الآراءُ الفقهیَّه: (ق_س_م المکاسب المحرمه 2) المجلد 2

اشاره

سرشناسه : نجفی، هادی، 1342 -

عنوان و نام پدیدآور : الاراء الفقهیه قسم المکاسب المحرمه/ تالیف هادی النجفی.

مشخصات نشر : اصفهان: مهر قائم، 1387.

مشخصات ظاهری : 3 ج.

شابک : 0 20000 ریال: دوره: 978-964-7331-77-7 ؛ ج. 1: 978-964-7331-74-6 ؛ ج. 2: 978-964-7331-75-2 ؛ ج. 3: 978-964-7331-85-2

وضعیت فهرست نویسی : فاپا/ برون سپاری.

یادداشت : عربی.

یادداشت : ج. 2 و 3 ( چاپ اول: 1429ق. = 1387).

یادداشت : کتابنامه.

موضوع : معاملات (فقه)

موضوع : کسب و کار حرام

موضوع : فقه جعفری -- قرن 14

رده بندی کنگره : BP190/1/ن3آ4 1387

رده بندی دیویی : 297/372

شماره کتابشناسی ملی : 1245417

ص: 1

اشاره

ص: 2

الاراء الفقهیه قسم المکاسب المحرمه

تالیف هادی النجفی

ص: 3

ص: 4

تتمه النوع الرابع: الاکتساب بما هو حرام فی نفسه

حفظ کتب الضلال

اشاره

التعرض لمعنی العنوان هو الأولی ، کما قال الشیخ الأعظم : « لابدّ من تنقیح هذا العنوان»(1) ، فما المراد بالحفظ وماهی کتب الضلال هنا ؟

أما المراد بالحفظ

فقال الشهید الثانی : « المراد حفظها من التلف أو علی ظهر القلب وکلاهما محرَّم لغیر النقض والحجه علی أهلها لمن له أهلیتها لا مطلقاً ، خوفاً علی ضعفاء البصیره من الشبهه . ومثله نُسخها . وکذا یجوزان للتقیه . وبدونها یجب إتلافها إن لم یمکن إفراد مواضع الضلال ، وإلاّ اقتصر علیها حذراً من إتلاف ما یعدّ مالاً من الجلد والورق ، إذا کان لمسلم أو محترم المال »(2) .

وقال المحقق الثانی فی معنی الحفظ : « أی حفظها فی الصدر أو حفظها بمعنی صیانتها عن أسباب التلف ... »(3) .

وقال المحقق الأردبیلی : « من المحرَّم حفظ کتب الضلال ،کأنّ المراد أعم من حفظها عن التلف أو علی الصدر ، والأوّل أظهر . وکأنّ نسخها أیضاً کذلک ، بل هو اُولی»(4) .

وقال جدنا الشیخ الأکبر کاشف الغطاء : « (حفظ کتب الضلال) أو ضلالها فی الصدر أو عن التلف (ونسخها) متعلقاً بأصل أو فرع ، مع صدق الإسم علیها لإعدادها له أو کثرته

ص:5


1- (1) المکاسب المحرمه / 30 _ (1 / 235) .
2- (2) مسالک الأفهام 3 / 127 .
3- (3) جامع المقاصد 4 / 26 .
4- (4) مجمع الفائده والبرهان 8 / 75 .

فیها ... »(1) .

وقال صاحب الریاض « (وحفظ کتب الضلال) عن الإندراس أو عن ظهر «القلب(ونسخها) وتعلیمها وتعلّمها ...»(2) .

وقال النراقی : « حفظ کتب الضلال عن الإندراس ونسخها وتعلیمها وتعلّمها ...»(3) .

وقال السید جواد العاملی : « ... وقضیه قولهم « یحرم حفظها» أنّه یجب إتلافها کما صرّح بذلک المحقق الثانی والشهید الثانی والقطیفی وغیرهم ... »(4) .

وقال صاحب الجواهر : « ... والمراد حفظها عن التلف أو علی ظهر القلب ، بل یحرم مطالعتها وتدریسها ، بل الظاهر أن حرمه الحفظ لوجوب إتلافها باعتبار دخولها تحت الوضع للحرام وتحت ما من شأنه ترتب الفساد علیه ، بل هی أولی حینئذ بالحرمه من هیأکل العباده المبتدعه ... »(5) .

وقال الشیخ الأعظم فی آخر البحث : « ثمّ الحفظ المحرَّم یُراد به الأعمّ من الحفظ بظهر القلب والنسخ و المذاکره وجمیع ماله دخل فی بقاء المطالب المضلّه»(6) .

وقال المحقق الإیروانی : « مقتضی دلیله وجوب العمد إلی إتلاف کتب الضلال ، فیکون المراد من الحفظ عدم التعرض للإتلاف ، لکنّه بعید من العباره .

ویُحتمل أن یکون المراد الحفظ من إثبات الید علیها واقتنائها .

وثالث الإحتمالات الذی هو ظاهر لفظ « الحفظ » حفظه عن التلف ، فیختص بما إذا کان فی عرضه التلف ومتوجّهاً إلیه غرق أو حرق فیحفظه عن ذلک ... لکن الأدله إن تمّت

ص:6


1- (5) شرح القواعد 1 / 216 .
2- (1) ریاض المسائل 8 / 164 .
3- (2) مستند الشیعه 14 / 157 .
4- (3) مفتاح الکرامه 4 / 62 _ (12 / 206) .
5- (4) جواهر الکلام 22 / 56 .
6- (5) المکاسب المحرمه / 30 _ (1 / 238) .

قضت بوجوب الإتلاف والعمد إلی المحو والإعلام فی أیّه مکتبه کانت »(1) .

وقال المحقق الأردکانی : « أمّا الحفظ فکانت محتملاته أیضاً ثلاثاً :

الأوّل : أن یراد منه عدم الإتلاف .

الثانی : إثبات الید علیها .

الثالث : صیانته عن التلف إذا کان فی معرضه کالغرق والحرق .

إلاّ أنّ المستفاد من بعض أدله حرمه الحفظ هو وجوب الإتلاف ، ولازمه إراده المعنی الأوّل من الحفظ هنا»(2) .

وقال شیخنا الأستاذ _ مدظله _ : « المراد بحفظ کتب الضلال ما یعمّ اقتناءها واستنساخها»(3) .

وقال بعض أساتیذنا _ مدظله _ : « أمّا الحفظ فقد مرّ عن المحقق الإیروانی قدس سره فیه ثلاثه احتمالات ، وأنّ الظاهر من الأدله حرمه الحفظ فی مقابل الإتلاف ، فیجب محو کتب الضلال وإتلافها أینما کانت . ویضاف إلیها إحتمال رابع ، وهو حفظها بظهر القلب»(4) .

أقول : ما المراد بالحفظ هنا ؟ وجوه :

1 _ الحفظ بظهر القلب وإیداعها فی الحافظه وقوه الذاکره .

2 _ إثبات الید علیها واقتناؤها .

3 _ المحافظه علیها من إتلافها إذا کانت فی معرض التلف أو الإتلاف .

4 _ استنساخها وتکثیرها وطبعها وتوزیعها ، بحیث لا یتمکن أحدٌ من إتلاف هذا المحتوی ، أو فقل فی زماننا هذا إرسالها إلی الإنترنت وإطلاع الناس علیها .

5 _ المراد بالحفظ هنا عدم الإتلاف .

ظاهر العبائر ومقتضی الأدله هو الأخیر ، یعنی أنّ المراد بالحفظ ما یقابل الإتلاف ،

ص:7


1- (6) حاشیه المکاسب 1 / 151 .
2- (7) غنیه الطالب 1 / 122 .
3- (1) إرشاد الطالب 1 / 140 .
4- (2) دراسات فی المکاسب المحرمه 3 / 90 .

وإنّ الحفظ بهذا المعنی العام یشمل غیره من المعانی المذکوره ، فالجمیع داخل فی حرمه الحفظ ، والأدله إذا تمّت تقتضی حرمه جمیعها کما صرح بذلک الشیخ الأعظم فی عبارته التی مرّت منّا . واللّه سبحانه هو العالم .

وأما المراد من کتب الضلال

فقال الشیخ الطوسی : « إذا وُجد فی المغنم کتبٌ نظر فیها فإن کانت مباحه یجوز إقرار الید علیها ، مثل کتب الطب والشعر واللغه والمکاتبات ، فجمیع ذلک غنیمه ، وکذلک المصاحف وعلوم الشریعه کالفقه والحدیث ونحوه ، لأنّ هذا مال یباع ویشتری کالثیاب . وإن کانت کتباً لا تحلّ إمساکها کالکفر والزندقه وما أشبه ذلک ، کلّ ذلک لا یجوز بیعه ، وینظر فیه ، فإن کان ممّا ینتفع بأوعیته إذا غُسل کالجلود ونحوها فإنّها غنیمه ، وإن کان ممّا لا ینتفع بأوعیته کالکاغذ فإنّه یمزق ولا یحرق لأنّه ما من کاغذ إلاّ وله قیمه وکلم التوراه والانجیل

هکذا ، کالکاغذ فإنّه یمزق لأنّه کتاب مغیّر مُبدّل»(1) .

وقال أیضاً : « إذا أوصی بشیءٍ یکتب به التوراه والإنجیل والزبور وغیر ذلک من الکتب القدیمه ، فالوصیه باطله لأنّها کتب مغیّره مبدّله ، قال اللّه تعالی : «یُحَرِّفُونَ الْکَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ»(2) وقال عزّ و جل : «فَوَیْلٌ لِّلَّذِینَ یَکْتُبُونَ الْکِتَابَ بِأَیْدِیهِمْ ثُمَّ یَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللّهِ»(3) ، وهی أیضاً منسوخه ، فلا یجوز نسخها لأنّه معصیه ، والوصیه بها باطله ... »(4) .

أقول : فألحق الشیخ کتب التوراه والإنجیل وغیرهما من الکتب المنسوخه بالکتب الباطله والضالّه .

وقال العلامه فی مغانم التذکره : « الکتب التی لهم : فإن کان الإنتفاع بها حلالاً _ کالطب

ص:8


1- (1) المبسوط 2 / 30 .
2- (2) سوره المائده / 13 .
3- (3) سوره البقره / 79 .
4- (4) المبسوط 2 / 63 .

والأدب والحساب والتواریخ - فهی غنیمه ، وإن حرم الإنتفاع بها مثل کتب الکفر والهجو والفحش المحض فلا یترک بحاله ، بل یغسل إن کان علی رَقٍّ أو کاغذٍ ثخینٍ یمکن غسله ، ثمّ هو کسائر الأموال ، فإن للممزَّق قیمه وإن قلَّت . وکذا کتب التوراه والإنجیل ، لأنّها مبدَّله محرَّفه ، فلا یجوز الإنتفاع بها ، وإنّما تُقرّ فی أیدی أهل الذمه لاعتقادهم کما یُقرّون علی الخمر . والاُولی أنّها لا تُحرق لما فیها من أسماء اللّه تعالی»(1) .

وقال المحقق الثانی : « والظاهر عدم الفرق فی کتب الضلال بین کتب الاُصول والفروع ، لأنّ ابتناء فروعها علی الاُصول الفاسده ... هذان (التوراه والإنجیل) من کتب الضلال بل من رؤوسها لکونهما محرّفین ... »(2) .

وقال المحقق الأردبیلی : « ولعلّ المراد بها أعمّ من کتب الأدیان المنسوخه والکتب المخالفه للحقِّ اُصولاً وفروعاً ، والأحادیث المعلوم کونها موضوعه ، لا الأحادیث التی رواها الضعفاء لمذهبهم ولفسقهم مع إحتمال الصدور ، فحینئذ یجوز حفظ الصحاح السته مثلاً _ غیر الموضوع المعلوم _ کالأحادیث التی فی کتبنا مع ضعف رواتها لکونها زیدیّه وفطحیه وواقفیه . فلا ینبغی الإعراض عن الأخبار النبویه التی رواها العامه ، فإنّها لیست إلاّ مثل ما

ذکرناها»(3) .

وقال جدنا الشیخ الأکبر کاشف الغطاء : « وکشف الحال : أنّه لیس الغرض من کتب الضلال ما اشتمل علی الضلال فی الجمله ، وإلاّ لم یمکن الرجوع إلی کتب اللغه والعربیه والتفسیر وغیرها من کتب المقدمات ووجب إتلافها لعدم الخلوّ من ذلک ، ولا ما کان من الکتب مشتملاً علی ما یحتاجه الفقیه فی طُرق الإستدلال للإطلاع علی مذاهب القوم ممّا یتوقّف علیه ترجیح الروایات بعضها من بعض ، ولا ما کان مستنداً إلی أهل الضلال وکان فیه رشاد کالکتب الاُصولیه المشتمله علی الضوابط الشرعیه الموصله إلی تحصیل معرفه الاستدلال ، فإنَّ ذلک من الواجبات للتوصل إلی معرفه الأحکام الشرعیه .

ص:9


1- (5) تذکره الفقهاء 9 / 127 .
2- (6) جامع المقاصد 4 / 26 .
3- (1) مجمع الفائده والبرهان 8 / 75 .

بل المراد _ واللّه أعلم _ أنّ الکتب التی وضعت للاستدلال علی تقویه الضلال یجب إتلافها فضلاً عن غیره _ من نسخ و غیره _ إلاّ مع قصد الإبطال ونحوه کما ذکرناه ...»(1) .

وقال السید العاملی : « معرفه کتب الضلال فالظاهر من الأصحاب ما کان کلّها ضلالاً ... وهو الذی تقتضیه حقیقه اللفظ من دون تجوّز ، وهو معقد الإجماع ومصبّ الفتاوی کالتوراه والإنجیل ... وککتب القدماء من الحکماء القائلین بقدم العالم وإیجاب الصانع وعدم المعاد ، وکتب عبده الأصنام ومنکری الصانع ، وأمّا کتب البدع فی هذه الملّه فهی أصناف : منها : کتب الجبر ونفی الغرض المفرده التی لیس معها غیرها ... .

وأمّا ما اشتمل علی ذلک من کتبهم مع کونه مشحوناً بما یوافق العدلیه - ککتب المعتزله وبعض کتب الأشاعره وتفاسیرهم واُصول فقههم والصحاح الستّ - فلا حرمه ، فیها کما نصّ علی بعض ذلک صاحب إیضاح النافع والبعض الآخر المولی الأردبیلی ... »(2) .

وقال النراقی : « والمراد بالضلال ما خالف الحقّ واقعاً ، کما یخالف الضروری أو بحسب علم المکلّف خاصه ، وأمّا ما خالفه بحسب ظنّه فلا»(3) .

وصاحب الجواهر بعد نقل کلام اُستاده کاشف الغطاء ، نَقَلَ کلام صاحب مفتاح الکرامه بعنوان بعض مشایخنا وقال فی نقده : « وفیه : ما عرفت من أنّه لیس فی النصوص هذا اللفظ کی یقتصر علی المنساق منها من کونه معدّاً أو کون مجموعه ضلالاً أو نحو ذلک ، وإنّما العمده ما سمعته من الدلیل الذی لا فرق فیه بین المعدّ وغیره والکلّ والبعض ، والأصلی والفرعی الذی علم کونه ضلالاً ولو للتقصیر فی الإجتهاد ونحوه . ولعلّ ملاحظه الأصحاب کتب فروع العامه وذکرها فی کتبهم ، لأنّ لها مدخلیه فی تمییز الحق باعتبار ما ورد من الأمر بأخذ ما خالفهم وطرح ما وافقهم ، وهو موقوف علی ذلک ، وهو واضح . کما أنّه قد یقال : بخروج غالب کتب المخالفین والملل الفاسده عن الضلال فی هذه الاُوقات باعتبار ما وقع من جمله من أصحابنا من نقضها وإفسادها ، فهی حینئذ کالتالفه ، فلا یجب حینئذ إتلافها بمعنی

ص:10


1- (2) شرح القواعد 1 / 218 .
2- (3) مفتاح الکرامه 4 / 62 و 63 _ (12 / 208 و 207) .
3- (4) مستند الشیعه 14 / 158 .

إعدامها عن الوجود ، بل لا بأس ببیعها وشرائها والاستیجار علی کتابتها ونحو ذلک ، ضروره صیرورتها بذلک کالکلام المنقوض فی کتب أهل الحق مثل الشافی وکشف الحق ونحوهما ، إذ من المعلوم أعمیه النقض للأمرین معاً ، فتأمل جیداً .

ولیس من کتب الضلال کتب الأنبیاء السابقین ما لم یکن فیها تحریف ، إذ النسخ لا یصیّرها ضلالاً ، ولذا کان بعضها عند أئمتنا علیهم السلام مثل الزبور ونحوه من أحسن کتب الرشاد ، لأنّها لیست إلاّ المواعظ ونحوها علی حسب ما رأیناها ، واللّه أعلم»(1) .

وقال الشیخ الأعظم قدس سره : « ...فلابدّ من تنقیح هذا العنوان وأنّ المراد بالضلال ما یکون باطلاً فی نفسه ، فالمراد الکتب المشتمله علی المطالب الباطله ، أو أنّ المراد به مقابل الهدایه ؟ فیحتمل أن یراد بکتبه ما وضع لحصول الضلال ، وأن یراد ما اُوجب الضلال وإن کان مطالبها حقّه ، کبعض کتب العرفاء والحکماء المشتمله علی ظواهر منکره یدّعون أن المراد غیر ظاهرها ، فهذه أیضاً کتب ضلال علی تقدیر حقیّتها»(2) .

وقال المحقق التقی الشیرازی : « المنصرف من الضلال : هو الضلال عن الدین بالإنکار أو الشک فی أحد المعارف الخمس وما یتبعها ، ویحتمل أن یراد به فی المقام أعمّ من ذلک وممّا یوجب الإقدام علی المعاصی ، کالکتب المصنّفه فی علم السحر والشعبذه والکهانه ونحوها ، ویدلّ علیه عموم بعض الأدله الآتیه»(3) .

وقال المحقق الإیروانی : « ثمّ المراد من کتب الضلال یُحتمل أن یکون کلّ کتاب وضع علی الکذب والباطل فی الاُصول کان أو فی الفروع ، فی الموضوعات کان أو فی الأحکام ، بل کلّ کتاب لم تکن له غایهٌ عقلائیهٌ ، فیشمل ما وضع لأجل التلهّی به _ مثل کتب القصص

والحکایات وإن کانت صادقهً .

ویُحتمل أن یکون المراد به کل کتاب أوجب الضلاله والخطأ فی الإعتقاد فی الاُصول أو الفروع أو الموضوعات ، وهذا یجتمع مع حقیّه ما تضمّنه ، وإنّما کانت الضلاله لقصور الناظر

ص:11


1- (1) الجواهر 22 / 59 و 60 .
2- (2) المکاسب المحرمه / 30 _ (1 / 235) .
3- (3) حاشیه المکاسب 1 / 71 .

فیه ، کما ضلّ کثیرون من مطالعه الکتاب العزیز والأحادیث الشریفه . ویُحتمل أن یکون المراد به کلّ کتاب وضع لغرض الإضلال ولغایه إغواء العوام»(1) .

وقال المحقق الخوئی : « ثمّ إنّ المراد بکتب الضلال کلّ ما وضع لغرض الإضلال وإغواء الناس وأوجب الضلاله والغوایه فی الإعتقادات أو الفروع ، فیشمل کتب الفحش والهجو والسّخریه وکتب القصص والحکایات والجرائد المشتمله علی الضلاله وبعض کتب الحکمه والعرفان والسحر والکهانه ونحوها ممّا یوجب الإضلال»(2) .

وقال المحقق الأردکانی فی بیان المراد من کتب الضلال : « ففیه ثلاث احتمالات :

الأوّل : أن یکون المراد بها کلّ کتاب مشتمل علی الأکاذیب والمطالب الباطله من الاُصول والفروع و الموضوعات ، فتدخل فیها الکتب المشتمله علی الحکایات الکاذبه والقصص المجعوله .

الثانی : أن یکون المراد بها کلّ کتابٍ من شأنه الإضلال کان فی الاُصول والفروع أو الموضوعات ، ویدخل فیه بعض مصنفات بعض العرفاء کمحی الدین لإشتماله علی المطالب المنکره ، وإن ادعی عدم إراده ظواهرها .

الثالث : أن یُراد بها ما وضع لغرض الإضلال وإغواء العوام ، کالکتب المؤلفه فی الجبر وإثبات المذاهب الفاسده .

والذی یقوی فی النظر هو المعنی الثانی ، فإنّ غایه ما یُستفاد من الأدله حرمه حفظ کتب الضلال بهذا المعنی ، فلا یدخل فیها بعض کتب الأشعار المتضمن للأوهام والخیالات والکتب المشتمله علی الاُمور المجعوله من القصص والحکایات ، خصوصاً إذا کان الغرض من تألیفها النصیحه والمطالب الأدبیه .

والعجب من الشیخ قدس سره أنّه اقتصر علی ذکره الوجوه المحتمله للضلال ولم یرجح واحداً منها ، مع أنّه قال : « لابدّ من تنقیح هذا العنوان»(3) .

ص:12


1- (1) حاشیه المکاسب 1 / 151 .
2- (2) مصباح الفقاهه 1 / 254 .
3- (3) غنیه الطالب 1 / 122 .

وقال بعض أساتیذنا _ مدظله _ فی تعلیقه علی کلام الشیخ الأعظم قدس سره فی معنی الضلال : « احتمل المصنف _ کما تری _ فی معنی الضلال ثلاثه إحتمالات ، ولعلّ أظهرها هو الإحتمال الثالث ، ولکن لا بمعنی إیجابه الضلال ولو لفرد ما إحیاناً ولجهله وسذاجته ، وإلاّ لزم کون جمیع الکتب حتّی مثل القرآن الکریم وکتب الحدیث کتب ضلال ، بل بمعنی إیجابه الضلال لکثیر ممّن یراجعه من المتوسطین خالی الذهن ، لاشتماله علی مطالب باطله مشابهه للحقِّ مِنْ دون نفعٍ فی وجوده»(1) .

أقول : الظاهر - واللّه العالم - أنّ المراد بکتب الضلال کلُّ ما صُنف أو کُتب لإضلال الناس وإغوائهم وتوجب الضلاله فی الاُصول أو الفروع ، فیشمل أکثر المعانی المذکوره فی کلمات القوم نحو ، کتب القصص والحکایات والجرائد والمجلات التی توجب الفساد والفحشاء فی المجتمع بین آحاده لاسیّما شبابه ، وکتب الهجو والسخریّه والفحش والکذب بالنسبه إلی خدّام المجتمع الإنسانی لاسیما بالنسبه إلی علماء الدین ورجاله ، وبعض کُتب التصوف والعرفان ونحو ذلک .

وأمّا الکُتب السماویه المحرّفه المنسوخه - نحو التوراه والإنجیل وغیرهما - فقد ألحقها الشیخ الطوسی والعلاّمه الحلی وغیرهما من الأصحاب قدس سرهم بکتب الضلال .

والإلحاق جیّدٌ ومتینٌ ، کما مرّت کلماتهم فی مطاوی ما ذکرناه(2) . ووجود مثل کتاب الزبور الواقعی عند أئمتنا علیهم السلام وأنّ کلّها مواعظ کما ذکره صاحب الجواهر(3) لا ینافی ما ذکرناه ، لأنّا قیّدنا الکتب السماویه بأمرین : 1 _ المحرّفه 2 _ المنسوخه . و من الواضح أن الموجود عندهم علیهم السلام غیر المحرّفه .

وأمّا تصانیف المخالفین فی العلوم الإسلامیه لا سیّما فی الحدیث والتفسیر والفقه واُصوله واللغه والأدب والتاریخ والأخلاق وغیرها ، فلم تکن من مصادیق کتب الضلال إلاّ ما اُلف لإثبات موضوع خاص ، نحو : إثبات تفضیل الخلفاء أو فضائلهم أو الجبر أو غیرها من

ص:13


1- (1) دراسات فی المکاسب المحرمه 3 / 99 .
2- (2) مضافاً إلی ما ذکرناه فراجع إلی تحریر الأحکام الشرعیه 2 / 260 للعلامه الحلی .
3- (3) الجواهر 22 / 60 .

العقائد الباطله أو فروعها .

ولذا قال جدنا الفقیه الشیخ جعفر : « وأمّا ما کان من کتب أهل الضلال ممّا وضع لمعرفه کیفیه الاستدلال أو الاهتداء إلی معرفه معانی الکتاب والسنه والکتب المنسوخه مع

قصد الإطلاع علی المواعظ کالزبور ونحوه من کتب الأنبیاء أو علی التواریخ والسیر والاُمور السالفه فلا بأس به وربّما وجب»(1) .

والعجب من العلامه الفقیه السید مهدی بحر العلوم الطباطبائی المتوفی عام 1212 قدس سره کیف لم یستقر رأیه فی تحریر موضوع کتب الضلال وحفظها ، فأن تلمیذه السید جواد العاملی قدس سره نقل عنه فی کتابه وقال : « وکان الاُستاذ الشریف قدس اللّه روحه وحشره مع آبائه الطاهرین صلوات اللّه علیهم أجمعین منذ سبعه عشر سنه تقریباً یوم قراءتنا هذه المسأله عنده مستشکلاً فی تحریر الموضوع وخرجنا من عنده ولم یستقر رأیه المبارک علی شیءٍ»(2) .

ویؤید أنّ المراد بالاُستاذ فی کلام صاحب المفتاح هو بحر العلوم ما ذکره حفیده الفقیه السید علی آل بحر العلوم قدس سره فی کتابه برهان الفقه قال : « إنّما الکلام فی تعیین موضوع الحرمه من حیث المراد بکتاب الضلال کمّاً وکیفاً ومن حیث المراد بحفظها ونسخها ، واختلفت کلماتهم فی ذلک علی وجه حکی فی مفتاح الکرامه عن اُستاده جدی العلامه أنّه لم یستقر رأیه علی شیء فی تشخیصه عند قراءته علیه ... »(3) .

وأعجب منه کلام صاحب الحدائق قدس سره حیث تعرض لمشایخ الطائفه وأساطینها وحکم بکون کتب اُصول الفقه من مصادیق کتب الضلال ، وقال فیه ما قال ، ولا یمکننی کتابه مقالته لما فیه من ... فراجعها إن شئت(4) .

وأجابه السید العاملی وعدّ کلامه من الضلال المحض الذی یجب إتلافه فراجع مفتاح

ص:14


1- (1) شرح القواعد 1 / 218 .
2- (2) مفتاح الکرامه 4 / 63 _ (12 / 209) .
3- (3) برهان الفقه _ کتاب التجاره / 25 .
4- (4) الحدائق 18 / 144 و 145 .

الکرامه إن شئت(1) .

ولنعم ما قال العلاّمه الجد کاشف الغطاء فی آخر هذا المبحث : « ... فلیتأمل فی هذا المقام ، فإنّه من مزالّ الأقدام ، وقد زلّت به قدم بعضُ الأعلام حتّی تسرّی إلی القدح فی أعیان الأعیان ، الذین مَنْ قَدَح فیهم فقد قدح فی الإسلام والإیمان»(2) .

وهکذا تبعه تلمیذه فی الجواهر وقال : « وکیف ما کان فمن الغریب بعد ذلک ما وقع للمحدث البحرانی من إنکار أصل الحکم لعدم نص بالخصوص علی ذلک ، حتّی أنّه ربما أساء

الأدب مع الأصحاب الذین هم حفّاظ السنه والکتاب ، نسأل اللّه العفو عنّا وعنه»(3) .

أقول : قد ذکرت _ ولا نقلت _ هذه المناظرات لتعلّم آداب صیانه القلم وحفظ أدب البحث لنفسی _ لا لغیری _ غفر اللّه لی ولجمیع الأصحاب ولصاحب الحدائق قدس سرهم جمیع العثرات والزلاّت والآثام وهو العفو الغفور .

الاستدلال علی حرمه الحفظ بوجوه

اشاره

قد استدلوا علی حرمه الحفظ بوجوه :

الأوّل : الإجماع

ادعی العلامه الحلی قدس سره فی مسألتنا هذه « عدم الخلاف» فی کتابیه المنتهی(4) وتذکره الفقهاء(5) ، واستفاد منه المحقق الأردبیلی فی مجمع الفائده والبرهان الإجماع وقال : « وقد یکون إجماعیّاً أیضاً یفهم من المنتهی»(6) .

ص:15


1- (5) مفتاح الکرامه 4 / 63 _ (12 / 209) .
2- (6) شرح القواعد 1 / 219 .
3- (1) الجواهر 22 / 57 .
4- (2) منتهی المطلب 2 / 1013 کتاب التجاره .
5- (3) تذکره الفقهاء 12 / 144 مسأله 649 .
6- (4) مجمع الفائده والبرهان 8 / 75 .

وتبعه فی هذا الفهم صاحب الحدائق وقال : « بل ظاهر المنتهی أنّه إجماع»(1) .

وقال جدنا الشیخ جعفر : « ولنفی الخلاف عنه ممّن لا خلاف فی الإعتماد علیه»(2) .

وقال السید الطباطبائی : « مضافاً إلی عدم الخلاف فیها ، بل وعلیه الإجماع عن ظاهر المنتهی»(3) .

وقال النراقی : « علی المعروف من مذهب الإصحاب ، بل بلا خلاف بینهم کما فی المنتهی»(4) .

وقال صاحب الجواهر : « کما صرح به غیر واحد ، بل عن التذکره والمنتهی نفی الخلاف عنه»(5) .

وقال تلمیذه : « فالظاهر الإجماع علی حرمته مجملاً وهو الحجه»(6) .

وقال الشیخ الأعظم : « ... فلا دلیل علی الحرمه إلاّ أن یثبت إجماع أو یلتزم بإطلاق عنوان معقد نفی الخلاف الذی لا یقصر عن نقل الإجماع»(7) .

یعنی استفاد قدس سره أیضاً من نفی الخلاف ، الاجماع تبعاً للأردبیلی وصاحبی الحدائق والریاض .

واعترض الفقیه الیزدی علی الشیخ الأعظم وعلّق علی کلامه : « نفی الخلاف الذی لا یقصر عن نقل الإجماع» وقال : « یعنی فی خصوص المقام من جهه الضمائم الخارجیه ، وإلاّ فهو فی حدّ نفسه قاصر عنه کما لا یخفی»(8) .

ص:16


1- (5) الحدائق 18 / 141 .
2- (6) شرح القواعد 1 / 217 .
3- (7) ریاض المسائل 8 / 165 .
4- (8) مستند الشیعه 14 / 157 .
5- (9) الجواهر 22 / 56 .
6- (10) برهان الفقه _ کتاب التجاره / 25 .
7- (1) المکاسب المحرمه / 30 _ (1 / 234) .
8- (2) حاشیه المکاسب 1 / 129 .

ویردّ علی الإجماع : أولاً : تحصیل الإجماع ممنوع لوجود المخالف وهو صاحب الحدائق ، قال : « وعندی فی الحکم من أصله توقف لعدم النص ، والتحریم والوجوب ونحوهما أحکام شرعیه یتوقف القول بها علی دلیل شرعی ، ومجرد هذه التعلیلات الشائعه فی کلامهم لا تصلح عندی لتأسیس الأحکام الشرعیه»(1) .

ولکن یمکن أن یجاب عن هذا الإشکال : بأنّ مخالفه المحدث البحرانی قدس سره لا یضرّ بالإجماع علی فرض وجوده ، لأنّ وجه مخالفته واضح علی مسلکه وصرّح به أیضاً فی کلامه « لعدم وجود النص» کما مرّ منه ، ومثل هذه المخالفه لا یضرّ بالإجماع التعبدی علی فرض وجوده کما علیه أساطین الفقه .

وثانیاً : لا یُستفاد من عدم الخلاف الذی ادعاه العلامه ، الإجماع خلافاً للأردبیلی وصاحبی الحدائق والریاض والشیخ الأعظم ، وحتّی فی المقام خلافاً للسید الیزدی فی حاشیه المکاسب ، لأنّ نفی الخلاف یتحقق حتّی مع وجود جماعه قلیله تعرضوا لحکم المسأله ولکن الإجماع لم یتحقق بذلک ، فبینهما فرق ، ونفی الخلاف أقل من الإجماع بکثیر فی المقام وغیره .

ولذا قال شیخنا الاُستاذ _ مدظله _ : « ما ذکره من دعوی الإجماع واستفادته من نفی الخلاف غیر صحیح ، فإن الإجماع لا یحرز إلاّ فی مسأله تعرض لحکمها معظم الفقهاء أو جمیعهم مع اتفاقهم علی ذلک الحکم ، ونفی الخلاف یکفی فیه اتفاق جماعه قلیله تعرضوا للمسأله ، فکیف تکون دعوی نفی الخلاف کاشفه عن الإجماع ... »(2) .

وقال بعض أساتیذنا _ مدظله _ فی تعلیقه علی الکلام الذی مرّ من الشیخ الأعظم : « عدم قصور نفی الخلاف عن الإجماع المصطلح ممنوع ، إذ یمکن عدم عنوان المسأله إلاّ من قبل جمع قلیل لا یکشف اتفاقهم وعدم خلافهم عن تلقی المسأله عن المعصومین علیهم السلام »(3) .

وثالثاً : علی فرض وجود الإجماع حتّی المحصَّل منه فی المقام لا یفید شیئاً ، لأنّه من

ص:17


1- (3) الحدائق 18 / 141 .
2- (4) إرشاد الطالب 1 / 142 .
3- (1) دراسات فی المکاسب المحرمه 3 / 99 .

المحتمل جداً أن یکون مدرکیّاً کما اعترف بذلک المحققون نحو : السید الخوئی قدس سره (1) والاُستاذان(2) _ مدظلهما _ .

الثانی : حکم العقل

بتقریب : أن العقل حاکم بوجوب قلع وحسم ماده الفساد ، ولا فساد أکبر من الضلاله .

واعترض علیه المحقق الإیروانی بقوله : « العقل لو حکم بذلک لحکم بوجوب قتل الکافر ، بل مطلق مَنْ یضلّ عن سبیل اللّه بعین ذلک الملاک ولحکم أیضاً بوجوب حفظ مال الغیر عن التلف ، لکن حکمه بذلک ممنوع والمتیقّن من حکمه هو حکمه بقبح إلقاء الفساد ، ومصداقه فیما نحن فیه تألیف کتب الضلال ، لا حفظ المؤلَّف منها ، أو عدم التعرّض لإتلافها ، أو إثبات الید علیها»(3) .

أقول : الإعتراض غیر وارد ، لأنّ بعد قبول حکم العقل بقبح إلقاءِ الفساد ، فمن الفساد إلقاء الضلاله والغوایه ، ومن مصادیق إلقاء الضلاله تألیف کتب الضلال لأجل انحراف الناس عن دین اللّه تعالی . وبعد قبول کلّ ذلک فلا فرق بین تألیف کتب الضلال وطبعها ونشرها وبیعها وحفظها عن التلف ، لأنّ کل ذلک یوجب إلقاء الضلاله والغوایه والعقل حاکم بقبح إلقاء الفساد وقلع مادته .

وأمّا نقضه قدس سره : بوجوب قتل الکافر بل مطلق مَن یضلّ عن سبیل اللّه أیضاً فغیر تام ، لأنّ وجود الکافر ومطلق من یضل عن سبیل اللّه لا یوجب ضلاله الآخرین بل هو بنفسه ضالّ . نعم لو کان مضِلاّ یوجب ضلاله الآخرین مع أقواله وأعماله وکتاباته وکلّ ما صدر

عنه ، صار مصداقاً لما یوجب الضلاله ویجری علیه حکمه . فما ذکره المحقق الإیروانی رداً للإستدلال غیر تام .

نعم ، یرد علی هذا الاستدلال ما ذکره المحقق الخوئی من قوله : « إنّ مدرک حکمه (أی

ص:18


1- (2) مصباح الفقاهه 1 / 257 .
2- (3) إرشاد الطالب 1 / 142 ودراسات فی المکاسب المحرمه 3 / 91 .
3- (4) حاشیه المکاسب 1 / 152 .

حکم العقل) إن کان هو حسن العدل وقبح الظلم _ بدعوی أن قلع ماده الفساد حسن وحفظها ظلم وهتک للشارع _ فیرد علیه : أنّه لا دلیل علی وجوب دفع الظلم فی جمیع الموارد ، وإلاّ لوجب علی اللّه وعلی الأنبیاء والاُوصیاء الممانعه عن الظلم تکویناً ، مع أنّه تعالی هو الذی أقدر الإنسان علی فعل الخیر والشر وهداه السبیل إمّا شاکراً وإمّا کفوراً .

وإن کان مدرک حکمه وجوب الإطاعه وحرمه المعصیه لأمره تعالی بقلع ماده الفساد فلا دلیل علی ذلک إلاّ فی موارد خاصه ، کما فی کسر الأصنام والصلبان وسائر هیاکل العباده ... .

نعم ، إذا کان الفساد موجباً لوهن الحقِّ وسدّ بابه وإحیاء الباطل وتشیید کلمته وجب دفعه لأهمّیّه حفظ الشریعه المقدسه ، ولکنّه أیضاً وجوب شرعی فی مورد خاص ، فلا یرتبط بحکم العقل بقلع ماده الفساد»(1) .

وتبعه تلمیذه وقال : « حکم العقل غیر مسلَّم وإلاّ لاستقل العقل بإزاله کلِّ ما فیه أو منه الفساد ، کالهجوم علی أهل الکفر والشرک ومحو شوکتهم ومعابدهم وکتبهم ، فإنّهم وما معهم منشأ الفساد علی الأرض ، ولا استقلال للعقل بذلک ، ووجوب الجهاد حکم شرعی تعبدی لا لحکم العقل بلزوم قهر الناس علی الإیمان مع أنّ الدنیا دار إمتحان یکون فیها الخیار بین الهدی والضلال والکفر والإیمان»(2) .

الثالث : قوله تعالی : «وَمِنَ النَّاسِ مَن یَشْتَرِی لَهْوَ الْحَدِیثِ

الثالث : قوله تعالی : «وَمِنَ النَّاسِ مَن یَشْتَرِی لَهْوَ الْحَدِیثِ لِیُضِلَّ عَن سَبِیلِ اللَّهِ بِغَیْرِ عِلْمٍ وَیَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِکَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِینٌ»(3) .

قال الشیخ الطوسی فی تفسیر الآیه الشریفه : « قیل فی معناه قولان :

أحدهما : أنّه یشتری کتاباً فیه لهو الحدیث .

الثانی : أنه یشتری لهو الحدیث عن الحدیث .

واللهو : الأخذ فی ما یصرف الهمّ من غیر الحقِّ ... والحدیث : الخبر عن حوادث

ص:19


1- (1) مصباح الفقاهه 1 / 254 و 255 .
2- (2) إرشاد الطالب 1 / 140 .
3- (3) سوره لقمان / 6 .

الزمان . ... وقیل : کلّما کان من الحدیث ملهیاً عن سبیل اللّه الذی اُمر باتباعه إلی ما نهی عنه فهو لهو الحدیث .

وقیل : الآیه نزلت فی النضر بن الحارث بن کلده ، کان اشتری کتباً فیها أحادیث الفرس من حدیث رستم واسفندیار ، فکان یلهیهم بذلک ویطرف به ، لیصدّ عن سماع القرآن وتدبّر ما فیه .

وقوله : «لِیُضِلَّ عَن سَبِیلِ اللَّهِ» أی لیتشاغل بما یلهیه عن سبیل اللّه ... .

وقوله : «وَیَتَّخِذَهَا هُزُواً» أی یتخذ سبیل اللّه سخریه ، فلا یتبعها ویشغل غیره عن اتباعها ... »(1) .

وفی المطبوع من تفسیر القمی : « فی روایه أبی الجارود عن أبی جعفر علیه السلام فی قوله : «وَمِنَ النَّاسِ مَن یَشْتَرِی لَهْوَ الْحَدِیثِ لِیُضِلَّ عَن سَبِیلِ اللَّهِ بِغَیْرِ عِلْمٍ»: فهو النَّضْر بن الحارث بن عَلْقَمَه بن کَلَدَه من بنی عبد الدار بن قصّی ، وکان النضر راویاً لأحادیث الناس وأشعارهم ، یقول اللّه عزّ وجل : «وَإِذَا تُتْلَی عَلَیْهِ آیَاتُنَا وَلَّی مُسْتَکْبِراً کَأَن لَّمْ یَسْمَعْهَا کَأَنَّ فِی أُذُنَیْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِیمٍ»(2)»(3) .

وقال الطبرسی : « نزل قوله «وَمِنَ النَّاسِ مَن یَشْتَرِی لَهْوَ الْحَدِیثِ» فی النضر ابن الحرث بن علقمه بن کلده بن عبد الدار بن قصی بن کلاب ، کان یتّجر فیخرج إلی فارس فیشتری أخبار الأعاجم ویحدّث بها قریشاً ویقول لهم : إنّ محمداً یحدّثکم بحدیث عاد وثمود وأنا اُحدّثکم بحدیث رستم وإسفندیار وأخبار الأکاسره ، فیستعمون حدیثه ویترکون استماع القرآن ، ... وروی أیضاً عن أبی عبد اللّه علیه السلام أنّه قال : هو الطعن فی الحقِّ والإستهزاء به وما کان أبو جهل وأصحابه یجیئون به ، إذ قال : یا معشر قریش ألا اُطعمکم من الزقوم الذی یخوّفکم به صاحبکم ، ثمّ أرسل إلی زبد وتمر فقال : هذا هو الزقوم الذی یخوّفکم به ، ... فعلی هذا یدخل فیه کلّ شیءٍ یلهی عن سبیل اللّه وعن طاعته من الأباطیل والمزامیر والملاهی

ص:20


1- (1) التبیان 8 / 271 و 272 .
2- (2) سوره لقمان / 7 .
3- (3) تفسیر القمی 2 / 161 .

والمعازف ویدخل فیه السخریه بالقرآن واللغو فیه کما قاله أبو مسلم ، والتُرَّهات والبَسابِس(1) علی ما قاله عطا ، وکلّ لهو ولعب علی ما قاله قتاده ، والأحادیث الکاذبه

والأساطیر الملهیه عن القرآن علی ما قاله الکلبی ... »(2) .

هذا ما ذکره أعلام التفسیر فی ذیل الآیه الشریفه وأمّا تقریب الاستدلال بها :

أستفیدت من الآیه الشریفه : حرمه کلّ ما یقع فی طریق الإضلال ، ومنه حفظ کتب الضلال .

وقال المحقق الأردکانی فی تقریب الاستدلال بها : « إنّ الآیه وإن کانت ظاهره فی ترتب الضلاله فی الفروع علی اشتراء اللهو وهی الإعراض عن طاعه اللّه عزّ وجل والإقدام علی المعاصی البدنیه الناشئه من تهییج القوی الشهویه الحاصل من الملهیات ، والمدعی أعم منها ومن الضلاله فی الاُصول ، إلاّ أنّه یتمّ المدعی بالأولویه القطعیه وعدم القول بالفصل . ویمکن أن یقال : إن العبره بإطلاق العله وقضیته مبغوضیّه کلّما یوجب الضلاله کان فی الاُصول أو فی الفروع ، ومن مصادیقه کتب الضلال ، فالعلّه هنا معمِّمه ولا اعتبار بخصوصیه المورد ، ویلزم من مبغوضیه وجود ما یوجب الضلاله وجوب إتلافه»(3) .

وفیه : أن ما ذکره هذا المحقق الجلیل قدس سره من ادعاء ظهور الآیه الشریفه فی ترتب الضلاله فی الفروع ثم عمّم الحکم فی الاُصول بالأولویه القطعیه وعدم القول بالفصل ، غیر تام لأنّ ظهور الآیه الشریفه مع مراجعه شأن نزولها إمّا ظاهر بترتب الضلاله فی الاُصول فقط أو الأعم من الاُصول والفروع ، والثانی یؤیَّد بمراجعه الروایات الوارده فی ذیل الآیه الشریفه المفسره بالغناء .

فلا نحتاج إلی ظهور الآیه الشریفه فی ترتب الضلاله فی الاُصول إلی ما ذکره قدس سره من الأولویه القطعیه وعدم القول بالفصل وإن کان کلاهما موجودین . نعنی اننا نستشکل علیه ادعاء ظهوره ، وعلیه لا ندری کیف یردّ بیانه . هذا ما ذکره المحقق الإیروانی من الإشکال

ص:21


1- (4) الترهات البسابس : الأباطیل والکذب .
2- (1) مجمع البیان 7 / 313 .
3- (2) غنیه الطالب 1 / 123 .

الآتی ؟ !

ثم یردّ علی الاستدلال بالآیه الشریفه :

أولاً : قال الإیروانی : « الظاهر أنّ المراد بالإشتراء هو التعاطی ، وهو کنایه عن التحدث ، به وهذا داخل فی إلاضلال عن سبیل اللّه بسبب التحدّث بلهو الحدیث ، ولا إشکال فی حرمه الإضلال ، وذلک غیر ما نحن فیه من إعدام ما یوجب الإضلال»(1) .

وثانیاً : قال الخوئی : « ... إذا سلمنا ذلک فالمستفاد من الآیه حرمه اشتراء کتب الضلال ، ولا دلاله فیها علی حرمه إبقائها وحفظها بعد الشراء ، کما أن التصویر حرام وأمّا اقتناؤه فلیس بحرام ، والزنا حرام وتربیه أولاد الزنا لیس بحرام ... »(2) .

وثالثاً : ما ذکره شیخنا الأستاذ _ مدظله _ : « علی تقدیر کون المراد بالإشتراء ما یعم مطلق الأخذ والإقتناء ، فلا تکون فی الآیه دلاله علی الحرمه فیما إذا لم یکن غرضه إضلال الناس ومیلهم عن الهدایه ، کما إذا جعل الکتاب المزبور فی مکتبته حتّی یکون فیها من کلّ باب کتاب»(3) .

الرابع : قوله تعالی : «فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الاْءَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ»

(4) .

بتقریب : أن الشیخ الطوسی قال فی تفسیر الآیه : « یعنی الکذب ، وروی أصحابنا أنّه یدخل فیه الغناء وسائر الأقوال الملهیه بغیر حق»(5) .

الآیه الشریفه أمرت باجتناب قول الزور ، والمراد به الکذب والباطل ، والعرف لا یری فرقاً بین الکذب والباطل وقول الزور إذا کان مقولاً بالقول أو مکتوباً بالقلم ، وحکمت بأنّ کلاهما قول الزور ویجب الاجتناب عنه . فتدخل کتب الضلال فی قول الزور الذی اُمرنا بالاجتناب عنه .

ص:22


1- (3) حاشیه المکاسب 1 / 152 .
2- (1) مصباح الفقاهه 1 / 255 .
3- (2) إرشاد الطالب 1 / 140 .
4- (3) سوره الحج / 30 .
5- (4) التبیان 7 / 313 .

ولذا قال صاحب الجواهر : « بل قد یُستفاد حرمته أیضاً ممّا دل علی وجوب اجتناب قول الزور ولهو الحدیث والکذب والافتراء علی اللّه ... »(1) .

وقال الشیخ الأعظم فی الاستدلال علی حرمه حفظ کتب الضلال : « ... والأمر بالاجتناب عن قول الزور ... »(2) .

وقال المحقق التقی الشیرازی : « وحاصله : أنّ المستفاد من أمثال تلک العبارات الاجتناب عن مطلق ما یدلّ علی الباطل قولاً کان أو کتابه ، وکذا حجیه کلّ صادر من العادل ممّا یحکی عن الواقع قولاً کان أو فعلاً»(3) .

وقال السید الیزدی : « ... یمکن دعوی شمول الآیه وعمومها ، فإنّ مقتضی إطلاق الاجتناب عن قول الزور الاجتناب عنه بجمیع الأنحاء ، الذی منها ما نحن فیه ، فتأمل»(4) .

وفیه : أنه یُستفاد من الآیه الشریفه الاجتناب من قول الزور ، یعنی عدم إیجاد الکذب والإفتراء والباطل بالقول والتکلّم والحدیث ، وغایه الأمر أن تدخل الکتابه بهذه الاُمور تحت الآیه الشریفه ، ومع ذلک لا تدلّ علی لزوم إتلاف القول أو التکلّم والکتابه إذا کان لهما البقاء ، نحو ضبطهما فی الأشرطه والکتاب .

وبالجمله ، حرمه الإیجاد لا تدلّ علی وجوب الإتلاف إذا کان للشیءٍ بقاءٌ ، کما أنّ حرمه إیجاد التصویر لا تدلّ علی لزوم فناء الصوره وحرمه اقتنائها .

والحاصل : وجوب إتلاف کتب الضلال لم یُستفد من الآیه الشریفه .

الخامس : روایه تحف العقول

فقرات من روایه تحف العقول تدلّ علی حرمه حفظ کتب الضلال :

منها : قوله علیه السلام : « ... فهذا کلّه حرام ومحرَّم لأن ذلک کلّه منهی عن ... والتقلب فیه بوجهٍ من الوجوه لما فیه من الفساد فجمیع تقلّبه فی ذلک حرام ، وکذلک بیع ملهوٍّ به وکل منهیٍّ

ص:23


1- (5) الجواهر 22 / 56 .
2- (6) المکاسب المحرمه / 29 _ (1 / 233) .
3- (7) حاشیه المکاسب 1 / 72 .
4- (1) حاشیه المکاسب 1 / 128 .

عنه ممّا یتقرَّب به لغیر اللّه ، أو یقوی به باب من أبواب الضلاله أو باب من أبواب الباطل أو باب یوهن به الحقّ فهو حرام محرّم ، حرام بیعه وشراؤُهُ وإمساکه ومِلْکُهُ وهبته وعاریته وجمیع التقلب فیه ، إلاّ فی حال تدعو الضروره فیه إلی ذلک»(1) .

ومنها : قوله علیه السلام : « إنّما حرم اللّه الصناعه التی حرام هی کلّها التی یجیءُ منها الفساد محضاً ، نظیر البرابط والمزامیر والشطرنج وکلّ ملهوٍّ به والصلبان والأصنام وما أشبه ذلک ... »(2) .

بتقریب : أن من الواضح أن کتب الضلال ممّا یقوی به الضلاله و ممّا یتقرَّب به لغیر اللّه ومن أبواب الباطل وممّا یوجب وهن الحقّ ، فهو حرام محرَّم جمیع التقلب فیه ، ومن التقلب فیه حفظها وعدم إتلافها وإمساکها .

وهکذا لا یترتب علی کتب الضلال إلاّ الضلاله والفساد ، ولا یجیئ منها إلاّ الفساد محضاً « فحرام تعلیمه وتعلّمه والعمل به وأخذ الأجره علیه وجمیع التقلب فیه من جمیع وجوه

الحرکات کلّها»(3) ، فحفظ کتب الضلال وعدم إتلافها حرامٌ .

وفیه : أولاً : قد مرّ منّا فی أوّل الکتاب إرسال الروایه واضطرابها ، بل عدم ثبوت کونها روایه .

وثانیاً : حرمه الصناعه لا تلازم وجوب إتلاف المصنوع ، کما فی حرمه التصویر وجواز إبقائها .

وثالثاً : بین حفظ کتب الضلال وتقویه الکفر وإهانه الحقّ عموم من وجه ، إذ قد لا یترتب علیه تقویه الکفر وإهانه الحقّ کما هو واضح .

ورابعاً : الحفظ لا یصدق علیه عنوان التقلّب ، لاسیما إذا کان غرض الحافظ عدم وقوع کتب الضلال فی أیدی الناس حتّی توجب ضلالتهم .

وخامساً : « لا تعمّ الروایه ما إذا کانت فی استنساخ کتب الضلال واقتنائها مصلحه

ص:24


1- (2) تحف العقول / 333 .
2- (3) تحف العقول / 335 .
3- (1) اقتباس من روایه تحف العقول / 336 .

مباحه غیر نادره» کما ذکره شیخنا الأستاذ _ مدظله _(1) .

وأمّا إشکال المحقق الإیروانی قدس سره علی الاستدلال بالروایه بأنّ موردها هی الصنعه(2) غیر تام .

لأنّ مورد الفقره المذکوره الثانیه هی الصناعه ، وأمّا مورد الفقره الأولی فلیست بالصناعه ، بل موردها التجارات بالمعنی الأعم .

السادس : حسنه أو صحیحه عبد الملک بن أعین

صحیحه عبد الملک بن أعین الماضیه فی بحث النجوم ، قال : قلت لأبی عبد اللّه علیه السلام : إنّی قد ابتلیت بهذا العلم فاُرید الحاجه ، فإذا نظرتُ إلی الطالع ورأیتُ الطالع الشر جلستُ ولم أذهب فیها ، وإذا رأیت الطالع الخیر ذهبت فی الحاجه ، فقال لی : تقضی ؟ قلت : نعم ، قال : أحرق کتبک(3) .

بتقریب : أن أمر الإمام علیه السلام بإحراق کتبه فی علم النجوم مع القضاء علی طبقها ، وکتب الضلال لا تقلّ من کتب النجوم إفساداً ، فإذا وجب إحراق کتب النجوم وإتلافها ، یجری الحکم فی کتب الضلال بطریق أولی ، فوجب إتلافها وحرم حفظها .

وفیه : أولاً : لم یأمر الإمام علیه السلام بإحراق کتب النجوم مطلقاً ، بل استفسر من عبد الملک أنّه یقضی ؟ فقال : نعم ، ثم أمر الإمام علیه السلام بالإحراق ، وقد سبق فی بحث النجوم فی ذیل الروایه أنّ أمر معاش عبد الملک إختل بجهه هذه الکتب والإعتماد علیها ، ولذا أمر علیه السلام بالإحراق لأجل نجاته من هذا الإختلال . فالروایه لاتدلّ علی لزوم إحراق مطلق کتب النجوم حتّی یتعدی المستدِل منها إلی کتب الضلال .

وثانیاً : لو سلمنا وذهبنا إلی التعدی من کتب النجوم إلی کتب الضلال وقلنا أنّ کتب النجوم من إحدی مصادیق کتب الضلال ، مع ذلک لا یمکن القول بوجوب إتلاف کتب الضلال مطلقاً وحرمه حفظها کذلک ، لأنّ الإمام علیه السلام فصّل بین القضاء وعدمه ، والتفصیل قاطع

ص:25


1- (2) إرشاد الطالب 1 / 141 .
2- (3) حاشیه المکاسب 1 / 153 .
3- (4) الفقیه 2 / 267 ح 2402 ونقل عنه فی وسائل الشیعه 11 / 370 ح 1 .

للشرکه ، وهو جواز الحفظ مع عدم الحکم .

السابع : صحیحه أبی عبیده الحذَّاء

نقل الکلینی عن علی بن إبراهیم عن أحمد بن محمد البرقی عن محمد بن عبد الحمید عن العلاء بن رزین عن أبی عبیده الحذّاء عن أبی جعفر علیه السلام قال : من علّم باب هدی فله مثل أجر من عمل به ولا ینقص أولئک من اُجورهم شیئاً ، ومن علّم باب ضلال کان علیه مثل أوزار مَنْ عمل به ولا ینقص أولئک من أوزارهم شیئاً(1) .

بتقریب : أن سند الروایه کما تری صحیح ، وهی تدلّ علی حرمه تعلیم وتعلّم الضلال ، ولم یحرم هذا التعلیم والتعلّم إلاّ من جهه أنّهما یوجبان الضلال ، فکلّ أمر یوجب الضلال فهو حرام ، ومنها حفظ کتب الضلال ، فصار حراماً .

وقد استدل علی الحرمه بهذه الروایه الفاضل النراقی فی المستند(2) من دون البحث فی السند سندها وتقریب الاستدلال .

وفیه : الصحیحه داله علی حرمه تعلیم وتعلّم الضلال وعلی المعلّم أوزار المتعلّمین من دون نقص من أوزارهم ، ولکن لا تدلّ علی وجوب إتلاف کلّ شیءٍ یوجب الضلال ، وإلاّ لزم القول بوجوب إتلاف معلّم الضلال أیضاً ولم یقل به أحد . فالصحیحه لا تدلّ علی حرمه حفظ کتب الضلال .

الثامن : حرمه الإعانه علی الإثم

الضلال وما یوجبه إثمٌ وحفظ کتب الضلال حیث یوجب الضلاله نوع إعانه علی

الإثم ، وحرمه الإعانه علی الإثم واضح ، فحفظ کتب الضلال بما أنّه إعانه علی الإثم حرام . ذهب إلی هذا الاستدلال السید العاملی وقال : « ... إن فی ذلک نوع إعانه علی الإثم ... »(3) .

وفیه : أولاً : قد مر منّا عدم حرمه کلّ إعانه علی الإثم ، وما هو الحرام لیس إلاّ التعاون علی الإثم .

ص:26


1- (1) الکافی 1 / 35 ح 4 ونقل عنه فی وسائل الشیعه 16 / 173 ح 2 _ الباب 16 من أبواب الأمر والنهی .
2- (2) مستند الشیعه 14 / 157 .
3- (1) مفتاح الکرامه 4 / 62 _ (12 / 207) .

وثانیاً : لو سلّمنا حرمه الإعانه علی الإثم ، الدلیل أخص من المدعی ، لأنّ حفظها لا یلازم الضلال دائماً کما هو واضح ، فبهذه القاعده لا یمکننا الحکم بحرمه الحفظ مطلقاً ، کما قال الفاضل النراقی : « والتمسک بحرمه المعاونه علی الإثم غیر مطّرد»(1) .

التاسع : أنّها مشتمله علی البدعه

کتب الضلال مشتمله علی البدعه ویجب دفعها من باب النهی عن المنکر ، کما ذهب إلی هذا الاستدلال المحقق الأردبیلی(2) وتبعه السید العاملی(3) .

وفیه : أولاً : نهی المنکر واجب ، ولکن وجوب دفعه أیضاً ، محل تأمل بل منع کما مرّ منّا سابقاً .

وثانیاً : علی فرض وجوب دفع المنکر « أنّ المراد بالمنکر فی المقام هو الفعل المحرَّم الذی یصدر من الشخص ، لا الأباطیل والأکاذیب المکتوبه فی الکتب ، فلا دلیل علی وجوب إتلافها» کما قاله بعض أساتیذنا _ مدظله _(4) .

العاشر : کتب الضلال لیست بأقل ضرراً من هیاکل العباده

کتب الضلال لیست بأقل ضرراً من هیاکل العباده المبتدعه ، فکما یجب إتلافها یجب اتلاف کتب الضلال أیضاً ویحرم حفظها .

قال فی الجواهر : « بل هی أولی حینئذ (یعنی حین ترتب الفساد) بالحرمه من هیاکل العباده المبتدعه»(5) .

ومال إلی هذا الاستدلال أیضاً الفقیه الیزدی فی تعلیقته علی المکاسب(6) .

وفیه : أن هیاکل العباده ووجوب إتلافها مورداً للنصوص ، وهی فی حقِّ کتب

ص:27


1- (2) مستند الشیعه 14 / 157 .
2- (3) مجمع الفائده والبرهان 8 / 75 .
3- (4) مفتاح الکرامه 4 / 62 _ (12 / 207) .
4- (5) دراسات فی المکاسب المحرّمه 3 / 98 .
5- (6) الجواهر 22 / 56 .
6- (7) راجع حاشیه المکاسب 1 / 128 .

الضلال مفقوده کما اعترف بذلک صاحب الحدائق وقال : « وعندی فی الحکم من أصله توقف لعدم النص»(1) ، فقیاسها بها مع الفارق .

نعم ، إذا ترتب الضلال فعلاً علیها یجب إتلافها بحکم العقل والشرع ، ولکن هذا غیر حرمه حفظها مطلقاً .

تلک عشره کامله من الأدله علی حرمه حفظ کتب الضلال ووجوب إتلافها ، وأنت تری عدم تمامیتها ، ومع ذلک نقول : إذا ترتب الضلال والغوایه فعلاً علیها وجب إتلافها ، وهکذا إذا کانت فی مَعْرض هذا الترتب ، وهذا بحکم العقل والشرع الناهیان عن الضلال والفساد کما مرّ منّا آنفاً . وهذا الحکم هو المشهور بین الأصحاب ، بل ادعی علیه الإجماع ، ولذا قال السید العاملی فی ثبوت هذا الحکم : « فلا تصغْ إلی ما بَرْقَشَهُ(2) بعضُ متأخری المتأخرین من الخرافات وأورده من التُرَّهات»(3) .

والحاصل ، وجوب إتلاف کتب الضلال وحرمه حفظها مطلقاً ممّا لا دلیل علیه ، إلاّ إذا کان ترتب الضلال علیها فعلیّاً أو کان فی معرض ترتب الضلال ، واللّه العالم .

موارد الإستثناء علی القول بوجوب الاتلاف مطلقاً

القائلون بحرمه الحفظ ووجوب الإتلاف قد ذکروا موارد یستثنون الحکم فیها ، ولکن علی ما سلکناه من عدم الإطلاق فی وجوب الإتلاف وحرمه الحفظ ، هذه الموارد علی طبق القاعده ، ونفس وجود هذه الموارد دلیل علی عدم إطلاق فی المقام ، وأمّا موارد الاستثناء :

استثنی ابن إدریس الحلی من حرمه حفظ کتب الضلال مورداً ، وهو : « من غیر نقض لها»(4) .

ص:28


1- (1) الحدائق 18 / 141 .
2- (2) برقشه فی الکلام : خلط .
3- (3) مفتاح الکرامه 4 / 62 _ (12 / 207) .
4- (4) السرائر 2 / 218 .

وأضاف العلاّمه أمراً آخراً فصار أمرین : « 1 _ لغیر النقض 2 _ أو الحجه»(1) .

وقال ثانی الشهیدین توضیحاً : « لمن له أهلیتها لا مطلقاً خوفاً علی ضعفاء البصیره

من الشبهه»(2) .

وقال المحقق الثانی فی تعلیقه علی کلام العلامه : « أی : نقض مسائل الضلال ، أو الحجه علی مسائل الحقّ من کتب الضلال ، وظاهره حصر جواز الحفظ والنسخ فی الأمرین ، والحقّ أنّ فوائده کثیره ، فلو اُرید نقل المسائل أو الفروع الزائده أو معرفه بعض اُصول المسائل أو الدلائل ونحو ذلک جاز الحفظ و النسخ أیضاً ، لمن له أهلیه النقض لا مطلقاً ، لأنّ ضعفاء البصیره لا یؤمَنُ علیهم خلل الإعتقاد»(3) .

وقال المحقق الأردبیلی : « ... وکذا بیعها وسائر التکسب بها ، علی أنّه یجوز کلّه للأغراض الصحیحه ، بل قد یجب کالتقیه والنقض والحجه واستنباط الفروع ونقل أدلّتها إلی کتبنا وتحصیل القوه وملکه البحث لأهلها»(4) .

وقال جدنا الشیخ الأکبر الشیخ جعفر کاشف الغطاء فی شرحه علی کلام العلامه : « وأمّا لهما (أی للنقض بها أو الحجه علی أهلها) فربّما وجب ، إذ الجهاد بالأقلام أعظم نفعاً من الجهاد بالسهام ، وإتلاف بعض آحادها لا یقضی برفع فسادها ، والإبطلال لکلّها إنّما یتحقق بإبطالها من أصلها ، وحیث أن مقصد الشرع فیها الإبطال کان الأقوی فی حصوله الردّ بطریق الاستدلال»(5) .

وقال السید الطباطبائی : « لغیر النقض لها والحجه علی أربابها بما اشتملت علیه ممّا یصلح دلیلاً لإثبات الحق أو نقض الباطل لمن کان من أهلهما ، ویلحق به الحفظ للتقیه أو

ص:29


1- (5) تذکره الفقهاء 12 / 143 _ تحریر الأحکام الشرعیه 2 / 260 _ منتهی المطلب 2 / 1013 قواعد الأحکام 2 / 8 .
2- (1) مسالک الأفهام 3 / 127 .
3- (2) جامع المقاصد 4 / 26 .
4- (3) مجمع الفائده والبرهان 8 / 76 .
5- (4) شرح القواعد 1 / 217 .

لغرض الاطلاع علی المذاهب والآراء لیکون علی بصیره فی تمییز الصحیح عن الفاسد ، أو لغرض الإعانه علی التحقیق ، أو تحصیل ملکه للبحث والاطلاع علی الطرق الفاسده لیتحرّز عنها ، أو غیر ذلک من الأغراض الصحیحه کما ذکره جماعه ، وینبغی تقییده بشرط الأمن علی نفسه من المیل إلی الباطل بسببها ، وأمّا بدونه فمشکل مطلقاً ، لاحتمال الضرر الواجب الدفع عن النفس ولو من باب المقدمه إجماعاً»(1) .

وقال الفاضل النراقی بعد استثناء التقیه والموردین : « وفاقاً لصریح المشهور ، لما رواه

الشیخ الحر فی الفصول المهمه عن الصادق علیه السلام : « أنَّ کل شیءٍ یکون لهم فیه الصلاح من جهه من الجهات فهذا کلّه حلال بیعه وشراؤه وإمساکه واستعماله وهبته وعاریته »(2) . ومقتضی ذلک وإن کان استثناء کلّ ما إذا ترتب علیه مقصد صحیح ، کتحصیل البصیره بالاطلاع علی الآراء والمذاهب وتمییز الصحیح من الفاسد والاستعانه علی التحقیق وتحصیل ملکه البحث و النظر وغیر ذلک _ کما ذکره المحقق الثانی وصاحب الکفایه(3) _ إلاّ أن ضعف الروایه وعدم انجبارها إلاّ فی النقض والاحتجاج یمنع من استثناء غیرهما»(4) .

أقول : وأنت تری أن النراقی حصر الاستثناء فی الموردین المشهورین ، وفیه ما لا یخفی علی أهله .

وتبعه صاحب الجواهر وقال : « ... ومنه یظهر الوجه فی استثناء النقض ، لأنه إتلاف لکلّها الذی هو اُولی من إتلاف آحادها الغیر المقتضی لرفع فسادها بخلاف ردّها بطریق الاستدلال ، وأمّا الحجه علی أهلها فإن رجع إلی ذلک وإلاّ کان استثناؤه لا یخلو من إشکال ... »(5) .

ص:30


1- (5) ریاض المسائل 8 / 164 .
2- (1) تحف العقول / 333 .
3- (2) الکفایه / 86 من الطبع الحجری (1 / 436 و 435 من طبعه جماعه المدرسین) .
4- (3) مستند الشیعه 14 / 157 و 158 .
5- (4) الجواهر 22 / 57 .

أقول : لا أدری کیف فرّق قدس سره بین النقض والرد بطریق الاستدلال ؟ وهکذا الحجه علی أهلها إن لم یرجع إلی النقض ، فکیف صار استثناؤه لا یخلو من إشکال ؟ مع تعرض مشهور الأصحاب لهذه الاستثناء .

وبالجمله ، لا ینحصر الاستثناء بالموردین المشهورین ، بل یمکن التعدی إلی غیرهما من المنافع والفوائد ، وقد مرّ منّا فی ضمن نقل کلمات الأصحاب بعضها ، ونفس وجود هذه المستثنیات دال علی أنّ الحکم بوجوب إتلاف کتب الضلال أو حرمه حفظها لیس بمطلق بل ینحصر بموارد خاصه ، کما مرّ منّا فی أوّل هذا البحث ، أعنی فی صوره ترتب الإضلال ، خارجاً أو فقل : غایه الأمر فی صوره معرضیتها لترتب الإضلال .

تنبیه : لا یخلو من فائده

قال الفقیه الیزدی : « مقتضی الوجوه المذکوره وجوب تفویت جمیع ما یکون موجباً

للضلال ولا خصوصیه للکتب فی ذلک ، فیحرم حفظ غیرها أیضاً مما من شأنه الإضلال کالمزار و المقبره والمدرسه ونحو ذلک ، فکان الأولی تعمیم العنوان ، ولعلّ غرضهم المثال ، لکون الکتب من الأفراد الغالبه لهذا العنوان . نعم یمکن الاستدلال علی الخصوصیه بروایه الحذّاء : من علّم باب ضلال کان علیه مثل وزر من عمل به ، فتأمل»(1) .

وتبعه المحقق الأردکانی وقال : « ویمکن أن یقال : إنّ العبره بإطلاق العلّه وقضیته مبغوضیه کلّما یوجب الضلاله کان فی الاُصول أو الفروع ، ومن مصادیقه : کتب الضلال ، فالعلّه هنا معمّمه ولا اعتبار بخصوصیه المورد ، ویلزم من مبغوضیه وجود ما یوجب الضلاله وجوب إتلافه»(2) .

أقول : الأدله لو تمت تقتضی ما ذکره المحققان ، ولکنّها لم تتم . وأمّا روایه الحذاء لا تقدر علی التخصیص لو تم التعمیم ، ولعلّ أمره بالتأمل إشاره إلیه . ومع ذلک کلِّه یمکن أن

ص:31


1- (1) حاشیه المکاسب 1 / 127 .
2- (2) غنیه الطالب 1 / 123 .

یقال : إذا ترتب علی وجود شیءٍ إضلال الناس فعلاً وتوقّف منع إضلالهم خارجاً علی إتلاف الشیء ، وجب إتلافه لمنعهم من الضلال وإرشادهم إلی الهدایه ، والحمد للّه رب العالمین .

ص:32

حرمه حلق اللحیه

اشاره

لم یتعرض الشیخ الأعظم قدس سره لمسألتنا هذه ، مع أنّها من المسائل المبتلی بها فی عصرنا الحاضر وقد یکتسب بها ، فإن ذهبنا إلی حرمه حلقها فالاکتساب بها أیضاً حرام فلذا تصدینا للبحث عنها بإذن اللّه تعالی وعونه ، ونقول :

لم یتعرض القدماء من أصحابنا لهذه المسأله فی کتبهم ، ولعل سرّ عدم تعرضهم لذلک أنّ المنع عندهم واضح وسیره المتشرعه أیضاً کانت علی وجود اللحی وعدم حلقها ، ولذا لم یحتاجوا إلی ذکر المسأله والبحث حولها .

وأمّا متأخر المتأخرین من أصحابنا فابتلوا بها ، ولذا بحثوا عنها وکتبوا حولها رسائل مستقله(1) وأفتی المشهور منهم بالحرمه بل کاد أن یکون إجماعاً . ونذکر هنا بعض کلماتهم لتکون علی بصیره من الأمر :

الأقوال فیها :

1 _ قال یحیی بن سعید الحلی : « ویکره القَزَع ، وقال صلی الله علیه و آله وسلم : أعفوا اللحی وحفوا الشوارب ، وینبغی أن یؤخذ من اللحیه ما جاوز القبضه ، ویکره نتف الشیب ، وکان علی علیه السلام لا یری بأساً بجزه»(2) .

القَزَع : جمع قزعه : أخذ بعض الشعر وترک بعضه .

ودلاله کلام ابن سعید قدس سره علی الحرمه غیر واضحه .

ص:33


1- (1) قد عدّ العلامه الشیخ رضا الأستادی _ دامت برکاته _ أکثر من أربعین رساله مستقله فی هذا الموضوع ، فراجع إلی رسالته بالفارسیه فی هذا المجال المسماه ب_ « تحقیقی در یک مسأله فقهی (ریش تراشی) » المطبوع ضمن « ده رساله» / 251 طبع جماعه المدرسین بقم المقدسه 1380 ه_ . ش .
2- (2) الجامع للشرائع / 30 .

2 _ قال العلامه : « وقال علیه السلام : حفّوا الشوارب واعفوا اللحی ولا تشبّهوا بالیهود . ونظر صلی الله علیه و آله وسلم إلی رجل طویل اللحیه فقال : ما کان علی هذا لوهیّأ من لحیته ، فبلغ الرجل ذلک فهیّأ لحیته بین اللحیین ، ثم دخل علی النبی صلی الله علیه و آله وسلم فلمّا رآه قال : هکذا فافعلوا» .

وقال علیه السلام : إنّ المجوس جزّوا لحاهم ووفّروا شواربهم ، وأمّا نحن نجزّ الشوارب ونعفی اللحی ، وهی الفطره ... »(1) .

3 _ وقد أفتی بالحرمه ولده فخر المحققین فی حواشیه الفخریه علی قواعد والده العلامه ، کما نقل عنه الشیخ البلاغی فی رسالته(2) .

4 _ قال الشهید الأوّل : « لا یجوز له (أی للخنثی) حلق لحیته ، لجواز رجولیته»(3) .

وهذا الکلام ظاهر فی حرمه حلق اللحیه للرجال .

5 _ وتبعه الفاضل المقداد وقال أیضاً : « ... ولا یجوز له (أی للخنثی) حلق لحیته ، لجواز رجولیته ... »(4) .

6 _ قال الشیخ البهائی قدس سره فی رسالته الإعتقادیه : « ونقول بتحریم الربا والرشوه والسحر والقمار وحلق اللحیه وأکل السمک الذی لا فلس له ... »(5) .

واستفاد العلامه الشیخ جواد البلاغی من هذا البیان الإجماع علی الحرمه(6) .

7 _ وقال السید الداماد فی رساله شارع النجاه ما معرّبه : « لا یجوز حلق اللحیه وأنّه

ص:34


1- (1) تذکره الفقهاء 2 / 253 .
2- (2) رساله فی حرمه حلق اللحیه / 155 .
3- (3) القواعد والفوائد 1 / 231 .
4- (4) نضد القواعد الفقهیه / 164 .
5- (5) الاعتقادیه / 8 ، والمطبوعه فی ضمن نصوص ورسائل من تراث اصفهان العلمی الخالد 4 / 118 بتحقیق المحقق القدیر جویا جها نبخش - حفظه اللّه تعالی - .
6- (6) رساله فی حرمه حلق اللحیه / 155 المطبوعه ضمن الرسائل الأربعه عشره للشیخ رضا الأستادی دامت برکاته .

حرام»(1) .

8 _ وقال الفیض الکاشانی فی عدّ المعاصی : « وحلق اللحیه ، لأنّه خلاف السنه التی هی إعفاؤها ولمسخ طائفه بسببه ... »(2) .

9 _ وقال الفیض فی کتابه منهاج النجاه : « ... ومن المعاصی ترک الواجبات وإتیان البدع والقعود فی المسجد جنباً أو حائضاً ... وحلق اللحیه وهجاء المؤمنین وإیذاؤهم»(3) .

10 _ وقال أیضاً فی الوافی : « ... وقد مضی فی کتاب الحجه حدیث عن أمیر المؤمنین علیه السلام أنّ أقواماً حلقوا اللحی وفتلوا الشوارب فمسخوا ، وقد أفتی جماعه من فقهائنا بتحریم حلق اللحیه ، وربما یستشهد لهم بقوله سبحانه حکایهً عن إبلیس اللعین : «. . . وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَیُغَیِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ . . .»(4)(5) .

أقول : الحدیث المذکور هو خبر حبابه الوالبیه المروی فی الکافی 1 / 346 ح 4 ، ویأتی البحث حوله إن شاء اللّه تعالی ، فانتظر .

11 _ قال المحدث البحرانی : « الظاهر - کما استظهره جمله من الأصحاب کما عرفت - تحریم حلق اللحیه ، لخبر المسخ المروی عن أمیر المؤمنین علیه السلام ، فإنّه لا یقع إلاّ علی ارتکاب أمر محرَّم بالغ فی التحریم ، وأمّا الاستدلال بآیه «وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَیُغَیِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ» ، ففیه : أنّه قد ورد عنهم علیهم السلام : أنّ المراد دین اللّه ، فیشکل الإستدلال بها علی ذلک وإن کان ظاهر اللفظ یساعده»(6) .

