِ أشدّ بياضاً من اللبن وأطيب ريحاً من المسك والعنبر، فلفّتها بواحدةٍ وقنّعتها بالثانية، ثمّ استنطقتها فنطقت فاطمةٌ بالشهادتين وقالت: «أشهد أن لا إله إلّا اللّه، وأنّ أبي رسول اللّه سيّد الأنبياء، وأنّ بعلي سيّد الأوصياء، وولدي سادات الأسباط». ثمّ سلّمت عليهنّ، وسمّت كلّ واحدة باسمها، وأقبلن يضحكن إليها، وتباشرت الحور العين، وبشّر أهل السماء بعضهم بعضاً بولادة فاطمة:، وحدث في السماء نورٌ ظاهرٌ لم تره الملائكة قبل ذلك، وقالت النسوة: خذيها يا خديجة طاهرةٌ مطهّرةً زكيّةً ميمونةً، بُورك فيها وفي

ص: 188

نسلها. فتناولتها فرحةً مستبشرةً، وألقمتها ثديها، فَدَرَّ عليها، فكانت تنمو في اليوم كما ينمو الصبيّ في الشهر، وكانت تنمو في الشهر كما ينمو الصبيّ في السنة(1).(2)

وأمّا فضائلها:

جاء في بيت الأحزان(3): كانت فاطمة: من أهل العباء والمباهلة والمهاجرة في أصعب وقت، وكانت فيمن نزلت فيهم آية التطهير، وافتخر جبرئيل بكونه منهم، وشهد اللّه لهم بالصدق، ولها أُمومة الأئمّة:، وعقب الرسول إلى يوم القيامة، وهي سيّدة نساء العالمين من الأوّلين والآخرين.

وكانت أشبه الناس كلاماً وحديثاً برسول اللّه(صلی الله علیه و آله)، تحكي شيمتها شيمته، وما تخرم مشيتها مشيته. وكانت إذا دخل عليها رحّب بها، وقبّل يديها وأجلسها في مجلسه(4).

وكان النبي(صلی الله علیه و آله) يُكثر تقبيلها، وكلّما اشتاق إلى رائحة الجنّة يشمّ رائحتها، وكان يقول: «فاطمة بضعة منّي، مَن سرّها فقد سرّني، ومن ساءها فقد ساءني»، «فاطمة أعزّ الناس إلَيَّ»، إلى غير ذلك، ممّا يكشف به عن كثرة محبّته لها، كندائه إيّاها بيا حبيبة أبيها، كما روى الطبري الإمامي(5) عن جعفر بن محمّد عن آبائهم: عن فاطمة:، قالت: قال رسول اللّه(صلی الله علیه و آله): «يا حبيبة أبيها، كلّ مسكرٍ حرامٌ، وكلّ مسكرٍ خمرٌ».

وليعلم أنّه قد حُقّق في محلّه أنّ محبّة المقرّبين لأولادهم وأقربائهم وأحبّائهم ليست من جهة الدواعي النفسانية والشهوات البشرية، بل تجرّدوا عن جميع ذلك

ص: 189


1- . الأمالي للصدوق: ص353، مجلس 87 ط طهران. (المؤلّف).
2- . بحار الأنوار: ج43 ص2. وقد ذكر السيّد كاظم القزويني أنّه روى ذلك الطبري في ذخائر العقبى والصفوري الشافعي في نزهة المجالس والقندوزي في ينابيع المودّة (فاطمة من المهد إلى اللحد: ص43). (الشطري).
3- . بيت الأحزان: ص8. (المؤلّف).
4- . فاطمة من المهد إلى اللحد: ص187 نقلاً عن مقتل الحسين للخوارزمي: ص66، مستدرك الصحيحين للحاكم النيسابوري: ج3 ص165، ذخائر العقبى: ص36، وسيلة المآل للحضرمي: ص79. (الشطري، الشيخ أبو عمّار العبودي).
5- . في دلائل الإمامة. (المؤلّف).

وأخلصوا حبّهم وإرادتهم للّه، فهم ما يحبّون سوى اللّه تعالى، وحبّهم لغيره تعالى إنّما يرجع إلى حبّهم له، ولذا لم يحبّ يعقوب من سائر أولاده مثل ما أحبّ يوسف ، وهم لجهلهم بسبب حبّه له نسبوه إلى الضلال، وقالوا: نحن عصبة، ونحن أحقّ بأن نكون محبوبين له؛ لأنّا أقوياء على تمشية ما يريده من أُمور الدُّنيا، ففرط حبّه ليوسف إنّما كان لحبّ اللّه تعالى له واصطفائه إيّاه، ومحبوب المحبوب محبوب. انتهى كلامه.

عن أبي عبداللّه جعفر بن محمّد ، قال: قال جابر لأبي جعفر : جُعلت فداك يابن رسول اللّه، حدّثني بحديثٍ في فضل جدّتك فاطمة: إذا أنا حدّثت به الشيعة فرحوا بذلك.

قال أبو جعفر: حدّثني أبي عن جدّي عن رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)، قال: إذا كان يوم القيامة نُصب للأنبياء والرسل منابر من نور، فيكون منبري أعلى منابرهم يوم القيامة، ثمّ يقول: يا محمّد، اخطب، فأخطب خُطبة لم يسمع أحد من الأنبياء والرسل بمثلها، ثمّ يُنصب للأوصياء منابر من نور ويُنصب لوصيّي عليّ بن أبي طالب في

أوساطهم منبر من نور، فيكون منبر عليّ أعلى منابرهم يوم القيامة، ثمّ يقول له: اخطب، فيخطب خطبة لم يسمع أحد من الأوصياء بمثلها.

ثمّ، ينصب لأولاد الأنبياء والمرسلين منابر من نور، فيكون لابنيَّ وسبطيَّ وريحانتيَّ أيّام حياتي منبرين، ثمّ يقال لهما: اخطبا، فيخطبان بخطبتين لم يسمع أحد من أولاد الأنبياء والمرسلين بمثلها. ثمّ ينادي منادٍ وهو جبرئيل : أين فاطمة بنت محمّد(صلی الله علیه و آله)؟ أين خديجة بنت خويلد؟ أين آسية بنت مزاحم؟ أين كلثوم أُمّ يحيى بن زكريا؟ فيقمن، فيقول اللّه تبارك وتعالى إلى أهل الجمع: لمن الكرم اليوم؟ فيقول محمّد وعليّ والحسن والحسين وفاطمة: للّه الواحد القهّار.

فيقول اللّه جلّ جلاله: يا أهل الجمع، إنّي قد جعلت الكرم لمحمّد(صلی الله علیه و آله) وعليّ والحسن والحسين وفاطمة:. يا أهل الجمع طأطِئُوا الرؤوس وغُضّوا الأبصار؛ إنّ هذه فاطمة تسير إلى الجنّة.

ص: 190

فيأتيها جبرئيل بناقةٍ من نوق الجنّة، مدبّجة الجنبين، خُطامها من اللؤلؤ المحقّق الرطب، عليها رحلٌ من المرجان، فتُناخ بين يديها فتركبها، فيبعث إليها مائة ألف مَلَك فيصيرون على يمينها، ويبعث إليها مائة ألف مَلَك فيصيرون على يسارها، ويبعث إليها مائة ألف مَلَك يحملونها بأجنحتهم حتّى يُسيّروها عند باب الجنّة، فإذا صارت عند باب الجنّة تلتفت، فيقول اللّه: يابنت حبيبي، ما التفاتك وقد أمرت بك إلى جنّتي؟ فتقول: ياربّ أحببت أن يُعرَف قَدري في مثل هذا اليوم.

فيقول اللّه تبارك وتعالى: يابنت حبيبي، ارجعي وانظري مَن كان في قلبه حُبٌّ لك أو لأحدٍ من ذرّيتك، خذي بيده فأدخليه الجنّة.

قال أبو جعفر : واللّه يا جابر إنّها ذلك اليوم لتلتقطُ شيعتها ومحبّيها كما يلتقط الطير الحبّ الجيّد من الحبّ الرديء.

فإذا صار شيعتها معها عند باب الجنّة، يلقي اللّه في قلوبهم أن يلتفتوا، فإذا التفتوا

فيقول اللّه، يا أحبّائي ما التفاتكم وقد شفعت فيكم فاطمة بنت حبيبي؟ فيقولون: ياربّ أحببنا أن يعرف قدرنا في مثل هذا اليوم.

فيقول اللّه: يا أحبّائي، ارجعوا وانظروا من أحبّكم لحبّ فاطمة، انظروا من أطعمكم لحبّ فاطمة، وانظروا من سقاكم شربة في حبّ فاطمة، انظروا من ردّ عنكم غيبةً في حبّ فاطمة، وانظروا من كساكم لحبّ فاطمة، خذوا بيده وأدخلوه الجنّة.

قال أبو جعفر : واللّه لا يبقى في الناس إلّا شاكٌّ أو كافر أو منافق. فإذا صاروا بين الطبقات نادوا كما قال اللّه: (فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ)(1)، فيقولون: (فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ)(2).

قال أبو جعفر : هيهات، هيهات، مُنعوا ما طلبوا، ولو رُدّوا لعادوا لما نُهوا عنه،

ص: 191


1- . الشعراء: 100 - 101.
2- . الشعراء: 102.

وإنّهم لكاذبون.(1)

وعن ابن عبّاس، قال: سمعت عليّ بن أبي طالب يقول: دخل رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) ذات يوم على فاطمة وهي حزينة، فقال لها: ما حزنك يا بنيّة؟ قالت: يا أبة، ذكرت الحشر ووقوف الناس عُراة يوم القيامة، قال: يا بُنَيّة، إنّه ليوم عظيم، ولكن قد أخبرني جبرئيل عن اللّه أنّه قال: أوّل من تنشقّ عنه الأرض يوم القيامة أنا وأبي إبراهيم، ثمّ بعلك عليّ بن أبي طالب .

ثمّ يبعث اللّه إليك جبرئيل في سبعين ألف، فيضرب على قبرك سبع قباب من نور، ثمّ يأتيك إسرافيل بثلاث حُلل من نور، فيقف عند رأسك فيناديك: يا فاطمة ابنة محمّد(صلی الله علیه و آله)، قومي إلى محشرك آمنة روعتك، مستورةً عورتك.

فيناولك إسرافيل الحلل فتلبسينها، ويأتيك روفائيل بنجيبة من نور، زمامها من لؤلؤ رطب، عليها محفّة من ذهب، فتركبينها، ويقود روفائيل بزمامها، وبين يديك سبعون ألف ملك بأيديهم ألوية التسبيح. فإذا جدّ بك السير استقبلك سبعون ألف حوراء يستبشرون بالنظر إليك، بيد كلّ واحدة منهنّ مجمرة من نور، تسطع منها ريح العود من غير نار، وعليهنّ أكاليل الجوهر مرصّع بالزبرجد الأخضر، فيسرن عن يمينك، فإذا مثل الذي سرت من قبرك إلى أن لقينك، إلى أن اسستقبلتك مريم بنت عمران في مثلَي مَن معك من الحور العين، فتسلّم عليك، وتسير هي ومن معها عن يسارك.

ثمّ استقبلتك أُمّك خديجة بنت خويلد أوّل المؤمنات باللّه وبرسوله، معها سبعون ألف ملك بأيديهم ألوية التكبير، فإذا قربتِ من الجمع استقبلتك حوّاء في سبعين ألف ملك حوراء معها آسية بنت مزاحم، فتسير هي ومن معها معك.

فإذا توسّطتِ الجمع، وذلك أنّ اللّه يجمع الخلائق في صعيد واحد، فيستوى بهم

ص: 192


1- . بحار الأنوار: ج8 ص51 عن تفسير فرات: ص113، فاطمة من المهد إلى اللحد: ص544 – 546. (الشطري). فرات بن إبراهیم الکوفي: أحد علماء الحدیث في القرن الثالث. قال آیة اللّه العلّامة السیّد حسن الصدر في کتاب الشیعة وفنون الإسلام: إنّه کان في عصر الإمام الجواد ابن الرضا . (المؤلّف).

الأقدام، ثمّ ينادي منادٍ من تحت العرش يسمع الخلائق: غُضّوا أبصارَكم حتّى تجوز فاطمة الصدّيقة ابنة محمّد(صلی الله علیه و آله) ومن معها. فلا ينظر إليك يومئذٍ إلّا إبراهيم خليل الرحمن وعليّ بن أبي طالب .

ويطلب آدمُ حوّاءَ، فيراها مع أُمّك خديجة أمامك.

ثمّ ينصب لك منبر من نور فيه سبع مراقٍ، بين المرقاة إلى المرقاة صفوف الملائكة، بأيديهم ألوية النور، وتصطفّ الحور العين عن يمين المنبر وعن يساره، وأقرب النساء منكِ عن يساركِ حوّاء وآسية بنت مزاحم، فإذا صرتِ في أعلى المنبر أتاكِ جبرئيل فقال لكِ: يا فاطمة سلي حاجتك، فتقولين: ياربّ، أرني الحسن والحسين ، فيأتيانك وأوداج الحسين تشخَبُ دماً، وهو يقول: ياربّ خذ لي اليوم حقّي ممّن ظلمني. فيغضب عند ذلك الجليل، وتغضب لغضبه جهنّم، والملائكة أجمعون، فتزفر جهنّم عند ذلك زفرة.

ثمّ يخرج فوج من النار فيلتقط قتلة الحسين وأبناءهم وأبناء أبنائهم، ويقولون: ياربّ إنّا لم نحضر الحسين ! فيقول اللّه لزبانية جهنّم: خذوهم بسيماهم بزُرقة الأعين وسواد الوجوه، خذوا بنواصيهم فألقوهم في الدرك الأسفل من النار، فإنّهم كانوا أشدّ على أولياء الحسين من آبائهم الذين حاربوا الحسين فقتلوه. فيُسمع شهيقهم في جهنّم.

ثمّ يقول جبرئيل: يا فاطمة سلي حاجتك، فتقولين: ياربّ شيعتي، فيقول اللّه: قد غفرت لهم، فتقولين: ياربّ شيعة شيعتي، فيقول اللّه: انطلقي، فمن اعتصم بك فهو معك في الجنّة.

فعند ذلك يودّ الخلائق أنّهم كانوا فاطميّين، فتسيرين ومعك شيعتك وشيعة ولدك وشيعة أمير المؤمنين ، آمنة روعاتهم، مستورة عوراتهم، قد ذهبت عنهم الشدائد، وسهلت لهم الموارد، يخاف الناس وهم لا يخافون، ويظمأ الناس وهم لا يظمأون، فإذا بلغتِ باب الجنّة تلقّتك اثنتا عشرة ألف حوراء، لم يتلقينّ أحداً قبلك ولا يتلقين أحداً بعدك، بأيديهم حراب من نور، على نجائب من نور، حمائلها من الذهب الأصفر

ص: 193

والياقوت، أزمّتها من لؤلؤ رطب، على كلّ نجيبة نمرقة من سندس منضود.

فإذا دخلتِ الجنّة تباشر بك أهلها، ووضع لشيعتك موائد من جوهر على أعمدة من نور، فيأكلون فيها والناس في الحساب، (وَهُمْ فِى مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ)(1).

فإذا استقرّ أولياء اللّه في الجنّة زارك آدم ومن دونه من النبيّين، وإنّ في بُطنان

الفردوس لؤلؤتين من عِرْقٍ واحد؛ لؤلؤة بيضاء ولؤلؤة صفراء، فيها قصور ودور، في كلّ واحدة سبعون ألف دار بيضاء، منازل لنا ولشيعتنا، والصفراء لإبراهيم وآل إبراهيم.

قالت: يا أبة فما كنت أُحبّ أن أرى يومك ولا أبقى بعدك، قال: يا بنيّة، لقد أخبرني جبرئيل عن اللّه أنّك أوّل من يلحقني من أهل بيتي، فالويل كلّه لمن ظلمك، والفوز

العظيم لمن نصرك(2).

قال عطاء: وكان ابن عبّاس إذا ذكر هذا الحديث تلا هذه الآية الكريمة: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ)(3).

أقول: وفضائلها لا تعدّ ولا تحصى، ولو أردنا أن نكتب بعضها لخرجنا من وضع الكتاب.

وأحببتُ أن أذكر هذه القصيدة للمرحوم الشيخ غلام رضا الغروي الأصبهاني

في مدحها:

سقى

اللّه أنفاسي من السلسل العذبِ

لأنظم أبكاراً من

اللؤلؤ الرطبِ

بمدحة

بنت المصطفى ينجلي كربي

ص: 194


1- . الأنبياء: 102
2- . ومن أسمائها «المُحَدَّثَة»؛ لأنّ الملائكة كانت تهبط من السماء فتحدّثها، كما روى الطبري في دلائل الإمامة عن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ:، قال: سمعت أبا عبداللّه يقول: سُمّيت فاطمة محدّثة؛ لأنّ الملائكة كانت تهبط من السماء فتناديها كما كانت تنادي مريم بنت عمران، فتقول: يا فاطمة، إنّ اللّه اصطفاكِ وطهّركِ على نساء العالمين، يا فاطمة، اقنتي لربّك. وتحدّثهم ويحدّثونها، فقالت لهم ذات ليلة: أليست المفضّلة على نساء العالمين مريم بنت عمران؟ فقالوا: إنّ مريم كانت سيّدة نساء عالمها، وإنّ اللّه تعالى جعلك سيّدة نساء العالمين من الأوّلين والآخرين. (المؤلّف).
3- . الطور: 21.

وإنّ معاليها لأسنى من

الشهب

وفي مدحها القرآن بل

سائر الكتبِ

فإن لم تصدّق ما أقول

وما أدري

فسل آية الوسطى وسل

ليلة القدرِ

وسل آية الكبرى وسل

سورة الدهرِ

وسل آية القربى وسل

آية الأجرِ

وكانت

لطه المصطفى الروح بالجنبِ

حباها أبوها بالكرامة

والبشرِ

ربيبة حجر الوحي

والنهي والأمرِ

محدّثة كانت تحدّث

بالسرِّ

وتخبرها جهراً ملائكة

الغرِّ(1)

ومن نورها ضوء المشارق

والغربِ

هي الدرّة البيضاء في

صدف النُّهى

هي

الغرّة النورا في ظُلم الدّجى

ومشكاة

أنوار الهداية للورى

بأبنائها

الغرّ الكرام أولي الحِجا

تشرّفت

الآباء في سالب الحقبِ

هي

الزهرة الزهرا تجلّت تكرّماً

هي

اللمعة النورا فعزّت وإنّما

هي الكوكب الدرّيّ في أُشفق السما

تضيء

لسكّان السماوات كلّها

تقوم

بمحرابٍ تناجي إلى الربِّ

هي

الآية الكبرى فكلّت أُولو النهى

عقولٌ

لهم ما يبلغون المنتهى

مكارمها

العليا وأنّى لهم بها

وكيوان

علياها لأعلى من السُّها

ففي

فاطم حارت عقول ذوي اللبِّ

هي

الشمس قدراً والأشعّة ساترُ

بخدمتها

حور الجنان تفاخرُ

لها

جاريات مريم ثمّ هاجرُ

هي

القطب خِدراً والنساء دوائرُ

فشتّان

ما بين الدوائر والقطبِ

هي البضعة الهادي الرسول الممجّدِ

وريحانة

المختار طه محمّدِ

حليلة

كرّارٍ حبيبة أحمدِ

هي

العروة الوثقى لقبري وفي غدي

شفيعة

من والى من العجم والعربِ

فتبّاً

لمن بالدمع أسجم جفنها

وتعساً

لمن بالنار أحرق بابها

وسحقاً

لمن بالعصر أسقط ابنها

وبُعداً

لمن بالسوط سوّد متنها

وفي وجهها الدامي من اللطم والضربِ

ص: 195


1- . بحار الأنوار: ص43، فاطمة من المهد إلى اللحد: ص544 - 548. (الشطري).

فلهفي

عليها حين أبدت عويلها

بعولتها

تنسى الحمام هديلها

وكادت

لأطفال الفلات تزيلها

فما

حال من تلقى مقوداً كفيلها

ويا

عجباً من قسور قيد للكلبِ

فأوقفت

الأفلاك من فرط دهشةِ

وأذهلت

الأملاك من طول زفرةِ

تناديهم

خلّوا ابن عمّي ومهجتي

وإن

لم تخلّوا عنه أشكو بعولتي

إلى

اللّه يا أهل الضلالةِ والرَّيبِ

فأهوت

إلى القبر الشريف ودمعها

تسيل

تخال السحب يوم ربيعها

ونادت

أباها خير رسل جميعها

أتدري

الرزايا قد دهانا فظيعها

فللّه

من رُزءٍ عظيمٍ ومن خطبِ

وأمّا شهادتها

ذكر العلّامة المقرّم(1) إنّها بقيت بعد أبيها المصطفى خمسة وسبعين يوماً، وهو المختار؛ لأنّه المشهور بين المؤرّخين، وبه جاءت الرواية عن الصادق كما في الكافي للكليني(2) والاختصاص للشيخ المفيد(3) ومعالم الزلفى للسيّد هاشم البحراني(4).

وجاء في روضة الواعظين(5): روي أنّ فاطمة ما زالت بعد النبيّ معصّبة الرأس، ناحلة الجسم، منهدّة الركن من المصيبة بموت النبي(صلی الله علیه و آله)، وهي مهمومة مغمومة محزونة مكروبة، كئيبة حزينة باكية العين محترقة القلب، يغشى عليها ساعة بعد ساعة، في كلّ ساعة وحين تذكره وتذكر الساعة التي كان يدخل فيها عليها، فيعظم حزنها. وتنظر مرّة إلى الحسن ومرّة إلى الحسين، وهما بين يديها:، فتقول: أين أبوكما الذي كان يكرمكما ويحملكما مرّة بعد مرّة؟ أين أبوكما الذي كان أشدّ الناس شفقةً عليكما؟ فلا يدعكما تمشيان على الأرض؟ فإنّا للّه وإنّا إليه راجعون، فُقِدَ واللّه جدّكما وحبيب قلبي، ولا أراه

ص: 196


1- . الصدّيقة الزهراء: ص114 ط النجف. (المؤلّف).
2- . الكافي: ج1 ص458 باب مولد الزهراء:.
3- . الاختصاص: ص185.
4- . معالم الزلفى: ص133.
5- . روضة الواعظين للفتّال: ص130.

يفتح هذا الباب أبداً، ولا يحملكما على عاتقه كما لم يزل يفعل بكما.

ثمّ مرضت مرضاً شديداً، ومكثت أربعين ليلة في مرضها، إلى أن توفّيت صلوات اللّه عليها، فلمّا نُعيت إليها نفسها، دعت أُمّ أيمن وأسماء بنت عميس، ووجّهت خلف عليّ وأحضرته، فقالت: يابن عمّ، إنّه قد نُعيت إليَّ نفسي، وإنّني لأرى ما بي لاشكّ، إلّا أنّني لاحقة بأبي ساعة بعد ساعة، وأنا أوصيك بأشياء في قلبي. قال عليّ : أوصيني بما أحببتِ يابنت رسول اللّه(صلی الله علیه و آله).

فجلس عند رأسها وأخرج من كان في البيت، ثمّ قالت: يابن عمّ، ما عهدتني كاذبةً ولا خائنةً ولا خالفتك منذ عاشرتني.

فقال : معاذ اللّه! أنت أعلم باللّه وأبرّ وأتقى وأكرم، وأشدّ خوفاً من اللّه أن أُوبّخك بمخالفتي، فقد عزّ عَليَّ مفارقتك وفقدك، إلّا أنّه أمرٌ لابدّ منه، واللّه جدّد عَليّ مصيبتي برسول اللّه، وقد عظمت وفاتك وفقدك، فإنّا للّه وإنّا إليه راجعون من مصيبة ما أفجعها وآلمها وأمضّها وأحزنها، هذه واللّه مصيبة لا أعزّى عنها، ورزيّة لا خلف لها.

ثمّ بكيا جميعاً ساعة، وأخذ عليّ رأسها وضمّها إلى صدره. ثمّ قال: أوصيني بما شئتِ، فإنّك تجديني وفيّاً، أمضي كلّ ما أمرتني به، وأختار أمرك على أمري.

ثمّ قالت: جزاك اللّه عنّي خير الجزاء يابن عمّ، أوصيك أوّلاً أن تتزوّج بعدي بابنة أُمامة، فإنّها تكون لولدي مثلي، فإنّ الرجال لابدّ لهم من النساء.

قال: فمن أجل ذلك قال أمير المؤمنين : أربعة ليس إلى فراقهنّ سبيل، بنت أمامة، أوصت بها فاطمة.

ثمّ قالت: أوصيك يابن عمّ أن تتّخذ لي نعشاً، فقد رأيت الملائكة صوّروا صورته، فقال لها: صِفِيْهِ لي. فوصفته، فاتّخذه لها، فأوّل نعشٍ عُمل في وجه الأرض ذلك، وما رأى أحد قبله ولا عمل أحدٌ.

ثمّ قالت: أوصيك أن لا يشهد جنازتي أحدٌ من هؤلاء الذين ظلموني وأخذوا حقّي، فإنّهم أعدائي وأعداء رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)، ولا تترك أن يصلّي عَليَّ أحدٌ منهم ولا من

ص: 197

أتباعهم، وادفنّي في الليل، إذا هدأت العيون ونامت الأبصار(1).

ثمّ توفّيت صلوات اللّه عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها.

فصاحت أهل المدينة صيحةً واحدةً، واجتمعت نساء بني هاشم في دارها فصرخن صرخةً واحدة، كادت المدينة أن تتزعزع من صراخهنّ، وهنّ يقلن: ياسيّدتاه يابنت رسول اللّه. وأقبل الناس مثل عرف الفرس إلى عليّ وهو جالس والحسن والحسين: بين يديه يبكيان، فبكى الناس لبكائهما.

