البضاعةالمزجاة: شرح كتاب الروضه من الكافي المجلد 2

هویة الکتاب

سرشناسه : قارياغدي، محمدحسين، توشيحگر

عنوان قراردادي : الكافي. روضه. شرح

عنوان و نام پديدآور : البضاعةالمزجاة: شرح كتاب الروضه من الكافي/ محمدحسين قارياغدي ؛ تحقيق حميد الاحمدي الجلفائي.

مشخصات نشر : قم: موسسه دارالحديث العلميه والثقافيه، مركز للطباعه والنشر؛ تهران: كتابخانه٬ موزه و مركز اسناد مجلس شوراي اسلامي،1430ق.= 1388 -

مشخصات ظاهري : ج.

فروست : الشروح والحواشي علي الكافي؛ 14.

مركز بحوث دارالحديث؛ 156.

مجموعه آثارالموتمرالدولي الذكري ثقةالاسلام الكليني(ره)؛ 24 ، 25

شابك : دوره: 978-964-493-329-5 ؛ 70000 ريال: ج. 1 : 978-964-493-319-6

يادداشت : عربي.

يادداشت : كتاب حاضر شرحي بر كتاب "اصول الكافي" تاليف "محمدبن يعقوب كليني" است.

يادداشت : كتابنامه.

عنوان ديگر : شرح كتاب الروضه من الكافي.

موضوع : كليني، محمد بن يعقوب - 329ق. . الكافي. روضه -- نقد و تفسير

موضوع : احاديث شيعه -- قرن 4ق.

شناسه افزوده : احمدي جلفايي، حميد، 1357 -

شناسه افزوده : كليني، محمد بن يعقوب - 329ق. . الكافي. روضه. شرح

شناسه افزوده : ايران. مجلس شوراي اسلامي. كتابخانه، موزه و مركز اسناد

شناسه افزوده : دار الحديث. مركز چاپ و نشر

رده بندي كنگره : BP129/ك8ك240216 1388

رده بندي ديويي : 297/212

شماره كتابشناسي ملي : 1852989

ص: 1

اشاره

مرکز البحوث

موسسة دارالحديث العلمیة الثقافیة

ص: 2

البضاعَةُ الْمُزْجَاةُ

(شرح کتاب الروضة من الكافي)

مُحَمَّدْ حُسَيْنُ بْنُ قَارُ يَا غَدِي

(م 1089 ق.)

المجلد الثانی

تَحْقِيقُ

حَمِيدِ الْأَحْمَدِي الْجُلْفَائِيِّ

مجموعة آثار المؤتمر الدولي لذكرى الشيخ ثقة الإسلام الكليني - ٢٤

ص: 3

البضاعة المزجاة /

محمد حسين بن قارياغدي

تحقيق : حميد الأحمدي الجلفائي

الإخراج الفنى : محمد كريم صالحي ، مجيد بابكي

الناشر : دار الحديث للطباعة والنشر

الطبعة : الأولى ، ١٤٢٩ ق / ١٣٨٧ ش

المطبعة : دار الحديث

الكمية : ؟؟؟؟

الثمن : ؟؟؟؟

دار الحديث للطباعة والنشر

مؤسسة دار الحديث العلمية الثقافية

دارالحديث للطباعة والنشر : قم ، شارع معلّم ، قرب ساحة الشهداء ، الرقم ١٢٥

الهاتف : ٠٢١٧٧٤١٦٥٠ - ٠٢٥١٧٧٤٠٥٢٣ ص ب : ٤٤٦٨ / ٣٧١٨٥

hadith@hadith.net

http://www.hadith.net

ص: 4

ص: 1

ص: 2

ص: 3

ص: 4

متن الحديث الثامن والعشرين

اشارة

[بسم اللّه الرحمن الرحيم]

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى، عَنْ يُونُسَ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللّهِ عليه السلام ، قَالَ:

«إِنَّ مَوْلًى لأمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام سَأَلَهُ مَالاً، فَقَالَ: يَخْرُجُ عَطَائِي، فَأُقَاسِمُكَ هُوَ. فَقَالَ: لَا أَكْتَفِي، وَخَرَجَ إِلى مُعَاوِيَةَ، فَوَصَلَهُ، فَكَتَبَ إِلى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام يُخْبِرُهُ بِمَا أَصَابَ مِنَ الْمَالِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام :

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ مَا فِي يَدِكَ مِنَ الْمَالِ قَدْ كَانَ لَهُ أَهْلٌ قَبْلَكَ، وَهُوَ صَائِرٌ إِلى أَهْلِهِ (1) بَعْدَكَ، وَإِنَّمَا لَكَ مِنْهُ مَا مَهَّدْتَ لِنَفْسِكَ، فَآثِرْ نَفْسَكَ عَلى صَلَاحِ وُلْدِكَ، فَإِنَّمَا أَنْتَ جَامِعٌ لأحَدِ رَجُلَيْنِ: إِمَّا رَجُلٌ عَمِلَ فِيهِ بِطَاعَةِ اللّهِ، فَسَعِدَ (2) بِمَا شَقِيتَ بِهِ (3) ، وَإِمَّا رَجُلٌ عَمِلَ فِيهِ بِمَعْصِيَةِ اللّهِ فَشَقِيَ (4) بِمَا جَمَعْتَ لَهُ، وَلَيْسَ مِنْ هذَيْنِ أَحَدٌ بِأَهْلٍ أَنْ تُؤْثِرَهُ عَلى نَفْسِكَ، وَلَا تُبَرِّدَ لَهُ عَلى ظَهْرِكَ، فَارْجُ لِمَنْ مَضى رَحْمَةَ اللّهِ، وَثِقْ لِمَنْ بَقِيَ بِرِزْقِ اللّهِ».

شرح الحديث

السند مرسل، أو ضعيف .

قوله عليه السلام : (يخرج عطائي) ؛ لعلّ إضافة العطاء إلى نفسه بأدنى ملابسة . والمراد بالخروج الحصول والوصول .

ص: 5


1- .في الطبعة الجديدة وجميع النسخ التي قوبلت فيها والبحار، ج 41 ، ص 117: «أهل» .
2- .في الحاشية عن بعض النسخ: «فيسعد».
3- .في النسخة: «به» مرمّز ب «خ»، ولم يرد في الطبعتين.
4- .في الحاشية عن بعض النسخ: «فيشقى».

(فاُقاسمك هو) .

يُقال : قاسمه الشيء، إذا أخذ كلّ قِسمةٍ . والضمير المرفوع نائب مناب المنصوب، ومرجعه العطاء ، وقيام بعض الضمائر مقام بعض شائع ذائع ، وصرّح بجوازه أهل العربيّة ، وبهذا ظهر فساد ما قيل من أنّ الظاهر : «فاُقاسمك»، ولعلّه تصحيف . (1) انتهى .

وقوله : (فوصله) أي أعطاه مالاً .

وقوله : (مهّدتَ) .

في الصحاح: «تمهيد الأمر: إصلاحهُ» . (2)

وقوله : (فآثر نفسك) بمدّ الألف، من الإيثار، وهو الاختيار ؛ أي اختر صلاح نفسك في كسب المال وجمعه وإنفاقه .

(على صلاح وُلدك) .

فلا تتجاوز في كسبه وجمعه حدّ الاقتصاد، وما تعيش به في حياتك؛ فإنّك إن جمعته لهم ، (فإنّما أنت جامع) ما جمعته من المال (لأحد رَجلين) أي لأحد صنفين من أصناف الوَرَثَة. وهذا كالتعليل للإيثار .

(إمّا رجل) بالرفع على أنّه خبر مبتدأ محذوف ؛ أي أحدهما رجل. وجرّه على أنّه بدل تفصيليّ من «رجلين» احتمال .

وعلى التقديرين كلمة «إمّا» هذه ليست بعاطفة، بل جيء بها للتنبيه على الشكّ في أوّل الكلام؛ إذ لو كانت عاطفة لما تقدّمت على المعطوف، وإنّما العاطفة «إمّا» الثانية .

وأنكر بعض النحاة كون الثانية أيضا للعطف؛ مستدلّاً بدخول الواو العاطفة عليها ، فلو كانت هي أيضا للعطف يلزم إيراد عاطفين معا، فيكون أحدهما لغوا .

واُجيب بأنّ الواو الداخلة على «إمّا» الثانية لعطفها على «إمّا» الاُولى، وإمّا الثانية لعطف ما بعدها على ما بعد الاُولى، ففيها فائدة اُخرى .

ص: 6


1- .الظاهر أنّ الشارح رحمه الله قد أشار بهذا إلى قول العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 169 ، لكن أخطأ في ذلك ؛ لأنّ ما أثبت العلّامة رحمه الله في المتن هو : «فاُقاسمك» ، ثمّ استظهره «فاُقاسمكه» واحتمل أنّه تصحيف . ويحتمل أنّ الشارح رحمه الله قد رأى في نسخة من المرآة _ التي كانت عنده _ كما نقله ، واللّه العالم .
2- .الصحاح ، ج 2 ، ص 541 (مهد) مع اختلاف في الألفاظ .

(عمل فيه) أي فيما جمعت له .

(بطاعة اللّه ) ؛ بإنفاقه فيها .

(فسعد بما شقيت به) . (1)

الباء في الموضعين للسببيّة . أمّا سعادة ذلك الرجل فلأنّه أصاب مالاً بلا كسب ومشقّة وكدٍّ، وهو سعادة الدنيا؛ وأنفقه في الطاعة، وهو سعادة العُقبى؛ فجمع به بين السعادتين . وأمّا شقاء مَن جَمَع له فظاهرٌ إن جَمَع من الحرام، أو من الحلال ولم يخرج حقوقه، بل وإن أخرجها أيضا؛ لأنّه ضيّع أوقاته في جمع ما لا حاجة له إليه، ويرى ثوابه في ميزان غيره مع ما له من العقاب على بعض الوجوه .

وقوله : (وليس من هذين) أي من ذينك الرجلين .

(أحدٌ بأهل أن تؤثره على نفسك) ؛ كأنّه ناظر إلى الأوّل من شقّي الترديد .

وقوله : (ولا تُبرّد له على ظَهرك) ناظر إلى الثاني منهما .

قال الجوهري : البرد: نقيض الحرّ. وقد برد الشيء _ بالضمّ _ وبردته أنا، فهو مبرود. وبرّدته تبريدا . ولا يُقال: أبردته إلّا في لغةٍ رديئة. وسقيته شربةً بردتُ فؤاده، تبرده بَرْدا . وقولهم : لا تبرد عن فلان ؛ أي إن ظلمك فلا تشتمه، فتنقص من إثمه . ويقال : ما برد لك على فلان ؛ أي ما ثبت ووجب. وبرد لي عليه كذا من المال، ولي عليه ألفٌ بارد، وسموم بارد؛ أي ثابت لا يزول . (2)

وفي القاموس: «عيشٌ باردٌ؛ أي هنيء» . (3)

وفي النهاية : «الصوم في الشتاء غنيمة باردة ؛ أي لا تعب فيه ولا مشقّة، وكلّ محبوب عندهم بارد» انتهى . (4)

والظاهر أنّ «لا تبرّد» عطف على «تؤثره». و«لا» مزيدة لتأكيد النفي .

قيل : والمعنى: ليس أحد هذين بأهل أن تثبت له مالاً أو ثِقلاً أو وزرا على ظهرك . (5) وكأنّ

ص: 7


1- .في كلتا الطبعتين ومعظم نسخ الكافي : _ «به».
2- .الصحاح ، ج 2 ، ص 445 و 446 (برد) مع تلخيص .
3- .القاموس المحيط ، ج 1 ، ص 277 (برد) .
4- .النهاية ، ج 1 ، ص 115 (برد) .
5- .قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 404 .

مراد هذا القائل أنّ «لا تبرّد» من البرد بمعنى الثبوت والوجوب والغنيمة الثابتة المستقرّة .

وأنت خبير بعد ما تلونا عليك من كلام أهل اللغة أنّ البرد بهذا المعنى لازم، وتوجيه هذا القائل إنّما يصحّ على تقدير كونه متعدّيا، وليس، فليس. فالصواب أن يُراد بالبرد أو التبريد إيصال الخفض والدعة وإزالة المشقّة ؛ يعني لا تحمل له على ظهرك التعب والمشقّة ، وتوريثه ليستريح هو، ويحصل لك مع المشقّة في الدنيا العقوبة في العقبى.

وفي نهج البلاغة: «ولا [أن] تحمل له على ظهرك». وفي بعض نسخه: «وتحمل» بدون «لا». (1) قال بعض شارحيه: «لا تحمل، عطف على «تؤثره»؛ أي وأن لا تحمل ثقلاً لأجله على ظهرك». (2) (فارجُ لمن مضى) من أولادك، أو مطلق أقاربك. (رحمة) نصب على المفعول من «ارج». وقوله: (ثِق) أمر من الوثوق، وهو الإتيان والاعتماد.

متن الحديث التاسع والعشرين (كلام عليّ بن الحسين عليه السلام )

اشارة

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى؛ وَ (3) عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ جَمِيعا، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ غَالِبٍ الْأَسَدِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، قَالَ:

كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عليه السلام يَعِظُ النَّاسَ، وَيُزَهِّدُهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَيُرَغِّبُهُمْ فِي أَعْمَالِ الْاخِرَةِ بِهذَا الْكَلَامِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه و آله ، وَحُفِظَ عَنْهُ، وَكُتِبَ، كَانَ يَقُولُ:

«أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّقُوا اللّهَ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، فَتَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ فِي هذِهِ الدُّنْيَا مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرا، «وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدا بَعِيدا وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ» . (4)

وَيْحَكَ يَا ابْنَ آدَمَ الْغَافِلَ، وَلَيْسَ بِمَغْفُولٍ عَنْهُ! يَا (5) ابْنَ آدَمَ إِنَّ أَجَلَكَ أَسْرَعُ شَيْءٍ إِلَيْكَ، قَدْ أَقْبَلَ

ص: 8


1- .اُنظر : نهج البلاغة ، ص 549 ، الكلام 416 .
2- .نقله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 404 و 405، ولم نعثر على قائله.
3- .في السند تحويل بعطف طبقتين على طبقتين .
4- .آل عمران (3) : 30 .
5- .في الطبعة الجديدة ومعظم النسخ التي قوبلت فيها و شرح المازندراني والأمالي للصدوق ، ص 503 ، المجلس 76 ، ح 1 : _ «يا» .

نَحْوَكَ حَثِيثا يَطْلُبُكَ، وَيُوشِكُ أَنْ يُدْرِكَكَ، وَكَأَنْ قَدْ أَوْفَيْتَ أَجَلَكَ، وَقَبَضَ الْمَلَكُ رُوحَكَ، وَصِرْتَ إِلى قَبْرِكَ وَحِيدا، فَرَدَّ إِلَيْكَ فِيهِ رُوحَكَ، وَاقْتَحَمَ عَلَيْكَ (1) مَلَكَانِ: نَاكِرٌ وَنَكِيرٌ ؛ لِمُسَاءَلَتِكَ، وَشَدِيدِ امْتِحَانِكَ.

أَلَا وَإِنَّ أَوَّلَ مَا يَسْأَلَانِكَ عَنْ رَبِّكَ الَّذِي كُنْتَ تَعْبُدُهُ، وَعَنْ نَبِيِّكَ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكَ، وَعَنْ دِينِكَ الَّذِي كُنْتَ تَدِينُ بِهِ، وَعَنْ كِتَابِكَ الَّذِي كُنْتَ تَتْلُوهُ، وَعَنْ إِمَامِكَ الَّذِي كُنْتَ تَتَوَلَاهُ، ثُمَّ عَنْ عُمُرِكَ فِيمَا كُنْتَ (2) أَفْنَيْتَهُ، وَمَالِكَ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبْتَهُ، وَفِيمَا (3) أَنْفَقْتَهُ، فَخُذْ حِذْرَكَ، وَانْظُرْ لِنَفْسِكَ، وَأَعِدَّ الْجَوَابَ قَبْلَ الأْتِحَانِ وَالْمُسَاءَلَةِ وَالأْتِبَارِ؛ فَإِنْ تَكُ مُؤْمِنا عَارِفا بِدِينِكَ ، مُتَّبِعا لِلصَّادِقِينَ ، مُوَالِيا لِأَوْلِيَاءِ اللّهِ، لَقَّاكَ اللّهُ حُجَّتَكَ، وَأَنْطَقَ لِسَانَكَ بِالصَّوَابِ، وَأَحْسَنْتَ الْجَوَابَ، وَبُشِّرْتَ بِالرِّضْوَانِ وَالْجَنَّةِ مِنَ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَاسْتَقْبَلَتْكَ الْمَلَائِكَةُ بِالرَّوْحِ وَالرَّيْحَانِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ كَذلِكَ تَلَجْلَجَ لِسَانُكَ، وَدُحِضَتْ حُجَّتُكَ، وَعَيِيتَ عَنِ الْجَوَابِ، وَبُشِّرْتَ بِالنَّارِ، وَاسْتَقْبَلَتْكَ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ بِنُزُلٍ مِنْ حَمِيمٍ، وَتَصْلِيَةِ جَحِيمٍ.

وَاعْلَمْ يَا ابْنَ آدَمَ، أَنَّ مِنْ وَرَاءِ هذَا أَعْظَمَ وَأَفْظَعَ وَأَوْجَعَ لِلْقُلُوبِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، «ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ» (4) ، يَجْمَعُ اللّهُ _ عَزَّ وَجَلَّ _ فِيهِ الْأَوَّلِينَ وَالْاخِرِينَ، ذلِكَ يَوْمٌ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، وَتُبَعْثَرُ فِيهِ الْقُبُورُ، وَذلِكَ يَوْمُ الْازِفَةِ؛ «إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ» (5) ، وَذلِكَ يَوْمٌ لَا تُقَالُ فِيهِ عَثْرَةٌ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ أَحَدٍ فِدْيَةٌ، وَلَا تُقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ مَعْذِرَةٌ، وَلَا لأحَدٍ فِيهِ مُسْتَقْبَلُ تَوْبَةٍ، لَيْسَ إِلَا الْجَزَاءُ بِالْحَسَنَاتِ، وَالْجَزَاءُ بِالسَّيِّئَاتِ، فَمَنْ كَانَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ عَمِلَ فِي هذِهِ الدُّنْيَا مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ وَجَدَهُ، وَمَنْ كَانَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ عَمِلَ فِي هذِهِ الدُّنْيَا مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ شَرٍّ وَجَدَهُ.

فَاحْذَرُوا أَيُّهَا النَّاسُ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي مَا قَدْ نَهَاكُمُ اللّهُ عَنْهَا، وَحَذَّرَكُمُوهَا فِي كِتَابِهِ الصَّادِقِ، وَالْبَيَانِ النَّاطِق.

فَلَا (6) تَأْمَنُوا مَكْرَ اللّهِ وَتَحْذِيرَهُ وَتَهْدِيدَهُ عِنْدَ مَا يَدْعُوكُمُ الشَّيْطَانُ اللَّعِينُ إِلَيْهِ مِنْ عَاجِلِ

ص: 9


1- .في كلتا الطبعتين للكافي : + «فيه» .
2- .في الطبعة الجديدة وأكثر النسخ التي قوبلت فيها والوافي: - «كنت» .
3- .في الطبعة القديمة : + «أنت» .
4- .هود (11) : 103 .
5- .غافر (40) : 18 .
6- .في حاشية النسخة عن بعض النسخ وفي كلتا الطبعتين للكافي: «و لا».

الشَّهَوَاتِ وَاللَّذَّاتِ فِي هذِهِ الدُّنْيَا؛ فَإِنَّ اللّهَ _ عَزَّ وَجَلَّ _ يَقُولُ: «إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ» . (1)

وَأَشْعِرُوا قُلُوبَكُمْ خَوْفَ اللّهِ، وَتَذَكَّرُوا مَا قَدْ وَعَدَكُمُ اللّهُ فِي مَرْجِعُكُمْ إِلَيْهِ مِنْ حُسْنِ ثَوَابِهِ، كَمَا قَدْ خَوَّفَكُمْ مِنْ شَدِيدِ الْعِقَابِ؛ فَإِنَّهُ مَنْ خَافَ شَيْئا حَذِرَهُ، وَمَنْ حَذِرَ شَيْئا تَرَكَهُ.

وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْغَافِلِينَ الْمَائِلِينَ إِلى زَهْرَةِ الدُّنْيَا، الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ؛ فَإِنَّ اللّهَ يَقُولُ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ: «أَ فَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ» (2) ، أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ.

فَاحْذَرُوا مَا حَذَّرَكُمُ اللّهُ بِمَا فَعَلَ بِالظَّلَمَةِ فِي كِتَابِهِ، وَلَا تَأْمَنُوا أَنْ يُنْزِلَ بِكُمْ بَعْضَ مَا تَوَاعَدَ بِهِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فِي الْكِتَابِ.

وَاللّهِ (3) لَقَدْ وَعَظَكُمُ اللّهُ فِي كِتَابِهِ بِغَيْرِكُمْ؛ فَإِنَّ السَّعِيدَ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ، وَلَقَدْ أَسْمَعَكُمُ اللّهُ فِي كِتَابِهِ مَا قَدْ فَعَلَ بِالْقَوْمِ الظَّالِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْقُرى قَبْلَكُمْ، حَيْثُ قَالَ: «وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً» ، وَإِنَّمَا عَنى بِالْقَرْيَةِ أَهْلَهَا، حَيْثُ يَقُولُ: «وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْما آخَرِينَ» (4) ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: «فَلَمّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ» (5) ؛ يَعْنِي يَهْرُبُونَ.

قَالَ: «لاتَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ» (6) فَلَمَّا أَتَاهُمُ الْعَذَابُ «قالُوا يا وَيْلَنا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ * فَما زاَلَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتّى جَعَلْناهُمْ حَصِيدا خامِدِينَ» (7) ، وَايْمُ اللّهِ إِنَّ هذِهِ عِظَةٌ لَكُمْ، وَتَخْوِيفٌ إِنِ اتَّعَظْتُمْ وَخِفْتُمْ.

ثُمَّ رَجَعَ الْقَوْلُ مِنَ اللّهِ فِي الْكِتَابِ عَلى أَهْلِ الْمَعَاصِي وَالذُّنُوبِ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: «وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ» (8) ، فَإِنْ قُلْتُمْ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللّهَ _ عَزَّ وَجَلَّ _ إِنَّمَا عَنى بِهذَا أَهْلَ الشِّرْكِ، فَكَيْفَ ذلِكَ، وَهُوَ يَقُولُ: «وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئا وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ» (9) .

ص: 10


1- .الأعراف (7) : 201 .
2- .النحل (16) : 45 .
3- .في حاشية النسخة عن بعض النسخ: «تاللّه ».
4- .الأنبياء (21) : 11 .
5- .الأنبياء (21) : 12 .
6- .الأنبياء (21) : 13 .
7- .الأنبياء (21) : 14 و 15 .
8- .الأنبياء (21) : 46 .
9- .الأنبياء (21) : 47 .

اعْلَمُوا عِبَادَ اللّهِ أَنَّ أَهْلَ الشِّرْكِ لَا يُنْصَبُ لَهُمُ الْمَوَازِينُ، وَلَا يُنْشَرُ [لَهُمُ] الدَّوَاوِينُ، وَإِنَّمَا يُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ زُمَرا، وَإِنَّمَا نَصْبُ الْمَوَازِينِ وَنَشْرُ الدَّوَاوِينِ لأهْلِ الْاءِسْلَامِ.

فَاتَّقُوا اللّهَ عِبَادَ اللّهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ _ عَزَّ وَجَلَّ _ لَمْ يُحِبَّ زَهْرَةَ الدُّنْيَا وَعَاجِلَهَا لأحَدٍ مِنْ أَوْلِيَائِهِ، وَلَمْ يُرَغِّبْهُمْ فِيهَا وَفِي عَاجِلِ زَهْرَتِهَا وَظَاهِرِ بَهْجَتِهَا، وَإِنَّمَا خَلَقَ الدُّنْيَا وَخَلَقَ أَهْلَهَا لِيَبْلُوَهُمْ فِيهَا أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً لِاِخِرَتِهِ، وَايْمُ اللّهِ لَقَدْ ضَرَبَ لَكُمْ فِيهِ الْأَمْثَالَ، وَصَرَّفَ الْايَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، وَلَا قُوَّةَ إِلَا بِاللّهِ.

فَازْهَدُوا فِيمَا زَهَّدَكُمُ اللّهُ _ عَزَّ وَجَلَّ _ فِيهِ مِنْ عَاجِلِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا؛ فَإِنَّ اللّهَ _ عَزَّ وَجَلَّ _ يَقُولُ وَقَوْلُهُ الْحَقُّ: «إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهارا فَجَعَلْناها حَصِيدا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْاياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» . (1)

فَكُونُوا عِبَادَ اللّهِ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ يَتَفَكَّرُونَ، وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الدُّنْيَا؛ فَإِنَّ اللّهَ _ عَزَّ وَجَلَّ _ قَالَ لِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه و آله : «وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّارُ» . (2)

وَلَا تَرْكَنُوا إِلى زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا رُكُونَ مَنِ اتَّخَذَهَا دَارَ قَرَارٍ وَمَنْزِلَ اسْتِيطَانٍ؛ فَإِنَّهَا دَارُ بُلْغَةٍ، وَمَنْزِلُ قُلْعَةٍ، وَدَارُ عَمَلٍ.

فَتَزَوَّدُوا الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ فِيهَا قَبْلَ تَفَرُّقِ أَيَّامِهَا، وَقَبْلَ الْاءِذْنِ مِنَ اللّهِ فِي خَرَابِهَا، فَكَانَ قَدْ أَخْرَبَهَا الَّذِي عَمَرَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَابْتَدَأَهَا، وَهُوَ وَلِيُّ مِيرَاثِهَا.

فَأَسْأَلُ اللّهَ الْعَوْنَ لَنَا وَلَكُمْ عَلى تَزَوُّدِ التَّقْوى وَالزُّهْدِ فِيهَا، جَعَلَنَا اللّهُ وَإِيَّاكُمْ مِنَ الزَّاهِدِينَ فِي عَاجِلِ زَهْرَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، الرَّاغِبِينَ لآِجِلِ ثَوَابِ الْاخِرَةِ، فَإِنَّمَا نَحْنُ بِهِ وَلَهُ، وَصَلَّى اللّهُ عَلى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَآلِهِ، وَسَلَّمَ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ».

شرح الحديث

السند مجهول . قوله : (يعظ الناس) ؛ الوعظ والعِظة: النصح . والاسم: الموعظة. والفعل كوَعَدَ .

ص: 11


1- .يونس (10) : 24 .
2- .هود (11) : 113.

وقيل : الوعظ: الأمر بالطاعة والوصيّة بها . وقيل : هو تذكير مشتمل على زجر وتخويف، وحَمْل على طاعة اللّه بلفظ يرقّ له القلب (1).

وقوله : (فتجد كلّ نفس) إلى آخره ، إشارة إلى قوله تعالى : «يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدا بَعِيدا وَيُحَذِّرُكُمْ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ» (2).

قال البيضاوي : «يَوْمَ» منصوب ب «تَوَدُّ» ؛ أي يتمنّى كلّ نفس يومَ تجد صحائف أعمالها، أو جزاء أعمالها من الخير والشرّ حاضرة، لو أنّ بينها وبين ذلك اليوم وهَوْله «أَمَدا بَعِيدا» . أو بمضمرٍ، نحو اُذكر . و «تَوَدُّ» حال من الضمير في «عملت»، أو خبر ل «مَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ» . و«تجد» مقصور على «مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ» . ولا تكون «ما» شرطيّة؛ لارتفاع «تودّ»، وقرئ: «ودّت» ، وعلى هذا تصحّ أن تكون شرطيّة، ولكنّ الحمل على الخبر أوقع معنى؛ لأنّه حكاية كائن، وأوفق للقراءة المشهورة . انتهى (3).

وقيل : التقدير في قوله : «وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ» ؛ أي «محضرا» حذف للاختصار، ولدلالة العطف وما بعده عليه . و«من» مزيدة للمبالغة في عموم الخير والسوء لجميع الأفراد وإن صغر .

وقوله : «تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدا بَعِيدا» استئناف، أو حال عن فاعل «عملت» . و«لو» للتمنّي، وللمبالغة فيه. وضمير التأنيث للنفس، وضمير التذكير ل «يوم»، أول «سوء» على احتمال (4). إلى هاهنا كلام القائل .

وعلى ما ذكره البيضاوي فلا حذف في قوله : «وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ» .

«وَيُحَذِّرُكُمْ اللّهُ نَفْسَهُ» ؛ فلا تتعرّضوا لسخطه بمخالفة أحكامه وأوليائه، وموالاة أعدائه .

وهو تهديد عظيم مُشعر بتناهي المنهيّ عنه في القبح، وذكر «النفس» ليعلم أنّ المحذّر منه عقاب يصدر منه، فلا يؤوبه دونه بما يحذّر من الكفرة .

ص: 12


1- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 405
2- آل عمران (3) : 30
3- تفسير البيضاوي، ج 2 ، ص 26 و 27
4- .قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 405

(ويحك (1) ابن آدم الغافل)؛ منصوب على أنّه صفة ابن آدم ؛ أي الغافل عمّا يُراد منه ويفعل به .

(وليس بمغفول عنه) ؛ لعلمه تعالى بما يصدر عنه ، بل بما يخطر بباله ، مع أنّ عليه من الحافظين كراما كاتبين، يعملون ما يفعل .

(إنّ أجلك أسرعُ شيء إليك) .

في القاموس: «الأجل، محرّكة: غاية الوقت في الموت، ومدّة الشيء» (2) والظاهر هنا المعنى الأوّل . وقيل : الثاني ، كالمسافة للأوّل، والإنسان يقطعها بأقدام الآنات والأنفاس، فبمرور كلّ آنٍ ونَفَسٍ يقرب منه، وليس شيء أسرع من مرورهما (3).

وقوله : (حثيثا) أي مُسرِعا حريصا .

(ويوشِك أن يدركك) أي الأجل؛ لأنّ الطالب السريع في الزمان اليسير والمسافة القليلة كان قريب الوصول وسريع الحصول .

وفيه تذكير للموت، وترغيب فيما ينفع من العمل لما بعده آنا فآنا، لئلّا تكون ميتة على غير عُدّة .

(وكأن قد أوفيتَ أجلك) .

الظاهر أنّ «كأن» مخفّف «كأنّ». واحتمال كونه من الأفعال الناقصة بعيد .

و«أوفيت» على بناء الفاعل، أو المفعول . قال الفيروزآبادي : «وفى الشيء: تمّ وكثر . وأوفى فلانا حقّه: أعطاه وافيا . وأوفيت القوم: أتيتهم . وأوفى عليه: أشرف» (4).

(وقبض المَلك روحَك) .

«ملك» بفتح اللّام؛ أي ملك الموت. أو بكسرها؛ أي ملك الملوك تعالى شأنه (5).

وقوله : (وحيدا) أي متفرّدا بلا رفيق ولا أنيس من معارفك وأقربائك . يُقال : رجلٌ وَحَدٌ

ص: 13


1- في المتن الذي ضبطه الشارح رحمه اللهسابقا : + «يا»
2- القاموس المحيط ، ج 3 ، ص 327 (أجل)
3- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 406
4- القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 401 (وفي)
5- قال المحقّق المازندراني رحمه الله : «إمّا بسهولة ، أو بصعوبة باعتبار التفاوت في الإيمان والأخلاق والأعمال ، ولا يبعد أن يجعل هذا وجه الجمع بين الروايات المختلفة في صعوبة قبض الروح وسهولته»

وأحَدٌ _ محرّكتين _ ووحيدٌ ومتوحّد؛ أي متفرّد .

(فردّ إليك فيه) أي في القبر (روحك).

(واقتحم) أي دخل فجأةً، أو عُنقا . يُقال : اقتحم النهر ؛ أي دخله . واقتحم المنزل، إذا هجمه .

(عليك (1) مَلكان: ناكرٌ ونكير) عطف بيان، أو بدل من ملكين .

والمشهور فيهما: مُنكرٌ ونكير . قال في القاموس: «مُنكر ونكير: فتّانا القبور»(2) وقال : «فَتَنه يَفْتِنُهُ: أوقعه في الفتنة . والفتّان: اللصّ ، ومنكر ونكير» (3).

وقوله : (امتحانك) أي اختبارك في العقائد والأعمال .

وقوله : (ثمّ عن عُمُرك فيما أفنيته) إلى آخره .

في بعض النسخ: «فيما كنت أفنيته» . وفيه دلالة على أنّه يسأل في القبر عن الأعمال أيضا .

(فخُذ حِذْرك) .

في القاموس: «الحِذر، بالكسر، ويُحرّك: الاحتراز» (4) وقال الزمخشري في قوله تعالى : «خُذُوا حِذْرَكُم» : (5).

الحِذر والحَذَر بمعنى، كالإثر والأثَر . يُقال : أخذ حذره، إذا تيقّظ واحترز من المخوف، كأنّه جعل الحذر آلتَهُ التي يقي بها نفسه، ويعصم بها رُوحَه . انتهى (6).

وظاهر أنّه لا يحصل ذلك إلّا بمحاسبة النفس قبل الموت، وحملها على فعل ما ينبغي، وترك ما لا ينبغي ، كما أشار إليه بقوله : (وانظر لنفسك) إلى آخره .

النظر، محرّكة: الفكر في الشيء يقدّره ويقيسه، والفعل منه كنصر.

وكان ذكر الاختبار بعد الامتحان للمبالغة والتأكيد .

وقيل : فيه إشعار بأنّ سؤالهما إنّما هو للاختبار والامتحان، والتنبيه على الخطأ والصواب؛

ص: 14


1- في الطبعتين للكافي : + «فيه»
2- القاموس المحيط ، ج 2 ، ص 148 (فتن)
3- القاموس المحيط ، ج 2 ، ص 255 (فتن)
4- القاموس المحيط ، ج 2 ، ص 6 (حذر)
5- .النساء (4) : 71 و102
6- تفسيرالبيضاوي ، ج 3 ، ص 302 (مع اختلاف يسير)

ليترتّب عليه الثواب أو العقاب ، وقد جرى قضاء اللّه تعالى وحكمته على اختبار الخلائق في بَدوِ التكليف إلى أن يستقرّوا في دار القرار أو البوار (1).

وقوله : (لقّاك اللّه حجّتك) أي استقبل بها إليك، ولقّنها، وأفاضها عليك، وألهمكَ إيّاها .

وفي القاموس : «لقّاه الشيء: ألقاه إليه. «وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ» (2). : يُلقى إليك وحيا من اللّه » (3).

والحجّة: البرهان . والمراد هنا العقائد الحقّة، والأعمال الصالحة .

وقوله : (وأحسنتَ الجواب) .

قال الجوهري : «هو يُحسِنُ الشيء؛ أي يَعْلَمُهُ» (4).

(وبُشّرت بالرضوان) .

البشارة والبُشرى: الخبر السارّ . والمراد بالرضوان رضاء اللّه وجنّته . قال الجوهري : «بشّرني بوجهٍ حَسَنٍ؛ أي لقيني. [هو] حَسَنُ البِشر : طَلِقُ الوجه» (5) . وقال : «الرِضوان: الرضا، وكذلك الرُّضْوان بالضمّ . ورضيت عنه رضى _ مقصورٌ _ مصدر محض . والاسم: الرضاء، ممدود» (6). انتهى .

وقيل : الرضا والرضوان _ بالكسر والضمّ _ ضدّ السخط ، إلّا أنّ الرضا لغة أهل الحجاز، والرضوان لغة قيس وتميم (7).

وقوله : (بالرَّوح والريحان) .

في القاموس: «الروح، بالضمّ: ما به حياة الأنفس، والوحي، وحكم اللّه وأمره . وبالفتح: الراحة، والرحمة، ونسيم الرِّيح . وبالتحريك: السعة . والريحان: نبت طيّب الرائحة والرزق» (8).

وقال الجوهري : «رَوحٌ وريحان؛ أي رحمةٌ ورزق» (9).

ص: 15


1- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 407
2- .النمل (27) : 6
3- القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 386 (لقي)
4- الصحاح ، ج 5 ، ص 2099 (حسن)
5- .الصحاح ، ج 2 ، ص 590 (بشر)
6- .الصحاح ، ج 6 ، ص 2357 (رضا) مع تلخيص
7- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 407 و 408
8- القاموس المحيط ، ج 1 ، ص 224 (روح) مع التلخيص
9- الصحاح ، ج 1 ، ص 368 (روح)

وأقول : إن قرئ هنا «الروح» بالضمّ، فالمراد الحياة الأبديّة، وحكمه تعالى بالبقاء والسعادة .

وقوله : (تلجلج لسانُك، ودُحضت حجّتُك) .

التلجلج: التردّد في الكلام . ودحضت الحجّة _ كمنع _ دحوضا؛ أي بطلت .

(وعَييتَ) بصيغة الخطاب؛ أي عجزت .

(عن الجواب) .

في القاموس: «عَييَ بالأمر _ كرضي _ : لم يهتدِ لوجه مراده، أو عجز عنه ، ولم يطق إحكامه . وعَيِيَ في المنطق _ كرضي _ عيّا: حَصَرَ» (1).

(وبُشّرتَ بالنّار) من باب التهكّم .

وقوله : (بنُزُلٍ من حميم، وتَصلية جحيم) .

النُّزُل، بالضمّ وبضمّتين: ما هُيّئ للضيف أن ينزل عليه، والطعام ذو البركة، والفضل، والعطاء . وإطلاقه هنا أيضا من باب التهكّم .

والمراد بالحميم: الشراب المغلّى في قدور جهنّم . قال الجوهري : «الحميم: الماء الحارّ، والمطر الذي يأتي في شدّة الحرّ . والحميم: العَرَق» (2).

وقال : «الجحيم: [اسم] من أسماء النار، وكلّ نار عظيمة في مَهواةٍ (3) فهي (4) جحيم» (5).

وفي القاموس : «الجحيم: النار الشديد التأجّج ، وكلّ نار بعضها فوق بعض ، والمكان الشديد الحرّ»(6).

وفيه: «صلّاه تصلية ؛ أي ألقاه في النار للإحراق» (7).

قال البيضاوي : «وذلك ما يجد في القبر من سموم النار ودخانها» (8).

وقوله : (من وراء هذا) إشارة إلى ما ذكر من قوله : «وقبض الملك» إلى قوله : «وتصلية جحيم» .

ص: 16


1- القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 368 (عيي)
2- الصحاح ، ج 5 ، ص 1905 (حمم)
3- في الحاشية: «المَهواة : ما بين الجبلين ونحو ذلك»
4- في النسخة : «فهو»
5- الصحاح ، ج 5 ، ص 1883 (جحم)
6- القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 87 (جحم)
7- القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 352 (صلي)
8- تفسير البيضاوي ، ج 5 ، ص 294

(أعظم وأفظع وأوجع للقلوب يوم القيامة) .

يحتمل نصب «أعظم» وما عطف عليه على أن يكون اسم «إنّ»، و«من وراء» متعلّقا بالثلاثة، و«يوم القيامة» بالرفع خبره، أو بالعكس ، ولعلّه أنسب .

ويحتمل كون الثلاثة اسم «إنّ»، و«من وراء» خبره، و«يوم القيامة» بالرفع، أو بالنصب ، على أن يكون فاعلاً ، أو عطف بيان لها .

قال الجوهري : «فَظُع الأمر _ بالضمّ _ فظاعة، فهو فظيع؛ أي شديد شنيع جاوز المقدار» (1).

وقال : «الوجع: المرض» (2).

«ذَ لِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ» (3).

قال البيضاوي : «ذَ لِكَ» إشارة إلى يوم القيامة، وعذاب الآخرة دلّ عليه . قوله : «مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ» ؛ أي يجمع له الناس، والتغيير للدلالة على ثبات معنى الجمع لليوم، وأنّه من شأنه لا محالة، وأنّ الناس لا ينفكّون عنه، فهو أبلغ من قوله : «يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ» ، ومعنى الجمع له الجمع؛ لما فيه من المحاسبة والمجازاة . «وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ» ؛ أي مشهود فيه أهل السماوات والأرضين ، فاتّسع فيه بإجراء الظرف مجرى المفعول، ولو جعل اليوم مشهودا في نفسه لبطل الغرض من تعظيم اليوم وتمييزه؛ فإنّ سائر الأيّام كذلك (4).

وأقول : كونه مشهودا فيه؛ إمّا لأنّه يُشهَدُ فيه على الخلائق بما عملوا ، وإمّا لأنّهم يحضرونه للحساب، والخروج عن عهدة ما كلّفوا به في دار الدنيا .

وقوله : (يجمع اللّه فيه) أي في ذلك اليوم .

(الأوّلين والآخرين) بيان لسابقه .

ويحتمل أن يكون كلّ منهما إضافيّا بالنسبة إلى الآخر .

وقيل : لعلّ المراد بالأوّلين الاُمم السابقة، وبالآخرين هذه الاُمّة (5).

ص: 17


1- الصحاح ، ج 3 ، ص 1259 (فظع)
2- الصحاح ، ج 3 ، ص 1294 (وجع)
3- هود : 103
4- تفسير البيضاوي ، ج 3 ، ص 261 (مع تلخيص)
5- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 408

(ذلك يوم) ؛ مبتدأ وخبر .

(ينفخ في الصور) أي ينفخ فيه في الصور، حذف الجارّ بقرينة ما بعده .

قال الجوهري : «الصور: هو القَرْن الذي ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام عند بعث الموتى إلى الحشر» (1).

وقيل : الصُّور جمع صُورَةٍ، يريد صُور الموتى ينفخ فيها الأرواح . والصحيح الأوّل؛ لأنّ الأحاديث تعاضدت عليه تارةً بالصور، وتارةً بالقرن (2).

(وتُبَعثر فيه القبور) .

قال البيضاوي في تفسير قوله تعالى : «إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ» (3) : «أي بعث» (4)

وقال الجوهري : بعثر الرجل متاعَهُ: قلب بعضه على بعض . ويُقال : بعثرت الشيء، إذا استخرجته وكشفته . وقال أبو عبيدة في قوله تعالى : «بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ» : اُثير واُخرج . قال : وتقول : بعثرت حوضي؛ أي هدمته، وجعلت أسفله أعلاه ، انتهى (5).

والظاهر أنّ «تبعثر» على صيغة المضارع المجهول من الرباعيّ المجرّد . وقيل : يحتمل كونه على صيغة الماضي المعلوم من باب التفعلل على تشبيه القبر بإنسان أكل طعاما، فلم يستقرّ في معدته فردّه(6) . قال في النهاية : «تبعثرت النفس: جاشت، وانقلبت وغثت» (7).

(وذلك يوم الآزفة) إشارة إلى قوله تعالى : «وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْازِفَةِ إِذْ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ» (8) الآية . يُقال: أزِفَ الترحّل أزفا واُزوفا، إذا دنا . والرجل: عجّل. والأزف، محرّكة: الضيق، وسوء العيش .

قال بعض المفسّرين : «الآزفة، صفة القيامة سُمّيت بها لقربها ودنوّها» (9) . وقيل: لضيق عيش أكثر الناس فيها. (10) وقيل : صفة المجازاة .

ص: 18


1- اُنظر : الصحاح ، ج 2 ، ص 716 (صور)
2- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 408
3- العاديات (100) : 9
4- تفسير البيضاوي ، ج 5 ، ص 521
5- الصحاح ، ج 2 ، ص 593 (بعثر)
6- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 408
7- . النهاية ، ج 1 ، ص 139 (بعثر)
8- غافر (40) : 18
9- تفسير البيضاوي ، ج 5 ، ص 88
10- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 408

وقيل : المراد اللحظة الآزفة، وهي مشارفتهم النار . وقيل : يوم الآزفة: يوم الموت، وقت خروج الروح (1).

«إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ» ؛ جمع حَنْجَرَة، وهي الحلقوم .

وقيل : المراد هنا التراقي؛ يعني فارقت قلوبهم أماكنها خوفا، فصارت في حلوقهم، فلا هي تعود إلى أماكنها، فيتروّحوا، ولا تخرج فيستريحوا (2).

«كَ_ظِمِينَ» .

في القاموس: «كَظَمَ غيظه يَكظُمُهُ: ردّه، وحبسه . والباب: أغلقه . والبعير كظوما : أمسك عن الجرّة . ورجلٌ كظيم، ومكظوم: مكروب . وكُظِم _ كعُنِي _ كظُوما: سكت» (3).

قال بعض المفسّرين : معنى كاظمين ساكنين، لا معذرة لهم . وقيل : حابسين الكلام .

وقيل : مُردّدين حزنهم في أجوافهم كجرّة البعير . وقيل : باكين . وقيل : مغمومين (4).

وعلى التقادير نصبه على الحال من مفعول «أنذِر» . وقيل : من «القلوب» بتقدير أصحابها، ولذلك جمعه جمع العقلاء، كقوله : «فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ» (5). (6).

(وذلك يوم لا تُقال فيه عَثرة) .

الإقالة: فسخ البيع، والعفو عن الزلّة . والعثرة: الزلّة . قيل : معنى «أقاله اللّه عثرته» أنّه وافقه في نقض العهد، وأجابه إليه؛ إذ وقع العهد بين العبد وبينه تعالى في أنّه إذا عصاه يُعاقَب، فإذا استقال العاصي في ذلك اليوم، وندم من ذلك العهد، وطلب منه تعالى أن ينقضه ليتخلّص من العقاب، لا يُقال ولا يجاب؛ لأنّ العهد مُبرَم لا ينقض (7).

(ولا تُقبل من أحدٍ معذرة) .

ص: 19


1- اُنظر : تفسير البيضاوي ، ج 5 ، ص 88
2- اُنظر : تفسير البيضاوي ، ج 5 ، ص 88 ؛ شرح المازندراني ، ج 11 ، ص 408 و 409
3- القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 172 (كظم)
4- اُنظر : تفسير مجمع البيان ، ج 8 ، ص 433 ؛ تفسير الثعلبي ، ج 8 ، ص 271 ؛ زاد المسير ، ، ج 7 ، ص 37 ؛ فتح القدير للشوكاني ، ج 4 ، ص 486
5- .الشعراء (26) : 4
6- قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 171 . وانظر أيضا : شرح المازندراني ، ج 11 ، ص 409
7- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 409

قيل : أي عذر لا يكون صاحبه صادقا فيه، أو توبةٌ (1).

وقيل : أي معذرة غير المحقّ، وإلّا فاللّه سبحانه أعدل وأكرم من [أن] لا يقبل معذرة المحقّ . أو المراد: ليس له معذرة في المخالفة حتّى تقبل؛ لأنّه تعالى قطع الأعذار ببعث الرسل، وإنزال الكتب، ونصب الوصيّ ، والهداية إلى سبيله (2).

وقوله : (مُستقبَلُ توبة) بالباء الموحّدة فيما رأيناه من النسخ . وكأنّه مصدر، أو اسم مكان على صيغة اسم المفعول ؛ أي لا يكون لأحد في ذلك اليوم استئناف توبة وإحداثها، أو مكانها ومحلّها .

ويحتمل كونه على صيغة اسم الفاعل؛ أي من يستقبل إلى توبته، ويتوجّه إليها، ويقبلها . وعلى التقديرين يكون مرفوعا على الابتدائيّة ، أو على أنّه اسم «لا»، و«توبة» بالجرّ على الإضافة، واحتمال كون «مستقبل» بالجرّ على أنّه صفة ل «أحد» و«توبة» بالرفع على الابتدائيّة أو الاسميّة بعيد .

وضبطه بعض الشارحين بالياء المثنّاة التحتانيّة ، وقال : «أي ليس لأحدٍ مستقيل طالب الرجوع إلى الدنيا توبة ورجوع إليها؛ ليفعل فيها ما يكفّرها» . وقال : «أو المراد أنّه ليس لطالب غفران الذنب في ذلك اليوم توبة منه؛ لفوات محلّها، وهو الدنيا»(3) .

وقوله : (فمن كان من المؤمنين...) فذلكة، أو تفسير وبيان للفقرة السابقة .

قال البيضاوي في تفسير قوله تعالى : «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرا يَرَهُ» (4). الآية : ولعلّ حسنة الكافر وسيّئة المجتنب عن الكبائر تؤثّران في نقص الثواب والعقاب .

وقيل : الآية مشروطة بعدم الإحباط والمغفرة، أو من الاُولى مخصوصة بالسعداء، والثانية بالأشقياء . والذرّة: النملة الصغيرة، أو الهباء . انتهى . (5)

وقوله : (من الذنوب والمعاصي ما قد نهاكم) إلى آخره .

قيل : لعلّ قوله : «من الذنوب» بيان للموصول بعده، أو الموصول بدل من «الذنوب» (6).

ص: 20


1- قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 171
2- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 409
3- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 409
4- الزلزلة (99) : 7
5- .تفسير البيضاوي ، ج 5 ، ص 519 (مع تلخيص)
6- قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 171

وأقول : الظاهر أنّ الموصول صفة للذنوب.

والعطف في قوله : (في كتابه الصادق والبيان الناطق) إمّا للبيان والتفسير، أو يُراد بالمعطوف بيان جبرئيل، أو الرسول، أو أوصيائه؛ فإنّ مناهي الكتاب ومحرّماته بعضها ظاهر لا يحتاج إلى البيان ، وبعضها باطن لا يعلم إلّا ببيانهم . ووصف البيان بالناطق مجاز باعتبار دلالته على المقصود، وإفصاحه عنه كالنطق .

وقوله : (فلا تأمنوا مكر اللّه ) إلى قوله : (في هذه الدنيا) ؛ إشارة إلى قوله _ عزّ وجلّ _ في سورة الأعراف : «وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ (1) مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» (2).

وقوله : (فإنّ اللّه _ عزّ وجلّ _ يقول) تعليل لما سبق من الحثّ على ذكر اللّه عند دعوة الشيطان إلى شهوات الدنيا ولذّاتها .

«إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ» .

هذه الآية أيضا في سورة الأعراف بعد الآية السابقة .

قال البيضاوي : «طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ» لَمّة منه، وهو اسم فاعل من طاف يطوف، كأنّها طافت بهم، ودارت حولهم، فلم تقدر أن تؤثّر فيهم . أو من طاف به الخيال يَطيف طَيْفا ، والمراد بالشيطان الجنس .

«تَذَكَّرُوا» ما أمر اللّه به، ونهى عنه «فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ» (3) ؛ بسبب تذكّر مواقع الخَطأ ومكائد الشيطان، فيحترزون عنها، ولا يتّبعونه فيها . والآية تأكيد وتقرير لما قبلها . انتهى (4).

وفي القاموس: «الطّيف: الخيال الطائف في المنام، أو مجيئهُ في النوم» (5).

(وأشعروا قلوبكم خوفَ اللّه ) أي ألبِسُوه إيّاها. أو الزِقوه بها، واجعلوه ملازما لها غير مفارق عنها . أو اجعلوه شعارا وعلامة لسلامتها وخلوصها .

ص: 21


1- في الحاشية: «نزغ الشيطان بينهم ينزغ نَزعا؛ أي أفسد، وأغوى»
2- الأعراف (7) : 200
3- الأعراف (7) : 201
4- تفسير البيضاوي ، ج 3 ، ص 85
5- القاموس المحيط ، ج 3 ، ص 170 (طيف) مع اختلاف يسير

وقيل : يحتمل أن يكون معناه : اجعلوا قلوبكم شاعرة غير غافلة من خوفه (1).

قال الفيروزآبادي : الشعار، ككتاب: جلّ الفرس، والعلامة في الحرب والسفر _ ويفتح _ وما تحت الدثار من اللباس، وهو ما يلي شعر الجسد، ويفتح. وأشعَرَهُ غيره: ألبسَهُ إيّاه . وأشعر الهمُّ قلبي: لزِق به .

وكلّ ما ألزقته بشيء، أشعرته به. والقوم : نادوا بشعارهم، أو جعلوا لأنفسهم شِعارا . والبدنة : أعلمها (2).

وقوله : (كما قد خوّفكم من شديد العقاب) أي كما لزمكم أن تذكروا ما قد خوّفكم .

وقوله : (فإنّه من خاف شيئا حذره) ؛ بكسر الذال من الحِذر _ بالكسر وبالتحريك _ وهو الاحتراز .

وقيل : الجملة تعليل للأمر بإشعار الخوف (3) .

ولا يخفى بُعده ، بل الظاهر أنّه بيان لكيفيّة تذكّر التخويف من شديد العقاب وعلامته، وإرشاد لسلوك طريقته .

(ولا تكونوا من الغافلين) عن عذاب اللّه وموجباته .

(المائلين إلى زهرة الدُّنيا) .

في القاموس : «الزهرة، ويحرّك: النبات ونَوره . ومن الدنيا: بهجتها ونضارتها وحسنها» (4).

وقوله : (الذين مكروا السيّئات) صفة اُخرى للغافلين .

ويحتمل أن يكون مبتدأ، وما بعده خبره .

وعلى التقديرين ، قوله : (فإنّ اللّه _ عزّ وجلّ _ يقول) استشهاد لسوء خاتمة المكر السيّء .

«أَ فَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَات» .

الاستفهام للإنكار والتوبيخ .

قال بعض المفسّرين : أي المكرات السيّئات، وهم الذين احتالوا لهلاك الأنبياء، أو الذين مكروا برسول اللّه صلى الله عليه و آله ، وراموا صدَّ أصحابه عن الإيمان .

ص: 22


1- قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 171
2- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 410
3- .القاموس المحيط ، ج 2 ، ص 59 (شعر)
4- القاموس المحيط ، ج 2 ، ص 43 (زهر) مع التلخيص

«أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ» ؛ كما خسف بقارون .

«أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ» (1) بغتةً من جانب السماء، كما فعل بقوم لوط .

«أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُّبِهِمْ» أي متقلّبين في مسائرهم ومتاجرهم .

«فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ» (2). عمّا أراد بهم .

«أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ» (3). ؛ على مخافة بأن يُهلك قوما قبلهم، فيتخوّفوا، فيأتيهم العذاب وهم متخوّفون . أو على أن ينقص (4). شيئا بعد شيء في أنفسهم وأموالهم حتّى يهلكوا، من تخوّفته، إذا تنقّصته (5).

(واللّه لقد وعظكم اللّه في كتابه بغيركم) ممّن أهلكه من العُصاة والعُتاة بعصيانهم وعتوّهم .

قال الفيروزآبادي : «وعظه يعظه وَعْظا وعِظَةً ومَوعظةً : ذكره ما يُليّن قلبه من الثواب والعقاب» (6).

وقوله عليه السلام : (وُعِظ بغيره) على البناء للمفعول .

وقوله تعالى : «وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ» أي كسرناها وأهلكنا أهلها .

قال الجوهري : «قَصَمت الشيء قَصْما، إذا كسرته حتّى يبين» (7).

«كَانَتْ ظَالِمَةً» صفة لأهل القرية .

وإنّما وصفت القرية به ؛ لإقامتها مقامه ، كما قال عليه السلام : (وإنّما عنى بالقرية أهلها) .

وقوله : (حيث يقول) تعليل لسابقه .

«وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا» أي بعد هلاك أهلها .

«قَوْما آخَرِينَ» (8) مكانهم ؛ فإنّ لفظ القوم يدلّ على أنّ المراد بها أهلها، وإلّا فالمناسب أن يقول : وأنشأنا بعدها قُرىً اُخرى .

(فقال عزّ وجلّ) في سورة الأنبياء متّصلاً بالآية السابقة : «فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا» أي فلمّا

ص: 23


1- النحل (16) : 45
2- النحل (16) : 46
3- النحل (16) : 47
4- .في المصدر : «أن ينقصهم»
5- تفسير البيضاوي ، ج 3 ، ص 400
6- القاموس المحيط ، ج 2 ، ص 400 (وعظ)
7- الصحاح ، ج 5 ، ص 2013 (قصم)
8- الأنبياء (21) : 11

أدركوا شدّة عذابنا إدراك المشاهد المحسوس.

وقد تقدّم تفسير هذه الآية عن أبي جعفر عليه السلام ، وذكرنا هناك ما يتعلّق بها ، ونقول هاهنا : كان ضمير التأنيث في قوله : «إِذَا هُمْ مِنْهَا» راجع إلى شدّة العذاب المفهوم من البأس .

( «يَرْكُضُونَ» (1) ؛ يعني يهربون) مُسرعين راكضين دوابّهم، أو متشبّهين بهم من فرط إسراعهم .

وقوله عليه السلام : (قال: «لا تَرْكُضُوا» ) تنبيه على إرادة القول هنا .

قال بعض المفسّرين : «لا تركضوا على إرادة القول؛ أي قيل لهم استهزاءً: لا تركضوا ؛ إمّا بلسان الحال، أو المقال . والقائل ملك، أو مَن ثَمَّ من المؤمنين» (2).

«وَارْجِعُوا إِلى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ» من التنعّم والتلذّذ .

والإتراف: إبطار النعمة .

«وَمَسَاكِنِكُمْ» التي كانت لكم .

«لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ» (3) غدا عن أعمالكم، أو تعذّبون؛ فإنّ السؤال من مقدّمات العذاب . أو تُقصَدون للسؤال والتشاور في المهامّ والنوازل . هذا قول المفسّرين ، ويرد عليه أنّه لا مدخل للرجوع عن هذا السؤال (4) ، وقد فسّره أبو جعفر عليه السلام بالسؤال عن الكنوز والذخائر، كما مرّ .

«قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ» (5).

قالوا ذلك لمّا رأوا العذاب ، أو لم يروا وجه النجاة، فلذلك لم ينفعهم .

«فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ» .

قال البيضاوي : أي فما زالوا (6). يردّدون ذلك، وإنّما سمّاه دعوى؛ لأنّ المُوَلوِل كأنّه يدعو الويل، ويقول: يا ويل، تَعالَ، فهذا أوانك، وكلّ من «تلك» و«دعواهم» يحتمل الاسميّة والخبريّة .

ص: 24


1- الأنبياء (21) : 12
2- تفسيرالبيضاوي ، ج 4 ، ص 85
3- الأنبياء (21) : 13
4- اُنظر : شرح المازندراني ، ج 11 ، ص 411 و 412
5- الأنبياء (21) : 14
6- .هكذا في المصدر. وفي النسخة : - «زالوا»

«حَتّى جَعَلْناهُمْ حَصِيدا» مثل الحصيد، وهو النبت المحصود، ولذلك لم يجمع . «خَامِدِينَ» (1) : ميّتين، من خمدت النار، وهو مع «حصيدا» بمنزلة المفعول الثاني، كقولك : جعلته حلوا حامضا ؛ إذ المعنى : وجعلناهم جامعين لمماثلة الحصيد والخمود . أو صفة له، أو حال من ضميره . انتهى (2).

واعلم أنّ هذه قصّة بني اُميّة بعد ظهور الصاحب عليه السلام ، كما مرّ . وقال جمع من العامّة : إنّ أهل «حضور» من قرى اليمن بعث إليهم نبيّ، فقتلوه، فسلّط اللّه عليهم بخت نصر، فوضع السيف فيهم، فنادى مناد من السماء: يا لثارات الأنبياء! فندموا، وقالوا : يا ويلنا، إلى آخره (3).

(ثمّ رجع القولُ من اللّه في الكتاب) في تلك السورة بعينها.

وذكر «ثمّ» للإشعار بتخلّل الآيات بينها وبين السابقة .

وقوله : «وَلَ_ئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ» .

قال البيضاوي : أدنى شيء من العذاب، وفيه مبالغات ذكر المسّ ، وما فيه النفحة من معنى القلّة؛ فإنّ أصل النفح هبوب رائحة الشيء، والبناء الدالّ على المرّة .

«مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ» من الذي ينذرون به .

«لَيَقُولُنَّ يَ_وَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَ__لِمِينَ» ؛ (4). لدعوا على أنفسهم بالويل، واعترفوا عليها بالظلم (5).

(فإن قلتم: أيّها الناس) ؛ خطاب لمن أنكر صدق مضامين الآيات السابقة على أهل التوحيد .

(إنّ اللّه _ عزّ وجلّ _ إنّما عنى بهذا) الذي ذكر وأمثاله ممّا دلّ على عقوبة أهل الظلم .

(أهلَ الشرك) مفعول «عنى»؛ يعني: لا يعني به أهل الإسلام؛ لأنّهم غير معاقبين بزعمكم الباطل .

فقال عليه السلام في جوابهم : (فكيف ذلك)؛ يعني اختصاص العقوبة بأهل الشرك .

ص: 25


1- الأنبياء (21) : 15
2- تفسير البيضاوي ، ج 4 ، ص 86
3- اُنظر : تفسير السمرقندي ، ج 2 ، ص 421 ؛ تفسير البيضاوي ، ج 4 ، ص 85
4- .الأنبياء (21): 46
5- تفسير البيضاوي ، ج 4 ، ص 96

(وهو) سبحانه (يقول) بعد الآية السابقة متّصلاً بها : «وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ» .

قال البيضاوي : أي العدل توزن بها صحائف الأعمال . وقيل : وضع الميزان تمثيل لإرصاد الحساب السويّ والجزاء على حسب الأعمال [بالعدل]، وإفراد «القسط» لأنّه مصدر وصف به للمبالغة .

«لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ» ؛ لجزاء يوم القيامة ، أو لأهله ، أو فيه كقولك : جئتُ لخمسٍ خلون من الشهر .

«فَلَا تُظْلَمُ» : فلا تنقص «نَفْسٌ شَيْئا» من حقّها، أو [لا]تظلم شيئا من الظلم .

«وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ» أي وإن كان العمل أو الظلم مقدار حبّة . ورفع نافع «مِثْقالَ» على «كان» التامّة .

«أَتَيْنَا بِهَا» : أحضرناها . والضمير للمثقال، وتأنيثه لإضافته إلى الحبّة .

«وَكَفى بِنَا حَاسِبِينَ» (1) ؛ إذ لا مزيد على علمنا وعدلنا (2).

إلى هاهنا كلامه . ويمكن أن يكون المراد عدم وقوع الغلط في حسابه .

وقوله عليه السلام : (أهلَ الشرك لا يُنصب لهم الموازين) .

قيل : لا ينافي ذلك معاقبتهم على سيّئات أعمالهم، وكونهم مكلّفين بالفروع؛ إذ يعاملهم اللّه بعلمه ، وإنّما يوضع الموازين للمسلمين تشريفا لهم . أو لأنّهم لما كانوا مطيعين في اُصول الدِّين أو بعضها، يوضع لهم الميزان لئلّا يزعم زاعم أنّهم ظُلموا في عقوبتهم (3).

والمراد بالدواوين دفاتر أعمالهم وصحائف أفعالهم .

والزمر _ كزفر _ جمع الزمرة ، بالضمّ ، وهي الفوج والجماعة من الناس في تفرّقهم .

وقوله : (وإنّما خلق الدنيا وخلق أهلها ليبلوهم أيّهم أحسن عملاً لآخرته) إشارة إلى قوله تعالى : «إِنَّ رَبَّكُمْ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّموَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ» (4). و «كَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً» (5).

ص: 26


1- الأنبياء (21) : 47
2- تفسير البيضاوي ، ج 4 ، ص 96 (مع اختلاف يسير)
3- قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 173 و 174
4- .الأعراف (7) : 54 ؛ يونس (10) : 3
5- هود : 7

قال البيضاوي : «لِيَبْلُوَكُمْ» متعلّق ب «خَلَقَ» ؛ أي خلق ذلك ليعاملهم معاملة المبتلي لأحوالكم كيف تعملون ؛ فإنّ جملة ذلك أسباب وموادّ لوجودكم ومعاشكم، وما تحتاج إليه أعمالكم ، ودلائل وأمارات تستدلّون بها، وتستنبطون منها . وإنّما جاز تعليق فعل البلوى لما فيه من معنى العلم من حيث إنّه طريق إليه كالنظر والاستماع . وإنّما ذكر صيغة التفضيل والاختبار الشامل لفرق المكلّفين باعتبار الحسن والقبح؛ للتحريض على إحصاء المحاسن ، والتحضيض على الترقّي دائما في مراتب العلم والعمل؛ فإنّ المراد بالعمل ما يعمّ عمل القلب والجوارح ، ولذلك قال النبيّ عليه السلام : «أيّكم أحسنُ عقلاً، وأورع من محارم اللّه ، وأسرع في طاعة اللّه » (1). ، والمعنى: أيّكم أكمل علما وعملاً (2).

(لقد ضرب لكم فيه) أي في الدنيا .

(الأمثال) ؛ لإيضاح المشتبهات . يُقال : ضربَ مثلاً ؛ أي وصف وبيّن . والمَثَل، محرّكة: الحجّة، والحديث .

(وصرّف الآيات) .

في القاموس: «تصريف الآيات: تبيينها» (3) . والمراد بالآيات آيات الوعد والوعيد .

(لقوم يعقلون) أي يدركون ويفهمون الغرض الأصلي من تلك الأمثال والآيات .

(فإنّ اللّه _ عزّ وجلّ _ يقول) في التزهيد عن الدنيا، والتنفير عنها .

(وقوله الحقّ) ؛ الذي لا يعتريه ريب وشبهة . أو الثابت الذي لا يزول ولا يبدّل .

«إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا» .

قال البيضاوي : يعني حالها العجيبة في سرعة تقضّيها ، وذهاب نعيمها بعد إقبالها ، واغترار الناس بها .

ص: 27


1- .اُنظر : تخريج الأحاديث والآثار للزيلعي ، ج 7 ، ص 71 ؛ الكشّاف للزمخشري ، ج 2 ، ص 260 ؛ الدرّ المنثور للسيوطي ، ج 4 ، ص 211
2- تفسير البيضاوي ، ج 3 ، ص 221 و 222 (مع اختلاف يسير)
3- .القاموس المحيط ، ج 3 ، ص 162 (صرف)

«كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ» ؛ فاشتبك بسببه حتّى خالط بعضه بعضا .

«مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ» من الزرع والبقول والحشيش .

«حَتّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا» (1).

قال الجوهري : «الزُّخرُف : الذهب، ثمّ يشبّه به كلّ مموّهٍ مُزوّر . والمزخرف: المزيّن» (2).

«وَازَّيَّنَتْ» بأصناف النبات وأشكالها وألوانها المختلفة كعروس اُخذت من ألوان الثياب والزين ، فتزيّنت بها .

و«ازّيّنت» أصله: تزيّنت، فاُدغم .

«وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا» ؛ متمكِّنون من حَصْدِها، ورفع غلّتها .

«أَتَاهَا أَمْرُنَا» ضَرب زرعها ما يجتاحه .

«لَيْلاً أَوْ نَهَارا فَجَعَلْنَاهَا» أي فجعلنا زَرْعها .

«حَصِيدا» شبيها بما حُصِد من أصله .

«كَأَنْ لَمْ تَغْنَ» ؛ كأن لم يغن زرعها؛ أي لم يلبث .

والمضاف محذوف في الموضعين للمبالغة ، وقرئ بالياء على الأصل .

«بِالْأَمْسِ» فيما قُبيله ، وهو مَثَلٌ في الوقت القريب، والممثّل به مضمون الحكاية، وهو زوال خضرة النبات فجأةً، وذهابه حُطاما بعد ما كان غَضّا، والتفّ وزيّن الأرض حتّى طمع فيه أهله، وظنّوا أنّه قد سلم من الجوائح لا الماء، وإن وليه حرف التشبيه؛ لأنّه من التشبيه المركّب .

«كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْايَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» (3). ؛ فإنّهم المفتنون به.

(فكونوا عباد اللّه ) أي يا عباد اللّه .

(من القوم الذين يتفكّرون) في الآيات الدالّة على فناء الدنيا، وسرعة زوالها، ويجدون ما هو الغرض الأصلي منها .

(ولا تركنوا إلى الدنيا) وأهلها الذين يميلون إليها، ويتّخذونها دار استيطان .

قال الفيروزآبادي : «ركن إليه _ كنصر وعلم ومنع _ ركونا: مالَ، وسكن» (4).

ص: 28


1- تفسير البيضاوي ، ج 3 ، ص 193
2- الصحاح ، ج 4 ، ص 1369 (زخرف)
3- .يونس (10) : 24
4- القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 229 (ركن)

وقوله : (فإنّ اللّه عزّ وجلّ ...) إشارة إلى أنّ النهي عن الركون إليها شامل للنهي عن الركون إلى أهلها، كما أشرنا إليه . أو إلى أنّ المراد بالركون إليها الركون إلى أهلها .

(قال لمحمّد صلى الله عليه و آله ) ليبلّغ إلى الاُمّة. وخاطبه على سبيل التعظيم وأراد غيره .

«وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا» .

قال بعض المفسّرين : «أي لا تميلوا إليهم أدنى ميل؛ فإنّ الركون هو الميل اليسير» (1).

«فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ» (2). بركونكم إليهم .

وإذا كان الركونُ إلى مَن وُجد منه ما يسمّى ظلما كذلك ، فما ظنّك بالركون إلى الظالمين ؛ أي الموسومين بالظلم، ثمّ بالميل إليهم كلّ الميل، ثمّ بالظلم نفسه والانهماك فيه ؟!

ولعلّ الآية أبلغ ما يتصوّر في النهي عن الظلم والتهديد عليه .

وخطاب للرسول ومَن معه من المؤمنين؛ للتثبيت على الاستقامة التي هي العدل؛ فإنّ الزوال عنها بالميل إلى أحد طرفي إفراط وتفريط ظلم على نفسه أو غيره، بل ظلم في نفسه .

وقوله : (ركونَ مَن اتّخذها دارَ قرار) أي كركونه .

وفيه إيماء إلى أنّ الركون إليها لا بهذا الاعتبار، بل باعتبار تحصيل ما يتوقّف عليه بقاء الحياة وإعمال الطاعات. وجعلها محلّ العبرة ممدوح، كما أشار إليه أيضا بقوله : (فإنّها دارُ بُلغة) بالضمّ .

قال في المصباح : «البُلغة: ما يتبلّغ به من العيش ولا يفضل . يُقال : تبلّغ به، إذا اكتفى به . وفي هذا بلاغ وبُلغة وتبلّغ؛ أي كفاية» (3).

(ومنزل قُلعةٍ) أي ارتحال وتقلّع . قال الفيروزآبادي :

القُلعة، بالضمّ: العَزل، والمال العارية ، أو ما لا يدوم ، والضعيف الذي إذا بُطِش به لم يثبت . ومنزلُنا منزل قُلعةٍ أيضا ، وبضمّتين ، وكَهُمَزَة؛ أي ليس بمستوطنٍ كأنّه يقطع ساكنه . أو معناه: لا نملكه، أو لا ندري متى نتحوّل عنه . ومجلسٌ قُلعَةٌ: يحتاج صاحبه إلى أن يقوم مرّة بعد مرّة . والدنيا دار قُلعة؛ أي انقلاع. وهو على قُلعَةٍ؛ أي رحلة (4).

ص: 29


1- تفسير البيضاوي ، ج 3 ، ص 266
2- .هود : 113
3- المصباح المنير ، ص 131 (بلغ)
4- القاموس المحيط ، ج 3 ، ص 74 (قلع) . وقال المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 415 : «وفيه تنبيه على أنّ الدنيا ليست بدار لهم، ليلتفتوا عن الركون إليها ، ويتوقّعوا الارتحال والخروج منها»

وقوله : (قبل تفرّق أيّامها) ؛ كأنّ المراد بها أيّام بقاء الدنيا ، أو أيّام عمر أحد، وبخرابها انقضاء تلك الأيّام .

وقوله : (عَمَرها) بتخفيف الميم وتشديدها .

في القاموس: «عمره اللّه وعمّره: أبقاه. وعمّر نفسه: قدّر لها قدرا محدودا. وعمر اللّه منزلك عمارة : جعله آهلاً» (1).

وقوله : (وهو وليّ ميراثها) أي مالكها الحقيقي، والأولى بالتصرّف فيها؛ لأنّها تفنى، وهو يبقى كالوارث . ووارث الشيء : الباقي بعد فنائه .

(فإنّما نحن به وله) .

قيل: الظاهر من الضمير راجع إلى ثواب الآخرة ؛ أي نحن متلبّسون به ، كناية عن قربه.

و«له» أي خُلِقنا وكلّفنا لأجله (2).

هذا كلامه . والأظهر إرجاع الضمير في الموضعين إلى اللّه تعالى ؛ أي نحن موجودون به، متقوّمون باستعانته، وكلّفنا لإخلاص العمل له .

وقال بعض الشارحين : أي إنّما نحن موجودون باللّه تعالى وله ؛ ففي الاُولى إشارة إلى تفويض الاُمور كلّها إليه ، وفي الثانية إشارة إلى طلب التقرّب منه بالإتيان بالمأمورات والاجتناب عن المنهيّات ، وبها يتمّ نظام الدِّين (3).