12 _ وقال المجلسی الأوّل : « ... ورد فی الکافی مع حکم الکلینی بصحه أخباره عن

ص:35


1- (7) شارع النجاه / 103 المطبوع ضمن إثنی عشر رساله السید الداماد . طبعت بإهتمام المرحوم السید جمال الدین المیردامادی قدس سره .
2- (8) مفاتیح الشرائع 2 / 20 .
3- (9) منهاج النجاه / 70 .
4- (1) سوره النساء / 119 .
5- (2) الوافی 6 / 658 .
6- (3) الحدائق 5 / 561 .

أمیر المؤمنین سلام اللّه علیه ، أنّ أقواماً حلقوا اللحی وفتلوا الشوارب فمسخوا ، ویظهر من الأوامر بإعفاء اللحی وهذا الخبر ، ومن أنّه زیّ الیهود وجزّه زیّ المجوس ، الحرمه ، ولم یذکره فیما رأینا منهم غیر الشهید رحمه الله ، فإنّه ذکر حرمه الحلق بلا ذکر خلاف ، والمسموع من المشایخ أیضاً حرمته . ویؤیده أنّه لم ینقل تجویزه من النبی والأئمه صلوات اللّه علیهم ، ولو کان جائزاً لفعلوه مرّه لبیان الجواز کما فی کثیر من المکروهات ، أو وقع منهم الرخصه لأحدٍ ، مع أنّه معلوم منهم متواتراً بل من أصحابهم المداومه وإعفاء اللحیه . والحاصل أنّ الإحتیاط فی الدین ترک حلق اللحیه ، بل الشارب وترک جز اللحیه کالحلق ، فإنّهما کالضروریات من الدین ، بل ترک إطاله الشوارب وفتلهما أیضاً ، وترک إطاله اللحیه زیادهً عن القبضه ، فإنّه ورد فی الأخبار الکثیره أنّ الزائد عن القبضه فی النار ، وأنّه تقبض بیدک اللحیه وتجزّ ما فضل ... »(1) .

أقول : فی هذا المجال أیضاً راجع إلی شرحه علی الفقیه باللغه الفارسیه(2) .

13 _ وقال ولده العلامه المجلسی فی ذیل الروایه : « واستدل به علی حرمه حلق اللحیه بل تطویل الشارب ، ویرد علیه أنَّه إنّما یدلّ علی حرمتهما أو أحدهما فی شرع مَنْ قبلنا لا فی شرعنا .

فان قیل : ذکره علیه السلام ذلک فی مقام الذمّ یدلّ علی حرمتهما فی هذه الشریعه أیضاً .

قلنا : لیس الإمام علیه السلام فی مقام ذمّ هذین الفعلین ، بل فی مقام ذمّ بیع المسوخ بهذا السببّ ،کما أنّ مسوخ بنی إسرائیل مسخوا لِصید السّبت ، وذکرهم هنا لا یدلّ علی تحریمه . نعم یدلّ بعض الأخبار علی التحریم ، وفی سندها أو دلالتها کلام لیس هذا المقام محلّ إیراده»(3) .

14 _ وقد أفتی بالتحریم الشیخ علی سبط الشهید الثانی فی کتابه « الدر المنثور»(4) .

15 _ وذهب الشیخ الحر العاملی فی کتابه « هدایه الاُمّه» إلی عدم جواز حلق

ص:36


1- (4) روضه المتقین 1 / 333 .
2- (5) لوامع الصاحبقرانی 1 / 242 .
3- (1) مرآه العقول 4 / 79 .
4- (2) الدر المنثور 2 / 291 .

اللحیه(1) .

16 _ وقال السید عبد اللّه شبّر : « من المعاصی المنصَوص علیها ترک الواجبات ... وحلق اللحیه لأنّه خلاف السنه التی هی إعفاؤها ولمسخ طائفه بسببه»(2) .

17 _ قال جدنا الفقیه الشیخ جعفر کاشف الغطاء قدس سره : « خامسها : تخفیف اللحیه وتدویرها والأخذ من العارضین وتبطین اللحیه وقصّ ما زاد عن القبضه من اللحیه ، فإن مازاد عن القبضه فی النار ، وعن الصادق علیه السلام : یعتبر عقل الرجل فی ثلاث فی طول لحیته ونقش خاتمه وفی کنیته(3) . ویحرم حلقها ، ویستحب توفیرها قدر قبضته من ید صاحبها مع استواءِها واستوائه ، وإلاّ اعتبر المقدار ممّا لا یلائم خلقته»(4) .

18 _ قال صاحب الجواهر فی شرح قول المحقق : « (ولیس علی النساء حلق) : لا تعییناً ولا تخییراً ، بلا خلاف أجده بل عن التحریر والمنتهی الإجماع علیه ، وهو الحجه بعد قول النبی صلی الله علیه و آله وسلم فی وصیته لعلی علیه السلام : لیس علی النساء جمعه _ إلی أن قال _ : ولا استلام الحجر ولا الحلق ، والصادق علیه السلام فی صحیح الحلبی : لیس علی النساء حلق ویجزیهنَّ التقصیر ، بل یحرم علیهنّ ذلک ، بلا خلاف أجده فیه أیضاً ، بل عن المختلف الإجماع علیه ، وهو الحجه بعد

المرتضوی : نهی رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم أن تحلق المرأه رأسها ، أی فی الإحلال لا مطلقاً ، فإنّ الظاهر عدم حرمته علیها فی غیر المصاب المقتضی للجزع ، للأصل السالم عن معارضه دلیل معتبر . اللهم إلاّ أن یکون هناک شهره بین الأصحاب تصلح جابراً لنحو المرسل المزبور ، بناءً علی إراده الإطلاق ، فیکون کحلق اللحیه للرجال»(5) .

19 _ قد أفتی بالتحریم الشیخ الأعظم الأنصاری(6) وکل من المعروفین بالتقلید من زمنه إلی یومنا هذا فی رسائلهم العملیه :

ص:37


1- (3) هدایه الاُمّه إلی أحکام الأئمه علیهم السلام 1 / 154 طبع الآستانه المقدسه الرضویه علیه السلام عام 1412 ه_ .
2- (4) حق الیقین 2 / 213 .
3- (5) الخصال 1 / 103 _ مکارم الأخلاق / 68 .
4- (6) کشف الغطاء 2 / 418 .
5- (1) الجواهر 19 / 236 .
6- (2) مجمع المسائل _ أواخرها فی المسائل المتفرقه کما نقل عنه العلامتان الطبسی فی المنیه / 85 و البلاغی فی رسالته / 156 .

20 _ ومنهم : خالنا العلامه الفقیه السید إسماعیل الصدر قدس سره ، فقد قال فی بعض تعالیقه الفتوائیه : « قد حررت هذه المسأله مفصلاً ، وأرجو العذر عن مقدار ما عرضت به ، ومن یقول بعدم حرمته فلا یخلو حاله من أحد الأمرین : إما لعدم کونه من الراسخین فی العلم ، أو یروم بذلک إظهار فضیلته ، واللّه العالم . حرره الراجی ابن صدر الدین العاملی»(1) .

21 _ وممّن صرح بالحرمه آیه اللّه المیرزا الشیرازی الکبیر کما نقل عنه صاحب المنیه(2) .

22 _ ومنهم : الفقیه السید محمد کاظم الطباطبائی الیزدی فی ترجمه العروه الوثقی المسماه بالغایه القصوی(3) .

23 _ ومنهم : آیه اللّه الشیخ عبد الکریم الحائری الیزدی قال : « أما الدلیل الکاشف عن الحرمه فمن الکتاب قوله تعالی : «فَلَیُغَیِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ» .

بتقریب : أنّ إبلیس فی مقام إضلاله یقول : لآمرنَّهم بتغییر الخلقه ، مخالفاً لمقتضی المقام الذی هو بیان إضلاله ، ومن جمله ما هو تغییر فی الخلقه حلق اللحیه»(4) .

24 _ ومنهم : الفقیه السید أبو الحسن الأصفهانی قال ما معرّبه : « حلق اللحیه حرام ولو بالماکنه إذا کان مثل الحلق ، وفی هذا الحکم جمیع الناس سیان ، وحکم اللّه لا یتغیر بالاستهزاء والسخریه»(5) .

25 _ ومنهم : الفقیه الحجه الشیخ محمد الحسین کاشف الغطاء قال : « الظاهر تحقق الإجماع علی الحرمه»(6) .

26 _ ومنهم : آیه اللّه الحاج آقا حسین القمی یقول ما یقرب هذا المضمون : « إنّ ارتکاز المسلم بما هو مسلم أنّ حلق اللحیه حرام ، ویؤیده ما نقل من الإجماع علی

ص:38


1- (3) ونقل عنه فی المنیه / 86 .
2- (4) المنیه / 88 .
3- (5) غایه القصوی 2 / 71 المسأله 63 و 64 .
4- (6) نقل عنه تلمیذه العلامه آیه اللّه الشیخ محمد رضا الطبسی النجفی قدس سره فی کتابه المنیه / 88 .
5- (7) توضیح المسائل / 458 المسأله 2844 .
6- (1) نقل عنه فی المنیه / 93 .

حرمته»(1) .

27 _ وقال العلامه المامقانی : « ویحرم حلق اللحیه لما ورد من النهی عن ذلک ... وقد ورد بسند محکوم بالصحه عن رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم أنّ حلق اللحیه من المثله وأنّ علی من یفعله لعنه اللّه ... »(2) .

28 _ وفی الفقه علی المذاهب الأربعه « نقل عن الشافعیه : أمّا اللحیه فإنه یکره حلقها والمبالغه فی قصّها ، فإذا زادت علی القبضه فإنّ الأمر فیه سهل ، خصوصاً إذا ترتب علیه تشویه للخلقه أو تعریض به أو نحو ذلک ... .

وعن الحنفیه : یحرم حلق لحیه الرجل ، ویُسنّ أن لا تزید فی طولها علی القبضه ، فمازاد علی القبضه تُقصّ ، ولا بأس بأخذ أطراف اللحیه وحلق الشعر الذی تحت الإبطین ونتف الشیب ، وتُسنّ المبالغه فی قصّ الشارب ... .

وعن المالکیه : یحرم حلق اللحیه ویُسنّ حلق الشارب ... .

وعن الحنابله : یحرم حلق اللحیه ولا بأس بأخذ ما زاد علی القبضه منها ، فلا یکره قصّه کما لا یکره ترکه . وکذا لا یکره أخذ ما تحت حلقه الدبر من الشعر ، ویکره نتف الشیب ، ویُسنّ المبالغه فی قصّ الشارب ... »(3) .

أقول : أنت تری نَقَل صاحب الفقه علی المذاهب الأربعه عن الشافعیه القول بکراهه حلق اللحیه ، ولکن نقل الشیخ علی محفوظ أحد مدرسی الأزهر القول بالحرمه عن بعضهم ، حیث قال : « الثالث : مذهب الساده الشافعیه ، قال فی شرح العباب : فائده : قال الشیخان : یکره حلق اللحیه ، واعترضه ابن الرفعه بأنّ الشافعی نصّ فی الاُمّ علی التحریم . وقال

الأذرعی : الصواب تحریم حلقها جمله لغیر علّه بها . انتهی . ومثله فی حاشیه ابن قاسم العبادی فی الکتاب المذکور»(4)(5) .

ص:39


1- (2) نقل عنه ولده الفقیه الحاج آقا تقی القمی فی عمده الطالب 1 / 198 .
2- (3) مرآه الکمال / 109 .
3- (4) الفقه علی المذاهب الأربعه 2 / 44 .
4- (1) الإبداع فی مضارّ الإبتداع / 406 الطبعه الرابعه . ونقل عنه العلامه الأمینی قدس سره فی کتابه الغدیر 11 / 156 الطبعه الأولی .
5- (2) راجع إعانه الطالبین 2 / 386 للبکری الدمیاطی وحواشی الشروانی 9 / 376 .

وبالجمله ، فجمیع مذاهب الأربعه یذهبون إلی الحرمه ، نعم نقل عن بعض الشافعیه القول بالکراهه .

الوجوه التی اُقیمت علی الحرمه

الوجه الأوّل : الإجماع

قد مرّ منّا عند نقل الأقوال دعوی الإجماع علی حرمه حلق اللحیه من عدّه من الأصحاب :

منهم : الشیخ بهاء الدین محمد العاملی والشیخ محمد الحسین کاشف الغطاء قدس سرهما .

وفیه : أولاً : لم یکن فی کلام الشیخ البهائی دعوی الإجماع کما سبق نقل کلامه آنفاً .

وثانیاً : عدم إمکان تحصیل الإجماع ، لأن المساله لم تکن معنونه فی کتب القدماء من أصحابنا .

وثالثاً : علی فرض تحقق الإجماع لا یفید فی المقام شیئاً ، لأنّه إجماع مدرکی ولم یکن تعبدیاً ، ومن المحتمل أنّ یکون مستند المجمعین نفس هذه الوجوه التی تعرضنا لذکرها ، فلابدّ من ملاحظتها .

الوجه الثانی : سیره المتشرعه وارتکازهم

سیره المتشرعه من إصحابنا المتصله إلی زمن المعصومین علیهم السلام علی إبقاء اللحیه وعدم حلقها ، بل إنّهم یذمّون حالقها ویعاملون معه معامله الفساق ولا یحکمون بعدالته . والدلیل علی إتصال السیره ما ورد فی الروایات المتعدده من الأمر بإعفاء اللحیه ، أو خبر حبابه الوالبیه من تفسیر أمیر المؤمنین علیه السلام جند بنی مروان بأنّهم أقوام حلقوا اللحی وفتلوا الشارب ، ونحوها .

وهکذا الراسخ فی أذهان المتشرعه وارتکازهم حرمه حلق اللحیه ویعدّ عندهم

الحالق کالفاسق ، ووجود نفس هذا الإرتکاز جیلاً بعد جیل یکشف عن وجود حکم شرعی فی المقام وهو الحرمه . ولعلّ نفس وجود هذه السیره والإرتکاز هو السرّ فی عدم تعرض قدماء أصحابنا لهذه المسأله وترکوها لوضوحها وعدم الحاجه إلی بیانها .

وهذه السیره والإرتکاز لا تختص بأصحابنا ، بل تجری بالنسبه إلی المسلمین عامه ،

ص:40

بل قد یقال : بجریانها بالنسبه إلی جمیع الأدیان السماویه .

ولکن العمده فی المقام جریانها بالنسبه إلی أصحابنا واتصالها بزمن المعصومین علیهم السلام وتقریرهم علیهم السلام لها .

ووجود هذه السیره والإرتکاز ممّا لا ینکر ، وإنکار إتصالها إلی زمن المعصومین علیهم السلام مکابره ،وقد مرّ منّا ظهور الإتصال من الروایات ، فلا یمکن المناقشه فی هذا الوجه بوجه یکون تاماً .

الوجه الثالث : حلق اللحیه تشبّه بأعداء الدین

التشبّه بالکفار وأعداء الدین حرام ، ومن شعارهم وزیّهم حلق اللحیه کما ورد ذلک بالنسبه إلی المجوس ، فلا یجوز للمسلم التشبّه بهم فی حلق اللحیه فلا یجوز حلقها .

ومن الروایات الناهیه عن التشبّه بالکفار معتبره السکونی عن جعفر علیه السلام عن أبیه علیه السلام عن آبائه علیهم السلام قال : أوحی اللّه إلی نبیٍّ من الأنبیاء أن قُل لقومک : لا تلبسوا لباس أعدائی ، ولا تطعموا مطاعم أعدائی ، ولا تشاکلوا بما شاکل أعدائی ، فتکونوا أعدائی کما هم أعدائی(1) .

ومنها : معتبره اُخری لإسماعیل بن مسلم - وهو السکونی - عن الصادق علیه السلام قال : اُوحی اللّه إلی نبیٍّ من أنبیائه قل للمؤمنین : لا تلبسوا لباس أعدائی ، ولا تطعموا مطاعم أعدائی ، ولا تسلکوا مسالک أعدائی ، فتکونوا أعدائی کما هم أعدائی(2) .

وفیه : أن المراد من هذه الروایات وعدم جواز التشبّه بهم ، رفض المسلم هویته وتراثه وفکره وتاریخه وجعل نفسه تابعاً محضاً لهم ، فصار من مقلدیهم فی العمل والفکر والعقیده وحتّی فی اللباس والزی والشکل واللسان ونحوها ، بحیث یعدّون منهم عرفاً .

وأمّا مجرد الإتصاف بوصف من اُوصافهم لا سیما مع عدم قصد التشبّه ، فلا یصدق علیه عنوان التشبّه عاده ، فلا یتمّ هذا الوجه .

نعم ، صدق عنوان التشبّه بحسب اختلاف الأزمنه والأمکنه مختلف کما هو واضح .

ص:41


1- (1) وسائل الشیعه 15 / 146 ح 1 الباب 64 من ابواب جهاد العدو .
2- (2) وسائل الشیعه 4 / 385 ح 8 الباب 19 من أبواب لباس المصلی .
الوجه الرابع : حلق اللحیه داخل فی التشبّه بالنساء

قد سبق فی البحوث الماضیه أنّ تشبُّهَ کلٍّ من الرجلِ والمرأهِ بالآخرِ حرامٌ مطلقاً ومن الواضح أنّ من أظهر مصادیق تشبّه الرجل بالمرأه حلق اللحیه .

وفیه : نعم التشبّه حرام مطلقاً ولکن إذا صدق عنوان التشبّه عرفاً ، وصرف حلق اللحیه فقط لا یصدق علیه التشبّه إذا لم یکن معه اُمور اُخری . لاسیما فی زمان أو مکان دارج أمر حلق اللحیه بین رجاله ، فلا یصدق عنوان التشبّه أصلاً . والعرف خیر حاکم بما ذکرناه .

الوجه الخامس : آیه تغییر الخلقه

وهی قوله تعالی حکایه عن الشیطان : «لَعَنَهُ اللّهُ وَقَالَ لاَءَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِکَ نَصِیباً مَّفْرُوضاً * وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّیَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَیُبَتِّکُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَیُغَیِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ وَمَن یَتَّخِذِ الشَّیْطَانَ وَلِیّاً مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِیناً»(1) .

بتقریب : أن حلق اللحیه من مصادیق تغییر خلق اللّه ، وظاهر الآیه حرمته مطلقاً إلاّ ما خرج بالدلیل أو لم یکن عند العرف من مصادیقه . والأوّل نحو : الختان وحلق الرأس والعانه والإبطین وقصّ الأظفار ونحوها ، والثانی مثل : قطع الأشجار وحفر الآبار وجری الأنهار وکسر الأحجار ونحوها .

وأمّا غیرهما من أنواع التصرفات فتدخل فی الآیه الشریفه وهی حرام نحو ، قرض آذان الأنعام وشقها وجدع أنفهم وحلق اللحیه وإخصاء الناس ونحوها ، فالآیه الشریفه تدلّ علی حرمه حلق اللحیه .

وعلی ما ذکرنا تدخل فی الآیه الشریفه جمیع ما ذکره المفسرون ، لأنّ کل ذلک من التغییر فی خلق اللّه .

قال الشیخ الطوسی : « وقوله : «وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَیُغَیِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ» اختلفوا فی معناه ، فقال ابن عباس والربیع بن أنس عن أنس : أنّه الإخصاء وکرهوا الإخصاء فی البهائم ، وبه قال سفیان وشهر بن حوشب وعکرمه وأبو صالح . وفی روایه اُخری عن ابن عباس فلیغیّرن دین

ص:42


1- (1) سوره النساء / 119 و 118 .

اللّه ، وبه قال إبراهیم ومجاهد ، وروی ذلک عن أبی جعفر وأبی عبد اللّه علیهماالسلام ، قال مجاهد : کذب العبد - یعنی عکرمه - فی قوله : انّه الإخصاء ، وإنّما هو تغییر دین اللّه الذی فطر الناس علیه فی قوله : «فِطْرَهَ اللَّهِ الَّتِی فَطَرَ النَّاسَ عَلَیْهَا لاَ تَبْدِیلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِکَ الدِّینُ الْقَیِّمُ»(1) ، وهو قول قتاده والحسن والسدی والضحاک وابن زید .

وقال قوم : هو الوَشْم ، روی ذلک عن الحسن والضحاک و إبراهیم أیضاً والمغیرات خلق اللّه ، قال الزجاج : خَلَق اللّه تعالی الأنعام لیأکلوها فحرموها علی أنفسهم ، وخَلَقَ الشمس والقمر والحجاره مسخرهً للناس ینتفعون بها فعبدها المشرکون ، وأقوی الأقوال من قال : فلیغیرن خلق اللّه بمعنی دین اللّه ، بدلاله قوله : «فِطْرَهَ اللَّهِ الَّتِی فَطَرَ النَّاسَ عَلَیْهَا لاَ تَبْدِیلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِکَ الدِّینُ الْقَیِّمُ» ، ویدخل فی ذلک جمیع ما قاله المفسرون ، لأنّه إذا کان ذلک خلاف الدین فالآیه تتناوله»(2) .

وذکر نحوها الطبرسی فی مجمع البیان ، فراجع کلامه(3) .

قال الزمخشری : « وتبتیکهم الآذان فعلهم بالبحائر(4) ، کانوا یشقّون اُذنَ الناقه إذا ولدت خمسه أبطن وجاء الخامس ذکراً ، وحرموا علی أنفسهم الانتفاع بها . وتغییرهم خلق اللّه : فق ء عین الحامی وإعفاؤه عن الرکوب . وقیل : الخصاء وهو فی قول عامه العلماء مباح فی البهائم وأما فی بنی آدم فمحظور ، وعند أبی حنیفه یکره شراء الخصیان وإمساکهم واستخدامهم ، لأنّ الرغبه فیهم تدعو إلی خصائهم . وقیل : فطره اللّه هی دین الإسلام . وقیل للحسن : إنّ عکرمه یقول هو الخصاء فقال : کذب عکرمه ، هو دین اللّه . وعن ابن مسعود : هو الوَشْم ، وعنه : لعن اللّه الواشرات والمتنمصات والمستوشمات المغیرات خلق اللّه . وقیل : التخنث»(5) .

ص:43


1- (1) سوره الروم / 30 .
2- (2) التبیان 3 / 334 .
3- (3) مجمع البیان 3 / 113 .
4- (4) بَحَر الناقه : شقَّ اُذنها ، فهی بَحیره جمعها بَحَائر وبُحُر .
5- (5) الکشاف 1 / 566 .

وقال البیضاوی : « «فَلَیُبَتِّکُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ» یشقّونها لتحریم ما أحلّه اللّه ، وهی عباره عمّا کانت العرب تفعل بالبحایر والسوایب ، وإشاره إلی تحریم کل ما أحلّ ، ونقص کل ما خلق کاملاً بالفعل أو بالقوه .

«وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَیُغَیِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ» عن وجهه صوره أو صفه ، ویندرج فیه ما قیل : من فقؤ عین الحامی وخصاء العبید ، والوشم والوشر واللواطه والسحق ونحو ذلک وعباده

الشمس والقمر ، وتغییر فطره اللّه التی هی الإسلام ، واستعمال الجوارح والقوی فیما لا یعود علی النفس کمالاً ولا یوجب لها من اللّه زلفی ، وعموم اللفظ یمنع الخصاء مطلقاً ولکن الفقهاء رخصوا فی خصاء البهائم للحاجه ... »(1) .

أقول : فعلی ما ذکر المفسرون یدخل فی الآیه الشریفه ما ورد من الروایات من تفسیر خلق اللّه بدین اللّه أو أمره أو نهیه ، نحو مرفوعتی جابر حیث فسّر الإمام أبی جعفر الباقر علیه السلام فیهما خلق اللّه بدین اللّه وأمر اللّه بما أمر به(2) . وغیرها من الروایات(3) .

والحاصل ، لا منافاه بین الأخذ بهذه التفاسیر والقول بحرمه تغییر خلق اللّه وبین تفسیر خلق اللّه بدین اللّه وأمره ونهیه ، لأنّ دین اللّه وفطره اللّه وأمره ونهیه أیضاً من خلقه ، فالتغییر فی کل ذلک حرام بمفاد الآیه الشریفه .

والعلامه الخبیر الفیض الکاشانی قدس سره أیضاً جمع بین الروایات وأقوال المفسرین بمثل ما جمعناه وقال فی ذیل قوله تعالی : « «خَلْقَ اللّهِ» فیه (أی فی المجمع) عنه (أی عن الصادق علیه السلام ) یرید دین اللّه وأمره ونهیه ، ویؤیده قوله سبحانه : «فِطْرَهَ اللَّهِ الَّتِی فَطَرَ النَّاسَ عَلَیْهَا لاَ تَبْدِیلَ لِخَلْقِ اللَّهِ» أقول : ویزیده تأییداً قوله عزّ وجل عقیب ذا «ذَلِکَ الدِّینُ الْقَیِّمُ»(4) وتفسیرهم فطره اللّه بالإسلام ، ولعلّه یندرج فیه کلّ تغییر لخلق اللّه عن وجهه صورهً أو صفهً من دون إذن من اللّه ، کفقئهم عین الفحل الذی طال مکثه عندهم

ص:44


1- (1) أنوار التنزیل / 206 الطبع الحجری .
2- (2) تفسیر العیاشی 1 / 444 ح 278 و 279 .
3- (3) راجع تفسیر العیاشی 1 / 444 ح 277 و البرهان فی تفسیر القرآن 2 / 175 .
4- (4) سوره الروم / 30 .

وإعفائه عن الرکوب ، وخصاء العبید وکلّ مثله ، ولا ینافیه التفسیر بالدین والأمر ، لأنّ ذلک کله داخل فیهما»(1) .

وتبعه فی ذلک المشهدی فی کنز الدقائق(2) والعلامه الطباطبائی فی المیزان(3) ومال إلی هذا الجمع الشیخ الطوسی أعلی اللّه مقامه والقاضی البیضاوی کما مرّ کلامهما .

فعلی ما ذکرنا کل تغییر فی خلق اللّه حرام ، ومنها : حلق اللحیه .

ولا یرد علینا عدم تطبیق التغییر فی خلق اللّه علی حلق اللحیه فی کلمات

المفسرین ،وکما أصرّ علیه بعض الأساتیذ(4) _ مدظله _ ، لأنّ ما ذکروه لیس إلاّ بعنوان المثال ، وحیث لم یتداول حلق اللحیه فی ذلک الزمان بین المسلمین فلم یذکروها .

فالآیه الشریفه تدلّ بإطلاقها علی حرمه تغییر خلق اللّه ومنها : حلق اللحیه .

وجماعه من الأصحاب أیضاً استدلوا بهذه الآیه لحرمه حلق اللحیه ، منهم الفقیه السید الیزدی والشیخ المؤسس الحائری(5) والشیخ البلاغی(6) وصاحب المنیه(7) وغیرهم أعلی اللّه مقامهم .

الوجه السادس : آیه الحنیفیه

وهی قوله تعالی : «ثُمَّ أَوْحَیْنَا إِلَیْکَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّهَ إِبْرَاهِیمَ حَنِیفاً وَمَا کَانَ مِنَ الْمُشْرِکِینَ»(8) .

قد أمرنا عزّ وجلّ باتباع ملّه إبراهیم حنیفاً ، وعدّ من الحنیفیه إعفاء اللحی ، کما قال

ص:45


1- (5) تفسیر الصافی / 125 الطبع الحجری .
2- (6) کنز الدقائق 2 / 617 .
3- (7) المیزان 5 / 87 .
4- (1) دراسات فی المکاسب المحرمه 3 / 113 و 114 .
5- (2) کما نقل عنهما فی المنیه / 34 .
6- (3) فی رسالته فی حرمه حلق اللحیه / 153 المطبوعه ضمن الرسائل الأربعه عشر .
7- (4) المنیه / 30 وما بعدها .
8- (5) سوره النحل / 123 .

علی بن إبراهیم القمی فی تفسیره : « وهی الحنیفیه العشره التی جاء بها إبراهیم علیه السلام : خمسه فی البدن وخمسه فی الرأس ، فأمّا التی فی البدن فالغسل من الجنابه والطهور بالماء وتقلیم الأظفار وحلق الشعر من البدن والختان ، وأمّا التی فی الرأس فطمّ الشعر(1) وأخذ الشارب وإعفاء اللحی والسواک والخلال . فهذه فلم تنسخ إلی یوم القیامه»(2) .

والروایه کماتری مقطوعه لم تنسب إلی معصوم ، ولکن نسب الطبرسی هذه الروایه إلی الصادق علیه السلام وقال بعد نقلها : « ذکره علی بن إبراهیم بن هاشم فی تفسیره»(3) .

وهکذا نقل صاحب الوسائل(4) عن الطبرسی .

فیمکن نسبه الروایه إلی المعصوم علیه السلام ، وعدّ من الحنیفیه التی اُمرنا باتباعها إعفاء اللحی ، فإذا وجب إعفاء اللحی حرم حلقها .

وفیه : علی فرض تمامیه نسبه الروایه إلی المعصوم علیه السلام ، مع ذلک لیس لها سند وتکون

مرسله فلا یمکن الإعتماد علیها . ویأتی البحث حول إعفاء اللحی بعد نقل روایاتها .

الوجه السابع : الخبر المروی فی الجعفریات

نقل محمد بن محمد بن الأشعث عن موسی بن إسماعیل بن موسی بن جعفر عن أبیه عن جده عن جعفر بن محمد علیه السلام عن آبائه علیهم السلام عن علی بن أبی طالب علیه السلام قال : قال رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم : حلق اللحیه من المثله ، ومن مثّل فعلیه لعنه اللّه(5) .

بتقریب : أن المثله حرام فی الشریعه المقدسه ، والروایه عدّت حلق اللحیه منها فتکون حراماً .

وفیه : نعم ، المثله حرام فی الشریعه ولکن کون حلق اللحیه من المثله فی العرف محل تأمل . وأمّا الذهاب إلی ثبوت حکم المثله علیها تعبداً بواسطه هذه الروایه ، فغیر تام ، لأنّ

ص:46


1- (6) طَمَّ الشعرَ : جزَّه أو عقصه ، عَقَصَتِ المرأهُ شَعْرَها : شدّته فی قفاها .
2- (7) تفسیر القمی 1 / 391 .
3- (8) مجمع البیان 1 / 200 _ ذیل آیه 124 من سوره البقره .
4- (9) وسائل الشیعه 2 / 117 ح 5 . الباب 67 من أبواب آداب الحمام .
5- (1) الجعفریات / 157 ونقل عنه فی مستدرک الوسائل 1 / 406 ح 1 .

الروایه من حیث السند ضعیفه ولم یثبت صحه انتساب الکتاب إلی ابن الأشعث الکوفی .

وأمّا الإشکال فی الروایه فبعدم صدق المثله علی حلق اللحیه ، لأنّ المعتبر فی صدق المثله أمران : أحدهما : إیقاع النقص بالغیر ، وثانیهما : کون الإیقاع بقصد هتکه وتحقیره ، فلا یتحقق عنوان المثله فیما إذا حلق الإنسان لحیته بداعی التجمیل ونحوه . کما قاله شیخنا الأستاذ _ مدظله _(1) واُستاده(2) قدس سره .

وهذا غیر تام ، لِورود النهی عن المثله فی الشریعه حتّی بالنسبه إلی الحیوانات والکلب العقور ومن الواضح انه لم یصدق فیها قصد التحقیر والهتک بالنسبه إلیهم .

وهکذا لایتم ما ذکره المحقق الخوئی قدس سره من اجتماع اللعن مع الکراهه ، واستدل ببعض الروایات الوارده فی موارد استعمال اللعن فی مقام الکراهه(3) .

لأنّ ظهور اللعن فی الحرمه واضح عند العرف ، نعم یمکن استعماله فی الکراهه مع وجود قرینه علیها ، ومن القرائن علم السامع بعدم الحرمه کما فی الأمثله التی ذکرها هذا المحقق الجلیل ، نحو : آکل زاده وحده وراکب الفلاه وحده والنائم فی بیت وحده .

ولذا صار مَثَل اللعن مَثَل السحت ، کما أن ظهور السحت فی الحرمه واضح ولکن ربّما یُستعمل فی الکراهه ، هکذا الأمر بالنسبه الی اللعن . وقد تنبّه علی هذا الإشکال شیخنا

الاستاذ _ مدظله _ فراجع کلامه فی کتابه(4) .

والحاصل ، الإشکال فی الاستدلال بهذه الروایه منحصر بما ذکرناه ، من أنّ الروایه ضعیفه سنداً ، مضافاً إلی عدم ثبوت انتساب الکتاب إلی ابن الأشعث ، فلا یمکن الإعتماد علیها . وإلحاق حلق اللحیه بالمثله تعبداً فی حکمها - وهی الحرمه - مشکلٌ .

الوجه الثامن : خبر حبابه الوالبیه

روی الکلینی والصدوق بسند فیه ضعف عن حبابه أنّها قالت : رأیت

ص:47


1- (2) إرشاد الطالب 1 / 147 .
2- (3) مصباح الفقاهه 1 / 259 .
3- (4) مصباح الفقاهه 1 / 260 .
4- (1) إرشاد الطالب 1 / 147 .

أمیر المؤمنین علیه السلام فی شرطه الخمیس ومعه درّه لها سبابتان یضرب بها بیّاعی الجِرّیّ والمارماهی والزِمّار ویقول لهم : یا بیّاعی مسوخ بنی إسرائیل وجند بنی مروان ، فقام إلیه فرات بن أحنف ، فقال : یا أمیر المؤمنین علیه السلام وما جند بنی مروان ؟ قال : فقال له : أقوامٌ حلقوا اللحی وفتلوا الشوارب فمسخوا ، الحدیث(1) .

الجِرّیّ : نوع من السمک لا فلس له ، وکذا المارماهی والزِمّار ، والفتل : الإزاله .

بتقریب : أن المسخ عقوبه شدیده لا تترتب إلاّ علی ارتکاب المحرّمات الشدیده والمغلّظه ، وحیث تترتب علی حلق اللحیه وفتل الشارب فیکونان من المحرّمات الشرعیه .

وفیه : أولاً : الروایه ضعیفه الإسناد بسندیها ، لا یمکن الإعتماد علیها فی الأحکام الشرعیه ، والعجب من العلاّمه البلاغی حیث حکم باعتبار سندها بروایه الصدوق(2) .

وثانیاً : الروایه تدلّ علی أن حلق اللحیه وفتل الشارب - أی إزالته معاً - من المحرّمات کما فعله المجوس ، ولم یقل أحدٌ بأنّ فتل الشوارب فقط من المحرّمات ، أعنی الروایه تدلّ علی أنّ فتل الشارب من المحرَّمات والإجماع قائم علی خلافه ، فالأخذ بها مشکل .

اللهم إلاّ أن یقال : هذا الإجماع مانع من حمل الحرمه علی فتل الشوارب ، ولکن لا یمنع من حمل الحرمه علی حلق اللحی أو علی حلقهما معاً .

وثالثاً : الروایه حیث ترتب المسخ علی حلق اللحیه ، تدلّ علی أنّها من الکبائر ، والإلتزام بأنّها من الکبائر مشکل .

ورابعاً : الروایه تدلّ علی حرمتهما فی الأدیان السالفه المنسوخه ، وثبوت الحرمه فی الأدیان المنسوخه لا تقتضی حرمتهما فی شرعنا ودیننا .

ولکن مع ذلک کلِّه ظهور الروایه فی حرمه حلق اللحیه ممّا لا ینکر ، إلاّ أنّ العمده ضعف إسنادها .

ص:48


1- (2) الکافی 1 / 346 ح 3 وکمال الدین / 536 ح 1 ونقل عنهما فی وسائل الشیعه 2 / 116 ح 4 .
2- (3) رساله فی حرمه حلق اللحیه / 151 المطبوع ضمن الرسائل الأربعه عشر .
الوجه التاسع : صحیحه البزنطی

روی ابن إدریس فی آخر السرائر نقلاً عن کتاب الجامع لأحمد بن محمد بن أبی نصر البزنطی صاحب الرضا علیه السلام قال : وسألته عن الرجل هل یصلح لأحد أن یأخذ من لحیته ؟ قال : أمّا من عارضیه فلا بأس وأمّا من مقدّمها فلا(1) .

ورواها الحمیری فی قرب الإسناد(2) وعلی بن جعفر العریضی فی کتابه(3) إلاّ أنّه قال فی آخره : فلا یأخذ .

ورواها فی بحار الأنوار(4) عن قرب الإسناد والسرائر .

لم یذکر ابن إدریس سنده إلی جامع البزنطی ، فالروایه مرسله . ولکن لصاحب الوسائل سنداً صحیحاً إلی کتاب علی بن جعفر ، وهو ثقه ، فهذا السند صحیح .

وأمّا سند الحمیری فی قرب الإسناد فضعیف بعبد اللّه بن الحسن حفید علی بن جعفر لأنّه لم یرد توثیقه ، اللهم إلاّ أن یقال باعتباره .

وأمّا دلاله الصحیحه علی حرمه حلق اللحیه وأخذها ولو بالنتف ونحوه واضحه ، لأنّ الإمام علیه السلام نهی عن الأخذ من مقدّمها مطلقاً ، ومن البدیهی أنّ الأخذ من مقدّمها بمعنی إصلاحها أو تقصیرها إذا جاوزت عن القبضه أو تدویرها أو تبطّنها لا بأس بها ، فأیّ شیءٍ به بأس ؟ لم یبق إلاّ الحلق ، فالصحیحه تدلّ علی حرمه حلق مقدّم اللحیه حیث نهی الإمام علیه السلام عنه ، وأمّا حلق العارضین فلا بأس به ، فالروایه تدلّ - مضافاً علی حرمه حلق اللحیه - علی جواز ما شاع فی عصرنا الحاضر من حلق العارضین وإبقاء ما علی الذقن . وقد خالف فی هذه الدلاله بعض الأساتیذ(5) _ مدظله _ .

ص:49


1- (1) السرائر 3 / 574 ونقل عنه فی وسائل الشیعه 2 / 111 ح 5 الباب 63 من أبواب آداب الحمام .
2- (2) قرب الاسناد / 296 ح 1169 .
3- (3) مسائل علی بن جعفر / 139 ح 153 .
4- (4) بحار الانوار 73 / 109 ح 2 و 3 (30 / 190) .
5- (5) منیه الطالب فی حکم اللحیه والشارب / 44 ودراسات فی المکاسب المحرمه 3 / 125 .

والإشکال فیها : بأنّ « مفادها (لا یصلح) وهو أعم من الحرمه علی ما هو المعروف بین الفقهاء» کما قاله بعض المعاصرین(1) قدس سره غیر تام .

لأنه : أولاً : ورد فی نقل علی بن جعفر « فلا یأخذ» ، ولم یکن مفاده لا یصلح حتّی یناقش فیها ، ومن الواضح ظهور کلمه « لا یأخذ» فی الحرمه ، لأنّها نهی صریح .

وثانیاً : علی فرض أنّ یکون مفادها « لا یصلح» فهذه أیضاً ظاهره فی الحرمه ، لأنّ ظهور النهی فی الحرمه ، إلاّ ما ورد فیه الترخیص أو قامت قرینه علی غیرها ، وکلاهما مفقودان فی المقام .

الوجه العاشر : الروایات الآمره بإعفاء اللحی

عدّه من الروایات تأمرنا بإعفاء اللحی :

منها : مرسله الصدوق قال : قال رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم : حفّوا الشوارب واعفوا اللّحی ولا تشبّهوا بالیهود(2) .

ومنها : مرسله اُخری له قال : رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم إنّ المجوس جزّوا لحاهم ووفرّوا شواربهم ، وإنّا نجزّ الشوارب ونعفی اللّحی ، وهی الفطره(3) .

ورواهما مرسلاً العلامه فی التذکره(4) والشهید فی الذکری(5) ونجل الطبرسی فی مکارم الأخلاق(6) ، ونقل عنه فی بحار الأنوار(7) .

ومنها : خبر علی بن غراب عن جعفر علیه السلام عن أبیه علیه السلام عن جده علیه السلام قال :

قال

ص:50


1- (6) وهو الفقیه السید عبد الأعلی السبزواری فی مهذب الأحکام 16 / 80 .
2- (1) الفقیه 1 / 130 ح 329 ونقل عنه فی وسائل الشیعه 2 / 116 ح 1 الباب 67 من أبواب آداب الحمام .
3- (2) الفقیه 1 / 130 ح 331 ونقل عنه فی وسائل الشیعه 2 / 116 ح 2 .
4- (3) تذکره الفقهاء 2 / 253 .
5- (4) ذکری الشیعه 1 / 159 .
6- (5) مکارم الأخلاق 1 / 156 .
7- (6) بحار الأنوار 73 / 112 (30 / 192 ح 14) .

رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم : حفّوا الشوارب واعفوا اللحی ولا تشبّهوا بالمجوس(1) .

ومنها : مرسله القاضی نعمان المصری قال : قال رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم : قصوا سبالکم و وفّروا عثانینکم وخالفوا أهل الکتاب(2) .

السبال : جمع سبَله وهی الشارب . العُثْنُون : اللحیه .

ومنها : مرسله الشیخ أبی الفتوح الرازی قال : قال رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم : احفوا

الشوارب واعفوا اللّحی(3) .

ومنها : خبر جابر قال : قال رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم : لیس منّا من سلق ولا خرق ولا حلق(4) .

سلقه بلسانه : خاطبه بما یکره . الخُرق : الجهل والحمق . وقال الأحسائی : الحلق هی حلق اللحیه .

ومنها : قال النوری : قال الکازرونی فی المنتقی فی حوادث السنه السادسه بعد ذکر کتابه رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم إلی الملوک : وأنّه کتب کسری إلی عامل الیمن بازان أن یبعثه إلیه ، وأنّه بعث کاتبه بانویه ورجلاً آخر یقال له : خرخسک إلیه صلی الله علیه و آله وسلم ، قال : وکانا قد دخلا علی رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم وقد حلقا لحاهما وأعفیا شواربهما ، فکره النظر إلیهما وقال : ویلکما من أمرکما بهذا ؟ قالا : أمرنا بهذا ربّنا _ یعنیان کسری _ فقال رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم : لکن ربّی أمرنی بإعفاء لحیتی وقصّ شاربی ، الخبر(5) .

أقول : روی نحوها الطبری فی تاریخه(6) وابن الأثیر فی

« الکامل فی

ص:51


1- (7) معانی الأخبار / 291 ح 1 ونقلاً عنه فی وسائل الشیعه 2 / 116 ح 3 وبحار الأنوار 73 / 111 ح 10 (30 / 191) .
2- (8) دعائم الاسلام 1 / 125 ونقل عنه العلامه البلاغی فی رسالته فی حرمه حلق اللحیه / 144 .
3- (1) روض الجنان 1 / 287 .
4- (2) عوالی اللآلی 1 / 111 ح 19 ونقل عنه فی مستدرک الوسائل 1 / 406 ح 2 .
5- (3) مستدرک الوسائل 1 / 407 .
6- (4) تاریخ الطبری 3 / 1573 .

التاریخ»(1) .

وقد روی بطرق العامه أیضاً الأمر بإعفاء اللحی ، فإن شئت راجع فی هذا المجال رساله العلاّمه البلاغی فی حرمه حلق اللحیه(2) والغدیر(3) للعلامه الأمینی .

وبعد مراجعه روایات الفریقین فی المقام ، لا محیص لنا من الإذعان بصدور الأمر بالإعفاء من رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم والأئمه علیهم السلام من أهل بیته ، کما اعترف بعض الأساتیذ _ مدظله _ بأنّها « مستفیضه من طرق الفریقین»(4) . فما فی مصباح الفقاهه من : « أنّها ضعیفه السند»(5) غیر تام .

وأمّا دلالتها : ورد الأمر بالإعفاء والتوفیر بالنسبه إلی اللحیه ، والإعفاء مستلزم

لإبقائه وعدم حلقه ، والأمر بالإعفاء یستلزم وجود اللحیه وإبقائها وعدم حلقها ، فالروایات تدلّ علی الأمرین : لزوم التوفیر استحباباً ولزوم إبقاء اللحیه ووجودها وجوباً . وهکذا استفاد العلامه الفیض قدس سره من الروایات حیث قال : « فَذِکْر الإعفاء عقیب الإحفاء ثمّ النهی عن التشبّه بالیهود دلیل علی أنّ المراد بالإعفاء أن لا یستأصل ویؤخذ منها من دون استقصاء بل مع توفیر وإبقاء ... »(6) .

وتبعه العلامه البلاغی فی الاستفاده من هذه الروایات واستنتج حرمه الحلق منها ، فراجع رسالته فی حرمه حلق اللحیه(7) .

وذکر بعض الأساتیذ _ مدظله _ ما ذکرناه بعنوان احتمال فی رسالته(8)

ص:53


1- (5) الکامل فی التاریخ 2 / 214 .
2- (6) رساله فی حرمه حلق اللحیه / (149 _ 139) .
3- (7) الغدیر 11 / (151 _ 149) الطبعه الأولی .
4- (8) منیه الطالب فی حکم اللحیه والشارب / 30 ودراسات فی المکاسب المحرمه 3 / 118 .
5- (9) مصباح الفقاهه 1 / 259 .
6- (1) الوافی 6 / 658 .
7- (2) رساله فی حرمه حلق اللحیه / 149 .
8- (3) منیه الطالب فی حکم اللحیه والشارب / 35 .

وکتابه(1) .

والحاصل ، أنّ الروایات الآمره بالإعفاء تدلّ علی وجوب وجود اللحیه للمسلم ، فلیس له حلقها . نعم : غایه الأمر أنّ توفیرها وتطویلها لیس بواجب ، لما ورد من جواز تقصیرها وإصلاحها وتدویرها .

وبالجمله ، تلک عشره کامله من الأدله التی أقیمت علی حرمه حلق اللحیه ، وقد عرفت تمامیه بعضها والمناقشه فی بعضها الآخر ، وأمّا اللاتی تمت فهیّ عندنا :

1 _ سیره المتشرعه وارتکازهم

2 _ الإطلاق الوارد فی الآیه من حرمه تغییر الخلقه

3 _ صحیحه البزنطی

4 _ الروایات الآمره بإعفاء اللحی .

وهذه الأدله الأربعه تدلّ علی حرمه حلق اللحیه .

ثم إن هاهنا فروعاً لابدّ من التنبیه علیها

الفرع الأوّل : الاکتساب بحلق اللحیه

حیث ذهبنا إلی حرمه حلق اللحیه ، فالإکتساب بها أیضاً حرام ، یعنی أخذ الأجره فی

مقابل حلق اللحیه حرام ، فیدخل فی المکاسب المحرمه .

الفرع الثانی : هل یجوز حلقها مادام لم یصدق علیها اللحیه ؟

إذا لم یصدق علی الشعر النابت علی الوجه بأنها لحیهٌ یجوز حلقها ، لأنّها لیست بلحیه ، نحو الشعر النابت علی وجوه الأطفال الذین لم یبلغوا الحُلُم ، وأمّا إذا کانت کثیفه کثیره بحیث صدقت علیها أنها لحیه عرفاً فلا یجوز حلقها . وأمّا بالنسبه إلی البالغین الذین لهم لحی ولکنهم حلقوها کلّ یوم لم یصدق علی النابت اللحیه ، یصدق علی فعلهم الحلق عرفاً ، فلذا یکون فعلهم هذا حراماً ، مضافاً إلی أنّ الواجب علی المسلم کونه ذا لحیه ، وهو لیس کذلک ،

ص:53


1- (4) دراسات فی المکاسب المحرمه 3 / 121 .

ففعله حرام .

الفرع الثالث : هل یجوز حلق العارضین وإبقاء ما علی الذقن ؟

قد مرّ منّا فی ذیل صحیحه البزنطی أنّ المراد من الأخذ فیها الحلق ، فالصحیحه تدلّ علی جواز هذه الکیفیه من اللحیه ، فیجوز حلق العارضین وإبقاءما علی الذقن .

مضافاً إلی أن العرف یراهم ذا لحیه ، لا الحالق لها . ونفس هذا یکفی فی جواز عملهم ، لأنّ ما وجب علی المسلم کونه ذا لحیه کما حملنا الروایات الآمره بإعفاء اللحی علی ذلک ، وهذا ذو لحیه عند العرف .

نعم ، الأحوط الإجتناب عنه کما هو واضح .

الفرع الرابع : هل تسقط حرمه حلق اللحیه ؟

حیث ذهبنا إلی حرمه حلق اللحیه فصارت کغیرها من التکالیف المحرّمه ، بحیث تسقط عند الاضطرار أو الإکراه أو المزاحمه بتکلیف آخر أهم منها ، ففی کلّ هذه الصور تسقط الحرمه کما فی غیرها من المحرّمات ، ونبّه علی هذا الفرع شیخنا الاُستاذ(1) _ مدظله _ .

الفرع الخامس : هل یفرق بین الحلق والنتف وغیرهما ممّا یوجب إزاله الشعر ؟

الظاهر أنّ موضوع حرمه حلق اللحیه إعدامها ، بأیّ نحو کان ، فعلیه لا یفرق فی إعدام اللحیه وإزالتها بین الحلق والنتف واستعمال الأدویه علیها أو أکل الأقراص لإزالتها وغیرها ممّا یوجب إزاله الشعر عن اللحیه . ونبّه علی هذا الفرع المحقق الخوئی(2) قدس سره .

الفرع السادس : هل للحیه حدٌ فی جانب القلّه والکثره ؟

فی جانب القلّه لم یرد فی تحدید اللحیه نص خاص ، ولذا یکون المدار فیه علی الصدق

العرفی . وعلی هذا فإذا أخذ المکلف من اللحیه بمثل المکینه والمقراض ونحوهما بحیث لم تصدق اللحیه علی الباقی عرفاً کان فعله حراماً . کما نبّه علیه المحقق الخوئی(3) قدس سره .

ص:54


1- (1) ارشاد الطالب 1 / 148 .
2- (2) مصباح الفقاهه 1 / 262 .
3- (1) مصباح الفقاهه 1 / 262 .

وأمّا فی جانب الکثره : قد یُستفاد من بعض الروایات النهی عن تجاوز اللحیه عن القبضه :

منها : ما رواه الکلینی فی الصحیح عن محمد بن أبی حمزه عمّن أخبره عن أبی عبداللّه علیه السلام قال : ما زاد علی القبضه ففی النار ، یعنی اللحیه(1) .

ومنها : خبر معلی بن خنیس عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : ما زاد من اللحیه عن القبضه فهو فی النار(2) .

رواها الصدوق مرسلاً فی الفقیه(3) عن الصادق علیه السلام .

ومنها : ما رواه الکلینی فی الصحیح عن یونس عن بعض أصحابه عن أبی عبد اللّه علیه السلام فی قدر اللحیه ، قال : تقبض بیدک علی اللحیه وتجزّ ما فضل(4) .

رواها الصدوق مرسلاً فی الفقیه(5) عن الصادق علیه السلام .

ومنها : خبر درست عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : مرّ بالنبی صلی الله علیه و آله وسلم رجل طویل اللحیه ، فقال : ما کان علی هذا لو هیّأ من لحیته ، فبلغ ذلک الرجل فهیّأ لحیته بین اللحیتین ثم دخل علی النبی صلی الله علیه و آله وسلم ، فلما رآه قال : هکذا فافعلوا(6) .

ورواها الصدوق فی الفقیه(7) مرسلاً .

ومنها : ما رواه محمد بن محمد بن الأشعث بإسناده إلی الصادق علیه السلام عن آبائه علیهم السلام عن علی علیه السلام إنّه کان یقول : « ما جاوز القبضه من مقدّم اللحیه فجزّوه»(8) .

ص:55


1- (2) الکافی 6 / 487 ح 10 ونقل عنه فی وسائل الشیعه 2 / 112 ح 1 الباب 65 من أبواب آداب الحمام .
2- (3) الکافی 6 / 486 ح 2 ونقل عنه فی وسائل الشیعه 2 / 113 ح 2 .
3- (4) الفقیه 1 / 130 ح 332 .
4- (5) الکافی 6 / 487 ح 3 ونقل عنه فی وسائل الشیعه 2 / 113 ح 3 .
5- (6) الفقیه 1 / 130 ح 334 .
6- (7) الکافی 6 / 488 ح 12 ونقل عنه فی وسائل الشیعه 2 / 111 ح 3 الباب 63 من ابواب آداب الحمام .
7- (8) الفقیه 1 / 130 ح 330 .
8- (9) الجعفریات / 157 ونقل عنه فی مستدرک الوسائل 1 / 404 ح 1 الباب 38 من ابواب آداب الحمام .

وهذه الروایات حددت اللحیه فی جانب الکثره بالقبضه ، لکنها کلّها ضعاف من حیث السند ، مضافاً إلی الخلاف المنقول(1) فی معنی القبضه ، ولذا لم یفت الأصحاب علی

مفادها ، یعنی حرمه ما زاد عن القبضه .

نعم ، قد یقال بکراهیه ما زاد علی القبضه بهذه الروایات ، وهی لا بأس بها إن أغمضنا عن ضعف أسنادها أو ذهبنا إلی بلوغها مرتبه الاستفاضه کما عن بعض _ الأساتیذ _(2) مدظله .

وفیه : لا یتم القول بالکراهه أیضاً ، لعدم تمامیه التسامح فی أدلتها عندنا ، بل لا یتمّ القول بالتسامح فی أدله السنن حتّی یقاس المقام بها .

ولعمری کیف ذهب بعض الأعلام إلی الحکم بحرمه ما نقص عن القبضه بهذه الروایات(3) ؟ !

وحمل العلامه البلاغی هذه الروایات علی التشبّه بالیهود(4) . وهو متین وله وجه . وقال بعض الأساتیذ _ مدظله _ : « ولعلّ النظر فی هذه الروایات إلی من کان یرید بذلک التشبّه بالیهود أو رئاء الناس وتغریرهم بلحیته ، کما قد یری فی أعصارنا من بعض مَن یتکلّف لإدخال نفسه فی عداد أهل الفضل بهذه الوسیله»(5) .

وفیه : أن الروایات وإن تشمل ما ذکره _ مدظله _ بإطلاقها ، ولکن لاوجه لتخصیصها به وتقییدها .

الفرع السابع : حکم الشارب

من السنن المؤکّده الأخذ من الشارب وإحفائه ، وقد ورد فیه عدّه من الروایات

ص:56


1- (10) راجع الوافی 6 / 656 _ ومهذب الاحکام 16 / 80 .
2- (1) دراسات فی المکاسب المحرمه 3 / 137 .
3- (2) نقل ذلک العلامه الطبسی قدس سره صاحب المنیه عن بعض الأعلام من أساتیده ، ثم قال : ولکن لا دلیل علیه . راجع المنیه / 112 .
4- (3) رساله فی حرمه حلق اللحیه / 158 .
5- (4) منیه الطالب فی حکم اللحیه والشارب / 67 _ دراسات فی المکاسب المحرمه 3 / 137 .

المستفیضه :

منها : صحیحه علی بن جعفر عن أخیه أبی الحسن علیه السلام قال : سألته عن قصّ الشارب أمن السنه ؟ قال : نعم(1) .

ومنها : معتبره السکونی عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : قال رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم : إنّ من السنه أن تأخذ من الشارب حتّی یبلغ الإطار(2) .

الإطار _ ککتاب _ : ما یفصل بین الشفه وبین شعرات الشارب ، وکلّ شیء أحاط بشیءٍ فهو إطار له .

ومنها : معتبره اُخری للسکونی عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : قال رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم : لا یطوّلنَّ أحدکم شاربه ، فإنّ الشیطان یتّخذها مخبأ یستتر به(3) .

رواها فی الفقیه(4) مرسلاً عن رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم .

ومنها : موثق ابن فضال عمّن ذکره عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : ذکرنا الأخذ من الشارب ، فقال : نُشْرَهٌ وهو من السنه(5) .

ومنها : خبر عبد اللّه بن عثمان أنّه رأی أبا عبد اللّه علیه السلام أحفی شاربه حتّی ألصقه بالعسیب(6) .

العسیب : منبت الشعر .

ومنها : معتبره ثالثه لإسماعیل بن مسلم السکونی عن جعفر علیه السلام عن آبائه علیهم السلام عن النبی صلی الله علیه و آله وسلم قال : لا یطولنَّ أحدکم شاربه ولا شعر إبطیه ولاعانته ، فإنّ الشیطان یتّخذها

ص:57


1- (5) الکافی 6 / 487 ح 7 ونقل عنه فی وسائل الشیعه 2 / 114 ح 1 الباب 66 من أبواب آداب الحمام .
2- (6) الکافی 6 / 487 ح 6 ونقل عنه فی وسائل الشیعه 2 / 114 ح 2 .
3- (1) الکافی 6 / 487 ح 11 ونقل عنه فی وسائل الشیعه 2 / 114 ح 3 .
4- (2) الفقیه 1 / 127 ح 307 .
5- (3) الکافی 6 / 487 ح 8 ونقل عنه فی وسائل الشیعه 2 / 114 ح 4 .
6- (4) الکافی 6 / 487 ح 9 ونقل عنه فی وسائل الشیعه 2 / 115 ح 5 .

مخائباً یستتر بها(1) .

ومنها : موثقه الحسن بن الجهم قال : قال أبو الحسن موسی علیه السلام : خمس من السنن فی الرأس وخمس فی الجسد ، فأمّا التی فی الرأس : فالسواک ، وأخذ الشارب ، وفرق الشعر ، والمضمضه ، والاستنشاق . وأمّا التی فی الجسد : فالختان ، وحلق العانه ، ونتف الإبطین ، وتقلیم الأظفار ، والإستنجاء(2) .

ومنها : معتبره مسعده بن صدقه عن جعفر علیه السلام عن أبیه علیه السلام عن النبی صلی الله علیه و آله وسلم قال : لیأخذ أحدکم من شاربه والشعر الذی فی أنفه ولیتعاهد نفسه ، فإنّ ذلک یزید فی جماله ، وقال : کفی بالماء طیباً(3) .

ومنها : حسنه حفض ابن البحتری عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : تقلیم الأظفار وأخذ الشارب من الجمعه إلی الجمعه أمانٌ من الجذام(4) .

رواها فی الفقیه(5) مرسلاً إلی الصادق علیه السلام بالنسبه إلی أخذ الشارب فقط .

ومنها : خبر أبی کهمش قال : قلت لأبی عبد اللّه علیه السلام : علّمنی دعاءً استنزل به الرزق . فقال لی : خذ من شاربک وأظفارک ولیکن ذلک فی یوم الجمعه(6) .

وأیضاً روی الصدوق مثلها فی الدلاله فی الفقیه(7) ، وهی صحیحه عبد اللّه بن أبی یعفور .

هذه الروایات المعتبره تدلّ بوضوح علی أنّ الأخذ من الشارب والمبالغه فی إحفائه

ص:58


1- (5) علل الشرائع / 519 ونقل عنه فی وسائل الشیعه 2 / 115 ح 6 .
2- (6) الخصال 1 / 271 ح 11 ونقل عنه فی وسائل الشیعه 2 / 11 ح 23 ، الباب 1 من أبواب السواک .
3- (7) قرب الإسناد / 67 ح 215 و 216 ونقل عنه فی وسائل الشیعه 2 / 118 ح 2 الباب 68 من أبواب آداب الحمام .
4- (1) الخصال 1 / 39 ح 24 ونقل عنه فی بحار الأنوار 73 / 110 ح 4 (30 / 190) .
5- (2) الفقیه 1 / 127 ح 305 .
6- (3) الخصال 1 / 391 ح 86 وثواب الأعمال / 43 ونقل عنهما فی بحار الأنوار 73 / 110 ح 5 (30 / 190) .
7- (4) الفقیه 1 / 127 ح 310 .

وقصّه من السنن المؤکده فی الشریعه المقدسه ، فإعفاؤه مع نسبه هذه الإعفاء إلی الشریعه أو المعصومین علیهم السلام تکون من أظهر مصادیق التشریع المحرّم أو الإفتراء والکذب علی المعصومین علیهم السلام ، کما یظهر ذلک من بعض طوائف الصوفیه خذ لهم اللّه تعالی ونجا دینه منهم .

ص:59

الربا

اشاره

لم یتعرض الشیخ الأعظم قدس سره لبحث الربا فی المکاسب المحرمه وتبعه أکثر الأصحاب قدس سرهم من بعده ، ولکن ینبغی التعرض لهذا البحث لکثره إبتلاء الناس به من دون قصد منهم إلی ذلک أو معه .

ولأنّه من المکاسب ولذا قال رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم فی شأنه : شر المکاسب کسب الربا کما فی مرسله الصدوق(1) ، أو قال صلی الله علیه و آله وسلم : أخبث المکاسب کسب الربا کما فی خبر سعد بن طریف(2) ، أو قال صلی الله علیه و آله وسلم : شر الکسب کسب الربا کما فی موثقه ابن فضال(3) .

فنتعرض له مع کمال الإختصار والإیجاز وللتطویل والتفصیل محلٌّ آخرٌ بحیث یمکن تدوین کتاب مستقل تحت عنوان « کتاب الربا » ، کما عمله الشهید فی الدروس(4) والسید الیزدی فی العروه الوثقی(5) .

فنقول بعونه تعالی : الربا فی اللغه « الزیاده» کما فی قوله تعالی : «فَلاَ یَرْبُو عِندَ اللَّهِ»(6) وأخذ من قولهم : ربا الشیء یربو : إذا زاد ، والربا هو الزیاده علی رأس المال ، وأربی الرجل : إذا عامل فی الربا . ویأتی موضوعه فی الشریعه المقدسه إن شاء اللّه تعالی .

تدل علی حرمه الربا :

من الکتاب :

آیات منها : قوله تعالی فی سوره البقره : «الَّذِینَ یَأْکُلُونَ الرِّبَا لاَ یَقُومُونَ إِلاَّ کَمَا یَقُومُ

ص:60


1- (1) وسائل الشیعه 18 / 122 ح 13 الباب 1 من أبواب الربا .
2- (2) وسائل الشیعه 18 / 118 ح 2 .
3- (3) مستدرک الوسائل 13 / 329 ح 1 الباب 1 من أبواب الربا .
4- (4) الدروس 3 / 291 .
5- (5) العروه الوثقی 6 / 5 طبع جماعه المدرسین عام 1423 .
6- (6) سوره الروم / 39 .

الَّذِی یَتَخَبَّطُهُ الشَّیْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِکَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَیْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَیْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَهٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَیَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَی اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِکَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِیهَا خَالِدُونَ * یَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَیُرْبِی الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ یُحِبُّ

کُلَّ کَفَّارٍ أَثِیمٍ»(1) .

التخبط من الخبط وهو الضرب علی غیر استواءٍ ، ویقال للذی یتصرف فی أمرٍ ولا یهتدی فیه : هو یخبط ، والتخبط : المسّ بالجنون .

وقد فُسر الموعظه هنا فی الروایات بالتوبه ، کما فی صحیحه محمد بن مسلم عن أبی جعفر علیه السلام فی حدیث قال : الموعظه : التوبه(2) .

ومنها : قوله تعالی فیها : «یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِیَ مِنَ الرِّبَا إِن کُنتُم مُّؤْمِنِینَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَکُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِکُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ»(3) .

قال الشیخ الطوسی قدس سره : « روی عن أبی جعفر علیه السلام أنّ الولید بن المغیره کان یربی فی الجاهلیه وقد بقی له بقایا علی ثقیف ، فأراد خالد بن الولید المطالبه بها بعد أن أسلم فنزلت الآیه فی المنع من ذلک »(4) .

ورواها الطبرسی فی مجمع البیان(5) .

وقال علی بن ابراهیم القمی : « سبب نزولها أنّه لمّا أنزل اللّه : «الَّذِینَ یَأْکُلُونَ الرِّبَا لاَ یَقُومُونَ إِلاَّ کَمَا یَقُومُ الَّذِی یَتَخَبَّطُهُ الشَّیْطَانُ مِنَ الْمَسِّ»قام خالد بن الولید إلی رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم وقال : یا رسول اللّه أربی أبی فی ثقیف وقد أوصانی عند موته بأخذه ، فأنزل اللّه تبارک وتعالی : «یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِیَ مِنَ الرِّبَا إِن کُنتُم مُّؤْمِنِینَ *

ص:61


1- (1) سوره البقره 276 و 275 .
2- (2) التهذیب 7 / 15 ح 68 ونقل عنه فی البرهان 1 / 554 ح 4 .
3- (3) سوره البقره / 278 و 279 .
4- (4) التبیان 2 / 365 .
5- (5) مجمع البیان 1 / 392 .

فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ» فقال : من أخذ الربا وجب علیه القتل وکلّ من أربی وجب علیه القتل »(1) .

وقال الطبرسی : « روی عن ابن عباس وابن عمر : أن آخر ما نزلت من القرآن آی الربا »(2) .

ومنها : قوله تعالی فی سوره آل عمران : «یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُواْ لاَ تَأْکُلُواْ الرِّبَا

أَضْعَافاً مُّضَاعَفَهً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّکُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِی أُعِدَّتْ لِلْکَافِرِینَ»(3) .

ومنها : قوله تعالی حکایه عن فعل الیهود : «فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِینَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَیْهِمْ طَیِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِیلِ اللّهِ کَثِیراً * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَکْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْکَافِرِینَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِیماً»(4) .

ومن السنه :

عدّه من الروایات المستفیضه بل المتواتره تدلّ علی حرمته :

منها : ما رواه المشایخ الثلاثه بسند صحیح عن هشام بن سالم الثقه عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : درهم ربا [ عند اللّه کما فی الفقیه ] أشدّ من سبعین زنیه کلّها بذات محرّم(5) .

ومنها : موثقه سماعه قال : قلت لأبی عبد اللّه علیه السلام : إنّی رأیت اللّه تعالی قد ذکر الربا فی غیر آیه وکرره . قال : أو تدری ولم ذاک ؟ قلت : لا ، قال : لئلا یمتنع الناس من اصطناع المعروف(6) .

ومنها : موثقه زراره عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : قلت له : إنّی سمعت اللّه یقول : «یَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَیُرْبِی الصَّدَقَاتِ»وقد أری من یأکل الربا یربوا ماله ! فقال : أیّ محق

ص:62


1- (6) تفسیر القمی 1 / 93 ونقل عنه فی البرهان 1 / 557 ح 5 .
2- (7) مجمع البیان 1 / 394 .
3- (1) سوره آل عمران / 131 و 130 .
4- (2) سوره النساء / 161 و 160 .
5- (3) وسائل الشیعه 18 / 117 ح 1 الباب 1 من أبواب الربا .
6- (4) وسائل الشیعه 18 / 118 ح 3 .

أمحق من درهم ربا یمحق الدین ، وإن تاب منه ذهب ماله وافتقر(1) .

ومنها : صحیحه هشام بن الحکم أنّه سأل أبا عبد اللّه علیه السلام عن عله تحریم الربا ؟ قال : إنّه لو کان الربا حلالاً لترک الناس التجارات وما یحتاجون إلیه ، فحرّم اللّه الربا لتنفر الناس من الحرام إلی الحلال وإلی التجارات من البیع والشراء ، فیبقی ذلک بینهم فی القرض(2) .

ومنها : خبر ابن عباس فی آخر خطبه خطبها رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم بالمدینه : ... ومن أکل الربا ملأ اللّه بطنه من نار جهنم بقدر ما أکل ، وإن اکتسب منه مالاً لا یقبل اللّه تعالی منه شیئاً من عمله ، ولم یزل فی لعنه اللّه والملائکه ما کان عنده منه قیراطٌ [ واحدٌ (3)] .

ومنها : صحیحه هشام عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : قال رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم : لمّا اُسری بی إلی السماء رأیت قوماً یرید أحدهم أن یقوم ولا یقدر علیه من عظم بطنه ، قال : قلت : من هؤلاء یا جبرئیل ؟ قال : هؤلاء الذین یأکلون الربا(4) .

ومنها : صحیحه جمیل عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : الربا سبعون باباً أهونها عند اللّه کالذی ینکح اُمّه(5) .

ومنها : صحیحه اُخری له عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : درهم ربا أعظم عند اللّه من سبعین زنیّه کلّها بذات محرّم فی بیت اللّه الحرام(6) .

ومنها : موثقه ابن بکیر قال : بلغ أبا عبد اللّه علیه السلام عن رجل أنّه کان یأکل الربا ویسمیه اللباء ، فقال : لئن أمکننی اللّه منه لأضربنَّ عنقه(7) .

اللباء : أوّل اللبن من النتاج .

ص:63


1- (5) وسائل الشیعه 18 / 119 ح 7 .
2- (6) وسائل الشیعه 18 / 120 ح 8 .
3- (7) عقاب الأعمال / 336 ونقل عنه فی وسائل الشیعه 18 / 122 ح 15 .
4- (1) تفسیر القمی 1 / 93 ونقل عنه فی وسائل الشیعه 18 / 123 ح 16 .
5- (2) تفسیر القمی 1 / 93 ونقل عنه فی وسائل الشیعه 18 / 123 ح 18 .
6- (3) تفسیر القمی 1 / 93 ونقل عنه فی وسائل الشیعه 18 / 123 ح 19 .
7- (4) وسائل الشیعه 18 / 125 ح 1 . الباب 2 من أبواب الربا .

ومنها : معتبره عمرو بن خالد عن زید بن علی عن آبائه علیهم السلام عن علی علیه السلام قال : لعن رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم : الربا وآکله وبائعه ومشتریه وکاتبه وشاهدیه(1) .

تلک عشره کامله من الروایات تدلّ علی حرمه الربا ، وقد مرّ أنها مستفیضه أو متواتره .

ومن الإجماع :

قام إجماع المؤمنین بل المسلمین علی حرمته ، بل لا یبعد کونه من ضروریات الدین ، کما صرح بذلک صاحب الجواهر قدس سره (2) .

ومن العقل :

حکم العقل أیضاً یقتضی فساد الربا وحرمته ، لأنّ الربا یوجب تعطیل التجارات والأسواق ویصل بعض الناس إلی حدّ الإفلاس کما شاهدناهم فی هذه الأزمان ، وبعضهم یتقاضی أرباحاً کثیره من دون عمل أو تجاره أو خدمه . وبالجمله الربا یحرّف مسیره اقتصاد المجتمع السالم إلی الفساد . وفیه مضافاً إلی المفاسد الإقتصادیه کثیرٌ من المفاسد الاجتماعیه بل المفاسد السیاسیه .

ولعله أشارت إلی ما ذکرنا بعض الروایات الماضیه ، نحو : موثقه سماعه(3) وصحیحه هشام بن الحکم(4) ، ونحوهما خبر محمد بن سنان عن علی بن موسی الرضا علیه السلام أنّه کتب فی جواب مسائله : وعلّه تحریم الربا نهی اللّه عزّ وجل عنه ، ولما فیه من فساد الأموال ، لأنّ الإنسان إذا اشتری الدرهم بالدرهمین کان ثمن الدرهم درهماً وثمن الآخر باطلاً ، فبیع الربا وشراؤه وَکْسٌ علی کل حالٍ علی المشتری وعلی البائع ، فحرّم اللّه عزّ وجل علی العباد الربا لعلّه فساد الأموال ، کما حظر علی السفیه أن یدفع إلیه ماله ، لما یتخوّف علیه من فساده حتّی یؤنس منه رشد ، فلهذه العلّه حرم اللّه عزّ وجل الربا وبیع الدرهم بالدرهمین ، وعلّه تحریم

ص:64


1- (5) وسائل الشیعه 18 / 127 ح 2 . الباب 4 من أبواب الربا .
2- (6) الجواهر 23 / 332 ، و 25 / 5 .
3- (1) وسائل الشیعه 18 / 118 ح 3 .
4- (2) وسائل الشیعه 18 / 120 ح 8 .

الربا بعد البینه لما فیه من الاستخفاف بالحرام المحرَّم ، وهی کبیره بعد البیان وتحریم اللّه عزّ وجل لها ، لم یکن إلاّ استخفافاً منه بالمحرِّم الحرام ، والاستخاف بذلک دخول فی الکفر ، وعلّه تحریم الربا بالنسیئه لعلّه ذهاب المعروف وتلف الأموال ورغبه الناس فی الربح وترکهم القرض ، والقرض صنائع المعروف ، ولما فی ذلک من الفساد والظلم وفناء الأموال ، الحدیث(1) .

وَکْسُ الشیء : نقصه ، وَکَس التاجر فی تجارته : خسر فی تجارته فذهب ماله .

والحاصل ، إن العقل حاکم بحرمه الربا ، لأنّه یوجب فساد اقتصاد المجتمع الإنسانی ، وما یوجب فساده یوجب هدم المجتمع وفساده ولعله إلی ما ذکرنا أشارت مرسله الطبرسی عن أمیر المؤمنین علیه السلام أنّه قال : إذا أراد اللّه بقریه هلاکاً ظهر فیهم الربا(2) .

ومرسله القطب الراوندی عن النبی صلی الله علیه و آله وسلم أنّه قال : إذا ظهر الزنا والربا فی قریه اُذِنَ فی هلاکها(3) .

ثمّ إنّ للربا قسمین رئیسیین ، وهما : 1 _ الربا فی القرض ، 2 _ الربا فی البیع أو المعامله .

فلذا نبحث عنه فی مقامین باختصار و إجمال ، وتفصیلهما فی کتابی القرض والبیع .

ص: 65


1- (3) وسائل الشیعه 18 / 121 ح 11 الباب 1 من أبواب الربا .
2- (4) مجمع البیان 1 / 390 ونقل عنه فی وسائل الشیعه 18 / 123 ح 17 .
3- (5) مستدرک الوسائل 13 / 332 ح 11 .

المقام الأوّل : الربا فی القرض

اشاره

اشتراط الزیاده والنفع فی القرض حرام لأنّه رباً :

قال ثانی الشهیدین ذیل قول المحقق : « فلو شرط النفع حرم» قال : « هذا الحکم إجماعیٌ»(1) .

وقال المحقق السبزواری : « لا أعلم فیه خلافاً بینهم»(2) .

وقال صاحب الحدائق : « لا خلاف بین الأصحاب رضوان اللّه تعالی علیهم فی تحریم اشتراط النفع فی القرض ، بل نقل بعض محققی متأخری المتأخرین إجماع المسلمین علی ذلک»(3) .

وتبعهم صاحب الجواهر وقال : « بلا خلاف فیه ، بل إجماع بقسمیه علیه ، بل ربّما قیل : إنّه إجماع المسلمین لأنّه رباً»(4) .

تدلّ علی الحرمه الإجماع وأنّه رباً وما مرّ منّا من الأدله فی تحریم الربا .

ونبحث هذا المقام فی ضمن جهات :

الجهه الأولی :

هذه المنفعه تکون تاره فی الزیاده العینیه من نفس الجنس ، یعنی من جنس مال القرض ، کما إذا أقرض من شخص لآخر مائه درهم علی أن یؤدی مائه وعشره دراهم ، تدلّ علی حرمتها عدّه من الروایات :

منها : صحیحه علی بن جعفر عن أخیه موسی بن جعفر علیه السلام قال : وسألته عن رجل أعطی رجلاً مائه درهم علی أن یعطیه خمسه دراهم أو أقل أو أکثر ؟ قال : هذا الربا المحض(5) .