وخرجت أُمّ كلثوم وعليها برقعة وتجرّ ذيلها، متجلّلة برداء عليها تسحبها، وهي تقول: يا أبتاه يا رسول اللّه، الآن حقّاً فقدناك فقداً لا لقاء بعده أبداً.

واجتمع الناس، فجلسوا وهم يرجون وينتظرون أن تخرج الجنازة فيصلّون عليها، وخرج أبو ذرّ فقال: انصرفوا، فإنّ ابنة رسول اللّه قد أُخّر إخراجها في هذه العشيّة. فقام الناس وانصرفوا، فلمّا أن هدأت العيون ومضى من الليل، أخرجها عليّ والحسن والحسين: وعمّار والمقداد وعقيل والزبير وأبو ذرّ وسلمان وبريدة، ونفر من بني هاشم وخواصّه، صلّوا عليها ودفنوها في جوف الليل، وسوّى عليّ حواليها قبوراً مزوّرة مقدار سبعة؛ حتّى لا يُعرف قبرها.

ولنعم ما قيل:

ولأيّ الأُمور تُدفنُ

ليلاً

بضعةُ المصطفى ويُعفى

ثراها

فمضت

وهي أعظم الناس شجواً

في فم الدهر غُصّةً من

جواها

وثوت لا يرى لها الناس

مثوىً

أيّ قدسٍ يضمّه مثواها

وفاة خديجة الطاهرة:

جاء في تذكرة الخواصّ(2) : قال الواقدي: توفّيت خديجة بعد أن مضى من النبوّة عشر سنين،

ص: 198


1- . بحار الأنوار: ج43 ص191 نقلاً عن روضة الواعظین: ج1 ص101، المناقب لابن شهرآشوب: ج3 ص362، دلائل الإمامة: ص42. (المؤلّف).
2- . تذكرة الخواصّ: ص314. (المؤلّف).

وهي بنت خمس وستّين سنة، قبل وفاة أبي طالب بثلاثة أيّام، وقيل: بعد وفاته بشهر(1).

قال حكيم بن حزام: دفنّاها بالحَجُون(2)، ونزل رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) في قبرها ولم تكن يومئذٍ سُنّة الجنازة الصلاة عليها(3).

وقال هشام: توفّيت ورسول اللّه(صلی الله علیه و آله) ابن سبع وأربعين سنة وثمانية أشهر.

وقال مجاهد: كانت وفاتها قبل أن تُفرض الصلوات الخمس، وهذا صحيح؛ لأنّ الصلوات فُرضت سنة اثنتي عشرة من النبوّة ليلة المعراج.

وقال هشام: كانت وفاتها لعشر خلون من رمضان قبل الهجرة بثلاث سنين(4).

وفي تاريخ اليعقوبي(5)و(6): وتوفّيت خديجة بنت خويلد في شهر رمضان قبل الهجرة بثلاث سنين، ولها خمس وستّون سنة.

ودخل عليها رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) وهي تجودُ بنفسها، وقال: بالكره منّي ما أرى، ولعلّ اللّه أن يجعل في الكره خيراً كثيراً، إذا لقيت في الجنّة يا خديجة ضَرّاتك فاقرئيهنّ السلام، قالت: ومَن يا رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)؟

قال: إن ضرّتَيْكِ في الجنّة زوجاتي مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وكلثوم أُخت موسى، فقالت: بالرِفاء والبنين.

ص: 199


1- . المناقب لابن شهرآشوب: ص174. (المؤلّف).
2- . بتقديم الحاء، قال الطريحي في المجمع: والحَجُون - بفتح الحاء - : جبل بمكّة صار إليه النبيّ بعد موت أبي طالب. وفي الصحاح: وهو مقبرة. (المؤلّف).
3- . كشف الغمّة: ج2 ص139 يرفعه إلى ابن سعد. (المؤلّف).
4- . السيرة: ج2 ص57، تاريخ الطبري: ج2 ص229، عيون الأثر: ج1 ص130، مقتل الحسين للخوارزمي: ج28 - 30. (المؤلّف).
5- . هو أحمد بن يعقوب بن إسحاق بن جعفر بن وهب بن واضح، الكاتب الأخباري، الشهير باليعقوبي وبابن واضح، وكان يقال له: مولى بني عبّاس ومولى بني هاشم؛ لأنّ جدّه كان من موالي المنصور الدوانيقي الخليفة العبّاسي، وكان أديباً شاعراً، توفّي سنة 278ه (راجع: تاريخ آداب اللغة العربية: ج2 ص197). (المؤلّف).
6- . تاريخ اليعقوبي: ج2 ص20 ط النجف. (المؤلّف).

وعن الصادق : لمّا توفّيت خديجة(علیها السلام) ، جعلت فاطمة تلوذُ برسول

اللّه(صلی الله علیه و آله) وتدورُ حوله، وتقول: أبه، أين أُمّي؟

قال: فنزل جبرئيل فقال له: ربّك يأمرك أن تقرأ فاطمة السلام وتقول لها: إنّ أُمّك في بيت من قصب كِعابهُ حمراء من ذهب، وعُمَده ياقوت أحمر، بين آسية وبين مريم بنت عمران(1).

وجاء في مقتل الحسين (2) عن أبان عن شعافة الخزاعي، أنّ أبا أُمامة الباهلي قال: دخل رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) على خديجة بنت خويلد امرأته وهي بالموت، فشكت إليه شدّة كرب الموت، فبكى رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) ودعا لها، ثمّ قال لها: اقدمي خير مقدم، ياخديجة أنتِ خير أُمّهات المؤمنين وأفضلهنّ، وسيّدة نساء العالمين إلّا مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون، أسلمتك يا خديجة على كرهٍ منّي، قد جعل للمؤمنين بالكره خيراً كثيراً، الحقي ياخديجة بأُمّك حوّاء في الجنّة، وبأُختك سارة أُمّ إسحاق، آمنت باللّه جلّ جلاله، بُعث إبراهيم إلى مهاجرة الأرض المقدّسة، وهي أرض الأنبياء وإليها يُحشر العباد، فتزوّجها إبراهيم فولدت له إسحاق، فما ولدت النساء ولا تلد مولوداً يسمّى إسحاق مثله إلى يوم القيامة، وهو أبو الموالي، فما يمنع الموالي أن يفاخروا بأبيهم إسحاق وجدّهم إبراهيم وأُمّهم سارة:، ألا ولا فخر إلّا بالإسلام.

وكانت أُمّ إسماعيل عجميّة قبطيّة، اتّخذها إبراهيم سُرّية، فولدت له إسماعيل قبل تولد إسحاق بسبع نوا من الرجال والنساء، يقتدي بهما كلّ مؤمن ومؤمنة، لم يحلفا باللّه يميناً قطّ، وَجَلاً من اللّه وتعظيماً له، كانتا لا تحيضان، طهّرهما اللّه وفضّلهما به على نساء العالمين. وإنّ ربّي زوّجنيهما ليلة أُسرى بي عند سدرة المنتهى، فهما ضرّتاك يا خديجة في الجنّة(3)، وأخواتهنّ من أُمّهات المؤمنين.

ص: 200


1- . بحار الأنوار: ج6 ص121 نقلاً عن أمالي المفيد. (المؤلّف).
2- . مقتل الحسين للخوارزمي: ج1 ص28 ط النجف. (المؤلّف).
3- . أدرج في المتن هنا: «مع عائشة»، وأضاف: «ولم يكن رسول اللّه تزوّج عائشة ولا غيرها، ولا تحته يومئذٍ غير خديجة وحدها». قال صاحب التعليق عليه: هذا الخبر لا تذكره الشيعة؛ لأنّهم لم يعرفوا شعافة، خصوصاً وقد صرّح بتثنية ضمير آسية ومريم ولم يجمع للثلاث. (المؤلّف).

فضحكت خديجة - وهي ثقيلة بالموت - ثمّ قالت له: هنيئاً يا رسول اللّه، بارك اللّه لهما فيك، وبارك لك فيهما، الحمد للّه الذي أقرّ عينك بهما، ما هما ضرّتاي، يا رسول اللّه؛ لأنّه لا غيرة بيننا، لكنّهما أُختاي.

فقال النبي(صلی الله علیه و آله): هذا واللّه الحقّ المبين وتمام اليقين والفضل في الدين.

فقيل: يا رسول اللّه، أفمن أُمّهات المؤمنين هما؟ قال: أمّا في الدُّنيا فلا؛ لأنّهما مضتا لسبيلهما قبل أن أبعث في أُمّتي وسبقني موتهما(1).

رثاء أمير المؤمنين لها

في معجم القُبُور(2) للسيّد مهدي الإصفهاني: قال أمير المؤمنين في مرثيّة خديجة وأبي طالب؟رضهما؟:

أعينيّ جودا بارك اللّه

فيكما

على هالكينِ لا ترى

لهما مثلا

على سيّد البطحاء وابن

رئيسها

وسيّدة النسوان أوّل

من صلّى

مهذّبة قد طيّب اللّه

خِيْمَها

مباركةً واللّه ساق

لها الفضلا

مصابهما أدجى لِيَ

الجوّ والهوا

فبِتُّ أُقاسي منهما

الهمّ والثكلا

لقد نصرا في اللّه

دينَ محمّدٍ

على

من بغى في الدّين قد رعيا إِلّا

وصاياها لرسول اللّه(صلی الله علیه و آله)

جاء في الزهراء(3) للكفائي:

قال: ولمّا اشتدّ مرض خديجة قالت: يا رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)، اسمع

وصاياي:

أوّلاً: فإنّي قاصرة في حقّك فاعفني يا رسول اللّه.

قال: حاشا وكلّا، ما رأيت منك تقصيراً، فقد بلغتِ بجهدك، وتعبت في داري غاية

ص: 201


1- . مقتل الحسين للمقرم: ص28.
2- . معجم القبور: ج1 ص209. (المؤلّف).
3- . الزهراء: ج1 ص100 ط النجف. (المؤلّف).

التعب، ولقد بذلتِ أموالك وصرفتِ في سبيل اللّه مالَكِ.

قالت: يا رسول اللّه، الوصيّة الثانية: أُوصيك بهذه - وأشارت إلى فاطمة - فإنّها يتيمة غريبة من بعدي، فلا يؤذينها أحدٌ من نساء قريش، ولا يلطمنّ خدّها ولا يصيحنّ في وجهها، ولا يرينّها مكروهاً(1).

وأمّا الوصيّة الثالثة: فإنّي أقولها لابنتي فاطمة وهي تقول لك، فإنّي مستحية.

فقام النبي(صلی الله علیه و آله) وخرج من الحجرة، فدعت بفاطمة وقالت: يا حبيبتي وقرّة عيني، قولي لأبيك: إنّ أُمّي تقول: إنّي خائفة من القبر، أُريد منك رداءك الذي تلبسه حين نزول الوحي تكفّنني فيه. فخرجت فاطمة، وقالت لأبيها ما قالت أُمّها خديجة. فقام النبيّ، وسلّم الرداء إلى فاطمة، وجاءت به إلى أُمّها، فسرّت به سروراً عظيماً.

فلمّا توفّيت خديجة أخذ رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) في تجهيزها، وغسّلها وحنّطها، فلمّا أراد أن يكفّنها هبطَ الأمين جبرئيل وقال: يا رسول اللّه، إنّ اللّه يقرئك السلام ويخصّك بالتحيّة والإكرام ويقول لك: يا محمّد، إنّ كفن خديجة من عندنا، فإنّها بذلت مالها في سبيلنا. فجاء جبرئيل بكفن، وقال: يا رسول اللّه، هذا كفن خديجة، وهو من أكفان الجنّة، أهداه اللّه إليها.

فكفّنها رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) بردائه الشريف، أوّلاً، وبما جاء به جبرئيل ثانياً، فكان لها كفنان: كفنٌ من اللّه، وكفنٌ من رسوله.

ثمّ صلّى عليها ونزل في قبرها، ولم يكن يومئذ سُنّة الجنازة.

وحزن النبي(صلی الله علیه و آله) عليها حزناً شديداً، وحزنت فاطمة لفراقها، فجعلت تلوذ بأبيها وتقول: أين أُمّي؟ وألحّت عليه بالقول: أين أُمّي، أين أُمّي؟

فنزل جبرئيل وقال: إنّ ربّك يأمرك أن تقرأ فاطمة السلام، وتقول لها: أُمّك في بيتٍ من قَصَبٍ كعابه من ذَهَبٍ، وعُمَدُهُ من ياقوت أحمر، بين آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران.

هذا ما أردتُ تحريره في هذه الرسالة الوجيزة في «حياة مولاتنا وسيّدتنا أُمّ المؤمنين خديجة الكبرى صلوات اللّه عليها وعلى ابنتها».

ص: 202


1- . أقول: ليتكِ حاضرةٌ تَرَي ما حلّ بابنتك الصدّيقة: من حرق بابها ولطم خدّها وإسقاط جنينها! (المؤلّف).

والحمد للّه أوّلاً وآخراً وظاهراً وباطناً

كربلاء المقدّسة -- جعفر عبّاس الحائري

ص: 203

فهرس المصادر

1. الإبانة عن أُصول الديانة: أبو الحسن الأشعري (ت324ه )، تحقيق: بشير محمّد عيون، بيروت: مكتبة دار البيان، الطبعة الخامسة، 1424ه .

2.ابن عبّاس وأموال البصرة، جعفر مرتضي العاملي، بيروت، 1396ه .

3.أبو هريرة، عبدالحسين شرف الدين الموسوي، بيروت: دار الزهراء، 1406ه .

4.إتقان المقال، محمّد طه نجف، النجف الأشرف: المطبعة العلوية، 1340ه .

5. إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات،

محمّد بن الحسن الحرّ العاملي (ت1104ه )، تحقيق: أبو طالب تجليل التبريزي، هاشم رسولي المحلّاتي، قم: المطبعة العلمية، الطبعة الثانية.

6. الاحتجاج على أهل اللجاج، أبو منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي (ت620ه )، تحقيق: إبراهيم البهادري ومحمّد هادي به، طهران: دار الأُسوة، الطبعة الأُولى، 1413ه .

7. إحقاق الحقّ و إزهاق الباطل، القاضي نور اللّه ابن السيّد شريف الشوشتري (ت1019ه )، مع تعليقات السيّد شهاب الدين المرعشي، قم: مكتبة آية اللّه المرعشي، الطبعة الأُولى، 1411ه .

8.الاختصاص، المنسوب إلى أبي عبداللّه محمّد بن محمّد بن النعمان العكبري البغدادي، المعروف بالشيخ المفيد (ت413ه )، تحقيق: علي أكبر الغفّاري، قم: مؤسّسة النشر الإسلامي، الطبعة الرابعة، 1414ه .

9.الاستغاثة، أبو القاسم علي بن أحمد الكوفي (ت352ه )، طهران: مؤسّسة الأعلمي، الطبعة الأُولى، 1373ش.

الاستيعاب، أبو عمر يوسف بن عبداللّه بن عبدالبرّ النمري (ت463ه )، تحقيق: علي

1. محمّد البجاوي، بيروت: دار الجيل، الطبعة الأُولى، 1412ه .

ص: 204

2. أُسد الغابة في معرفة الصحابة، أبو الحسن عزّ الدين علي بن أبي الكرم محمّد الشيباني، المعروف بابن الأثير الجَزَري (ت630ه )، تحقيق: علي محمّد معوّض وعادل أحمد عبد الموجود، بيروت: دار الكتب العلمية، الطبعة الأُولى، 1415ه .

12 الإصابة في تمييز الصحابة، أبو الفضل أحمد بن علي بن الحجر العسقلاني (ت852ه )، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود، وعلي محمّد معوّض، بيروت: دار الكتب العلمية، الطبعة الأُولى، 1415ه .

13 أعيان الشيعة، السيّد محسن الأمين، تحقيق: السيّد حسن الأمين، بيروت: دار التعارف للمطبوعات، 1406ه .

14 الأمالي للمفيد، أبو عبد اللّه محمّد بن النعمان العكبري البغدادي، المعروف بالشيخ المفيد (ت413ه )، تحقيق: حسين أُستاد ولي وعلي أكبر الغفّاري، قم: مؤسّسة النشر الإسلامي، الطبعة الثالثة، 1415ه .

15 . الأمالي، أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه، المعروف بالشيخ الصدوق (ت381ه )، تحقيق و نشر: مؤسّسة البعثة، قم، الطبعة الأُولى، 1417ه .

16 . الإمام زين العابدين علي بن الحسين ، عبدالرزّاق الموسوي المقرم، قم: دار الشبستري.

17 .إنسان العيون في سيرة الأمين والمأمون (السيرة الحلبية)، علي بن برهان الدين الحلبي الشافعي (ت1044ه )، تحقيق: أحمد زيني دحلان، مصر: مكتبة الأزهرية، 1329ه .

18 .الأوائل، الحسن بن عبد اللّه بن سهل العسكري (أبو هلال) (ت395ه )، بيروت: دار الكتب العلمية، الطبعة الأُولی، 1407ه .

.بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار:، محمّد باقر بن محمّد تقي المجلسي (ت1110ه )، تحقيق: دار إحياء التراث، بيروت: دار إحياء التراث، الطبعة الأُولى،

15 1412ه .

16 .البداية والنهاية، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي (ت774ه )، تحقيق: مكتبة المعارف، بيروت: مكتبة المعارف، الطبعة الثالثة، 1408ه .

17 .بلاغة الإمام علي بن الحسين ، جمع وتحقيق: جعفر عبّاس الحائري، قم: دار

ص: 205

الحديث، 1435ه .

18 .بيت الأحزان، الشيخ عبّاس القمّي، ترجمة: محمّد محمّدي اشتهاردي، نشر: ناصر، قم، الطبعة الثانیة، 1369ش

19 تاريخ آداب اللغة العربية، جرجي زيدان (ت1332ه )، القاهرة: دار الهلال.

20 تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس، الحسين بن محمّد الديار بكري (معاصر)، بيروت: مؤسّسة شعبان.

21 تاريخ الطبري (تاريخ الأُمم والملو ذلك)، أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري (ت310ه )، تحقيق: محمّد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة: دار المعارف، الطبعة الأُولى، 1968م.

22 تاريخ اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب بن واضح، المعروف باليعقوبي (ت284ه )، بيروت: دار صادر.

23 تاريخ أهل البيت:، رواية كبار المحدّثين والمؤرّخين، تحقيق: محمّد رضا الحسيني، قم: مؤسّسة آل البيت:، الطبعة الأُولى، 1410ه .

24 تأسيس الشيعة لفنون الإسلام، حسن الصدر، 1354ه، الكاظمين: دار الكتب، 1370ه .

25 تذكرة الخواصّ (تذكرة خواصّ الأُمّة في خصائص الأئمّة:)، يوسف بن فُرغلي بن عبداللّه، المعروف بسبط ابن الجوزي (ت654ه )، تقديم: السيّد محمّد صادق بحر العلوم، طهران: مكتبة نينوى الحديثة.

26 تراجم سيّدات البيت النبوي، عائشه عبدالرحمن (بنت الشاطي)، القاهرة: دار الحديث، 1423ه .

15 التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري ، تحقيق: مؤسّسة الإمام المهدي[، قم: مؤسّسة الإمام المهدي[، الطبعة الأُولى، 1409ه .

16 تفسير فرات الكوفي، أبو القاسم فرات بن إبراهيم الكوفي (ق4ه )، إعداد: محمّد كاظم المحمودي، طهران: وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، الطبعة الأُولى، 1410ه .

17 التمهيد في علوم القرآن: محمّد هادي معرفت، قم: مؤسّسة النشر الإسلامي، الطبعة

ص: 206

الثانیة، 1416ه .

18 تنقيح المقال في علم الرجال، عبد اللّه بن محمّد حسن المامقاني (ت1351ه )، قم: آل البيت لإحياء التراث، الطبعة الأُولى، 1423ه .

19 التهذيب (تهذيب الأحكام في شرح المقنعة)، أبو جعفر محمّد بن الحسن، المعروف بالشيخ الطوسي (ت460ه )، بيروت: دار التعارف، الطبعة الأُولى، 1401ه .

20 تهذيب التهذيب، أبو الفضل أحمد بن علي العسقلاني (ابن حجر) (ت852ه )، تحقيق: خليل مامون شيحا، عمر السلامي، علي بن مسعود، بيروت: دار الفكر، الطبعة الأُولى، 1404ه، الطبعة الأُولى، 1417ه .

21 جامع الأُصول في أحاديث الرسول، مبارك بن محمّد بن محمّد (ابن الأثير الجزري) (ت606ه )، تحقيق: عبد القادر الأرناؤوط، بيروت: مكتبة دار البيان، الطبعة الأُولى، 1389ه .

22 جمهرة أنساب العرب، علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي، نشر: دار الكتب العلمية، بيروت، 1403ه .

23 جهاد الإمام السجّاد ، السيّد محمّدرضا الحسيني الجلالي، قم: دار الحديث، 1418ه .

24 الخصال، أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي (الشيخ الصدوق) (ت381ه )، تحقيق: علي أكبر الغفّاري، قم: منشورات جماعة المدرّسين في الحوزة العلمية، بيروت: مكتبة الصدوق، الطبعة الأُولى، 1389ه .

15 خلاصة الأقوال: العلّامة الحلّي (ت726ه )، تحقیق: جواد القيّومي، مؤسّسة النشر الإسلامي، الطبعة الأُولی، 1417ه .

16 دعائم الإسلام وذكر الحلال والحرام والقضايا والأحكام، النعمان بن محمّد التميمي المغربي (ت363ه )، تحقيق: آصف بن علي أصغر فيضي، مصر: دار المعارف، الطبعة الثالثة، 1389ه .

17 دلائل الإمامة، أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري الإمامي (القرن الخامس الهجري)،

ص: 207

تحقيق: مؤسّسة البعثة، قم: مؤسّسة البعثة، الطبعة الأُولى، 1413ه .

18 ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى، أبو العبّاس أحمد بن محمّد الطبري (ت694ه )، تحقيق: أكرم البوشي، جدّة: مكتبة الصحابة، الطبعة الأُولى، 1415ه .

19 ربيع الأبرار ونصوص الأخبار، أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري (ت538ه )، تحقيق: سليم النعيمي، قم: منشورات الرضي، الطبعة الأُولى، 1415ه .

20 رجال الكشّي (اختيار معرفة الرجال) ، أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (ت460ه )، تصحيح: ميرداماد الإسترآبادي، قم: مؤسّسة آل البيت:، 1404ه .

21 الروض الفائق في المواعظ والرقائق، شعيب بن سعد المصري، تحقيق: خليل المنصور، بيروت: دار الكتب العلمية، 1417ه .

22 روضة الواعظين. محمّد بن الحسن بن علي الفتّال النيسابوري (ت508ه )، تحقيق: حسين الأعلمي، بيروت: مؤسّسة الأعلمي، الطبعة الأُولى، 1406ه .

23 السمط الثمين في مناقب أُمهات المؤمنين، محبّ الدين أحمد بن عبداللّه الطبري (ت694ه )، تحقيق: محمّد علي قطب، القاهرة: دار الحديث، 1408ه .

24 سنن ابن ماجة، أبو عبداللّه محمّد بن يزيد القزويني (ابن ماجة) (ت275ه )، تحقيق: محمّد فؤاد عبدالباقي، بيروت: دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأُولى، 1395ه .

سنن الترمذي (الجامع الصحيح)، أبو عيسى محمّد بن عيسى الترمذي (ت279ه )،

15 تحقيق: عبدالوهّاب عبداللطيف، أحمد محمّد شاكر، بيروت: دار الفكر، دار إحياء التراث، 1357ه .

16 سير أعلام النبلاء، أبو عبداللّه محمّد بن أحمد الذهبي (ت748ه )، تحقيق: شُعيب الأرنؤوط، بيروت: مؤسّسة الرسالة، الطبعة العاشرة، 1414ه .

17 سيرة ابن إسحاق، أبو عبداللّه محمّد بن إسحاق بن يسار المطلبي (ت151ه )، تحقيق: محمّد حميد اللّه، المغرب: معهد الدراسات و الأبحاث للتعريب، الطبعة الأُولی، 1369ه .

18 السيرة الحلبية، علي بن برهان الدين الحلبي الشافعي (ت1044ه )، بيروت: دار

ص: 208

الإحياء التراث العربي، دار المعرفة، 1400ه .

19 السيرة النبوية، عبد الملك بن هشام الحميري (ابن هشام) (ت218ه )، تحقيق: مصطفى السقّا و إبراهيم الأبياري، قم: مكتبة المصطفى، الطبعة الأُولى، 1355ه .

20 الشافي في الإمامة، أبو القاسم علي بن الحسين الموسوي، المعروف السيّد المرتضى (ت436ه )، تحقيق: عبدالزهراء الحسيني الخطيب، طهران: مؤسّسة الإمام الصادق ، الطبعة الثانية، 1410ه .

21 شرح نهج البلاغة، عبد الحميد بن محمّد المعتزلي (ابن أبي الحديد) (ت656ه )، تحقيق: محمّد أبو الفضل إبراهيم، بيروت: دار إحياء التراث، الطبعة الثانية، 1387ه .

22 شفاء السقام في زيارة خير الأنام، تقي الدين علي بن عبدالكافي السبكي (ت756ه )، بيروت: دار الجيل، 1411ه .

23 الصحاح تاج اللغه وصحاح العربیة، إسماعيل بن حمّاد الجوهري، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطّار، بيروت: دار العلم للملايين، 1376ه .

24 صحيح البخاري، أبو عبد اللّه محمّد بن إسماعيل البخاري (ت256ه )، تحقيق: مصطفى ديب البغا، بيروت: دار ابن كثير، الطبعة الرابعة، 1410ه .

15 صحيح مسلم (الجامع الصحيح) ، أبو الحسين مسلم بن الحجّاج النيسابوري (ت261ه )، تحقيق و نشر: دار الفكر، بيروت.