متن الحديث الثلاثين (حديث الشيخ مع الباقر عليه السلام )

اشارة

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، قَالَ:بَيْنَا أَنَا مَعَ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام ، وَالْبَيْتُ غَاصٌّ بِأَهْلِهِ، إِذْ أَقْبَلَ شَيْخٌ يَتَوَكَّأُ عَلى عَنَزَةٍ لَهُ، حَتّى وَقَفَ (4). عَلى

ص: 30


1- القاموس المحيط ، ج 2 ، ص 95 (عمر)
2- قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 175
3- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 415
4- .في الحاشية عن بعض النسخ: «قام»

بَابِ الْبَيْتِ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللّهِ وَرَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ، ثُمَّ سَكَتَ.

فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام : «وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ».

ثُمَّ أَقْبَلَ الشَّيْخُ بِوَجْهِهِ عَلى أَهْلِ الْبَيْتِ، وَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، ثُمَّ سَكَتَ، حَتّى أَجَابَهُ الْقَوْمُ جَمِيعا، وَرَدُّوا عَلَيْهِ السَّلَامَ.

ثُمَّ أَقْبَلَ بِوَجْهِهِ عَلئ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام ، ثُمَّ قَالَ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللّهِ، أَدْنِنِي مِنْكَ، جَعَلَنِيَ اللّهُ فِدَاكَ، فَوَ اللّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكُمْ، وَأُحِبُّ مَنْ يُحِبُّكُمْ، وَوَاللّهِ مَا أُحِبُّكُمْ وَأُحِبُّ مَنْ يُحِبُّكُمْ لِطَمَعٍ فِي دُنْيَا، وَ (1). إِنِّي لَأُبْغِضُ عَدُوَّكُمْ، وَأَبْرَأُ مِنْهُ، وَوَاللّهِ مَا أُبْغِضُهُ وَأَبْرَأُ مِنْهُ لِوَتْرٍ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَاللّهِ إِنِّي لَأُحِلُّ حَلَالَكُمْ، وَأُحَرِّمُ حَرَامَكُمْ، وَأَنْتَظِرُ أَمْرَكُمْ، فَهَلْ تَرْجُو لِي جَعَلَنِيَ اللّهُ فِدَاكَ؟

فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام : «إِلَيَّ، إِلَيَّ» حَتّى أَقْعَدَهُ إِلى جَنْبِهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا الشَّيْخُ، إِنَّ أَبِي عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ عليه السلام أَتَاهُ رَجُلٌ، فَسَأَلَهُ عَنْ مِثْلِ الَّذِي سَأَلْتَنِي عَنْهُ، فَقَالَ لَهُ أَبِي عليه السلام : إِنْ تَمُتْ تَرِدُ عَلى رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه و آله ، وَعَلى عَلِيٍّ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ وَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَيَثْلَجُ قَلْبُكَ، وَيَبْرُدُ فُؤَادُكَ، وَتَقَرُّ عَيْنُكَ، وَتُسْتَقْبَلُ بِالرَّوْحِ وَالرَّيْحَانِ مَعَ الْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ، لَوْ قَدْ بَلَغَتْ نَفْسُكَ هَاهُنَا _ وَأَهْوى بِيَدِهِ إِلى حَلْقِهِ _ وَإِنْ تَعِشْ تَرى مَا يُقِرُّ اللّهُ بِهِ عَيْنَكَ، وَتَكُونُ مَعَنَا فِي السَّنَامِ الْأَعْلى».

قَالَ (2) الشَّيْخُ: كَيْفَ قُلْتَ يَا أَبَا جَعْفَرٍ؟

فَأَعَادَ عليه السلام عَلَيْهِ الْكَلَامَ، فَقَالَ الشَّيْخُ: اللّهُ أَكْبَرُ يَا أَبَا جَعْفَرٍ، إِنْ أَنَا مِتُّ أَرِدُ عَلى رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه و آله وَعَلى عَلِيٍّ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ وَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عليهم السلام ، وَتَقَرُّ عَيْنِي، وَيَثْلَجُ قَلْبِي، وَيَبْرُدُ فُؤَادِي، وَأُسْتَقْبَلُ بِالرَّوْحِ وَالرَّيْحَانِ مَعَ الْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ، لَوْ قَدْ بَلَغَتْ نَفْسِي [إِلى] هَاهُنَا، وَإِنْ أَعِشْ أَرى مَا يُقِرُّ اللّهُ بِهِ عَيْنِي، فَأَكُونُ مَعَكُمْ فِي السَّنَامِ الْأَعْلى؟!

ثُمَّ أَقْبَلَ الشَّيْخُ يَنْتَحِبُ، يَنْشِجُ هَا هَا هَا، حَتّى لَصِقَ بِالْأَرْضِ، وَأَقْبَلَ أَهْلُ الْبَيْتِ يَنْتَحِبُونَ، [وَ]يَنْشِجُونَ لِمَا يَرَوْنَ مِنْ حَالِ الشَّيْخِ.

وَأَقْبَلَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام يَمْسَحُ بِإِصْبَعِهِ الدُّمُوعَ مِنْ حَمَالِيقِ عَيْنَيْهِ وَيَنْفُضُهَا، ثُمَّ رَفَعَ الشَّيْخُ رَأْسَهُ، فَقَالَ لأبِي جَعْفَرٍ عليه السلام : يَا ابْنَ رَسُولِ اللّهِ، نَاوِلْنِي يَدَكَ جَعَلَنِيَ اللّهُ فِدَاكَ. فَنَاوَلَهُ يَدَهُ، فَقَبَّلَهَا، وَوَضَعَهَا

ص: 31


1- . في الطبعة القديمة: + «[اللّه ]»
2- .في الطبعة القديمة وبعض نسخ الكافي : «فقال»

عَلى عَيْنَيْهِ وَخَدِّهِ، ثُمَّ حَسَرَ عَنْ بَطْنِهِ وَصَدْرِهِ، [فَوَضَعَ يَدَهُ عَلى بَطْنِهِ وَصَدْرِهِ] (1) ثُمَّ قَامَ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ.

وَأَقْبَلَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام يَنْظُرُ فِي قَفَاهُ وَهُوَ مُدْبِرٌ، ثُمَّ أَقْبَلَ بِوَجْهِهِ عَلَى الْقَوْمِ، فَقَالَ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلْيَنْظُرْ إِلى هذَا».

فَقَالَ الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ: لَمْ أَرَ مَأْتَما قَطُّ يُشْبِهُ ذلِكَ الْمَجْلِسَ.

شرح الحديث

السند ضعيف .

قوله : (والبيت غاصّ بأهله) ؛ في القاموس: «منزل غاصّ بالقوم: ممتلئ» (2).

وقوله : (يتوكّأ) أي يتّكئ .

(على عَنَزَة له)؛ هي بالتحريك: رُمَيح بين العصا، والرمح فيه زُجّ، وهو الحديدة التي في أسفل الرمح .

وقوله : (السلام عليك يابن رسول اللّه ) إلى قوله : (ورَدّوا عليه السلام) .

قيل : فيه شيء من الآداب؛ إذ دلّ على أنّه ينبغي أن يسلّم الداخل على جماعة أوّلاً على أفضلهم ، ويخاطبه بخطاب شريف، وأن يضمّ مع السلام الرحمة والبركة، ويصبر حتّى يسمع الجواب، ويسلّم على الحاضرين بإسقاط الضميمة (3).

وقوله : (أدنني منك) ؛ في القاموس: «أدناه: قرّبه» (4).

وقوله : (لوتَر) .

قال الفيروزآبادي : «الوِتر، بالكسر ويُفتح: الذَّحل، أو الظُّلم فيه» (5).

وقال : «الذَّحْل: الثأر، أو طلب مكافأة بجناية جنيت عليك، أو عداوة اُتيت إليك، أو هو العداوة والحِقد» (6).

ص: 32


1- .في الطبعة القديمة : - «فوضع يده على بطنه وصدره»
2- القاموس المحيط ، ج 2 ، ص 310 (غصص)
3- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 415
4- القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 329 (دنو)
5- .القاموس المحيط ، ج 2 ، ص 152 (وتر)
6- القاموس المحيط ، ج 3 ، ص 379 (ذحل)

وقوله : (وأنتظر أمركم) ؛ يعني ظهور دولة الحقّ .

(فهل تَرجو لي) المغفرة والرحمة ونجاة الآخرة وأمثالها ممّا يصلح أن يكون متعلّق الرجاء هنا ومفعوله.

ويفهم منه أنّه مع ما ذكر خائف من التقصير فيه، وذلك من كمال الإيمان .

وقوله : (إليّ، إليّ) متعلّق بمحذوف من نحو: «اُدنُ»، أو «أَقبِل»، أو «تحوّل» . والتكرير للمبالغة، وتنشيط المخاطب .

وقوله : (ويثلَج قلبُك، ويبرد فؤادك) .

قال الفيروزآبادي : «ثَلَجَتْ نفسي _ كنصر وفرح _ ثلوجا وثَلجا: اطمأنّت» (1).

وقال : «عيش بارد ؛ أي هَنيء» (2).

وقال الجوهري : «البرد: نقيض الحرّ، والبرودة: نقيض الحرارة. وقد بَرُد الشيء _ بالضمّ _ وبَرَدْتُهُ أنا، وبرّدته تبريدا . ولا يقال: أبردته إلّا في لغةٍ رديّة» انتهى (3).

وبرودة القلب هنا كناية عن سكون حرقته، وزوال حزنه وغيظه .

(وتقرّ عينُك) .

قال الجوهري : «قرّت عينه تَقِرّ، وهو نقيض سَخُنَتْ عينه . وأقرّ اللّه عينه: أعطاه حتّى تقرّ، فلا تطمح إلى مَن هو فوقه» (4). انتهى .

وقرّه كناية عن السرور ، والأصل فيها أنّ دمعة الحزن حارّة، ودمعة السرور باردة .

وقوله : (وتُستقبل) عملاً لبناء للمفعول .

وقوله : (نفسُك) بسكون الفاء، أو فتحها. والأوّل في أمثال هذا المقام أشهر وأنسب .

وقوله : (ترى ما يُقرّ اللّه به عينك) ؛ يعني فخر في زمن ظهور دولتهم عليهم السلام .

وقوله عليه السلام : (في السنام الأعلى) .

قال في النهاية: «سنام كلّ شيء: أعلاه» (5).

ص: 33


1- القاموس المحيط ، ج 1 ، ص 181 (ثلج)
2- القاموس المحيط ، ج 1 ، ص 277 (برد)
3- الصحاح ، ج 2 ، ص 445 (برد)
4- .الصحاح ، ج 2 ، ص 790 (قرر)
5- النهاية ، ج 2 ، ص 409 (سنم)

ولعلّ المراد هاهنا أعلى درجات الجنان (1).

وقيل : استعار لفظ «السنام» لأشرف مرتبة من مراتب الإنسانيّة، وأرفع درجة من درجات الكرامة الربّانيّة، ثمّ وصفها بالأعلى ترشيحا لها وتصريحا بعلوّها (2).

وقوله : (كيف قلتَ) .

ليس السؤال محمولاً على ظاهره، وهو الاستفهام، بل للتشوّق بسماعه ثانيا .

وقوله : (اُسْتَقْبَلُ) على صيغة المتكلّم المجهول .

وقوله : (ينتحب ، ينشِج) .

في بعض النسخ: «وينشج» بالواو. وفي بعضها: «ينتحب ينشج» .

وعلى نسخة الأصل «ينشج» حال من فاعل «ينتحب» . قال الجزري : «النحيب والنحب والانتحاب: البُكاء بصوت طويل» (3).

وقال : «النشيج: صوت معه توجّع وبكاء، كما يردّد الصبيّ بكاءه في صدره . وقد نشج يَنشج نشيجا» (4).

وقوله : (ها ها ها) حكاية عن صوت البكاء .

وقوله : (حَماليق عينيه) .

الظاهر أنّ الضمير راجع إلى الشيخ .

في القاموس: حملاق العين، بالكسر والضمّ، وكعصفور: باطن أجفانها الذي يسوّد بالكحلة، أو ما غطّته الأجفان من بياض المقلة، أو باطن الجفن الأحمر الذي إذا قلب للكحل بدت حمرته ، أو ما لزق بالعين من موضع الكحل من باطن . والجمع: الحماليق (5).

(ويَنفُضُها) .

الضمير للدموع . يُقال : نفض الثوب وغيره: حرّكه، لينتفض ، ويذهب ما فيه من الغبار ونحوه .

ص: 34


1- كما قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 177
2- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 417
3- النهاية ، ج 5 ، ص 27 (نحب)
4- النهاية ، ج 5 ، ص 53 (نشج)
5- القاموس المحيط ، ، ج 3 ، ص 224 (حملق)

والظاهر أنّ الضمائر في قوله : (ثمّ حسر) إلى قوله : (وصدره) للشيخ، إلّا البارز في «يده»؛ فإنّه راجع إلى أبي جعفر عليه السلام .

وفيه احتمالان آخران ؛ يُقال : حسر كمّه عن ذراعيه، كنصر وضرب ؛ أي كشفه، يعني كشف الشيخ الثوب عن بطنه وصدره، ووضع يد أبي جعفر عليه السلام عليهما للتيمّن والتبرّك والتشرّف والتخلّص من وسوسة الشيطان وعقوبة النيران (1).

وقوله : (ثمّ قام، فقال : السلام عليكم) .

قيل : دلَّ على أنّه ينبغي للخارج من المجلس أن يسلّم على أهله جميعا (2) . وفيه تأمّل .

وقوله : (لم أرَ مَأتما) إلى آخره ؛ يعني من أجل كثرة البكاء .

في القاموس: «المأتَم، كمقعد: كلّ مجتمع في حزن أو فرح، أو خاصّ بالنساء، أو بالشوابّ» (3).

وقال الجوهري : «المأتم عند العرب: النساء يجتمعن في الخير والشرّ . والجمع: المآتم .

وعند العامّة: المصيبة. تقول : كنّا في مأتم فلان» (4).

متن الحديث الواحد والثلاثين

اشارة

عَنْهُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى (5). ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللّهِ عليه السلام ، قَالَ:

«كَانَ رَجُلٌ يَبِيعُ الزَّيْتَ، وَكَانَ يُحِبُّ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه و آله حُبّا شَدِيدا، كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَذْهَبَ فِي حَاجَتِهِ لَمْ يَمْضِ حَتّى يَنْظُرَ إِلى رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه و آله ، قَدْ (6). عُرِفَ ذلِكَ مِنْهُ، فَإِذَا جَاءَ تَطَاوَلَ لَهُ حَتّى يَنْظُرَ إِلَيْهِ حَتّى إِذَا كَانَ ذَاتُ يَوْمٍ دَخَلَ عَلَيْهِ، فَتَطَاوَلَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله حَتّى نَظَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ مَضى فِي حَاجَتِهِ، فَلَمْ يَكُنْ بِأَسْرَعَ مِنْ أَنْ رَجَعَ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله قَدْ فَعَلَ ذلِكَ، أَشَارَ إِلَيْهِ بِيَدِهِ: اجْلِسْ، فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ،

ص: 35


1- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 417
2- قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 178
3- القاموس المحيط ، ، ج 4 ، ص 72 (أتم)
4- الصحاح ، ج 5 ، ص 1857 (أتم)
5- .في الوافي : «أحمد بن محمّد ، عن ابن عيسي» بدل «أحمد بن محمّد بن عيسى»
6- .هكذا في النسخة وبعض نسخ الكافي والوافي . وفي الطبعتين وأكثر نسخ الكافي : «وقد»

فَقَالَ: مَا لَكَ فَعَلْتَ الْيَوْمَ شَيْئا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُهُ قَبْلَ ذلِكَ؟

فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيّا، لَغَشِيَ قَلْبِي شَيْءٌ مِنْ ذِكْرِكَ حَتّى مَا اسْتَطَعْتُ أَنْ أَمْضِيَ فِي حَاجَتِي، حَتّى رَجَعْتُ إِلَيْكَ، فَدَعَا لَهُ، وَقَالَ لَهُ خَيْرا، ثُمَّ مَكَثَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله أَيَّاما لَا يَرَاهُ، فَلَمَّا فَقَدَهُ سَأَلَ عَنْهُ.

فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللّهِ، مَا رَأَيْنَاهُ مُنْذُ أَيَّامٍ، فَانْتَعَلَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله ، وَانْتَعَلَ مَعَهُ أَصْحَابُهُ، وَانْطَلَقَ حَتّى أَتى (1) سُوقَ الزَّيْتِ، فَإِذَا دُكَّانُ الرَّجُلِ لَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ، فَسَأَلَ عَنْهُ جِيرَتَهُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللّهِ، مَاتَ، وَلَقَدْ كَانَ عِنْدَنَا أَمِينا صَدُوقا إِلَا أَنَّهُ قَدْ كَانَ فِيهِ خَصْلَةٌ.

قَالَ: وَمَا هِيَ؟

قَالُوا: كَانَ يَرْهَقُ يَعْنُونَ يَتْبَعُ النِّسَاءَ.

فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله : رَحِمَهُ اللّهُ، وَاللّهِ لَقَدْ كَانَ يُحِبُّنِي حُبّا لَوْ كَانَ نَخَّاسا لَغَفَرَ اللّهُ لَهُ».

شرح الحديث

السند مرسل .

قوله : (قد عُرف ذلك منه) أي صار ذلك منه معروفا بين الناس .

هذا إن قرئ «عرف» على بناء المفعول .

وإن قرئ على بناء الفاعل، فمعناه: عرف رسول اللّه صلى الله عليه و آله ذلك منه في ذهابه ومجيئه .

(فإذا جاء تطاول له لينظر (2) إليه) .

يُقال : تطاول واستطال، إذا ارتفع ومدَّ عنقه لينظر إلى شيء بعيد، وبينه وبينه حائل .

والظاهر أنّ المستتر في «جاء» و«تطاول» راجع إلى الرجل، والبارز في «له» إلى رسول اللّه صلى الله عليه و آله .

ويحتمل العكس ؛ أي كان إذا جاء هذا الرجل تطاول رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، ومدَّ عنقه من بين الناس ليراه الرجل .

والثاني أنسب بقوله : (حتّى إذا كان ذات يوم) إلى آخره .

وقوله : (لغشي قلبي شيءٌ من ذكرك) أي من تذكّر لك وغلبة محبّتك .

قال الجوهري : «غشيه غشيانا، أي جاءه» (3).

ص: 36


1- في الطبعة القديمة : «أتوا» . وفي حاشية النسخة عن بعض نسخ الكافي : «انتهى»
2- .في المتن الذي نقله الشارح رحمه اللهسابقا : «حتّى ينظر»
3- الصحاح ، ج 6 ، ص 2447 (غشا)

والانتعال : لبس النعال .

والدُكّان، كرمّان: بناء يسطّح أعلاه للمقعد .

والجيرة، بالكسر: جمع الجار، وهو المجاور والشريك في التجارة .

وفي القاموس:

رهقه، كفرح: غشيه، ولحقه، أو دنا منه سواء أخذه أو لم يأخذه . والرهق، محرّكة: السفه ، والنوك، (1). والخفّة، وركوب الشرّ، والظلم، وغشيان المحارم، واسم من الإرهاق _ وهو أن يحمل الإنسان ما لا يطيقه _ والكذب، والعجلة. رهق، كفرح في الكلّ، وكمعظّم: الموصوف بالرهق، ومَنْ يظنّ به السوء . انتهى (2).

ولمجيء الرهق بهذه المعاني بيّن عليه السلام ما هو المقصود منه هنا بقوله : (يعنون) أي يقصدون بقولهم: يرهق .

(يتبع النساء) .

في القاموس: «تبعه _ كفرح _ تبعا وتباعة: مشى خلفه، ومرَّ به فمضى معه. وتِبْعُ المرأة، بالكسر: عاشقها، وتابِعُها، وأتبعتهم : تبعتهم، وذلك إذا كانوا سبقوك فلحقتهم » (3). انتهى .

قيل : المراد هنا أنّه كان مائلاً إلى ملامستهنّ، ولا يلزم أن يكون ذلك على وجه الحرام مع احتماله (4).

ويفهم من قوله صلى الله عليه و آله : (لو كان نخّاسا لغفر اللّه له) ذمّ عظيم للنخّاس، وهو بيّاع الدوابّ والرقيق.

وقد وردت في ذمّه روايات اُخر ، ويفهم من بعضها تخصيص الذمّ ببيّاع الرقيق فقط، وأنّه قاسي القلب لا يبالي بالتدليس وبيع الأحرار .

وقد روي عن الباقر عليه السلام أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال : «إنّ شرّ الناس مَن باع الناس» (5).

ص: 37


1- في الحاشية: «النوك، بالضمّ والفتح: الحمق . القاموس». القاموس المحيط ، ج 3 ، ص 322 (نوك)
2- القاموس المحيط ، ج 3 ، ص 239 (رهق) مع تلخيص
3- .القاموس المحيط ، ج 3 ، ص 9 (تبع) مع التلخيص
4- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 418
5- الكافي ، ج 5 ، ص 114 ، ح 4 ؛ التهذيب ، ج 6 ، ص 362 ، ح 1037 ؛ الاستبصار ، ج 3 ، ص 63 ، ح 208 ؛ علل الشرائع ، ج 2 ، ص 530 ، ح 1

متن الحديث الثاني والثلاثين

اشارة

متن الحديث الثاني والثلاثينعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللّهِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسى، عَنْ مُيَسِّرٍ، قَالَ:

دَخَلْتُ عَلى أَبِي عَبْدِ اللّهِ عليه السلام ، فَقَالَ: «كَيْفَ أَصْحَابُكَ؟».

فَقُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، لَنَحْنُ عِنْدَهُمْ أَشَرُّ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارى وَالْمَجُوسِ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا.

قَالَ: وَكَانَ مُتَّكِئا، فَاسْتَوَى جَالِسا، ثُمَّ قَالَ: «كَيْفَ قُلْتَ؟».

قَالَ: (1). قُلْتُ: وَاللّهِ لَنَحْنُ عِنْدَهُمْ أَشَرُّ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارى وَالْمَجُوسِ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا.

فَقَالَ: «أَمَا وَاللّهِ، لَا يَدْخُلُ (2) النَّارَ مِنْكُمُ اثْنَانِ، لَا وَاللّهِ وَلَا وَاحِدٌ، وَاللّهِ إِنَّكُمُ الَّذِينَ قَالَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ: «وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالاً كُنّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ * أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ * إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النّارِ» »(3).

ثُمَّ قَالَ: «طَلَبُوكُمْ وَاللّهِ فِي النَّارِ، (4) فَمَا وَجَدُوا مِنْكُمْ أَحَدا».

شرح الحديث

السند موثّق على المشهور، إن كان ميسّر ابنَ عبد العزيز الثقة (5) ، كما هو الظاهر، وإلّا فمجهول .

قوله عليه السلام : (كيف قلتَ) ؛ سؤال على سبيل التعجّب والاستبعاد .

وقوله تعالى : «وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنْ الْأَشْرَارِ» الآية . مرّ تفسيره في خبر أبي بصير في الحديث السادس .

وقوله تعالى : «إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ» .

قال البيضاوي : «أي الذي حكيناه عنهم «لَحَقٌّ» لابدّ أن يتكلّموا به، ثمّ بيّن ما هو، فقال : «تَخاصُمُ أَهْلِ النّارِ» وهو بدلٌ من «لَحَقٌّ» ، أو خبر محذوف ، وقرئ «تخاصم» بالنصب

ص: 38


1- .في الطبعتين للكافي وجميع النسخ التي قوبلت في الطبعة الجديدة: - «قال»
2- في الطبعة القديمة: «لا تدخل»
3- ص : 62 - 64
4- .في النسخة: + «واللّه » مرمّز ب «خ»
5- .اُنظر : رجال الطوسي ، ص 309 ، الرقم 4572 ؛ رجال الكشّي ، ص 244 ، ح 446 ؛ رجال العلّامة ، ص 171 ، الرقم 11

على البدل من ذلك» (1).

متن الحديث الثالث والثلاثين (وصيّة النبيّ صلى الله عليه و آله لأمير المؤمنين عليه السلام )

اشارة

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى، عَنْ عَلِيِّ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ، قَالَ:سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللّهِ عليه السلام يَقُولُ: «كَانَ فِي وَصِيَّةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه و آله لِعَلِيٍّ عليه السلام أَنْ قَالَ: يَا عَلِيُّ، أُوصِيكَ فِي نَفْسِكَ بِخِصَالٍ، احْفَظْهَا (2). عَنِّي _ ثُمَّ قَالَ: اللّهُمَّ أَعِنْهُ _ أَمَّا الْأُولى فَالصِّدْقُ، وَلَا تَخْرُجَنَّ مِنْ فِيكَ كَذِبَةٌ أَبَدا. وَالثَّانِيَةُ الْوَرَعُ، وَلَا تَجْتَرِئْ عَلى خِيَانَةٍ (3). أَبَدا.

وَالثَّالِثَةُ الْخَوْفُ مِنَ اللّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ، كَأَنَّكَ تَرَاهُ.

وَالرَّابِعَةُ كَثْرَةُ الْبُكَاءِ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ، يُبْنى لَكَ بِكُلِّ دَمْعَةٍ أَلْفُ بَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ.

وَالْخَامِسَةُ بَذْلُكَ مَالَكَ وَدَمَكَ دُونَ دِينِكَ.

وَالسَّادِسَةُ الْأَخْذُ بِسُنَّتِي فِي صَلَاتِي وَصَوْمِي وَصَدَقَتِي. أَمَّا الصَّلَاةُ فَالْخَمْسُونَ رَكْعَةً، وَأَمَّا الصِّيَامُ فَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فِي الشَّهْرِ : الْخَمِيسُ فِي أَوَّلِهِ ، وَالْأَرْبِعَاءُ فِي وَسَطِهِ ، وَالْخَمِيسُ فِي آخِرِهِ. وَأَمَّا الصَّدَقَةُ فَجُهْدَكَ حَتّى تَقُولَ: قَدْ أَسْرَفْتُ وَلَمْ تُسْرِفْ.

وَعَلَيْكَ بِصَلَاةِ اللَّيْلِ، (4). وَعَلَيْكَ بِصَلَاةِ الزَّوَالِ، وَعَلَيْكَ بِصَلَاةِ الزَّوَالِ، وَعَلَيْكَ بِصَلَاةِ الزَّوَالِ، وَعَلَيْكَ بِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ عَلى كُلِّ حَالٍ، وَعَلَيْكَ بِرَفْعِ يَدَيْكَ فِي صَلَاتِكَ وَتَقْلِيبِهِمَا، وَعَلَيْكَ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ، وَعَلَيْكَ بِمَحَاسِنِ الْأَخْلَاقِ فَارْكَبْهَا، وَمَسَاوِي الْأَخْلَاقِ فَاجْتَنِبْهَا، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَلَا تَلُومَنَّ إِلَا نَفْسَكَ».

شرح الحديث

السند صحيح .

قوله : (في نفسك) ؛ يعني أنّ الخصال الآتية متعلّقة باُمور تختصّ بنفسك، لا بمعاشرة

ص: 39


1- تفسير البيضاوي ، ج 5 ، ص 53
2- .في الطبعة القديمة وحاشية النسخة : «فاحفظها»
3- .في الحاشية عن بعض النسخ: «جناية»
4- .في الحاشية عن بعض النسخ والتهذيب: «وعليك بصلاة الليل» ثلاث مرّات

الناس .

وقوله : (دونَ دينك) أي عند حفظ دينك وصيانته من التضييع، أو عند تحصيله. ويحتمل كون «دون» بمعنى سوى.

وقوله : (فجُهدك) أي فاجهد جهدك، وأبلغ غايتك، أو بقدر جهدك وطاقتك .

والجهد على الأوّل بالفتح والنصب ، وعلى الثاني بالضمّ والرفع بحذف المبتدأ أو الخبر .

وقوله : (ثلاثة أيّام في الشهر) ؛ قال الشهيد رحمه الله في الدروس : يتأكّد أوّل خميس في العشر الأوّل، وأوّل أربعاء في العشر الثاني، وآخر خميس في العشر الأخير .

وروي: «خميس بين أربعاءين، ثمّ أربعاء بين خميسين» (1). ، كقول ابن الجنيد (2) .

وروي: «مطلق الخميس والأربعاء في الأعشار الثلاثة»، كقول أبي الصلاح (3). (4).

وقال ابن الطاووس رحمه الله في الدروع الواقية : اعلم أنّ الظاهر من عمل أصحابنا أنّه أربعاء بين خميسين، غير أنّ الشيخ الطوسي رحمه اللهروى في تهذيبه عن أبي بصير، قال : سألت الصادق عليه السلام عن صوم ثلاثة أيّام في الشهر، فقال : «في كلّ عشرة أيّام يوما: خميس وأربعاء وخميس، والشهر الذي يأتي أربعاء وخميس وأربعاء» (5). فعلم من ذلك أنّ الإنسان مخيّر بين أن يصوم أربعاء بين خميسين، أو خميسا بين أربعاءين ، فعلى أيّهما عمل فليس عليه شيء ، والذي يدلّ على ذلك ما ذكره إسماعيل بن داود، قال : سألت الرضا عليه السلام عن الصيام ، فقال : «ثلاثة أيّام في الشهر: الأربعاء، والخميس، والجمعة» . فقلت : إنّ أصحابنا يصومون الأربعاء بين خميسين؟ فقال : «لا بأس بذلك، ولا بأس بخميس بين أربعاءين» (6). (7).

ثمّ قال : الفصل الحادي عشر فيما نذكره من الرواية بأنّه إذا اتّفق خميسان في أوّله ،

ص: 40


1- .اُنظر : وسائل الشيعة ، ج 7 ، ص 313
2- .اُنظر : مختلف الشيعة ، ج 1 ، ص 238
3- .اُنظر : الكافي في الفقه ، ص 180
4- الدروس الشرعيّة ، ج 1 ، ص 280 و 281
5- التهذيب ، ج 4 ، ص 303 ، ح 917
6- .التهذيب ، ج 4 ، ص 304 ، ح 918
7- الدروع الواقية ، ص 59 و 60 (مع تلخيص واختلاف يسير)

وأربعاءان في وسطه ، وخميسان في آخره، أنّ صوم الأوّل منهما أفضل.

فعن الصادق عليه السلام : «إذا كان أوّل الشهر خميسين، فصوم آخرهما أفضل ؛ وإذا كان وسط الشهر أربعاءين ، فصوم آخرهما أفضل» (1).

ثمّ قال :

ولعلّ المراد بذلك أنّ من فاته [صوم] الخميس الأوّل أو الأربعاء الأوّل، فإنّ الآخر منهما أفضل من تركهما؛ لأنّه لو لا هذا الحديث لربّما اعتقد الإنسان أنّه إذا فاته الأوّل منهما ترك صوم الآخر ، وأمّا اتّفاق خميسين في آخره، فقد روى ابن بابويه في كتاب من لايحضره الفقيه أنّ العالم عليه السلام سُئِلَ عن خميسين يتّفقان في آخر العشر ، فقال عليه السلام : «[صم] الأوّل منهما ، فلعلّك لا تلحق الثاني»(2).

ثمّ قال : أقول : هذان الحديثان يحتمل أنّهما لا يتنافيان، وذلك أنّه إذا كان يوم الثلاثين من الشهر يوم الخميس، وفيه خميس آخر في العشر، فينبغي أن يصوم الخميس الأوّل منهما؛ لجواز أن يهلّ الشهر ناقصا، فيذهب منه صوم يوم الخميس الثلاثين، بخلاف ما إذا كان يوم الخميس الآخر يوم التاسع والعشرين من الشهر، وقبله خميس آخر في العشر؛ فإنّ الأفضل هاهنا صوم الخميس الذي هو التاسع والعشرين؛ لأنّه لا يخاف فواته على اليقين (3) (وعليك بصلاة الزوال) أي نافلته على الظاهر (4). ، مع احتمال الفريضة حينئذٍ نظير قوله تعالى : «وَالصَّلَاةِ الْوُسْطى» (5). على قول .

وقوله : (برفع يديك) أي في التكبيرات .

وقوله : (وتقليبهما) .

لعلّ المراد ردّهما بعد الرفع، أو تقليبهما في أحوال الصلاة بأن يضعهما في كلّ حال على ما

ص: 41


1- نقله العلّامة المجلسي رحمه الله في بحار الأنوار ، ج 97 ، ص 105 ، ح 41 عن كتاب النوادر لجعفر بن مالك الفزاري ، عن أحمد بن ميثم ، عن زياد القندي ، عن عبداللّه بن سنان ، عن الإمام الصادق عليه السلام
2- الفقيه ، ج 2 ، ص 51 ، ح 223 . وعنه في بحار الأنوار ، ج 97 ، ص 105 ، ذيل ح 41
3- الدروع الواقية ، ص 61 - 63 (مع التلخيص واختلاف يسير)
4- .واستظهره أيضا العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 180
5- .البقرة (2) : 283

ينبغي أن تكونا عليه، أو رفعهما في القنوت، وجعل بطونهما إلى السماء بالتضرّع والابتهال .

وقوله صلى الله عليه و آله : (عند كلّ وضوء) .

لعلّ التخصيص للإشعار بتأكّده في الوضوء، أو بكونه من مستحبّاته .

متن الحديث الرابع والثلاثين

اشارة

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ بَكْرِ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (1) ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللّهِ، عَنْ أَبِيهِ عليهماالسلام، قَالَ:«قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله : حَسَبُ الْمَرْءِ دِينُهُ وَعَقْلُهُ وَمُرُوءَتُهُ (2). وَشَرَفُهُ وَجَمَالُهُ وَكَرَمُهُ تَقْوَاهُ».

شرح الحديث

السند ضعيف .

قوله : (حسبُ المرء دينُه) .

قال الجوهري : «الحَسَب: ما يعدّه الإنسان من مفاخر آبائه ، ويقال : حسبه دينه . ويُقال : ماله » (3).

(وعقله ومُروءته) .

في بعض النسخ: «ومروءته وعقله» . والمُروءة _ مهموز بعد الميم والراء _ : الإنسانيّة. واشتقاقه من المرء، وقد يخفّف بالقلب والإدغام؛ أي شرف المرء إنّما هو بالدِّين وكماله، لا بمفاخر آبائه وشرف أجداده.

(وجماله) أي حسنه وبهجته بالعقل والإنسانيّة والشرافة ؛ أي العلوّ والمجد في الدِّين (4).

(وكرمُهُ) أي كونه كريما شريفا مكرّما عند اللّه وعند الناس (تقواه) وورعه عن محارم اللّه عزّ وجلّ .

ص: 42


1- في الطبعة القديمة وبعض نسخ الكافي : + «بن محمّد بن عليّ بن عبداللّه بن جعفر الطيّار»
2- .في الطبعتين للكافي: «ومروءته وعقله». وفي بعض نسخ الكافي: + «ومروءته عقله»
3- الصحاح ، ج 1 ، ص 110 (حسب)
4- قال المحقّق الفيض رحمه الله في الوافي ، ج 4 ، ص 305 ، ح 1984 : «اُريد بالجمال الزينة الظاهرة من الأخلاق الحسنة والأطوار المستحسنة»

وقال بعض الشارحين في شرح هذا الكلام :

أي من له اعتقاد بالدِّين، ومروّة داعية لرعاية حقوق المؤمنين، وعقل مُدرك لما ثبت في الشرع من القوانين، وجمال ؛ أي حسن ظاهر بالأعمال الصالحة، وحسن باطن بالأخلاق الفاضلة، وتقوى من اللّه داعية إلى اجتناب المنهيّات، والسبق إلى الخيرات، فهو حسيب نجيب شريف كريم ، ومن لم يكن له هذه الخصال وإن كان ذا حسب بالآباء والجاه والمال فهو خسيس دنيء لئيم ؛ فربّ عبدٍ حبشيٍّ خيرٌ من حُرٍّ هاشميّ قرشيّ (1).

هذا كلامه، فتأمّل .

متن الحديث الخامس والثلاثين

اشاره

عَنْهُمْ، عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عُقْبَةَ وَثَعْلَبَةَ بْنِ مَيْمُونٍ وَغَالِبِ بْنِ عُثْمَانَ وَهَارُونَ بْنِ مُسْلِمٍ (2) ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، قَالَ:كُنْتُ عِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام فِي فُسْطَاطٍ لَهُ بِمِنًى، فَنَظَرَ إِلى زِيَادٍ الْأَسْوَدِ مُنْقَطِعَ الرِّجْلَيْنِ (3) ، فَرَثى لَهُ، فَقَالَ لَهُ: «مَا لِرِجْلَيْكَ هكَذَا؟».

قَالَ: جِئْتُ عَلى بَكْرٍ لِي نِضْوٍ، فَكُنْتُ أَمْشِي عَنْهُ عَامَّةَ الطَّرِيقِ، فَرَثى لَهُ، وَقَالَ لَهُ عِنْدَ ذلِكَ زِيَادٌ: إِنِّي أُلِمُّ بِالذُّنُوبِ حَتّى إِذَا ظَنَنْتُ أَنِّي قَدْ هَلَكْتُ، ذَكَرْتُ حُبَّكُمْ، فَرَجَوْتُ النَّجَاةَ، وَتَجَلّى عَنِّي.

فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام : «وَهَلِ الدِّينُ إِلَا الْحُبُّ؟ قَالَ اللّهُ تَعَالى: «حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْاءِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ» (4) ، وَقَالَ: «إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ» (5). ، وَقَالَ: «يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ» (6) ، إِنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه و آله ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ، أُحِبُّ الْمُصَلِّينَ وَلَا أُصَلِّي، وَأُحِبُّ الصَّوَّامِينَ

ص: 43


1- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 420
2- لم نجد مع الفحص الأكيد غير هنا رواية الحسن بن عليّ بن فضّال عن هارون بن مسلم ، ولا رواية هارون عن بريد بن معاوية ، واحتملنا التحريف في اسم هذا الرجل من ناحية النسّاخ ، والمظنون أنّ الصحيح هو : «مروان بن مسلم» ، وهو يروي عن بريد ، ويروي عنه الحسن ، كما تشاهد روايته عن بريد في الكافي ، ج 1 ، ص 177 ، ح 4 ؛ ورواية الحسن عنه في : ج 2 ، ص 224 ، ح 9 ؛ وج 3 ، ص 557 ، ح 3 ؛ وج 3 ، ص 563 ، ح 1 ؛ وغيرها
3- في الطبعة القديمة وحاشية النسخة : «منقلع الرجل»
4- الحجرات (49) : 7
5- آل عمران (3) : 31
6- الحشر (59) : 9

وَلَا أَصُومُ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله : أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ، وَلَكَ مَا اكْتَسَبْتَ.

وَقَالَ: مَا تَبْغُونَ وَمَا تُرِيدُونَ، أَمَا إِنَّهَا لَوْ كَانَتْ (1).

فَزْعَةٌ مِنَ السَّمَاءِ، فَزِعَ كُلُّ قَوْمٍ إِلى مَأْمَنِهِمْ، وَفَزِعْنَا إِلى نَبِيِّنَا، وَفَزِعْتُمْ إِلَيْنَا».

شرح الحديث

السند ضعيف .

قوله : (في فُسطاط) ؛ هو بالضمّ: السرادق من الأبنية .

وقوله : (منقطع الرجلين) بالنصب على الحاليّة من زياد .

وفي بعض النسخ: «منقلع الرجلين» (2) ، والمآل واحد .

والمقصود أنّهما انقطعا عن العمل من كثرة المشي .

(فرثى له) .

في النهاية: «رثى له، إذا رقَّ وتوجّع» (3).

وقوله : (على بَكر لي نِضو) بالجرّ صفة «بكر» .

قال الجزري : «البكر، بالفتح: الفتى من الإبل، بمنزلة الغلام من الناس ، والاُنثى: بكرة» (4).

وقال : «النضو، بالكسر: الدابّة التي أهزلتها الأسفار، وأذهبت لحمها» (5).

(فكنت أمشي عنه) أي معرضا عن ركوبه .

(عامّةَ الطريق) بتشديد الميم؛ أي تمامه، أو أكثره .

وقوله : (إنّي اُلمّ بالذنوب) إلى قوله : (وتجلّى عنّي) .

قال الجوهري : «الإلمام: النزول.

وقد أَلمَّ به ؛ أي نزل به. وألمَّ الرجل من اللمم، وهو صغار الذنوب» (6).

ص: 44


1- .في الطبعة القديمة : «كان»
2- كما ضبطه المحقّق الفيض رحمه الله في الوافي ، ج 5 ، ص 826 ، ح 3096 ، ثمّ قال في شرحه : «أي لم تثبت قدماه على الأرض»
3- النهاية ، ج 2 ، ص 196 (رثى)
4- النهاية ، ج 1 ، ص 149 (بكر)
5- النهاية ، ج 5 ، ص 72 (نضو)
6- الصحاح ، ج 5 ، ص 2032 (لمم) مع تلخيص

وفي القاموس: «جَلا الهمَّ عنه: أذهبه.

وقد انجلى، وتجلّى» (1).

وقيل : معنى «ألمَّ بالذنوب» أنزل بها، واقترفها، أو أقرب منها، وأكاد أقترفها، فذكر المحبّة على الأوّل بسبب رجاء النجاة من العقوبة، وتجلّى ظنّ الهلاك بها .

وعلى الثاني سبب لرجاء النجاة من الذنوب وتجلّيها عنه (2).

وأنت خبير بما في التوجيه الثاني من البُعد ، والظاهر الأوّل مع تخصيص الذنوب بالصغائر .

وقوله : (وهل الدِّين إلّا الحبّ) . اللّام فيه للعهد ؛ يعني ليس حقيقة الدِّين إلّا الحبّ المعهود، وهو حبّنا أهل البيت، فهو أصل لثبوت الدين ، فكأنّه نفسه وحقيقته .

وقوله تعالى : «حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الْاءِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ» (3). ؛ إمّا بنصب الأدلّة، أو بالتوفيق له، أو بما وعد عليه من النصر والفتح في الدنيا ، والجنّة والنعيم في الاُخرى .

ووجه تطبيق الآية على المدّعى ما أفاده بعض الأفاضل من أنّ الدين هو الإيمان ؛ أعني الإقرار باللّه وبالرسول والأوصياء، والإيمان لا يتحقّق إلّا بحبّهم بحكم الآية ، فالدين لا يتحقّق إلّا بحبّهم .

وبعبارة اُخرى : الإيمان هو الإقرار بعليّ أمير المؤمنين وأوصيائه عليهم السلام ؛ لأنّ الإقرار بهم يستلزم الإقرار باللّه وبرسوله، دون العكس، وهو لا يتحقّق إلّا بحبّهم، والتقريب على التقديرين واضح

وقال : «إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ»(4). الآية .

قال الفاضل المذكور : الدِّين _ وهو متابعة النبيّ صلى الله عليه و آله فيما جاء به، الذي أعظمه الولاية _ يتوقّف على المحبّة، وثمرته المحبّة، بدليل الشرط المذكور والمقدّر، فهو محفوف بالمحبّتين : محبّة العبد له تعالى، ومحبّته تعالى له، فلا يتحقّق إلّا بها، وهو المطلوب (5).

ص: 45


1- القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 313 (جلو)
2- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 421
3- الحجرات (49) : 7
4- آل عمران (3) : 31
5- .شرح المازندراني ، ج 11 ، ص 421

وقال : «يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إلَيْهِمْ» (1).

؛ مدحهم بحبّ المهاجرين، وليس إلّا بحبّهم للدين، وهو المطلوب .

وقوله : (اُحبّ المصلّين ولا اُصلّي) إلى آخره .

كأنّ المراد بالصلاة والصوم النافلة ، وفي إرادة العموم على ما هو الظاهر إشكال ، ويفهم من السياق أنّ الرجل كان مؤمنا مع احتمال عدمه، وأنّ المحبّة سبب للنجاة .

وقيل : قوله : (ولك ما اكتسبتَ) إشارة إلى أنّ أعمال الخير سبب لرفع الدرجات (2).

وقال أبو جعفر عليه السلام : (ما تَبغون) أي أيّ شيءٍ تطلبون أيّها الشيعة .

(وما تُريدون) بعد حصول ما هو أصل السعادة الأبديّة، والنجاة الاُخرويّة لكم .

وقوله : (فَزْعَة) بالضمّ، أو بالفتح .

قال الفيروزآبادي : «الفزعة: الذُّعر، والفَرَق .

وفزع إليه، كفرَح: لجأ .

وفُزَعة، كهُمزَة: من يفزع منهم .

وبالضمّ: من يفزع منه» (3).

وأقول : لعلّ المراد هنا ما يكون منشأ للفزع والخوف مطلقا، كالصور وأمثاله .

متن الحديث السادس والثلاثين

اشارة

سَهْلٌ (4) ، عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عُقْبَةَ وَعَبْدِ اللّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ:سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللّهِ عليه السلام يَقُولُ: «الْحَمْدُ لِلّهِ صَارَتْ فِرْقَةٌ مُرْجِئَةً، وَصَارَتْ فِرْقَةٌ حَرُورِيَّةً، وَصَارَتْ فِرْقَةٌ قَدَرِيَّةً، وَسُمِّيتُمُ التُّرَابِيَّةَ وَشِيعَةَ عَلِيٍّ، أَمَا وَاللّهِ، مَا هُوَ إِلَا اللّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَرَسُولُهُ صلى الله عليه و آله وَآلُ رَسُولِ اللّهِ عليهم السلام وَشِيعَةُ آلِ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه و آله ، وَمَا النَّاسُ إِلَا هُمْ، كَانَ عَلِيٌّ عليه السلام أَفْضَلَ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه و آله ، وَأَوْلَى النَّاسِ بِالنَّاسِ».

حَتّى قَالَهَا ثَلَاثا.

شرح الحديث

السند ضعيف .

ص: 46


1- . قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 421
2- الحشر (59) : 9
3- القاموس المحيط ، ج 3 ، ص 63 (فزع) مع التلخيص
4- السند معلّق على سابقه

قوله عليه السلام : (الحمد للّه ) إلى آخره ؛ حمد اللّه لوجود الفرقة الناجية الآتية، لا بوجود الفرق الهالكة .

قال الجزري : المرجئة: فرقة من فِرَق الإسلام يعتقدون أنّه لا يضرّ مع الإيمان معصية، كما [أنّه] لا ينفع مع الكفر طاعة . سُمّوا مرجئة ؛ لاعتقادهم أنّ اللّه تعالى أرجأ تعذيبهم على المعاصي ؛ أي أخّره عنهم . والمرجئة تهمز ولا تهمز، وكلاهما بمعنى واحد (1). (2).

وقال صاحب الملل والنحل : المرجئة كما يطلق على طائفة يؤخّرون العمل عن النيّة والعقد ، وعلى طائفة يؤخّرون حكم صاحب الكبيرة إلى يوم القيامة، ولا يقضون عليه بحكم ما في الدنيا، وهم والوعيديّة فرقتان متقابلتان، كذلك تطلق على من أخّر عليّا عليه السلام من الدرجة الاُولى إلى الرابعة ، وهم والشيعة فرقتان متقابلتان . انتهى (3).

والحروريّة: الخوارج ؛ سمّوا بها لأنّ مبدأ اجتماعهم كان في قرية تسمّى «حروراء» بالفتح والمدّ، وقد يقصّر، وهي قرية بالكوفة .

والقدريّة: قد تطلق على المعتزلة القائلين باستقلال العباد في أفعالهم الاختياريّة ، وعدم مدخليّة مشيئة اللّه سبحانه وإرادته فيها .

وقد تُطلق على الأشاعرة، وهم الجبريّة القائلين بأنّ أفعال العباد خيرها وشرّها صادرة عنه تعالى، ولا مدخليّة للعبد فيها إلّا باعتبار المحلّيّة فقط، أو الكسب ؛ يعني صدور الفعل مقارنا لإرادته التي لا مدخل لها فيه ، بل إذا تعلّقت قدرته بفعل بادرت القدرة الإلهيّة، فتوجده .

(وسمّيتم التُّرابيّة) ؛ باعتبار انتسابكم إلى أبي تراب، وهو كنية عليّ عليه السلام .

وقوله : (ما هو إلّا اللّه ...) ؛ لعلّ الضمير راجع إلى الحقّ، أو إلى المحقّ، والعارف بالحقّ المعلوم بقرينة المقام، أو إلى من وجبت طاعته، كما قيل؛ (4) وفيه بُعْد .

وقوله : (وما الناس إلّا هُم) أي الرسول والأئمّة وشيعتهم .

ص: 47


1- .في المصدر : «التأخير» بدل «واحد»
2- النهاية، ج 2 ، ص 206 (رجا)
3- الملل النحل ، ج 1 ، ص 139 (مع تلخيص واختلاف يسير)
4- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 422

وقيل : المراد بالناس هذا الهيكل مع كمال صورته الظاهرة بالأعمال الصالحة وصورته الباطنة بالعلم والإيمان والأخلاق الفاضلة، دون الهيكل فقط ؛ لأنّه بدون الصورة المذكورة عند أهل الحقّ في الظاهر، كالناس المصنوع من الخشب، كما قال تعالى : «كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ» (1) ، وفي الباطن كالكلب أو الحمار، كما قال : «فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ» (2) ، وقال : مثلهم «كَمَثَلِ الْحِمَارِ» (3) (4).

وقوله : (وأولى الناس بالناس) أي بأمرهم وإمارتهم .

(حتّى قالها) أي هذه الكلمات، وهي قوله : (كان عليّ أفضل الناس) إلى آخره .

متن الحديث السابع والثلاثين

اشاره

عَنْهُ، عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبَانٍ الْكَلْبِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْوَاسِطِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام ، قَالَ:

قُلْتُ لَهُ: أَصْلَحَكَ اللّهُ، لَقَدْ تَرَكْنَا أَسْوَاقَنَا انْتِظَارا لِهذَا الْأَمْرِ، حَتّى لَيُوشِكُ الرَّجُلُ مِنَّا أَنْ يَسْأَلَ فِي يَدِهِ، فَقَالَ: «يَا [أَبَا] عَبْدِ الْحَمِيدِ، أَ تَرى مَنْ حَبَسَ نَفْسَهُ عَلَى اللّهِ أَنْ (5) لَا يَجْعَلَ اللّهُ لَهُ مَخْرَجا؟! بَلى، وَاللّهِ لَيَجْعَلَنَّ اللّهُ لَهُ مَخْرَجا، رَحِمَ اللّهُ عَبْدا أَحْيَا أَمْرَنَا».

قُلْتُ: أَصْلَحَكَ اللّهُ، إِنَّ هؤُلَاءِ الْمُرْجِئَةَ يَقُولُونَ: مَا عَلَيْنَا أَنْ نَكُونَ عَلَى الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ حَتّى إِذَا جَاءَ مَا تَقُولُونَ: كُنَّا نَحْنُ وَأَنْتُمْ سَوَاءً؟

فَقَالَ: «يَا عَبْدَ الْحَمِيدِ، صَدَقُوا، مَنْ تَابَ تَابَ اللّهُ عَلَيْهِ، وَمَنْ أَسَرَّ نِفَاقا فَلَا يُرْغِمُ اللّهُ إِلَا بِأَنْفِهِ، وَمَنْ أَظْهَرَ أَمْرَنَا أَهْرَقَ اللّهُ دَمَهُ، يَذْبَحُهُمُ اللّهُ عَلَى الْاءِسْلَامِ، كَمَا يَذْبَحُ الْقَصَّابُ شَاتَهُ».

قَالَ: قُلْتُ: فَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ وَالنَّاسُ فِيهِ سَوَاءٌ؟

قَالَ: «لَا، أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ سَنَامُ الْأَرْضِ وَحُكَّامُهَا، لَا يَسَعُنَا فِي دِينِنَا إِلَا ذلِكَ».

قُلْتُ: فَإِنْ مِتُّ قَبْلَ أَنْ أُدْرِكَ الْقَائِمَ عليه السلام ؟

ص: 48


1- المنافقون (63) : 4
2- الأعراف (7) : 176
3- الجمعة (62) : 5
4- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 422 و 423
5- في الطبعتين للكافي وجميع النسخ التي قوبلت في الطبعة الجديدة : - «أن»

قَالَ: «إِنَّ الْقَائِمَ (1) مِنْكُمْ إِذَا قَالَ: إِنْ أَدْرَكْتُ قَائِمَ آلِ مُحَمَّدٍ نَصَرْتُهُ، كَالْمُقَارِعِ مَعَهُ بِسَيْفِهِ، وَالشَّهَادَةُ مَعَهُ شَهَادَتَانِ».

شرح الحديث

السند ضعيف .

قوله : (لقد تركنا أسواقنا) إلى آخره .

لمّا كان الأئمّة عليهم السلام أبهموا الأمر على شيعتهم لمصلحة، كانوا يرجون أن يكون ظهور دولة الحقّ والخروج بالسيف على يد غير الإمام الثاني عشر، ولا يزالون منتظرين لذلك .

وقيل : لعلّ ترك الأسواق لتهيئتهم للحرب، واشتغالهم بما يوجب ممارستهم فيها. أو لقوّة رجائهم وتقريبهم هذا الأمر، فتركوا المكاسب؛ لغفلتهم بعدم احتياجهم إليها بعد ظهور هذا الأمر ، أو لاهتمامهم بطلب العلم وهداية الحقّ ، وعدم اعتنائهم بالتجارة رجاءً لما ذكر (2).

وقال الفاضل الأمين : كأنّه ناظر إلى ما نطقت به الأحاديث من أنّ اللّه تعالى قدّر أوّلاً أن يكون ظهور الأمر على يد الصادق عليه السلام ، ثمّ قدّر تقديرا آخر أن يكون على يد المهدي ، فهذه الجماعة كانوا غافلين عن التقدير الآخر، فاشتغلوا بأخذ السلاح وتعلّم آداب الحرب وما أشبه ذلك (3).

وقوله : (حَبَس نفسَه على اللّه ) أي على طاعته ، أو حبس نفسه في الطاعة متوكّلاً على اللّه .

ويحتمل كون «على» بمعنى اللّام؛ أي حبس للّه طاعته .

ولعلّ المراد ب «هؤلاء المرجئة» مطلق من أخّر عليّا عليه السلام عن غيره .

وقوله : (يقولون ما علينا) إلى قوله : (صدقوا) .

قيل : كأنّهم قالوا : ما نحن عليه من الاعتقاد بخلافة الثلاثة على تقدير بطلانه، كما زعمتم لا يضرّنا (إذا جاء ما تقولون) من ظهور المهديّ المنكر لخلافتهم، فإنّا إذا علمنا أنّه أيضا ينكرها كما تنكرونها نؤمن به، ونتوب عمّا كنّا فيه، والتوبة تمحق تلك الخطيئة عنّا ، وحينئذٍ

ص: 49


1- في كلتا الطبعتين وأكثر النسخ التي قوبلت في الطبعة الجديدة : «القائل» بدل «القائم»
2- قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 183 - 184
3- حكاه عنه المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 423

نحن وأنتم سواء في الدين وأمر الخلافة .

فأجاب عليه السلام بأنّهم في هذا القول صادقون؛ فإنّ (من تاب) توبةً خالصة (تاب اللّه عليه) وقبل توبته (1).

(ومَنْ أسرَّ نفاقا) وأبطنه وأظهر الإيمان بلسانه وجوارحه .

(فلا يُرغم اللّه إلّا بأنفه) .

في القاموس: «الرغم: الكُره _ ويثلّث _ والتراب، كالرغام، والذلّ. ورغم أنفي للّه ، مثلّثة: ذلّ عن كره. وأرغمه الذلّ، وأرغمه اللّه : أسخطه» (2). ؛ يعني من أسرّ نفاقا أذلّه اللّه وأسخطه في الدنيا والآخرة .

وقيل : إنّ الرغم مأخوذ من المراغمة، وهي الاضطراب والتحيّر ؛ يعني جعله اللّه مضطربا متحيّرا أبدا (3).

(ومن أظهر أمرنا أهرق اللّه دمه) أي من أفشى سرّنا بترك التقيّة، وأظهر التشيّع عند المخالفين ، يمكّنهم اللّه من إهراق دمه .

وهذا إمّا خبر، أو دعاء . وقيل : دعاء على مَن أظهر أسرارهم من أهل النفاق عند أعدائهم للإضرار بهم وبشيعتهم (4).

وقيل : يحتمل أن يكون المراد: من ادّعى الإمامة بغير حقّ، وخرج بغير إذن الإمام(5).

وأصل أهراق: أراق. يُقال : أراق الماء، إذا صبّه ، ثمّ اُبدلت الهمزة هاء، فقيل : «هراقه» بفتح الهاء، ثمّ جمع بين البدل والمبدل منه، فقيل : «أهراق».

وضمير «دمه» راجع إلى لفظ الموصول ، وفي قوله : (يَذبحهم اللّه على الإسلام) راجع إليه باعتبار المعنى .

والذبح: الشقّ، والفتق، والنحر، والخنق. وفعله كمنع .

ص: 50


1- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 423
2- القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 121 (رغم)
3- راجع : شرح المازندراني ، ج 11 ، ص 424
4- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 424
5- قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 184

ويحتمل أن يكون «على» للتعليل؛ أي لأجل تضييعهم حدود الإسلام، وعدم عملهم بقوانينه .

وقيل : الظاهر أنّ الظرف حال عن المفعول، وأنّ «على» للاستعلاء والاستيلاء (1) ؛ أي مع كونهم داخلين على الإسلام غير خارجين منه .

وفي القاموس: «قَصَبه يقصبه : قطعه . والقصّاب: الزمّار» (2).

وقوله : (فنحن يومئذٍ والناس فيه سواء) متفرّع على قوله عليه السلام : «صدقوا» ، والضمير لليوم، والناس المخالفون الذين تابوا عند ظهور دولة الحقّ .

والمراد بالمساواة المشاركة في الدرجة والمنزلة الرفيعة عند الصاحب عليه السلام .

وقوله : (سنام الأرض وحكّامها) كناية عن دولة الشيعة يومئذٍ، ورفعة قدرهم، ونفاذ أمرهم .

وأصل السنام _ بالفتح _ ما هو للإبل، ومن الأرض: وسطها، ثمّ استعمل في أعالي الشيء كائنا ما كان .

(لا يسعنا في ديننا إلّا ذلك) أي لا يجوز لنا في قوانين ديننا إلّا أن نفضّلكم بسبق إيمانكم على غيركم .

وقوله : (إنّ القائم منكم) أي الذي يقوم لنصرته عليه السلام ، ويستعدّ له .

وفي بعض النسخ: «القائل منكم»، وهو الظاهر .

وقوله : (كالمُقارع) خبر «إنّ» .

في القاموس: «قَرَع رأسه بالعصا: ضربه . والمقارعة: أن تقرع الأبطال بعضهم بعضا» (3). وقوله : (والشهادة معه شهادتان) ؛ لعلّ المراد أنّ للمتمنّي ثواب شهادة واحدة ، ولمن أدركها معه ثواب شهادتين؛ لشهادته معه، ولكونه مؤمنا منتظرا لظهور دولته عليه السلام .

وقد روي : «أنّ المؤمن شهيد، وإن مات على فراشه» (4).

ص: 51


1- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 424
2- القاموس المحيط ، ج 1 ، ص 117 (قصب) مع التلخيص
3- القاموس المحيط ، ج 3 ، ص 68 (قرع)
4- اُنظر : الأمالي للطوسي ، ص 676 ، ح 1426 . وعنه في بحار الأنوار ، ج 52 ، ص 144، ح 64

أو المراد أنّ للمتمنّي ثواب الشهادة معه ، وللشهادة معه ثواب شهادتين مع غيره ، فللمتمنّي ثواب شهادتين .

وقيل : المراد أنّ الحضور معه حضوران: بالقَصد، والفِعل (1).

متن الحديث الثامن والثلاثين

اشارة

عَنْهُ (2) ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ الْوَلِيدِ الْكِنْدِيِّ، قَالَ:دَخَلْنَا عَلى أَبِي عَبْدِ اللّهِ عليه السلام فِي زَمَنِ مَرْوَانَ، فَقَالَ: «مَنْ أَنْتُمْ؟». فَقُلْنَا: مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَقَالَ: «مَا مِنْ بَلْدَةٍ مِنَ الْبُلْدَانِ أَكْثَرَ مُحِبّا لَنَا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَلَا سِيَّمَا هذِهِ الْعِصَابَةِ، إِنَّ اللّهَ _ جَلَّ ذِكْرُهُ _ هَدَاكُمْ لأمْرٍ جَهِلَهُ النَّاسُ، وَأَحْبَبْتُمُونَا وَأَبْغَضَنَا النَّاسُ، وَاتَّبَعْتُمُونَا وَخَالَفَنَا النَّاسُ، وَصَدَّقْتُمُونَا وَكَذَّبَنَا النَّاسُ، فَأَحْيَاكُمُ اللّهُ مَحْيَانَا، وَأَمَاتَكُمُ [اللّهُ ] مَمَاتَنَا، فَأَشْهَدُ عَلى أَبِي أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا بَيْنَ أَحَدِكُمْ وَبَيْنَ أَنْ يَرى مَا يُقِرُّ اللّهُ بِهِ (3). عَيْنَهُ، وَأَنْ يَغْتَبِطَ إِلَا أَنْ تَبْلُغَ نَفْسُهُ هذِهِ _ وَأَهْوى بِيَدِهِ إِلى حَلْقِهِ _ وَقَدْ قَالَ اللّهُ _ عَزَّ وَجَلَّ _ فِي كِتَابِهِ: «وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجا وَذُرِّيَّةً» (4) ، فَنَحْنُ ذُرِّيَّةُ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه و آله ».

شرح الحديث

السند ضعيف .

قوله : (أكثر محبّا لنا من أهل الكوفة، ولا سيّما هذه العصابة) .

«العصابة» بالكسر: الجماعة.

ولعلّها إشارة إلى جماعة مخصوصين من أهل الكوفة، ويكون المراد بالمحبّ الشيعة مطلقا .

وقيل : لعلّ المراد بالمحبّ أعمّ من الشيعة؛ أي محبّنا في الكوفة أكثر من غيرها، وفضل عدد الشيعة فيها على غيرها أكثر من فضل عدد المحبّ (5).

ص: 52


1- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 424
2- الظاهر أنّ الضمير راجع إلى سهل المذكور في سند الحديث (36)
3- .في الطبعة الجديدة وجميع النسخ التي قوبلت فيها والوافي : - «به»
4- .الرعد (13) : 38
5- قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 185

(فأحياكم اللّه مَحيانا) إلى آخره .

في النهاية: «المحيا: مَفعل من الحياة، ويقع على المصدر والزمان والمكان» (1) ؛ أي جعل حياتكم وموتكم كحياتنا وموتنا في المسابقة إلى الخيرات والفوز بالسعادات .

وقوله : (فأشهد) على صيغة المتكلّم .

وقوله : (يغتبط) على بناء الفاعل ، أو المفعول .

قال الفيروزآبادي : «الغبطة، بالكسر: حسن الحال، والمسرّة. وقد اغتبط، والحسدُ» (2).

والحاصل أنّ الشيعة إذا مات لم يتخلّل بينه وبين ثوابه عقاب أصلاً .

متن الحديث التاسع والثلاثين

اشاره

حُمَيْدُ بْنُ زِيَادٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكِنْدِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عُدَيْسٍ، عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي الصَّبَّاحِ، قَالَ:

سَمِعْتُ كَلَاما يُرْوى عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه و آله وَعَنْ عَلِيٍّ عليه السلام وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَعَرَضْتُهُ عَلى أَبِي عَبْدِ اللّهِ عليه السلام ، فَقَالَ:

«هذَا قَوْلُ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه و آله أَعْرِفُهُ». قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله : الشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ، وَأَكْيَسُ الْكِيسِ التَّقِيُّ، وَأَحْمَقُ الْحُمْقِ الْفَجُورُ، وَشَرُّ الرَّوِيِّ رَوِيُّ الْكَذِبِ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَأَعْمَى الْعَمى عَمَى الْقَلْبِ، وَشَرُّ النَّدَامَةِ نَدَامَةُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَعْظَمُ الْخَطَايَا عِنْدَ اللّهِ لِسَانُ الْكَذَّابِ، وَشَرُّ الْكَسْبِ كَسْبُ الزِّنى، (3) وَشَرُّ الْمَآكِلِ أَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَأَحْسَنُ الزِّينَةِ زِينَةِ الرَّجُلِ هَدْيٌ حَسَنٌ مَعَ إِيمَانٍ، وَأَمْلَكُ أَمْرِهِ بِهِ وَقِوَامُ خَوَاتِيمِهِ.

وَمَنْ يَتَّبِعِ السُّمْعَةَ يُسَمِّعِ اللّهُ بِهِ الْكَذِبَةَ، وَمَنْ يَتَوَلَّ الدُّنْيَا يَعْجِزْ عَنْهَا، وَمَنْ يَعْرِفِ الْبَلَاءَ يَصْبِرْ عَلَيْهِ، وَمَنْ لَا يَعْرِفْهُ يَنْكُلْ.

وَالرَّيْبُ كُفْرٌ، وَمَنْ يَسْتَكْبِرْ يَضَعْهُ اللّهُ، وَمَنْ يُطِعِ الشَّيْطَانَ يَعْصِ اللّهَ، وَمَنْ يَعْصِ اللّهَ يُعَذِّبْهُ اللّهُ، وَمَنْ يَشْكُرْ يَزِيدُهُ اللّهُ، وَمَنْ يَصْبِرْ عَلَى الرَّزِيَّةِ يُعِينُهُ اللّهُ، وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ فَحَسْبُهُ اللّهُ.

ص: 53


1- النهاية ، ج 1 ، ص 471 (حيا)
2- القاموس المحيط ، ج 2 ، ص 375 (غبط)
3- في كلتا الطبعتين ومعظم النسخ التي قوبلت في الطبعة الجديدة : «الربا»

لَا تُسْخِطُوا اللّهَ بِرِضَا أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، وَلَا تَقَرَّبُوا إِلى أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ تَتَبَاعَدُوا (1) مِنَ اللّهِ؛ فَإِنَّ اللّهَ _ عَزَّ وَجَلَّ _ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ شَيْءٌ يُعْطِيهِ بِهِ خَيْرا، وَلَا يَدْفَعُ بِهِ عَنْهُ شَرّا إِلَا بِطَاعَتِهِ وَاتِّبَاعِ مَرْضَاتِهِ، وَإِنَّ طَاعَةَ اللّهِ نَجَاحٌ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ يُبْتَغى، وَنَجَاةٌ مِنْ كُلِّ شَرٍّ يُتَّقى، وَإِنَّ اللّهَ _ عَزَّ ذِكْرُهُ _ يَعْصِمُ مَنْ أَطَاعَهُ، وَلَا يَعْتَصِمُ بِهِ مَنْ عَصَاهُ، وَلَا يَجِدُ الْهَارِبُ مِنَ اللّهِ _ عَزَّ وَجَلَّ _ مَهْرَبا، وَإِنَّ أَمْرَ اللّهِ نَازِلٌ وَلَوْ كَرِهَ الْخَلَائِقُ، وَكُلُّ مَا هُوَ آتٍ قَرِيبٌ، مَا شَاءَ اللّهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، فَتَعَاوَنُوا (2) عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى «وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْاءِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ» »(3).

شرح الحديث

السند مجهول .

ورواه الصدوق رحمه الله في الفقيه (4) وفي أماليه (5). بسند حسن، مع زيادات .

قوله : (الشقيّ من شقي) .

وفي بعض الروايات: «السعيد سعيد في بطن اُمّه، والشقيّ شقيّ في بطن اُمّه»(6).

والمشهور في تفسيره أنّ اللّه تعالى لمّا علم سعادة كلّ شخص، وهي ثباته في سبيل اللّه وسلوكه فيه، وعلم شقاوة كلّ أحد ، وهي سلوكه في سبيل الطاغوت وثباته فيه ، فالسعيد من هو في علم اللّه أن يكون في عاقبة أمره سعيدا، وإن كان بالنظر إلى ظاهر أحواله في أكثر عمره عند الناس شقيّا ، وكذا الشقيّ . ولمّا كان وجوده العيني وانطباق العلم بالمعلوم في بدو وجوده في بطن اُمّه ، نسب السعادة والشقاوة إليه في هذا الوقت .

أو المراد من بطن الاُمّ ما قبل الولادة مطلقا .

هذا ولا يبعد أن يكون الحديث إشارة إلى كسب ما انجرّ إلى السعادة والشقاوة، أعني

ص: 54


1- في الحاشية عن بعض النسخ: «بتباعد». وفي بعض النسخ الكافي والوافي : «يتباعد» . وفي بعض النسخ : «يتباعدوا»
2- .في الحاشية عن بعض النسخ: «و تعاونوا»
3- المائدة (5) : 2
4- الفقيه ، ج 4 ، ص 402 ، ح 5868
5- الأمالي للصدوق ، ص 487 ، ح 1 . والسند فيه هكذا : «حدّثنا الشيخ الفقيه أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّي رحمه الله ، قال : حدّثنا أبي، قال : حدّثنا عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه إبراهيم بن هاشم ، عن صفوان بن يحيى ، عن أبي الصبّاح الكناني»
6- اُنظر : تفسير روح البيان ، ج 1 ، ص 104

أسبابهما ومباديهما في التكليف الأوّل بقدرته واختياره، كما نطقت به صريح كثير من الأخبار .

(وأكيس الكيس التقيّ) .

يمكن كون «الكيس» و«التقي» مصدرين، وإسنادهما إلى «أكيس» إسنادا مجازيّا.

ويحتمل كونهما على صيغة صفة المشبّهة. والأوّل أقرب وأنسب بالفقرات الآتية .

وأصل الفجور : الميل . والفاجر : المائل . ثمّ استعمل في الفسق والكذب .

(وشرّ الرويّ رويّ الكذب) .

«الروِيّ»: فعيل بمعنى الفاعل؛ إمّا من الرؤية، وهي التفكّر في الأمر، أو من الرويّ بمعنى الشرب التامّ، كما ذكره في القاموس (1) ؛ أي شرّ الارتواء الارتواء من قول الكذب والتملّي منه، أو من كثرة سماعه، أو هما معا .

و يحتمل أن يكون من الرواية ، ويؤيّده ما في نسخ الفقيه والأمالي : «وشرّ الرواية رواية الكذب» (2).

وفي بعض نسخ الكتاب : «وشرّ الرداء رداء الكذب» ؛ أي الارتداء به، وجعله شعارا لنفسه .

وفي روايات العامّة : «شرّ الروايا روايا الكذب» (3).

قال صاحب النهاية: في حديث عبداللّه : شرّ الروايا روايا الكذب . هي جمع «رويّة»، وهي ما يُروِّي الإنسان في نفسه من القول والفعل ؛ أي يزوّر، ويفكّر، وأصلها الهمزة . يُقال : روّأت في الأمر . وقيل : هي جمع «راوية» للرجل الكثير الرواية ، والهاء للمبالغة . وقيل : هي جمع «راوية» ؛ أي الذين يروون الكذب؛ أي تكثر رواياتهم فيه (4).

ص: 55


1- اُنظر : القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 337 (روي)
2- الفقيه ، ج 4 ، ص 402 ، ح 5868 ؛ الأمالي للصدوق ، ص 487 ، ح 1
3- سنن الدارمي ، ج 2 ، ص 299 ؛ شرح مسلم للنووي ، ج 16 ، ص 161 ؛ المعجم الأوسط ، ج 8 ، ص 32 ؛ مسند الشهاب ، ج 2 ، ص 264 ؛ الجامع الصغير، ج 1 ، ص 245
4- النهاية ، ج 2 ، ص 279 (روي)

وقوله : (مُحدَثاتها) بفتح الدال، جمع محدَثة، وهي ما لم يُعرف في الدِّين من الاُمور المبتدعة المخترعة، ومقابلها الاُمور القديمة المعروفة في الكتاب والسنّة .

(وأعمى العمى عمى القلب) .

لعلّ «أعمى» أفعل صفة، لا «أفعل» تفضيل؛ لأنّ اشتقاقه من العيوب الظاهرة ليس بقياس، بخلاف الأحمق؛ فإنّه يصحّ كونه للتفضيل لكونه من العيوب الباطنة ، إلّا أن يقال: لمّا نسب العمى إلى القلب صارت من الباطنة، أو حكم بشذوذه . أو نقول : المراد بالعمى أثره ومقتضاه. وكأنّ هذا الأخير أحسن الوجوه .

(وأعظم الخطايا عند اللّه لسان الكذّاب) أي خطيئة لسانه . أو المراد باللسان الكلام ، وقد شاع استعماله فيه، كما يقال : فلان يتكلّم بلسان العرب. أو نقول: حُمِل اللسان على الخطايا مبالغة ومجازا من قبيل تسمية المحلّ باسم الحالّ . وفي الفقيه: «شرّ المخطئين» بدل «أعظم الخطايا» (1).

وقوله : (كسب الزنا) (2).