ص:66


1- (1) المسالک 3 / 443 .
2- (2) کفایه الفقه 1 / 528 .
3- (3) الحدائق 20 / 110 .
4- (4) الجواهر 25 / 5 .
5- (5) مسائل علی بن جعفر / 125 ح 90 ونقل عنه فی وسائل الشیعه 18 / 359 ح 18 الباب 19 من أبواب الدین والقرض .

ومنها : خبر خالد بن الحجاج قال : سألته عن الرجل کانت لی علیه مائه درهم عدداً قضانیها مائه درهم وزناً ؟ قال : لا بأس ما لم یشترط . قال : وقال : جاء الربا من قبل الشروط ، إنّما یفسده الشروط(1) .

الروایه ضعیفه سنداً بخالد بن الحجاج لأنّه إمامی مجهولٌ ، وهی مضمرهٌ .

ومنها : ما رواه المشایخ الثلاثه بسند صحیح عن الحلبی الثقه عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : سألته عن الرجل یستقرض الدراهم البیض عدداً ثم یعطی سوداً [ وزناً ] ، وقد عرف أنّها أثقل ممّا أخذ وتطیب نفسه أن یجعل له فضلها ؟ قال : لا بأس به إذا لم یکن فیه شرط ، ولو وهبها له کلّها صلح(2) .

یعنی : إذا کان بینهما شرط فی أخذ الزیاده من الدراهم ففیه بأس أی حرام .

ونظیرها سنداً ودلاله صحیحه اُخری له عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : إذا أقرضت الدراهم ثم أتاک بخیر منها فلا بأس إذا لم یکن بینکما شرط(3) .

ومنها : حسنه أبی الربیع العنزی الشامی - وهو خالد أو خلید بن أوفی - قال : سئل أبو عبد اللّه علیه السلام عن رجل أقرض رجلاً دراهم فردّ علیه أجود منها بطیبه نفسه وقد علم المستقرض والقارض أنّه إنّما أقرضه لیعطیه أجود منها ؟ قال : لا بأس إذا طابت نفس المستقرض(4) .

سند الروایه حسنٌ کما مرّ ، لأن ابن جریر حسن وأبی الربیع فی أعلی مراتب الحسن ، وغیرهما من رجال السند کلّهم ثقات .

وأمّا دلالتها علی جواز إعطاء الأجود أو الأکثر وقبضه ، حتی إذا علم القارض أنّ المستقرض یعطیه عند الأداء الأجود ، فیجوز له القرض والأخذ والقبض عند الأداء مادام لم یشترط شیئاً ، ولا فرق بین الأجود والأکثر کما هو واضح .

ص:67


1- (6) وسائل الشیعه 18 / 190 ح 1 الباب 12 من أبواب الصرف .
2- (1) وسائل الشیعه 18 / 191 ح 2 .
3- (2) وسائل الشیعه 18 / 191 ح 3 .
4- (3) وسائل الشیعه 18 / 192 ح 4 .

ومنها : صحیحه یعقوب بن شعیب التی رواها المشایخ الثلاثه : أنّه سأل أبا جعفر علیه السلام عن الرجل یکون لی علیه جلّه من بسرفآخذ منه جلّه من رطب مکانها وهی أقل منها ؟ قال : لا بأس . قال : قلت : فیکون لی جلّه من بسرفآخذ مکانها جلّه من تمر وهی أکثر منها ؟ قال : لا بأس إذا کان معروفاً بینکما(1) .

الجلّه : وعاء التمر . أجاز الإمام علیه السلام أخذ الأکثر إذا کان بنحو المعروف ، یعنی طابت

نفس المستقرض بإعطائها ، ولا یجوز الأخذ إذا کان بنحو الإشتراط .

ویکفی هذه الأدله فی حرمه الزیاده العینیه .

الجهه الثانیه :

وتاره الزیاده تکون من غیر جنس مال القرض ، سواء کانت بنحو العینیه - کما إذا أقرضه مائه درهم علی أن یعطیه مائه درهم وخمسه دنانیر - أو کانت عملاً نحو خیاطه ثوب ، أو کانت منفعه أو انتفاعاً کالانتفاع بالعین المرهونه عنده . تدلّ علی حرمتها أیضاً عدّه من الروایات :

منها : صحیحه محمد بن قیس عن أبی جعفر علیه السلام قال : من أقرض رجلاً ورقاً فلا یشترط إلاّ مثلها ، فإن جوزی أجود منها فلیقبل ، ولا یأخذ أحدٌ منکم رکوب دابه أو عاریه متاع یشترطه من أجل قرض ورقه(2) .

دلاله الصحیحه علی حرمه الزیاده من غیر الجنس - نحو رکوب دابه أو عاریه متاع - واضحه .

ومنها : خبر إسحاق بن عمار عن أبی الحسن علیه السلام قال : سألته عن الرجل یکون له مع رجل مال قرضاً فیعطیه الشیء من ربحه مخافه أن یقطع ذلک عنه ، فیأخذ ماله من غیر أن یکون شرط علیه ؟ قال : لا بأس بذلک مالم یکن شرطاً(3) .

دلاله الروایه واضحه ، لأن الشیء من الربح بإطلاقه یشمل غیر المال أیضاً ، فإذا

ص:68


1- (4) وسائل الشیعه 18 / 301 ح 7 . الباب 9 من أبواب السلف .
2- (1) وسائل الشیعه 18 / 357 ح 11 . الباب 19 من أبواب الدین والقرض .
3- (2) وسائل الشیعه 18 / 354 ح 3 .

شُرط یصیر حراماً . ولکن فی السند ضعف بموسی بن سعدان .

ومنها : موثقه له أیضاً قال : قلت لأبی إبراهیم علیه السلام : الرجل یکون له علی الرجل المال قرضاً فیطول مکثه عند الرجل لا یدخل علی صاحبه منه منفعه فینیله الرجل الشیء بعد الشی کراهیه أن یأخذ ماله حیث لا یصیب منه منفعه ، أیحلّ ذلک له ؟ قال : لا بأس إذا لم یکن بشرط(1) .

دلالتها نحو روایته الاُخری .

ومنها : موثقه أبی بصیر عن أبی جعفر علیه السلام قال : قلت له : الرجل یأتیه النبط بأحمالهم فیبیعها لهم بالأجر ، فیقولون له : أقرضنا دنانیر فإنّا نجد من یبیع لنا غیرک ، ولکنّا

نخصّک بأحمالنا من أجل أنّک تقرضنا ، فقال : لا بأس به ، إنّما یأخذ دنانیر مثل دنانیره ، ولیس بثوب إن لبسه کسر ثمنه ولا دابه إن رکبها کسرها ، وإنما هو معروف یصنعه إلیهم(2) .

الجهه الثالثه :

الزیاده یمکن أن تکون زیاده وصفیه غیر راجعه إلی الکمیّه ، مثل کون أحدهما فضه تبر والآخر مضروبه ، أو أن یقرضه دنانیر مکسوره علی أن یؤدیها صحیحاً . قد نقل عن بعض الأصحاب(3) قدس سرهم جوازها ، ولکن تدلّ علی حرمتها عدّه من الروایات :

منها : خبر داود الأبزاری عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : لا یصلح أن تقرض ثمره وتأخذ أجود منها بأرض اُخری غیر التی أقرضت فیها(4) .

سند الروایه ضعیف بداود لأنّه أمامی مجهول ، وأمّا دلالتها واضحه ، إذ یمکن فرض الجوده فی الثمره مع عدم اختلاف فی الوزن . وأمّا شرط أداء القرض فی الأرض الاُخری فلا

ص:69


1- (3) وسائل الشیعه 18 / 357 ح 13 .
2- (1) وسائل الشیعه 18 / 356 ح 10 .
3- (2) منهم الشیخ فی النهایه / 312 وأبو الصلاح الحلبی فی الکافی / 331 وابن حمزه فی الوسیله / 273 ومال إلیه الأردبیلی فی مجمع الفائده 9 / 66 .
4- (3) وسائل الشیعه 18 / 194 ح 10 . الباب 12 من أبواب الصرف _ وسائل الشیعه 18 / 144 ح 1 الباب 12 من أبواب الربا .

بأس به ، کما یأتی التعرض لذلک فی الجهه الثامنه .

فینحصر إشکال الإمام علیه السلام فی اشتراط أخذ الأجود ،ومن المعلوم أنّ الأجودیه من الزیاده الوصفیه ، وأمّا ظهور کلمه « لا تصلح » فی الحرمه أیضاً واضح ، فدلاله الروایه علی حرمه أخذ الزیاده الوصفیه ظاهره ، ولکن قد مرّ ضعف سندها .

ومنها : صحیحه عبد الرحمن بن الحجاج قال : سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الرجل یقترض من الرجل الدرهم فیردّ علیه المثقال ، ویستقرض المثقال فیردّ علیه الدراهم ؟ فقال : إذا لم یکن شرط فلا بأس ، وذلک هو الفضل ، إنّ أبی علیه السلام کان یستقرض الدراهم الفسوله فیدخل علیه الدراهم الجیاد فیقول : یا بنیّ ردّها علی الذی استقرضتُها منه ، فأقول : یا أبه إنّ دراهمه کانت فسوله وهذه خیر منها ، فیقول : یا بنیَّ إنّ هذا هو الفضل ، فأعطه إیّاها(1) .

سند الروایه صحیح ، ودلالتها بأنّ محط نظر السائل إلی أنّ الدراهم مضروبه ولکن المثقال فضه تبر ولذا تختلف قیمتها مع تساوی وزنها ، والإمام علیه السلام أجاز أخذ الزیاده من دون اشتراط ومعه فلا .

ومنها : موثقه عبد الملک بن عتبه عن عبد صالح علیه السلام قال : قلت له : الرجل یأتینی یستقرض منّی الدراهم فأوطن نفسی علی أن اُؤخره بها شهراً للذی یتجاوز به عنّی ، فإنّه یأخذ منّی فضه تبر علی أن یعطینی مضروبه ، إلاّ أنّ ذلک وزناً بوزنٍ سواءً ، هل یستقیم هذا ، إلاّ أنّی لا اُسمی له تأخیراً ، إنّما أشهد لها علیه فیرضی ؟ قال : لا اُحبّه(2) .

سند الروایه موثق ، وظهورها فی الإشتراط واضح . وأمّا « لا اُحبّه» هل یُحمل علی الکراهه کما علیه ظاهر اللفظ وذهب إلیه صاحب الوسائل وبعض مشایخنا(3) قدس سره ، أو أنّه یحمل علی الحرمه بقرینه غیرها من الروایات ؟ الظاهر هو الأخیر .

ومنها : صحیحه الحلبی عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : إذا أقرضت الدراهم ثم جاءک

ص:70


1- (4) وسائل الشیعه 18 / 193 ح 7 .
2- (1) وسائل الشیعه 18 / 194 ح 9 .
3- (2) الفقیه الورع آیه اللّه الشیخ محمد علی الأراکی قدس سره فی کتابه المکاسب المحرمه / 12 .

بخیر منها فلا بأس إذا لم یکن بینکما شرط(1) .

یعنی إذا کان بینهما شرط ففیه بأس أی حرام .

ولا یعارضها صحیحه یعقوب بن شعیب قال : سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الرجل یقرض الرجل الدراهم الغله فیأخذ منها الدراهم الطازجیه طیبه بها نفسه ؟ فقال : لا بأس ، وذُکر ذلک عن علی علیه السلام (2) .

الدراهم الطازجیه : الدراهم الجیده البیض الخالصه . الدراهم الغله : الدراهم المکسوره وغیر الخالصه .

والمراد بهذه الروایه : جواز الأخذ من المقارض إن طابت نفس المقترض فی الإعطاء من دون إشتراط ، فلا ینافی مع ما ذکرناها ، واللّه العالم .

الجهه الرابعه :

إنّما حرمت الزیاده مع الاشتراط ، وإمّا بدونه فلا بأس بها ، بل تستحب . وتدلّ علیه عدّه من الروایات قد ذکرنا بعضها ضمن الجهات السابقه من البحث ، فلا نعیدها بل نذکر هنا ماورد فی خبر خالد بن الحجاج(3) وصحیحه الحلبی(4) وصحیحه اُخری له(5) وصحیحه

محمد بن قیس(6) وخبر إسحاق بن عمار(7) وموثقته(8) وصحیحه عبد الرحمن بن الحجاج(9) ، وهذه الروایات کلّها قد مرّ ذکرها .

ص:71


1- (3) وسائل الشیعه 18 / 191 ح 3 و 18 / 360 ح 1 الباب 20 من أبواب الدین والقرض .
2- (4) وسائل الشیعه 18 / 192 ح 5 .
3- (5) وسائل الشیعه 18 / 190 ح 1 .
4- (6) وسائل الشیعه 18 / 191 ح 2 .
5- (7) وسائل الشیعه 18 / 191 ح 3 .
6- (1) وسائل الشیعه 18 / 357 ح 11 .
7- (2) وسائل الشیعه 18 / 354 ح 3 .
8- (3) وسائل الشیعه 18 / 357 ح 13 .
9- (4) وسائل الشیعه 18 / 193 ح 7 .

ومنها : معتبره حفص بن غیاث عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : الرباء ان : أحدهما ربا حلال والآخر ، حرام فأمّا الحلال فهو أن یقرض الرجل قرضاً طمعاً أن یزیده ویعوضه بأکثر ممّا أخذه بلا شرط بینهما ، فإن أعطاه أکثر ممّا أخذه بلا شرط بینهما فهو مباح له ولیس له عند اللّه ثواب فیما أقرضه ، وهو قوله عزّ وجل : «فَلاَ یَرْبُوا عِندَ اللَّهِ»(1) ، وأمّا الربا الحرام : فهو الرجل یقرض قرضاً ویشترط أن یردّ أکثر ممّا أخذه فهذا هو الحرام(2) .

ومنها : مرسله القاضی نعمان المصری عن أمیر المؤمنین علیه السلام أنّه قال : من أقرض ورقاً فلا یشترط إلاّ ردّ مثلها ، فإن قُضی أجود منها فلیقبل(3) .

الجهه الخامسه :

هل الحرمه من ناحیه اشتراط الزیاده تصل إلی إصل القرض ویوجب بطلانه وضعاً ؟

قال المحقق فی الشرائع : « فلو شرط النفع حرم ولم یفد الملک»(4) .

وذیّله ثانی الشهیدین بقوله : « هذا الحکم إجماعی ، ومستنده ما روی عن النبی صلی الله علیه و آله وسلم أنّه قال : « کلّ قرض یجرّ منفعه فهو حرام»(5) . والمراد مع الشرط ، إذ لا خلاف فی جواز التبرع بالزائد وغیره من الأخبار ... ومتی فسد العقد لم یجز للمقترض أخذه ، فلو قبضه کان مضموناً علیه کالبیع الفاسد ، للقاعده المشهوره من أنّ « کلّ ما ضمن بصحیحه ضمن بفاسده » خلافاً لابن حمزه هنا ، فإنّه ذهب إلی کونه أمانه(6) ، وهو ضعیف»(7) .

قد عرفت ادعاء الإجماع فی المسأله من صاحب المسالک قدس سره مع إقراره بخلاف ابن

حمزه فی المقام ، واعترض علیه المحدث البحرانی قدس سره وقال : « أمّا ما ذکروه من تحریم الشرط

ص:72


1- (5) سوره الروم / 39 .
2- (6) وسائل الشیعه 18 / 160 ح 1 الباب 18 من أبواب الربا .
3- (7) دعائم الاسلام 2 / 61 ح 169 ونقل عنه فی مستدرک الوسائل 13 / 409 ح 2 .
4- (8) شرائع الاسلام 2 / 61 .
5- (9) سنن البیهقی 5 / 350 : وفیه : فهو وجه من وجوه الربا .
6- (10) الوسیله / 273 .
7- (11) المسالک 3 / 443 .

المذکور فهو ممّا لا إشکال فیه ، وما ذکروه من بطلان أصل العقد فإن کان من حیث اشتماله علی الشرط الفاسد وکلّ عقد کان کذلک فهو باطل ، فقد عرفت الخلاف فی ذلک فیما تقدم ، إلاّ أنّ الظاهر أنّه لیس البطلان هنا عندهم مبنیّاً علی ذلک ، ولهذا إنّما استند شیخنا المتقدم ذکره بعد دعوی الإجماع إلی الخبر النبوی المذکور ، وهو صریح فیما ذکره . إلاّ أنّ الظاهر أنّ الخبر المذکور إنّما هو من طریق العامه ، فإنّی لم أقف علیه بعد التتبع فی شیءٍ من کتب أخبارنا ، وأخبار المسأله المتقدمه علی کثرتها وتعددها لیس فیها إشعار فضلاً عن الدلاله الصریحه ببطلان أصل العقد ، بل الظاهر منها إنّما هو بطلان الشرط ، فإنّ مفهوم نفی البأس مع عدم الشرط فی کثیر ممّا تقدم من الأخبار إنّما توجّه إلی الزیاده کما لا یخفی علی المتأمل فیها»(1) .

ولکن صاحب الجواهر حکم بضعف قول ابن حمزه وقال : « وأضعف منه توقف المحدث البحرانی فی ذلک»(2) . وذهب إلی بطلان القرض مع اشتراط الزیاده وقال : « فیحرم علی المستقرض التصرف فیه ، وهو مضمون علیه لکونه مقبوضاً علی ذلک ، ولأن ما یضمن بصحیحه یضمن بفاسده»(3) .

أقول : إن تمّ الإجماع فی المقام فهو کما ادعاه صاحب المسالک(4) وقبله العلامه فی المختلف قال : « ... للإجماع علی أنّه إذا أقرضه شیئاً وشرط علیه أن یردّ خیراً ممّا أقرضه کان حراماً وبطل القرض ... »(5) .ولکن دون إثباته خرط القتاد ویمکن إرجاع إجماع العلامه قدس سره بالحرمه فقط دون البطلان .

وأمّا ابتناء بطلان القرض علی مسأله فساد الشرط یقتضی فساد العقد أیضاً فغیر تام ، لأن المشهور ذهبوا إلی بطلان القرض مع عدم ذهابهم إلی أن الشرط الفاسد مفسد .

وأمّا التمسک بالنبوی أیضاً غیر تام ، لعدم وروده من طرقنا ، بل ورد من طرقنا جواز

ص:73


1- (1) الحدائق 20 / 117 .
2- (2) الجواهر 25 / 7 .
3- (3) الجواهر 25 / 6 .
4- (4) المسالک 3 / 443 .
5- (5) مختلف الشیعه 5 / 391 .

الإنتفاع بمنفعه القرض من دون اشتراط ، کما فی صحیحه محمد بن مسلم قال : سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الرجل یستقرض من الرجل قرضاً ویعطیه الرهن إمّا خادماً وإمّا آنیه وإمّا ثیاباً ،

فیحتاج إلی شیءٍ من منفعته فیستأذن فیه فیأذن له ؟ قال : إذا طابت نفسه فلا بأس . قلت : إنّ مَنْ عندنا یروون أنّ کلّ قرضٍ یجرّ منفعه فهو فاسد ، فقال : أو لیس خیر القرض ما جرّ منفعه(1) .

والمراد بأبی أیوب فی سند الروایه هو إبراهیم بن عثمان المکنی بأبی أیوب الخزاز الثقه .

وأمّا التمسک بقاعده « ما یضمن بصحیحه یضمن بفاسده » کما عن صاحب الجواهر فلیس إلاّ مصادره بالمطلوب ، أعنی أنه یحتاج إلی إثبات فساد القرض أولاً وهو أوّل الکلام ، ثم یرتب علی القاعده .

فکلّ ما ذکره الأعلام فی المقام من دلیل بطلان القرض مع اشتراط الزیاده غیر تام ، مضافاً إلی عدم ذکر بطلان القرض من رأسه فی روایاتنا کما مرّ الاعتراف بذلک من صاحب الحدائق(2) ، فلابدّ من القول ببطلان شرط الزیاده وصحه القرض . وذهب إلی ما ذکرنا مضافاً إلی صاحب الحدائق(3) ، صاحبا الجواهر(4) والعروه(5) ، واختاره أیضاً العلامه المؤسس الحائری قدس سره فی تقریرات بحثه الشریف(6) ، وتبعه بعض تلامیذه نحو السید الخمینی والشیخ الأراکی قدس سرهم وبعض الأساتیذ(7) _ مدظله _ .

اللهم إلاّ أن یقال : حَکَم الشارع بفساد إشتراط النفع وبطلانه ، فیقتضی هذا بطلان

ص:74


1- (1) وسائل الشیعه 18 / 354 ح 4 الباب 19 من أبواب الدین والقرض .
2- (2) الحدائق 20 / 117 .
3- (3) الحدائق 20 / 118 .
4- (4) الجواهر 23 / 397 ، حیث ذهب إلی وجوب ردّ الزیاده خاصه فی کتاب التجاره ، ولکن اختار البطلان فی کتاب القرض 25 / 6 کما مرّ کلامه آنفاً .
5- (5) العروه الوثقی 6 / 16 .
6- (6) المکاسب المحرمه / 13 بقلم مقرره شیخنا آیه اللّه الشیخ محمد علی الأراکی قدس سره .
7- (7) تازه های أحکام / 54 لمحمد حسن موحدی ساوجی .

نفس القرض ، لأنّ الشارع حکم بفساد الإنتفاع والمقرض أیضاً لا یرضی بالتصرف فی ماله بدون هذا الإنتفاع ، فصار أصل القرض باطلاً .

وفیه : أن إثبات الأحکام الشرعیه بهذه الإستحسانات العقلیه مشکل ، وفیه ما لا یخفی .

والحاصل ، إن ثبت الإجماع فی المقام فهو وإلاّ دون إثباته بالإدله الماضیه خرط القتاد .

ولکن بطلان شرط الزیاده وحرمه أخذها یُستفاد بوضوح من جمله من الروایات

المذکوره فیما سلف : کصحیحتی الحلبی(1) وصحیحه عبد الرحمن بن الحجاج(2) وخبر خالد بن الحجاج(3) وغیرها ، واللّه العالم .

الجهه السادسه :

إنّما یحرم شرط الزیاده للمقرض علی المقترض لا عکسه .

أدله حرمه إشتراط النفع فی القرض یختص بصوره اشتراط النفع للمقرض ولکن إذا یصل النفع إلی المقترض فلا یشملها ، ولذا نذهب إلی عدم البأس به ، کما إذا أقرضه مائه درهم علی أن یؤدی تسعین ، أو أقرضه دراهم صحیحه علی أن یؤدی مکسوره ، أو کما خاف المقرض من وجود المال عنده من سرقه أو ضیاع أو أخذه بتوسط ظالم فأقرضه شخصاً وشرط له شیئاً من العین أو المنفعه . ففی کلِّ هذه الموارد حیث ینتقل النفع إلی المقترض حتّی مع الاشتراط فلا بأس بها ویجوز ، لأنّ أدله حرمه الربا فی القرض تنحصر فی صوره رجوع النفع إلی المقرض فقط ولخروج هذا الفرض عن الربا موضوعاً .

وتدلّ علی الجواز أو تؤیده صحیحه یعقوب بن شعیب أنّه سأل أبا جعفر علیه السلام عن الرجل یکون لی علیه جلّه من بسر فآخذ منه جلّه من رطب مکانها وهی أقل منها ؟ قال : لا بأس ، الحدیث(4) .

ص:75


1- (1) وسائل الشیعه 18 / 191 ح 2 و 3 .
2- (2) وسائل الشیعه 18 / 193 ح 7 .
3- (3) وسائل الشیعه 18 / 190 ح 1 .
4- (4) وسائل الشیعه 18 / 301 ح 7 الباب 9 من أبواب السلف .
الجهه السابعه :

إذا شُرط فی القرض شرطٌ لیس فیه نفع لأحد الطرفین جاز .

لمّا مرّ فیما سلف أنّ أدله حرمه إشتراط النفع فی القرض تنحصر فیما إذا کان النفع یرجع إلی المقرض فقط ، ففی هذا الفرض حیث لا یرجع نفع إلی المقرض فلا بأس به . مضافاً إلی ما ذکرنا أنه تدلّ علیه موثقه أبی بصیر عن أبی جعفر علیه السلام قال : قلت له : الرجل یأتیه النبط بأحمالهم فیبیعها لهم بالأجر ، فیقولون له : أقرضنا دنانیر فإنّا نجد من یبیع لنا غیرک ولکنّا نخصّک بأحمالنا من أجل إنّک تقرضنا ، فقال علیه السلام : لا بأس به ، إنّما یأخذ دنانیر مثل دنانیره ، ولیس بثوب إن لبسه کسر ثمنه ولا دابّه إن رکبها کسرها ، وإنّما هو معروف یصنعه إلیهم(1) .

فعلی ما ذکرنا یجوز اشتراط کلّ شیءٍ لیس فیه نفع لأحد الطرفین ، مثل اشتراط البیع أو الإجاره بالثمن أو الاُجره المتعارفین ، لصدق أنّ المقرض یأخذ دراهماً مثل دراهمه .

وهکذا یجوز اشتراط کلّ شیءٍ لا یکون فیه نفعٌ للمقرض ولو کان فیه مصلحه ، له نحو : إعطاء الرهن أو الضّامن أو الکفیل أو الإشهاد ونحوها ، لأنه لیس للمقرض فیه نفعاً وإن کان فیه مصلحه ، لأن المصلحه غیر النفع عرفاً .

الجهه الثامنه :

لو اشترط علی المقترض أداء القرض وتسلیمه فی بلد معین جاز وصح إن کان فیه نفع للمقرض .

اشتراط أداء القرض فی بلد معین غیر بلد الإقراض من طرف المقرض نافذ ولزم علی المقترض أداؤه فی ذلک البلد وإن کان فی حمله إلیه یحتاج إلی مؤنه زائده ، وهذا النفع - وإن کان یرجع إلی المقرض - ولکن حکمت بصحه هذا القرض الروایات المتعدده :

منها : صحیحه یعقوب بن شعیب عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : قلت : یسلف الرجل الورق علی أن ینقدها إیاه بأرض اُخری ویشترط علیه ذلک ؟ قال : لا بأس(2) .

ص:76


1- (5) وسائل الشیعه 18 / 356 ح 10 الباب 19 من أبواب الدین والقرض .
2- (1) وسائل الشیعه 18 / 196 ح 1 الباب 14 من أبواب الصرف .

ومنها : صحیحه أبی الصباح عن أبی عبد اللّه علیه السلام فی الرجل یبعث بمال إلی أرض ، فقال للذی یرید أن یبعث به : أقرضنیه وأنا اُوفیک إذا قدمت الأرض ، قال علیه السلام : لا بأس(1) .

ومنها : صحیحه أبان فی الرجل یسلف الرجل دراهم ینقدها إیّاه بأرض اُخری ، قال أبو عبد اللّه علیه السلام : لا بأس به(2) .

ومنها : صحیحه إسماعیل بن جابر عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : قلت : یدفع إلیَّ الرجل الدراهم فأشترط علیه أن یدفعها بأرض اُخری سوداً بوزنها ، وأشترط ذلک علیه ؟ قال : لا بأس(3) .

ومنها : معتبره عبد الرحمن بن أبی عبد اللّه قال : سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الرجل یُسلف الرجل الدارهم ینقدها إیّاه بأرض اُخری والدراهم عدداً ؟ قال : لا بأس(4) .

ومنها : معتبره السکونی عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : قال أمیر المؤمنین علیه السلام : لا بأس بأن یأخذ الرجل الدراهم بمکه ویکتب لهم سفاتج أن یعطوها بالکوفه(5) .

السفاتج : جمع سُفْتجه ، وهی أن یعطی مالاً لآخر ، وللآخر مال فی بلد المعطی فیوفیه أیّاه هناک ، فیستفید أمن الطریق أو یأمن به خطر الطریق .

ومنها : مرسله القاضی نعمان المصری عن جعفر بن محمد علیه السلام أنّه رخّص فی السفاتج هی المال یستسلفه الرجل بأرض ویقبضه باُخری(6) .

ومنها : مرسله اُخری له عن أمیر المؤمین علیه السلام إنّه أعطی مالاً فی المدینه ثم أخذه

ص:77


1- (2) وسائل الشیعه 18 / 196 ح 2 الباب 14 من أبواب الصرف .
2- (3) وسائل الشیعه 18 / 197 ح 4 .
3- (4) وسائل الشیعه 18 / 197 ح 5 .
4- (5) وسائل الشیعه 18 / 197 ح 7 .
5- (1) وسائل الشیعه 18 / 196 ح 3 .
6- (2) دعائم الاسلام 2 / 62 ح 172 ونقل عنه فی مستدرک الوسائل 13 / 352 ح 1 الباب 8 من أبواب الصرف .

بأرض اُخری(1) .

ولا ینافی هذه الروایات المتعدده بل المعتبره المستفیضه خبر داود الأبزاری عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : لا یصلح أن تقرض ثمره وتأخذ أجود منها بأرض اُخری غیر التی أقرضت فیها(2) .

لأنه قد مرّ فی الجهه الثالثه من هذه الجهات :

أولاً : ضعف سندها بداود لأنّه إمامیٌّ مجهولٌ .

وثانیاً : بأنّها تحمل علی أخذ الزیاده الوصفیه مع الاشتراط وحرمتها .

وثالثاً : علی فرض حملها علی ظاهرها لا یمکن مقابله هذه الروایه الواحده مع عدّه کثیره من الروایات المعتبره المنافیه لها ، فلابدّ من الأخذ بهذه الروایات وحمل هذه الروایه بما مرّ منّا .

والحاصل ، جواز اشتراط أداء القرض فی بلد معین وأخذه فی غیر بلد الإقراض من طرف المقرض .

هذا کلّه إذا اشترط المقرض الدفع إلیه فی بلد معین ، وإلاّ لزم علی المقترض الدفع إلیه فی بلد القرض وعلی المقرض القبول . وأمّا الدفع فی غیر بلد القرض فیحتاج إلی التراضی من

الطرفین ، وإن کان الأحوط للمقترض الأداء مع عدم الضرر وعدم الاحتیاج إلی مؤنه الحمل لو طالبه المقرض فیه ، واللّه سبحانه هو العالم .

الجهه التاسعه :

لا فرق فی اشتراط النفع بین کونه فی عقد القرض أو فی ضمن عقد لازم خارج عنه .

نحو : إقراضه مائه ألف تومان للمقترض إلی سنه کامله ولکن شرط علیه فی هذا القرض بیع شیءٍ یساوی ألفاً بخمسمائه ، فیصدق علی هذا القرض أنّه یجرّ نفعاً مع الإشتراط

ص:78


1- (3) دعائم الاسلام 2 / 62 ح 171 ونقل عنه فی مستدرک الوسائل 13 / 352 ح 1 الباب 8 من أبواب الصرف .
2- (4) وسائل الشیعه 18 / 194 ح 10 ، و وسائل الشیعه 18 / 144 ح 1 .

فیصدق علیه الربا .

أو إقراضه مائه ألف تومان للمقترض إلی سنه کامله ولکن شرط علیه إجاره داره إلی سنه کامله ما یساوی بعشرین ألفاً ، بألفٍ فقط ، فهذا أیضاً یصدق علیه إشتراط النفع فی القرض فیصدق علیه الربا .

فکلّ هذه الموارد یصدق علیها عنوان الربا ، وإطلاق أدله حرمه الاشتراط فی القرض یشمل المقام ، أعنی إذا شُرط فی عقد القرض عقد لازم خارج عنه ، بحیث بعد الإقتراض لابدّ لهما من الإلتزام بالعقد الثانی أیضاً ولیس للمقترض الإختیار فی العقد الثانی ، بل بعد القرض لابدّ له من الوفاء بالعقد الثانی أیضاً وفیه الزیاده أو النفع للمقرض .

وهذا الفرض أیضاً یدخل فی الاشتراط فی القرض ولهذا حرم بإطلاق أدلتها .

الجهه العاشره : الربا القرضی حرام مطلقاً

قد یُقسّم الربا القرضی إلی قسمین : 1 _ الربا الاستهلاکی

2 _ الربا الاستنتاجی .

وقد یُسمع مِنْ بعض مَنْ عاصرناه(1) بانحصار الحرمه فی القسم الأوّل وجواز الثانی .

والمراد بالربا الاستهلاکی : إذا استقرض شخص من الآخر ولکن هلک المال فی ضروریات حیاته ومعاشه من مصارفه ومخارجه الشخصیه أو العائلیه بحیث لم یبق له من المال شیئاً .

والمراد بالربا الاستنتاجی : أنّه إذا استقرض المال ولکنّه لم یصرفه فی مصارفه

ومخارجه الضروریه بل یجعله رأس ماله ویعمل به ، أو باع به شیئاً من الوسائل أو الدکاکین ویعمل به ، ونحو ذلک بحیث یستثمر المال ویصیر إلی الزیاده یوماً فیوماً .

بعد قبول هذین التعریفین للربا ، یشملهما إطلاق أدله حرمه الربا ، فلا وجه لتخصیص الحرمه بالأوّل دون الثانی . فالربا القرضی حرام مطلقاً بلا فرق بین الإستهلاکی منه أو

ص:79


1- (1) مجمع المسائل 1 / 384 _ للشیخ یوسف الصانعی دامت برکاته .

الإستنتاجی .

هذا مجمل الکلام فی الربا فی القرض ومحلّ تفصیله فی کتاب القرض ، وفقنا اللّه تعالی لتحریره وبحثه إن شاء اللّه تعالی وله الحمد .

ص: 80

المقام الثانی : الربا فی المعامله

اشاره

یجری الربا فی البیع مع شرطین فی الثمن والمثمن : 1 _ الإتحاد فی الجنس ، 2 _ وکونهما من المکیل أو الموزون إذا باع بالتفاضل .

الشرط الأوّل : الاتحاد فی الجنس

وهو أن یصدق علی الثمن والمثمن أنّهما من جنس واحد ، ویشملهما اللفظ الخاص الکاشف عن اتحاد حقیقتهما النوعیه ، فکلّ ما یصدق علیه الحنطه أو الاُرز أو العنب أو التمر أو نحوها جنس واحد وإن اختلفت صفاتها وخواصّها .

قال المحقق فی الشرائع : « الأوّل : فی بیان الجنس ، وضابطه : کلّ شیئین یتناولهما لفظ خاص کالحنطه بمثلها والاُرز بمثله»(1) .

وقال العلامه فی القواعد : « وضابط الإتفاق فی الجنس شمول اللفظ الخاص لهما کالحنطه والاُرز ، لا کالمطعوم المختلفه أفراده»(2) .

وقال فی الإرشاد : « والجنس هنا الحقیقه النوعیه کالحنطه والاُرز والتمر ، ولا تخرج الحقیقه باختلاف الصفات العارضه ، فالحنطه ودقیقها جنس ، والتمر ودبسه جنس ، والعنب والزبیب جنس ، واللبن والمخیض(3) والحلیب واحد ، وجیّد کل جنسٍ وردیؤه واحد ، وثمره النخل جنس وکذا الکَرْم(4) ، واللحوم مختلفه ، فلحم البقر والجاموس واحد ، ولحم البقر والغنم جنسان ، والوحشی مخالف لأنسیه»(5) .

وقال المحقق الثانی فی شرح قول العلامه فی القواعد : « المراد باللفظ الخاص : ما یکون مفهومه نوعاً بالإضافه إلی ما تحته ، فالجنس فی عبارته هو ما یعبَّر عنه فی المنطق بالنوع ،

ص:81


1- (1) الشرائع 2 / 38 .
2- (2) القواعد 2 / 60 .
3- (3) وهو الذی قد مخض وأخذ زبده .
4- (4) الکَرْم : العنب ، جمعه الکُرُوم .
5- (5) ارشاد الاذهان 1 / 378 .

وأهل اللغه یسمونه جنساً ، وهذا وإن عزّ الوقوف علیه إلاّ أنّ بعض الأشیاء قد قام القاطع علی بیان نوعها ، فالحنطه بالنسبه إلی ما تحتها نوع بالنص والإجماع ، فالحمراء والبیضاء وغیرهما واحد ، وکذا الاُرز ... »(1) .

وقال ثانی الشهیدین فی شرح قول المحقق فی الشرائع : « المراد باللفظ الخاص ما یکون مفهومه نوعاً بالإضافه إلی ما تحته ، فالجنس فی هذا الباب هو المعبّر عنه فی المنطق بالنوع وأهل اللغه یسمّونه جنساً أیضاً ، ولا مشاحه فی الإصطلاح ، والمراد بالشیئین اللذیْن یتناولهما اللفظ أفراد ذلک النوع کالصفراء والحمراء فی الحنطه ... »(2) .

وقال المحقق الأردبیلی فی شرح قول العلامه فی الإرشاد : « أشار بلفظ « هنا » أی الفقه والاُصول أو باب الربا ، إلی أنَّ الجنس له إطلاق آخر ، وهو الجنس المنطقی المقابل للنوع ، فهذا الاصطلاح عکس ذلک فی الجنس والنوع ، والأمر فی ذلک هیّن .

ولکن تحقیق ما یُعرف به الجنس مشکل جداً ، فإنّه تاره یُعلم أنّ المراد به النوع ، فکلّما تحقق حقیقه واتفاق أفرادها فیها فهو النوع الواحد المراد بالجنس الواحد الذی هو شرط الربا ، وتحقیقه متعسر جداً ، بل قد ادعی کونه متعذراً .

وتاره أنّ المراد به ما یشمله لفظ واحد ویخصه ، مثل الحنطه والاُرز ولاتمر ، فإنّ لکلِّ واحدٍ اسماً خاصاً وتحته أفراد متکثره ، وإن وجد بین الأفراد اختلاف کثیر إلاّ أنّه لیس له اسم خاص ولا حقیقه خاصه ، بل الاختلاف بالصنف وإن کان له اسم فهو بانضمام الاسم الأوّل ... .

ولعلّک تفهم اتحاد الجنس بملاحظه کلتا الضابطتین ویتبع کلامهم ، فما یکون له اسم واحد وحقیقه واحده _ بحسب الظاهر والذی یجده العقل بحسب تفاهم العرف کذلک _ فهو جنس واحد مع فروعه ، وما یُعمل منه أو ما یخرج عن الحقیقه بعمل فیها عن أصلها ، وإن خرج عن ذلک الإسم والحقیقه عرفاً وخاصیّه وطعماً ، فاستفهم اللّه یفهمک »(3) .

ص:82


1- (6) جامع المقاصد 4 / 266 .
2- (1) مسالک الافهام 3 / 317 .
3- (2) مجمع الفائده والبرهان 8 / (467 _ 465) .

هذا کلّه بعض کلمات الأعلام فی المقام ، وتدلّ علی اعتبار اتحاد واشتراک الجنسیّه عدّه من الروایات :

منها : صحیحه عمر بن یزید بیّاع السابری عن أبی عبد اللّه علیه السلام _ فی حدیث _ أنّه قال : یا عمر قد أحلّ اللّه البیع وحرم الربا ، بع واربح ولا تربه . قلت : وما الربا ؟ قال : دراهم بدراهم مثلین بمثل ، وحنطه بحنطه مثلین بمثل(1) .

سند الصدوق إلی عمر بن محمد بن یزید بیاع السابری مولی ثقیف صحیح وهو ثقه جلیل ، فالروایه صحیحه الإسناد . وتدلّ فقره « حنطه بحنطه» بوضوح علی الإتحاد فی الجنس فی تطرق الربا فی البیع .

ومنها : حسنه أبی الربیع الشامی قال : کره أبو عبد اللّه علیه السلام قفیز لوز بقفیزین لوز ، وقفیزاً من تمر بقفیزین من تمر(2) .

سند الروایه حسنه بخالد بن جریر وأبی الربیع الشامی ، وهو خلید أو خالد بن اُوفی فی أعلی درجه الحسن . ودلالتها واضحه ، لأنّ الکراهه هنا تُحمل علی الحرمه لما یأتی فی ذیل صحیحه عبد اللّه بن سنان ، فانتظر .

ومنها : صحیحه محمد بن مسلم عن أبی جعفر علیه السلام _ فی حدیث _ قال : إذا اختلف الشیئان فلا بأس به مثلین بمثل یداً بید(3) .

ودلالتها بالمفهوم علی الإتحاد واضحه .

ومنها : صحیحه الحلبی عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : ما کان من طعام مختلف أو متاع أو شیءٍ من الأشیاء یتفاضل فلا بأس ببیعه مثلین بمثل یداً بیدٍ ، فأمّا نَظِرَه فلا یصلح(4) .

الروایه صحیحه الإسناد . وأمّا دلالتها بالمفهوم علی المراد واضحه ، لأنّ مفهومها هکذا : ما کان من طعام متحد أو متاع متحد أو شیءٍ من الأشیاء متحد یتفاضل ففیه بأس

ص:83


1- (3) وسائل الشیعه 18 / 133 ح 2 . الباب 6 من أبواب الربا .
2- (1) وسائل الشیعه 18 / 134 ح 4 .
3- (2) وسائل الشیعه 18 / 144 ح 1 . الباب 13 من أبواب الربا .
4- (3) وسائل الشیعه 18 / 145 ح 2 .

بیعه مثلین بمثل .

ومنها : صحیحه الحلبی عن أبی عبد اللّه علیه السلام _ فی حدیث _ قال : الکیل یجری مجری واحد ، قال : ویکره قفیز لوز بقفیزین ، وقفیز تمر بقفیزین ، ولکن صاع حنطه بصاعین تمر ، وصاع تمر بصاعین زبیب إذا اختلف هذا ، والفاکهه الیابسه تجری مجریً واحداً . وقال : لا بأس بمعاوضه المتاع ما لم یکن کیلاً أو لا وزناً(1) .

ومنها : موثقه سماعه قال : سألته عن الطعام والتمر والزبیب ؟ فقال : لا یصلح شیء منه إثنان بواحد ، إلاّ أن یصرفه نوعاً إلی نوع آخر ، فإذا صرفته فلا بأس اثنین بواحد وأکثر(2) .

ومنها : موثقه اُخری لسماعه عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : المختلف مثلان بمثل یداً بیدٍ لا بأس(3) .

دلالتها بالمفهوم واضحه .

ومنها : صحیحه عبد اللّه بن سنان قال : سمعت أبا عبد اللّه علیه السلام یقول : کان علی علیه السلام یکره أن یستبدل وسقاً من تمر خیبر بوسقین من تمر المدینه ، لأنّ تمر خیبر أجودهما(4) .

بضمیمه صحیحه أبی بصیر عن أبی عبد اللّه علیه السلام فی حدیث : ولم یکن علی علیه السلام یکره الحلال(5) .

وبالجمله ، هذه الروایات المعتبره تکفی فی إثبات الشرط الأوّل الذی لا خلاف فیه ، أعنی الإتحاد فی الجنس فی تطرق الربا .

تنبیهٌ : حکم الشارع تعبداً باتحاد جنس الحنطه والشعیر ، فلا یجوز بیع أحدهما بالآخر مع التفاضل ، وتدلّ علی هذا الحکم عدّه من الروایات المستفیضه :

ص:84


1- (4) وسائل الشیعه 18 / 146 ح 3 .
2- (5) وسائل الشیعه 18 / 146 ح 5 .
3- (1) وسائل الشیعه 18 / 147 ح 9 .
4- (2) وسائل الشیعه 18 / 151 ح 2 . الباب 15 من أبواب الربا .
5- (3) وسائل الشیعه 18 / 151 ح 1 .

منها : صحیحه هشام بن سالم عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : سُئل عن الرجل یبیع الرجل الطعام الأکرار فلا یکون عنده ما یتم له ما باعه فیقول له : خذ منّی مکان کلّ قفیز حنطه قفیزین من شعیر حتّی تستوفی ما نقص من الکیل . قال : لا یصلح ، لأنّ أصل الشعیر من الحنطه ، ولکن یردّ علیه الدراهم بحساب ما ینقص من الکیل(1) .

ومنها : صحیحه عبد الرحمن بن أبی عبد اللّه قال : قلت لأبی عبد اللّه علیه السلام : أیجوز قفیز من حنطه بقفیزین من شعیر ؟ فقال : لا یجوز إلاّ مثلاً بمثلٍ ، ثم قال : إنّ الشعیر من الحنطه(2) .

ومنها : صحیحه أبی بصیر عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : الحنطه والشعیر رأساً برأس ، لا یزاد واحد منهما علی الآخر(3) .

ومنها : صحیحه الحلبی عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : قال : لا یباع مختومان من شعیر بمختوم من حنطه ، ولا یباع إلاّ مثلاً بمثل ، والتمر مثل ذلک .

قال : وسُئل عن الرجل یشتری الحنطه فلا یجد صاحبها إلاّ شعیراً أیصلح له أن یأخذ اثنین بواحد ؟ قال : لا ، إنّما أصلهما واحد ، وکان علی علیه السلام یعدّ الشعیر بالحنطه(4) .

ومنها : صحیحه اُخری للحلبی عن أبی عبد اللّه علیه السلام _ فی حدیث _ قال : ولا یصلح الشعیر بالحنطه إلاّ واحد بواحد(5) .

ومنها : خبر أحمد بن محمد بن عبد اللّه بن عیسی بن جعفر العلوی العمری عن أبیه عن آبائه عن علی علیه السلام أنّه سئل : ممّا خلق اللّه الشعیر ؟ فقال : إنّ اللّه تبارک وتعالی أمر آدم : أن أزرع ممّا اخترت لنفسک ، وجاءه جبرئیل بقبضه من الحنطه ، فقبض آدم علی قبضه وقبضت حواء علی اُخری ، وقال آدم لحواء : لا تزرعی أنتِ ، فلم تقبل أمر آدم ، فکلّما زرع آدم جاء

ص:85


1- (4) وسائل الشیعه 18 / 137 ح 1 . الباب 8 من أبواب الربا .
2- (5) وسائل الشیعه 18 / 138 ح 2 .
3- (6) وسائل الشیعه 18 / 138 ح 3 .
4- (1) وسائل الشیعه 18 / 138 ح 4 .
5- (2) وسائل الشیعه 18 / 139 ح 5 .

حنطه وکلّما زرعت حواء جاء شعیراً »(1) .

وهذه الروایات المعتبره المستفیضه تدلّ علی أنّ الحنطه والشعیر فی حکم الجنس الواحد تعبّداً فی تطرق الربا ، فلا ینظر إلی اختلافهما عرفاً واسماً وجنساً . وهکذا لا یسمع إلی خلاف القدیمین(2) کما نقل عنهما العلامه فی المختلف(3) ، وتبعهما ابن ادریس الحلی فی السرائر(4) .

نعم ، الحکم مختص بالربا ، فلا یحکم باتحادهما فی سائر الأبواب کالزکاه والنذور والغرامات والإقرار وغیرها کما ذکره صاحب العروه(5) .

تذکره: « الأصل مع کلِّ فرعٍ له واحد أم لا؟

تذکره : قال العلامه فی تذکره الفقهاء : « الأصل مع کلِّ فرعٍ له واحد ، وکذا فروع کلّ أصل واحدٌ _ وذلک کاللبن الحلیب مع الزُّبْد والسمن والمخیض واللِّبَأ والشیراز(6) والأقِط والمَصْل(7) والجبن والترجین(8) والکشک والکامخ(9) والسمسم مع الشیرج والکُسْب(10)

والراشی ، وبرز الکتّان مع حبّه ، والحنطه مع الدقیق والخبز علی اختلاف أصنافه من الرقاق والفرن وغیرهما ومع الهریسه ، والشعیر مع السویق ، والتمر مع السیلان والدبس والخَلّ منه والعصیر منه ، والعنب مع دبسه وخَلّه ، والعسل مع خلّه ، والزیت مع الزیتون وغیر ذلک _ عند علمائنا أجمع ، فلا یجوز التفاضل بین اللبن والزُّبْد والسمن والمخیض واللِّبَأ والأقِط وغیر ذلک ممّا تقدم ، بل یجب التماثل نقداً ، ولا یجوز نسیئهً لا متماثلاً ولا متفاضلاً ، ولا فرق فی ذلک بین أن

ص:86


1- (3) علل الشرائع 2 / 574 ح 2 ونقل عنه فی مستدرک الوسائل 13 / 344 ح 2 .
2- (4) ابن الجنید فی کتابه المفقود المسمی بالأحمدی فی الفقه المحمدی وابن أبی عقیل العمانی .
3- (5) مختلف الشیعه 5 / 89 .
4- (6) السرائر 2 / 254 .
5- (7) العروه الوثقی 6 / 42 .
6- (8) الشیراز : اللبن الرائب المستخرج ماؤه .
7- (9) المَصْلُ : ما سال من الأقِط إذا طبخ ثم عصر .
8- (10) ارتجن الزُبْدُ : طبخ فلم یَصْفُ وفسد .
9- (11) الکامخ : إدام یُؤْتدم به ، وخصه بعضهم بالمخلاّت التی تُستعمل لتشهّی الطعام ، جمعه الکوامخ .
10- (12) الکُسْب : عصاره الدهن .

یباع الأصل مع فرعه أو بعض فروعه مع البعض »(1) .

أقول : العلامه الحلی ادعی قاعدهً مهمه فی المقام ، وهی : الأصل مع کلِّ فرع له واحد وکذا فروع کلّ أصل واحد ، ثمّ مثّل بأمثله واستدل علیها بإجماع علمائنا ، والمشهور وافقوه فی هذه القاعده الکلّیه المدعاه ، لو لم تکن إجماعیه .

ولکن بعض فقهائنا أنکروا هذه القاعده الکلّیّه واقتصروا فیها فی موارد النص ولم یتعدوا من موارد النص إلی هذه القاعده الکلّیّه .

منهم : المحقق الأردبیلی ، ولعله أوّل من خالف العلامه ، قال مستشکلاً علی هذه القاعده : « ... إلاّ أنّ الدلیل علی الکلیه غیر واضح ، لأنّه ما وجد شیءٌ صحیح صریح فی الکلیّه ، والاسم غیر صادق والاختلاف ممکن حقیقه بل هو الظاهر ، لاختلاف الخواص مثل الخلّ والتمر والجبن والحلیب ... وبالجمله الدلیل غیر قائم علی الإتحاد بین الشیء الربوی وأصله کلیه بل قائم علی عدمه ، والأصل وأدله إباحه البیع دلیل الجواز ، إلاّ أنّ کلام الأصحاب ذلک ، فالخروج عنه مشکل والمسأله من المشکلات یحلّها محلّها ، وقد ادعی الإجماع فی أکثرها فی التذکره ... فما ثبت الإجماع فیه لا یمکن الخروج عنه ، وظاهر التذکره الإجماع فی کلِّ أصل مع فرعه وفرع کلِّ أصل مع آخر ، فتأمل »(2) .

ومنهم : السید الیزدی صاحب العروه قدس سره قال : « الإنصاف عدم استفاده الکلیه من الأخبار المذکوره ، إذ هی مختصه بمثل الحنطه والدقیق والسویق والعنب والزبیب ، فلا دلاله فیها علی إتحاد مثل الحلیب والزبد والتمر والعنب مع الخل منهما ونحو ذلک .

ودعوی الإتمام بعدم القول بالفصل کماتری ، وإجماع التذکره ممنوع ... فالأظهر عدم التعدی عن موارد الأخبار من مثل الدقیق والسویق إلاّ إلی أمثالهما لاکلِّ أصل وفرع ، والفرق بین تغییر صوره شیءٍ إلی شیءٍ آخر ، وبین استخراج شیءٍ من شیءٍ أو ترکیب شیءٍ من شیءٍ

بحیث صار شیئاً ثالثاً ... فتحصّل أنّ الأظهر التفصیل بین تغییر صوره شیءٍ إلی شیءٍ وبین

ص:87


1- (1) تذکره الفقهاء 10 / 163 المسأله 84 .
2- (2) مجمع الفائده والبرهان 8 / 475 و 476 .

استخراج شیءٍ من شیءٍ أو ترکیب شیءٍ من أشیاء بحیث یصیر شیئاً آخر وحقیقه اُخری »(1) .

ومنهم : المؤسس الشیخ عبد الکریم الحائری الیزدی قدس سره ، قال علی ما فی تقریرات بحثه الشریف : « ... فیبقی فی المقام بعض الأخبار الخاصه ببعض الموارد ... وهذه أیضاً لا یمکن التعدی عن مواردها واستکشاف قاعده کلیّه منها تطرّد فی کلِّ ما هو من قبیلها مثل التمر وخلّه واللبن وفروعه وغیر ذلک ممّا هو دائر فی کتبهم _ رضوان اللّه علیهم _ وبالجمله ، ما ذکروه من إتحاد کلِّ أصل مع فرعه خصوصاً إتحاد فروع الأصل الواحد بعضها مع بعض ... یکون استخراجها من الأخبار فی غایه الصعوبه إلاّ فی الموارد الخاصه المنصوصه ، وقد تفطّن له المقدس الأردبیلی قدس سره »(2) .

أقول : بعد هذا الخلاف الثابت بین المشهور والأعلام الثلاثه فلابدّ من ملاحظه الروایات الوارده فی المقام حتّی یتبیّن جلیّه الحال من إمکان التعدی منها إلی القاعده الکلیه أو عدمه :

منها : موثقه سماعه قال : سألته عن الحنطه والشعیر ؟ فقال : إذا کانا سواء فلا بأس . قال : وسألته عن الحنطه والدقیق ؟ فقال : إذا کانا سواء فلا بأس(3) .

وهذه الموثقه تدلّ علی أن الحنطه ودقیقها واحد فی الجنس الربوی ، ویمکن التعدی إلی إتحاد الحبوب مع دقیقها فی الربا .

ومنها : صحیحه محمد بن مسلم وزراره عن أبی جعفر علیه السلام قال : الحنطه بالدقیق مثلاً بمثل ، والسویق بالسویق مثلاً بمثل ، والشعیر بالحنطه مثلاً بمثل لا بأس به(4) .

مفهوم الصحیحه دالّ علی مدلول الموثقه الماضیه .

ومنها : صحیحه محمد بن مسلم عن أبی جعفر علیه السلام قال : سألته عن الرجل یدفع إلی

ص:88


1- (1) العروه الوثقی 6 / 47 و 48 .
2- (2) المکاسب المحرمه / 29 لشیخنا آیه اللّه الشیخ محمد علی الأراکی قدس سره .
3- (3) وسائل الشیعه 18 / 139 ح 6 .
4- (4) وسائل الشیعه 18 / 141 ح 2 .

الطحان الطعام فیقاطعه علی أن یعطی لکلِّ عشره أرطال إثنی عشر دقیقاً ؟ قال : لا . قلت : فالرجل یدفع السمسم إلی العصار ویضمن له لکلِّ صاع أرطالاً مسماه ؟ قال : لا(1) .

هذه الصحیحه تدلّ علی إتحاد الحبوب ودقیقها ، والسمسم وزیتها فی الجنس الربوی .

وغایه الأمر یمکن التعدی من السمسم وزیتها إلی الحبوب الدهنیه وأزیاتها .

ومنها : صحیحه زراره عن أبی جعفر علیه السلام قال : الدقیق بالحنطه والسویق بالدقیق مثل بمثل لا بأس به(2) .

وهذه الصحیحه تدلّ علی إتحاد الحنطه ودقیقها وسویقها فی الجنس الربوی .

ومنها : موثقه سماعه قال : سُئل أبو عبد اللّه علیه السلام عن العنب بالزبیب ؟ قال : لا یصلح إلاّ مثلاً بمثل ، قال : والتمر والرطب مثلاً بمثل(3) .

سند هذه الروایه موثقه ، لأنّ المراد بأبی أیوب الراوی عن سماعه هو ابراهیم ابن عثمان أو عیسی أبی أیوب الخزاز الثقه . وتدلّ علی إتحاد العنب والزبیب ، والتمر والرطب ، فی الجنس الربوی .

ومنها : حسنه أبی الربیع الشامی قال : قلت لأبی عبد اللّه علیه السلام : ماتری فی التمر والبسر الأحمر مثلاً بمثل ؟ قال : لا بأس ، قلت : فالبختج والعنب مثلاً بمثل ؟ قال : لا بأس(4) .

هذه الحسنه بمفهومها تدلّ علی إتحاد التمر والبسر الأحمر ، والبختج والعنب فی الجنس الربوی . والمراد بالبسر : التمر إذا لوّن ولم ینضَج ، الواحده بُسْره وجمعها بِسار . والمراد بالبختج : العصیر المطبوخ .

وأنت تری أنّ هذه الروایات قاصره عن إثبات القاعده الکلیه المدعاه فی المقام . نعم لابدّ من قبول إتحاد الجنس فی مذکورات النصوص تعبداً ، وأمّا فی غیرها التعدی والحکم بإتحاد الجنس فی کلِّ أصل وکلِّ فرع له أو إتحاد کلِّ فرع مع فرع آخر منه ، فمشکل فی الغایه

ص:89


1- (5) وسائل الشیعه 18 / 141 ح 3 .
2- (1) وسائل الشیعه 18 / 142 ح 4 .
3- (2) وسائل الشیعه 18 / 149 ح 3 .
4- (3) وسائل الشیعه 18 / 150 ح 5 .

عند اُولی الدرایه .

قد تمسّک القائلون بالتعدی بالروایات الوارده فی إتحاد جنسی الحنطه والشعیر فی الربا ، حیث عُلّل هذا الإتحاد فی بعضها بأنّ : « إنّما أصلهما واحد » کما فی صحیحه الحلبی(1) أو : « أنّ الشعیر من الحنطه » کما فی صحیحه عبد الرحمن بن أبی عبد اللّه(2) .

وفیه : أنه لا یمکن التعدی بهاتین الروایتین وأمثالهما ، وإن یمکن التعدی فیمکن القول بأنّ الأصل فی جمیع الأشیاء أوجلّها واحدٌ ، ولا یذهب إلیه أحد .

فلابدّ من الذهاب إلی انحصار فی المذکورات فی النصوص فقط .

وأما التمسک للتعدی بمرسله ومضمره علی بن إبراهیم القمی عن رجاله عمّن ذکره « قال : الذهب بالذهب والفضه بالفضه وزناً بوزن سواء لیس لبعضه فضل علی بعض ، ... إلی أن قال : وما کیل أو وزن ممّا أصله واحد فلیس لبعضه فضل علی بعض کیل بکیل ووزن بوزن ، فإذا اختلف أصل ما یکال فلا بأس به إثنان بواحد ... »(3) .

أیضاً غیر تام لأنه : أولاً : الروایه مرسله .

وثانیاً : أنّها مضمره ، لم تنسب إلی المعصوم علیه السلام .

وثالثاً : من المحتمل قویّاً أنّها فتوی القائل التی استفادها من التعلیل الوارد فی أخبار إتحاد الحنطه والشعیر فی الجنس الربوی ، وقد مرّ الکلام فیها .

نعم ، دلالتها لا بأس بها ، ولکن إفاده دلالتها بعد ثبوت کونها من کلام الإمام علیه السلام .

وبالجمله ، حیث لم تثبت کونها روایه فلا یثبت بها شیئاً .

والحاصل ، التعدی من المذکورات فی الروایات إلی ما ذکره العلامه وتبعه المشهور مشکل غایه الإشکال ، لولا الإجماع .

نعم ، ینبغی الإحتیاط فی المقام للخروج عن مخالفه المشهور ، واللّه سبحانه هو العالم .

هذا کلّه فی الشرط الأوّل .

ص:90


1- (4) وسائل الشیعه 18 / 138 ح 4 .
2- (5) وسائل الشیعه 18 / 138 ح 2 .
3- (1) وسائل الشیعه 18 / 158 ح 12 .
الشرط الثانی : الکیل أو الوزن
اشاره

یُشترط فی تحقق الربا کون الثمن والمثمن من المکیل والموزون ، فلا ربا فی غیرهما .

قد ادعی العلامه الإجماع علی هذا الاشتراط فی کتابه « تذکره الفقهاء »(1) .

وقال صاحب الجواهر فی ذیل هذا الاشتراط : « إذا کان المبیع والثمن کذلک (أی من المکیل والموزون) مع اتحاد الجنس حرّم الربا فیهما إجماعاً بقسمیه ، وسنهً وکتاباً ، بل کاد یکون ضروریّاً»(2) .

وتدلّ علی هذا الاشتراط - مضافاً إلی الإجماع - النصوص المستفیضه :

منها : صحیحه زراره عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : لا یکون الربا إلاّ فیما یکال أو یوزن(3) .

ومنها : موثقه عبید بن زراره قال : سمعت أبا عبد اللّه علیه السلام یقول : لا یکون الربا إلاّ فیما یکال أو یوزن(4) .

والروایتان تدلان علی انحصار الربا البیعی فیما یکال أو یوزن ، لأنّ الاستثناء بعد النفی یدل علی الحصر .

ومنها : صحیحه الحلبی عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : لا بأس بمعاوضه المتاع ما لم یکن کیلاً ولا وزناً(5) .

یُستفاد من الروایه أنّ المعاوضه بالمتاع لا بأس بها إلاّ مع التفاضل فی المکیل والموزون .

ومنها : موثقه بل صحیحه منصور بن حازم قال : سألته عن الشاه بالشاتین والبَیضهُ

ص:91


1- (2) تذکره الفقهاء 10 / 194 .
2- (3) الجواهر 23 / 358 .
3- (1) وسائل الشیعه 18 / 132 ح 1 . الباب 6 من أبواب الربا .
4- (2) وسائل الشیعه 18 / 133 ح 3 .
5- (3) وسائل الشیعه 18 / 155 ح 3 . الباب 17 من أبواب الربا .

بالبیضتین ؟ قال : لا بأس ما لم یکن کیلاً أو وزناً(1) .

سند الروایه تام ، لأنّ المراد بالعباس هو أبو الفضل ابن عامر بن ریاح الثقفی القصبابی ، الشیخ الصدوق الثقه کثیر الحدیث ، بقرینه روایه أیوب بن نوح عنه وداود بن الحصین موثق کالصحیح ، فسند الروایه موثق بل صحیح . هذا کلّه فی سند الکلینی وسند الشیخ موثق ، فالتعبیر عنها بالخبر کما فی الجواهر(2) وتبعه صاحب العروه(3) غیر تام .

ودلالتها علی المطلوب واضحه .

ومنها : موثقه له - أی لمنصور بن حازم - عن أبی عبد اللّه علیه السلام أنّه قال فی حدیث : کلّ شیءٍ یکال أو یوزن فلا یصلح مثلین بمثل إذا کان من جنس واحد ، فإذا کان لا یکال ولا یوزن فلا بأس به إثنین بواحد(4) .

سند الشیخ إلی حفید سماعه موثق ، والمراد بابن رباط فی السند هو أبو الحسن علی بن الحسن بن رباط البجلی الکوفی الثقه ، بقرینه نقل کتابه بواسطه الحسن بن محمد بن سماعه وروایته عن عبد اللّه بن مسکان . وبقیّه رجال السند کلّهم ثقات ، فالروایه موثقه سنداً ، کما عبر عن سندها بالموثق فی الجواهر(5) وتبعه صاحب العروه(6) .

ودلالتها کالنص علی المطلوب .

ومنها : حسنه داود بن الحصین أنّه سأل أبا عبد اللّه علیه السلام عن الشاه بالشاتین والبیضه بالبیضتین ؟ فقال : لا بأس ما لم یکن مکیلاً أو موزوناً(7) .

سند الصدوق إلی داود بن الحصین حسنٌ ، لورود الحکم بن مسکین المکفوف فیه وهو

ص:92


1- (4) وسائل الشیعه 18 / 152 ح 1 . الباب 16 من أبواب الربا .
2- (5) الجواهر 23 / 359 .
3- (6) العروه الوثقی 6 / 49 .
4- (7) وسائل الشیعه 18 / 153 ح 3 .
5- (1) الجواهر 23 / 358 .
6- (2) العروه الوثقی 6 / 49 .
7- (3) وسائل الشیعه 18 / 155 ح 2 . الباب 17 من أبواب الربا .

حسن ، کما فی نتائج التنقیح(1) ، وعبر عن هذا السند والد المجلسی بقویٍّ کالصحیح(2) وولده قدس سره بقویٍّ(3) .

وداود بن الحصین موثق کالصحیح ، فسند الروایه حسن عندنا .

ودلالتها بالمفهوم واضحه .

وهذه الروایات المعتبره تکفی فی إثبات هذا الحکم الإجماعی ، یعنی اشتراط الکیل والوزن فی البیع الربوی .

تنبیهٌ:

الظاهر من الروایات الماضیه أنَّ الحکم یدور مدار وصفی المکیلیه والموزونیه من غیر دخل زمان فیه أصلاً ، فما یذکر من اختصاص الحکم بما کان من المکیل أو الموزون فی عصر النبی صلی الله علیه و آله وسلم - کما عن الشیخ فی ظاهر المبسوط(4) والفاضل المقداد فی التنقیح الرائع(5) وادعاء الاجماع علیه - غیر تام .

وهکذا ما ذکروه من أنّ المدار فی المکیل والموزون ما کان فی عصر النبی صلی الله علیه و آله وسلم من غیر فرق بین بلده وسائر البلاد إذا استقر أهلها علیه ، فما کان مکیلاً أو موزوناً فی عصره صلی الله علیه و آله وسلم فی

جمیع البلدان أو کلّ بلد جری فیه الربا وإن تغیّر بعد ذلک ، وما لم یکن من أحدهما فی عصره صلی الله علیه و آله وسلم لا یجری فیه الربا وإن صار من أحدهما بعد عصر النبی صلی الله علیه و آله وسلم .

وهذان القولان ضعیفان ، لأنّ الحکم فی الروایات الماضیه وغیرها یدور مدار وصفی المکیلیه والموزونیه ، ولا تنحصران بعصر النبی صلی الله علیه و آله وسلم ، فما کان مکیلاً أو موزوناً فی أیّ عصرٍ وزمانٍ وأیّ بلدٍ ومکانٍ یجری فیه الربا إن بیع مع التفاضل .

فعلی ما ذکرنا لو کان شیء موزوناً فی عصر النبی صلی الله علیه و آله وسلم ولکن الآن یباع عدداً فلا یجری فیه

ص:93


1- (4) نتائج التنقیح / 44 .
2- (5) روضه المتقین 14 / 113 .
3- (6) الوجیزه فی علم الرجال / 229 الرقم 141 .
4- (7) المبسوط 2 / 90 .
5- (8) التنقیح الرائع 2 / 91 .

الربا ، ولو کان شیء یباع عدداً فی عصره صلی الله علیه و آله وسلم ولکن الآن یباع موزوناً یجری فیه الربا . واللّه سبحانه هو العالم .

تذکره:

إن اختلفت البلدان فی الکیل أو الوزن أو العدّ أو غیرها ، فلکلّ بلد حکم نفسه ، فیجری الربا فی بلد الکیل والوزن ولا یجری فی بلد العدّ ، وذلک لما ذکرنا من أنّ الحکم یدور مدار الوصف . فما نسب إلی الشیخ فی النهایه(1) وسلاّر بن عبد العزیز الدیلمی فی المراسم(2) وقوّاه فخر المحققین فی إیضاح الفوائد(3) من تغلیب جانب الحرمه غیر تام بما ذکرناه .

وإن اختلف فی بلد واحد ، یعنی یباع فیه تاره بالوزن وتاره بالعدّ نحو الخبز فی عصرنا الحاضر ، فلا یدخل تحت إطلاق أحد الخطابین من حرمه الربا وحلّیه البیع ، لعدم إمکان دخوله تحتهما معاً ، والدخول فی تحت أحدهما دون الآخر ترجیح بلا مرجح ، فتصل النوبه إلی الأصل العملی ، وهو یقتضی البراءه من الحرمه ، یعنی جواز بیعه مع التفاضل .

وما نسب إلی المفید(4) من اختصاص الجواز بالأغلب ومع التساوی یرجح جانب الحرمه ، أیضاً غیر تام بما ذکرناه . نعم : قوله قدس سره موافق للإحتیاط الحسن ، ولکن الاستدلال له بما رواه الأحسائی مرفوعاً عن النبی صلی الله علیه و آله وسلم أنّه قال : ما اجتمع الحرام والحلال إلاّ غلب الحرامُ الحلال(5) ، غیر تام . لضعفها سنداً ودلالهً .

ولذا قال صاحب الجواهر قدس سره بعد نقل کلام المفید وموافقته للإحتیاط والاستدلال له

بالمرسله : « ... لکن لا یخفی علیک عدم وجوب مراعاه الأوّل (یعنی الإحتیاط) عندنا وعدم تناول الثانی (یعنی المرسله) لما نحن فیه »(6) .

ص:94


1- (1) النهایه 2 / 122 و 123 .
2- (2) المراسم / 179 .
3- (3) إیضاح الفوائد 1 / 476 .
4- (4) المقنعه / 604 .
5- (5) عوالی اللآلی 2 / 132 ح 358 ونقل عنه فی بحار الأنوار 2 / 272 ح 6 (1 / 358) .
6- (1) الجواهر 23 / 365 .

ثم إن هاهنا فروعاً لابدّ من التنبیه علیها

فروع

الأوّل : الربا یجری فی جمیع المعاملات

هل الربا یجری فی جمیع المعاوضات والمعاملات المالیه أو یختص بعقدی البیع والقرض ؟ ذهب المشهور إلی الأوّل ، وذهب ابن إدریس الحلی والعلامه إلی الثانی(1) .

قال الفقیه المتتبع السید جواد العاملی قدس سره : « ... وهذا التعریف [ یعنی أنّه یجری فی جمیع المعاوضات المالیه ] یناسب ما حُکی عن الأکثر ، حکاه المقدس الأردبیلی فی آیاته(2) ، وقد حکی(3) عن السید والشیخ والقاضی وابن المتوج وفخر المحققین من أنّه یثبت فی کلِّ معاوضه ولا یختص بالبیع ، وهو خیره الشهیدین فی صلح الدروس(4) والمسالک(5) والروضه(6) وغصب الأوّلین(7) ، وأبی العباس فی صلح المهذب(8) والمقتصر(9) والفخر فی صلح الإیضاح(10) والصالح القطیفی والمحقق الثانی(11) والفاضل المیسی والمقدس الأردبیلی(12) وغیرهم(13) ، وهو صریح الشرائع(14) فی باب الغصب وظاهره فی باب

ص:95


1- (2) نقل عنهما صاحب الجواهر فی کتابه 23 / 338 .
2- (3) زبده البیان / 432 .
3- (4) حکاه السید الطباطبائی فی الریاض 8 / 279 .
4- (5) الدروس 3 / 328 .
5- (6) المسالک 4 / 269 .
6- (7) الروضه البهیه 4 / 180 .
7- (8) الدروس 3 / 116 والمسالک 12 / 189 .
8- (9) المهذب البارع 2 / 537 .
9- (10) المقتصر / 198 .
10- (11) ایضاح الفوائد 2 / 104 .
11- (12) جامع المقاصد 4 / 266 .
12- (13) مجمع الفائده والبرهان 8 / 457 .
13- (14) کالسید الطباطبائی فی الریاض 8 / 279 .
14- (15) الشرائع 3 / 240 .

الصلح(1) ... »(2) .

وقال صاحب الجواهر : « ... بل قیل إنّ الفاضل [ العلامه الحلی ] قد رجع عنه فی کتاب الصلح من القواعد ، فینحصر الخلاف حینئذ بالحلی [ ابن إدریس ] ... »(3) .

أقول : العباره الموجوده فی المطبوعه من صلح القواعد هکذا : « ولو صالح علی عین باُخری فی الربویّات ففی إلحاقه بالبیع نظر ، وکذا فی الدین بمثله ، فإن ألحقناه فسد ... »(4) .

وأنت تری عدم ظهور العباره فی رجوعه قدس سره عن قوله ، واللّه سبحانه هو العالم .

فلابدّ من ملاحظه الروایات الوارده فی المقام حتّی یتبیّن اختصاص الربا بعقدی البیع والقرض فقط أو جریانه فی جمیع المعاملات والمعاوضات المالیّه :

منها : صحیحه الحلبی عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : الفضه بالفضه مثلاً بمثل ، لیس فیه زیاده ولا نقصان ، الزائد والمستزید فی النار(5) .

بتقریب : عدم ورود التخصیص بالبیع ، بل الروایه مطلقه ، فیجری الربا فی جمیع المعاوضات .

ومنها : صحیحه أبی بصیر وغیره عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : الحنطه والشعیر رأساً برأس ، لا یزاد واحد منهما علی الآخر(6) .

بتقریب : ما قد مرّ آنفاً من عدم ورود التخصیص بل أنّها مطلقه ، فتشمل جمیع المعاوضات والمعاملات المالیه .

ومنها : صحیحه زراره عن أبی جعفر علیه السلام قال : الدقیق بالحنطه والسویق بالدقیق مثلٌ بمثلٍ لا بأس به(7) .

ص:97


1- (16) الشرائع 2 / 121 .
2- (17) مفتاح الکرامه 4 / 502 _ (14 / 8) .
3- (1) الجواهر 23 / 338 .
4- (2) قواعد الاحکام 2 / 173 .
5- (3) وسائل الشیعه 18 / 165 ح 1 . الباب 1 من أبواب الصرف .
6- (4) وسائل الشیعه 18 / 138 ح 3 . الباب 8 من أبواب الربا .
7- (5) وسائل الشیعه 18 / 142 ح 4 . الباب 9 من أبواب الربا .

ومنها : صحیحه عبد الرحمن بن أبی عبد اللّه قال : قلت لأبی عبد اللّه علیه السلام : أیجوز قفیز من حنطه بقفیزین من شعیر ؟ فقال : لا یجوز إلاّ مثلاً بمثل ، ثم قال : إنّ الشعیر من الحنطه(1) .

ومنها : صحیحه محمد بن مسلم عن أبی جعفر علیه السلام قال : سألته عن الرجل یدفع إلی الطحان الطعام فیقاطعه علی أن یعطی لکلِّ عشره أرطال إثنی عشر دقیقاً ؟ قال : لا . قلت : فالرجل یدفع السمسم إلی العصار ویضمن له لکلِّ صاع أرطالاً مسماه ؟ قال : لا(2) .

قال صاحب الجواهر بعد نقل هذه الصحیحه : « بل قیل : إنّه صریح فی المطلوب »(3) . یعنی أن هذه الروایه کالنص فی التعدی من البیع إلی غیره من المعاوضات المالیه . وهی کذلکِ .

ومنها : صحیحه سیف التمار قال : قلت لأبی بصیر : أحبّ أن تسأل أبا عبد اللّه علیه السلام عن رجل استبدل قوصرتین فیهما بسر مطبوخ بقوصره فیها تمر مشقّق . قال : فسأله أبو بصیر عن ذلک فقال علیه السلام : هذا مکروه ، فقال : إنّ علی بن أبی طالب علیه السلام کان یکره أن یستبدل وسقاً من تمر المدینه بوسقین من تمر خیبر ، لأنّ تمر المدینه أدونهما ، ولم یکن علی علیه السلام یکره الحلال(4) .

بتقریب : أن الاستبدال أعم من البیع وغیره من المعاوضات المالیّه .

والحاصل ، هذه الروایات کلّها مطلقه تشمل جمیع المعاوضات المالیّه ولا تختص بالبیع ، ودعوی الاختصاص به والانصراف لغلبه البیع ممنوع . فالربا یجری فی جمیع المعاوضات والمعاملات المالیه کما علیه المشهور . واللّه سبحانه هو العالم .

الثانی : موارد استثناء حرمه الربا

قد استثنوا من حرمه الربا أربعه موارد :

الف : الربا بین الوالد وولده

ب : وبین السید وعبده

ج : وبین الرجل وزوجته

ص:97


1- (6) وسائل الشیعه 18 / 138 ح 2 . الباب 8 من أبواب الربا .
2- (7) وسائل الشیعه 18 / 141 ح 3 . الباب 9 من أبواب الربا .
3- (1) الجواهر 23 / 337 .
4- (2) وسائل الشیعه 18 / 151 ح 1 . الباب 15 من أبواب الربا .

