العقائد الاسلاميه:عرض مقارن لاهم موضوعاتها من مصادر السنه و الشيعه المجلد1

اشارة

عنوان و نام پديدآور : العقائد الاسلاميه: عرض مقارن لاهم موضوعاتها من مصادر السنه و الشيعه/ قام باعداده مركز المصطفي للدراسات الاسلاميه؛ برعايه علي السيد السيستاني.

مشخصات نشر : قم: مركز المصطفي للدراسات الاسلاميه، 1419ق. = -1377

مشخصات ظاهري : 5 ج.

شابك : دوره 964-319-117-6 : ؛ 7000 ريال : ج. 1 964-319-118-4 : ؛ 7000 ريال : ج. 2 964-319-119-2 : ؛ 7000 ريال : ج. 4 964-319-121-4 :

يادداشت : عربي.

يادداشت : ج. 2 (چاپ اول: 1419ق = 1377).

يادداشت : ج. 4 (چاپ اول: 1420ق. = 1378).

يادداشت : كتابنامه.

مندرجات : ج. 1. الفطره و المعرفه.- ج. 3. الشفاعه.- ج. 4. يشتمل علي مسائل: شفاعه اهل البيت عليهم السلام والاستشفاع والتوسل

موضوع : اسلام -- عقايد

شناسه افزوده : سيستاني، علي ، 1309 -، مصحح

شناسه افزوده : مركز المصطفي للدراسات الاسلاميه

رده بندي كنگره : BP203 /ع7 1377

رده بندي ديويي : 297/41

شماره كتابشناسي ملي : م 77-14486

فهرست مطالب كتاب: العقائد الإسلامية (المجلد 1)

العقائد الإسلامية (المجلد 1)

الفطرة

آيات فطرة السماوات والكون

انفطار الكون عند القيامة

تكاد السماوات تتفطر من عظمة الله

تكاد السماوات تتفطر من الافتراء علي الله

فطرة الله التي فطر الناس عليه

الفطرة الأولي والفطرة الثانية

فطرة الناس علي معرفة الله تعالي و توحيده

الفطرة حالة استعداد لا تعني الاجبار و سلب الإختيار

الفطرة والميثاق و عالم الذر

عالم الذر

تذكير الأنبياء بميثاق الفطرة

كل مولود يولد علي الفطرة

و كل الحيوانات فطرت علي معرفة الله تعالي

التوجه الفطري إلي الله تعالي

رأي صاحب تفسير الميزان في عالم الذر والمعرفة والميثاق

عوالم وجود الإنسان

من روايات عالم الأشباح (ظلال النور)

من روايات عالم الاظلة

من روايات عالم طينة الخلق

من آيات و روايات عالم الملكوت

من آيات و روايات عالم الخزائن

الفطرة بمعني الولادة في الإسلام

قولهم من ولد علي

الإسلام فهو من أهل الجنة

القول بأن من ولد في الإسلام فهو من أهل الجنة

الفطرة والنبوة والشرائع الإلهية

معني الفطرة والصبغة

دور الفطرة في المعرفة والثقافة والحضارة

بحث في دور الفطرة والنبوة في الحياة الإنسانية

امور ورد أنها من الفطرة

امور ورد أنها تضر بالفطرة

تقوية الفطرة و تضعيفها و إساءة استعمالها

قابلية الفطرة للتقوية والتخريب

قدوات البشرية في فطرتهم المستقيمة

آدم فطرة الله تعالي

ابراهيم إمام الإستقامة علي الفطرة

نبينا رائد العارفين و رائد سعادتن

خط الفطرة لم ينقطع من ذرية إبراهيم

عمار علم الثابتين علي الفطرة بعد النبي

علي إمام الثابتين علي الفطرة

ولاية علي علامة علي صحة الفطرة و طيب المولد

وجوب المعرفة والنظر

وجوب معرفة الله تعالي و منشؤها

وجوب معرفة الله تعالي و أنها أساس الدين

معرفة الله تعالي و توحيده نصف الدين

لا تتحقق العبادة إلا بالمعرفة

فضل معرفة الله تعالي

الحث علي مجالسة أهل المعرفة

فضل من مات علي المعرفة

نعمة معرفة حمد الله و شكره

نعمة معرفة كرم الله و آلائه

معرفة الله لا تكون إلا بالله و من الله

لا يفوز الإنسان بالمعرفة إلا بإذن الله تعالي

الهداية والإضلال من الله تعالي لكن الإضلال باستحقاق العبد

دعاء طلب المعرفة من الله تعالي

وسائل معرفة الله

اداة معرفة الله تعالي: العقل

لا يحاسب الله الناس إلا علي قدر معرفتهم، و ما بين لهم، و ما آتاهم

من أسباب المعرفة و آثارها

ما يورث المعرفة

ما تورثه المعرفة

ما يفسد المعرفة و يطفئ نوره

خطر ضلال الأمم بعد المعرفة

كان نبينا يخاف علي أمته الضلال بعد المعرفة

وضع المعرفة في بني اسرائيل بعد موسي

اتهامهم نبيهم موسي

بأنه لم يعرف الله تعالي

بولس يصف فساد الناس في عصره و بعدهم عن المعرفة

المعرفة التي دعا إليها بولس الذي نصر النصاري

متي اخترع المسيحيون التثليث بعد التوحيد

متي تجب المعرفة علي الإنسان

في أي سن يجب التفكير والمعرفة

حكم الإنسان في مرحلة التفكير والبحث

تجب المعرفة بالتفكير و لا يصح فيها التقليد

المعرفة والعمل

اشتراط كل من المعرفة والعمل بالآخر

افضل الأعمال بعد معرفة العقائد

اقل ما يجب، و أقصي ما يمكن، من المعرفة

المعرفة لا تتوقف علي علم الكلام

و يكفي الدليل الاجمالي في المعرفة

العجز عن معرفة ذات الله تعالي

النهي عن الفضولية في معرفة الله تعالي

انواع من المعرفة والعارفين

المعرفة الحقيقية والمعرفة الشكلية

تحير المتصوفة في دور العقل في المعرفة

تحيرهم في الفرق بين العلم والمعرفة

تصوراتهم عن العارف بالله تعالي

المؤلفة قلوبهم بالمال لكي يعرفوا

دعوة العدو في الجهاد إلي معرفة الله تعالي

معرفة أهل الآخرة بديهية لا كسبية

بحث للشيخ الطوسي في تعريف الإيمان والكفر

بحث للشهيد الثاني في تعريف الإيمان والكفر

هل يمكن أن يصير المؤمن كافرا

هل تزول المعرفة والإيمان بإنكار الضروري؟

هل أن الكافر يعرف الله تعالي؟

بحث في معرفة الله تعالي عن طريق معرفة النفس

الموقف الفقهي من الدعوة إلي معرفة الله تعالي عن طريق معرفة النفس

معرفة النبي والأئمة

يجب علي كل الناس معرفة النبي

يعرف النبي بالمعجزة والإمام بالنص والمعجزة

و تجب معرفة الأئمة لأن الله تعالي فرض طاعتهم

و تجب معرفتهم لأن الله تعالي فرض مودتهم

و تجب معرفتهم لأن الله تعالي فرض الصلاة عليهم

و تجب معرفتهم لانهم أهل الذكر الذين أمرنا الله بسؤالهم

و تجب معرفتهم لأن الأعمال

لا تقبل إلا بولايتهم

و تجب معرفتهم لأنهم محال معرفة الله تعالي

و تجب معرفتهم لأنها طريق معرفة الله تعالي

و تجب معرفتهم لحديث: من مات و لم يعرف إمام زمانه

صيغ الحديث في مصادر مذهب أهل البيت

في وجوب معرفة الإمام من أهل البيت

في أن معرفتهم و ولايتهم من دعائم الإسلام

في أن الإمام من أهل البيت قد يغيب

تفسير الحديث في مذهب أهل البيت

تفسير الشيعة الزيدية للحديث

الفرق بين صيغ الحديث في مصادرنا و مصادر إخواننا

روايات إخواننا التي وردت فيها لفظة إمام

رواياتهم التي فيها لفظ طاعة

رواياتهم التي توجب طاعة الحاكم الجائر

مدرسة البخاري في تفسير هذا الحديث

عبدالله بن عمر يطبق تفسير إخواننا للحديث

وامتنع عبدالله بن عمر عن بيعة علي، ثم ندم

ثم كانت علاقاته حسنة مع بني أمية و مع الثائرين عليهم

وروت مصادر الشيعة احتياطا غريبا له في تطبيق الحديث

و لم يزد أحد علي ابن عمر في تطبيق الحديث إلا أبو سعيد الخدري

تحير إخواننا السنة في هذا الحديث قديما وحديثا

معرفة الإمام هي الحكمة

لا يمكن للناس معرفة الإمام المعصوم ليختاروه

معني: إعرف الإمام ثم اعمل ما شئت

بعلي عرف المؤمنون بعد النبي

معرفة الآخرة والمعاد والحساب

الفطرة

آيات فطرة السماوات والكون

في هذا الفصل بحوث كثيرة، لكن أصوله بشكل عام موضع اتفاق بين المسلمين، لذلك رتبنا مواد موضوعاته من المصادر المختلفة تحت عناوين مناسبة، ليسهل علي الباحث الرجوع إليها. وبسطنا القول أحياناً في بعضها لحاجتها إلي ذلك.

وهذه آيات فطرة الكون، وهي تنفع في فهم فطرة الإنسان:

فَلَمَّا رَءَا الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ. إِنِّي

وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَ مَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. الانعام: 78-79

قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إلي أَجَلٍ مُسَمًّي قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ. إبراهيم: 10

قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَي ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ. وَتَاللهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ. الأنبياء: 56 _ 57

يَا قَوْمِ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَي الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلاَ تَعْقِلُونَ. وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إلي قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ. هود: 51 _ 52

فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ. الشوري: 11

الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَي فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَي مِنْ فُطُورٍ. الملك: 3

الْحَمْدُ للهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَي وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللهَ عَلَي كُلِّ شَئٍْ قَدِيرٌ. فاطر: 1

قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ. الزمر: 46

قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. الأنعام: 14

إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. الأنعام: 79

رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخرة تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي

بِالصَّالِحِينَ. يوسف: 101

انفطار الكون عند القيامة

إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ. وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ. وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ. وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ. عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَ أَخَّرَتْ. الانفطار: 1 _ 5

فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا. السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولا. إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إلي رَبِّهِ سَبِيلاً. المزمل: 17 _ 19

تكاد السماوات تتفطر من عظمة الله

تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ أَلا إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ الشوري: 5، وقال في بحار الأنوار:70/346: تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ، أي يتشققن من عظمة الله، وروي علي بن إبراهيم عن الباقر عليه السلام: أي يتصدعن من فوقهن. انتهي. وروي نحوه السيوطي في الدر المنثور:6/3

تكاد السماوات تتفطر من الافتراء علي الله

تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا. أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا. وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا. إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا. لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا. مريم 90 _ 93

فطرة الله التي فطر الناس عليه

وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَي تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إلي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَي وَعِيسَي وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. صِبْغَةَ اللهِ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ. قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ. البقرة: 135 _ 139

إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَي الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ. هود: 51

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ. إِلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ. وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. الزخرف: 26 _ 28

وَجَاءَ مِنْ أَقْصَي الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَي قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ. اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ. وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونَ. يس: 20 _ 23.

قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَي. قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَي. قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَي مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا

أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. طَهَ: 70 _ 72

الفطرة الأولي والفطرة الثانية

وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا. قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا. أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَي هُوَ قُلْ عَسَي أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا. يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلاً. الإسراء: 49 _ 52

فطرة الناس علي معرفة الله تعالي و توحيده

نهج البلاغة:1/215: (110 _ ومن خطبة له عليه السلام: إن أفضل ما توسل به المتوسلون إلي الله سبحانه وتعالي الإيمان به وبرسوله، والجهاد في سبيله فإنه ذروة الإسلام، وكلمة الاخلاص فإنها الفطرة، وإقام الصلاة فإنها الملة).ورواه في الفقيه:1/205

الكافي:2/12: (علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبدالله عليه السلام قال قلت: فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا؟ قال: التوحيد.

علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسي، عن يونس، عن عبدالله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن قول الله عز وجل: فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا، ما تلك الفطرة؟ قال: هي الإسلام، فطرهم الله حين أخذ ميثاقهم علي التوحيد، قال: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ وفيهم المؤمن والكافر.

علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن قول الله عز وجل: حُنَفَاءَ للهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ؟ قال: الحنيفية من الفطرة التي فطر الله الناس عليها. لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ؟ قال: فطرهم علي المعرفة به.

المحاسن للبرقي:1/241: (عنه، عن أبيه، عن محمد بن أبي عمير، عن عمر بن أذينة قال سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله: حُنَفَاءَ للهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ، ما الحنيفية؟ قال: هي الفطرة التي فطر

الناس عليها، فطر الله الخلق علي معرفته.

محمد بن يحيي، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن علي بن رئاب، عن زرارة قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن قول الله عز وجل: فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا؟ قال: فطرهم جميعاً علي التوحيد.

علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن فضال، عن ابن أبي جميلة، عن محمد الحلبي، عن أبي عبدالله عليه السلام في قول الله عز وجل: فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا؟ قال: فطرهم علي التوحيد.

عنه، عن الحسن بن علي بن فضال، عن ابن بكير، عن زرارة قال سألت أبا عبدالله عليه السلام عن قول الله: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلَي أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَي. قال: ثبتت المعرفة في قلوبهم ونسوا الموقف وسيذكرونه يوماً ما، ولو لا ذلك لم يدر أحد من خالقه ولا من رازقه.

ورواه في علل الشرائع:1/117، ورواه في تفسير القمي، وفيه: فمنهم من أقر بلسانه في الذر ولم يؤمن بقلبه فقال الله: فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل.

التوحيد للصدوق/328-330: (روي الصدوق عشر روايات تحت عنوان (باب فطرة الله عز وجل الخلق علي التوحيد) وقد تقدم أكثرها، وجاء في السابعة منها (التوحيد ومحمد رسول الله وعلي أمير المؤمنين).

معاني الأخبار للصدوق/350: (محمد بن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله عز وجل: حُنَفَاءَ للهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ، وقلت: ما الحنفية؟ قال: هي الفطرة. انتهي. ورواه في بحار الأنوار:3/276، وروي عدداً وافراً من هذه الأحاديث:3/276 وج 5/196 وص 223، والحلي في مختصر بصائر الدرجات/158-160، والحويزي في تفسير

نور الثقلين:2/96 وج 4/186.... وغيرهم.

الفطرة حالة استعداد لا تعني الاجبار و سلب الإختيار

نهج البلاغة:1/120: (اللهم داحي المدحوات وداعم المسموكات، وجابل القلوب علي فطرتها، شقيها وسعيدها، إجعل شرائف صلواتك ونوامي بركاتك علي محمد عبدك ورسولك، الخاتم لما سبق، والفاتح لما استقبل).

علل الشرائع:1/121: (أبي، قال حدثنا سعد بن عبدالله، عن أحمد بن أبي عبدالله، عن أبيه، عن غير واحد، عن الحسين بن نعيم الصحاف قال: قلت لابي عبدالله عليه السلام: أيكون الرجل مؤمناً قد ثبت له الإيمان ينقله الله بعد الإيمان إلي الكفر؟ قال: إن الله هو العدل، وإنما بعث الرسل ليدعو الناس إلي الإيمان بالله، ولا يدعو أحداً إلي الكفر. قلت فيكون الرجل كافراً قد ثبت له الكفر عند الله فينقله الله بعد ذلك من الكفر إلي الإيمان؟ قال: إن الله عز وجل خلق الناس علي الفطرة التي فطرهم الله عليها لا يعرفون إيماناً بشريعة ولا كفراً بجحود، ثم ابتعث الله الرسل إليهم يدعونهم إلي الإيمان بالله، حجةً لله عليهم، فمنهم من هداه الله، ومنهم من لم يهده. انتهي. ورواه في الكافي:2/416، وجاء في هامشه:

قال المجلسي رحمه الله: الظاهر أن كلام السائل استفهام، وحاصل الجواب: أن الله خلق العباد علي فطرة قابلة للايمان، وأتم علي جميعهم الحجة بإرسال الرسل وإقامة الحجج، فليس لأحد منهم حجة علي الله في القيامة، ولم يكن أحد منهم مجبوراً علي الكفر لا بحسب الخلقة ولا من تقصير في الهداية وإقامة الحجة، لكن بعضهم استحق الهدايات الخاصة منه تعالي فصارت مؤيدة لايمانهم، وبعضهم لم يستحق ذلك لسوء اختياره، فمنعهم تلك الألطاف فكفروا، ومع ذلك لم يكونوا مجبورين ولا مجبولين بعد ذلك من الإيمان إلي الكفر.

تفسير العياشي:1/104:

عن مسعدة عن أبي عبد الله عليه السلام في

قول الله: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ.

فقال: كان ذلك قبل نوح. قيل: فعلي هديً كانوا؟ قال: بل كانوا ضلالاً، وذلك أنه لما انقرض آدم وصالح ذريته بقي شيث وصيه لا يقدر علي إظهار دين الله الذي كان عليه آدم وصالح ذريته، وذلك أن قابيل تواعده بالقتل كما قتل أخاه هابيل، فسار فيهم بالتقية والكتمان، فازدادوا كل يوم ضلالاً حتي لم يبق علي الأرض معهم إلا من هو سلف، ولحق الوصي بجزيرة في البحر يعبد الله، فبدا لله تبارك وتعالي أن يبعث الرسل، ولو سئل هؤلاء الجهال لقالوا: قد فرغ من الأمر وكذبوا إنما هي (هو) أمر يحكم به الله في كل عام، ثم قرأ: فيها يفرق كل أمر حكيم، فيحكم الله تبارك وتعالي ما يكون في تلك السنة من شدة أو رخاء أو مطر أو غير ذلك.

قلت: أفضلالاً كانوا قبل النبيين أم علي هدي؟

قال: لم يكونوا علي هدي، كانوا علي فطرة الله التي فطرهم عليها لا تبديل لخلق الله، ولم يكونوا ليهتدوا حتي يهديهم الله، أما تسمع يقول إبراهيم: لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لاكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ، أي ناسياً للميثاق. انتهي. ورواه في تفسير نور الثقلين:1/736

تفسير التبيان:2/195: (فإن قيل: كيف يكون الكل كفاراً مع قوله: فَهَدَيَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا؟قلنا: لا يمتنع أن يكونوا كلهم كانوا كفاراً، فلما بعث الله إليهم الأنبياء مبشرين ومنذرين اختلفوا، فآمن قوم ولم يؤمن آخرون.

وروي عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: كانوا قبل نوح أمة واحدة علي فطرة الله، لا مهتدين ولا ضلالاً، فبعث الله النبيين....

بحار الأنوار:65/246: (وقال النيسابوري: إعلم أن جمهور الحكماء زعموا أن الإنسان في مبدأ فطرته

خال عن المعارف والعلوم، إلا أنه تعالي خلق السمع والبصر والفؤاد وسائر القوي المدركة حتي ارتسم في خياله بسبب كثرة ورود المحسوسات عليه حقائق تلك الماهيات وحضرت صورها في ذهنه. ثم إن مجرد حضور تلك الحقائق إن كان كافياً في جزم الذهن بثبوت بعضها لبعض أو انتفاء بعضها عن بعض فتلك الأحكام علوم بديهية، وإن لم يكن كذلك بل كانت متوقفة علي علوم سابقة عليها _ ولا محالة تنتهي إلي البديهيات قطعاً للدور أو التسلسل _ فهي علوم كسبية. فظهر أن السبب الأول لحدوث هذه المعارف في النفوس الإنسانية هو أنه تعالي أعطي الحواس والقوي الداركة للصور الجزئية. وعندي أن النفس قبل البدن موجودة عالمة بعلوم جمة هي التي ينبغي أن تسمي بالبديهيات، وإنما لا يظهر آثارها عليها، حتي إذا قوي وترقي ظهرت آثارها شيئاً فشيئاً. وقد برهنا علي هذه المعاني في كتبنا الحكمية فالمراد بقوله: لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا، أنه لا يظهر أثر العلم عليهم، ثم إنه بتوسط الحواس الظاهرة والباطنة يكتسب سائر العلوم. ومعني: لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، إن تصرفوا كل آلة في ما خلقت لاجله، وليس الواو للترتيب حتي يلزم من عطف (جعل) علي (أخرج) أن يكون جعل السمع والبصر والأفئدة متأخراً عن الاخراج من البطن.

بحار الأنوار:1/93: (مص: قال الصادق عليه السلام: الجهل صورة ركبت في بني آدم، إقبالها ظلمة، وإدبارها نور، والعبد متقلب معها كتقلب الظل مع الشمس، ألا تري إلي الإنسان تارة تجده جاهلاً بخصال نفسه حامداً لها عارفاً بعيبها في غيره ساخطاً، وتارة تجده عالماً بطباعه ساخطاً لها حامداً لها في غيره، فهو متقلب بين العصمة والخذلان، فإن قابلته العصمة أصاب، وإن قابله الخذلان أخطأ، ومفتاح الجهل الرضا والإعتقاد به، ومفتاح

العلم الإستبدال مع إصابة موافقة التوفيق، وأدني صفة الجاهل دعواه العلم بلا إستحقاق، وأوسطه جهله بالجهل، وأقصاه جحوده العلم، وليس شئ إثباته حقيقة نفيه إلا الجهل والدنيا والحرص، فالكل منهم كواحد، والواحد منهم كالكل.

وقال في هامشه: وقوله عليه السلام: الجهل صورة ركبت.. إلخ. لأن طبيعة الإنسان في أصل فطرتها خالية عن الكمالات الفعلية والعلوم الثابتة، فكأن الجهل عجن في طينتها وركب مع طبيعتها، ولكن في أصل فطرته له قوة كسب الكمالات بالعلوم والتَّنَورٌّ والمعارف.

قوله عليه السلام: فالكل كواحد، لعل معناه أن هذه الخصال كخصلة واحدة لتشابه مباديها، وانبعاث بعضها عن بعض، وتقوي بعضها ببعض، كما لا يخفي.

بحار الأنوار:11/10:

... عن الباقر عليه السلام أنه قال: إنهم كانوا قبل نوح أمة واحدة علي فطرة الله لا مهتدين ولا ضلالاً، فبعث الله النبيين. انتهي.

قال المجلسي رحمه الله: وعلي هذا فالمعني أنهم كانوا متعبدين بما في عقولهم غير مهتدين إلي نبوة ولا شريعة.

الاقتصاد للشيخ الطوسي/100: (فإن قيل: لو كانت المعرفة لطفاً لما عصي أحد.

قلنا: اللطف لا يوجب الفعل، وإنما يدعو إليه ويقوي الداعي إليه ويسهله، فربما وقع عنده الفعل، وربما يكون معه أقرب وإن لم يقع.

شرح الأسماء الحسني:2/84: (كما سئل عليه السلام: أنحن في أمر فرغ أم في أمر مستأنف؟ فقال: في أمر فرغ وفي أمر مستأنف، فالموضوعان السعيد والشقي الاخرويان كما قال تعالي: يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ.

إن قلت: هذا فيما سوي هذا الوجه ينافي قوله صلي الله عليه وآله: كل مولود يولد علي فطرة الإسلام، إلا أن أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه؟

قلت: كل مولود يولد علي الفطرة روحاً وصورة بالجهة النورانية، والسعيد

سعيد في بطن أمه وكذا الشقي جسداً ومادة، وإذا جعلنا بطن الأم النشاة العلمية فكل مولود يولد علي الفطرة وجوداً، والسعيد سعيد ماهية ومفهوماً، وكذا الشقي شقي ماهية ومفهوماً، كل منهما بالحمل الأولي، ليس فاقداً لنفسه، وليس مفهوم أحدهما هو المفهوم من الآخر، فإن المفاهيم من أية نشأة كانت فطرتها وذاتيها الإختلاف، والوجود أية مرتبة منه ذاته وجبلته الوحدة والإتفاق، ما به الإمتياز فيه عين ما به الإشتراك، به استمساك الماهيات التي هي مثار الكثرة والمخالفة، فهو جهة ارتباطها ونظمها وبه لا انفصام لها.

وبالجملة قد ظهر لك أن اختلاف الوجودات مرتبة في العين، واختلاف قبول الماهيات لمراتب الوجود المقول بالتشكيك فيه، علي طبق اختلاف الماهيات بحسب المفهوم في العلم. وهذا معني اختلاف الطينة في الأزل كما هو عن الأئمة^مأثور... وهو مقتضي العدل.

ويمكن التوفيق بين هذا القول التحقيقي البرهاني والذوقي الوجداني، وبين القول بالتسوية في الطينة باعتبار الوجود والماهية، ولا سيما في مقام الجمع.

شرح الأسماء الحسني:1/54: (قال صدر المتألهين: إن الله عز وجل لا يولي أحداً إلا ما تولاه طبعاً وإرادة، وهذا عدل منه ورحمة. وقد ورد أن الله تعالي خلق الخلق كلهم في ظلمة ثم قال: ليختر كل منكم لنفسه صورة أخلقه عليها، وهو قوله: خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ، فمنهم من قال رب اخلقني خلقاً قبيحاً أبعد ما يكون في التناسب وأوغله في التنافر، حتي لا يكون مثلي في القبح والبعد عن الاعتدال أحد، ومنهم من قال خلاف ذلك، وكل منهما أحب لنفسه التفرد فإن حب الفردانية فطرة الله السارية في كل الأمم التي تقوم بها وجود كل شئ، فخلق الله كلاً علي ما اختاره لنفسه، فتحت كل منكر معروف وقبل كل لعنة

رحمة وهي الرحمة التي وسعت كل شئ، فإن الله يولي كلاً ما تولي، وهو قوله تعالي: وَ مَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَي وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّي وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا، فإن شك في ذلك شاك فليتأمل قوله تعالي: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا.. الآية، ليعلم أن الله تعالي لا يحمل أحداً شيئاً قهراً وقسراً، بل يعرضه أولاً فإن تولاه ولاه وإلا فلا. وهذا من رحمة الله وعدله.

لا يقال: ليس تولي الشئ ما تولاه عدلاً حيث لا يكون ذلك التولي عن رشد وبصيرة فإن السفيه قد يختار لنفسه ما هو شر بالنسبة إليه وضر لجهله وسفاهته، فالعدل والشفقة عليه منعه إياه، لأنا نقول: هذا التولي والتوجيه الذي كلامنا فيه أمر ذاتي لا يحكم عليه بالخير والشر بل هو قبلهما، لأن ما يختاره السفيه إنما يعد شراً بالقياس إليه لأنه مناف لذاته بعد وجوده، فلذاته اقتضاء أول متعلق بنقيض هذه السفاهة، فذلك هو الذي أوجب أن يسمي ذلك شراً بالقياس إليه.

وأما الاقتضاء الأول الذي كلامنا فيه فلا يمكن وصفه بالشر، لأنه لم يكن قبله اقتضاء يكون هذا بخلافه فيوصف بأنه شر، بل هو الإقتضاء الذي جعل الخير خيراً، لأن الخير لشئ ليس إلا ما يقتضيه ذاته. والتولي الذي كلامنا فيه هو الإستدعاء الذاتي الأزلي والسؤال الوجودي الفطري الذي يسأله الذات المطيعة السامعة لقول كن، وقوله ليس أمر قسر وقهر، لأن الله عز وجل غني عن العالمين، فكأنه قال لربه إئذن لي أن أدخل في عدلك وهو الوجود، فقال الله تعالي كن.

تفسير الميزان:2/346: (لكن يمكن أن يقال إن الإنسان بحسب خلقته

علي نور الفطرة هو نور إجمالي يقبل التفصيل، وأما بالنسبة إلي المعارف الحقة والأعمال الصالحة تفصيلاً فهو في ظلمة بعد لعدم تبين أمره. والنور والظلمة بهذا المعني لا يتنافيان ولا يمتنع اجتماعهما، والمؤمن بإيمانه يخرج من هذه الظلمة إلي نور المعارف والطاعات تفصيلاً، والكافر بكفره يخرج من نور الفطرة إلي ظلمات الكفر والمعاصي التفصيلية.

والاتيان بالنور مفرداً وبالظلمات جمعاً في قوله تعالي: يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلي النُّورِ، وقوله تعالي: يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إلي الظُّلُمَاتِ، للإشارة إلي أن الحق واحد لا اختلاف فيه كما أن الباطل متشتت مختلف لا وحدة فيه، قال تعالي: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ... الانعام: 153

مجموعة الرسائل للشيخ الصافي 243: (للشيخ المفيد في بحث الإعتقاد بالفطرة رأي آخر غير ما ذهب إليه الشيخ الصدوق، ولتوضيح ذلك نقول: توجد في باب الإعتقاد بالفطرة وآيات الفطرة وأحاديثها كالحديث (فطرهم علي التوحيد) أو (كل مولود يولد علي الفطرة) ثلاثة أوجه:

الوجه الأول: أن المراد من ذلك هو أن الله جعل فطرة الإنسان نقية مقتضية للتوحيد والعقائد الحقة، وحب الحق والخير والتصديق بحسن العدل وقبح الظلم والنفور عن الباطل والشر، بحيث لو لم يحجب هذه الفطرة الأمور المخالفة من قبيل التربية فالإنسان بنفسه سيهتدي إلي الله ويقر بوجود الصانع، كما يتقبل العقائد الحقة عندما تعرض عليه.

والصدوق فسر الفطرة بهذا المعني وقد بحثنا بتفصيل في (رسالتنا) في تفسير آية الفطرة حول هذا الوجه وكونه موافقاً لاصول العقائد الإسلامية في الفطرة والأحاديث الشريفة التي تدل علي هذا المعني.

الوجه الثاني: أن معني (فطر الله الخلق علي التوحيد) فطرهم للتوحيد، أي خلق الناس للاعتقاد بالتوحيد، وإلي هذا المعني ذهب الشيخ الاعظم

الشيخ المفيد، واختاره.

الوجه الثالث: هو أنه عبر عن إرادة التوحيد منهم بالإرادة التكوينية، والظاهر أن المفيد استظهر من كلام الصدوق هذا الوجه، فأجاب عن ذلك بقوله: لو كان الأمر كذلك لكان الجميع موحدين.

وبديهي أنه لو كان الأمر دائراً بين الوجه الثاني والثالث، فالقول الصحيح والمعتبر هو قول المفيد (الوجه الثاني).

لكن بما أننا قلنا بأن الوجه المعتبر المستفاد من الآية والروايات هو القول الأول وهو ما اختاره الصدوق ظاهراً، وفيه رجحان علي القول الثاني ظاهراً

الفطرة والميثاق و عالم الذر

عالم الذر

تفسير نور الثقلين:1/55: (في كتاب علل الشرايع بإسناده إلي حبيب قال: حدثني الثقة عن أبي عبدالله عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالي أخذ ميثاق العباد وهم أظلة قبل الميلاد، فما تعارف من الأرواح ائتلف، وما تناكر منها اختلف.

وبإسناده إلي حبيب، عمن رواه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما تقول في الأرواح إنها جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف؟ قال فقلت إنا نقول ذلك، قال: فإنه كذلك، إن الله عز وجل أخذ من العباد ميثاقهم وهم أظلة قبل الميلاد وهو قوله عز وجل: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَي أَنْفُسِهِمْ، إلي آخر الآية، قال: فمن أقر به يومئذ جاءت ألفته هاهنا، ومن أنكره يومئذ جاء خلافه هاهنا.

في كتاب التوحيد، بإسناده إلي أبي بصير عن أبي عبدالله عليه السلام قال: قلت له: أخبرني عن الله عز وجل هل يراه المؤمن يوم القيمة؟ قال: نعم وقد رأوه قبل يوم القيمة، فقلت متي؟ قال: حين قال لهم أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَي، ثم سكت ساعة ثم قال: وإن المؤمنين ليرونه في الدنيا قبل يوم القيمة، ألست تراه في

وقتك هذا؟ قال أبو بصير فقلت له: جعلت فداك فأحدث بهذا عنك؟ فقال: لا، فإنك إذا حدثت به فأنكره منكر جاهل بمعني ما تقول ثم قدر أن ذلك تشبيه كفر. وليست الرؤية بالقلب كالرؤية بالعين، تعالي الله عما يصفه المشبهون والملحدون.

في الكافي، محمد بن يحيي، عن محمد بن موسي، عن العباس بن معروف، عن ابن أبي نجران، عن عبد الله بن سنان، عن ابن أبي يعفور، عن أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال له رجل: كيف سميت الجمعة جمعة؟ قال: إن الله عز وجل جمع فيها خلقه لولاية محمد صلي الله عليه وآله ووصيه في الميثاق، فسماه يوم الجمعة لجمعه فيه خلقه.

في غوالي اللئالي، وقال عليه السلام: أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنعمان، يعني عرفة، فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرهم بين يديه كالذر ثم كلمهم، وتلا: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَي.

في الكافي، أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان، عن أبي عميرة، عن عبد الرحمان الحذاء، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان علي بن الحسين (عليهما السلام) لا يري بالعزل بأساً، أتقرأ هذه الآية: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلَي أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَي، فكل شئ أخذ الله منه الميثاق فهو خارج وإن كان علي صخرة صماء.

عن ابن مسكان، عن بعض أصحابه، عن أبي جعفر عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه وآله: إن أمتي عرضت علي في الميثاق، فكان أول من آمن بي علي عليه السلام، وهو أول من صدقني حين بعثت، وهو الصديق الأكبر، والفاروق يفرق بين الحق والباطل.

عن

أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَي، قالوا بألسنتهم؟ قال: نعم وقالوا بقلوبهم، فقلت: وأي شئ كانوا يومئذ؟ قال: صنع منهم ما اكتفي به.

عن الأصبغ بن نباتة، عن علي عليه السلام قال: أتاه ابن الكوا فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن الله تبارك وتعالي هل كلم أحداً من ولد آدم قبل موسي؟ فقال علي عليه السلام: قد كلم الله جميع خلقه برّهم وفاجرهم وردوا عليه الجواب، فثقل ذلك علي ابن الكوا ولم يعرفه، فقال له: كيف كان ذلك يا أمير المؤمنين؟ فقال له: أو ما تقرأ كتاب الله إذ يقول لنبيه: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلَي أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَي، فقد أسمعهم كلامه وردوا عليه الجواب، كما تسمع ف قول الله يابن الكوا وقالوا بلي، فقال لهم: إني أنا الله لا إله إلا أنا، وأنا الرحمان، فأقروا له بالطاعة والربوبية، وميز الرسل والأنبياء والاوصياء، وأمر الخلق بطاعتهم فأقروا بذلك في الميثاق، فقال الملائكة عند إقرارهم: شهدنا عليكم يا بني آدم أن تقولوا يوم القيمة إنا كنا عن هذا غافلين.

في الكافي، محمد بن يحيي وغيره، عن أحمد عن موسي بن عمر، عن ابن سنان عن سعيد القماط، عن بكير بن أعين قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام: لأي علة وضع الله الحجر في الركن الذي هو فيه ولم يضع في غيره؟ ولأي علة يُقَبَّل؟ ولأي علة أخرج من الجنة، ولأي علة وضع ميثاق العباد فيه والعهد فيه ولم يوضع في غيره، وكيف السبب ذلك؟ تخبرني جعلني الله فداك فإن تفكري فيه لعجب! قال فقال: سألت وأعضلت في

المسالة واستقصيت، فافهم الجواب وفرغ قلبك وأصغ سمعك، أخبرك إن شاء الله، إن الله تبارك وتعالي وضع الحجر الأسود وهي جوهرة أخرجت من الجنة إلي آدم عليه السلام فوضعت في ذلك الركن لعلة الميثاق، وذلك أنه لما أخذ من بني آدم من ظهورهم ذريتهم حين أخذ الله عليهم الميثاق في ذلك المكان وفي ذلك المكان ترائي لهم، وفي ذلك المكان يهبط الطير علي القائم عليه السلام فأول من يبايعه ذلك الطير، وهو والله جبرئيل عليه السلام وإلي ذلك المقام يسند القائم ظهره وهو الحجة والدليل علي القائم، وهو الشاهد لمن وافي في ذلك المكان، والشاهد علي من أدي إليه الميثاق والعهد الذي أخذ الله عز وجل علي العباد.

فأما علة ما أخرجه الله من الجنة، فهل تدري ما كان الحجر؟ قلت: لا، قال: كان ملكاً من عظماء الملائكة عند الله فلما أخذ الله من الملائكة الميثاق كان أول من آمن به وأقر ذلك الملك، فاتخذه لله أميناً علي جميع خلقه، فألقمه الميثاق وأودعه عنده، واستعبد الخلق أن يجددوا عنده في كل سنة الإقرار بالميثاق والعهد الذي أخذ الله عز وجل عليهم، ثم جعله الله مع آدم في الجنة يذكره الميثاق ويجدد عنده الإقرار في كل سنة، فلما عصي آدم أخرج من الجنة أنساه الله العهد والميثاق الذي أخذ الله عليه وعلي ولده لمحمد صلي الله عليه وآله ولوصيه عليه السلام وجعله تائهاً حيراناً، فلما تاب الله علي آدم حول ذلك الملك في صورة بيضاء، فرماه من الجنة إلي آدم وهو بأرض الهند، فلما نظر إليه أنس إليه وهو لا يعرفه بأكثر من أنه جوهرة، وأنطقه الله عز وجل، فقال له: ياآدم أتعرفني؟ قال لا، قال:

أجل استحوذ عليك الشيطان فأنساك ذكر ربك، ثم تحول إلي صورته التي كان مع آدم عليه السلام في الجنة، فقال لادم: أين العهد والميثاق، فوثب إليه آدم عليه السلام وذكر الميثاق وبكي وخضع وقبله، وجدد الإقرار بالعهد والميثاق، ثم حوله الله عز وجل إلي جوهرة درة بيضاء صافية تضي، فحمله آدم علي عاتقه إجلالاً له وتعظيماً، فكان إذا أعيا حمله عنه جبرئيل عليه السلام حتي وافي به مكة فما زال يأنس به بمكة ويجدد الإقرار له كل يوم وليلة، ثم إن الله عز وجل لما بني الكعبة وضع الحجر في ذلك المكان، لأنه تبارك وتعالي حين أخذ الميثاق من ولد آدم أخذه في ذلك المكان، وفي ذلك المكان ألقم الله الملك الميثاق، ولذلك وضع في ذلك الركن وتنحي آدم من مكان البيت إلي الصفا وحوالي المروة، ووضع الحجر في ذلك الركن، فلما نظر آدم من الصفا وقد وضع الحجر في الركن كبر الله وهلله ومجده، فلذلك جرت السنة بالتكبير واستقبال الركن الذي فيه الحجر من الصفا، فإن الله أودعه الميثاق والعهد دون غيره من الملائكة...

بحار الأنوار:3/276:

سن البزنطي، عن رفاعة، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلَي أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَي. قال: نعم لله الحجة علي جميع خلقه أخذهم يوم أخذ الميثاق هكذا وقبض يده. نعم لله الحجة علي جميع خلقه أخذهم يوم أخذ الميثاق، هكذا وقبض يده.

بحار الأنوار:5/244:

عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله عز وجل خلق الخلق فخلق من أحب مما أحب، وكان ما أحب أن خلقه من طينة الجنة، وخلق من أبغض مما

أبغض وكان ما أبغض أن خلقه من طينة النار، ثم بعثهم في الظلال: فقلت وأي شئ الظلال؟ فقال: ألم تر إلي ظلك في الشمس شئ وليس بشئ؟ ثم بعث منهم النبيين فدعوهم إلي الإقرار بالله وهو قوله عز وجل: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ، ثم دعوهم إلي الإقرار بالنبيين فأنكر بعض وأقر بعض، ثم دعوهم إلي ولايتنا فأقر بها والله من أحب، وأنكرها من أبغض، وهو قوله عز وجل: فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ، ثم قال أبو جعفر عليه السلام: كان التكذيب ثَمَّ.

توضيح: قوله عليه السلام: في الظلال، أي عالم الأرواح بناء علي أنها أجسام لطيفة، ويحتمل أن يكون التشبيه للتجرد أيضاً تقريباً إلي الافهام، أو عالم المثال علي القول به قبل الانتقال إلي الابدان.

تذكير الأنبياء بميثاق الفطرة

سمي الله عز وجل القرآن الكريم: الذِّكْرَ، ووصف عمل النبي صلي الله عليه وآله بأنه تذكير، واستعمل مادة التذكير في القرآن للتذكير بالله تعالي، والتذكير باليوم الآخر، والتذكير بالفطرة والميثاق.

ووصف أمير المؤمنين علي عليه السلام عمل الأنبياء عليهم السلام بأنه مطالبة للناس بالانسجام مع ميثاق الفطرة، قال عليه السلام في خطبة طويلة في نهج البلاغة:1/23، يذكر فيها خلق آدم عليه السلام وصفته:

«فأهبطه إلي دار البلية، وتناسل الذرية، اصطفي سبحانه من ولده أنبياء، أخذ علي الوحي ميثاقهم، وعلي تبليغ الرسالة أمانتهم، لما بدل أكثر خلقه عهد الله إليهم فجهلوا حقه واتخذوا الانداد معه، واجتالتهم الشياطين عن معرفته، واقتطعتهم عن عبادته، فبعث فيهم رسله وواتر إليهم أنبياءه، ليستأدوهم ميثاق فطرته، ويذكروهم منسي نعمته، ويحتجوا عليهم بالتبليغ، ويثيروا لهم دفائن العقول، ويروهم آيات المقدرة من سقف فوقهم مرفوع.... إلي آخر الخطبة».

وقال الشيخ محمد عبده

في شرح قوله عليه السلام «ليستأدوهم ميثاق فطرته»: كأن الله تعالي بما أودع في الإنسان من الغرائز والقوي، وبما أقام له من الشواهد وأدلة الهدي قد أخذ عليه ميثاقاً بأن يصرف ما أوتي من ذلك فيما خلق له، وقد كان يعمل علي ذلك الميثاق ولا ينقضه لولا ما اعترضه من وساوس الشهوات، فبعث إليه النبيين ليطلبوا من الناس أداء ذلك الميثاق، أي ليطالبوهم بما تقتضيه فطرتهم وما ينبغي أن تسوقهم إليه غرائزهم.

دفائن العقول: أنوار العرفان التي تكشف للانسان أسرار الكائنات، وترتفع به إلي الايقان بصانع الموجودات، وقد يحجب هذه الأنوار غيوم من الأوهام وحجب من الخيال، فيأتي النبيون لإثارة تلك المعارف الكامنة وإبراز تلك الأسرار الباطنة.

وقال الراغب الأصفهاني في المفردات/179:

الذِّكْرَ: تارة يقال ويراد به هيئة للنفس بها يمكن للإنسان أن يحفظ ما يقتنيه من المعرفة، وهو كالحفظ إلا أن الحفظ يقال اعتباراً بإحرازه، والذكر يقال اعتباراً باستحضاره، وتارة يقال لحضور الشئ القلب أو القول، ولذلك قيل الذكر ذكران: ذكر بالقلب وذكر باللسان، وكل واحد منهما ضربان، ذكر عن نسيان وذكر لا عن نسيان بل عن إدامة الحفظ. وكل قول يقال له ذكر.

فمن الذكر باللسان قوله تعالي: لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ، وقوله تعالي: وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ، وقوله: هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي، وقوله: أَءُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا، أي القرآن، وقوله تعالي: وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ... ومن الذكر عن النسيان قوله: فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَ مَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ.

ومن الذكر بالقلب واللسان معاً قوله تعالي: فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا، وقوله: فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ...

والذكري: كثرة الذكر، وهو

أبلغ من الذكر، قال تعالي: رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَي لأُولِي الأَلْبَابِ، وذكر فإن الذكري تنفع المؤمنين....

وقال الراغب أيضاً: الوعظ زجر مقترن بتخويف. قال الخليل: هو التذكير بالخير فيما يرق له القلب. والعظة والموعظة الاسم، قال تعالي: يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ. ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ. قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ....

وقال أبو هلال العسكري في الفروق اللغوية/121:

الفرق بين التذكير والتنبيه: أن قولك ذكر الشئ، يقتضي أنه كان عالماً به ثم نسيه فرده إلي ذكره ببعض الأسباب، وذلك أن الذكر هو العلم الحادث بعد النسيان علي ما ذكرنا. ويجوز أن ينبه الرجل علي الشئ لم يعرفه قط، ألا تري أن الله ينبه علي معرفته بالزلازل والصواعق وفيهم من لم يعرفه البتة فيكون ذلك تنبيهاً له كما يكون تنبيهاً لغيره، ولا يجوز أن يذكره ما لم يعلمه قط. انتهي.

وفيما ذكره اللغويون فوائد ومحال للنظر، وحاصل المسألة: أنه يصح القول إن تسمية القرآن والدين بالذكر لأنه يدل علي ما أودعه الله تعالي في عمق فكر الإنسان ومشاعره من الفطرة علي التوحيد ومعرفة الله، ولكن السبب الأهم أنه يثير ما بقي في ذهنه ووجدانه من نشأته الأولي وحنينه إلي عالم الغيب والآخرة، وإحساسه بالميثاق الذي أخذ عليه في تلك النشأة.

وقد لاحظت أن الروايات صريحة في أخذ الميثاق علي الناس قبل خلقهم في هذه الدنيا، وهي متواترة في مصادر المسلمين، ولذا فإن تفسير تذكير الأنبياء لا يصح حصره بتذكير الإنسان بفطرته لكي ينسجم معها، والتغافل عن التذكير الحقيقي بالميثاق الذي صرحت به الأحاديث الشريفة.

كل مولود يولد علي الفطرة

الكافي:2/12:

قال رسول الله صلي الله عليه وآله: كل مولود يولد علي الفطرة، يعني المعرفة بأن الله عز وجل خالقه، كذلك قوله:

وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ.

علل الشرائع:2/376:

أبي رحمه الله قال: حدثنا محمد بن يحيي، عن محمد بن أحمد، عن سهل بن زياد، عن علي بن الحكم، عن فضيل بن عثمان الأعور قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: ما من مولود ولد إلا علي الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، وإنما أعطي رسول الله صلي الله عليه وآله الذمة وقبل الجزية عن رؤوس أولئك بأعيانهم علي أن لا يهودوا ولا ينصروا ولا يمجسوا. فأما الأولاد وأهل الذمة اليوم فلا ذمة لهم! انتهي. ورواه الصدوق في الفقيه:2/49، وفي التوحيد/330، وروي المجلسي عدداً من هذه الأحاديث في بحار الأنوار:100/65، والعاملي في وسائل الشيعة:11/96

من لا يحضره الفقيه:2 هامش/50:

وقال الفاضل التفرشي: قوله: إلا علي الفطرة، أي علي فطرة الإسلام وخلقته، أي المولود خلق في نفسه علي الخلقة الصحيحة التي لو خلي وطبعه كان مسلماً صحيح الإعتقاد والأفعال، وإنما يعرض له الفساد من خارج، فصيرورته يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً إنما هي من قبل أبويه غالباً لأنهما أشد الناس اختلاطاً وتربية له، ولعل وجه انتفاء ذمتهم أن ذمة رسول الله صلي الله عليه وآله لم تشملهم، بل أعطاهم الذمة بسبب أن لا يفسدوا اعتقاد أولادهم ليحتاجوا إلي الذمة. ولم يعطوا الذمة من قبل الأوصياء عليهم السلام لعدم تمكنهم في تصرفات الإمامة، وإنما يعطوها من قبل من ليس له تلك الولاية، فإذا ظهر الحق وقام القائم عليه السلام لم يقروا علي ذلك ولا يقبل منهم إلا الإسلام. وأخذ الجزية منهم هذا الزمان من قبيل أخذ الخراج من الأرض، والمنع عن التعرض لهم باعتبار الأمان. وأما قوله في حديث زرارة الآتي: ذلك إلي الإمام، فمعناه أنه إذا

كان متمكناً ويري المصلحة في أخذ الجزية منهم كما وقع في زمان رسول الله صلي الله عليه وآله وهو لا ينافي انتفاء الذمة عنهم اليوم. انتهي.

تفسير التبيان:8/247: (قال مجاهد: فطرة الله الإسلام، وقيل فطر الناس عليها ولها وبها بمعني واحد، كما يقول القائل لرسوله: بعثتك علي هذا ولهذا وبهذا بمعني واحد. ونصب فطرة الله علي المصدر، وقيل تقديره: اتبع فطرة الله التي فطر الناس عليها، لأن الله تعالي خلق الخلق للإيمان، ومنه قوله صلي الله عليه وآله: كل مولود يولد علي الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه.

ومعني الفطر الشق ابتداءً، يقولون: أنا فطرت هذا الشئ أي أنا ابتدأته، والمعني خلق الله الخلق للتوحيد والإسلام.

بحار الأنوار:3/22: (غوالي: قال النبي صلي الله عليه وآله: كل مولود يولد علي الفطرة حتي يكون أبواه يهودانه وينصرانه.

بيان: قال السيد المرتضي رحمه الله في كتاب الغرر والدرر بعد نقل بعض التأويلات عن المخالفين في هذا الخبر: والصحيح في تأويله أن قوله يولد علي الفطرة، يحتمل أمرين:

أحدهما: أن تكون الفطرة هاهنا الدين، ويكون علي بمعني اللام، فكأنه قال: كل مولود يولد للدين ومن أجل الدين، لأن الله تعالي لم يخلق من يبلغه مبلغ المكلفين إلا ليعبده فينتفع بعبادته، يشهد بذلك قوله تعالي: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ. والدليل علي أن علي تقوم مقام اللام ما حكاه يعقوب بن السكيت عن أبي يزيد، عن العرب أنهم يقولون: صف عليَّ كذا وكذا حتي أعرفه، بمعني صف لي، ويقولون: ما أغبطك عليَّ يريدون ما أغبطك لي، والعرب تقيم بعض الصفات مقام بعض، وإنما ساغ أن يريد بالفطرة التي هي الخلقة في اللغة الدين من حيث كان هو المقصود بها، وقد

يجري علي الشئ اسم ماله به هذا الضرب من التعلق والاختصاص، وعلي هذا يتأول قوله تعالي: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا، أراد دين الله الذي خلق الخلق له. وقوله تعالي: لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ، أراد به أن ما خلق الله العباد له من العبادة والطاعة ليس مما يتغير ويختلف حتي يخلق قوماً للطاعة وآخرين للمعصية. ويجوز أن يريد بذلك الأمر، وإن كان ظاهره ظاهر الخبر فكأنه قال: لا تبدلوا ما خلقكم الله له من الدين والطاعة بأن تعصوا وتخالفوا.

والوجه الآخر في تأويل قوله عليه السلام علي الفطرة: أن يكون المراد به الخلقة، وتكون لفظة (علي) علي ظاهرها لم يرد بها غيره، ويكون المعني: كل مولود يولد علي الخلقة الدالة علي وحدانية الله تعالي وعبادته والإيمان به، لأنه عز وجل قد صور الخلق وخلقهم علي وجه يقتضي النظر فيه معرفته والإيمان به وإن لم ينظروا ويعرفوا، فكأنه عليه السلام قال: كل مخلوق ومولود فهو يدل بخلقته وصورته علي عبادة الله تعالي وإن عدل بعضهم فصار يهودياً أو نصرانياً. وهذا الوجه أيضاً يحتمله قوله تعالي: فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا.

وإذا ثبت ما ذكرناه في معني الفطرة فقوله عليه الصلاة والسلام: حتي يكون أبواه يهودانه وينصرانه، يحتمل وجهين:

أحدهما: أن من كان يهودياً أو نصرانياً ممن خلقته لعبادتي وديني فإنما جعله أبواه كذلك، أو من جري مجراهما ممن أوقع له الشبهة وقلده الضلال عن الدين، وإنما خص الابوين لأن الأولاد في الاكثر ينشؤون علي مذاهب آبائهم ويألفون أديانهم ونحلهم، ويكون الغرض بالكلام تنزيه الله تعالي عن ضلال العباد وكفرهم، وأنه إنما خلقهم للإيمان فصدهم عنه آباؤهم، أو من جري مجراهم.

والوجه الآخر: أن يكون معني يهودانه وينصرانه أي يلحقانه بأحكامهما، لأن أطفال أهل الذمة قد ألحق الشرع أحكامهم بأحكامهم، فكأنه عليه السلام قال: لا تتوهموا من حيث لحقت أحكام اليهود والنصاري أطفالهم أنهم خلقوا لدينهم، بل لم يخلقوا إلا للإيمان والدين الصحيح، لكن آباءهم هم الذين أدخلوهم في أحكامهم، وعبر عن إدخالهم في أحكامهم بقوله: يهودانه وينصرانه.

وقال البخاري في صحيحه:2/97: (أن أبا هريرة (رض) قال: قال رسول الله (ص): ما من مولود إلا يولد علي الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة، هل تحسون فيها من جدعاء، ثم يقول أبو هريرة (رض): فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم.

وقال في:2/104: (عن أبي هريرة (رض) قال قال رسول الله (ص): كل مولود يولد علي الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كمثل البهيمة تنتج البهيمة، هل تري فيها جدعاء. انتهي. وروي نحوه في:6/20 وفي:7/211 ورواه أحمد في مسنده:2/233 كما في رواية البخاري الأولي. ورواه في:2/275 وزاد (ثم يقول واقرؤوا إن شئتم: فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله).

وروي أحمد في:2/282: (عن طاوس عن أبي هريرة أن النبي(ص)قال: كل مولود ولد علي الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه، مثل الأنعام تنتج صحاحاً فتكوي آذانها. انتهي. وروي نحوه في:2/346 وج 3/353، وروي نحوه مسلم في:8/52 وأبو داود في:2/416، والترمذيج 3/303، والحاكم:2/323، وكنز العمال:1/266، والسيوطي في الدر المنثور:2/224 وج5/155، والبيهقي في سننه:6/202 و:9/130

وفي شعب الإيمان:1/97: عن أبي هريرة، وروي عنه أيضاً أن رسول الله (ص) قال: كل إنسان تلده أمه علي الفطرة يلكزه الشيطان في حضنيه، إلا مريم وابنها. انتهي. وهو غريب يشبه مقولات

النصاري.

و كل الحيوانات فطرت علي معرفة الله تعالي

الكافي:6/539: (أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبدالجبار، عن الحجال، وابن فضال، عن ثعلبة، عن يعقوب بن سالم، عن رجل، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: مهما أبهم علي البهائم من شئ فلا يبهم عليها أربعة خصال: معرفة أن لها خالقاً، ومعرفة طلب الرزق ومعرفة الذكر من الأنثي، ومخافة الموت. انتهي.

ورواه في من لايحضره الفقيه:2/288 وقال: (وأما الخبر الذي روي عن الصادق عليه السلام أنه قال: لو عرفت البهائم من الموت ما تعرفون ما أكلتم منها سميناً قط، فليس بخلاف هذا الخبر، لأنها تعرف الموت لكنها لا تعرف منه ما تعرفون. انتهي، ورواه في وسائل الشيعة:8/352.

ومحل هذا الموضوع في المعرفة، لكن أوردناه هنا ليتضح أن الإنسان والحيوان مفطوران علي معرفة الله تعالي، بل والجماد أيضاً كما قال تعالي (وَإِنْ مِنْ شَئٍْ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ).

التوجه الفطري إلي الله تعالي

شرح الأسماء الحسني:1/67: (يا ملجئي عند اضطراري: فإن الإنسان إذا انقطعت جميع وسائله وانبتت تمام حبائله التجأ إليه تعالي بالفطرة وتشبث به بالجبلة، ولذا استدل الأئمة المعصومون كثيراً علي منكري الصانع بالحالات المشاهدة، والوقوع في مظان التهلكة.

شرح الأسماء الحسني:1/164: (يا أحب من كل حبيب: أما أنه أحب من كل حبيب لأهله فواضح، وقد مر، وأما أنه أحب للكل كما هو مقتضي الإطلاق فلأن كل كمال وإفضال لما كان عكس كماله وإفضاله ومحبوبيتها باعتبار وجهها إلي الله، رجع محبوبيتها إلي محبوبيته، فإليه يرجع عواقب الثناء كما ورد عن المعصوم، ولكن لا يستشعر بذلك إلا الخواص.

والتفاضل والإيمان والكفر بذلك الاستشعار، أو لأنه أحب لهم إجمالاً أو فطرة، كما أن الجاهل يعلم أن العالم خير منه، والغضبان يصدق بأن الحليم أشرف منه، والبخيل بأن

الجواد أفضل منه، فهم يحبون الصفات الحميدة فطرةً وإن أحبوا تلك الرذايل بالغريزة الثانية.