في بعض النسخ: «الربا» بالراء المهملة والباء الموحّدة، وكذا في نسخ الفقيه .

(وشرّ المآكل أكل مال اليتيم) ؛ كأنّ «المآكل» مصدر ميميّ؛ لحمل المصدر عليه .

وقوله : (زينة الرجل) بالجرّ بدل من «الزينة»، أو عطف بيان له .

ولعلّ تخصيصها بالذكر للاهتمام، وكونها للتمثيل بعيد .

وقوله : (هَدْيٌ) بالفتح والسكون: السيرة، والطريقة.

ورفعه على الخبريّة من «أحسن». ووصفه بالحَسن؛ للاحتراز عمّا يقابله. وتقييده بالإيمان؛ لترتّب الانتفاع الاُخروي عليه .

وقوله : (وأملكُ أمره به) عطف على «أحسن الزينة» .

والضمير الأوّل للرجل، والثاني للهَدي . وفي القاموس: «ليس له ملاك _ كسحاب _ لا يتمالك، ومَلاك الأمر، ويكسر: قوامه الذي يملِك به» (3).

ص: 56


1- الفقيه ، ج 4 ، ص 402 ، ح 5868
2- في كلتا الطبعتين ومعظم النسخ التي قوبلت في الطبعة الجديدة : «كسب الربا»
3- القاموس المحيط ، ، ج 3 ، ص 320 (ملك)

(وقِوام خواتيمه) عطف أيضا على «أحسن»، وضميره للرجل . قال الفيروزآبادي :

«القَوام، كسَحاب: العدل، وما يعاش به. وبالكسر: نظام الأمر، وعماده، وملاكه» (1)

وقال :

الخِتام، ككتاب: الطين، يختم فيه على الشيء. والخاتم: ما يوضع على الطبيعة، وحَلْيٌ للإصبع كالخاتِم. الجمع: خواتِم، وخواتيم. ومن كلّ شيء: عاقبته ، وآخرته _ كخاتمته _ وآخر القوم . انتهى (2).

ولعلّ ملاك أمره بالهدي الحسن في حال الحياة، وقوام خواتيمه به بعد الممات .

وقال بعض الأفاضل في شرح هذا الكلام : «أي الهدي الحَسَن أملك الاُمور له، فيفكّه، ويخلّصه عن الشهوات والشرور، وهو سبب لقوامه وخواتيم اُموره وصلاحها» .

قال : «ويحتمل أن يكون الواو في قوله : «وقوام» زيدت من النسّاخ . وفي الفقيه والأمالي : أحسن زينة الرجل السكينة مع إيمان» (3) . هذا كلامه، فتأمّل .

(ومن يتّبع (4). السمعة يسمّع اللّه به الكذبة) .

«يتّبع» بتخفيف التاء وتشديدها . يُقال : تبعتُ القوم تبعا وتباعا وتباعةً، إذا مشيت خلفهم، أو مرّوا بك فمضيت معهم ، وكذلك اتّبعتهم على افتعلت .

والضمير المجرور راجع إلى الموصول . و«الكِذْبَةُ» بالكسر: مصدر، وكذلك كَذِبة، بفتح الكاف وكسر الذال . وقيل : لعلّ المراد بها كذبة نفسه. يقال: كَذَبَتْهُ نفسُه، إذا منّته الأمانيّ، وخيّلت إليه الآمال، فتُنشِّطهُ، وتبعثه على فعل ما يفضى إليها من الأعمال (5). انتهى .

وقوله : «يسمّع» من السميع . قال الفيروزآبادي : «ما فعله رياءً ولا سمعة، وتضمّ وتحرّك، وهي ما نوّه بذكره ليرى ويُسمع. والتسميع: التشييع، والتشهير» (6).

ص: 57


1- القاموس المحيط ، ، ج 4 ، ص 168 (قوم)
2- القاموس المحيط ، ، ج 4 ، ص 102 (ختم)
3- .مرآة العقول ، ج 25 ، ص 187
4- .في الوافي : «يبتغ» من الابتغاء ، بمعنى الطلب
5- . قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 427
6- القاموس المحيط ، ج 3 ، ص 40 (سمع)

وقال الجزري: فيه: «من سمّع الناسَ بعلمه، سمّع اللّه به سامِعَ خَلقِهِ» . وفي رواية: «أسامع خَلْقهِ» . يُقال : سمّعت بالرجل تسميعا وتَسمِعَةً، إذا شهّرته، وندّدت به . وسامع: اسم فاعل من سَمِعَ. وأسامع: جمع أسمُع. وأسمُع : جمع قلّة سَمْع. وسَمّع فلان بعلمه، إذا أظهره ليسمع. فمن رواه: سامعُ خلقه _ بالرفع _ جعله من صفة اللّه تعالى؛ أي سمع اللّه الذي هو سامع خلقه به الناس. ومن رواه: أسامِع، أراد أنّ اللّه تعالى يسمّع به أسامع خَلقهِ يوم القيامة .

وقيل : أراد من سمّع الناس بعلمه ، سمّعه اللّه ، وأراه ثوابه من غير أن يعطيه .

وقيل : من أراد بعلمه الناس أسمعه اللّه تعالى الناس، وكان ذلك ثوابه .

وقيل : المراد أنّ من يفعل فعلاً صالحا في السرّ، ثمّ يُظهره ليسمعه الناس ، ويُحمَد عليه؛ فإنّ اللّه تعالى يسمّع به، ويُظهر إلى الناس غرضه، وأنّ عمله لم يكن خالصا .

وقيل : يريد من نسب إلى نفسه عملاً صالحا لم يفعله، وادّعى خيرا لم يصنعه؛ فإنّ اللّه تعالى يفضحه، ويظهر كذبه (1).

وقال الطيبي : ومن نصب سامع يريد سمّع اللّه به من كان له سمع مِنْ خَلْقه (2).

(ومن يتولّ الدُّنيا يعجز عنها) .

يُقال : تولّى العمل ؛ أي تقلّد ؛ أي لا يمكن لأحد تحصيل جميع ما هو مطلوبه منها؛ فإنّ اُمورها صعب إمّا بالذات، أو لكثرة الموانع .

(ومن يعرف البلاء) أي منافعه ومثوباته . (يصبر عليه)؛ لما يتصوّر من ثمراته .

وقيل : يحتمل أن يكون المراد أنّ من يعرف البلاء قبل نزوله، وهيّأ نفسه لقبوله، يصبر بعد وصوله، كما يرشد إليه بعض الروايات (3).

(ومن لا يعرفه ينكُل) .

ص: 58


1- النهاية ، ج 2 ، ص 402 (سمع)
2- اُنظر : الفائق في غريب الحديث للزمخشري ، ج 2 ، ص 157
3- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 428

في القاموس : «نكل عنه _ كضرب ونصر وعلم _ نكُولاً : نكص، وجبن» (1).

(والريب) أي الشكّ والارتياب في اُصول الدِّين وفروعه، وترك طلب اليقين فيهما، أو القلق والاضطراب بعد الوصول إلى ما هو الحقّ والصواب .

(كفر) ؛ بمنزلة الجحود والإنكار .

(ومن يشكر يزيده (2) اللّه ) .

في بعض النسخ: «يزده اللّه » . ولفظة «مَن» على الأوّل موصولة ، وعلى الثاني شرطيّة . وبهذا يظهر فساد ما قيل: إنّ «يزيده اللّه » على ما في كثير من النسخ ضعيف؛ لأنّ الشرط والجزاء إذا كانا مستقبلين كان الأحسن جزم الجزاء، ورفعه ضعيف (3).

(ومن يصبر على الرزيّة) أي المصيبة .

(يُعينه اللّه ) .

في بعض النسخ: «يعنه اللّه » بالجزم (4).

(ولا تقربوا إلى أحدٍ من الخلق تتباعدوا من اللّه ) أي من رحمته .

ولعلّ المراد التقرّب إليهم بمعصية اللّه . وقيل : لابدّ من حملهم على من ليس من أهل التقرّب بهم؛ فإنّ التقرّب بالعلماء والصلحاء تقرّب إلى اللّه (5).

ويؤيّد الاُولى ما وقع في بعض نسخ الكتاب وفي الفقيه: «بتباعد من اللّه » (6).

وقوله : (فإنّ اللّه عزّ وجلّ) إلى قوله : (واتّباع مَرضاته) تعليل للسابق .

والمراد بالشيء الوسيلة والسبب والعهد ؛ يعني ليس بين اللّه وبين الخلق وسيلة يوجب الوصول إلى الخير مطلقا، ودفع الشرّ مطلقا، إلّا طاعته واتّباع مرضاته، وهما لا يتحقّقان في ضمن التقرّب بشرار الخلق، وطلب رضاهم بما فيه سخط الخالق ، ومنهم من خصّص الخير بالجنّة والشرّ بالنار .

ص: 59


1- الفقيه ، ج 4 ، ص 402 ، ح 5868
2- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 428
3- القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 60 (لكل)
4- في مرآة العقول : «يزيد» من دون الضمير
5- كما ضبطه العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 187
6- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 429

(وإنّ طاعة اللّه نَجاح) بالفتح؛ أي ظفر بالحوائج .

(من كلّ خير يُبتغى) أي يطلب .

ولعلّ كلمة «من» للتعليل . وفي الفقيه والأمالي: «نجاح كلّ خير» بدون «من»، وهو أظهر . وقوله : (يعصم مَن أطاعه) أي يمنعه من الشرور والآفات، أو من إغواء الشيطان .

(ولا يعتصم به من عصاه) .

يُقال : اعتصمت باللّه ، إذا امتنعت بلطفه من المعصية . وفي الكتابين: «ولا يعتصم منه» (1). قيل : لعلّ المراد أنّ العاصي قطع سبب العصمة بينه وبين اللّه ، فلا يعصمه اللّه من الشرور في الدُّنيا والآخرة (2).

(ولا يجد الهارب من اللّه مَهربا) أي موضعا حصينا يهرب إليه، ويحتفظ به؛ إذ كلّ مهرب يفرض فهو في ملكه وسلطانه .

(وإنّ أمر اللّه نازل) ؛ ظاهره مطلق الأمر، وإرادة خصوص من الموت احتمال.

وكذا قوله : (كلّ ما هو آت قريب) ؛ يحتمل الأمرين .

وقيل : الغرض من هذا الكلام الترغيب في الطاعة، والزجر عن المعصية بانقطاع زمانهما سريعا، وترتّب ما لكلّ منهما عليه من قريب (3).

(ما شاء اللّه كان، وما لم يشأ لم يكن) .

مرَّ تحقيق هذا الكلام في كتاب التوحيد من الاُصول ، وجملة القول فيه ما أفاده بعض الأفاضل أنّ : هذا في فعله تعالى ظاهر ، وأمّا في فعل العباد فباعتبار أنّه تعالى لمّا أعطاهم القوّة على الطاعة والمعصية، ولم يجبرهم على شيء منهما تحقيقا لمعنى الاختيار والتكليف، فقد شاء صدورهما منهم؛ إذ لو لم يشأ لما أعطاهم تلك القوّة، ولجبرهم على الطاعة ، أو باعتبار أنّه لمّا شاء مشيّتهم فقد شاء أفعالهم ، وبهذا فسّر بعض

ص: 60


1- واستصوبه العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 188
2- قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 188
3- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 430

المفسّرين قوله تعالى : «وَمَا تَشَاءُونَ إِلَا أَنْ يَشَاءَ اللّهُ» (1).

وهذا التوجيه قريب من الأوّل .

وقيل : المراد بالمشيّة هنا العلم . وهذا التوجيه وإن كان مستبعدا بحسب اللغة والعرف، إلّا أنّه لا يحتاج إلى ارتكاب بعض التكلّفات .

ويظهر ممّا ذكر سرّ ما روي : أنّه تعالى شاء ولم يرض، واللّه تعالى يعلم، ونحن في ذلك من المسلّمين (2).

والظاهر أنّ الفاء في قوله : (فتعاونوا) فصيحة؛ أي إذا عرفتم المواعظ السابقة أصلاً وفرعا، فتعاونوا .

«عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى» .

قال بعض المفسّرين : «أي على العفو والإغضاء ومتابعة الأمر ومجانبة الهوى» (3).

«وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْاءِثْمِ» ؛ بترك الأوامر وفعل المناهي .

«وَالْعُدْوَ نِ» (4) أي الظلم على الغير للتشفّي والانتقام .

متن الحديث الأربعين

اشاره

وَبِهذَا الْاءِسْنَادِ عَنْ أَبَانٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ شُعَيْبٍ:

أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللّهِ عليه السلام عَنْ قَوْلِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ: «كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً» (5) ، فَقَالَ: «كَانَ [النَّاسُ ]قَبْلَ نُوحٍ أُمَّةَ ضَلَالٍ، فَبَدَا لِلّهِ، فَبَعَثَ الْمُرْسَلِينَ، وَلَيْسَ كَمَا يَقُولُونَ: لَمْ يَزَلْ، وَكَذَبُوا، يَفْرُقُ (6). فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، مَا كَانَ مِنْ شِدَّةٍ أَوْ رَخَاءٍ أَوْ مَطَرٍ بِقَدْرِ مَا يَشَاءُ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُقَدِّرَ إِلى مِثْلِهَا مِنْ قَابِلٍ».

ص: 61


1- الإنسان (76) : 30 ؛ التكوير (81) : 29
2- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 430
3- تفسير البيضاوي ، ج 2 ، ص 292
4- المائدة (5) : 2
5- .البقرة (2) : 213
6- .في الطبعة القديمة : + «اللّه » . وفي حاشية النسخة : «بالتخفيف والتشديد، وبهما قرئ قوله تعالى: «فِيهَا يَفْرُقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ» [الدخان (44) : 4]»

شرح الحديث

شرح (1)

قوله تعالى في سورة البقرة : «كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً» .

قال البيضاوي : أي متّفقين على الحقّ فيما بين آدم وإدريس، أو نوح، أو بعد الطوفان. أو متّفقين على الجهالة والكفر في فترة إدريس، أو نوح، «فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ» ؛ أي اختلفوا، فبعث اللّه . وإنّما حذف لدلالة قوله: «فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ» ، وقوله : «وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا» (2).

أقول : قوله عليه السلام : (كان قبل نوح اُمّة ضلال) يدلّ على أنّ المراد بالوحدة الاتّفاق على الكفر والضلالة، لا على الحقّ، كما زعمه البيضاوي أوّلاً، بل هو لم يتحقّق بعد ظهور نسل آدم عليه السلام إلى زمن نوح أصلاً .

وقوله : (فبدا للّه ) . قال الجوهري : «بدا له في هذا الأمر بداء _ ممدود _ أي نشأ له فيه رأي» (3). انتهى .

وهذا بحسب اللغة ، وأمّا البداء بالنسبة إليه تعالى، فحدوث الإرادة مجازا، كما في سائر صفاته. وتحقيقه أنّ إطلاق الصفات وإجراؤها على اللّه سبحانه باعتبار الغايات، لا المبادئ .

وقوله : (لم يزل) مقول القول ؛ يعني ليس الأمر كما يقولون: إنّ اللّه تعالى قدّر الاُمور في الأزل، وقد فرغ منها، فلا يتغيّر تقديراته تعالى ، بل للّه البداء فيها بالمعنى الذي ذكرناه ، «يَمْحُوا اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ» (4).

وقال الفاضل الإسترآبادي : قوله «فبدا للّه » إلى آخره ؛ أي فحدثَتْ للّه إرادة متعلّقة ببعث نوح عليه السلام ومن بعده من الأنبياء لهداية الناس ، فإرادة اللّه تعالى حادثة، وليست قديمة كما زعمت الفلاسفة، ومُولِعوا فنّ الكلام من علماء الإسلام ، وكيف تكون قديمة، وفي ليلة القدر من كلّ سنة يقدّر اللّه ما يقع في تلك السنة ، والبداء في حقّه تعالى حدوث إرادته، وفي حقّ

ص: 62


1- في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 189 : «[السند] مجهول»
2- تفسير البيضاوي ، ج 1 ، ص 496
3- .الصحاح ، ج 6 ، ص 2278 (بدا)
4- الرعد (13) : 39

غيره حدوث علمه (1).

متن الحديث الواحد والأربعين (حديث البحر مع الشمس)

اشارة

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ الْمُسْتَوْرِدِ، (2) عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عليه السلام ، قَالَ:

«إِنَّ مِنَ الْأَقْوَاتِ _ الَّتِي قَدَّرَهَا اللّهُ لِلنَّاسِ مِمَّا (3) يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ _ الْبَحْرَ الَّذِي خَلَقَهُ اللّهُ _ عَزَّ وَجَلَّ _ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ».

قَالَ: «وَإِنَّ اللّهَ قَدْ قَدَّرَ فِيهَا مَجَارِيَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ وَالْكَوَاكِبِ، وَقَدَّرَ ذلِكَ كُلَّهُ عَلَى الْفَلَكِ، ثُمَّ وَكَّلَ بِالْفَلَكِ مَلَكا وَمَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، فَهُمْ يُدِيرُونَ الْفَلَكَ، فَإِذَا أَدَارُوهُ دَارَتِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْكَوَاكِبُ مَعَهُ، فَنَزَلَتْ فِي مَنَازِلِهَا الَّتِي قَدَّرَهَا اللّهُ _ عَزَّ وَجَلَّ _ فِيهَا لِيَوْمِهَا وَلَيْلَتِهَا، فَإِذَا كَثُرَتْ ذُنُوبُ الْعِبَادِ، وَأَرَادَ اللّهُ _ تَبَارَكَ وَتَعَالى _ أَنْ يَسْتَعْتِبَهُمْ بِآيَةٍ مِنْ آيَاتِهِ، أَمَرَ الْمَلَكَ الْمُوَكَّلَ بِالْفَلَكِ أَنْ يُزِيلَ الْفَلَكَ الَّذِي عَلَيْهِ مَجَارِي الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ وَالْكَوَاكِبِ، فَيَأْمُرُ الْمَلَكُ أُولئِكَ السَّبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ أَنْ يُزِيلُوهُ عَنْ مَجَارِيهِ».

قَالَ: «فَيُزِيلُونَهُ، فَتَصِيرُ الشَّمْسُ فِي ذلِكَ الْبَحْرِ الَّذِي يَجْرِي فِي الْفَلَكِ».

قَالَ: «فَيَطْمِسُ ضَوْؤُهَا، وَيَتَغَيَّرُ لَوْنُهَا، فَإِذَا أَرَادَ اللّهُ _ عَزَّ وَجَلَّ _ أَنْ يُعَظِّمَ الْايَةَ طَمَسَتِ الشَّمْسُ فِي الْبَحْرِ عَلى مَا يُحِبُّ اللّهُ أَنْ يُخَوِّفَ خَلْقَهُ بِالْايَةِ».

قَالَ: «وَذلِكَ عِنْدَ انْكِسَافِ الشَّمْسِ». قَالَ: «وَكَذلِكَ يَفْعَلُ بِالْقَمَرِ».

قَالَ: «فَإِذَا أَرَادَ اللّهُ أَنْ يُجَلِّيَهَا، أَوْ يَرُدَّهَا إِلى مَجْرَاهَا، أَمَرَ الْمَلَكَ الْمُوَكَّلَ بِالْفَلَكِ أَنْ يَرُدَّ الْفَلَكَ إِلى مَجْرَاهُ، فَيَرُدُّ الْفَلَكَ، فَتَرْجِعُ الشَّمْسُ إِلى مَجْرَاهَا».

قَالَ: «فَتَخْرُجُ مِنَ الْمَاءِ، وَهِيَ كَدِرَةٌ». قَالَ: «وَالْقَمَرُ مِثْلُ ذلِكَ».

قَالَ: ثُمَّ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عليه السلام : «أَمَا إِنَّهُ لَا يَفْزَعُ لَهُمَا، وَلَا يَرْهَبُ بِهَاتَيْنِ الْايَتَيْنِ إِلَا مَنْ كَانَ مِنْ شِيعَتِنَا، فَإِذَا كَانَ كَذلِكَ، فَافْزَعُوا إِلَى اللّهِ _ عَزَّ وَجَلَّ _ ثُمَّ ارْجِعُوا إِلَيْهِ».

ص: 63


1- حكاه عنه المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 431
2- في الحاشية: «مجهول»
3- في الحاشية عن بعض النسخ: «ما»

شرح الحديث

السند مجهول .

قوله : (حديث البحر مع الشمس) أي الحالة التي تعرض للشمس مع البحر الذي بين السماء والأرض .

وهذا الحديث من الأحاديث المتشابهة الغريبة التي علمها عند أهل العصمة .

وقوله : (إنّ من الأقوات) ؛ لعلّ المراد أسبابها .

وفي الفقيه (1) : «إنّ من الآيات» (2).

قال الفيروزآبادي : «القُوت: المُسكة من الرزق. ومن العيش: الكفاية» (3) انتهى .

وقيل : الأقوات: جمع قوت، وهو ما يؤكل ليمسك الرمق ، والبحر قوت مجازا؛ لأنّه سبب له، أو حقيقةً إن اُريد بالقوت ما يشرب أيضا؛ لأنّ مياه الأرض من ذلك البحر؛ لدلالة بعض الأخبار على أنّه ينزل منه ماء المطر والسحاب بمنزلة غربال له (4).

وقوله : (البحر الذي خلقه اللّه ) .

لعلّ المراد بهذا البحر الفضاء والمسافة التي تتحرّك فيها الكواكب، وتتبدّل أوضاعها، أو ما تكون الكواكب مركوزة فيها، ومتحرّكة بحركتها، كخارج المركز للشمس والتداوير والحوامل لغيرها من السيّارات ، أو الممثّلات وأمثالها للجميع، وكفلك البروج للثوابت .

ويرشد إليه قوله عليه السلام فيما بعد الفلك، الذي عليه مجاري الشمس والقمر والنجوم والكواكب .

قال صاحب النهاية : «سمّي البحر بحرا لسعته .

والعرب تسمّي المُدن والقرى البحر.

ومنه الحديث: «وكتب لهم ببحرهم» أي ببلدهم وأرضهم» (5).

وقال الفيروزآبادي : «البحر: الماء الكثير ، والشقّ، وشقّ الاُذن. ومنه البحيرة . والبَحَرةُ: البلدة، والمنخفض من الأرض» (6).

وقوله : (قدّر فيها) أي في السماء، أو في البحر بالنظر إلى كونه آية .

ص: 64


1- الفقيه ، ج 1 ، ص 539 ، ح 1506
2- واستظهره العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 185
3- القاموس المحيط ، ج 1 ، ص 155 (قوت)
4- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 432
5- النهاية ، ج 1 ، ص 99 و 100 (بحر) مع التخيص
6- القاموس المحيط ، ، ج 1 ، ص 367 (بحر) مع التلخيص

وقيل : كلمة «في» بمعنى «على» ؛ أي قدّر عليها، ومحاذيا لها، أو جعلها بحيث يمكن أن تجري الكواكب فيها عند الحاجة (1)..

وقوله : (النجوم والكواكب) .

العطف للتفسير، أو للتعميم، أو يُراد بالنجوم السيّارات وبالكواكب الثوابت .

(وقدّر ذلك كلّه على الفلك) .

الظاهر أنّ «ذلك» إشارة إلى المجاري، أو إلى الجَرْي والحركات المفهومة منها .

وقيل : الظاهر أنّ المراد بالفلك الفلك الأعظم الذي به قوام الحركة اليوميّة، والجنس محتمل، فيشمل الخوارج المراكز، بل التداوير أيضا .

ولا يبعد أن يكون الشمس أيضا تدويرا ، كما هو مذهب البعض، وإن لم يثبتوه في المشهور(2)

(ثمّ وكلّ بالفلك ملكا) .

الظاهر أنّ المراد به الفلك المعروف في عرف الشرع، ولا داعي لتأويله وصرفه عن الظاهر كما ارتكبه البعض، وحمله على نفس فلكيّة مستتبعة لنفوس كثيرة معيّنة لها في تحصيل ما هو المطلوب منها، وتلك النفوس الجزئيّة بالنسبة إليها كالقوى بالنسبة إلى النفس الإنسانيّة (3) ، وعلى هذا حركة الأفلاك مادّيّة ، وعلى ما قلناه قسريّة.

وقوله : (يستعتبهم) ؛ أي يسترجعهم عمّا هم فيه من الذنوب والإساءة. وقيل: يخوّفهم بآية من آياته الدالّة على آثار غضبه(4) .

قال الجزري : عتبه يَعتِبهُ عتبا، وعَتَب عليه، والاسم: المعتبة _ بالفتح والكسر _ ومن الموجدة، والغضب. والعتاب: مخاطبة الإدلال، ومذاكرة الموجدة. واستعتب: طلب أن يُرضى عنه . ومنه الحديث: «فلعلّه يستعتب»؛ أي يرجع عن الإساءة، ويطلب

ص: 65


1- قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 185
2- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 432
3- احتمله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 432
4- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 432

الرِّضا . انتهى (1).

ومثله في الصحاح (2) . فلعلّ قوله عليه السلام : «يستعتبهم» من باب الحذف والإيصال؛ أي يستعتب بهم .

وقوله : (فتصير الشمس) أي بعضها .

(في ذلك البحر) .

قيل : الظرفيّة مجازيّة باعتبار أنّها بحذائه(3). وأنت بعد خبرتك بما حقّقناه في معنى البحر ظهر لك أنّه لا حاجة إلى هذا التوجيه البعيد، وأنّ الظرفيّة باقية على حقيقتها .

وقوله : (في ذلك البحر الذي يجري في الفلك) أي يثبت ما فيه .

وفي الفقيه: «الذي كان فيه الفلك» (4) وهو الأظهر .

(قال : فيُطمس ضَوؤها) على بناء المجهول ؛ أي يُمْحى بعض ضوئها .

والطمس: الدروس، والإمحاء ، وفعله كنصر وضرب .

وفي الفقيه: «فينطمس» ، وهو أظهر .

(ويتغيّر لونها) بانطماس ضوئها .

وقوله : (أن يعظّم الآية) ؛ لعظم ذنوب العباد، أو لإصرارهم فيها .

(طَمست الشمس) أي كلّها (في البحر) .

وفي الفقيه: «غُمِست في البحر» .

(على ما) أي على القدر الذي (يحبّ اللّه أن يخوّف خلقه بالآية) من كثرة المدّة ، أو قلّتها، أو انطماس بعضها ، أو كلّها .

(قال : فتخرج من الماء وهي كدرة) .

قيل : أي بعدما كانت كدرة، أو تبقى فيها كدورة قليلة بعد الخروج أيضا في زمان قليل (5).

وقوله : (لا يفزع لهما) أي لأجل حصول تينك الآيتين .

ص: 66


1- الفقيه ، ج 1 ، ص 539 ، ح 1506
2- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 432
3- النهاية ، ج 3 ، ص 175 (عتب)
4- الصحاح ، ج 1 ، ص 176 (عتب)
5- قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 186

(ولايرهب) عطف على «يفزع» .

(بهاتين الآيتين) متعلّق بالفزع والرهبة .

(إلّا من كان من شيعتنا) ؛ لأنّهم هم الذين يسندونهما إلى اللّه ، ويصدِّقون قول أئمّتهم في ذلك . وأمّا غيرهم ممّن يسندهما إلى الحركات والأوضاع الفلكيّة، فلا يفزعون بهما فزعا يوجب صلاة الخوف والرجوع والإنابة عن الذنوب .

وقال بعض الأفاضل :

هذا من إخباره عليه السلام بالغيب ؛ لأنّه لم يقل بوجوب هذه الصلاة من العصر الأوّل إلى هذا الزمان أحدٌ من المخالفين، مع تواتر أخبارهم بأنّه صلى الله عليه و آله صلّاها وأمر بها ، يظهر ذلك لمن تتبّع اُصولهم وفروعهم (1).

وقال الصدوق رحمه الله : «إنّ الذي يخبر به المنجّمون من الكسوف، فيتّفق على ما يذكرونه ليس من هذا الكسوف في شيء، وإنّما يجب الفزع إلى المساجد والصلاة؛ لأنّه آية تشبه آيات الساعة» انتهى (2).

ويؤيّده ما روي من الكسوف والخسوف في يوم عاشوراء وليلتها (3) وروي أيضا في الأخبار: «إنّ من علامات قيام القائم عليه السلام الكسوف والخسوف في غير الوقت المعهود، وعند ذلك يختلّ وينقطع حساب المنجّمين» (4).

وقوله : (فافزعوا) أي الجأوا .

(إلى اللّه عزّ وجلّ) بالصلاة والاستغاثة .

(ثمّ ارجعوا إليه) بالتوبة والاستغفار .

متن الحديث الثاني والأربعين

اشاره

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْهَاشِمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ:شَكَوْتُ إِلى أَبِي عَبْدِ اللّهِ عليه السلام مَا أَلْقى مِنْ أَهْلِ بَيْتِي مِنِ اسْتِخْفَافِهِمْ بِالدِّينِ، فَقَالَ: «يَا إِسْمَاعِيلُ،

ص: 67


1- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 433
2- الفقيه ، ج 1 ، ص 540 (مع تلخيص)
3- اُنظر : بحار الأنوار ، ج 45 ، ص 205 ، ح 6
4- اُنظر : مرآة العقول ، ج 25 ، ص 187 ؛ شرح المازندراني ، ج 11 ، ص 433 و 434

لَا تُنْكِرْ ذلِكَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ؛ فَإِنَّ اللّهَ _ تَبَارَكَ وَتَعَالى _ جَعَلَ لِكُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ حُجَّةً يَحْتَجُّ بِهَا عَلى أَهْلِ بَيْتِهِ فِي الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: أَ لَمْ تَرَوْا فُلَانا فِيكُمْ؟ أَ لَمْ تَرَوْا هَدْيَهُ فِيكُمْ؟ أَ لَمْ تَرَوْا صَلَاتَهُ فِيكُمْ؟ أَ لَمْ تَرَوْا دِينَهُ؟ فَهَلَا اقْتَدَيْتُمْ بِهِ؟ فَيَكُونُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ فِي الْقِيَامَةِ».

شرح الحديث

السند مجهول .

قوله عليه السلام : (لا تُنكر ذلك) .

في القاموس: «النكر، بالضمّ وبضمّتين: الأمر الشديد . ونكر الأمر _ كفرح _ وأنكره: جهله» (1).

قيل : معنى قوله : «لا تنكر ذلك»: لا تتعرّض لهم بما يوجب استخفافهم بك وإهانتهم إيّاك؛ فإنّ كونك فيهم ومشاهدتهم أطوارك حجّة عليهم. أو المراد: لا تسأم ، ولا تضجر من دعوتهم؛ فإنّك في القيامة حجّة عليهم، فيكون ذلك تسلية له، وتحريصا على هدايته لهم . أو المراد محض التسلية ، ورفع الاستبعاد من وقوعه بينهم ، وابتلائه بهم، وبيان أنّ الحكمة في ذلك كونه حجّة عليهم (2).

وأقول : الأظهر أن يُقال: إنّ هذا الكلام نظير قوله تعالى : «وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ» (3) ؛ يعني أنّ ما شاهدت منهم من استخفافهم بقولك وباُمور الدِّين، فلا تستغرب ذلك منهم؛ فإنّه شنشنة أهل الزمان في وقت وأوان، ولا يضرّك ذلك ، بل يضرّهم؛ فإنّك حجّة عليهم يوم القيامة ، كما أنّ كلّ من كان مثلك فإنّه حجّة على أهل بيته .

متن الحديث الثالث والأربعين

اشاره

عَنْهُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثَيْمٍ النَّخَّاسِ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ، قَالَ:سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللّهِ عليه السلام يَقُولُ: «إِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ يَكُونُ (4). فِي الْمَحَلَّةِ، فَيَحْتَجُّ اللّهُ _ عَزَّ وَجَلَّ _ يَوْمَ

ص: 68


1- القاموس المحيط ، ج 2 ، ص 148 (نكر) مع التلخيص
2- قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 192
3- فاطر (35) : 4
4- في الطبعتين وأكثر نسخ الكافي : «ليكون»

الْقِيَامَةِ عَلى جِيرَانِهِ [بِهِ]، فَيُقَالُ لَهُمْ: أَ لَمْ يَكُنْ فُلَانٌ بَيْنَكُمْ؟ أَ لَمْ تَسْمَعُوا كَلَامَهُ؟ أَ لَمْ تَسْمَعُوا بُكَاءَهُ فِي اللَّيْلِ، فَيَكُونُ حُجَّةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ؟ (1) ».

شرح الحديث

السند مجهول.

وفي القاموس: «المحلّة: المنزل»(2).

متن الحديث الرابع والأربعين

اشارة

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ جَمِيلِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام ، قَالَ:سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ: «وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرا أَبابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ» (3). ، قَالَ: «كَانَ طَيْرٌ سَافٌّ جَاءَهُمْ مِنْ قِبَلِ الْبَحْرِ رُؤُوسُهَا كَأَمْثَالِ رُؤُوسِ السِّبَاعِ، وَأَظْفَارُهَا كَأَظْفَارِ السِّبَاعِ مِنَ الطَّيْرِ، مَعَ كُلِّ طَائِرٍ ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ: فِي رِجْلَيْهِ حَجَرَانِ، وَفِي مِنْقَارِهِ حَجَرٌ، فَجَعَلَتْ تَرْمِيهِمْ بِهَا حَتّى جُدِّرَتْ أَجْسَادُهُمْ، فَقَتَلَهُمْ بِهَا، وَمَا كَانَ قَبْلَ ذلِكَ رُئِيَ شَيْءٌ مِنَ الْجُدَرِيِّ، وَلَا رَأَوْا ذلِكَ مِنَ الطَّيْرِ قَبْلَ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَا بَعْدَهُ».

قَالَ: «وَمَنْ أَفْلَتَ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ انْطَلَقَ حَتّى إِذَا بَلَغُوا حَضْرَمَوْتَ، وَهُوَ وَادٍ دُونَ الْيَمَنِ، أَرْسَلَ اللّهُ عَلَيْهِمْ سَيْلاً، فَغَرَّقَهُمْ أَجْمَعِينَ».

قَالَ: «وَمَا رُئِيَ فِي ذلِكَ الْوَادِي مَاءٌ قَطُّ قَبْلَ ذلِكَ الْيَوْمِ بِخَمْسَةَ عَشَرَ سَنَةً».

قَالَ: «فَلِذلِكَ سُمِّيَ حَضْرَمَوْتَ حِينَ مَاتُوا فِيهِ».

شرح الحديث

السند صحيح .

قوله تعالى : «وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرا أَبَابِيلَ» .

ص: 69


1- . في الطبعة القديمة : «عليهم»
2- القاموس المحيط ، ، ج 3 ، ص 359 (حلل)
3- الفيل (105) : 3 و 4

قال الجوهري : «الطير، جمع طائر» (1).

وقال : «قال الأخفش: يقال : جاءت إبلك أبابيل؛ أي فِرَقا. وطير أبابيل» . قال : «وهذا يجيء في معنى التكثير، وهو من الجمع الذي لا واحد له . وقد قال بعضهم : واحده: إبَّوْل، مثل عِجَّوْل . وقال بعضهم : إبّيل، ولم أجد العرب تعرف له واحدا» (2).

وقال البيضاوي : طير أبابيل: جماعات، جمع إبّالة ، وهي الحزمة الكبيرة، شُبّهت بها الجماعة من الطير في تضامّها . وقيل : لا واحد لها، كعباديد وشماطيط .

«تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ» . وقرئ بالياء على تذكير الطير؛ لأنّه اسم جمع، أو إسناده إلى ضمير «ربّك» (3).

«مِنْ سِجِّيلٍ» . في القاموس: «سجّيل، كسكّيت: حجارة كالمدر، معرّب «سَنگ» و«گِل»، أو كانت طبخت بنار جهنّم، وكتب فيها أسماء القوم ، أو قوله تعالى : «مِنْ سِجِّيلٍ» أي من سِجلّ؛ أي ممّا كتب لهم أنّهم يعذّبون بها» (4).

وقال البيضاوي : « «مِنْ سِجِّيلٍ» أي من طين متحجّر، معرّب سَنگ گِل» (5) .

وقيل : من السجلّ، وهو الدلو الكبير. أو الإسجال وهو الإرسال. أو من السِجِّل ، ومعناه المكتوب المُدوّن (6) .

قال عليه السلام : (كان طير سافّ) . «كان» تامّة، و«سافّ» بتشديد الفاء، أو تخفيفها . قال الجزري : «أسفّ الطائر، إذا دنا من الأرض في طيرانه» (7).

وقال الجوهري : «سفا يسفو سُفُوا، إذا أسرع في المشي والطيران» (8).

(جاهم من قِبَل البحر) ؛ يقال: جهمه، كمنعه، إذا استقبله بوجهٍ كريهٍ .

وفي بعض النسخ: «جاءهم»، وهو الأظهر .

ص: 70


1- الصحاح ، ج 2 ، ص 727 (طير)
2- الصحاح ، ج 4 ، ص 1618 (أبل)
3- تفسير البيضاوي ، ج 5 ، ص 531
4- القاموس المحيط ، ج 3 ، ص 394 (سجل)
5- تفسير البيضاوي ، ج 3 ، ص 251
6- اُنظر: مرآة العقول ، ج 25 ، ص 192 و 193
7- النهاية ، ج 2 ، ص 375 (سفف)
8- الصحاح ، ج 6 ، ص 2378 (سفى)

(رؤوسها كأمثال رؤوس السباع) ؛ يعني من الطير بقرينة قوله : (وأظفارها كأظفار السباع من الطير) ؛ إذ الظاهر أنّ «من» بيان للسباع في الموضعين .

وقوله : (جدّرت) .

في القاموس:

الجَدْر: [الحائط] . وخروج الجُدَري _ بضمّ الجيم وفتحها _ لقُروح في البدن، تنفط وتقيّح. وقد جَدَر وجُدِرَ _ كعني، ويشدّد _ فهو مجدور ومجدَّر. وبالتحريك: سلع تكون في البدن خلقة، أو من ضَرْبٍ، أو من جراحةٍ، كالجُدَر، كصُرد، واحدتها بهاء . انتهى (1).

قيل : ظاهر الخبر أنّها ضَرَبَتْ على كلّ رجل أحجارا كثيرة، حتّى جدّرت أجسادهم .

وظاهر غيره من الأخبار والتواريخ أنّها ضربت على كلّ رجل حصاة واحدة مات بها .

ويمكن أن يكون تجدّر أجسادهم من حصاةٍ واحدة، تصيبهم من حرٍّ تحدثه في أجسادهم (2).

وقوله : (فلذلك سمّي حضرموت حين ماتوا فيه) أي سمّي به لأجل أنّ موتهم حضر فيه .

قال الفيروزآبادي : «حضرمَوْت، وتضمّ الميم: بلد وقبيلة . ويقال : هذا حضرموتُ، ويضاف ، فيقال : حَضرُموتٍ، بضمّ الرّاء . وإن شئت لا تُنوّن الثاني» (3).

متن الحديث الخامس والأربعين

اشاره

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى، عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ بُكَيْرٍ وَثَعْلَبَةَ بْنِ مَيْمُونٍ وَعَلِيِّ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَ:وَقَعَ بَيْنَ أَبِي جَعْفَرٍ وَبَيْنَ وَلَدِ الْحَسَنِ عليه السلام كَلَامٌ، فَبَلَغَنِي ذلِكَ، فَدَخَلْتُ عَلى أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام ، فَذَهَبْتُ أَتَكَلَّمُ، فَقَالَ لِي: «مَهْ، لَا تَدْخُلْ فِيمَا بَيْنَنَا، فَإِنَّمَا مَثَلُنَا وَمَثَلُ بَنِي عَمِّنَا كَمَثَلِ رَجُلٍ كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ لَهُ ابْنَتَانِ، فَزَوَّجَ إِحْدَاهُمَا مِنْ رَجُلٍ زَرَّاعٍ، وَزَوَّجَ الْأُخْرى مِنْ رَجُلٍ فَخَّارٍ، ثُمَّ زَارَهُمَا، فَبَدَأَ

ص: 71


1- القاموس المحيط ، ج 1 ، ص 387 (جدر)
2- القائل هو العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 193
3- القاموس المحيط ، ج 2 ، ص 10 (حضر)

بِامْرَأَةِ الزَّرَّاعِ، فَقَالَ لَهَا: كَيْفَ حَالُكُمْ، فَقَالَتْ: قَدْ زَرَعَ زَوْجِي زَرْعا كَثِيرا، فَإِنْ أَرْسَلَ اللّهُ السَّمَاءَ، فَنَحْنُ أَحْسَنُ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَالاً، ثُمَّ مَضى إِلىَ امْرَأَةِ الْفَخَّارِ، فَقَالَ [لَهَا] : كَيْفَ حَالُكُمْ؟ فَقَالَتْ: قَدْ عَمِلَ زَوْجِي فَخَّارا كَثِيرا، فَإِنْ أَمْسَكَ اللّهُ السَّمَاءَ، فَنَحْنُ أَحْسَنُ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَالاً، فَانْصَرَفَ وَهُوَ يَقُولُ: اللّهُمَّ أَنْتَ لَهُمَا، وَكَذلِكَ نَحْنُ».

شرح الحديث

السند موثّق .

وقوله : (أرسل اللّه السماء) .

قال الجوهري : «السماء: المطر» (1). والفخّار _ بالتشديد _ في الأوّلين بمعنى عامل الخزف ، وفي الثالث بمعنى الخزف .

قال الفيروزآبادي : «الفَخّارة، كجبّانة: الجرّة، والجمع: الفخّار، أو هو الخزف» (2).

وقوله : (اللّهمَّ أنت لهما) .

قيل : أي كما أنّ مقصدهما أنت ، [فكن أنت] لهما، وحصّل مقصدهما وإن كانت الوسيلة متضادّة ، كنزول المطر وعدم نزوله؛ فإنّك قادرٌ على ذلك (3).

وقيل : أي أنت المقدّر لهما، تختار لكلّ منهما ما يصلحهما، أو لا أشفع لأحدهما؛ لأنّك أعلم بصلاحهما (4).

(وكذلك نحن) .

قال الفاضل الإسترآبادي :

أي نريد الخير لبني عمّنا ، كما نريد لأنفسها، ولا نرضى بالشرّ في حقّهم، فلا نكلّم عليهم، وإنّما جهالتهم بحقّنا تسبّب لما جرى بيني وبينهم ، كما أنّ الرجل يريد خير ابنتيه (5).

ص: 72


1- الصحاح ، ج 6 ، ص 2381 (سما)
2- القاموس المحيط ، ، ج 2 ، ص 108 (فخر)
3- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 436
4- قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 194
5- حكاه عنه المحققّ المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 436

وقيل: الأولى أنّه أراد لا تدخل بيني وبين بني عمّي؛ فإنّي لا اُريد أن يدخل بيننا ثالث غير اللّه تعالى (1).

وقال بعض الفضلاء : أي ليس لكم أن تحاكموا بيننا؛ لأنّ الخصمين كليهما من أولاد الرسول، ويلزمكما احترامهما لذلك، فليس لكم [أن تدخلوا] بينهما فيما فيه يختصمان ، كما أنّ ذلك الرجل لم يرجّح جانب أحد صِهريه، ووكّل أمرهما إلى اللّه (2).

متن الحديث السادس والأربعين

اشارة

مُحَمَّدٌ، عَنْ أَحْمَدَ، (3) عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ جَمِيلِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ ذَرِيحٍ، قَالَ:

سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللّهِ عليه السلام يُعَوِّذُ بَعْضَ وُلْدِهِ وَيَقُولُ: «عَزَمْتُ عَلَيْكِ يَا رِيحُ، وَيَا وَجَعُ، كَائِنٌ (4) مَا كُنْتِ بِالْعَزِيمَةِ الَّتِي عَزَمَ بِهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام رَسُولُ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه و آله عَلى جِنِّ وَادِي الصَّبْرَةِ، فَأَجَابُوا، وَأَطَاعُوا، لَمَّا أَجَبْتِ، وَأَطَعْتِ، وَخَرَجْتِ عَنِ ابْنِي فُلَانٍ ابْنِ ابْنَتِي فُلَانَةَ السَّاعَةَ السَّاعَةَ».

شرح الحديث

السند صحيح .

قوله : (يعوّذ بعض ولده) .

قيل : دلّ على أنّ العوذة والرقية على الجنّ جائزة إذا كان بكتاب اللّه وأسمائه ، وسيجيء تعويذ جبرئيل عليه السلام رسول اللّه صلى الله عليه و آله بأسمائه تعالى . وصرّح بعض العامّة بأنّه كره العوذة والرقية بغيرهما من الأسماء العجميّة؛ لأنّها كانت العرب تفعل في الجاهليّة، وكانوا يعتقدون أنّها تدفع عنهم الجنّ (5).

ص: 73


1- قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 194
2- شرح المازندراني، ج 11 ، ص 436
3- في الحاشية عن بعض النسخ: + «بن محمّد»
4- في كلتا الطبعتين وبعض نسخ الكافي: «كائنا»
5- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 436

وقوله : (عَزَمْتُ عليك) .

قال الجوهري : «ويُقال أيضا : عَزَمت عليك ؛ بمعنى أقسمتُ عليك» (1).

وقوله : (كائن ما كنت) ؛ لأنّه خبر مبتدأ محذوف . والجملة في محلّ النصب على الحاليّة . وفي بعض النسخ: «كائنا» (2).

وقوله : (بالعزيمة) ؛ هي آية من القرآن، أو دعاء تقرأ على ذوي الآفات لدفعها .

وقوله : (عليّ بن أبي طالب) مفعول «عزم»، ورسول اللّه صلى الله عليه و آله فاعله .

وقوله : (وادي الصبرة) .

في القاموس: «الصبرة، بالضمّ: الحجارة الغليظة المجتمعة» (3).

وقوله : (فأجابوا وأطاعوا) .

روى المفيد رحمه الله في إرشاده بإسناده عن ابن عبّاس، قال : لمّا خرج النبيّ صلى الله عليه و آله إلى بني المصطلق، جنب عن الطريق، فأدركه الليل، ونزل بقرب وادٍ وعرٍ، فلمّا كان في آخر الليل هبط [عليه] جبرئيل عليه السلام يخبره أنّ طائفة من كفّار الجنّ قد استبطنوا الوادي ، يريدون كيده وإيقاع الشرّ بأصحابه عند سلوكهم إيّاه، فدعا أمير المؤمنين عليه السلام ، فقال له : «اذهب إلى هذا الوادي، فسيعرض لك من أعداء اللّه الجنّ من يريدك، فادفعهم بالقوّة التي أعطاك اللّه عزّ وجلّ، وتحصّن منهم بأسماء اللّه _ عزّ وجلّ _ التي خصّك بعلمها» .

وأنفذ معه مائة رجل من أخلاط الناس، وقال لهم : «كونوا معه، وامتثلوا أمره» ، فتوجّه أمير المؤمنين عليه السلام إلى الوادي، فلمّا قرُب من شفيره أمر المائة الذين صحبوه أن يقفوا بقرب الشفير، ولا يُحدثوا شيئا حتّى يؤذن لهم ، ثمّ تقدّم، فوقف على شفير الوادي، وتعوّذ باللّه من أعدائه، وسمّى اللّه عزّ اسمه، وأومأ إلى القوم الذين تبعوه أن يتقرّبوا منه، فقربوا وكان بينه وبينهم فرجة مسافتها غلوة، ثمّ رام الهبوط إلى الوادي، فاعترضت ريح عاصف كاد أن تقع القوم على وجوههم؛ لشدّتها، ولم تثبت أقدامهم على الأرض من هول الخصم ومن هول ما

ص: 74


1- الصحاح ، ج 5 ، ص 1985 (عزم)
2- واستظهره العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 195
3- القاموس المحيط ، ج 2 ، ص 67 (صبر) مع تلخيص

لحقهم، فصاح أمير المؤمنين عليه السلام : «أنا عليّ بن أبي طالب بن عبد المطّلب، وصيّ رسول اللّه وابن عمّه، اثبتوا إن شئتم»، فظهر للقوم أشخاص على صور الزطّ، تخيّل في أيديهم شُعَلُ النيران، قد اطمأنّوا وأطافوا (1) بجنبات الوادي، فتوغّل أمير المؤمنين بطن الوادي ، وهو يتلو القرآن ، ويؤمئ بسيفه يمينا وشمالاً، فما لبثت الأشخاص حتّى صارت كالدخان الأسود، وكبّر أمير المؤمنين عليه السلام ، ثمّ صعد من حيث هبط، فقام مع القوم الذين اتّبعوه حتّى أسفر الموضع عمّا اعتراه ، فقال له أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه و آله : ما لقيت يا أبا الحسن، فلقد كدنا أن نهلك خوفا، وأشفقنا عليك أكثر ممّا لحقنا ؟!

فقال عليه السلام لهم : «إنّه لمّا تراءى لي العدوّ، جهرتُ فيهم بأسماء اللّه تعالى، فتضاءلوا، وعلمت ما حلّ بهم من الجزع، فتوغّلت الوادي غير خائف منهم، ولو بقوا على هيأتهم لأتيتُ على آخرهم، وقد كفى اللّه كيدهم، وكفى المؤمنين (2). شرّهم، وستسبقني بقيّتهم إلى رسول اللّه صلى الله عليه و آله يؤمنون به» .

وانصرف أمير المؤمنين عليه السلام بمن معه إلى رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، وأخبره الخبر ، فسرّي عنه، ودعا له بخير ، وقال له : «قد سبقك يا عليّ إلى من أخافه اللّه بك ، وأسلم، وقبلتُ إسلامه ، ثمّ ارتحل بجماعة المسلمين حتّى قطعوا الوادي آمنين غير خائفين» (3).

وهذا الحديث قد روته العامّة كما روته الخاصّة ، ولم يتناكروا شيئا .

وقوله : (لمّا أجبت) بصيغة الخطاب.

و«لمّا» بالتشديد بمعنى «إلّا» ؛ أي ما فعلت شيئا إلّا أحببت .

قال الفيروزآبادي : «لمّا»، تكون بمعنى «حين» و«لم» الجازمة و«إلّا» ، وإنكار الجوهري كونه بمعنى «إلّا» غير جيّد. يقال: سألتك لمّا فعلت، ومنه: «إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ» (4). ، «وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ» (5) وقرأ عبداللّه : إن كلّ لمّا كذّب الرسل (6).

ص: 75


1- في المصدر : - «وأطافوا»
2- في المصدر : «المسلمين»
3- الإرشاد ، ج 1 ، ص 339 - 341 (مع اختلاف يسير)
4- .الطارق (86) : 4
5- .يس (36) : 32
6- القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 177 (لم)

متن الحديث السابع والأربعين

اشارة

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ، عَنِ ابْنِ سِنَانٍ، عَنْ أَبِي الْجَارُودِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام ، قَالَ:

«قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله : مَنْ يَتَفَقَّدْ يَفْقِدْ، وَمَنْ لَا يُعِدَّ (1) الصَّبْرَ لِنَوَائِبِ الدَّهْرِ يَعْجِزْ، وَمَنْ قَرَضَ النَّاسَ قَرَضُوهُ، وَمَنْ تَرَكَهُمْ لَمْ يَتْرُكُوهُ.

قِيلَ: فَأَصْنَعُ مَا ذَا يَا رَسُولَ اللّهِ؟

قَالَ: أَقْرِضْهُمْ مِنْ عِرْضِكَ لِيَوْمِ فَقْرِكَ».

شرح الحديث

السند ضعيف .

قوله : (مَن يتفقّد يفقد).

فقده، كضربه: عَدِمَهُ. وافتقده وتفقّده: طلبه عند الغيبة .

قال الجزري: «في حديث أبي الدرداء : من يتفقّد يفقد . أي من يتفقّد أحوال الناس ويتعرّفها، فإنّه لا يجد ما يرضيه؛ لأنّ الخير في الناس قليل» (2).

(ومن لا يُعدّ الصبر) أي لا يهيّأ، ولم يجعله ملكة.

في القاموس: «أعدّه: هيّأه»(3).

(لنوائب الدهر) أي مصائبها (يَعجز) بكسر الجيم؛ أي لم يقدر على غمّها(4).

(ومَنْ قرض الناس قرضوه) بتشديد الراء في الموضعين، أو تخفيفهما .

قال الفيروزآبادي : «قَرَضه يَقرِضه: قطعه، وجازاه، كقارضه . والتقريض: المدح

ص: 76


1- في الحاشية عن بعض النسخ: «لم يعدّ»
2- النهاية ، ج 3 ، ص 462 (فقد)
3- القاموس المحيط ، ج 1 ، ص 313 (عدد)
4- قال المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 436 : «وفيه ترغيب للمؤمن على أن يجعل الصبر ملكة حصينة وكيفيّة متينة ليحصل له الثبات والتمكّن والرزانة عند المكاره والحدثان ، ولايعجز عن تحمّلها ، ولايجزع جزع المجانين والصبيان»

والذمّ ضدٌّ» (1).

وفي النهاية: «ومنه حديث أبي الدرداء: إن قارضتَ الناس قارضوك ؛ أي إن ساببتهم ونِلتَ منهم سبّوك، ونالوا منك» (2).

وقوله : (أقرِضهم من عِرضك) من الإقراض .

في القاموس:

العِرض، بالكسر: النفس، وجانب الرجل الذي يصونه من نفسه وحسبه أن ينتقص ويثلب، أو سواء كان في نفسه ، أو سلفه ، أو من يلزمه أمره، أو موضع المدح والذمّ منه، أو ما يفتخر به من حسب وشرف ، وقد يُراد به الخليقة المحمودة (3).

وقال الجزري : ومنه حديث الآخر : «أقرِض من عرضك ليوم فقرك» ؛ أي إذا نال أحدٌ من عِرضك، فلا تجازه، ولكن اجعله قَرضا في ذمّته لتأخذه منه يوم حاجتك إليه ؛ أي يوم القيامة (4).

متن الحديث الثامن والأربعين

اشارة

عَنْهُ، عَنْ أَحْمَدَ، عَنِ الْبَرْقِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى، عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ، قَالَ:

بَيْنَا مُوسَى بْنُ عِيسى فِي دَارِهِ الَّتِي فِي الْمَسْعى يُشْرِفُ عَلَى الْمَسْعى، إِذْ رَأى أَبَا الْحَسَنِ مُوسى عليه السلام مُقْبِلاً مِنَ الْمَرْوَةِ عَلى بَغْلَةٍ، فَأَمَرَ ابْنُ هَيَّاجٍ رَجُلاً مِنْ هَمْدَانَ مُنْقَطِعا إِلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِلِجَامِهِ ، وَيَدَّعِيَ الْبَغْلَةَ.

فَأَتَاهُ، فَتَعَلَّقَ بِاللِّجَامِ، وَادَّعَى الْبَغْلَةَ، فَثَنى أَبُو الْحَسَنِ عليه السلام رِجْلَهُ، فَنَزَلَ عَنْهَا، وَقَالَ لِغِلْمَانِهِ: «خُذُوا سَرْجَهَا، وَادْفَعُوهَا إِلَيْهِ».

فَقَالَ: وَالسَّرْجُ أَيْضا لِي.

فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ عليه السلام : «كَذَبْتَ، عِنْدَنَا الْبَيِّنَةُ بِأَنَّهُ سَرْجُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَأَمَّا الْبَغْلَةُ فَإِنَّا اشْتَرَيْنَاهَا مُنْذُ قَرِيبٍ، وَأَنْتَ أَعْلَمُ وَمَا قُلْتَ».

ص: 77


1- القاموس المحيط ، ج 2 ، ص 341 (قرض)
2- النهاية ، ج 4 ، ص 41 (قرض)
3- القاموس المحيط ، ج 2 ، ص 334 (عرض)
4- النهاية ، ج 4 ، ص 41 (قرض)

شرح الحديث

كأنّ ضمير «عنه» راجع إلى عليّ بن إبراهيم . ومثله في هذا الكتاب كثير .

والسند صحيح .

قوله : (موسى بن عيسى) ؛ هو من بني العبّاس، وكان يومئذٍ واليا بمكّة .

وقوله : (منقطعا إليه) .

الضمير لموسى بن عيسى ؛ أي كان من خواصّه .

وقوله : (فثنى أبو الحسن عليه السلام رجلَه) إلى آخره .

قال الجوهري : «ثنيت الشيء ثنيا: عطفته. وثنيته أيضا: صرفته عن حاجته» (1).

وقيل : لعلّه عليه السلام سلّم البغلة مع علمه بكذب المدّعي؛ صونا لعرضه عن الترافع إلى الوالي، أو رفعا لليمين، أو تعليما للناس ليتأسّوا به فيما لم يعلموا كذب المدّعي احتياطا واستحبابا (2).

وأقول : يرد على هذه الوجوه أنّه ينبغي حينئذٍ أن يدفع السرج أيضا . فالصواب أن يُقال: إنّه عليه السلام مكلّف بالظاهر، لا بالعلم بالواقع ، فلمّا كان أمر البغلة مشتبها ظاهرا دفعه احتياطا . أو لترك المناقشة بخلاف السرج، مع علمه بأنّ الامتناع من دفعه لا ينجرّ إلى المناقشة .

والواو في قوله : (وما قلت) بمعنى الباء .

قال الفيروزآبادي : «وقد تخرج الواو عن إفادة مطلق الجمع، وذلك على أوجه» ثمّ ذكر من تلك الأوجه كونها بمعنى باء الجرّ، نحو : أنت أعلم ومالك، وبعت الشاة ودرهما (3).

ومثله قال الجوهري (4).

متن الحديث التاسع والأربعين

اشارة

عَنْهُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُرَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ:

خَرَجْنَا مَعَ أَبِي عَبْدِ اللّهِ عليه السلام حَيْثُ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ مِنَ الْحِيرَةِ، فَخَرَجَ سَاعَةَ أُذِنَ

ص: 78


1- الصحاح ، ج 6 ، ص 2294 و 2295 (ثني)
2- قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 198
3- القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 413 (واو)
4- اُنظر : الصحاح ، ج 6 ، ص 2259 (واو)

لَهُ، وَانْتَهى إِلَى السَّالِحِينَ (1) فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ، فَعَرَضَ لَهُ عَاشِرٌ كَانَ يَكُونُ فِي السَّالِحِينَ (2) فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ، فَقَالَ لَهُ: لَا أَدَعُكَ أَنْ تَجُوزَ، فَأَلَحَّ عَلَيْهِ، وَطَلَبَ إِلَيْهِ، فَأَبى إِبَاءً، وَأَنَا وَمُصَادِفٌ مَعَهُ، فَقَالَ لَهُ مُصَادِفٌ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، إِنَّمَا هذَا كَلْبٌ قَدْ آذَاكَ، وَأَخَافُ أَنْ يَرُدَّكَ، وَمَا أَدْرِي مَا يَكُونُ مِنْ أَمْرِ أَبِي جَعْفَرٍ وَأَنَا وَمُرَازِمٌ؛ أَ تَأْذَنُ لَنَا أَنْ نَضْرِبَ عُنُقَهُ، ثُمَّ نَطْرَحَهُ فِي النَّهَرِ؟

فَقَالَ: «كُفَّ يَا مُصَادِفُ»، فَلَمْ يَزَلْ يَطْلُبُ إِلَيْهِ حَتّى ذَهَبَ مِنَ اللَّيْلِ أَكْثَرُهُ، فَأَذِنَ لَهُ، فَمَضى، فَقَالَ: «يَا مُرَازِمُ، هذَا خَيْرٌ أَمِ الَّذِي قُلْتُمَاهُ؟».

قُلْتُ: هذَا جُعِلْتُ فِدَاكَ.

فَقَالَ(3). : «إِنَّ الرَّجُلَ يَخْرُجُ مِنَ الذُّلِّ الصَّغِيرِ، فَيُدْخِلُهُ ذلِكَ فِي الذُّلِّ الْكَبِيرِ».

شرح الحديث

السند صحيح .

قوله : (من عند أبي جعفر) أي الدوانيقي .

(من الحيرة) .

في القاموس: «الحيرة، بالكسر: بلد قرب الكوفة»(4)

وقوله : (إلى السالحين) ؛ كأنّ المراد بهم الذين يدورون في الليل مع السلاح . في القاموس: «رجلٌ سالح: ذو سلاح»(5).

ويحتمل أن يكون اسم موضع . قال في المغرب : «السالحون: موضع على أربعة فراسخ من بغداد إلى المغرب . وأمّا السَّيْلَحون فهو مدينة باليمن» (6). وقول الجوهري : «سيلحون: قرية.

والعامّة تقول: سالحون» (7) فيه نظر .

ص: 79


1- في الحاشية عن بعض النسخ والوافي: «الساحلين»
2- في الحاشية عن بعض النسخ والوافي: «الساحلين»
3- .في الطبعة الجديدة وجميع النسخ التي قوبلت فيها والوافي والبحار : + «يا مرازم»
4- القاموس المحيط ، ج 2 ، ص 16 (حير)
5- القاموس المحيط ، ج 1 ، ص 229 (سلح)
6- المغرب ، ص 231 (سلح)
7- .الصحاح ، ج 1 ، ص 376 (سلح)

وقوله : (عاشر) أي الذي يأخذ عشر المال، ويُقال له: العَشّار أيضا .

وقوله : (فألحَّ عليه) أي بالغ أبو عبد اللّه عليه السلام في السؤال على ذلك العاشر .

(وطلب إليه) أي رُغب إليه ، والتمس منه أن يَدَعه، فأبى ذلك العاشر من إجابته .

(إباءً) .

قال الجوهري : «الإباء، بالكسر: مصدر قولك : أبى فلان يأبى ، بالفتح فيهما؛ أي امتنع» (1).

وقوله عليه السلام : (إنّ الرجل يخرج من الذُلّ الصغير) إلى آخره .

الذُلّ، بالضمّ: الهوان .

والغرض من هذا الكلام أنّ العاقل لا ينبغي له أن يدفع الفاسد بالأفسد؛ فإنّ سوء أدب العاشر بالنسبة إليه عليه السلام ، وإن كان فاسدا ، إلّا أنّ قتله لدفع الذلّ أفسد؛ إذ المفاسد المترتّبة عليه أكثر وأشدّ ، وذلك إشارة إلى الخروج .

متن الحديث الخمسين

اشارة

عَنْهُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْحَجَّالِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، (2).

قَالَ:بَعَثَ أَبُو عَبْدِ اللّهِ عليه السلام غُلَاما لَهُ فِي حَاجَةٍ، فَأَبْطَأَ، فَخَرَجَ أَبُو عَبْدِ اللّهِ عليه السلام عَلى أَثَرِهِ لَمَّا أَبْطَأَ عَلَيْهِ، فَوَجَدَهُ نَائِما، فَجَلَسَ عِنْدَ رَأْسِهِ يُرَوِّحُهُ حَتَّى انْتَبَهَ، فَلَمَّا انْتَبَهَ، قَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللّهِ عليه السلام : «يَا فُلَانُ، وَاللّهِ مَا ذَاكَ لَكَ تَنَامُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، لَكَ اللَّيْلُ وَلَنَا مِنْكَ النَّهَارُ».

شرح الحديث

السند مجهول .

قوله : (على إثره) بالكسر وبالتحريك ؛ أي بعده .

وقوله : (تنام الليل والنهار) بدل من قوله : «ذاك» .

وفي قوله : (لك الليل ولنا منك النهار) ؛ دلالة على أنّ الليل حقّ للمماليك، لا ينبغي [أن ]يتعرّض الموالي لهم فيه؛ والنهار حقّ للموالي من المماليك ، لا يجوز ترك خدمتهم فيه .

ص: 80


1- الصحاح ، ج 6 ، ص 2259 (أبا)
2- هذا في حاشية النسخة. وفي المتن: «عن جعفر بن أبي حفص ، عن حفص بن أبي عائشة». وفي حاشية اُخرى: «عن حفص بن أبي حفص، عن أبي عائشة»

متن الحديث الواحد والخمسين

اشارة

عَنْهُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ حَسَّانَ، عَنْ أَبِي عَلِيٍّ (1). ، قَالَ:

سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللّهِ عليه السلام يَقُولُ: «لَا تَذْكُرُوا سِرَّنَا بِخِلَافِ عَلَانِيَتِنَا، وَلَا عَلَانِيَتَنَا بِخِلَافِ سِرِّنَا، حَسْبُكُمْ أَنْ تَقُولُوا مَا نَقُولُ، وَتَصْمُتُوا عَمَّا نَصْمُتُ، إِنَّكُمْ قَدْ رَأَيْتُمْ أَنَّ اللّهَ _ عَزَّ وَجَلَّ _ لَمْ يَجْعَلْ لأحَدٍ مِنَ النَّاسِ فِي خِلَافِنَا خَيْرا، إِنَّ اللّهَ _ عَزَّ وَجَلَّ _ يَقُولُ: «فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» (2) ».

شرح الحديث

السند مجهول .

قوله عليه السلام : (بخلاف علانيتنا) حال عن السرّ، أو متعلّق ب «لا تذكروا» .

وقيل : السرّ عبارة عن العقائد الحقّة، والأحكام الإلهيّة الواقعة في نفس الأمر، وهم عليهم السلام قد يتكلّمون بخلافها عند التقيّة، أو ضعف عقول المخاطَبين عن تحمّلها، إلى غير ذلك من المصالح ، وقد يتكلّمون بها عند عدم التقيّة وما يجري مجراها ، فنهى عليه السلام أوّلاً أن يذكروا سرّهم بخلاف علانيتهم في صورة الخوف ، ونهى ثانيا أن يذكروا علانيتهم بخلاف سرّهم؛ لعدم الخوف اللازم من ذلك التكلّم بما تكلّموا به، والسكوت عمّا سكتوا عنه ، فلذلك قال : (حسبكم أن تقولوا) إلى آخره ؛ لأنّهم عليهم السلام أعرف بمواضع القول والسكوت (3).

وقيل : معنى قوله : «لا تذكروا سرّنا...» : لا تغلوا فينا، ولا تثبتوا لنا ما يأبى عنه ظواهر أحوالنا كالربوبيّة (4). والصَّمت: السكوت، وفعله كنصر .

ص: 81


1- في الطبعة الجديدة وبعض نسخ الكافي والوسائل : «عن حسّان أبي عليّ» بدل «عن حسّان ، عن أبي عليّ» . وفي حاشية النسخة عن بعض النسخ : «عن حسّان بن أبي عليّ» . وفي بعض نسخ الكافي : «عن حسّان بن عليّ» . وعلى أيّ حالٍ الرجل مجهول لم يعرف
2- النور (24) : 63
3- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 438
4- قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 199

وقوله : (إنّكم قد رأيتم) تعليل للسابق .

وقوله : (إنّ اللّه _ عزّ وجلّ _ يقول) دليل لهذا التعليل ؛ لأنّ الآية متضمّنة لما ذكر .

«فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ» .

قال البيضاوي : أي يخالفون أمره بترك مقتضاه، ويذهبون سَمتا خلاف سمته ، و«عن» لتضمّنه معنى الإعراض، أو يصدّون عن أمره دون المؤمنين، مِن «خالفه عن الأمر» إذا صدّ عنه دونه .

وحذف المفعول؛ لأنّ المقصود بيان المخالِف والمخالَف عنه . والضمير للّه ؛ فإنّ الأمر له في الحقيقة، أو للرسول؛ فإنّه المقصود بالذِّكر .

«أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ» : محنة في الدنيا .

«أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» في الآخرة (1).

متن الحديث الثاني والخمسين

اشارة

مُحَمَّدٌ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي الْحَلَالِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللّهِ عليه السلام ، قَالَ:

«قَالَ مُوسى (2) عليه السلام : يَا رَبِّ مِنْ أَيْنَ الدَّاءُ؟ قَالَ: مِنِّي. قَالَ: فَالشِّفَاءُ؟ قَالَ: مِنِّي. قَالَ: فَمَا يَصْنَعُ عِبَادُكَ بِالْمُعَالِجِ؟ قَالَ: يُطَبِّبُ (3) بِأَنْفُسِهِمْ، فَيَوْمَئِذٍ سُمِّيَ الْمُعَالِجُ الطَّبِيبَ (4) ».

شرح الحديث

السند صحيح .

قوله : (من أين الداء) أي حصول المرض وحدوثه .

وقوله : (يطبّب) .

ص: 82


1- تفسير البيضاوي ، ج 4 ، ص 204
2- .في الحاشية عن بعض النسخ: + «بن عمران»
3- .في كلتا الطبعتين ومعظم النسخ التي قوبلت في الطبعة الجديدة : «يطيّب» بالياء المثّناة . وفي حاشية النسخة : «يطيّب _ يطبّبون»
4- هذا في الحاشية. وفي المتن: «بالطبيب»

في بعض النسخ بالياء المثنّاة. وفي بعضها بالباء الموحّدة .

قال الفيروزآبادي :

الطبّ، مثلثّة الطاء: علاج الجسم والنفس ، يَطُبُّ ويَطِب ، والرفق، والسحر.

وبالكسر: الشهوة، والإرادة، والشأن، والعادة. وبالفتح: الماهر الحاذق بعلمه كالطبيب . والمتطبّب : المتعاطي في علم الطبّ، تأنّى للاُمور وتلطّف (1).

(فيومئذٍ سُمّي المُعالج بالطبيب) ؛ كأنّ وجه التسمية على نسخة «يطبّب» بالباء الموحّدة أنّهم إنّما سمّوا بالطبيب؛ لرفع الهمّ والحزن عن نفوس المرضى، والتلطّف بهم .

وعلى نسخة «يطيّب» بالياء المثنّاة، قيل : ليس المراد أنّ مبدأ اشتقاق الطبيب الطيّب أو التطبيب؛ فإنّ أحدهما من المضاعف، والآخر من الأجوف ، بل المراد أنّ تسميتهم بالطبيب ليست بسبب تداوي الأبدان عن الأمراض، بل لتداوي النفوس عن الهموم والأحزان، فتطيّب بذلك (2) ؛ يعني أنّ المراد بالطبّ هنا علاج النفس لا البدن ، على أنّه يمكن أن يكون هذا مبنيّا على الاشتقاق الكبير .

وقيل: الفصحاء قد ينقلون لفظا إلى معنى لفظ آخر باعتبار أدنى ملابسة بينهما ، وهاهنا كذلك ؛ لأنّ الطبيب يدلّ على الطيّب باعتبار اشتماله على حروفه مع زيادة ، وهي الباء الاُولى، وهذا القدر كافٍ في وجه التسمية، ونظيره ما رواه المصنّف عن أبي الحسن عليه السلام قال : «سمّي عليّ عليه السلام أمير المؤمنين؛ لأنّه يميرهم العلم (3) » (4).

متن الحديث الثالث والخمسين

اشارة

عَنْهُ، عَنْ أَحْمَدَ، عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ، عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللّهِ عليه السلام ، قَالَ:«مَا مِنْ دَاءٍ إِلَا وَهُوَ شَارِعٌ إِلَى الْجَسَدِ، يَنْتَظِرُ مَتى يُؤْمَرُ بِهِ فَيَأْخُذَهُ».

* وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرى: «إِلَا الْحُمّى؛ فَإِنَّهَا تَرِدُ وُرُودا».

ص: 83


1- القاموس المحيط ، ج 1 ، ص 96 (طبب)
2- قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 199
3- الكافي ، ج 1 ، ص 412 ، ح 3 . وانظر أيضا : تفسير العيّاشي ، ج 2 ، ص 184 ، ح 46 ؛ معاني الأخبار ، ص 63
4- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 439

شرح الحديث

السند موثّق .

قوله : (شارع إلى الجسد ...) بالشين المعجمة.

وكأنّ المراد أنّه داخل فيه، أو منفتح إليه، وله طريق فيه . قال الجوهري : «الشارع: الطريق الأعظم. وشَرَع المنزل، إذا كان إلى الطريق ؛ أي فتحت» (1).

والحاصل : أنّ الأدواء لها مادّة في الجسد مكمونة، فإذا أذِنَ اللّه تعالى إيّاها في البروز برزت إلّا الحمّى؛ فإنّها قد ترد بغير مادّة ، بل بالأسباب الخارجة، كتصرّف هواء بارد، أو حرارة الشمس مثلاً .

وقيل : الشارع: المتّصل(2) وفي المصباح : «شرع الباب إلى الطريق: اتّصل به» (3).

وفي بعض النسخ: «سارع» بالسين المهملة . وفي بعضها: «يسارع» . ولعلّ الغرض من هذا الحديث الترغيب في الدُّعاء والصدقة .