د : وبین المسلم والحربی ، إذا أخذه المسلم . ویثبت بین المسلم والذمی .

وهذا الحکم إجماعیٌ عند أصحابنا لم یخالف فی کلّیّته أحدٌ(1) ، إلاّ الشریف المرتضی قدس سره فی المسائل الموصلیات الثانیه ، وأنقل هنا تمام کلامه لما فیه من فوائد وتظهر لک کیفیه استنباطه ، قال قدس سره : « وباللّه التوفیق ، إنّ کثیراً من أصحابنا قد ذهبوا إلی نفی الربا بین الوالد وولده وبین الزوج وزوجته والذمی والمسلم ، وشرط قوم من فقهاء أصحابنا فی هذا الموضوع شرطاً ، وهو أن یکون الفضل مع الوالد إلاّ أن یکون له وارث أو علیه دین .

وکذلک قالوا : أنّه لا ربا بین العبد وسیده إذا کان لا شریک له فیه ، وإن کان له شریک حرم الربا بینهما ، وکذلک العبد المأذون له فی التجاره ، حرم الربا بینه وبین سیده إذا کان العبد قد استدان مالاً علیه .

وعوّلوا فی ذلک علی ما روی عن أمیر المؤمنین علیه السلام من قوله : لیس بین الرجل وبین ولده ربا ، ولیس بین السید وبین عبده ربا(2) . ورووا عن الصادق علیه السلام أنه قال : لیس بین المسلم وبین الذمی ربا ، ولا بین المرأه وزوجها(3) . وأما العبد وسیده فلا شبهه فی انتفاء الربا بینهما .

ویوافقنا علی ذلک أبوحنیفه وأصحابه الثوری واللیث والحسن بن صالح بن حی والشافعی . ویخالف مالک الجماعه فی هذه المسأله ، لأن مالکاً یذهب إلی أن العبد یملک ما فی یده مع الرق ، والجماعه التی ذکرناها تذهب إلی أن الرق یمنع من الملک ، وهو الصحیح .

وإذا کان ما فی ید العبد ملکاً لمولاه لم یدخل الربا بینهما ، لأن المالین فی الحکم مال واحد والمالک واحد ، ولهذا یتعب(4) حکم المأذون له فی التجاره ، یتعلق علی(5) الغرماء بما فی یده ،

ص:98


1- (3) السید جواد العاملی ادعی الإجماع علی المسائل الفرعیه المذکوره ونقله عن عده من الکتب ، راجع مفتاح الکرامه 4 / 529 و 530 و 531 (14 / 95 و 98 و 101 و 102) _ وتبعه فی الجواهر وادعی الإجماع بقسمیه علی هذه المسائل راجع الجواهر 23 / 378 و 380 و 381 و 382 .
2- (1) وسائل الشیعه 18 / 135 ح 1 .
3- (2) وسائل الشیعه 18 / 136 ح 5 .
4- (3) ظ : یتغیر .
5- (4) ظ : ویتعلق حق الغرماء بما فی یده .

وکذلک یتغیر فی هذا الحکم حال العبد بین شریکین ، فالشبهه فی انتفاء الربا بین العبد وسیده مرتفعه .

وإنّما الکلام فی باقی المسائل التی ذکرناها ، فالأمر فیها مشکل .

والذی یقوی فی نفسی أن الربا محرّم بین الوالد وولده والزوج وزوجته والذمی والمسلم ، کتحریمه بین غریبین .

فأمّا الأخبار التی وردت و فی ظاهرها أنه لا رباء فی هذه المواضع ، إذا جاز العمل بها جاز أن نحملها علی تغلیظ تحریم الربا فی هذه المواضع ، کما قال اللّه تعالی : «فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِی الْحَجِّ»(1) ولم یرد أن الرفث فی غیر الحج لا یکون رفثاً ولا محرّماً ، وکذلک الفسوق ، وإنّما أراد بذلک تغلیظ تحریمه والنهی عنه .

ومن شأن أهل اللغه إذا أکدوا تحریم شیء أدخلوا فیه لفظ النفی ، لینبی ء عن تحقیق

التحریم وتأکیده وتغلیظه ، کما أنّ فی مقابله ذلک إذا أرادوا أن یؤکدوا ویغلظوا الإیجاب استعملوا فیه لفظ الخبر والإثبات ، کما قال اللّه تعالی : «وَمَن دَخَلَهُ کَانَ آمِناً»(2) وإنّما أکد بذلک وجوب أمانه ، وکان هذا القول آکد من أن یقول : فأمنوا من دخله ولا تخیفوه .

وکذلک قوله علیه السلام « العاریه مردوده ، والزعیم غارم »(3) وإنّما المراد به أنّه یجب ردّ العاریه ، وغرامه الزعیم الذی هو الضامن ، وأخرج الکلام مخرج الخبر للتأکید والتغلیظ ، فهذا فی باب الإیجاب نظیر ما ذکرنا فی باب الحظر والتحریم .

فإن قیل : فأیّ فائده فی تخصیص هذه المواضع نفی الربا فیها مع إراده التحریم والتغلیظ ، والربا محرّم بین کلِّ أحد وفی کلِّ أحد و فی کلِّ موضع .

قلنا : فی تخصیص هذه المواضع بالذکر ممّا یدلّ علی أن غیرها ممّا لم یذکر بخلافها . وهذا مذهب قد اختلف فیه أصحاب أصول الفقه ، والصحیح ما ذکرناه . ومع هذا فغیر ممتنع أن یکون للتخصیص فائده .

ص:99


1- (5) سوره البقره / 197 .
2- (1) سوره آل عمران / 97 .
3- (2) جامع الأصول 9 / 110 .

أما الوالد وولده والحرمه بینهما عظیمه متأکّده ، فما حظر بین غیرهما وقبح فی الشریعه ، فهو المحرّمه بینهما أقبح وأشدّ حظراً . وکذلک الزوج وزوجته ، فیکون لهذا المعنی وقع التخصیص للذکر .

وأما الذمی والمسلم فیمکن أن یکون وجه تخصیصهما هو أن الشریعه قد أباحت _ لفضل الإسلام وشرفه علی سائر الملل _ أن یرث المسلم الذمی والکافر وإن لم یرث الذمی المسلم . وثبت حق الشفعه للمسلم علی الذمی ، ولا یثبت حق الشفعه للمسلم علی الذمی ، فخص نفی الربا بالذمی والمسلم علی سبیل الحظر بظن ظاهر(1) ، فإنه یجوز للمسلم أن یأخذ من الذمی الفضل فی الموضع الذی یکون فیه ربا ، وإن لم یجز ذلک للذمی ، کما جاز فی المیراث والشفعه .

فإن قیل : فما الذی یدعو إلی الإنصراف عن ظواهر الأخبار المرویه فی نفی الربا بین الجماعه المذکوره إلی هذا التعسف من التأویل .

قلنا : ما عدلنا عن ظاهر إلی تأویل متعسف ، لأن لفظه النفی فی الشریعه إذا وردت فی مثل هذه المواضع التی ذکرناها ، لم یکن ظاهرها للإباحه دون التحریم والتغلیظ ، بل هی

محتمله لکلِّ واحد من الأمرین إحتمالاً واحداً ، ولا تعسف فی أحدهما .

ولم یبق إلاّ أن یقال : فإذا احتملت الأمرین فلم حملتموها علی أحدهما بغیر دلیل .

وها هنا دلیل یقتضی ما فعلناه ، وهو أن اللّه تعالی حرّم الربا فی آیات محکمات من الکتاب لا إشکال فیها ، فقال تعالی : «یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِیَ مِنَ الرِّبَا إِن کُنتُم مُّؤْمِنِینَ»(2) وقال : «لاَ تَأْکُلُواْ الرِّبَا»(3) وقال جلّ اسمه : «الَّذِینَ یَأْکُلُونَ الرِّبَا لاَ یَقُومُونَ إِلاَّ کَمَا یَقُومُ الَّذِی یَتَخَبَّطُهُ الشَّیْطَانُ مِنَ الْمَسِّ»(4) .

والأخبار الوارده عن رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم وعن ولده من الأئمه علیهم السلام فی تحریم الربا

ص:100


1- (3) کذا فی النسخه .
2- (1) سوره البقره / 287 .
3- (2) سوره آل عمران / 130 .
4- (3) سوره البقره / 275 .

وحظره ، والنهی عن أکله ، والوعید الشدید علی من خالف فیه أکثر من أن تحصی .

وقد علمنا أن لفظه « الربا» إنّما معناه الزیاده ، وقررت الشریعه فی هذه اللفظه أنها زیاده فی أجناس وأعیان مخصوصه . وخطاب اللّه تعالی وخطاب رسوله یجب حملهما علی العرف الشرعی دون اللغوی ، فیجب علی هذا أن یفهم من ظواهر الآیات والأخبار أن الربا الذی هو التفاضل فی الأجناس المخصوصه محرّم علی جمیع المخاطبین بالکتاب علی العموم ، فیدخل فی ذلک الولد والزوج والذمی مع المسلم ، وکلّ من أخذ وأعطی فضلاً .

فإذا أوردت أخبار تنفی الربا بین بعض من تناوله ذلک العموم ، حملنا النفی فیها علی ما ذکرناه بما یطابق تلک الآیات ویوافقها ، ولا یوجب تخصیصها وترک ظواهرها»(1) . انتهی کلامه فی المسائل الموصلیات الثانیه .

ولکنه قدس سره رجع عن هذا القول فی کتابه « الانتصار» وقال فیه : « وممّا انفردت به الإمامیه : القول بأنّه لا ربا بین الولد ووالده ولا بین الزوج وزوجته ، ولا بین الذمّی والمسلم ، ولا بین العبد ومولاه . وخالف باقی الفقهاء فی ذلک وأثبتوا الربا بین کلّ من عددناه(2) .

وقد کتبت قدیماً فی جواب مسائل وردت من الموصل تأوّلت الأخبار التی یرویها أصحابنا المتضمّنه لنفی الربا بین من ذکرناه علی أنّ المراد بذلک _ وإن کان بلفظ الخبر _ معنی الأمر ، کأنّه قال : یجب أن لا یقع بین من ذکرناه ربا ، کما قال تعالی : «وَمَن دَخَلَهُ کَانَ آمِناً»(3)، وکقوله تعالی : «فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِی الْحَجِّ»(4) ، وقوله علیه السلام : العاریه مردوده والزعیم غارم(5) . ومعنی ذلک کلّه معنی الأمر والنهی وإن کان بلفظ الخبر .

فأما العبد وسیّده فلا شبهه فی نفی الربا بینهما ، لأنّ العبد لا یملک شیئاً ، والمال الذی فی یده مال لسیّده ، ولا یدخل الربا بین الإنسان ونفسه ؛ ولهذا ذهب أصحابنا إلی أنّ العبد إذا کان

ص:101


1- (4) رسائل الشریف المرتضی 1 / (185 _ 181) .
2- (5) المجموع ، ج 9 ص 391 _ 392 .
3- (1) سوره آل عمران / 97 .
4- (2) سوره البقره / 197 .
5- (3) عوالی اللآلی / ج 1 ص 310 ح 21 .

لمولاه شریک فیه حرم الربا بینه وبینه .

واعتمدنا فی نصره هذا المذهب علی عموم ظاهر القرآن ، وأنّ اللّه تعالی حرّم الربا علی کلّ متعاقدین ، وقوله تعالی : «لاَ تَأْکُلُواْ الرِّبَا»(1) ، وهذا الظاهر یدخل تحته الوالد وولده والزوج والزوجه .

ثمّ لمّا تأمّلت ذلک رجعت عن هذا المذهب ؛ لأنّی وجدت أصحابنا مجمعین علی نفی الربا بین من ذکرناه ، وغیر مختلفین فیه فی وقت من الأوقات ، وإجماع هذه الطائفه قد ثبت أنّه حجّه ویخصّ بمثله ظواهر الکتاب ، والصحیح نفی الربا بین من ذکرناه .

وإذا کان الربا حکماً شرعیاً جاز أن یثبت فی موضع دون آخر ، کما یثبت فی جنس دون جنس وعلی وجه دون وجه ، فإذا دلّت الأدله علی تخصیص من ذکرناه وجب القول بموجب الدلیل .

وممّا یمکن أن یعارض ظواهره به من ظاهر الکتاب : أنّ اللّه تعالی قد أمر بالإحسان والإنعام ، مضافاً إلی ما دلّت علیه العقول من ذلک ، وحدّ الإحسان : إیصال النفع لا علی وجه الاستحقاق إلی الغیر مع القصد إلی کونه إحساناً ، ومعنی الإحسان ثابت فی من أخذ من غیره درهماً بدرهمین ؛ لأنّ من أعطی الکثیر بالقلیل وقصد به إلی نفعه به فهو محسن إلیه ، وإنّما أخرجنا من عدا من استثنیناه من الوالد وولده والزوج وزوجته بدلیل قاهر ترکنا له الظواهر . وهذا لیس مع المخالف فی المسائل التی خالفنا فیها .

فظاهر أمر اللّه تعالی بالإحسان فی القرآن فی مواضع کثیره کقوله تعالی : «وَأَحْسِن کَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَیْکَ»(2) ،

وقوله تعالی : «إِنَّ اللّهَ یَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ»(3) یعارض الآیات التی ظاهرها عامّ فی تحریم الربا ، فإذا قالوا تخصّص آیات الإحسان لأجل آیات الربا ، قلنا : ما الفرق بینکم وبین من خصّص آیات الربا لعموم آیات الأمر بالإحسان ؟ وهذه طریقه إذا سلکت کانت

ص:102


1- (4) سوره آل عمران / 130 .
2- (5) سوره القصص / 77 .
3- (1) سوره النحل / 90 .

قویّه »(1) .

أقول : الشریف المرتضی لم ینقض الإجماع بل رجع قدس سره إلی الإجماع ، ورجوعه بواسطه الإجماع یؤید ویؤکد الإجماع ، قال العلامه المؤسس الحائری قدس سره فی هذا المجال وفی ردّ استدلال المرتضی قدس سره فی الموصلیات : « ولا یخفی أنّ کلامه قدس سره هذا ممّا یؤکّد ما ا شتهر من نفی تحریم الربا بین المذکورین غایه التأکید ، لکونه فی ذلک العصر من المسلمات التی لم یمکن السید الفتوی بخلافها . هذا مضافاً إلی إمکان استفاده ذلک من نفس هذا الترکیب مع قطع النظر عن هذا أیضاً ، فإنّ ما ذکره السید من کون المراد نفی موضوع الربا المقصود به نفی جوازه وإباحته - کما فی نفی الضرر فی الحدیث والرفث والفسوق فی الآیه - وإن کان حقّاً لکنّه لیس مطّرداً فی هذا الترکیب ، وإنّما المُسَلَّم منه ما إذا کان سوقه ابتداءً بلا سابقه تشریع حکم فی الموضوع الذی وقع تلو النفی کما فی نفی الضرر ، فإنّ المنساق من نفی الموضوع حینئذ نفی إباحته وتشریع جوازه ، وأمّا إذا کان مسبوقاً بأحد الأحکام الخمسه وبعد تشریع الحکم فیه علی سبیل الکلیه ثمّ سیق هذا الترکیب فی بعض الأصناف ، فالمنساق منه حینئذٍ هو نفی ذلک الحکم المجعول فیه علی وجه الکلیه کما فی الربا ، فإنّ حرمته ضروریه بین المسلمین ، ونادی بتحریمه الکتاب العزیز ، فبعد هذا لو ورد « لا ربا بین الرجل وولده » الخ ، فلا شبهه أنّ أظهر الآثار الثابته للربا فی الأذهان هو التحریم ، فیرجع النفی إلیه ، فیکون المقصود جوازه بین المذکورین .

أمّا آیه : «فَلاَ رَفَثَ» الآیه ، حیث أنّه مع سبق الحکم بتحریم الفسوق والجدال حکمنا بأنّ المراد به نفی الجواز لا نفی التحریم ، فلشهاده قرینه المقام علی ذلک حیث لا یتبادر إلی ذهن أحد أن یکون حال الحج أسوأ من سائر الأحوال »(2) .

والحاصل ، الإجماع قائم علی کلّیه هذه المسائل الأربع من نفی الربا وعدم حرمته بین هؤلاء المذکورین ، وأمّا جزئیاتها فتأتی فی ضمن البحث عن هذه المسائل منفرداً إن شاء اللّه تعالی .

ص:103


1- (2) الانتصار / (443 _ 441) ، طبع جماعه المدرسین عام 1415 .
2- (3) المکاسب المحرمه / 41 لشیخنا آیه اللّه الشیخ محمد علی الأراکی قدس سره .

الف : لا ربا بین الوالد وولده

یدلّ علی عدم حرمه الربا بین الوالد وولده - بعد الإجماع الذی قد مرّ ذکره - بعض الروایات :

منها : حسنه زراره عن أبی جعفر علیه السلام قال : لیس بین الرجل وولده ، وبینه وبین عبده ، ولا بین أهله ربا ، إنّما الربا فیما بینک وبین ما لا تملک ، الحدیث(1) .

رجال السند کلهم ثقات إلاّ یاسین الضریر وهو فی أول درجات الحسن ، فالروایه به حسنه سنداً ، فالتعبیر بالصحیح عن سندها کما عن الجواهر(2) فی الموضعین عجیب . وأمّا دلالتها فواضحه .

ومنها : حسنه زراره ومحمد بن مسلم عن أبی جعفر علیه السلام قال : لیس بین الرجل وولده ولا بینه وبین عبده ولا بین أهله ربا ، إنّما الربا فی ما بینک وبین ما لا تملک ، الحدیث(3) .

الروایه من حیث السند حسنه بیاسین الضریر ، وأمّا دلالتها فواضحه . ویمکن إتحادها مع الروایه الماضیه ، أعنی حسنه زراره .

ومنها : خبر عمرو بن جمیع عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : قال أمیر المؤمنین علیه السلام : لیس بین الرجل وولده ربا ، ولیس بین السید وعبده ربا(4) .

أمّا رجال السند فحمید بن زیاد النینوانی موثَّق ، والخشاب لقب لثلاثه أشخاص : أوّلهم : الحسن بن موسی الخشاب وهو حسنٌ ، وثانیهم : عمران بن موسی الخشاب وهو مهمل ، وثالثهم : حجاج بن رفاعه الخشاب وهو ثقه ، ولعلّ الأظهر فی المقام أنّ المراد به هو الأوّل . والمراد بابن بقاح هو الحسن بن علی بن بقاح الثقه . ومعاذ بن ثابت حسنٌ ولکن عمرو بن جمیع الراوی الأخیر ضعیف ، فالروایه به ضعیفه الإسناد . ولکن دلالتها واضحه .

ومنها : ما فی الفقه الرضوی : لیس بین الوالد وولده ربا ،ولا بین الزوج والمرأه ربا ،

ص:104


1- (1) وسائل الشیعه 18 / 135 ح 3 . الباب 7 من أبواب الربا .
2- (2) الجواهر 23 / 379 و 381 .
3- (3) التهذیب 7 / 17 ح 75 ونقل عنه فی وسائل الشیعه 18 / 136 ح 4 .
4- (4) وسائل الشیعه 18 / 135 ح 1 .

ولا بین المولی والعبد ، ولا بین المسلم والذمی(1) .

وذکر الصدوق مثلها فی المقنع(2) .

هذه الروایات الواضحه بعد الإجماع تدلّ علی جواز أخذ الربا بین الوالد وولده .

ثم یجوز أخذ الزیاده لکلِّ منهما ، لإطلاق الروایات الوراده ، وأفتی به فی السرائر(3) والشرائع(4) والتذکره(5) والتحریر(6) والنهایه(7) والدروس(8) وإیضاح النافع(9) والمسالک(10) والروضه(11) وغیرها(12) ، وفی المفاتیح(13) والریاض(14) أنّه لا خلاف فیه إلاّ من الإسکافی(15) حیث خصّ الزیاده بالولد دون الوالد ویشترط أن لا یکون للوالد وارث ولا علیه دین ، وهو شاذ کما قاله جماعه ، وزاد فی الحدائق(16) : « وأقواله غالباً لا تخرج عن مذهب العامه » . کما

ص:105


1- (5) الفقه المنسوب إلی الرضا علیه السلام / 285 ونقل عنه فی مستدرک الوسائل 13 / 339 ح 1 وجامع أحادیث الشیعه 23 / 208 ح 3 .
2- (6) المقنع / 126 .
3- (1) السرائر 2 / 252 .
4- (2) شرائع الاسلام 2 / 40 .
5- (3) تذکره الفقهاء 10 / 207 المسأله 105 .
6- (4) تحریر الأحکام الشرعیه 2 / 312 . الخامس .
7- (5) نهایه الأحکام 2 / 553 .
8- (6) الدروس 3 / 299 _ یُستفاد من إطلاق کلامه علیه السلام .
9- (7) إیضاح النافع / للفاضل القطیفی ونقل عنه فی مفتاح الکرامه 4 / 529 _ (14 / 98) .
10- (8) مسالک الأفهام 3 / 327 .
11- (9) الروضه البهیه 3 / 445 .
12- (10) کالمهذب 1 / 372 والکفایه 1 / 501 .
13- (11) مفاتیح الشرائع 3 / 63 .
14- (12) ریاض المسائل 8 / 433 .
15- (13) نقل عنه العلامه فی المختلف 5 / 79 .
16- (14) الحدائق 19 / 260 .

قاله السید العاملی فی مفتاح الکرامه(1) .

وقال الوحید البهبهانی فی حاشیته علی مجمع الفائده والبرهان بالنسبه إلی تفصیل ابن الجنید الإسکافی : « وهذا غریب بالنظر إلی الأخبار»(2) .

ولا فرق هنا فی إطلاق الولد بین الذکر والاُنثی کما قال العلامه فی تذکره الفقهاء : « ولا فرق بین الولد الذکر والاُنثی ، لشمول اسم الولد لهما »(3) . وقال المحقق الثانی : « ولا فرق فی الولد بین الذکر والاُنثی لشمول الاسم »(4) .

وهکذا لا فرق بین الولد وولد الولد وإن نزل کما یشمله لفظ « الولد » وإطلاقه ، والعمل بالعموم والحکم بثبوت الربا بعد ورود المخصص بلا وجه وإطلاق « الولد » علی ولد الولد لیس بمجاز ، بل یُطلق علیه حقیقه . فالصحیح فی المقام ما ذهب إلیه الشهید قدس سره فی الدروس(5) من الحکم بعدم ثبوت الربا بین الجد وولد الولد . ولا یتم ما ذهب إلیه ثانی الشهیدین(6) من ثبوت الربا بین الجد وولد الولد .

نعم ، الحکم یختص بالولد النسبی ، فلا یجری فی حقّ الولد الرضاعی ، لأنّه لیس بولد حقیقه ، کما أنّه یختص بالأب فلا یجری فی حقِّ الأُمّ ، کما هو واضح .

وأمّا ولد الزنا فهل یثبت هذا الحکم بینه وبین مَن له مِن نطفته أم لا ؟ الظاهر بعد الحکم بأنّ ولد الزناً أیضاً ولد فی الحقیقه فلذا لا یجوز له نکاحها لو کانت بنتاً ، إلاّ أنّ النسب منقطع فی الإرث فقط ، وأمّا فی غیر الإرث بالنسبه إلیهما جمیع أحکام النسب باقیه ، فیجری الحکم بالجواز بالنسبه إلیهما .

ص:106


1- (15) مفتاح الکرامه 4 / 529 _ (14 / 96) .
2- (16) حاشیه مجمع الفائده والبرهان / 295 .
3- (17) تذکره الفقهاء 10 / 209 .
4- (18) جامع المقاصد 4 / 280 .
5- (1) الدروس 3 / 299 .
6- (2) حاشیه الإرشاد / 184 وفی المطبوعه ضمن غایه المراد فی شرح نکت الارشاد للشهید الأوّل 2 / 124 .

ب : لا ربا بین السید وعبده

تدلّ علی عدم ثبوت الربا بین السید ومملوکه بعد الإجماع ، بعضُ الروایات :

منها : صحیحه علی بن جعفر أنّه سأل أخاه موسی بن جعفر علیه السلام عن رجل أعطی عبده عشره دراهم علی أن یؤدی العبد کلّ شهر عشره دراهم ، أیحلّ ذلک ؟ قال : لا بأس(1) .

وسند الشیخ إلی هذه الروایه حسن ببنان بن محمد بن عیسی .

ومنها : حسنه زراره(2) وحسنه زراره ومحمد بن مسلم(3) وخبر عمرو بن جمیع(4) المذکوره فیما سبق .

وهذه الروایات وفیها صحیحه السند تدلّ علی عدم ثبوت حکم الربا بین السید وعبده وجواز أخذ السید الزیاده من عبده ، وهذا الحکم بناءً علی القول بأنّ العبد لا یملک واضح وبناءً علی ثبوت ملکیه العبد أیضاً تدلّ علیه الروایات ومنها الصحیحه ، فلا وجه

لمناقشه الأردبیلی حیث قال : « وأمّا علی القول الآخر [ یعنی مالکیه العبد ] فلا یظهر ، إذ الروایه غیر صحیحه ولا نعرف غیرها ، إلاّ أن یدعی الإجماع فیقتصر علی موضعه وهو القن الخاص ، لا المکاتب مطلقاً ولا المشترک کما تشعر به الروایه المتقدمه »(5) .

وفیه : بعد ورود صحیحه علی بن جعفر وغیرها من الروایات تمَّ ما ذکرناه ولا یصح قوله قدس سره : « إذ الروایه غیر صحیحه» ، ولعلّه غفل عنها . وسبحان من لا یسهو .

نعم ، یثبت الربا بین السید وعبده المشترک بینه وبین غیره ، کما تدلّ علیه حسنه زراره ومحمد بن مسلم عن أبی جعفر علیه السلام قال : لیس بین الرجل وولده ولابینه وبین عبده ولا بین أهله ربا ، إنّما الربا فی ما بینک وبین ما لا تملک . قلت : فالمشرکون بینی وبینهم رباً ؟ قال : نعم ،

ص:107


1- (3) وسائل الشیعه 18 / 136 ح 6 _ وأورد تمامها فی وسائل الشیعه 18 / 308 ح 12 . الباب 11 من أبواب السلف .
2- (4) وسائل الشیعه 18 / 135 ح 3 .
3- (5) وسائل الشیعه 18 / 136 ح 4 .
4- (6) وسائل الشیعه 18 135 ح 1 .
5- (1) مجمع الفائده والبرهان 8 / 489 .

قلت : فإنّهم ممالیک ؟ فقال : إنّک لست تملکهم ، إنّما تملکهم مع غیرک ، أنت وغیرک فیهم سواء ، والذی بینک وبینهم لیس من ذلک ، لأنّ عبدک لیس مثل عبدک وعبد غیرک(1) .

ونحوها حسنه زراره(2) .

وعلی هذا العبد المشترک لا یجوز أخذ الربا منه ، وبه صرح العلامه فی القواعد(3) وتذکره الفقهاء(4) وتحریر الأحکام(5) ونهایه الإحکام(6) ومختلف الشیعه(7) والشهید فی الدروس(8) والفاضل المقداد فی التنقیح(9) والمحقق الثانی فی جامع المقاصد(10) والقطیفی فی إیضاح النافع(11) والشهید الثانی فی المسالک(12) والسید الطباطبائی فی الریاض(13) والسید العاملی فی مفتاح الکرامه(14) .

خلافاً لصاحب الجواهر حیث قال : « العبد المشترک بین المالکین الذی یمکن القول فیه بحلیّه الربا فیه بالنسبه إلی کلِّ من مولییه »(15) وقال فی توجیه حسنه الماضیه : « علی أنّ الخبر

ص:108


1- (2) التهذیب 7 / 17 ح 75 .
2- (3) وسائل الشیعه 18 / 135 ح 3 .
3- (4) قواعد الأحکام 2 / 63 .
4- (5) تذکره الفقهاء 10 / 209 .
5- (6) تحریر الأحکام 2 / 312 . الرابع .
6- (7) نهایه الإحکام 2 / 554 .
7- (8) مختلف الشیعه 5 / 83 .
8- (9) الدروس 3 / 299 .
9- (10) التنقیح الرائع 2 / 93 .
10- (11) جامع المقاصد 4 / 280 .
11- (12) إیضاح النافع ، کما نقل عنه العاملی فی مفتاح الکرامه 4 / 530 _ (14 / 100) .
12- (13) مسالک الإفهام 3 / 328 .
13- (14) ریاض المسائل 8 / 433 .
14- (15) مفتاح الکرامه 4 / 530 _ (14 / 99) .
15- (1) الجواهر 23 / 381 .

المزبور مع احتمال العلّه فیه إقناعیّه لما تسمع فی المشترک الجزئی ، ظاهر فی نحو المشترک الجنسی الذی هو بین المسلمین ، لا مثل المشترک بین شخصین مثلاً»(1) .

ولکن الصحیح مذهب المشهور من ثبوت الربابین العبد المشترک ومالکیه لحسنه زراره ومحمد بن مسلم الماضیه ، وما ذکره صاحب الجواهر فی توجیهها غیر ظاهر .

وأمّا العبد المبعّض الذی بعضه رقّ وبعضه حرّ أیضاً ملحق بالمشترک ، فلا یجوز أخذ الربا منه ، خلافاً لما مال إلیه صاحب الجواهر(2) .

وأمّا القنّ والمدبَّر وأم الولد والمکاتب بقسمیه(3) فیدخل فی الاستثناء من حکم الربا ،فیجوز أخذ الربا منهم ، إلاّ إذا دخل الآخر فی المبعّض ، فیجری فیه حکمه .

وهکذا لا فرق بین کون المالک رجلاً أو امرأه کما هو الظاهر من « لفظ السید » الوارد فی الحسنه . و « الرجل » الوارد فی صحیحه علی بن جعفر لا یختص الحکم به . وذهب إلی ما ذکرناه الفقیه الیزدی فی عروته ، ولکن قال : « وإن کان الأحوط الاقتصار علی الأوّل»(4) . ولا وجه لهذا الإحتیاط إلاّ حسنه الذاتی وأنّه حسن علی کلِّ حالٍ وطریق النجاه ، أو التمسک بصحیحه علی بن جعفر الماضیه .

ج : لا ربا بین الرجل وزوجته

تدلّ علیه بعد الإجماع حسنه زراره(5) وحسنه زراره ومحمد بن مسلم(6) ومرسله

ص:109


1- (2) الجواهر 23 / 381 .
2- (3) الجواهر 23 / 381 .
3- (4) قال المحقق فی الشرائع : « الکتابه قسمان : مشروطه ومطلقه ، المطلقه أن یقتصر علی العقد وذکر الأجل والعوض والنیّه ، والمشترطه : أن یقول مع ذلک « فإن عجزت فأنت رُدُّ فی الرق » ، فمتی عجز کان للمولی ردّه رقاً ولا یعید علیه ما أخذ» . شرائع الاسلام 3 / 96 .
4- (5) العروه الوثقی 6 / 72 المسأله 52 .
5- (6) وسائل الشیعه 18 / 135 ح 3 .
6- (7) وسائل الشیعه 18 / 136 ح 4 .

الصدوق(1) السابقه الذکر ، علی أنّ المراد بالأهل فی الأوّلتین الزوجه کما هو الظاهر .

ولا فرق فی الزوجه بین المعقوده بالعقد الدائم والموقت لصدق الزوجیه والأهلیه فی زمان العقد . وذهب إلیه الشهید فی الدروس(2) واللمعه(3) والمحقق الثانی فی جامع المقاصد(4) والشهید الثانی فی المسالک(5) والروضه(6) . وصاحبا الجواهر(7) والعروه(8) .

وأمّا العلامه الحلی فی التذکره(9) فذهب إلی ثبوت الربا بین الرجل وبین زوجته بالعقد المنقطع ، وتبعه الأردبیلی فی مجمع الفائده(10) والسید الطباطبائی فی الریاض(11) مع اعترافه بأنّ أکثر الأصحاب عمّموا الزوجه للمنقطع(12) ، والسید العاملی فی مفتاح الکرامه(13) .

والحق هو الإلحاق والظهور کما مرّ منّا .

نعم ، الأمر مشکل بالنسبه إلی المتمتع بها إذا کان زمانها قلیلاً ، نحو ساعه أو ساعتین ویوم أو یومین ، لا لعدم صدق الزوجه علیها فی زمان العقد ، بل لعدم صدق عنوان الأهل المأخوذ فی الحسنتین الماضیتین . فلذا الأمر بالنسبه إلیها مشکل ، ولیس للإجماع إطلاق حتّی

ص:110


1- (8) وسائل الشیعه 18 / 136 ح 5 .
2- (1) الدروس 3 / 299 .
3- (2) اللمعه / 193 .
4- (3) جامع المقاصد 4 / 280 .
5- (4) مسالک الأفهام 3 / 327 .
6- (5) الروضه البهیه 3 / 439 .
7- (6) الجواهر 23 / 381 .
8- (7) العروه الوثقی 6 / 73 المسأله 53 .
9- (8) تذکره الفقهاء 10 / 209 .
10- (9) مجمع الفائده والبرهان 8 / 490 .
11- (10) ریاض المسائل 8 / 434 .
12- (11) ریاض المسائل 8 / 435 .
13- (12) مفتاح الکرامه 4 / 531 _ (14 / 102) .

یشمل المقام ، فحینئذ یجری دلیل حرمه الربا فیها ، والإحتیاط أیضاً یقتضی الترک .

وأمّا المطلّقه الرجعیّه فهنا فی حکم الأجنبیّه ، إذ یمنع صدق الأهل علیها ، فلا یلحقها حکم الجواز . کما فی الجواهر(1) والعروه(2) .

ثم یجوز أخذ الزیاده لکلِّ واحد منهما من صاحبه ، کما اعترف به العلامه فی تذکره الفقهاء(3) .

د : یجوز الربا بین المسلم والحربی إذا أخذه المسلم

تدلّ علیه بعد الإجماع(4) عدّه من الروایات :

منها : خبر عمرو بن جمیع عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : قال رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم : لیس بیننا وبین أهل حربنا ربا ، نأخذ منهم ألف درهم بدرهم ونأخذ منهم ولا نعطیهم(5) .

الروایه رواها المشایخ الثلاثه(6) وفی سندها ضعف بعمرو بن جمیع ، ولکن الشهره علی طبقها وجابر لضعف سندها کما قال صاحب الجواهر : « والضعف غیر قادح بعد الإنجبار »(7) .

ودلالتها علی جواز أخذ الربا من الحربی وعدم جواز إعطائها واضحه .

ویمکن المناقشه فی الإنجبار بأنّ من الممکن أن یکون استناد المشهور بالإجماع أو بأن الحکم علی طبق القاعده ، فلا یحرز استنادهم بالروایه .

ومنها : مرسله الصدوق قال : قال الصادق علیه السلام : لیس بین المسلم وبین الذمی ربا ، ولا بین المرأه وبین زوجها رباً(8) .

ص:111


1- (13) الجواهر 23 / 382 .
2- (14) العروه الوثقی 6 / 73 .
3- (15) تذکره الفقهاء 10 / 207 .
4- (1) المذکور فی مفتاح الکرامه 4 / 531 (14 / 102) و الجواهر 23 / 382 .
5- (2) وسائل الشیعه 18 / 135 ح 2 .
6- (3) الکافی 5 / 147 ح 2 _ الفقیه 3 / 277 ح 4000 _ التهذیب 7 / 18 ح 77 .
7- (4) الجواهر 23 / 382 .
8- (5) الفقیه 3 / 287 ح 4002 ونقل عنه فی وسائل الشیعه 18 / 136 ح 5 .

بناءً علی حملها علی الذمی الذی خرج من شرائط الذمه کما حملها العلامه فی المختلف(1) ، وقال فی الریاض : « حمل الأصحاب المرسله علی خروج الذمی عن شرائط الذمه »(2) فلذا تدلّ علی جواز أخذ الربا بین المسلم والحربی ، لأنّ الذمی إذا خرج من شرائط الذمه ولم یف بها صار حربیّاً . مضافاً إلی أنّ أخذ الربا من الذمی إذا کان جائزاً بطریق أولی تدلّ علی جواز أخذه من الحربی حتّی إذا لم تحمل المرسله علی ما حملها الأصحاب .

ومنها : ما فی کتابی الفقه الرضوی والمقنع : لیس بین الوالد وولده ربا ولا بین الزوج والمرأه ربا ، ولا بین المولی والعبد ، ولا بین المسلم الذمی(3) .

بالتقریب الذی مرّ فی الروایه السابقه .

فحینئذٍ یجوز للمسلم أخذ الربا من الحربی ، ولکن لا یجوز إعطاؤه أیّاه ، کما یدلّ علیه

خبر عمرو بن جمیع وعلیه المشهور بل الإجماع ، بلا فرق فی ذلک بین دار الإسلام ودار الحرب ، لإطلاق الخبر وصریح فتوی المشهور .

ویؤیّد هذا الإستثناء من حرمه الربا ، عدم حرمه مال الحربی کعرضه ودمه ، فلذا یجوز للمسلم استنقاذ ماله بأیِّ وجهٍ یمکن ذلک ، ومنها : أخذ الربا منه .

وأمّا أخذ المسلم الربا من الذمی هل یجوز أم لا ؟ ذهب إلی جوازه والد الصدوق(4) وولده(5) والمفید(6) والمرتضی وادعی علیه الإجماع(7) والقطیفی(8) ، وإلی عدم جوازه

ص:112


1- (6) مختلف الشیعه 5 / 82 .
2- (7) ریاض المسائل 8 / 435 .
3- (8) الفقه الرضوی / 285 والمقنع / 126 ونقلا عنهما فی مستدرک الوسائل 13 / 339 ح 1 وجامع أحادیث الشیعه 23 / 208 ح 3 .
4- (1) نقل عنه العلامه فی مختلف الشیعه 5 / 81 .
5- (2) المقنع / 126 .
6- (3) نقل عنه ابن إدریس فی السرائر 2 / 252 والعلامه فی المختلف 5 / 81 ، ولکن قال السید العاملی فی مفتاح الکرامه 4 / 532 (14 / 108) : « ولم أجد له ذکراً فی المقنعه » .
7- (4) الانتصار / 442 .
8- (5) إیضاح النافع / مخطوط ونقل عنه فی مفتاح الکرامه 4 / 532 (14 / 108) .

المشهور(1) .

والصحیح ما ذهب إلیه المشهور من ثبوت الربا بین المسلم والذمی ، لما مرّ من حمل مرسله الصدوق وعبارتی الفقه الرضوی والمقنع علی الذمی الذی خرج من شرائط الذمه وبخروجه منها صار حربیّاً .

مضافاً إلی ورود إطلاقات حرمه الربا ، وتدلّ علی ثبوت الربا بینهما :

حسنه زراره عن أبی جعفر علیه السلام قال : لیس بین الرجل وولده وبین عبده ولا بین أهله ربا ، إنّما الربا فیما بینک وبین ما لا تملک .

قلت : فالمشرکون بینی وبینهم ربا ؟ قال : نعم . قال : قلت : فإنّهم ممالیک ، فقال : إنّک لست تملکهم إنّما تملکهم مع غیرک ، أنت وغیرک فیهم سواء ، فالذی بینک وبینهم لیس من ذلک ، لأنّ عبدک لیس مثل عبدک وعبد غیرک(2) .

ومثلها حسنه زراره ومحمد بن مسلم عنه علیه السلام (3) .

الروایتان من حیث السند حسنتان کما مرّ منّا سابقاً ، وأمّا دلالتهما علی حرمه أخذ الربا من المشرکین واضحه والقدر المتیقّن منهم أهل الذمه ، فلا یجوز أخذ الربا من أهل الذمه

کما علیه المشهور .

وأمّا المُعاهَد هل یلحق بالحربی أم بالذمی ؟ قال بإلحاقه بالحربی العلاّمه فی التذکره(4) والمحقق الکرکی فی جامع المقاصد(5) والشهید الثانی فی المسالک(6) والسید العاملی فی مفتاح

ص:113


1- (6) مسالک الأفهام 3 / 328 ومفتاح الکرامه 4 / 532 (14 / 105) وریاض المسائل 8 / 435 والجواهر 23 / 383 .
2- (7) وسائل الشیعه 18 / 135 ح 3 .
3- (8) وسائل الشیعه 18 / 136 ح 4 .
4- (1) تذکره الفقهاء 10 / 208 .
5- (2) جامع المقاصد 4 / 281 .
6- (3) مسالک الأفهام 3 / 328 .

الکرامه(1) وصاحبا الجواهر(2) والعروه(3) .

ولکن المحقق الأردبیلی قال بعدم إلحاقه بالحربی وثبوت الربا بین المسلم والمعاهد فی مجمع الفائده والبرهان(4) .

واستدلّ العلامه لإلحاق المعاهد بالحربی بقوله : « لأنّه (أی المعاهد) فی الحقیقه فیء للمسلمین وقد بذل ماله بإذنه للمسلم ، فجاز له أخذه منه حیث أزال أمانه عنه ببذله له »(5) .

وقال المحقق الثانی فی تقریب هذا الاستدلال : « ولا فرق بین کونه معاهداً أم لا ، لأنّ الحربی فیءٌ لنا ، وأمانه وإن منع من أخذ ماله بغیر حقٍّ ، إلاّ أنّه إذا رضی بدفع الفضل انتقض أمانه فیه ، نبّه علیه فی التذکره »(6) .

أقول : هذا الاستدلال من العلمین تام ، مضافاً إلی أنّ إطلاق الحربی یشمل المعاهد ، فیجوز أخذ الربا منه ولا مانع من أخذ ماله بعد رضایته به .

وحیث کان أهل الکتاب الموجودون الیوم بین المسلمین لیسوا من أهل الذمه - لعدم وجود عقد ذمه بینهم وبین المسلمین وعدم مراعاتهم شرائط الذمه - فإنّهم معاهدون ، فیجوز أخذ الربا منهم ولا یجوز إعطاؤهم الربا .

نعم ، دماؤهم وأعراضهم وأموالهم محترمه بالعهد والأمان . واللّه سبحانه هو العالم .

هذا تمام الکلام فی مستثنیات الربا ، والحمد للّه ربّ العالمین .

الثالث : یجوز بیع درهم ودینار ، بدینارین ودرهمین

هذه إحدی الحیل للفرار من الربا ، ولکن هل یختص ببیع الصرف أو یمکن التعدی منه

إلی غیره ؟

ص:114


1- (4) مفتاح الکرامه 4 / 531 _ (14 / 109) .
2- (5) الجواهر 23 / 382 .
3- (6) العروه الوثقی 6 / 73 .
4- (7) مجمع الفائده والبرهان 8 / 490 .
5- (8) تذکره الفقهاء 10 / 209 .
6- (9) جامع المقاصد 4 / 281 .

ظاهر بعض الروایات اختصاصها بالصرف ، ولکن الأصحاب قدس سرهم تعدوا منه إلی غیر النقدین من الأجناس الربویه .

قال المحقق : « یجوز بیع درهم ودینار بدینارین ودرهمین ویُصرف کلّ واحد منهما إلی غیر جنسه ، وکذا لو جعل بدل الدینار أو الدرهم شیء من المتاع وکذا مُدَّ من تمرٍ ودرهمٍ بمدّین أو أمدادٍ ودرهمین أو دراهم »(1) .

وقال تلمیذه العلامه فی القواعد : « لو اشتمل أحد العوضین علی جنسین ربویین صح بیعهما بأحدهما مع الزیاده ، کمُدّ تمرٍ ودرهمٍ بمدّین ، أو بدرهمین ، أو بمدّین ودرهمین »(2) .

وقال فی التذکره : « یجوز بیع الجنسین المختلفین بأحدهما إذا زاد علی ما فی المجموع من جنسه بحیث تکون الزیاده فی مقابله المخالف ، وذلک کمُدّ عَجْوَهٍ(3) ودرهم بمُدَّیْ عجوه أو بدرهمین أو بمُدَّیْ عجوه ودرهمین ، عند علمائنا أجمع _ وبه قال ابو حنیفه _ حتّی لو باع دیناراً فی خریطه بمائه دینار جاز ، لنا : الأصل السالم عن معارضه الربا ، لأنّ الربا هو بیع أحد المثلین بأزید منه من الآخر والمبیع هنا المجموع وهو مخالف لأفراده ، وما رواه» _ ثمّ ذکر بعض الروایات الوراده فی المقام واستدل علی الجواز ثم قال : « وقال الشافعی : لا یجوز ذلک کلّه ، وبه قال أحمد لأنَّ ... »(4) .

وقال المحقق الثانی فی شرح قول العلاّمه فی القواعد : « لا یخفی أن قوله : (صح بیعهما بأحدهما مع الزیاده) لا یتناول بیعهما بالجنسین معاً ، إلاّ إذا جعلنا الزیاده بحیث تتناول الجنس الآخر ، وهذا الحکم بإجماعنا ، ومنعه بعض العامه لحصول التفاوت»(5) .

وقال الشهید الثانی فی ذیل قول المحقق : « هذا الحکم موضع وفاق بین أصحابنا ، وخالف فیه الشافعی محتجّاً بحصول التفاوت عند المقابله علی بعض الوجوه ، کما لو بیع مدّ

ص:115


1- (1) الشرائع 2 / 41 .
2- (2) القواعد 2 / 62 .
3- (3) العَجْوَهُ والعُجَاوَه : التمرُ المحشِیُّ فی وعائه .
4- (4) تذکره الفقهاء 10 / 181 و 182 مسأله 92 .
5- (5) جامع المقاصد 4 / 274 .

ودرهم بمدّین ، والدرهم ثمن لمدّ ونصف بحسب القیمه الحاضره ، وجوابه أنّ الزیاده حینئذ بمقتضی التقسیط لا البیع ، فإنّه إنّما وقع علی المجموع بالمجموع »(1) .

وقال الأردبیلی : « ومستند الإجماع عموم أدله الجواز مع عدم تحقق الربا ، لأنّه إنّما یکون فی بیع أحد المتجانسین المقدَّرین بالکیل أو الوزن ، متفاضلین أو نسیئه بالآخر ، وهنا لیس کذلک ، لأنّ المرکب من الجنسین لیس بجنس واحد ، وهو ظاهر .

ولاحتمال أن یکون المقابل للمجانس ما یساویه قدراً من جنسه ویبقی الباقی فی مقابل غیر المجانس وإن کان أضعاف ذلک فلا یحصل الربا ، وهو ظاهر . وبالجمله : الأمر إذا احتمل الصحه محمول علیها ... »(2) .

قال السید العاملی فی مفتاح الکرامه فی شرح کلام العلامه فی القواعد : « قد نص علی جواز ذلک المبسوط(3) والخلاف(4) والغنیه(5) والسرائر(6) والشرائع(7) والنافع(8) والتحریر(9) والتذکره(10) والإرشاد(11) ونهایه الإحکام(12) وکنز الفوائد(13) والإیضاح(14)

ص:117


1- (6) مسالک الافهام 3 / 330 .
2- (1) مجمع الفائده والبرهان 8 / 487 .
3- (2) المبسوط 2 / 92 .
4- (3) الخلاف 3 / 61 .
5- (4) غنیه النزوع / 225 .
6- (5) السرائر 2 / 264 .
7- (6) شرائع الإسلام 2 / 41 .
8- (7) المختصر النافع / 128 .
9- (8) تحریر الأحکام الشرعیه 2 / 310 .
10- (9) تذکره الفقهاء 10 / 181 .
11- (10) إرشاد الأذهان 1 / 379 .
12- (11) نهایه الإحکام 2 / 548 .
13- (12) کنز الفوائد 1 / 442 .
14- (13) ایضاح الفوائد 1 / 487 .

والدروس(1) واللمعه(2) وحواشی الشهید وکفایه الطالبین(3) وجامع المقاصد(4) وحاشیه الارشاد(5) والمیسیه والروضه(6) والمسالک(7) ومجمع البرهان(8) والکفایه(9) والمفاتیح(10) ، وقد

حکی علیه الإجماع فی الخلاف والغنیه والتذکره وجامع المقاصد وحاشیه الارشاد والمسالک وظاهر نهایه الإحکام والإیضاح وکنز الفوائد ، مضافاً إلی الأصل والعمومات و ... »(11) .

وقال فی الجواهر : « إذهو وإن لم یکن فی کلٍّ منهما جنس یخالف الآخر ، إلاّ أنّ الزیاده تکون فی مقابل الجنس المخالف فی أحدهما ، فهو فی الصحه حینئذ کذی الجنسین . ولا خلاف بیننا فی الجمیع ، بل الإجماع بقسمیه علیه ، بل المحکی منه مستفیض جداً إن لم یکن متواتراً ، مضافاً إلی الأصل والعمومات و ... »(12) .

أقول : فالحکم عندنا إجماعی ولم یخالف فیه أحد من أصحابنا ، وبه قال أبو حنیفه(13) کما مرّ

ص:117


1- (14) الدروس 3 / 298 .
2- (15) اللمعه / 126 .
3- (16) کفایه الطالبین / 37 .
4- (17) جامع المقاصد 4 / 274 .
5- (18) حاشیه إرشاد الاذهان المطبوعه ضمن حیاه المحقق الکرکی وآثاره 9 / 411 .
6- (19) الروضه البهیه 3 / 441 .
7- (20) المسالک 3 / 330 .
8- (21) مجمع الفائده والبرهان 8 / 486 .
9- (22) الکفایه 1 / 501 .
10- (23) مفاتیح الشرائع 3 / 63 .
11- (1) مفتاح الکرامه 4 / 521 و 522 _ (14 / 72 _ 70) .
12- (2) الجواهر 23 / 391 .
13- (3) حلیه العلماء 4 / 170 والحاوی الکبیر 5 / 113 والتهذیب للبغوی 3 / 347 .

قوله عن العلامه فی التذکره(1) ، وخالف فیه أحمد والشافعی(2) کما مرّ خلاف الشافعی عن ثانی الشهیدین فی المسالک(3) وخلافهما عن العلامه فی التذکره(4) .

وتدلّ علی الحکم - مضافاً إلی الإجماع والأصل وعمومات صحه البیع - النصوص المستفیضهُ :

منها : موثقه أبی بصیر قال : سألته عن السیف المفضَّض یباع بالدراهم ؟ فقال : إذا کانت فضته أقل من النقد فلا بأس ، وإن کانت أکثر فلا یصلح(5) .

ومنها : صحیحه أبی بصیر قال : سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن بیع السیف المحلّی بالنقد ؟ فقال : لا بأس به . قال : وسألته عن بیعه بالنسیئه ؟ فقال : إذا نقد مثل ما فی فضّته فلا بأس به أو لیعطی الطعام(6) .

وهاتان الروایتان لا تختصان بالصرف کما تری .

ومنها : صحیحه عبد الرحمن بن الحجاج قال : سألته عن الصرف فقلت له : الرفقه ربما عجّلت فخرجت فلم نقدر علی الدمشقیه والبصریه وإنّما یجوز نیسابور الدمشقیه والبصریه ، فقال : وما الرفقه ؟ فقلت : القوم یترافقون ویجتمعون للخروج ، فإذا عجلوا فربّما لم یقدروا علی الدمشقیه والبصریه ، فبعثنا بالغله فصرفوا ألفاً وخمسین منها بألف من الدمشقیه والبصریه ، فقال : لا خیر فی هذا ، أفلا یجعلون فیها ذهباً لمکان زیادتها ، فقلت له : أشتری ألف درهم ودیناراً بألفی درهم ؟ فقال : لا بأس بذلک ، إنّ أبی کان أجرأ علی أهل المدینه منّی ، فکان یقول هذا ، فیقولون : إنّما هذا الفرار ، لو جاء رجل بدینار لم یعط ألف درهم ولو جاء بألف درهم لم یعط ألف دینار ، وکان یقول لهم : نعم الشیء الفرار من الحرام إلی الحلال(7) .

ومنها : فی صحیحه اُخری له عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : کان محمد بن المنکدر یقول لأبی علیه السلام : یا أبا جعفر رحمک اللّه وإنّا نعلم أنک لو أخذتَ دیناراً والصرف بثمانیه عشر فدرتَ

ص:118


1- (4) تذکره الفقهاء 10 / 181 .
2- (5) المغنی لابن قدامه 4 / 168 مسأله 2836 _ الاُمّ 3 / 28 _ مختصر المزنی / 77 .
3- (6) مسالک الأفهام 3 / 330 .
4- (7) تذکره الفقهاء 10 / 182 .
5- (8) وسائل الشیعه 18 / 200 ح 8 . الباب 15 من أبواب الصرف .
6- (9) وسائل الشیعه 18 / 199 ح 3 .
7- (1) وسائل الشیعه 18 / 187 ح 1 . الباب 6 من أبواب الصرف .

المدینه علی أن تجد من یعطیک عشرین ما وجدتَه ، وما هذا إلاّ فرار ، فکان أبی یقول : صدقت واللّه ، ولکنّه فرار من باطل إلی حقّ(1) .

ومنها : صحیحه ثالثه له قال : سألته عن رجل یأتی بالدراهم إلی الصیرفی فیقول له : آخذ منک المائه بمائه وعشره أو بمائه وخمسه حتّی یراوضه علی الذی یرید ، فإذا فرغ جعل مکان الدراهم الزیاده دیناراً أو ذهباً ، ثم قال له : راددتک البیع وإنّما اُبایعک علی هذا ، لأنّ الأوّل لا یصلح أو لم یقل ذلک ، وجعل ذهباً مکان الدراهم ، فقال : إذا کان آخر البیع علی الحلال فلا بأس بذلک ، قلت : فإن جعل مکان الذهب فلوساً ، قال : ما أدری ما الفلوس(2) .

ومنها : صحیحه الحلبی عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : لا بأس بألف درهم ودرهم بألف درهم ودینارین إذا دخل فیها دیناران أو أقل أو أکثر فلا بأس به(3) .

ومنها : صحیحه سعید بن یسار عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : کان أبی بعثنی بکیس فیه ألف درهم إلی رجل صراف من أهل العراق ، وأمرنی أن أقول له : أن یبیعها ، فإذا باعها أخذ ثمنها ، فاشتری لنا بها دراهم مدنیه(4) .

هذه الصحیحه محموله إمّا علی بیع الدراهم بالدنانیر ثم بیع الدنانیر بالدراهم المدنیه أو علی التساوی فی الوزن .

ومنها : صحیحه إسماعیل بن جابر عن أبی جعفر علیه السلام قال : سألته عن الرجل یجی ء إلی صیرفی ومعه دراهم یطلب أجود منها فیقاوله علی دراهمه فیزیده کذا وکذا بشیءٍ قد تراضیا علیه ، ثم یعطیه بعد دراهمه دنانیر ، ثم یبیعه الدنانیر بتلک الدراهم علی ما تقاولا علیه أوّل مرّه ؟ قال : ألیس ذلک برضا منهما جمیعاً ؟ قلت : بلی ، قال : لا بأس(5) .

ومنها : خبر أبی بصیر عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : سألته عن الدراهم بالدراهم وعن

ص:119


1- (2) وسائل الشیعه 18 / 179 ح 2 .
2- (3) وسائل الشیعه 18 / 179 ح 3 .
3- (4) وسائل الشیعه 18 / 180 ح 4 .
4- (5) وسائل الشیعه 18 / 180 ح 5 .
5- (1) وسائل الشیعه 18 / 180 ح 6 .

فضل ما بینهما ؟ فقال : إذا کان بینهما نحاس أو ذهب فلا بأس(1) .

ومنها : صحیحه أبی الصباح الکنانی قال : سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الرجل یقول للصائغ : صغ لی هذا الخاتم واُبدل لک درهماً طازجاً بدرهم غلّه ؟ قال : لا بأس(2) .

تلک عشره کامله من الروایات ، وأکثرها صحاح سنداً وواضحه دلالهً تدلّ علی جواز بیع درهم ودینار بدینارین ودرهمین ویصرف کلّ واحد منهما إلی غیر جنسه ، وهکذا تدلّ علی جواز بیع الجنسین الربویین مع الزیاده إذا کان فی البین جنس آخر غیرهما یقابل الزیاده وبعباره اُخری : تدلّ علی کیفیه الفرار من الربا فی المثلیات ، وهی کما تری لا تختص بالصرف وإن کان أکثرها فیه ، ولکن موثقه أبی بصیر(3) وصحیحته(4) وصحیحه أبی الصباح الکنانی(5) عام یشمل الصرف وغیره .

فیمکن التعدی فی هذه الحیله من الصرف إلی غیره من المبادلات والمعاملات الربویه ، کما ذهب إلیه المشهور من أصحابنا رضوان اللّه تعالی علیهم أجمعین .

تنبیهٌ : حکم الاُوراق النقدیه

أمّا الاُوراق النقدیه المتداوله فی البلاد المختلفه الیوم نحو : الریالات أو الدلارات أو الدنانیر أو الدراهم الورقیه أو غیرها ، فلیست من جنس النقدین ، فلذا لا یحتاج فی معامله

بعضها من بعض بالزیاده أو النقیصه إلی هذه الحیله المذکوره فی التخلص من الربا أو غیرها من الحیل التی تأتی ، لأنّها لیست من النقدین أو لیست من المکیل والموزون ، فیجوز بیع أحدها بالآخر بالزیاده ، بل یجوز بیع أحدها بنفسها بالزیاده ، نحو : إعطاء مائه وعشره دلارات المفرده وأخذ مائه دلار فی ورقه واحده .

ص:120


1- (2) وسائل الشیعه 18 / 181 ح 7 و 18 / 163 ح 2 الباب 20 من أبواب الربا .
2- (3) وسائل الشیعه 18 / 195 ح 1 . الباب 13 من ابواب الصرف .
3- (4) وسائل الشیعه 18 / 200 ح 8 .
4- (5) وسائل الشیعه 18 / 199 ح 3 .
5- (6) وسائل الشیعه 18 / 195 ح 1 .

والحاصل ، لا تجری أحکام الربا فی الاُوراق النقدیه ، فیجوز بیع بعضها من بعض بالزیاده ، ولذا قال صاحب العروه : « الإسکناس معدود من جنس غیر النقدین له قیمه معینه ولا یجری علیه حکمهما ، فیجوز بیع بعضه ببعض أو بالنقدین متفاضلاً ... »(1) .

نعم ، لابد من أن یکون هذا البیع نقداً ، وأمّا إذا کانت نسیئه بالزیاده فیشکل الأمر فیها ، لتطرق شبهه الربا القرضی فیها ، لأنّ هذه المعامله ظاهرها وإن کانت بیعاً ولکن واقعها من القرض الربوی ، فحینئذ تکون محرّمه وباطله .

واللّه سبحانه هو العالم .

الرابع : یمکن التخلص من الربا بوجوهٍ :

منها : أن یبیع الجنس الربوی بثمن من غیر جنسه ثم یشتری الجنس الآخر بذلک الثمن أو بغیره ، کما إذا باع منّاً من الحنطه بألف دینار ثمّ اشتری منّین من الحنطه أیضاً بألف دینار أو أقل أو أکثر ثمّ تساقط الذمتین بمقدار المقابله .

ومنها : ضمّ الضمیمه من غیر الجنس الربوی إلی الطرف الناقص أو الطرفین . کما مرّ مفصلاً فی الفرع السابق .

ومنها : أنْ یتبایعا بقصد کون المثل بالمثل وکون الزائد هبه .

ومنها : أن یهب کلّ من المتبایعین جنسه الآخر ، لکن من غیر قصد المعاوضه بین الهبتین واشتراط الهبه فی الهبه .

ومنها : أن یقرض کلّ منهما صاحبه ثمّ یتبارءا مع عدم الاشتراط .

ومنها : أن یصالح صاحب الزیاده مقدارها للآخر ویشترط علیه أن یبیعه کذا بکذا مثلاً بمثل . هذا فی البیع ، وفی القرض أن یصالح المقترض مع المقرض قبل القرض الزیاده بعوض جزئی أو بلا عوض ویشترط فی ضمن هذه المصالحه أن یقرضه مبلغ کذا إلی مدّه کذا .

وإذا کان الدین سابقاً وحلّ أجله ویرید أن یؤجّله إلی مدّه یجوز أن یصالحه بمقدار

ویشترط علیه أن یؤجله إلی تلک المدّه .

ص:121


1- (1) العروه الوثقی 6 / 74 مسأله 56 .

ذکر الفقیه الیزدی قدس سره هذه الحیل الشرعیه للتخلص من الربا فی العروه الوثقی(1) .

هذه الحیل المذکوره فی کلّیّتها تُلقیت بالقبول من قِبَلِ أصحابنا قدس سرهم ، کما علیه الشیخ الطوسی فی الخلاف(2) والمحقق فی الشرائع(3) والنافع(4) والعلامه فی التذکره(5) والقواعد(6) والنهایه(7) والإرشاد(8) والتحریر(9) وابن زهره الحلبی فی الغنیه(10) والشهید الأوّل فی الدروس(11) والشهید الثانی فی المسالک(12) والروضه البهیه(13) وأصحاب الکفایه(14) والریاض(15) والمفتاح(16) والجواهر(17) والعروه(18) .

قال سید الریاض : « بلا خلاف بین الطائفه بل علیه الاجماع فی الخلاف والغنیه

ص:122


1- (1) العروه الوثقی 6 / 75 المسأله 61 .
2- (2) الخلاف 3 / 61 .
3- (3) الشرائع 2 / 41 .
4- (4) المختصر النافع / 128 .
5- (5) تذکره الفقهاء 10 / 201 المسأله 98 .
6- (6) قواعد الأحکام 2 / 63 .
7- (7) نهایه الأحکام 2 / 548 .
8- (8) إرشاد الأذهان 1 / 379 .
9- (9) تحریر الأحکام الشرعیه 2 / 312 .
10- (10) غنیه النزوع / 225 .
11- (11) الدروس 3 / 298 .
12- (12) مسالک الأفهام 3 / 332 .
13- (13) الروضه البهیه 3 / 445 .
14- (14) کفایه الأحکام 1 / 499 و 501 .
15- (15) ریاض المسائل 8 / 439 .
16- (16) مفتاح الکرامه 4 / 527 _ (14 / 88 وما بعدها) .
17- (17) الجواهر 23 / 396 .
18- (18) العروه الوثقی 6 / 75 .

والمسالک والتذکره وغیرها من کتب الجماعه هو الحجه »(1) .

وقال السید العاملی : « ولم أجد من تأمل أو توقف [ فی هذه الحیل ] سوی المولی الأردبیلی علی ما لعلّه یتوهم منه ... »(2) .

أقول : أذکر تمام کلام المحقق الأردبیلی حتّی یتبیّن لک تأمله أو توقفه فی المقام أو

عدمه ، ولذا قال السید العاملی : « علی ما لعلّه یتوهم منه» . قال الأردبیلی معلِّقاً علی بعض الحیل المذکوره فی الإرشاد بعد تقریبه وتوضیحه لها : « ... وینبغی الإجتناب عن الحیل مهما أمکن ، وإذا اضطر ما ینجیه عند اللّه ولا ینظر إلی الحیل وصوره جوازها ظاهراً لما عرفت من علّه تحریم الربا ، فکأنّه أشار فی التذکره بقوله : « لو دعت الضروره إلی بیع الربویات مستفضلاً ]متفاضلاً ] مع إتحاد الجنس »(3) الخ _ وذکر الحیل منها ما تقدم _(4) .

نعم قال قبل ثلاثین صفحه : « بل هذا یدلّ علی عدم جواز أکثر الحیل التی تُستعمل فی إسقاط الربا ، فافهم »(5) .

فیصح بأن یجعل المحقق الأردبیلی قدس سره من المستشکلین فی الحیل الربویه .

وهکذا تبعه فی الردّ علی بعض الحیل الوحید البهبهانی قدس سره فی حاشیته علی مجمع الفائده والبرهان(6) ورسالته فی القرض بشرط المعامله المحاباتیه المطبوعه ضمن رسائله الفقهیه(7) .

فهذان الفقیهان یردان علی بعض الحیل المذکوره ، وتبعهما من المتأخرین السید الخمینی قدس سره فی کتابه البیع(8) .

ص:123


1- (19) ریاض المسائل 8 / 439 .
2- (20) مفتاح الکرامه 4 / 527 _ (14 / 89) .
3- (1) تذکره الفقهاء 10 / 201 المسأله 98 .
4- (2) مجمع الفائده والبرهان 8 / 488 .
5- (3) مجمع الفائده والبرهان 8 / 453 .
6- (4) حاشیه مجمع الفائده والبرهان / 290 .
7- (5) الرسائل الفقهیه / (294 _ 239) للوحید البهبهانی .
8- (6) کتاب البیع 2 / 406 طبعه اسماعیلیان .

ولم یرد علی هذه الحیل بعدم ترتب القصد إلی هذه العقود ، وأجاب الفقهاء عن هذا الإشکال :

ولعلّ أوّل من أجاب عن هذا الإشکال ثانی الشهیدین قال : « ولا یقدح فی ذلک کون هذه الاُمور غیر مقصوده بالذات والعقود تابعه للقصود ، لأنّ قصد التخلص من الربا إنّما یتمّ مع القصد إلی بیع صحیح أو قرض أو غیرهما من الأنواع المذکوره ، وذلک کافٍ فی القصد ، إذ لا یُشترط فی القصد إلی عقد قصد جمیع الغایات المترتبه علیه ، بل یکفی قصد غایه صحیحه من غایاته ، فإنّ من أراد شراء دار مثلاً لیؤاجرها ویکتسب بها فإنّ ذلک کافٍ فی الصحه ، وإن کان لشراء الدار غایات اُخر أقوی من هذه وأظهر فی نظر العقلاء . وکذا القول فی غیر ذلک من أفراد العقود »(1) .

وقال السید الریاض : « ولا یقدح فی ذلک کون هذه الاُمور غیر مقصوده بالذات والعقود تابعه للقصود ، لأنّ القصد إلی عقد صحیح وغایه صحیحه کافیه فی الصحه ، ولا یُشترط فیه قصد جمیع الغایات المترتبه علیه ، فإنّ من أراد شراء دار مثلاً لیؤاجرها ویتکسّب بها فإنّ ذلک کافٍ فی الصحه وإن کان له غایات اُخر أقوی من هذه وأظهر فی نظر العقلاء کالسکنی وغیره »(2) .

قال السید العاملی : « وقالوا فی المقام : ولا یُقدح فی ذلک کلّه کون هذه العقود - أی الإتهاب والإقتراض والإبراء - غیر مقصوده بالذات ، مع أنّ العقود أی الصیغ تابعه للقصود ، لأنّ قصد التخلص من الربا الذی لا یتمّ إلاّ بالقصد إلی بیع صحیح أو قرض أو غیرهما کافٍ فی القصد إلیها ، لأنّ ذلک غایه مترتبه علی صحه العقد مقصوده ، فیکفی جعلها غایه ، إذ لایعتبر قصد جمیع الغایات المترتبه علی العقد ، فإنّ من أراد شراء دار لیؤجرها ویکتسب بها فإنّ ذلک کافٍ فی الصحه وإن کان لشراء الدار غایات اُخر أقوی من هذه وأظهر ... »(3) .

وأجاب عن هذا الإشکال صاحب الجواهر أیضاً : « وکیف کان فلا یناقش فی هذه

ص:124


1- (7) مسالک الأفهام 3 / 332 .
2- (1) ریاض المسائل 8 / 441 .
3- (2) مفتاح الکرامه 4 / 529 _ (14 / 94) .

الحیل بعدم قصد هذه الاُمور أوّلاً وبالذات ، ومن المعلوم تبعیه العقود للقصود ، لاندفاعها بالمنع من عدم القصد ، بل قصد التخلص من الربا المتوقف علی قصد الصحیح من البیع والقرض والهبه وغیرها من العقود کافٍ فی حصول ما یحتاج إلیه البیع من القصد ، إذ لا یُشترط فی القصد إلی قصد جمیع الغایات المترتبه ، بل یکفی قصد غایه من غایاته ، واللّه أعلم »(1) .

أقول : هذا المقال منهم قدس سرهم تام ، وتدلّ علی صحه هذه الحیل عدّه من الروایات :

منها : ذیل صحیحه عبد الرحمن بن الحجاج ، وفیها : کان یقول [ أبو جعفر علیه السلام [ لهم : نعم الشیء الفرار من الحرام إلی الحلال(2) .

ومنها : صحیحته الاُخری عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : کان محمد بن المنکدر یقول لأبی علیه السلام : یا أبا جعفر رحمک اللّه ، واللّه إنّا لنعلم أنّک لو أخذت دیناراً والصرف بثمانیه عشر فدرتَ المدینه علی أن تجد من یعطیک عشرین ما وجدته ، وما هذا إلاّ فراراً ، فکان أبی یقول :

صدقت واللّه ولکنّه فرارٌ من باطل إلی حقٍّ(3) .

ومنها : معتبره مسعده بن صدقه عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : سئل رجل له مال علی رجل مِنْ قِبَلِ عینه عیّنها إیّاه ، فلمّا حلّ علیه المال لم یکن عنده ما یعطیه ، فأراد أن یقلب علیه ویربح أیبیعه لؤلؤاً أو غیر ذلک ما یسوی مائه درهم بألف درهم ویؤخّره ؟ قال : لا بأس بذلک ، قد فعل ذلک أبی رضی الله عنه وأمرنی أن أفعل ذلک فی شیءٍ کان علیه(4) .

ومنها : صحیحه عبد الملک بن عتبه الصیرفی قال : سألته عن الرجل یرید أن اُعینه المال أو یکون لی علیه مال قبل ذلک ، فیطلب منّی مالاً أزیده علی مالی الذی لی علیه ، أیستقیم أن أزیده مالاً وأبیعه لؤلؤه تسوی مائه درهم بألف درهم فأقول :

أبیعک هذه اللؤلؤه بألف درهم علی أن اُؤخرک بثمنها وبمالی علیک کذا وکذا شهراً ؟ قال :

ص:125


1- (3) الجواهر 23 / 397 .
2- (4) وسائل الشیعه 18 / 178 ح 1 . الباب 6 من أبواب الصرف .
3- (1) وسائل الشیعه 18 / 179 ح 2 .
4- (2) وسائل الشیعه 18 / 54 ح 3 . الباب 9 من أبواب أحکام العقود .

لا بأس(1) .

ومنها : موثقه بل صحیحه محمد بن إسحاق بن عمار قال : قلت لأبی الحسن علیه السلام : یکون لی علی الرجل دراهم فیقول : أخّرنی بها وأنا أربحک ، فأبیعه جبّهً تقوم علیَّ بألف درهم ، بعشره آلاف درهم ، أو قال : بعشرین ألفاً واُؤخره بالمال ، قال : لا بأس(2) .

ومنها : خبر محمد بن إسحاق بن عمار قال : قلت للرضا علیه السلام : الرجل یکون له المال قد حلَّ علی صاحبه یبیعه لؤلؤه تسوی مائه درهم بألف درهم ویؤخّر عنه المال إلی وقت ؟ قال : لا بأس ، قد أمرنی أبی ففعلت ذلک ، وزعم أنّه سأل أبا الحسن علیه السلام عنها فقال له مثل ذلک(3) .

سند الروایه ضعیف بمحمد بن عبد اللّه بن مغیره لأنّه مهمل فی الرجال ، ولکن دلالتها واضحه .

ومنها : خبر آخر له قال : قلت لأبی الحسن علیه السلام : إنّ سلسبیل طلبتْ منّی مائه ألف درهم علی أن تربحنی عشره آلاف ، فأقرضها تسعین ألفاً وأبیعها ثوباً وشیّاً تقوّم علیَّ بألف درهم بعشره آلاف درهم ؟ قال : لا بأس .

قال الکلینی : وفی روایه اُخری لا بأس به : أعطها مائه ألف وبعها الثوب بعشره آلاف واکتب علیها کتابین(4) .

سند الروایه ضعیف بعلی بن حدید . الثوب الوشی : ثوب یکون له نقش من کلّ لون ، وکان معروفاً فی تلک الأعصار . وسلسبیل : اسم امرأه .

ودلالتها واضحه . ولعلّ المراد بکتابه الکتابین أن یجعلهما فی عقدین مستقلین ، کما هو الظاهر .

ومنها : خبر الحسن بن صدقه المدائنی عن أبی الحسن الرضا علیه السلام قال : قلت له :

ص:126


1- (3) وسائل الشیعه 18 / 55 ح 5 .
2- (4) وسائل الشیعه 18 / 55 ح 4 .
3- (5) الکافی 5 / 205 ح 10 ونقل عنه فی وسائل الشیعه 18 / 55 ح 6 .
4- (1) الکافی 5 / 205 ح 9 ونقل عنه فی وسائل الشیعه 18 / 54 ح 1 .

جعلت فداک إنّی أدخل المعادن وأبیع الجوهر بترابه بالدنانیر والدراهم ، قال : لا بأس به . قلت : وأنا أصرف الدراهم بالدراهم وأصیّر الغله وضحاً وأصیّر الوضح غلّه ، قال : إذا کان فیها دنانیر فلا بأس .

قال : فحکیت ذلک لعمار بن موسی الساباطی قال : کذا قال لی أبوه ، ثم قال لی أبوه ، ثم قال لی : الدنانیر أین تکون ؟ قلت : لا أدری ، قال عمار : قال لی أبو عبد اللّه علیه السلام : تکون مع الذی ینقص(1) .

الروایه ضعیفه سنداً بالسندی بن الربیع ، لأنّه إمامی مجهول . ومحمد بن سعید المدائنی ، لأنّه مهمل . والمراد بالغلّه : الدراهم المغشوشه . وبالوضح : الدرهم الصحیح غیر المغشوش . ودلالتها واضحه وفی الفرع الأوّل یعنی بیع الجوهر بترابه بالدنانیر والدراهم معاً . وراجع فی هذا المجال ما ورد من الروایات فی الباب 11 من أبواب الصرف(2) .

ومنها : خبر أبی بصیر عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : سألته عن الدراهم وعن فضل ما بینها ؟ فقال : إذا کان بینها نحاس أو ذهب فلا بأس(3) .

السند ضعیف بعلی بن أبی حمزه البطائنی ، ولکن دلالتها واضحه .

ومنها : حسنه أبی بکر الحضرمی قال : قلت لأبی عبد اللّه علیه السلام : یکون لی علی الرجل الدراهم فیقول لی : بعنی شیئاً أقضیک ، فأبیعه المتاع ثمّ اشتریه منه وأقبض مالی ؟ قال : لا بأس(4) .

سند الروایه حسنٌ بل معتبر ، لأنّ المراد بعلی بن إسماعیل هو ابن عمار فی أعلی درجه الحسن . وأبو بکر الحضرمی هو عبد اللّه بن محمّد ثقه علی الأقوی . وغیرهما من رجال السند ثقات . ودلالتها علی الحیل ظاهره ، ونحوها فی الدلاله صحیحه اُخری لأبی بکر الحضرمی(5) .

ص: 127


1- (2) التهذیب 7 / 117 ح 115 ونقل عنه فی وسائل الشیعه 18 / 162 ح 1 . الباب 20 من أبواب الربا .
2- (3) وسائل الشیعه 18 / 188 .
3- (4) التهذیب 7 / 98 ح 28 ونقل عنه فی وسائل الشیعه 18 / 163 ح 2 .
4- (5) الکافی 5 / 204 ح 5 .
5- (1) الکافی 5 / 204 ح 4 .