16 صحيح مسلم، أبو الحسين مسلم بن الحجّاج القشيري النيسابوري (ت261ه )، تحقيق: محمّد فؤاد عبدالباقي، القاهرة: دار الحديث، الطبعة الأُولى، 1412ه .

17 الصحيح من سيرة النبي الأعظم، جعفر مرتضى العاملي (معاصر)، بيروت: دار الهادي، الطبعة الرابعة، 1415ه .

18 صفة الصفوة، أبو الفرج جمال الدين عبد الرحمن بن علي (ابن الجوزي) (ت597ه )، تحقيق: محمود فاخوري و محمّد قلعة جي، حلب: دار الوعي، الطبعة الأُولى، 1389ه .

19 الطرف، أبو القاسم علي بن موسی بن طاووس الحلّي الحسني (ت664ه )، تحقيق:

ص: 209

قيس العطّار، مشهد: تاسوعا، 1378.

20 بنات النبي أم ربائبه، جعفر مرتضی العاملي، قم، 1413ه .

21 العقد الفريد، أبو عمر أحمد بن محمّد بن عبد ربّه الأندلسي (ت328ه )، تحقيق: أحمد أمين أحمد الزين وإبراهيم الأبياري، بيروت: دار الأندلس، الطبعة الأُولى، 1408ه .

22 عمدة القاري، أبو محمّد محمود بن أحمد العيني (ت855ه )، تحقيق و نشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت.

23 عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير (السيرة النبوية لابن سيّد الناس)، محمّد عبد اللّه بن يحيى بن سيّد الناس (ت734ه )، بيروت: مؤسّسة عزّ الدين، 1406ه .

24 الغدير في الكتاب والسنّة والأدب، عبد الحسين بن أحمد الأميني (ت1390ه )، بيروت: دار الكتاب العربي، الطبعة الثالثة، 1387ه .

فاطمة الزهراء من المهد إلى اللّحد، السيّد محمّد كاظم القزويني، بيروت: مؤسّسة

15 النور المطبوعات، 1411ه .

16 الفوائد البهية في تراجم الحنفية، محمّد عبدالحي اللكنوي الهندي (ت1304ه )، تحقيق: نعيم أشرف نور أحمد، پاكستان: إدارة القرآن والعلوم الإسلامية، 1419ه .

17 الفهرست، أبو جعفر محمّد بن حسن الطوسي (ت460ه )، تحقيق: الشيخ جواد القيّومي، قم: مؤسّسة النشر الإسلامي، الطبعة الأُولى، 1417ه .

18 قاموس الرجال، الشيخ محمّد تقي بن كاظم التستري (ت1320ه )، قم: مؤسّسة النشر الإسلامي، الطبعة الأُولى، 1419ه .

19 قرب الإسناد، أبو العبّاس عبد اللّه بن جعفر الحِمْيري القمّي (ت بعد 304ه )، تحقيق: مؤسّسة آل البيت:، قم: مؤسّسة آل البيت:، الطبعة الأُولى، 1413ه .

20 الكافي، أبو جعفر ثقة الإسلام محمّد بن يعقوب بن إسحاق الكليني الرازي (ت329ه )، تحقيق: علي أكبر الغفّاري، طهران: دار الكتب الإسلامية، الطبعة الثانية، 1389ه .

21 كتاب من لا يحضره الفقيه، أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي

ص: 210

(الشيخ الصدوق) (ت381ه )، تحقيق: علي أكبر الغفّاري، قم: مؤسّسة النشر الإسلامي، الطبعة الثانية، 1404ه .

22 كشف الغُمّة، علي بن عيسى الإربلي (ت687ه )، تصحيح: سيّد هاشم رسولي، بيروت: دار الكتاب، 1401ه .

23 كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب ، أبو عبد اللّه محمّدبن يوسف بن محمّد الگنجي الشافعي (ت658ه )، تحقيق: محمّد هادي الأميني، طهران: دار إحياء تراث أهل البيت:، الطبعة الثالثة، 1404ه .

24 كنز العُمّال، علي بن حسام الدين المتّقي الهندي (ت975ه )، تصحيح: صفوة السقّا، بيروت: مكتبة التراث الإسلامي، 1397ه .

25 الكنى والألقاب، الشيخ عبّاس القمّي (ت1359ه )، طهران: مكتبة الصدر، الطبعة الرابعة، 1397ه .

15 الكشّاف، محمود بن عمر الزمخشري (ت538ه )، بيروت: دار المعرفة.

16 لسان الميزان، أبو الفضل أحمد بن علي العسقلاني (ابن حجر) (ت852ه )، بيروت: مؤسّسة الأعلمي، الطبعة الثالثة، 1406ه .

17 المجالس السنية في مناقب ومصائب العترة النبوية، محسن الأمين، بيروت: دار التعارف، 1406ه .

18 مجمع البحرين: الطريحي (ت1085ه )، تحقيق: أحمد حسيني، مكتب النشر الثقافة الإسلامية، الثانية، 1408ه .

19 المحاسن، أبو جعفر أحمد بن محمّد بن خالد البرقي القمّي (ت280ه )، تحقيق: السيّد جلال الدين حسيني طهران: دار الكتب الإسلامية، السيّد مهدي الرجائي، قم: المجمع العالمي لأهل البيت:، الطبعة الأُولى، 1413ه .

20 المُحبَّر، أبو جعفر محمّد بن حبيب الهاشمي البغدادي (ت245ه )، تحقيق: ايلزه ليختن شتيتر، بيروت: المكتب التجاري للطباعة والنشر، مطبعة الدائرة، 1361ه .

21 المراجعات، عبد الحسين شرف الدين العاملي (ت1377ه )، تحقيق: حسين الراضي

ص: 211

، قم: دار الكتاب الإسلامي.

22 مروج الذهب ومعادن الجوهر، أبو الحسن علي بن الحسين المسعودي (ت346ه )، تحقيق: محمّد محيي الدين عبد الحميد، القاهرة: المكتبة التجارية الكبرى، الطبعة الرابعة، 1384ه .

23 المسائل السروية (مصنّفات الشيخ المفيد)، محمّد بن محمّد بن النعمان العكبري (الشيخ المفيد) (ت413ه )، تحقيق: صائب عبد الحميد، قم: المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد، 1413ه .

24 مسارُّ الشيعة في مختصر تواريخ الشريعة، محمّد بن محمّد بن النعمان العكبري (الشيخ المفيد) (ت413ه )، تحقيق: مهدي نجف، قم: المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد، الطبعة الأُولی: 1413ه .

15 مستدرك الوسائل و مستنبط المسائل، الميرزا حسين النوري الطبرسي (ت1320ه )، تحقيق: مؤسّسة آل البيت:، قم: مؤسّسة آل البيت:، الطبعة الأُولى، 1407ه .

16 المستدرك على الصحيحين، أبو عبد اللّه محمّد بن عبد اللّه الحاكم النيسابوري (ت405ه )، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، بيروت: دار الكتب العلمية، الطبعة الأُولى، 1411ه .

17 مسند أحمد. أحمد بن محمّد بن حنبل الشيباني (ت241ه )، تحقيق: عبداللّه محمّد الدرويش، بيروت: دار الفكر، الطبعة الثانية، 1414ه .

18 مسند فاطمة الزهراء، عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت911ه )، تحقيق: فوّاز أحمد زَمَرلي، بيروت: دار ابن حزم، الطبعة الأُولی: 1414ه .

19 مطالب السؤول في مناقب آل الرسول:، أبو سالم محمّد بن طلحة النصيبي الشافعي (ت652ه )، تحقيق: ماجد أحمد العطية، بيروت: مؤسّسة أُمّ القرى، الطبعة الأُولى، 1420ه .

20 معجم الأُدباء، ياقوت بن عبداللّه الحموي (ت626ه )، تحقيق: إحسان عبّاس، بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1993م.

21 معجم البلدان، أبو عبد اللّه ياقوت بن عبد اللّه الحموي (ت626ه )، بيروت: دار إحياء

ص: 212

التراث العربي، الطبعة الأُولى، 1399ه .

22 مقاتل الطالبيين، أبو الفرج علي بن الحسين بن محمّد الأُمَوي الإصبهاني (ت356ه )، تحقيق: السيّد أحمد صقر، قم: منشورات الشريف الرضي، الطبعة الأُولى، 1414ه .

23 مقتل الحسين ، أبو المؤيّد موفّق بن أحمد الخوارزمي (ت568)، تحقيق: الشيخ محمّد سماوي، منشورات مكتبة المفيد، قم.

24 مناقب آل أبي طالب (المناقب لابن شهرآشوب)، أبو جعفر محمّد بن علي بن شهرآشوب المازندراني (ابن شهرآشوب) (ت588ه ) تحقيق: هاشم الرسولي المحلّاتي، قم: منشورات علام.

15 منتخب الأنوار في تاريخ الأئمّة الأطهار:، أبو علي محمّد بن همام الإسكافي (ت336ه ) تحقيق: عليرضا هزار، قم: دليل ما، 1422ه .

16 منتهى المقال في أحوال الرجال، محمّد بن إسماعيل المازندراني حائري، قم: مؤسّسة آل البيت:، 1416ه .

17 ميزان الاعتدال في نقد الرجال، أبو عبداللّه محمّد بن أحمد الذهبي (ت748ه )، تحقيق: علي محمّد البجاوي، بيروت: دار المعرفة، الطبعة الأُولى، 1382ه .

18 الميزان في تفسير القرآن (تفسير الميزان)، العلّامة السيّد محمّد حسين الطباطبائي (1402ه )، قم: منشورات جماعة المدرّسين، طبع: مؤسّسة إسماعيليان، الطبعة الثانية، 1394ه .

19 نزهة المجالس ومنتخب النفائس (المجالس للصفوري)، عبد الرحمن الصفوري الشافعي، بيروت: دار الإيمان.

20 نسب قريش، مصعب بن عبد اللّه الزبيري (ت236ه )، تحقيق: بروفنسل، القاهرة: دار المعارف.

21 نور الأبصار في مناقب آل بيت النبي المختار، مؤمن بن حسن الشبلنجي (ت بعد 1298ه )، بيروت: دار الكتب العلمية، الطبعة الأُولى، 1398ه .

22 النهاية في غريب الحديث والأثر، مبارك بن مبارك الجَزَري (ابن الأثير) (ت606ه )،

ص: 213

تحقيق: طاهر أحمد الزاوي، قم: مؤسّسة إسماعيليان، الطبعة الرابعة، 1367ش.

23 وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، أبو العبّاس أحمد بن محمّد البرمكي (ابن خلّكان) (ت681ه )، تحقيق: إحسان عبّاس، بيروت: دار صادر، الطبعة الأُولى، 1397ه .

24 ينابيع المودّة لذوي القربى، سليمان بن إبراهيم القُندوزي الحنفي (ت1294ه )، تحقيق: سيّد علي جمال أشرف الحسيني، طهران: دار الأُسوة، الطبعة الأُولى، 1416ه .

ص: 214

14. خدیجة الکبری مثل أعلی للمرأة المسلمة

اشارة

* خدیجة الکبری مثل أعلی للمرأة المسلمة (1)

عزّ الدین سلیم

ملخّص البحث:

هذا البحث يتّبع المنهج التحليلي في قراءته للتاريخ، ويقدّم صورة عن نظرة الإسلام إلى شؤون الحياة والمجتمع، ومنها نظرته إلى المرأة. وهو يعرض هنا ما كان سائداً في زمان الجاهلية من نظرة دونية إلى المرأة؛ تستخفّ بها وتستهين بوجودها وتهبط بدورها في الحياة إلى مجرّد مخلوق ثانوي بجانب الرجل. وينقد في بحثه هذا المنهج الذي سار عليه العالم الغربي الحديث في نظرته إلى المرأة واتّخاذها أداةً ووسيلة مع تهميش دورها الإنساني. ويرسم الكاتب بين ثنايا البحث هذه الصورة الناصعة التي يتطلّع الإسلام إلى تحقيقها في مختلف مناحي الحياة، والدور الريادي الذي أراده للمرأة أن تضطلع به. ثمّ يعرّج على ذكر السيّدة خديجة بنت خويلد، ويقدّم سرداً عن نسبها وحسبها وصفاتها، والظروف التي عاشت فيها، وما كان لها من المال والعمل في التجارة، وشرفها وعلوّ مكانتها بين قومها. ويجعل من حياتها ومواقفها وتضحياتها مثالاً باهراً يدعو النساء المسلمات إلى اتّباعه والسير على خُطاه. وعندما يأتي هذا البحث على نقل النصوص والمرويات التاريخية، لا يأخذ بها على علّاتها، بل ينظر إليها نظرة ناقدة، ومن ذلك - مثلاً - إنكاره لزواج خديجة برجلين قبل النبي(صلی الله علیه و آله)، حيث يثبت

ص: 215


1- رسالة الثقلین، العدد 33 (فروردین 1379): ص41 - 67، والعدد 34 (تیر 1379): ص66 - 89.

بالأدلّة أنّ زواجها بالنبي كان زواجها الأوّل. كما يُبرز دور خديجة في توفير مستلزمات الصمود للنبي(صلی الله علیه و آله) معنوياً ومادّياً، للمضي قدُماً في إبلاغ رسالته. وجاء على ذكر أقوال الأعلام من الماضين والمعاصرين في الثناء عليها.

مدخل للدراسة

کانت جزیرة العرب وما حولها ظمأی ترهقها الجاهلیة بعذاباتها وسیاط طیشها، حین تفجّر ینبوع الإسلام الهادي کنبع من الماء الصافي الرقراق في تلك الصحاری المجدبة من کلّ خیر، من أجل أن یروّی عطش الدنیا إلی الحقّ والهدی والسلام.

لقد جاء الإسلام الحنیف بدعوته إلی الخیر والمعروف والعدل والصلاح، بلسماً لجراح المعذّبین والمظلومین في الأرض، وکانت المرأة أکثر عباد اللّه نصیباً من هذا الخیر المنقذ.

فالمرأة قبل الإسلام کانت نهباً للظلم أکثر من سواها، فقد کانت بعض الحضارات تنظر إلی المرأة کشیطان متلبّس في جسم بشر، کما کانت بعض المجتمعات تنظر إلیها کمخلوق نجس لا یستحقّ الرحمة، وتری فیها بعض الأُمم حیواناً في جسم إنسان، أو هي شيء حقیر یملکه الرجال من أجل أن یحقّقوا لذّاتهم الجنسیة، کما هي مصنع لانتاج ذرّیة الرجل.

وقد زادت الحضارة الأُوربّیة الحدیثة الطین بلّة حین حُوّلت المرأة إلی أداة للجنس والمتعة والکسب المادّي، حیث شاعت بناءً علی ذلك الفوضی الجنسیة، وضاعت الأنساب في أُوربا ومن سار علی نهجها من الأُمم، وصارت المرأة سلعة یتناولها الرجال متی شاؤوا باسم حرّیة المرأة وحقوقها، علی أنّ المرأة لم تحظَ في تاریخ حیاتها برعایة مناسبة لطبیعتها المادّیة والروحیة، کما حظیت به في رحاب الرسالة الإلهیّة الخاتمة، حیث حفظ لها الإسلام حقوقها وکرامتها ومکانتها في جوٍّ من العفّة

والطهر والعزّة، وفي إطار من الموازنة العادلة بین حقوقها وواجباتها في ضوء القدرات التکوینیة التي حباها اللّه لها، وفي ضوء المهمّة العظمی التي أُنیطت بها کشریکة

ص: 216

للرجل في إثارة الحیاة، وفي صناعة المجد وبناء الحضارة الإنسانیة الصالحة.

ولقد أرسی الإسلام الحنیف قواعد تلك الحقوق الفریدة التي خصّ بها المرأة من خلال نصوصه الأصیلة:

1. فالإسلام یؤکّد أنّ المرأة والرجل صنوان یجمعهما أصل واحد وجوهر واحد، وکلاهما ینتسبان لآدم وآدم من تراب: (يَا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً...)(1)، (وَ ٱللهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَ حَفَدَةً)(2)، (هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا)(3).

2. ومع تقنین الإسلام ودعواته الصریحة المحدّدة لمکانة المرأة في الحیاة والواقع الإنساني الذي یبنیه تحت رعایته، یشنّ الإسلام حملته علی المظالم والممارسات والأوضاع التي عانت منها المرأة عبر التاریخ، لیدفع عنها الأذی ویعید حقوقها المسلوبة، فیهاجم عادة وأد النساء عند بعض قبائل العرب، ویلغي تکرارها قانونیاً وأخلاقیاً: (وَ إِذَا ٱلْعِشَارُ عُطِّلَتْ ٭ وَ إِذَا ٱلْوُحُوشُ حُشِرَتْ)(4)، (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ...).(5)

ویلغي الإسلام الحنیف عملیات الامتهان والأذی في عشرة النساء، ویقنّن

معاملتهنّ بالمعروف والحسنی: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَئْا وَيَجْعَلَ ٱللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا)(6).

3. والإسلام لا یعتبر الرجولة والذکورة أساساً للتکریم والمواقع في الحضارة التي

ص: 217


1- . النساء: 1.
2- . النحل: 72.
3- . الاعراف: 189.
4- . التکویر: 4 5.
5- . الأنعام: 151.
6- . النساء: 19.

یبنیها، ولا في الواقع التي یحقّقها البشر في الآخرة، أو ینالها في الحساب الإلهي، وإنّما المقیاس في رسالة اللّه الخاتمة إنّما هو الإیمان والعمل الصالح: (... إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ)(1).

فمن عمل وفق أوامر اللّه ونواهیه، حقّق نتائج عمله، لا فرق في ذلك بین رجل وامرأة في هذه القضیة المصیریة: (إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَ ٱلْمُسْلِمَاتِ وَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَ ٱلْمُؤْمِنَاتِ وَ ٱلْقَانِتِينَ وَ ٱلْقَانِتَاتِ وَ ٱلصَّادِقِينَ وَ ٱلصَّادِقَاتِ وَ ٱلصَّابِرِينَ وَٱلصَّابِرَاتِ وَ ٱلْخَشِعِينَ وَ ٱلْخَشِعَاتِ وَٱلْمُتَصَدِّقِينَ وَ ٱلْمُتَصَدِّقَاتِ وَ ٱلصَّائِمِينَ وَٱلصَّائِمَاتِ وَ ٱلْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَ ٱلْحَافِظَاتِ وَ ٱلذَّاكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرًا وَ ٱلذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ ٱللهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَ أَجْرًا عَظِيمًا)(2).

4. ویقنّن الإسلام الحنیف مضمون العلاقة الزوجیة بین الرجل والمرأة في إطار من المودّة والرحمة: (هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ)(3)، (وَ مِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَ رَحْمَةً...)(4).

وبناءً علی هذه المفاهیم الإسلامیة الأصیلة، شهدت الحیاة التي لوّنها الإسلام بلونه الممیّز مکانة خاصّة للمرأة، واحتلّت موقعاً إلی جانب الرجل لم تجد له البشریة مثیلاً من قبل، سواء في إطار الأُسرة والمجتمع، أو في إطار الدعوة والدولة.

ومن أجل ذلك، شهد تاریخ الرسالة الإسلامیة نساءً مؤمنات وقفن إلی جانب

الدعوة الإلهیّة في بدایاتها، یبذلن الغالی والرخیص من أجل کلمة اللّه في الأرض، حتّی ارتفعت بعضهنّ إلی مواقع لم ینلها ملایین الرجال، من أمثال: خدیجة بنت خویلد، وسیّدة نساء العالمین فاطمة الزهراء، وأُمّ سلمة، وزینب بنت علي، وغیرهنّ من بنات الرسالة.

وفي هذا البحث المتواضع نقدّم للقارئ الکریم دراسة لحیاة السیّدة الخالدة

ص: 218


1- . الحجرات: 12.
2- . الأحزاب: 35.
3- . البقرة: 187.
4- . الروم: 21.

خدیجة بنت خویلد أُمّ المؤمنین الأُولی(علیها السلام)، لتکون نموذجاً یُحتذی من قبل المسلمات في کلّ عصر وجیل، وقدوة للمؤمنات الحاملات للحقّ، الباذلات للمعروف والحافظات لحدود اللّه.

الهویة الشخصیة، من هي السیّدة خدیجة أُمّ المؤمنین؟

احتلّت خدیجة زوج النبي(صلی الله علیه و آله) الذروة من قریش في نسبها وشرفها، فهي من القوادم في کیان قریش لا من أذنابها.

وکانت من عقائل قریش وسیّدة نساء مکّة، وهي تلتقي برسول اللّه محمّد بن عبداللّه(صلی الله علیه و آله) من جهة أبیها بالجدّ الأعلی الشریف «قصي»، ومن جهة أُمّها بلؤي بن غالب، فهي قرشیة أباً وأُمّاً، ومن الشجرة الطیّبة في قریش.

فمن جهة أبیها هي: خدیجة بنت خویلد بن أسد بن عبد العزّی بن قصي بن کلاب بن مرّة بن لؤي بن غالب بن مهر بن مالم بن النضر بن کنانة.

وأُمّها: فاطمة بنت زائدة بنت الأصمّ (واسمه جندب) بن رواحة الهرم ابن حجر بن عبد بن معیص بن عامر بن لؤي بن غالب بن فهر(1).

ویحفظ التاریخ من مفاخر أبیها «خویلد بن أسد» أنّه تصدّی لتبع ملك الیمن وحال بینه وبین السطو علی الحجر الأسود وحمله إلی مملکته في الیمن.

ومنذ مطلع حیاة السیّدة خدیجة، کانت قریش تتوسّم فیها النبل والطهر وسموّ الأخلاق، حتّی لُقّبت بالطاهرة(2)، کما لُقّبت بسیّدة قریش؛ بالنظر لعلوّ شأنها وشرف منبتها وکرم أصلها وحمید أفعالها.

الأمر الذي یفسّر السرّ المکنون بامتناع خدیجة من الاقتران بأيّ أحد من قریش،

ص: 219


1- . یراجع ابن المغازلي الشافعي أبا الحسن بن علي بن محمّد بن محمّد الواسطي الجلالي (ت 483ه ) في مناقب علي بن أبي طالب ط 2 عام 1402ه طهران: ص329 - 330. کما یُراجع نسبها في السیرة النبویة لابن هشام: ص187 - 189 والسیر والمغازي لابن إسحاق: ص82 وغیرها.
2- . ترجمة خدیجة في الاستیعاب لابن عبدالبرّ، وأبو نعیم في حلیة الأولیاء.

حتّی توفّرت ظروف اقترانها برسول اللّه(صلی الله علیه و آله)، رغم ما بذل علیه قومها من محاولات لزواجها، إلّا أنّها کانت ترفضهم جمیعاً منتظرة أمراً ما سیحدث في حیاتها، فیکمل شوط مسیرتها نحو الکمال الذي اختاره اللّه ، والذي عبّر عنه النبي الصادق الأمین بقوله: «حسبك من نساء العالمین أربع: مریم بنت عمران، وآسیة بنت مزاحم امرأة فرعون، وخدیجة بنت خویلد، وفاطمة بنت محمّد»(1).

وممّا تجدر الإشارة إلیه أنّ هذه المرأة الجلیلة قد وُلدت قبل عام الفیل ببضع سنوات، وتزوّجها رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) وعمرها ثمان وعشرون سنة، کما روی ابن عبّاس (2)، وإن کان زواجها في غیر هذا السنّ هو الذي اشتهر خطأً.

وهي أوّل امرأة أسلمت للّه ربّ العالمین، وصدّقت برسالة محمّد(صلی الله علیه و آله). هذا، ومن الجدیر ذکره أنّ السیّدة خدیجة قد توفّیت قبل فرض الصلاة وقبل(3) الهجرة إلی المدینة بثلاث سنین.

وسنتعرّض لتفصیل هذه الأُمور في الأبحاث القادمة إن شاء اللّه تعالی.

لسان الحقّ یتحدّث عن خدیجة

کانت السیّدة خدیجة رغم نبلها وشرفها ومکانتها في الناس وسیادتها في بني أسد ونساء قریش، وهي صفات کفیلة لوحدها لأن تؤهّلها للرعایة والمحبّة والرضا من لدن رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)، إلّا أنّها فوق ذلك قد وهبت کلّ وجودها للّه ورسوله ودعوة الحقّ التي صدع بها.

فقد وهبت رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) کلّ أموالها لیغطّي بها نفقات الدعوة والدعاة المستضعفین. ولقد عاصرت أشدّ الظروف قسوةً فما نالت من قناتها أبداً، وتحدّت أصعب الأزمات وأکثر المواقف عسراً، وصبرت علی الأذی في جنب اللّه ، وسمت بذلك علی نعیمها الدنیوی السابق، ورکلت اخضرار العیش الذي اعتادته برجلیها، لتعیش مع النبي(صلی الله علیه و آله)

ص: 220


1- . ابن المغازلي الشافعي، المصدر نفسه: ص363 نقلاً عن الترمذي في جامعه الصغیر: ج5 ص367 وابن عبدالبرّ في الاستیعاب والحاکم في المستدرك: ج3 ص157 بطریق ابن حنبل وغیرهم.
2- . کشف الغمّة للإربلي: ج2 ص135 وبحار الأنوار: للمجلسي: ج16: ص12 وغیرهما.
3- . کشف الغمّة في معرفة الأئمّة: ص134 و11 نقلاً عن عروة بن الزبیر بن العوّام.

محنته وآلامه التي صبّتها علیه قریش وحلفاؤها، وظلّت طوال عشر سنین من المحنة تبثّ الأمل في قلب الرسول، وتشدّ من أُزره، وتقوّي من عزیمته علی مواصلة المسیر، وأنت خبیر بما تؤدّیه مواقف المرأة المشجّعة لزوجها من أثر إیجابي علی الاستمرار في الصمود والمواجهة وشدّ العزیمة.

وقد کانت أعظم مواقفها الجهادیة في تحدّیها لمحنة حصار شِعب أبي طالب الذي فُرض علی بني هاشم من قبل قریش وحلفائها.