متن الحديث الرابع والخمسين

اشارة

عَنْهُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمُهْتَدِي، عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ زُرْبِيٍّ (4) ، قَالَ:

مَرِضْتُ بِالْمَدِينَةِ مَرَضا شَدِيدا، فَبَلَغَ ذلِكَ أَبَا عَبْدِ اللّهِ عليه السلام ، فَكَتَبَ إِلَيَّ: «قَدْ بَلَغَنِي عِلَّتُكَ، فَاشْتَرِ صَاعا مِنْ بُرٍّ، ثُمَّ اسْتَلْقِ عَلى قَفَاكَ، وَانْثُرْهُ عَلى صَدْرِكَ كَيْفَمَا انْتَثَرَ، وَقُلِ: اللّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي إِذَا سَأَلَكَ بِهِ الْمُضْطَرُّ كَشَفْتَ مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ، وَمَكَّنْتَ لَهُ فِي الْأَرْضِ، وَجَعَلْتَهُ خَلِيفَتَكَ عَلى خَلْقِكَ، أَنْ تُصَلِّيَ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَأَنْ تُعَافِيَنِي مِنْ عِلَّتِي. ثُمَّ اسْتَوِ جَالِسا، وَاجْمَعِ الْبُرَّ مِنْ حَوْلِكَ، وَقُلْ مِثْلَ ذلِكَ، وَاقْسِمْهُ مُدّا مُدّا لِكُلِّ مِسْكِينٍ، وَقُلْ مِثْلَ ذلِكَ».

قَالَ دَاوُدُ: فَفَعَلْتُ مِثْلَ ذلِكَ، فَكَأَنَّمَا نُشِطْتُ مِنْ عِقَالٍ، وَقَدْ فَعَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، فَانْتَفَعَ بِهِ.

ص: 84


1- الصحاح ، ج 3 ، ص 1236 (شرع)
2- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 439
3- المصباح المنير، ص327 (شرع)
4- في الوافي : «داود بن رزين»

شرح الحديث

السند صحيح .

قال في الإيضاح : «داود بن زربيّ، بالزاي المكسورة أوّلاً، ثمّ الراء الساكنة، ثمّ الباء المنقّطة تحتها نقطة» .

وفي القاموس: «الزرابيّ: النمارق. الواحد: زربي، بالكسر، ويضمّ» (1).

قوله عليه السلام : (فاشتر صاعا من بُرّ) بالضمّ: الحنطة .

ويفهم من ظاهر الأمر أنّه ينبغي أن يشتري وإن كان مالكا لمثله، وحاضرا عنده ، ويحتمل أن يكون الأمر به؛ لعلمه عليه السلام بأنّه ليس مالكا له .

وقوله : (انثُره على صدرك) .

يُقال : نَثَرَ الشيء ينثُرُ _ بالضمّ _ نَثْرا، وينثِره _ بالكسر _ نَثْرا ونِثارا: رماه متفرّقا كثيرة.

وفيه دلالة على أنّه ينبغي للمريض أن يتولّى ذلك بنفسه ، ولعلّه في صورة الإمكان .

وقيل : ينبغي أن يقرأ المريض هذا الدُّعاء، ولو بالتلقين، ولو لم يقدر فليقرأ غيره (2).

وقوله : (إذا سألك به المُضطرّ) إلى آخره ، إشارة إلى قوله تعالى : «أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ» (3).

والخليفة: من يخلف غيره، وينوب منابه ، وأصله: خليف، والهاء للمبالغة، أو للنقل .

قيل : الخليفة كما يطلق على الأنبياء والأوصياء؛ لأنّهم خلفاء اللّه في أرضه، كذلك يُطلق على هذا النوع كلّهم؛ لأنّهم خلفاء من سكن الأرض قبلهم ، أو لأنّه يخلف بعضهم بعضا ، والمراد هنا المعنى الثاني (4).

وأقول : روى عليّ بن إبراهيم عن أبيه، عن الحسن [عليّ بن] بن فضّال، عن صالح بن عقبة، عن أبي عبداللّه عليه السلام في قوله تعالى : «أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ» الآية ، قال : «نزلت في القائم عليه السلام ، هو واللّه المضطرّ، إذا صلّى في المقام ركعتين ، [و] دعا اللّه ، فأجابه ، ويكشف السوء، ويجعله خليفة في الأرض » (5). انتهى .

ص: 85


1- القاموس المحيط ، ج 1 ، ص 78 (زرب)
2- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 439
3- النمل (27) : 62
4- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 440
5- .تفسير القمّي ، ج 2 ، ص 129 . وعنه في بحار الأنوار ، ج 51 ، ص 48 ، ح 11

ولا يخفى أنّ حمل الدعاء على هذا التفسير أنسب وأولى .

وقوله : (فكأنّما نُشطت من عِقال) أي خرجت منه ، أو حُللتُ، فعلى الأوّل «نشطت» على بناء الفاعل، وعلى الثاني على بناء المفعول.

قال الفيروزآبادي: «نشط من المكان _ كفرح _ إذا خرج منه.

ونشط الحَبْل، كنصر: عقده، كنشّطه.

وأنْشطه: حلّه .

والملائكة تَنْشُط نفس المؤمن بقبضها؛ أي تحلّها حَلّاً رفيقا» (1).

وقال الجزري: في حديث السِّحر : «فكأنّما اُنشِط من عقالٍ» .

أي حُلَّ.

وقد تكرّر في الحديث، وكثيرا ما يجيء في الرواية: «فكأنّما نشط من عقال»، وليس بصحيح .

يُقال : نَشَطْتُ العُقدة، إذا عقدتها.

وأنشطتها، إذا حلَلْتها (2).

وأقول : كلام الفيروزآبادي _ كما عرفت _ ردّ عليه، ولا يحتاج إلى ما ارتكبه بعضٌ مِن أنّه لمّا كان هذا في كلام الراوي لا نحتاج إلى تصحيحه وتوجيهه (3).

، فتأمّل .

قال الجوهري : «عَقَلت البعير أعقِله عقلاً، وهو أن تثني وظيفَهُ مع ذراعه، فتشدّهما جميعا في وسط الذِّراع.

وذلك الحبل هو العِقال، والجمع: عُقْلٌ» (4).

متن الحديث الخامس والخمسين (حديث الحوت على أيّ شيء هو)

اشارة

متن الحديث الخامس والخمسين (حديث الحوت على أيّ شيء هو (5) )

مُحَمَّدٌ، عَنْ أَحْمَدَ، عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ جَمِيلِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللّهِ عليه السلام ، قَالَ:سَأَلْتُهُ عَنِ الْأَرْضِ عَلى أَيِّ شَيْءٍ هِيَ؟ قَالَ: «هِيَ عَلى حُوتٍ». قُلْتُ: فَالْحُوتُ عَلى أَيِّ شَيْءٍ هُوَ؟ (6) قَالَ: «عَلَى الْمَاءِ». قُلْتُ: فَالْمَاءُ عَلى أَيِّ شَيْءٍ هُوَ؟ قَالَ: «عَلى صَخْرَةٍ». قُلْتُ: فَعَلى أَيِّ شَيْءٍ الصَّخْرَةُ؟ قَالَ: «عَلى قَرْنِ ثَوْرٍ أَمْلَسَ». قُلْتُ: فَعَلى أَيِّ شَيْءٍ الثَّوْرُ؟ قَالَ: «عَلَى الثَّرى». قُلْتُ: فَعَلى أَيِّ شَيْءٍ الثَّرى؟ فَقَالَ:

ص: 86


1- القاموس المحيط ، ج 2 ، ص 388 (نشط)
2- النهاية ، ج 5 ، ص 57 (نشط)
3- . كما صنعه العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 201
4- الصحاح ، ج 5 ، ص 1771 (عقل)
5- .في الحاشية عن بعض النسخ: «هي»
6- في الحاشية عن بعض النسخ: «هي»

«هَيْهَاتَ، عِنْدَ ذلِكَ ضَلَّ عِلْمُ الْعُلَمَاءِ»(1).

شرح الحديث

في بعض النسخ: حديث الحوت وحديث الأحلام متأخّران عن حديث الرياح وحديث أهل الشام .

والسند صحيح .

قوله : (على حوت) .

في المصباح : «الحوت: العظيم من السمك، وهو مذكّر» (2).

وقوله : (أمْلَس) صفة القرن، أو صفة الثور .

وفي القاموس: «الملاسة والمُلُوسة: ضدّ الخشونة . والأمْلَس: الصحيح الظهر» (3) .

والثرى : التراب النديّ .

وقوله عليه السلام : (عند ذلك ضلّ علم العلماء) .

قيل : لعلّ المراد: إنّا لم نُؤمر ببيانه للخلق. ولا يخفى بُعده ، بل الظاهر أنّه لم يحط به علم عالمٍ قطّ الأنبياء ومن دونهم (4).

وقال بعض الشارحين : بين هذا الحديث وبين ما سيجيء من حديث زينب العطّارة : «أنّ الأرض على الديك، والديك على الصخرة، والصخرة على الحوت، والحوت على البحر، والبحر على الهواء، والهواء على الثرى ، والثرى عند السماء الاُولى» منافاةٌ بحذف الوسائط بين الأرض والحوت في هذا الحديث ، بكون الصخرة على قرن ثور فيه، وعلى الحوت في حديث زينب، وبكون الثور على الثرى فيه، وكون الهواء على الثرى في حديثها .

ثمّ قال : ويمكن أن يكون بين البحر والهواء واسطتان محذوفتان؛ أي البحر على الصخرة،

ص: 87


1- قال المحقّق الفيض رحمه الله في الوافي ، ج 14 ، ص 472 : «في هذا الحديث رموز ، وإنّما يحلّها من كان من أهلها»
2- المصباح المنير، ص158 (حوت)
3- .القاموس المحيط ، ، ج 2 ، ص 252 (ملس)
4- اُنظر : مرآة العقول ، ج 25 ، ص 201

ويُراد بها غير المذكورة أوّلاً ، والصخرة على الثور ، وأن يكون بين الثور والثرى في الأوّل واسطة محذوفة، وهي الهواء (1).

متن الحديث السادس والخمسين

اشارة

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ أَحَدِهِمَا عليهماالسلام، قَالَ:«إِنَّ اللّهَ _ عَزَّ وَجَلَّ _ خَلَقَ الْأَرْضَ، ثُمَّ أَرْسَلَ عَلَيْهَا الْمَاءَ الْمَالِحَ أَرْبَعِينَ صَبَاحا، وَالْمَاءَ الْعَذْبَ أَرْبَعِينَ صَبَاحا، حَتّى إِذَا الْتَقَتْ وَاخْتَلَطَتْ أَخَذَ بِيَدِهِ قَبْضَةً، فَعَرَكَهَا عَرْكا شَدِيدا جَمِيعا، ثُمَّ فَرَّقَهَا فِرْقَتَيْنِ، فَخَرَجَ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عُنُقٌ مِثْلُ عُنُقِ الذَّرِّ، فَأَخَذَ عُنُقٌ إِلَى الْجَنَّةِ، وَعُنُقٌ إِلَى النَّارِ».

شرح الحديث

السند حسن .

قوله : (إنّ اللّه خلق الأرض).

قيل : لمّا دلّت الروايات المذكورة في كتاب الإيمان والكفر على أنّه تعالى خلق الإنسان من طينتين: طينة جنّة، وطينة سجّين، لم يبعد أن يُراد بالأرض هنا قطعة مختلطة من هاتين الطينتين(2). وأنت خبير بعدم الداعي إلى هذا التوجيه هنا .

(ثمّ أرسل) إلى آخره .

قيل : إرسال الماء عليها على هذا النهج للخلط بين الطينتين، وتخميرها بالماءين، وفيه فوائد كثيرة : منها حصول القدرة على الضدّين ، ومنها حصول الارتباط بين المؤمن والكافر، والصالح والفاجر ، ولولا ذلك لما أمكن تعيّش المؤمنين والصالحين بين الكافرين والفاجرين .

ومنها كون المؤمن دائما بين الخوف والرجاء، حيث لا يعلم أنّ الغالب فيه الخير

ص: 88


1- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 440 و 441
2- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 441

أو الشرّ .

ومنها رفع العجب عنه بفعل المعصية، ولو لا ذلك لما صدر عنه ، فربّما يدخله العجب .

ومنها الرجوع إليه تعالى وطلب حفظه عنها . ومنها تولّد المؤمن من الكافر وبالعكس (1).

وقوله : (أخذ بيده) أي بقدرته، أو بيد من أمره من الملائكة ، أو هو استعارة تمثيليّة .

(فعركها عَرْكا شديدا) .

الضمير للطينة المفهومة من الأرض والماء . والعَرْك: الدلك .

وقوله : (جميعا) أي الطينتين معا من غير أن يفرّقهما قبل الدلك؛ ليكمل بذلك التيامهما، ويشتدّ ارتباطهما .

(ثمّ فرّقها فرقتين) .

في القاموس: فرق بينهما فَرْقا وفُرقانا، بالضمّ: فصل. و «فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ» (2) أي يُقضى .

«وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمْ الْبَحْرَ» (3) : فلقناه . «وَقُرْآنا فَرَقْنَاهُ» (4) : فصّلناه وأحكمناه . وفرّقه تفريقا وتفرِقةً: بدّده، وأخذ حقّه بالتفاريق (5).

وقوله : (مثلُ عُنُق الذرّ) ؛ يعني في الصِّغر، والحركة، أو في الهيئة أيضا . والعُنق، بالضمّ وبضمّتين: الطائفة، والجماعة من الناس .

(فأخذ عنق إلى الجنّة، وعنق إلى النار) .

لعلّ المراد أخذ أسباب الوصول إليها .

وقال الفاضل الإسترآبادي : يعني أمر اللّه تعالى الحِصّة التي كانت مبلولة بالماء العذب أن تفارق الحصّة التي كانت مبلولة بالماء المالح، وأن يصير كلّ واحدةٍ منهما قِطَعا صِغارا في هيئة الذرّ ، ليكون كلّ قطعة بدنا لروح مخصوصة من الأرواح التي قالوا يوم الميثاق : «بَلى»

ص: 89


1- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 441
2- الدخان (44) : 4
3- البقرة (2) : 50
4- الإسراء (17) : 106
5- القاموس المحيط ، ج 3 ، ص 274 - 276 (فرق) مع التلخيص

في جواب قوله تعالى : «أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ» (1). ، ويكون القطع الحاصلة من الحصّة المبلولة بالماء العذب أبدانا لأرواح تثبت طاعتهم في ذلك اليوم ، والقطع الحاصلة من الحصّة المبلولة بالماء المالح أبدانا لأرواح تثبت معصيتهم في ذلك اليوم، ويفهم من أحاديثهم عليهم السلام أنّ جَعْلهُ تعالى الأبدان في هيئة الذرّ وقع مرّتين : مرّة قبل خلق آدم عليه السلام ، ومرّة بعد خلقه (2).

متن الحديث السابع والخمسين (حديث الأحلام والحجّة على أهل ذلك الزمان)

اشارة

بَعْضُ أَصْحَابِنَا، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْعَبَّاسِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ عليه السلام ، قَالَ:«إِنَّ الْأَحْلَامَ لَمْ تَكُنْ فِيمَا مَضى فِي أَوَّلِ الْخَلْقِ، وَإِنَّمَا حَدَثَتْ».

فَقُلْتُ: وَمَا الْعِلَّةُ فِي ذلِكَ؟

فَقَالَ: «إِنَّ اللّهَ _ عَزَّ ذِكْرُهُ _ بَعَثَ رَسُولاً إِلى أَهْلِ زَمَانِهِ، فَدَعَاهُمْ إِلى عِبَادَةِ اللّهِ وَطَاعَتِهِ، فَقَالُوا: إِنْ (3). فَعَلْنَا ذلِكَ، فَمَا لَنَا فَوَ اللّهِ مَا أَنْتَ بِأَكْثَرِنَا مَالاً، وَلَا بِأَعَزِّنَا عَشِيرَةً . فَقَالَ: إِنْ أَطَعْتُمُونِي أَدْخَلَكُمُ اللّهُ الْجَنَّةَ، وَإِنْ عَصَيْتُمْ (4) أَدْخَلَكُمُ اللّهُ النَّارَ.

فَقَالُوا: وَمَا الْجَنَّةُ وَالنَّارُ؟ فَوَصَفَ لَهُمْ ذلِكَ، فَقَالُوا: مَتى نَصِيرُ إِلى ذلِكَ؟ فَقَالَ: إِذَا مِتُّمْ. فَقَالُوا: لَقَدْ رَأَيْنَا أَمْوَاتَنَا صَارُوا عِظَاما وَرُفَاتا، فَازْدَادُوا لَهُ تَكْذِيبا وَبِهِ اسْتِخْفَافا، فَأَحْدَثَ اللّهُ _ عَزَّ وَجَلَّ _ فِيهِمُ الْأَحْلَامَ، فَأَتَوْهُ، فَأَخْبَرُوهُ بِمَا رَأَوْا، وَمَا أَنْكَرُوا مِنْ ذلِكَ، فَقَالَ: إِنَّ اللّهَ _ عَزَّ وَجَلَّ _ أَرَادَ أَنْ يَحْتَجَّ عَلَيْكُمْ بِهذَا، هكَذَا تَكُونُ أَرْوَاحُكُمْ إِذَا مِتُّمْ، وَإِنْ بُلِيَتْ أَبْدَانُكُمْ تَصِيرُ الْأَرْوَاحُ إِلى عِقَابٍ حَتّى تُبْعَثَ الْأَبْدَانُ».

شرح الحديث

السند ضعيف على الظاهر .

قوله : (الأحلام) .

ص: 90


1- .الأعراف (7) : 172
2- نقل عنه العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 202
3- في الحاشية عن بعض النسخ: «إنّا»
4- في حاشية النسخة والطبعة القديمة : «عصيتموني»

في القاموس : «الحُلم، بالضمّ وبضمّتين: الرؤيا. الجمع: أحلام» (1).

وقوله : (الحجّة على أهل ذلك الزمان) أي وكون الأحلام حجّة على أهل الزمان الذي حدثت فيهم .

قوله : (إن فعلنا ذلك فما لنا) إلى قوله : (عشيرة) أي فما لنا من الأجر، وليس لك مال تعطينا، ولا عشيرة عزيزة تعيننا، فأيّ ثمرة لتصديقك والعبادة التي تدعونا إليها .

وقوله : (ورُفاتا) بالضمّ.

قال الجزري : «الرفات: كلّ ما دقّ وكسر» (2).

وقوله : (فأحدث اللّه فيهم الأحلام) أي رأوا في المنام أنّ اللّه يعذّبهم، كما أخبرهم نبيّهم ، وإنّما خصّصنا الأحلام بذلك بقرينة آخر الحديث .

وقيل : الحُلُم _ بضمّتين _ اسم لما يراه النائم كالرؤيا، لكن غلب اسم الرؤيا لما يراه من الخير والشيء الحسن ، واسم الحلم لما يراه من الشرّ والقبيح، وقد يستعمل كلّ منهما في موضع الآخر، وإنّما جمع هاهنا _ وهو مصدر _ لاختلاف أنواعه (3).

وقوله : (فأخبروه بما رأوا ، وما أنكروا من ذلك) .

كلمة «ما» في الموضعين موصولة، والثانية عطف على الاُولى . و«ذلك» إشارة إلى الموصول الأوّل، وهو عبارة عمّا أنكروه من عذاب البرزخ .

ويحتمل كون الثانية نافية ؛ أي اعترفوا بما رأوا ولم ينكروا منه شيئا .

متن الحديث الثامن والخمسين

اشارة

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللّهِ عليه السلام ، قَالَ:سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «رَأْيُ الْمُؤْمِنِ وَرُؤْيَاهُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ عَلى سَبْعِينَ جُزْءا مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ».

شرح الحديث

السند حسن .

ص: 91


1- القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 99 (حلم)
2- النهاية ، ج 2 ، ص 241 (رفت)
3- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 442

قوله : (رأيُ المؤمن ورؤياه في آخر الزمان) .

قيل: لمّا غيّب اللّه في آخر الزمان عن الناس حجّتهم، تفضّل عليهم ، وأعطاهم رأيا قويّا في استنباط الأحكام الشرعيّة ممّا وصل إليهم من الآثار النبويّة ، ولمّا حجب عنهم الوحي وخزّانه ، أعطاهم الرؤيا الصادقة أزيد ممّا كان لغيرهم؛ ليظهر عليهم بعض الحوادث قبل وقوعها وحدوثها (1).

أقول : لا وجه لتخصيص الرأي بما ذكر ، بل الظاهر تعميمه في مطلق فراسة المؤمن وإدراكاته الحقّة . وكذا لا وجه لتخصيص آخر الزمان بزمان الغيبة .

قال الفاضل الإسترآبادي : المراد بالأوّل ما يخلق اللّه في قلبه من الصور العلميّة في حال اليقظة ، وبالثاني ما يخلق اللّه في قلبه في حال النوم ، وكأنّ المراد بآخر الزمان زمان ظهور الصاحب عليه السلام ؛ فإنّ في بعض الأحاديث وقع التصريح بأنّ في زمن ظهوره عليه السلام يجمع اللّه قلوب المؤمنين على الصواب في كلّ باب .

ولفظة «على» هاهنا نهجيّة؛ أي على نهج سبعين جزءا؛ يعني يكونان مثل الوحي موافقا للواقع دائما، وهما نوع من الوحي يتفضّل اللّه به زمن ظهور المهديّ عليه السلام . انتهى (2).

وقيل : لعلّ المراد بقوله : (على سبعين جزءا من أجزاء النبوّة) أنّ للنبوّة أجزاء كثيرة سبعون منها من قبل الرأي؛ أي الاستنباط اليقيني، لا الاجتهاد والتظنّي والرؤيا الصادقة ، فهذا المعنى الحاصل لأهل آخر الزمان على نحو تلك السبعين ومشابه لها، وإن كان في النبيّ أقوى .

قال : ويحتمل أن يكون المراد على نحو بعض أجزاء السبعين، كما ورد أنّ الرؤيا الصادقة جزء من سبعين جزءا من النبوّة(3).

وقال بعض الشارحين : ومن طريق العامّة عن النبيّ صلى الله عليه و آله قال : «إذا اقترب الزمان، لم تكن رؤيا المسلم

ص: 92


1- قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 203
2- نقل عنه المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 444
3- القائل هو العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 203 و 204

تكذب، وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا، ورؤيا المؤمن جزء من خمسة وأربعين جزءا من النبوّة» (1).

ومن طريق آخر لهم : «أنّها جزء من سبعين جزءا من النبوّة» (2).

قال محيي الدِّين البغوي : فسّر أبو داود تقارب الزمان باعتدال الليل والنهار، ووجّه ذلك باعتدال الأمزجة حينئذٍ، فلا يكون في المنام أضغاث أحلام؛ فإنّ موجبها إنّما هو غلبة خلط على المزاج .

وفسّره غيره بقرب القيامة . ويشهد الثاني أنّ هذا الخبر جاء من طريق أبي هريرة أنّه قال : «في آخر الزمان لا تكذب رؤيا المؤمن» (3).

وقال القرطبي : «المراد بآخر الزمان الزمان الذي فيه الطائفة التي تبقى مع عيسى عليه السلام بعد قتل دجّال، تبقى سبع سنين ليس بين اثنين منهم عداوة، فهم أحسن الاُمّة حالاً، وأصدقهم قولاً، وكانت رؤياهم لا تكذب» .

وقد قال صلى الله عليه و آله : «أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا» .

وردَّ ابن العربي التفسير الأوّل بأنّه لا أثر لاعتدال الزمان في صدق الرؤيا إلّا على ما يقوله الفلاسفة من اعتدال الأمزجة حينئذٍ ، ثمّ إنّه وإن كان هذا في الاعتدال الأوّل، لكن في الاعتدال الثاني حين تحلّ الشمس برأس الميزان الأمر بالعكس ؛ لأنّه تسقط حينئذٍ الأوراق، ويتغلّس الماء من الثمار .

ثمّ قال : والصحيح التفسير الثاني؛ لأنّ القيامة هي الحاقّة التي تحقّ فيها الحقائق، وكلّ ما قرب منها فهو أخصّ بها .

وقال الآبيّ : فسّره بعض الشافعيّة بثالث، هو من قوله عليه السلام : «يتقارب الزمان حتّى تكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كالساعة» ، قالوا : وذلك عند خروج المهديّ عليه السلام ، وهو زمان يقصر ويتقارب أجزاؤه للاستلذاذ به .

هذا كلامهم . ثمّ قال الشارح :

ص: 93


1- مسند أحمد ، ج 2 ، ص 507 ؛ صحيح مسلم ، ج 7 ، ص 52 ؛ الجامع الصغير، ج 2 ، ص 74 ، ح 466 ؛ كنزالعمّال ، ج 15 ، ص 371 ، ح 41427
2- مسند أحمد ، ج 1 ، ص 315 ؛ و ج 2 ، ص 119 ؛ صحيح مسلم ، ح 7 ، ص 54 ؛ سنن ابن ماجة ، ج 2 ، ص 1282 ، ح 3895 ؛ مجمع الزوائد ، ح 7 ، ص 172
3- اُنظر : فتح الباري لابن حجر ، ج 12 ، ص 356

ثمّ إنّه لابدّ هنا من شيئين :

أحدهما : بيان السبب؛ لكون رؤيا المؤمن جزءا من أجزاء النبوّة .

وثانيهما : بيان السبب لهذه النسبة المخصوصة ؛ أعني كونها جزءا من سبعين جزءا .

أمّا الأوّل، فنقول: الرؤيا الصادقة من المؤمن الصالح جزءٌ من أجزاء النبوّة؛ لما فيها من الإعلام الذي هو على معنى النبوّة على أحد الوجهين .

وقد قال كثير من الأفاضل : إنّ للرؤيا الصادقة مَلكا وكّل بها يرى الرائي من ذلك ما فيه تنبيه على ما يكون له، أو يقدر عليه من خير أو شرّ، وهذا معنى النبوّة ؛ لأنّ لفظ «النبيّ» قد يكون فعيلاً بمعنى مفعول ؛ أي يُعلمه اللّه ، ويُطلِعه في منامه من غيبه ما لا يُظهِر عليه أحد إلّا من ارتضى من رسول . وقد يكون بمعنى فاعل؛ أي يُعلِم غيرَه بما اُلقي إليه ، وهذا أيضا صورة صاحب الرؤيا .

وقال القرطبي : «الرؤيا لا تكون من أجزاء النبوّة إلّا إذا وقعت من مسلم صالح صادق؛ لأنّه الذي يناسب حاله حال النبيّ، وكفى بالرؤيا شوقا أنّها نوع ممّا أكرمت به الأنبياء، وهو الاطّلاع على شيء من علم الغيب، كما قال صلى الله عليه و آله : «لم يبق من مبشّرات النبوّة إلّا الرؤيا الصادقة يراها الرجل المسلم» (1). ، وأمّا الكافر والكاذب والمخلّط، وإن صدقت رؤياهم في بعض الأحيان؛ فإنّها لا تكون من الوحي، ولا من النبوّة؛ إذ ليس كلّ من صدق في حديث عن غيب يكون خبره نبوّة بدليل الكاهن والمنجّم؛ فإنّ أحدهم قد يحدّث ويصدق، لكن على الندرة ، وكذلك الكافر قد تصدق رؤياه كرؤيا العزيز سبع بقرات، ورؤيا الفتيان في السجن، ورؤيا العاتكة عمّة رسول اللّه صلى الله عليه و آله وهي كافرة ، ولكن ذلك قليل بالنسبة إلى مناماتهم المخلّطة الفاسدة .

وأمّا الثاني، فقيل : يحتمل أن تكون هذه التجزئة من طرق الوحي، منه ما سمع بواسطة الملك، ومنه ما يلقى في القلب، كما قال اللّه تعالى : «إِنْ هُوَ إِلَا وَحْىٌ يُوحَى» (2). ؛ أي إلهام ، ومنه ما يأتي به الملك وهو على صورته ، ومنه ما يأتيه [به ]وهو على صورة آدميّ ، ومنه ما يأتيه في منامه بحقيقته ، ومنه ما يأتيه بمثال أحيانا

ص: 94


1- .مسند أحمد ، ج 1 ، ص 219 ؛ سنن الدارمي ، ج 1 ، ص 304 ؛ صحيح مسلم ، ج 2 ، ص 48 ؛ سنن ابن ماجة ، ج 2 ، ص 1283 ، ح 3899 ؛ سنن أبي داود ، ج 1 ، ص 201 ، ح 876
2- النجم (53) : 4

يسمع الصوت ويرى الضوء ، ومنه ما يأتي به كصَلصَلَة (1). الجرس ، ومنه ما يلقيه روح القدس في روعه ، إلى غير ذلك ممّا لم نقف .

ويكون مجموع الطرق سبعين، فتكون الرؤيا التي هي ضربُ مثالٍ جزءا من ذلك العدد من أجزاء الوحي.

والحاصل أنّ للنبيّ طرقا إلى العلم ، وإحدى تلك الطرق الرؤيا، ونسبتها إلى تلك الطرق أنّها جزء من سبعين جزءا، ولا يلزم أن يبيّن تلك الأجزاء؛ لأنّه لا يلزم العلماء أن يعلموا كلّ شيء جملةً وتفصيلاً ، وقد جعل اللّه سبحانه لهم في ذلك حدّا يوقف عنده ؛ فمنها ما لا يعلم أصلاً ، ومنها ما يعلم جملةً ولا يعلم تفصيلاً _ وهذا منه _ ومنها ما يعلم جملةً وتفصيلاً لا سيّما فيما طريقه السمع وبيّنه الشارع .

وقيل : مجموع خصال النبوّة سبعون، وإن لم نعلمها تفصيلاً ، ومنها الرؤيا ، والمنام الصادق من المؤمن خصلة واحدة لها هذه النسبة مع تلك الخصال .

ويحتمل أن يكون المراد أنّ ثمرة رؤيا المؤمن _ أعني الإخبار بالغيب _ في جنب فوائدها المقصودة يسيرة نسبتها إلى ما أطلعه اللّه تعالى على نبيّه من فوائدها بذلك القدر؛ لأنّه يعلم من فوائد مناماتِهِ بنور نبوّته ما لا نعلمه من حقائق مناماتنا، وأن يكون المراد أنّ دلالة رؤيا المؤمن على الإخبار بالغيب جزء من دلالة رؤيا النبيّ ، والنسبة بذلك القدر ؛ لأنّ المنامات إنّما هي دلالات، والدلالات منها خفيّ ومنها جليّ، والخفيّ له نسبة مخصوصة مع الجليّ في نفس الأمر، فبيّنها عليه السلام بأنّها بذلك القدر .

والفرق بين هذين التوجيهين: أنّ الأوّل منهما باعتبار التفاوت في الثمرات، والثاني باعتبار التفاوت في الدلالات . والمراد بأجزاء النبوّة فيهما أجزاء رؤيا النبيّ، وليس المراد بها جميع أجزاء النبوّة . وهذا وإن كان بعيدا بحسب اللفظ، لكنّه غير مستبعد بحسب الواقع ؛ إذ الظاهر أنّ خصال النبوّة غير منحصرة في السبعين .

ومن طريق العامّة أيضا: «أنّ رؤيا المؤمن جزء من ستّة وأربعين جزءا من أجزاء النبوّة» (2).

ص: 95


1- في الحاشية: «قال الجوهري: صلصلة اللجام: صوته. وقال: الجرس: ما يعلّق [في عنق] البعير، والذي يضرب به أيضا. منه». اُنظر : الصحاح ، ج 5 ، ص 1745 (صلصل) ؛ و ج 3 ، ص 912 (جرس)
2- كتاب الموطّأ لمالك ، ج 2 ، ص 956 ؛ مسند أحمد ، ج 2 ، ص 233 و 269 و 438 و 507 و ... ؛ سنن الدارمي ، ج 2 ، ص 123 ؛ صحيح البخاري ، ج 8 ، ص 68 ؛ صحيح مسلم ، ج 7 ، ص 52 ؛ سنن ابن ماجة ، ج 2 ، ص 1282 ، ح 3893 و 3894

وقيل في توجيهه : إنّ ذلك باعتبار مدّة النبوّة؛ لأنّ النبيّ صلى الله عليه و آله أقام يوحى إليه ثلاثا وعشرين سنة: ثلاثة عشر بمكّة، وعشرة بالمدينة، وكان قبل ذلك بستّة أشهر يرى في المنام ما يلقي إليه الملك ، ونسبة نصف سنة من ثلاثة وعشرين سنة جزء من ستّة وأربعين (1).

متن الحديث التاسع والخمسين

اشارة

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُعَمَّرِ بْنِ خَلَادٍ، عَنِ الرِّضَا عليه السلام ، قَالَ:«إِنَّ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه و آله كَانَ إِذَا أَصْبَحَ قَالَ لأصْحَابِهِ: هَلْ مِنْ مُبَشِّرَاتٍ؟ يَعْنِي بِهِ الرُّؤْيَا».

شرح الحديث

السند صحيح.

نقل من طريق العامّة بإسنادهم عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول اللّه صلى الله عليه و آله يقول: «لم يبق من النبوّة إلّا المبشّرات». قالوا: وما المبشّرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة»(2).

وبإسنادهم عن سمرة بن جندب، قال: كان النبى¨ّ صلى الله عليه و آله إذا صلّى الصبح، أقبل عليهم بوجهه، فقال: «هل رأى أحد [منكم ]البارحة الرؤيا؟» (3). قال بعضهم: «التعبير بعد الصبح والنهار أولى اقتفاء بفعله عليه السلام ، ولما جاء أنّ في البكرة بركات، ولأنّ الذهن حينئذٍ أجمع؛ لخلوّه عن الشغل بأعمال النهار ، ولقرب عهد الرائي لما رآه، ولعدم طُروء ما يخلط عليه رؤياه»(4).

متن الحديث الستّين

اشارة

عَنْهُمْ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام ، قَالَ:

ص: 96


1- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 444 - 446 (مع اختلاف يسير)
2- صحيح البخاري ، ج 8 ، ص 69 ؛ مجمع الزوائد ، ج 7 ، ص 172 ؛ الاستذكار ، ج 8 ، ص 457 ، ح 1784 ؛ التمهيد ، ج 5 ، ص 55 ؛ الجامع الصغير ، ج 2 ، ص 419 ، ح 7328
3- صحيح مسلم ، ج 7 ، ص 58 ؛ شرح مسلم ، ج 3 ، ص 93 ؛ مقدّمة فتح الباري ، ص 85 ؛ إمتاع الأسماع للمقريزي ، ج 8 ، ص 103
4- اُنظر : شرح المازندراني ، ج 11 ، ص 446

«قَالَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه و آله فِي قَوْلِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ: «لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا» (1) ؟ قَالَ: هِيَ الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ يَرَى الْمُؤْمِنُ فَيُبَشَّرُ بِهَا فِي دُنْيَاهُ».

شرح الحديث

السند ضعيف .

قوله تعالى في سورة يونس : «الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمْ الْبُشْرى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْاخِرَةِ» .

البُشرى والبشارة: اسم من الاستبشار، وهو الفَرَح بالأمر السارّ . وقال البيضاوي : بشرى الدُّنيا ما بشّر اللّه به المتّقين في كتابه، وعلى لسان نبيّه ، وما يُريهم من الرؤيا الصالحة ، وما يسنح لهم من المكاشفات، وبشرى الملائكة عند النزع، وبشرى الآخرة تلقّي الملائكة إيّاهم مسلِّمين مبشِّرين بالفوز والكرامة (2).

وروى محيي السنّة بإسناده عن عبادة بن صامت، قال : سألت رسول اللّه صلى الله عليه و آله عن قوله تعالى : «لَهُمْ الْبُشْرى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا» ، قال : «هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن، أو تُرى له»(3).

ويمكن حمل قوله عليه السلام : (هي الرؤيا الحسنة ...) على هذه الرواية .

وروى عقبة بن خالد عن أبي عبداللّه عليه السلام : «أنّها هي البشارة عند الموت» (4).

ولا منافاة بينها وبين هذا الحديث؛ لأنّه يصدق على كلّ منهما أنّه بشارة في الحياة الدنيا .

متن الحديث الواحد والستّين

اشارة

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللّهِ عليه السلام ، قَالَ:«الرُّؤْيَا عَلى ثَلَاثَةِ وُجُوهٍ: بِشَارَةٍ مِنَ اللّهِ لِلْمُؤْمِنِ، وَتَحْذِيرٍ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَأَضْغَاثِ أَحْلَامٍ».

ص: 97


1- يونس (10) : 64
2- تفسير البيضاوي ، ج 3 ، ص 206
3- مسند أحمد ، ج 5 ، ص 315 و 321 ؛ سنن الترمذي ، ج 3 ، ص 364 ، ح 2375 ؛ المستدرك للحاكم ، ج 4 ، ص 391 ؛ تاريخ مدينة دمشق ، ج 26 ، ص 113
4- اُنظر : بحار الأنوار ، ج 58 ، ص 180

شرح الحديث

السند حسن .

قوله : (تَحذير من الشيطان) .

لعلّ المراد التخويف الناشئ منه ؛ يعني الرؤيا الهائلة .

وقيل : أي يحذّر ويخوّف من الأعمال الصالحة، أو يكون في الأصل تحزين من الشيطان، فصحّف لقوله تعالى : «إِنَّمَا النَّجْوى مِنْ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ» (1).

وروي عن محيي السنّة أنّه روى بإسناده عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه و آله أنّه قال : «الرؤيا ثلاثة : رؤيا بشرى من اللّه ، ورؤيا ممّا يحدّث به الرجل نفسَه ، ورؤيا من تحزين الشيطان» (2). (3).

(وأضغاث أحلام) .

قال الجوهري : «الضغث، بالكسر: قبضة حشيش مختلطة الرطب اليابس . وأضغاث أحلام: الرؤيا التي لا يصحّ تأويلها لاختلاطها » (4). انتهى .

وقيل : هي الرؤيا المختلفة التي تركّبها المتخيّلة، ولا أصل لها، وليس من اللّه ولا من الشيطان .

وروت العامّة عن النبيّ صلى الله عليه و آله : «إنّ الرؤيا ثلاث : فرؤيا صالحة بشرى من اللّه ، ورؤيا تُحزن من الشيطان ، ورؤيا فيما يحدِّث المرء نفسه» (5).

وقال بعض الأفاضل : إنّما نسب الاُولى إلى اللّه تعالى؛ لطهارتها من حضور الشيطان، وإفساده لها، وسلامتها من الغلط والخلط والتخليط من الأشياء المتضادّة ، والرؤيا التي منه

ص: 98


1- المجادلة (58) : 10
2- . اُنظر : السنن الكبرى ، ج 4 ، ص 390 ، ح 7654 ؛ المعجم الأوسط ، ج 1 ، ص 123 ؛ مسند الشاميّين ، ج 4 ، ص 41 ، ح 2678
3- قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 205
4- .الصحاح ، ج 1 ، ص 285 (ضغث)
5- لم نعثر على الرواية في المصادر المعتبرة . وانظر : شرح المازندراني ، ج 11 ، ص 447

تعالى [غير ]منحصرة في البشارة؛ إذ يكون إنذارا منه اعتناءً بعبدِه، لئلّا يأتي ما قدر عليه، أو يرجع ويتوب عمّا فعله من المعاصي، ويكون منه على حذر .

ونسب الثانية إلى الشيطان؛ لأنّها نشأت من تخييلاته وتدليساته تحذيرا من شيء أو ترغيبا فيه؛ ليُشغِل بال الرائي، ويُدخل الضرر والهمّ فيه .

والثالثة أضغاث أحلام، وهي الرؤيا التي لا يمكن تأويلها؛ لجمعها للأشياء المتضادّة والمختلفة .

ثمّ قال :

قال بعض المعبّرين : الرؤيا ثمانية أقسام ؛ سبعة لا تعبّر، ومن السبعة أربعة نشأت من الخلط الغالب على مزاج الرائي، فمن غلب على مزاجه الصفراء رأى الألوان الصُّفر والطعوم المرّة والسّموم والصواعق ؛ لأنّ الصفراء مِسخنة مُرّة ، ومن غلب عليه الدم رأى الألوان الحُمر والطعوم الحُلوة وأنواع الطرب ؛ لأنّ الدم مفرح حُلو ، ومن غلب عليه البلغم رأى الألوان البيض والمياه والأمطار والثلج ، ومن غلب عليه السوداء رأى الألوان السود والأشياء المُحرقة والطعوم الحامضة؛ لأنّه طعام السوداء ، ويُعرف ذلك كلّه بالأدلّة الطبّيّة الدالّة على غَلَبة ذلك الخلط على الرائي .

والخامس ما كان عن حديث النفس، ويُعرف ذلك بجولانه في اليقظة، فيستولي على النفس فيراه في النوم .

والسادس ما هو من الشيطان، ويُعرف ذلك بكونه أمرا فيه ترغيب على أمرٍ تنكره الشريعة، أو أمرا بجائز يؤول إلى منكر، كأمره بالحجّ مثلاً، ويؤدّي إلى تضييع ماله أو عياله أو نفسه .

والسابع ما كان فيه احتلام .

والثامن هو الذي يجوز تعبيره، وهو ما خرج عن هذه السبعة، وهو ما ينقله مَلَك الرؤيا من اللوح المحفوظ من أمر الدنيا والآخرة من كلّ خيرٍ أو شرّ .

ثمّ قال : إذا تأمّلت في الحديث، وجدته شاملاً لجميع هذه الأقسام الثمانية؛ لأنّ الخمسة الاُولى داخلة في أضغاث أحلام، والاثنين بعدها داخلان في القسم الثاني ، وهو ما كان من الشيطان ، والثامن عين الأوّل ، وهو ما كان من اللّه تعالى (1).

ص: 99


1- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 447 و 448

متن الحديث الثاني والستّين

اشارة

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ دُرُسْتَ بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ، (1). عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ:

قُلْتُ لأبِي عَبْدِ اللّهِ عليه السلام : جُعِلْتُ فِدَاكَ، الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ وَالْكَاذِبَةُ مَخْرَجُهُمَا مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ؟ قَالَ: «صَدَقْتَ؛ أَمَّا الْكَاذِبَةُ الْمُخْتَلِفَةُ (2). فَإِنَّ الرَّجُلَ يَرَاهَا فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ فِي سُلْطَانِ الْمَرَدَةِ الْفَسَقَةِ، وَإِنَّمَا هِيَ شَيْءٌ يُخَيَّلُ إِلَى الرَّجُلِ، وَهِيَ كَاذِبَةٌ مُخَالِفَةٌ لَا خَيْرَ فِيهَا.

وَأَمَّا الصَّادِقَةُ إِذَا رَآهَا بَعْدَ الثُّلُثَيْنِ مِنَ اللَّيْلِ مَعَ حُلُولِ الْمَلَائِكَةِ، وَذلِكَ قَبْلَ السَّحَرِ، فَهِيَ صَادِقَةٌ لَا تَخْتَلِفُ إِنْ شَاءَ اللّهُ إِلَا أَنْ يَكُونَ جُنُبا، أَوْ يَنَامَ عَلى غَيْرِ طَهُورٍ، وَلَمْ يَذْكُرِ اللّهَ _ عَزَّ وَجَلَّ _ حَقِيقَةَ ذِكْرِهِ؛ فَإِنَّهَا تَخْتَلِفُ وَتُبْطِئُ عَلى صَاحِبِهَا».

شرح الحديث

السند ضعيف .

قوله : (مخرجُهما من مَوضع واحد) . الظاهر أنّ المخرج هنا مصدر ميميّ .

وقيل : لعلّ المراد أنّ ارتسامهما في محلّ واحد ، أو أنّ علّتهما من الارتسام ، لكن علّة الارتسام فيهما مختلفة .

وقيل : يعني أنّ كليهما صور علميّة يخلقهما اللّه تعالى في قلب عباده بأسباب روحانيّة، أو شيطانيّة، أو طبيعيّة (3).

وقوله : (المختلفة) .

في بعض النسخ: «المُخلفة» . قال الجوهري : «المُخلفة من النُوق: هي الراجع التي ظهر لهم أنّها لقحت، ثمّ لم تكن ذلك . ويقال : أخلفه ما وعده، وهو أن يقول شيئا ولا يفعله على الاستقبال» (4).

ص: 100


1- في الحاشية: «واقفي ، توثيق له»
2- .في الحاشية عن بعض النسخ: «المخلفة»
3- القائل هو العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 206
4- الصحاح ، ج 4 ، ص 1355 (خلف)

وقوله : (في أوّل ليلة) .

في بعض النسخ بالهاء. وفي بعضها بالتاء .

وقوله : (لا تختلف) .

في بعض النسخ: «لا تُخلِف» من الإخلاف .

وقوله : (قبل السحر) .

قال في المغرب : «السَّحَر : آخر الليل . عن الليث: قالوا : هو السدس الآخر، وهما سحران، والسحر الأوّل قبل انصداع الفجر، والآخر عند انصداعه» (1).

وقال في المصباح : «السَّحَر، بفتحتين: قُبَيل الصبح. وبضمّتين لغة» (2).

وقوله : (إلّا أن يكون جُنبا ...) إشارة إلى علّة تخلف بعض الرؤيا مع كونها في السحر؛ إذ الجنابة والحدث والغفلة عن ذكره تعالى يوجب البُعد عن جناب قدسه تعالى، والقُرب من وساوس الشيطان واستيلائه على الإنسان .

ولعلّ المراد بحقيقة الذِّكر ما يليق بجناب قدسه تعالى، أو الأذكار المأثورة عند النوم .

وقال بعض الأفاضل : قوله عليه السلام : «في سلطان المردَة الفسَقة» أي في أوّل الليل يستولي على الإنسان شهوات ما رآه في النهار، وكثرت في ذهنه الصور الخياليّة، واختلطت بعضها ببعض، وبسبب كثرة مزاولة الاُمور الدنيويّة بَعُدَ من ربّه، وغلبت عليه القوى النفسانيّة والطبيعيّة، فبسبب هذه الاُمور تبعد عنه ملائكة الرحمان، وتستولي عليه جنود الشيطان ، فإذا كان وقت السحر سكنت قواه، وزالت عنه ما اعتراه من الخيالات الشهوانيّة، فأقبل عليه مولاه بالفضل والإحسان، وأرسل عليه ملائكته ليدفعوا عنه أحزاب الشيطان ، فلذا أمر اللّه تعالى في ذلك الوقت بعبادته ومناجاته، وقال : «إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئا وَأَقْوَمُ قِيلاً» (3). ، فما يراه في الحالة الاُولى فهو من التسويلات والتخييلات الشيطانيّة ومن الوساوس النفسانيّة ، وما يراه في الحالة الثانية فهو من الإفاضات الرحمانيّة بتوسّط الملائكة الروحانيّة .

ص: 101


1- المغرب، ص121 (سحر)
2- المصباح المنير، ص134 (سحر)
3- المزّمّل (73) : 6

ثمّ قال : ولمّا كان أمر الرؤيا وصدقها وكذبها ممّا اختلفت فيه أقاويل الناس، فلا بأس أن نذكر هاهنا بعض أقوال المتكلِّمين والحكماء، ثمّ نبيّن ما ظهر لنا فيه من أخبار أئمّة الأنام عليهم السلام .

فأمّا الحكماء فقد بنوا ذلك على ما أسّسوه من انطباع صور الجزئيّات في النفوس المنطبعة الفلكيّة، وصور الكلّيّات في العقول المجرّدة، وقالوا : إنّ النفس في حالة النوم قد تتّصل بتلك المبادئ العالية، فتحصل لها بعض العلوم الحقّة الواقعيّة، فهذه هي الرؤيا الصادقة .

وقال بعضهم : إنّ للنفوس الإنسانيّة اطّلاعا على الغيب في حال المنام، وليس لأحد من الناس إلّا وقد جرّب ذلك من نفسه تجاربا أوجبته التصديق، وليس ذلك بسبب الفكر؛ فإنّ الفكر [في] حال اليقظة التي هو فيها أمكنُ يَقْصُر عن تحصيل مثل ذلك، فكيف في حال النوم؟! بل بسبب أنّ النفوس الإنسانيّة لها مناسبة الجنسيّة إلى المبادئ العالية المنتقشة بجميع ما كان وما سيكون وما هو كائن في الحال، ولها أن تتّصل بها اتّصالاً روحانيّا، وأن تنتقش بما هو مرتسم فيها ؛ لأنّ اشتغال النفس ببعض أفاعيلها يمنعُها عن الاشتغال بغير تلك الأفاعيل، وليس لنا سبيل إلى إزالة عوائق النفس بالكلّيّة عن الانتقاش بما في المبادئ العالية ؛ لأنّ أحد العائقَين هو اشتغال النفس بالبدن، ولا يمكن لنا إزالة هذا العائق بالكلّيّة ما دام البدن صالحا لتدبيرها ، إلّا أنّه قد يسكن أحد الشاغلين في حالة النوم؛ فإنّ الروح ينتشر إلى ظاهر البدن بواسطة الشرائين، وينصبّ إلى الحواسّ الظاهرة حالة الانتشار، ويحصل الإدراك بها ، وهذه الحالة هي اليقظة، فتشتغل النفس بتلك الإدراكات .

فإذا انحبس الروح إلى الباطن، تعطّلت هذه الحواسّ، وهذه الحالة هي النوم، وبتعطّلها يخفّ أحد شواغل النفس عن الاتّصال بالمبادئ العالية والانتقاش ببعض ما فيها، فيتّصل حينئذٍ بتلك المبادئ اتّصالاً روحانيّا، ويرتسم في النفس بعض ما انتقش في تلك المبادئ ممّا استعدّت هي لأن تكون منتقشة به، كالمرايا إذا حُوذي بعضها ببعض ما يتّسع له ممّا انتقش في البعض الآخر، والقوّة المتخيّلة جُبّلت محاكية لما يرد عليها، فتحاكى تلك المعاني المنتقشة في النفس بصور جزئيّة مناسبة لها، ثمّ ترتسم الصور الجزئيّة في الحسّ المشترك ، فتصير مشاهدة ، وهذه هي الرؤيا الصادقة .

ص: 102

ثمّ إنّ الصور التي تركّبها القوّة المتخيّلة إن كانت شديدة المناسبة لتلك المعاني المنطبعة في النفس، حتّى لا يكون بين المعاني التي أدركتها النفس وبين الصور التي ركّبتها القوّة المتخيّلة تفاوت إلّا في الكلّيّة والجزئيّة، كانت الرؤيا غنيّة عن التعبير، وإن لم تكن شديدة المناسبة، إلّا أنّه مع ذلك تكون بينهما مناسبة بوجه مّا، كانت الرؤيا محتاجة إلى التعبير، وهو أن يرجع من الصور التي في الخيال إلى المعنى الذي صوّرته المتخيّلة بتلك الصور .

وأمّا إذا لم تكن بين المعنى الذي أدركته النفس وبين تلك الصور مناسبة أصلاً، فهذه الرؤيا من قبيل أضغاث الأحلام . ولهذا قالوا : لا اعتماد على رؤيا الشاعر والكاذب؛ لأنّ قوّتهما المتخيّلة قد تعوّدت الانتقالات الكاذبة الباطلة .

ولا يخفى أنّ هذا رجمٌ بالغيب، وتقوّل بالظنّ والريب ، ولم يستند إلى دليل وبرهان، ولا إلى مشاهدة ولا عيان، ولا إلى وحي إلهي، مع ابتنائه على العقول والنفوس الفلكيّة اللتين نفتهما الشريعة المقدّسة .

وقال المازري في شرح قول النبيّ صلى الله عليه و آله : «الرؤيا من اللّه ، والحُلُم من الشيطان» (1). : مذهب أهل السنّة في حقيقة الرؤيا أنّ اللّه تعالى يخلق في قلب النائم اعتقادات لا يخلقها في قلب اليقظان، وهو _ سبحانه وتعالى _ يفعل ما يشاء، لا يمنعه النوم واليقظة ؛ فإذا خلق هذه الاعتقادات فكأنّه جعلها عَلَما على أمرٍ آخر يخلقها في ثاني الحال، أو كان قد خلقها، فإذا خلق في قلب النائم الطيران وليس بطائر ، فأكثر ما فيه أنّه اعتقد أمرا على خلاف ما هو به، فيكون ذلك الاعتقاد عَلَما على غيره، كما يكون خلق اللّه تعالى الغيم عَلَما للطير ، والجميع خلق اللّه تعالى، ولكن يخلق الرؤيا والاعتقادات التي جعلها عَلَما على ما يسرّ بغير حضرة الشيطان، وخلق ما هو عَلَمٌ على ما يضرّ بحضرة الشيطان، فنسب إلى الشيطان مجازا؛ لحضوره عندها، وإن كان لا فعل له حقيقةً (2).

ص: 103


1- .عدّة الداعي ، ص 262 ؛ بحار الأنوار ، ج 58 ، ص 193 ، ح 72 (فيه عن أبي قتادة) ؛ و ص 191 (عن كتاب التبصرة لعليّ بن بابويه) ؛ مسند أحمد ، ج 5 ، ص 296 و 305 ؛ سنن الدارمي ، ج 2 ، ص 124 ؛ صحيح البخاري ، ج 4 ، ص 95 ؛ و ج 7 ، ص 25 ؛ و ج 8 ، ص 72 ؛ صحيح مسلم ، ج 7 ، ص 50 ؛ سنن ابن ماجة ، ج 2 ، ص 1286 ، ح 3909
2- اُنظر : فتح الباري ، ج 12 ، ص 309 ؛ عمدة القاري ، ج 1 ، ص 60 ؛ و ج 21، ص 270 ؛ فيض القدير ، ج 4 ، ص 59 ؛ تفسير الآلوسي ، ج 12 ، ص 181

وقال محيي السنّة : «ليس كلّ ما يراه الإنسان صحيحا ويجوز تعبيره ، بل الصحيح ما كان من اللّه يأتيك به ملك الرؤيا من نسخة اُمّ الكتاب، وما سوى ذلك أضغاث أحلام لا تأويل لها، وهي على أنواع : قد تكون من فعل الشيطان يلعب بالإنسان، أويُريه ما يحزنه، وله مكائد يحزن بها بني آدم، كما قال تعالى : «إِنَّمَا النَّجْوى مِنْ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا» (1). ، ومن لعب الشيطان به الاحتلام الذي يوجب الغسل فلا يكون له تأويل . وقد يكون من حديث النفس كما يكون في أمرٍ أو حرفةٍ يرى نفسه في ذلك الأمر، والعاشق يرى معشوقه ونحوه . وقد يكون من مزاج الطبيعة ، كمن غلب عليه الدم يرى الفصد والحجامة والحمرة والرعاف والرياحين والمزامير والنشاط ونحوه ، ومَن غلب عليه الصفراء يرى النار والشمع والسراج والأشياء الصُّفر والطيران في الهواء ونحوه ، ومَن غلب عليه السوداء يرى الظلمة والسواد والأشياء السود وصيد الوحش والأهوال والأموات والقبور والمواضع الخربة وكونه في مضيق لا منفذ له أو تحت ثقل ونحوه ، ومَن غلب عليه البلغم يرى البياض والمياه والأنداء والثلج والوحل، فلا تأويل لشيء منها .

وقال السيّد المرتضى رحمه الله في كتاب الغرر والدرر في جواب سائل سأله : ما القول في المنامات؛ أ صحيحة هي أم باطلة ؟ ومِن فِعل مَن هي ؟ وما وجه صحّتها في الأكثر ؟ وما وجه الإنزال عند المباشرة في المنام ؟ وإن كان فيها صحيح وباطل، فما السبيل إلى تمييز أحدهما من الآخر؟ الجواب : اعلم أنّ النائم غير كامل العقل ؛ لأنّ النوم ضربٌ من السهو ، والسهو ينفي العلوم ، ولهذا يعتقد النائم الاعتقادات الباطلة؛ لنقصان عقله وفقد علومه .

وجميع المنامات إنّما هي اعتقادات يبتدأ بها النائم في نفسه، ولا يجوز أن يكون من فعل غيره فيه؛ لأنّ من عداه من المحدّثين _ سواء كانوا بَشَرا، أو ملائكة، أو جنّا _ أجسام، والجسم لا يقدر أن يفعل في غيره اعتقادا بل ابتداءً ، ولا شيئا من الأجناس على هذا الوجه ، وإنّما يفعل ذلك في نفسه على سبيل الابتداء .

وإنّما قلنا: إنّه لا يفعل في غيره جنس الاعتقادات متولّدا ؛ لأنّ الذي يُعدِّي الفعل من محلّ القدرة إلى غيرها من الأسباب إنّما هو الاعتمادات، وليس في جنس

ص: 104


1- .المجادلة (58) : 10

الاعتمادات ما يولد في الاعتقادات ، ولهذا لو اعتمد أحدنا على قلب غيره الدهر الطويل، ما تولّد فيه شيء من الاعتقادات .

وقد بيّن ذلك، وشرح في مواضع كثيرة ، والقديم تعالى هو القادر أن يفعل في قلوبنا ابتداءً من غير سبب أجناس الاعتقادات، ولا يجوز أن يفعل في قلب النائم اعتقادا؛ لأنّ أكثر اعتقاد النائم جهل، وتناول الشيء على خلاف ما هو به؛ لأنّه يعتقد أنّه يرى ويمشي وأنّه راكب وعلى صفات كثيرة ، وكلّ ذلك على خلاف ما هو به، وهو تعالى لا يفعل الجهل، فلم يبق إلّا أنّ الاعتقادات كلّها من جهة النائم .

وقد ذكر في المقالات : أنّ المعروف بصالح قُبّة كان يذهب إلى أنّ ما يراه النائم في منامه على الحقيقة، وهذا جهل منه يضاهي جهل السوفسطائيّة ؛ لأنّ النائم يرى أنّ رأسه مقطوع، وأنّه قد مات، وأنّه قد صعد إلى السماء ، ونحن نعلم ضرورةً خلاف ذلك كلّه ، وإذا جاز عند صالح هذا أن يعتقد اليقظان في السراب أنّه ماء، وفي المُردي (1) إذا كان في الماء أنّه مكسور، وهو على الحقيقة صحيح لضرب من الشبهة واللبس، وإلاّ جاز ذلك في النائم، وهو من الكمال أبعد ، وإلى النقص أقرب .

وينبغي أن يقسم ما يتخيّل النائم أنّه يراه إلى أقسام ثلاثة : منها ما يكون من غير سبب يقتضيه، ولا داعٍ يدعو إليه اعتقادا مبتدءا .

ومنها ما يكون من وسواس الشيطان يفعل في داخل سمعه كلاما خفيّا يتضمّن أشياء مخصوصة، فيعتقد النائم إذا سمع ذلك الكلام أنّه يراه، فقد نجد كثيرا من النيام يسمعون حديث من يتحدّث بالقرب منهم، فيعتقدون أنّهم يرون ذلك الحديث في منامهم .

ومنها ما يكون سببه والداعي إليه خاطرا يفعله اللّه تعالى، أو يأمر بعض الملائكة بفعله ، ومعنى هذا الخاطر أن يكون كلاما يفعل في داخل السمع، فيعتقد النائم أيضا ما يتضمّن ذلك الكلام، والمنامات الداعية إلى الخير والصلاح في الدِّين يجب أن تكون إلى هذا الوجه مصروفة ، كما أنّ ما يقتضي الشرّ منها الأولى أن تكون إلى وسواس الشيطان مصروفة .

ص: 105


1- في الحاشية: «رَدَى بحجر: رماه به. وهو المردي . والمُردي، بالضمّ و الشدّ: خشبة تدفع بها السفينة» . القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 333 و 334 (ردي)

وقد يجوز على هذا فيما يراه النائم في منامه، ثمّ يصحّ ذلك حتّى يراه في يقظته على حدّ ما يراه في منامه ، وفي كلّ منام يصحّ تأويله أن يكون سبب صحّته أنّ اللّه تعالى يفعل كلاما في سمعه لضرب من المصلحة، بأنّ شيئا يكون أو قد كان على بعض الصِّفات، فيعتقد النائم أنّ الذي يسمعه هو ما يراه .

فإذا صحّ تأويله على ما يراه، فما ذكرناه أن لم يكن ممّا يجوز أن تتّفق فيه الصحّة اتّفاقا؛ فإنّ في المنامات ما يجوز أن يصحّ بالاتّفاق، وما يضيق فيه مجال نسبته إلى الاتّفاق، فهذا الذي ذكرناه يمكن أن يكون وجها فيه» .

ثمّ إنّ السيّد رحمه الله أورد على نفسه اعتراضا، وأجاب عنه ، ثمّ قال : «فإن قيل : فما قولكم في منامات الأنبياء عليهم السلام ؟ وما السبب في صحّتها حتّى عُدَّ ما يرونه في المنام مضاهيا لما يسمعونه من الوحي؟

قلنا : الأخبار الواردة بهذا الجنس غير مقطوع على صحّتها، ولا هي ممّا توجب العلم، وقد يمكن أن يكون اللّه تعالى أعلَمَ النبيّ بوحي يسمعه من المَلَك على الوجه الموجب للعلم: أنّي سأُريك في منامك في وقت كذا ما يجب أن تعمل عليه، فيقطع على صحّته من هذا الوجه، لا بمجرّد رؤيته له في المنام .

وعلى هذا الوجه يحمل منام إبراهيم عليه السلام في ذبح ابنه ، ولو لا ما أشرنا إليه، كيف كان يقطع إبراهيم عليه السلام بأنّه متعبّد بذبح ولده !؟ فإن قيل : فما تأويل ما يروى عنه عليه السلام من قوله : «مَن رآني فقد رآني؛ فإنّ الشيطان لا يتمثّل بي» (1) ، وقد علمنا أنّ المحقّ والمبطل والمؤمن والكافر قد يرون النبيّ صلى الله عليه و آله في النوم، ويخبر كلّ واحدٍ منهم بضدّ ما يخبر به الآخر ، فكيف يكون رائيا له في الحقيقة مع هذا؟

قلنا : هذا خبرٌ واحد ضعيف من أضعف أخبارنا الآحاد، ولا معوّل على مثل ذلك ، على أنّه يمكن مع تسليم صحّته أن يكون المراد به: من رآني في اليقظة فقد رآني على الحقيقة ؛ لأنّ الشيطان لا يتمثّل بي لليقظان.

فقد قيل : إنّ الشيطان ربّما تمثّلت بصورة البشر، وهذا التشبيه أشبه بظاهر ألفاظ

ص: 106


1- راجع : روضة الواعظين ، ص 244 ؛ كتاب سليم بن قيس ، ص 350 ؛ الفرج بعد الشدّة ، ج 1 ، ص 179 ؛ الصراط المستقيم ، ص 155

الخبر؛ لأنّه قال : «من رآني فقد رآني» ، فأثبت غيره رائيا له ونفسه مرئيّة، وفي النوم لا رائي له في الحقيقة ولا مرئيّ ، وإنّما ذلك في اليقظة، ولو حملناه على النوم لكان تقدير الكلام : من اعتقد أنّه يراني في منامه، وإن كان غير راءٍ على الحقيقة، فهو في الحكم كأنّه قد رآني.

وهذا عدول عن ظاهر لفظ الخبر، وتبديل لصيغته ، وهذا الذي رتّبناه في المنامات، وقسّمناه أسَدُّ تحقيقا من كلّ شيء قيل في أسباب المنامات، وما سطر في ذلك معروف غير محصَّل ولا محقّق.

فأمّا ما يهذي إليه الفلاسفة في هذا الباب، فهو ما يُضحِك الثكلى؛ لأنّهم ينسبون ما صحّ في المنامات لما أعْيَتهم الحِيَل في ذكر سببه، إلى أنّ النفس اطّلعت إلى عالمها، فأشرفت على ما يكون.

وهذا الذي يذهبون إليه في حقيقة النفس غير مفهوم ولا مضبوط ، فكيف إذا اُضيف إليه الاطّلاع على عالمها، وما هذا الاطّلاع ؟ وإلى أيّ يشيرون بعالم النفس؟ ولمَ يجب أن تعرف الكائنات عند هذا الاطّلاع ؟ فكلّ هذا زخرفة ومخرقة وتهاويل لا يتحصّل منها شيء .

وقول صالح فيه، مع أنّه تجاهل محض أقرب إلى أن يكون مفهوما من قول الفلاسفة .

انتهى كلامه قدّس اللّه روحه (1).

ولنكتف بذكر هذه الأقوال، ولا نشتغل بنقدها وتفصيلها، ولا بردّها وتحصيلها ؛ لأنّ ذلك ممّا يؤدّي إلى التطويل الخارج عن المقصود في الكتاب ، ولنذكر ما ظهر لنا في هذا الباب من الأخبار المنتمية إلى الأئمّة الأخيار عليهم السلام ، فهو أنّ الرؤيا تستند إلى اُمور شتّى: فمنها أنّ للروح في حالة النوم حركة إلى السماء؛ إمّا بنفسها بناءً على تجسّمها، كما هو الظاهر من الأخبار ، أو بتعلّقها بجسدٍ مثاليّ .

إن قلنا به في حال الحياة أيضا، بأن يكون للروح جسدان: أصلي، ومثالي ، يشتدّ تعلّقها في حال اليقظة بهذا الجسد الأصلي، ويضعف تعلّقها بالآخر، وينعكس الأمر في حال النوم، أو بتوجّهها وإقبالها إلى عالم الأرواح بعد ضعف تعلّقها

ص: 107


1- رسائل المرتضى ، ج 2 ، ص 11 - 13 (مع اختلاف يسير)

بالجسد بنفسها من غير جسد مثالي .

وعلى تقدير التجسّم أيضا يحتمل ذلك، كما يؤمي إليه بعض الأخبار بأن يكون حركتها كناية عن إعراضها عن هذا الجسد ، وإقبالها إلى عالم آخر، وتوجّهها إلى نشأة اُخرى ، وبعد حركتها _ بأيّ معنى كانت _ ترى أشياء في الملكوت الأعلى، وتطالع بعض الألواح التي أثبتت فيها التقديرات، فإن كان لها صفاء، ولعينها ضياء، ترى الأشياء كما أُثبت، فلا يحتاج رؤياه إلى تعبير .

وإن استدلّت على عين قلبه أغطية من التعلّقات الجسمانيّة والشهوات النفسانيّة، فيرى الأشياء بصورة شبيهة لها ، كما أنّ ضعيف البصر ومؤوف العين يرى الأشياء على غير ما هي، والعارف بعلّته يعرف أنّ هذه الصور المشبهة التي اشتبهت عليه صورة لأيّ شيء ، فهذا شأن المعبّر العارف بدأ كلّ شيء وعلّته ، ويمكن أن يُظهر اللّه عليه الأشياء في تلك الحالة بصور يناسبها لمصالح كثيرة ، كما أنّ الإنسان قد يرى المال في نومه بصورة حيّة ، وقد يرى الدراهم بصورة عذرة؛ ليعرف أنّهما يضرّان، وهما مستقذران واقعا، فينبغي أن يتحرّز عنهما ويتجنّبهما ، وقد يرى في الهواء أشياء، فهي الرؤيا الكاذبة التي لا حقيقة لها .

ويحتمل أن يكون المراد بما يراه في الهواء ما أنس به من الاُمور المألوفة والشهوات والخيالات الباطلة .

ويدلّ على هذين النوعين ما رواه الصدوق في أماليه ، عن أبيه، عن سعد، عن أحمد وعبداللّه ابني محمّد بن عيسى ومحمّد بن الحسين ، عن الحسن بن محبوب، عن محمّد بن القاسم النوفلي ، قال : قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : المؤمن قد يرى الرؤيا، فتكون كما رآها ، وربّما رأى الرؤيا فلا تكون شيئا؟

فقال : «إنّ المؤمن إذا نام خرجت من روحه حركة ممدودة صاعدة إلى السماء، فكلّ ما رآه روح المؤمن في ملكوت السماء في موضع التقدير والتدبير فهو الحقّ ، وكلّ ما رآه في الأرض فهو أضغاث أحلام» .

فقلت له : أوَ تصعد روح المؤمن إلى السماء؟!

قال : «نعم» .

قلت : حتّى لا يبقى منها شيء في بدنه؟

فقال : «لا ، لو خرجت كلّها حتّى لا يبقى منها شيء، إذا لمات» .

ص: 108

فقلت : فكيف تخرج؟ فقال : «أما ترى الشمس في السماء في موضعها وضوؤها وشعاعها في الأرض ، فكذلك الروح أصلها في البدن وحركتها ممدودة» (1).

وروى أيضا عن أبيه، عن سعد بن عبداللّه ، عن يعقوب بن زيد، عن بعض أصحابه، عن زكريّا بن يحيى، عن معاوية بن عمّار، عن أبي جعفر عليه السلام ، قال : «إنّ العباد إذا ناموا، خرجت أرواحهم إلى السماء، فما رأت الروح في السماء فهو الحقّ، وما رأت في الهواء فهو الأضغاث الأحلام؛ [ألا] وإنّ الأرواح جنود مجنّدة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف .

فإذا كانت الروح في السماء تعارفت وتباغضت ، فإذا تعارفت في السماء تعارفت في الأرض ، وإذا تباغضت في السماء تباغضت في الأرض» (2).

وروى أيضا عن أبيه ، عن سعد ، عن محمّد بن الحسين، عن عيسى بن عبداللّه ، عن أبيه عبداللّه بن محمّد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن عليّ عليه السلام ، قال : «سألت رسول اللّه صلى الله عليه و آله عن الرجل ينام فيرى الرؤيا، فربّما كانت حقّا، وربّما كانت باطلاً؟ فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : يا عليّ، ما من عبدٍ ينام إلّا عُرج بروحه إلى ربّ العالمين، فما رأى عند ربّ العالمين فهو حقّ ، ثمّ إذا أمر اللّه العزيز الجبّار بردّ روحه إلى جسده، فصارت الروح بين السماء والأرض، فما رأته فهو أضغاث أحلام» (3).

ومنها ما هو بسبب إفاضة اللّه تعالى عليه في منامه؛ إمّا بتوسّط الملائكة، أو بدونه، كما يؤمي إليه خبر أبي بصير، وخبر سعد بن أبي خلف .

ومنها ما هو بسبب وساوس الشياطين واستيلائهم عليه بسبب المعاصي التي عملها في اليقظة، أو الطاعات التي تركها، أو الكثافات والنجاسات الظاهريّة والباطنيّة التي لوّث نفسه بها، كما رواه الصدوق في أماليه عن أبيه، بإسناده عن عليّ بن الحكم ، عن أبان بن عثمان ومحمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب ، عن الحسن بن

ص: 109


1- الأمالي للصدوق ، ص 209 ، ح 231. وعنه في بحار الأنوار، ج 58 ، ص 32، ح 6
2- الأمالي للصدوق ، ص 209 ، ح 232 ؛ روضة الواعظين ، ص 492 ؛ بحار الأنوار ، ج 58 ، ص 31 ، ح 4 (وفيه عن الأمالي)
3- الأمالي للصدوق ، ص 209 ، ح 233

أحمد ، عن أبان بن عثمان ، عن أبي بصير ، عن أبي جعفر عليه السلام ، قال : سمعته يقول : «إنّ لإبليس شيطانا يُقال له: هُزَع، يملأ المشرق والمغرب، في كلّ ليلة يأتي الناس في المنام» (1).

وروى البرقي في كتاب المحاسن عن أبيه ، عن صفوان ، عن داود ، عن أخيه عبداللّه ، قال : بعثني إنسان إلى أبي عبداللّه عليه السلام زعم أنّه يفزع في منامه من امرأة تأتيه ، قال : فصِحتُ حتّى سمع الجيران .

فقال أبو عبداللّه عليه السلام : «اذهب، فقل : إنّك لا تؤدّي الزكاة» ، وقال : بلى، واللّه إنّي لاُؤدّيها ! فقال : «قُل له : إن كنت تؤدّيها، لا تؤدّيها إلى أهلها» (2).

ويدلّ عليه أيضا خبر أبي بصير، وخبر سعد بن أبي خلف .

ومنها ما هو سبب ما بقي في ذهنه من الخيالات الواهية والاُمور الباطلة ، ويؤمي إليه خبر سعد وغيره (3).