تلک عشره کامله من الروایات وفیها الصحاح ، والمتتبِّع یجد أکثر منها فی الجوامع الحدیثیه(1) . ومع ورود هذه الروایات المعتبره وظهور دلالتها لابدّ من الأخذ بها والحکم بجواز الحیل مطلقاً ، بلا فرق بین أن یتخذ ذلک عاده أم لا ، وبلا فرق بین أن تدعو الضروره إلی ذلک أم لا ، لإطلاق الروایات الماضیه .

ولا یمکن تخصیصها بمرفوعه معلی بن خنیس أنّه قال لأبی عبد اللّه علیه السلام : إنّی أردتُ أن أبیع تبر ذهب بالمدنیه فلم یشتر منی إلاّ بالدنانیر ، فیصح لی أن أجعل بینها نحاساً ؟ فقال : إن کنت لابدّ فاعلاً فلیکن ونحاساً وزناً(2) .

لأنّها أوّلاً : مرفوعه سنداً ، وثانیاً : المراد بلا بدیّه الفعل هنا لیس ما یرادف الاضطرار ، لأنّه یبیح جمیع المحظورات ، بل المراد بها اللابدیّه العادیّه ، نحو التنمیّه الاقتصادیه وغیرها . فلا یمکن حمل هذه المرفوعه نفسها علی الاضطرار ، فکیف یمکن تقیید غیرها وحملها بها علی الاضطرار .

وأمّا اختصاص هذه الروایات بمبادله المثلیات مع الزیاده کما فعله بعض المعاصرین(3) قدس سره فغیر تامٍ ، لإطلاق بعضها بل ، بعضها نص فی الربا القرضی أو المعاملی ، نحو معتبره مسعده بن صدقه(4) وصحیحه عبد الملک بن عتبه(5) وموثقه محمد بن إسحاق بن عمار(6) وحسنه أبی بکر الحضرمی(7) وصحیحته(8) .

ص: 128


1- (2) نحو خبر محمد بن سلیمان الدیلمی عن أبیه ، راجع وسائل الشیعه 18 / 56 ح 7 الباب 9 من أبواب أحکام العقود .
2- (3) وسائل الشیعه 18 / 189 ح 4 . الباب 11 من أبواب الصرف .
3- (4) کتاب البیع 2 / 408 وما بعدها للسید الخمینی قدس سره .
4- (5) وسائل الشیعه 18 / 54 ح 3 .
5- (6) وسائل الشیعه 18 / 55 ح 5 .
6- (7) وسائل الشیعه 18 / 55 ح 4 .
7- (8) الکافی 5 / 204 ح 4 .
8- (9) الکافی 5 / 204 ح 5 .

وفی الواقع هذه الحیل خروجُ موضوعیّ عن الربا ، بلا فرق بین الربا القرضی والربا المعاملی ومبادله المثلیات مع ا لزیاده ، وهی أحد مصادیق الربا المعاملی إذا کان المثلی من المکیل أو الموزون . فلا تنافی هذه الحیل مع الإطلاقات والعمومات الوارده فی حرمه الربا ، فیمکن الأخذ بها وإن کان الأحوط ترک الحیل فی غیر مقام الضروره استحباباً ، والحمد للّه وهو العالم بأحکامه .

الخامس : ما یجب علی آخذ الربا ؟

آخذ الربا إمّا أن یکون کافراً أو مسلماً ، وإذا کان کافراً وأخذ الربا فی حال کفره ثمّ أسلم لا یجوز له أخذ ما بقی من الربا فی حال إسلامه لحرمته فی الإسلام ، وأمّا ما أخذ من الربا فی حال کفره فلا یجب ردّه ویجوز امتلاکه ، لقوله تعالی : «فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَهٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَیَ فَلَهُ مَا سَلَفَ»(1) ولقوله تعالی : «یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِیَ مِنَ الرِّبَا إِن کُنتُم مُّؤْمِنِینَ»(2) ، ولما ورد فی مرسله الطبرسی عن أبی جعفر علیه السلام قال : إنّ الولید بن المغیره کان یربی فی الجاهلیه وقد بقی له بقایا علی ثقیف ، وأراد خالد بن الولید المطالبه بعد أن أسلم فنزلت : «اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِیَ مِنَ الرِّبَا إِن کُنتُم مُّؤْمِنِینَ» الآیات(3) .

ولم یأمر رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم آخذی الربا بردّ الأموال إلی أصحابها .

وتدلّ علیه قاعده جبّ الإسلام ومرسله اُخری للطبرسی عن أبی جعفر الباقر علیه السلام : من أدرک الإسلام وتاب ممّا کان عمله فی الجاهلیه وضع اللّه عنه ما سلف(4) .

والحاصل ، ما أخذه الکافر من الربا فی حال کفره یجوز امتلاکه بعد إسلامه مطلقاً ، أی بلا فرق بین کونه عالماً بالتحریم فی الإسلام أو جاهلاً به ، وبلا فرق بین کون الربا موجوداً بالفعل أو تالفاً ، ولکن الفاضل المقداد قدس سره ذهب إلی وجوب ردّه مع وجوده(5) ولکن ، الأقوی

ص:129


1- (1) سوره البقره / 275 .
2- (2) سوره البقره / 278 .
3- (3) مجمع البیان 2 / 392 ، ونقل عنه فی وسائل الشیعه 18 / 131 ح 8 . الباب 5 من أبواب الربا .
4- (4) مجمع البیان 2 / 390 .
5- (5) کنز العرفان 2 / 39 .

عدمه لما مرّ منّا .

نعم ، بعد إسلامه لا یجوز له أخذ ما بقی من الربا کما مرّ فی قضیه خالد بن الولید ولقوله تعالی : «اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِیَ مِنَ الرِّبَا إِن کُنتُم مُّؤْمِنِینَ»(1) .

هذا کلّه إذا کان الآخذ کافراً ثم أسلم .

وأمّا إذا کان مسلماً فتاره یکون عالماً بالحکم والموضوع فهو آثم وعاص ویکون فعله حراماً ویجب علیه ردّ المال إلی صاحبه ، لأنّه عالم بالتحریم فهو عاص وتکون معاملته باطلهً فلم ینتقل المال إلیه ، فیجب علیه ردّ المال عیناً إلی صاحبه إن کان موجوداً ومثله أو قیمته إن کان تالفاً ، وهذا الحکم یکون بحسب القواعد ولا یحتاج إلی دلیل أزید من ذلک .

وتاره یکون آخذ الربا مسلماً ولکنّه کان جاهلاً بالحکم أو ببعض خصوصیاته ، کما إذا کان جاهلاً بأنّ الحنطه والشعیر جنس واحد فی الربا ، أو کان جاهلاً بالموضوع کما إذا باع شیئاً بالزیاده بتخیّل أنّه لیس من جنسه فبان أنّه کان من جنسه . وفی صوره الجهل مطلقاً - سواء کان بالحکم أو الموضوع - هل یکون ما أخذه حلالاً علی المسلم فلا یجب ردّه أم حراماً ویجب علیه ردّه أم یفرق بین کون المال موجوداً معروفاً فیجب ردّه ، وبین کونه تالفاً أو موجوداً مختلطاً بماله وغیر معروف فلا یجب الردُّ حینئذٍ ؟

وجوه بل أقوال :

ذهب إلی الحلیه وعدم وجوب الرد الصدوق فی الهدایه(2) والشیخ فی النهایه(3) والراوندی فی فقه القرآن(4) والمحقق فی النافع(5) والفاضل الآبی فی کشف الرموز(6) والأردبیلی

ص:130


1- (6) سوره البقره / 278 .
2- (1) الهدایه / 316 .
3- (2) النهایه / 376 .
4- (3) فقه القرآن 2 / 47 .
5- (4) المختصر النافع / 127 .
6- (5) کشف الرموز 1 / 485 .

فی آیات أحکامه(1) والفاضل القطیفی فی إیضاح النافع(2) والبحرانی فی الحدائق(3) والسید الطباطبائی فی الریاض(4) ، وهو ظاهر السید العاملی فی مفتاح الکرامه(5) وصریح السید الیزدی فی العروه الوثقی(6) .

وذهب إلی الحرمه ووجوب الردّ جماعه من المتأخرین ، منهم : ابن إدریس الحلی فی السرائر(7) والعلامه فی تذکره الفقهاء(8) والمختلف(9) ونهایه الأحکام(10) وولده فی الإیضاح(11) والشهید فی الدروس(12) والفاضل المقداد فی التنقیح(13) وکنز العرفان(14) والمحقق الثانی فی جامع المقاصد(15) ، ومال إلیه صاحب الجواهر(16) .

وذهب ابن الجنید الإسکافی کما نقل عنه العلامه فی المختلف(17) إلی وجوب الردّ إن کان

ص:131


1- (6) زبده البیان / 434 .
2- (7) إیضاح النافع / کما نقل عنه فی مفتاح الکرامه 4 / 534 _ (14 / 113) .
3- (8) الحدائق 19 / 222 .
4- (9) ریاض المسائل 8 / 411 .
5- (10) مفتاح الکرامه 4 / 536 _ (14 / 113 وما بعدها) .
6- (11) العروه الوثقی 6 / 26 .
7- (1) السرائر 2 / 251 .
8- (2) تذکره الفقهاء 10 / 210 .
9- (3) مختلف الشیعه 5 / 78 .
10- (4) نهایه الأحکام 2 / 554 .
11- (5) ایضاح الفوائد 1 / 480 .
12- (6) الدروس 3 / 299 .
13- (7) التنقیح الرائع 2 / 88 .
14- (8) کنز العرفان 2 / 39 .
15- (9) جامع المقاصد 4 / 282 .
16- (10) الجواهر 23 / 404 وما قبلها .
17- (11) مختلف الشیعه 5 / 78 .

المال موجوداً معروفاً وعدم وجوبه إن کان تالفاً أو مختلطاً بماله وغیر معروف . فهذه ثلاثه أقوال فی صوره الجهل ، ولابدّ من ملاحظه الأدله حتّی تبیّن دلیل القول المختار :

أقول : ظاهر قوله تعالی «فَلَهُ مَا سَلَفَ»(1) عدم وجوب الردّ ، ویؤیده عده من نصوص معتبره :

منها : صحیحه هشام بن سالم عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : سألته عن الرجل یأکل الربا وهو یری أنّه حلال ، قال : لا یضرّه حتّی یصیبه متعمداً ، فإذا أصابه متعمداً فهو بالمنزل الذی قال اللّه عزّ وجل(2) .

ونحوها صحیحه الحلبی(3) وصحیحه علی بن جعفر(4) . وهذه الصحاح فی نفی العقاب أظهر من عدم وجوب الردّ فی صوره الجهل .

ومنها : صحیحه الحلبی قال : قال أبو عبد اللّه علیه السلام : کلّ ربا أکله الناس بجهاله ثمّ تابوا

فإنّه یقبل منهم إذا عرف منهم التوبه . وقال : لو أنَّ رجلاً ورث من أبیه مالاً وقد عرف أنّ فی ذلک المال ربا ولکن قد اختلط _ فی التجاره _ بغیره حلال کان حلالاً طیباً فلیأکله ، وإن عرف منه شیئاً أنّه ربا فلیأخذ رأس ماله ولیرد الربا ، وأیّما رجل أفاد مالاً کثیراً قد أکثر فیه من الربا فجهل ذلک ثمّ عرفه بعد فأراد أن ینزعه ، فما مضی فله ویدعه فیما یستأنف(5) .

ذیل الصحیحه تدلّ علی عدم وجوب الردّ فی صوره الجهل .

ومنها : صحیحه الحلبی عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : أتی رجل أبی علیه السلام فقال : إنّی ورثت مالاً وقد علمت أنّ صاحبه الذی ورثته منه قد کان یربی ، وقد أعرف أن فیه ربا واستیقن ذلک ، ولیس یطیب لی حلاله لحال علمی فیه ، وقد سألتُ فقهاء أهل العراق وأهل الحجاز فقالوا : لا یحلّ أکله ، فقال أبو جعفر علیه السلام : إن کنت تعلم بأنّ فیه مالاً معروفاً رباً

ص:132


1- (12) سوره البقره / 275 .
2- (13) وسائل الشیعه 18 / 128 ح 1 الباب 5 من أبواب الربا .
3- (14) وسائل الشیعه 18 / 130 ح 6 .
4- (15) وسائل الشیعه 18 / 131 ح 9 .
5- (1) وسائل الشیعه 18 / 128 ح 2 .

وتعرف أهله فخذ رأس مالک وردّ ما سوی ذلک ، وإن کان مختلطاً فکله هنیئاً ، فإنّ المال مالک ، واجتنب ما کان یصنع صاحبه ، فإنّ رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم قد وضع ما مضی من الربا وحرم علیهم ما بقی ، فمن جهل وسع له جهله حتّی یعرفه ، فإذا عرف تحریمه حرم علیه ووجب علیه فیه العقوبه إذا رکبه کما یجب علی من یأکل الربا(1) .

أقول : یمکن المناقشه فی دلاله الصحیحه علی عدم وجوب الردّ ، لأنه یمکن حملها علی نفی العقاب فقط ، وهو القدر المتیقَّن منها .

نعم ، لو کان صدرها مثل حسنه أبی الربیع الشامی الآتیه تدلّ علی عدم وجوب الرد .

ومنها : حسنه أبی الربیع الشامی قال : سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن رجل أربی بجهاله ثمّ أراد أن یترکه ، قال : أمّا ما مضی فله ولیترکه فیما یستقبل . ثمّ قال : إنَّ رجلاً أتی أبا جعفر علیه السلام فقال : إنّی ورثت مالاً ، وذکر الحدیث نحوه(2) .

دلاله الحسنه علی عدم وجوب الردّ واضحه .

ومنها : صحیحه محمد بن مسلم قال : دخل رجل علی أبی جعفر علیه السلام من أهل خراسان قد عمل بالربا حتّی کثر ماله ، ثم إنّه سأل الفقهاء ؟ فقالوا : لیس یقبل منک شیءٌ إلاّ أن تردّه إلی أصحابه ، فجاء إلی أبی جعفر علیه السلام فقص علیه قصّته ، فقال له أبو جعفر علیه السلام : مخرجک من کتاب اللّه : «فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَهٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَیَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَی

اللّهِ»والموعظه : التوبه(3) .

وروی العیاشی مثلها فی تفسیره مرسلاً(4) .

ومنها : ما رواه أحمد بن محمد بن عیسی فی نوادره عن أبیه قال : إنّ رجلاً أربی دهراً من الدهر فخرج قاصداً أبا جعفر الجواد ، فقال له : مخرجک من کتاب اللّه یقول اللّه : «فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَهٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَیَ فَلَهُ مَا سَلَفَ» والموعظه هی التوبه ، فجهله بتحریمه ثمّ معرفته

ص:133


1- (2) وسائل الشیعه 18 / 129 ح 3 .
2- (3) وسائل الشیعه 18 / 130 ح 4 .
3- (1) وسائل الشیعه 18 / 130 ح 7 .
4- (2) تفسیر العیاشی 1 / 277 ح 510 ونقل عنه فی مستدرک الوسائل 13 / 336 ح 1 .

به ، فما مضی فحلال وما بقی فلیتحفظ(1) .

الروایه صحیحه الإسناد ودلالتها واضحه .

ومنها : ما رواه أحمد بن محمد بن عیسی فی نوادره عن أبیه قال : قال أبو عبد اللّه علیه السلام : لا یکون الربا إلاّ فیما یکال أو یوزن ، ومن أکله جاهلاً بتحریمه لم یکن علیه شیءٌ(2) .

أقول : سند الروایه صحیح ، لأنّ محمد بن عیسی بن عبد اللّه بن سعد بن مالک الأشعری ، أبو علی ، شیخ القمیین ووجه الأشاعره والمتقدم عند السلطان والداخل علی الرضا علیه السلام والراوی عن أبی جعفر الثانی علیه السلام . ویمکن نقله عن الإمام أبی عبد اللّه الصادق علیه السلام المستشهد فی 25 شوال عام 148 إذا کان عمره قریباً من ثمانین سنه . وإن کان أکثر روایاته عن الصادق علیه السلام مع الواسطه .

وأمّا دلالتها : فجمله « لم یکن علیه شیءٌ » فی الروایه مطلقه تشمل نفی العقاب وعدم وجوب الردّ ، ولا دلیل لاختصاصها بالأوّل فقط .

فهذه الروایات المعتبره تدلّ علی عدم وجوب الردّ فی صوره الجهل بالربا ، ولابدّ من الأخذ بها بدعوی الحلیه تعبداً من جهه عذر الجهل وإن کانت المعامله باطله أو بدعوی صحه المعامله إذا وقعت حال الجهل ، واختصاص البطلان بصوره العلم بالحرمه حال المعامله کما علیه صاحب الحدائق(3) ولکنّه بعید .

وإطلاقها یدلّ علی عدم الفرق بین وجود المال وعدمه ، ولا بین صوره الاختلاط وعدمه ، ولا بین کون الطرف الآخر عالماً أو جاهلاً . وهکذا یدلّ علی عدم الفرق بین أقسام

الجاهل ، کما نبّه علیه صاحب العروه الوثقی قدس سره (4) .

ولکن مع ذلک کلّه استشکل صاحب الجواهر فی دلاله هذه النصوص ، فقال : « ولکن لا یخفی أنّه لا یصلح للفقیه الجرأه بمثل هذه النصوص التی لا یخفی علیک اضطرابها فی الجمله ،

ص:134


1- (3) وسائل الشیعه 18 / 131 ح 10 .
2- (4) وسائل الشیعه 18 / 131 ح 11 .
3- (5) الحدائق 19 / 216 .
4- (1) العروه الوثقی 6 / 30 .

وترک الاستفصال فیها عن الربا أن صاحبه کان جاهلاً بحرمته أو عالماً ، والأمر بالتوبه مع عدم الذنب حال الجهل الذی یعذر فیه ، بل قد اشترط فی الآیه الحلّ بها وحمله علی الجهل الذی لا یعذر فیه ینافیه ما فی خبر الباقر علیه السلام السابق من إلحاق مثله بالعالم ، وترک الإستفصال عن الربا فی القرض والبیع ، وقد عرفت الفرق بینهما ، وغیر ذلک علی مخالفته الضوابط السابقه ، والإقدام علی حلّ الربا الذی قد ورد فیه من التشدید ما ورد »(1) .

وأجابه صاحب العروه الوثقی بقوله : « فإنّ الاضطراب ممنوع ، ونلتزم بعدم الفرق بین کون الدافع عالماً أو جاهلاً ، وکثیراً ما یؤمر بالتوبه مع کون الشخص معذوراً بلحاظ الحرمه الواقعیه ، ونلتزم باشتراط التوبه فی الحلیه وبعدم الفرق بین القرض والبیع ونحوه ، والتشدید فی حرمه الربا مخصوص بصوره العلم والعمد فلا ینافی الحلیه حال الجهل ... »(2) .

وبالجمله ، هذه النصوص المعتبره تدلّ علی حلیه الربا فی صوره الجهل وعدم وجوب الرد ، فلابدّ من أخذها والعمل علی طبقها کما ذهب إلیه بعض الأصحاب کما مرّ منّا ، ولذا قال سید الریاض : « وبالجمله الدلاله علی الحلّ فی غایه الوضوح جداً ... »(3) .

وقال السید العاملی بعد الإعتراف بأنّ القول بوجوب الردّ فی صوره الجهل أقعد بحسب القواعد(4) ، قال فی شأن بعض هذه النصوص : « وهذه الأخبار الثلاثه _ أعنی صحیحه الحلبی وخبری أبی الربیع _ کأنّها هی التی استند إلیها أبوعلی ، لکنّ سوقها کما سمعت أظهر فی الدلاله علی مختار الشیخ والصدوق من حیث تعلیل حلّ أکل الربا المختلط بوضع الرسول صلی الله علیه و آله وسلم ما مضی منه ، وهو واضح الدلاله علی أنّ المراد بما مضی نفس الربا فی حاله الجهل مطلقاً معروفاً أو مختلطاً ... »(5) .

وهکذا اعترف بوضوح هذه الأخبار صاحب العروه وقال : « وبالجمله لا وجه

ص:135


1- (2) الجواهر 23 / 401 .
2- (3) العروه الوثقی 6 / 30 .
3- (4) ریاض المسائل 8 / 413 .
4- (5) مفتاح الکرامه 4 / 534 _ (14 / 114) .
5- (6) مفتاح الکرامه 4 / 536 _ (14 / 119) .

للإعراض عن الأخبار المذکوره بعد وضوحها فی الدلاله علی الحلیه لأجل هذه الإشکالات والإحتمالات مع کون الأحکام الشرعیه تعبدیّه . فالأقوی جواز العمل بها ، وإن کان الأحوط الردّ إلی المالک مع کونه موجوداً معزولاً إذا عرف مالکه ، بل إجراء حکم مجهول المالک علیه مع عدم معرفته ، خصوصاً مع کونه جاهلاً بالحرمه أیضاً . وأحوط من ذلک ما ذکره المتأخرون من عدم الفرق بین الجاهل والعالم ... »(1) .

إلی هنا تمت مهمات بحث الربا المعاملی ، وبها تم بحث الربا بقسمیه علی سبیل الإجمال ، وللتفصیل محلاّن آخران وهما کتابی القرض والبیع . والحمد للّه أوّلاً وآخراً وهو العالم بأحکامه والصلاه علی محمّد وآله الطیبین الطاهرین المعصومین .

ص:136


1- (1) العروه الوثقی 6 / 31 .

الرشوه

موضوعها:

الروایات لم تتعرض لتعیین موضوع الرشوه ومفهومها وحقیقتها ، فلابدّ لمعرفتها والتحقیق عنها إلی مراجعه أهل اللغه والعرف وبیانات الأصحاب قدس سرهم :

1 _ قال أحمد بن فارس : « رشی : الراء والشین والحرف المعتل أصل یدلُّ علی سببٍ أو تسبُّبٍ لشیءٍ برفق وملایَنَه ، فالرِّشاء : الحبل الممدود والجمع أرْشِیَه .

ویقال : للحنظل إذا امتدَّت أغصانه : قد أرشی ، یعنی أنّه صار کالأرشیه وهی الحبال ، ومن الباب : رشاه یرشُوهُ رَشْواً . والرشوه الاسمُ ، وتقول : تَرَشَّیْتُ الرجل : لایَنْتُه ، ومنه قول امری ء القیس : ترأشی الفؤاد .

ومن الباب استرشی الفصیلُ : إذا طلب الرّضاع ، وقد أرشیته إرشاءً .

وراشیتُ الرجل : إذا عاونْتَه فظاهَرْتَه ، والأصل فی ذلک کلّه واحد »(1) .

2 _ وقال صاحب الصحاح : « الرشاء : الحبل ، والجمع أرشیه ، والرشوه معروفه ، والرُشوه بالضم مثله ، والجمع رِشاً ورُشاً »(2) .

3 _ وقال الفیومی : « الرِشوه بالکسر : ما یعطیه الشخص الحاکم وغیره لیحکم له أو یحمله علی ما یرید ... والرشاء : الحبل والجمع أرشیه مثل کساء وأکسیه »(3) .

4 _ قال الزمخشری : « ر ش و فلان یرتشی فی حکمه ویأخذ الرُِشوه والرُّشَی ، الرُّشَی رشاءُ النجاح ، ولعن اللّه الراشی والمرتشی ، ورشوته أرشوه ، وعن ثعلب : هو من رَشَا الفرخ

ص:137


1- (1) معجم مقاییس اللغه 2 / 397 .
2- (2) صحاح اللغه 6 / 2357 .
3- (3) المصباح المنیر 1 / 310 .

إذا مدَّ رأسه إلی اُمّه لتزقَّه . واسترشی الفصیل : طلب الرضاع ... »(1) .

5 _ وقال صاحب القاموس : « الرشوه _ مثلثه _ : الجُعل جمعها رُشیً ... والرَّشاء ککَساء : الحبل ، کالرِشاء بالکسر »(2) .

6 _ وابن الأثیر قال : « رشا _ س _ فیه : لعن اللّه الراشی والمرتشی والرائش ، الرِشوه والرُشوه : الوصله إلی الحاجه بالمصانعه ، وأصله من الرِشاء الذی یُتوصّل به إلی الماء . فالراشی : من یعطی الذی یعینه علی الباطل ، والمرتشی : الآخذ ، والرائش : الذی یسعی بینهما یزید لهذا ویستنقص لهذا . فأمّا ما یعطی توصّلاً إلی أخذ حقٍّ أو دفعِ ظلمٍ فغیر داخل فیه . روی أنّ ابن مسعود اُخذ بأرض الحبشه فی شیءٍ فأعطی دینارین حتّی خلّی سبیله ، وروی عن جماعه من أئمه التابعین قالوا : لا بأس أن یصانع الرجل عن نفسه وماله إذا خاف الظلم »(3) .

7 _ وقال الطریحی : « والرِشوه _ بالکسر _ : ما یعطیه الشخصُ الحاکمَ وغیرَه فیحکم له أو یحمله علی ما یرید ، والجمع رُشی مثل سِدره وسُدَر ، والضمّ لغه ، وأصلها من الرِشاء : الحبل الذی یتوصل به إلی الماء ، وجمعه أرشیه ککِساء وأکسیه ... والرشوه قلّ ما تستعمل إلاّ فیما یتوصّل به إلی إبطال حقٍّ أو تمشیه باطل »(4) .

هذا کلّه کلمات أهل اللغه .

والأصحاب تعرضوا لتعریفها أیضاً منهم :

8 _ جدنا الشیخ جعفر کاشف الغطاء قال : « (ویحرم) أخذ (الرشاء) : جمع الرشوه مثلّثه (فی الحکم) بسببه (وإن حکم علی باذله) فلم یؤثر بذله (بحقٍّ أو باطل) ولیس مطلق الجُعل کما فی القاموس بل بینه وبین الاُجره والجُعل عموم من وجه ، ولا البذل علی خصوص الباطل کما فی النهایه والمجمع ، ولا مطلق البذل ولو علی خصوص الحقّ ، بل هو البذل علی

ص:138


1- (4) أساس البلاغه / 164 .
2- (5) قاموس اللغه / 878 .
3- (1) النهایه 2 / 226 .
4- (2) مجمع البحرین 1 / 184 .

الباطل أو علی الحکم له حقّاً أو باطلاً ، مع التمسیه وبدونها ، أمّا ما کان بصوره الإجاره علی أصل القضاء أو علی خصوص الحق فیه فسیجیء الکلام فیه »(1) .

9 _ وقال السید العاملی فی مفتاحه : « الرشاء _ بالضم والکسر _ جمع رشوه ... هی عند الأصحاب ما یعطی للحکم حقّاً وباطلاً ، وأصل مأخذها یدلّ علی سبب أو تسبّب لشیءٍ برفق »(2) .

10 _ وقال النراقی : « ... فلا کلام فی أنّ الرشوه للقاضی هی المال المأخوذ من أحد الخصمین أو منهما أو من غیرهما للحکم علی الآخر أو إهدائه أو إرشاده فی الجمله . إنّما الکلام فی أنّ الحکم أو الإرشاد المأخوذین فی ماهیته هل هو مطلق شامل للحقِّ أو الباطل أو یختص بالحکم بالباطل ؟ مقتضی إطلاق الأکثر وتصریح والدی العلامه فی المعتمد والمتفاهم فی العرف هو الأوّل ، وهو الظاهر من القاموس والکنز ومجمع البحرین ، ویدلّ علیه استعمالها فیما أعطی للحقِّ فی الصحیح عن رجل یرشو الرجل علی أن یتحوّل من منزله فیسکنه ، قال : لا بأس(3) . فإنّ الأصل فی الاستعمال إذا لم یعلم الاستعمال فی غیره الحقیقه ، کما حقق فی موضعه . نعم عن النهایه الأثیریه ما ربّما یشعر بالتخصیص ککلام بعض الفقهاء ، وهو لمعارضه ما ذکر غیر صالح ، مع أنّ الظاهر أنّ مراد بعض الفقهاء تخصیص الحرمه دون الحقیقه »(4) .

11 _ وقال صاحب الجواهر : « وکیف کان فالرشوه فی مختصر النهایه : الوصله إلی الحاجه بالمصانعه ، والراشی : مَنْ یعطی الذی یعینه علی الباطل ، والمرتشی : الآخذ ، والرایش : الذی یسعی بینهما یستزید لهذا ویستنقص لهذا . ثمّ ذکر کلمات بعض أهل اللغه والأعلام وقال : أنّ الرشوه خاصه فی الأموال وفی بذلها علی جهه الرشوه ، أو أنّها تعمّمها وتعمّ الأعمال بل والأقوال ، کمدح القاضی والثناء علیه والمبادره إلی حوائجه وإظهار تبجیله وتعظیمه ونحو ذلک ، وتعمّ البذل وعقد المحاباه والعاریه والوقف ونحو ذلک ، وبالجمله کلّ ما

ص:139


1- (3) شرح القواعد 1 / 277 .
2- (4) مفتاح الکرامه 12 / 302 .
3- (1) وسائل الشیعه 17 / 278 ح 2 . الباب 85 من أبواب ما یکتسب به .
4- (2) مستند الشیعه 17 / 71 .

قُصد به التوصل إلی حکم الحاکم ، قد یقوی فی النظر الثانی وإنّ شک فی بعض الأفراد فی الدخول فی الإسم أو جزم بعدمه فلا یبعد الدخول فی الحکم »(1) .

12 _ وقال المحقق الإیروانی : « مجموع معنی الرشوه خمسه : 1 _ مطلق الجُعل المندرج فیه اُجره الاُجراء ، 2 _ والجُعل علی القضاء وتصدّی فصل الخصومه ، 3 _ والجُعل علی الحکم بالواقع لنفسه کان أو لغیره ، 4 _ والجعل علی الحکم لنفسه حقّاً کان أو باطلاً ، 5 _ والجُعل علی الحکم بالباطل .

والأوّل ممّا ینبغی القطع ببطلانه وإنْ وقع تفسیره به فی کلمات بعض اللغویین ، فإنّه للإشاره إلی المعنی فی الجمله کما فی « سعدانه نبت » . والمتیقّن من بین بقیه المعانی إنْ لم یکن هو الظاهر هو الأخیر . وعلی کلِّ حال فدفع المال لأجل أن لا یقبل القاضی الرشوه من المبطل ثمّ

یحکم هو علی طبق الواقع بمقتضی طبعه لیس من الرشوه »(2) .

وقال قبل صفحه : « وینبغی القطع بأنّ مطلق الجعل علی عمل لیس رشوهً وإنْ اُوهمته عباره القاموس والنهایه ، وإلاّ لدخل فیه اُجره الاُجراء والأکره ، ولئن سلّم عموم اللفظ فالمحرّم هو قسم خاصّ منه ، والمتیقَّن من المتّصف بالتحریم هو المال المدفوع بإزاء الحکم بالباطل ، بل منصرف لفظ « الرشوه » أیضاً عرفاً هو هذا لا غیر ، ویشهد له عباره المجمع ... »(3) .

13 _ وقال المحقق الخوئی : « والمتحصَّل من کلمات الفقهاء رضوان اللّه علیهم ومن أهل العرف واللغه مع ضمِّ بعضها إلی بعضها أنّ الرشوه ما یعطیه أحد الشخصین للآخر لإحقاق حقٍّ أو تمشیه باطل أو للمتلق أو الوصله إلی الحاجه بالمصانعه أو فی عمل لا یقابل بالاُجره والجعل عند العرف والعقلاء وإن کان محطاً لغرضهم ومورداً لنظرهم . بل یفعلون ذلک العمل للتعاون والتعاضد بینهم ، کإحقاق الحقّ وإبطال الباطل وترک الظلم والإیذاء أو دفعها وتسلیم الأوقاف من المدارس والمساجد والمعابد ونحوها إلی غیره ، کأنْ یرشو الرجل علی أن

ص:140


1- (3) جواهر الکلام 22 / 146 .
2- (1) الحاشیه علی المکاسب 1 / 157 .
3- (2) الحاشیه علی المکاسب 1 / 155 .

یتحول عن منزله فیسکنه غیره ، أو یتحول عن مکان فی المساجد فیجلس فیه غیره ، إلی غیر ذلک من الموارد التی لم یتعارف أخذ الاُجره علیها .

نعم ، ما ذکره فی القاموس من تفسیر الرشوه بمطلق الجُعل محمول علی التفسیر بالأعم ، کما هو شأن اللغوی أحیاناً ، وإلاّ لشمل الجُعل فی مثل قول القائل « من ردّ عبدی فله ألف درهم » ، مع أنّه لا یقول به أحد »(1) .

14 _ وقال شیخنا الاُستاذ _ مدظله _ : « الإحتمالات فی معنی الرشوه أربعه :

الأوّل : ما یعمّ مقابل الحکم الصحیح ، سواء جعل عوضاً عن نفس الحکم أو عن مقدماته کالنظر فی أمر المترافعین . وهذا ظاهر القاموس ، ویساعده ظاهر کلام المحقق الثانی وصریح الحلی ... .

الثانی : ما یعطی للقاضی للحکم له فی الواقعه بالباطل وبقضاء الجور ، کما هو ظاهر مجمع البحرین .

الثالث : إعطاء المال لغایه الوصول إلی غرضه من الحکم له أو أمر آخر یفعله الغیر له ،

کما عن المصباح والنهایه .

الرابع : إعطاء المال للقاضی للحکم له حقّاً أو باطلاً ... . والصحیح فی معناها هو الإحتمال الرابع ، وهو إعطاء المال للحکم له مطلقاً حقّاً أو باطلاً »(2) .

15 _ قال بعض أساتیذنا _ مدظله _ : « إنّ الرشوه لیست عباره عن مطلق الجُعل ولا مطلق الجُعل للقاضی أو القضاه ، بل المتیقَّن منها الجُعل فی قبال إبطال حقٍّ أو تمشیه باطل ، أو إحقاق حقٍّ یتوقف علیها ، فیحرم علی المرتشی فقط ... »(3) .

أقول : الظاهر أنّ المراد بالرشوه عند الأصحاب هی البذل والجُعل فی عوض الحکم بالباطل أو بالحقّ مطلقاً ، کما صرح بها جماعه : منهم ابن إدریس الحلی فی السرائر(4) والمحقق

ص:141


1- (3) مصباح الفقاهه 1 / 263 .
2- (1) ارشاد الطالب 1 / 149 .
3- (2) دراسات فی المکاسب المحرمه 3 / 161 .
4- (3) السرائر 2 / 166 .

فی الشرائع(1) والعلامه فی القواعد(2) والتذکره(3) والمحقق الکرکی فی جامع المقاصد(4) وثانی الشهیدین فی المسالک(5) والمحقق الأردبیلی فی مجمع الفائده(6) والشیخ الأعظم فی المکاسب(7) والسید الیزدی فی العروه الوثقی(8) وشیخنا الاُستاذ(9) - مد ظله - فیما مضی من کلامه آنفاً .

هذا کلّه فی تعین موضوع الرشوه وحقیقتها وتبیین معناها ، ولابدّ من مراجعه کلمات الأصحاب فی حرمتها :

الأقوال فی حرمه الرشوه

1 _ قال الشیخ الطوسی : « والرشاء فی الأحکام سحت »(10) .

2 _ وقال القاضی ابن البراج ضمن بیان المکاسب المحظوره : « ... والفتیا بالباطل

والحکم به ولو مع العلم ، والإرتشاء علی ذلک أو ما یجری مجری الإرتشاء ... »(11) .

3 _ وقال ابن إدریس الحلی : « والرشا فی الأحکام سحت »(12) وقال أیضاً : « والقاضی بین المسلمین والحاکم والعامل علیهم یحرم علی کلِّ واحد منهم الرشوه ، لما روی أنّ النبی صلی الله علیه و آله وسلم قال : لعن اللّه الراشی والمرتشی فی الحکم . وهو حرام علی المرتشی بکلِّ حال

ص:142


1- (4) شرائع الإسلام 2 / 6 .
2- (5) قواعد الاحکام 2 / 10 .
3- (6) تذکره الفقهاء 12 / 148 المسأله 654 .
4- (7) جامع المقاصد 4 / 35 .
5- (8) مسالک الأفهام 3 / 136 .
6- (9) مجمع الفائده والبرهان 12 / 49 .
7- (10) المکاسب المحرمه / 30 الطبع الحجری _ (1 / 242) .
8- (11) العروه الوثقی 6 / 442 المسأله 19 .
9- (12) إرشاد الطالب 1 / 151 .
10- (13) النهایه / 364 .
11- (1) المهذب 1 / 345 .
12- (2) السرائر 2 / 220 .

،وأمّا الراشی فإن کان قد رشاه علی تغیّر الحکم أو إیقافه فهو حرام ، وإن کان علی إجرائه علی واجبه لم یحرم علیه أن یرشوه لذلک ، لأنّه یستنقذ ماله ، فیحلّ ذلک له ویحرم علی الحاکم أخذه »(1) .

4 _ وقال المحقق : « الرشاء حرام سواء حکم لباذله أو علیه بحقٍّ أو باطل »(2) .

5 _ وقال العلامه : « یحرم الرشاء فی الحکم وإن حکم علی باذله بحقٍّ أو باطل »(3) .

6 _ وقال فی التحریر : « الرشاء فی الحکم حرام ، سواء کان حکم لباذله أو علیه بحقٍّ أو باطل »(4) ، ونحوها فی إرشاد الأذهان(5) .

7 _ وقال المحقق الثانی : « أجمع أهل الإسلام علی تحریم الرشاء فی الحکم ، سواء حکم بحقٍّ أو باطل للباذل أو علیه ، وفی الأخبار عن أئمه الهدی صلوات اللّه علیهم : أنّه الکفر باللّه عزّ وجل وبرسوله صلی الله علیه و آله وسلم »(6) .

8 _ وقال الشهید الثانی : « الرشا _ بضم أوّله وکسره مقصوراً _ جمع رشوه _ بهما _ وهو أخذ الحاکم مالاً لأجل الحکم وعلی تحریمه إجماع المسلمین . وعن الباقر علیه السلام : أنّه الکفر باللّه تعالی وبرسوله . وکما یحرم علی المرتشی یحرم علی المعطی ، لإعانته علی الإثم والعدوان ، إلاّ أن یتوقف علیه تحصیل حقه ، فیحرم علی المرتشی خاصه »(7) .

9 _ المحقق الأردبیلی قال : « یحرم علی القاضی الرشوه ، دلیله العقل والنقل ، کتاباً وإجماعاً من المسلمین وسنّه ، وهی أخبار کثیره من طرقهم وطرقنا ، مثل أنّ النبی صلی الله علیه و آله وسلم قال :

لعن اللّه الراشی والمرتشی فی الحکم ، وعن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : الرشا فی الحکم هو الکفر

ص:143


1- (3) السرائر 2 / 166 .
2- (4) شرائع الإسلام 2 / 6 .
3- (5) قواعد الأحکام 2 / 10 .
4- (6) تحریر الأحکام الشرعیه 2 / 262 .
5- (7) إرشاد الأذهان 1 / 358 .
6- (8) جامع المقاصد 4 / 35 .
7- (9) مسالک الأفهام 3 / 136 .

باللّه ... »(1) .

10 _ وقال سید الریاض : « (و) أخذ (الرُشا) بضم أوّله وکسره مقصوراً ، جمع رشوه بهما (فی الحکم) بالإجماع کما فی کلام جماعه والنصوص المستفیضه ، فی بعضها أنّها سحت وفی عدّه منها : أنّها الکفر باللّه العظیم ، وفیها الصحیح والموثق وغیرهما . وإطلاقها کالعباره وصریح جماعه یقتضی عدم الفرق بین أن یکون الحکم للراشی أو علیه ... »(2) .

11 _ وقال السید العاملی بذیل کلام العلامه فی القواعد : « بإجماع المسلمین کما فی جامع المقاصد وقضاء الروضه وحاشیه الإرشاد ، وهی سحت بلا خلاف کما فی المنتهی ، وفی النصوص أنّها سحت ، وفی عدّه منها أنّها الکفر باللّه العظیم ، وفیها الصحیح والموثق وغیرهما . وهی تدلّ بإطلاقها علی ما ذکروه من عدم الفرق بین أن یکون الحکم للراشی أو علیه ... »(3) .

12 _ وقال الفاضل النراقی : « یحرم علی القاضی أخذ الرشوه _ مثلّثه الراء _ إجماعاً من المسلمین للمستفیضه من المعتبره . ثم ذکر بعض الروایات الوارده فی تحریمها وقال : وکما یحرم علیه أخذها کذلک یحرم علی باذلها دفعها ، لأنّه أعانه علی الإثم والعدوان ، ولقوله علیه السلام : لعن اللّه الراشی والمرتشی فی الحکم ، ولا کلام فی شیء من ذلک ... »(4) .

13 _ وقال صاحب الجواهر : (الرشاء) بضم الراء وکسرها جمع رشوه فی الحکم من الدافع والمدفوع إلیه (حرام) وسحت إجماعاً بقسمیه ونصوصاً مستفیضه أو متواتره ... »(5) .

14 _ وقال تلمیذه السید علی آل بحر العلوم : « ومن التکسبات المحرَّمه أخذ الشیء بعنوان الرشاء فی القضاء والحکم للشخص عند التخاصم مع الغیر ، بإتفاق النص والفتوی ، کما ورد أنّه سحت وأنّه لعن اللّه الراشی والمرتشی »(6) .

ص:144


1- (1) مجمع الفائده والبرهان 12 / 49 .
2- (2) ریاض المسائل 8 / 181 .
3- (3) مفتاح الکرامه 12 / 300 .
4- (4) مستند الشیعه 17 / 69 .
5- (5) جواهر الکلام 22 / 145 .
6- (6) برهان الفقه . کتاب التجاره / 45 الطبع الحجری .

15 _ وقال السید الیزدی : « تحرم الرشوه ، وهی ما یبذله للقاضی لیحکم له بالباطل أو لیحکم له حقّاً کان أو باطلاً ، أو لیعلّمه طریق المخاصمه حتّی یغلب علی خصمه ، ولا فرق فی الحرمه بین أن یکون ذلک لخصومه حاضره أو متوقّعه ، ویدلّ علی حرمتها إجماع

المسلمین ، بل هی من ضروریّات الدین و ... »(1) .

16 _ وقال الفقیه السبزواری : « تدلّ علی حرمه الرشوه الکتاب المبین وضروره الدین ونصوص کثیره ... ویدلّ علی قبحه حکم العقل أیضاً ، لأنّه من الظلم ، فالأدله الأربعه داله علی حرمتها »(2) .

الاستدلال علی حرمه الرشوه

الأوّل : الاجماع

قد مرّ نقل کلمات القوم وإدعاء الإجماع من المحقق(3) والشهید(4) الثانیین والأردبیلی(5) والفیض الکاشانی(6) وسید الریاض(7) وأصحاب مفتاح الکرامه(8) ومستند الشیعه(9) والجواهر(10) وبرهان الفقه(11) والعروه الوثقی(12) ، بل فی العروه الوثقی ومهذب

ص:145


1- (1) العروه الوثقی 6 / 442 المسأله 19 .
2- (2) مهذب الأحکام 16 / 94 .
3- (3) جامع المقاصد 4 / 35 .
4- (4) مسالک الأفهام 3 / 136 والروضه البهیه 3 / 75 .
5- (5) مجمع الفائده والبرهان 12 / 49 .
6- (6) مفاتیح الشرائع 3 / 251 لم اذکر کلامه فیما مضی .
7- (7) ریاض المسائل 8 / 181 .
8- (8) مفتاح الکرامه 12 / 300 .
9- (9) مستند الشیعه 17 / 69 .
10- (10) جواهر الکلام 22 / 145 .
11- (11) برهان الفقه ، کتاب التجاره / 45 .
12- (12) العروه الوثقی 6 / 442 .

الأحکام(1) عدّ حرمتها من ضروریات الدین . کما قال المحقق الخوئی : « ومجمل القول أنّ حرمه الرشوه فی الجمله من ضروریات الدین وممّا قام علیه إجماع المسلمین ، فلا حاجه إلی الاستدلال علیها »(2) .

ویمکن الإیراد علی هذا الإجماع بأنّه إجماعٌ مدرکیٌ ، لاحتمال کون مدرکهم ما یأتی من الأدله .

الثانی : الکتاب المجید

قوله تعالی : «وَلاَ تَأْکُلُواْ أَمْوَالَکُم بَیْنَکُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَی الْحُکَّامِ لِتَأْکُلُواْ فَرِیقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ»(3) .

قال الشیخ الطوسی فی تفسیره : « قوله تعالی «وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَی الْحُکَّامِ»فالحکم هو الخبر الذی یفصل به بین الخصمین یمنع کلّ واحد من منازعه الآخر .

وقیل فی معناه قولان :

أحدهما : قال ابن عباس والحسن وقتاده : إنّه الودیعه وما تقوم به بیّنه .

الثانی : قال الجبائی : فی مال الیتیم الذی فی ید الأوصیاء ، لأنّه یدفعه إلی الحاکم إذا طولب به ، لیقتطع بعضه ویقوم له فی الظاهر حجه .

اللغه : یقال : أدلی فلان بالمال إلی الحاکم : إذا دفعه إلیه ، وأدلی فلان بحقِّه وحجته : إذا هو احتج بها وأحضرها ، ودلوت الدلو فی البئر أدلوها : إذا أرسلتها فی البئر ، وأدلیتها إدلاء : انتزعها من البئر ، منه قوله تعالی : «فَأَدْلَی دَلْوَهُ»(4)أی انتزعها ، وقال صاحب العین : أدلیتها : إذا أرسلتها أیضاً ، وأدلی الإنسان شیئاً فی مهوی ، ویتدلّی هو بنفسه ، والدالیه معروفه ... .

المعنی : وقیل فی اشتقاق تدلو قولان : أحدهما : أنّ التعلق بسبب الحکم کتعلق الدلو

ص:146


1- (13) مهذب الأحکام 16 / 94 .
2- (14) مصباح الفقاهه 1 / 264 .
3- (1) سوره البقره / 188 .
4- (2) سوره یوسف / 19 .

بالسبب الذی هو الحبل . والثانی : أنّه یمضی فیه من غیر تثبت ، کمضی الدلو فی الإرسال من غیر تثبت . والباطل : هو ما تعلق بالشیء علی خلاف ما هو به ، خبراً کان أو اعتقاداً أو تخیّلاً أو ظنّاً ، والفریق : القطعه المعزوله من الشیء ، والإثم : الفعل الذی یستحق به الذم ... »(1) .

وزاد الطبرسی فی معنی قوله تعالی «تُدْلُواْ بِهَا إِلَی الْحُکَّامِ»مضافاً إلی ما ذکره الشیخ من القولین : « وثالثها : أنّه ما یؤخذ بشهاده الزور عن الکلبی ، والأولی : أن یُحمل علی الجمیع »(2) .

وقال فی تفسیره الآخر : « وقیل : وتدلوا وتلقوا بعضها إلی حکام السوء علی وجه الرشوه »(3) .

وهکذا قال الزمخشری : « وقیل «وَتُدْلُواْ بِهَا»وتلقوا بعضها إلی حکام السوء علی وجه الرشوه »(4) .

وقال الطریحی : «وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَی الْحُکَّامِ»أی تلقوا حکومه الأموال إلی الحکام ، والإدلاء : الإلقاء ، وفی الصحاح «وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَی الْحُکَّامِ» یعنی الرشوه »(5) .

أقول : ظاهر الآیه الشریفه یدلّ علی حرمه الرشوه ، لأنّها تدخل فی ما تدلوا إلی الحکام بجههِ أکلِ فریقٍ من أموال الناس ، فتشملها النهی الوارد فی أوّل الآیه الشریفه ، أعنی «لاَ تَأْکُلُواْ»فثبت تحریمها .

ومن الواضح أنّ ثبوت الظهور لا یحتاج إلی ورود روایه أو خبر ، والظهور حجه بلا تردید ، فالرشوه صارت محرّمه بظهور الآیه الشریفه ، ولذا تمسک جمعٌ من أصحابنا - أعلی اللّه کلماتهم - فی تحریم الرشوه بهذه الکریمه ، وهو فی محلّه .

الثالث : الروایات المتواتره

الروایات الکثیره المستفیضه بل المتواتره تدلّ علی حرمه الرشوه بوضوح :

ص:147


1- (3) التبیان 2 / 138 و 139 .
2- (4) مجمع البیان 2 / 282 .
3- (5) جوامع الجامع 1 / 106 .
4- (1) الکشاف 1 / 233 .
5- (2) مجمع البحرین / 30 الطبع الحجری .

منها : صحیحه عمار بن مروان قال : سألت أبا جعفر علیه السلام عن الغلول ، فقال : کلُّ شیءٍ غُلّ من الإمام فهو سحت ، وأکل مال الیتیم وشبهه سحت ، والسحت أنواع کثیره : منها : اُجور الفواجر ، وثمن الخمر والنبیذ والمسکر ، والربا بعد البیّنه ، فأمّا الرشا فی الحکم فإن ذلک الکفر باللّه العظیم جلّ اسمه وبرسوله صلی الله علیه و آله وسلم (1) .

سند الروایه صحیح ، لأنّ المراد بعمار بن مروان هو الیشکری مولاهم الخزاز الکوفی ، هو وأخوه عمرو ثقتان . وروی نحوها الصدوق فی الخصال / 329 ح 26 بسند صحیح کما نقل عنه فی الوسائل 17 / 95 ح 12 .

ومنها : موثقه سماعه عن أبی عبد اللّه علیه السلام أنّه قال : السحت أنواع کثیره : منها : کسب الحجام إذا شارط ، وأجر الزانیه ، وثمن الخمر ، وأمّا الرشا فی الحکم فهو الکفر باللّه العظیم ، الحدیث(2) .

سند الشیخ موثق ، ولکن سند الکلینی(3) ضعیف . +6

ومنها : موثقه اُخری لسماعه عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : الرشا فی الحکم هو الکفر باللّه(4) .

ومنها : معتبره السکونی عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : السحت ثمن المیته ، وثمن الکلب ، وثمن الخمر ، ومهر البغی ، والرشوه فی الحکم ، وأجر الکاهن(5) .

ومنها : معتبره حمران عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال فی حدیث طویل : ورأیتَ الولاه یرتشون فی الحکم ، الحدیث(6) .

وأنت تری أنّ هذه الروایات المعتبره تقیّد الرشاء بالحکم .

ص:148


1- (3) وسائل الشیعه 17 / 92 ح 1 . الباب 5 من أبواب ما یکتسب به .
2- (4) وسائل الشیعه 17 / 92 ح 3 .
3- (5) وسائل الشیعه 17 / 92 ح 2 .
4- (1) وسائل الشیعه 27 / 222 ح 3 . الباب 8 من أبواب آداب القاضی .
5- (2) وسائل الشیعه 17 / 93 ح 5 .
6- (3) وسائل الشیعه 16 / 277 ح 6 . الباب 41 من أبواب الأمر والنهی .

ومنها : خبر یزید بن فرقد عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : سألته عن السحت ، فقال : الرشاء فی الحکم(1) .

ومنها : خبر الأصبغ بن نباته عن أمیر المؤمنین علیه السلام قال : أیما وال احتجب عن حوائج الناس احتجب اللّه عنه یوم القیامه وعن حوائجه ، وإن أخذ هدیهً کان غلولاً ، وإن أخذ الرشوه فهو مشرک(2) .

ومنها : فی خبر وصیه النبی صلی الله علیه و آله وسلم قال : یا علی من السحت ثمن المیته ، وثمن الکلب ، وثمن الخمر ، ومهر الزانیه ، والرشوه فی الحکم ، وأجر الکاهن(3) .

ومنها : مرسله الصدوق قال : قال علیه السلام : أجر الزانیه سحت ، وثمن الکلب الذی لیس بکلب الصید سحت ، وثمن الخمر سحت ، وأجر الکاهن سحت ، وثمن المیته سحت ، فأما الرشا فی الحکم فهو الکفر باللّه العظیم(4) .

ومنها : مرسله جراح المداینی عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : من أکل السحت : الرشوه فی الحکم(5) .

ومنها : خبر یوسف بن جابر عن أبی جعفر علیه السلام قال : لعن رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم : من نظر

إلی فرج امرأه لا تحلّ له ، ورجلاً خان أخاه فی امرأته ، ورجلاً احتاج الناس إلیه لتفقّهه فسألهم الرشوه(6) .

روی نحوها المجلسی(7) عن خط الشیخ محمد بن علی الجباعی قدس سره نقلاً عن الشهید قدس سره ، وهذه الروایه بعمومها تدلّ علی حرمه الرشوه .

ص:149


1- (4) وسائل الشیعه 17 / 93 ح 4 .
2- (5) وسائل الشیعه 17 / 94 ح 10 .
3- (6) وسائل الشیعه 17 / 94 ح 9 .
4- (7) وسائل الشیعه 17 / 94 ح 8 .
5- (8) وسائل الشیعه 27 / 223 ح 7 .
6- (1) وسائل الشیعه 27 / 223 ح 5 .
7- (2) بحار الأنوار 100 / 54 ح 28 .

ومنها : مرسله الطبرسی عن النبی صلی الله علیه و آله وسلم قال : إنّ السحت هو الرشوه فی الحکم ، وهو المروی عن علی علیه السلام (1) .

ومنها : مرسله اُخری للطبرسی عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : إنّ السحت أنواع کثیره ، فأمّا الرشا فی الحکم فهو الکفر باللّه(2) .

ومنها : خبر جابر عن النبی صلی الله علیه و آله وسلم أنّه قال : هدیه الاُ مراء غلولٌ(3) .

الروایه بإطلاقها تدلّ علی حرمه الرشوه .

ومنها : خبر أحمد بن عبد اللّه الهروی الشیبانی وداود بن سلیمان الغرا عن علی بن موسی الرضا علیه السلام فی قول اللّه عزّ وجل «أَکَّالُونَ لِلسُّحْتِ»(4) قال : هو الرجل الذی یقضی لأخیه الحاجه ثمّ یقبل هدیته(5) .

هذه الروایه أیضاً بإطلاقها تدل علی حرمه الرشوه

ومنها : ما رواها الشیخ أبومحمد جعفر بن أحمد بن علی القمی بإسناده إلی رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم أنّه قال : الراشی والمرتشی والرائش بینهما ملعونون(6) .

وفی بعض النسخ بدل الرائش « الماشی » وکلاهما بمعنی واحد .

ومنها : مرسله الرضی عن أمیر المؤمنین علیه السلام أنّه قال فی خطبه : وقد علمتم أنّه لا ینبغی أن یکون الوالی علی الفروج والدماء و المغانم والأحکام وإمامه المسلمین : البخیل ... ولاالجاهل ... والجافی ... والحائف ... ولا المرتشی فی الحکم فیذهَب بالحقوقِ ویقف بها دون

المقاطِعِ ، ولا المعطِّلُ للسنه فَیُهْلِک الاُمّه(7) .

ص:150


1- (3) وسائل الشیعه 17 / 96 ح 15 .
2- (4) وسائل الشیعه 17 / 96 ح 16 .
3- (5) وسائل الشیعه 27 / 223 ح 6 .
4- (6) سوره المائده / 42 .
5- (7) عیون أخبار الرضا علیه السلام 2 / 28 ح 16 ونقل عنه فی وسائل الشیعه 17 / 95 ح 11 .
6- (8) جامع الأحادیث / 85 ونقلت عنه فی موسوعه أحادیث أهل البیت علیهم السلام 4 / 218 ح 5 .
7- (1) نهج البلاغه . الخطبه 131 ونقلت عنه فی موسوعه أحادیث أهل البیت علیهم السلام 4 / 218 ح 7 .

الحائف : الظالم والجائر ، من الحیف بمعنی الجور والظلم . المقاطع : الحدود التی عیّنها اللّه تعالی لها .

ومنها : مرسله صاحب جامع الأخبار عن النبی صلی الله علیه و آله وسلم أنّه قال : لعن اللّه الراشی والمرتشی والماشی بینهما(1) .

ومنها : مرسله اُخری له عن النبی صلی الله علیه و آله وسلم أنّه قال : إیّاکم والرشوه ، فإنّها محض الکفر ، ولا یشمّ صاحب الرشوه ریح الجنه(2) .

فهذه الروایات المتواتره تدلّ علی حرمه الرشوه بوضوح ، وفی کثیر منها تقیّد الرشوه بالحکم ، فلذا لابدّ من تقیید المطلقات به والذهاب إلی أنّ الرشوه المصطلح عند الفقهاء أعلی اللّه کلمتهم مقیده بالحکم ، أعنی الرشوه التی إعطاؤها وأخذها والسعی بینهما حرام مختص بالرشوه التی تبذل فی الحکم فقط کما علیه فتوی المشهور .

وهکذا تدلّ علی حرمه الرشوه : بلا فرق بین أن یأخذها القاضی لیحکم للمعطی بالباطل مع العلم ببطلان الحکم ، وبین أن یأخذها لیحکم للباذل مع جهله سواء طابق حکمه الواقع أم لم یطابق ، وبین أن یأخذها لیحکم له بالحقِّ مع العلم .

ففی الصوره الأخیره حرمه الرشوه یدلّ علیها إطلاق الروایات الماضیه ومضافاً إلی ذلک مناسبه الحکم والموضوع یقتضی الحرمه ، لأنّ القضاء من المناصب الإلهیه التی جعلها اللّه للرسول صلی الله علیه و آله وسلم والأئمه من ولده علیهم السلام ، فلا ینبغی لمن أعطاه اللّه هذا المنصب أن یأخذ علیه الاُجره .

وتدلّ علیه الروایات الداله علی حرمه أخذ الاُجره علی القضاء ، کما سیأتی إن شاء اللّه تعالی .

فالرشوه فی جمیع الصور الثلاث حرام .

نعم ، إذا کان أخذ الحقّ یتوقف علیها یجوز للراشی ویحرم علی المرتشی فقط ، کما علیه

ص:151


1- (2) جامع الأخبار/ 439 ح 5 و نقلت عنه فی موسوعه أحادیث أهل البیت علیهم السلام 4 / 218 ح8 .
2- (3) جامع الأخبار/ 440 ح 6 ونقلت عنه فی موسوعه أحادیث أهل البیت علیهم السلام 4 / 218 ح 9 .

فتوی المشهور .

ومنهم العلامه قال فی التحریر : « وأمّا الرشوه فإنّها حرام علی آخذها ویأثم الدافع لها

إن توصل بها إلی الحکم بالباطل ، ولو توصل إلی الحقِّ لم یأثم ویأثم المرتشی علی التقدیرین ، ویجب علیه دفع الرشوه إلی صاحبها سواء حکم له أو علیه ولو تلفت ضمنها »(1) .

ومنهم الشهید الثانی قال معلِّقاً علی قول العلامه فی الإرشاد : « الرشاء فی الحکم » : « إلاّ أن یتوقَّف تحصیل الحقّ علیه فیحرم علی المرتشی خاصه »(2) .

وعلی قوله فی کتاب القضاء : « تحرم علیه الرشوه» : « یحرم علی الراشی والمرتشی إلاّ أنْ یتوقف حصول الحقّ علیها فیحرم علی المرتشی خاصّهً »(3) .

وعلی قوله « إن توصل بها إلی الباطل » : « إلاّ لِمَن یتوصَّل بها إلی الحقِّ ولا یمکن بدونه »(4) .

الرابع : حکم العقل

العقل یحکم بحرمه الرشوه ، ولعلّ أوّل مَنْ تعرض له المحقق الأردبیلی قدس سره حیث یقول : « یحرم علی القاضی الرشوه دلیله العقل والنقل ... »(5) . واعترف به أیضاً المحقق الخوئی(6) فی الجمله ، وقال الفقیه السبزواری : « ویدلّ علی قبحه حکم العقل أیضاً لأنّه من الظلم ... »(7) .

فالأعلام اعترفوا بحکم العقل علی حرمه الرشوه ، وأمّا تقریبه :

أخذ الرشوه توسط القاضی ظلم علی جمیع التقادیر ، لأنّه إمّا حَکَمَ للباذل بحقٍّ أو باطلٍ ، فإذا حکم له بالحقِّ فلماذا أخذ الرشوه ؟ لأنّ وظیفته الحکم علی طبق الحقِّ والموازین

ص:152


1- (1) تحریر الأحکام الشرعیه 5 / 115 .
2- (2) حاشیه الشهید الثانی علی الارشاد المطبوعه ضمن غایه المراد 2 / 9 . ومستقلاً / 165 .
3- (3) حاشیه الشهید الثانی علی الارشاد المطبوعه ضمن غایه المراد 4 / 10 . ومستقلاً / 368 .
4- (4) حاشیه الشیهد الثانی علی الارشاد المطبوعه ضمن غایه المراد 4 / 10 . ومستقلاً / 368 .
5- (5) مجمع الفائده والبرهان 12 / 49 .
6- (6) مصباح الفقاهه 1 / 265 .
7- (7) مهذب الأحکام 16 / 94 .

الشرعیه . وإذا حکم له بالباطل کان حکمه محرّماً وما أخذ بأزائه أیضاً یکون محرّماً ، فعلی التقدیرین أخذ القاضی الرشوه یکون من الظلم فصار محرّماً .

وهکذا الأمر إذا لم یتأثر القاضی من الرشوه وحکم علی طبق الواقع وما یکون وظیفته طبق الموازین الشرعیه ، لأنّه حینئذٍ أخَذَ الرشوه فی مقابل أیّ عمل ؟ ! فیکون أخذها ظلماً فیحرم علیه ، فأخذ الرشوه علی جمیع التقادیر ظلم ، فیصیر محرّماً .

وأمّا بالنسبه إلی المعطی فإنه إذا أعطی فی قبال الحکم بالباطل وتمشیته وتضییع الحقّ فیکون إعطاؤه أیضاً ظلماً ، فیصیر محرّماً .

والحاصل : أنّ العقل أیضاً حاکمٌ بحرمه الرشوه ، لأنّها من مصادیق الظلم الذی یستقل العقل بقبحه وفساده وحرمته واللّه سبحانه هو العالم .

حرمه أخذ الاُجره علی القضاء

اختلفت کلمات الأصحاب فی أخذ الاُجره والرِزق والجُعل علی الحکم والقضاء بین الناس علی أقوال :

1 _ منها : جواز الأخذ مطلقاً مع الکراهه أو عدمها ، ذهب إلیه المفید فی المقنعه وقال : « ولا بأس بالأجر علی الحکم والقضاء بین الناس ، والتبرع بذلک أفضل وأقرب إلی اللّه تعالی »(1) .

والشیخ فی النهایه قال : « ولا بأس بأخذ الأجر والرزق علی الحکم والقضاء بین الناس من جهه السلطان العادل حسب ما قدّمناه ، فأمّا من جهه سلطان الجور فلا یجوز إلاّ عند الضروره أو الخوف علی ما قدّمناه ، والتنزه عن أخذ الرزق علی ذلک فی جمیع الأحوال أفضل »(2) .

والقاضی ابن البراج فی المهذب قال فی عداد المکاسب المکروهه : « وکسب الحجام ،

ص:153


1- (1) المقنعه / 588 .
2- (2) النهایه / 367 .

والأجر علی القضاء وتنفیذ الأحکام من قِبَلِ الإمام العادل »(1) .

وسلاّر بن عبد العزیز الدیلمی فی المراسم قال : « فأمّا المکروه فهو الکسب بالنوح علی أهل الدین بالحقِّ ، وکسب الحجام ، والأجر علی القضاء بین الناس »(2) .

ومن المتأخرین ذهب إلیه صاحب العروه(3) والمحقق الإیروانی(4) والمحقق الأردکانی(5) وبعض الأساتیذ(6) _ مدظله _ .

2 _ ومنها : منع الأخذ مطلقاً ذهب إلیه أبو الصلاح الحلبی وقال فی عداد المکاسب المحرّمه : « أجر تنفیذ الأحکام»(7) .

وابن إدریس الحلی قال فی السرائر فی عداد المکاسب المحرّمه : « والإرتشاء علی الأحکام والقضاء بین الناس ، وأخذ الاُجره علی ذلک ، ولا بأس بأخذ الرزق علی القضاء من جهه السلطان العادل ، ویکون ذلک من بیت المال دون الاُجره علی کراهه فیه »(8) .

والعلامه فی القواعد یقول : « وتحرم الاُجره علی الأذان وعلی القضاء ، ویجوز أخذ الرزق علیهما من بیت المال »(9) . وقال فی التذکره : « وتحرم الاُجره علی الأذان وقد سبق(10) ، وعلی القضاء لأنّه واجبٌ ویجوز أخذ الرزق علیهما من بیت المال »(11) .

ص:154


1- (3) المهذب 1 / 346 .
2- (4) المراسم / 169 .
3- (5) العروه الوثقی 6 / 435 .
4- (6) الحاشیه علی المکاسب 1 / 158 .
5- (7) غنیه الطالب 1 / 128 .
6- (8) دراسات فی المکاسب المحرمه 3 / 171 .
7- (1) الکافی / 283 .
8- (2) السرائر 2 / 217 .
9- (3) قواعد الأحکام 2 / 10 .
10- (4) فی تذکره الفقهاء 3 / 81 المسأله 184 .
11- (5) تذکره الفقهاء 12 / 148 .

ونحوها فی المنتهی(1) والتحریر(2) والإرشاد(3) .

وقال الشیخ شمس الدین محمد بن شجاع القطّان الحلی فی کتاب التکسب من معالم الدین : « یحرم أخذ الاُجره علی تحمل الشهاده وأدائها و ... والقضاء ولا بأس بالرزق من بیت المال »(4) .

وقال فی قضاء المعالم : « ولا یجوز أخذ الجُعل من الخصمین وإن لم یتعیّن علیه وإن کان به ضروره علی الأقوی ، ولو انتفی أحدهما لم یجز قطعاً »(5) .

أقول : یأتی تفصیل ابن القطان فی جواز الإرتزاق من بیت المال فیما بعد إن شاء اللّه تعالی .

والمحقق الثانی قال فی شرح القواعد : « وأمّا القضاء للنص والإجماع ، ولا فرق بین أخذ الاُجره من المتحاکمین أو من السلطان أو أهل البلد عادلاً کان أو جائراً ، سواء کان

المأخوذ بالإجاره أو الجُعاله أو الصلح ... والأقوی المنع مطلقاً ، إلاّ من بیت المال خاصه فیتقیّد بالحاجه »(6) .

والشهید الثانی قال : « ومن الأصحاب من جوّز أخذ الاُجره علیه مطلقاً ، والأصح المنع مطلقاً إلاّ من بیت المال علی جهه الإرتزاق ، فیتقیّد بنظر الإمام . ولا فرق فی ذلک بین أخذ الاُجره من السلطان ومن أهل البلد والمتحاکمین ، بل الأخیر هو الرشوه التی وردت فی الخبر أنّها کفر باللّه وبرسوله »(7) .

وقال المحقق الأردبیلی : « وأمّا الأجر علی القضاء والحکم بین المتحاکمین فالظاهر

ص:155


1- (6) منتهی المطلب 2 / 1018 ونقل عنه فی الحدائق 18 / 216 .
2- (7) تحریر الأحکام الشرعیه 2 / 265 .
3- (8) إرشاد الأذهان 1 / 358 .
4- (9) معالم الدین فی فقه آل یس 1 / 331 .
5- (10) معالم الدین فی فقه آل یس 2 / 342 .
6- (1) جامع المقاصد 4 / 36 .
7- (2) مسالک الأفهام 3 / 132 .

تحریمه مطلقاً ، سواء کان القضاء متعیّناً علیه أم لا ، وسواء کان بین المتحاکمین أم لا ... » . ثمّ استدل علی مختاره وذکر بعض الأقوال فی المقام وقال : « والأوّل أظهر کما هو رأی المصنف ، ولا شک فی جواز الإرتزاق من بیت المال علی الکلِّ مع الحاجه التی هی شرط الأخذ من بیت المال الذی هو للمصالح ، والظاهر أنّ المراد بالحاجه هی المتعارفه وعلی حسب العاده لا الضروره التی لا یعیش بدونها ، والظاهر أنّ ذلک هو مراد المصنف »(1) .

وظاهر صاحب الحدائق أیضاً المنع مطلقاً ، فراجع کتابه(2) .

وقال الفاضل النراقی ناقلاً عن والده قدس سرهما : « ونقل والدی فی معتمد الشیعه الإجماع علی الحرمه صریحاً مع عدم الحاجه »(3) . ومال إلیه ولده فی المستند بل اختاره(4) .

واختار سید الریاض القول بالمنع بأنّه « أحوط وأولی»(5) ، وردّ القول بالجواز بأنّه « ضعیف جداً »(6) .

وقال الشیخ الأکبر کاشف الغطاء : « (و) تحرم الاُجره ونحوها من عوض صلح أو جُعل أو غیرهما (علی القضاء) کالإفتاء ، سواء اُخذت من سلطان عادل أو غیره من بیت مالٍ أو أوقافٍ أو من المتخاصمین ، مع الحاجه وعدمها ، أو من متبرّع علی أیِّ نحو کان ، لوجوبه

عیناً مع الاتحاد وکفایهً مع إمکان قیام الغیر ، ولیس من الواجبات المشروطه کالصنائع النظامیه ، مع أنّ الشک فی دخولها تحتها ما یغنی فی المنع _ وللأخبار الداله علیه وللإجماعات المنقول بعضها علی منع الجعل المخصوص بما کان من المتخاصمین أو الأعم ، وبعضها علی تحریم الاُجره »(7) .

ص:156


1- (3) مجمع الفائده والبرهان 8 / 93 .
2- (4) الحدائق 18 / 217 .
3- (5) مستند الشیعه 17 / 64 .
4- (6) مستند الشیعه 17 / 68 و 67 .
5- (7) ریاض المسائل 8 / 184 .
6- (8) ریاض المسائل 8 / 184 .
7- (1) شرح القواعد 1 / 289 .

وقال تلمیذه صاحب الجواهر فی اُجور القضاه : « ... والتحقیق عدم جواز أخذ العوض عنه مطلقاً ، عینیّاً کان علیه أو کفائیاً أو مستحباً مع الحاجه وعدمها ، من المتحاکمین أو أحدهما أو أجنبی أو أهل البلد أو بیت المال أو غیر ذلک ، سواء کان ذا کفایه أو لا ، لأنّه من مناصب السلطان الذی أمر اللّه تعالی بأن یقول : «قُل لاَّ أَسْأَلُکُمْ عَلَیْهِ أَجْراً»(1)وأوجب التأسی به ... »(2) .

وتبعهم جماعه من الفقهاء منهم : المؤسس الحائری(3) والمحقق الخوئی(4) وشیخنا الاُستاذ _ مدظله _ حیث یقول : « فتحصّل من جمیع ما ذکرنا أنّ الأظهر بحسب الروایات عدم جواز أخذ الجعل والأجر علی القضاء أو ما هو من شؤونه ، بلا فرق بین حاجه القاضی وعدمها وتعیّن القضاء علیه وعدمه ، ویتعدی إلی أخذ الجُعل والأجر علی الإفتاء وبیان الأحکام الشرعیه الکلّیّه باعتبار عدم احتمال الفرق بینهما فی ذلک »(5) .

تنبیهٌ :

قد یقال : برجوع الشیخ فی کتابیه الخلاف والمبسوط عما أفتی به فی نهایته من جواز الأخذ مطلقاً ، فلابدّ من ملاحظه نص عبارته ، قال فی الخلاف : « لا یجوز للحاکم أن یأخذ الاُجره علی الحکم من الخصمین أو من أحدهما ، سواء کان له رزق من بیت المال أو لم یکن .

وقال الشافعی : إن کان له رزق من بیت المال لم یجز _ کما قلناه _ وإن لم یکن له رزق من بیت المال جاز له أخذ الاُجره علی ذلک .

دلیلنا : عموم الأخبار الوارده فی أنّه یحرم علی القاضی أخذ الرشا والهدایا وهذا داخل

فی ذلک ، وأیضاً طریقه الإحتیاط تقتضی ذلک ، وأیضاً إجماع الفرقه علی ذلک ، فإنّهم لا

ص:157


1- (2) سوره الأنعام / 90 .
2- (3) جواهر الکلام 22 / 122 .
3- (4) فی تقریرات بحثه المکاسب المحرمه / 58 بقلم شیخنا آیه اللّه الشیخ محمد علی الأراکی قدس سره .
4- (5) مصباح الفقاهه 1 / 481 و 269 .
5- (6) إرشاد الطالب 1 / 153 .

یختلفون فی أنّ ذلک حرام »(1) .

وأنت تری أنّه أفتی بتحریم أخذ الاُجره من المتحاکمین أو أحدهما ، لا أنّه رجع عمّا أفتی به فی النهایه من جواز أخذ الاُجره ، فالجمع بین کلامیه یقتضی القول بأنّ الشیخ یذهب إلی جواز أخذ الاُجره علی القضاء ، ولکن لا من المتخاصمین أو أحدهما بل من غیرهما .

وقال الشیخ فی المبسوط : « وأمّا من یحلّ له أخذ الرزق علیه ومن لا یحلّ : فجملته أنّ القاضی لا یخلو من أحد أمرین : إمّا أن یکون ممّن تعیّن علیه القضاء أو لم یتعیّن علیه وهو القسم الأوّل والأخیر ، فإن کان ممّن یجوز له القضاء ولم یتعیّن علیه لم یخل من أحد أمرین : إمّا أن یکون له کفایه أو لا کفایه له ، فإن لم یکن له کفایه جاز له أخذ الرزق وإن کانت له کفایه فالمستحب أن لایأخذ ، فإن أخذ جاز ولم یحرم علیه بل کان مباحاً . وجواز إعطاء الرزق للقضاء إجماع ، ولأنّ بیت المال للمصالح وهذا منها بل أکثرها حاجه إلیه ، لما فیه من قطع الخصومات واستیفاء الحقوق ونصره المظلوم ومنع الظالم .

هذا إذا لم یتعین علیه القضاء ، فأمّا إن تعیّن علیه القضاء لم یخل من أحد أمرین : إما أن یکون له کفایه أو لا کفایه له ، فإن کانت له کفایه حرم علیه الرزق لأنّه یؤدی فرضاً قد تعیّن علیه ، ومن أدّی فرضاً لم یحلَّ له أخذ الرزق علیه مع الاستغناء عنه ، وإن لم یکن له کفایه حلّ ذلک له لأنَّ علیه فرض النفقه علی عیاله وفرضاً آخر وهو القضاء وإذا أخذ الرزق جمع بین الفرضین ، لأنّ الرزق یقوم مقام الکسب ، فکان الجمع بین الفرضین أولی من إسقاط أحدهما . وهذا عندنا وعندهم ، وحکم الشهاده فی أخذ الجُعل علیها عندنا لا یجوز بحال ... »(2) .

أقول : الحاصل من کلام الشیخ أنه ذهب فی المبسوط إلی جواز أخذ الاُجره للقضاء إلاّ إذا تعیّن علیه القضاء وله کفایه من المال ولا یحتاج إلی أجره ، فحرم علیه الرزق حینئذ فقط .

والجمع بین أقواله الثلاثه یرشدنا إلی هذا التفصیل : بأنّ الشیخ یقول بجواز أخذ

ص:158


1- (1) الخلاف 6 / 233 المسأله 31 .
2- (2) المبسوط 8 / 85 و 84 .

الاُجره علی القضاء ولکن منع أخذه من المتخاصمین أو أحدهما ، وهکذا یجوز أخذ الاُجره للقاضی إلاّ إذا تعیّن علیه القضاء وله کفایه من المال بحیث لا یحتاج إلی اُجرته لإمرار معاشه ، فحرم حینئذ له أخذ الاُجره حتّی من بیت المال .