شرح الأسماء الحسني:2/4: (تنبيهاً علي أنه تعالي هو المعروف بتلك الصلات والصفات عند الفطرة الأولي التي فطر الناس عليها، فلا تذهب العقول إلي غيره تعالي حتي عقول الكفار، كما قال تعالي: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ، وحين قال الخليل عليه السلام: إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب، لم ينكره نمرود بل بهت، لأن فطرته حاكمة بأن القادر علي ذلك ليس إلا هو.

رأي صاحب تفسير الميزان في عالم الذر والمعرفة والميثاق

تفسير الميزان للطباطبائي:8/305: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَي أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَي شَهِدْنَا

أخذ الشئ من الشئ يوجب انفصال المأخوذ من المأخوذ منه واستقلاله دونه بنحو من الأنحاء، وهو يختلف باختلاف العنايات المتعلقة بها والإعتبارات المأخوذة فيها كأخذ اللقمة من الطعام وأخذ الجرعة من ماء القدح، وهو نوع من الأخذ، وأخذ المال والأثاث من زيد الغاصب، أو الجواد أو البائع أو المعير، وهو نوع آخر، أو أنواع مختلفة أخري، وكأخذ العلم من العالم وأخذ الأهبة من المجلس وأخذ الحظ من لقاء الصديق، وهو نوع، وأخذ الولد من والده للتربية، وهو نوع.. إلي غير ذلك.

فمجرد ذكر الأخذ من الشئ لا يوضح نوعه إلا ببيان زائد، ولذلك أضاف الله سبحانه إلي قوله وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ، الدال علي تفريقهم وتفصيل بعضهم من بعض: قوله مِنْ ظُهُورِهِمْ، ليدل علي نوع الفصل والأخذ، وهو أخذ بعض المادة منها بحيث لا تنقص المادة المأخوذ منها بحسب صورتها ولا تنقلب عن تمامها واستقلالها، ثم تكميل الجزء المأخوذ شيئاً تاماً مستقلاً من نوع المأخوذ منه، فيؤخذ الولد من

ظهر من يلده ويولده وقد كان جزء، ثم يجعل بعد الأخذ والفصل إنساناً تاماً مستقلاً من والديه بعد ما كان جزء منهما، ثم يؤخذ من ظهر هذا المأخوذ مأخوذ آخر وعلي هذه الوتيرة حتي يتم الأخذ وينفصل كل جزء عما كان جزء منه ويتفرق الأناسي وينتشر الأفراد وقد استقل كل منهم عمن سواه، ويكون لكل واحد منهم نفس مستقلة لها ما لها وعليها ما عليها.

فهذا مفاد قوله: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ، ولو قال أخذ ربك من بني آدم ذريتهم أو نشرهم ونحو ذلك، بقي المعني علي إبهامه.

وقوله: وَأَشْهَدَهُمْ عَلَي أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ، ينبي عن فعل آخر إلهي تعلق بهم بعد ما أخذ بعضهم من بعض، وفصل بين كل واحد منهم وغيره، وهو إشهادهم علي أنفسهم، والإشهاد علي الشئ هو إحضار الشاهد عنده وإراءته حقيقته ليتحمله علماً تحملاً شهودياً، فإشهادهم علي أنفسهم هو إراءتهم حقيقة أنفسهم ليتحملوا ما أريد تحملهم من أمرها، ثم يؤدوا ما تحملوه إذا سئلوا.

وللنفس في كل ذي نَفَس جهات من التعلق والإرتباط بغيرها يمكن أن يستشهد الإنسان علي بعضها دون بعض، غير أن قوله: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ، يوضح ما أشهدوا لأجله وأريد شهادتهم عليه، وهو أن يشهدوا ربوبيته سبحانه لهم فيؤدوها عند المسألة. فالإنسان وإن بلغ من الكبر والخيلاء ما بلغ وغرته مساعدة الأسباب ما غرته واستهوته، لا يسعه أن ينكر أنه لايملك وجود نفسه ولا يستقل بتدبير أمره، ولو ملك نفسه لوقاها مما يكرهه من الموت وسائر آلام الحياة ومصائبها، ولو استقل بتدبير أمره لم يفتقر إلي الخضوع قبال الأسباب الكونية والوسائل التي يري لنفسه أنه يسودها ويحكم فيها، ثم هي كالإنسان في الحاجة

إلي ماوراءها والإنقياد إلي حاكم غائب عنها يحكم فيها لها أو عليها، وليس إلي الإنسان أن يسد خلتها ويرفع حاجتها.

فالحاجة إلي رب مالك مدبر حقيقة الإنسان، والفقر مكتوب علي نفسه، والضعف مطبوع علي ناصيته، لا يخفي ذلك علي إنسان له أدني الشعور الإنساني والعالم والجاهل والصغير والكبير والشريف والوضيع في ذلك سواء. فالإنسان في أي منزل من منازل الإنسانية نزل، يشاهد من نفسه أن له رباً يملكه ويدبر أمره، وكيف لا يشاهد ربه وهو يشاهد حاجته الذاتية، وكيف يتصور وقوع الشعور بالحاجة من غير شعور بالذي يحتاج إليه.

فقوله: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ بيان ما أشهد عليه، وقوله: قَالُوا بَلَي شَهِدْنَا، اعتراف منهم بوقوع الشهادة وما شهدوه.

ولذا قيل إن الآية تشير إلي ما يشاهده الإنسان في حياته الدنيا أنه محتاج في جميع جهات حياته من وجوده وما يتعلق به وجوده من اللوازم والأحكام، ومعني الآية إنا خلقنا بني آدم في الأرض وفرقناهم وميزنا بعضهم من بعض بالتناسل والتوالد وأوقفناهم علي احتياجهم ومربوبيتهم لنا، فاعترفوا بذلك قائلين: بلي شهدنا أنك ربنا. وعلي هذا يكون قولهم بلي شهدنا من قبيل القول بلسان الحال أو إسناداً للازم القول إلي القائل بالملزوم، حيث اعترفوا بحاجاتهم ولزمهم الإعتراف بمن يحتاجون إليه.

والفرق بين لسان الحال والقول بلازم القول، أن الأول انكشاف المعني عن الشئ لدلالة صفه من صفاته وحال من أحواله عليه، سواء شعر به أم لا، كما تفصح آثار الديار الخربة عن حال ساكنيها وكيف لعب الدهر بهم وعدت عادية الايام عليهم فأسكنت أجراسهم وأخمدت أنفاسهم، وكما يتكلم سيماء البائس المسكين عن فقره ومسكنته وسوء حاله. والثاني انكشاف المعني عن القائل لقوله بما يستلزمه أو تكلمه بما يدل عليه

بالالتزام.

فعلي أحد هذين النوعين من القول أعني القول بلسان الحال والقول بالإستلزام يحمل اعترافهم المحكي بقوله تعالي: قَالُوا بَلَي شَهِدْنَا، والأول أقرب وأنسب فإنه لا يكتفي في مقام الشهادة إلا بالصريح منها المدلول عليه بالمطابقة دون الإلتزام. ومن المعلوم أن هذه الشهادة علي أي نحو تحققت فهي من سنخ الإستشهاد المذكور في قوله: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ، فالظاهر أنه قد استوفي الجواب بعين اللسان الذي سألهم به، ولذلك كان هناك نحو ثالث يمكن أن تحمل عليه هذه المساءلة والمجاوبة، فإن الكلام الإلهي يكشف به عن المقاصد الإلهية بالفعل والإيجاد، كلام حقيقي، وإن كان بنحو التحليل كما تقدم مراراً في مباحثنا السابقة فليكن هنا قوله: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ، وقولهم: بَلَي شَهِدْنَا، من ذاك القبيل، وسيجئ للكلام تتمة.

وكيف كان، فقوله: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ... الآية، يدل علي تفصيل بني آدم بعضهم من بعض وإشهاد كل واحد منهم علي نفسه، وأخذ الإعتراف علي الربوبية منه، ويدل ذيل الآية وما يتلوه _ أعني قوله: أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ، أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون _ علي الغرض من هذا الأخذ والإشهاد. و هو علي ما يفيده السياق إبطال حجتين للعباد علي الله، وبيان أنه لولا هذا الأخذ والإشهاد وأخذ الميثاق علي انحصار الربوبية كان للعباد أن يتمسكوا يوم القيامة بإحدي حجتين يدفعون بها تمام الحجة عليهم في شركهم بالله والقضاء بالنار علي ذلك من الله سبحانه.

والتدبر في الآيتين وقد عطفت إحدي الحجتين علي الأخري بأو الترديدية، وبنيت الحجتان جميعاً علي العلم اللازم للإشهاد، ونقلتا جميعاً عن بني آدم المأخوذين المفرقين، يعطي أن الحجتين

كل واحدة منهما مبنيه علي تقدير من تقديري عدم الاشهاد كذلك.

والمراد إنا أخذنا ذريتهم من ظهورهم وأشهدناهم علي أنفسهم فاعترفوا بربوبيتنا فتمت لنا الحجة عليهم يوم القيامة، ولو لم نفعل هذا ولم نشهد كل فرد منهم علي نفسه بعد أخذه، فإن كنا أهملنا الاشهاد من رأس، فلم يشهد أحد نفسه وأن الله ربه ولم يعلم به، لأقاموا جميعاً الحجة علينا يوم القيامة بأنهم كانوا غافلين في الدنيا عن ربوبيتنا، ولا تكليف علي غافل ولا مؤاخذة، وهو قوله تعالي: أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ.

وإن كنا لم نهمل أمر الإشهاد من رأس وأشهدنا بعضهم علي أنفسهم دون بعض، بأن أشهدنا الإباء علي هذا الأمر الهام العظيم دون ذرياتهم ثم أشرك الجميع كان شرك الإباء شركاً عن علم بأن الله هو الرب لا رب غيره، فكانت معصية منهم، وأما الذرية فإنما كان شركهم بمجرد التقليد فيما لا سبيل لهم إلي العلم به لا إجمالاً ولا تفصيلاً، ومتابعة عملية محضة لآبائهم، فكان آباؤهم هم المشركون بالله العاصون في شركهم لعلمهم بحقيقة الأمر، وقد قادوا ذريتهم الضعاف في سبيل شركهم بتربيتهم عليه وتلقينهم ذلك، ولا سبيل لهم إلي العلم بحقيقة الأمر وإدراك ضلال آبائهم وإضلالهم إياهم، فكانت الحجة لهؤلاء الذرية علي الله يوم القيامة لأن الذين أشركوا وعصوا بذلك وأبطلوا الحق هم الآباء، فهم المستحقون للمؤاخذة والفعل فعلهم، وأما الذرية فلم يعرفوا حقاً حتي يؤمروا به فيعصوا بمخالفته فهم لم يعصوا شيئاً ولم يبطلوا حقاً، وحينئذ لم تتم حجة علي الذرية فلم تتم الحجة علي جميع بني آدم. وهذا معني قوله تعالي: أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَ كُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ

أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ

فإن قلت: هنا بعض تقادير أخر لا يفي بها البيان السابق، كما لو فرض إشهاد الذرية علي أنفسهم دون الاباء مثلاً، أو إشهاد بعض الذرية مثلاً، كما أن تكامل النوع الإنساني في العلم والحضارة علي هذه الوتيرة يرث كل جيل ما تركه الجيل السابق ويزيد عليه بأشياء، فيحصل للاّحق ما لم يحصل للسابق.

قلت: علي أحد التقديرين المذكورين تتم الحجة علي الذرية أو علي بعضهم الذين أشهدوا، وأما الآباء الذين لم يشهدوا فليس عندهم إلا الغفلة المحضة عن أمر الربوبية، فلا يستقلون بشرك إذ لم يشهدوا، ولا يسع لهم التقليد إذ لم يسبق عليهم فيه سابق، كما في صورة العكس فيدخلون تحت المحتجين بالحجة الأولي (إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ).

وأما حديث تكامل الإنسان في العلم والحضارة تدريجاً فإنما هو في العلوم النظرية الإكتسابية التي هي نتائج وفروع تحصل للانسان شيئاً فشيئاً، وأما شهود الإنسان نفسه وأنه محتاج إلي رب يربه فهو من مواد العلم التي إنما تحصل قبل النتائج، وهو من العلوم الفطرية التي تنطبع في النفس انطباعاً أولياً ثم يتفرع عليها الفروع. وما هذا شأنه لا يتأخر عن غيره حصولاً، وكيف لا ونوع الإنسان إنما يتدرج إلي معارفه وعلومه عن الحس الباطني بالحاجة، كما قرر في محله.

فالمتحصل من الآيتين أن الله سبحانه فصل بين بني آدم بأخذ بعضهم من بعض، ثم أشهدهم جميعاً علي أنفسهم وأخذ منهم الميثاق بربوبيته، فهم ليسوا بغافلين عن هذا المشهد وما أخذ منهم من الميثاق، حتي يحتج كلهم بأنهم كانوا غافلين عن ذلك لعدم معرفتهم بالربوبية، أو يحتج بعضهم بأنه إنما أشرك وعصي آباؤهم وهم برآء.

ولذلك ذكر عدة من المفسرين أن المراد

بهذا الظرف المشار إليه بقوله: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ، هو الدنيا، والآيتان تشيران إلي سنة الخلقة الإلهية الجارية علي الإنسان في الدنيا، فإن الله سبحانه يخرج الذرية الإنسانية من أصلاب آبائهم إلي أرحام أمهاتهم ومنها إلي الدنيا، ويشهدهم في خلال حياتهم علي أنفسهم ويريهم آثار صنعه وآيات وحدانيته ووجوه احتياجاتهم المستغرقة لهم من كل جهة، الدالة علي وجوده ووحدانيته، فكأنه يقول لهم عند ذلك أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ، وهم يجيبونه بلسان حالهم بَلَي شَهِدْنَا بذلك وأنت ربنا لا رب غيرك، وإنما فعل الله سبحانه ذلك لئلا يحتجوا علي الله يوم القيامة بأنهم كانوا غافلين عن المعرفة، أو يحتج الذرية بأن آباءهم هم الذين أشركوا، وأما الذرية فلم يكونوا عارفين بها وإنما هم ذرية من بعدهم نشأوا علي شركهم من غير ذنب.

وقد طرح القوم عدة من الروايات تدل علي أن الآيتين تدلان علي عالم الذر، وأن الله أخرج ذرية آدم من ظهره فخرجوا كالذر فأشهدهم علي أنفسهم وعرفهم نفسه، وأخذ منهم الميثاق علي ربوبيته، فتمت بذلك الحجة عليهم يوم القيامة. وقد ذكروا وجوهاً في إبطال دلالة الآيتين عليه وطرح الروايات بمخالفتها لظاهر الكتاب، وهي:

1 _ أنه لا يخلو إما أنه جعل الله هذه الذرية المستخرجة من صلب آدم عقلاء أو لم يجعلهم كذلك، فإن لم يجعلهم عقلاء فلا يصح أن يعرفوا التوحيد وأن يفهموا خطاب الله تعالي، وإن جعلهم عقلاء وأخذ منهم الميثاق وبني صحة التكليف علي ذلك وجب أن يذكروا ذلك ولا ينسوه، لأن أخذ الميثاق إنما تتم الحجة به علي المأخوذ منه إذا كان علي ذكر منه من غير نسيان، كما ينص عليه قوله تعالي: أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ. ونحن

لا نذكر وراء ما نحن عليه من الخلقة الدنيوية الحاضرة شيئاً، فليس المراد بالآية إلا موقف الإنسان في الدنيا وما يشاهده فيه من حاجته إلي رب يملكه ويدبر أمره و هو رب كل شئ.

2 _ أنه لا يجوز أن ينسي الجمع الكثير والجم الغفير من العقلاء أمراً قد كانوا عرفوه وميزوه حتي لا يذكره ولا واحد منهم، وليس العهد به بأطول من عهد أهل الجنة بحوادث مضت عليهم في الدنيا وهم يذكرون ما وقع عليهم في الدنيا كما يحكيه تعالي في مواضع من كلامه كقوله: قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ... إلي آخر الآيات، الصافات: 51. وقد حكي نظير ذلك عن أهل النار كقوله: وَقَالُوا مَا لَنَا لا نَرَي رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأَشْرَارِ.ص: 62... إلي غير ذلك من الآيات.

ولو جاز النسيان علي هؤلاء الجماعة مع هذه الكثرة لجاز أن يكون الله سبحانه قد كلف خلقه فيما مضي من الزمن ثم أعادهم ليثيبهم أو ليعاقبهم جزاء لأعمالهم في الخلق الأول وقد نسوا ذلك، ولازم ذلك صحة قول التناسخية أن المعاد إنما هو خروج النفس عن بدنها ثم دخولها في بدن آخر لتجد في الثاني جزاء الأعمال التي عملتها في الأول.

3 _ ما أورد علي الأخبار الناطقة بأن الله سبحانه أخذ من صلب آدم ذريته وأخذ منهم الميثاق بأن الله سبحانه قال: أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ ولم يقل من آدم، وقال مِنْ ظُهُورِهِمْ ولم يقل من ظهره، وقال ذُرِّيَّتَهُمْ ولم يقل ذريته، ثم أخبر بأنه إنما فعل بهم ذلك لئلا يقولوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أو يقولوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ... الآية. وهذا

يقتضي أن يكون لهم آباء مشركون فلا يتناول ظاهر الآية أولاد آدم لصلبه.

ومن هنا قال بعضهم إن الآية خاصة ببعض بني آدم غير عامة لجميعهم، فإنها لا تشمل آدم وولده لصلبه وجميع المؤمنين، ومن المشركين من ليس له آباء مشركون، بل تختص بالمشركين الذين لهم سلف مشرك.

4 _ إن تفسير الآية بعالم الذر ينافي قولهم كما في الآية: إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا لدلالته علي وجود آباء لهم مشركين، وهو ينافي وجود الجميع هناك بوجود واحد جمعي.

5 _ ما ذكره بعضهم أن الروايات مقبولة مسلمة غير أنها ليست بتأويل للآية، والذي تقصه من حديث عالم الذر إنما هو أمر فعله الله سبحانه ببني آدم قبل وجودهم في هذه النشأة ليجروا بذلك علي الأعراق الكريمة في معرفة ربوبيته، كما روي أنهم ولدوا علي الفطرة، وكما قيل إن نعيم الأطفال في الجنة ثواب إيمانهم بالله في عالم الذر. وأما الآية فليست تشير إلي ما تشير إليه الروايات، فإن الآية تذكر أنه إنما فعل بهم ذلك لتنقطع به حجتهم يوم القيامه: إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ، ولو كان المراد به ما فعل بهم في عالم الذر لكان لهم أن يحتجوا علي الله فيقولوا ربنا إنك أشهدتنا علي أنفسنا يوم أخرجتنا من صلب آدم فكنا علي يقين بأنك ربنا، كما أنا اليوم وهو يوم القيامة علي يقين من ذلك لكنك أنسيتنا موقف الإشهاد في الدنيا التي هي موطن التكليف والعمل ووكلتنا إلي عقولنا، فعرف ربوبيتك من عرفها بعقله وأنكرها من أنكرها بعقله، كل ذلك بالإستدلال، فما ذنبنا في ذلك وقد نزعت منا عين المشاهدة وجهزتنا بجهاز شأنه الإستدلال وهو يخطئ ويصيب.

6 _ أن الآية لا صراحة لها

فيما تدل عليه الروايات لإمكان حملها علي التمثيل، وأما الروايات فهي إما مرفوعة أو موقوفة ولا حجية فيها.

هذه جملة ما أوردوه علي دلالة الآية وحجية الروايات، وقد زيفها المثبتون لنشأة الذر وهم عامة أهل الحديث وجمع من غيرهم من المفسرين بأجوبة:

فالجواب عن الأول، أن نسيان الموقف وخصوصياته لا يضر بتمام الحجة، وإنما المضر نسيان أصل الميثاق وزوال معرفة وحدانية الرب تعالي وهو غير منسي ولا زائل عن النفس، وذلك يكفي في تمام الحجة، ألا تري أنك إذا أردت أن تأخذ ميثاقاً من زيد فدعوته إليك وأدخلته بيتك وأجلسته مجلس الكرامة ثم بشرته وأنذرته ما استطعت ولم تزل به حتي أرضيته فأعطاك العهد وأخذت منه الميثاق، فهو مأخوذ بميثاقه مادام ذاكراً لأصله وإن نسي حضوره عندك ودخوله بيتك وجميع ما جري بينك وبينه وقت أخذ الميثاق، غير أصل العهد.

والجواب عن الثاني، أن الإمتناع من تجويز نسيان الجمع الكثير لذلك مجرد استبعاد من غير دليل علي الإمتناع، مضافاً إلي أن أصل المعرفة بالربوبية مذكور غير منسي كما ذكرنا وهو يكفي في تمام الحجة، وأما حديث التناسخية فليس الدليل علي امتناع التناسخ منحصراً في استحالة نسيان الجماعة الكثيرة ما مضي عليهم في الخلق الأول، حتي لو لم يستحل ذلك صح القول بالتناسخ، بل لابطال القول به دليل آخر كما يعلم بالرجوع إلي محله، وبالجملة لا دليل علي استحالة نسيان بعض العوالم في بعض آخر.

والجواب عن الثالث، أن الآية غير ساكتة عن إخراج ولد آدم لصلبه من صلبه، فإن قوله تعالي: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ، كاف وحده في الدلالة عليه، فإن فرض بني آدم فرض إخراجهم من صلب آدم من غير حاجة إلي

مؤونة زائدة، ثم إخراج ذريتهم من ظهورهم بإخراج أولاد الأولاد من صلب الأولاد وهكذا، ويتحصل منه أن الله أخرج أولاد آدم لصلبه من صلبه ثم أولادهم من أصلابهم ثم أولاد أولادهم من أصلاب أولادهم حتي ينتهي إلي آخرهم، نظير ما يجري عليه الأمر في هذه النشأة الدنيوية التي هي نشأة التوالد والتناسل.

وقد أجاب الرازي عنه في تفسيره بأن الدلالة علي إخراج أولاده لصلبه من صلبه من ناحية الخبر، كما أن الدلالة علي إخراج أولاد أولاده من أصلاب آبائهم من ناحية الآية، فبمجموع الآية والخبر تتم الدلالة علي المجموع، وهو كما تري.

وأما الأخبار المشتملة علي ذكر إخراج ذرية آدم من صلبه وأخذ الميثاق منهم، فهي في مقام شرح القصة لا في مقام تفسير ألفاظ الآية حتي يورد عليها بعدم موافقه الكتاب أو مخالفته. وأما عدم شمول الآية لأولاد آدم من صلبه لعدم وجود آباء مشركين لهم وكذا بعض من عداهم فلا يضر شيئاً، لأن مراد الآية أن الله سبحانه إنما فعل ذلك لئلا يقول المشركون يوم القيامة إنما أشرك آباؤنا، ولا أن يقول كل واحد منهم إنما أشرك آبائي، فهذا مما لم يتعلق به الغرض ألبتة، فالقول قول المجموع من حيث المجموع لا قول كل واحد، فيؤول المعني إلي أنا لو لم نفعل ذلك لكان كل من أردنا إهلاكه يوم القيامة يقول لم أشرك أنا وإنما أشرك من كان قبلي ولم أكن إلا ذرياً وتابعاً لا متبوعاً.

والجواب عن الرابع، يظهر من الجواب عن سابقه، قد دلت الآية والرواية علي أن الله فصل هناك بين الآباء والأبناء ثم ردهم إلي حال الجمع.

والجواب عن الخامس، أنه خلاف ظاهر بعض الروايات وخلاف صريح بعض آخر

منها، وما في ذيله من عدم تمام الحجة من جهة عروض النسيان، ظهر الجواب عنه من الجواب عن الإشكال الأول.

والجواب عن السادس، أن استقرار الظهور في الكلام كاف في حجيته، ولا يتوقف ذلك علي صفة الصراحة، وإمكان الحمل علي التمثيل لا يوجب الحمل عليه ما لم يتحقق هناك مانع عن حمله علي ظاهره، وقد تبين أن لا مانع من ذلك.

وإما أن الروايات ضعيفة لا معول عليها فليس كذلك، فإن فيها ما هو الصحيح، وفيها ما يوثق بصدوره كما سيجئ إن شاء الله تعالي في البحث الروائي التالي.

هذا ملخص ما جري بينهم من البحث فيما استفيد من الآية من حديث عالم الذر إثباتاً ونفياً، واعتراضاً وجواباً. واستيفاء التدبر في الآية والروايات، والتأمل فيما يرومه المثبتون بإثباتهم ويدفعه المنكرون بإنكارهم، يوجب توجيه البحث إلي جهة أخري غير ما تشاجر فيه الفريقان بإثباتهم ونفيهم.

فالذي فهمه المثبتون من الرواية ثم حملوه علي الآية وانتهضوا لإثباته محصله: أن الله سبحانه بعدما خلق آدم إنساناً تاماً سوياً أخرج نطفه التي تكونت في صلبه ثم صارت هي بعينها أولاده الصلبيين إلي الخارج من صلبه، ثم أخرج من هذه النطف نطفها التي ستتكون أولاداً له صلبيين ففصل بين أجزائها والأجزاء الأصلية التي اشتقت منها، ثم من أجزاء هذه النطف أجزاء أخري هي نطفها ثم من أجزاء الأجزاء أجزاءها، ولم يزل حتي أتي آخر جزء مشتق من الأجزاء المتعاقبة في التجزي.

وبعبارة أخري: أخرج نطفة آدم التي هي مادة البشر ووزعها بفصل بعض أجزائه من بعض إلي ما لا يحصي من عدد بني آدم بحذاء كل فرد ما هو نصيبه من أجزاء نطفة آدم، وهي ذرات منبثة غير محصورة، ثم

جعل الله سبحانه هذه الذرات المنبثة عند ذلك أو كان قد جعلها قبل ذلك كل ذرة منها إنساناً تاماً في إنسانيته هو بعينه الإنسان الدنيوي الذي هو جزء المقدم له، فالجزء الذي لزيد هناك هو زيد هذا بعينه والذي لعمرو هو عمرو هذا بعينه، فجعلهم ذوي حياة وعقل وجعل لهم ما يسمعون به وما يتكلمون به وما يضمرون به معاني فيظهرونها أو يكتمونها، وعند ذلك عرفهم نفسه فخاطبهم فأجابوه وأعطوه الإقرار بالربوبية، إما بموافقة ما في ضميرهم لما في لسانهم أو بمخالفة ذلك.

ثم إن الله سبحانه ردهم بعد أخذ الميثاق إلي مواطنهم من الأصلاب حتي اجتمعوا في صلب آدم وهي علي حياتها ومعرفتها بالربوبية وإن نسوا ما وراء ذلك مما شاهدوه عند الإشهاد وأخذ الميثاق، وهم بأعيانهم موجودون في الأصلاب حتي يؤذن لهم في الخروج إلي الدنيا فيخرجون، وعندهم ما حصلوه في الخلق الأول من معرفة الربوبية، وهي حكمهم بوجود رب لهم من مشاهدة أنفسهم محتاجة إلي من يملكهم ويدبر أمرهم.

هذا ما يفهمه القوم من الخبر والآية ويرومون إثباته، وهو مما تدفعه الضرورة وينفيه القرآن والحديث بلا ريب، وكيف الطريق إلي اثبات أن ذرة من ذرات بدن زيد وهو الجزء الذري الذي انتقل من صلب آدم من طريق نطفته إلي ابنه ثم إلي ابن ابنه حتي انتهي إلي زيد هو زيد بعينه وله إدراك زيد وعقله وضميره وسمعه وبصره، وهو الذي يتوجه إليه التكليف وتتم له الحجة ويحمل عليه العهود والمواثيق ويقع عليه الثواب والعقاب، وقد صح بالحجة القاطعة من طريق العقل والنقل أن إنسانية الإنسان بنفسه التي هي أمر وراء المادة حادث بحدوث هذا البدن الدنيوي، وقد تقدم شطر من البحث فيها.

علي أنه قد ثبت بالبحث القطعي أن هذه العلوم التصديقية البديهية والنظرية، ومنها التصديق بأن له رباً يملكه ويدبر أمره، تحصل للانسان بعد حصول التطورات، والجميع تنتهي إلي الإحساسات الظاهرة والباطنة، وهي تتوقف علي وجود التركيب الدنيوي المادي، فهو حال العلوم الحصولية التي منها التصديق بأن له رباً هو القائم برفع حاجته.

علي أن هذه الحجة إن كانت متوقفة في تمامها علي العقل والمعرفة معاً فالعقل مسلوب عن الذرة حين أرجعت إلي موطنها الصلبي حتي تظهر ثانياً في الدنيا، وإن قيل إنه لم يسلب عنها ما تجري في الأصلاب والأرحام فهو مسلوب عن الإنسان ما بين ولادته وبلوغه أعني أيام الطفولية، ويختل بذلك أمر الحجة علي الإنسان وإن كانت غير متوقفة عليه، بل يكفي في تمامها مجرد حصول المعرفة، فأي حاجة إلي الاشهاد وأخذ الميثاق، وظاهر الآية أن الإشهاد وأخذ الميثاق إنما هما لأجل إتمام الحجة، فلا محالة يرجع معني الآية إلي حصول المعرفة فيؤول المعني إلي ما فسرها به المنكرون.

وبتقرير آخر إن كانت الحجة إنما تتم بمجموع الإشهاد والتعريف وأخذ الميثاق سقطت بنسيان البعض وقد نسي الإشهاد والتكليم وأخذ الميثاق، وإن كان الإشهاد وأخذ الميثاق جميعاً مقدمة لثبوت المعرفة ثم زالت المقدمة ولزمت المعرفة وبها تمام الحجة، تمت الحجة علي كل إنسان حتي الجنين والطفل والمعتوه والجاهل، ولا يساعد عليه عقل ولا نقل، وإن كانت المعرفة في تمام الحجة بها متوقفة علي حصول العقل والبلوغ ونحو ذلك وقد كانت حصلت في عالم الذر فتمت الحجة ثم زالت وبقيت المعرفة حجة ناقصة ثم كملت ثانياً لبعضهم في الدنيا فتمت الحجة ثانياً بالنسبة إليهم، فكما أن لحصول العقل في الدنيا أسباباً تكوينية يحصل بها وهي

الحوادث المتكررة من الخير والشر، وحصول الملكة المميزة بينهما من التجارب حصولاً تدريجياً ينتهي من جانب إلي حد من الكمال ومن جانب إلي حد من الضعف لا يعبأ به، كذلك المعرفة لها أسباب إعدادية تهي الإنسان إلي التلبس بها وليست تحصل قبل ذلك، وإذا كانت تحصل في ظرفنا هذا بأسبابها المعدة لها كالعقل، فأي حاجة إلي تكوينه تكويناً آخر في سالف من الزمان لاتمام الحجة والحجة تامة دونه وماذا يغني ذلك.

علي أن هذا العقل الذي لا تتم حجة ولا ينفع إشهاد ولا يصح أخذ ميثاق بدونه حتي في عالم الذر، المفروض هو العقل العملي الذي لا يحصل للانسان إلا في هذا الظرف الذي يعيش فيه عيشة اجتماعية، فتتكرر عليه حوادث الخير والشر وتهيج عواطفه وإحساساته الباطنية نحو جلب النفع ودفع الضرر، فتتعاقب عليه الأعمال عن علم وإرادة فيخطي ويصيب، حتي يتدرب في تمييز الصواب من الخطأ والخير من الشر والنفع من الضر.

والظرف الذي يثبتونه أعني ما يصفونه من عالم الذر ليس بموطن العقل العملي، إذ ليس فيه شرائط حصوله وأسبابه، ولو فرضوه موطناً له وفيه أسبابه وشرائطه كما يظهر مما يصفونه تعويلاً علي ما في ظواهر الروايات أن الله دعاهم هناك إلي التوحيد فأجابه بعضهم بلسان يوافقه قلبه وأجابه آخرون وقد أضمروا الكفر وبعث إليهم الأنبياء والاوصياء فصدقهم بعض وكذبهم آخرون، ولا يجري ما هاهنا إلا علي ما جري به ما هنالك، إلي غير ذلك مما ذكروه، كان ذلك إثباتاً لنشأة طبيعية قبل هذه النشأة الطبيعية في الدنيا نظير ما يثبته القائلون بالأدوار والأكوار، واحتاج إلي تقديم كينونة ذرية أخري تتم بها الحجة علي من هنالك من الإنسان، لأن عالم الذر علي هذه

الصفة لا يفارق هذا العالم الحيوي الذي نحن فيه الآن، فلو احتاج هذا الكون الدنيوي إلي تقديم إشهاد وتعريف حتي تحصل المعرفة وتتم الحجة لاحتاج إليه الكون الذري من غير فرق فارق ألبتة.

علي أن الإنسان لو احتاج في تحقق المعرفة في هذه النشأة الدنيوية إلي تقدم وجود ذري يقع فيه الإشهاد ويوجد فيه الميثاق حتي تثبت بذلك المعرفة بالربوبية، لم يكن في ذلك فرق بين إنسان وإنسان، فما بال آدم وحواء استثنيا من هذه الكلية، فإن لم يحتاجا إلي ذلك لفضل فيهما أو لكرامة لهما ففي ذريتهما من هو أفضل منهما وأكرم، وإن كان لتمام خلقتهما يومئذ فأثبتت فيهما المعرفة من غير حاجة إلي إحضار الوجود الذري، فلكل من ذريتهما أيضاً خلقة تامة في ظرفه الخاص به، فلم لم يؤخر إثبات المعرفة فيهم ولهم إلي تمام خلقتهم بالولادة حتي تتم عند ذلك الحجة، وأي حاجة إلي التقديم.

فهذه جهات من الإشكال في تحقق الوجود الذري للإنسان علي ما فهموه من الروايات لا طريق إلي حلها بالأبحاث العلمية، ولا حمل الآية عليه معها حتي بناء علي عادة القوم في تحميل المعني علي الآية إذا دلت عليه الرواية وإن لم يساعد عليه لفظ الآية، لأن الرواية القطعية الصدور كالآية مصونة عن أن تنطق بالمحال.

وأما الحشوية وبعض المحدثين ممن يبطل حجة العقل الضرورية قبال الرواية ويتمسك بالآحاد في المعارف اليقينية، فلا بحث لنا معهم.

هذا ما علي المثبتين. بقي الكلام فيما ذكره النافون أن الآية تشير إلي ما عليه حال الإنسان في هذه الحياة الدنيا، وهو أن الله سبحانه أخرج كلا من آحاد الإنسان من الأصلاب والأرحام إلي مرحلة الإنفصال والتفرق، وركب فيهم ما يعرفون به

ربوبيته واحتياجهم إليه، كأنه قال لهم إذا وجه وجوههم نحو أنفسهم المستغرقة في الحاجة: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ، وكأنهم لما سمعوا هذا الخطاب من لسان الحال قالوا: بلي أنت ربنا شهدنا بذلك، وإنما فعل الله ذلك لتتم عليهم حجتة بالمعرفة وتنقطع حجتهم عليه بعدم المعرفة، وهذا ميثاق مأخوذ منهم طول الدنيا جار ما جري الدهر والإنسان يجري معه.

والآية بسياقها لا تساعد عليه، فإنه تعالي افتتح الآية بقوله: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ... الآية فعبر عن ظرف هذه القضية بإذ، وهو يدل علي الزمن الماضي أو علي أي ظرف محقق الوقوع نحوه، كما في قوله: وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَي ابْنَ مَرْيَمَ آنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ، إلي أن قال: قَالَ اللهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ. المائدة: 119، فعبر بإذ عن ظرف مستقبل لتحقق وقوعه.

وقوله: وإذ أخذ ربك خطاب للنبي (ص) أوله ولغيره كما يدل عليه قوله: أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ... الآية، إن كان الخطاب متوجهاً إلينا معاشر السامعين للآيات المخاطبين بها والخطاب خطاب دنيوي لنا معاشر أهل الدنيا، والظرف الذي يتكي عليه هو زمن حياتنا في الدنيا أو زمن حياة النوع الإنساني فيها وعمره الذي هو طول إقامته الأرض، والقصة التي يذكرها في الآية ظرفها عين ظرف وجود النوع في الدنيا فلا مصحح للتعبير عن ظرفها بلفظة إذ الدالة علي تقدم ظرف القصة علي ظرف الخطاب، ولا عناية أخري في المقام تصحح هذا التعبير من قبيل تحقق الوقوع ونحوه وهو ظاهر.

فقوله: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ، في عين أنه يدل علي قصة خلقه تعالي النوع الإنساني بنحو التوليد، وأخذ الفرد من الفرد وبث الكثير من القليل، كما هو المشهود في نحو تكون الآحاد

من الإنسان وحفظهم وجود النوع بوجود البعض من البعض علي التعاقب، يدل علي أن للقصة وهي تنطبق علي الحال المشهود نوعاً من التقدم علي هذا المشهود من جريان الخلقة وسيرها.

وقد تقدمت استحالة ما افترضوا لهذا التقدم من تقدم هذه الخلقة بنحو تقدماً زمانياً بأن يأخذ الله أول فرد من هذا النوع فيأخذ منه مادة النطفة التي منها نسل هذا النوع فيجزؤها أجزاء ذرية بعدد أفراد النوع إلي يوم القيامة، ثم يلبس وجود كل فرد بعينه بحياته وعقله وسمعه وبصره وضميره وظهره وبطنه ويكسيه وجوده التي هي له قبل أن يسير مسيره الطبيعي فيشهده نفسه ويأخذ منه الميثاق، ثم ينزعه منها ويردها إلي مكانها الصلبي، حتي يسير سيره الطبيعي وينتهي إلي موطنها الذي لها من الدنيا، فقدتقدم بطلان ذلك وأن الآية أجنبية عنه.

لكن الذي أحال هذا المعني هو استلزامه وجود الإنسان بماله من الشخصية الدنيوية مرتين في الدنيا واحدة بعد أخري، المستلزم لكون الشئ غير نفسه بتعدد شخصيته، فهو الأصل الذي تنتهي إليه جميع المشكلات السابقة.

وأما وجود الإنسان أو غيره في امتداد مسيره إلي الله ورجوعه إليه في عوالم مختلفة النظام متفاوتة الحكم فليس بمحال، وهو مما يثبته القرآن الكريم ولو كره ذلك الكافرون الذين يقولون إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر فقد أثبت الله الحياة الآخرة للإنسان وغيره يوم البعث وفيه هذا الإنسان بعينه، وقد وصفه بنظام وأحكام غير هذه النشأة الدنيوية نظاماً وأحكاماً. وقد أثبت حياة برزخية لهذا الإنسان بعينه وهي غير الحياة الدنيوية نظاماً وحكماً. وأثبت بقوله: وَ إِنْ مِنْ شَئٍْ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَ مَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ. الحجر: 21، أن لكل شئ

عنده وجوداً وسيعاً غير مقدر في خزائنه وإنما يلحقه الأقدار إذا نزله إلي الدنيا مثلاً، فللعالم الإنساني علي سعته سابق وجود عنده تعالي في خزائنه، أنزله إلي هذه النشأة.

وأثبت بقوله: إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون. فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَئٍْ. يس: 83، وقوله: وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ. القمر: 50، وما يشابههما من الآيات.

أن هذا الوجود التدريجي الذي للأشياء ومنها الإنسان هو أمر من الله يفيضه علي الشئ ويلقيه إليه بكلمة كن، إفاضة دفعية وإلقاء غير تدريجي.

فلوجود هذه الأشياء وجهان: وجه إلي الدنيا وحكمه أن يحصل بالخروج من القوة إلي الفعل تدريجاً ومن العدم إلي الوجود شيئاً فشيئاً، ويظهر ناقصاً ثم لا يزال يتكامل حتي يفني ويرجع إلي ربه.

ووجه إلي الله سبحانه وهي بحسب هذا الوجه أمور تدريجية، وكل ما لها فهو لها في أول وجودها من غير أن تحتمل قوة تسوقها إلي الفعل.

وهذا الوجه غير الوجه السابق وإن كانا وجهين لشئ واحد، وحكمه غير حكمه وإن كان تصوره التام يحتاج إلي لطف قريحة، وقد شرحناه في الأبحاث السابقة بعض الشرح، وسيجي إن شاء الله استيفاء الكلام في شرحه.

ومقتضي هذه الآيات أن للعالم الإنساني علي ما له من السعة وجوداً جميعاً عند الله سبحانه، وهو الذي يلي جهته تعالي ويفيضه علي أفراده لا يغيب فيها بعضهم عن بعض ولا يغيبون فيه عن ربهم ولا هو يغيب عنهم، وكيف يغيب فعل عن فاعله أو ينقطع صنع عن صانعه، وهذا هو الذي يسميه الله سبحانه بالملكوت، ويقول: وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ. الانعام: 75 ويشير إليه بقوله:كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ

الْيَقِينِ. لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ. ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ. التكاثر: 7.

وأما هذا الوجه الدنيوي الذي نشاهده نحن من العالم الإنساني، وهو الذي يفرق بين الآحاد ويشتت الأحوال والأعمال بتوزيعها علي قطعات الزمان وتطبيقها علي مر الليالي والأيام ويحجب الإنسان عن ربه بصرف وجهه إلي التمتعات المادية الأرضية واللذائذ الحسية، فهو متفرع علي الوجه السابق متأخر عنه. وموقع تلك النشأة وهذه النشأة في تفرعها عليها موقعاً كن ويكون في قوله تعالي: أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. يس: 82.

ويتبين بذلك أن هذه النشأة الإنسانية الدنيوية مسبوقة بنشأة أخري إنسانية هي هي بعينها غير أن الآحاد موجودون فيها غير محجوبين عن ربهم، يشاهدون فيها وحدانيته تعالي في الربوبية بمشاهده أنفسهم، لا من طريق الإستدلال، بل لأنهم لا ينقطعون عنه ولا يفقدونه ويعترفون به وبكل حق من قبله. وأما قذارة الشرك وألواث المعاصي فهو من أحكام هذه النشأة الدنيوية دون تلك النشأة التي ليس فيها إلا فعله تعالي القائم به، فافهم ذلك.

وأنت إذا تدبرت هذه الآيات ثم راجعت قوله تعالي: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ... الآية، وأجدت التدبر فيها وجدتها تشير إلي تفصيل أمر تشير هذه الآيات إلي إجماله، فهي تشير إلي نشأة إنسانية سابقة فرق الله فيها بين أفراد هذا النوع وميز بينهم وَأَشْهَدَهُمْ عَلَي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا بَلَي شَهِدْنَا.

ولا يرد عليه ما أورد علي قول المثبتين في تفسير الآية علي ما فهموه من معني عالم الذر من الروايات علي ما تقدم، فإن هذا المعني المستفاد من سائر الآيات والنشأة السابقة التي تثبته لا تفارق هذه النشأة الإنسانية الدنيوية زماناً، بل هي معها محيطة بها لكنها سابقة عليها السبق الذي في قوله تعالي:

كُنْ فَيَكوُنْ، ولا يرد عليه شئ من المحاذير المذكورة.

ولا يرد عليه ما أوردناه علي قول المنكرين في تفسيرهم الآية بحال وجود النوع الإنساني في هذه النشأة الدنيوية من مخالفته لقوله: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ، ثم التجوز في الإشهاد بإرادة التعريف منه وفي الخطاب بقوله: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ بإرادة دلالة الحال، وكذا في قوله: قالوا بلي، وقوله: شَهِدْنَا، بل الظرف ظرف سابق علي الدنيا وهو غيرها، والإشهاد علي حقيقته والخطاب علي حقيقته.

ولا يرد عليه أنه من قبيل تحميل الآية معني لا تدل عليه، فإن الآية لا تأبي عنه، وسائر الآيات تشير إليه بضم بعضها إلي بعض.

وأما الروايات فسيأتي أن بعضها يدل علي أصل تحقق هذه النشأة الإنسانية كالآية، وبعضها يذكر أن الله كشف لادم عليه السلام عن هذه النشأة الإنسانية وأراه هذا العالم الذي هو ملكوت العالم الإنساني وما وقع فيه من الاشهاد وأخذ الميثاق، كما أري إبراهيم عليه السلام ملكوت السماوات والأرض.

رجعنا إلي الآية، قوله: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ، أي واذكر لأهل الكتاب في تتميم البيان السابق، أو واذكر للناس في بيان ما نزلت السورة 20: لاجل بيانه، وهو أن لله عهداً علي الإنسان وهو سائله عنه وأن أكثر الناس لا يفون به وقد تمت عليهم الحجة، أذكر لهم موطناً قبل الدنيا أخذ فيه ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم فما من أحد منهم إلا استقل من غيره وتميز منه فاجتمعوا هناك جميعاً وهم فرادي فأراهم ذواتهم المتعلقة بربهم وأشهدهم علي أنفسهم فلم يحتجبوا عنه وعاينوا أنه ربهم، كما أن كل شئ بفطرته يجد ربه من نفسه من غير أن يحتجب عنه، وهو ظاهر الآيات القرآنية كقوله: وَ إِنْ مِنْ شَئٍْ إِلاَّ يُسَبِّحُ

بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ. الاسراء: 44.

أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ، وهو خطاب حقيقي لهم لا بيان حال، وتكليم إلهي لهم فإنهم يفهمون مما يشاهدون أن الله سبحانه يريد به منهم الإعتراف وإعطاء الموثق، ولا نعني بالكلام إلا ما يلقي للدلالة به علي معني مراد، وكذا الكلام في قوله: قَالُوا بَلَي شَهِدْنَا.

وقوله: أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ، الخطاب للمخاطبين بقوله: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ القائلين بَلَي شَهِدْنَا، فهم هناك يعاينون الاشهاد والتكليم من الله والتكلم بالإعتراف من أنفسهم، وإن كانوا في نشأة الدنيا علي غفلة مما عدا المعرفة بالإستدلال، ثم إذا كان يوم البعث وانطوي بساط الدنيا وانمحت هذه الشواغل والحجب عادوا إلي مشاهدتهم ومعاينتهم، وذكروا ما جري بينهم وبين ربهم. ويحتمل أن يكون الخطاب راجعاً إلينا معاشر المخاطبين بالآيات، أي إنما فعلنا ببني آدم ذلك حذر أن تقولوا أيها الناس يوم القيامة كذا وكذا، والأول أقرب ويؤيده قراءة أن يقولوا بلفظ الغيبة.

وقوله: أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ، هذه حجة الناس إن فرض الإشهاد وأخذ الميثاق من الآباء خاصة دون الذرية، كما أن قوله أن تقولوا الخ، حجة للناس إن ترك الجميع فلم يقع إشهاد ولا أخذ ميثاق من أحد منهم.

ومن المعلوم أن لو فرض ترك الإشهاد وأخذ الميثاق في تلك النشأة كان لازمه عدم تحقق المعرفة بالربوبية في هذه النشأة إذ لا حجاب بينهم وبين ربهم في تلك النشأة، فلو فرض هناك علم منهم كان ذلك إشهاداً وأخذ ميثاق، وأما هذه النشأة فالعلم فيها من وراء الحجاب وهو المعرفة من طريق الإستدلال، فلو لم يقع هناك بالنسبة إلي الذرية إشهاد وأخذ ميثاق كان لازمه في هذه النشأة أن لا

يكون لهم سبيل إلي معرفة الربوبية فيها أصلاً، وحينئذ لم يقع منهم معصية شرك بل كان ذلك فعل آبائهم وليس لهم إلا التبعية العملية لآبائهم والنشوء علي شركهم من غير علم، فصح لهم أن يقولوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَ كُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ.

قوله تعالي: وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ.، تفصيل الآيات تفريق بعضها وتمييزه من بعض ليتبين بذلك مدلول كل منها ولا تختلط وجوه دلالتها، وقوله: وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ، عطف علي مقدر والتقدير لغايات عالية كذا وكذا ولعلهم يرجعون من الباطل إلي الحق.

(ثم أورد صاحب الميزان رحمه الله رواية ابن الكوا المتقدمة، وقال):

أقول والرواية كما تقدم وبعض ما يأتي من الروايات يذكر مطلق أخذ الميثاق من بني آدم من غير ذكر إخراجهم من صلب آدم وإراءتهم إياه. وكان تشبيههم بالذر كما في كثير من الروايات تمثيل لكثرتهم كالذر لا لصغرهم جسماً أو غير ذلك، ولكثرة ورود هذا التعبير في الروايات سميت هذه النشأة بعالم الذر.

وفي الرواية دلالة ظاهرة علي أن هذا التكليم كان تكليماً حقيقياً لا مجرد دلالة الحال علي المعني. وفيها دلالة علي أن الميثاق لم يؤخذ علي الربوبية فحسب، بل علي النبوة وغير ذلك. وفي كل ذلك تأييد لما قدمناه.

وفي تفسير العياشي عن رفاعة قال: سالت أبا عبدالله عن قول الله: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ، قال نعم لله الحجة علي جميع خلقه أخذهم يوم أخذ الميثاق هكذا، وقبض يده.

أقول: وظاهر الرواية أنها تفسر الأخذ في الآية بمعني الإحاطة والملك.

وفي تفسير القمي عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن مسكان، عن أبي عبدالله عليه السلام في

قوله: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلَي أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَي، قلت: معاينة كان هذا؟ قال: نعم... (إلي آخر الرواية المتقدمة)..

أقول: والرواية ترد علي منكري دلالة الآية علي أخذ الميثاق في الذر تفسيرهم قوله: وَأَشْهَدَهُمْ عَلَي أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ، أن المراد به أنه عرفهم آياته الدالة علي ربوبيته، والرواية صحيحة ومثلها في الصراحة والصحة ما سيأتي من رواية زرارة وغيره.

وفي الكافي عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن زرارة: أن رجلاً سأل أبا جعفر عليه السلام عن قول الله عز وجل: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ.. إلي آخر الآية، فقال وأبوه يسمع: حدثني أبي أن الله عز وجل قبض قبضه من تراب التربة التي خلق منها آدم فصب عليها الماء العذب الفرات، ثم تركها أربعين صباحاً، ثم صب عليها الماء المالح الاجاج، فتركها أربعين صباحاً، فلما اختمرت الطينة أخذها فعركها عركاً شديداً، فخرجوا كالذر من يمينه وشماله، وأمرهم جميعاً أن يقعوا في النار، فدخلها أصحاب اليمين فصارت عليهم برداً وسلاماً، وأبي أصحاب الشمال أن يدخلوها.

أقول: وفي هذا المعني روايات أخر، وكأن الأمر بدخول النار كناية عن الدخول حظيرة العبودية والإنقياد للطاعة.

وفيه بإسناده عن عبدالله بن محمد الحنفي وعقبه جميعاً عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله عز وجل خلق الخلق، فخلق من أحب مما أحب، فكان ما أحب أن خلقه من طينة الجنة، وخلق من أبغض مما أبغض، وكان ما أبغض أن خلقه من طينه النار، ثم بعثهم في الظلال، فقيل: وأي شئ الظلال قال: ألم تر إلي ظلك في الشمس شئ وليس بشئ، ثم

بعث معهم النبيين فدعوهم إلي الإقرار بالله، وهو قوله ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله، ثم دعوهم إلي الإقرار فأقر بعضهم وأنكر بعض، ثم دعوهم إلي ولايتنا، فأقر بها والله من أحب وأنكرها من أبغض، وهو قوله: وما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل، ثم قال أبوجعفر عليه السلام كان التكذيب ثَمَّ.

أقول: والرواية وإن لم تكن مما وردت في تفسير آية الذر، غير أنا أوردناها لاشتمالها علي قصة أخذ الميثاق وفيها ذكر الظلال، وقد تكرر ذكر الظلال في لسان أئمة أهل البيت عليهم السلام والمرادبه كما هو ظاهر الرواية وصف هذا العالم الذي هو بوجه عين العالم الدنيوي وبوجه غيره، وله أحكام غير أحكام الدنيا بوجه وعينها بوجه، فينطبق علي ما وصفناه في البيان المتقدم.

وفي الكافي وتفسير العياشي عن أبي بصير قال: قلت لابي عبدالله عليه السلام كيف أجابوا وهم ذر؟ قال: جعل فيهم ما إذا سألهم أجابوه، وزاد العياشي يعني في الميثاق.

أقول: وما زاده العياشي من كلام الراوي، وليس المراد بقوله جعل فيهم ما إذا سألهم أجابوه دلالة حالهم علي ذلك، بل لما فهم الراوي من الجواب ما هو من نوع الجوابات الدنيوية استبعد صدوره عن الذر، فسأل عن ذلك فأجابه عليه السلام بأن الأمر هناك بحيث إذا نزلوا في الدنيا كان ذلك منهم جواباً دنيوياً باللسان والكلام اللفظي، ويؤيده قوله عليه السلام ما إذا سألهم ولم يقل ما لو تكلموا ونحو ذلك.

وفي تفسير العياشي أيضاً عن أبي بصير عن أبي عبدالله عليه السلام: في قول الله: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ، قالوا بألسنتهم؟ قال نعم وقالوا بقلوبهم، فقلت وأين كانوا يومئذ؟ قال صنع منهم ما اكتفي به..

أقول: جوابه عليه السلام

إنهم قالوا بلي بألسنتهم وقلوبهم مبني علي كون وجودهم يومئذ بحيث لو انتقلوا إلي الدنيا كان ذلك جواباً بلسان علي النحو المعهود في الدنيا، لكن اللسان والقلب هناك واحد، ولذلك قال عليه السلام نعم وبقلوبهم فصدق اللسان وأضاف إليه القلب. ثم لما كان في ذهن الراوي أنه أمر واقع في الدنيا ونشأة الطبيعة وقد ورد في بعض الروايات التي تذكر قصة إخراج الذرية من ظهر آدم تعيين المكان له وقد روي بعضها هذا الراوي أعني أبا بصير، سأله عليه السلام عن مكانهم بقوله وأين كانوا يومئذ؟ فأجابه عليه السلام بقوله: صنع منهم ما اكتفي به، فلم يجبه بتعيين المكان بل بأن الله سبحانه خلقهم خلقاً يصح معه السؤال والجواب، وكل ذلك يؤيد ما قدمناه في وصف هذا العالم.

والرواية كغيرها مع ذلك كالصريح في أن التكليم والتكلم في الآية علي الحقيقة دون المجاز، بل هي صريحة فيه.

وفي الدر المنثور أخرج عبد بن حميد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وأبوالشيخ في العظمة، وابن مردويه، عن أبي إمامة أن رسول الله (ص) قال: خلق الله الخلق وقضي القضية، وأخذ ميثاق النبيين وعرشه علي الماء، فأخذ أهل اليمين بيمينه، وأخذ أهل الشمال بيده الأخري، وكلتا يدي الرحمن يمين، فقال: يا أصحاب اليمين، فاستجابوا له، فقالوا: لبيك ربنا وسعديك، قال: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَي. قال: يا أصحاب الشمال، فاستجابوا له، فقالوا: لبيك ربنا وسعديك، قال: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالوا: بلي. فخلط بعضهم ببعض فقال قائل منهم: رب لم خلطت بيننا، قال وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ، أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ، ثم ردهم في صلب آدم، فأهل الجنة أهلها وأهل النار أهلها.

فقال قائل يا رسول الله فما الأعمال؟ قال: يعمل كل قوم لمنازلهم، فقال عمر بن الخطاب: إذاً نجتهد.

أقول: قوله (ص): وعرشه علي الماء، كناية عن تقدم أخذ الميثاق وليس المراد به تقدم خلق الأرواح علي الأجساد زماناً، فإن عليه من الإشكال ما علي عالم الذر بالمعني الذي فهمه جمهور المثبتين، وقد تقدم.

وقوله (ص) يعمل كل قوم لمنازلهم، أي أن كل واحد من المنزلين يحتاج إلي أعمال تناسبه في الدنيا، فإن كان العامل من أهل الجنة عمل الخير لا محالة وإن كان من أهل النار عمل الشر لا محالة، والدعوة إلي الجنة وعمل الخير، لأن عمل الخير يعيِّن منزله في الجنة وإن عمل الشر يعيِّن منزله في النار لا محالة، كما قال تعالي: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ. البقره: 148 فلم يمنع تعين الوجهة عن الدعوة إلي استباق الخيرات، ولا منافاة بين تعين السعادة والشقاوة بالنظر إلي العلل التامة، وبين عدم تعينها بالنظر إلي اختيار الإنسان في تعيين عمله، فإنه جزء العلة وجزء علة الشئ لا يتعين معه وجود الشئ ولا عدمه بخلاف تمام العلة، وقد تقدم استيفاء هذا البحث في موارد من هذا الكتاب، وآخرها في تفسير قوله تعالي: كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ. فَرِيقًا هَدَي وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ الاعراف: 30، وأخبار الطينة المتقدمة من أخبار هذا الباب بوجه.

وفيه، أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس: في قوله وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ الآية، قال: خلق الله آدم وأخذ ميثاقه أنه ربه، وكتب أجله ورزقه ومصيبته، ثم أخرج ولده من ظهره كهيئة الذر، فأخذ مواثيقهم أنه ربهم، وكتب آجالهم وأرزاقهم ومصائبهم.