متن الحديث الثالث والستّين (حديث الرياح)

اشارة

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رِئَابٍ وَهِشَامِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ:سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ عليه السلام عَنِ الرِّيَاحِ الْأَرْبَعِ: الشَّمَالِ، وَالْجَنُوبِ، وَالصَّبَا، وَالدَّبُورِ، وَقُلْتُ: إِنَّ النَّاسَ يَذْكُرُونَ أَنَّ الشَّمَالَ مِنَ الْجَنَّةِ، وَالْجَنُوبَ مِنَ النَّارِ؟

فَقَالَ: «إِنَّ لِلّهِ _ عَزَّ وَجَلَّ _ جُنُودا مِنْ رِيَاحٍ يُعَذِّبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِمَّنْ عَصَاهُ، وَلِكُلِّ رِيحٍ مِنْهَا مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِهَا، فَإِذَا أَرَادَ اللّهُ _ عَزَّ وَجَلَّ _ أَنْ يُعَذِّبَ قَوْما بِنَوْعٍ مِنَ الْعَذَابِ أَوْحى إِلَى الْمَلَكِ الْمُوَكَّلِ بِذلِكَ النَّوْعِ مِنَ الرِّيحِ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا» قَالَ: «فَيَأْمُرُهَا الْمَلَكُ، فَتَهِيجُ كَمَا يَهِيجُ الْأَسَدُ الْمُغْضَبُ» قَالَ: «وَلِكُلِّ رِيحٍ مِنْهُنَّ اسْمٌ؛ أَ مَا تَسْمَعُ قَوْلَهُ تَعَالى: «كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ * إِنّا

ص: 110


1- الأمالي للصدوق ، ص 210 ، ح 234 . وعنه في بحار الأنوار ، ج 58 ، ص 159 ، ح 2
2- المحاسن ، ج 1 ، ص 87 ، ح 27 ؛ ثواب الأعمال ، ص 235 ؛ روضة الواعظين ، ص 356 ؛ بحار الأنوار ، ج 58 ، ص 159 ، ح 5 (وفيه عن المحاسن)
3- مرآة العقول ، ج 25 ، ص 206 - 216 (مع اختلاف يسير)

أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحا صَرْصَرا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ» (1) ، وَقَالَ: «الرِّيحَ الْعَقِيمَ» (2) ، وَقَالَ: «رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ» (3) ، وَقَالَ: «فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ» (4) ، وَمَا ذُكِرَ مِنَ الرِّيَاحِ الَّتِي يُعَذِّبُ اللّهُ بِهَا مَنْ عَصَاهُ».

قَالَ: «وَلِلّهِ _ عَزَّ ذِكْرُهُ _ رِيَاحُ رَحْمَةٍ لَوَاقِحُ وَغَيْرُ ذلِكَ يَنْشُرُهَا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ، مِنْهَا مَا يُهَيِّجُ السَّحَابَ لِلْمَطَرِ، وَمِنْهَا رِيَاحٌ تَحْبِسُ السَّحَابَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَرِيَاحٌ تَعْصِرُ السَّحَابَ، فَتَمْطُرُهُ بِإِذْنِ اللّهِ، وَمِنْهَا رِيَاحٌ مِمَّا عَدَّدَ اللّهُ فِي الْكِتَابِ.

فَأَمَّا الرِّيَاحُ الْأَرْبَعُ: الشَّمَالُ، وَالْجَنُوبُ، وَالصَّبَا، وَالدَّبُورُ، فَإِنَّمَا هِيَ أَسْمَاءُ الْمَلَائِكَةِ الْمُوَكَّلِينَ بِهَا، فَإِذَا أَرَادَ اللّهُ أَنْ يُهِبَّ شَمَالاً أَمَرَ الْمَلَكَ الَّذِي اسْمُهُ الشَّمَالُ، فَيَهْبِطُ (5). عَلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ، فَقَامَ عَلَى الرُّكْنِ الشَّامِيِّ، فَضَرَبَ بِجَنَاحِهِ، (6). فَتَفَرَّقَتْ (7). رِيحُ الشَّمَالِ حَيْثُ يُرِيدُ اللّهُ مِنَ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ.

وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ أَنْ يَبْعَثَ جَنُوبا أَمَرَ الْمَلَكَ (8) الَّذِي اسْمُهُ الْجَنُوبُ، فَهَبَطَ (9) عَلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ، فَقَامَ عَلَى الرُّكْنِ الشَّامِيِّ، فَضَرَبَ بِجَنَاحِهِ، (10) فَتَفَرَّقَتْ (11) رِيحُ الْجَنُوبِ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَيْثُ يُرِيدُ اللّهُ.

وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ أَنْ يَبْعَثَ رِيحَ الصَّبَا، أَمَرَ الْمَلَكَ الَّذِي اسْمُهُ الصَّبَا، فَهَبَطَ (12) عَلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ، فَقَامَ عَلَى الرُّكْنِ الشَّامِيِّ، فَضَرَبَ بِجَنَاحِهِ، فَتَفَرَّقَتْ (13) رِيحُ الصَّبَا حَيْثُ يُرِيدُ اللّهُ _ جَلَّ وَعَزَّ _ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ.

وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ أَنْ يَبْعَثَ دَبُورا، أَمَرَ الْمَلَكَ الَّذِي اسْمُهُ الدَّبُورُ، فَهَبَطَ (14) عَلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ، فَقَامَ عَلَى الرُّكْنِ الشَّامِيِّ، فَضَرَبَ بِجَنَاحِهِ، فَتَفَرَّقَتْ (15) رِيحُ الدَّبُورِ حَيْثُ يُرِيدُ اللّهُ مِنَ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ».

ثُمَّ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام : «أَ مَا تَسْمَعُ لِقَوْلِهِ: رِيحُ الشَّمَالِ، وَرِيحُ الْجَنُوبِ، وَرِيحُ الدَّبُورِ، وَرِيحُ الصَّبَا، إِنَّمَا تُضَافُ إِلَى الْمَلَائِكَةِ الْمُوَكَّلِينَ بِهَا».

ص: 111


1- القمر (54) : 18 و 19
2- الذاريات (51) : 41
3- الأحقاف (46) : 24
4- البقرة (2) : 266
5- في الحاشية عن بعض النسخ: «فهبط»
6- .في الحاشية عن بعض النسخ: «بجناحيه»
7- .في الحاشية عن بعض النسخ: «فتفرّق»
8- في الحاشية عن بعض النسخ: + «الموكّل»
9- في الحاشية عن بعض النسخ: «فيهبط»
10- في الحاشية عن بعض النسخ: «فيهبط»
11- .في الحاشية عن بعض النسخ: «فتفرّق»
12- في الحاشية عن بعض النسخ: «فيهبط»
13- .في الحاشية عن بعض النسخ: «فتفرّق»
14- في الحاشية عن بعض النسخ: «فيهبط»
15- .في الحاشية عن بعض النسخ: «فتفرّق»

شرح الحديث

السند صحيح .

قوله : (الشمال) .

قيل : مهبّها من الجدي إلى مغرب الاعتدال (1).

وفي القاموس: «الشمال، بالفتح ، ويكسر: الريح التي تهبّ من قِبَل الحجر، أو ما استقبلك عن يمينك وأنت مستقبل» (2).

والصحيح أنّه ما مهبّه بين مطلع الشمس وبنات نَعش ، أو من مطلع النعش إلى مَسقط النَّسر الطائر ، وتكون اسما وصفة ، ولا يكاد تهبّ ليلاً ونهارا. والشَّأمَل بالهمز، والشَّمَل محرّكة _ ويسكن ميمه _ والشَّمألّ بالهمز، وقد لا يشدّ لامه، والشَّمْوَل _ كجوهر وصَبْوَر وأيسر _ الجمع: شَمالات .

وقوله : (والجَنُوب) كصَبُور .

قيل : مهبّها من القطب الجنوبي إلى مشرق الاعتدال مقابل الشمال (3) وقال في القاموس: «الجنوب: ريح تخالف الشمال، مهبّها من مطلع سهيل إلى مطلع الثريّا» (4).

وقال : (الصبا) ؛ ريح مهبّها من مطلع الثريّا إلى بنات نعش .

وقال : (الدَّبور) ؛ ريح مقابل الصبا .

وقال الشهيد رحمه الله في الذكرى :

الجَنوب، محلّها ما بين مطلع سهيل إلى مطلع الشمس الاعتدال . والصبا، محلّها ما بين مطلع الشمس إلى الجدي . والشمال، محلّها من الجدي إلى مغرب الشمس في الاعتدال . والدَّبور، محلّها من مغرب الشمس إلى سهيل (5).

وقوله عليه السلام : (فتهيج) أي تثور .

(كما يهيج الأسد المُغضب) على صيغة اسم المفعول من أغضَبَهُ .

(أما تسمع قوله عزّ جلّ) في سورة القمر : «كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ» (6).

ص: 112


1- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 2
2- القاموس المحيط ، ج 3 ، ص 402 (شمل)
3- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 3
4- القاموس المحيط ، ج 1 ، ص 49 (جنب)
5- ذكرى الشيعة ، ص 162 و 163 (مع التلخيص واختلاف يسير)
6- القمر (54) : 18

قال الجوهري : «الإنذار : الإبلاغ، ولا يكون إلّا في التخويف ، والاسم: النُّذُر» (1).

وقال البيضاوي : أي إنذاري [أتى] لهم بالعقاب قبل نزوله، أو لمن بعدهم في تعذيبهم .

«إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحا صَرْصَرا» : باردا، أو شديد الصوت «فِي يَوْمِ نَحْسٍ» : شؤم «مُسْتَمِرٍّ» ؛ [أي] استمرّ شؤمه، أو استمرّ عليهم حتّى أهلكهم ، أو على جميعهم كبيرهم وصغيرهم ، فلم يُبق منهم أحدا ، أو اشتدّ مرارته، وكان يوم الأربعاء آخر الشهر . انتهى (2).

وقيل : يعني استمرّت نحو سنة بعدهم (3).

وقال اللّه _ عزّ وجلّ _ في سورة الذاريات : «وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ» (4).

قال البيضاوي : «سمّاها عقيما؛ لأنّها أهلكتهم وقطعت دابرهم ، أو لأنّها لم تتضمّن منفعة، وهي الدبور، أو الجنوب، أو النكباء» (5).

وقال الفيروزآبادي : «النكباء: ريح انحرفت ووقعت بين ريحين، أو بين الصبا والشمال» (6) وقال: «ريح عقيم: غير لاقح» (7).

وقال في سورة الأحقاف : «رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ» (8) وقال في سورة البقرة : «أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ» إلى قوله : «فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ» (9) ؛ ضمير التأنيث في الموضعين راجع إلى «الجنّة» .

قال في القاموس : «الإعصار: الريح تثير السحاب، أو التي فيها نار، أو التي تهبّ من الأرض كالعمود نحو السماء ، أو التي فيها العُصار، وهو الغبار الشديد» (10).

وقوله : (رياح رحمة) ؛ الإضافة لاميّة، كما يدلّ عليه قوله : (يَنشرها بين يدي رحمته) .

ص: 113


1- الصحاح ، ج 2 ، ص 825 (نذر)
2- تفسيرالبيضاوي ، ج 5 ، ص 266 و 267
3- قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 218
4- الذاريات (51) : 41
5- تفسير البيضاوي ، ج 5 ، ص 240
6- القاموس المحيط ، ، ج 1 ، ص 134 (نكب)
7- القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 152 (عقم)
8- الأحقاف (46) : 24
9- . البقرة (2) : 266
10- القاموس المحيط ، ج 2 ، ص 90 (عصر)

قيل : المراد بالرحمة هنا المطر(1) وقوله : «لواقح» إشارة إلى قوله تعالى في سورة الحجر : «وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ» (2).

قال البيضاوي : أي حوامل ؛ شبّه الريح التي جاءت بخير من إنشاء سحاب ماطر بالحامل ، كما شبّه ما لا يكون كذلك بالعقيم ، أو مُلقِحاتٍ للشجر والسحاب (3) ، ونظيره الطوائح بمعنى المطيحات في قوله : «ومختبط ممّا تطيح الطوائح» (4) (5).

وقوله : (يهيّج السحاب) .

قال الجوهري : «هاج الشيء يهيج هَيْجا وهِياجا وهَيَجانا ؛ أي ثار . وهاجه غيره _ يتعدّى ولا يتعدّى _ وهيّجه» (6).

وقوله : (فإنّما هي أسماء الملائكة الموكّلين بها) أي بتلك الرياح ، فتَسميتها بهذه الأسماء تجوّز واتّساع .

وقوله : (فتفرّقت ريح الشمال) ؛ كأنّ تحريك جناحه هنا يقتضي بالخاصّة ذلك التفرّق .

وقيل : لا يتوهّم أنّه يلزم من ذلك أن يكون مهبّ جميع الرياح جهة القبلة؛ لأنّه لعظمة الملك .

و«جناحه» يمكن أن يحرّك رأس جناحه بأيّ موضع أراد، ويرسلها بأيّ جهة اُمِر بالإرسال إليها، وإنّما اُمر بالقيام على الكعبة لشرافتها وكونها محلّاً لرحماته تعالى ومصدرها (7).

وقوله : (أما تسمع لقوله) إلى آخره .

قيل : أي لقول رسول اللّه صلى الله عليه و آله ؛ أي لقول القائل . وكأنّه عليه السلام استدلّ بهذه العبارة الشائعة على

ص: 114


1- قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 218
2- الحجر (15) : 22
3- في المصدر : - «والسحاب»
4- البيت هكذا : «ليبك يزيد ضارع لخصومةومختبط ممّا تطيح الطوائح». اُنظر : شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ، ج 11 ، ص 178 ؛ خزانة الأدب للبغدادي ، ج 1 ، ص 297 .
5- تفسير البيضاوي ، ج 3 ، ص 366
6- الصحاح ، ج 1 ، ص 352 (هيج)
7- القائل هو العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 218

ما ذكره من أنّها أسماء الملائكة؛ إذ الظاهر من الإضافة كونها لاميّة، والبيانيّة نادرة، وإن كان القائلون لا يعرفون هذا المعنى، لكنّهم سمعوا ممّن تقدّمهم .

وهكذا إلى أن ينتهي إلى من أطلق ذلك على وجه المعرفة (1).

متن الحديث الرابع والستّين

اشاره

عَنْهُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام ، فَقَالَ: (2)

«إِنَّ لِلّهِ _ عَزَّ وَجَلَّ _ رِيَاحَ رَحْمَةٍ، وَرِيَاحَ عَذَابٍ؛ فَإِنْ شَاءَ اللّهُ أَنْ يَجْعَلَ الْعَذَابَ مِنَ الرِّيَاحِ (3) رَحْمَةً فَعَلَ».

قَالَ: «وَلَنْ (4) يَجْعَلَ (5) الرَّحْمَةَ مِنَ الرِّيحِ عَذَابا». [قَالَ]: «وَذلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَرْحَمْ قَوْما قَطُّ أَطَاعُوهُ، وَكَانَتْ طَاعَتُهُمْ إِيَّاهُ وَبَالاً عَلَيْهِمْ إِلَا مِنْ بَعْدِ تَحَوُّلِهِمْ عَنْ طَاعَتِهِ».

قَالَ: «وَكَذلِكَ (6) فَعَلَ بِقَوْمِ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا رَحِمَهُمُ اللّهُ بَعْدَ مَا (7)

كَانَ قَدَّرَ عَلَيْهِمُ الْعَذَابَ وَقَضَاهُ، ثُمَّ تَدَارَكَهُمْ بِرَحْمَتِهِ، فَجَعَلَ الْعَذَابَ الْمُقَدَّرَ عَلَيْهِمْ رَحْمَةً، فَصَرَفَهُ عَنْهُمْ، وَقَدْ أَنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ، وَغَشِيَهُمْ، وَذلِكَ لَمَّا آمَنُوا بِهِ وَتَضَرَّعُوا إِلَيْهِ».

قَالَ: «وَأَمَّا الرِّيحُ الْعَقِيمُ، فَإِنَّهَا رِيحُ عَذَابٍ لَا تُلْقِحُ شَيْئا مِنَ الْأَرْحَامِ، وَلَا شَيْئا مِنَ النَّبَاتِ، وَهِيَ رِيحٌ تَخْرُجُ مِنْ تَحْتِ الْأَرَضِينَ السَّبْعِ، وَمَا خَرَجَتْ مِنْهَا رِيحٌ قَطُّ إِلَا عَلى قَوْمِ عَادٍ حِينَ غَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِمْ، فَأَمَرَ الْخُزَّانَ أَنْ يُخْرِجُوا مِنْهَا عَلى مِقْدَارِ سَعَةِ الْخَاتَمِ».

قَالَ: «فَعَتَتْ عَلَى الْخُزَّانِ، فَخَرَجَ مِنْهَا عَلى مِقْدَارِ مَنْخِرِ الثَّوْرِ تَغَيُّظا مِنْهَا عَلى قَوْمِ عَادٍ».

قَالَ: «فَضَجَّ الْخُزَّانُ إِلَى اللّهِ _ عَزَّ وَجَلَّ _ مِنْ ذلِكَ، فَقَالُوا: رَبَّنَا إِنَّهَا قَدْ عَتَتْ عَنْ أَمْرِنَا، إِنَّا نَخَافُ

ص: 115


1- قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 218
2- في كلتا الطبعتين ومعظم النسخ التي قوبلت في الطبعة الجديدة : «قال»
3- في الطبعة الجديدة ومعظم النسخ التي قوبلت فيها : «الرياح من العذاب» بدل «العذاب من الرياح»
4- في الحاشية عن بعض النسخ: «ولم»
5- في الحاشية عن بعض النسخ: + «اللّه »
6- في الطبعة القديمة : «كذلك» بدون الواو
7- في الطبعة الجديدة ومعظم النسخ التي قوبلت فيها والوافي وشرح المازندراني : + «قد»

أَنْ تُهْلِكَ مَنْ لَمْ يَعْصِكَ مِنْ خَلْقِكَ وَعُمَّارِ بِلَادِكَ».

قَالَ: «فَبَعَثَ اللّهُ _ عَزَّ وَجَلَّ _ إِلَيْهَا جَبْرَئِيلَ عليه السلام ، فَاسْتَقْبَلَهَا بِجَنَاحَيْهِ (1) ، فَرَدَّهَا إِلى مَوْضِعِهَا، وَقَالَ لَهَا: اخْرُجِي عَلى مَا أُمِرْتِ بِهِ».

قَالَ: «فَخَرَجَتْ عَلى مَا أُمِرَتْ بِهِ، وَأَهْلَكَتْ (2) قَوْمَ عَادٍ وَمَنْ كَانَ بِحَضْرَتِهِمْ».

شرح الحديث

السند صحيح .

قوله : (فقال: إنّ للّه ...) ؛ كأنّه متفرّع على الحديث السابق، فتدبّر .

وفي بعض النسخ: «قال»، وهو أظهر .

وقال بعض الشارحين : دلّ قوله عليه السلام : «رياح رحمة ورياح عذاب» على بطلان ما قيل من أنّ العرب يستعمل الرياح [في الرحمة ، والريح] في العذاب ، وأيّده بقوله تعالى : «بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ» (3) ، وقوله تعالى : «يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ» (4) .

قال : وفي معارج النبوّة: إنّ كلّ واحدة من رياح الرحمة ورياح العذاب أربعة ؛ أمّا رياح الرحمة، فأوّلها: باشرات ، قال [اللّه ]تعالى : «هُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ» (5) .

وثانيها : مبشّرات ؛ «وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ» .

وثالثها : ناشرات ؛ «وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرا» (6).

ورابعها : ذاريات ؛ «وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوا» (7) .

وأمّا رياح العذاب ؛ فأوّلها : صرصر؛ «وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ» .

وثانيها : عقيم ؛ «وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ الرِّيحَ الْعَقِيمَ» (8) .

ص: 116


1- في الطبعة الجديدة ومعظم النسخ التي قوبلت فيها والوافي وشرح المازندراني : «بجناحه»
2- في الحاشية عن بعض النسخ: «فأهلكت»
3- .الحاقّة (69) : 6
4- الروم (30) : 46
5- الأعراف (7) : 57
6- المرسلات (77) : 3
7- الذاريات (51) : 1
8- الذاريات (51) : 41

وثالثها : قاصف؛ «فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفا مِنْ الرِّيحِ» (1) .

ورابعها : عاصف؛ «جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ» (2) .

وقوله : (أن يجعل العذاب من الرياح رحمة فعل).

في بعض النسخ : «أن يجعل الرياح من العذاب رحمة» ، والمآل واحد .

قال : (ولن يجعل الرحمة من الرِّيح عذابا) .

قيل : لعلّ المراد أنّ من استحقّ العذاب بسبب خصلة قبيحة، ربّما يستحقّ الرحمة بإزالة تلك الخصلة، وكسب خصلة حسنة، فلا يصل إليه العذاب، بخلاف من استحقّ الرحمة والإحسان بسبب خصلة حسنة؛ فإنّه تصل إليه الرحمة، وإن زالت عنه تلك الخصلة؛ لأنّ اللّه تعالى لا يضيع عمل عامل .

أو المراد: إذا أرسل ريح العذاب يجعله رحمة بزوال سبب العقاب ، وأمّا إذا أرسل ريح الرحمة ، فلا يجعلها عذابا بزوال سبب الرحمة وحدوث سبب العذاب .

ومنه يظهر سرّ «سبقت رحمته غضبه» (3). (4).

أقول : لا يخفى عليك أنّ مآل التوجيهين واحد ؛ فإنّه مبنيّ على بطلان مذهب الإحباط، ولم يثبت دليل على بطلانه، وأنّ الاستدلال بقوله : «لأنّ اللّه لا يضيع عمل عامل» ساقط؛ إذ على مذهب الإحباط «العامل» هو الذي يضيّع عمله بنفسه لا غير ، فالأولى أن يحمل هذا الحديث على الإخبار عن الواقع، وإن لم يظهر لنا وجهه .

وقوله : (وذلك) إشارة إلى عدم جعل الرحمة عذابا، وبيان له .

(أنّه لم يرحم قوما قطّ) في زمان من الأزمنة .

قال الفيروزآبادي : «ما رأيته قطّ _ ويضمّ ويخفّفان _ وقطّ، مشدّدة مجرورة ، بمعنى الدهر ، مخصوص بالماضي، [أي ]فيما مضى من الزمان، أو فيما انقطع من عُمري» (5).

وقوله : (أطاعوه) صفة «قوما» .

ص: 117


1- الإسراء (17) : 69
2- يونس (10) : 22
3- مصباح المتهجّد ، ص 442 و 696 ؛ مصباح الكفعمي ، ص 105 و 249 و 667 ؛ مهجّ الدعوات ، ص 99 ؛ الإقبال ، ص 362
4- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 5
5- القاموس المحيط ، ج 2 ، ص 380 (قطط)

والواو في قوله : (وكانت طاعتهم إيّاه وبالاً عليهم) للحال بتقدير «قد» .

وفي القاموس : «الوَبيل _ كأمير _ هي الشديد، والمَرْعى الوخيم . وَبُل _ ككَرُم _ وبالاً ووَبالاً ووبُولاً . وأرضٌ وبيلة: وخيمة المَرتع .والوبال: الشدّة، والثقل» (1).

(إلّا من بعد تحوّلهم عن طاعته) .

لا يذهب عليك أنّ الاستثناء يُوهِم خلاف المقصود . وقد يوجّه بأنّ المراد أنّه تعالى إذا قدّر وقضى وأمر بهبوب رياح رحمة، ثمّ تحوّلوا عن طاعته إلى معصيته؛ فإنّه لا يرجع عن هبته، ولا يقلب تلك الرِّياح عليهم عذابا إلّا أن يأمر بإنشاء أمرٍ آخر بعد تحوّلهم وإرسال ريح اُخرى بعد طغيانهم (2).

وقيل : فيه دلالة على أنّ هذه الطاعة وإن كانت معصيةً استحقّوا به العذاب ، إلّا أنّهم لو تحوّلوا عنها أدركتهم الرحمة، ولم يعذّبهم بها، وإنّما ذكر هذه المعصية ليُقاس عليها غيرها . انتهى (3).

وهو كما ترى .

وقوله : (وكذلك فعل بقوم يونس) إشارة إلى جعل العذاب رحمة .

(لمّا آمنوا) .

«لمّا» هنا بمعنى «حين» .

وقوله : (وقضاه) .

قيل : أي قضاه قضاءً غير محتوم، ولم يبلغ حدّ الإمضاء؛ إذ لا دافع بعده (4).

أقول : في تقييد القضاء بغير المحتوم نظر ؛ روى المصنّف في الحسن، عن حمّاد بن عثمان، قال : سمعته يقول : «إنّ الدُّعاء يردّ القضاء، يَنقضه كما يُنقض السِّلك، وقد اُبرِمَ إبراما» (5).

وفي الصحيح عن أبي عبداللّه عليه السلام ، قال : «إنّ الدُّعاء يردّ القضاء ، وقد نزل من السماء ،

ص: 118


1- القاموس المحيط ، ، ج 4 ، ص 63 (وبل) مع التلخيص
2- التوجيه من العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 219
3- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12، ص 6
4- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 6
5- الكافي ، ج 2 ، ص 469 ، ح 1. وعنه في : وسائل الشيعة ، ج 7 ، ص 36 ، ح 8646 ؛ بحار الأنوار ، ج 90 ، ص 295

وقد اُبرِمَ إبراما» (1).

وفي الصحيح عن أبي الحسن موسى عليه السلام ، قال : «عليكم بالدُّعاء؛ فإنّ الدُّعاء للّه ، والطلب إلى اللّه يَرُدُّ البلاء، و[قد] قُدّر، وقُضي، ولم يَبق إلّا إمضاؤه» الحديث (2).

وقوله : (وغَشيهم) أي أتاهم العذاب، أو أحاط بهم .

(وذلك) التدارك (لمّا آمنوا به، وتضرّعوا إليه) .

روى عليّ بن إبراهيم في تفسيره، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن جميل، قال : قال لي أبو عبد اللّه عليه السلام : «ما ردّ اللّه العذاب إلّا عن قوم يونس، وكان يونس يدعوهم إلى الإسلام، فأبوا ذلك، فهمَّ أن يدعو عليهم، وكان فيهم رجلان: عابِدٌ، وعالِمٌ.

وكان اسم أحدهما «مليخا»، والآخر اسمه «روبيل» ، فكان العابد يشير على يونس بالدّعاء عليهم، وكان العالم ينهاه ويقول : لا تَدْعُ عليهم؛ فإنّ اللّه يستجيب لك، ولا يجب هلاك عباده، فقبل قول العابد، ولم يقبل من العالم، فدعا عليهم، فأوحى اللّه إليه يأتيهم العذاب في سنة كذا وكذا في شهر كذا وكذا في يوم كذا وكذا ، فلمّا قرب الوقت خرج يونس من بينهم مع العابد، وبقي العالم فيها ، فلمّا كان في ذلك اليوم نزل العذاب، فقال العالم لهم : يا قوم، افزعوا إلى اللّه ، فلعلّه يرحمكم، فيردّ العذاب عنكم ، فقالوا : كيف نصنع؟

قال : اُخرجوا إلى المفازة، وفرّقوا بين النساء والأولاد، وبين الإبل وأولادها، وبين البقر وأولادها، وبين الغنم وأولادها، ثمّ ابكوا ، وادعوا ، فذهبوا ، وفعلوا ذلك، وضجّوا ، وبكوا، فرحمهم اللّه ، وصرف عنهم العذاب، وفرّق العذاب على الجبال ، وقد كان نزل وقرب منهم، فأقبل يونس لينظر كيف أهلكهم اللّه ، فرأى الزارعين يزرعون في أرضهم ، قال لهم : ما فعل قوم يونس؟

فقالوا له ولم يعرفوه : إنّ يونس دعا عليهم، فاستجاب اللّه له، ونزل العذاب عليهم، فاجتمعوا ، وبكوا، ودعوا ، فرحمهم اللّه ، وصرف ذلك عنهم، وفرّق العذاب على الجبال، فهم إذا يطلبون يونس ليؤمنوا به ، فغضب يونس، ومرّ على وجهه مغاضبا للّه _ كما حكى اللّه

ص: 119


1- الكافي ، ج 2 ، ص 469 ، ح 3 . وعنه في وسائل الشيعة ، ج 7 ، ص 36 ، ح 8645
2- الكافي ، ج 2 ، ص 470 ، ح 8 . وعنه في وسائل الشيعة ، ج 7 ، ص 36 ، ح 8643

_ حتّى انتهى إلى ساحل البحر، فإذا سفينة قد شحنت، وأرادوا أن يدفعوها، فسألهم يونس أن يحملوه، فحملوه، فلمّا توسّطوا البحر بعث اللّه حوتا عظيما، فحبس عليهم السفينة [من قدّامها]، فنظر إليه يونس، ففزع، فصار إلى مؤخّر السفينة، فدار إليه الحوت، وفتح فاه، فخرج أهل السفينة، فقالوا: فينا عاصٍ، فتساهموا، فخرج سهم يونس، وهو قول اللّه عزّ وجلّ : «فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ»(1) ، فأخرجوه، فألقوه في البحر، فالتقمه الحوت، ومرَّ به في الماء» .(2). انتهى .

وقال البيضاوي : روي أنّ يونس عليه السلام بعث إلى أهل نينوى _ وهي بكسر الأوّل: قرية بالموصل _ فكذّبوه، فوعدهم بالعذاب إلى ثلاث.

[وقيل : إلى ثلاثين] .

وقيل: إلى أربعين.

فذهب عنهم مغاضبا ، فلمّا دنا الموت أغامت السماء غيما أسود ذا دخان شديد، فهبط حتّى غشي مدينتهم، وتسوّد سطوحهم، فهابوا، فطلبوا يونس، فلم يجدوه، فأيقنوا صدقه، فلبسوا المسوح، وبرزوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابّهم، وفرّقوا بين النساء والصبيان، وبين الدوابّ وأولادها، فحنَّ بعضها إلى بعض، وعلت أصواتهم وعجيجهم، وأظهروا الإيمان، وأخلصوا التوبة، وتضرّعوا إلى اللّه ، فرحمهم، وكشف عنهم، وكان يوم عاشوراء يوم الجمعة (3).

وقوله : (لا تُلقح شيئا ...) من قولهم: ألْقَح الفحلُ الناقةَ ، والريحُ السحابَ والشجر .

وقيل: ذلك لشدّة حرّها من فيح جهنّم ، واشتمالها على النار المهلكة لهما (4).

وقوله : (مقدار سَعَة الخاتَم) .

قيل : لعلّ هذا المقدار أعلى المقادير المقدّرة لخروج الريح المهلكة لعاد، وأدناها مثل خرق الإبرة _ كما ورد في بعض الأخبار _ ثمّ خرجت بعد العتوّ على المقادير الأدنى، فلا منافاة (5).

ص: 120


1- .الصافّات (37) : 141
2- تفسير القمّي ، ج 1 ، ص 317 . وعنه في بحار الأنوار ، ج 14 ، ص 380 ، ح 2
3- تفسير البيضاوي ، ج 3 ، ص 215 (مع اختلاف وزيادة)
4- .قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 6
5- .قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 6

أقول : لعلّ سعة الخاتم وخرق الإبرة كناية عن القلّة، وحينئذٍ لا يحتاج إلى التوجيه المذكور، مع كونه بعيدا .

وقوله : (فعتت على الخُزّان) .

في القاموس: «عَتا عُتُوّا وعُتيّا وعِتيّا: استكبر، وجاوز الحدّ، فهو عاتٍ» (1). وفيه: «خَزن المال: أحرزه» (2).

وقوله : (مَنخر الثَّور) .

في القاموس : «المنخر _ بفتح الميم والخاء، وبكسرهما وضمّهما، وكمجلس _ : الأنف.

[ونُخرة الأنف:] مقدّمته، أو خرقه، أو ما بين المنخرين، أو أرنَبَتُهُ» (3).

وقوله : (تَغَيّظا منها) .

التغيّظ: الغضب .

قيل : دلّ هذا على أنّ لها شُعورا وإدراكا، فلا حاجة إلى التأويل في نسبة التغيّظ والعتوّ إليها، ولا في نسبة الخطاب والأمر (4).

وقوله : (فضجّ الخُزّان) .

قال الجوهري : «أضجَّ القومُ إضْجاجا، إذا جلبوا وصاحوا، فإذا جزعوا من شيء وغُلِبوا، قيل: ضجّوا يضجُّون ضجيجا» (5).

وقوله : (تُهلك) على صيغة المؤنّث الغائبة من الإهلاك، وفاعله: الريح .

وقوله : (وعُمّار بلادك) عطف على الموصول؛ أي الذين يعمرون بلادك ، من قولهم: عمر اللّه منزلك، كنصر؛ أي جعله أهلاً معمورا . أو الذين يلزمون بلادك ويسكنونها . يُقال : عمر بيته عمارة وعُمورا؛ أي لزمه. أو الذين يعيشون فيها، من قولهم : عَمِر _ كفرح _ عُمرا وعُمُرا؛ أي عاش طويلاً .

وقوله : (بحضرتهم) أي في فنائهم وقربهم ممّن كان يشركهم في معصيتهم من غير قبيلتهم .

ص: 121


1- القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 359 (عتو) مع اختلاف يسير
2- القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 219 (خزن)
3- القاموس المحيط ، ج 2 ، ص 139 (نخر)
4- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 6 و 7
5- الصحاح ، ج 1 ، ص 326 (ضجج)

متن الحديث الخامس والستّين

اشارة

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّوْفَلِيِّ، عَنِ السَّكُونِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللّهِ عليه السلام ، قَالَ:

«قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله : مَنْ ظَهَرَتْ عَلَيْهِ النِّعْمَةُ، فَلْيُكْثِرْ ذِكْرَ «الْحَمْدُ لِلّهِ»، وَمَنْ كَثُرَتْ هُمُومُهُ، فَعَلَيْهِ بِالأْتِغْفَارِ، وَمَنْ أَلَحَّ عَلَيْهِ الْفَقْرُ، فَلْيُكْثِرْ مِنْ قَوْلِ «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَا بِاللّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ» يَنْفِي عَنْهُ الْفَقْرَ».

وَقَالَ: «فَقَدَ النَّبِيُّ صلى الله عليه و آله رَجُلاً مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: مَا غَيَّبَكَ عَنَّا؟ فَقَالَ: الْفَقْرُ يَا رَسُولَ اللّهِ وَطُولُ السُّقْمِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله : أَ لَا أُعَلِّمُكَ كَلَاما إِذَا قُلْتَهُ ، ذَهَبَ عَنْكَ الْفَقْرُ وَالسُّقْمُ؟ فَقَالَ: بَلى يَا رَسُولَ اللّهِ، فَقَالَ: إِذَا أَصْبَحْتَ وَأَمْسَيْتَ فَقُلْ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَا بِاللّهِ [الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ]، تَوَكَّلْتُ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَ «الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرا» (1).

فَقَالَ الرَّجُلُ: فَوَ اللّهِ، مَا قُلْتُهُ إِلَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتّى ذَهَبَ عَنِّي الْفَقْرُ وَالسُّقْمُ».

شرح الحديث

السند ضعيف على المشهور .

قوله : (ظَهَرت عليه) . قال الجوهري : «ظهر: تبيّن. وظهر عليه: غلب» .

وقوله : (يَنفي) على بناء المفعول، أو الفاعل، وفاعله القول .

وقوله : «الْحَمْدُ للّهِ» إلى قوله : «وَلِىٌّ مِّنَ الذُّلِّ» .

قال البيضاوي : أي وليّ يواليه من أجل مذلّة به؛ ليدفعها بموالاته نفى عنه أن يكون له ما يشاركه من جنسه اختيارا واضطرارا ، ويعاونه ويقوّيه ، ورتّب الحمد عليه؛ للدلالة على أنّه الذي يستحقّ جنس الحمد؛ لأنّه كامل الذات المنفرد بالإيجاد المنعم على الإطلاق، وما عداه ناقص مملوك نعمة، أومنعم عليه، ولذلك عطف عليه.

قوله: «وَ كَبِّرْهُ تَكْبِيرَا» وفيه تنبيه على أنّ العبد، وإن بالغ في التنزيه والتمجيد،

ص: 122


1- الإسراء (17) : 111

واجتهد في العبادة والتحميد، ينبغي أن يعترف بالقصور عن حقّه في ذلك . انتهى (1).

وقال بعض الأفاضل : «قوله : «وَ كَبِّرْهُ تَكْبِيرَا» في الآية معطوف على القول، والمخاطب به النبيّ صلى الله عليه و آله »، قال : ويشكل نظمه هنا مع الجمل السابقة، فيحتمل أن يكون معطوفا على الجمل السابقة، بأن يكون خبر مبتدأ محذوف بتأويل مقول في حقّه ذلك، أو يكون خطابا عامّا لكلّ من يستحقّ الخطاب؛ لبيان أنّه يستحقّ من كلّ أحد أن يصِفه بالكبرياء .

وقال : ويمكن أن يقرأ على صيغة الماضي؛ أي كبّره كلّ شيء تكبيرا ، ولا يبعد أن يكون في الأصل: «واُكبِّرهُ تكبيرا» على صيغة المتكلّم، فصحّفه النسّاخ ؛ ليكون موافقا للقرآن . انتهى (2).

ومنهم من قال : قل: اللّه أكبر، اللّه أكبر .

وأقول : قد تكرّر في ألفاظ الأدعية ذكر آيات القرآن بعينها، وإن لم تكن مناسبا لاُسلوب الدعاء . والمقصود قراءة الآية بعينها، كما ورد في بعض الأدعية : «لَا إلهَ إِلَا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤمِنِين» (3) .

فقوله : «فاستجبنا» إلى آخره، لا يناسب نظم الدعاء ، بل المراد قول هذا اللفظ بعينه، فلا يحتاج حينئذٍ إلى مثل تلك التوجيهات الركيكة الواهية .

متن الحديث السادس والستّين

اشارة

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ، قَالَ:سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللّهِ عليه السلام يَقُولُ لأبِي جَعْفَرٍ الْأَحْوَلِ، وَأَنَا أَسْمَعُ: «أَتَيْتَ الْبَصْرَةَ؟» فَقَالَ: نَعَمْ.

قَالَ: «كَيْفَ رَأَيْتَ مُسَارَعَةَ النَّاسِ إِلى هذَا الْأَمْرِ، وَدُخُولَهُمْ فِيهِ؟» قَالَ: وَاللّهِ، إِنَّهُمْ لَقَلِيلٌ، وَلَقَدْ فَعَلُوا،

ص: 123


1- تفسير البيضاوي ، ج 3 ، ص 473
2- قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 221
3- .الأنبياء (21) : 87 و 88

وَإِنَّ ذلِكَ لَقَلِيلٌ.

فَقَالَ: «عَلَيْكَ بِالْأَحْدَاثِ؛ فَإِنَّهُمْ أَسْرَعُ إِلى كُلِّ خَيْرٍ» ثُمَّ قَالَ: «مَا يَقُولُ أَهْلُ الْبَصْرَةِ فِي هذِهِ الْايَةِ: «قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرا إِلَا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى» ؟ (1). » قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّهَا لأقَارِبِ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه و آله ، فَقَالَ (2). : «كَذَبُوا، إِنَّمَا نَزَلَتْ فِينَا خَاصَّةً فِي أَهْلِ الْبَيْتِ: فِي عَلِيٍّ، وَفَاطِمَةَ، وَالْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنِ ؛ أَصْحَابِ الْكِسَاءِ عليهم السلام ».

شرح الحديث

السند صحيح .

قوله : (عليك بالأحداث) جمع الحدث _ بالتحريك _ وهو الشابّ الذي لم يطعن في السنّ؛ أي ألزمهم في الدعاء على هذا الأمر .

(فإنّهم أسرعُ إلى كلّ خير) .

قيل : لرقّة قلوبهم، وصفاء أذهانهم في الجملة، وعدم تمكّن الجهل المركّب في نفوسهم، كما تمكّن في نفوس الشيوخ (3).

وقوله : (إنّها لأقارب رسول اللّه صلى الله عليه و آله ) .

قد مرَّ أنّ جماعة منهم يقولون: المراد بهم بنو هاشم وبنو عبد المطّلب كلّهم . ومنهم من قال: بنو هاشم وحدهم . ومنهم من قال: لقريش كلّهم .

وقوله عليه السلام : (إنّما نزلت فينا خاصّة) ؛ قد وردت الأخبار المستفيضة في نزول هذه الآية فيهم عليهم السلام من طرق الخاصّة، وقد روتها العامّة أيضا في كتبهم بأسانيد متكثّرة .

قال البيضاوي : «روي أنّها لمّا نزلت، قيل : يارسول اللّه ، مَن قرابتك؟ قال : عليٌّ، وفاطمة، وابناهما» (4).

والخاصّة خلاف العامّة . ونصبه على الحال .

وقوله: «في أهل البيت» بدل من الظرف . وقوله: «في عليّ» بدل من قوله: «في أهل البيت» .

ص: 124


1- الشورى (42) : 23
2- .في الطبعة الجديدة ومعظم النسخ التي قوبلت فيها والوافي : «قال»
3- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 8
4- تفسير البيضاوي ، ج 5 ، ص 128

وفي القاموس : «الكِساء _ بالكسر _ معروف. الجمع: أكسية. وبالفتح: المجد، والشرف، والرفعة» (1). والظاهر هنا إرادة المعنى الأوّل، وإن كان الثاني صحيحا أيضا .

وكونهم عليهم السلام أصحاب الكساء لما رواه الخاصّة والعامّة أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله خرج ذات غُدوةٍ، وعليه مِرط (2).

مُرَحّلٌ من شعر أسود، فجلس، فأتت فاطمة، فأدخلها فيه، ثمّ جاء عليّ عليه السلام فأدخله فيه، ثمّ جاء الحسن والحسين عليهماالسلام، فأدخلهما فيه، ثمّ قال : «إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا» (3). (4).

متن الحديث السابع والستّين (حديث أهل الشام)

اشارة

عَنْهُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَطِيَّةَ، قَالَ:جَاءَ رَجُلٌ إِلى أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام (5) مِنْ أَهْلِ الشَّامِ مِنْ عُلَمَائِهِمْ، فَقَالَ: يَا أَبَا جَعْفَرٍ، جِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنْ مَسْأَلَةٍ قَدْ أَعْيَتْ عَلَيَّ أَنْ أَجِدَ أَحَدا يُفَسِّرُهَا، وَقَدْ سَأَلْتُ عَنْهَا ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَ كُلُّ صِنْفٍ مِنْهُمْ شَيْئا غَيْرَ الَّذِي قَالَ الصِّنْفُ الْاخَرُ؟ فَقَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام : «مَا ذَاكَ؟» قَالَ: فَإِنِّي أَسْأَلُكَ عَنْ أَوَّلِ مَا خَلَقَ اللّهُ مِنْ خَلْقِهِ؛ فَإِنَّ بَعْضَ مَنْ سَأَلْتُهُ قَالَ: الْقَدَرُ، وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْقَلَمُ، وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الرُّوحُ.

فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام : «مَا قَالُوا شَيْئا، أُخْبِرُكَ أَنَّ اللّهَ _ تَبَارَكَ وَتَعَالى _ كَانَ وَلَا شَيْءَ غَيْرَهُ، وَكَانَ عَزِيزا وَلَا أَحَدَ كَانَ قَبْلَ عِزِّهِ، وَذلِكَ قَوْلُهُ: «سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ» (6) ، وَكَانَ الْخَالِقُ قَبْلَ الْمَخْلُوقِ، وَلَوْ كَانَ أَوَّلُ مَا خَلَقَ مِنْ خَلْقِهِ الشَّيْءَ مِنَ الشَّيْءِ، إِذا لَمْ يَكُنْ لَهُ انْقِطَاعٌ أَبَدا، وَلَمْ يَزَلِ

ص: 125


1- القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 383 (كسو)
2- في الحاشية: «المرط، بالكسر: كساء من صوف، أو خزق . والمرحّل، كمعظّم: بردٌ فيه تصاوير . وتفسير الجوهري إيّاه بإزار خزّ فيه علم غير جيّد، إنّما ذلك تفسير المرجّل بالجيم. القاموس» . اُنظر : القاموس المحيط ، ج 3 ، ص 383 (رحل)
3- .الأحزاب (33) : 33
4- راجع : إقبال الأعمال ، ج 2 ، ص 350 ؛ الطرائف ، ص 123 ؛ بحار الأنوار ، ج 21 ، ص 281 . صحيح مسلم، ج 6 ، ص 145 ؛ و ج 7 ، ص 130 ؛ سنن أبي داود ، ج 2 ، ص 255 ، ح 4032 ؛ السنن الكبرى ، ج 2 ، ص 149
5- في الطبعة الجديدة ومعظم النسخ التي قوبلت فيها والوافي : «جاء إلى أبي جعفر عليه السلام رجل»
6- الصافّات (37) : 180

اللّهُ إِذا وَمَعَهُ شَيْءٌ لَيْسَ هُوَ يَتَقَدَّمُهُ، وَلكِنَّهُ كَانَ؛ إِذْ لَا شَيْءَ غَيْرَهُ، وَخَلَقَ الشَّيْءَ الَّذِي جَمِيعُ الْأَشْيَاءِ مِنْهُ، وَهُوَ الْمَاءُ الَّذِي خَلَقَ الْأَشْيَاءَ مِنْهُ، فَجَعَلَ نَسَبَ كُلِّ شَيْءٍ إِلَى الْمَاءِ، وَلَمْ يَجْعَلْ لِلْمَاءِ نَسَبا يُضَافُ إِلَيْهِ، وَخَلَقَ الرِّيحَ مِنَ الْمَاءِ، ثُمَّ سَلَّطَ الرِّيحَ عَلَى الْمَاءِ، فَشَقَّقَتِ الرِّيحُ مَتْنَ الْمَاءِ حَتّى ثَارَ مِنَ الْمَاءِ زَبَدٌ عَلَى قَدْرِ مَا شَاءَ أَنْ يَثُورَ، فَخَلَقَ مِنْ ذلِكَ الزَّبَدِ أَرْضا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً لَيْسَ فِيهَا صَدْعٌ، وَلَا ثَقْبٌ، (1) وَلَا صُعُودٌ، وَلَا هُبُوطٌ، وَلَا شَجَرَةٌ، ثُمَّ طَوَاهَا، فَوَضَعَهَا فَوْقَ الْمَاءِ، ثُمَّ خَلَقَ اللّهُ النَّارَ مِنَ الْمَاءِ، فَشَقَّقَتِ النَّارُ مَتْنَ الْمَاءِ حَتّى ثَارَ مِنَ الْمَاءِ دُخَانٌ عَلى قَدْرِ مَا شَاءَ اللّهُ أَنْ يَثُورَ، فَخَلَقَ مِنْ ذلِكَ الدُّخَانِ سَمَاءً صَافِيَةً نَقِيَّةً لَيْسَ فِيهَا صَدْعٌ، وَلَا ثَقْبٌ، (2) وَذلِكَ قَوْلُهُ: «السَّماءُ بَناها * رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها * وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها» » (3).

قَالَ: «وَلَا شَمْسٌ، وَلَا قَمَرٌ، وَلَا نُجُومٌ، وَلَا سَحَابٌ، ثُمَّ طَوَاهَا، فَوَضَعَهَا فَوْقَ الْأَرْضِ، ثُمَّ نَسَبَ الْخَلِيقَتَيْنِ، فَرَفَعَ السَّمَاءَ قَبْلَ الْأَرْضِ، فَذلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ ذِكْرُهُ: «وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها» (4) ، يَقُولُ: بَسَطَهَا».

فَقَالَ لَهُ الشَّامِيُّ: يَا أَبَا جَعْفَرٍ، قَوْلُ اللّهِ تَعَالى: «أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقا فَفَتَقْناهُما» (5) ؟

فَقَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام : «فَلَعَلَّكَ تَزْعُمُ أَنَّهُمَا كَانَتَا رَتْقا مُلْتَزِقَتَانِ مُلْتَصِقَتَانِ، (6) فَفُتِقَتْ إِحْدَاهُمَا مِنَ الْأُخْرى؟»

فَقَالَ: نَعَمْ.

فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام : «اسْتَغْفِرْ رَبَّكَ؛ فَإِنَّ قَوْلَ اللّهِ _ جَلَّ وَعَزَّ _ : «كانَتا رَتْقا» ، يَقُولُ: كَانَتِ السَّمَاءُ رَتْقا لَا تُنْزِلُ الْمَطَرَ، وَكَانَتِ الْأَرْضُ رَتْقا لَا تُنْبِتُ الْحَبَّ، فَلَمَّا خَلَقَ اللّهُ _ تَبَارَكَ وَتَعَالى _ الْخَلْقَ، وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ، فَتَقَ السَّمَاءَ بِالْمَطَرِ، وَالْأَرْضَ بِنَبَاتِ الْحَبِّ».

ص: 126


1- في الحاشية عن بعض النسخ وشرح المازندراني: «نقب»
2- في الحاشية عن بعض النسخ والوافي وشرح المازندراني: «نقب»
3- النازعات (79) : 27 - 29
4- النازعات (79) : 30
5- الأنبياء (21) : 30
6- في كلتا الطبعتين وبعض النسخ التي قوبلت في الطبعة الجديدة: «ملتزقتين ملتصقتين»

فَقَالَ الشَّامِيُّ: أَشْهَدُ أَنَّكَ مِنْ وُلْدِ (1) الْأَنْبِيَاءِ، وَأَنَّ عِلْمَكَ عِلْمُهُمْ.

شرح الحديث

السند مجهول ، ورواه الصدوق رحمه الله في كتاب التوحيد بسند فيه ضعف (2).

قوله : (قد أعيت عليَّ) .

المستتر في «أعيت» راجع إلى المسألة، ووصفها بالإعياء مجاز مبالغة في إشكالها وعسر جوابها .

قال الفيروزآبادي : «عيّ بالأمر وعَيِيَ _ كرضي _ وتعايا وتعيّا: لم يهتدِ لوجه مراده، أو عجز عنه، ولم يُطق إحكامَه . وأعيا الماشي: كلَّ، والسيرُ البعيرَ : أكلَّه» (3) .

وقال الجوهري : «أعيا عليه الأمر وتعيّا وتعايا بمعنى» (4).

وقوله : (ثلاثة أصناف) .

لعلّ المراد بهم المسلمون واليهود والنصارى، أو المسلمون والمتكلِّمون والفلاسفة .

وقوله : (عن أوّل ما خلق اللّه من خلقه) .

الظاهر أنّ كلمة «من» بيان للموصول .

وقال بعض الشارحين : ردُّه عليه السلام الأجوبةَ المذكورة بقوله : «ما قالوا شيئا» إلى آخره دلَّ على أنّ «من» ابتدائيّة، وأنّ مراد السائل بخلقه المثال، أو المهيّة النوعيّة القديمة، أو المادّة القديمة الأزليّة ، وقد ذهب إلى الأوّل من قال: إنّه تعالى لم يخلق إلّا باحتذاء مثال ، وإلى الثاني من قال: إنّ الأشياء محدثة بعضها من بعضٍ على سبيل التعاقب والتسلسل مع قِدم النوع ، وإلى الثالث من قال : إنّ خلق الأشياء من أصل قديم .

وقد مرّ بطلان هذه الأقوال في باب جوامع التوحيد وغيره . انتهى (5).

ص: 127


1- في الحاشية عن بعض النسخ: «أولاد»
2- التوحيد ، ص 66 ، ح 20 . والإسناد فيه هكذا : «حدّثنا عليّ بن أحمد بن محمّد بن عمران الدقّاق _ رحمه اللّه _ قال : حدّثني محمّد بن أبي عبداللّه الكوفي ، عن محمّد بن إسماعيل البرمكي ، عن الحسين بن الحسن ، قال : حدّثني أبوسمينة ، عن إسماعيل بن أبان ، عن زيد بن جبير ، عن جابر الجعفي ، قال : ...»
3- .القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 368 (عيي) مع التلخيص
4- الصحاح ، ج 6 ، ص 2443 (عيي)
5- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 10

واعلم أنّه اختلفت الأخبار والأقوال في أوّل المخلوقات : منها : ما رواه الصدوق رحمه الله في كتاب العيون بإسناده عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال : «أوّل ما خلق اللّه النور» (1).

ومنها : ما روي عن النبيّ صلى الله عليه و آله قال : «أوّل ما خلق اللّه نوري» (2) وفي بعض الأخبار: «روحي» (3) ومنها : ما رواه المصنّف وغيره عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال : «إنّ اللّه خلق العقل، وهو أوّل خلق من الروحانيّين عن يمين العرش من نوره»(4).

وهذا الخبر لا يدلّ على تقدّم خلق العقل على ما سواه من المخلوقات، بل سوا خلق الروحانيّين ، فلا يبعد أن يكون خلقه بعد الماء ، وأمّا الخبر الثاني والثالث فيمكن حملهما على الأوّليّة الإضافيّة ، ويمكن الجمع بينهما بحملهما على الاتّحاد . وكذا الخبر الأوّل .

ويمكن أيضا حمل أخبار الماء على الأوّليّة الإضافيّة بأن يكون خلق الروحانيّين أو النور مقدّما على خلقه، واللّه تعالى يعلم .

وأنت إذا أحطت خُبرا بما تلوناه عليك، لا يشكل عليك وجه الجمع بين غيرها من الأخبار، مثل ما نقل من التوراة أنّه جاء في السِفر الأوّل منه: «إنّ مبدأ الخلق جوهر خلقه اللّه تعالى، ثمّ نظر إليه نظر الهيبة، فذابت أجزاؤه، فصارت ماءً، فصار هذا الماء بخارا كالدخان، فخلق منه السماوات، وظهر على وجه الماء مثل زبد البحر، فخلق منه الأرض، ثمّ أرساها بالجبال» (5).

وقال عليّ بن إبراهيم في تفسير قوله تعالى : «وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ» (6) ، قال : «وذلك في مبدأ الخلق، أنّ الربّ _ تبارك وتعالى _ خلق الهواء، ثمّ خلق القلم، فأمره أن يجري ،

ص: 128


1- عيون الأخبار ، ج 1 ، ص 240 ، ح 1 ؛ و ص 262 ، ح 22 (بسند آخر عنه عليه السلام عن الرسول صلى الله عليه و آله ) . وانظر أيضا : علل الشرائع ، ج 2 ، ص 593 ، ح 44
2- .عوالي اللآلي ، ج 4 ، ص 99 ، ح 140 . وعنه في بحار الأنوار ، ج 1 ، ص 97 ، ح 7
3- اُنظر : بحار الأنوار ، ج 54 ، ص 309 ؛ نورالبراهين ، ج 1 ، ص 179
4- الكافي ، ج 1 ، ص 20 ، ح 14 ؛ المحاسن ، ج 1 ، ص 196 ، ح 22 ؛ تحف العقول ، ص 399 ؛ الخصال ، ج 2 ، ص 588 ، ح 13 ؛ علل الشرائع ، ج 1 ، ص 113 ، ح 10
5- اُنظر : بحار الأنوار ، ج 54 ، ص 308
6- هود (11) : 7

فقال : ياربّ بما أجري؟ فقال : بما هو كائن . ثمّ خلق الظلمة من الهواء، وخلق النور من الهواء، وخلق الماء من الهواء، وخلق العرش من الهواء، وخلق العقيم من الهواء وهو الريح الشديد، وخلق النار من الهواء، وخلق الخلق كلّهم من هذه الستّة التي خلقت من الهواء» (1). وروى الصدوق رحمه الله بإسناده عن أبي الصلت الهروي، قال : سأل المأمون أبا الحسن الرضا عليه السلام عن قول اللّه عزّ وجلّ : «وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّموَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً» (2). ، فقال : «إنّ اللّه _ تبارك وتعالى _ خلق العرش والماء والملائكة قبل خلق السماوات والأرض، وكانت الملائكة تستدلّ بأنفسها وبالعرش والماء على اللّه _ عزّ وجلّ _ ثمّ جعل عرشه على الماء؛ ليظهر بذلك قدرته للملائكة، فتعلم أنّه على كلّ شيء قدير ، ثمّ رفع العرش بقدرته، ونقله، فجعله فوق السماوات السبع، ثمّ خلق السماوات والأرض في ستّة أيّام، وهو مستولٍ على عرشه، وكان قادرا على أن يخلقها في طرفة عين، ولكنّه _ عزّ وجلّ _ خلقها في ستّة أيّام؛ ليظهر للملائكة ما يخلقه منها شيئا بعد شيء، فتستدلّ بحدوث ما يحدث على اللّه تعالى ذكره» (3).

وقوله : (فإنّ بعض من سألتُه قال: القَدَر) .

في القاموس : «القَدَرُ، محرّكة: القضاء، والحكم، ومبلغ الشيء» (4).

ولعلّ هذا القائل أراد به تقديرات الأشياء مع ما يلزمها من اللوح المثبت فيه ذلك ، أو أراد نفس اللوح مجازا وجوهرا، وهو أوّل المخلوقات، لكن تخطئتهُ عليه السلام هذا القائل يدلّ على أنّه أراد به نفس الحكم والقضاء، إلّا أن يحمل قوله عليه السلام : «ما قالوا شيئا» على أنّهم لم يقولوا فيه شيئا بيّنا، لا التباس فيه ولا إجمال .

وفي توحيد الصدوق : «القُدرة»، وهي القوّة . قيل : لعلّه مبنيّ على قول من قال بزيادة صفاته تعالى على ذاته، وأنّها مخلوقة له سبحانه (5).

ص: 129


1- هود (11) : 7
2- .تفسير القمّي ، ج 1 ، ص 321 . وعنه في بحار الأنوار ، ج 54 ، ص 70 ، ح 46
3- التوحيد ، ص 320 ، ح 2 ؛ عيون الأخبار ، ج 1 ، ص 134 ، ح 33
4- القاموس المحيط ، ج 2 ، ص 114 (قدر)
5- قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 231

(وقال بعضهم : القلم) .

وقد ورد ذلك في بعض أخبارنا أيضا . ولعلّ المراد الأوّليّة الإضافيّة، كما مرّ ، وفي بعض الأخبار دلالة عليه .

وفي التوحيد : «وقال بعضهم : العِلم» . قيل : هو أيضا مبنيّ على ما مرّ في القدرة (1).

(وقال بعضهم: الروح) .

في القاموس : «الروح، بالضمّ: ما به حياة الأنفُس» (2) . ولعلّ هذا القائل أراد به العقل، كما هو رأي الفلاسفة، لكن على مذهبهم كونه مخلوقا _ بمعنى كون وجوده مسبوقا على عدمه الخارجي _ نظر .

وقيل : القدر هنا عبارة عمّا قضاه اللّه ، وحكم به من الاُمور . وقد يُراد به تقدير الأشياء .

والقلم يُطلق تارةً على [كلّ] ما يكتب به، وتارةً على ما كتب به اللوح المحفوظ، وهو المراد هنا . قال بعض العامّة : أوّل ما خلقه اللّه القلم، ثمّ النون وهو الدواة، ثمّ قال : اكتب ما هو كائن وما كان إلى يوم القيامة ، ثمّ ختم على القلم، فلا ينطق إلى يوم القيامة (3). واختلفوا في المأمور بالكتابة ؛ فقيل : هو صاحب القلم بعد خلقه . وقيل : القلم نفسه؛ لإجرائه مجرى أُولي العلم، وإقامته مقامه.

والروح ما يقوم به الجسد، وتكون به الحياة . وقد يُطلق على القرآن، وعلى جبرئيل .

ثمّ قال : إذا عرفت هذا، فأقول : القائل الأوّل نظر إلى أنّ القضاء والتقدير مقدّم على وجودات الأشياء، فحكم بأنّه الأوّل ، والقائل الثاني نظر إلى أنّه ثَبْت الأشياء في اللوح متوقّف على القلم، فحكم بأنّه الأوّل ، والقائل الثالث نظر إلى أنّ الروح أشرف الأشياء، ويتوقّف عليه الكتابة في اللوح، فحكم بأنّه الأوّل . والكلّ معترف بأنّ ما

ص: 130


1- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 25 ص 231
2- القاموس المحيط ، ج 1 ، ص 224 (روح)
3- اُنظر: أحكام القرآن لابن العربي ، ج 4، ص 304 ؛ تفسير ابن كثير ، ج 4 ، ص 427 ؛ تاريخ مدينة دمشق ، ج 5، ص 174 ؛ و ج 61 ، ص 385

ذهبوا إليه نشأ من مثال سابق، وهذا باطل (1).

انتهى، فتأمّل فيه حتّى يظهر لك فساد هذا القول، وما نسب إلى العامّة من أنّ أوّل ما خلقه اللّه القلم، فهو مرويّ من طرق الخاصّة أيضا، كما أشرنا إليه آنفا .

روى عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام ، عن أبي عبداللّه عليه السلام ، قال : «أوّل ما خلق اللّه القلم، فقال له : اُكتب، فكتب ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة» (2).

وروى عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن عبد الرحيم القصير ، عن أبي عبد اللّه عليه السلام ، قال : سألته عن «ن * وَالْقَلَمِ» (3). ، قال : «إنّ اللّه خلق القلم من شجرة في الجنّة يُقال لها: الخُلد، ثمّ قال لنهرٍ في الجنّة: كُن مدادا، فجمد النهر، وكان أشدّ بياضا من الثلج ، وأحلى من الشهد ، ثمّ قال للقلم : اكتب ، قال : ياربّ وما أكتب؟ قال : اكتب ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة ، فكتب القلم في رقّ أشدّ بياضا من الفضّة، وأصفى من الياقوت، ثمّ طواه، فجعله في ركن العرش، ثمّ ختم على فم القلم، فلم ينطق بعد ، ولا ينطق أبدا، فهو الكتاب المكنون الذي منه النسخ كلّها، أَ ولستم عَرَبا؟ فكيف لا تعرفون معنى الكلام؟! وأحدكم يقول لصاحبه: اُنسخ ذلك الكتاب؟! أَ وليسَ [إنّما] ينسخ من كتاب اُخذ من الأصل، وهو قوله : «إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ» ؟ (4). » (5).

وفي كتب الصدوق مثله (6).

وظهر من هذا الخبر ما قلناه من أنّ أوّليّة خلق القلم بالإضافة؛ لتقدّم الجنّة والشجرة عليه .

وقوله عليه السلام : (ما قالوا شيئا) أي شيئا واقعيّا، أو شيئا يعتدّ به .

وقوله : (وكان عزيزا) أي غالبا على الأشياء كلّها .

وقال صاحب العدّة : «العزيز: هو المنيع الذي لا يُغْلَب ، وهو أيضا الذي لا يعادله شيء،

ص: 131


1- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 10
2- تفسيرالقمّي ، ج 2 ، ص 198 . و عنه في بحار الأنوار ، ج 54 ، ص 366 ، ح 1
3- .القلم (68) : 1
4- . الجاثية (45) : 29
5- تفسير القمّي ، ج 2 ، ص 379 . وعنه في بحار الأنوار ، ج 54 ، ص 366 ، ح 3
6- اُنظر : التوحيد ، ص 136 ، ح 8 ؛ عيون الأخبار ، ج 1 ، ص 118 ، ح 8

وأنّه لا مثل له ولا نظير له . وقد يُقال للملِك، كما قال إخوة يوسف: «يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ» (1) أي يا أيّها الملك» (2).

(ولا أحد كان قبل عزّه) أي لم يكن قبل عزّته أحد يكون عزّته به، فلو كان أوّل ما خلقه من أصلٍ قديم لم يزل معه تعالى، فإن كان ذلك الأصل منه لزم أن يكون معه شيء في الأزل، وإن كان من غيره لزم أن يكون قبل عزّه أحدٌ أعزُّ منه، وهو سبحانه يتبع أثره. وكلاهما باطل ، واستدلّ عليه بقوله : (وذلك قوله : «سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ» ) (3). ؛ إذ يدلّ ذلك على أنّه تعالى سبب كلّ عزّة، فلو كان عزّته بغيره كان ذلك الغير ربّ العزّة .

ووجه الدلالة أنّ إضافة الربّ إلى العزّة المطلقة تفيد اختصاصها به _ كما هو شأن الإضافة _ وتنزيهُهُ عن كلّ وصف لا يليق به يفيد ثبوتَ كلِّ كمالٍ له، وسلبَ كلّ نقصٍ عنه سبحانه . وكلّ منهما يستلزم انفراده في القدم والعزّة المطلقة .

وفي كتاب التوحيد للصدوق رحمه الله : «وكان عزيزا ولا عِزّ ؛ لأنّه كان قبل عِزّه، وذلك قوله» إلى آخره (4).

قيل : لعلّ المراد حينئذٍ أنّه كان غالبا وعزيزا قبل أن يظهر عزّه وغلبته على الأشياء بخلقها، ولذا قال: «ربّ العزّة»؛ إذ فعليّة العزّة وظهورها مُسبَّب عنه تعالى . انتهى (5).

والأظهر أن يُقال: معناه أنّه تعالى كان عزيزا بالعزّة الذاتيّة الحقيقيّة المطلقة، ولا عزّ بالإضافة إلى الغير؛ لأنّه سبحانه كان قبل عزّه الإضافيّة؛ (6).

فإنّ تحقّق هذا العزّ إنّما هو بعد وجود الأشياء واعتبارها .

ثمّ أشار عليه السلام إلى كبرى الدليل بقوله : (وكان الخالق قبل المخلوق) ؛ وصورة الاستدلال: أنّه تعالى خلق كلّ عزّة مقدّمة على وجود ذي العزّة الذي هو المخلوق ، والخالق يجب وجوده قبل المخلوق، فيجب وجوده تعالى قبل كان مخلوقا لا قبليّة مكانيّة فقط ، بل قبليّة زمانيّة متوهّمة أيضا، وإلّا لزمت مشاركة الغير معه في القدم، فلا يتصوّر حينئذٍ معنى الإيجاد

ص: 132


1- يوسف (12) : 78 و 88
2- عدّة الداعي ، ص 305 (مع التلخيص)
3- .الصافّات (37) : 180
4- التوحيد ، ص 66 ، ح 20
5- قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 226
6- كذا. والصحيح: «عزّته الإضافيّته، أو عزّه الإضافي»

والتأثير بالنسبة إلى ذلك الغير، ويلزم منه أن يكون خلقه تعالى وإنشاؤه على سبيل القدرة والاختيار؛ إذ لو كان على الإيجاب لزم تخلّف المعلول على الموجب التامّ، وهو مُحال .

ثمّ إنّه عليه السلام بعد تمهيد المقدّمات المذكورة أشار إلى جواب السائل بقوله : (ولو كان أوّلُ ما خلق من خلقه الشيء من الشيء) المتوقّف عليه خلق ذلك الشيء (إذا لم يكن له) أي للخلق وسلسلة الوجود (انقطاع أبدا) وهو ظاهر .

والحاصل أنّه لو كان كيفيّة الإيجاد والتأثير على ما زعمه الفلاسفة من أنّ كلّ حادث مسبوق بالمادّة، يلزم أن لا يتحقّق شيء من المخلوقات، وهو أوّل الأشياء، فيلزم وجود قديم سوى اللّه _ عزّ وجلّ _ وهو محال ، كما أشار إليه بقوله : (ولم يزل اللّه إذا ومعه شيء ليس هو يتقدّمه) سواء اُسند ذلك الشيء إليه تعالى، أو إلى غيره، أو لم يسند إلى علّة أصلاً، وإن كان المفروض هو الأوّل؛ لظهور بطلان الأخيرين ، على أنّ الظاهر أن لا قائل بهما .

وقوله : (ولكنّه كان ؛ إذ لا شيء غيره) ؛ إشارة إلى كبرى القياس الأخير .

وفي توحيد الصدوق بعد قوله : «سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ» : «و كان خالقا ولا مخلوق ، فأوّل شيء خَلَقه من خَلْقهِ الشيء الذي جميع الأشياء منه، وهو الماء ».

فقال السائل : فالشيء خلقه من شيء، أو من لا شيء؟ فقال : «خلق الشيء لا من شيء كان قبله، ولو خلق الشيء من شيء إذا لم يكن له انقطاع أبدا، ولم يزل اللّه إذا ومعه شيء، ولكن كان اللّه ولا شيء معه، فخلق الشيء الذي جميع الأشياء منه وهو الماء» (1).

وكان هذه الزوائد سقط هنا من النسّاخ .

ولا يخفى على من له أدنى مسكة أنّ هذا الخبر وأمثاله صريح في الدلالة على حدوث العالم بالمعنى الذي أجمع عليه أهل الملل والشرائع ؛ أعني الكون بعد أن لم يكن في الخارج، لا الحدوث الذاتي فقط، كما ذهب إليه الفلاسفة ومن يقول بمقالتهم ، ولكن «مَنْ يُضْلِلِ اللّهُ فَلَا هَادِىَ لَهُ» (2).

(فجعل نسب كلّ شيء إلى الماء) ؛ بأن خلق جميعه منه، وجعله مادّة له.

وأصل النسب، بالتحريك: القرابة، كالنسبة، بالضمّ والكسر .

ص: 133


1- التوحيد ، ص 66 ، ح 20
2- الأعراف (7) : 186

(و لم يجعل للماء نسبا يُضاف إليه) ؛ بأن جعل له مادّة خلقه منها .

و كأنّه إشارة إلى قوله تعالى : «وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَىٍّ» (1) إن اُريد بالحياة أصل الوجود والظهور من العدم .

وقوله : (فشقّقت الريح متنَ الماء) .

التشقيق والشقّ: الخرق، والتفريق. والمتن: ما صلب من الأرض وارتفع .

(حتّى ثار من الماء زَبَد على قدر ما شاء أن يَثور) .

الثور: الهيجان، والوثب، والسطوع . والزَّبَد _ محرّكة _ للماء وغيره .

وقوله : (ليس فيها صَدْع و لا ثَقْب) .

الصَّدع: الشقّ في شيءٍ صلب . والثَّقب: الخرق النافذ .

وقوله : (ثمّ طَواها) ؛ يُقال : طوى الصحيفة _ كرمى _ فأطوى وانطوى .

(فوضعها فوقَ الماء) أي جمعها، فوضعها موضع البيت، كما ورد في خبر أبرش (2).

(ثمّ خلق اللّه النار من الماء) .

لا ينبغي أن يستبعد ذلك من قدرته الكاملة؛ فإنّه _ عزّ وجلّ _ هو الذي جعل من الشجر الأخضر نارا، ومن صدمات أجزاء السحاب الماطر برقا .

(فشقّقت النار متن الماء) ، وسخّنه تسخينا شديدا .

(حتّى ثار من الماء دُخان) إلى قوله : (سماء صافية نقيّة) .

يفهم من ظاهره أنّ السماء مخلوقة من الدخان ، وكذا من قوله تعالى : «ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ» (3) ، وأنّ المراد بالنار والدخان معناهما الحقيقي ، لكن ورد في بعض الأخبار مَا يوهم خلافه .

روى عليّ بن إبراهيم في تفسيره أنّه قال أبو عبداللّه عليه السلام لأبرش الكلبي : «يا أبرش، هو كما وصف نفسه، كان عرشه على الماء، والماء على الهواء، والهواء لا يحدّ، ولم يكن يومئذٍ خلق غيرهما، والماء يومئذٍ عذب فرات ، فلمّا أراد أن يخلق الأرض أمر الرياح، فضربت

ص: 134


1- الأنبياء (22) : 30
2- اُنظر : تفسير القمّي ، ج 2 ، ص 69
3- فصّلت (41) : 11

الماء حتّى صار موجا، ثمّ أزبد، فصار زَبَدا واحدا، فجمعه في موضع البيت، ثمّ جعله جبلاً من زَبَد، ثمّ دحى الأرض من تحته ، فقال اللّه تبارك وتعالى : «إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكا» (1) » (2).

و في خبر آخر ، قال أبو عبداللّه لأبرش : «ثمّ مكث الربّ _ تبارك وتعالى _ ما شاء، فلمّا أراد أن يخلق السماء أمر الرِّياح، فضربت البحور حتّى أزبَدتْ بها، فخرج من ذلك الموج والزبد من وسطه دخان ساطع من غير نار، فخلق منه السماء، وجعل فيها البروج والنجوم ومنازل الشمس والقمر، فأجراها في الفلك» الحديث (3).

فلعلّ المراد بقوله عليه السلام : «من غير نار» أنّه لم يتصاعد مع ذلك الدخان أجزاء ناريّة .

وقيل : أو كون ارتفاع الدخان بعد خمود النار(4) وهو ينافي الحديث الآتي بعد هذا الحديث .

فالصحيح الأوّل، فلا منافاة، ولا يحتاج إلى ما قيل من أنّ المراد بالدخان هنا البخار المتصاعد عن وجه الماء الحادث بسبب حركته بتحريك الريح له، وليس محمولاً على حقيقته ؛ لأنّه إنّما يكون من النار، ولا نار هناك، وإنّما سمّي البخار دخانا من باب الاستعارة؛ للتشابه بينهما في الصورة ؛ لأنّ البخار أجزاء مائيّة، خالطت الهواء بسبب لطافتها عن حرارة الحركة ، كما أنّ الدخان أجزاء مائيّة انفصلت عن جرم المحترق بسبب لطافتها عن حرارة النار .

وقوله تعالى : «رَفَعَ سَمْكَهَا» .

قال البيضاوي : «أي جعل مقدار ارتفاعها من الأرض، أو ثخنها الذاهب في العلوّ رفيعا» (5).

و في القاموس : «سَمكه سَمْكا: رفعه. والسمك: السقف، أو من أعلى البيت إلى أسفله، والقامة من كلّ شيء» (6).

ص: 135


1- .آل عمران (3) : 96
2- تفسير القمّي ، ج 2 ، ص 69 . وعنه في بحار الأنوار ، ج 54 ، ص 72 ، ح 46
3- اُنظر المصادر السالفة
4- قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 228
5- تفسير البيضاوي ، ج 5 ، ص 448
6- القاموس المحيط ، ج 3 ، ص 307 (سمك)

«فَسَوَّاهَا» .

