شرح نهج البلاغه (ابن میثم) المجلد 2

اشارة

ص :1

اشارة

«بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِیمِ» نحمد اللّه علی ما فتح لنا أبواب المعرفة،و نشکره علی ما ألهمنا من شکر النعمة.و نصلّی و نسلّم علی من بعثه إلی عباده لیتلو علیهم الکتاب و الحکمة،و علی آله المعصومین الکرام البررة.و نسأله أن یسعد حظّنا و یثبّت أقدامنا للیسر فی سبیله و للسعی وراء مرضاته،و أن یجعل صحائف أعمالنا بسعد الجدّ متوالیة،و بصالح الأعمال متواصلة.إنّه بعباده رؤف رحیم.

و بعد فهذا هو الجزء الثانی من کتاب شرح نهج البلاغة للعلاّمة المحقّق الحکیم:میثم بن علیّ البحرانی علی حسب ما رتّب کتابه،مبتدئا فی شرح الثانیة و العشرین من الخطب و ما یجری مجراها علی حسب ما جمعه الشریف الرضّی-جزاهما اللّه أحسن الجزاء-.

و هی:

ص :2

* تتمة باب المختار من الخطب

22-و من خطبة له علیه السّلام

القسم الأول

اشارة

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الْأَمْرَ یَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَی الْأَرْضِ- کَقَطَرَاتِ الْمَطَرِ إِلَی کُلِّ نَفْسٍ بِمَا قُسِمَ لَهَا- مِنْ زِیَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ- فَإِنْ رَأَی أَحَدُکُمْ لِأَخِیهِ غَفِیرَةً- فِی أَهْلٍ أَوْ مَالٍ أَوْ نَفْسٍ- فَلاَ تَکُونَنَّ لَهُ فِتْنَةً- فَإِنَّ الْمَرْءَ الْمُسْلِمَ مَا لَمْ یَغْشَ دَنَاءَةً تَظْهَرُ- فَیَخْشَعُ لَهَا إِذَا ذُکِرَتْ وَ یُغْرَی بِهَا لِئَامُ النَّاسِ- کَانَ کَالْفَالِجِ الْیَاسِرِ الَّذِی یَنْتَظِرُ أَوَّلَ فَوْزَةٍ- مِنْ قِدَاحِهِ تُوجِبُ لَهُ الْمَغْنَمَ وَ یُرْفَعُ بِهَا عَنْهُ الْمَغْرَمُ- وَ کَذَلِکَ الْمَرْءُ الْمُسْلِمُ الْبَرِیءُ مِنَ الْخِیَانَةِ- یَنْتَظِرُ مِنَ اللَّهِ إِحْدَی الْحُسْنَیَیْنِ- إِمَّا دَاعِیَ اللَّهِ فَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَیْرٌ لَهُ- وَ إِمَّا رِزْقَ اللَّهِ فَإِذَا هُوَ ذُو أَهْلٍ وَ مَالٍ- وَ مَعَهُ دِینُهُ وَ حَسَبُهُ- إِنَّ الْمَالَ وَ الْبَنِینَ حَرْثُ الدُّنْیَا- وَ الْعَمَلَ الصَّالِحَ حَرْثُ الْآخِرَةِ- وَ قَدْ یَجْمَعُهُمَا اللَّهُ تَعَالَی لِأَقْوَامٍ- فَاحْذَرُوا مِنَ اللَّهِ مَا حَذَّرَکُمْ مِنْ نَفْسِهِ- وَ اخْشَوْهُ خَشْیَةً لَیْسَتْ بِتَعْذِیرٍ- وَ اعْمَلُوا فِی غَیْرِ رِیَاءٍ وَ لاَ سُمْعَةٍ- فَإِنَّهُ مَنْ یَعْمَلْ لِغَیْرِ اللَّهِ یَکِلْهُ اللَّهُ لِمَنْ عَمِلَ لَهُ- نَسْأَلُ اللَّهَ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَ مُعَایَشَةَ السُّعَدَاءِ

ص :3

وَ مُرَافَقَةَ الْأَنْبِیَاءِ أَیُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لاَ یَسْتَغْنِی الرَّجُلُ- وَ إِنْ کَانَ ذَا مَالٍ عَنْ عَشِیرَتِهِ وَ دِفَاعِهِمْ عَنْهُ بِأَیْدِیهِمْ وَ أَلْسِنَتِهِمْ- وَ هُمْ أَعْظَمُ النَّاسِ حَیْطَةً مِنْ وَرَائِهِ وَ أَلَمُّهُمْ لِشَعَثِهِ- وَ أَعْطَفُهُمْ عَلَیْهِ عِنْدَ نَازِلَةٍ إِذَا نَزَلَتْ بِهِ- وَ لِسَانُ الصِّدْقِ یَجْعَلُهُ اللَّهُ لِلْمَرْءِ فِی النَّاسِ- خَیْرٌ لَهُ مِنَ الْمَالِ یُوَرِّثُهُ غَیْرَهُ

اللغة

أقول: الغفیرة : الکثرة و الزیادة.و روی عفوة بکسر العین،و عفوة کلّ شیء صفوته.

و غری یغری بالأمر إذا ولع به ،و أغریته به : إذا حثثت له الدخول فیه .و الفالج : الفائز .

و الیاسر : اللاعب بالمیسر.و سنذکر کیفیّته .و القداح : سهام المیسر الّتی یلعب بها ،و التعذیر اظهار العذر ممّن لا عذر له فی الحقیقة ،و عشیرة الرجل : قبیلته و المعاشرون له ،و الحیطة بالکسر : الحفظ و الرعایة ،و اللمّ : الجمع .و الشعث : تفرّق الأمر و انتشاره .

المعنی

اشارة

و اعلم أنّ مدار هذا الفصل علی تأدیب الفقراء بترک الحسد و نحوه أوّلا،و علی تأدیب الأغنیاء بالشفقة علی الفقراء و مواساتهم بالفضل من المال و تزهیدهم جمعه ثانیا .

فقوله:أمّا بعد فإنّ الأمر ینزل إلی قوله:أو نقصان

فقوله: أمّا بعد فإنّ الأمر ینزل إلی قوله: أو نقصان .صدر الخطبة.أورده لیبنی علیه غرضه،و حاصله الإشارة إلی أنّ کلّ ما یحدث من زیادة أو نقصان و یتجدّد فیما یکون به صلاح حال الخلق فی معاشهم و معادهم من صحّة أو مال أو علم أو جاه أو أهل فإنّه صادر عن القسمة الربّانیّة المکتوبة بقلم القضاء الإلهیّ فی اللوح المحفوظ الّذی هو خزانة کلّ شیء.و المراد بالأمر حکم القدرة الإلهیّة علی الممکنات بالوجود و هو المعبّر عنه بقوله تعالی:

«کُنْ» :فی قوله: «إِنَّما قَوْلُنا لِشَیْءٍ إِذا أَرَدْناهُ» و بنزوله نسبة حصوله إلی کلّ نفس بما قسمّ لها و هی النسبة المسمّاة بالقدر فی قوله تعالی «وَ إِنْ مِنْ شَیْءٍ إِلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ مٰا نُنَزِّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ»(1) و استعاره-حقیقت المراد بالسماء سماء الجود الإلهیّ و بالأرض عالم الکون و الفساد علی سبیل استعارة هذین اللفظین للمعنیین المعقولین من المحسوسین،و وجه الاستعارة فی الموضعین

ص :4


1- 15-21.

مشارکة المعنیین المذکورین للسماء و الأرض فی معنیی العلوّ و الاستفال کلّ بالنسبة إلی الآخر،و إنّما لم تکن الحقیقة مرادة لأنّ الأمر النازل لیس له جهة هی مبدء نزوله و إلاّ لکان الأمر فی جهته-تعالی اللّه عن ذلک-و یحتمل أن یراد حقیقة السماء و الأرض علی معنی أنّ الحرکات الفلکیّة لمّا کانت شرائط معدّة یصدر بواسطتها ما یحدث فی الأرض کانت السماء مبادئ علی بعض الوجوه لنزول الأمر . تشبیه فأمّا تشبیهه بقطر المطر فوجه التشبیه أنّ حصول الرزق و الأهل و نحوهما لکلّ نفس و قسمها منها مختلف بالزیادة و النقصان کما أنّ قطر المطر بالقیاس إلی کلّ واحدة من البقاع کذلک.و هو تشبیه للمعقول بالمحسوس .

و قوله:فإذا رأی أحدکم لأخیه المسلم غفیرة فی أهل أو مال أو نفس فلا تکوننّ له فتنة

و قوله: فإذا رأی أحدکم لأخیه المسلم غفیرة فی أهل أو مال أو نفس فلا تکوننّ له فتنة.

شروع فی تأدیب من حصل فی حقّه النقصان فی أحد الامور المذکورة بالنهی لهم عن الافتتان بحال من حصلت له الزیادة و النفاسة فی أحدها:من المال أو الأهل أو النفس.قال بعض الشارحین:إنّه أراد بالنهی عن الفتنة هاهنا النهی عن الحسد.و التحقیق أن یقال:

إنّ الفتنة هی الضلال عن الحقّ بمحبّة أمر ما من الامور الباطلة،و الاشتغال به عمّا هو الواجب من سلوک سبیل اللّه.و لمّا کان حال الفقراء من أحد الامور المذکورة بالنسبة إلی من عرضت له الزیادة فی أحدها،فمنهم من یؤهّل نفسه لتلک الزیادة فیری أنّه أحقّ بها ممّن عرضت له فیعرض له أن یحسده،أو یری أنّه یستحقّ مثلها فیعرض له أن یغبطه،و منهم من یقصّر نفسه عن ذلک لکن یمیل بطبعه إلی خدمة من له تلک الزیادة،و ینجذب بکلّیته إلی موالاتهم ککثیر من الفقراء الّذین یمیلون بطباعهم إلی خدمة الأغنیاء،و یخلصون السعی لهم لیس لأمر سوی ما حصلوا علیه من مال أو جاه أو نحو ذلک.و لعلّ تلک الغایة یشوبها توهّم الانتفاع بهم ممّا حصلوا علیه.و لمّا کانت هذه الامور و نحوها أعلی الحسد و الغبطة،و المیل إلیهم لأجل ما حصلوا علیه من الزیادة فی أحد الامور المذکورة رذائل أخلاق مشغلة عن التوجّه إلی اللّه تعالی و مقبلة عن سواء السبیل کان المنهیّ عنه فی الحقیقة هو الضلال بأحد الرذائل ة هاهنا .

و قوله:فإنّ المرء المسلم.إلی قوله:و معه دینه و حسبه.

و قوله : فإنّ المرء المسلم. إلی قوله: و معه دینه و حسبه.

أقول:إعراب هذا الفصل أنّ ما هاهنا بمعنی المدّة.و کالفالج خبر أنّ و تظهر صفة

ص:5

لدناءة و قوله فیخشع إن حملنا الخشوع علی المعنی اللغوی و هو غضّ الطرف مثلا و التطأمن.

کان عطفا علی یظهر،و إن حملناه علی المعنی العرفیّ و هو الخضوع للّه و الخشیة منه فالفاء للابتداء.و الیاسر صفة للفالج.و إذا للمفاجاة.إذا عرفت ذلک.

تشبیه فاعلم أنّه علیه السّلام لمّا نهی عن الفتنة بأحد الامور المذکورة و الشغل بها أراد أن ینبّه علی فضیلة الانتهاء عنه فنبّه علی کونها دنایا بقوله: ما لم یغش دناءة ،ثمّ عقّب بالتنفیر عن الدناءة و الترغیب فی التنزّه عنها بما ذکره.و معناه أنّ المسلم مهما لم یرتکب أمرا خسیسا یظهر عنه فیکسب نفسه خلقا ردیئا،و یلزمه بارتکابه الخجل من ذکره بین الخلق إذا ذکر و الحیاء من التعییر به،و یغری به لئام الناس و عوامّهم فی فعل مثله.و قیل:

فی هتک ستره.فإنّه یشبه الفالج الیاسر.هذا إن حملنا الخشوع علی معناه اللغویّ،و إن حملناه علی المعنی العرفی الشرعیّ کان المراد أنّه ما لم یغش دناءة فیخشع لها:أی بل یخشع للّه و یخضع له عند ذکرها و یتضرّع إلیه هربا من الوقوع فی مثلها و خوفا من وعیده علی المعاصی فیکون کالفالج الیاسر.

فلنشرت أوّلا إلی کیفیّة اللعب المسمّی میسرا لیتّضح به وجه التشبیه.فنقول:إنّ الخشبات المسمیّات قداحا و هی الّتی کانت لایسار الجزور سبعة:أوّلها:الفذّ بالذال المعجمة و فیه فرض واحد.و ثانیها:التوأم.و فیه فرضان.و ثالثها:الضریب بالضاد المعجمة و فیه ثلاثة فروض.و رابعها:الحلس بکسر الحاء،و نقل أحمد بن فارس فی المجمل:الحلس بفتح الحاء و کسر اللام.و فیه أربعة فروض.و خامسها:النافس و فیه خمسة فروض.و سادسها:

المسیل.و هی ستّة فروض.و سابعها:المعلّی و له سبعة فروض.و لیس بعده قدح فیه شیء من الفروض،إلاّ أنّهم یدخلون مع هذه السبعة أربعة اخری تسمّی أوغادا.لا فروض فیها.و إنّما تثقل به القداح.و أسماءها:المصدر،ثمّ المضعف،ثمّ المنبح،ثمّ الصفیح.فإذا اجتمع أیسار الحیّ أخذ کلّ منهم قدحا:و کتب علیه اسمه أو علّم بعلامة،ثمّ أتوا بجزور فینحرها صاحبها و یقسّمها عشرة أجزاء:علی الورکین،و الفخذین،و العجز،و الکاهل،و الزور، و الملحاء،و الکتفین.ثمّ یعمد إلی الطفاطف و حرز الرقبة فیقسّمها علی تلک الأجزاء بالسویّة.فإذا استوت و بقی منها عظم أو بضعة لحم انتظر به الجازر من أراده ممّن

ص:6

بفوز قدحه فإن أخذه عیّر به و إلاّ فهو للجازر،ثمّ یؤتی برجل معروف أنّه لم یأکل لحما قطّ بثمن إلاّ أن یصیبه عند غیره و یسمّی الحرضة.فیجعل علی یدیه ثوب، و تعصّب رءوس أصابعه بعصابة کیلا یجد مسّ الفروض،ثمّ یدفع إلیه القداح،و یقوم خلفه رجل یقال له الرقیب.فیدفع إلیه قدحا قدحا منها من غیر أن ینظر إلیها.فمن خرج قدحه أخذ من أجزاء الجزور بعدد الفروض الّتی فی قدحه،و من لم یخرج قدحه حتّی استوفیت أجزاء الجزور غرم بعدد فروض قدحه کأجزاء تلک الجزور من جزور اخری لصاحب الجزور الّذی نحرها.فإن اتّفق أن خرج المعلّی أوّلا فأخذ صاحبه سبعة أجزاء من الجزور،ثمّ خرج المسیل فلم یجد صاحبه إلاّ ثلاثة أجزاء أخذها،و غرم له من لم یفز قدحه ثلاثة أجزاء من جزور اخری.و أمّا القداح الأربعة الأوغاد فلیس فی خروج أحدها غنم،و لا فی عدم خروجه غرم.و المنقول عن الأیسار أنّهم کانوا یحرّمون ذلک اللحم علی أنفسهم،و یعدّونه للضیافة.إذا عرفت ذلک.

فاعلم أنّ وجه الشبه هو ما ذکره علیه السّلام و ذلک أنّ الفائز الیاسر الّذی ینتظر قبل فوزه أوّل فوزة من قداحه أوجب له فوزه المغنم و نفی عنه المغرم فکذلک المسلم البریء من الخیانة الضابط لنفسه عن ارتکاب مناهی اللّه لمّا کان لا بدّ له فی انتظاره لرحمة اللّه و صبره عن معصیته أن یفوز بإحدی الحسنیین:و هی إمّا أن یدعوه اللّه إلیه بالقبض عن الشقاء فی هذه الدار .فما عند اللّه ممّا أعدّه لأولیائه الأبرار خیر له .فیفوز إذن بالنعیم المقیم.و لمّا کان فوزه مستلزما لعدم خسرانه ظهر حسن تشبیهه بالیاسر الفالج فی فوزه المستلزم لعدم غرمه.و یحتمل أن یرید بداعی اللّه لا الموت،بل الجواذب الإلهیّة، و الخواطر الربّانیّة الّتی تسنح له فتجذبه إلی طرف الزهد الحقیقیّ و الالتفات عن خسائس هذه الدار إلی ما وعد به المتقوّن،و إمّا أن یفتح اللّه علیه أبواب رزقه فیصبح و قد جمع اللّه له بین المال و البنین مع حفظ الحسب و الدین.فیفوز الفوز العظیم و یأمن العقاب الألیم.فالتشبیه أیضا هاهنا واقع موقعه،و کلا الوصفین أفضل عند العاقل من الفتنة بالغیر،و الالتفات عن اللّه تعالی،و تدنیس لوح النفس برذائل الأخلاق من الحسد و نحوه.و کما أنّ الفصل مستلزم للنهی عن الحسد و نحوه من الفتن المضلّة کذلک

ص:7

هو مستلزم للأمر بالصبر علی بلاء اللّه و انتظار رحمته .

قوله:إنّ المال و البنین حرث الدنیا.إلی قوله:لأقوام.

قوله: إنّ المال و البنین حرث الدنیا. إلی قوله: لأقوام .

أقول:لمّا بیّن فیما سبق من التشبیه و غیره أنّ تارک الرذائل المذکورة و نحوها المنتظر للحسنی من اللّه فائز.أردف ذلک بالتنبیه علی تحقیر المغشیات الّتی ینشأ منها التنافس،و منها الرذائل المذکورة.فذکر أعظمها و أهمّها عند الناس و هو المال و البنون.

فإنّهما أعظم الأسباب الموجبة لصلاح الحال فی الحیاة الدنیا و أشرف القینات الحاضرة.

کما قال اللّه تعالی «الْمالُ وَ الْبَنُونَ زِینَةُ الْحَیاةِ الدُّنْیا» و نبّه علی تحقیرهما بالنسبة إلی العمل بکونهما من حرث الدنیا و العمل الصالح حرث الآخرة .و المقدّمة الاولی من هذا الاحتجاج صغری کبراه ضمیر تقدیرها و حرث الدنیا حقیر عند حرث الآخرة.فینتج أنّ المال و البنین حقیران بالنسبة إلی حرث الآخرة.و قد ثبت فی المقدّمة الثانیة أنّ حرث الآخرة هو العمل الصالح.فإذن المال و البنون حقیران بالنسبة إلی العمل الصالح.

أمّا المقدّمة الاولی فظاهرة إذ لا حصول للمال و البنین فی غیر الدنیا.

و أمّا بیان الثانیة فمن وجهین:أحدهما:قوله تعالی «فَما مَتاعُ الْحَیاةِ الدُّنْیا فِی الْآخِرَةِ إِلاّ قَلِیلٌ» و ظاهر أنّه لا یرید قلّة الکمیّة،بل المراد حقارته بالنسبة إلی متاع الآخرة و لذّتها.الثانی:أنّ حرث الدنیا من الامور الفانیة،و حرث الآخرة من الامور الباقیة الموجبة للسعادة الأبدیّة،و الفانیات الصالحات ظاهرة الحقارة بالنسبة إلی الباقیات الصالحات کما قال تعالی «وَ الْباقِیاتُ الصّالِحاتُ خَیْرٌ عِنْدَ رَبِّکَ ثَواباً وَ خَیْرٌ أَمَلاً» ثمّ نبّه السامعین بقوله: و قد یجمعهما اللّه لأقوام .علی وجوب الالتفات إلی اللّه تعالی و التوکّل علیه.و ذلک أنّ الجمع بین حرث الدنیا و الآخرة لمّا کان فی طباع کلّ عاقل طلب تحصیله،و کان حصوله إنّما هو من اللّه دون غیره لمن یشاء من عباده.ذکر علیه السّلام ذلک لیفرغ الطالبون للسعادة إلی جهة تحصیلها و هو التقرّب إلی اللّه بوجوه الوسائل، و الإعراض عمّا لا یجدی طائلا من الحسد و نحوه ،ثمّ أکّد ذلک الجذب بالتحذیر ممّا حذّره اللّه من نفسه،و الأمر بالخشیة الصادقة البریئة من التعذیر المستلزمة لترک محارمه،و لزوم حدوده الجاذبة إلی الزهد الحقیقی،ثمّ أردف ذلک بالأمر بالعمل للّه

ص:8

البریء من الریاء و السمعة و هو إشارة إلی العبادة الخالصة للّه،و المستلزم لتطویع النفس الأمّارة بالسوء للنفس المطمئنّة،و قد ثبت فی علم السلوک إلی اللّه تعالی أنّ الزهد و العبادة کیف یوصلان إلی السعادة التامّة الأبدیّة .

و قوله:فإنّه من یعمل لغیر اللّه یکله اللّه لمن عمل له.

و قوله: فإنّه من یعمل لغیر اللّه یکله اللّه لمن عمل له.

تعلیل لوجوب ترک الریاء و السمعة فی العمل.فإنّ العامل للریاء و السمعة قاصد أن یراه الناس و یسمعوا بحاله لیعود إلیه منهم ما یتوّقعه من مال أو جاه و نحوه من الأغراض الباطلة و الأعراض الزائلة.و قد علمت أنّ التفات النفس إلی شیء من ذلک شاغل لها عن تلقّی رحمة اللّه و الاستعداد لها،محجوبة به عن قبول فضله.و لمّا کان هو مسبّب الأسباب و منتهی سلسلة الممکنات لا جرم کانت المطالب منه لا من غیره فجری منه التحدید بالوکول إلی من سواه ممّن عمل له العاملون لاستلزامه الخیبة و الحرمان.

و خسر العاملون إلاّ له،و خاب المتوکّلون إلاّ علیه.و قد سبق منّا بیان معنی کون العامل لغیر اللّه موکولا إلی نفسه و إلی من عمل له فی الفصل الّذی ذمّ فیه علیه السّلام من یتصدّی للحکم بین الامّة و لیس من أهله.

قوله:نسأل اللّه منازل الشهداء و معایشة السعداء و مرافقة الأنبیاء .

قوله: نسأل اللّه منازل الشهداء و معایشة السعداء و مرافقة الأنبیاء.

لمّا کانت همّته علیه السّلام مقصورة علی طلب السعادة الاخرویّة طلب هذه المراتب الثلاث.و فی ذلک جذب للسامعین إلی الاقتداء به فی طلبها و العمل بها.و بدء علیه السّلام بطلب أسهل المراتب الثلاث للإنسان،و ختم بأعظمها.فإنّ من حکم له بالشهادة غایته أن یکون سعیدا،و السعید غایته أن یکون فی زمرة الأنبیاء رفیقا لهم.و هذا هو الترتیب اللایق من المؤدّب الحاذق.فإنّ المرتبة العالیة لا تنال دفعة دون نیل ما هو أدون منها .

قوله:أیّها الناس.إلی قوله:یورّثه غیره.

قوله: أیّها الناس .إلی قوله: یورّثه غیره.

أقول:لمّا أشار إلی تأدیب الفقراء عن التعرّض للأغنیاء بما یوجب لهم ملکات السوء من الحسد و نحوه أردف ذلک بتأدیب الأغنیاء و استدراجهم فی حقّ الفقراء ذوی الأرحام و أهل القبیلة و نحوهم من الأصحاب بالأمر بالمواساة فی المال و المئونة لهم لینتظم شمل المصلحة من الطرفین.فاستدرجهم بأمرین:

ص:9

أحدهما:ببیان أنّهم لا یستغنون عنهم و إن کانوا أصحاب ثروة.فإنّ الرجل لا یستغنی بماله عن أعوان له یذبّون عنه بأیدیهم صولة قبائل،و یدفعون عنه بألسنتهم مسبّة قائل،بل من المعلوم أنّ أشدّ الناس حاجة إلی الأعوان و الأصحاب و المعاضدین هم أکثر الناس ثروة،و انظر إلی الملوک و المتشبّهین بهم من أرباب الأموال.و أحقّ الناس بعدم الاستغناء عنهم عشیرة الرجل و أصحابه.فإنّهم أعظم الناس شفقة علیه، و أشدّهم دفاعا عنه و حفظا لجانبه ،و ألمّهم لشعثه أی أشدّهم جمعا لمتفرّق حاله، و أعطفهم علیه إن نزلت به نازلة من فقر و نحوه.و ذلک أنّ قربهم منه باعث لدواعی الشفقة علیه.

الثانی:التنبیه بذکر غایتی إنفاق المال و جمعه،و تفضیل أحدهما علی الآخر.

و ذلک قوله: و لسان الصدق یجعله اللّه للمرء إلخ.فلسان الصدق هو الذکر الجمیل بین الناس و هو من غایات البذل و الانفاق،و غایة جمع المال هی توریثه للغیر.و أمّا أفضلیّة البذل علی الجمع فظاهرة من تصوّر هاتین الغایتین.و إنّما رغّب علیه السّلام فی البذل بما یستلزمه من غایة الذکر الجمیل بین الناس و إن لم یکن مقصوده من الحثّ علی البذل إلاّ مصلحة الفقراء و سداد خلّتهم،و تأدیب الأغنیاء و تعویدهم بالبذل و النزول عن محبّة المال.

لأنّ توقّع الذکر الجمیل من الناس أدعی إلی البذل و أکثر فعلا فی النفوس من الغایات الّتی یقصدها علیه السّلام.و ذلک من الاستدراجات الحسنة.حتّی إذا انفتح باب البذل و تمرّنت النفوس علیه وجدت أنّ أولی المقاصد الّتی یصرف فیها المال هی المقاصد الّتی یقصدها الشارع و یحّث علیها من سدّ خلّة الفقراء الّتی ینتظم بها شمل المصلحة و یتّحد الناس بعضهم ببعض خصوصا العشیرة.فإنّه من الواجب فی السیرة العادلة الّتی بها صلاح حال الإنسان فی الدارین أنّه لمّا کان لا غناء له عن عشیرته و أصحابه،و کان إکرامهم و مواساتهم بالمال هو الّذی یؤکّد الانتفاع بهم و یستحقّونه فی مقابلة حفظهم لجانبه و حیاطتهم له فبالحریّ أن یجب مواساتهم و إکرامهم بما ینتظم أحوالهم من فضل المال،و کفی بذکر غایة جمع المال و هی توریث الغیر المستلزمة لذکر هادم اللذّات باعثا علی بذل المال و النزول عن محبّته و جمعه لمن لمح بعین بصیرته عاقبة أمره.و باللّه التوفیق.

ص:10

القسم الثانی

اشارة

و منها أَلاَ لاَ یَعْدِلَنَّ أَحَدُکُمْ عَنِ الْقَرَابَةِ یَرَی بِهَا الْخَصَاصَةَ- أَنْ یَسُدَّهَا بِالَّذِی لاَ یَزِیدُهُ إِنْ أَمْسَکَهُ- وَ لاَ یَنْقُصُهُ إِنْ أَهْلَکَهُ- وَ مَنْ یَقْبِضْ یَدَهُ عَنْ عَشِیرَتِهِ- فَإِنَّمَا تُقْبَضُ مِنْهُ عَنْهُمْ یَدٌ وَاحِدَةٌ- وَ تُقْبَضُ مِنْهُمْ عَنْهُ أَیْدٍ کَثِیرَةٌ- وَ مَنْ تَلِنْ حَاشِیَتُهُ یَسْتَدِمْ مِنْ قَوْمِهِ الْمَوَدَّةَ قال الشریف:أقول:الغفیرة ههنا الزیادة و الکثرة،من قولهم للجمع الکثیر:الجم الغفیر،و الجماء الغفیر.و یروی«عفوة من أهل أو مال» و العفوة الخیار من الشیء،یقال:أکلت عفوة الطعام،أی:خیاره،و ما أحسن المعنی الذی أراده علیه السّلام بقوله:«و من یقبض یده عن عشیرته إلی تمام الکلام»فإن الممسک خیره عن عشیرته إنما یمسک نفع ید واحدة- فإذا احتاج إلی نصرتهم و اضطر إلی مرافدتهم- قعدوا عن نصره و تثاقلوا عن صوته- فمنع ترافد الأیدی الکثیرة و تناهض الأقدام الجمة

اللغة

أقول: العدول : الانحراف ،و الخصاصة : الفقر و الحاجة ،و حاشیة الرجل : جانبه و حاشیته:أیضا أخدامه و أتباعه الّذین هم حشو بیته ،و قوله: یری .فی موضع النصب علی الحال، و أن یسدّها.فی موضع الجرّ بدلا من القرابة.

المعنی

و اعلم أنّ المقصود بهذا الفصل هو ما ذکرناه قبله،و لو وصلناه به لصلح تتمّة.له.و حاصله إلی قوله:أید کثیرة .النهی عن العدول عن سدّ خلّه الأقرباء و اولی الأرحام ذوی الحاجة بالفضل من المال،و صرفه فی غیر وجهه من المصارف الغیر المرضیّة للّه سبحانه، استعارة بالکنایة و کنّی بالسدّ الّذی هو حقیقة فی منع جسم لجسم عن المنع المعقول و هو منع الاختلال فی حال الإنسان کنایة بالمستعار.

و قوله: لا یزیده إن أمسکه و لا ینقصه إن أهلکه .علی ظاهره إشکال فإنّه یحتمل أن یقال:کلّ

ص:11

جزء من المال فإنّ بقائه زیادة فیه و عدمه نقصان منه.و جوابه من وجهین:أحدهما أن یقال إنّه علیه السّلام لم یرد هاهنا مطلق الزیادة و النقصان فی المال بالنسبة إلی المال.فإنّ الضمیرین المنصوبین فی یزیده و ینقصه عایدان إلی الشخص المعبّر عنه بأحدکم المأمور بالإنفاق،و إنّما أراد الزیادة و النقصان فیه الّذین لا یعتبر تأثیرهما فی صلاح حال الإنسان و عدم صلاحه،فإنّ الفضل الزائد فی مال الإنسان علی القدر الّذی یدفع ضرورته بحسب الشریعة لیس زیادته معتبرة فی صلاح حاله،و لا نقصانه معتبرا فی فساد حاله فلا یزیده إذن إن أمسکه،و لا ینقصه إن أهلکه.و هذا کما یقول الإنسان لمن یرید أن یسّهل علیه أمرا حقیرا یتشدّد فی طلبه:إنّ هذا الأمر لا یضرّک إن ترکته و لا ینفعک إن أخذته أی بالنسبة إلی صلاح حالک.الثانی أنّه یحتمل أن یرید الزیادة و النقصان فی الثواب و الأجر فی الآجل،و الثناء و الذکر فی العاجل أی لا یزیده صلاح حال عند اللّه، و عند الناس یکون سببا لفساد حاله:أمّا عند اللّه فلأنّ إمساک الفضل من المال عمّن له إلیه ضرورة من عباد اللّه سبب للشقاء العظیم و العذاب الألیم فی الآخرة لقوله تعالی «وَ الَّذِینَ یَکْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لا یُنْفِقُونَها فِی سَبِیلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِیمٍ» (1)و أمّا عند الناس فعلیک بمطالعة مقالاتهم فی ذمّ البخل و البخلاء.و کذلک لا ینقصه أی لا المعطی ینقص من صلاح حاله:أمّا عند اللّه فلمّا وعد به أهل الإنفاق فی سبیله من الأجر الجمیل و الثواب الجزیل کقوله تعالی «الَّذِینَ یُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِی سَبِیلِ اللّهِ ثُمَّ لا یُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَ لا أَذیً» الآیة (2)و نحوها،و أمّا عند الناس فلمّا اتّفقوا علیه من مدح أهل الکرم و السخاء و ملاؤا به الصحف من النظم و النثر فیهم.فأمّا قوله : و من یقبض یده عن عشیرته .إلی آخره.فمعناه ما ذکره السیّد الرضیّ و هو أنّ الممسک خیره عن عشیرته إنّما یمسک عنهم نفع ید واحدة،فإذا احتاج إلی نصرتهم قعدوا عن نصرته و تثاقلوا عنه.فمنع ترافد الأیدی الکثیرة،إلاّ أنّ هذا البیان یحتاج إلی تقریر،و هو أنّ الإنسان لمّا کان انتفاعه بالأیدی الکثیرة أتمّ و أولی بصلاح حاله،و أکثر من النفع الحاصل له بقبض یده عن النفع بها.وجب علیه أن یستجلب بمدّ یده بالنفع مدّ الأیدی الکثیرة إلی

ص:12


1- 1) 9-34
2- 2) 2-264

نفعه و إلاّ لکان بسبب طلبه لنفع ما من إمساک یده الواحدة عنهم المستلزم لإمساک أیدیهم الکثیرة عنه مضیّعا علی نفسه منافع عظیمة فیکون بحسب قصده لنفع ما مضیّعا لما هو أعظم منه فیکون مناقضا لغرضه،و ذلک جهل و سفه.و قوله : و من تلن حاشیته یستدم من قومه المودّة .من تمام تأدیب الأغنیاء بما یعود علیهم منافعه و ینتظم به شمل المصلحة فی العالم من التواضع و لین الجانب للخلق فاستدرجهم إلی التواضع بذکر ثمرته اللازمة عنه الّتی هی مطلوبة لکلّ عاقل،و هی استدامة مودّة الناس المستلزمة لنفعهم و لعدم نفرتهم المستلزمین لصلاح حال التواضع فیما یقصده،و بمثل ذلک أدّب اللّه تعالی نبیّه صلی اللّه علیه و آله و سلم حیث قال: «وَ اخْفِضْ جَناحَکَ لِمَنِ اتَّبَعَکَ مِنَ الْمُؤْمِنِینَ» و قد عرفت أنّ سرّ ذلک استجلاب الالفة لهم و المحبّة بینهم عند سکونهم إلیه لیجتمعوا علی قبول أقواله،و ظهر أنّ شیئا من ذلک لا یحصل عند جفاوة الخلق و التکبّر کما قال اللّه تعالی «وَ لَوْ کُنْتَ فَظًّا غَلِیظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِکَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَ شاوِرْهُمْ فِی الْأَمْرِ» (1)و إن حمل لفظ الحاشیة علی الأتباع و الأخدام کان ذلک تأدیبا لهم بالتواضع من جهة اخری،و ذلک أنّ حاشیة الرجل و خاصّته هم حرسة عرضه و میزان عقله و علیهم یدور تدبیر صلاح حاله فبحسب شدّتهم و غلظتهم و لینتهم و تواضعهم للناس یکون قرب الناس و بعدهم منه،و بغضهم و محبّتهم له،و انسهم و نفارهم عنه.و قال بعض الحکماء:إنّ سبیل الخدم و القوم من الإنسان سبیل الجوارح من الجسد،فحاجب الرجل وجهه،و کاتبه قلبه و رسوله لسانه،و خادمه یده و رجله و عینه.لأنّ من کفاه تعاطی کلّ واحد من الأفعال المحتاج إلیها فقد قام مقامه فیها،و کما یلحقه الذمّ من العقلاء بترک إصلاح أفعاله الصادرة عن أحد جوارحه کذلک یلحقه الذمّ منهم علی ترک إصلاح من یقوم مقامه فی تلک الأفعال بتولیته إیّاها،و کما یستدیم مودّة إخوانه و یستجلب مودّة الناس بتواضعه بنفسه و لین جانبه لهم کذلک یستدیمها بتأدیب حاشیته و خدمه بالآداب المتّفق علی حسنها بین الناس.و أهمّها و أنفعها فی ذلک لین الجانب و ترک الکبر المنفّر فإنّ أوهام الخلق حاکمة بنسبة کلّ خیر و شرّ یجری من حاشیة الرجل إلیه.و إن کان صدق هذا الحکم

ص:13


1- 1) 3-153

اکثریّا،و باللّه التوفیق.

23-و من خطبة له علیه السّلام

اشارة

وَ لَعَمْرِی مَا عَلَیَّ مِنْ قِتَالِ مَنْ خَالَفَ الْحَقَّ وَ خَابَطَ الْغَیَّ- مِنْ إِدْهَانٍ وَ لاَ إِیهَانٍ- فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ وَ فِرُّوا إِلَی اللَّهِ مِنَ اللَّهِ- وَ امْضُوا فِی الَّذِی نَهَجَهُ لَکُمْ- وَ قُومُوا بِمَا عَصَبَهُ بِکُمْ- ؟فَعَلِیٌّ؟ ضَامِنٌ لِفَلْجِکُمْ آجِلاً إِنْ لَمْ تُمْنَحُوهُ عَاجِلاً

اللغة

أقول: الإدهان و المداهنة : المصانعة ،و الإیهان مصدر أوهنه أی أضعفه ،و خابط الغیّ بلفظ المفاعلة : یخبط کلّ منهما فی الآخر.و قد مرّ أنّ الخبط:هو المشی علی غیر استقامة ،و الغیّ : الجهل .و نهجه : أی أوضحه .و عصبه بکم أی علقه بکم و ربطه .و الفلج الفوز ، و المنحة : العطیّة

المعنی

.و فی هذا الفصل ردّ لقول من قال إنّ متابعته علیه مخالفیه و مداهنتهم أولی من محاربتهم فردّ ذلک بقوله: لعمری ما علیّ إلی قوله: و لا إیهان .أی لیس مصانعتهم بواجبة علیّ من طریق المصلحة الدینیّة،و لیسوا بمضعفین لی،و لا علیّ فی قتالهم عجز.

و فی ذکره علیه السّلام لهم بصفة مخالفة الحقّ و مخابطة الغیّ و البغی تنبیه للسامعین و استدراج لهم لقیام عذره فی قتالهم إذ کانت مقاتلة من هذه صفته واجبة فلا یمکن إنکار وقوعها منه.

ثمّ أردف ذلک بأوامر:

أوّلها :الأمر بتقوی اللّه،و قد علمت أنّ تقوی اللّه هی خشیته المستلزمة للإعراض عن کلّ مناهیه المبعّدة عنه و هو الزهد الحقیقی کما سبقت الإشارة إلیه.

الثانی:الأمر بالفرار إلی اللّه و هو أمر بالإقبال علی اللّه و توجیه وجه النفس إلی کعبة وجوب وجوده،و اعلم أنّ فرار العبد إلی اللّه تعالی علی مراتب:

فاولیها:الفرار عن بعض آثاره إلی بعض کما یفرّ من أثر غضبه إلی أثر رحمته کما قال تعالی حکایة عن المؤمنین فی التضرّع إلیه «رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَ اعْفُ»

ص:14

«عَنّا وَ اغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنا» (1)فکأنّهم لم یروا إلاّ اللّه و أفعاله ففرُّوا إلی اللّه من بعضها إلی بعض.

الثانیة:أن یفنی العبد عن مشاهدة الأفعال و یترقّی فی درجات القرب و المعرفة إلی مصادر الأفعال،و هی الصفات فیفرّ من بعضها إلی بعض کما ورد عن زین العابدین علیه السّلام،اللّهم اجعلنی اسوة من قد أنهضته بتجاوزک من مصارع المجرمین فأصبح طلیق عفوک من اسر سخطک،و العفو و السخط صفتان فاستعاذ بإحدیهما من الاخری.

الثالثة:أن یترقّی عن مقام الصفات إلی ملاحظة الذات فیفرّ منها إلیها کقوله تعالی «لا مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاّ إِلَیْهِ» (2)و کالوارد فی الدعاء فی القیام إلی الصلاة:منک و بک و لک و إلیک.أی منک بدء الوجود،و بک قیامه،و لک ملکه،و إلیک رجوعه.ثمّ أکّد ذلک بقوله لا ملجأ و لا منجأ و لا مفرّ منک إلاّ إلیک.و قد جمع الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلّم هذه المراتب حین امر بالقرب فی قوله تعالی «وَ اسْجُدْ وَ اقْتَرِبْ» (3)و قال فی سجوده:أعوذ بعفوک من عقابک.و هو کلام من شاهد فعل اللّه فاستعاذ ببعض أفعاله من بعض،و العفو کما یراد به صفة العافی کذلک قد یراد به الأثر الحاصل عن صفة العفو فی المعفوّ عنه کالخلق و الصنع،ثمّ لمّا قرب فغنی عن مشاهدة الأفعال و تترقّی إلی مصادرها و هی الصفات قال:و أعوذ برضاک من سخطک و هما صفتان،ثمّ لمّا رأی ذلک نقصانا فی التوحید اقترب و ترقّی عن مقام مشاهدة الصفات إلی ملاحظة الذات فقال:و أعوذ بک منک،و هذا فرار إلیه منه مع قطع النظر عن الأفعال و الصفات،و هو أوّل مقام الوصول إلی ساحل العزّة.ثمّ للسباحة فی لجّة الوصول درجات اخر لا تتناهی.و لذلک لمّا ازداد صلی اللّه علیه و آله و سلّم قربا قال:لا احصی ثناء علیک.فکان ذلک حذفا لنفسه عن درجة الاعتبار فی ذلک المقام و اعترافا منه بالعجز عن الإحاطة بما له من صفات الجلال و نعوت الکمال،و کان قوله بعد ذلک:أنت کما أثنیت علی نفسک.کمالا للإخلاص و تجریدا للکمال المطلق الّذی به هو هو أجلّ من أن یلحقه لغیره حکم و همیّ أو عقلیّ.إذا عرفت ذلک ظهر أنّ مقصوده علیه السّلام بقوله: و فرّو إلی اللّه من اللّه .أمر بالترقّی إلی المرتبة الثالثة من المراتب المذکورة .

ص:15


1- 1) 2-286
2- 2) 9-119
3- 3) 96-19

الثالث:الأمر بالمضیّ فیما نهجه لهم من السبیل الواضح العدل الّذی هو واسطة بین طرفی الإفراط و التفریط،و الصراط المستقیم المدلول علیه بالأوامر الشرعیّة.و قد علمت أنّ الغرض من سلوک هذا السبیل و امتثال التکالیف الّتی الزم الإنسان بها و عصبت به إنّما هو تطویع النفس الأمّارة بالسوء للنفس المطمئنّة بحیث تصیر مؤتمرة لها و متصرّفة تحت حکمها العقلیّ منقادة لها عن الانهماک فی میولها الطبیعیّة و لذّاتها الفانیة.و حینئذ تعلم أنّ هذه الأوامر الثلاثة هی الّتی علیها مدار الریاضة و السلوک إلی اللّه تعالی، فالأمر الأوّل و الثالث أمر بما هو معین علی حذف الموانع عن الالتفات إلی اللّه تعالی، و علی تطویع النفس الأمّارة،و الأمر الثانی أمر بتوجیه السیر إلی اللّه.و قد تبیّن فیما مرّ أنّ هذه الامور الثلاثة هی الأغراض الّتی یتوجّه نحوها الریاضة المستلزمة لکمال الاستعداد المستلزم للوصول التامّ.و لذلک قال علیه السّلام :فعلیّ ضامن لفلحکم آجلا إن لم تمنحوه عاجلا .أی إذا قمتم بواجب ما امرتم به من هذه الأوامر کان ذلک مستلزما لفوزکم فی دار القرار بجنّات تجری من تحتها الأنهار الّتی هی الغایات الحقیقیة و لمثلها یعمل العاملون و فیها یتنافس المتنافسون إن لم یتمّ تأهّلکم للفوز فی الدار العاجلة فمنحوه فیها،و قد یتمّ الفوز بالسعادتین العاجلیّة و الآجلیّة لمن وفت قوّته بالقیام بهما و کمل استحقاقه لذلک فی علم اللّه.و لمّا کان حصول السعادة و الفوز عن لزوم الأوامر المذکورة أمرا واجبا واضح الوجوب فی علمه علیه السّلام لا جرم کان ضامنا له.فإن قلت:فما وجه اتّصال هذه الأوامر بصدر هذا الفصل قلت:لمّا کان مقتضی صدر الفصل إلی قوله :و لا إیهان .هو الإعذار إلی السامعین فی قتال مخالفی الحقّ،و کان مفهوم ذلک هو الحثّ علی جهادهم و التنفیر عمّا هم علیه من الطریق الجائر کان تعقیب ذلک بذکر الطریق الواضح المأمور بسلوکه و لزوم حدود اللّه فیه لهو اللایق الواجب.و باللّه التوفیق.

24 و من خطبة له علیه السّلام

اشارة

و قد تواترت علیه الأخبار باستیلاء أصحاب معاویة علی البلاد و قدم علیه عاملاه علی الیمن،و هما عبید اللّه بن عباس و سعید بن نمران لما غلب

ص:16

علیهما بسر بن أبی أرطاة،فقام علیه السّلام علی المنبر ضجرا بتثاقل أصحابه عن الجهاد و مخالفتهم له فی الرأی،فقال :

مَا هِیَ إِلاَّ؟الْکُوفَةُ؟ أَقْبِضُهَا وَ أَبْسُطُهَا- إِنْ لَمْ تَکُونِی إِلاَّ أَنْتِ تَهُبُّ أَعَاصِیرُکِ فَقَبَّحَکِ اللَّهُ- وَ تَمَثَّلَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ- لَعَمْرُ أَبِیکَ الْخَیْرِ یَا؟عَمْرُو؟ إِنَّنِی عَلَی وَضَرٍ مِنْ ذَا الْإِنَاءِ قَلِیلِ

ثُمَّ قَالَ ع أُنْبِئْتُ؟بُسْراً؟ قَدِ اطَّلَعَ؟الْیَمَنَ؟- وَ إِنِّی وَ اللَّهِ لَأَظُنُّ أَنَّ هَؤُلاَءِ الْقَوْمَ سَیُدَالُونَ مِنْکُمْ- بِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَی بَاطِلِهِمْ وَ تَفَرُّقِکُمْ عَنْ حَقِّکُمْ- وَ بِمَعْصِیَتِکُمْ إِمَامَکُمْ فِی الْحَقِّ وَ طَاعَتِهِمْ إِمَامَهُمْ فِی الْبَاطِلِ- وَ بِأَدَائِهِمُ الْأَمَانَةَ إِلَی صَاحِبِهِمْ وَ خِیَانَتِکُمْ- وَ بِصَلاَحِهِمْ فِی بِلاَدِهِمْ وَ فَسَادِکُمْ- فَلَوِ ائْتَمَنْتُ أَحَدَکُمْ عَلَی قَعْبٍ- لَخَشِیتُ أَنْ یَذْهَبَ بِعِلاَقَتِهِ- اللَّهُمَّ إِنِّی قَدْ مَلِلْتُهُمْ وَ مَلُّونِی وَ سَئِمْتُهُمْ وَ سَئِمُونِی- فَأَبْدِلْنِی بِهِمْ خَیْراً مِنْهُمْ وَ أَبْدِلْهُمْ بِی شَرّاً مِنِّی- اللَّهُمَّ مِثْ قُلُوبَهُمْ کَمَا یُمَاثُ الْمِلْحُ فِی الْمَاءِ- أَمَا وَ اللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ لِی بِکُمْ أَلْفَ فَارِسٍ- مِنْ؟بَنِی فِرَاسِ بْنِ غَنْمٍ؟- هُنَالِکَ لَوْ دَعَوْتَ أَتَاکَ مِنْهُمْ فَوَارِسُ مِثْلُ أَرْمِیَةِ الْحَمِیمِ

ثم نزل علیه السّلام من المنبر

ص:17

قال الشریف أقول:الأرمیة جمع رمی و هو السحاب،و الحمیم ههنا:

وقت الصیف،و إنما خص الشاعر سحاب الصیف بالذکر لأنه أشد جفولا و أسرع خفوفا لأنه لا ماء فیه.و إنما یکون السحاب ثقیل السیر لامتلائه بالماء،و ذلک لا یکون فی الأکثر إلا زمان الشتاء،و إنما أراد الشاعر وصفهم بالسرعة إذا دعوا،و الإغاثة إذا استغیثوا،و الدلیل علی ذلک.

قوله هنا لک لو دعوت أتاک منهم أقول:السبب:أنّ قوما بصنعاء کانوا من شیعة عثمان یعظّمون قتله فبایعوا علیّا علیه السّلام علی دغل.فلمّا اختلف الناس علیه بالعراق،و کان العامل له یومئذ علی صنعاء عبید اللّه بن عباس،و علی الجند بها سعید بن نمران.ثمّ قتل محمّد بن ابی بکر بمصر و کثرت غارات أهل الشام.تکلّم هؤلاء و دعوا إلی الطلب بدم عثمان فأنکر علیهم عبید اللّه ابن عباس فتظاهروا بمنابذة علیّ علیه السّلام فحبسهم فکتبو إلی أصحابهم:الجند.فعزلوا سعید بن نمران عنهم و أظهروا أمرهم فانضمّ إلیهم خلق کثیر إرادة منع الصدقة.فکتب عبید اللّه و سعید إلی أمیر المؤمنین علیه السّلام یخبر انه الخبر فکتب إلی أهل الیمن و الجند کتابا یهدّدهم فیه و یذکّرهم اللّه تعالی فأجابوه بأنّا مطیعون إن عزلت عنّا هذین الرجلین:عبید اللّه و سعیدا.ثمّ کتبوا إلی معاویة فأخبروه فوجّه إلیهم بسر بن أرطاة و کان فظّا سفّاکا للدماء فقتل فی طریقه بمکّة داود و سلیمان ابنی عبید اللّه بن عباس،و بالطائف عبد اللّه بن المدان و کان صهرا لابن عبّاس ثمّ انتهی إلی صنعاء و قد خرج منها عبید اللّه و سعید،و استخلفا علیها عبد اللّه بن عمرو بن أراکة الثقفیّ فقتله بسر،و أخذ صنعاء فلمّا قدم ابن عبّاس و سعید علی علیّ علیه السّلام بالکوفة عاتبهما علی ترکهما قتال بسر فاعتذرا إلیه بضعفهما عنه.فقام علیه السّلام إلی المنبر ضجرا من مخالفة أصحابه له فی الرأی فقال :ما هی إلاّ الکوفه .الفصل.

إذا عرفت ذلک فنقول

اللغة

:

الإعصار : ریح تهّب فتثیر التراب .و الوضر:بفتح الضاد الدرن الباقی فی الإناء بعد الأکل،و یستعار لکلّ بقیّة من شیء یقلّ الانتفاع بها .و الأناء:بالفتح

ص:18

شجر حسن المنظر مرّ الطعم .و اطّلع الیمن : أی غشیها . سیدالون أی:یصیر الأمر إلیهم و الدولة لهم .و القعب : القدح الضخم .و ماث الشیء أذابه .

المعنی

اشارة

و اعلم أنّ الضمیر فی قوله ما هی إلاّ الکوفة و إن لم یجر لها ذکر فی اللفظ إلاّ أن تضجّره من أهلها قبل ذلک و خوضه فی تدبیرها مرارا،و حضورها فی ذهنه یجری مجری الذکر السابق لها،و أقبضها خبر ثان لمبتدأ محذوف تقدیره:أنا،و یحتمل أن یکون هی ضمیر القصّة و أقبضها خبر عن الکوفة.

و نظیره فی الاحتمالین قوله تعالی «کَلاّ إِنَّها لَظی نَزّاعَةً لِلشَّوی» (1)و یفهم من هذا الکلام حصر ما بقی له من البلاد الّتی یعتمد علیها فی الحرب و مقابلة العدوّ فی الکوفه.و هو کلام فی معرض التحقیر لما هو فیه من أمر الدنیا و ما بقی له من التصرّف الحقّ بالنسبة إلی ما لغیره من التصرّف الباطل.و کنایه أقبضها و أبسطها کنایتان عن وجوه التصرّف فیها أی إنّ الکوفة و التصرّف فیها بوجوه التصرّف حقیر بالنسبة إلی سائر البلاد الّتی علیها الخصم.فما عسی أصنع بتصرّفی فیها،و ما الّذی أبلغ به من دفع الخصم و مقاومته.

و هذا کما یقول الرجل فی تحقیر ما فی یده من الماء القلیل إذا رام به أمرا کبیرا:إنّما هو هذا الدینار فما عسی أبلغ به من الغرض ، التفات و قوله. إن لم تکونی إلاّ أنت تهّب أعاصیرک.

عدول من الغیبة إلی الخطاب ،و الضمیر بعد إلاّ تأکید للّذی قبلها و الجملة الفعلیّة بعده فی موضع الحال،و خبر کان محذوف. حقیقت-استعارة و لفظ الأعاصیر یحتمل أن یحمل علی حقیقته فإنّ الکوفة معروف بهبوب الأعصار فیها،و یحتمل أن یکون مستعارا لما یحدث من آراء أهلها المختلفة الّتی هی منبع الغدر به،و التثاقل عن ندائه.و وجه المشابهة ما یستلزمه المستعار منه و له من الأذی و الإزعاج.و تقدیر الکلام فإن لم تکونی إلاّ أنت عدّة لی و جنّة ألقی بها العدوّ،و حظّا من الملک و الخلافة مع ما علیه حالک من المذامّ فقبحا لک.و هو ذمّ لها بعد ذکر وجه الذمّ .و لأجل استصغاره لأمرها تمثّل بالبیت :لعمر ابیک.الخبر.و معنی تمثیله به أنّی علی بقیّة من هذا الأمر کالوضر القلیل فی الإناء،و هو تمثیل علی وجه الاستعارة فاستعار لفظ الإناء للدنیا و لفظ الوضر القلیل فیه للکوفة،و وجه المشابهة ما یشرک فیه الکوفة و الوضر من الحقارة بالنسبة إلی ما استولی علیه خصمه من الدنیا و ما اشتمل علیه

ص:19


1- 1) 70-15

الإناء من الطعام،و من روی الأناء فإنّما أراد أنّی علی بقیّة من هذا الأمر کالقدر الحاصل لناظر الأناء من حسن المنظر مع عدم انتفاعه منه بشیء آخر،و یکون قد استعار لفظ الأناء لسائر بلاد الإسلام،و لفظ الوضر لما فی یده هو من حسن المنظر استعارة فی الدرجة الثانیة، و إنّما خصّص الکوفة دون البصره و غیرها لأنّ جمهور من کان یعتمد علیه فی الحرب إذن هم أهل الکوفة ،و قوله انبئت بسرا .إلی قوله: منکم .شروع فی استنفارهم إلی الجهاد.فأعلمهم أوّلا بحال بسر و خروج الیمن من أیدیهم،ثمّ خوّفهم بما حکم به من الظنّ الصادق أن سیدال القوم منهم،ثمّ أعقب ذلک بذکر أسباب توجب وقوع ما حکم به و هی الإمارات الّتی عنها حکم،فذکر أربعة امور من قبلهم هی أسباب الانقهار،و أربعة امور من قبل الخصم مضادّة لها هی أسباب القهر،و رتّب کلّ أمر عقیب ضدّه لیظهر لهم المناسبة بین أفعالهم و أفعال خصومهم فیدعوهم داعی الدین و المروّة إلی الفرار من سوء الرأی.

فالأول من أفعال الخصم:الاجتماع و التوازر و إن کانوا علی الباطل و هو التصرّف الغیر الحقّ فی البلاد،و الأوّل من أفعالهم ما یضادّ ذلک:و هو تفرّقهم عن حقّهم أی تصرّفهم المستحقّ لهم بإذن ولیّ الأمر:

الثانی من أفعال الخصم:الطاعة للإمام الجائر فیما یأمر به من الباطل،و من أفعالهم:

معصیة إمام الحقّ فی أمره بالحقّ الثالث للخصم :تأدیتهم للأمانة إلی صاحبهم و هی لزوم عهده و الوفاء ببیعته،و من أفعالهم:ضدّ ذلک من الغدر و الخیانة فی العهد بترکهم لموازرته فی القتال و عصیانهم لأمره حتّی صار الغدر مثلا لأهل الکوفة الرابع :صلاح القوم فی بلادهم أی انتظام امورهم فیها الناشی عن طاعة إمامهم، و من إفعالهم:ما یضادّ ذلک من فسادهم فی بلادهم لخروجهم عن طاعة إمامهم.و ظاهر أنّ الامور الأربعة المذکورة من أفعال الخصم من أسباب صلاح الحال و انتظام الدولة و الغلبة و القهر،و أنّ الامور الأربعة المضادّة لها من أفعالهم من أقوی الأسباب الموجبة للانقلاب و الانقهار، کنایة و قوله : و لو ائتمنت أحدکم علی قعب لخشیت أن یذهب بعلاقته .مبالغة فی ذمّهم بالخیانة علی سبیل الکنایة عن خیانتهم لأمانتهم فی عهده علی

ص:20

قبول أوامر اللّه .و قوله : اللهمّ إنی قد مللتهم و ملّونی .شکایة إلی اللّه سبحانه منهم و عرض لما فی ضمیره و ضمائرهم بحسب ما شهدت به قرائن أحوالهم،و الملال و السأم مترادفان.

و حقیقته إعراض النفس عن شیء إمّا لفتور القوی البدنیّة و کلالها عن کثرة الأفاعیل، و إمّا لاعتقاد النفس عن دلیل و إمارة یتبیّن لها أنّ ما یطلبه غیر ممکن لها.و هذان السببان کانا موجودین:أمّا سأمه علیه السّلام من أفعالهم(أفعاله خ)فإنّه لم یشک منهم و لم یدع علیهم حتّی عجزت قواه عن التطلّع إلی وجوه إصلاحهم و انصرفت نفسه عن معالجة أحوالهم لاعتقاد أنّ تقویمهم غیر ممکن له،و أمّا سأمهم منه فإمّا لاعتقادهم أنّ مطلوباتهم الّتی کانوا أرادوه لها غیر ممکنة منه،أو لکثرة تکرار أوامره بالجهاد و الذبّ عن دین اللّه و المواظبة علی أوامر اللّه و زیادتها علی قواهم الضعیفة الّتی هی مع ضعفها مشغولة بغیر اللّه.فلذلک تنصرف نفوسهم عن قبول قوله و امتثال أوامره،ثم أردف تلک الشکایة بالتضرّع إلی اللّه تعالی فی الخلاص منهم،ثمّ الدعاء علیهم فدعا اللّه لنفسه أوّلا أن یبدله خیرا منهم أمّا فی الدنیا:

قوما صالحین ینظرون بنور اللّه نعمه علیهم فیخلصوا له الدین،و أمّا فی الآخرة:قوما غرقوا فی مطالعة أنوار کبریاء اللّه فأعطاهم أعلی منازل جنّته و أسنی مراتب کرامته:قوما «أَنْعَمَ اللّهُ عَلَیْهِمْ مِنَ النَّبِیِّینَ وَ الصِّدِّیقِینَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصّالِحِینَ وَ حَسُنَ أُولئِکَ رَفِیقاً» .و طلبه الخیر منهم فی الدنیا هو الأرجح فی الذهن.لما یتمنّاه بعد من فوارس بنی فرس.ثمّ دعا اللّه علیهم أن یبدلهم شرّا منه.فإن قلت:إنّ صدور مثل هذا الدعاء منه علیه السّلام مشکل من وجهین:

أحدهما:أنّه یقتضی أن یکون هو ذا شرّ.و قد ثبت أنّه کان منزّها عن الشرور،الثانی أنّه کیف یجوز منه أن یدعو بوجود الشرور و وجود الأشرار.قلت:الجواب عن الأوّل من وجهین:أحدهما:أنّ صیغة أفعل التفصیل کما ترد لإثبات الأفضلیة کذلک قد ترد لإثبات الفضیلة.و حینئذ یحتمل أن یکون مراده من قوله: شرا منّی :أی أبدلهم بمن فیه شرّ غیری،الثانی:أن یکون شرّا منّی علی عقائدهم أنّ فیه شرّا علیهم.و اعتقادهم أنّه ذو شرّ لا یوجب کونه کذلک،و عن الثانی من وجهین:أحدهما:أنّه لمّا کان فی دعاء اللّه أن یبدلهم من هو شرّ منه مصلحة تامّة حسن منه ذلک،و بیان المصلحة من وجهین:أحدهما:

أنّ ذلک الدعاء منه علیهم بمشهد منهم و مسمع من أعظم الأسباب المخوّفة الجاذبة لأکثرهم

ص:21

إلی اللّه تعالی و ذلک مصلحة ظاهرة،الثانی أنّ نزول الأمر المدعوّ به علیهم بعده مما ینبّههم علی فضله،و یذکّرهم أنّه لم یصبهم ذلک إلاّ لترکهم أوامر اللّه تعالی و خروجهم عن طاعته فیتقهقروا عن مسالک الغیّ و الفساد إلی واضح سبیل الرشاد،و یکون ذلک بلاء من اللّه لهم.الثانی:لعلّه إنّما دعا علیهم لعلمه أنّه لا یرجی صلاحهم فیما خلقوا لأجله ممّا یدعوهم إلیه.و من لا یرجی صلاح حاله مع فساد نظام العالم بوجوده و لزومه لما یضادّ مطلوب اللّه منه فعدمه أولی من وجوده.فکان دعاءهم علیهم إذن مندوبا إلیه.و علی ذلک یحمل أیضا دعائه علیهم :اللهمّ مث قلوبهم کما یماث الملح فی الماء .و نحوه.و ذلک تأسّ منه علیه السّلام بالسابقین من الأنبیاء علیهم السّلام فی التضجّر من قولهم و الشکایة منهم إلی اللّه تعالی و دعائهم علیه کنوح علیه السّلام إذ قال: «رَبِّ إِنِّی دَعَوْتُ قَوْمِی لَیْلاً وَ نَهاراً فَلَمْ یَزِدْهُمْ دُعائِی إِلاّ فِراراً» إلی قوله «إِنَّهُمْ عَصَوْنِی» ،ثمّ ختم بالدعا علی من لم یرج له صلاح،فقال: «رَبِّ لا تَذَرْ عَلَی الْأَرْضِ مِنَ الْکافِرِینَ دَیّاراً» الآیة.و کلوط إذ قال لقومه: «إِنِّی لِعَمَلِکُمْ مِنَ الْقالِینَ» ،و غیرهما من الأنبیاء کنایة و المراد بالمیث المدعوّ به یشبه أن یکون ما یحصل فی القلب من الانفعال عن الغمّ و الخوف و نحوهما،و ذلک أنّ الغمّ إذا وقع لزمه تکاثف الروح القلبی للبرد الحادث عند انطفاء الحرارة الغریزّیة لشدّة انقباض الروح و اختناقه فیحسّ فی القلب بانفعال شبیه بالعصر و المرس.و ذلک فی الحقیقه ألم أو مستلزمة له فیحسن أن یکون مرادا له،و یحتمل أن یکون کنایة عن أسبابه من الغمّ و الخوف فکأنّه طلب من اللّه أن یقتصّ له منهم إذ ماثوا قلبه بفساد افعالهم ،و یروی أنّ الیوم الّذی دعا علیهم فیه ولد فیه الحجّاج بن یوسف، و روی أنّه ولد بعد الیوم بأوقات یسیرة.و فعل الحجّاج بأهل الکوفة ظاهر،و دماره لها مشهور .

قوله:أما و اللّه لوددت أنّ لی بکم ألف فارس من بنی فرس بن غنم

و قوله: أما و اللّه لوددت أنّ لی بکم ألف فارس من بنی فرس بن غنم.

یصلح تعیینه لمن ذکر بیانا للخیر منهم الّذی طلبه أوّلا من اللّه مجملا عوضا بهم.و بنو فرس حیّ من تغلب أبوهم غنم بفتح الغین و سکون النون،و هو غنم بن تغلب بن وائل،و إنّما خصّ هذا البطن لشهرتهم بالشجاعة و الحمیّة و سرعة إجابة الداعی،و أمّا البیت:هنالک لو دعیت.

فمعناه ما ذکره السیّد الرضیّ-رضوان اللّه علیه-و وجه تمثیله علیه السّلام بهذا البیت أنّ

ص:22

هؤلاء القوم الّذین ودّ أنّهم کانوا له عوضا عن قومه هم بصفة الفوارس الّذین أشار إلیهم الشاعر فی المبادرة إلی إجابة الداعی و الاجتماع علی دفع الضیم عنهم و نصرة حقّهم فلذلک تمنّاهم عوضا،و مقصوده فی جمیع ذلک ذمّهم و توبیخهم و تحقیرهم بتفضیل غیرهم علیهم تنفیرا لطباعهم عمّا هی علیه من التثاقل عن دعوته للذبّ عن دین اللّه،و باللّه التوفیق و العصمة.

25-و من خطبة له علیه السّلام

القسم الأول

اشارة

إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ؟مُحَمَّداً ص؟ نَذِیراً لِلْعَالَمِینَ- وَ أَمِیناً عَلَی التَّنْزِیلِ- وَ أَنْتُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ عَلَی شَرِّ دِینٍ وَ فِی شَرِّ دَارٍ- مُنِیخُونَ بَیْنَ حِجَارَةٍ خُشْنٍ وَ حَیَّاتٍ صُمٍّ- تَشْرَبُونَ الْکَدِرَ وَ تَأْکُلُونَ الْجَشِبَ- وَ تَسْفِکُونَ دِمَاءَکُمْ وَ تَقْطَعُونَ أَرْحَامَکُمْ- الْأَصْنَامُ فِیکُمْ مَنْصُوبَةٌ وَ الْآثَامُ بِکُمْ مَعْصُوبَةٌ

اللغة

أقول: الإناخة : المقام بالمکان .و الحیّة الصمّاء : هی الّتی لا تنزجر بالصوت کأنّها لا تسمع،و ربّما یراد بها الصلبة الشدیدة .و الجشب : هو الطعام الغلیظ الخشن،و یقال:

هو الّذی لا إدام معه ،و معصوبة : مشدودة .

المعنی

و اعلم أنّه علیه السّلام اقتصّ امورا وقعت لیحسن مدحها و ذمّها .فبدأ بذکر النبیّ صلی اللّه علیه و آله و سلّم و ذکر بعض أسباب غایة البعثة فإنّه.لمّا کانت الغایة منها هو جذب الخلق عن دار الغرور إلی الواحد الحقّ و کان ذلک الجذب تارة بالنذارة و تارة بالبشارة.و ذکر هنا النذارة،و خصّها بالذکر لأنّها السبب الأقوی فی الردع فإنّ عامّة الخلق و جمهورهم قلّما یلتفتون إلی ما وعدوا به فی الآخرة إذا قابلوا ذلک بلذّاتهم الحاضرة فإنّ تلک امور غیر متصوّرة لهم إلاّ بحسب الوصف الّذی إنّما ینکشف لهم عن امور محسوسة تشبه ما هم فیه أو أضعف عندهم.ثمّ إنّ نیلها مشروط بشرائط صعبة فی الدنیا تکدّر

ص:23

علیهم ما هم فیه من حاضر لذّتهم مع براءتها عن الشروط و التکالیف الشاقّة فلذلک قلّما یلتفتون إلی الوعد عمّا هم فیه.فکان السبب الأقوی فی الردع و الالتفات إلی اللّه إنّما هو الإنذار و التخویف فإذا انضمّ إلیه الوعد أفاد المجموع الغایة.و لمّا کان مقصوده علیه السّلام فی هذا الموضع التوبیخ المطلق للعرب و ترقیق قلوبهم المشتملة علی الفظاظة و القسوة کان الألیق هاهنا ذکر إنذار النبیّ للعالمین لیتذکّروا بذلک تفصیل الإنذارات الواردة فی القرآن و السنّة،ثمّ أردف ذلک بذکر کونه أمینا علی التنزیل لیتذکّروا أنّ الإنذارات الواردة هی من عند اللّه تعالی أتی بها الرسول غیر خائن فیها بتبدیل أو زیادة أو نقصان فیتأکّد فی قلوبهم ما قد علموه من ذلک لیکون أدعی لهم إلی الانفعال عن أقوله،ثمّ شرع بعده فی اقتصاص أحوالهم الّتی کانوا علیها ،و الواو فی قوله: و أنتم.

للحال أی حال ما کنتم بهذه الصفات بعث محمّدا،و ذکر أحوالهم فی معرض الذمّ لهم.

فذکر أنّهم کانوا علی شرّ دین ،و هو عبادة الأصنام من دون اللّه.و أعظم بذلک افتضاحا لمن عقل منهم أسرار الشریعة و عرف اللّه سبحانه.فلا أحسبه عند سماع هذا التوبیخ إلاّ خجلا ممّا فرّط فی جنب اللّه و یقول: «یا لَیْتَنِی لَمْ أُشْرِکْ بِرَبِّی أَحَداً» ،ثمّ أردف ذلک بتذکیرهم ما کانوا فیه من شرّ دار .و أراد نجد أو تهامة و أرض الحجاز،و بیّن کونها شرّا ببیان فساد أحوالهم،أمّا فی مساکنهم فبانا ختهم بین الحجارة السود الخشن الّتی لا نداوة بها و لا نبات، و الحیّات الصمّ الّتی لا علاج لسمومها.و وصفها بالصمّ.لأنّ حیات تلک الأرض علی غایة من القوّة و حدّة السموم لاستیلاء الحرارة و الیبس علیها ،و أمّا فی مشربهم فلأنّ الغالب علی المیاه الّتی یشربونها أن یکون کدرة لا یکاد غیر المعتاد بها أن یقبل علیها مع العطش إلاّ عند الضرورة،و السبب الغالب فی ذلک عدم إقامتهم بالمکان الواحد بل هم أبدا فی الحلّ و الارتحال،و لا یحتفرون المیاه و یصلحونها إلاّ ریثماهم علیها.فربما کان بعضهم یحتفر و بعضهم یشرب.و مشاهدتهم توضح ذلک،و أمّا فی مأکلهم فجشوبتها ظاهرة فإنّک تجد عامّتهم یأکل ما دبّ من حیوان،و سئل بعض العرب أیّ الحیوانات تأکلون فی البادیة؟فقال:نأکل کلّ ما دبّ و درج إلاّ امّ حیین(امّ جبین خ)فقال السائل:لیت تدری أمّ حیین السلامة.قال صاحب الجمل:و أمّ جبین:دویبة قدر کفّ الإنسان.و بعضهم یخلط الشعر بنوی التمر و یطحنها

ص:24

و یتخدّ منهما خبزا،و روی أنّهم کانو فی أیّام المجاعة یلوّثون أوبار الإبل بدم القراد و یجفّفونها فإذا یبست و قوها و صنعوها طعاما،و أمّا فی سفکهم الدماء بعضهم لبعض و قطع أرحامهم فظاهر أیضا فإنّ الولد کان یقتل أباه و بالعکس ،و أمّا نصبهم للأصنام و عصب الآثام بهم فی جاهلیّتهم فغنی عن البیان، استعارة و لفظ العصب مستعار للزوم الآثام لهم فی تلک الحال عن معناه الأصلی و هی استعارة لفظ للنسبة بین محسوسین للنسبة بین معقولین أو بین معقول و محسوس ،و إنّما ذکرهم علیه السّلام بهذه الأحوال لینبّههم لنسبة ما کانو علیه فی الجاهلیّة إلی ما هم علیه فی تلک الحال من أضداد ذلک کلّه.إذ بدّلوا ممّا کانوا فیه من فساد أحوالهم فی الدنیا إلی صلاح حالهم فیها ففتحو المدن و کسروا الجیوش و قتلوا الملوک و غنموا أموالهم کما قال تعالی فی المنّة علیهم و تذکیرهم أنواع ما أنعم علیهم به «وَ أَوْرَثَکُمْ أَرْضَهُمْ وَ دِیارَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ وَ أَرْضاً لَمْ تَطَؤُها» و جعل لهم الذکر الباقی و الشرف الثابت.کلّ ذلک زیادة علی هدایته لهم إلی الإسلام الّذی هو طریق دار السلام و سبب السعادة الباقیه.

و إنّما کان ذلک لسبب مقدم محمّد صلی اللّه علیه و آله و سلّم إلیهم و اعلم أنّ سیاق هذا الکلام یقتضی مدح النبیّ صلی اللّه علیه و آله و سلّم فیما حذف من الفصل بعده لیبنی علیه مقصودا له،و فیه تنبیه علی دوام ملاحظة السامعین لنعماء اللّه علیهم فیلاحظوا استحقاقه لتمام العبادة عامّة أحوالهم،و یکونون فی و جل من خوفه و فی و شوق إلیه. «وَ اللّهُ یَهْدِی مَنْ یَشاءُ إِلی صِراطٍ مُسْتَقِیمٍ» .

القسم الثانی و منها.

اشارة

فَنَظَرْتُ فَإِذَا لَیْسَ لِی مُعِینٌ إِلاَّ أَهْلُ بَیْتِی- فَضَنِنْتُ بِهِمْ عَنِ الْمَوْتِ- وَ أَغْضَیْتُ عَلَی الْقَذَی وَ شَرِبْتُ عَلَی الشَّجَا- وَ صَبَرْتُ عَلَی أَخْذِ الْکَظَمِ- وَ عَلَی أَمَرَّ مِنْ طَعْمِ الْعَلْقَمِ

اللغة

أقول: ضننت بکسر النون : أی بخلت،و نقل الفرّاء بالفتح أیضا .و أغضیت علی کذا:

أی اطبقت علیه جفنی .و القذی : ما یسقط فی العین فیؤذیها .و الشجی : ما یعرض فی الحلق عند الغبن و نحوه لا یکاد یسیغ الإنسان معه الشراب،و قد مرّ تفسیرهما .و أخذ بکظمه:

أی بمجری نفسه ،و العلقم : شجر بالغ المرارة،و یصدق بالعرف علی کلّ مرّ .

ص:25

المعنی

و اعلم أنّ هذا الفصل یشمل علی اقتصاص صورة حاله بعد وفاة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلّم فی أمر الخلافة و هو اقتصاص فی معرض التظلّم و الشکایة ممّن یری أنّه أحقّ منه بالأمر.فأشار إلی أنّه فکّر فی أمر المقامة و الدفاع عن هذا الحقّ الّذی یراه أولی فرأی أنّه لا ناصر له إلاّ أهل بیته و هم قلیلون بالنسبة إلی من لا یعینه و من یعین علیه.فإنّه لم یکن له معین یغلب علی الظنّ إلاّ بنی هاشم کالعبّاس و بنیه و أبی سفیا بن الحرث بن عبد المطلب و من یخصّهم،و ضعفهم و قلّتهم عن مقاومة جمهور الصحابة ظاهر،فضنّ بهم علی الموت لعلمه أنّهم لو قاوم بهم لقتلوا ثمّ لا یحصل علی مقصوده،و لمّا ضنّ بهم عن الموت لزمه ما ذکر من الامور و هی الإغضاء علی القذی، استعارة بالکنایة و کنّی بالإغضاء علی القذی عن صبره عن المقاومة کنایة بالمستعار،و وجه المشابهة بینهما استلزامهما للألم البالغ،و بالقذی عمّا یعتقده ظلما فی حقّه ،و کذلک قوله: و شربت علی الشجی .ملاحظة لوجه الشبه بین ما یجری له من الامور الّتی توجب له الغضب و الغبن و بین الماء الّذی یشرب علی الشجی و هو استلزامهما الأذی و عدم التلذّذ و الاساغة.و لذلک استعار له لفظة الشرب ،و کذلک قوله و صبرت علی أخذ الکظم و علی أمرّ من طعم العلقم .فیه استعارات حسنة للفظ أخذ الکظم کنّی بها عن أخذ الوجوه علیه و تضییق الأمر فیما یطلبه،و لفظ المرارة الّتی هی حقیقة فی الکیفیّة المخصوصة للأجسام لما یجده من التألّم بسبب فوت مطلوبه،و وجه المشابهة فی هاتین الاستعارتین لزوم الأذی أیضا ،و أمّا أنّ الّذی وجده أمرّ من العلقم فظاهر إذ لا نسبة للألم البدنیّ فی الشدّة إلی الألم النفسانیّ.و أعلم أنّه قد اختلف الناقلون لکیفیّة حاله بعد وفاة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلّم فروی المحدّثون من الشیعة و غیرهم أخبارا کثیرة ربما خالف بعضها بعضا بحسب اختلاف الأهواء:منها و هو الّذی علیه جمهور الشیعة أنّ علیّا علیه السّلام امتنع من البیعة لأبی بکر بعد وفاة الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلّم و امتنع معه جماعة بنی هاشم کالزبیر و أبی سفیان بن الحرث و العبّاس و بنیه و غیرهم و قالوا:لا نبایع إلاّ علیّا علیه السّلام و أنّ الزبیر شهر سیفه فجاء عمر فی جماعة من الأنصار فأخذ سیفه فضرب به الحجر فکسره و حملت جماعتهم إلی أبی بکر فبایعوه و بایع معهم علیّ إکراها،و قیل:إنّ علیّا علیه السّلام اعتصم ببیت فاطمة علیها السّلام و علموا أنّه مفرد فترکوه،و روی نضر بن مزاحم فی کتاب صفّین أنّه کان

ص:26

یقول.لو وجدت أربعین ذوی عزم لقاتلت،و منها و هو الّذی علیه جمهور المحدّثین من غیر الشیعة أنّه امتنع من البیعة ستّة أشهر حتّی ماتت فاطمة فبایع بعد ذلک طوعا،و فی صحیحی مسلم و البخاری:کانت وجوه الناس مختلف إلیه و فاطمة لم تمت بعد فلمّا ماتت انصرفت وجوه الناس عنه.فخرج و بایع ابا بکر،و علی الجملة فحال الصحابة فی اختلافهم بعد وفاة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلّم و ما جری فی سقیفة بنی ساعدة و حال علیّ فی طلب هذا لأمر ظاهر،و العاقل إذا طرح العصبیّة و الهوی عن نفسه و نظر فیما نقله الناس فی هذا المعنی علم ما جری بین الصحابة من الاختلاف و الاتّفاق،و هل بایع علیّ طوعا أو کرها و هل ترک المقاومة عجزا أو اختیارا.و لمّا لم یکن غرضنا إلاّ تفسیر کلامه کان الاشتغال بغیر ذلک تطویلا و فضولا خارجا عن المقصود.و من رام ذلک فعلیه بکتب التواریخ.

القسم الثالث و منها:

اشارة

وَ لَمْ یُبَایِعْ حَتَّی شَرَطَ أَنْ یُؤْتِیَهُ عَلَی الْبَیْعَةِ ثَمَناً- فَلاَ ظَفِرَتْ یَدُ الْبَائِعِ وَ خَزِیَتْ أَمَانَةُ الْمُبْتَاعِ- فَخُذُوا لِلْحَرْبِ أُهْبَتَهَا وَ أَعِدُّوا لَهَا عُدَّتَهَا- فَقَدْ شَبَّ لَظَاهَا وَ عَلاَ سَنَاهَا- وَ اسْتَشْعِرُوا الصَّبْرَ فَإِنَّهُ أَدْعَی إِلَی النَّصْرِ

اللغة

أقول: خزیت : أی ذلّت و هانت ،و الاهبة : الاستعداد ،و اعدّوا : أی هیّؤوا ،و عدّة الحرب :

ما یعدّ لها من الآلات و السلاح .و شبّ لظاها : أی أوقدت نارها و اثیرت،و روی شبّ بالبناء للفاعل أی ارتفع لهبها .و السنا مقصورا : الضؤ .و الشعار : ما یلی الجسد من الثیاب، و یلازمه .

المعنی

اعلم أنّ هذا الفصل من الکلام اقتصاص ذکر علیه السّلام فیه حال عمرو بن العاص مع معاویة.فذکر أنّه لم یبایعه حتّی شرط أن یؤتیه علی بیعته ثمنا،و ذلک أنّه لمّا نزل علیه السّلام بالکوفة بعد فراغه من أمر البصرة کتب إلی معاویة کتابا یدعوه فیه إلی البیعة فأهمّه ذلک.فدعا قوما من أهل الشام إلی الطلب بدم عثمان فأجابوه و أراد الاستظهار فی أمره فأشار علیه أخوه عتبة بن أبی سفیان بالاستعانة بعمرو بن العاص و کان بالمدینة فاستدعاه فلمّا قدم علیه و عرف حاجته إلیه تباعد عنه و جعل یمدح علیّا علیه السّلام فی وجهه و یفضّله

ص:27

لیخدعه عمّا یرید منه.فمن ذلک أنّ معاویة قال له یوما:یا أبا عبد اللّه إنی أدعوک إلی جهاد هذا الرجل الّذی عصی اللّه و شقّ عصا المسلمین و قتل الخلیفة و أظهر الفتنة و فرّق الجماعة و قطع الرحم.فقال عمرو:من هو؟.قال:علیّ.فقال:و اللّه یا معاویة ما أنت و علیّ حملی بعیر،لیس لک هجرته و لا سابقته و لا صحبته و لا جهاده و لا علمه و اللّه إنّ له مع ذلک لحظّا فی الحرب لیس لأحد غیره.و لکنّی قد تعوّدت من اللّه إحسانا و بلاء جمیلا.فما تجعل لی إن بایعتک علی حربه و أنت تعلم ما فیه من الغرور و الخطر؟قال له:حکمک.قال له:

مصر الطعمة.فلم یزل معاویة یتلکّأ علیه و یماطله و هو یمتنع عن مساعدته حتّی رضی معاویة أن یعطیه مصر.فعاهده علی ذلک و بایع عمر و معاویة،و کتب له بمصر کتابا.

فذلک معنی قوله علیه السّلام: و لم یبایع معاویة حتّی شرط أن یؤتیه علی البیعة ثمنا ، ثمّ أردف ذلک بالدعاء علی البایع لدینه و هو عمرو بعدم الظفر فی الحرب أو بالتمن بقوله : فلا ظفرت ید البایع ،و ألحقه بالتوبیخ و الذّم للمبتاع بذکر هو ان أمانته علیه و هی بلاد المسلمین و أموالهم الّتی أفاءها اللّه علیهم ، اسناد مجازی و یحتمل أن یکون إسناد الخزی إلی الأمانة إسنادا مجازّیا أو علی سبیل إضمار الفاعل یفسّره المبتاع أی و الخزی المبتاع فی أمانته بخیانته لها،و ذهب بعض الشارحین إلی أنّ المراد بالبایع معاویة و بالمبتاع عمرو.

و هو ضعیف.لأنّ الثمن إذا کان مصرا فالمبتاع هو معاویة.ثمّ لمّا ظهرت دعوة معاویة لأهل الشام و مبایعة عمرو له کان ذلک من دلائل الحرب فلذلک أمر علیه السّلام أصحابه بالتأهّب لها و إعداد عدّتها ، استعارة بالکنایة-استعارة مرشحة و کنّی عمّا ذکرناه من إمارات وقوعها بقوله: و قد شبّ لظاها و علا سناها .کنایة بالمستعار.و وجه المشابهة بین لهب النار و سناها و أمارات الحرب کونها علامات علی أمرین هما مظنّة الهلاک و محلّ الفتنة،و یحتمل أن یکون إطلاق لفظ السنا ترشیحا للاستعارة ،ثمّ أردف ذلک بالأمر بالصبر فی الحرب و استشعاره إمّا أن یراد به اتّخاذه شعارا علی وجه استعارته من الثوب لملازمته الجسد،أو یراد اتّخاذه علامة لأنّ شعار القوم علامتهم أیضا،و یحتمل أن یکون اشتقاقه من الشعور أی لیکن فی شعورکم الصبر و إن کان الأشتقاقیّون یردّون الشعار بالمعنی الثانی إلی الشعور .

و قوله: فإنّ ذلک أدعی إلی النصر .بیان لفائدة اتّخاذ الصبر شعارا أو علامة،أمّا

ص:28

إن کان المقصود ألزموا أنفسکم الصبر فظاهر أنّ لزوم الصبر من أقوی أسباب النصر،و إن کان المقصود اتّخذوه علامة فلأنّ من کان الصبر فی الحرب علامة له یعرفه الخصم بها کان الخصم یتصوّرها منه أدعی إلی الانقهار فکان المستشعر لتلک العلامة أدعی إلی القهر و النصر، و إن کان المراد إخطاره بالبال فلأنّه سبب لزومه.و باللّه التوفیق.

26-و من خطبة له علیه السّلام

اشارة

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الْجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ- فَتَحَهُ اللَّهُ لِخَاصَّةِ أَوْلِیَائِهِ وَ هُوَ لِبَاسُ التَّقْوَی- وَ دِرْعُ اللَّهِ الْحَصِینَةُ وَ جُنَّتُهُ الْوَثِیقَةُ- فَمَنْ تَرَکَهُ رَغْبَةً عَنْهُ أَلْبَسَهُ اللَّهُ ثَوْبَ الذُّلِّ وَ شَمِلَهُ الْبَلاَءُ- وَ دُیِّثَ بِالصَّغَارِ وَ الْقَمَاءَةِ- وَ ضُرِبَ عَلَی قَلْبِهِ بِالْإِسْهَابِ- وَ أُدِیلَ الْحَقُّ مِنْهُ بِتَضْیِیعِ الْجِهَادِ- وَ سِیمَ الْخَسْفَ وَ مُنِعَ النَّصَفَ أَلاَ وَ إِنِّی قَدْ دَعَوْتُکُمْ إِلَی قِتَالِ هَؤُلاَءِ الْقَوْمِ- لَیْلاً وَ نَهَاراً وَ سِرّاً وَ إِعْلاَناً- وَ قُلْتُ لَکُمُ اغْزُوهُمْ قَبْلَ أَنْ یَغْزُوکُمْ- فَوَاللَّهِ مَا غُزِیَ قَوْمٌ قَطُّ فِی عُقْرِ دَارِهِمْ إِلاَّ ذَلُّوا- فَتَوَاکَلْتُمْ وَ تَخَاذَلْتُمْ- حَتَّی شُنَّتْ عَلَیْکُمُ الْغَارَاتُ- وَ مُلِکَتْ عَلَیْکُمُ الْأَوْطَانُ- وَ هَذَا أَخُو؟غَامِدٍ؟ وَ قَدْ وَرَدَتْ خَیْلُهُ؟الْأَنْبَارَ؟- وَ قَدْ قَتَلَ ؟حَسَّانَ بْنَ حَسَّانَ الْبَکْرِیَّ؟- وَ أَزَالَ خَیْلَکُمْ عَنْ مَسَالِحِهَا- وَ لَقَدْ بَلَغَنِی أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ کَانَ یَدْخُلُ- عَلَی الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ وَ الْأُخْرَی الْمُعَاهِدَةِ- فَیَنْتَزِعُ حِجْلَهَا وَ قُلُبَهَا وَ قَلاَئِدَهَا وَ رُعُثَهَا- مَا تَمْتَنِعُ مِنْهُ إِلاَّ بِالاِسْتِرْجَاعِ وَ الاِسْتِرْحَامِ- ثُمَّ انْصَرَفُوا وَافِرِینَ- مَا نَالَ رَجُلاً مِنْهُمْ کَلْمٌ وَ لاَ أُرِیقَ لَهُمْ دَمٌ- فَلَوْ أَنَّ امْرَأً مُسْلِماً مَاتَ

ص:29

مِنْ بَعْدِ هَذَا أَسَفاً- مَا کَانَ بِهِ مَلُوماً بَلْ کَانَ بِهِ عِنْدِی جَدِیراً- فَیَا عَجَباً وَ اللَّهِ یُمِیتُ الْقَلْبَ وَ یَجْلِبُ الْهَمَّ- مِنَ اجْتِمَاعِ هَؤُلاَءِ الْقَوْمِ عَلَی بَاطِلِهِمْ- وَ تَفَرُّقِکُمْ عَنْ حَقِّکُمْ- فَقُبْحاً لَکُمْ وَ تَرَحاً حِینَ صِرْتُمْ غَرَضاً یُرْمَی- یُغَارُ عَلَیْکُمْ وَ لاَ تُغِیرُونَ- وَ تُغْزَوْنَ وَ لاَ تَغْزُونَ وَ یُعْصَی اللَّهُ وَ تَرْضَوْنَ- فَإِذَا أَمَرْتُکُمْ بِالسَّیْرِ إِلَیْهِمْ فِی أَیَّامِ الْحَرِّ- قُلْتُمْ هَذِهِ حَمَارَّةُ الْقَیْظِ- أَمْهِلْنَا یُسَبَّخْ عَنَّا الْحَرُّ- وَ إِذَا أَمَرْتُکُمْ بِالسَّیْرِ إِلَیْهِمْ فِی الشِّتَاءِ- قُلْتُمْ هَذِهِ صَبَارَّةُ الْقُرِّ- أَمْهِلْنَا یَنْسَلِخْ عَنَّا الْبَرْدُ- کُلُّ هَذَا فِرَاراً مِنَ الْحَرِّ وَ الْقُرِّ- (1)فَأَنْتُمْ وَ اللَّهِ مِنَ السَّیْفِ أَفَرُّ- یَا أَشْبَاهَ الرِّجَالِ وَ لاَ رِجَالَ- حُلُومُ الْأَطْفَالِ وَ عُقُولُ رَبَّاتِ الْحِجَالِ- لَوَدِدْتُ أَنِّی لَمْ أَرَکُمْ وَ لَمْ أَعْرِفْکُمْ مَعْرِفَةً- وَ اللَّهِ جَرَّتْ نَدَماً وَ أَعْقَبَتْ سَدَماً- قَاتَلَکُمُ اللَّهُ لَقَدْ مَلَأْتُمْ قَلْبِی قَیْحاً- وَ شَحَنْتُمْ صَدْرِی غَیْظاً- وَ جَرَّعْتُمُونِی نُغَبَ التَّهْمَامِ أَنْفَاساً- وَ أَفْسَدْتُمْ عَلَیَّ رَأْیِی بِالْعِصْیَانِ وَ الْخِذْلاَنِ- حَتَّی لَقَدْ قَالَتْ؟قُرَیْشٌ؟- إِنَّ؟ابْنَ أَبِی طَالِبٍ؟ رَجُلٌ شُجَاعٌ- وَ لَکِنْ لاَ عِلْمَ لَهُ بِالْحَرْبِ- لِلَّهِ أَبُوهُمْ- وَ هَلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَشَدُّ لَهَا مِرَاساً وَ أَقْدَمُ فِیهَا مَقَاماً مِنِّی- لَقَدْ نَهَضْتُ فِیهَا وَ مَا بَلَغْتُ الْعِشْرِینَ- وَ هَا أَنَا ذَا قَدْ ذَرَّفْتُ عَلَی السِّتِّینَ- وَ لَکِنْ لاَ رَأْیَ لِمَنْ لاَ یُطَاعُ

ص:30


1- 1) فإذا کنتم من الحر و البرد تفرون ن خ

أقول:هذه الخطبة مشهورة ذکرها أبو العباس المبرّد و غیره،و السبب المشهور لها أنّه ورد علیه علج من أهل الأنبار فأخبره أنّ سفیان بن عوف الغامدیّ قد ورد فی خیل المعاویة إلی الأنبار و قتل عامله حسّان بن حسّان البکریّ.فصعد علیه السّلام المنبر و خطب الناس و قال:إنّ أخاکم البکریّ قد اصیب بالأنبار و هو مغترّ لا یخاف ما کان،و اختار ما عند اللّه علی الدنیا.فانتدبوا إلیهم حتّی تلاقوهم فإن أصبتم منهم طرفا انکلتموهم عن العراق أبدا ما بقوا.ثمّ سکت رجاء أن یجیبوه بشیء فلم یفه أحد منهم بکلمة.فلمّا رأی صمتهم نزل و خرج یمشی راجلا حتّی أتی النخیلة و الناس یمشون خلفه حتی أحاط به قوم من أشرافهم و قالوا:ترجع یا أمیر المؤمنین و نحن نکفیک.فقال:ما تکفونی و لا تکفون أنفسکم.فلم یزالوا به حتّی ردّوه إلی منزله.فبعث سعید بن قیس الهمدانی فی ثمانیة آلاف فی طلب سفیان بن عوف فخرج حتّی انتهی إلی أدانی أرض قنّسرین و قد فاتوه.فرجع و کان علیّ علیه السّلام فی ذلک الوقت علیلا فلم یقو علی القیام فی الناس بما یریده من القول.

فجلس بباب السدّة الّتی تصل إلی المسجد و معه الحسن و الحسین علیهما السّلام و عبد اللّه بن جعفر،و دعی سعدا مولاه فدفع إلیه کتابا کتب فیه هذه الخطبة و أمره أن یقرأها علی الناس بحیث یسمع علیه السّلام و یسمعون،و فی روایة المبرّد أنّه لمّا انتهی إلیه ورود خیل معاویة الأنبار و قتل حسّان بن حسّان خرج مغضبا فجرّ ردائه حتّی أتی النخیلة و معه الناس فرقی رباوة من الأرض فحمد اللّه و أثنی علیه و صلّی علی النبی صلی اللّه علیه و آله و سلّم ثمّ قال الخطبة.

و روایة المبرّد ألیق بصورة الحال و أظهر،و روی أنّه قام إلیه رجل فی آخر الخطبة و معه ابن أخ له فقال:یا أمیر المؤمنین:إنّی و ابن أخی هذا کما قال تعالی «رَبِّ إِنِّی لا أَمْلِکُ إِلاّ نَفْسِی وَ أَخِی» (1)فمرنا بأمرک فو اللّه لننهیّن إلیه و لو حال بیننا و بینه جمر الغضا و شوک القتاد فدعا لهما بخیر،و قال:و أین أنتما مما ارید.

اللغة

و لنرجع إلی التفسیر فنقول: الجنّة : ما استترت به من سلاح أو غیره ،و دّیث : أی ذلّل،و منه الدیوث:الّذی لا غیرة له .و الصغار : الذلّ و الضیم ،و القماء ممدود مصدر قمأ قمأة فهو قمیء : الحقارة و الذلّ،و روی الراوندی القما بالقصر و هو غیر معروف ،و اسدل الرجل بالبناء للمفعول إذ ذهب عقله من أذی یلحقه .و ادیل الحقّ من فلان أی غلبه علیه عدوّه ،

ص:31


1- 1) 5-28

و سامه خسفا بضمّ الخاء و فتحها : أی أولاه ذلاّ و کلّفه المشقّة ،و النصف بکسر النون و سکون الصاد : الاسم من الانصاف،و ضمّ النون لغة فیه ،و عقر الشیء : أصله ،و التواکل : أن یکل کلّ واحد منهم الأمر إلی صاحبه و یعتمد علیه فیه .و شنّ الغارة و أشنّها : فرّقها علیهم من کلّ وجه .و غامد : قبیلة من الیمن و هی من الأزد ازد شنوءة ،و المسالح جمع مسلحة و هی الحدود الّتی ترتّب فیها ذوو الأسلحة مخافة عادیة العدوّ کالثغر ،و المعاهدة : الذمیّة ،و الحجل بکسر الحاء و فتحها : الخلخال ،و القلب السوار المصمت ،و الرعاث جمع رعثة بفتح الراء و سکون العین و فتحها:و هی القرط،و الرعاث أیضا:ضرب من الخرز و الحلی ،و الاسترجاع قول: «إِنّا لِلّهِ وَ إِنّا إِلَیْهِ راجِعُونَ» ،و الاسترحام : مناشدة الرحم ،و الوافر : التامّ ،و الکلم :

الجرح .و الترح : الحزن .و الغرض : الهدف ،و حمارّة القیظ بتشدید الراء : شدّة حرّه :

و سبخ الحرّ : فتر،و خفّ ،و صبارّة القرّ بتشدید الراء أیضا:شدّة البرد ،و ینسلخ : ینقضی ، و ربّات الحجال : النساء ،و الحجال جمع حجلة:و هی بیت العروس یزّین بالستور و الثیاب ، و السدم : الحزن عن الندم ،و القیح : ما یکون فی القرحة من المدّة و الصدید ،و شحنتم :

ملأتم و النغب جمع نغبة بضم النون و هی الجرعة ،و التهمام بالفتح التهمّ ،و المراس العلاج،و بتشدید الراء أی زدت .

المعنی

اشارة

و اعلم أنّ قوله: أمّا بعد .إلی قوله: و منع النصف .صدر الخطبة بیّن فیه غرضه إجمالا و هو الحثّ علی الجهاد،فإنّه ممّا ذکر من أمر الجهاد و تعظیمه و خطأ من قصر عنه علم أنّه یرید أن یحثّ السامعین علی جهاد عدوّهم

فذکر من ممادح الجهاد امورا .

أحدها:أنّه باب من أبواب الجنّة.

و بیانه أنّ الجهاد تارة یراد به جهاد العدوّ الظاهر کما هو الظاهر هاهنا،و تارة یعنی به جهاد العدوّ الخفیّ و هو النفس الأمارة بالسوء.

و کلاهما بابان من أبواب الجنّة،و الثانی منهما مراد بواسطة الأوّل إذ هو لازمة له،و ذلک أنّک علمت أنّ لقاء اللّه سبحانه و مشاهدة حضرة الربوبیّة هی ثمرة الخلقة و غایة سعی عباد اللّه الأبرار،ثمّ.قد ثبت بالضرورة من دین محمّد صلی اللّه علیه و آله و سلّم أنّ الجهاد أحد العبادات الخمس،و ثبت أیضا فی علم السلوک إلی اللّه أنّ العبادات الشرعیّة هی المتمّة و المعینة علی تطویع النفس الأمّارة بالسوء للنفس المطمئنّة،و أنّ التطویع کیف یکون

ص:32

وسیلة إلی الجنّة الّتی وعد المتّقون.فیعلم من هذه المقدّمات أنّ الجهاد الشرعیّ باب من أبواب الجنّة إذ منه یعبر المجاهد السالک إلی اللّه إلی الباب الأعظم للجنّة و هو الریاضة و قهر الشیطان.و من وقوفک علی هذا السرّ تعلم أنّ الصلاة و الصوم و سائر العبادات کلّها أبواب للجنّة إذ کان امتثالها علی الوجه المأمور بها مستلزما للوصول إلی الجنّة.فإنّ باب کلّ شیء هو ما یدخل إلیه منه و یتوصّل به إلیه.و نحوه قول الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلّم فی الصلاة:إنّها مفتاح الجنّة،و فی الصوم إنّ للجنّة بابا یقال له الریّان لا یدخله إلاّ الصائمون .

الثانی من أوصاف الجهاد

:أنّه باب فتحه اللّه لخاصّة أولیائه.و المراد بخواصّ الأولیاء المخلصون له فی المحبّة و العبادة.و ظاهر أنّ المجاهدة للّه لا لغرض آخر من خواصّ الأولیاء، و ذلک أنّ المرء المسلم إذا فارق أهله و ولده و ماله و أقدم علی من یغلب علی ظنّه أنّه أقوی منه کما امر المسلمون بأن یثبت أحدهم لعشرة من الکفّار،ثمّ یعلم أنّه لو قهره لقتله و استباح ذرّیته و هو فی کلّ تلک الأحوال صابر شاکر و معترف بالعبودیّة للّه مسلّم أمره إلی اللّه فذلک هو الولیّ الحقّ الّذی قد أعرض عن غیر اللّه رأسا،و قهر شیطانه قهرا،و آیسه أن یطیع له أمرا.

فإن قلت:إذا کان الغرض من العبادات هو جهاد الشیطان و الإخلاص للّه و کان التخصیص بالوصفین المذکورین لاستلزامه ذلک المعنی لم یبق حینئذ لسائر العبادات مزیّة علیه فما معنی قول الصحابة و قد رجعوا من جهاد المشرکین:رجعنا من الجهاد الأصغر إلی الجهاد الأکبر؟.

قلت:یحتمل معنیین:

أحدهما:أنّ الجهاد الظاهر لیس کلّ غرضه الذاتیّ هو جهاد النفس،بل ربّما کان من أعظم أغراضه الذاتیّة هو قهر العدوّ الظاهر لیستقیم الناس علی الدین الحقّ، و ینتظم أمرهم فی سلوکه.و لذلک دخل فیه من أراد منه إلاّ ذلک کالمؤلّفة قلوبهم و إن کانوا کفّارا.و ذلک بخلاف سائر العبادات إذ غرضها لیس إلاّ جهاد النفس و لا شکّ أنّه هو الجهاد الأکبر:أمّا أوّلا فباعتبار مضرّة العدّوین فإنّ مضرّة العدّو الظاهر مضرّة دنیاویّة فانیة،و مضرّة الشیطان مضرّة اخرویّة باقیة.و من کانت مضرّته أعظم کان جهاده

ص:33

أکبر و أهمّ،و أمّا ثانیا فلأنّ مجاهدة الشیطان مجاهدة عدوّ لازم و مع ذلک فلا یزال مخادعا غرّارا لا ینال غرضه إلاّ بالخروج فی ذیّ الناصحین الأصدقاء،و لا شکّ أنّ الاحتراز من مثل هذا العدّو أصعب،و جهاده أکبر من جهاد عدوّ مظهر لعداوته یقاتله الإنسان فی عمره مرّة أو مرّتین.فحسن لذلک تخصیص الجهاد بالأصغر،و مجاهدة النفس بالأکبر.

المعنی الثانی:أنّا و إن قلنا:إنّ الغرض من الجهاد الأصغر هو جهاد النفس إلاّ أنّ جهادها فی حال جهاد العدوّ الظاهر قد یکون أسهل و ذلک أنّ القوی البدنیّة کالغضب و الشهوة یثوران عند مناجزة العدّو طلبا لدفعه،و تصیران مطیعین للنفس الإنسانیّة فیما تراه و تأمر به فلا یکون علیها کثیر کلفة فی تطویع تلک القوی.بخلاف سائر العبادات فإنّ طباع تلک القوی معاکسة فیها لرأی النفس.فلذلک کان جهادها فی سائر العبادات أصعب و أکبر من جهادها فی حال الحرب.و اللّه أعلم .

الثالث:

استعارة کونه لباس التقوی،و درع اللّه الحصینة،و جنتّه الوثیقة .و استعار لفظ اللباس و الدرع و الجنّة ثمّ رشّح الاستعارتین الأخیرتین بوصفی الحصانة و الوثاقة.

و وجه المشابهة أنّ الإنسان یتّقی شرّ العدوّ أو سوء العذاب یوم القیامة کما یتّقی بثوبه ما یؤذیه من حرّ أو برد،و بدرعه و جنّته ما یخشاه من عدوّه ،ثمّ أردف علیه السّلام ممادح الجهاد بتوعید من ترکه رغبة عنه من غیر عذر یوجب تخلّفه بامور منفور عنها طبعا:

منها:أنّه یستعدّ بالترک لأن یلبسه اللّه ثوب الذلّ.و استعار لفظ الثوب للذلّ و لفظ اللباس لشموله له.و وجه المشابهة إحاطة الذلّ به إحاطة الصفة بالموصوف کإحاطة الثوب بملابسه ، و أن یشمله بلاء العدوّ فیذلّله بالصغار و القماء،و أن یضرب علی قلبه بالأسهاب أی یذهب وجه عقله العملیّ فی تدبیر مصالحه:أمّا لحوق الذلّ به فذلک أنّ کثرة غارات العدوّ و تکرّرها منه موجب لتوهّم قهره و قوّته و ذلک ممّا ینفعل عنه النفس بالانقهار و الذلّ.