أقول:

وقد روي هذا المعني عن ابن عباس بطرق كثيرة في ألفاظ مختلفة، لكن الجميع تشترك في أصل المعني وهو إخراج ذرية آدم من ظهره وأخذ الميثاق منهم.

وفيه، أخرج ابن عبدالبر في التمهيد من طريق السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود وناس من الصحابة: في قوله تعالي: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ، قالوا: لما أخرج الله آدم من الجنة، قبل تهبيطه من السماء مسح صفحه ظهره اليمني، فأخرج منه ذرية بيضاء مثل اللؤلؤ كهيئة الذر، فقال لهم أدخلوا الجنة برحمتي، ومسح صفحة ظهره اليسري فأخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر فقال ادخلوا النار ولا أبالي، فذلك قوله أصحاب اليمين وأصحاب الشمال. ثم أخذ منهم الميثاق، فقال أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَي، فأعطاه طائفة طائعين، وطائفة كارهين علي وجه التقية، فقال هو والملائكة: شهدنا أن يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين، أو يقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل، قالوا فليس أحد من ولد آدم إلا وهو يعرف الله أنه ربه وذلك قوله عز وجل: وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَ الأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا، وذلك قوله: فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ، يعني يوم أخذ الميثاق.

أقول: وقد روي حديث الذر كما في الروايه موقوفة وموصولة عن عدة من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وآله، كعلي عليه السلام، وابن عباس، وعمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمر، وسلمان، وأبي هريرة، وأبي أمامة، وأبي سعيد الخدري، وعبدالله بن مسعود، وعبدالرحمان بن قتادة، وأبي الدرداء وأنس ومعاوية وأبي موسي الأشعري. كما روي من طرق الشيعة عن علي وعلي بن الحسين، (ومحمد بن

علي)، وجعفر بن محمد، والحسن بن علي العسكري عليهم السلام.

ومن طرق أهل السنة أيضاً عن علي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد بطرق كثيرة، فليس من البعيد أن يدعي تواتره المعنوي.

واعلم أن الروايات في الذر كثيره جداً، وقد تركنا إيراد أكثرها لوفاء ما أوردنا من ذلك بمعناها. وهنا روايات أخر في أخذ الميثاق عن النبي صلي الله عليه وآله وسائر الأنبياء عليهم السلام سنوردها في محلها إن شاء الله تعالي. انتهي.

عوالم وجود الإنسان

تحصل من بحث صاحب الميزان رحمه الله أنه جعل الاقوال في عالم الذر ثلاثة:

الأول: نفي وجود عالم الذر، والقول بأن ما ورد في الآية من إشهاد الناس وإقرارهم بالربوبية، إنما هو تعبير مجازي عن تكوينهم الذي يهديهم إلي ربهم تعالي. وهو قول عدد من المتأثرين بالفلسفة اليونانية من القدماء، وبالثقافة الغربية من المتأخرين.

الثاني: أن عالم الذر بمعني أن الله تعالي استخرج نطف أبناء آدم عليه السلام من ظهره، ثم من ظهور أبنائه إلي آخر أب، ثم كونهم بشكل معين وأشهدهم فأقروا، ثم أعادهم إلي حالتهم الأولي في ظهر آدم عليه السلام. وقد ذهب إليه بعض المفسرين من السنة والشيعة.

الثالث: أن عالم الذر هو عالم الملكوت والخزائن، وهو الوجه الذي اختاره صاحب الميزان رحمه الله وأطال في الكلام حوله واختصر في الإستدلال عليه.

ولكن يرد عليه إشكالات متعددة، أهمها:

أولاً: أن عالم الملكوت اسم عام لكل عوالم ملك الله تعالي، وتفسير عالم الذر به لا يحل المشكلة، لأنه يبقي السؤال وارداً: في أي عالم من ملكوت الله تعالي تم خلق الناس وأخذ الميثاق منهم؟

ثانياً: أن تفسير عالم الذر بعالم الملكوت تفسير استحساني لا دليل عليه، وطريقنا

إلي معرفة عوالم خلق الله وأفعاله سبحانه وتعالي، محصور بما أخبرنا به النبي وآله صلي الله عليهم، وما دل العقل عليه بدلالة قطعية، لا ظنية أو احتمالية.

ثالثاً: أن عوالم وجود النبي وآله صلي الله عليه وآله ووجود الناس قبل هذا العالم، وردت فيها أحاديث كثيرة لا يمكن إغفالها في البحث، كما فعل بعضهم، ولا نفيها بجرة قلم كما فعل بعضهم، كما لا يمكن دمجها في عالم واحد كعالم الملكوت أو الخزائن كما فعل صاحب الميزان رحمه الله بل هي عوالم متعددة قد تصل إلي عشرة عوالم، نذكر منها:

عالم الأنوار الأولي: أو عالم الاشباح، وهو أول ظلال أو في خلقه الله تعالي من نور عظمته، وهو نور نبينا وآله صلي الله عليه وعليهم.

عالم الأظلة: الذي تم فيه خلق جميع الناس وتعارفهم.

عالم الذر، الذي أخذ فيه الميثاق علي الناس، وتدل الأحاديث علي أنه نفس عالم الأظلة أو مرتبط به بنحو من الإرتباط.

عالم الطينة، التي خلق منها الناس.

وذكرت أحاديث أخري أن خلق الأرواح تم قبل خلق الاجساد.. الخ.

كما ذكرت الآيات والأحاديث عوالم أخري مثل قوله تعالي: هَلْ أَتَي عَلَي الإنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُوراً. أي كان في ذلك الحين شيئاً، ولكنه غير مذكور، كما ورد في الرواية عن الإمام الباقر عليه السلام.

وهذه العوالم كلها من عالم الملكوت ومن خزائن ملكه تعالي، ولكنها ليست نفس عالم الملكوت ولا الخزائن.

وقد تقدم عدد من روايات العوالم الأربعة الأولي، ونورد فيما يلي عدداً آخر، وبعضها نص علي أن عالم الذر هو عالم الأظلة.

من روايات عالم الأشباح (ظلال النور).

الأصول الستة عشر/15: (عباد عن عمرو، عن أبي حمزة قال: سمعت علي بن الحسين عليه السلام

يقول: إن الله خلق محمداً وعلياً وأحد عشر من ولده من نور عظمته، فأقامهم أشباحاً في ضياء نوره يعبدونه قبل خلق الخلق، يسبحون الله ويقدسونه، وهم الأئمة من ولد رسول الله صلي الله عليه وآله.

ورواه الكليني في الكافي:1/530، عن محمد بن يحيي، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن الحسين، عن أبي سعيد العصفوري، عن عمرو بن ثابت، عن أبي حمزة... كما في الأصول الستة عشر.

الكافي:1/442: (الحسين (عن محمد) بن عبد الله، بن محمد بن سنان، عن المفضل، عن جابر بن يزيد قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام: يا جابر إن الله أول ما خلق خلق محمداً صلي الله عليه وآله وعترته الهداة المهتدين، فكانوا أشباح نور بين يدي الله، قلت: وما الأشباح؟ قال: ظل النور، أبدان نورانية بلا أرواح، وكان مؤيداً بروح واحدة وهي روح القدس، فبه كان يعبد الله وعترته، ولذلك خلقهم حلماء علماء بررة أصفياء، يعبدون الله بالصلاة والصوم والسجود والتسبيح والتهليل، ويصلون الصلوات ويحجون ويصومون. انتهي. ورواه البحراني في حلية الأبرار:1/19

علل الشرائع:1/208: (حدثنا إبراهيم بن هارون الهاشمي قال: حدثنا محمد بن أحمد بن أبي الثلج قال: حدثنا عيسي بن مهران قال: حدثنا منذر الشراك قال: حدثنا إسماعيل بن علية قال: أخبرني أسلم بن ميسرة العجلي، عن أنس بن مالك، عن معاذ بن جبل: أن رسول الله صلي الله عليه وآله قال: إن الله عز وجل خلقني وعلياً وفاطمة والحسن والحسين قبل أن يخلق الدنيا بسبعة آلاف عام. قلت فأين كنتم يا رسول الله؟ قال: قدام العرش نسبح الله تعالي ونحمده ونقدسه ونمجده. قلت: علي أي مثال؟ قال: أشباح نور، حتي إذا أراد الله عز وجل أن يخلق

صورنا صيرنا عمود نور، ثم قذفنا في صلب آدم، ثم أخرجنا إلي أصلاب الآباء وأرحام الأمهات، ولا يصيبنا نجس الشرك ولا سفاح الكفر، يسعد بنا قوم ويشقي بنا آخرون، فلما صيرنا إلي صلب عبد المطلب أخرج ذلك النور فشقه نصفين فجعل نصفه في عبد الله ونصفه في أبي طالب، ثم أخرج النصف الذي لي إلي آمنة والنصف إلي فاطمة بنت أسد فأخرجتني آمنة وأخرجت فاطمة علياً، ثم أعاد عز وجل العمود إلي فخرجت مني فاطمة، ثم أعاد عز وجل العمود إلي علي فخرج منه الحسن والحسين _ يعني من النصفين جميعاً _ فما كان من نور علي فصار في ولد الحسن، وما كان من نوري صار في ولد الحسين، فهو ينتقل في الأئمة من ولده إلي يوم القيامة.

شرح الأخبار:3/6: (صفوان الجمال قال: دخلت علي أبي عبدالله جعفر بن محمد عليه السلام وهو يقرأ هذه الآية: فَتَلَقَّيءادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. ثم التفت إلي فقال: يا صفوان إن الله تعالي ألهم آدم عليه السلام أن يرمي بطرفه نحو العرش، فإذا هو بخمسة أشباح من نور يسبحون الله ويقدسونه، فقال آدم: يا رب من هؤلاء؟ قال: يا آدم صفوتي من خلقي، لولاهم ما خلقت الجنة ولا النار، خلقت الجنة لهم ولمن والاهم، والنار لمن عاداهم. لو أن عبداً من عبادي أتي بذنوب كالجبال الرواسي ثم توسل إليّ بحق هؤلاء لعفوت له.

فلما أن وقع آدم في الخطيئة قال: يا رب بحق هؤلاء الأشباح اغفر لي، فأوحي الله عز وجل إليه: إنك توسلت إلي بصفوتي وقد عفوت لك. قال آدم: يا رب بالمغفرة التي غفرت إلا أخبرتني من هم؟ فأوحي الله إليه:

يا آدم هؤلاء خمسة من ولدك، لعظيم حقهم عندي اشتققت لهم خمسة أسماء من أسمائي، فأنا المحمود وهذا محمد، وأنا الأعلي وهذا علي، وأنا الفاطر وهذه فاطمة، وأنا المحسن وهذا الحسن، وأنا الإحسان وهذا الحسين.

شرح الأخبار:3/514: (عن عبدالقادر بن أبي صالح، عن هبة الله بن موسي، عن هناد بن إبراهيم، عن الحسن بن محمد، عن محمد بن فرحان، عن محمد بن يزيد، عن الليث بن سعد، عن العلاء بن عبدالرحمان، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي (عليهما السلام): أنه لما خلق الله تعالي آدم أبا البشر ونفخ فيه من روحه التفت آدم يمنة العرش فإذا في النور خمسة أشباح... الحديث.

شرح الأخبار:2/500: (أحمد بن محمد بن عيسي المصري، بإسناده عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله (عليهما السلام) يقول: لما خلق الله عز وجل آدم (عليه السلام) ونفخ فيه من روحه، نظر آدم (عليه السلام) يمنة العرش، فإذا من النور خمسة أشباح علي صورته ركعاً سجداً فقال: يا رب هل خلقت أحداً من البشر قبلي؟ قال: لا. قال: فمن هؤلاء الذين أراهم علي هيئتي وعلي صورتي؟ قال: هؤلاء خمسة من ولدك، لولاهم ما خلقتك ولا خلقت الجنة ولا النار ولا العرش ولا الكرسي ولا السماء ولا الأرض ولا الملائكة ولا الإنس ولا الجن، هؤلاء خمسة اشتققت لهم أسماء من أسمائي، فأنا المحمود وهذا محمد وأنا الأعلي وهذا علي، وأنا الفاطر وهذه فاطمة، وأنا الإحسان وهذا حسن، وأنا المحسن وهذا الحسين....

تحف العقول/163:

... بل اشتقاق الحقيقة والمعني من اسمه تعالي كما جاء في حديث المعراج: إن الله تعالي قال لي: يا محمد اشتققت لك إسماً من أسمائي فأنا المحمود وأنت محمد، واشتققت لعلي

إسماً من أسمائي فأنا الأعلي وهو علي، وهكذا فاطمة والحسن والحسين عليهم السلام فكلهم أشباح نور من نوره تعالي جل اسمه.

كفاية الاثر/70: (قال هارون: حدثنا حيدر بن محمد بن نعيم السمرقندي، قال حدثني أبوالنصر محمد بن مسعود العياشي، عن يوسف بن المشحت البصري، قال حدثنا إسحق بن الحارث، قال حدثنا محمد بن البشار، عن محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة، عن هشام بن يزيد، عن أنس بن مالك قال: كنت أنا وأبوذر وسلمان وزيد بن ثابت وزيد بن أرقم عند النبي صلي الله عليه وآله ودخل الحسن والحسين (عليهما السلام) فقبلهما رسول الله صلي الله عليه وآله وقام أبوذر فانكب عليهما وقبل أيديهما، ثم رجع فقعد معنا، فقلنا له سراً: أرأيت رجلاً شيخاً من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وآله يقوم إلي صبيين من بني هاشم فينكب عليهما ويقبل أيديهما؟ فقال: نعم، لو سمعتم ما سمعت فيهما من رسول الله صلي الله عليه وآله لفعلتم بهما أكثر مما فعلت. قلنا: وماذا سمعت يا أباذر؟ قال: سمعته يقول لعلي ولهما: يا علي والله لو أن رجلاً صلي وصام حتي يصير كالشن البالي إذاً ما نفعه صلاته وصومه إلا بحبكم، يا علي من توسل إلي الله بحبكم فحق علي الله أن لا يرده، يا علي من أحبكم وتمسك بكم فقد تمسك بالعروة الوثقي. قال: ثم قام أبوذر وخرج، وتقدمنا إلي رسول الله صلي الله عليه وآله فقلنا: يا رسول الله أخبرنا أبوذر عنك بكيت وكيت.

قال: صدق أبوذر، صدق والله، ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء علي ذي لهجة أصدق من أبي ذر. ثم قال: خلقني الله تبارك وتعالي وأهل بيتي من نور واحد قبل

أن يخلق آدم بسبعة آلاف عام، ثم نقلنا إلي صلب آدم، ثم نقلنا من صلبه في أصلاب الطاهرين إلي أرحام الطاهرات، فقلت: يا رسول الله فأين كنتم وعلي أي مثال كنتم؟ قال: كنا أشباحاً من نور تحت العرش نسبح الله تعالي ونمجده، ثم قال: لما عرج بي إلي السماء وبلغت سدرة المنتهي ودعني جبرئيل عليه السلام فقلت:حبيبي جبرئيل أفي هذا المقام تفارقني؟ فقال: يا محمد إني لا أجوز هذا الموضع فتحترق أجنحتي.

ثم زج بي في النور ما شاء الله، فأوحي الله إلي: يا محمد إني اطلعت إلي الأرض اطلاعة فاخترتك منها فجعلتك نبياً، ثم اطلعت ثانياً فاخترت منها علياً فجعلته وصيك ووارث علمك والإمام بعدك، وأخرج من أصلابكما الذرية الطاهرة والأئمة المعصومين خزان علمي، فلولاكم ما خلقت الدنيا ولا الآخرة ولا الجنة ولا النار. يا محمد أتحب أن تراهم قلت: نعم يا رب، فنوديت: يا محمد إرفع رأسك، فرفعت رأسي فإذا أنا بأنوار علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وموسي بن جعفر وعلي بن موسي ومحمد بن علي وعلي بن محمد والحسن بن علي، والحجة يتلألأ من بينهم كأنه كوكب دري، فقلت: يا رب من هؤلاء، ومن هذا؟ قال: يا محمد هم الأئمة بعدك المطهرون من صلبك، وهو الحجة الذي يملا الأرض قسطاً وعدلاً ويشفي صدور قوم مؤمنين.

قلنا: بآبائنا وأمهاتنا أنت يا رسول الله لقد قلت عجباً. فقال عليه السلام: وأعجب من هذا أن قوماً يسمعون مني هذا ثم يرجعون علي أعقابهم بعد إذ هداهم الله، ويؤذوني فيهم، لا أنالهم الله شفاعتي.

بصائر الدرجات/83: (أحمد بن محمد ويعقوب بن يزيد، عن الحسن بن علي بن فضال، عن

أبي جميلة، عن محمد بن الحلبي، عن أبي عبدالله عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه وآله: إن الله مثَّل لي أمتي في الطين وعلمني أسماءهم كلها، كما علم آدم الأسماء كلها، فمر بي أصحاب الرايات فاستغفرت لعلي وشيعته، إن ربي وعدني في شيعة علي خصلة، قيل يا رسول الله وما هي؟ قال المغفرة منهم لمن آمن واتقي، لا يغادر منهم صغيرة ولا كبيرة، ولهم تبدل السيئات حسنات.

الحسن بن محبوب عن صالح بن سهل عن أبي عبد الله عليه السلام: أن بعض قريش قال لرسول الله صلي الله عليه وآله: بأي شئ سبقت الأنبياء وأنت بعثت آخرهم وخاتمهم؟ قال: إني كنت أول من أقر بربي وأول من أجاب، حيث أخذ الله ميثاق النبيين وَأَشْهَدَهُمْ عَلَي أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَي، وكنت أنا أول نبي قال بلي، فسبقتهم بالإقرار بالله.

حدثنا أحمد بن محمد، عن الحسن بن علي بن النعمي، عن ابن مسكان، عن عبدالرحيم القصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه وآله: إن أمتي عرضت عليَّ عند الميثاق، وكان أول من آمن وصدقني علي، وكان أول من آمن بي وصدقني حيث بعثت فهو الصديق الأكبر.

حدثنا العباس بن معروف، عن حماد بن عيسي، عن أبي الجارود، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله ذات يوم وعنده جماعة من أصحابه: اللهم لقني إخواني مرتين، فقال من حوله من أصحابه: أما نحن إخوانك يا رسول؟ فقال: لا، إنكم أصحابي، وإخواني قوم من آخر الزمان آمنوا بي ولم يروني، لقد عرفنيهم الله بأسمائهم وأسماء آبائهم من قبل أن يخرجهم من

أصلاب آبائهم وأرحام أمهاتهم، لأحدهم أشد بقية علي دينه من خرط القتاد في الليلة الظلماء، أو كالقابض علي جمر الغضا. أولئك مصابيح الدجي، ينجيهم الله من كل فتنة غبراء مظلمة. انتهي. وروايات البصائر هذه ليس فيها تصريح بعالم الأظلة أو الأشباح، لكن يصح حملها عليه بالقرائن.

من روايات عالم الاظلة

الإعتقادات للصدوق/26: (وقال النبي صلي الله عليه وآله: الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف. وقال الصادق عليه السلام: إن الله آخي بين الأرواح في الأظلة قبل أن يخلق الأبدان بألفي عام، فلو قد قام قائمنا أهل البيت لورَّث الأخ الذي آخا بينهما في الأظلة، ولم يورث الأخ من الولادة. انتهي. ورواه في الفقيه:4/352، ورواه في بحار الأنوار:6/249، ورواه الصدوق في الخصال/169، قال:حدثنا علي بن أحمد بن موسي (رض) قال: حدثنا حمزة بن القاسم العلوي قال: حدثنا محمد بن عبدالله بن عمران البرقي قال: حدثنا محمد بن علي الهمداني، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي عبدالله وأبي الحسن (عليهما السلام) قالا: لو قد قام القائم لحكم بثلاث لم يحكم بها أحد قبله: يقتل الشيخ الزاني، ويقتل مانع الزكاة، ويورث الأخ أخاه في الأظلة.

الكافي:1/441: (علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن محمد بن علي بن إبراهيم، عن علي بن حماد، عن المفضل قال: قلت لابي عبدالله عليه السلام: كيف كنتم حيث كنتم في الاظلة؟ فقال: يا مفضل كنا عند ربنا ليس عنده أحد غيرنا، في ظلة خضراء نسبحه ونقدسه ونهلله ونمجده، وما من ملك مقرب ولا ذي روح غيرنا، حتي بدا له في خلق الأشياء، فخلق ما شاء كيف شاء من الملائكة وغيرهم، ثم أنهي علم ذلك إلينا. انتهي. والمقصود بقوله عليه

السلام: ثم أنهي علم ذلك إلينا، شبيه قوله تعالي: وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمآءَ كُلَّهَا.

الكافي:1/436: (محمد بن يحيي، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن صالح بن عقبة، عن عبدالله بن محمد الجعفري، عن أبي جعفر عليه السلام وعن عقبة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله خلق، فخلق ما أحب مما أحب، وكان ما أحب أن خلقه من طينة الجنة، وخلق ما أبغض مما أبغض، وكان ما أبغض أن خلقه من طينة النار، ثم بعثهم في الظلال. فقلت: وأي شئ الظلال؟ قال: ألم تر إلي ظلك في الشمس شئ وليس بشئ، ثم بعث الله فيهم النبيين يدعونهم إلي الإقرار بالله وهو قوله: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ. ثم دعاهم إلي الإقرار بالنبيين، فأقر بعضهم وأنكر بعضهم، ثم دعاهم إلي ولايتنا فأقر بها والله من أحب وأنكرها من أبغض، وهو قوله: فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ. ثم قال أبو جعفر عليه السلام: كان التكذيب ثَمَّ. انتهي.

ورواه في الكافي:2/10: عن محمد بن يحيي، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة، عن عبدالله بن محمد الجعفي وعقبة، جميعاً عن أبي جعفر عليه السلام قال... ورواه في علل الشرائع:1/118، رواه في بصائر الدرجات /80، وفيه (كان التكذيب ثمت).

الكافي:8/2: (حدثني علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن فضال، عن حفص المؤذن، عن أبي عبد الله عليه السلام، وعن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن محمد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه كتب بهذه الرسالة إلي أصحابه وأمرهم بمدارستها والنظر فيها وتعاهدها والعمل بها، فكانوا يضعونها في مساجد بيوتهم،

فإذا فرغوا من الصلاة نظروا فيها.

قال: وحدثني الحسن بن محمد، عن جعفر بن محمد بن مالك الكوفي، عن القاسم بن الربيع الصحاف، عن إسماعيل بن مخلد السراج، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: خرجت هذه الرسالة من أبي عبد الله عليه السلام إلي أصحابه:

بسم الله الرحمن الرحيم

أما بعد، فاسألوا ربكم العافية، وعليكم بالدعة والوقار والسكينة، وعليكم بالحياء والتنزه عما تنزه عنه الصالحون قبلكم، وعليكم بمجاملة أهل الباطل....

وإياكم وما نهاكم الله عنه أن تركبوه، وعليكم بالصمت إلا فيما ينفعكم الله به من أمر آخرتكم ويأجركم عليه.. وعليكم بالدعاء، فإن المسلمين لم يدركوا نجاح الحوائج عند ربهم بأفضل من الدعاء والرغبة إليه....

فاتقوا الله أيتها العصابة الناجية أن أتم الله لكم ما أعطاكم، فإنه لا يتم الأمر حتي يدخل عليكم مثل الذي دخل علي الصالحين قبلكم....

واعلموا أنه ليس من علم الله ولا من أمره أن يأخذ أحد من خلق الله في دينه بهوي ولا رأي ولا مقائيس، قد أنزل الله القرآن وجعل فيه تبيان كل شئ، وجعل للقرآن ولتعلم القرآن أهلاً لا يسع أهل علم القرآن الذين آتاهم الله علمه أن يأخذوا فيه بهوي لا رأي ولا مقائيس، أغناهم الله عن ذلك بما آتاهم من علمه وخصهم به ووضعه عندهم، كرامة من الله أكرمهم بها، وهم أهل الذكر الذين أمر الله هذه الأمة بسؤالهم، وهم الذين من سألهم - وقد سبق في علم الله أن يصدقهم ويتبع أثرهم _ أرشدوه وأعطوه من علم القرآن ما يهتدي به إلي الله بإذنه، وإلي جميع سبل الحق، وهم الذين لا يرغب عنهم وعن مسألتهم وعن علمهم الذي أكرمهم الله به وجعله عندهم إلا من سبق

عليه في علم الله الشقاء في أصل الخلق تحت الاظلة، فأولئك الذين يرغبون عن سؤال أهل الذكر والذين آتاهم الله علم القرآن ووضعه عندهم وأمر بسؤالهم، وأولئك الذين يأخذون بأهوائهم وآرائهم ومقائيسهم حتي دخلهم الشيطان....

الأصول الستة عشر/63: (جابر قال سألت أبا جعفر عليه السلام عن تفسير هذه الآية، عن قول الله عز وجل: وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَي الطَّرِيقَةِ لاسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا، يعني لو أنهم استقاموا علي الولاية في الأصل تحت الأظلة، حين أخذ الله ميثاق ذرية آدم، لاسقيناهم ماء غدقاً: يعني لأسقينا أظلتهم الماء العذب الفرات.

تفسير القمي:2/391: (أخبرنا أحمد بن إدريس قال: حدثنا أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن القاسم بن سليمان، عن جابر قال سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول في هذه الآية: وأن لو استقاموا علي الطريقة لاسقيناهم ماء غدقاً: يعني من جري فيه شئ من شرك الشيطان. علي الطريقة: يعني علي الولاية في الأصل عند الأظلة، حين أخذ الله ميثاق ذرية آدم. انتهي. ونحوه في تفسير نور الثقلين:5/438

بصائر الدرجات/73: (حدثنا أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن سيف بن عميره، عن أبي بكر الحضرمي، عن حذيفة بن أسيد الغفار، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله: ما تكاملت النبوة لنبي في الأظلة حتي عرضت عليه ولايتي وولاية أهل بيتي، ومثلوا له، فأقروا بطاعتهم وولايتهم.

تفسير العياشي:2/126: (عن زرارة وحمران، عن أبي جعفر وأبي عبدالله (عليهما السلام) قالا: إن الله خلق الخلق وهي أظلة، فأرسل رسوله محمداً صلي الله عليه وآله فمنهم من آمن به ومنهم من كذبه، ثم بعثه في الخلق الآخر فآمن به من كان آمن في الأظلة، وجحده من

جحد به يومئذ، فقال: ما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل.

تفسير فرات الكوفي/147:

(فرات قال: حدثني عثمان بن محمد معنعناً: عن أبي خديجة قال: قال محمد بن علي (عليهما السلام): لو علم الناس متي سمي علي أمير المؤمنين ما اختلف فيه اثنان.

قال: قلت: متي؟ قال فقال لي: في الأظلة حين أخذ الله من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم علي أنفسهم ألست بربكم قالوا: بلي. محمد نبيكم، علي أمير المؤمنين وليكم.)

الايضاح لابن شاذان/106: ((... فوالله ما الحق إلا واضح بيِّن منير، وما الباطل إلا مظلم كدر، وقد عرفتم موضعه ومستقره، إلا أن الميثاق قد تقدم في الاظلة بالسعادة والشقاوة، وقد بين الله جل ذكره لنا ذلك بقوله: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَي أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَي شَهِدْنَا).

شرح الأسماء الحسني:1/166: (قد عرف النور بأنه الظاهر بذاته المظهر لغيره وهو القدر المشترك بين جميع مراتبه من الضوء وضوء الضوء والظل وظل الظل، في كل بحسبه وهذا المعني حق حقيقة الوجود، إذ كما أنها الموجودة بذاتها وبها توجد المهيات المعدومة بذواتها بل لا موجودة ولا معدومة، كذلك تلك الحقيقة ظاهرة بذاتها مظهرة لغيرها من الأعيان، والمهيات المظلمة بذواتها بل لا مظلمة ولا نورية، فمراتب الوجود من الحقايق والرقايق والأرواح والأشباح والأشعة والأظلة كلها أنوار لتحقق هذا المعني فيها، حتي في الأشباح المادية وأظلال الأظلال. انتهي.

ويدل النص التالي علي أن حديث عالم الظلال كان معروفاً في حياة النبي صلي الله عليه وآله ثم غاب من بعده كما غابت أحاديث كثيرة في فضائله صلي الله عليه وآله والسبب في ذلك أن هذه الأحاديث فيها ذكر فضل بني

هاشم وبني عبد المطلب وفضل علي وفاطمة والأئمة الإثني عشر الموعودين في هذه الأمة! وقد عتموا عليها ما استطاعوا! وما رووه منها من فضائل النبي صلي الله عليه وآله جردوه من فضائل أهل بيته وعترته إلا ما أفلت منها، وما رواه أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم!)

قال في كنز العمال:12/427: (عن ابن عباس قال: سألت رسول الله(ص)فقلت: فداك أبي وأمي أين كنت وآدم في الجنة؟ فتبسم حتي بدت نواجذه ثم قال: كنت في صلبه وركب بي السفينة في صلب أبي نوح، وقذف بي في صلب أبي إبراهيم، لم يلتق أبواي قط علي سفاح، لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الحسنة إلي الأرحام الطاهرة مصفي مهذباً، لا تتشعب شعبتان إلا كنت في خيرهما، قد أخذ الله بالنبوة ميثاقي وبالإسلام عهدي، ونشر في التوراة والإنجيل ذكري، وبين كل نبي صفتي، تشرق الأرض بنوري والغمام لوجهي، وعلمني كتابه، ورقي بي في سمائه وشق لي اسماً من أسمائه، فذو العرش محمود وأنا محمد، ووعدني أن يحبوني بالحوض والكوثر، وأن يجعلني أول مشفع، ثم أخرجني من خير قرن لأمتي وهم الحمادون، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.

قال ابن عباس: فقال حسان بن ثابت في النبي (ص):

من قبلها طبت في الظلال وفي مستودع حيث يُخْصَف الورقُ

ثم سكنت البلاد لا بشرٌ أنت ولا نطفةٌ ولا علقُ

مطهرٌ تركب السفين وقد ألجمَ أهل الضلالة الغرق

تُنقل من صلب إلي رحم إذا مضي عالم بدا طب_ق

فقال النبي (ص): يرحم الله حساناً! فقال علي بن أبي طالب: وجبت الجنة لحسان ورب الكعبة. كر، وقال: هذا حديث غريب جداً، والمحفوظ أن هذه الأبيات للعباس. انتهي. ولكن نسبة هذه الأبيات إلي حسان أولي، فهي

تشبه شعره إلي حد كبير، ولم يعهد في التاريخ شعر للعباس عم النبي، كما عهد لعمه أبي طالب صلي الله عليه وآله. ورواه في مجمع الزوائد للعباس في:8/217، وقال: رواه الطبراني وفيهم من لم أعرفهم، قال:

وعن خريم بن أوس بن جارية بن لام قال: كنا عند النبي(ص)فقال له العباس بن عبدالمطلب: يا رسول الله إني أريد أن أمدحك، فقال له (ص): هات لا يفضض الله فاك، فأنشأ يقول:

قبلها طبت في الظلال وفي مستودع حيث يخصف الورق

ثم هبطت البلاد لا بشر أنت ولا مضغة ولا علق

بل نطفة تركب السفين وقد ألجم نسراً وأهله الغ_رق

تنقل من صالب إلي رحم إذا مضي عالم بدا طبق

حتي احتوي بيتك المهيمن من خندف علياء تحتها النطق

وأنت لما ولدت أشرقت الأ رض وضاءت بنورك الأفق

فنحن في ذلك الضياء وفي النور سبل الرشاد نخت_رق

وروي نحوه في مناقب آل ابي طالب:1/27

وفي مناقب آل ابي طالب:2/17:

أشباحكم كن في بدو الظلال له دون البرية خداماً وحجاب

وأنتمُ الكلمات اللاي لقنها جبريل آدم عند الذنب إذ تاب

وأنتمُ قبلة الدين التي جعلت للقاصدين إلي الرحمن محراب

وقد روي إخواننا السنة أحاديث كثيرة وصححوا عدداً منها تنص علي أن خلق النبي ونبوته صلي الله عليه وآله قد تما قبل خلق آدم عليه السلام ولكنها مجردة عن فضل أهل بيته، ففي مسند أحمد:4/127: (الكلبي عن عبد الله بن هلال السلمي، عن عرباض بن سارية قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله: إني عبد الله لخاتم النبيين وإن آدم عليه السلام لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بأول ذلك: دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسي بي، ورؤيا أمي التي رأت، وكذلك

أمهات النبيين يَرَيْنَ. انتهي. ورواه في مستدرك الحاكم:2/418 وص600 في/608 وزاد فيه: (وإن أم رسول الله صلي الله عليه وآله رأت حين وضعته له نورا أضاءت لها قصور الشام، ثم تلا: يا أيها النبي يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إلي اللهِ بِإِذْنِهِ وَ سِرَاجًا مُنِيرًا. هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

ورواه في مجمع الزوائد:8/223 تحت عنوان: باب قدم نبوته صلي الله عليه وآله كما في الحاكم وقال (رواه أحمد بأسانيد، والبزار، والطبراني بنحوه، وقال: سأحدثكم بتأويل ذلك: دعوة إبراهيم دعا، وابعث فيهم رسولاً منهم، وبشارة عيسي بن مريم قوله، ومبشراً برسول يأتي من بعدي إسمه أحمد، ورؤيا أمي التي رأت في منامها أنها وضعت نوراً أضاءت منه قصور الشام. وأحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح غير سعيد بن سويد وقد وثقه ابن حبان.

وعن ميسرة العجر قال قلت يا رسول الله متي كتبت نبياً؟ قال: وآدم بين الروح والجسد. رواه أحمد والطبراني ورجاله رجال الصحيح.

وعن عبدالله بن شقيق عن رجل قال قلت يا رسول الله متي جعلت نبياً؟ قال: وآدم بين الروح والجسد. رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.

وعن ابن عباس قال: قيل يا رسول الله متي كتبت نبياً؟ قال وآدم بين الروح والجسد. رواه الطبراني في الأوسط والبزار، وفيه جابر بن يزيد الجعفي وهو ضعيف.

وعن أبي مريم قال أقبل أعرابي حتي أتي النبي(ص)وعنده خلق من الناس فقال: ألا تعطيني شيئاً أتعلمه وأحمله وينفعني ولا يضرك، فقال الناس مه أجلس، فقال النبي(ص)دعوه فإنما يسأل الرجل ليعلم، فأفرجوا له حتي جلس، فقال: أي شئ كان أول نبوتك؟ قال: أخذ الميثاق كما أخذ من النبيين، ثم تلا: وَإِذْ أَخَذْنَا

مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَ مِنْكَ وَ مِنْ نُوحٍ وَ إِبْرَاهِيمَ وَ مُوسَي وَ عِيسَي ابْنِ مَرْيَمَ وَ أَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا، وبشري المسيح عيسي بن مريم، ورأت أم رسول الله (ص)في منامها أنه خرج من بين رجليها سراج أضاءت له قصور الشام.

فقال الأعرابي هاه وأدني منه رأسه وكان في سمعه شئ، فقال النبي(ص)ووراء ذلك. رواه الطبراني ورجاله وثقوا.

وروي أحاديثه في كنز العمال:11/409 وقال في مصادرها: (ابن سعد، حل _ عن ميسرة الفجر، ابن سعد _ عن ابن أبي الجدعاء، طب _ عن ابن عباس). وقال في هامشه: أخرجه الترمذي كتاب المناقب باب فضل البني(ص)رقم(3609) وقال: حسن صحيح غريب.

وفي:11/418 وص 449 وص 450، وقال في مصادره (حم، طب، ك، حل، هب _ عن عرباض بن سارية). (حم وابن سعد، طب، ك، حل هب _ عن عرباض بن سارية) (ابن سعد _ عن مطرف بن عبدالله بن الشخير) (ابن سعد _ عن عبدالله بن شقيق عن أبيه أبي الجدعاء، ابن قانع _ عن عبدالله بن شقيق عن أبيه، طب _ عن ابن عباس، ابن سعد _ عن ميسرة الفجر) (ابن عساكر _ عن أبي هريرة)

ورواها السيوطي عن المصادر المتقدمة وغيرها في الدر المنثور:1/139 وج 5/184 وص 207 وج 6/213.

وروي إخواننا كذلك أحاديث متعددة عن اختيار الله تعالي لبني هاشم تؤيد هذه الأحاديث، وليس هذا مقام الكلام فيها.

من روايات عالم طينة الخلق

مجمع الزوائد:9/128: (وعن بريدة قال: بعث رسول الله(ص)علياً أميراً علي اليمن، وبعث خالد بن الوليد علي الجبل، فقال: إن اجتمعتما فعلي علي الناس، فالتقوا وأصابوا من الغنائم ما لم يصيبوا مثله، وأخذ عليٌّ جاريةً من الخمس، فدعا خالد ابن الوليد بريدة فقال: إغتنمها فأخبر

النبي(ص)ما صنع!

فقدمت المدينة ودخلت المسجد ورسول الله(ص)في منزله، وناس من أصحابه علي بابه، فقالوا: ما الخبر يا بريدة؟

فقلت: خيراً فتح الله علي المسلمين. فقالوا: ما أقدمك؟ قلت: جارية أخذها علي من الخمس! فجئت لاخبر النبي(ص).

فقالوا: فأخبر النبي(ص)فإنه يسقط من عين النبي(ص)! ورسول الله(ص)يسمع الكلام، فخرج مغضباً فقال: ما بال أقوام ينتقصون علياً! من تنقص علياً فقد تنقصني، ومن فارق علياً فقد فارقني. إن علياً مني وأنا منه، خلق من طينتي وخلقت من طينة إبراهيم، وأنا أفضل من إبراهيم ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم. يا بريدة أما علمت أن لعلي أكثر من الجارية التي أخذ، وأنه وليكم بعدي! فقلت: يا رسول الله بالصحبة إلا بسطت يدك فبايعتني علي الإسلام جديداً! قال: فما فارقته حتي بايعته علي الإسلام. رواه الطبراني في الأوسط، وفيه جماعة لم أعرفهم وحسين الأشقر ضعفه الجمهور، ووثقه ابن حبان.

مجمع الزوائد:5/208: (وعن جابر _ قال: لما قدم جعفر من أرض الحبشة تلقاه رسول الله، فلما نظر إلي رسول الله حجل إعظاماً لرسول الله(ص)فقبل رسول الله بين عينيه، وقال له: يا حبيبي أنت أشبه الناس بخلقي وخلقي، وخلقت من الطينة التي خلقت منها، يا حبيبي حدثني عن بعض عجائب أهل الحبشة. قال: نعم بأبي أنت وأمي يا رسول الله، بينا أنا قائم في بعض طرقها إذ أنا بعجوز علي رأسها مكيل، وأقبل شاب يركض علي فرس فزحمها وألقي المكيل عن رأسها، واستوت قائمة وأتبعته البصر وهي تقول: الويل لك غداً إذا جلس الملك علي كرسيه فاقتص للمظلوم من الظالم! قال جابر: فنظر إلي رسول الله(ص)وهو يقول: لا قدس الله أمة لا تأخذ للمظلوم حقه من الظالم غير متعتع. رواه

الطبراني في الأوسط وفيه مكي بن عبد الله الرعيني وهو ضعيف. انتهي. ورواه في مجمع الزوائد:9/272، وروي أيضاً:

وعن أسامة بن زيد أن النبي(ص)قال لجعفر: خلقك كخلقي وأشبه خلقي خلفك فأنت مني، وأنت يا علي فمني وأبو ولدي. رواه الطبراني عن شيخه أحمد بن عبدالرحمن بن عفال وهو ضعيف.

كنز العمال:11/662: (خلق الناس من أشجار شتي، وخلقت أنا وجعفر من طينة واحدة. ابن عساكر عن وهب بن جعفر بن محمد عن أبيه مرسلاً، ووهب كان يضع الحديث.

مسند جابر بن عبدالله، عن مكي بن عبدالله الرعيني، ثنا سفيان بن عيينة، عن ابن الزبير، عن جابر قال: لما قدم جعفر من أرض الحبشة تلقاه رسول الله، فلما نظر جعفر إلي رسول الله حجل إعظاماً منه لرسول الله(ص)، فقبل رسول الله بين عينيه وقال: يا حبيبي! أنت أشبه الناس بخلقي وخلقي وخلقت من الطينة التي خلقت منها يا حبيبي. عق، وأبو نعيم، قال عق غير محفوظ، وقال في الميزان: مكي له مناكير، وقال في المغني: تفرد عن ابن عيينة بحديث عب. انتهي. ورواه في كنز العمال:11/662، بعدة روايات في بعضها من طينتي وفي بعضها من شجرتي.

الكافي:2/2: (علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسي، عن ربعي بن عبد الله عن رجل، عن علي بن الحسين (عليهما السلام) قال: إن الله عز وجل خلق النبيين من طينة عليين: قلوبهم وأبدانهم، وخلق قلوب المؤمنين من تلك الطينة و (جعل) خلق أبدان المؤمنين من دون ذلك وخلق الكفار من طينة سجين، قلوبهم وأبدانهم، فخلط بين الطينتين، فمن هذا يلد المؤمن الكافر ويلد الكافر المؤمن، ومن هاهنا يصيب المؤمن السيئة، ومن هاهنا يصيب الكافر الحسنة. فقلوب المؤمنين تحن إلي

ما خلقوا منه وقلوب الكافرين تحن إلي ما خلقوا منه. انتهي. ورواه في علل الشرائع:1/82 وروي في/116: محمد بن يحيي، عن محمد بن الحسن، عن النضر بن شعيب، عن عبدالغفار الجازي، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: إن الله عز وجل خلق المؤمن من طينة الجنة وخلق الكافر من طينة النار. وقال: إذا أراد الله عز وجل بعبد خيراً طيب روحه وجسده فلا يسمع شيئاً من الخير إلا عرفه ولا يسمع شيئاً من المنكر إلا أنكره.

قال وسمعته يقول: الطينات ثلاث: طينة الأنبياء والمؤمن من تلك الطينة إلا أن الأنبياء هم من صفوتها، هم الأصل ولهم فضلهم، والمؤمنون الفرع من طين لازب، كذلك لا يفرق الله عز وجل بينهم وبين شيعتهم. وقال: طينة الناصب من حمأ مسنون، وأما المستضعفون فمن تراب، لا يتحول مؤمن عن إيمانه ولا ناصب عن نصبه، ولله المشيئة فيهم.

علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن صالح بن سهل قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك من أي شئ خلق الله عزوجل طينة المؤمن؟ فقال: من طينة الأنبياء، فلم تنجس أبداً.

محمد بن يحيي وغيره، عن أحمد بن محمد وغيره، عن محمد بن خلف، عن أبي نهشل قال: حدثني محمد بن إسماعيل، عن أبي حمزة الثمالي قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إن الله عز وجل خلقنا من أعلي عليين، وخلق قلوب شيعتنا مما خلقنا منه، وخلق أبدانهم من دون ذلك، وقلوبهم تهوي إلينا لأنها خلقت مما خلقنا منه، ثم تلا هذه الآية: كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ.كتاب مرقوم يشهده المقربون. وخلق عدونا من سجين، وخلق قلوب شيعتهم مما خلقهم منه

وأبدانهم من دون ذلك، فقلوبهم تهوي إليهم، لأنها خلقت مما خلقوا منه، ثم تلا هذه الآية: كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ كِتَابٌ مَرْقُومٌ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ. انتهي. ورواه في علل الشرائع: 1/116

الكافي:1/389: (أحمد بن محمد، عن محمد بن الحسن، عن محمد بن عيسي بن عبيد، عن محمد بن شعيب، عن عمران بن إسحاق الزعفراني، عن محمد بن مروان، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: سمعته يقول: إن الله خلقنا من نور عظمته، ثم صور خلقنا من طينة مخزونة مكنونة من تحت العرش، فأسكن ذلك النور فيه، فكنا نحن خلقاً وبشراً نورانيين لم يجعل لاحد في مثل الذي خلقنا منه نصيباً، وخلق أرواح شيعتنا من طينتنا وأبدانهم من طينة مخزونة مكنونة أسفل من تلك الطينة... الحديث.

الكافي:1/402: (أحمد بن محمد، عن محمد بن الحسين، عن منصور بن العباس، عن صفوان بن يحيي، عن عبد الله بن مسكان، عن محمد بن عبد الخالق وأبي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: يا أبا محمد... وإن عندنا سراً من سر الله وعلماً من علم الله أمرنا الله بتبليغه، فبلغنا عن الله عز وجل ما أمرنا بتبليغه، فلم نجد له موضعاً ولا أهلاً ولا حمالة يحتملونه حتي خلق الله لذلك أقواماً، خلقوا من طينة خلق منها محمد وآله وذريته عليهم السلام ومن نور خلق الله منه محمداً وذريته، وصنعهم بفضل صنع رحمته التي صنع منها محمداً وذريته، فبلغنا عن الله ما أمرنا بتبليغه فقبلوه واحتملوا ذلك، وبلغهم ذكرنا فمالت قلوبهم إلي معرفتنا وحديثنا، فلولا أنهم خلقوا من هذا لما كانوا كذلك، لا والله ما احتملوه... الحديث.

من آيات و روايات عالم الملكوت

قال تعالي: أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا

مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَوَ لَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللهُ مِنْ شَئٍْ وَأَنْ عَسَي أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ. الاعراف 184-185

وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ. فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الْلَيْلُ رَآ كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ. فَلَمَّا رَءَا الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ. الأنعام: 75 _ 77

قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَئٍْ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ للهِ قُلْ فَأَنَّي تُسْحَرُونَ. المؤمنون: 88 _ 89

فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَئٍْ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. يس: 83

نهج البلاغة:1/162: (... هو القادر الذي إذا ارتمت الأوهام لتدرك منقطع قدرته، وحاول الفكر المبرأ من خطرات الوساوس أن يقع عليه في عميقات غيوب ملكوته، وتولهت القلوب إليه لتجري في كيفية صفاته، وغمضت مداخل العقول في حيث لا تبلغه....

نهج البلاغة:1/163: (وأرانا من ملكوت قدرته، وعجائب ما نطقت به آثار حكمته، واعتراف الحاجة من الخلق إلي أن يقيمها بمساك قدرته، ما دلنا باضطرار قيام الحجة...

نهج البلاغة:1/168: (ثم خلق سبحانه لاسكان سماواته، وعمارة الصفيح الأعلي من ملكوته، خلقاً بديعاً من ملائكته ملا بهم فروج فجاجها، وحشي بهم فتوق أجوائها. وبين فجوات تلك الفروج زجل المسبحين منهم في حظائر القدس وسترات الحجب وسرادقات المجد. ووراء ذلك الرجيج الذي تستك منه الأسماع....

نهج البلاغة:2/45: (الحمد لله الذي انحسرت الأوصاف عن كنه معرفته، وردعت عظمته العقول فلم تجد مساغاً إلي بلوغ غاية ملكوته....

مستدرك الوسائل:11/185: (الآمدي في الغرر، عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه

قال: التفكر في ملكوت السماوات والأرض عبادة المخلصين.

الكافي:1/35: (عن حفص بن غياث قال: قال لي أبوعبدالله عليه السلام: من تعلم العلم وعمل به وعلم لله، دعي في ملكوت السماوات عظيماً، فقيل: تعلم لله واعمل لله وعلم لله. انتهي.

وروي نحوه في كنز العمال:10/164 وفي سنن الترمذي:4/155، وروي في مجمع الزوائد:10/248: (البراء بن عازب قال قال رسول الله (ص): من قضي نهمته في الدنيا حيل بينه وبين شهوته في الآخرة، ومن مد عينيه إلي زينة المترفين، كان مهيناً في ملكوت السموات. ومن صبر علي القوت الشديد صبراً جميلاً أسكنه الله من الفردوس حيث شاء.

وسائل الشيعة:11/278: (ثم قال: وذلك إذا انتهكت المحارم، واكتسب المآثم، وتسلط الأشرار علي الاخيار، ويفشو الكذب، وتظهر الحاجة، وتفشو الفاقة، ويتباهون في الناس، ويستحسنون الكوبة والمعازف، وينكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. إلي أن قال: فأولئك يدعون في ملكوت السماء: الأرجاس الأنجاس.... الحديث.

الكافي:1/93: (محمد بن أبي عبدالله رفعه قال: قال أبوعبدالله عليه السلام: يا ابن آدم لو أكل قلبك طائر لم يشبعه، وبصرك لو وضع عليه خرق أبرة لغطاه، تريد أن تعرف بهما ملكوت السماوات والأرض، إن كنت صادقاً فهذه الشمس خلق من خلق الله فإن قدرت أن تملأ عينيك منها فهو كما تقول.

الكافي:1/273: (علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسي، عن يونس، عن ابن مسكان، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن قول الله عز وجل: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي، قال: خلق أعظم من جبرئيل وميكائيل، كان مع رسول الله صلي الله عليه وآله وهو مع الأئمة، وهو من الملكوت.

الكافي:2/263: (علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن

أبي عبدالله عليه السلام قال: قال النبي صلي الله عليه وآله: طوبي للمساكين بالصبر، وهم الذين يرون ملكوت السماوات والأرض.

تفسير الإمام العسكري/513:

وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ، قوي الله بصره لما رفعه دون السماء حتي أبصر الأرض ومن عليها ظاهرين ومستترين، فرأي رجلاً وامرأة علي فاحشة فدعا عليهما بالهلاك فهلكا، ثم رأي آخرين فدعا عليهما بالهلاك فهلكا، ثم رأي آخرين فهم بالدعاء عليهما، فأوحي الله تعالي إليه: يا إبراهيم أكفف دعوتك من عبادي وإمائي... الحديث. انتهي. وروي نحوه في الكافي:8/305 وفي كنز العمال:4/269.

علل الشرائع:1/131: (قالوا حدثنا محمد بن أبي عبدالله الكوفي الأسدي، عن موسي بن عمران النخعي، عن عمه الحسين بن يزيد النوفلي، عن علي بن سالم عن أبيه، عن ثابت بن دينار قال سألت زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام عن الله جل جلاله: هل يوصف بمكان؟ فقال: تعالي عن ذلك. قلت: فلم أسري بنبيه محمد صلي الله عليه وآله إلي السماء؟ قال: ليريه ملكوت السموات، وما فيها من عجائب صنعه وبدايع خلقه....

علل الشرائع:1/15: (حدثنا علي بن أحمد، عن محمد بن أبي عبدالله، عن محمد بن إسماعيل البرمكي قال: حدثنا جعفر بن سليمان بن أيوب الخزاز قال: حدثنا عبدالله بن الفضل الهاشمي قال: قلت لابي عبدالله عليه السلام: لأي علة جعل الله عز وجل الأرواح في الأبدان بعد كونها في ملكوته الأعلي في أرفع محل؟ فقال عليه السلام: إن الله تبارك وتعالي علم أن الأرواح في شرفها وعلوها متي ما تركت علي حالها نزع أكثرها إلي دعوي الربوبية دونه عز وجل، فجعلها بقدرته في الأبدان التي قدر لها في ابتداء التقدير

نظراً لها ورحمة بها، وأحوج بعضها إلي بعض وعلق بعضها علي بعض ورفع بعضها علي بعض في الدنيا، ورفع بعضها فوق بعض درجات في الآخرة، وكفي بعضها ببعض.

قلت: فقول الله عز وجل: ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّي. فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَي.؟ قال: ذاك

رسول الله صلي الله عليه وآله دنا من حجب النور فرأي ملكوت السموات، ثم تدلي صلي الله عليه وآله فنظر من تحته إلي ملكوت الأرض حتي ظن أنه في القرب من الأرض، كقاب قوسين أو أدني.

وقد روت مصادر إخواننا السنة عدداً من الروايات عن عالم الملكوت، كالتي رواها أحمد في مسنده:2/363، من حديث المعراج... فلما نزلت وانتهيت إلي سماء الدنيا فإذا أنا برهج ودخان وأصوات فقلت من هؤلاء؟ قال: الشياطين يحرفون علي أعين بني آدم أن لا يتفكروا في ملكوت السموات والأرض، ولولا ذلك لرأت العجائب.

وروي الهيثمي في مجمع الزوائد:9/178: (وعن رقبة بن مصقلة قال لما حصر الحسين بن علي رضي الله عنهما قال: أخرجوني إلي الصحراء لعلي أتفكر أنظر في ملكوت السماوات يعني الآيات، فلما أخرج به قال: اللهم إني أحتسب نفسي عندك فإنها أعز الأنفس عليَّ، وكان مما صنع الله له أنه أحتسب نفسه. رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، إلا أن رقبة لم يسمع من الحسن فيما أعلم، وقد سمع من أنس فيما قيل.

من آيات و روايات عالم الخزائن

وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَئٍْ مَوْزُونٍ. وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ. وَإِنْ مِنْ شَئٍْ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ. الحجر: 19 _ 21

الصحيفة السجادية:1/71: (اللهم يا منتهي مطلب الحاجات، ويا من عنده نيل الطلبات، ويا من لا يبيع نعمه بالأثمان، ويا

من لا يكدر عطاياه بالإمتنان، ويا من يستغني به ولا يستغني عنه، ويا من يرغب إليه ولا يرغب عنه، ويا من لا تفني خزائنه المسائل، ويا من لا تبدل حكمته الوسائل، ويا من لا تنقطع عنه حوائج المحتاجين، ويا من لا يعنيه دعاء الداعين....

مصباح المتهجد/467: (سبحان الحي القيوم، سبحان الدائم الباقي الذي لا يزول، سبحان الذي لا تنقص خزائنه، سبحان من لا ينفد ما عنده، سبحان من لا تبيد معالمه، سبحان من لا يشاور في أمره أحداً، سبحان من لا إله غيره.

مصباح المتهجد/578: (الحمد لله الفاشي في الخلق أمره وحمده، الظاهر بالكرم مجده، الباسط بالجود يده، الذي لا تنقص خزائنه، ولا تزيده كثرة العطاء إلا كرماً وجوداً، إنه هو العزيز الوهاب.

مستدرك الحاكم:1/525: (عن رسول الله صلي الله عليه وآله أنه كان يدعو: اللهم احفظني بالإسلام قائماً، واحفظني بالإسلام قاعداً، واحفظني بالإسلام راقداً، ولا تشمت بي عدواً حاسداً. اللهم إني أسألك من كل خير خزائنه بيدك، وأعوذ بك من كل شر خزائنه بيدك. هذا حديث صحيح علي شرط البخاري ولم يخرجاه.

هذا ماتيسر لنا تتبعه من الأحاديث الدالة علي وجود الإنسان في عوالم قبل الدنيا. وفيها بحوث شريفة في عدد هذه العوالم وترتيبها وصفاتها، قلما تعرض المتكلمون والمفسرون لبحثها.

وفيهابحوث أخري في امتحان الإنسان فيها واختياره الكفر أو الإيمان قبل وصوله إلي عالم الأرض. وقد بحثها المفسرون والمتكلمون في باب الجبر والاختيار، والقضاء والقدر.

قال المجلسي رحمه الله في بحار الأنوار:5/260: (بيان: إعلم أن أخبار هذا الباب من متشابهات الأخبار ومعضلات الآثار، ولاصحابنا رضي الله عنهم فيها مسالك:

منها، ما ذهب إليه الأخباريون، وهو أنا نؤمن بها مجملاً، ونعترف بالجهل عن حقيقة معناها،

وعن أنها من أي جهة صدرت، ونرد علمها إلي الأئمة عليهم السلام.

ومنها، أنها محمولة علي التقية لموافقتها لروايات العامة، ولما ذهبت إليه الأشاعرة وهم جلهم، ولمخالفتها ظاهراً لما مر من أخبار الإختيار والإستطاعة.

ومنها، أنها كناية عن علمه تعالي بما هم إليه صائرون، فإنه تعالي لما خلقهم مع علمه بأحوالهم فكأنه خلقهم من طينات مختلفة.

ومنها، أنها كناية عن اختلاف استعداداتهم وقابلياتهم، وهذا أمر بين لا يمكن إنكاره، فإنه لا شبهة في أن النبي صلي الله عليه وآله وأبا جهل ليسا في درجة واحدة من الإستعداد والقابلية، وهذا لا يستلزم سقوط التكليف، فإن الله تعالي كلف النبي صلي الله عليه وآله حسب ما أعطاه من الاستعداد لتحصيل الكمالات، وكلف أبا جهل حسب ما أعطاه من ذلك، ولم يكلفه ما ليس في وسعه، ولم يجبره علي شئ من الشر والفساد.