فقد کان لمواقف السیّدة خدیجة المعروفة لإضعاف قبضة الحصار أثرها الواضح المخلّد في التخفیف من أضرار حصار المشرکین علی الدعوة وأنصارها.

إنّ هذه الظواهر العظیمة التي تفیض إیماناً وصدقاً، وصبراً واحتساباً وإخلاصاً للنبي(صلی الله علیه و آله) ودعوته، هي التي أهّلت أُمّ المؤمنین الأُولی خدیجة بنت خویلد علیها الصلاة والسلام لاحتلال مواقع ودرجات لم توفّق لها أیّة سیّدة من أزواج النبي(صلی الله علیه و آله) علی الإطلاق.

من أجل ذلك راح رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) یکشف عن تلك المکانة السامقة التي بلغتها السیّدة خدیجة في موقعها عند النبي(صلی الله علیه و آله)، وفي مکانتها عند الرسالة الإلهیّة، وفي درجتها عند اللّه .

اللّه یُقرئها السلام ویُبشّرها

فقد روی أصحاب الصحاح عن أبي هریرة ما یلي: قال: أتی جبرئیل إلی النبي(صلی الله علیه و آله)، فقال: «یا رسول اللّه، هذه خدیجة قد أتت ومعها إناء فیه أدم أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك، فأقرأ(علیها السلام) من ربّها ومنّی وبشّرها ببیت في الجنّة من قصب، لا صخب فیه ولا نصب. فأخبر رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) خدیجة بما قال جبرئیل، فقالت: اللّه هو السلام، ومنه السلام، وعلی جبرئیل السلام»(1).

وهکذا ندرك البعد الحقیقي لوعیها وفهمها واستیعابها لمضامین الرسالة الإلهیّة المبارکة.

ص: 221


1- . صحیح البخاري (باب تزویج النبي خدیجة وفضلها رقم 3821)، وصحیح مسلم (باب فضائل خدیجة أُمّ المؤمنین: ج4 ص1887) والترمذي، وغیرها. والقصب هنا: الجوهر المجوّف.

رُزِقتُ حبّها

ولعمیق حبّ رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) للسیّدة خدیجة، فإنّه کان یصرّح بهذه المودّة جهاراً طوال حیاته، بل کان یصرّح بحبّ من یحبّها ویکرمه.

وهذا الإعلان النبوي عن حبّه لأُمّ المؤمنین الأُولی(علیها السلام) لم تحکمه العاطفة العادیة، فعواطف الرسول محکومة هي الأُخری بقیم السماء وضوابط الحقّ، ومن أجل ذلك، فقد أمر اللّه الناس أن یتّبعوا رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) فیما یشرع ویرشد وفیما ینهي ویمنع، ما یقرّره في رضاه حقّ کما یقرّره في غضبه: (مَا ءَاتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا)(1)، (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللهُ ...)(2).

ومن هنا، فإنّ ما یصدر من ثناء نبويّ علی حدث أو أحد من عباد اللّه ، فهو حقّ وعدل، وما یصدر من ذمّ وعدم رضا عن أمر أو عن أحد من الناس، فهو حقّ لاشكّ فیه.

فقد أخرج البخاري ومسلم وغیرهما من أصحاب الصحاح والسنن عن عائشة بنت الخلیفة أبي بکر ما یلي: «ما غرتُ علی أحدٍ من نساء النبي(صلی الله علیه و آله) ما غرتُ علی خدیجة، وما رأیتها قطّ، ولکن کان یکثر من ذکرها، وربّما ذبح الشاة ثمّ یقطّعها أعضاءً ثمّ یبعثها في صدائق خدیجة، وربّما قلت له: کأنّه لم یکن في الدنیا امرأة إلّا خدیجة؟! فیقول: إنّها کانت وکانت، وکان لي منها ولد».

وفي روایة مسلم: «وکان إذا ذبح الشاة یقول: ارسلوا بها إلی أصدقاء خدیجة. قالت: فأغضبته یوماً فقلت: خدیجة؟ فقال رسول اللّه(صلی الله علیه و آله): إنّي قد رُزقت حبّها»(3).

النبي(صلی الله علیه و آله) یعدّد بعض خصائص خدیجة

ولم یکتف النبي الأعظم بذلك، وإنّما یدخل في بعض التفاصیل التي تدعوه أن یکرم السیّدة خديجة(علیها السلام) ویتشبّث بودها وإکبارها رغم فراقها.

ص: 222


1- . الحشر: 7.
2- . آل عمران: 31.
3- . البخاري رقم (3818) في مناقب الأنصار (باب تزویج النبي خدیجة وفضلها) فتح الباري: ج7 ص133، مسلم رقم (2435) في فضائل الصحابة (باب فضائل خدیجة أُمّ المؤمنین): ج4 ص 1888، الترمذي رقم (3875) في المناقب (باب فضل خدیجة): ج5 ص659.

فعن عائشة قالت: «استأذنت هالة بنت خویلد أُخت خدیجة علی رسول اللّه، فعرف استئذان خدیجة، فارتاح لذلك، فقال: اللّهمّ هالة بنت خویلد!

عائشة: فغرتُ، فقلت: وما تذکر من عجوز من عجائز قریش حمراء الشدقین، هلکت في الدهر فأبدلك اللّه خیراً منها ؟!

فغضب رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) وقال: لا واللّه، ما أبدلني اللّه خیراً منها، لقد آمنت بي حین کفر بي الناس، وصدّقتني حین کذّبني الناس، وواستني حین حرمني

الناس، ورزقني اللّه ولدها إذ حرمني أولاد النساء»(1).

ولقد عاشت السیّدة خديجة(علیها السلام) تحت کنف النبي(صلی الله علیه و آله) خمسة وعشرین عاماً، لم یجد منها غیر الإکرام والمحبّة والصفاء والطاعة وعرفان الجمیل، فبادلها ودّاً بودّ ووفاءً بوفاء، فلم یتزوّج علیها حتّی توفّیت.

ولقد دعا رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) عام وفاتها عام حزن للأُمّة الخاتمة کلّها.

ورغم أنّه تزوّج بضعة من النساء بعد وفاتها ومن مختلف الطبقات والأعمار والقبائل، وفیهنّ الجمیلة والرشیدة الودود، إلّا أنّ رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) بقي قلبه متعلّقاً بها وفیاً لها، یحفظ لها عواطفها ومشاعرها، ویثمّن ودّها ودورها العظیم في نصرته طوال أیّام محنته مع أعداء الدعوة.

لقد کان یذکرها جهاراً، حتّی أنّه لا یملّ من کثرة ذکرها والثناء علیها، ویترحّم علیها، ویبکي لفراقها، حتّی غارت منها بعض نسائه وامتلأت منها حسداً وهي في قبرها.

تقول عائشة بنت أبي بکر: «ما رأیت خدیجة قطّ، ولا غرت علی امرأة من نسائه أشدّ من غیرتي علی خدیجة؛ وذلك من کثرة ما کان یذکرها».

وتقول(2) عائشة أیضاً: «ما غِرتُ علی أحدٍ من أزواج النبي، ما غِرتُ علی خدیجة، وما بي أن أکون أدرکها، وما ذاك إلّا لکثرة ذکر رسول اللّه لها، وإن کان ممّا یذبح الشاة

ص: 223


1- . صحیح البخاري رقم 3821 (باب تزویج النبي خدیجة )، وصحیح مسلم (باب فضائل خدیجة)، وابن حنبل في المسند الطبراني. وتوجد اختلافات لفظیة بسیطة بین الرواة هؤلاء: فعرف استئذان خدیجة صوت هالة کصوت خدیجة، فذکر الرسول بصوت هالة صوت خدیجة. حمراء الشدقین: سقطت أسنانها لکبرها فاحمرّت لثّتها.
2- . مستدرك الصحیحین: ج3 ص186.

یتبع بها صدائق خدیجة، فیهدیها لهنّ»(1).

وکان یقول: «إنّی لأُحبّ حبیبها»(2).

وعن علی قال: «ذکر النبي(صلی الله علیه و آله) خدیجة یوماً وهو عند نسائه

فبکی، فقالت عائشة: ما یُبکیك علی عجوز حمراء من عجائز بني أسد؟! فقال: صدّقتني إذ کذّبتم، وآمنت بي إذ کفرتم، وولدت لي إذ عقمتم...»(3)، «وروي أنّ عجوزاً دخلت علی النبي(صلی الله علیه و آله) فلاطفها، فلمّا خرجت سألته عنها عائشة، فقال: إنّها کانت تأتینا زمن خدیجة، وإنّ حسن العهد من الإیمان».

عن عائشة: «قالت: لم یتزوّج النبي علی خدیجة حتّی ماتت. قالت: ما رأیت خدیجة قطّ ولا غِرتُ علی امرأةٍ من نسائه أشدّ من غیرتي علی خدیجة؛ وذلك من کثرة ما کان یذکرها»(4).

عن أبي نجیح عبداللّه بن أبي نجیح، قال: «أُهدي لرسول اللّه(صلی الله علیه و آله) جزور ولحم، فأخذ عظماً منها فناوله الرسول بیده، فقال له: اذهب بهذا إلی فلانة، فقالت عائشة: لِمَ غمرتَ یدیك؟ فقال : إنّ خدیجة أوصتني بها، فغارت عائشة من کلامه وقالت: کأنّما لیس في الأرض امرأة إلّا خدیجة! فقام رسول اللّه مغضباً، فلبث ما شاء اللّه، ثمّ رجع فإذا أُمّ رومان(5)، فقالت: یا رسول اللّه، مالك ولعائشة؟ إنّها لحدثة، فقال: ألیست القائلة: کأنّما لیس في الأرض امرأة إلّا خدیجة؟ واللّه لقد آمنت بي إذ کفر قومك، ورُزِقت منّي الولد وحرمتیه».

وهکذا تتجلّی مکانة أُمّ المؤمنین الکبری خدیجة بنت خویلد(علیها السلام) کما نطق بها لسان الحقّ المقدّس.

ص: 224


1- . أُسد الغابة: ج5 ص438.
2- . الإصابة: ج4 ص275.
3- . کشف الغمّة للإربلي: ج2 ص131.
4- . مقتل الحسین للخوارزمي: ج1 ص27.
5- . مقتل الحسین للخوارزمي: ج1 ص27. و أُمّ رومان: والدة عائشة.

خدیجة والحیاة الجدیدة

مقدّمة تاریخیة ضروریة

قبل الحدیث عن زواج رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) بالسیّدة خدیجة بنت خویلد(علیها السلام)، لابدّ من التذکیر أنّ هذا الموضوع قد تعرّض إلی التشویه إلی حدٍّ کبیر، إمّا لعوامل سیاسیة تاریخیة أو لعوامل الغیرة والحسد التي اتّصفت بها بعض أزواج النبي(صلی الله علیه و آله) بصورة غیر اعتیادیة.

وأهمّ المواضیع التي نالها التزییف والتشویه هو: الادّعاء بأنّ رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) کان هو الزوج الثالث لخدیجة، بعد أن کانت قد تزوّجت باثنین من سائر الناس واحد بعد الآخر، تُسمّي الروایات الموضوعة أحدهما بعتیق بن عابد المخزومي، ویُدعی الآخر بأبي هالة هند بن زرارة بن نبّاش التمیمي، ثمّ عاشت بعد وفاة الثاني أیِّماً، حتّی خطبها رسوله اللّه(صلی الله علیه و آله). هکذا تصوّر الأخبار المنسوبة قصّة الحیاة الاجتماعیة الزوجیة لخدیجة.

ونفس المصادر التي تروي قصّة زواجها الأوّل والثاني تذکّر بإصرار، أنّ خدیجة عقیلة قریش کانت قد خطب ودّها سادة القبائل وعظماء قریش، ولکنّها تعرض عنهم في کلّ مرّة بإباء سمح، وترغب عنهم مترفّعة مع تواضع لا یحطّ من قدر الخاطبین.

ولقد ذکر المؤرّخون أنّ من جملة من خطبها کان أبا جهل وأبا سفیان وعقبة بن أبي معیط والصلت بن أبي یهاب، وغیرهم من سادة القوم وعلّیتهم.

کما تقع المصادر نفسها في تشوّش وتناقض شدیدین بالنسبة للزوجین المزعومین، فبعض المصادر تسمّي أحدهما أبا شهاب عمرو الکندي، وتُسمّیه أُخری مالك ابن النبّاش بن زرارة التمیمي، وأُخری تُسمّیه هند ابن النبّاش، وأُخری تُسمّیه النبّاش بن زرارة.

وأمّا من دُعي بعتیق بن عائذ المخزومي وهو الزوج الثاني المفترض، فقد سمّته

بعض المصادر عتیق بن عابد التمیمي(1)، إلی غیر ذلك. وهکذا تشرّق الادّعاءات وتغرّب دون ضابطة صحیحة ولا إشارة من علم!

ص: 225


1- . لمعرفة التناقض راجع بحار الأنوار: ج16 ص22، والصحیح من سیرة النبي الأعظم للعلّامة جعفر العاملي: ج1 ص121 وما بعدها، و فقه السیرة للبوطي: ص61، و الاستغاثة لأبي القاسم الکوفي.

ومن حقّنا أن نتساءل: کیف یمکن للمصادر التاریخیة أن توفّق بین إصرار السیّدة خديجة(علیها السلام) علی رفض جمیع من خطبها بما فیهم وجوه الناس وأشرافهم، وبین زواجها من شخصین من دهماء الناس علی التوالي لم تضبط الأخبار حتّی أسماءهم؟ إنّ هذا لشيء عجاب !

إنّك لا تکاد تقرأ مصدراً حدیثاً ولا قدیماً إلّا وتجد الرفض القاطع الذي تبدیه السیّدة خدیجة بنت خویلد لکلّ خاطب لها مهما أُعطي من مال أو جاه ومکانة، فکیف ترضی الاقتران بذین علی ما هما علیه من مغموریة وقلّة جاه ومکانة؟

ولکي نتخطّی سطح المشکلة ونواجه الواقع، لابدّ من الإشارة إلی أنّ السیّدة خديجة(علیها السلام) کانت لها أُخت تُسمّی هالة(1)، تزوّجت رجلاً من بنی تمیم أولدها ذکراً أسماه هنداً، وکان للتمیمي زوجة أُخری أولدها بنتین إحداهما زینب والأُخری رقیّة، ثمّ هلك الرجل، فالتحق هند بعشیرته وأهله في البادیة، والتحقت هالة وزوجة التمیمي الأُخری والبنتان بالسیّدة خدیجة التي امتازت بمال وفیر وطیب نفس، فشملتهم جمیعاً برعایتها. وفي هذه الأیّام تزوّج رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) من خدیجة، فصارت زینب ورقیّة تحت رعایة رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) والسیّدة خديجة(علیها السلام) حتّی نُسبتا إلیهما، وهو أمر مألوف عند عرب ذلك الزمان(2) وفق قاعدة التبنّي التي أبطلها القرآن الکریم بعد ذلك سنین، في آیة 4 من سورة الأحزاب.

وهکذا تکون قضیّة هالة بنت خویلد وقصّة زواجها قد انسحبت علی سیرة السیّدة خدیجة وحیاتها بسبب ذلك التبنّي، حتّی بلغت الحال أن تشعّبت بقصد وبغیرة لتکون زینب ورقیّة ابنتین لرسول اللّه(صلی الله علیه و آله)، کما یکون الرجل المخزومي الذي کان أوّل زوج لهالة بنت خویلد ثمّ زوجها الثاني التمیمي قد نُسبا إلی السیّدة خدیجة کزوجین لها قبل زواج رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) منها. وهکذا، تقحم حیاة هالة الزوجیة ونتائجها علی خديجة(علیها السلام)

ص: 226


1- . انظر: مختصر صحیح مسلم للحافظ المنذري: ج2 ص204 ح 1674.
2- . تُراجع هذه القضیة في کتاب الاستغاثة لأبي القاسم الکوفي: ص82 و ما بعدها.

وحیاتها الشخصیة.

وممّا یعزّز صحّة هذه الواقعة التاریخیة الهامّة التي سردناها، ما ذکره ابن شهرآشوب المازندراني، حیث قال: «روی أحمد البلاذري وأبو القاسم الکوفي في کتابیهما، والمرتضی في الشافي، وأبو جعفر في التلخیص: إنّ النبي(صلی الله علیه و آله) تزوّج بها وکانت عذراء»(1).

هذا، ومن الجدیر ذکره أنّ المصادر التي اعتبرت زینباً ورقیّة بنتین للنبي(صلی الله علیه و آله) من السیّدة خدیجة، قالت بولادتهما بعد البعثة، ثمّ تقول ذات المصادر أنّ رقیّة التي کانت أصغر بنات النبي(صلی الله علیه و آله)(2) قد تزوّجت عثمان بن عفّان قبل الهجرة إلی الحبشة، علماً بأنّ الهجرة المذکورة قد وقعت بعد البعثة بخمس سنین.

فهل تنسجم العقول مع هذه التقوّلات الساذجة(3) التي تناقضت مع نفسها ومع الوقائع التاریخیة؟

وتحقّق أمل خدیجة

کانت حیاة السیّدة خديجة(علیها السلام) مزیجة بین الرفض الصارم لکلّ من یطلب یدها من أجل الزواج، وبین الانتظار والأمل لمن یلبّي طموحها المعنوي من الرجال کزوجٍ ووليّ أمر.

وبینما کاد الرجال یقطعون الأمل من قناعتها بأيٍّ منهم، کانت سیّدة قریش قد تحوّلت إلی أُذن صاغیة تتسمّع أخبار خیر شباب قریش الذي ملأ ذکره الحسن، والحدیث عن شمائله الطیّبة في أرکان مکّة ونوادیها، حتّی أسماه قومه بالصادق الأمین وهو لمّا یزل في ریعان شبابه، ذلك هو محمّد بن عبداللّه بن عبد المطّلب. فقد کانت تتوسّم أن یکون هو القرین المنتظر لها، وبدأ حدسها یقترب من الیقین رویداً رویداً

ص: 227


1- . راجع: مناقب آل أبي طالب: ج1 ص159.
2- . الإصابة: ج4 ص304.
3- . للتفاصیل یُراجع النبوّة لمحمّدحسن آل یاسین: هامش ص65، کما یُراجع الاستغاثة: ص80 و ما بعدها، والصحیح من سیرة النبي : ج1 ص121 وما بعدها.

کلّما تقدّمت الأیّام.

وماذا یمنعها أن تنتظر وهي لا تزال في عزّ شبابها وغضارة جمالها؟ فقد تأمّلت کثیراً في حدیثٍ لأحد أحبار الیهود حضر المسجد الحرام وراح یتحدّث عن اقتراب موعد بعثة الرسول الموعود من هذه الدیار، وهو ینوّه بالتهنئة للمرأة التي تکون له زوجة وسکناً(1).

وجاءت الخطوة الأُخری لتقرّب الأمل المتّقِد في وجدانها، فحیث امتلأ سمعها بجمیل ذکر محمّد بن عبداللّه(صلی الله علیه و آله) فتی أبي طالب شیخ الأبطح، بالنظر لعظیم أمانته وکریم صفاته ونبل خصائصه وصدق حدیثه ومواقفه، فما بالها یا تری لا تعقد صفقة تجاریة معه، تضاربه ببعض أموالها لیخرج بها متاجراً إلی الشام، ومن کمحمّد(صلی الله علیه و آله) في صدقه وسلامة سلوکه واستقامته؟

لقد انتفضت من غفلتها عنه، وکأنّها لامت نفسها عن طول هذه الغفلة عنه، فبعثت من یعرض علیه هذا المشروع التجاري المربح الذي طالما اشرأبّت إلیه أعناق

الرجال، وعرضت علیه من خلال وسیطها أن یکون له من الربح أفضل ما اعتادت أن تعطیه لمن تضاربه من التجّار.

ووجد رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) حاجةً في نفسه، فتداول مع عمّه أبي طالب في ذلك، فلم یجد منه اعتراضاً. وکان هذا الغرس الطیّب مدرکاً أنّ عمّه قد کبر سنّه وأثقلته السنون، فلابدّ من استثمار هذه الفرصة لدعم عمّه الکریم الذي امتاز بجوده وکرمه ورعایته للناس رغم کونه أقلّ سادة قریش مالاً.

وخرج المصطفی في تجارته إلی الشام یصحبه میسرة غلام خدیجة الذي أنابته عنها في هذا المشروع. وقد کان میسرة یقوم بمهمّتین معاً، إحداهما: اقتصادیة روتینیة تتعلّق بالتجارة والمال وما إلی ذلك من شؤون. وثانیتهما: معنویة، ولعلّها کانت هي المهمّة المرکزیة التي کُلِّف بها من قبل سیّدته خدیجة!

فقد کان موکولاً إلیه أن یرصد محمّداً عن کثب في هذه السفرة الطویلة نسبیاً؛ کي

ص: 228


1- . بحار الأنوار: ج16 ص4 نقلاً من مناقب آل أبي طالب.

یقدّم تقریراً إلی السیّدة خدیجة حول أبعاد شخصیته، لیکمل الصورة عن محمّد(صلی الله علیه و آله) لدیها.

ویبدو أنّ میسرة کان جدیراً بإعطاء الصورة المطلوبة، ولذا اختارته سیّدته لذلك. وما أن صحب الغلام رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) إلّا ورأی الأعاجیب ممّا لم یکن في حسابه ولا في تصوّراته، فرغم طیب المعاشرة وحسن الأخلاق وصدق المعاملة وعظیم الأمانة، فإنّ أُموراً خارجة عن المألوف تمکّن میسرة من مشاهدتها عیاناً.

عن محمّد بن إسحاق، قال: «کانت خدیجة بنت خویلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها، وتضاربهم إیّاه بشيء تجعله لهم منه، وکانت قریش قوماً تجّاراً، فلمّا بلغها عن رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) من صدق حدیثه وعظیم أمانته وکرم أخلاقه، بعثت إلیه وعرضت علیه أن یخرج في مالها تاجراً إلی الشام، وتعطیه أفضل ما کانت تعطي غیره من التجّار، مع غلامٍ لها یقال له: میسرة، فقبله منها

رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)، وخرج في مالها ذلك ومعه غلامها میسرة، حتّی قدم الشام، فنزل رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) في ظلّ شجرة قریباً من صومعة راهب، فاطّلع الراهب إلی میسرة فقال: مَن هذا الرجل الذي نزل تحت هذه الشجرة؟ فقال میسرة: هذا رجل من قریش من أهل الحرم، فقال له الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة إلّا نبي

ثمّ باع رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) سلعته التي خرج بها واشتری ما أراد أن یشتري، ثمّ أقبل قافلاً إلی مکّة ومعه میسرة، وکان میسرة قال (فیما) قال: إذا کانت الهاجرة واشتدّ الحرّ، نزل ملکان یظلّلانه من الشمس وهو یسیر علی بعیره، فلمّا قدم مکّة علی خدیجة بمالها باعت ما جاء به فأضعف أو قریباً، وحدّثها میسرة عن قول الراهب وعمّا کان یری من تظلیل الملکین له»(1).

إنّ هذه الواقعة وما أحاطت بها من ظروف مادّیة ومعنویة، دفعت السیّدة خديجة(علیها السلام) إلی نهایة الشوط، فأرسلت أُختها هالة أو صدیقتها نفیسة بنت منیة - علی قولٍ - إلی رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)، وأسرّته فور عودته من الشام لتعرض نفسها علیه.

ص: 229


1- . بحار الأنوار: ج16 ص9، السیرة النبویة لابن هشام: ج1 ص203 بإسناده عن ابن إسحاق.

وذهبت نفیسة مندسّةً إلی النبي(صلی الله علیه و آله)، وجری هذا الحوار التاریخي القصیر الحاسم بینهما(1):

«نفیسة: ما یمنعك من الزواج؟ قال: ما بیدی ما أتزوّج به، قالت: فإن کُفیت ذلك ودُعیت إلی الجمال والمال، والشرف والکفاءة، ألا تجیب؟

قال: فمن هي؟

نفیسة: خدیجة !

قال النبي(صلی الله علیه و آله): کیف لي بذلك؟

قالت: عليّ ذلك.

وأعلن رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) قبوله بالعرض».

ویبدو أنّ نفیسة عادت مرّة ثانیة طالبة من النبي(صلی الله علیه و آله) أن یحضر مع أعمامه لخطبة سیّدة قریش من عمّها عمرو بن أسد؛ لأنّ أباها خویلد کان قد قضی نحبّه قبل حرب الفِجَار، وحدّدت نفیسة بإذن خدیجة موعد اللقاء في دارها التي کانت من أوسع دور قریش وأرحبها.

واجتمع عدد من أعمام النبي(صلی الله علیه و آله) ورجال قریش في طلیعتهم أبو طالب في دار السیّدة خديجة(علیها السلام)، وحضر من قرباها عمّها عمرو بن أسد وآخرون. وتکلّم أبو طالب خاطباً خدیجة من عمّها(2)، وجاء في حدیثه ما یلي: «الحمد للّه الذي جعلنا من ذرّية إبراهیم وزرع إسماعیل وضئضئ(3) معد وعنصر مضر، وجعلنا سدنة بیته وسواس حرمه، وجعل لنا بیتاً محجوباً وحرماً آمناً، وجعلنا الحکّام علی الناس. ثمّ أنّ ابن أخي هذا محمّد بن عبداللّه لا یوزن به رجل إلّا رجحه، وإن کان في المال قلاً فإنّ المال ظلّ زائل وحال حائل، ومحمّد من قد عرفتم قرابته، وقد خطب خدیجة بنت خویلد وبذل لها من الصداق ما آجله وعاجله من مالي، وهو واللّه بعد هذا له نبأ عظیم وخطر جلیل»(4).