و حینئذ تذعن لشمول بلائه،و تذهب وجه عقلها فی استخراج وجوه المصالح فی دفعه و مقاومته إمّا لقلّة اهتمامها بذلک عن عدم طمعها فی مقاومته أو لتشویشها لخوفه عن ملاحظة وجه المصلحة .

استعارة و فی إطلاق لفظ الضرب علی قلبه استعارة کقوله تعالی «وَ ضُرِبَتْ عَلَیْهِمُ الذِّلَّةُ وَ الْمَسْکَنَةُ» (1)

ص:34


1- 1) 2-58

و وجه الشبه فیها إحاطة القبّة المضروبة بمن فیها،أو لزوم قلّة العقل له کلزوم الطین المضروب علی الحائط .و یحتمل أن یراد بالأسهاب کثرة الکلام من غیر فائدة فإنّ الإنسان حال الخوف و الذلّ کثیرا ما یخبط فی القول و یکثر من غیر إصابة فیه.و کذلک لحوق باقی الامور به کإدالة الحقّ منه،و غلبة العدوّ له،و عدم انتصافه منه أمر ظاهر عن ترک جهاد عدوّه مع التمکن من ذلک.و هی امور منفور عنها طبعا و مضرّة بحال من تلحقه فی الدارین.و قد ورد فی التنزیل الإلهیّ من فضل الجهاد و الحثّ علیه امور کثیرة کقوله تعالی «لا یَسْتَوِی الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِینَ غَیْرُ أُولِی الضَّرَرِ وَ الْمُجاهِدُونَ فِی سَبِیلِ اللّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجاهِدِینَ بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ عَلَی الْقاعِدِینَ دَرَجَةً» إلی قوله «فَضَّلَ اللّهُ الْمُجاهِدِینَ عَلَی الْقاعِدِینَ أَجْراً عَظِیماً دَرَجاتٍ مِنْهُ وَ مَغْفِرَةً وَ رَحْمَةً» (1)و قوله «وَ جاهِدُوا فِی اللّهِ حَقَّ جِهادِهِ» (2)و قوله «وَ مَنْ جاهَدَ فَإِنَّما یُجاهِدُ لِنَفْسِهِ» (3)و نحو ذلک.

قوله : ألا و إنّی قد دعوتکم .إلخ.لمّا ذکر صدر الخطبة أردفه بتفصیل غرضه ممّا أجمله فیه و هو حثّهم علی الجهاد و توبیخهم علی ترکه.فنبّهم أوّلا علی ما کان دعاهم إلیه قبل من قتال معاویة و أصحابه مرارا کثیرة،و ذکّرهم نصیحة السابقة لهم فی أمرهم بغزو عدوّهم قبل أن یغزوهم،و یذکّرهم بما کان أعلمهم أوّلا من القاعدة الکلّیّة المعلومة بالتجربة و البرهان و هو أنّه ما غزی قوم قطّ فی عقر دارهم إلاّ ذلّوا .و قد أشرنا إلی علّة ذلک:و هو أنّ للأوهام أفعالا عجیبة فی الأبدان تارة بزیادة القوّة و تارة بنقصانها حتّی أنّ الوهم ربّما کان سببا لمرض الصحیح لتوهّمه المرض،و بالعکس.فکان السبب فی ذلّ من غزی فی داره و إن کان معروفا بالشجاعة هو الأوهام:إمّا أوهامهم فلأنّها تحکم بأنّها لم تقدم علی غزوهم إلاّ لقوّة غازیهم،و اعتقادهم فیهم الضعف بالنسبة إلیهم.

فینفعل إذن نفوسهم عن تلک الأوهام و تنقهر عن المقاومة و تضعف عن الانبعاث و تزول غیرتها و حمیّتها.فتحصل علی طرف رذیلة الذلّ،و إمّا أوهام غیرهم فلأنّ الغزو الّذی یلحقهم یکون باعثا لکثیر الأوهام علی الحکم بضعفهم و محرّکا لطمع کل طامع فیهم فیثی لهم أحکاما وهمیة بعجزهم عن المقاومة .ثم إنّه أردف ذلک بما قابلوا به نّصیحته من

ص:35


1- 1) 4-97
2- 2) 23-77
3- 3) 29-5

تواکلهم و تخاذلهم عن العمل بمقتضی أمره إلی غایة ظهور العدوّ علیهم و تفریق الغارات من کلّ جانب علی أوطانهم و حدودهم.ثمّ عقّب ذکر العدوّ المطلق بذکره فی شخص معیّن مشاهد،و نبّههم علیه لیکونوا إلی التصدیق بظهور العدوّ علیهم أقبل،و قصّ علیهم ما أحدث من ورود خیله دیارهم و قتله لعاملهم و إزالة خیلهم عن ثغورهم و مسالحهم و هتک المسلمات و المعاهدات و سلب أموال المسلمین و سائر ما عدّده علی الوجه المذکور ممّا هو مستغن عن الایضاح .ثمّ ختم ذلک القصص بما الأولی أن یلحق المسلم الحقّ ذا الغیرة و الحمیّة للّه من الأسف و الحزن الممیت له بسبب ما یشاهد من الأحوال المنکرة الواقعة بالمسلمین مع تقصیرهم عن مقاومة عدوّهم.کلّ ذلک التقریر لیمهّد قانونا یحسن معه توبیخهیم و ذمّهم علی التقصیر فیما ینبغی لهم من امتثال أمره و قبول شوره فیما هو الأولی و الأصحّ لهم.ثم أردف ذلک بالتعجّب من حالهم تأکیدا لذلک التمهید.فنادی:العجب من حالهم منکّرا لیحضر له کأنّه غیر متعیّن فی حال ندائه،ثمّ تعیّن بندائه و حضر فکررّه لیصفه بالشدّة.و نصبه علی المصدر کأنّه لمّا حضر و تعیّن قال عجبت عجبا من شأنه کذا.و نحو هذا المنادی قوله تعالی: «یا بُشْری» فی قراءة من قرء بغیر إضافة،و یحتمل أن یکون العجب الأوّل نصبا علی المصدر أیضا و الثانی للتأکید أو لما ذکرناه،و یکون المنادی محذوفا تقدیره یا قوم أو نحوه ، مجاز و أمّا وصفه له بأنّه یمیت القلب و یجلب الهمّ :فاعلم أنّ السبب فی التعجّب من الامور عدم اطّلاع النفس علی أسبابه لغموضها مع کونه فی نفسه أمرا غریبا.

و لذلک وضع أهل اللغة قولهم ما أفعله صیغة للتعجّب کقولک ما أحسن زیدا،و علمت أن التقدیر فیها السؤال عن أسباب حسنه.و کلّما کان الأمر أغرب و أسبابه أخفی کان أعجب.فإذا کان أمرا خطرا مهمّا و انبعثت النفس فی طلب سببه فقد تعجز من تحصیله و تکلّ القوّة المتخیلّة عن تعیینه فیحدث بسبب عدم الاطّلاع علی سببه همّ و غمّ لأنّه کالمرض الّذی لا یمکن علاجه إلاّ بالوقوف علی سببه فیسمّی ذلک الهمّ موتا للقلب تجوّزا بلفظ الموت فی الهمّ و الغمّ تسمیة للشیء باسم ما یؤول إلیه،و إطلاقا لاسم المسبّب علی السبب.

إذا عرفت ذلک فنقول:إنّ حال قومه علیه السّلام فی تفرّقهم عن حقّهم مع علمهم بحقیّته،

ص:36

و حال اجتماعهم علی باطلهم مع اشتراکهم فی الشجاعة و کون قومه واثقین برضاء اللّه لو امتثلوا أمره من العجب الممیت للقلب الّذی لا یهتدی بسببه.

و أمّا أنّه یجلب الهمّ فظاهر إذ کان حاله علیه السّلام معهم کحال طبیب لمرضی الزم بعلاجهم مع خطر أمراضهم و عدم لزومهم لما یأمر به من حمیة أو شرب دواء.و ظاهر أنّ تلک الحال ممّا یجلب همّ الطبیب.ثمّ لمّا أظهر لهم التعجّب و وصفه بالشدّة أعقبه بذکر الأمر المتعجّب منه لیکون فی نفوسهم أوقع.ثمّ أردف ذلک المتعجّب بالدعاء علیهم بالبعد عن الخیر و بالحزن بسبب تفریطهم ،و أعقبه بالتوبیخ لهم و التبکیت بما یأنف منه أهل المروّة و الحمیّة و یوجب لهم الخجل و الاستحیاء من صیرورتهم بسبب تقصیرهم غرضا للرماة یغار علیهم و قد کان الأولی بهم أن یغزوا،و یغزون و قد کانوا هم أولی بأن یغزوا،و یعصی اللّه مع رضاهم بذلک .ثمّ حکی صور أعذارهم فی التخلّف عن أمره و هی تارة شدّة الحرّ و تاره شدّة القرّ و نحوها من الأعذار الّتی یذوق العاقل منها طعم الکسل و الفتور،و أنّه لم یکن لهم بها مقصود الاّ المدافعة.ثمّ تسلّم تلک الأعذار منهم و استثبتها و جعلها مهادا للاحتجاج علیهم بقوله : فأنتم و اللّه من السیف أفرّ .و ذلک أنّ الفارّ من الأهون فارّ من الأشدّ بطریق الأولی إذ لا مناسبة لشدّة الحرّ و البرد مع القتل و المجالدة بالسیف.ثمّ أردف ذلک التبکیت بالذمّ لهم بثلاثة أوصاف:

أحدها:أنّه نفی عنهم صفة الرجولیّة.لاستجماعها ما ینبغی من صفات الکمال الأنسا یّ کالشجاعة و الأنفة و الحمیّة و الغیرة.و عدم هذه الکمالات فیهم و إن کانوا بالصورة المحسوسة للرجال الموجبة لشبههم بهم.و ذلک قوله : یا أشباه الرجال و لا رجال.

تشبیه و ثانیها:أنّه وصفهم بحلوم الأطفال .و ذلک أنّ ملکة الحلم لیس بحاصل للطفل و إن کانت قوّة الحلم حاصلة له لکن قد یحصل لهم ما یتصوّر بصورة الحلم کعدم التسرّع إلی الغضب عن خیال یرضیه و أغلب أحواله أن یکون ذلک فی غیر موضعه، و لیس تحصل له ملکة تکسب نفسه طمأنینة کما فی حقّ الکاملین.فهو إذن نقصان.

و لمّا کان تارکوا أمره علیه السّلام بالجهاد قد ترکو المقاومة حلما عن أدنی خیال

ص:37

کترکهم الحرب بصفّین عن خدعة أهل الشام لهم بالمسالمة و طلب المحاکمة إلی کتاب اللّه و رفع المصاحف فقالوا:إخواننا فی الدین فلا یجوز لنا قتالهم.کان ذلک حلما فی غیر موضعه حتّی کان من أمرهم ما کان.فأشبه رضی الصبیان فأطلق اسمه علیه.

و ثالثها :إلحاق عقولهم بعقول النساء.و ذلک للمشارکة فی النقصان و عدم عقلیّتهم لوجوه المصالح المختصّة بتدبیر المدن و الحرب.ثمّ عرّفهم محبّته لعدم رؤیتهم و عدم معرفتهم لاستلزامها ندمه علی الدخول فی أمرهم و الحزن من تقصیرهم فی الذّب عن الدین لأنّ المتولّی لأمر یغلب علی ظنّه استقامته حتّی إذا دخل فیه و طلب انتظامه و وجده غیر ممکن له لا بدّ و أن یندم علی تضییع الوقت به،و یحزن علی عدم إمکانه له.و هذه حاله علیه السّلام مع أصحابه.و لذلک حزنت الأنبیاء علیه السّلام علی تقصیر اممهم حتّی عاتبهم اللّه تعالی علی ذلک کقوله لمحمّد صلی اللّه علیه و آله و سلّم «وَ لا تَحْزَنْ عَلَیْهِمْ وَ لا تَکُ فِی ضَیْقٍ مِمّا یَمْکُرُونَ» . «لَعَلَّکَ باخِعٌ نَفْسَکَ أَلاّ یَکُونُوا مُؤْمِنِینَ» . مجاز ثمّ عاد إلی الدعاء علیهم و الشکایة منهم،و ذلک قاتلکم اللّه .إلی آخره.و أعظم بما دعا علیهم به فإنّ المقاتلة لمّا کانت مستلزمة للعداوة،و العداوة مستلزمه لأحکام کاللعن و الطرد و البعد من الشفقة و الخیر من جهة العدوّ،و کان إطلاق المقاتلة و العداوة علی اللّه بحسب حقیقتهما غیر ممکن کان إطلاق لفظ المقاتلة و العداوة مقصودا به لوازمهما کالإبعاد عن الرحمة مجازا .قال المفسّرون:معنی قول العرب:قاتلکم اللّه:أی لعنکم.و قال ابن الأنباری:

المقاتله من القتل.فإذا أخبر اللّه بها کان معناها اللعنة منه لأنّ من لعنه اللّه فهو بمنزلة المقتول الهالک.

مجاز و قوله: لقد ملأتم قلبی قیحا إشارة.إلی بلوغ الغایة فی التألّم الحاصل له من شدّة الاهتمام بأمرهم مع تقصیرهم و عدم طاعتهم لأوامره.فعبّر بالقیح عن ألم قلبه مجازا من باب إطلاق اسم الغایة علی ذی الغایة.إذ کان غایة ألم العضو أن یتقّیح.و کذلک إطلاق لفظ الشحن علی فعلهم المولم لقلبه مجاز لأنّ الشحن حقیقة فی نسبة بین جسمین، و کذلک قوله : و جرّعتمونی نغب التهمام أنفاسا :أی جلبتم لی الهمّ وقتا فوقتا.مجاز لأنّ التجریع عبارة عن إدخال الماء أو نحوه فی الحلق.و طریان الهمّ علی نفسه و ما

ص:38

یلزم الهمّ من الآلام البدنیّة علی بدنه،و تکرار ذلک منهم یشبه طریان المشروب و تجریعه.و قوله: أنفاسا .مجاز فی الدرجة الثانیة فإنّ النفس حقیقة لغویّة فی الهواء الداخل و الخارج فی الحیوان من قبل الطبیعة.ثمّ استعمل عرفا لمقدار ما یشرب فی مدّة إدخال الهواء بقدر الحاجة إطلاقا لاسم المتعلّق علی المتعلّق،ثمّ استعمل هاهنا فی کلّ مقدار من الهمّ یرد علیه من قبل أصحابه وقتا فوقتا و هی درجة ثانیة من المجاز.

و قوله : و أفسدتم رأیی بالعصیان .من تمام شکایته منهم.و معنی إفسادهم له خروجه بسبب عدم التفاتهم إلیه عن أن یکون منتفعا به لغیرهم حتّی قالت قریش:إنّه و إن کان رجلا شجاعا إلاّ أنّه غیر عالم بالحرب.فإنّ الخلق إذا رأوا من قوم سوء تدبیر أو مقتضی رأی فاسد کان الغالب أن ینسبوه إلی رئیسهم و مقدّمهم و لا یعلمون أنّه علیه السّلام الألمعیّ الّذی یری الرأی کأن قد رأی و قد سمع،و أنّ التقصیر من قومه.ثمّ أردف ذلک نسبتها له إلی قلّة العلم بالحرب بقوله : للّه أبوهم .إلی آخره.

و هی کلمة من ممادح العرب.ثمّ سألهم عن وجود من هو أشدّ للحرب معالجة أو أقدم منه فیها مقاما سؤالا علی سبیل الإنکار علیهم،و نبّه علی صدقه بنهوضه فی الحرب و معاناة أحوالها عامّة عمره و هو من قبل بلوغ العشرین إلی آخر عمره.ثمّ بیّن أنّ السبب فی فساد حال أصحابه لیس ما تخیّله قریش فیه من ضعف الرأی فی الحرب کما یزعمون،بل عدم طاعتهم له فیما یراه و یشیر علیهم به و ذلک قوله : و لکن لا رأی لمن لا یطاع .فإنّ الرأی الّذی لا یقبل بمنزلة الفاسد و إن کان صوابا.و المثل له علیه السّلام.

27-و من خطبة له علیه السّلام

اشارة

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الدُّنْیَا قَدْ أَدْبَرَتْ وَ آذَنَتْ بِوَدَاعٍ- وَ إِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ أَشْرَفَتْ بِاطِّلاَعٍ- أَلاَ وَ إِنَّ الْیَوْمَ الْمِضْمَارَ وَ غَداً السِّبَاقَ- وَ السَّبَقَةُ الْجَنَّةُ وَ الْغَایَةُ النَّارُ- أَ فَلاَ تَائِبٌ مِنْ خَطِیئَتِهِ قَبْلَ مَنِیَّتِهِ- أَ لاَ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ قَبْلَ یَوْمِ

ص:39

بُؤْسِهِ- أَلاَ وَ إِنَّکُمْ فِی أَیَّامِ أَمَلٍ مِنْ وَرَائِهِ أَجَلٌ- فَمَنْ عَمِلَ فِی أَیَّامِ أَمَلِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ- فَقَدْ نَفَعَهُ عَمَلُهُ وَ لَمْ یَضْرُرْهُ أَجَلُهُ- وَ مَنْ قَصَّرَ فِی أَیَّامِ أَمَلِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ- فَقَدْ خَسِرَ عَمَلُهُ وَ ضَرَّهُ أَجَلُهُ- أَلاَ فَاعْمَلُوا فِی الرَّغْبَةِ کَمَا تَعْمَلُونَ فِی الرَّهْبَةِ- أَلاَ وَ إِنِّی لَمْ أَرَ کَالْجَنَّةِ نَامَ طَالِبُهَا وَ لاَ کَالنَّارِ نَامَ هَارِبُهَا- أَلاَ وَ إِنَّهُ مَنْ لاَ یَنْفَعُهُ الْحَقُّ یَضُرُّهُ الْبَاطِلُ- وَ مَنْ لاَ یَسْتَقِیمُ بِهِ الْهُدَی یَجُرُّ بِهِ الضَّلاَلُ إِلَی الرَّدَی- أَلاَ وَ إِنَّکُمْ قَدْ أُمِرْتُمْ بِالظَّعْنِ وَ دُلِلْتُمْ عَلَی الزَّادِ- وَ إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَیْکُمْ اتِّبَاعُ الْهَوَی وَ طُولُ الْأَمَلِ- فَتَزَوَّدُوا مِنَ الدُّنْیَا- مَا تَحْرُزُونَ بِهِ أَنْفُسَکُمْ غَداً قال الشریف:أقول:لو کان کلام یأخذ بالأعناق إلی الزهد فی الدنیا و یضطر إلی عمل الآخرة لکان هذا الکلام،و کفی به قاطعا لعلائق الآمال،و قادحا زناد الاتعاظ و الازدجار،و من أعجبه قوله علیه السّلام«ألا و إنّ الیوم المضمار و غدا السّباق و السّبقة الجنّة و الغایة النّار»فإن فیه-مع فخامة اللفظ،و عظم قدر المعنی،و صادق التمثیل،و واقع التشبیه-سرا عجیبا،و معنی لطیفا، و هو قوله علیه السّلام:«و السبقة الجنة،و الغایة النار»فخالف بین اللفظین لاختلاف المعنیین،و لم یقل«السبقة النار»کما قال«السبقة الجنة»،لأن الاستباق إنما یکون إلی أمر محبوب،و غرض مطلوب،و هذه صفة الجنة و لیس هذا المعنی موجودا فی النار نعوذ باللّه منها،فلم یجز أن یقول«و السبقة

ص:40

النار»بل قال «و الغایة النار» ،لأن الغایة ینتهی إلیها من لا یسره الانتهاء و من یسره ذلک،فصلح أن یعبر بها عن الأمرین معا،فهی فی هذا الموضع کالمصیر و المآل،قال اللّه تعالی: «قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِیرَکُمْ إِلَی النّارِ» و لا یجوز فی هذا الموضع أن یقال:سبقتکم-بسکون الباء-إلی النار،فتأمل ذلک فباطنه عجیب و غوره بعید.و کذلک أکثر کلامه علیه السّلام،و فی بعض النسخ،و قد جاء فی روایة أخری«و السبقة الجنة»-بضم السین-و السبقة عندهم:اسم لما یجعل للسابق إذا سبق من مال أو عرض،و المعنیان متقاربان لأن ذلک لا یکون جزاء علی فعل الأمر المذموم،و إنما یکون جزاء علی فعل الأمر المحمود.

أقول:هذا الفصل من الخطبة الّتی فی أوّلها الحمد للّه غیر مقنوط من رحمته.

و سیجیء بعد،و إنّما قدّمه الرضیّ علیها لما سبق من اعتذاره فی خطبة الکتاب أنّه لا یراعی التتالی و النسق فی کلامه علیه السّلام.

اللغة

و قوله: قد أدبرت أی ولیّ دبره .و آذنت أی أعلمت .و أشرفت أی أطّلعت ،و المضمار : المدّة الّتی یضمر فیها الخیل للمسابقة أی تعلف حتّی تسمن ثمّ تردّ إلی القوت و المدّة أربعون یوما،و قد یطلق علی الموضع الّذی یضمر فیه أیضا .و السباق : مصدر مرادف للمسابقة و هو أیضا جمع سبقة کنظفة و نظاف،أو سبقة کحجلة و حجال،أو سبق کجمل و جمال .و الثلاثة اسم لما یجعل للسابق من مال أو غرض ،و المنیّة : الموت ،و البؤس : شدّة الحاجة ،و تحرزون : تحفظون .

و اعلم انّ هذا الفصل یشتمل علی أحد عشر تنبیها :

الأوّل:علی وجوب النفار عن الدنیا و عدم الرکون إلیها.

و ذلک بقوله: استعارة بالکنایة ألا و إنّ الدنیا قد أدبرت و آذنت بوداع .و أشار بإدبار الدنیا و إعلامها بالوداع إلی تقضّی الأحوال الحاضرة بالنسبة إلی کلّ شخص من الناس من صحّة و شباب و جاه و مال و کلّ ما یکون سببا لصلاح حال الإنسان،و أنّ کلّ ذلک فی هذا الحیاة الدنیا لدنوّها

ص:41

من الإنسان.و لمّا کانت هذه الامور أبدا فی التغیّر و التقضّی المقتضی لمفارقة الإنسان لها و بعدها عنه لا جرم حسن إطلاق اسم الإدبار علی تقضّیها و بعدها استعارة تشبیها لها بالحیوان فی إدباره.فقیل لکلّ أمر یکون الإنسان فیه من خیر و شرّ إذا کان فی أوّله:

أقبل،و إذا کان فی آخره و بعد تقتضیّه:أدبر،و کذلک اسم الوداع فإنّ التقضّی لمّا استلزم المفارقة و کانت مفارقة الدنیا مستلزمة لأسف الإنسان علیها و وجده لها أشبه ذلک ما یفعله الإنسان فی حقّ صدیقه المرتحل عنه فی وداعه له من الأسف علی فراقه و الحزن و البکاء و نحوه.فاستعیر اسم الوداع له،و کنّی بإعلامها بذلک عن الشعور الحاصل بمفارقتها من تقضّیها شیئا فشیئا،أو هو إعلام بلسان الحال .

الثانی:التنبیه علی الإقبال علی الآخرة و التیقّظ للاستعداد لها

بقوله: مجاز ألا و إنّ الآخرة-قد أقبلت-و أشرفت باطّلاع .و لمّا کانت الآخرة عبارة عن الدار الجامعة للأحوال الّتی یکون الناس علیها بعد الموت من سعادة و شقاوة و ألم و لذّة،و کان تقضّی العمر مقرّبا للوصول إلی تلک الدار و الحصول فیما یشمل علیه من خیر أو شرّ حسن إطلاق لفظ الإقبال علیها مجازا .ثمّ نزّلها لشرفها علی الدنیا فی حال إقبالها منزلة حال عند سافل.فأسند إلیها لفظ الإشراف.و لأجل إحصاء الأعمال الدنیویّة فیها منزله عالم مطّلع.

فأطلق علیها لفظ الاطّلاع،و یحتمل أن یکون إسناد الإشراف بکیفیّة الاطّلاع إلی ربّ الآخرة،و إنّما عبّر بالآخرة عنه تعظیما لجلاله کما یکنّی عن الرجل الفاضل بمجلسه و حضرته و یکون کیفیّة الاطّلاع قرینة ذلک .

الثالث:التنبیه علی وجوب الاستعداد بذکر ما یستعدّ لأجله

و هو السباق ،و ذکر ما یستبق إلیه و ما هو غایة المقصّر المتخلّف عن نداء اللّه.و ذلک قوله: کنایة و إنّ الیوم المضمار.

إلی قوله: و الغایة النار .کنّی بالیوم عن عمر الإنسان الباقیة له و أخبر بالمضمار عنها.

و اعلم أنّه قد ورد المضمار و السباق مرفوعین و منصوبین:فأمّا رفع المضمار فلأنّه خبر أنّ.و الیوم اسمها،و إنّما اطلق اسم المضمار علی تلک المدّة لما بینهما من المشابهة فإنّ الإنسان فی مدّة عمره یستعدّ بالتقوی و یرتاض بالأعمال الصالحة لتکمیل قوّته فیکون من السابقین إلی لقاء اللّه و المقرّبین فی حضرته کما یستعدّ الفرس بالتضمیر

ص:42

لسبق مثله،و أمّا نصبه ففیه شکّ.إذ یحتمل أن یقال:إنّ المضمار زمان و الیوم زمان فلو أخبرنا عنه بالیوم لکان ذلک إخبارا بوقوع الزمان فی الزمان فیکون الزمان محتاجا إلی زمان آخر.و ذلک محال.و جوابه:لا نسلّم أنّ الإخبار بوقوع الزمان فی الزمان محوج للزمان إلی زمان آخر.فإنّ بعض أجزاء الزمان قد یخبر عنها بالزمان بمعنی أنّها أجزاؤه و الجزء فی الکلّ لا بمعنی أنّها حاصله فی زمان آخر.و إن کان إنّما یحسن الإخبار عنها به إذا قیّدت بوصف و اشتملت علی أحداث یتخصّص بها کما تقول:

أنّ مصطبح القوم الیوم.فکذلک المضمار لمّا کان وقتا مشتملا علی التضمیر و هو حدث صحّ الإخبار عنه بالیوم.و أمّا نصب السباق فلأنّه اسم إنّ أی کنایة-استعارة و إنّ غدا السباق و کنّی بغد عمّا بعد الموت ،و أمّا رفعه فلا وجه له إلاّ أن یکون مبتدأ خبره غدا و یکون اسم إنّ ضمیر الشأن.و قال بعض الشارحین:یجوز أن یکون خبر إنّ.و هو ظاهر الفساد لأنّ الحکم بشیء علی شیء إمّا بمعنی أنّه هو هو کما یقال:الإنسان هو الضحّاک.و هو ما یسمّیه المنطقیّون حمل المواطاة،أو علی أنّ المحکوم علیه ذو المحکوم به کما یقال:الجسم أبیض أی ذو بیاض.و هو ما یسمّونه حمل الاشتقاق.و لا واحد من المعنیین بحاصل فی الحکم بالسباق علی غد.فیمتنع أن یکون خبر إنّ،اللّهم إلاّ علی تقدیر حذف المضاف و إقامة المضاف إلیه مقامه:أی و إنّ غدا وقت السباق.لکن لا یکون السباق هو الخبر فی الحقیقة.

ثمّ إن قلنا:إنّ السباق مصدر.کان التقدیر ضمّروا أنفسکم الیوم فإنّکم غدا تستبقون.

و تحقیق ذلک أنّ الإنسان کلّما کان أکمل فی قوّتیه النظریّة و العملیّة کان وصوله إلی حضرة القدس قبل وصول من هو أنقص منه و لمّا کان مبدء النقصان فی هاتین القوّتین إنّما هو محبّة ما عدا الواحد الحقّ،و اتّباع الشهوات،و المیل إلی أنواع اللذّات الفانیة، و الإعراض بسبب ذلک عن تولّی القبلة الحقیقیّة.و مبدء الکمال فیهما هو الإعراض عمّا عدا الواحد الحقّ من الامور المعدودة،و الإقبال علیه بالکلّیة.و کان الناس فی محبّة الدنیا و فی الإعراض عنها و الاستکمال بطاعة اللّه علی مراتب مختلفة و درجات متفاوته کان کون الیوم هو المضمار و غدا السباق متصوّرا جلیّا.فإنّ کلّ من کان أکثر استعدادا و أقطع لعلائق الدنیا عن قلبه لم یکن له بعد الموت عائق یعوقه عن الوصول إلی اللّه

ص:43

و ما أعدّ له فی الجنّة من الثواب الجزیل،بل کان خفیف الظهر ناجیا من ثقل الوزر کما أشار إلیه الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلّم بقوله:نجا المخفّفون.و کما سبق من إشارة علیّ علیه السّلام إلی ذلک بقوله :تخفّفوا تلحقوا .فیکون بعد الموت سابقا ممّن کان أضعف استکمالا منه،و ممّن لسعت عقارب الهیئات البدنیّة و الملکات الردیئة قلبه و أثقلت الأوزار ظهره و أوجب له التخلّف عن درجة السابقین الأوّلین.و کذلک یکون سبق هذا بالنسبة إلی من هو أقلّ استعدادا منه و أشدّ علاقة للدنیا بقلبه.فکان معنی المسابقة ظاهرا إن کان استعارة من السباق المتعارف بین العرب.و إن قلنا:إنّ السباق جمع سبقه:اسم لمّا یستبق إلیه و یجعل للسابق.فالمعنی أیضا ظاهر فإنّ ما یستبق إلیه إنّما یکمل الوصول إلیه بعد المفارقة، و یکون الاستباق إمّا قبل المفارقة و هو السعی فی درجات الریاضات کما أشار إلیه سبحانه بقوله «سابِقُوا إِلی مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّکُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُها کَعَرْضِ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِینَ آمَنُوا» (1)الآیة،و قوله «فَاسْتَبِقُوا الْخَیْراتِ» .أو بعد المفارقة کما أشرنا إلیه.و یکون قوله بعد ذلک: و السبقة الجنّة .تعیینا للمستبق إلیه بعد التنبیه علیه إجمالا و أمّا قوله: و الغایة النار .فالّذی ذکره الرضیّ-رضوان اللّه علیه-فی تخصیص الجنّة بالسبقة و النار بالغایة حسن و کاف فی بیان مراده علیه السّلام إلاّ أنّه یبقی هاهنا بحث و هو أنّ هذه الغایة من أیّ الغایات هی؟و هل هی غایة حقیقیّة أو لازمة لغایة؟ فنقول:إنّ ما ینتهی إلیه قد یکون بسوق طبیعیّ،و قد یکون بسوق إرادیّ.و کلّ واحد منهما قد یکون ذاتیّا،و قد یکون عرضیّا.فالسوق الذّاتی منهما یقال له غایة إمّا طبیعیّة کاستقرار الحجر فی حیّزه عن حرکته بسوق طبیعته له إلیه و إمّا إرادیّة کغایات الإنسان من حرکاته المنتهی إلیها بسوق إرادته.و أمّا المنتهی إلیه بالسوق العرضیّ فهو من لوازم إحدی الغایتین و قد یسمّی غایة عرضیّة.فاللازم عن الطبیعیّة کمنع الحجر غیره أن یحلّ بحیث هو فإنّ ذلک من لوازم استقراره فی حیّزه،و عن الإرادیّة کاستضاءة الجار بسراج جاره فإنّ ذلک من لواحق استضاءته و کهلاک الطائر فی حبائل الصیّاد عن المیل إلی التقاط حبّة.إذا عرفت ذلک فنقول:إنّ کون النار غایة بهذا المعنی الرابع.

ص:44


1- 1) 57-21

و بیانه:أن محبّة الدنیا و المیل إلیها و الانهماک فی مشتهیاتها.سواء کان معها مسکة للإنسان باللّه تعالی أو لم یکن فإنّ من لوازمها الانتهاء إلی النار إلاّ أن یشاء اللّه کما قال تعالی «مَنْ کانَ یُرِیدُ حَرْثَ الدُّنْیا نُؤْتِهِ مِنْها وَ ما لَهُ فِی الْآخِرَةِ مِنْ نَصِیبٍ» (1)و کان المقصود الأوّل للإنسان هو تناول اللذّات الحاضرة لکن لمّا کان من لوازم الوصول إلی تلک اللذّات و الإقبال علیها دخول النار و الانتهاء إلیها کانت عرضیّة .

الرابع:التنبیه علی التوبة قبل الموت

و هو قوله: أفلا تائب من خطیئة قبل منیّته.

و لا شکّ أنّها یجب أن تکون مقدّمة علی الأعمال لأنّک علمت أنّ التوبة هی انزجار النفس العاقلة عن متابعة النفس الأمّارة بالسوء لجاذب إلهیّ اطّلعت معه علی قبح ما کانت علیه من اتّباع شیاطینها و هو من مقام الزهد و التخلّی.و قد علمت فی بیان کیفیّة السلوک إلی اللّه تعالی أنّ مقام التخلیة مقدّم علی مقام التحلیة.فکان الأمر بها مقدّما علی الأمر بسایر الطاعات .

الخامس:التنبیه علی العمل للنفس قبل یوم البؤس

،و الإشارة إلی ما بعد الموت من العذاب اللازم للنقصان اللازم عن التقصیر فی العمل إذ الواصل إلی یوم بؤسه علی غیر عمل أسیر فی ید شیاطینه.و قد علمت أن غایة الاسترسال فی ید الشیطان دخول النار و الحجب عن لقاء ربّ العالمین.و لمّا کان العمل هو المعین علی قهر الشیاطین و المخلص من أسره نبّه علیه،ثمّ أردفه بالتنبیه علی وجود الزمان الّذی یمکنهم فیه العمل و هو أیّام آمالهم للعمل و غیره علی أنّ ذلک الزمان منقطع بلحوق الأجل،ثمّ أردفه ببیان فایدة العمل فی ذلک الزمان و هی المنفعة بالثواب فی الآخرة و ما یلزمها من عدم مضرّة الأجل، و استعارة بیان ثمرة التقصیر فی العمل فیه و هی خسران العمل المستلزم لمضرّة الأجل.و أحسن باستعارته علیه لفظ الخسران لفوات العمل فإنّ الخسران فی البیع لمّا کان هو النقصان فی رأس المال أو ذهاب جملته،و کان العمل هو رأس مال العامل الّذی یکتسب الکمال و السعادة الاخرویّة لا جرم حسنت استعارة لفظ الخسران لعدم العمل، و أمّا استلزام المنفعة لعدم مضرّة الموت و استلزام الخسران لمضرّته فهو أمر ظاهر إذ کان الکامل فی

ص:45


1- 1) 42-19

قوّتیه المعرض عن متاع الدنیا غیر ملتفت إلیها بعد المفارقة فلم یحصل له بسببها تعذیب.

فکانت المضرّة منفیّة عنه.و کان المقصّر عن الاستکمال فیهما من ضرورة طباعه المیل إلی اللذّات الحسّیة.فإذا قصر عن العمل و التعلّق بطاعة اللّه الجاذبة إلیه فلا بدّ و أن یستضرّ بحضور الأجل إذ کان الأجل قاطعا لزمان الاستکمال و حائلا بین الإنسان و بین ما هو معشوق له من حاضر اللذّات .

السادس:التنبیه علی وجوب التسویة للعامل بین العمل فی الرغبة و العمل فی

الرهبة .

و فیه شمیمة التوبیخ للعبد علی غفلته عن ذکر اللّه و إعراضه عن عبادته فی حال صفاء اللذّات الحاضرة له،و لجأه إلیه و فزعه عند نازلة إن نزلت به.فإنّ ذلک لیس من شأن العبودیّة الصادقة للّه.و إلی مثل هذا التوبیخ أشار التنزیل الإلهیّ بقوله «وَ إِذا مَسَّکُمُ الضُّرُّ فِی الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاّ إِیّاهُ فَلَمّا نَجّاکُمْ إِلَی الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَ کانَ الْإِنْسانُ کَفُوراً» (1)و غیره من الآیات،بل من شأن العابد للّه القاصد له أن یتساوی عبادته فی أزمان شدّته و رخائه.فیقابل الشدّة بالصبر،و الرخاء بالشکر،و أن یعبده لا لرغبة و لا رهبة و أن یعبده فیهما من غیر فرق .

السابع:

تشبیه قوله: ألا و إنّی لم أر کالجنّة نام طالبها و لا کالنار نام هاربها .و اعلم أنّ الضمیر فی طالبها و هاربها یعود إلی المفعول الأوّل لرأیت المحذوف المشبّه فی الموضعین و التقدیر لم أر نعمة کالجنّة نام طالبها و لا نقمة کالنار نام هاربها،و نام فی محلّ النصب مفعولا ثانیا.و مغزی هذا الکلام أنّه نفی علمه بما یشبه الجنّة و ما یشبه النار و لم ینف علمه بذات التشبیه بل علمه من جهة الشبه و هی نوم الطالب و الهارب.و لذلک استدعت أری بمعنی أعلم هنا مفعولین أی لم أر نعمة کالجنّة بصفة نوم الطالب لها.فنبّه علی وجه الشبه بقوله: نام طالبها ،ثمّ نفی التشبیه من تلک الجهة.و کذلک قوله: و لا کالنار بصفة نوم هاربها .و المفعول الثانی فی الجملتین صفة جاریة علی غیر من هی له.و هی تنبیه للموقنین بالجنّة و النار علی کونهم نائمین فی مراقد الطبیعة لینتبهوا منها و یتفطّنوا[یتّعظوا خ]للاستعداد بالعمل التامّ لما ورائهم

ص:46


1- 1) 17-69

من مرغوب و مرهوب.و فیه شمیمه التعجّب من جمع الموقن بالجنّة و النار بین علمه بما فی الجنّة من تمام النعمة و تقصیره عن طلبها بما یؤدّی إلیها من الأعمال الصالحة، و جمع الموقن بالنار بین علمه بما فیها من عظیم العذاب و بین تقصیره و غفلته عن الهرب إلی ما یخلص منها.

الثامن :

قوله ألا و إنّه من لم ینفعه الحقّ یضرّه الباطل .فالضمیر فی إنّه ضمیر الشأن.و أراد بالحقّ الإقبال علی اللّه بلزوم الأعمال الصالحة المطابقة للعقاید المطابقة، و بالباطل الالتفات عنه إلی غیر ذلک ممّا لا یجدی نفعا فی الآخرة.و هو تنبیه علی استلزام عدم منفعة الحقّ لمضرّة الباطل فی صورة شرطیّة متّصلة،و بیان الملازمة فیها ظاهر فإنّ وجود الحقّ مستلزم لمنفعته فعدم منفعته إذن مستلزم لعدمه و عدمه مستلزم لوجود الباطل لأن اعتقاد المکلّف و عمله إمّا أن یطابقا أوامر اللّه تعالی،أو لیس.

و الأوّل هو الحق،و الثانی هو الباطل.و ظاهر أنّ عدم الأوّل مستلزم لوجود الثانی.ثمّ إنّ وجود الباطل مستلزم لمضرّته.فیظهر بهذا البیان أنّ عدم منفعة الحقّ مستلزم لوجود مضرّة الباطل.و إذا ثبت ذلک فنقول:مراده علیه السّلام بلزوم الحقّ ما هو المستلزم لمنفعته و بنفی الباطل ما هو المستلزم لعدم مضرّته.فإنّ لزوم الطاعة للّه بامتثال أوامره و الإقبال علیه مستلزم للوصول إلی جواره المقدّس،و الالتفات إلی ما عداه المعبّر عنه بالباطل مستلزم للنقصان الموجب للتخلّف عن السابقین و الهوی فی درک الهالکین.و ذلک محض المضرّة.فظهر أذن سرّ قوله:علیه السّلام من لم ینفعه الحقّ یضرره الباطل .و من غفلة بعض من یدّعی العلم عن بیان هذه الملازمة ذهب إلی أنّ الوعیدات الواردة فی الکتب الإلهیّة إنما جاءت للتخویف دون أن یکون هناک شقاوة للعصاة.

محتجّا علی ذلک بتمثیلات خطابیّة عن مشهورات فی بادیء الرأی إذا تعقّبها النظر زالت شهرتها .

التاسع و من لا یستقم به الهدی یجرّ به الضلال إلی الردی

:و من لا یستقم به الهدی یجرّ به الضلال إلی الردی .أراد بالهدی نور العلم و الإیمان،و بالضلال الجهل و الخروج عن أمر اللّه.و المعنی أنّ من لم یکن الهدی دلیله القائد له بزمام عقله فی سبیل اللّه و یستقیم به فی سلوک صراطه المستقیم

ص:47

فلا بدّ و أن ینحرف به الضلال عن سواء الصراط إلی أحد جانبی التفریط و الإفراط.

و ملازمة هذه الشرطیّة أیضا ظاهرة.لأنّ وجود الهدی لمّا استلزم وجود استقامة بالإنسان علی سواء السبیل کان عدم استقامة الهدی به مستلزما لعدم الهدی المستلزم لوجود الضلال المستلزم للجرّ بالإنسان إلی مهاوی الردی،و العدول به عن الصراط المستقیم إلی سواء الجحیم .

العاشر: ألا و إنّکم قد امرتم بالظعن و دللتم علی الزاد

استعارة قوله: ألا و إنّکم قد امرتم بالظعن و دللتم علی الزاد .و هو تنبیه علی ملاحظة الأوامر الواردة بالظعن کقوله تعالی «فَفِرُّوا إِلَی اللّهِ إِنِّی لَکُمْ مِنْهُ نَذِیرٌ مُبِینٌ» (1)و کقوله تعالی «سابِقُوا إِلی مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّکُمْ» (2)علی الأمر باتّخاذ الزاد کقوله تعالی «وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَیْرَ الزّادِ التَّقْوی» (3)و أحسن باستعارته الظعن للسفر إلی اللّه و استعارة الزاد لما یقرّب إلیه.و وجه درجه الاستعارة الاولی:أنّ الظعن لمّا کان عبارة عن قطع المراحل المحسوسة بالرجل و الجمل و نحوه فکذلک السفر إلی اللّه عبارة عن قطع المراحل المعقوله بقدم العقل،و وجه الثانیة أنّ الزاد لمّا کان إنّما یعدّ لتقوی به الطبیعة علی الحرکة الحسّیة و کانت الامور المقرّبة إلی اللّه تعالی ممّا تقوی به النفس علی الوصول إلی جنابه المقدّس کان ذلک من أتمّ المشابهة الّتی یقرّب معها اتّحاد المتشابهین.و بحسب قوّة المشابهة یکون قوّة حسن الاستعارة .

الحادی عشر:التنبیه علی أخوف الامور

الّتی ینبغی أن تخاف لتجتنب و هو الجمع بین اتّباع الهوی و طول الأمل.و سیذکر علیه السّلام هذا الکلام فی موضع آخر مع ذکر علّة التحذیر من هذین الأمرین،و سنوضح معناه هناک.و یکفی هاهنا أن یقال:

إنّما حذّر منهما عقیب التنبیه علی الظعن و الأمر باتّخاد الزاد لکون الجمع بینهما مستلزما للإعراض عن الآخرة فیکون مستلزما لعدم الظعن و عدم اتّخاذ الزاد.فخوّف منهما لیجتنبا.فیحصل مع اجتنابهما الإقبال علی اتّخاذ الزاد و الاهبّة للظعن و لذلک أردف التخویف منهما بالأمر باتّخاذ الزاد .و فی قوله: من الدنیا فی الدنیا لطف.فإنّ الزاد الموصل إلی اللّه تعالی إمّا علم أو عمل و کلاهما یحصلان من الدنیا:أمّا العمل

ص:48


1- 1) 5-50
2- 2) 57-21
3- 3) 2-193

فلا شکّ أنّه عبارة من حرکات و سکنات تستلزم هیئات مخصوصة إنّما تحصل بواسطة هذا البدن و کلّ ذلک من الدنیا فی الدنیا،و أمّا العلم فلأنّ الاستکمال به إنّما یحصل بواسطة هذا البدن أیضا إمّا بواسطة الحواسّ الظاهرة و الباطنة،أو بتفطّن النفس لمشارکات بین المحسوسات و مباینات بینها و ظاهر أنّ ذلک من الدنیا فی الدنیا و أشار بقوله: ما تحرزون أنفسکم به غدا .أنّ کلّ زاد عدّ به الإنسان نفسه للوصول إلی جوا اللّه فقد تدرع به من غدا به و حفظ به نفسه «یَوْمَ لا یَنْفَعُ مالٌ وَ لا بَنُونَ» .و قد اشتمل هذا الفصل علی استدراجات لطیفة لانفعالات عن أوامر للّه و زواجره،و إذا تأمّلت اسلوب کلامه علیه السّلام،و راعیت ما فیه:من فخامة الألفاظ،و جزالة المعانی المطابقة للبراهین العقلیّة،و حسن الاستعارات و التشبیهات و مواقعها،و صحّة ترتیب أجزائه.و وضع کلّ مع ما یناسبه.وجدته لا یصدر إلاّ عن علم لدنیّ و فیض ربّانیّ.و أمکنک حینئذ الفرق بین کلامه علیه السّلام و کلام غیره و التمییز بینهما بسهولة.و باللّه العصمة و التوفیق.

28-و من خطبة له علیه السّلام

اشارة

أَیُّهَا النَّاسُ الْمُجْتَمِعَةُ أَبْدَانُهُمْ- الْمُخْتَلِفَةُ أَهْوَاؤُهُمْ- کَلاَمُکُمْ یُوهِی الصُّمَّ الصِّلاَبَ- وَ فِعْلُکُمْ یُطْمِعُ فِیکُمُ الْأَعْدَاءَ- تَقُولُونَ فِی الْمَجَالِسِ کَیْتَ وَ کَیْتَ- فَإِذَا جَاءَ الْقِتَالُ قُلْتُمْ حِیدِی حَیَادِ- مَا عَزَّتْ دَعْوَةُ مَنْ دَعَاکُمْ- وَ لاَ اسْتَرَاحَ قَلْبُ مَنْ قَاسَاکُمْ- أَعَالِیلُ بِأَضَالِیلَ دِفَاعَ ذِی الدَّیْنِ الْمَطُولِ- لاَ یَمْنَعُ الضَّیْمَ الذَّلِیلُ- وَ لاَ یُدْرَکُ الْحَقُّ إِلاَّ بِالْجِدِّ- أَیَّ دَارٍ بَعْدَ دَارِکُمْ تَمْنَعُونَ- وَ مَعَ أَیِّ إِمَامٍ بَعْدِی تُقَاتِلُونَ- الْمَغْرُورُ وَ اللَّهِ مَنْ غَرَرْتُمُوهُ- وَ مَنْ فَازَ بِکُمْ فَقَدْ فَازَ وَ اللَّهِ بِالسَّهْمِ الْأَخْیَبِ- وَ مَنْ رَمَی بِکُمْ فَقَدْ رَمَی بِأَفْوَقَ نَاصِلٍ-

ص:49

أَصْبَحْتُ وَ اللَّهِ لاَ أُصَدِّقُ قَوْلَکُمْ- وَ لاَ أَطْمَعُ فِی نَصْرِکُمْ- وَ لاَ أُوعِدُ الْعَدُوَّ بِکُمْ- مَا بَالُکُمْ مَا دَوَاؤُکُمْ مَا طِبُّکُمْ- الْقَوْمُ رِجَالٌ أَمْثَالُکُمْ- أَ قَوْلاً بِغَیْرِ عِلْمٍ- وَ غَفْلةً مِنْ غَیْرِ وَرَعٍ- وَ طَمَعاً فِی غَیْرِ حَقٍّ أقول:روی أنّ السبب فی هذه الخطبة هو غارة الضحّاک بن قیس بعد قصّة الحکمین و عزمه علی المسیر إلی الشام.و ذلک أنّ معاویة لمّا سمع باختلاف الناس علی علیّ علیه السّلام،و تفرّقهم عنه،و قتله من قتل من الخوارج بعث الضحّاک بن قیس فی نحو من أربعة آلاف فارس و أوعز علیه بالنهب و الغارة.فأقبل الضحّاک یقتل و ینهب حتّی مرّ بالثعلبیّة.فأغار علی الحاجّ فأخذ أمتعتهم.و قتل عمرو بن عمیس بن مسعود ابن أخی عبد اللّه بن مسعود صاحب رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلّم و قتل معه ناسا من أصحابه.فلمّا بلغ علیّا علیه السّلام ذلک استصرخ أصحابه علی أطراف أعماله و استشارهم إلی لقاء العدوّ فتلکّؤوا.

و رأی منهم تعاجزا و فشلا.فخطبهم هذه الخطبة.و لنرجع إلی المتن.

اللغة

فالأهواء : الآراء ،و الوهی : الضعف ، کنایة و کیت و کیت :کنایه عن الحدیث .و حاد عن الأمر : عدل عنه.قال الجوهری:قولهم حیدی حیاد کقولهم:فیحی فیاح،و نقل أنّ فیاح اسم للغارة کقطام.فحیاد أیضا اسم لها.و المعنیّ:اعزلی عنّا[عنها خ]أیّتها الحرب، و یحتمل أن یکون حیاد من أسماء الأفعال کنزال.فیکون قد أمر بالتنحّی مرّتین بلفظین مختلفین .و أعالیل و أضالیل : جمع أعلال و أضلال و هما جمع علّة:اسم لما یتعلّل به من مرض و غیره ،و ضلّة : اسم من الضلال بمعنی الباطل ،و المطول : کثیر المطال و هو تطویل الوعد و تسویفه ،و الجدّ : الاجتهاد ،و الأخیب : أشدّ خیبة و هی الحرمان ، الأفوق : السهم المکسور الفوق و هو موضع الوتر منه ،و الناصل : الّذی لا نصل فیه .

المعنی

و المقصود أنّه علیه السّلام نبّههم علی ما یستقبح فی الدین،و مراعاة حسن السیرة من أحوالهم و أقوالهم و أفعالهم:أمّا أحوالهم فاجتماع أبدانهم مع تفرّق آرائهم الموجب لتخاذلهم عن الذبّ عن الدین و المفرّق لشمل مصالحهم.و أمّا أقوالهم فکلامهم الّذی یضعف عند

ص:50

سماعه القلوب الصلبة الثابتة و یظنّ سامعه أن تحته نجدة و ثباتا و هو قولهم مثلا فی مجالسهم:إنّه لا محلّ لخصومنا،و إنّا سنفعل بهم کذا،و سیکون منّا کذا.و أمثاله.

استعارة و استعار لفظی الصمّ الصلاب من أوصاف الحجارة للقلوب الّتی تضعف من سماع کلامهم کما شبّه القرآن الکریم بها: «فَهِیَ کَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً» .و أمّا أفعالهم فهو تعقیب هذه الأقوال عند حضور القتال و دعوتهم إلی الحرب بالتخاذل و عدم التناصر و التقاعد عن إجابة داعی اللّه و کراهیّة الحرب و الفرار عن مقاتلة العدوّ، کنایة و کنّی بقوله : قلتم حیدی حیاد .عن ذلک،و هی کلمة کانت تستعملها العرب عند الفرار. ثمّ أردف ذلک بما العادة أن یأنف منه من یطلب الانتصار به علی وجه التضجّر منهم عن کثرة تقاعدهم عن صوته .و ذلک قوله: ما عزّت دعوة من دعاکم .المستلزم للحکم بذلّة داعیهم ،و لا استراح قلب من قاساکم .المتلزم للحکم بتعبه ،و قوله: أعالیل بأضالیل .خبر مبتدأ محذوف أی و إذا دعوتکم إلی القتال تعللّتم بأعالیل هی باطلة ضلالا عن سبیل اللّه و سألتمونی التأخیر و تطویل المدّة دفاعا ، تشبیه-استعارة و قوله: دفاع ذی الدین المطول .یحتمل أن بکون تشبیها لدفاعهم له بدفاع ذی الدین فیکون منصوبا محذوف الجار،و یحتمل أن یکون قد استعار دفاع ذی الدین المطول لدفاعهم فیکون مرفوعا،و وجه الاستعارة أنّ المدین المطول أبدا مشتهی لعدم المطالبة و تودّ نفسه أن لا یراه غریمه فکذلک فهم علیه السّلام منهم أنّهم کانوا یحبّون أن لا یعرض لهم بذکر القتال و لا یطالبهم به.فاستعار لدفاعهم الدفاع المذکور لمکان المشابهة ،ثمّ نبّههم علی قبح الذلّ لیفیؤوا إلی فضیلة الشجاعة بذکر بعض لوازمه المنفرة و هو أنّ صاحبه لا یتمکّن من رفع الضیم عن نفسه،و علی قبح التوانی و التخاذل بأنّه لا یدرک الإنسان حقّه إلاّ بضدّ ذلک و هو الجدّ و التشمیر فی طلبه،ثمّ أعقب ذلک بالسؤال علی جهة الإنکار و التقریع عن تعبین الدار الّتی ینبغی لهم حمایتها بعد دار الإسلام الّتی لا نسبة لغیرها إلیها فی العزّ و الکرامة عند اللّه و وجوب الدفع عنها و الّتی هی موطنهم و محلّ دولتهم .کذلک قوله: و مع أیّ إمام بعدی تقاتلون .و فیه تنبیه لهم علی أفضلیّته و ما وثق به من إخلاص نفسه للّه فی جمیع حرکاته،و تثبیت لهم علی طاعته إذ کان علیه السّلام یتوهّم فی بعضهم المیل إلی معاویة و الرغبة

ص:51

فیما عنده من الدنیا.ثمّ أردف ذلک بذمّ من اغترّ بکلامهم و نسبه إلی الغرور و الغفلة.

ثمّ بالإخبار عن سوء حال من کانوا حزبه و من یقاتل بهم :

أمّا الأوّل:فهو قوله: المغرور و اللّه من غرّرتموه .و المقصود بالحقیقة ذمّهم و توبیخهم علی خلف المواعید و المماطلة بالنفار إلی الحرب لأنّه إنّما ینسب من وثق بهم إلی الغرور بعد خلفهم فی وعدهم له بالنهوض معه.و جعل المغرور مبتدأ و من خبره أبلغ فی إثبات الغرّة لمن اغترّ بهم من العکس لاقتضاء الکلام إذن انحصار المغرور فی من اغترّ بهم.و لا کذلک لو کان من مبتدأ .

و أمّا الثانی:فهو استعارة-مجاز فهو قوله: و من فاز بکم فقد فاز بالسهم الأخیب و من رمی بکم فقد رمی بأفوق ناصل .و قد شبّه نفسه و خصومه باللاعبین بالمیسر،و لا حظ شبه حصولهم فی حقّه.بخروج أحد السهام الخائبة الّتی لا غنم لها أو الأوغاد الّتی فیها غرم کالّتی لم یخرج حتّی استوفیت أجزاء الجزور فحصل لصاحبها غرم و خیبة.فلأجل ملاحظة هذا الشبه استعار لهم لفظ السهم بصفة الأخیب،و إطلاق الفوز هنا مجاز فی حصولهم له من باب إطلاق اسم أحد الضدّین علی الآخر کتسمیة السیّئة جزاء.کذلک لاحظ المشابهة بین رجال الحرب و بین السهام فی کون کلّ منهما عدّة للحرب و دفع العدوّ و لاحظها أیضا بین إرسالهم فی الحرب و بین الرمی بالسهام.فلأجل ذلک استعار أوصاف السهم من الأفوق و الناصل،و استعار لفظ الرمی لمقاتلته بهم ثمّ خصّصهم بأردء أوصاف السهم الّتی یبطل معها فائدته لمشابتهم ذلک السهم فی عدم الانتفاع بهم فی الحرب.و کأنّه أیضا خصّص بعثه لهم إلی الحرب باستعارة الرمی بالسهم الموصوف لزیادة الشبه و هی عدم انبعاثهم عن أمره.و تجاوزهم أوطانهم کالرمی بالسهم الّذی لا فوق له و لا نصل فإنّه لا یکاد یتجاوز عن القوس مسافة.و هی من لطائف ملاحظات المشابهة و الاستعارة عنها.و المعنی أنّ من حصلتم فی حربه فالخیبة حاصلة له فیما یطلب بکم،و من قاتل بکم عدوّه فلا نفع له فیکم .ثمّ أردفه بالإخبار عن نفسه بامور نشأت عن إساءة ظنّه بهم و عدم وثوقه بأقوالهم بکثرة خلفهم و مواعیدهم الباطلة بالنهوض معه و هی أنّه لا یصدّقهم لأنّه من أکثر من شیء عرف به.و من أمثالهم:إنّ الکذوب

ص:52

لا یصدّق و أنّه لا یطمع فی نصرهم و أنّه لا یوعد بهم عدوّهم إذ کان وعیده بهم مع طول تخلّفهم و شعور العدوّ بذلک ممّا یوجب جرأته و تسلّطه و أمانه من المقاومة. استفهام انکاری ثمّ أردفه بالاستفهام علی سبیل الاستنکار و التقریع عن حالهم الّتی توجب لهم التخاذل و التصامم عن ندائه و هو قوله: ما بالکم .ثمّ عن دوائهم الصالح للمرض الّذی هم فیه .

ثمّ عن کیفیّة علاجهم منه بقوله :ما دوائکم ما طبّکم .و قیل أراد بقوله ما طبّکم أی ما عادتکم و الأوّل أظهر و ألیق.ثمّ نبّههم علی ما عساهم یتوهّمونه من قوّة خصومهم و بأسهم بأنّهم رجال أمثالکم فی الرجولیّة الّتی هی مظنّة الشجاعة و البأس فلا مزیّة لهم علیکم فلا معنی للخوف منهم.ثمّ عاد إلی سؤالهم علی جهة التقریع و نبّههم به علی امور لا ینبغی،منفور عنها،مستقبحة فی الشریعة و العادة .

فأوّلا:عن قولهم ما لا یفعلون و هو إشارة إلی ما یعدون به من النهوض إلی الحرب ثمّ لا یفعلون و ذلک بقوله: أ قولا بغیر عمل ؟تذکیرا لهم بما یستلزم ذلک من المقت عند اللّه کما اشیر إلیه فی القرآن الکریم «یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ کَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ» (1)و علی الروایة الثانیة و هی أ قولا بغیر علم؟أی أ تقولون بألسنتکم ما لیس فی قلوبکم و لا تعتقدونه و تجزمون به من أنّا سنفعل کذا.و یحتمل أن یکون معناه أ تقولون إنّا مخلصون للّه و إنّا مسلمون و لا تعلمون شرائط الإسلام و الایمان.

و ثانیا :عن غفلتهم الّتی لیست عن ورع و هی عدم تعقّلهم للمصالح الّتی ینبغی أن یکونوا علیها و هی طرف التفریط من فضیلة الفطانة.و هذه بخلاف الغفلة مع الورع.

فإنّ تلک نافعة فی المعاد إن کان الورع عبارة عن لزوم الأعمال الجمیلة المستعدّة فی الآخرة فالغفلة معه عن الامور الدنیویّة و المصالح المتعلّقة بجزئیّاتها لیست بضارّة،بل ربما کانت سببا للخلاص من عذاب ما فی الآخرة.

و ثالثا :عن طمعهم فی غیر حقّ أی فی أن یمنحهم ما لا یستحقّونه لینهضوا معه و یجیبوا دعوته،و کأنّه علیه السّلام عقل من بعضهم أنّ أحد أسباب تخلّفهم من ندائه

ص:53


1- 1) 61-3

إنّما هو طمعهم فی أن یوفر عطیّاتهم و یمنحهم زیادة علی ما یستحقّون کما فعل غیره مع غیرهم فأشار إلی ذلک و نبّههم علی قبحه من حیث إنّه طمع فی غیر حقّ.

و اللّه أعلم.

29-و من کلام له علیه السّلام

اشارة

فی معنی قتل عثمان

:لَوْ أَمَرْتُ بِهِ لَکُنْتُ قَاتِلاً- أَوْ نَهَیْتُ عَنْهُ لَکُنْتُ نَاصِراً- غَیْرَ أَنَّ مَنْ نَصَرَهُ لاَ یَسْتَطِیعُ أَنْ یَقُولَ خَذَلَهُ مَنْ أَنَا خَیْرٌ مِنْهُ- وَ مَنْ خَذَلَهُ لاَ یَسْتَطِیعُ أَنْ یَقُولَ نَصَرَهُ مَنْ هُوَ خَیْرٌ مِنِّی- وَ أَنَا جَامِعٌ لَکُمْ أَمْرَهُ اسْتَأْثَرَ فَأَسَاءَ الْأَثَرَةَ- وَ جَزِعْتُمْ فَأَسَأْتُمُ الْجَزَعَ- وَ لِلَّهِ حُکْمٌ وَاقِعٌ فِی الْمُسْتَأْثِرِ وَ الْجَازِعِ

اللغة

أقول: المستأثر بالشیء : المستبدّ به

المعنی

.و مقتضی هذا الفصل تبرّؤه علیه السّلام من الدخول فی دم عثمان بأمر أو نهی کما نسبه إلیه معاویة و غیره .

و قوله: لو أمرت به لکنت قاتلا .قضیّة شرطیّة بیّن فیها لزوم کونه قاتلا لکونه آمرا.و هذا اللزوم عرّفی.إذ یقال فی العرف للآمر بالقتل قاتل.و الآمر شریک الفاعل و إن کان القاتل فی اللغة هو المباشر للفعل و الّذی صدر عنه.و کذلک بیّن فی قوله:

أو نهیت عنه لکنت ناصرا لزوم کونه ناصرا لکونه ناهیا.و هو ظاهر،و قد عرفت أنّ استثناء نقیض اللازم یستلزم نقیض الملزوم،و اللازمان فی هاتین القضیّتین هما القتل و النصرة، و معلوم أنّ القتل لم یوجد منه علیه السّلام بالاتّفاق فإنّ غایة ما یقول الخصم أنّ قعوده عن نصرته دلیل علی إرادته لقتله.و ذلک باطل.لأنّ القعود عن النصرة قد یکون لأسباب اخری کما سنبیّنه.ثمّ لو سلّمنا أنّ القعود عن النصرة دلیل إرادة القتل لکن إرادة القتل لیس بقتل.فإنّ کلّ أحد یحبّ قتل خصمه لکن لا یکون بذلک قاتلا.و کذلک

ص:54

ظاهر کلامه یقتضی أنّ النصرة لم توجد منه،و إذا انتقی اللازمان استلزم نفی أمره بقتله و نهیه عنه.و یحتمل أن یرید فی القضیّة الثانیة استثناء عین مقدّمها لینتج تالیها:أی لکنّی نهیت عنه فکنت ناصرا.لا یقال:لا یخلو إمّا أن یکون مرتکب المنکر هو عثمان أو قاتلیه و علی التقدیرین فیجب علی علیّ علیه السّلام القیام و الإنکار إمّا علی عثمان بالمساعدة علیه إن کان هو مرتکب المنکر،أو علی قاتلیه بالإنکار علیهم و نصرته.فقعوده عن أحد الأمرین یستلزم الخطأ،لکنّه لم یخطأ فلم یکن تارکا لأحد الأمرین.فلا یثبت التبرّء.و الجواب البریء من العصبیّة فی هذا الموضع:أنّ عثمان أحدث امورا نقمها جمهور الصحابة علیه،و قاتلوه أحدثوا حدثا یجب إنکاره:أمّا أحداث عثمان فلم ینته فی نظر علی علیه السّلام إلی حدّ یستحقّ بها القتل و إنّما استحقّ فی نظره أن ینبّهه علیها.فلذلک ورد فی النقل أنّه أنکرها علیه و حذّره من الناس غیر مرّة کما سیجیء فی کلامه علیه السّلام.فإن صحّ ذلک النقل ثبت أنّه أنکر علیه ما أحدثه لکنّه لا یکون بذلک داخلا فی دمه لاحتمال أنّه لمّا حذّره الناس و لم ینته اعتزله.و إن لم یثبت ذلک النقل فالإنکار لیس من فروض الأعیان بل هو من فروض الکفایات إذا قام به البعض سقط عن الباقین،و قد ثبت أنّ جمهور الصحابة أنکروا تلک الأحداث من عثمان فلا یتعیّن وجوب الإنکار علی علیّ علیه السّلام،و أمّا حدث قاتلیه فهو قتله.فإن ثبت أنّه علیه السّلام ما أنکر علیهم.قلنا:إنّ من جملة شروط إنکار المنکرات أن یعلم المنکر أو یغلب علی ظنّه قبول قوله،أو تمکّنه من الدفع بیده فلعلّه علیه السّلام علم من حالهم أنّه لا یفید إنکاره معهم.و ظاهر أنّ الأمر کان کذلک:أمّا عدم فائدة إنکاره بالقول معهم فلأنّه نقل عنه علیه السّلام أنّه کان یعد الناس بإصلاح الحال بینهم و بین عثمان و إزالته عمّا نقموه علیه و تکرّر منه وعده لهم بذلک و لم یتمکّن منه،و ظاهر أنّهم بعد تلک المواعید لا یلتفتون إلی قوله،و أمّا إنکاره بیده فمعلوم بالضرورة أنّ الإنسان الواحد أو العشرة لا یمکنهم دفع الجمع العظیم من عوامّ العرب و دعاتهم خصوصا عن طباع ثارت و تألّفت و جمعها أشدّ جامع و هو ما نسبوه إلیه حقّا و باطلا.ثمّ من المحتمل من تفرّقه مال المسلمین الّذی هو

ص:55

قوام حیاتهم سواء کان ما نسبوه إلیه حقّا أم لا أن یکون قد غلب علی ظنّه أنّه لو قام فی نصرته لقتل معه و لا یجوز للإنسان أن یعرض نفسه للأذی و القتل فی دفع بعض المنکرات الجزئیّة.و أمّا إن ثبت أنّه أنکر علیهم کما نقلنا حملنا ذلک النهی علی نهیه لهم حال اجتماعهم لقتله قبل حال قتله،و قوله : و لو نهیت عنه لکنت ناصرا.

علی عدم المنع من قتله حال قتله لعدم تمکّنه من ذلک و عدم إفادة قوله.قال بعض الشارحین:هذا الکلام بظاهره یقتضی أنّه ما أمر بقتله و لا نهی عنه.فیکون دمه عنده فی حکم الامور المباحة الّتی لا یؤمر بها و لا ینهی عنها.قلت:هذا سهو لأنّ التبرّء من الأمر بالشیء و النهی عنه غایة ما یفهم منه عدم الدخول فیه و السکوت عنه و لا یلزم من ذلک الحکم بأنّه من الامور المباحة لاحتمال أنّ اعتزاله هذا الأمر کان لأحد ما ذکرناه.و بالجملة فإنّ أهل التحقیق متّفقون علی أنّ السکوت علی الأمر لا یدلّ علی حال الساکت بمجرّده و إن دلّ بقرینة اخری.

و ممّا یدلّ علی أنّه کان متبرّئا من الدخول فی دم عثمان بأمر أو نهی ما نقل عنه لمّا سئل:أساءک قتل عثمان أم سرّک؟فقال:ما ساءنی و لا سرّنی.و قیل:أرضیت بقتله؟فقال:لم أرض.فقیل:أسخطت قتله.فقال:لم أسخط.و هذا کلّه کلام حقّ یستلزم عدم التعرّض بأمره فإنّ من أعرض عن شیء و لم یدخل فیه یصدق أن یقول:

إنّی لم أسخط به و لم أرض و لم أسأ به و لم أسرّ،فإنّ السخط و الرضا و الإساءة و السرور حالات تتوارد علی النفس بأسباب تتعلّق بها فخالع تلک الأسباب عن نفسه فی أمر من الامور کیف یعرض له أحد هذه الحالات فیه.فإن قلت:إن کان قتل عثمان منکرا کان مستلزما لسخطه علیه السّلام و مساءته منه و قد نقل عنه أنّه لم یسخط له و ذلک یقتضی أحد الأمرین:أحدهما أنّه علیه السّلام لا یسخط للمنکر و هو باطل بالاتّفاق،و الثانی أن قتل عثمان لم یکن عنده منکرا،و التقدیر أنّه منکر.

قلت:إنّ قتل عثمان یستلزم سخطة لکن لا من حیث إنّه قتل عثمان بل من جهة کونه منکرا،و المنقول أنّه لم یسخط لقتل عثمان و لا سائه ذلک أی من جهة کونه قتل عثمان و ذلک لا ینافی أن یسوئه و یسخطه من جهة کونه منکرا.و فی الجواب

ص:56

غموض.فلیتفّطن.و لأجل اشتباه الحال خبط الجهّال.و فیها یقول شاعر أهل الشام:

و ما فی علیّ لمستعتب مقال سوی صحبة المحدثینا

و ایثاره الیوم أهل الذنوب و رفع القصاص عن القاتلینا

إذا سئل عنه حدا شبهة و عمّی الجواب علی السائلینا

و لیس براض و لا ساخط و لا فی النهاة و لا الآمرینا

و لا هو سائه و لا[هو]سرّه و لا بدّ من بعض ذا أن یکونا

فأمّا تفصیل الاعتراضات و الأجوبة فی معنی قتل عثمان و ما نسب إلی علیّ علیه السّلام من ذلک فمبسوط فی کتب المتکلّمین کالقاضی عبد الجبّار و أبی الحسین البصریّ و السیّد المرتضی و غیرهم فلا نطول بذکرها،و ربّما أشرنا إلی شیء من ذلک فیما بعد.

و قوله : غیر أنّ من نصره لا یستطیع.إلی قوله:خیر منّی .فأعلم أنّ هذا الفصل ذکره علیه السّلام جوابا لبعض من أنکر بحضرته قعود من قعد عن نصرة عثمان و جعلهم منشأ الفتنة،و قال:إنّهم لو نصروه و هم أکابر الصحابة لما اجتریء علیه طغام الامّة و جهّالها،و إن کانوا رأوا أنّ قتله و قتاله هو الحقّ فقد کان یتعیّن علیهم أن یعرّفوا الناس ذلک حتّی یرتفع عنهم الشبهة،و فهم علیه السّلام أنّ القائل یعنیه بذلک.فأجابه بهذا الکلام تلویحا لا تصریحا.إذ کان فی محلّ یلزمه التوقّی.فقرّر أوّلا أنّه ما أمر فی ذلک بأمر و لا نهی ثمّ عاد إلی الاستثناء فقرّرها فی هاتین القضیّتین:

إنّ الّذین خذلوه کانوا أفضل من الناصرین له إذ لا یستطیع ناصروه کمروان و أشباهه أن یفضّلوا أنفسهم علی خاذلیه کعلیّ علیه السّلام بزعم المنکر و کطلحة و سائر أکابر الصحابة إذا العقل و العرف یشهد بأفضلیّتهم،و کذلک لا یستطیع الخاذلون أن یفضّلوا الناصرین علی أنفسهم اللّهمّ إلاّ علی سبیل التواضع.و لیس الکلام فیه.فکأنّه علیه السّلام سلّم تسلیم جدل أنّه دخل فی أمر عثمان و کان من الخاذلین له.

ثمّ أخذ فی الردّ علی المنکر بوجه آخر فقال:غیر أنّی لو سلّمت أنّی ممّن خذله

ص:57

لکنّ الخاذلون له أفضل من الناصرین و أثبت المقدّمة بهاتین القضیّتین و حذف التالیة للعلم بها،و تقدیرها:و الأفضل یجب علی من عداه اتّباعه و الاقتداء به، فینتج هذا القیاس أنّه کان یتعیّن علی من نصره أن یتبع من خذله.و هذا عکس اعتقاد المنکر.و قال بعض النقّاد:إنّ هذه کلمة قرشیّة،و أراد بذلک أنّه عمّی علی الناس فی کلامه.قال:و لم یرد التبرّء من أمره.و إنّما أراد أنّ الخاذلین لا یلحقهم المفضولیّة بکونهم خاذلین له،و إنّ الناصرین له لا یلحقهم الأفضلیّة بنصرته.و الّذی ذکره بعید الفهم من هذا الکلام.و یمکن أن یحمل علی وجه آخر و ذلک أنّه إنّما قرّر أفضلیّة الخاذلین علی الناصرین لیسلم هو من التخصیص باللائمة فی القعود عن النصرة فکأنّه قال:و إذا کان الخاذلون له أفضل ممّن نصره.تعیّن علیهم السؤال عن التخلّف،و أن یستشهد علیهم بحال الناصرین له مع کونهم مفضولین.فلم خصّصت باللائمة من بینهم و المطالبة بدمه؟لو لا الأغراض الفاسدة.

و قوله : و أنا جامع لکم أمره.إلی قوله:الأثرة.

أشار علیه السّلام فی هذا اللفظ الوجیز إجمالا إلی أنّ کلّ واحد.من عثمان و قاتلیه کانا علی طرف الإفراط من فضیلة العدالة:أمّا عثمان فاستیثاره و استبداده برأیه فیما الامّة شرکاء فیه و الخروج فی ذلک إلی حدّ الإفراط الّذی فسد معه نظام الخلافة علیه و أدّی إلی قتله،و أمّا قاتلوه فلخروجهم فی الجزع من فعله إلی طرف التفریط عمّا کان ینبغی لهم من التثبّت و انتظار صلاح الحال بینهم و بینه بدون القتل،حتّی استلزم ذلک الجزع ارتکابهم لرذیلة الجور فی قتله.فلذلک کان فعله إساءة للاستیثار، و فعلهم إساءة للجزع،و قیل:أراد أنّکم أسأتم الجزع علیه بعد القتل.و قد کان ینبغی منکم ذلک الجزع له قبل قتله و قوله : و للّه حکم واقع فی المستأثر و الجازع.

المفهوم من ذلک أنّه یرید بالحکم الواقع للّه فی المستأثر هو الحکم المقدّر اللاحق لعثمان بالقتل المکتوب بقلم القضاء الإلهیّ فی اللوح المحفوظ،و فی الجازغ هو الحکم اللاحق لقاتلیه من کونهم قاتلین،أو قالین و جازعین.و فی نسبة هذه الأحکام إلی اللّه تنبیه علی

ص:58

تبرّئه من الدخول فی أمر عثمان و قاتلیه بعد الإشارة إلی السبب المعدّ لوقوعها فی حقّهم و هو الاسائه فی الاستیثار و الجزع،و یحتمل أن یرید الحکم فی الآخرة اللاحق للکلّ:من ثواب أو عقاب عمّا ارتکبه.و باللّه التوفیق و العصمة.

30-و من کلام له علیه السّلام

اشارة

لابن العباس لما أرسله إلی الزبیر یستفیئه إلی طاعته قبل حرب الجمل

لاَ تَلْقَیَنَّ؟طَلْحَةَ؟- فَإِنَّکَ إِنْ تَلْقَهُ تَجِدْهُ کَالثَّوْرِ عَاقِصاً قَرْنَهُ- یَرْکَبُ الصَّعْبَ وَ یَقُولُ هُوَ الذَّلُولُ- وَ لَکِنِ الْقَ؟الزُّبَیْرَ؟ فَإِنَّهُ أَلْیَنُ عَرِیکَةً- فَقُلْ لَهُ یَقُولُ لَکَ ابْنُ خَالِکَ- عَرَفْتَنِی؟بِالْحِجَازِ؟ وَ أَنْکَرْتَنِی؟بِالْعِرَاقِ؟- فَمَا عَدَا مِمَّا بَدَا قال الشریف:أقول:هو أول من سمعت منه هذه الکلمة،أعنی«فما عدا مما بدا»

اللغة

أقول: یستفیئه : أی یسترجعه من فاء إذا رجع.و فی روایة إن تلقه تلقه من الفیئه علی کذا إذا وجدته علیه .و العقص : الاعوجاج،و عقص الثور قرنیه:بالفتح متعدّ،و عقص قرنه:بالکسر لازم .و الصعب : الدابّة الجموح السغبة .و الذلول: السهلة الساکنة .

و العریکة : فعیل بمعنی مفعول و التاء لنقل الاسم من الوصفیّة إلی الاسمیّة الصرفة، و أصل العرک دلک الجلد بالدباغ و غیره .و عدا : جاوز .و بدا : ظهر .

المعنی

استعارة بالکنایة-تشبیه و اعلم أنّه علیه السّلام لمّا نهی ابن عبّاس عن لقاء طلحة بحسب ما رأی فی ذلک من المصلحة نبّهه علی علّة وجه عنه بقوله: فإنّک إن تلقه تجده کذا .و قد شبّهه بالثور، و أشار إلی وجه الشبه بعقص القرن.استعار لفظ القرن و کنّی به عن شجاعته،و لفظ العقص لما یتبع تعاطیه بالقوّة و الشجاعة من منع الجانب و عدم الانقیاد تحت طاعة الغیر اللازم عن الکبر و العجب بالنفس الّذی قد تعرض للشجاع.و وجه الاستعارة الاولی أنّ القرن آلة للثور بها یمنع ما یراد به عن نفسه.و کذلک الشجاعة یلزمها الغلبة و القوّة و منع الجانب.و وجه الاستعارة الثانیة أنّ الثور عند إرادة الخصام یعقص قرنیه

ص:59

أی یرخی رأسه و یعطف قرنیه لیصوّبهما إلی جهة خصمه.و یقارن ذلک منه نفح صادر عن توهّم غلبته لمقاومه و شدّته علیه و أنّه لا قدر له عنده کذلک المشبّه هینها علم منه علیه السّلام أنّه عند لقاء ابن عباس له یکون مانعا جانبه،متهیّئا للقتال،مقابلا للخشونة و عدم الانقیاد له الصادر عن عجبه بنفسه و غروره لشجاعته.فذلک حسن التشبیه،و یحتمل أن یکون وجه الشبه هو التواء طلحة فی آرائه و انحرافه عنه علیه السّلام الشبیه بالتواء القرن.

و هو تشبیه للمعقول بالمحسوس .و یقال:إنّ الکبر الّذی تداخل طلحة لم یکن فیه قبل یوم احد.و إنّما حدث به فی ذلک الیوم و ذلک أنّه أبلی فیه بلاء حسنا.ثم أشار إلی بن عبّاس بلقاء الزبیر،و أشار إلی وجه الرأی فی ذلک،و هو کونه استعارة بالکنایة ألین عریکة ، و یکنّی بالعریکة عن الطبع و الخلق کنایة بالمستعار.فیقال:فلان لیّن العریکة إذا کان سهل الجانب لا یحتاج فیما یراد منه إلی تکلّف و مجاذبة قویّة کالجلد اللیّن الّذی یسهل عرکه.و فلان شدید العریکة:إذا کان بالضدّ بذلک.و ظاهر أنّ الزبیر کان سهل الجانب .فلأجل ذلک أمره بلقائه لما عهد من طبیعته أنّها أقبل للاستدراج،و أقرب إلی الانفعال عن الموعظة،و تذکّر الرحم.و أحسن بهذه الاستماله له بذکر النسب المستلزم تصوّره للمیل و الانعطاف من الطبایع السلیمة:و نحوه قوله تعالی حکایة قول هرون لموسی علیه السّلام «یَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْیَتِی وَ لا بِرَأْسِی» قال یا «ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِی» فإنّ فیه من الاستماله و الاسترقاق بتذکیره حقّ الاخوّة ممّا یدعو إلی عطفه علیه ممّا لم یوجد فی کلام آخر.و أمّا کون علیّ علیه السّلام ابن خال الزبیر فإنّ أبا طالب وصفیّه امّ الزبیر من أولاد عبد المطلب بن هاشم.

و قوله : فما عدا ممّا بدا.

قال ابن أبی الحدید.عدا بمعنی صرف.و من:هینها بمعنی عن.و معنی الکلام فما صرفک عمّا کان بدا منک أی ظهر:أی ما الّذی صدّک عن طاعتی بعد إظهارک لها، و حذف الضمیر المفعول کثیر کقوله تعالی «وَ سْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِکَ» أی أرسلناه.

و قال القطب الراوندی:له معنیان:أحدهما:ما الّذی منعک ممّا کان قد بدا منک من البیعة قبل هذه الحالة،الثانی:ما الّذی عاقک من البداء الّذی یبدو للإنسان،و

ص:60

یکون المفعول الثانی لعدا محذوفا یدلّ علیه الکلام أی ما عداک.یرید ما شغلک و ما منعک عمّا کان بدا لک من نصرتی.

قال ابن أبی الحدید:لیس فی الوجه الثانی ممّا ذکره القطب زیادة علی الوجه الأوّل إلاّ زیادة فاسدة،أمّا أنّه لا زیادة.فلأنّه فسّر عدا فی الوجهین بمعنی منع، و فسّر قوله ممّا کان بدا منک فی الوجهین أیضا بتفسیر واحد.فلم یبق بینهما تفاوت، و أمّا الزیادة الفاسدة فظنّه أنّ عدا یتعدّی إلی مفعولین و هو باطل باجماع النحاة.

و أقول:الوجه الّذی ذکره ابن أبی الحدید هو الوجه الأوّل من الوجهین اللذین ذکرهما الراوندی لأنّ الصرف و المنع لا کثیر تفاوت بینهما و إن کان قد یفهم أنّ المنع أعمّ.و أمّا اعتراضه علیه بأنّه لا فرق بین الوجهین اللّذین ذکرهما فهو سهو.لأنّ معنی بدا فی الوجه الأوّل ما ظهر للناس منک من البیعة لی.و مراده به فی الثانی ما ظهر لک فی الرأی من نصرتی و طاعتی.و فرق بین ما یظهر.من الإنسان لغیره،و بین ما یظهر له من نفسه أو من غیره،و أمّا ما ذکره من أنّه زیادة فاسدة فالأظهر أنّ لفظة الثانی فی قوله المفعول الثانی زیادة من قلمه أو قلم الناسخ سهوا،و یؤیّده إظهاره للمفعول الأوّل تفسیرا لقوله و یکون المفعول لعدا محذوفا.

ثمّ أقول:و هذه الوجوه و إن احتملت أن یکون تفسیرا إلاّ أنّ فی کلّ واحد عدولا عن الظاهر من وجه:أمّا الوجه الّذی ذکره المدائنی فلأنّه لمّا حمل عدا علی حقیقتها و هی المجاوزه،و حمل ما بدا علی الطاعة السابقة.احتاج أن یجعل من بمعنی عن.و هو خلاف الظاهر.و أمّا الراوندی فإنّه فسّر عدا بمعنی منع أو عاق و شغل،و حمل ما بدا علی الطاعة السابقة أو علی البیعة.و لا یتمّ ذلک إلاّ أن یکون من بمعنی عن.

و الحقّ أن یقال:إنّ عدا بمعنی جاوز.و من لبیان الجنس.و المراد ما الّذی جاوز بک عن بیعتی ممّا بدا لک بعدها من الامور الّتی ظهرت لک.و حینئذ یبقی الألفاظ علی أوصاعها الأصلیّة مع استقامة المعنی و حسنه.و روی عن الصادق جعفر بن محمّد علیهما السّلام عن أبیه عن جدّه قال:سألت ابن عباس-رضوان اللّه علیه-عن تلک الرسالة فقال:بعثنی فأتیت الزبیر فقلت له.فقال:إنّی ارید ما یرید.کأنّه یقول:الملک.و لم یزدنی علی

ص:61

ذلک.فرجعت إلی أمیر المؤمنین علیه السّلام فأخبرته.و عن ابن عباس أیضا أنّه قال:قلت الکلمه لزبیر فلم یزدنی علی أن قال:أنا مع الخوف الشدید لنطمع.و سئل ابن عباس عمّا یعنی الزنیر بقوله هذا.فقال:یقول:أنا علی الخوف لنطمع أن نلی من الأمر ما ولّیتم،و قد فسرّ غیره ذلک بتفسیر آخر.فقال:أراد أنا مع الخوف الشدید من اللّه نطمع أن یغفر لنا هذا الذنب.

31-و من خطبة له علیه السّلام

اشارة

أَیُّهَا النَّاسُ- إِنَّا قَدْ أَصْبَحْنَا فِی دَهْرٍ عَنُودٍ وَ زَمَنٍ کَنُودٍ یُعَدُّ فِیهِ الْمُحْسِنُ مُسِیئاً- وَ یَزْدَادُ الظَّالِمُ فِیهِ عُتُوّاً- لاَ نَنْتَفِعُ بِمَا عَلِمْنَا وَ لاَ نَسْأَلُ عَمَّا جَهِلْنَا- وَ لاَ نَتَخَوَّفُ قَارِعَةً حَتَّی تَحُلَّ بِنَا- وَ النَّاسُ عَلَی أَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ- مِنْهُمْ مَنْ لاَ یَمْنَعُهُ الْفَسَادَ فِی الْأَرْضِ- إِلاَّ مَهَانَةُ نَفْسِهِ وَ کَلاَلَةُ حَدِّهِ- وَ نَضِیضُ وَفْرِهِ- وَ مِنْهُمْ الْمُصْلِتُ لِسَیْفِهِ وَ الْمُعْلِنُ بِشَرِّهِ- وَ الْمُجْلِبُ بِخَیْلِهِ وَ رَجِلِهِ- قَدْ أَشْرَطَ نَفْسَهُ وَ أَوْبَقَ دِینَهُ- لِحُطَامٍ یَنْتَهِزُهُ أَوْ مِقْنَبٍ یَقُودُهُ- أَوْ مِنْبَرٍ یَفْرَعُهُ- وَ لَبِئْسَ الْمَتْجَرُ أَنْ تَرَی الدُّنْیَا لِنَفْسِکَ ثَمَناً- وَ مِمَّا لَکَ عِنْدَ اللَّهِ عِوَضاً- وَ مِنْهُمْ مَنْ یَطْلُبُ الدُّنْیَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ- وَ لاَ یَطْلُبُ الْآخِرَةَ بِعَمَلِ الدُّنْیَا- قَدْ طَامَنَ مِنْ شَخْصِهِ- وَ قَارَبَ مِنْ خَطْوِهِ وَ شَمَّرَ مِنْ ثَوْبِهِ- وَ زَخْرَفَ مِنْ نَفْسِهِ لِلْأَمَانَةِ- وَ اتَّخَذَ سِتْرَ اللَّهِ ذَرِیعَةً إِلَی الْمَعْصِیَةِ- وَ مِنْهُمْ مَنْ أَبْعَدَهُ عَنْ طَلَبِ الْمُلْکِ ضُئُولَةُ نَفْسِهِ- وَ انْقِطَاعُ سَبَبِهِ فَقَصَرَتْهُ الْحَالُ عَلَی حَالِهِ- فَتَحَلَّی بِاسْمِ الْقَنَاعَةِ-

ص:62

وَ تَزَیَّنَ بِلِبَاسِ أَهْلِ الزَّهَادَةِ- وَ لَیْسَ مِنْ ذَلِکَ فِی مَرَاحٍ وَ لاَ مَغْدًی- وَ بَقِیَ رِجَالٌ غَضَّ أَبْصَارَهُمْ ذِکْرُ الْمَرْجِعِ- وَ أَرَاقَ دُمُوعَهُمْ خَوْفُ الْمَحْشَرِ- فَهُمْ بَیْنَ شَرِیدٍ نَادٍّ- وَ خَائِفٍ مَقْمُوعٍ وَ سَاکِتٍ مَکْعُومٍ- وَ دَاعٍ مُخْلِصٍ وَ ثَکْلاَنَ مُوجَعٍ- قَدْ أَخْمَلَتْهُمُ التَّقِیَّةُ وَ شَمِلَتْهُمُ الذِّلَّةُ- فَهُمْ فِی بَحْرٍ أُجَاجٍ- أَفْوَاهُهُمْ ضَامِزَةٌ وَ قُلُوبُهُمْ قَرِحَةٌ- قَدْ وَعَظُوا حَتَّی مَلُّوا- وَ قُهِرُوا حَتَّی ذَلُّوا وَ قُتِلُوا حَتَّی قَلُّوا- فَلْتَکُنِ الدُّنْیَا فِی أَعْیُنِکُمْ- أَصْغَرَ مِنْ حُثَالَةِ الْقَرَظِ- وَ قُرَاضَةِ الْجَلَمِ- وَ اتَّعِظُوا بِمَنْ کَانَ قَبْلَکُمْ- قَبْلَ أَنْ یَتَّعِظَ بِکُمْ مَنْ بَعْدَکُمْ- وَ ارْفُضُوهَا ذَمِیمَةً- فَإِنَّهَا قَدْ رَفَضَتْ مَنْ کَانَ أَشْغَفَ بِهَا مِنْکُمْ قال الشریف:أقول:هذه الخطبة ربما نسبها من لا علم له إلی معاویة،و هی من کلام أمیر المؤمنین علیه السّلام الذی لا یشک فیه،و أین الذهب من الرغام،و العذب من الأجاج؟و قد دل علی ذلک الدلیل الخرّیت،و نقده الناقد البصیر عمرو بن بحر الجاحظ،فإنه ذکر هذه الخطبة فی کتاب البیان و التبیین،و ذکر من نسبها إلی معاویة،ثم قال:هی بکلام علی علیه السّلام أشبه و بمذهبه فی تصنیف الناس،و بالإخبار عما هم علیه من القهر و الإذلال،و من التقیة و الخوف-ألیق قال:و متی وجدنا معاویة فی حال من الأحوال یسلک فی کلامه مسلک الزهاد،و مذاهب العباد؟؟!!

اللغة

أقول: عنود : جائر .و کنود : کفور .و العتوّ : الکبر .و القارعة : الخطب العظیم .

و مهانة النفس : حقارتها .و کلّ حدّ السیف و غیره : إذا وقف عن القطع .و نضیض وفره :

ص:63

قلّة ماله .و المصلت بسیفه : الماضی فی الامور بقوّته .و المجلب . المستعین علی الأمر بالجمع .و الرجل : جمع راجل .و أشرط نفسه لکذا : أی أعلمها و أعدّها له .و أوبق دینا:

أی أهلکه .و الحطام : متاع الدنیا،و أصله ما تکسر من الیبس .و الانتهار : الاختلاس و الاستلاب بقدر الامکان .و المقنب بکسر المیم و فتح النون : الجمع من الخیل ما بین الثلاثین إلی الأربعین .و فرع المنبر یفرعه : أی علاه .و طأمن من شخصه : أی خفض، و الاسم الطمأنینة .و شمّر من ذیله : إذا رفعه .و زخرف : أی زیّن و نمّق .و ضؤولة نفسه:

حقارتها . المراح : المکان الّذی یأوی إلیه الماشیة باللیل .و المغدی : هو الّذی یأوی إلیه بالغداة .و الشرید . المشرّد:و هو المطرود .و النادّ : الذاهب علی وجهه .و القمع : الإذلال .

و المکعوم : الّذی لا یمکنه الکلام کأنّه سدّ فوه بالکعام،و هو شیء یجعل فی فم.

البعیر عند الهیاج .و الثکل : الحزن علی فقد بعض المحابّ .و اخملتهم : أی اسقطتهم و أرذلتهم بین الناس .و التقیّة و التقوی : الخوف .و الاجاج : الملح .و الضامز.بالزاء :

الساکتة .و الحثالة الثفل .و القرظ ، ورق السلم یدبغ به .و الجلم : المقراض تجزّ به أوبار الإبل ،و قراضته ما تساقط من قرضه .

المعنی

اشارة

و أعلم أن نسبة الخیر إلی بعض الأزمنة و الشرّ إلی بعض آخر،و تفضیل بعض الأزمنة علی بعض نسبة صحیحة لما أنّ الزمان من الأسباب المعدّه لحصول ما یحصل فی هذا العالم من الامتزاجات و ما یتبعها ممّا یعدّ خیرا أو شرّا.و قد یتفاوت الأزمنة فی الإعداد لقبول الخیر و الشرّ ففی بعضها یکون بحسب الاستقراء ما یعدّ شرا کثیرا فیقال:زمان صعب و زمان جائر.و خصوصا زمان ضعف الدین و النوامیس الشرعیّة الّتی هی سبب نظام العالم و بقاؤه و سبب الحیاة الأبدیّة فی الدار الآخرة، و فی بعضها یکون ما یعدّ خیرا کثیرا فیقال:زمان حسن و زمان عادل،و هو الزمان الّذی یکون أحوال الخلق فیه منتظمة صالحة خصوصا زمان قوّة الدین و ظهوره و بقاء ستر ناموس الشریعة مسدولا.هذا.و إن کنّا إذا اعتبرنا أجزاء الخیر و أجزاء الشرّ الواقعة فی کلّ العالم بحسب کلّ زمان لم یکن هناک کثیر تفاوت بین الأزمنة فیما یعدّ خیرا فیها و شرّا.و لذلک قال أفلاطون:الناس یتوهّمون بکلّ زمان أنّه آخر

ص:64

الأزمنة و یثبتون تقصیرا عمّا تقدّمه و لیس یوفون الزمان الماضی و المقیم حقّیهما من التأمّل.و ذلک أنّهم یقیسون الأحداث فی الزمان المقیم إلی من تناهت سنّه و تجاریبه فی الزمان الماضی،و ینظرون إلی قصور المروّات فی الزمان المقیم و اتّساعها فی الماضی من غیر أن ینظروا إلی الأغراض فی الزمانین و ما یوجبه کلّ واحد منهما.و إذا تتّبع هذا بعدل و استقصی تصریف الزمانین من القوی و الجدات،و الأمن و الخوف،و الأسباب و الأحوال کانا متقاربین.إذا عرفت هذا فتقول:

قوله علیه السّلام إنّا قد أصبحنا.إلی قوله:حتّی تحلّ بنا

قوله علیه السّلام إنّا قد أصبحنا. إلی قوله: حتّی تحلّ بنا.

ذمّ للزمان بوصفی الجور و الشدّة لمّا أعدله ممّا عدّد فیه من الأوصاف المعدودة شرّا بالقیاس إلی نظام العالم و بقائه.و ذکر من تلک الأوصاف خمسة:

أوّلها:أنّه یعدّ فیه المحسن مسیئا .و ذلک من حساب المسیئین الکسالی عن القیام بطاعة اللّه فیعدّون إنفاق المحسن لما له ریاء و سمعة أو خوفا أو رغبه فی مجازاة،و کذلک سایر فضایله رذایل.کلّ ذلک طعنا فی فضیلته و حسدا أن ینال رتبة أعلی.فیلحقونه بدرجاتهم فی الإساءه.

و ثانیها:أنّه یزداد الظالم فیه عتوّا .و ذلک أنّ منشأ الظلم هو النفس الأمّارة بالسوء و هی فی زمان العدل تکون مقهورة دائما أو فی أکثر الأحوال.و ثورانها فی ذلک الوقت طالبة للظلم یکون فلتة و انتهاز فرصة.فالظالم فی زمان العدل إن ظلم أو تجاوز حدّه فکالسارق الّذی لا یأمن فی کلّ لحظة أن یقع به المکروه فکذلک الظالم فی زمن العدل مقموع بحرسة الشریعة مرصود بعیون طلایعها.أمّا فی زمان ضعف الشریعة فالظالم فیه کالناهب معط لقوّته سؤلها،غیر ملتفت إلی وازع الدین فلا جرم کان عتوّه فیه أزید.و قد کان فی زمانه بالنسبة إلی عهد الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلّم کذلک.

و ثالثها :أنّه لا ینتفع أهله فیه بما علموا.و هو توبیخ للمقصّرین فی أعمال الآخرة علی وفق ما علموا من الشریعة ممّا ینبغی أن یعمل لها إذ الانتفاع بالعلم إنّما یکون إذا وافقه العمل،و إلیه الإشارة بقوله علیه السّلام فی موضع آخر :العلم مقرون بالعمل،و العلم یهتف بالعمل فإن أجابه و إلاّ ارتحل .فإنّ المراد بارتحال العلم

ص:65

هو عدم الانتفاع به و بهتفه بالعمل اقتضاؤه ما ینبغی من مقارنه العمل له.

و رابعها :أنّهم لا یسئلون عمّا جهلوا.و هو توبیخ للمقصّرین فی طلب العلم بعدم السؤال عمّا جهلوا منه،و قلّة الالتفات لقصور أفهامهم عن فضیلته،و اشتغالهم بحاضر اللذّات الحسیّة.

و خامسها :کونهم لا یتخوّفون قارعة حتّی تحلّ بهم.و ذلک لعدم فکرهم فی عواقب امورهم و اشتغالهم بحاضرها عن الالتفات إلی مصالحهم و تدبیرها و هو توبیخ للمقصّرین فی أمر الجهاد و تنبیه لهم بذکر القارعة و حلولها بهم.و کلّ هذه امور مضادّة لمصلحة العالم.فلذلک عدّ الزمان الواقعة فیه عنودا و شدیدا .

قوله:فالناس علی أربعة أصناف.إلی قوله:قلّوا.

اشارة

قوله: فالناس علی أربعة أصناف.إلی قوله:قلّوا .

أقول:وجه هذه القسمة أنّ الناس إمّا مریدون للدنیا أو للّه.و المریدون لها فإمّا قادرون علیها أو غیر قادرین.و غیر القادرین إمّا غیر محتالین لها،أو محتالون.

و المحتالون إمّا أن یؤهّلوا نفوسهم للإمرة و الملک،أو لما هو دون ذلک.فهذه أقسام خمسة مطابقة لما ذکره علیه السّلام من الأوصاف الأربعة الّذین عرضهم للذمّ مع الصنف الخامس الّذین أفردهم بالمدح .

فالصنف الأوّل.فهم المریدون للدنیا القادرون علیها

المشار إلیه فی القسم الثانی من قسمته کنایة بقوله: و منهم المصلت لسیفه و المعلن بشرّة.إلی قوله:یفرعه .و المقصود بهذا الصنف القادرون علی الدنیا المطلقون لعنان الشهوة و الغضب فی تحصیل ما یتخیّل کمالا من القینات الدنیویّة.فإصلات السیف کنایة عن التغلّب و تناول ما أمکن تناوله بالغلبة و القهر و إعلان الشرّ و المجاهرة بالظلم و غیره من رذائل الأخلاق.و الإجلاب بالخیل و الرجل کنایة عن جمع أسباب الظلم و الغلبة و الاستعلاء علی الغیر .و إشراط نفسه:تأهیلها و إعدادها للفساد فی الأرض.و ظاهر أنّ من کان کذلک فقد أوبق دینه و أفسده استعارة و قوله: لحطام ینتهزه أو مقنب یقوده أو منبر یفرعه.

إشارة إلی بعض العلل الغائیّة للصنف المذکور من کونهم بالأوصاف المذکورة.

و استعار لفظ الحطام للمال.و وجه المشابهة أنّ الیبس من النبات کما أنّه لا نفع له

ص:66

بالقیاس إلی ما یبقی خضرته و نضارته أو یکون ذا ثمرة کذلک المال بالنسبة إلی الأعمال الصالحة الباقی نفعها فی الآخرة،و إنّما خصّ هذه الامور الثلاثة لأنّها الأغلب فیما یسعی أهل الدنیا لأجله إذ الغالب أنّ السعی فیها إمّا لجمع المال أو لریاسة دنیویّة باقتناء الخیل و النعم،أو دینیّة کافتراع المنابر و الترأس بناموس الدین مع قصد الدنیا.

استعارة و قوله : و لبئس المتجر. إلی آخره.

تنبیه لهذا الصنف من الناس علی خسرانهم فی أفعالهم الشبیهة بالتجارة الخاسرة فإنّ طالب الدنیا المحصّل لها کیف ما اتّفق هالک فی الآخرة.فهو کالبائع لها بما حصل له من دنیاه،و المعتاض بما له عند اللّه من الأجر الجزیل لو أطاعه حطاما تفنی عینه و تبقی تبعته.و لذلک استعار لفظ التجارة لها .

الصنف الثانی:و هم المریدون لها غیر القادرین علیها و غیر المحتالین لها

و هو المشار إلیه بقوله: منهم من لا یمنعه من الفساد[فی الأرض]إلاّ مهانة نفسه و کلالة حدّه و نضیض وفره . کنایة و کنّی بقوله: کلالة حدّه .عن عدم صراحته فی الامور و ضعفه عنها.و ظاهر أنّ المرید للدنیا المعرض عن اللّه لو خلّی عن الموانع المذکورة و وجد الدنیا لم یکن سعیه فیها إلاّ فسادا .

الصنف الثالث:الغیر القادرین علی الدنیا مع احتیالهم لها و إعداد أنفسهم لامور

دون الملک

و هو المشار إلیه بقوله: و منهم من یطلب الدنیا بعمل الآخرة و لا یطلب الآخرة بعمل الدنیا .إلی آخره.

و قوله: یطلب الدنیا بعمل الآخرة إشارة إلی الحیلة للدنیا کالریاء و السمعة.

و قوله: و لا یطلب الآخرة الدنیا إشارة إلی أنّه مرید للدنیا فقط.

قوله :قد طأمن من شخصه .إلی آخره.

تفصیل لکیفیّة الحیلة فإنّ خضوع الإنسان و تطأمن شخصه و المقاربة بین خطوه و تشمیر ثوبه و زخرفته لنفسه بما هو شعار الصالحین من عباد اللّه و ستر اللّه الّذی حمی به أهل التقوی أن یردوا موارد الهلکة یقع من صنف من الناس التماسا لدخولهم فی عیون أهل الدنیا و أرباب أهل القینات لیسکنوا إلیهم فی الأمانات و نحوها و یجعلون

ص:67

ذلک ذریعة لهم إلی ما أمّلوه من الدنیا الفانیة فیکونون قد اتّخذوا ستر اللّه و ظاهر دینه وسیلة إلی معصیته .

الصنف الرابع:الغیر القادرین علیها المحتالون لها المؤهّلون أنفسهم للملک

و الإمرة

،و هم المشار إلیهم بقوله:

و منهم من أقعدهم عن طلب الملک ضؤولة نفسه .إلی آخره.و ذکر من موانع هذا الصنف عمّا رامه مانعین:أحدهما ضؤولة نفسه و قصورها عن المناواة و تخیّلها العجز عن طلب الملک و إن کان مطلوبا له،الثانی سبب ذلک الضعف و هو انقطاع سببه من قلّة المال و عدم الأعوان و الأنصار فی الطلب.فلذلک وقفت به حال القدر علی حالته الّتی لم یبلغ معها ما أراد،و قصّرته علیها.فعدل لذلک إلی الحیلة الجاذبة لرغبات الخلق إلیه من التحلّی بالقناعة و التزیّن بلباس أهل الزهادة من المواظبة علی العبادات و لزوم ظواهر أوامر اللّه و إن لم یکن ذلک عن أصل و اعتقاد قاده إلیه.