فالشیخ لم یرجع عما أفتی به فی النهایه ، بل قیّده بقیود ، یعنی ذهب إلی جواز أخذ الاُجره ولکن لا من المتخاصمین أو أحدهما ، ولا یجوز له الأخذ إذا تعیّن علیه القضاء وکان القاضی ذا یسار بحیث لا یحتاج إلی الاُجره ، وهذا فی الواقع إحداث تفصیل من الشیخ یمکن أن یجعل قولاً ثالثاً فی المقام .

3 _ ومنها : التفصیل بین تعیّن القضاء علیه وصوره الغنی وتمکنه فلا یجوز أخذ الاُجره ، وفی غیرهما - أعنی إذا لم یتعیّن القضاء علیه ولم یستغن من أجر قضائه ویحتاج إلیه - فیجوز له أخذ الاُجره ، وحیث ورد فی کلام الأصحاب هذا التفصیل مع بحث ارتزاق القاضی من بیت المال غالباً أذکرهما معاً .

یظهر التفصیل من الشیخ فیما مرّ منّا آنفاً فی الجمع بین أقواله مع زیاده ، ومن المحقق الحلی فی قضاء الشرائع حیث یقول : « إذا ولّی من لا یتعیّن علیه القضاء فإن کان له کفایه من ماله فالأفضل أن لا یطلبَ الرزق من بیت المال ، ولو طلب جاز لأنّه من المصالح . وإن تعیّن للقضاء ولم یکن له کفایه جاز له أخذ الرزق . وإن کان له کفایه ، قیل : لا یجوز له أخذ الرزق لأنّه یؤدّی فرضاً . أمّا لو أخذ الجُعل من المتحاکمین ففیه خلافٌ ، والوجه التفصیل ، فمع عدم التعیین وحصول الضروره ، قیل یجوز ، والاُولی المنع ، ولو اختلَّ أحد الشرطین لم یجز »(1) .

وقال فی المختلف بعد نقل الأقوال فی المسأله : « والأقرب أن نقول : إن تعیّن القضاء علیه إمّا بتعیین الإمام علیه السلام أو بفقد غیره أو بکونه الأفضل وکان متمکّناً لم یجز الأجر علیه ، وإن لم یتعیّن أو کان محتاجاً فالأقرب الکراهه .

لنا : الأصل الإباحه علی التقدیر الثانی ، ولأنّه فعل لا یجب علیه ، فجاز أخذ الأجر علیه . أمّا مع التعیین فلأنّه یؤدی واجباً ، فلا یجوز أخذ الأجره علیه ، کغیره من العبادات

ص:159


1- (1) شرائع الاسلام 4 / 60 .

الواجبه »(1) .

أقول : الظاهر أنّ العلامه یشترط فی جواز أخذ أجره للقاضی أمرین : 1 _ عدم تعیّن القضاء علیه ، 2 _ وجود الحاجه واحتیاجه إلی الأجر . وهذا هو الذی استفاد من عبارته الشیخ الأعظم قدس سره ، ولذا قال : « فصّل فی المختلف فجوّز أخذ الجعل والاُجره مع حاجه القاضی وعدم تعیّن القضاء علیه ، ومنعه مع غناه أو عدم الغنی عنه »(2) .

ویمکن حمل عبارته الآتیه فی بحث إرتزاق القاضی من بیت المال من التحریر(3) علی ما ذکرناه فراجعها .

قال العلامه فی الإرشاد فی عداد المکاسب المحرمه : « ... وکذا أخذ الاُجره علی الأذان والصلاه بالناس والقضاء ، ولا بأس بالرزق من بیت المال علی الأذان والقضاء مع الحاجه وعدم التعیین »(4) .

وتبعه شمس الدین محمد بن شجاع القطان الحلّی فی أخذ الرزق من بیت المال وقال : « ومن یتعیّن علیه القضاء إن کان له کفایهٌ لم یحلّ له الرزق من بیت المال وإلاّ حلّ ، ومن لم یتعیّن جاز له الأخذ والأفضل الترک »(5) .

والشهید الثانی فی ذیل قول المحقق فی تجاره الشرائع : « والقضاء علی تفصیل سیأتی» قال : « التفصیل الموعود به هو أنّه إن تعیّن علیه بتعیین الإمام أو بعدم قیام أحد به غیره ، حرم علیه أخذ الاُجره علیه مطلقاً ، لأنّه حینئذٍ یکون واجباً ، و الواجب لا یصح أخذ الاُجره علیه ، وإن لم یتعین علیه فإن کان له غنیً عنه لم یجز أیضاً وإلاّ جاز »(6) .

وقال الفاضل الإصبهانی : « ولو أخذ الجُعل من المتحاکمین فإن لم یتعین للحکم

ص:160


1- (2) مختلف الشیعه 5 / 17 .
2- (3) المکاسب المحرمه / 31 من الطبع الحجری _ (1 / 244) .
3- (1) تحریر الأحکام الشرعیه 5 / 115 و 114 .
4- (2) إرشاد الأذهان 1 / 358 .
5- (3) معالم الدین فی فقه آل یس 2 / 342 .
6- (4) مسالک الأفهام 3 / 132 .

وحصلت الضروره ، ... قیل : جاز ، ... وإن تعیّن للقضاء أو کان مکتفیّاً ... لم یجز له أخذ الجُعل قولاً واحداً »(1) .

واختار السید جواد العاملی هذا التفصیل وقال : « إذا تعیّن علیه القضاء بتعیین الإمام أو بفقد غیره أو بکونه أفضل وکان متمکّناً ذا کفایه حرمت علیه الثلاثه : الاُجره والجُعل والرزق ، لأنّه واجبٌ عینیٌّ علیه فلا یستحق عوضاً علیه ... وهو صریح تفصیل المصنف فی المختلف والإرشاد وحاشیته وإیضاح النافع وقضاء الکتاب والشرائع ، قالوا : إن تعیّن علیه وکان متمکّناً لم یجز الأجر ، وإن لم یتعیّن أو کان محتاجاً فالأقرب الکراهیه ... »(2) .

4 _ ومنها : التفصیل بین صوره احتیاج القاضی فیجوز أخذ الجُعل والاُجره وصوره تمکنه وعدم احتیاجه فلا یجوز . قال ثانی الشهیدین : « قیل : یجوز مع الحاجه

مطلقاً »(3) .

وقال المحقق الأردبیلی : « وقیل : بالجواز علی تقدیر الاحتیاج »(4) .

وقال الفاضل النراقی : « ونقل والدی فی معتمد الشیعه الإجماع علی الحرمه صریحاً مع عدم الحاجه »(5) .

5 _ ومنها : التفصیل بین صوره عدم تعیّن القضاء علی القاضی وتعیّنه علیه ، فیجوز فی الأوّل ویحرم فی الثانی ، قال ثانی الشهیدین : « قیل : یجوز مع عدم التعیّن مطلقاً»(6) . وقال الأردبیلی : « قیل : بعدمه (أی عدم الجواز) علی تقدیر تعیین القضاء علیه إمّا بتعیین الإمام أم لعدم غیره »(7) .

ص:161


1- (5) کشف اللثام 2 / 143 الطبع الحجری (10 / 23 و 24) .
2- (6) مفتاح الکرامه 12 / 323 و 322 .
3- (1) مسالک الأفهام 3 / 132 .
4- (2) مجمع الفائده والبرهان 8 / 93 .
5- (3) مستند الشیعه 17 / 64 .
6- (4) مسالک الأفهام 3 / 132 .
7- (5) مجمع الفائده والبرهان 8 / 93 .

أقول : لم یظهر لی إلی الآن قائل هذا القول والعلم عند اللّه تعالی .

6 _ ومنها : یمکن التفصیل بین جواز أخذ الاُجره من بیت المال وعدم الجواز فی الأخذ من المتحاکمین أو الثالث أو أهل البلد ونحوها .

وإلی الآن لم أعرف قائله .

الاستدلال علی حرمه اُجره القضاء

اشاره

یمکن أن یُستدل علی حرمه أخذ الاُجره للقاضی بوجوه :

الأوّل : الاجماع

ولعلّ أوّل من ادعاه هو العلاّمه الحلّی فی التحریر(1) وتبعه المحقق الثانی فی جامع المقاصد(2) کما مرّ بیانه ، وتبعهما والد النراقی فی معتمد الشیعه کما مرّ کلامه بتوسط ولده فی المستند(3) ، وتبعهم الشیخ جعفر فی شرح القواعد(4) .

وفیه : أولاً : قد عرفت وجود القول بالجواز صریحاً من المفید فی المقنعه والشیخ فی

النهایه والقاضی ابن البراج فی المهذب وسلار فی المراسم وغیرهم ، وهکذا قد مرّ ذکر الأقوال المختلفه والتفاصیل المتعدده فی المقام ، فادعاء الإجماع بلا وجه .

وثانیاً : لو تنزلنا وقبلنا وجود الإجماع علی الحرمه فلا یفیدنا فی المقام شیئاً ، لأنّه إجماع مدرکیٌ علی فرض وجوده ، فلابدّ من ملاحظه ما یأتی من الأدله .

الثانی : الروایات

عدّه من الروایات تدلّ علی حرمه اُجور القضاه :

منها : صحیحه عمار بن مروان الیشکری عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : کلّ شیء غلّ من الإمام فهو سحت ، وأکل مال الیتیم سحت ، والسحت أنواع کثیره ، منها : ما اُصیب من أعمال

ص:162


1- (6) تحریر الأحکام الشرعیه 5 / 15 .
2- (7) جامع المقاصد 4 / 36 .
3- (8) مستند الشیعه 17 / 64 .
4- (9) شرح القواعد 1 / 290 .

الولاه الظلمه ، ومنها : اُجور القضاه واُجور الفواجر وثمن الخمر والنبیذ المسکر ، والربا بعد البیّنه ، فأمّا الرشایا عمار فی الأحکام ، فإنّ ذلک الکفر باللّه العظیم وبرسوله صلی الله علیه و آله وسلم (1) .

سند الروایه صحیح ودلالتها تامه ، لأنّها عدّت اُجور القضاه من السحت ، والظاهر من لفظ « السحت » الحرمه إلاّ أن تقوم علیه القرینه .

وأمّا حمل القضاه علی قضاه الجور الذین کانوا فی عصر صدور الروایه بقرینه ما قبلها من الولاه الظلمه ، لأنّ القضاه قسم من الولاه أو لا أقل أنهم قسم من عمّالهم ، فغیر تام ، لظهور الروایه فی استقلال فقراتها ، ولاأقل من الشک فی انعقاد ظهور بخلافه مع القرینه والأصل عدمه .

وبالجمله ، ظهور أن منها (أی من السحت) اُجور القضاه ، وهو عام یشمل قضاه الجور وغیرهم .

ولفظ « الأجر » و« الجُعل » وإن کانا متفاوتین فی مصطلح الفقهاء والمتشرعه بحیث یستعملون الأجر فی باب الإجاره ، والجُعل فی باب الجعاله ، ولکن الظاهر إتحاد حکمهما فی هذا الباب ، بل یمکن ادعاء أنّ الرزق أیضاً متحد معهما حکماً إذا اُخذ من شخص خاص ، خلافاً للسید العاملی فی مفتاحه(2) حیث فرّق بین العناوین .

ومنها : صحیحه عبد اللّه بن سنان قال : سُئل أبو عبد اللّه علیه السلام عن قاضٍ بین قریتین ، یأخذ من السلطان علی القضاء الرزق ، فقال : ذلک سحت(3) .

سندها صحیح ، ولکن یمکن المناقشه فی دلالتها بظهور القاضی فی قضاه الجور والسلطان ، سلاطین الجور المعهود فی تلک الأیام ، بقرینه السؤال عن الرزق الوارد فی الصحیحه وجواز الإرتزاق من بیت المال کما علیه المشهور .

ولکن یمکن أن یجاب عن المناقشه : بأنّ لفظ « الرزق » لم یرد فی جواب الإمام علیه السلام حیث حکم بأنّه سحت . وهذه الروایه من القرائن التی مرّ آنفاً بأنّ هذه الألفاظ الثلاثه فی

ص:163


1- (1) وسائل الشیعه 17 / 95 ح 12 .
2- (2) مفتاح الکرامه 12 / 320 .
3- (3) وسائل الشیعه 27 / 221 ح 1 . الباب 8 من ابواب آداب القاضی .

المقام لها معنی واحد ، ولذا حمل العلامه المجلسی الصحیحه علی الاُجره وقال : « وحُمل علی الاُجره ، والمشهور جواز الإرتزاق من بیت المال »(1) .

ولکن مع ذلک کلّه بقی الإشکال بأنّ السائل یسأل عمّا أبتلی به ، وهو اُجور قضاه الجور المعهود فی ذلک الزمان ، فلیس للروایه إطلاق حتّی تشمل اُجور قضاه العدل ، ولذا قال الشیخ الأعظم : « إنّ ظاهر الروایه کون القاضی منصوباً من قبل السلطان الظاهر _ بل الصریح _ فی سلطان الجور »(2) . وهو متینٌ .

ومنها : خبر یوسف بن جابر عن أبی جعفر علیه السلام قال : لعن رسول اللّه علیه السلام من نظر إلی فرج امرأه لا تحلّ له ، ورجلاً خان أخاه فی امرأته ، ورجلاً احتاج الناس إلیه لتفقّهه فسألهم الرشوه(3) .

دلاله الروایه علی حرمه اُجور القضاه تامه ، لأنّ الناس یحتاجون إلی القاضی لتفقّهه ، وإذا سألهم الاُجره یشمله إطلاق الروایه ، وأمّا حمل الرشوه علی اُجور القضاه - وإن یکن بعیداً فی بادیء النظر - ولکن إذا حملنا لفظ « الرشوه » علی معناها اللغوی تشمل اُجور القضاه أیضاً ، فتمَّ الإستدلال بالروایه . ولکن فی سندها ضعف .

ومنها : خبر حمزه بن حمران عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : من استأکل بعمله افتقر ، فقلت له : جعلت فداک ، إنّ فی شیعتک وموالیک قوماً یتحمّلون علومکم ویبثّونها فی شیعتکم فلا یعدمون علی ذلک منهم البرّ والصله والإکرام ، فقال علیه السلام : لیس أولئک بمستأکلین ، إنّما المستأکل بعمله الذی یُفتی بغیر علمٍ ولا هدی من اللّه عزّ وجل لیبطل به الحقوق طمعاً فی حُطام الدنیا(4) .

غایه ما یمکن أن یقال فی الإستدلال بالروایه : بأنّ قضاه الجور یدخلون فی الذین

ص:164


1- (1) مرآه العقول 24 / 270 ح 1 .
2- (2) المکاسب / 30 الطبع الحجری (1 / 243) .
3- (3) وسائل الشیعه 27 / 223 ح 5 .
4- (4) معانی الأخبار / 181 ونقل عنه فی وسائل الشیعه 27 / 141 ح 12 . الباب 11 من أبواب صفات القاضی .

یفتون بغیر علم ولا هدی من اللّه عزّ وجل لیبطلوا به الحقوق ، فیشملهم إطلاق الروایه ، فما یأخذونه فی قبال أحکامهم یکون حراماً . ولکن الروایه تشمل قضاه الجور فقط ، لأنّ قضاه العدل لا یفتون بغیر علم ولا هدی ولا یبطلون به الحقوق فلا تشملهم الروایه . فهذه تدلّ علی حرمه اُجور قضاه الجور ،

ولکن المُدعی أعم من هذا . وفی سندها أیضاً ضعف .

والحاصل : أن الروایات تدلّ علی حرمه اُجور القضاه مطلقاً .

الثالث : القضاء من المناصب الالهیه

النبوه والإمامه من المناصب الإلهیه وهما فوق الأجر والجُعل ، ولذا أمر اللّه تعالی أنبیاءه علیهم السلام أن یقولوا : «وَمَا أَسْأَلُکُمْ عَلَیْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِیَ إِلاَّ عَلَی رَبِّ الْعَالَمِینَ»(1) .

وأمر اللّه خاتم أنبیائه صلی الله علیه و آله وسلم أن یقول : «قُلْ مَا أَسْأَلُکُمْ عَلَیْهِ مِنْ أَجْرٍ»(2) ویقول عنه : «مَا تَسْأَلُهُمْ عَلَیْهِ مِنْ أَجْرٍ»(3) .

وأمّا قوله تعالی : «قُل لاَّ أَسْأَلُکُمْ عَلَیْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّهَ فِی الْقُرْبَی»(4) حیث جعل اللّه المودّه فی حقِّ أقرباء النبی صلی الله علیه و آله وسلم أجراً للرساله ، نفعها یرجع إلی الاُمه لا إلی النبی صلی الله علیه و آله وسلم ، والشاهد علی ذلک قوله تعالی : «قُلْ مَا سَأَلْتُکُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَکُمْ إِنْ أَجْرِیَ إِلاَّ عَلَی اللَّهِ»(5)(6) .

والإمامه أیضاً وصایه النبی ، والأمر فیها کما فی النبوه .

ثمّ مِنْ مناصب الفقیه الجامع للشرائط : الإفتاء والقضاء اللذان جعلهما الإمام علیه السلام له ،

ص:165


1- (1) سوره الشعراء / 109 و 127 و 145 و 164 و 180 .
2- (2) سوره ص / 86 .
3- (3) سوره یوسف / 104 .
4- (4) سوره الشوری / 23 .
5- (5) سوره سبأ / 47 .
6- (6) ولتوضیح هذا البیان راجع إلی کتابی ولایت وامامت / 100 المطبوع باللغه الفارسیه عام 1370 ه_ . ش .

فهما من المناصب الإلهیه ، فلا یجوز اُخذ اُجره والجُعل علیهما .

وأشار إلی هذا الإستدلال صاحب الجواهر بقوله : « لأنّه (أی القضاء) من مناصب السلطان الذی أمر اللّه تعالی بأن یقول : «لاَّ أَسْأَلُکُمْ عَلَیْهِ أَجْراً»وأوجب التأسیبه»(1) .

واعترف المحقق الخوئی غیر مرّه بأن الإفتاء والقضاء من الاُمور المجانیه ، حیث یقول : « ... إنّ الأمور التی یکون وضعها علی المجانیه ، فإنّ أخذ الاُجره یعدّ رشوه فی نظر العرف ، ومن هذا القبیل القضاء والإفتاء»(2) ، ثمّ بعد صفحه أضاف إلیهما أمر تبلیغ الأحکام الشرعیه فقال : « ثمّ الظاهر أنّه لا یجوز أخذ الاُجره والرشوه علی تبلیغ الأحکام الشرعیه وتعلیم المسائل الدینیّه ، فقد عرفت فیما تقدّم : أنّ منصب القضاء والإفتاء والتبلیغ یقتضی المجانیّه»(3) .

ثم قال بعد أکثر من مائتی صفحهٍ : « ... لا یجوز أخذ الاُجره علی القضاء للروایات الخاصه ، وأنّ الظاهر من آیه النفر الآمره بالتفقه فی الدین وإنذار القوم عند الرجوع إلیهم أنّ الإفتاء أمرٌ مجانیٌّ فی الشریعه المقدسه ، فیحرم أخذ الاُجره علیه ، ویؤیده قوله تعالی : «قُل لاَّ أَسْأَلُکُمْ عَلَیْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّهَ فِی الْقُرْبَی» »(4) .

والحاصل ، فهذان المنصبان _ الإفتاء والقضاء _ من المناصب الإلهیه ، فلا یجوز أخذ الاُجره علیهما لعظمتهما ورفعتهما .

الرابع : القضاء واجبٌ فلا یجوز أخذ الأجره علیها

تقریب الاستدلال : القضاء واجب ووجوبها یکون عینیّاً أو کفائیّاً ، وأخذ الاُجره علی الواجبات لا یجوز فی الشریعه المقدسه ، فأخذ الاُجره علی القضاء لا یجوز .

وفیه : أنه یمکن المناقشه فی الکبری بأنّ وجوب الفعل علی المکلف ولو کان تعبدیّاً لا یوجب عدم جواز أخذ الاُجره علیه ، بل یکفی فی قصد التقرب المعتبر فی العباده أنّه لو لم یکن أمر الشارع بالواجب لما کان یأتی به حتّی مع إعطاء الاُجره علیه . والموجب لعدم جواز أخذ

ص:166


1- (7) جواهر الکلام 22 / 122 .
2- (1) مصباح الفقاهه 1 / 266 .
3- (2) مصباح الفقاهه 1 / 286 .
4- (3) مصباح الفقاهه 1 / 481 .

الاُجره علی الفعل أحد الأمرین علی سبیل منع الخلو :

أحدهما : أن یکون إیجابه علی المکلف بأن یأتی به مجاناً کتغسیل الموتی بل تجهیزهم .

ثانیهما : عدم المالیه لذلک الفعل بحیث یکون أخذ العوض علیه من أکل المال بالباطل سواء کان الفعل واجباً أو مندوباً(1) ، نحو : إقامه الصلاه الواجبه علی المکلَّف لنفسه والإتیان بصیامه أو إقامته صلاه اللیل .

ومن الواضح أنه لم یدخل القضاء فی القسم الثانی ، وإدخاله فی القسم الأوّل یحتاج إلی ثبوت کونه من الواجبات المجانیه ، فإذا ثبت هذا لا نحتاج إلی هذه الکبری والإستدلال .

والحاصل ، هذا الدلیل لیس بدلیل مستقل عندنا ، بل یرجع ثبوته إمّا إلی الدلیل الثالث أی کون القضاء من المناصب الإلهیه - أو إلی الدلیل الثانی - أی الروایات الناهیه عن أخذ الاُجره علی القضاء .

وسوف یأتی البحث مفصلاً حول هذه الکبری عند تعرض الشیخ الأعظم قدس سره فی النوع الخامس من المکاسب المحرَّمه ، وهو : « ما یجب علی الإنسان فعله عیناً أو کفایهً ، تعبداً أو توصّلاً» فانتظر .

وبالجمله ، فلا یجوز أخذ الاُجره علی القضاء مطلقاً ، وأمّا إرتزاقه من بیت المال فسیأتی البحث حوله .

أخذ الاُجره علی مقدمات القضاء

هل یجوز أخذ الاُجره علی مقدمات القضاء ، نحو : سماع الشهاده والبیّنه أو التحلیف أو التزکیه والجرح ، أو الذهاب إلی الإمرأه المستوره الشریفه لسماع شهادتها أو جوابها أو إحلافها ، أو الذهاب إلی الذین لا یمکن إحضارهم ، مثل : العلماء والأجلاء والفقهاء العظام ، أو کتابه الحکم ورَشْمه أی ختمه ، أو أخذ الاُجره علی کاتبه وخدمه وعماله ومترجمه إذا احتاج

ص:167


1- (4) أشار إلی هذا البیان شیخنا الأستاذ _ مدظله _ فی دروسه من کتاب القضاء کما کتبته عنه ، وفی کتابه اُسس القضاء والشهاده / 42 .

إلیه ، أم لا یجوز أخذ الاُجره علی شیءٍ من هذه أو فیها التفصیل ؟

قال الشیخ جعفر کاشف الغطاء : « والأخذ علی مقدمات القضاء من سماع الشهاده أو التحلیف أو التزکیه والجرح ، أخذٌ علی القضاء . ولیس منه الأخذ علی الکتابه أو الرَّشْم أو الخروج من داره إلی محلّ آخر طلبه أحد الخصمین ونحو ذلک ، غیر أنّه لا یقع إلاّ من السفله إلاّ مع إلجاء الضروره ، وأمّا ثمن القرطاس وما یصرفه من المال فلا بأس بأخذه ... ولا بأس بأخذ الخدّام والعمال والمباشرین الاُجره علی عملهم»(1) .

وقال تلمیذه السید العاملی : « ویلحق بالقضاء مقدماته کسماع الشهاده وأدائها والتحلیف والتزکیه والجرح ، ولا یلحق به علی الظاهر کتابه الحجّه وختمها بخاتم القاضی ، علی تأمّل فی هذین ، لأنّهما فی هذا الزمان قد صارا کأنّهما جزءً من القضاء ومن مقدماته ، إذ لا

ترفع الخصومه إلاّ بهما »(2) .

وقال تلمیذه الآخر فی الجواهر : « وعلی کلِّ حالٍ فمقدمات القضاء کسماع الشهاده والجرح والتعدیل ونحوهما فی تحریم العوض ، بل لا یبعد استفاده حرمه الاُجره علیها من حرمتها علی القضاء . نعم : لا بأس بأخذ الاُجره علی ما کان خارجاً عن القضاء ومقدماته کالکتابه والرسم(3) ونحوهما ، مع أنّه لا ینبغی استعماله من قوّام الشرع وحفظته ، ولا استعمال بعض الأرذال الذین یحتالون لأخذ الجُعل علی القضاء بذلک ، وبالتحاکم فی مکان مخصوص ونحوه من الاُمور الزائده علی القضاء ، لما فیه من النفره وجلب التهمه وعدم رغبه الناس فی الدین وأهله»(4) .

وقال تلمیذ صاحب الجواهر السید علی آل بحر العلوم : « ویلحق بالقضاء فی حکم الاُجره مقدماته من سماع البیّنه والتحلیف ونحو ذلک ، بل منه ظاهر الاُجره علی الذهاب إلی الإمرأه الغیر المبرزه لإحلافها أو سماع جوابها ، ولیس منه کتابه الحجه وختمها بخاتمه ، فله

ص:168


1- (1) شرح القواعد 1 / 291 .
2- (1) مفتاح الکرامه 12 / 328 .
3- (2) کذا فی المطبوعه ، والظاهر أنّ الصحیح الرَّشم بمعنی الختم .
4- (3) جواهر الکلام 22 / 123 .

أخذ الشیء علیهما ، وإن وجبت الإجابه إلی الحجه - کما فی بعض الصور کما تسمعه - فی القضاء لعدم فهم المجانیّه فیه لخروجه عن القضاء»(1) .

أقول : الظاهر إلحاق مقدمات القضاء به ، بل إلحاق مؤخراته به نحو الکتابه والختم ، لأنّهما صارا الیوم من أجزاء القضاء ، کما نبّه علیه السید العاملی(2) فیما ذکر من کلامه ، بل یمکن القول بعدم الجواز مطلقاً بالنسبه إلی مقدماته ولوازمه ومؤخراته ، حتّی بالنسبه إلی الخدّام والعمال ، لأنّها من مواضع التهمه التی اُمرنا بالإجتناب عنها وتوجب النفره والفرار عن الدین وأهله ویفتح بها باب الرشوه بعناوین أخری ، والعلم عند اللّه تعالی .

ارتزاق القاضی من بیت المال

المشهور علی جواز ارتزاق القاضی من بیت المال مع الحاجه وعدم التعیین ، بل علیه الإجماع کما قال العلاّمه فی التحریر : « السادس : إذا ولّی من یتعیّن علیه القضاء ، فإن کان ذا

کفایه حرم علیه أخذ الرزق علی القضاء لأنّه یؤدی فرضاً و ... وإن لم یکن ذا کفایه جاز له أخذ الرزق علیه ، لأنّ بیت المال للمصالح وهذا أعظمها .

وإن لم یتعیّن علیه القضاء وکان ممّن یجوز له القضاء ، فإن کان ذا کفایه استحب له أخذ(3) الرزق وإن أخذ جاز ، وإنْ لم یکن ذا کفایه جاز له أخذ الرزق علیه إجماعاً .

وأمّا أخذ الاُجره علیه ، فإنّه حرام بالإجماع ، سواء تعیّن علیه أو لم یتعیّن ، وسواء کان محتاجاً أولا»(4) .

ونقل السید جواد العاملی فی جواز الإرتزاق هذا القول عن العلامه وولده والشهید ،

ص:169


1- (4) برهان الفقه _ کتاب التجاره / 47 الطبع الحجری .
2- (5) مفتاح الکرامه 12 / 328 .
3- (1) کذا فی المطبوعه ، والظاهر أنه تصحیف « ترک» أو « أن لا یأخذ» ، والعباره الصحیحه تکون هکذا : « فإن کان ذا کفایه استحب له ترک أو أن لا یأخذ الرزق وإن أخذ جاز» .
4- (2) تحریر الأحکام الشرعیه 5 / 115 و 114 .

حیث یقول : « علی ما إذا کان محتاجاً ... لکن فی الإرشاد(1) وشرحه لولده(2) وقضاء الدروس(3) زیاده عدم التعیین»(4) .

وقال السید علی آل بحر العلوم : « بلا خلاف أجده ظاهراً ، بل صرح بعد بالإجماع علیه غیر واحد ، للأصل ولأنّه لا یقتصر عن المحاویج ، بل هو اُولی لاشتغاله بأهم مصالح المسلمین ... »(5) .

بل المشهور علی جواز الإرتزاق مع التعیّن والحاجه کما مرّ عن قضاء الشرائع(6) والقواعد(7) والمعالم(8) واللمعه(9) وجامع المقاصد(10) والروضه(11) ومجمع الفائده(12) .

بل یمکن انتساب جواز الإرتزاق مطلقاً - أی مع التعیّن وعدم الحاجه - إلی المشهور ،

کما قال جدنا الشیخ جعفر : « (ویجوز أخذ الرزق علیهما) من غیر قصد المعاوضه مع التعیین وعدمه ومع الحاجه وعدمها (من بیت المال) أو من الأوقاف أو من متبرّع وقبول الهدایا ، للأصل والإجماع المنقول . وقد یجب الأخذ فی القضاء مع إتحاده ، وعدم تمکّنه من القیام به من غیر اکتساب ، ومنافاه الاکتساب له»(13) .

ص:170


1- (3) إرشاد الأذهان 1 / 358 .
2- (4) شرح إرشاد الأذهان / مخطوط _ نقل عنه فی مفتاح الکرامه 12 / 326 .
3- (5) الدروس الشرعیه 2 / 69 .
4- (6) مفتاح الکرامه 12 / 326 .
5- (7) برهان الفقه . کتاب التجاره / 45 طبع الحجری .
6- (8) شرائع الاسلام 4 / 60 .
7- (9) قواعد الأحکام 3 / 422 .
8- (10) معالم الدین فی فقه آل یس 2 / 342 .
9- (11) اللمعه الدمشقیه / 94 .
10- (12) جامع المقاصد 4 / 37 .
11- (13) الروضه البهیه 3 / 71 .
12- (14) مجمع الفائده 8 / 94 .
13- (1) شرح القواعد 1 / 290 .

وقال تلمیذه فی الجواهر : « قد صرّحوا برزقه منه مع کفایته وتعینه للقضاء»(1) .

وقال الفاضل النراقی : « یجوز له الإرتزاق من بیت المال ، ولو مع التعین وعدم الحاجه ، کما صرح بهما والدی فی معتمد الشیعه ، وادّعی بعضهم الإجماع علیه»(2) .

واسْتُدِلَ علی جواز الإرتزاق من بیت المال بمعتبره عهد العلوی علیه السلام إلی مالک الأشتر النخعی ، کتب علیه السلام إلیه : « ثم اختر للحکم بین الناس أفضل رعیتک فی نفسک ممّن لا تَضِیقُ به الاُمور ... إلی أن یکتب : ثم أکثر تعاهد قضائه وافسح له فی البذل ما یزیل علّته وتَقِلُّ معه حاجته إلی الناس ، واعطه من المنزله لدیک ما لا یطمع فیه غیره من خاصتک ، لیأمن بذلک اغتیال الرجال له عندک ... »(3) .

لهذا العهد سند معتبر فی ترجمه الأصْبَغ بن نُباته الُمجاشِعِی کما فی رجال النجاشی(4) وفهرس الشیخ(5) . وفقره « وافسح له فی البذل ما یزیل علته وتَقِلُّ معه حاجته إلی الناس » داله علی جواز إرتزاقه من بیت المال مطلقاً ، سواء تعیّن علیه القضاء أم لا ، وسواء کان ذا کفایه أو لا .

وبمرسله حماد الطویله عن العبد الصالح علیه السلام قال : « ... فیکون بعد ذلک أرزاق أعوانه علی دین اللّه وفی مصلحه ما ینوبه من تقویه الإسلام وتقویه الدین فی وجوه الجهاد وغیر ذلک ممّا فیه مصلحه العامه ... »(6) .

والروایه وإن کان فی سندها إرسال ولکن الأصحاب نظروا إلیها بعین القبول . وفقره

« وغیر ذلک ممّا فیه مصلحه العامه» تشمل القضاء ، بل القضاء من أهمّ مصادیق مصالح العامه

ص:171


1- (2) جواهر الکلام 22 / 132 .
2- (3) مستند الشیعه 17 / 68 .
3- (4) نهج البلاغه / الکتاب 53 ونقل عنه فی وسائل الشیعه 27 / 223 ح 9 . الباب 8 من أبواب آداب القاضی .
4- (5) رجال النجاشی / 8 الرقم 5 .
5- (6) فهرست کتب الشیعه وأصولهم / 88 الرقم 119 .
6- (7) وسائل الشیعه 27 / 221 ح 2 .

کما لا یخفی . فتدلّ علی جواز إرتزاقه من بیت المال مطلقاً ، لأنّ من المصالح إعطاء القاضی مع تعیّن القضاء علیه ومع تمکنه .

وهاتان الروایتان تکفیان فی جواز إرتزاقه من بیت المال مطلقاً مع فتوی المشهور علی ذلک بل بعض الإجماعات المنقوله ، واللّه العالم .

ویؤیدها مرسله القاضی نعمان المصری عن علی علیه السلام أنّه قال : « لابدّ من إماره ورزق للأمیر ، ولابدّ من عریف ورزق للعریف ، ولابدّ من حاسب ورزق للحاسب ، ولابدّ من قاضٍ ورزق للقاضی ، وکره أن یکون رزق القاضی علی الناس الذین یقضی لهم ولکن من بیت المال»(1) .

وهنا أذکر لک کلام جدی الشیخ جعفر قدس سره وأختم البحث به ، قال بعد ما نقلت من کلامه آنفاً :

« وما فی کلام جماعه من أصحابنا من تحریم الإرتزاق یُراد به تحریم الاُجره ، ویؤیّده أن فی بعض عباراتهم(2) تفسیر أحدهما بالآخر ، وکذا الأخبار(3) المانعه من الإرتزاق فی القضاء منزلّه علی ما ذکرناه ، ولیس بداخل تحت الرشا ، ولا الاُجره والجعاله ولا غیرهما من الأعواض»(4) .

حکم الهدیه للقاضی

اشاره

قال الشیخ الطوسی : « فأما الهدیه فإن لم یکن بمهاداته عاده حرم علیه قبولها ، والعامل علی الصدقات کذلک ، لما روی عن النبی _ ثمّ ذکر ثلاث روایات یأتی ذکرها فیما بعد ، وقال : _ فإن قیل : ألیس قد قال النبی صلی الله علیه و آله وسلم : لو دعیت إلی ذراع لأجبتُ ، ولو اُهدی إلیَّ کراع لقبلتُ ؟ قلنا : الفصل بینه وبین اُمّته أنّه معصوم عن تغییر حکم بهدیّه وهذا معدوم فی غیره .

ص:172


1- (1) دعائم الاسلام 2 / 538 ح 1912 .
2- (2) کعباره الشیخ الطوسی فی النهایه / 367 کما مرّت منّا .
3- (3) کصحیحه عبد اللّه بن سنان المرویه فی وسائل الشیعه 27 / 221 ح 1 کما مرّت منّا .
4- (4) شرح القواعد 1 / 291 .

هذا إذا اُهدی له من لم یجزء له بمهاداته عاده ، فأمّا إن کان ممّن جرت عادته بذلک کالقریب والصدیق الملاطف نظرت ، فإن کان فی حال حکومه بینه وبین غیره أو أحس بأنّه

یقدمها لحکومه بین یدیه حرم علیه الأخذ کالرشوه سواء ، وإن لم یکن هناک شیء من هذا فالمستحب أن یتنزَّه عنها .

هذا کلّه إذا کان الحاکم فی موضع ولایته ، وأمّا إن حصل فی غیر موضع ولایته فاُهدی له هدیه فالمستحب له أن لا یقبلها ، قال بعضهم یحرم علیه ، فکلّ موضع قلنا لا یحرم علیه قبولها فلا کلام ، وکلّ موضع قلنا یحرم علیه ، فإن خالف وقبل فما الذی یصنع ؟ فإن کان عامل الصدقات ، قال قوم : یجب علیه ردّها وقال آخرون : یجوز أن یتصدّق علیه بها ، والأوّل أحوط .

وأمّا هدیه القاضی قال قوم یضعها فی بیت المال لیصرف فی المصالح ، وقال آخرون یردّها علی أصحابها ، وهو الأحوط عندنا ... »(1) .

قال العلامه فی التحریر : « وأمّاالهدیه فإن کانت ممّن له عاده بقبول الهدیه منه فلا بأس ، إلاّ أن یفعل ذلک لأجل الحکم فتحرم ، وإن کانت ممّن لا عاده له بالإهداء ، فالوجه تحریمها لأنّه کالرشوه»(2) .

وقال المحقق الأردبیلی : « ثمّ الظاهر أنّه یجوز له قبول الهدیه ، فإنّه مستحب فی الأصل ، إلاّ أنّه یمکن أن یقال : صار حینئذ مکروهاً ، لاحتمال کونها رشوه . إلاّ أن یَعْلَمَ بالیقین أنّها لیست کذلک ، مثل أن کان بینه وبین المُهدِی صداقه قدیمه ، وعلم أن لیس له غرض من حکومته وخصومته بوجهٍ ، أو یکون غریباً لا یعلم ، أو جاء من السفر وکان عادته ذلک ، أو فعل ذلک بالنسبه إلیه وإلی غیره . ومع ذلک لا شک أنّ الأحوط هو الاجتناب فی وقت یمکن ویحتمل احتمالاً بعیداً لکونها رشوه»(3) .

الروایات الوارده فی حکم الهدیه

قد استدلوا علی حرمه الهدیه علی القاضی بعدّه من الروایات :

ص:173


1- (1) المبسوط 8 / 152 .
2- (2) تحریر الأحکام الشرعیه 5 / 116 .
3- (3) مجمع الفائده والبرهان 12 / 51 .

منها : خبر الأصبغ عن أمیر المؤمنین علیه السلام قال : أیّما وال احتجب عن حوائج الناس احتجب اللّه عنه یوم القیامه وعن حوائجه ، وإن أخذ هدیه کان غلولاً ، وإن أخذ الرشوه فهو مشرک(1) .

بتقریب : أنّ القضاه من الولاه ویمکن أن یقال : أنّ القضاء من أهم الولایات فأخذ الهدیه لهم غلول ، والغلول فی معنی الخیانه والسرقه المحرَّمتان ، فأخذ الهدیه للقضاه حرام . ولکن فی سندها ضعف .

ومنها : خبر جابر عن النبی صلی الله علیه و آله وسلم أنّه قال : هدیه الاُمراء غلول(2) .

بعین التقریب الذی مرّ آنفاً ولکن فی سندها ضعف .

ومنها : مرسله الشیخ الطوسی عن النبی صلی الله علیه و آله وسلم أنّه قال : هدیه العمال غلولٌ(3) .

ومنها : مرسله اُخری له عن النبی صلی الله علیه و آله وسلم أنّه قال : هدیه العمال سحت(4) .

ومنها : مرسله ثالثه له قال : روی أبو حُمید الساعدی قال : استعمل النبی صلی الله علیه و آله وسلم رجلاً من الأسد یقال له : « أبو البنیه » وفی بعضها « أبو الأبنیه » علی الصدقه ، فلمّا قدّم قال : هذا لکم وهذا أهدی إلیَّ ، فقام النبی صلی الله علیه و آله وسلم علی المنبر فقال : ما بال العامل نبعثه علی أعمالنا یقول : هذا لکم وهذا أهدی إلیَّ ، فهلاّ جلس فی بیت أبیه أو فی بیت اُمّه ینظر یهدی له أم لا ؟ والذی نفسی بیده لا یأخذ أحد منها شیئاً إلاّ جاء یوم القیامه یحمله علی رقبته ، إن کان بعیراً له رُغاء أو بقره لها خوار أو شاه لها تنعر . ثمّ رفع یده حتّی رأینا عفره إبطیه ثمّ قال : اللهم هل بلغّت ؟ ، اللهم هل بلغّت ؟(5) .

الروایه عامیه ، رویت فی صحیح مسلم 3 / 1463 ، کتاب الإماره ، باب تحریم هدایا العمال ح 26 . نعرت العنز تنعِر نَعاراً : أی صاحت . والنعیر : أی الصوت . عُفره الأبط : بیاضه

ص:174


1- (4) وسائل الشیعه 17 / 94 ح 10 الباب 5 من أبواب ما یکتسب به .
2- (1) وسائل الشیعه 27 / 223 ح 6 الباب 8 من أبواب آداب القاضی .
3- (2) المبسوط 8 / 151 .
4- (3) المبسوط 8 / 151 .
5- (4) المبسوط 8 / 151 .

الرُغاء : صوت الإبل . الخوار : صوت البقر . وعبد اللّه ابن اللتبیّه مذکور فی اُسد الغابه 3 / 250 وابن اللتبیّه فیه 5 / 329 وکلاهما واحد .

وبالجمله ، الروایه مرسله عامیه ووردت فی عمّال الصدقه ، فلا ترتبط بهدیه القضاه .

ومنها : مرسله الرضی رفعه إلی أمیر المؤمنین علیه السلام أنّه قال فی خطبته : وأعجب من ذلک طارقٌ طَرَقَنا بمَلْفُوفَهٍ فی وعائِها ومعجونهٍ شَنِئْتُها کَأَ نَّما عُجِنَتْ بریقِ حَیَّهٍ أو قَیْئِها ، فقلتُ : أصِلَهٌ أم زکاهٌ أم صدقهٌ ؟ فذلک محرَّمٌ علینا أهلَ البیت ! فقال : لا ذا ولا ذاک ولکنّها هدیّهٌ ، هَبِلَتْکَ الْهَبُولُ ! أعن دینِ اللّه ِ أتَیْتَنی لِتَخْدَعنی ؟ أمُخْتَبِطٌ أنتَ أم ذو جِنَّهٍ ؟ أم تَهْجُرُ ؟ واللّه

لو اُعطیتُ الأقالیمَ السبعهَ بما تحتَ أفلاکها علی أن أعْصِیَ اللّه فی نَمْلَهٍ أسْلُبُها جُلبَ شَعِیرَهٍ ما فَعَلْتُهُ ، وإنّ دنیاکم عندی لأَهونُ مِنْ وَرَقَهٍ فی فم جرادَهٍ تَقْضَمُها ، ما لعلیٍّ ولنعیمٍ یَفْنَی ولَذَّهٍ لا تَبْقَی ، نعوذُ باللّه ِ من سُبَاتِ العقلِ وقُبْحِ الزّلَلِ وبه نستعین(1) .

المُهدِی : هو الأشعث بن قیس ، والظاهر أنّه أراد بهدیّته هذه حکماً باطلاً بنفعه من أمیر المؤمنین علیه السلام ، وهیهات ما هکذا الظن به سلام اللّه علیه وعلی اُولاده .

الملفوفه : نوع من الحلواء . شنئتها : کرهتُها . الصله : العطیه . هبلتک : ثکلتک ، الهَبُول : المرأه لا یعیش لهاولد . ذو جِنّه : مَن أصابه مسّ الشیطان . تهجر : تهذی بما لا معنی له فی المرض وغیره . جُلب الشعیره : قشرتها . قَضُمتِ الدابهُ الشعیرَ : کسرته بأطراف أسنانها . سبات العقل : نومه . الزلل : السقوط فی الخطأ .

ومنها : مرسله القاضی نعمان المصری رفعه عن علی علیه السلام فیما کتبه إلی رفاعه لمّا استقضاه علی الأهواز : ذر المطامع وخالف الهوی _ إلی أن کتب علیه السلام _ إیّاک وقبول التحف من الخصوم ، وحاذر الدُّخله ، الکتاب(2) .

ومنها : خبر أحمد بن عبد اللّه الهروی الشیبانی وداود بن سلیمان الفراء عن علی بن

ص:175


1- (1) نهج البلاغه . الخطبه 224 .
2- (2) دعائم الإسلام 2 / 534 خ 1899 ونقل عنه فی مستدرک الوسائل 17 / 347 ح 1 . الباب 1 من أبواب آداب القاضی .

موسی الرضا علیه السلام عن آبائه علیهم السلام عن علی علیه السلام فی قول اللّه عزّ وجل «أَکَّالُونَ لِلسُّحْتِ»(1) قال : هو الرجل یقضی لأخیه الحاجه ثمّ یقبل هدیته(2) .

ومنها : مرسله اُخری للرضی رفعه إلی أمیر المؤمنین أنّه قال فی خطبته : قال رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم : یا علی إنّ القوم سیفتنون بأموالهم ویمنّون بدینهم علی ربّهم ویتمنَّون رحمته ویأمنون سطوته ویستحلّون حرامه بالشبهات الکاذبه والأهواء الساهیه ، فیستحلّون الخمر بالنبیذ والسحت بالهدیه والربا بالبیع(3) .

هذه الروایات الوارده فی حکم الهدیه للقاضی ، وأنت تری ضعف أسنادها ، وعدم تمامیه دلاله جُلِّها لو لا کُلِّها ، فلا یمکن تخصیص العمومات الوارده فی استحباب الهدیه وقبولها بها . نعم یمکن حملها علی ما إذا أراد المُهدی الرشا المحرّم باسم الهدیه ، أو أراد من الوالی تضییع

حقٍّ أو تمشیه باطلٍ ونحوها ، ومن الواضح أن الصوره الأخیره لا یخفی علیهما ، وحینئذ الهدیه فقط اسم لواقع آخر محرّم ، فیمکن القول بحرمتها .

وفی الفرض الشک فی دخولها تحت الصوره الأخیره ، وإن کانت العمومات والأصل تقتضی الجواز ، ولکن الإحتیاط الذی هو سبیل النجاه یقتضی ترکه .

وبما ذکرنا یمکن الجمع بین أقوال الأصحاب قدس سرهم فی المقام ، واللّه هو العالم بالأحکام .

حکم الرشوه فی غیر الأحکام

الرشوه فی غیر الأحکام یُتصور علی ثلاثه وجوه :

الأوّل : قد تکون لإصلاح أمر حلال أو مباح ، فلا بأس فی جوازها إعطاءً وأخذاً ، لأنّ المعطی أعطاها لإصلاح أمرٍ حلالٍ أو مباحٍ والآخذ یعمل شیئاً فیأخذها فی قبال عمله المحترم . والشاهد علی ذلک صحیحه محمد بن مسلم قال : سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الرجل

ص:176


1- (3) سوره المائده / 42 .
2- (4) وسائل الشیعه 17 / 95 ح 11 .
3- (5) نهج البلاغه . الخطبه 156 .

یرشو الرجل الرشوه علی أن یتحوّل من منزله فیسکنه ؟ قال : لا بأس به(1) .

هذا بناءً علی أنّ المراد المنزل المشترک کالأوقاف العامه أو الموقوفه علی قبیل وهما منه أو المدارس وحجراتها أو المشاهد أو نحوها .

ویؤیدها معتبره أو موثقه حکم بن حکیم الصیرفی قال : سمعت أبا عبد اللّه علیه السلام وسأله حفص الأعور فقال : إنّ السلطان یشترون منّا القُرب والإدواه فیوکلون الوکیل حتی یستوفیه منّا فنرشوه حتّی لا یظلمنا ، فقال : لا بأس ما تصلح به مالک . ثمّ سکت ساعه ثمّ قال : أرأیت إذا أنت رشوته یأخذ أقل من الشرط ؟ قال : نعم ، قال : فسدت رشوتک(2) .

إسماعیل ومحمد وحکم ثقات إلاّ أنّ أولهم واقفیٌّ . فالسند معتبر بل موثق .

والقُرَب جمع قربه : سقاء یجعل فیه الماء أو اللبن . الإداوه : إناء صغیر من جلد یجعل فیه الماء وجمعها : الأداوی .

فصدر الموثقه تدلّ علی جواز ما ذکرنا ، کما تدلّ علی جواز إعطاء الرشوه لدفع الظلم و إن حرم أخذها حینئذٍ علی المرتشی .

الثانی : قد تکون الرشوه لبلوغ أمر محرّم أو إتمامه ، فلا شبهه فی حرمتها علی المعطی

والآخذ کلیهما لما مرّ من حرمه أخذ المال علی عمل محرّم ، وتؤیدها بل یدلّ علیه ذیل الموثقه الماضیه آنفاً حیث سأل الإمام علیه السلام : أرأیت إذا أنت رشوته یأخذ أقل من الشرط ؟ قال : نعم ، قال : فسدت رشوتک .

الثالث : قد تکون الرشوه لأمر مشترک بین جهتی الحلال والحرام ، فإن قصد الراشی الحرام ووقع فصارت حراماً وإن قصد الحلال ووقع فصارت حلالاً . لأنّه بالقصد ووقوع الحلال یدخل فی القسم الأوّل وبالقصد ووقوع الحرام یدخل فی القسم الثانی .

وأمّا إذا قصد المشترک بینهما فهل هی حلال أم حرامٌ ؟ قد یقال : بحرمتها حینئذٍ ، لأنّه أکل للمال بالباطل ، وإطلاق الروایات الوارده فی هدیه الولاه والعمال .

ص:177


1- (1) وسائل الشیعه 17 / 287 ح 2 . الباب 85 من أبواب ما یکتسب به .
2- (2) التهذیب 7 / 235 ح 45 ونقل عنه مع اختلاف فی السند فی وسائل الشیعه 18 / 96 ح 1 . الباب 37 من أبواب أحکام العقود .

ولکن یمکن المناقشه فیهما : بأنّ الأخذ علی الجهه المشترکه لیس أخذاً بالباطل ، والروایات کلّها ضعیفه السند کما مرّت ، ویمکن حملها(1) علی الرشوه المصطلحه أعنی فی الحکم والقضاء . فالعمومات والأصل یقتضی الجواز ، واللّه العالم .

حکم المعامله المحاباتیه مع القاضی

قسّم الشیخ الأعظم(2) قدس سره المعامله المشتمله علی المحاباه مع القاضی إلی ثلاثه أقسام ، وإنّا نتبع أثره :

الأوّل : الغرض الأصلی للبائع هو حکم القاضی له ولم یتعلق غرضه بأصل البیع ، فالبیع اسم فقط لانتقال المال إلی القاضی لیحکم له ، بحیث لو لا المرافعه والحکم لم یبع ماله أصلاً مطلقاً ، أی بلا تقلیل الثمن وعدمه .

ففی هذا القسم لم یقصد البائع المعامله المحاباتیه ، بل قصد الرشوه بإزاء الحکم له ، فالمعامله صوریّه محضه فتدخل فی عنوان الرشاء ، فتحرم تکلیفاً وتبطل وضعاً .

الثانی : البائع یقصد أصل البیع ولکن غرضه من تقلیل الثمن إعطاء القاضی شیئاً لیحکم له ، بحیث لو لا المرافعه والحکم یبیع ماله ولکن بالثمن لا بتقلیله .

قد یقال : إنّ المحاباه وتقلیل الثمن فی قبال الحکم للبائع تکون کالشرط لهذه المعامله ، والشرط حرام وفاسد . فإن قلنا بکون الشرط الفاسد مفسد للمعامله فسدت المعامله حینئذٍ ، وإن قلنا بعدم الإفساد وبتقسیط المبیع بالنسبه إلی الشرط والثمن صار حکمها حکم

بیع ما لا یملک بانضمام ما یملک ، نظیر بیع الخمر والخلِّ معاً أو الخنزیر والشاه معاً ، فحینئذٍ صحت المعامله ولکن للمشتری خیار تبعّض الصفقه أو الرجوع إلی البائع فیما زاد من ثمن ما یملک .

وفی المقام حیث أنّ المشتری هو القاضی لم یقدم علی شیءٍ منهما یحکم بصحه المعامله .

وإن قلنا بعدم إفساد الشرط الفاسد وذهبنا إلی عدم تقسیط الثمن بالنسبه إلی الشرط

ص:178


1- (1) أی حمل الروایات .
2- (2) المکاسب 1 / 248 .

- کما هو الصحیح المختار - فالمعامله صارت صحیحه .

ذهب إلی صحه ا لمعامله فی هذا القسم جماعه من الأصحاب ، منهم : الفقیه الیزدی(1) والمیرزا الشیرازی الثانی(2) والمحقق الإیروانی(3) والفقیه السبزواری(4) والمحقق الخوئی(5) وتبعه تلمیذه فی عمده المطالب(6) .

والظاهر أنّ متابعه الأعلام الأفذاذ تامه ، لأنّ حرمه الرشوه تکلیفاً لم یسر إلی المعامله ، فلا تبطلها وضعاً إلاّ علی القول بأنّ الشرط المفسد فاسدٌ .

الثالث : قصد البائع أصل البیع ولکن الداعی له من تقلیل الثمن والمحاباه جلب محبه القاضی ومیله وحبّه إلیه حتّی ینجر إلی الحکم له ، وفی هذا القسم أشبه شیءٍ بالهدیه للقاضی .

وحیث ذهبنا إلی جواز الإهداء للقاضی کما مرّ ، لا وجه لبطلان المعامله فی هذا القسم . ووافقنا علی ذلک الأعلام الذین مرّت الإشاره إلیهم فی القسم الثانی آنفاً .

تنبیه : فی حکم المعامله المحاباتیه ، المعامله أو البیع بثمن المثل مع فرض قلّه المتاع وعزّته ، بحیث لو لا حکمه له أمسک علی متاعه ولم یقدم علی البیع لا من القاضی ولا من غیره ، ولکن باعه له بشرط حکمه للبائع أو بهذا الداعی ، فیجری فیها ما ذکرنا فی المعامله المحاباتیه .

وفی حکمها ، بذل المنافع مجاناً أو بثمن أقل ، کسکنی الدار أو إجاره السیاره ونحوها لذلک ، واللّه سبحانه هو العالم .

حکم الرشوه وضعاً ووظیفه مَنْ أخذها

هل وجب علی الآخذ ردّها ؟ ولو تلفت فی یده کان ضامناً ببدلها من المثل أو القیمه أم لا ؟

ص:179


1- (1) العروه الوثقی 6 / 445 .
2- (2) حاشیه علی المکاسب 1 / 75 .
3- (3) حاشیه علی المکاسب 1 / 162 .
4- (4) مهذب الأحکام 16 / 95 .
5- (5) مصباح الفقاهه 1 / 274 .
6- (6) عمده المطالب فی التعلیق علی المکاسب 1 / 210 للفقیه الحاج آقا تقی الطباطبائی القمی مدظله .

الظاهر أن هاهنا صوراً ثلاثه :

الأولی : قد یعطی الراشی لیحکم له القاضی علی خصمه ، بحیث یصیر مصداقاً للرشوه ، فحینئذ حیث یحکم بالحرمه تکلیفاً یحکم بالبطلان وضعاً ، فالمال لم ینتقل إلی المرتشی ویبقی فی ملک مالکه الراشی ، فلذا علی المرتشی ردّها إن کان عینه موجوداً أو ردّ بدله إن کان تالفاً .

والدلیل علی ذلک : بعد ادعاء نفی الخلاف فیه کما عن الغنائم(1) والمستند(2) بل ادعاء الإجماع علیه کما عن المسالک(3) وادعاء لا خلاف ولا أشکال کما فی الجواهر(4) ، لأنّ الرشوه حینئذٍ وقعت فی مقابل الحکم للراشی ، فتکون معامله باطله وصارت من صغریات « کلّ عقد یضمن بصحیحه یضمن بفاسده » . وتدلّ علیه أیضاً عموم قواعد الضمان و« علی الید ما أخذت حتّی تؤدی » ، والإقدام حیث أنّ الآخذ أقدم علی ضمان ما أخذ والإتلاف فی فرض التلف .

إن قلت : الراشی راضٍ بتصرف المرتشی فی الرشوه ، وهذه الرضایه ترتفع الضمان .

قلت : الراشی راضٍ بعنوان الرشوه لا بعنوانٍ آخرٍ ، وحیث أنّ الشارع ألغی الرشوه عن المالیه وأخذ الوجه فی قبالها ، فلا توجب جواز أکل المال والتصرف فیه ، فالمرتشی یصیر ضامناً .

الثانیه : إذا أعطاه للقاضی علی سبیل الهدیّه وذهبنا إلی جوازها کما هو المختار فلا ضمان علیه ، لأنّه أخذها مشروعاً وحلالاً فیملکه ، فلا یجب علیه ردّه ولا ضمان علیه . وإن ذهبنا إلی حرمتها وأنّ إعطاءها علی المُهدی یکون حراماً ، وکذا علی آخذها ، ولکن حیث أنّ الدافع لم یقصد المقابله بین الحکم والهدیه وإنّما أعطاه مجاناً لیحکم له فیکون هبه مجانیه فاسده ، ولأنّ الداعی لیس قابلاً للعوضیه ولا مؤثراً فی الحکم الشرعی وضعاً ولا تکلیفاً فحینئذ یکون من

ص:180


1- (1) غنائم الأیام / 675 من الطبع الحجری .
2- (2) مستند الشیعه 17 / 74 .
3- (3) مسالک الأفهام 13 / 422 .
4- (4) جواهر الکلام 22 / 149 .

مصادیق قاعده « ما لا یضمن بصحیحه لا یضمن بفاسده » .

الثالثه : وأمّا إذا أعطاه فی المعامله المحاباتیه فلها أقسام ثلاثه کما مرّ منّا :

القسم الأوّل : إذا لم یقصد البیع بل غرضه الأصلی هو إعطاء الرشوه ، فحینئذ حکمه حکم الصوره الاُولی ، لأنّه فی الحقیقه رشوه ، فالآخذ ضامن .

وأمّا القسم الثانی : إذا تعلق غرضه بالبیع وتقلیل الثمن لأجل الحکم له فیکون کالشرط للمعامله ، وذهبنا إلی صحه المعامله کما هو المختار ، فلا ضمان علی المشتری وإن قلنا بفساد المعامله حینئذٍ ، فعلی المشتری الضمان بالنسبه إلی ما یقلّل له .

وأمّا القسم الثالث : حیث قصد البیع وتقلیل الثمن کالداعی له لجلب محبّه القاضی فیصیر أشبه شیءٍ بالهدیه ، فیجری فیه حکم الصوره الثانیه یعنی الهدیه ، فلا ضمان علی المشتری لعین ما ذکرناه هناک .

هذا کلّه بالنسبه إلی مقدار النقص فی المعامله المحاباتیه ، وبه تمّ الکلام فی حکم الرشوه وضعاً ، واللّه العالم بالأحکام .

فروع اختلاف الدافع والقابض

تعرّض الشیخ الأعظم(1) قدس سره لصور ثلاث فی المقام :

الصوره الأولی : أن یتوافق المترافعان علی عنوان واحد کالهبه ولکن الدافع یدعی أنّها ملحقه بالرشوه فی الفساد والحرمه ، والقابض یدعی أنّها هبه صحیحه لازمه بداعی القربه أو الرحمیه . وتظهر الثمره فی جواز استرجاع العین علی الأوّل وعدمه علی الثانی إن کانت العین موجوده ، وأمّا مع التلف لاتظهر الثمره ، لما مرّ أنّ ما لا یضمن بصحیحه لا یضمن بفاسده .

قد یقال : بتقدیم قول الدافع ، لأنّ القابض وضع یده علی مال الدافع ، وهذا محرز بالوجدان وعدم کونه بالهبه الصحیحه محرز بالأصل ، فیتم منهما موضوع الحکم بجواز

ص:181


1- (1) المکاسب 1 / 251 .

الاسترجاع ، ولا یعارض الأصل بأصاله الهبه الفاسده لأنّها لا أثر لها .

ولکن یمکن أن یقال : بتقدیم قول القابض ، لأنّ أصاله الصحه فی العقود تتقدم علی جمیع الاُصول الموضوعیه ، وعلیه إتفاق کافه العلماء وبناء العقلاء ، کما فی مصباح الفقاهه(1) .

إن قلت : الدافع إنّما یدعی ما لا یُعلم إلاّ من قبله فیقدم قوله فی دعواه ، لأنّه أعرف

بضمیره .

قلت : الدلیل فی ثبوت هذه القاعده - أی اعتبار القول ممّا لا یُعرف إلاّ من قبله - منحصر بموارد خاصه ، نحو : إخبار المرأه عن الحمل والحیض والطهر وأنّها ذات بعل أو غیر مزوّجه إذا لم تکن متهمه أو أنّها فی العدّه أو خرجت منها . ولا دلیل علی ثبوت هذه القاعده فی جمیع الموارد . وإلاّ یجب قبول قول مدعی العداله أو الإجتهاد أو الأعلمیه . اللهم إلاّ أن یمنع کون هذه الموارد الأخیره لا تُعرف إلاّ من قبله ، فإنّ کلّها تعرف بآثارها أو عند أهلها ، کما نبّه علیه المحقق الإیروانی(2) .

ولکن بنظری القاصر : فی هذه الصوره والمثال حیث تکون العین باقیه والقابض اعترف بأنّ المال انتقل إلیه من الدافع و الدافع یقول ببطلان الانتقال والقابض یدعی صحه الانتقال إلیه ، فیصیر القابض مدعیّاً والدافع منکراً ، فلابدّ للقابض من إقامه البیّنه علی صحه الانتقال ، ولو لم یقمها یحلف الدافع ببطلان الانتقال ویأخذ عین ماله . یعنی الأصل مع الدافع حینئذ .

ولکن إذا کانت العین تالفه صار الأمر علی عکس ما ذکرنا ، أعنی أنه صار الدافع مدعیّاً لأنّه إدعی الضمان والقابض منکراً ، فعلی الدافع إقامه البیّنه ولو لم یقمها یحلف القابض ویحکم ببراءه ذمّته من الضمان .

الصوره الثانیه : أن یکون کلّ منهما یدعی أمراً غیر ما یدعیه الآخر ، مثلاً لو ادعی الدافع أنّها رشوه أو اُجره علی المحرّم وادعی القابض کونها هبه صحیحه .

ص:182


1- (2) مصباح الفقاهه 1 / 276 .
2- (1) الحاشیه علی المکاسب 1 / 163 .

فی هذه الصوره یقدَّم قول الدافع ، لأصاله عدم تحقق الهبه الصحیحه الناقله ، فإنّها أمر وجودی وموضوع للأثر ، فالأصل عدمها . ولا تعارضها أصاله عدم تحقق الرشوه المحرَّمه أو الإجاره الفاسده ، لأنّهما لا أثر لهما ، وإنّما الأثر مترتب علی عدم تحقق السبب الناقل ، سواء معه تحقق شیٌ من الأسباب الفاسده أم لم یتحقق ، کما ذکره المحقق الخوئی قدس سره (1) .

الصوره الثالثه : أن یتوافق المترافعان علی فساد الأخذ والإعطاء ولکن الدافع یدعی أنّها رشوه والقابض یدعی أنّها هدیه فاسده . علی ثبوت قول الدافع یتبع الضمان علی القابض ، لأنّه أخذها علی سبیل الإجاره والجُعاله الفاسدتین ، وعلی ثبوت قول القابض لا یتبع الضمان ، لأنّه أخذها علی سبیل الهدیّه الفاسده ، لأنّ الهبه الصحیحه لا ضمان فیها فکذا

الهبه الفاسده .

نعم ، ثمره هذه الدعوی تظهر بعد تلف المال ، إذ قبله یجوز للدافع استرجاع العین کما یجب علی الآخذ ردّها لا تفاقهما علی فساد المعامله .

والتحقیق أن یقال فی هذه الصوره : لا یجوز لأحدٍ التصرف فی مال امری ء مسلم إلاّ بطیبه نفسه ، ومن المعلوم أنّ وضع الید علی مال الغیر بدون رضی مالکه یوجب الضمان للسیره القطعیه ، فعلیه وضع الید فی المقام علی مال الغیر محرز بالوجدان ، وإذا ضممنا إلیه أصاله عدم رضی المالک بالتصرف المجانی ، یتشکّل الموضوع من ضم الوجدان إلی الأصل ویحکم بالضمان علی القابض ، کما علیه المحقق الخوئی(2) .

ذکر المحقق الخوئی قدس سره فی مقام الترافع صورهً رابعهً لا ترتبط بمسأله الرشوه وقال :

« الصوره الرابعه : أن یدعی کلٌّ منهما عنواناً صحیحاً غیر ما یدعیه الآخر ، کأن یدعی الباذل کونه بیعاً لیتحقق فیه الضمان ، ویدعی القابض کونه هبه مجانیّه لکی لا یتحقق فیه الضمان ، فإن أقام أحدهما بیّنهً أو حلف مع نکول الآخر حکم له ، وإلاّ وجب التحالف وینفسخ العقد ، وعلیه فیجب علی القابض ردّ العین مع البقاء أو بدلها مع التلف ، وهذه الصوره

ص:183


1- (2) مصباح الفقاهه 1 / 277 .
2- (1) مصباح الفقاهه 1 / 276 .

لا تنطبق علی ما نحن فیه»(1) .

أقول : حیث أن القابض اعترف بانتقال

المال إلیه من الدافع فی الفرض والأصل فی الانتقالات عدم کونها مجانیّه ، فعلی القابض أن یثبت صحه الانتقال وعدم المجانیّه ، فهو المدعی والدافع صار منکراً ، والبیّنه علی المدعی والیمین علی من أنکر ، ولم یدخل الفرض فی صوره التداعی خلافاً لهذا المحقق الجلیل قدس سره .

إلی هنا تمت مباحث الرشوه بطولها ، والحمد للّه أوّلاً وآخراً وظاهراً وباطناً ، واللّه سبحانه هو العالم بأحکامه .

ص: 184


1- (2) مصباح الفقاهه 1 / 277 .

السبّ

اشاره

والکلام فیه یقع ضمن مقامات :

المقام الأوّل : ما معنی السبّ ؟

لم یرد فی الروایات تحدید معناه ، فلذا لابدّ فیه من الرجوع إلی اللغه والعرف ، فأذکر لک بعض کلمات اللغویین ثمّ الفقهاء :

1 _ قال أحمد بن فارس المتوفی عام 395 : « سبّ السین والباء حَدّهُ بعضُ أهل اللغه _ وأظنُّه ابن درید _ أنّ أصل هذا الباب القطع ، ثم اشتقّ منه الشَّتم . وهذا الذی قاله صحیح . وأکثر الباب موضوع علیه . من ذلک السِّبّ : الخِمار ، لأنّه مقطوع من مِنْسَجه ... .

والسَّب : الشتم ، ولا قطیعه أقطع من الشتم ... ویقال : رجل سُبَبَه ، إذا کان یَسُبُّ الناسَ کثیراً . ورجل سُبَّه ، إذا کان یُسَبُّ کثیراً ... »(1) .

2 _ وقال الزمخشری المتوفی عام 538 : « س ب ب _ بینهما سباب ، والمزاح سباب النوکی ، وقد سابّه وتسابُّوا واستبُّوا . وفی الحدیث : المسْتبّان شیطانان ، وهو سُبَّه ، وهذه سُبّه علیک وعلی عقبک ، وأنت سُبّهٌ علی قومک ، وإیّاک والمَسبّه والمَسابّ ... »(2) .

3 _ وقال ابن منظور المتوفی عام 711 : « سبب : السَّبُّ : القطع . سَبَّه سَبّاً : قطعه ... . السَّبُّ : الشتم ، وهو مصدر سَبَّه یَسُبُّه سَبّاً : شَتَمه ، وأصله من ذلک .

وسَبَّبه : أکثر سَبَّه ... وفی الحدیث : سِبابُ المسلم فُسوقٌ وقتاله کُفرٌ .

السَّبُّ : الشتم . قیل : هذا محمول علی من سَبَّ أو قاتَلَ مسلماً من غیر تأویل ، وقیل :

ص:185


1- (1) معجم مقاییس اللغه 3 / 63 .
2- (2) أساس البلاغه / 200 .

إنّما قال ذلک علی جهه التغلیظ ، لا أنّه یخرجه إلی الفسق والکفر .

وفی حدیث أبی هریره : لا تَمْشِیَنَّ أمام أبیک ولا تجلس قَبْله ولا تدعه باسمه ولا تَسْتَسِبَّ له ، أی لا تُعَرِّضْه للسَّبِّ وتَجُرَّه إلیه ، بأن تَسُبَّ أبا غیرک فَیَسُبَّ أباک مجازاهً لک .

وقد جاء مفسراً فی الحدیث الآخر : إنّ من أکبر الکبائر أن یُسَبَّ الرجل والدیه ، قیل : وکیف یَسُبُّ والدیه ؟ قال : یَسُبُّ أبا الرجل ، فَیُسَبُّ أباه ویَسُبُّ اُمَّه فَیُسَبُّ اُمُّه .

والسُّبَّه : العار ، ویقال : صار هذا الأمر سُبَّهً علیهم ، بالضم ، أی عاراً یُسَبُّ به .

ویقال : بینهم اُسْبوبه یَتَسابُّونَ بها ، أی شیءٌ یَتشاتمونَ به .

السَبابُّ : التَّشاتُم ، وتسابُّوا : تشاتَمُوا .

وسابَّه مُسابَّه وسِباباً : شاتمه .

والسَّبِیبُ والسِّبُّ : الذی یُسابُّکَ . وفی الصحاح : سِبُّک الذی یُسابُّکَ ... .

ورجل سِبٌّ : کثیر السِّبابِ . ورجل مِسَبٌّ : بکسر المیم ، کثیرُ السِّبابِ .

ورجل سِبَّه أی یَسُبُّه الناسُ ، وسُبَبَه أی یَسُبُّ الناسَ ... »(1) .

4 _ وقال الفیومی المتوفی عام 770 : « سَبَّهُ : سَبّاً فهو سَبَّابٌ ، ومنه قیل : للإصبَعَ التی تلی الإبهامَ سَبَّابَهٌ لأنّه یُشارُ بها عند السَّبِّ ، والسُّبَّه : العار ، وسابَّه مُسَابَّهً وسِبَاباً واسمُ الفاعِلِ منه سِبُّ بالکسر ، والسِبُّ أیضاً الخِمارُ والعِمامَهُ »(2) .

5 _ وقال المحقق الثانی : « وذلک بإسناد ما یقتضی نقصه ، مثل الوضیع والناقص ونحو ذلک ، إلاّ لِمَنْ یستحق الإهانه کما سیجیء فی باب القذف»(3) .

6 _ وقال جدنا الشیخ جعفر : « وسبّ المؤمنین وشتمهم بمعنی واحد یعمّ اللعن والطعن والقذف والفحش والتصغیر والتحقیر ونحوها ، مع قصد الإنشاء ، فیخالف الغیبه ، أو یعمّ الخبر وتعمّ الإنشاء ، ویختلفان فی بعض التعبیرات فیعمّ کلّ منهما الآخر من وجه»(4) .

ص:186


1- (1) لسان العرب 6 / 137 .
2- (2) المصباح المنیر / 262 .
3- (3) جامع المقاصد 4 / 27 .
4- (4) شرح القواعد 1 / 235 .

7 _ وقال تلمیذه السید جواد العاملی : « وأمّا السبّ فهو الشتم ، ومثله السباب بالکسر وخفه الموحده ، وفی الحدیث : سباب المؤمن فسوق وقتاله کفر .

والشتم السبّ ، بأن تصف الشیء بما هو إزراء ونقص ، فیدخل فی السبّ کلّ ما یوجب الأذی کالقذف والحقیر والوضیع والکلب والکافر والمرتد ، والتعییر بشیءٍ من بلاء اللّه کالأجذم والأبرص ، ولو کان مستحقّاً للإستخفاف فلا حرمه إلاّ فیما لا یسوغ لقاؤه به .

وقد یُراد به فی المقام خصوص مثل الوضیع والحقیر والناقص ، وإن ثبت بها التعزیر لتبادره عرفاً . وقد یُراد خصوص ما ثبت به التعزیر دون الحدّ کالقذف ، لأنّه من الکبائر فلا یناسب وضعه من الکذب علی المؤمنین ، فتأمل .

والسبّ مع قصد الإنشاء یخالف الغیبه أو یعمّ الخبر وتعمّ الإنشاء ، ویختلفان فی بعض التعبیرات فیعمّ کلّ منهما الآخر من وجه ، وسبّ غیر أهل الإیمان من شرائط الإیمان»(1) .

8 _ وقال الشیخ الأعظم : « إنّ المرجع فی السبّ إلی العرف»(2) ، ثمّ ذکر بیان المحقق الثانی ومقاله الشیخ جعفر والسید العاملی الماضیه من دون النسبه إلی الإخیرین ، ثمّ قال : « ثمّ الظاهر أنّه لا یُعتبر فی صدق السبّ مواجهه المسبوب ، نعم یُعتبر فیه قصد الإهانه والنقص ، فالنسبه بینه وبین الغیبه عموم من وجه . والظاهر تعدد العقاب فی ماده الإجتماع ، لأنّ مجرد ذکر الشخص بما یکرهه لو سمعه ولو لا قصد الإهانه غیبه محرّمه والإهانه محرّم آخر »(3) .

9 _ وقال المحقق الخوئی : « الظاهر من العرف واللغه اعتبار الإهانه والتعییر فی مفهوم السبّ وکونه تنقیصاً وإزرءاً علی المسبوب وأنّه متحد مع الشتم ، وعلی هذا فیدخل فیه کلّما یوجب إهانه المسبوب وهتکه ، کالقذف والتوصیف بالوضیع واللاشی ء والحمار والکلب والخنزیر والکافر والمرتد والأبرص والأجذم والأعور وغیر ذلک من الألفاظ الموجبه للنقص والإهانه ، وعلیه فلا یتحقق مفهومه إلاّ بقصد الهتک ، وأمّا مواجهه المسبوب فلا

ص:187


1- (1) مفتاح الکرامه 12 / 222 .
2- (2) المکاسب 1 / 254 .
3- (3) المکاسب 1 / 255 .

تعتبر فیه»(1) .

10 _ أقول : ظهر لک ممّا ذکرنا من کلمات اللغویین والفقهاء أنّ المراد بالسبّ هو الشتم ، بلا فرق بین أن یکون خبراً أو إنشاءً ، وبین أن یکون المسبوب حاضراً أو غائباً ، و بین أن یکون السابّ قاصداً الإهانه والتنقیص والتحقیر أو لم یقصد . فعلی هذا النسبه بین السب والغیبه وقصد الإهانه والإستخفاف عموم من وجه ، فما ذکره المحقق الإیروانی قدس سره (2) - ولعلّه ارتضاه صاحب الغنیه(3) لأنّه ذکره ولم یرد علیه - من أنّ النسبه بینه وبین الغیبه تباین ، غیر تام .

وهکذا لا یتم ما ذکره المحقق الخوئی تبعاً للشیخ الأعظم من عدم تحقق السبّ إلاّ بقصد الهتک والإهانه کما سبق ، لما عرفت من عدم مدخلیه القصد فی السبّ ، وحیث أنّ المرجع فیه هو العرف لا محاله یختلف السبّ باختلاف الأشخاص والأزمنه والأمکنه ، فربّما یکون لفظ

سبّاً عند قومٍ ولا یکون سبّاً عند آخرین ، فیلحق کلاً من المصادیق حکمه کما ذکره الفقیه السبزواری قدس سره (4) .

هذا کلّه فی معنی السب والمقام الأوّل من المقامات .