ومنها، أنه لما كلف الله تعالي الأرواح أولاً في الذر وأخذ ميثاقهم فاختاروا الخير والشر باختيارهم في ذلك الوقت، وتفرع اختلاف الطينة علي ما اختاروه باختيارهم كما دل عليه بعض الأخبار السابقة، فلا فساد في ذلك.

ولا يخفي ما فيه وفي كثير من الوجوه السابقة، وترك الخوض في أمثال تلك المسائل الغامضة التي تعجز عقولنا عن الاحاطة بكنهها أولي، لا سيما في تلك المسألة التي نهي أئمتنا عن الخوض فيها. (مسألة القضا والقدر).

ولنذكر بعض ما ذكره في ذلك علماؤنا رضوان الله عليهم ومخالفوهم.

فمنها: ما ذكره الشيخ المفيد قدس الله روحه في جواب المسائل السروية حيث سئل: ما قوله - أدام الله تأييده - في معني الأخبار المروية عن الأئمة الهادية عليهم السلام في الأشباح وخلق الله تعالي الأرواح قبل خلق آدم عليه السلام

بألفي عام، وإخراج الذرية من صلبه علي صور الذر، ومعني قول رسول الله صلي الله عليه وآله: الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف.

الجواب: وبالله التوفيق، إن الأخبار بذكر الأشباح تختلف ألفاظها، وتتباين معانيها، وقد بنت الغلاة عليها أباطيل كثيرة، وصنفوا فيها كتباً لغوا فيها، وهزئوا فيما أثبتوه منه في معانيها، وأضافوا ما حوته الكتب إلي جماعة من شيوخ أهل الحق وتخرصوا الباطل بإضافتها إليهم، من جملتها كتاب سموه كتاب (الأشباح والأظلة) نسبوه في تأليفه إلي محمد بن سنان، ولسنا نعلم صحة ما ذكروه في هذا الباب عنه.

وإن كان صحيحاً فإن ابن سنان قد طعن عليه وهو متهم بالغلو، فإن صدقوا في إضافة هذا الكتاب إليه فهو ضلال لضال عن الحق، وإن كذبوا فقد تحملوا أوزار ذلك.

والصحيح من حديث الأشباح الرواية التي جاءت عن الثقاة بأن آدم عليه السلام رأي علي العرش أشباحاً يلمع نورها فسأل الله تعالي عنها، فأوحي إليه أنها أشباح رسول الله صلي الله عليه وآله وأمير المؤمنين والحسن والحسين وفاطمة صلوات الله عليهم، وأعلمه أنه لولا الأشباح التي رآها ما خلقه ولا خلق سماءً ولا أرضاً. والوجه فيما أظهره الله تعالي من الأشباح والصور لادم أن دله علي تعظيمهم وتبجيلهم، وجعل ذلك إجلالاً لهم ومقدمة لما يفترضه من طاعتهم، ودليلاً علي أن مصالح الدين والدنيا لا تتم إلا بهم، ولم يكونوا في تلك الحال صوراً مجيبة، ولا أرواحاً ناطقة، لكنها كانت علي مثل صورهم في البشرية، يدل علي ما يكونوا عليه في المستقبل في الهيئة، والنور الذي جعله عليهم يدل علي نور الدين بهم وضياء الحق بحججهم. وقد روي أن أسماءهم كانت مكتوبة إذ

ذاك علي العرش، وأن آدم عليه السلام لما تاب إلي الله عز وجل وناجاه بقبول توبته سأله بحقهم عليه ومحلهم عنده فأجابه، وهذا غير منكر في العقول ولا مضاد للشرع المنقول، وقد رواه الصالحون الثقاة المأمونون، وسلم لروايته طائفة الحق، ولا طريق إلي إنكاره، والله ولي التوفيق. انتهي.

ويدل كلام المفيد قدس سره أن الغلاة في عصره كانوا استغلوا أحاديث الأشباح والظلال وبنوا عليها أباطيل تخالف مذهب أهل البيت عليهم السلام، فشنع بسببها الخصوم علي المذهب، فنفي المفيد دعوي الخصوم، وفي نفس الوقت أثبت أحاديث الأشباح والظلال، ثم فسرها بتفسير يفهمه العوام ولا يثير الخصوم.

وقال في هامش الكافي:2/3: (الأخبار مستفيضة في أن الله تعالي خلق السعداء من طينة عليين (من الجنة) وخلق الأشقياء من طينة سجين (من النار) وكل يرجع إلي حكم طينته من السعادة والشقاء، وقد أورد عليها: أولاً: بمخالفة الكتاب. وثانياً: باستلزام الجبر الباطل.

أما البحث الأول، فقد قال الله تعالي: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ، وقال: وبدأ خلق الإنسان من طين، فأفاد أن الإنسان مخلوق من طين، ثم قال تعالي: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا.. الآية. وقال: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا.. الآية. فأفاد أن للإنسان غاية ونهاية من السعادة والشقاء، وهو متوجه إليها سائر نحوها. وقال تعالي: كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدَي وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ.. الآية. فأفاد أن ما ينتهي إليه أمر الإنسان من السعادة والشقاء هو ماكان عليه في بدء خلقه وقد كان في بدء خلقه طيناً، فهذه الطينة طينة سعادة وطينة شقاء، وآخرالسعيد إلي الجنة وآخرالشقي إلي النار، فهما أولهما لكون الآخر هو الأول، وحينئذ صح أن

السعداء خلقوا من طينة الجنة والأشقياء خلقوا من طينة النار. وقال تعالي: كَلا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ كِتَابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ، كَلا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ كِتَابٌ مَرْقُومٌ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ.. الآيات. وهي تشعر بأن عليين وسجين هما ما ينتهي اليه أمر الأبرار والفجار من النعمة والعذاب، فافهم.

وأما البحث الثاني، وهو أن أخبار الطينة تستلزم أن تكون السعادة والشقاء لازمين حتميين للإنسان، ومعه لا يكون أحدهما اختيارياً كسبياً للإنسان وهو الجبر الباطل. والجواب عنه، أن اقتضاء الطينة للسعادة أو الشقاء ليس من قبل نفسها بل من قبل حكمه تعالي وقضائه ماقضي من سعادة وشقاء، فيرجع الإشكال إلي سبق قضاء السعادة والشقاء في حق الإنسان قبل أن يخلق، وإن ذلك يستلزم الجبر. وقد ذكرنا هذا الإشكال مع جوابه في باب المشيئة والإرادة في المجلد الأول من الكتاب/150، وحاصل الجواب: أن القضاء متعلق بصدور الفعل عن اختيار العبد فهو فعل اختياري في عين أنه حتمي الوقوع، ولم يتعلق بالفعل سواء اختاره العبد أو لم يختره، حتي يلزم منه بطلان الإختيار. وأما شرح ما تشمل عليه هذه الأخبار تفصيلاً فأمر خارج عن مجال هذا البيان المختصر، فليرجع فيه إلي مطولات الشروح والتعاليق والله الهادي.(الطباطبائي) انتهي.

ونختم بالقول: إن مسألة وجود الإنسان في عوالم قبل عالم الأرض، أوسع مما بحثه المتكلون والفلاسفة، وهي تحتاج إلي تتبع كامل وبحث دقيق في أحاديثها الشريفة، للتوصل إلي عدد تلك العوالم وصفاتها، ولا يبعد أنها تحل كثيراً من المشكلات، ومنها مشكلة الجبر والاختيار، وقد تبين من مجموعها أن أخذ الميثاق تم من الذر المأخوذ من طين آدم كما في بعضها، وفي عالم

الظلال كما في بعضها، ومن المحتمل أنه حصل في أكثر من عالم.

كما لا يصح استبعاد أن تكون الذرة إنساناً كاملاً عاقلاً بعد ما سمعنا عن عالم الذرة والجينات.

ولا يصح القول بأن عالم الذر هو عالم الملكوت وإن كان جزء من عالم الملكوت إلا من باب تسمية الجزء باسم الكل. والملكوت كما رأيت في آياته وأحاديثه شامل لعوالم الشهادة والغيب، والبعد عن الله تعالي والحضور، وعالم الذر أو الظلال واحد من عوالم الحضور.

الفطرة بمعني الولادة في الإسلام

قولهم من ولد علي الإسلام فهو من أهل الجنة

الكافي:8/340:

قال علي بن الحسين: ولم يولد لرسول الله صلي الله عليه وآله من خديجة علي فطرة الإسلام إلا فاطمة عليها السلام وقد كانت خديجة عليها السلام ماتت قبل الهجرة بسنة، ومات أبو طالب بعد موت خديجة بسنة، فلما فقدهما رسول الله صلي الله عليه وآله سئم المقام بمكة ودخله حزن شديد وأشفق علي نفسه من كفار قريش، فشكا إلي جبرئيل عليه السلام ذلك، فأوحي الله عز وجل إليه: أخرج من القرية الظالم أهلها وهاجر إلي المدينة فليس لك اليوم بمكة ناصر، وانصب للمشركين حرباً. فعند ذلك توجه رسول الله صلي الله عليه وآله إلي المدينة. انتهي. ورواه في بحار الأنوار:19/117

مستدرك الوسائل:11/58:

وعن إسماعيل بن موسي، بإسناده عن أبي البختري قال: لما انتهي علي عليه السلام إلي البصرة خرج أهلها... إلي أن قال: فقاتلوهم وظهروا عليهم وولوا منهزمين، فأمر علي منادياً ينادي: لا تطعنوا في غير مقبل، ولا تطلبوا مدبراً، ولا تجهزوا علي جريح، ومن ألقي سلاحه فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، وما كان بالعسكر فهو لكم مغنم، وما كان في الدور فهو ميراث يقسم بينهم علي فرائض الله عز وجل، فقام إليه قوم من أصحابه فقالوا:

يا أمير المؤمنين من أين أحللت لنا دماءهم وأموالهم وحرمت علينا نساءهم؟ فقال: لأن القوم علي الفطرة، وكان لهم ولاء قبل الفرقة، وكان نكاحهم لرشدة. فلم يرضهم ذلك من كلامه. فقال لهم: هذه السيرة في أهل القبلة فأنكرتموها، فانظروا أيكم يأخذ عائشة في سهمه؟! فرضوا بما قال، فاعترفوا صوابه وسلموا لامره. انتهي. ورواه المغربي في شرح الأخبار:1/395، وروته أيضاً مصادر التاريخ.

القول بأن من ولد في الإسلام فهو من أهل الجنة

الدر المنثور:2/115:

وأخرج البيهقي عن ابن عابد قال: خرج رسول الله(ص)في جنازة رجل فلما وضع قال عمر بن الخطاب: لا تصل عليه يا رسول الله فإنه رجل فاجر، فالتفت رسول الله(ص)إلي الناس قال: هل رآه أحد منكم علي الإسلام؟ فقال رجل: نعم يا رسول الله حرس ليلة في سبيل الله، فصلي عليه رسول الله(ص)وحثي عليه التراب وقال: أصحابك يظنون أنك من أهل النار، وأنا أشهد أنك من أهل الجنة. وقال: يا عمر إنك لا تسأل عن أعمال الناس ولكن تسأل عن الفطرة.

صحيح مسلم:2/4:

... فسمع رجلاً يقول الله اكبر، الله اكبر، فقال رسول الله (ص): علي الفطرة ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، فقال رسول الله (ص): خرجت من النار، فنظروا فإذا هو راعي معزي.

كنز العمال:8/366:

كنا مع رسول الله(ص)في سرية فسمعنا منادياً ينادي: الله اكبر، الله اكبر، فقال النبي (ص): علي الفطرة فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: خرج من النار، فابتدرناه فإذا هو شاب حبشي يرعي غنماً له في واد، فأدرك صلاة المغرب فأذن لنفسه _ أبو الشيخ.

سنن الترمذي:3/87:

... واستمع ذات يوم فسمع رجلاً يقول: الله اكبر، الله اكبر، فقال: علي الفطرة، فقال: أشهد أن لا إله

إلا الله، قال خرجت من النار.

مسند أحمد:3/241:

... نحن مع رسول الله(ص)في سفر إذ سمع رجلاً يقول الله اكبر، الله اكبر، فقال النبي(ص): علي الفطرة، قال أشهد ان لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فقال النبي (ص): خرج هذا من النار. انتهي.

وقد صحت الروايات عند اخواننا أن الخليفة عمر قد وسع دائرة شفاعة النبي صلي الله عليه وآله حتي تشمل المنافقين بل والكفار، بل صحت رواياتهم بأن مذهب الخليفة عمر أن جهنم تنتهي بعد مدة وينقل أهلها إلي الجنة.. إلخ. وسيأتي ذلك في بحث الشفاعة إن شاء الله تعالي.

الفطرة والنبوة والشرائع الإلهية

الكافي:8/424:

علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن إسماعيل الجعفي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كانت شريعة نوح عليه السلام أن يعبد الله بالتوحيد والإخلاص وخلع الأنداد، وهي الفطرة التي فطر الناس عليها، وأخذ الله ميثاقه علي نوح وعلي النبيين أن يعبدوا الله تبارك وتعالي ولا يشركوا به شيئاً، وأمر بالصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحلال والحرام، ولم يفرض عليه أحكام حدود ولا فرض مواريث فهذه شريعته، فلبث فيهم نوح ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم سراً وعلانية، فلما أبوا وعتوا قال: رب إني مغلوب فانتصر. فأوحي الله عز وجل إليه أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ. فلذلك قال نوح عليه السلام: وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا. فأوحي الله عز وجل إليه: أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ. انتهي. ورواه العياشئ في تفسيره:2/144، ورواه في بحار الأنوار: 11/331

الكافي:2/17

علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، وعدة من

أصحابنا عن أحمد بن محمد بن خالد، عن إبراهيم بن محمد الثقفي، عن محمد بن مروان، جميعاً عن أبان بن عثمان، عمن ذكره عن أبي عبدالله عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالي أعطي محمداً صلي الله عليه وآله شرايع نوح وإبراهيم وموسي وعيسي غليهم السلام: التوحيد والاخلاص وخلع الأنداد والفطرة الحنفية السمحة لا رهبانية ولا سياحة، أحل فيها الطيبات وحرم فيها الخبائث، ووضع عنهم إصرهم والاغلال التي كانت عليهم، ثم افترض عليه الصلاة والزكاة والصيام والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحلال والحرام والمواريث والحدود والفرائض والجهاد في سبيل الله، وزاده الوضوء، وفضله بفاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة والمفصل، وأحل له المغنم والفي، ونصره بالرعب، وجعل له الأرض مسجداً وطهوراً، وأرسله كافة إلي الابيض والاسود والجن والانس، وأعطاه الجزية وأسر المشركين وفداهم، ثم كلفه ما لم يكلف أحداً من الأنبياء، أنزل عليه سيف من السماء في غير غمد وقيل له: قاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك.

ورواه في بحار الأنوار:72/317 وقال:

تبيين: قوله عليه السلام (شرايع نوح) يحتمل أن يكون المراد بالشرايع أصول الدين، ويكون التوحيد والإخلاص وخلع الأنداد بياناً لها، والفطرة الحنيفية معطوفة علي الشرايع، وإنما خص عليه السلام ما به الاشتراك بهذه الثلاثة، مع اشتراكه عليه السلام معهم في كثير من العبادات لاختلاف الكيفيات فيها دون هذه الثلاثة، ولعله عليه السلام لم يرد حصر المشتركات فيما ذكر لعدم ذكر السائل أصول الدين كالعدل والمعاد، مع أنه يمكن إدخالها بعض ما ذكر، لا سيما الإخلاص بتكلف.

ويمكن أن يكون المراد منها الأصول وأصول الفروع المشتركة وإن اختلفت في الخصوصيات والكيفيات، وحينئذ يكون جميع تلك الفقرات إلي قوله عليه السلام (وزاده) بياناً

للشرايع، ويشكل حينئذ ذكر الرهبانية والسياحة، إذ المشهور أن عدمهما من خصائص نبينا صلي الله عليه وآله، إلا أن يقال المراد عدم الوجوب وهو مشترك، أو يقال إنهما لم يكونا في شريعة عيسي عليه السلام أيضاً.

وإن استشكل بالجهاد وأنه لم يجاهد عيسي عليه السلام فالجواب أنه يمكن أن يكون واجباً عليه لكن لم يتحقق شرائطه، ولذا لم يجاهد.

ولعل قوله عليه السلام (زاده وفضله) بهذا الوجه أوفق.

وكأن المراد بالتوحيد نفي الشريك في الخلق، وبالاخلاص نفي الشريك في العبادة، و خلع الأنداد تأكيد لهما، أو المراد به ترك أتباع خلفاء الجور وأئمة الضلالة أو نفي الشرك الخفي، أو المراد بالإخلاص نفي الشرك الخفي، وبخلع الأنداد نفي الشريك في استحقاق العبادة.

والأنداد: جمع ند، وهو مثل الشئ الذي يضاده في أموره، ويناده أي يخالفه.

والفطرة: ملة الإسلام التي فطر الله الناس عليها، كما مر.

والحنيفية: المائلة من الباطل إلي الحق، أو الموافقة لملة إبراهيم عليه السلام قال في النهاية: الحنيف عند العرب من كان علي دين إبراهيم، وأصل الحنف الميل، ومنه الحديث بعثت بالحنيفية السمحة السهلة، وفي القاموس: السمحة الملة التي ما فيها ضيق.

بحار الأنوار:76/68:

مكا: عن الصادق عليه السلام قال: كان بين نوح وإبراهيم (عليهما السلام) ألف سنة، وكانت شريعة إبراهيم بالتوحيد والاخلاص وخلع الانداد، وهي الفطرة التي فطر الناس عليها وهي الحنيفية. وأخذ عليه ميثاقه وأن لا يعبد إلا الله، ولا يشرك به شيئاً، قال: وأمره بالصلاة والأمر والنهي، ولم يحكم له أحكام فرض المواريث، وزاده في الحنيفية: الختان وقص الشارب ونتف الابط وتقليم الاظفار وحلق العانة، وأمره ببناء البيت والحج والمناسك، فهذه كلها شريعته عليه السلام.

معني الفطرة والصبغة

تفسير التبيان:1/485:

قوله تعالي:

صِبْغَةَ اللهِ: معناه فطرة الله في قول الحسن وقتادة وأبي العالية ومجاهد وعطية وابن زيد والسدي.

وقال الفراء والبلخي: إنه شريعة الله في الختان الذي هو التطهير.

وقوله صبغة الله، مأخوذ من الصبغ، لأن بعض النصاري كانوا إذا ولد لهم مولود جعلوه في ماء طهور يجعلون ذلك تطهيراً له ويسمونه العمودية، فقيل صبغة الله أي تطهير الله، تطهيركم بتلك الصبغة وهو قول الفراء.

وقال قتادة: اليهود تصبغ أبناءها يهوداً والنصاري تصبغ أبناءها نصاري، فهذا غير المعني الأول، وإنما معناه أنهم يلقنون أولادهم اليهودية والنصرانية، فيصبغونهم بذلك لما يشربون قلوبهم منه، فقيل صبغة الله التي أمر بها ورضيها يعني الشريعة، لا صبغتكم.

وقال الجبائي: سمي الدين صبغة لأنه هيئة تظهر بالمشاهدة من أثر الطهارة والصلاة وغير ذلك من الآثار الجميلة التي هي كالصبغة، وقال أمية:

في صبغة الله كان إذ نسي ال_ هد وخلي الصواب إذ عزم

تفسير التبيان:3/334:

وقوله: وَلامُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ: اختلفوا في معناه فقال ابن عباس، والربيع بن أنس، عن أنس: إنه الأخصاء، وكرهوا الأخصاء في البهائم، وبه قال سفيان، وشهر بن حوشب، وعكرمة، وأبوصالح. وفي رواية أخري عن ابن عباس: فليغيرن دين الله، وبه قال إبراهيم ومجاهد، وروي ذلك عن أبي جعفر وأبي عبدالله (عليهما السلام). قال مجاهد: كذب العبد يعني عكرمة في قوله إنه الأخصاء، وإنما هو تغيير دين الله الذي فطر الناس عليه في قوله: فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ. وهو قول قتادة والحسن والسدي والضحاك وابن زيد.

وقال الكفعمي في المصباح/340

الفاطر: أي المبتدع لأنه فطر الخلق أي ابتدعهم، وخلقهم من الفطر وهو الشق، ومنه: إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ، أي انشقت،

وقوله: تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ، أي يتشققن كأنه سبحانه شق العدم بإخراجنا منه، وقوله تعالي: فَاطِرِ السَّمَوَاتِ، أي مبدي خلقها.

بحار الأنوار:3/276-281: (سن: المحسن بن أحمد، عن أبان الأحمر، عن أبي جعفر الأحول، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: عروة الله الوثقي التوحيد، والصبغة الإسلام.

بيان: قال البيضاوي في قوله تعالي: صِبْغَةَ اللهِ: أي صبغنا الله صبغته وهي فطرة الله التي فطر الناس عليها، فإنها حلية الإنسان، كما أن الصبغة حلية المصبوغ، أو هدانا هدايته وأرشدنا حجته، أو طهر قلوبنا بالإيمان تطهيره. وسماه صبغة لأنه ظهر أثره عليهم ظهور الصبغ علي المصبوغ، وتداخل قلوبهم تداخل الصبغ الثوب، أو للمشاكلة فإن النصاري كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه العمودية ويقولون هو تطهير لهم وبه تحقق نصرانيتهم.

مع: أبي، عن سعد، عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن فضالة، عن أبان، عن أبي عبدالله عليه السلام في قول الله عز وجل: صِبْغَةَ اللهِ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً، قال: هي الإسلام.

شف: من كتاب القاضي القزويني، عن هارون بن موسي التلعكبري، عن محمد بن سهل، عن الحميري، عن ابن يزيد، عن علي بن حسان، عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبدالله عليه السلام في قوله الله عز وجل: فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا، قال: هي التوحيد، وأن محمداً رسول الله، وأن علياً أمير المؤمنين.

شي: عن زرارة، عن أبي جعفر وحمران، عن أبي عبدالله (عليهما السلام) قال: الصبغة الإسلام.

شي: عن عبدالرحمن بن كثير، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله: صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة: قال: الصبغة معرفة أمير المؤمنين عليه السلام بالولاية في الميثاق.

بحار الأنوار:1/209: (ل: ماجيلويه، عن محمد العطار، عن الأشعري، عن أحمد بن محمد، عن ابن معروف، عن ابن مهزيار، عن حكم بن بهلول، عن ابن همام، عن ابن أذينة، عن أبان بن أبي عياش، عن سليم بن قيس الهلالي قال: سمعت علياً عليه السلام يقول لأبي الطفيل عامر بن واثلة الكناني: يا أبا الطفيل العلم علمان: علم لا يسع الناس إلا النظر فيه وهو صبغة الإسلام، وعلم يسع الناس ترك النظر فيه وهو قدرة الله عز وجل.

بيان: قال الفيروزآبادي: الصبغة بالكسر: الدين والملة، وصبغة الله: فطرة الله، أو التي أمر الله بها محمداً صلي الله عليه وآله وهي الختانة. انتهي.

أقول: المراد بالصبغة هنا الملة أوكل ما يصبغ الإنسان بلون الإسلام من العقائد الحقة، والأعمال الحسنة، والأحكام الشرعية.

وقدرة الله تعالي: لعل المراد بها هنا تقدير الأعمال، وتعلق قدرة الله بخلقها، أي علم القضاء والقدر والجبر والإختيار، فإنه قد نهي عن التفكر فيها.

وفي نهج البلاغة: أنه قال أمير المؤمنين عليه السلام وقد سئل عن القدر فقال: طريق مظلم فلا تسلكوه. انتهي.

بحار الأنوار:67/130:

البقرة-138: صِبْغَةَ اللهِ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَ نَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ الروم-30:

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ

كا: عن علي، عن أبيه ومحمد بن يحيي، عن أحمد بن محمد جميعاً، عن ابن محبوب، عن عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله عليه السلام في قول الله عز وجل: صِبْغَةَ اللهِ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً، قال: الإسلام.

بيان: قيل علي هذه الأخبار يحتمل أن تكون (صبغة) منصوبة علي المصدر من مسلمون

في قوله تعالي قبل ذلك: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. ثم يحتمل أن يكون معناها وموردها مختصاً بالخواص والخلص المخاطبين ب_(قولوا) في صدر الآيات حيث قال: قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا، دون سائر أفراد بني آدم بل يتعين هذا المعني إن فسر الإسلام بالخضوع والانقياد للأوامر والنواهي كما فعلوه، وإن فسر بالمعني العرفي فتوجيه التعميم فيه كتوجيه التعميم في فطرة الله....

وقيل: صبغة الله إبداع الممكنات وإخراجها من العدم إلي الوجود وإعطاء كل ما يليق به من الصفات والغايات وغيرهما....

وقيل: معناه كل مولود يولد علي معرفة الله والإقرار به، فلا تجد أحداً إلا وهو يقر بأن الله صانعه، وإن سماه بغير اسمه أو عبد معه غيره، ومنه حديث حذيفة (علي غير فطرة محمد) أراد دين الإسلام الذي هو منسوب إليه. انتهي.

وقال بعضهم: المراد بالفطرة كونه خلقاً قابلاً للهداية ومتهيئاً لها، لما أوجد فيه من القوة القابلة لها، لأن فطرة الإسلام وصوابها موضوع في العقول، وإنما يدفع العقول عن إدراكها تغيير الابوين، أو غيرهما.

وأجيب عنه بأن حمل الفطرة علي الإسلام لا يأباه العقل، وظاهر الروايات يدل عليه. وحملها علي خلاف الظاهر لا وجه له من غير مستند.

... لا تبديل لخلق الله: أي بأن يكونوا كلهم أو بعضهم عند الخلق مشركين، بل كان كلهم مسلمين مقرين به أو قابلين للمعرفة، وأراهم نفسه: أي بالرؤية العقلية الشبيهة بالرؤية العينية في الظهور ليرسخ فيهم معرفته، ويعرفوه في دار التكليف، ولولا تلك المعرفة الميثاقية لم يحصل لهم تلك القابلية، وفسر عليه السلام الفطرة في الحديث بالمجبولية علي معرفة الصانع والإذغان به. كذلك قوله في هذه الآية أيضاً محمولة علي هذا المعني:

ولئن سألتهم، أي كفار مكة كما ذكره المفسرون أو الاعم كما هو الاظهر من الخبر، ليقولن الله، لفطرتهم علي المعرفة. وقال البيضاوي: لوضوح الدليل المانع من إسناد الخلق إلي غيره، بحيث اضطروا إلي إذعانه.

والمشهور أنه مبني علي أن كفار قريش لم يكونوا ينكرون أن الصانع هو الله، بل كانوا يعبدون الأصنام لزعمهم أنها شفعاء عند الله، وظاهر الخبر أن كل كافر لو خلي وطبعه وترك العصبية ومتابعة الأهواء وتقليد الاسلاف والاباء، لاقر بذلك كما ورد ذلك الأخبار الكثيرة.

قال بعض المحققين: الدليل علي ذلك ما تري أن الناس يتوكلون بحسب الجبلة علي الله ويتوجهون توجهاً غريزياً إلي مسبب الأسباب ومسهل الأمور الصعاب، وإن لم يتفطنوا لذلك، ويشهد لهذا قول الله عز وجل قال: أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَ تَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ.

وفي تفسير مولانا العسكري عليه السلام أنه سئل مولانا الصادق عن الله فقال للسائل: يا عبدالله هل ركبت سفينة قط؟ قال: بلي، قال: فهل كسر بك حيث لا سفينة تنجيك ولا سباحة تغنيك؟ قال بلي، قال: فهل تعلق قلبك هناك أن شيئاً من الأشياء قادر علي أن يخلصك من ورطتك؟ قال: بلي، قال الصادق: فذلك الشئ هو الله القادر علي الأنجاء حين لا منجي، وعلي الإغاثة حين لا مغيث.

ولهذا جعلت الناس معذورين في تركهم اكتساب المعرفة بالله عزوجل متروكين علي ما فطروا عليه، مرضياً عنهم بمجرد الإقرار بالقول، ولم يكلفوا الإستدلالات العلمية في ذلك، وإنما التعمق لزيادة البصيرة ولطائفة مخصوصة. وأما الإستدلال فللرد علي أهل الضلال.

ثم إن أفهام الناس وعقولهم متفاوتة في

قبول مراتب العرفان، وتحصيل الإطمينان كماً وكيفاً، شدةً وضعفاً، سرعةً وبطئاً، حالاً وعلماً، وكشفاً وعياناً، وإن كان أصل المعرفة فطرياً، إما ضروري أو يهتدي إليه بأدني تنبيه، فلكل طريقة هداه الله عز وجل إليها إن كان من أهل الهداية، والطرق إلي الله بعدد أنفاس الخلائق، وهم درجات عند الله، يرفع الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات.

قال بعض المنسوبين إلي العلم: إعلم أن أظهر الموجودات وأجلاها هو الله عز وجل، فكأن هذا يقتضي أن يكون معرفته أول المعارف، وأسبقها إلي الأفهام وأسهلها علي العقول، ونري الأمر بالضد من ذلك، فلا بد من بيان السبب فيه.

وإنما قلنا إن أظهر الموجودات وأجلاها هو الله فمعني لا تفهمه إلا بمثال، هو: أنا إذا رأينا إنساناً يكتب أو يخيط مثلاً، فإن كونه حياً من أظهر الموجودات فحياته وعلمه وقدرته للخياطة أجلي عندنا من سائر صفاته الظاهرة والباطنة، إذ صفاته الباطنة كشهوته وغضبه وخلقه وصحته ومرضه، وكل ذلك لا نعرفه، وصفاته الظاهرة لا نعرف بعضها، وبعضها نشك فيه، كمقدار طوله، واختلاف لون بشرته وغير ذلك من صفاته. أما حياته وقدرته وإرادته وعلمه وكونه حيواناً فإنه جلي عندنا من غير أن يتعلق حس البصر بحياته وقدرته وإرادته، فإن هذه الصفات لا تحس بشئ من الحواس الخمس، ثم لا يمكن أن يعرف حياته وقدرته وإرادته إلا بخياطته وحركته، فلو نظرنا إلي كل ما في العالم سواء لم نعرف به صفاته، فما عليه إلا دليل واحد، وهو مع ذلك جلي واضح.

ووجود الله وقدرته وعلمه وسائر صفاته يشهد له بالضرورة كل ما نشاهده وندركه بالحواس الظاهرة والباطنة من حجر ومدر، ونبات وشجر، وحيوان وسماء، وأرض وكوكب، وبر وبحر، ونار وهواء، وجوهر

وعرض، بل أول شاهد عليه أنفسنا، وأجسامنا وأصنافنا، وتقلب أحوالنا، وتغير قلوبنا، وجميع أطوارنا، في حركاتنا وسكناتنا.

وأظهر الأشياء في علمنا أنفسنا، ثم محسوساتنا بالحواس الخمس، ثم مدركاتنا بالبصيرة والعقل، وكل واحد من هذه المدركات له مدرك واحد، وشاهد ودليل واحد، وجميع ما في العالم شواهد ناطقة، وأدلة شاهدة بوجود خالقها ومدبرها ومصرفها ومحركها، ودالة علي علمه وقدرته ولطفه وحكمته. والموجودات المدركة لا حصر لها.

فإن كانت حياة الكاتب ظاهرة عندنا وليس يشهد له إلا شاهد واحد، وهو ما أحسسنا من حركة يده، فكيف لا يتصور في الوجود داخل نفوسنا وخارجها إلا وهو شاهد عليه وعلي عظمته وجلاله، إذ كل ذرة فإنها تنادي بلسان حالها أنه ليس وجودها بنفسها، ولا حركتها بذاتها وإنما يحتاج إلي موجد ومحرك لها، يشهد بذلك أولاً تركيب أعضائنا وائتلاف عظامنا، ولحومنا وأعصابنا ونبات شعورنا، وتشكل أطرافنا، وسائر أجزائنا الظاهرة والباطنة، فإنا نعلم أنها لم تأتلف بنفسها، كما نعلم أن يد الكاتب لم تتحرك بنفسها. ولكن لما لم يبق في الوجود مدرك، ومحسوس ومعقول، وحاضر وغائب إلا وهو شاهد ومعرف عظم ظهوره، فانبهرت العقول، ودهشت عن إدراكه.

فإذن ما يقصر عن فهمه عقولنا له سببان: أحدهما خفاؤه في نفسه وغموضه، وذلك لا يخفي مثاله، والآخر ما يتناهي وضوحه. وهذا كما أن الخفاش يبصر بالليل ولا يبصر بالنهار، لا لخفاء النهار واستتاره، ولكن لشدة ظهوره، فإن بصر الخفاش ضعيف يبهره نور الشمس إذا أشرق، فيكون قوة ظهوره مع ضعف بصره سبباً لامتناع أبصاره فلا يري شيئاً إلا إذا امتزج الظلام بالضوء، وضعف ظهوره. فكذلك عقولنا ضعيفة، وجمال الحضرة الإلهية في نهاية الأشراق والإستنارة وفي غاية الإستغراق والشمول، حتي لا يشذ عن ظهوره

ذرة من ملكوت السماوات والأرض، فصار ظهوره سبب خفائه، فسبحان من احتجب بإشراق نوره، واختفي عن البصائر والأبصار بظهوره. ولا تتعجب من اختفاء ذلك بسبب الظهور، فإن الأشياء تُستبان بأضدادها وما عم وجوده حتي لا ضد له عسر إدراكه، فلو اختلفت الأشياء فدل بعضها دون البعض أدركت التفرقة علي قرب، ولما اشتركت في الدلالة علي نسق واحد أشكل الأمر. ومثاله نور الشمس المشرق علي الأرض، فإنا نعلم أنه عرض من الأعراض يحدث في الأرض، ويزول عند غيبة الشمس....

الدر المنثور:5/155:

فَأَقِمْ وَجْهَكَ... الآية. أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد (رض) قوله: فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا، قال: الدين الإسلام، لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ، قال لدين الله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ، قال: دين الله. ذلك الدين القيم، قال: القضاء القيم.

دور الفطرة في المعرفة والثقافة والحضارة

تفسير نور الثقلين:4/175:

في توحيد المفضل بن عمر المنقول عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام في الرد علي الدهرية:

تأمل يا مفضل ما أنعم الله تقدست أسماؤه به علي الإنسان من هذا النطق الذي يعبر به عما في ضميره وما يخطر بقلبه ونتيجة فكره، به يفهم غيره ما في نفسه، ولولا ذلك كان بمنزلة البهائم المهملة التي لا تخبر عن نفسها بشئ، ولا تفهم عن مخبر شيئاً، وكذلك الكتابة التي بها تقيد أخبار الماضين للباقين وأخبار الباقين للاتين وبها تجلد الكتب في العلوم والآداب وغيرها، وبها يحفظ الإنسان ذكر ما يجري بينه وبين غيره من المعاملات والحساب، ولولاها لا نقطع أخبار بعض الأزمنة عن بعض وأخبار الغائبين عن أوطانهم، ودرست العلوم وضاعت الآداب، وعظم ما يدخل علي

الناس من الخلل في أمورهم ومعاملاتهم، وما يحتاجون إلي النظر فيه من أمر دينهم وما روي لهم مما لا يسعهم جهله.

ولعلك تظن أنها مما يخلص إليه بالحيلة والفطنة، وليست مما أعطيه الإنسان من خلقه وطباعه. وكذلك الكلام إنما هو شئ يصطلح عليه الناس فيجري بينهم، ولهذا صار يختلف في الأمم المختلفة بألسن مختلفة، وكذلك الكتابة ككتابة العربي والسرياني والعبراني والرومي وغيرها من ساير الكتابة التي هي متفرقة في الأمم، إنما اصطلحوا عليها كما اصطلحوا علي الكلام.

فيقال لمن ادعي ذلك إن الإنسان وإن كان له في الأمرين جميعاً فعل أو حيلة، فإن الشئ الذي يبلغ به ذلك الفعل والحيلة عطية وهبة من الله عز وجل في خلقه، فإنه لولم يكن له لسان مهيأ للكلام وذهن يهتدي به للأمور، لم يكن ليتكلم أبداً، ولو لم يكن له كف مهيأة وأصابع للكتابة لم يكن ليكتب أبداً، واعتبر ذلك من البهائم التي لا كلام لها ولا كتابة. فأصل ذلك فطرة الباري عز وجل، وما تفضل به علي خلقه، فمن شكر أثيب، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين.

بحث في دور الفطرة والنبوة في الحياة الإنسانية

تفسير الميزان:10/128:

قوله تعالي: وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ.

قد مر أن المراد به الإختلاف الواقع في نفس الدين من حملته، وحيث كان الدين من الفطرة كما يدل عليه قوله تعالي:

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا... الروم: 30

علي أن الفطرة لا تنافي الغفلة والشبهة ولكن تنافي التعمد والبغي، ولذلك خص البغي بالعلماء ومن استبانت له الآيات الإلهية، قال تعالي: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَآ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ. البقره: 39، والآيات في

هذا المعني كثيرة، وقد قيد الكفر في جميعها بتكذيب آيات الله ثم أوقع عليه الوعيد. وبالجملة فالمراد بالآية أن هذا الإختلاف ينتهي إلي بغي حملة الكتاب من بعد علم...

وقد تبين من الآية:

أولاً: حد الدين ومعرفته وهو أنه نحو سلوك في الحياة الدنيا يتضمن صلاح الدنيا بما يوافق الكمال الأخروي والحياة الدائمة الحقيقية عند الله سبحانه، فلابد في الشريعة من قوانين تتعرض لحال المعاش علي قدر الإحتياج.

وثانياً: أن الدين أول ما ظهر ظهر رافعاً للإختلاف الناشئ عن الفطرة، ثم استكمل رافعاً للإختلاف الفطري وغير الفطري معاً.

وثالثاً: أن الدين لا يزال يستكمل حتي تستوعب قوانينه جهات الإحتياج في الحياة فإذا استوعبها ختم ختماً فلا دين بعده، وبالعكس إذا كان دين من الأديان خاتماً كان مستوعباً لرفع جميع جهات الإحتياج، قال تعالي: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَ خَاتَمَ النَّبِيِّينَ. الأحزاب: 40، وقال تعالي: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَئٍْ النحل: 89، وقال تعالي: إِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ. لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ. حم السجدة: 42.

ورابعاً: أن كل شريعة لاحقة أكمل من سابقتها.

وخامساً: السبب في بعث الأنبياء وإنزال الكتب، وبعبارة أخري العلة في الدعوة الدينية هو أن الإنسان بحسب طبعه وفطرته سائر نحو الإختلاف، كما أنه سالك نحو الإجتماع المدني، وإذا كانت الفطرة هي الهادية إلي الإختلاف لم تتمكن من رفع الإختلاف، وكيف يدفع شئ ما يجذبه إليه نفسه، فرفع الله سبحانه هذا الإختلاف بالنبوة والتشريع بهداية النوع إلي كماله اللائق بحالهم المصلح لشأنهم.

وهذا الكمال كمال حقيقي داخل في الصنع والإيجاد، فما هو مقدمته كذلك، وقد قال تعالي: الَّذِي أَعْطَي كُلَّ شَئٍْ خَلْقَهُ

ثُمَّ هَدَي. طه: 50، فبين أن من شأنه وأمره تعالي أن يهدي كل شئ إلي ما يتم به خلقه، ومن تمام خلقة الإنسان أن يهتدي إلي كمال وجوده في الدنيا والآخرة، وقد قال تعالي أيضاً: كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا. الإسراء: 20، وهذه الآية تفيد أن شأنه تعالي هو الإمداد بالعطاء يمد كل من يحتاج إلي إمداده في طريق حياته ووجوده ويعطيه ما يستحقه، وأن عطاءه غير محظور ولا ممنوع من قبله تعالي إلا أن يمتنع ممتنع بسوء حظ نفسه من قبل نفسه لا من قبله تعالي.

ومن المعلوم أن الإنسان غير متمكن من تتميم هذه النقيصة من قبل نفسه، فإن فطرته هي المؤدية إلي هذه النقيصة، فكيف يقدر علي تتميمها وتسوية طريق السعادة والكمال في حياته الإجتماعية.

وإذا كانت الطبيعة الإنسانية هي المؤدية إلي هذا الإختلاف العائق للإنسان عن الوصول إلي كماله الحري به، وهي قاصرة عن تدارك ما أدت إليه وإصلاح ما أفسدته فالأصلاح لو كان يجب أن يكون من جهة غير جهة الطبيعة وهي الجهة الإلهية التي هي النبوة بالوحي، ولذا عبر تعالي عن قيام الأنبياء بهذا الأصلاح ورفع الإختلاف بالبعث، ولم ينسبه في القرآن كله إلا إلي نفسه، مع أن قيام الأنبياء كسائر الأمور له ارتباطات بالمادة بالروابط الزمانية والمكانية.

فالنبوة حالة إلهية، وإن شئت قل غيبية، نسبتها إلي هذه الحالة العمومية من الإدراك والفعل نسبة اليقظة إلي النوم، بها يدرك الإنسان المعارف التي بها يرتفع الإختلاف والتناقض في حياة الإنسان، وهذا الإدراك والتلقي من الغيب هو المسمي في لسان القرآن بالوحي، والحالة التي يتخذها الإنسان منه لنفسه بالنبوة.

ومن هنا يظهر أن هذا

_ أعني تأدية الفطرة إلي الإجتماع المدني من جهة وإلي الإختلاف من جهة أخري وعنايته تعالي بالهداية إلي تمام الخلقة _ مبدأ حجة علي وجود النبوة، وبعبارة أخري دليل النبوة العامة.

تقريره: أن نوع الإنسان مستخدم بالطبع وهذا الإستخدام الفطري يؤديه إلي الإجتماع المدني وإلي الإختلاف والفساد في جميع شئون حياته الذي يقضي التكوين والإيجاد برفعه، ولا يرتفع إلا بقوانين تصلح الحياة الإجتماعية برفع الإختلاف عنها. وهداية الإنسان إلي كماله وسعادته بأحد أمرين، إما بفطرته وإما بأمر وراءه، لكن الفطرة غير كافية فإنها هي المؤدية إلي الإاختلاف فكيف ترفعه، فوجب أن يكون بهداية من غير طريق الفطرة والطبيعة وهو التفهيم الإالهي غير الطبيعي المسمي بالنبوة والوحي، وهذه الحجة مؤلفة من مقدمات مصرح بها في كتاب الله تعالي كما عرفت فيما تقدم، وكل واحدة من هذه المقدمات تجربية بينتها التجربة للانسان تاريخ حياتة واجتماعاته المتنوعة التي ظهرت وانقرضت في طي القرون المتراكمة الماضية إلي أقدم أعصار الحياة الإنسانية التي يذكرها التاريخ. فلا الإنسان انصرف في حين من أحيان حياته عن حكم الإاستخدام، ولا استخدامه لم يؤد إلي الإاجتماع وقضي بحياة فردية، ولا اجتماعه المكون خلا عن الإاختلاف، ولا الإختلاف ارتفع بغير قوانين اجتماعية، ولا أن فطرته وعقله الذي يعده عقلاً سليماً قدرت علي وضع قوانين تقطع منابت الإختلاف وتقلع مادة الفساد.

وناهيك في ذلك ما تشاهده من جريان الحوادث الإجتماعية وما هو نصب عينيك من انحطاط الأخلاق وفساد عالم الإنسانية والحروب المهلكة للحرث والنسل والمقاتل المبيدة للملايين بعد الملايين من الناس، وسلطان التحكم ونفوذ الإستعباد في نفوس البشر وأعراضهم وأموالهم في هذا القرن الذي يسمي عصر المدنية والرقي والثقافة والعلم، فما ظنك بالقرون الخالية أعصار الجهل

والظلمة.

وأما أن الصنع والإيجاد يسوق كل موجود إلي كماله اللائق به فأمر جار في كل موجود بحسب التجربة والبحث، وكذا كون الخلقة والتكوين إذا اقتضي أثراً لم يقتض خلافه بعينه أمر مسلّم تثبته التجربة والبحث، وأما أن التعليم والتربية الدينيين الصادرين من مصدر النبوة والوحي يقدران علي دفع هذا الإختلاف والفساد، فأمر يصدقه البحث والتجربة معاً، أما البحث فلان الدين يدعو إلي حقائق المعارف وفواضل الأخلاق ومحاسن الأفعال، فصلاح العالم الإنساني مفروض فيه، وأما التجربة فالإسلام أثبت ذلك في اليسير من الزمان الذي كان الحاكم فيه علي الإجتماع بين المسلمين هو الدين، وأثبت ذلك بتربية أفراد من الإنسان صلحت نفوسهم وأصلحوا نفوس غيرهم من الناس علي أن جهات الكمال والعروق النابضة في هيكل الإجتماع المدني اليوم التي تضمن حياة الحضارة والرقي مرهونة للتقدم الإسلامي وسريانه في العالم الدنيوي علي ما تعطيه التجزية والتحليل من غير شك. انتهي.

وأنت تلاحظ أن صاحب الميزان رحمه الله فسر الفطرة بالغرائز الخيرة والشريرة معاً، ولكن والذي يظهر من الأحاديث الشريفة اختصاصها ببعض الغرائز الخيرة.

تفسير الميزان:11/151:

فلو كان في الدنيا خير مرجو وسعادة لوجب أن ينسب إلي الدين وتربيته. ويشهد بذلك ما نشاهده من أمر الأمم التي بنت اجتماعها علي كمال الطبيعة وأهملت أمر الدين والأخلاق فإنهم لم يلبثوا دون أن افتقدوا الصلاح والرحمة والمحبة وصفاء القلب وسائر الفضائل الخلقية والفطرية، مع وجود أصل الفطرة فيهم، ولو كانت أصل الفطرة كافية ولم تكن هذه الصفات بين البشر من البقايا الموروثة من الدين، لما افتقدوا شيئاً من ذلك.

علي أن التاريخ أصدق شاهد علي الإقتباسات التي عملتها الأمم المسيحية بعد الحروب الصليبية فاقتبسوا مهمات النكات من القوانين العامة الإسلامية

فتقلدوها وتقدموا بها، والحال أن المسلمين اتخذوها وراءهم ظهرياً فتأخر هؤلاء وتقدم أولئك.. والكلام طويل الذيل.

وبالجملة الأصلان المذكوران _ أعني السراية والوراثة وهما التقليد الغريزي في الإنسان والتحفظ علي السيرة المألوفة _ يوجبان نفوذ الروح الديني في الإجتماعات كما يوجبان في غيره ذلك، وهو تأثير فعلي.

فإن قلت: فعلي هذه فما فائدة الفطرة فإنها لا تغني طائلاً، وإنما أمر السعادة بيد النبوة، وما فائدة بناء التشريع علي أساس الفطرة علي ما تدعيه النبوة.

قلت: ما قدمناه في بيان ما للفطرة من الإرتباط بسعادة الإنسان وكماله يكفي في حل هذه الشبهة، فإن السعادة والكمال الذي تجلبه النبوة إلي الإنسان ليس أمراً خارجاً عن هذا النوع ولا غريباً عن الفطرة، فإن الفطرة هي التي تهتدي إليه لكن هذا الإهتداء لا يتم لها بالفعل وحدها من غير معين يعينها علي ذلك، وهذا المعين الذي يعينها علي ذلك وهو حقيقة النبوة ليس أيضاً أمراً خارجاً عن الإنسانية وكمالها منضماً إلي الإنسان كالحجر الموضوع في جنب الإنسان مثلاً، وإلا كان ما يعود منه إلي الإنسان أمراً غير كماله وسعادته كالثقل الذي يضيفه الحجر إلي ثقل الإنسان في وزنه، بل هو أيضاً كمال فطري للإنسان مذخور في هذا النوع وهو شعور خاص وإدراك مخصوص مكمون في حقيقته لا يهتدي إليه بالفعل إلا آحاد من النوع أخذتهم العناية الإلهية، كما أن للبالغ من الإنسان شعوراً خاصاً بلذة النكاح لا تهتدي إليه بالفعل بقية الأفراد غير البالغين بالفعل، وإن كان الجميع من البالغ وغير البالغ مشتركين في الفطرة الإنسانية والشعور شعور مرتبط بالفطرة. وبالجملة لاحقيقة النبوة أمر زائد علي إنسانية الإنسان الذي يسمي نبياً وخارج عن فطرته، ولا السعادة التي تهتدي سائر

الأمة إليها أمر خارج عن إنسانيتهم وفطرتهم غريب عما يستأنسه وجودهم الإنساني، وإلا لم تكن كمالاً وسعادة بالنسبه إليهم.

فإن قلت: فيعود الإشكال علي هذا التقرير إلي النبوة فإن الفطرة علي هذا كافية وحدها والنبوة غير خارجة عن الفطرة. فإن المتحصل من هذا الكلام هو أن النوع الإنساني المتمدن بفطرته والمختلف في اجتماعه يتميز من بين أفراده آحاد من الصلحاء فطرتهم مستقيمة وعقولهم سليمة عن الأوهام والتهوسات ورذائل الصفات، فيهتدون بإستقامة فطرتهم وسلامة عقولهم إلي ما فيه صلاح الإجتماع وسعادة الإنسان فيضعون قوانين فيها مصلحة الناس وعمران الدنيا والآخرة، فإن النبي هو الإنسان الصالح الذي له نبوغ اجتماعي.

قلت: كلا وإنما هو تفسير لا ينطبق علي حقيقة النبوة ولا ما تستتبعه.

أما أولاً، فلان ذلك فرض افترضه بعض علماء الإجتماع ممن لا قدم له في البحث الديني والفحص عن حقائق المبدأ والمعاد. فذكر أن النبوة نبوغ خاص اجتماعي استتبعته استقامة الفطرة وسلامة العقل، وهذا النبوغ يدعوا إلي الفكر في حال الإجتماع وما يصلح به هذا الإجتماع المختل وما يسعد به الإنسان الإجتماعي فهذا النابغة الإجتماعي هوالنبي والفكر الصالح المترشح من قواه الفكرية هو الوحي، والقوانين التي يجعلها لصلاح الإجتماع هو الدين، وروحه الطاهر الذي يفيض هذه الأفكار إلي قواه الفكرية ولا يخون العالم الإنساني بإتباع الهوي هو الروح الأمين وهو جبرائيل، والموحي الحقيقي هو الله سبحانه والكتاب الذي يتضمن أفكاره العالية الطاهرة هو الكتاب السماوي، والملائكة هي القوي الطبيعية أو الجهات الداعية إلي الخير، والشيطان هي النفس الإمارة بالسوء أو القوي أو الجهات الداعية إلي الشر والفساد، وعلي هذا القياس. وهذا فرض فاسد وقد مر في البحث عن الإعجاز، وأن النبوة بهذا المعني لأن تسمي

لعبة سياسية أولي بها من أن تسمي نبوة إلهية.

وقد تقدم أن هذا الفكر الذي يسمي هؤلاء الباحثون نبوغه الخاص نبوة، من خواص العقل العملي الذي يميز بين خير الأفعال وشرها بالمصلحة والمفسدة، وهو أمر مشترك بين العقلاء من أفراد الإنسان ومن هداية الفطرة المشتركة، وتقدم أيضاً إن هذا العقل بعينه هو الداعي إلي الإختلاف، وإذا كان هذا شأنه لم يقدر من حيث هو كذلك علي رفع الإختلاف واحتاج فيه إلي متمم يتمم أمره، وقد عرفت أنه يجب أن يكون هذا المتمم نوعاً خاصاً من الشعور يختص به بحسب الفعلية بعض الآحاد من الإنسان، وتهتدي به الفطرة إلي سعادة الإنسان الحقيقية في معاشه ومعاده.

ومن هنا يظهر أن هذا الشعور من غير سنخ الشعور الفكري، بمعني أن ما يجده الإنسان من النتائج الفكرية من طريق مقدماتها العقلية، غير ما يجده من طريق الشعور النبوي والطريق غير الطريق.

ولا يشك الباحثون في خواص النفس في أن في الإنسان شعوراً نفسياً باطنياً، ربما يظهر في بعض الآحاد من أفراده يفتح له باباً إلي عالم وراء هذا العالم، ويعطيه عجائب من المعارف والمعلومات وراء ما يناله العقل والفكر، صرح به جميع علماء النفس من قدمائنا وجمع من علماء النفس من أوروبا مثل جمز الإنجليزي وغيره.

فقد تحصل أن باب الوحي النبوي غير باب الفكر العقلي، وأن النبوة وكذا الشريعة والدين والكتاب والملك والشيطان لاينطبق عليها ما اختلقوه من المعاني.

امور ورد أنها من الفطرة

من لا يحضره الفقيه:1/130:

وقال رسول الله صلي الله عليه وآله: إن المجوس جزوا لحاهم ووفروا شواربهم، وإنا نجز الشوارب ونعفي اللحي، وهي الفطرة. انتهي. ورواه في وسائل الشيعة:1/423

الخصال/310:

حدثنا أبو أحمد محمد بن جعفر البندار، قال

حدثنا جعفر بن محمد بن نوح، قال حدثنا أبو محمد عبدالله بن أحمد بن حماد من أهل قومس، قال حدثنا أبومحمد الحسن بن علي الحلواني، قال حدثنا بشر بن عمر، قال حدثنا مالك بن أنس، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله: خمس من الفطرة: تقليم الأظفار: وقص الشارب، ونتف الابط، وحلق العانة، والإختتان. انتهي. ورواه في وسائل الشيعة:1/434

مستدرك الوسائل:2/120:

دعائم الإسلام: عن أمير المؤمنين أنه قال: من الفطرة أن يستقبل بالعليل القبلة إذا احتضر. انتهي. ورواه في بحار الأنوار:85/243 وروي نحوه الحاكم في المستدرك: 1/353 والبيهقي في سننه:3/384

الكافي:5/496:

عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن الحسن بن شمون، عن عبدالله بن عبدالرحمن، عن مسمع أبي سيار، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله: من أحب أن يكون علي فطرتي فليستن بسنتي وإن من سنتي النكاح.

بحار الأنوار:22/263:

كا: العدة، عن سهل، عن جعفر بن محمد الأشعري، عن ابن القداح عن أبي عبدالله عليه السلام قال: جاءت امرأة عثمان بن مظعون إلي النبي صلي الله عليه وآله فقالت: يا رسول الله إن عثمان يصوم النهار ويقوم الليل، فخرج رسول الله صلي الله عليه وآله مغضباً يحمل نعليه حتي جاء إلي عثمان فوجده يصلي، فانصرف عثمان حين رأي رسول الله صلي الله عليه وآله فقال له: يا عثمان لم يرسلني الله بالرهبانية، ولكن بعثني بالحنيفية السهلة السمحة، أصوم وأصلي وألمس أهلي،فمن أحب فطرتي فليستن بسنتي ومن سنتي النكاح.

بحار الأنوار:103/220:

جع: قال صلي الله عليه وآله: النكاح سنتي فمن رغب عن سنتي فليس مني.

وقال:

تناكحوا تكثروا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة ولو بالسقط.

وروي البخاري في صحيحه:7/56:

... عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي(ص)قال: من الفطرة قص الشارب... عن أبي هريرة رواية الفطرة خمس أو خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد، ونتف الابط، وتقليم الأظفار، وقص الشارب.

... عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله(ص)قال: من الفطرة حلق العانة، وتقليم الاظفار، وقص الشارب.

... عن أبي هريرة (رض) سمعت النبي(ص)يقول: الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الاباط.

... عن ابن عمر عن النبي(ص)قال: خالفوا المشركين، ووفروا اللحي واحفوا الشوارب. انتهي. وروي نحوه في:7/143 ورواه النسائي:1/14

وروي مسلم في:1/153:

عن عائشة... قالت: قال رسول الله(ص): عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الابط، وحلق العانة، وانتقاص الماء. قال زكريا: قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة، زاد قتيبة قال وكيع: انتقاص الماء، يعني الإستنجاء. انتهي. ورواه النسائي:8/126 ونحوه في سنن ابن ماجة:1/107 والبيهقي في سننه:1/3.

وروي في كنز العمال:9/520: عن مجاهد قال: غسل الدبر من الفطرة.

امور ورد أنها تضر بالفطرة

الكافي:2/400:

عدة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبدالله، عن عثمان بن عيسي، عن رجل عن عبدالله عليه السلام قال: من شك في الله بعد مولده علي الفطرة لم يفئ إلي خير أبداً.

شرح الأسماء الحسني:2/43:

اللهم إن الطاعة تسرك والمعصية لا تضرك، فهب لي ما يسرك، واغفر لي ما لا يضرك، يا أرحم الراحمين.

أي: لو خليتني يا إلهي ونفسي الخائنة الجانية وأوهامي المؤملة المرجية، فمن يزيل آثار زلاتي الجمة الكثيرة، كما هو مقتضي الجمع المضاف المفيد للعموم، لأن إمهال العظيم الصبور مديد موفور،

فإذا استحكمت الملكات الرذيلة وتجوهرت العادات السيئة صارت طبيعة ثانية مخالفة للفطرة الأولي الإسلامية (المحكمة الراسخة كيفاً) والذاتي لا يتبدل، والنفس موضوع بسيط ولا ضد له.