و قوله : و لیس[هو]من ذلک فی مراح و لا مغدی .کنایة عن أنّه لیس من القناعة و الزهد فی شیء أصلا،و یحتمل أن یکون هذا الصنف من غیر القادرین و غیر المحتالین.

الصنف الخامس:و هم المریدون للّه تعالی

و هم المشار إلیهم بقوله علیه السّلام:و بقی رجال .إلی آخره.و ذکر لهم أوصافا:

الأوّل:کونهم قد غضّ أبصارهم ذکر المرجع .و ذلک أنّ المرید للّه إذا التفت إلی جنابه المقدّس و استحضر أنّه راجع إلیه بل مایل بین یدیه.فلا بدّ أن یعرض عن غیره حیاء منه و ابتهاجا بمطالعة أنواره و خوفا أن یحمّج به بصره عن صعود مراتب الأملاک إلی مهاوی الهلاک،و لأنّ الحسّ تابع للقلب فإذا کان بصر القلب مشغولا غریقا فی جلال اللّه کان مستتبعا للحسّ فلم یکن له التفات من طریقه إلی أمر آخر.

و هو المراد بالغضّ.

الثانی:کونهم قد أراق دموعهم خوف المحشر.

و اعلم أنّ خوف الخائفین قد یکون لامور مکروهة لذاتها،و قد یکون لامور

ص:68

مکروهة لأدائها إلی ما هو مکروه لذاته،و أقسام القسم الثانی کثیرة کخوف الموت قبل التوبة،أو خوف نقض القربة،أو خوف الانحراف عن القصد فی عبادة اللّه،أو خوف استیلاء القوی الشهوانیّة بحسب مجری العادة فی استعمال الشهوات المألوفة،أو خوف تبعات الناس عنده،أو خوف سوء الخاتمة،أو خوف سبق الشقاوة فی علم اللّه تعالی.و کلّ هذه و نحوها مخاوف عباد اللّه الصالحین.و أغلبها علی قلوب المتّقین خوف الخاتمة فإنّ الأمر فیه خطر،و أعلی الأقسام و أدّلها علی کمال المعرفة خوف السابقة لکون الخاتمة تبعا لها و مظهرة لما سبق فی اللوح المحفوظ.و قد مثّل من له خوف السابقة و من له خوف الخاتمة برجلین وقع لهما ملک بتوقیع یحتمل أن یکون لهما فیه غناء أو هلاک فتعلّق قلب أحدهما بحال نشر التوقیع و ما یظهر فیه من خیر أو شرّ،و تعلّق قلب الآخر بما خطر للملک حالة التوقیع من رحمة أو غضب.و هذا التفات إلی السبب.فکان أعلی.فکذلک الالتفات إلی القضاء الأزلیّ الّذی جری بتوقیعه القلم الإلهیّ فی اللوح المحفوظ أعلی من الالتفات إلی الأبد.و إلی ذلک أشار الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلّم حیث کان علی المنبر فقبض کفّه الیمنی ثمّ قال:هذا کتاب اللّه کتب فیه أهل الجنّة بأسمائهم و أسماء آبائهم لا یزاد فیه و لا ینقض.

و لیعمل أهل السعادة بعمل أهل الشقاوة حتّی یقال:کأنّهم منهم بل هم ثمّ یستخرجهم (یستنقذهم خ)اللّه قبل الموت و لو بفواق ناقة،و لیعمل أهل الشقاوة بعمل أهل السعادة حتّی یقال:کأنّهم منهم بل هم هم ثمّ یستخرجهم اللّه قبل الموت و لو بفواق ناقة.السعید من سعد بقضاء اللّه،و الشقیّ من شقی بقضاء اللّه،و الأعمال بالخواتیم.و أمّا أقسام القسم الأوّل فمثل أن یتمثّل فی نفوسهم ما هو المکروه لذاته کسکرات الموت و شدّته،أو سؤال منکر و نکیر،أو عذاب القبر،أو هول الموقف بین یدی اللّه تعالی و الحیاء من کشف السرّ و السؤال عن النقیر و القطمیر،أو الخوف من الصراط و حدّته و کیفیّة العبور علیه،أو من النار و أغلالها و أحوالها،أو من حرمان الجنّة،أو من نقصان الدرجات فیها،أو خوف الحجاب من اللّه تعالی.و کلّ هذه الأسباب مکروهة فی نفسها و مختلف حال السالکین إلی اللّه فیها،و أعلاها رتبة خوف الفراق و الحجاب عن اللّه تعالی و هو خوف العارفین،و ما قبل ذلک و هو خوف العابدین و الصالحین و الزاهدین و من لم تکمل معرفته بعد.

ص:69

إذا عرفت ذلک فنقول:الخوف الّذی أشار إلیه علیه السّلام من هذا القسم إذ خوف المحشر یشمل ما ذکرناه من أقسامه.

الثالث:کونهم بین شرید نادّ .أی مشرّد فی البلاد مطرود إمّا لکثرة إنکاره المنکر أو لقلّة صبره علی مشاهدة المنکر استعارة ،و خائف مقموع و ساکت مکعوم :أی کأنّ التقیّة سدّت فاه عن الکلام.و هو من باب الاستعارة ،وداع مخلص للّه و ثکلان موجع إمّا لمصابه فی الدین أو من کثرة أذی الظالمین.و هذا تفصیل حال آحاد المتّقین، و یحتمل أن یکون ذلک تفصیلا لحالهم بالنسبة إلی خوف المحشر أی أنّ خوف المحشر أراق دموعهم و فعل بکلّ واحد منهم ما ذکر عنه من الحالة الّتی هو علیها .

الرابع:کونهم قد أخملتهم التقیّة :أی تقیّة الظالمین و هو تأکید لما سبق .

الخامس:کونهم قد شملتهم الذلّة :أی بسبب التقیّة .

السادس: استعارة کونهم فی بحر اجاج ،و استعار لفظ البحر بوصف الاجاج لما فیه من أحوال الدنیا الباطلة.و وجه المشابهة أنّ الدنیا کما لا تصلح للاقتناء و الاستمتاع بها بل یکون سببا للعذاب فی الآخرة کذلک البحر لا یمکن سابحه و إن بلغ به جهد العطش مبلغه شربه و التروّی به .

و قوله: أفواههم ضامرة و قلوبهم قرحة.

أی إنّهم لمّا فطموا أنفسهم عن لذّاتها و مخالطة أهلها فیما هم فیه من الانهماک فیها لا جرم کانت أفواههم ضامرة لکثرة صیامهم بعیدة العهد بالمضغ،و قلوبهم قرحة جوعا أو خوفا من اللّه أو عطشا إلی رحمته و رضوانه أو لما یشاهدونه من کثرة المنکرات و عدم تمکّنهم من إنکارها.و من روی ضامزة بالزای المعجمة أراد سکوتهم و قلّة کلامهم.

السابع:کونهم قد وعظوا حتّی ملّوا:

أی ملّوا وعظ الخلق لعدم نفعه فیهم.

الثامن:کونهم قد قهروا حتّی ذلّوا.

التاسع: مجاز در اسناد کونهم قد قتلوا حتّی قلّوا :أی قتلهم الظالمون لعدم سلکهم فی انتظامهم فان قلت:کیف یقال قتلوا مع بقائهم.قلت:إسناد الفعل إلی الکلّ لوجود القتل فی

ص:70

البعض مجازا من باب إسناد حکم الجزء إلی الکلّ،و لأنّ الکلّ لمّا کان مقصودا بالقتل کان کونهم مقتولین علّة غائیّة فجاز إسناد القتل إلیهم و إن کان المقتول بعضهم .

و قوله:فلتکن الدنیا فی أعینکم.إلی آخره

و قوله: فلتکن الدنیا فی أعینکم .إلی آخره.

أمر للسامعین باستصغار الدنیا و احتقارها إلی حدّ لا یکون فی أعینهم ما هو أحقر منها فإنّ حثالة القرظ و قراضة الجلم فی غایة الحقارة،و المراد من هذا الأمر.

و غایته الترک لها فإنّ استحقار الشیء و استصغاره یستتبع ترکه و الإعراض عنه،ثمّ أمرهم بالاتّعاظ بالامم السابقة فإنّ فی الماضین عبرة لاولی الأبصار،و محلّ الاعتبار ما کانوا فیه من نعیم الدنیا و لذّاتها و المباهاة بکثرة قیناتها ثمّ مفارقتهم لذلک کلّه بالموت و بقاء الحسرة و الندامة للمستکثرین منها حجبا حایلة بینهم و بین الوصول إلی حضرة جلال اللّه ،و نبّههم بقوله: قبل أن یتّعظ بکم من بعدکم .علی أنّهم مضطرّون إلی مفارقة ما هم فیه و سیصیرون عبرة لغیرهم،و فایدة الأمر بالاتّعاظ أیضا الإعراض عنها و الاقلاع و الاغترار بها ،ثمّ لمّا أمرهم بهذه الأوامر الّتی لیست صریحة فی الترک أردف ذلک بالأمر الصریح بالترک فقال :و ارفضوها ذمیمة :أی أترکوا ما حاله الحقارة و الذمامة،ثمّ نبّه بعده علی ما یصلح علّة لترکها و هو عدم دوام صحبتها و ثباتها لمن کان أحبّ منهم لها:أی و لو دام سرورها و نعیمها لأحد لدام لأحبّ الخلق لها و أحرصهم علی المحافظة علیها فلمّا لم تدم لمن هو أشدّ حبّا لها منکم فبالأولی أن لا تدوم لکم،و إذا کان طباعها رفض کلّ محبّ فالأحری بذی المروّة اللبیب الترفّع و الإعراض عمّن لا تدوم صحبته و لا تصفو محبّته.و باللّه التوفیق.

32-و من خطبة له علیه السّلام

اشارة

عند خروجه لقتال أهل البصرة

قال عبد اللّه بن العباس:دخلت علی أمیر المؤمنین علیه السّلام بذی قار و هو یخصف نعله فقال لی:ما قیمة هذه النعل؟فقلت:لا قیمة لها.فقال

ص:71

علیه السّلام:و اللّه لهی أحب إلی من إمرتکم إلا أن أقیم حقا،أو أدفع باطلا، ثم خرج فحطب الناس فقال:- إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ؟مُحَمَّداً ص؟- وَ لَیْسَ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ یَقْرَأُ کِتَاباً وَ لاَ یَدَّعِی نُبُوَّةً- فَسَاقَ النَّاسَ حَتَّی بَوَّأَهُمْ مَحَلَّتَهُمْ- وَ بَلَّغَهُمْ مَنْجَاتَهُمْ- فَاسْتَقَامَتْ قَنَاتُهُمْ وَ اطْمَأَنَّتْ صَفَاتُهُمْ- أَمَا وَ اللَّهِ إِنْ کُنْتُ لَفِی سَاقَتِهَا- حَتَّی وَلَّتْ بِحَذَافِیرِهَا مَا ضَعُفْتُ وَ لاَ جَبُنْتُ- وَ إِنَّ مَسِیرِی هَذَا لِمِثْلِهَا- فَلَأَنْقُبَنَّ الْبَاطِلَ حَتَّی یَخْرُجَ الْحَقُّ مِنْ جَنْبِهِ- مَا لِی وَ؟لِقُرَیْشٍ؟- وَ اللَّهِ لَقَدْ قَاتَلْتُهُمْ کَافِرِینَ- وَ لَأُقَاتِلَنَّهُمْ مَفْتُونِینَ- وَ إِنِّی لَصَاحِبُهُمْ بِالْأَمْسِ کَمَا أَنَا صَاحِبُهُمُ الْیَوْمَ

اللغة

أقول: ذوقار : موضع قریب من البصرة،و هو الموضع الّذی نصرت فیه العرب علی الفرس قبل الإسلام .و یخصف نعله : أی یخرزها .و بوّأهم : أسکنهم .و المخلّة:

المنزلة .و المنجاة : موضع النجاة .و القناة : الرمج،و عمود الظهر المنتظم للفقار .

و الصفاة : الحجر الأملس المنبسط .و الساقة : جمع سائق .و تولّت بحذافیرها : أی بأسرها .

و البقر : الشقّ .

المعنی

اشارة

و اعلم أنّه علیه السّلام قدّم لنفسه مقدّمة من الکلام أشار فیها إلی فضیلة الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلّم فی مبعثه و هو سوقه للخلق إلی الدین الحقّ لیبنی علیها فضیلة نفسه.و کانت غایته من ذلک توبیخ من خرج من قریش و الاستعداد علیهم .

فقوله:إنّ اللّه بعث محمّدا.إلی قوله:صفاتهم.

فقوله: إنّ اللّه بعث محمّدا.إلی قوله:صفاتهم.

صدر الکلام.أشار فیه إلی فضیلة الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلّم.و الواوان الداخلتان علی حرفی النفی للحال.فإن قلت:کیف یجوز أن یقال إنّه لم یکن أحد من العرب فی ذلک

ص:72

الوقت یقرأ کتابا و کانت الیهود یقرءون التوراة و النصاری الإنجیل.قلت:إنّ الکتاب الّذی تدعیّه الیهود و تسمیّه فی ذلک الوقت التوراة لیس هو الکتاب الّذی انزل علی.موسی علیه السّلام فإنّهم کانوا حرّفوه و بدلوه فصار کتابا آخر بدلیل قوله تعالی «قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْکِتابَ الَّذِی جاءَ بِهِ مُوسی نُوراً وَ هُدیً لِلنّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِیسَ تُبْدُونَها وَ تُخْفُونَ کَثِیراً» (1)و ظاهر أنّه من حیث هو مبدّل و محرّف لیس هو المنزّل علی موسی علیه السّلام،و أمّا الکتاب الّذی تدّعی النصاری بقاءه فی أیدیهم فغیر معتمد علی نقلهم فیه لکونهم کفّارا بسبب القول بالتثلیث،و أمّا النافون للتثلیث فهم فی غایة القلّة فلا یفید قولهم:إنّ ما فی أیدیهم هو إنجیل عیسی.علم فإذن لا یکون المقرّ و لهم حال مبعث محمّد صلی اللّه علیه و آله و سلّم کتابا هو من عند اللّه.سلّمناه لکن یحتمل أن یرید بالعرب جمهورهم فإنّ أکثرهم لم یکن له دین و لا کتاب و إنّما کان بعضهم یتمسّک بآثار من شریعة إسماعیل و بعضهم برسوم لهم .

و قوله:فساق الناس حتّی بوّأهم محلّتهم

و قوله: فساق الناس حتّی بوّأهم محلّتهم .

الإشارة بسوقه لهم إلی سوقه العقلیّ لأذهانهم بحسب المعجزات إلی تصدیقه فیما جاء به بحسب ما جاءهم من القرآن الکریم و السنّة النبویّة و إلی معرفة سبیل اللّه،ثمّ بحسب الترغیب لبعضهم و الترهیب للبعض إلی سلوک تلک السبیل.فأصبحوا و قد تبوّؤوا محلّتهم:أی منزلتهم و مرتبتهم الّتی خلقوا لأجلها،و کانت هی مطلوب العنایة الأزلیّة بوجودهم فی هذا الدار و هی لزوم القصد فی سبیل اللّه المسمّی إسلاما و دینا و إیمانا و هو فی الحقیقة المنجاة الّتی لا خوف علی سالکها و لا سلامة للمنحرف عنها،و ذلک معنی قوله: و بلّغهم منجاتهم.

و قوله:و استقامت قناتهم.

مجاز من باب إطلاق اسم السبب علی المسبّب و قوله: و استقامت قناتهم.

و المراد بالقناة:القوّة و الغلبة و الدولة الّتی حصلت لهم مجازا و هو من باب إطلاق اسم السبب علی المسبّب فإنّ الرمح أو الظهر سبب للقوّة و الشدّة،و معنی إسناد الاستقامة إلیها انتظام قهرهم و دولتهم.

ص:73


1- 1) 6-91

و قوله:و اطمأنّت صفاتهم.

استعارة و قوله: و اطمأنّت صفاتهم.

استعارة للفظ الصفاة لحالهم الّتی کانوا علیها،و وجه المشابهة أنّهم کانوا قبل الإسلام فی مواطنهم و علی أحوالهم متزلزلین لا یقرّ بعضهم بعضا فی موطن و لا علی حال بل کانوا أبدا فی الغارة و النهب و الجلاء.فکانوا کالواقف علی حجر أملس متزلزل مضطرب.فاطمأنّت أحوالهم و سکنوا فی مواطنهم.کلّ ذلک بسبب مقدم محمّد صلی اللّه علیه و آله و سلّم .

و قوله:أمّا و اللّه إن کنت لفی ساقتها.إلی قوله:و لا جبنت.

و قوله: أمّا و اللّه إن کنت لفی ساقتها. إلی قوله: و لا جبنت.

تقریر لفضیلته.فأثبت لنفسه أنّه کان من ساقتها إلی أن تولّت بأسرها من غیر عجز اعتراه و لا جبن،و الضمیر فی ساقتها لکتائب الحرب و إن لم یجر لها ذکر صریح بل ما یحصل منه معنی الذکر و هو الناس فکأنّه قال:فساق الناس و هم یومئذ کتائب علیه فکنت فی ساقتها حتّی تولّت تلک الکتائب بأسرها لم یبق منها من یغالبه، و قد علمت أنّ السوق قد یکون سوق طرد و هزیمة،و الأوّل هو غایته علیه السّلام من السوق الثانی إذ لم یکن مقصوده من حروبه إلاّ السوق إلی الدین،و لمّا لم یمکن حصول الهدایة للخلق إلاّ بوجود النبیّ صلی اللّه علیه و آله و سلّم،و إیضاح سبیل الحقّ کان ذبّه و طرده الکتائب حتّی تولّت بحذافیرها حمایة عن النبیّ صلی اللّه علیه و آله و سلّم و عن حوزة الدین أمرا واجبا لا لذاته لکن لغرض تمام الهدی الّذی هو غایة وجود النبیّ صلی اللّه علیه و آله و سلّم.

و قوله:ما عجزتما ضعفت خو لا جبنت.

و قوله: ما عجزت[ما ضعفت خ]و لا جبنت.

تمام لإثبات الفضیلة المذکورة له،و تقریر لما علم من شجاعته،و تأکید لعدم العجز و الجبن الّذی هو طرف التفریط من فضیلة الشجاعة .

و قوله:و إنّ مسیری هذا لمثلها.

و قوله: و إنّ مسیری هذا لمثلها.

أی لمثل تلک الحال الّتی کنت علیها معهم زمان کفرهم من سوق کتائبهم و طردها من غیر جبن و لا ضعف.و هو فی معنی التهدید الّذی عساه أن یبلغ خصومه و تقوی به نفوس أولیائه، استعارة و کذلک قوله:و لأبقرنّ الباطل حتّی أخرج الحقّ من خاصرته.

أیضا فی معنی التهدید،و تنبیه علی ما علیه خصومه من الباطل.و استعار هنا لفظ الخاصرة للباطل و البقر لتفریق الباطل و تمییز الحقّ منه تشبیها له فی استتار الحقّ فیه و عدم

ص:74

تمییزه منه بحیوان ابتلع جوهرا ثمینا أعزّ منه قیمة و أتمّ فایدة فاحتیج إلی شقّ بطنه فی استخلاص ما ابتلع .

و قوله:ما لی و لقریش.

استفهام علی سبیل الإنکار و قوله: مالی و لقریش.

استفهام علی سبیل الإنکار لما بینه و بینهم ممّا یوجب الاختلاف و جحد فضیلته، و حسم لاعذار هم فی حربه.

و قوله:و اللّه لقد قاتلتهم کافرین .

و قوله: و اللّه لقد قاتلتهم کافرین.

إظهار للمنّة علیهم بسوقه لهم إلی الدین أوّلا و تعییر لهم بما کانوا علیه من الکفر لیعترفوا بفضیلته و نعمة اللّه علیهم به و لیخجلوا من مقابلته بالباطل و هو إظهار الإنکار علیه إذ کانوا أولی باتیان المنکر منه و هو أولی بردّهم عنه آخرا کما کان أوّلا.و کذلک قوله: و قاتلتهم مفتونین .علی أحد الروایتین،و أمّا علی روایة و لاقاتلنّهم مفتونین فهو تهدید بأن یوقع بهم القتال علی فتنتهم و ضلالتهم علی الدین.و کافرین و مفتونین نصبا علی الحال،و فی ذکر هذین الحالین تنبیه علی علّة قتاله لهم فی الحالتین و هو طلبه لاستقامتهم علی الدین و رجوعهم إلی الحقّ عن الضلال و إغراء السامعین بهم .

و قوله:و إنّی لصاحبهم بالأمس کما أنا صاحبهم الیوم.

و قوله: و إنّی لصاحبهم بالأمس کما أنا صاحبهم الیوم.

إشارة إلی أنّه لم تتغیّر حالته الّتی بها قاتلهم کافرین،و فائدته تذکیر الخصم الان بابتلاء الکفّار به فی ذلک الوقت لیتقهقروا عن محاربته إذ فی تذکّر وقایعه فی بدو الإسلام و شدّة بأسه ما تطیر منه القلوب و تقشعرّ منه الجلود.و قد نقلت فی تمام هذه الخطبة فی بعض النسخ:

لتضجّ قریش ضجیجها إن تکن فینا النبوّة و الخلافة،و اللّه ما أتینا إلیهم إلاّ أنّا اجترأنا علیهم.

و ذلک إشارة إلی السبب الأصلیّ لخروج طلحة و الزبیر و غیرهما من قریش علیه.

و هو الحسد و المنافسة إن تکن الخلافة و النبوّة فی بنی هاشم دونهم. کنایة و الضجیج :الصراح القوّی.و هو کنایة عن أشد مخاصماتهم و منافراتهم معه علی هذا الأمر.

و قوله:و اللّه ما آتینا.إلی آخره

و قوله: و اللّه ما آتینا .إلی آخره.

ص:75

تأکید لما نسبه إلیهم من سبب الخروج بالقسم البارّ علی أنّه لم یکن الباعث لهم علی قتاله أو علی حسده و البغی علیه أمرا من قبله سوی الاجتراء علیهم أی الشجاعة و الإقدام علیهم فی منعهم عمّا یریدون من قول أو فعل لا تسوّغه الشریعة فإنّه لمّا لم یکن ذلک فی الحقیقة إساءة فی حقّهم یستحقّ بها المکافاة منهم بل إحسان و ردع عن سلوک طرق الضلال تعیّن أنّ السبب فی الخروج علیه و نکث بیعته هو الحسد و المنافسة و باللّه التوفیق.

33-و من خطبة له علیه السّلام

اشارة

فی استنفار الناس إلی أهل الشام

أُفٍّ لَکُمْ لَقَدْ سَئِمْتُ عِتَابَکُمْ- «أَ رَضِیتُمْ بِالْحَیاةِ الدُّنْیا مِنَ الْآخِرَةِ» عِوَضاً- وَ بِالذُّلِّ مِنَ الْعِزِّ خَلَفاً- إِذَا دَعَوْتُکُمْ إِلَی جِهَادِ عَدُوِّکُمْ دَارَتْ أَعْیُنُکُمْ- کَأَنَّکُمْ مِنَ الْمَوْتِ فِی غَمْرَةٍ- وَ مِنَ الذُّهُولِ فِی سَکْرَةٍ- یُرْتَجُ عَلَیْکُمْ حَوَارِی فَتَعْمَهُونَ- فَکَأَنَّ قُلُوبَکُمْ مَأْلُوسَةٌ فَأَنْتُمْ لاَ تَعْقِلُونَ- مَا أَنْتُمْ لِی بِثِقَةٍ سَجِیسَ اللَّیَالِی- وَ مَا أَنْتُمْ بِرُکْنٍ یُمَالُ بِکُمْ- وَ لاَ زَوَافِرُ عِزٍّ یُفْتَقَرُ إِلَیْکُمْ- مَا أَنْتُمْ إِلاَّ کَإِبِلٍ ضَلَّ رُعَاتُهَا- فَکُلَّمَا جُمِعَتْ مِنْ جَانِبٍ انْتَشَرَتْ مِنْ آخَرَ- لَبِئْسَ لَعَمْرُ اللَّهِ سُعْرُ نَارِ الْحَرْبِ أَنْتُمْ- تُکَادُونَ وَ لاَ تَکِیدُونَ- وَ تُنْتَقَصُ أَطْرَافُکُمْ فَلاَ تَمْتَعِضُونَ- لاَ یُنَامُ عَنْکُمْ وَ أَنْتُمْ فِی غَفْلَةٍ سَاهُونَ- غُلِبَ وَ اللَّهِ الْمُتَخَاذِلُونَ- وَ ایْمُ اللَّهِ- إِنِّی لَأَظُنُّ بِکُمْ أَنْ لَوْ حَمِسَ الْوَغَی- وَ اسْتَحَرَّ الْمَوْتُ- قَدِ انْفَرَجْتُمْ عَنِ؟ابْنِ أَبِی طَالِبٍ؟ انْفِرَاجَ الرَّأْسِ- وَ اللَّهِ إِنَّ امْرَأً یُمَکِّنُ

ص:76

عَدُوَّهُ مِنْ نَفْسِهِ- یَعْرُقُ لَحْمَهُ وَ یَهْشِمُ عَظْمَهُ- وَ یَفْرِی جِلْدَهُ لَعَظِیمٌ عَجْزُهُ- ضَعِیفٌ مَا ضُمَّتْ عَلَیْهِ جَوَانِحُ صَدْرِهِ- أَنْتَ فَکُنْ ذَاکَ إِنْ شِئْتَ- فَأَمَّا أَنَا فَوَاللَّهِ دُونَ أَنْ أُعْطِیَ ذَلِکَ ضَرْبٌ بِالْمَشْرَفِیَّةِ- تَطِیرُ مِنْهُ فَرَاشُ الْهَامِ- وَ تَطِیحُ السَّوَاعِدُ وَ الْأَقْدَامُ- «وَ یَفْعَلُ اللّهُ» بَعْدَ ذَلِکَ «ما یَشاءُ» أَیُّهَا النَّاسُ- إِنَّ لِی عَلَیْکُمْ حَقّاً وَ لَکُمْ عَلَیَّ حَقٌّ- فَأَمَّا حَقُّکُمْ عَلَیَّ فَالنَّصِیحَةُ لَکُمْ- وَ تَوْفِیرُ فَیْئِکُمْ عَلَیْکُمْ- وَ تَعْلِیمُکُمْ کَیْلاَ تَجْهَلُوا وَ تَأْدِیبُکُمْ کَیْمَا تَعْلَمُوا- وَ أَمَّا حَقِّی عَلَیْکُمْ فَالْوَفَاءُ بِالْبَیْعَةِ- وَ النَّصِیحَةُ فِی الْمَشْهَدِ وَ الْمَغِیبِ- وَ الْإِجَابَةُ حِینَ أَدْعُوکُمْ وَ الطَّاعَةُ حِینَ آمُرُکُمْ أقول:روی أنّه علیه السّلام خطب بهذه الخطبة بعد فراغه من أمر الخوارج و قد کان قام بالنهروان فحمد اللّه و أثنی علیه و قال:أمّا بعد فإنّ اللّه تعالی قد أحسن بنا نصرتکم فتوجّهوا من فورکم هذا إلی عدوّکم من أهل الشام.فقالوا له:قد نفدت نبالنا و کلّت سیوفنا ارجع بنا إلی مصرنا لنصلح عدّتنا،و لعلّ أمیر المؤمنین یزید فی عددنا مثل من هلک منّا لنستعین به.فأجابهم «یا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِی کَتَبَ اللّهُ لَکُمْ وَ لا تَرْتَدُّوا عَلی أَدْبارِکُمْ» (1)الآیة فتلکّؤوا علیه و قالوا:إنّ البرد شدید.فقال:إنّهم یجدون البرد کما تجدون افّ لکم ثمّ تلا قوله تعالی «قالُوا یا مُوسی إِنَّ فِیها قَوْماً جَبّارِینَ» (2)الآیة.فقام منهم ناس و اعتذروا بکثرة الجراح فی الناس و طلبوا أن یرجع بهم إلی الکوفة أیّاما.ثمّ یخرج بهم.فرجع بهم غیر راض و أنزلهم نخیلة.و أمرهم أن یزمّلوا معسکرهم و یوّطنوا علی الجهاد أنفسهم و یقلّوا زیارة أهلهم.فلم یقبلوا و جعلوا

ص:77


1- 1) 5-24
2- 2) 5-25

یتسلّلون و یدخلون الکوفة حتّی لم یبق معه إلاّ القلیل منهم.فلمّا رأی ذلک دخل الکوفة فخطب الناس.فقال:أیّها الناس استعدّوا لقتال عدوّ فی جهادهم القربة إلی اللّه و درک الوسیلة عنده قوم حیازی عن الحقّ لا ینصرونه،موزعین بالجور و الظلم لا یعدلون به.

جفاة عن الکتاب نکب عن الدین یعمهون فی الطغیان،و یتسکّعون فی غمرة الضلال ف «أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَ مِنْ رِباطِ الْخَیْلِ» و تَوَکَّلواْ «عَلَی اللّهِ وَ کَفی بِاللّهِ وَکِیلاً» قال:فلم ینفروا.فترکهم أیّاما ثمّ خطبهم هذه الخطبة فقال :افّ لکم .الفصل.

اللغة

افّ : کلمة تضجّر من الشیء .و غمرات الموت : سکراته الّتی یغمر فیها العقل.

و الذهول : النسیان و السهو .و یرتج علیکم : أی یفلق .و الحوار . المخاطبة .و تعمهون:

تتحیّرون و تتردّدون .و المألوس : المجنون و المختلط العقل .و سجیس اللیالی و سجیس الأوجس : أی أبدا مدی اللیالی .و الزوافر : جمع زافرة،و زافرة الرجل أنصاره و عشیرته .

و سعر : جمع ساعر،و إسعار النار تهییجها و إلهابها .و الامتعاض : الغضب .و حمس الوغی : اشتداد الحرب و جلبة الأصوات .و عرقت اللحم أعرقه : إذا لم أبق علی العظم منه شیئا .و المشرّفیة : سیوف منسوبة إلی مشارف:قری من أرض العرب تدنوا من الریف .

و فراش الهام : العظام الرقیقة تلی القحف .

المعنی

اشارة

و اعلم أنّه علیه السّلام لمّا أراد استنفارهم إلی الحرب.و کانوا کثیرا ما یتثاقلون عن دعوته استقبلهم بالتأنیف و التضجّر بما لا یرتضیه من أفعالهم.

و قوله:لقد سئمت عتابکم .

و قوله: لقد سئمت عتابکم.

تفسیر لبعض ما تأنف منه.

و قوله: «أَ رَضِیتُمْ بِالْحَیاةِ الدُّنْیا مِنَ الْآخِرَةِ» عوضا،و بالذلّ من العزّ خلفا .

استفهام علی سبیل الإنکار و قوله: أرضیتم بالحیاة الدنیا من الآخرة عوضا،و بالذلّ من العزّ خلفا.

استفهام علی سبیل الإنکار علیهم یستلزم الحثّ علی الجهاد فإنّ الجهاد لمّا کان مستلزما لثواب الآخرة و لعزّة الجانب،و خوف الأعداء،و القعود عنه یستلزم فی الأغلب السلامة فی الدنیا و البقاء فیها لکن مع طمع العدوّ فیهم و ذلّتهم له کانوا بقعودهم عنه کمن اعتاض الدنیا من الآخرة،و استخلف الذلّ من العزّة.و ذلک ممّا لا یرضی به ذو عقل سلیم .و عوضا و خلفا منصوبان علی التمییز.

ص:78

قوله إذا دعوتکم إلی جهاد عدوّکم.إلی قوله:لا تعقلون .

قوله: إذا دعوتکم إلی جهاد عدوّکم. إلی قوله: لا تعقلون.

تبکیت لهم و توبیخ برذائل تعرض لهم عند دعائه لهم إلی الجهاد.

الاولی: تشبیه بأنّه تدور أعینهم حیرة و تردّدا و خوفا من أحد أمرین:إمّا مخالفة دعوته،أو الإقدام علی الموت.و فی کلا الأمرین خطر.ثمّ شبّه حالتهم تلک فی دوران أعینهم و حیرتهم بحال المغمور فی سکرات الموت،الساهی فیها عن حاضر أحواله،المشغول بما یجده من الألم.و نحوه قوله تعالی «یَنْظُرُونَ إِلَیْکَ تَدُورُ أَعْیُنُهُمْ کَالَّذِی یُغْشی عَلَیْهِ مِنَ الْمَوْتِ» (1).

الثانیة:أنّه یرتج علیهم حواره، و یرتج فی موضع الحال و تعمهون عطف علیه أی یرتج علیکم فیتحیّرون.ثمّ شبّه حالهم عند دعائه إلی الجهاد تشبیها ثانیا بحال من اختلط عقله أی أنّهم فی حیرتهم و تردّدهم فی جوابه کمختلط العقل ما یفقه ما یقول .

الثالثة:أنّهم لیسوا له بثقة أبدا.و هو وصف لهم برذیلة الخلف و الکذب المستلزم لعدم ثقته بأقوالهم .

الرابعة: استعارة کونهم لیسوا برکن یمیل به المستند إلیه فی خصمه.یقال:فلان رکن شدید.استعارة له من رکن الجبل و هو جانبه لما بینهما من المشارکة فی الشدّة و امتناع المعتصم به.و نحوه قوله تعالی «لَوْ أَنَّ لِی بِکُمْ قُوَّةً أَوْ آوِی إِلی رُکْنٍ شَدِیدٍ» (2)أی قویّ یمنعنی منکم و هو وصف بالتخاذل و العجز .

الخامسة:و لا زوافر عزّ یفتقر إلیهم.و هو وصف لهم برذیلة الذلّ و الحقارة .

السادسة: تشبیه تشبیههم بإبل ضلّ رعاتها ،و الإیماء إلی وجه الشبه و هو أنّها کلّما جمعت من جانب انتشرت من جانب.إشارة إلی أنّهم ضعیفوا العزوم متشتّتوا الآراء لا یجتمعون علی مصلحة بها یکون نظام أحوالهم فی الدارین.و قد علمت أنّ ذلک من نقصان القوّة العلمیّة فکانوا منها علی رذیلة البله .

السابعة: استعارة کونهم لیسوا بسعر نار الحرب :أی لیسوا من رجالها.و ذلک أنّ مدار الحرب علی الشجاعة و الرأی.و قد سبقت منه الإشارة إلی ذمّهم بالفشل و ضعف الرأی.

ص:79


1- 1) 33-19
2- 2) 11-28

فإذن لیسوا من رجال الحرب،و لمّا استعار لهیجان الحرب لفظ النار لما یستلزمانه من الأذی الشدید رشّح تلک الاستعارة بذکر الإسعار و وصف رجالها به .

الثامنة:کونهم یکادون و لا یکیدون:أی یخدعون و یمکر بهم عدوّهم فی ایقاع الحیلة،و لیس لهم قوّة المکر و الحیلة به.و ذلک أیضا من رذیلة ضعف الرأی .

التاسعة:کونهم تنقص أطرافهم فلا یمتعضون:أی یغار العدوّ فی کلّ وقت علی بعض بلادهم فیحوزها فلا یشقّ ذلک علیکم و لا یدرککم منه أنفة و لا حمیّة،و هو وصف لهم برذیلة المهانة .

العاشرة:کونهم فی غفلة ساهون مع انتباه عدوّهم.و هو وصف لهم برذیلة الغفلة أیضا عمّا یراد بهم،و قلّة عقلیّتهم لمصالح أنفسهم،و کلّ هذا التوبیخ تثقیف لهم و تنبیه لنفوسهم الراقدة فی مراقد طبائعها علی ما ینبغی لهم من المصالح الّتی یکون بها نظام أحوالهم علی قانون الدین.

و قوله:غلب و اللّه المتخاذلون .

و قوله: غلب و اللّه المتخاذلون.

تنبیه علی أنّهم بتخاذلهم سیغلبون.و أورد الغلب المطلق بعلّة التخاذل لأنّهم للحکم العامّ أشدّ قبولا منهم له علی أنفسهم إذ لو خصّصهم به فقال غلبتم و اللّه أو تخاذلتم لم یکن وقعه فی الذوق کوقعه عامّا .

و قوله:و أیم اللّه.إلی قوله:انفراج الرأس.

و قوله: و أیم اللّه.إلی قوله:انفراج الرأس.

أقسم أنّه لیظنّ بهم أنّهم عند اشتداد الحرب و حرارة الموت ینفرجون عند انفراج الرأس:أی یتفرّقون أشدّ تفریق.و انفراج الرأس مثل.قیل:أوّل من تکلّم به أکثم بن صیفی فی وصیّة له:یا بنیّ لا تنفرجوا عند الشدائد انفراج الرأس فإنّکم بعد ذلک لا تجتمعون علی عزّ.و فی معناه أقوال.

أحدها:قال ابن درید:معناه أنّ الرأس إذا انفرج عن البدن لا یعود إلیه و لا یکون بعده اتّصال و ذلک أشدّ انفراج.

الثانی:قال المفضّل،الرأس اسم رجل ینسب إلیه قریة من قری الشام یقال لها بیت الرأس و فیها یباع الخمر.قال حسّان:کان سببه من بیت رأس یکون مزاجها

ص:80

عسلا و ماء و هذا الرجل قد انفرج عن قومه و مکانه فلم یعد إلیه فضرب به المثل فی المباینة و المفارقة.

الثالث:قال بعضهم:معناه أنّ الرأس إذا انفرج بعض عظامه عن بعض کان ذلک بعید الالتیام و العود إلی الصحّة.

الرابع:قال بعضهم:معناه انفرجتم عنّی رأسا أی بالکلّیّة.

الخامس:قیل معناه:انفراج من یرید أن ینجو برأسه.

السادس:قیل معناه:انفراج المرأة عن رأس ولدها حالة الوضع فإنّه یکون فی غایة من الشدّة و تفرّق الاتّصال و الانفراج.و نحوه قوله علیه السّلام فی موضع آخر: انفراج المرأة عن قبلها ،و علی کلّ تقدیر فمقصوده شدّة انفصالهم و تفرّقهم عنه لهم أحوج ما یکون إلیهم، مجاز و استحرار الموت یحتمل أن یراد به شدّته الشبیهة بالحرارة مجازا کما سبق، و یحتمل أن یراد به خلوصه و حضوره فیکون اشتقاقه من الحریّة،و الجملة الشرطیة خبر أن المخفّفه من المثقّلة.و اسمها الضمیر الشأن و هی مع اسمها و خبرها قائمة مقام مفعولی ظنّ،توبیخ لهم علی التقصیر البالغ فی حقّه إلی حدّ أن یظنّ بهم الظنّ المذکور .

و قوله:و اللّه إنّ امرأ.إلی قوله:إن شئت.

و قوله: و اللّه إنّ امرأ. إلی قوله: إن شئت.

من لطیف الحیلة فی الخطاب الموجب للانفعال عنه،و ذلک أنّه صوّر لهم أفعالهم من التخاذل علی العدوّ و الضعف و سائر أفعالهم المذمومة الّتی الفوا التوبیخ و التعنیف بعبارة تریهم إیّاها فی أقبح صورة و أشدّها کراهة إلیهم و أبلغها نکایة فیهم و هو تمکینهم للعدوّ من أنفسهم فإنّ أفعالهم من التخاذل و نحوه.و هی بعینها تمکین للعدوّ فیما یرید بهم و إعداد له و تقویة لحاله، استعارة بالکنایة و لمّا کان من عادة ظفر العدوّ احتیاج المال و القتل و تفریق الحال کنّی عن الأوّل بقوله: یعرق لحمه ،و وجه استعارة عرق اللحم لسلب المال بکلّیّته ظاهر،و کذلک کنّی عن القتل و سائر أسباب الهلاک من فعل العدوّ بهشم العظم ،و عن تمزیق الحال المنتظم بفری الجلد .ثمّ لمّا کان من البیّن أنّ تخاذلهم تمکین لعدوّهم منهم و کان تمکین الإنسان لعدوّ من نفسه یفعل به الأفعال المنکرة لا یکون إلاّ

ص:81

عن عجز عظیم و ضعف فی القلب عن مقاومته لا جرم أثبت العجز و ضعف القلب لامرء مکّن عدوّه من نفسه و أکدّ ذلک بأنّ،و بالقسم البارّ،و کنّی بضعف القلب عن الجبن و أتی بذلک الإثبات علی وجه عامّ لکلّ امرء فعل ذلک و لم یخصّهم بالخطاب و لا نسب تمکین العدوّ إلیهم صریحا و إن کانوا هم المقصودین بذلک رجاء لنفارهم عن الدخول تحت هذا العموم بالانقیاد لأمره و الجهاد.ثمّ أردفه بالأمر أن یکونوا ذلک المرء الّذی وصفه بما وصفه أمرا علی سبیل التهدید و التنفیر،و ذلک قوله: أنت فکن ذاک إن شئت.

أی ذاک المرء الموصوف بالعجز و الضعف.خطاب للشخص المطلق الصادق علی أیّ واحد منهم کان و أمر له أن یکون بصفة المرء الموصوف أوّلا تنفیرا له عمّا ذکره ممّا یلزم الإنسان من الأحوال الردیئة عند تمکینه عدوّه من نفسه.و روی:أنّه خاطب بقوله:

أنت فکن ذاک .الأشعث بن قیس.فإنّه روی:أنّه قال و هو یخطب و یلوم الناس عن تقاعدهم عن الحرب:هلاّ فعلت فعل ابن عفان فقال علیه السّلام له:إنّ فعل ابن عفان مخزاة علی من لا دین له و لا وثیقة معه،و إنّ امرء أمکن عدوّه من نفسه یهشم عظمه و یفری جلده لضعیف رأیه ما فوق عقله أنت فکن ذاک إن شئت.الفصل .

و قوله.فأمّا أنا.إلی قوله:ما یشاء.

کنایة و قوله. فأمّا أنا. إلی قوله: ما یشاء.

لما خیّرهم أن یکونوا ذلک المرء علی سبیل التهدید أردف ذلک بالتبرّء من حال المرء المذکور لیکون لهم به علیه السّلام اسوة فی النفار عن تمکین العدوّ من أنفسهم إلاّ بعد بذل النفس فی الجهاد أی علی تقدیر اختیار المخاطب تلک الحال فإنّه هو لا یختار ذلک الحال بل دون أن یعطی عدوّه من نفسه ذلک التمکین ضرب بالمشرّفیة یطیر منه الهام و تطیح منه السواعد و الأقدام،و کلّ ذلک کنایة عن أشدّ المجاهدة،و یفعل اللّه بعد ذلک الجهاد و المناجزة ما یشاء من تمکین العدوّ أو عدم تمکینه فإنّ إلیه مصیر الامور و عواقبها .

و قوله:أیّها الناس.إلی آخره.

و قوله: أیّها الناس .إلی آخره.

ذکر ما لهم علیه من الحقّ و ما له علیهم منه لیعرفهم أنّه أدّی ما علیه من الواجب لهم فینبغی لهم أن یخرجوا إلیه من واجب حقّه الّذی فرض اللّه علیهم فبدء ببیان حقّهم

ص:82

علیه أدبا و استدراجا لطباعهم فإنّ البداءة بحقّ الغیر قبل حقّ النفس ألیق بالأدب و هم لسماعه أقبل.فذکر منها أربعة امور بها یکون صلاح حالهم فی الدارین.

أحدها :النصیحة لهم و هی حثّهم علی مکارم الأخلاق و جذبهم إلی ما هو الألیق بهم فی معاشهم و معادهم.

الثانی :توفیر فیئهم علیهم بترک ظلمهم فیه و تفریقه فی غیر وجوهه ممّا لیس بمصلحة لهم کما نسبوه إلی من کان قبله.

الثالث :تعلیمهم کیلا یجهلوا.و إنّما لم یقل کیما یعلموا لأنّ ظهور المنّة علیهم بذکر نفی الجهل عنهم أشدّ من ظهورها فی ذکر عرض إیجاد العلم لهم و لذلک کان تأذّی الرجل و أنفته من أن یقال له:یا جاهل.أشدّ بکثیر من نفار من یقال له:لست بعالم.

الرابع :تأدیبهم کیما یعملوا.فهذه الامور الأربعة هی الواجبة علی الإمام للرعیّة واحد منها یرجع إلی صلاح أبدانهم و قوامها:و هو توفیر فیئهم علیهم بضبطه،و عدم التصرف فیه لغیر وجوه مصالحهم.و إثنان یرجعان إلی صلاح حال نفوسهم إمّا من جهة إصلاح القوّة النظریّة:و هو التعلیم لغرض العلم أو من جهة إصلاح القوّة العملیّة و هو التأدیب لغرض العمل.و واحد مشترک بین مصلحتی البدن و النفس و نظام أحوالهما و هو النصیحة لهم .ثمّ أردف ذلک بیان حقّه علیه السّلام و ذکر أیضا أربعة.

الأوّل:الوفاء بالبیعة و هی أهمّ الامور إذ بها النظام الکلّیّ الجامع لهم معه.

الثانی :النصیحة له فی غیبته و حضوره و الذبّ عنه إذ بذلک نظم شمل المصلحة بینهم و بینه أیضا.

الثالث :إجابته حین یدعوهم من غیر تثاقل عن ندائه فإنّ للتثاقل عن دعوته ما علمت من قهر العدوّ.و غلبته علیهم و فوات مصالح عظیمة.

الرابع :طاعتهم له حین یأمرهم،و ظاهر أنّ شمل المصلحة لا ینتظم بدون ذلک.

و أنت تعلم بأدنی تأمّل أنّ هذه الامور الأربعة و إن کانت حقوقا له علیهم إلاّ أنّه إنّما یطلبها منهم لما یعود علیهم به من النفع فی الدنیا و الآخرة فإنّ الوفاء ملکة تحت العفّة و النصیحة له سبب لانتظام امورهم به و إجابة دعوته إجابة لداعی اللّه الجاذب

ص:83

إلی الخیر و المصلحة،و کذلک طاعة أمره طاعة لأمر اللّه إذ هو الناطق به،و قد علمت ما تستلزمه إطاعة اللّه من الکرامة عنده.و باللّه التوفیق و العصمة.

34-و من خطبة له علیه السّلام

اشارة

بعد التحکیم

اَلْحَمْدُ لِلَّهِ وَ إِنْ أَتَی الدَّهْرُ بِالْخَطْبِ الْفَادِحِ- وَ الْحَدَثِ الْجَلِیلِ- وَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِیکَ لَهُ- لَیْسَ مَعَهُ إِلَهٌ غَیْرُهُ- وَ أَنَّ؟مُحَمَّداً؟ عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ ص أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ مَعْصِیَةَ النَّاصِحِ الشَّفِیقِ الْعَالِمِ الْمُجَرِّبِ- تُورِثُ الْحَیرَةَ وَ تُعْقِبُ النَّدَامَةَ- وَ قَدْ کُنْتُ أَمَرْتُکُمْ فِی هَذِهِ الْحُکُومَةِ أَمْرِی- وَ نَخَلْتُ لَکُمْ مَخْزُونَ رَأْیِی- لَوْ کَانَ یُطَاعُ؟لِقَصِیرٍ؟ أَمْرٌ- فَأَبَیْتُمْ عَلَیَّ إِبَاءَ الْمُخَالِفِینَ الْجُفَاةِ وَ الْمُنَابِذِینَ الْعُصَاةِ- حَتَّی ارْتَابَ النَّاصِحُ بِنُصْحِهِ وَ ضَنَّ الزَّنْدُ بِقَدْحِهِ- فَکُنْتُ أَنَا وَ إِیَّاکُمْ کَمَا قَالَ أَخُو؟هَوَازِنَ؟ أَمَرْتُکُمْ أَمْرِی؟بِمُنْعَرَجِ اللِّوَی؟ فَلَمْ تَسْتَبِینُوا النُّصْحَ إِلاَّ ضُحَی الْغَدِ

أقول:روی أنّ عمرو بن العاص و أبا موسی الأشعریّ لمّا التقیا بدومة الجندل و قد حکما فی أمر الناس کان علیّ یومئذ قد دخل الکوفة ینتظر ما یحکمان به.فلمّا تمّت خدعة عمرو لأبی موسی و بلغه ذلک علیه السّلام اغتمّ له غمّا شدیدا و وجم منه و قام فخطب الناس.فقال:الحمد للّه.الفصل.و زاد بعد الاستشهاد ببیت درید فی بعض الروایات:

ألا إنّ هذین الرجلین اللذین اخترتموهما قد نبذا حکم الکتاب و أحییا ما أمات

ص:84

و اتّبع کلّ واحد منهما هواه و حکم بغیر حجّة و لا بیّنة ماضیة و اختلفا فیما حکما فکلاهما لم یرشدا للّه.فاستعدّوا للجهاد و تأهّبوا للمسیر و أصبحوا فی معسکر کم یوم کذا.و أمّا قصّة التحکیم و سببها فمذکور فی التواریخ.

اللغة

و الخطب : الأمر العظیم .و فدحه الأمر : إذا عاله و أبهظه .و الجافی : خشن الطباع الّذی ینبوا طبعه عن المؤانسة فیقاطع و یباین .

المعنی

فقوله:الحمد للّه.إلی قوله:الجلیل .

فقوله: الحمد للّه. إلی قوله: الجلیل.

قد عرفت نسبة الخیر و الشرّ إلی الدهر علی أیّ وجه هی،و مراده أحمد اللّه علی کلّ حال من السرّاء و الضرّاء.و إن هنا للغایة.و یفهم من هذا الصدر وقوع الخطب الفادح و هو ما وقع من أمر الحکمین.و حمد اللّه علیه .

و قوله:لیس معه إله غیره.

و قوله: لیس معه إله غیره.

تأکید لمعنی کلمة التوحید و تقریر لمقتضاها.

و قوله:أمّا بعد.إلی قوله:الندامة .

و قوله: أمّا بعد .إلی قوله: الندامة.

القیود الأربعة الّتی ذکرها من صفات المشیر معتبرة فی حسن الرأی و وجوب قبوله:أمّا کونه ناصحا فلأنّ الناصح یصدق الفکر و یمحض الرأی و غیر الناصح ربّما یشیر بفطیر الرأی فیوقع فی المضرّة،و أمّا کونه شفیقا فلأنّ الشفقة تحمل علی النصح فتحمل علی حسن التروّی فی الأمر و ایقاع الرأی فیه من تثبّت و اجتهاد.

و الباعث علی هذین أعنی النصح و الشفقة إمّا الدین أو محبّة المستشیر،و أمّا کونه عالما ففائدته إصابته لعلمه وجه المصلحة فی الأمر فإنّ الجاهل أعمی لا یبصر وجه المصلحة فیه.قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلّم:استرشدوا العاقل ترشدوا و لا تعصوه فتندموا،و قال عبد اللّه بن الحسن لابنه محمّد:احذر مشورة الجاهل و إن کان ناصحا کما تحذر عداوة العدوّ العاقل فإنّه کما یوشک أن یقع بک مکر العاقل کذلک یوشک أن یورّطک شور الجاهل، و أمّا کونه مجرّبا فلأنّه لا یتمّ رأی العالم ما لم ینضمّ إلیه التجربة.و ذلک أنّ العالم و إن علم وجه المصلحة فی الأمر إلاّ أنّ ذلک الأمر قد یشتمل علی بعض وجوه المفاسد لا یطّلع علیه إلاّ بالتجربة مرّة و مرّة فالمشورة من دون تجربة مظنّة الخطاء،و قیل

ص:85

فی منثور الحکم:کلّ شیء محتاج إلی العقل و العقل محتاج إلی التجارب.و إذا عرفت أنّ طاعة المشیر الموصوف بالصفات المذکورة مستلزمة فی أغلب الأحوال للسرور بحسن ثمرة رأیه و الفوز بها لا جرم کان معصیته و مخالفة رأیه مستلزمة للحسرة مستعقبة للندامة .

و قوله:و قد کنت أمرتکم فی هذه الحکومة أمری.

و قوله: و قد کنت أمرتکم فی هذه الحکومة أمری.

لمّا قدّم أنّ معصیة المشیر المذکور تعقّب الحسرة و الندامة أردف ذلک ببیان أنّه هو المشیر و أنّه أشار علیهم فخالفوه لیتّضح لهم أنّهم عصوا مشیرا قد استکمل شرائط الرأی فیتوقّعوا الندم علی معصیته .

و قوله:و نخلت لکم مخزون رأیی.

استعارة و قوله: و نخلت لکم مخزون رأیی.

استعارة للفظ النخل لاستخلاص أسدّ آرائه و أجودها لهم بحسب اجتهاده،و وجه المشابهه أنّ أجود ما ینتفع به ممّا ینخل من دقیق و نحوه هو المنخول کذلک الرأی أجوده و أنفعه ما استخلص وصفی من کدورات الشهوة و الغضب .

و قوله:لو کان یطاع لقصیر أمر.

و قوله: لو کان یطاع لقصیر أمر.

مثل.و قصیر هذا هو قصیر بن سعد اللخمیّ مولی جذیمة الأبرش بعض ملوک العرب.و أصل المثل أنّ جذیمة کان قتل أبا الزباء ملکة الجزیرة فبعثت إلیه عن حین لیتزوّج بها خدعة و سألته القدوم فأجابها إلی ذلک،و خرج فی ألف فارس و خلّف باقی جنوده مع ابن اخته عمرو بن عدّی،و کان قصیر أشار إلی جذیمة أن لا یتوجّه إلیها فلم یقبل رأیه فلمّا قرب جذیمة من الجزیرة استقبله جنود الزباء بالعدّة و لم یر منهم إکراما له فأشار علیه قصیر بالرجوع عنها،و قال:إنّها امرأة و من شأن النساء الغدر.

فلم یقبل.فلمّا دخل إلیها غدرت به و قتلته.فعندها قال قصیر:لا یطاع لقصیر أمر.

فذهبت مثلا لکلّ ناصح عصی و هو مصیب فی رأیه.و قد یتوهّم أنّ جواب لو هاهنا متقدّم،و الحقّ أنّ جوابها محذوف و المعنی یتّضح بترتیب الکلام،و التقدیر إنّی کنت أمرتکم أمری فی هذه الحکومة و نصحت لکم فلو اطعتمونی لفعلتم ما أمرتکم به و محّضت لکم النصیحة فیه،فقولنا:لفعلتم هو تقدیر الجواب،و ممّا ینبّه علیه أنّ قوله :

فأبیتم علیّ إباء المخالفین الجفاة و المنابذین العصاة .و هو فی تقدیر استثناء نقیض ذلک

ص:86

التالی،و تقدیره لکنّکم أبیتم علیّ إباء من خالف الأمر و جفا المشیر و عصاه حتّی شکّ فی نصحه هل کان صوابا أو خطاء.و هذا الحکم حقّ فإنّ المشیر بالرأی الصواب إذ اکثر مخالفوه فیه قد یتّهم نفسه فی صحّة ذلک الرأی و صوابه لأنّ استخراج وجه المصلحة فی الأمر أمر اجتهادیّ یغلب علی الظنّ بکثرة الأمارات اللایحة للمشیر فإذا جوّز المشیر أن یکون خلاف ما رآه هو المصلحة فلا مانع إذن أن یعرض لغیره.

أمارات اخری یغلب علی ظنّه أنّ ما رآه هو لیس بمصلحة فیعارض بها ما رآه الأوّل حقّا و یخالفه فی رأیه فإذا کثرت تلک المخالفة من جمع عظیم جاز أن یتشکّک الإنسان فیما ظنّه من المصلحة أنّه لیس بمصلحة و أنّ الأمارات الّتی اقتضت ذلک الظنّ غیر صحیحة فلذلک قال علیه السّلام :حتّی ارتاب الناصح بنصحه .و عنی بالناصح نفسه أو من رأی رأیه لإطباق أکثر أصحابه علی مخالفتهم،و قال بعض الشارحین:یحمل ذلک علی المبالغة لأنّه علیه السّلام منزّه عن أن یشکّ فیما یراه صوابا بعد شوره به .

و قوله:و ضنّ الزند بقدحه.

و قوله: و ضنّ الزند بقدحه.

قیل:هو مثل یضرب لمن یبخل بفوائده إذا لم یجد لها قابلا عارفا بحقّها أو لم یتمکّن من إفادتها فإنّ المشیر إذا اتّهم و استغّش أو خطیء فی رأیه ربما لا ینقدح له بعد ذلک رأی صالح لحکم الغضب علیه من جهة مخالفته و عدم قبول رأیه.

و لمّا کان غرضه أن یقرّر علیهم الندامة فی مخالفة رأیه و یریهم ثمرة عصیان أمره الصادر عن معاینة وجه المصلحة کما هو قال :فکنت و إیّاکم کما قال اخو هوازن:أمرتهم أمری .البیت،و هو لدرید بن الصمة من قصیدة له فی الحماسة أوّلها:

نصحت لعارض و أصحاب عارض و رهط بنی السوداء و القوم سهّد

و قصّته فی هذه القصیدة أنّ أخاه عبد اللّه بن الصمة غزا بنی بکر بن هوازن بن غطفان فغنم منهم و استاق إبلهم فلمّا کان بمنعرج اللوی قال:لا و اللّه لا أبرح حتّی أنحر البقیعة و هی ما ینحر من النهب قبل القسمة،و احیل السهام.فقال له أخوه درید:

لا تفعل.فإنّ القوم فی طلبک.فأبی علیه و أقام و أنحر البقیعة و بات فلمّا أصبح هجم القوم علیه و طعن عبد اللّه بن صمة فاستغاث بأخیه درید فنهنه عنه القوم حتّی طعن هو

ص:87

أیضا و صرع و قتل عبد اللّه و حال اللیل بین القوم فنجا درید بعد طعنات و جراح حصل له فقال القصیدة، مجاز و إنّما قال علیه السّلام :أخو هوازن .لنسبته إلیهم فإنّ دریدا ابن الصمة بن بنی جشم بن معاویه بن بکر بن هوازن.و نحوه قوله تعالی «وَ اذْکُرْ أَخا عادٍ» لنسبته فیهم و کذلک قال لهم أخوهم لوط و یکفی فی إطلاق لفظ الأخوّة مجازا مجرّد الاتّصال بهم و الملابسة لهم و قد عرفت ذلک ،و وجه تمثّله علیه السّلام بالبیت:إنّی کنت و إیّاکم فی نصیحتی و نهیی من الحکومة و مخالفتکم أمری المستلزمة لندامتکم علی التفریط کهذا القائل مع قومه حیث نصح لهم فعصوه فلحقهم من الندامة و الهلاک.

و اعلم أنّ الّذی کان أشار به علی أصحابه:هو ترک الحکومة و الصبر علی قتال أهل الشام.و مجمل السبب أنّ أمارات الغلبة لیلة الهرّیر کانت لایحة علی أهل الشام فلمّا عاینوا الهلاک استشار معاویة بعمرو بن العاص فی کیفیّة الخلاص فقال عمرو:إنّ رجالک لا تقوم لرجاله،و لست مثله إنّه یقاتلک علی أمر و أنت تقاتله علی غیره و أنت ترید البقاء و هو یرید الفناء،و أهل العراق یخافون منک إن ظفرت بهم و أهل الشام لا یخافون علیّا إن ظفر بهم،و لکن ألق إلی القوم أمرا إن قبلوه اختلفوا و إن ردّوه اختلفوا:ادعهم إلی کتاب اللّه حکما فیما بینک و بینهم فإنّک بالغ به حاجتک فإنّی لم أزل ادّخر هذا الأمر لوقت حاجتک إلیه فعرف معاویة ذلک فلمّا أصبحوا رفعوا المصاحف علی أطراف الرماح و کان عددها خمس مائة مصحف و رفعوا مصحف المسجد الأعظم علی ثلاثة رماح مشدودة یمسکها عشرة رهط و نادوا بأجمعهم:اللّه اللّه معشر العرب فی النساء و البنات اللّه اللّه دینکم هذا کتاب اللّه بیننا و بینکم.فقال علیه السّلام:اللّهمّ إنّک تعلم أنّهم ما الکتاب یریدون فاحکم بیننا و بینهم إنّک أنت الحکم الحقّ المبین،و حینئذ اختلف أصحابه فقالت طائفة:القتال القتال،و قال أکثرهم:المحاکمة إلی الکتاب و لا یحلّ لنا الحرب و قد دعینا إلی حکم الکتاب و تنادوا من کلّ جانب الموادعة فقال علیه السّلام فی جوابهم:أیّها الناس إنّی أحقّ من أجاب إلی کتاب اللّه و لکن معاویة و عمرو بن العاص و ابن أبی معیط لیسوا بأصحاب دین و لا قرآن إنّی أعرف بهم منکم صحبتهم صغارا و رجالا فکانوا شرّ صغار و شرّ رجال و یحکم إنّها کلمة حقّ یراد بها

ص:88

الباطل إنّهم ما رفعوها إنّهم یعرفونها و لا یعلمون بها و لکنّها الخدیعة و المکیدة و الوهن أعیرونی سواعدکم و جماجمکم ساعة واحدة فقد بلغ الحقّ مقطعه و لم یبق إلاّ أن یقطع دابر القوم الظالمین،فجاءه عشرون ألفا من أصحابه و نادوه باسمه دون إمرة المؤمنین:

أجب الیوم إلی کتاب اللّه إذا دعیت و إلاّ قتلناک کما قتلنا عثمان.فقال علیه السّلام:و یحکم أنا أوّل من أجاب إلی کتاب اللّه،و أوّل من دعا إلیه فکیف لا أقبله و إنّما قاتلتهم لیدینو بحکم القرآن و لکنّی قد أعلمتکم أنّهم قد کادوکم و لیس العمل بالقرآن یریدون.

فقالوا:ابعث إلی الأشتر یأتیک.و قد کان الأشتر صبیحة لیلة الهریر قد أشرف علی عسکر معاویة لیدخله و لاح له الظفر فبعث إلیه فرجع علی کره منه و وقع بینه و بین من أجاب إلی الحکومة من أصحاب علیّ علیه السّلام مسابّ و مجادلات علی ما اختاروا من ترک الحرب و تنادوا من کلّ جانب رضی أمیر المؤمنین بالتحکیم و کتبوا عهدا علی الرضا به، و سنذکر کیفیّته إجمالا إنشاء اللّه تعالی.و باللّه التوفیق.

35-و من خطبة له علیه السّلام

اشارة

(فی تخویف أهل النهروان)

فَأَنَا نَذِیرٌ لَکُمْ أَنْ تُصْبِحُوا صَرْعَی بِأَثْنَاءِ هَذَا النَّهَرِ- وَ بِأَهْضَامِ هَذَا الْغَائِطِ عَلَی غَیْرِ بَیِّنَةٍ مِنْ رَبِّکُمْ- وَ لاَ سُلْطَانٍ مُبِینٍ مَعَکُمْ- قَدْ طَوَّحَتْ بِکُمُ الدَّارُ وَ احْتَبَلَکُمُ الْمِقْدَارُ- وَ قَدْ کُنْتُ نَهَیْتُکُمْ عَنْ هَذِهِ الْحُکُومَةِ- فَأَبَیْتُمْ عَلَیَّ إِبَاءَ الْمُخَالِفِینَ- حَتَّی صَرَفْتُ رَأْیِی إِلَی هَوَاکُمْ- وَ أَنْتُمْ مَعَاشِرُ أَخِفَّاءُ الْهَامِ- سُفَهَاءُ الْأَحْلاَمِ وَ لَمْ آتِ لاَ أَبَا لَکُمْ بُجْراً- وَ لاَ أَرَدْتُ لَکُمْ ضُرّاً أقول:الخطاب للخوارج الّذین قتلهم علیه السّلام بالنهروان،و قد کان القضاء الالهیّ

ص:89

سبق فیهم بما کان منهم من الخروج.روی فی صحیح الأخبار أنّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلّم بینا هو یقسم قسما جاءه رجل من بنی تمیم یقال له ذو الخویصرة فقال:اعدل یا محمّد فقال صلی اللّه علیه و آله و سلّم:

قد عدلت.فقال له ثانیة:اعدل یا محمّد فإنّک لم تعدل.فقال صلی اللّه علیه و آله و سلّم:ویلک من یعدل إذا لم أعدل.فقام عمر و قال:یا رسول اللّه ائذن لی فی ضرب عنقه.فقال:دعه فسیخرج من ضئضئ هذا قوم یمرقون من الدین کما یمرق السهم من الرمیة یخرجون علی خیر فرقة من الناس تحتقر صلاتکم عند صلاتهم و صومکم عند صومهم یقرءون القرآن لا یجاوز تراقیهم فیهم رجل أسود مخدج الید إحدی یدیه کأنّها ثدی امرأة أو بضعة یقتله أولی الفریقین بالحقّ.و فی مسند أحمد عنه عن مسروق قال:قالت لی عایشة:إنّک من ولدی و أحبّهم إلیّ فهل عندک علم من المخدج.فقلت:نعم قتله علیّ بن أبی طالب علی نهر یقال لأعلاه تأمر و لأسفله النهروان بین لخاقیق و طرفاء.فقالت:ایتنی علی ذلک بیّنة.فأقمت علی ذلک رجالا شهدوا عندها بذلک ثمّ قلت لها:سألتک بصاحب القبر ما الّذی سمعت منه فیهم.فقالت:سمعته یقول:إنّهم شرّ الخلق و الخلیقة یقتلهم خیر الخلق و الخلیقة،و أقربهم عند اللّه وسیلة.فأمّا سبب خروج هؤلاء القوم فهو أنّه علیه السّلام لمّا قهره أصحابه علی التحکیم و أظهروا عنه الرضی به بعد أنّ حذّرهم و وعظهم فلم یلتفوا کتبوا کتاب التحکیم و أخذه الأشعث بن قیس فطاف به علی أصحاب معاویة فرضوا به، و طاف به علی أصحاب علیّ فرض را به حتّی مرّ برایات عنزه و کان مع علیّ علیه السّلام منهم بصفّین أربعة آلاف فارس فلمّا قرء الکتاب علیهم قال فتیان منهم:لا حکم إلاّ للّه ثمّ حملا علی أصحاب معاویة فقتلا فهما أوّل من حکم،ثمّ مرّ علی مراد،ثمّ علی رایات بنی راسب،ثمّ علی بنی تمیم فکلّ فرقة فرأه علیهم قالوا:لا حکم إلاّ للّه لا نرضی و لا نحکّم الرجال فی دین اللّه فرجع الأشعث فأخبر علیّا علیه السّلام بذلک فاستصغر أمرهم و ظنّ أنّهم قلیلون،فلمّا بلغهم أمر الحکمین ما راعه إلاّ و الناس یتنادون من کلّ جانب لا حکم إلاّ للّه الحکم للّه یا علیّ لا لک و قد کنّا أخطأنا حین رضینا بالحکمین فرجعنا إلی اللّه و تبنا فارجع أنت و تب إلی اللّه کما تبنا و إلاّ برئنا منک.فأبی علیه السّلام الرجوع،و قال:و یحکم أبعد العهد نرجع فما نصنع بقوله تعالی «أَوْفُوا بِعَهْدِ اللّهِ إِذا عاهَدْتُمْ» (1)الآیة و أبت الخوارج إلاّ تضلیل التحکیم

ص:90


1- 1) 16-93

و الطعن فیه فبرئوا من علیّ و بریء منهم ثمّ کان اجتماعهم بحرور فسمّاهم علیه السّلام لذلک الحروریّة فناظرهم بها فرجع منهم ألفان ثمّ مضوا إلی النهروان و کان أمیرهم یومئذ عبد اللّه بن الکوّا،و حین القتال عبد اللّه بن وهب الراسبی فسار إلیهم فخطبهم و قال:نحن أهل بیت النبوّة و موضع الرسالة و مختلف الملائکة و عنصر الرحمة و معدن العلم و الحکمة أیّها القوم إنّی نذیر لکم.الفصل،و روی أنّه علیه السّلام لمّا قتلهم طلب ذو الثدیة فیهم طلبا شدیدا فلم یجده فجعل یقول:و اللّه ما کذب و لا کذبت اطلبوا الرجل و إنّه لفی القوم.

فلم یزل یطلبه حتّی وجده فی و هدة من الأرض تحت القتلی و هو رجل مخدج الید کأنّها ثدی فی صدره و علیها شعرات کسبال الهرّة فکبّر علیّ علیه السّلام و کبّر الناس معه و سرّوا بذلک.

اللغة

الأهضام : جمع هضم و هو المطمئنّ من الوادی .و الغائط : ما سفل من الأرض .

و طوّحت بکم : أی توّهتکم فی امورکم و رمت بکم المرامی .و احتبلکم : أوقعکم فی الحبالة .و النکر : المنکر،و یروی بحرا.و البحر:الأمر العظیم و الداهیة، و یروی هجرا:و هو الساقط من القول،و یروی عرّا.و العرّ و المعرّة:الإثم،و العرّ أیضا:داء یأخذ الإبل فی مشافرها و یستعار للداهیة .

المعنی

اشارة

و اعلم أنّ حاصل هذا الفصل تحذیر للقوم من الهلاک و هم علی غیر بیّنة من ربّهم و لا حجّة واضحة یحتجّون بها علی ما یدّعونه حقّا و یقاتلون علیه و ذلک ممّا یجب الحذر منه إذ فیه حرمان سعادة الدارین، استعارة و إنّما سمّیت الحجّة نفسها سلطانا لأنّ بها الغلبة و التسلّط و هو من باب الاستعارة.

و قوله:قد طوّحت بکم الدار .

استعارة و قوله:قد طوّحت بکم الدار.

کنّی بالدار عن الدنیا و إنّما نسب هلاکهم أو إبعادهم و رمیهم إلیها لأنّ المهلک لهم و الموجب لتیههم إنّما هو اتّباع أهوائهم الباطلة الّتی منشاؤها إنّما هو تحصیل أمر دنیویّ من مال أو جاه و نحوه فکانت الدنیا هی الّتی رمت بهم المرامی عن رحمة اللّه و أخرجتهم عن طاعته.

و قوله:و احتبلکم المقدار .

استعارة و قوله: و احتبلکم المقدار .

ص:91

استعارة حسنة لإحاطة القدر النازل عن قضاء اللّه بهم فهو کحبالة الصاید الّتی لا یخرج للطائر منها إذا نزلت به.

و قوله:کنت نهیتکم عن هذه الحکومة.إلی قوله:إلی هواکم .

و قوله: کنت نهیتکم عن هذه الحکومة.إلی قوله:إلی هواکم.

تقریر للحجّة علیهم و کأنّه یقول لهم:إن کان الحقّ هو عدم الحکومة فلم طلبتموها و أبیتم علیّ إباء المخالفین المنابذین لمّا نهیتکم عنها حتّی صرت إلی أهوائکم فیها،و إن کان الحقّ هو ایقاعها فلم شاققتمونی الآن لمّا أوقعتها و جعلت للّه علیّ بها عهدا.و علی التقدیرین یلزمهم الخطاء،

و قوله:و أنتم معاشر أخفّاء الهام سفهاء الأحلام .

و قوله: و أنتم معاشر أخفّاء الهام سفهاء الأحلام.

الواو للحال و العامل صرفت،و الإضافة فی أخفّاء و سفهاء غیر محضة و لذلک صحّ کونهما و صفین لمعاشر، کنایة و خفّة الهامة کنایة عن رذیلة الطیش المقابلة لفضیلة الثبات، و السفة رذیلة مقابلة للحلم،و الثبات و الحلم فضیلتان تحت ملکة الشجاعة،و لمّا کانت لهاتین الرذیلتین نسبة إلی الفضیلتین صحّ إضافتها إلیهما.

و قوله:و لم آت-لا أبالکم-نکرا و لا أردت بکم ضرّا .

و قوله: و لم آت-لا أبالکم-نکرا و لا أردت بکم ضرّا.

خرج مخرج الاعتذار إلیهم و استدراجهم ببیان تحسین فعله و نفی المنکر عنه و عدم قصد الإساءه إلیهم لیرجعوا عمّا شبّه إلیهم،و قوله: لا أبا لکم کلمة اعتیدت فی ألسنة العرب.قال الجوهری:یراد بها المدح،و قال غیره:یراد بها الذمّ فإنّ عدم اللحوق بأب یستلزم العار و السبّة،و قیل:هی دعاء علی المرء أن لا یکون له أب یعزّه و یشدًّ ظهره و نفی الأب یستلزم نفی العشیرة له فکأنّه دعاء بالذلّ و عدم الناصر.

و اللّه أعلم.

36-و من کلام له علیه السّلام

اشارة

یجری مجری الخطبة

فَقُمْتُ بِالْأَمْرِ حِینَ فَشِلُوا- وَ تَطَلَّعْتُ حِینَ تَقَبَّعُوا- وَ نَطَقْتُ حِینَ تَمْنَعُوا-

ص:92

وَ مَضَیْتُ بِنُورِ اللَّهِ حِینَ وَقَفُوا- وَ کُنْتُ أَخْفَضَهُمْ صَوْتاً وَ أَعْلاَهُمْ فَوْتاً- فَطِرْتُ بِعِنَانِهَا وَ اسْتَبْدَدْتُ بِرِهَانِهَا- کَالْجَبَلِ لاَ تُحَرِّکُهُ الْقَوَاصِفُ- وَ لاَ تُزِیلُهُ الْعَوَاصِفُ- لَمْ یَکُنْ لِأَحَدٍ فِیَّ مَهْمَزٌ وَ لاَ لِقَائِلٍ فِیَّ مَغْمَزٌ- الذَّلِیلُ عِنْدِی عَزِیزٌ حَتَّی آخُذَ الْحَقَّ لَهُ- وَ الْقَوِیُّ عِنْدِی ضَعِیفٌ حَتَّی آخُذَ الْحَقَّ مِنْهُ- رَضِینَا عَنِ اللَّهِ قَضَاءَهُ وَ سَلَّمْنَا لِلَّهِ أَمْرَهُ- أَ تَرَانِی أَکْذِبُ عَلَی؟رَسُولِ اللَّهِ ص؟- وَ اللَّهِ لَأَنَا أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَهُ- فَلاَ أَکُونُ أَوَّلَ مَنْ کَذَبَ عَلَیْهِ- فَنَظَرْتُ فِی أَمْرِی- فَإِذَا طَاعَتِی قَدْ سَبَقَتْ بَیْعَتِی- وَ إِذَا الْمِیثَاقُ فِی عُنُقِی لِغَیْرِی

اللغة

أقول: التعتعة : الاضطراب فی الکلام عند الحصر .و تطلّع الأمر : اختباره و تعرّفه .

و التقبّع : التقبّض.یقال:قبع القنفذ إذا قبض رأسه بین کتفیه .و الاستبداد : الانفراد .

و الرهان : ما یرهن و یستبق علیه .و الهمز : الغیبة بالعیب،و کذلک الغمز .

قال بعض الشارحین:هذا الفصل فیه فصول أربعة

اشارة

التقطها الرضیّ رحمه اللّه من کلام طویل له علیه السّلام قاله بعد وقعة النهروان ذکر فیه حاله منذ توفّی رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلّم إلی آخر وقته.

الفصل الأوّل :فقمت بالأمر حین فشلوا.إلی قوله:برهانها.

هذا الکلام ورد فی معرض افتخاره و إثبات فضیلته علی سائر الصحابة لغایة قبول رأیه.فقیامه بالأمر حین فشلهم إشارة إلی فضیلة شجاعته:أی فقمت بأمر اللّه بین یدی رسوله و بعده فی الحروب و المقامات الصعبة الّتی ضعفوا عنها و الأوقات الّتی فشلوا فیها و أمره فی ذلک ظاهر.

کنایة و قوله: و نطقت حین تعتعوا[تمنّعوا خ].

إشارة إلی ملکة الفصاحة المستتبعة لملکة العلم:أی نطقت فی القضایا المهمّة

ص:93

و الأحکام المشکلة و المقاول الّتی حصرت فیها بلغاؤهم،فکنّی بنطقه و تعتعتهم عن فضاحتهم و عیّهم.

استعارة بالکنایة و قوله تطلّعت حین تقبّعوا.

إشارة إلی کبر الهمّة فی تحصیل ما ینبغی للإنسان أن یحصّله من تعرّف الامور و اختبارها و النظر فی مصادرها و مواردها،و هی ملکة تحت الشجاعة،و لمّا کان التطّلع علی الأمر یحتاج الإنسان فیه إلی نحو من التطاول و مدّ العنق و تحدیق العین و نحوه،و کان تعرّف الامور و اختبارها لابدّ فیه من بعث رائد الفکر الّذی هو عین النفس الّتی بها یبصر و تحدیقه نحو الامور المعقولة و إرسال المتخیّلة لتفتیش خزائن المحسوسات أشبه ذلک التطلّع فاستعار له لفظ التطلّع و کنّی به عنه،و قوله:

حین تقبّعوا .أی کان تعرّفی للأمور حین قصورهم عن ذلک،و لمّا کان التقبّع یقابل مدّ العین و التطاول إلی رؤیة الأشیاء المسمّی تطلّعا،و کان قصور أفکارهم و عدم اعتبارهم للأشیاء یقابل مدّ الفکر و تطاول الذهن إلی معرفة الامور و کان قصور الفکر أیضا و العجز عن المعرفة یشبه التقبّع استعار لفظ التقبّع و کنّی به عنه.

و قوله : و مضیت بنور اللّه حین وقفوا.

إشارة إلی فضیلة العلم أی کان سلوکی لسبیل الحقّ علی وفق العلم و هو نور اللّه الّذی لا یضلّ من اهتدی به.و ذلک حین وقفوا حائرین متردّدین جاهلین بالقصد و کیفیّة سلوک الطریق.و إنّما أثبت لنفسه هذه الفضائل و قرن کلّ فضیلة له برذیلة فیهم یقابلها لتبیّن فضله بالنسبة إلیهم إذ کان الغرض ذلک.

کنایة و قوله : و کنت أخفضهم صوتا و أعلاهم صوتا.

کنّی بخفض الصوت عن ربط الجأش فی الامور و الثبات فیها و التصمیم علی فعل ما ینبغی من غیر التفات إلی الحوادث[الجواذب خ]و الموانع علی فعل ما هو خیر و مصلحة فإنّ کثرة الأصوات و علوّها فی الأفعال الّتی هی مظنّة الخوف دلیل الفشل، و لا شکّ أنّ من کان أشدّ فی ذلک کان أعلی صوتا و أشدّ سبقا إلی مراتب الکمال و درجات السعادة ممّن کان أضعف فیه .

ص:94

استعارة و قوله: فطرت بعنانها و استبددت برهانها.

الضمیران یعودان إلی الفضیلة و إن لم یجر لها ذکر لفظیّ فاستعار هاهنا لفظ الطیران للسبق العقلیّ لما یشترکان فیه من معنی السرعة،و استعار لفظی العنان و الرهان اللذین هما من متعلّقات الخیل للفضیلة الّتی استکملتها نفسه تشبیها لها مع فضائل نفوسهم بخیل الحلبة،و وجه المشابهة أنّ الصحابة-رضی اللّه عنهم-لمّا کانوا یقتنون الفضائل و یستبقون بها إلی رضوان اللّه و سعادات الآخرة کانت فضائلهم الّتی علیها یستبقون کخیل الرهان،و لمّا کانت فضیلته علیه السّلام أکمل فضایلهم و أتمّها کانت بالنسبة إلی فضائلهم کالفرس الّذی لا یشقّ غباره.فحسن منه أن یستعیر لسبقه بها لفظ الطیران، و یجری علیها لفظ العنان و الرهان.

الفصل الثانی :قوله:لا تحرّکه القواصف.إلی قوله:آخذ الحقّ منه.

و هذا الفصل یحکی فیه قیامه بأعباء الخلافة حین انتهائها إلیه و جریه فیها علی القانون العدل و الأوامر الإلهیّة. تشبیه فقوله: کالجبل .تشبیه له فی الثبات علی الحقّ بالجبل فکما لا تحرّکها قواصف الریاح و عواصفها کذلک هو لا تحرّکه عن سواء السبیل مراعاة هوی لأحد أو اتّباع طبع یخالف ما یقتضیه سنّة اللّه و شرعه بل هو ثابت علی القانون العدل و موافقة الأمر الإلهیّ.

و قوله : لم یکن لأحد فیّ مهمز و لا لقائل فیّ مغمز.

أی لم یکن فیّ عیب اعاب به.و قد راعی فی هذه القرائن الأربع مع الأربع الأخیرة من الفصل الأوّل السجع المتوازی.

و قوله : الذلیل عندی عزیز حتّی آخذ الحقّ له.

إعزازه للذلیل اعتناؤه بحاله و اهتمامه بأمر ظلامته،و من اعتنی بحال إنسان فقد أعزّه ثمّ جعل لإعزازه غایة هی أخذ الحقّ له،و کذلک قوله : و القویّ عندی ضعیف حتّی آخذ الحقّ منه ،فإنّ ضعف القوی هو قهره تحت حکمه إلی غایه یستوفی منه حقّ المظلوم.

فإن قلت:یفهم من هاتین الغایتین أنّ نظره إلی الذلیل بعد استیفاء حقّه و إلی

ص:95

القویّ بعد أخذ الحقّ منه لا یکون علی السواء بل یکون التفاته إلی القویّ أکثر و ذلک لیس من العدل.

قلت:إنّه لمّا لم یکن الغرض من الأمر بمساواة النظر بین الخلق إلاّ أخذ حقّ الضعیف من القویّ و عدم التظالم بینهم لم تجب مساواة النظر بین الضعیف و القویّ إلاّ من تلک الجهة.و لم یکن إعزازه المقویّ و إکرامه فی غیر وجه الظلم قبیحا لجواز انفراده بفضیلة یوجب إعزازه من جهة الدین أیضا.

الفصل الثالث :قوله:رضینا عن اللّه قضاؤه و سلّمنا له أمره.إلی قوله:من

کذب علیه.

قیل:ذکر ذلک علیه السّلام لما تفرّس فی طائفة من قومه أنّهم یتّهمونه فیما یخبرهم به عن النبیّ صلی اللّه علیه و آله و سلّم من أخبار الملاحم فی الامور المستقبلة،و قد کان منهم من یواجهه بذلک کما روی أنّه لمّا قال:سلونی قبل أن تفقدونی فو اللّه لا تسألونی عن فئة تضلّ مائة و تهدی مائة إلاّ أنبأتکم بناعقها و سائقها.قام إلیه أنس النخعیّ فقال:أخبرنی کم فی رأسی و لحیتی طاقة شعر.فقال علیه السّلام:و اللّه لقد حدّثنی حبیبی أنّ علی کلّ طاقة شعر من رأسک ملک یلعنک،و أنّ علی کلّ طاقة شعر من لحیتک شیطانا یغویک،و أنّ فی بیتک سخلا یقتل ابن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلّم و کان ابنه سنان بن أنس قاتل الحسین علیه السّلام یومئذ طفلا یحبو،و سیأتی بعض تلک الأخبار.

فقوله: رضینا عن اللّه قضاءه و سلّمنا له أمره.

قد عرفت أنّ الرضا بقضاء اللّه و التسلیم لأمره باب من أبواب الجنّة یفتحه اللّه لخواصّ أولیائه،و لمّا کان علیه السّلام سیّد العارفین بعد رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلّم و کان قلم القضاء الإلهیّ قد جری علی قوم بالتکذیب له و التهمة فیما یقول لا جرم هو کان علیه السّلام أولی الناس بلزوم باب الرضا.

و قوله: أ ترانی أکذب.إلی قوله:علیه.

استنکار لما صدر منهم فی حقّه من التکذیب،و إیراد حجّة لبطلان أوهامهم فی حقّه بصورة قیاس الضمیر مع نتیجته،و تقدیره و اللّه لأنا أوّل من صدّقه و کلّ من کان

ص:96

أوّل مصدّق له فلن یکون أوّل مکذّب له ینتج أنّی لا أکون أوّل مکذّب له

الفصل الرابع :قوله:فنظرت فی أمری إلی آخره.

فیه إحتمالان:أحدهما قال بعض الشارحین:إنّه مقطوع من کلام یذکر فیه حاله بعد وفاة الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلّم و أنّه کان معهودا إلیه أن لا ینازع فی أمر الخلافة بل إن حصل له بالرفق و إلاّ فلیمسک.فقوله : فنظرت فإذا طاعتی قد سبقت بیعتی :أی طاعتی لرسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلّم فیما أمرنی به من ترک القتال قد سبقت بیعتی للقوم فلا سبیل إلی الامتناع منها.

و قوله : و إذا المیثاق فی عنقی لغیری.

أی میثاق رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلّم و عهده إلیّ بعدم المشاقّة،و قیل:المیثاق ما لزمه من بیعة أبی بکر بعد ایقاعها:أی فإذا میثاق القوم قد لزمنی فلم یمکننی المخالفة بعده.

الاحتمال الثانی:أن یکون ذلک فی تضجّره و تبرّئه من ثقل أعباء الخلافة،و تکلّف مداراة الناس علی اختلاف أهوائهم.و یکون المعنی إنّی نظرت فإذا طاعة الخلق لی و اتّفاقهم علیّ قد سبقت بیعتهم لی،و إذا میثاقهم قد صار فی عنقی فلم أجد بدّا من القیام بأمرهم و لم یسعنی عند اللّه إلاّ النهوض بأمرهم و لو لم یکن کذلک لترکت کما قال من قبل :أما و اللّه لو لا حضور الحاضر و قیام الحجّة بوجود الناصر و ما أخذ اللّه علی العلماء أن لا یقارّوا علی کظّة ظالم و لا سغب مظلوم لألقیت حبلها علی غاربها،و لسقیت آخرها بکأس أوّلها .و الأوّل أشهر بین الشارحین،و اللّه أعلم بالصواب.

37-و من خطبة له علیه السّلام

اشارة

وَ إِنَّمَا سُمِّیَتِ الشُّبْهَةُ شُبْهَةً لِأَنَّهَا تُشْبِهُ الْحَقَّ- فَأَمَّا أَوْلِیَاءُ اللَّهِ فَضِیَاؤُهُمْ فِیهَا الْیَقِینُ- وَ دَلِیلُهُمْ سَمْتُ الْهُدَی- وَ أَمَّا أَعْدَاءُ اللَّهِ فَدُعَاؤُهُمْ فِیهَا الضَّلاَلُ- وَ دَلِیلُهُمُ الْعَمَی- فَمَا یَنْجُو مِنَ الْمَوْتِ مَنْ خَافَهُ وَ لاَ یُعْطَی الْبَقَاءَ مَنْ أَحَبَّهُ

ص:97

المعنی

أقول:یحتمل أن یکون هذا الکلام فصلین :

أحدهما:قوله: و إنّما سمّیت الشبهة .إلی قوله: و دلیلهم العمی ،و الثانی:و الباقی.

فالفصل الأوّل إشارة إلی علّة تسمیة الشبهة شبهة،ثمّ إلی بیان حال الناس فیها.

أمّا الأوّل:فالشبهة عباره عمّا یشبه الحقّ ممّا یحتجّ به إمّا فی صورته أو فی مادّته أو فیهما معا،و ظاهر أنّ علّة تسمیتها شبهة هو ذلک الشبه.فلذلک حصرها فیه.

و أمّا الثانی:فلأنّ الناس إمّا أولیاء اللّه أو أعداء له.أمّا أولیاؤه فلمّا کانت نفوسهم مشرقة بنور الیقین مستضیئة بمصباح النبوّة فی سلوک الصراط المستقیم کان بتلک الأنوار هدی أذهانهم فی ظلمات الشبهات و حرزهم عن الهوی فی مهاوی الجهالات کما قال تعالی «یَسْعی نُورُهُمْ بَیْنَ أَیْدِیهِمْ وَ بِأَیْمانِهِمْ بُشْراکُمُ الْیَوْمَ جَنّاتٌ تَجْرِی مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ» (1)الآیة.و هو الهدی المأمور بلزوم سمته و السلوک إلی المطالب الحقّة،و هو المراد بقوله: فضیاؤهم فیها الیقین،و دلیلهم سمت الهدی ،و أمّا أعداؤه فلیس دعاؤهم إلی ما یدعون إلیه إلاّ ضلالا عن القصد القویم،و إضلالا للخلق عن الطریق الحقّ و لیس ما یعتمدونه دلیلا یزعمون أنّهم یهدون به السبیل إلاّ شبهة هی فی نفسها عمی لأبصارهم [لبصائرهم خ]عن مطالعة نور الحقّ و طمس لأذهان من استجاب لهم عند اهتداء سلوک سبیل اللّه «وَ مَنْ لَمْ یَجْعَلِ اللّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ »

و أمّا الفصل الثانی:و هو قوله:فما ینجو.إلی آخره.

فصدق القضیّة الاولی قوله تعالی «قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِی تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِیکُمْ» (2)و قوله «أَیْنَما تَکُونُوا یُدْرِکْکُمُ الْمَوْتُ» (3)الآیة.و حاصله التذکیر بها دم اللذّات،و التخویف بذکره،و التنفیر عن محبّة ما لا بدّ من زواله لیفرغ السامعون إلی العمل لما بعده إن أخذ التوفیق بأزمّة عقولهم فإنّ خوفه و محبّة ضدّه و هو البقاء لا ینفعان فی الخلاص منه لکونه ضروریّا فی الطبیعة،و یحتمل أن یکون الکلام متصّلا و یکون الفصل الثانی قد سبق له قبل الأوّل کلام یحسن تعلّقه به،و باللّه التوفیق.

ص:98


1- 1) 57-12
2- 2) 63-8
3- 3) 4-80

38-و من خطبة له علیه السّلام

اشارة

مُنِیتُ بِمَنْ لاَ یُطِیعُ إِذَا أَمَرْتُ- وَ لاَ یُجِیبُ إِذَا دَعَوْتُ- لاَ أَبَا لَکُمْ مَا تَنْتَظِرُونَ بِنَصْرِکُمْ رَبَّکُمْ- أَ مَا دِینٌ یَجْمَعُکُمْ وَ لاَ حَمِیَّةَ تُحْمِشُکُمْ- أَقُومُ فِیکُمْ مُسْتَصْرِخاً وَ أُنَادِیکُمْ مُتَغَوِّثاً- فَلاَ تَسْمَعُونَ لِی قَوْلاً وَ لاَ تُطِیعُونَ لِی أَمْراً- حَتَّی تَکَشَّفَ الْأُمُورُ عَنْ عَوَاقِبِ الْمَسَاءَةِ- فَمَا یُدْرَکُ بِکُمْ ثَارٌ وَ لاَ یُبْلَغُ بِکُمْ مَرَامٌ- دَعَوْتُکُمْ إِلَی نَصْرِ إِخْوَانِکُمْ- فَجَرْجَرْتُمْ جَرْجَرَةَ الْجَمَلِ الْأَسَرِّ- وَ تَثَاقَلْتُمْ تَثَاقُلَ النِّضْوِ الْأَدْبَرِ- ثُمَّ خَرَجَ إِلَیَّ مِنْکُمْ جُنَیْدٌ مُتَذَائِبٌ ضَعِیفٌ- «کَأَنَّما یُساقُونَ إِلَی الْمَوْتِ وَ هُمْ یَنْظُرُونَ» أقول:یروی أنّ هذه الخطبة خطب بها علیه السّلام فی غارة النعمان بن بشیر بعین التمر.و السبب أنّ معاویة بعث النعمان بن بشیر فی ألفی فارس لإرهاب أهل العراق فأقبل حتّی دنا من عین التمر،و کان عاملها یومئذ من قبل علیّ علیه السّلام مالک بن کعب الأرجیّ و لم یکن معه إذ ذاک سوی مائة رجل و نحوها فکتب مالک إلیه علیه السّلام یعلمه الخبر.فصعد المنبر فحمد اللّه و أثنی علیه ثمّ قال:اخرجوا هداکم اللّه إلی مالک بن کعب أحنیکم فإنّ نعمان بن بشیر قد نزل به فی جمع من أهل الشام لیس بالکثیر فانهضوا إلی إخوانکم لعلّ اللّه یقطع بکم طرفا من الکافرین.ثمّ نزل فتثاقلوا فأرسل إلی وجوههم فأمرهم بالنهوض فتثاقلوا و لم یجتمع منهم إلاّ نفر یسیر نحو ثلاث مائة رجل فقام علیه السّلام و قال:[ألا إنّی]منیت.الفصل،و یروی أنّ الدایرة کانت لمالک بمن معه علی النعمان و جمعه.

اللغة

منیت : أی ابتلیت .و یحمشکم : أی یغضبکم .و المستصرخ : المستجلب بصوته من ینصره .و الغوث : الصوت یستصرخ به،و قیل:هو قول الرجل:وا غوثاه .و الثار : الذحل .

ص:99

و الجرجرة : تردید صوت البعیر فی ضجرته عند عسفه .و السرّ : داء یأخذ البعیر فی سرّته یقال منه جمل أسرّ .و النضو من الإبل : البالی من تعب السیر .و الأدبر : الّذی به دبر و هی القروح فی ظهره .

و فی الفصل مطالب :

الأوّل:قوله:منیت بمن لا یطیع.إلی قوله:دعوت.

و هو إظهار لغدر نفسه علی أصحابه لینسب إلیهم التقصیر دونه و یقع علیهم لائمة غیرهم .

الثانی: استفهام علی سبیل الإنکار

قوله: لا أبا لکم.إلی قوله:مرام.

و هو استنهاض لهم إلی نصرة اللّه بسؤالهم عن سبب تثاقلهم عن نصرته و الذبّ عن دینه سؤالا علی سبیل الإنکار للسبب،و تنبیه لهم علی الأسباب الّتی توجب اجتماعهم لنصرة اللّه و الغضب له بسؤالهم عنها هل هی موجودة لهم أم لا سؤالا علی سبیل الإنکار أیضا إذ هم یدّعون وجودها لهم و هی الدین الّذی امروا بلزومه و الاتّحاد فیه کما قال تعالی «وَ ما أُمِرُوا إِلاّ لِیَعْبُدُوا اللّهَ مُخْلِصِینَ لَهُ الدِّینَ حُنَفاءَ» (1)الآیة.ثمّ الحمیّة و هی ملکة تحت الشجاعة ،و کذلک قوله: أقوم فیکم .إلی قوله: أمرا .من الأسباب الباعثة لهم أیضا علی الاجتماع فإنّ ذکر حاله من استصراخه لهم و استغاثته بهم مع ذکر حالهم فی مقابلة ذلک من تثاقلهم عن ندائه و عدم طاعتهم له ممّا ینبّئهم علی خطأهم و تقصیرهم .

و قوله: حتّی تکشّف الامور عن عواقب المسائة.

ذکر لغایة تثاقلهم عن دعوته و تنبیه بذکر استعقابه للمساءة علی خطأهم فیه،و کذلک قوله: فما یدرک بکم ثار و لا یبلغ بکم مرام .عتاب و توبیخ یبعث طباع العرب علی التآلف فی النصرة إذ من شأنهم ثوران الطباع بمثل هذه الأقوال.

و قوله:دعوتکم.إلی قوله:الأدبر .

استعارة و قوله: دعوتکم.إلی قوله:الأدبر.

استعار لفظ الجرجرة لکثرة تملّلهم و قوّة تضجّرهم من ثقل ما یدعوهم إلیه،و لمّا کانت جرجرة الجمل الأسرّ أشدّ من جرجرة غیره لاحظ شبه ما نسبه إلیهم من التضجّر بها.و کذلک تشبیهه تثاقلهم بتثاقل النضو الأدبر و ذکرهم ما دعاهم إلیه من

ص:100


1- 1) 98-4

نصرة أخوانهم أعنی أصحاب مالک بن کعب المذکور و جوابهم له بالتبرّم من ذلک و التثاقل ثمّ أردف ذلک بتصغیر من خرج منهم من الجند و وصفه بالاضطراب و الضعف.و تشبیههم بمن یساق إلی الموت و هو ینظر فی تثاقله و اضطرابه و ضعفه عن الحرکة إلی ما یساق إلیه لشدّة خوفه.کلّ ذلک ذمّ و توبیخ یستثیر به طباعهم عمّا هی علیه من التثاقل عن ندائه و التقصیر فی إجابة دعائه.و باللّه التوفیق.

39-و من کلام له علیه السّلام

اشارة

فی الخوارج لما سمع قولهم:لا حکم إلا للّه،

قال علیه السّلام کَلِمَةُ حَقٍّ یُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ- نَعَمْ إِنَّهُ لاَ حُکْمَ إِلاَّ لِلَّهِ- وَ لَکِنَّ هَؤُلاَءِ یَقُولُونَ لاَ إِمْرَةَ- إِلاَّ لِلَّهِ- وَ إِنَّهُ لاَ بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِیرٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ- یَعْمَلُ فِی إِمْرَتِهِ الْمُؤْمِنُ- وَ یَسْتَمْتِعُ فِیهَا الْکَافِرُ- وَ یُبَلِّغُ اللَّهُ فِیهَا الْأَجَلَ وَ یُجْمَعُ بِهِ الْفَیْءُ- وَ یُقَاتَلُ بِهِ الْعَدُوُّ وَ تَأْمَنُ بِهِ السُّبُلُ- وَ یُؤْخَذُ بِهِ لِلضَّعِیفِ مِنَ الْقَوِیِّ- حَتَّی یَسْتَرِیحَ بَرٌّ وَ یُسْتَرَاحَ مِنْ فَاجِرٍ- وَ فِی رِوَایَةٍ أُخْرَی أَنَّهُ ع لَمَّا سَمِعَ تَحْکِیمَهُمْ قَالَ حُکْمَ اللَّهِ أَنْتَظِرُ فِیکُمْ- وَ قَالَ أَمَّا الْإِمْرَةُ الْبَرَّةُ فَیَعْمَلُ فِیهَا التَّقِیُّ- وَ أَمَّا الْإِمْرَةُ الْفَاجِرَةُ فَیَتَمَتَّعُ فِیهَا الشَّقِیُّ- إِلَی أَنْ تَنْقَطِعَ مُدَّتُهُ وَ تُدْرِکَهُ مَنِیَّتُهُ

المعنی

قوله:کلمة حقّ یراد بها الباطل

أقول:قوله: کلمة حقّ یراد بها الباطل .هذه کلمة ردّ لما انغرس فی أذهان الخوارج من حقیّة دعاء أصحاب معاویة إلی کتاب اللّه:أی أنّ دعائهم لکم إلی کتاب اللّه کلمة حقّ

ص:101

لکن لیس مقصودهم بها کتاب اللّه بل غرض آخر باطل و هو فتور الحرب عنهم و تفرّق أهوائکم و نحوه ممّا لا یجوز أن یفعل .

قوله:لا حکم إلاّ للّه.

قوله: لا حکم إلاّ للّه.

تصدیق لقولهم لکن لما علیه الکلمة فی نفس الأمر لا لما رأوه حقّا من ظاهرها فإنّ حصر الحکم لیس بحقّ علی معنی أنّه لیس للعبد أن یحکم بغیر ما نصّ کتاب اللّه علیه فإنّ أکثر الأحکام الفروعیّة غیر منصوص علیها مع أنّها أحکام اللّه بل تکون منتزعة بحسب الاجتهاد و سایر طرقها لمن کان أهلا لذلک،و یجب علی من لیس له أهلیّة الاجتهاد امتثالها،و لمّا تصوّر الخوارج تلک الکلمة بمعنی أنّه لا یصحّ حکم لم یوجد فی کتاب اللّه و لا یجوز امتثاله و العمل به لا جرم قال :نعم لا حکم إلاّ للّه لکن هؤلاء القوم یقولون:

لا إمرة:أی لمّا نفوا أن یکون لغیر اللّه حکم لم ینصّ علیه فقد نفوا الإمرة لأنّ استنباط الأحکام و النظر فی وجوه المصالح من لوازم الإمرة الّتی هی حال الأمیر فی رعیّته،و نفی اللازم یستلزم نفی الملزوم،و لمّا کانوا قد نفوا الإمرة کذّبهم علیه السّلام بقوله : و لا بدّ للناس من أمیر برّ أو فاجر .فکان جملة الکلام فی معنی شرطیّة متّصلة هکذا:إذا قالوا لا حکم إلاّ للّه کما تصوّروه فقد قالوا بنفی الإمرة لکنّ القول بنفی الإمرة باطل فالقول بنفی الحکم إلاّ للّه کما تصوّروه باطل.فقوله: و لا بدّ للناس من أمیر .فی معنی استثناء نقیض تالی المتّصلة،و تقریره:أنّ الإنسان خلق ممنوّا بمقارنة النفس الأمّارة بالسوء محتاجا إلی مجموع قوی فی بدنه هی منابع الشرّ.فأهواء الخلق لذلک مختلفة،و قلوبهم متفرّقة فکانت طبیعة نظام أحوالهم فی معاشهم و بقائهم محوجة إلی سلطان قاهر تأتلف برهبته الأهواء،و تجتمع بهیبته القلوب،و تنکفّ بسطوته الأیدی العادیة إذ فی طباع الخلق من حبّ المغالبة علی ما آثروه،و القهر لمن عاندوه ما لا ینکفّون عنه إلاّ بمانع قویّ و رادع ملیّ.و قد أفصح المتنبّی عن ذلک حیث یقول:

لا یسلم الشرف الرفیع من الأذی حتّی یراق علی جوانبه الدم

و الظلم من شیم النفوس فإن تجد ذاعفة فلعلّة لا یظلم

و هذه العلّة المانعة من الظلم عند الاستقراء یرجع إلی امور أربعة:إمّا عقل زاجر،

ص:102

أو دین حاجز،أو عجز مانع،أو سلطان رادع.و السلطان القاهر أبلغها نفعا لأنّ العقل و الدین ربّما کانا مغلوبین بدواعی الهوی فیکون رهبة السلطان أقوی ردعا و أعمّ نفعا و إن کان جائرا فإنّه روی عن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلّم:إنّ اللّه لیؤیّد هذا الدین بقوم لا خلاق لهم فی الآخرة،و روی:بالرجل الفاسق،و روی عنه أنّه قال:الإمام الجائر خیر من الفتنة فکلّ لا خیر فیه فی،و بعض الشرّ خیار:أی و أنّ وجود الإمام و إن کان جائرا خیر من عدمه المستلزم لوجود الفتنة و وقوع الهرج و المرج بین الخلق إذ کان بوجوده صلاح بعض الامور علی أنّه و إن کان لا خیر فیه أیضا من جهة ما هو جائر کما قال:

و کلّ لا خیر فیه إلاّ أنّ هیبته و وجوده بین الخلق ممّا یوجب الانزجار عن إثارة الفتن و یکون ذلک خیرا وقع فی الوجود بوجوده لا یحصل مع عدمه فوجوده مطلقا واجب و ذلک معنی قوله علیه السّلام:لا بدّ للناس من أمیر برّ أو فاجر.