ص: 230


1- . حیاة محمّد لمحمّد حسنین هیکل (ط 1354ه القاهرة): ص84.
2- . وردت في کلام أبي طالب اختلافات بین المصادر في بعض الألفاظ.
3- . ضئضئ: الأصل.
4- . بحار الأنوار: ج16 ص16 و 17 عن من لا یحضره الفقیه: ص413. وأخرج نحوه الیعقوبي في تاریخه: ج2 ص15، والوفا بأحوال المصطفی لأبي الفرج عبدالرحمن الجوزي: ج1 ص145 مع اختلاف في الألفاظ.

ثمّ إنّ عمّها عمرو بن أسد ردّ علی خطبة أبي طالب ردّاً إیجابیاً یتجلّی في کلماته تأثّره بالحنیفیة الأُولی أو بالکتب السماویة التي ذکر المؤرّخون أنّه کان یهتمّ بقراءتها، وهذه کلمات عمّها کما ذکرها المؤرّخون: «الحمد للّه الذي جعلنا کما ذکرت وفضّلنا علی ما عدّدت، فنحن سادة العرب وقادتها، وأنتم أهل ذلك کلّه، لا تنکر العشیرة

فضلکم، ولا یردّ أحد من الناس فخرکم وشرفکم، وقد رغبنا بالاتّصال بحبلکم وشرفکم، فاشهدوا عليَّ معاشر قریش بأنّي قد زوّجت خدیجة بنت خویلد من محمّد بن عبداللّه علی أربعمائة دینار»(1).

هذا، ومن الجدیر ذکره أنّ إشارة بعض المصادر إلی وجود أبیها خویلد لیس صحیحاً، فقد توفّي الرجل المذکور في حرب الفِجَار أو قبلها، کما أنّ الراجح أن یکون عمرو بن أسد هو الذي تولّی تزویجها ولیس ورقة بن نوفل کما زعمت بعض المصادر، اللّهمّ إلّا أن یکون ورقة أحد الحاضرین في الزواج لیس غیر، فالعمّ أولی من ابن العمّ في ذلك.

وبعد إجراء مراسم العقد، أعلنت خدیجة أنّ بیتها وما تملك هو تحت تصرّف النبي(صلی الله علیه و آله). ثمّ إنّ أبا طالب أقام علی شرف الزوجین والحضور ولیمة بعد أن نحر ناقة وأطعم من کان حاضراً. وهکذا تمّت مراسیم الزواج المبارك، ودخل رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) داره لیقیل مع زوجته السیّدة خدیجة أُمّ المؤمنین الأُولی لتبدأ المرحلة الجدیدة من حیاتهما علیهما الصلاة والسلام.

هذا، ومن الجدیر ذکره أنّ مراسیم عقد زواج النبي(صلی الله علیه و آله) من السیّدة خديجة(علیها السلام) کان في الیوم التاسع(2) من ربیع الأوّل بعد عام الفیل بخمس وعشرین سنة، علماً بأنّ المصطفی لم یتزوّج سواها حتّی توفّیت؛(3) رعایةً لمشاعرها وإکراماً لمقامها، علیها آلاف التحیة والسلام.

ص: 231


1- . بحار الأنوار: ج16 ص19 وقد ذکرته مختلف المصادر التاریخیة.
2- . جنّة المأوی للإمام محمّد حسین آل کاشف الغطاء: ص95.
3- . العقد الفرید لابن عبد ربّة الأندلسي: ج5 ص6، و سواه من المصادر.

أوّل النساء تصدیقاً برسول اللّه(صلی الله علیه و آله)

دخلت السیّدة خدیجة حیاتها الجدیدة باقترانها برسول اللّه(صلی الله علیه و آله)، حیث

الحبور والرحمة والتلاحم الروحي والعاطفي. وقد عبّر عن هذه الحالة التي توقّعها أبو طالب للزوجین بعد وقوع العقد بقوله: «الحمد للّه الذي أذهب عنّا الکرب ودفع عنّا الغموم»(1).

وحیث إنّ الانسجام الروحي والعاطفي بین الرسول وسیّدة قریش کان ثمرة طبیعیة؛ لأنّ أحدهما کان توّاقاً لصاحبه، تتجاذب روحاهما وتتناغم، إذ لو لم تقترن خدیجة بشخص الرسول لما مالت نفسها إلی سواه طوال حیاتها، ولما وجدت کفئاً لها من الرجال أبداً.

وهکذا اتّسمت حیاة رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) بالحبور والدعة مع هذه المرأة العظیمة ممّا لم یتسنّ لغیرها من أزواجه فیما بعد، حتّی غارت منها وحسدتها بعض نسائه رغم وفاتها(علیها السلام)؛ لکثرة ما یثني علیها رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) ویذکرها بخیر ویجدّد العهد بذکرها الطیّب آناً بعد آن.

إلّا أنّ الأهمّ من ذلك کلّه الانسجام الروحي والفکري بین النبي(صلی الله علیه و آله) وقرینته المکرّمة، الذي بدأ یتعمّق منذ دخلت تحت کنفه ورعایته. ففي الفترة التي تمّ زواج رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) من السیّدة خديجة(علیها السلام) کان النبي(صلی الله علیه و آله) قد قطع شوطاً بعیداً في إعداده الإلهيّ وتلقّیه مبادئ الحکمة وبوادر الخیر والرحمة من عند اللّه تعالی التي کان یعکسها بدوره بشکل أو بآخر علی قلب السیّدة خدیجة وروحها وسلوکها، حتّی انصهرت في بوتقة الهدی الربّاني.

فنحن علی علم أنّ الرسول کان خاضعاً لعملیة إعداد ربّاني مخطّط وبرنامج ملکوتی رفیع، یصنعه علی عین اللّه ؛ لکي ینهض بأعظم رسالة عرفها هذا الکوکب، بل هذا الوجود.

ولقد تدرّج في عملیة الإعداد باتّجاه موقع الرسول الخاتم، ومرّ بمستویات

ص: 232


1- . السیرة النبویة لابن دحلان بهامش السیرة الحلبیة: ج1 ص106.

ودرجات کان أبرزها: درجة النبوّة، ثمّ درجة الرسالة التي بدأت بما یُصطلح

علیه بالبعثة، وما تطلّبته من نزول القرآن الکریم مفرّقاً حسب مقتضیات إعداد الأُمّة، والنهوض بها إلی مستوی خیر أُمّة أُخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهی عن المنکر.

ولقد کانت فترة النبوّة طویلة نسبیاً استغرقت حیّزاً کبیراً من عمر النبي الخاتم محمّد بن عبداللّه(صلی الله علیه و آله)، کان غیر مسموح له فیها بدعوة الناس إلی الحقّ الذي لدیه، إلّا أنّه من المقطوع به أنّه کان مقتصراً دعوته علی أهل بیته وخاصّته.

وهذه أرقام وشواهد علی ذلك:

أ -- کان نبیّاً قبل أن یکون رسولاً

قضی المصطفی محمّد بن عبداللّه(صلی الله علیه و آله) ثلثي عمره الشریف نبیّاً لم یؤذن له من قبل اللّه

بدعوة الناس إلی رسالته، ولم یعلن عن نبوّته المبارکة طوال تلك السنین: «اعلم أنّ الطائفة قد اجتمعت علی أنّ رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) کان رسولاً نبیّاً مستخفیاً، یصوم ویصلّي علی خلاف ما کانت قریش تفعله مذ کلّفه اللّه تعالی، فإذا أتت أربعون سنة، أمر اللّه جبرئیل أن یهبط بإظهار الرسالة، وذلك في یوم السابع والعشرین من شهر اللّه الأصمّ»(1).

ولهذه الحقیقة أشار أمیرالمؤمنین علي بن أبي طالب في حدیثٍ له جاء فیه: «ولقد قرن اللّه به من لدن أن کان فطیماً، أعظم ملك من ملائکته، یسلك به طریق المکارم ومحاسن أخلاق العالم، لیله ونهاره»(2).

حتّی إذا نزل علیه جبرئیل بمطالع سورة المدّثر المبارکة في الیوم السابع والعشرین

من رجب المرجّب: (يَا أَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَ رَبَّكَ فَكَبِّرْ)، باشر عملیة دعوة الناس إلی عبودیة اللّه حیث بُعث إلی الناس کافّة وأُذن له بالتبلیغ.

ویُلاحظ من حقائق السیرة النبویة المطهّرة أنّ النبي(صلی الله علیه و آله) ولأهداف استراتیجیة کان

ص: 233


1- . روضة الواعظین للشهید الفتّال النیسابوري: ص62، منشورات مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات.
2- . نهج البلاغة: خطبة 192.

مأُموراً أن یُطلع ابن عمّه وربیبه علي بن أبي طالب علی التطوّرات التي کانت تجري له قبل نزول القرآن الکریم وبعده أوّلاً بأوّل، وشارکته في ذلك السیّدة خدیجة، حیث أشار الإمام علي لذلك بقوله: «... وقد علمتم موضعي من رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) بالقرابة القریبة والمنزلة الخصّیصة، وضعني في حجره وأنا ولد، یضمّني إلی صدره، ویکنفني في فراشه، ویمسّني جسده، ویشمّني عرفه، وکان یمضغ الشيء ثمّ یُلقمنیه، وما وجد لي کذبة في قولٍ ولا خطلة في فعل. ولقد قرن اللّه به من لدن أن کان فطیماً أعظم ملك من ملائکته، یسلك به طریق المکارم، ومحاسن أخلاق العالم لیله ونهاره.

ولقد کنت أتبعه اتّباع الفصیل أثر أُمّه، یرفع لي في کلّ یوم من أخلاقه علماً، ویأمرني بالاقتداء به. ولقد کان یجاور في کلّ سنة بحراء، فأراه ولا یراه غیري، ولم یجمع بیت واحد یومئذٍ في الإسلام غیر رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) وخدیجة وأنا ثالثهما، أری نور الوحي وأشمّ ریح النبوّة، ولقد سمعت رنّة الشیطان حین نزل الوحي علیه، فقلت: یا رسول اللّه، ما هذه الرنّة؟ فقال: هذا الشیطان قد أیس من عبادته، إنّك تسمع ما أسمع وتری ما أری، إلّا أنّك لست بنبيٍّ، ولکنّك لوزیر وإنّك لعلی خیر...» (1).

هذا، وقد بذل المرحوم المبرور الشیخ محمّد باقر المجلسي وسعاً من أجل دراسة

هذه المسألة العقائدیة التاریخیة الحسّاسة، وساق الکثیر من الأدلّة والشواهد المتینة من الکتاب والسنّة علی أنّ رسول اللّه محمّد بن عبداللّه(صلی الله علیه و آله) کان نبیّاً منذ صغره، مؤیّداً بروح القدس، یکلّمه الملك ویسمع صوته، ویتعبّد بشریعته هو لا بشریعة رسول آخر.

حتّی إذا بلغ الأربعین من عمره الشریف جری له التحوّل النوعي الآخر في المهامّ والأهداف، فبعثه اللّه رسولاً، ونزل علیه القرآن الکریم، وأمره ربّه بدعوة الناس إلی رسالته(2).

ص: 234


1- . نهج البلاغة: خطبة 192.
2- . راجع هذا البحث القیّم الموثّق في بحار الأنوار: ج18 ص271 - 281.

ب -علي وخدیجة أوّل المصدّقین بالنبوّة

ومنذ فترة متقدّمة علی نزول مطلع سورة المدّثر الآمرة لرسول اللّه(صلی الله علیه و آله) بالدعوة العامّة، کان رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) یستخفي بدعوته عن الناس دون القرابة القریبة من أهل بیته: «فجعل رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) یذکر ما أنعم اللّه علیه وعلی العباد به من النبوّة، سرّاً إلی من یطمئنّ إلیه من أهله...»(1).

ومن أجل ذلك، فإنّ الروایات الکثیرة التي تذکر أنّ رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) صلّی یوم الاثنین، وصلّت السیّدة خدیجة وعلي یوم الثلاثاء(2)، تشیر إلی السیاق الزمني الذي مرّت به الدعوة الإلهیّة الخاتمة. واستمرّت الدائرة تتّسع قلیلاً، فضمّت جعفراً وزید بن حارثة بعد ذلك. أمّا دعوة الناس خارج هذا الإطار، فقد بقیت تنتظر وقتها المناسب الذي یحدّده ربّ العالمین.

وهذه بعض الأرقام والوثائق المؤکّدة التي تعطي انطباعاً أوّلیّاً عن موقع علي

وخدیجة في سلّم الدعوة والرسالة.

«عن یحیی بن عفیف عن عفیف، قال: جئت في الجاهلیة إلی مکّة فنزلت علی العبّاس بن عبد المطّلب. قال: فلمّا طلعت الشمس وحلّقت في السماء وأنا أنظر إلی الکعبة، أقبل شابّ فرمی ببصره إلی السماء، ثمّ استقبل الکعبة فقام مستقبلها، فلم یلبث حتّی جاء غلام فقام عن یمینه. قال: فلم یلبث حتّی جاءت امرأة فقامت خلفهما، فرکع الشابّ فرکع الغلام والمرأة، فرفع الشابّ فرفع الغلام والمرأة، فخرّ الشاب ساجداً فسجدا معه، فقلت: یا عبّاس، أمر عظیم! فقال: أمر عظیم، أتدري من هذا؟ فقلت: لا، قال: هذا محمّد بن عبداللّه بن عبد المطّلب ابن أخي، أتدری من هذا معه؟ قلت: لا، قال: هذا علي بن أبي طالب بن عبد المطّلب ابن أخي، أتدري من هذه المرأة التي خلفهما؟ قلت: لا، قال: هذه خدیجة بنت خویلد زوجة ابن أخي، وهذا

ص: 235


1- . السیرة النبویة لابن هشام: ج1 ص259، وتاریخ الطبري: ج2 ص53.
2- . بحار الأنوار: ج18 ص179 نقلاً عن تفسیر القمّي، تاریخ الطبري: ج2 ص55 بروایة جابر بن عبداللّه الأنصاري و ص59 عن زید بن أرقم.

حدّثني أنّ ربّه ربّ السماء أمرهم بهذا الذي تراهم علیه، وأیم اللّه ما أعلم علی ظهر الأرض کلّها أحداً علی هذا الدین غیر هؤلاء الثلاثة»(1).

في هذه الوثیقة التي تکرّرت في تاریخ الطبري مراراً وبأسانید مختلفة، یُلاحظ أنّ الوثیقة تصف النبي(صلی الله علیه و آله) بالشابّ، کما تعطي صفة الغلام لعلي بن أبي طالب ، الأمر الذي یشیر إلی أنّ تعبّدهم للّه تعالی کان قبل الناس بسنین عدیدة، لا سیّما ونحن نعلم أنّ البعثة بالرسالة قد حدثت ورسول اللّه(صلی الله علیه و آله) قد بلغ الأربعین عاماً أو تخطّاها حسب بعض الروایات... فأین هو من مرحلة الشباب في هذه الفترة؟

عن محمّد بن مسلم عن الإمام محمّد بن علي الباقر : «ما أجاب رسولَ اللّه(صلی الله علیه و آله) أحدٌ قبل علي بن أبي طالب وخدیجة صلوات اللّه علیهما، ولقد مکث

رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) بمکّة ثلاث سنین مختفیاً خائفاً یترقّب ویخاف قومه والناس»(2).

عن أبي عبداللّه قال: «اکتتم رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) بمکّة مستخفیاً خائفاً خمس سنین لیس یظهر، وعلي معه وخدیجة، ثمّ أمره اللّه أن یصدع بما یؤمر، فظهر وظهر أمره».

وعن أمیر المؤمنین علي قال: «ولقد کان رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) یجاور في کلّ سنة بحراء، فأراه ولا یراه غیري، ولم یجمع بیت واحد یومئذٍ في الإسلام غیر رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) وخدیجة وأنا ثالثهما، أری نور الوحي وأشمّ ریح النبوّة»(3).

وعن أمیر المؤمنین : «ما أعرف أحداً من هذه الأُمّة عبد اللّه بعد نبیّنا غیري، عبدت اللّه قبل أن یعبده أحد من هذه الأُمّة تسع سنین»(4).

عن عبّاد بن عبد اللّه قال: سمعت علیّاً یقول: «أنا عبداللّه وأخو رسوله، وأنا الصدّیق الأکبر، لا یقولها بعدي إلّا کاذب مفترٍ، صلّیت مع رسول اللّه قبل الناس بسبع سنین»(5).

ص: 236


1- . تاریخ الطبري: ج2 ص56.
2- . بحار الأنوار: ج18 ص188.
3- . نهج البلاغة: خطبة 192.
4- . خصائص أمیر المؤمنین علي بن أبي طالب للإمام الحافظ أحمد بن شعیب النسائي: ص3.
5- . تاریخ الطبري: ج2 ص56، الکامل لابن الأثیر الجزري: ج2 ص57.

إنّ هذه الوثائق التاریخیة رغم اختلافها في البعد الزمني الذي تذکره حول سبق علي والسیّدة خدیجة لعموم الناس في الالتحاق برکب الدعوة الإلهیّة الخاتمة، حیث تتراوح سنوات السبق المذکور بین ثلاث سنوات وتسع، إلّا أنّها تؤکّد الحقیقة القائلة إنّ علیّاً والسیّدة خديجة(علیها السلام)کانا ضمن أجواء التغیّرات الروحیة والفکریة للنبي(صلی الله علیه و آله)، حتّی أنّهما لم یُفاجئا بالنبوّة، ولم یُفاجئا بالتکالیف

الإلهیّة، وإنّما مرّا بحالة تحوّل نوعي في أداء التکالیف لیس غیر، ولذا فإنّ علیّاً یذکر أنّه حین نزل الوحي - حیث ابتدأت البعثة بالرسالة لعموم الناس - سمع الرنّة التي أحدثتها هزیمة الشیطان(1) في العالم غیر المحسوس، حیث کان هو معه في غار حراء، وعلی مقربة من الغار کانت خدیجة(2).

کما أنّ بعض الروایات تشیر أنّ علي بن أبي طالب هو ذاته التحق بالنبي(صلی الله علیه و آله)

في أداء التکالیف، ولم یعرض علیه رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) دعوته، حیث یذکر هذا النوع

من الروایات أنّ علیّاً رأی رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) یصلّي أوّل صلاة وکانت هذه العملیة نقلة

فکریة وروحیة في سلّم الرسالة بطبعها، فسأله عمّا یفعل، فقال: أُصلّي، فصلّی علي معه(3)، ولا نستبعد أن تکون خدیجة ذات القلب الربّاني الشفّاف والروح الإلهیّة المتعلّقة بعالم القدس سلکت غیر هذا السلوك؛ لأنّها وعلیّاً کانا یصنعان علی عین رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)، تماماً کما کان هو یصنع علی عین اللّه ، وإن کان مستوی علي من رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) کمستوی هارون من موسی (4)، کما عبّرت النصوص عن ذلك،

وهو مستویً لم تبلغه السیّدة خدیجة قطعاً، إلّا أنّها تمثّل قمّة في النساء قطعاً،

لم تسبقها غیر فاطمة ابنتها في هذه الأُمّة المرحومة، تلك المرأة التي حملت

ص: 237


1- . نهج البلاغة: خطبة القاصعة: ص301.
2- . یُستفاد ذلك من المصدر نفسه ومن تاریخ الطبري: ج2 ص48، وفي ظلال القرآن لسیّد قطب: ج 6 تفسیر سورة المزمّل.
3- . بحار الأنوار: ج18 ص184 نقلاً عن المحدّث الثقة علي بن إبراهیم القمّي، وهناك مصادر ذکرت ذلك بشکل أو بآخر.
4- . کما هو حدیث «أنت منّي بمنزلة هارون من موسی» المشهور.

بحقّ وجدارة لقب سیّدة نساء العالمین وسیّدة نساء أهل الجنّة(1)، کما أخبر الصادق الأمین بذلك.

الإیمان الممتحن

تزامنت عملیة اقتران السیّدة خدیجة بنت خویلد برسول اللّه(صلی الله علیه و آله) مع إرهاصات عهد النبوّة، وواکبت کافّة التطوّرات الروحیة والفکریة التي تعرّض لها المصطفی، لیصنع علی عین اللّه ، واکبته في دارهما، وواکبته حتّی في غار حراء، حتّی إذا فرض اللّه الصلاة علی النبي(صلی الله علیه و آله) بعد فرض عقیدة التوحید، صلّی معه علي وخدیجة قبل الناس بسنین عدیدة کما قدّمنا.

وحیث اقتصرت الدعوة بادي ذي بدء بأمر اللّه تعالی علی القرابة القریبة من أهل النبي(صلی الله علیه و آله)، فلم تحدث أیّة معاناة من أعداء الهدی، إذ کان المشرکون ینظرون إلی رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) في بدایة دعوته کما لو کان راهباً أو رجلاً من الأحناف الذین یمارسون الصلاة والقربات للّه تعالی أحیاناً، ولذا لم تستفزّهم صلاته وطوافه في الکعبة جهاراً.

حتّی إذا أُمر بالدعوة العامّة التي ابتدأت بدعوة عشیرته الأقربین: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ)(2) علی تفصیل معلوم من مصادر التاریخ والتفسیر، وما تلاها من تخریب لمهمّة النبي(صلی الله علیه و آله) بواسطة عمّه الخبیث أبي لهب(3)، وما تبع ذلك من سبّ النبي(صلی الله علیه و آله) للأوثان التي یعکف علیها المشرکون والتندید بها والدعوة الصریحة للّه الواحد الأحد عزّ شأنه، انفجر الموقف بین قریش ورسول

اللّه(صلی الله علیه و آله) علی أشدّ ما یکون الصراع.

فبدأت الحرب النفسیة والإعلام المضادّ والضغط العائلي والقبلي، وبدأت عملیات التعذیب النفسي والجسدي للمستضعفین من أتباع النبي(صلی الله علیه و آله) ودعوته.

کما أصاب رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) منهم الکثیر الکثیر من الأذی المادّي والمعنوي: اتّهموه

ص: 238


1- . کما في أحادیث مشهورة عند عموم المسلمین.
2- . الشعراء: 214.
3- . تاریخ الطبري: ج2 ص61 و ما بعدها.

بالسحر والشعوذة، والجنون والکذب والضلال، کما ألقوا القذارات والنجاسات علی بدنه الشریف، ووضعوا الأشواك في طریقه من أجل إیذائه.

ومن الطبیعي أنّ کلّ ذلك وغیره کانت السیّدة خدیجة تشهده وتعیشه، وکانت تشدّ من أزر النبي(صلی الله علیه و آله) وتعینه وتقف إلی جانبه لیتخطّی عقبات الطریق رافع الرأس شامخاً.

وما أعظم أن یجد الإنسان الداعیة إلی رسالة حقّ، أن یجد زوجةً تقف إلی جنبه وتشحذ همّته، وتساهم في توفیر مستلزمات الصمود له.

وهکذا کانت السیّدة خدیجة بنت خویلد(علیها السلام)، فقد کانت صدّقته في دعوته منذ بدایة الشوط ونهضت معه بالتکالیف الإلهیّة، وکلّما ضاق صدره من جاهلیة قومه وامتلأت نفسه حسرةً من ضلال المشرکین، کانت السیّدة خدیجة تنبری لتقول کلماتها الوادعة الحریصة الواثقة: «أبشر، فواللّه لا یُخزیك اللّه أبداً، وواللّه إنّك لتصل الرحم، وتصدق الحدیث، وتؤدّي الأمانة، وتحمل الکَلّ، وتُقري الضیف، وتعین علی نوائب الحقّ»(1).

إنّ هذه الکلمات تشکّل هیکلاً لنبوءة السیّدة خديجة(علیها السلام) بنصر الدعوة،

وعمق وعیها بصدق محمّد(صلی الله علیه و آله) في دعوته، والإمداد الغیبي الذي سیأتیه لینصره اللّه علی أعدائه ویعزّ نصره، «أبشر فواللّه لا یُخزیك اللّه أبداً».

ومنذ بدایة المسیرة وضعت السیّدة خدیجة کلّ أموالها الطائلة المعروفة تحت تصرّف رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)(2)، بالنظر لوعیها أنّ الدعوة لابدّ لها من مال تستعین به في مسیرتها کوسیلة لتحقیق الأهداف الإلهیّة العظیمة، تُطعم به المساکین من المؤمنین، وتواري عوراتهم، وتسدّ نفقاتهم الیومیة، خصوصاً وأنّ مکّة بلد صحراوي یکثر فقراؤه المحتاجون؛ بالنظر لعدم وجود سلطة سیاسیة في البلاد تتولّی توزیع الثروات بشکل عادل، لا سیّما وأنّ السیاسة الارستقراطیة هي التي تحکم المدینة المذکورة، وتحکم عقول الملأ من قریش.

ص: 239


1- . تاریخ الطبري: ج2 ص47.
2- . انظر: تراجم أعلام النساء للشیخ محمّد حسین الأعلمي: ج2 ص51.

وکان المال في مکّة هو سیّد الموقف، وحتّی الأصنام التي یعبدونها لتقربهم زلفی إلی اللّه تعالی بزعمهم، کان الملأ منهم یتصوّرها وسیلة لکسب المال لیس إلّا؛ لأنّ تردّد الناس علی أصنامهم المنصوبة في مکّة کان وسیلة للتبادل التجاري، وطریقة لنموّ الثروة في أسواق مکّة التي یسیطر علیها أصحاب السلطان في تلك المدینة.

وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أنّ غالبیة الذین أسلموا في مکّة کانوا من المحتاجین، إمّا لمقاطعة ذویهم لهم، وإمّا لکونهم في عسر مادّي أساساً کالعبید والفقراء وأشباههم، ممّن فتح اللّه تعالی قلوبهم للدعوة الإلهیّة الخاتمة، فلابدّ من مصدر مالي مناسب یتوفّر للنبي(صلی الله علیه و آله) من خلاله علی سدّ نفقات المحتاجین من أتباعه.