قيل : أي فعدّلها، أو فجعلها مستوية، أو فتمّمها بما يتمّ به كمالها من الكواكب والتداوير وغيرها، من قولهم : سَوّى فلان أمره، إذا أصلَحهُ (1).

«وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا» .

في القاموس: «غطش الليل يغطِش: أظَلَم، كأغْطَشَ، وأغطشه اللّه » (2).

«وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا» (3). أي وأبرز ضوء شمسها ، كقوله : «وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا» (4) ؛ يريد النهار . وإضافتها إليهما لأنّهما يحدثان بحركتها .

قال الفيروزآبادي : «الضَّحو والضَّحوة والضَّحية: ارتفاع النهار . والضُّحى: فُوَيْقَه» (5).

(قال : و لا شمس و لا قمر و لا نجوم و لا سحاب) أي لم يكن في ابتداء خلقها تلك الأشياء، وإنّما حدثت بعدُ لمصالح الخلق ومنافعهم .

(ثمّ نسب الخليقتين) أي بيّن نسبة خلق الأرض والسماء في كتابه بقوله : «وَالسَّمَاءُ بَنَاهَا» إلى قوله : «وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحَاهَا» (6) فبيّن أنّ دحو الأرض بعد رفع السماء . أو المراد أنّه تعالى رتّبهما في الوضع، وجعل إحداهما فوق الاُخرى . أو جاء بواحدة منهما في إثر الاُخرى .

قال الفيروزآبادي : «النسب _ محرّكة _ والنسبة، بالكسر والضمّ: القرابة . يُقال : نسبه _ كنصر وضرب _ أي ذَكَرَ نَسبَهُ . والنَّيْسَب، كحَيدر: النَّمل إذا جاء واحدٌ منها في إثر آخر، وطريق النمل» (7).

(فرفع السماء قبل الأرض) ؛ لعلّ المراد أنّه رفعها بالبسط المعلوم قبل بسط الأرض .

وقوله تعالى : «دَحَاهَا» .

قال البيضاوي : «بسطها، ومهّدها للسكنى» (8).

ص: 136


1- قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 228
2- تفسير البيضاوي ، ج 5 ، ص 448
3- القاموس المحيط ، ج 2 ، ص 281 (غطش)
4- النازعات (79) : 27 - 29
5- الشمس (91) : 1
6- القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 354 (ضحو)
7- النازعات (79) : 30
8- القاموس المحيط ، ، ج 1 ، ص 131 (نسب) مع التلخيص

وقوله تعالى : «أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا» .

قال البيضاوي : أو لم يعلموا ، وقرأ ابن كثير بغير واو .

«وَكَانَتَا رَتْقا» : ذات رتق، أو مرتوقتين، وهو الضمّ والالتحام ؛ أي كانتا شيئا واحدا و حقيقة متّحدة .

«فَفَتَقْنَاهُمَا» بالتنويع والتمييز، أو كانت السماوات واحدة، ففُتِقَتْ بالتحريكات المختلفة حتّى صارت أفلاكا، وكانت الأرضون واحدة، فجعلت باختلاف كيفيّاتها وأحوالها طبقات أو أقاليم .

وقيل : «كَانَتَا» بحيث لا فرجة بينهما ففرّج .

وقيل «كَانَتَا رَتْقًا» لا تمطِر ولا تُنبت، ففتقتا بالمطر والنبات ، فيكون المراد بالسماوات سماء الدُّنيا، وجمعها باعتبار الآفاق أو السماوات بأسرِها، على أنّ لها مدخلاً مّا في الأمطار ، والكفرة وإن لم يعلموا ذلك، فهم متمكِّنون من العلم به نظرا؛ فإنّ الفتق عارض مفتقر إلى مؤثّر واجب وابتداء، أو بواسطة، أو استفسارا من العلماء ومطالعة الكتب ، وإنّما قال: «كَانَتَا» ولم يقل: «كنّ»؛ لأنّ المراد جماعة السماوات وجماعة الأرض (1).

متن الحديث الثامن و الستّين

اشارة

مُحَمَّدٌ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ رَزِينٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ وَ (2) الْحَجَّالِ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ:قَالَ لِي أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام : «كَانَ كُلُّ شَيْءٍ مَاءً، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، فَأَمَرَ اللّهُ _ عَزَّ ذِكْرُهُ _ الْمَاءَ فَاضْطَرَمَ نَارا، ثُمَّ أَمَرَ النَّارَ فَخَمَدَتْ، فَارْتَفَعَ مِنْ خُمُودِهَا دُخَانٌ، فَخَلَقَ اللّهُ (3) السَّمَاوَاتِ (4) مِنْ ذلِكَ الدُّخَانِ، وَخَلَقَ الْأَرْضَ مِنَ الرَّمَادِ، ثُمَّ اخْتَصَمَ الْمَاءُ وَالنَّارُ وَالرِّيحُ، فَقَالَ الْمَاءُ: أَنَا جُنْدُ اللّهِ الْأَكْبَرُ، وَقَالَتِ الرِّيحُ: أَنَا جُنْدُ اللّهِ الْأَكْبَرُ، وَقَالَتِ النَّارُ: أَنَا جُنْدُ اللّهِ الْأَكْبَرُ، فَأَوْحَى اللّهُ _ عَزَّ وَجَلَّ _ إِلَى

ص: 137


1- تفسير البيضاوي ، ج 4 ، ص 91
2- في السند تحويل بعطف «الحجّال ، عن العلاء، عن محمّد بن مسلم» على «ابن محبوب ، عن العلاء بن زرين ، عن محمّد بن مسلم»
3- في الطبعة الجديدة ومعظم النسخ التي قوبلت فيها : - «اللّه »
4- في الحاشية عن بعض النسخ: «السماء»

الرِّيحِ: أَنْتِ جُنْدِيَ الْأَكْبَرُ».

شرح الحديث

السند صحيح .

قوله : (و كان عرشه على الماء) .

ورد تفسير العرش في بعض الأخبار بالدين والعلم .

وقال البيضاوي في تفسير قوله تعالى في سورة هود : «وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّموَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ» (1). :

يعني قبل خلقهما لم يكن حائل بينهما ؛ لأنّه كان موضوعا على متن الماء ، واستدلّ [به ]على إمكان الخلأ، وأنّ الماء أوّل حادث بعد العرش من أجرام هذا العالم .

وقيل : كان الماء على متن الريح ، واللّه أعلم بذلك (2).

(فاضطرم نارا) ؛ من قبيل انفجرت الأرض عيونا .

قال الجوهري : «اضطرمت النار، إذا التهَبت» (3).

(و خلق الأرض من الرَّماد) .

قيل : لعلّ المراد أنّ بقيّة الأرض التي حصلت بعد الدحو كانت مادّتها الدخان . قال : ويحتمل أيضا أن يكون الزبد المذكور في الأخبار الاُخر مادّة بعيدة للأرض، بأن يكون الرماد حصل من الزَّبَد ، ومن الرماد تكوّنت الأرض ، أو يكون الرماد أحد أجزاء الأرض مزج بالزبد، فجمد الزبد بذلك المزج وتصلّب (4).

وقيل : هذا لا ينافي ما مرّ من أنّها خلقت من زبد الماء ؛ لأنّ الرماد زبد سمّي رمادا باعتبار أنّه بقي بعد تأثير النار فيه ، وخروج أجزاء مائيّته، وتصاعدها من تأثيرات النار (5).

وقوله : (أنت جنديَ الأكبر) .

الجند، بالضمّ: الأعوان والأنصار .

ص: 138


1- هود (11) : 7
2- تفسير البيضاوي ، ج 3 ، ص 221
3- الصحاح ، ج 5 ، ص 1971 (ضرم)
4- قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 232
5- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 16

وقيل : كلّ ناصر لدين اللّه ، وغالب على عدوّه، ونافع لخلقه فهو جند اللّه ، كما قال تعالى : «وَللّهِِ جُنُودُ السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ» (1) وقال : «وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا» (2) ؛ أي أيّده بالملائكة والريح، فهزموا الأحزاب وقال : «إِنَّ جُندَنَا لَهُمْ الْغَالِبُونَ» (3) .

و من البيّن أنّ الأكبريّة باعتبار القوّة والغلبة والضرّ والنفع، وأنّ لكلّ واحدٍ من الماء والنار والريح هذه الأوصاف إلّا أنّها في الريح أقوى وأشدّ من الماء والنار؛ إذ طبعهما لا يقتضي إلّا أمرا واحدا، بخلاف الريح؛ فإنّها مع اتّحاد جوهرها مَصْدرٌ لآثار مختلفة كإيقاد النار وإخمادها، وإثارة السحاب وجمعها وتفريقها، وتنقية الحبوب وترويح النفوس، وتلقيح الأزهار وتربية الأثمار، وتلطيف الأهوية وتكثيفها، وتحريك السُّفن وتسكينها بالإحاطة عليها وسرعة السير إلى جهات مختلفة، وقوّة الحركة إلى أمكنة متباعدة، إلى غير ذلك من خصالها التي لا تُحصى ، ويكفي في ذلك أنّه فتحت السماء بماءٍ منهمر، وانفجرت العيون، وجرت المياه من كلّ جانب لإهلاك قوم نوح، والريح خرجت على مقدار حلقة خاتم، أو خرق إبرة لهلاك قوم عاد، ولو خرجت على مقدار منخر ثورٍ لأهلكت البلاد كلّها (4).

متن الحديث التاسع و الستّين (حديث الجنان و النوق)

اشارة

متن الحديث التاسع و الستّين (حديث الجنان و النوق)عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْمَدَنِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام ، قَالَ:

«إِنَّ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه و آله سُئِلَ عَنْ قَوْلِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ: «يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْدا» (5) ، فَقَالَ: يَا عَلِيُّ، إِنَّ الْوَفْدَ لَا يَكُونُونَ إِلَا رُكْبَانا، أُولئِكَ رِجَالٌ اتَّقَوُا اللّهَ، فَأَحَبَّهُمُ اللّهُ، وَاخْتَصَّهُمْ، وَرَضِيَ أَعْمَالَهُمْ، فَسَمَّاهُمُ الْمُتَّقِينَ.

ثُمَّ قَالَ لَهُ: يَا عَلِيُّ، أَمَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إِنَّهُمْ لَيَخْرُجُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَسْتَقْبِلُهُمْ بِنُوقٍ مِنْ نُوقِ الْعِزِّ، عَلَيْهَا رَحَائِلُ الذَّهَبِ ، مُكَلَّلَةً بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ، وَجَلَائِلُهَا الْاءِسْتَبْرَقُ

ص: 139


1- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 16
2- الفتح (48) : 4 و 7
3- .التوبة (9) : 40
4- الصافّات (37) : 173
5- .مريم (19) : 85

وَالسُّنْدُسُ، وَخُطُمُهَا جَدْلُ الْأُرْجُوَانِ، تَطِيرُ بِهِمْ إِلَى الْمَحْشَرِ، مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَلْفُ مَلَكٍ مِنْ قُدَّامِهِ (1) ، وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ يَزُفُّونَهُمْ زَفّا، حَتّى يَنْتَهُوا بِهِمْ إِلى بَابِ الْجَنَّةِ الْأَعْظَمِ، وَعَلى بَابِ الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ، إِنَّ الْوَرَقَةَ مِنْهَا لَيَسْتَظِلُّ تَحْتَهَا أَلْفُ رَجُلٍ مِنَ النَّاسِ، وَعَنْ يَمِينِ الشَّجَرَةِ عَيْنٌ مُطَهِّرَةٌ مُزَكِّيَةٌ.

قَالَ: فَيُسْقَوْنَ مِنْهَا شَرْبَةً، فَيُطَهِّرُ اللّهُ بِهَا قُلُوبَهُمْ مِنَ الْحَسَدِ، وَيُسْقِطُ عَنْ (2) أَبْشَارِهِمُ الشَّعْرَ، وَذلِكَ قَوْلُ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ: «وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَرابا طَهُورا» (3). مِنْ تِلْكَ الْعَيْنِ الْمُطَهِّرَةِ.

قَالَ: ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ إِلى عَيْنٍ أُخْرى عَنْ يَسَارِ الشَّجَرَةِ، فَيَغْتَسِلُونَ فِيهَا، وَهِيَ عَيْنُ الْحَيَاةِ، فَلَا يَمُوتُونَ أَبَدا. قَالَ: ثُمَّ يُوقَفُ بِهِمْ قُدَّامَ الْعَرْشِ، وَقَدْ سَلِمُوا مِنَ الْافَاتِ وَالْأَسْقَامِ وَالْحَرِّ وَالْبَرْدِ أَبَدا. قَالَ: فَيَقُولُ الْجَبَّارُ _ جَلَّ ذِكْرُهُ _ لِلْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ مَعَهُمْ: احْشُرُوا أَوْلِيَائِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَلَا تُوقِفُوهُمْ مَعَ الْخَلَائِقِ، فَقَدْ سَبَقَ رِضَايَ عَنْهُمْ، وَوَجَبَتْ رَحْمَتِي لَهُمْ، وَكَيْفَ أُرِيدُ أَنْ أُوقِفَهُمْ مَعَ أَصْحَابِ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ. قَالَ: فَتَسُوقُهُمُ الْمَلَائِكَةُ إِلَى الْجَنَّةِ، فَإِذَا انْتَهَوْا بِهِمْ إِلى بَابِ الْجَنَّةِ الْأَعْظَمِ، ضَرَبَ الْمَلَائِكَةُ الْحَلْقَةَ ضَرْبَةً تَصِرُّ (4) صَرِيرا يَبْلُغُ صَوْتُ صَرِيرِهَا كُلَّ حَوْرَاءَ أَعَدَّهَا اللّهُ _ عَزَّ وَجَلَّ _ لأوْلِيَائِهِ فِي الْجِنَانِ، فَيَتَبَاشَرْنَ (5) بِهِمْ إِذَا سَمِعُوا (6) صَرِيرَ الْحَلْقَةِ، فَيَقُولُ بَعْضُهُنَّ لِبَعْضٍ: قَدْ جَاءَنَا أَوْلِيَاءُ اللّهِ، فَيُفْتَحُ لَهُمُ الْبَابُ، فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وَتُشْرِفُ عَلَيْهِمْ أَزْوَاجُهُمْ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ وَالْادَمِيِّينَ، فَيَقُلْنَ: مَرْحَبا بِكُمْ، فَمَا كَانَ أَشَدَّ شَوْقَنَا إِلَيْكُمْ، وَيَقُولُ لَهُنَّ أَوْلِيَاءُ اللّهِ مِثْلَ ذلِكَ.

فَقَالَ عَلِيٌّ عليه السلام : يَا رَسُولَ اللّهِ، أَخْبِرْنَا عَنْ قَوْلِ اللّهِ جَلَّ وَعَزَّ: «غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ» (7) بِمَا ذَا بُنِيَتْ يَا رَسُولَ اللّهِ؟ فَقَالَ: يَا عَلِيُّ، تِلْكَ غُرَفٌ بَنَاهَا اللّهُ _ عَزَّ وَجَلَّ _ لأوْلِيَائِهِ بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ وَالزَّبَرْجَدِ، سُقُوفُهَا

ص: 140


1- في الحاشية عن بعض النسخ : «قدّامهم»
2- في الطبعة القديمة : «من»
3- الإنسان (76) : 21
4- في الطبعة القديمة : «فتصرّ»
5- في الطبعة الجديدة و جميع النسخ التي قوبلت فيها والوافي : «فيتباشرون»
6- في الطبعة الجديدة: «سمعن»
7- في المصحف الشريف سورة الزمر (39) الآية 20 هكذا: «لَهُمْ غُرَفٌ مِّنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ»

الذَّهَبُ مَحْبُوكَةٌ بِالْفِضَّةِ، لِكُلِّ غُرْفَةٍ مِنْهَا أَلْفُ بَابٍ مِنْ ذَهَبٍ (1) ، عَلى كُلِّ بَابٍ مِنْهَا مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِهِ، فِيهَا فُرُشٌ مَرْفُوعَةٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ مِنَ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ بِأَلْوَانٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَحَشْوُهَا الْمِسْكُ وَالْكَافُورُ وَالْعَنْبَرُ، وَذلِكَ قَوْلُ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ: «وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ» (2) ، إِذَا أُدْخِلَ الْمُؤْمِنُ إِلى مَنَازِلِهِ فِي الْجَنَّةِ، وَوُضِعَ عَلى رَأْسِهِ تَاجُ الْمُلْكِ وَالْكَرَامَةِ، أُلْبِسَ حُلَلَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْيَاقُوتِ ، وَالدُّرُّ مَنْظُومٌ (3) فِي الْاءِكْلِيلِ تَحْتَ التَّاجِ.

قَالَ: وَأُلْبِسَ سَبْعِينَ حُلَّةَ حَرِيرٍ بِأَلْوَانٍ مُخْتَلِفَةٍ وَضُرُوبٍ مُخْتَلِفَةٍ، مَنْسُوجَةً بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَاللُّؤْلُؤِ وَالْيَاقُوتِ الْأَحْمَرِ، فَذلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: «يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤا وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ» (4) ، فَإِذَا جَلَسَ الْمُؤْمِنُ عَلى سَرِيرِهِ اهْتَزَّ سَرِيرُهُ فَرَحا، فَإِذَا اسْتَقَرَّ لِوَلِيِّ اللّهِ _ جَلَّ وَعَزَّ _ مَنَازِلُهُ فِي الْجِنَانِ، اسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِجِنَانِهِ لِيُهَنِّئَهُ بِكَرَامَةِ اللّهِ _ عَزَّ وَجَلَّ _ إِيَّاهُ، فَيَقُولُ لَهُ خُدَّامُ الْمُؤْمِنِ مِنَ الْوُصَفَاءِ وَالْوَصَائِفِ : مَكَانَكَ؛ فَإِنَّ وَلِيَّ اللّهِ قَدِ اتَّكَأَ عَلى أَرِيكَتِهِ ، وَزَوْجَتُهُ الْحَوْرَاءُ تَهَيَّأُ لَهُ، فَاصْبِرْ لِوَلِيِّ اللّهِ.

قَالَ: فَتَخْرُجُ عَلَيْهِ زَوْجَتُهُ الْحَوْرَاءُ مِنْ خَيْمَةٍ لَهَا تَمْشِي مُقْبِلَةً، وَحَوْلَهَا وَصَائِفُهَا، وَعَلَيْهَا سَبْعُونَ حُلَّةً مَنْسُوجَةً بِالْيَاقُوتِ وَاللُّؤْلُؤِ وَالزَّبَرْجَدِ، هِيَ مِنْ مِسْكٍ وَعَنْبَرٍ، وَعَلى رَأْسِهَا تَاجُ الْكَرَامَةِ، وَعَلَيْهَا نَعْلَانِ مِنْ ذَهَبٍ، مُكَلَّلَتَانِ بِالْيَاقُوتِ وَاللُّؤْلُؤِ، شِرَاكُهُمَا يَاقُوتٌ أَحْمَرُ، فَإِذَا دَنَتْ مِنْ وَلِيِّ اللّهِ، فَهَمَّ أَنْ يَقُومَ إِلَيْهَا شَوْقا، فَتَقُولُ لَهُ: يَا وَلِيَّ اللّهِ، لَيْسَ هذَا يَوْمَ تَعَبٍ وَلَا نَصَبٍ، فَلَا تَقُمْ أَنَا لَكَ ، وَأَنْتَ لِي.

قَالَ: فَيَعْتَنِقَانِ مِقْدَارَ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ مِنْ أَعْوَامِ الدُّنْيَا ، لَا يُمِلُّهَا وَلَا تُمِلُّهُ. قَالَ: فَإِذَا فَتَرَ بَعْضَ الْفُتُورِ مِنْ غَيْرِ مَلَالَةٍ نَظَرَ إِلى عُنُقِهَا، فَإِذَا عَلَيْهَا قَلَائِدُ مِنْ قَصَبٍ مِنْ يَاقُوتٍ أَحْمَرَ، وَسَطُهَا لَوْحٌ، صَفْحَتُهُ دُرَّةٌ، مَكْتُوبٌ فِيهَا: أَنْتَ يَا وَلِيَّ اللّهِ حَبِيبِي، وَأَنَا الْحَوْرَاءُ حَبِيبَتُكَ، إِلَيْكَ تَنَاهَتْ نَفْسِي، وَإِلَيَّ تَنَاهَتْ نَفْسُكَ.

ثُمَّ يَبْعَثُ اللّهُ إِلَيْهِ أَلْفَ مَلَكٍ يُهَنِّئُونَهُ (5) بِالْجَنَّةِ، وَيُزَوِّجُونَهُ بِالْحَوْرَاءِ.

قَالَ: فَيَنْتَهُونَ إِلى أَوَّلِ بَابٍ مِنْ جِنَانِهِ، فَيَقُولُونَ لِلْمَلَكِ الْمُوَكَّلِ بِأَبْوَابِ جِنَانِهِ: اسْتَأْذِنْ لَنَا عَلى وَلِيِّ اللّهِ؛ فَإِنَّ اللّهَ بَعَثَنَا إِلَيْهِ نُهَنِّئُهُ.

ص: 141


1- في الحاشية عن بعض النسخ: «الذهب»
2- الواقعة (76) : 34
3- في الطبعة القديمة : «والدرّ المنظوم»
4- الحجّ (22) : 23 ؛ فاطر (35) : 33
5- في الحاشية عن بعض النسخ: «يهنّونه»

فَيَقُولُ لَهُمُ الْمَلَكُ حَتّى أَقُولَ لِلْحَاجِبِ، فَيُعْلِمَهُ بِمَكَانِكُمْ.

قَالَ: فَيَدْخُلُ الْمَلَكُ إِلَى (1) الْحَاجِبِ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَاجِبِ ثَلَاثُ (2) جِنَانٍ حَتّى يَنْتَهِيَ إِلى أَوَّلِ بَابٍ، فَيَقُولُ لِلْحَاجِبِ: إِنَّ عَلى بَابِ الْعَرْصَةِ أَلْفَ مَلَكٍ أَرْسَلَهُمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ _ تَبَارَكَ وَتَعَالى _ لِيُهَنِّئُوا وَلِيَّ اللّهِ، وَقَدْ سَأَلُونِي أَنْ آذَنَ لَهُمْ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ الْحَاجِبُ: إِنَّهُ لَيَعْظُمُ عَلَيَّ أَنْ أَسْتَأْذِنَ لأحَدٍ عَلى وَلِيِّ اللّهِ، وَهُوَ مَعَ زَوْجَتِهِ الْحَوْرَاءِ.

قَالَ: وَبَيْنَ الْحَاجِبِ وَبَيْنَ وَلِيِّ اللّهِ جَنَّتَانِ. قَالَ: فَيَدْخُلُ الْحَاجِبُ إِلَى الْقَيِّمِ، فَيَقُولُ لَهُ: إِنَّ عَلى بَابِ الْعَرْصَةِ أَلْفَ مَلَكٍ أَرْسَلَهُمْ رَبُّ الْعِزَّةِ يُهَنِّئُونَ وَلِيَّ اللّهِ، فَاسْتَأْذِنْ لَهُمْ، فَيَتَقَدَّمُ الْقَيِّمُ إِلَى الْخُدَّامِ، فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ رُسُلَ الْجَبَّارِ عَلى بَابِ الْعَرْصَةِ، وَهُمْ أَلْفُ مَلَكٍ أَرْسَلَهُمُ اللّهُ يُهَنِّئُونَ وَلِيَّ اللّهِ، فَأَعْلِمُوهُ بِمَكَانِهِمْ.

قَالَ: فَيُعْلِمُونَهُ، فَيُؤْذَنُ لِلْمَلَائِكَةِ، فَيَدْخُلُونَ عَلى وَلِيِّ اللّهِ، وَهُوَ فِي الْغُرْفَةِ وَلَهَا أَلْفُ بَابٍ، وَعَلى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِهَا مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِهِ، فَإِذَا أُذِنَ لِلْمَلَائِكَةِ بِالدُّخُولِ عَلى وَلِيِّ اللّهِ، فَتَحَ كُلُّ مَلَكٍ بَابَهُ الْمُوَكَّلَ بِهِ.

قَالَ: فَيُدْخِلُ الْقَيِّمُ كُلَّ مَلَكٍ مِنْ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْغُرْفَةِ.

قَالَ: فَيُبَلِّغُونَهُ رِسَالَةَ الْجَبَّارِ جَلَّ وَعَزَّ، وَذلِكَ قَوْلُ اللّهِ تَعَالى: «وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ» مِنْ أَبْوَابِ الْغُرْفَةِ «سَلامٌ عَلَيْكُمْ» (3) إِلى آخِرِ الْايَةِ.

قَالَ: وَذلِكَ قَوْلُهُ (4) جَلَّ وَعَزَّ: «وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيما وَمُلْكا كَبِيرا» (5) ؛ يَعْنِي بِذلِكَ وَلِيَّ اللّهِ وَمَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْكَرَامَةِ وَالنَّعِيمِ وَالْمُلْكِ الْعَظِيمِ الْكَبِيرِ؛ إِنَّ الْمَلَائِكَةَ مِنْ رُسُلِ اللّهِ _ عَزَّ ذِكْرُهُ _ يَسْتَأْذِنُونَ [فِي الدُّخُولِ] (6) عَلَيْهِ، فَلَا يَدْخُلُونَ عَلَيْهِ إِلَا بِإِذْنِهِ، فَلِذلِكَ (7) الْمُلْكُ الْعَظِيمُ الْكَبِيرُ.

قَالَ: وَالْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِ مَسَاكِنِهِمْ، وَذلِكَ قَوْلُ اللّهِ (8) عَزَّ وَجَلَّ: «تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ

ص: 142


1- في الحاشية عن بعض النسخ: «على»
2- في الحاشية عن بعض النسخ : «ثلاثة»
3- الرعد (13) : 23 و 24
4- في الحاشية عن بعض النسخ: «قول اللّه »
5- الإنسان(76) : 20
6- في الطبعة الجديدة وجميع النسخ التي قوبلت فيها والوافي : - «في الدخول»
7- في الطبعة الجديدة وجميع النسخ التي قوبلت فيها والوافي : «فذلك»
8- في الحاشية عن بعض النسخ: «قوله»

الْأَنْهارُ» (1) وَالثِّمَارُ دَانِيَةٌ مِنْهُمْ، وَهُوَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: «وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً» (2) مِنْ قُرْبِهَا مِنْهُمْ يَتَنَاوَلُ (3) الْمُؤْمِنُ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يَشْتَهِيهِ مِنَ الثِّمَارِ بِفِيهِ، وَهُوَ مُتَّكِئٌ، وَإِنَّ الْأَنْوَاعَ مِنَ الْفَاكِهَةِ لَيَقُلْنَ لِوَلِيِّ اللّهِ: يَا وَلِيَّ اللّهِ، كُلْنِي قَبْلَ أَنْ تَأْكُلَ هذَا قَبْلِي.

قَالَ: وَلَيْسَ مِنْ مُؤْمِنٍ فِي الْجَنَّةِ إِلَا وَلَهُ جِنَانٌ كَثِيرَةٌ «مَعْرُوشَاتٌ وَغَيْرُ مَعْرُوشَاتٍ» (4) ، وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ، وَأَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ، وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ، وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ، فَإِذَا دَعَا وَلِيُّ اللّهِ بِغِذَائِهِ أُتِيَ بِمَا تَشْتَهِي نَفْسُهُ عِنْدَ طَلَبِهِ الْغِذَاءَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسَمِّيَ شَهْوَتَهُ.

قَالَ: ثُمَّ يَتَخَلّى مَعَ إِخْوَانِهِ، وَيَزُورُ بَعْضُهُمْ بَعْضا، وَيَتَنَعَّمُونَ فِي جَنَّاتِهِمْ فِي ظِلٍّ مَمْدُودٍ فِي مِثْلِ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلى طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَأَطْيَبُ مِنْ ذلِكَ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ سَبْعُونَ زَوْجَةً حَوْرَاءَ، وَأَرْبَعُ نِسْوَةٍ مِنَ الْادَمِيِّينَ، وَالْمُؤْمِنُ سَاعَةً مَعَ الْحَوْرَاءِ وَسَاعَةً مَعَ الْادَمِيَّةِ، وَسَاعَةً يَخْلُو بِنَفْسِهِ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ (5) إِلى بَعْضٍ، وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيَغْشَاهُ شُعَاعُ نُورٍ، وَهُوَ عَلى أَرِيكَتِهِ، وَيَقُولُ لِخُدَّامِهِ: مَا هذَا الشُّعَاعُ اللَّامِعُ، لَعَلَّ الْجَبَّارَ لَحَظَنِي؟ فَيَقُولُ لَهُ خُدَّامُهُ: قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ، جَلَّ جَلَالُ اللّهِ، بَلْ هذِهِ حَوْرَاءُ مِنْ نِسَائِكَ مِمَّنْ لَمْ تَدْخُلْ بِهَا بَعْدُ، قَدْ (6) أَشْرَفَتْ عَلَيْكَ مِنْ خَيْمَتِهَا شَوْقا إِلَيْكَ، وَقَدْ تَعَرَّضَتْ لَكَ، وَأَحَبَّتْ لِقَاءَكَ، فَلَمَّا أَنْ رَأَتْكَ مُتَّكِئا عَلى سَرِيرِكَ تَبَسَّمَتْ نَحْوَكَ شَوْقا إِلَيْكَ، فَالشُّعَاعُ الَّذِي رَأَيْتَ ، وَالنُّورُ الَّذِي غَشِيَكَ ، هُوَ مِنْ بَيَاضِ ثَغْرِهَا وَصَفَائِهِ وَنَقَائِهِ وَرِقَّتِهِ.

فَيَقُولُ (7) وَلِيُّ اللّهِ: ائْذَنُوا لَهَا، فَتَنْزِلَ إِلَيَّ، فَيَبْتَدِرُ إِلَيْهَا أَلْفُ وَصِيفٍ وَأَلْفُ وَصِيفَةٍ يُبَشِّرُونَهَا بِذلِكَ، فَتَنْزِلُ إِلَيْهِ مِنْ خَيْمَتِهَا، وَعَلَيْهَا سَبْعُونَ حُلَّةً مَنْسُوجَةً بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، مُكَلَّلَةً بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ وَالزَّبَرْجَدِ، صِبْغُهُنَّ الْمِسْكُ وَالْعَنْبَرُ بِأَلْوَانٍ مُخْتَلِفَةٍ، يُرَى مُخُّ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ سَبْعِينَ حُلَّةً ، طُولُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعا، وَعَرْضُ مَا بَيْنَ مَنْكِبَيْهَا عَشَرَةُ أَذْرُعٍ، فَإِذَا دَنَتْ مِنْ وَلِيِّ اللّهِ أَقْبَلَ الْخُدَّامُ بِصَحَائِفِ (8).

ص: 143


1- الأعراف (7) : 43 ؛ يونس (10) : 9 ؛ الكهف (18) : 31
2- الإنسان (76) : 14
3- في الحاشية عن بعض النسخ: + «لها»
4- الأنعام (6) : 141
5- في الطبعة الجديدة ومعظم النسخ التي قوبلت فيها والوافي : «بعض المؤمنين» بدل «بعضهم»
6- في الطبعة الجديدة ومعظم النسخ التي قوبلت فيها : - «قد»
7- في الطبعة القديمة : «قال: فيقول»
8- في الحاشية عن بعض النسخ: «بصفائح». وفي بعض نسخ الكافي : «بصحاف»

الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فِيهَا الدُّرُّ وَالْيَاقُوتُ وَالزَّبَرْجَدُ، فَيَنْثُرُونَهَا عَلَيْهَا، ثُمَّ يُعَانِقُهَا وَتُعَانِقُهُ، فَلَا يَمَلُّ وَلَا تَمَلُّ».

قَالَ: ثُمَّ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام : «أَمَّا الْجِنَانُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْكِتَابِ، فَإِنَّهُنَّ جَنَّةُ عَدْنٍ، وَجَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ، وَجَنَّةُ نَعِيمٍ، وَجَنَّةُ الْمَأْوى».

قَالَ: «وَإِنَّ لِلّهِ _ عَزَّ وَجَلَّ _ جِنَانا مَحْفُوفَةً بِهذِهِ الْجِنَانِ، وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيَكُونُ لَهُ مِنَ الْجِنَانِ مَا أَحَبَّ وَاشْتَهى، يَتَنَعَّمُ فِيهِنَّ كَيْفَ يَشَاءُ، وَإِذَا أَرَادَ الْمُؤْمِنُ شَيْئا (1) إِنَّمَا دَعْوَاهُ (2) إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: «سُبْحَانَكَ اللّهُمَّ» . فَإِذَا قَالَهَا، تَبَادَرَتْ إِلَيْهِ الْخَدَمُ بِمَا اشْتَهى مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ طَلَبَهُ مِنْهُمْ أَوْ أَمَرَ بِهِ، وَذلِكَ قَوْلُ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ: «دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ» ؛ يَعْنِي الْخُدَّامَ.

قَالَ: «وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» (3) ؛ يَعْنِي بِذلِكَ عِنْدَ مَا يَقْضُونَ مِنْ لَذَّاتِهِمْ مِنَ الْجِمَاعِ وَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، يَحْمَدُونَ اللّهَ _ عَزَّ وَجَلَّ _ عِنْدَ فَرَاغَتِهِمْ(4)

وَأَمَّا قَوْلُهُ: «أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ» (5). _ قَالَ: _ يَعْلَمُهُ الْخُدَّامُ، فَيَأْتُونَ بِهِ أَوْلِيَاءَ اللّهِ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلُوهُمْ إِيَّاهُ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: «فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ» (6) _ قَالَ: _ فَإِنَّهُمْ لَا يَشْتَهُونَ شَيْئا فِي الْجَنَّةِ إِلَا أُكْرِمُوا بِهِ».

شرح الحديث

قوله : (حديث الجنان و النوق) .

«الجنان» بالكسر: جمع الجنّة، وهي الحديقة ذات النخل والشجر . والمراد هنا الجنّة المعروفة في عرف الشرع .

و«النُّوق» بالضمّ: جمع الناقة .

وسند الحديث مجهول .

ص: 144


1- في الطبعة القديمة : + «أو اشتهى»
2- في الطبعة القديمة: + «فيها»
3- يونس (10) : 10
4- في الطبعة الجديدة وجميع النسخ التي قوبلت فيها والوافي : «فراغهم»
5- الصافّات (37) : 41
6- الصافّات (37) : 42

قوله تعالى : «يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ» أي نجمعهم، أو نبعثهم .

وقيل : المراد بهم الذين حبسوا أنفسهم على الحقّ، ورفضوا الميل إلى الباطل، وطهّروا ظاهرهم وباطنهم عن الرذائل (1).

«إِلَى الرَّحْمنِ» .

قال البيضاوي : «أي إلى ربّهم الذي غمرهم برحمته، ولاختيار هذا الاسم في هذه السورة شأن، ولعلّه لأنّ مساق الكلام فيها لتعداد نِعمهِ الجسام، وشرح حال الشاكرين لها والكافرين بها» (2).

«وَفْدا» (3) : وافدين عليه، كما يفد الوفّاد على الملوك منتظرين لكرامتهم وإنعامهم .

وقال الفيروزآبادي : «وفد إليه وعليه، يَفِدُ وَفْدا ووُفودا ووِفادا ووِفادَةً: قدم ، وورد، وهم وفُود، وَوِفْدٌ ، وأوفادٌ ، ووُفَّد» (4).

(فقال : يا عليّ)؛ كأنّ السائل هو عليه السلام .

(إنّ الوَفد لا يكونون إلّا رُكبانا) ؛ يعني عرفا .

وفي القاموس : «الراكب : للبعير خاصّةً. الجمع: رُكّاب ، ورُكبان ، ورُكوب بضمّهنّ» (5).

وقوله : (و اختصّهم) أي جعلهم من خواصّه . يُقال : اختصّه بالشيء، أي خصّه به، فاختصّ، لازم متعدٍّ .

وقوله : (نُوق العزّ) بالضمّ: جمع الناقة، والإضافة لاميّة ؛ أي النوق التي يعزّ من يركب عليها، أو أُعدّت لركوب من اُريد عزّته .

وقيل : نسب إلى عزّه تعالى؛ لرفعتها، وظهور قدرة اللّه فيها ، أو هي عزيزة في نفسها (6).

وقوله : (رَحائل (7) الذهب) ؛ كأنّه جمع رِحالة بالكسر، كرسائل جمع رسالة، وهي للبعير بمنزلة السرج للفرس .

ص: 145


1- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 16
2- تفسير البيضاوي ، ج 4 ، ص 34
3- مريم (19) : 85
4- القاموس المحيط ، ، ج 1 ، ص 346 (وفد)
5- القاموس المحيط ، ج 1 ، ص 75 (ركب)
6- قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 233
7- في الحاشية: «والرحالة، ككتابة: السرج، أو من جلود لا خشب فيه، يتّخذ للركض الشديد ». القاموس المحيط ، ج 3 ، ص 383 (رحل)

قال الفيروزآبادي : «الرَّحْل: مركب للبعير. الجمع: أرْحُل، ورِحال، ككتاب: الطنافس الحيريّة» (1).

وقوله : (مُكلّلة) .

قال الجوهري : «سحاب مكلّل، أي ملمّع بالبرق . وكلّله، أي ألبَسَهُ الإكليل . وروضة مكلّلة، أي حُفّت بالنور» (2).

وفي القاموس : «الإكليل، بالكسر: التاج، وشبه عصابة تزيّن بالجوهر» (3).

وقوله : (و جلائلها الاستبرق و السُّندس) ؛ كأنّ «جلائل» جمع جِلال _ بالكسر _ كشمائل وشمال. والجلال جمع جُلّ _ بالضمّ والفتح _ وهو ما تلبسه الدابّة لتصان به .

و في القاموس : «الاستبرق: الديباج الغليظ، معرّب استَرْوَه، أو ديباج يعمل بالذهب، أو ثياب حرير صفاق نحو الديباج»(4).

و فيه: «السُّندُس، بالضمّ: ضربٌ من رقيق الديباج، معرّب بلا خلاف» (5).

(وخُطُمُها جَدل الاُرجوان) أي أزمّتها من حبلٍ مفتول أرغوانيّ .

قال الفيروزآبادي : «الخِطام، ككتاب: كلّ ما وضع في أنف البعير ليُقتاد به . الجمع: ككتب» (6).

وقال: «جَدَله يجدُله ويجدِله: أحكمَ فَتله . والجديل: الزمام المجدول من أَدَمٍ ، أو شعرٍ في عنق البعير ، والوِشاح. الجمع: ككتب» (7).

وقال في المصباح : «الاُرجوان، بضمّ الهمزة والجيم: اللون الأحمر» (8).

وقال الجوهري : «الاُرجُوان معرّب، وهو بالفارسيّة: أرغوان، وهو شجر له نَوْر أحمر أحسن ما يكون، وكلّ لون يشبهه فهو اُرجُوان» (9).

(تطير بهم إلى المحشر) .

الباء للمصاحبة، أو للتعدية .

والظاهر أنّ المراد بالطيران معناه الحقيقي، وحمله على

ص: 146


1- القاموس المحيط ، ، ج 3 ، ص 383 (رحل) مع التلخيص
2- الصحاح ، ج 5 ، ص 1812 (كلل)
3- القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 46 (كلل)
4- القاموس المحيط ، ج 3 ، ص 213 (برق)
5- القاموس المحيط ، ج 2 ، ص 222 (سندس)
6- القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 108 (خطم)
7- القاموس المحيط ، ج 3 ، ص 346 (جدل)
8- المصباح المنير ، ص 222 (رجو)
9- الصحاح ، ج 6 ، ص 2353 (رجو)

الاستعارة باعتبار تشبيه سيرها به في السرعة محتمل .

وقوله : (يَزُفّوهم زَفّا) أي يذهبون بهم في غاية الإعزاز والإكرام، كما تُزفّ العروس وتُهدى إلى زوجها ، أو يسرعون بهم .

قال الجوهري : زَفَفت العروس إلى زوجها، أزُفُّ _ بالضمّ _ زفّا وزِفافا، وأزفَفْتها وازدَففتها بمعنى. و الزفيف: السريع . يُقال : زفّ البعير والظليم يزفّ _ بالكسر _ زفيفا ؛ أي أسرع، وأزفّه صاحبه، وزفّ القوم في مشيهم؛ أي أسرعوا . ومنه قوله تعالى : «فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ» (1) (2).

وقوله : (الأعظم) صفة الباب .

(و على باب الجنّة شجرة) .

قيل : لعلّ المراد على قرب منه شجرة ، فلا ينافي ما سيجيء من قوله : «فتسوقهم الملائكة إلى الجنّة، فإذا انتهوا بهم إلى باب الجنّة» فليأمّل (3).

وقوله : (مُزكّية) .

قال الجوهري : «زكّى نفسه تزكية: مدحها . وقوله تعالى : «وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا» (4). ، قالوا : تُطهّرهم بها» (5)

وكان قوله : (فيطهّر اللّه بها قلوبهم من الحسد) ناظر إلى مطهّرة .

وقوله : (ويسقط عن أبشارهم الشَّعْر) ناظر إلى «مزكّية» .

قال الفيروزآبادي : «البَشَر، محرّكة: ظاهر جلد الإنسان، جمع بَشَرة، وأبشار: جمع الجمع» (6).

وقوله : (طَهورا) أي مطهّرا عمّا ذكر، كما أشار إليه بقوله : (من تلك العين المطهّرة) . والجارّ متعلّق ب «سقاهم» .

ص: 147


1- الصافّات (37) : 94
2- الصحاح ، ج 4 ، ص 1369 (زفف)
3- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 17
4- التوبة (9) : 103
5- لم نعثر عليه في الصحاح . لكن انظر : مختار الصحاح ، ص 148 (زكي)
6- القاموس المحيط ، ج 1 ، ص 372 (بشر)

(ثمّ يوقف بهم قُدّام العرش) .

قيل : ظاهره أنّهم يَرِدُون أوّلاً باب الجنّة، ثمّ إلى الموقف، ثمّ يرجعون إلى الجنّة(1).

وفيه نظر .

وقوله : (الحَلْقة) بسكون اللّام، وقد تفتح وتكسر .

وقيل : تحريكها لغة ضعيفة (2).

وقوله : (تَصرّ صَريرا) .

في القاموس : «صرّ _ كفرّ _ يصرّ صرّا وصريرا: صوّت، وصاح شديدا» (3).

وقوله : (كلّ حوراء) بالفتح والمدّ .

قال الجوهري : «الحَورُ: شدّة بياض العين في شدّة سوادها ، والعين حوراء» انتهى (4).

فتسميتهنّ بذلك مجاز باعتبار «أعينهنّ» .

وقوله : (يتباشرون (5) بهم) أي بشّر بعضهم بعضا بمجيئهم.

والتذكير باعتبار تغليب الغلمان .

وقوله : (و تُشرف عليهم أزواجهم) من الغرف .

قال الفيروزآبادي : «أشرف عليه: اطّلع من فوق» (6).

وقيل : أي ترفع عليهم أبصارهنّ؛ للنظر إليهم، أو تخرج من قولهم: استشرفوك، إذا خرجوا إلى لقائك .

وفيه دلالة على أنّ النساء الصالحات يدخلون الجنّة قبل الصُّلحاء من الرجال (7) ، ولعلّه لكرامة الرجال أيضا؛ ليتهيّأنّ لهم .

(من الحور العين) .

«الحور» بالضمّ: جمع حوراء . و«العِين» بالكسر: جمع عَيناء، وهي واسعة العينين

ص: 148


1- قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 234
2- اُنظر : مرآة العقول ، ج 25 ، ص 234
3- القاموس المحيط ، ج 2 ، ص 68 (صرر)
4- الصحاح ، ج 2 ، ص 639 (حور)
5- .في المتن الذي ضبطه الشارح رحمه الله سابقا والطبعة القديمة : «فيتباشرن» . وفي الطبعة الجديدة وجميع النسخ التي قوبلت فيها والوافي : «فيتباشرون»
6- القاموس المحيط ، ج 3 ، ص 158 (شرف)
7- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12، ص 18

وعظيمتهما، وأصله: «فُعل» بالضمّ .

وقوله تعالى : «غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ».

في سورة الزمر : «لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ» (1) ، وكأنّ ما في الكتاب كانت في قراءة أهل البيت عليهم السلام .

وقال بعض المفسّرين : «أي لهم علاليّ فوقَها علاليّ، ودرجات بعضها أرفع من بعض؛ ليتخيّروا منها ما أحبّوا ويكونوا منها حيث شاؤوا» (2).

وقوله صلى الله عليه و آله : (مَحبوكة بالفضّة) .

في القاموس: «الحَبْك : الشدّ، والإحكام، وتحسين أثر الصنعة في الثوب. يحبِكه ويحبُكه، فهو حبيك ومَحبوك . والتحبيك: التوثيق والتخطيط» (3).

وقال الجوهري : «حَبَك الثوبَ يحبِكه _ بالكسر _ حَبْكا؛ أي أجادَ نسجَهُ . قال ابن الأعرابي : كلّ شيءٍ أحكمته وأحسنت عمله، فقد احتبكته» (4).

وقوله : (بعضها فوق بعض) تفسير لمرفوعة على الظاهر، كما ذكره المفسّرون؛ فإنّهم قالوا في تفسير قوله تعالى : «وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ» (5) :

أي منضّدة مرتفعة . وتنضيد المتاع: وضع بعضه على بعض (6) .

وقيل : يحتمل أن يكون وصفا آخر ل «فرش» ، وحينئذٍ يمكن أن يُراد بمرفوعة أنهار رفيعة القدر (7).

وقال بعضهم : الفرش: النساء، وهي مرفوعة على الأرائك، وأيّده بقوله تعالى : «إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارا» (8) .

وعلى التفسيرين السابقين هذا القول منقطع عن سابقه؛ لبيان وصف نساء أهل الجنّة ، ومرجع الضمير معلوم بحسب المقام مع إمكان الاتّصال أيضا، بأن يُراد بقوله عليه السلام : «بعضها

ص: 149


1- الزمر (39) : 20
2- اُنظر : تفسير جوامع الجامع ، ج 3 ، ص 215 ؛ جامع البيان ، ج 23 ، ص 247 ؛ تفسير البيضاوي ، ج 5 ، ص 63
3- القاموس المحيط ، ، ج 3 ، ص 297 (حبك)
4- الصحاح ، ج 4 ، ص 1578 (حبك)
5- الواقعة (56) : 34
6- اُنظر : تفسير البيضاوي ، ج 5 ، ص 287 ؛ تفسير أبي السعود ، ج 8 ، ص 193 ؛ تفسير الآلوسي ، ج 27 ، ص 141
7- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 18
8- الواقعة (56): 35 و 36

فوق بعض» أنّ كلّ واحدة عند الناظر أحسن من الاُخرى؛ للمبالغة في عدم وجود النقص فيهنّ .

وقوله : (بألوانٍ مختلفة) .

لعلّ كلّا من الحرير والديباج في الصفاء والصفاقة بحيث يرى لون كلّ من التحتاني من تحت الفوقاني، فيحصل باجتماع تلك الألوان في النظر لون متوسّط بينها .

وقيل : كأنّه إشارة إلى أنّ التحتاني يسع كلّ الغرفة، والذي فوقه لا يسع كلّها ، بل يظهر من جوانبها لون التحتاني، وعلى هذا القياس (1).

وقوله : (اُلبِسَ حُلَل الذهب و الفضّة) جواب «إذا» .

قال الفيروزآبادي : «الحُلّة، بالضمّ: إزارٌ، ورداء برد، أو غيره، ولا تكون حُلّة إلّا من ثوبين ، أو ثوب له بطانة . الجمع: حُلَلٌ، وحلال» (2).

وقوله : (و الياقوتُ) مبتدأ ، (و الدُّرّ) عطف عليه ، و(منظومٌ) خبره .

(في الإكليل تحتَ التاج) .

قال الفيروزآبادي : «التاج: الإكليل» (3).

وقال : «الإكليل: التاج، وشبه عِصابة تُزيَّن بالجوهر» (4).

وقيل : لعلّ المراد بالإكليل المعنى الثاني ، وإن اُريد به الأوّل كان المراد ب «تحت التاج» حواشيه (5).

وقوله : (و اللؤلؤ و الياقوت) عطف على الذهب، وكأنّه من قبيل «علفتها تبنا وماء باردا» ؛ أي منظومة بهما . واللّه يعلم .

(فكذلك قوله عزّ و جلّ) في سورة فاطر : «جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا» ؛ أي في تلك الجنان .

«مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤءٍ» . في بعض النسخ: «و لؤلؤا» بالنصب .

«وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ» (6) .

ص: 150


1- القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 46 (كلل)
2- قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 236
3- القاموس المحيط ، ج 3 ، ص 359 (حلل)
4- القاموس المحيط ، ج 1 ، ص 180 (توج)
5- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 19
6- فاطر (35) : 33

قال البيضاوي : «جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا» مبتدأ وخبر. «يُحَلَّوْنَ فِيهَا» خبر ثان. أو حال . و«من» الاُولى في قوله : «مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ» للتبعيض ، والثانية للتبيين . و «لُؤلؤا» عطف على «ذهب» ؛ أي من ذهب مرصّع باللؤلؤ ، أو من ذهب في صفاء اللؤلؤ. ونَصَبَهُ نافع وعاصم عطفا على محلّ «أساور» انتهى (1).

ويحتمل كونه من الاُولى للابتداء ، بل هو أظهر .

و«أساور» جمع أسورة، وهي جمع السوار _ ككتاب وغراب _ وهو حليّ معروف .

ويُقال: القُلْب أيضا .

وقوله : (اهتزّ) أي تحرّك وارتاح .

(سريره فرحا) ونشاطا بصعود المؤمن عليه .

في القاموس : «هزّه وبه: حرّكه . والهِزّة، بالكسر: النشاط والارتياح . وهزّه تهزيزا: حرّكه، فاهتزّ. واهتزّ عرش الرحمان لموت سعد؛ أي ارتاح بروحه، واستبشر لكرامته على ربّه» (2) .

وقوله : (ليهنّئه) .

قال الجوهري في المهموز : «التهئنة: خلاف التعزية. تقول: هنّأته بالولاية تهنئة وتهنيئا» (3).

وقوله : (من الوُصفاء و الوَصائف) .

قال في النهاية : «الوصيف: العبد، والأَمَةُ وصيفةٌ. وجمعهما: وصفاء ووصائف» (4).

وقال الفيروزآبادي : «الوصيف، كأمير: الخادم، والخادمة. والجمع: وُصفَاء، كالوصيفة.

والجمع: وصائف» (5).

وقوله : (مكانك) بالنصب؛ أي الزم مكانك .

وقوله : (على أريكته) .

في القاموس : «الأريكة، كسفينة: سرير في حجلةٍ، أو كلّ ما يتّكأ عليه من سرير ومنصّة

ص: 151


1- تفسير البيضاوي ، ج 4 ، ص 420 (مع التلخيص واختلاف يسير)
2- القاموس المحيط ، ج 2 ، ص 196 (هزز) مع التلخيص
3- الصحاح ، ج 1 ، ص 84 (هنأ)
4- النهاية ، ج 5 ، ص 191 (وصف)
5- م القاموس المحيط ، ج 3 ، ص 204 (وصف)

وفراش، أو سرير منجّد مزيّن في قبّة أو بيت . الجمع: أرائك» (1).

وقوله : (تهيّأ) على صيغة المضارع بحذف إحدى التاءين من التهيئة . وفي بعض النسخ: «تهنّأ» بالنون، وكأنّه من التهنّؤ ؛ أي صارت هنيئةً .

وما قيل: إنّه من التهنئة، (2). ففيه نظر .

هذا، ولم يذكر الإذن لهذا الملك، ولعلّه صار مأذونا عند دخول ألف ملك يأتي ذكرهم .

وقوله : (هي من مسكٍ و عَنبر) .

الظاهر أنّ الضمير راجع إلى الحلّة .

ولعلّ المراد أنّ أصل تلك الحلل من نوع من المسك والعنبر يمكن نسجها ولبسها، أو من شيء عطره كالمسك والعنبر، لكنّها نسجت ونظمت بالياقوت واللؤلؤ .

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم : «صُبغن بمسك وعنبر» (3).

وقوله : (شراكهما) .

الشراك، ككتاب: سَيْر النعل . الجمع: ككتب .

وقوله : (لا يُملّها و لا تُملّه) .

قال الجوهري : «مَلِلْتُ الشيء _ بالكسر _ وملِلْت منه أيضا مَلَلاً ومَلّةً ومَلالاً، إذا سئمته» (4).

وقوله : (قَلائد من قَصَب) .

«القلائد»: جمع القِلادة _ بالكسر _ وهي ما يجعل في العنق . قال الجوهري : «القَصَب: أنابيب من جوهر» (5).

وفي القاموس : «القَصَب، محرّكةً: ما كان مستطيلاً من الجوهر، والدُّرُّ الرَّطب، والزبرجد الرطب المرصّع بالياقوت» (6).

وقوله : (إليك تناهت نفسي، و إليَّ تناهت نفسك) .

التناهي: بلوغ الغاية ؛ أي بلغت محبّتي وشوقي إليك، وميل نفسي إلى النهاية . وفي بعض

ص: 152


1- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 19
2- القاموس المحيط ، ج 3 ، ص 292 (أرك)
3- تفسير القمّي ، ج 2 ، ص 246
4- الصحاح ، ج 5 ، ص 1820 (ملل)
5- الصحاح ، ج 1 ، ص 202 (قصب)
6- القاموس المحيط ، ، ج 1 ، ص 117 (قصب)

النسخ : «تاقت» بالقاف في الموضعين، وهو أظهر .

قال الفيروزآبادي : «تاق إليه تَوْقا: اشتاق» (1).

وقوله : (حتّى أقولَ للحاجب فيُعلمه بمكانكم) أي قفوا، أو الزموا مكانكم حتّى أقول واُخبر للحاجب، فيعلم، ويخبر ذلك الحاجب بكونكم في هذا المكان، أو بموضعكم وحضوركم فيه .

ويحتمل أن يكون «مكانكم» منصوبا بتقدير الناصب ؛ أي الزموا مكانكم حتّى أقول للحاجب، ففي الكلام حينئذٍ تقديم وتأخير .

وقوله : (باب العرصة) .

في القاموس: «العَرْصة: كلّ بقعةٍ بين الدُّور واسعةٍ ليس فيها بناء» (2).

وقوله : (رسالة الجبّار) .

قيل: ذكره هنا؛ لأنّه أنسب لدلالته على أنّه جبر نقائص الخلائق حتّى بلغوا هذه المراتب (3).

(و ذلك قول اللّه عزّ وجلّ) في سورة الرعد : «وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ» ، وفسّر عليه السلام «كلّ باب» بقوله : (من أبواب الغرفة) ، وليس هذا التفسير في بعض النسخ .

و فسّره بعض المفسّرين بكلّ باب من أبواب المنازل، أو من أبواب الفتوح والتحف قائلين : «سَلَامٌ عَلَيْكُمْ» ؛ بشارة بدوام السلامة .

(إلى آخر الآية) ، وهو قوله : «بِمَا صَبَرْتُمْ» ؛ متعلّق ب «عليكم» أو بمحذوف ؛ أي هذا بما صبرتم لا بسلام ؛ فإنّ الخبر فاصِل(4). والباء للسببيّة، أو البدليّة . «فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ» (5).

قال الجوهري : «العقبى: جزاء الأمر» (6).

وقال البيضاوي : «عقبى الدار: عاقبة الدُّنيا، وما ينبغي أن يكون مآل أهلها، وهي الجنّة» (7).

ص: 153


1- القاموس المحيط ، ، ج 3 ، ص 216 (توق)
2- القاموس المحيط ، ج 2 ، ص 307 (عرص)
3- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 20
4- في الحاشية: «حال عن فاعل يدخلون . منه»
5- .الرعد (13) : 13 و 24
6- الصحاح ، ج 1 ، ص 186 (عقب)
7- تفسير البيضاوي ، ج 3 ، ص 327

(و ذلك) المذكور من حالات أولياء اللّه في الجنّة، وما هُيّئ لهم فيها من المنازل والكرامة واستئذان الملائكة .

(قوله عزّ و جلّ) في سورة الدهر : «وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ» .

قال البيضاوي : ليس له مفعول ملفوظ ولا مقدّر؛ لأنّه عامّ معناه أنّ بصرك أينما وقع .

«رَأَيْتَ نَعِيما وَمُلْكا كَبِيرا» (1). واسعا . وفي الحديث : «أدنى أهل الجنّة مَنزِلَةً ينظر في ملكه مسيرة ألف عام، يرى أقصاه كما يرى أدناه» (2) (3).

(يعني بذلك) الخطاب والنعيم والمُلك الكبير (وليّ اللّه و ما هو فيه) إلى آخره .

وقوله تعالى : «وَدَانِيَةً» أي قريبة .

«عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا» . الضمير للجنّة .

قال البيضاوي : «دانية» حال، أو صفة اُخرى معطوفة على ما قبلها، أو عطف على «جنّة» ؛ أي وجنّة اُخرى دانية على أنّهم وُعِدوا جنّتين، كقوله : «وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ» (4) .

وقرئت بالرفع على أنّها خبر «ظلالها» ، والجملة حال، أو صفة .

«وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً» (5). ؛ معطوف على ما قبله، أو حال من «دانية» .

و تذليل القطوف: أن تجعل سهلة التناول، لا تمتنع على قُطّافها كيف شاؤوا (6).

وقال الجوهري : «القِطف، بالكسر: العنقود، وبجمعه جاء القرآن: «قُطُوفُهَا دَانِيَةً» » (7).

وقال الشيخ الطبرسي رحمه الله : «وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا» ؛ يعني أنّ أفياء أشجار تلك الجنّة قريبة منهم .

وقيل : إنّ ظلال الجنّة لا تنسخها الشمس، كما تنسخ ظلال الدُّنيا .

ص: 154


1- الإنسان (76) : 20
2- اُنظر : مسند أحمد ، ج 2 ، ص 13 ؛ المستدرك للحاكم ، ج 2 ، ص 509 ؛ مجمع الزوائد ، ج 10 ، ص 401 ؛ المصنّف ، ج 8 ، ص 74
3- تفسير البيضاوي ، ج 5 ، ص 429
4- الرحمن (55) : 46
5- الإنسان (76) : 14
6- تفسير البيضاوي ، ج 5 ، ص 428
7- الصحاح ، ج 4 ، ص 1417 (قطف)

«وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً» أي وسخّرت، وسهل أخذ ثمارها تسخيرا؛ إن قام ارتفعت بقدره، وإن قعد نزلت عليه حتّى ينالها، وإن اضطجع نزلت حتّى ينالها (1).

(من قربها منهم) ؛ كأنّ كلمة «من» الاُولى تعليليّة، والثانية للصلة؛ أي ذلك التذليل لأجل قربها بهم .

ويحتمل كون الاُولى ابتدائيّة ؛ أي تذليلاً ناشئا من قربها .

ويحتمل أن يقرأ «مَن» بفتح الميم، و«قرب» على صيغة الفعل، وجعل كلمة «مِن» للتبيين .

وقوله : (بفيه) أي بفمه (2).

وقوله : (قبل أن تأكل هذا) إشارة إلى نوع آخر من الفاكهة ، أو إلى فردٍ آخر منها .

وقوله : «مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ» (3) .

قال الجوهري : «عَرَش : بنى [بناء] من خشب» (4).

وقال البيضاوي في تفسير قوله تعالى : «وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ» : أي جنّات من الكروم «مَعْروُشَاتٍ» : مرفوعات على ما يحملها، «وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ» : ملقيات على وجه الأرض .

وقيل : المعروشات ما غرسه الناس فعرشوه ، وغير معروشات ما نبت في البراري والجبال (5).

وقوله : (في ظلٍّ ممدود) أي منبسط لا يتقلّص، ولا يتفاوت، أو غير منقطع أبدا .

(في مثل ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس) .

كلمة «في» للمقايسة، وهي الداخلة بين مفضول سابق وفاضل لاحق، نحوه: «فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْاخِرَةِ إِلَا قَلِيلٌ» (6) . والتشبيه في الاعتدال واللطافة .

ص: 155


1- مجمع البيان ، ج 10 ، ص 410 (مع اختلاف يسير)
2- قال المحقّق المازندراني رحمه الله : «أو هو كناية عن نهاية قربها ، وكونها بحذاء الوجه»
3- الأنعام (6) : 141
4- الصحاح ، ج 3 ، ص 1010 (عرش)
5- تفسير البيضاوي ، ج 2 ، ص 458
6- التوبة (9) : 38

(و أطيب من ذلك) .

الظاهر أنّه إشارة إلى تفضيل المشبّه على المشبّه به. وكونه مبتدأ، وقوله : (لكلّ مؤمن ...) خبره بعيد .

وقوله : (و أربع نسوة من الآدميّين) .

قيل : لعلّ هذا أقلّ المراتب؛ لما رواه في الفقيه من «أنّ لكلّ مؤمن ألف نسوة من الآدميّين» (1).

وقيل : فيه دلالة على أنّ صنف النساء في الجنّة أكثر من صنف الرجال، وأنّه ينافي ما دلّ عليه بعض الأخبار من أنّ أكثر أهل النار النساء ، وردّ بأنّ المنافاة إنّما يتمّ لو ثبت أنّ عدد النساء مساوٍ لعدد الرجال، أو أنقص، وذلك ممنوع؛ لجواز أن يكون أزيد .

ولو سلّم، فنقول : أكثريّتهنّ في الجملة لا يستلزم أكثريتهنّ دائما؛ لجواز الخروج من النار بالشفاعة ونحوها، فيكون للمؤمن هذا العدد بعد الخروج لا ابتداءً (2).

وقوله : (لعلّ الجبّار لَحَظَني) .

لحظه: كمنعه . ولحظ إليه، إذا نظر إليه بمؤخّر عينيه . واللحاظ، بالفتح: مؤخّر العين .

ولعلّ المراد هنا التجلّي، وإفاضة الأنوار، فتقديس الخدّام إمّا لما يوهم ظاهرِ كلامه، أو لأنّهم لمّا سمعوا اسمه تعالى نزّهّوه، وهذا كما قال شخص: «يا اللّه »، فيقول آخر: «جلّ جلاله» .

أو يُقال: إنّه أراد نوعا من اللحظ المعنوي، الذي لا يناسب رفعة شأنه تعالى (3).

وقوله : (قدّوس قدّوس) خبر مبتدأ محذوف ؛ أي هو أو الجبّار قدّوس . والتكرير للمبالغة .

قال الفيروزآبادي : «القُدّوس: من أسماء اللّه تعالى ، ويفتح؛ أي الطاهر، أو المبارك، وكلّ فعّول مفتوح غير قدّوس وسبّوح وذرّوح وفرُّوج» (4).

ص: 156


1- لم نعثر عليه في الفقيه
2- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 22
3- احتمله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 239
4- القاموس المحيط ، ج 2 ، ص 239 (قدس)

وقوله : (من بياض ثَغرها) .

قال الجوهري : «الثّغر: ما تقدّم من الأسنان» (1) وقال الفيروزآبادي : «الثَّغر : الفم، أو الأسنان، أو مقدّمها، أو ما دامت في منابتها» (2).

وقوله : (يُرى مخّ ساقها من وراء سبعين حُلّةً) .

في القاموس: «المخّ، بالضمّ: نقيّ العظم والدماغ، وخالص كلّ شيء» (3) وفي كتاب الاحتجاج عن هشام بن الحكم أنّه سأل زنديق أبا عبداللّه عليه السلام عن مسائل، وكان فيما سأل : أخبرني عن الحوراء كيف تلبس سبعين حلّة، ويرى زوجها مخّ ساقها من وراء حللها وبدنها؟ فقال عليه السلام : «نعم، كما يرى أحدكم الدراهم إذا اُلقيت من ماء صاف قدره قيد رمح» (4).

وقوله : (جنّة عدن) إلى قوله : (جنّة المأوى) . في القاموس: «عَدَن بالبلد يَعدُن ويَعدِن عَدْنا وعُدُونا : أقام. ومنه: «جَنَّاتُ عَدْنٍ» » (5) انتهى .

وقيل : جنّة عدن: اسم لمدينة في الجنّة، وهي مسكن العلماء والشهداء وأئمّة العدل، والناس سواهم في جنّات حواليها (6).

وقال البيضاوي : «الفردوس: أعلى درجات الجنّة، وأصله البستان الذي يجمع الكرْم والنخل» (7).

وفي القاموس : «الفردوس: الأودية التي تنبت ضروبا من النبت ، والبستان، يجمع كلّ ما يكون في البساتين، يكون فيها الكروم . وقد يؤنّث ، عربيّة ، أو روميّة نُقِلت ، أو سريانيّة» (8).

وقال البيضاوي : «جنّة نعيم ؛ أي ذات تنعّم» (9) وقال : «جنّة المأوى: هي الجنّة التي يأوي إليها المتّقون وأرواح الشهداء» (10).

ص: 157


1- الصحاح ، ج 2 ، ص 605 (ثغر)
2- القاموس المحيط ، ج 1 ، ص 382 (ثغر)
3- القاموس المحيط ، ج 1 ، ص 269 (مخخ)
4- الاحتجاج ، ج 2 ، ص 351
5- القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 246 (عدن)
6- حكاه المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 23
7- تفسير البيضاوي ، ج 3 ، ص 526
8- القاموس المحيط ، ج 2 ، ص 236 (فردس)
9- تفسير البيضاوي ، ج 5 ، ص 294
10- تفسير البيضاوي ، ج 5 ، ص 255

وقيل : هي منزل مَن خاف المقام بين يدي الربّ (1).

وقوله تعالى : «دَعْوَاهُمْ فِيهَا» .

قيل : أي دعاؤهم في جنّات النعيم .

«سُبْحَانَكَ اللّهُمَّ» ؛ إنّا نسبّحك تسبيحا .

وعلى تفسيره عليه السلام الدَعْوى بمعنى الدعاء ؛ أي طلب ما يشتهون، لا بالمعنى الذي نقلناه عن البعض. فتأمّل .

«وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ» .

قيل : أي ما يُحيّئ بعضهم بعضا، أو تحيّة الملائكة إيّاهم (2).

وعلى ما فسّره عليه السلام بقوله : (يعني الخُدّام) يكون التحيّة مضافا إلى المفعول، ولعلّ المحذوف الخدّام؛ يعني تحيّة الخدّام إيّاهم ، فظهر فساد ما قاله بعض الشارحين من أنّ قوله عليه السلام «يعني الخدّام» إشارة إلى أنّ ضمير الجمع راجع إلى الخدّام؛ أي يحيّونهم بهذا القول (3).

«وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ» .

قال البيضاوي : أي آخر دعائهم .

«أَنِ الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ»(4) أي أن يقولوا ذلك .

و لعلّ المعنى : أنّهم إذا دخلوا الجنّة، وعاينوا عظمة اللّه وكبرياءه حمدوه ونعتوه بنعوت الجلال، ثمّ حيّاهم الملائكة بالسلامة عن الآفات ، والفوز بأصناف الكرامة .

أو اللّهَ تعالى ، فحمدوه ، وأثنوا عليه بصفات الإكرام.

و«أن» هي المخفّفة من الثقيلة ، وقد قرئ بها ونصب الألف. انتهى (5).

وقال أمين الدِّين الطبرسي : يقولون ذلك لا على وجه العبادة؛ لأنّه ليس هناك تكليف، بل يلتذّون بالتسبيح .

وقيل : إنّهم إذا مرّ بهم الطير في الهواء يشتهونه، قالوا: «سبحانك اللّهمّ»، فيأتيهم

ص: 158


1- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 24
2- اُنظر : مرآة العقول ، ج 25 ، ص 240
3- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 24
4- يونس (10) : 10
5- تفسير البيضاوي ، ج 1 ، ص 441

الطير، فيقع مشويّا بين أيديهم، وإذا قضوا منه الشهوة قالوا : «الحمد للّه ربّ العالمين» ، فيطير الطير حيّا كما كان، فيكون مفتتح كلامهم في كلّ شيء التسبيح، ومختتم كلامهم التحميد ، ويكون التسبيح في الجنّة بدل التسمية في الدنيا . عن ابن جريح.

«وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ» أي تحيّتهم من اللّه سبحانه في الجنّة سلام . وقيل : معناه: تحيّة بعضهم لبعض فيها، أو تحيّة الملائكة لهم فيها سلام، يقولون: سلامٌ عليكم؛ أي سلّمتم من الآفات والمكاره التي ابتلي بها أهل النار .

«وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» ؛ ليس المراد أنّ ذلك يكون آخر كلامهم حتّى لا يتكلّموا بعده بشيء ، بل المراد أنّهم يجعلون هذا آخر كلامهم في كلّ ما ذكروه . عن الحسن والجبائي (1).

وقوله تعالى : «أُوْلئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ» (2) . قال البيضاوي :

أي معلوم خصائصه من الدوام أو تمحّض اللّذّة، ولذلك فسّره بقوله : «فَوَاكِهُ» ؛ فإنّ الفاكهة ما يُقْصَد للتلذّذ لا للتغذّي، والقوت بالعكس . وأهل الجنّة لمّا اُعيدوا على خلقةٍ محكمةٍ محفوظة عن التحلّل، كانت أرزاقهم فواكه خالصة .

«وَهُمْ مُكْرَمُونَ» (3) في نيله يصِل إليهم بلا تعب وسؤال، كما عليه رزق الدُّنيا .

انتهى (4).

وأنت خبير ببُعد هذا التفسير، وتفسيره عليه السلام ألصق باللفظ وأظهر، كما لا يخفى .

متن الحديث السبعين

اشارة

الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْوَشَّاءِ، عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ:قِيلَ لأبِي جَعْفَرٍ عليه السلام وَأَنَا عِنْدَهُ: إِنَّ سَالِمَ بْنَ أَبِي حَفْصَةَ وَأَصْحَابَهُ يَرْوُونَ عَنْكَ أَنَّكَ تَكَلَّمُ عَلى سَبْعِينَ وَجْها لَكَ مِنْهَا الْمَخْرَجُ؟ فَقَالَ: «مَا يُرِيدُ سَالِمٌ مِنِّي؟ أَ يُرِيدُ أَنْ أَجِيءَ بِالْمَلَائِكَةِ، وَاللّهِ مَا جَاءَتْ بِهذَا النَّبِيُّونَ، وَلَقَدْ قَالَ

ص: 159


1- تفسير مجمع البيان ، ج 5 ، ص 160
2- .الصافّات (37) : 41
3- الصافّات (37) : 42
4- تفسير البيضاوي ، ج 5 ، ص 11

إِبْرَاهِيمُ عليه السلام : «إِنِّي سَقِيمٌ» (1) ، وَمَا كَانَ سَقِيما، وَمَا كَذَبَ، وَلَقَدْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ عليه السلام : «بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا» (2) وَمَا فَعَلَهُ، وَمَا كَذَبَ، وَلَقَدْ قَالَ يُوسُفُ عليه السلام : «أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ» (3) ، وَاللّهِ مَا كَانُوا سَارِقِينَ، وَمَا كَذَبَ».

شرح الحديث

السند ضعيف .

قوله : (سالم بن أبي حفصة) .

قال الكشّي : «إنّه زيدي بتريّ من رؤسائهم . وروى في ذمّه روايات» (4) . وقال العلّامة في حقّه : «لعنه الصادق عليه السلام ، وكذّبه ، وكفّره» (5).

وقوله : (يَروون عنك أنّك تكلّم على سبعين وجها) .

قيل : أي على وجه المصلحة والتقيّة (6) ولا يخفى بُعد هذا التوجيه وعدم انطباقه بقوله عليه السلام : (ما يريد سالم منّي . . .) ، والأقرب أن يُقال: إنّهم يقولون: إنّك تتكلّم بالكذب في مطلب واحد كثيرا، وكأنّ ذكر السبعين لبيان الكثرة، لا خصوص العدد .

وقوله : (أن أجيء بالملائكة) ليشهدوا أنّي لا أكذب .

(و اللّه ما جاءت بهذا النبيّون) ؛ لإثبات صدقهم، مع كثرة احتياجهم إلى ظهور الأمر ووفور المعجزات .

ثمّ استشهد عليه السلام لما توهّمه سالم وأصحابه من كون الكلام ذي الوجوه المختلفة كذبا، أو فيه شوب كذب، ولا يليق بالإمام ، بأنّ مثل هذا صدر عن النبيّين مرارا ، ومعلوم أنّه ليس بكذب، ولا قبح فيه ، بل قد يجب للضرورة والمصلحة ، كالتقيّة ، والتعريض ، وإصلاح ذات البين ، ونحوها .

فقال : (و لقد قال إبراهيم عليه السلام «إِنِّى سَقِيمٌ» ).

قال هذا، وأراد غير ما فهّموه منه؛ لمصلحة دعته إلى إيراد مثل هذا الكلام .