المقام الثانی : أدله حرمه سبّ المؤمن

اشاره

تدلّ علیه الأدله الأربعه :

الأوّل : الإجماع

قال العلامه فی التذکره : « ویحرم سبّ المؤمنین والکذب علیهم والنمیمه ومدح مَنْ یستحق الذم وبالعکس والتشبیب بالمرأه المعروفه المؤمنه ، بلا خلاف فی ذلک کلّه»(5) .

ص:189


1- (4) مصباح الفقاهه 1 / 280 .
2- (5) حاشیه علی المکاسب 1 / 167 .
3- (6) غنیه الطالب 1 / 133 للمحقق الشیخ مرتضی الأردکانی قدس سره .
4- (1) مهذب الأحکام 16 / 97 .
5- (2) تذکره الفقهاء 12 / 144 ذیل المسأله 649 .

وقد تعرض الغزالی من العامه لهذا الإجماع فی کتابه إحیاء العلوم(1) .

فحرمه سبّ المؤمن من إجماعیات المسلمین کما قال المحقق الخوئی قدس سره : « وعلی ذلک إجماع المسلمین من غیر نکیر»(2) .

ولکن یمکن أن یناقش فی هذا الإجماع بوجهین :

أوّلاً : عدم ثبوت الإجماع عندنا من کلام الغزالی ، والمذکور فی کلام العلامه هو « لا خلاف» ، والفرق بینهما واضح .

وثانیاً : علی فرض ثبوت الإجماع لم یفد فی المقام شیئاً ، لاّنّه من الإجماع المدرکی ، فلابدّ من ملاحظه غیره من الأدله والمدارک .

الثانی : حکم العقل والعقلاء

العقل مستقل بحرمه سبّ المؤمن فی الجمله ، لأنّه ظلم وإیذاء وعدوان ، والعقلاء أیضاً یحکمون بقبحه فی الأعصار والأمصار وبلا اختصاص بملّه دون اُخری .

الثالث : کتاب اللّه تعالی

1 _ قال عزّ وجل : «وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ»(3) .

بتقریب : أن الزور ظاهر فی الباطل ، والسبّ باطل عند العرف فیحرم . ومن المعلوم

أنّ الباطل لا ینحصر إنطباقه علی الکذب وما هو متضمن له ، بحیث یشمل الأخبار الکاذبه فقط ، ولا تشمل الإنشاءات ومنها بعض السباب(4) ، بل الظاهر من الزور هو الباطل الذی یشمل الإخبار والإنشاء ، ومن الأخیر بعض السباب ، والشاهد علی ذلک هو العرف ودینهم وحکمهم بأنّه من الباطل .

والشاهد الآخر : الروایات الوارده(5) فی ذیل الآیه الشریفه بتطبیقها علی الغناء التی

ص:189


1- (3) إحیاء العلوم 3 / 110 و 111 .
2- (4) مصباح الفقاهه 1 / 277 .
3- (5) سوره الحج / 30 .
4- (1) ذهب إلی الإنحصار شیخنا الأستاذ _ مدظله _ فی إرشاد الطالب 1 / 159 .
5- (2) راجعها فی البرهان فی تفسیر القرآن 3 / 881 .

یغلب فیها الإنشاء علی الإخبار .

والشاهد الثالث : صحیحه حماد بن عثمان عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : سألته عن قول الزور ، قال : منه قول الرجل للذی یُغنّی : أحسنت(1) .

الظاهر فی الإنشاء لا الإخبار ، أعنی أن الإمام علیه السلام طبق الآیه الشریفه علی الإنشاء لا الإخبار .

والحاصل ، أنّ سب المؤمن من أظهر مصادیق الآیه الشریفه ، لأنّ المراد بالزور هو الباطل ، والسبّ الباطل عند العرف فیحرم بمقتضی الآیه الشریفه .

ووافقنا علی هذا الاستدلال المحققون الخوئی(2) والسبزواری(3) قدس سرهما والقمی(4) _ مدظله _ .

2 _ قوله تعالی : «وَلاَ تَلْمِزُوا أَنفُسَکُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالاْءَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الاْءِیمَانِ»(5) .

بتقریب : أن سب المؤمن ربّما یدخل فی النهی الأوّل ، أعنی «لاَ تَلْمِزُوا أَنفُسَکُمْ» ، وربّما یدخل فی النهی الثانی ، أعنی «لاَ تَنَابَزُوا بِالاْءَلْقَابِ» ، وربّما یدخل فی التوصیف الآخر ، أعنی «بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الاْءِیمَانِ» . فصار محرّماً بالآیه الشریفه .

والشاهد علی ذلک ما ورد فی شأن نزولها فی تفسیر القمی ، قال : « فإنّها نزلت فی صفیه بنت حُیَیّ بن أخطَب ، وکانت زوجه رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم ، وذلک أنّ عائشه وحفصه کانتا

تؤذیانها وتشتمانها وتقولان لها : یا بنت الیهودیه . فشکت ذلک إلی رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم فقال لها : ألا تجیبهما ؟ فقالت : بماذا یا رسول اللّه ؟ قال : قولی : إنّ أبی هارون نبی اللّه وعمّی موسی کلیم اللّه وزوجی محمد رسول اللّه ، فما تُنکران منّی ؟ فقالت لهما ، فقالتا : هذا علمّک رسول اللّه ،

ص:190


1- (3) معانی الأخبار / 349 ح 2 ونقل عنه فی تفسیر البرهان 3 / 882 ح 6 طبع مؤسسه البعثه .
2- (4) مصباح الفقاهه 1 / 279 .
3- (5) مهذب الأحکام 16 / 96 .
4- (6) عمده المطالب 1 / 214 .
5- (7) سوره الحجرات / 11 .

فأنزل اللّه فی ذلک «یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا لاَ یَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ» إلی قوله «وَلاَ تَنَابَزُوا بِالاْءَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الاْءِیمَانِ» »(1) .

3 _ قوله تعالی : «لاَّ یُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ»(2) .

بتقریب : أنّ اللّه لا یحب القول بالسوء جهراً ، أی یحرم القول بالسوء وإظهاره إلاّ مِنْ المظلوم ، ومن المعلوم أنّ السبّ یدخل فی القول بالسوء فیحرم . والشاهد علی ذلک مرسله الطبرسی عن أبی جعفر علیه السلام أنّه قال : لا یحبّ اللّه الشتم فی الإنتصار إلاّ مَن ظُلم ، فلا بأس له أن ینتصر ممَّن ظلمه بما یجوز الانتصار به فی الدِّین(3) .

لأنّه علیه السلام طبق « القول بالسوء» بالشتم ، وقد مرّ منّا أنّ الشتم هو السبّ .

وبما ذکرنا من التقریب لا یتمّ ما ذکره شیخنا الأستاذ _ مدظله _ فی الإرشاد(4) . واللّه سبحانه هو العالم .

الرابع : ومن السنه الروایات المستفیضه

روایاتنا تدلّ علی حرمه السبّ علی حدِّ الاستفاضه :

منها : موثقه أو صحیحه أبی بصیر عن أبی جعفر علیه السلام قال : قال رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم : سباب المؤمن فسوق ، وقتاله کفر ، وأکل لحمه معصیه ، وحرمه ماله کحرمه دمه(5) .

ومنها : معتبره السکونی عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : قال رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم : سباب المؤمن کالمشرف علی الهلکه(6) .

ومنها : صحیحه اُخری لأبی بصیر عن أبی جعفر علیه السلام قال : إنّ رجلاً من تمیم أتی

ص:191


1- (1) تفسیر القمی 2 / 321 ونقل عنه فی البرهان 5 / 109 ح 1 .
2- (2) سوره النساء / 148 .
3- (3) مجمع البیان 3 / 201 ونقل عنه فی البرهان 2 / 195 ح 5 .
4- (4) إرشاد الطالب 1 / 160 .
5- (5) وسائل الشیعه 12 / 297 ح 3 . الباب 158 من أبواب أحکام العشره .
6- (6) وسائل الشیعه 12 / 298 ح 4 .

النبی صلی الله علیه و آله وسلم فقال : أوصنی ، فکان فیما اُوصاه أن قال : لا تسبّوا الناس فتکسبوا العداوه لهم(1) .

ومنها : صحیحه عبد الرحمن بن الحجاج عن أبی الحسن موسی علیه السلام فی رجلین یتسابّان ، قال : البادی ء منهما أظلم ، ووزره ووزر صاحبه علیه مالم یعتذر إلی المظلوم(2) .

ومنها : خبر عبد اللّه بن یونس عن أبی عبد اللّه علیه السلام أنّه قال : قال أمیر المؤمنین علیه السلام فی کلام له فی صفات المؤمن : ... لا وثّاب ولا سبّاب ولا عیّاب ولا مغتاب ، الحدیث(3) .

ومنها : مرسله أبی علی محمد بن همام رفعه عن رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم أنّه قال : لا یکمل المؤمن إیمانه حتّی یحتوی علی مائه وثلاث خصال _ إلی أن قال : _ لا لعّان ولا نمّام ولا کذّاب ولا مغتاب ولا سبّاب ، الحدیث(4) .

ومنها : مرسله العیاشی رفعه عن جابر عن أبی جعفر علیه السلام فی قوله تعالی : «وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنا»(5) . قال : قولوا للناس أحسن ما تحبّون أنّ یقال لکم ، فإنّ اللّه یُبْغَض اللّعان السبّاب الطعّان علی المؤمنین ، المُتَفَحِّش السائل المُلْحِف ، ویُحبُّ الَحیِیَّ الحلیم العَفیف المتعفّف(6) .

ومنها : مرسله القاضی نعمان المصری رفعه عن أبی عبد اللّه علیه السلام أنّه قال : من سبّ مؤمناً أو مؤمنه بما لیس فیهما بعثه اللّه فی طینه الخبال حتّی یأتی بالمخرج ممّا قال(7) .

ومنها : مرسله أبی القاسم الکوفی رفعه قال : کان رجل عند رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم من أهل یمن وأراد الإنصراف إلی أهله ، فقال : یا رسول اللّه أوصنی ، فقال : أوصیک أن لا تشرک

ص:192


1- (7) وسائل الشیعه 12 / 297 ح 2 .
2- (1) وسائل الشیعه 12 / 297 ح 1 .
3- (2) الکافی 2 / 179 ح 1 ونقل عنه فی مستدرک الوسائل 9 / 138 ح 7 .
4- (3) التمحیص / 74 ح 171 ونقل عنه فی مستدرک الوسائل 9 / 138 ح 8 .
5- (4) سوره البقره / 83 .
6- (5) تفسیر العیاشی 1 / 139 ح 66 ونقلت عنه فی موسوعه أحادیث أهل البیت علیهم السلام 5 / 26 ح 13 .
7- (6) دعائم الاسلام 2 / 458 ح 1612 ونقل عنه فی مستدرک الوسائل 9 / 136 ح 2 .

باللّه شیئاً ، ولا تعص والدیک ، ولا تسبّ الناس ، الحدیث(1) .

ومنها : مرسله أبی الفتوح الرازی رفعه عن رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم قال : المتسابّان ما قالا فعلی البادی ء ، ما لم یعتد المظلوم(2) .

وهذه الروایات تدلّ بوضوح علی حرمه السبّ .

المقام الثالث : هل تختص الحرمه بالمؤمن أو یعمّ جمیع الناس ؟

هل تختص حرمه السبّ بالمؤمن وبالمعنی الأخص - أعنی الشیعی الإمامی الإثنی عشری - أو تعمّ المسلم ولو کان مخالفاً ، أو أنّ الحکم یشمل جمیع مَنْ تبع مِنْ الأدیان الأبراهیمیه ، أو أنّ الحکم عام یشمل جمیع الناس مع اختلاف أدیانهم واعتقاداتهم وفرقهم إلاّ من استثنی فیما بعد ؟

ظاهر الأصحاب اختصاص الحکم بالمؤمن ، لأنّهم قیّدوا العنوان به ، ویؤیدهم بعض الروایات الماضیه ، نحو : موثقه أو صحیحه أبی بصیر ومعتبره السکونی . ولا یمکن تقییدها بهذه الأربعه ، لأنّ کلّهنَّ من المثبتات لا النفی والإثبات ، ولذا علی قواعد الاستنباط صارت الحرمه فی المؤمن آکد .

وذهب بعض(3) إلی اختصاص الحکم بالمسلمین ، للإطلاقات الوارده فی الروایات ، والتعدی صحیح ، لأنّ الإطلاقات تشمل جمیع المسلمین ولکن لا تختص بهم بل تسری إلی جمیع الناس مع اختلاف أدیانهم واعتقاداتهم ، بل تسری إلی المشرکین ومَنْ لیس له دینٌ ، مع الاعتراف بأنّ الناس فی روایاتنا غالباً یُطلق علی العامه ومخالفینا من المسلمین . ولکن توجد هنا قرینه بل قرائن وشاهد بل شواهد علی سریان الحکم بالنسبه إلی جمیع الناس بالمعنی اللغوی ، حتّی المشرکین منهم :

القرینه الأولی : قوله تعالی : «وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِینَ یَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَیَسُبُّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَیْرِ عِلْمٍ کَذَلِکَ زَیَّنَّا لِکُلِّ أُمَّهٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَی رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَیُنَبِّئُهُم بِمَا کَانُواْ

ص:193


1- (7) کتاب الأخلاق (مخطوط) ونقل عنه فی مستدرک الوسائل 9 / 139 ح 9 .
2- (8) تفسیر أبی الفتوح الرازی 1 / 245 ونقل عنه فی مستدرک الوسائل 9 / 138 ح 4 .
3- (1) نحو الفقیه السید عبد الأعلی السبزواری قدس سره فی مهذب الأحکام 16 / 97 .

یَعْمَلُونَ»(1) .

بتقریب : أنّ اللّه تعالی نهی عن سبّ آلهه المشرکین لئلا یسبوا اللّه تقاصاً ، کما ورد ذلک فی معتبره مسعده بن صدقه عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : إنّه سُئل عن قول النبی صلی الله علیه و آله وسلم : إنّ الشرک أخفی من دبیب النمل علی صفاه سوداء فی لیله ظلماء ؟ فقال : کان المؤمنون یسبّون ما یعبد المشرکون من دون اللّه ، وکان المشرکون یسبّون ما یعبد المؤمنون ، فنهی اللّه عن سبّ آلهتهم لکیلا یسبّ الکفار إله المؤمنین ، فیکون المؤمنون قد أشرکوا باللّه من حیث لا یعلمون ، فقال : «وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِینَ یَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَیَسُبُّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَیْرِ عِلْمٍ»(2) .

فلما لا یجوز سبّ آلهه المشرکین لئلا یسبوا اللّه ، لا یجوز سبّ المشرکین لئلا یسبّوا

المؤمنین .

القرینه الثانیه : الإطلاقات الوارده فی غیر هذه الأربع من الروایات تدلّ علی حرمه السبّ ، وحیث أنّ الأربع لا یصح أن تکون مقیِّده فلابدّ من الأخذ بالإطلاق .

القرینه الثالثه : التعلیل الوارد فی صحیحه أبی بصیر عن أبی جعفر علیه السلام قال : إنّ رجلاً من تمیم أتی النبی صلی الله علیه و آله وسلم فقال : أوصنی ، فکان فیما أوصاه أن قال : لا تسبّوا الناس فتکسبوا العداوه لهم(3) .

السب یوجب العداوه والعداوه مع الناس حرام ، فصار السب أیضاً من المحرّمات .

القرینه الرابعه : أن جماعه من أصحاب أمیر المؤمنین علیه السلام کانوا یسبّون أهل الشام فی حرب صفین وهم : حُجر بن عُدَی وعمرو بن الحُمْق وأمثالهم ثمّ نهاهم الأمیر علیه السلام من السبّ بما سأذکره ثمّ قالا : یا أمیر المؤمنین نقبل عظتک ونتأدب بأدبک(4) .

أمیر المؤمنین علیه السلام حین سمع قوماً من أصحابه یسبّون أهل الشام أیام حربهم بصفین ، قال لهم : إنّی أکره لکم أن تکونوا سبّابین و لکنکم لو وصفتم أعمالهم وذکرتم حالهم کان

ص:194


1- (2) سوره الأنعام / 108 .
2- (3) تفسیر القمی 1 / 213 ونقلت عنه فی موسوعه أحادیث أهل البیت علیهم السلام 5 / 26 ح 15 .
3- (1) وسائل الشیعه 12 / 297 ح 2 .
4- (2) کما فی وقعه صفین / 102 لنصر بن مزاحم ونقلت عنه فی الموسوعه 5 / 27 ح 17 .

أصوب فی القول وأبلغ فی العذر وقلتم مکان سبّکم إیّاهم : اللهم احقن دماءَنا ودماءَهم وأصلح ذات بیننا وبینهم واهدهم من ضلالتهم حتّی یعرف الحقّ مَنْ جهله ویرعوی عن الغی والعدوان من لهج به(1) .

وورد فی الصحیح أنّ أمیر المؤمنین لا یکره الحلال ، فحیث کره السبّ ونهی عنه فیکون حراماً ، وقبل منه علیه السلام أصحابه نهیه وتأدبوا بأدبه علیه السلام .

إن قلت : إنّه علیه السلام نهی عن سبّ أهل الشام وهم مسلمون ، فلا یدلّ هذا الاستدلال أزید من حرمه سبّ المسلم .

قلت : من خرج علی أمیر المؤمنین علیه السلام ووأولاده الأئمه المعصومین علیهم السلام لا یکون مسلماً عندنا ، بل صار بخروجه کافراً ، کما اعترف بذلک شیخنا الصدوق فی اعتقاداته(2) ولم یعترض علیه شیخنا المفید فی تصحیح الإعتقاد ، بل قال فی أوائل المقالات : « القول فی محاربی أمیر المؤمنین علیه السلام : واتفقت الإمامیه والزیدیه والخوارج علی أنّ الناکثین والقاسطین من أهل

البصره والشام أجمعین کفار ضلاّل ملعونون بحربهم أمیر المؤمنین علیه السلام وأنّهم بذلک فی النار مخلدون(3) ... واتفقت الإمامیه والزیدیه وجماعه من أصحاب الحدیث علی أنّ الخوارج علی أمیر المؤمنین علیه السلام المارقین عن الدِّین کفار بخروجهم علیه وأنّهم فی النار بذلک مخلدون ... »(4) .

وقال علم الهدی الشریف المرتضی فی المسأله ثالثه والعشرین من « جوابات المسائل المیافارقیات» حیث سُئل عنه : « صاحب جیش البصره والإعتقاد فیه وفی غیره ، وکیف کانوا علی عهد رسول صلی الله علیه و آله وسلم ؟ » .

فأجاب قدس سره : « قتال أمیر المؤمنین علیه السلام بغی وکفار جار مجری قتال النبی صلی الله علیه و آله وسلم ، لقوله صلی الله علیه و آله وسلم : « حربک یا علی حربی وسلمک سلمی » ، وإنّما یرید أنّ أحکام حروبنا واحده ، فمن حاربه علیه السلام ومات من غیر توبه قطعنا علی أنّه ما کان فی وقتٍ من الأوقات مؤمناً وإن

ص:195


1- (3) نهج البلاغه : الخطبه 206 ونقلت عنه فی الموسوعه 5 / 27 ح 17 .
2- (4) الاعتقادات للشیخ الصدوق / 105 المطبوعه مع تصحیح الاعتقاد للشیخ المفید .
3- (1) أوائل المقالات / 49 طبع چرندابی .
4- (2) أوائل المقالات / 50 .

أظهر الإیمان ، لأن من کان مؤمناً علی الحقیقه فی الباطن لا یجوز أن یکون علی ما کان القوم علیه ، لأدلهٍ لیس هنا موضع ذکرها »(1) .

وقال شیخ الطائفه الطوسی : « ظاهر مذهب الإمامیه أنّ الخارج علی أمیر المؤمنین علیه السلام والمقاتل له کافر ، بدلیل إجماع الفرقه المحقّه علی ذلک ... »(2) .

وقال فی تفسیره : « وأمّا مذهبنا فی تکفیر مَنْ قاتل علیّاً علیه السلام معروف»(3) .

وقال ابن زهره الحلبی : « إعلم أنّ محاربی أمیر المؤمنین علیه السلام عندنا بمنزله محاربی النبی صلی الله علیه و آله وسلم فی عظم المعصیه ، ویدلّ علی ذلک اُمور : منها إجماع الإمامیه علیه وإجماعهم حجه ... »(4) .

فهذه الواقعه التاریخیه والنهی الصادر فیه عن أمیر المؤمنین علیه السلام تدلّ بأحسن وجه علی حرمه سبّ الناس حتّی المشرکین والکافرین منهم .

القرینه الخامسه : ما ورد فی رساله أبی عبد اللّه علیه السلام إلی جماعه الشیعه ، وفیها : « ... وإیّاکم وسبّ أعداء اللّه حیث یسمعونکم «فَیَسُبُّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَیْرِ عِلْمٍ» ، وقد ینبغی لکم أن تعلموا حدّ سبّهم للّه کیف هو ؟ إنّه من سبّ أولیاء اللّه فقد انتهک سبّ اللّه ، ومن أظلم عند اللّه

ممّن استسبَّ للّه ولأولیاء اللّه ، فمهلاً مهلاً ، فاتّبعوا أمر اللّه ، ولا حول ولا قوه إلاّ باللّه»(5) .

دلاله مافی هذه الرساله علی حرمه سبّ الناس بالمعنی الأعم حتّی أعداء اللّه - أعنی الکافرین - واضحه ، ولکن العمده فی ضعف سندیها . اللهم إلاّ أن یقال : إنّ المناقشه فی أسانید الکافی الشریف جهد العاجز ، کما نقل عن المحقق النائینی قدس سره . وفیه ما لا یخفی .

القرینه السادسه : من المحتمل أن تکون حرمه السب لیست من جهه احترام المؤمنین أو المسلمین علی القول به ، بل من جهه حفظ اللسان عن هذه الألفاظ القبیحه ، إذ

ص:196


1- (3) جوابات المسائل المیافارقیات ، المطبوعه ضمن رسائل الشریف المرتضی 1 / 283 .
2- (4) الاقتصاد / 226 .
3- (5) التبیان 9 / 326 .
4- (6) غنیه النزوع إلی علمی الأصول والفروع 2 / 222 .
5- (1) الکافی 8 / 7 ونقلت عنه فی موسوعه أحادیث أهل البیت علیهم السلام 5 / 24 ح 5 .

ینحط قدر القائل بهذه الألفاظ عن أعین الناس ، والمؤمن لایجوز له أن یذلَّ نفسه ، فیشکل التکلم بهذه الألفاظ مطلقاً حتّی بالنسبه إلی الکفار .

ویذکر المحقق الأردکانی قدس سره شبیه هذا الإستدلال بالنسبه إلی حرمه الغیبه(1) وإن کان فیما ذکره نظرٌ بیّنٌ وحرمه الغیبه تختص بالمؤمن فقط ولکن کلامه قدس سره هناک یمکن أن یجری هنا . والتفصیل یطلب من بحث الغیبه ، فانتظر .

وبالجمله ، مع هذه القرائن الست لا ینبغی الإرتیاب فی تعمیم الحکم بالنسبه إلی جمیع الناس حتّی المشرکین والکافرین ، وأنّه لا یختص بالمؤمن . هذا کلّه بالنظر إلی الأدله ، لکن مع ذلک الإفتاء بالتعمیم مشکلٌ ، لعدم وجدان القول به عند أصحابنا قدس سرهم ، ولعلّ القول به خرق للإجماع المرکب ، ولکن لو وُجد القائل به فإنّا نتبع إثره وصرنا ثانیه . والإحتیاط لا یترک بالنسبه إلی طرفی القضیه السبّ والإفتاء ، واللّه سبحانه هو العالم بأحکامه .

وعلی ما حررناه لا ینقضی تعجبی من الشیخ الأکبر الفقیه الشیخ جعفر قدس سره حیث یقول : « وسبّ غیر أهل الإیمان من المسلمین والمشرکین من أفضل الطاعات الموصله إلی رضی ربّ العالمین»(2) .

وأعجب منه قول تلمیذه الفقیه العاملی حیث یقول : « وسب غیر أهل الإیمان من شرائط الإیمان»(3) .

اللهم إلاّ أن یقال : بأنّ مرادهما - کما هو الظاهر - سبّ الظالمین لآل محمد علیهم السلام وغاصبی حقوقهم واللآبسی رداء الخلافه بغیر حقٍّ ، فحینئذ یتجه کلامهما ، رفع فی الخلد

مقامهما .

المقام الرابع : المستثنیات من حرمه السب

1 _ المتظاهر بالفسق :

یجوز سبّه بالفسق والمعصیه التی تجاهر فیها لزوال حرمته بالتظاهر بها ، وتدلّ علیه

ص:197


1- (2) غنیه الطالب 1 / 148 .
2- (3) شرح القواعد 1 / 235 .
3- (4) مفتاح الکرامه 12 / 222 .

حسنه هارون بن الجهم عن الصادق علیه السلام قال : إذا جاهر الفاسق بفسقه فلا حرمه له ولا غیبه(1) .

وکما یأتی تفصیله فی البحث عن مستثنیات الغیبه . وأمّا المعاصی التی لم یتجاهر فیها فلا یجوز سبه بها ، لأنّ حرمته فیها باقیه .

2 _ المُبْدِع :

یجوز سبّه بل ورد الحث علیه فی صحیحه داود بن سرحان عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : قال رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم : إذا رأیتم أهل الریب والبدع من بعدی فأظهروا البراءه منهم وأکثروا من سبّهم والقول فیهم والوقیعه ، وباهتوهم کیلا یطمعوا فی الفساد فی الإسلام ویحذرهم الناس ولا یتعلّمون من بدعهم ، یکتب اللّه لکم بذلک الحسنات ویرفع لکم به الدرجات فی الآخره(2) .

فلا حرمه فی سبّ المبدع .

3 _ قد یقال بالاستثناء من الحرمه فی ما لم یتأثر المسبوب عرفاً

یعنی : إذا لم یتأثر المسبوب من السبّ ، لم یدخل فی الإیذاء والظلم ، فلا یحکم بحرمته .

وفیه : إن الإطلاقات الوارده فی الأدله - نحو موثقتی أبی بصیر الماضیتین(3) تدلان علی حرمه السبّ ، بلا فرق بین تأثر المسبوب وعدمه ، وبلا فرق بین حضوره وعدمه ، وبلا فرق بین اللغات حتّی لو سَبّ بلغه لا یفهمها المسبوب حرم ، وبلا فرق بین أن یکون السب جدّاً أو مزاحاً أو لهواً أو لعباً ، وبلا فرق بین أن یکون المسبوب بالغاً . أو غیر بالغ . والإطلاق یشمل جمیع ذلک .

4 _ المولی وعبده :

قد یقال : بإستثناء حرمه سبّ السید عبده ، واستدلوا علی ذلک بأنّ للسید ضرب

عبده للتأدیب ، وفحواه جواز سبّه تأدیباً .

ص:198


1- (1) وسائل الشیعه 12 / 289 ح 4 . الباب 154 من أبواب أحکام العشره .
2- (2) وسائل الشیعه 16 / 267 ح 1 . الباب 39 من أبواب الأمر والنهی .
3- (3) وسائل الشیعه 12 / 297 ح 2 و 3 .

وفیه : أنه یمکن منع الفحوی ، بأنّ السبّ بنفسه من العناوین المحرَّمه والإیذاء أمرٌ آخر قد یجتمع معه ، فإذا جاز للسید ضرب عبده وإیذاؤه تأدیباً ، هذه الإجازه لا تدلّ علی جواز سبّه الذی هو من المحرّمات المستقله .

مضافاً إلی أنّ الإیذاء باللسان أشدّ من الإیذاء بالضرب حتّی عند العرف ، فلا مجال للقول بالفحوی . وقد نبّه علی منع دلیل الفحوی هنا المحقق الإیروانی قدس سره (1) وتبعه المحقق الأردکانی قدس سره (2) .

ویؤید(3) منع الفحوی خبر عمرو بن نعمان الجعفی قال : کان لأبی عبد اللّه علیه السلام صدیق لا یکاد یفارقه إذا ذهب مکاناً فبینما هو یمشی معه فی الحَذائین ومعه غلامٌ سندی یمشی خلفهما إذ التفت الرجل یرید غلامه ثلاث مرات فلم یره فلما نظر فی الرابعه قال : یا ابن الفاعله أین کنتَ ؟ قال : فرفع أبو عبد اللّه علیه السلام یده فصک بها جبهه نفسه ، ثمّ قال : سبحان اللّه تقذف اُمّه ، قد کنتُ أری أنّ لک ورعاً فإذاً لیس لک ورعٌ ، فقال : جعلتُ فداکَ إنّ اُمَّهَ سندیهٌ مشرکهٌ ، فقال : أما علمتَ أنّ لکلَّ اُمّهٍ نکاحاً ، تنحّ عنّی . قال : فما رأیته یمشی معه حتّی فرّق الموت بینهما .

وفی روایه اُخری : إنّ لکلِّ اُمّهٍ نکاحاً تحتجزون به مِن الزنا(4) .

5 _ المعلّم والم_تعلّم :

قد یقال باستثناء الحکم بالنسبه إلی المعلّم إذا سبّ متعلِّمه تأدیباً بْدلیل أنّ له ضرب متعلّمه إذا کان مؤذناً فی الضرب عن ولیّه تأدیباً ، فإذا جاز له الضرب فبطریق أولی والفحوی یجوز له السبّ ، والسیره جاریه علی ذلک عند المعلّمین .

وفیه : أولاً : قد مرّ منّا منع الفحوی والأولویه آنفاً .

وثانیاً : علی فرض وجود السیره فی زماننا هذا ، لا طریق لنا إلی اتصاله بزمن

ص:199


1- (1) الحاشیه علی المکاسب 1 / 168 .
2- (2) غنیه الطالب 1 / 133 .
3- (3) قلتُ « یؤید » لأنّ فی سندها ضعف ودلالتها أیضاً أخص من المدعی ، المدعی هو حرمه السب و الروایه تدل علی حرمه القذف ، والنسبه بینهما عموم وخصوص مطلق .
4- (4) الکافی 2 / 324 ح 5 ونقلت عنه فی موسوعه أحادیث أهل البیت علیهم السلام 8 / 326 ح 14 .

المعصومین علیهم السلام ، فلا تفید شیئاً .

6 _ الزوج والزوجه :

یمکن أن یقال : بجواز سبّ الزوج زوجته ، لأنّ له ضربها تأدیباً فی موارد خاصه ، فحینئذ یجوز سبّه بطریق أولی ، وبدلیل الفحوی والسیره جاریه علی ذلک .

وفیه : ما مرّ آنفاً فی الاستثناء السابق ، فلا یتمّ هذا الاستدلال .

7 _ الوالد وولده :

واستدلوا علی جواز سبّ الوالد لولده بوجوه :

منها : عدم تحقق الهوان فی سبّ الوالد ، وحیث أنّ الحرمه تدور معه فلا حرمه .

ومنها : عدم تأثر الولد لسبّه بتوسط والده ، وحیث صار فخراً فلا حرمه .

ومنها : ورد فی الروایات بالنسبه إلی الولد کما فی صحاح محمد بن مسلم وأبی حمزه الثمالی والحسین بن أبی العلاء : « أنت ومالک لأبیک»(1) . وإذا تمّ هذا البیان بأنّ الولد وماله لأبیه فیجوز سبّه أیضاً بطریق اُولی ، کما یجوز سبّ السید عبده لأنّه ملکه .

ومنها : السیره الجاریه بین المتشرعه من سب أولادهم .

وفیه : أولاً : منع الصغری فی الثلاث الأُول ، أعنی تحقق الهوان وتأثر الولد وعدم الإفتخار بسبب الوالد ولده .

وثانیاً : الحرمه کما مرّ منّا مطلقه فی السبِّ بالنسبه إلی تحقق الهوان وعدمه تأثر المسبوب وعدمه ، عدم الإفتخار بالسب والإفتخار به ، لإطلاق أدلتها .

وثالثاً : جمله « أنت ومالک لأبیک » الوارده فی الروایات ناظره إلی أمر أخلاقی وتکوینی وتذکّر الولد بأنّه لا یناسبه أن یعارض أباه فی اُموره ، ولا تدلّ علی الملکیه الحقیقیه أو التنزیلیه أو ثبوت الولایه المطلقه . وعلی فرض ثبوتها أیضاً لا تدلّ علی جواز سبّه ، لما مرّ منّا مِنْ عدم جواز سبّ السید عبده .

ص:200


1- (1) راجع وسائل الشیعه 17 / 262 الباب 78 من أبواب ما یکتسب به ح 1 و 2 و 8 ونحوها فی خبر محمد بن سنان ح 9 فی الباب المذکور ، وخبر عبید بن زراره الباب 11 من أبواب عقد النکاح وأولیاء العقد ح 5 فراجع وسائل الشیعه 20 / 290 .

ورابعاً : السیره وإن کانت عند بعض المتشرعه موجوده ولکن دون إثباتها عند الجمیع مع الإلتفات والإتصال الی زمن المعصومین علیهم السلام خرط قتاد .

وخامساً : الإطلاقات الوارده فی الأدله تشمل الوالد ، فلا یجوز له سبّ اُولاده .

نعم ، للوالد جواز تأدیب الولد الصغیر بالضرب ، ولکن التعدی من الضرب إلی

السبّ(1) - بأنّ فی السب أیضاً نوعاً من التأدیب - ومن الولد الصغیر إلی الکبیر بجریان الاستصحاب فی الأخیر مشکلٌ . مضافاً إلی انحصار الدلیل حینئذٍ فی فرض التأدیب فقط .

8 _ التظلم

یجوز للمظلوم سبّ الظالم فی مقام التظلم والوصول الی حقِّه ، وتدلّ علیه قوله تعالی فی الآیه الکریمه : «لاَّ یُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ»(2) ، لأنّ السبّ یدخل فی القول بالسوء وجوّزه الآیه الشریفه جهراً . وقد مرّ منّا الکلام فیها فی الاستدلال علی حرمه السبّ بکتاب اللّه تعالی .

ولذا قال جدنا الشیخ جعفر : « ویقوی جوازه (أی جواز السب) فی خصوص الظالمین»(3) .

9 _ یجوز السبّ لدفع المنکر والحفظ عن الضرر :

إذا کان المنکر أعظم فساداً وحرمهً من السبِّ ، والضرر یکون فاحشاً وقابلاً للملاحظه بحیث لا یتحمّله عادهً ونوعاً یجوز السبّ بقاعده التزاحم وخوف الوقوع فی الفتنه وأدله نفی الضرر والحرج . أفتی بذلک الشیخ جعفر قدس سره فی شرحه علی القواعد(4) .

10 _ التقیه :

یجوز السبّ للتقیه لعموم أدلتها کما فی صحیحه زراره عن أبی جعفر علیه السلام قال : التقیّه فی

ص:201


1- (1) کما مال إلیه المحقق الإیروانی قدس سره فی حاشیته علی المکاسب 1 / 168 وشیخنا الاُستاذ _ مدظله _ فی إرشاد الطالب 1 / 162 .
2- (2) سوره النساء / 148 .
3- (3) شرح القواعد 1 / 235 .
4- (4) شرح القواعد 1 / 235 .

کلِّ ضروره ، وصاحبها أعلم بها حین تنزل به(1) .

وصحیحه الفضلاء قالوا : سمعنا أبا جعفر علیه السلام یقول : التقیه فی کلّ شیءٍ یضطر إلیه ابن آدم فقد أحلّه اللّه له(2) .

والحاصل ، أدله التقیه وعموماتها حاکمه علی أدله حرمه السبّ ، فلا حرمه للسب عند التقیه کما قال الشیخ جعفر قدس سره : « ویغتفر للتقیّه»(3) .

نعم ، أربع موارد یُستثنی من عمومات التقیه فلا تقیه فیها ، نحو : الدماء ، والمسح علی الخفین ، وشرب النبیذ والمسکر ، والتبری من مولانا وسیدنا وإمامنا أمیر المؤمنین علیه السلام . والبحث موکول إلی محلِّه ، فراجع إن شئت إلی ما حررناه فی رسالتنا فی بحث التقیه . واللّه سبحانه هو العالم بأحکامه الطاهره والحمد للّه أولاً وآخراً .

ص:202


1- (5) وسائل الشیعه 16 / 214 ح 1 . الباب 25 من أبواب الأمر والنهی .
2- (6) وسائل الشیعه 16 / 214 ح 2 . الباب 25 من أبواب الأمر والنهی .
3- (7) شرح القواعد 1 / 235 .

السحر

اشاره

ینبغی البحث عن السحر فی ضمن مقامات :

المقام الأوّل : موضوعه

لابدّ لتعیین موضوع السحر إلی مراجعه کلمات أهل اللغه والفقهاء ، فلذا نقول :

قال أحمد بن فارس : « سحر ، السین والحاء والراء اُصول ثلاثه متباینه : أحدها عضوٌ من الأعضاء ، والآخر خَدْعٌ وشبهه ، والثالث وقت من الاُوقات ... .

وأمّا الثانی فالسِّحْر ، قال قومٌ : هو إخراج الباطل فی صوره الحقّ ، ویقال : هو الخدیعه ، واحتجّوا بقول القائل :

فإن تسألینا فیم نحن فإنّنا عصافیرُ من الأنام المسحَّرِ

کأنّه أراد المخدوع الذی خدعَتْه الدنیا وغرَّتْه ، ویقال المُسَحَّر الذی جُعِل له سَحْرٌ ، ومن کان ذا سَحْر(1) لم یجد بُداً من مطعم ومشرب ... »(2) .

وقال الزمخشری : « س ح ر _ کلُّ ذی سَُحْر أو سَحَرٍ یتنفَّس ، وهو الرئه .

ومن المجاز : سَحَرَه وهو مسحور وإنّه لمسحَّرٌ : سُحر مرّه بعد اُخری حتّی تخبَّل عقلُه ، «إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِینَ» ، وأصله من سَحَرَه إذا أصاب سَحْرَه ... وجاء فلانٌ بالسِّحْر فی کلامه ، وفی الحدیث : إنّ من البیان لسحراً ، والمرأه تَسْحَرُ الناس بعینها ، ولها عین ساحره ولهنَّ عیون سواحرٌ . ولعب الصبیان بالسَّحّارهِ ، وهی لُعْبَه فیها خَیط یخرج من جانب علی لون ومن جانب علی لون ، وأرض ساحره السراب ... وعَنْز مسحوره قلیله اللبن ، وأرض مسحوره :

ص:203


1- (1) سَحْرٌ : أی أجوفٌ .
2- (2) معجم مقاییس اللغه 3 / 138 .

لا تُنبت ، سحَرتُه عن کذا : صرفَته»(1) .

وقال ابن منظور : « سحر : الأزهری : السِّحْرُ عَمَلٌ تُقُرِّبَ فیه إلی الشیطان وبمعونه منه ، کلّ ذلک الأمر کینونه للسحر ، ومن السحر الاُخذه التی تأخذُ العین حتّی یُظَنَّ أنّ الأمر کما

یُری ولیس الأصل علی ما یُری ، والسِّحْرُ : الاُخْذَهُ ، وکلّ ما لَطُفَ مأخَذُه ودَقَّ فهو سحرٌ ... قال : الأزهری : وأصل السِّحرِ صَرْفُ الشیء عن حقیقته إلی غیره ، فکأنّ الساحر لما أرَی الباطل فی صوره الحقّ وخَیَّلَ الشیء علی غیر حقیقته ، قد سحر الشیء عن وجهه أی صرفه ... وقال یونس : تقول العرب للرجل ما سَحَرک عن وجه کذا وکذا أی ما صرفک عنه ؟ وما سَحَرَک عنّا سَحْراً أی ما صرفک ... ؟ »(2) .

وقال الفیروزآبادی : « والسِّحر بالکسر : کلّ ما لطف مأخذه ودقَّ ، والفعلُ کمَنَعَ ... »(3) .

قال الطریحی : « سمی السِّحر سحراً لأنّه صرف عن جهه ، وقیل : من السحر أی سحرت فخولط عقلک ومدّ ... والسِّحر بالکسر فالسکون : کلام أو رقیّه أو عمل یؤثر فی بدن الإنسان أو قلبه أو عقله ، وقیل : لا حقیقه له ولکنّه تخیّل . وقد اختلف العلماء فی القدر الذی یقع به السحر ، فقال بعضهم : لا یزید تأثیره علی قدر التفرق بین المرء وزوجه لأنّ اللّه تعالی ذکر ذلک تعظیماً لما یکون عنده وتهویلاً له فی حقِّنا ، فلو وقع به أعظم منه لذکره ، لأنّ المَثَل لا یُضرب عند المبالغه إلاّ بأعلی الأحوال ، والأشعریّه علی ما نُقل عنهم أجازوا ذلک ، وفی الحدیث : حلّ ولا تعقد ، وفیه دلاله علی أنّ له حقیقه ، ولعلّه أصح و ... »(4) .

قال فی المنجد : « السِّحر : مصدر ، ما لطف مأخذه ودقّ . إخراج الباطل فی صوره الحقّ . ما یفعله الإنسان من الحیل ، ومنه « إنّ من البیان لسحراً» . الفساد .

ما یستعان فی تحصیله بالتقریب من الشیطان ممّا لا یستقل به الإنسان ، جمعه أسحار

ص:204


1- (3) أساس البلاغه / 204 .
2- (1) لسان العرب 6 / 189 .
3- (2) القاموس فی اللغه / الطبع الحجری من دون الرقم .
4- (3) مجمع البحرین / 265 الطبع الحجری .

وسُحُور . السِحْرُ الکلامی : غرابه الکلام ولطافته المؤثره فی القلوب المحوِّله إیّاها من حالٍ إلی حالٍ کالسِحر»(1) .

أقول : کأنّ صاحب المنجد قد جمع فیه بین أقوال اللغویین .

وقال الشریف المرتضی : « السحر : تخییل ما لیس له حقیقه کالحقیقه یتعذر علی مَنْ لا یعلم وجه الجمله فیه»(2) .

وقال الشیخ الطوسی فی تفسیره : « السحر والکهانه والحیله نظائرٌ ، یقال : سحره یسحره سحراً ، أسحرنا أسحاراً ، وسحّره تسحیراً . قال صاحب العین : السحر عمل یقرّب إلی الشیطان . کلّ ذلک یکتبونه السحر . ومن السحر : الاُخْذَهُ التی تأخذ العین حتّی یظن أنّ الأمر کماتری ولیس الأمر کماتری ، والجمع : الاُخَذ .

والسحر البیان من اللفظ کما قال النبی صلی الله علیه و آله وسلم « إنّ من البیان لسحراً »... وأصل الباب الخفاء ، والسحر قیل : الخفاء سببه توهم قلب الشیء عن حقیقته ، کفعل السحره فی وقت موسی لمّا أوهموا أنّ العصا والحبال صارت حیواناً ، فقال : «یُخَیَّلُ إِلَیْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَی»(3)(4) .

ثم قال بعد صفحه : « وقیل فی معنی السحر أربعه أقوال :

أحدها : أنّه خُدَع ومخاریق وتمویهات لا حقیقه لها ، یخیل إلی المسحور أنّ لها حقیقه .

والثانی : أنّه أخذ بالعین علی وجه الحیله .

و الثالث : أنّه قلب الحیوان من صوره إلی صوره ، وإنشاء الأجسام علی وجه الاختراع ، فیمکن للساحر أن یقلّب الإنسان حماراً وینشیء أجساماً .

والرابع : أنّه ضرب من خدمه الجن ، کالذی یمسک له التجدل فیصرع .

وأقرب الأقوال الأوّل : لأنّ کلّ شیءٍ خرج عن العاده الخارقه فإنّه لا یجوز أن یتأتی

ص:205


1- (4) المنجد / 331 .
2- (5) رساله الحدود والحقائق المطبوعه ضمن رسائل الشریف المرتضی 3 / 272 .
3- (1) سوره طه / 66 .
4- (2) التبیان 1 / 372 و 373 .

من الساحر . ومن جوّز للساحر شیئاً من هذا فقد کفر ، لأنّه لا یمکنه مع ذلک العلم بصحه المعجزات الداله علی النبوات ، لأنّه أجاز مثله من جهه الحیله والسحر»(1) .

وذکر نظیر البیان الأوّل الطبرسی فی مجمع البیان 1 / 170 .

ویأتی کلام الشیخ فی المبسوط والخلاف آنفاً .

قال الفخر الرازی فی تفسیره فی معنی السحر : « ذکر أهل اللغه أنّه فی الأصل عباره عمّا لطف وخفی سببه ... ثمّ قال بعد أسطر : إعلم أنّ لفظ السحر فی عرف الشرع مختص بکلِّ أمر یخفی سببه ویتخیّل علی غیر حقیقته ویجری مجری التمویه والخداع ، ومتی أطلق ولم یقید أفاد ذم فاعله ، قال تعالی : «سَحَرُواْ أَعْیُنَ النَّاسِ» ، یعنی موّهوا علیهم حتّی ظنوا أنّ حبالهم وعصیهم تسعی ، وقال تعالی «یُخَیَّلُ إِلَیْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَی» ، وقد یُستعمل مقیداً

فیما یمدح ویحمد ... فقال رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم : « إنّ من البیان لسحراً » ، فسمی النبی صلی الله علیه و آله وسلم بعض البیان سحراً لأنّ صاحبه یوضح الشیء المشکل ویکشف عن حقیقته بحسن بیانه وبلیغ عبارته.... »(2) .

ثمّ تعرض بعد أسطر لأقسام السحر فی سته عشر صفحه من تفسیره(3) ونقل عنه العلامه المجلسی فی بحار الأنوار(4) وذکره مختصراً فی الجواهر(5) . وزعم الشیخ الأعظم قدس سره (6) أنّ هذا التقسیم من المجلسی حیث نسبه إلیه وبیّن حکمها ، وتبعه المحقق الخوئی فی مصباح الفقاهه(7) . وحیث أنّ التقسیم من الفخر الرازی ولیس بتام عندنا لم نتعرض إلیه وإلی حکمه کما ردّه المجلسی قدس سره بلا فصل بعد ختام نقله منه وقال : « وإنّما أوردت أکثر کلامهم فی هذا المقام

ص:206


1- (3) التبیان 1 / 374 .
2- (1) التفسیر الکبیر 3 / 205 .
3- (2) التفسیر الکبیر 3 / (222 _ 206) .
4- (3) بحار الأنوار 56 / (310 _ 277) _ (22 / 674 _ 654) _ کلاهما من طبع بیروت .
5- (4) الجواهر 22 / (84 _ 81) .
6- (5) المکاسب المحرمه / 33 الطبع الحجری _ (1 / 262 و 263) .
7- (6) مصباح الفقاهه 1 / (292 _ 288) .

مع طوله واشتماله علی الزوائد الکثیره لمناسبته لما سیأتی فی بعض الأبواب الآتیه ، ولتطّلع علی مذاهبهم الواهیه فی تلک الأبواب»(1) .

قال الشیخ الطوسی فی المبسوط : « السحر له حقیقه عند قوم ، وهو أنّ الساحر یعقد ویرقی ویسحر فیقتل ویمرض ویکوع الأیدی ویفرِّق بین الرجل وزوجته ، ویتّفق له أن یسحر بالعراق رجلاً بخراسان فیقتله . وقال قوم : لا حقیقه له ، وإنّما هو تخیّل وشعبذه ، وهو الذی یقوی فی نفسی ، وفی روایاتنا أنّ السحر له حقیقه لکن ما ذکروا تفصیله کما ذکره الفقهاء . ولا خلاف بینهم أنّ تعلیمه وتعلّمه وفعله محرّم ، لقوله تعالی : «وَلَکِنَّ الشَّیْاطِینَ کَفَرُواْ یُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ» فذمَّ علی تعلیم السحر ... »(2) .

وقال فی الخلاف : « السحر له حقیقه ، ویصح منه أن یعقد ویرقی ویسحر فیقتل ویمرض ویکوع الأیدی ویفرّق بین الرجل وزوجته ، ویتفق له أن یسحر بالعراق رجلاً بخراسان فیقتله عند أکثر أهل العلم أبی حنیفه وأصحابه ومالک والشافعی . وقال أبو جعفر الأسترآبادی من أصحاب الشافعی : لا حقیقه له ، وإنّما هو تخییل وشعبذه ، وبه قال المغربی

من أهل الظاهر ، وهو الذی یقوی فی نفسی ، ویدلّ علی ذلک قوله تعالی مخبراً فی قصه فرعون والسحره : «فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِیُّهُمْ یُخَیَّلُ إِلَیْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَی * فَأَوْجَسَ فِی نَفْسِهِ خِیفَهً مُّوسَی»(3) وذلک أنّ القوم جعلوا من الحبال کهیئه الحیات ، وطلوا علیها الزیبق وأخذ الموعد علی وقت تطلع فیه الشمس ، حتّی إذا وقعت علی الزیبق تحرک فخیّل لموسی أنها حیّات تسعی ولم یکن لها حقیقه ، وکان هذا فی أشدّ وقت السحر ، فألقی موسی عصاه فأبطل علیهم السحر فآمنوا به . وأیضاً فإنّ الواحد منّا لا یصحّ أن یفعل فی غیره ، ولیس بینه اتصال ، ولا اتصال بما اتصل بما فعل فیه ، فکیف یفعل من هو ببغداد فی من هو بخراسان وأبعد منها ؟ ولا ینفی هذا قوله تعالی : «وَلَکِنَّ الشَّیْاطِینَ کَفَرُواْ یُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ»(4) لأنّ ذلک لا

ص:207


1- (7) بحار الأنوار 56 / 310 (22 / 674) .
2- (8) المبسوط 7 / 260 .
3- (1) سوره طه / 66 و 67 .
4- (2) سوره البقره / 102 .

یمنع منه ، و إنّما الذی منعنا منه أن یؤثر التأثیر الذی یدّعونه ، فأمّا أن یفعلوا ما یتخیّل عنده أشیاء فلا یمنع منه ... »(1) .

وقال العلامه الحلی فی التذکره : « تعلّم السحر وتعلیمه حرام ، وهو کلام یتکلّم به أو یکتبه أو رُقیّه(2) أو یعمل شیئاً [ یؤثّر ] فی بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غیر مباشره . وهل له حقیقه ؟ قال الشیخ : لا إنّما هو تخییل ، وعلی کلِّ تقدیر لو استحلّه قُتل . ویجوز حلّ السحر بشیءٍ من القرآن أو الذکر والأقسام(3) ، لا بشیءٍ منه ... »(4) .

وذکر نحو ذلک فی التحریر(5) والقواعد(6) مع اختیار قول الشیخ فی الأخیر بأن لیس للسحر حقیقه وإنّما هو تخییل .

وقال ولده فخر المحققین فی الإیضاح : « المراد بالسحر استحداث الخوارق بمجرد التأثیرات النفسانیه أو بالإستعانه بالفلکیات فقط ، أو علی سبیل تمزیج القوی السماویه بالقوی الأرضیه ، أو علی سبیل الإستعانه بالأرواح الساذجه . وقد خص أهل المعقول الأوّل باسم السحر والثانی بدعوه الکواکب والثالث بالطلسمات والرابع بالعزائم ، وکلّ ذلک محرّم فی

شریعه الإسلام ومستحلِّه کافر . أمّا علی سبیل الاستعانه بخواص الأجسام السفلیه فهو علم الخواص أو الاستعانه بالنسب الریاضیه وهو علم الحیل وجرّ الأثقال ، وهذان النوعان الأخیران لیسا من السحر . إذا عرفت ذلک فنقول : اختلف الفقهاء فی أنّ السحر - لا بمعنی دعوه الکواکب ، فإنّ الکواکب لا تأثیر لها قطعاً - هل له حقیقه (أی تأثیر) أو تخیّل لا حقیقه له ، بمعنی عدم التأثیر ، ذهب بعضهم إلی الأوّل وآخرون إلی الثانی ، ومأخذ القولین قوله

ص:208


1- (3) الخلاف 5 / 327 المسأله 14 .
2- (4) رُقیه بضم الراء : العوذه کما فی جامع المقاصد 4 / 29 .
3- (5) الأقسام : بفتح الهمزه جمع قُسَم ، ولا تمتنع قراءته بکسرها علی أنّه مصدر أقسم . کما فی جامع المقاصد 4 / 30 .
4- (6) تذکره الفقهاء 12 / 144 المسأله 650 .
5- (7) تحریر الأحکام الشرعیه 2 / 260 المسأله 3020 .
6- (8) قواعد الأحکام 2 / 9 .

تعالی : «فَیَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا یُفَرِّقُونَ بِهِ بَیْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّینَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ»(1) الآیه . ثمّ تصدی للنقص قدس سره فی النقض والإبرام فی أدله الطرفین بوجه تام وقال فی آخر کلامه : - واعلم أنّ الحقَّ عندی أنّه لا تأثیر له ولا حقیقه»(2) .

وقال الشهید : « تحرم الکهانه والسحر بالکلام والکتابه والرقیه والدخنه بعقاقیر الکواکب وتصفیه النفس والتصویر والنفث والأقسام والعزائم بما لا یُفهم معناه ویضرّ بالغیر فعله ، ومن السحر الاستخدام للملائکه والجنّ والاستنزال للشیاطین فی کشف الغائب وعلاج المصاب .

ومنه : الاستحضار بتلبّس الروح ببدن منفعل کالصبی والمرأه وکشف الغائب عن لسانه ، ومنه : النیرنجیّات ، وهی إظهار غرائب خواص الإمتزاجات وأسرار النیّرین ، وتلحق به الطلسمات ، وهی تمزیج القوی العالیه الفاعله بالقوی السافله المنفعله لیحدث عنها فعل غریب . فعمل هذا کلّه والتکسب به حرام ، أمّا علمه لیتوقّی أو لئلا یعتریه فلا ، وربّما وجب علی الکفایه لیدفع المتنبّی ء بالسحر ، ویقتل مستحلّه ، ویجوز حلّه بالقرآن والذکر والإقتسام لا به ، وعلیه یحمل روایه العلا بحلّه(3) . والأکثر علی أنّه لا حقیقه له بل هو تخیّل ، وقیل : أکثره تخییل وبعضه حقیقیٌ لأنّه تعالی وصفه بالعظمه فی سحره فرعون . ومِن التخیّل السیمیا وهی إحداث خیالات لا وجود لها فی الحس للتأثیر فی شی ءٍ آخر وربّما ظهر إلی الحس ... »(4) .

وقال ثانی الشهیدین فی تعریف السحر : « هو کلام أو کتابه أو رقیه أو أقسام أو عزائم

ص:209


1- (1) سوره البقره / 102 .
2- (2) إیضاح الفوائد 1 / (407 _ 405) .
3- (3) وهی هذه الروایه : العلا عن محمد بن مسلم قال : سألته عن المرأه یعمل لها السحر یحلّونه عنها ؟ قال : لا أری بذلک بأساً . مفتاح الکرامه 12 / 237 والجواهر 22 / 76 ولکن لم نجدها فی الجوامع الحدیثیه . والروایه مرسله سنداً .
4- (4) الدروس الشرعیه 3 / 164 طبع جماعه المدرسین وفیه أغلاط مطبعیه صححناها بما نقله عنه فی بحار الأنوار 60 / 30 (24 / 253) .

ونحوها یحدث بسببها ضرر علی الغیر ، ومنه عقد الرجل عن زوجته بحیث لا یقدر علی وطئها وإلقاء البغضاء بینهما ، ومنه استخدام الملائکه والجن واستنزال الشیاطین فی کشف الغائبات وعلاج المصاب واستحضارهم وتلبّسهم ببدن الصبی أو امرأه وکشف الغائب علی لسانه ... »(1) .

وقال جدنا الفقیه الشیخ جعفر بعد الإشکال فی التعاریف الماضیه وأنّ المرجع فیه إلی العرف العام أنّه : « عباره عن إیجاد شیء تترتّب علیه آثار غریبه وأحوال عجیبه بالنسبه إلی العادات ، بحیث تشبه الکرامات وتِوْهِم أنّها من المعاجز المثبته للنبوات من غیر استناد إلی الشرعیات بحروز أو أسماء أو دعوات أو نحوها من المأثورات(2) . وأمّا ما اُخذ من الشرع کالعُوَذ والهیاکل وبعض الطلسمات فلیست منه بل هی بعیده عنه ... »(3) .

واعترض علیه فی الجواهر بعد نقل تعریفه : « ... لکنّه کماتری لا یرجع إلی محصَّل ، وأین العرف العام وتمییز جمیع أقسام السحر الذی هو علم عظیم طویل الذیل کثیر الشعب لا یعرفه إلاّ الماهرون فیه ؟ ! ولیس مطلق الأمر الغریب سحراً ، فإنّ کثیراً من العلوم کعلم الهیئه والجفر والترازجیه - وهو أسرار الجفر - وغیرها یظهر من العالِم بها بعض الآثار العجیبه الغریبه ، و یکفیک ما یصنعه الأفرنج فی هذه الأزمنه من الغرائب ، ولسیت هی من السحر الحرام قطعاً »(4) .

وقال النراقی : « والذی یظهر من العرف والتتّبع فی موارد الاستعمال أنّه عمل یوجب حدوث أمر منوط بسبب خفی غیر متداول عادهً ، لا بمعنی أنّ کلّما کان کذلک هو سحر ، بل بمعنی أنّ السحر کذلک .

وتوضیح ذلک : أنّ ذلک تاره یکون بتقویه النفس وتصفیتها حتّی یقوی علی مثل ذلک العمل ، کما هو دأب أهل الریاضه ، وعلیه عمل أهل الهند .

ص:210


1- (1) مسالک الأفهام 3 / 128 .
2- (2) أی المأثورات عند السَحَره .
3- (3) شرح القواعد 1 / 243 .
4- (4) الجواهر 22 / 81 .

واُخری : باستعمال القواعد الطبیعیّه أو الهندسیه أو المداواه العلاجیّه ، وهو المتداول عند الأفرنجیّین .

وثالثه : تسخیر روحانیّات الأفلاک والکواکب ونحوها ، وهو المشهور عن الیونانیین والکلدانیین .

ورابعه : بتسخیر الجنّ والشیاطین .

وخامسه : بأعمال مناسبه للمطلوب ، کتماثیل أو نقوش أو عُقد أو نُفث أو کُتب منقسماً إلی رُقیه(1) وعزیمه(2) أو دُخنه(3) فی وقت مختار ، وهو المعروف عن النبط .

وسادسه : بذکر أسماء مجهوله المعانی وکتابتها بترتیب خاص ، ونسب ذلک إلیالنبط والعرب .

وسابعه : بذکر ألفاظ معلومه المعانی غیر الأدعیه .

وثامنه : بالتصرف فی بعض الآیات أو الأدعیه أو الأسماء ، من القلب أو الوضع فی اللوح المربّع ، أو مع ضمّه مع عمل آخر من عقد أو تصویر أو غیرهما .

وتاسعه : بوضع الأعداد فی الألواح .

ولا شک فی عدم کون الأوّلیّن سحراً ، کما أن الظاهر کون الخامس سحراً والبواقی مشتبهه ، والأصل یقتضی فیها الإباحه ، إلاّ ما عُلمت حرمته من جهه الإجماع ، کما هو الظاهر فی التسخیرات»(4) .

أقول : لابدّ من أن یؤخذ موضوع السحر وتعریفه من العرف ، کما اعترف بذلک العلامه الحلی فی المنتهی(5) وتبعه غیره مِن الأعلام ، نحو الشیخ جعفر(6) والنراقی(7) والمؤسس

ص:211


1- (1) الرُقیه : العُوذَه .
2- (2) عزیمه ، جمعه العزائم : الرقی .
3- (3) دخنه : ذریره تدخّن بها البیوت .
4- (4) مستند الشیعه 14 / 115 و 114 .
5- (5) منتهی المطلب 2 / 1014 طبع الحجری .
6- (6) شرح القواعد 1 / 243 .
7- (7) مستند الشیعه 14 / 114 .

الحائری قدس سرهم (1) .

وإشکال صاحب الجواهر رحمه الله بأنّ « ... أین العرف العام وتمییز جمیع أقسام السحر الذی هو علم عظیم طویل الذیل ، کثیر الشعب لا یعرفه إلاّ الماهرون فیه ؟ ! »(2) فی غیر محلّه ، لأن أخذ الموضوع والتعریف من العرف لا یوجب أن یکون العرف العام وأصحابه من

السَحَره العالمین به ، کما أن العرف یعرفون الطبیب والطب ولیسوا أطباء ولاعارفین به .

والذی یظهر مِنْ مراجعه العرف وکلمات أهل اللغه والفقهاء أنّ المراد بلفظ « السحر » ومترادفه بالفارسیه « جادو» هو : کلُّ أمرٍ یوجب قلب الشیءِ عن واقعه وحقیقته ویخرج الباطل فی صوره الحقّ علی سبیل الخدیعه ، ویکون مأخذه ما لطف ودقَّ بحیث لا یظهر لکلّ أحدٍ بل یخفی سببه . ویمکن أن یکون بالتأثیرات النفسانیه أو بمعونه الشیاطین والأجنه أو بتلبس روحٍ ببدنٍ منفعلٍ أو غیرها ، سواء کان بکلامٍ أو کتابٍ أو رُقیّهٍ أو عزیمهٍ أو قسمٍ أو دُخنهٍ أو نقشٍ أو عقدٍ أو نفثٍ أو عددٍ أو لوحٍ أو عملٍ ، ویحدث بسببه ضررٌ علی الغیر غالباً ، أو أمرٌ خارق للعاده أو أثرٌ غریبٌ أو حالٌ عجیبٌ ونحوها .

وهذا التعریف لیس بالحدّ والرسم التامّین ، ولکن یدخل فیه أکثر موارد السحر ومصادیقه ، وهذا یکفی فی صحه التعریف المأخوذ مِن العرف ظاهراً .

ویظهر من التعریف أنّ للسحر أثراً عجیباً أو یترتب علیه أمرٌ أو حالٌ غریبٌ أو ضررٌ علی الغیر بنحو یخرق العاده ، کما یعقد الرجل عن وط ء زوجته أو یلقی البغضاء بینهما أو یلقی المحبّه الشدیده أو التعشق بین الرجل والمرأه الأجنبییّن أو الإختلال فی عقل الرجل أو عاطفه المرأه أو بدنهما ونحوها .

وبعد ثبوت الأثر للسحر فالبحث عن کونه حقیقه أو تخیّل لا فائده فیه ، والعمده حینئذ أثره لا مؤثره ، سواء کان المؤثرُ أمراً خیالیّاً أو حقیقیاً .

نعم ، لا یکون البحث عن مؤثره ساقطاً عن الإعتبار ، ویکون نزاعاً لفظیّاً ، کما علیه

ص:212


1- (8) المکاسب المحرمه / 148 لآیه اللّه الشیخ محمد علی الأراکی قدس سره .
2- (9) الجواهر 22 / 81 .

بعض(1) ، وتعریفنا من السحر یجتمع مع المسلکین : الحقیقیه والخیال ، لأنّ الأمر المأخوذ فیه یشملهما .

ذهب إلی مسلک خیالیه السحر جماعه من العامه ، نحو : أبی جعفر الأسترابادی من أصحاب الشافعی والمغربی من أهل الظاهر _ کما نقل عنهما الشیخ فی الخلاف(2) _ والفخر الرازی(3) و البیضاوی(4) والواحدی(5) _ کما نقل عنهم السید العاملی فی مفتاح الکرامه(6) _

وغیرهم .

ومِن الخاصه : الشریف المرتضی(7) والشیخ فی الخلاف(8) والمبسوط(9) والتفسیر(10) والعلامه فی کتبه : المنتهی(11) والتذکره(12) والقواعد(13) والتحریر(14) وولده فی الإیضاح(15) .

ومن المتأخرین : المحقق الإیروانی(16) وتبعه المحققون الخوئی(17)

ص:213


1- (1) هو الفقیه السید عبد الأعلی السبزواری فی مهذب الأحکام 16 / 100 .
2- (2) الخلاف 5 / 327 .
3- (3) التفسیر الکبیر 3 / 205 .
4- (4) أنوار التنزیل 1 / 363 .
5- (5) تفسیر الواحدی 1 / 348 المطبوع فی حاشیه تفسیر الطبری .
6- (6) مفتاح الکرامه 12 / 231 .
7- (1) رساله الحدود والحقائق المطبوعه ضمن رسائل الشریف المرتضی 3 / 272 .
8- (2) الخلاف 5 / 328 .
9- (3) المبسوط 7 / 260 .
10- (4) التبیان 1 / 374 .
11- (5) منتهی المطلب 2 / 1014 الطبع الحجری .
12- (6) تذکره الفقهاء 12 / 144 .
13- (7) قواعد الأحکام 2 / 9 .
14- (8) تحریر الأحکام الشرعیه 2 / 260 .
15- (9) إیضاح الفوائد 1 / 407 .
16- (10) حاشیه المکاسب 1 / 170 .
17- (11) مصباح الفقاهه 1 / 286 .

والسبزواری(1) والقمی(2) .

وذهب إلی مسلک حقیقه السحر أو حقیقه بعضه أو التشکیک فی خیالیته ، أکثر العامه ، نحو : أبی حنیفه وأصحابه ومالک والشافعی _ کما نقل عنهم الشیخ فی الخلاف(3) _ .

وبعض الخاصه ، نحو : الشهید فی الدروس(4) والکرکی فی جامع المقاصد(5) وثانی الشهیدین فی المسالک(6) والأردبیلی فی مجمع الفائده(7) والمجلسی فی بحار الأنوار(8) وکاشف الغطاء فی شرح القواعد(9) والنراقی فی المستند(10) والعاملی فی مفتاح الکرامه(11) وصاحب

الجواهر(12) وتلمیذه السید علی آل بحر العلوم فی برهان الفقه(13) وشیخنا الاُستاذ(14) _ مدظله _ .

والحقّ : أنّ لبعض موارد السحر واقعیهً وحقیقهً ، کما أنّ بعض موارده من قبیل التخیّل والتوهم ، والکلّ متفق بثبوت الأثر للسحر کما مرّ منّا .

ولذا قال الشهید الثانی : « الحقّ أن تأثیره فی بدن المسحور أمر محقّق لا شبهه فیه ، نعم

ص:214


1- (12) مهذب الأحکام 16 / 99 .
2- (13) عمده المطالب 1 / 223 .
3- (14) الخلاف 5 / 327 .
4- (15) الدروس الشرعیه 3 / 164 .
5- (16) جامع المقاصد 4 / 30 .
6- (17) مسالک الأفهام 3 / 128 .
7- (18) مجمع الفائده 8 / 78 .
8- (19) بحار الأنوار 60 / 39 (24 / 260) .
9- (20) شرح القواعد 1 / 244 .
10- (21) مستند الشیعه 14 / 111 .
11- (22) مفتاح الکرامه 12 / 232 .
12- (1) الجواهر 22 / 87 .
13- (2) برهان الفقه ، کتاب التجاره / 29 الطبع الحجری .
14- (3) إرشاد الطالب 1 / 163 .

کونه موهماً لحیّات تسعی ونحوه تخییل ، وبهذا یجمع بین الأدله الداله علی الطرفین مع ضعف دلاله کثیر منها»(1) .

ویؤید ما ذکرنا : خبر عیسی بن سیفی عن أبی عبد اللّه علیه السلام أنّه قال : حلّ ولا تعقد(2) .

وخبر الصدوق فی العیون بإسناده عن الرضا علیه السلام فی حدیث : «وَمَا أُنزِلَ عَلَی الْمَلَکَیْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ» یتعلّمون من هذین الصنفین ما یفرّقون به بین المرء وزوجه ، هذا ما یتعلّم الإضرار بالناس ، یتعلّمون التضریب بضروب الحیل والتمائم والإیهام ، وأنّه قد دفن فی موضع کذا وعمل کذا لیحبب المرأه إلی الرجل والرجل إلی المرأه ویؤدی الی الفراق بینهما ، فقال عزّ وجل : «وَمَا هُم بِضَآرِّینَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ» أی ما المتعلّمون بذلک بضارین من أحد إلاّ بإذن اللّه ، یعنی بتخلیه اللّه وعلمه ، فإنّه لو شاء لمنعهم بالجبر والقهر ، الحدیث(3) .

ومرسله الرضی رفعه إلی أمیر المؤمنین علیه السلام أنّه قال : العین حقٌّ ، والرُقی حقٌّ ، والسحر حقٌّ ، والفأل حقٌّ ، والطیره لیست بحقٍّ ، والعَدْوی(4) لیست بحقٍّ والطیب نُشْرَهٌ والعسل نشره والنظر إلی الخضره نشرهٌ(5) .

ومرسله الطبرسی رفعه إلی الصادق علیه السلام أنّه قال فی حدیث طویل : إنّ السحر علی وجوه شتی ، وجه منها بمنزله الطب ، کما أنّ الأطباء وضعوا لکلِّ داءٍ داوءً فکذلک علم السحر ، احتالوا لکلِّ صحهٍ آفهً ولکلِّ عافیهٍ عاههً ولکلِّ معنی حیلهً ، الحدیث(6) .

وبما ذکرنا من التعریف یظهر الفوارق الرئیسیه بین السحر والمعجزه والکرامه ، لأنّ المعجزه والکرامه لا خدعه فیهما ، ولا یخرجان الباطل فی صوره الحقّ ، ولا یکونان بمعونه

ص:215


1- (4) فوائد القواعد / 518 .
2- (5) وسائل الشیعه 17 / 145 ح 1 . الباب 25 من أبواب ما یکتسب به .
3- (6) عیون أخبار الرضا علیه السلام 1 / 266 ح 1 ونقل مختصره فی وسائل الشیعه 17 / 147 ح 4 .
4- (7) انتقال المرض مِن مریض إلی سلیم .
5- (8) نهج البلاغه الحکمه 400 ونقلت عنه فی موسوعه أحادیث أهل البیت علیهم السلام 5 / 64 ح 7 .
6- (9) الاحتجاج 2 / 339 ونقلت عنه فی موسوعه أحادیث أهل البیت علیهم السلام 5 / 66 ح 10 .

الشیاطین والأجنه ، بل إنّهما علی سبیل الحقیقه وإراءه الواقع واقعاً والحقِ حقّاً ، وکلّ مَنْ تعلّم السحر یمکن أن یأتی به ، وأنّهما لیسا بالتعلّم والتتلمذ ، فالسحر علم والمعجزه والکرامه إظهار القدره للّه تعالی علی ید أنبیائه واُولیائه علیهم السلام إذا کانت المصلحه تقتضیهما . فالفرق بین السحر وبینهما أساسیٌ ورئیسیٌ وسنخیٌ ، ولا یتشبهما الناسُ بالسحرِ ولا السَحَره بهم . ولذا حیث رأی السحره إعجاز عصا موسی ، یقول اللّه تعالی عنهم : «وَأُلْقِیَ السَّحَرَهُ سَاجِدِینَ * قَالُواْ آمَنَّا بِرِبِّ الْعَالَمِینَ * رَبِّ مُوسَی وَهَارُونَ»(1) . والتفصیل مؤکولٌ إلی علم الکلام .

تنبیهٌ : قال العلامه السید محمد حسین الطباطبائی قدس سره ناقلاً عن شیخنا البهائی(2) نوّر اللّه مرقده أنّه قال : « أحسن الکتب المصنفه فی هذه الفنون (أی العلوم الغریبه) کتاب رأیتُهُ ببلده هرات إسمه (کلّه سر) ، وقد رکّب اسمه من أوائل أسماء هذه العلوم : الکیمیاء ، واللیمیاء ، والهیمیاء ، والسیمیاء ، والریمیاء» انتهی ملخص کلامه(3) .

وقال صاحب المیزان فی تعریف هذه العلوم :

« 1 _ الکیمیاء : علم یبحث عن کیفیه تبدیل صور العناصر بعضها إلی بعضٍ .

2 _ اللیمیاء : علم یبحث عن کیفیه التأثیرات الإرادیه بإتصالها بالأرواح القویّه العالیه ، کالأرواح الموکله بالکواکب والحوادث وغیر ذلک بتسخیرها أو باتصالها واستمدادها من الجنِّ بتسخیرهم ، وهو فن التسخیرات .

3 _ الهیمیاء : العلم الباحث عن ترکیب قوی العالم العِلوی مع العناصر السفلیه للحصول علی عجائب التأثیر ، وهو الطلسمات .

4 _ السیمیاء : العلم الباحث عن تمزیج القوی الإرادیه مع القوی الخاصه المادیه للحصول علی غرائب التصرف فی الاُمور الطبیعیه ، ومنه التصرف فی الخیال المسمی بسحر العیون ، وهذا الفن من أصدق مصادیق السحر .

5 _ الریم_یاء : العلم الباحث عن استخدام القوی المادیه للحصول علی آثارها بحیث

ص:216


1- (1) سوره الأعراف / (122 _ 120) .
2- (2) راجع کشکوله 3 / 254 من منشورات لسان الصدق . قم المقدسه ، عام 2006 م .
3- (3) المیزان 1 / 244 .

یظهر للحس أنّها آثار خارقه بنحو من الأنحاء ، وهو الشعبذه» .

ثمّ ذکر بعض العلوم الملحقه بها مع تسمیه بعض کتبه ، فراجعه إن شئت(1) .

هذا کلّه فی المقام الأوّل - أعنی موضوع علم السحر - وأمّا حکمه :

المقام الثانی : حکم السحر

اشاره

تعلیم السحر وتعلّمه حرام بین المسلمین ، وتدلّ علیه الأدله الأربعه :

الأوّل : الإجماع

قال الشیخ : « ولا خلاف بینهم (أی بین الفقهاء من المسلمین) أن تعلیمه وتعلّمه وفعله محرّم ، لقوله تعالی : «وَلَکِنَّ الشَّیْاطِینَ کَفَرُواْ یُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ»(2) فذمَّ علی تعلیم السحر»(3) .

وقال الأردبیلی : « فکأنّ تحریم السحر وتعلیمه وتعلّمه وأخذ الاُجره علیه ... إجماع (إجماعی _ خ ل) بین المسلمین»(4) .

وقال المحقق السبزواری : « وعمل السحر والتکسّب به حرام بلا خلافٍ »(5) .

وقال البحرانی فی السحر ونحوه من القیافه والکهانه والشعبذه : « ولا خلاف فی تحریم تعلیم الجمیع وأخذ الاُجره علیه»(6) .

وذکر الوحید البهبهانی الإجماع علی الحرمه فی حاشیته علی مجمع الفائده والبرهان(7) . وقال السید العاملی : « فی الإیضاح والتنقیح بعد ذکر أقسامه : أنّ کلّه حرام فی شریعه

ص:218


1- (1) المیزان 1 / 244 نقلتها مع اختلافٍ فی الترتیب واختصارٍ .
2- (2) سوره البقره / 102 .
3- (3) المبسوط 7 / 260 .
4- (4) مجمع الفائده 8 / 78 .
5- (5) الکفایه 1 / 440 .
6- (6) الحدائق 18 / 171 .
7- (7) حاشیه مجمع الفائده والبرهان / 34 .

المسلمین ومستحلّه کافر»(1) .

وقال فی الجواهر : « بلا خلاف أجده فی الجمله بین المسلمین فضلاً عن غیرهم ، بل هو من الضروریات التی یدخل منکرها فی سبیل الکافرین»(2) .

وقال الشیخ الأعظم : « السحر حرام فی الجمله بلا خلاف بل هو ضروریٌّ»(3) .