و قوله:یعمل فی إمرته المؤمن و یستمتع فیها الکافر.

و قوله: یعمل فی إمرته المؤمن و یستمتع فیها الکافر.

الضمیر فی إمرته لمّا عاد إلی الأمیر،و کان لفظ الأمیر محتملا للبرّ و الفاجر کان المراد بالإمرة الّتی یعمل فیها المؤمن إمرة الأمیر من حیث هو برّ،و بالّتی یستمتع فیها الکافر إمرته من حیث هو فاجر،و هذا أولی من قول بعض الشارحین:إنّ الضمیر یعود إلی الفاجر فإنّ إمرة الفاجر لیست مظنّة تمکّن المؤمن من عمله،و المراد یعمل المؤمن فی إمرة البرّ عمله علی وفق أوامر اللّه و نواهیه إذ ذلک وقت تمکّنه منه،و المراد باستمتاع الکافر فی إمرة الفاجر انهما که فی اللذّات الحاضرة الّتی یخالف فیها أوامر اللّه و ذلک فی وقت تمکّنه من مخالفة الدین .

و قوله:یبلّغ اللّه فیها الأجل.

و قوله: یبلّغ اللّه فیها الأجل.

أی فی إمرة الأمیر سواء کان برّا أو فاجرا،و فائدة هذه الکلمة تذکیر العصاة ببلوغ الأجل و تخویفهم به .

و قوله:و یجمع به الفیء.إلی قوله:القویّ.

و قوله: و یجمع به الفیء.إلی قوله:القویّ.

الضمائر المجرورة کلّها راجعة إلی الأمیر المطلق إذ قد تحصل الامور المذکورة کلّها من وجوده کیف کان برّا أو فاجرا.و ممّا یؤیّد ذلک أنّ أکثر الخلق متّفقون علی أنّ

ص:103

امراء بنی امیّة کانوا فجّارا عدا رجلین أو ثلاثة:کعثمان و عمر بن عبد العزیز و کان الفیء یجمع بهم،و البلاد تفتح فی أیّامهم،و الثغور الإسلامیّة محروسة،و السبل آمنة، و القویّ مأخوذ بالضعیف،و لم یضرّ جورهم شیئا فی تلک الامور .

و قوله:حتّی یستریح برّ و یستراح من فاجر.

و قوله :حتّی یستریح برّ و یستراح من فاجر.

غایة من الامور المذکورة:أی غایة صدور هذه الامور أن یستریح برّ بوجودها و یستراح من تعدّی الفاجر و بغیه،و قیل:أراد أنّ هذه الامور لا تزال تحصل بوجود الأمیر برّا کان جرا إلی أن یستریح برّ بموته،و یستراح من فاجر بموته أو بعزله، و أمّا الروایة الاخری فمعنی الکلام فیها ظاهر،و باللّه التوفیق.

40-و من خطبة له علیه السّلام

اشارة

إِنَّ الْوَفَاءَ تَوْأَمُ الصِّدْقِ وَ لاَ أَعْلَمُ جُنَّةً أَوْقَی مِنْهُ- وَ مَا یَغْدِرُ مَنْ عَلِمَ کَیْفَ الْمَرْجِعُ- وَ لَقَدْ أَصْبَحْنَا فِی زَمَانٍ قَدِ اتَّخَذَ أَکْثَرُ أَهْلِهِ الْغَدْرَ کَیْساً- وَ نَسَبَهُمْ أَهْلُ الْجَهْلِ فِیهِ إِلَی حُسْنِ الْحِیلَةِ- مَا لَهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ- قَدْ یَرَی الْحُوَّلُ الْقُلَّبُ وَجْهَ الْحِیلَةِ وَ دُونَهَا مَانِعٌ- مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَ نَهْیِهِ- فَیَدَعُهَا رَأْیَ عَیْنٍ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَیْهَا- وَ یَنْتَهِزُ فُرْصَتَهَا مَنْ لاَ حَرِیجَةَ لَهُ فِی الدِّینِ

اللغة

أقول: الجنّة : ما استترت به من سلاح و نحوه .و القلّب الحوّل : الّذی یکثر تحوّله و تقلّبه فی اختیار الامور،و تعرّف وجوهها .و الانتهاز : المبادرة إلی الأمر .

و الفرصة : وقت الإمکان .و الحریجة : التخرّج و هو التحرّز من الحرج و الإثم .

المعنی

اشارة

استعارة و اعلم أنّ الوفاء ملکة نفسانیّة ینشأ من لزوم العهد کما ینبغی،و البقاء علیه، و الصدق ملکة تحصل من لزوم الأقوال المطابقة،و هما فضیلتان داخلتان تحت فضیلة

ص:104

العفّة متلازمتان،و لمّا کان التوأم هو الولد المقارن لولد آخر فی بطن واحد اشبهه الوفاء لمقارنته الصدق تحت العفّة،فاستعار لفظه له. ثمّ لمّا کانت فضیلة الوفاء مقابلة برذیلة الغدر و فضیلة الصدق مقابلة برذیلة الکذب و رذیلتا الغدر و الکذب أیضا توأمین تحت رذیلة الفجور المقابلة لفضیلة العفّة .

قوله:و لا أعلم جنّة أوقی منه.

قوله: و لا أعلم جنّة أوقی منه.

حکم ظاهر فإنّ الوفاء وقایة تامّة للمرء أمّا فی آخرته فللاستتارة به من عذاب اللّه الّذی هو أعظم محذور،و أمّا فی دنیاه فللاستتارة به من السبّ و العار و ما یلزمه عدم الوفاء من الغدر و الکذب الملطخین لوجه النفس.و إذا علمت أنّه لا نسبة لشیء ممّا یجتنّ منه بالأسلحة و غیرها إلی ما یتوقّی بالوفاء علمت أنّه لا جنّة أوقی من الوفاء،و ممادح الوفاء و مذامّ الغدر کثیرة قال اللّه تعالی «الَّذِینَ یُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَ لا یَنْقُضُونَ الْمِیثاقَ» (1)وَ الذین یوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُواالآیة و قال فی تمدّحه بالوفاء «وَ مَنْ أَوْفی بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ» قال و مَنْ «نَکَثَ فَإِنَّما یَنْکُثُ عَلی نَفْسِهِ وَ مَنْ أَوْفی بِما عاهَدَ عَلَیْهُ اللّهَ فَسَیُؤْتِیهِ أَجْراً عَظِیماً» (2)و من الخبر فی ذمّ الغدر:لکلّ غادر لواء یعرف به یوم القیامة .

و قوله:و لا یغدر من علم کیف المرجع.

و قوله: و لا یغدر من علم کیف المرجع.

أقول:العلم بکیفیّة المرجع إلی اللّه تعالی و الاطّلاع علی منازل السفر إلیه و علی أحوال الآخرة الّتی هی المستقرّ صارف قویّ عن ارتکاب الرذائل الّتی من جملتها الغدر و إنّما خصّ الغدر بنسبة أهله إلی الجهل بأمر المعاد لکونه فی معرض مدح الوفاء و الترغیب فیه .

قوله:و لقد أصبحنا فی زمان.إلی قوله:الحیلة

قوله: و لقد أصبحنا فی زمان. إلی قوله: الحیلة.

أقول:إنّما اتّخذ أهل الزمان الغدر کیسا و نسبهم کثیر إلی حسن الحیلة لجهل الفریقین بثمرة الغدر و لعدم تمییزهم بین الغدر و الکیس فإنّه لمّا کان الغدر کثیرا ما یستلزم الذکاء و الفطنة لوجه الحیله و ایقاعها بالمغدور به و کان الکیس أیضا عبارة عن الفطانة و الذکاء وجودة الرأی فی استخراج وجوه المصالح الّتی تنبغی کانت بینهما مشارکة فی استلزام مفهومیها للتفطّن و الذکاء فی استخراج وجه الحیلة و ایقاع الآراء

ص:105


1- 1) 13-20
2- 2) 48-10

إلاّ أنّ تفطّن الغادر یستعمله فی استنباط الحیلة و إن خالفت القوانین الشرعیّة و فاتت المصالح الکلیّة فی جنب مصلحة جزئیّة تخصّه،و تفطّن الکیّس إنّما یستعمله فی ایقاع رأی أو حیلة تنتظم مصلحة العالم و توافق القوانین الشرعیّة،و لدقّة الفرق بینهما استعمل الغادرون غدرهم فی موضع الکیس،و نسبهم أیضا الجاهلون فی غدرهم إلی حسن حیلتهم کما نسب ذلک إلی عمرو بن العاص و المغیرة بن شعبه و نحوهما،و لم یعلموا أنّ حیلة الغادر تخرجه إلی رذیلة الفجور،و لا حسن فی حیلة جرّت إلی رذیلة .

و قوله:ما لهم قاتلهم اللّه قد یری.إلی آخره.

کنایة و قوله: ما لهم قاتلهم اللّه قد یری .إلی آخره.

دعاء علیهم بقتال اللّه لهم بعد استفهامه عن خوضهم فی أمره استفهاما علی سبیل الإنکار،و قد علمت أن قتال اللّه کنایة عن عداوته و البعد عن رحمته،و ظاهر أنّ أهل الغدر بعداء عن رحمة اللّه ،ثمّ أردف ذلک الدعاء بالإشارة إلی أنّه لا فضیلة لهم فیما یفتحزون به من الذکاء فی استنباط وجوه الحیلة إذ کانت غایتهم الغدر و الخیانة فإنّ الحوّل القلّب فی الامور قد یری وجه الحیلة عیانا إلاّ أنّه یلاحظ فی العمل بها مانع من اللّه و نهیه عن ارتکابها لما یؤدّی إلیه من ارتکاب الرذائل الموبقة فیترکها رأی عینه:أی حال ما هی مرئیّة له و بعد القدرة علیها خوفا من اللّه تعالی.ثمّ یراها من لا یعتقد إثما فی حزم قواعد الدین فیبادر إلیها حال إمکانها و لیس ذلک لفضیلة بل الفضل فی الحقیقة لتارکها عن وازع الدین،و الإشارة بالحوّل القلّب إلی نفسه فإنّ شیمه الکریمة کانت کذلک.

41-و من کلام له علیه السّلام

اشارة

:أَیُّهَا النَّاسُ إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَیْکُمُ إثْنَانِ اتِّبَاعُ الْهَوَی وَ طُولُ الْأَمَلِ- فَأَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَی فَیَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ- وَ أَمَّا طُولُ الْأَمَلِ فَیُنْسِی الْآخِرَةَ- أَلاَ وَ إِنَّ الدُّنْیَا قَدْ وَلَّتْ حَذَّاءَ- فَلَمْ یَبْقَ مِنْهَا إِلاَّ صُبَابَةٌ کَصُبَابَةِ الْإِنَاءِ- اصْطَبَّهَا صَابُّهَا- أَلاَ وَ إِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ وَ لِکُلٍّ مِنْهُمَا بَنُونَ- فَکُونُوا

ص:106

مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ وَ لاَ تَکُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْیَا- فَإِنَّ کُلَّ وَلَدٍ سَیُلْحَقُ بِأُمِّهِ یَوْمَ الْقِیَامَةِ- وَ إِنَّ الْیَوْمَ عَمَلٌ وَ لاَ حِسَابَ وَ غَداً حِسَابٌ وَ لاَ عَمَلَ

اللغة

أقول: حذّاء : خفیفة مسرعة لا یتغلّق أحد منهما بشیء .و الصبابة : بقیّة الماء فی الإناء .

المعنی

اشارة

و المقصود بهذا الفصل النهی عن الهوی و طول الأمل فی الدنیا فإنّهما من أشدّ أسباب الهلاک فکان الجلاء عنهما من أشدّ أسباب النجاة کما قال تعالی «فَأَمّا مَنْ طَغی وَ آثَرَ الْحَیاةَ الدُّنْیا فَإِنَّ الْجَحِیمَ هِیَ الْمَأْوی وَ أَمّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَ نَهَی النَّفْسَ عَنِ الْهَوی فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِیَ الْمَأْوی» (1)ثمّ التذکیر بامور الآخره.

فاعلم أنّ الهوی هو میل النفس الأمّارة بالسوء إلی مقتضی طباعها من اللذّات الدنیویّة إلی حدّ الخروج عن حدود الشریعة،و أمّا الأمل فقد سبق بیانه،و لمّا کانت السعادة التامّة إنّما هی فی مشاهدة حضرة الربوبیّة و مجاورة الملأ الأعلی «فِی مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِیکٍ مُقْتَدِرٍ» ،و کان اتّباع النفس الأمّارة بالسوء فی میولها الطبیعیّة و الانهماک فی ملذّاتها الفانیة أشدّ مهلک جاذب للإنسان عن قصد الحقّ،و صادّ له عن سلوک سبیله و عن الترقیّ فی ملکوت السماوات إلی حضیض جهنّم کما قال سیّد المرسلین صلی اللّه علیه و آله و سلّم:

ثلاث مهلکات:شحّ مطاع،و هوی متّبع،و إعجاب المرء بنفسه،و کما قال:حبّ الدنیا رأس کلّ خطیئة،و قال:الدنیا و الآخرة ضرّتان بقدر ما یقرب من إحداهما یبعد من الاخری.لا جرم کان أخوف ما ینبغی أن یخاف من الامور المهلکة اتّباع الهوی، و أمّا الأمل فمراده به أیضا الأمل لما لا ینبغی أن یمدّ الأمل فیه من المقتنیات الفانیة و ظاهر أنّ طول الأمل فیها یکون مطابقا لاتّباع الهوی و به یکون نسیان الآخرة لأنّ طول توقّع الامور المحبوبة الدنیویّة یوجب دوام ملاحظتها،و دوام ملاحظتها مستلزم لدوام إعراض النفس عن ملاحظة أحوال الآخرة و هو مستعقب لا نمحاء ما تصوّر فی

ص:107


1- 1) 79-37

الذهن منها و ذلک معنی النسیان لها و بذلک یکون الهلاک الأبدیّ و الشقاء الأشقی، و لمّا کان علیه السّلام هو المتولّی لإصلاح حال الخلق فی امور معاشهم و معادهم کان الاهتمام بصلاحهم منوطا بهمّته العلّیّة فلا جرم نسب الخوف علیهم إلی نفسه .

قوله:ألا و إنّ الدنیا قد ولّت.إلی قوله:صابّها.

استعارة قوله: ألا و إنّ الدنیا قد ولّت.إلی قوله:صابّها .

أقول:الدنیا بالنسبة إلی کلّ شخص مفارقة له و خفیفة سریعة الأجفال لم یبق منها بالقیاس إلیه إلاّ الیسیر،و إطلاق الصبابة هاهنا استعارة لبقیّتها القلیلة،و القلّة هی وجه تشبیهها بصبابة الإناء أیضا .

و قوله:ألا و إنّ الآخرة قد أقبلت.

و قوله: ألا و إنّ الآخرة قد أقبلت.

لمّا نبّه علی أنّ الدنیا سریعة الأجفال أردف ذلک بالتنبیه علی سرعة لحوق الآخرة و إقبالها،و کلّ ذلک قطع للآمال الفانیة و ردع عن اتّباع الهوی.و من آثار الصالحین :إذا کان العمر فی إدبار و الموت فی إقبال فما أسرع الملتقی .و الموت هو دهلیز الآخرة .

و قوله:و لکلّ منهما بنون.إلی قوله:یوم القیامة

استعارة و قوله: و لکلّ منهما بنون.إلی قوله:یوم القیامة .

من لطائف کلامه.فاستعار لفظ الأبناء للخلق بالنسبة إلی الدنیا و الآخرة،و لفظ الأب لهما،و وجه الاستعارة أنّ الابن لمّا کان من شأنه المیل إلی والده إمّا میلا طبیعیّا أو بحسب تصوّر المنفعة منه.و کان الخلق منهم من یرید الدنیا.و منهم من یرید الآخرة، و یمیل کلّ منهما إلی مراده مع ما یحصل من طرف الدنیا للراغبین فیها ممّا یتوهّمونه لذّة و خیرا،و ما یحصل من طرف الآخرة للراغبین فیها من اللذّة و السعادة أشبه کلّ بالنسبة إلی ما رغب فیه و استفاد منه الخیر الابن بالنسبة إلی الأب.فاستعیر لفظه لتلک المشابهة، و لمّا کان غرضه حثّ الخلق علی السعی للآخرة و المیل إلیها و الإعراض عن الدنیا،قال علیه السّلام :فکونوا من أبناء الآخرة و لا تکونوا من أبناء الدنیا ثمّ ذکر فایدة رأیه علیهم بأن یکونوا کذلک.و هی أنّ کلّ ولد سیلحق بامّه یوم القیامة،و أشار:إلی أنّ أبناء الآخرة و الطالبین لها و العاملین لأجلها مقرّبون فی الآخرة لا حقوق لمراداتهم فیها،و لهم فیها ما تشتهی أنفسهم و لهم ما یدّعون «نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِیمٍ» ،و أمّا أبناء الدنیا فانّ نفوسهم لمّا کانت مستغرقة فی محبّتها و ناسیة لطرف الآخرة و معرضة عنها لا جرم

ص:108

کانت یوم القیامة مغمورة فی محبّة الباطل مغلولة بسلاسل السیئات البدنیّة و الملکات الردیئة المتمکّنة من جواهرها فهی لتعلّقها بمحبّة الدنیا حیث لا یتمکّن من محبوبها بمنزلة ولد لا تعلّق له و لا مسکة إلاّ بوالده و لا إلف له إلاّ هو و لا انس إلاّ معه،ثمّ حیل بینه و بینه مع شدّة تعلّقه به و شوقه إلیه و اخذ إلی أضیق الأسجان،و بدّل بالعزّ الهوان فهو فی أشدّ و له و یتم و أعظم حسرة و غمّ،و أمّا أبناء الآخرة ففی حضانة أبیهم و نعیمه قد زال عنهم بؤس الغربة و شقاء الیتم و سوء الحضن.فمن الواجب إذن تعرّف أحوال الوالدین و اتّباع أبرّهما و أدومهما شفقة و أعظمهما برکة و ما هی إلاّ الآخرة فلیکن ذو العقل من أبناء الآخرة و لیکن برّا بوالده متوصّلا إلیه بأقوی الأسباب و أمتنها .

و قوله:و إنّ الیوم عمل.إلی آخر.

استعارة مقابلة و قوله: و إنّ الیوم عمل .إلی آخر.

کنّی بالیوم عن مدّة الحیاة و بعد عمّا بعد الموت،و راعی المقابلة فقابل الیوم بالغد،و العمل بلا عمل،و لا حساب بالحساب .و الیوم:اسم إنّ،و عمل:قام مقام الخبر استعمالا للمضاف إلیه مقام المضاف:أی و الیوم یوم العمل،و یحتمل أن یکون اسم إنّ ضمیر الشأن،و الیوم عمل جملة من مبتدأ و خبر هی خبرها،و کذلک قوله: و غدا حساب و لا عمل ،و صدق هذین الحکمین ظاهر و فایدتهما التنبیه علی وقتی العمل و عدمه لیبادروا إلی العمل الّذی به یکونون من أبناء الآخرة فی وقت إمکانه قبل مجیء الغد الّذی هو وقت الحساب دون العمل،و باللّه التوفیق.

42-و من کلام له علیه السّلام

اشارة

و قد أشار علیه أصحابه بالاستعداد للحرب بعد إرساله جریر ابن عبد اللّه البجلی إلی معاویة إِنَّ اسْتِعْدَادِی لِحَرْبِ أَهْلِ؟الشَّامِ؟ وَ؟جَرِیرٌ؟ عِنْدَهُمْ- إِغْلاَقٌ؟لِلشَّامِ؟ وَ صَرْفٌ لِأَهْلِهِ عَنْ خَیْرٍ إِنْ أَرَادُوهُ- وَ لَکِنْ قَدْ وَقَّتُّ؟لِجَرِیرٍ؟ وَقْتاً لاَ یُقِیمُ بَعْدَهُ- إِلاَّ مَخْدُوعاً

ص:109

أَوْ عَاصِیاً- وَ الرَّأْیُ عِنْدِی مَعَ الْأَنَاةِ فَأَرْوِدُوا- وَ لاَ أَکْرَهُ لَکُمُ الْإِعْدَادَ- وَ لَقَدْ ضَرَبْتُ أَنْفَ هَذَا الْأَمْرِ وَ عَیْنَهُ- وَ قَلَّبْتُ ظَهْرَهُ وَ بَطْنَهُ- فَلَمْ أَرَ لِی إِلاَّ الْقِتَالَ أَوِ الْکُفْرَ- إِنَّهُ قَدْ کَانَ عَلَی الْأُمَّةِ وَالٍ أَحْدَثَ أَحْدَاثاً- وَ أَوْجَدَ النَّاسَ مَقَالاً فَقَالُوا- ثُمَّ نَقَمُوا فَغَیَّرُوا أقول:و قد کان فی ظنّ کثیر من الصحابة بعد ولایة علیّ علیه السّلام أنّ معاویة لا یطیع له بأمارات کثیرة،و لذلک أشار علیه أصحابه و بعد إرسال جریر إلیه بالاستعداد لحربه،و روی أنّ جریرا لمّا أراد بعثه قال:و اللّه یا أمیر المؤمنین ما أدّخرک من نصرتی شیئا،و ما أطمع لک فی معاویة فقال علیه السّلام:قصدی حجّة أقمتها.ثمّ کتب معه:

أمّا بعد فإنّ بیعتی بالمدینة لزمتک و أنت بالشام لأنّه بایعنی القوم الّذین بایعوا أبا بکر و عمر و عثمان علی ما بایعوهم علیه فلم یکن للشاهد أن یختار و لا للغائب أن یردّ، و إنّما الشوری للمهاجرین و الأنصار إذا اجتمعوا علی رجل فسمّوه إماما کان ذلک رضا فإن خرج من أمرهم خارج بطعن أو رغبة ردّوه إلی ما خرج منه فإن أبی قاتلوه علی اتّباع غیر سبیل المؤمنین و ولاّه اللّه ما تولّی و یصلیه جهنّم و ساءت مصیرا، و إنّ طلحة و الزبیر بایعانی ثمّ نقضا بیعتی فکان نقضهما کردّتهما فجاهدتهما علی ذلک حتّی جاء الحقّ و ظهر أمر اللّه و هم کارهون.فادخل فیما دخل فیه المسلمون فإنّ أحبّ الامور إلیّ فیک العافیة إلاّ أن تتعرّض للبلاء فإن تعرّضت له قاتلتک و استعنت باللّه علیک.و قد أکثرت فی قتلة عثمان فادخل فیما دخل فیه الناس ثمّ حاکموا القوم إلیّ أحملک و إیّاهم علی کتاب اللّه فأمّا تلک الّتی تریدها فخدعة الصبّی عن اللبن،و لعمری و إن نظرت بعقلک دون هواک لتجدنی أبرء قریش من دم عثمان،و اعلم أنّک من الطلقاء الّذین لا یتحلّی لهم الخلافة و لا یتعرّض فیهم الشوری،و قد أرسلت إلیک جریر بن عبد- اللّه و هو من أهل الایمان و الهجرة فبایع و لا قوّة إلاّ باللّه.و ربّما جاء شیء من هذا الکتاب فی کتبه علیه السّلام إلی معاویة.فأجابه معاویة أمّا بعد فلعمری لو بایعک القوم

ص:110

الّذین بایعوک و أنت بریء من دم عثمان کنت کأبی بکر و عمر و عثمان و لکنّک أغریت بعثمان و خذلت عنه الأنصار فأطاعک الجاهل و قوی بک الضعیف،و قد أبی أهل الشام إلاّ قتالک حتّی تدفع إلیهم قتلة عثمان فإن فعلت کانت شوری بین المسلمین.و لعمری ما حجّتک علیّ کحجّتک علی طلحة و الزبیر لأنّهما بایعاک و لم ابایعک،و ما حجّتک علی أهل الشام کحجّتک علی أهل البصرة لأنّهم أطاعوک و لم یطعک أهل الشام.فأمّا شرفک فی الإسلام و قرابتک من النبیّ صلی اللّه علیه و آله و سلّم و موضعک من قریش فلست أدفعه،و کتب فی آخر الکتاب قصیدة کعب بن جمیل.

أری الشام تکره أهل العراق و أهل العراق لها کارهونا

و قد ذکرنا بعضها قبل،و یروی أنّ الکتاب الّذی کتبه علیه السّلام مع جریر کانت صورته:إنّی قد عزلتک ففوّض الأمر إلی جریر و السلام.و قال لجریر:صن نفسک عن خداعه فإن سلّم إلیک الأمر و توجّه إلیّ فاقم أنت بالشام،و إن تعلّل بشیء فارجع.

فلمّا عرض جریر الکتاب علی معاویة تعلّل بمشاورة أهل الشام و غیر ذلک فرجع جریر.

فکتب معاویة فی أثره علی ظهر کتاب علیّ علیه السّلام:من ولاّک حتّی تعزلنی و السلام.

اللغة

و أقول: الاستعداد : التهیّؤ للأمر .و الخداع : الأخذ بالحیلة .و الأناة . الاسم من التأنّی و الرفق .و أرودوا : أمهلوا .و نقمت الأمر بفتح القاف : أنکرته .

المعنی

فقوله:إنّ استعدادی.إلی قوله:إن أرادوه .

فقوله: إنّ استعدادی .إلی قوله: إن أرادوه.

المراد أنّ أهل الشام فی زمان کون جریر عندهم هم فی مقام التروّی و التفکّر فی أیّ الأمرین یتّبعون.و إن لم یکن کلّهم فبعضهم کذلک فلو اعتدّ هو للحرب فی تلک الحال لبلغهم ذلک فاحتاجوا إلی الاستعداد أیضا و التأهّب للقائه فکان ذلک الاستعداد سببا لغلق الشام بالکلّیّة ،و صرفا لمن یکون فی ذهنه تردّد فی هذا الأمر أوفی قلبه اللحقوق به عمّا یرید و ذلک مناف للحزم.

و قوله:قد وقّت.إلی قوله:عاصیا .

و قوله: قد وقّت.إلی قوله:عاصیا.

أی قد وقّت له وقتا یصل إلینا فیه لا یتخلّف عنه إلاّ لأحد مانعین إمّا خداع فیهم له و مواعید مخلّفة بالجواب لیهیّؤوا امورهم فی تلک المدّة،و إمّا عصیان منه و مخالفة.

ص:111

فإن قلت:حصر تخلّف جریر فی هذین المانعین غیر صحیح لجواز أن یتخلّف لمرض أو موت أو غرض آخر.

قلت:إنّه علیه السّلام لم یقصد الحصر الیقینیّ و إنّما أراد الحصر بحسب غلبة الظنّ الناشیء من الأمارات و القرائن الحالیّة ثمّ کلامه علیه السّلام لیس فی الأسباب الاضطراریّة الّتی من قبل اللّه تعالی فإنّ ذلک أمر مفروغ منه لا یحسن ذکره،و أمّا الموانع الاختیاریّة فأمّا منهم و غالب الظنّ هو الخداع،و أمّا منه و غالب الظنّ أنّه العصیان إذ لا یتصوّر من مثل جریر و قد أرسل فی مثل هذا الأمر المهمّ أن یعدل عنه إلی شغل اختیاریّ لنفسه أو لغیره إلاّ أن یکون عاصیا .

و قوله:و الرأی مع الأناة.

و قوله: و الرأی مع الأناة.

رأی حقّ أجمع الحکماء علی صوابه فإنّ إصابة المطالب و الظفر بها فی الغالب إنّما هو مع التثبّت و التأنّی فی الطلب،و ذلک أنّ أناة الطالب هی مظنّة فکره فی الاهتداء إلی تلخیص الوجه الألیق و الأقیس و الأشمل للمصلحة فی تحصیل مطلوبه،و لذلک أکّد بعض الحکماء الأمر بالتأنّی بقوله:من لم یتثبّت فی الامور لم یعد مصیبا و إن أصاب.فالغرض و إن کان هو الإصابة إلاّ أنّها و إن حصلت من غیر التأنّی کان مفرطا و ثمرة التفریط غالبا الندامة و عدم الإصابة،و الإصابة منه نادرة و النادر غیر منتفع به و لا ملتفت إلیه .

و قوله:فأرودوا و لا أکره لکم الإعداد.

و قوله: فأرودوا و لا أکره لکم الإعداد.

لمّا نبّههم علی فضیلة الأناة أمرهم بها و إن لم یأمرهم مطلقا بل نبّههم بقوله:

و لا أکره لکم الإعداد علی امور ثلاثة:

أحدها:أنّه ینبغی لهم أن یکونوا علی یقظة من هذا الأمر حتّی یکونوا حال إشارته إلیهم قریبین من الاستعداد.

الثانی:أن لا یتوهّم أحد منهم فیه مداخلة ضعف عن مفارقة أهل الشام فیداخلهم بسبب ذلک فشل و ضعف عزیمة.

الثالث:ذکر شارح ابن أبی الحدید هو أنّه علیه السّلام و إن کان کره الاستعداد

ص:112

الظاهر إلاّ أنّ قوله: و لا أکره لکم الإعداد .تنبیه لهم علی الاستعداد الباطن و التهیّؤ فی السرّ و ربما کان فرار الشارح بهذا الوجه ممّا یتوهّم تناقضا و هو کونه قد أشار بترک الاستعداد،ثمّ قال لأصحابه :و لا أکره لکم الإعداد ،و قد علمت أنّ ترکه للاستعداد فی ذلک الوقت و اختیاره ترکه لا ینافی تنبیههم علی عدم کراهیّته له لیکونوا منه علی یقظة کما أو مأنا إلیه .

و قوله:و لقد ضربت.إلی قوله:أو الکفر.

استعارة بالکنایة و قوله: و لقد ضربت.إلی قوله:أو الکفر.

أقول:استعار لفظ العین و الأنف و الظهر و البطن الّتی حقایق فی الحیوان لحاله مع معاویة فی أمر الخلافة و خلاف أهل الشام له استعارة علی سبیل الکنایة.

فکنّی بالعین و الأنف عن المهمّ من هذا الأمر و خالصه فإنّ العین و الأنف أعزّ ما فی الوجه،و کنّی بالضرب بهما عن قصده للمهمّ منه علی سبیل الاستعارة أیضا،و کنّی بلفظ الظهر و البطن لظاهر هذا الأمر و باطنه و وجوه الرأی فیه،و لفظ التقلیب لتصفّح تلک الوجوه و عرضها علی العقل واحدا واحدا .

قوله:فلم أر لی إلاّ القتال أو الکفر.

قوله: فلم أر لی إلاّ القتال أو الکفر.

تعیین لما اختاره بعد التقلیب و التصفّح لوجوه المصلحة فی أمر مخالفیه و هو قتالهم، و نبّه علی وجه اختیاره له بقوله: أو الکفر :أی أنّ أحد الأمرین لازم إمّا القتال أو الکفر،و ذلک أنّه إن لم یختر القتال لزم ترکه و ترکه مستلزم للکفر لکن التزام الکفر منه محال فتعیّن اختیاره للقتال،و مراده بالکفر الکفر الحقیقیّ فإنّه صرّح بمثله فیما قبل حیث یقول :و قد قلّبت هذا الأمر بطنه و ظهره حتّی منعنی القوم فما وجدتنی یسعنی إلاّ قتالهم أو الجحود بما جاء به محمّد صلی اللّه علیه و آله و سلّم.

فإن قلت:ما وجه الحصر فی القتال و الجحود مع أنّ ترک القتال بدون الجحد ممکن.

قلت:بیانه من وجهین.

أحدهما:قال الشارحون:إنّ الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلّم کان قد أمره بقتال من خالفه، لقوله :امرت أن اقاتل الناکثین و القاسطین و المارقین .فلو ترک قتالهم مع ما علیه أمر الإسلام من الخطر لکان قد خالف أمر الرسول و ظاهر أنّ مخالفة مثله علیه السّلام لأوامر

ص:113

الرسول لا یتصوّر إلا عن عدم اعتقاد صحّتها و ذلک جحد به و کفر.

الثانی:یحتمل أن یکون قد تجوّز بلفظ الجحود فی التهاون بهذا الأمر تعظیما له فی نفوس السامعین و هو من المجازات الشائعة .

و قوله:إنّه قد کان.إلی آخره.

و قوله: إنّه قد کان .إلی آخره.

تنبیه علی وجه عذره عمّا نسبه إلیه معاویة و جعله سببا لعصیانه له و هو الطلب بدم عثمان و تهمته له بذلک،و أراد بالوالی عثمان.و الأحداث الّتی أحدثها هو ما نسب إلیه من الأمور الّتی أنکروها علیه کما سنذکرها .و أوجد الناس مقالا :أی جعل لهم بتلک الأحداث طریقا إلی القول علیه فقالوا ،ثمّ أنکروا ما فعل فعیّروه و أزالوه.فأمّا الأحداث المنقولة عنه فالمشهور منها بین أهل السیر عشرة:

الاولی:تولیته امور المسلمین من لیس أهلا من الفسّاق مراعاة للقرابة دون حرمة الإسلام کالولید بن عقبة حتّی ظهر منه شرب الخمر،و سعید بن العاص حتّی ظهرت عنه الامور الّتی أخرجه أهل الکوفة منها بسببها،و عبد اللّه بن أبی سرح مع قوّة ظلمه و تظلّم المصریّین منه و هو الّذی اتّهمه المسلمون بمکاتبته بقتل محمّد بن أبی بکر،و نقل أنّهم ظفروا بالکتاب و لأجله عظم التظلّم و کثر الجمع و اشتدّ الحصار علیه.

الثانیة:ردّه للحکم بن أبی العاص إلی المدینة بعد طرد رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلّم،و بعد امتناع أبی بکر و عمر من ردّه.فخالف فی ذلک سنّة الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلّم و سیرة الشیخین،و عمل بدعواه مجرّدة من البیّنة.

الثالثة:أنّه کان یؤثر أهله بالأموال العظیمة من بیت المال من غیر استحقاق و ذلک فی صور:منها أنّه دفع إلی أربعة نفر من قریش زوّجهم ببناته أربع مائة ألف دینار،و منها أنّه أعطی مروان مائة ألف دینار،و روی خمس إفریقیّة و ذلک مخالف لسنّة الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلّم و من بعده من الخلفاء.

الرابعة:أنّه حمی الحمی عن المسلمین بعد تسویة الرسول بینهم فی الماء و الکلاء.

الخامسة:أنّه أعطی من بیت مال الصدقة المقاتلة و غیرها و ذلک ممّا لا یجوز فی الدین.

السادسة:أنّه ضرب عبد اللّه بن مسعود-رضی اللّه عنه-و هو من أکبر الصحابة،

ص:114

و علمائها حتّی کسر بعض أضلاعه و ذلک ظلم ظاهر.

السابعة:أنّه جمع الناس علی قراءة زید بن ثابت خاصّة و أحرق المصاحف و أبطل ما لا شکّ أنّه من القرآن المنزل و ذلک مخالفة للّه و للرسول و لمن بعده.

الثامنة:أنّه أقدم علی عمّار بن یاسر-رحمه اللّه-بالضرب مع أنّه من أشرف الصحابة، و مع علمه بما قال الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلّم:عمّار جلدة ما بین عینیّ تقتله الفئة الباغیة لا أنالها اللّه شفاعتی.حتّی أصابه الفتق،و لذلک صار عمّار مظاهرا لبعض المتظلّمین منه علی قتله،و روی أنّه کان یقول:قتلناه کافرا.

التاسعة:إقدامه علی أبی ذر مع ثناء الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلّم و صحبته له،و قوله فیه:ما أقلّت الغبراء و لا أظلّت الخضراء علی ذی لهجة أصدق من أبی ذر.حتّی نفاه إلی الربذة العاشرة:تعطیله الحدّ الواجب علی عبید اللّه بن عمر بن الخطاب فإنّه قتل الهرمزان مسلما بمجرّد تهمته أنّه أمر أبا لؤلؤة بقتل أبیه ثمّ لم یقده به و قد کان علیّ علیه السّلام یطلبه بذلک.فهذه هی المطاعن المشهورة فیه.و قد أجاب الناصرون لعثمان عن هذه الأحداث بأجوبة مستحسنة و هی مذکورة فی المطوّلات من مظانّها و إنّما ذکرنا هذه الأحداث و أوردناها مختصرة لتعلّق المتن بذکرها.

43-و من کلام له علیه السّلام

اشارة

لما هرب مصقلة بن هبیرة الشیبانی إلی معاویة،و کان قد ابتاع سبی بنی ناجیة من عامل أمیر المؤمنین علیه السّلام و أعتقه،فلما طالبه بالمال خاس به و هرب إلی الشام:

قَبَّحَ اللَّهُ؟مَصْقَلَةَ؟- فَعَلَ فِعْلَ السَّادَةِ وَ فَرَّ فِرَارَ الْعَبِیدِ- فَمَا أَنْطَقَ مَادِحَهُ حَتَّی أَسْکَتَهُ- وَ لاَ صَدَّقَ وَاصِفَهُ حَتَّی بَکَّتَهُ- وَ لَوْ أَقَامَ لَأَخَذْنَا مَیْسُورَهُ- وَ انْتَظَرْنَا بِمَالِهِ وُفُورَهُ

ص:115

أقول :مصقلة هذا کان عاملا لعلیّ علیه السّلام علی أردشیر خرّه.و بنو ناجیة:قبیلة نسبوا أنفسهم إلی سامة بن لویّ بن غالب فدفعتهم قریش عن هذا النسب و سمّتهم بنی ناجیة و هی امّهم امرأة سامة،و أمّا سبب هربه إلی الشام فهو أنّ الحریث أحد بنی ناجیة کان قد شهد مع علیّ علیه السّلام صفّین ثمّ استهواه الشیطان فصار من الخوارج بسبب التحکیم،و خرج هو و أصحابه إلی المداین مفارقا لعلیّ علیه السّلام فوجّه إلیهم معقل بن قیس فی ألفی فارس من أهل البصرة و لم یزل یتبعهم بالعسکر بعد العسکر حتّی ألحقوهم بساحل فارس،و کان به جماعة کثیرة من قوم الحریث و کان فیهم من أسلم عن النصرانیّة فلمّا رأوا ذلک الاختلاف ارتدّوا و اجتمعوا علیه فزحف إلیهم معقل بمن معه فقتل الحریث و جماعة منهم و سبا من کان أدرک فیهم من الرجال و النساء،و نظر فیهم فمن کان مسلما أخذ بیعته و خلّی سبیله و احتمل الباقین من النصاری و عیالهم معه و کانوا خمسمائة نفر حتّی مرّوا بمصقلة فاستغاث إلیه الرجال و النساء و مجّدوه و طلبوا منه أن یعتقهم فأقسم لیتصدّقن علیهم بذلک ثمّ بعث إلی معقل بن قیس فابتاعهم منه بخمسمائة ألف درهم ثمّ وعده أن یحمل المال فی أوقات مخصوصة فلمّا قدم معقل علی علیّ علیه السّلام و أخبره القصّة شکر سعیه و انتظر المال من ید مصقلة فابطأ به فکتب إلیه باستعجاله أو بقدومه علیه فلمّا قرأ کتابه قدم علیه و هو بالکوفة فاقراه أیّاما ثمّ طالبه بالمال فأدّی منه مائتی ألف درهم و عجز عن الباقی و خاف فلحق بمعاویة فبلغ علیّا علیه السّلام فقال الفصل.و لنرجع إلی المتن.

اللغة

قبحّه اللّه : أی نحّاه عن الخیر .و التبکیت : کالتقریع و اللائمة .و الوفور : مصدر وفر المال أی نما و زاد،و یروی موفورة .

المعنی

و مقصوده علیه السّلام بعد أن قدّم الدعاء علی مصقلة بیان خطأه فإنّه أشار إلی جهة الخطأ و هی جمعه بین أمرین متنافیین فی العرف:و هما فعل السادة و ذی المروّة و الحمیّة حیث اشتری القوم و اعتقهم ،مع الفرار الّذی هو شیمة العبید.ثمّ أکّد علیه السّلام ذلک بمثلین.

أحدهما :ما أنطق مادحه حتّی أسکته،و یفهم منه معنیان.

أحدهما:أن یکون حتّی بمعنی اللام:أی إنّه لم ینطق مادحه حتّی یقصد إسکاته بهربه فإنّ إسکات المادح لا یتصوّر قصده لو قصد إلاّ بعد إنطاقه و هو لم یتمّم فعله

ص:116

الّذی یطلب به إنطاق مادحه بمدحه من الکرم و الحمیّة و الرقّة و نحوها،فکأنّه قصد إسکات مادحه بهروبه فأزوی علیه ذلک،و قال:إنّه لم ینطقه بمدحه فکیف یقصد إسکاته بهروبه،و إن کان العاقل لا یتصوّر منه قصد إسکات مادحه عن مدحه إلاّ أنّه لاختیاره الهروب المستلزم لإسکات المادح صار کالقاصد له فنسب إلیه.

الثانی:أن یکون المراد أنّه قد جمع بین غایتین متنافیتین:إنطاقه لمادحه بفداء للأسری،مع إسکاته بهربه قبل تمام إنطاقه.و هو وصف له بسرعة إلحاقه لفضیلته برذیلته حتّی کأنّه قصد الجمع بینهما،و هذا کما تقول فی وصف سرعة تفرّق الأحباب عن اجتماعهم:ما اجتمعوا حتّی افترقوا:أی لسرعة افتراقهم کأنّ الدهر قد جمع لهم بین الاجتماع و الافتراق.

الثانی:قوله: و لا صدّق واصفه حتّی بکّته.

و المفهوم منه کالمفهوم من الّذی قبله.

قوله : و لو أقام .إلی آخره.

لمّا أشار إلی خطأه أردفه بما یصلح جوابا لما عساه یکون عذرا له لو اعتذر و هو توهّمه التشدید علیه فی أمر الباقی من المال حتّی کان ذلک الوهم سبب هزیمته،و فی بعض الروایات:لو أقام لأخذنا منه ما قدر علیه فإن أعسر أنظرناه فإن عجز لم نأخذ بشیء.و الأوّل هو المشهور.و باللّه التوفیق.

44-و من خطبة له علیه السّلام

اشارة

اَلْحَمْدُ لِلَّهِ غَیْرَ مَقْنُوطٍ مِنْ رَحْمَتِهِ- وَ لاَ مَخْلُوٍّ مِنْ نِعْمَتِهِ- وَ لاَ مَأْیُوسٍ مِنْ مَغْفِرَتِهِ- وَ لاَ مُسْتَنْکَفٍ عَنْ عِبَادَتِهِ- الَّذِی لاَ تَبْرَحُ مِنْهُ رَحْمَةٌ- وَ لاَ تُفْقَدُ لَهُ نِعْمَةٌ- وَ الدُّنْیَا دَارٌ مُنِیَ لَهَا الْفَنَاءُ- وَ لِأَهْلِهَا مِنْهَا الْجَلاَءُ- وَ هِیَ حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ- وَ قَدْ عَجِلَتْ لِلطَّالِبِ- وَ الْتَبَسَتْ بِقَلْبِ النَّاظِرِ- فَارْتَحِلُوا مِنْهَا

ص:117

بِأَحْسَنِ مَا بِحَضْرَتِکُمْ مِنَ الزَّادِ- وَ لاَ تَسْأَلُوا فِیهَا فَوْقَ الْکَفَافِ- وَ لاَ تَطْلُبُوا مِنْهَا أَکْثَرَ مِنَ الْبَلاَغِ أقول:هذا الفصل ملتقط من خطبة طویلة له علیه السّلام خطب بها یوم الفطر.و هو غیر متّسق بل بین قوله: نعمة ،و قوله: و الدنیا .فصل طویل.و هذه الخطبة تنتظم الفصل المتقدّم،و هو قوله :أمّا بعد فإنّ الدنیا قد أدبرت و هو فیها بعد هذا الفصل و لم نذکرها کراهة التطویل،و لنعد إلی الشرح فنقول:

اللغة

القنوط . الیأس .و الاستنکاف : الاستکبار .و منی لها :أی قدر .و الجلاء بالفتح و المدّ : الخروج عن الوطن .و التبست : امتزجت .و الکفاف : ما کفّ عن الناس أی أغنی عنهم من المال .و البلاغ : ما بلغ مدّة الحیاة منه و کفی .

المعنی

و أعلم أنّه نبّه علی استحقاق اللّه تعالی للحمد و دوامه باعتبار ملاحظة ستّة أحوال :

فأشار إلی الحالة الاولی بقوله: غیر مقنوط من رحمته مقررّا لقوله تعالی «وَ رَحْمَتِی وَسِعَتْ کُلَّ شَیْءٍ» (1)و لقوله «لا تَیْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لا یَیْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْکافِرُونَ» (2)و هذه الحال ممّا یشهد بإثباتها العقل إذ کان العبد عند أخذ العنایة الإلهیّة بضبعیه یعلم استناد جمیع الموجودات کلّیّها و جزئیّها إلی مدبّر حکیم،و أنّه لیس شیء منها خالیا عن حکمة فیستلیح من ذلک أنّ ایجاده له و أخذ العهد إلیه بالعبادة لیس إلاّ لینجذب إلی موطنه الأصلیّ و مبدئه الأوّلی بالتوحید المحقّق و الحمد المطلق عن نار اجّجت و جحیم سعّرت، «وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلاّ لِیَعْبُدُونِ» ،ف «لا یَیْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللّهِ» عند نزول أمر واجب النزول به ممّا یعدّه شرّا بل یکون برجائه أوثق و قلبه بشموله العنایة له أعلق ف «إِنَّهُ لا یَیْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللّهِ إِلاَّ» الّذین عمیت أبصار بصائرهم عن أسرار اللّه،فهم «فِی طُغْیانِهِمْ یَعْمَهُونَ» «وَ أُولئِکَ هُمُ الْخاسِرُونَ» .

و أشار إلی الحالة الثانیة بقوله : و لا مخلوّ من نعمته .تقریرا لقوله تعالی «وَ ما بِکُمْ مِنْ نِعْمَةٍ» فسبوغ نعمته دائم لآثار قدرته الّتی استلزمت طبائعها الحاجة إلیه فوجب لها

ص:118


1- 1) 7-55
2- 2) 12-87

فیض جوده فاستلزم ذلک وجوب تصریحها بلسان حالها و مقالها بالثناء المطلق علیه و دوام الشکر له «وَ إِنْ مِنْ شَیْءٍ إِلاّ یُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لکِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِیحَهُمْ» .

و أشار إلی الحالة الثالثة بقوله : و لا مأیوس من مغفرته .تقریرا لقوله تعالی «یا عِبادِیَ الَّذِینَ أَسْرَفُوا عَلی أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللّهِ» (1)الآیة و هی شهادة بشمول ستره و جمیل عفوه و غفره لمن جذبت بعقله أیدی شیاطینه لتحطّه إلی مهاوی الهلاک فعجز عن مقاومتها بعد أن کانت له مسکة بجناب اللّه فضعفت تلک المسکة عن أن تکون منجاة له حال مجاذبته لهواه و إن کان ذلک الغفران متفاوتا بحسب قوّة تلک المسکة و ضعفها،و العقل ممّا یؤیّد ذلک و یحکم بصحّة هذه الشهادة فإنّ کلّ ذی علاقة بجناب اللّه سیخلص من العقاب و إن بعد خلاصه علی ما نطق به البرهان فی موضعه، و ذلک یستلزم الاعتراف بالإحسان و دوام الثناء و الحمد.

ثمّ أشار إلی الرابعة بقوله : و لا مستنکف عن عبادته تقریرا لقوله تعالی لا یستنکفون عن عبادته و لا یستکبرون!! و قوله «لَنْ یَسْتَنْکِفَ الْمَسِیحُ أَنْ یَکُونَ عَبْداً لِلّهِ وَ لاَ الْمَلائِکَةُ الْمُقَرَّبُونَ» الآیة و کونه تعالی غیر مستنکف عن عبادته شاهد عظیم علی کمال عظمته و أنّه المستحقّ للعبادة دون ما عداه إذ هو المجتمع للکمال المطلق فلا جهة نقصان فیه إلیها یشار فیکون سببا للاستنکاف و الاستکبار.و غیر،مع محالّ السلوب الثلاثة بعدها منصوبات علی الحال.

و قوله : الّذی لا تبرح فیه رحمة و لا تفقد له نعمة.

اعتباران آخران یستلزمان فی ملاحظتهما وجوب شکره تعالی.و نبّه بقوله:

لا تبرح علی دوام رحمة اللّه لعباده ،و قوله: لا تفقد له نعمة کقوله: و لا مخلوّ من نعمته ،ثمّ أعقب ذلک بالتنبیه علی معایب الدنیا للتنفیر عنها فذکر وجوب الفناء لها ثمّ حذّر بذکر العیب الأکبر لها الّذی ترغب مع ذکره و ملاحظته من له أدنی بصیرة عن الرکون إلیها و محبّة قیناتها و هو مفارقتها الواجبة و الجلاء عنها،ثمّ أردف ذلک بذکر جهتین من جهات المیل إلیها :

ص:119


1- 1) 39-54

إحداهما منسوبة إلی القوّة الذائقة و هی حلاوتها،و الاخری إلی القوّة الباصرة و هی خضرتها. مجاز بالکنایة و إطلاق لفظیهما مجاز کنّی به عن جهات المیل إلیها من باب إطلاق لفظ الجزء علی الکلّ .و ایراده لهذین الوصفین اللذین هما و صفا مدح فی معرض ذمّها کتقدیر اعتراض علی ذمّها لغرض أن یجیب عنه،و لهذا عقّب ذکرهما بما یصلح جوابا و بیّنة علی ما یصرف عن المیل إلیها من هاتین الجهتین و هو کونها معجّلة للطالب.إذ کان من شأن المعجّل أن ینتفع به فی حال تعجیله دون ما بعده خصوصا فی حقّ من أحبّ ذلک المعجّل و لم یلتفت إلی ما سواه.و الدنیا کذلک کما أشار إلیه بقوله : و التبست بقلب الناظر ، و إنّما خصّ الناظر لتقدّم ذکر الخضرة الّتی هی من حظّ النظر فمن عجّلت له منحة و التبست بقلبه و کان لا بدّ من مفارقتها لم ینتفع بما بعدها بل بقی فی عذاب الفراق منکوسا و فی ظلمة الوحشة محبوسا،و إلیه أشار التنزیل الإلهیّ «مَنْ کانَ یُرِیدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِیها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِیدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ یَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً» (1)ثمّ لمّا نبّه علی معایبها أمر بالارتحال عنها و لم یأمر به مطلقا بل لا بدّ معه من استصحاب أحسن الأزواد إذ کانت الطریق المأمور بسلوکها فی غایة الوعارة مع طولها و قصر المدّة الّتی یتّخذ فیها الزاد فلا ینفع إذن إلاّ التقوی الأبقی الّذی لا یتطرّق إلیه فناء.و لا تفهمّن-أعدّک اللّه لافاضة رحمته-من هذا الارتحال الحسّی الحاصل لک من بعضها إلی بعض،و لا من الزاد المأکول الحیوانیّ فإنّ أحسن ما یحضرنا منه ربّما کان منهیّا عنه،بل المأمور به ارتحال آخر یتبیّنه من تصوّر سلوک طریق الآخرة.فإنّک لمّا علمت أنّ الغایة من التکالیف البشریّة هی الوصول إلی حضرة اللّه و مشاهدة جلال کبریائه علمت من ذلک أنّ الطریق إلی هذا المطلوب هی آثار جوده و شواهد آلائه و أنّ القاطع لمراحل تلک الطریق و منازلها هو قدم عقلک مقتدیا بأعلامها الواضحة کلّما نزل منها منزلا أعدّته المعرفة به لاستلاحة أعلام منزل آخر أعلی و أکرم منه کما قال تعالی «لَتَرْکَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ» إلی أن یستقرّ «فِی مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِیکٍ مُقْتَدِرٍ» ،و إذا تصوّرت معنی الارتحال و قد علمت أنّ لکلّ ارتحال و سفر زادا علمت أنّ أکرم الزاد و أحسنه فی هذا الطریق

ص:120


1- 1) 17-19

لیس إلاّ التقوی و الأعمال الصالحة الّتی هی غذاء للعقول و مادّة حیاتها،و إلیه الإشارة بقوله «وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَیْرَ الزّادِ التَّقْوی» و أشار بقوله: ما بحضرتکم .إلی ما یمکننا أن نأتی به من الأعمال الصالحة فی حیاتنا الدنیا،ثمّ عقّب الأمر باتّخاذ الزاد بالنهی عن طلب الزیادة علی ما یقوّم به صورة البدن من متاع الدنیا إذ کان البدن بمنزلة مرکوب تقطع به النفس مراحل طریقها فالزیادة علی المحتاج إلیه ممّا یحوج الراکب إلی الاهتمام به و العنایة بحفظه المستلزم لمحبّته.و کلّ ذلک مثقل للظهر و مشغل عن الجهة المقصودة.

و ذلک معنی قوله : و لا تسألوا منها فوق الکفاف،و لا تطلبوا منها أکثر من البلاغ، و لا تمدّن أعینکم فیها إلی ما متّع المترفون فتقصروا فی الرحیل و تشغلوا بطلب مثل ما شاهدتم، و باللّه التوفیق.

45-و من کلام له علیه السّلام

اشارة

عند عزمه علی المسیر إلی الشام

اَللَّهُمَّ إِنِّی أَعُوذُ بِکَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ- وَ کَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ وَ سُوءِ الْمَنْظَرِ- فِی الْأَهْلِ وَ الْمَالِ وَ الْوَلَدِ- اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِی السَّفَرِ- وَ أَنْتَ الْخَلِیفَةُ فِی الْأَهْلِ- وَ لاَ یَجْمَعُهُمَا غَیْرُکَ- لِأَنَّ الْمُسْتَخْلَفَ لاَ یَکُونُ مُسْتَصْحَباً- وَ الْمُسْتَصْحَبُ لاَ یَکُونُ مُسْتَخْلَفاً أقول:روی:أنّه علیه السّلام دعا هذا الدعاء عند وضعه رجله فی الرکاب متوجّها إلی حرب معاویة.

اللغة

و وعثاء السفر مشقّته،و أصله المکان ب لکثرة رمله،و غوص الأرجل فیه .

و الکابة : الحزن .

المعنی

یشتمل هذا الفصل علی اللجأ إلی اللّه فی خلاص طریقه المتوجّه فیها بدءا و عودا

ص:121

من الموانع الصارفة عن تمام المقصود،و فی سلامة الأحوال المهمّة الّتی تتعلّق النفس بها عن المشتغلات البدنیّة المعوّقة عن عبادة اللّه.و أعظمها أحوال النفس،ثمّ ما یصحبها من أهل و مال و ولد .ثمّ عقّب ذلک بالإقرار بشمول عنایته و جمیل رعایته و صحبته تقریرا لقوله تعالی «وَ هُوَ مَعَکُمْ أَیْنَ ما کُنْتُمْ» إذ شأن الصاحب العنایة بامور صاحبه،و شأن الخلیفة علی الشیء العنایة بذلک و حفظه ممّا یوجب له ضررا،و استلزم جمعه له بین هذین الحکمین و هما الخلافة و الاستصحاب بقوله : و لا یجمعهما غیرک .کونه تعالی بریئا عن الجهة و الجسمیّة إذ کان اجتماعهما ممتنعا للأجسام.إذ لا یکون جسم مستصحبا مستخلفا فی حال واحد، و أکّد ذلک و بیّنه بقوله : لأنّ المستخلف لا یکون مستصحبا،و المستصحب لا یکون مستخلفا فإن قلت:هذا الحصر إنّما یتمّ لو قلنا:إنّ کلّ ما لیس بذی جهة هو واجب الوجود.و هذا مذهب خاصّ.فما وجه صحّته مطلقا؟.

قلت:الحصر صادق علی کلّ تقدیر فإنّه علی تقدیر ثبوت امور مجرّدة عن الجسمیّة و الجهة سوی الحقّ سبحانه فالمستحقّ للجمع بین هذین الأمرین بالذات و الأولی هو اللّه تعالی،و ما سواه فبالعرض.فیحمل الحصر علی ذلک الاستحقاق.

و لنبحث عن فایدة الدعاء و سبب إجابته فإنّه ربما تعرض لبعض الأذهان شبهة فیقول:

إمّا أن یکون المطلوب بالدعاء معاوم الوقوع للّه أو معلوم اللاوقوع.و علی التقدیرین لا فایدة فی الدعاء لأنّ ما علم اللّه وقوعه وجب و ما علم عدمه امتنع.فنقول فی الجواب عن هذا الوهم:إنّ کلّ کاین فاسد موقوف فی کونه و فساده علی شرائط توجد و أسباب تعدّ لأحدهما لا یمکن بدونها کما علمت ذلک فی مظانّه.و إذا جاز ذلک فلعلّ الدعاء من شرائط ما یطلب به.و هما و إن کانا معلومی الوقوع للّه و هو سببهما و علّتهما الاولی إلاّ أنّه هو الّذی ربط أحدهما بالآخر فجعل سبب وجود ذلک الشیء الدعاء کما جعل سبب صحّة المریض شرب الدواء و ما لم یشرب الدواء لم یصحّ.و أمّا سبب إجابته فقال العلماء:هو توافی الأسباب.و هو أن یتوافی سبب دعاء رجل مثلا فیما یدعو فیه و سایر أسباب وجود ذلک الشیء معا عن الباری تعالی،لحکمة إلهیّة علی ما قدّر و قضی.ثمّ الدعاء واجب،و توقّع الإجابة واجب.فإنّ انبعاثنا للدعاء سببه من هناک و یصیر

ص:122

دعانا سببا للإجابة.و موافاة الدعاء لحدوث الأمر المدعوّ لأجله هما معلولا علّة واحدة، و قد یکون أحدهما بواسطة الآخر،و قد یتوهّم أنّ السماویّات تنفعل عن الأرضیّة، و ذلک أنّا ندعو فیستجاب لنا.و ذلک باطل لأنّ المعلول لا یفعل فی علّته البتّة.و إذا لم یستجب الدعاء لداع و إن کان یری أنّ العایة الّتی یدعو لأجابتها نافعة فالسبب فی عدم الإجابة أنّ الغایة النافعة ربّما لا تکون نافعة بحسب مراده بل بحسب نظام الکلّ فلذلک تتأخّر إجابة دعائه أو لا یستجاب له،و بالجملة یکون عدم الإجابة لفوات شرط من شروط ذلک المطلوب حال الدعاء.

و أعلم أنّ النفس الزکیّة عند الدعاء قد یفیض علیها من الأوّل قوّة تصیر بها مؤثّرة فی العناصر فتطاوعها متصرّفة علی إرادتها فیکون ذلک إجابة للدعاء فإنّ العناصر موضوعة لفعل.النفس فیها.و اعتبار ذلک فی أبداننا فإنّا ربّما تخیّلنا شیئا فتتغیّر أبداننا بحسب ما یقتضیه أحوال نفوسنا و تخیّلاتها،و قد یمکن أن تؤثّر النفس فی غیر بدنها کما تؤثّر فی بدنها،و قد تؤثّر فی نفس غیرها،و قد أشرنا إلی ذلک فی المقدّمات.

و قد یستجیب اللّه لتلک النفس إذا دعت فیما تدعو فیه إذا کانت الغایة الّتی تطلبها بالدعاء نافعه بحسب نظام الکلّ،و باللّه التوفیق.

46-و من کلام له علیه السّلام

اشارة

فی ذکر الکوفة

کَأَنِّی بِکِ یَا؟کُوفَةُ؟ تُمَدِّینَ مَدَّ الْأَدِیمِ الْعُکَاظِیِّ- تُعْرَکِینَ بِالنَّوَازِلِ- وَ تُرْکَبِینَ بِالزَّلاَزِلِ- وَ إِنِّی لَأَعْلَمُ أَنَّهُ مَا أَرَادَ بِکِ جَبَّارٌ سُوءاً- إِلاَّ ابْتَلاَهُ اللَّهُ بِشَاغِلٍ وَ رَمَاهُ بِقَاتِلٍ

اللغة

أقول: عکاظ بالضمّ : اسم موضع بناحیة مکّة کانت العرب تجتمع به فی کلّ

ص:123

سنة و یقیمون به سوقا مدّة شهر،و یتبایعون و یتناشدون الأشعار،و یتفاخرون.و فی ذلک قول أبی ذویب:

إذا بنی القباب علی عکاظ و قام البیع و اجتمع الالوف.

فلمّا جاء الإسلام رفع ذلک،و أدیم عکاظیّ منسوب إلیها لکثرة ما کان یباع منه بها .و الأدیم : واحد و جمعه أدم،و ربّما جمع علی آدمة کرغیف و أرغفة .و العرک .

الدلک .و النوازل : المصائب

المعنی

و الخطاب هنا لشاهد حال المدینة الّتی هی الکوفة.و بک هو خبر کأنّ،و تمدّین و تعرکین و ترکبین فی موضع النصب علی الحال،و تقدیر الخطاب کأنّی حاضر بک و مشاهد لحالک المستقبلة حال تجاذب أیدی الظالمین لأهلک بأنواع الظلم،و هو المکنّی عنه بمدّها.و شبّه ذلک بمدّ الأدیم،و وجه الشبه شدّة ما یقع بهم من الظلم و البلاء کما أنّ الأدیم مستحکم الدباغ یکون شدید المدّ. استعارة بالکنایة و استعار العرک ملاحظة لذلک الشبه،و لفظ الرکوب ملاحظة لشبهها بشقیّ المطایا و کذلک لفظ الزلازل ملاحظة لشبهها فیما یقع لهم من الظلم الموجب لاضطراب الحال بالأرض ذات الزلازل .ثمّ أشار إلی مشاهدة ثانیة لما یقع لمن أراد بهم سوء و أوقع بهم ما أوقع من البلاء فأشار إلی کونهم جبابرة ثمّ إلی ابتلاء اللّه بعضهم بشاغل فی نفسه عمّا یرید من سوء أو یهمّ به من حادث خراب و رمی بعضهم بقاتل.فأمّا المصائب الّتی ابتلی بها أهل الکوفة و النوازل الّتی عرکوا بها فکثیرة مشهورة فی کتب التواریخ،و أمّا الجبابرة الّتی أرادوا بها سوءا و طغوا فیها «فَأَکْثَرُوا فِیهَا الْفَسادَ فَصَبَّ عَلَیْهِمْ رَبُّکَ سَوْطَ عَذابٍ» و أخذهم «بِذُنُوبِهِمْ وَ ما کانَ لَهُمْ مِنَ اللّهِ مِنْ واقٍ» فجماعة فممّن ابتلی بشاغل فیها زیاد.روی أنّه کان قد جمع الناس فی المسجد لیأمرهم بسبّ علیّ علیه السّلام و البراءة منه و یبتلیهم بذلک فیقتل من یعصیه فیه فبیناهم مجتمعین إذ خرج حاجبه فأمرهم بالانصراف،و قال:إنّ الأمیر مشغول عنکم و کان فی تلک الساعة قد رمی(أصاب خ)بالفالج،و منهم ابنه عبد اللّه و قد أصابه الجذام،و منهم الحجّاج.و قد تولّدت فی بطنه الحیّات و احترق دبره حتّی هلک،و منهم عمرو بن هبیره و ابنه یوسف و قد أصابهما البرص،و منهم خالد القسریّ و قد ضرب و حبس حتّی مات جوعا،و أمّا الّذین رماهم اللّه بقاتل فعبید اللّه بن زیاد،

ص:124

و مصعب بن الزبیر،و المختار بن أبی عبیدة الثقفیّ،و یزید بن المهلّب.و أحوالهم مشهورة من رامها طالع التاریخ.

47-و من خطبة له علیه السّلام

اشارة

عند المسیر إلی الشام

اَلْحَمْدُ لِلَّهِ کُلَّمَا وَقَبَ لَیْلٌ وَ غَسَقَ- وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ کُلَّمَا لاَحَ نَجْمٌ وَ خَفَقَ- وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ غَیْرَ مَفْقُودِ الْإِنْعَامِ وَ لاَ مُکَافَإِ الْإِفْضَالِ- أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَعَثْتُ مُقَدِّمَتِی- وَ أَمَرْتُهُمْ بِلُزُومِ هَذَا الْمِلْطَاطِ حَتَّی یَأْتِیَهُمْ أَمْرِی- وَ قَدْ رَأَیْتُ أَنْ أَقْطَعَ هَذِهِ النُّطْفَةَ إِلَی شِرْذِمَةٍ مِنْکُمْ- مُوَطِّنِینَ أَکْنَافَ دِجْلَةَ- فَأُنْهِضَهُمْ مَعَکُمْ إِلَی عَدُوِّکُمْ- وَ أَجْعَلَهُمْ مِنْ أَمْدَادِ الْقُوَّةِ لَکُمْ قال الشریف:أقول:یعنی علیه السّلام بالملطاط السمت الذی أمرهم بنزوله و هو شاطی الفرات،و یقال ذلک الشاطیء البحر،و أصله ما استوی من الأرض.و یعنی بالنطفة ماء الفرات.و هو من غریب العبارات و أعجبها أقول:روی أنّ هذه الخطبة خطب بها علیه السّلام و هو بالنخیلة خارجا من الکوفة متوجّها إلی صفّین لخمس بقین من شوال سنه سبع ثلاثین

اللغة

وقب اللیل : دخل .و غسق : أظلم .و خفق النجم : غاب .و مقدّمة الجیش:

أوّله .و الشرذمة : النفر الیسیر .و الأکناف : النواحی . وطن البقعة و استوطنها :

اتّخذها وطنا .و الأمداد : جمع مدد،و هو ما یمدّ به الجیش من الجند .

المعنی

و اعلم أنّه قیّد حمد اللّه باعتبار تکرّر وقتین و دوام حالین.و المقصود و إن کان دوام الحمد للّه إلاّ أنّ فی التقیید بالقیود المذکورة فواید :

ص:125

الأوّل:قوله: کلّما وقب لیل و غسق .فیه تنبیه علی کمال قدرة اللّه تعالی فی تعاقب اللیل و النهار و استحقاقه دوام الحمد بما یلزم ذلک من ضروب الامتنان .

الثانی:قوله: کلّما لاح نجم و خفق .فیه تنبیه علی ما یلزم طلوع الکواکب و غروبها من الحکمة و کمال النعمة کما سبقت الإشارة إلیه .

الثالث: الحمد لله حال کونه غیر مفقود الإنعام .و قد تکررّت الإشارة إلی فائدة هذا القید .

الرابع:کونه غیر مکافیء الإفضال.و فایدته التنبیه علی أنّ إفضاله لا یمکن أن یقابل بجزاء.إذ کانت القدرة علی الحمد و الثناء نعمة ثانیة.و قد سبق بیان ذلک أیضا .

فأمّا قوله: أمّا بعد .إلی آخره.

فخلاصته أنّه علیه السّلام لمّا أراد التوجّه إلی صفّین بعث زیاد بن النصر و شریح بن هانی فی اثنی عشر ألف فارس مقدّمة له و أمرهم أن یلزموا شاطیء الفرات فأخذوا شاطئها من قبل البرّ ممّا یلی الکوفة حتّی بلغوا عانات.فذلک معنی أمره لهم بلزوم الملطاط و هو سمت شاطیء الفرات،و أمّا هو علیه السّلام فلمّا خرج من الکوفة انتهی إلی المدائن فحذّرهم و وعظهم ثمّ سار عنهم و خلّف علیهم عدیّ بن حاتم فاستخلص منهم ثمان مائة رجل فسار بهم و خلّف معهم ابنه زیدا فلحقه فی أربعمائة رجل منهم فذلک قوله : و قد رأیت[أردت خ]أن أقطع هذه النطفة :أی الفرات إلی شرذمة منکم موطنین أکناف دجلة و هم أهل المدائن.فأمّا المقدّمة فإنّه لمّا بلغهم أنّه علیه السّلام ساق علی طریق الجزیرة و أنّ معاویة خرج فی جموعه لاستقباله کرهوا أن یلقوهم و بینهم و بین علیّ علیه السّلام الفرات مع قلّة عددهم فرجعوا حتّی عبروا الفرات من هیت و لحقوا به فصوّب آرائهم فی الرجوع إلیه.و باقی الکلام ظاهر.

48-و من خطبة له علیه السّلام

اشارة

«الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِی» بَطَنَ خَفِیَّاتِ الْأَمُوُرِ- وَ دَلَّتْ عَلَیْهِ أَعْلاَمُ الظُّهُورِ-

ص:126

وَ امْتَنَعَ عَلَی عَیْنِ الْبَصِیرِ- فَلاَ عَیْنُ مَنْ لَمْ یَرَهُ تُنْکِرُهُ- وَ لاَ قَلْبُ مَنْ أَثْبَتَهُ یُبْصِرُهُ- سَبَقَ فِی الْعُلُوِّ فَلاَ شَیْءَ أَعْلَی مِنْهُ- وَ قَرُبَ فِی الدُّنُوِّ فَلاَ شَیْءَ أَقْرَبُ مِنْهُ- فَلاَ اسْتِعْلاَؤُهُ بَاعَدَهُ عَنْ شَیْءٍ مِنْ خَلْقِهِ- وَ لاَ قُرْبُهُ سَاوَاهُمْ فِی الْمَکَانِ بِهِ- لَمْ یُطْلِعِ الْعُقُولَ عَلَی تَحْدِیدِ صِفَتِهِ- وَ لَمْ یَحْجُبْهَا عَنْ وَاجِبِ مَعْرِفَتِهِ- فَهُوَ الَّذِی تَشْهَدُ لَهُ أَعْلاَمُ الْوُجُودِ- عَلَی إِقْرَارِ قَلْبِ ذِی الْجُحُودِ- تَعَالَی اللَّهُ عَمَّا یَقُولُهُ الْمُشَبِّهُونَ بِهِ- وَ الْجَاحِدُونَ لَهُ عُلُوّاً کَبِیراً

اللغة

أقول: یقال بطنت الوادی : دخلته .و بطنت الأمر : علمت باطنه

.و فی هذا الفصل

اشارة

مباحث جلیلة من العلم الإلهیّ و جملة من صفات الربوبیّة :

أوّلها:کونه تعالی بطن خفیّات الامور

و یفهم منه معنیان:

أحدهما:کونه داخلا فی جملة الامور الخفیّة،و لمّا کان بواطن الامور الخفیّة أخفی من ظواهرها کان المفهوم من کونها بطنها أنّه أخفی منها عند العقول.

الثانی:أن یکون المعنی أنّه نفذ علمه فی بواطن خفیّات الامور أمّا المعنی الأوّل فبرهانه أنّک علمت أنّ الإدراک إمّا حسیّ أو عقلیّ،و لمّا کان الباری تعالی مقدّسا عن الجسمیّة منزّها عن الوضع و الجهة استحال أن یدرکه شیء من الحواسّ الظاهرة و الباطنة،و لمّا کانت ذاته بریئة عن أنحاء الترکیب استحال أن یکون للعقل اطّلاع علیها بالکنه فخفاؤه إذن علی جمیع الإدراکات ظاهر،و کونه أخفی الامور الخفیّة واضح.

و أمّا الثانی:فقد سبق منّا بیان أنّه عالم الخفیّات و السرائر .

و ثانیها:کونه تعالی قد دلّت علیه أعلام الظهور

، استعارة بالکنایة و کنّی بأعلام الظهور عن آیاته و آثاره فی العالم الدالّة علی وجوده الظاهر فی کلّ صورة منها کما قال:

و فی کلّ شیء له آیة تدلّ علی أنّه واحد.

و هی کنایة بالمستعار،و وجه المشابهة ما بینهما من الاشتراک فی الهدایة.و إلی هذا

ص:127

الأعلام الإشارة بقوله تعالی «سَنُرِیهِمْ آیاتِنا فِی الْآفاقِ وَ فِی أَنْفُسِهِمْ حَتّی یَتَبَیَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ» (1).

و أعلم أنّ هذا الطریق من الاستدلال هی طریق الملّیّین و سائر فرق المتکلّمین فإنّهم یستدلّون أوّلا علی حدوث الأجسام و الأعراض،ثمّ یستدلّون بحدوثها و تغیّراتها علی وجود الخالق،ثمّ بالنظر فی أحوال المخلوقات علی صفاته واحدة واحدة.مثلا بإحکامها و إتقانها علی کون فاعلها عالما حکیما.و بتخصیص بعضها بأمر لیس للآخر علی کونه مریدا.و نحو ذلک،و کذلک الحکماء الطبیّعیّون یستدلّون أیضا بوجود الحرکة علی محرّک،و بامتناع اتّصال المتحرّکات لا إلی أوّل علی وجود محرّک أوّل غیر متحرّک،ثمّ یستدلّون من ذلک علی وجود مبدء أوّل،و أمّا الإلهیّون فلهم فی الاستدلال طریق آخر و هو أنّهم ینظرون أوّلا فی مطلق الوجود أ هو واجب أو ممکن،و یستدلّون من ذلک علی إثبات واجب،ثمّ بالنظر فی لوازم الوجوب من الوحدة الحقیقیّة علی نفی الکثرة بوجه ما المستلزمة لعدم الجسمیّة و العرضیّة و الجهة و غیرها،ثمّ یستدلّون بصفاته علی علی کیفیّة صدور أفعاله عنه واحدا بعد آخر،و ظاهر أنّ هذا الطریق أجلّ و أشرف من الطریق الاولی،و ذلک لأنّ الاستدلال بالعلّة علی المعلول أولی البراهین بإعطاء الیقین لکون العلم بالعلّة المعیّنة مستلزما للعلم بالمعلول المعیّن من غیر عکس.و لمّا کان صدر الآیة المذکورة إشارة إلی الطریقة الاولی فتمامها إشارة إلی هذه الطریقة و هو قوله تعالی «أَ وَ لَمْ یَکْفِ بِرَبِّکَ أَنَّهُ عَلی کُلِّ شَیْءٍ شَهِیدٌ» قال بعض العلماء:و إنّه طریق الصدّیقین الّذین یستشهدون به لا علیه:أی یستدلّون بوجوده علی وجود کلّ شیء إذ هو منه،و لا یستدلّون علیه بوجود شیء،بل هو أظهر وجودا من کلّ شیء فإن خفی مع ظهوره فلشدّة ظهوره،و ظهوره سبب بطونه،و نوره هو حجاب نوره إذ کلّ ذرّة من ذرّات مبدعاته و مکوّناته فلها عدّة ألسنة تشهد بوجوده و بالحاجة إلی تدبیره و قدرته.

لا یخالف شیء من الموجودات شیئا فی تلک الشهادات و لا یتخصّص أحدها بعدم الحاجات، و قد ضرب العلماء الشمس مثلا لنوره فی شدّة ظهوره فقالوا:إنّ أظهر الإدراکات الّتی

ص:128


1- 1) 41-53

یساعد علیها الوهم إدراکات الحواسّ،و أظهرها إدراک البصر و أظهر مدرک للبصر نور الشمس المشرق علی الأجسام،و قد اشکل ذلک علی جماعة حتّی قالوا:الأشیاء الملوّنة لیس فیها إلاّ ألوانها فقط من سواد و نحوه فأمّا أنّ فیها مع ذلک ضوء یقارن اللون فلا.

فإذن ارید تنبیه هؤلاء علی سهوهم.فطریقة التنبیه بالتفرقة الّتی یجدونها بین غیبة الشمس باللیل و احتجابها عن الملوّنات،و بین حضورها بالنهار و إشراقها علیها مع بقاء الألوان فی الحالین.فإنّ التفرقة بین المستضیء بها و بین المظلم المحجوب عنها جلیّة ظاهرة فیعرف وجود النور إذن بعدمه.و لو فرضت الشمس دائمة الإشراق علی الجسم الملوّن لا تغیب عنه لتعذّر علی هؤلاء معرفة کون النور شیئا موجودا زایدا علی الألوان مع أنّه أظهر الأشیاء و به ظهورها،و لو تصوّر للّه تعالی و تقدّس عدم أو غیبة لانهدمت السماوات و الأرض،و کلّ ما انقطع نوره عنه لادرکت التفرقة بین الحالین و علم وجوده قطعا،و لکن لمّا کانت الأشیاء کلّها فی الشهادة به متّفقة،و الأحوال کلّها علی نسق واحد مطّردة متّسقة کان ذلک سببا لخفائه.فسبحان من احتجب عن الخلق بنوره و خفی علیهم بشدّة ظهوره .

ثالثها:إشارة إلی سلوب توجب ملاحظة ترکیبها تعظیمه تعالی.

أحدها:کونه ممتنعا علی عین البصیر:أی لا یصحّ أن یدرک بحاسّة البصر.

و صدق هذا السلب ظاهر بدلیل.هکذا الباری تعالی هو غیر جسم و غیر ذی وضع، و کلّ ما کان کذلک فیمتنع رؤیته بحاسّة البصر فینتج أنّه تعالی ممتنع الرؤیة بحاسّة البصر.و المقدّمة الاولی استدلالیّة،و الثانیة ضروریّة،و ربّما استدلّ علیها.و المسألة مستقصاة فی الکلام.و إلی ذلک أشار القرآن الکریم «لا تُدْرِکُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ یُدْرِکُ الْأَبْصارَ» (1)و ثانیها:قوله : فلا عین من لم یره تنکره :أی إنّه سبحانه مع کون البصر لا یدرکه بحاسّة بصره لا ینکره من جهة أنّه لا یبصره.إذ کانت فطرته شاهدة بظهور وجوده فی جمیع آثاره و مع ذلک لیس له سبیل إلی إنکاره من جهة عدم إبصاره إذ کان حظّ العین

ص:129


1- 1) 4-103

أن یدرک بها ما صحّ إدراکه.فأمّا أن ینفی بها ما لا یدرک من جهتها فلا.

و ثالثها:قوله: و لا قلب من أثبته یبصره :أی من أثبته مع کونه مثبتا له بقلب لا یبصره،و إنّما أکّد علیه السّلام بهذین السلبین الأخیرین لأنّهما یشتملان عند الوهم فی مبدء سماعها علی منافات و کذب إلی أن یقهره العقل علی التصدیق بهما فکأنّ الوهم یقول فی جواب قوله: فلا عین من لم یره تنکره :کیف لا تنکر العین شیئا لا تراه،و فی جواب السلب الثانی:کیف یثبت بالقلب ما لم یبصر.فلمّا کان فی صدق هذین السلبین إزعاج لأوهام السامعین مفرغ لهم إلی ملاحظة جلال اللّه و تنزیهه و عظمته عمّا لا یجوز علیه کان ذکرهما من أحسن الذکر،و یحتمل أن یرید بقوله: و لا قلب من أثبته یبصره :أی إنّه و إن أثبته من جهة وجوده فیستحیل أن یحیط به علما .

و رابعها:کونه تعالی قد سبق فی العلوّ فلا شیء أعلی منه،

و تقریره أنّ العلوّ یقال بالاشتراک علی معان ثلاثة:

الأوّل:العلوّ الحسّی المکانیّ کارتفاع بعض الأجسام علی بعض.

الثانی:العلوّ التخیّلی کما یقال للملک الإنسانیّ:إنّه أعلی الناس:أی أعلاهم فی الرتبة المتخیّلة کمالا.

الثالث:العلوّ العقلیّ کما یقال فی بعض الکمالات العقلیّة الّتی بعضها أعلی من بعض،و کما یقال:السبب أعلی من المسبّب.

إذا عرفت ذلک فنقول:یستحیل أن یکون علوّه تعالی بالمعنی الأوّل لاستحالة کونه فی المکان،و یستحیل أن یکون بالمعنی الثانی لتنزّهه سبحانه عن الکمالات الخیالیّة الّتی یصدق بها العلوّ الخیالیّ إذ هی کمالات إضافیّة تتغیّر و تتبدّل بحسب الأشخاص و الأوقات،و قد یکون کمالات عند بعض الناس و نقصانات عند آخرین کدول الدنیا بالنسبة إلی العالم الزاهد،و یتطرّق إلیه الزیادة و النقصان و لا شیء من کمال الأوّل الواجب سبحانه کذلک لتنزّهه عن النقصان و التغیّر بوجه ما.فبقی أن یکون علوّه علوّا عقلیّا مطلقا بمعنی أنّه لا رتبة فوق رتبته بل جمیع المراتب العقلیّة منحطّة عنه.و بیان ذلک أنّ أعلی مراتب الکمال العقلیّ هو مرتبة العلّیّة،و لمّا کانت

ص:130

ذاته المقدّسة هی مبدء کلّ موجود حسّی و عقلیّ و علّته التامّة المطلقة لا یتصوّر النقصان فیها بوجه ما لا جرم کانت مرتبته أعلی المراتب العقلیّة مطلقا،و له الفوق المطلق فی الوجود العاری عن الإضافة إلی شیء و عن إمکان أن یکون فوقه ما هو أعلی منه.و ذلک معنی قوله: سبق فی العلوّ فلا شیء أعلی منه ،فسبقه فی علوّه تفرّده فی العلوّ المطلق و فواته لغیره أن یلحقه فیه .

و خامسها:قربه فی الدنوّ فلا شیء أدنی منه

.و قد أورد علیه السّلام القرب هاهنا مقابلا للبعد اللازم عن السبق فی العلوّ فإنّه مستلزم للبعد عن الغیر فیه،و أورد الدنوّ مقابلا للعلوّ،و کما علمت أنّ العلوّ یقال علی المعانی الثلاثة المذکورة بحسب الاشتراک فکذلک الدنوّ یقال علی معان ثلاثة مقابلة لها.فیقال مکان فلان أدنی من مکان فلان إذا کان أسفل منه.و إن کان یقال بمعنی القرب أیضا،و یقال رتبة الملک الفلانیّ أدنی من رتبة السلطان الفلانیّ إذا کان فی مرتبته أقلّ منه،و یقال رتبة المعلول أدنی من رتبة علّته.

و یقال علی معنی رابع فیقال فلان أدنی إلی فلان و أقرب إلیه إذا کان خصّیصا به مطّلعا علی أحواله أکثر من غیره،و الباری تعالی منزّه عن أن یراد بدنوّه أحد المفهومات الثلاثة الاول بل المراد هو المفهوم الرابع فقربه فی دنوّه إذن بحسب علمه الّذی «لا یَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ» «فِی الْأَرْضِ وَ لا فِی السَّماءِ وَ لا أَصْغَرَ مِنْ ذلِکَ وَ لا أَکْبَرَ» ،و بهذا الاعتبار هو أقرب کلّ قریب و أدنی کلّ دانی کما قال تعالی «وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَیْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِیدِ» و هو أدنی إلی العبد من نفسه إذ نفس کلّ إنسان لا تعرف نفسها،و هو سبحانه العالم بها الموجد لها فهو إذن القریب فی دنوّه الّذی لا شیء أقرب منه،و إنّما أورده بلفظ الدنوّ لتحصل المقابلة فتنزعج النفوس السلیمة عند إنکار الوهم لاجتماع القرب و البعد و العلوّ و الدنوّ فی شیء واحد إلی توهّم[تفهّم خ]،المقاصد بها و تطّلع علی عظمة الحقّ سبحانه منها.

و قوله : فلا استعلاؤه باعده من شیء من خلقه،و لا قربه ساواهم فی المکان به.

تأکید لردّ الأحکام الوهمیّة بالأحکام العقلیّة فإنّ الوهم یحکم بأنّ ما استعلی علی الأشیاء کان بعده عنها بقدر علوّه علیها.و ما قرب منها فقد ساواها فی أمکنتها،

ص:131

و ذلک لکونه مقصورا لحکم علی المحسوسات،و نحن لمّا بیّنا أنّ علوّه علی خلقه و قربه منهم لیس علوّا و قربا مکانیّین بل بمعان اخری لا جرم لم یکن استعلاؤه بذلک المعنی علی مخلوقاته مباعدا له عن شیء منها و لم یکن منافیا لقربه بالمعنی الّذی ذکرناه بل کان الاستعلاء و القرب مجتمعین له،و لم یکن قربه منها أیضا موجبا لمساواته لها فی المکان عنادا للوهم و ردّا لأحکامه الفاسدة فی صفات الجلال و نعوت الکمال .

و سادسها:کونه لم تطّلع العقول علی تحدید صفته و لم یحجبها عن واجب

معرفته.

و یفهم من صفته معنیان:أحدهما شرح حقیقة ذاته،و الثانی شرح ما لها من صفات الکمال المطلق.و ظاهر أنّ العقول لم تطّلع علی حصر صفته و تحدیدها بالمعنی الأوّل إذ لا حدّ لحقیقته،و لا بالمعنی الثانی أیضا إذ لیس لما یعتبره العقول من کماله سبحانه نهایة یقف عندها فتکون حدّا له،و أمّا أنّه سبحانه مع ذلک لم یحجبها عن و أحب معرفته فلأنّه تعالی وهب لکلّ نفس قسطا من معرفته هو الواجب لها بحسب استعدادها لقبوله حتّی نفوس الجاحدین له فإنّها أیضا معترفة بوجوده لشهادة أعلام الوجود و آیات الصنع له علی نفس کلّ جاحد بصدورها عنه بحیث یحکم صریح عقلها و بدیهتها بالحاجة لما یشاهده من تلک الآیات إلی صانع حکیم فهو الّذی تشهد له أعلام الوجود علی إقرار قلب کلّ من جحده بأنّ جحده له إنّما هو رأی اتّبع فیه وهمه مع إقرار قلبه بالتصدیق به و شهادة آیات الصنع و شواهد الآثار علی صحّة ذلک الإقرار.

و اعلم أنّ الجحود علی نوعین:أحدهما جحود تشبیه إذا المشبّهون للّه بخلقه و إن اختلفوا فی کیفیّة التشبیه بأسرهم جاحدون له فی الحقیقة.و ذلک أنّ المعنی الّذی یتصوّرونه و یبتّتونه إلها لیس هو نفس الإله مع أنّهم ینفون ما سوی ذلک فکانوا نافین للإله الحقّ فی المعنی الّذی یتصوّرونه،و الثانی جحود من لم یثبت صانعا.و کلا الفریقین جاحد له من وجه،مثبت له من وجه.أمّا المشبّهون فمثبتون له صریحا جاحدون له لزوما،و أمّا الآخرون فبالعکس إذ کانوا جاحدین له صریحا من الجهة الّتی تثبته العقلاء بها و مقرّون به التزاما و اضطرارا،و لذلک نزّهه علیه السّلام علی أحوال الفریقین فقال علیه السّلام :تعالی اللّه عمّا یقول المشبّهون به و الجاحدون له علوّا کبیرا ،و حکی أنّ زندیقا دخل علی

ص:132

الصادق جعفر بن محمّد علیهما السّلام فسأله عن دلیل إثبات الصانع فأعرض علیه السّلام عنه،ثمّ التفت إلیه،و سأله من أین أقبلت و ما قصّتک.فقال الزندیق:إنّی کنت مسافرا فی البحر فعصفت علینا الریح ذات یوم و تلعّبت بنا الأمواج من کلّ جانب فانکسرت سفینتنا فتعلّقت بخشبة منها و لم تزل الأمواج تقلّبها حتّی قذفت بها إلی الساحل و سلمت علیها.فقال له علیه السّلام:أرأیت الّذی کان قلبک إذا تکسّرت السفینة و تلاطمت علیکم أمواج البحر فزعا إلیه مخلصا فی التضرّع له طالبا للنجاة منه فهو إلهک،فاعترف الزندیق بذلک و حسن اعتقاده.و بالجملة فاتّفاق العقول علی الشهادة بوجود الصانع سبحانه أمر ظاهر و إن خالطها غواشی الأوهام و إلیه الإشارة بقوله «وَ إِذا مَسَّکُمُ الضُّرُّ فِی الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاّ إِیّاهُ فَلَمّا نَجّاکُمْ إِلَی الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَ کانَ الْإِنْسانُ کَفُوراً» (1)و قوله تعالی «حَتّی إِذا کُنْتُمْ فِی الْفُلْکِ وَ جَرَیْنَ بِهِمْ بِرِیحٍ طَیِّبَةٍ وَ فَرِحُوا بِها جاءَتْها رِیحٌ عاصِفٌ وَ جاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ کُلِّ مَکانٍ وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِیطَ بِهِمْ دَعَوُا اللّهَ مُخْلِصِینَ لَهُ الدِّینَ لَئِنْ أَنْجَیْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَکُونَنَّ مِنَ الشّاکِرِینَ فَلَمّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ یَبْغُونَ فِی الْأَرْضِ بِغَیْرِ الْحَقِّ» (2)و باللّه التوفیق.

49-و من خطبة له علیه السّلام

اشارة

إِنَّمَا بَدْءُ وُقُوعِ الْفِتَنِ أَهْوَاءٌ تُتَّبَعُ وَ أَحْکَامٌ تُبْتَدَعُ- یُخَالَفُ فِیهَا کِتَابُ اللَّهِ- وَ یَتَوَلَّی عَلَیْهَا رِجَالٌ رِجَالاً عَلَی غَیْرِ دِینِ اللَّهِ- فَلَوْ أَنَّ الْبَاطِلَ خَلَصَ مِنْ مِزَاجِ الْحَقِّ- لَمْ یَخْفَ عَلَی الْمُرْتَادِینَ- وَ لَوْ أَنَّ الْحَقَّ خَلَصَ مِنْ لَبْسِ الْبَاطِلِ- انْقَطَعَتْ عَنْهُ أَلْسُنُ الْمُعَانِدِینَ- وَ لَکِنْ یُؤْخَذُ مِنْ هَذَا ضِغْثٌ وَ مِنْ هَذَا ضِغْثٌ فَیُخْرَجَانِ- فَهُنَالِکَ یَسْتَوْلِی الشَّیْطَانُ عَلَی أَوْلِیَائِهِ- وَ یَنْجُو «إِنَّ الَّذِینَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنی»

ص:133


1- 1) 17-69
2- 2) 10-22

اللغة

أقول: المرتاد : الطالب .و الضغث : القبضة من الحشیش .

المعنی

و اعلم أنّ مبدء وقوع الفتن المؤدّیة إلی خراب العالم و فساده إنّما هو اتّباع الهوی و الآراء الباطلة و الأحکام المبتدعة الخارجة عن أوامر اللّه،و ذلک أنّ المقصود من بعثة الرسل و وضع الشریعة إنّما هو نظام أحوال الخلق فی أمر معاشهم و معادهم فکان کلّ رأی ابتدع أو هوی اتّبع خارجا عن کتاب اللّه و سنّة رسوله سببا لوقوع الفتنة و تبدّد نظام الموجود فی هذا العالم.و ذلک کأهواء البغاة و آراء الخوارج و نحوها.

و قوله : فلو أنّ الباطل خلّص من مزاج الحقّ. إلی آخره.

إشارة إلی أسباب تلک الآراء الفاسدة.و مدار تلک الأسباب علی امتزاج المقدّمات الحقّة بالباطلة فی الحجج الّتی یستعملها المبطلون فی استعلام المجهولات فبیّن أنّ السبب هو ذلک الامتزاج بشرطیّتین متّصلتین.

إحداهما:قوله: فلو أنّ الباطل خلّص من مزاج الحقّ لم یخف علی المرتادین.

و وجه الملازمة فی هذه المتّصلة ظاهر فإنّ مقدّمات الشبهة إذا کانت کلّها باطلة أدرک طالب الحقّ وجه فسادها بأدنی سعی و لم یخف علیه بطلانها،و أمّا استثناء نقیض تالیها فلأنّه لمّا خفی وجه البطلان فیها علی طالب الحقّ لم یکن الباطل فیها خالصا من مزاج الحقّ فکان ذلک هو سبب الغلط و اتّباع الباطل لأنّ النتیجة تتبع أخسّ المقدّمتین.

و الثانیة:قوله : و لو أنّ الحقّ خلّص من[لبس خ]الباطل انقطعت عنه ألسن المعاندین ،و وجه الملازمة أیضا کما مرّ:أی إنّ مقدّمات الحجّة الّتی استعملها المبطلون لو کانت کلّها حقّة مرتّبة ترتیبا حقّا لکانت النتیجة حقّا تنقطع ألسنتهم عن العناد فیه و المخالفة له.و قد حذف علیه السّلام کبری هذین القیاسین لأنّهما قیاسا ضمیر کما سبق،ثمّ أتی بالنتیجة أو ما فی معناها و هو استعارة قوله : و لکن یؤخذ من هذا ضغث،و من هذا ضغث :أی من الحقّ و الباطل فیمزجان،و لفظ الضغث مستعار،و مقصوده بذلک التصریح بلزوم الآراء الباطلة و الأهواء المبتدعة لمزج الحقّ بالباطل.و لذلک قال :

و هنا لک یستولی الشیطان علی أولیائه :أی إنّه یزیّن لهم اتّباع الأهواء و الأحکام الخارجة عن کتاب اللّه بسبب إغوائهم عن تمییز الحقّ من الباطل فیما سلکوه من الشبهة

ص:134

و ینجو الّذین سبقت لهم منّا الحسنی:أی من أخذت عنایة اللّه بأیدیهم فی ظلمات الشبهات فقادتهم فیها بإضافة نور الهدایة علیهم إلی تمیّز الحقّ من الباطل و أولئک هم عن النار مبعدون

50-و من کلام له علیه السّلام

اشارة

لما غلب أصحاب معاویة أصحابه علیه السّلام علی شریعة الفرات بصفین و منعوهم الماء قَدِ اسْتَطْعَمُوکُمُ الْقِتَالَ- فَأَقِرُّوا عَلَی مَذَلَّةٍ وَ تَأْخِیرِ مَحَلَّةٍ- أَوْ رَوُّوا السُّیُوفَ مِنَ الدِّمَاءِ تَرْوَوْا مِنَ الْمَاءِ- فَالْمَوْتُ فِی حَیَاتِکُمْ مَقْهُورِینَ- وَ الْحَیَاةُ فِی مَوْتِکُمْ قَاهِرِینَ- أَلاَ وَ إِنَّ؟مُعَاوِیَةَ؟ قَادَ لُمَةً مِنَ الْغُوَاةِ- وَ عَمَّسَ عَلَیْهِمُ الْخَبَرَ- حَتَّی جَعَلُوا نُحُورَهُمْ أَغْرَاضَ الْمَنِیَّةِ

اللغة

أقول: اللمة بالتخفیف : الجماعة القلیلة .و عمس بالتخفیف و التشدید : عمّی و ابهم،و منه عمس اللیل أظلم .و المحلّة : المنزلة .

و فی الفصل لطائف .

الاولی:قوله:قد استطعموکم القتال.

استعارة استعار لفظ الاستطعام لتحرّشهم بالقتال فی منعهم للماء.و وجه الاستعارة استسهالهم للقتال و طلبهم له بمنع الماء الّذی هو فی الحقیقة أقوی جذبا للقتال من طلب المأکول بالأقوال.

و لأنّهم لمّا حازوا الماء أشبهوا فی ذلک من طلب الطعام له،و لمّا استلزم ذلک المنع طلبهم للقتال تعیّن أن یشبه ما طلبوا إطعامه .

الثانیة:قوله:فأقرّوا علی مذلّة،و تأخیر محلّة.إلی قوله:الماء.

أمر لهم بأحد لازمین عن منعهم الماء و استطعامهم القتال:إمّا ترک القتال، أو إیقاعه.و إنّما أورد الکلام بصورة التخییر بین هذین اللازمین و إن لم یکن مراده إلاّ القتال لعلمه بأنّهم لا یختارون ترک القتال مع ما یلزم من الإقرار بالعجز و المذلّه

ص:135

و الاستسلام للعدوّ و تأخیر المنزلة عن رتبة أهل الشرف و الشجاعة،و إنّما أورد الوصفین اللازمین لترک القتال.و هما الإقرار علی المذلّة و علی تأخیر المحلّة لینفّر بهما عنه و یظهره لهم فی صورة کریهة،و إنّما جعل الریّ من الماء الّذی هو مشتهی أصحابه فی ذلک الوقت لازما لترویتهم السیوف من الدماء الّتی یلزمها القتال لیریهم القتال فی صورة محبوبة تمیل طباعهم إلیها.و نسبة الترویّ إلی السیوف نسبة مجازیّة .

الثالثة:

مجاز قوله: فالموت فی حیاتکم مقهورین،و الحیاة فی موتکم قاهرین.

من لطائف الکلام و محاسنه و هو جذب إلی القتال بأبلغ ما یکن من البلاغة فجذبهم إلیه بتصویره لهم أنّ الغایة الّتی عساهم یفرّون من القتال خوفا منها و هی الموت موجودة فی الغایة الّتی عساهم یطلبونها من ترک القتال و هی الحیاة البدنیّة حال کونهم مقهورین.و تجوّز بلفظ الموت فی الشدائد و الأهواء الّتی تلحقهم من عدوّهم لو قهرهم و هی عند العاقل أشدّ بکثیر من موت البدن و أقوی مقاساة فإنّ المذلّة و سقوط المنزلة و الهضم و الاستنقاص عند ذی اللبّ موتات متعاقبة،و یحتمل أن یکون مجازا فی ترک عبادة اللّه بالجهاد فإنّه موت للنفس و عدم لحیاتها برضوان اللّه،و کذلک جذبه لهم أنّ الغایة الّتی تفرّون إلیها بترک القتال و هی الحیاة موجودة فی الغایة الّتی تفرّون منها و هی الموت البدنیّ حال کونهم قاهرین أمّا فی الدنیا فمن وجهین:أحدهما الذکر الباقی الجمیل الّذی لا یموت و لا یفنی.الثانی أنّ طیب حیاتهم الدنیا إنّما یکون بنظام أحوالهم بوجود الإمام العادل و بقاء الشریعة کما هی،و ذلک إنّما یکون بإلقاء أنفسهم فی غمرات الحرب محافظة علی الدین و موت بعضهم فیها. و لفظ الموت مهمل تصدق نسبته إلی الکلّ و إن وجد فی البعض،و أمّا فی الآخرة فالبقاء الأبدی بالمحافظة علی وظائف اللّه و الحیاة التامّة فی جنّات عدن کما قال تعالی «وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِینَ قُتِلُوا فِی سَبِیلِ اللّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْیاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ یُرْزَقُونَ» (1)و فی القرینتین الاولیین السجع المتوازی و فی اللتین بعدهما السجع المطرف،و فی اللتین بعدهما المقابلة .

الرابعة:قوله:ألا و إنّ معاویة.

ص:136


1- 1) 3-163

ذکر للعدوّ برذیلتین،و لأصحابه برذیلتین أمّا الأولیان فکونه قائد غواة،و کونه قد لبّس علیهم الحقّ بالباطل و أراهم الباطل فی صورة الحقّ،و أمّا الاخریان لکونهم غواتا عن الحقّ،و کونهم قد انقادوا للباطل عن شبهة حتّی صار جهلهم مرکّبة، و الغرض من ذلک التنفیر عنهم، استعارة بالکنایة و قوله: حتّی جعلوا نحورهم أغراض المنیّة غایة لأصحاب معاویة من تلبیسه الحقّ علیهم.و کنّی بذلک عن تصدیّهم للموت،و لفظ الغرض مستعار لنحورهم،و وجه المشابهة جعلهم لنحورهم بصدد أن تصیبها سهام المنیّة من الطعن و الضرب و الذبح و وجوه القتل فأشبهت ما ینصبه الرامی هدفا.و هی استعارة بالکنایة کأنّه حاول أن یستعیر للمنیّة لفظ الرامی .و باللّه التوفیق.

51-و من خطبة له علیه السّلام

اشارة

أَلاَ وَ إِنَّ الدُّنْیَا قَدْ تَصَرَّمَتْ وَ آذَنَتْ بِانْقِضَاءٍ- وَ تَنَکَّرَ مَعْرُوفُهَا وَ أَدْبَرَتْ حَذَّاءَ- فَهِیَ تَحْفِزُ بِالْفَنَاءِ سُکَّانَهَا- وَ تَحْدُو بِالْمَوْتِ جِیرَانَهَا- وَ قَدْ أَمَرَّ فِیهَا مَا کَانَ حُلْواً- وَ کَدِرَ مِنْهَا مَا کَانَ صَفْواً- فَلَمْ یَبْقَ مِنْهَا إِلاَّ سَمَلَةٌ کَسَمَلَةِ الْإِدَاوَةِ- أَوْ جُرْعَةٌ کَجُرْعَةِ الْمَقْلَةِ- لَوْ تَمَزَّزَهَا الصَّدْیَانُ لَمْ یَنْقَعْ- فَأَزْمِعُوا عِبَادَ اللَّهِ- الرَّحِیلَ عَنْ هَذِهِ الدَّارِ الْمَقْدُورِ عَلَی أَهْلِهَا الزَّوَالُ- وَ لاَ یَغْلِبَنَّکُمْ فِیهَا الْأَمَلُ- وَ لاَ یَطُولَنَّ عَلَیْکُمْ فِیهَا الْأَمَدُ- فَوَاللَّهِ لَوْ حَنَنْتُمْ حَنِینَ الْوُلَّهِ الْعِجَالِ- وَ دَعَوْتُمْ بِهَدِیلِ الْحَمَامِ- وَ جَأَرْتُمْ جُؤَارَ مُتَبَتِّلِی الرُّهْبَانِ- وَ خَرَجْتُمْ إِلَی اللَّهِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَ الْأَوْلاَدِ- الْتِمَاسَ الْقُرْبَةِ إِلَیْهِ فِی ارْتِفَاعِ دَرَجَةٍ عِنْدَهُ- أَوْ غُفْرَانِ سَیِّئَةٍ أَحْصَتْهَا کُتُبُهُ- وَ حَفِظَتْهَا رُسُلُهُ لَکَانَ قَلِیلاً فِیمَا أَرْجُو لَکُمْ

ص:137

مِنْ ثَوَابِهِ- وَ أَخَافُ عَلَیْکُمْ مِنْ عِقَابِهِ- وَ اللَّهِ لَوِ انْمَاثَتْ قُلُوبُکُمُ انْمِیَاثاً- وَ سَالَتْ عُیُونُکُمْ مِنْ رَغْبَةٍ إِلَیْهِ أَوْ رَهْبَةٍ مِنْهُ دَماً- ثُمَّ عُمِّرْتُمْ فِی الدُّنْیَا- مَا الدُّنْیَا بَاقِیَةٌ مَا جَزَتْ أَعْمَالُکُمْ عَنْکُمْ- وَ لَوْ لَمْ تُبْقُوا شَیْئاً مِنْ جُهْدِکُمْ- أَنْعُمَهُ عَلَیْکُمُ الْعِظَامَ- وَ هُدَاهُ إِیَّاکُمْ لِلْإِیمَانِ

اللغة

أقول: آذنت : أعلمت .و تنکّر معروفها : جهل .و حذّاء : سریعة خفیفة،و یروی بالجیم:أی مقطوعة الخبر و العلاقة .و الحفز : السوق الحثیث.و الحفز أیضا الطعن ، و السملة بفتح المیم : البقیّة من الماء فی الإناء .و المقلة بفتح المیم و سکون القاف : حصاة یقسم بها الماء عند قلّته یعرف بها بها مقدار ما یسقی کلّ شخص .و التمزّز : تمصّص الشراب قلیلا قلیلا .و الصدیان : العطشان .و نقع ینقع : أی سکن عطشه .و أزمعت الأمر و أزمعت علیه : أی ثبت عزمی علی فعله .و المقدور : المقدّر الّذی لا بدّ من کونه .و الأمد : الغایة .و الولّه العجال : جمع واله و عجول،و هما من الإبل النوق تفقد أولادها .و هدیل الحمامة:

نوحها .و الجوار : الصوت المرتفع .و التبتّل : الانقطاع إلی اللّه بإخلاص النیّة .و انماث الشیء : تحلّل و ذاب .