تهذيب الأحكام:3/269:

... عن زرارة ومحمد بن مسلم قالا: قال أبو جعفر عليه السلام: كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: من قرأ خلف إمام يأتم به فمات بعث علي غير الفطرة.

كنز العمال:8/286:

عن علي قال: من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة. ليس من الفطرة القراءة مع الإمام.

كنز العمال:3/62:

لن تزال أمتي علي الفطرة ما لم يتخذوا الأمانة مغنماً، والزكاة مغرماً، عن ثوبان.

صحيح البخاري:1/192:

شعبة عن سليمان، قال سمعت زيد بن وهب قال رأي حذيفة رجلاً لا يتم الركوع والسجود قال: ما صليت، ولو مت مت علي غير الفطرة التي فطر الله محمداً(ص). انتهي. ونحوه في سنن البيهقي:2/386، وكنز العمال:8/200، ومسند أحمد:5/384.

تقوية الفطرة و تضعيفها و إساءة استعمالها

قابلية الفطرة للتقوية والتخريب

بحار الأنوار:73/269:

... ثم الناس في هذه القوة علي درجات ثلاث في أول الفطرة وبحسب ما يطرأ عليها من الأمور الخارجة من التفريط والإفراط والإعتدال، أما التفريط فيفقد هذه القوة أو يضعفها بأن لا يستعملها فيما هو محمود عقلاً وشرعاً مثل دفع الضرر عن نفسه علي وجه سائغ، والجهاد مع أعدائه والبطش عليهم، وإقامة الحدود علي الوجه المعتبر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فتحصل فيه ملكة الجبن بل ينتهي إلي عدم الغيرة علي حرمه وأشباه ذلك. انتهي. أقول: ويدل عليه أيضاً قوله صلي الله عليه وآله (ولكن أبواه يهودانه أو ينصرانه).

بحار الأنوار:60/372:

الإقبال: عن الحسين بن علي (عليهما السلام) في دعاء يوم عرفة:

... ابتدأتني بنعمتك قبل أن أكون شيئاً مذكوراً وخلقتني من التراب، ثم أسكنتني الأصلاب، آمناً لريب المنون واختلاف الدهور،

فلم أزل ظاعناً من صلب إلي رحم في تقادم الأيام الماضية والقرون الخالية، لم تخرجني لرأفتك بي ولطفك لي وإحسانك إلي في دولة أئمة الكفرة الذين نقضوا عهدك، وكذبوا رسلك، لكنك أخرجتني رأفةً منك وتحنناً علي للذي سبق لي من الهدي الذين يسرتني وفيه أنشأتني، ومن قبل ذلك رؤفت بي بجميل صنعك، وسوابغ نعمتك، فابتدعت خلقي، من مني يمني، ثم أسكنتني في ظلمات ثلاث بين لحم وجلد ودم، لم تشهرني بخلقي، ولم تجعل إليَّ شيئاً من أمري، ثم أخرجتني إلي الدنيا تاماً سوياً، وحفظتني في المهد طفلاً صبياً، ورزقتني من الغذاء لبناً مرياً، وعطفت علي قلوب الحواضن، وكفلتني الأمهات الرحائم، وكلاتني من طوارق الجان، وسلمتني من الزيادة والنقصان، فتعاليت يا رحيم يا رحمان.

حتي إذا استهللت ناطقاً بالكلام، أتممت علي سوابغ الانعام، فربيتني زائداً في كل عام حتي إذا كملت فطرتي، واعتدلت سريرتي، أوجبت عليَّ حجتك بأن ألهمتني معرفتك، وروعتني بعجائب فطرتك، وأنطقتني لما ذرأت لي في سمائك وأرضك من بدائع خلقك، ونبهتني لذكرك وشكرك، وواجب طاعتك وعبادتك، وفهمتني ما جاءت به رسلك.. إلخ. انتهي.

قال المجلسي رحمه الله الفطرة إشارة إلي قوة الأعضاء والقوي الظاهرة، واعتدال السريرة إلي كمال القوي الباطنة... ألقيت في روعي أي قلبي عجائب الفطرة، لكنه بعيد عن الشائع في إطلاق هذا اللفظ بحسب اللغة. انتهي.

أقول: الظاهر أن معناه: جعلتني أدرك روائع وعجائب ما فطرته من مخلوقاتك.

تفسير الميزان:16/178:

الفطرة بناء نوع من الفطر بمعني الإيجاد والإبداع، وفطرة الله منصوب علي الأغراء أي إلزم الفطرة، ففيه إشارة إلي أن هذا الدين الذي يجب إقامة الوجه له، هو الذي تهتف به الخلقة وتهدي إليه الفطرة الإلهية التي لا تبديل لها.

وذلك

أنه ليس الدين إلا سنة الحياة والسبيل التي يجب علي الإنسان أن يسلكها حتي يسعد في حياته، فلا غاية للإنسان يتبعها إلا السعادة، وقد هدي كل نوع من أنواع الخليقة إلي سعادته التي هي بغية حياته بفطرته ونوع خلقته، وجهزه في وجوده بما يناسب غايته من التجهيز، قال تعالي: رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَي كُلَّ شَئٍْ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَي. طه: 50، وقال: الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّي وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَي. الأعلي: 3.

فالإنسان كسائر الأنواع المخلوقة مفطور بفطرة تهديه إلي تتميم نواقصه ورفع حوائجه وتهتف له بما ينفعه وما يضره في حياته، قال تعالي: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا الشمس: 8، وهو مع ذلك مجهز بما يتم له به ما يجب له أن يقصده من العمل، قال تعالي: ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ. عبس: 20.

فللإنسان فطرة خاصة تهديه إلي سنة خاصة في الحياة وسبيل معينة ذات غاية مشخصة ليس له إلا أن يسلكها خاصة، وهو قوله: فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا، وليس الإنسان العائش في هذه النشأة إلا نوعاً واحداً لا يختلف ما ينفعه وما يضره بالنظر إلي هذه البنية المؤلفة من روح وبدن، فما للإنسان من جهة أنه إنسان إلا سعادة واحدة وشقاء واحد، فمن الضروري حينئذ أن يكون تجاه عمله سنة واحدة ثابتة يهديه إليها هاد واحد ثابت، وليكن ذاك الهادي هو الفطرة ونوع الخلقة، ولذلك عقب قوله: فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا، بقوله: لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ، فلو اختلفت سعادة الإنسان باختلاف أفراده لم ينعقد مجتمع واحد صالح يضمن سعادة الأفراد المجتمعين، ولو اختلفت السعادة باختلاف الأقطار التي تعيش فيها الأمم المختلفة بمعني أن يكون الأساس الوحيد للسنة الإجتماعية، أعني الدين هو ما يقتضيه

حكم المنطقة، كان الإنسان أنواعاً مختلفة باختلاف الأقطار، ولو اختلفت السعادة باختلاف الأزمنة، بمعني أن تكون الأعصار والقرون هي الأساس الوحيد للسنة الدينية، اختلفت نوعية كل قرن وجيل مع من ورثوا من آبائهم أو أخلفوا من أبنائهم، ولم يسر الإجتماع الإنساني سير التكامل، ولم تكن الإنسانية متوجهة من النقص إلي الكمال، إذ لا يتحقق النقص والكمال إلا مع أمر مشترك ثابت محفوظ بينهما.

وليس المراد بهذا إنكار أن يكون لاختلاف الأفراد أو الأمكنة أو الأزمنة بعض التأثير في انتظام السنة الدينية في الجملة، بل إثبات أن الأساس للسنة الدينية هو البنية الإنسانية التي هي حقيقة واحدة ثابتة مشتركة بين الأفراد، فللإنسانية سنة واحدة ثابتة بثبات أساسها الذي هو الإنسان، وهي التي تدير رحي الإنسانية مع ما يلحق بها من السنن الجزئية المختلفة باختلاف الأفراد أو الأمكنة أو الأزمنة. وهذا هو الذي يشير إلي قوله بعد ذلك: الدِّينُ الْقَيِّمُ وَ لَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ....

وللقوم في مفردات الآية ومعناها أقوال أخر متفرقة، منها: أن المراد بإقامة الوجه تسديد العمل، فإن الوجه هو ما يتوجه إليه وهو العمل وإقامته تسديده. وفيه أن وجه العمل هو غايته المقصودة منه وهي غير العمل، والذي في الآية هو: فَأَقِمْ وَجْهَكَ، ولم يقل فأقم وجه عملك....

ومنها، أن لا في قوله: لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ، تفيد النهي أي لا تبدلوا خلق الله أي دينه الذي أمرتم بالتمسك به، أولا تبدلوا خلق الله بإنكار دلالتة علي التوحيد، ومنه من نسب إلي ابن عباس أن المراد به النهي عن الخصاء.

وفيه، أن لا دليل علي أخذ الخلق بمعني الدين ولا موجب لتسمية الأعراض عن دلالة الخلقة أو إنكارها تبديلاً لخلق الله، وأما

ما نسب إلي ابن عباس ففساده ظاهر.

ومنها، ما ذكره الرازي في التفسير الكبير قال: ويحتمل أن يقال خلق الله الخلق لعبادته وهم كلهم عبيده لا تبديل لخلق الله، أي ليس كونهم عبيداً مثل كون المملوك عبداً للإنسان فإنه ينتقل عنه إلي غيره ويخرج عن ملكه بالعتق، بل لا خروج للخلق عن العبادة والعبودية. وهذا لبيان فساد قول من يقول العبادة لتحصيل الكمال والعبد يكمل بالعبادة فلا يبقي عليه تكليف، وقول المشركين إن الناقص لا يصلح لعبادة الله، وإنما الإنسان عبد الكواكب والكواكب عبيد الله، وقول النصاري إن عيسي كان يحل الله فيه وصار إلها، فقال: لا تبديل لخلق الله بل كلهم عبيد لا خروج لهم عن ذلك. إنتهي.

وفيه، أنه مغالطة بين الملك والعبادة التكوينيين والملك والعبادة التشريعيين، فإن ملكه تعالي الذي لا يقبل الإنتقال والبطلان ملك تكويني بمعني قيام وجود الأشياء به تعالي، والعبادة التي بإزائه عبادة تكوينية وهو خضوع ذوات الأشياء له تعالي، ولا تقبل التبديل والترك كما في قوله: وَإِنْ مِنْ شَئٍْ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ إسراء: 44.

وأما العبادة الدينية التي تقبل التبديل والترك فهي عبادة تشريعية بإزاء الملك التشريعي المعتبر له تعالي، فأفهمه. ولو دل قوله لا تبديل لخلق الله علي عدم تبديل الملك والعبادة والعبودية لدل علي التكويني منهما، والذي يبدله القائلون بارتفاع التكليف عن الإنسان الكامل أو بعبادة الكواكب أو المسيح، فإنما يعنون به التشريعي منهما.

تفسير الميزان:5/312:

البيانات القرآنية تجري في بث المعارف الدينية وتعليم الناس العلم النافع هذا المجري، وتراعي الطرق المتقدمة التي عينتها للحصول علي المعلومات، فما كان من الجزئيات التي لها خواص تقبل الاحساس فإنها تصريح فيها إلي الحواس كالآيات المشتملة علي قوله: ألم

تر، أفلا يرون، أفرأيتم، أفلا تبصرون، وغير ذلك.

وما كان من الكليات العقلية مما يتعلق بالأمور الكلية المادية، أو التي هي وراء عالم الشهادة، فإنها تعتبر فيها العقل اعتباراً جازماً وإن كانت غائبة عن الحس خارجة عن محيط المادة والماديات كغالب الآيات الراجعة إلي المبدأ والمعاد المشتملة علي أمثال قوله: لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ، يَفْقَهُونَ، وغيرها.

وما كان من القضايا العملية التي لها مساس بالخير والشر والنافع والضار في العمل والتقوي والفجور، فإنها تستند فيها إلي الإلهام الإلهي بذكر ما بتذكره يشعر الإنسان بإلهامه الباطني كالآيات المشتملة علي مثل قوله: ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ، فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ، وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ، إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي، وغيرها، وعليك بالتدبر فيها.

ومن هنا يظهر أولاً أن القرآن الكريم يُخطّئ طريق الحسيين وهم المعتمدون علي الحس والتجربة النافون للأحكام العقلية الصرفة في الابحاث العلمية، وذلك أن أول ما يهتم القرآن به في بيانه هو أمر توحيد الله عز اسمه، ثم يرجع إليه ويبني عليه جميع المعارف الحقيقية التي يبينها ويدعو إليها.

ومن المعلوم أن التوحيد أشد المسائل ابتعاداً من الحس وبينونة للمادة وارتباطاً بالأحكام العقلية الصرفة. والقرآن يبين أن هذه المعارف الحقيقية من الفطرة، قال: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ. الروم: 30، أي أن الخلقة الإنسانية نوع من الايجاد يستتبع هذه العلوم والإدراكات، ولا معني لتبديل خلق إلا أن يكون نفس التبديل أيضاً من الخلق والإيجاد، وأما تبديل الإيجاد المطلق أي إبطال حكم الواقع فلا يتصور له معني، فلن يستطيع الإنسان وحاشا ذلك أن يبطل علومه الفطرية ويسلك في الحياة سبيلاً آخر غير سبيلها البتة.

وأما الانحراف المشهود

عن أحكام الفطرة فليس إبطالاً لحكمها، بل استعمالاً لها غير ما ينبغي من نحو الإستعمال، نظير ما ربما يتفق أن الرامي لا يصيب الهدف في رميته، فإن آلة الرمي وسائر شرائطه موضوعه بالطبع للإصابة، إلا أن الإستعمال يوقعها في الغلط، والسكاكين والمناشير والمثاقب والإبر وأمثالها إذا عبئت في الماكينات تعبئة معوجة تعمل عملها الذي فطرت عليه بعينه من قطع أو نشر أو ثقب وغير ذلك، لكن لا علي الوجه المقصود، وأما الإنحراف عن العمل الفطري كأن يخاط بنشر المنشار بأن يعوض المنشار فعل الإبرة من فعل نفسه فيضع الخياطة موضع النشر، فمن المحال ذلك.

وهذا ظاهر لمن تأمل عامة ما استدل به القوم علي صحة طريقهم، كقولهم إن الأبحاث العقلية المحضة والقياسات المؤلفة من مقدمات بعيدة من الحس يكثر وقوع الخطأ فيها، كما يدل عليه كثرة الإختلافات في المسائل العقلية المحضة، فلا ينبغي الإعتماد عليها لعدم إطمئنان النفس إليها. وقولهم في الإستدلال علي صحة طريق الحس والتجربة إن الحس آلة لنيل خواص الأشياء بالضرورة وإذا أحس بأثر في موضوع من الموضوعات علي شرائط مخصوصة ثم تكرر مشاهدة الأثر معه مع حفظ تلك الشرائط بعينها من غير تخلف واختلاف، كشف ذلك عن أن هذا الأثر خاصة الموضوع من غير اتفاق، لأن الإتفاق (الصدفة) لا يدوم البتة.

والدليلان كما تري سيقاً لإثبات وجوب الإعتماد علي الحس والتجربة ورفض السلوك العقلي المحض، مع كون المقدمات المأخوذة فيهما جميعاً مقدمات عقلية خارجة عن الحس والتجربة، ثم أريد بالأخذ بهذه المقدمات العقلية إبطال الأخذ بها، وهذا هو الذي تقدم أن الفطرة لن تبطل البتة، وإنما يغلط الإنسان في كيفية استعمالها.

قدوات البشرية في فطرتهم المستقيمة

آدم فطرة الله تعالي

الصحيفة السجادية:2/39:

في الصلاة علي آدم عليه السلام: اللهم

وآدم بديع فطرتك، وأول معترف من الطين بربوبيتك، وبكر حجتك علي عبادك وبريتك.

بحار الأنوار:101/230:

(زيارة أخري) رواها الكفعمي في البلد الأمين عن الصادق عليه السلام قال: إذا وصلت إلي الفرات فاغتسل وألبس أنظف ثوب تقدر عليه، ثم صر إلي القبر حافياً وعليك السكينة والوقار، وقف بالباب وكبر أربعاً وثلاثين تكبيرة وقل: السلام عليك يا وارث آدم فطرة الله، السلام عليك يا وارث نوح صفوة الله.

ابراهيم إمام الإستقامة علي الفطرة

الصحيفة السجادية:2/256:

... يا موضع كل شكوي، ويا شاهد كل نجوي، ويا عالم كل خفية، ويا دافع كل بلية، يا كريم العفو، يا حسن التجاوز، توفني علي ملة إبراهيم وفطرته، وعلي دين محمد وسنته، وعلي خير الوفادة فتوفني، موالياً لأوليائك ومعادياً لأعدائك. اللهم إني أسألك التوفيق لكل عمل أو قول أو فعل يقربني إليك زلفي، يا أرحم الراحمين.

الكافي:8/366:

علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان عن حجر، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: خالف إبراهيم عليه السلام قومه وعاب آلهتهم حتي أدخل علي نمرود فخاصمه، فقال إبراهيم عليه السلام: ربي الذي يحيي ويميت قال: أنا أحيي وأميت. قال إبراهيم: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب، فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين.

وقال أبو جعفر عليه السلام: عاب آلهتهم فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم، قال أبو جعفر عليه السلام: والله ما كان سقيماً وما كذب، فلما تولوا عنه مدبرين إلي عيد لهم دخل إبراهيم عليه السلام إلي آلهتهم بقدوم فكسرها إلا كبيراً لهم ووضع القدوم في عنقه، فرجعوا إلي آلهتهم فنظروا إلي ما صنع بها فقالوا: لا والله ما اجترأ عليها

ولا كسرها إلا الفتي الذي كان يعيبها ويبرأ منها، فلم يجدوا له قتلةً أعظم من النار، فجمعوا له الحطب واستجادوه، حتي إذا كان اليوم الذي يحرق فيه برز له نمرود وجنوده وقد بني له بناء لينظر إليه كيف تأخذه النار، ووضع إبراهيم عليه السلام في منجنيق، وقالت الأرض: يا رب ليس علي ظهري أحد يعبدك غيره يحرق بالنار؟ قال الرب: إن دعاني كفيته.

فذكر أبان عن محمد بن مروان، عمن رواه عن أبي جعفر عليه السلام أن دعاء إبراهيم عليه السلام يومئذ كان (يا أحد يا أحد، يا صمد يا صمد، يا من لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. ثم قال: توكلت علي الله) فقال الرب تبارك وتعالي: كفيت، فقال للنار: كُونِي بَرْدًا. قال فاضطربت أسنان إبراهيم عليه السلام من البرد حتي قال الله عز وجل: وَسَلامًا عَلَي إِبْرَاهِيمَ. وانحط جبرئيل عليه السلام وإذا هو جالس مع إبراهيم عليه السلام يحدثه في النار، قال نمرود: من اتخذ إلهاً فليتخذ مثل إله إبراهيم! قال: فقال عظيم من عظمائهم: إني عزمت علي النار أن لا تحرقه، قال فأخذ عنق من النار نحوه حتي أحرقه!

قال: فآمن له لوط، وخرج مهاجراً إلي الشام هو وسارة ولوط.

_ علي بن إبراهيم، عن أبيه، وعدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد جميعاً، عن الحسن بن محبوب، عن إبراهيم بن أبي زياد الكرخي قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: ان إبراهيم عليه السلام كان مولده بكوثي رباً، وكان أبوه من أهلها وكانت أم إبراهيم وأم لوط سارة ورقة وفي نسخة رقية أختين، وهما ابنتان للاحج، وكان لاحج نبياً منذراً ولم يكن رسولاً، وكان إبراهيم عليه السلام في

شبيبته علي الفطرة التي فطر الله عز وجل الخلق عليها، حتي هداه الله تبارك وتعالي إلي دينه واجتباه، وإنه تزوج سارة ابنة لاحج وهي ابنة خالته، وكانت سارة صاحبة ماشية كثيرة وأرض واسعة وحال حسنة، وكانت قد ملكت إبراهيم عليه السلام جميع ما كانت تملكه، فقام فيه وأصلحه وكثرت الماشية والزرع، حتي لم يكن بأرض كوثي ربا رجل أحسن حالاً منه.

وإن إبراهيم عليه السلام لما كسر أصنام نمرود أمر به نمرود فأوثق، وعمل له حيراً وجمع له فيه الحطب وألهب فيه النار، ثم قذف إبراهيم عليه السلام في النار لتحرقه، ثم اعتزلوها حتي خمدت النار، ثم أشرفوا علي الحير فإذا هم بإبراهيم عليه السلام سليماً مطلقاً من وثاقه فأخبر نمرود خبره، فأمرهم أن ينفوا إبراهيم عليه السلام من بلاده وأن يمنعوه من الخروج بماشيته وماله، فحاجهم إبراهيم عليه السلام عند ذلك فقال: إن أخذتم ماشيتي ومالي فإن حقي عليكم أن تردوا عليَّ ما ذهب من عمري في بلادكم، واختصموا إلي قاضي نمرود فقضي علي إبراهيم عليه السلام أن يسلم إليهم جميع ما أصاب في بلادهم، وقضي علي أصحاب نمرود أن يردوا علي إبراهيم عليه السلام ما ذهب من عمره في بلادهم!

فأخبر بذلك نمرود فأمرهم أن يخلوا سبيله وسبيل ماشيته وما له وأن يخرجوه، وقال: إنه إن بقي في بلادكم أفسد دينكم وأضر بآلهتكم، فأخرجوا إبراهيم ولوطاً معه صلي الله عليهما من بلادهم إلي الشام، فخرج إبراهيم ومعه لوط لا يفارقه وسارة، وقال لهم: إني ذاهب إلي ربي سيهدين، يعني بيت المقدس.

فتحمل إبراهيم عليه السلام بماشيته وماله وعمل تابوتاً وجعل فيه سارة وشد عليها الأغلاق غيرةً منه عليها، ومضي حتي خرج من سلطان

نمرود وصار إلي سلطان رجل من القبط يقال له عرارة، فمر بعاشر له فاعترضه العاشر ليعشر ما معه، فلما انتهي إلي العاشر ومعه التابوت.

قال العاشر لابراهيم عليه السلام: إفتح هذا التابوت حتي نعشر ما فيه.

فقال له إبراهيم عليه السلام: قل ما شئت فيه من ذهب أو فضة حتي نعطي عشره ولا نفتحه.

قال فأبي العاشر إلا فتحه، قال وغضب إبراهيم عليه السلام علي فتحه، فلما بدت له سارة وكانت موصوفة بالحسن والجمال، قال له العاشر: ما هذه المرأة منك؟

قال إبراهيم عليه السلام: هي حرمتي وابنة خالتي.

فقال له العاشر: فما دعاك إلي أن خبيتها في هذا التابوت؟

فقال إبراهيم عليه السلام: الغيرة عليها أن يراها أحد.

فقال له العاشر: لست أدعك تبرح حتي أعلم الملك حالها وحالك، قال: فبعث رسولاً إلي الملك فأعلمه فبعث الملك رسولاً من قبله ليأتوه بالتابوت فأتوا ليذهبوا به. فقال لهم إبراهيم عليه السلام: إني لست أفارق التابوت حتي تفارق روحي جسدي، فأخبروا الملك بذلك فأرسل الملك أن احملوه والتابوت معه، فحملوا إبراهيم عليه السلام والتابوت وجميع ما كان معه حتي أدخل علي الملك فقاله له الملك: إفتح التابوت.

فقال إبراهيم عليه السلام: أيها الملك إن فيه حرمتي وابنة خالتي وأنا مفتد فتحه بجميع ما معي. قال: فغضب الملك وأجبر إبراهيم عليه السلام علي فتحه، فلما رأي سارة لم يملك حلمه سفهه أن مد يده إليها فأعرض إبراهيم عليه السلام بوجهه عنها وعنه غيرة منه وقال: اللهم احبس يده عن حرمتي وابنة خالتي، فلم تصل يده إليها ولم ترجع إليه!

فقال له الملك: إن إلهك الذي فعل بي هذا؟

فقال له: نعم، إن إلهي غيور يكره الحرام وهو

الذي حال بينك وبين ما أردت من الحرام.

فقال له الملك: فادع إلهك يرد عليَّ يدي فإن أجابك فلم أعرض لها.

فقال إبراهيم عليه السلام: إلهي رد عليه يده ليكف عن حرمتي.

قال: فرد الله عز وجل عليه يده فأقبل الملك نحوها ببصره، ثم أعاد بيده نحوها فأعرض إبراهيم عليه السلام عنه بوجهه غيرة منه وقال: اللهم احبس يده عنها، قال فيبست يده ولم تصل إليها!

فقال الملك لابراهيم عليه السلام: ان إلهك لغيور وإنك لغيور فادع إلهك يرد علي يدي فإنه إن فعل لم أعد.

فقال له إبراهيم عليه السلام: أسأله ذلك علي أنك إن عدت لم تسألني أن أسأله.

فقال الملك: نعم.

فقال إبراهيم عليه السلام: اللهم إن كان صادقاً فرد عليه يده، فرجعت إليه يده!

فلما رأي ذلك الملك من الغيرة ما رأي ورأي الآية في يده، عظم إبراهيم عليه السلام وهابه وأكرمه واتقاه، وقال له: قد أمنت من أن أعرض لها أو لشئ مما معك، فانطلق حيث شئت ولكن لي إليك حاجة.

فقال إبراهيم عليه السلام: ما هي؟

فقال له: أحب ان تأذن لي أن أخدمها قبطية عندي جميلة عاقلة تكون لها خادماً.

قال: فأذن له إبراهيم عليه السلام فدعا بها فوهبها لسارة وهي هاجر أم إسماعيل عليه السلام.

فسار إبراهيم عليه السلام بجميع ما معه وخرج الملك معه يمشئ خلف إبراهيم عليه السلام إعظاماً لابراهيم عليه السلام وهيبة له، فأوحي الله تبارك وتعالي إلي إبراهيم أن قف ولا تمش قدام الجبار المتسلط ويمشئ هو خلفك، ولكن اجعله أمامك وامش خلفه وعظمه وهبه، فإنه مسلط ولابد من إمرة في الأرض برة أو فاجرة، فوقف إبراهيم عليه السلام وقال للملك: إمض فإن

إلهي أوحي إليَّ الساعة أن أعظمك وأهابك وأن أقدمك أمامي وأمشئ خلفك إجلالاً لك.

فقال له الملك: أوحي إليك بهذا؟ فقال له إبراهيم عليه السلام: نعم.

فقال له الملك: أشهد أن إلهك لرفيق حليم كريم، وإنك ترغبني في دينك.

قال: وودعه الملك فسار إبراهيم عليه السلام حتي نزل بأعلي الشامات، وخلف لوطاً عليه السلام في أدني الشامات.

ثم إن إبراهيم عليه السلام لما أبطأ عليه الولد قال لسارة: لو شئت لبعتني هاجر لعل الله أن يرزقنا منها ولداً فيكون لنا خلفاً، فابتاع إبراهيم عليه السلام هاجر من سارة فوقع عليها فولدت اسماعيل. انتهي. ورواه في تفسير نور الثقلين:4/416 ورواه المجلسي في بحار الأنوار:12/48.

وفي هذا الحديث من الحقائق والاضواء علي حياة سيدنا إبراهيم صلي الله عليه وآله ما يرد كثيراً من الشبه الواردة في الإسرائيليات، والتهم التي اتهمه بها اليهود، وقلدهم بعض المسلمين!!

نبينا رائد العارفين و رائد سعادتن

نهج البلاغة:3/44:

... والرسول قد عرف عن الله وأخبرنا، فهو رائد سعادتنا.

مروج الذهب للمسعودي:1/32:

فهذا ما روي عن أبي عبد الله جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه:

إن الله حين شاء تقدير الخليقة وذرأ البرية وإبداع المبدعات، نصب الخلق في صور كالهباء قبل دحو الأرض ورفع السماء، وهو في انفراد ملكوته وتوحد جبروته فأتاح (فأساح) نوراً من نوره فلمع، و[ نزع ]قبساً من ضيائه فسطع، ثم اجتمع النور في وسط تلك الصور الخفية فوافق ذلك صورة نبينا محمد(ص)، فقال الله عز من قائل: أنت المختار المنتخب، وعندك مستودع نوري وكنوز هدايتي، من أجلك أسطح البطحاء، وأمرج الماء، وأرفع

السماء، وأجعل الثواب والعقاب والجنة والنار، وأنصب أهل بيتك للهداية، وأوتيهم من مكنون علمي ما لا يشكل عليهم دقيق ولا يعييهم خفي، وأجعلهم حجتي علي بريتي، والمنبهين علي قدرتي ووحدانيتي، ثم أخذ الله الشهادة عليهم بالربوبية والإخلاص بالوحدانية. فبعد أخذ ما أخذ من ذلك شاب ببصائر الخلق انتخاب محمد وآله (فقبل أخذ ما أخذ جل شأنه ببصائر الخلق انتخب محمد وآله) وأراهم أن الهداية معه والنور له والإمامة في آله، تقديماً لسنة العدل، وليكون الأعذار متقدماً.

ثم أخفي الله الخليقة في غيبه، وغيبها في مكنون علمه، ثم نصب العوامل وبسط الزمان، ومرج الماء، وأثار الزبد، وأهاج الدخان، فطفا عرشه علي الماء، فسطح الأرض علي ظهر الماء[ وأخرج من الماء دخاناً فجعله السماء ]ثم استجلبهما إلي الطاعة فأذعنتا بالإستجابة.

ثم أنشأ الله الملائكة من أنوار أبدعها، وأرواح اخترعها، وقرن بتوحيده نبوة محمد(ص)، فشهرت في السماء قبل بعثته في الأرض، فلما خلق آدم أبان فضله للملائكة، وأراهم ما خصه به من سابق العلم من حيث عرفه عند استنبائه إياه أسماء الأشياء، فجعل الله آدم محراباً وكعبة وباباً وقبلة أسجد إليها الأبرار والروحانيين الأنوار، ثم نبه آدم علي مستودعه، وكشف له[ عن ]خطر ما ائتمنه عليه، بعد ما سماه إماماً عند الملائكة، فكان حظ آدم من الخير ما أراه من مستودع نورنا، ولم يزل الله تعالي يخبئ النور تحت الزمان إلي أن فضل محمداً (ص)في ظاهر الفترات، فدعا الناس ظاهراً وباطناً، وندبهم سراً وإعلاناً، واستدعي عليه السلام التنبيه علي العهد الذي قدمه إلي الذر قبل النسل، فمن وافقه وقبس من مصباح النور المقدم اهتدي إلي سره، واستبان واضح أمره، ومن أبلسته الغفلة استحق السخط.

ثم انتقل النور إلي

غرائزنا، ولمع في أئمتنا، فنحن أنوار السماء وأنوار الأرض، فبنا النجاء، ومنا مكنون العلم، والينا مصير الأمور، وبمهدينا تنقطع الحجج، خاتمة الأئمة، ومنقذ الأمة، وغاية النور، ومصدر الأمور، فنحن أفضل المخلوقين، وأشرف الموحدين، وحجج رب العالمين، فليهنأ بالنعمة من تمسك بولايتنا، وقبض علي عروتنا. انتهي. وروي شبيهاً به ابن الجوزي في تذكرة الخواص ص128-130

علل الشرائع:1/5:

حدثنا الحسن بن محمد سعيد الهاشمي قال: حدثنا فرات بن إبراهيم بن فرات الكوفي قال: حدثنا محمد بن أحمد بن علي الهمداني، قال حدثني أبوالفضل العباس بن عبدالله البخاري، قال حدثنا محمد بن القاسم بن إبراهيم بن محمد بن عبدالله بن القاسم بن محمد بن أبي بكر، قال حدثنا عبدالسلام بن صالح الهروي، عن علي بن موسي الرضا، عن أبيه موسي بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي، عن أبيه علي بن أبي طالب غليهم السلام قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله: ما خلق الله خلقاً أفضل مني ولاأكرم عليه مني، قال علي عليه السلام فقلت يا رسول الله فأنت أفضل أم جبرئيل؟ فقال: يا علي إن الله تبارك وتعالي فضل أنبياءه المرسلين علي ملائكته المقربين وفضلني علي جميع النبيين والمرسلين، والفضل بعدي لك يا علي وللأئمة من بعدك، وإن الملائكة لخدامنا وخدام محبينا. يا علي الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون للذين آمنوا بولايتنا، يا علي لولا نحن ما خلق الله آدم ولا حواء ولا الجنة ولا النار ولا السماء ولا الأرض، فكيف لا نكون أفضل من الملائكة، وقد سبقناهم إلي معرفة ربنا وتسبيحه وتهليله وتقديسه، لأن أول

ما خلق الله عز وجل خلق أرواحنا فأنطقنا بتوحيده وتحميده، ثم خلق الملائكة فلما شاهدوا أرواحنا نوراً واحداً استعظموا أمرنا، فسبحنا لتعلم الملائكة إنا خلق مخلوقون، وإنه منزه عن صفاتنا، فسبحت الملائكة بتسبيحنا ونزهته عن صفاتنا، فلما شاهدوا عظم شأننا هللنا لتعلم الملائكة أن لا إله إلا الله وأنَّا عبيد ولسنا بآلهة يجب أن نعبد معه أو دونه، فقالوا: لا إله إلا الله، فلما شاهدوا كبر محلنا كبرَّنا لتعلم الملائكة أن الله أكبر من أن ينال عظم المحل إلا به، فلما شاهدوا ما جعله الله لنا من العز والقوة قلنا لا حول ولا قوة إلا بالله لتعلم الملائكة أن لا حول لنا ولا قوة إلا بالله، فلما شاهدوا ما أنعم الله به علينا وأوجبه لنا من فرض الطاعة قلنا الحمد الله لتعلم الملائكة ما يحق الله تعالي ذكره علينا من الحمد علي نعمته، فقالت الملائكة الحمد لله.

فبنا اهتدي إلي معرفة توحيد الله وتسبيحه وتهليله وتحميده وتمجيده، ثم أن الله تبارك وتعالي خلق آدم، فأودعنا صلبه وأمر الملائكة بالسجود له تعظيماً لنا وإكراماً.

علل الشرائع:1/117:

- حدثنا محمد بن موسي بن المتوكل قال: حدثنا عبدالله بن جعفر الحميري عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن عبدالرحمان بن كثير، عن داود الرقي، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: لما أراد الله عز وجل أن يخلق الخلق خلقهم ونشرهم بين يديه، ثم قال لهم: من ربكم؟ فأول من نطق رسول الله صلي الله عليه وآله وأمير المؤمنين والأئمة صلوات عليهم أجمعين، فقالوا: أنت ربنا، فحمَّلهم العلم والدين، ثم قال للملائكة: هؤلاء حملة ديني وعلمي وأمنائي في خلقي وهم المسؤولون، ثم قيل لبني آدم أقروا لله

بالربوبية ولهؤلاء النفر بالطاعة والولاية، فقالوا نعم ربنا أقررنا، فقال الله جل جلاله للملائكة: إشهدوا، فقالت الملائكة شهدنا... علي أن لا يقولوا غداً إنا كنا عن هذا غافلين، أو يقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون، يا داود الأنبياء مؤكدة عليهم في الميثاق.

الإعتقادات للصدوق/67:

_... وأن محمداً صلي الله عليه وآله سيدهم وأفضلهم، وأنه جاء بالحق وصدق المرسلين، وأن الذين كذبوه لذائقوا العذاب الأليم. وأن الذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون الفائزون. ويجب أن يعتقد أن الله عز وجل لم يخلق خلقاً أفضل من محمد صلي الله عليه وآله والأئمة غليهم السلام، وأنهم أحب الخلق إلي الله وأكرمهم، وأولهم إقراراً به لما أخذ الله ميثاق النبيين وأشهدهم علي أنفسهم ألست بربكم قالوا بلي. وأن الله بعث نبيه محمد صلي الله عليه وآله للأنبياء في الذر. وأن الله عز وجل أعطي ما أعطي كل نبي علي قدر معرفته، ومعرفة نبينا محمد صلي الله عليه وآله، وسبقه إلي الإقرار به. ونعتقد: أن الله تبارك وتعالي خلق جميع الخلق له ولاهل بيته غليهم السلام، وأنه لولاهم ما خلق الله سبحانه السماء والأرض ولا الجنة ولا النار ولا آدم ولا حواء ولا الملائكة، ولا شيئاً مما خلق، صلوات الله عليهم أجمعين. انتهي.

وقد أوردنا في فصل الفطرة تحت عنوان: عوالم وجود الإنسان، عدداً من أحاديث خلق نور النبي وآله صلي الله عليه وعليهم قبل الخلق.

خط الفطرة لم ينقطع من ذرية إبراهيم

بحار الأنوار:15/117:

بيان: اتفقت الإمامية رضوان الله عليهم علي أن والدي الرسول وكل أجداده إلي آدم عليه السلام كانوا مسلمين، بل كانوا من الصديقين: إما أنبياء مرسلين، أو

أوصياء معصومين، ولعل بعضهم لم يظهر الإسلام لتقية أو لمصلحة دينية....

ورووا عن النبي صلي الله عليه وآله أنه قال: لم يزل ينقلني الله من أصلاب الطاهرين إلي أرحام المطهرات، حتي أخرجني في عالمكم هذا، لم يدنسني بدنس الجاهلية. ولو كان من آبائه عليه السلام كافر لم يصف جميعهم بالطهارة، مع قوله سبحانه: إنما المشركون نجس...

وهذا المسلك ذهبت إليه طائفة، منهم الإمام فخر الدين الرازي، فقال في كتابه أسرار التنزيل ما نصه: قيل: إن آزر لم يكن والد إبراهيم بل كان عمه واحتجوا عليه بوجوه:

منها: أن آباء الأنبياء ما كانوا كفاراً، ويدل عليه وجوه: منها قوله تعالي: أَلَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ. وَتَقَلُّبَكَ فِي أَلسَّاجِدِينَ....

الثانية: أن الأحاديث والاثار دلت علي أنه لم تخل الأرض من عهد نوح عليه السلام إلي بعثة النبي صلي الله عليه وآله إلي أن تقوم الساعة من ناس علي الفطرة يعبدون الله ويوحدونه ويصلون له، وبهم تحفظ الأرض، ولولاهم لهلكت الأرض ومن عليها....

وأما المخالفون: فذهب أكثرهم إلي كفر والدي الرسول صلي الله عليه وآله وكثير من أجداده كعبد المطلب وهاشم وعبد مناف صلوات الله عليهم اجمعين، وإجماعنا وأخبارنا متظافرة... وقال في هامشه:

وذهب بعضهم إلي إيمان والديه صلي الله عليه وآله وأجداده، واستدلوا عليه بالكتاب والسنة، منهم السيوطي، قال في كتاب مسالك الحنفاء: المسلك الثاني أنهما أي عبد الله وآمنة لم يثبت عنهما شرك، بل كانا علي الحنيفية دين جدهما إبراهيم علي نبينا وعليه الصلاة والسلام....

ثم قال (السيوطي): وعندي في نصرة هذا المسلك وما ذهب إليه الإمام فخر الدين أمور: أحدها دليل استنبطه مركب من مقدمتين.

الأولي: أن الأحاديث الصحيحة دلت علي أن كل أصل من أصول

النبي صلي الله عليه وآله من آدم عليه السلام إلي أبيه عبدالله، فهو خير أهل قرنه وأفضلهم، ولا أحد في قرنه ذلك خير منه ولا أفضل.

الثانية: إن الأحاديث والآثار دلت علي أنه لم تخل الأرض من عهد نوح عليه السلام أو آدم عليه السلام إلي بعثة النبي صلي الله عليه وآله إلي أن تقوم الساعة من ناس علي الفطرة يعبدون الله ويوحدونه ويصلون له، وبهم تحفظ الأرض ولولا هم لهلكت الأرض ومن عليها، وإذا قرنت بين هاتين المقدمتين أنتج منهما قطعاً أن آباء النبي صلي الله عليه وآله لم يكن فيهم مشرك، لأنه ثبت في كل منهم أنه خير قرنه... (ثم ذكر عن السيوطي آيات وأحاديث لإثبات ذلك منها): ما ورد في تفسير قوله تعالي: وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ، تدل علي أن التوحيد كان باقياً في ذرية إبراهيم عليه السلام ولم يزل ناس من ذريته علي الفطرة يعبدون الله تعالي حتي تقوم الساعة....

فحصل مما أوردناه أن آباء النبي صلي الله عليه وآله من عهد إبراهيم إلي كعب بن لؤي كانوا كلهم علي دين إبراهيم عليه السلام....

الدر المنثور:3/341:

وأخرج أبو الشيخ عن زيد بن علي (رض) قال: قالت سارة رضي الله عنها لما بشرتها الملائكة غليهم السلام: يا ويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إن هذا لشئ عجيب، فقالت الملائكة ترد علي سارة: أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد، قال فهو كقوله: وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ، بمحمد(ص)من عقب إبراهيم.

الدر المنثور:4/87:

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج (رض) في قوله: رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي، قال فلن يزال من ذرية إبراهيم عليه

السلام ناس علي الفطرة يعبدون الله تعالي حتي تقوم الساعة.

الدر المنثور:6/16:

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة: وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ، قال: في الإسلام أوصي بها ولده.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد: وجعلها كلمة باقية في عقبه... الآية، قال: الإخلاص والتوحيد لا يزال في ذريته من يقولها من بعده.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس: وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ... الآية، قال: لا إله إلا الله، في عقبه: قال عقب إبراهيم ولده.

عمار علم الثابتين علي الفطرة بعد النبي

بحار الأنوار:22/320:

لي: بهذا الاسناد عن إبراهيم بن الحكم، عن عبيدالله بن موسي، عن سعد بن أوس، عن بلال بن يحيي العبسي قال: لما قتل عمار (كذا والصحيح عثمان) أتوا حذيفة فقالوا: يا عبدالله قتل هذا الرجل وقد اختلف الناس، فما تقول؟ قال إذا أتيتم فأجلسوني، قال: فأسندوه إلي صدر رجل منهم فقال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله يقول: أبو اليقظان علي الفطرة ثلاث مرات، لن يدعها حتي يموت. انتهي. ورواه في بحار الأنوار:33/9.

شرح الأخبار:1/412:

أبو أحمد بإسناده عن حذيفة بن اليمان، أنه لما احتضر قيل له أوصنا، فقال: أما إذا قلتم ذلك فأسندوني، فأسندوه، فقال: سمعت رسول الله صلوات الله عليه وآله يقول: أبو اليقظان علي الفطرة لا يدعها ثلاث مرات، لا يدعها حتي يموت.

روضة الواعظين للنيسابوري/286:

... وقال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله يقول: أبواليقظان علي الفطرة ثلاث مرات لن يدعها حتي يموت، وقال رسول الله صلي الله عليه وآله: ما خير عمار بين أمرين إلا اختار أشدهما.

مستدرك الحاكم:3/393:

... عن عائشة أنها قالت: أنظروا عمار بن ياسر فإنه يموت علي الفطرة، إلا أن تدركه هفوة من

كبر. صحيح الإسناد.

... عن قيس بن أبي حازم قال قال عبدالله: ما أعلم أحداً خرج في الفتنة يريد به وجه الله تعالي والدار الآخرة إلا عمار بن ياسر. صحيح الإسناد.

مجمع الزوائد:9/295:

وعن بلال بن يحيي قال: لما قتل عثمان (رض) أتي حذيفة فقيل له يا أبا عبدالله قتل هذا الرجل، وقد اختلف الناس، فما تقول؟ قال أسندوني فأسندوه إلي ظهر رجل، فقال: سمعت رسول الله(ص)يقول: أبو اليقظان علي الفطرة لا يدعها حتي يموت أو يمسه الهرم. رواه البزار والطبراني في الأوسط باختصار، ورجالهما ثقات.

كنز العمال:11/723:

أبو اليقظان علي الفطرة، أبواليقظان علي الفطرة، أبو اليقظان علي الفطرة، لا يدعها حتي يموت أو يمسه الهرم. ن، وابن سعد، عد وضعفه، عن حذيفة.

كنز العمال:13/532 و 537:

عن حذيفة قال: إن عماراً لا تصيبه الفتنة حتي يخرف، سمعت رسول الله(ص) يقول: أبواليقظان علي الفطرة لم يدعها حتي يموت، أو ينسيه الهرم. كر. انتهي.

ملاحظة: من واضحات تاريخنا الإسلامي أن عمار بن ياسر (رض) وقف بعد النبي صلي الله عليه وآله مع علي عليه السلام في مواجهة بيعة السقيفة، ثم في عهد أبي بكر وعمر، وأحداث خلافة عثمان، وكان عمار من قادة جيش علي عليه السلام في حرب الجمل، وله فيها مواقف سجلها التاريخ، ومنها مواقف مع عائشة، ثم ختم الله له بالشهادة تحت راية علي في صفين، وقتلته فئة معاوية الباغية كما أخبر بذلك النبي صلي الله عليه وآله.. ولذلك لا يشك الإنسان بأن جعل النبي عماراً علماً علي خط الفطرة من بعده، يعني جعله علياً عليه السلام علماً للامة، وتأكيده بأن خط علي من بعده هو خط الفطرة.

ومن الطبيعي أن تكون مواقف عمار

إلي جانب علي ثقيلة علي عائشة وعلي قريش، وأن لا يرووا في حقه مثل هذه الشهادة النبوية التي تدينهم، ولكنها كانت شهادة معروفة بين المسلمين، ومن هنا أدخل خصوم علي عليه السلام في روايتها غمغمة واستثناءات وشروطاً لغرض إحباط مفعولها!

ويدل علي بطلان هذه الإضافات أن الشهادة النبوية وردت في حق عمار مطلقة بنصوص صحيحة عندنا وعند إخواننا وليس فيها تلك الإستثناءات. مضافاً إلي أن طبيعة مثل هذه الشهادة لا تقبل الإستثناء، لأنه يؤدي إلي نسبة التناقض إلي النبي صلي الله عليه وآله حيث يشهد لشخص بأنه علي الفطرة حتي يموت، ويجعله علماً لأمته من بعده ويأمرهم بأن يكونوا في خطه، ثم يستثني من ذلك ويشترط شرطاً مبهماً يبطل كلامه الأول، ويوقع الأمة في الشك والريب!!

وقد روي الهيثمي في مجمع الزوائد:7/243 حديثاً يدل علي مدي تأثير هذه الشهادة النبوية ومدي حسد قريش لعلي عليه السلام قال:

وعن سيار أبي الحكم قال: قالت بنو عبس لحذيفة: إن أمير المؤمنين عثمان قد قتل فما تأمرنا؟ قال آمركم أن تلزموا عماراً. قالوا إن عماراً لا يفارق علياً! قال إن الحسد هو أهلك الجسد، وإنما ينفركم من عمار قربه من علي؟! فوالله لعلي أفضل من عمار أبعد ما بين التراب والسحاب، وإن عماراً لمن الاحباب. وهو يعلم أنهم إن لزموا عماراً كانوا مع علي. رواه الطبراني ورجاله ثقات، إلا أني لم أعرف الرجل المبهم. انتهي. ولا يبعد أن يكون إسم بني عبس وضع في هذه الرواية بدل قريش لأن حسدة بني هاشم الذين عناهم حذيفة والذين تحدث عنهم القرآن هم قبائل قريش، وليسوا بني عبس أو تميم.

علي إمام الثابتين علي الفطرة

نهج البلاغة:1/105:

ومن كلام له عليه السلام لأصحابه: أما إنه

سيظهر عليكم بعدي رجل رحب البلعوم مندحق البطن يأكل ما يجد ويطلب ما لا يجد، فاقتلوه ولن تقتلوه، ألا وإنه سيأمركم بسبي والبراءة مني، فأما السب فسبوني فإنه لي زكاة ولكم نجاة، وأما البراءة فلا تتبرؤوا مني فإني ولدت علي الفطرة وسبقت إلي الإيمان والهجرة.

شرح الأخبار:1/159:

عن الشعبي أنه كان يقول: سمعت رشيد الهجري والحارث الأعور الهمداني وصعصعة بن صوحان العبدي وسالم بن دينار الأزدي، كلهم يذكرون أنهم سمعوا علي بن أبي طالب عليه السلام علي منبر الكوفة يقول في خطبته: يا معشر أهل الكوفة، والله لتصبرن علي قتال عدوكم أو ليسلطن الله عليكم أقواماً أنتم أولي بالحق منهم، فيعذبكم الله بهم ثم يعذبهم بما شاء من عنده، أَوَ من قتلة بالسيف تفرون إلي الموت علي الفراش. فإني أشهد إني سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله يقول: إن معالجة ملك الموت لأشد من ضربة ألف سيف، أخبرني جبرئيل يا علي إنه يصيبكم بعدي أَثَرةٌ وزلزال، فعليكم بالصبر الجميل.

وقال لي أيضاً: قضاء مقضي علي لسان النبي الأمي: إنه لا يبغضك يا علي مؤمن ولا يحبك كافر، وقد خاب من حمل ظلماً وافتري. ثم جعل يقول لنفسه: يا علي إنك ميت مقتول، بل مقتول إن شاء الله، فما ينتظر أشقاها أن يخضب هذه من هذا، ثم أمرَّ يده اليمني علي لحيته، ثم وضعها علي رأسه، ثم قال: أما لقد رأيت في منامي أنه يهلك في اثنان ولا ذنب لي: محب غال، ومبغض قال. ثم قال: إلا أنكم ستعرضون علي البراءة مني فلا تتبرأ وا مني، فإن صاحبكم والله علي فطرة الله التي فطر الناس عليها. ثم نزل عن المنبر.

شرح الأخبار:1/169:

... ثم قال:

سيظهر عليكم بعدي رجل وإنه سيعرضكم علي سبي والبراءة مني، فإن خفتموه فسبوني فإنما هي زكاة ونجاة، وإن سألكم البراءة مني فلا تبرؤوا مني فإني علي الفطرة.

مناقب أمير المؤمنين:2/64

ثم قال: يكون بعدي أئمة يأمرونكم بسبي والبراءة مني، أما السب فسبوني، ولا تتبرؤوا مني فإني ولدت علي الفطرة وأموت علي الفطرة إن شاء الله.

بحار الأنوار:36/350:

عن سعيد بن المسيب قال: سمعت رجلاً يسأل ابن عباس عن علي بن أبي طالب فقال له ابن عباس: إن علي بن أبي طالب صلي القبلتين وبايع البيعتين، ولم يعبد صنماً ولا وثناً، ولم يضرب علي رأسه بزلم ولا قدح، ولد علي الفطرة ولم يشرك بالله طرفة عين. فقال الرجل: إني لم أسألك عن هذا إنما أسألك عن حمله سيفه علي عاتقه يختال به حتي أتي البصرة فقتل بها أربعين ألفاً، ثم سار إلي الشام فلقي حواجب العرب فضرب بعضهم ببعض حتي قتلهم، ثم أتي النهروان وهم مسلمون فقتلهم عن آخرهم!

فقال له ابن عباس: أعليٌّ أعلم عندك أم أنا؟ فقال: لو كان علي أعلم عندي منك ما سألتك!

قال: فغضب ابن عباس حتي اشتد غضبه ثم قال: ثكلتك أمك عليٌّ علمني، وكان علمه من رسول الله صلي الله عليه وآله، ورسول الله علمه الله من فوق عرشه، فعلم النبي من علم الله، وعلم علي من علم النبي، وعلمي من علم علي، وعلم أصحاب محمد كلهم في علم علي كالقطرة الواحدة في سبعة أبحر!!

بحار الأنوار:43/316:

ما: بإسناد أخي دعبل عن الرضا عن آبائه غليهم السلام عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: إلا أنكم ستعرضون علي سبي، فإن خفتم علي أنفسكم فسبوني، إلا وأنكم ستعرضون

علي البراءة مني فلا تفعلوا فإني علي الفطرة...

فإن قيل: كيف علل نهيه لهم من البراءة منه بقوله: فإني ولدت علي الفطرة، فإن هذا التعليل لا يختص به لأن كل ولد يولد علي الفطرة وإنما أبواه يهودانه وينصرانه؟

والجواب: أنه علل نهيه لهم عن البراءة منه بمجموع أمور وهو كونه ولد علي الفطرة وسبق إلي الإيمان والهجرة، ولم يعلل بآحاد هذا المجموع. ومراده هنا بالولادة علي الفطرة أنه لم يولد في الجاهلية لأنه ولد لثلاثين عاماً مضت من عام الفيل، والنبي أرسل لاربعين مضت من عام الفيل، وقد جاء في الأخبار الصحيحة أنه مكث قبل الرسالة سنين عشراً يسمع الصوت ويري الضوء ولا يخاطبه أحد، وكان ذلك إرهاصاً لرسالته فحكم تلك السنين العشر حكم أيام رسالته صلي الله عليه وآله، فالمولود فيها إذا كان في حجره وهو المتولي لتربيته مولود في أيام كأيام النبوة، وليس بمولود في جاهلية محضة، ففارقت حاله حال من يدعي له من الصحابة مماثلته في الفضل.

وقد روي أن السنة التي ولد فيها هذه السنة التي بدي فيها رسول الله صلي الله عليه وآله، فأسمع الهتاف من الأحجار والأشجار وكشف عن بصره، فشاهد أنواراً وأشخاصاً ولم يخاطب منها بشئ، وهذه السنة هي السنة التي ابتدأ فيها بالتبتل والإنقطاع والعزلة في جبل حراء، فلم يزل به حتي كوشف بالرسالة وأنزل عليه الوحي، وكان رسول الله صلي الله عليه وآله يتيمن بتلك السنة وبولادة علي عليه السلام فيها، ويسميها سنة الخير وسنة البركة، وقال لأهله ليلة ولادته، وفيها شاهد ما شاهد من الكرامات والقدرة الإلهية ولم يكن من قبلها شاهد من ذلك شيئاً: لقد ولد لنا مولود يفتح الله علينا به أبواباً كثيرة

من النعمة والرحمة. وكان كما قال صلوات الله عليه، فإنه كان ناصره والمحامي عنه وكاشف الغم عن وجهه، وبسيفه ثبت دين الإسلام ورست دعائمه وتمهدت قواعده.

وفي المسألة تفصيل آخر، وهو أن يعني بقوله: فإني ولدت علي الفطرة التي لم تتغير ولم تحل، وذلك أن معني قول النبي صلي الله عليه وآله: كل مولود يولد علي الفطرة، أن كل مولود فإن الله تعالي قد هيأه بالعقل الذي خلقه فيه وبصحة الحواس والمشاعر لأن يتعلم التوحيد والعدل، ولم يجعل فيه مانعاً يمنعه من ذلك، ولكن التربية والعقيدة في الوالدين والألف لاعتقادهما وحسن الظن فيها يصده عما فطر عليه، وأمير المؤمنين عليه السلام دون غيره ولد علي الفطرة التي لم تحل، ولم يصد عن مقتضاها مانع، لا من جانب الأبوين ولا من جهة غيرهما.

وغيره ولد علي الفطرة ولكنه حال عن مقتضاها وزال عن موجبها.

ويمكن أن يفسر أنه أراد بالفطرة العصمة، وأنه منذ ولد لم يواقع قبيحاً، ولا كان كافراً طرفة عين، ولا مخطئاً ولا غالطاً في شئ من الأشياء المتعلقة بالدين، وهذا تفسير الإمامية. انتهي.

أقول: التفسيران الأخيران اللذان ذكرهما المجلسي رحمه الله متحدان، لأن قصد أمير المؤمنين عليه السلام والله أعلم، إني ولدت علي فطرة الله الصافية ولم أدنسها بعبادة وثن ولا بارتكاب ذنب، وسبقت إلي الإيمان بالنبي صلي الله عليه وآله والوقوف معه والهجرة معه..

ولا شك أن فطرة الله تعالي التي خلق عليها وليه ووزير رسوله صلي الله عليهما أرقي من الفطرة العادية التي يولد عليها كل مولود، فالنبي وآله خيرة الله تعالي وفطرتهم خيرة الفطر، وقد ورد في الدعاء: يا دائم الفضل علي البرية، يا باسط اليدين بالعطية، يا صاحب المواهب

السنية، صل علي محمد وآله خير الوري سجية، واغفر لنا ياذا العلي في هذه العشية.

وتوجد هنا مسألتان في هذا الحديث يناسب التعرض لهما، وإن كان محلهما باب الإمامة.

المسألة الأولي: أن الفرق بين السب والبراءة من وجهين:

أولهما، أن البعد السياسي في السب أقوي وأظهر منه في البراءة، والبعد العقائدي في البراءة أقوي وأظهر. فالخطر العقائدي علي المسلمين في البراءة أكثر، بينما سب السلطة له عليه السلام وإجبارها المسلمين علي ذلك لاتصل خطورته إلي خطورة البراءة، وإن كان فيه خطر كبير علي أجيال المسلمين.