ص: 160


1- الصافّات (37) : 89
2- الأنبياء (21) : 63
3- يوسف (12) : 70
4- اُنظر : رجال الكشّي ، ص 233 - 245 ، ح 423 - 428
5- رجال العلّامة ، ص 227
6- قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 241

قال البيضاوي : أراهم أنّه استدلّ بالنجوم؛ لأنّهم كانوا منجّمين، على أنّه مشارف للسقم لئلّا يخرجوه إلى معبدهم؛ فإنّه كان أغلب أسقامهم الطاعون، وكانوا يخافون العَدْوي، أو أراد: أنّي سقيم القلب لكفركم، أو خارج المزاج عن الاعتدال خروجا، قلّ من يخلو منه، أو بصدد الموت . ومنه المثل : «كفى بالسلامة داءً» انتهى (1).

وقيل : كانت الحمّى تأخذه عند طلوع نجم معلوم، فلمّا رآه اعتذر بعادته . وقيل : عرّض بسقم حجّته عليهم، وضعّف ما أراد بيانه لهم من جهة النجوم التي كانوا يشتغلون بها، ويعتقدون أنّها تضرّ وتنفع (2).

وقيل : يحتمل أن يراد به سقم قلبه خوفا من أن لا تؤثّر حجّته في قلوبهم، وأن يراد به ما طرأ عليه بإرادة كسر آلهتهم من الخوف في مآل أمره (3).

والأصحّ ما روي عن أبي عبد اللّه عليه السلام أنّه أراد به انكسار قلبه وحزنه؛ لما رأى من ملاحظة النجوم ما يرد على الحسين عليه السلام (4).

(و ما كان سقيما) بما فهموه من كلامه .

(و ما كذب) ؛ لأنّه قصد التورية بذلك؛ لمصلحة دعته إليها، وهي أن يتخلّف عنهم ويخلو بأصنامهم، وفعل بها ما أراد .

وقوله : «بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا» .

قال البيضاوي : اُسند الفعل إليه تجوّزا؛ لأنّ غيظه لما رأى من زيادة تعظيمهم له سببٌ لمباشرته إيّاه، أو تقريرا لنفسه مع الاستهزاء، والتبكيت على اُسلوب تعريضي، كما لو قال : لك من لا يُحسِن الخطّ ، فيما كتبته بخطٍّ رشيق: «أ أنت كتبت [هذا]؟» فقلت : «بل كتبته [أنت]» . أو حكاية لما يلزم من مذهبهم جوازه .

وقيل : إنّه في المعنى متعلّق بقوله : «إنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ» (5) ، وما بينهما اعتراض ، أو

ص: 161


1- تفسير البيضاوي ، ج 5 ، ص 17 و 18
2- اُنظر : شرح المازندراني ، ج 12 ، ص 70
3- احتمله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 70
4- لم نعثر على الرواية في موضع . وانظر : شرح المازندراني ، ج 12 ، ص 70
5- الأنبياء (21) : 63

إلى ضمير «فتىً» أو «إبراهيم» . وقوله : «كَبِيُرهُمْ هذا» مبتدأ وخبر ، ولذلك وقف على فعله، وما روي أنّه عليه السلام قال لإبراهيم ثلاث كذبات تسمية للمعاريض كذبا؛ لما شابهت صورتها صورتَه (1).

(ولقد قال يوسف عليه السلام : «أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ» (2) ) .

قيل : هذا القول وإن كان من مناديه إلّا أنّه لمّا كان بأمره نسب إليه (3) .

وفي القاموس: «العير، بالكسر: القافلة، مؤنّثة» (4).

وقال البيضاوي : «العِير: القافلة، وهو اسم الإبل التي عليها الأحمال؛ لأنّها تَعِير، أي تتردّد. فقيل لأصحابها كقوله عليه السلام : يا خيل اللّه اركبي»(5).

(واللّه ما كانوا سارقين) ؛ يعني صُواع الملك، لا مطلقا .

(وما كذب) .

قال الشيخ الطبرسي : إنّما قال ذلك بعض من فقد الصاع من قوم يوسف من غير أمره، ولم يعلم بما أَمَر به يوسف عليه السلام من جعل الصاع في رحالهم . عن الجبائي .

وقيل : إنّ يوسف أمر المنادي أن ينادي به، ولم يرد سرقة الصاع، وإنّما عنى به: أنّكم سرقتم يوسف عن أبيه، وألقيتموه في الجبّ . عن أبي مسلم .

وقيل : إنّ الكلام يجوز أن يكون خارجا مخرج الاستفهام، كأنّه قال : أ إنّكم لسارقون؟ فاُسقطت الهمزة . انتهى (6).

وروى الصدوق رحمه الله في كتاب معاني الأخبار بإسناده عن صالح بن سعيد، عن رجل من أصحابنا، عن أبي عبد اللّه عليه السلام ، قال : قلت: قوله _ عزّ وجلّ _ في يوسف : «أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ» ؟

ص: 162


1- تفسير البيضاوي ، ج 4 ، ص 99
2- يوسف (12) : 70
3- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 26
4- القاموس المحيط ، ج 2 ، ص 98 (عير)
5- تفسير البيضاوي ، ج 3 ، ص 300. وفي حاشية النسخة : «قيل: يمكن أن يكون من باب التورية ، بأن يُراد بالسارق ضعيف العقل، أو الذي خفي عن البصر ، من سرقت مفاصله _ كفرح _ إذا ضعفت، أو من سرق الشيء _ كفرح _ إذا خفي . منه» . شرح المازندراني ، ج 12 ، ص 26
6- تفسير مجمع البيان ، ج 5 ، ص 434

قال : «إنّهم سرقوا يوسف من أبيه ؛ أ لا ترى أنّه قال لهم حين قالوا : «مَّاذَا تَفْقِدُونَ * قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ» ، ولم يقل: سرقتم صواع الملك، إنّما عنى: سرقتم يوسف من أبيه» (1).

متن الحديث الواحد و السبعين (حَدِيثُ أَبِي بَصِيرٍ مَعَ الْمَرْأَةِ)

اشارة

أَبَانٌ (2). ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ:

كُنْتُ جَالِسا عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللّهِ عليه السلام إِذْ دَخَلَتْ عَلَيْنَا أُمُّ خَالِدٍ، الَّتِي كَانَ (3) قَطَعَهَا يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ تَسْتَأْذِنُ عَلَيْهِ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللّهِ عليه السلام : «أَ يَسُرُّكَ أَنْ تَسْمَعَ كَلَامَهَا؟»

قَالَ: فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَذِنَ لَهَا.

قَالَ: وَأَجْلَسَنِي مَعَهُ عَلَى الطِّنْفِسَةِ. قَالَ: ثُمَّ دَخَلَتْ، فَتَكَلَّمَتْ، فَإِذَا امْرَأَةٌ بَلِيغَةٌ، فَسَأَلَتْهُ عَنْهُمَا، فَقَالَ لَهَا: «تَوَلَّيْهِمَا»؟ (4) قَالَتْ: فَأَقُولُ لِرَبِّي إِذَا لَقِيتُهُ: إِنَّكَ أَمَرْتَنِي بِوَلَايَتِهِمَا؟ قَالَ: «نَعَمْ».

قَالَتْ: فَإِنَّ هذَا الَّذِي مَعَكَ عَلَى الطِّنْفِسَةِ يَأْمُرُنِي بِالْبَرَاءَةِ مِنْهُمَا، وَكَثِيرٌ النَّوَاءُ يَأْمُرُنِي بِوَلَايَتِهِمَا، فَأَيُّهُمَا خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَيْكَ؟

قَالَ: «هذَا وَاللّهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَثِيرٍ النَّوَاءِ وَأَصْحَابِهِ، إِنَّ هذَا يُخَاصِمُ (5) ، فَيَقُولُ: «وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ» (6) ، «وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ» (7). ، «وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ» (8) ».

شرح الحديث

السند ضعيف؛ فإنّه الإسناد السابق بعينه .

قوله : (قطعها) أي قطع يدها (9).

(يوسف بن عمر) .

ص: 163


1- معاني الأخبار ، ص 209 ، ح 1 . وعنه في بحار الأنوار ، ج 11 ، ص 76 ، ح 4
2- السند معلّق على سابقه ، ويروي عن أبان ، الحسين بن محمّد الأشعري عن المعلّى عن الوشّاء
3- في الحاشية عن بعض النسخ: «كانت»
4- في الحاشية عن بعض النسخ: «تولّهما»
5- في الطبعة القديمة وبعض نسخ الكافي : «تخاصم»
6- المائدة (5) : 44
7- المائدة (5) : 45
8- المائدة (5) : 47
9- قال المحقّق الفيض رحمه الله في الوافي ، ج 2 ، ص 202 : «كأنّه اُريد به أنّه اصطفاها من الغنيمة»

قيل: كان والي العراق بعد الحجّاج في زمن دولة بني مروان ، وهو الذي قاتل زيد بن عليّ عليهماالسلام (1).

وقوله : (و أجلَسَني معه على الطِّنفسة) .

الضمير المستتر والبارز لأبي عبد اللّه عليه السلام ، وكأنّه عليه السلام فعل ذلك؛ ليظهر للمرأة مكان أبي بصير ومنزلته عنده عليه السلام ، وتعتمد بقوله .

قال الفيروزآبادي : «الطنفسة، مثلّثة الطاء والفاء، وبكسر الطاء وفتح الفاء، وبالعكس: واحدة الطنافس للبسط والثياب، والحصير من سعف عرضه ذراع» (2).

وقوله : (فسألته عنهما) أي الأوّل والثاني.

وقوله : (تولَّيهما) على صيغة المفرد المؤنّث عن الأمر . يُقال : تولّاه، إذا اتّخذه وليّا، وأحبّه ، وكأنّه عليه السلام اتّقى منها .

وقوله : (و كثير النواء) .

قال الكشّي : «إنّه بتري»(3) وقال البرقي : «عامّي» (4) وروى الكشّي بإسناده عن أبي بكر الحضرمي، قال : قال أبو عبد اللّه عليه السلام : «اللّهمّ إنّي إليك من كثير النواء بريء في الدنيا والآخرة» (5).

وروى بإسناده عن سدير، قال : دخلت على أبي جعفر عليه السلام ، ومعي سلمة بن كهيل، وأبو المقدام ثابت الحدّاد ، وسالم بن أبي حفصة ، وكثير النواء . وجماعة معهم ، وعند أبي جعفر عليه السلام أخوه زيد بن عليّ، فقالوا لأبي جعفر عليه السلام : نتولّى عليّا وحسنا وحسينا، ونتبرّأ من أعدائهم ؟ قال : «نعم» ، قالوا : نتولّى الأوّل والثاني، ونتبرّأ من أعدائهما؟

قال : فالتفت إليهم زيد بن عليّ، وقال لهم : أتبرّؤون من فاطمة، بتّرتم أمرنا بتّركم اللّه ، فيومئذٍ سمّوا البتريّة (6).

ص: 164


1- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 26
2- القاموس المحيط ، ج 2 ، ص 227 (طنفس)
3- رجال الكشّي ، ص 233
4- رجال البرقي ، ص 42
5- رجال الكشّي ، ص 241 ، ح 440
6- رجال الكشّي ، ص 236 ، ح 429 . وعنه في بحار الأنوار ، ج 69 ، ص 178 ، ح 1

وقوله : (هذا واللّه أحبُّ إليّ ...) . أمرها عليه السلام أوّلاً بولايتهما تقيّة، ثمّ لمّا بالغت في السؤال أثبت لعنهما، وجواب التبرّي منهما كناية بأن لم يتعرّض بقول كثير النواء ، بل قال أبو بصير: أحبّ إليّ منه، ثمّ بيّن وجه كونه أحبَّ ووجوب الأخذ بقوله ، فقال : (إنّ هذا يخاصم) إلى آخره .

قال بعض الأفاضل : يعني أنّ أبا بصير يقول : إنّ كثير النواء يفتي، ويحكم بين الناس بغير الحقّ، ويثبت بالآيات المذكورة كفره وظلمه وفسقه ، فأشار عليه السلام في كلامه هذا ضمنا إلى كفر الملعونين ، ووجوب البراءة منهما بوجهين : الأوّل : أنّ محبوبيّة أبي بصير يستلزم صدقه في أمره بالبراءة منهما .

والثاني : أنّ العلّة التي بها أثبت كفر كثير النواء مشترك بينه وبينهما، فبها أيضا ثبت كفرهما وظلمهما وفسقهما. وهذا نوع من معاريض الكلام التي أشار أبو جعفر عليه السلام إليها في الخبر السابق .

قال : ويحتمل أن يكون مراده عليه السلام أنّ قول هذا أحبّ إليّ؛ لأنّه يستدلّ على كفر الأوّل والثاني بهذه الآيات، ويخاصم في ذلك كثير النواء، ويغلب عليه، ويخصمه، لكنّه عليه السلام أدّى ذلك بعبارة يكون له منها المخرج بالحمل على المعنى الأوّل عند الضرورة .

وقال الفاضل الإسترآبادي : معناه أنّ أبا بصير يخاصم علماء العامّة من جهتنا بهذه الآيات الشريفة ، وملخّص خصومته أنّ هذه الآيات صريحة في أنّ من أفتى في واقعة بغير ما أنزل اللّه فيها كافر ظالم فاسق ، فعلم من ذلك أنّ للّه تعالى في الأرض دائما رجلاً عالما بما أنزل اللّه في كلّ واقعة . ومن المعلوم أنّ أرباب الاجتهادات الظنّيّة غير عالمين بما أنزل اللّه في كلّ واقعة ، ومن ثمّ تقع بينهم الاختلافات في الفتاوى والأحكام، فتعيّن أن يكون في الأرض دائما رجل لم يكن حكمه من باب الاجتهاد، بل يكون من باب الوحي في كلّ واقعة، وباتّفاق الخصمين غير الأئمّة الاثني عشر _ صلوات اللّه عليهم _ لم يعلم ما أنزله اللّه في كلّ واقعة، فتعيّن أن يكونوا منصوبين من عنده تعالى لأجل الإفتاء والحكم والحدود وغير ذلك (1).

ص: 165


1- القائل هو العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 244 و 245

متن الحديث الثاني والسبعين

اشارة

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبَانٍ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْوَابِشِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام ، قَالَ:قُلْتُ لَهُ: إِنَّ لَنَا جَارا يَنْتَهِكُ الْمَحَارِمَ كُلَّهَا حَتّى إِنَّهُ لَيَتْرُكُ الصَّلَاةَ فَضْلاً عَنْ غَيْرِهَا؟ فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللّهِ _ وَأَعْظَمَ ذلِكَ _ أَ لَا أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْهُ؟» قُلْتُ: بَلى، قَالَ: «النَّاصِبُ لَنَا شَرٌّ مِنْهُ؛ أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يُذْكَرُ عِنْدَهُ أَهْلُ الْبَيْتِ، فَيَرِقُّ لِذِكْرِنَا إِلَا مَسَحَتِ الْمَلَائِكَةُ ظَهْرَهُ، وَغُفِرَ لَهُ ذُنُوبُهُ كُلُّهَا إِلَا أَنْ يَجِيءَ بِذَنْبٍ يُخْرِجُهُ مِنَ الْاءِيمَانِ، وَإِنَّ الشَّفَاعَةَ لَمَقْبُولَةٌ، وَمَا تُقُبِّلَ فِي نَاصِبٍ، وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيَشْفَعُ لِجَارِهِ وَمَا لَهُ حَسَنَةٌ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، جَارِي كَانَ يَكُفُّ عَنِّي الْأَذى، فَيُشَفَّعُ فِيهِ، فَيَقُولُ اللّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالى: أَنَا رَبُّكَ، وَأَنَا أَحَقُّ مَنْ كَافى عَنْكَ، فَيُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ وَمَا لَهُ مِنْ حَسَنَةٍ، وَإِنَّ أَدْنَى الْمُؤْمِنِينَ (1) شَفَاعَةً لَيَشْفَعُ لِثَلَاثِينَ إِنْسَانا، فَعِنْدَ ذلِكَ يَقُولُ أَهْلُ النَّارِ: «فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ» (2). ».

شرح الحديث

السند مجهول .

قوله : (ينتهك) .

قال الجوهري : «انتهاك الحرمة: تناولها بما لا يحلّ» (3).

وقوله : (سبحان اللّه ) .

«سبحان» اسم التسبيح الذي هو التنزيه، وانتصابه بفعل مقدّر . وقد يُقال : «سبحان اللّه » في موضع التعجّب .

وقوله : (وأعظم ذلك) على صيغة الماضي .

يُقال : أعظمه وعظّمه، إذا فخّمه ؛ يعني أنّه عليه السلام عدَّ فعل هذا الرجل عظيما شنيعا، وتعجّب منه.

وحمله على اسم التفضيل بجعله مبتدأ ، وقوله : (ألا أخبركم ...) قائما مقام خبره بعيد .

ص: 166


1- في الحاشية عن بعض النسخ: «المؤمن»
2- الشعراء (26) : 100 و 101
3- الصحاح ، ج 4 ، ص 1613 (نهك)

وقوله : (فيرقّ لذكرنا) أي يرقّ قلبه، من الرقّة ضدّ الغلظة . أو بمعنى الرحمة، أو الاستحياء، وفعل الكلّ كضرب .

وقوله : (لَيَشفع) كيمنع .

وقوله : (فيُشفّع فيه) على بناء المجهول من باب التفعيل . يُقال : شفّعته فيه تشفيعا ؛ أي قبلت شفاعته فيه .

وقوله : (ما له حسنة) ؛ يعني من الأعمال الصالحة سوى العقائد الصحيحة . وفيه دلالة على قبول شفاعة المؤمنين بعضهم لبعض، كغيره من الأخبار .

وقوله : ( «فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ» ).

قال الفيروزآبادي : «الصديق، كأمير: الحبيب، للواحد والجمع والمؤنّث، وهي بهاء. الجمع: أصدقاء وصُدقاء وصُدقان» (1).

وقال : «الحميم، كأمير: القريب» (2).

وقال البيضاوي في تفسير قوله تعالى : «وَمَا أَضَلَّنَا إِلَا الْمُجْرِمُونَ * فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ» (3) :

يعني من الملائكة والأنبياء، «وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ» ؛ إذ الأخلّاء يومئذٍ بعضهم لبعضٍ عدوّ إلّا المتّقين ؛ أي فما لنا من شافعين ، ولا صديق ممّن نعدُّهم شفعاء وأصدقاء .

أو وقعنا في مهلكة لا يخلّصنا منها شافع ولا صديق ممّن نعدّهم شفعاء وأصدقاء.

وجمع الشافع، ووحدة الصديق؛ لكثرة الشفعاء في العادة وقلّة الصديق ، أو لأنّ الصديق الواحد يسعى أكثر ممّا يسعى الشفعاء ، أو لإطلاق الصديق على الجمع كالعدوّ؛ لأنّه في الأصل مصدر ، كالحنين والصهيل (4).

متن الحديث الثالث والسبعين

اشارة

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ بَزِيعٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ أَبِي هَارُونَ، (5). عَنْ أَبِي عَبْدِ اللّهِ عليه السلام ، قَالَ:

ص: 167


1- القاموس المحيط ، ج 3 ، ص 252 (صدق)
2- القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 100 (حمم)
3- الشعراء (26) : 99 و 100
4- تفسير البيضاوي ، ج 4 ، ص 245
5- في الحاشية: «كأنّه مكفوف الضعيف. منه». وانظر : رجال الكشّي ، ص 222

قَالَ لِنَفَرٍ عِنْدَهُ وَأَنَا حَاضِرٌ: «مَا لَكُمْ تَسْتَخِفُّونَ بِنَا؟» قَالَ: فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ خُرَاسَانَ، فَقَالَ: مَعَاذٌ لِوَجْهِ اللّهِ أَنْ نَسْتَخِفَّ بِكَ، أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِكَ، فَقَالَ: «بَلى إِنَّكَ أَحَدُ مَنِ اسْتَخَفَّ بِي» فَقَالَ: مَعَاذٌ لِوَجْهِ اللّهِ أَنْ أَسْتَخِفَّ (1) بِكَ! فَقَالَ لَهُ: «وَيْحَكَ، أَ وَلَمْ تَسْمَعْ فُلَانا، وَنَحْنُ بِقُرْبِ الْجُحْفَةِ، وَهُوَ يَقُولُ لَكَ: احْمِلْنِي قَدْرَ مِيلٍ، فَقَدْ وَاللّهِ أَعْيَيْتُ، وَاللّهِ مَا رَفَعْتَ بِهِ رَأْسا، وَلَقَدِ اسْتَخْفَفْتَ بِهِ، وَمَنِ اسْتَخَفَّ بِمُؤْمِنٍ فِينَا اسْتَخَفَّ، وَضَيَّعَ حُرْمَةَ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ».

شرح الحديث

السند ضعيف .

قوله : (معاذ لوجه اللّه ) .

قال الفيروزآبادي : «معاذ اللّه ، أي أعوذ باللّه معاذا» (2).

وقال بعض الأفاضل : المَعاذ _ بفتح الميم _ مصدر بمعنى التعوّذ والالتجاء؛ أي أمرنا وشأننا تعوّذ باللّه من هذا ، فاللام بمعنى الباء .

ويحتمل أن يكون في الكلام تقدير؛ أي نتعوّذ باللّه خالصا لوجهه من أن نستخفّ بك (3).

وقيل : «معاذ» في أكثر النسخ مرفوع، واللام بمعنى «إلى» . وفي بعضها منصوب، واللام بمعنى الباء . والمراد بالوجه الذات (4).

وقوله : (ما رفعتَ به رأسا) ؛ الظاهر أنّ الباء بمعنى «إلى»، وكونها للتعليل احتمال .

وهذا الكلام كناية عن عدم المبالاة به، وعدم الالتفات بقوله .

وقوله : (فينا استخفّ) .

قال الفاضل الإسترآبادي : لا يُقال: يلزم من ذلك أن يستخفّ باللّه ، فيلزم الكفر؛ لأنّا نقول : المراد بالاستخفاف

ص: 168


1- في الحاشية عن بعض النسخ: «أن نستخفّ»
2- القاموس المحيط ، ج 1 ، ص 356 (عوذ)
3- قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 246
4- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 28

أن لا يعدّه عظيما، كما يعدّ شرب الخمر ، والمتّقي هو الذي يعدّ الكلّ عظيما؛ لأنّ حاكم الكلّ هو اللّه (1).

متن الحديث الرابع والسبعين

اشارة

الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْوَشَّاءِ، عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللّهِ، قَالَ:

قُلْتُ لأبِي عَبْدِ اللّهِ عليه السلام : إِنَّ اللّهَ _ عَزَّ وَجَلَّ _ مَنَّ عَلَيْنَا بِأَنْ عَرَّفَنَا تَوْحِيدَهُ، ثُمَّ مَنَّ عَلَيْنَا بِأَنْ أَقْرَرْنَا بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه و آله بِالرِّسَالَةِ، ثُمَّ اخْتَصَّنَا بِحُبِّكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ، نَتَوَلَاكُمْ ، وَنَتَبَرَّأُ مِنْ عَدُوِّكُمْ، وَإِنَّمَا نُرِيدُ (2) بِذلِكَ خَلَاصَ أَنْفُسِنَا مِنَ النَّارِ.

قَالَ: وَرَقَقْتُ، فَبَكَيْتُ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللّهِ عليه السلام : «سَلْنِي، فَوَ اللّهِ لَا تَسْأَلُنِي عَنْ شَيْءٍ إِلَا أَخْبَرْتُكَ بِهِ»، قَالَ: فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَعْيَنَ: مَا سَمِعْتُهُ قَالَهَا لِمَخْلُوقٍ قَبْلَكَ .

قَالَ: قُلْتُ: خَبِّرْنِي عَنِ الرَّجُلَيْنِ.

قَالَ: (3) «ظَلَمَانَا حَقَّنَا فِي كِتَابِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَنَعَا فَاطِمَةَ عليهاالسلاممِيرَاثَهَا مِنْ أَبِيهَا، وَجَرى ظُلْمُهُمَا إِلَى الْيَوْمِ _ قَالَ: وَأَشَارَ إِلى خَلْفِهِ _ وَنَبَذَا كِتَابَ اللّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمَا».

شرح الحديث

شرحالسند ضعيف .

قوله : (إلاّ أخبرتك به) .

قيل : أي لا أتّقيك لعلمي بإخلاصك وصدقك (4).

وقيل : فيه إشارة إلى كمال علمه عليه السلام وتكرّمه لعبد الرحمن (5).

(قال : فقال له عبد الملك بن أعين) أي قال أبان: قال عبد الملك لعبد الرحمان عند روايته هذا الحديث ، وبلوغه إلى هذا الموضع من الكلام .

ص: 169


1- حكاه عنه المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 28 و 29
2- في الحاشية عن بعض النسخ: «يريد اللّه »
3- في الحاشية عن بعض النسخ: «فقال»
4- قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 247
5- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 29

(ما سمعتُهُ) أي الصادق عليه السلام .

(قالها) أي هذه المقالة، أو الكلمة .

(لمخلوق قبلك) ؛ وإنّما خصّك به تشريفا وإكراما .

وقوله : (وأشار إلى خلفه ...) أي أشار عليه السلام بيده إلى خلفه؛ لبيان كيفيّة النبذ والطرح وراء ظهورهما .

قال الجوهري : «نَبَذَ يَنْبِذُ، أي ألقاه من يده . ونبّذ مبالغة»(1). وهو كناية عن إعراضهما عن كتاب اللّه ، وعدم العمل بمقتضاه .

متن الحديث الخامس والسبعين

اشارة

وَبِهذَا الْاءِسْنَادِ، عَنْ أَبَانٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ بَشِيرٍ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الْكُمَيْتِ بْنِ زَيْدٍ الْأَسَدِيِّ، قَالَ:دَخَلْتُ عَلى أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام ، فَقَالَ: «وَاللّهِ يَا كُمَيْتُ، لَوْ كَانَ عِنْدَنَا مَالٌ لَأَعْطَيْنَاكَ مِنْهُ، وَلكِنْ لَكَ مَا قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ: لَنْ يَزَالَ مَعَكَ رُوحُ الْقُدُسِ مَا ذَبَبْتَ عَنَّا».

قَالَ: قُلْتُ: خَبِّرْنِي عَنِ الرَّجُلَيْنِ، قَالَ: فَأَخَذَ الْوِسَادَةَ، فَكَسَرَهَا فِي صَدْرِهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَاللّهِ يَا كُمَيْتُ، مَا أُهَرِيقَ مِحْجَمَةٌ مِنْ دَمٍ، وَلَا أُخِذَ مَالٌ مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ، وَلَا قُلِبَ حَجَرٌ عَنْ حَجَرٍ إِلَا ذَاكَ فِي أَعْنَاقِهِمَا».

شرح الحديث

السند ضعيف .

قوله : (معك روح القدس) ؛ يدلّ على نفث روح القدس أحيانا في روع غير المعصوم أيضا .

(ما ذَبَبْتَ عنّا) .

يُقال : ذبَّ عنه، إذا منع ودفع .

وفي بعض النسخ: «زبّيت» بالزاي . قال الفيروزآبادي : «زَباه يَزبيه: حمله، وساقه، كزبّاه» (2).

ص: 170


1- الصحاح ، ج 2 ، ص 571 (نبذ) مع اختلاف
2- القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 338 (زبي)

وحاصل المعنى على النسختين: ما دمتَ دفعتَ وأبعدت ومنعت عنّا بمدحك لنا وإظهار فضائلنا استخفافَ الجاهدين وإنكار الجاهلين .

وقيل : كان كميت شاعرا فصيحا مادحا للأئمّة عليهم السلام ، كما كان حسّان مدّاحا للنبيّ صلى الله عليه و آله ، وهو حسّان بن ثابت بن المنذر بن عمرو بن النجّار الأنصاري ، وقد كان نفرٌ من قريش يهجون النبيّ صلى الله عليه و آله ، وكان حسّان يدفعهم، ويردّ عليهم، فتركوا هجوه خوفا منه (1).

والمراد بروح القدس جبرئيل عليه السلام ، أو خلق آخر غير الملائكة والبشر، كما مرَّ في الاُصول .

ولعلّ المراد بكونه معه الإلهام والإمداد والتسديد . وقيل في التقييد بقوله : «ما ذببت»: إشعار برجوع حسّان عن ذلك، كما نقل عنه (2).

والوِسادة، بالكسر: المخدّة .

وقال الفيروزآبادي : «المِحجم والمحجَمة، بكسرهما: ما يُحجم به» (3). والمراد هنا مقدار ما يملؤها من الدم، وهو كناية عن كلّ قليل أو كثير منه اُهريق بغير الحقّ.

وتقليب الحجر عن الحجر كناية عن وضع الأشياء في غير مواضعها، وإزالة الحقّ عن مركزه، وتغيير الأحكام الشرعيّة، وإحداث الاُمور المبتدعة .

والحاصل : أنّ وزر جميع الناس إلى آخر الدهر عائد إليهما؛ لأنّهما سببان لها، ولولاهما لارتفع الجور، وشاع العدل .

متن الحديث السادس والسبعين

اشاره

وَبِهذَا الْاءِسْنَادِ، عَنْ أَبَانٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللّهِ، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ الْمَكِّيِّ، قَالَ:سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ عليه السلام يَقُولُ: «إِنَّ عُمَرَ لَقِيَ عَلِيّا عليه السلام ، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ الَّذِي تَقْرَأُ هذِهِ الْايَةَ: «بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ» (4). وَتُعَرِّضُ بِي وَبِصَاحِبِي؟» قَالَ (5). : «فَقَالَ لَهُ (6). : أَ فَلَا أُخْبِرُكَ بِآيَةٍ نَزَلَتْ فِي بَنِي أُمَيَّةَ: «فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي

ص: 171


1- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 29 و 30
2- قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 248
3- القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 93 (حجم)
4- القلم (68) : 6
5- .في الطبعة الجديدة وجميع النسخ التي قوبلت فيها : _ «قال»
6- .في الطبعة الجديدة ومعظم النسخ التي قوبلت فيها : _ «له»

الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ» (1) ؟ فَقَالَ: كَذَبْتَ، بَنُو أُمَيَّةَ أَوْصَلُ لِلرَّحِمِ مِنْكَ، وَلكِنَّكَ أَبَيْتَ إِلَا عَدَاوَةً لِبَنِي تَيْمٍ وَبَنِي عَدِيٍّ وَبَنِي أُمَيَّةَ».

شرح الحديث

السند ضعيف .

قوله تعالى : «بِأَيِّيكُمْ الْمَفْتُونُ» .

قيل : أي أيّكم الذي فُتِنَ بالسفاهة والجهالة وإنكار الحقّ ؟ (2).

وقال البيضاوي : أيّكم الذي فتن بالجنون . والباء زائدة . أو بأيّكم الجنون، على أنّ «المفتون» مصدر كالمعقول والمجلود . أو بأيّ الفريقين منكم المجنون، أبفريق المؤمنين، أم بفريق الكافرين ؟ أي في أيّهما يوجد مَن يستحقّ هذا الاسم ؟ (3)

(تُعرّضُ بي وبصاحبي) ؛ يعني الثاني .

قال الجوهري : «عرّض: ضدّ صرّح . عرّض له وبه، ومنه المعاريض في الكلام، وهو التورية بالشيء عن الشيء» (4).

وقال بعض الأفاضل : تعريضه عليه السلام بهما لنزول الآية فيهما، حيث نسبا إلى النبيّ صلى الله عليه و آله الجنون حين قال صلى الله عليه و آله في أمير المؤمنين عليه السلام ما قال ، كما روي عن أبي أيّوب الأنصاري، قال : لمّا أخذ النبيّ صلى الله عليه و آله بيد عليّ عليه السلام ، فرفعها، وقال : «مَن كنت مولاه، فعليٌّ مولاه» ، قال الناس : إنّما افتتن بابن عمّه، ونزلت الآية : «فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيِّيكُمْ الْمَفْتُونُ» (5) .

وروى أمين الدِّين الطبرسي عن أبي القاسم الحسكاني، بإسناده عن الضحّاك بن مزاحم، قال : لمّا رأت قريش تقديم النبيّ صلى الله عليه و آله عليّا عليه السلام ، وإعظامه له، نالوا من عليّ، وقالوا : قد افتتن به محمّد، فأنزل اللّه تعالى : «ن * وَالْقَلَمِ * وَمَا يَسْطُرُونَ» إلى

ص: 172


1- محمّد (47) : 22
2- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 30
3- تفسير البيضاوي ، ج 5 ، ص 369
4- الصحاح ، ج 3 ، ص 1087 (عرض)
5- القلم (68) : 5 و 6

قوله: «بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ» (1). ، وهم النفر الذين قالوا ما قالوا (2).

ويحتمل أن يكون التعريض بأنّه عليه السلام كان يقرأ هذا عليهم؛ لبيان نظير مورد الآية؛ أي سيعلمون بعد موتهم أنّهم المجانين، حيث فعلوا ما يستحقّون به العذاب الأبدي، أم أنا ؟! (3).

وقوله : (نزلت في بني اُميّة) أي في ذمّهم وسوء صنيعهم .

«فَهَلْ عَسَيْتُمْ» .

قال البيضاوي : أي فهل يتوقّع منكم . «إِنْ تَوَلَّيْتُمْ» اُمور الناس، وتأمّرتم عليهم، أو أعرضتم وتولّيتم عن الإسلام .

«أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ» تناحرا على الولاية، وتجاذبا لها. أو رجوعا إلى ما كنتم عليه في الجاهليّة من التغاور، ومقاتلة الأقارب .

والمعنى أنّهم لضعفهم في الدِّين، وحرصهم على الدُّنيا أحِقِّاء بأن يتوقّع ذلك منهم من عرف حالهم، ويقول لهم: «هل عسيتم»، وهذا على لغة أهل الحجاز؛ فإنّ بني تميم لا يلحقون الضمير به ، وخبره «أن تفسدوا» . و«إن تولّيتم» اعتراض (4).

وقوله : (كذبت) .

كان تكذيبه باعتبار أنّه عليه السلام قتل جماعة من أقاربه في الجهاد امتثالاً لأمر اللّه وإعلاء لكلمته .

متن الحديث السابع والسبعين

اشاره

وَبِهذَا الْاءِسْنَادِ، عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنِ الْحَارِثِ النَّصْرِيِّ، قَالَ:

سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ عليه السلام عَنْ قَوْلِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ: «الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللّهِ كُفْرا» (5) ؟ قَالَ: «مَا تَقُولُونَ فِي ذلِكَ؟» قُلْتُ: نَقُولُ: (6) هُمُ (7) الْأَفْجَرَانِ مِنْ قُرَيْشٍ: بَنُو أُمَيَّةَ، وَبَنُو الْمُغِيرَةِ.

ص: 173


1- القلم (68) : 1 - 7
2- تفسير مجمع البيان ، ج 10 ، ص 333
3- قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 249 و 250
4- تفسير البيضاوي ، ج 5 ، ص 194
5- إبراهيم (14) : 28
6- في الحاشية عن بعض النسخ: «يقولون»
7- في الحاشية عن بعض النسخ: «هما»

قَالَ: ثُمَّ قَالَ: «هِيَ وَاللّهِ قُرَيْشٌ قَاطِبَةً؛ إِنَّ اللّهَ _ تَبَارَكَ وَتَعَالى _ خَاطَبَ نَبِيَّهُ صلى الله عليه و آله ، فَقَالَ: إِنِّي فَضَّلْتُ قُرَيْشا عَلَى الْعَرَبِ، وَأَتْمَمْتُ عَلَيْهِمْ نِعْمَتِي، وَبَعَثْتُ إِلَيْهِمْ رَسُولِي، فَبَدَّلُوا نِعْمَتِي كُفْرا، وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ».

شرح الحديث

السند ضعيف .

قال اللّه عزّ وجلّ : «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللّهِ كُفْرا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ» (1) .

قال البيضاوي : أي بدّلوا شكر نعمته كفرا، بأن وضعوه مكانه، أو بدّلوا نفس النعمة كفرا؛ فإنّهم لمّا كفروها سُلبت منهم، فصاروا تاركين لها ، محصّلين للكفر بدلها .

ثمّ قال : وعن عمر وعليّ : هم الأفجران من قريش: بنو المغيرة، وبنو اُميّة . وأمّا بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر ، وأمّا بنو اُميّة فمتّعوا إلى حين. «وأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ» الذين شايعوهم في الكفر. «دَارَ الْبَوَار» : دار الهلاك، بحملهم على الكفر . انتهى (2).

وروى عليّ بن إبراهيم بإسناده عن عثمان بن عيسى ، عن أبي عبداللّه ، قال : سألته عن قول اللّه عزّ وجلّ : «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللّهِ كُفْرا» ، قال : «نزلت في الأفجرين من قريش : من بني اُميّة، وبني المغيرة ؛ فأمّا بنو المغيرة، فقطع اللّه دابرهم ، وأمّا بنو اُميّة فمتّعوا إلى حين» (3).

وقيل : يمكن الجمع بين هذا الخبر وخبر الكتاب بحمل هذا الخبر أنّها نزلت ابتداءً فيهما، ثمّ خرجت في غيرهما ممّن فعل مثل فعالهما .

أو أنّهما العمدة في ذلك ، فلا ينافي دخول غيرهم أيضا فيها .

وبنو المغيرة هم أولاد المغيرة بن عبداللّه بن عمر بن مخزوم القرشي، وقد آذوا رسول

ص: 174


1- إبراهيم (14) : 28 و 29
2- تفسير البيضاوي ، ج 3 ، ص 348
3- تفسير القمّي ، ج 1 ، ص 371 . وعنه في بحار الأنوار ، ج 9 ، ص 218 ، ح 98

اللّه صلى الله عليه و آله كثيرا، لكن أكثرهم قتلوا واُسِروا يوم بدر، ومن بقي منهم أكثروا في إيذائه صلى الله عليه و آله وأهل بيته عليهم السلام كخالد بن الوليد ، وممّن قتل منهم في بدر: أبو جهل، عمرو بن هشام بن المغيرة، والعاص بن هاشم بن المغيرة _ خال عُمَر _ وأبو قيس بن الوليد _ أخو خالد _ وأبو قيس بن الفاكهة بن المغيرة، ومسعود بن أبي اُميّة بن المغيرة .

وممّن اُسِر منهم في غزوة بدر: خالد بن هشام بن المغيرة، واُميّة بن أبي حذيفة بن المغيرة، والوليد بن المغيرة (1).

وبما قرّرنا ظهر فساد ما قيل من أنّ الظاهر أنّ المراد بالأفجرين في هذا الخبر الأوّل والثاني ، وأنّ قوله : (بنو اُميّة وبنو المغيرة) خبر بعد خبر، بلا عاطف. وكونه بدلاً بعيد . انتهى (2).

وقوله عليه السلام : (قريش قاطبة) أي جميعا .

قال الجوهري : «تقول: جاء القوم قاطبةً، أي جميعا ، وهو اسم يدلّ على العموم» (3).

وقال الفيروزآبادي : «لا يستعمل إلّا حالاً»(4).

والمراد بقريش من بقي منهم على الكفر» .

وقوله : (فبدّلوا نعمتي كفرا) ؛ يفهم من بعض الأخبار أنّ النعمة هنا أعمّ من الرسالة، بحيث يشمل الولاية .

متن الحديث الثامن والسبعين

اشاره

وَبِهذَا الْاءِسْنَادِ، عَنْ أَبَانٍ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَأَبِي عَبْدِ اللّهِ عليهماالسلام أَنَّهُمَا قَالَا:«إِنَّ النَّاسَ لَمَّا كَذَّبُوا بِرَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه و آله ، هَمَّ اللّهُ _ تَبَارَكَ وَتَعَالى _ بِهَلَاكِ أَهْلِ الْأَرْضِ إِلَا عَلِيّا، فَمَا سِوَاهُ بِقَوْلِهِ: «فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ» (5) ، ثُمَّ بَدَا لَهُ، فَرَحِمَ الْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ قَالَ لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه و آله : «وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ» (6) ».

ص: 175


1- قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 251 و 252
2- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 31
3- الصحاح ، ج 1 ، ص 204 (قطب)
4- القاموس المحيط ، ج 1 ، ص 118 (قطب)
5- الذاريات (51) : 54
6- الذاريات (51) : 55

شرح الحديث

السند ضعيف .

قوله : (كذّبوا برسول اللّه ) .

في القاموس: «كذّب بالأمر تكذيبا وكذّابا: أنكره . وفلانا: جعله كاذبا» (1) . فالباء على الأوّل للصلة ، والمراد تكذيبهم بما جاء به ، وعلى الثاني زائدة .

(همّ اللّه ) أي أراد إرادة قابلة للبداء .

(بهلاك أهل الأرض) ؛ ظاهره الإطلاق، ويحتمل التخصيص بمن بلغ إليه دعوته صلى الله عليه و آله .

(إلّا عليّا فما سواه) من أهل البيت عليهم السلام والمؤمنين من الصحابة .

فقوله : «ما سواه» من جملة المستثنى، واحتمال كونه من المستثنى منه في شمول الهلاك لغير عليّ عليه السلام بعيد من حيث اللفظ والمعنى .

(بقوله) في سورة الذاريات : «فَتَوَلَّ عَنْهُمْ» .

قال بعض المفسّرين : «أي أعرض عن مجادلتهم بعد ما كرّرت عليهم الدعوة، فأبوا إلّا الإصرار والعناد . «فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ» على الإعراض بعد ما بذلت جهدك في الإبلاغ» انتهى (2).

وكون الآية دالّا على ما ذكر؛ لأنّ الأمر بالتولّي والإعراض ليس إلّا الغضب عليهم وإرادة هلاكهم .

(ثمّ بدا له) .

قال الجوهري : «بَدَا الأمرُ بُدُوّا، مثل قعد قعودا ؛ أي ظهر، وبدا له في هذا الأمر بَداءً، ممدود؛ أي نشأ له فيه رأي» (3).

(فرحم المؤمنين) .

لعلّ المراد بهم من علم أنّهم يؤمنون به ، فالمنكرون وإن استحقّوا الهلاك؛ لإنكارهم، لكن لأجل من في أصلابهم من المؤمنين استحقّوا عدمه، فترحّم عليهم، ودفع الهلاك عن آبائهم المنكرين .

ص: 176


1- القاموس المحيط ، ج 1 ، ص 122 (كذب)
2- تفسير البيضاوي ، ج 5 ، ص 241
3- الصحاح ، ج 6 ، ص 2278 (بدا)

(ثمّ قال لنبيّه صلى الله عليه و آله ) في تلك السورة متّصلاً بالآية السابقة : «وَذَكِّرْ» ؛ أي لا تَدَع التذكير والموعظة .

«فَإِنَّ الذِّكْرى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ» ممّن علم اللّه إيمانه، وقدّره، ولكن لم يؤمن بعدُ ، وأمّا مَن آمن؛ فإنّه يزداد بها بصيرة .

هذا، ويظهر من هذا أنّ آخر الآية ناسخ لأوّلها . فتدبّر .

متن الحديث التاسع والسبعين

اشاره

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رِئَابٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ الْحَذَّاءِ، عَنْ ثُوَيْرِ بْنِ أَبِي فَاخِتَةَ، قَالَ:

سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ عليه السلام يُحَدِّثُ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه و آله ، قَالَ: «حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام يُحَدِّثُ النَّاسَ، قَالَ:

إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، بَعَثَ اللّهُ _ تَبَارَكَ وَتَعَالى _ النَّاسَ مِنْ حُفَرِهِمْ عُزْلاً مَهَلاً (1) جُرْدا مُرْدا (2) فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، يَسُوقُهُمُ النُّورُ، (3) وَتَجْمَعُهُمُ الظُّلْمَةُ حَتّى يَقِفُوا عَلى عَقَبَةِ (4) الْمَحْشَرِ، فَيَرْكَبُ بَعْضُهُمْ بَعْضا، وَيَزْدَحِمُونَ دُونَهَا، (5) فَيُمْنَعُونَ مِنَ الْمُضِيِّ، فَتَشْتَدُّ أَنْفَاسُهُمْ، وَيَكْثُرُ عَرَقُهُمْ، وَتَضِيقُ بِهِمْ أُمُورُهُمْ، وَيَشْتَدُّ ضَجِيجُهُمْ، وَتَرْتَفِعُ أَصْوَاتُهُمْ.

قَالَ: وَهُوَ أَوَّلُ هَوْلٍ مِنْ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

قَالَ: فَيُشْرِفُ الْجَبَّارُ _ تَبَارَكَ وَتَعَالى _ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ فِي ظِلَالٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَيَأْمُرُ مَلَكا مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَيُنَادِي فِيهِمْ: يَا مَعْشَرَ الْخَلَائِقِ، أَنْصِتُوا، وَاسْتَمِعُوا (6) مُنَادِيَ الْجَبَّارِ.

قَالَ: فَيَسْمَعُ آخِرُهُمْ، كَمَا يَسْمَعُ أَوَّلُهُمْ. قَالَ: فَتَنْكَسِرُ أَصْوَاتُهُمْ عِنْدَ ذلِكَ، وَتَخْشَعُ أَبْصَارُهُمْ، وَتَضْطَرِبُ فَرَائِصُهُمْ، وَتَفْزَعُ قُلُوبُهُمْ، وَيَرْفَعُونَ رُؤُوسَهُمْ إِلى نَاحِيَةِ الصَّوْتِ، «مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ» . قَالَ: فَعِنْدَ ذلِكَ يَقُولُ الْكَافِرُ: «هذا يَوْمٌ عَسِرٌ» (7) .

ص: 177


1- في الطبعة الجديدة وأكثر نسخ الكافي : «بُهما» . وفي بعض نسخ الكافي : «عذلاً»
2- في الحاشية عن بعض النسخ : «فردا»
3- في الحاشية عن بعض النسخ: «النار»
4- في الحاشية عن بعض النسخ: + «في»
5- في الحاشية عن بعض النسخ: «عليها»
6- في الحاشية عن بعض النسخ:«واسمعوا»
7- القمر (54) : 8

قَالَ: فَيُشْرِفُ الْجَبَّارُ _ عَزَّ وَجَلَّ _ الْحَكَمُ الْعَدْلُ عَلَيْهِمْ، فَيَقُولُ: أَنَا اللّهُ لَا إِلهَ إِلَا أَنَا الْحَكَمُ الْعَدْلُ، الَّذِي لَا يَجُورُ الْيَوْمَ ، أَحْكُمُ بَيْنَكُمْ بِعَدْلِي وَقِسْطِي، لَا يُظْلَمُ الْيَوْمَ عِنْدِي أَحَدٌ، الْيَوْمَ آخُذُ لِلضَّعِيفِ مِنَ الْقَوِيِّ بِحَقِّهِ، وَلِصَاحِبِ الْمَظْلِمَةِ بِالْمَظْلِمَةِ بِالْقِصَاصِ مِنَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، وَأُثِيبُ عَلَى الْهِبَاتِ، وَلَا يَجُوزُ هذِهِ الْعَقَبَةَ الْيَوْمَ عِنْدِي ظَالِمٌ، وَلأحَدٍ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ إِلَا مَظْلِمَةً يَهَبُهَا صَاحِبُهَا، وَأُثِيبُهُ عَلَيْهَا، وَآخُذُ لَهُ بِهَا عِنْدَ الْحِسَابِ، (1) فَتَلَازَمُوا أَيُّهَا الْخَلَائِقُ، وَاطْلُبُوا مَظَالِمَكُمْ عِنْدَ مَنْ ظَلَمَكُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا شَاهِدٌ لَكُمْ عَلَيْهِمْ، وَكَفى بِي (2). شَهِيدا.

قَالَ: فَيَتَعَارَفُونَ، وَيَتَلَازَمُونَ، فَلَا يَبْقى أَحَدٌ لَهُ عِنْدَ أَحَدٍ مَظْلِمَةٌ، أَوْ حَقٌّ إِلَا لَزِمَهُ بِهَا.

قَالَ: فَيَمْكُثُونَ مَا شَاءَ اللّهُ، فَيَشْتَدُّ حَالُهُمْ، وَيَكْثُرُ عَرَقُهُمْ، وَيَشْتَدُّ غَمُّهُمْ، وَتَرْتَفِعُ أَصْوَاتُهُمْ بِضَجِيجٍ شَدِيدٍ، فَيَتَمَنَّوْنَ الْمَخْلَصَ مِنْهُ بِتَرْكِ مَظَالِمِهِمْ لأهْلِهَا.

قَالَ: وَيَطَّلِعُ اللّهُ _ عَزَّ وَجَلَّ _ عَلى جَهْدِهِمْ، فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ عِنْدِ اللّهِ _ تَبَارَكَ وَتَعَالى _ يُسْمِعُ آخِرَهُمْ كَمَا يُسْمِعُ أَوَّلَهُمْ: يَا مَعْشَرَ (3) الْخَلَائِقِ، أَنْصِتُوا لِدَاعِي اللّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالى، وَاسْمَعُوا؛ إِنَّ اللّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالى يَقُولُ [لَكُمْ] (4) : أَنَا الْوَهَّابُ، إِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ تَوَاهَبُوا، فَتَوَاهَبُوا، وَإِنْ لَمْ تَوَاهَبُوا أَخَذْتُ لَكُمْ بِمَظَالِمِكُمْ.

قَالَ: فَيَفْرَحُونَ بِذلِكَ؛ لِشِدَّةِ جَهْدِهِمْ، وَضِيقِ مَسْلَكِهِمْ وَتَزَاحُمِهِمْ. قَالَ: فَيَهَبُ بَعْضُهُمْ مَظَالِمَهُمْ رَجَاءَ أَنْ يَتَخَلَّصُوا مِمَّا هُمْ فِيهِ، وَيَبْقى بَعْضُهُمْ، فَيَقُولُ: (5) يَا رَبِّ مَظَالِمُنَا أَعْظَمُ مِنْ أَنْ نَهَبَهَا، قَالَ: فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ تِلْقَاءِ الْعَرْشِ: أَيْنَ رِضْوَانُ خَازِنُ الْجِنَانِ جِنَانِ الْفِرْدَوْسِ؟ قَالَ: فَيَأْمُرُهُ اللّهُ _ عَزَّ وَجَلَّ _ أَنْ يُطْلِعَ مِنَ الْفِرْدَوْسِ قَصْرا مِنْ فِضَّةٍ بِمَا فِيهِ مِنَ الْأَبْنِيَةِ (6) وَالْخَدَمِ، قَالَ: فَيُطْلِعُهُ عَلَيْهِمْ فِي حِفَافَةِ الْقَصْرِ الْوَصَائِفُ وَالْخَدَمُ.

قَالَ: فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ عِنْدِ اللّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالى: يَا مَعْشَرَ الْخَلَائِقِ، ارْفَعُوا رُؤُوسَكُمْ، فَانْظُرُوا إِلى هذَا الْقَصْرِ.

ص: 178


1- في الحاشية عن بعض النسخ: «الحسنات»
2- في الحاشية عن بعض النسخ: «باللّه »
3- في الحاشية عن بعض النسخ: «معاشر»
4- في الطبعة الجديدة وجميع النسخ التي قوبلت فيها وشرح المازندراني والوافي : _ «لكم»
5- في الحاشية عن بعض النسخ: «فيقولون»
6- في الطبعة الجديدة وجميع النسخ التي قوبلت فيها : «الآنية»

قَالَ: فَيَرْفَعُونَ رُؤُوسَهُمْ، فَكُلُّهُمْ يَتَمَنَّاهُ. قَالَ: فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ عِنْدِ اللّهِ تَعَالى: يَا مَعْشَرَ الْخَلَائِقِ، هذَا لِكُلِّ مَنْ عَفَا عَنْ مُؤْمِنٍ.

قَالَ: فَيَعْفُونَ كُلُّهُمْ إِلَا الْقَلِيلَ. قَالَ: فَيَقُولُ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ: لَا يَجُوزُ إِلى جَنَّتِيَ الْيَوْمَ ظَالِمٌ، وَلَا يَجُوزُ إِلى نَارِيَ الْيَوْمَ ظَالِمٌ، وَلأحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ حَتّى يَأْخُذَهَا مِنْهُ عِنْدَ الْحِسَابِ، أَيُّهَا الْخَلَائِقُ اسْتَعِدُّوا لِلْحِسَابِ.

قَالَ: ثُمَّ يُخَلّى سَبِيلُهُمْ، فَيَنْطَلِقُونَ إِلَى الْعَقَبَةِ يَكْرُدُ بَعْضُهُمْ بَعْضا، حَتّى يَنْتَهُوا إِلَى الْعَرْصَةِ،الْجَبَّارُ _ تَبَارَكَ وَتَعَالى _ عَلَى الْعَرْشِ قَدْ نُشِرَتِ الدَّوَاوِينُ، وَنُصِبَتِ الْمَوَازِينُ، وَأُحْضِرَ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ، وَهُمُ الْأَئِمَّةُ، يَشْهَدُ كُلُّ إِمَامٍ عَلى أَهْلِ عَالَمِهِ بِأَنَّهُ قَدْ قَامَ فِيهِمْ بِأَمْرِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَدَعَاهُمْ إِلى سَبِيلِ اللّهِ.

قَالَ: فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللّهِ، إِذَا كَانَ لِلرَّجُلِ الْمُؤْمِنِ عِنْدَ الرَّجُلِ الْكَافِرِ مَظْلِمَةٌ، أَيَّ شَيْءٍ يَأْخُذُ مِنَ الْكَافِرِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عليه السلام : يُطْرَحُ عَنِ الْمُسْلِمِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ بِقَدْرِ مَا لَهُ عَلَى الْكَافِرِ، فَيُعَذَّبُ الْكَافِرُ بِهَا مَعَ عَذَابِهِ بِكُفْرِهِ عَذَابا بِقَدْرِ مَا لِلْمُسْلِمِ قِبَلَهُ مِنْ مَظْلِمَةٍ(1)

قَالَ: فَقَالَ لَهُ الْقُرَشِيُّ: فَإِذَا كَانَتِ الْمَظْلِمَةُ لِلْمُسْلِمِ (2) عِنْدَ مُسْلِمٍ، كَيْفَ تُؤْخَذُ مَظْلِمَتُهُ مِنَ الْمُسْلِمِ؟ قَالَ: يُؤْخَذُ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ مِنْ حَسَنَاتِهِ بِقَدْرِ حَقِّ الْمَظْلُومِ، فَتُزَادُ عَلى حَسَنَاتِ الْمَظْلُومِ.

قَالَ: فَقَالَ لَهُ الْقُرَشِيُّ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلظَّالِمِ حَسَنَاتٌ؟ قَالَ: إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلظَّالِمِ حَسَنَاتٌ، فَإِنَّ لِلْمَظْلُومِ سَيِّئَاتٍ يُؤْخَذُ مِنْ سَيِّئَاتِ الْمَظْلُومِ، فَتُزَادُ عَلى سَيِّئَاتِ الظَّالِمِ».

شرح الحديث

السند ضعيف .

قوله : (حُفَرهم) ؛ يحتمل كونه بضمّ الحاء وفتح الفاء، جمع حُفرة _ بالضمّ _ وهي ما يحتفر، فتكون كناية عن القبور .

ص: 179


1- في الطبعة الجديدة ومعظم النسخ التي قوبلت فيها : «مظلمته»
2- في الطبعة الجديدة وجميع النسخ التي قوبلت فيها : «لمسلم»

ويحتمل كونه بضمّتين، جمع الحفير، وهو القبر، كرُغُف ورَغيف .

وقوله : (عُزلاً) بضمّ العين المهملة وسكون الزاي، أو ضمّها، بالتخفيف أو بالتشديد .

قال الفيروزآبادي : «الأعْزل: الرمل المنفرد المنقطع، ومَن لا سلاح معه، كالعُزُل _ بضمّتين _ وجمعها: عُزل، بالضمّ. وأعزل أو عُزّل، كركّع» (1).

والمقصود أنّهم يحشرون فريدا وحيدا .

وفي كثير من النسخ: «غُرْلاً» بضمّ الغين المعجمة وسكون الراء، جمع: أغرل، وهو الأغلفُ. والمعنى أنّهم يحشرون غير مختونين، كما خُلقوا أوّل مرّة، لا يفقدون شيئا حتّى الغُلفة، أعني الجلدة التي تُزال في الختان .

وقوله : (مَهَلاً) .

قال الجوهري : «المَهَل، بالتحريك: التُّؤدة» (2).

وفي القاموس: المَهْل، ويحرّك، والمهملة بالضمّ: السكينة، والرفق . ومهّله تمهيلاً: أجّله . ويُقال : مَهْلاً يا رجل _ وكذا الاُنثى والجمع _ بمعنى أَمْهِل. والمُهل بالضمّ: اسم يجمع معدنيّات الجواهر كالفضّة والحديد ونحوهما . والمُهلة، بالضمّ: العدّة . وأمْهَل: بالغ و أعذر . والماهل: السريع، والمتقدّم . انتهى (3).

ومناسبة كلّ من هذه المعاني هنا يظهر بالتأمّل .

وقال بعض الفضلاء : «لعلّ المراد تأنّيهم وتأخّرهم وحيرتهم» . قال : «والظاهر تصحيف» (4).

وفي كثير من النسخ: «بهما» بدل «مهلاً» .

قال الجزري : فيه: «يحشر الناس يوم القيامة عُراة حُفاة بُهما» . البُهم، جمع بهيم، وهو في الأصل الذي لا يخالط لونه لون سواه ؛ يعني ليس فيهم شيء من العاهات والأعراض التي

ص: 180


1- القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 15 (عزل)
2- الصحاح ، ج 5 ، ص 1822 (مهل)
3- القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 53 (مهل) مع التلخيص
4- قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 253

تكون في الدُّنيا، كالعمى والعور والعرج وغير ذلك، وإنّما هي أجساد مصحّحة لخلود الأبد في الجنّة، أو في النار .

وقال بعضهم : روي في تمام الحديث: «قيل : وما البهم؟ قال : ليس معهم شيء» ؛ يعني من أعراض الدنيا . وهذا لا يخالف الأوّل من حيث المعنى (1).

وقوله : (جُرْدا مُردا) .

هما جَمْعا «أجرد» و«أمرد» . قال الجزري في صفته عليه السلام : «إنّه أجرد . الأجرد: الذي ليس على بدنه شعر، ومنه الحديث : «أهل الجنّة جُردٌ مُردٌ» (2).

وقال الفيروزآبادي : «الأمْردُ: الشابّ، طرّ (3) شاربه، ولم تنبت لحيته» (4). انتهى .

وروي من طريق العامّة عنه صلى الله عليه و آله : «أنّه يحشر الناس يوم القيامة حُفاة عُراة عُزلاً بهما جُردا مُردا» (5) .

قال بعضهم : الأظهر أنّ مقام التكرمة يقتضي عدم حشر الأنبياء كذلك (6).

وقوله : (في صعيد) .

قيل : المراد به هنا الأرض المستوية التي لا عِوَج فيها ولا أمَتا (7).

وقال الجوهري : «الصعيد: التراب . وقال ثَعلب : وجه الأرض» (8).

وقوله : (يسوقهم النور، وتجمعهم الظلمة» .

الظاهر أنّ المراد بالنور والظلمة معناهما الحقيقي، وذكر فيه وجوه : الأوّل : أن يكون المراد أنّ من خلفهم نور يسوقهم، لكن ممشاهم في الظلمة. أو تحيط بهم الظلمة في موافقهم . ويؤيّده ما روته العامّة بإسنادهم عن النبيّ صلى الله عليه و آله أنّه قال : «يحشر معهم النار، يبيت معهم حيث باتوا، ويقيل معهم حيث قالوا، ويُصبح معهم حيث أصبحوا،

ص: 181


1- النهاية ، ج 1 ، ص 167 (بهم)
2- النهاية ، ج 1 ، ص 256 (جرد) مع التلخيص
3- في الحاشية: «الطرّ: طلوع النبت والشارب»
4- .القاموس المحيط ، ج 1 ، ص 337 (مرد)
5- اُنظر : مسند أحمد ، ج 1 ، ص 235 ؛ و ج 6 ، ص 90 ؛ سنن الدارمي ، ج 2 ، ص 325 ؛ صحيح البخاري ، ج 4 ، ص 110 ؛ و ج 7 ، ص 195 ؛ صحيح مسلم ، ج 8 ، ص 156
6- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 33
7- في الحاشية: «أي تلالأ وصعودا وهبوطا . منه». والقائل هو المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ص 33
8- الصحاح ، ج 2 ، ص 498 (صعد)

ويُمسي معهم حيث أمسوا» (1).

وفي رواية اُخرى في ذكر أشراط الساعة عنه صلى الله عليه و آله ، أنّه قال : «وآخر ذلك نار تخرج من قعر عدن تطرد الناس إلى محشرهم» (2).

والثاني : أن يكون المراد أنّه إذا حصل لهم نور يمشون فيه، وإذا أحاطت بهم الظلمة يقفون ويتحيّرون .

والثالث : أن يكون المراد بالنور الملائكة؛ أي تسوقهم الملائكة وهم في الظلمة .

والرابع : أن يكون المراد بالنور الإيمان وتوابعه من العبادات؛ لأنّها أنوار تسعى بين يدي صاحبها يوم القيامة، وهم يمشون على أثرها ، وبالظلمة الكفر والشرك ولواحقهما من المعاصي والذنوب .

والمعنى أنّ من كان له ذلك النور يمشي ، ومن لم يكن له ذلك يقف ويبقى متحيّرا .

وعلى التقادير نسبته إلى النور مجاز باعتبار كونه سببا لمشيهم، وهاديا لهم . ونسبة الجمع إلى الظلمة؛ لكونها منشأً لحيرتهم واجتماعهم (3).

(حتّى يقفوا على عقبة المحشر) .

العقبة، بالتحريك: مرقى صعب من الجبال . قيل : في المحشر عقبات مخوفة ومنازل مهولة هي عقبات الفرائض ومنازل الأخلاق ، سمّيت عقبة؛ لشدّة المرور عليها، وصعوبة التخلّص من شدائدها ، وكان المراد بهذه العقبة عقبة الإيمان ومظالم الخلق ؛ ويرشد إلى الأوّل قوله فيما بعد : «يقول الكافر: «هذا يَوْمٌ عَسِرٌ» » ، وإلى الثاني قوله : «ولا يجوز هذه العقبة اليوم عندي ظالم» إلى آخره . فالكفّار يسلكون طريق جهنّم من هذه العقبة .

والظاهر من السياق أنّ من المسلمين من عنده مظلمة يجوز هذه العقبة، وإن لم يقع العفو منها بعدُ، ولكن لا يدخل الجنّة حتّى يخرج من عهدة الحسنات، ويقع التقاصّ

ص: 182


1- اُنظر : مسند أحمد، ج 7 ، ص 7 ؛ صحيح البخاري ، ج 7 ، ص 194 ؛ صحيح مسلم ، ج 8 ، ص 157 ؛ سنن الترمذي ، ج 3 ، ص 323 ؛ سنن النسائي ، ج 4 ، ص 116
2- اُنظر : شرح مسلم للنووي ، ج 17 ، ص 195 ؛ فتح الباري ، ج 11 ، ص 326 ؛ السنن الكبرى ، ج 6 ، ص 424
3- راجع : مرآة العقول ، ج 25 ، ص 253 و 254

بالحسنات أو السيّئات ، وإن أوهم ظاهر قوله : «ولا يجوز هذه العقبة» خلافه (1).

فتأمّل جدّا .

(فيركب بعضهم بعضا) من الكثرة وضيق المسلك .

(ويزدحمون) أي يدفع بعضهم بعضا .

قال الفيروزآبادي : «زحمه _ كمنعه _ زحما وزحاما، بالكسر: ضايقه . وازدحم القوم وتزاحموا» (2).

(فيُمنعون من المُضيّ) على بناء المجهول، وذلك لازدحامهم، ولخروج عن عهدة المظالم .

(فتَشتدّ أنفاسهم) جمع النفس بالتحريك .

(ويَكثُر عَرَقهم) .

في القاموس: «العرق، محرّكة: رشح جلد الحيوان، ويستعار لغيره . ورجلٌ عُرَق، كصُرد: كثيره» (3).

وقيل: في كتاب مسلم عن المقداد بن أسود، قال : سمعت رسول اللّه صلى الله عليه و آله يقول : «تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق كمقدار ميل، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق ؛ فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يُلجمُهُ العرقُ إلجاما» ، وأشار رسول اللّه صلى الله عليه و آله إلى فِيه (4).

وفي رواية اُخرى، قال : «إنّ العرق ليذهب في الأرض سبعين باعا، وأنّه ليبلغ إلى أفواه الناس وإلى آذانهم» .

قال عياض : يُحتمل أنّه عرق نفسه بقدر خوفه لما شاهد من الأهوال . ويحتمل أنّه عرق نفسه وعرق غيره يختلط، ويصير لكلّ بقدر عمله، وهذا للازدحام وانضمام بعضهم إلى بعض، حتّى يصير العرق بينهم سائحا على وجه الأرض (5).

وقال القرطبي : العرق: للزحام، ودنوّ الشمس، حتّى تغلى منها الرؤوس وحرارة

ص: 183


1- القائل هو المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 33
2- القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 124 (زحم)
3- القاموس المحيط ، ج 3 ، ص 262 (عرق)
4- راجع : صحيح مسلم ، ج 8 ، ص 158 ؛ فتح الباري ، ج 11 ، ص 341 ؛ رياض الصالحين للنووي ، ص 235 ؛ كنزل العمّال ، ج 14 ، ص 356 ، ح 38921
5- اُنظر : فتح الباري ، ج 11 ، ص 341

الأنفاس . فإن قيل : لزم أن يسيح الجميع فيه سيحا واحدا، ولا يتفاضلون في القدر، قيل : يزول هذا الاستبعاد بأن يخلق اللّه تعالى في الأرض التي تحت كلّ أحد ارتفاعا بقدر عَمَلهِ، فيرتفع العرق بقدر ذلك .

وجواب ثان، وهو أن يُحشر الناس جماعات متفرّقة، فيحشر من بلغ كعبيه إلى جهة، ومن بلغ حقويه في جهة . انتهى (1).

وقوله : (ضجيجهم) .

قال الجوهري : «أضجَّ القوم إضجاجا، إذا جلبوا وصاحوا، فإذا جَزِعُوا من شيء وغُلِبوا ، قيل : ضجّوا يضجّون ضجيجا» (2).

وقوله : (فيُشرف الجبّار _ تبارك وتعالى _ عليهم من فوق عرشه في ظلال من الملائكة) .

قيل : الإشراف على الشيء: الاطّلاع عليه من فوق، وهو يستلزم العلم به على وجه الكمال ، وإذا نسب إليه تعالى يُراد به هذا اللازم . انتهى (3).

وقد ذكرنا سابقا أنّ صفاته تعالى وما ينسب إليه ويحمل عليه إنّما يعتبر بالنظر إلى الغايات، لا المبادئ ، فإشرافه سبحانه مواصلة معهم معاملة المشرف على الشيء وما يترتّب عليه من الأثر .

أو المراد أشرف أمره في حكمه . أو من قبيل الاستعارة التمثيليّة ، والمراد بالعرش عرش العظمة، أو العرش الجسماني . وعلى الثاني تخصيصه بالذكر؛ للإشعار بأنّ أمره إنّما ينزل من جهة الأعلى .

و«من» الاُولى ابتدائيّة، والثانية بيانيّة . و«في» للمصاحبة، أو للظرفيّة .

قال الفيروزآبادي : الظِلّ، بالكسر: نقيض الضِّحّ. الجمع: ظِلال وظُلول وأظلال، والخيال من الجنّ وغيره يُرى، والعزّ. والمَنعة. ومن كلّ شيء : شخصه، أو كنهه . ومن السحاب : ما وارى الشمس منه أو سواده . ومن النهار: لونه، إذا غلبته الشمس، وهو في ظلّه: في كنفه (4).

ص: 184


1- شرح المازندراني ، ج 12 ، ص 33 و 34
2- الصحاح ، ج 1 ، ص 326 (ضجج)
3- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 34
4- القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 10 (ظلل)

وقال بعض الأفاضل : «يمكن أن يكون إشراف اللّه كناية عن توجّهه إلى محاسبتهم ، فالإشراف في حقّه تعالى مجاز، وفي الملائكة حقيقة» (1).

قال : «ويحتمل أن يكون «في» سببيّة؛ أي يشرف عليهم بسبب إرسال طائفة كثيرة من الملائكة، يظلّون الناس فوق رؤوسهم» .

قال : «ويحتمل أن يكون المراد بالإشراف أمر الملك بالنداء؛ أي يأمر ملكا في ظِلال من الملائكة» (2). فتأمّل .

وقوله : (يا معشر الخلائق) .

في القاموس: «المعشر، كمقعد: الجماعة، والجنّ، والإنس» (3).

(أنصتوا) .

الإنصات: السكوت، والاستماع للحديث . يُقال : أنصتوه، وأنصتوا له .

(واستمعوا منادي الجبّار) . يُقال : استمع له وإليه، إذا أصغى . فتعلّق المنادي بالاستماع محمول على الحذف والإيصال .

ويحتمل تعلّقه بالفعلين على سبيل التنازع .

وقوله : (وتخشع أبصارهم) .

الخشوع في البصر: إظهار المذلّة، والاستكانة بها بغضّها وإرخاء أجفانها .

(وتضطرب فرائصهم) .

في القاموس: «الفرائص: أوداجُ العنق . والفريصة واحدته ، واللحمة بين الجنب والكتف لا تزال ترعد» (4).

وقيل : أراد بها أصل الرقبة وعروقها؛ لأنّها هي التي تثور عند الغضب والخوف (5).

وقوله : (مُهطعين إلى الداع) أي مسرعين ، مادّ أعناقهم إليه .

قال الجوهري : «أهطع، إذا مدّ عنقه وصوّب رأسه. وأهْطع في عدوِهِ: أسرع، فعند ذلك

ص: 185


1- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 34
2- قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 254
3- القائل هو العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 254 و 255
4- القاموس المحيط ، ج 2 ، ص 90 (عشر)
5- القاموس المحيط ، ج 2 ، ص 311 (فرص)

الهول» (1).

(يقول الكافر : «هذا يَوْمٌ عَسِرٌ» ) أي صعب .

وهذه الفقرات إشارة إلى قوله تعالى في سورة القمر : «يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ * خُشَّعا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ * مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هذَا يَوْمٌ عَسِرٌ» (2) .

وقوله : (الحكم) أي الحاكم .

قال الفيروزآبادي : «الحاكم: مُنفِذُ الحُكم، كالحَكَم ، محرّكة» (3).

(العدل ... الذي لا يجور) .

الموصول صفة موضحة للعدل . وقيل : يحتمل الاحتراز؛ لأنّ العدل من الناس قد يجور .

قال : ولعلّ الغرض من هذا القول مع وضوحه في ذلك اليوم هو التصريح بأنّه لا حَكَم فيه إلّا هو ، وللتنبيه بزهوق آلهة اتّخذوها في الدُّنيا، وقطع طمعهم عن ملجأ سواه، وبه يحصل زيادة انبساطٍ للمؤمن ، وزيادة اغتمام للكافر (4).

وقوله : (بعدلي وقسطي) .

القِسط، بالكسر: العَدْل، وهو من المصادر الموصوف كالعدل، يستوي فيه الواحد والجمع . فالعطف للتفسير والتأكيد، والإضافة للدلالة على كمال المضاف .

(لا يُظلم) على بناء المعلوم .

(اليوم عندي أحد) أي لا يحتوي اليوم أحدٌ أن يظلم عندي أحدا .

أو على بناء المجهول، وتخصيص اليوم بالذكر مع أنّه تعالى حكم عدل أزلاً وأبدا؛ لعلمه لزيادة الاهتمام بإظهار العدل فيه، ولأنّ آثاره فيه أظهر وأقوى منها في غيره ؛ إذ ربّما ينتفي العدل من آحاد الناس في الاُمور الدنيويّة لانتفاء علمهم بالمصالح، ولا حكم ولا عدل في ذلك اليوم سواه تعالى، ولا يتصوّر الجهل في حقّه .

وقوله : (ولصاحب المظلمة بالمظلمة) بكسر اللّام فيهما، أو بفتحها فيهما، أو بالتفريق .

ص: 186


1- الصحاح ، ج 3 ، ص 1307 (هطع)
2- . القمر (54) : 6 - 8
3- القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 98 (حكم)
4- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 35

قال الجوهري : «ظلمه يظلِمه ظُلما ومَظْلَمَةً . وأصله: وضع الشيء في غير موضعه . والظُّلامة والظَّليمة والمَظْلِمة: ما تطلبه عند الظالم، وهو اسم ما اُخذ منك» (1).

(بالقصاص من الحسنات والسيّئات) بنقل حسنات الظالم إلى المظلوم وسيّئات المظلوم إلى الظالم حتّى يبلغ الاستيفاء .

وفي القاموس: «القِصاص، بالكسر: القود» (2).