وقال المؤسس الحائری : « لا خلاف فی حرمته فی الجمله بین المسلمین ، بل هی من الضروریات التی یدخل منکرها فی عِداد الکافرین»(4) .

وقال المحقق الخوئی : « لا خلاف فی حرمه السحر فی الجمله بل هی من ضروریات الدین وممّا قام علیه إجماع المسلمین»(5) .

وقال الفقیه السبزواری فی الاستدلال علی حرمه السحر : « للنصوص والإجماع بل الضروره من المذهب ، إن لم تکن من الدین»(6) .

أقول : الإجماع قائم علی حرمه تعلیم السحر وتعلّمه والعمل به وأخذ الاُجره علیه بین المسلمین ، کما أفتی به الشیخ وقال : « تعلّم السحر وتعلیمه والتکسب به وأخذُ الاُجره علیه حرام محظور»(7) . ولکن هل هذا الإجماع مدرکیٌّ أم لا ؟ الظاهر أنّه نشأ مِن الأدله التالیه .

الثانی : الکتاب

تدلّ علی حرمه السحر آیات من الکتاب المجید ، نحو :

قوله تعالی : «مَا کَفَرَ سُلَیْمانُ وَلَکِنَّ الشَّیْاطِینَ کَفَرُواْ یُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا

ص:218


1- (8) مفتاح الکرامه 12 / 226 .
2- (9) الجواهر 22 / 75 .
3- (1) المکاسب المحرمه / 32 الطبع الحجری (1 / 257) .
4- (2) المکاسب المحرمه / 142 لشیخنا آیه اللّه الشیخ محمد علی الأراکی قدس سره .
5- (3) مصباح الفقاهه 1 / 283 .
6- (4) مهذب الأحکام 16 / 99 .
7- (5) النهایه / 365 .

أُنزِلَ عَلَی الْمَلَکَیْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا یُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّی یَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَهٌ فَلاَ تَکْفُرْ»(1) .

وقوله تعالی : «وَلاَ یُفْلِحُ السَّاحِرُونَ»(2) ، ثمّ قال تعالی بعد ثلاث آیات : «قَالَ مُوسَی مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللّهَ سَیُبْطِلُهُ إِنَّ اللّهَ لاَ یُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِینَ»(3) .

وقوله تعالی : «وَأَلْقِ مَا فِی یَمِینِکَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا کَیْدُ سَاحِرٍ وَلاَ یُفْلِحُ السَّاحِرُ حَیْثُ أَتَی»(4) .

وظهور الآیات فی الحرمه یکفینا عن التفسیر والتقریب وتکثیر الکلام .

الثالث : السنه

الروایات المستفیضه بل المتواتره من السنه الشریفه تدلّ علی حرمه السحر وتعلیمه وتعلّمه والعمل به وأخذ الاُجره علیه :

منها : صحیحه عبد العظیم الحسنی عن أبی جعفر الثانی الجواد علیه السلام فی حدیث الکبائر : والسحر لأنّ اللّه عزّ وجل یقول : «وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِی الآخِرَهِ مِنْ خَلاَقٍ»(5) ، الحدیث(6) .

ومنها : معتبره السکونی عن جعفر بن محمد علیه السلام عن أبیه علیه السلام قال : قال رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم : ساحر المسلمین یُقتل وساحر الکفار لا یُقتل ، قیل : یا رسول اللّه لم لا یُقتل ساحر الکفار ؟ قال : لأنّ الشرک أعظم من السحر ، لأنّ السحر والشرک مقرونان(7) .

ص:219


1- (6) سوره البقره / 102 .
2- (7) سورد یونس / 77 .
3- (8) سوره یونس / 81 .
4- (9) سوره طه / 69 .
5- (1) سوره البقره / 102 .
6- (2) الکافی 2 / 285 ح 24 ونقلت عنه فی موسوعه أحادیث أهل البیت علیهم السلام 9 / 269 ح 11 .
7- (3) وسائل الشیعه 17 / 146 ح 2 . الباب 25 من أبواب ما یکتسب به .

رواها الکلینی أیضاً بسنده المعتبر فی الکافی الشریف 7 / 260 ح 1(1) .

ومنها : مصححه زید الشحام عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : الساحر یُضرب بالسیف ضربهً واحدهً علی اُمّ رأسه(2) .

سند الروایه صحیح إن کان المراد بالبشار الراوی قبل الشحام هو بشار بن یسار الضُبَعِیّ الکوفی الثقه ، روی هو وأخوه عن أبی عبد اللّه علیه السلام وأبی الحسن علیه السلام (3) . کما هو الظاهر . ولا یضرّ جهاله حبیب بن الحسن ، لأنّ معه فی السند محمد بن یحیی ومحمد بن الحسین کما فی نقل الکلینی(4) أو محمد بن الحسین فقط کما فی نقل الشیخ(5) .

ومنها : موثقه عمرو بن خالد عن زید بن علی عن آبائه علیهم السلام قال : سئل رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم عن الساحر فقال : إذا جاء رجلان عدلان فَشَهدا بذلک علیه فقد حلّ دمه(6) .

ومنها : حسنه إسحاق بن عمار عن جعفر علیه السلام عن أبیه علیه السلام أنّ علیّاً علیه السلام کان یقول : من تعلّم شیئاً من السحر کان آخر عهده بربّه ، وحدّه القتل إلاّ أن یتوب ، الحدیث(7) .

وهذه الروایه عامه تشمل حرمه تعلّم السحر وعمله ، وحملها علی العمل فقط تخصیص بلا وجه .

ومنها : خبر أبی البختری عن جعفر بن محمد عن أبیه علیه السلام أنّ علیّاً علیه السلام قال : من تعلّم شیئاً من السحر قلیلاً أو کثیراً فقد کفر ، وکان آخر عهده بربّه ، وحدّه أن یُقتل إلاّ أن یتوب(8) .

ومنها : مرسله الرضی رفعه إلی أمیر المؤمنین علیه السلام أنّه قال فی خطبه : المنجم کالکاهن

ص:220


1- (4) کما نقل عنه فی وسائل الشیعه 28 / 365 ح 1 . الباب 1 من أبواب بقیه الحدود .
2- (5) وسائل الشیعه 28 / 366 ح 3 .
3- (6) رجال النجاشی / 113 الرقم 290 .
4- (7) الکافی 7 / 260 ح 2 .
5- (8) التهذیب 10 / 147 ح 15 .
6- (9) التهذیب 6 / 283 ح 185 و 10 / 147 ح 16 و نقل عن الأخیر فی وسائل الشیعه 28 / 367 ح 1 .
7- (1) وسائل الشیعه 28 / 367 ح 2 .
8- (2) وسائل الشیعه 17 / 148 ح 7 .

والکاهن ، کالساحر ، والساحر کالکافر ، والکافر فی النار ، سیروا علی اسم اللّه(1) .

رواها الصدوق فی الخصال 1 / 297 ح 67 ونقل عنه فی وسائل الشیعه 17 / 143 ح8 .

ومنها : خبر أبی موسی الأشعری قال : قال رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم : ثلاثه لا یدخلون الجنه مدمن خمر ، ومدمن سحر ، وقاطع رحم ، الحدیث(2) .

ومنها : خبر علی بن الجهم عن الرضا علیه السلام فی حدیث : وأما هاروت وماروت فکانا ملکین علّما الناس السحر لیحترزوا به سحر السحره ویبطلوا به کیدهم ، وما علّما أحداً من ذلک شیئاً إلاّ قالا : إنّما نحن فتنه فلا تکفر ، فکفر قوم باستعمالهم لما اُمروا بإلاحتراز منه ، وجعلوا یفرّقون بما تعلّموه بین المرء وزوجه ، قال اللّه تعالی : «وَمَا هُم بِضَآرِّینَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ» یعنی بعلمه(3) .

ومنها : خبر نصر بن قابوس قال : سمعت أبا عبد اللّه علیه السلام یقول : المنجم ملعون ، والکاهن ملعون ، والساحر ملعون ، الحدیث(4) .

وهذه الروایات وما شابهها منها مایدلّ بوضوح علی حرمه تعلیم وتعلّم السحر والتکسب به وأخذ الأجره علیه والعمل علی طبقه .

الرابع : حکم العقل

العقل مستقل بقبح الخدیعه وإخراج الباطل فی صوره الحقّ وقلب الشیء عن واقعه وحقیقته ، وهذا القبح العقلی یستلزم الحکم الشرعی بقاعده الملازمه .

المقام الثالث : فروع البحث

اشاره

إنّ هاهنا فروعاً یحسن التنبیه علیها والبحث حولها :

الفرع الأول: حرمته مطلقه من دون تقیید بالعمل الحرام أو نیته

الفرع الأوّل : حرمه تعلیم وتعلّم السحر مطلقه فی روایاتنا کما مرّ آنفاً ، ولم تقید

ص:221


1- (3) نهج البلاغه . الخطبه 79 ونقلت عنه فی موسوعه أحادیث أهل البیت علیهم السلام 5 / 64 ح 6 .
2- (4) وسائل الشیعه 17 / 148 ح 6 .
3- (5) وسائل الشیعه 17 / 147 ح 5 .
4- (6) وسائل الشیعه 17 / 143 ح 7 .

بالعمل الحرام أو نیّته ، بحیث لو لم ینو هذا أو لم یقصد الحرام أو لم یترتب علیه لم یکن حراماً ، بل حرمته مطلقه ، سواء قصد الحرام أو لم یقصده ، وسواء ترتب علیه الحرام فی الخارج أو لم یترتب ، ولذا لو سحر لأجل جلب محبّه الزوج إلی زوجته أو توفیق إنسان فی عباده اللّه تعالی وتحصیله للعلم أو دفع العقارب والحیات والبراغیث ونحوها من المنافع العقلائیه کان حراماً ویکون تحصیله وتعلّمه حراماً أیضاً ، للإطلاقات الوراده فی الروایات .

خلافاً للشیخ الأکبر کاشف الغطاء(1) حیث قیّد الحرمه بالعمل ونیته ، فالسحر عنده حرام إذا کانت غایته المترتبه علیه حراماً ، وعلی فرض عدم ترتب الغایه إذا کانت نیته حراماً . وتبعه علی هذا التقیید تلمیذه صاحب الجواهر(2) ، وتلمیذ صاحب الجواهر السید علی آل بحر العلوم(3) والمؤسس الحائری(4) .

وأنت تری إطلاق الروایات وعدم وجود التقیید فیها وافقنا علی حرمه تعلّم السحر وتعلیمه مطلقاً ؟ السید العاملی فی مفتاح الکرامه(5) .

الفرع الثانی: هل یجوز الحرمه بوجود المضر منه؟

الفرع الثانی : هل یجوز تعلّم السحر فقط من دون قصد العمل به ؟ لأنّه مرتبه من الفضل ، والعلم فی حدِّ ذاته شریف وأنّه خیر من الجهل ، أو أنّه لا یجوز مطلقاً ذهب إلی الأوّل کاشف الغطاء(6) وتابعه صاحب الجواهر(7) وتلمیذه السید علی آل بحر العلوم(8) والمؤسس

الحائری(9) .

ص:223


1- (1) شرح القواعد 1 / 239 .
2- (2) الجواهر 22 / 79 .
3- (3) برهان الفقه _ کتاب التجاره / 26 الطبع الحجری .
4- (4) المکاسب المحرمه / 153 لآیه اللّه الشیخ محمّد علی الأراکی .
5- (5) مفتاح الکرامه 12 / 227 .
6- (6) شرح القواعد 1 / 239 .
7- (7) الجواهر 22 / 78 .
8- (8) برهان الفقه _ کتاب التجاره / 30 الطبع الحجری .
9- (1) المکاسب المحرمه / 153 لآیه اللّه الشیخ محمّد علی الأراکی .

ولکن ظاهر المشهور علی الثانی ، والحقّ قول المشهور ، للإطلاق الوارد فی الروایات .

مضافاً إلی دلاله حسنه إسحاق بن عمار(1) وخبر أبی البختری(2) الماضیتین علی حرمه تعلّم السحر .

الفرع الثالث : هل تختص الحرمه بوجود المضر منه ؟

ذهب الشهیدان فی الدروس(3) والمسالک(4) إلی الاختصاص ، ووافقهما الکاشانی فی مفاتیح الشرائع(5) ، وهو ظاهر العلاّمه فی کتبه(6) ، حیث قیّد تعریفه بما « یؤثر فی بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غیر مباشره» . وظاهر هذا التعریف وتقییده بالتأثیر یعنی إذا لم یوجب ذلک فلا حرمه ، ومن الواضح إنّ هذا التأثیر یکون بالإضرار غالباً وعلی هذا یمکن عدّ العلامه الحلی من القائلین بالاختصاص .

ویؤیدهم بعض الروایات الوارده فی قصه هاروت وماروت ، نحو : خبر محمد بن زیاد ومحمد بن سیار عن الحسن بن علی العسکری علیه السلام عن آبائه علیهم السلام فی حدیث : فلا تکفر بإستعمال هذا السحر وطلب الإضرار به إلی أن قال : ویتعلّمون ما یضرّهم ولا ینفعهم ، لأنّهم إذا تعلّموا ذلک السحر لیسحروا ویضرّوا به فقد تعلّموا ما یضرّهم فی دینهم ولا ینفعهم فیه ، الحدیث(7) .

ولکن الصحیح - کما ذهب إلیه المشهور - عدم ثبوت اختصاص الحرمه بوجود المضر منه ، بل الحرمه للسحر ثابته حتّی إذا لم یکن فی البین المضر منه والإضرار . وبعباره اُخری : نفس عمل السحر حرام حتّی إذا لم یترتب علیه ضررٌ ولم یضر منه أحدٌ ، نحو أن یعمل

ص:223


1- (2) وسائل الشیعه 28 / 367 ح 2 .
2- (3) وسائل الشیعه 17 / 148 ح 7 .
3- (4) الدروس 3 / 164 .
4- (5) المسالک 3 / 128 .
5- (6) مفاتیح الشرائع 1 / 24 .
6- (7) تذکره الفقهاء 12 / 144 وقواعد الأحکام 2 / 9 والتحریر 2 / 260 .
7- (8) وسائل الشیعه 17 / 147 ح 4 .

الساحر أمراً فی الجو والسماء والفضاء والأرض ولکن لم یتضرر منه أحدٌ ، أو إحداث المنفعه والحبّ المفرط للغیر من دون ترتب الإضرار علی أحدٍ ، فهذا أیضاً حرام لإطلاق الأدله

الوارده فی حرمه السحر ، ولم یقیّدها الروایات المقیده ، لأنّها أیضاً من المثبتات وضعف إسنادها .

نعم ، یمکن القول بتشدید الحرمه فی صوره الإضرار ، لأنّ السحر حرام والإضرار بالغیر حرام آخر ، فصار فی مورد الاجتماع حرمان مجتمعان .

الفرع الرابع : هل یجوز رَفع ضرر السحر بالسحر أو إبطاله به ؟

ذهب إلی جواز حلّ السحر بشیءٍ من القرآن والذکر والدعاء والأقسام لا بشیءٍ من السحر ، جماعه منهم : العلاّمه فی القواعد(1) والتحریر(2) والتذکره(3) .

ویمکن أن یُستدل لهم بأنّ : السحر حرام فی حدِّ ذاته فلا یجوز استعماله حتّی فی إبطاله ودفع الضرر به . والإطلاقات تقتضی ذلک .

ولکن الصحیح جواز دفع ضرر السحر أو إبطاله أو حلّه به ، لما ورد فی ذلک عدّه من الروایات المرخصه ، نحو :

وخبر محمد بن زیاد ومحمد بن سیار عن العسکری علیه السلام عن آبائه علیهم السلام قال فی حدیث فی ذیل قوله تعالی : «وَمَا أُنزِلَ عَلَی الْمَلَکَیْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ» قال : کان بعد نوح علیه السلام قد کثرت السحره المموهون ، فبعث اللّه عزّ وجل ملکین إلی نبی ذلک الزمان بذکر ما یسحر به السحره وذکر ما یبطل به سحرهم ویردّ به کیدهم ، فتلقاه النبی عن الملکین وأداه إلی عباد اللّه بأمر اللّه عزّ وجل وأمرهم أن یقفوا به علی السحر وأن یبطلوه ونهاهم أن یسحروا به الناس .إلی أن قال : وما یعلّمان من أحد ذلک السحر وإبطاله حتّی یقولا للمتعلّم إنّما نحن فتنه ، الحدیث(4) .

ص:244


1- (1) القواعد 2 / 9 .
2- (2) التحریر 2 / 260 .
3- (3) تذکره الفقهاء 12 / 144 .
4- (4) وسائل الشیعه 17 / 147 ح 4 .

ومنها : خبر علی بن الجهم عن الرضا علیه السلام فی حدیث : قال : وأما هاروت وماروت فکانا ملکین علّما الناس السحر لیحترزوا به سحر السحره ویبطلوا به کیدهم ، الحدیث(1) .

ومنها : خبر إبراهیم بن هاشم عن شیخ من أصحابنا الکوفیین ، قال : دخل عیسی بن سیفی [ شفقی _ شقفی _ سقفی ] علی أبی عبد اللّه علیه السلام وکان ساحراً یأتیه الناس ویأخذ علی

ذلک الأجر ، فقال له : جعلت فداک أنا رجل کانت صناعتی السحر وکنت آخذ علیه الأجر وکان معاشی ، وقد حججت منه ومنّ اللّه علیَّ بلقائک ، وقد تبت إلی اللّه عزّ وجل ، فهل لی فی شیٍّ من ذلک مخرج ؟ فقال له أبو عبد اللّه علیه السلام : حلِّ ولا تعقد(2) .

هذه الروایه رواها المشایخ الثلاثه(3) والحمیری فی قرب الإسناد(4) . ولکنّها ضعیفه الإسناد بدخول مجهول فی السند ، کشیخ من أصحابنا الکوفیین کما فی الکافی ، أو دخول عیسی فی السند کما فی الفقیه وقرب الإسناد ، وهو مهمل .

ولکن دلالتها علی جواز حلّ السحر بالسحر واضحه ، لأنّ حلّ السحر بغیره لا یختص بالساحر ، فما أمره الإمام علیه السلام بحلّ السحر وعطف کلامه ب_ « لا تعقد » ظاهرٌ فی الحلِّ بالسحر . فدلاله الروایه علی جواز حلّ السحر بالسحر تام وحملها علی حلّه بشی ء من القرآن أو الذکر أو الدعاء ونحوها کما عن بعضٍ بعید فی الغایه .

ومنها : مرسله الصدوق قال : روی : أنَّ توبه الساحر أن یحلَّ ولا یعقد(5) .

ومنها : مرسله العلاء عن محمد بن مسلم قال : سألته عن المرأه یُعمل لها السحر یحلّونه عنها ؟ قال : لا أری بذلک بأساً(6) .

ص:225


1- (5) وسائل الشیعه 17 / 147 ح 5 .
2- (1) وسائل الشیعه 17 / 145 ح 1 .
3- (2) الکافی 5 / 115 ح 7 _ الفقیه 3 / 180 ح 3677 _ التهذیب 6 / 364 ح 1034 .
4- (3) قرب الإسناد / 52 ح 169 .
5- (4) وسائل الشیعه 17 / 147 ح 3 _ 28 / 365 ح 2 .
6- (5) مفتاح الکرامه 12 / 237 _ الجواهر 22 / 76 .

وأمر هذه الروایه عجیب ، ذکرها الشهیدان فی الدروس(1) والمسالک(2) من دون ذکر متنها ، ولکن لم أجدها فی الجوامع الحدیثیه ، والعلم عند اللّه تعالی . وأمّا دلالتها علی جواز حلّ السحر به ظاهره .

ومنها : خبر الحلبی قال : سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن النُشْرَهِ للمسحورِ ، فقال : ما کان أبی علیه السلام یری به بأساً(3) .

سندها ضعیف ودلالتها غیر ظاهره ، لأنّها منوطه بحمل النُشْرَه علی حلّ السحر بالسحر ، وهو محلّ تأمل بل منع .

ومنها : مرسله أبی منصور الطبرسی : فما تقول فی الملکین هاروت وماروت ؟ وما یقول الناس بأنّهما یعلّمان الناس السحر ؟ قال الصادق علیه السلام : إنّهما موضع إبتلاء وموقع فتنه ، تسبیحهما : الیوم لو فعل الإنسان کذا وکذا لکان کذا وکذا ولو یعالج بکذا وکذا لکان کذا ، أصناف السحر فیتعلّمون منهما ما یَخْرُجُ عنهما ، فیقولان لهم : إنّما نحن فتنه فلا تأخذوا عنّا ما یضرکم ولا ینفعکم ، الحدیث(4) .

دلاله الروایه علی جواز تعلیم وتعلّم السحر لأجل الإبطال ظاهره ، فإذا جاز التعلّم جاز العمل لأجل الإبطال بطریق أولی .

ودلاله مجموع الروایات المذکوره علی جواز حلّ السحر وإبطاله بالسحر واضح ، ولا یضرّ ضعف أسنادها بعد بلوغها مرتبه الإستفاضه وإفتاء جماعه من الأصحاب بها ، واللّه العالم .

الفرع الخامس : هل یجوز تعلّم السحر لأجل دفع السحر وضرره أو إبطال المدعی للمناصب الإلهیه ؟

ذهب جماعه من الأصحاب قدس سرهم إلی الجواز ، بل ذهب بعضهم إلی الوجوب الکفائی :

ص:226


1- (6) الدروس 3 / 164 .
2- (7) المسالک 3 / 128 .
3- (8) مستدرک الوسائل 13 / 109 ح 10 .
4- (1) الاحتجاج 2 / 340 .

منهم : الشهید قال : « أما علمه لیتوقی أو لئلا یعتریه فلا ، وربّما وجب علی الکفایه لیدفع المتنبّیء بالسحر»(1) . وتبعه الشهید الثانی فی المسالک(2) والروضه(3) ، ونفی عنه البُعد المحقق الثانی وقال : « لیس ببعید إن لم یلزم منه التکلّم بمحرَّم أو فعل ما یحرم»(4) .

والمحقق الإردبیلی فی مجمع الفائده(5) والبحرانی فی الحدائق(6) وسید الریاض(7) والشیخ جعفر(8) وصاحب الجواهر(9) وتلمیذه السید علی آل بحر العلوم فی برهان الفقه(10)

والمحقق الخوئی(11) وشیخنا الاُستاذ(12) _ مدظله _ .

ویمکن أن یُستدل لهم - مضافاً إلی مرسله الطبرسی(13) الماضیه فی الفرع السابق - بقاعده الضرورات التی تبیح المحظورات ، لأنّ السحر الحرام وتعلّمه الحرام إذا کانا لدفع ضرر السحر عن نفسه أو غیره أو دفع فتنه من ادعی النبوه والإمامه من المناصب الإلهیه وإرشاد الناس المجتمعین المغفولین عنده وإفشاء أمره ، صار بقاعده الضروره من المحلّلات ، وإذا انحصر الدفع به صار من الواجبات الکفائیه کما علیه جماعه من الأصحاب ، واللّه سبحانه هو العالم .

الفرع السادس : هل یکون التسخیر من السحر أم لا ؟

التسخیرات مختلفه باعتبار المُسْخَر بالفتح ، تاره المسخَر هو القوی المادیه والطبیعیه ، واُخری الأشجار والنباتات والحیوانات ، وثالثه الإنسان وروحه وفکره وجسده ، ورابعه الشیاطین والأجنه ، وخامسه الأرواح سواء کانت من المؤمنین أو الکافرین ، وسادسه الملائکه .

والمسخِر بالکسر فی جمیعها هو الإنسان .

والکلُّ جائز ومباح ، ویدلّ علی ذلک قوله تعالی : «أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَکُم مَّا فِی السَّمَاوَاتِ وَمَا فِی الاْءَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَیْکُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَهً وَبَاطِنَهً»(14) وقوله تعالی : «اللَّهُ الَّذِی سَخَّرَ لَکُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِیَ الْفُلْکُ فِیهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّکُمْ تَشْکُرُونَ * وَسَخَّرَ لَکُم مَا فِی السَّماوَاتِ وَمَا فِی الأَرْضِ جَمِیعاً مِنْهُ إِنَّ فِی ذلِکَ لاَآیَاتٍ لِقَوْمٍ یَتَفَکَّرُونَ»(15) . وهذه الآیات الشریفه ونظائرها تدلّ بوضوح علی جواز تسخیر ما فی السماوات والأرض للإنسان ، ومنها ما ذکرناها . مضافاً إلی أنّ الأصل فیها الجواز والبراءه من الحرمه .

ولکن إذا صار هذا التسخیر موجباً لتضرر المسخِر بالکسر - نحو تلفه أو جنونه أو مرضه فی العاجل أو الآجل - یکون محرّماً من هذه الجهه .

وهکذا إذا صار هذا التسخیر موجباً لفناء المسخَر بالفتح بالکلیّه بحیث یکون نوع

ص: 196


1- (2) الدروس 3 / 164 .
2- (3) مسالک الأفهام 3 / 128 .
3- (4) الروضه البهیه 3 / 215 .
4- (5) جامع المقاصد 4 / 28 .
5- (6) مجمع الفائده والبرهان 8 / 79 .
6- (7) الحدائق 18 / 175 .
7- (8) ریاض المسائل 8 / 166 .
8- (9) شرح القواعد 1 / 240 .
9- (10) الجواهر 22 / 79 .
10- (11) برهان الفقه / کتاب التجاره / 30 و 31 .
11- (1) مصباح الفقاهه 1 / 296 .
12- (2) إرشاد الطالب 1 / 166 .
13- (3) الإحتجاج 2 / 340 .
14- (4) سوره لقمان / 20 .
15- (5) سوره الجاثیه / 12 و 13 .

الإنسان محروماً منه فی الآجل أو یکون المسخَر بالفتح من الإنس والجن والروح مؤمنین أو من الملائکه ویکون التسخیر ظلماً له ویوجب إیذاءه فصار محرَّماً من هذه الجهه .

فظهر ممّا ذکرنا أنّ الحکم الأوَّلی للتسخیرات هو الجواز وأنّها خارجه عن السحر حکماً وموضوعاً .

ومن هنا ظهر حکم عملیه إحضار الأرواح بأنّها جائزه إذا لم تکن موجبه لتضرر المحضِر بالکسر والمحضَر بالفتح إذا کان من المؤمنین .

ص:228

والعجب من الشهید حیث عدّ من السحر بعض التسخیرات وقال : « ومن السحر الإستخدام للملائکه والجن والإستنزال للشیاطین فی کشف الغائب وعلاج المصاب»(1) .

وهکذا عدّ من السحر إحضار الأرواح وقال : « ومنه الاستحضار بتلبّس الروح ببدن متفعّل ، کالصبی والمرأه وکشف الغائب عن لسانه»(2) .

وتبعه فی ذلک ثانیه وقال فی المسالک : « ومنه استخدام الملائکه والجن واستنزال الشیاطین فی کشف الغائبات وعلاج المصاب ، واستحضارهم وتلبّسهم ببدن صبیٍّ أو امرأهٍ وکشف الغائب علی لسانه»(3) .

وتبعهما الکاشانی فی المفاتیح(4) والسید علی آل بحر العلوم فی برهان الفقه(5) والشیخ الأعظم فی المکاسب المحرمه(6) ، ولکن ثانی الشهیدین أخرج الکِهانه التی هی من الاستخدامات والتسخیرات من السحر وقال : « وهو قریب من السحر»(7) . وهکذا الشهید عدّ کلاً منهما علی حدّه(8) .

العلامه یقول فی المنتهی : « فأما الذی یقال من العزم علی المصروع ویزعم أنّه یجمع الجنّ فیأمرها لتطیعه ، فهو عندی باطل لا حقیقه له ، وإنّما هو من الخرافات»(9) .

ووافقنا علی أنّ التسخیرات لیست من السحر جماعه من المحققین ، منهم : الإیروانی(10)

ص:230


1- (1) الدروس 3 / 164 .
2- (2) الدروس 3 / 164 .
3- (3) المسالک 3 / 128 .
4- (4) مفاتیح الشرائع 2 / 24 .
5- (5) برهان الفقه / کتاب التجاره / 28 طبع الحجری .
6- (6) المکاسب المحرمه / 34 الطبع الحجری (1 / 273) .
7- (7) المسالک 3 / 128 .
8- (8) الدروس 3 / 163 .
9- (9) منتهی المطلب 2 / 1014 .
10- (10) حاشیه المکاسب 1 / 172 .

والخوئی(1) والأردکانی(2) قدس سرهم وشیخنا الاُستاذ(3) والقمی(4) _ مدظلهما _ .

الفرع السابع : إذا قتل الساحر أحداً بسحره هل یقتص منه ؟

قال الشیخ فی الخلاف : « إذا أقرّ أنّه سحر فقتل بسحره متعمداً لا یجب علیه القود ، وبه قال أبوحنیفه . وقال الشافعی : علیه القود . دلیلنا : أنّ الأصل براءه الذمه ، وأنّ هذا ممّا یقتل به یحتاج إلی دلیل ... »(5) .

وقال فی المبسوط : « فإذا سحر رجلاً فمات من سحره سئل ، فإن قال سحری یقتل غالباً وقد سحرته وقتلته فعلیه القود ، کما لو أقرّ أنّه قتله بالسیف عمداً ، وقال قوم لا قود علیه بناءً علی أصله أنّه لایقتل إلاّ إذا قتل بالسیف ، وأمّا إذا قتل بالمثقل فلا قود ، لکنّه قال : إن تکرر الفعل منه قتلته حدّاً لأنّه بمنزله الخناق ، وهو من السعی فی الأرض بالفساد ، والأوّل یقتضیه مذهبنا»(6) .

وأنت تری أنّ الشیخ ذهب فی المبسوط إلی خلاف ما ذهب إلیه فی الخلاف ، ذهب فی مبسوطه إلی ثبوت القود مع إقرار الساحر بأنَّ سحره یقتل غالباً ، وفی خلافه إلی نفیه مطلقاً .

قال المحقق : « السادسه : قال الشیخ : لا حقیقه للسحر ، وفی الأخبار ما یدلّ علی أنّ له حقیقه . ولعلّ ما ذکره الشیخ قریب ، غیر أنّ البناء علی الاحتمال أقرب ، فلو سحره فمات لم یوجب قصاصاً ولادیهً علی ما ذکره الشیخ ، وکذا لو أقر أنّه قتله بسحره ، وعلی ما قلناه من الاحتمال یلزمه الإقرار ، وفی الأخبار یقتل الساحر ، وقال فی الخلاف : یُحمل ذلک علی قتله حدّاً لفساده لا قوداً»(7) .

ص:230


1- (1) مصباح الفقاهه 1 / 296 .
2- (2) غنیه الطالب 1 / 135 .
3- (3) إرشاد الطالب 1 / 168 .
4- (4) عمده المطالب 1 / 226 .
5- (5) الخلاف 5 / 330 المسأله 16 .
6- (6) المبسوط 7 / 260 .
7- (7) شرائع الإسلام 4 / 182 .

أقول : بناءً علی ما اخترناه من أنّ للسحر حقیقه فإذا قتل الساحرُ أحداً بسحره وأقرّ بذلک أو قامت البینه الشرعیه علیه ، یقتل به ویثبت القصاص ، لإستناد القتل العمدی إلیه وهو الذی یکون موضوعاً للقصاص .

وأمّا بناءً علی مختار الشیخ وأتباعه من أنه لیس للسحر حقیقه بل هو تخیّلٌ محضٌ ، یمکن القول بثبوت القصاص لو قتل الساحر أحداً خلافاً للشیخ فی خلافه ، لأنه قد یترتب علی من لیس له حقیقه أمراً واقعیاً نحو : أن یریه بحراً موّاجاً وسفینه جاریه فیه ویرید المسحور أن یرکبها فیسقط من ارتفاع فیموت ، وفی هذا الفرض ونحوه حیث یمکن استناد القتل إلی الساحر فعلیه القود .

ولذا ذهب الفقیه العاملی إلی ثبوت القصاص علی المسلکین وقال : « إنّ الأقوی الثبوت علی القولین»(1) .

والمحقق الخوئی قدس سره مع أنّه من القائلین بأنّ لیس للسحر حقیقه بل هو تخیّل محض ، ذهب إلی ثبوت القصاص لصحه إستناد القتل(2) .

فعلی ما ذکرناه ظهر عدم تمامیّه جعل هذا الفرع من ثمرات مسلکی الحقیقه والتخیّل ، بحیث یثبت القود بناءً علی الأوّل ثبت القود وبناءً علی الثانی فلا ، کما علیه بعض(3) .

والتفصیل یطلب من کتاب القصاص . واللّه العالم .

الفرع الثامن : هل یحکم بکفر الساحر ؟

قال الشیخ فی المبسوط : « فإذا قال : أنا ساحرٌ ، قلنا صف السحر ، فإن وصفه بما هو کفر فهو مرتدّ یستتاب فإن تاب وإلاّ قتل ، وإن وصفه بما لیس بکفر لکنّه قال : أنا أعتقد إباحته حکمنا بأنّه کافر یُستتاب ، فإن تاب وإلاّ قتل لأنّه اعتقد إباحه ما أجمع المسلمون علی تحریمه ، کما لو اعتقد تحلیل الزنا فإنّه یکفر . وإن قال : أنا ساحر أعمل السحر وأعتقد أنّه حرام لکنّی أعمله ، لم یکفر بذلک ولم یجب قتله ، وقال بعضهم : هو زندیق لا تقبل

ص:231


1- (1) مفتاح الکرامه 12 / 233 .
2- (2) مبانی تکمله المنهاج 2 / 7 .
3- (3) نحو الفقیه الشیخ جعفر فی شرح القواعد 1 / 248 .

توبته ویقتل ، وقال قوم : یقتل الساحر ولم یذکروا هل هو کافر أم لا ؟ وهو الموجود فی أخبارنا»(1) .

وقال فی الخلاف « من استحلّ عمل السحر فهو کافر ووجب قتله بلا خلاف ، ومن لم یستحلّه وقال : هو حرام ، إلاّ أنّی أستعمله کان فاسقاً لا یجب قتله ، وبه قال أبوحنیفه والشافعی . وقال مالک : الساحر زندیق إذا عمل السحر وقوله « لا استحلّه » غیر مقبول ، ولا

تقبل توبه الزندیق عنده . وقال أحمد بن حنبل وإسحاق : یُقتل الساحر ولم یتعرضا لکفره . وقد روی ذلک أیضاً أصحابنا . دلیلنا : أنّ الأصل حقن الدماء ومن أباحها یحتاج إلی شرع ودلیل ... ویدلّ علی صحه ما قلناه ما روی عنه صلی الله علیه و آله وسلم أنّه قال : اُمرت أن اُقاتل الناس حتّی یقولوا « لا إله إلاّ اللّه » ، فإذا قالوها عصموا بها منّی دماءهم وأموالهم إلاّ بحقِّها ... »(2) .

« إذا قال : أنا أعرف السحر واُحسّنه لکنّی لا أعمل به ، لا شیء علیه . وبه قال الشافعی وأبوحنیفه . وقال مالک : هذا زندیق ، وقد اعترف بذلک فوجب قتله ولا تقبل توبته . دلیلنا : أنّ الأصل براءه الذمه وحقن دمه ، ومن أباحه فعلیه الدلاله»(3) .

أقول : هل یمکن الحکم بکفر الساحر بمحض تعلّم السحر وعمله أم لا ؟ الظاهر - واللّه العالم - عدم إمکان الحکم بکفره ، بمعنی أنّه صار مرتداً بمحض تعلّم السحر وعمله ، ولا یجری علیه أحکام الإرتداد من وجوب قتله وبینونه زوجته وتقسیم أمواله بین ورثته ، بل حیث أقرّ بالشهادتین فهو مسلم ویجری علیه أحکام الإسلام .

وما ورد فی بعض الروایات - نحو مرسله الرضی الماضیه عن أمیر المؤمنین علیه السلام أنّه قال : الساحر کالکافر والکافر فی النار الخطبه(4) - فلا تدلّ علی کفره لإرسال سندها ولحرف التشبیه الظاهر فی الغیریه .

فالساحر إذا أقر بالشهادتین حکم بإسلامه ولکنّه کافر معنویاً وباطناً لا حکماً

ص:232


1- (4) المبسوط 7 / 260 .
2- (1) الخلاف 5 / 329 . المسأله 15 .
3- (2) الخلاف 5 / 331 . المسأله 17 .
4- (3) نهج البلاغه . الخطبه 79 .

ظاهریاً ، نحو ما ورد فی الروایات من الحکم بکفر تارک الصلاه ، حیث أنّ الشارع أمر بالصلاه ونهی عن السحر وعمله وتعلّمه ، وکلّ من ترک أمر الشارع أو عمل بنهیه فهو کمن أنکره ویلزمه الکفر المعنوی والباطنی ، فما ورد من الحکم بکفر الساحر(1) یحمل علی هذا المعنی الذی ذکرناه .

تنبیه : إذا استحلّ السحر وعمله وتعلّمه مع علمه بحرمته فی الشریعه المقدسه وعلم أن مرجع هذا الإستحلال إلی إنکار النبی صلی الله علیه و آله وسلم ، یحکم بکفره کمن أنکر غیره من الضروریات . ولکن إذا لم یستحلّه وذهب إلی حرمته أو لم یعلم بأن مرجع هذا الإستحلال إلی

إنکار النبی صلی الله علیه و آله وسلم وشریعته ، لا طریق لنا إلی الحکم بکفره المصطلح أعنی الإرتداد .

الفرع التاسع : حدّ الساحر

قال المحقق : « من عمل بالسحر یُقتل إن کان مسلماً ویؤدّب إن کان کافراً»(2) .

وقال العلامه بعد تعریف السحر وأثره : « ... فمن عمل بالسحر قُتِلَ إن کان مسلماً واُدِّب إن کان کافراً من غیر أن یُقْتل ، والأقرب أنّه لا یکفر بتعلّمه وتعلیمه محرّماً ، ولو استحلّه فالوجه الکفر . والسحر الذی یجب به القتل هو ما یُعدّ فی العرف سحراً ، کما نقل الاُموی فی مغازیه : أنّ النجاشی دعا السواحر فنفخن فی ... »(3) .

قال سید الریاض بعد نقل کلام المحقق : « بلا خلاف فتویً ونصّاً ... ثمّ قال بعد صفحه : ثمّ إنّ مقتضی إطلاق النص والفتوی بقتله عدم الفرق فیه بین کونه مستحلاًّ له أم لا ، وبه صرح بعض الأصحاب(4) ، وحکی آخر من متأخری المتأخرین(5) قولاً بتقییده بالأوّل ، ووجهه غیر واضح بعد إطلاق النص المنجبر ضعفه _ بعد الاستفاضه _ بفتوی الجماعه وعدم الخلاف

ص:233


1- (4) نحو خبر أبی البختری عن جعفر بن محمد علیه السلام عن أبیه علیه السلام أنّ علیاً علیه السلام قال : من تعلّم من السحر قلیلاً أو کثیراً فقد کفر وکان آخر عهده بربّه ، الحدیث . [وسائل الشیعه 17/ 148 ح 7] .
2- (1) شرائع الاسلام 4 / 154 .
3- (2) تحریر الأحکام الشرعیه 5 / 397 المسأله 6939 .
4- (3) الروضه البهیه 9 / 195 .
5- (4) مفاتیح الشرائع 2 / 102 .

فیه بینهم أجده ، ولم أرحاکیاً له غیره»(1) .

وقال صاحب الجواهر بعد کلام المحقق : « بلا خلاف أجده فیه ... _ ثمّ قال بعد صفحه : _ ثمّ إنّ إطلاق النص والفتوی یقتضی عدم الفرق بین مستحل وغیره ، فما عن بعض المتأخرین من القول بإختصاصه بالأوّل لم نتحققه ، وعلی تقدیره غیر واضح الوجه»(2) .

وقال المحقق الخوئی قدس سره : « من دون خلاف فی الجمله ...»(3) .

أقول : تدلّ علی حدِّ الساحر عدّه من الروایات :

منها : معتبره السکونی عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : قال رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم : ساحر المسلمین یُقتل وساحر الکفار لا یُقتل ، فقیل : یا رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم ولم لا یُقتل ساحر الکفار ؟ قال : لأنّ الکفر أعظم من السحر ، ولأنّ السحر والشرک مقرونان(4) .

ومنها : موثقه عمرو بن خالد عن زید بن علی عن أبیه علیه السلام عن آبائه علیهم السلام عن علی علیه السلام قال : سئل رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم عن الساحر فقال : إذا جاء رجلان عدلان فشهدا علیه فقد حلّ دمه(5) .

وهذه الموثقه مطلقه تشمل ساحر المسلمین والکفار ، ومعتبره السکونی تقیّدها .

ومنها : موثقه أو حسنه إسحاق بن عمار عن جعفر علیه السلام عن أبیه علیه السلام أنّ علیّاً علیه السلام کان یقول : من تعلّم شیئاً من السحر کان أخر عهده بربّه ، وحده القتل إلاّ أن یتوب ، الحدیث(6) .

هذه الروایه تدلّ علی أنّ حدّ متعلِّم السحر هو القتل ، ولا بأس بأخذها ، والمراد بتوبته فی آخر الحدیث ترکه للتعلّم .

ومنها : مصححه زید الشحام عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : الساحر یُضرب بالسیف

ص:234


1- (5) ریاض المسائل 16 / 58 و 59 .
2- (6) الجواهر 41 / 442 و 443 .
3- (7) مبانی تکمله المنهاج 1 / 266 .
4- (8) وسائل الشیعه 28 / 365 ح 1 . الباب 1 من أبواب بقیه الحدود والتعزیرات .
5- (1) وسائل الشیعه 28 / 367 ح 1 . الباب 3 من أبواب بقیه الحدود والتعزیرات .
6- (2) وسائل الشیعه 28 / 367 ح 2 .

ضربهً واحدهً علی رأسه(1) .

قد مرّ تصحیح سندها فی أدله حرمه السحر .

ومنها : خبر أبی البختری عن جعفر بن محمد علیه السلام عن أبیه علیه السلام أن علیاً علیه السلام قال : من تعلّم شیئاً من السحر قلیلاً کان أو کثیراً فقد کفر ، وکان آخر عهده بربّه ، وحدّه أن یقتل إلاّ أن یتوب(2) .

وهذه الروایات کماتری مطلقه بالنسبه إلی مستحلِّ السحر وغیره ، وهکذا مطلقه بالنسبه إلی من اتخذ السحر حرفهً وشغلاً وبین من عمل السحر مره أو مرات .

ومن الواضح خروج من عمل لحلّ السحر ودفع المتنبیء ونحوهما من الحکم بکفره معنویاً وجریان حدّ القتل علیه ، والتفصیل یطلب من کتاب الحدود . واللّه العالم .

الفرع العاشر : هل یؤثر السحر فی النبی صلی الله علیه و آله وسلم والإمام علیه السلام أم لا ؟

وردت أخبار من طرق الفریقین فی تأثیر السحر فی النبیّ صلی الله علیه و آله وسلم :

منها : ما رواه فرات بن إبراهیم الکوفی فی تفسیره بإسناده عن أمیر المؤمنین علیه السلام أنّه قال : سحر لبید بن أعصم الیهودی واُمّ عبداللّه الیهودیه رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم فی عقد من قزٍّ أحمر

وأخضر وأصفر ، فعقدوه له فی إحدی عشر عقده ثم جعلوه فی جف من طلع _ قال یعنی قشور اللوز _ ثمّ أدخلوه فی بئر بوادٍ فی المدینه فی مراقی البئر تحت راعوفه _ یعنی الحجر الخارج _ فأقام النبی صلی الله علیه و آله وسلم ثلاثاً لا یأکل ولا یشرب ولا یسمع ولا یبصر ولا یأتی النساء ، فنزل علیه جبرئیل علیه السلام ونزل معه بالمعوذتین [ بالمعوذات ] فقال له : یا محمد ما شأنک ؟ قال : ما أدری أنا بالحال الذی تری ، فقال : إنّ أمّ عبد اللّه ولبید بن أعصم سحراک وأخبره بالسحر وحیث هو ، ثمّ قرأ جبرئیل علیه السلام : «بِسْمِ اللّه ِ الرَّحْمَنِ الرَّحِیمِ * قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ» ، فقال رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم ذلک فانحلت عقده ، ثمّ لم یزل یقرأ آیه ویقرأ النبی صلی الله علیه و آله وسلم وتنحل عقده حتّی أقرأها علیه إحدی عشره آیه وانحلت إحدی عشره عقده ، وجلس النبی صلی الله علیه و آله وسلم ودخل

ص:235


1- (3) وسائل الشیعه 28 / 366 ح 3 .
2- (4) وسائل الشیعه 17 / 148 ح 7 .

أمیر المؤمنین علیه السلام فأخبره بما جاء به جبرئیل وقال : إنطلق فأتنی بالسحر ، فخرج علیٌّ فجاء به ، فأمر به رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم فنقض ثمّ تفل علیه ، وأرسل إلی لبید بن أعصم واُمّ عبد اللّه الیهودیه فقال : ما دعاکم إلی ما صنعتم ؟ ثمّ دعا رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسلم علی لبید وقال : لا أخرجک اللّه من الدنیا سالماً . قال : وکان مؤسراً کثیر المال ، فمرّ به غلام یسعی وفی اُذنه قرط قیمته دینار ، فجاذبه فخرم اُذن الصبی فاُخذ وقطعت یده فمات من وقته(1) .

ورویت نظائرها فی دعائم الاسلام 2 / 138 ح 487 وطب الائمه / 113 و 114 ونقل عنهما فی بحار الانوار 60 / 23 و 24 (24 / 248) والبحرانی فی البرهان 5 / 813 و 814 ومستدرک الوسائل 13 / 107 ح 7 و108 ح 8 و109 ح 9 .

وأمّا من طریق العامه : فروی نظائرها فی الدر المنثور 6 / 417 وغیره .

ونقل عنهم الشیخ فی الخلاف عدّه من الروایات فی ذلک ، ولکن قال بعد نقلها : « وهذه أخبار آحاد لا یُعمل علیها فی هذا المعنی »(2) .

وقال فی تفسیره : « ولا یجوز أن یکون النبی صلی الله علیه و آله وسلم سُحِرَ علی ما رواه القصّاص الجهال ، لأنّ من یوصف بأنّه مسحور فقد خبل عقله ، وقد أنکر اللّه تعالی ذلک فی قوله : «إِذْ یَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً»(3) ، ولکن قد یجوز أن یکون بعض الیهود اجتهد فی ذلک فلم یقدر علیه ، فأطلع اللّه نبیّه علی ما فعله حتّی استخرج ما فعلوه من التمویه ، وکان دلاله علی صدقه ومعجزه له »(4) .

وقد ذکر مثل هذا البیان الطبرسی فی مجمع البیان مع زیاده ، وهی : « وکیف یجوز أن یکون المرض من فعلهم ، ولو قدروا علی ذلک لقتلوه وقتلوا کثیراً من المؤمنین مع شدّه عداوتهم له»(5) .

ص:236


1- (235 1) تفسیر فرات الکوفی / 619 ح 774 ونقل عنه فی بحار الأنوار 60 / 22 ح 15 (24 / 247) .
2- (2) الخلاف 5 / 329 .
3- (3) سوره الاسراء / 47 _ ونحوها فی سوره الفرقان / 8 .
4- (4) التبیان 10 / 434 .
5- (1) مجمع البیان 10 / 568 .

قال الفخر الرازی : « إنّ المعتزله أنکروا ذلک بأسرهم ، قال القاضی هذه الروایه باطله »(1) .

وأنکره منّا _ مضافاً إلی الشیخ والطبرسی _ العلامه الحلی فی منتهی المطلب(2) والشیخ البحرانی فی الحدائق(3) والشیخ جعفر فی شرح القواعد(4) وتلمیذه السید العاملی فی مفتاح الکرامه(5) .

وأنکر العلامه المجلسی وقوعه وقال : « وإن لم یقم برهان علی امتناعه إذا لم ینته إلی حدٍّ یخلّ بغرض البعثه کالتخبیط والتخلیط ... »(6) .

أقول : إن البرهان قائم علی امتناع تأثر النبی من السحر ، لأن عامه الناس إذا رأوا تأثیر سحر الساحر علی النبی وأعماله ، لم یبق لهم إطمئنان ولا اعتماد علی أقواله وأعماله ومایبلّغ من الوحی ، لأنّ من الممکن عندهم أنّ یکون الساحر سحره فی نفس الآن والحین ، ونفس هذا الاستدلال یکفی فی امتناع تأثر النبی من السحر ، وأشار إلی هذا الاستدلال جدنا الفقیه الشیخ جعفر فی شرحه للقواعد(7) .

فلا یلتفت إلی ما احتمله فی البحار(8) وتبعه صاحب الجواهر(9) قدس سرهما .

والحاصل ، أنه لا یجوز تأثر النبی صلی الله علیه و آله وسلم من السحر مطلقاً ، أی من دون فرق بین تأثیر

ص:237


1- (2) التفسیر الکبیر 32 / 187 .
2- (3) منتهی المطلب 2 / 1014 .
3- (4) الحدائق 18 / 181 .
4- (5) شرح القواعد 1 / 247 .
5- (6) مفتاح الکرامه 12 / 239 .
6- (7) بحار الأنوار 60 / 41 (24 / 261) .
7- (8) شرح القواعد 1 / 247 .
8- (9) بحار الانوار 60 / 41 (24 / 261) .
9- (10) الجواهر 22 / 88 .

السحر فی جسمه الشریف أو فی عقله أو حدوث ما تنفر منه الطباع أو غیر ذلک کما علیه

الأعلام المذکورون رحمه اللّه علیهم أجمعین . وهذا تمام الکلام فی السحر وفروعه ، والحمد للّه العالم بإحکامه .

ص:238

الشعوذه

موضوعها وحکمها :

قال ابن منظور : « الشعوذه : خفه فی الید وأخذ کالسحر ، یُری الشیء بغیر ما هو علیه أصله فی رأی العین ... »(1) .

وحیث یأتی تعریفها وحکمها فی کلمات الفقهاء ، نذکر لک بعضها مع وضوح تعریفها وموضوعها الیوم عند العرف بحیث أنّ الکلّ یعرفها ، وهی المعبَّر عنها فی لغه الفرس ب_ « تردستی » و « چشم بندی » .

1 _ عدّها الشیخ فی عداد المکاسب المحرّمه وقال : « وکذلک التکسب بالکِهانه والقیافه والشَعْبَذَهِ وغیر ذلک محرَّم محظور»(2) .

2 _ وعدّها ابن إدریس من المکاسب المحرّمه وقال : « والکهانه والشعبذه والحیل المحرَّمه وما أشبه ذلک ... »(3) .

3 _ وکذا عدّها فی المکاسب المحرّمه المحقق فی کتابیه : الشرائع(4) والمختصر النافع(5) .

4 _ وقال العلامه الحلی : « والشعبذه حرام ، وهی الحرکات السریعه جداً بحیث یخفی علی الحس الفرق بین الشیء وشبهه لسرعه انتقاله من الشیء إلی شبهه»(6) .

ص:239


1- (1) لسان العرب 3 / 495 .
2- (2) النهایه / 366 .
3- (3) السرائر 2 / 218 .
4- (4) الشرائع 2 / 10 .
5- (5) المختصر النافع / 117 .
6- (6) تذکره الفقهاء 12 / 145 .

وذکر نحوها فی القواعد(1) والإرشاد(2) والتحریر مع زیاده الحکم بأخذ الاُجره علیها وقال : « هی حرام وکذا الاُجره علیها»(3) . وفی المنتهی(4) نفی الخلاف عن تحریمها .

5 _ وألحقها الشهید بالسحر وقال : « ویلحق به الشعبذه ، وهی الأفعال العجیبه المترتبه علی سرعه الید بالحرکه فیلتبس علی الحسّ»(5) .

6 _ وقال ثانی الشهیدین : « عرّفوها بأنّها الحرکات السریعه التی یترتب علیها الأفعال العجیبه ، بحیث یلتبس علی الحس الفرق بین الشیء وشبهه ، لسرعه الانتقال منه إلی شبهه»(6) .

ثم جاء فی هامشه : « إنّما قال عرّفوها لینبّه علی تمریض التعریف ، فإنّ الظاهر من حال الشعبذه أنّه خلاف ما عرّفوه _ منه رحمه الله »(7) .

7 _ والمحقق الأردبیلی عرّفها بالتعریف المشهور ثمّ قال : « وهو حرام بلا خلاف»(8) .

8 _ والفیض الکاشانی أیضاً ادعی نفی الخلاف فی حرمتها(9) .

9 _ وقال المحدث البحرانی بعد ذکر تعریفها المشهور : « وقد صرح فی المنتهی بنفی الخلاف عن التحریم ، والظاهر أنّه لا دلیل سواه ، فإنّی لم أقف بعد التتبع علی خبر یدلّ علی ذلک»(10) .

أقول : والعجب من هذا المحدث الخبیر کیف غفل عن مرسله أبی منصور الطبرسی

ص:240


1- (7) قواعد الأحکام 2 / 9 .
2- (8) إرشاد الأذهان 1 / 375 .
3- (9) تحریر الأحکام الشرعیه 2 / 261 .
4- (10) منتهی المطلب 2 / 1014 .
5- (1) الدروس 3 / 164 .
6- (2) المسالک 3 / 129 .
7- (3) المسالک 3 / 129 .
8- (4) مجمع الفائده 8 / 81 .
9- (5) مفاتیح الشرائع 2 / 23 .
10- (6) الحدائق 18 / 185 .

المذکوره فی الاحتجاج ، حیث سأل الزندیق عن الصادق علیه السلام : فأخبرنی عن السحر ما أصله ؟ .....قال علیه السلام : إنّ السحر علی وجوه شتی وجه منها : بمنزله الطب ... ونوع آخر منه خطفه وسرعه ومخاریق وخفه ، الحدیث(1) .

وهذا النوع الأخیر ینطبق علی الشعبذه بلا ریب .

10 _ وقال الشیخ جعفر بعد الحکم بتحریمها : « لإجماع المنتهی وللحوقها بالباطل عند العاقل ، فتحرم للخبر ولأنّها .... ثمّ ذکر تعریفها من القواعد وقال : فیحکم الرائی لها بخلاف الواقع ، وتدخل فی باب الإغراء بالجهل والتدلیس والتلبیس ، ولما فیها من القبح الزائد علی قبح الملاهی ، والاشتغال بها من أعظم اللهو»(2) .

أقول : لعل مراد الجد قدس سره من الخبر ما ورد عن الأئمه علیهم السلام فی إیکال أمر حرمه الغناء والشطرنج ونحوهما إلی أنّهما ونحوهما من الباطل فصارت حراماً نحو : موثقه زراره عن أبی عبد اللّه علیه السلام حیث سُئل عن الشطرنج وعن ... ؟ فقال علیه السلام : أرأیتک إذا میّز اللّه الحقّ والباطل مع أیّهما تکون ؟ قال : مع الباطل ، قال : لا خیر فیه(3) .

ومثلها معتبره الریان بن الصلت حیث سأل عن الرضا علیه السلام عن الغناء ... فقال : إذا میز اللّه الحقّ والباطل فأین یکون الغناء ؟ فقال : مع الباطل ، فقال علیه السلام : قد حکمت(4) .

11 _ وقال سید الریاض بعد تعریفها المشهور : « ولا خلاف فی تحریمه کما عن المنتهی»(5) .

12 _ والفاضل النراقی ذکرها من المکاسب المحرّمه فی المستند ، وقال بعد تعریفها المشهور : « وعن الدروس نفی الخلاف فی تحریمه»(6) .

ص:241


1- (7) الإحتجاج 2 / 339 .
2- (8) شرح القواعد 1 / 260 .
3- (1) وسائل الشیعه 17 / 319 ح 5 . الباب 102 من أبواب ما یکتسب به .
4- (2) وسائل الشیعه 17 / 306 ح 14 . الباب 99 من أبواب ما یکتسب به .
5- (3) ریاض المسائل 8 / 169 .
6- (4) مستند الشیعه 14 / 117 .

أقول : لم أجد هذا القول فی الدروس .

13 _ قال السید العاملی فی المفتاح : « وقد نص علی حرمتها فی النهایه والسرائر والشرائع والنافع والتحریر والتذکره والإرشاد والدروس واللمعه وسائر ما تأخر ، وعن المنتهی أنّه لا خلاف فیه ، فلا وجه للتأمل فیه بعد الإجماع المنقول بل المعلوم ، إذ لم نجد مخالفاً مع قربها من السحر ، وقد ألحقها به الشهید فی الدروس»(1) .

14 _ وقال صاحب الجواهر : « الشعبذه المحرّمه بالإجماع المحکی والمحصَّل وبالدخول تحت الباطل والإغراء والتدلیس واللهو وغیرها ، بل لعلّها مِن السحر علی بعض الوجوه ... »(2) .

15 _ وقال تلمیذه السید علی آل بحر العلوم : « وممّا یحرم التکسب به أیضاً الشعبذه ، ولم یتعرض لها فی جمله مِنْ کتب اللغه ، والمستفاد من المعترض لها أنّها إراءه شبه الشیء أشیاء من غایه سرعه الحرکه ، ووافقته کلمات الأصحاب فی تفسیرها ، ولم أجد مخالفاً فی حرمتها .

وعن المنتهی لا خلاف فیه ، وفی مفتاح الکرامه وجواهر الاُستاد الإجماع علیه ، ولعلّه کذلک ، خصوصاً إن قلنا بأنّها مِن السحر ، کما یعطیه خبر الإحتجاج المتقدم فی السحر المتضمن لقوله : « ونوع آخر منه خطفه وسرعه ومخاریق وخفه» ، فتشملها حینئذ مضافاً إلی ذلک نصوصه ، وتحصیل ملکتها لا یکون إلاّ بتکرر العمل کصیروره الإنسان بریداً ، فلا مورد هنا لجواز تعلّمها لا للعمل»(3) .

16 _ وقال الشیخ الأعظم : « الشعبذه حرام بلا خلاف ... ویدلّ علی الحرمه بعد الإجماع - مضافاً إلی أنّه من الباطل واللهو - دخوله فی السحر فی الروایه المتقدمه عن الإحتجاج المنجبر وَهْنَها بالإجماع المحکی وفی بعض التعاریف المتقدمه للسحر ما یشملها»(4) .

ص:242


1- (5) مفتاح الکرامه 12 / 268 .
2- (6) الجواهر 22 / 94 .
3- (1) برهان الفقه . کتاب التجاره / 32 . الطبع الحجری .
4- (2) المکاسب المحرمه / 34 الطبع الحجری (1 / 274) .

17 _ وذهب إلی الحرمه الفقیه السبزواری ، ولکن قال بعد الإستدلال لها : « والمتیقَّن من الدلیل ما إذا لم یکن فیها غرض صحیح شرعی ، وإلاّ فمقتضی الأصل الإباحه ، بعد عدم شمول الدلیل لهذه الصوره أو الشک فی الشمول ، کما لا تشمل الآثار السریعه الحادثه من الآلات الکهربائیه ونحوها»(1) .

أقول : بعد وضوح موضوع الشعبذه عند العرف ، تری أنّ الأصحاب حکموا لها بحرمتها قدیماً وحدیثاً ، وغایه ما یمکن الإستدلال علی حرمتها اُمورٌ نتعرض لها :

أدله حرمه الشعوذه :

الأوّل : الإجماع

قد ادعی العلامه الحلی فی المنتهی(2) عدم الخلاف فی حرمتها ، والمحقق الأردبیلی(3) والفیض الکاشانی(4) وسید الریاض(5) ، ونقله الفاضل النراقی(6) عن الدروس ولکن لم یوجد

فیه ، والشیخ الأعظم(7) .

ثمّ عدم الخلاف بُدّل بالإجماع فی کلام الشیخ جعفر(8) وتلمیذیه السید العاملی(9) وصاحب الجواهر(10) .

وحیث یرجع هذا الإجماع ، إلی عدم الخلاف الوارد فی کلام العلامه الحلی فقط ، لم

ص:243


1- (3) مهذب الأحکام 16 / 105 .
2- (4) منتهی المطلب 2 / 1014 .
3- (5) مجمع الفائده والبرهان 8 / 81 .
4- (6) مفاتیح الشرائع 2 / 23 .
5- (7) ریاض المسائل 8 / 169 .
6- (8) مستند الشیعه 14 / 117 .
7- (1) المکاسب المحرمه / 34 (1 / 274) .
8- (2) شرح القواعد 1 / 260 .
9- (3) مفتاح الکرامه 12 / 268 .
10- (4) الجواهر 22 / 94 .

یثبت به الإجماع ولکن ما وجدنا أحداً من الأصحاب تعرض للشعبذه إلاّ حکم بحرمتها .

نعم ، بعض المعاصرین قد نفی الحرمه عنها وحکموا بإباحتها ، ویأتی التعرض لأسامیهم المبارکه .

والحاصل : لم یثبت بعدم خلاف العلامه الإجماع ، هذا أوّلاً .

وثانیاً : علی فرض ثبوته یمکن أن یکون مدرکیاً ، لاحتمال استناده إلی الوجوه الآتیه .

الثانی : مرسله الإحتجاج

حیث قال الصادق علیه السلام فی وجوه السحر : « ونوع آخر منه : خطفه وسرعه ومخاریق وخفه» ، الحدیث(1) .

بتقریب : أنّها تنطبق علی الشعبذه ، فحکم بحرمتها وتلحق بالسحر حکماً .

ویمکن أن یقال : ألحقها الإمام علیه السلام بالسحر موضوعاً لتطرق حکم السحر علیها وهی الحرمه .

لا یقال : الروایه مرسله سنداً ، لا یمکن الاعتماد علیها .

لأنا نقول : نعم هی مرسله ولکن فتوی المشهور علی طبقها یجبر ضعف سندها وإرسالها .

الثالث : الشعبذه من الباطل

الشعبذه من الباطل عرفاً ، والباطل حرام فی الشریعه المقدسه ، فهی من المحرّمات الشرعیه . لا إشکال فی ثبوت الصغری ، وقد دلّت علی الکبری موثقه زراره(2) ومعتبره الریان بن الصلت(3) الماضیتان آنفاً . فقد تمّ الاستدلال .

الرابع : أنّها من اللهو

الشعبذه من اللهو ، واللهو حرام ، فهی من المحرَّمات .

وفیه : أوّلاً : منع الصغری بأنّها لیست من اللهو دائماً إذا ترتب علیها غرض

ص:244


1- (5) الإحتجاج 2 / 340 .
2- (6) وسائل الشیعه 17 / 319 ح 5 .
3- (7) وسائل الشیعه 17 / 306 ح 14 .

عقلائی صحیح .

وثانیاً : منع الکبری : بأنه لیس کلّ لهو بحرام ، بل الحرام منه قسم خاص .

الخامس : أنّها تدخل فی السحر

الشعبذه تدخل فی السحر ، لأنّه یشملها بعض التعاریف الوارده فی السحر ، نحو : کلّ أمر یختفی سببها ویتخیل علی غیر حقیقته ، وألحقها الإمام علیه السلام بالسحر فی مرسله الاحتجاج الماضیه .

وفیه : الشعبذه غیر السحر فی اللغه والعرف ، لأنّ الشعبذه هی إیجاد الشیء بأسبابه العادیه ولکن بالسرعه والخفه اللتان هما قوام الشعبذه ، فهی غیر السحر الذی یحدث بأسباب غیر عادیه . وعلی هذا تعریف السحر لا ینطبق علی الشعبذه ، وإلحاقها به فی کلام الإمام علیه السلام إمّا بالعنایه والمجاز وإمّا بجریان حکم السحر علیها .

والحاصل ، حیث تمّ عندنا الدلیل الثانی والثالث - أعنی مرسله الاحتجاج وأنّها من الباطل - فیمکن القول بحرمتها وفاقاً للمشهور وخلافاً للمحقق الخوئی ، حیث ناقش فی جمیع الأدله فی مصباح الفقاهه(1) ونتیجتها الحکم بالإباحه وتلمیذیه شیخنا الاُستاذ(2) والفقیه القمی(3) _ مدظلهما _ ، وناقش فی بعض الأدله المحقق الإیروانی(4) والفقیه الأردکانی(5) قدس سرهما . کما ناقشنا البعض . ولکن بعضها الاُخری تامه ، وتبعیهُ المشهورِ والحکم بالحرمه اُولی وأحوط ، واللّه سبحانه هو العالم .

ص: 245


1- (1) مصباح الفقاهه 1 / 298 .
2- (2) ارشاد الطالب 1 / 168 .
3- (3) عمده المطالب 1 / 234 .
4- (4) حاشیه المکاسب 1 / 173 .
5- (5) غنیه الطالب 1 / 136 .

الغَشّ

اشاره

والبحث فیه یقع فی جهات :

الجهه الأولی : موضوع الغش

لیس للغش حقیقه شرعیّه ولا عند المتشرعه ، فلابدّ من تعیین موضوعه إلی مراجعه اللغه والعرف ، فنذکر بعض کلمات اللغویین والفقهاء حتّی تبیّن الموضوع :

قال الزمخشری : « غ ش ش : ما نصحتُ أحداً إلاّ استغشّنی واغتشّنی ، قال :

ألارُبَّ مَن تغتشُّه لک ناصح ومؤتمن بالغیب غیر أمین

... ورجلٌ غاشٌ من قوم غَشَشَهٍ وغَشّاشه ، وتقول : ما هم إلاّ قوم غَشّاشه ، أیدیهم بالخیانه رشَّاشه ، وطعام فلان مغشوش أعلاه یابس وأسفله مرشوش ، ما لقیته إلاّ غِشاشاً وعلی غِشاش ... »(1) .

قال ابن منظور : « غشش : الغِشُّ : نقیض النُّصح ، وهو مأخوذ من الغَشَش المَشْرَب الکِدِر ، أنشد ابن الأعرابی :

ومَنْهَل تروی به غیر غَشَشْ

أی غیر کدر ولا قلیل ، قال : ومن هذا الغشُّ فی البیاعات ... وقد غَشَّه یَغُشُّه غِشَاً : لم یَمْحَضه النصیحه ، وشیءٌ مَغْشوش . ورجلٌ غُشَّ : غاشٌّ ، والجمع غُشّون ... »(2)

قال الفیومی : « غَشَّهُ : غَشّاً من باب قَتَلَ والإسم وغِشٌّ بالکسر : لم یَنْصَحْهُ وزَیَّنَ له غیر المصلحه ، ولَبَنٌ مغشوشٌ مخلوطٌ بالماء»(3) .

ص:246


1- (1) أساس البلاغه / 324 .
2- (2) لسان العرب 10 / 74 .
3- (3) المصباح المنیر / 447 .

قال الفیروزآبادی : « غَشَهُ : لم یُمحِضْه النُصح أو أظهر له خلاف ما أضمر کَغَشَّشَه ، والغِشُّ بالکسر الإسم منه والغِلُّ والحِقدُ ، ورجلٌ غَشّ بالفتح : عظیم السُّرّهِ وبالضّم الغاشّ جمعه غُشون ، والمغشوش الغیر الخالص ، والغشش محرکه الکِدر المشوب ... »(1) .

وقال الطریحی : « غشش : المغشوش : الغیر الخالص ... »(2) .

وقال فی المنجد : « غَشَّهُ _ُ غَشّاً وغَشَّشه : أظهر له خلاف ما أضمره وزیّن له غیر المصلحه . خدعه ، أغَشَّهُ : أوقعه فی الغِش ، ... الغِشّ : اسم من الغَشّ ، الحقد ، الخیانه ، سواد القلب ، عبوس الوجه ، الکدر فی کل شیءٍ .

الغُش جمعه غُشُّون ، والغاش جمعه غَشَشَه وغشّاش : الذی یَغُشّ الناس»(3) .

وقال الشیخ جعفر کاشف الغطاء : « الغشّ بالفتح مصدر وبالکسر اسمٌ ، والأوّل ألصق بما بعده وأوفق بتعلّق الحکم وترتّب الملک بإدخال الأدنی فی الأعلی ، أو المطلوب فی غیره ، أو بالعکس من المجانس وغیره ، أو تعمّد ما یظهر الصنعه الملیحه ویخفی القبیحه فیدخل التدلیس لیتوفّر رغبه المستام بما یخفی حاله فیظنّ کماله فیغریه بالجهل بفعله الخالی عن الاحتمال والمصلحه بل المشتمل علی المفسده ، کما لو أغراه بقوله ، ویکون ساعیاً فی ضرره بإخفاء خبره ... »(4) .

وقال النراقی : « الغش خلاف النصح والخلوص أو إظهار خلاف ما أضمر ، وحصوله فی المعاملات إنّما یکون إذا کان فی المبیع نقص ورداءه وله صور ... »(5) .

والإیروانی یقول : « الغش ستر ما لا یرغب فیه فیما یرغب فیه طلباً للزیاده فی المعامله»(5) .

ص:247


1- (4) قاموس اللغه / الطبع الحجری ذیل مادته .
2- (1) مجمع البحرین / 341 .
3- (2) المنجد / 579 .
4- (3) شرح القواعد 1 / 208 .
5- (4) مستند الشیعه 14 / 169 .(4) حاشیه المکاسب 1 / 174 .

وقال المحقق الخوئی فی تعریفه : « کونه (أی کون الغش) بمعنی الکدر والخدیعه والخیانه ، ویُعبّر عنه فی لغه الفرس بکلمه (گول زدن) ، ولا یتحقق ذلک إلاّ بعلم الغاش وجهل المغشوش ، فإذا کلاهما عالمین بالواقع أو جاهلین به أو کان الغاش جاهلاً والمغشوش عالماً انتفی مفهوم الغش»(1) .

أقول : تلک عشره کامله من کلمات اللغویین والفقهاء فی هذا الباب ، ویظهر منها أنّ للغش معنی عرفی یرجع إلی إخفاء العیب والنقص وتغطیتهما أو تخلیط الردیء بالجید

والمشوب بالخالص ونحوها طلباً للزیاده فی المعامله وسوء الاستفاده من جهل المشتری بالنسبه إلیه .

فظهر ممّا ذکرنا عدم تمامیه ما ذکره المحقق الإیروانی من أنّ الغش لایکون محرّماً بعنوانه بل هو محرّم بالعناوین الثانویه من الکذب ، أو أنّه أکل للمال بلارضی صاحبه(2) ، لأنّ الخطابات الشرعیه وردت فی الغش وظاهرها حرمته بنفسه لا بعنوان آخر کما هو واضح .

الجهه الثانیه : أقسامه

للغش أنواع کثیره ذکر بعضها شیخنا آیه اللّه الشیخ محمد علی الأراکی فی ما کتبه من تقریرات اُستاذه الحائری قدس سرهما ، قال : « فاعلم أنّ الغش خلاف النصح وتزیین خلاف المصلحه ، وهو علی أنحاءٍ :

1 _ فقد یکون بالمزج ، إمّا للصنف الردیء فی الصنف الجید ، أو لغیر الجنس فی الجنس ، کالتراب فی الحنطه والماء فی اللبن .

2 _ وقد یکون بإخفاء العیب ، إمّا بستره بساتر مثل ستر صفره لون البشره بالتحمیر ، أو بالسکوت عنه وعدم إظهاره ، أو بالتصدی للبیع فی مکان ظلمانی یحجب العیب لظلمته .

ص:248


1- (6) مصباح الفقاهه 1 / 300 .
2- (1) حاشیه المکاسب 1 / 174 .

3 _ وقد یکون بإظهار الصفه الجیده المفقوده واقعاً ، إمّا بوصفه بها کذباً ، أو بإحداث شیء فیه یوهم کونه علی خلاف جنسه ، کإعطاء الممّوه مکان الذهب أو الفضه أو بغیر ذلک ، ویسمی هذا القسم بالتدلیس .

4 _ وقد یکون بإحداث أمر لیزید فی کمّ المتاع ، مثل بلّ الطعام لیصیر أکثر وزناً ، ووضع الإبریسم والتتن والجلد فی الندی لیکتسب الثقل .

5 _ ثمّ إمّا أن یکون الغش ظاهراً أعنی قابلاً لأن یطلّع علیه بتوسط إحدی الحواس الخمسه الظاهره مثل خلط مدوّر الحبّه مِنْ الاُرز فی طویلها حیث یمکن فهمه بالباصره واللامسه وهکذا .

6 _ وإما أن یکون خفیّاً غیر محسوس بها ، وحینئذ إما أن یمکن الإطلاع علیه بالإختبار أو الاستعلام من أهل الإطلاع غیر البائع وإمّا أن ینحصر طریق الإطلاع فی إعلام

البائع کمزج الماء القلیل فی اللبن .

1 _ وعلی التقادیر : إمّا أن یکون الغش بفعل البائع لفرض التلبیس والإغفال علی المشتری ، وإمّا أن لا یکون کذلک : إمّا بحصوله إتفاقاً کورود ماء المطر فی اللبن مِنْ غیر اختیاره ، أو بحصوله بفعله لغرض صحیح أو بحصوله بفعل غیره .

2 _ وعلی التقدیر الثانی : إمّا أن یکون للمبیع صوره موهمه لخلاف الواقع وإمّا أن یکون له صوره مشترکه بین الصحیح والمعیب ، مثل الحیوان الغیر المبصر فی اللیل .

3 _ وعلی جمیع التقادیر : إمّا أن یخبر البائع بالصحه والسلامه من العیب علی وجه یعتمد المشتری ، وإمّا أن یکتفی بالسکوت وعدم الإظهار .

فهذه ثمان عشره صوره»(1) .

أقول : وقد قسّم الفاضل النراقی الغش فی المستند(2) بأکثر ممّا قسّمه المؤسس الحائری فراجعه ، ویظهر حکم هذه الصور فی طیّ البحث إنْ شاء اللّه تعالی .

ص:249


1- (1) المکاسب المحرمه / 126 و 125 .
2- (2) مستند الشیعه 14 / 169 و 170 .

الجهه الثالثه : أقوال الأصحاب قدس سرهم

قال المفید : « والغش فی کلِّ متجر وصناعه حرام»(1) .

وقال الطوسی : « وکلّ شیء غُش فیه فالتجاره فیه والتکسب به بالبیع والشراء وغیر ذلک حرامٌ محظورٌ»(2) .

وقال ابن إدریس : « ویحرم ... والغش فی جمیع الأشیاء»(3) .

وذهب الی الحرمه المحقق فی الشرائع(4) والنافع(5) .

وقال العلامه الحلی : « الغش والتدلیس محرمان»(6) ، وذهب فی المنتهی(7) إلی عدم الخلاف فی حرمته ، وفی القواعد(8) والتحریر(9) والإرشاد(10) ذهب إلی حرمته .

والشهید فی الدروس(11) واللمعه(12) والمحقق الثانی فی جامع المقاصد(13) والشهید الثانی فی المسالک(14) والروضه(15) والأردبیلی فی مجمع الفائده(16) ، والبحرانی فی الحدائق

ص:250


1- (3) المقنعه / 590 .
2- (4) النهایه / 365 .
3- (5) السرائر 2 / 216 .
4- (6) الشرائع 2 / 10 .
5- (7) المختصر النافع / 117 .
6- (8) تذکره الفقهاء 12 / 142 .
7- (9) منتهی المطلب 2 / 1012 الطبع الحجری .
8- (10) قواعد الأحکام 2 / 8 .
9- (11) تحریر الأحکام الشرعیه 2 / 260 .
10- (12) إرشاد الأذهان 1 / 357 .
11- (1) الدروس الشرعیه 3 / 163 .