و اعلم أنّ مدار هذا الفصل علی امور ثلاثة:

اشارة

أحدها:التنفیر عن الدنیا و التحذیر منها و النهی عن تأمیلها و الأمر بالرحیل عنها.

الثانی:التنبیه علی عظیم ثواب اللّه و ما ینبغی أن یرجی منه و یلتفت إلیه و یقصد بالرحیل بالنسبة إلی ما الناس فیه ممّا یتوهّم خیرا فی الدنیا ثمّ علی عظیم عقابه و ما ینبغی أن یخاف منه.

الثالث:التنبیه علی عظمة نعمة علی الخلق،و أنّه لا یمکن جزاءها بأبلغ المساعی و أکثر الاجتهاد .

أمّا الأوّل: التنفیر عن الدنیا و التحذیر منها

فأشار بقوله: الا و إنّ الدنیا قد تصرمّت.إلی قوله:فیها الأمد.

و قد علمت أن تصرّمها هو تقضّی أحوالها الحاضرة شیئا فشیئا بالنسبة إلی من

ص:138

وجد فیها فی کلّ حین،و أنّ إذنها بالانقضاء هو إعلامها بلسان حالها لأذهان المعتبرین أنّها لا تبقی لأحد ،فأمّا تنکّر معروفها:فمعناه تغیّره و تبدّله،و مثاله أنّ الإنسان إذا أصاب لذّة من لذّات الدنیا کصحّة أو أمن أو جاه و نحوه أنس إلیه و توهّم بقاءه له و کان ذلک معروفها الّذی أسدته إلیه و عرفه و ألفه منها،ثمّ إنّه عن قلیل یزول و یتبدّل بضدّه فیصیر بعد أن کان معروفا مجهولا.و تکون الدنیا کصدیق تنکّر فی صداقته و مزّجها بعداوته.

استعارة و قوله : و أدبرت حذّاء.

أی ولّت حال ما لا تعلّق لأحد بشیء منها مسرعة،و استعار لفظ الإدبار لانتقال خیراتها عمّن انتقلت عنه بموته أو غیر ذلک من وجوه زوالها ملاحظة لشبهها بملک أعرض عن بعض رعیّته برفده و ماله و برّه.

استعارة بالکنایة قوله : فهی تحفز بالفناء سکّانها و تحدو بالموت جیرانها.

استعار لها وصفی السائق و الحادی استعارة بالکنایة.و وجه المشابهة کونهم قاطعین لمدّة العمر بالفناء و الموت فهی مصاحبته لهم بذلک کما یصحب السائق و الحادی للإبل بالسوق و الحداء،و إن ارید بالحفز الطعن فیکون قد تجوّز بنسبته إلی البلاء ملاحظة لشبه مصائب الدنیا بالرماح،و کذلک استعار لفظ الفناء و الموت لآلة السوق و الحداء و نزّلهما منزلة الحقیقة.و وجه المشابهة کون الموت هو السبب فی انتقال الإنسان إلی دار الآخرة کما أنّ الصوت و السوط مثلا للذین هما آلتا الحداء و السوق هما اللذان بهما یحصل انتقال الإبل من موضع إلی موضع.

و قوله : و قد أمرّ منها ما کان حلوا،و کدر منها ما کان صفوا.

کقوله: و تنکّر معروفها :أی إنّ الامور الّتی تقع لذیذة فیها و یجدها الإنسان فی بعض أوقاته صافیة حلوة خالیة عن کدورات الأمراض و مرارة التنغیص بالعوارض الکریهة هی فی معرض التغیّر و التبدّل بالمرارة و الکدر فما من شخص یخاطبه بما ذکر إلاّ و یصدق علیه أنّه قد عرضت له من تلک اللذّات ما استعقب صفوها کدرا و حلاوتها مرارة إمّا من شباب یتبدّل بکبر،أو غنی بفقر،أو عزّ بذلّ،أو صحّة بسقم.

ص:139

استعارة و قوله : فلم یبق منها إلا سملة.إلی قوله:لم ینقع.

تقلیل و تحقیر لما بقی منها لکلّ شخص شخص من الناس فإنّ بقائها له علی حسب بقائه فیها،و بقاء کلّ شخص فیها یسیر و وقته قصیر.و استعار لفظ السملة لبقیّتها، و شبّها ببقیّة الماء فی الإداوة،و بجرعة المقلة،و وجه الشبه ما أشار بقوله: لو تمزّزها الصدیان لم ینقع :أی کما أنّ العطشان الواجد لبقیّة الإداوة و الجرعة لو تمصّصها لم ینقع عطشه کذلک طالب الدنیا المتعطّش إلیها الواجد لبقیّة عمره و للیسیر من الاستمتاع فیه بلذّات الدنیا لا یشفی ذلک غلیله و لا یسکن عطشه منها،فالأولی إذن تعوید النفس بالفطام عن شهواتها.

و قوله : فأزمعوا عباد اللّه الرحیل عن هذه الدار.

أمر لهم بعد تحقیرها و التنفیر عنها بالإزماع،و تصمیم العزم علی الرحیل عنها بالالتفات إلی اللّه و الإقبال علی قطع عقبات الطریق إلیه و هو الرحیل عن الدنیا.

و قوله : المقدور علی أهلها الزوال.

تذکیر بما لا بدّ من مفارقتها لتحّف الرغبة فیها ثمّ أعقب ذلک بالنهی عن متابعة الأمل فی لذّاتها فإنّه ینسی الآخرة کما سبقت الإشارة إلیه،و ذکر لفظ المغالبة تذکیر بالأنفة و استثارة للحمیّة من نفوسهم ثمّ بالنهی عن توهّم طول مدّة الحیاة و استبعاد الغایة الّتی هی الموت فإنّ ذلک یقسی القلب فیورث الغفلة عن ذکر اللّه کما قال تعالی «فَطالَ عَلَیْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَ کَثِیرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ » (1).

و أمّا الثانی:فهو التنبیه علی عظیم ثواب اللّه و عقابه.

فاعلم أنّه لمّا حقّر الدنیا،و حذّر منها،و أمر بالارتحال عنها.أشار بعد ذلک إلی ما ینبغی أن یعظّم و یلتفت إلیه و یرجی و یخشی،و هو ثواب اللّه و عقابه،فأشار إلی تعظیمها بتحقیر الأسباب و الوسائل الّتی یعتمد علیها العباد و هی غایات جهدهم بالنسبة إلی ما ینبغی أن یرجی من ثوابه و یخشی من عقابه و تلک الأسباب من شدّة الحنین و الوله إلی اللّه و الدعاء المستمرّ و التضرّع المشبه بتبتّل الرهبان.هذا فی طرف العبادة.

ص:140


1- 1) 57-15

و إنّما خصّ التشبیه بمتبتّلی الرهبان لشهرتهم بشدّة التضرّع،و کذلک الخروج إلی من الأموال:و الأولاد و هو أشدّ الزهد،و رتّب ذلک فی صورة متصّلة مقدّمها قوله :

و لو حننتم إلی قوله:رسله ،و تالیها قوله : لکان ذلک قلیلا.إلی قوله:من عقابه. و التماس:

مفعول له.و خلاصة هذا المقصود بوجیز الکلام إنّکم لو أتیتم بجمیع أسباب التقرّب إلی اللّه الممکنة لکم من عبادة و زهد ملتمسین بذلک التقرّب إلیه فی أن یرفع لکم عنده درجة أو یغفر لکم سیّئة أحصتها کتبه و ألواحه المحفوظة لکان الّذی أرجوه من ثوابه للمتقرّب إلیه فی أن یرفع منزلته من حضرة قدسه أکثر ممّا یتصوّر المتقرّب أنّه یصل إلیه بتقرّبه،و لکان الّذی أخافه من عقابه علی المتقرّب فی غفران سیّئة عنده أکثر من العقاب الّذی یتوهّم أنّه یدفعه عن نفسه بتقرّبه.فینبغی لطالب الزیادة فی المنزلة عند اللّه أن یخلص بکلّیته فی التقرّب إلیه لیصل هو إلی ما هو أعظم ممّا یتوهّم أنّه یصل إلیه من المنزلة عنده،و ینبغی للهارب من ذنبه إلی اللّه أن یخلص بکلّیّته فی الفرار إلیه لیخلص من هول ما هو أعظم ممّا یتوهّم أنّه یدفع عن نفسه بوسیلته إلیه فإنّ الأمر فی معرفة ما أعدّ اللّه لعباده الصالحین من الثواب العظیم،و ما أعدّه لأعدائه الظالمین من العقاب الألیم أجّل ممّا یتصوّره عقول البشر ما دامت فی عالم الغربة و إن کان عقولهم فی ذلک الإدراک متفاوتة،و لمّا کانت نفسه القدسیّة أشرف نفوس الخلق فی ذلک الوقت لا جرم نسب الثواب المرجوّ لهم و العقاب المخوف علیهم إلی رجائه هو و خوفه.فقال :ما أرجو لکم من ثوابه و أخاف علیکم من عقابه .و ذلک لقوّة اطّلاعه من ذلک علی ما لم یطّلعوا علیه .

و أمّا الثالث:و هو التنبیه علی عظیم نعمة اللّه تعالی علی العباد

فنبّه علیه أنّ کلّ ما أتوا به من الأعمال الّتی بذلوا جهدهم فیها فی طاعة اللّه و ما عساه یمکنهم أن یأتوا به منها فهو قاصر عن مجازاته نعمه العظام.و قد سبق بیان ذلک.و رتّب المطلوب فی صورة شرطیّة متّصلة أیضا مقدّمها مرکّب من امور:

أحدها:قوله: لو انماثت قلوبکم .أی ذابت خوفا منه و وجدا منه،و کنّی بذلک عن أقصی حال الخائف الراجی لربّه فی عبادته.

ص:141

الثانی قوله : و سالت عیونکم دما، و هو کالأوّل.

الثالث قوله : ثمّ عمّرتم فی الدنیا ما الدنیا باقیة أی مدّة بقاء الدنیا.و تالیها قوله : و ما جزت أعمالکم .إلی آخره.و أنعمه منصوب مفعول جزت .و هداه فی محلّ النصب عطفا علیه،و إنّما أفرد الهدی بالذکر و إن کان من الأنعم لشرفه إذ هو الغایة المطلوبة من العبد بکلّ نعمة افیضت علیه فإنّه لم یخلق و لم یفض علیه أنواع النعم.

الإلهیّة إلاّ لتأهّل[لیستأهل خ]قلبه،و یستعدّ نفسه لقبول صورة الهدی من واهبها فیمشی بها فی ظلمات الجهل إلی ربّه و یجوز بها عقبات صراطه المستقیم،و أکّد ملازمة هذه المتّصلة بالقسم البازّ،و کذلک المتّصلة السابقة،و فایدة هذا التنبیه بعث الخلق علی الشکر و توفیر الدواعی علی الاجتهاد فی الإخلاص للّه حیاء من مقابلة عظیم إنعامه بالتقصیر فی شکره و التشاغل بغیره.و باللّه التوفیق.

52-و من کلام له علیه السّلام

اشارة

فی ذکر یوم النحر

وَ مِنْ تَمَامِ الْأُضْحِیَّةِ اسْتِشْرَافُ أُذُنِهَا وَ سَلاَمَةُ عَیْنِهَا- فَإِذَا سَلِمَتِ الْأُذُنُ وَ الْعَیْنُ سَلِمَتِ الْأُضْحِیَّةُ وَ تَمَّتْ- وَ لَوْ کَانَتْ عَضْبَاءَ الْقَرْنِ تَجُرُّ رِجْلَهَا إِلَی الْمَنْسَکِ

اللغة

أقول: الاضحیة : منصوبة إلی الأضحی إذ کان ذبجها فی ضحی ذلک الیوم،و قیل إنّه مشتقّ منها . کنایة و استشراف اذنها :طولها،و کنّی بذلک عن سلامتها من القطع أو نقصان الخلقة .و العضباء : مکسورة القرن،و قیل القرن الداخل . کنایة و کنّی بجرّ رجلها إلی المنسک جها .و المنسک : موضع النسک،و هو العبادة و التقرّب بذبحها .

المعنی

و اعلم أنّ المعتبر فی الاضحیّة سلامتها عمّا ینقّص قیمتها،و ظاهر أنّ العمی و العور و الهزال و قطع الاذن تشویه فی خلقتها و نقصان فی قیمتها دون العرج و کسر القرن.

ص:142

و فی فضل الاضحیّة أخبار کثیرة روی عن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلّم قال:ما من عمل یوم النحر أحبّ إلی اللّه عزّ وجلّ من إراقة دم،و إنّها لتأتی یوم القیامة بقرونها و أظلافها و أنّ الدم لیقع من اللّه بمکان قبل أن یقع الأرض فطیّبوا بها نفسا.

و روی عنه أیضا أنّ لکم بکلّ صوفة من جلدها حسنة،و بکلّ قطرة من دمها حسنة،و أنّها لتوضع فی المیزان فابشروا،و قد کانت الصحابة یبالغون فی أثمان الهدی و الأضاحی،و یکرهون المماکسة فیها فإنّ أفضل ذلک أغلاه ثمنا و أنفسه عند أهله.

روی أن عمر اهدی نجیبة فطلبت منه بثلاثمائة دینار فسأل رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلّم أن یبیعها و یشتری بثمنها بدنا فنهاه عن ذلک،و قال:بل اهدها.و سرّ ذلک أنّ الجیّد القلیل خیر من الکثیر الدون.فثلاث مائة دینار و إن کان قیمة ثلاثین بدنة و فیها تکثیر اللحم و لکن لیس المقصود اللحم.بل المقصود تزکیة النفس و تطهیرها عن صفة البخل و تزیینها بجمال التعظیم للّه ف «لَنْ یَنالَ اللّهَ لُحُومُها وَ لا دِماؤُها وَ لکِنْ یَنالُهُ التَّقْوی مِنْکُمْ» ،و ذلک بمراعاة النفاسة فی القیمة کثر العدد أم قلّ.

و اعلم أنّه ربما لاح من أسرار وضع الاضحیّة سنّة باقیة هو أن یدوم بها التذکّر لقصّة إبراهیم علیه السّلام و ابتلائه بذبح ولده و قوّة صبره علی تلک المحنة و البلاء المبین، ثمّ یلاحظ من ذلک حلاوة ثمرة الصبر علی المصائب و المکاره فیتأسّی الناس به فی ذلک مع ما فی نحر الاضحیّة من تطهیر النفس عن رذیلة البخل و استعداد النفس بها للتقرّب إلی اللّه تعالی.و باللّه التوفیق.

53-و من کلام له علیه السّلام

اشارة

فَتَدَاکُّوا عَلَیَّ تَدَاکَّ الْإِبِلِ الْهِیمِ یَوْمَ وِرْدِهَا- وَ قَدْ أَرْسَلَهَا رَاعِیهَا وَ خُلِعَتْ مَثَانِیهَا- حَتَّی ظَنَنْتُ أَنَّهُمْ قَاتِلِیَّ أَوْ بَعْضُهُمْ قَاتِلُ بَعْضٍ لَدَیَّ- وَ قَدْ قَلَّبْتُ هَذَا الْأَمْرَ بَطْنَهُ وَ ظَهْرَهُ حَتَّی مَنَعَنِی النَّوْمَ- فَمَا وَجَدْتُنِی یَسَعُنِی إِلاَّ قِتَالُهُمْ- أَوِ الْجُحُودُ بِمَا جَاءَنی

ص:143

بِهِ؟مُحَمَّدٌ ص؟- فَکَانَتْ مُعَالَجَةُ الْقِتَالِ أَهْوَنَ عَلَیَّ مِنْ مُعَالَجَةِ الْعِقَابِ- وَ مَوْتَاتُ الدُّنْیَا أَهْوَنَ عَلَیَّ مِنْ مَوْتَاتِ الْآخِرَةِ

اللغة

أقول: تداکّوا : دکّ بعضهم بعضا:أی دقّه بالضرب و الدفع .و الهیم : الإبل العطاش .و المثانی : جمع مثناة و هی الحبل یثنّی و یعقل به البعیر .

المعنی

و اعلم أنّ قوله: فتداکّوا .إلی قوله: لدیّ.

إشارة إلی صفة أصحابه بصفّین لمّا طال منعه لهم من قتال أهل الشام،و کان علیه السّلام یمنعهم من قتالهم لأمرین:أحدهما أنّه کانت عادته فی الحرب ذلک لیکون خصمه البادی فترکبه الحجّة،و الثانی أنّه کان یستخلص وجه المصلحة فی کیفیّة قتالهم لا علی سبیل شکّه فی وجوب قتال من خالفه فإنّه علیه السّلام کان مأمورا بذلک بل علی وجه استخلاص الرأی الأصلح أو انتظارا لا نجذا بهم إلی الحقّ و رجوعهم إلی طاعته لحقن دماء المسلمین کما سیصرّح به فی الفصل الّذی یأتی،ثمّ أکدّ وصفهم بالزحام علیه بأمرین:أحدهما تشبیهه بزحام الإبل العطاش حین یطلقها رعاتها من مثانیها یوم توردها الماء.و وجه الشبه مالهما من شدّة الزحام،الثانی غایة ذلک الزحام و هو ظنّه علیه ن یقتلوه أو یقتل بعضهم بعضا.

و قوله : و قد قلّبت هذا الأمر .إلی آخره.

إشارة إلی بعض علل منعه لهم من القتال،و هو تقلیبه لوجوه الآراء فی قتالهم حتّی تبیّن له ما یلزم فی ترک القتال من الخطر و هو الکفر.علی أنّ فی الأمرین خطرا أمّا القتال ففیه بذل نفسه للقتل و هلاک جملة من المسلمین،و أمّا ترکه ففیه مخالفة أمر اللّه و رسوله المستلزمة للعقاب الألیم،لکن قد علمت أنّ الدنیا لا قیمة لسعادتها و لا نسبة لشقاوتها إلی سعادة الآخرة و شقاوتها عند ذوی البصایر خصوصا مثله علیه السّلام فلذلک قال:

استعارة فکانت معالجة القتال أهون علیّ من معالجة العقاب،و موتات الدنیا أهون علیّ من موتات الآخرة .و استعار لفظ الموتات للأهوال و الشدائد فی الدنیا و الآخرة لما بین الموت و بینها من المناسبة فی الشدّة.

ص:144

54-و من کلام له علیه السّلام

اشارة

و قد استبطأ أصحابه إذنه لهم فی القتال بصفین

أَمَّا قَوْلُکُمْ أَ کُلَّ ذَلِکَ کَرَاهِیَةَ الْمَوْتِ- فَوَاللَّهِ مَا أُبَالِی- دَخَلْتُ إِلَی الْمَوْتِ أَوْ خَرَجَ الْمَوْتُ إِلَیَّ- وَ أَمَّا قَوْلُکُمْ شَکّاً فِی أَهْلِ؟الشَّامِ؟- فَوَاللَّهِ مَا دَفَعْتُ الْحَرْبَ یَوْماً- إِلاَّ وَ أَنَا أَطْمَعُ أَنْ تَلْحَقَ بِی طَائِفَةٌ فَتَهْتَدِیَ بِی- وَ تَعْشُوَ إِلَی ضَوْئِی- وَ ذَلِکَ أَحَبُّ إِلَیَّ مِنْ أَنْ أَقْتُلَهَا عَلَی ضَلاَلِهَا- وَ إِنْ کَانَتْ تَبُوءُ بِآثَامِهَا

اللغة

أقول: عشا إلی النار : استدلّ علیها ببصر ضعیف .و باء بإثمه : أی رجع به .

المعنی

و هذا الفصل مناسب للّذی قبله.و السبب فیه أنّ أصحابه لمّا طال منعه لهم عن قتال أهل الشام ألحّوا علیه فی طلبه حتّی نسبه بعضهم إلی العجز و کراهیّة الموت، و نسبه بعضهم إلی الشکّ فی وجوب قتال هؤلاء .فأورد علیه السّلام شبهة الأوّلین و هی قوله:

أ کلّ ذلک کراهیّة الموت ،و روی کراهیّة بالنصب علی المفعول و سدّ مسدّ الخبر.

و أجاب عنها بقوله : فو اللّه ما ابالی.إلی قوله:إلیّ ،و صدق هذا الدعوی المؤکّدة بالقسم البارّ ظاهر منه فإنّ العارف بمعزل عن تقیّة الموت خصوصا نفسه القدسیّة کما سبق، مجاز و نسبة الدخول علی الموت و الخروج إلیه نسبة مجازیّة تستلزم ملاحظة تشبیهه بحیوان مخوف .ثمّ أورد الشبهة الثانیة و هی قوله: و أمّا قولکم شکّا فی أهل الشام و أجاب عنها بقوله: فو اللّه ما دفعت الحرب :إلی آخره،و تقریره أنّ المطلوب الأوّل من الأنبیاء و الأولیاء إنّما هو اهتداء الخلق بهم من ظلمة الجهل،و استقامة امورهم فی معاشهم و معادهم بوجودهم،و إذا کان هذا هو المطلوب الذّاتی له علیه السّلام من طلب هذا الأمر و القتال علیه و کان تحصیل المطالب کلّما کان ألطف و أسهل من القتل و القتال کان أولی لا جرم کان انتظاره بالحرب و مدافعتها یوما فیوما إنّما هو انتظار و طمع أن یلحق به منهم من تجذب العنایة الإلهیّة بذهنه إلی الحقّ فیهتدی به فی طریق اللّه و یعشو

ص:145

إلی ضوء عمله و کماله،و کان ذلک أحبّ إلیه من قتلهم علی ضلالتهم و إن کان کلّ ضالّ إنّما یرجع بإثمه إلی ربّه و یکون رهین عمله کما قال تعالی «کُلُّ نَفْسٍ بِما کَسَبَتْ رَهِینَةٌ» . «وَ لا تَکْسِبُ کُلُّ نَفْسٍ إِلاّ عَلَیْها وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْری» .

55-و من کلام له علیه السّلام

اشارة

وَ لَقَدْ کُنَّا مَعَ؟رَسُولِ اللَّهِ ص؟- نَقْتُلُ آبَاءَنَا وَ أَبْنَاءَنَا وَ إِخْوَانَنَا وَ أَعْمَامَنَا- مَا یَزِیدُنَا ذَلِکَ إِلاَّ إِیمَاناً وَ تَسْلِیماً- وَ مُضِیّاً عَلَی اللَّقَمِ وَ صَبْراً عَلَی مَضَضِ الْأَلَمِ- وَ جِدّاً فِی جِهَادِ الْعَدُوِّ- وَ لَقَدْ کَانَ الرَّجُلُ مِنَّا وَ الْآخَرُ مِنْ عَدُوِّنَا- یَتَصَاوَلاَنِ تَصَاوُلَ الْفَحْلَیْنِ یَتَخَالَسَانِ أَنْفُسَهُمَا- أَیُّهُمَا یَسْقِی صَاحِبَهُ کَأْسَ الْمَنُونِ- فَمَرَّةً لَنَا مِنْ عَدُوِّنَا وَ مَرَّةً لِعَدُوِّنَا مِنَّا- فَلَمَّا رَأَی اللَّهُ صِدْقَنَا أَنْزَلَ بِعَدُوِّنَا الْکَبْتَ- وَ أَنْزَلَ عَلَیْنَا النَّصْرَ- حَتَّی اسْتَقَرَّ الْإِسْلاَمُ مُلْقِیاً جِرَانَهُ وَ مُتَبَوِّئاً أَوْطَانَهُ- وَ لَعَمْرِی لَوْ کُنَّا نَأْتِی مَا أَتَیْتُمْ- مَا قَامَ لِلدِّینِ عَمُودٌ وَ لاَ اخْضَرَّ لِلْإِیمَانِ عُودٌ- وَ ایْمُ اللَّهِ لَتَحْتَلِبُنَّهَا دَماً وَ لَتُتْبِعُنَّهَا نَدَماً أقول:المنقول أنّ هذا الکلام صدر عنه یوم صفّین حین أقرّ الناس بالصلح.و أوّله:

إنّ هؤلاء القوم لم یکونوا لیفیئوا إلی الحقّ،و لا لیجیبوا إلی کلمة سواء حتّی یرموا بالمناشر تتبعها العساکر،و حتّی یرجموا بالکتائب تقفوها الجلائب،و حتّی یجرّ ببلادهم الخمیس یتلوه الخمیس،و حتّی تدعق الخیول فی نواحی أراضیهم و بأعناء مشاربهم و مسارحهم،حتّی تشنّ علیهم الغارات من کلّ فجّ عمیق،و حتّی یلقاهم قوم صدق صبر لا یزیدهم هلاک من هلک من قتلاهم و موتاهم فی سبیل اللّه إلاّ جدّا فی طاعة اللّه و حرصا علی لقاء اللّه.و لقد کنّا مع رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلّم الفصل.

ص:146

اللغة

کلمة سواء : أی عادلة .و المنشر : خیل من المأة إلی المأتین،و یقال بل الجیش ما یمرّ بشیء إلاّ اقتلعه ،و الخمیس : الجیش .و تدعق : تغار علی أرضهم فتؤثّر فیها حوافرها .و شنّ الغارة : آثارها .و اللقم : منهج الطریق .و المضض : حرقة الألم .

و یتصاولان : یتحاملان و یتطاولان .و یتخالسان : ینتهز کلّ منهما فرصة صاحبه ، و المنون : المنیّة .و الکبت : الصرف و الإذلال .و جران البعیر : مقدّم عنقه من مذبحه إلی منخره .و تبوّء وطنه : سکن فیه .

المعنی

اشارة

و مقصوده فی هذا الفصل توبیخ أصحابه علی ترک الحرب و التقصیر فیه.

فقوله:و لقد کنّا.إلی قوله:أوطانه .

فقوله: و لقد کنّا .إلی قوله: أوطانه .

بیان لفظه و کیفیّة صنیعه هو و سایر الصحابة فی الجهاد بین یدی رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلّم لغرض قیام الإسلام و ظهور أمر اللّه لیتبیّن للسامعین تقصیرهم بالنسبة إلی ما کان اولئک علیه فی جهادهم یومئذ.فبدء بذکر ما کانوا یکافحونه من الشدائد،و أنّ أحدهم کان یقتل أباه و ولده طلبا لرضا اللّه و ذبّا عن دینه ثمّ لا یزیده ذلک إلاّ إیمانا و تسلیما لقضائه،و مضیّا علی واضح سبیله ،و صبرا فی طاعته علی مضض الآلام المتواترة ،و أنّ أحدهم کان یصاول عدوّه لیختطف کلّ روح صاحبه .و تجوّز بلفظ الکأس فیما یتجرّعه الإنسان من مضض الألم حال القتل،و نبّه بقوله : مرّة لنا و مرّة لعدوّنا .علی أنّ إقدامهم علی القتال یومئذ لم یکن عن قوّة منهم علی العدوّ و یقین بغلبة بل مع غلب العدوّ لهم و قهره.و مرّة منصوب علی الظرف و تقدیره فمرّة الإدالة تکون لنا من عدوّنا و مرّة تکون له منّا .

و قوله:فلمّا رأی اللّه صدقنا.إلی قوله:النصر.

و قوله: فلمّا رأی اللّه صدقنا.إلی قوله:النصر.

فیه تنبیه علی أنّ الجود الإلهیّ لا بخل فیه و لا منع من جهته و إنّما هو عامّ الفیض علی کلّ قابل استعدّ لرحمته،و أشار برؤیة اللّه صدقهم إلی علمه باستحقاقهم و استعدادهم بالصبر الّذی أعدّهم به ،و بإنزال النصر علیهم و الکبت لعدوّهم إلی إفاضته علی کلّ منهم ما استعدّ له .

و قوله:حتّی استقرّ الإسلام.إلی قوله:أوطانه.

و قوله: حتّی استقرّ الإسلام.إلی قوله:أوطانه .

ص:147

إشارة إلی حصول غایتهم الّتی قصدوها بجهاد العدوّ(اللّه خ)و هی استقرار الإسلام فی قلوب عباد اللّه. استعارة مرشحة و استعار لفظ الجران ،و رشحّ تلک الاستعارة بالإلقاء ملاحظة لشبهه بالبعیر الّذی أخذ مکانه ، استعارة بالکنایة و کذلک استعار لفظ التبوّء و نسبه إلی الأوطان تشبیها له بمن کان من الناس خائفا متزلزلا لا مستقر له ثمّ اطمأنّ و استقرّ فی وطنه.و استعار لفظ الأوطان لقلوب المؤمنین،و کنّی بتبوّء أوطانه عن استقراره فیها .

و قوله:و لعمری لو کنّا نأتی.إلی قوله:عود.

و قوله: و لعمری لو کنّا نأتی.إلی قوله:عود.

رجوع إلی مقصوده الأصلیّ و هو تنبیه أصحابه علی تقصیرهم.و المعنی لو قصّرنا یومئذ کتقصیرکم الآن و تخاذلکم لما حصل ما حصل من استقامة الدین، استعارة بالکنایة و کنّی بالعمود للدین عن قوّته و معظمه کنایة بالمستعار،و کذلک باخضرار العود للایمان عن نضارته فی النفوس،و لاحظ فی الاولی تشبیه الإسلام بالبیت ذی العمود،و فی الثانیة تشبیهه الایمان بالشجرة ذات الأغصان .

و قوله:و أیم اللّه لتحتلبنّها دما.

استعارة و قوله: و أیم اللّه لتحتلبنّها دما.

استعار لفظ حلب الدم لثمرة تقصیرهم و تخاذلهم عمّا یدعوهم إلیه من الجهاد، و لاحظ فی تلک الاستعارة تشبیههم لتقصیرهم فی أفعالهم بالناقة الّتی اصیب ضرعها بآفة من تفریط صاحبها فیها ،و الضمیر المؤنّث مبهم یرجع فی المعنی إلی أفعالهم،و کذلک الضمیر فی قوله : و لتتبعنّها ندما فإنّ ثمرة التفریط الندامة.و دما و ندما منصوبان علی التمیز.

و قد اتّفق فی هذا الفصل نوعان من السجع فاللقم و الألم سجع متوازی،و جرانه و أوطانه مطرّف،و کذلک عمود و عود و دما و ندما.و باللّه التوفیق.

56-و من کلام له علیه السّلام

اشارة

لأصحابه

أَمَّا إِنَّهُ سَیَظْهَرُ عَلَیْکُمْ بَعْدِی رَجُلٌ رَحْبُ الْبُلْعُومِ- مُنْدَحِقُ الْبَطْنِ یَأْکُلُ مَا یَجِدُ وَ یَطْلُبُ مَا لاَ یَجِدُ- فَاقْتُلُوهُ وَ لَنْ تَقْتُلُوهُ- أَلاَ وَ إِنَّهُ سَیَأْمُرُکُمْ بِسَبِّی

ص:148

وَ الْبَرَاءَةِ مِنِّی- فَأَمَّا السَّبُّ فَسُبُّونِی فَإِنَّهُ لِی زَکَاةٌ وَ لَکُمْ نَجَاةٌ- وَ أَمَّا الْبَرَاءَةُ فَلاَ تَتَبَرَّءُوا مِنِّی- فَإِنِّی وُلِدْتُ عَلَی الْفِطْرَةِ وَ سَبَقْتُ إِلَی الْإِیمَانِ وَ الْهِجْرَةِ

اللغة

أقول: رحب البلعوم : واسع مجری الحلق .و بطن مندحق ناتیء بارز .

المعنی

و فی هذا الفصل إخبار بما سیکون لأصحابه من الابتلاء بسبّه.و الخطاب لأهل الکوفة.

فقوله : أمّا.

یحتمل أن یکون المشدّدة.و التقدیر أمّا بعد أنّه کذا،و یحتمل أن یکون مخفّفة و هی ما النافیة دخلت علیها همزة الاستفهام،و التقدیر أما أنّه سیظهر،و اختلف فی مراده بالرجل.فقال أکثر الشارحون :المراد معاویة لأنّه کان بطینا کثیر الأکل.

روی أنّه کان یأکل فیمّل فیقول:ارفعوا فو اللّه ما شبعت و لکن مللت و تعبت،و کان ذلک داء أصابه بدعاء الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلّم.روی:أنّه بعث إلیه مرّة فوجده یأکل فبعث إلیه ثانیة فوجده کذلک.فقال:اللهم لا تشبع بطنه.و لبعضهم فی وصف آخر.

و صاحب لی بطنه کالهاویة کأنّ فی أمعائه معاویة

و قیل:هو زیاد بن أبی سفیان،و هو زیاد بن أبیه،و قیل:هو الحجّاج،و قیل:

المغیرة بن شعبة.و و ظهوره علیهم بعده.استعلاؤه و تأمرّه علیهم. کنایة و أکله ما یجد مع طلبه لما لا یجد کنایة عن کثرة أکله،و جعل ذلک علامة له.

و قوله : فاقتلوه.

أی لما هو علیه من الفساد فی الأرض ،و لن تقتلوه .حکم لدنیّ اطلّع علیه.

و قوله : ألا و إنّه سیأمرکم بسبیّ .إلی آخره.

إشارة إلی ما سیأمرهم به فی حقّه من السبّ و البراءة ،و وصیّة لهم بما هو المصلحة إذن.و فرّق علیه السّلام بین سبّه و البراء منه بأن رخصّ فی سبّه عند الإکراه علیه و لم یرخّص فی التبرّی منه،و فی الفرق بینهما لطف،و ذلک أنّ السبّ من صفات القول اللسانیّ و هو أمر یمکن إیقاعه من غیر اعتقاده مع احتماله التعریض و مع ما یشتمل علیه

ص:149

من حقن دماء المأمورین و نجاتهم بامتثال الأمر به.و أمّا التبرّء فلیس بصفة قولیّة فقط بل یعود إلی المجانبة القلبیّة و المعاداة و البغض و هو المنهّی عنه هاهنا فإنّه أمر باطن یمکنهم الانتهاء عنه و لا یلحقهم بسبب ترکه و عدم امتثال الأمر به ضرر.و کأنّه لحظ فیها قوله تعالی «إِلاّ مَنْ أُکْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِیمانِ وَ لکِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْکُفْرِ صَدْراً فَعَلَیْهِمْ غَضَبٌ» (1)الآیة و قوله فی السبّ : فإنّه لی زکاة و لکم نجاة .إشارة إلی أسباب ترخیصه فی سبّه أمّا نجاتهم بسبّه فظاهرة و أمّا کونه زکاة له فلوجهین:

أحدهما:ما روی فی الحدیث أنّ ذکر المؤمن بسوء هو زکاة له،و ذمّه بما لیس فیه زیادة فی جاهه و شرفه.

الثانی:أنّ الطباع تحرص علی ما تمنع منه و تلحّ فیه.فالناس لمّا منعوا من ذکر فضائله و الموالاة له و الزموا سبّه و بغضه ازدادوا بذلک محبّة له و إظهارا لشرفه،و لذلک إنّه علیه السّلام سبّه بنو امیّة ألف شهر علی المنابر فما زاد ذکره علی ذلک إلاّ علوّا و لا ازداد الناس فی محبّته إلاّ غلوّا.و المنقول أنّ الّذی أمر بقطع سبّه عمر بن عبد العزیز،و وضع مکان سبّه من الخطبة «إِنَّ اللّهَ یَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ» الآیة،و لذلک قال کثیر بن عبد الرحمن یمدحه:

و لیت فلم تشتم علیّا و لم تخف برّیا و لم تقبل إساءة مجرم

و فیه یقول الرضیّ الموسوی:

یا ابن عبد العزیز لو بکت العین فتی من امیّة لبکیتک

أنت نزّهتنا عن الشتم و السبّ و لو کنت مجزیا لجزیتک

غیر أنّی أقول إنّک قد طبت و إن لم یطب و لم یزک بیتک

و قوله : فإنّی ولدت علی الفطرة .إلی آخره.

تعلیل لحسن الانتهاء عن البراءة منه و وجوبه.و أراد بالفطرة فطرة اللّه الّتی فطر الناس علیها و هی بعثهم إلی عالم الأجسام مأخوذا علیهم میثاق العبودیّة و الاستقامة علی سنن العدل فی سلوک صراطه المستقیم ،و أراد بسبقه إلی الإسلام و الهجرة سبقه إلی طاعة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلّم فیما جاء به من الدین و صحبته له و مهاجرته معه مستقیما فی کلّ ذلک

ص:150


1- 1) 16-108

علی فطرة اللّه لم یدنّس نفسه بشیء من الملکات الردیئة مدّة وقته.أمّا زمان صغره فللخبر المشهور:کلّ مولود یولد علی الفطرة،و أمّا بعده فلأنّ الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلّم کان هو المتولّی لتربیته و تزکیة نفسه بالعلوم و الإخلاص من أوّل وقته إلی أن توفّی صلی اللّه علیه و آله و سلّم کما أشرنا إلیه قبل،و کما سیذکر هو بعد کیفیّته،و کان قبوله و استعداده لأنوار اللّه أمرا فطرت علیه نفسه،و جبلّت علیه طبیعته حتّی لم یلحقه فی ذلک أحد من الصحابة،و ظاهر أنّ من کان بهذه الصفة من خلفاء اللّه و أولیاءه کان التبرّء منه تبرّء من اللّه و رسوله.فوجب الانتهاء عنه.و باللّه التوفیق.

57-و من کلام له علیه السّلام

اشارة

کلم به الخوارج

أَصَابَکُمْ حَاصِبٌ وَ لاَ بَقِیَ مِنْکُمْ آبِرٌ- أَ بَعْدَ إِیمَانِی بِاللَّهِ وَ جِهَادِی مَعَ ؟رَسُولِ اللَّهِ ص؟- أَشْهَدُ عَلَی نَفْسِی بِالْکُفْرِ- لَ «قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَ ما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِینَ» - فَأُوبُوا شَرَّ مَآبٍ وَ ارْجِعُوا عَلَی أَثَرِ الْأَعْقَابِ- أَمَا إِنَّکُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِی ذُلاًّ شَامِلاً وَ سَیْفاً قَاطِعاً- وَ أَثَرَةً یَتَّخِذُهَا الظَّالِمُونَ فِیکُمْ سُنَّةً قال الشریف:قوله علیه السّلام «و لا بقی منکم آبر» یروی بالباء و الراء من قولهم للذی یأبر النخل-أی:یصلحه-و یروی «آثر» و هو الذی یأثر الحدیث،أی:یرویه و یحکیه،و هو أصح الوجوه عندی،کأنه علیه السّلام قال:لا بقی منکم مخبر.و یروی«آبز»-بالزای المعجمة-و هو الواثب.

و الهالک أیضا یقال له آبز

ص:151

أقول:المرویّ فی السبب أنّه لمّا کتب عهد التراضی بین الحکمین بین علیّ و معاویة اعتزلت الخوارج و تنادوا من کلّ ناحیة لا حکم إلاّ للّه،الحکم للّه یا علی لا لک،إنّ اللّه قد أمضی حکمه فی معاویة و أصحابه أن یدخلوا تحت حکمنا و قد کنّاز للنا و أخطأنا حین رضینا بالتحکیم و قد بان زللنا و خطأنا و رجعنا إلی اللّه و تبنا فارجع أنت کما رجعنا و تب إلیه کما تبنا.و قال بعضهم:إنّک أخطأت فاشهد علی نفسک بالکفر ثمّ تب منه حتّی نطیعک.فأجابهم بهذا الکلام.

اللغة

و الحاصب : ریح شدیدة ترمی بالحصباء و هی صغار .و الأثرة بالتحریک:

الاستبداد .

المعنی

فدعا علیهم أوّلا بریح تحصبهم ،ثمّ بالفناء غضبا من مقالتهم ،ثمّ أخذ فی تقریعهم و إنکار مقالتهم و طلبهم شهادته علی نفسه بالکفر فی صورة سؤال أعقبه تنبیههم علی خطأهم فی حقّه ببیان غلطه علی نفسه لو أجابهم إلی ما سئلوا فإنّ شهادة الإنسان علی نفسه بالکفر ضلال عن الحقّ و عدم اهتداء فی سبیل اللّه.

ثمّ أردف ذلک بأمرین:

أحدهما:جذبهم بالغضب و القهر و أمرهم بالرجوع إلی الحقّ علی أعقابهم:أی من حیث خرجوا من الحقّ و فارقوه.

الثانی: کنایة أخبارهم بما سیلقون بعده من الذلّ الشامل و السیف القاطع .و هو کنایة عمّن تقتلهم بعده کالمهلّبّ بن أبی صفرة و غیره،و هذا الإخبار لغرض استفاءتهم إلیه و جذب لهم برذیلة غیره. و الأثرة الّتی تتّخذها الظالمون فیهم سنّة.إشارة إلی ما یستأثر به الملوک و العمّال علیهم من الفیء و الغنایم و إهانتهم،و قد کانت دعوته علیه السّلام استجیبت فیهم فإنّهم لم یزالوا بعده فی ذلّ شامل و قتل ذریع حتّی أفناهم اللّه تعالی.و أحوالهم فی کیفیّة قتالهم و قتلهم من قتلهم مستوفی فی کتاب الخوارج.و باللّه التوفیق.

58-و قال علیه السّلام

اشارة

لما عزم علی حرب الخوارج و قیل له:إنهم قد عبروا جسر النهروان

ص:152

القسم الأول

اشارة

مَصَارِعُهُمْ دُونَ النُّطْفَةِ- وَ اللَّهِ لاَ یُفْلِتُ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ وَ لاَ یَهْلِکُ مِنْکُمْ عَشَرَةٌ قال الشریف:یعنی بالنطفة ماء النهر،و هو أفصح،کنایة و إن کان کثیرا جما.

المعنی

أقول:خلاصة هذا الخبر أنّه علیه السّلام لمّا خرج إلی أصحاب النهر جاءه رجل من أصحابه فقال:البشری یا أمیر المؤمنین إنّ القوم عبروا النهر لمّا بلغهم و صولک فابشر فقد منحک اللّه اکتافهم.فقال:اللّه أنت رأیتهم قد عبروا.فقال:نعم.فقال علیه السّلام :و اللّه ما عبروه و لن یعبروه و إنّ مصارعهم دون النطفة و الّذی فلق الحبّة و برء النسمة لم یبلغوا إلاّ ثلاث و لا قصر توران حتّی یقتلهم اللّه «وَ قَدْ خابَ مَنِ افْتَری» .قال:ثمّ جاءه جماعة من أصحابه واحدا بعد آخر کلّهم یخبره بما أخبره الأوّل فرک ؟؟؟علیه السّلام و سار حتّی انتهی إلی النهر فوجد القوم بأسرهم قد کسر؟؟؟ون سیوفهم و عرقبوا خیولهم و جثوا علی الرکب و حکموا تحکیمة واحدة بصوت عظیم له زجل،و روی أنّ شابّا من أصحابه قال فی نفسه حین حکم علیه السّلام بما حکم من أمرهم و سار إلی النهر لبیان صدق حکمه:و اللّه لأکوننّ قریبا منه فإن کانوا عبروا النهر لأجعلنّ سنان رمحی فی عینه أیّدعی علم الغیب،فلمّا وجدهم لم یعبروا نزل عن فرسه و أخبره بما روّی فی نفسه،و طلب منه أن یغفر له.فقال علیه السّلام:

إنّ اللّه هو الّذی یغفر الذنوب جمیعا فاستغفره .فأمّا حکمه بأنّه لا یفلت منهم عشرة و لا یقتل من أصحابه عشرة.فروی أنّه قال لأبی أیّوب الأنصاری و کان علی میمنته:لما بدأت الخوارج بالقتال احملوا علیهم فو اللّه لا یفلت منهم عشرة و لا یهلک منکم عشرة فلمّا قتلهم وجد المفلت منهم تسعة و المقتول من أصحابه ثمانیة.و هذان الحکمان من کراماته علیه السّلام.

و قال علیه السّلام:

اشارة

[القسم الثانی]

لما قتل الخوارج قیل له:یا أمیر المؤمنین،هلک القوم بأجمعهم کَلاَّ وَ اللَّهِ إِنَّهُمْ نُطَفٌ فِی أَصْلاَبِ الرِّجَالِ وَ قَرَارَاتِ النِّسَاءِ- کُلَّمَا نَجَمَ مِنْهُمْ قَرْنٌ قُطِعَ- حَتَّی یَکُونَ آخِرُهُمْ لُصُوصاً سَلاَّبِینَ

ص:153

اللغة

أقول: نجم : طلع .و السلاّب : المختلس .و کلاّ:ردّ لمقالة من حکم بهلاکهم جمیعا.

المعنی

کنایة و أشار بکونهم نطفا فی أصلاب الرجال و قرارات النساء إلی أنّه لا بدّ من وجود قوم منهم یقولون بمثل مقالتهم و أنّهم الآن موجودون فی الأصلاب و الأرحام بالقوّة.فمنهم نطف برزت إلی الأرحام،و کنّی بالقرارات عنها.و منهم نطف بعد فی الأصلاب،ثمّ ألحقهم أحکاما اخر تقریرا لبقائهم .منها: استعارة مرشحة أنّه سیقوم منهم رؤساء ذوو أتباع ،و عبّر عمّن یظهر منهم بالقرن استعارة مرشّحا لتلک الاستعارة بقوله: نجم و قطع .لکونهما حقیقتین فی النبات و جعل لتراذ لهم غایة هی کون أواخرهم لصوصا سلاّبین:أی قطّاعا للطریق،و أمّا الّذین ظهروا بعده من رؤسائهم فجماعة کثیرة و ذلک أنّ التسعة الّذین سلموا یوم النهر تفرّقوا فی البلاد فانهزم اثنان منهم إلی عمّان،و إثنان إلی کرمان،و إثنان إلی سجستان،و إثنان إلی الجزیرة و واحد إلی تلّ مورون،و قد کان منهم جماعة لم یظفر علیه السّلام بهم فظهرت بدعتهم فی أطراف البلاد بعده فکانوا نحوا من عشرین فرقة و کبارها ستّ:

إحداها:الأزارقة أصحاب نافع بن الأزرق،و کان أکبر الفرق.خرجوا من البصرة إلی الأهواز و غلبوا علیها و علی کورها و ما رءاها من بلدان فارس و کرمان فی أیّام عبد اللّه بن الزبیر، و کان مع نافع من أمراء الخوارج عشرة:عطیّة بن الأسود الحنفیّ،و عبد اللّه بن ما خول،و أخواه:

عثمان بن الزبیر،و عمر بن عمیر العمیری،و قطری بن فجاة المازنیّ،و عبدة بن الهلال الشیبانی، و صخر التمیمیّ،و صالح العبدیّ،و عبد ربّه الکبیر،و عبد ربّه الصغیر فی ثلاثین و نیّف ألف فارس منهم فانفذ إلیهم المهلّب بن أبی صفرة،و لم یزل فی حربهم هو و أولاده تسع عشرة سنة إلی أن فرغ من أمرهم فی أیّام الحجّاج،و مات نافع قبل وقایع المهلّب و بایعوا قطریّا و سمّوه أمیر المؤمنین.

الثانیة:النجدات رئیسهم نجدة بن عامر الحنفیّ،و کان معه أمیران یقال لأحدهما عطیّة،و الآخر أبو فدیک.ففارقاه بشبهة ثمّ قتله أبو فدیک و صار لکلّ واحد منهما جمع عظیم و قتلا فی زمن عبد الملک بن مروان.

الثالثة:البیهسیّة أصحاب أبی بیهس الهیصم بن جابر،و کان بالحجاز و قتله عثمان بن حیّان المزنیّ بالمدینة بعد أن قطع یدیه و رجلیه.و ذلک فی زمن الولید بإشارة منه.

ص:154

الرابعة:العجاردة أصحاب عبد الکریم بن عجرد،و تحت هذه الفرقة فرق کثیرة لکلّ منهم رئیس منهم مشهور.

الخامسة:الأباضیّة أصحاب عبد اللّه بن أباض فی أیّام مروان بن محمّد فوجّه إلیه عبد اللّه بن محمّد بن عطیّة فقاتله فقتله.

السادسة:الثعالبة أصحاب ثعلبة بن عامر،و تحت هذه الفرقة أیضا فرق کثیرة، و لکلّ منها رئیس مشهور.و تفصیل رؤسائهم و فرقهم و أحوالهم و من قتلهم مذکور فی کتب التواریخ.و أمّا کون آخرهم لصوصا سلاّبین فإشارة إلی ما کانوا یفعلونه فی أطرف البلاد بإصبهان و الأهواز و سواد العراق یعیشون فیها بنهب أموال الخراج و قتل من لم یدن بدینهم جهرا و غیلة و ذلک بعد ضعفهم و تفرّقهم بوقایع المهلّب و غیرها کما هو مذکوره فی مظانّه.

و قال علیه السّلام:

اشارة

[القسم الثالث]

لاَ تُقَاتِلُوا؟الْخَوَارِجَ؟ بَعْدِی- فَلَیْسَ مَنْ طَلَبَ الْحَقَّ فَأَخْطَأَهُ- کَمَنْ طَلَبَ الْبَاطِلَ فَأَدْرَکَهُ (یعنی معاویة و أصحابه )

المعنی

أقول:نهی عن قتل الخوارج بعده،و أومی إلی علّة استحقاق القتل بأنّها طلب الباطل لأنّه باطل لیتبیّن أنّها منفیّة فی حقّهم فینتفی لازمها و هو استحقاق القتل،و أشار إلی أنّ الخوارج لم یطلبوا الباطل مع العلم بکونه باطلا بل طلبوا الحقّ بالذات فوقعوا بالباطل بالعرض.و من لم یکن غرضه إلاّ الحقّ لم یجز قتله،و حسن الکلام یظهر فی تقدیر متّصلة هکذا:لو استحقّوا:القتل بسبب طلبهم لاستحقّوه بسبب طلبهم للباطل من حیث هو باطل لکنّهم لا یستحقّونه من تلک الجهة لأنّهم لیسوا طالبین للباطل من حیث هو باطل فلا یستحقّون القتل، و فرق بین من یطلب الحقّ لذاته فیظهر عنه فی صورة باطل،و بین من یطلب الباطل لذاته فیظهره فی صورة الحقّ حتّی یدرکه،فإنّ الثانی هو المستحقّ للقتل دون الأوّل،و و أومی بمن طلب الباطل فأدرکه إلی معاویة.

ص:155

ع و اعلم:أنّ هذا نصّ منه علیه السّلام بأنّهم کانوا طالبین للحقّ،و بیانه أنّ معظم رؤسائهم کانوا علی غایة من المحافظة علی العبادات کما نقل عن الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلّم حیث وصفهم فقال:حتّی أنّ صلاة أحدکم لتحتقر فی جنب صلاتهم.و کانوا مشهورین بالصلاح و المواظبة علی حفظ القرآن و درسه إلاّ أنّهم بالغوا فی التجرّی و شدّة الطلب للحقّ حتّی عبروا عن فضیلة العدل فیه إلی رذیلة الإفراط فوقعوا فی الفسق و مرقوا من الدین.

فإن قلت:کیف نهی عن قتلهم.

قلت:جوابه من وجهین:

أحدهما:أنّه علیه السّلام إنّما نهی عن قتلهم بعده علی تقدیر أن یلزم کلّ منهم نفسه و یشتغل بها و لا یعیث فی الأرض فسادا و هو إنّما قتلهم حیث أفسدوا فی زمانه و قتلوا جماعة من الصالحین کعبد اللّه بن خبّاب،و شقّوا بطن امرأته و کانت حاملا و دعوا الناس إلی بدعتهم و مع ذلک کان یقول لأصحابه حین سار إلیهم:لا تبدءوهم بالقتال حتّی یبدءوکم به و لم یشرع فی قتلهم حتّی بدءوه بقتل جماعة من أصحابه.

الثانی:أنّه یحتمل أن یقال:إنّه إنّما قتلهم لأنّه إمام عادل رأی الحقّ فی ذلک، و إنّما نهی عن قتلهم بعده لأنّه علم أنّه لا یلی هذا الأمر بعده من له بحکم الشریعة أن یقتل و یتولّی أمر الحدود،و من لا یعرف مواضعها.و باللّه التوفیق.

59-و من کلام له علیه السّلام

اشارة

لما خوف من الغیلة

وَ إِنَّ عَلَیَّ مِنَ اللَّهِ جُنَّةً حَصِینَةً- فَإِذَا جَاءَ یَوْمِی انْفَرَجَتْ عَنِّی وَ أَسْلَمَتْنِی- فَحِینَئِذٍ لاَ یَطِیشُ السَّهْمُ وَ لاَ یَبْرَأُ الْکَلْمُ أقول:قد کان علیه السّلام خوّف من غیلة ابن ملجم-لعنه اللّه-مرارا.روی:أنّ الأشعث لقیه متقلّدا سیفه فقال له:ما یقلّدک السیف و لیس بأوان حرب؟فقال:أردت أنحربه جزور القریة.فأتی الأشعث علیّا علیه السّلام فأخبره و قال:قد عرفت ابن ملجم و فتکه فقال علیه السّلام:ما

ص:156

قتلنی بعد،و روی:أنّ علیّا علیه السّلام کان یخطب مرّة و یذکر أصحابه و ابن ملجم تلقاء المنبر فسمع و هو یقول:و اللّه لاریحنّهم منک.فلمّا انصرف علیّ أتوا به ملبّسا.فأشرف علیهم و قال:ما تریدون.فأخبروه بما سمعوا منه.فقال:فما قتلنی بعد،خلّوا عنه،و إنّ علیّ من اللّه جنّة.الفصل.

اللغة

و الغیلة : القتل علی غفلة .و الجنّة : ما تستر به من سلاح .و طاش السهم : انحرف عن الغرض .و الکلم : الجرح .

المعنی

استعارة بالکنایة-استعارة مرشحة و کنّی بالجنّة عن عنایة اللّه بحفظ أسباب حیاته فی المدّة الممکنة له فی القضاء الإلهیّ کنایة بالمستعار.و وجه الاستعارة أنّ مع بقاء أسباب الحیاة محفوظة لا یؤثّر فی الإنسان شیء من سهام المنیّة أبدا کما أنّ لابس الجنّة محفوظ بها من آثار السهام و نحوها.و وصفها بالحصینة ترشیحا للاستعارة،و کنّی بها أیضا عن قوّة ذلک الحفظ.

و کنّی بیومه عن وقت ضرورة موته،و بانفراج الجنّة عنه عن عدم بعض أسباب الحیاة المستلزم لعدم الحیاة و لحوق سهام الأمراض و هو ترشیح للاستعارة أیضا،و نسب إلیها إسلامها له ملاحظة لتشبیهها بمن یحفظه ثمّ یسلّمه للقتل.

استعارة بالکنایة و قوله : و حینئذ لا یطیش السهم.

استعار لفظ السهم للأمراض الّتی هی أسباب الموت،و کنّی بعدم طیشه عن إنکائه و حصول الموت عنه،و لفظ الکلم للأثر الحاصل عن تلک الأسباب،و وجه الشبه فی الاولی کونهما سببین للهلاک،و فی الثانیة ما یستلزمانه من التألّم،و رشّح الاولی بذکر الطیش و الثانیة بذکر البرء.و من الشعر المنسوب إلیه فی ذلک.

أیّ یومیّ من الموت أفرّ یوم لم یقدر أم یوم قدر

یوم لم یقدر فلا أرهبه یوم قد قدّر لا یغنی الحذر

و هو فی ذلک ملاحظ لقوله تعالی «وَ ما کانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ کِتاباً مُؤَجَّلاً» (1)«وَ لِکُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا یَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا یَسْتَقْدِمُونَ» (2)و

ص:157


1- 1) -139
2- 2) 7-32

باللّه التوفیق.

60-و من خطبة له علیه السّلام

اشارة

أَلاَ إِنَّ الدُّنْیَا دَارٌ لاَ یُسْلَمُ مِنْهَا إِلاَّ فِیهَا- وَ لاَ یُنْجَی بِشَیْءٍ کَانَ لَهَا- ابْتُلِیَ النَّاسُ بِهَا فِتْنَةً- فَمَا أَخَذُوهُ مِنْهَا لَهَا أُخْرِجُوا مِنْهُ وَ حُوسِبُوا عَلَیْهِ- وَ مَا أَخَذُوهُ مِنْهَا لِغَیْرِهَا قَدِمُوا عَلَیْهِ وَ أَقَامُوا فِیهِ- فَإِنَّهَا عِنْدَ ذَوِی الْعُقُولِ کَفَیْءِ الظِّلِّ- بَیْنَا تَرَاهُ سَابِغاً حَتَّی قَلَصَ وَ زَائِداً حَتَّی نَقَصَ

اللغة

أقول: بینا : أصله بین بمعنی التوسّط فاشبعت الفتحة فحدثت ألف،و قد تزاد ما فیقال بینما و المعنی واحد،و تحقیق الظرفیّة هنا أنّ الظلّ دائر بین السبوغ و التقلّص و الزیادة و النقصان .و قلص الظلّ نقص .

المعنی

و الغرض من هذا الفصل التحذیر من الدنیا و التنبیه علی وجوب لزوم أوامر اللّه فیها.

و أشار إلی ذلک فی أوصاف لها :

الأوّل:کونه لا یسلم منها إلاّ فیها .و تحقیق ذلک أنّه لا دار إلاّ الدنیا و الآخرة،و قد علمت أنّ أسباب السلامة هی الزهد و العبادة و سائر أجزاء الریاضة و شیء منها لا یمکن فی الآخرة بل کلّها أعمال متعلّقة بالبدن فإذن لا یتحقّق ما یلزمها من السلامة من الدنیا إلاّ فی الدنیا.

الثانی:کونها لا ینجی بشیء کان لها .و فیه إیماء إلی ذمّ الریاء فی الأقوال و الأفعال و تحذیر من کلّ عمل و قول قصد به الدنیا فإنّ شیئا من ذلک لا حظّ له فی استلزام النجاة فی الآخرة بل ربّما کان سببا للهلاک فیها لما أنّ الاشتغال بمهمّات الدنیا منس للآخرة.

الثالث :کونها قد ابتلی الناس بها فتنة.و فتنة منصوب بالمفعول له،و یحتمل

ص:158

أن یکون مصدرا سدّ مسدّ الحال.و نحوه قوله تعالی «وَ نَبْلُوکُمْ» بِاَلْخَیْرِ وَ الشَّرِّ «فِتْنَةً وَ إِلَیْنا تُرْجَعُونَ» (1)و لنبحث عن معنی الابتلاء بالدنیا و کونها فتنة.

و اعلم أنّه لیس المراد أنّ اللّه تعالی لا یعلم ما یؤول إلیه أحوال العباد و ما یکون منهم بعد خلقهم و ابتلائهم بالدنیا فإنّه تعالی هو العالم بما کان و ما یکون قبل کونه کما قال تعالی «وَ ما مِنْ غائِبَةٍ فِی السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِلاّ فِی کِتابٍ مُبِینٍ» (2)»و قوله تعالی «ما أَصابَ مِنْ مُصِیبَةٍ فِی الْأَرْضِ وَ لا فِی أَنْفُسِکُمْ إِلاّ فِی کِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِکَ عَلَی اللّهِ یَسِیرٌ» (3)بل الکشف عن حقیقة الابتلاء أنّه لمّا کان الإنسان إنّما یکون إنسانا بما خلق فیه من القوی الشهویّة و الغضبیّة و ما یتبعهما،و کان لهذه القوی میول طبیعیّة إلی حاضر اللذّات الدنیویّة فهی مسشتهیاتها و لا ابتهاج لها إلاّ بها و لا حظّ لها من غیرها،و کانت النفوس الإنسانیّة مخالطة لهذه القوی و هی آلاتها،و لا وجه لها فی تصرّفاتها غالب الأحوال إلاّ هی،و کانت تلک القوی فی أکثر الخلق جاذبة لنفوسها إلی مسشتهیاتها الطبیعیّة بالطبع،و کانت تلک النفوس فی أکثر الناس منقادة لقواها معرضة عن الآخرة مشغولة بحاضر ما وجدته من لذّات الدنیا عن تصوّر ما ورائها.ثمّ مع ذلک کان المطلوب منها ما یضادّ ذلک و هو ترک حاضر الدنیا،و منازعة هذه القوی فی مسشتهیاتها، و جذبها عن التوجّه بکلیّتها إلیها لمتابعة النفس فی التفاتها عن ذلک إلی أمر لا یتصوّر فی الدنیا إلاّ بالأوصاف الخیالیّة کما هو وظیفة الأنبیاء علیهم السّلام مع الخلق کانت إرادته تعالی لذلک الالتفات مع ما هم فیه من منازعة الهوی فإن أطاعوه هلکوا و إن عصوه نجوا صورة امتحان.فاشبه ذلک ما یعتمده أحدنا عند عبده إذا أراد مثلا اختبار صبره و محنته له فوهب له جمیع ما یشتهیه ثمّ کلّفه مع ذلک بتکالیف شاقّة لا یتمکّن من فعلها إلاّ بالتفاته عن مشتهاه و تنغیصه علیه.فلا جرم صدقت صورة الابتلاء و الاختبار من اللّه فی الوجود، و کذلک ظهر معنی کونها فتنة.فإنّ الفتنة الامتحان و الاختبار.و إنّ قدّرناها حالا فهی بمعنی الضلال و یعود إلی جذبها للنفوس إلی حاضر لذّاتها عن سنن الحقّ.

الرابع :کونهم ما أخذوه منها اخرجوا منه و حوسبوا علیه .و هو تنبیه علی

ص:159


1- 1) 21-36
2- 2) 27-77
3- 3) 57-22

وجوب قصد الآخرة بما یؤخذ من الدنیا و یتصرّف فیه،و تنفیر أن یجعل المأخوذ منها لمجرّد التمتّع بها بذکر وصفین:أحدهما:وجوب مفارقة المأخوذ منها و الإخراج منه، و الثانی:الحساب علیه فی الآخرة.

و اعلم أن الحساب علی رأی الملّیّین ظاهر،قالوا:إنّ اللّه تعالی قادر علی حساب الخلق دفعة واحدة و لا یشغله کلام عن کلام کما قال: «وَ هُوَ سَرِیعُ الْحِسابِ» .أمّا الحکماء فقالوا:إنّ للحساب معنی،و تقریره بتقدیم مقدّمات.

الاولی أنّ کثرة الأفعال و تکرّرها یوجب حدوث الملکات فی النفوس،و الاستقراء التامّ یکشف عن ذلک،و من کان مواظبته علی عمل من الأعمال أکثر کان رسوخ تلک الملکة الصادرة عن ذلک الفعل فی نفسه أقوی.

الثانیة:أنّه لمّا کان تکرّر العمل یوجب حصول الملکة وجب أن یکون لکلّ عمل یفعله الإنسان أثر فی حصول تلک الملکة بل یجب أن یکون لکلّ جزء من أجزاء العمل الواحد أثر فی حصول لها بوجه ما و ضربوا لذلک مثالا فقالوا:لو فرضنا سفینة عظیمة بحیث لو القی فیها مائة ألف منّ فإنّها تغوص فی الماء قدر شبر واحد و لو لم یکن فیها إلا حبّة واحدة من الحنطة فذلک القدر من الجسم الخفیف فیها یوجب غوصها فی الماء بمقدار ماله من الثقل و إن بلغ فی القلّة إلی حیث لا یدرکه الحسّ.إذا عرفت ذلک فنقول:

ما من فعل من الخیر و الشر قلیل و لا کثیر إلاّ و یفید حصول أثر فی النفس إمّا سعادة أو شقاوة.و عند هذا ینکشف سرّ قوله تعالی «فَمَنْ یَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَیْراً یَرَهُ وَ مَنْ یَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا یَرَهُ» و کذلک لمّا ثبت أنّ الأفعال إنّما تصدر بواسطة الجوارح من الید و الرجل و غیرهما لا جرم کانت الأیدی و الأرجل شاهدة علی الإنسان یوم القیامة بلسان حالها علی معنی أنّ تلک الآثار النفسانیّة إنّما حصلت فی جواهر النفوس بواسطة الأفعال الصادرة عنها فکان صدور تلک الأفعال من تلک الجوارح جاریا مجری الشهادة علی النفس بما اکتسبه بها.إذا عرفت ذلک فنقول:لمّا کانت حقیقة المحاسبة تعود إلی تعریف الإنسان ماله و ما علیه من مال و نحوه.و کان ما یحصل من النفوس من الملکات الخیریّة و الشرّیّة امورا مضبوطة فی جوهرها محصاة علیها و إنّما تنکشف لها کثرة تلک الهیئات و تمکّنها

ص:160

من ذواتها و تضرّرها بها فی الآن الّذی تنقطع فیه علاقة النفس مع البدن أشبه ذلک ما تبیّن للإنسان عند المحاسبة ممّا احصی علیه و له.فاطلق علیه لفظ الحساب.و ذلک الیقین و الاطّلاع هو المشار إلیه بقوله علیه السّلام : و قدّموا علیه ،و لیس المقصود أنّ ما یقدم علیه فی الآخرة هو عین ما اخذ من الدنیا بل ثمرته فی النفوس من خیر أو شرّ فالّذی یتناوله الجاهلون منها لمجرّد التنعم بها فهو الّذی یتمکّن عنه هیئات السوء فی جواهر نفوسهم فیقدمون علیها و یقیمون بها «فِی عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ لا یُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَ هُمْ فِیهِ مُبْلِسُونَ» .

الخامس: تشبیه کونها عند ذوی العقول کفیء الظلّ ،و نبّه بهذا الوصف علی سرعة زوالها،و إنّما خصّص ذوی العقول بذلک لأمرین:أحدهما:أنّ المعتبر لزوالها عامل بمجرّد عقله دون هواه فلذلک نسب إلی العقل.الثانی:أنّ حال ذوی العقول مرغوب فیه لمن سمعه.و لمّا کان مقصوده تحذیر السامعین من سرعة زوالها لیعملوا فیها لما بعدها نسب ذلک إلی ذوی العقول لیقتفی السامعون أثرهم.ثمّ أشار إلی وجه شبهها للظلّ بقوله : بینا تراه .إلی آخره:أی أنّها یسرع زوالها کما یسرع زواله،و هو من التشبیهات السائرة،و مثله قول الشاعر.

ألا إنّما الدنیا کظلّ غمامة أظلّت یسیرا ثمّ حفّت فولّت

61-و من خطبة له علیه السّلام

اشارة

وَ اتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ وَ بَادِرُوا آجَالَکُمْ بِأَعْمَالِکُمْ- وَ ابْتَاعُوا مَا یَبْقَی لَکُمْ بِمَا یَزُولُ عَنْکُمْ- وَ تَرَحَّلُوا فَقَدْ جُدَّ بِکُمْ- وَ اسْتَعِدُّوا لِلْمَوْتِ فَقَدْ أَظَلَّکُمْ- وَ کُونُوا قَوْماً صِیحَ بِهِمْ فَانْتَبَهُوا- وَ عَلِمُوا أَنَّ الدُّنْیَا لَیْسَتْ لَهُمْ بِدَارٍ فَاسْتَبْدَلُوا- فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ یَخْلُقْکُمْ عَبَثاً وَ لَمْ یَتْرُکْکُمْ سُدًی- وَ مَا بَیْنَ أَحَدِکُمْ وَ بَیْنَ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ- إِلاَّ الْمَوْتُ أَنْ یَنْزِلَ بِهِ- وَ إِنَّ غَایَةً تَنْقُصُهَا اللَّحْظَةُ وَ تَهْدِمُهَا

ص:161

السَّاعَةُ- لَجَدِیرَةٌ بِقِصَرِ الْمُدَّةِ- وَ إِنَّ غَائِباً یَحْدُوهُ الْجَدِیدَانِ- اللَّیْلُ وَ النَّهَارُ لَحَرِیٌّ بِسُرْعَةِ الْأَوْبَةِ- وَ إِنَّ قَادِماً یَقْدُمُ بِالْفَوْزِ أَوِ الشِّقْوَةِ- لَمُسْتَحِقٌّ لِأَفْضَلِ الْعُدَّةِ- فَتَزَوَّدُوا فِی الدُّنْیَا مِنَ الدُّنْیَا- مَا تَحْرُزُونَ بِهِ أَنْفُسَکُمْ غَداً- فَاتَّقَی عَبْدٌ رَبَّهُ نَصَحَ نَفْسَهُ وَ قَدَّمَ تَوْبَتَهُ وَ غَلَبَ شَهْوَتَهُ- فَإِنَّ أَجَلَهُ مَسْتُورٌ عَنْهُ وَ أَمَلَهُ خَادِعٌ لَهُ- وَ الشَّیْطَانُ مُوَکَّلٌ بِهِ یُزَیِّنُ لَهُ الْمَعْصِیَةَ لِیَرْکَبَهَا- وَ یُمَنِّیهِ التَّوْبَةَ لِیُسَوِّفَهَا- إِذَا هَجَمَتْ مَنِیَّتُهُ عَلَیْهِ أَغْفَلَ مَا یَکُونُ عَنْهَا- فَیَا لَهَا حَسْرَةً عَلَی کُلِّ ذِی غَفْلَةٍ أَنْ یَکُونَ عُمُرُهُ عَلَیْهِ حُجَّةً- وَ أَنْ تُؤَدِّیَهُ أَیَّامُهُ إِلَی الشِّقْوَةِ- نَسْأَلُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ- أَنْ یَجْعَلَنَا وَ إِیَّاکُمْ مِمَّنْ لاَ تُبْطِرُهُ نِعْمَةٌ- وَ لاَ تُقَصِّرُ بِهِ عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِ غَایَةٌ- وَ لاَ تَحُلُّ بِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ نَدَامَةٌ وَ لاَ کَآبَةٌ

اللغة

أقول: المبادرة : المسارعة .و السدی : المهمل .و جدیر بکذا : أی أولی به .و حرّی :

حقیق . کنایة و التسویف : قول الإنسان سوف أفعل،و هو کنایة عن التمادی فی الأمر .و البطر:

تجاوز الحدّ فی الفرح .و الکآبة : الحزن .

المعنی

اشارة

و حاصل هذه الموعظة التنفیر من الدنیا و الترغیب فی الآخرة و ما یکون وسیلة إلی نعیمها و الترهیب ممّا یکون سببا للشقاء فیها.

فقوله:فاتّقوا اللّه.إلی قوله:بأعمالکم

فقوله: فاتّقوا اللّه .إلی قوله: بأعمالکم .

فیه تنبیه علی وجوب لزوم الأعمال الصالحة،و حثّ علیها بالأمر بمسابقة الآجال و علی توقّع سرعة الأجل و إخطاره بالبال،و هو من الجواذب القویّة إلی اللّه تعالی.

تشبیه و نسب المسابقة إلی الآجال ملاحظة لشبهها بالمراهن إذ کان لحوقها حائلا بینهم و بین

ص:162

الأعمال الصالحة الشبیهة بما یسبق علیه من رهن .

فقوله:و ابتاعوا ما بقی.إلی قوله:عنکم.

فقوله: و ابتاعوا ما بقی.إلی قوله:عنکم.

إشارة إلی لزوم الزهد فی الدنیا،و التخلّی عن متاعها الفانی،و أن یشتری به ما یبقی من متاع الآخرة.و قد عرفت غیر مرّة إطلاق لفظ البیع هنا.و قیّد المشتری بما یبقی،و الثمن بما یزول لیکون المشتری أحبّ إلی النفوس لبقائه .

و قوله:فترحّلوا فقد جدّ بکم.

تشبیه و قوله: فترحّلوا فقد جدّ بکم.

أمر بالترحّل،و هو قطع منزل منزل من منازل السفر إلی اللّه تعالی فی مراتب السلوک لطریقه،و نبّه علی وجوب الترحّل بقوله: فقد جدّ بکم :أی فی السیر إلی آجالکم بقوّة و ذلک الجدّ یعود إلی سرعة توارد الأسباب الّتی تعدّ المزاج للفساد و تقرّبه إلی الآخرة ملاحظة لشبهها بسابق الإبل و نحوها .

و قوله:و استعدّوا للموت فقد أظلّکم.

استعارة و قوله: و استعدّوا للموت فقد أظلّکم.

الاستعداد له هو باستکمال النفوس کما لها الّذی ینبغی حتّی لا یبقی للموت عندها کثیر وقع بل یکون محبوبا لکونه وسیلة إلی المحبوب و هو لقاء اللّه و السعادة الباقیة فی حضرة الملأ الأعلی،و نبّه بقوله: فقد أظلّکم .علی قربه.و استلزم ذلک تشبیهه بالسحاب و الطیر فاستعیر له وصف الإظلال .

و قوله:و کونوا قوما صیح بهم فانتبهوا.

و قوله: و کونوا قوما صیح بهم فانتبهوا.

تنبیه لهم علی الالتفات إلی منادی اللّه،و هو لسان الشریعة و الانتباه بندائه من مراقد الطبیعة .

و قوله:و علموا.إلی قوله:سدی.

و قوله: و علموا.إلی قوله:سدی.

تنبیه لهم علی أنّ الدنیا لیست بدار لهم لیلتفتوا عن الرکون إلیها و یتوقّعوا الإخراج منها.ثمّ أمرهم بالاستبدال بها لیذکّروا أنّ هناک عوضا منها یجب أن یلتفت إلیه و هو الدار الآخرة،و نبّه بقوله : فإنّ اللّه لم یخلقکم عبثا .إلی آخره علی وجوب العمل لذلک البدل فإنّهم لم یخلقوا إلاّ لأمر وراء ما هم فیه .

و قوله:ما بین أحدکم.إلی قوله:ینزل به

و قوله: ما بین أحدکم.إلی قوله:ینزل به .

ص:163

تعیین لما خلقوا له و وعدوا بالوصول إلیه و أنّه لا حایل بینهم و بینه إلاّ الموت.

قال بعض الشارحین:و هذا الکلام ممّا یصلح متمسّکا للحکماء فی تفسیرهم للجنّة و النار فإنّهم لمّا قالوا:إنّ الجنّة تعود إلی المعارف الإلهیّة و لوازمها،و النار تعود إلی حبّ الدنیا و المیل إلی مشتهیاتها.و تمکّن الهیئات الردیئة فی جوهر النفس و عشقها بعد المفارقة لما لا یتمکّن من العود إلیه کمن نقل عن مجاورة معشوقه و الالتذاذ به إلی موضع ظلمانیّ شدید الظلمة مع عدم تمکّنه من العود إلیه کما قال تعالی «قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّی أَعْمَلُ صالِحاً فِیما تَرَکْتُ کَلاّ» (1)الآیة.و کان إدراک لذّة المعارفة التامّة، و إدراک ألم النار بالمعنی أمرا یتحقّق حال مفارقة هذا البدن.إذ کان الإنسان فی عالم الشهادة فی إدراکه لما حصل فی نفسه و تمکّن من الهیئات کعضو مفلوج غطّی خدره علی ألمه فإذا أزال الخدر أحسّ بالألم فکذلک النفس بعد الموت تدرک مالها من لذّة أو ألم کما هو لزوال الشواغل البدنیّة عنها.

قلت:و هذا الکلام أیضا ظاهر علی مذهب المتکلّمین إذ جاء فی الخبر أنّ العبد یکشف له الموت عمّا یستحقّه من جنّة أو نار ثمّ یؤجّل ذلک إلی قیام القیامة الکبری .

و قوله:و إنّ غایة.إلی قوله:المدّة.

کنایة و قوله: و إنّ غایة.إلی قوله:المدّة.

کنّی بالغایة عن الأجل المعلوم للإنسان ثمّ نبّه علی قصره و حقارته بأمرین:

أحدهما:کونه تنقصه اللحظة:أی النظرة.و هو ظاهر فإنّ کلّ جزء من الزمان فرصة قد مضی من مدّة الإنسان منقص لها.

الثانی: استعارة بالکنایة کونه تهدمها الساعة .کنّی بالساعة عن وقت الموت،و لا شکّ أنّ الآن الّذی تنقطع فیه علاقة النفس مع البدن غایة لأجل الإنسان.و غایة الشیء هی ما یتعلّق عندها الشیء فکنّی بالهدم عن ذلک الانقطاع و الانتهاء کنایة بالمستعار.و ظاهر أنّ مدّة هذا شأنها فی غایة القصر .

و قوله:و إنّ غائبا.إلی قوله:الأوبة

و قوله: و إنّ غائبا.إلی قوله:الأوبة.

أشار بالغائب إلی الإنسان إذ کانت الدنیا عالم غربته و محلّ سفره،و منزله الحقیقیّ

ص:164


1- 1) 23-101

إنّما هو منشأه و ما إلیه مرجعه،و إنّما سمّی اللیل و النهار جدیدان لتعاقبهما فلیس أحدهما مختلفا للآخر. استعارة و استعار لفظ الحدو لما یستلزمانه من إعداد الإنسان لقرب أجله المشبه لصوت الحادی الّذی یحدو الإبل لسرعة سیرها و قربها من المنزل المقصود لها.

و ظاهر أنّ من کان اللیل و النهار حادییه فهو فی غایة سرعة الرجوع إلی مبدئه و وطنه الأصلی .و قال بعض الشارحین:أراد بالغائب الموت.و هو و إن کان محتملا إلا أنّه لا یطابقه لفظ الأوبة لأنّ الموت لم یکن جائیا أو ذاهبا حتّی یرجع .

و قوله:و إنّ قادما.إلی قوله:العدّة

و قوله: و إنّ قادما.إلی قوله:العدّة.

أشار بالقادم بالفوز أو الشقوة إلی الإنسان حین قدومه علی ربّه بعد المفارقة فإنّه إمّا الفوز بالسعادة الباقیة،أو الحصول علی الخیبة و الشقوة.و نبّه بذکر القدوم علی أنّ من هذا شأنه فالواجب علیه أن یستعدّ بأفضل عدّة لیصل بها إلی أحبهما لدیه، و یتباعد بها عن أکرههما عنده .

و قوله:فتزوّدوا.إلی قوله:غدا

استعارة و قوله: فتزوّدوا.إلی قوله:غدا.

فصّل نوع تفصیل أفضل العدّة و هو الزاد الّذی یحرز الإنسان به نفسه یوم القیامة من السقب فی نار جهنّم و غلیل حرّها،و أشار بذلک الزاد إلی تقوی اللّه و خشیته.و قد علمت حقیقة الخشیة و الخوف و أنّه إنّما یحصل فی الدنیا.و أمّا کونه من الدنیا فلأنّ الآثار الحاصلة للنفس من الحالات و الملکات کالخشیة و الخوف و سایر ما یتزودّه و یستصحبه بعد المفارقة امور إنّما حصلت عن هذا البدن و استفیدت من الدنیا بواسطته.و المشابهة الّتی لأجلها استعار لفظ الزاد هنا هو ما یشترک فیه الزاد المحسوس و التقوی من سلامة المتزوّد بهما کلّ فی طریقه فذاک فی المنازل المحسوسة من عذاب الجوع و العطش المحسوسین،و هذا فی المنازل المعقولة و مراتب السلوک و مراحل السفر إلی اللّه تعالی من عذاب الجوع المعقول .

و قوله:فاتّقی عبد ربّه.إلی قوله شهوته

و قوله: فاتّقی عبد ربّه.إلی قوله شهوته.

أو امر وردت بلفظ الماضی خالیة عن العطف و هی بلاغة تریک المعنی فی أحسن صورة.

فالأمر بالتقوی تفسیر للأمر بالزاد کما قال تعالی «وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَیْرَ الزّادِ التَّقْوی» (1)

ص:165


1- 1) 2-193

و الأمر بنصیحة النفس أمر بالنظر فی مصالحها،و الشعور علیها أن تعمل ما هو الأولی بها من التمسّک بحدود اللّه و الوقوف عندها،و الأمر بتقدیم التوبة و غلب الشهوة هو من جملة الأمر بالنصیحة کالتفسیر له و من لوازم التقوی أردفه بهما،و أراد تقدیم التوبة علی الموت أو بالنسبة إلی کلّ وقت سیحضر .

و قوله:فإنّ أجله.إلی قوله:شقوة

و قوله: فإنّ أجله.إلی قوله:شقوة.

حثّ علی امتثال أو امره السائقة إلی التوبة و غیرها،و تحذیر من هجوم المنیّة علی غفلة لما یستلزمه ذلک من شدّة الحسرة و طول الندم علی التفریط،و ذلک أنّ ستر الأجل عن الإنسان موجب للغفلة عنه فإذا انضاف إلی ذلک خداع الأمل الناشیء عن وساوس الشیطان فی تزیینه المعصیة و تسویفه التوبة مع کون موکّلا به و قرینا له کما قال سیّد المرسلین صلی اللّه علیه و آله و سلّم:ما من مولود إلاّ و یولد معه قرین من الشیطان.کانت الغفلة أشدّ و النسیان أکدّ، استعارة و استعار لفظ الخداع لصورته من النفس الأمّارة بالسوء و هو قولها للإنسان مثلا:تمتّع من شبابک و اغتنم لذّة العیش ما دمت فی مهلة و مستقبل من عمرک و ستلحق للتوبة،و نحو ذلک من الأضالیل فإنّ هذه الصورة خداع من الشیطان،و أمّا نسبة ذلک إلی الأمل فلأنّ الأمل هو عزم النفس علی فعل تلک الامور و أمثالها فی مستقبل الأوقات عن توهّم طول مدّة الحیاة و اتّساعها لما تفعله فیها من معصیة و توبة،و ذلک العزم من أسباب الانخداع للشیطان و غروره فلذلک نسب الخداع إلی الأمل مجازا ،و جعل غایة ذلک الخداع هو أن تهجم علی المخدوع منیّته حال ما هو فی أشدّ غفلة عنها و اشتغال بما یؤمّله فیکون ذلک مستلزما لأعظم حسرة و أکبر ندامة علی أن یکون عمره علیه حجّة شاهدا بلسان حاله علی ما اکتسب فیه من الآثام فصار بعد أن کان وسیلة لسعادته سببا لشقاوته .و أغفل نصب علی الحال .و حسرة علی التمیز للمتعجّب منه المدعوّ.و اللام فی لها قیل:للاستغاثة.کأنّه قال:یا للحسرة علی الغافلین ما أکثرک،و قیل:بل لام الجرّ فتحت لدخولها علی الضمیر و المنادی محذوف و تقدیره یا قوم أدعوکم لها حسرة،و أن فی موضع النصب بحذف الجارّ کأنّه قیل:فعلام یقع علیهم الحسرة؟فقال:علی کون أعمارهم حجّة علیهم یوم القیامة .

ص:166

و قوله:نسأل اللّه تعالی.إلی قوله:کأبة.

و قوله: نسأل اللّه تعالی.إلی قوله:کأبة.

خاتمة الخطبة،و سأل اللّه الخلاص عن امور ثلاثة:

الأوّل:أن یخلّصه من شدّة الفرج بنعمة الدنیا فإنّ ذلک من لوازم محبّتها المستلزمة للهلاک الأبدیّ.

الثانی :أن لا تقصر به غایة عن طاعة ربّه:أی لا یقصر عن غایة من غایات الطاعة یقال قصرت هذه الغایة بفلان إذا لم یبلغها.

الثالث :أن لا تحلّ به بعد الموت ندامة و لا حزن و ذلک سؤال لحسم أسبابها و هو اتّباع الهوی فی الدنیا و العدول عن طاعة اللّه.و باللّه العصمة.

62-و من خطبة له علیه السّلام

اشارة

«الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِی» لَمْ تَسْبِقْ لَهُ حَالٌ حَالاً- فَیَکُونَ أَوَّلاً قَبْلَ أَنْ یَکُونَ آخِراً- وَ یَکُونَ ظَاهِراً قَبْلَ أَنْ یَکُونَ بَاطِناً- کُلُّ مُسَمًّی بِالْوَحْدَةِ غَیْرَهُ قَلِیلٌ- وَ کُلُّ عَزِیزٍ غَیْرَهُ ذَلِیلٌ وَ کُلُّ قَوِیٍّ غَیْرَهُ ضَعِیفٌ- وَ کُلُّ مَالِکٍ غَیْرَهُ مَمْلُوکٌ وَ کُلُّ عَالِمٍ غَیْرَهُ مُتَعَلِّمٌ- وَ کُلُّ قَادِرٍ غَیْرَهُ یَقْدِرُ وَ یَعْجَزُ- وَ کُلُّ سَمِیعٍ غَیْرَهُ یَصَمُّ عَنْ لَطِیفِ الْأَصْوَاتِ- وَ یُصِمُّهُ کَبِیرُهَا وَ یَذْهَبُ عَنْهُ مَا بَعُدَ مِنْهَا- وَ کُلُّ بَصِیرٍ غَیْرَهُ یَعْمَی عَنْ خَفِیِّ الْأَلْوَانِ وَ لَطِیفِ الْأَجْسَامِ- وَ کُلُّ ظَاهِرٍ غَیْرَهُ بَاطِنٌ وَ کُلُّ بَاطِنٍ غَیْرَهُ غَیْرُ ظَاهِرٍ- لَمْ یَخْلُقْ مَا خَلَقَهُ لِتَشْدِیدِ سُلْطَانٍ- وَ لاَ تَخَوُّفٍ مِنْ عَوَاقِبِ زَمَانٍ- وَ لاَ اسْتِعَانَةٍ عَلَی نِدٍّ مُثَاوِرٍ وَ لاَ شَرِیکٍ مُکَاثِرٍ وَ لاَ ضِدٍّ مُنَافِرٍ- وَ لَکِنْ خَلاَئِقُ مَرْبُوبُونَ وَ عِبَادٌ دَاخِرُونَ- لَمْ یَحْلُلْ فِی الْأَشْیَاءِ

ص:167

فَیُقَالَ هُوَ فِیهَا کَائِنٌ- وَ لَمْ یَنْأَ عَنْهَا فَیُقَالَ هُوَ مِنْهَا بَائِنٌ- لَمْ یَؤُدْهُ خَلْقُ مَا ابْتَدَأَ- وَ لاَ تَدْبِیرُ مَا ذَرَأَ وَ لاَ وَقَفَ بِهِ عَجْزٌ عَمَّا خَلَقَ- وَ لاَ وَلَجَتْ عَلَیْهِ شُبْهَةٌ فِیمَا قَضَی وَ قَدَّرَ- بَلْ قَضَاءٌ مُتْقَنٌ وَ عِلْمٌ مُحْکَمٌ- وَ أَمْرٌ مُبْرَمٌ الْمَأْمُولُ مَعَ النِّقَمِ- الْمَرْهُوبُ مَعَ النِّعَمِ

اللغة

أقول: المثاور : المواثب .و الداخر : الذلیل ،و آده الأمر : أثقله .و ذرء : خلق .

و المبرم : المحکم .

المعنی

و قد اشتملت هذه الخطبة علی مباحث لطیفة من العلم إلالهیّ أیضا لا یطّلع علیها

اشارة

إلاّ المتبحّرون فیه .

الأوّل:الّذی لم یسبق.إلی قوله:باطنا.

أقول:إنّه لمّا ثبت أنّ السبق و المقارنة و القبلیّة و البعدیّة امور تلحق الزمان لذاته و تلحق الزمانیّات به،و ثبت أنّه تعالی منزّه عن الزمان إذ کان من لواحق الحرکة المتأخّرة عن وجود الجسم المتأخّر عن وجود اللّه سبحانه کما علم ذلک فی موضعه لا جرم لم تلحق ذاته المقدّسة و مالها من صفات الکمال و نعوت الجلال شیء من لواحق الزمان.فلم یجز إذن أن یقال مثلا کونه عالما قبل کونه قادر و سابقا علیه،و کونه قادرا قبل کونه عالما،و لا کونه أوّلا للعالم قبل کونه آخرا له قبلیّة و سبقا زمانیّا.بقی أن یقال:إنّ القبلیّة و البعدیّة قد تطلق بمعان اخر کالقبلیّة بالشرف و الفضیلة و الذات و العلیّة،و قد بیّنا فی الخطبة الاولی أنّ کلّ ما یلحق ذاته المقدّسة من الصفات فاعتبارات ذهنیّة تحدثها العقول عند مقایسته إلی مخلوقاته،و شیء من تلک الاعتبارات لا تتفاوت أیضا بالقبلیّة و البعدیّة بأحد المعانی المذکورة بالنظر إلی ذاته المقدّسة فلا یقال مثلا هو المستحقّ لهذا الاعتبار قبل هذا الاعتبار أو بعده و إلاّ لکان کمال ذاته قابلا للزیادة و النقصان،بل استحقاقه بالنظر إلی ذاته لمّا یصحّ أن یعبّر لها استحقاق واحد لجمیعها دائما فلا حال یفرض إلاّ و هو یستحقّ فیه أن یعتبر له الأوّلیّة و الآخریّة معا استحقاقا أوّلیا ذاتیّا لا علی وجه الترتّب

ص:168

و إن تفاوتت الاعتبارات بالنظر إلی اعتبارنا،و هذا بخلاف غیره من الامور الزمانیّه فإنّ الجوهر مثلا یصدق علیه کونه أوّلا من العرض و لا یصدق علیه مع ذلک أنّه آخر له حتّی لو فرضنا عدم جمیع الأعراض و بقاء الجوهر بعدها لم یکن استحقاقه للاعتبارین معا بل استحقاقه لاعتبار الأوّلیّة متقدّم إذ کانت بعض أحواله سابقة علی بعض،و لا استحقاقه لهما لذاته بل بحسب بقاء أسبابه.و لا العرض لما صدق علیه أنّه بعد الجوهر یصدق علیه أنّه قبله باعتبار ما،و خلاف المختلفین فی أیّ الصفات أقدم مبنیّ علی سوء تصوّرهم لصانعهم «سُبْحانَهُ وَ تَعالی عَمّا یَقُولُونَ عُلُوًّا کَبِیراً» .

إذا عرفت ذلک فنقول:أوّلیّته هو اعتبار کونه مبدء لکلّ موجود،و آخریّته هو کونه غایة لکلّ ممکن ،و قد سبق معنی کونه ظاهرا و باطنا فی الخطبة الّتی أوّلها:

«الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِی» بطن خفیّات الامور .

الثانی:کلّ مسمّی بالوحدة غیره قلیل.

مقصود هذه الکلمة أنّه تعالی لا یوصف بالقلّة و إن کان واحدا،و تقریر ذلک أنّ الواحد یقال بمعان و المشهور منها المتعارف بین الخلق کون الشیء مبدءا لکثرة یکون عادّا لها و مکیالا و هو الّذی تلحقه القلّة و الکثرة الإضافیّتان فإنّ کلّ واحد بهذا هو قلیل بالنسبة إلی الکثرة الّتی یصلح أن یکون مبدءا لها و المتصوّر لأکثر أهل العالم صدق هذا الاعتبار علی اللّه بل ربّما لا یتصوّر بعضهم کونه تعالی واحدا إلاّ بهذا الوجه،و لمّا کان تعالی منزّها عن الوصف بالقلّة و الکثرة لما یستلزمانه من الحاجة و النقصان اللازمین لطبیعة الإمکان أثبت القلّة لکلّ ما سواه فاستلزم إثباتها لغیره فی معرض المدح له و نفیهما عنه.و استلزم ذلک تنزیهه تعالی عن الواحدیّة بالمعنی المذکور.إذ سلب اللازم یستلزم سلب ملزومه،و لیس إذا بطل کونه واحدا بهذا المعنی بطل کونه واحدا.فإنّا بیّنا صدق الواحد علیه بمعان اخر فی الخطبة الاولی،و قد یفهم من هذا أنّه لمّا نفی عنه القلّة استلزم ذلک أن یثبت له الکثرة،و هو من سوء الفهم و قلّة العلم فإنّ عدم القلّة إنّما یستلزم ثبوت الکثرة عند تعاقبها علی محلّ من شأنه قبولهما.و ربّما قیل:

إنّ المراد بالقلیل هنا الحقیر،و هو غیر مناسب لذکر الوحدة و إنّما قال علیه السّلام:کلّ

ص:169

مسمّی بالوحدة،و لم یقل کلّ واحد لیشعر بأنّ قول الوحدة علی واحدیّته تعالی و علی واحدیّة غیره قول بحسب اشتراک الاسم .

الثالث:و کلّ عزیز غیره ذلیل.

أقول:رسّم العزیز بأنّه الخطیر الّذی یقلّ وجود مثله و تشتدّ الحاجة إلیه و یصعب الوصول إلیه.ثمّ فی کلّ واحد من هذه القیود الثلاثة کمال و نقصان فالکمال فی قلّة الوجود أن یرجع إلی واحد و یستحیل أن یوجد مثله و لیس ذلک إلاّ اللّه سبحانه،و الکمال فی النفاسة و شدّة الحاجة أن یحتاج کلّ شیء فی کلّ شیء،و لیس ذلک علی الکمال إلاّ اللّه تعالی،و الکمال فی صعوبة المنال أن لا یوصل إلی حقیقته علی معنی الإحاطة بها، و لیس ذلک علی کمال إلاّ اللّه تعالی فهو إذن العزیز المطلق الّذی کلّ موجود سواه ففی ذلّ الحاجة إلیه و حقارة العبودیّة بالنسبة إلی کمال عزّه.فأمّا العزیز من الخلق فهو الّذی توجد له تلک الاعتبارات لکن لا مطلقا بل بقیاسه إلی من هو دونه فی الاعتبارات المذکورة فهو إذن و إن صدق علیه أنّه عزیز بذلک الاعتبار إلاّ أنّه فی ذلّ الحاجة إلی من هو أعلی رتبة منه و أکمل فی تلک الاعتبارات،و کذلک من هو أعلی منه إلی أن ینتهی إلی العزیز المطلق الّذی لا یلحقه ذلّ باعتبار ما.فلذلک أثبت علیه السّلام الذلّ لکلّ عزیز سواه .

الرابع:و کلّ قویّ غیره ضعیف.

القوّة تعودن إلی تمام القدرة،و یقابلها الضعف،و لمّا کان استناد جمیع الموجودات إلی تمام قدرته علمت أنّه لا أتمّ من قدرته فکلّ قوّة وصف بها غیره فبالنسبة إلی ضعف یقابلها لمن هو دونه و إذا قیس بالنسبة إلی من هو فوقه کان ضعیفا بالنسبة إلیه،و کذلک من هو فوقه إلی أن ینتهی إلی تمام قدرة اللّه فهو القویّ الّذی لا یلحقه ضعف بالقیاس إلی أحد غیره و کذلک قوله : و کلّ مالک غیره مملوک .فإنّ معنی المالک یعود إلی القادر علی الشیء الّذی تنفذ مشیّته فیه باستحقاق دون غیره،و غیره بإذنه.و لمّا ثبت أنّ کلّ موجود سواه فهو فی تصریف قدرته و مشیّته إذ هما مستند وجوده ثبت أنّه هو المالک المطلق الّذی لست له مملوکیّة بالقیاس إلی شیء آخر و أنّ کلّ ما سواه فهو مملوک له و إن صدق علیه

ص:170

بالعرف أنّه مالک بالقیاس إلی هو دونه.ثمّ لا یخفی علیک ممّا سلف أنّ قول القوّی و المالک علیه و علی غیره قول بحسب اشتراک الاسم أیضا.

الخامس:و کلّ عالم غیره متعلّم.

لمّا ثبت أنّ علمه تعالی بالأشیاء علی ما مرّ من التفصیل إنّما هو لذاته،و لم یکن شیء منه بمستفاد من أمر آخر،و کان علم من سواه إنّما هو مستفاد بالتعلّم من الغیر ثمّ الغیر.من الغیر إلی أن ینتهی إلی علمه تعالی الفایض بالخیرات لا جرم کان کلّ عالم سواه متعلّما و إن سمّی عالما بحصول العلم له،و کان هو العالم المطلق الّذی لا حاجة به فی تحصیل العلم إلی أمر آخر .

السادس:و کلّ قادر غیره یقدر و یعجز.

أقول:قدرة اللّه تعالی تعود إلی اعتبار کونه مصدرا لآثاره.فأمّا قدرة الغیر فقد یراد بها قوّة جسمانیّة منبّثة فی الأعضاء محرّکة لها نحو الأفاعیل الاختیاریّة.و العجز ما یقابل القدرة بهذا المعنی و هو عدمها عمّا من شأنه أن یقدر کما فی حقّ الواحد منّا، و قد یراد بهما اعتباران آخران یتقابلان.إذا عرفت ذلک فنقول:القادر المطلق علی کلّ تقدیر هو مستند کلّ مخترع و موجود اختراعا ینفرد به و یستغنی فیه عن معاونة غیره و ذلک إنّما یتحققّ فی حقّ اللّه سبحانه فأمّا کلّ منسوب إلی القدرة سواه فهو و إن کان بالجملة ذا قدرة إلاّ أنّها ناقصة لتناولها بعض الممکنات فقط و قصورها عن البعض الآخر و عدم تناولها له إذا کانت لا تصلح للمخترعات و إن نسب إلیه إیجاد شیء فلأنّه فاعل أقرب و واسطة بین القادر الأوّل سبحانه و بین ذلک الأثر لا لذاته استقلالا و تفرّدا به علی ما علم فی مظانّه.فکلّ قادر سواه فلذاته یستحقّ العجز و عدم القدرة بالنسبة إلی ما یمکن تعلّق قدرته به من سائر المخترعات و الممکنات و إنّما یستحقّ القدرة من وجوده.فهو إذن الفاعل المطلق الّذی لا یعجزه شیء عن شیء و لا یستعصی علی قدرته شیء .

السابع:

استعارة و کلّ سمیع غیره یصمّ عن لطیف الأصوات،و یصمّه کبیرها،و یذهب عنه ما بعد منها.

أقول:حسّ السمع فی الحیوان عبارة عن قوّة تنفذ من الدماغ إلی الاذن فی

ص:171

عصبته ثابتة منه إلی الصماخ مبسوطة علیه کجلد الطبل،و هذه العصبة آلة هذه القوّة.

و الصوت هیئة تحصل فی الهواء عن تموجّه بحرکة شدیدة إمّا من قرع یحصل من اصطکاک جسمین صلبین فیضغط الهواء بینهما و ینفلت بشدّة،و إمّا من قلع شدید فیلج الهواء بین الجسمین المنفصلین الصلبین و یحصل عن السببین تموّج الهواء علی هیئة مستدیرة کما یفعل وقوع الحجر فی الماء فإذا انتهی ذلک التموّج إلی الهواه الّذی فی الاذن تحرّک ذلک الهواء الراکد حرکة مخصوصه بهیئة مخصوصة فتنفعل العصبة المفروشة علی الصماخ عن تلک الحرکة و تدرکها القوّة السامعة هناک فهذا الإدراک یسمّی سماعا.

إذا عرفت ذلک فاعلم أنّ إدراک هذه القوّة للصوت یکون علی قرب و بعد و حدّ من القوّة و الضعف مخصوص فإنّه إن کان الصوت ضعیفا أو بعیدا جدّا لم یحصل بسببه تموّج الهواء فلم یصل إلی الصماخ فلم یحصل السماع و ذلک معنی قوله: یصمّ عن لطیف الأصوات، و یذهب علیه ما بعد منها.

فإن قلت:لم خصّص اللطیف بالصمّ عنه و البعید بالذهاب علیه.

قلت:یشبه أن یکون لأنّ البعید فی مظنّة أن یسمع و إنّما یفوته بسبب عدم وصول الهواء الحامل له إلیه،و أمّا الخفیّ فلمّا فلم یکن من شأنه أن تدرکه القوّة السامعة أشبه عجزها عن إدراکه الصمّ فاستعیر لفظه له،و أمّا إن کان الصوت فی غایة القوّة و القرب فربّما أحدث الصمّ و ذلک لشدّة قرعه للصماخ و تفرّق اتّصال الروح الحامل لقوّة السمع عنه بحیث یبطل استعدادها لتأدیة القوّة إلی الصماخ و کلّ ذلک من نقصان الحیوان و ضعفه،و لمّا کان الباری تعالی منزّها عن الجسمیّة و توابعها لا جرم کانت هذه اللواحق من الصمم عن لطیف الأصوات،و ذهاب بعیدها،و الصمّ من کبیرها مخصوصة بمن له تلک القوّة المذکورة و السمع المخصوص فکلّ سامع غیره فهو کذلک.و استلزم ذلک فی معرض مدحه بتنزیهه سبحانه عنها.و إذ لیس سمیعا بالمعنی المذکور و قد نطق القرآن بإثبات هذه الصفة له فهو سمیع بمعنی أنّه لا یعزب عن إدراکه مسموع و إن خفی فیسمع السرّ و النجوی بل ما یسمع هو أدّق و أخفی حمد الحامدین و دعاء الداعین،و ذلک هو السمیع الّذی لا یتطرّق إلیه الحدثان إذ لم یکن بآلة و آذان .

ص:172

الثامن:

مجاز من باب إطلاق اسم السبب علی المسبّب و کل بصیر غیره یعمی عن خفیّ الألوان و لطیف الأجسام .

أقول:خفیّ الألوان مثلا کاللون فی الظلم،و اللطیف قد یکون بمعنی عدیم اللون کما فی الهواء،و قد یکون بمعنی رقیق القوام کالجوهر الفرد عند المتکلّمین، و کالذّرة،و اللطیف بالمعنیین غیر مدرک للحیوان،و اطلق لفظ.العمی مجازا إذ کان عبارة إمّا عن عدم البصر مطلقا أو عن عدمه عمّا من شأنه أن یبصر و لا واحد من هذین الاعتبارین بموجود للبصیر غیر اللّه فلم یکن عدم إدراکها عمی حقیقیّا بل لکون العمی من أسباب عدم الرؤیة اطلق لفظه علیه إطلاقا لاسم السبب علی المسبّب،و هذا الحکم فی معرض مدحه إن یستلزم تنزیه بصره عن لاحق العمی و مظنّته إذ کان سبحانه منزّها عن معروض العمی و البصر و متعالیا عن أن یکون إدراکه بحدقة و أجفان و انطباع الصور و الألوان و إن کان یشاهد و یری حتّی لا یعزب عنه ما تحت الثری.و إذ لیس بصیرا بالمعنی المذکور فهو البصیر باعتبار أنّه مدرک لکمال صفات المبصرات،و ذلک الاعتبار أوضح و أجلی ممّا یفهم من إدراک البصر القاصر علی ظواهر المرئیّات.