(واُثيب على الهبات) أي اُجزي في هذا اليوم، واُعطي الثواب من وهب مظلمته لظالمه .

وقوله : (ولأحد عنده مظلمة) . الواو للحال .

(إلّا مظلمة يَهَبُها صاحبُها) بالرفع، فاعل «يهب» .

وفي كثير من النسخ: «لصاحبها» ، فالمراد بصاحب المظلمة حينئذٍ الظالم باعتبار كونه حاملاً لها . والضمير المستتر عائد إلى «أحد» .

(واُثيبه) .

الضمير للصاحب، أو للأحد ، والمآل واحد .

(عليها) أي على الهبة .

(وآخذ له بها عند الحساب) .

لعلّه معطوف على قوله : «لا يجوز» أي إن لم يهب ذلك الأحَد آخُذ الظالم له بتلك المظلمة عند الحساب .

وقيل : الظاهر أنّه عطف على «يهبها»، لا على «اُثيبه»؛ إذ لا أخْذَ بعد الهبة . ولعلّ المراد أنّه لا يجوز هذه العقبة ظالم إلّا إذا وهبه المظلوم، أو استحقّ دخول الجنّة بعد الأخذ منه عند الحساب . وأمّا غيرهما فيسلك هناك مسلك النار . انتهى (3).

وقوله : (فتلازموا) على صيغة الأمر من التلازم .

وقوله : (مَظلمة أو حقّ) أي على غير جهة الظلم، كالدَّين الذي عُجز أداؤه ونحوه .

(إلّا لزمه) أي لزم صاحب المظلمة والحقّ مَنْ عنده مظلمة، أو حقّه، ولا يفارقه .

ص: 187


1- الصحاح ، ج 5 ، ص 1977 (ظلم) مع التلخيص
2- القاموس المحيط ، ج 2 ، ص 313 (قصص)
3- القائل هو المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 35

(بها) أي بتلك المظلمة . ولعلّ الإتيان بضمير المظلمة دون الحقّ؛ للعلم به بقرينة السياق، أو تعميم المظلمة بحيث يشمل الحقّ من باب الاستخدام .

وقوله : (ويطّلع اللّه على جَهدهم) .

الاطّلاع: العلم بباطن الشيء على وجه البصيرة . والجهد، بالفتح: المشقّة .

وقوله : (أنصتوا لداعي اللّه ) .

في بعض النسخ: «الداعي» بلام التعريف .

وقوله : (أنا الوهّاب) .

في وصفه تعالى ذاته المقدّسة بهذه الصفة ترغيب للمخاطبين في التواهب؛ ليتخلّقوا بأخلاقه، ويتوقّعوا مثلها من مواهبه .

وقوله : (من تِلقاء العرش) . يُقال : جلس تلقاه _ بالكسر _ أي حذاه .

وقوله : (أن يُطلع) من باب الإفعال .

(من الفردوس قصرا) أي يظهره من إشراف إلى انحدار .

وفي القاموس: «الفردوس : البستان، يجمع كلّ ما يكون في البساتين، تكون فيه الكروم ، عربيّة، أو روميّة نقلت ، أو سريانيّة» (1).

وقوله : (في حفافة القصر) بكسر الحاء؛ أي جانبه .

قال الفيروزآبادي : «الحِفاف، ككتاب: الجانب . وحافّين من حول العرش : محدقين بأحفّته؛ أي جوانبه» (2).

وقوله : (هذا لكلّ من عفا) . لعلّ المراد لكلّ من عفا عن مؤمن مثله .

وقوله : (أيّها الخلائق، استعدّوا للحساب) ؛ الظاهر أنّه من كلامه تعالى .

وقيل : يحتمل أن يكون من كلامه عليه السلام بأن يأمر بالاستعداد في الدنيا لحساب الآخرة؛ فإنّ ذلك يوجب سلب المفاسد، وجلب المنافع، حتّى يرد على القيامة، ولا حساب عليه (3).

وقوله : (إلى العقبة) أي العقبة التي سبق ذكرها، أو عقبة اُخرى بعدها .

ص: 188


1- القاموس المحيط ، ج 2 ، ص 236 (فردوس)
2- القاموس المحيط ، ج 3 ، ص 128 (حفف)
3- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 36

وقوله : (يَكْرُدُ) كينصر .

والكرد: السوق، وطرد العدوّ . كذا في القاموس (1) وفي النهاية: «كَرَد القوم: صرفهم، وردّهم» (2).

وقوله : (إلى العَرصة) أي عرصة القيامة، وهي موضع اجتماع الخلق للحساب .

وفي القاموس: «العَرصة: كلّ بقعة بين الدور واسعةٍ ليس فيها بناء» (3).

وقوله : (الدواوين) جمع الديوان، بالكسر، ويُفتح، وهو مجتمع الصحف والكتاب يكتب فيه أهل الجيش وأهل العطايا، مِن دوّن الكتب، إذا جمعها .

وقوله : (فيعذّب الكافر) .

فيه دلالة على تعذيب الكافر بالفروع أيضا .

متن الحديث الثمانين

اشاره

أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ يُوسُفَ بْنِ ثَابِتِ بْنِ أَبِي سَعِيدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللّهِ عليه السلام :

أَنَّهُمْ قَالُوا حِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِ: إِنَّمَا أَحْبَبْنَاكُمْ لِقَرَابَتِكُمْ (4) مِنْ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه و آله ، وَلِمَا أَوْجَبَ اللّهُ _ عَزَّ وَجَلَّ _ مِنْ حَقِّكُمْ ، مَا أَحْبَبْنَاكُمْ لِلدُّنْيَا (5). ، نُصِيبُهَا مِنْكُمْ إِلَا لِوَجْهِ اللّهِ وَالدَّارِ الْاخِرَةِ، وَلِيَصْلُحَ لأْرِئٍ مِنَّا دِينُهُ؟ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللّهِ عليه السلام : «صَدَقْتُمْ، صَدَقْتُمْ» ثُمَّ قَالَ: «مَنْ أَحَبَّنَا، كَانَ مَعَنَا، أَوْ جَاءَ مَعَنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ هكَذَا _ ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَ السَّبَّابَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: _ وَاللّهِ، لَوْ أَنَّ رَجُلاً صَامَ النَّهَارَ، وَقَامَ اللَّيْلَ، ثُمَّ لَقِيَ اللّهَ _ عَزَّ وَجَلَّ _ بِغَيْرِ وَلَايَتِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ، لَلَقِيَهُ وَهُوَ عَنْهُ غَيْرُ رَاضٍ، أَوْ سَاخِطٌ عَلَيْهِ».

ثُمَّ قَالَ: «وَذلِكَ قَوْلُ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ: «وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاّ وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلاّ وَهُمْ كارِهُونَ * فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ» (6). ».

ص: 189


1- القاموس المحيط ، ج 1 ، ص 332 (كرد)
2- النهاية ، ج 4 ، ص 162 (كرد)
3- القاموس المحيط ، ج 2 ، ص 307 (عرص)
4- في الحاشية عن بعض النسخ: «بقرابتكم»
5- في الحاشية عن بعض النسخ: «لدنيا»
6- التوبة (9) : 54 و 55

ثُمَّ قَالَ: «وَكَذلِكَ الْاءِيمَانُ لَا يَضُرُّ مَعَهُ الْعَمَلُ، وَكَذلِكَ الْكُفْرُ لَا يَنْفَعُ مَعَهُ الْعَمَلُ».

ثُمَّ قَالَ: «إِنْ تَكُونُوا وَحْدَانِيِّينَ، فَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله وَحْدَانِيّا يَدْعُو النَّاسَ، فَلَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَجَابَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله : أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسى، إِلَا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي».

شرح الحديث

السند موثّق .

قوله : (أنّهم قالوا) أي جماعة من الشيعة .

وقوله : (للدنيا) .

في بعض النسخ: «لدنيا» .

وعلى الأوّل يكون قوله : (نُصيبها منكم) جملة حاليّة ، وعلى الثاني وصفيّة .

وقوله : (إلّا لوجه اللّه ) أي لكن أحببناكم لوجه اللّه ، غير مشوب بغرض آخر . فالاستثناء منقطع بمنزلة الإضراب عن السابق .

(ولَيَصلُح) بضمّ اللام (لامرئ) أي لكلّ امرئ منّا .

وقوله : (دينُهُ) فاعل «يصلح» .

والصلاح: ضدّ الفساد، وفعله كنصر ، وقد يجيء ككرم . ويحتمل كونه من باب الإفعال، وفاعله المستتر راجعا إلى اللّه ، و«دينه» مفعوله .

وقوله : (ثمّ جمع بين السبّابتين) أي سبّابتي اليدين على الظاهر.

وكون المراد السبّابة والوسطى على سبيل التغليب (1). بعيد .

والسبّابة _ بالفتح وتشديد الباء _ من الأصابع: ما يلي الإبهام .

وقوله : (أو ساخط) ؛ الترديد من الرواة .

(ثمّ قال : وذلك) أي عدم قبول العمل من غير أهل الإيمان، وعدم الرضا عنه، أو السخط عليه .

(قول اللّه عزّ وجلّ) في سورة التوبة : «وَمَا مَنَعَهُمْ» أي ما منع هؤلاء المنافقين .

ص: 190


1- احتمله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 257

«أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ» أي من قبولها والإثابة بها .

«إِلَا أَنَّهُمْ كَفَرُوا» أي إلّا كفرهم .

«بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ» ؛ وذلك ممّا يحبط الأعمال، ويمنع من استحقاق الثواب عليها .

«وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَا وَهُمْ كُسَالى» متثاقلين في فعلها .

«وَلَا يُنفِقُونَ إِلَا وَهُمْ كَارِهُونَ» أي لا يؤدّونها على الوجه المأمور به؛ لعدم اعتقادهم بفضلها، لا يرجون بفعلها ثوابا، ولا يخافون بتركها عقابا .

قيل : في هذا دلالة على أنّ الكفّار مخاطبون بالشرائع؛ لأنّه سبحانه ذمّهم على ترك الصلاة والزكاة، ولولا وجوبهما عليهم لم يذمّوا بتركهما (1) . وفيه بحث .

«فَلَا تُعْجِبْكَ» ؛ الخطاب للنبيّ صلى الله عليه و آله ، والمراد عامّة المؤمنين .

وقيل : عامّ؛ أي لا تشرك أيّها السامع كثرة.

«أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ» ؛ فإنّ ذلك استدراج لهم، ووبالٌ عليهم ، كما في «إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا» .

قال البيضاوي : «بسبب ما يكابدون لجمعها وحفظها من المتاعب، وما يرون فيها من الشدائد والمصائب» (2).

وقال الشيخ الطبرسي : قد ذكر في معناه وجوه: أحدها: أنّ فيه تقديما وتأخيرا ؛ أي لا يسرّك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنّما يريد اللّه ليعذّبهم بها في الآخرة ، فيكون الظرف على هذا متعلّقا بأموالهم وأولادهم (3).

وثانيها : أنّ معناه: إنّما يريد اللّه أن يعذّبهم بها في الدُّنيا بالتشديد عليهم في التكليف، وأمرهم بالإنفاق في الزكاة والغزو، فيؤدّونها على كره منهم ومشقّة؛ إذ لا يرجون به ثوابا في الآخرة ، فيكون ذلك عذابا لهم (4).

ص: 191


1- قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 258
2- تفسير البيضاوي ، ج 3 ، ص 151
3- نسبه إلى ابن عبّاس وقتادة
4- نسبه إلى الحسن والبلخي

وثالثها : أنّ معناه : إنّما يريد اللّه ليعذّبهم في الدُّنيا بسبي الأولاد، وغنيمة الأموال عند تمكّن المؤمنين من أخذها وغنمها، فيتحسّرون عليها، ويكون ذلك جزاءً على كفرهم (1).

ورابعها : أنّ المراد: يعذّبهم بجمعها وحفظها وحبّها والبخل بها، والخوف عليها، وكلّ هذا عذاب، وكذلك خروجهم عنها بالموت؛ لأنّهم يفارقونها، ولا يدرون إلى ماذا يصيرون .

وخامسها : أنّ معناه: إنّما يريد اللّه ليعذّبهم بحفظها، والمصائب فيها، مع حرمان المنفعة بها (2).

واللام في قوله : «ليعذّبهم» ، يحتمل أن تكون لام العاقبة، والتقدير إنّما يريد اللّه أن يُملي لهم فيها ليعذّبهم .

«وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ» أي تَهلِك، وتذهب بالموت .

وأصل الزهوق: الخروج بصعوبة .

«وَهُمْ كَافِرُونَ» بما يجب الإيمان به .

والجملة في موضع الحال، والإرادة تعلّقت بزهوق أنفسهم، لا بالكفر، وهذا كما تقول : «اُريد أن أضربه، وهو عاص» ، فالإرادة تعلّقت بالضرب، لا بالعصيان (3).

وحاصل استشهاده عليه السلام بهذه الآية أنّها دلّت على أنّ من دخل في الدين، وكفر باللّه ورسوله بإنكار أمرٍ من اُمور الدين، أو حكمٍ من أحكامه، كان غير مرضيّ عند اللّه ، أو مسخوطا به، وعمله غير مقبول .

ومعلوم أنّ المراد بالآية من أعظم اُمور الدين .

(وكذلك الإيمان لا يضرّ معه العمل) أي الإخلال بالعمل لا يضرّ بأصل الإيمان، بحيث يصير سببا للخلود في النار ، أو لعدم استحقاق الشفاعة والرحمة .

(وكذلك الكفر لا ينفع معه العمل) _ أي استقامة العمل _ نفعا يوجب الخلاص عن النار، أو استحقاق الشفاعة والمغفرة .

وقال بعض الشارحين : لعلّ المراد بالعمل الأوّل العمل الحقير القليل ، وبالعمل الثاني العمل العظيم الكثير ؛

ص: 192


1- نسبه إلى الجبائي
2- نسبه إلى ابن زيد
3- تفسير مجمع البيان ، ج 5 ، ص 69 و 70 (مع التلخيص واختلاف يسير)

فإنّ قليل العمل مع الإيمان مقبول ، وكثيره مع الكفر غير مقبول .

ثمّ قال : وممّا يدلّ على أنّه لابدّ في هذا الخبر من التأويل ما روي عن محمّد بن مارد، قال : قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام : حديث روي لنا أنّك قلتَ : «إذا عرفت _ يعني الولاية _ فاعمل ما شئتَ؟» فقال : «قد قلتُ ذلك» .

قال : قلت : وإن زنوا، وسرقوا، وشربوا الخمر؟

فقال : «إنّا للّه ، وإنّا إليه راجعون، ما أنصفونا أن نكون اُخذنا بالعمل ووُضع عنهم، إنّما قلت : إذا عرفت، فاعمل ما شئت من قليل الخير وكثيره؛ فإنّه يُقبل منك» (1) (2).

وقوله : (إن تكونوا وحدانيّين) إلى آخره .

في النهاية : «الوحداني: المفارق للجماعة ، المنفرد بنفسه، وهو منسوب إلى الوحدة : الانفراد ، بزيادة الألف والنون» (3).

وأقول : لا يبعد كونه هنا منسوبا إلى الوُحدان _ بالضمّ _ جمع الواحد ؛ يعني أن تكونوا منفردين في هذا الأمر، قليلين في العدد، لا يشارككم فيه غيركم، فاصبروا، ولا تحزنوا؛ فإنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله كان في كثير من الأزمنة متفرّدا بالحقّ، يدعو الناس إليه بالمعجزات، فلا يستجيبون له إلّا قليل .

وفيه تسلية للشيعة، ودفع شبهة من زعم أنّ الحقّ مع الكثرة .

وقوله : (قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله ...) أي عند استجابته له في أوّل الأمر .

متن الحديث الواحد والثمانين

اشاره

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ يُونُسَ، قَالَ:قَالَ أَبُو عَبْدِ اللّهِ عليه السلام لِعَبَّادِ بْنِ كَثِيرٍ الْبَصْرِيِّ الصُّوفِيِّ: «وَيْحَكَ يَا عَبَّادُ، غَرَّكَ أَنْ عَفَّ بَطْنُكَ وَفَرْجُكَ؛ إِنَّ اللّهَ _ عَزَّ وَجَلَّ _ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدا *

ص: 193


1- الكافي ، ج 2 ، ص 464 ، ح 5 ؛ مجموعة ورّام ، ج 2 ، ص 160 ؛ وسائل الشيعة ، ج 1 ، ص 114 ، ح 287
2- القائل هو المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 39
3- النهاية ، ج 5 ، ص 160 (وحد)

يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ» (1) ، اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنْكَ شَيْئا (2) حَتّى تَقُولَ قَوْلاً عَدْلاً».

شرح الحديث

السند مختلفٌ فيه ، وفيه شائبة الإرسال؛ فإنّ يونس بن عبد الرحمان الذي روى عنه اليقطيني، لم يعدّوه في رجال الصادق عليه السلام ، ولم يعهد رواية اليقطيني عنه .

قوله عليه السلام : (غرّك) .

قال الجوهري: «غرّه يغرّه؛ أي خدعه» (3).

(أن عفّ بطنُك وفرجك) .

قال الجوهري: «عفَّ عن الحرام يَعِفّ عَفّا وعِفّةً وعَفافَةً ؛ أي كفّ» انتهى (4).

وقيل : العِفّة : الاكتفاء بقدر الضرورة، أو ما دونه من الحلال (5). والحاصل أنّه عليه السلام حذّره من الانخداع بعفّة البطن والفرج بأن عدّ نفسه من الأولياء والكمّل بدون الإقرار والإذعان بولاية وليّ الأمر .

واستدلّ على ذلك بقوله تعالى في سورة الأحزاب : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ» في ارتكاب ما يكرهه «وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدا» . قيل : أي قاصدا إلى الحقّ، من سَدَّ يَسِدُّ سَدادا (6). وقيل : هو المُعرّى عن الباطل(7) .

«يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ» أي يصلحها بالقبول والإثابة عليها . أو يوفّقكم للأعمال الصالحة . وقوله عليه السلام : (حتّى تقول قولاً عدلاً) إشارة إلى تفسير القول السديد .

وقيل : المراد به الاعتقاد الصحيح ، ولمّا كان هذا الصوفيّ المبتدع منحرفا عن ناحية أهل البيت عليهم السلام منكرا لإمامتهم، نبّه عليه بأنّه لا ينفعه أعماله مع تلك العقيدة الفاسدة ؛ فإنّ قبول الأعمال مشروط بصحّة العقائد (8).

وأقول: في تفسير القول بالاعتقاد خفاء ، ولعلّ هذا القائل أراد به ما يكون منشؤه الاعتقاد

ص: 194


1- الأحزاب (33) : 70 و71
2- في الحاشية عن بعض النسخ: «قولاً»
3- الصحاح ، ج 2 ، ص 769 (غرر)
4- الصحاح ، ج 4 ، ص 1405 (عفف)
5- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 40
6- اُنظر : مرآة العقول ، ج 25 ، ص 260
7- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 40
8- قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 260

الصحيح ، والأظهر أن يُقال: لمّا كانت حصائد الألسنة وزلّاتها كثيرة، وأعظمها إنكار الولاية لأهلها، نبّه عليه السلام بأنّ سائر أعماله لا ثمرة لها حتّى يستقيم لسانه، ويقول قولاً عدلاً ، والعمدة فيه الإقرار بالولاية .

متن الحديث الثاني والثمانين

اشارة

يُونُسُ (1) ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ شَجَرَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللّهِ عليه السلام ، قَالَ:«لِلّهِ _ عَزَّ وَجَلَّ _ فِي بِلَادِهِ خَمْسُ حُرَمٍ: حُرْمَةُ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه و آله ، وَحُرْمَةُ آلِ الرَّسُولِ (2) صلى الله عليه و آله ، وَحُرْمَةُ كِتَابِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَحُرْمَةُ كَعْبَةِ اللّهِ، وَحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ».

شرح الحديث

السند كما عرفت في سند الحديث السابق .

قوله : (خمس حُرَم) إلى آخره .

في القاموس: الحرمة، بالضمّ وبضمّتين، وكهُمزَة: ما لا يحلّ انتهاكه . والذِّمّة، والمهابة، والنصيب. «وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللّه » (3). ؛ أي ما وجب القيام به، وحَرُم التفريط فيه. وكأمير: ما حُرِّم، فلم يُمسّ. وعن الدار: ما اُضيف إليها في حقوقها ومرافقها . وحريم الرجل: ما يحميه، ويُقاتل عنه . والجمع: أحرام، وحُرُم بضمّتين . انتهى (4).

ويظهر من هذا الحديث أنّ الحرم جمع الحرمة، وأنّ المراد بها ما يجب احترامه . وقيل : المراد بالحرم الحقوق المقرّرة شرعا، ومن حقوق الرسول على الاُمّة التصديق به، وبما جاء به ، إلى غير ذلك . ومن حقوق آل الرسول أن يقرّ بولايتهم، ويتّبعهم في العقائد والأعمال، وقس عليهما البواقي جملةً؛ فإنّ تفصيل الحقوق يوجب الإطناب (5).

ص: 195


1- السند معلّق على سابقه ، ويروي عن يونس ، عليّ بن إبراهيم عن محمّد بن عيسى بن عبيد
2- في كلتا الطبعتين وبعض النسخ التي قوبلت في الطبعة الجديدة : «آل رسول اللّه »
3- الحجّ (22) : 30
4- القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 95 (حرم) مع التلخيص
5- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 40

متن الحديث الثالث والثمانين

اشارة

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللّهِ عليه السلام ، قَالَ:

سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «إِذَا بَلَغَ الْمُؤْمِنُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، آمَنَهُ اللّهُ مِنَ الْأَدْوَاءِ الثَّلَاثَةِ: الْبَرَصِ، وَالْجُذَامِ، وَالْجُنُونِ.

فَإِذَا بَلَغَ الْخَمْسِينَ، خَفَّفَ اللّهُ _ عَزَّ وَجَلَّ _ حِسَابَهُ. فَإِذَا بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً، رَزَقَهُ اللّهُ الْاءِنَابَةَ. فَإِذَا بَلَغَ السَّبْعِينَ، أَحَبَّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ. فَإِذَا بَلَغَ الثَّمَانِينَ، أَمَرَ اللّهُ _ عَزَّ وَجَلَّ _ بِإِثْبَاتِ حَسَنَاتِهِ وَإِلْقَاءِ سَيِّئَاتِهِ. فَإِذَا بَلَغَ التِّسْعِينَ، غَفَرَ اللّهُ _ تَبَارَكَ وَتَعَالى _ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَكُتِبَ أَسِيرَ اللّهِ فِي أَرْضِهِ».

وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرى: «فَإِذَا بَلَغَ الْمِائَةَ، فَذلِكَ أَرْذَلُ الْعُمُرِ».

شرح الحديث

السند مجهول .

قوله : (آمنه اللّه من الأدواء الثلاثة) ؛ كأنّه محمول على الغالب، أو مختصّ بالمؤمن الكامل .

والأدواء: جمع الدواء . قال الجوهري : «الدواء، مقصور: المرض. تقول منه: دَوِيَ، بالكسر؛ أي مرض» (1).

وقال الفيروزآبادي : «الدواء، مثلّثة: ما داويتَ به. وبالقصر: المرض» (2).

وقال : «الجذام، كغراب: علّة تحدث من انتشار السوداء في البدن كلّه، فيفسد مزاج الأعضاء وهيأتها . وربّما انتهى إلى تآكل الأعضاء وسقوطها عن تقرّح . جُذِم كعُني» (3).

وقوله : (خفّف اللّه حسابه) أي يساهل معه في كثير من اُموره يوم القيامة، ولا يشدّد عليه .

وقوله : (الإنابة) .

ص: 196


1- الصحاح ، ج 6 ، ص 2342 (دوي)
2- القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 329 (دوي)
3- القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 88 (جذم)

قال الجوهري : «أناب إلى اللّه ؛ أي أقبل، وتاب» (1).

وقوله : (أحبّه أهلُ السماء) .

وثمرة محبّتهم إيّاه أنّهم يذكرونه في الملأ الأعلى، ويدعون له، ويستغفرون لذنوبه .

وقوله : (أمر اللّه بإثبات حسناته، وإلقاء سيّئاته) .

ولعلّ المراد أنّه يوفّق حينئذٍ لفعل الحسنات وترك السيّئات، وهذا أيضا إمّا محمول على الغالب ؛ لانكسار سورة أكثر الدواعي الشهوانيّة في هذا السنّ ، أو مختصّ بالمؤمن الكامل .

وقيل : لا يخفى أنّ الإتيان في هذا السنّ بالسيّئات أشنع، والمخالفة للربّ أقبح وأفظع ، ولكنّه تعالى يرحمه؛ لضعفه وعجزه، فيأمر بإلقاء سيّئاته؛ لئلّا يخجّله على رؤوس الأشهاد تفضّلاً عليه .

وقد مرّ في الاُصول أنّ اللّه تعالى لا ينظر يوم القيامة إلى شيخ زان . فتأمّل (2).

وقوله : (ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر) .

الظاهر أنّ المراد جميع ما فرّط منه ممّا يصحّ كونه منشأً للعتاب .

ولعلّ غفرانه بتوفيق الإنابة والتدارك .

وقيل : كأنّ المراد بالذنوب الصغائر من حقوق اللّه تعالى مع احتمال الكبائر أيضا (3) .

وقوله : (أسيرَ اللّه ) .

لعلّه لكونه مغلوبا بالضعف والانكسار، وتعطّل الحواسّ كلّاً أو جُلّاً، وعجزه عمّا يريد من الأعمال كالأسير .

وقيل : سمّي أسيرا؛ لأنّه أسره قضاء اللّه ، فأخرجه من موطنه الأصلي، وحبسه في دار الغربة مدّة طويلة، وعذّبه بهواء النفس وإغراء الشيطان، فهو محلّ الترحّم (4).

وقوله : (أرذلُ العمر) .

في القاموس: «الأرذل: الدون الخسيس، أو الرديء من كلّ شيء . فأرذل العمر: أسوؤهُ» انتهى(5) .

ص: 197


1- الصحاح ، ج 1 ، ص 229 (نوب)
2- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 41
3- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 41
4- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 41
5- القاموس المحيط ، ج 3 ، ص 384 (رذل)

وقال بعض المفسّرين : « أرذل العمر: الهرم، والحزف»(1) وحدَّهُ بعضهم بخمس وتسعين، وبعضهم بخمس وسبعين (2).

وقيل : لزمان بقاء كلّ شخص وعمره مراتب في القوّة والضعف ؛ فأضعف المراتب وأرذلها مائة سنة فصاعدا؛ لأنّ العمر في حال الطفوليّة وإن كان ضعيفا لكنّه في مقام الترقّي؛ لقبول الكمال بخلاف مائة سنة؛ فإنّه فيها في غاية الضعف، ومقامِ التنزّل حتّى يبلغ حدّا لا يدري ما يقول وما يفعل (3).

متن الحديث الرابع والثمانين

اشارة

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ دَاوُدَ ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ:قَالَ أَبُو عَبْدِ اللّهِ عليه السلام : «إِنَّ الْعَبْدَ لَفِي فُسْحَةٍ مِنْ أَمْرِهِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَإِذَا بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً أَوْحَى اللّهُ _ عَزَّ وَجَلَّ _ إِلى مَلَكَيْهِ: قَدْ عَمَّرْتُ عَبْدِي هذَا عُمُرا، فَغَلِّظَا، وَشَدِّدَا، وَتَحَفَّظَا، وَاكْتُبَا عَلَيْهِ قَلِيلَ عَمَلِهِ وَكَثِيرَهُ ، وَصَغِيرَهُ وَكَبِيرَهُ».

شرح الحديث

السند مجهول .

قوله : (فُسحة) بالضمّ؛ أي سعة من عفو اللّه وغفرانه في اُموره التكليفيّة ، للمسامحة معه في كثير منها؛ لشدّة داعية الشهوانيّة وقوّتها .

وقيل : ليس فيه ما ينافي الحديث السابق؛ إذ ليس في السابق حكم ما دون الأربعين ، وأمّا في السابق من رفع الأدواء الثلاثة عن صاحب الأربعين، فلا ينافي التشديد عليه في أمره، ولكن لابدّ من تقييد التشديد بالبلوغ إلى الخمسين ؛ لأنّ الخمسين يوجب التخفيف، كما مرّ .

أو القول بأنّ التخفيف من باب التفضّل لمن يشاء ، فقد يخفّف لصاحب

ص: 198


1- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 41
2- راجع : تفسير جوامع الجامع ، ج 2 ، ص 548 ؛ تفسير السمرقندي ، ج 2 ، ص 449 ؛ تفسير الثعلبي ، ج 7 ، ص 8 ؛ تفسير الواحدي ، ج 2 ، ص 728 ؛ تفسير البيضاوي ، ج 3 ، ص 409
3- اُنظر : مرآة العقول ، ج 25 ، ص 261

الخمسين، وقد يشدّد عليه (1).

وقوله : (تحفّظا) .

التحفّظ: التذكّر، والتيقّظ .

متن الحديث الخامس والثمانين

اشارة

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنِ الْحَلَبِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللّهِ عليه السلام ، قَالَ:

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللّهِ عليه السلام عَنِ الْوَبَاءِ يَكُونُ فِي نَاحِيَةِ الْمِصْرِ، فَيَتَحَوَّلُ الرَّجُلُ إِلى نَاحِيَةٍ أُخْرى، أَوْ يَكُونُ فِي مِصْرٍ، فَيَخْرُجُ مِنْهُ إِلى غَيْرِهِ؟

فَقَالَ: «لَا بَأْسَ، إِنَّمَا نَهى رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله عَنْ ذلِكَ؛ لِمَكَانِ رَبِيئَةٍ (2) كَانَتْ بِحِيَالِ الْعَدُوِّ، فَوَقَعَ فِيهِمُ الْوَبَاءُ، فَهَرَبُوا مِنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله : الْفَارُّ مِنْهُ كَالْفَارِّ مِنَ الزَّحْفِ، كَرَاهِيَةَ أَنْ يَخْلُوَ مَرَاكِزُهُمْ».

شرح الحديث

السند حسن .

قوله: (الوباء) بهمز اللام، محرّكة .

قال الجوهري في المهموز: «الوباء، يقصر ويمدّ: مرض عامّ. وجمع المقصور: أوباء ، وجمع الممدود: أوبئة» (3).

وقال الفيروزآبادي : «الوَباء، محرّكة: الطاعون، وكلّ مرض عامّ» (4) .

وقال : «الطاعون: الوباء» (5).

وقال الجوهري : «الطاعون: الموت الوَحِيّ من الوباء» (6).

ومفاده أنّ الطاعون نفس الموت المسبّب من الوباء . وقيل : الطاعون مرض مخصوص،

ص: 199


1- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 42
2- في الحاشية عن بعض النسخ: «ريبة»
3- الصحاح ، ج 2 ، ص 79 (وبأ)
4- القاموس المحيط ، ج 1 ، ص 31 (وبأ)
5- القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 245 (طعن)
6- الصحاح ، ج 6 ، ص 2158 (طعن)

وهو غدّة، كغدّة البعير، تخرج في الآباط غالبا، وقد تخرج في الأيدي والأصابع وغيرها من الأعضاء ، وعلى هذا كلّ طاعون وباء، ولا ينعكس (1).

وقوله : (لمكان رَبيئة) إلى آخره .

الرَّبيئةُ، بفتح الراء، وكسر الباء الموحّدة، وفتح الهمزة: طليعة الجيش: من يبعث ليطّلع طِلْع (2). العدوّ. يقال: رَباهم ولهم _ كمنع _ إذا صار رَبئةً لهم. ورابَأْتُهُ : حَذرته، واتّقيته، وراقبته، وحارسته .

وفي بعض النسخ : «ريبة». وفي بعضها: «رئبة»، والمآل واحد .

والضمير في قوله: «فيهم» راجع إلى «ربيئة» جيش المسلمين.

والحيال، بالكسر: الإزاء، وأصله الواو .

وفي القاموس: «المركز: موضع الرجل ، ومحلّه، وحيث أمر الجُند أن يلزموه» (3).

متن الحديث السادس والثمانين

اشارة

عَلِيٌّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ حُمْرَانَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللّهِ عليه السلام ، قَالَ:

«ثَلَاثَةٌ لَمْ يَنْجُ مِنْهَا نَبِيٌّ فَمَنْ دُونَهُ: التَّفَكُّرُ فِي الْوَسْوَسَةِ فِي الْخَلْقِ، وَالطِّيَرَةُ، وَالْحَسَدُ، إِلَا أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَسْتَعْمِلُ حَسَدَهُ».

شرح الحديث

السند مجهول .

قوله : (التفكّر في الوسوسة في الخلق) .

قيل : الظاهر أنّ المراد التفكّر فيما يحصل في نفس الإنسان من الوساوس في خالق

ص: 200


1- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12، ص 42
2- في الحاشية: «الطِّلْع، بالكسر: الاسم من الاطّلاع . تقول منه : أطلع طِلعَ العدوّ . ويقال أيضا : كن بطلع الوادي وطَلع الوادي، بالفتح والكسر، وكلاهما صواب ». الصحاح ، ج 3 ، ص 1254 (طلع)
3- القاموس المحيط ، ج 2 ، ، ص 177 (ركز)

الأشياء، وكيفيّة خلقها، وخلق أعمال العباد، والتفكّر في الحكمة في خلق بعض الشرور في العالم من غير استقرار في النفس وحصول شكّ بسببها (1).

وقيل : المراد بالخلق المخلوقات، وبالتفكّر فيهم بالوسوسة التفكّر، وحديث النفس بعيوبهم، وتفتيش أحوالهم، وهو بعيد (2).

قال الفيروزآبادي : «الوسوسة: حديث النفس والشيطان بما لا نفع فيه ولا خير، كالوسواس، بالكسر. والاسم بالفتح. وقد وسوس له وإليه» (3).

(والطيرة) .

قال الجوهري : «الطِّيرَة، مثال العنبة: ما يتشاءم به من الفأل الرديء، وفي الحديث: أنّه كان يحبّ الفأل، ويكره الطيرة» (4).

وفي النهاية : فيه: لا عدوى ولا طيرة . الطيرة، بكسر الطاء، وفتح الياء، وقد تسكن، هي التشاؤم بالشيء، وهو مصدر تطيّر . يُقال : تطيّر طيرة، وتخيّر خيرَة، ولم يجئمن المصادر هكذا غيرهما.

وأصله فيما يُقال: التطيّر بالسوانح والبوارح من الطير والظِّباء وغيرهما ، وكان ذلك يصدّهم عن مقاصدهم، فنفاه الشرع وأبطله، ونهى عنه، وأخبر أنّه ليس له تأثير في جلب نفع ودفع ضرّ ، وقد تكرّر ذكرها في الحديث اسما وفعلاً . ومنه الحديث : «ثلاث لا يسلَم منها أحد: الطيرة، والحسد، والظنّ» . قيل : فما نصنعُ؟ قال : «إذا تطيّرت فامضِ، وإذا حسدت فلا تبغ، وإذا ظننت فلا تحقّق الشيء . انتهى (5).

وقال بعض الفضلاء :

المراد بها هاهنا إمّا انفعال النفس عمّا يتشاءم به، أو تأثيرها واقعا، وحصول مقتضاها ، ويظهر من الأخبار أنّها تؤثّر مع تأثّر النفس بها، وعدم التوكّل على اللّه (6).

ص: 201


1- قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 262
2- لم نعثر على قائله
3- القاموس المحيط ، ج 2 ، ص 257 (وسوس)
4- الصحاح ، ج 2 ، ص 728 (طير)
5- النهاية ، ج 3 ، ص 152 (طير)
6- مرآة العقول ، ج 25 ، ص 264

وقال الزجّاج :

اشتقاق الطيرة إمّا من الطيران ؛ لأنّ الإنسان إذا تشأّم بشيء كَرِهَهُ، تباعد عنه، فيشبّه سرعة إعراضه عنه بالطيران . وإمّا من الطير؛ لأنّهم كانوا يستعملونه من زجر الطير، ويتشأّمون ببعضها (1).

وقال صاحب المصباح :

الطِّيرَة، وزان عِنبة: التشاءم. وكانت العرب إذا أرادت المضيّ لمُهمٍّ مرّت بمجاثم الطير، وأثارتها لتستفيد هل تمضي، أو ترجع، فنهى الشارع عن ذلك، وقال : «لا هام، ولا طيرة» (2).

(والحَسَد) .

في القاموس: «حَسَده الشيء وعليه، يَحْسِده ويَحسُده حَسَدا وحُسُودا: تمنّى أن تتحوّل إليه نعمتهُ وفضيلتهُ، أو يسلبهما» (3).

(إلّا أنّ المؤمن لا يستعمل حَسَدَه) لا قولاً، ولا فعلاً، ولا بالتروّي في كيفيّة إجرائه على المحسود .

ويفهم من هذا الخبر عدم الإثم بتلك الاُمور، وإن كانت مركوزة في الخاطر إذا لم يظهر أثرها ، وإلّا فلا يمكن اتّصاف الأنبياء بها .

وقيل : يمكن أن يُراد بالحسد ما يعمّ الغبطة . وقيل : المراد به أنّ الناس يحسدونهم، وكذا في الأوّلين، وهو بعيد غاية البُعد (4).

متن الحديث السابع والثمانين

اشارة

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ عليه السلام ، قَالَ:قَالَ لِي: «إِنِّي لَمَوْعُوكٌ مُنْذُ سَبْعَةِ أَشْهُرٍ، وَلَقَدْ وُعِكَ ابْنِي اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرا، وَهِيَ تَضَاعَفُ عَلَيْنَا ،

ص: 202


1- حكاه عنه المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 43
2- المصباح المنير ، ص 382 (طير)
3- القاموس المحيط ، ج 1 ، ص 288 (حسد)
4- قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 264

أَ شَعَرْتَ أَنَّهَا لَا تَأْخُذُ فِي الْجَسَدِ كُلِّهِ، وَرُبَّمَا أَخَذَتْ فِي أَعْلَى الْجَسَدِ، وَلَمْ تَأْخُذْ فِي أَسْفَلِهِ، وَرُبَّمَا أَخَذَتْ فِي أَسْفَلِهِ، وَلَمْ تَأْخُذْ فِي أَعْلَى الْجَسَدِ كُلِّهِ».

قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، إِنْ أَذِنْتَ لِي حَدَّثْتُكَ بِحَدِيثٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ جَدِّكَ ، أَنَّهُ كَانَ إِذَا وُعِكَ اسْتَعَانَ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ، فَيَكُونُ لَهُ ثَوْبَانِ: ثَوْبٌ فِي الْمَاءِ الْبَارِدِ، وَثَوْبٌ عَلى جَسَدِهِ، يُرَاوِحُ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ يُنَادِي حَتّى يُسْمَعَ صَوْتُهُ عَلى بَابِ الدَّارِ: يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ!

فَقَالَ: «صَدَقْتَ (1) ».

قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، فَمَا وَجَدْتُمْ لِلْحُمّى عِنْدَكُمْ دَوَاءً؟

فَقَالَ: «مَا وَجَدْنَا لَهَا عِنْدَنَا دَوَاءً إِلَا الدُّعَاءَ، وَالْمَاءَ الْبَارِدَ؛

إِنِّي (2). اشْتَكَيْتُ، فَأَرْسَلَ إِلَيَّ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بِطَبِيبٍ لَهُ، فَجَاءَنِي بِدَوَاءٍ فِيهِ قَيْءٌ، فَأَبَيْتُ أَنْ أَشْرَبَهُ؛ لأنِّي إِذَا قَيَيْتُ (3).

زَالَ كُلُّ مَفْصِلٍ مِنِّي».

شرح الحديث

السند ضعيف .

قوله : (لموعوك) .

في النهاية: «الوَعك: الحمّى . وقيل : ألمها . وقد وعكه المرض [وعكا]، فهو موعوك»(4).

وقوله: (وُعِك) على البناء للمفعول .

وقوله : (وهي) أي الحمّى المفهوم من الوعك.

(تضاعَفُ علينا) على البناء للمجهول .

قال الجوهري : «التضعيف: أن يزاد على أصل الشيء، فيجعل شيئين أو أكثر، وكذلك الإضعاف والمضاعفة» (5).

ويفهم من هذا الخبر أنّ بيان كيفيّة المرض ودخول حدّته وشدّته ليس بشكاية .

وقوله : (أشَعرتَ) بصيغة المتكلِّم المجهول، من الإشعار . أو بصيغة الخطاب المعلوم من الشعور ، والهمزة للاستفهام ؛ أي هل أحسستَ بذلك .

ص: 203


1- في الحاشية عن بعض النسخ: «صدق»
2- في الحاشية عن بعض النسخ: «وإنّي»
3- في الحاشية عن بعض النسخ: «قئت»
4- النهاية ، ج 5 ، ص 207 (وعك)
5- الصحاح ، ج 4 ، ص 1390 (ضعف) مع اختلاف يسير

قال الفيروزآبادي : «أشْعَرَهُ الأمرَ وبه: أعلمه. وشعر به _ كنشر وكرم _ شعورا: علم به، وفطن له ، وعقله» (1).

(أنّها لا تأخذ في الجسد كلّه) إلى قوله : (تأخذ في أعلى الجسد كلّه) .

لعلّ المراد أنّ حرارة الحمّى قد تظهر آثارها في أعالي الجسد ، وقد تظهر في أسافلها .

وقوله: (استعان بالماء البارد) .

قال بعض الشارحين : نظيره كثير من طرق العامّة .

روى مسلم تسعة:

منها: ما رواه عن ابن عمر، عن النبيّ صلى الله عليه و آله ، قال : «الحمّى من فيح جهنّم، فأبردوها بالماء» (2).

ومنها: ما رواه أنّ أسماء كانت تؤتى بالمرأة الموعوكة، فتدعو بالماء، فتصبّها في جيبها، وتقول : إنّ النبيّ صلى الله عليه و آله قال : «أبردوها بالماء» ، وقال : «إنّها من فيح جهنّم» (3).

والفيح: شدّة حرّها .

قال محي الدِّين البغوي : بعض من في قلبه مرض من جَهَلة الأطبّاء يتلاعب، ويكثر من ذكر هذه الأحاديث استهزاءً ، ثمّ يشنّع ويقول : الأطبّاء مجمعون على أنّ اغتسال المحموم بالماء البارد مُهلِك؛ لأنّه يجمع المسامّ، ويحقُن البُخار المتحلّل، فتنعكس الحرارة إلى داخل الجسم، فتهلِك . وهذا تعيير فيما لم يقله عليه السلام ؛ فإنّه عليه السلام قال : «أبردوها» ، فمن أين لهم أنّه أراد الانغماس؟!

فيحمل على أنّه أراد بالإبراد أدنى استعمال الماء البارد على وجهٍ ينفع ، ولا يبعد أن يُراد به أن يرشّ بعض الجسد بالماء، كما دلَّ عليه حديث أسماء .

فلا يبقى للملاحدة مطعن، وأيضا الأطبّاء يسقون صاحب الحمّى الصفراويّة الماء الشديد البرد، ويسقونه الثلج، ويغسلون أطرافه بالماء البارد ، فغير بعيد أن يكون عليه السلام أراد هذا النوع من الحمّى، وهذا النحو من الغسل على ما قالوه، أو قريبا منه (4).

وقوله : (يراوح بينهما) .

قال الجوهري : «المراوحة في العملين: أن يعمل هذا مرّة، وهذا مرّة» (5).

ص: 204


1- القاموس المحيط ، ج 2 ، ص 59 (شعر) مع اختلاف يسير
2- صحيح مسلم ، ج 2 ، ص 108 ؛ و ج 7 ، ص 23
3- المصدر
4- القائل والناقل هو المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 44 و 45
5- الصحاح ، ج 1 ، ص 370 (روح)

(ثمّ ينادي) .

قيل : لعلّ نداءه كان للاستشفاع بها صلوات اللّه عليها (1).

وقوله : (اشتكيتُ) أي مرضت .

وقوله : (محمّد بن إبراهيم) ؛ كأنّه ختنه عليه السلام باُخته، وهو محمّد بن إبراهيم الملقّب بالإمام ابن محمّد بن عليّ بن عبداللّه بن عبّاس بن عبد المطّلب .

وقوله : (قَيَيتُ) بهمز اللام، على البناء للمفعول من التقيئة .

قال الفيروزآبادي : «قاء يقيء قَيْئا، وقيّأه الدواء، وأقاءه» (2).

وقوله : (زال كلّ مَفصل منّي) . كان كناية قدرته على القيء؛ إمّا للضعف، أو لعلّة اُخرى .

متن الحديث الثامن والثمانين

اشارة

الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ (3) بْنِ إِسْحَاقَ الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيِّ، قَالَ:قَالَ أَبُو عَبْدِ اللّهِ عليه السلام : «حُمَّ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله ، فَأَتَاهُ جَبْرَئِيلُ عليه السلام ، فَعَوَّذَهُ، فَقَالَ: بِسْمِ اللّهِ أَرْقِيكَ يَا مُحَمَّدُ، وَبِسْمِ اللّهِ أَشْفِيكَ، وَبِسْمِ اللّهِ مِنْ كُلِّ دَاءٍ يُعْيِيكَ، (4) بِسْمِ اللّهِ وَاللّهُ شَافِيكَ، بِسْمِ اللّهِ خُذْهَا فَلْتَهْنِيكَ، بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، «فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ» (5). ، لَتَبْرَأَنَّ بِإِذْنِ اللّهِ». قَالَ بَكْرٌ: وَسَأَلْتُهُ عَنْ رُقْيَةِ الْحُمّى، فَحَدَّثَنِي بِهذَا.

شرح الحديث

السند مجهول .

وروى الحميري في كتاب قرب الإسناد (6).

عن أحمد بن إسحاق الأشعري، وهو الظاهر؛ لروايته كثيرا عن بكر بن محمّد ، فالسند حينئذٍ صحيح .

ص: 205


1- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 265
2- القاموس المحيط ، ج 1 ، ص 25 (قاء)
3- في الطبعة الجديدة وبعض النسخ التي قوبلت فيها : «أحمد» بدل «محمّد»
4- في الحاشية عن بعض النسخ: «يعينك»
5- الواقعة (56) : 75
6- قرب الإسناد ، ص 20

قوله : (حُمَّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله ) على البناء للمفعول ؛ أي أصابته الحمّى، وصار محموما .

وقوله : (فعوّذه) .

قال الجوهري : «عاذ به، واستعاذ: لجأ إليه. وأعاذه وعوّذه بمعنى» (1).

وقوله : (بسم اللّه أرقيك) .

في المغرب: «رَقاه الراقي رقْيةً ورَقْيا، من باب ضرب: عوّذه، ونفث في عُوذته» (2).

وفي المصباح : «رقيت له رقية، من باب رَقيا: عوّذته باللّه » انتهى (3).

وقيل : معنى «بسم اللّه أرقيك»: بسم اللّه اُعوّذك، لا بغيره . والمراد بالاسم هنا المسمّى، كقوله : «سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ» (4). ، والاسم هو الكلمة الدالّة على المسمّى، إلّا أنّه قد يتّسع ، فيوضع الاسم موضع المسمّى مسامحة (5).

أقول : الظاهر حمله على الظاهر، ولا داعي لصرفه عنه؛ فإنّ أسماءه تعالى يتبرّك بها كما يتبرّك بذاته المقدّسة ؛ فإنّ لها أيضا فضيلة جزيلة، وخواصّ جليلة، وفضائل الاسم الأعظم والآثار المترتّبة عليه أكثر من أن تُحصى .

(وبسم اللّه أشفيك) . الظاهر أنّه من المجرّد، وكونه من باب الإفعال أو التفعيل محتمل . والشِّفاء، بالكسر: الدواء . يُقال : شفاه اللّه من مرضه شِفاءً، وشفّاه تشفيةً: برّأه، وطلب له الشفاء .

وحكى الجوهري ، عن أبي عبيد : «أشفاه اللّه عَسَلاً، إذا جعله له شفاءً» (6).

وقال بعض الشارحين : «معنى «بسم اللّه أشفيك»: اُعالجك بهذا الاسم ، فوضع الشفاء موضع العلاج والمداواة» (7). هذا كلامه، فليتأمّل .

وقوله : (يُعييك) (8) من الإعياء . يُقال : أعيا السيرُ البعير، إذا أكلّه . وداءٌ عَياء؛ أي صعب لا

ص: 206


1- الصحاح ، ج 2 ، ص 567 (عوذ) مع اختلاف
2- المغرب ، ص320 (رقي)
3- المصباح المنير ، ص 236 (رقي) مع اختلاف
4- الأعلى (87) : 1
5- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 45
6- الصحاح ، ج 6 ، ص 2394 (شفي)
7- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 46
8- في الوافي كما في بعض نسخ الكافي : «يعنيك» . وقال في الوافي : «أي يقصدك . يقال : عنيت فلانا عنيا ، إذا قصدت . وقيل : معناه: من كلّ داء يشغلك ويهمّك»

دواء له، كأنّه أعيا الأطبّاء .

وفي كثير من النسخ: «يعنيك» من العناية ؛ يُقال : عناه الأمر يعنيه ويعنوه عناية _ بالفتح والكسر _ إذا أهمّه، وأشغله.

أو من الإعناء ؛ يُقال : أعناه الأمر، إذا أتعبه. وأعناه ؛ أي أذلّه، وأخضعه .

أو من التعنية، من قولهم : عني _ كرضي _ عناء؛ أي تَعِب، ونَصب. وعنّيته أنا تعنية .

وقوله : (خذها) ؛ كأنّ الضمير راجع إلى ما ذكر من الكلمات، أو إلى العوذة، أو إلى البسملة، أو إلى الرقية، أو إلى الشفاء .

وكذا المستتر في قوله : (فلتهنيكَ) بفتح اللام وكسرها، وفتح التاء وكسر النون، أو فتحها من الهنئ، وهو السائغ واللذيذ، وما أتاك بلا مشقّة. يُقال : هَنَأ لي الطعام يَهْنئ ويهنأ ، فهو هنيء .

وحكى الجوهري هنا في الطعام: «يهنئنِي ، ويَهْنؤني» (1).

وقوله : «فَلَا اُقْسِمُ» .

قال البيضاوي : كلمة «لا» للنفي؛ أي لا اُقسم ؛ إذ الأمر أوضح من أن يحتاج إلى قَسَم، أو فاُقسم ، و«لا» مزيدة للتأكيد، كما في «لئلّا يعلم» أو «فَلَأَنَا اُقسم» فحذف المبتدأ، واُشبع فتحة لام الابتداء ، ويدلّ عليه قراءة «فَلَاُقْسِمُ»، أو فلا مَردٌّ لكلام يخالف المقسم عليه .

«بِمَوَاقِعِ النُّجوُمِ» بمساقِطها . وتخصيص المغارب لما في غروبها من زوال أثرها ، والدلالة على وجود مؤثّر لا يزول تأثيره . أو بمنازلها ومجاريها .

وقيل : النجوم نجوم القرآن، ومواقعها أوقات نزولها (2).

وقوله : (لتبرأنّ) بكسر اللام، على صيغة الأمر من البرء . يُقال : بَرَأ من مرضه _ كعلم ومنع _ بُرْءً، بالضمّ: إذا صحّ .

وقوله : (وسألته عن رُقية الحُمّى، فحدّثني بهذا) أي حدّثني بهذا الحديث حين سألته عن رقية الحمّى .

ص: 207


1- راجع : الصحاح ، ج 1 ، ص 84 (هنأ)
2- تفسير البيضاوي ، ج 5 ، ص 292 (مع اختلاف يسير)

والرُّقية، بالضمّ وتخفيف الياء: العُوذة التي يُرقى بها صاحب الآفة، كالحمّى ونحوها .

متن الحديث التاسع والثمانين

اشارة

أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ النَّضْرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شِمْرٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام ، قَالَ:«قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله : مَنْ قَالَ: بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَا بِاللّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ _ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ _ كَفَاهُ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ (1). نَوْعا مِنْ أَنْوَاعِ الْبَلَاءِ، أَيْسَرُهُنَّ الْخَنْقُ».

شرح الحديث

السند ضعيف .

قوله : (الخَنق) بفتح الخاء وكسر النون . يُقال : خنقه _ كنصر _ خَنقا، ككتف: إذا عصر حَلقه حتّى يموت، فهو خَنِق أيضا وخنيق ومخنوق . وككتاب: الحبْل يُخنَقُ به . وكغُراب: داءٌ يمتنع معه نفوذ النَّفَس إلى الرِّية والقلب .

متن الحديث التسعين

اشاره

حُمَيْدُ بْنُ زِيَادٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكِنْدِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الْمِيثَمِيِّ، عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ نُعْمَانَ الرَّازِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللّهِ عليه السلام ، قَالَ:

«انْهَزَمَ النَّاسُ يَوْمَ أُحُدٍ عَنْ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه و آله ، فَغَضِبَ غَضَبا شَدِيدا» قَالَ: «وَكَانَ إِذَا غَضِبَ انْحَدَرَ عَنْ (2) جَبِينِهِ مِثْلُ اللُّؤْلُؤِ مِنَ الْعَرَقِ» قَالَ: «فَنَظَرَ، فَإِذَا عَلِيٌّ عليه السلام إِلى جَنْبِهِ، فَقَالَ لَهُ: الْحَقْ بِبَنِي أَبِيكَ مَعَ مَنِ انْهَزَمَ عَنْ رَسُولِ اللّهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ، لِي بِكَ أُسْوَةٌ، قَالَ: (3) فَاكْفِنِي هؤُلَاءِ، فَحَمَلَ، فَضَرَبَ أَوَّلَ مَنْ لَقِيَ مِنْهُمْ، فَقَالَ جَبْرَئِيلُ عليه السلام : إِنَّ هذِهِ لَهِيَ الْمُوَاسَاةُ يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ: إِنَّهُ مِنِّي، وَأَنَا مِنْهُ. فَقَالَ جَبْرَئِيلُ عليه السلام : وَأَنَا مِنْكُمَا يَا مُحَمَّدُ».

فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللّهِ عليه السلام : «فَنَظَرَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله إِلى جَبْرَئِيلَ عليه السلام عَلى كُرْسِيٍّ مِنْ ذَهَبٍ بَيْنَ السَّمَاءِ

ص: 208


1- في الحاشية عن بعض النسخ: «و سبعين»
2- في الحاشية عن بعض النسخ: «من»
3- في الحاشية عن بعض النسخ: «فقال»

وَالْأَرْضِ، وَهُوَ يَقُولُ: لَا سَيْفَ إِلَا ذُو الْفَقَارِ، وَلَا فَتى إِلَا عَلِيٌّ».

شرح الحديث

السند مجهول .

(الحَق ببني أبيك) محمول على الامتحان، أو التعريض بتعيير غيره عليه السلام ممّن انهزم وتوبيخهم ، واحتمال كون الأمر للرخصة بعيد .

وقوله : (اُسوة) ؛ هي بالضمّ والكسر: القدوة . وتأسّيت به: اقتديت ، وآسيتُه بنفسي، بالمدّ: سوّيته . ويجوز إبدال الهمزة واوا في لغة اليمن، فيُقال : واسيته . كذا في المصباح (1).

وقوله : (هؤلاء) إشارة إلى جماعة عليه .

وقوله : (فحمل) ؛ من الحملة في الحرب .

وقيل : في قول جبرئيل عليه السلام : (وأنا منكما) دلالة على أنّها أشرف منه حيث طلب أن يكون له منزلة من اللّه مثل منزلتهما .

وقوله : (ذو الفَقار) بفتح القاف .

واعلم أنّ مضمون هذا الخبر ممّا رواه الخاصّة والعامّة في كتبهم ؛ روى ابن أبي الحديد عن أبي عمرو محمّد بن عبد الواحد الزاهد اللغوي غلام ثعلب، (2) ورواه أيضا محمّد بن حبيب في أماليه: أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله لمّا فرَّ معظم أصحابه عنه يوم اُحد ، كثرت عليه كتائب المشركين، وقَصَدَتهُ كتيبة من بني كنانة ، ثمّ من بني عبد مناة بن كنانة ، فيها بنو سفيان بن عويف؛ وهم: خالد بن سفيان، وأبو الشعثاء بن سفيان، وأبو الحمراء بن سفيان، وغراب بن سفيان ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : «يا عليّ، اكفني هذه الكتيبة» فحمل عليها، وإنّها لتقارب خمسين فارسا، وهو عليه السلام راجل ، فما زال يضربها بالسيف، فتفرّق عنه، ثمّ تجتمع عليه ، هكذا مرارا حتّى قتل بني سفيان بن عويف الأربعة ، وتمام العشرة منها ممّن لا يعرف بأسمائهم ، فقال جبرئيل : يا رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، إنّ هذه المواساة، لقد عجبت الملائكة من مواساة هذا الفتى ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : «وما يمنعه، وهو منّي، وأنا منه» .

ص: 209


1- المصباح المنير ، ص 15 (أسو)
2- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ، ج 10 ، ص 182 ؛ و ج 14 ، ص 251

فقال جبرئيل : وأنا منكما . قال : وسُمع ذلك اليومَ صوتٌ من قبل السماء، لا يُرى شَخص الصارخ به، ينادي مرارا : لا سيف إلّا ذو الفقار، ولا فتى إلّا عليّ . فسُئِلَ رسول اللّه صلى الله عليه و آله عنه ، فقال : «هذا جبرئيل» .

قلت : وقد روى هذا الخبر جماعة من المحدّثين، وهو من الأخبار المشهورة، ووقفت عليه في بعض مغازي محمّد بن إسحاق، ورأيت بعضها خاليا عنه، وسألت شيخي عبد الوهّاب بن سكينة عن هذا الخبر، فقال : خبر صحيح .

فقلت له : فما بال الصحاح لم تشتمل عليه؟ قال : أو كلّ ما كان صحيحا تشتمل عليه كتب الصحاح؟ كم قد أهمل جامعوا الصحاح من الأخبار الصحيحة . انتهى (1).

متن الحديث الواحد والتسعين

اشاره

حُمَيْدُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللّهِ بْنِ أَحْمَدَ الدِّهْقَانِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ الطَّاطَرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادِ بْنِ عِيسى بَيَّاعِ السَّابِرِيِّ، عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي فُضَيْلٌ الْبُرْجُمِيُّ، قَالَ:كُنْتُ بِمَكَّةَ، وَخَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ أَمِيرٌ، وَكَانَ فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ زَمْزَمَ، فَقَالَ: ادْعُوا لِي قَتَادَةَ.

قَالَ: فَجَاءَ شَيْخٌ أَحْمَرُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، فَدَنَوْتُ (2) لأسْمَعَ، فَقَالَ خَالِدٌ: يَا قَتَادَةُ، أَخْبِرْنِي بِأَكْرَمِ وَقْعَةٍ كَانَتْ فِي الْعَرَبِ، وَأَعَزِّ وَقْعَةٍ كَانَتْ فِي الْعَرَبِ، وَأَذَلِّ وَقْعَةٍ كَانَتْ فِي الْعَرَبِ، فَقَالَ: أَصْلَحَ اللّهُ الْأَمِيرَ، أُخْبِرُكَ بِأَكْرَمِ وَقْعَةٍ كَانَتْ فِي الْعَرَبِ، وَأَعَزِّ وَقْعَةٍ كَانَتْ فِي الْعَرَبِ، وَأَذَلِّ وَقْعَةٍ كَانَتْ فِي الْعَرَبِ، وَاحِدَةٌ.

قَالَ خَالِدٌ: وَيْحَكَ وَاحِدَةٌ؟

قَالَ: نَعَمْ، أَصْلَحَ اللّهُ الْأَمِيرَ.

قَالَ: أَخْبِرْنِي.

قَالَ: بَدْرٌ.

قَالَ: وَكَيْفَ ذَا؟

ص: 210


1- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ، ج 14 ، ص 250 و 251
2- في الحاشية عن بعض النسخ: + «منه»

قَالَ: إِنَّ بَدْرا أَكْرَمُ وَقْعَةٍ كَانَتْ فِي الْعَرَبِ، بِهَا أَكْرَمَ اللّهُ _ عَزَّ وَجَلَّ _ الْاءِسْلَامَ وَأَهْلَهُ، (1). وَهِيَ أَعَزُّ وَقْعَةٍ كَانَتْ فِي الْعَرَبِ، بِهَا أَعَزَّ اللّهُ الْاءِسْلَامَ وَأَهْلَهُ، وَهِيَ أَذَلُّ وَقْعَةٍ كَانَتْ فِي الْعَرَبِ، فَلَمَّا قُتِلَتْ قُرَيْشٌ يَوْمَئِذٍ ذَلَّتِ الْعَرَبُ.

فَقَالَ لَهُ خَالِدٌ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللّهِ، إِنْ كَانَ فِي الْعَرَبِ يَوْمَئِذٍ مَنْ هُوَ أَعَزُّ مِنْهُمْ، وَيْلَكَ يَا قَتَادَةُ، أَخْبِرْنِي بِبَعْضِ أَشْعَارِهِمْ.

قَالَ: خَرَجَ أَبُو جَهْلٍ يَوْمَئِذٍ، وَقَدْ أَعْلَمَ لِيُرى مَكَانُهُ، وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ حَمْرَاءُ، وَبِيَدِهِ تُرْسٌ مُذَهَّبٌ وَهُوَ

يَقُولُ: مَا تَنْقِمُ الْحَرْبُ الشَّمُوسُ مِنِّي

بَازِلُ عَامَيْنِ حَدِيثُ السِّنِّ

لِمِثْلِ هذَا وَلَدَتْنِي أُمِّي

فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللّهِ، إِنْ كَانَ ابْنُ أَخِي لَأَفْرَسَ مِنْهُ _ يَعْنِي خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَكَانَتْ أُمُّهُ قُشَيْرِيَّةً _ : وَيْلَكَ يَا قَتَادَةُ، مَنِ الَّذِي يَقُولُ: أُوفِي بِمِيعَادِي، وَأَحْمِي عَنْ حَسَبْ؟

فَقَالَ: أَصْلَحَ اللّهُ الْأَمِيرَ، لَيْسَ هذَا يَوْمَئِذٍ، هذَا يَوْمُ أُحُدٍ، خَرَجَ طَلْحَةُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ وَهُوَ يُنَادِي: مَنْ يُبَارِزُ؟ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِ أَحَدٌ، فَقَالَ: إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ تُجَهِّزُونَّا بِأَسْيَافِكُمْ إِلَى النَّارِ، وَنَحْنُ نُجَهِّزُكُمْ بِأَسْيَافِنَا إِلَى الْجَنَّةِ، فَلْيَبْرُزَنَّ إِلَيَّ رَجُلٌ يُجَهِّزُنِي بِسَيْفِهِ إِلَى النَّارِ، وَأُجَهِّزُهُ بِسَيْفِي إِلَى الْجَنَّةِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام وَهُوَ يَقُولُ:

«أَنَا ابْنُ ذِي الْحَوْضَيْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ

وَهَاشِمِ المُطْعِمِ فِي الْعَامِ السَّغِبْ

أُوفِي بِمِيعَادِي وَأَحْمِي عَنْ حَسَبْ».

فَقَالَ خَالِدٌ لَعَنَهُ اللّهُ: كَذَبَ لَعَمْرِي وَاللّهِ أَبُو تُرَابٍ، مَا كَانَ كَذلِكَ.

فَقَالَ الشَّيْخُ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ، ائْذَنْ لِي فِي الأْصِرَافِ.

قَالَ: فَقَامَ الشَّيْخُ يُفَرِّجُ النَّاسَ بِيَدِهِ، وَخَرَجَ، وَهُوَ يَقُولُ: زِنْدِيقٌ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، زِنْدِيقٌ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ.

ص: 211


1- في الحاشية عن بعض النسخ: «بها أنزل اللّه الملائكة لإمداد الإسلام وأهله» بدل «بها أكرم اللّه _ عزّ وجلّ _ الإسلام وأهله»

شرح الحديث

السند مجهول .

وقيل : ضعيف (1). ، وفيه بحث .

قوله : (البُرْجُميّ) .

الظاهر أنّه منسوب إلى البُرجُمة، بضمّ الباء الموحّدة والجيم . وقيل : منسوب إلى البراجم (2).

قال الجوهري : البُرجمةُ، بالضمّ: واحدة البراجم، وهي مفاصل الأصابع التي بين الأشاجع والرواجب، وهي رؤوس السلاميات من ظهر الكفّ ، إذا قبض القابض كفّه نشرت وارتفعت . والبراجم: قوم من بني تميم . قال أبو عبيدة : خمسة من أولاد حنظلة بن مالك بن عمرو بن تميم يُقال لهم: البَراجم (3).

وقوله : (ادعوا لي قَتادة) ؛ كأنّه قتادة المشهور، من أعاظم مفسّري العامّة ومحدّثيهم، وكان من التابعين، روى عن أنس وأبي الطفيل وسعيد بن المسيّب والحسن البصري .

وقيل : كأنّه قتادة بن النعمان من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه و آله .

وقوله : (واحدة) خبر مبتدأ محذوف، أو منصوب على الحاليّة .

وقوله : (بدر) أي هي وقعة بدر .

وقوله : (ذلّت العرب) ؛ يعني لذهاب عظمائهم، وقتل رؤسائهم .

وقوله : (لعمر اللّه ) بفتح اللّام؛ أي اُقسم ببقاء اللّه ودوامه .

والعمر، بالضمّ وبضمّتين، وبالفتح: الحياة، والعيش الطويل .

(إن كان في العرب) .

كلمة «إن» مخفّفة من المثقّلة .

(يومئذٍ) أي يوم قتل قريش .

(هل هو أعزّ منهم) أي من قريش . وكأنّه _ لعنه اللّه _ زعم أنّ قبيلة قَسْر _ وهي بطن من

ص: 212


1- قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 268
2- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 47
3- الصحاح ، ج 5 ، ص 1870 (برجم)

بُجيلة _ أعزّ من قريش، وهم لم يقتلوا يومئذٍ .

وقيل : لعلّ غرضه الحميّة لأبي سفيان وسائر بني اُميّة وخالد بن الوليد؛ فإنّهم كانوا يومئذٍ بين المشركين (1).

قال : «ويحتمل أن يكون مراده أنّ غلبة رسول اللّه صلى الله عليه و آله _ وهو سيّد العرب _ يكفي لعزّهم، ولم يذلّوا بفقد هؤلاء» .

وقوله : (وقد أعلم) على بناء الفاعل .

(ليُرى مكانه) .

في القاموس : «أعلم الفرس: علّق عليه صوفا ملوّنا في الحرب. ونَفْسَه : وسَمَها بسيماء الحرب، كعلّمها» (2).

وقوله : (ليُرى) من الإراءة على البناء للفاعل، أو المفعول . وعلى الثاني يحتمل كونه من الرؤية .

والمراد بمكانه منزلته بين الشجعان والأبطال .

وقوله : (تُرْس مُذهّبٌ) .

الترس _ بالضمّ _ معروف . وفي القاموس: «الذهب: التبر. وأذهبه : طلّاه به ، كذهّبه، فهو مُذهب وذهيب ومُذَهّبٌ» (3).

وقوله : (ما تَنقم الحربُ الشموس منّي) .

قال الفيروزآبادي : «النقمة، بالكسر والفتح، وكفرحة: المكافأة بالعقوبة . ونقم منه، كضرب وعلم: عاقبه.

والأمرَ: كرهه» (4) وقال الجوهري : «نَقَمت على الرجل أنقم _ بالكسر _ فأنا ناقم، إذا عتبت عليه .

يُقال : ما نقمت منه إلّا الإحسان .

وقال الكسائي : نقِمت ، بالكسر لغة» (5).

وقال : «شَمَس الفرسُ شموسا وشماسا: منع ظهره، فهو شَموسٌ. ورجل شَموس: صَعْب الخلق» انتهى (6).

ص: 213


1- قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 268 و 269
2- القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 153 (علم)
3- القاموس المحيط ، ج 1 ، ص 70 (ذهب)
4- القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 183 (نقم)
5- الصحاح ، ج 5 ، ص 2045 (نقم)
6- الصحاح ، ج 3 ، ص 940 (شمس)

وكان وصف الحرب به باعتبار التشبيه في الإهلاك والاضطراب، أو الشدّة، أو عدم أمن صاحبه من المكاره .

وكلمة «ما» إمّا للاستفهام، أو للنفي، والمآل واحد ؛ أي لا يقدر الحرب التي لا يطيع المرء فيما يريد منها، ولا يقدر أن يركبها بسهولة أن تكافيني بالعقوبة، أو تُظهر عيبي .

والحاصل: أنّي لا اُبالي منها ومن شدائدها ومهالكها .

(بازل عامين حديث السنّ) ؛ كأنّ «بازل» منصوب على الحاليّة من ضمير المتكلّم، أو مرفوع على أنّه خبر مبتدأ محذوف ؛ أي أنا كذلك .

وقيل : إنّه مجرور على البدليّة من ضمير المتكلّم(1).

وقس عليه قوله : «حديث السنّ»، وغرضه أنّه في عنفوان الشباب، واستكمال القوّة والشجاعة .

قال الجزري :

ومنه حديث عليّ بن أبي طالب: بازل عامين حديث السنّ . البازل من الإبل الذي تمّ له ثماني سنين، ودخل في التاسعة ، وحينئذٍ يطلع نابه، وتكمل قوّته، يقال له بعد ذلك: بازل عام، وبازل عامين .

يقول : أنا مستجمع الشباب مستكمل القوّة . انتهى (2).

وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام مثله هكذا :

«قد عرف الحرب العوان عنّي***بازل عامين حديث سنّي

سَنَحنحُ الليل كأنّي جنّي***أستقبل الحرب بكلّ فنِّ

معي سلاحي ومعي مجنّي***وصارمٌ يذهب كلّ ضغن

أقصي به كلّ عدوّ عنّي***لمثل هذا ولدتني اُمّي» (3).

في القاموس : «رجل سَنَحنح، لا ينام الليل» (4).

وقوله : (لأفرس منه) ؛ الظاهر أنّه للتفضيل في الفارس، بمعنى راكب الفرس، أو صاحبه، ويكون كناية عن الحاذق بركوب الخيل وأمرها، والشديد الشجاع .

ص: 214


1- قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 270
2- النهاية ، ج 1 ، ص 125 (بزل)
3- بحار الأنوار ، ج 19 ، ص 323 ، ح 79
4- القاموس المحيط ، ج 1 ، ص 230 (سنح)

وقيل : الأفرس: الأشجع، من فرس الأسد فريسته، إذا دقّ عنقها (1).

وقوله : (يعني خالد بن الوليد) تفسير لابن أخيه، وهو يومئذٍ كان في حزب المشركين، فلمّا قتل أكثر صناديد القريش نجا بالفرار، وأسلم بعد فتح مكّة .

(وكانت اُمّه) أي اُمّ خالد .

(قسريّة) (2) ، ولذا قال: ابن أخي؛ لأنّ خالدا كانت اُمّه من قبيلته .

قال الجوهري : «قسر: بطن من بجيلة، وهم رهط خالد بن عبداللّه القَسْري» (3).

وفي بعض النسخ: «قُشريّة» بضمّ القاف، وسكون الشين المعجمة . والظاهر أنّه تصحيف؛ لأنّ خالد بن الوليد مشتهر بالقسري _ بالسين المهملة _ كما مرّ في صدر الحديث .

قال الفيروزآبادي : «قشير بن كعب بن ربيعة، كزُبَيْر: أبو قبيلة» (4).

وقوله : (طلحة بن أبي طلحة) ؛ هو طلحة بن أبي طلحة العبدري من بني عبد الدار، قتله أمير المؤمنين عليه السلام يوم اُحد .

(ينادي: من يُبارز) .

المبارزة في الحرب: الظهور والخروج من الصفّ للقتال .

وقوله : (إنّكم تزعمون أنّكم تُجهّزونا) .

هذا الكلام عنه على سبيل الاستهزاء، والتحريض على المبارزة، والتعيير بتركها . قال الفيروزآبادي : «جهاز الميّت والعروس والمسافر، بالكسر والفتح: ما يحتاجون إليه . وقد جهّزه تجهيزا، فتجهّز. وجهز على الجريح _ كمنع _ وأجهز: أثبت قتله، وأسرعه ، وتمّم عليه» انتهى (5).

ويحتمل أن يكون «تجهزونا» بتشديد النون، أو بتخفيفها، بناءً على حذف نون الجمع بغير قياس .

وقوله عليه السلام : (أنا ابن ذي الحَوضين) .

قيل : المراد الحوضين الذين صنعهما عبد المطّلب عند بئر زمزم لسقاية الحاجّ (6).

ص: 215


1- قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 48
2- في المتن الذي ضبطه الشارح رحمه الله سابقا : «قُشيريّة»
3- الصحاح ، ج 2 ، ص 791 (قسر)
4- القاموس المحيط ، ج 2 ، ص 117 (قشر)
5- القاموس المحيط ، ج 2 ، ص 171 (جهز)
6- قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مر