ولعل هذا هو مقصود الفقهاء الذين اعتبروا أن البراءة شهادة بالكفر بعكس السب واللعن، قال السيد الگلپايگاني رحمه الله في الدر النضيد:2/253: ولعل الفرق بين السب والبراءة حيث أمر بالأول ونهي عن الثاني، أن السب صادر بالنسبة إلي المسلم أيضاً، بخلاف البراءة فإنها تكون عن المشركين والكافرين، كما قال الله تعالي: بَرَاءَةٌ مِنَ اللهِ وَ رَسُولِهِ إلي الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. وكان من كان يأمر بالبراءة عن الإمام عليه السلام يريد أن يجعل الإمام في عداد المشركين والخارجين عن الدين، ومن كان يتبرأ منه صلوات الله عليه يعده من الكفار، وبهذه المناسبة علل الإمام عليه السلام نهيه عن البراءة بقوله: فإني ولدت علي الفطرة وسبقت إلي الإيمان والهجرة وعلي هذا فلو أكره علي السب فسب فلا شئ عليه، بل وربما كان محموداً علي فعله كما يشهد بذلك حكاية عمار ونزول الآية الكريمة: مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ. انتهي.

والفرق الثاني، أن الحق الشخصي في السب أقوي منه في البراءة، فالحق العام في السب وإن كان عظيماً بسبب أنه ظلم وعدوان علي وصي النبي

صلي الله عليه وآله الذي يمثل دين الله تعالي، ولكن فيه حقاً شخصياً أيضاً لأنه ظلم وعدوان علي شخص علي عليه السلام وباعتبار هذا الحق الشخصي كان له عليه السلام أن يجعل المؤمنين في حل عند الضرورة بخلاف البراءة منه. فكأنه عليه السلام قال: بما أن السب مركب من حقين، فأنتم في حل من حقي، ويبقي حق الله تعالي فهو حكم شرعي بينكم وبينه، وهو تعالي يجيزه عند الضرورة. أما البراءة فحقها الالهي غالب، لأن البراءة مني براءة من الفطرة النقية التي أنا عليها، وبراءة من إيماني بالله ورسوله وجهادي وهجرتي فلا أستطيع أن أجعلكم في حل منها، بل يجري عليها الحكم الشرعي.

والمسألة الثانية: أن فقهاءنا رضوان الله عليهم أفتوا بجواز البراءة عند الضرورة المهمة كالخوف من القتل، ولم يفت أحد منهم بوجوب تحمل القتل للتخلص من البراءة، إلا ما يظهر من المفيد كما سيأتي، وذلك لأنه لم يثبت عندهم النص الذي تضمن النهي عن البراءة، بل رووا تكذيب حديث علي عليه السلام، فقد روي الحميري في قرب الإسناد/12:

- عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمد، قال قيل له: إن الناس يروون أن علياً عليه السلام قال علي منبر الكوفة: أيها الناس إنكم ستدعون إلي سبي فسبوني، ثم ستدعون إلي البراءة مني، وإني لعلي دين محمد. ولم يقل وتبرؤوا مني، فقال له السائل: أرأيت إن اختار القتل دون البراءة منه؟

فقال: والله ما ذلك عليه، وما له إلا ما مضي عليه عمار بن ياسر حيث أكرهه أهل مكة وقلبه مطمئن بالإيمان، فأنزل الله تبارك وتعالي فيه: إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ، فقال له النبي صلي الله عليه وآله عندها: يا عمار

إن عادوا فعد، فقد أنزل الله عز وجل عذرك في الكتاب وأمرك ان تعود إن عادوا. انتهي. وقد أفتي بهذا الحديث ابن إدريس في السرائر: 3/624 وأكثر فقهائنا.

لكن اختلفوا في أن أيهما أرجح، ولعل الذين ثبت عندهم النهي عن البراءة حملوه علي كراهة البراءة وترجيح تحمل القتل عليها، ويشهد له ما رواه في وسائل الشيعة: 11/475 عن الكشي في رجاله عن جبرئيل بن أحمد، عن محمد بن عبد الله بن مهران، عن محمد بن علي الصيرفي، عن علي بن محمد عن يوسف بن عمران الميثمي قال: سمعت ميثم النهرواني يقول: دعاني أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وقال: كيف أنت يا ميثم إذا دعاك دعي بني أمية عبيد الله بن زياد إلي البراءة مني؟

فقلت: يا أمير المؤمنين أنا والله لا أبرأ منك؟

قال: إذاً والله يقتلك ويصلبك.

قلت: أصبر فذاك في الله قليل!

فقال: يا ميثم إذا تكون معي في درجتي.. الحديث. انتهي. وقال في الوسائل: رواه الراوندي في الخرائج والجرائح عن عمران عن أبيه ميثم.

وفي المقابل توجد روايات يفهم منها ترجيح التقية والبراءة، ففي الوسائل:11 ص 475:... عن عبدالله بن عطاء قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: رجلان من أهل الكوفة أخذا فقيل لهما إبرآ من أمير المؤمنين عليه السلام فبرئ واحد منهما وأبي الآخر، فخلي سبيل الذي بريء وقتل الآخر، فقال: أما الذي بري فرجل فقيه في دينه، وأما الذي لم يبرأ فرجل تعجل إلي الجنة.

ولعل تعارض روايات الترجيح جعل السيد الخوئي رحمه الله يفتي بتخيير المكلف وعدم ترجيح أي من التقية أو الشهادة، قال في مستند العروة (التنقيح):4/264: وقد يقال إن ترك التقية أرجح من التقية

بإظهار التبري منه عليه السلام، وعليه فيكون المقام من موارد التقية المكروهة والمرجوحة، وإذا قلنا بعكس ذلك وإن التقية بإظهار التبري أرجح من تركها فيكون المقام مثالاً للتقية المستحبة لا محالة. والصحيح أن الأمرين متساويان ولا دلالة لشئ من الروايات علي أرجحية أحدهما عن الآخر، أما رواية عبدالله بن عطاء فلأنها إنما دلت علي أن من ترك التقية فقتل فقد تعجل إلي الجنة، ولا دلالة لذلك علي أن ترك التقية باختيار القتل أرجح من فعلها، وذلك لأن العامل بالتقية أيضاً من أهل الجنة وإنما لم يتعجل بل تأجل، فلا يستفاد منه إلا تساويهما. انتهي.

لكن يبدو من المفيد رحمه الله أنه يفتي بحرمة البراءة ووجوب تحمل القتل، فقد عبر عن حديث نهج البلاغة بأنه مستفيض، وفيه نهي مشدد عن البراءة، قال في الإرشاد:1/322:

ومن ذلك ما استفاض عنه عليه السلام من قوله: إنكم ستعرضون من بعدي علي سبي فسبوني، فإن عرض عليكم البراءة مني فلا تبرؤوا مني فإني ولدت علي الإسلام، فمن عرض عليه البراءة مني فليمدد عنقه، فمن تبرأ مني فلا دنيا له ولا آخرة، وكان الأمر ذلك كما قال عليه السلام. انتهي.

وقد رد الشيخ الأنصاري علي القول بوجوب تحمل القتل، فقال في المكاسب/ 325: بل عن المفيد في الإرشاد أنه قد استفاض عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: ستعرضون من بعدي علي سبي فسبوني، ومن عرض عليه البراءة فليمدد عنقه، فإن برأ مني فلا دنيا له ولا آخرة. وظاهرها حرمة التقية فيها كالدماء، ويمكن حملها علي أن المراد الإستمالة والترغيب إلي الرجوع حقيقة عن التشيع إلي النصب، مضافاً إلي أن المروي في بعض الروايات أن النهي من التبري مكذوب علي أمير

المؤمنين عليه السلام وأنه لم ينه عنه. انتهي.

وذكر السيد الگلپايگاني: أنه قد يجب العمل بالتقية أحياناً فلا بد من ملاحظة المصالح والمفاسد، قال رحمه الله في الدر النضيد:4/253:

قلت: بل وربما يستفاد منه (حديث مسعدة) ومن غيره أن الأفضل له ذلك وإن كان لو لم يجبهم إلي ذلك ولم يسب وقتل لذلك لم يكن آثماً ومؤاخذاً عليه، بل هو مأجور وقد تعجل إلي جنات النعيم وإلي جوار الله رب العالمين، علي حسب ما ورد في بعض الروايات، إلا أن التقية أفضل. ومع ذلك كله لابد من ملاحظة المصالح والمفاسد والعمل علي وفقها، فربما يترتب علي ترك التقية وعلي قتله مثلاً مفاسد عظيمة، فهنا لابد له من التقية. انتهي.

ولا يبعد أن يكون أصل الحكم في المسألة جواز الأمرين للمكلف، وأنه قد يطرأ عنوان من المصلحة أو المفسدة الملزمة فيوجب اختيار التقية أو اختيار تحمل الشهادة. ويكون تشخيص ذلك راجعاً إلي المكلف نفسه، أو إلي أهل الخبرة.

ولاية علي علامة علي صحة الفطرة و طيب المولد

شرح الأخبار:3/449:

-... عمران بن ميثم قال: دخلت علي حبابة الوالبية فسمعتها تقول: والله ما أحد علي الفطرة إلا نحن وشيعتنا، والناس براء. وهذا صحيح لأن من لم يكن من شيعة محمد وآل محمد فهو من عدوهم، وقال الله تعالي: هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ، ومن كان عدواً لمحمد وآله لم يكن علي فطرة الإسلام. انتهي. وروي نحوه في:3/573.

وسائل الشيعة:20/160:

أقول: وفي الكشي، عن محمد بن مسعود بإسناده عن عمران بن ميثم قال: دخلت أنا وعباية الأسدي علي امرأة من بني أسد يقال لها حبابة الوالبية، فقال لها عباية: تدرين من هذا الشاب الذي هو معي؟ قالت: لا، قال: مه ابن أخيك ميثم. قالت: إي

والله إي والله، ثم قالت: ألا أحدثكم بحديث سمعته من أبي عبدالله الحسين بن علي غليهم السلام؟ قلنا بلي، قالت: سمعت الحسين بن علي عليه السلام يقول: نحن وشيعتنا علي الفطرة التي بعث الله عليها محمداً صلي الله عليه وآله وسائر الناس منها براء.

مناقب أمير المؤمنين:1/226:

... سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله يقول: يا علي أنت وشيعتك علي الفطرة، وسائر الناس منهم براء.

بحار الأنوار:67/23:

... يخرجونهم من النور إلي الظلمات، قيل من نور الفطرة إلي فساد الإستعداد، وفي الكافي عن الصادق عليه السلام: النور آل محمد، والظلمات عدوهم.

تهذيب الأحكام:4/145:

... عن الحرث بن المغيرة النصري قال: دخلت علي أبي جعفر عليه السلام فجلست عنده، فإذا نجية قد استأذن عليه فأذن له، فدخل فجثي علي ركبتيه ثم قال: جعلت فداك إني أريد أن أسألك عن مسألة والله ما أريد بها إلا فكاك رقبتي من النار، فكأنه رق له فاستوي جالساً فقال له... وقال: يا نجية ما علي فطرة إبراهيم غليهم السلام غيرنا وغير شيعتنا. انتهي. وروي نحوه في الاختصاص / 107 عن الإمام زين العابدين عليه السلام.

بحار الأنوار:3/276:

فس: الحسين بن محمد، عن معلي بن محمد، عن محمد بن جمهور، عن جعفر بن بشير، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا، قال: الولاية.

كنز: محمد بن العباس، عن أحمد بن الحسين بن سعيد، عن جعفر بن بشير، عن علي بن حمزة، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن قول الله عز وجل: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا، قال: هي

الولاية. انتهي. ورواه أيضاً في:23/365.

تفسير القمي:2/154 و 155:

حدثنا الهيثم بن عبدالله الرماني، قال حدثنا علي بن موسي الرضا عليه السلام، عن أبيه، عن جده محمد بن علي بن الحسين غليهم السلام في قوله: فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا، قال: هو لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي أمير المؤمنين ولي الله، إلي هاهنا التوحيد.

التوحيد للصدوق/328:

حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رحمه الله قال: حدثنا محمد بن الحسن الصفار، عن علي بن حسان الواسطي، عن الحسن بن يونس، عن عبدالرحمن بن كثير مولي جعفر، عن أبي عبدالله عليه السلام في قول الله عز وجل: فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا، قال: التوحيد، ومحمد رسول الله، وعلي أمير المؤمنين. انتهي. ورواه فرات الكوفي في تفسيره/322، والمجلسي في بحار الأنوار:3/276 وج26/277 والحويزي في نور الثقلين:4/182.

وفي بصائر الدرجات/78:

أحمد بن موسي، عن الحسين بن موسي الخشاب، عن علي بن حسان، عن عبدالرحمان بن كثير، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا، قال: فقال: علي التوحيد، ومحمد رسول الله، وعلي أمير المؤمنين.

وفي بحار الأنوار:3/276:

شي: عن عبدالرحمن بن كثير، عن أبي عبدالله عليه السلام في قول الله: صِبْغَةَ اللهِ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً، قال: الصبغة معرفة أمير المؤمنين عليه السلام بالولاية في الميثاق.

وفي المحاسن:1/138:

عن أبي عبدالله المدايني قال: قال أبو عبدالله عليه السلام: إذا برد علي قلب أحدكم حبنا فليحمد الله علي أولي النعم، قلت: علي فطرة الإسلام؟ قال: لا، ولكن علي طيب المولد، إنه لا يحبنا إلا من طابت ولادته، ولا يبغضنا إلا الملزق الذي تأتي به أمه

من رجل آخر فتلزقه زوجها، فيطلع علي عوراتهم ويرثهم أموالهم فلا يحبنا ذلك أبداً، ولا يحبنا إلا من كان صفوة، من أي الجِبَل كان. انتهي، والجِبَل هي الجِبِلاَّت، جمع جِبِلَّة. انتهي. ورواه في بحار الأنوار:27/152.

مناقب آل أبي طالب:3/11:

وقال آخر:

أحب النبي وآل النبي لاني ولدت علي الفطرة

إذا شك في ولد والد فآيت_ه البغ_ض للعت_رة

ثواب الأعمال/174:

أبي رحمه الله قال حدثني سعد بن عبدالله، قال حدثني الحسن بن موسي الخشاب، عن عقيل بن المتوكل المكي، يرفعه عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن جده غليهم السلام، قال: من صاغ خاتماً عقيقاً فنقش فيه (محمد نبي الله وعلي ولي الله) وقاه الله ميتة السوء ولم يمت إلا علي الفطرة. ورواه في وسائل الشيعة:3/403.

وجوب المعرفة والنظر

وجوب معرفة الله تعالي و منشؤها

وجوب معرفة الله تعالي و أنها أساس الدين

نهج البلاغة:1/14:

أول الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده، وكمال توحيده الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه، لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف، وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة...

الهداية للصدوق/1:

يجب أن يعتقد أن الله تعالي واحد ليس كمثله شئ لا يحد ولايحس ولا يجس، ولا يدرك بالأوهام والأبصار، ولا تأخذه سنة ولا نوم، شاهد كل نجوي، ومحيط بكل شئ، لا يوصف بجسم ولا صورة ولا جوهر ولا عرض ولا سكون ولا حركة ولا صعود ولا هبوط ولا قيام ولا قعود ولا ثقل ولا خفة ولا جيئة ولا ذهاب ولا مكان ولا زمان ولا طول ولا عرض ولا عمق ولا فوق ولا أسفل ولا يمين ولا شمال ولا وراء ولا أمام، وأنه لم يزل ولا يزال سميعاً بصيراً حكيماً عليماً حياً قيوماً قدوساً عزيزاً أحداً فرداً صمداً لم يلد ولم يولد ولم

يكن له كفواً أحد، وأنه شئ ليس كمثله شئ وخارج من الحدين حد الأبطال وحد التشبيه، خالق كل شئ، لا إله إلا هو، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير.

وقال عليه السلام: من زعم أن الله تعالي من شئ أو في شئ أو علي شئ فقد أشرك، ثم قال عليه السلام: من زعم أن الله تعالي من شئ فقد جعله محدثاً، ومن زعم أنه في شئ فقد زعم أنه محصور ومن زعم أنه علي شئ فقد جعله محمولاً.

وقال في هامشه:

قال الصدوق في رسالة الإعتقادات بعد أن ذكر نحواً مما ذكر ما نصه: من قال بالتشبيه فهو مشرك، ومن نسب إلي الإمامية غير ما وصف في التوحيد فهو كاذب، وكل خبر يخالف ما ذكرت في التوحيد فهو موضوع مخترع، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو باطل، وإن وجد في كتب علمائنا فهو مدلس، والأخبار التي يتوسمها الجهال تشبيهاً لله تعالي بخلقه فمعانيها محمولة علي ما في القرآن من نظائرها...

الإقتصاد للشيخ الطوسي/4:

الذي يلزم المكلف أمران: علم، وعمل. فالعمل تابع للعلم ومبني عليه. والذي يلزم العلم به أمران: التوحيد، والعدل.

فالعلم بالتوحيد لا يتكامل إلا بمعرفة خمسة أشياء: أحدها معرفة ما يتوصل به إلي معرفة الله تعالي، والثاني معرفة الله علي جميع صفاته، والثالث معرفة كيفية استحقاقه لتلك الصفات، الرابع معرفة ما يجوز عليه وما لا يجوز، الخامس معرفته بأنه واحد لا ثاني له في القدم.

معرفة الله تعالي و توحيده نصف الدين

التوحيد للصدوق/68

حدثنا أبوعبدالله الحسين بن محمد الأشناني الرازي العدل ببلخ، قال: حدثنا علي بن مهرويه القزويني، عن داود بن سليمان الفراء عن علي بن موسي الرضا، عن أبيه، عن آبائه، عن علي

غليهم السلام قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله: التوحيد نصف الدين، واستنزلوا الرزق بالصدقة. انتهي. ورواه في دعائم الإسلام:1/13

لا تتحقق العبادة إلا بالمعرفة

علل الشرائع:1/9

حدثنا أبي (رض) قال: حدثنا أحمد بن إدريس، عن الحسين بن عبيدالله، عن الحسن بن علي بن أبي عثمان، عن عبدالكريم بن عبدالله، عن سلمة ابن عطاء، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: خرج الحسين بن علي (عليهما السلام) علي أصحابه فقال: أيها الناس إن الله جل ذكره ما خلق العباد إلا ليعرفوه فإذا عرفوه عبدوه، فإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة من سواه...

علل الشرائع:1/13

حدثنا محمد بن الشيباني (رض) قال: حدثنا محمد بن أبي عبد الله الكوفي قال: حدثنا موسي بن عمران النخعي، عن عمه الحسين بن يزيد النوفلي، عن علي بن سالم، عن أبيه بصير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ، قال: خلقهم ليأمرهم بالعبادة، قال: وسألته عن قول الله عز وجل: وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَ لِذَلِكَ خَلَقَهُمْ؟ قال: ليفعلوا ما يستوجبون به رحمته فيرحمهم.

جواهر الكلام:29/30

نعم ربما قيل بالتفصيل بين من كانت عبادته من الأعمال فالتزويج أفضل منها، لإطلاق ما دل علي ذلك، وبين من كانت عبادته تحصيل العلوم الدينية فهي أفضل منه، لأن كمال الإنسان العلم الذي هو الغرض الأصلي من خلقته، قال الله تعالي: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ، والمراد بها كما في الحديث المعرفة.

شرح الأسماء الحسني:2/23

قوله عليه السلام: يا من دل علي ذاته بذاته.

وهو مجمع عليه للعرفاء الشامخين والعقلاء والمتكلمين، بل جميع إرسال الرسل وإنزال الكتب وإرشاد الكاملين المكملين إنما هو للإيصال

إلي هذه البغية العظمي والغبطة الكبري، كما قال تعالي وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ، وفي القدسي: خلقت الخلق لكي أعرف....

فانظر إلي جعلهم غاية العمل هي المعرفة والشهود، ولذا فسر المفسرون ليعبدون بقولهم ليعرفون.

شرح الأسماء الحسني:1/189

... ولا يجوز للمؤمن إنكار ذلك الشهود لأن انكاره إنكار الكتب السماوية والسنن النبوية والآثار الولوية، بل هو غاية إرسال المرسلين وإرشاد الأئمة الهادين وسير السائرين وسلوك السالكين، ولولاه لم يكن سماء ولا أرض ولا بسيط ولا مركب، كما قال تعالي: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ أي ليعرفون. وفي الحديث القدسي فخلقت الخلق لأعرف....

الرواشح السماوية/21

... لأن المعرفة غاية وجودهم وغرض خلقهم كما في قوله تعالي: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ، أي ليعرفون، ومعرفتهم بالله وباليوم الآخر لا تحصل إلا من طريق النبوة والرسالة لأن عقولهم غير كافية فيها، سيما ما يتعلق منها بأحوال المعاد وحشر العباد فيحتاجون إلي معلم بشري...

فضل معرفة الله تعالي

الكافي:8/247: (محمد بن سالم بن أبي سلمة، عن أحمد بن الريان، عن أبيه، عن جميل بن دراج، عن عبدالله عليه السلام قال: لو يعلم الناس ما في فضل معرفة الله عز وجل ما مدوا أعينهم إلي ما متع الله به الأعداء من زهرة الحياة الدنيا ونعيمها، وكانت دنياهم أقل عندهم مما يطوونه بأرجلهم، ولنعموا بمعرفة الله عز وجل وتلذذوا بها تلذذ من لم يزل في روضات الجنان مع أولياء الله.

إن معرفة الله عز وجل أنس من كل وحشة، وصاحب من كل وحدة، ونور من كل ظلمة، وقوة من كل ضعف، وشفاء من كل سقم.

ثم قال عليه السلام: وقد كان قبلكم قوم يقتلون ويحرقون وينشرون بالمناشير وتضيق عليهم الأرض برحبها،

فما يردهم عما هم عليه شئ مما هم فيه، من غير ترة وتروا من فعل ذلك بهم ولا أذي، بل ما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد، فاسألوا ربكم درجاتهم واصبروا علي نوائب دهركم تدركوا سعيهم.

مستدرك الوسائل:11/236 (وقال عليه السلام: أكثر الناس معرفة أخوفهم لربه.

الحث علي مجالسة أهل المعرفة

مستدرك الوسائل:8/328

الكشي في الرجال: روي علي بن جعفر عن أبيه، عن جده، عن علي بن الحسين غليهم السلام أنه كان يقول لبنيه: جالسوا أهل الدين والمعرفة، فإن لم تقدروا عليهم فالوحدة آنس وأسلم، فإن أبيتم مجالسة الناس، فجالسوا أهل المروات، فإنهم لا يرفثون في مجالسهم. انتهي. ورواه في مسائل علي بن جعفر/338

فضل من مات علي المعرفة

نهج البلاغة:2/133

... ولا تستعجلوا بما لم يعجله الله لكم. فإنه من مات منكم علي فراشه وهو علي معرفة حق ربه وحق رسوله وأهل بيته، مات شهيداً ووقع أجره علي الله، واستوجب ثواب ما نوي من صالح عمله. وقامت النية مقام إصلاته لسيفه. وإن لكل شئ مدة وأجلاً.

نعمة معرفة حمد الله و شكره

الصحيفة السجادية:1/22

والحمدلله الذي لو حبس عن عباده معرفة حمده علي ماأبلاهم من مننه المتتابعة، وأسبغ عليهم من نعمه المتظاهرة، لتصرفوا في مننه فلم يحمدوه، وتوسعوا في رزقه فلم يشكروه، ولو كانوا كذلك لخرجوا من حدود الإنسانية إلي حد البهيمة، فكانوا كما وصف في محكم كتابه: إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً. والحمد لله علي ما عرَّفنا من نفسه.

الكافي:8/394

علي بن محمد، عن بعض أصحابه رفعه قال: كان علي بن الحسين عليه السلام إذا قرأ هذه الآية: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوهَا، يقول: سبحان من لم يجعل في أحد من معرفه نعمه إلا المعرفة بالتقصير عن معرفتها، كما لم يجعل في أحد من معرفة إدراكه أكثر من العلم أنه لا يدركه، فشكر عز وجل معرفة العارفين بالتقصير عن معرفة شكره، فجعل معرفتهم بالتقصير شكراً، كما جعل علم العالمين أنهم لا يدركونه إيماناً. علماً منه أنه قدر وسع العباد فلا يجاوزون ذلك.

نعمة معرفة كرم الله و آلائه

الصحيفة السجادية:2/407

وإن أنامتني الغفلة عن الإستعداد للقائك، فقد نبهتني المعرفة بكرمك وآلائك، وإن أوحش ما بيني وبينك فرط العصيان والطغيان، فقد آنسني بشري الغفران والرضوان.

الصحيفة السجادية:2/225

فو عزتك لو انتهرتني ما برحت عن بابك، ولا كففت عن تملقك، لما أُلهم قلبي من المعرفة بكرمك، وسعة رحمتك، إلي من يذهب العبد إلا إلي مولاه، وإلي من يلتجي المخلوق إلا إلي خالقه.

معرفة الله لا تكون إلا بالله و من الله

مصباح المتهجد/582

روي أبوحمزة الثمالي قال: كان علي بن الحسين سيدالعابدين صلوات الله عليهما يصلي عامة الليل في شهر رمضان، فإذا كان السحر دعا بهذا الدعاء: إلهي لا تؤدبني بعقوبتك ولا تمكر بي في حيلتك، من أين لي الخير يا رب ولا يوجد إلا من عندك، ومن أين لي النجاة ولا تستطاع إلا بك، لا الذي أحسن استغني عن عونك ورحمتك، ولا الذي أساء واجترأ عليك ولم يرضك خرج عن قدرتك، يا رب يا رب يا رب، بك عرفتك وأنت دللتني عليك ودعوتني إليك، ولولا أنت لم أدر ما أنت... إلخ.

الكافي:1/851

علي بن محمد، عمن ذكره، عن أحمد بن عيسي، عن محمد حمران، عن الفضل بن السكن، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إعرفوا الله بالله، والرسول بالرسالة، وأولي الأمر بالمعروف والعدل والاحسان.

ومعني قوله عليه السلام: إعرفوا الله بالله، يعني أن الله خلق الأشخاص والأنوار والجواهر والأعيان، فالأعيان الأبدان، والجواهر الأرواح، وهو عز وجل لا يشبه جسماً ولا روحاً، وليس لأحد في خلق الروح الحساس الدراك أمر ولا سبب، هو المتفرد بخلق الأرواح والأجسام فإذا نفي عنه الشبهين: شبه الأبدان وشبه الأرواح فقد عرف الله بالله، وإذا شبهه بالروح أو البدن أو النور، فلم يعرف

الله بالله.

لا يفوز الإنسان بالمعرفة إلا بإذن الله تعالي

أمالي المرتضي:1/30

إن قال قائل: ما تأويل قوله تعالي: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلا بِإِذْنِ اللهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَي الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ) يونس: 10.

... فأما ظن السائل دخول الإرادة في محتمل اللفظ فباطل، لأن الاذن لا يحتمل الإرادة في اللغة، ولو احتملها أيضاً لم يجب ما توهمه لأنه إذا قال إن الإيمان لا يقع إلا وأنا مريد له لم ينف أن يكون مريداً لما لم يقع، وليس في صريح الكلام ولا دلالته شئ من ذلك.

وأما قوله تعالي: وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَي الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ، فلم يعن بذلك الناقصي العقول، وإنما أراد الذين لم يعقلوا ولم يعلموا ما وجب عليهم علمه من معرفة الله خالقهم، والإعتراف بنبوة رسله والإنقياد إلي طاعتهم. ووصفهم تعالي بأنهم لا يعقلون تشبيهاً، كما قال تعالي صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ، وكما يصف أحدنا من لم يفطن لبعض الأمور أو لم يعلم ما هو مأمور بعمله بالجنون وفقد العقل.

الهداية والإضلال من الله تعالي لكن الإضلال باستحقاق العبد

الكافي:1/163

محمد بن يحيي وغيره، عن أحمد بن محمد بن عيسي، عن محمد بن أبي عمير، عن محمد بن حكيم قال: قلت لابي عبدالله عليه السلام: المعرفة من صنع من هي؟ قال: من صنع الله، ليس للعباد فيها صنع.

محمد بن أبي عبدالله، عن سهل بن زياد، عن علي بن إسباط، عن الحسين بن زيد، عن درست بن أبي منصور، عمن حدثه، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: ستة أشياء ليس للعباد فيها صنع: المعرفة والجهل والرضا والغضب والنوم واليقظة.

الكافي:1/165

باب الهداية أنها من الله عز وجل: عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسي، عن محمد بن إسماعيل، عن إسماعيل السراج، عن ابن مسكان، عن ثابت بن سعيد قال:

قال أبوعبدالله: يا ثابت ما لكم وللناس، كفوا عن الناس ولا تدعوا أحداً إلي أمركم، فوالله لو أن أهل السماوات وأهل الأرضين اجتمعوا علي أن يهدوا عبداً يريد الله ضلالته ما استطاعوا أن يهدوه، ولو أن أهل السماوات وأهل الأرضين اجتمعوا علي أن يضلوا عبداً يريد الله هدايته ما استطاعوا أن يضلوه، كفوا عن الناس ولا يقول أحد: عمي وأخي وابن عمي وجاري، فإن الله إذا أراد بعبد خيراً طيب روحه فلا يسمع معروفاً إلا عرفه ولا منكراً إلا أنكره، ثم يقذف الله في قلبه كلمة يجمع بها أمره.

علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن حمران، عن سليمان بن خالد، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: قال: إن الله عز وجل إذا أراد بعبد خيراً نكت في قلبه نكتة من نور وفتح مسامع قلبه ووكل به ملكاً يسدده، وإذا أراد بعبد سوءاً نكت في قلبه نكتة سوداء وسد مسامع قلبه ووكل به شيطاناً يضله، ثم تلا هذه الآية: فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ.

دعائم الإسلام:1/13

وروينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه أنه سئل ما الإيمان وما الإسلام؟

فقال: الإسلام الإقرار والإيمان الإقرار والمعرفة فمن عرفه الله نفسه ونبيه وإمامه ثم أقر بذلك فهو مؤمن.

قيل له: فالمعرفة من الله والإقرار من العبد؟

قال: المعرفة من الله حجة ومنة ونعمة والإقرار من يمن الله به علي من يشاء، والمعرفة صنع الله في القلب، والإقرار فعل القلب بمن من الله وعصمه ورحمه، فمن لم يجعله الله عارفاً فلا حجة

عليه، وعليه أن يقف ويكف عما لا يعلم، ولا يعذبه الله علي جهله ويثيبه علي عمله بالطاعة ويعذبه علي عمله بالمعصية، ولا يكون شئ من ذلك إلا بقضاء الله وقدره وبعلمه وبكتابه بغير جبر، لأنهم لو كانوا مجبورين لكانوا معذورين وغير محمودين، ومن جهل فعليه أن يرد إلينا ما أشكل عليه، قال الله عز وجل: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ. انتهي.

وقد عقد البخاري باباً في:1/10 تحت عنوان (باب قول النبي(ص)أنا أعلمكم بالله وإن المعرفة فعل القلب لقول الله تعالي ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم) ولكنه لم يرو حديثاً علي أن المعرفة فعل القلب، ومثل هذه الظاهرة متكررة في البخاري، حيث تجد عنواناً ولا معنون له.

دعاء طلب المعرفة من الله تعالي

مصباح المتهجد/411

وما روي عن أبي عمرو بن سعيد العمري (رض) قال: أخبرنا جماعة، عن محمد هرون بن موسي التلعكبري أن أبا علي محمد بن همام أخبره بهذا الدعاء، وذكر أن الشيخ أبا عمرو العمري قدس الله روحه أملاه عليه وأمره أن يدعو به، وهو الدعاء في غيبة القائم من آل محمد عليه وعليهم السلام:

اللهم عرفني نفسك، فإنك إن لم تعرفني نفسك لم أعرف رسولك.

اللهم عرفني رسولك، فإنك إن لم تعرفني رسولك لم أعرف حجتك.

اللهم عرفني حجتك، فإنك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني.

الكافي:1/337

علي بن إبراهيم، عن الحسن بن موسي الخشاب، عن عبدالله بن موسي عن عبدالله بن بكير، عن زرارة قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: إن للغلام غيبة قبل أن يقوم، قال: قلت ولم؟ قال: يخاف _ وأومأ بيده إلي بطنه _ ثم قال: يا زرارة وهو المنتظر، وهو الذي يشك في ولادته، منهم من يقول مات

أبوه بلا خلف، ومنهم من يقول حمل، ومنهم من يقول إنه ولد قبل موت أبيه بسنتين، وهو المنتظر غير أن الله عز وجل يحب أن يمتحن الشيعة، فعند ذلك يرتاب المبطلون يا زرارة.

قال قلت: جعلت فداك إن أدركت ذلك الزمان أي شئ أعمل؟ قال: يا زرارة إذا أدركت هذا الزمان فادع بهذا الدعاء:

اللهم عرفني نفسك، فإنك إن لم تعرفني نفسك لم أعرف نبيك، اللهم عرفني رسولك، فإنك إن لم تعرفني رسولك لم أعرف حجتك، اللهم عرفني حجتك، فإنك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني.

ثم قال: يا زرارة لابد من قتل غلام بالمدينة، قلت: جعلت فداك أليس يقتله جيش السفياني؟ قال: لا ولكن يقتله جيش آل بني فلان، يجي حتي يدخل المدينة فيأخذ الغلام فيقتله، فإذا قتله بغياً وعدواناً وظلماً لا يمهلون، فعند ذلك توقع الفرج إن شاء الله.

وسائل معرفة الله

اداة معرفة الله تعالي: العقل

الكافي:1/48

عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن نوح بن شعيب النيسابوري، عن عبيد الله بن عبدالله الدهقان، عن درست بن أبي منصور، عن عروة بن أخي شعيب العقرقوفي عن شعيب، عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: يا طالب العلم إن العلم ذو فضائل كثيرة: فرأسه التواضع، وعينه البراءة من الحسد، وأذنه الفهم، ولسانه الصدق، وحفظه الفحص، وقلبه حسن النية وعقله معرفة الأشياء والأمور، ويده الرحمة، ورجله زيارة العلماء.

الكافي:1/13

أبوعبدالله الأشعري، عن بعض أصحابنا، رفعه عن هشام بن الحكم قال: قال لي أبوالحسن موسي بن جعفر (عليهما السلام): يا هشام إن الله تبارك وتعالي بشر أهل العقل والفهم في كتابه فقال: فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ

هَدَاهُمُ اللهُ وَ أُولَئِكَ هُمْ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ.

يا هشام، إن الله تبارك وتعالي أكمل للناس الحجج بالعقول، ونصر النبيين بالبيان، ودلهم علي ربوبيته بالأدلة فقال: «وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ. إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَ الأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَ مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لايَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ».

يا هشام، قد جعل الله ذلك دليلاً علي معرفته بأن لهم مدبراً فقال: «وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لايَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ». وقال: «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَ مِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّي مِنْ قَبْلُ وَ لِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّي وَ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ». وقال: «وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَ تَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ». وقال: «يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الأيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ».

وقال: «وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَي بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَي بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لايَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ».

وقال: «وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ».

وقال: «قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَ بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا

النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ».

وقال: «هَلْ لَكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الأيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ».

يا هشام، ما بعث الله أنبياءه ورسله إلي عباده إلا ليعقلوا عن الله، فأحسنهم استجابة أحسنهم معرفة، وأعلمهم بأمر الله أحسنهم عقلاً، وأكملهم عقلاً أرفعهم درجة في الدنيا والآخرة.

يا هشام، إن لله علي الناس حجتين: حجة ظاهرة وحجة باطنة، فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة غليهم السلام، وأما الباطنة فالعقول.

يا هشام، إن العاقل الذي لا يشغل الحلال شكره، ولا يغلب الحرام صبره.

يا هشام، الصبر علي الوحدة علامة قوة العقل، فمن عقل عن الله اعتزل أهل الدنيا والراغبين فيها، ورغب فيما عند الله، وكان الله أنسه في الوحشة، وصاحبه في الوحدة، وغناه في العيلة، ومعزه من غير عشيرة.

يا هشام، إن الله حكي عن قوم صالحين أنهم قالوا: رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَ هَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ، حين علموا أن القلوب تزيغ وتعود إلي عماها ورداها. إنه لم يخف الله من لم يعقل عن الله، ومن لم يعقل عن الله لم يعقد قلبه علي معرفة ثابتة يبصرها ويجد حقيقتها في قلبه، ولا يكون أحد كذلك إلا من كان قوله لفعله مصدقاً، وسره لعلانيته موافقاً، لأن الله تبارك اسمه لم يدل علي الباطن الخفي من العقل إلا بظاهر منه وناطق عنه.

رسائل الشريف المرتضي:1/127

المسألة التاسعة قد سئل رحمه الله عن الطريق إلي معرفة الله بمجرد العقل أو من طريق السمع.

الجواب: إن الطريق إلي معرفة الله تعالي هو العقل، ولا يجوز أن يكون السمع،

لأن السمع لا يكون دليلاً علي الشئ إلا بعد معرفة الله وحكمته، وإنه لا يفعل القبيح ولا يصدق الكذابين، فكيف يدل السمع علي المعرفة. ووجه دلالته مبني علي حصول المعارف بالله حتي يصح أن يوجب عليه النظر. ورددنا علي من يذهب من أصحابنا إلي أن معرفة الله تستفاد من قول الإمام، لأن معرفة كون الإمام إماماً مبنية علي المعرفة بالله تعالي....

وبينا أن العاقل إذا نشأ بين الناس، وسمع اختلافهم في الديانات، وقول كثير منهم أن للعالم صانعاً خلق العقلاء ليعرفوه، ويستحقوا الثواب علي طاعاتهم، وأن من فرط في المعرفة استحق العقاب: لابد من كونه خائفاً من ترك النظر وإهماله، لأن خوف الضرر وجهه علي وجوب كل نظر في دين أو دنيا، وأنه متي خاف الضرر وجب عليه النظر وقبح منه إهماله والاخلال به.

الرسالة السعدية للعلامة الحلي/54

وخامسها: أن معرفة الله تعالي واجبة، وليس مدرك الوجوب السمع، لأن معرفة الإيمان يتوقف علي معرفة الموجب، فيستحيل معرفة الإيجاب قبل معرفة الموجب، فلو أسندت معرفة الموجب به، دار.

نهج الحق للعلامة الحلي/51

الحق أن وجوب معرفة الله تعالي مستفاد من العقل وإن كان السمع قد دل عليه بقوله: فاعلم أنه لا إله إلا الله، لأن شكر المنعم واجب بالضرورة وآثار النعمة علينا ظاهرة، فيجب أن نشكر فاعلها، وإنما يحصل بمعرفته، ولأن معرفة الله تعالي واقعة للخوف الحاصل من الإختلاف، ودفع الخوف واجب بالضرورة.

وقالت الأشعرية: إن معرفة الله تعالي واجبة بالسمع لا بالعقل فلزمهم ارتكاب الدور المعلوم بالضرورة بطلانه، لأن معرفة الايجاب تتوقف علي معرفة الموجب فإن من لا نعرفه بشئ من الإعتبارات البتة نعلم بالضرورة أنا لا نعرف أنه أوجب، فلو استفيدت معرفة الموجب من

معرفة الايجاب لزم الدور المحال!

وأيضاً لو كانت المعرفة إنما تجب بالأمر لكان الأمر بها إما أن يتوجه إلي العارف بالله تعالي أو إلي غير العارف والقسمان باطلان، فتعليل الايجاب بالأمر محال، أما بطلان الأول فلانه يلزم منه تحصيل الحاصل وهو محال، وأما بطلان الثاني: فلان غير العارف بالله تعالي يستحيل أن يعرف أن الله قد أمره وأن امتثال أمره واجب، وإذا استحال أن يعرف أن الله تعالي قد أمره وأن امتثال أمره واجب استحال أمره وإلا لزم تكليف ما لا يطاق. وسيأتي بطلانه إن شاء الله تعالي.

لا يحاسب الله الناس إلا علي قدر معرفتهم، و ما بين لهم، و ما آتاهم

الكافي:1/163-164

عن أبي عبدالله عليه السلام قال: إن الله لم ينعم علي عبد نعمة إلا وقد ألزمه فيها الحجة من الله، فمن منَّ الله عليه فجعله قوياً فحجته عليه القيام بما كلفه، واحتمال من هو دونه ممن هو أضعف منه، فمن منَّ الله عليه فجعله موسعاً عليه فحجته عليه ماله، ثم تعاهده الفقراء بعد بنوافله، ومن منَّ الله عليه فجعله شريفاً في بيته، جميلاً في صورته، فحجته عليه أن يحمد الله تعالي علي ذلك وأن لا يتطاول علي غيره، فيمنع حقوق الضعفاء لحال شرفه وجماله.

عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسي، عن الحجال، عن ثعلبة بن ميمون، عن عبدالأعلي بن أعين قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام من لم يعرف شيئاً هل عليه شئ؟ قال: لا.

محمد بن يحيي، عن أحمد بن محمد بن عيسي، عن ابن فضال، عن داود بن فرقد عن أبي الحسن زكريا بن يحيي، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: ما حجب الله عن العباد فهو موضوع عنهم.

محمد بن يحيي وغيره، عن أحمد بن محمد بن عيسي، عن

الحسين بن سعيد عن ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج، عن ابن الطيار، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: إن الله احتج علي الناس بما آتاهم وعرفهم.

وبهذا الإسناد، عن يونس، عن حماد، عن عبدالاعلي قال: قلت لابي عبدالله عليه السلام: أصلحك الله هل جعل في الناس أداة ينالون بها المعرفة؟ قال: فقال: لا، قلت: فهل كلفوا المعرفة؟ قال: لا، علي الله البيان: لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا، لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا، قال: وسألته عن قوله: وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّي يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ، قال: حتي يعرفهم ما يرضيه وما يسخطه.

عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن ابن فضال، عن ثعلبة بن ميمون، عن حمزة بن محمد الطيار، عن أبي عبدالله عليه السلام في قول الله عز وجل: «وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّي يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ». قال: «حتي يعرفهم ما يرضيه وما يسخطه». وقال: «فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا»، قال: بين لها ما تأتي وما تترك، وقال: «إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَ إِمَّا كَفُورًا»، قال: عرفناه، إما آخذ وإما تارك. وعن قوله: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَي عَلَي الْهُدَي، قال: عرفناهم فاستحبوا العمي علي الهدي وهم يعرفون؟ وفي رواية: بينا لهم.

عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن علي بن الحكم، عن أبان الأحمر عن حمزة بن الطيار، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: أكتب فأملي علي: إن من قولنا أن الله يحتج علي العباد بما آتاهم وعرفهم، ثم أرسل إليهم رسولاً وأنزل عليهم الكتاب فأمر فيه ونهي، أمر فيه بالصلاة والصيام فنام رسول

الله صلي الله عليه وآله عن الصلاة فقال: أنا أنيمك وأنا أوقظك فإذا قمت فصل ليعلموا إذا أصابهم ذلك كيف يصنعون، ليس كما يقولون إذا نام عنها هلك، وكذلك الصيام أنا أمرضك وأنا أصحك، فإذا شفيتك فأقضه.

ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: وكذلك إذا نظرت في جميع الأشياء لم تجد أحداً في ضيق، ولم تجد أحداً إلا ولله عليه الحجة ولله فيه المشيئة، ولا أقول: إنهم ما شاؤوا صنعوا، ثم قال: إن الله يهدي ويضل، وقال: وما أمروا إلا بدون سعتهم، وكل شئ أمر الناس به فهم يسعون له، وكل شئ لا يسعون له فهو موضوع عنهم، ولكن الناس لا خير فيهم، ثم تلا عليه السلام: «لَيْسَ عَلَي الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَي الْمَرْضَي وَلا عَلَي الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ» _ فوضع عنهم _ ما علي المحسنين من سبيل والله غفور رحيم. ولا علي الذين إذا ما أتوك لتحملهم _ قال: فوضع عنهم لانهم لا يجدون.

الإعتقادات للصدوق/168

قال الشيخ أبوجعفر رحمه الله: إعتقادنا في ذلك أن الله تعالي فطر جميع الخلق علي التوحيد وذلك قوله عز وجل: فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا. وقال الصادق عليه السلام في قوله تعالي: وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّي يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ. وقال عليه السلام: حتي يعرفهم ما يرضيه وما يسخطه.

وقال في قوله تعالي: فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قال: بين لها ما تأتي وما تترك من المعاصي.

وقال في قوله تعالي: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا، قال: عرفناه إما آخذاً وإما تاركاً.

وفي قوله تعالي: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَي عَلَي الْهُدَي، قال: وهم يعرفون.

وسئل عن قول الله

عز وجل: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ، قال: نجد الخير ونجد الشر.

وقال عليه السلام: ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم.

وقال عليه السلام: إن الله تعالي احتج علي الناس بما آتاهم وعرفهم.

من أسباب المعرفة و آثارها

ما يورث المعرفة

مستدرك الوسائل:7/500

الحسن بن أبي الحسن الديلمي في إرشاد القلوب: عن أمير المؤمنين عليه السلام عن النبي صلي الله عليه وآله أنه قال في ليلة المعراج:

يا رب ما أول العبادة؟ قال: أول العبادة الصمت والصوم، قال: يا رب وما ميراث الصوم؟ قال: يورث الحكمة، والحكمة تورث المعرفة، والمعرفة تورث اليقين، فإذا استيقن العبد لا يبالي كيف أصبح بعسر أم بيسر.

ما تورثه المعرفة

مستدرك الوسائل:11/185

... قال رسول الله صلي الله عليه وآله: فكر ساعة خير من عبادة سنة، ولا ينال منزلة التفكر إلا من خصه الله بنور المعرفة والتوحيد.

ما يفسد المعرفة و يطفئ نوره

مستدرك الوسائل:16/218

الحسن بن فضل الطبرسي في مكارم الاخلاق: عن رسول الله صلي الله عليه وآله أنه قال: لا تشبعوا فيطفأ نور المعرفة من قلوبكم.

مستدرك الوسائل:16/213

القطب الراوندي في لب اللباب: عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) أنه قال: فساد الجسد في كثرة الطعام، وفساد الزرع في كسب الأثام، وفساد المعرفة في ترك الصلاة علي خير الأنام.

خطر ضلال الأمم بعد المعرفة

كان نبينا يخاف علي أمته الضلال بعد المعرفة

الكافي:2/79

قال رسول الله صلي الله عليه وآله: ثلاث أخافهن علي أمتي من بعدي: الضلالة بعد المعرفة، ومضلات الفتن، وشهوة البطن والفرج. انتهي. ورواه في وسائل الشيعة:11/198 وفي مستدرك الوسائل:11/276 وفي مسند الإمام زيد/494

أمالي المفيد/111

قال: أخبرني أبوحفص عمر بن محمد الصيرفي قال: حدثنا علي بن مهرويه القزويني قال: حدثنا داود بن سليمان الغاري قال: حدثنا الرضا علي بن موسي قال: حدثني موسي بن جعفر قال: حدثني أبي جعفر بن محمد قال: حدثني أبي محمد بن علي قال: حدثني علي بن الحسين قال: حدثني أبي الحسين بن علي قال: حدثني أبي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب غليهم السلام قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله: ثلاثة أخافهن علي أمتي: الضلالة بعد المعرفة، ومضلات الفتن، وشهوة الفرج والبطن.

وقد روت هذا المعني مصادر إخواننا السنة، ففي مسند أحمد:4/420:

عن أبي برزة الأسلمي، قال أبو الأشهب لا أعلمه إلا عن النبي(ص)قال: «إن مما أخشي عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات الفتن». وفي رواية ومضلات الهوي. انتهي. ورواه في مجمع الزوائد:7/305 وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. ورواه في كنز العمال:16/45.

وضع المعرفة في بني اسرائيل بعد موسي

العهد القديم:2/282

الإصحاح الرابع 1 إسمعوا قول الرب يا بني اسرائيل. إن للرب محاكمة مع سكان الأرض لأنه لا أمانة ولا إحسان ولا معرفة الله في الأرض. 2 لعنٌ وكذبٌ وقتل وسرقة وفسق. يعتنفون ودماء تلحق دماء....

قد هلك شعبي من عدم المعرفة. لأنك أنت رفضت المعرفة أرفضك أنا حتي لاتكهن لي. ولأنك نسيت شريعة إلهك أنسي أنا أيضاً بنيك.

العهد القديم/254

الإصحاح الخامس والعشرون 1 وأقام إسرائيل في شطيم وابتدأ الشعب يزنون مع بنات موآب. 2 فدعون الشعب إلي ذبائح آلهتهن

فأكل الشعب وسجدوا لآلهتهن. 3 وتعلق إسرائيل ببعل فغور. فحمي غضب الرب علي إسرائيل.

العهد القديم/296

الإصحاح الحادي عشر 1 فأحبب الرب إلهك واحفظ حقوقه وفرائضه وأحكامه ووصاياه كل الأيام. 2 واعلموا اليوم أني لست أريد بنيكم الذين لم يعرفوا ولا رأوا تأديب الرب إلهكم عظمته ويده الشديدة وذراعه الرفيعة. 3 وآياته وصنائعة التي عملها في مصر بفرعون ملك مصر وبكل أرضه. 4 والتي عملها بجيش مصر بخيلهم ومراكبهم حيث أطاف مياه بحر سوف علي وجوههم حين سعوا وراءكم فأبادهم الرب إلي هذا اليوم. 5 والتي عملها لكم في البرية حتي جئتم إلي هذا المكان. 6 والتي عملها بداثان وأبيرام ابني الياب ابن راوبين اللذين فتحت الأرض فاها وابتلعتهما مع بيوتهما وخيامهما وكل الموجودات التابعة لهما في وسط كل إسرائيل.... 27 البركة إذا سمعتم لوصايا الرب إلهكم التي أنا أوصيكم بها اليوم. 28 واللعنة إذا لم تسمعوا لوصايا الرب إلهكم وزغتم عن الطريق التي أنا أوصيكم بها اليوم، لتذهبوا وراء آلهة أخري لم تعرفوها.

العهد القديم/300

الإصحاح الثالث عشر 1 إذا قام في وسطك نبي أو حالم حلماً وأعطاك آية أو أعجوبة 2 ولو حدثت الآية أو الأعجوبة التي كلمك عنها قائلاً لنذهب وراء آلهة أخري لم نعرفها ونعبدها 3 فلا تسمع لكلام ذلك النبي أو الحالم ذلك الحلم، لأن الرب إلهكم يمتحنكم لكي يعلم هل تحبون الرب إلهكم من كل قلوبكم ومن كل أنفسكم....

وإذا أغواك سراً أخوك ابن أمك أو ابنك أو ابنتك أو امرأة حضنك أو صاحبك الذي مثل نفسك قائلاً: نذهب ونعبد آلهة أخري لم تعرفها أنت ولا آباؤك 7 من آلهة الشعوب الذين حولك القريبين منك أو البعيدين عنك من

أقصاء الأرض إلي أقصائها 8 فلا ترض منه ولا تسمع لا ولا تشفق عينك عليه ولا ترق له ولا تستره....

قد خرج أناس بنو لئيم من وسطك وطوحوا سكان مدينتهم قائلين: نذهب ونعبد آلهة أخري لم تعرفوها.

العهد القديم/196

وقال الرب من أجل أن بنات صهيون يتشامخن ويمشين ممدودات الأعناق وغامزات بعيونهن وخاطرات في مشيهن ويخشخشن بأرجلهن. 17 يصلع السيد هامة بنات صهيون ويعري الرب عورتهن. 18 ينزع السيد في ذلك اليوم زينة الخلاخيل والضفائر والاهلة. 19 والحلق والاساور والبراقع. 20 والعصائب والسلاسل والمناطق وحناجر الشمامات والاحراز. 21 والخواتم وخزائم الأنف. 22 والثياب المزخرفة والعطف والأردية والأكياس. 23 والمرائي والقمصان والعمائم والازر. 24 فيكون عوض الطيب عفونة، وعوض المنطقة حبل، وعوض الجدائل قرعة، وعوض الديباج زنار مسح، وعوض الجمال كي.

اتهامهم نبيهم موسي بأنه لم يعرف الله تعالي

العهد القديم 142

وقال موسي للرب أنظر، أنت قائل لي أصعد هذا الشعب، وأنت لم تعرفني من ترسل معي، وأنت قد قلت عرفتك باسمك، ووجدت أيضاً نعمة في عيني، 13 فالان إن كنت قد وجدت نعمة في عينيك فعلمني طريقك حتي أعرفك لكي أجد نعمة في عينيك.

بولس يصف فساد الناس في عصره و بعدهم عن المعرفة

العهد الجديد/246

الإصحاح الأول 21 لانهم لما عرفوا الله لم يمجدوه أو يشكروه كإله بل حمقوا في أفكارهم وأظلم قلبهم الغبي. 22 وبينما هم يزعمون أنهم حكماء صاروا جهلاء. 23 وأبدلوا مجد الله الذي لا يفني بشبه صورة الإنسان الذي يفني والطيور والدواب والزحافات....

وكذلك الذكور أيضاً تاركين استعمال الأنثي الطبيعي اشتعلوا بشهوتهم بعضهم لبعض فاعلين الفحشاء ذكوراً بذكور ونائلين في أنفسهم جزاء ضلالهم المحق. 28 وكما لم يستحسنوا أن يبقوا الله في معرفتهم أسلمهم الله إلي ذهن مرفوض ليفعلوا ما لا يليق. 29 مملوئين من كل إثم وزناً وشر وطمع وخبث، مشحونين حسداً وقتلاً وخصاماً ومكراً وسوءاً. 30 نمامين مفترين مبغضين لله، ثالبين متعظمين مدعين مبتدعين شروراً، غير طائعين للوالدين. 31 بلا فهم ولا عهد ولا حنو ولا رضي ولا رحمة. 32 الذين إذ عرفوا حكم الله أن الذين يعملون مثل هذه يستوجبون الموت لا يفعلونها فقط، بل أيضاً يسرون بالذين يعملون.

المعرفة التي دعا إليها بولس الذي نصر النصاري

العهد الجديد/381

رسالة بطرس الرسول الثانية الإصحاح الأول. 1 سمعان بطرس عبد يسوع المسيح ورسوله إلي الذين نالوا معنا إيماناً ثميناً مساوياً لنا ببر إلهنا والمخلص يسوع المسيح. 2 لتكثر لكم النعمة والسلام بمعرفة الله ويسوع ربنا. 3 كما أن قدرته الإلهية قد وهبت لنا كل ما هو للحياة والتقوي بمعرفة الذي دعانا بالمجد والفضيلة. 4 اللذين بهما قد وهب لنا المواعيد العظمي والثمينة، لكي تصيروا بها شركاء الطبيعة الإلهية هاربين من الفساد الذي في العالم بالشهوة... لأن هذه إذا كانت فيكم وكثرت تُصَيِّركم لا متكاسلين ولا غير مثمرين لمعرفة ربنا يسوع المسيح....

العهد الجديد/389

الاصحاح الرابع 1 أيها الأحباء لا تصدقوا كل روح بل امتحنوا الأرواح هل هي من الله

لأن أنبياء كذبة كثيرين قد خرجوا إلي العالم. 2 بهذا تعرفون روح الله. كل روح يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء في الجسد فهو من الله. 3 وكل روح لا يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء في الجسد فليس من الله... نحن من الله فمن يعرف الله يسمع لنا ومن ليس من الله لا يسمع لنا. من هذا نعرف روح الحق وروح الضلال.

ونحن قد عرفنا وصدقنا المحبة التي لله فينا. الله محبة ومن يثبت في المحبة يثبت في الله والله فيه.

العهد الجديد/390

الإصحاح الخامس 1 كل من يؤمن أن يسوع هو المسيح فقد ولد من الله، وكل من يحب الوالد يحب المولود منه أيضاً. 2 بهذا نعرف إننا نحب أولاد الله إذا أحببنا الله وحفظنا وصاياه... ونعلم أن ابن الله قد جاء وأعطانا بصيرة لنعرف الحق، ونحن في الحق في ابنه يسوع المسيح، هذا هو الاله الحق والحياة الابدية. 21 أيها الأولاد إحفظوا أنفسكم من الأصنام.