وهکذا کانت أموال السیّدة خدیجة مصدراً مادّیاً أساسیاً لدعم الرسول ودعوته، بتغطیة نفقات المستضعفین من هذا المال المبارك.

وقد نوّهت أسماء بنت عمیس إلی ذلك في حوارٍ لها مع عمر بن الخطّاب بقولها:

«کنتم مع النبي(صلی الله علیه و آله) یطعم جائعکم، ویعظ جاهلکم».

وقد اشتدّت الحاجة إلی ثروة خديجة(علیها السلام) عندما حوصر بنو هاشم في شعب أبي طالب ، حیث اتّخذت قریش من جملة ما اتّخذت من قرارات الحصار البغیض: أن لا یبایع أحد بني هاشم والمسلمین المحصورین في الشعب بأيّ حال من الأحوال ولا یبتاع منهم.

وأقلّ ما کانت قریش تفعله مع القادمین في موسم الحجّ أن تفرض علیهم عدم مبایعة أُولئك المحصورین إلّا بأسعارٍ باهضة جدّاً أو تنهب قریش أموالهم عنوة. کما أنّ الشِّعب کان مراقباً؛ منعاً من وصول الموادّ الغذائیة للمحاصرین، حتّی اضطرّ المحاصرون أن یأکلوا ورق الشجر والأدغال، وکان صراخ أطفالهم یُسمع من بعید بسبب الجوع.

وهذا مصداق واحد من مصادیق محنة الحصار کما ذکرها المؤرّخون: «... فأقاموا علی ذلك من أمرهم سنتین أو ثلاثاً حتّی جهدوا ألّا یصل إلی أحدٍ منهم شيء إلّا سرّاً

ص: 240

مستخفیاً به ممّن أراد صلتهم من قریش. وذُکر أنّ أبا جهل لقي حکیم بن حزام بن خویلد بن أسد معه غلام یحمل قمحاً یرید به عمّته خدیجة بنت خویلد وهي عند رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) ومعه في الشِّعب، فتعلّق به وقال: أتذهب بالطعام إلی بني هاشم؟ واللّه لا تبرح أنت وطعامك حتّی أفضحك بمکّة. فجاء أبو البختري ابن هشام بن الحارث بن أسد، فقال: ما لك وله؟ قال: یحمل الطعام إلی بني هاشم، فقال له أبو البختري: طعام لعمّته عنده بعثت إلیه، أفتمنعه أن یأتیها بطعامها؟ خلّ سبیل الرجل. فأبي أبو جهل، حتّی نال أحدهما من صاحبه، فأخذ البختري لحی بعیر فضربه فشجّه ووطئه وطئاً شدیداً، وحمزة بن عبد المطّلب قریب یری ذلك، وهم یکرهون أن

یبلغ ذلك رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) وأصحابه فیشمتوا بهم...»(1).

وبوسع المرء أن یقدّر خطورة الموقف وصعوبته إذا علمنا أنّ الحصار المذکور قد استمرّ ثلاث سنین أو یزید، وکانت أموال النبي(صلی الله علیه و آله) والسیّدة خديجة(علیها السلام) قد استُثمرت في معرکة الحیاة أو الموت هذه، لتجهیز الممکن من الأطعمة ولو بأغلی الأثمان.

وکان علي بن أبي طالب یغامر لإیصال ذلك الطعام سرّاً بین حین وآخر، معرّضاً حیاته الشریفة للخطر من أجل الإسلام(2). حتّی لقد نفذت أموال النبي(صلی الله علیه و آله) والسیّدة خديجة(علیها السلام) علی طریق إنقاذ حیاة المحاصرین والمستضعفین من المسلمین الذین لا یجدون حیلة، ولا یهتدون إلی سدّ نفقاتهم سبیلاً.

وهکذا نزلت السیّدة خديجة(علیها السلام) من مستوی المرأة التاجرة إلی مستوی المرأة المحاصرة مع النبي(صلی الله علیه و آله)، حتّی ذکر البعض من المؤرّخین أنّ من أسباب وفاتها کان ما عانته بسبب الجوع والضعف، حتّی قضت شهیدة مظلومة بعد حصار الشِّعب بمدّة وجیزة.

وماذا نقول عن مواقفها من النبي(صلی الله علیه و آله) ومحنته التي طالت عقداً من الزمان؟

ص: 241


1- . تاریخ الطبري: ج2 ص74.
2- . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحدید المعتزلي: ج3 ص256.

لقد کانت السیّدة خديجة(علیها السلام) تراقب حالة النبي(صلی الله علیه و آله) عن کثب، وتعمل بما في وسعها للتخفیف من حجم معاناته الکبیرة من أجل اللّه تعالی والدعوة الإلهیّة، حتّی أنّها ولفرط إشفاقها علیه کانت تدعوه لضرورة النوم والراحة؛ حتّی یستریح من عناء ما یلقاه في النهار کي یواصل المسیر بفاعلیة کما تتصوّر،

فأجابها علیه وعلی آله الصلاة والسلام: «مضی عهد النوم یا خدیجة»(1).

ولقد کانت تشهد معاناته الیومیة وما یلقاه من أُولئك السفهاء والأجلاف، من أمثال أبي جهل وأبي سفیان وعقبة بن أبي معیط والعاص بن وائل وعمرو بن العاص وابن الزبعري، وأمثالهم مِن سبٍّ واتّهام واعتداء مادّي صریح، لا حیاء فیه ولا شعوراً إنسانیاً.

ولقد کان أشدّهم علیه عمّه أبو لهب الذي کان لا یکلّ ولا یملّ عن الکید برسول اللّه(صلی الله علیه و آله) ودعوته، ولقد کان یتسلّل وراءه، فلا یدعو النبي(صلی الله علیه و آله) جماعة إلی اللّه تعالی، إلّا ویکذّبه؛ لیحول بین الناس ودعوة الحقّ(2).

ولقد کان المصطفی یلقی من قومه أشدّ أنواع البلاء، فکانوا یلقون الشوك في طریقه، ویلقون علیه التراب، ویقذفونه بالحجارة، ویرمون القاذورات علی رأسه وظهره. ولقد شوهد أبو لهب یدمي رجلیه وعرقوبیه بالحجر الذي یرمیه به أمام الناس.

«وکان أبو لهب شدیداً علیه وعلی المسلمین، عظیم التکذیب له، دائم الأذی، فکان یطرح العذرة والنتن علی باب النبي(صلی الله علیه و آله)، وکان جاره، فکان رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) یقول: أيّ جوارٍ هذا یا بني عبد المطّلب؟! فرآه یوماً حمزة فأخذ العذرة وطرحها علی رأس أبي لهب...» (3).

ولقد ألقت قریش علیه سلی بعیر أو جزور نتناً وهو ساجد، فأرسلت السیّدة خديجة(علیها السلام) ابنتها الحبیبة فاطمة(علیها السلام) وهي لا تزال طفلة غضّة، فأماطته عن ظهر أبیها رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)، وهي تدعو علیهم: «بینما رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) ساجد وحوله ناس من قریش وثمّ سلی بعیر، فقالوا: من یأخذ سلی هذا الجزور أو البعیر فیفرّقه علی ظهره؟ فجاء عقبة بن أبي معیط فقذفه علی ظهر النبي(صلی الله علیه و آله)، وجاءت فاطمة(علیها السلام) فأخذته من ظهره، ودعت علی من صنع ذلك، قال عبداللّه: فما رأیت رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) دعا

علیهم إلّا یومئذٍ، فقال: اللّهمّ علیك الملأ من قریش، اللّهمّ علیك أبا جهل بن هشام، وعتبة بن ربیعة، وشیبة بن ربیعة، وعقبة بن أبي

ص: 242


1- . في ظلال القرآن لسیّد قطب: ج6 ص3744 (تفسیر سورة المزمّل).
2- . في ظلال القرآن لسیّد قطب، ج 6 تفسیر سورة المسد نقلاً عن ابن إسحاق و أحمد بن حنبل والطبراني.
3- . الکامل في التاریخ لابن الأثیر: ج2 ص70.

معیط، وأُمیّة بن خلف أو أُبي بن خلف»(1).

قال عبد اللّه: «ولقد رأیتهم قُتلوا یوم بدر، وأُلقوا في القلیب. أو قال: في بئر، غیر أنّ أُمیّة بن خلف أو أُبي بن خلف کان رجلاً بادناً، فقُطع قبل أن یبلغ البئر»(2).

ومن متابعة واعیة لسیرة الصدّیقة الطاهرة السیّدة خدیجة یتّضح أنّ محنتها من المشرکین کانت مضاعفة، فمنذ بدأت قافلة الهدی تشقّ طریقها في المجتمع، وصار المستضعفون وأصحاب القلوب الحیّة یسمعون صوت الحادي یدعو: أن هلمّوا إلی اللّه ... منذ تلك الأیّام المبکّرة بدأت محنة السیّدة خديجة(علیها السلام)، حیث قاطعتها نساء قریش، فلم یزرنها ولم تتفقّدها إحداهنّ، وصرن یهمزنها ویغمزنها، ویفرضن علیها حرباً نفسیة ماکرة من أجل إیذائها، حتّی أنّها لم تحظَ بزیارة إحداهنّ أیّام ولادتها ونفاسها، وأنت خبیر بحاجة المرأة إلی مثیلاتها أیّام الولادة؛ کلّ ذلك من أجل اللّه تعالی ومحمّد والدعوة الإلهیّة المبارکة. وهکذا ربطت هذه المرأة العظیمة کلّ وجودها وما تملك بمصلحة هذا الدین والمنادي بالحقّ والإیمان محمّد بن عبداللّه(صلی الله علیه و آله).

وما أعظم ما وُصِفت به السیّدة خديجة(علیها السلام) علی لسان الحقّ؛ لسان رسول اللّه(صلی الله علیه و آله): «کمل من الرجال کثیر، ولم یکمل من النساء إلّا مریم بنت عمران، وآسیة بنت مزاحم امرأة فرعون، وخدیجة بنت خویلد، وفاطمة بنت محمّد»(3).

وعاء الکوثر

کان من خصائص السیّدة خديجة(علیها السلام) إنجاب ذرّية النبي(صلی الله علیه و آله)، کما نوّه النبي(صلی الله علیه و آله) مفتخراً بذلك: «ورزقني اللّه ولدها إذ حرمني أولاد النساء»؛ إذ لم یلد من نساء النبي التسع بعد

ص: 243


1- . بحار الأنوار: ج18 ص209.
2- . بحار الأنوار: ج18 ص210، وأخرجه النسائي في صحیحه والبیهقي في دلائل النبوّة.
3- . صحیح البخاري: رقم 3411 في کتاب الأنبیاء، و مسلم رقم 2431 في فضائل الصحابة.

خدیجة غیر ماریة القبطیة.

فقد تحوّلت السیّدة خدیجة إلی وعاء للخیر والبرکة، وشجرة مبارکة أصلها ثابت وفرعها بفضل ولادتها لفاطمة الزهراء التي بارك اللّه تعالی فیها وفي نسلها الطیّب، فکانت الذرّیة المحمّدیة المبارکة کلّها منها: قال رسول اللّه(صلی الله علیه و آله): «إنّ اللّه جعل ذرّية کلّ نبي من صلبه، وأنّ اللّه عزّ وعلا جعل ذرّیة محمّد من صلب علي بن أبي طالب»(1).

فعلی الیقین أنّ رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) قد أولد خديجة(علیها السلام): القاسم، وبه یُکنّی رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)، وعبداللّه، ویُسمّی الطیّب والطاهر؛ لولادته بعد البعثة المبارکة، وفاطمة الزهراء.

وقد توفّي القاسم وعبداللّه في طفولتهما، ولم یبقَ لرسول اللّه(صلی الله علیه و آله) علی قید الحیاة غیر فاطمة التي زوّجها رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) ابن عمّه علي بن أبي طالب فیما بعد، فأنجبت ذرّیة رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)، کما أفاد

الحدیث النبوي الشریف الذي ذکرناه آنفاً. وأمّا إبراهیم ابن النبي(صلی الله علیه و آله) من ماریة القبطیة، فقد توفّي هو الآخر صغیراً.

ویبدو من خلال الآثار الواردة عن النبي(صلی الله علیه و آله) أنّه کان یعدّ إنجاب «ذرّیته» من أهمّ خصائص السیّدة خديجة(علیها السلام) التي امتازت بها دون سواها، والرسول إنّما یقصد بذلك «فاطمة» دون سواها، وإلّا فإنّ کافّة ولده الآخرین قد قَضَوا صغاراً.

وقد کانت السیّدة خديجة(علیها السلام) قد شعرت بالأسی لفقد ولدیها تباعاً: القاسم ثمّ عبداللّه، فسلّاها رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)، وأخبرها أنّها ستجدهما علی باب الجنّة ینتظرانها، فیأخذان بیدها فیدخلانها الجنّة.

ص: 244


1- . أخرجه بهذا السند العلّامة القندوزي في ینابیع المودة: ص266، و الحافظ الهیثمي في مجمع الزوائد: ص9 ح 272، و ابن حجر الهیثمي في الصواعق المحرقة: ص74، والسیوطي في الجامع الصغیر: ج1 ص230. و صدر الحدیث: «کنت أنا والعبّاس جالسین عند النبي إذ دخل علي فسلّم فردّ علیه النبي السلام و قام إلیه و عانقه وقبّل ما بین عینیه وأجلسه عن یمینه، فقال العبّاس: یا رسول اللّه، أتحبّه؟ فقال: یا عمّ و اللّه أشدّ حبّاً له منّي، إنّ اللّه جعل ذرّیة کلّ نبي في صلبه، وجعل ذرّیتي في صلب هذا...»، و أخرج الخطیب في تاریخه: ج1 ص316 بالإسناد عن ابن عبّاس، قال: «کنت أنا وأبي العبّاس جالسین عند رسول اللّه، و ساق مثله. هکذا أخرجه المحبّ الطبري في ذخائر العقبی: ص67، والریاض النضرة: ج2 ص168، و الذهبي في میزان الاعتدال: ج2 ص119، وابن حجر في لسان المیزان: ج2 ص429، والعلّامة الزرقاني في شرح المواهب: ج2 ص6، وابن المغازلي الشافعي في مناقبه: ص49.

فعن الإمام محمّد بن علي الباقر ، قال: «دخل رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) علی خدیجة حیث مات القاسم ابنها وهي تبکي، فقال لها: ما یبکیك؟ فقالت: درّت دُرَیرة فبکیت، فقال: یا خدیجة، أما ترضین إذا کان یوم القیامة أن تجیئي إلی باب الجنّة وهو قائم فیأخذ بیدك فیدخلك الجنّة وینزلك أفضلها؟ وذلك لکلّ مؤمن، أنّ اللّه أحکم وأکرم أن یسلب المؤمن ثمرة فؤاده ثمّ یعذّبه بعدها أبداً»(1).

هذا، وقد ورد هذا الأثر بصیغتین: مرّة عند وفاة القاسم ، ومرّة بعد وفاة عبداللّه ، ویمکن أن تصحّ الروایتان، إذ یمکن أن یتکرّر حدیث النبي(صلی الله علیه و آله) للسیّدة خديجة(علیها السلام) بتکرّر الحادث.

إلّا أنّ اللّه قد عوّض رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) والسیّدة خديجة(علیها السلام) بفاطمة الزهراء سیّدة نساء العالمین، فکانت ذرّية النبي(صلی الله علیه و آله) کلّها منها ومن علي ابن عمّه .

بید أنّ الراجح أنّ أکثر ما تسبّب في إیذاء السیّدة خديجة(علیها السلام) بعد افتقاد

القاسم وعبداللّه علیهما الرحمة والرضوان؛ أنّ المشرکین قد اتّخذوا منها ذریعة لوخز رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) وإیذائه، حیث تذکر الروایات الصحیحة أنّ سفهاء القوم رأوا رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) وقد أقبل توّاً من دفن أحد ولدیه المذکورین، فقالوا عنه: إنّه أبتر.

«أخرج ابن سعد وابن عساکر من طریق الکلبي عن أبي صالح عن ابن عبّاس، قال: کان أکبر ولد رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) القاسم... ثمّ عبداللّه... ثمّ فاطمة، فمات القاسم، وهو أوّل میّت من ولده بمکّة، ثمّ مات عبداللّه، فقال العاص ابن وائل السهمي: قد انقطع نسله فهو أبتر، فأنزل اللّه: (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ).

ص: 245


1- . بحار الأنوار: ج16 ص15 - 16 عن الفروع: ج 1 ص59.

وفیه أخرج الزبیر بن بکّار وابن عساکر عن جعفر بن محمّد عن أبیه، قال: «توفّي القاسم ابن رسول اللّه بمکّة، فمرّ رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) وهو آتٍ من جنازته علی العاص بن وائل وابنه عمرو، فقال حین رأی رسول اللّه(صلی الله علیه و آله): إنّي لأشنؤه، فقال العاص بن وائل: لا جرم لقد أصبح أبتر، فأنزل اللّه: (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ)».

وفیه أخرج ابن أبي حاتم عن السدي، قال: «کانت قریش تقول إذا مات ذکور الرجل: بتر فلان، فلمّا مات ولد النبي(صلی الله علیه و آله) قال العاص بن وائل: بتر»(1).

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي، قال: «کانت قریش تقول إذا مات ذکور الرجل: بتر فلان، فلمّا مات ولد النبي(صلی الله علیه و آله) قال العاص بن وائل: بتر محمّد، فنزلت. وأخرج البیهقي في الدلائل مثله عن محمّد بن علي، وسمّی الولد القاسم، وأخرج عن مجاهد، قال: نزلت في العاص بن وائل؛ وذلك أنّه قال: أنا شانئ محمّد»(2).

وحیث إنّ الأبتر في لغة العرب تُطلق أساساً علی من لا عقب له، فقد أدرك النبي(صلی الله علیه و آله) المقصود الدنيء الذي یرمی إلیه سفهاء قریش.

فتلك إشاعة لها صداها ووقعها الشدید في المجتمع العربي البدوي الذي یتکاثر بالذرّية، والذکور منها علی وجه الخصوص.

کما یتّضح من قوامیس اللغة العربیة، وکما أورد الراغب الأصبهاني في المفردات، قال: «البتر یُستعمل في قطع الذنب، ثمّ أجري قطع العقب مجراه، فقیل: فلان أبتر إذا لم یکن له عقب یخلفه... وقوله: (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ)؛ أيّ المقطوع الذکر، وذلك أنّهم زعموا أنّ محمّداً ینقطع ذکره إذا انقطع عمره؛ لفقدان نسله» (3).

ومن أجل ذلك، فإنّ اللّه سلّی نبیّه وخديجة(علیها السلام) وکشف السرّ المکنون الذي أعدّه اللّه لهما، حیث نزلت سورة الکوثر المبارکة، لتمسح علی قلب رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) بالروح والندی، وتقرّر حقیقة الخیر الباقي الممتدّ الذي اختاره اللّه للنبي وخدیجة ، وحقیقة الانقطاع والبتر المقدّر لأعدائه من مشرکي قریش وأمثالهم: (بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَنِ ٱلرَّحِيمِ ٭ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ ٱلْكَوْثَرَ ٭ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ ٱنْحَرْ ٭ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلْأَبْتَرُ)، وبدلالة الأبتر وبدلالة سبب النزول الذي أورده المفسّرون والمؤرّخون وأصحاب السنن، فإنّ «الکوثر» هو الذرّية التي وهبها اللّه لمحمّد(صلی الله علیه و آله) وخديجة(علیها السلام) من خلال ما حباهما بعلي وفاطمة ،

ص: 246


1- . تفسیر المیزان للعلّامة الطباطبائي: ج20 ص372.
2- . تفسیر الجلالین للعلّامة جلال الدین السیوطي (تفسیر سورة الکوثر).
3- . المفردات في غریب القرآن (کتاب الباء): ص36.

حیث کانا سبباً في امتداد ذرّية رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) وانتشارها واتّساع برکاتها في الأرض.

وکلّ معنیً آخر للکوثر - سواء أکان قد ورد في أثر أو حدیث صحیح أو احتمله المفسّرون - فإنّه من مصادیق الکوثر الذي أُعطي لرسول اللّه(صلی الله علیه و آله) في الدنیا والآخرة.

وقد أحسن عبداللّه بن عبّاس في تعلیقه علی من یکتفي باعتبار الکوثر نهراً في الجنّة، بقوله: «هو کوثر من الکوثر»(1)؛ إذ یکون الکوثر کنهر في الجنّة إحدی مفردات الخیر الکثیر الذي حباه اللّه سبحانه وتعالی رسوله العظیم، وإلّا فإنّ أعظم خیر وأوسعه وأنفعه للإنسانیة بامتدادها التاریخي، هي الذرّية المبارکة التي وهبها اللّه لمحمّد(صلی الله علیه و آله) بواسطة الزهراء بنت رسول اللّه وخدیجة .

خصوصیات میلاد الزهراء

کانت فاطمة بنت رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) آخر من ولدتها خدیجة ، حیث ولدت علی الأرجح في السنة الخامسة من البعثة(2)، وتوفّیت عنها والدتها وعمرها حوالی خمس سنوات.

ولقد کانت ولادة الزهراء قد شهدت حالات وأوضاعاً غیر عادیة، بعضها یتعلّق بالظروف الغیبیة التي ألمّت بتکوین نطفة فاطمة(علیها السلام)، والإمداد الغیبي الذي شمل السیّدة خدیجة عند ولادتها لفاطمة(علیها السلام) کما یتّضح، إضافة إلی الظروف الموضوعیة التي ألمّت ببیت النبي(صلی الله علیه و آله) في تلك المرحلة، حیث الهجوم المرکّز علی الرسول ودعوته من سفهاء قریش وحلفائها.

فبصدد تکوین نطفة فاطمة(علیها السلام) وخصوصیاتها وردت مجموعة قیّمة من الأحادیث والآثار تؤکّد أنّ لنطفة فاطمة(علیها السلام) علاقة بالجنّة وثمارها.

وقد رویت تلك الأحادیث عن النبي(صلی الله علیه و آله) بواسطة جابر بن عبداللّه الأنصاري والإمام أبي عبداللّه جعفر بن محمّد الصادق عن آبائه:، والإمام محمّد بن علي الباقر والإمام علي بن

ص: 247


1- . الدرّ المنثور للسیوطي (تفسیر سورة الکوثر).
2- . أُصول الکافي: ج1.

موسی الرضا عن آبائه، وعن ابن عبّاس، وعائشة بنت أبي بکر وغیرهم(1).

وکنموذج لهذه الروایات نذکر ما ذکره الإمام أبو عبداللّه الصادق بهذا الصدد: «کان رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) یُکثر تقبیل فاطمة(علیها السلام)، فأنکرت عائشة، فقال رسول اللّه(صلی الله علیه و آله): یاعائشة، إنّي لمّا أُسري بي إلی السماء، دخلتُ الجنّة، فأدناني جبرئیل من شجرة طوبی وناولني من ثمارها، فأکلته فحوّل اللّه ذلك ماءً في ظهري، فلمّا هبطتُ إلی الأرض واقعتُ خدیجة فحملت فاطمة، فما قبّلتها قطّ إلّا وجدتُ رائحة شجرة طوبی فیها»(2).

وبعد أن حملت السیّدة خديجة(علیها السلام) بالزهراء وحان وقت ولادتها، کانت یومها تعاني من مقاطعة نساء قریش بشکل مطلق، حیث اتّخذت نساء المشرکین قراراً بمقاطعة السیّدة خديجة(علیها السلام) حتّی بمجرّد السلام علیها ودخول دارها.

وحیث لابدّ للمرأة أثناء ولادتها من امرأة تلي منها ما تلي النساء من النساء أثناء الولادة، فإنّ خديجة(علیها السلام) قد استبدّ بها الأسی لهذه الحالة المقیتة، واغتمّت کثیراً، وتوجّهت إلی اللّه بقلب مؤمّل لرحمة اللّه تعالی وعونه. وهکذا جاء المدّد الربّاني، حیث انتدب لها نساء من خارج عالم الشهادة.

وقد تحدّث الإمام أبو عبداللّه الصادق حول ذلك الموضوع حدیثاً مفصّلاً، نقتطف منه الفقرات التالیة: «عن المفضّل بن عمر(3)، قال: قلتُ لأبي عبداللّه الصادق : کیف

ص: 248


1- . انظر: بحار الأنوار: ج43 ص4 - 6، حیث نقل الأحادیث عن أمالي الصدوق و علل الشرائع له أیضاً، و تفسیر علي بن إبراهیم و معاني الأخبار، هذا و قد ثبت بعض الأحادیث المرحوم عبد الرزّاق المقرم الموسوي في کتابه وفاة فاطمة: ص60.
2- . بحار الأنوار: ج34 ص6. وهناك مجموعة کبیرة من مصادر المسلمین تؤکّد أنّ فاطمة: انعقدت نطفتها من ثمر من الجنّة جاء به جبرئیل للنبي ، راجع المصادر التالیة: ذخائر العقبی للمحبّ الطبري الشافعي مثله بألفاظ مختلفة: ص36، و تاریخ الخمیس: ج1 ص277، و المواهب اللدنیة: ج1 ص198، و الحاکم في المستدرك، و أمالي الصدوق، و عیون أخبار الرضا، و علل الشرائع، و الاحتجاج، و لسان المیزان، واللآلي المصنوعة، و المناقب لابن المغازلي، وغیرهم.
3- . المفضّل بن عمر الجعفي. ترجمة المفضّل بن عمر الجعفي الکوفي رضوان اللّه علیه کما ذکرها العلماء الأبرار: قال الشیخ المفید في إرشاده: «هو من شیوخ أصحاب أبي عبداللّه و خاصّته و بطانته، وثقاة الفقهاء الصالحین4». Ñ Ø و قال الشیخ إبراهیم الکفعمي: «باب الإمام في العلوم و الأسرار». و قال السیّد المحقّق صدر الدین العاملي حول المفضّل2: «... رجلاً عظیماً کثیر العلم ذکيّ الحسّ، أهلاً لتحمّل الأسرار الرفیعة، و الرجل عندي من عظم الشأن و جلالة القدر بمکان». وقال المامقاني2 في تنقیح المقال ما یشبه ذلك في حدیث عن الإمام الصادق . وقال الشیخ الطوسي في الغیبة: «إن المفضّل من قوّام الأئمّة، وکان محموداً عندهم محبوباً لدیهم، ثمّ إنّه کان من وکلائهم الذین مضوا علی مناهجهم». هذه بعض الأقوال التي تؤکّد علی جلالة المفضّل بن عمر الجعفي، و هو غیر المفضّل العجلي المغالي الخطّابي المعروف.