التاسع:و کلّ ظاهر غیره باطن .

أقول:ظهور الأشیاء هو انکشافها للحسّ أو للعقل انکشافا بیّنا،و یقابله بطونها و هو خفاؤها عن أحدهما،و لمّا ثبت أنّه تعالی منزّه عن الجسمیّة و لو احقها علم کونه منزّها عن إدراک الحواسّ،و لمّا قام البرهان علی أنّه تعالی بریء عن أنحاء التراکیب الخارجیّة و العقلیّة وجب تنزّه ذاته المقدّسة عن اطّلاع العقول علیها فعلم من هذا الترتیب أنّه لا یشارک الأشیاء فی معنی ظهورها و قد وصف نفسه بالظهور فیجب أن یکون ظهوره عبارة عن انکشاف وجوده فی جزئیّات آثاره کما قال تعالی «سَنُرِیهِمْ آیاتِنا فِی الْآفاقِ وَ فِی أَنْفُسِهِمْ حَتّی یَتَبَیَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ» (1)و إن کانت مشاهدة الحقّ له علی مراتب متفاوتة و درجات متصاعدة کما أشار إلیه بعض مجرّدی السالکین:ما رأینا اللّه بعده.فلمّا ترقّوا عن تلک المرتبه درجة من المشاهدة و الحضور قالوا:ما رأینا شیئا إلاّ و رأینا اللّه فیه.فلمّا ترقّوا قالوا:ما رأینا شیئا إلاّ و رأینا اللّه قبله.فلمّا ترقوا قالوا:ما رأینا شیئا سوی اللّه.

ص:173


1- 1) 31-53

و الاولی مرتبة الفکر و الاستدلال علیه،و الثانیة مرتبة الحدس،و الثالثة مرتبة المستدلّین به لا علیه،و الرابعة مرتبة الفناء فی ساحل عزّته و اعتبار الوحدة المطلقة محذوفا عنها کلّ لاحق.و إذا عرفت معنی ظهوره علمت أنّ شیئا من الممکنات لا یکون له الظهور المذکور فإنّه و إن کان لبعض الأشیاء فی عقل أو حسّ إلاّ أنّه لیس فی کلّ عقل و فی کل حسّ إذ کلّ مطّلع علی شیء فالّذی خفی عته أکثر ممّا اطّلع علیه فکلّ ظاهر غیره فهو باطن بالقیاس إلیه و هو تعالی الظاهر لکلّ شیء و فی کلّ شیء لکونه مبدء کلّ شیء و مرجع کلّ شیء .

العاشر:و کلّ باطن غیره فهو ظاهرفهو غیر ظاهر خ.

و قد علمت معنی البطون للممکنات و ظهورها،و علمت أیضا ممّا سبق أنّ کونه باطنا یقال بمعنیین:أحدهما:أنّه الّذی خفی قدس ذاته عن اطّلاع العقول علیه.و الثانی:

أنّه الّذی بطن جمیع الأشیاء خبره و نفذ فیها علمه.ثمّ علمت الظهور المقابل للمعنی الأوّل، و أمّا المقابل للثانی فهو الّذی لم یطّلع إلاّ علی ظواهر الأشیاء لم یکن له اطّلاع علی بواطنها یقال فلان ظاهر و ظاهری.

إذا عرفت ذلک فنقول:إنّ کلّ باطن غیره سوا کان المراد بالبطون خفاء المتصوّر أو نفوذ العلم فی البواطن.فهو ظاهر بالقیاس إلیه تعالی ظهورا بالمعنی الّذی یقابله.أمّا الأوّل فلأنّ کلّ ممکن و إن خفی علی بعض العالمین لم یخف علی غیره و إن خفی علی الکلّ فهو ظاهر فی علمه تعالی و ممکن الظهور فی علم غیره فلیس إذن بخفی مطلقا و هو تعالی الباطن الّذی لا أبطن منه و کلّ باطن غیره فهو ظاهر بالقیاس إلیه.و أمّا الثانی فلأنّ کلّ عالم و إن جلّ قدره فلا إحاطة له ببعض المعلومات و هو قاصر عن بعضها،و بعضها غیر ممکن له و هو تعالی الّذی لا یعزب عن علمه «مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِی الْأَرْضِ وَ لا فِی السَّماءِ وَ لا أَصْغَرَ مِنْ ذلِکَ وَ لا أَکْبَرَ» و کلّ ظاهر بالقیاس إلیه،و فی بعض النسخ و کلّ ظاهر غیره غیر باطن و کلّ باطن غیره غیر ظاهر،و معنی القضیّتین أنّ کلّ ممکن إن کان ظاهرا منکشفا لعقل أو حسّ لم یوصف مع ذلک بأنّه باطن کالشمس مثلا و إن کان باطنا خفیّا عن العقل و الحسّ لم یوصف مع ذلک بأنّه ظاهر،و هو تعالی الموصوف بأنّه الباطن الظاهر معا.و فی هذه النسخة نظر.فإنّا إنّما أثبتنا کونه تعالی ظاهرا و باطنا معا باعتبارین

ص:174

و فی بعض الممکنات ما هو کذلک کالزمان مثلا فإنّ کلّ عاقل یعلم بالضرورة وجود الزمان و إن خفیت حقیقته علی جمهور الحکماء و اضطربت علیه أقوال العلماء و کذلک العلم فلیس إذن کلّ ظاهر غیره غیر باطن و لا کلّ باطن غیره غیر ظاهر.و اللّه أعلم .

الحادی عشر:لم یخلق ما خلقه لتشدید سلطان.إلی قوله:منافر.

أقول:إنّه تعالی لا یفعل لغرض و متی کان کذلک کان منزّها عن خصوصیّات هذه الأغراض.أمّا الأوّل فبرهانه أنّه لو فعل لغرض لکان وجود ذلک الغرض و عدمه بالنسبة إلیه تعالی إمّا أن یکونا علی سواء،أو لیس.و الأوّل باطل و إلاّ لکان حصول الغرض له ترجیحا من غیر مرجّح،و الثانی باطل لأنّهما إذ الم یستویا کان حصول الغرض أولی به فحینئذ یکون حصول ذلک الغرض معتبرا فی کماله فیکون بدونه ناقصا تعالی اللّه عن ذلک.

لا یقال:لیست أولوّیة الغرض بالنسبة إلی ذاته بل بالنسبة إلی العبد إذ غرضه الإحسان إلی الغیر.

لأنّا نقول:غرض إحسانه إلی الغیر و عدمه إن کانا بالنسبة إلیه علی سواء عاد حدیث الرجحان بلا مرجّح،و إن کان أحدهما أولی به عاد حدیث الکمال و النقصان.و إذا عرفت أنّه تعالی لا یفعل لغرض،و کلّ ما ذکره علیه السّلام فی هذا الفصل من تشدید سلطان و تقویته أو تخوّف عاقبة زمان أو استعانة علی ندّو شریک و ضدّ أغراض علمت صدق قوله:

إنّه لم یخلق شیئا من خلقه لشیء من هذه الامور.و هذا تنزیه من طریق نفی الغرض المطلق.

و أمّا تنزیهه تعالی عن خصوصیّات هذه الأغراض فلأنّ تشدید السلطان إنّما یحتاج إلیه ذو النقصان فی ملکه،و لمّا کان تعالی هو الغنیّ المطلق فی کلّ شیء عن کلّ شیء صدق أنّ ذلک بغرض له ممّا خلق،و أمّا التخوّف عن عواقب الزمان فلأنّ التضرّر و الانتفاع و لواحقهما من الخوف و الرجاء و نحوهما إنّما هی من لواحق الممکنات القابلة للنقصان و الکمال و ما هو فی معرض التغیّر و الزوال،و لمّا ثبت تنزیهه تعالی عن الانفعال عن شیء لم یتصوّر أن یکون أحد هذه الامور غرضا له،و لذلک الاستعانة علی النّدو الضدّ و الشریک فإنّ الاستعانة هی طلب العون من الغیر و ذلک من لوازم الضعف

ص:175

و العجز و الخوف و أنّه لا عجز فلا استعانة فلا ندّ و لا شریک و لا ضدّ،و کذلک نقول:لا ندّ و لا شریک و لا ضدّ فلا استعانه و الغرض تنزیهه سبحانه عن صفات المخلوقین و خواصّ المحدثین .

و قوله:و لکن خلایق مربوبون و عباد داخرون.

و قوله: و لکن خلایق مربوبون و عباد داخرون.

أی بل خلایق خلقهم بمحض جوده و هو فیضان الخیر عنه علی کلّ قابل بقدر ما یقبله من غیر بخل و لا منع و تعویق،و بذلک الاعتبار کان کلّ شیء و کلّ عبد ذلیل و هو مالکه و مولاه :

و قوله:لم یحلل فی الأشیاء فیقال هو فیها کائن.

و قوله: لم یحلل فی الأشیاء فیقال هو فیها کائن.

إشارة إلی وصفه بسلب کونه ذا محلّ.و للناس فی تنزیهه تعالی عن المحلّ کلام طویل.و المعقول من الحلول عند الجمهور قیام موجود بموجود علی سبیل التعبیة له،و ظاهر أنّ الحلول بهذا المعنی علی الواجب الوجود محال لأنّ کونه تبعا للغیر یستلزم حاجته إلیه و کلّ محتاج ممکن.قال أفضل المتأخّرین نصیر الدین الطوسی-أبقاه اللّه-:

و الحق أنّ حلول الشیء فی الشیء لا یتصوّر إلاّ إذا کان الحال بحیث لا یتعیّن إلاّ بتوسّط المحل و إذ لا یمکن أن یتعیّن واجب الوجود بغیره فإذن یستحیل حلوله فی غیره.

إذا عرفت ذلک فنقول:لمّا کان الکون فی المحلّ و النائی عنه و المباینة له امورا إنّما یقال علی ما یصحّ حلوله فیه و یحلّه و کان هو تعالی منزّها عن الحلول وجب أن یمتنع علیه إطلاق هذه الامور.فإذ لیس هو بحالّ فی الأشیاء فلیس هو بکائن فیها،و إذ لیس بکائن فیها فلیس بنائی عنها و لا مباین لها .

و قوله:لم یؤده خلق ما ابتدء و لا تدبیر ما ذرء

و قوله: لم یؤده خلق ما ابتدء و لا تدبیر ما ذرء.

الإعیاء إنّما یقال لذی الأعضاء من الحیوان و إذ لیس تعالی بجسم و لا ذی آلة جسمانیّة لم یلحقه بسبب فعله إعیاء،و إنّما قال:ما ابتدء.لیکون سلب الإعیاء عنه أبلغ إذ ما ابتدء من الأفعال یکون المشقّة فیه أتمّ و تدبیره یعود إلی تصریفه لجمیع الذوات و الصفات دائما تصریفا کلّیّا و جزئیّا علی وفق حکمته و عنایته،و نحوه قوله تعالی «أَ وَ لَمْ یَرَوْا أَنَّ اللّهَ الَّذِی خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ لَمْ یَعْیَ بِخَلْقِهِنَّ » (1).

ص:176


1- 1) 46-32

و قوله:و لا وقف به عجز عمّا خلق.

و قوله: و لا وقف به عجز عمّا خلق.

إشارة إلی کمال قدرته و أنّ العجز علیه محال.و قد سبق بیانه.

و قوله:و لا ولجت علیه شبهة فیما قضی و قدّر.

و قوله : و لا ولجت علیه شبهة فیما قضی و قدّر.

إشارة إلی کمال علمه و نفی الشبهة إن تعرض له.و أعلم أنّ الشبهة إنّما تدخل علی العقل فی الامور المعقولة الصرفة غیر الضروریّة.و ذلک أنّک علمت أنّ الوهم لا یصدق حکمه إلاّ فی المحسوسات فأمّا الامور المعقولة الصرفة فحکمه فیها کاذب فالعقل حال استفصاله وجه الحقّ فیها یکون معارضا بالأحکام الوهمیّة فإذا کان المطلوب غامضا فربّما کان فی الأحکام الوهمیّة ما یشبه بعض أسباب المطلوب فتتصوّره النفس بصورته و تعتقده مبدءا فینتج الباطل فی صورة المطلوب و لیس به،و لمّا کان الباری تعالی منزّها عن القوی البدنیّة و کان علمه لذاته لم یجز أن تعرض لقضائه و لا قدره شبهة،أو یدخل علیه فیه شکّ لکونهما من عوارضیها.و قد عرفت معنی القضاء و القدر فیما سبق.

و قوله:بلا قضاء متقن و علم محکم .

و قوله: بلا قضاء متقن و علم محکم.

أی بریء من فساد الشبهة و الغلط.

و قوله:و أمر مبرم .

و قوله: و أمر مبرم.

إشارة إلی قدره الّذی هو تفصیل قضاءه المحکم،و ظاهر أنّ تفضیل المحکم لا یکون إلاّ محکما:

و قوله:المأمول مع النقم المرهوب مع النعمالمرجوّ من النعم خ .

و قوله: المأمول مع النقم المرهوب مع النعم[المرجوّ من النعم خ].

أقول:منبع هذین الوصفین هو کمال ذاته و عموم فیضه و أنّه لا غرض له و إنّما الجود المطلق و الهبة لکلّ ما یستحقّه،و لمّا کان العبد حال حلول نقمته به قد یستعدّ بالاستغفار و الشکر لإفاضة الغفران و رفع النقمة فیفیضها علیه مع بقاء کثیر من نعمه لدیه کان تعالی مظنّة الأمل و الفزع إلیه فی رفع ما القی فیه و إبقاء ما أبقی حتّی أنّه تعالی هو المفیض لصورة الأمل،و إلیه أشار بقوله تعالی «وَ إِذا مَسَّکُمُ الضُّرُّ فِی الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاّ إِیّاهُ» و کذلک حال إفاضة نعمته لمّا کان العبد قد یستعدّ بالغفلة للإعراض عن شکرها کان تعالی فی تلک الحال أهلا أن یفیض علیه بوادر نقمته بسلبها

ص:177

فکان هو المأمول مع النقم المرهوب مع النعم فهو المستعان به علیه و هو الّذی لا مفرّ منه إلاّ إلیه،و من عداه مخلوق نقمته غیر مجامع لأمل رحمته،و قیام نعمته معاند لشمول رهبته.فلا مأمول و لا مرهوب فی کلا الحالین سواه.و باللّه العصمة و التوفیق.

63-و من کلام له علیه السّلام

اشارة

کان یقوله لأصحابه فی بعض أیام صفین

مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِینَ اسْتَشْعِرُوا الْخَشْیَةَ- وَ تَجَلْبَبُوا السَّکِینَةَ وَ عَضُّوا عَلَی النَّوَاجِذِ- فَإِنَّهُ أَنْبَی لِلسُّیُوفِ عَنِ الْهَامِ وَ أَکْمِلُوا اللَّأْمَةَ- وَ قَلْقِلُوا السُّیُوفَ فِی أَغْمَادِهَا قَبْلَ سَلِّهَا- وَ الْحَظُوا الْخَزْرَ وَ اطْعُنُوا الشَّزْرَ- وَ نَافِحُوا بِالظُّبَی وَ صِلُوا السُّیُوفَ بِالْخُطَا- وَ اعْلَمُوا أَنَّکُمْ بِعَیْنِ اللَّهِ وَ مَعَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ- فَعَاوِدُوا الْکَرَّ وَ اسْتَحْیُوا مِنَ الْفَرِّ- فَإِنَّهُ عَارٌ فِی الْأَعْقَابِ وَ نَارٌ یَوْمَ الْحِسَابِ- وَ طِیبُوا عَنْ أَنْفُسِکُمْ نَفْساً- وَ امْشُوا إِلَی الْمَوْتِ مَشْیاً سُجُحاً- وَ عَلَیْکُمْ بِهَذَا السَّوَادِ الْأَعْظَمِ وَ الرِّوَاقِ الْمُطَنَّبِ- فَاضْرِبُوا ثَبَجَهُ فَإِنَّ الشَّیْطَانَ کَامِنٌ فِی کِسْرِهِ- وَ قَدْ قَدَّمَ لِلْوَثْبَةِ یَداً وَ أَخَّرَ لِلنُّکُوصِ رِجْلاً- فَصَمْداً صَمْداً حَتَّی یَنْجَلِیَ لَکُمْ عَمُودُ الْحَقِّ- «وَ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَ اللّهُ مَعَکُمْ وَ لَنْ یَتِرَکُمْ أَعْمالَکُمْ» أقول:المشهور أنّ هذا الکلام قاله علیه السّلام لأصحابه فی الیوم الّذی کان مساؤه لیلة الهریر،و روی أنّه قال فی أوّل اللقاء بصفّین و ذلک فی صفر سنة سبع و ثلاثین.

ص:178

اللغة

استشعرت الشیء: اتّخذته شعارا:و هو ما یلی الجسد من الثیاب .و الجلباب: الملحفة .

و السکینة: الثبات و الوقار .و النواجذ : أقاصی الأضراس .و نبا السیف : إذا رجع فی الضربة و لم یعمل و اللأمة بالهمزة الساکنة : الدرع،و بالمدودة مع تضعیف المیم جمیع آلات الحرب و القلقلة : التحریک الخزر بفتح الزاء : ضیق العین و صغرها،و کذلک تضییقها و النظر بمؤخّرها عند الغضب .و الطعن الشزر بسکون الزاء : الضرب علی غیر استقامة بل یمینا و شمالا .و الظبی : جمع ظبّة:و هو طرف السیف و المنافحة : التناول بأطراف السیوف .

و الأعقاب : جمع عقب أو جمع عقب و هو العاقبة .و سجحا : أی سهلا .و السواد : العدد الکثیر .و الرواق : بیت کالفسطاط یعمل علی عمود واحد .و ثبجه : وسطه .و الکسر : جانب الخباء و النکوص : الرجوع .و الصمد . القصد .و لن یترکم : أی ینقصکم .

المعنی

اشارة

و اعلم أنّ هذه الأوامر مشتملة علی تعلیم الحرب و المقاتلةو هی کیفیّة یستلزم الاستعداد بها إفاضة النصر لا محالة.

فأوّلها:

استعارة الأمر باستشعار خشیة اللّه کما یلزم الشعار الجسد.و هو استعارة کما سبق.

و فایدة هذا الأمر الصبر علی الحرب و امتثال جمیع امور الباقیة.إذ خشیة اللّه مستلزمة لامتثال أوامره و لذلک قدّمه .

الثانی:

استعارة الأمر باتّخاذ السکینة جلبابا تنزیلا للثیاب الشامل للإنسان منزلة الملحفة فی شمولها للبدن.و الشمول هو وجه الاستعارة،و فایدة هذا الأمر طرد الفشل و إرهاب العدوّ فإنّ الطیش و الاضطراب یستلزمان الفشل و طمع العدوّ .

الثالث:الأمر بالعضّ علی النواجذ

و فایدته ما ذکر و هو أن ینبو السیف عن الهامة.و علّته أنّ العضّ علی الناجذ یستلزم تصلّب العضلات و الأعصاب المتّصلة بالدماغ فیقاوم ضربة السیف و یکون نکایته فیه أقلّ،و الضمیر فی قوله : فإنّه .یعود إلی الصدر الّذی دلّ علیه عضوّا کقولک:من أحسن کان خیرا له.و قال بعض الشارحین:عضّ الناجذ کنایة عن تسکین القلب و طرد الرعدة و لیس المراد حقیقته.قلت:هذا و إن کان محتملا لو قطع عن التعلیل إلاّ أنّه غیر مراد هنا لأنّه یضیع تعلیله بکونه أنبا للسیوف عن الهامّ .

الرابع:الأمر بإکمال اللأمة،و إکمال الدرع

البیضة و السواعد،و یحتمل أن

ص:179

یرید باللامة جمیع آلات الحرب و ما یحتاج إلیه فیه و فایدته شدة التحصّن.

الخامس:الأمر بقلقلة السیوف فی الأغماد

،و فایدته سهولة جذبها حال اٍلٍحاجة إلیها فإنّ طول مکثها فی الأغماد یوجب صداها و صعوبة مخرجها حال الحاجة

السادس:الأمر بلحظ الخزر

،و ذلک من هیئات الغضب فإنّ الإنسان إذا نظر من غضب علیه نظره خزرا،و فائدته امور:أحدها:إحماء الطبع و استثارة الغضب،و الثانی:أنّ النظر بکلّیة العین إلی العدوّ أمارة الفشل و من عوارض الطیش و الخوف،و ذلک یوجب طمع العدوّ.الثالث:أنّ النظر بکلّیتها إلیه یوجب له التفطّن و الحذر و أخذ الاهبّة و التحرّز،و النظر خززا استغفال له و مظنّة لأخذ عزّته.

السابع:الأمر بالطعن الشرز

،و ذلک أنّ الطعن یمینا و شمالا یوسّع المجال علی الطاعن و لأن أکثر المناوشة للخصم فی الحرب یکون عن یمینه و شماله .

الثامن:الضرب بأطراف السیوف.

و فائدته أنّ مخالطة العدوّ و القرب الکثیر منه یشغل عن التمکّن من ضربه .

التاسع:الأمر بوصل السیوف بالخطا.

و له فایدتان:إحداهما أنّ السیف ربّما یکون قصیرا فلا ینال الغرض به فإذا انصاف إلیه مدّ الید و الخطوات بلغ به المراد.و فیه قول الشاعر.

إذا قصرت أسیافنا کان وصلها خطانا إلی أعدائنا فنضارب

و قول الآخر:

نصل السیوف إذا قصرن بخطونا یوما و نلحقها إذا لم تلحق

و قیل له علیه السّلام:ما أقصر سیفک؟فقال:اطوّله بخطوة.الثانیة:أنّ الزحف فی الحرب إلی العدوّ و التقدّم إلیه خطوات فی حال المکافحة یکسر توهّمه الضعف فی عدوّه و یلقی فی قلبه الرعب و یداخله الرهبة،و إلیه أشار حمید بن ثور الهذلیّ.

و وصل الخطا بالسیف و السیف بالخطا إذا ظنّ أنّ المرء ذا السیف قاصر

ثمّ لمّا أراد تأکید تلک الأوامر فی قلوبهم و أن یزیدهم أوامر اخری أردف ذلک بأمرین:أحدهما :أنّ اللّه تعالی یراهم و ینظر کیف یعملون،و ذلک قوله: و اعلموا أنّکم

ص:180

بعین اللّه ،و الباء هنا کهی فی قولک:أنت منّی بمرأی و مسمع.الثانی:تذکیرهم بکونهم مع ابن عمّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلّم تنبیها لهم علی فضیلته،و أنّ طاعة کطاعته رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلّم، و حربه کحربه کما هو المنقول عنه:حربک یا علیّ حربی.فیثبتوا علی قتال عدوّهم کما ثبتوا مع رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلّم

العاشر:الأمر بمعاودة الکرّ.

و ذلک عند التحرّف للقتال و الانحیاز إلی الفئة، و أن یستحیوا من الفرار. ثمّ نبّهم علی قبحه بأمرین:أحدهما:أنّه عار فی الأعقاب:أی أنّه عار فی عاقبة أمرکم و سبّة باقیة خلفکم،و العرب تستقبح الفرار کثیرا،الثانی: مجاز تسمیة للشیء باسم غایته کونه نارا یوم الحساب :أی یوجب استحقاق النار،و هو من کبائر المعاصی،و جعله نارا مجازا تسمیة له باسم غایته و هو تذکیر لهم بوعیده تعالی «وَ مَنْ یُوَلِّهِمْ یَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَیِّزاً إِلی فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللّهِ وَ مَأْواهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِیرُ» .

الحادی عشر قوله:و طیّبوا عن أنفسکم نفسا

.و هو تسهیل للموت علیهم الّذی هو غایة ما یلقونه من الشدائد فی الحرب بالبشارة بما هو أعظم و أجلّ من الحیاة الدنیا المطلوبة بترک القتال و هو ما أعدّ لهم من الثواب الباقی،و هذا کما یقول أحدنا للمنفق ماله مع حبّه له طب نفسا عمّا ذهب منک فإنّ الصدقة مضاعفة لک عند اللّه و تجدها خیرا و أعظم أجرا.و نفسا منصوب علی التمییز،و أشار بها إلی النفس المدّبرة لهذا البدن،و بالاولی إلی الشخص الزایل بالقتل.

الثانی عشر:الأمر بالمشی إلی الموت سجحا:

أی مشیا سهلا لا تکلّف فیه و لا تخشّع فإنّ المتکلّف سریع الفرار،و هو أمر لهم بالمشی إلی غایة ما یخافون من القتال لیوطّنوا نفوسهم علیه إو لنفروا بسرعة إلی الحرب إذ من العادة أن یستنفر الشجاع بمثل ذلک فیسارع إلی داعیه لما یتصوّره فیه من جمیل الذکر و حسن الاحدوثه،و روی سمحا و المعنی واحد.

و قوله: علیکم بهذا السواد الأعظم.إلی قوله:رجلا.

أقول لمّا شحذهم بالأوامر المذکورة عیّن مقصدهم،و أشار بالسواد الأعظم إلی أهل الشام مجتمعین، و بالرواق المطنّب إلی مضرب معاویة،و کان معاویة إذن فی مضرب

ص:181

علیه قبّة عالیة بأطناب عظیمة و حوله من أهل الشام مائة ألف کانوا تعاهدوا أن لا ینفرجوا عنه حتّی یقتلوا .و عیّن لهم وسط الرواق و أغراهم به استعارة بقوله : إنّ الشیطان کامن فی کسره .و أراد بالشیطان معاویة،و قیل عمرو بن العاص،و ذلک أنّ الشیطان لمّا کان عبارة عن شخص یضلّ الناس عن سبیل اللّه،و کان معاویة فی أصحابه کذلک عنده علیه السّلام لا جرم أطلق علیه لفظ الشیطان،و قد سبقت الإشارة إلی معنی الشیطان.و یحتمل أن یرید الشیطان،و لمّا کانت محالّ الفساد هی مظنّة إبلیس،و کان المضرب قد ضرب علی غیر طاعة اللّه کان محلاّ للشیطان فلذلک استعار له لفظ الجلوس فی کسره استعارة بالکنایة و قوله: و قد قدّم للوثبه یدا و أخّر للنکوص رجلا.

کنایة عن تردّد معاویة و انتطاره لأمرهم إن جبنوا وثب،و إن شجعوا نکص و هرب،أو عن الشیطان علی سبیل استعارة الوثبة و النکوص و الید و الرجل،و یکون تقدیم یده للوثبة کنایة عن تزیینه لأصحاب معاویة الحرب و المعصیة و تأخیره الرجل للنکوص کنایة عن تهیّته للفرار إذا التقی الجمعان کما حکی اللّه سبحانه عنه «فَلَمّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَکَصَ عَلی عَقِبَیْهِ وَ قالَ إِنِّی بَرِیءٌ مِنْکُمْ» (1)الایة.

فإن قلت:فما معنی نکوص الشیطان علی رأی من فسرّه بالقوّة الواهمة و نحوها.

قلت:لمّا کانت وسوسته تعود إلقائه إلی النفس صورة ما یحکم بحسنه لها فقط دون أمر آخر کما حکی اللّه تعالی عنه «وَ ما کانَ لِی عَلَیْکُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ أَنْ دَعَوْتُکُمْ» (2)الآیة کان نکوصه یعود إلی إعراض الوهم عند عضّ الحرب و مشاهدة المکروه عن ذلک الحکم و رجوعه عنه،و هو معنی قوله: «إِنِّی بَرِیءٌ مِنْکُمْ إِنِّی أَری ما لا تَرَوْنَ» ،و ذلک أنّ الوهم إذن یحکم بالهرب و الاندفاع من المخوف بعد أن کان قد زیّن الدخول فیه فیکون إذن قوله «إِنِّی أَخافُ اللّهَ وَ اللّهُ شَدِیدُ الْعِقابِ» موافقة لحکم العقل فیما کان یراه من طاعة اللّه بترک المعصیة بالحرب.و کلّ ذلک من تمام إغراء أصحابه بأهل الشام و تنبیههم علی أنّ باعثهم فی الحرب لیس إلاّ الشیطان و أنّه لا غرض له إلاّ فتنتهم ثمّ الرجوع و الإعراض عنهم.

الثالث عشر:أمرهم بقصد عدوّهم مؤکّدا له بتکریره

:أی اصمد و لهم صمدا إلی غایة

ص:182


1- 1) 8-50
2- 2) 14-26

أن یظهر لکم نور الحقّ بالنصر، استعارة مرشحة و استعار لفظ العمود للحقّ الظاهر عن الصبح للمشارکة بینهما فی الوضوح و الجلاء فالصبح للحسّ،و الحقّ للعقل،و لفظ التجلّی ترشیح الاستعارة کنّی به عن ظهوره و وضوحه،و المعنی:الی أن یتّضح لکم أنّ الحقّ معکم یظفرکم بعدوّکم و قهره.

إذا الطالب لغیر حقّه سریع الانفعال قریب الفرار فی المقاومة .و قوله: «وَ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ» .الایة.

تسکین لنفوسهم و بشارة بالمطلوب بالحرب،و هو العلوّ و القهر کما بشّر اللّه تعالی به الصحابة فی قتال المشرکین و تثبیت لهم علی المضیّ فی طاعته «فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغالِبُونَ» .

و قوله: «وَ لَنْ یَتِرَکُمْ أَعْمالَکُمْ» .

تذکیر لهم بجزاء اللّه لهم أعمالهم فی الآخرة،و بعث لهم بذلک علی لزوم العمل له.و باللّه التوفیق.

64-و من کلام له علیه السّلام

اشارة

فی معنی الأنصار

،قالوا:لما انتهت إلی أمیر المؤمنین علیه السّلام أنباه السقیفه بعد وفاة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلّم.قال علیه السّلام::

فَهَلاَّ احْتَجَجْتُمْ عَلَیْهِمْ- بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص وَصَّی بِأَنْ یُحْسَنَ إِلَی مُحْسِنِهِمْ- وَ یُتَجَاوَزَ عَنْ مُسِیئِهِمْ- قَالُوا وَ مَا فِی هَذَا مِنَ الْحُجَّةِ عَلَیْهِمْ- فَقَالَ ع لَوْ کَانَ الْإِمَامَةُ فِیهِمْ لَمْ تَکُنِ الْوَصِیَّةُ بِهِمْ- ثُمَّ قَالَ ع

ص:183

فَمَا ذَا قَالَتْ قُرَیْشٌ -قَالُوا احْتَجَّتْ بِأَنَّهَا شَجَرَةُ الرَّسُولِ ص- فَقَالَ ع احْتَجُّوا بِالشَّجَرَةِ وَ أَضَاعُوا الثَّمَرَةَ

المعنی

أقول:الأنباء الّتی بلغته علیه السّلام هی أخبار ما جری بین الأنصار و المهاجرین من المشاجرة فی أمر الإمامة و ایقاعهم البیعة لأبی بکر،و خلاصة القصّة أنّه لمّا قبض رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلّم اجتمعت الأنصار فی سقیفة بنی ساعدة:و هی صفّة کانوا یجتمعون بها فخطبهم سعد بن عبادة،و مدحهم فی خطبته و أغراهم بطلب الإمامة.و قال:إنّ لکم سابقة فی الإسلام لیست لقبیلة من العرب.إنّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلّم لبث فی قومه بضع عشرة سنة یدعوهم إلی عبادة الرحمن فما آمن به من قومه إلاّ قلیل،و اللّه ما کانوا یقدرون أن یمنعوه و لا یدفعوا عنه ضیما حتّی أراد اللّه بکم خیر الفضیلة،و ساق إلیکم الکرامة،و رزقکم الایمان به و الإقرار بدینه.فکنتم أشدّ الناس علی من تخلّف عنه منکم،و أثقله علی عدوّه من غیرکم حتّی استقاموا لأمره و دانت لأسیافکم العرب،و انجز اللّه لنبیّکم الوعد و توفّاه و هو عنکم راض.فشدّوا أیدیکم لهذا الأمر.فأنتم أحقّ الناس به.فأجابوه جمیعا إن وفّقت و أصبت لم نعد و أن نولّیک هذا الأمر.و أتی الخبر أبا بکر و عمر فجاء امسرعین إلی السقیفة فتکلّم أبو بکر فقال للأنصار:ألم تعلموا أنّا معاشر المهاجرین أوّل الناس إسلاما؟ و نحن عشیرة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلّم و أنتم أنصار الدین و وزراء رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلّم و إخواننا فی کتاب اللّه،و أنتم المؤثرون علی أنفسهم و أحقّ الناس بالرضاء بقضاء اللّه و التسلیم لما ساق اللّه إلی إخوانکم،و أن لا یکون انتقاض هذا الدین علی أیدیکم،و أنا أدعوکم إلی بیعة أبی عبیدة أو عمر فکلاهما قد رضیت لهذا الأمر.فقال عمرو أبو عبیدة:ما ینبغی لأحد من الناس أن یکون فوقک أنت صاحب الغار،و ثانی اثنین،و أمرک رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلّم بالصلوة.

فأنت أحقّ بهذا الأمر.فقالت الأنصار:نحن أنصار الدار و الایمان لم یعبد اللّه علانیة إلاّ عندنا و فی بلادنا،و لا عرف الایمان إلاّ من أسیافنا،و لا جمعت الصلاة إلاّ فی مساجدنا.فنحن أولی بهذا الأمر.فإن أبیتم فمنّا أمیر و منکم أمیر.فقال عمر:هیهات لا یجمع سیفان فی غمد إنّ العرب لا ترضی أن تؤمّرکم و بینها من غیرکم.فقال الحباب بن المنذر:نحن

ص:184

و اللّه أحقّ بهذا الأمر إنّه قددان لهذا الأمر بأسیافنا من لم یکن یدین له و إن لم ترضوا اجلیناکم عن بلادنا إنّا جذیلها المحلّک و عذیقها المرجّب إن شئتم لنعیدنّها جذعة.و اللّه لا یردّ علیّ أحد ما أقول إلاّ حطمت أنفه بسیفی هذا.فقام بشر بن سعد الخزرجیّ و کان یحسد سعد بن عباده أن یصل إلیه هذا الأمر و کان سیّدا فی الخزرج و قال:إنّا لم نرد بجهادنا و إسلامنا إّ؟؟؟ وجه ربّنا لا غرضا من الدنیا،و إنّ محمّدا رجل من قریش و قومه أحقّ بمیراث أمره و اتّقو اللّه و لا تنازعوهم معشر الأنصار.فقام أبو بکر فقال:هذا عمرو أبو عبیدة بایعوا أیّهما شئتم فقالا:لا یتولّی هذا الأمر غیرک و أنت أحقّ به ابسط یدک فبسط یده فبایعاه و بایعه بشر بن سعد و بایعته الأوس کلّهم،و حمل سعد بن عبادة و هو مریض فأدخل منزله،و قیل:إنّه بقی ممتنعا من البیعة حتّی مات بحوران فی طریق الشام.

و لنرجع إلی المتن فنقول:أمّا الخبر الّذی رواه علیه السّلام عن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلّم حجّة علیهم فهو صحیح أخرجه مسلم و البخاری فی مسندیهما عن أنس قال أبو بکر و العبّاس بمجلس من مجالس الأنصار فی مرض رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلّم و هم یبکون فقالا:ما یبکیکم.

فقالوا:ذکرنا مجلس رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلّم فدخلا علی الرسول فأخبراه بذلک فخرج رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلّم معصّبا علی رأسه حاشیة برد فصعد المنبر و لم یصعده بعد ذلک الیوم فحمد اللّه و أثنی علیه ثمّ قال:اوصیکم بالأنصار فإنّهم کرشی و عیبتی و قد قضوا الّذی علیهم و بقی الّذی لهم فاقیلوا من محسنهم و تجاوزوا عن مسیئهم .فأمّا وجه احتجاجه بهذا الخبر فهو فی صورة شرطیّة متّصلة یستثنی فیها نقیض تالیها.و تقریرها:لو کانت الإمامة حقّا لهم لمّا کانت الوصیّة بهم لکنّها بهم فلیست الإمامة لهم.بیان الملازمة أنّ العرف قاض بأنّ الوصیّة و الشفاعة و نحوها إنّما یکون إلی الرئیس فی حقّ المرءوس من غیر عکس،و أمّا بطلان التالی للخبر المذکور.

استعارة و أمّا قوله : احتجّوا بالشجرة و أضاعوا الثمرة.

فأشار بالثمرة إمّا إلی نفسه و أهل بیته فإنّهم ثمرة الغصن المورق المثمر لتلک الشجرة،و لمّا استعیر لفظ الشجرة لقریش استعار لفظ الثمرة لنفسه.و قد عرفت فرعیّته عن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلّم و کونه ثمرة .و إضاعتهم لها إهمالهم له من هذا الأمر،و یحتمل

ص:185

أن یرید بالثمرة الّتی أضاعوها سنّة اللّه الموجبة فی اعتقاده استحقاقه لهذا لأمر و ظاهر کونها ثمرة الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلّم و إهمالهم لها ترکهم العمل بها فی حقّه،و هو کلام فی قوّة احتجاج له علی قریش بمثل ما احتجّوا به علی الأنصار.و تقدیره:أنّهم إن کانوا أولی من الأنصار لکونهم شجرة رسول اللّه فنحن أولی لکوننا ثمرة،و للثمرة اختصاص بالمثمر من وجهین:

أحدهما:القرب و مزیّته ظاهرة.

و الثانی:أنّ الثمرة هی المطلوبة بالذات من الشجرة و غرسها فإن کانت الشجرة معتبرة فبالأولی اعتبار الثمرة،و إن لم یلتفت إلی الثمرة فبالأولی لا التفات إلی الشجرة.

و یلزم من هذا الاحتجاج أحد أمرین:إمّا بقاء الأنصار علی حجّتهم لقیام هذه المعارضة،أو کونه علیه السّلام أحقّ بهذا الأمر و هو المطلوب.و اللّه أعلم بالصواب.

65-و من کلام له علیه السّلام

اشارة

لما قلد محمد بن أبی بکر مصر فملکت علیه فقتل

وَ قَدْ أَرَدْتُ تَوْلِیَةَ؟مِصْرَ؟ ؟هَاشِمَ بْنَ عُتْبَةَ؟- وَ لَوْ وَلَّیْتُهُ إِیَّاهَا لَمَّا خَلَّی لَهُمُ الْعَرْصَةَ- وَ لاَ أَنْهَزَهُمُ الْفُرْصَةَ- بِلاَ ذَمٍّ؟لِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِی بَکْرٍ؟- فَلَقَدْ کَانَ إِلَیَّ حَبِیباً وَ کَانَ لِی رَبِیباً أقول:کان علیه السّلام ولیّ محمّد بن أبی بکر مصر فلمّا اضطرب الأمر علیه بعد صفّین و قوی أمر معاویة طمع فی مصر.و قد کان عمرو بن العاص بایعه علی أن یکون معه فی قتال علیّ و بکون مصر له طعمة.فبعثه إلیها بعد صفّین فی ستّة آلاف فارس و قد کان فیها جماعة عظیمة ممّن یطلب بدم عثمان،و کانوا یزعمون أنّ محمّدا قتله فانضافوا إلی عمرو،و کان معاویة کتب إلی وجوه أهل مصر أمّا إلی شیعته فبالترغیب،و أمّا إلی أعدائه فبالترهیب، و کتب محمّد بن أبی بکر إلی علیّ بالقصّة یستمدّه بالمال و الرجال فکتب إلیه بعده بذلک.

فجعل محمّد یدعو أهل مصر لقتال عمرو فانتدب معه منهم أربعة آلاف رجل فوجّه منهم ألفین

ص:186

عند کنانة بن بشر لاستقبال عمرو،و بقی هو فی ألفین فابتلی کنانة فی ذلک الیوم بلاء حسنا و قتل من عسکر عمرو خلقا کثیرا،و لم یزل یقاتل حتّی قتل هو و من معه فلمّا قتل تفرّق الناس عن محمّد،و أقبل عمرو یطلب محمّدا فهرب منه مختفیا فالتجئ إلی حزبه اختبی فیها فدخل عمرو فسطاطه.و خرج معاویة بن خدیج الکندی و کان من امراء جیش عمرو فی طلب محمّد فطفر به و قد کاد یموت عطشا فقدّمه فضرب عنقه ثمّ أخذ جثّته فحشاها فی جوف حمار میّت و أحرقه،و قد کان علی علیه السّلام وجّه لنصرته مع مالک بن کعب إلی مصر نحو من ألفی رجل فصار بهم خمس لیال و ورد الخبر إلی علیّ علیه السّلام بقتله و أخذ مصر.فخرج علیه السّلام علیه جزعا ظهر أثره فی وجهه ثمّ قال:رحم اللّه محمّدا کان غلاما حدثا، و قد کنت أردت.الفصل.

اللغة

و النهز : النهوض لتناول الشیء .و الفرصة : النهضة،و هی ما أمکنک من نفسک .

المعنی

و إنّما أراد تولیة هاشم لقوّته علی هذا الأمر و کثرة تجاربه،و هاشم هذا ابن عتبة بن أبی وقّاص الّذی کسر رباعیة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلّم یوم احد و کلم شفته،و کان هاشم من شیعة علیّ و المخلصین فی ولائه شهد معه حرب صفّین و ابلی فیه بلاء حسنا و استشهد بین یدیه بها .

و قوله: لما خلّی لهم العرصة.

أی عرصة الحرب کما فرّ محمّد،و ظنّ أنّه ینجو بفراره.و لو ثبت لثبت معه الناس و قتل کریما .

کنایة و قوله: و لا أنهزهم الفرصة.

کنّی بالفرصة عن مصر:أی و لم یمکنهم من تناولها کما تمکّنوا مع محمّد .

و قوله: بلا ذمّ لمحمّد.

أی لست فی مدحی لهاشم ذامّا لمحمّد.و نبّه علی براءته من استحقاق الذمّ بوجهین .

الأوّل:أنّه کان لی حبیبا.و ظاهر أنّه علیه السّلام لا یحبّ إلاّ مرضیّا للّه و رسوله بریئا من العیوب الفاضحة.و قد کان محمّد-رضی اللّه عنه-من نسّاک قریش و عبّادها .

الثانی:أنّه کان ربیبا له.و ذلک ممّا یستلزم محبّته و عدم ذمّه فأمّا کونه ربیبا

ص:187

فلأنّ ام محمّد هی أسماء بنت عمیس و کانت تحت جعفر بن أبی طالب و هاجرت معه إلی الحبشة فولدت له عبد اللّه بن جعفر و قتل عنها یوم موته فتزوّجها أبو بکر فأولدها محمّدا ثمّ لمّا مات عنها تزوجها علیّ علیه السّلام فکان محمّد ربیبته و نشأ علی ولائه منذ صباه،و کان علیّ علیه السّلام یحبّه و یکرمه و یقول:محمّد ابنی من ظهر أبی بکر.و باللّه التوفیق.

66-و من کلام له علیه السّلام

اشارة

کَمْ أُدَارِیکُمْ کَمَا تُدَارَی الْبِکَارُ الْعَمِدَةُ- وَ الثِّیَابُ الْمُتَدَاعِیَةُ- کُلَّمَا حِیصَتْ مِنْ جَانِبٍ تَهَتَّکَتْ مِنْ آخَرَ- کُلَّمَا أَطَلَّ عَلَیْکُمْ مَنْسِرٌ مِنْ مَنَاسِرِ أَهْلِ؟الشَّامِ؟- أَغْلَقَ کُلُّ رَجُلٍ مِنْکُمْ بَابَهُ- وَ انْجَحَرَ انْجِحَارَ الضَّبَّةِ فِی جُحْرِهَا وَ الضَّبُعِ فِی وِجَارِهَا- الذَّلِیلُ وَ اللَّهِ مَنْ نَصَرْتُمُوهُ- وَ مَنْ رُمِیَ بِکُمْ فَقَدْ رُمِیَ بِأَفْوَقَ نَاصِلٍ- إِنَّکُمْ وَ اللَّهِ لَکَثِیرٌ فِی الْبَاحَاتِ قَلِیلٌ تَحْتَ الرَّایَاتِ- وَ إِنِّی لَعَالِمٌ بِمَا یُصْلِحُکُمْ وَ یُقِیمُ أَوَدَکُمْ- وَ لَکِنِّی لاَ أَرَی إِصْلاَحَکُمْ بِإِفْسَادِ نَفْسِی- أَضْرَعَ اللَّهُ خُدُودَکُمْ وَ أَتْعَسَ جُدُودَکُمْ- لاَ تَعْرِفُونَ الْحَقَّ کَمَعْرِفَتِکُمُ الْبَاطِلَ- وَ لاَ تُبْطِلُونَ الْبَاطِلَ کَإِبْطَالِکُمُ الْحَقَّ

اللغة

أقول البکار : جمع بکر و هو الفتی من الإبل .و العمده : هی الّتی شدخ أسنمتها ثقل الحمل .و الحوص : الخیاطة .و تهتّکت : تخرّقت .و أطلّ : أشرق .و المنسر بکسر المیم و فتح السین،و العکس : القطعة من الجیش من الماءة إلی المائتین .و قد سبق.

و انجحر الضبّ : دخل جحره و هو فی بیته .و بیت الضبع : وجاره .و الأفوق الناصل:

السهم لا فوق له و لا نصل .و الباحة : ساحة الدار .و الأود . الاعوجاج .و أضرع : أذلّ .

و أتعس : أهلک .

ص:188

المعنی

و هذا الفصل یشتمل علی توبیخ أصحابه لتقاعدهم عن النهوض معه إلی حرب أهل الشام،و ذکر وجوه التوبیخ :

الأوّل:حاجتهم إلی المداراة الکثیرة.و لیس ذلک من شیم الرجال ذوی العقول بل من شأن البهایم و من لا عقل له،و نبّههم فی حاجتهم إلی المدارة بتشبیهین. تشبیه أحدهما: بالبکارة الّتی قد انهکها حملها.و وجه الشبه بینهما و بینهم هو قلّة صبرهم و شدّة إشفاقهم و فرارهم من التکلیف بالجهاد و استغاثتهم کما یشتدّ جرجرة البکر العمد، و فراره من معاودة الحمل.

الثانی : بالثیاب المتداعیة ،و هی الّتی یتبع ما لم یتخرّق منها ما انخرق فی مثل حاله.و وجه الشبه ما ذکره،و هو قوله :کلّما حیصت من جانب تهتّکت من آخر :أی کما أنّ الثیاب المتداعیة کذلک.فکذلک أصحابه کلّها أصلح حال بعضهم و جمعهم للحرب فسد بعض آخر علیه.

الثانی:شهادة حالهم علیهم بالجبن و الخوف و هو قوله : کلّما أطلّ.إلی قوله:

و جارها ، کنایة و کنّی بإغلاق کلّ منهم بابه عند سماعهم بقرب بعض جیوش الشام منهم عن فرارهم من القتال و کراهیة سماعهم للحرب،و شبّههم فی ذلک الخوف و الفرار بالضبّة و الضبع حین تری الصائد أو أمرا تخافه .و إنّما خصّ الإناث لأنّها أولی بالمخافة من الذکران.

الثالث:وصفهم بالذلّة و قلّة الانتفاع بهم.فنبّه علی وصف الذلّ بقوله : الذلیل و اللّه من نصرتموه .فإنّه إنّما یکون ذلیلا لکونهم کذلک،و یحتمل أن یشیر بذلک إلی سوء آرائهم فی التفرّق و الاختلاف،ثمّ بالغ فی ذلک بحصر الذلّ لکلّ منتصر بهم فیمن نصروه،و نبّه علی قلّة الانتفاع بهم استعارة بالکنایة بقوله : و من رمی بکم فقد رمی بأفوق ناصل .استعار لهم من أوصاف السهم أرداها،و کنّی بذلک عن عدم فایدتهم و نکایتهم فی العدوّ کما لا فایدة فی الرمی بالسهم الموصوف.

الرابع :وصفهم بالکثرة فی المجامع و الأندیة مع قلّتهم فی الحرب و تحت الألویة.

و ذلک یعود إلی الذمّ بالجبن أیضا و العار به فإن قلّة الاجتماع فی الحرب و التفرّق عنه من لوازم الخوف،و کما أنّ مقابل هذا الوصف و هو الاجتماع و الکثرة فی الحرب مع القلّة

ص:189

فی غیره مدح کما قال أبو الطیّب.

ثقال إذا لائوا خفاف إذا دعوا قلیل إذا عدّوا کثیر إذا شدّوا

فبالحریّ أن کان هذا الوصف ذمّا کما قال عویف القوافی.

أ لستم أقلّ الناس عند لوائهم و أکثرهم عند الذبیحة و القدر

و قوله : و إنّی لعالم إلی قوله:أودکم.

أراد أنّه لا یصلحهم إلاّ السیاسة بالقتل و نحوه کما فعل الحجّاج حین أرسل المهلبّ إلی الخوارج.روی أنّه نادی فی الکوفة من تخلّف عن المهلبّ بعد ثلاث فقد أحلّ دمه،و قتل جماعة فخرج الناس إلی المهلّب یهرعون،و کما یفعله کثیر من الملوک.و قوله :

و لکنّی لا أری إصلاحکم بإفساد نفسی :أی لمّا لم یکن لیستحلّ من دماء أصحابه ما یستحلّ ملوک الدنیا من رعیّتهم إذا أراد و إثبات ملکهم و لو بفساد دینهم لا جرم لم یر إصلاحهم بالقتل إذ کان إصلاحهم بذلک سببا لفساد نفسه بلزوم آثامهم لها.و لمّا کان من الواجب فی الحکمة أن یکون إصلاح الإنسان للغیر فرعا علی إصلاح نفسه أوّلا لم یتصوّر من مثله علیه السّلام أن یفعل فعلا یستلزم فساد نفسه و إن اشتمل علی وجه من المصلحة.

فإن قلت:الجهاد بین یدی الإمام العادل واجب و له أن یحملهم علیه.فلم لا یستجیز قتلهم؟.

قلت:الجواب من وجهین:

أحدهما:أنّه لیس کلّ واجب یجب فی ترکه القتل کالحجّ.

الثانی:لعلّه علیه السّلام لو شرع فی عقوبتهم بالقتل علی ترک الجهاد معه لتفرّقوا عنه إلی خصمه أو سلّموه إلیه و اتّفقوا علی قتله.و کلّ هذه مفاسد أعظم من تقاعدهم عن دعوته لهم فی بعض الأوقات.

و قوله : أضرع اللّه.إلی آخره.

دعا علیهم بالذلّ و هلاک الحظّ،ثمّ نبّهم علی علّة استحقاقهم لدعائه و هی الجهل، ثمّ ما ینشأ عنه من ظلم أنفسهم .أمّا الجهل فعدم معرفتهم للحقّ کمعرفتهم الباطل،و أراد به ما یلزمهم من أوامر اللّه،و أراد بمعرفتهم الباطل معرفتهم بأحوال الدنیا و باطلها

ص:190

و الاشتغال به عن أوامر اللّه،و یحتمل أن یشیر به إلی ما یعرض لبعضهم من الشبه الباطلة فی قتال أهل القبلة فیوجب لهم التوقّف و التخاذل عن الحرب،و یکون مکاثرته بین معرفتهم للباطل و الحقّ تنبیها علی قوّة جهلهم المرکّب و هو أشدّ الجهل،و غایته توبیخهم بکونهم علی قسمی الجهل.فالبسیط هو عدم معرفتهم للحقّ،و المرکّب هو تصدیقهم بالباطل.و أمّا الظلم فهو إبطالهم للحقّ و ذلک إشارة إلی تعامیهم عن طاعة اللّه و تصاممهم عن سماع منادیه و إجابته،و عدم إبطالهم للباطل إشارة إلی عدم إنکارهم للمنکر من أنفسهم و غیرهم.و باللّه التوفیق.

67-و قال علیه السّلام

اشارة

فی سحرة الیوم الذی ضرب فیه

مَلَکَتْنِی عَیْنِی وَ أَنَا جَالِسٌ- فَسَنَحَ لِی؟رَسُولُ اللَّهِ ص؟ فَقُلْتُ یَا؟رَسُولَ اللَّهِ؟- مَا ذَا لَقِیتُ مِنْ أُمَّتِکَ مِنَ الْأَوَدِ وَ اللَّدَدِ فَقَالَ ادْعُ عَلَیْهِمْ- فَقُلْتُ أَبْدَلَنِی اللَّهُ بِهِمْ خَیْراً مِنْهُمْ- وَ أَبْدَلَهُمْ بِی شَرّاً لَهُمْ مِنِّی قال الشریف:یعنی بالأود الاعوجاج،و باللدد الخصام و هذا من أفصح الکلام

المعنی

أقول:السحرة:السحر الأعلی،و أمّا کیفیّة قتله علیه السّلام فمذکور فی التواریخ.

استعارة-مجاز فی الترکیب و قوله : ملکتنی عینی.

استعارة حسنة و تجوّز فی الترکیب أمّا الاستعارة فلفظ الملک للنوم،و وجه الاستعارة دخول النائم فی غلبة النوم و قهره و منعه له أن یتصرّف فی نفسه کما یمنع الملک العبد من التصرّف فی أمره،و أمّا التجوّز ففی العین و فی الإسناد إلیها.أمّا الأول فأطلق لفظ العین علی النوم لما بینها من الملابسة إذ إطباق الجفون من عوارضها،و أمّا الثانی فإسناد الملک إلی النوم المتجوّز فیه بلفظ العین .و الواو فی قوله:و أنا.للحال.

و قوله : فسنح إلی آخره.

ص:191

أراد بالسنح حضور صورة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلّم فی لوح خیاله کما علمت و شکایته منهم و جواب الرسول له یستلزم أمرین :أحدهما أنّه علیه السّلام کان فی غایة الکرب من تقصیرهم فی إجابة ندائه و دعوته إلی الجهاد حتّی انتهت الحال إلی قتله.الثانی عدم رضا رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلّم عنهم.

و قوله : أبدلهم بی شرّا لهم منّی.

لا یستلزم أنّ فیه شرّا کما قدّمنا بیانه.و باللّه التوفیق.

68-و من خطبة له علیه السّلام

اشارة

فی ذم أهل العراق

أَمَّا بَعْدُ یَا أَهْلَ؟الْعِرَاقِ؟ فَإِنَّمَا أَنْتُمْ کَالْمَرْأَةِ الْحَامِلِ- حَمَلَتْ فَلَمَّا أَتَمَّتْ أَمْلَصَتْ وَ مَاتَ قَیِّمُهَا- وَ طَالَ تَأَیُّمُهَا وَ وَرِثَهَا أَبْعَدُهَا-.أَمَا وَ اللَّهِ مَا أَتَیْتُکُمُ اخْتِیَاراً- وَ لَکِنْ جِئْتُ إِلَیْکُمْ سَوْقاً- وَ لَقَدْ بَلَغَنِی أَنَّکُمْ تَقُولُونَ؟عَلِیٌّ؟ یَکْذِبُ قَاتَلَکُمُ اللَّهُ تَعَالَی- فَعَلَی مَنْ أَکْذِبُ أَ عَلَی اللَّهِ فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِهِ- أَمْ عَلَی نَبِیِّهِ فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَهُ- کَلاَّ وَ اللَّهِ لَکِنَّهَا لَهْجَةٌ غِبْتُمْ عَنْهَا- وَ لَمْ تَکُونُوا مِنْ أَهْلِهَا- وَیْلُ أُمِّهِ کَیْلاً بِغَیْرِ ثَمَنٍ لَوْ کَانَ لَهُ وِعَاءٌ- «وَ لَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِینٍ»

اللغة

أقول:أملصت:أسقطت.و الأیّم:الّتی.لا بعل لها.و اللهجة:اللسان و القول الفصیح .

و هذا الکلام صدر عنه بعد حرب صفّین.و فیه مقصودان :

الأوّل:

تشبیه توبیخهم علی ترکهم للقتال بعد أن شارفوا النصر علی أهل الشام،و تخاذلهم إلی التحکیم .و أبرز هذا المقصود فی تشبیههم بالمرأة الحامل ،و ذکر لها أوصافا

ص:192

خمسة،و هی وجود الشبه بینها و بینهم فالحمل یشبه استعدادهم و تعبیتهم للحرب،و الاتمام یشبه مشارفتهم للظفر،و الإملاص یشبه رجوعهم عن عدوّهم بعد طمعهم فی الظفر به و ذلک رجوع غیر طبیعیّ و لا معتاد للعقلاء کما أنّ الإملاص أمر غیر طبیعیّ للحامل و لا معتاد لها ،ثمّ موت القیّم بامورها و هو زوجها و طول غربتها،و ذلک یشبه عدم طاعتهم له الجاری مجری موته عنهم و طول ضعفهم لذلک و دوام عجزهم و ذلّتهم بعد رجوعهم لتفرّقهم إلی خوارج و ؟؟؟رهم فإنّ موت قیّم المرأة مستلزم لضعفها و دوام عجزها و ذلّتها ، ثمّ کونها قد استحقّ میراثها البعید عنها لعدم ولدها و زوجها و ذلک یشبه من حالهم أخذ عدوّهم الّذی هو أبعد الناس عنهم ما لهم من البلاد،و استحقاقه ذلک بسبب تقصیرهم عن مقاومته.و بهذه الوجوه من الشبه اشبهوا المرأة المذکورة و تمّ توبیخهم من هذه الجهة ،ثمّ أخبرهم علی التضجّر من حاله معهم بأنّه لم یأتهم إیثارا للمقام بینهم و لکن سوقا قدریّا اضطرّه إلی ذلک.و صدق.إذ لم یکن خروجه من المدینة الّتی هی دار الهجرة و مفارقة منزل رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلّم و قبره إلی الکوفة إلاّ لقتال أهل البصرة،و حاجته إلی الاستنصار بأهل الکوفة علیهم إذ لم یکن جیش الحجاز وافیا بمقاتلتهم ثمّ اتّصلت تلک الفتنة بفتنة أهل الشام فدامت حاجته إلی المقام بینهم،و روی و لا حبئت إلیکم شوقا بالشین المعجمة .

و المقصود الثانی:

توبیخهم علی ما بلغه من تکذیبهم له،و مقابلته لهم علی ذلک بردّ أحکام أوهامهم الفاسدة فی حقّه،و ذمّهم بجهلهم و قصور أفهامهم عمّا یفیده من الحکمة:

و هو قوله: و لقد بلغنی أنّکم تقولون .یکذّب صورة دعواهم المقولة و قد کان جماعة من منافقی أصحابه إذا أخبر عن امور ستکون،أو کانت ثمّ أخبر عنها و أسند ذلک إلی رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلّم یتحادثون فیما بینهم بتکذیبه فیبلغه ذلک کإخباره عن قصّة الخوارج و ما یکون منهم،و عن ذی الثدیة،و أنّه سیقاتل الناکثین و القاسطین و المارقین و نحو ذلک من الامور الغریبة الّتی تستنکرها طباع العوامّ و لا یعقل أسرارها إلاّ العالمون بل کانوا یکذّبونه بمحضره.روی أنّه لمّا قال:لو کسرت لی الوسادة لحکمت بین أهل التوراة بتوراتهم، و بین أهل الإنجیل بإنجیلهم،و بین أهل الفرقان بفرقانهم،و اللّه ما من آیة نزلت فی

ص:193

برّ أو بحر أو سهل أو جبل و لا سماء و لا أرض إلاّ و أنا أعلم فیمن نزلت و فی أیّ شیء انزلت.قال رجل من تحت المنبر:یا للّه و للدعوی الکاذبة.و کذلک لمّا قال:سلونی قبل أن تفقدونی أما و اللّه لتشعرنّ الفتنة الغماء برجلها و یطأ فی خطامها یا لها فتنة شبّت نارها بالحطب الجزل مقبلة من شرق الأرض رافعة ذیلها داعیة ویلها بدجلة أو حولها ذاک إذا استدار الفلک و قلتم مات أو هلک بأیّ واد سلک.فقال قوم من تحت منبره:للّه أبوه ما أفصحه کاذبا.و کأنّها إشارة إلی واقعة التتار .و قابل دعواهم بأمرین:

أحدهما:الدعاء علیهم بقتال اللّه لهم،و قد علمت أنّ قتاله یعود إلی مقته و إبعادهم عن رحمته .

الثانی:الحجّة و تقریرها:أنّ الّذی أخبرکم به من هذه الامور إنّما هو عن اللّه و عن رسوله صلی اللّه علیه و آله و سلّم فلو کذبت فیه لکذبت إمّا علی اللّه و هو باطل لأنّی أوّل من آمن به و أوّل مؤمن به لا یکون أوّل مکذّب له،أو علی نبیّه و هو باطل لأنّی أوّل من صدّقه و اتّبع ملته .

و قوله: کلاّ و اللّه.

ردّ لصدق دعواهم بعد الحجّة کأنّه قال:فإذن دعواکم علیّ الکذب فیما اخبرکم به باطلة .

و قوله: و لکنّها لهجة غبتم عنها و لم تکونوا من أهلها.

یرید به بیان منشأ دعویهم الفاسدة لتکذیبه،و ذلک کون ما یقوله و یخبر به من الامور المستقبلة و نحوها طورا وراء عقولهم الضعیفة الّتی هی بمنزلة أوهام سایر الحیوان و لیسوا لفهم أسرارها بأهل.و أشار باللهجة إلی تلک الأقوال و أسرارها و بغیبتهم عنها إلی غیبة عقولهم عن إدراکها و معرفة إمکانها فی حقّ مثله أو إلی غیبتهم عنها عند إلقاء الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلّم قوانینها الکلّیة إلیه و تعلیمه لأبوابها و تفصیل ما فصّل منها له.و ظاهر أنّه لمّا کانت عقول اولئک و أمثالهم مقهورة تحت سلطان أوهامهم و کان الوهم مکذّبا و منکرا لمثل هذه الأحکام لا جرم لم تنتهض عقولهم لتصدیقه علیه السّلام فیها و لم تجوّز اطّلاعه علیها بل تابعت أوهامهم فی الحکم بتکذیبه.و حاله فی ذلک مختصرة من حال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلّم

ص:194

مع منافقی قومه .

و قوله: ویل امّه.

فالویل فی الأصل دعاء بالشرّ،أو خبر به:و إضافته إلی الامّ دعاء علیها أن تصاب بأولادها،و قیل:إنّها تستعمل للرحمة،و قیل تستعمل للتعجّب و استعظام الأمر .

استعارة بالکنایة و قوله: کیلا بغیر ثمن.

إشارة إلی ما یفیضه علیهم من الأخلاق الکریمة و الحکم البالغة الّتی لا یرید بها جزاء و لا ثمنا ثمّ لا یفقهونها و لا یهذّبون بها أنفسهم لکون نفوسهم غیر مستعدّة لقبولها فلیس لها إذن من تلک الأنفس وعاء یقبلها.و استعار لفظ الکیل و کنّی به عن کثرة ما یلقیه إلیهم منها و هو مصدر استغنی به عن ذکر فعله .فعلی هذا یحتمل أن یکون ویل امّه دعاء بالشرّ علی من لم یفقه مقاله و لم یقتبس الحکمة منه،و الضمیر لإنسان ذلک الوقت و إن لم یجر له ذکر سابق مفرد یعود إلیه لکنّه موجود فی کلّ شخص منهم و کأنّه قال:ویل لامّهم،و یحتمل أن یکون ترحّما لهم فإنّ الجاهل مرحوم،و یحتمل أن یکون تعجّبا من قوّة جهلهم أو من کثرة کیله للحکم علیهم مع إعراضهم عنها .

اقتباس و قوله: «وَ لَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِینٍ» .

اقتباس لهذه الآیة المفصحة عن مقصوده:أی و لتعلمّن نبأ جهلکم و إعراضکم عمّا أمرکم به و ألقاه إلیکم من الحکم و الآراء الصالحة،و ینکشف لهم ثمرة ذلک بعد حین.

و أشار بالحین إمّا إلی مدّة الحیاة الدنیا. و ثمرة أفعالهم إذن الندامة و الحسرة علی ما فرّطوا فی جنب اللّه حیث لا ینفع إلاّ الأعمال الصالحة و ذلک حین تزول عنهم غواشی أبدانهم و تطرح نفوسهم جلابیبها بالموت،و إمّا إلی مدّة حیاته هو:أی ستعلمون عاقبة فعلکم هذا بعد مفارقتی لکم.و العاقبة إذن ابتلاؤهم بمن بعده من بنی امیّة و غیرهم بالقتل و الذلّ و الصغار.و باللّه العصمة و التوفیق.

69-و من خطبة له علیه السّلام

اشارة

علم فیها الناس الصلاة علی النبی صلی اللّه علیه و آله

ص:195

اَللَّهُمَّ دَاحِیَ الْمَدْحُوَّاتِ وَ دَاعِمَ الْمَسْمُوکَاتِ- وَ جَابِلَ الْقُلُوبِ عَلَی فِطْرَتِهَا شَقِیِّهَا وَ سَعِیدِهَا اجْعَلْ شَرَائِفَ صَلَوَاتِکَ- وَ نَوَامِیَ بَرَکَاتِکَ عَلَی؟مُحَمَّدٍ؟ عَبْدِکَ وَ رَسُولِکَ- الْخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ وَ الْفَاتِحِ لِمَا انْغَلَقَ- وَ الْمُعْلِنِ الْحَقَّ بِالْحَقِّ وَ الدَّافِعِ جَیْشَاتِ الْأَبَاطِیلِ- وَ الدَّامِغِ صَوْلاَتِ الْأَضَالِیلِ- کَمَا حُمِّلَ فَاضْطَلَعَ قَائِماً بِأَمْرِکَ مُسْتَوْفِزاً فِی مَرْضَاتِکَ- غَیْرَ نَاکِلٍ عَنْ قُدُمٍ وَ لاَ وَاهٍ فِی عَزْمٍ- وَاعِیاً لِوَحْیِکَ حَافِظاً لِعَهْدِکَ- مَاضِیاً عَلَی نَفَاذِ أَمْرِکَ حَتَّی أَوْرَی قَبَسَ الْقَابِسِ- وَ أَضَاءَ الطَّرِیقَ لِلْخَابِطِ- وَ هُدِیَتْ بِهِ الْقُلُوبُ بَعْدَ خَوْضَاتِ الْفِتَنِ وَ الْآثَامِ- وَ أَقَامَ بِمُوضِحَاتِ الْأَعْلاَمِ وَ نَیِّرَاتِ الْأَحْکَامِ- فَهُوَ أَمِینُکَ الْمَأْمُونُ وَ خَازِنُ عِلْمِکَ الْمَخْزُونِ- وَ شَهِیدُکَ یَوْمَ الدِّینِ وَ بَعِیثُکَ بِالْحَقِّ- وَ رَسُولُکَ إِلَی الْخَلْقِ- اللَّهُمَّ افْسَحْ لَهُ مَفْسَحاً فِی ظِلِّکَ- وَ اجْزِهِ مُضَاعَفَاتِ الْخَیْرِ مِنْ فَضْلِکَ- اللَّهُمَّ وَ أَعْلِ عَلَی بِنَاءِ الْبَانِینَ بِنَاءَهُ- وَ أَکْرِمْ لَدَیْکَ مَنْزِلَتَهُ وَ أَتْمِمْ لَهُ نُورَهُ- وَ اجْزِهِ مِنِ ابْتِعَاثِکَ لَهُ مَقْبُولَ الشَّهَادَةِ- مَرْضِیَّ الْمَقَالَةِ ذَا مَنْطِقٍ عَدْلٍ وَ خُطْبَةٍ فَصْلٍ- اللَّهُمَّ اجْمَعْ بَیْنَنَا وَ بَیْنَهُ فِی بَرْدِ الْعَیْشِ وَ قَرَارِ النِّعْمَةِ- وَ مُنَی الشَّهَوَاتِ وَ أَهْوَاءِ اللَّذَّاتِ وَ رَخَاءِ الدَّعَةِ- وَ مُنْتَهَی الطُّمَأْنِینَةِ وَ تُحَفِ الْکَرَامَةِ

ص:196

اللغة

أقول:المدحوّات:المبسوطات.و المسموکات:المرفوعات.و دعمها:حفظها بالدعامة.

جبل:خلق.و الفطرات:جمع فطرة و هی الخلقة.و الدمغ:کسر عظم الدماغ.و جیشات:

جمع جیشه من جاشت القدر إذا ارتفع غلیانها.و اضطلع بالأمر:قوی علی حمله و القیام به من الضلاعة و هی القوّة.و الاستیفاز:الاستعجال.و النکول:الرجوع.و القدم:

التقدّم.و الوهی:الضعف.و وعی الأمر:فقهه.و القبس:شعلة النار.و أوری:زکی و اشتعل .

و قد اشتملت هذه الخطبة علی ثلاثة فصول .

الاوّل:فی صفات المدعوّ و تمجیده و هو اللّه سبحانه.

الثانی:فی صفات المدعوّ له و هو النبیّ صلی اللّه علیه و آله و سلّم.

الثالث:فی صفات أنواع المدعوّ به.و ذلک هو الترتیب الطبیعیّ.

فبدأه ممجّدا للّه تعالی باعتبارات ثلاثه:

أحدهما:کونه داحی المدحوّات :أی باسط الأرضین السبع و ظاهر کونها مدحوّات فإنّ کلّ طبقة منها إذا اعتبرت کانت مبسوطة فأمّا صدق البسط علی جملة الأرض مع أنّها کرة و شهادة قوله:و الأرض بعد ذلک دحیها.بذلک،و قوله:و الأرض مددناها.فهو باعتبار طبقاتها.و قد یصدق علیها البسط باعتبار سطحها البارز من الماء الذی یتصرّف علیه الحیوان فإنّه فی الأوهام سطح مبسوط و إن کان عند الاعتبار العقلیّ محدّبا،و إلیه الإشارة بقوله تعالی «الَّذِی جَعَلَ لَکُمُ الْأَرْضَ فِراشاً» «وَ اللّهُ جَعَلَ لَکُمُ الْأَرْضَ بِساطاً» الثانی : داعم المسموکات :أی حافظ السماوات أن تقع علی الأرض.

فإن قلت:قد قال فی الخطبة الاولی:بلا عمد تدعمها ثمّ جعلها هنا مدعومة فما وجه الجمع؟.

قلت:لم ینف هناک إلاّ کونها مدعومه بعمد و هذا لا ینافی کونها مدعومة بغیر العمد،و قد بیّنا هناک أنّ الدعامة الّتی تقوم بها السماوات قدرته تعالی.

الثالث:کونه جابل القلوب علی فطراتها شقیّها و سعیدها :أی خالق النفوس علی ما خلقها علیه من التهیّوء و الاستعداد لسلوک سبیلی الخیر و الشرّ و استحقاق الشقاوة و السعادة

ص:197

بحسب القضاء الإلهیّ کما قال تعالی «وَ نَفْسٍ وَ ما سَوّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَکّاها وَ قَدْ خابَ مَنْ دَسّاها» (1)و قوله «وَ هَدَیْناهُ النَّجْدَیْنِ» أی ألهمناه معرفة سلوک طریقی الخیر و الشرّ.و أهل العرفان کثیرا ما یعتبرون عن النفس بالقلب.و شقیّها.

بدل من القلوب:أی خالق شقیّ القلوب و سعیدها علی فطراتها المکتوبة فی اللوح المحفوظ فمن أخذت العنایة الإلهیّة بزمام عقله علی وفق ما کتب له فأعدّته لقبول الهدایة لسلوک سبیل اللّه فهو السعید،و من لحقته حبایل القضاء الإلهیّ فحطّته إلی مهاوی الهلکة فذلک هو الشقّی البعید.و إلیه الإشارة بقوله تعالی «فَمِنْهُمْ شَقِیٌّ وَ سَعِیدٌ» (2)الآیة.و قوله : و اجعل شرائف صلواتک و نوامی برکاتک علی محمّد عبدک و رسولک .بعض مطلوباته من هذا الدعاء.و شرایف صلواته ما عظم من رحمته و کمال جوده علی النفوس المستعدّه لها،و نوامی برکاته ما زاد منها.

الفصل الثانی:ذکر للنبیّ صلی اللّه علیه و آله و سلّم أحد و عشرین وصفا

اشارة

علی جهات استحقاق الرحمة من اللّه و زیادة البرکة المدعوّ بها.

الأوّل:کونه عبدا للّه

و ظاهر کون العبودیّة جهة لاستحقاق الرحمة.

الثانی:کونه رسولا له

،و الرسالة نوع خاصّ من الاستعباد توجب مزید الرحمة و الشفقة .

الثالث:کونه خاتما لما سبق

من أنوار الوحی و الرسالة بنوره و ما جاء من الدین الحقّ.و ظاهر کون ذلک جهة استعداد منه لقبول الرحمة و درجات الکمال .

الرابع:کونه فاتحا لما انغلق من سبیل اللّه قبله

و طریق جنّته و حضرة قدسه باندراس الشرائع ففتح صلی اللّه علیه و آله و سلّم تلک السبیل بشرعه و کیفیّة هدایته للخلق فیها .

الخامس:کونه قد أظهر الحقّ بالحقّ.

و الأوّل هو الدین و ما یدعو إلیه،و الثانی فیه أقوال:فقیل:هو المعجزات إذ بسببها تمکّن من إظهار الدین،و قیل:الحرب و الخصومة یقال فلان حاقّ فلانا فحقّه:أی خاصمه فغلبه،و قیل:هو البیان:أی أظهر الدین بالبیان الواضح.و أقول:الأشبه أنّه أراد:أظهر الحقّ بعضه ببعض.و کلّ جزئیّ

ص:198


1- 1) 91-8
2- 2) 11-107

من الحقّ حقّ،و ذلک أنّ الدین لم یظهر دفعة و إنّما بنی الإسلام علی خمس ثمّ کثرت فروعه و هو بالأصل یظهر الفرع،و ظاهر کون إظهاره للحقّ جهة لاستحقاقه الرحمة .

السادس:کونه دافعا لجیشات الأباطیل:

أی لثوران فتن المشرکین و انبعاثهم لإطفاء أنوار اللّه،أو لفتنتهم السابقة الّتی کانت معتادة من الغارات و حروب بعضهم لبعض فإنّ کلّ ذلک امور باطلة علی غیر قانون عدلیّ من اللّه،و ذلک الدفع من جهات قبول الرحمة .

السابع:

استعارة کونه دامغا لصولات الأضالیل ،و هو قریب من السادس،و استعار لفظ الدمغ لهلاک الضلاّل بالکلّیّة ببرکة مقدمه صلی اللّه علیه و آله و سلّم،و وجه الاستعارة کون الدمغ مهلکا للإنسان فأشبه ما أهلک الباطل و محاه من أفعال الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلّم.و الضلال هنا الانحراف عن طریق اللّه اللازم عن الجهل بها،و استعار لفظ وصف الصولات له ملاحظة لشبه المنحرفین عن سبیل اللّه إلی الفساد فی قوّة انحرافهم و شدّة فسادهم بالفحل الصایل .

الثامن:کونه حمل الرسالة

فقام بما کلّف به و قوی علیه،و قائما.نصب علی الحال، و کذلک المنصوبات بعده و هی مستوفزا،و غیر ناکل،و کذلک محلّ لا واه،و واعیا،و حافطا،و ماضیا.و فی قوله: کما حمّل .لطف:أی صلّ علیه صلاة مناسبة مشابهة لتحمیلک له الرسالة و قیامه بأمرها لأنّ الجزاء من الحکیم العدل یکون مناسبا للفعل المجزّی و لأجل کونها جهة استحقاق طلب ما یناسبها.

التاسع:کونه عجلا فی رضا اللّه

بامتثال أوامره .

العاشر:

کونه غیرنا کل ما یتقدّم فیه من طاعة اللّه .

الحادی عشر:کونه ماضی العزم

فی القیام بأمر اللّه غیر و ان فیه .

الثانی عشر:

کونه واعیا لوحیه،ضابطا،قویّ النفس علی قبوله .

الثالث عشر:کونه حافظا لعهده

المأخوذ علیه من تبلیغ الرسالة و أداء الأمانة، و قد سبق بیان معنی العهد فی الخطبة الاولی .

الرابع عشر:کونه ماضیا علی إنفاذ أمره

فی العالم و جذب الخلق إلی سلوک سبیله .

الخامس عشر:

ما انتهی إلیه من الغایة باجتهاده فی إرضاء اللّه،و هو استعارة کونه أوری

ص:199

قبس القابس :أی اشتعل أنوار الدین و قدح زناد الأفکار حتّی أظهر أنوار العلوم منها للمقتبسین،و استعار لفظ القبس لنور العلم و الحکمة،و لفظ الوری لإظهار الرسول لتلک الأنوار فی طریق اللّه،و قد سبق وجه الاستعارة .

السادس عشر:

کونه أضاء الطریق للخابط.فالطریق هی طریق الجنّة و الحضرة الالهیّة،و إضاءته لها بإظهار تلک الأنوار و بیانها بتعلیم کیفیّة سلوکها و الإرشاد إلیها، و الخابط هو الجاهل الّذی قصدت الحکمة الالهیّة إرشاده حیث کان یخبط فی ظلمات الجهل .

السابع عشر:

کونه قد هدیت به القلوب إلی موضحات الأعلام:أی الأدلّة الواضحة علی الحقّ.و نیّرات الأحکام هی المطالب الحقّة الواضحة اللازمة من تلک الأدلّة بعد ما کانت القلوب فیه من خوضات الفتن و الآثام اللازمة عمّا اجترحته من السیّئات.

و ذلک أمر ظاهر .

الثامن عشر:کونه أمین اللّه:

أی علی وحیه و رسالته،و المأمون تأکید لأمانته.

و قد عرفت معنی الأمانة .

التاسع عشر:کونه خازن علمه المخزون:

أی علومه اللدنیّة الغیبیّة الّتی لا یتأهّل لحملها کلّ البشر المشار إلیها بقوله تعالی «عالِمُ الْغَیْبِ فَلا یُظْهِرُ عَلی غَیْبِهِ أَحَداً إِلاّ مَنِ ارْتَضی مِنْ رَسُولٍ » (1).

العشرون:کونه شهیدا یوم الدین

کقوله تعالی «فَکَیْفَ إِذا جِئْنا مِنْ کُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِیدٍ وَ جِئْنا بِکَ عَلی هؤُلاءِ شَهِیداً» (2)أی شاهدا یقوم القیامة علی امّته بما علم منهم من خیر و شرّ.

فإن قلت:ما حقیقة هذه الشهادة و ما فایدتها مع أنّ اللّه تعالی عالم الغیب و الشهادة؟.

قلت:أمّا حقیقتها فیعود إلی اطّلاعه صلی اللّه علیه و آله و سلّم علی أفعال امّته،و بیان ذلک أنّک علمت فیما سلف أنّ للنفوس القدسیّة الاطّلاع علی الامور الغایبة و الانتقاش بها مع کونه فی جلابیب فی أبدانها فکیف بها إذا فارقت هذا العالم و الجسم المظلم فإنّها إذن تکون

ص:200


1- 1) 11-107
2- 2) 4-35

مطّلعة علی جمیع أفعال اممها و مشاهدة لها من خیر أو شرّ،و أمّا فایدتها فقد علمت أنّ أکثر أحکام الناس وهمّیة،و الوهم منکر للإله علی الوجه الّذی هو اله فبالحریّ أن ینکر کونه عالما بجزئیّات أفعال عباده و دقایق خطرات أوهامهم،و ظاهر أنّ ذلک الإنکار یستتبع عدم المبالات بفعل القبیح و الانهماک فی الامور الباطلة الّتی نهی اللّه تعالی عنها فإذا ذکر لهم أنّ علیهم شهداء و رقباء و کتّابا لما یفعلون مع صدق کلّ ذلک بأحسن تأویل کان ذلک ممّا یعین العقل علی کسر النفس الأمّارة بالسوء و قهر الأوهام الکاذبة،و یردع النفس عن متابعة الهوی ثمّ لا بدّ لکلّ رسول من امناء علی دینه و حفظة له هم شهداء أیضا علی من بعده إلی قیام الساعة،و إذا کان معنی الشهادة یعود إلی اطّلاع الشاهد علی ما فی ذمّة المشهود علیه و علمه بحقیقته و فائدتها حفظ ما فی ذمّة المشهود علیه و تخوّفه أن جحده أو لم یوصله إلی مستحقّه أن یشهد علیه الشاهد فیفضحه و ینتزع منه علی أقبح وجه،و کان هذا المعنی و الفائدة قائمین فی شهادة الأنبیاء علیهم السّلام إذ بها تتحفّظ أو امر اللّه و تکالیفه الّتی هی حقوقه الواجبة،و یحصل الخوف للمقصّرین فیها بذکر شهادة الرسل علیهم بالتقصیر فیفتضحوا فی محفل القیامة و یستوفی منهم جزاء ما کلّفوا به فقصروا فیه بالعقاب الألیم لا جرم ظهر معنی کونهم شهداء اللّه علی خلقه .

الحادی و العشرون:کونه مبعوثا بالحقّ

،و هو الدین الثابت الباقی نفعه و ثمرته فی الآخرة ،ثمّ أعاد ذکر کونه رسول اللّه إلی خلقه.و إنّما کررّه لأنّه الأصل فی باقی الأوصاف،و ظاهر أنّ کلّ هذه الأوصاف جهات استحقاق الرحمة و البرکة و إفاضة الصلوات الالهیّة علی نفسه القدسیّة .

الفصل الثالث:فی تفصیل المطلوب من هذا الدعاء

و هو قوله: اللّهم افسح .إلی آخره،و طلب امورا:

أحدها: استعارة أن یفسح له مفسحا فی ظلّة :أی مکانا متّسعا فی حضرة قدسه و ظلّ وجوده،و لفظ الظلّ مستعار للجود،و وجه المشابهة راحة المستظلّ بالظلّ من حرّ الشمس فأشبهها راحة الملتجیء إلی جود اللّه المستظلّ به من حرارة جهنّم و سعیر عذابه ،و إلیه الإشارة بقوله تعالی «وَ ظِلٍّ مَمْدُودٍ » .

ص:201

الثانی:أن یجزیه مضاعفات الخیر من فضله:أی یضاعف له الکمالات من نعمه، و قد علمت أنّ مراتب استحقاق نعم اللّه غیر متناهیة .

الثالث:أن یعلی علی بناء البانین بناءه،و یحتمل أن یرید ببنائه ما شیّده من الدین فیکون أعلاه المطلوب هو إتمام دینه و إظهاره بعده علی الأدیان کلّها،و یحتمل أن یرید به ما شیّده من الملکات الخیریّة و استحقّه من مراتب الجنّة و قصورها .

الرابع:أن یکرّم لدیه منزلته و هو إنزاله المنزل المبارک الموعود،و قل ربّ انزلنی منزلا مبارکا .

الخامس:أن یتمّ له نوره و هو إمّا النور الّذی بعث به و إتمامه انتشاره فی قلوب العالمین،و إمّا النور الّذی فی جوهر ذاته.و تمامه زیادة کماله .

السادس:أن یجزیه عن بعثته قبول شهادته و رضا مقالته،و مقبول مفعول آخر.

و ذا منطق.نصب علی الحال. کنایة و قبول شهادته .کنایة عن تمام الرضی عنه إذ من کان مقبول الشهادة مرضیّ القول فلا بدّ و أن یکون بریئا من جهات الرذائل المسخطة،أو کنایة عن کون معتقداته و مشاهداته من أعمال امّته و غیرها بریئة عن کدر الأغالیط و شوائب الأوهام،و کذلک رضا أقواله فی شفاعته و غیرها .و کونه ذا منطق عدل :أی لا جور فیه عن الحقّ ،و خطبة فصل :أی ممیّزة للحقّ فاصلة له من الباطل،و کلّ هذه الاعتبارات و إن اختلفت مفهوماتها ترجع إلی مطلوب واحد و هو طلب زیادة کمالاتة علیه السّلام و قربه من اللّه تعالی ،و قوله: اللهمّ اجمع .إلی آخر سأل اللّه أن یجمع بینه و بین الرسول فی امور:

أحدها:برد العیش.و العرب یقول:عیش بارد إذا کان لا کلفة فیه من حرب و خصومة.و هو فی الآخرة یعود إلی ثمرات الجنّة البریئة من کدر الأتعاب.

الثانی:قرار النعمة:أی مستقرّها و هو الجنّة و حضرة ربّ العالمین .

الثالث:منی الشهوات،و هو ما تتمنّاه النفس من المشتهیات و تهواه من اللذّات بنعیم الأبد .

الرابع:رخاء الدعة و منتهی الطمأنینة:أی اتّساع سکون النفس بلذّة مفارقة الحقّ و الانس بالملأ الأعلی و أمنها من مزعجات الدنیا و راحتها من معافاة آفاتها .

ص:202

الخامس: تحف الکرامة .و هی ثمرات الجنّة و قطوفها الدانیة و سایر ما أعدّه لتحف أولیائه الأبرار ممّا لا عین رأت و لا اذن سمعت و لا خطر علی قلب بشر.

70-و من کلام له علیه السّلام

اشارة

قاله لمروان بن الحکم بالبصرة قالوا:أخذ مروان بن الحکم أسیرا یوم الجمل،فاستشفع الحسن و الحسین علیهما السلام إلی أمیر المؤمنین علیه السّلام فکلماه فیه،فخلی سبیله،فقالا له:یبایعک یا أمیر المؤمنین؟فقال علیه السّلام:

أَ وَ لَمْ یُبَایِعْنِی بَعْدَ قَتْلِ؟عُثْمَانَ؟- لاَ حَاجَةَ لِی فِی بَیْعَتِهِ إِنَّهَا کَفٌّ یَهُودِیَّةٌ- لَوْ بَایَعَنِی بِکَفِّهِ لَغَدَرَ بِسَبَّتِهِ- أَمَا إِنَّ لَهُ إِمْرَةً کَلَعْقَةِ الْکَلْبِ أَنْفَهُ- وَ هُوَ أَبُو الْأَکْبُشِ الْأَرْبَعَةِ- وَ سَتَلْقَی الْأُمَّةُ مِنْهُ وَ مِنْ وَلَدِهِ یَوْماً أَحْمَرَ

اللغة

أقول: السّبة : الاست .و الإمرة بالکسر : الولایة .و کبش القوم : رئیسهم .

المعنی

و لمّا امتنع من بیعة مروان نبّه علی سبب امتناعه من ذلک و هو أنّه مظنّة الغدر و ذلک کنایة قوله: إنّها کفّ یهودیّة .إذ من شأن الیهود الخبث و المکر و الغدر،ثمّ فسّر تلک الکنایة بقوله: لو بایعنی بیده لغدر بسبّته ،و ذکر السّبة إهانة له لأنّ الغدر من أقبح الرذائل فنسبته إلی السّبة أولی النسب .و العرب تسلک مثل ذلک فی کلامها.قال المتوکّل یوما لأبی العیناء:إلی متی تمدح الناس و تذمّهم.فقال:ما أحسنوا و أساءوا،ثمّ قال:یا أمیر المؤمنین:إنّ اللّه تعالی رضی فمدح فقال «نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّابٌ» و سخط فذمّ فقال «عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِکَ زَنِیمٍ» و الزنیم ولد الزنا.ثمّ ذکر ممّا سیکون من أمر مروان ثلاثة امور:

أحدها : تشبیه أنّه سیصیر أمیرا للمسلمین و نبّه علی قصر مدّة إمارته بتشبیهها بلعقة الکلب أنفه ،و وجه الشبه هو القصر،و کانت مدّة إمرته أربعة أشهر و عشرا،و روی ستّة

ص:203

أشهر،و إنّما خصّه بلعقة الکلب لأنّه فی معرض الذمّ ،و البحث فی أمّا کهو فی قوله:

أمّا أنّه سیظهر علیکم.

الثانی :أنّه سیکون أبا للأکبش الأربعة.و کان له أربعة ذکور لصلبه و هم عبد الملک و ولی الخلافة،و عبد العزیز و ولی مصر،و بشر و ولی العراق،و محمّد و ولی الجزیرة، و یحتمل أن یرید بالأربعة أولاد عبد الملک و هم الولید و سلیمان و یزید و هشام کلّهم و لوا الخلافة و لم یلها أربعة إخوة إلاّ هم.

الثالث :ما یصدر منه و من ذریّته من الفساد فی الأرض،و ما یلقی الناس منهم من القتل و انتهاک الحرمة. کنایة و کنّی عن قتلهم للناس و شداید ما یلقون منهم بالموت الأحمر .

و من لسان العرب وصف الأمر الشدید بالأحمر،و لعلّه لکون الحمرة وصف الدم کنّی به عن القتل،و روی یوما أحمر.و هو کنایة عن مدّة أمرهم و وصفه بالحمرة کنایة عن شدّته.

و فساد بنی امیّة و دمارهم للإسلام و أهله مشهور،و فی کتب التواریخ مسطور.

71-و من کلام له علیه السّلام

اشارة

لما عزموا علی بیعة عثمان

لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّی أَحَقُّ النَّاسِ بِهَا مِنْ غَیْرِی- وَ وَ اللَّهِ لَأُسْلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِینَ- وَ لَمْ یَکُنْ فِیهَا جَوْرٌ إِلاَّ عَلَیَّ خَاصَّةً- الْتِمَاساً لِأَجْرِ ذَلِکَ وَ فَضْلِهِ- وَ زُهْداً فِیمَا تَنَافَسْتُمُوهُ مِنْ زُخْرُفِهِ وَ زِبْرِجِهِ

اللغة

أقول: الزخرف : الزینة،و یقال:الذهب .و الزبرج : النقش و الزینة بالحلیة أیضا .

المعنی

و قوله: لقد علمتم أنّی أحقّ بها.

یشیر إلی ما علموه من وجه استحقاقه للخلافة و هو استجماعه للفضایل الداخلیّة و الخارجیّة،و الضمیر فی بها للخلافة و هو إمّا أن یعود إلی ذکرها فی فصل تقدّم متّصلا بهذا الفصل أو لشهرتها،و کون الحدیث فیها قرینة معیّنة لها کما قال قبل:لقد تقمّصها.

ص:204

و قوله : و اللّه لاسلّمنّ ما سلمت امور المسلمین.

أی لأترکنّ المنافسة فی هذا الأمر مهما سلمت امور المسلمین من الفتنة.و فیه إشارة إلی أنّ غرضه علیه السّلام من المنافسة فی هذا الأمر هو صلاح حال المسلمین و استقامة امورهم و سلامتهم عن الفتن و قد کان لهم بمن سلف من الخلفاء قبله استقامة أمر و إن کانت لا تبلغ عنده کمال استقامتها لو ولی هو هذا الأمر فلذلک أقسم لیسلمنّ ذلک الأمر و لا ینازع فیه إذ لو نازع فیه لثارث الفتنة بین المسلمین و انشقّت عصا الإسلام و ذلک ضدّ مطلوب الشارع،و إنّما یتعیّن علیه النزاع و القتال عند خوف الفتنة و قیامها.

فإن قلت:السؤال من وجهین:

الأوّل:ما وجه منافسته فی هذا الأمر مع أنّه منصب یتعلّق بامور الدنیا و صلاحها مع ما اشتهر منه علیه السّلام من الزهد فیها و الإعراض عنها و ذمّها و رفضها؟.

الثانی:کیف سلّم هاهنا خوف الفتنة و لم یسلّم لمعاویة و لطلحة و الزبیر مع قیام الفتنة فی حربهم.

قلت:الجواب عن الأوّل:أنّ منصب رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلّم لیس منصبا دنیا ویّا و إن کان متعلّقا بإصلاح أحوال الدنیا لکن لا لکونها دنیا بل لأنّها مضمار الآخرة و مزرعتها و الغرض من إصلاحها إنّما هو نظام أحوال الخلق فی معاشهم و معادهم فمنافسته علیه السّلام فی هذا الأمر علی هذا الوجه من الامور المندوب إلیها إذا اعتقد أنّ غیره لا یغنی غناه فی القیام به فضلا أن یقال:إنّها لا تجوز.

و عن الثانی:أنّ الفرق بین الخلفاء الثلاثة و بین معاویة فی إقامة حدود اللّه و العمل بمقتضی أوامره و نواهیه ظاهر.

و قوله : و لم یکن فیها جور إلاّ علیّ خاصّة.

تظلّم ممّن عدل بها عنه،و نسبة لهم إلی الجور دون من استحقّها فی أنظارهم.فأوصلوها إلیه من سایر الخلفاء.و خاصّة نصب علی الحال .

و قوله: إلیها التماسا لأجر ذلک .إلی آخره.

التماسا مفعول له و العامل لاسلمنّ:أی ألتمس ثواب اللّه و فضله بتسلیمی و صبری

ص:205

و کذلک قوله: و زهدا .مفعول له،و فیه إیماء إلی أنّ مقصود غیره من طلب هذا الأمر و المنافسة فیه لیس إلاّ الدنیا و زخرفها.و باللّه التوفیق.

72-و من کلام له علیه السّلام

اشارة

لما بلغه اتهام بنی أمیة له بالمشارکة فی دم عثمان

أَ وَ لَمْ یَنْهَ؟بَنِی أُمَیَّةَ؟ عِلْمُهَا بِی عَنْ قَرْفِی- أَ وَ مَا وَزَعَ الْجُهَّالَ سَابِقَتِی عَنْ تُهَمَتِی- وَ لَمَا وَعَظَهُمُ اللَّهُ بِهِ أَبْلَغُ مِنْ لِسَانِی- أَنَا حَجِیجُ؟الْمَارِقِینَ؟ وَ خَصِیمُ ؟النَّاکِثِینَ؟ الْمُرْتَابِینَ- وَ عَلَی کِتَابِ اللَّهِ تُعْرَضُ الْأَمْثَالُ- وَ بِمَا فِی الصُّدُورِ تُجَازَی الْعِبَادُ

اللغة

أقول: قرفنی بکذا : أی اتّهمنی به و نسبه إلیّ .و وزع : کفّ .و حجیجهم :

محاجّهم .و الخصیم : المخاصم .

المعنی

استفهاما علی سبیل الإنکار و قوله: أ و لم ینه.إلی أ و ما وزع .

استفهام من عدم انتهائهم عن نسبته إلی دم عثمان مع علمهم بحاله و قوّته فی الدین و عصمته عن دم حرام فضلا عن مثل دم عثمان استفهاما علی سبیل الإنکار علیهم و التعجّب منهم،و نسبة لهم إلی الجهل لجهلهم بمناسبة حاله و سابقته فی الإسلام لبراءته عمّا قرفوه به .

و قوله: و لما وعظهم اللّه به أبلغ من لسانی؟.

تعذیر لنفسه فی عدم ردعه لهم عن الغیبة و أمثالها:أی إذا کان وعظ اللّه لهم مع کونه أبلغ من کلامی لا یرد عهم فکلامی بطریق الأولی و زواجر کتاب اللّه کقوله «إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ» و قوله «وَ لا یَغْتَبْ بَعْضُکُمْ بَعْضاً أَ یُحِبُّ أَحَدُکُمْ أَنْ یَأْکُلَ لَحْمَ أَخِیهِ مَیْتاً» (1)الآیة و قوله «وَ الَّذِینَ یُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِینَ وَ الْمُؤْمِناتِ بِغَیْرِ مَا اکْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَ إِثْماً مُبِیناً» (2)و نحوه من القرآن کثیر، مجاز إمن باب اطلاق اسم السبب علی المسبّب. و أراد بلسانه وعظه مجازا إطلاقا لاسم السبب علی المسبّب.

ص:206


1- 1) 49-12 [1]
2- 2) 33-58

و قوله : أنا حجیج المارقین.

أی الخوارج أو کلّ من خرج عن دین اللّه ، و خصیم المرتابین :أی الشاکّین فی نسبة هذا الأمر إلیّ،و قیل:المنافقین الشاکّین فی صحّة الدین.

و قوله : و علی کتاب اللّه تعرض الامثال .إلی آخره.

إشارة إلی الحجّة الّتی یحجّ بها.و یخاصهم،و تقریرها:أنّ تعلّق هذا المنکر به إمّا من جهة أقواله،و أفعاله،و اعتقاداته و إرادته،و الثلاثة باطلة فتعلّق هذا المنکر به و نسبته إلیه باطلة.بیان الحصر أنّ هذه الجهات هی جهات صدور المنکر عن الإنسان.

بیان بطلان الأوّل و الثانی أنّه إن کان قد حصل فی أقواله و أفعاله ما یشبه الأمر بالقتل أو فعله فأوقع فی نفوس الجهّال شبهة القتل نحو ما روی منه لمّا سئل عن قتل عثمان:اللّه قتله و أنا معه،و کتخلّفه فی داره یوم قتل عن الخروج.فینبغی أن یعرض ذلک علی کتاب اللّه تعالی فإنّه علیه تعرض الأمثال و الأشباه فإن دلّ علی کون شیء من ذلک قتلا فلیحکم به و إلاّ فلا.و لن یدلّ أبدا.فلیس لهم أن یحکموا بالقتل من جهة قول أو فعل،و أمّا بطلان الثالث فلأنّ علم ما فی القلوب إلی اللّه و هو الجازی بما فیها من خیر أو شرّ و لیسوا مطّلعین علی ما هناک حتّی یحکموا بالقتل من جهتها فإذن حکمهم بتعلّق هذا المنکر به باطل.و باللّه التوفیق.

73-و من خطبة له علیه السّلام

اشارة

رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ حُکْماً فَوَعَی- وَ دُعِیَ إِلَی رَشَادٍ فَدَنَا وَ أَخَذَ بِحُجْزَةِ هَادٍ فَنَجَا- رَاقَبَ رَبَّهُ وَ خَافَ ذَنْبَهُ قَدَّمَ خَالِصاً وَ عَمِلَ صَالِحاً- اکْتَسَبَ مَذْخُوراً وَ اجْتَنَبَ مَحْذُوراً- وَ رَمَی غَرَضاً وَ أَحْرَزَ عِوَضاً کَابَرَ هَوَاهُ وَ کَذَّبَ مُنَاهُ- جَعَلَ الصَّبْرَ مَطِیَّةَ نَجَاتِهِ وَ التَّقْوَی عُدَّةَ وَفَاتِهِ- رَکِبَ الطَّرِیقَةَ

ص:207

الْغَرَّاءَ وَ لَزِمَ الْمَحَجَّةَ الْبَیْضَاءَ- اغْتَنَمَ الْمَهَلَ وَ بَادَرَ الْأَجَلَ وَ تَزَوَّدَ مِنَ الْعَمَلِ

اللغة

أقول: الحجزة : معقد الإزار .و المراقبة : المحافظة .و الغرّاء : البیضاء .

المعنی

و اعلم أنّ هذا الفصل یشتمل علی استنزاله علیه السّلام الرحمة لعبد استجمع ما ذکر من الامور،و هی عشرون وصفا :

الأوّل یسمع الحکم فیعیه،و الحکم الحکمة،و دعاؤه لسامعها و واعیها یستلزم أمره بتعلّمها و تعلیمها،و هی أعمّ من العلمیّة و العملیّة.و وعاها:أی فهمها کما القیت إلیه.

الثانی :کونه إذا دعی إلی رشاد دنا من الداعی إلیه و أجاب دعاؤه.و الرشاد یعود إلی ما یهدیه و یرشده إلی طریق معاشه و معاده من العلوم و الأعمال الّتی وردت بها الشریعة.

الثالث : استعارة أن یأخذ بحجزة هاد فینجو به :أی یکون فی سلوکه لسبیل اللّه مقتدیا باستاد مرشد عالم لتحصل به نجاته،و استعار لفظ الحجزه لأثر الاستاد و سنّته.و وجه المشابهة کون ذهن المقتدی لازما لسنّة شیخه فی مضایق طریق اللّه و ظلماتها لینجو به کما یلزم السالک لطریق مظلم لم یسلکه قبل بحجزة آخر قد سلک تلک الطریق و صار دلیلا فیها لیهتدی به و ینجو من التیه فی ظلماتها .و بین أهل السلوک حلاف أنّه هل یضطرّ المرید إلی الشیخ فی سلوکه؟أم لا.و أکثرهم یری وجوبه.و یفهم من کلامه علیه السّلام وجوب ذلک و بمثل شهادته یتبجّح الموجبون له إذ کان لسان العارفین و منتهی طبقاتهم.و ظاهر أنّ طریق المرید مع الشیخ أقرب إلی الهدایة،و بدونه أطول و أقرب إلی الضلال عنها.فلذلک قال علیه السّلام: فنجا :أی أنّ النجاة معلّقة به،و قد ذکرنا ما احتجّ به الفریقان فی کتاب مصباح العارفین.

الرابع :أن یراقب ربّه.

و أعلم أنّ المراقبة إحدی ثمرات الإیمان و هی رتبة عظیمة من رتب السالکین قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلّم:اعبد اللّه کأنّک تراه فإن لم تک تراه فإنّه یراک قال تعالی «أَ فَمَنْ»

ص:208

«هُوَ قائِمٌ عَلی کُلِّ نَفْسٍ بِما کَسَبَتْ» (1)و قال «إِنَّ اللّهَ کانَ عَلَیْکُمْ رَقِیباً» (2)قال الإمام الغزّالیّ:و حقیقتها أنّها حالة للنفس بثمرها نوع من المعرفة،و تثمر أعمالا فی الجوارح و القلب:أمّا الحالة فهی مراعاة القلب للرقیب و اشتغاله به،و أمّا العلم المثمر لها فهو العلم بأنّ اللّه تعالی مطّلع علی الضمائر و السرائر قائم «عَلی کُلِّ نَفْسٍ بِما کَسَبَتْ» و أنّ سرّ القلوب مکشوف له کظاهر البشرة للخلق بل هو أشدّ فهذه المعرفة إذا استولت علی القلب و لم یبق فیها شبهة فلا بدّ أن تجذبه إلی مراعات الرقیب.و الموقنون بهذه المعرفة فمنهم الصدّیقون و مراقبتهم التعظیم و الإجلال و استغراق القلب بملاحظة ذلک الجلال و الانکسار تحت الهیبة و العظمة بحیث لا یبقی فیه متّسع للالتفات إلی الغیر أصلا.و هی مراقبة مقصورة علی القلب.أمّا الجوارح فإنّها تتعطّل عن التلفّت إلی المباحات فضلا عن المحظورات،و إذا تحرّکت بالطاعة کانت کالمستعمل لها فلا تصلح لغیرها و لا یحتاج إلی تدبیر فی ضبطها علی سنن السداد،و من نال هذه الرتبة فقد یغفل عن الخلق حتّی لا یبصرهم و لا یسمع أقوالهم.و مثّل هذا بمن یحضر فی خدمة ملک عظیم فإنّ بعضهم قد لا یحسّ بما یجری فی حضرة الملک من استغراقه بهیبته،و بمن یشغله أمر مهمّ یفکّر فیه.