متي اخترع المسيحيون التثليث بعد التوحيد

قاموس الكتاب المقدس/232

الثالوث الأقدس (تثليث) عرف قانون الإيمان هذه العقيدة بالقول (نؤمن بإله واحد الأب والابن والروح القدس إله واحد جوهر واحد متساوين في القدرة والمجد). في طبيعة هذا الإله الواحد تظهر ثلاثة خواص أزلية، يعلنها الكتاب في صورة شخصيات (أقانيم) متساوية. ومعرفتنا بهذه الشخصية المثلثة الأقانيم ليست إلا حقاً سماوياً أعلنه لنا الكتاب في العهد القديم بصورة غير واضحة المعالم، لكنه قدمه في العهد الجديد واضحاً، ويمكن أن نلخص العقيدة في هذه النقاط الست التالية:

1 _ الكتاب المقدس يقدم لنا ثلاث شخصيات يعتبرهم شخص الله.

2 _ هؤلاء الثلاثة يصفهم الكتاب بطريقة تجعلهم شخصيات متميزة الواحدة عن الأخري.

3 _ هذا التثليث في

طبيعة الله ليس موقتاً أو ظاهرياً بل أبدي وحقيقي.

4 _ هذا التثليث لا يعني ثلاثة آلهة بل إن هذه الشخصيات الثلاث جوهر واحد.

5 _ الشخصيات الثلاث الأب والابن والروح القدس متساوون.

6 _ ولا يوجد تناقض في هذه العقيدة، بل بالاحري أنها تقدم لنا المفتاح لفهم باقي العقائد المسيحية. ولقد كانت هذه الحقيقة متضمنة في تعليم المسيح (يو: 9-141: 1 ويو 14: 26 ويو 15: 26).

وقد تمسكت الكنيسة بما جاء واضحاً في مت 28: 19، وتحدث الرسل مقدمين هذه الحقيقة في 2 كو 13: 14 و 1 بط 1: 2 و 1 يو 5: 7.

ولا نستطيع أن نغفل منظر معمودية المسيح وفيه يسمنع صوت الأب واضحاً موجهاً إلي المسيح، ويستقر الروح القدس علي رأس المسيح الابن في شكل حمامة (مت 3: 16 و 17 ومر 1: 10 و 11 ولو 3: 21 و 22 ويو 1: 32 و 33).

ولقد كان يقين الكنيسة وإيمانها بلاهوت المسيح هو الدافع الحتمي لها لتصوغ حقيقة التثليث في قالب يجعلها المحور الذي تدور حوله كل معرفة المسيحيين بالله في تلك البيئة اليهودية أو الوثنية وتقوم عليه.

والكلمة نفسها (التثليث أو الثالوث) لم ترد في الكتاب المقدس، ويظن أن أول من صاغها واخترعها واستعملها هو ترتليان في القرن الثاني للميلاد. ثم ظهر سبيليوس ببدعته في منتصف القرن الثالث وحاول أن يفسر العقيدة بالقول: إن التثليث ليس أمراً حقيقياً لله لكنه مجرد إعلان خارجي، فهو حادث موقت وليس أبدياً. ثم ظهرت بدعة إريوس الذي نادي بأن الاب وحده هو الأزلي بينما الابن والروح القدس مخلوقان متميزان عن سائر الخليقة.

وأخيراً ظهر إثناسيوس داحضاً هذه النظريات وواضعاً أساس

العقيدة السليمة التي قبلها واعتمدها مجمع نيقية في عام 325 ميلادية.

ولقد تبلور قانون الإيمان الاثناسيوسي علي يد اغسطينوس في القرن الخامس، وصار القانون عقيدة الكنيسة الفعلية من ذلك التاريخ إلي يومنا هذا.

متي تجب المعرفة علي الإنسان

في أي سن يجب التفكير والمعرفة

رسائل الشهيد الثاني:2/135

إعلم أن المتكلمين حددوا وقت التكليف بالمعرفة بالتمكن من العلم بالمسائل الأصولية، حيث قالوا في باب التكليف أن المكلف يشترط كونه قادراً علي ما كلف به مميزاً بينه وبين غيره مما لم يكلف به متمكناً من العلم بما كلف به، إذ التكليف بدون ذلك محال. وظاهر أن هذا لا يتوقف علي تحقق البلوغ الشرعي بإحدي العلامات المذكورة في كتب الفروع، بل قد يكون قبل ذلك بسنتين أو بعده كذلك، بحسب مراتب الإدراك قوة وضعفاً. وذكر بعض فقهائنا أن وقت التكليف بالمعارف الإلهية هو وقت التكليف بالأعمال الشرعية، إلا أنه يجب أولاً بعد تحقق البلوغ والعقل المسارعة إلي تحصيل المعارف قبل الإتيان بالأعمال.

أقول: هذا غير جيد، لأنه يلزم منه أن يكون الاناث أكمل من الذكور، لأن الأنثي تخاطب بالعبادات عند كمال التسع إذا كانت عاقلة، فتخاطب بالمعرفة أيضاً عند ذلك، والصبي لا يبلغ عند كمال التسع بالإحتلام ولا بالانبات علي ما جرت به العادة، فلا يخاطب بالمعرفة وإن كان مميزاً عاقلاً لعدم خطابه بالعبادات، فتكون أكمل منه استعداداً للمعارف، وهو بعيد عن مدارك العقل والنقل. ومن ثم ذهب بعض العلماء إلي وجوب المعرفة علي من بلغ عشراً عاقلاً، ونسب ذلك إلي الشيخ أبي جعفر الطوسي قدس سره وأيضاً هذا لا يوافق ما هو الحق من أن معرفة الله تعالي واجبة عقلاً لا سمعاً، لأنا لو قلنا إن المعرفة لا تجب إلا بعد تحقق البلوغ الشرعي الذي هو مناط

وجوب العبادات الشرعية، لكنا قد أوجبنا المعرفة بالشرع لا بالعقل، لأن البلوغ المذكور إنما علم من الشرع، وليس في العقل ما يدل علي أن وجوب المعرفة إنما يكون عند البلوغ المذكور، فلو وجبت عنده لكان الوجوب معلوماً من الشرع، لا من العقل.

لا يقال: العقل إنما دل علي وجوب المعرفة في الجملة دون تحديد وقته، والشرع إنما دل علي تحديد وقت الوجوب وهو غير الوجوب، فلا يلزم كون الوجوب شرعياً.

لأنا نقول: لا نسلم أن في الشرع ما يدل علي تحديد وقت وجوب المعرفة أيضاً، بل إنما دل علي تحديد وقت العبادات فقط، نعم دل الشرع علي تقدم المعرفة علي العبادات في الجملة، وهو أعم من تعيين وقت التقدم، فلا يدل عليه.

وأيضاً لامعني لكون العقل يدل علي وجوب المعرفة في الجملة من دون اطلاعه علي وقت الوجوب، إذ لا ريب أنه يلزم من الحكم بوجوبها كونها واجبة في وقت الحكم.

والحاصل: أنه لا يمكن العلم بوجوبها إلا بعد العلم بوقت وجوبها، فالوقت كما أنه ظرف لها فهو ظرف للوجوب أيضاً.

وتوضيحه: أن العبد متي لاحظ هذه النعم عليه وعلم أن هناك منعماً أنعم بها عليه، أوجب علي نفسه شكره عليها في ذلك الوقت، خوفاً من أن يسلبه إياها لو لم يشكره، وحيث أنه لم يعرفه بعد يوجب علي نفسه النظر في معرفته في ذلك الوقت ليمكنه شكره، فقد علم أنه يلزم من وجوب المعرفة بالعقل معرفة وقتها أيضاً.

نعم ما ذكروه إنما يتم علي مذهب الأشاعرة، حيث أن وجوب المعرفة عندهم سمعي.

فإن قلت: قوله صلي الله عليه وآله: رفع القلم عن الصبي حتي يبلغ، فيه دلالة علي تحديد وقت وجوب المعرفة بالبلوغ الشرعي،

لأن رفع القلم كناية عن رفع التكليف وعدم جريانه عليه إلي الغاية المذكورة، فقبلها لا يكون مكلفاً بشئ، سواء كان قد عقل أم لا.

قلت: لا نسلم دلالته علي ذلك، بل إن دل فإنما يدل علي أن البلوغ الشرعي غاية لرفع التكليف مطلقاً. وإن كان عقلياً، فيبقي الدليل الدال علي كون التكليف بالمعرفة عقلياً سالماً عن المعارض، فإنه يستلزم تحديد وقت وجوب المعرفة بكمال العقل، كما تقدمت الإشارة إليه.

والحاصل: أن عموم رفع القلم مخصص بالدليل العقلي، وقد عرف العقل الذي هو مناط التكاليف الشرعية بأنه قوة للنفس بها تستعد للعلوم والإدراكات، وهو المعني بقولهم غريزة يتبعها العلم بالضروريات عند سلامة الآلات، وهذا التفسير اختاره المحقق الطوسي رحمه الله وجماعة.

مجمع الفائدة والبرهان:10/409

المراهق إذا أسلم حكم بإسلامه، فإن ارتد بعد ذلك يحكم بارتداده وإن لم يتب قتل...

وقال أبو حنيفة: يصح إسلامه وهو مكلف بالإسلام، وإليه ذهب بعض أصحابنا، لأنه يمكنه معرفة التوحيد بالنظر والإستدلال، فصح منه كالبالغ، ونقل الشيخ عن أصحابه أنهم حكموا بإسلام علي عليه السلام وهو غير بالغ وحكم بإسلامه بالإجماع. والإستدلال بالرواية مشكل، لعدم ظهور الصحة والدلالة علي هذا المطلب، وما نقل عن أمير المؤمنين عليه السلام مما لا يقاس عليه غيره، فإن النبي صلي الله عليه وآله والأئمة غليهم السلام ليسوا من قبيل سائر الناس، ولهذا حكموا بكون الحجة صلوات الله وسلامه عليه إماماً مع كونه ابن خمس سنين.

نعم الحكم بإسلام المراهق غير بعيد لعموم من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله صلي الله عليه وآله فهو مسلم، وقاتلوهم حتي يقولوا لا إله إلا الله، وأمثاله كثيرة. ولأنهم إذا قدروا علي الإستدلال وفهموا أدلة وجود الواجب

والتوحيد وما يتوقف عليه، ووجوب المعرفة والنظر في المعرفة، يمكن أن يجب عليهم ذلك، لأن دليل وجوب المعرفة عقلي، فكل من يعرف ذلك يدخل تحته، ولا خصوصية له بالبالغ، ولا استثناء في الأدلة العقلية، فلا يبعد تكليفهم، بل يمكن أن يجب ذلك، فإذا أوجب عليهم يجب أن يصح منهم، بل يلزم من الحكم بالصحة وجوبه أيضاً، ويترتب عليه الأحكام... وقد أجمعوا علي عدم وجوب الفروع عليهم وعدم تكليفهم بها، ولهذا صرح بعض العلماء بأن الواجبات الأصولية العقلية تجب علي الصغير قبل بلوغه دون الفرعية. والظاهر أن ضابطة القدرة علي الفهم والأخذ والإستدلال علي وجه مقنع، ففي كل من وجب فيه ذلك يصح ويمكن أن يجب عليه ذلك المقدار، ومن لم يوجد فيه ذلك لم يجب. وقال في الدروس، وهو لما قاله الشيخ قريب ولا شك أنه أحوط، وما استدل به الشيخ مؤيد فقوله قريب.

قال في التذكرة: غير المميز والمجنون لا يصح إسلامهما مباشرة إجماعاً ولا يحكم بإسلامهما إلا بالتبعية لغيره. فيريد بهما من لا قدرة له علي الإستدلال، ولا يفهم وجوب المعرفة ونحوه، وجنون المجنون أخرجه عن الفهم والقدرة علي الإستفهام والإستدلال مثل غير المميز، وأما إذا كان لهم فهم مستقل لا يبعد اعتباره حينئذ وإجراء الأحكام في حقه عليه، فتأمل.

حكم الإنسان في مرحلة التفكير والبحث

رسائل الشهيد الثاني:2/133

المبحث الثالث في أن الإنسان في زمان مهلة النظر... هل هو كافر أو مؤمن؟ جزم السيد الشريف المرتضي (رض) بكفره، واستشكل بعضهم. والظاهر أن محل النزاع في من لم يسبق منه اعتقاد ما يوجب الكفر، فإنه في زمان طلب الحق بالنظر فيه مع بقاء ذلك الإعتقاد لا ريب في كفره. بل النزاع في من هو في أول مراتب التكليف

إذا وجه نفسه للنظر في تحقيق الحق ليعتقده ولم يكن معتقداً لما يوجب الكفر بل هو متردد حتي يرجح عنده شئ فيعتقده. وكذا من سبق له اعتقاد ما يوجب الكفر رجع عنه إلي الشك بسبب نظره في تحقيق الحق ولما يترجح عنده الحق، فهذان هل هما كافران في مدة النظر أم لا؟

أقول: ما تقدم من تعريف الكفر بأنه عدم الإيمان مما من شأنه أن يكون مؤمناً يقتضي الحكم بكفرهما حالة النظر، لصدق عدم الإيمان عليهما في تلك الحالة، وهذا مشكل جداً، لأنه يقتضي الحكم بكفر كل أحد أول كمال عقله الذي هو أول وقت التكليف بالمعرفة، لأنه أول وقت إمكان النظر، إذ النظر قبله لا عبرة به، ويقتضي أن يكون من أدركه الموت في تلك الحالة مخلداً في جهنم. ولا يخفي بعد ذلك عن حكمة الله تعالي وعدله، ولزوم: إما تكليف ما لا يطاق إن عذبه علي ترك الإيمان، حيث لم يمض له وقت يمكن تحصيله فيه قبل الموت كما هو المفروض، أو الظلم الصرف إن لم يقدر علي ذلك، تعالي الله عن ذلك، إذ لم يسبق له إعتقاد ما يوجب الكفر كما هو المفروض أيضاً، ليكون التعذيب عليه.

ويلزم من ذلك القدح في صحة تعريف الكفر بذلك. اللهم إلا أن يقال: إن مثل هذا النوع من الكفر لا يعذب صاحبه، لكن لا يلزم منه القدح في الإجماع علي أن كل كافر مخلد في النار، وليس بعيداً التزام ذلك، وأن يكون المراد من الكافر المخلد من كان كفره عن اعتقاد، فيكون الإجماع مخصوصاً بمن عدا الأول.

إن قلت: إن لم يكن هذا الشخص من أهل النار، يلزم أن يكون من أهل الجنة، إذ لا

واسطة بينهما في الآخرة علي المذهب الحق، فيلزم أن يخلد في الجنة من لا إيمان له أصلاً كما هو المفروض، وهو مخالف لما انعقد عليه الإجماع من أن غير المؤمن لا يدخل الجنة.

قلت: يجوز أن يكون إدخاله الجنة تفضلاً من الله تعالي كالأطفال، ويكون الإجماع مخصوصاً بمن كلف الإيمان ومضت عليه مدة كان يمكنه تحصيله فيها فقصر.

وأقول أيضاً: الذي يقتضيه النظر إن هذا الشخص لا يحكم عليه بكفر ولا بإيمان في زمان النظر حقيقة بل تبعاً كالأطفال، فإنه لم يتحقق له التكليف التام ليخرج عن حكم الأطفال، فهو باق علي ذلك إلي أن يمضي عليه زمان يمكن فيه النظر الموصل إلي الإيمان، لكن هذا لا يتم في من لم يسبق له كفر، كمن هو في أول بلوغه. أما من سبق له اعتقاد الكفر ثم رجع عنه إلي الشك، فيتم فيه.

تجب المعرفة بالتفكير و لا يصح فيها التقليد

الاقتصاد للشيخ الطوسي/9

الطريق إلي معرفة الأشياء أربعة لا خامس لها:

أولها، أن يعلم الشئ ضرورة لكونه مركوزاً في العقول، كالعلم بأن الإثنين أكثر من واحد، وأن الجسم الواحد لا يكون في مكانين في حالة واحدة، وأن الجسمين لا يكونان مكان واحد في حالة واحدة، والشئ لا يخلو من أن يكون ثابتاً أو منفياً، وغير ذلك مما هو مركوز في العقول.

والثاني، أن يعلم من جهة الإدراك إذا أدرك وارتفع اللبس، كالعلم بالمشاهدات والمدركات بسائر الحواس.

والثالث، أن يعلم بالأخبار كالعلم بالبلدان والوقائع وأخبار الملوك وغير ذلك.

والرابع، أن يعلم بالنظر والإستدلال.

والعلم بالله تعالي ليس بحاصل من الوجه الأول، لأن ما يعلم ضرورة لا يختلف العقلاء فيه بل يتفقون عليه، ولذلك لا يختلفون في أن الواحد لا يكون أكثر من اثنين،

وأن الشبر لا يطابق الذراع. والعلم بالله فيه خلاف بين العقلاء فكيف يجوز أن يكون ضرورياً.

وليس الإدراك أيضاً طريق العلم بمعرفة الله تعالي، لأنه تعالي ليس بمدرك بشئ من الحواس علي ما سنبينه فيما بعد، ولو كان مدركاً محسوساً لأدركناه مع صحة حواسنا وارتفاع الموانع المعقولة.

والخبر أيضاً لا يمكن أن يكون طريقاً إلي معرفته، لأن الخبر الذي يوجب العلم هو ما كان مستنداً إلي مشاهدة وإدراك، كالبلدان والوقائع وغير ذلك، وقد بينا أنه ليس بمدرك، والخبر الذي لا يستند إلي الإدراك لا يوجب العلم. ألا تري أن جميع المسلمين يخبرون من خالفهم بصدق محمد صلي الله عليه وآله فلا يحصل لمخالفيهم العلم به لأن ذلك طريقه الدليل، وكذلك جميع الموحدين يخبرون الملحدة بحدوث العالم فلا يحصل لهم العلم به لأن ذلك طريقه الدليل.

فإذا بطل أن يكون طريق معرفته الضرورة أو المشاهدة أو الخبر، لم يبق إلا أن يكون طريقة النظر.

فإن قيل: أين أنتم عن تقليد المتقدمين؟

قلنا: التقليد إن أريد به قبول قول الغير من غير حجة وهو حقيقة التقليد فذلك قبيح في العقول، لأن فيه إقداماً علي ما لا يأمن كون ما يعتقده عند التقليد جهلاً لتعريه من الدليل، والأقدام علي ذلك قبيح في العقول، ولانه ليس في العقول أن تقليد الموحد أولي من تقليد الملحد إذا رفعنا النظر والبحث عن أوهامنا ولا يجوز أن يتساوي الحق والباطل.

فإن قيل: نقلد المحق دون المبطل.

قلنا: العلم بكونه محقاً لا يمكن حصوله إلا بالنظر، لانا إن علمناه بتقليد آخر أدي إلي التسلسل، وإن علمناه بدليل فالدليل الدال علي وجوب القبول منه يخرجه عن باب التقليد، ولذلك لم يكن أحدنا مقلداً للنبي

أو المعصوم فيما نقبله منه لقيام الدليل علي صحة ما يقوله.

وليس يمكن أن يقال: نقلد الأكثر ونرجع إليهم، وذلك لأن الأكثر قد يكونون علي ضلال بل ذلك هو المعتاد المعروف، ألا تري أن الفرق المبطلة بالإضافة إلي الفرق المحقة جزء من كل وقليل من كثير.

ولا يمكن أن يعتبر أيضاً بالزهد والورع، لأن مثل ذلك يتفق في المبطلين، فلذلك تري رهبان النصاري علي غاية العبادة ورفض الدنيا مع أنهم علي باطل فعلم بذلك أجمع فساد التقليد.

فإن قيل: هذا القول يؤدي إلي تضليل أكثر الخلق وتكفيرهم، لأن أكثر من تعنون من العقلاء لا يعرفون ما يقولونه، من الفقهاء والأدباء والرؤساء والتجار وجمهور العوام، ولا يهتدون إلي ما يقولونه، وإنما يختص بذلك طائفة يسيرة من المتكلمين، وجميع من خالفهم يبدعهم في ذلك، ويؤدي إلي تكفير الصحابة والتابعين وأهل الأمصار، لأنه معلوم أن أحداً من الصحابة والتابعين لم يتكلم فيما تكلم فيه المتكلمون ولا سمع منه حرف واحد ولا نقل عنهم شئ منه، فكيف يقال بمذهب يؤدي إلي تكفير أكثر الأمة وتضليلها، وهذا باب ينبغي أن يزهد فيه ويرغب عنه.

قيل: هذا غلط فاحش وظن بعيد، وسوء ظن بمن أوجب النظر المؤدي إلي معرفة الله، ولسنا نريد بالنظر المناظرة والمحاجة والمخاصمة والمحاورة التي يتداولها المتكلمون ويجري بينهم، فإن جميع ذلك صناعة فيها فضيلة وإن لم تكن واجبة، وإنما أوجبنا النظر الذي هو الفكر في الأدلة الموصلة إلي توحيد الله تعالي وعدله ومعرفة نبيه وصحة ما جاء به، وكيف يكون ذلك منهياً عنه أو غير واجب والنبي عليه السلام لم يوجب القبول منه علي أحد إلا بعد إظهار الإعلام والمعجزة من القرآن وغيره، ولم يقل لأحد إنه

يجب عليك القبول من غير آية ولا دلالة. وكذلك تضمن القرآن من أوله إلي آخره التنبيه علي الأدلة ووجوب النظر، قال الله تعالي: أَوَ لَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللهُ مِنْ شَئٍْ وقال: أَفَلا يَنْظُرُونَ إلي الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ. وَإِلَي السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ. وَإِلَي الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ. وَإِلَي الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ. وقال: وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ. وقال: قتل الإنسان ما أكفره. من أي شئ خلقه. من نطفة خلقه. الآية. وقال: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوِاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لايَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ. إلي قوله: إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ. وقال: فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إلي طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا، ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا، إلي قوله: مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ. وقال: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ. ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ. إلي قوله فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ. وقال: إِنَّ فِي ذَلِكَ لايَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، ولأُولِي الأَلْبَابِ، ولمن كان له قلب، يعني عقل. وغير ذلك من الآيات التي تعدادها يطول.

وكيف يحث تعالي علي النظر وينبه علي الأدلة وينصبها ويدعو إلي النظر فيها، ومع ذلك يحرمها. إن هذا لا يتصوره إلا غبيٌّ جاهل. فأما من أومي إليه من الصحابة والتابعين وأهل الأعصار من الفقهاء والفضلاء والتجار والعوام، فأول ما فيه أنه غير مسلم، بل كلام الصحابة والتابعين مملؤ من ذلك.

... وروي عن النبي صلي الله عليه وآله أنه قال: أعرفكم بنفسه أعرفكم بربه. وقال أمير المؤمنين عليه السلام في خطبته المعروفة: أول عبادة الله معرفته، وأصل معرفته توحيده، ونظام توحيده نفي الصفات عنه، لشهادة العقول إن من حلته الصفات فهو مخلوق، وشهادتها أنه خالق ليس بمخلوق ثم قال: بصنع الله يستدل عليه،

وبالعقول يعتقد معرفته، وبالنظر يثبت حجته، معلوم بالدلالات، مشهور بالبينات، إلي آخر الخطبة. وخطبه في هذا المعني أكثر من أن تحصي.

وقال الحسن عليه السلام: والله ما يعبد الله إلا من عرفه، فأما من لم يعرفه فإنما يعبده هكذا ضلالاً، وأشار بيده.

وقال الصادق عليه السلام: وجدت علم الناس في أربع: أولها أن تعرف ربك، والثاني أن تعرف ما صنع بك، والثالث أن تعرف ما أراد منك، والرابع أن تعرف ما يخرجك من دينك....

فإن قالوا: أكثر من أومأتم إليه إذا سألته عن ذلك لا يحسن الجواب عنه.

قلنا: وذلك أيضاً لا يلزم، لأنه لا يمتنع أن يكون عارفاً علي الجملة وإن تعذرت عليه العبارة عما يعتقده، فتعذر العبارة عما في النفس لا يدل علي بطلان ذلك ولا ارتفاعه.

الرسالة السعدية للعلامة الحلي/3-9

وقد حرم الله تعالي علي جميع العبيد سلوك طريق التقليد، بل أوجب البحث في أصول العقايد اليقينية وتحصيلها باستعمال البراهين القطعية... المقدمة الثانية في تحريم التقليد. طلب الله تعالي من المكلف اعتقاداً جازماً يقينياً مأخوذاً من الحجج والأدلة، وذلك في المسائل الأصولية، واعتقاداً مستفاداً إما من الحجة، أو من التقليد في المسائل الفروعية.

رسائل المحقق الكركي:1/59

يجب علي كل مكلف حرّ وعبد ذكر وأنثي أن يعرف الأصول الخمسة التي هي أركان الإيمان، وهي: التوحيد، والعدل، والنبوة، والإمامة، والمعاد، بالدليل لا بالتقليد. ومن جهل شيئاً من ذلك لم ينتظم في سلك المؤمنين، واستحق العقاب الدائم مع الكافرين.

رسائل المحقق الكركي:1/80 وج 3/173

ويجب أمام فعلها معرفة الله تعالي، وصفاته الثبوتية والسلبية، وعدله وحكمته، ونبوة نبينا محمد صلوات الله عليه وآله، وإمامة الائمة غليهم السلام والإقرار بكل ما جاء به النبي صلوات الله عليه

وآله من أحوال المعاد، بالدليل لا بالتقليد.

قوله: بالدليل لا بالتقليد، الدليل هو ما يلزم من العلم به العلم بشئ آخر إثباتاً أو نفياً. والتقليد هو الأخذ بقول الغير من غير حجة ملزمة، مأخوذ من تقليده بالقلادة وجعلها عنقه كأن المقلد يجعل ما يعتقده من قول الغير من حق أو باطل قلادة في عنق من قلده.

رسائل الشهيد الثاني:2/56

إعلم أن العلماء أطبقوا علي وجوب معرفة الله تعالي بالنظر وأنها لا تحصل بالتقليد، إلا من شذ منهم كعبدالله بن الحسن العنبري والحشوية والتعليمية، حيث ذهبوا إلي جواز التقليد في العقائد الأصولية، كوجود الصانع وما يجب له ويمتنع، والنبوة، والعدل وغيرها، بل ذهب إلي وجوبه.

لكن اختلف القائلون بوجوب المعرفة في أنه عقلي أو سمعي، فالإمامية والمعتزلة علي الأول والأشعرية علي الثاني، ولا غرض لنا هنا ببيان ذلك، بل ببيان أصل الوجوب المتفق عليه.

من ذلك: أن لله تعالي علي عبده نعماً ظاهرة وباطنة لا تحصي، يعلم ذلك كل عاقل، ويعلم أنها ليست منه ولا من مخلوق مثله. ويعلم أيضاً أنه إذا لم يعترف بإنعام ذلك المنعم ولم يذعن بكونه هو المنعم لا غيره ولم يسع في تحصيل مرضاته، ذمه العقلاء، ورأوا سلب تلك النعم عنه حسناً، وحينئذ فتحكم ضرورة العقل بوجوب شكر ذلك المنعم. ومن المعلوم أن شكره علي وجه يليق بكمال ذاته يتوقف علي معرفته، وهي لا تحصل بالظنيات كالتقليد وغيره، لاحتمال كذب المخبر وخطأ الإمارة، فلابد من النظر المفيد للعلم.

وهذا الدليل إنما يستقيم علي قاعدة الحسن والقبح، والأشاعرة ينكرون ذلك، لكنه كما يدل علي وجوب المعرفة بالدليل، يدل أيضاً علي كون الوجوب عقلياً.

واعترض أيضاً بأنه مبني علي وجوب ما لا يتم

الواجب المطلق الابه، وفيه أيضاً منع للأشاعرة. ومن ذلك أن الأمة اجتمعت علي وجوب المعرفة، والتقليد وما في حكمه لا يوجب العلم، إذ لو أوجبه لزم اجتماع الضدين في مثل تقليد من يعتقد حدوث العالم ويعتقد قدمه.

وقد اعترض علي هذا بمنع الإجماع، كيف والمخالف معروف، بل عورض بوقوع الإجماع علي خلافه، وذلك لتقرير النبي صلي الله عليه وآله وأصحابه العوام علي إيمانهم وهم الأكثرون في كل عصر، مع عدم الإستفسار عن الدلائل الدالة علي الصانع وصفاته، مع أنهم كانوا لا يعلمونها، وإنما كانوا مقرين باللسان ومقلدين في المعارف، ولو كانت المعرفة واجبة لما جاز تقريرهم علي ذلك مع الحكم بإيمانهم.

وأجيب عن هذا: بأنهم كانوا يعلمون الأدلة إجمالاً، كدليل الاعرابي حيث قال: البعرة تدل علي البعير، وأثر الاقدام علي المسير، أفسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج لا تدلان علي اللطيف الخبير؟! فلذا أقروا ولم يسألوا عن اعتقاداتهم، أو أنهم كان يقبل منهم ذلك للتمرين، ثم يبين لهم ما يجب عليهم من المعارف بعد حين.

ومن ذلك: الإجماع أنه لا يجوز تقليد غير المحق، وإنما يعلم المحق من غيره بالنظر في أن ما يقوله حق أم لا، وحينئذ فلا يجوز له التقليد إلا بعد النظر والإستدلال، وإذا صار مستدلاً امتنع كونه مقلداً، فامتنع التقليد في المعارف الإلهية.

ونقض ذلك بلزوم مثله في الشرعيات، فإنه لا يجوز تقليد المفتي إلا إذا كانت فتياه عن دليل شرعي، فإن اكتفي في الإطلاع علي ذلك بالظن وإن كان مخطئاً في نفس الأمر لحط ذلك عنه، فليجز مثله في مسائل الأصول.

وأجيب بالفرق بأن الخطأ في مسائل الأصول يقتضي الكفر بخلافه في الفروع، فساغ في الثانية مالم يسغ في الأولي.

إحتج من أوجب التقليد في مسائل الأصول بأن العلم بأمر الله غير ممكن، لأن المكلف به إن لم يكن عالماً به تعالي إمتنع أن يكون عالماً بأمره، وحال امتناع كونه عالماً بأمره يمتنع كونه مأموراً من قبله، وإلا لزم تكليف ما لا يطاق، وإن كان عالماً به استحال أيضاً أمره بالعلم به لاستحالة تحصيل الحاصل.

والجواب عن ذلك علي قواعد الإمامية والمعتزلة ظاهر، فإن وجوب النظر والمعرفة عندهم عقلي لا سمعي. نعم يلزم ذلك علي قواعد الأشاعرة، إذ الوجوب عندهم سمعي.

أقول: ويجاب أيضاً معارضةً، بأن هذا الدليل كما يدل علي امتناع العلم بالمعارف الأصولية، يدل علي امتناع التقليد فيها أيضاً، فينسد باب المعرفة بالله تعالي، وكل من يرجع إليه في التقليد لابد وأن يكون عالماً بالمسائل الأصولية ليصح تقليده، ثم يجري الدليل فيه فيقال: علم هذا الشخص بالله تعالي غير ممكن، لأنه حين كلف به إن لم يكن عالماً به تعالي استحال أن يكون عالماً بأمره بالمقدمات، وكل ما أجابوا به فهو جوابنا، ولا مخلص لهم إلا أن يعترفوا بأن وجوب المعرفة عقلي، فيبطل ما ادعوه من أن العلم بالله تعالي غير ممكن، أو سمعي فكذلك.

فإن قيل: ربما حصل العلم لبعض الناس بتصفية النفس أو إلهام إلي غير ذلك فيقلده الباقون.

قلنا: هذا أيضاً يبطل قولكم أن العلم بالله تعالي غير ممكن، نعم ما ذكروه يصلح أن يكون دليلاً علي امتناع المعرفة بالسمع، فيكون حجة علي الأشاعرة، لا دليلاً علي وجوب التقليد.

واحتجوا أيضاً بأن النهي عن النظر قد ورد في قوله تعالي: مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللهِ إِلا الَّذِينَ كَفَرُوا. والنظر يفتح باب الجدال فيحرم. ولانه صلي الله عليه وآله رأي الصحابة

يتكلمون في مسألة القدر، فنهي عن الكلام فيها وقال: إنما هلك من كان قبلكم بخوضهم هذا، ولقوله عليه السلام: عليكم بدين العجائز، والمراد ترك النظر، فلو كان واجباً لم يكن منهياً عنه.

وأجيب عن الأول: إن المراد الجدال بالباطل، كما في قوله تعالي: وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ، لا الجدال بالحق لقوله تعالي: وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، والأمر بذلك يدل علي أن الجدال مطلقاً ليس منهياً عنه.

وعن الثاني: بأن نهيهم عن الكلام في مسألة القدر علي تقدير تسليمه لا يدل علي النهي عن مطلق النظر، بل عنه في مسألة القدر، كيف وقد ورد الإنكار علي تارك النظر في قوله تعالي: أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللهُ، وقد أثني علي فاعله في قوله تعالي: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ.

علي أن نهيهم عن الخوض في القدر لعله لكونه أمراً غيبياً وبحراً عميقاً، كما أشار إليه علي عليه السلام بقوله: بحر عميق فلا تلجه. بل كان مراد النبي تفويض مثل ذلك إلي الله تعالي، لأن ذلك ليس من الأصول التي يجب اعتقادها، والبحث عنها مفصلة.

وهاهنا جواب آخر عنهما معاً، وهو أن النهي في الآية والحديث مع قطع النظر عما ذكرناه إنما يدل علي النهي عن الجدال الذي لا يكون إلا عن متعدد، بخلاف النظر فإنه يكون من واحد، فهو نصب الدليل علي غير المدعي.

وعن الثالث: بالمنع من صحة نسبته إلي النبي صلي الله عليه وآله فإن بعضهم ذكر أنه من مصنوعات سفيان الثوري، فإنه روي أن عمر بن عبدالله المعتزلي قال: إن بين الكفر والإيمان منزلة بين منزلتين، فقالت عجوز، قال الله تعالي: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ، فلم يجعل

من عباده إلا الكافر والمؤمن، فسمع سفيان كلامها، فقال: عليكم بدين العجائز.

علي أنه لو سلم فالمراد به التفويض إلي الله تعالي في قضائه وحكمه والإنقياد له في أمره ونهيه.

واحتج من جوز التقليد: بأنه لو وجب النظر في المعارف الإلهية لوجد من الصحابة، إذ هم أولي به من غيرهم، ولم يوجد، وإلا لنقل كما نقل عنهم النظر والمناظرة في المسائل الفقهية، فحيث لم ينقل لم يقع، فلم يجب.

وأجيب: بالتزام كونهم أولي به لكنهم نظروا، وإلا لزم نسبتهم إلي الجهل بمعرفة الله تعالي، وكون الواحد منا أفضل منهم، وهو باطل إجماعاً، وإذا كانوا عالمين وليس بالضرورة فهو بالنظر والإستدلال. وأما إنه لم ينقل النظر والمناظرة فلاتفاقهم علي العقائد الحقة، لوضوح الأمر عندهم، حيث كانوا ينقلون عقائدهم عمن لا ينطق عن الهوي، فلم يحتاجوا إلي كثرة البحث والنظر، بخلاف الأخلاف بعدهم فإنهم لما كثرت شبه الضالين، واختلفت أنظار طالبي اليقين لتفاوت أذهانهم في إصابة الحق، احتاجوا إلي النظر والمناظرة، ليدفعوا بذلك شبه المضلين ويقفوا علي اليقين.

أما المسائل الفروع، فإنها لما كانت أموراً ظنية اجتهادية خفية، لكثرة تعارض الإمارات فيها، وقع بينهم الخلاف فيها والمناظرة والتخطئة لبعضهم من بعض، فلذا نقل.

واحتجوا أيضاً: بأن النظر مظنة الوقوع في الشبهات والتورط في الضلالات بخلاف التقليد فإنه أبعد عن ذلك وأقرب إلي السلامة فيكون أولي، ولأن الأصول أغمض أدلة من الفروع وأخفي، فإذا جاز التقليد في الأسهل جاز في الأصعب بطريق أولي، ولأنهما سواء في التكليف بهما، فإذا جاز في الفروع فليجز في الأصول.

وأجيب عن الأول: بأن اعتقاد المعتقد إن كان عن تقليد، لزم إما التسلسل، أو الإنتهاء إلي من يعتقد عن نظر لإنتفاء الضرورة، فيلزم

ما ذكرتم من المحذور مع زيادة وهي احتمال كذب المخبر، بخلاف الناظر مع نفسه، فإنه لا يكابر نفسه فيما أدي إليه نظره.

علي أنه لو اتفق الإنتهاء إلي من اتفق له العلم بغير النظر كتصفية الباطن كما ذهب إليه بعضهم، أو بالإلهام، أو بخلق العلم فيه ضرورة، فهو إنما يكون لأفراد نادرة،لانه علي خلاف العادة، فلا يتيسر لكل أحد الوصول إليه مشافهة بل بالوسائط، فيكثر احتمال الكذب، بخلاف الناظر فإنه لايكابر نفسه، ولأنه أقرب إلي الوقوع في الصواب.

إن قلت: ما ذكرت من الجواب إنما يدل علي كون النظر أولي من التقليد، ولا يدل علي عدم جوازه، فجواز التقليد باق لم يندفع، علي أن ما ذكرته من احتمال الكذب جار في الفروع، فلو منع من التقليد فيها لمنع في الأصول.

قلت: متي سلمت الأولوية وجب العمل بها، وإلا لزم العمل بالمرجوح مع تيسر العمل بالراجح، وهو باطل بالإجماع، لا سيما في الإعتقاديات.

وأما الجواب عن العلاوة، فلانه لما كان الطريق إلي العمل بالفروع إنما هو النقل ساغ لنا التقليد فيها، ولم يقدح احتمال كذب المخبر، وإلا لانسد باب العمل فيها،بخلاف الإعتقادات فإن الطريق إليها بالنظر ميسر، فاعتبر قدح الإحتمال في التقليد فيها.

وأما احتمال الخطأ في النظر، فإنه وإن أمكن إلا أنه نادر جداً بالقياس إلي الخطأ في النقل، فكان النظر أرجح، وقد بينا أن العمل بالأرجح واجب.

وأجيب عن الثاني: أولاً بالمنع من كونها أغمض أدلة، بل الأمر بالعكس لتوقف الشرعيات علي العقليات عملاً وعلماً.

وثانياً بالمنع من الملازمة، فإن كونها أغمض أدلة لا يستلزم جواز التقليد فيها فضلاً عن كونه أولي، لأن المطلوب فيها اليقين، بخلاف الشرعيات فإن المطلوب فيها الظن اتفاقاً. ومن

هذا ظهر الجواب عن الثالث.

واحتجوا أيضاً: بأن هذه العلوم إنما تحصل بعد الممارسة الكثيرة والبحث الطويل، وأكثر الصحابة لم يمارسوا شيئاً منها، فكان اعتقادهم عن تقليد.

وأجيب: بأنهم لمشاهدتهم المعجزات وقوة معارفهم بكثرة البينات من صاحب الوحي عليه السلام لم يحتاجوا في تيقن تلك المعارف إلي بحث كثير في طلب الأدلة عليها.

أقول: ومما يبطل به مذهب القائلين بالتقليد أنه إما أن يفيد العلم أولاً، فإن أفاده لزم اجتماع الضدين فيما لو قلد واحداً في قدم العالم وآخر في حدوثه، وهو ظاهر. وإن لم يفده وجب ترجيح النظر عليه، إذ من المعلوم ضرورة أن النظر الصحيح يفيد العلم، فإذا ترجح النظر عليه وجب اعتباره وترك المرجوح اجماعاً.

وأقول: مما يدل علي اعتبار اليقين في الإيمان أن الأمة فيه علي قولين: قول باعتبار اليقين فيما يتحقق به الإيمان. وقول بالإكتفاء بالتقليد أو ما في حكمه فإذا انتفي الثاني بما ذكرناه من الأدلة ثبت الأول.

وأقول أيضاً مما يصلح شاهداً علي ذلك قوله تعالي: قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ، فنفي ما زعموه إيماناً، وهو التصديق القولي، بل ماسوي التصديق الجازم، حيث لم يثبت لهم من الإيمان إلا ما دخل القلب. ولا ريب أن ما دخل القلب يحصل به الإطمئنان، ولا إطمئنان في الظن وشبهه لتجويز النقيض معه، فيكون الثبات والجزم معتبراً في الإيمان.

فإن قلت: قوله تعالي حكاية عن إبراهيم: أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ؟ قَالَ بَلَي وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي، يدل علي أن الجزم والثبات غير معتبر في الإيمان، وإلا لما أخبر عليه السلام عن نفسه بالإيمان، بقوله بلي مع أن قوله (وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) يدل علي أنه

لم يكن مطمئناً فلم يكن جازماً.

قلت: يمكن الجواب بأنه عليه السلام طلب العلم بطريق المشاهدة، ليكون العلم بإحياء الموتي حاصلاً له من طريق الأبصار والمشاهدة، ويكون المراد من اطمئنان قلبه عليه السلام استقراره وعدم طلبه لشئ آخر بعد المشاهدة، مع كونه موقناً بإحياء الموتي قبل المشاهدة. أيضاً وليس المراد أنه لم يكن متيقناً قبل الارائة، فلم يكن مطمئناً ليلزم تحقق الإيمان مع الظن فقط.

وأيضاً إنما طلب عليه السلام كيفية الأحياء، فخوطب بالإستفهام التقريري علي الإيمان بالكيف الذي هو نفس الاحياء، لأن التصديق به مقدم علي التصديق بالكيفية فأجاب عليه السلام بلي آمنت بقدرة الله تعالي علي الأحياء، لكني أريد الإطلاع علي كيفية الأحياء، ليطمئن قلبي بمعرفة تلك الكيفية الغريبة، البديعة، ولا ريب أن الجهل بمعرفة تلك الكيفية لا يضر بالإيمان، ولا يتوقف علي معرفتها. وأما سؤال الله سبحانه عن ذلك مع كونه عالماً بالسرائر، فهو من قبيل خطاب المحب لحبيبه.

إن قلت: فما الجواب أيضاً عن قوله تعالي: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ، فإنه يفهم من الآية الكريمة وصف الكافر المشرك بالإيمان حال شركه، إذ الجملة الإسمية حالية، فضلاً عن الإكتفاء بالظن وما في حكمه في الإيمان، وهو ينافي اعتبار اليقين.

قلت: لا، فإن الآية الكريمة إنما دلت علي إخباره تعالي عنهم بالإيمان بالصانع والتصديق بوجوده، لكنهم لم يوحدوه في حالة تصديقهم به، بل اعتقدوا له شريكاً تعالي الله عما يشركون. وحينئذ فيجوز كونهم جازمين بوجود الصانع تعالي مع كونهم غير موحدين، فإن التوحيد مطلب آخر، فكفرهم كان كذلك، فلم يتحقق لهم الإيمان الشرعي بل الإيمان جزء منه، وهو غير كاف.

علي أنه يجوز أن يكون المراد من الإيمان المنسوب إليهم

في الآية الكريمة التصديق اللغوي، وقد بينا سابقاً أنه أعم من الشرعي، وليس النزاع فيه بل في الشرعي. ويكون المعني والله أعلم: ومايؤمن أكثرهم بلسانه إلا وهو مشرك بقلبه، أي حال إشراكه بقلبه، نعوذ بالله من الضلالة. ونسأله حسن الهداية. هذا ما تيسر لنا من المقال في هذا المقام.

شرح المقاصد للتفتازاني:1/266

... الثالث: أنا لا نسلم أن المعرفة الكاملة لا تحصل إلا بالنظر، بل قد تحصل بالتعليم علي ما يراه الملاحدة.. أو بقول المعصوم علي ما يراه الشيعة...

المعرفة والعمل

اشتراط كل من المعرفة والعمل بالآخر

نهج البلاغة:4/50

وسئل عليه السلام عن الإيمان فقال: الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان.

نهج البلاغة:2/32

... وأنه لا ينبغي لمن عرف عظمة الله أن يتعظم، فإن رفعة الذين يعلمون ما عظمته أن يتواضعوا له، وسلامة الذين يعلمون ما قدرته أن يستسلموا له.

الكافي:1/44

محمد بن يحيي، عن أحمد بن محمد بن عيسي، عن محمد بن سنان، عن ابن مسكان، عن حسين الصيقل قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: لا يقبل الله عملاً إلا بمعرفة ولا معرفة إلا بعمل، فمن عرف دلته المعرفة علي العمل، ومن لم يعمل فلا معرفة له. ألا إن الإيمان بعضه من بعض.

الكافي:2/33-37

علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن بريد قال: حدثنا أبوعمرو الزبيري، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: قلت له: أيها العالم أخبرني أي الأعمال أفضل عند الله؟ قال: ما لا يقبل الله شيئاً إلا به، قلت: وما هو؟ قال: الإيمان بالله الذي لا إلا هو، أعلي الأعمال درجة وأشرفها منزلة وأسناها حظاً، قال: قلت ألا تخبرني عن الإيمان أقَوْلٌ هو وعمل أم قولٌ بلا عمل؟ فقال: الإيمان عمل كله

والقول بعض ذلك العمل، بفرض من الله، بين في كتابه، واضح نوره، ثابتة حجته، يشهد له به الكتاب ويدعوه إليه.

قال: قلت: صفه لي جعلت فداك حتي أفهمه.

قال: الإيمان حالات ودرجات وطبقات ومنازل، فمنه التام المنتهي تمامه ومنه الناقص البين نقصانه ومنه الراحج الزائد رجحانه.

قلت: إن الإيمان ليتم وينقص ويزيد؟

قال: نعم.

قلت: كيف ذلك؟

قال: لأن الله تبارك وتعالي فرض الإيمان علي جوارح ابن آدم وقسمه عليها وفرقه فيها، فليس من جوارحه جارحة إلا وقد وكلت من الإيمان بغير ما وكلت به أختها، فمنها قلبه الذي به يعقل ويفقه ويفهم وهو أمير بدنه الذي لا ترد الجوارح ولا تصدر إلا عن رأيه وأمره، ومنها عيناه اللتان يبصر بهما، وأذناه اللتان يسمع بهما، ويداه اللتان يبطش بهما، ورجلاه اللتان يمشي بهما، وفرجه الذي الباه من قبله، ولسانه الذي ينطق به، ورأسه الذي فيه وجهه. فليس من هذه جارحة إلا وقد وكلت من الإيمان بغير ما وكلت به أختها بفرض من الله تبارك اسمه، ينطق به الكتاب لها ويشهد به عليها.

ففرض علي القلب غير ما فرض علي السمع، وفرض علي السمع وغير ما فرض علي العينين، وفرض علي العينين غير ما فرض علي اللسان، وفرض علي اللسان غير ما فرض علي اليدين، وفرض علي اليدين غير ما فرض علي الرجلين، وفرض علي الرجلين غير ما فرض علي الفرج، وفرض علي الفرج غير ما فرض علي الوجه.

فأما ما فرض علي القلب من الإيمان فالإقرار والمعرفة والعقد والرضا والتسليم بأن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلهاً واحداً، لم يتخذ صاحبةً ولا ولداً، وأن محمداً عبده ورسوله صلوات الله عليه وآله، والإقرار

بما جاء من عند الله من نبي أو كتاب، فذلك ما فرض الله علي القلب من الإقرار والمعرفة وهو عمله، وهو قول الله عز وجل: «إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا».

وقال: «أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ.».

وقال: «الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم».

وقال: «وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ..» فذلك ما فرض الله عز وجل علي القلب من الإقرار والمعرفة وهو عمله وهو رأس الإيمان.

وفرض الله علي اللسان القول التعبير عن القلب بما عقد عليه وأقر به، قال الله تبارك وتعالي: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا، وقال: قُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. فهذا ما فرض الله علي اللسان، وهو عمله.

وفرض علي السمع أن يتنزه عن الإستماع إلي ما حرم الله وأن يعرض عما لا يحل له مما نهي الله عز وجل عنه والأصغاء إلي ما أسخط الله عز وجل، فقال في ذلك: «وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكْفَرُ بِهَا وَ يُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّي يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ»، ثم استثني الله عز وجل موضع النسيان فقال: «َإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. وقال: فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ.».

وقال عز وجل: «قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَوةِ فَاعِلُونَ.».

وقال: «وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ».

وقال: «وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا». فهذا ما فرض الله

علي السمع من الإيمان أن لا يصغي إلي ما لا يحل له، وهو عمله وهو من الإيمان.

وفرض علي البصر أن لا ينظر إلي ما حرم الله عليه، وأن يعرض عما نهي الله عنه مما لا يحل له، وهو عمله وهو من الإيمان، فقال تبارك وتعالي: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ، فنهاهم أن ينظروا إلي عوراتهم وأن ينظر المرء إلي فرج أخيه ويحفظ فرجه أن ينظر إليه. وقال: وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ، من أن تنظر إحداهن إلي فرج أختها وتحفظ فرجها من أن ينظر إليها.

وقال: كل شئ في القرآن من حفظ الفرج فهو من الزنا، إلا هذه الآية فإنها من النظر. ثم نظم ما فرض علي القلب واللسان والسمع والبصر في آية أخري فقال: «وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَ لا أَبْصَارُكُمْ وَ لا جُلُودُكُمْ»، يعني بالجلود: الفروج والافخاذ.

وقال: «وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا». فهذا ما فرض الله علي العينين من غض البصر عما حرم الله عز وجل، وهو عملهما وهو من الإيمان.

وفرض الله علي اليدين أن لا يبطش بهما إلي ما حرم الله، وأن يبطش بهما إلي ما أمر الله عز وجل، وفرض عليهما من الصدقة وصلة الرحم والجهاد في سبيل الله والطهور للصلاة، فقال: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إلي الصَّلَوةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلي الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلي الْكَعْبَيْنِ». وقال: «فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّي إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّي تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا». فهذا ما فرض الله علي اليدين لأن الضرب من

علاجهما.

وفرض علي الرجلين أن لا يمشي بهما إلي شئ من معاصي الله، وفرض عليهما المشي إلي ما يرضي الله عز وجل فقال: «وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَ لَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً»، وقال: «وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ»، وقال فيما شهدت الأيدي والأرجل علي أنفسهما وعلي أربابهما من تضييعهما لما أمر الله عز وجل به وفرضه عليهما: «الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَي أَفْوَاهِهِمْ وَ تُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ».

فهذا أيضاً ممافرض الله علي اليدين وعلي الرجلين وهو عملهما وهو من الإيمان.

وفرض علي الوجه السجود له بالليل والنهار في مواقيت الصلاة فقال: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَ افْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ». فهذه فريضة جامعة علي الوجه واليدين والرجلين، وقال في موضع آخر: «وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ للهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا».

وقال فيما فرض علي الجوارح من الطهور والصلاة بها وذلك أن الله عز وجل لما صرف نبيه صلي الله عليه وآله إلي الكعبة عن البيت المقدس فأنزل الله عز وجل: «وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ.»، فسمي الصلاة إيماناً فمن لقي الله عز وجل حافظاً لجوارحه موفياً كل جارحة من جوارحه ما فرض الله عز وجل عليها لقي الله عز وجل مستكملاً لإيمانه، وهو من أهل الجنة. ومن خان في شئ منها أو تعدي ما أمر الله عز وجل فيها لقي الله عز وجل ناقص الإيمان.

قلت: قد فهمت نقصان الإيمان وتمامه، فمن أين جاءت زيادته.

فقال: قول الله عز وجل: «وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ

آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلي رِجْسِهِمْ». وقال: «نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَ زِدْنَاهُمْ هُدًي»، ولو كان كله واحداً لا زيادة فيه ولا نقصان لم يكن لاحد منهم فضل علي الآخر، ولاستوت النعم فيه ولاستوي الناس وبطل التفضيل. ولكن بتمام الإيمان دخل المؤمنون الجنة وبالزيادة في الإيمان تفاضل المؤمنون بالدرجات عند الله، وبالنقصان دخل المفرطون النار.

الكافي:2/553

عنه، عن أبي إبراهيم عليه السلام دعاء في الرزق: يا الله يا الله يا الله، أسألك بحق من حقه عليك عظيم أن تصلي علي محمد وآل محمد، وأن ترزقني العمل بما علمتني من معرفة حقك، وأن تبسط علي ما حظرت من رزقك.

دعائم الإسلام:1/52

... ثم قال أبو عبد الله جعفر بن محمد صلي الله عليه... وإنما يقبل الله عز وجل العمل من العباد بالفرائض التي افترضها عليهم بعد معرفة من جاء بها من عنده ودعاهم إليه، فأول ذلك معرفة من دعا إليه، وهو الله الذي لا إله إلا هو وحده، والإقرار بربوبيته، ومعرفة الرسول الذي بلغ عنه، وقبول ما جاء به، ثم معرفة الوصي ثم معرفة الأئمة بعد الرسل الذين افترض الله طاعتهم في كل عصر وزمان علي أهله، والإيمان والتصديق بأول الرسل والأئمة وآخرهم. ثم العمل بما افترض الله عز وجل علي العباد من الطاعات ظاهراً وباطناً، واجتناب ما حرم الله عز وجل عليهم ظاهره وباطنه، وإنما حرم الظاهر بالباطن، والباطن بالظاهر معاً جميعاً، والأصل والفرع، فباطن الحرام حرام كظاهره، ولا يسع تحليل أحدهما، ولا يجوز ولا يحل إباحة شئ منه، وكذلك الطاعات مفروض علي العباد إقامتها، ظاهرها وباطنها، لا يجزي إقامة ظاهر منها

دون باطن ولا باطن دون ظاهر، ولا تجوز صلاة الظاهر مع ترك صلاة الباطن، ولا صلاة الباطن مع ترك صلاة الظاهر. وكذلك الزكاة، والصوم والحج والعمرة، وجميع فرائض الله افترضها علي عباده، وحرماته وشعائره.

وسائل الشيعة:11/260

وفي عيون الأخبار بأسانيده عن الفضل بن شاذان، عن الرضا عليه السلام في كتابه إلي المأمون قال: الإيمان هو أداء الأمانة، واجتناب جميع الكبائر، وهو معرفة بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان. إلي أن قال: واجتناب الكبائر وهي: قتل النفس التي حرم الله تعالي، والزنا، والسرقة، وشرب الخمر، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم ظلماً، وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به من غير ضرورة، وأكل الربا بعد البينة، والسحت، والميسر وهو القمار، والبخس في المكيال والميزان، وقذف المحصنات، والزنا، واللواط، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، ومعونة الظالمين، والركون اليهم، واليمين الغموس، وحبس الحقوق من غير عسر، والكذب والكبر، والاسراف والتبذير، والخيانة، والإستخفاف بالحج، والمحاربة لأولياء الله، والإشتغال بالملاهي، والإصرار علي الذنوب. ورواه ابن شعبة في (تحف العقول) مرسلاً نحوه.

وروت مصادر إخواننا السنة اقتران المعرفة والعمل عن علي عليه السلام، ففي كنز العمال: 1/273، عن علي قال: سألت النبي صلي الله عليه وآله عن الإيمان ما هو؟ قال: معرفة بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالاركان - أبو عمرو بن حمدان في فوائده.

وفي سنن ابن ماجة:1/25

حدثنا سهل بن أبي سهل ومحمد بن إسماعيل قالا ثنا عبدالسلام بن صالح أبو الصلت الهروي، ثنا علي بن موسي الرضا، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب قال: قال

رسول الله (ص): الإيمان معرفة بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالأركان. قال أبو الصلت:

لو قري هذا الإسناد علي مجنون لبرأ. انتهي ورواه البيهقي في شعب الإيمان:1/47 ورواه في كنز العمال:1/273، بعدة روايات عن علي عليه السلام. ونحوه الجزري في أسني المطالب:1/125.

وفي مروج الذهب للمسعودي:4/171

قال علي بن محمد بن علي بن موسي عن أبيه عن أجداده عن علي (رض) قال: قال رسول الله (ص): أكتب يا علي، قلت وما أكتب؟

قال لي: أكتب: بسم الله الرحمن الرحيم. الإيمان ما وقرته القلوب، وصدقته الأعمال، والإسلام ما جري به اللسان، به المناكحة.

وفي إرشاد الساري:1/86-87

الإيمان قول وفعل.. وهو موافق لقول السلف، اعتقاد بالقلب ونطق اللسان. وقال المتأخرون منهم الأشعرية، ووافقهم ابن الراوندي من المعتزلة: هو تصديق الرسول (ص) بما علم مجيئه به....

إذا تقرر هذا فاعلم أن الإيمان (يزيد) بالطاعة (وينقص) بالمعصيه كما عند المؤلف وغيره وأخرجه أبو نعيم... بل قال به من الصحابة عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب... ومن التابعين كعب الأحبار... وعمر بن عبدالعزيز... أما توقف مالك رحمه الله عن القول بنقصانه فخشية أن يتأول عليه موافقة الخوارج.