کانت ولادة فاطمة(علیها السلام)؟ فقال: نعم، إنّ خديجة(علیها السلام) لمّا تزوّج بها رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) هجرتها نسوة مکّة، فکنّ لا یدخلن علیها ولا یسلّمن علیها ولا یترکن امرأةً تدخل علیها، فاستوحشت خدیجة لذلك، وکان جزعها وغمّها حذراً علیه صلّی اللّه علیه وآله، فلمّا حملت فاطمة... فلم تزل خديجة(علیها السلام) علی ذلك إلی أن حضرت ولادتها، فوجّهت إلی نساء قریش وبني هاشم أن تعالین لتلین منّي ما تلي النساء من النساء، فأرسلن إلیها: أنت عصیتنا فلسنا نجيء ولا نلي من أمرك شیئاً، فاغتمّت خديجة(علیها السلام) لذلك، فبینا هي کذلك إذ دخل علیها أربع نسوة سمر طوال کأنّهن من نساء بني هاشم، ففزعت منهنّ لمّا رأتهنّ، فقالت إحداهنّ: لا تحزني یا خدیجة، فإنّا رسل ربّك، ونحن أخواتك؛ أنا سارة، وهذه آسیة بنت مزاحم وهي رفیقتك في الجنّة، وهذه مریم بنت عمران، وهذه کلثم أُخت موسی بن عمران، بعثنا اللّه إلیك لنلي منكِ ما تلي النساء من النساء. فجلست واحدة عن یمینها، وأُخری عن یسارها، والثالثة بین یدیها، والرابعة من خلفها، فوضعت فاطمة(علیها السلام) طاهرة مطهّرة»(1).

وهکذا ولدت سیّدة نساء العالمین فاطمة بنت محمّد(صلی الله علیه و آله) في

تلك الظروف القاهرة التي تذیب القلوب القاسیة، إلّا أنّ رحمة اللّه وعنایته الخاصّة بأهل هذا البیت المبارك، حطّم حاجز الألم والعزلة الذي فرضته قریش علی آل محمّد(صلی الله علیه و آله).

وهکذا ولدت فاطمة البتول(علیها السلام) لتکون محوراً للکوثر الذي اختُصّ به محمّد(صلی الله علیه و آله) من دون سائر العباد، وامتداداً لسیّد الخلق في هذا الوجود.

ص: 249


1- . أمالي الصدوق: ص87 ح 475، ورواه الشیخ المجلسي في بحار الأنوار: ص43 ح 2.

عام الحزن والنهایة الألیمة

کان أهمّ شيء یشغل السیّدة خديجة(علیها السلام) ویؤرّقها هو: إشفاقها علی نبي اللّه أن یناله سوء من قریش التي أکبّت علی منابذته، وصعّدت من وتیرة عدائها للرسول ودعوته، لا سیّما وهي تشهد ألوان التآمر والکید القرشي للنیل من رسول اللّه(صلی الله علیه و آله). ولقد کان أبو طالب یشارکها هذه المخاوف، فیعمل وسعه لحمایة النبي(صلی الله علیه و آله) من مکائد الأعداء.

ولقد اشتدّت تلك المخاوف أیّام الحصار یوم استکلبت قریش وحلفاؤها، وتعاقدوا علی تدمیر قوّة المسلمین وحلفائهم من خلال الحرب الاقتصادیة والاجتماعیة. ففي تلك الأیّام أیّام الحصار في شعب أبي طالب، کان أبو طالب مؤمن قریش الذي کان یکتم إیمانه لظروف خاصّة بالدعوة والرسالة، یخشی علی النبي(صلی الله علیه و آله) الغیلة، فإذا جنّ اللیل وأخذ الناس مضاجعهم ونام رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) علی فراشه حتّی یری أهل الشِّعب ذلك وناموا، جاء أبو طالب وأقام النبي(صلی الله علیه و آله) من فراشه ونقله إلی فراشٍ آخر، ثمّ أضجع علیّاً ولده مکانه(1)، الأمر الذي یکشف عن عمق المخاوف التي کانت تعتري أهل البیت: من تعرّض النبي(صلی الله علیه و آله) إلی مکروه من أعدائه.

ولقد کانت السیّدة خديجة(علیها السلام) من أکثر الناس حرصاً علی رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) کزوجة وکمؤمنة امتحن اللّه قلبها للإیمان، فاستوعبت مهمّة النبي(صلی الله علیه و آله)، وأدرکت دوره العظیم في هذا الوجود.

صحیح أنّ قلب السیّدة خديجة(علیها السلام) کان مطمئنّاً بالتسلیم للّه ومشیئته المطلقة في الکون، إلّا أنّ مخاوفها کانت واقعیة، حیث کانت تخشی أن یُنال رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) بأذیً من عدوّه.

فکم من مرّة کانت السیّدة خدیجة تشهد ما یتعرّض له النبي(صلی الله علیه و آله) من عدوان وإساءة، فقد أدمی أبو لهب قدمیه وعرقوبیه بالحجارة الحادة، وکم من مرّة تعرّض رسول اللّه

ص: 250


1- . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحدید المعتزلي: ج13 ص256، الغدیر للشیخ الأمیني: ج7 ص357 - 358، سیرة المصطفی لهاشم معروف الحسني: ص202.

لإلقاء القذر والنتن علی جسمه الشریف من قبل أعدائه.

وکم من مرّة هدّدوه بالقتل، حتّی أنّهم عرضوا علی أبي طالب أن یعطوه أجمل شباب قریش علی أن یسلّمهم محمّداً بدیلاً، فسخر منهم أبو طالب وطردهم شرّ طردة.

إنّ هذه الأُمور وسواها تُقلق السیّدة خدیجة حقّاً وعموم أهل البیت:، ومع هذا القلق الذي کانت السیّدة خديجة(علیها السلام) تعیشه، کان هناك الجوع والفاقة ونقص التغذیة التي بدأت تفعل فعلها في کیان السیّدة خديجة(علیها السلام) المتعب المکدود. وهکذا استبدّ الوهن بأُمّ المؤمنین وسیّدة النساء، وأخذت تتهاوی أمام المرض وسوء التغذیة.

وها هي شریکة حیاة محمّد(صلی الله علیه و آله) طوال خمس وعشرین سنة ینتهبها السقم، وهي تستسلم للموت، بعد أن عاشت مع النبي(صلی الله علیه و آله) محنته بکلّ تفاصیلها، وقدّمت کلّ ما تملك من مال وصحّة في سبیل اللّه تعالی.

فبأيّ قلب یواجه المصطفی هذه المأساة المؤلمة التي تزامنت مع الشدّة وقلّة الناصر وتکالب الأعداء؟

لقد کان النبي - وهو صاحب القلب العطوف - إلی جانبها وهي تجود بنفسها وتودع حبیبها الرسول وتوصیه ببقیّة الصفوة فاطمة(علیها السلام). لقد کان یؤذیها فراق محمّد وزهرائه وهما في هذه المحنة العصیبة.

لقد ودّعها رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) بکلّ قلبه، ودّع فیها الأُمّ الحنون والزوجة البارّة والشریك الصادق الحبیب. لقد ودّع بوداعها الدنیا بکلّ ما فیها من هناء وصفاء.

وفي هذه اللحظات الحزینة أومأت السیّدة خديجة(علیها السلام) لرسول اللّه(صلی الله علیه و آله)، وشکت إلیه شدّة کرب الموت، فبکی ودعا لها بالروح والفرج، ثمّ قال لها: «أقدمي خیر مقدم یا خدیجة، أسلمتك یا خدیجة علی کره منّي، قد جعل اللّه للمؤمنین بالکره خیراً کثیراً»(1).

ثمّ عدّد لها رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) من ستجد من أخواتها، أمثال: حوّاء، سارة، کلثم (أُخت

ص: 251


1- . مقتل الحسین للخوارزمي (فضائل خدیجة).

موسی بن عمران )، آسیة بنت مزاحم، ومریم بنت عمران.

وبعد هذه الکلمات النبویّة أسلمت السیّدة خديجة(علیها السلام) روحها إلی باریها ، فبکاها رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) کثیراً؛ لقد ودّع فیها العون والسند والزوجة الصالحة والأُمّ الرؤوم.

لقد فارق من صدّقته یوم کذّبه الناس، وفارق من أیّدته یوم حاربه الناس، وفارق من أعطته یوم حرمه الناس، وفارق من کانت وعاءً للکوثر الذي وهبه اللّه إیّاه.

لقد توفّیت السیّدة خديجة(علیها السلام) في شهر رمضان من السنة العاشرة من البعثة، وذلك بعد خروج بني هاشم من الشِّعب بیسیر. ودفنها رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) في الحجون، ونزل في قبرها صلوات اللّه علیه وسلامه؛ إکراماً لها ووفاء، ولکي یمتلئ قبرها نوراً إلی نور ببرکته ومکانته العظیمة عند اللّه .

لقد تزامنت وفاة السیّدة خدیجة مع وفاة حامي الرسالة وسندها الأکبر أبي طالب، حیث توفّي قبلها بثلاثة أیّام أو یزید، علی اختلافٍ في الروایات .

ولقد حلّت بوفاتها(علیها السلام) مصیبة کبری علی قلب رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) والجماعة المؤمنة، وتستطیع أن تقدّر حجم المأساة التي حلّت علی قلب النبي العظیم من خلال وصفه لهذه الحادثة الألیمة، حیث وصفها بقوله: «اجتمعت علی هذه الأُمّة مصیبتان لا أدري بأیّهما أنا أشدّ جزعاً»(1).

ولقد دعا العام الذي حدثت فیه المصیبتان وهو العام العاشر من البعثة ب- «عام الحزن»، فقد صار هذا العام عام حداد ومصیبة لعموم المؤمنین فضلاً عن رسول اللّه(صلی الله علیه و آله). ولعمق الفراغ الذي خلّفته السیّدة خدیجة أُمّ المؤمنین الکبری في حیاة رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) الخاصّة والعامّة، ظلّ طوال حیاته الشریفة یذکرها ویثني علیها، ویکرم کلّ من له علاقة بها من النساء.

وبقي رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) یعدّد فضائلها في مناسبة وأُخری، حتّی امتلأت بعض نسائه منها غیرةً وحسداً، رغم أنّها لم تدرکها کما أشرنا. لقد کانت السیّدة خديجة(علیها السلام) لرسول اللّه(صلی الله علیه و آله)

ص: 252


1- . تاریخ الیعقوبي: ج2 ص35.

سنداً «بما تولیه من حبّها وبرّها، ومن رقّة نفسها وطهارة قلبها وقوّة إیمانها... خدیجة التي کانت تهوّن علیه کلّ شدّة، والتي کانت مَلَكَ رحمة یری في عینیها، وعلی ثغرها

من معاني الإیمان به ما یزیده إیماناً بنفسه»(1).

ومع الفراغ الذي ترکته السیّدة خديجة(علیها السلام) في حیاة النبي(صلی الله علیه و آله)، کانت هناك مشکلة أُخری ألمّت بالنبي(صلی الله علیه و آله)، وهي مشکلة الفراغ الذي تعاني منه فاطمة(علیها السلام) بسبب فقدانها أُمّها الرؤوم، فما أن رُزئت فاطمة(علیها السلام) بفراق أُمّها إلّا وشعرت وطأة المأساة والألم لفقدها ینبوع الحبّ والحنان الدافئ، ففاض حزنها دمعاً غزیراً، وحسرةً لا تنطفئ.

وکان رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) یری دموع الزهراء تسیل علی خدّیها لفراق أُمّها العزیزة، وهي تتعلّق به وتقول: «أبي أبي، أین أُمّي أین أُمي»؟»ممّا یزیده أسیً وألماً.

وقد بذل المصطفی وسعه من أجل أن یسدّ الفراغ الذي ترکته السیّدة خديجة(علیها السلام) في حیاة فاطمة(علیها السلام)، فغمرها بحبّه وحنانه فوق ما کان یفعل أیّام أُمّها، فما کان من فاطمة(علیها السلام) وهي ینبوع الحکمة والوعي والإدراك، إلّا وتبادل أباها نفس المشاعر والمودّة والحنان، فتملأ حیاته حبّاً ورعایةً، حتّی أطلق علیها: «أُمّ أبیها»(2).

وهکذا رحلت السیّدة خدیجة الکبری إلی ربّها الأعلی شهیدة صابرة محتسبة.

ثناء أهل العلم علی السیّدة خديجة(علیها السلام)

حظیت السیّدة خدیجة أُمّ المؤمنین(علیها السلام) بالمزید من الثناء والتکریم منذ بدایة حیاتها المبارکة حتّی الیوم. ولقد لاحظنا جملة من صور الثناء الذی اختُصّت به من قبل اللّه والرسول الأکرم في الصفحات السابقة.

أمّا رجال العلم والمؤرّخون والمفکّرون، فقد أحلّوا السیّدة خديجة(علیها

السلام)محلاً رفیعاً في کتاباتهم ودراساتهم عنها، وما ذکرها أحد إلّا وأشاد بذکرها الطیّب ومواقفها الکریمة.

وهذه مقتطفات من أقوال بعض رجال العلم والمعرفة نضعها بین أیدي القرّاء

ص: 253


1- . حیاة محمّد لمحمّد حسین هیکل: ص150.
2- . مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب: ج3 ص320.

الکرام؛ لیزدادوا بصیرةً بمکانة هذه المرأة الجلیلة:

1. یقول الشیخ العلّامة عزّ الدین أبو الحسن علي بن أبي الکرم محمّد الشیباني المعروف بابن الأثیر: «وکانت خدیجة امرأة حازمة عاقلة شریفة، مع ما أراده اللّه من کرامتها، فأرسلت إلی رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) فعرضت علیه نفسها، وکانت أوسط نساء قریش نسباً وأکثرهنّ مالاً وشرفاً، وکلّ قومها کان حریصاً علی ذلك منها لو یقدر علیه»(1).

2. ویقول أبو نعیم الأصبهاني في حلیة الأولیاء عن السیّدة خدیجة ما یلي: «وکانت خدیجة تُدعی في الجاهلیة: الطاهرة»(2).

3. ویقول مؤرّخ السیرة النبویة الشهیر محمّد بن إسحاق عنها ما یلي: «کانت خدیجة أوّل من آمن باللّه ورسوله وصدّقت بما جاء من اللّه، وآزرته علی أمره، فخفّف اللّه بذلك عن رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)، وکان لا یسمع شیئاً یکرهه من ردٍّ علیه وتکذیبٍ له فیُحزنه ذلك، إلّا فرّج اللّه ذلك عن رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) بها، إذا رجع إلیها تثبّته وتخفّف عنه وتهوّن علیه أمر الناس، حتّی ماتت رحمها اللّه»(3).

4. ویقول العلّامة ابن الجوزي شمس الدین أبو المظفّر یوسف البغدادي الحنفي نقلاً عن هشام بن محمّد ما یلي: «کان رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) یودّها ویحترمها ویشاورها في أُموره کلّها، وکانت وزیر صدقٍ، وهي أوّل امرأة آمنت به، ولم

یتزوّج في حیاتها أحداً، وجمیع أولاده منها، إلّا إبراهیم من ماریة»(4).

5. ویقول الأُستاذ الباحث محمّد حسین هیکل حول أُمّ المؤمنین السیّدة خديجة(علیها السلام) ما یلي: «خدیجة التي کانت سند محمّد بما تولیه من حبّها وبرّها ومن رقّة نفسها وطهارة قلبها وقوّة إیمانها، خدیجة التي کانت تهوّن علیه کلّ شدّة، وتزیل من نفسه کلّ خشیة، والتي کانت مَلَكَ رحمة یری في عینیها وعلی ثغرها من معاني الإیمان به ما

ص: 254


1- . الکامل في التاریخ لابن الأثیر: ج2 ص39 40.
2- . مقتل الحسین للخوارزمي: ص31.
3- . کشف الغمّة في معرفة الأئمّة: ج2 ص132.
4- . تذکرة الخواصّ: ص272.

یزیده إیماناً بنفسه»(1).

6. ویقول المفکّر الأُستاذ سعید حوّی ما یلي: «کان رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) یحفظ لخدیجة ذکراها بشکل منقطع النظیر، فهو آیة الوفاء في دنیا المروءة، وکان من وفائه لها أنّه یبرّ کلّ امرأة کانت لها صلة بخدیجة، وأنّه کان یذکرها بکلّ خیر، حتّی أنّ عائشة لم تُغِر من امرأة کما غارت من خدیجة وهي متوفّاة»(2).

7. ویقول الحافظ عبد العزیز الجنابذي الحنبلي في کتابه معالم العترة النبویة: «کانت خدیجة(علیها السلام) امرأة حازمة لبیبة شریفة، وهي یومئذٍ أوسط قریش نسباً وأعظمهم شرفاً وأکثرهم مالاً، وکلّ قومها قد کان حریصاً علی تزویجها، فأبت وعرضت نفسها علی النبي(صلی الله علیه و آله)، وقالت: یا ابن عمِّ إنّي رغبت فیك؛ لقرابتك منّي، وشرفك في قومك، وأمانتك عندهم، وحسن خلقك، وصدق حدیثك»(3).

8. یقول العلّامة السیّد عبد الحسین شرف الدین: «صدّیقة هذه الأُمّة، وأوّلها إیماناً باللّه وتصدیقاً بکتابه ومواساةً لرسول اللّه(صلی الله علیه و آله)... انفردت برسول

اللّه(صلی الله علیه و آله) خمساً وعشرین سنة لم تشارکها فیه امرأة ثانیة، ولو بقیت ما شارکتها فیه أُخری، وکانت شریکته في محنته طیلة أیّامها معه، تقوّیه بمالها، وتدافع عنه بکلّ ما لدیها من قول وفعل، وتعزّیه بما یفاجئه به الکفّار في سبیل الرسالة وأدائها، وکانت هي وعلي معه في غار حراء إذ نزل علیه الوحي أوّل مرّة»(4).

9. یقول عبد اللّه العلایلي: «کانت تستقبل آلام الکفاح الذي خاضه قرینها النبي، وخاضته معه عاملة ماضیة، وصابرة محتسبة، لا ینبض عندها عرق بلین أو تخوّف، بل تقطع قناطر الدموع والخطوب المثغولة في بسمة کبریاء، لم یعهد مثلها إلّا بعض نفر من صانعي التاریخ، بصدرها الرحب کانت تستقبل العاصفة وشظایاها المشتعلة، لا

ص: 255


1- . حیاة محمّد لمحمّد حسین هیکل: ص150.
2- . الرسول: ص167.
3- . الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة لابن الصبّاغ المالکي: ص133.
4- . عقیلة الوحي: ص30.

لیکون في حسّها ذلك الرجع المدمّر أو ذاك الواقع الصاعق»(1).

وفي الختام

هذه هي خدیجة بنت خویلد زوج رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)، في عفّتها وطهرها وسابقیتها لتلبیة نداء الدعوة الإلهیّة، ووفائها بالعهد رغم ضروب المعاناة المادّیة والنفسیة التي صُبّت علیها منذ صدع المصطفی المختار بدعوته.

لقد قوطعت هذه المرأة من نساء قریش، فلم تستوحش في طریق الحقّ، ولم تُنل قناتها ولم تضعف أمام الحصار والمقاطعة.

ولقد وجدت الدعوة الإلهیّة في مسیس الحاجة یوم تحج-ّرت مکّة في وجهها، ومنع عنها المشرکون أيّ رفد وعون لها، فوضعت خدیجة کلّ أموالها وهي کثیرة جدّاً في حسابات ذلك العصر تحت تصرّف رسول اللّه(صلی الله علیه و آله) ودعوة الحقّ، ورکلت اخضرار العیش برجلها، وتناست کلّ ما کانت علیه من ثراء وترف وإمکانات، وضحّت

بکلّ ذلك في سبیل اللّه ؛ التماساً لنصرة الحقّ، وطلباً للرضوان وتوسّلاً لتحقیق أهداف النبي(صلی الله علیه و آله).

إنّ هذه الدروس النابضة بالحیاة تدعو الرجال والنساء من هذه الأُمّة أن یتدبّروا في هذه السیرة الخصبة المعطاء، ویتعلّموا منها وینهلوا من نمیرها الذي لا ینضب.

إنّها مدرسة في الکفاح الصادق الدؤوب، ومدرسة للصمود والمقاومة والتحدّي، ومدرسة للوفاء والإیمان والطاعة.

فسلامٌ علی خدیجة بنت خویلد في الخالدین، وسلامٌ علیها في المجاهدین، وسلامٌ علیها قدوةً لنساء الأُمّة عبر القرون والأجیال.

ص: 256


1- . مثلهن الأعلی خدیجة بنت خویلد: ص98.

فهرس المصادر

1. الكامل في التاريخ، علي بن محمّد الشيباني الموصلي (ت630ه )، تحقيق: علي شيري، بيروت: دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأُولى، 1408ه .

2.الاحتجاج على أهل اللجاج، أبو منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي (ت620ه ) تحقيق: إبراهيم البهادري ومحمّد هادي به، طهران: دار الأُسوة، الطبعة الأُولى، 1413ه .

3.الاستغاثة، أبو القاسم علي بن أحمد الكوفي (ت352ه )، طهران: مؤسّسة الأعلمي، الطبعة الأُولى، 1373ش.

4.أُسد الغابة في معرفة الصحابة، أبو الحسن عزّالدين علي بن أبي الكرم محمّد الشيباني، المعروف بابن الأثير الجَزَري (ت630ه )، تحقيق: علي محمّد معوّض وعادل أحمد عبد الموجود، بيروت: دار الكتب العلمية، الطبعة الأُولى، 1415ه .

5.الإصابة في تمييز الصحابة، أبو الفضل أحمد بن علي بن الحجر العسقلاني (ت852ه )، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود، وعلي محمّد معوّض، بيروت: دار الكتب العلمية، الطبعة الأُولى، 1415ه .

6.أُصول الكافي، أبو جعفر ثقة الإسلام محمّد بن يعقوب بن إسحاق الكليني الرازي (ت328ه )، تحقيق: علي أكبر الغفّاري محمّد الآخوندي، بيروت و طهران: دار صعب ودار الكتب الإسلامية، الطبعة الثالثة والخامسة.

الأمالي، أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه، المعروف بالشيخ

1. الصدوق (ت381ه )، تحقيق و نشر: مؤسّسة البعثة، قم، الطبعة الأُولى، 1417ه .

ص: 257

2.بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار:، محمّد باقر بن محمّد تقي المجلسي (ت1110ه )، تحقيق: دار إحياء التراث، بيروت: دار إحياء التراث، الطبعة الأُولى، 1412ه .

3.تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس، الحسين بن محمّد الديار بكري (معاصر)، بيروت: مؤسّسة شعبان.

4. تاريخ الطبري (تاريخ الأُمم والملوك)، أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري (ت310ه )، تحقيق: محمّد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة: دار المعارف، الطبعة الأُولى، 1968 م.

5. تاريخ اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب بن واضح، المعروف باليعقوبي (ت284ه )، بيروت: دار صادر.

6. تذكرة الخواصّ (تذكرة خواصّ الأُمّة في خصائص الأئمّة:)، يوسف بن فُرغلي بن عبداللّه، المعروف بسبط ابن الجوزي (ت654ه )، تقديم: السيّد محمّد صادق بحر العلوم، طهران: مكتبة نينوى الحديثة.

7. تفسير الجلالين، جلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت911ه )، جلال الدين محمّد بن أحمد المحلّي (ت791ه )، مصر: دار الآفاق العربية، 2004م.

8. جنّة المأوي، محمّد بن الحسين آل كاشف الغطاء (ت1954م)، بيروت: دار الأضواء، 1408ه .

9. حياة محمّد، محمّد حسين هيكل (ت1956)، تعليق: عبدالرحيم الموسوي، قم: المجمع العالمي لأهل البيت:، 1386.

10. خصائص الإمام أميرالمؤمنين ، أبو عبدالرحمن أحمد بن شعيب النسائي (ت303ه )، تحقيق: محمّد هادي الأميني، طهران: وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، الطبعة الأُولى، 1403ه .

الدرّ المنثور في التفسير المأثور، عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت911ه )،

1. تحقيق: دار الفكر، بيروت: دار الفكر، الطبعة الأُولى، 1403ه .

2. ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى، أبو العبّاس أحمد بن محمّد الطبري (ت694ه )، تحقيق: أكرم البوشي، جدّة: مكتبة الصحابة، الطبعة الأُولى، 1415ه .

ص: 258

3. روضة الواعظين، محمّد بن الحسن بن علي الفتّال النيسابوري (ت508ه )، تحقيق: حسين الأعلمي، بيروت: مؤسّسة الأعلمي، الطبعة الأُولى، 1406ه .

4. السيرة الحلبية، علي بن برهان الدين الحلبي الشافعي (ت1044ه )، بيروت: دار إحياء التراث العربي، دار المعرفة، 1400ه .

5. السيرة النبوية، عبد الملك بن هشام الحميري (ابن هشام) (ت218ه )، تحقيق: مصطفى السقّا و إبراهيم الأبياري، قم: مكتبة المصطفى، الطبعة الأُولى، 1355ه .