و روی:أنّ یحیی بن زکریّا علیه السّلام مرّ بامراة فدفعها علی وجهها.فقیل له:لم فعلت؟فقال:

ما ظننتها إلاّ جدارا.الثانیة مراقبة الورعین من أصحاب الیمین و هم قوم غلب بعض اطّلاع اللّه تعالی علی قلوبهم و لکن لم تدهشهم ملاحظة الجلال بل بقیت قلوبهم علی الاعتدال متّسعة للتلفّت إلی الأقوال و الأعمال إلاّ أنّها مع مدارستها للعمل لا تخلو عن المراقبة،و قد غلب الحیاء من اللّه علی قلوبهم فلا یقدمون و لا یجمحون إلاّ عن تثبّت فیمتنعون عن کلّ أمر فاضح فی القیامة إذ یرون اللّه تعالی مشاهدا لأعمالهم فی الدنیا کما یرونه فی القیامة.و من کان فی هذه الدرجة فیحتاج أن یراقب جمیع حرکاته و سکناته و لحظاته و جمیع اختیاراته و یرصد کلّ خاطر یسنح له فإن کان إلهیّا یعجّل مقتضاه و إن کانت شیطانیّا بادر إلی قمعه و استحیا من ربّه و لام نفسه علی اتّباع هواه فیه و إن شکّ فیه توقّف إلی أن یظهر له بنور اللّه سبحانه من أیّ جانب هو کما قال علیه السّلام:الهوی شریک

ص:209


1- 1) 13-33
2- 2) 4-1.

العمی.و من التوفیق التوقّف عند الحیرة و لا یهمل شیئا من أعماله و خواطره و إن قلّ لیسلم من مناقشة الحساب.فقد قال الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلّم:الرجل لیسئل عن کحل عینیه و عن فتلة الطین بإصبعه و عن لمسه ثوب أخیه.

الخامس :أن یخاف ذنبه.و اعلم أنّ الخوف لیس ممّا هو ذنب بل من المعاقب علی الذنب لکن لمّا کان الذنب سببا موجبا لسخط المعاقب و عقابه نسب الخوف إلیه.و قد سبق منّا بیان حقیقتی الخوف و الرجاء.

السادس :أن یقدّم خالصا بأن یکون أحواله کلّها خالصة للّه من قول أو عمل، و خاطره بریئة عن الالتفات إلی غیره فیها.و قد سبق معنی الإخلاص فی الخطبة الاولی.

السابع :أن یعمل صالحا.و صلاح العمل الإتیان به کما امر به و هو نوع ممّا تقدّمه.

الثامن :أن یکتسب مذخورا.و هو أمر بسایر ما أمرت الشریعة باکتسابه.و نبّه علی وجوب السعی فیه بأنّه یبقی ذخرا لیوم الفاقة إلیه.

التاسع :أن یجتنب محذورا.و هو أمر باجتناب ما نهت الشریعة عنه،و نبّه علی وجوب اجتنابه بکونه محذورا یستلزم العقاب فی الآخرة.

العاشر :أن یرمی غرضا:أی یحذف أعراض الدنیا عن درجة الاعتبار،و هو إشارة إلی الزهد و التخلّی عن موانع الرحمة.

الحادی عشر :أن یحرز عوضا:أی یذخر فی جوهر نفسه ملکات الخیر و یوجّه سرّه إلی مطالعة أنوار کبریاء اللّه و یحرز ما یفاض علیه من الحسنات و یثبتها بتکریرها.

فنعم العوض من متاع الدنیا و أعراضها الفانیة.

الثانی عشر :أن یکابر هواه:أی یطوّع نفسه الأمّارة بالسوء بالأعمال الدینیّة و یراقبها فی کلّ خاطر یلقیه إلی نفسیه و یقابلها بکسره و قمعه.

الثالث عشر :أن یکذب مناه:أی یقابل ما یلفته إلیه الشیطان من الأمانی و یعده به بالتکذیب و القمع له بتجویز عدم نیلها.و یحسم مادّه ذلک بالمراقبة فإنّ الوساوس الشیطانیّة یتبع بعضها بعضا،و من إشاراته علیه السّلام إلی ذلک:إیّاکم و المنی فإنّها بضایع

ص:210

النوکی:أی الحمقی.

الرابع عشر :أن یجعل الصبر مطیّة نجاته.و الصبر هو مقاومة النفس لئلاّ تنقاد إلی قبایح اللذّات.و لمّا علمت أنّ الانقیاد فی مسلکها إلی اللذّات القبیحة هو سبب الهلاک فی الآخرة علمت أنّ مقاومتها و دفعها عنها هو سبب النجاة هناک،و قد استعار لفظ المطیّة للصبر،و وجه المشابهة کون لزومه سببا للنجاة کما أنّ رکوب المطیّة و الهرب علیها سبب النجاة من العدوّ.

الخامس عشر :أن یجعل التقوی عدّة وفاته.و لمّا کان التقوی قد یراد به الزهد، و قد یراد به الخوف من اللّه المستلزم للزهد کما علمت و کانت العدّة هو ما استعدّ به الإنسان للقاء الحوادث،و کان الموت أعظم حادث یسبق إلی الإنسان من أحوال الآخرة کان التقوی عدّة للموت.إذ کان المتّقی مشغول السرّ بعظمة اللّه و هیبته عن کلّ حالة تلحقه فلا یکون للموت.عنده کثیر وقع و لا عظیم کرب،و قد یراد بالتقوی مطلق الإیمان،و بالوفاة ما بعدها مجازا،و ظاهر کون الإیمان عدّة واقیة من عذاب اللّه.

السادس عشر :أن یرتکب الطریقة الغرّاء.و هو أن یسلک إلی اللّه تعالی الطریقة الواضحة المستقیمة و هی سریعة.

السابع عشر :و أن یلزم المحجّة البیضاء.و الفرق بین هذا الأمر و الّذی قبله أنّ الأوّل أمر برکوب الطریقة الغرّاء،و الثانی أمر بلزومها و عدم مفارقتها و أنّها و إن کانت واضحة إلاّ أنّها طویلة کثیرة المخاوف و سالکها أبدا محارب للشیطان و هو فی معرض أن یستزلّه عنها.

الثامن عشر :أن یغتنم المهل:أی أیّام مهلته و هی حیاته الدنیا و اغتنامه العمل فیها قبل یوم الحساب.

التاسع عشر :أن یبادر الأجل:أی یسابقه إلی العمل قبل أن یسبقه فیقتطعه عنه.

العشرون : استعارة السجع المتوازی أن یتزوّد من العمل .و هو الأمر بما یتبادر إلیه من اتّخاذ العمل زادا.

و قد سبق وجه استعارة الزاد له.و قد راعی علیه السّلام فی کلّ مرتبتین من هذا الکلام السجع المتوازی،و جعل الصدر ثلاثا و الآخر ثلاثا و عطف کلّ قرینة علی مشارکتها فی

ص:211

الحرف الأخیر منها،و حذف حرف العطف من الباقی لیتمیّز ما یتناسب منها عن غیره.

و کلّ ذلک بلاغة.

74-و من کلام له علیه السّلام

اشارة

:إِنَّ؟بَنِی أُمَیَّةَ؟ لَیُفَوِّقُونَنِی تُرَاثَ؟مُحَمَّدٍ ص؟ تَفْوِیقاً- وَ اللَّهِ لَئِنْ بَقِیتُ لَهُمْ- لَأَنْفُضَنَّهُمْ نَفْضَ اللَّحَّامِ الْوِذَامَ التَّرِبَةَ و یروی«التراب الوذمة».و هو علی القلب.

قال الشریف:و قوله علیه السّلام«لیفوقوننی»أی.یعطوننی من المال قلیلا کفواق الناقة،و هو الحلبة الواحدة من لبنها،و الوذام:جمع و ذمة و هی:الحزة من الکرش أو الکبد تقع فی التراب فتنفض .

المعنی

أقول: استعارة استعار لفظ التفویق لعطیّتهم له المال قلیلا،و وجه المشابهه هو قلّة ما یعطونه منه مع کونه فی دفعات کما یعطی الفصیل ضرع امّه لتدرّ،ثم یدفع عنها لتحلب، ثمّ یعاد إلیها لتدرّ .و تراث محمّد إشارة إلی الفیء الحاصل ببرکة محمّد صلی اللّه علیه و آله و سلّم و هو التراث اللغویّ المکتسب عن المیّت بوجه ما،ثمّ أقسم إن بقی لبنی امیّة لیحرمنّهم التقدّم فی الامور، استعارة و استعار لفظ النفض لإبعادهم عن ذلک،و شبّه نفضه لهم بنفض القصّاب القطعة من الکبد أو الکرش من التراب إذا أصابته .و هذه الروایة هو الحقّ،و الثانیة سهو من الناقلین.

و قد ورد عنه هذا الکلام بزیادة و نقصان فی روایة اخری و ذلک أنّ سعید بن العاص حیث کان أمیر الکوفة من قبل عثمان بعث إلیه بصلة فقال:و اللّه لا یزال غلام من عثمان بنی امیّة یبعث إلینا ما أفاء اللّه علی رسوله بمثل قوت الأرملة،و اللّه لئن بقیت لأنفضنّها نفض القصّاب الوذام التربة.

ص:212

75-و من کلمات کان یدعو بها

اشارة

اَللَّهُمَّ اغْفِرْ لِی مَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّی- فَإِنْ عُدْتُ فَعُدْ عَلَیَّ بِالْمَغْفِرَةِ- اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِی مَا وَأَیْتُ مِنْ نَفْسِی وَ لَمْ تَجِدْ لَهُ وَفَاءً عِنْدِی- اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِی مَا تَقَرَّبْتُ بِهِ إِلَیْکَ بِلِسَانِی- ثُمَّ خَالَفَهُ قَلْبِی اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِی رَمَزَاتِ الْأَلْحَاظِ- وَ سَقَطَاتِ الْأَلْفَاظِ وَ شَهَوَاتِ الْجَنَانِ وَ هَفَوَاتِ اللِّسَانِ

اللغة

أقول: الوأی : الوعد .و الرمزات : جمع رمزة و هی الإشارة بالعین أو الحاجب أو الشفة .و السقط من الشیء : ردیئه .و الهفوة : الزلّة .

المعنی

و قد سأل اللّه سبحانه فی جمیع هذا الفصل المغفرة.و مغفرة اللّه للعبد تعود إلی ستره علیه أن یقع فی مهاوی الهلکة فی الآخرة أو یکشف مقابحه لأهل الدنیا فیها و کلّ ذلک یعود إلی توفیقه لأسباب السعادة و جذبه بها عن متابعة الشیطان فی المعاصی قبل صدورها منه أو قبل صیرورتها ملکات فی جوهر نفسه و المطلوب غفره امور:

الأوّل :ما اللّه أعلم به منه ممّا هو عند اللّه معصیة و سیّئة فی حقّه و هو لا یعلمها فیفعلها ،ثمّ طلب تکرار مغفرة اللّه لما یعاوده و یتکرّر منه کذلک.و إذا تصوّرت معنی المغفرة تصوّرت کیف تکرارها.

الثانی :ما وعد نفسه أن یفعله للّه ثمّ لم یوف به.و ما هاهنا مصدریّة.و لا شکّ أنّ مطال النفس بفعل الخیر و عدم الوفاء به إنّما یکون عن خاطر شیطانیّ یجب أن یستغفر اللّه له و یسأل ستره ببعث الدواعی الجاذبة عن متابعة الشیطان المحرّک له.

الثالث :شوب النفس ما یتقرّب به من الأعمال إلی اللّه بالریاء و السمعة و مخالفة نیّة القربة إلیه بقصد غیره لها.و لا شکّ أنّ ذلک شرک خفیّ جاذب عن الترقّی فی درجات العلی،و یحتاج إلی تدارک اللّه بالمغفرة و الجذب عنه قبل تمکّنه من النفس.

الرابع :الإشارة باللحظ.و هو الایماء الخارج عن الحدود الشریعة کما یفعل

ص:213

عند التنبیه علی شخص لیعاب أو لیضحک منه أو یظلم.و کلّ تلک عن خواطر شیطانیّة ینبغی أن یسأل اللّه تعالی رفع أسبابها و ستر النفس عن التدنّس بها .

الخامس: سقطات الألفاظ و الردیء من القول.هو ما تجاوز حدود اللّه و خرج بها الإنسان عن مستقیم صراطه .

السادس:شهوات القلوب.فمن روی بالشین المعجمة فالمراد جذب القوّة الشهویّة للنفس:أی مشتهیاتها،و من روی بالسین فسهوات القلب خواطره الّتی لا یشعر بتفصیلها إذا خالفت أو امر اللّه و قد تستتبع حرکة بعض الجوارح إلی فعل خارج عن حدود اللّه أیضا و ذلک و إن کان لا یوجب أثرا فی النفس و لا یؤخذ به إلاّ أنّه ربّما یقوی بقوّة أسبابه و کثرتها فیقطع العبد عن سلوک سبیل اللّه کما فی حقّ المنهمکین فی لذّات الدنیا المتجرّ دین لها فإنّ أحدهم ربّما رام أن یصلّی الفرض فیصلّی الصلاة الواحدة مرّتین أو مرارا و لا یستثبت عدد رکعاتها و سجداتها،و غفر مثل ذلک بجذب العبد عن الأسباب الموجبة له.

السابع : هفوات اللسان :أی الزلل الحاصل من قبله.و مادّته أیضا خاطر شیطانیّ، و غفره بتوفیقه لمقاومة هواه.

و أعلم أنّ الشیعة لمّا أوجبوا عصمته علیه السّلام عن المعاصی حملوا طلبه لمغفرة هذه الامور علی وجهین:

أحدهما:و هو الأدّق أنّ طلبه لغفرانها إنّما هو علی تقدیر وقوعها منه فکأنّه قال:اللهمّ إن صدر عنّی شیء من هذه الامور فاغفره لی،و قد علمت أنّه لا یلزم من صدق الشرطیّة صدق کلّ واحد من جزئیها فلا یلزم من صدق کلامه صدور شیء منها حتّی یحتاج إلی المغفرة.

الثانی:أنّهم حملوا ذلک علی تأدیب الناس و تعلیمهم کیفیّة الاستغفار من الذنوب أو علی التواضع و الاعتراف بالعبودیّة و أنّ البشر فی مظنّة التقصیر و الإساءة.و أمّا من لم یوجب عصمته فالأمر معه ظاهر.و باللّه التوفیق.

ص:214

76-و من کلام له علیه السّلام

اشارة

قاله لبعض أصحابه لما عزم علی المسیر إلی الخوارج،فقال له:یا أمیر المؤمنین،إن سرت فی هذا الوقت خشیت أن لا تظفر بمرادک،من طریق علم النجوم.

فقال علیه السّلام:

أَ تَزْعُمُ أَنَّکَ تَهْدِی إِلَی السَّاعَةِ- الَّتِی مَنْ سَارَ فِیهَا صُرِفَ عَنْهُ السُّوءُ- وَ تُخَوِّفُ مِنَ السَّاعَةِ الَّتِی مَنْ سَارَ فِیهَا حَاقَ بِهِ الضُّرُّ- فَمَنْ صَدَّقَکَ بِهَذَا فَقَدْ کَذَّبَ ؟الْقُرْآنَ؟- وَ اسْتَغْنَی عَنِ الاِسْتِعَانَةِ بِاللَّهِ- فِی نَیْلِ الْمَحْبُوبِ وَ دَفْعِ الْمَکْرُوهِ- وَ تَبْتَغِی فِی قَوْلِکَ لِلْعَامِلِ بِأَمْرِکَ- أَنْ یُولِیَکَ الْحَمْدَ دُونَ رَبِّهِ- لِأَنَّکَ بِزَعْمِکَ أَنْتَ هَدَیْتَهُ إِلَی السَّاعَةِ- الَّتِی نَالَ فِیهَا النَّفْعَ وَ أَمِنَ الضُّرَّ ثم أقبل ع علی الناس فقال أَیُّهَا النَّاسُ- إِیَّاکُمْ وَ تَعَلُّمَ النُّجُومِ إِلاَّ مَا یُهْتَدَی بِهِ فِی بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ- فَإِنَّهَا تَدْعُو إِلَی الْکَهَانَةِ- وَ الْمُنَجِّمُ کَالْکَاهِنِ وَ الْکَاهِنُ کَالسَّاحِرِ وَ السَّاحِرُ کَالْکَافِرِ- وَ الْکَافِرُ فِی النَّارِ سِیرُوا عَلَی اسْمِ اللَّهِ

اللغة

أقول: حاق به : أحاط .و یولیه کذا : یعطیه إیّاه و یجعله أولی به .

المعنی

و روی أنّ المشیر علیه بذلک کان عفیف بن قیس أخا لأشعث بن قیس و کان یتعاطی

ص:215

علم النجوم.

و اعلم أنّ الّذی یلوح من سرّ نهی الحکمة النبوّیة عن تعلّم النجوم أمران:

أحدها:اشتغال متعلّمها بها،و اعتماد کثیر من الخلق السامعین لأحکامها فیما یرجون و یخافون علیه فیما یسنده إلی الکواکب و الأوقات،و الاشتغال بالفزع إلیه و إلی ملاحظة الکواکب عن الفزع إلی اللّه و الغفلة عن الرجوع إلیه فیمایهمّ من الأحوال و قد علمت أنّ ذلک یضادّ مطلوب الشارع إذ کان غرضه لیس إلاّ دوام التفات الخلق إلی اللّه و تذکّرهم لمعبودهم بدوام حاجتهم إلیه.

الثانی:أنّ الأحکام النجومیّة إخبارات عن امور سیکون و هی تشبه الاطّلاع علی الامور الغیبیّة.و أکثر الخلق من العوامّ و النساء و الصبیّان لا یتمیّزون بینها و بین علم الغیب و الإخبار به.فکان تعلّم تلک الأحکام و الحکم بها سببا لضلال کثیر من الخلق موهنا لاعتقاداتهم فی المعجزات إذ الإخبار عن الکائنات منها،و کذلک فی عظمة بارئهم.و یسلکهم فی عموم صدق قوله تعالی «قُلْ لا یَعْلَمُ مَنْ فِی السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ الْغَیْبَ إِلاَّ اللّهُ» «وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَیْبِ لا یَعْلَمُها إِلاّ هُوَ» (1)و قوله «إِنَّ اللّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَ یُنَزِّلُ الْغَیْثَ وَ یَعْلَمُ ما فِی الْأَرْحامِ وَ ما تَدْرِی نَفْسٌ ما ذا تَکْسِبُ غَداً وَ ما تَدْرِی نَفْسٌ بِأَیِّ أَرْضٍ تَمُوتُ» (2)فالمنجّم إذا حکم لنفسه بأنّه یصیب کذا فی وقت کذا فقد ادّعی أنّ نفسه تعلم ما تکسب غدا و «بِأَیِّ أَرْضٍ تَمُوتُ» .و ذلک عین التکذیب للقرآن،و کأنّ هذین الوجهین هما المقتضیان لتحریم الکهانة و السحر و العزائم و نحوها،و أمّا مطابقة لسان الشریعة للعقل فی تکذیب هذه الأحکام فبیانها أنّ أهل النظر أمّا متکلّمون فإمّا معتزلة أو أشعریّة.

أمّا المعتزلة فاعتمادهم فی تکذیب المنجّم علی أحد أمرین:أحدهما:أنّ الشریعة کذّبته.و عندهم أنّ کلّ حکم شرعیّ فیشتمل علی وجه عقلیّ و إن لم یعلم عین ذلک الوجه، و الثانی مناقشته فی ضبطه لأسباب ما اخبر عنه من کون أو فساد.

و أمّا الاشعریّة فهم و إن قالوا:إنّه لا مؤثّر له إلاّ اللّه و زعم بعضهم أنّهم خلصوا بذلک من إسناد التأثیرات إلی الکواکب إلاّ أنّه لا مانع علی مذهبهم أن یجعل اللّه

ص:216


1- 1) (2)31-34
2- 2) 31-34

تعالی اتّصال نجم بنجم أو حرکته علامة علی کون کاین أو فساده و ذلک ممّا لا یبطل علی منجّم قاعدة.فیرجعون أیضا إلی بیان عدم إحاطته بأسباب کون ما اخبر عنه.و مناقشته فی ذلک.

و أمّا الحکماء فاعلم أنّه قد ثبت فی اصولهم أنّ کلّ کائن فاسد فی هذا العالم فلا بدّ له من أسباب أربعة:فاعلیّ،و مادّیّ،و صوریّ،و غائیّ:أمّا السبب الفاعلیّ القریب فالحرکات السماویة و الّذی هو أسبق منها فالمحرّک لها إلی أن ینتهی إلی الجود الإلهیّ المعطی لکلّ قابل ما یستحقّه،و أمّا سببه المادیّ فهو القابل لصورته و تنتهی القوابل إلی القابل الأوّل و هو مادّة العناصر المشترکة بینها،و أمّا الصوریّ فصورته الّتی یقبلها مادّته،و أمّا الغائیّ فهی الّتی لأجلها وجد.أمّا الحرکات السماویّة فإنّ من الکاینات ما یحتاج فی کونه إلی دورة واحدة للفلک،و منها ما یحتاج إلی جملة من أدواره و اتّصالاته.و أمّا القوابل للکائنات فقد تقرّر عندهم أیضا أنّ قبولها لکلّ کاین معیّن مشروط باستعداد معیّن له و ذلک الاستعداد یکون بحصول صورة سابقة علیه و هکذا قبل کلّ صورة صورة معدّة لحصول الصورة بعدها و کلّ صورة منها أیضا تستند إلی الاتّصالات و الحرکات الفلکیّة،و لکلّ استعداد معیّن زمان معیّن و حرکة معیّنة و اتّصال معیّن یخصّه لا یفی بدرکها القوّة البشریّة.

إذا عرفت ذلک فنقول:الأحکام النجومیّة إمّا أن تکون جزئیّة و إمّا کلّیّة.

أمّا الجزئیّة فأن یحکم مثلا بأنّ هذا الإنسان یکون من حاله کذا و کذا،و ظاهر أنّ مثل هذا الحکم لا سبیل إلی معرفته إذ العلم به إنّما هو من جهة أسبابه أمّا الفاعلیّة فأن یعلم أنّ الدورة المعیّنة و الاتّصال المعیّن سبب لملک هذا الرجل البلد المعیّن مثلا و أنّه لا سبب فاعلیّ لذلک إلاّ هو،و الأوّل باطل لجواز أن یکون السبب غیر ذلک الاتّصال أو هو مع غیره.أقصی ما فی الباب أن یقال:إنّما کانت هذه الدورة و هذه الاتّصال سببا لهذا الکاین لأنّها کانت سببا لمثله فی الوقت الفلانیّ لکن هذا أیضا باطل لأنّ کونها سببا للکائن السابق لا یجب أن یکون لکونها مطلق دورة و اتّصال بل لعلّه أن یکون لخصوصیّة کونه تلک المعیّنة الّتی لا تعود بعینها فیما بعد،و حینئذ لا یمکن الاستدلال بحصولها علی کون هذا الکاین لأنّ المؤثرات المختلفة لا یجب تشابه آثارها،و الثانی

ص:217

أیضا باطل لأنّ العقل یجزم بأنّه لا اطّلاع له علی أنّه لا یقتضی لذلک الکاین من الأسباب الفاعلة إلاّ الاتّصال المعیّن.کیف و قد ثبت أنّ من الکاینات ما یفتقر إلی أکثر من اتّصال واحد و دورة واحدة أو أقلّ،و أمّا القابلیّة فأن یعلم أنّ المادّة قد استعدّت لقبول مثل هذا الکاین و استجمعت جمیع شرائط قبوله الزمانیّة و المکانیّة و السماویّة و الأرضیّة.و ظاهر أنّ الإحاطة بذلک ممّا لا یفی به القوّة البشریّة،و أمّا الصوریّة و الغائیّة فأن یعلم ما یقتضیه استعداد مادّة ذلک المعیّن و قبولها من الصورة و ما یستلزمه من الشکل و المقدار،و أن یعلم ما غایة وجوده و ما أعدّته العنایة له،و ظاهر أنّ الإحاطة بذلک غیر ممکنة للإنسان.و أمّا أحکامهم الکلّیّة فکأن یقال کلّما حصلت الدورة الفلانیّة کان کذا.و المنجّم إنّما یحکم بذلک الحکم من جزئیّات من الدورات تشابهت آثارها فظنّها متکرّرة و لذلک یعدلون إذا حقّق القول علیهم إلی دعوی التجربة،و قد علمت أنّ التجربة تعود إلی تکرّر مشاهدات یضبطها الحسّ.و العقل یحصل منها حکما کلیّا کحکمه بأنّ کلّ نار محرقة فإنّه لمّا أمکن العقل استبتات الإحراق بواسطة الحسّ أمکنه الجزم الکلّی بذلک.فأمّا التشکّلات الفلکیّة و الاتّصالات الکوکبیّة المقتضیة لکون ما یکون فلیس شیء منها یعود بعینه کما علمت و إن جاز أن یکون تشکّلات و عودات متقاربة الأحوال و متشابهة إلاّ أنّه لا یمکن الإنسان ضبطها و لا الاطّلاع علی مقدار ما بینها من المشابهة و التفاوت،و ذلک أنّ حساب المنجّم مبنیّ علی قسمة الزمان بالشهور و الأیّام و الساعات و الدرج و الدقایق و أجزائها،و تقسیم الحرکة بإزائها و رفعهم بینها نسبة عددیّة و کلّ هذه امور غیر حقیقیّة و إنّما تؤخذ علی سبیل التقریب.أقصی ما فی الباب أنّ التفاوت فیها لا یظهر فی المدد المتقاربة لکنّه یشبه أن یظهر فی المدد المتباعدة،و مع ظهور التفاوت فی الأسباب کیف یمکن دعوی التجربة و حصول العلم الکلّی الثابت الّذی لا یتغیّر باستمرار أثرها علی و تیرة واحدة.ثمّ لو سلّمنا أنّه لا یظهر تفاوت أصلا إلاّ أنّ العلم بعود مثل الدورة لا یقتضی بمجرّده العلم بعود مثل الأثر السابق لتوقّف العلم بذلک علی عود أمثال الباقیة للأثر السابق من الاستعداد و سایر أسبابه العلویّة و السفلیّة،و علی ضبطها فإنّ العلم التجربیّ إنّما یحصل

ص:218

بعد حصرها لیعلم عودها و تکرّرها و کلّ ذلک ممّا لا سبیل للقوّة البشریّة إلی ضبطه فکیف یمکن دعوی التجربة.إذا عرفت ذلک فنقول:

قوله : أ تزعم إلی قوله:الضرّ.

استثبات لما فی العادة أن یدّعیه الأحکامیّون کما ادّعاه المنجّم المشیر بعدم المسیر فی ذلک الوقت.

و قوله : فمن صدّقک[صدّق خ]بهذا إلی قوله:الضرر.

إلزامات له علی ما یعتقده عن نفرتها عن قبول أحکام المنجّم و الاعتقاد فیه.

أوّلها:أنّ من صدّقه فقد کذّب القرآن،و وجه التکذیب ما ذکرناه.

الثانی :کون مصدّقه یستغنی عن الاستعانة باللّه فی نیل محبوبه و رفع مکروهه:

أی یفزع إلیه فی کلّ أمریهمّ به و یجعلهم عمدة له فیعرض عن الفزع إلی اللّه کما سبق.

الثالث :أنّه ینبغی للعامل أن یولیه الحمد دون ربّه.و علّل هذا الإلزام بقیاس ضمیر من الشکل الأوّل.صورته :تزعم أنّک تهدی إلی ساعة النفع و الضرر،و کلّ من زعم ذلک فقد أهّل نفسه لاستحقاق الحمد من مصدّقه دون اللّه.فینتج أنّه قد أهّل نفسه لاستحقاق الحمد من مصدّقه دون اللّه.و الکبری من المخیّلات،و قد یستعملها الخطیب للتنفیر عن بعض الامور الّتی یقصد النهی عنها.

و قوله : أیّها الناس.إلی قوله:برّ أو بحر.

تحذیر عن تعلّمها لما ذکرناه،و استثنی من ذلک تعلّمها للاهتداء بها فی السفر.

و اعلم أنّ الّذی ذکرناه لیس إلاّ بیان أنّ الاصول الّتی ینبیء علیها الأحکامیّون و ما یخبرون به فی المستقبل اصول غیر موثوق بها فلا یجوز الاعتماد علیها فی تلک الأحکام و الجزم بها.و هذا لا ینافی کون تلک القواعد ممهّدة بالتقریب کقسمة الزمان و حرکة الفلک بالسنة و الشهر و الیوم مأخوذا عنها حساب یبنی علیه مصالح دینیّة کمعرفة أوقات العبادات کالصوم و الحجّ و نحوهما أو دنیویّة کآجال المداینات و سایر المعاملات و کمعرفة الفصول الأربعة لیعمل فی کلّ منها ما یلیق به من الحراثة و السفر و أسباب المعاش، و کذلک معرفة قوانین تقریبیّة من أوضاع الکواکب و حرکاتها یهتدی بقصدها و علی

ص:219

سمتها المسافرون فی برّ أو بحر فإنّ ذلک القدر منها غیر محرّم بل لعلّه من الامور المستحبّة لخلوّ المصالح المذکورة فیه عن وجوه المفاسد الّتی تشتمل علیها الأحکام کما سبق.و لذلک أمتن اللّه سبحانه علی عباده بخلق الکواکب فی قوله «وَ هُوَ الَّذِی جَعَلَ لَکُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِی ظُلُماتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ» (1)و قوله «لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِینَ وَ الْحِسابَ» (2)و قوله : فإنّها .إلی آخره.

تعلیل للتحذیر عن تعلّمها و تنفیر عنها بقیاس آخر موصول یستنتج منه أنّ المنجّم فی النار.و علی تقدیر تفصیله فالنتیجة الاولی کون المنجّم کالساحر و هی مع قوله : و الساحر کالکافر .و هذه النتیجة مع قوله : و الکافر فی النار ینتج المطلوب،و هو أنّ المنجّم فی النار، و القیاسان الأوّلان من قیاس المساواة.و قد علمت أنّه عسر الانحلال إلی الحدود المرتّبة فی القیاس المنتج لأنّ موضوع الکبری جزء من محمول الصغری فلیس الأوسط بمشترک فهو معدول عن وجهه إلی وقوع الشرکة فی بعض الأوسط.و لذلک یستحقّ أن یفرد باسم و یجعل لتحلیله قانون یرجع إلیه فی أمثاله.و قد سبق مثله فی الخطبة الاولی.و إذا حمل علی القیاس الصحیح کان تقدیره المنجّم یشبه الکاهن المشبه للساحر و مشبه الکاهن المشبه للساحر مشبه للساحر فینتج أنّ المنجّم یشبه الساحر،و هکذا فی القیاس الثانی المنجّم یشبه الساحر المشبه للکافر و مشبه الساحر المشبه للکافر یشبه الکافر فالمنجّم یشبه الکافر و الکافر فی النار فالمنجّم کذلک و هو القیاس الثالث و نتیجته.فأمّا بیان معنی الکاهن و الساحر و الإشارة إلی وجوه التشبیهات المذکورة:

فاعلم أنّا قد أشرنا فی المقدّمة إلی مکان وجود نفس تقوی علی اطّلاع ما سیکون و علی التصرّفات العجیبة فی هذا العالم فتلک النفس إن کانت کاملة خیّرة مجذوبة من اللّه تعالی بدواعی السلوک إلی سبیله و ما یقود إلیه فهی نفوس الأنبیاء و الأولیاء ذوی المعجزات و الکرامات،و إن کانت ناقصة شریرة منجذبة عن تلک الجهة و غیر طالبة لتلک المرتبة بل مقتصرة علی رذایل الأخلاق و خسائس الامور کالتکهّن و نحوه فهی نفوس الکهنة و السحرة.

و أعلم أنّ أکثر ما تظهر قوّة الکهانة و نحوها من قوی النفوس فی أوقات الأنبیاء

ص:220


1- 1) 6-97
2- 2) 10-5

و قبل ظهورهم.و ذلک أنّ الفلک إذا أخذ فی التشکّل بشکل یتمّ به فی العالم حدث عظیم عرض من ابتداء ذلک الشکل و غایته أحداث فی الأرض شبیهة بما یرید أن یتمّ و لکنّها تکون غیر تامّه فإذا استکمل ذلک الشکل فی الفلک و تمّ وجد به فی العالم ما یقتضیه فی أسرع زمان لسرعة تبدّل أشکال الفلک فتظهر تلک القوّة الّتی یوجبها ذلک الشکل فی شخص واحد أو شخصین أو أکثر علی حسب ما یقتضیه العنایة الإلهیّة و یستوعب ذلک الشخص تلک القوّة علی الکمال.فأمّا من قرب من ذلک الشکل و لم یستوفه فإنّه یکون ناقص القوّة بحسب بعده من الشکل.و یظهر ذلک النقصان بظهور النبوّة المقصودة من ذلک الشکل.

فتبیّن قصور القوی المتقدّمة علی النبیّ و المتأخّرة عنه و نقصانهما عن ذلک التمام.

فأمّا صفة الکاهن من أصحاب تلک القوی فإنّ صاحب قوّة الکهانة إذا أحسّ بها من نفسه تحرّک إلیها بالإرادة لیکملها فیبرزها فی امور حسیّة و یثیرها فی علامات تجری مجری الفال و الزجر و طرق الحصی،و ربّما استعان بالکلام الّذی فیه سجع و موازنة أو بحرکة عنیفة من عدو حثیث کما حکی عن کاهن من الترک،و کما نقل إلیّ من شاهد کاهنا کان فی زماننا و توفّی مند عشرین سنة یکنّی بأبی عمرو کان بناحیة من ساحل البحر یقال لها قلهات،و إنّه کان إذا سئل عن أمر استعان بتحریک رأسه تحریکا یقوی و یضعف بحسب الحاجة و أجاب عقیب ذلک،و قیل إنّه کان قد یستغنی فی بعض الإخبارات عن تلک الحرکة.و الغرض من ذلک اشتغال النفس عن المحسوسات فتداخل نفسه و یقوی فیها ذلک الأثر و یهجس فی نفسه عن تلک الحرکة ما تقذفه علی لسانه،و ربّما صدق الکاهن،و ربّما کذب.و ذلک أنّه یتمّم نقصه بأمر مباین لکماله غیر داخل فیه فیعرض له الکذب و یکون غیر موثوق به،و ربّما تعمد الکذب خوفا من کساد بضاعته فیستعمل الزرق و یخبر بمالا أثر له فی نفسه و یضطرّ إلی التخمین.و درجات هؤلاء متفاوتة بحسب قربهم من الافق الإنسانیّ و بعدهم منه و بقدر قبولهم للأثر العلویّ.و یتمیّزون عن الأنبیاء بالکذب و ما یدّعونه من المحالات فإن اتّفق أن یلزم أحدهم الصدق فإنّه لا یتجاوز قدره فی قوّته و یبادر إلی التصدیق بأوّل أمر یلوح من النبیّ صلی اللّه علیه و آله و سلّم و یعرف فضله کما روی عن طلحة و سواد بن قارب و نحوهما من الکهنة فی زمان الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلّم.

ص:221

إذا عرفت ذلک فنقول: تشبیه أمّا قوله: فإنّها تدعو إلی الکهانة.

أیّ أنّها تدعو المنجّم فی آخر أمره إلی أن یصّیر نفسه کالکاهن فی دعوی الإخبار عمّا سیکون،ثمّ أکّد کونها داعیة إلی التمکین بتشبیهه بالکاهن.

و أعلم أنّ الکاهن یتمیّز عن المنجّم بکون ما یخبر به من الأمور الکاینة إنّما هو عن قوّة نفسانیّة له،و ظاهر أنّ ذلک أدعی إلی فساد أذهان الخلق و إغوائهم لزیادة اعتقادهم فیه علی المنجّم،و أمّا الساحر فیتمیّز عن الکائن بأنّ له قوّة علی التأثیر فی أمر خارج عن بدنه آثارا خارجة عن الشریعة موذیة للخلق کالتفریق بین الزوجین و نحوه و تلک زیادة شرّ آخر علی الکاهن أدعی إلی فساد أذهان الناس و زیادة اعتقادهم فیه و انفعالهم عنه خوفا و رغبة،و أمّا الکافر فیتمیّز عن الساحر بالبعد الأکبر عن اللّه تعالی و عن دینه و إن شارکه فی أصل الانحراف عن سبیل اللّه.و حینئذ صار الضلال و الفساد فی الأرض مشترکا بین الأربعة إلاّ أنّه مقول علیهم بالأشدّ و الأضعف فالکاهن أقوی فی ذلک من المنجّم،و الساحر أقوی من الکاهن،و الکافر أقوی من الساحر.و لذلک التفاوت جعل علیه السّلام الکاهن أصلا فی التشبیه للمنجّم لزیادة فساده علیه ثمّ ألحقه به،و جعل الساحر أصلا للکاهن،و الکافر أصلا للساحر.لأنّ التشبیه یستدعی کون المشبّه به أقوی فی الوصف الّذی فیه التشبیه و أحقّ به.و قد لاح من ذلک أنّ وجه الشبه فی الکلّ هو ما یشترکون فیه من العدول و الانحراف عن طریق اللّه بالتنجیم و الکهانة و السحر و الکفر و ما یلزم من ذلک من صدّ کثیر من الخلق عن سبیل اللّه و إن اختلف جهات هذا العدول بالشدّة و الضعف کما بیّناه.

و لمّا فرغ علیه السّلام من تنفیر أصحابه عن تعلّم النجوم و قبول أحکامها و غسّل أذهانهم من ذلک بالتخویف المذکور أمرهم بالمسیر إلی الحرب.و روی:أنّه سار فی تلک الساعة إلی الخوارج و کان منه ما علمت من الظفر بهم و قتلهم حتّی لم یفلت منهم غیر تسعة نفر، و لم یهلک من رجاله غیر ثمانیة نفر کما سبق بیانه،و ذلک یستلزم خطأ ذلک المنجّم و تکذیبه فی مقاله.و باللّه التوفیق.

ص:222

77-و من خطبة له علیه السّلام

اشارة

بعد حرب الجمل،فی ذم النساء

مَعَاشِرَ النَّاسِ إِنَّ النِّسَاءَ نَوَاقِصُ الْإِیمَانِ- نَوَاقِصُ الْحُظُوظِ نَوَاقِصُ الْعُقُولِ- فَأَمَّا نُقْصَانُ إِیمَانِهِنَّ- فَقُعُودُهُنَّ عَنِ الصَّلاَةِ وَ الصِّیَامِ فِی أَیَّامِ حَیْضِهِنَّ- وَ أَمَّا نُقْصَانُ عُقُولِهِنَّ- فَشَهَادَةُ امْرَأَتَیْنِ کَشَهَادَةِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ- وَ أَمَّا نُقْصَانُ حُظُوظِهِنَّ- فَمَوَارِیثُهُنَّ عَلَی الْأَنْصَافِ مِنْ مَوَارِیثِ الرِّجَالِ- فَاتَّقُوا شِرَارَ النِّسَاءِ وَ کُونُوا مِنْ خِیَارِهِنَّ عَلَی حَذَرٍ- وَ لاَ تُطِیعُوهُنَّ فِی الْمَعْرُوفِ حَتَّی لاَ یَطْمَعْنَ فِی الْمُنْکَرِ

المعنی

اشارة

أقول:لمّا کانت واقعة الجمل و ما اشتملت علیه من هلاک جمع عظیم من المسلمین منسوبا إلی رأی امرأة أراد أن ینبّه علی وجوه نقصان النساء و أسبابه

فذکر نقصانهنّ من وجوه ثلاثة :

أحدها:کونهنّ نواقص الایمان

،و أشار إلی جهة النقص فیه بقعود إحدیهنّ عن الصلاة و الصوم أیّام الحیض،و لمّا کان الصوم و الصلاة من کمال الإیمان و متمّمات الریاضة کان قعودهنّ عن الارتیاض بالصوم و الصلاة فی تلک الأیّام نقصانا لایمانهنّ، و إنّما رفعت الشریعة التکلیف عنهنّ بالعبادتین المذکورتین لکونهنّ فی حال مستقذرة لا یتأهّل صاحبها للوقوف بین یدی الملک الجبّار،و یعقل للصوم وجه آخر و هو أنّه یزید الحائض إلی ضعفها ضعفا بخروج الدم.و أسرار الشریعة أدقّ و أجلّ أن یطّلع علیها عقول سایر الخلق .

الثانی:کونهنّ نواقص حظّ

،و أشار إلی جهة نقصانه بأنّ میراثهنّ علی النصف من میراث الرجال کما قال تعالی «یُوصِیکُمُ اللّهُ فِی أَوْلادِکُمْ لِلذَّکَرِ مِثْلُ حَظِّ»

ص:223

«الْأُنْثَیَیْنِ» (1)و الّذی یلوح من سرّ ذلک کثرة المئونة علی الرجل و هو أهل التصرّف و کون المرأة من شأنها أن تکون مکفولة محتاجة إلی قیّم هولها کالخادم .

الثالث:کونهنّ نواقص عقول

.و لذلک سبب من داخل و هو نقصان استعداد أمزجتهنّ،و قصورهنّ عن قبول تصرّف العقل کما یقبله مزاج الرجل کما نبّه تعالی علیه بقوله «فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَکِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْری» (2)فإنّه نبّه علی ضعف القوّة الذاکرة فیهنّ،و لذلک جعل شهادة امرأتین بشهادة رجل واحد،و له أیضا سبب عارض من خارج و هو قلّة معاشرتهنّ لأهل العقل و التصرّفات و قلّة ریاضتهنّ لقواهنّ الحیوانیّة بلزوم القوانین العقلیّة فی تدبیر أمر المعاش و المعاد و لذلک کانت أحکام القوی الحیوانیّة فیهنّ أعلب علی أحکام عقولهنّ فکانت المرأة أرّق و أبکی و أحسد و ألجّ و أبغی و أجزع و أوقح و أکذب و أمکر و أقبل للمکر و أذکر لمحقّرات الامور و لکونها بهذه الصفة اقتضت الحکمة الإلهیّة أن یکون علیها حاکم و مدبّر تعیش بتدبیره و هو الرجل فقال تعالی «الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَی النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلی بَعْضٍ وَ بِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ» (3)و لشدّة قبولها للمکر و قلّة طاعتها للعقل مع کونها مشترکة و داعیة إلی نفسها اقتضت أیضا أن یسنّ فی حقّها التستّر و التخدّر.

و قوله:فاتّقوا شرار النساء و کونوا من خیارهنّ علی حذر .

و قوله: فاتّقوا شرار النساء و کونوا من خیارهنّ علی حذر.

لمّا نبّه علی جهة نقصانهنّ،و قد علمت أنّ النقضان یستلزم الشرّ لا جرم نفّر عنهنّ فأمر أوّلا بالخشیة من شرارهنّ و هو یستلزم الأمر بالهرب منهنّ و عدم مقاربتهنّ فأمّا خیارهنّ فإنّه أمر بالکون منهنّ علی حذر.و یفهم من ذلک أنّه لا بدّ من مقاربتهنّ،و کان الإنسان إنّما یختار مقاربة الخیرة منهنّ فینبغی أن یکون معها علی تحرّز و تثبّت فی سیاستها و سیاسة نفسه معها إذ لم تکن الخیرة منهنّ خیرة إلاّ بالقیاس إلی الشریرة.

ثمّ نهی عن طاعتهنّ بالمعروف کیلا یطمعن فی المنکر،و أشار به إلی طاعتهنّ فیما یشرن به و یأمرن مطلقا و إن کان معروفا صوابا،و فیما یطلبنه من زیادة المعروف و الإحسان إلیهنّ و إکرامهنّ بالزینة و نحوها فإنّ طاعة امرائهنّ فیما یشرون من معروف تدعوهنّ

ص:224


1- 1) 4-12
2- 2) 2-282
3- 3) 4-38

إلی الشور بما لا ینبغی،و التسلّط علی الأمر به فإن فعل فلیفعل لأنّه معروف لا لأنّه مقتضی رأیهنّ.و زیادة إکرامهنّ من مقوّیات دواعی الشهوة و الشرّ فیهنّ حتّی ینتهی بهنّ الطمع إلی الاقتراح و طلب الخروج إلی المواضع الّتی یری فیها زینتهنّ و نحو ذلک إذ العقل مغلوب فیهنّ بدواعی الشهوات.و فی المثل المشهور:لا تعط عبدک کراعا فیأخذ ذراعا.و روی:أنّ رسول صلی اللّه علیه و آله و سلّم کان یخطب یوم عید فالتفت إلی صفوف النساء فقال:معاشر النساء تصدّقن فإنّی رأیتکنّ أکثر أهل النار عددا.فقالت واحدة منهنّ:و لم یا رسول اللّه؟ فقال صلی اللّه علیه و آله و سلّم:لأنکنّ تکثرن اللعن،و تکفرن العشیر،و تمکث إحدیکنّ شطر عمرها لا تصوم و لا تصلّی.

78-و من کلام له علیه السّلام

اشارة

أَیُّهَا النَّاسُ الزَّهَادَةُ قِصَرُ الْأَمَلِ- وَ الشُّکْرُ عِنْدَ النِّعَمِ وَ التَّوَرُّعُ عِنْدَ الْمَحَارِمِ- فَإِنْ عَزَبَ ذَلِکَ عَنْکُمْ فَلاَ یَغْلِبِ الْحَرَامُ صَبْرَکُمْ- وَ لاَ تَنْسَوْا عِنْدَ النِّعَمِ شُکْرَکُمْ- فَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَیْکُمْ بِحُجَجٍ مُسْفِرَةٍ ظَاهِرَةٍ- وَ کُتُبٍ بَارِزَةِ الْعُذْرِ وَاضِحَةٍ

اللغة

أقول: عزب : ذهب و بعد .و أعذر : أظهر عذره .و مسفرة : مشرقة .

المعنی

و أعلم أنّ قوله:أیّها الناس.إلی قوله:عند المحارم.تفسیر للزهد

،و قد رسمه بثلاثة لوازم له:

الأوّل:قصور الأمل.و لمّا علمت فیما سلف أنّ الزهد هو إعراض النفس عن متاع الدنیا و طیّباتها و قطع الالتفات إلی ما سوی اللّه تعالی ظهر أنّ ذلک الإعراض مستلزم لقصر الأمل فی الدنیا إذ کان الآمل إنّما یتوجّه نحو مأمول،و المتلفت إلی اللّه من الدنیا کیف یتصوّر طول أمله لشیء منها.

الثانی :الشکر علی النعمة.و ذلک أنّ العبد بقدر التفاته عن أعراض الدنیا یکون

ص:225

محبّته للّه و إقباله علیه و اعترافه الحقّ بالآیة،و ذلک أنّ الشکر حال للقلب یثمرها العلم بالمشکور و هو فی حقّ اللّه أن یعلم أنّه لا منعم سواه،و أنّ کلّ منعم یقال فی العرف فهو واسطة مسخّرة من نعمته.و تلک الحال تثمر العمل بالجوارح.

الثالث : الورع و هو لزوم الأعمال الجمیلة و الوقوف علی حدود عن التوّرط فی محارمه و هو ملکة تحت العفّه،و قد علمت أنّ الوقوف علی التوّرط فی المحارم و لزوم الأعمال الجمیلة لازمة للالتفات عن محابّ الدنیا و لذّاتها المنهیّ عن المیل إلیها.و هذا التفسیر منه علیه السّلام مستلزم للأمر به.

و قوله:بعد ذلک:فإن عزب عنکم

و قوله:بعد ذلک: فإن عزب عنکم .إلی آخره یحتمل معنیین:

أحدهما:و هو الظاهر أنّه إن بعد علیکم و شقّ استجماع هذه الامور الثلاثة فالزموا منها الورع و الشکر.و کأنّه رخّص لهم فی طول الأمل،و ذلک أنّه قد یتصوّر طوله فیما ینبغی من عمارة الأرض لغرض الآخرة،و لأنّ قصر الأمل لا یصدر إلاّ عن غلبة الخوف من اللّه تعالی علی القلب و الإعراض بالکلّیّة عن الدنیا و ذلک فی غایة الصعوبة فلذلک نبّه علی لزوم الشکر و الورع و رخّص فی طول الأمل،و فسّر الورع بالصبر إذ کان لازما للورع،و هما تحت ملکة العفّة،ثمّ شجّعهم بذکر الغلب عن مقاومة الهوی، و نبّهم بذکر النسیان علی لزوم التذکّر.

الثانی:یحتمل أن یکون لمّا فسّر الزهد باللوازم الثلاثة فی معرض الأمر بلزومها قال بعدها:فإن صعب علیکم لزوم الشکر و الثناء للّه و لزوم الأعمال الجمیلة فاعدلوا إلی امور أسهل منها.فرخّص لهم فی طول الأمل لما ذکرناه ،ثمّ فی التذکّر لنعم اللّه بحیث لا ینسی بالکلّیّة و یلتفت عنها عوضا عن دوام الحمد و الثناء،ثمّ فی الصبر عند المحارم و عند الانقهار لغلبة دواعی الشیطان عوضا من لزوم الأعمال الجمیلة عندها فإنّ الصبر عند شرب الخمر مثلا عند حضورها أهون علی الطبع من الصوم عن سایر المباحات حینئذ و لزوم سایر الأعمال الجمیلة.

و قوله:فقد أعذر إلی آخره .

و قوله: فقد أعذر .إلی آخره.

تأکید لما سبق من أمره بالزهد،و جذب إلیه.و أشار بالحجج إلی الرسل لقوله تعالی

ص:226

«رُسُلاً مُبَشِّرِینَ وَ مُنْذِرِینَ لِئَلاّ یَکُونَ لِلنّاسِ عَلَی اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ» (1) استعارة و لفظ الحجج مستعار،و وجه المشابهة أنّه لمّا کان ظهور الرسل قاطعا ألسنة حال الظالمین لأنفسهم فی محفل القیامة عن أن یقولوا «رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَیْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آیاتِکَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَ نَخْزی» (2)أشبه الحجّة القاطعة فاستعیر لفظها له،و بإسفارها و ظهورها إلی إشراق أنوار الدین عن نفوسهم الکاملة علی نفوس الناقصین و هو استعارة أیضا،و أشار ببروز عذر الکتب إلی ظهورها أعذارا للّه إلی خلقه بتخویفهم و ترغیبهم و إرشادهم إلی طریق النجاة،و إسناد الأعذار إلی اللّه تعالی استعارة من الأقوال المخصوصة الّتی یبدیها الإنسان عذرا لأفعال اللّه و أقواله الّتی عرّف خلقه فیها صلاحهم و أشعرهم فیها بلزوم العقاب لهم لو لم یلتفتوا إلیها .و باللّه التوفیق.

79-و من کلام له علیه السّلام

اشارة

فی صفة الدنیا

مَا أَصِفُ مِنْ دَارٍ أَوَّلُهَا عَنَاءٌ وَ آخِرُهَا فَنَاءٌ- فِی حَلاَلِهَا حِسَابٌ وَ فِی حَرَامِهَا عِقَابٌ- مَنِ اسْتَغْنَی فِیهَا فُتِنَ- وَ مَنِ افْتَقَرَ فِیهَا حَزِنَ وَ مَنْ سَاعَاهَا فَاتَتْهُ- وَ مَنْ قَعَدَ عَنْهَا وَاتَتْهُ وَ مَنْ أَبْصَرَ بِهَا بَصَّرَتْهُ- وَ مَنْ أَبْصَرَ إِلَیْهَا أَعْمَتْهُ قال الشریف:أقول:و إذا تامل المتأمل قوله علیه السّلام«من أبصر بها بصرته»وجد تحته من المعنی العجیب و الغرض البعید ما لا تبلغ غایته و لا یدرک غوره،و لا سیما إذا قرن إلیه قوله«و من أبصر إلیها أعمته»،فإنه یجد الفرق بین«أبصر بها»و«أبصر إلیها»واضحا نیرا و عجیبا باهرا

اللغة

أقول: العناء : التعب ،

و قد ذکر للدنیا فی معرض ذمّها و التنفیر عنها أوصافا عشرة :

الأوّل:کون أوّلها عناء

.و هو إشارة إلی أنّ الإنسان من لدن ولادته فی تعب

ص:227


1- 1) 4-163
2- 2) 21-134

و شقاء،و یکفی فی الإشارة إلی متاعب الإنسان فیها ما ذکره الحکیم برزویه فی صدر کتاب کلیلة و دمنة فی معرض تطویع نفسه بالصبر علی عیش النسّاک:أو لیست الدنیا کلّها أذی و بلاء؟أو لیس الإنسان یتقلّب فی ذلک من حین یکون جنینا إلی أن یستوفی أیّامه؟فإنّا قد وجدنا فی کتب الطبّ أنّ الماء الّذی یقدّر منه الولد السویّ إذا وقع فی رحم المرأة اختلط بمائها و دمها و غلظ ثمّ الریح تمحص ذلک الماء و الدم حتّی تترکه کالرائب الغلیظ ثمّ تقسمه فی أعضائه لآناء أیّامه فإن کان ذکرا فوجهه قبل ظهر امّه و إن کان انثی فوجهها قبل بطن امّها،و ذقنه علی رکبتیه و یداه علی جنبیه مقبض فی المشیمة کأنّه مصرور، و یتنفّس من متنفّس شاقّ،و لیس منه عضو إلاّ کأنّه مقموط،فوقه حرّ البطن و تحته ما تحته،و هو منوط بمعاء من سرّته إلی سرّة امّه منها یمصّ و یعیش من طعام امّه و شرابها فهو بهذه الحالة فی الغمّ و الظلمات و الضیق حتّی إذا کان یوم ولادته سلّط اللّه الریح علی بطن امّه و قوی علیه التحریک فتصوّب رأسه قبل المخرج فیجد من ضیق المخرج و عصره ما یجده صاحب الرهق[الرمق خ]فإذا وقع علی الأرض فأصابته ریح أو مسّته ید وجد من ذلک من الألم ما لم یجده من سلخ جلده ثمّ هو فی ألوان من العذاب إن جاع فلیس له استطعام،و إن عطش فلیس له استقاء،أو وجع فلیس له استغاثة مع ما یلقی من الرفع و الوضع و اللفّ و الحلّ و الدهن و المرخ،إذا انیم علی ظهره لم یستطع تقلّبا.فلا یزال فی أصناف هذا العذاب ما دام رضیعا.فإذا أفلت من ذلک اخذ بعذاب الأدب فاذیق منه ألوانا،و فی الحمیّة و الأدواء و الأوجاع و الأسقام.فإذا أدرک فهمّ المال و الأهل و الولد و الشره و الحرص و مخاطرة الطلب و السعی.و کلّ هذا یتقلّب معه فیها أعداؤه الأربعة:المرّة و البلغم و الدم و الریح،و السمّ الممیت و الحیّات اللادغة مع و خوف السباع و الناس و خوف البرد و الحرّ ثمّ ألوان عذاب الهرم لمن بلغه .

الثانی:کون آخرها فناء.

هو تنفیر عنها بذکر غایتها و هو الموت و ما یستصحبه من فراق الأهل و الأحبّة،و الإشراف علی أهوانه العظیمة المعضلة .

الثالث:کونها فی حلالها حساب.

و هو إشارة إلی ما یظهر فی صحیفة الإنسان یوم القیامة من الآثار المکتوبة علیه ممّا خاض فیه من مباحات الدنیا،و توسّع فیه من المآکل

ص:228

و المشارب و المناکح و المراکب،و ما یظهر فی لوح نفسه من محبّة ذلک فیعوقه عن اللحوق بالمجرّدین عنها الّذین لم یتصرّفوا فیها تصرّف الملاّک فلم یکتب علیه فی شیء منها ما یحاسبون علیه.و إلیه إشارة سیّد المرسلین صلی اللّه علیه و آله و سلّم:إنّ الفقراء لیدخلون الجنّة قبل الأغنیاء بخمس مائة عام،و إنّ فقراء امّتی لیدخلون الجنّة سعیا،و عبد الرحمن یدخلها حبوا.و ما ذاک إلاّ لکثرة حساب الأغنیا بتعویقهم بثقل ما حملوا من محبّة الدنیا و قیناتها عن اللحوق بدرجة المخفّین منها.و قد عرفت کیفیّة الحساب .

الرابع:کونها فی حرامها عقاب.

و هو تنفیر عمّا یوجب العقاب من الآثام بذکره .

الخامس:کونها من استغنی فیها فتن

:أی کانت محبّته لما اقتنی فیها سببا لفتنته و ضلاله عن سبیل اللّه کما قال تعالی «أَنَّما أَمْوالُکُمْ وَ أَوْلادُکُمْ فِتْنَةٌ » (1).

السادس:کونها من افتقر فیها حزن.

و ظاهر أنّ الفقیر الطالب للدنیا غیر الواجد لها فی غایة المحنة و الحزن علی ما یفوته منها،و خاصّة ما یفوته بعد حصوله له .

السابع:من ساعاها فاتته.

و أقوی أسباب هذا الفوات أنّ تحصیلها أکثر ما یکون بمنازعة أهلها علیها و مجاذبتهم إیّاها،و قد علمت ثوران الشهوة و الغضب و الحرص عند المجاذبة للشیء و قوّة منع الإنسان له.و تجاذب الخلق للشیء و عزّته عندهم سبب لتفویت بعضهم له علی بعض،و فیه تنبیه علی وجوب ترک الحرص علیها و الإعراض عنها.

إذ کان فواتها اللازم عن شدّة السعی فی فضلها مکروها للسامعین .

الثامن:کونهامن قعد عنها و اتته.

و هو أیضا جذب إلی القعود عنها و ترکها و إن کان الغرض مواتاتها کما یفعله أهل الزهد الظاهریّ المشوب بالریاء،و قد علمت أنّ الزهد الظاهریّ مطلوب أیضا للشارع إذ کان وسیلة إلی الزهد الحقیقیّ کما قال الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلّم:الریاء قنطرة الإخلاص.و قد راعی فی القرائن السجع المتوازی .

التاسع:من أبصر بها بصّرته:

أی من جعلها سبب هدایته و بصره استفاد منها البصر و الهدایة،و ذلک أنّک علمت أنّ مقصود الحکمة الإلهیّة من خلق هذا البدن و ما فیه من الآلات و المنافع إنّما هو استکمال نفسه باستخلاص العلوم الکلّیّة و فضایل

ص:229


1- 1) 8-28

الأخلاق من تصفّح جزئیّات الدنیا و مقایسات بعضها إلی بعض کالاستدلال بحوادثها و عجائب مخلوقات اللّه فیها علی وجوده و حکمته وجوده،و تحصیل الهدایة بها إلی أسرار ملکه فکانت سببا مادّیا لذلک فلأجله صدق أنّها تبصّر من أبصر بها .

العاشر:و من أبصر إلیها أعمته:

أی من مدّ إلیها بصر بصیرته،و تطّلع إلیها بعین قلبه محبّة و عشقا أعمت عین بصیرته عن إدراک أنوار اللّه و الاهتداء لکیفیّة سلوک سبیله.

و إلیه الإشارة بالنهی فی قوله تعالی «وَ لا تَمُدَّنَّ عَیْنَیْکَ إِلی ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَیاةِ الدُّنْیا لِنَفْتِنَهُمْ فِیهِ» (1)و قد ظهر الفرق بین قوله:من أبصر بها،و من أبصر إلیها، و مدح السیّد لهذا الفصل مدح فی موضعه.

80-و من خطبة له علیه السّلام

اشارة

و هی من الخطب العجیبة و تسمّی الغرّاء.

اعلم أنّ فی هذه الخطبة فصولا:

الفصل الأوّل قوله: «الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِی» عَلاَ بِحَوْلِهِ...

اشارة

«الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِی» عَلاَ بِحَوْلِهِ وَ دَنَا بِطَوْلِهِ- مَانِحِ کُلِّ غَنِیمَةٍ وَ فَضْلٍ وَ کَاشِفِ کُلِّ عَظِیمَةٍ وَ أَزْلٍ- أَحْمَدُهُ عَلَی عَوَاطِفِ کَرَمِهِ وَ سَوَابِغِ نِعَمِهِ- وَ أُومِنُ بِهِ أَوَّلاً بَادِیاً وَ أَسْتَهْدِیهِ قَرِیباً هَادِیاً- وَ أَسْتَعِینُهُ قَاهِراً قَادِراً وَ أَتَوَکَّلُ عَلَیْهِ کَافِیاً نَاصِراً- وَ أَشْهَدُ أَنَّ؟مُحَمَّداً ص؟ عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ- أَرْسَلَهُ لِإِنْفَاذِ أَمْرِهِ وَ إِنْهَاءِ عُذْرِهِ وَ تَقْدِیمِ نُذُرِهِ

اللغة

أقول: الحول : القوّة . الطول : الفضل .و المنحة : العطیّة .و الأزل : الشدّة .

و النذر : النذارة .

ص:230


1- 1) 20-131

المعنی

اشارة

و قد أثنی علی اللّه تعالی فی هذا الفصل باعتبارات أربعة من نعوت جلاله :

الأوّل:کونه علیّا،و إذ لیس المراد به العلوّ المکانیّ لتقدّسه تعالی عن الجسمیّة کما سبق فالمراد العلوّ المعقول له باعتبار کونه مبدء کلّ موجود و مرجعه فهو العلیّ المطلق الّذی لا أعلی منه فی وجود و کمال رتبة و شرف کما سبق بیانه،و لمّا عرفت أنّ معنی الدنوّ إلی کلّ موجود صدر عن قدرته و قوّته لا جرم جعل للحوقه له مبدءا هو حوله.

الثانی :کونه دانیا بطوله.و لمّا عرفت أنّ معنی الدنوّ و القرب فی حقّه تعالی لیس مکانیّا أیضا کان اعتبارا تحدثه عقولنا له من قرب إفاضة نعمه علی قوابلها و قربه من أبصار البصائر فی صورة نعمة نعمة منها و لذلک جعل طوله مبدءا لدنوّه.

الثالث:کونه مانح کلّ غنیمة و فضل.

الرابع:کونه کاشف کلّ عظیمة و أزل .هما إشارة إلی کلّ نعمة صدرت عنه علی قابلها فمبدءها جوده و رحمته سواء کانت وجودیّة کالصحّة و المال و العقل و غیرها أو عدمیّة کدفع البأساء و الضرّاء،و إلیه الإشارة بقوله «وَ ما بِکُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّکُمُ الضُّرُّ فَإِلَیْهِ تَجْئَرُونَ ثُمَّ إِذا کَشَفَ الضُّرَّ عَنْکُمْ» (1)الآیة،و قوله «أَمَّنْ یُجِیبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَ یَکْشِفُ السُّوءَ وَ یَجْعَلُکُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ» (2).

و قوله:أحمده.إلی قوله:نعمه .

و قوله: أحمده.إلی قوله:نعمه.

تنبیه للسامعین علی مبدء استحقاقه لاعتبار الحمد،و هو کرمه.قال بعض الفضلاء:

الکریم هو الّذی إذا قدر عفا،و إذا وعد وفا،و إذا أعطی زاد علی منتهی الرجاء و لم یبال کم أعطی و لا لمن أعطی،و إن رفع إلی غیره حاجة لا یرضی،و إذا جفی عاتب و ما استقصی، و لا یضیع من لاذبه و التجا و یغنیه عن الوسائل و الشفعاء.فمن اجتمعت له هذه الاعتبارات حقیقة من غیر تکلّف فهو الکریم المطلق.و لیس ذلک إلاّ اللّه تعالی.قلت:و الأجمع الأمنع فی رسم هذا الاعتبار یعود إلی فیضان الخیر عنه من غیر بخل و منع و تعویق علی کلّ من یقدر أن یقبله بقدر ما یقبله.و عواطف کرمه هی نعمه و آثاره الخیریّة الّتی تعود علی عباده مرّة بعد اخری،و سوابغ نعمه السابغة الّتی لا قصور فیها عن قبول قابلها .

ص:231


1- 1) 16-55
2- 2) 27-63
و قوله:و أومن به أوّلا بادیا.

و قوله: و أومن به أوّلا بادیا.

نصب أوّلا بادیا علی الحال،و أشار بهذین الوصفین إلی الجهة الّتی هی مبدء الإیمان إذ کان منه باعتبار کونه أوّلا هو مبدءا لجمیع الموجودات،و کونه بادیا هو کونه ظاهرا فی العقل فی جمیع آثاره.فباعتبار ظهوره مع کونه مبدءا لکلّ موجود و أوّلا له یجب الایمان به و التصدیق بإلهیّته .

و قوله:و أستهدیه قریبا هادیا.

و قوله: و أستهدیه قریبا هادیا.

فاستهداؤه طلب الهدایة منه،و قربه هو دنوّه بجوده من قابل فضله،و هدایته هبته الشعور لکلّ ذی إدراک بما هو ألیق به لیطلبه دون ما لیس ألیق به.و ظاهر أنّه باعتبار هذین الوصفین مبدء لطلب الهدایة منه.

و قوله:و أستعینه قاهرا قادرا .

و قوله: و أستعینه قاهرا قادرا.

استعانته طلب المئونة منه علی ما ینبغی من طاعته و سلوک سبیله،و القاهر هو الّذی لا یجری فی ملکه بخلاف حکمه نفس،بل کل موجود مسخّر تحت حکمه و قدرته و حقیر فی قبضته،و القادر هو الّذی إذا شاء فعل و إذا لم یشأ لم یفعل و إن لم یلزم أنّه لا یشأ فلا یفعل کما سبق بیانه.و ظاهر أنّه باعتبار هذین الوصفین مبدء للاستعانة.

و قوله:و أتوکّل علیه کافیا ناصرا .

و قوله: و أتوکّل علیه کافیا ناصرا.

التوکّل کما علمت یعود إلی اعتماد الإنسان فیما یرجو أو یخاف علی غیره، و الکافی اعتبار کونه معطیا لکلّ قابل من خلقه ما یکفی استحقاقه من منفعة و دفع مضرّة، و الناصر هو اعتبار إعطائه النصر لعباده علی أعدائهم بإفاضة هدایته و قوّته.و ظاهر أنّه تعالی باعتبار هذین الوصفین مبدء لتوکّل عباده علیه و إلقاء مقالید امورهم إلیه.

و قوله:و أشهد إلی آخره .

و قوله: و أشهد .إلی آخره.

تقریر للرسالة و تعیین لأغراضها و ذکر منها ثلاثة:

أحدها :إنفاذ أمره.و الضمائر الثلاثة للّه.و إنفاذ أمره إجراؤه لأحکامه علی قلوب الخلق لیقرّوا بالعبودّیة له.

ص:232

الثانی :إنهاء عذره فی أقواله و أفعاله.و قد سبق بیان وجه استعارة العذر.

الثالث :تقدیم نذره و هو التخویفات الواردة علی ألسنة الرسل علیهم السّلام إلی الخلق قبل لقائه الجاذبة لهم إلی لزوم طاعته.و ظاهر کون الثلاثة أعراضا للبعثة.

الفصل الثانی:قوله: أُوصِیکُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَی اللَّهِ

اشارة

أُوصِیکُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَی اللَّهِ الَّذِی ضَرَبَ الْأَمْثَالَ- وَ وَقَّتَ لَکُمُ الْآجَالَ وَ أَلْبَسَکُمُ الرِّیَاشَ وَ أَرْفَغَ لَکُمُ الْمَعَاشَ- وَ أَحَاطَ بِکُمُ الْإِحْصَاءَ وَ أَرْصَدَ لَکُمُ الْجَزَاءَ- وَ آثَرَکُمْ بِالنِّعَمِ السَّوَابِغِ وَ الرِّفَدِ الرَّوَافِغِ- وَ أَنْذَرَکُمْ بِالْحُجَجِ الْبَوَالِغِ فَأَحْصَاکُمْ عَدَداً- وَ وَظَّفَ لَکُمْ مُدَداً فِی قَرَارِ خِبْرَةٍ وَ دَارِ عِبْرَةٍ- أَنْتُمْ مُخْتَبَرُونَ فِیهَا وَ مُحَاسَبُونَ عَلَیْهَا

اللغة

أقول: الریاش : اللباس الفاخر.و قیل:الغنی بالمال .و أرصد : أعدّ .و الرفد :

جمع رفده و هی العطیّة .و الروافع : الواسعة الطیّبة

المعنی

اشارة

و هذا الفصل مشتمل علی الوصیّة بتقوی اللّه و خشیته و الانجذاب إلیه باعتبار امور:

الأول:ضرب الأمثال

.و الأمثال الّتی ضربها اللّه لعباده فی القرآن کثیرة منها:

قوله تعالی «کَمَثَلِ الَّذِی اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ» إلی قوله «یَرْجِعُونَ» (1)و الإشارة بهذا المثل إلی من کان قد طلب إظهار المعجزات من الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلّم فلمّا ظهرت لهم لم یقبلوها و رجعو إلی ظلمة جهلهم فهم صمّ عن سماع دواعی اللّه بآذان قلوبهم،بکم عن مناجات اللّه بأسرارهم،عمی عن مشاهدة أنوار اللّه بإبصار بصائرهم فهم لا یرجعون عن تمادیهم فی غیّهم و کفرهم.و منها:قوله «أَوْ کَصَیِّبٍ مِنَ السَّماءِ» إلی قوله «قامُوا» و هو مثل شبّه فیه القرآن بالمطر نزل من السماء،و شبّه ما فی القرآن من الوعد و الوعید بما فی المطر من الرعد و البرق،و شبّه تباعد المنافقین عن الإصغاء إلی

ص:233


1- 1) 2-16

القرآن و تغافلهم عن سماع الوعظ بمن یجعل أصابعه فی آذانه خوف الصواعق،و قوله:

«یَکادُ الْبَرْقُ» .إلی آخره.إشارة إلی من کان یرقّ قلبه بسماع الوعظ البالغ إذا قرعه و یمیل إلی التوبة و یتجلّی عن قلبه بعض الظلمة فإذا رجعوا إلی قرنائهم أشاروا علیهم بالعود إلی دنیاهم و بذلوا لهم الجهد فی النصیحة و خوّفوهم بالعجز فتضعف قصودهم،و تظلم علیهم شبهات الباطل فتغطّی ما کان ظهر لهم من نور الحقّ.و کذلک باقی أمثال اللّه فی کتابه الکریم .

الثانی:قوله:و وقّت لکم الآجال:

أی کتبها بقلم القضاء الإلهیّ فی اللوح المحفوظ کلّ إلی إجل مسمّی ثمّ یرجع إلیه فیحاسبه بإعلانه و إسراره.فبالحرّی أن یقتّته و یعمل للقائه .

الثالث:کونه قد ألبسهم الریاش.

و هو إظهار للمنّة علیهم کما قال «یا بَنِی آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَیْکُمْ لِباساً یُوارِی سَوْآتِکُمْ وَ رِیشاً وَ لِباسُ التَّقْوی» (1)الآیة.لیذکّروا أنواع نعمه فیستحیوا من مجاهرته بالمعصیة .

الرابع:کونه قد أرفع لهم المعاش

:أی أطاب معایشهم فی الدنیا کما قال تعالی «وَ رَزَقَکُمْ مِنَ الطَّیِّباتِ» ،و هو کالثالث .

الخامس:إحاطته بهم إحصاء

کقوله تعالی «لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَ عَدَّهُمْ عَدًّا» أی أحاط بهم علمه.و إحصاء منصوب علی المصدر من غیر لفظ فعله،أو علی التمییز.و ظاهر أنّ علم العصاة بأنّه لا یشذّ أحد منهم عن إحاطة علمه جاذب لهم إلی تقواه .

السادس:کونه قد أرصد لهم الجزاء.

کقوله «مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَیْرٌ مِنْها وَ هُمْ مِنْ فَزَعٍ یَوْمَئِذٍ آمِنُونَ وَ مَنْ جاءَ بِالسَّیِّئَةِ فَکُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِی النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاّ ما کُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » (2).

السابع:ایثارهم بالنعم السوابغ

و الرفد الروافع .کقوله تعالی «وَ أَسْبَغَ عَلَیْکُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَ باطِنَةً » (3).

الثامن:إنذارهم بالحجج البوالغ

و هی رسله و مواعظه و سایر ما جذب به عباده إلی

ص:234


1- 1) 7-25
2- 2) 271-91
3- 3) 31-19

سلوک سبیله،و هو حجّة علی عصاة أمره أن یقولوا یوم القیامة إنّا کنّا عن هذا غافلین .

التاسع:إحصاؤه لعددهم

کقوله تعالی «وَ أَحْصی کُلَّ شَیْءٍ عَدَداً » .

العاشر:توظیفه لهم المدد،

و هو کتوقیته لهم الآجال،و إنّما کرّر وصف الإحصاء و العدّ و هذین الوصفین أیضا لأنّ الوهم کثیرا ما ینکر إحاطته تعالی بالجزئیّات مع عدم تناهیها فیکون ذلک مشبّها علی النفس توقیت الآجال لکلّ شخص شخص و یقدح فی أمر المعاد العقوبات اللازمة لکلّ آحاد الخلق بحسب کلّ ذرّة من الأعمال الطالحة فکرّرهما طردا للوهم و کسرا لحکمه،و لأنّ ذکر توقیت الآجال من أشدّ الجواذب عن الدنیا إلی اللّه.و قوله : فی قرار خبرة و دار عبرة :أی محلّ اختبار اللّه خلقه و محلّ عبرتهم:أی انتقال أذهانهم فیما تجری فیها من آیات العبرة و آثار القدرة.

و الاستدلال بها علی وحدانیّة مبدعها کما سبقت الإشارة إلی معنی الاختبار و الاعتبار و کذلک قوله : فأنتم فیها مختبرون و علیها محاسبون قد سبقت الإشارة إلیه فی قوله: ألا و إنّ الدنیا دار لا یسلم منها إلاّ فیها .و فی هذین القرینتین مع السجع المتوازی نوع من التجنیس بین خبرة و عبرة.و الاختلاف بالحرف الأوّل.

الفصل الثالث قوله: فَإِنَّ الدُّنْیَا رَنِقٌ مَشْرَبُهَا رَدِغٌ مَشْرَعُهَا...

اشارة

فَإِنَّ الدُّنْیَا رَنِقٌ مَشْرَبُهَا رَدِغٌ مَشْرَعُهَا- یُونِقُ مَنْظَرُهَا وَ یُوبِقُ مَخْبَرُهَا- غُرُورٌ حَائِلٌ وَ ضَوْءٌ آفِلٌ وَ ظِلٌّ زَائِلٌ وَ سِنَادٌ مَائِلٌ- حَتَّی إِذَا أَنِسَ نَافِرُهَا وَ اطْمَأَنَّ نَاکِرُهَا- قَمَصَتْ بِأَرْجُلِهَا وَ قَنَصَتْ بِأَحْبُلِهَا- وَ أَقْصَدَتْ بِأَسْهُمِهَا وَ أَعْلَقَتِ الْمَرْءَ أَوْهَاقَ الْمَنِیَّةِ- قَائِدَةً لَهُ إِلَی ضَنْکِ الْمَضْجَعِ وَ وَحْشَةِ الْمَرْجِعِ- وَ مُعَایَنَةِ الْمَحَلِّ وَ ثَوَابِ الْعَمَلِ-.وَ کَذَلِکَ الْخَلَفُ بِعَقْبِ السَّلَفِ- لاَ تُقْلِعُ

ص:235

الْمَنِیَّةُ اخْتِرَاماً- وَ لاَ یَرْعَوِی الْبَاقُونَ اجْتِرَاماً یَحْتَذُونَ مِثَالاً- وَ یَمْضُونَ أَرْسَالاً إِلَی غَایَةِ الاِنْتِهَاءِ وَ صَیُّورِ الْفَنَاءِ

اللغة

قوله: الرنق : الکدر .و الردغ : الوحل و التراب المختلط بالماء .و یونق : یعجب .

و یوبق : یهلک .و غرور : خدعة مستغفلة للأذهان .و الحائل : المنتقلة المحتولة .و قمصت الدابّة : رفعت یدیها و طرحتهما و عجنت برجلیها .و قنصت : صادت .و أقصدت : أصابت القصد .

و الأوهاق : جمع وهق بالفتح و هو الحبل .و الضنک : الضیق .و أقلع عن الشیء : امتنع منه .

و الاخترام : الموت دون المدّة الطبیعیّة .و ارعوی : کفّ و رجع و حذا حذو فلان : فعل فعله .

و أرسال : جمع رسل بالفتح و هو القطیع من الغنم یتبع القطیع .و صیّور الأمر : ما یرجع إلیه منه .

المعنی

اشارة

و مدار هذا الفصل علی التنفیر عن الدنیا بذکر معایبها و ما یؤول إلیه،و ذکر لها أوصافا:

الأوّل:کونها رنق مشربها.

و هو کنایة عن کدر لذّاتها بشوائب المصائب من الهموم و الأحزان و الأعراض و الأمراض .

الثانی:

استعارة کونها ردغ مشرعها .و مشرعها محلّ الشروع فی تناولها و الورود فی استعمالها،و کونه ردغا وصف للطریق المحسوس استعیر له.و وجه المشابهة کون طریق الإنسان فی استعمال الدنیا و التصرّف فیها ذات مزالق و مزالّ أقدام تهوی به إلی جهنّم لا یثبت فیها إلاّ قدم عقل قد هجّر فی ضبط قواه و قهر سطوة شیاطینه کما أنّ الطریق ذات الوحل کذلک.و هو من لطائف إشاراته علیه السّلام .

الثالث:

کونها یونق منظرها،و یوبق مخبرها .و هو إشارة إلی إعجابها لذوی الغفلة بزینتها الحاضرة مع هلاکهم باختبارها و ذوقهم لحلاوتها و غرض الالتذاذ بها .

الرابع:

کونها غرورا حائلا .یروی بفتح الغین و ضمّها.و معنی الأوّل ذات غرور:أی تغرّ الخلق بزخارفها فیتوهّمون بقاءها ثمّ تنتقل عنهم و تحوّل،و من روی بالضمّ جعلها نفسها غرورا:و الغرور یطلق علی ما یغترّ به حقیقة عرفیّة .

الخامس:

کونها استعارة ضوء آفلا استعار لفظ الضوء لما یظهر منها من الحسن فی عیون الغافلین یقال علی فلان ضوء:أی له منظر حسن،أو لما ظهر لهم من وجوه مسالکها

ص:236

فاهتدوا به إلی تحصیلها و مداخلها و مخارجها.و علی التقدیرین فهو ضوء آفل لا یدوم.

و لفظ الافول أیضا مستعار .

السادس:

استعارة و ظلّ زائل .استعار لفظ الظلّ لما یأوی إلیه الإنسان من نعیمها فیستظلّ به من حرارة بؤسها.و ظاهر کونه زائلا .

السابع:

استعارة مرشحة کونه سنادا مایلا .استعارة أیضا للفظ اسناد فیما یعتمد الغافلون علیه من قیناتها و خیراتها الّتی لا أصل لها و لا ثبات بل هی «کَشَجَرَةٍ خَبِیثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ» ،و ذکر المیل ترشیح للاستعارة .

الثامن:

کونهاتغرّ الناس بضوئها و ظلّها و بهجة منظرها إلی غایه أن یستأنس بها من کان بعقله نافرا عنها و یطمئنّ إلیها من کان بمقتضی فطرته منکرا لها حتّی إذا کان ذلک منه طوعا لها فعلت به أفعال العدوّ الخدوع،و نسب إلیها من الأفعال امورا :

أحدها: استعارة مرشحة قمصها بالأرجل .و استعار لفظ القمص لامتناعها علی الإنسان حین حضور أجله کأنّها تدفعه برجلیها مولّیة عنه کما تفعل الدابّة،و رشّح بذکر الأجل.و إنّما جمع لاعتبار الیدین مع الرجلین،و ذکره بلفظ الرجلین لأنّ القمص إلیها أنسب .

الثانی: استعارة بالکنایة قنصها له بأحبلها .و هو کنایة عن تمکّن حبائل محبّتها.و الهیئات الردیئة المکتسبة منها فی عنق نفسه کنایة بالمستعار .

الثالث: استعارة بالکنایة کونها أقصدت له بأسهمها .و استعار لفظ الأسهم للأمراض و أسباب الموت،و إقصادها کنایة عن إصابتها بالمستعار لأوصاف الرامی تنزیلا للدنیا منزلته .

الرابع: استعارة کونها أعلقته حبال المنیّة .و حبالها استعارة لما تجذب به إلی الموت من سایر أسبابه أیضا ، استعارة بالکنایة و کذلک لفظ القائد استعارة کنّی بها عن انسیاق المریض فی حبال مرضه الحاصل فیها إلی الامور المذکور من ضنک المضطجع و هو القبر و وحشة المرجع، و هو إشارة إلی ما تجده النفوس الجاهلة عند رجوعها من وحشة فراق ما کان محبوبا لها فی الدنیا و ما کانت الفتنة من مال و أهل و ولد.و هی استعارات لأوصاف الصاید تنزیلا للدنیا منزلته . و معاینة المحلّ :أی مشاهدة الآخرة الّتی هی محلّ الجزاء . و ثواب العمل :

أی جزاءه من خیر أو شرّ.

ص:237

و قوله:و کذلک الخلف.إلی آخره

و قوله: و کذلک الخلف .إلی آخره.

أی علی الأحوال المذکورة للدنیا مضی الخلق یتبع خلفهم من سلف منهم لا المنیّة تقصر عن اخترام نفوسهم و لا الباقون منهم یرجعون عمّا هم علیه من ارتکاب الجرائم فیها و الغرور بها بل یقتدون بأمثالهم الماضین فی ذلک و یمضون علیه اتّباعا إلی غایة مسیرهم بمطایا الأبدان و مصیر أمرهم و هو الفناء و العرض علی الملک الدیّان. تجنیس و قد راعی أیضا مع السجع التجنیس فی قوله: یونق و یوبق ،و نافرها و ناکرها ،و قمصت و قنصت ،و الاختلاف بحرف الوسط .و باللّه التوفیق.

الفصل الرابع:فی الإشارة إلی ما یلحق الناس بعد الموت من أحوال القیامة

اشارة

تذکیرا لهم.

قوله:

حَتَّی إِذَا تَصَرَّمَتِ الْأُمُورُ- وَ تَقَضَّتِ الدُّهُورُ وَ أَزِفَ النُّشُورُ- أَخْرَجَهُمْ مِنْ ضَرَائِحِ الْقُبُورِ وَ أَوْکَارِ الطُّیُورِ- وَ أَوْجِرَةِ السِّبَاعِ وَ مَطَارِحِ الْمَهَالِکِ سِرَاعاً إِلَی أَمْرِهِ- مُهْطِعِینَ إِلَی مَعَادِهِ رَعِیلاً صُمُوتاً قِیَاماً صُفُوفاً- یَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ وَ یُسْمِعُهُمُ الدَّاعِی- عَلَیْهِمْ لَبُوسُ الاِسْتِکَانَةِ وَ ضَرَعُ الاِسْتِسْلاَمِ وَ الذِّلَّةِ- قَدْ ضَلَّتِ الْحِیَلُ وَ انْقَطَعَ الْأَمَلُ وَ هَوَتِ الْأَفْئِدَةُ کَاظِمَةً- وَ خَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ مُهَیْنِمَةً- وَ أَلْجَمَ الْعَرَقُ وَ عَظُمَ الشَّفَقُ وَ أُرْعِدَتِ الْأَسْمَاعُ- لِزَبْرَةِ الدَّاعِی إِلَی فَصْلِ الْخِطَابِ وَ مُقَایَضَةِ الْجَزَاءِ- وَ نَکَالِ الْعِقَابِ وَ نَوَالِ الثَّوَابِ

اللغة

أقول: تصرّمت : تقضّت .و أزف : دنا .و الضرائح : جمع ضریح.و هو الشقّ فی

ص:238

وسط القبر .و أوکار الطیور : أعشاشها .و أوجرة : جمع وجار و هو بیت السبع . مهطعین :

مقبلین .و رعیلا : مجتمعین . اللبوس : ما یلبس .و الضرع : الخضوع و الانکسار .و کاظمة :

ساکنة .و الهینمة : صوت خفیّ .و ألجم العرق : بلغ الفم فصار کاللجام .و الشفق :

الإشفاق و هو الخوف .و الزبرة : الانتهار .و المقایضة : المعاوضة .و النکال : تنویع العقوبة .

المعنی

اشارة

و اعلم أنّه قد تطابقت ألسنة الأنبیاء و الرسل علیهم السّلام علی القول بالمعاد الجسمانیّ، و نطق به الکتاب العزیز کقوله تعالی «یَوْمَ یَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً کَأَنَّهُمْ إِلی نُصُبٍ یُوفِضُونَ خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ» (1)الایة و نحوه،و اتّفق المسلمون علی القول به،و أمّا الحکماء فالمشهور من مذهبهم منع المعاد الجسمانیّ بناء علی أنّ المعدوم لا یعاد بعینه لامتناع عود أسبابه بأعیانها من الوقت و الدورة الفلکیّة المعینّة و غیرهما.و ربّما قال بعض حکماء الإسلام بجواز عود المثل و ربّما قلّد بعضهم ظاهر الشریعة فی أمر المعاد الجسمانیّ و إثبات السعادة و الشقاوة البدنیّة مع الروحانیّة،و قال الرئیس أبو علیّ بن سینا فی کتاب الشفاء ما هذه حکایة ألفاظه:

«یجب أن یعلم أنّ المعاد منه ما هو المقبول من الشرع و لا سبیل إلی إثباته إلاّ من طریق الشریعة و تصدیق خبر النبوّة و هو الّذی للبدن عند البعث و خیرات البدن و شروره معلومة لا تحتاج أن تعلم.و قد بسطت الشریعة الحقة الّتی أتانا بها سیّدنا و مولانا محمّد صلی اللّه علیه و آله و سلّم حال السعادة و الشقاوة اللتین بحسب البدن،و منه ما هو مدرک بالعقل و القیاس البرهانیّ، و قد صدّقه النبوّة و هو السعادة و الشقاوة البالغتان الثابتتان بالمقاییس اللتان للأنفس و إن کانت الأوهام منّا یقصر عن تصوّرها الآن لما توضح من العلل،و الحکماء الالهیّون رغبتهم فی إصابة هذه السعادة أعظم من رغبتهم فی إصابة السعادة البدنیّة بل کأنّهم لا یلتفتون إلی تلک و إن اعطوها و لا یستعظمونها فی جنبة هذه السعادة الّتی هی مقاربة الحقّ الأوّل» و اعلم أنّ الّذی ذکره علیه السّلام هنا صریح فی إثبات المعاد الجسمانیّ و لواحقه.

فقوله: أخرجهم من ضرایح القبور و أوکار الطیور و أوجرة السباع و مطارح المهالک .

إشارة إلی جمعه لأجزاء أبدان الناس بعد تشذّ بها و تفرّقها فیخرج من کان قبر

ص:239


1- 1) 70-43

من ضریح قبره و من کان اکیل طیر أو سبع أو مقتولا فی مطرح الهلاک من معرکة الحرب أو غیرها أخرجه من ذلک المکان و جمع أجزاءه و ألّف بینها.

فإن قلت:إذا أکل إنسان إنسانا و اغتذی به فصارت أجزاء بدنه أجزاء بدن آکله فکیف یمکن إعادتهما لأنّ تلک الأجزاء فی أیّ بدن منهما اعیدت لزم نقصان الآخر و بطلانه.

قلت:مذهب محقّقی المتکلّمین أنّ فی کلّ بدن واحد أجزاء أصلیّة باقیة من أوّل العمر إلی آخره لا تتغیّر و لا تتبدّل،و أجزاء فضیلة فإذا اعیدا یوم القیامة فما کان أصلیّا من الأجزاء لبدن المأکول فهو فضلیّ لبدن الآکل فیردّ إلیه من غیر أن ینقص من الأجزاء الأصلیّة للآکل شیء و لا عبرة بالفاضلة.و باقی الفصل غنیّ عن البیان،و قال بعض الفضلاء:إنّه ربّما احتملت هذه الألفاظ أن یسلّط علیها من التأویل ما یناسب مذهب القائلین بالمعاد الروحانیّ.

فقوله:حتّی إذا تصرّمت الامور .

فقوله: حتّی إذا تصرّمت الامور.

أی أحوال کلّ واحد من الخلق فی الدنیا.

و قوله:و تقضّت الدهور .

و قوله: و تقضّت الدهور.

أی انقضت مدّة کلّ شخص منهم.

و قوله:و أزف النشور .

و قوله: و أزف النشور.

أی دنا انتشار کلّ واحد فی عالم الآخرة من قبور الأبدان.

و قوله:أخرجهم من ضرائح القبور .

استعارة مرشحة و قوله: أخرجهم من ضرائح القبور.

استعار لفظة القبور للأبدان و ضرایحها تشریح للاستعارة.و وجه المشابهة أنّ النفس تکون منغمسة فی ظلمة البدن و کدر الحواسّ متوحّشة عن عالمها کما أنّ المقبور متوهّم لظلمة القبر و وحشة،منقطع عن الأهل و المال .و ضمیر المخرج یعود إلی اللّه فی صدر الخطبة.

و قوله:و أوکار الطیور .

استعارة و قوله: و أوکار الطیور.

فاعلم أنّ العارفین و أهل الحکمة کثیرا ما یستعیرون لفظ الطیر و أوصافه للنفس

ص:240

الناطقة و للملائکة کما أشار إلیه سیّد المرسلین صلی اللّه علیه و آله و سلّم فی قوله:حتّی إذا حمل المیّت علی نعشه رفرفت روحه فوق النعش ،و یقول:یا أهلی و یا ولدی لا تلعبنّ بکم الدنیا کما لعبت بی.و الرفرقة إنّما یکون لذی الجناح من الطیر،و کما جاء فی التنزیل الإلهیّ فی وصف الملائکة «أُولِی أَجْنِحَةٍ مَثْنی وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ» و کما أشار إلیه أبو علی فی قصیدة أوّلها ألقی:

هبطت إلیک من المکان الأرفع و رقاء ذات تعزّز و تمنّع

و أشار بالورقاء إلی النفس الناطقة،و کما أشار الیه فی رسالته المسمّاة برسالة الطیر بقوله:برزت طائفة تقنص فنصبوا الحبال و رتّبوا الشرک و هیّأوا الطعم،و تواروا فی الحشیش و أنا فی سربة طیر.و نحوه.و وجه المشابهة فی هذه الاستعارة ما تشترک فیه النفس و الطیر من سرعة التصرّف و الانتقال فالنفس بانتقال عقلیّ،و الطیر بانتقال حسّی و إذا استعیر لفظ الطیر للنفس فبالحریّ أن یستعار لفظ الوکر للبدن لما بینهما من المشارکة و هو کونهما مسکنا لا تسهل مفارقته.

و قوله و أوجرة السباع .

استعارة و قوله و أوجرة السباع.

استعارة للأبدان أیضا.و السباع إشارة إلی النفوس المطیعة لقواها الغضبیّة الّتی شأنها محبّة الغلبة و الانتقام کما أنّ السبع کذلک.

و قوله:و مطارح المهالک .

و قوله: و مطارح المهالک.

إشارة إلی الأبدان أیضا فإنّها مطارح مهالک الغافلین الّذین اتّبعو الشهوات أعنی أبدانهم .

و قوله:سراعا إلی أمره.

و قوله: سراعا إلی أمره.

نصب علی الحال بقوله:أخرجهم،و کذلک ما بعده من المنصوبات.و أمره هو حکم قضائه الأزلیّ علیهم بالرجوع إلیه و عودهم إلی مبدئهم و سرعتهم إلیه إشارة إلی قرب وصولهم و هو فی آن انقطاع علاقة النفس مع البدن و هو علی غایة من السرعة.

و قوله:مهطعین إلی معاده .

و قوله: مهطعین إلی معاده.

إشارة إلی إقبال النفوس بوجوهها علی محلّ عودها و ما أعدّ لها فیه من خیر و شرّ .

ص:241

و قوله:رعیلا.

و قوله: رعیلا.

إشارة إلی اجتماعهم فی حکم اللّه و قبضته و محلّ الاستحقاق لثوابه و عقابه.

و قوله:صموتا

کنایة و قوله: صموتا إذ لا ألسنة لهم إذن ینطقون بها،و یحتمل أن یکون الصمت کنایة عن خضوعهم و انقیادهم فی ذلّ الحاجة و هیبة الجلال.

و قوله:قیاما صفوفا .

استعارة و قوله: قیاما صفوفا.

فقیامهم استعارة لاستشعار النفوس هیبة اللّه لعظمته،و قیامها بتصوّر کماله علی مساق العبودیّة و ذلّ الإمکان،و صفوفا استعاره لانتظامهم إذن فی سلک علمه تعالی إذ الکلّ بالنسبة إلی علمه علی سواء کما یستوی الصفّ المحسوس،و یحتمل أن یکون الصفّ استعارة لترتّبهم فی القرب إلی اللّه تعالی متنازلین متصاعدین .

و قوله:ینفذهم البصر .

و قوله: ینفذهم البصر.

إشارة إلی علمه تعالی بهم.

و قوله:و یسمعهم الداعی .

و قوله: و یسمعهم الداعی.

فالداعی هو حکم القضاء علیهم بالعود،و إسماعهم:عموم ذلک الحکم لهم بحیث لا یمکن أن یخرج عنه منهم أحد.

و قوله:علیهم لبوس الاستکانة و ضرع الاستسلام و الذلّة .

و قوله: علیهم لبوس الاستکانة و ضرع الاستسلام و الذلّة.

إشارة إلی حالهم الّتی یخرجون من الأجداث علیها من ذلّ الإمکان و رقّ الحاجة و الخوف فی قبضة اللّه و هو کقوله تعالی «یَوْمَ یَدْعُ الدّاعِ إِلی شَیْءٍ نُکُرٍ خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ یَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ» (1).

و قوله:قد ضلّت الحیل .

و قوله: قد ضلّت الحیل.

أی حیل الدنیا.فلا حیلة لهم فی الخلاص ممّا هم فیه کما کانوا یخلصون بحیل الدنیا من بعض شرورها،و انقطع الأمل:أی أملهم فیها لامتناع عودهم إلیها و انقطاع طمعهم فی ذلک.

ص:242


1- 1) 54-6
و قوله:و هوت الافئدة کاظمة.

استعارة و قوله: و هوت الافئدة کاظمة.

أی سقطت النفوس فی حضیض الذلّ و الفاقة إلی رضا اللّه و عفوه،و لفظ الکظم مستعار کما سبق.

و قوله:و خشعت الأصوات

و قوله: و خشعت الأصوات .هو کقول اللّه «وَ خَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاّ هَمْساً» و هو إشارة إلی سؤالهم بلسان حالهم عفو اللّه و رحمته علی وجه الذلّة و الضعف و رقّ العبودیّة فی ملاحظة جلال اللّه.

و قوله:و ألجم العرق و عظم الشفق .

استعارة بالکنایة و قوله: و ألجم العرق و عظم الشفق.

استعار لفظ العرق و کنّی به عن غایة ما تجده النفس من کرب ألم الفراق و هیبة اللّه و عدم الانس بعد الموت إذ غایة الخائف التاعب أن یعرق و یشفق من نزول العقاب به.

مجاز و نسبة الإلجام إلی العرق نسبة مجازیّة .

و قوله:و ارعدت الأسماع لزبرة الداعی.

استعارة و قوله: و ارعدت الأسماع لزبرة الداعی.

إشارة إلی ما تجده النفس عند تیقّنها المفارقة.و استعار لفظ الزبرة لقهر حکم القضاء للأنفس علی مرادها قهرا لا یتمکّن معه من الجواب بالامتناع ،و فصل الخطاب هو إمضاء أحکام اللّه علی نفوس عباده.عند الرجوع إلیه بتوفیة مالها،و استیفاء ما علیها .

و مقایضة الجزاء :معاوضتها بما أتت به إمّا من الملکات الردیئة فبنکال العقاب،و إمّا من الملکات الفاضلة فبنوال الثواب،و هبة کلّ بقدر استعداده و قبوله.و اعلم أنّ العدول إلی المجازات و الاستعارات عن حقایق الألفاظ،و إلی التأویل عن الظواهر إنّما یجوز خصوصا فی کلام اللّه و کلام رسوله و أولیاءه إذا عضده دلیل عقلیّ یمنع من إجراء الکلام علی ظاهره.و لمّا اعترف القوم بجواز المعاد الجسمانیّ تقلیدا للشریعة و لم یقم دلیل عقلیّ یمنع منه لم یمکننا الجزم إذن بصحّة هذه التأویلات و أمثالها.و باللّه التوفیق و العصمة.

الفصل الخامس:فی تنبیه الخلق علی أوصاف حالهم المنافیة لما هم علیه من التجبّر

اشارة

و الإعراض عمّا خلقوا لأجله لعلّهم یتذکّرون

بقوله:

ص:243

عِبَادٌ مَخْلُوقُونَ اقْتِدَاراً وَ مَرْبُوبُونَ اقْتِسَاراً- وَ مَقْبُوضُونَ احْتِضَاراً وَ مُضَمَّنُونَ أَجْدَاثاً وَ کَائِنُونَ رُفَاتاً- وَ مَبْعُوثُونَ أَفْرَاداً وَ مَدِینُونَ جَزَاءً وَ مُمَیَّزُونَ حِسَاباً- قَدْ أُمْهِلُوا فِی طَلَبِ الْمَخْرَجِ وَ هُدُوا سَبِیلَ الْمَنْهَجِ- وَ عُمِّرُوا مَهَلَ الْمُسْتَعْتِبِ وَ کُشِفَتْ عَنْهُمْ سُدَفُ الرِّیَبِ- وَ خُلُّوا لِمِضْمَارِ الْجِیَادِ وَ رَوِیَّةِ الاِرْتِیَادِ- وَ أَنَاةِ الْمُقْتَبِسِ الْمُرْتَادِ فِی مُدَّةِ الْأَجَلِ وَ مُضْطَرَبِ الْمَهَلِ

اللغة

أقول: القسر : القهر و الجبر .و الأجداث : القبور واحدة جدث .و الرفات :

القنات من العظم و نحوه .و مدینون : مجزیّون .و المستعتب : المسترضی .و السدف :

جمع سدفة و هی ظلمة اللیل .و الریب : الشبه و الشکوک .و الارتیاد : الطلب .

المعنی

اشارة

و ذکر من تلک الأوصاف ثلاثة عشر وصفا :

الأوّل:کونهم مخلوقون اقتدارا

:أی خلقهم لیس لذواتهم بل بقدرة قادر مستقلّة عن مشارکة الغیر و ذلک مناف لعصیانهم له .

الثانی:کونهم مربوبون اقتسارا:

أی لیس ملک مالکهم لهم عن اختیار منهم حتّی یکون لهم الخیرة فی معصیته و طاعته .

الثالث:کونهم مقبوضون احتضارا:

أی مستحضرون بالموت مقبوضون به إلی حضرة جلال اللّه .

الرابع:

کونهم من شأنهم أن یضمّنوا الأجداث .

الخامس:

من شأنهم أن یصیرو ارفاتا .

السادس:

من شأنهم أن یبعثوا أفرادا کما قال تعالی «وَ کُلُّهُمْ آتِیهِ یَوْمَ الْقِیامَةِ»

ص:244

«فَرْداً» (1)إی مجرّدا عن استصحاب غیره معه من أهل و مال .

السابع:أنّهم مدینون أجزاء

و من شأنهم ذلک.و الجزاء مصدر نصب بغیر فعله .

الثامن:أنّ من شأنهم أن یمیّزوا حسابا:

أی یحصون عددا کقوله تعالی «لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَ عَدَّهُمْ عَدًّا» (2)و حسابا أیضا مصدر نصب عن غیر فعله .

التاسع:کونهم قد امهلوا فی طلب المخرج:

أی إنّما امهلوا فی الدنیا لطلب خلاصهم و خروجهم من ظلمات الجهل و ورطات المعاصی إلی نور الحقّ و متّسع الجود.

العاشر:کونهم قدهدوا سبیل المنهج:

أی الهموا بأصل فطرتهم،و دلّوا بالأعلام الواضحة من الأنبیاء و الشرائع علی الطریق إلی حضرة قدس اللّه و الجنّة .

الحادی عشر:

تشبیه کونهم قد عمّروا مهل المستعتب .لمّا کان من یطلب استعتابه و یقصد رجوعه عن غیّه یمهل و یداری طویلا کانت مهلة اللّه سبحانه لخلقه مدّة أعمارهم لیرجعوا إلی طاعته و یعملوا صالحا تشبه ذلک فنزّلت منزلته .و مهل نصب علی المصدر لأنّ التعمیر إمهال .

الثانی عشر:کونهم قد کشفت عنهم سدف الریب:

أی أزال عن أبصار بصائرهم ظلم الشکوک و الشبهات و الجهالات بما وهبه لهم من العقول و أیّدهم من بعثة الرسل .

الثالث عشر:

استعارة مرشحة کونهم قد خلّوا لمضمار الجیاد :أی ترکوا فی الدنیا لیضمروا أنفسهم بأزواد التقوی،و لمّا استعار لفظ المضمار رشّح بذکر الجیاد.إذ شرف المضمار أن تحلّ به جیاد الخیل.و فیه تنبیه لهم علی أن یکونوا من جیاد مضمارهم .و قد سبق وجه الاستعارة،و معنی التضمیر فی قوله: ألا و إنّ الیوم المضمار و غدا السباق .و کذلک خلّوا لرویّة الارتیاد :أی لیتفکّروا فی طلب ما یتخلّصون به إلی اللّه تعالی من سایر طاعاته ،و کذلک لیتأنّوا أناة المقتبس للأنوار الإلهیّة الطالب للاستنارة بها فی مدّة آجالهم و محلّ اضطرابهم فی مهلتهم و تحصیلهم لما ینبغی لهم من الکمالات.و من ملک من عبیده هذه الحالات و أفاض علیهم ضروب هذه الإنعامات فکیف یلیق بأحدهم أن

ص:245


1- 1) 19-96
2- 2) 19-95

یجاهره بالعصیان أو یتجاسر أن یقابله بالکفران إنّ الإنسان لکفور مبین.

الفصل السادس:فی التنبیه علی فضل موعظته و تذکیره و مدحها بالبلاغة و التعریض

اشارة

بعدم القلوب الحاملة لها،ثمّ الحثّ علی التقوی

بقوله.

فَیَا لَهَا أَمْثَالاً صَائِبَةً وَ مَوَاعِظَ شَافِیَةً- لَوْ صَادَفَتْ قُلُوباً زَاکِیَةً وَ أَسْمَاعاً وَاعِیَةً- وَ آرَاءً عَازِمَةً وَ أَلْبَاباً حَازِمَةً- فَاتَّقُوا اللَّهَ تَقِیَّةَ مَنْ سَمِعَ فَخَشَعَ وَ اقْتَرَفَ فَاعْتَرَفَ- وَ وَجِلَ فَعَمِلَ وَ حَاذَرَ فَبَادَرَ وَ أَیْقَنَ فَأَحْسَنَ وَ عُبِّرَ فَاعْتَبَرَ- وَ حُذِّرَ فَحَذِرَ وَ زُجِرَ فَازْدَجَرَ وَ أَجَابَ فَأَنَابَ وَ رَاجَعَ فَتَابَ- وَ اقْتَدَی فَاحْتَذَی وَ أُرِیَ فَرَأَی فَأَسْرَعَ طَالِباً وَ نَجَا هَارِباً- فَأَفَادَ ذَخِیرَةً وَ أَطَابَ سَرِیرَةً وَ عَمَّرَ مَعَاداً- وَ اسْتَظْهَرَ زَاداً لِیَوْمِ رَحِیلِهِ وَ وَجْهِ سَبِیلِهِ وَ حَالِ حَاجَتِهِ- وَ مَوْطِنِ فَاقَتِهِ وَ قَدَّمَ أَمَامَهُ لِدَارِ مُقَامِهِ- فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ جِهَةَ مَا خَلَقَکُمْ لَهُ- وَ احْذَرُوا مِنْهُ کُنْهَ مَا حَذَّرَکُمْ مِنْ نَفْسِهِ- وَ اسْتَحِقُّوا مِنْهُ مَا أَعَدَّ لَکُمْ بِالتَّنَجُّزِ لِصِدْقِ مِیعَادِهِ- وَ الْحَذَرِ مِنْ هَوْلِ مَعَادِهِ

المعنی

فقوله:فیا لها أمثالا صایبه و مواعظ شافیة

فقوله: فیا لها أمثالا صایبه و مواعظ شافیة .أمثالا و مواعظ نصب علی التمییز.و صواب الأمثلة:مطابقتها للممّثل به.و شفاء الموعظة:تأثیرها فی القلوب إزالة مرض الجهل و الرذائل الخلقیة و رجوع المتعّظ بها منیبا إلی ربّه .

و قوله:لو صادفت قلوبا زاکیة و أسماعا واعیة و آراء عازمة و ألبابا حازمة

و قوله: لو صادفت قلوبا زاکیة و أسماعا واعیة و آراء عازمة و ألبابا حازمة .

فزکاء القلوب:استعدادها لقبول الهدایة و قربها من ذلک.و وعی الأسماع:فهم القلوب عنها،و إنّما وصفها بالوعی لأنّها أیضا قابلة لقشور المعانی مؤدیّة لها إلی قوّة

ص:246

الحسّ ثمّ الخیال ،و عزم الآراء:توجیه الهمّة إلی ما ینبغی و الثبات علی ذلک.و حزامة الألباب:جودة رأی العقول فیما یختاره.و ظاهر أن هذه الثلاثة هی أسباب نفع الموعظة .

و قوله:فاتّقوا اللّه.إلی قوله:مقامه

و قوله: فاتّقوا اللّه.إلی قوله:مقامه.

أمر بتقوی اللّه تقیّة کتقوی من استجمع جمیع هذه الأوصاف.

أحدهما:تقیّة من سمع فخشع :أی تقیّة من استعدّ قلبه لسماع الموعظة فخشع عنها للّه.

الثانی:تقیّة من اقترف فاعترف :أی اکتسب الذنوب فاعترف بها و أناب إلی اللّه.

الثالث:تقیّة من وجل :أی خاف ربّه.فأقلقه خوفه فعمل :أی فالتجأ إلی الأعمال الصالحة لینجوا بها.

الرابع:تقیّة من حاذر :أی عقاب ربّه. فبادر إلی إطاعته.

الخامس:تقیّة من أیقن :أی بالموت و لقاء ربّه. فأحسن :أی فأحسن عمله و أخلص له.

السادس:تقیّة من عبّر :أی رمی بالعبر و ذکّر بها. فاعتبر :أی فجعلها سلّما یعبر فیها ذهنه إلی العلم بما ینبغی له.

السابع : و حذرّ :أی من سخط اللّه و عقابه . فازدجر :أی فرجع عن معصیته.

الثامن:تقیّة من أجاب :أی أجاب داعی اللّه. فأناب :أی رجع إلیه بسرّه و امتثل أمره.

التاسع:تقیّة من راجع فکره و عقله فتاب:أی فاستعان به علی شیاطینه و قهر نفسه الأمّارة بالسوء. فتاب من متابعتها.

العاشر:تقیّة من اقتدی :أی بأنبیاء اللّه و أولیائه و هدیهم الّذی أتوابه: فاحتذی :

أی حذاحذوهم فی جمیع أحوالهم فطلب قصدهم و فعل فعلهم.

الحادی عشر:تقیّة من اری :أی اری الخلق فأظهرت بعین بصیرته طریق اللّه و سبیله. فرأی :

أی فعرفها و أسرع طالبا لما یسلک له و ینتهی إلیه و نجا فیها هاربا من ظلمات جهله و ثمراته فأفاد ذخیرة :أی فاستفاد سلوکه لها و طاعته لربّه فی ذلک ذخیرة لمعاده ،و أطاب بسلوکها سریرته عن نجاسات الدنیا و عمّر بما یکتسبه فی سلوکها من الکمالات المستعدّة معاده .

ص:247

و استظهر به زادا لیوم رحیله من دنیاه و استعدّ به لوجه سبیله الّتی هو سالکها و مسافر فیها و لحال حاجته و لموطن فاقته.فإنّ کلّ مرتبة من الکمالات حصلت للإنسان فهی تعدّه لرتبة أعلی منها لو لم یحصّلها لظهرت له حاجته فی الآخرة إلی أقل منها حیث لا یجد إلیها سبیلا.و کذلک قوله : قدّم :أی ما استظهر به زادا أمامه :أی تلقاء وجهه الّتی هو مستقبلها و منته إلیها لدار مقامه :أی الآخرة .

و قوله:فاتّقو اللّه عباد اللّه جهة ما خلقکم له.

و قوله: فاتّقو اللّه عباد اللّه جهة ما خلقکم له.

أی باعتبار ما خلقکم له.و لمّا کان ما خلقهم له إنّما هو عرفانه و الوصول إلیه کان المعنی:اجعلوا تقواکم اللّه نظرا إلی تلک الجهة و الاعتبار لا للریاء و السمعة.و جهة منصوب علی الظرف،و یحتمل أن یکون مفعولا به لفعل مقدّر:أی و اقصدوا بتقویکم جهه ما خلقکم .

و قوله:و احذروا منه کنه ما حذّرکم من نفسه.

و قوله: و احذروا منه کنه ما حذّرکم من نفسه.

أی اسلکوا فی حذرکم منه حقیقة تحذیره لکم من نفسه بما توعّد به.و ذلک الحذر إنّما یحصل بالبحث عن حقیقة المحذور منه.و السالکون إلی اللّه فی تصوّر ذلک علی مراتب متفاوتة .

و قوله:و استحقّوا منه ما أعدّ لکم بالتنجّز لصدق میعاده.

و قوله: و استحقّوا منه ما أعدّ لکم بالتنجّز لصدق میعاده .استحقاق ما وعد به اللّه تعالی من جزیل الثواب إنّما یحصل بالاستعداد له فهو أمر بالاستعداد له و الاستعداد یحتاج إلی أسباب فذکرها علیه السّلام فی أمرین:

أحدهما:التنجّز لصدق میعاده.و التنجّز طلب إنجاز الوعد و قضائه و ذلک إنّما هو بالإقبال علی طاعته کما قال تعالی «وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِینَ وَ الْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِی مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ» (1)الآیة،و نحوها.

و الثانی :الحذر من أهوال معاده ز.و ذلک باجتناب مناهیه و الارتداع بزواجره و نواهیه منها.

الفصل السابع قوله:جعل لکم أسماعا...

اشارة

قوله: جعل لکم أسماعا .اعلم أنّ فی هذا الفصل فصلین:

ص:248


1- 1) 9-72

الفصل الأوّل:فی تذکیر عباد اللّه بضروب نعمته علیهم،و التنبیه علی الغایة منها،

اشارة

ثمّ التذکّر بحال الماضین من الخلق و التنبیه علی الاعتبار بهم.و هو فی معرض الامتنان و ذلک قوله علیه السّلام:

جَعَلَ لَکُمْ أَسْمَاعاً لِتَعِیَ مَا عَنَاهَا- وَ أَبْصَاراً لِتَجْلُوَ عَنْ عَشَاهَا وَ أَشْلاَءً جَامِعَةً لِأَعْضَائِهَا- مُلاَئِمَةً لِأَحْنَائِهَا فِی تَرْکِیبِ صُوَرِهَا وَ مُدَدِ عُمُرِهَا- بِأَبْدَانٍ قَائِمَةٍ بِأَرْفَاقِهَا وَ قُلُوبٍ رَائِدَةٍ لِأَرْزَاقِهَا- فِی مُجَلِّلاَتِ نِعَمِهِ وَ مُوجِبَاتِ مِنَنِهِ وَ حَوَاجِزِ عَافِیَتِهِ- وَ قَدَّرَ لَکُمْ أَعْمَاراً سَتَرَهَا عَنْکُمْ- وَ خَلَّفَ لَکُمْ عِبَراً مِنْ آثَارِ الْمَاضِینَ قَبْلَکُمْ- مِنْ مُسْتَمْتَعِ خَلاَقِهِمْ وَ مُسْتَفْسَحِ خَنَاقِهِمْ- أَرْهَقَتْهُمُ الْمَنَایَا دُونَ الْآمَالِ وَ شَذَّبَهُمْ عَنْهَا تَخَرُّمُ الْآجَالِ- لَمْ یَمْهَدُوا فِی سَلاَمَةِ الْأَبْدَانِ- وَ لَمْ یَعْتَبِرُوا فِی أُنُفِ الْأَوَانِ فَهَلْ یَنْتَظِرُ أَهْلُ بَضَاضَةِ الشَّبَابِ إِلاَّ حَوَانِیَ الْهَرَمِ- وَ أَهْلُ غَضَارَةِ الصِّحَّةِ إِلاَّ نَوَازِلَ السَّقَمِ- وَ أَهْلُ مُدَّةِ الْبَقَاءِ إِلاَّ آوِنَةَ الْفَنَاءِ مَعَ قُرْبِ الزِّیَالِ- وَ أُزُوفِ الاِنْتِقَالِ وَ عَلَزِ الْقَلَقِ وَ أَلَمِ الْمَضَضِ وَ غُصَصِ الْجَرَضِ- وَ تَلَفُّتِ الاِسْتِغَاثَةِ بِنُصْرَةِ الْحَفَدَةِ وَ الْأَقْرِبَاءِ- وَ الْأَعِزَّةِ وَ الْقُرَنَاءِ فَهَلْ دَفَعَتِ الْأَقَارِبُ- أَوْ نَفَعَتِ النَّوَاحِبُ وَ قَدْ غُودِرَ فِی مَحَلَّةِ الْأَمْوَاتِ رَهِیناً- وَ فِی ضِیقِ الْمَضْجَعِ وَحِیداً قَدْ هَتَکَتِ الْهَوَامُّ جِلْدَتَهُ-

ص:249

وَ أَبْلَتِ النَّوَاهِکُ جِدَّتَهُ وَ عَفَتِ الْعَوَاصِفُ آثَارَهُ- وَ مَحَا الْحَدَثَانُ مَعَالِمَهُ وَ صَارَتِ الْأَجْسَادُ شَحِبَةً بَعْدَ بَضَّتِهَا- وَ الْعِظَامُ نَخِرَةً بَعْدَ قُوَّتِهَا- وَ الْأَرْوَاحُ مُرْتَهَنَةً بِثِقَلِ أَعْبَائِهَا- مُوقِنَةً بِغَیْبِ أَنْبَائِهَا لاَ تُسْتَزَادُ مِنْ صَالِحِ عَمَلِهَا- وَ لاَ تُسْتَعْتَبُ مِنْ سَیِّئِ زَلَلِهَا أَ وَ لَسْتُمْ أَبْنَاءَ الْقَوْمِ وَ الْآبَاءَ وَ إِخْوَانَهُمْ وَ الْأَقْرِبَاءَ- تَحْتَذُونَ أَمْثِلَتَهُمْ وَ تَرْکَبُونَ قِدَّتَهُمْ وَ تَطَئُونَ جَادَّتَهُمْ- فَالْقُلُوبُ قَاسِیَةٌ عَنْ حَظِّهَا لاَهِیَةٌ عَنْ رُشْدِهَا- سَالِکَةٌ فِی غَیْرِ مِضْمَارِهَا کَأَنَّ الْمَعْنِیَّ سِوَاهَا- وَ کَأَنَّ الرُّشْدَ فِی إِحْرَازِ دُنْیَاهَا

اللغة

أقول: عناها : أهمّها :و العشی : ظلمة تعرض للعین باللیل . کنایة و الأشلاء : جمع شلو و هو العضو و هو أیضا القطعة من اللحم،و کنّی به عن الجسد . و الحنو : الجانب .و الأرفاق :

المنافع،و یروی بأرماقها .و الرمق : بقیّة الروح :و الخلاق : النصیب . الخناق : بالکسر حبل یخنق به .و الإرهاق : الإعجال .و التشذّب : التفرّق .و مهد الأمر.مخفّفا و مشدّدا : أی هیّأه .و انف الأوان : أوّله .و البضاضة : امتلاء البدن و قوّته .و الهرم : الکبر .و غضارة العیش : طیبه .و آونة : جمع أوان کأزمنة جمع زمان و الزیال : المزایلة .و أزف : قرب .و العلزة :

کالرعدة یأخذ المریض .و الجرض : أن یتبلع ریقه علی همّ و حزن .و الحفدة : الأعوان .

و غودر : ترک .و أنهکه : أخلقه و أبلاه .و المعالم : الآثار .و الشحب : البعیر الهالک الناحل .

و النخرة : البالیة .و الأعباء : الأثقال .و القدّة بکسر القاف و الدال المهملة : الطریقة،و روی بضمّ القاف و الذال المعجمة،و الأوّل أصحّ .

و لنرجع إلی معنی.
فقوله:جعل لکم.إلی قوله:بأرفاتها

فقوله: جعل لکم .إلی قوله: بأرفاتها .

ص:250

تذکیر بنعمة اللّه تعالی بخلق الأبدان،و ما تشتمل علیه من المنافع.ففائدة الأسماع أن تعی ما خلقت لأجله،و فایدة الأبصار أن یدرک بها الإنسان عجایب مصنوعات اللّه تعالی فیحصل له منها عبرة. استعارة و لفظ العشا یحتمل أن یکون مستعارا لظلمة الجهل العارض لإبصار القلوب حتّی یکون التقدیر لتجلو عشا قلوبها،و حینئذ فإدراک البصر المحصّل عبرة یحصل للقلب به جلاء لذلک العشا فصحّ إذن إسناد الجلاء إلی الأبصار،و یحتمل أن یکون مستعارا لعدم إدراکها ما تحصل منه العبرة إذ کانت فایدتها ذلک فإذا لم یحصل منها ذلک الإدراک کانت کمبصر أصابه العشا،و وجه المشابهة عدم الفائدة.و نسبة الجلاء إلیها بوجود الإدراک المفید عبرة عنها و هو استعارة أیضا .و عن لیست بزایدة لأنّ الجلاء یستدعی مجلوّا و مجلوّا عنه فذکر علیه السّلام المجلوّ و أقامه مقام المجلوّ عنه فکأنّه قال:لتجلو عن قواها عشاها .و أمّا فایدة البدن و أعضائه فقد أشرنا إلیه قبل مفصّلا،و قوله : قائمة بأرفاقها :أی أنّ کلّ بدن قائم فی الوجود بحسب ما عنی له من ضروب المنافع .

و قوله:و قلوب رائدة.إلی قوله:سترها عنکم.

و قوله: و قلوب رائدة.إلی قوله:سترها عنکم .إظهار لمنّة اللّه تعالی علی عباده بخلقه لهم و هدایته لنفوسهم لارتیاد أرزاقهم الّتی بها قوام حیاتها الدنیا و تمکّنها من إصلاح معادها ثمّ باعتبار کونهم فی مجلّلات نعمه و سوابغها.فمنها:ستره علیهم قبائح أعمالهم أن تظهر،و هو اجس خواطرهم بعضهم لبعض بحیث لو اطّلع کلّ علی ماله فی ضمیر صاحبه من الغلّ و الحسد و تمنّی زوال نعمته لأفنی بعضهم بعضا و خرب نظام وجودهم . و موجبات مننه :نعمه الّتی یستوجب أن یمنّ بها.و من روی بفتح الجیم فالمراد بالمنن إذن النعم و موجبات ما سقط منها و افیض علی العباد . و حواجز عافیته :ما منع منها عوامل الأمراض و المضارّ المندفعة بها،و إنّما ذکر ستر کمیّة الأعمار فی معرض المنّة لأنّه من النعم العظیمة علی العبد إذ کان اطّلاع الإنسان علی کمیّة عمره ممّا یوجب اشتغال خاطره بخوفه من الموت من عمارة الأرض و یبطل بسببه نظام هذا العالم .

و قوله:و خلّف لکم عبرا.

و قوله: و خلّف لکم عبرا.

وجه من منن اللّه تعالی علی عباده فإنّ إبقائه أحوال الماضین و ما خلّفوه عبرة لللاحقین سبب عظیم لجذبهم عن دار الغرور و مهاوی الهلاک إلی سعادة الأبد.و مستمتع خلاقهم :ما

ص:251

استمتعوا به ممّا کان نصیبا لکلّ منهم فی مدّة بقائه من متاع الدنیا . و مستفسح خناقهم:

محلّ الفسحة لأعناقهم من ضیق حبائل الموت و أغلال الجحیم،و ذلک المستفسح هو مدّة حیاتهم أیضا ثمّ أردف ذلک بوصف حال الماضین فی غرورهم ،و ذکر إعجال الموت لهم عن بلوغ آمالهم و تشذیبه لهم باخترامهم عنها و نبّه به علی وجوب تقصیر الأمل و الاستعداد للموت و کذلک نبّهم بقوله: لم یمهدوا.إلی قوله:الاوان .علی تقصیر الماضین فی إصلاح معادهم حیث أمکنهم ذلک فی سلامة أبدانهم و أوّل زمانهم لیحصل لهم بذلک التذکّر نفرة عن حال السابقین و انزعاج عن الغرور إلی الاستعداد بالتقوی و الأعمال الصالحة ، استفهام انکاری ثمّ استفهمهم عمّا ینتظر الشباب بشبابهم غیر حوانی الهرم،و أهل الصحّة بصحّتهم غیر الأسقام و المعمّرون بطول أعمارهم غیر الفناء استفهاما علی سبیل الإنکار لما ینتظرونه غیر هذه الامور و تقریعا علی ذلک الانتظار و تنفیرا عنه بذکر غایاته الّتی حصره فیها.

استعارة و أعلم أنّ ذلک لیس انتظارا حقیقیّا لکن لمّا کان المنتظر لأمر و المترقّب له تارکا فی أحواله لما یعنیه من الاشتغال إلی غایة أن یصل إلیه ما ینتظره،و کانت غایة الشباب أن یحنی ظهورهم الهرم.و غایة الصحیح أن یسقم،و غایة المعمّر أن یفنی أشبه ترکهم للعمل و عبادة اللّه إلی غایاتهم المذکورة لانتظار لها.فاستعیر له لفظ الانتظار . کنایة ثمّ کنّی عن شدّة حال المفارق فی سکرات الموت بأوصاف تعرض له حینئذ کالرعدة و الغلق و الغمّ و الخوف و الغصص بالریق و التلفّت للاستغاثة بالأعوان و الأقرباء و الأعزّة .ثمّ استفهام انکاری نبّه بقوله: فهل دفعت الأقارب أو نفعت النواحب :أی البواکی.علی أنّ ما یقع عند نزول الموت من تلک الأحوال لا ینفع فی دفعه قریب و لا حبیب علی طریق الاستفهام و الإنکار .

و قوله:قد غودر.

و قوله: قد غودر.

الجملة فی محل النصب علی الحال و العامل نفعت:أی لم ینفعه البکاء حال ما غودر فی محلّ الأموات بالأوصاف الکریهة تنفیرا عن أحواله و جذبا إلی الخلاص من أهوالها بالعمل للّه و الإخلاص له.و رهینا :إی مقیما أو مرتهنا بذنوبه و موثوقا بها.و نصبه علی الحال، و کذلک وحیدا ،و موضع قوله: قد هتکت ،و باقی الأفعال المعطوفة علیه.و الهوام :الدیدان المتولّدة من جیفة أو غیرها .

ص:252

و قوله:و الأرواح مرتهنة بثقل أعبائها.

و قوله: و الأرواح مرتهنة بثقل أعبائها.

إشارة إلی اشتغال النفوس و انحطاطها إلی الجنبة السافلة بثقل ما حملته من الأوزار و اکتسبته من الهیئات الردیئة .و ما یتحقّق غیبة من الأنباء هناک هو الأخبار عن الأحوال اللاحقة بها بعد الموت من خیر و شرّ فإنّها یتیقّن غیبتها عن أهل الدنیا،أو أنباء ما خلّفته من اللواحق الدنیویّة فإنّها یتیّقن بعد الموت غیبتها و انقطاعها عنها.و الاوّل أولی .

و قوله:لا تستزاد من صالح عملها و لا تستعتب من سیّء زللها.

و قوله: لا تستزاد من صالح عملها و لا تستعتب من سیّء زللها.

أی لا یطلب منها زیادة من العمل الصالح و لا یقال من سیّء زللها و یرضی عنها کقوله تعالی «وَ إِنْ یَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِینَ» (1)و ذلک لعدم آلة العمل و امتناع الرجوع إلیه و عدم تمکّنها من نزع ما صار فی عنقها من أطواق الهیئات البدنیّة کما قال تعالی «قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّی أَعْمَلُ صالِحاً فِیما تَرَکْتُ کَلاّ إِنَّها کَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَ مِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلی یَوْمِ یُبْعَثُونَ » (2).

و قوله:أو لستم آباء القوم و الأبناء و إخوانهم و الأقرباء.

و قوله: أو لستم آباء القوم و الأبناء و إخوانهم و الأقرباء.

أی أو لیس فیکم من هو أب لأحد اولئک أو ابن له أو أخوه أو قریبه،و هو تنبیه للسامعین علی وجه العبرة فإنّه لمّا شرح حال الماضین فی الموت و ما بعده نبّههم علی أنّهم أمثالهم فی کلّ تلک الأحوال لیرجعوا إلی تقوی اللّه الّذی هو سبب النجاة من تلک الأهوال .

و قوله:تحتذون أمثلتهم.

و قوله: تحتذون أمثلتهم.

أی تقتدون بهم فی أفعالهم و تسلکون مسالکهم فی غرورهم و نحوه کما قال تعالی حکایة «إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلی أُمَّةٍ وَ إِنّا عَلی آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ » (3).

و قوله:فالقلوب قاسیة عن حظّها.

و قوله: فالقلوب قاسیة عن حظّها.

أی لا استعداد لها تقبل به حظّها الّذی ینبغی لها طلبه لاهیة عن رشدها غافلة عن طلب هدایتها سالکة فی غیر مضمارها .المضمار هاهنا:هو الشریعة و أوامر اللّه،و سلوکها لغیره:

ارتکابها لمناهی اللّه،و ریاضتها:هی الأعمال الصالحة الّتی هی طریق الجحیم .

و قوله:کأنّ المعنیّ سواها و کأنّ الرشد فی إحراز دنیاها.

و قوله: کأنّ المعنیّ سواها و کأنّ الرشد فی إحراز دنیاها.

ص:253


1- 1) 41-23
2- 2) 23-102
3- 3) -43-22.

مبالغة فی ذکر إعراض القلوب و غفلتها عن المواعظ و إنّهما کها فی تحصیل الدنیا إلی غایة أن اشبهت من لم یکن معیّنا بالخطاب بها،أو أنّ الرشد الّذی جذبت إلیه إنّما هو تحصیل الدنیا و جمعها الّذی جذبت عنه و حذّرت منه.

الفصل الثانی:فی التذکیر بأمر الصراط و التحذیر من أهواله،و الحثّ علی

اشارة

التقوی

و ذلک قوله:

وَ اعْلَمُوا أَنَّ مَجَازَکُمْ عَلَی الصِّرَاطِ وَ مَزَالِقِ دَحْضِهِ- وَ أَهَاوِیلِ زَلَلِهِ وَ تَارَاتِ أَهْوَالِهِ- فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ- تَقِیَّةَ ذِی لُبٍّ شَغَلَ التَّفَکُّرُ قَلْبَهُ- وَ أَنْصَبَ الْخَوْفُ بَدَنَهُ وَ أَسْهَرَ التَّهَجُّدُ غِرَارَ نَوْمِهِ- وَ أَظْمَأَ الرَّجَاءُ هَوَاجِرَ یَوْمِهِ وَ ظَلَفَ الزُّهْدُ شَهَوَاتِهِ- وَ أَوْجَفَ الذِّکْرُ بِلِسَانِهِ وَ قَدَّمَ الْخَوْفَ لِأَمَانِهِ- وَ تَنَکَّبَ الْمَخَالِجَ عَنْ وَضَحِ السَّبِیلِ- وَ سَلَکَ أَقْصَدَ الْمَسَالِکِ إِلَی النَّهْجِ الْمَطْلُوبِ- وَ لَمْ تَفْتِلْهُ فَاتِلاَتُ الْغُرُورِ- وَ لَمْ تَعْمَ عَلَیْهِ مُشْتَبِهَاتُ الْأُمُورِ- ظَافِراً بِفَرْحَةِ الْبُشْرَی وَ رَاحَةِ النُّعْمَی- فِی أَنْعَمِ نَوْمِهِ وَ آمَنِ یَوْمِهِ- وَ قَدْ عَبَرَ مَعْبَرَ الْعَاجِلَةِ حَمِیداً وَ قَدَّمَ زَادَ الْآجِلَةِ سَعِیداً- وَ بَادَرَ مِنْ وَجَلٍ وَ أَکْمَشَ فِی مَهَلٍ وَ رَغِبَ فِی طَلَبٍ- وَ ذَهَبَ عَنْ هَرَبٍ وَ رَاقَبَ فِی یَوْمِهِ غَدَهُ- وَ نَظَرَ قُدُماً أَمَامَهُ- فَکَفَی بِالْجَنَّةِ ثَوَاباً وَ نَوَالاً وَ کَفَی بِالنَّارِ عِقَاباً وَ وَبَالاً- وَ کَفَی بِاللَّهِ مُنْتَقِماً وَ نَصِیراً- وَ کَفَی بِالْکِتَابِ حَجِیجاً وَ خَصِیماً أُوصِیکُمْ بِتَقْوَی اللَّهِ الَّذِی أَعْذَرَ بِمَا أَنْذَرَ

ص:254

وَ احْتَجَّ بِمَا نَهَجَ- وَ حَذَّرَکُمْ عَدُوّاً نَفَذَ فِی الصُّدُورِ خَفِیّاً- وَ نَفَثَ فِی الْآذَانِ نَجِیّاً فَأَضَلَّ وَ أَرْدَی وَ وَعَدَ فَمَنَّی- وَ زَیَّنَ سَیِّئَاتِ الْجَرَائِمِ وَ هَوَّنَ مُوبِقَاتِ الْعَظَائِمِ- حَتَّی إِذَا اسْتَدْرَجَ قَرِینَتَهُ وَ اسْتَغْلَقَ رَهِینَتَهُ- أَنْکَرَ مَا زَیَّنَ وَ اسْتَعْظَمَ مَا هَوَّنَ وَ حَذَّرَ مَا أَمَّنَ

اللغة

أقول: المزلق : الموضع الّذی لا تثبت علیه قدم .و الدحض : الزلق .و التهجدّ : العبادة باللیل .و الغرار : النوم القلیل ،و أرجف : أسرع .و المخالج : الامور المشغلة الجاذبة ، و أکمش : أمضی عزمه و مضی قدما لم یعرج .

المعنی

و اعلم أنّ الصراط الموعود به فی القرآن الکریم حقّ یجب الإیمان به و إن اختلف الناس فی حقیقته،و ظاهر الشریعة و الّذی علیه جمهور المسلمین و من أثبت المعاد الجسمانیّ یقتضی أنّه جسم فی غایة الدقّة و الحدّة ممدود علی جهنّم و هو طریق إلی الجنّة یجوزه من أخلص للّه.و من عصاه سلک عن جنبتیه أحد أبواب جهنّم،و أمّا الحکماء فقالوا بحقیّته.و ما یقال فی حقّه:إنّه کالشعر فی الدقّة فهو ظلم بل نسبة الشعرة إلیه کنسبتها إلی الخطّ الهندسی الفاصل بین الظلّ و الشمس الّذی لیس من أحدهما فهو کذلک الخط الّذی لا عرض له أصلا،و حقیقته هو الوسط الحقیقیّ بین الأخلاق المتضادّة کالسخاوة بین التبذیر و البخل،و الشجاعة بین التهوّر و الجبن،و الاقتصاد بین الإسراف و التقتیر،و التواضع بین التکبّر و المهانة،و العفّة بین الشهوة و الخمود، و العدالة بین الظلم و الانظلام.فالأوساط بین هذه الأطراف المتضادّة هی الأخلاق المحمودة،و لکلّ واحد منها طرفا تفریط و إفراط هما مذمومان،و کلّ واحد منها هو غایة البعد بین طرفیه و لیس من طرف الزیادة و لا من طرف النقصان.قالوا:و تحقیق ذلک أنّ کمال الإنسان فی التشبّه.بالملائکة و هم منفکّون عن هذه الأوصاف المتضادّة و لیس فی إمکان الإنسان الانفکاک عنها بالکلّیة فغایته التباعد عنها إلی الوسط تباعدا یشبه

ص:255

الانفکاک عنها.فالسخّی کأنّه لا بخیل و لا مبذّر.فالصراط المستقیم هو الوسط الحقّ الّذی لا میل له إلی أحد الجانبین و لا عرض له و هو أدقّ من الشعر.و لذلک قال تعالی «وَ لَنْ تَسْتَطِیعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَیْنَ النِّساءِ وَ لَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِیلُوا کُلَّ الْمَیْلِ» (1)و روی عن الصادق علیه السّلام و قد سئل عن قوله تعالی «اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِیمَ» قال:یقول:أرشدنا للزوم الطریق المؤدّی إلی محبّتک و المبلّغ دینک و المانع من أن نتّبع أهوائنا فنعطب أو نأخذ بآرائنا فنهلک.و عن الحسن العسکری علیه السّلام:الصراط صراطان:صراط فی الدنیا، و صراط فی الآخرة.فأمّا الصراط المستقیم فی الدنیا فهو ما قصر عن الغلوّ و ارتفع عن التقصیر و استقام فلم یعدل إلی شیء من الباطل،و الصراط الآخر هو طریق المؤمنین إلی الجنّة لا یعدلون عن الجنّة إلی النار و لا إلی غیر النار سوی الجنّة.و الناس فی ذلک متفاوتون فمن استقام علی هذا الصراط و تعوّد سلوکه مرّ علی صراط الآخرة مستویا و دخل الجنّة آمنا.

إذا عرفت ذلک فنقول: مزالق الصراط کنایة عن المواضع الّتی هی مظانّ انحراف الإنسان عن الوسط بین الأطراف المذمومة،و تلک المواضع هی مظانّ الشهوات و المیول الطبیعیّة ، و أهاویل زلله هی ما یستلزمه العبور إلی أحد طرفی الإفراط و التفریط من العذاب العظیم فی الآخرة . و تارات أهواله تکرار ذلک تارة بعد اخری .

و قوله:فاتّقو اللّه

و قوله: فاتّقو اللّه .عود إلی الأمر بتقوی اللّه تقیّة من استجمع أوصاف الایمان:

أحدها: تقیّة من شغل التفکّر قلبه :أی فی أمر معاده عن محبّة الدنیا و باطلها .

الثانی: و أنصب الخوف بدنه :أی أتعبه و أنحله خوف اللّه تعالی و ما أعدّ للعصاة من الأهوال .

الثالث: و أسهرت العبادة غرار نومه :أی لم تترک له نوما .

الرابع: کنایة و اظمأ الرجاء هو اجر یومه :أی اظمأه رجاء ما أعدّ اللّه لأولیائه الأبرار عوضا من طیّبات هذه الدار.و ظمأه فی جواهر یومه کنایة عن کثرة صیامه فی أشدّ أوقاته

ص:256


1- 1) 4-128-.

حرارة ،و إنّما جعل الهواجر مفعولا إقامة للظرف مقام المظروف،و هو من وجوه المجاز.

الخامس: استعارة و ظلف الزهد شهواته .استعار لفظ الإطفاء للزهد و هو من أوصاف الماء و نسبته إلی النار نسبة الزهد إلی الشهوات فلاحظ الشبه بین الشهوات و النار فی تأثیرهما المؤذی،و بین الزهد و الماء لما یستلزمانه من کون الإعراض عن الدنیا یستتبع قهر الشهوات و دفع مضارّها کما یفعله الماء بالنار.

السادس: و أسرع[أرجف خ]الذکر إلی لسانه :أی لتعوّده إیّاه و إدمانه فیه.

السابع: و قدّم الخوف لأمانه[لإبّانه خ] :أی خوف ربه.فعمل مخلصا له لیأمن عذابه.

الثامن: و تنکّب المخالج :أی عدل عن الامور المشغلة إلی واضح سبیل اللّه.

التاسع: و سلک أقصد المسالک :أی أولاها بالقصد إلی النهج الواضح و الطریق المطلوب للّه من خلقه،و هو سبیله المستقیم فإنّ للناس فی سلوک سبیل اللّه مذاهب کثیرة و لکن أحبّها إلیه أولاها بالقصد إلی طریقه الموصل إلیه.

العاشر: و لم تفتله فاتلات الغرور :أی لم تهلکه غفلاته فی لذّات الدنیا عن ربّه إذ لم یغفل عن طاعته.

الحادی عشر: و لم تعم علیه مشتبهات الامور :أی لم تظلم فی وجهه شبهة علی حقّ فیسدّ علیه وجه تخلیصه.

الثانی عشر: ظافرا بفرحة البشری :أی بشری الملائکة یومئذ: «بُشْراکُمُ الْیَوْمَ جَنّاتٌ تَجْرِی مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ» .

الثالث عشر: و راحة النعمی ،و الراحة فی مشاقّ الدنیا و متاعبها بنعمی الآخرة.

و نعیم اللّه فی الآخرة الجنّة.

الرابع عشر: مجازا إطلاقا لاسم الملزوم علی لازمه فی أنعم نومه :أی فی أطیب راحته،و أطلق لفظ النوم علی الراحة فی الجنّة مجازا إطلاقا لاسم الملزوم علی لازمه.

الخامس عشر: مجازا إطلاقا لاسم الجزء علی الکلّ و آمن یومه :أی آمن أوقاته،و أطلق لفظ الیوم علی مطلق الوقت مجازا إطلاقا لاسم الجزء علی الکلّ .

السادس عشر: قد عبر معبر العاجلة :أی الدنیا. حمیدا :أی محمود الطریقة.

ص:257

السابع عشر: و قدم ذات الآجلة سعیدا :أی عمله للآخرة فحصل علی السعادة الأبدیّة،و حمیدا و سعیدا حالان.

الثامن عشر: و بادر من وجل :أی إلی الأعمال الصالحة من وجل خوف اللّه.

التاسع عشر: و أسرع فی مهل .أی إلی طاعة ربّه أیّام مهلته،و هی حیاته الدنیا.

العشرون: و رغب فی طلب :أی کان طلبه للّه عن رغبته له.

الحادی و العشرون: و ذهب عن هرب :أی کان ذهابه عمّا یبعّد عن اللّه عن هرب من خوف اللّه.و فی کلّ قرینتین من هذه العشرة السجع المتوازی.

الثانی و العشرون: و راقب فی یومه غده :أی توقّع فی أیّام حیاته هجوم آخرته.

الثالث و العشرون: و نظر قدما أمامه :أی لم یلتفت فی نظره عن قصد اللّه إلی غیره.

ثمّ نبّه بقوله: فکفی بالجنّة ثوابا و نوالا .علی وجوب السعی لها دون غیرها،ثمّ تکون النار و بالا و عقابا علی وجوب الهرب منها دون غیرها ، و کفی باللّه منتقما و نصیرا علی وجوب الاقتصار علی خشیته و الاستعانة به، و بقوله: و کفی بالکتاب حجیجا :أی محتجّا و خصیما علی وجوب الانفعال عنه و ملاحظة شهادته فی الآخرة علی من لم یتّبعه. مجاز و نسب الاحتجاج و الخصام إلی الکتاب مجازا ،و المنصوبات بکفی علی التمییز.

و قوله:اوصیکم بتقوی اللّه.

و قوله: اوصیکم بتقوی اللّه.

عود إلی الحثّ علی تقوی اللّه باعتبار امور ثلاثة:

أحدها:إعذاره إلی الخلق بما أنذرهم به من العقوبات.

الثانی:احتجاجه علیهم بما أوضحه بالدلائل و البیّنات.

الثالث:تحذیره لهم إبلیس و عداوته،و قد سبق معناه فی الخطبة الاولی.و ذکر له أوصافا هی کونه مجاز إطلاقا لاسم المکان علی المتمکّن نفذ فی الصدور خفیّا .و الإشارة به إلی النفس الأمّارة بالسوء،و تجوّز بلفظ الصدور فی القلوب إطلاقا لاسم المکان علی المتمکّن ، و کونه نفث فی الآذان نجیّا.

و هو إشارة إلی ما تلقیه شیاطین الإنس بعضهم إلی بعض من زخرف القول و غروره.و قد سبق ذلک فی الخطبة الاولی،و کونه أضلّ :أی جذب عن طریق الحقّ و أردی :أی فأرادهم فی قرار الجحیم ، و وعد و منّی :أی ببلوغ الآمال الکاذبة ، و زیّن سیّئات الجرائم :أی

ص:258

قبایح المعاصی ، و هوّن موبقات العظائم :أی ما یهلک من عظیم الذنوب.و تهوینه لها بمثل تمنّیه التوبة و مساعدة العقل له بقوله «إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِیمٌ» و بمثل الاقتداء بالغیر الّذی هو أولی بالعفّة مثلا أو أکثر قدرا فی الدنیا،و سایر أوصاف الوساوس کما عرفت حقیقتها .

و قوله:حتّی إذا استدرج قرینته و استغلق رهینته

استعارة و قوله: حتّی إذا استدرج قرینته و استغلق رهینته فقرینته هی النفس الناطقة باعتبار موافقته و هی رهینته باعتبار إحاطة الذنوب بها من قبله کما یستغلق الرهن بما علیه من المال و لفظ الرهینة مستعار.و استدراجه لها تزیینه حالا بعد حال و تعویدها بطاعته .

و قوله:أنکر ما زیّن.إلی آخره .

و قوله: أنکر ما زیّن .إلی آخره.

إشارة إلی غایته من وسوسته و عود من النفس الأمّارة بالسوء إلی موافقتها لحکم العقل فی قبح ما کانت أمرت به ،و استعظام خطره و مساعدتها علی التحذیر منه بالامتناع من تحسینه بعد أن کانت تحثّ علیه و تزیّنه و تؤمن منه.و ذلک إمّا عند التوبة و قهر العقل لها أو عند معاینة المکروهات الجزئیّة من العقوبات و الآلام إمّا فی الدنیا أو بعد المفارقة و الحصول فی عذاب الجحیم بسبب الانهماک فیما کانت زیّنته من الباطل، و ذلک أنّ النفس إذا فارقت البدن حملت معها القوّة المتوهّمة فتدرک ما یلحقها من جزئیّات العقوبات کعذاب القبر و ما یتنوّع منه کما سبقت الإشارة إلیه،و قد یتصوّر ذلک من شیاطین الإنس فی تزیینهم الجرائم،و أمّا من الشیطان الظاهر فظاهر.

الفصل الثامن و منها فی صفة خلق الإنسان،

اشارة

و فی هذا الفصل فصلان.

الفصل الأوّل

اشارة

قوله:

أَمْ هَذَا الَّذِی أَنْشَأَهُ فِی ظُلُمَاتِ الْأَرْحَامِ وَ شُغُفِ الْأَسْتَارِ- نُطْفَةً دِهَاقاً وَ عَلَقَةً مِحَاقاً- وَ جَنِیناً وَ رَاضِعاً وَ وَلِیداً وَ یَافِعاً- ثُمَّ مَنَحَهُ قَلْباً حَافِظاً وَ لِسَاناً لاَفِظاً وَ بَصَراً لاَحِظاً- لِیَفْهَمَ مُعْتَبِراً وَ یُقَصِّرَ مُزْدَجِراً- حَتَّی إِذَا قَامَ اعْتِدَالُهُ وَ اسْتَوَی

ص:259

مِثَالُهُ- نَفَرَ مُسْتَکْبِراً وَ خَبَطَ سَادِراً مَاتِحاً فِی غَرْبِ هَوَاهُ- کَادِحاً سَعْیاً لِدُنْیَاهُ فِی لَذَّاتِ طَرَبِهِ وَ بَدَوَاتِ أَرَبِهِ- ثُمَّ لاَ یَحْتَسِبُ رَزِیَّةً وَ لاَ یَخْشَعُ تَقِیَّةً- فَمَاتَ فِی فِتْنَتِهِ غَرِیراً وَ عَاشَ فِی هَفْوَتِهِ یَسِیراً- لَمْ یُفِدْ عِوَضاً وَ لَمْ یَقْضِ مُفْتَرَضاً- دَهِمَتْهُ فَجَعَاتُ الْمَنِیَّةِ فِی غُبَّرِ جِمَاحِهِ وَ سَنَنِ مِرَاحِهِ- فَظَلَّ سَادِراً وَ بَاتَ سَاهِراً فِی غَمَرَاتِ الْآلاَمِ- وَ طَوَارِقِ الْأَوْجَاعِ وَ الْأَسْقَامِ بَیْنَ أَخٍ شَقِیقٍ وَ وَالِدٍ شَفِیقٍ- وَ دَاعِیَةٍ بِالْوَیْلِ جَزَعاً وَ لاَدِمَةٍ لِلصَّدْرِ قَلَقاً- وَ الْمَرْءُ فِی سَکْرَةٍ مُلْهِثَةٍ وَ غَمْرَةٍ کَارِثَةٍ- وَ أَنَّةٍ مُوجِعَةٍ وَ جَذْبَةٍ مُکْرِبَةٍ وَ سَوْقَةٍ مُتْعِبَةٍ- ثُمَّ أُدْرِجَ فِی أَکْفَانِهِ مُبْلِساً وَ جُذِبَ مُنْقَاداً سَلِساً- ثُمَّ أُلْقِیَ عَلَی الْأَعْوَادِ رَجِیعَ وَصَبٍ وَ نِضْوَ سَقَمٍ- تَحْمِلُهُ حَفَدَةُ الْوِلْدَانِ وَ حَشَدَةُ الْإِخْوَانِ إِلَی دَارِ غُرْبَتِهِ- وَ مُنْقَطَعِ زَوْرَتِهِ وَ مُفْرَدِ وَحْشَتِهِ- حَتَّی إِذَا انْصَرَفَ الْمُشَیِّعُ وَ رَجَعَ الْمُتَفَجِّعُ- أُقْعِدَ فِی حُفْرَتِهِ نَجِیّاً لِبَهْتَةِ السُّؤَالِ وَ عَثْرَةِ الاِمْتِحَانِ- وَ أَعْظَمُ مَا هُنَالِکَ بَلِیَّةً نُزُولُ الْحَمِیمِ- وَ تَصْلِیَةُ الْجَحِیمِ وَ فَوْرَاتُ السَّعِیرِ- وَ سَوْرَاتُ الزَّفِیرِ لاَ فَتْرَةٌ مُرِیحَةٌ- وَ لاَ دَعَةٌ مُزِیحَةٌ وَ لاَ قُوَّةٌ حَاجِزَةٌ وَ لاَ مَوْتَةٌ نَاجِزَةٌ وَ لاَ سِنَةٌ مُسَلِّیَةٌ- بَیْنَ أَطْوَارِ الْمَوْتَاتِ وَ عَذَابِ السَّاعَاتِ- إِنَّا بِاللَّهِ عَائِذُونَ

ص:260

أقول:اعلم أنّ مدار هذا الفصل علی وصف حال الإنسان من مبدء عمره بالنقصان و بیان نعم اللّه بتردیده فی أطوار الخلقة،و تبکیته بمقابلة نعمه بالکفر و الغفلة فی متابعة الشیطان،و تذکیره بما یکون غایته من حیاة الدنیا و هو الموت و ما یتبعه من أحوال المیّت بین أهله و أقاربه،و حالهم معه و ما یکون بعد الموت من العذاب فی القبر و السؤال و الحساب و سائر ما ینّفر طبعه منه،و یوجب له الالتفات إلی إصلاح معاده و تذکیر مبدئه «لَعَلَّهُ یَتَذَکَّرُ أَوْ یَخْشی» .

اللغة

و الشغف بالغین المعجمة : جمع شغاف بالفتح و هو غلاف القلب .و الدفاق : المفرغة .

و المحاق : الناقصة .و الیافع : الغلام المرتفع .و السادر : اللاهی الّذی لا یهتمّ بشیء و الماتح : الجاذب للدلو من البئر .و البدوات : الخطرات الّتی تبدو:أی تظهر للخاطر .

و دهمه بالکسر : أی غشیه .و غبر شیء : بقیّته و جماحه : سعیه فی رکوب هواه .

و السادر ثانیا : المتحیّر .و اللدم : ضرب الصدر .و کارثة : موجبة لشدّة الغمّ .و الإبلاس : الیأس .

و الرجیع : من الإبل المردّد فی الأسفار .و النضو : الّذی قد هزلته .و حفدة الولدان :

أعوانهم .و الحشدة بفتح الحاء و الشین : المجتمون .و التفجّع : التوجّع .

و فی تفصیل هذا الفصل نکت :
الاولی:

أم للاستفهام.و هو استفهام فی معرض التقریع للإنسان و أمره باعتبار حال نفسه،و دلالة خلقته علی جزئیّات نعم اللّه علیه مع کفرانه لها.و کان أم معادلة لهمزة الاستفهام قبلها،و التقدیر ألیس فیما أظهره اللّه لکم من عجائب مصنوعاته عبرة؟أم هذا الإنسان و تقلّبه فی أطوار خلقته و حالاته إلی یوم نشوره؟کقوله تعالی «وَ فِی أَنْفُسِکُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ» و فی بعض النسخ:أو هذا.و المعنی واحد.

اعلم أنّ فی ملاحظة خلقة الإنسان و ما جمع فیها من لطائف الأسرار عبرة تامّة حتّی کان عالما مختصرا کما أو مأنا إلیه قبل،و سیأتی .

الثانیة:

قیل أوّل أحوال تکوّن الإنسان زبدیّة المنیّ و انتفاخ یظهر فیه فینمو به،و أوّل ما یتکوّن فیه وعاء الروح بفعل الملک المصوّر ثمّ تحدث ریح من قبل الطبیعة فتثقب ثقبا أمام فوهات العروق بحیث إذا تخلّقت محسوسة صارت عروقا ثمّ یبسط النطفة

ص:261

فی أقطارها و تحدث فی الغشاء ثقبا موازیة لثقب العروق الّتی فی الرحم ینفتح عند الحیض،و یحصل لجمیعها مجاری فی الغشاء المذکور یؤدّی إلی مجری واحد نافذ إلی عمق النطفة مؤدّیا إلی باطنه الدم فی عرقین أو عرق و النفس فی عرقین فإذا تخلّقت هذه المجاری امتصّت النطفة حینئذ الغذاء من فوهات تلک العروق،و نفذ فی الصفاق دم یستحیل عن قریب إلی جوهر المنیّ و حدث لها خطوط لها مبادئ دمویّة،و نقطة اولی هی القلب ثمّ لا تزال الدمویّة تزداد فی النطفة حتّی تصیر علقة و تکون مثل الرغوة فی الأکثر لستة أیّام،و ابتداء الخطوط الحمر و النقطة بعد ثلاثة أیّام اخری ثمّ بعد ستّة أیّام و هو الخامس عشر من حین العلوق تنفذ الدمویّة فی الجمیع فتصیر علقة، و بعد ذلک باثنی عشر یوما تصیر لحما و تتمیّز قطعة لحم المضغة و تمیّز الأعضاء الرئیسة،و تمتدّ رطوبة النخاع ثمّ بعد تسعة أیّام ینفصل الرأس عن المنکبین و الأطراف عن الضلوع و البطن تمیّزا یحسّ به فی بعضهم و یخفی فی بعض حتّی یحسّ به بعد أربعة أیّام اخری تمام الأربعین فیصیر جنینا،و قد یتمّ ذلک فی ثلاثین یوما و قد یتمّ فی خمس و أربعین یوما،و قیل:العدل فی ذلک خمسة و ثلاثون یوما فیتحرّک فی سبعین یوما،و یولد فی مائتین و عشرة أیّام و ذلک سبعة أشهر،و إذا کان الأکثر لخمسة و أربعین یوما فتحرّک فی تسعین یوما،و یولد فی مائتین و سبعین یوما،و ذلک تسعة أشهر.فهذه إشارة إلی تنقّله فی ظلمات الرحم بتدبیر الملک المقتدر و واسطة الملک المصوّر، و لو کشف الغطاء لرأینا هذه التخطیط و التصویر یظهر علیه شیئا فشیئا مع أنّا لا نری المصوّر و لا آلته.فسبحان المقتدر علی ما یشاء .

الثالثة:

إنّما وصف العلقة بالمحاق لأنّها لم تفض علیها بعد صورة شخص الإنسان فهی بعد منمحقة .

الرابعة:

الولد ما دام یرضع فهو رضیع،و بعده ولید،فإذا ارتفع قیل:یافع.فإذا طرّشا ربه فهو غلام،فإذا أدرک فهو رجل،و للرجولیّة ثلاثة حدود:الشباب و هو إلی تمام النموّ،و بعده الکهولة،و بعدها الشیخوخة .

الخامسة:

ذکر الحفظ للقلب و اللفظ للسان و اللحظ للبصر بیان لفوایدها ،ثمّ ذکر

ص:262

غایة تلک الفواید و مقصودها،و هو أن یفهم الإنسان معتبرا أی یستنبط من شواهد آلاء اللّه دلایل وحدانیّته و سایر نعوت جلاله و یعبر فیها إلی استکمال الفضایل النفسانیّة و یقصر مزدجرا:

أی یکفّ عمّا لا ینبغی من موبقات الأیّام و عن الخوض فیما لا یعنیه مزدجرا عنها .

السادسة:

قوله حتّی إذا قام اعتداله و استوی مثاله نفر مستکبرا إلی آخر الأوصاف.ربّما یعترض فیقال:إنّ کثیرا من الناس لا یکون بهذه الصفة و حینئذ لا تصدق علیهم هذه الأحکام.فجوابه:أنّ إشارته علیه السّلام إلی الإنسان المطلق الّذی هو فی قوّة البعض لا الإنسان العامّ،و ذلک أنّ الأوصاف المذکورة إذا صدقت علی المطلق فقد صدقت علی بعض الناس،و ذلک البعض هم العصاة المرادون بهذه الأوصاف،و التوبیخ بها لهم،و فیه تنبیه للباقین علی وجوب دوام شکر اللّه و البقاء علی امتثال أوامره و نواهیه .

السابعة:

استعارة مرشحة ماتحا فی غرب هواه .لمّا استعار لفظ الغرب لهواه الّذی یملأ به صحایف أعماله من المآثم کما یملأ ذو الغرب غربه من الماء رشّح تلک الاستعارة بذکر المتح .

الثامنة:

المنصوبات العشرون: نطفة و علقة و جنینا و راضعا و ولیدا و یافعا و معتبرا و مزدجرا و مستکبرا و سادرا و ماتحا و کادحا و غریرا و مبلسا و منقادا و سلسا و رجیع و صب و نضو سقم و نجیّا .کلّها أحوال،و العامل فی کلّ حال ما یلیه من الأفعال.و سعیا إمّا مفعول به و العامل کادحا أو مصدر استغنی عن ذکر فعله،و یسیرا صفة ظرف محذوف اقیمت مقامه:أی زمانا یسیرا،و روی أسیرا فعلی هذا یکون حالا،و جزعا و قلقا و تقیّه مفعول به،و استعار أسیرا للعاصی علی الروایة الثانیة،و وجه المشابهة أن صاحب الزلّة یقوده هواه إلی هوانه کما یقاد الأسیر إلی ما یکره .

التاسعة:

لم یفد عوضا :أی لم یستفد فی الدنیا عوضا ممّا یفوته منها فی الآخرة، و العوض الّذی ضیّعه هو الکمالات الّتی خلق لیستفیدها و فرضت علیه من الطاعات و لم یقضها من العلوم و الأخلاق .

العاشرة:

الواو فی المر ء للحال و العامل لادمة .و الأنّة الموجعة أی لقلوب الواجدین علیه و الجذبة المکربة:أی جذب الملائکة للروح کما قال تعالی «وَ لَوْ تَری إِذِ الظّالِمُونَ فِی غَمَراتِ الْمَوْتِ وَ الْمَلائِکَةُ باسِطُوا أَیْدِیهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَکُمُ» (1)الآیة،و روی عن رسول اللّه

ص:263


1- 1) 6-93.

صلی اللّه علیه و آله و سلّم قال:إنّ المؤمن إذا احتضر أتته الملائکة بحریرة فیها مسک و ضبائر الریحان فینسلّ روحه کما تسلّ الشعرة من العجین و یقال: «أَیَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ اِرْجِعِی إِلی رَبِّکِ راضِیَةً مَرْضِیَّةً» إلی روح اللّه و کرامته فإذا خرجت روحه وضعت علی ذلک المسک و الریحان و طویت علیه الحریرة و بعث بها إلی علّیین،و إنّ الکافر إذا احتضر أمر اللّه الملائکة بمسح فیه جمرة فنزع روحه انتزاعا شدیدا و یقال:ایّتها النفس الخبیثة ارجعی ساخطة مسخوطا علیک إلی هوان اللّه و عذابه فإذا خرجت روحه وضعت علی تلک الجمرة و کان لها نشیش،و یطوی علیها ذلک المسح،و یذهب بها إلی سجّین.

و اعلم أنّ تلک الجذبة تعود إلی ما یجده المیّت حال النزع و هو عبارة عن ألم ینزل بنفس الروح یستغرق جمیع أجزائه المنتشرة فی أعماق البدن و لیس هو کسائر ما یجده الروح المختصّ ببعض الأعضاء کعضو شاکته شوکة و نحوه لاختصاص ذلک بموضع واحد فألم النزع یهجم علی نفس الروح و یستغرق جمیع أجزائه و هو المجذوب من کلّ عرق و عصب و جزء من الأجزاء و من أصل کلّ شعرة و بشرة.و لا تسئلنّ عن بدن یجذب منه کلّ عرق من عروقه،و قد یمثّل ذلک بشجرة شوک کانت داخل البدن ثمّ جذبت منه فهی الجذبة المکربة ،و لمّا کان موت کلّ عضو من البدن عقیب الأمراض الّتی ربّما طالت تدریجا فتلک هی السوقة المتعبة .

الحادی عشر:

استعارة قوله: رجیع و صب و نضو سقم .استعار له وصفی الجمل فالرجیع باعتبار کونه قد ردّد فی أطوار المرض و تواتر علیه کما یردّد الجمل فی السفر مرّة بعد اخری، و لفظ حو له من الأسقام کما ینحل الأسفار الجمل .

الثانیة عشر:

قوله: اقعد فی حفرته نجیّا لبهتة السؤال.إلی آخره.

أقول:القول بعذاب القبر و سؤال منکر و نکیر حقّ روی عن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلّم أنّه قال لعمر:یابن الخطّاب کیف بک إذا أنت متّ فانطلق بک قومک فقاسوا لک ثلاثة أذرع فی ذراع و شبر ثمّ رجعوا إلیک فغسّلوک و کفنّوک ثمّ احتملوک حتّی یضعوک فیه ثمّ یهیلوا علیک التراب فیدفنوک فإذا انصرفوا عنک أتاک فتّانا القبر منکرا و نکیرا أصواتهما کالرعد القاصف و أبصارهما کالبرق الخاطف یجرّان أشعارهما و یحیثان

ص:264

القبر بانیا بهما فیبلبلانک و یزلزلانک فیقولان لک:من ربّک؟و من نبیّک؟و ما دینک؟ کیف بک عند ذاک یا عمر.فقال عمر:فیکون معی عقلی الآن؟قال صلی اللّه علیه و آله و سلّم:نعم قال:

فإذن أکفیهما.و فی وصفهما عنه صلی اللّه علیه و آله و سلّم أنّهما ملکان أسودان أرزقان أحدهما منکر و الآخر نکیر.

و اعلم أنّ الإیمان بما جاء من ذلک علی ثلاث مراتب:

أحدها:و هو الأظهر الأسلم أن یصدّق بأنّها موجودة و أنّ هناک ملکین علی الصورة المحکیّة،و حیّات و عقارب تلدغ المیّت،و إن کنّا لا نشاهدها إذ لا تصلح هذه العین لمشاهدة الامور الملکوتیّة،و کلّ ما یتعلّق بالآخرة فهو من عالم الملکوت کما کانت الصحابة یؤمنون بنزول جبرئیل،و کان النبیّ صلی اللّه علیه و آله و سلّم یشاهده و إن لم یکونوا یشاهدونه،و کما أنّ جبرئیل لا یشبه الناس فکذلک منکر و نکیر و فعلهما و الحیّات و العقارب فی القبر لیس من جنس حیّات عالمنا.فتدرک بمعنی آخر.

المقام الثانی:أن یتذکّر ما قد یراه النایم من صورة شخص هایل یضربه أو یقتله أو حیّة تلدغه و قد یتألّم بذلک حتّی تراه فی نومه یصیح و یعرق جبینه و ینزعج من مکانه کلّ ذلک یدرک من نفسه و یشاهده و یتأذّی به کما یتأذّی الیقظان و أنت تری ظاهره ساکنا و لا تری حوله شخصا و لا حیّة،و الحیّة موجودة فی حقّه متخیّلة له و لا فرق بین أن یتخیّل عدوّا أو حیّة أو یشاهده.

المقام الثالث:أن تعلم أنّ منکرا و نکیرا و سایر أحوال القبر غایته الایلام و المولم فی حقّه لیس هو الشخص المشاهد و لا الحیّة بل ما حصل فیه من العذاب فالنفس العاصیة إذا فارقت البدن حملت القوّة المتخیّلة معها و لم یتجرّد عن البدن منزّهة عن الهیئات البدنیّة و الأخلاق الردیئة المهلکة من الکبر و الریاء و الحسد و الحقد و الحرص و غیرها،و هی عند الموت عالمة بمفارقة البدن متوهّمة لنفسها الإنسان الّذی مات و علی صورته کما کان فی الرؤیا یتخیّل و یتوهّم بدنها مقبورة و یتخیّل الآلام الواصلة إلیها عن کلّ خلق ردیء علی سبیل العقوبة الحسّیّة لها کما قرّرته الشریعة الصادقة،و انغرس فی الأذهان عنها علی صورة شخص منکر هائل الصورة یعنفه فی السؤال و یبهته بسوء

ص:265

منظره و هول أصواته و یمتحنه فیتلجلج لسانه فیضربه و یعذّبه،و علی مثال تنیّن یلدغه،و إن کانت النفس سعیدة تخیّلت اللذّات الحاصلة لها من کلّ خلق حسن و عمل صالح قدّمته فی صورة ملائمة فوق ما کانت یعتقده ممّا کان وصف لها من صور أشخاص بهیّة یدخل علیهم و یتلقّاهم بالبشارة کمبشّر و بشیر و سایر الملائکة الّذین یدخلون علیهم من کلّ باب سلام علیکم و من فسحة القبر و الروح و الریحان و سایر ما وعد فیه.

فهذا عذاب القبر و ثوابه و إلیه الإشارة بقول الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلّم:القبر روضة من ریاض الجنّة أو حفرة من حفر النار.

فإن قلت:لم جعل أوّل داخل علی الإنسان فی قبره سواء کان سعیدا أو شقیّا ملکین و لم یکن ثلاثة أو واحد مثلا.

قلت:قال بعض العلماء:إنّه لمّا کانت السعادة و الشقاوة الحاصلتین للنفس إنّما یحصل من جهة قوّتین نظریّة و عملیّة بهما جعل ما یکتسب عن کلّ واحدة منهما ملکا.

فإن کان المکتسب جهلا مرکّبا و رذائل أخلاق فمنکر و نکیر و إن کان علما و مکارم فمبشّر و بشیر.و اللّه أعلم بأسرار شریعته.

و اعلم أنّک متی تصوّرت معنی ثواب القبر و عذابه فی المقامات تصوّرت معنی ثواب الجنّة و عذاب النار .

الثالث عشر:

قوله لا فترة مزیحة و لا قوّة حاجزة .یجری مجری آیات الوعید الناطقة بالتخلید،و هی مخصوصة بالکفّار الّذین لا مسکة لنفوسهم بعالم الملکوت و نحوه قوله تعالی «إِنَّ الْمُجْرِمِینَ فِی عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ لا یُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَ هُمْ فِیهِ مُبْلِسُونَ» (1)و أمّا أنّه لیس لهم قوّة حاجزة فلأنّ القوّة الحاجزة بینهم و بین العذاب مفقودة فی حقّهم و هی المسکة باللّه تعالی و محبّة الالتفات إلی عالم الغیب و الملأ الأعلی ،و أمّا عدم الموتة الناجزة فلأنّ الإنسان غیر قابل للفناء مرّة اخری کما علم ذلک فی موضعه و أمّا سلب السنة عنهم إشارة إلی شدّة آلامهم و ما یلقونه من ألیم العذاب لما أنّ الألم الشدید یستلزم عدم النوم فلا سلوة إذن بین حالات سکرات العذاب ، مجاز إطلاقا لذی الغایة علی ما یصلح غایة له و إطلاق لفظ الموتات مجاز

ص:266


1- 1) 43-74.

فی شدّة العذاب إطلاقا فذی الغایة علی ما یصلح غایة له السجع المتوازی و قد لاحظ فی أکثر هذا الفصل السجع المتوازی و باللّه التوفیق.

الفصل الثانی

اشارة

قوله:

عِبَادَ اللَّهِ أَیْنَ الَّذِینَ عُمِّرُوا فَنَعِمُوا وَ عُلِّمُوا فَفَهِمُوا- وَ أُنْظِرُوا فَلَهَوْا وَ سُلِّمُوا فَنَسُوا- أُمْهِلُوا طَوِیلاً وَ مُنِحُوا جَمِیلاً- وَ حُذِّرُوا أَلِیماً وَ وُعِدُوا جَسِیماً- احْذَرُوا الذُّنُوبَ الْمُوَرِّطَةَ وَ الْعُیُوبَ الْمُسْخِطَةَ- أُولِی الْأَبْصَارِ وَ الْأَسْمَاعِ وَ الْعَافِیَةِ وَ الْمَتَاعِ- هَلْ مِنْ مَنَاصٍ أَوْ خَلاَصٍ- أَوْ مَعَاذٍ أَوْ مَلاَذٍ أَوْ فِرَارٍ أَوْ مَحَارٍ أَمْ لاَ- «فَأَنّی تُؤْفَکُونَ» أَمْ أَیْنَ تُصْرَفُونَ أَمْ بِمَا ذَا تَغْتَرُّونَ- وَ إِنَّمَا حَظُّ أَحَدِکُمْ مِنَ الْأَرْضِ ذَاتِ الطُّوْلِ وَ الْعَرْضِ- قِیدُ قَدِّهِ مُتَعَفِّراً عَلَی خَدِّهِ- الْآنَ عِبَادَ اللَّهِ وَ الْخِنَاقُ مُهْمَلٌ وَ الرُّوحُ مُرْسَلٌ- فِی فَیْنَةِ الْإِرْشَادِ وَ رَاحَةِ الْأَجْسَادِ وَ بَاحَةِ الاِحْتِشَادِ- وَ مَهَلِ الْبَقِیَّةِ وَ أُنُفِ الْمَشِیَّةِ وَ إِنْظَارِ التَّوْبَةِ- وَ انْفِسَاحِ الْحَوْبَةِ قَبْلَ الضَّنْکِ وَ الْمَضِیقِ- وَ الرَّوْعِ وَ الزُّهُوقِ وَ قَبْلَ قُدُومِ الْغَائِبِ الْمُنْتَظَرِ- وَ إِخْذَةِ الْعَزِیزِ الْمُقْتَدِرِ

اللغة

أقول: ورّطته فی الأمر : خلّصته فیه .و المناص : الملجأ .و المحار : المرجع .

و أفک : صرف .و قید : قدّه مقدار قامته .و المعفر : المترب .و العفر : التراب .و الفینة :

ص:267

الجبن .و أنف الشیء : أوّله .و الحوبة : الحاجة و المسکنة .و الضنک : الضیق .

و فی هذا

الفصل فوائد :

الاولی:

التنبیه و التقریع علی کفران جملة من نعم اللّه،فمنها أن عمّرهم فنعموا ، و علّمهم ففهموا ،و أنظرهم و سلّمهم من الآفات و أمهلهم طویلا ،و منحهم الجمیل ، و حذّرهم ألیم العذاب ،و وعدهم وعدا حسنا.و من کفرانهم لتلک النعمة أن اشتغلوا بلذّات الدنیا عن أوامره و لهوا عن الالتفات إلیه و نسوا ما ذکّرهم به و دعاهم إلیه .

الثانیة:

التحذیر من الذنوب المورّطةفی موارد الهلکة و أنواع العذاب ثمّ من العیوب المسخطة للّه و هی اکتساب رذائل الأخلاق .

الثالثة:

تنبیه اولی الأبصار و الأسماع و العافیة و المتاع فی الدنیا علی أنّه لا مناص:أی من أمر اللّه،و لا خلاص:أی من عذابه لمن حصل فیه ،و کذلک لا معاذ و لا ملاذ منه لمن استعدّ له .و لا فرار:أی من حکمه،و لا مرجع:أی بعد الموت.و إنّما خصّ اولی الأبصار و الأسماع و العافیة لکونهم أهل التکالیف التامّة، مجاز و العقول داخلة فی إشارته إمّا بالإبصار و الإسماع مجازا أو فی العافیة، و إنّما خصّ اولی المتاع لأنّ أهل الاستمتاع بالدنیا هم المجذوبون عنها من جهة اشتغالهم بمتاعها عن سلوک سبیل اللّه، و هل استفهام عن الامور المذکورة علی سبیل الإنکار لها ثمّ استفهمهم عن وقت صرفهم، و عن مکان ذلک علی سبیل التقریع لهم،ثمّ عمّا یعتذرون به بعد لقاء اللّه فی ترک أو امره علی سبیل الإنکار للأعذار أیضا.و أم معادلة لهل الاستفهامیّة .

الرابعة:التذکیر بأمر القبر و تعفیر الخدّ

فیه ممّا هو منفور عنه طبعا و فیه تنبیه علی وجوب الانتهاء عن الاستکثار من قینات الدنیا و جناتها لوجوب مفارقتها و أنّه لا نصیب للمجدّ فی تحصیلها منها إلاّ مقدار قامته و هو کنایة عن قبره .

الخامسة:التنبیه علی وقت العمل و الأحوال:

الّتی یمکنهم فیها. استعارة بالکنایة-استعارة مرشحة و کنّی ب الآن عن زمان الحیاة الدنیا،و ب الخناق عمّا تؤخذ به أعناق النفوس إلی بارئها و هو الموت کنایة بالمستعار،و وجه المشابهة کون کلّ واحد منهما مکروها یقاد به إلی مکروه و رشّح الاستعارة بذکر الإهمال،و کنّی به عن مدّة الإمهال فی الحیاة الدنیا و کذلک

ص:268

أراد بإرسال الروح إهمالها،و یکون ذلک الإرسال فی فینة الارتیاد :أی فی زمان ارتیاد النفوس و طلبها لما تستعدّ به من الکمال للقاء اللّه،و روی الإرشاد:أی إرشاد النفوس إلی سبیل اللّه و جهة السعادة الأبدیّة و کذلک مهل البقیّة :أی بقیّة الأعمار .

السادسة قوله:و انف المشیّة:

أی أوّل الإرادات للنفوس،و ذلک أنّه ینبغی أن یکون أوّل زمان الإنسان و أوائل میول قلبه إلی طاعة اللّه و الانقیاد لأوامره لیکون ما یرد علی لوح نفسه من الکمالات المسعدة فی الآخرة واردا علی لوح صاف عن کدر الباطل و أنّه متی عکس ذلک فجعل أوائل میوله و إرادته لمعاصی اللّه تسوّد وجه نفسه بملکات السوء فلم یکد یقبل بعد ذلک الاستضاءة بنور الحقّ فکان من الأخسرین أعمالا .

السابعة:إنظار التوبة

إمهال اللّه العصاة لأجلها و لمّا کان غرض العنایة الإلهیّة سوق کلّ ناقص إلی کماله حسن أن یعبّر عن بقاء العاصی بأنّه إنظار للتوبة .

الثامنة:و انفساح الحوبة

اتّساع زمان العمل للحاجة فی الآخرة.و الإضافة یکفی فیها أدنی ملابسة و ذلک أنّ کلّ حاجة فرضها الإنسان فی الدنیا فقد لا یکون فی محلّ الضرورة،و الضیق الکلّی منها و إن کانت فی محلّ الضرورة لکنّها فی مظنّة أن یرجی زوالها بخلاف الحاجة و الضرورة فی الآخرة إلی صالح الأعمال فإنّها لا یمکن زوالها بعد المفارقة و لا متّسع للعمل إلاّ فی الدنیا و کان أهلها منها فی أشدّ ضرورة و أضیق حال و أقبح صورة ،و أشار بالضنک و الضیق إلی انحصار الإنسان فی أغلال الهیئات البدنیّة و سجن جهنّم،و بالروع و الزهوق إلی الفزع الأکبر من أهوال الموت و ما بعده .

التاسعة:

کنایة-استعارة مرشحة الغائب المنتظر کنایة عن الموت،و قدومه:هجومه،و لمّا استعار له لفظ الغائب مراعاة لشبهه بمسافر ینتظر رشّح تلک الاستعارة بلفظ القدوم .

العاشر:أخذة العزیز المقتدر

جذب الأرواح بحکم قدرة اللّه العزیز الّذی لا یلحقه إذلال قاهر،المقتدر الّذی لا امتناع له لقدرة قادر.و باللّه التوفیق.

81-و من کلام له علیه السّلام

اشارة

فی ذکر عمرو بن العاص

عَجَباً؟لاِبْنِ النَّابِغَةِ؟ یَزْعُمُ لِأَهْلِ؟الشَّامِ؟ أَنَّ فِیَّ دُعَابَةً- وَ أَنِّی امْرُؤٌ تِلْعَابَةٌ

ص:269

أُعَافِسُ وَ أُمَارِسُ- لَقَدْ قَالَ بَاطِلاً وَ نَطَقَ آثِماً- أَمَا وَ شَرُّ الْقَوْلِ الْکَذِبُ إِنَّهُ لَیَقُولُ فَیَکْذِبُ وَ یَعِدُ فَیُخْلِفُ- وَ یَسْأَلُ فَیُلْحِفُ وَ یُسْأَلُ فَیَبْخَلُ وَ یَخُونُ الْعَهْدَ وَ یَقْطَعُ الْإِلَّ- فَإِذَا کَانَ عِنْدَ الْحَرْبِ فَأَیُّ زَاجِرٍ وَ آمِرٍ هُوَ- مَا لَمْ تَأْخُذِ السُّیُوفُ مَآخِذَهَا- فَإِذَا کَانَ ذَلِکَ کَانَ أَکْبَرُ مَکِیدَتِهِ أَنْ یَمْنَحَ الْقَرْمَ سَبَّتَهُ- أَمَا وَ اللَّهِ إِنِّی لَیَمْنَعُنِی مِنَ اللَّعِبِ ذِکْرُ الْمَوْتِ- وَ إِنَّهُ لَیَمْنَعُهُ مِنْ قَوْلِ الْحَقِّ نِسْیَانُ الْآخِرَةِ- إِنَّهُ لَمْ یُبَایِعْ؟مُعَاوِیَةَ؟ حَتَّی شَرَطَ أَنْ یُؤْتِیَهُ أَتِیَّةً- وَ یَرْضَخَ لَهُ عَلَی تَرْکِ الدِّینِ رَضِیخَةً

اللغة

أقول: نبغ الشیء : ظهر و سمیّت امّ عمرو النابغة لشهرتها بالفجور و تظاهرها به .و الدعابة : المزاح .و التلعابة : کثیرا للعب و التاء للمبالغة .و المعافسة : المداعبة .

و الممارسة : المعالجة بالمصارعة و القرص و نحوه .و الإلّ : القرابة .و سبّته : سوءته .

و الأتیّة : العطیّة و الوزن واحد و کذلک الرضیخة .

و اعلم أنّ فی هذا الفصل ثلاثة فصول :

الأوّل ذکر دعوی عمرو فی حقّه علیه السّلام

من کونه لعّابا مزّاحا یکثر المعالجة بالمصارعة و ذکر هذه الدعوی مصدّرة بالتعجّب من صدورها فی حقّه مختومة بالکذب لمدعیها و الرد لمقالة و ذلک قوله: عجبا إلی قوله:و نطق آثما و باطلا وصف للمصدر، و آثما حال و إنّما کنّی عنه بامّه لأنّ من عادة العرب النسبة إلی الامّ إذا کانت مشهورة بشرف أو خسّة و نحوها.

و اعلم أنّه علیه السّلام قد کان یصدر عنه المزاح بالقدر المعتدل الّذی لا یخرج به إلی حدّ رذیلة الإفراط فیه فمن ذلک ما روی أنّه کان جالسا یوما علی رباوة من الأرض و کان أبو هریرة جالسا معه و أخذ منه لفتة و حذفه بنواة فالتفت إلیه أبو هریرة فتبسّم علیه السّلام

ص:270

فقال أبو هریره:هذا الّذی أخّرک عن الناس،و قد علمت أنّ ذلک من توابع حسن الخلق و لین الجانب فهو إذن فضیلة و لیس برذیلة و المدّعی لعمرو إنّما هو عبوره فی ذلک إلی حدّ الإفراط الّذی یصدق علیه أنّه لعب و هزل،و روی أنّه کان یقول لأهل الشام:

إنّا إنّما أخّرنا علیّا لأنّ فیه هزلا لا جدّ معه و نحوه ما کان یقوله أبوه العاص لرسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلّم إنّه لساحر و من أشبه أباه فما ظلم و تکذیبه علیه السّلام لعمرو إنّما هو فیما ادّعاه من الخروج إلی اللعب و أمّا أصل المزاح فلم ینکره و کیف و قد کان یصدر عن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلّم کما صروی أنّه قال یوما لعجوز:إنّ العجایز لا یدخلن الجنّة فبکت فتبسّم و قال إنّ اللّه یجعلهنّ شوابّ ثمّ یدخلهنّ الجنّة و أهل الجنّة شباب جرد مرد و إنّ الحسن و الحسین علیهما السّلام سیّدی شباب أهل الجنّة.و کان یقول:أمزح و لا أقول إلاّ حقّا .

الثانی:قوله:أمّا و شرّ القول إلی قوله سبّته

و یشتمل علی ذکر ما اجتمع فی هذا المدّعی من الرذائل الّتی توجب فسقه و سقوط دعواه لقوله تعالی «یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا إِنْ جاءَکُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَیَّنُوا» (1)الآیة و ذکر من تلک الرذائل خمسا.

الاولی:الکذب و ظاهر کونه شرّ القول و أنّه مفسدة مطلقة فی الدین و الدنیا أمّا الدین فللمنقول و المعقول أمّا المنقول فقول الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلّم الکذب رأس النفاق،و أمّا المعقول فلأنّ الوجدان شاهد بأنّ الکذب ممّا یسوّد لوح النفس و یمنعه أن ینتقش بصور الحقّ و الصدق و یفسد المنامات و الإلهامات،و أمّا الدنیا فلأنّه سبب عظیم لخراب البلاد و قتل النفوس و سفک الدماء و أنواع الظلم و لذلک اتّفق أهل العالم من أرباب الملل و غیرهم علی تحریمه و ادّعی المعتزلة قبحه بالضرورة و هو رذیلة مقابلة للصدق داخلة تحت رذیلة الفجور.

الثانیة :الخلف فی الوعد.

الثالثة :الغدر فی العهد و خیانته و هما رذیلتان مقابلتان للوفاء داخلتان تحت رذیلة الفجور أیضا و الغدر یستلزم رذیلة الخبث و هر طرف الإفراط من فضیلة الذکاء و هما یستلزمان الکذب أیضا.

ص:271


1- 1) 49-6

الرابعة :قطع الرحم و هی رذیلة الإفراط من فضیلة صلة الرحم و حقیقتها عدم مشارکة ذوی اللحمة فی الخیرات الدنیویّة و هی رذیله تحت الظلم مستلزمة للبخل.

الخامسة :رذیلة الجبن و هی طرف التفریط من فضیلة الشجاعة و نبّه علیها بقوله:

فإذا کان عند الحرب فأیّ زاجر و آمر هو إلی قوله:سبّته ،و فیه تنبیه علی دناءة همّته و مهانة نفسه إذ کان علیّ الهمّة شهم النفس لا یفرّ من قراع الأقران إلی التخلّص من الموت بأقبح فعل یکون من کشف سوءته و بقاء ذلک سبّة فی عقبه علی مرور الدهور.و الدناء و المهانة رذیلتان تحت الجبن.

استفهام علی سبیل التعجّب و قوله: فأیّ زاجر و آمر.

هو استفهام علی سبیل التعجّب و المبالغة فی أمره و نهیه و ذکره فی معرض الذمّ هنا و إن کان من الممادح لغرض أن یردفه برذیلته لیکون ذلک خارجا مخرج الاستهزاء فیکون أبلغ وقعا فی النفوس و أشدّ عارا علیه إذ کان الأمر و النهی فی الحرب إنّما یحسن ممّن یشتهر بالشجاعة و الإقدام لا ممّن یأمر و ینهی فإذا اشتدّ القتال فرّ فرار الحمار من السبع و اجتهد فی البقاء و لو بأقبح مذمّة فإنّ عدم الأمر و النهی و الخمول بمثل هذا ألیق و أولی من وجودها و کأنّ أبا الطیّب حکی صورة حاله إذ قال.

و إذا ما خلا الجبان بأرض طلب الطعن وحده و النزالا

و أمّا صورة هذه الرذیلة منه فروی أنّ علیّا علیه السّلام حمل علیه فی بعض أیّام صفّین فلمّا تصوّر أنّه قاتله ألقی نفسه عن فرسه و کشف سوءته مواجها له علیه السّلام فلمّا رأی ذلک منه غضّ بصره عنه و انصرف عمرو مکشوف العورة و نجا بذلک فصار مثلا لمن یدفع عن نفسه مکروها بارتکاب المذلّة و العار،و فیه یقول أبو فراس.

و لا خیر فی دفع الأذی بمذلّة کما ردّها یوما بسوءته عمرو

و روی مثل ذلک لبسر بن أرطاة معه فإنّه علیه السّلام حمل علی بسر فسقط بسر علی قفاه و رفع رجلیه فانکشفت عورته فصرف علیه السّلام وجهه عنه فلمّا قام سقطت البیضة عن رأسه فصاح أصحابه یا أمیر المؤمنین إنّه بسر بن أرطاه فقال:ذروه-لعنه اللّه-فلقد کان معاویه.

أولی بذلک منه.فضحک معاویه و قال:لا علیک یا بسر ارفع طرفک و لا تستحی فلک بعمرو

ص:272

اسوة،و قد أراک اللّه منه و أراه منک.فصاح فتی من أهل الکوفة:ویلکم یا أهل الشام أما تستحیون لقد علّمکم عمرو کشف الأستار ثمّ أنشد:

أ فی کلّ یوم فارس ذو کریهة له عورة وسط العجاجة بادیة

یکفّ لها عنه علیّ سنانه و یضحک منها فی الخلاء معاویة

بدت أمس من عمرو فقنّع رأسه و عورة بسر مثلها حذو حاذبة

فقولا لعمرو و ابن أرطاة ابصرا نشدتکما لا تلقیا اللیث تالیة

و لا تحمدا إلاّ الحیا و خصا کما هما کانتا و اللّه للنفس واقیة

و لو لا هما لم تنجوا من سنانه تلک بما فیها عن العود ناهیة

و کان بسر ممّن یضحک من عمرو فصار ضحکه له

الثالث:بیان وجه فساد مدّعی عمرو فی حقّه

و هو مستند المنع و ذکر وجهین:

أحدهما:یرجع إلیه و هو أنّه علیه السّلام دائم الذکر للموت و التفکّر فی أحوال المعاد و الوجدان شاهد بأنّ المستکثر من إخطار الموت علیه یکون أبدا قصیر الأمل و جلا من اللّه مترصّدا لهجوم الموت علیه مشغولا بذلک عن الالتفات إلی حظّ الشهوات من اللعب و نحوه فکیف یتصوّر اللعب ممّن هذه حاله.

الثانی :یرجع إلی حال عمرو و هو أنّه ممّن نسی الآخرة،و ظاهر أنّ نسیانها مستلزم للکذب و سایر وجوه خداع أبناء الدنیا من المکر و الحیلة و ما لا ینبغی من مناهی اللّه،و من کانت هذه حاله کیف یوثق بقوله،ثمّ نبّه بقوله : و لم یبایع معاویة.

إلی آخره علی بعض لوازم نسیان الآخرة،و هو أخذه لبیعته و قتاله مع الإمام الحقّ الّذی یخرج به عن ربقة الدین عوضا و ثمنا.و تلک العطیّة هی مصر کما سبقت الإشارة الیه.و باللّه العصمة و التوفیق.

82-و من خطبة له علیه السّلام

القسم الأول

اشارة

وَ أَشْهَدُ أَنْ «لا إِلهَ إِلاَّ اللّهُ» وَحْدَهُ لاَ شَرِیکَ لَهُ- الْأَوَّلُ لاَ شَیْءَ قَبْلَهُ وَ الْآخِرُ

ص:273

لاَ غَایَةَ لَهُ- لاَ تَقَعُ الْأَوْهَامُ لَهُ عَلَی صِفَةٍ- وَ لاَ تُعْقَدُ الْقُلُوبُ مِنْهُ عَلَی کَیْفِیَّةٍ- وَ لاَ تَنَالُهُ التَّجْزِئَةُ وَ التَّبْعِیضُ- وَ لاَ تُحِیطُ بِهِ الْأَبْصَارُ وَ الْقُلُوبُ

أقول:هذا الفصل یشتمل علی إثبات ثمانی صفات من صفات الجلال :

الاولی الوحدانیّة مؤکّدة بنفی الشرکاء

و ذلک قوله: لا شریک له .و قد أشرنا إلی معقد البرهان العقلیّ علی الوحدانیّة،و لمّا لم تکن هذه المسألة ممّا یتوقّف إثبات النبوّة علیها جاز الاستدلال فیها بالسمع کقوله تعالی «لَوْ کانَ فِیهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللّهُ لَفَسَدَتا» (1)و قوله «وَ إِلهُکُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ » .

الثانیة:

إثبات کونه أوّلا غیر مسبوق بالغیر .

الثالثة:إثبات کونه آخرا غیر منته وجوده إلی غایة یقف عندها.

و قد سبق البحث عنهما مستقصی و نفی قبلیّة شیء له و الغایة عنه تأکیدان .

الرابعة:من السلوب أنّه لا تلحقه الأوهام فیقع منه علی صفة.

و قد علمت فیما سبق أنّ الأوهام لا یصدق حکمها إلاّ فیما کان محسوسا أو متعلّقا بمحسوس فأمّا الامور المجرّدة من علایق المادّة و الوضع فالوهم ینکر وجودها أصلا فضلا أن یصدّق فی إثبات صفة لها و إنّما الحاکم بإثبات صفة له العقل الصرف،و قد علمت أنّ ما یثبته منها لیست حقیقة خارجیّة بل امورا اعتباریّة محدثها عقولنا عند مقایسته إلی الغیر،و لا یفهم من هذا أنّه أثبت له صفة بل معناه أنّ الأوهام لا یصدق حکمها فی وصفه تعالی .

الخامسة:کونه تعالی لا یعقل له کیفیّة یکون علیها

،و بیان ذلک ببیان معنی الکیفیّة فنقول:إنّها عبارة عن هیئة قارّة فی المحلّ لا یوجب اعتبار وجودها قسمة و لا نسبة،و لمّا بیّنا أنّه تعالی لیس له صفة تزید علی ذاته و هی محلّ لها استحال أن یعقد القلوب منه علی کیفیّة .

السادسة:کونه تعالی لا تناله التجزیة و التبعیض

،و هو إشارة إلی نفی الکمیّة عنه إذ کانت التجزیة و التبعیض من لواحقها و قد علمت أنّ الکمّ من لواحق الجسم

ص:274


1- 1) 21-22

و الباری تعالی لیس بجسم و لیس بکمّ فلیس بقابل للتبعیض و التجزیة و لأنّ کلّ قابل لهما منفعل من غیره و المنفعل عن الغیر ممکن علی ما مرّ .

السابعة:کونه تعالی لا تحیط به الأبصار

و هو کقوله تعالی «لا تُدْرِکُهُ الْأَبْصارُ» و هذه المسألة ممّا اختلف فیها علماء الإسلام و قد سبق فیها الکلام.و خلاصته:أنّ المدرک بحاسّة البصر بالذّات إنّما هو الألوان و الأضواء و بالعرض المتلوّن و المضیء و لمّا کان اللون و الضوء من خواصّ الجسم و کان تعالی منزّها عن الجسمیّة و لواحقها وجب کونه منزّها عن الإدراک بحاسّة البصر.

الثامنة:کونه تعالی لا یحیط به القلوب

،و المراد أنّ العقول البشریّة قاصرة عن الإحاطة بکنه ذاته المقدّسة و قد سبق تقریر ذلک.و باللّه التوفیق.

القسم الثانی

اشارة

و منها فَاتَّعِظُوا عِبَادَ اللَّهِ بِالْعِبَرِ النَّوَافِعِ- وَ اعْتَبِرُوا بِالْآیِ السَّوَاطِعِ- وَ ازْدَجِرُوا بِالنُّذُرِ الْبَوَالِغِ- وَ انْتَفِعُوا بِالذِّکْرِ وَ الْمَوَاعِظِ- فَکَأَنْ قَدْ عَلِقَتْکُمْ مَخَالِبُ الْمَنِیَّةِ- وَ انْقَطَعَتْ مِنْکُمْ عَلاَئِقُ الْأُمْنِیَّةِ- وَ دَهِمَتْکُمْ مُفْظِعَاتُ الْأُمُورِ وَ السِّیَاقَةُ إِلَی «الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ» - فَ «کُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَ شَهِیدٌ» - سَائِقٌ یَسُوقُهَا إِلَی مَحْشَرِهَا وَ شَاهِدٌ یَشْهَدُ عَلَیْهَا بِعَمَلِهَا

اللغة

أقول: الآی : جمع آیة .و الساطع : المرتفع .و النذر : جمع نذیر .و مفظعات الامور : شدایدها .و الورد : المورد .

المعنی

و فی هذا الفصل فوائد :
الاولی:

مجاز إطلاقا لاسم الحال علی المحلّ الأمر بالأتّعاظ بالعبر النوافع ،و اسم العبرة حقیقة فی الاعتبار،و قد یطلق مجازا فیما یعتبر به،و یحتمل أن یراد هاهنا إطلاقا لاسم الحال علی المحلّ و للاتّعاظ سبب و حقیقة و ثمرة أمّا سببه فالنظر فی آثار الماضین و تدبّر قصصهم و تصریف قضاء اللّه و قدرته لأحوالهم و هو الاعتبار،و أمّا حقیقته فالخوف الحاصل فی نفس المعتبر من اعتباره و تأثّره عن أن یلحقه ما لحقهم إذ هو مثلهم و أولی بما لحقهم،و أمّا ثمرته

ص:275

فالانزجار عن مناهی اللّه و إجابة داعیه و الانقیاد لسلوک سبیله .

الثانیة:

استعارة الأمر بالاعتبار بالآی السواطع و هو إرداف للأمر بالاتّعاظ بالأمر بسببه و أراد بالآی آیات آثار اللّه و عجایب مصنوعاته أو آیات القرآن المعذرة و المنذرة، و استعار لها لفظ السطوع،و وجه المشابهة ظهور إشراق أنوار الحقّ منها علی مرایا قلوب عباد اللّه کإشراق نور الصبح و سطوعه و هو استعارة لفظ المحسوس للمعقول و اعتباره بها انتقال ذهنه فیها فی مقام النظر و الاستدلال کما سلف بیانه .

الثالثة:الأمر بالازدجار بالنذر البوالغ

و هو أمر بفایدة الاتّعاظ و النذر هی زواجر اللّه و وعیداته البالغة حدّ الکمال فی التخویف و الزجر عند اعتبارها .

الرابعة:الأمر بالانتفاع بالذکر و المواعظ

.و هو أمر بتحصیل ثمرة الذکر و الموعظة عنهما،و ختم هذه الأمر بذکر الانتفاع ترغیبا و جذبا للنفوس إلی الذکر و قبول المواعظ .

الخامسة:

التخویف و التذکیر بالموت و ما یتبعه لیبادروا إلی امتثال أوامره السابقة استعارة بالکنایة-استعارة مرشحة فقوله. فکأن قد علقتکم مخالب المنیّة .استعار لفظ المخالب للمنیّة استعارة بالکنایة و رشّح بذکر العلوق ملاحظا فی ذلک تشبیه المنیّة بالسبع الّذی یهجم و یتوقّع إفراسه و کأن مخفّفة من کأنّ و اسمها ضمیر الشأن،و یحتمل أن یکون أن الناصبة للفعل دخلت علیها کاف التشبیه.

و قوله:و انقطعت عنکم علایق الامنیّة .

و قوله: و انقطعت عنکم علایق الامنیّة.

إشارة إلی ما ینقطع عن المیّت بانقطاع أمله من مال و جاه و سایر ما کان یتعلّق به آماله من علایق الدنیا و متاعها.

و قوله:و دهمتکم مفظعات الامور .

و قوله: و دهمتکم مفظعات الامور.

إشارة إلی ما یهجم علی المیّت من سکرات الموت و ما یتبعها من عذاب القبر و أهوال الآخرة.

و قوله:و السیاقة إلی الورد المورود .

و قوله: و السیاقة إلی الورد المورود.

فالسیاقة هی السوقة المتعبة الّتی سلف ذکرها،و الورد المورود هو المحشر.

ص:276

و قوله:و کلّ نفس معها سائق و شهید .

اقتباس و قوله: و کلّ نفس معها سائق و شهید.

اقتباس للآیة «وَ جاءَتْ کُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَ شَهِیدٌ » فالسائق الّذی یسوقها إلی المحشر هو حکم القضاء الإلهی و أسباب الموت القریبة الحاکمة علی النفس برجوعها إلی معادها فإن کانت من أهل الشقاوة فیا لها من سوقة متعبة و جزیة مزعجة «وَ سِیقَ الَّذِینَ کَفَرُوا إِلی جَهَنَّمَ زُمَراً حَتّی إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَ قالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ یَأْتِکُمْ رُسُلٌ مِنْکُمْ» الآیات،و إن کانت من أهل السعادة ساقها سایق رؤوف سوقا لطیفا «وَ نُودُوا أَنْ تِلْکُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما کُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» «وَ سِیقَ الَّذِینَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَی الْجَنَّةِ زُمَراً حَتّی إِذا جاؤُها وَ فُتِحَتْ أَبْوابُها وَ قالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَیْکُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِینَ» و أمّا الشاهد علیها[بعملها]فقد سبقت الإشارة إلیه.و باللّه التوفیق.

القسم الثالث و منها فی صفة الجنة:

اشارة

دَرَجَاتٌ مُتَفَاضِلاَتٌ وَ مَنَازِلُ مُتَفَاوِتَاتٌ- لاَ یَنْقَطِعُ نَعِیمُهَا وَ لاَ یَظْعَنُ مُقِیمُهَا- وَ لاَ یَهْرَمُ خَالِدُهَا وَ لاَ یَبْأَسُ سَاکِنُهَا

المعنی

أقول:اعلم أنّ ألذّ ثمار الجنّة هی المعارف الإلهیّة بالنظر إلی وجه اللّه ذی الجلال و الإکرام.و السعداء فی الوصول إلی نیل هذه الثمرة علی مراتب متفاوتة و درجات متفاضلة.فالاولی:مرتبة من اوتی الکمال فی حدس القوّة النظریّة حتّی استغنی عن معلّم بشریّ رأسا و اوتی مع ذلک ثبات قوّته المتفکّرة و استقامة وهمه منقادا تحت قلم العقل فلا یلتفت إلی العالم المحسوس بما فیه حتّی یشاهد العالم المعقول بما فیه من الأحوال و یستثبتها فی الیقظة فیصیر العالم و ما یجری فیه متمثّلا فی نفسه فیکون لقوّته النفسانیّة أن یؤثّر فی عالم الطبیعة حتّی ینتهی إلی درجة النفوس السماویّة،و تلک هی النفوس القدسیّة اولات المعارج و هم «السّابِقُونَ السّابِقُونَ أُولئِکَ الْمُقَرَّبُونَ» ،و هم أفضل النوع البشریّ و أحقّه بأعلی درجات السعادة فی الجنّة.

ص:277

المرتبة الثانیة مرتبة من له الأمر ان الأوّلان دون الثالث أعنی التأثیر فی عالم الطبیعة،و هذه مرتبة أصحاب الیمین و تحتها مراتب.

فأحدها:مرتبة من له استعداد طبیعیّ لاستکمال قوّته النظریّة دون العملیّة الثانیة:من اکتسب ذلک الاستکمال فی قوّته النظریّة اکتسابا تکلیفیّا دون تهیّؤ طبیعیّ و لا حصّة له فی أمر القوّة العملیّة.

الثالثة:مرتبة من لیس له تهیّؤ طبیعیّ و لا اکتساب تکلیفی فی قوّته النظریّة و له ذلک التهیّؤ فی القوّة العملیّة.

الرابعة:مرتبة من له تکلّف فی إصلاح الأخلاق و اکتساب الملکات الفاضلة دون تهیّؤ طبیعیّ لذلک.

إذا عرفت ذلک فاعلم أنّ للمقرّبین البالغین فی الملکات الشریفة لذّات عظیمة فی الجنّة قد فازوا بنعیم الأبد و السرور الدائم فی حضرة جلال ربّ العالمین «فِی مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِیکٍ مُقْتَدِرٍ» غیر مخرجین عن لذّاتهم لهم «فِیها ما تَشْتَهِیهِ الْأَنْفُسُ وَ تَلَذُّ الْأَعْیُنُ» و هم «فِیها خالِدُونَ» کما قال علیه السّلام: لا یظعن مقیمها .جرد عن عوارض الأبدان و شوائب الموادّ مرد عن مزاحمة القوی المتغالبة المتجاذبة المؤّدیة إلی الهرم و الموت مکحّلین بالأنوار الساطعة ینظرون إلی ربّهم بوجوههم المفارقة،وَ أَمّا «أَصْحابِ الْیَمِینِ فَسَلامٌ لَکَ مِنْ أَصْحابِ الْیَمِینِ» و لهم لذّات دون الوصول إلی مرتبة السابقین،و قد یخالط لذّات هؤلاء شوب من لذّات المقرّبین کما اشیر إلیه فی التنزیل الإلهیّ فی وصف شراب الأبرار« «وَ مِزاجُهُ مِنْ تَسْنِیمٍ عَیْناً یَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ» و لکلّ من المراتب کمال یخصّه و درجات من السعادة فی الجنّة تخصّه کما قال«ل «هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللّهِ» »و قال« «یَرْفَعِ اللّهُ الَّذِینَ آمَنُوا مِنْکُمْ وَ الَّذِینَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ» »و قال« «لَهُمْ غُرَفٌ» مبنیّة «مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ» «تَجْرِی مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ» ».

و إذا عرفت ذلک فلنرجع إلی المتن فنقول:أمّا قوله : لا ینقطع نعیمها فلقوله تعالی «وَ أَمَّا الَّذِینَ سُعِدُوا فَفِی الْجَنَّةِ خالِدِینَ فِیها ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ إِلاّ ما شاءَ رَبُّکَ عَطاءً غَیْرَ مَجْذُوذٍ» و قوله «إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ» و لأنّ الکمال الّذی حصل للإنسان فاستحقّ به سعادة فی الجنّة ملکات ثابتة فی جوهره لا تزول

ص:278

و لا تتغیرّ و مهما دام الاستحقاق القابل لجود اللّه و نعمته وجب دوام ذلک الجود و فیض تلک النعمة إذ هو الجواد المطلق الّذی لا بخل من جهته و لا منع .

و أمّا قوله: و لا یظعن مقیمها فلقوله تعالی «لَهُمْ جَنّاتُ النَّعِیمِ» ... «خالِدِینَ فِیها أَبَداً» و قوله «إِنَّ الَّذِینَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ کانَتْ لَهُمْ جَنّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً خالِدِینَ فِیها لا یَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً» و لأنّ النعیم الأبدیّ مطلوب بالذات غیر ممنوع منه فلا یکون مهروبا عنه بالذات .

و أمّا قوله: و لا یهرم خالدها و لا ییأس ساکنها :أی لا یصیبه بؤس فلأنّ الهرم مستلزم للتعب و النصب و کذلک البؤس عن الضعف،و هذه اللوازم منفیّة عن أهل الجنّة لقوله تعالی «وَ قالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِی أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَکُورٌ اَلَّذِی أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا یَمَسُّنا فِیها نَصَبٌ وَ لا یَمَسُّنا فِیها لُغُوبٌ» و بانتفاء هذه اللوازم ینتفی عنهم ملزومها و هو الهرم.و باللّه التوفیق.

83-و من خطبة له علیه السّلام

اشارة

و فیها فصول:

الأوّل:

اشارة

قوله:

قَدْ عَلِمَ السَّرَائِرَ وَ خَبَرَ الضَّمَائِرَ- لَهُ الْإِحَاطَةُ بِکُلِّ شَیْءٍ وَ الْغَلَبَةُ لِکُلِّ شَیْءٍ- وَ الْقُوَّةُ عَلَی کُلِّ شَیْءٍ

و هذا الفصل یشتمل علی بعض أوصاف الحقّ سبحانه:

الأوّل :کونه عالما بالسرائرو هو کقوله تعالی «یَعْلَمُ سِرَّکُمْ وَ جَهْرَکُمْ» .

الثانی :کونه خبیرا بالضمایر.و هو قریب من المرادف للعالم بالسرایر فإنّ الخبیر هو الّذی لا یعزب عنه الأخبار الباطنة و لا تضطرب نفس و لا تسکن إلاّ و یکون عنده خبرها و ذلک بعینه هو العالم مضافا إلی السرائر و الخفایا الباطنة و إن کان مطلق العلم أعمّ.

الثالث :کونه محیطا بکلّ شیء.و هو إشارة إلی علمه بکلّیّات الأشیاء و جزئیّاتها،

ص:279

و علیه اتّفاق جمهور المتکلّمین و الحکماء:أمّا المتکلّمون فظاهر،و أمّا المحقّقون من الحکماء فملخّص کلامهم إجمالا فی کیفیّة علمه تعالی أنّه یعلم ذاته بذاته و یتّحد هناک المدرک و المدرک و الإدراک و لا یتعدّد إلاّ بحسب الاعتبارات العقلیّة الّتی تحدثها العقول البشریّة.و أمّا معلولاته القریبة منه فیکون بأعیان ذواتها و یتّحد هناک المدرک و الإدراک و لا یتعدّدان إلاّ باعتبار عقلیّ و یغایرهما المدرک،و أمّا معلولاته البعیدة کالمادیّات و المعدومات الّتی من شأنها إمکان أن توجد فی وقت أو یتعلّق بموجود فیکون بارتسام صورها المعقولة من المعلولات القریبة الّتی هی المدرکات لها أوّلا و بالذات و کذلک إلی أن ینتهی إلی إدراک المحسوسات بارتسامها فی آلات مدرکاتها.قالوا:و ذلک لأنّ الموجود فی الحاضر حاضر و المدرک للحاضر مدرک لما یحضر معه فإذن لا یعزب عن علمه «مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِی السَّماواتِ وَ لا فِی الْأَرْضِ وَ لا أَصْغَرُ مِنْ ذلِکَ وَ لا أَکْبَرُ» لکون ذوات معلولاته القریبة مرتسمة بجمیع الصور و هی الّتی یعبّر عنها تارة بالکتاب المبین و تارة باللوح المحفوظ و تسمّی عندهم عقولا فعّالة.

الرابع :کونه تعالی غالبا لکلّ شیء.

الخامس :کونه قویّا علی کلّ شیء،و هما إشارتان إلی وصف قدرته تعالی بالتمام علی کلّ مقدور فإنّ القوّة علیها و الغلبة لها من تمام القدرة و یفهم من الغالب زیادة علی القویّ و یعود إلی معنی القاهر.و قد سبق بیانه،و أمّا بیان صدق هاتین لقضیّتین فببیان أنّه تعالی مبدء کلّ موجود و أنّ کلّ ممکن مفتقر فی سلسلة الحاجة إلیه،و قد فرغ من ذلک فی الکتب الکلامیّة.

الفصل الثانی

<