6. شرح صحيح مسلم للنووي، أبو زكريا يحيى بن شرف النوَوي (ت676ه )، تحقيق: خليل الميس، بيروت: دار الكتاب العربي، الطبعة الأُولى، 1407ه .

7. شرح نهج البلاغة، عبد الحميد بن محمّد المعتزلي (ابن أبي الحديد) (ت656ه )، تحقيق: محمّد أبو الفضل إبراهيم، بيروت: دار إحياء التراث، الطبعة الثانية، 1387ه .

8. صحيح البخاري، أبو عبد اللّه محمّد بن إسماعيل البخاري (ت256ه )، تحقيق: مصطفى ديب البغا، بيروت: دار ابن كثير، الطبعة الرابعة، 1410ه .

9. العقد الفريد، أبو عمر أحمد بن محمّد بن عبد ربّه الأندلسي (ت328ه )، تحقيق: أحمد أمين أحمد الزين وإبراهيم الأبياري، بيروت: دار الأندلس، الطبعة الأُولى، 1408ه .

10. علل الشرائع. أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي (الشيخ الصدوق) (ت381ه )،النجف الأشرف: مكتبة الحيدرية، 1385ه، النجف الأشرف: دار إحياء التراث، الطبعة الأُولى، 1385ه .

11. الغدير في الكتاب والسنّة والأدب، عبد الحسين بن أحمد الأميني (ت1390ه )، بيروت: دار الكتاب العربي، الطبعة الثالثة، 1387ه .

الفصول المهمّة في أُصول الأئمّة، الشيخ محمّد بن الحسن الحرّ العاملي

1. (ت1104ه )، تحقيق: محمّد بن محمّد الحسين القائيني، مؤسّسة معارف إسلامي إمام رضا ، الطبعة الأُولى، 1418ه .

2. في ظلال القرآن، السيّد القطب، بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1391ه .

3. كتاب من لا يحضره الفقيه، أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي

ص: 259

(الشيخ الصدوق) (ت381ه )، تحقيق: علي أكبر الغفّاري، قم: مؤسّسة النشر الإسلامي، الطبعة الثانية، 1404ه .

4. كشف الغمّة في معرفة الأئمّة، أبي الحسن علي بن عيسى الإربلي (ت693ه )، بيروت: دار الأضواء، الطبعة الثانية، 1405ه .

5. اللآلي المصنوعة في الأحادیث الموضوعة: عبدالرحمن السيوطي (ت911ه )، بيروت: دار الكتب العلمية، الطبعة الأُولی، 1417ه .

6. لسان الميزان، أبو الفضل أحمد بن علي العسقلاني (ابن حجر) (ت852ه )، بيروت: مؤسّسة الأعلمي، الطبعة الثالثة، 1406ه .

7. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، علي بن أبي بكر الهيثمي (ت807ه )، تحقيق: عبد اللّه محمّد درويش، بيروت: دار الكتب العلمية، 1408ه .

8. المستدرك على الصحيحين، أبو عبد اللّه محمّد بن عبد اللّه الحاكم النيسابوري (ت405ه )، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، بيروت: دار الكتب العلمية، الطبعة الأُولى، 1411ه .

9. معاني الأخبار، أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي (الشيخ الصدوق) (ت381ه )، تحقيق: علي أكبر الغفّاري، قم: مؤسّسة النشر الإسلامي، الطبعة الأُولى، 1361ش.

10. المفردات في غريب القرآن، الراغب الإصفهاني (ت425ه )، بيروت: دار العلم للشامية، 1412ه .

مقتل الحسين ، أبو المؤيّد موفّق بن أحمد الخوارزمي (ت568)، تحقيق: الشيخ

1. محمّد السماوي، قم: منشورات مكتبة المفيد.

2. مناقب آل أبي طالب (المناقب لابن شهرآشوب)، أبو جعفر محمّد بن علي بن شهرآشوب المازندراني (ابن شهرآشوب) (ت588ه ) تحقيق: هاشم الرسولي المحلّاتي، قم: منشورات علّامة.

3. المواهب اللدنية بالمنح المحمّدية، أحمد بن محمّد القسطلاني (ت923)، تحقيق: صالح أحمد الشامي، بيروت: المكتب الإسلامي، 1412ه .

ص: 260

4. ميزان الاعتدال في نقد الرجال، أبو عبداللّه محمّد بن أحمد الذهبي (ت748ه )، تحقيق: علي محمّد البجاوي، بيروت: دار المعرفة، الطبعة الأُولى، 1382ه .

5. الميزان في تفسير القرآن (تفسير الميزان) ، العلّامة السيّد محمّد حسين الطباطبائي (1402ه )، قم: منشورات جماعة المدرّسين، طبع: مؤسّسة إسماعيليان، الطبعة الثانية، 1394ه .

6. نهج البلاغة، ما اختاره أبو الحسن محمّد بن الحسين بن موسى الموسوي (الشريف الرضي) (ت406ه )، تحقيق: صبحي صالح، قم: منشورات هجرت، الطبعة الأُولى، 1395ه .

7. ينابيع المودّة لذوي القربى، سليمان بن إبراهيم القُندوزي الحنفي (ت1294ه )، تحقيق: سيّد علي جمال أشرف الحسيني، طهران: دار الأُسوة، الطبعة الأُولى، 1416ه .

ص: 261

ص: 262

خدیجة من تکون؟

15- خدیجة من تکون؟

اشارة

* خدیجة من تکون؟ (1)

د. سلوي بالحاج صالح العایب

ملخّص البحث:

تستقرئ كاتبة هذا البحث شخصية خديجة ودورها من خلال ثلاثة أبواب: نسبها القبلي، تجارتها، وتکوينها العقلي والعقائدي. وتبيّن ما كان لها من شرف ومنزلة بين أبناء قومها، وما كانت عليه من ثراء ووجاهة. وتتحدّث في بداية البحث بالتفصيل عن نسب خديجة ومكانة قومها؛ فهي من بني أسد الذين كانوا من وجهاء مكّة، وكان أبوها خويلد من من أصحاب الرئاسة والشرف فيها، کما کان خويلد من أکثر أبناء أسد ولداً، وکان الولد في الحياة القبلية مصدراً للجاه والشرف، وإلی ذلك کلّه کان سيّد بني أسد بن العزّی. وأمّا نسب خديجة من جهة الأُمّ، فهي قرشية من قريش الظواهر. ويتناول هذا البحث کذلك ما كان يُروى حول زواجها من رجلين قبل النبي(صلی الله علیه و آله)، مبيّناً أنّ هذه الظاهرة كانت شائعة في ذلك المجتمع. ويشرح العوامل التي ساعدت خديجة لامتهان التجارة دون أن يثير ذلك أيّ إشکال في قومها وفي المجتمع المکّي عامّة. وخديجة وإن لم تکن تتنقّل في البلدان والأسواق بنفسها، إلّا أنّها هي التي کانت تشرف علی مصالحها، فهي کانت صاحبة شخصية قوية وعلی دراية بأُمورها، تعرف من تختار

ص: 263


1- . دثّریني... یا خدیجة: دراسة تحلیلیة لشخصیة خدیجة بنت خویلد، بیروت: دار الطلیعة للطباعة والنشر، 1999م: ص21 - 22.

ليتسوّق بتجارتها، ولم تکن ضحيّة لتلاعب بعض التجّار أو الوکلاء. وفي هذا الصدد قالت المصادر أنّها کانت حازمة ولبيبة وجلدة. ويخصّص البحث مساحة واسعة لشرح الظروف الفكرية والاعتقادية التي كانت سائدة في ذلك المجتمع يومذاك، والأديان التي كانت تنتشر فيه. ومن خلال كلّ ما ذُكر فإن، هذه العناصر تتيح لنا الاستنتاج بأنّ خديجة لم تکن کأيّ امرأة عادية في قريش؛ فهي کانت علی الأقلّ امرأة ذات شخصية مستقلّة وقويّة ومتفرّسة، وهو ما سيکون له انعکاساته علی علاقتها بمحمّد وسلوکها معه.

هنالك ثلاثة عوامل لا یُمکن من دونها فهم شخصیة خدیجة ولا تحدید دورها في علاقتها بمحمّد، وهذه العوامل هي:

- نسبها القبلي.

- تجارتها.

- تکوینها العقلي والعقائدي.

1. خدیجة شریفة بني أسد

یمثّل النسب لدی القبائل العربیة التي کانت تعیش في مکّة أو في غیر مکّة، مقوّمة من مقوّمات شخصیّة الفرد(1). والنسب هنا یعني انتساب الدم إلی هذه القبیلة أو تلك، ثمّ إلی هذا الفرع أو ذاك من هذه العشیرة، وأخیراً إلی هذه العائلة أو تلك من هذا الفرع بکلّ ما في ذلك من حالات رمزیّة تخصّ أمجاد القبیلة فالفرع فالعائلة. لذلك یحرص الفرد علی معرفة نسبه وعلی التباهي به؛ لأنّه یفصح عن مکانة معیّنة داخل ذلك المجتمع.

ولقد ظلّ تقلید النسب قویّاً في المجتمع المکّي، ممّا یعني قوّة التقلید القبلي أیضاً بالرغم من التطوّرات التي عرفها هذا المجتمع قبل ظهور الإسلام، إذ بدأت تشقّه انقسامات من طبیعة أُخری، طبقیّة تقابل بین أغنیاء وفقراء، أسیاد وعبید، لکنّ هذه

الانقسامات لم تکن علی درجة من التطوّر تجعلها تطمس التقلید القبلي(2)، أو تطغی

ص: 264


1- . انظر: دراسة بِشر فارس: Fares (bichr); L'honneur chez lesarabes avant l'islam; pp. 81-87.
2- . یذهب مونتغمري وات M.watt إلی فکرة مغایرة، وهي أنّ النزعة الفردیّة هي التي بدأت تبرز علی حساب النزعة القبلیّة في المجتمع المکّي قبیل الإسلام (محمّد في مکّة: ص42 - 47).

علیه، فتوحّد المجتمع ضن ترکیبة واحدة یتحدّد موقع الفرد فیها حسب ثروته.

إنّ عملیّة الاستعباد مثلاً لا تتمّ من صلب القبیلة نفسها، أي أنّ أفراد القبیلة الواحدة لا یستعبدون بعضهم البعض، بل «یستوردون» عبیدهم من قبائل ومناطق أُخری، شراءً أو أسراً(1). فقد کان البشر جزءاً من الغنیمة التي توزّع عقب الغزوات والحروب.

وممّا لاشكّ فیه أیضاً أنّ الثراء في صلب المجتمع المکّي، أفرز أرستقراطیّة قرشیة من طبیعة تجاریة بحکم کون التجارة أهمّ الأنشطة الاقتصادیة في مکّة(2). ومکّن هذا الثراء من بروز قبائل علی حساب أُخری، وعائلات في صلب القبیلة نفسها علی حساب أُخری، وهو ما أهّلها للسیطرة والنفوذ، سواء علی مستوی القبیلة أو علی مستوی مجموع القبائل، کما أفسح هذا التطوّر المجال لنموّ موقع الفرد ضمن العلاقات الاجتماعیة القائمة.

لکنّ ذلك الثراء لم یکن من نتائجه تخلّي صاحبه عن قبیلته وتعویض «العصبیة القبلیة» إن شئنا ب- «عصبیة طبقیة»، «أُخوّة الثروة» بدل «أُخوّة الدم» بشکل واضح وحاسم، بل إنّ الثريّ عادة ما یبقی الناطق باسم القبیلة یستمدّ منها قوّته وتستمدّ منه عزّتها ومجدها، لذلك کان الثراء یتقاطع أو یتّحد إن شئنا مع النسب، ولا یتعارض أو یتنافر معه، دون أن یعني ذلك نفیاً لظهور تمایزات اجتماعیة في داخل القبائل، نجد إشارة واضحة إلیها في القرآن عند حدیثه عن الثراء الفاحش وحبّ المال والترف من جهة، وعن الفقراء والمساکین والیتامی المقهورین من جهة ثانیة.

وقد کانت خدیجة بنت خویلد «ذات نسب مرموق»، فهي حسب النسّابین والمؤرّخین «خدیجة بنت خویلد بن أسد بن عبد العزّی بن قصي بن کلاب بن مرّة بن کعب بن لؤي بن غالب بن فهر»(3).

ص: 265


1- . محمّد في مکّة: ص242 - 248.
2- . راجع هنری لامنس: Lammens (henri), L'Arabie occidentale avant L'hegire؛ وباتریسیا کرونة Crone (Patricia), Meccan Trade and theRise of islam..
3- . انظر: شجرة نسب «أسد بن عبد العزّی»: ص26، المصعب الزبیري، المصدر نفسه: ص206، ابن هشام، المصدر نفسه: ج1 ص198، ابن سعد، المصدر نفسه: ج8 ص14، ابن الکلبي، المصدر نفسه: ج1 ص75.

أمّا أُمّها فهي فاطمة بنت زائدة بن جندب، وهوالأصمّ بن هدم بن رواحة بن حجر بن عبد بن معیص.وأُمّ فاطمة هالة بنت عبد مناف بن الحارث بن عمرو بن منقذ بن عمرو بن معیص بن عامر بن لؤي بن غالب بن فهر. وأُمّ هالة العرقة، وهي قلابة بنت سعید بن سهم بن عمرو بن هصیص بن کعب بن لؤي(1).

فخدیجة إذاً أسدیة بنسب أبیها. وعشیرة أسد هي إحدی عشائر «قریش البطاح»، جدّهم عبد العزّی بن قصي، وهم الذین کانوا یسکنون بباطن مکّة بالوادي(2)، وقد أقاموا في بیوت مستقرّة، ویبدو من وصف أهل الأخبار لبیوت مکّة أنّ بیوت أثریائها وسادتها مبنیة بالحجر.

ولبعض الدور حجر عند باب البیت یجلس تحته لیستظلّ من أشعة الشمس، وکان لمنزل خدیجة حجر من هذا الطراز(3)، وهو یوجد برباع بني أسد حیث دار أبي البختري بن هاشم بن الحارث بن أس، أحد أشراف بني أسد، ودار الزبیر بن العوّام بن خویلد، ودار حکیم بن حزام ابن أخي خدیجة.

وکان بنو أسد من وجهاء مکّة، وکان خویلد والد خدیجة من أصحاب الرئاسة والشرف فیها، عُرف بالصدق والأمانة والأنفة؛ وهي من الصفات المحبّبة والمفضّلة لدی العرب قبل الإسلام، وتشکّل عنصراً من عناصر التفاضل بین القبائل في باب النسب والشرف.

کما کان خویلد من أکثر أبناء أسد ولداً، وکان الولد في الحیاة القبلیة مصدراً للجاه

ص: 266


1- . المصعب الزبیري، المصدر نفسه: ص22، ابن هشام، المصدر نفسه: ج1 ص201، أمّا ابن سعد في الطبقات فیذکر نسب أُمّ خدیجة بشيءٍ من الاختلاف: ج8 ص14.
2- . «قریش البطاح» هي قبائل بني عبد مناف وبني عبد الدار وبني عبد العزّی وبني عبد قصي وبني زهرة وبني مخزوم وتیم بن مرّة وجمح وسهم وعدي وبني عتیك بن عامر بن لؤي. وقصي هو الذي أدخل البطون المذکورة الأبطح، فسُمّوا البطاح. أمّا بقیّة بطون قریش فنزلوا بظواهر مکّة وجبالها، فسُمّوا بقریش الظواهر، وکانوا أعراباً وأصحاب قتال (راجع: أنساب الأشراف للبلاذري: ج1 ص39 - 40، ومروج الذهب للمسعودي: ص64، ابن حبیب، المصدر نفسه: ص167 وما بعدها).
3- . الطبري، المصدر نفسه: ج2 ص282، أخبار مکّة للأزرقي: ص199.

والشرف، وإلی ذلك کلّه کان سیّد بني أسد بن العزّی(1).

وتذکر المصادر أنّ حکیم بن حزام کان من وجوه قریش وأشرافها، وتذهب إلی أنّه کان عضواً في دار الندوة بمکّة «الملأ»؛ وهو مجلس یضمّ الرؤساء والأعیان للتشاور في الأُمور والبتّ فیها.

وحسب المصادر فإنّ حکیم دخل دار الندوة وهو ابن خمس عشرة سنة رغم أنّ السنّ الأدنی لدخولها کانت محدّدة بأربعین سنة فأکثر(2). ولسنا ندري إن کانت هذه الروایة تحمل شیئاً من الصحّة أم أنّها مختلقة، ومهما یکن من أمر ففیها مبالغة، إذ إنّه مهما کانت خصال حکیم الاستثنائیة، فإنّ سنّ دخوله إلی دار الندوة - کما تذکره الروایات - مبکّرة جدّاً لا تسمح له بکسب المؤهّلات المطلوبة، لکنّنا لا نجد من جهة أُخری سبباً مقنعاً یدفع بالرواة إلی تهویل قدراته، والحال أنّه دخل الإسلام متأخّراً یوم فتح مکّة(3).

فالأرجح إذن أنّه دخل دار الندوة قبل بلوغ الأربعین لا غیر؛ لبعض مآثره الخاصّة. وممّا یُذکر عن حکیم أنّه کان في الجاهلیة «حمّال أثقال الدیات»؛ وهي صفة وصفه

بها حسّان بن ثابت في دیوانه(4)؛ تنویهاً بشهامته، وقد کانت الشهامة من شیم السادة عند العرب.

وتذکر بعض الکتب أنّ قبیلة بني أسد کانت من بین القبائل التي عقدت «حلف الفضول»؛ وهو عهد جمع بین قبائل من قریش (بنو هاشم وبنو المطّلب وبنو أسد بن عبد العزّی وبنو زهرة بن کلاب وتیم بن مرّة) حول نصرة المظلوم بمکّة(5). إلّا أنّها لمّا خرجت من ذلك الحلف قویت اقتصادیاً وانتقلت إلی دائرة «الأعمال الضخمة»؛ ممّا

ص: 267


1- . ابن حبیب، المصدر نفسه: ص164 وما بعدها وص207، ابن الکلبي، المصدر نفسه: ج1 ص75 - 88.
2- . ثمار القلوب للثعالبي: ص518 وما بعدها، ابن حبیب، المصدر نفسه: ص231.
3- . المصعب الزبیري، المصدر نفسه: ص231.
4- . دیوان حسّان بن ثابت: ص70.
5- . الأغاني: ج17 ص215.

یعني أنّ موقعها تحسّن اقتصادیاً علی الأقلّ(1).

أمّا نسب خدیجة من جهة الأُمّ فهو قرشي، کانت أُمّها قرشیة قحّة، وإن هي من قریش الظواهر(2)، وقد کان قرشیو البطاح یتزوّجون من نساء الظواهر، ولا تذکر لنا کتب التاریخ أکثر من ذلك عن أُمّ خدیجة.

وهکذا فإنّ خدیجة بحکم معاییر العصر کانت عمیقة النسب أصیلته من جهة والدها علی الأقلّ. ینقل ابن هشام في السیرة النبویة عن ابن إسحاق أنّ خدیجة کانت «أوسط نساء قریش نسباً وأعظمهنّ شرفاً»(3) . ومن البدیهي أنّ نسب خدیجة یوفّر لها کامرأة شریفة الاحترام والتقدیر ویبوّؤها مکانة هامّة في مجتمعها، کما یوفّر لها من الناحیة النفسیة الشعور بنوع من العزّة والقوّة والحصانة.

ولا نعثر في کتب التاریخ علی تحدید واضح لتاریخ میلاد خدیجة، وهو أمر طبیعي بما أنّ العرب لم یکن لدیهم في ذلك الوقت طریقة دقیقة في التاریخ قائمة

علی ضبط السنة والشهر والیوم وفقاً لتقویم زمني معیّن. هنالك إشارة إلی أنّ محمّداً وُلد عام الفیل، وبما أنّ الروایات تذکر أنّ خدیجة تکبره بخمس عشرة سنة، فمعنی ذلك أنّها وُلدت قبل عام الفیل بتلك المدّة، ومادام الشكّ قائماً حول تاریخ میلاد محمّد نفسه، فإنّ تاریخ میلاد خدیجة یبقی بدوره غیر ثابت، شأنه شأن سنّها عند زواجها بمحمّد مثلما سنبیّن ذلك لاحقاً.

وقد تزوّجت خدیجة مرّتین، لکنّ الروایات لا تذکر متی تمّت هاتان الزیجتان بالضبط، کما أنّها تختلف في تحدید أیّتهما الزیجة الأُولی وأیّتهما الثانیة، وإذا کانت أغلب الروایات تشیر إلی أنّ زوجي خدیجة الأوّلین توفّیا، فإنّ بعضها یذهب إلی أنّ أحدهما مات بالفعل، أمّا الثاني فقد انفصلت عنه بالطلاق.

ص: 268


1- . راجع: وات، المرجع نفسه: ص153، وانظر کذلك: ابن هشام، المصدر نفسه: ج1 ص140 - 142.
2- . ورد في أنساب الأشراف للبلاذري: ج1 ص39: «أنّ بني معیص بن عامر بن لؤي (قوم أُمّ خدیجة) من قریش الظواهر».
3- . ابن هشام، المصدر نفسه: ج1 ص201. ویقال: «فلان أوسط القبیلة»؛ أي أعرفها وأولاها بالصمیم.

ومهما یکن من أمر وبقطع النظر عن تلك الاختلافات، فالمؤکّد أنّ خدیجة تزوّجت أبا هالة، واسمه هند ابن النبّاش، من بني أسیّد بن عمرو بن تمیم، وقد کان بنو أسیّد حلفاء بني عبد الدار بن قصيّ الذین کانوا یحالفون خویلد بن أسد، وکانت قریش تزوّج حلیفهم.

وقد أنجبت له خدیجة ولدین: هند وهالة، وهما اسمان مؤنّثان عادةً، إلّا أنّهما کانا یُطلقان علی الذکور أیضاً؛ للتدلیل، وقد تلقّب ابن النبّاش بأحدهما.

کما تزوّجت خدیجة عتیق بن عابد المخزومي. ومخزوم عشیرة قرشیة کانت لها السیطرة السیاسیة في ذلك الوقت، کما کانت ذات باع في عالم التجارة، وقد کانت له من خدیجة بنت تُدعی هند. وتشیر بعض الروایات إلی أنّه توفّي تارکاً لخدیجة ثروة طائلة، وتنسب بعض الروایات هذه الثروة إلی زوجها التمیمي الذي أنجبت له هالة وهند(1).

وعلی فرض أنّ هذه الروایات صحیحة، فإنّها لا تقدّم لنا معلومات عن کیفیّة انتقال تلك الثروة من هذا الزوج أو ذاك إلی خدیجة. وهذا الأمر لا یثیر لدی أصحاب تلك الروایات أيّ تساؤل، والحال أنّهم ینقلون لنا في الوقت نفسه أخباراً تفید أنّ عرب الجاهلیة کانوا یخصّون الذکور الکبار فحسب بالإرث ویحرمون منه الإناث والأطفال؛ لأنّهم «لا یلاقون العدوّ ولا یقاتلون في الحروب»(2)، بل إنّ المرأة إذا لم تکن أُمّ ولد وُرِثت هي أیضاً ضمن ترکة الزوج المتوفّی، فإذا کانت هذه القاعدة عامّة ومطبّقة بشکل صارم، فأنّی لخدیجة أن ترث الثروة الطائلة لتمیمیّهاأو مخزومیّها؟ إنّنا نرجّح أنّ الأُمور لم تکن بالصرامة التي تنتفي معها الاستثناءات ولا بالشمولیة التي تغیب معها الخصوصیات، فنحن أمام عادات وتقالید تفعل فعل القانون، ولسنا بمحضر قانون منظّم للعلاقات تشرف علیه سلطة مرکزیة وترعی تنفیذه، کما أنّنا لسنا إزاء مجتمع

ص: 269


1- . عن هاتین الزیجتین انظر: طبقات ابن سعد: ج8 ص14 - 15، ابن حبیب، المصدر نفسه: ص99، 164، 452، ابن الکلبي، المصدر نفسه: ص279، أُسد الغابة لابن الأثیر: ج7 ص79 - 80، الطبري، المصدر نفسه: ج3 ص161، الحیوان للجاحظ: ج6 ص72، صفة الصفوة لابن الجوزي: ج1 ص25.
2- . تفسیر الطبري: ج3 ص616 (سورة النساء).

متجانس، بل إزاء حیاة قبلیّة تکمن فیها الخصوصیات، ولیس أدلّ علی ذلك من أنّ هنالك روایات تجعلنا نفهم أنّ حرمان النساء من الإرث لم یکن بالضرورة «سنّة عامّة عند جمیع القبائل»، حسب عبارة جواد علي(1).

وإلی ذلك فإنّ إمکانیة خرق الأعراف القبلیة من الأُمور الواردة، فالروایات تذکر لنا أیضاً أنّ أحد العرب وهو ذو المجاسد عامر بن جشم بن غنم بن حبیب بن کعب بن یشکر، کان أوّل من خصّ بناته بالإرث في الجاهلیة، خارقاً بذلك الأعراف السائدة، فورّث ولده ترکته وفقاً لمبدأ «وللذکر مثل حظّ الأٌنثیین»، الذي سیتحوّل لاحقاً إلی مبدأ إسلامي(2).

وعلی هذا الأساس، فإن صحّ ما یُروی من أنّ خدیجة ورثت من أحد زوجیها ثروة

طائلة، فیُرجّح أنّ ذلك تمّ بحکم وصیّة أو بحکم کونها کانت شریکة لذلك الزوج في تجارته، أو أنّه وهبها وهو علی قید الحیاة جزءاً من ثروته.

وهنالك احتمال آخر، وهو أنّ خدیجة إذا کانت ورثت من زوجها التمیمي، فقد یکون ذلك بسبب الولدین اللذین أنجبتهما منه، ولکن هذا یفترض أنّهما کانا بالغی