افضل الأعمال بعد معرفة العقائد

الكافي:2/130 و 317: محمد بن مسلم بن عبيد الله قال سئل علي بن الحسين (عليهما السلام) أي الأعمال أفضل عند الله؟ قال: ما من عمل بعد معرفة الله عز وجل ومعرفة رسوله صلي الله عليه وآله أفضل من بغض الدنيا فإن لذلك لشعباً كثيرة، وللمعاصي شعب فأول ما عصي الله به الكبر، معصية إبليس حين أبي واستكبر وكان من الكافرين، ثم الحرص وهي معصية آدم وحواء (عليهما السلام)حين قال الله عز وجل لهما: فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَ وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا

مِنَ الظَّالِمِينَ. فأخذا ما لا حاجة بهما إليه، فدخل ذلك علي ذريتهما إلي يوم القيامة، وذلك أن أكثر ما يطلب ابن آدم ما لا حاجة به إليه، ثم الحسد وهي معصية ابن آدم حيث حسد أخاه فقتله، فتشعب من ذلك حب النساء وحب الدنيا وحب الرئاسة وحب الراحة وحب الكلام وحب العلو والثروة، فصرن سبع خصال فاجتمعن كلهن في حب الدنيا، فقال الأنبياء والعلماء بعد معرفة ذلك: حب الدنيا رأس كل خطيئة، والدنيا دنيا آن: دنيا بلاغ، ودنيا ملعونة. انتهي. ورواه في وسائل الشيعة:11/308.

الكافي:3/264

_ حدثني محمد بن يحيي، عن أحمد بن محمد بن عيسي، عن الحسن بن محبوب، عن معاوية بن وهب قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن أفضل ما يتقرب به العباد إلي ربهم وأحب ذلك إلي الله عز وجل ما هو؟ فقال: ما أعلم شيئاً بعد المعرفة أفضل من هذه الصلاة، ألا تري أن العبد الصالح عيسي ابن مريم عليه السلام قال: «وأوصاني بالصلاة والزكوة ما دمت حياً». انتهي. ورواه في وسائل الشيعة:1/17 وج 11/308.

اقل ما يجب، و أقصي ما يمكن، من المعرفة

الكافي:1/91

محمد بن أبي عبدالله رفعه، عن عبدالعزيز بن المهتدي قال: سألت الرضا عليه السلام عن التوحيد، فقال: كل من قرأ قل هو الله احد وآمن بها فقد عرف التوحيد، قلت: كيف يقرؤها؟ قال: كما يقرؤها الناس وزاد فيه كذلك الله ربي، كذلك الله ربي.

الكافي:1/91

أحمد بن ادريس، عن محمد بن عبدالجبار، عن صفوان بن يحيي، عن أبي أيوب، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: إن اليهود سألوا رسول الله صلي الله عليه وآله فقالوا: أنسب لنا ربك، فلبث ثلاثاً لا يجيبهم ثم نزل: قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ، إلي

آخرها.

محمد بن يحيي، عن أحمد بن محمد بن عيسي، ومحمد بن الحسين، عن ابن محبوب، عن حماد بن عمرو النصيبي، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: سألت أبا عبدالله عن قل هو الله أحد، فقال: نسبة الله إلي خلقه أحداً صمداً أزلياً صمدياً لا ظل له يمسكه وهو يمسك الأشياء بأظلتها، عارف بالمجهول، معروف عند كل جاهل، فردانياً، لا خلقه فيه ولا هو خلقه، غير محسوس ولا محسوس، لا تدركه الأبصار، علا فقرب ودنا فبعد، وعصي فغفر وأطيع فشكر، لا تحويه أرضه ولا تقله سماواته، حامل الأشياء بقدرته، ديمومي أزلي، لا ينسي ولا يلهو ولا يغلط ولا يلعب، ولا لإرادته فصل وفصله جزاء وأمره واقع، لم يلد فيورث ولم يولد فيشارك، ولم يكن له كفواً أحد.

دعائم الإسلام:1/13

وعنه صلوات الله عليه أنه قيل له: يا أمير المؤمنين ما أدني ما يكون به العبد مؤمناً، وما أدني ما يكون به كافراً، وما أدني ما يكون به ضالاً؟

قال: أدني ما يكون به مؤمناً أن يعرفه الله نفسه فيقر له بالطاعة، وأن يعرفه الله نبيه صلي الله عليه وآله فيقر له بالطاعة، وأن يعرفه الله حجته في أرضه وشاهده علي خلقه فيعتقد إمامته فيقر له بالطاعة.

قيل: وإن جهل غير ذلك؟ قال: نعم ولكن إذا أمر أطاع وإذا نهي انتهي.

وأدني ما يصير به مشركاً أن يتدين بشئ مما نهي الله عنه فيزعم أن الله أمر به، ثم ينصبه ديناً ويزعم أنه يعبد الذي أمر به وهو غير الله عزوجل. وأدني ما يكون به ضالاً أن لا يعرف حجة الله في أرضه وشاهده علي خلقه فيأتم به.

الرسائل للشيخ الأنصاري:1/275

وقد ذكر العلامة في الباب

الحادي عشر فيما يجب معرفته علي كل مكلف، من تفاصيل التوحيد والنبوة والإمامة والمعاد، أموراً لا دليل علي وجوبها كذلك، مدعياً أن الجاهل بها عن نظر وإستدلال خارج عن ربقة الإيمان مستحق للعذاب الدائم. وهو في غاية الإشكال.

نعم يمكن أن يقال: إن مقتضي عموم وجوب المعرفة، مثل قوله تعالي: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ، أي ليعرفون. وقوله (صلي الله عليه وآله): وما أعلم بعد المعرفة أفضل من هذه الصلوات الخمس، بناء علي أن الأفضلية من الواجب، خصوصاً مثل الصلاة، تستلزم الوجوب.

وكذا عمومات وجوب التفقه في الدين الشامل للمعارف بقرينة استشهاد الإمام عليه السلام بها، لوجوب النفر لمعرفة الإمام بعد موت الإمام السابق عليه السلام وعمومات طلب العلم هو وجوب معرفة الله جل ذكره ومعرفة النبي صلي الله عليه وآله والإمام عليه السلام ومعرفة ما جاء به النبي (صلي الله عليه وآله) علي كل قادر يتمكن من تحصيل العلم، فيجب الفحص حتي يحصل اليأس، فإن حصل العلم بشئ من هذه التفاصيل إعتقد وتدين به، وإلا توقف ولم يتدين بالظن لو حصل له.

ومن هنا قد يقال: إن الإشتغال بالعلم المتكفل لمعرفة الله ومعرفة أوليائه صلوات الله عليهم أهم من الإشتغال بعلم المسائل العلمية بل هو المتعين، لأن العمل يصح عن تقليد، فلا يكون الإشتغال بعلمه إلا كفائياً بخلاف المعرفة.

هذا، ولكن الإنصاف ممن جانب الإعتساف يقتضي الإذعان بعدم التمكن من ذلك إلا للأوحدي من الناس، لأن المعرفة المذكورة لا تحصل إلا بعد تحصيل قوة استنباط المطالب من الأخبار وقوة نظرية أخري لئلا يأخذ بالأخبار المخالفة للبراهين العقلية، ومثل هذا الشخص مجتهد في الفروع قطعاً، فيحرم عليه التقليد. ودعوي جوازه له للضرورة ليس بأولي

من دعوي جواز ترك الإشتغال بالمعرفة التي لا تحصل غالباً بالأعمال المبتنية علي التقليد.

هذا إذا لم يتعين عليه الإفتاء والمرافعة لأجل قلة المجتهدين. وأما في مثل زماننا فالأمر واضح.

فلا تغتر حينئذ بمن قصر استعداده أو همته عن تحصيل مقدمات استنباط المطالب الإعتقادية الأصولية والعلمية عن الأدلة العقلية والنقلية، فيتركها مبغضاً لها لأن الناس أعداء ما جهلوا، ويشتغل بمعرفة صفات الرب جل ذكره وأوصاف حججه صلوات الله عليهم بنظر في الأخبار لا يعرف به من ألفاظها الفاعل من المفعول، فضلاً عن معرفة الخاص من العام. وبنظر في المطالب العقلية لا يعرف به البديهيات منها، ويشتغل في خلال ذلك بالتشنيع علي حملة الشريعة العملية واستهزائهم بقصور الفهم وسوء النية، فيسأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون. هذا كله حال وجوب المعرفة مستقلاً.

وأما اعتبار ذلك في الإسلام أو الإيمان فلا دليل عليه، بل يدل علي خلافه الأخبار الكثيرة المفسرة لمعني الإسلام والإيمان.

ففي رواية محمد بن سالم عن أبي جعفر عليه السلام المروية في الكافي: إن الله عز وجل بعث محمداً (صلي الله عليه وآله) وهو بمكة عشر سنين، ولم يمت بمكة في تلك العشر سنين أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، إلا أدخله الله الجنة بإقراره وهو إيمان التصديق.

فإن الظاهر أن حقيقة الإيمان التي يخرج الإنسان بها عن حد الكفر الموجب للخلود في النار لم تتغير بعد انتشار الشريعة. نعم ظهر في الشريعة أمور صارت ضرورية الثبوت من النبي(ص)، فيعتبر في الإسلام عدم إنكارها.

لكن هذا لا يوجب التغيير، فإن المقصود أنه لم يعتبر في الإيمان أزيد من التوحيد والتصديق بالنبي (صلي الله عليه وآله) وبكونه رسولاً صادقاً فيما

يبلغ. وليس المراد معرفة تفاصيل ذلك، وإلا لم يكن من آمن بمكة من أهل الجنة أو كان حقيقة الإيمان بعد انتشار الشريعة غيرها في صدر الإسلام.

وفي رواية سليم بن قيس عن أمير المؤمنين عليه السلام: إن أدني ما يكون به العبد مؤمناً أن يعرفه الله تبارك وتعالي إياه فيقر له بالطاعة، ويعرفه نبيه فيقر له بالطاعة، ويعرفه إمامه وحجته في أرضه وشاهده علي خلقه فيقر له بالطاعة.

فقلت له: يا أمير المؤمنين! وإن جهل جميع الأشياء إلا ما وصفت قال: نعم. وهي صريحة في المدعي.

وفي رواية أبي بصير عن أبي عبدالله عليه السلام قال: جعلت فداك، أخبرني عن الدين الذي افترضه الله تعالي علي العباد ما لايسعهم جهله ولا يقبل منهم غيره، ما هو؟ فقال: أعده علي، فأعاد عليه، فقال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً، وصوم شهر رمضان، ثم سكت قليلاً، ثم قال: والولاية والولاية، مرتين ثم قال: هذا الذي فرض الله عز وجل علي العباد، لا يسأل الرب العباد يوم القيامة، فيقول: ألا زدتني علي ما افترضت عليك، ولكن من زاد زاده الله. إن رسول الله صلي الله عليه وآله سن سنة حسنة ينبغي للناس الأخذ بها.

ونحوها رواية عيسي بن السري، قلت لابي عبد الله عليه السلام: حدثني عما بنيت عليه دعائم الإسلام التي إذا أخذت بها زكي عملي....

وفي رواية أبي اليسع قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: أخبرني عن دعائم الإسلام التي لا يسع أحداً التقصير عن معرفة شئ منها... (وقد أوردنا الروايتين في بحث معرفة الإمام)

وفي رواية إسماعيل: قال: سألت أبا

جعفر عليه السلام عن الدين الذي لا يسع العباد جهله فقال: الدين واسع، وإن الخوارج ضيقوا علي أنفسهم بجهلهم.

فقلت: جعلت فداك أما أحدثك بديني الذي أنا عليه. فقال: بلي. قلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، والإقرار بما جاء به من عند الله، وأتولاكم وأبرأ من عدوكم ومن ركب رقابكم وتأمر عليكم وظلمكم حقكم. فقال: ما جهلت شيئاً. فقال: هو والله الذي نحن عليه. فقلت: فهل يسلم أحد لا يعرف هذا الأمر. قال: لا إلا المستضعفين. قلت: من هم قال: نساؤكم وأولادكم. قال: أرأيت أم أيمن! فإني أشهد أنها من أهل الجنة، وما كانت تعرف ما أنتم عليه.

فإن في قوله (ما جهلت شيئاً) دلالة واضحة علي عدم اعتبار الزائد في أصل الدين. والمستفاد من الأخبار المصرحة بعدم اعتبار معرفة أزيد مما ذكر فيها في الدين، وهو الظاهر أيضاً من جماعة من علمائنا الأخيار كالشهيدين في الألفية وشرحها، والمحقق الثاني في الجعفرية، وشارحها وغيرهم، وهو أنه يكفي في معرفة الرب التصديق بكونه موجوداً وواجب الوجود لذاته والتصديق بصفاته الثبوتية الراجعة إلي صفتي العلم والقدرة ونفي الصفات الراجعة إلي الحاجة والحدوث، وأنه لا يصدر منه القبيح فعلاً أو تركاً.

والمراد بمعرفة هذه الأمور ركوزها في اعتقاد المكلف، بحيث إذا سألته عن شئ مما ذكر أجاب بما هو الحق فيه، وإن لم يعرف التعبير عنه بالعبارات المتعارفة علي ألسنة الخواص.

ويكفي في معرفة النبي (صلي الله عليه وآله) معرفة شخصه بالنسب المعروف المختص به، والتصديق بنبوته وصدقه، فلا يعتبر في ذلك الإعتقاد بعصمته، أعني كونه معصوماً بالملكة من أول عمر إلي آخره. قال في المقاصد العلية: ويمكن اعتبار ذلك، لأن الغرض المقصود

من الرسالة لا يتم إلا به، فينتفي بالفائدة التي باعتبارها وجب إرسال الرسل. وهو ظاهر بعض كتب العقائد المصدرة بأن من جهل ما ذكروه فيها فليس مؤمناً مع ذكرهم ذلك، والأول غير بعيد عن الصواب. انتهي.

أقول: والظاهر أن مراده ببعض كتب العقائد هو الباب الحادي عشر للعلامة قدس سره حيث ذكر تلك العبارة، بل ظاهره دعوي إجماع العلماء عليه.

نعم يمكن أن يقال: إن معرفة ما عدا النبوة واجبة بالإستقلال علي من هو متمكن منه بحسب الإستعداد وعدم الموانع، لما ذكرنا من عمومات وجوب التفقه وكون المعرفة أفضل من الصلوات الواجبة، وأن الجهل بمراتب سفراء الله جل ذكره مع تيسر العلم بها تقصير في حقهم وتفريط في حبهم ونقص يجب بحكم العقل رفعه، بل من أعظم النقائص.

وقد أومأ النبي (صلي الله عليه وآله) إلي ذلك حيث قال مشيراً إلي بعض العلوم الخارجة من العلوم الشرعية: إن ذلك علم لا يضر جهله. ثم قال: إنما العلوم ثلاثة، آية محكمة وفريضة عادلة وسنة قائمة، وما سواهن فهو فضل.

وقد أشار إلي ذلك رئيس المحدثين في ديباجة الكافي، حيث قسم الناس إلي أهل الصحة والسلامة وأهل المرض والزمانة، وذكر وضع التكليف عن الفرقة الأخيرة.

ويكفي في معرفة الأئمة صلوات الله عليهم، معرفتهم بنسبهم المعروف والتصديق بأنهم أئمة يهدون بالحق ويجب الإنقياد إليهم والأخذ منهم. وفي وجوب الزائد علي ما ذكر من عصمتهم الوجهان. وقد ورد في بعض الأخبار تفسير معرفة حق الإمام بمعرفة كونه إماماً مفترض الطاعة.

ويكفي في التصديق بما جاء به النبي (صلي الله عليه وآله) التصديق بما علم مجيؤه به متواتراً من أحوال المبدأ والمعاد، كالتكليف بالعبادات والسؤال في القبر وعذابه والمعاد الجسماني

والحساب والصراط والميزان والجنة والنار إجمالاً، مع تأمل في اعتبار معرفة ما عدا المعاد الجسماني من تلك الأمور في الإيمان المقابل للكفر الموجب للخلود في النار، للأخبار المتقدمة المستفيضة والسيرة المستمرة، فإنا نعلم بالوجدان جهل كثير من الناس بها من أول البعثة إلي يومنا هذا. ويمكن أن يقال: إن المعتبر هو عدم إنكار هذه الأمور وغيرها من الضروريات، لا وجوب الإعتقاد بها، علي ما يظهر من بعض الأخبار، من أن الشاك إذا لم يكن جاحداً فليس بكافر. ففي رواية زرارة عن أبي عبدالله عليه السلام: لو أن العباد إذا جهلوا وقفوا ولم يجحدوا لم يكفروا. ونحوها غيرها. ويؤيدها ما عن كتاب الغيبة للشيخ قدس سره بإسناده عن الصادق عليه السلام: إن جماعة يقال لهم الحقية، وهم الذين يقسمون بحق علي ولا يعرفون حقه وفضله، وهم يدخلون الجنة.

وبالجملة، فالقول بأنه يكفي في الإيمان الإعتقاد بوجود الواجب الجامع للكمالات المنزه عن النقائص وبنبوة محمد (صلي الله عليه وآله) وبإمامة الائمة غليهم السلام والبراءة من أعدائهم، والإعتقاد بالمعاد الجسماني الذي لا ينفك غالباً عن الإعتقادات السابقة غير بعيد، بالنظر إلي الأخبار والسيرة المستمرة.

وأما التدين بسائر الضروريات ففي اشتراطه، أو كفاية عدم إنكارها، أو عدم اشتراطه أيضاً، فلا يضر إنكارها إلا مع العلم بكونها من الدين وجوه، أقواها الأخير ثم الأوسط. وما استقربناه في ما يعتبر في الإيمان وجدته بعد ذلك في كلام محكي عن المحقق الورع الأردبيلي في شرح الإرشاد.

كفاية الأصول/329

نعم يجب تحصيل العلم في بعض الإعتقادات لو أمكن، من باب وجوب المعرفة لنفسها كمعرفة الواجب تعالي وصفاته، أداء لشكر بعض نعمائه، ومعرفة أنبيائه فإنهم وسائط نعمه وآلائه، بل وكذا معرفة الإمام عليه السلام

علي وجه صحيح، فالعقل يستقل بوجوب معرفة النبي ووصيه لذلك، ولإحتمال الضرر في تركه.

ولا يجب عقلاً معرفة غير ما ذكر، إلا ما وجب شرعاً معرفته كمعرفة الإمام عليه السلام علي وجه آخر غير صحيح، أو أمر آخر مما دل الشرع علي وجوب معرفته، وما لا دلالة علي وجوب معرفته بالخصوص، لا من العقل ولا من النقل، كان أصالة البراءة من وجوب معرفته محكمة. ولا دلالة لمثل قوله تعالي: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ.. الآية، ولا لقوله صلي الله عليه وآله: وما أعلم شيئاً بعد المعرفة أفضل من هذه الصلوات الخمس. ولا لما دل علي وجوب التفقه وطلب العلم من الآيات والروايات علي وجوب معرفته بالعموم، ضرورة أن المراد من (ليعبدون) هو خصوص عبادة الله ومعرفته، والنبوي إنما هو بصدد بيان فضيلة الصلوات لا بيان حكم المعرفة، فلا إطلاق فيه أصلاً. ومثل آية النفر، إنما هو بصدد بيان الطريق المتوسل به إلي التفقه الواجب، لا بيان ما يجب فقهه ومعرفته، كما لا يخفي. وكذا ما دل علي وجوب طلب العلم إنما هو بصدد الحث علي طلبه لا بصدد بيان ما يجب العلم به.

ثم إنه لا يجوز الإكتفاء بالظن فيما يجب معرفته عقلاً أو شرعاً حيث أنه ليس بمعرفة قطعاً، فلا بد من تحصيل العلم لو أمكن، ومع العجز عنه كان معذوراً إن كان عن قصور لغفلة أو لغموضة المطلب مع قلة الإستعداد، كما هو المشاهد في كثير من النساء بل الرجال، بخلاف ما إذا كان عن تقصير في الإجتهاد، ولو لأجل حب طريقة الآباء والأجداد واتباع سيرة السلف، فإنه كالجبلي للخلف، وقلما عنه تخلف. ولا يصغي إلي ما ربما قيل: بعدم وجود القاصر فيها، لكنه

إنما يكون معذوراً غير معاقب علي عدم معرفة الحق، إذا لم يكن يعانده بل كان ينقاد له علي إجماله لو احتمله.

حاشية السيد البروجردي علي كفاية الأصول:2/193

فصل. إنما الثابت بمقدمات دليل الإنسداد في الأحكام هو حجية الظن فيها، لا حجيته في تطبيق المأتي به في الخارج معها، فيتبع مثلاً في وجوب صلاة الجمعة يومها، لا في إتيانها، بل لا بد من علم أو علمي بإتيانها، كما لا يخفي. نعم ربما يجري نظير مقدمة الإنسداد في الأحكام في بعض الموضوعات الخارجية، من إنسداد باب العلم به غالباً، وإهتمام الشارع به بحيث علم بعدم الرضا بمخالفة الواقع بإجراء الأصول فيه مهما أمكن، وعدم وجوب الإحتياط شرعاً أو عدم إمكانه عقلاً، كما في موارد الضرر المردد أمره بين الوجوب والحرمة مثلاً، فلا محيص عن اتباع الظن حينئذ أيضاً، فافهم.

خاتمة: يذكر فيها أمران استطراداً:

الأول: هل الظن كما يتبع عند الإنسداد عقلاً في الفروع العملية، المطلوب فيها أولاً العمل بالجوارح، يتبع في الأصول الإعتقادية المطلوب فيها عمل الجوانح من الإعتقاد به وعقد القلب عليه وتحمله والإنقياد له، أو لا. الظاهر لا، فإن الأمر الإعتقادي وإن أنسد باب القطع به، إلا أن باب الإعتقاد إجمالاً _ بما هو واقعه والإنقياد له وتحمله _ غير منسد، بخلاف العمل بالجوارح فإنه لا يكاد يعلم مطابقته مع ما هو واقعه إلا بالإحتياط، والمفروض عدم وجوبه شرعاً، أو عدم جوازه عقلاً، ولا أقرب من العمل علي وفق الظن. وبالجملة: لا موجب مع إنسداد باب العلم في الإعتقاديات لترتيب الأعمال الجوانحية علي الظن فيها، مع إمكان ترتيبها علي ما هو الواقع فيها، فلا يتحمل إلا لما هو الواقع، ولا ينقاد إلا له، لا

لما هو مظنونه، وهذا بخلاف العلميات، فإنه لا محيص عن العمل بالظن فيها مع مقدمات الإنسداد.

نعم يجب تحصيل العلم في بعض الإعتقادات لو أمكن، من باب وجوب المعرفة لنفسها، كمعرفة الواجب تعالي وصفاته أداء لشكر بعض نعمائه، ومعرفة أنبيائه، فإنهم وسائط نعمه وآلائه، بل وكذا معرفة الإمام عليه السلام علي وجه صحيح، فالعقل يستقل بوجوب معرفة النبي ووصيه لذلك، ولاحتمال الضرر في تركه، ولا يجب عقلاً معرفة غير ما ذكر، إلا ما وجب شرعاً معرفته، كمعرفة الإمام عليه السلام علي وجه آخر غير صحيح، أو أمر آخر مما دل الشرع علي وجوب معرفته، وما لا دلالة علي وجوب معرفته بالخصوص، لا من العقل ولا من النقل، كان أصالة البراءة من وجوب معرفته محكمة.

ولا دلالة لمثل قوله تعالي: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ.. الآية، ولا لقوله صلي الله عليه وآله: وما أعلم شيئاً بعد المعرفة أفضل من هذه الصلوات الخمس، ولا لما دل علي وجوب التفقه وطلب العلم من الآيات والروايات علي وجوب معرفته بالعموم، ضرورة أن المراد من (ليعبدون) هو خصوص عبادة الله ومعرفته، والنبوي إنما هو بصدد بيان فضيلة الصلوات لا بيان حكم المعرفة، فلا إطلاق فيه أصلاً، ومثل آية النفر إنما هو بصدد بيان الطريق المتوسل به إلي التفقه الواجب، لا بيان ما يجب فقهه ومعرفته كما لا يخفي، وكذا ما دل علي وجوب طلب العلم إنما هو بصدد الحث علي طلبه، لا بصدد بيان ما يجب العلم به.

ثم إنه لا يجوز الإكتفاء بالظن فيما يجب معرفته عقلاً أو شرعاً، حيث أنه ليس بمعرفة قطعاً، فلا بد من تحصيل العلم لو أمكن، ومع العجز عنه كان معذوراً إن كان عن قصور

لغفلة أو لغموضة المطلب مع قلة الإستعداد، كما هو المشاهد في كثير من النساء بل الرجال، بخلاف ما إذا كان عن تقصير في الإجتهاد، ولو لاجل حب طريقة الآباء والأجداد واتباع سيرة السلف، فإنه كالجبلي، وقلما عنه تخلف.

والمراد من المجاهدة في قوله تعالي: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا، بتخليتها عن الرذائل وتحليتها بالفضائل، وهي التي كانت أكبر من الجهاد، لا النظر والإجتهاد، وإلا لأدي إلي الهداية، مع أنه يؤدي إلي الجهالة والضلالة، إلا إذا كانت هناك منه تعالي عناية، فإنه غالباً بصدد إثبات أن ما وجد آباءه عليه هو الحق، لا بصدد الحق، فيكون مقصراً مع اجتهاده ومؤاخذ إذا أخطأ علي قطعه واعتقاده.

ثم لا إستقلال للعقل بوجوب تحصيل الظن مع اليأس عن تحصيل العلم، فيما يجب تحصيله عقلا لو أمكن، لو لم نقل باستقلاله بعدم وجوبه بل بعدم جوازه، لما أشرنا إليه من أن الأمور الإعتقادية مع عدم القطع بها أمكن الإعتقاد بما هو واقعها والإنقياد لها، فلا إلجاء فيها أصلاً إلي التنزل إلي الظن فيما انسد فيه باب العلم، بخلاف الفروع العملية كما لا يخفي.

وكذلك لا دلالة من النقل علي وجوبه فيما يجب معرفته مع الامكان شرعاً، بل الأدلة الدالة علي النهي عن اتباع الظن، دليل علي عدم جوازه أيضاً.

وقد انقدح من مطاوي ما ذكرنا أن القاصر يكون في الإعتقاديات للغفلة، أو عدم الإستعداد للإجتهاد فيها، لعدم وضوح الأمر فيها بمثابة لا يكون الجهل بها إلا عن نقص كما لا يخفي، فيكون معذوراً عقلاً.

ولا يصغي إلي ما ربما قيل بعدم وجود القاصر فيها، لكنه إنما يكون معذوراً غير معاقب علي عدم معرفة الحق، إذا لم يكن يعانده، بل كان

ينقاد له علي إجماله لو احتمله.

حقائق الأصول:2/211

قوله: فإن الأمر الإعتقادي، يعني أن العمل علي الظن في الأصول الإعتقادية يتوقف علي تتميم مقدمات الإنسداد فيها وهو غير ممكن إذ منها عدم إمكان الإحتياط الموجب للدوران بين الأخذ بالطرف المظنون والموهوم، وبقاعدة قبح ترجيح المرجوح يتعين الأول، وفي المقام لا مجال للدوران المذكور لإمكان الإعتقاد بها إجمالاً علي ما هي عليه واقعاً، إلا أن يدعي وجوب الإعتقاد بها تفصيلاً حتي في حال الجهل، فإنه حيث لا يمكن العلم بها لابد من سلوك الظن لأنه أقرب إلي الواقع، لكن لابد من الإلتزام بالكشف إذ لو لم تكشف المقدمات عن كون الظن حجة شرعاً كان الإعتقاد المطابق له تشريعاً محرماً عقلاً، فتأمل جيداً.

إلا أن دعوي وجوب الإعتقاد تفصيلاً مطلقاً لا دليل عليها من عقل أو شرع فلاحظ.

قوله: كمعرفة الواجب تعالي، لا ريب ظاهراً في وجوب هذه المعارف وإنما الخلاف في وجوبها عقلاً أو شرعاً، فالمحكي عن العدلية الأول، وعن الأشاعرة الثاني، والخلاف في ذلك منهم مبني علي الخلاف في ثبوت قاعدة التحسين والتقبيح العقليين، فعلي القول بها _ كما هو مذهب الأولين _ تكون واجبة عقلاً لأن شكر المنعم ودفع الخوف عن النفس واجبان وهما يتوقفان علي المعرفة وما يتوقف عليه الواجب واجب، وظاهر تقرير هذا الدليل كون وجوب المعرفة غيري، والمصنف رحمه الله جعل وجوبها نفسياً بناء منه علي كون المعرفة بنفسها شكراً، فإذا كان الشكر واجباً عقلاً لكونه حسناً بنفسه كانت المعرفة بنفسها واجبة لا أنها مقدمة لواجب، ولذا قال في تعليل وجوبها: أداء لشكر بعض... الخ.

نعم لو كان الشكر واجباً من باب وجوب دفع الضرر كان وجوبه غيرياً فيكون وجوب المعرفة

حينئذ غيرياً، بل لو قلنا حينئذ بأن وجوب دفع الضرر ليس عقلياً بل فطرياً كان وجوبها فطرياً غيرياً لا عقلياً لا نفسياً ولا غيرياً.

والإنصاف يقتضي التأمل في وجوب الشكر لنفسه وإن كان حسناً لأن حسنه لا يلازم وجوبه، نعم هو واجب من باب وجوب دفع الضرر المحتمل، فيكون وجوب المعرفة غيرياً لا نفسياً. وأما كونه عقلياً أو فطرياً فقد عرفت فيما سبق تحقيقه. فلاحظ.

ثم إنه قد يتوهم كون وجوب المعرفة غيرياً من جهة توقف الإعتقاد عليها، لكنه إنما يتم لو كان الإعتقاد واجباً تفصيلاً مطلقاً غير مشروط بالمعرفة مع توقفه علي المعرفة، وقد عرفت الإشكال في الأول، كما يمكن منع الثاني لإمكان تحقق الإعتقاد بلا معرفة غاية الأمر أنه تشريع محرم عقلاً لكن تحريمه كذلك لا يقتضي وجوب المعرفة. نعم لو كان الواجب عقلاً هو الإعتقاد عن معرفة كانت واجبة لغيرها لكنه أول الكلام.

قوله: فإنهم وسائط، يعني فتكون معرفتهم أداء للشكر الواجب، وكذا معرفة الإمام عليه السلام علي وجه صحيح (هامش: وهو كون الإمامة كالنبوة منصباً إلهياً يحتاج إلي تعيينه تعالي ونصبه لا أنها من الفروع المتعلقة بأفعال المكلفين وهو الوجه الآخر منه (قدس سره)، فالعقل يستقل بوجوب معرفة النبي ووصيه لذلك ولاحتمال الضرر في تركه، ولا يجب عقلاً معرفة غير ما ذكر إلا ما وجب شرعاً معرفته - كمعرفة الإمام عليه السلام - علي وجه آخر غير صحيح أو أمر آخر مما دل الشرع علي وجوب معرفته، وما لا دلالة علي وجوب معرفته بالخصوص لا من العقل ولا من النقل كان أصالة البراءة من وجوب معرفته محكمة، ولا دلالة لمثل قوله تعالي: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الإنْسَ، الآية ولا لقوله (صلي

الله عليه وآله): وما أعلم شيئاً بعد المعرفة أفضل من هذه الصلوات الخمس، ولا لما دل علي وجوب التفقه وطلب العلم من الآيات والروايات علي وجوب معرفته بالعموم أن المراد من: ليعبدون، هو خصوص عبادة الله ومعرفته والنبوي إنما هو بصدد بيان فضيلة الصلوات لا بيان حكم المعرفة فتجب.

قوله: وكذا معرفة الإمام عليه السلام، يعني واجبة لنفسها لأن الإمامة كالنبوة من المناصب الإلهية فيكون الإمام عليه السلام من وسائط النعم فتجب معرفته كمعرفة النبي (صلي الله عليه وآله) وهذا هو الوجه الصحيح....

نهاية الافكار:2/188

أما المقام الأول، فلا ينبغي الإشكال في وجوب تحصيل معرفة الواجب تعالي ومعرفة ما يرجع إليه من صفات الجمال والجلال، ككونه واحداً قادراً عالماً مريداً حياً غنياً لم يكن له نظير ولا شبيه، ولم يكن بجسم ولا مرئي ولا له حيز ونحو ذلك.. كما لا إشكال أيضاً في كون الوجوب المزبور نفسياً، لأن المعرفة بالمبدأ سبحانه هي الغاية القصوي والغرض الأصلي من خلق العباد وبعث الرسل كما ينبي عنه قوله سبحانه: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ، حيث أن حقيقة العبودية هي المعرفة ولا ينافي ذلك مقدميتها لواجب آخر عقلي أو شرعي كالتدين والإنقياد ونحوه. ثم إن عمدة الدليل علي وجوب المعرفة إنما هو حكم العقل الفطري واستقلاله بوجوب تحصيل المعرفة بالمبدأ تعالي علي كل مكلف بمناط شكر المنعم باعتبار كونها من مراتب أداء شكره فيجب بحكم العقل تحصيل المعرفة به سبحانه، وبما يرجع إليه من صفات الجمال والجلال، بل ويجب أيضاً معرفة أنبيائه ورسله وحججه الذين هم وسائط نعمه وفيضه.

وإلا فمع الأغماض عن هذا الحكم العقلي الفطري لا تجدي الأدلة السمعية كتاباً وسنة من نحو قوله سبحانه: وَمَا

خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ، لعدم تمامية مثل هذه الإستدلالات للجاهل بهما لا إلزاماً ولا إقناعاً، لأن دليليتهما فرع الإعتقاد بهما وبكلامهما، وحينئذ فالعمدة في الدليل علي الوجوب هو حكم العقل الفطري.

نعم بعد تحصيل المعرفة بالمبدأ ووسائط نعمه بحكم العقل، لا بأس بالإستدلال بالكتاب والسنة لإثبات وجوب المعرفة لما عداهما في فرض تمامية إطلاق تلك الأدلة من حيث متعلق المعرفة، وإلا فبناء علي عدم إطلاقها من هذه الجهة فلا مجال للتمسك بها أيضاً.

ثم إنه مما ذكرنا ظهر الحال في المقام الثاني، حيث أنه بعد ما وجب تحصيل المعرفة بالواجب تعالي وبوسائط نعمه يجب بحكم العقل الإعتقاد وعقد القلب والانقياد له سبحانه، لكون مثله أيضاً من مراتب أداء شكره الواجب عليه. بل الظاهر أن وجوب ذلك أيضاً كوجوب أصل المعرفة مطلق غير مشروط بحصول العلم من الخارج، فيجب عليه حينئذ تحصيل العلم مقدمة للإنقياد الواجب.

هذا كله بالنسبة إلي أصل وجوب المعرفة، وأما المقدار الواجب منها فإنما هو المعرفة بالمبدأ جل شأنه وبوحدانيته وبما يرجع إليه من صفات الجمال والجلال، وكذا معرفة أنبيائه ورسله وحججه الذين هم وسائط نعمه وفيضه، وكذلك الحشر والنشر ولو بنحو الاجمال.

وأما ما عدا ذلك كتفاصيل التوحيد وكيفية علمه وإرادته سبحانه، وتفاصيل المحشر وخصوصياته، وأن الميزان والصراط بأي كيفية، ونحو ذلك فلا يجب تحصيل العلم ولا الإعتقاد بها بتلك الخصوصيات.

نعم في فرض حصول العلم بها من الخارج يجب الإعتقاد وعقد القلب بها. فوجوب الإعتقاد بخصوصيات الأامور المزبورة إنما كان مشروطاً بحصول العلم بها من باب الإتفاق، لا أن وجوبها مطلق حتي يجب تحصيل العلم بها من باب المقدمة. نعم الواجب علي المكلف هو الإعتقاد الإجمالي بما هو الواقع

ونفس الأمر فيعتقد وينقاد بتلك الأمور علي ما هي عليها في الواقع ونفس الأمر.

ومن هذا البيان ظهر الحال في المقام الثالث أيضاً، فإن مقتضي الأصل فيما عدا المقدار المزبور هو عدم وجوب تحصيل المعرفة زائداً علي المقدار الذي يستقل العقل بوجوب تحصيله، إلا ما ثبت من الخارج وجوب الإعتقاد به من ضرورة ونحوه كالمعاد الجسماني.

وأما الإستدلال علي وجوب المعرفة بتفاصيل الأمور المزبورة بما ورد من الأدلة النقلية كتاباً وسنة كقوله سبحانه: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ، وعموم آية النفر، وقوله عليه السلام: لا أعلم شيئاً بعد المعرفة أفضل من الصلوات الخمس، وقوله: طلب العلم فريضة علي كل مسلم ومسلمة، فيدفعه مضافاً إلي قضاء العادة بامتناع حصول المعرفة بما ذكر إلا للأوحدي من الناس، أنه لا إطلاق لها من حيث متعلق المعرفة لأنها بين ما كان في مقام بيان فضيلة الصلاة والحث والترغيب إليها لا في مقام بيان حكم المعرفة، وبين ما كان بصدد إثبات أصل وجوب المعرفة بالمبدأ ورسله وحججه لا في مقام وجوبها علي الإطلاق، حتي بالنسبة إلي التفاصيل المزبورة. وعليه فعند الشك لابد من الرجوع إلي الأصل المقتضي لعدم وجوبها.

نعم حيث قلنا بعدم وجوب تحصيل المعرفة في الزائد عن المقدار المعلوم فليس له إنكاره والحجد به، إذ لا يستلزم عدم وجوب المعرفة بشئ جواز إنكاره، بل ربما يكون إنكاره حراماً عليه، بل موجباً لكفره إذا كان من الضروريات، لما يظهر منهم من التسالم علي كفر منكر ضروري الدين كالمعراج والمعاد الجسماني ونحوهما. فلا بد لمثل هذا الشخص حينئذ من الإعتقاد إجمالاً بما هو الواقع.

شرح المواقف للجرجاني:8/105

... والجواب منع التكليف بكمال معرفته إذ هو أي التكليف بقدر وسعنا

فنحن مكلفون بأن نعرف من صفاته ما يتوقف تصديق النبي عليه السلام علي العلم به لا بمعرفة صفات أخري. أو بأن نقول سلمنا تكليفنا بكمال معرفته لكن لا يلزم من التكليف به حصوله من جميع المكلفين بل ربما يعرفه معرفة كاملة بعض منهم كالأنبياء والكاملين من أتباعهم....

فإن قلت: مرادهم أنا مكلفون بكمال معرفة ممكنة، وقد لا يسلمون كون معرفته تعالي بالكنه ممكنة.

قلت: لو سلم فلعل له تعالي صفة لا يمكن لنا معرفتها أيضاً فلا يتجه لهم بما ذكروه نفي صفة غير السمع بالكلية، فتأمل.

قوله: فنحن مكلفون إلي آخره.. هذا مترتب علي منة التكليف بكمال المعرفة، ثم الترتب باعتبار الأخبار نظيره الفاء في قوله تعالي: وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ، أي إذا كان التكليف بكمال المعرفة ممنوعاً فأخبركم أنا مكلفون بكذا لا بكذا، وحينئذ لا يرد أن مثل السمع والبصر والكلام داخل تحت الوسع، فيقتضي قوله إذ هو بقدر وسعنا أن نكون مكلفين بمعرفته أيضاً مع أن التفريع يقتضي عدم التكليف بها، إذ لا يتوقف تصديق النبي عليه السلام علي شئ منها، فتدبر.

المعرفة لا تتوقف علي علم الكلام

مستدرك الوسائل:1/161

فقه الرضا عليه السلام: إياك والخصومة فإنها تورث الشك وتحبط العمل، وتردي صاحبها، وعسي أن يتكلم بشئ لا يغفر له.

ونروي: إنه كان فيما مضي قوم انتهي بهم الكلام إلي الله عز وجل فتحيروا، فإن كان الرجل ليدعي من بين يديه فيجيب من خلفه.

وأروي: تكلموا فيما دون العرش، فإن قوماً تكلموا في الله عز وجل فتاهوا.

وأروي عن العالم: وسألته عن شئ من الصفات فقال: لا تتجاوز ما في القرآن.

وأروي: إنه قري بين يدي العالم عليه السلام قوله: لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ،

فقال: إنما عني أبصار القلوب وهي الاوهام، فقال: لا تدرك الأوهام كيفيته، وهو يدرك كل وهم، وأما عيون البشر فلا تلحقه، لأنه لا يحل فلا يوصف. هذا ما نحن عليه كلنا.

رسائل الشهيد الثاني:2/174

التوحيد علي ثلاثة أقسام:

الأول: توحيد الذات ونفي الشريك في واجب الوجود.

الثاني: بحسب الصفات هو نفي الصفة الموجودة القائمة بذاته تعالي.

الثالث: توحيده تعالي بحسب العبودية وتخصيص العبادة له جل جلاله.

والعمدة في الإستدلال علي الأول قوله تعالي: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللهُ لَفَسَدَتَا. والدليل علي الثاني والثالث قوله تعالي: وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا، وقول مولانا أمير المؤمنين عليه السلام: إن أول الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده، وكمال توحيده الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه، بشهادة كل صفة أنها غير الموصوف وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثناه ومن ثناه فقد جزأه، ومن جزأه فقد جهله. صدق ولي الله عليه السلام. وروي محمد بن أبي عمير عن الكاظم عليه السلام حين سأله عن التوحيد؟ فقال: يا أبا أحمد لا تجاوز في التوحيد عما ذكره الله تعالي في كتابه فتهلك.

وسائر صفاته الثبوتية مذكورة في القرآن، مصرحة بواجب الوجود، وهو دليل علي نفي الصفات السلبية، لإستلزامها الامكان المضاد للوجوب. وباقي الأصول من النبوة والإمامة والمعاد الجسماني مستفاد من الكتاب العزيز والسنة النبوية والإمامية، بحيث لا مزيد عليها.

فظهر أن تحصيل الإيمان لا يتوقف علي تعلم علم الكلام ولا المنطق، ولا غيرها من العلوم المدونة، بل يكفي مجرد الفطرة الإنسانية علي اختلاف مراتبها، والتنبيهات الشرعية من الكتاب والسنة المتواترة أو الشائعة المشهورة، بحيث يحصل

من العلم بها العلم بالمسائل المذكورة. وكل ممكن برهان، وكل آية حجة، وكل حديث دليل، وفهم المقصود استدلال، وكل عاقل مستدل، وإن لم يعلم الصغري ولا الكبري ولا التالي ولا المقدم، بهذه العبارات والقانونات والإصطلاحات.

رسائل الشهيد الثاني:2/176

الباب السادس، في الكلام علي تعلم علم الكلام، واعلم أنه علم إسلامي وضعه المتكلمون لمعرفة الصانع وصفاته العليا، وزعموا أن الطريق منحصر فيه وهو أقرب الطرق. والحق أنه أبعدها وأصعبها وأكثرها خوفاً وخطراً، ولذلك نهي النبي صلي الله عليه وآله عن الغور فيه، حيث روي أنه مر علي شخصين متباحثين علي مسألة، كالقضاء والقدر، فغضب صلي الله عليه وآله حتي احمرت وجنتاه.

وروي هارون بن موسي التلعكبري أستاد شيخنا المفيد قدس سرهما، عن عبدالله ابن سنان قال: أردت الدخول علي أبي عبدالله عليه السلام، فقال لي مؤمن الطاق، استأذن لي علي أبي عبدالله عليه السلام، فقلت: نعم، فدخلت عليه فاعلمته مكانه، فقال عليه السلام: يابن سنان لا تأذن له علي، فإن الكلام والخصومات يفسدان النية وتمحق الدين.

وعن عاصم بن حميد الحناط عن أبي عبيدة الحذاء قال: قال لي أبوجعفر عليه السلام وأنا عنده: إياك وأصحاب الكلام والخصومات ومجالستهم، فإنهم تركوا ما أمروا بعلمه وتكلفوا ما لم يؤمروا بعلمه حين تكلفوا أهل أبناء السماء. يا أبا عبيدة خالط الناس بأخلاقهم وزائلهم في أعمالهم، يا أبا عبيدة إنا لا نعد الرجل فقيهاً عالماً حتي يعرف لحن القول، وهو قوله تعالي: وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ.

وعن جميل بن دراج قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: متكلموا هذه الأمة من شرار أمتي ومن هم منهم.

وعنه عليه السلام: يهلك أهل الكلام وينجو المسلمون.

وورد في موضع آخر: إن شر

هذه الأمة المتكلمون.

وروي أن يونس قال للصادق عليه السلام: جعلت فداك إني سمعت أنك تنهي عن الكلام تقول: ويل لاصحاب الكلام. فقال عليه السلام: إنما قلت ويل لهم إن تركوا ما أقول وذهبوا إلي ما يقولون.

أقول: يمكن أن يكون هذا إشارة إلي أنهم تركوا التشبيهات كما عرفت الواردة في القرآن والآثار النبوية والإمامية صلوات الله عليهم، وعدلوا عنها إلي خيالاتهم الفاسدة وحكاياتهم الباردة، المذكورة في الكتب الكلامية.

قال سيد المحققين رضي الدين علي بن طاووس قدس سره: مثل مشائخ المعتزلة في تعليمهم معرفة الصانع، كمثل شخص أراد أن يعرف غيره النار، فقال: يا هذا معرفتها تحتاج إلي أسباب: أحدها الحجر ولا يوجد إلا طريق مكة. والثاني الحديد وصفته كذا وكذا. والثالث حراق علي هذه الصفة. والرابع مكان خال عن شدة الهواء، فأخذ المسكين في تحصيل هذه الأسباب.

ولو قال له في أول الحال: إن هذه الجسم المضي الذي تشاهده هو النار التي تطلبها لأراح واستراح.

فمثل هذا العالم حقيق أن يقال إنه قد أضل، ولا يقال إنه قد هدي، أو عدل بالخلائق (في معرفة الخالق) إلي تلك الطرائق الضيقة البعيدة، وضيق عليهم سبيل الحقيقة، كما عدل من أراد تعريف النار المعلومة بالإضطرار إلي استخراجها من الأخبار.

أقول: هذا حال الكلام الذي كان في أول الإسلام، ولا شك أنه ما كان بهذه المثابة من البحث والخصومة، فما ظنك بهذه المباحثات والخصومات الشائعة في زماننا. وليت شعري أن هؤلاء الجماعة هل لهم دليل عقلي ونقلي علي وجوبه واستحبابه؟ أو مجرد تقليد آبائهم وأسلافهم، وأنهم علي آثارهم لمقتدون. وأنهم هل يقرون بإيمان السابقين أو ينكرونه؟ وهل يعترفون بإيمان العوام الغافلين عنه أو لا يعترفون؟ فإن أقروا

واعترفوا فما فائدته؟ وإلا فكيف يعاشرونهم بالرطوبات؟ مع اعتقادهم بأن عدم المعرفة بالأصول كفر والكافر نجس. وكيف يجوز الإشتغال بالواجب مع استلزامه ترك ما هو أوجب؟ فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتي يلاقوا يومهم الذي كانوا يوعدون.

و يكفي الدليل الاجمالي في المعرفة

الاقتصاد للشيخ الطوسي/15

فإن قيل: قد ذكرتم أنه يخرج الإنسان عن حد التقليد بعلم الجملة، ما حد ذلك بينوه لنقف عليه؟

قلنا: أحوال الناس تختلف في ذلك: فمنهم من يكفيه الشئ اليسير، ومنهم من يحتاج إلي أكثر منه بحسب ذكائه وفطنته وخاطره، حتي يزيد بعضهم علي بعض إلي أن يبلغ إلي حد لا يجوز له الإقتصار علي علم الجملة بل يلزمه علي التفصيل لكثرة خواطره وتواتر شبهاته. وليس يمكن حصر ذلك لشئ لا يمكن الزيادة عليه ولا النقصان عنه.

فإن قيل: فعلي كل حال بينوا لذلك مثالاً علي وجه التقريب.

قلنا: أما علي وجه التقريب فإنا نقول: من فكر في نفسه فعلم أنه لم يكن موجوداً ثم وجد نطفة ثم صار علقة ثم مضغة ثم عظماً ثم جنيناً في بطن أمه ميتاً ثم صار حياً فبقي مدة ثم ولد صغيراً، فتتقلب به الأحوال من صغر إلي كبر ومن طفولة إلي رجلة ومن عدم عقل إلي عقل كامل ثم إلي الشيخوخة وإلي الهرم ثم الموت، وغير ذلك من أحواله، عَلِمَ أن هنا من يصرفه هذا التصريف ويفعل به هذا الفعل، لأنه يعجز عن فعل ذلك بنفسه، وحال غيره من أمثاله حاله من العجز عن مثل ذلك. فعلم بذلك أنه لابد من أن يكون هناك من هو قادر علي ذلك مخالف له، لأنه لو كان مثله لكان حكمه حكمه. ويعلم أنه لا بد أن يكون عالماً من حيث أن ذلك في

غاية الحكمة والإتساق، مع علمه الحاصل بأن بعض ذلك لا يصدر ممن ليس بعالم، وبهذا القدر يكون عالماً بالله تعالي علي الجملة.

وهكذا إذا نظر في بذر يبذر فينبت منه أنواع الزرع والغرس ويصعد إلي منتهاه، فمنه ما يصير شجراً عظيماً يخرج منه أنواع الفواكه والملاذ، ومنه ما يصير زرعاً يخرج منه أنواع الأقوات، ومنه ما يخرج منه أنواع المشمومات الطيبة الروائح، ومنه ما يكون خشبه في غاية الطيب كالعود الرطب وغير ذلك، وكالمسك الذي يخرج من بعض الظباء والعنبر الذي يخرج من البحر، فيعلم بذلك أن مصرف ذلك وصانعه قادر عالم لتأتي ذلك وإتساقه، ولعجزه وعجز أمثاله عن ذلك، فيعلم بذلك أنه مخالف لجميع أمثاله، فيكون عارفاً بالله علي الجملة.

وكذلك إذا نظر إلي السماء صاحية فتهب الرياح وينشأ السحاب ويصعد ولا يزال يتكاثف ويظهر فيه الرعد والبرق والصواعق، ثم ينزل منه من المياه والبحار العظيمة التي تجري منها الأنهار العظيمة والأودية الوسيعة، وربما كان فيه من البرد مثل الجبال، كل ذلك في ساعة واحدة ثم تنقشع السماء وتبدو الكواكب وتطلع الشمس أو القمر كأن ما كان لم يكن من غير تراخ ولا زمان بعيد، فيعلم ببديهة أنه لابد أن يكون من صح ذلك منه قادراً عليه ممكن منه، وأنه مخالف له ولأمثاله، فيكون عند ذلك عارفاً بالله. وأمثال ذلك كثيرة لا نطول بذكره.

فمتي عرف الإنسان هذه الجملة وفكر فيها هذا الفكر واعتقد هذا الإعتقاد، فإن مضي علي ذلك ولم يشعثه خاطر ولا طرقته شبهة فهو ناج متخلص.

وأكثر من أشرتم إليه يجوز أن يكون هذه صفته، وإن بحث عن ذلك وعن علل ذلك فطرقته شبهات وخطرت له خطرات وأدخل عليه قوم ملحدون

ما حيره وبلبله فحينئذ يلزمه التفتيش ولا تكفيه هذه الجملة، ويجب عليه أن يتكلف البحث والنظر علي ما سنبينه ليسلم من ذلك ويحصل له العلم علي التفصيل.

ونحن نبين ذلك في الفصل الذي يلي هذا الفصل علي ما وعدنا به إنشاء الله.

فإن قيل: أصحاب الجُمَل (بضم الجيم أي أصحاب المعرفة الإجمالية) علي ما ذكرتم لا يمكنهم أن يعرفوا صفات الله تعالي وما يجوز عليه وما لا يجوز عليه منها علي طريق الجمله، وإذا لم يمكنهم ذلك لم يمكنهم أن يعلموا أن أفعاله كلها حكمة ولا حسن التكليف ولا النبوات ولا الشرعيات، لأن معرفة هذه الأشياء لا يمكن إلا بعد معرفة الله تعالي علي طريق التفصيل.

قلنا: يمكن معرفة جميع ذلك علي وجه الجملة، لأنه إذا علم بما قدمناه من الافعال ووجوب كونه قادراً عالماً، وعلم أنه لا يجوز أن يكون قادراً بقدرة محدثة لأنها كانت تجب أن تكون من فعله، وقد تقرر أن المحدث لابد له من محدث، وفاعلها يجب أن يكون قادراً أولاً، فلولا تقدم كونه قادراً قبل ذلك لما صح منه تعالي فعل القدرة، فيعلم أنه لم يكن قادراً بقدرة محدثة، ولأجله علم أنه كذلك لامر لا اختصاص له بمقدور دون مقدور، فيعلم أنه يجب أن يكون قادراً علي جميع الأجناس ومن كل جنس علي ما لا يتناهي لفقد التخصيص.

وكذلك إذا علم بالمحكم من أفعاله كونه عالماً علم أن ما لاجله علم ما علمه لا اختصاص له بمعلوم دون معلوم، إذ المخصص هو العلم المحدث والعلم لا يقع إلا من عالم، فلابد أن يتقدم كونه عالماً لا بعلم محدث، وما لأجله علم لا اختصاص له بمعلوم دون معلوم، فيعلم أنه عالم

بما لا يتناهي وبكل ما يصح أن يكون معلوماً لفقد الاختصاص. فيعلم أنه لا يشبه الأشياء، لأنه لو أشبهها لكان مثلها في كونها محدثة، لأن المثلين لا يكون أحدهما قديماً والآخر محدثاً. ويعلم أنه غير محتاج، لأن الحاجة من صفات الاجسام، لأنها تكون إلي جلب المنافع ودفع المضار وهما من صفات الأجسام، فيعلم عند ذلك أنه غني. ويعلم أنه لا تجوز عليه الرؤية والإدراكات، لأنه لا يصح أن يدرك إلا ما يكون هو أو محله في جهة، وذلك يقتضي كونه جسماً أو حالاً في جسم، وهكذا يقتضي حدوثه وقد علم أنه قديم. وإذا علم أنه عالم بجيمع المعلومات، وعلم كونه غنياً، علم أن جميع أفعاله حكمة وصواب ولها وجه حسن وأن لم يعلمه مفصلاً، لأن القبيح لا يفعله إلا من هو جاهل بقبحه أو محتاج إليه وكلاهما منتفيان عنه، فيقطع عند ذلك علي حسن جميع أفعاله من خلق الخلق والتكليف وفعل الآلام وخلق المؤذيات من الهوام والسباع وغير ذلك.

ويعلم أيضاً عند ذلك صحة النبوات، لأن النبي إذا ادعي النبوة وظهر علي يده علم معجز يعجز عن فعله جميع المحدثين علم أنه من فعل الله، ولو لا صدقه لما فعله، لأن تصديق الكذاب لا يحسن، وقد أمن ذلك بكونه عالماً غنياً. فإذا علم صدق الأنبياء بذلك علم صحة ما أتوا به من الشرعيات والعبادات، لكونهم صادقين علي الله، وأنه لا يتعبد الخلق إلا بما فيه مصلحتهم.

وإذا ثبت له هذه العلوم فتشاغل بالعبادة أو بالمعيشة ولم تخطر له شبهة ولا أورد عليه ما يقدح فيما علمه، ولا فكر هو في فروع ذلك، لم يلزمه أكثر من ذلك. ومتي أورد عليه شبهة فإن تصورها قادحة فيما

علمه يلزمه حينئذ النظر فيها حتي يحلها ليسلم له ما علمه، وإن لم يتصورها قادحة ولا اعتقد أنها تؤثر فيما علمه لم يلزمه النظر فيها ولا التشاغل بها.

وهذه أحوال أكثر العوام وأصحاب المعايش والمترفين، فإنهم ليس يكادون يلتفتون إلي شبهة تورد عليهم ولا يقبلونها ولا يتصورونها قادحة فيما اعتقدوه، بل ربما أعرضوا عنها واستغنوا عن سماعها وإيرادها وقالوا: لا تفسدوا علينا ما علمناه. وقد شاهدت جماعة هذه صورتهم. فبان بهذه الجملة ما أشرنا إليه من أحوال أصحاب الجُمَل.

رسائل الشهيد الثاني:2/142

الثاني في بيان معني الدليل الذي يكفي في حصول المعرفة المحققة للايمان عند من لا يكتفي بالتقليد في المعرفة.

إعلم أن الدليل بمعني الدال، وهو لغة المرشد، وهو الناصب للدليل كالصانع، فإنه نصب العالم دليلاً عليه، والذاكر له كالعالم، فإنه دال بمعني أنه يذكرون العالم دليلاً علي الصانع، ويقال لما به الإرشاد كالعالم، لأنه بالنظر فيه يحصل الإرشاد، أي الإطلاع علي الصانع تعالي.

واصطلاحاً: هو ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلي مطلوب خبري، وهذا يشمل الإمارة، لأنها توصل بالنظر فيها إلي الظن بمطلوب خبري، كالنظر إلي الغيم الرطب في فصل الشتاء، فإن التأمل فيه يوجب الظن بنزول المطر فيه. وقيل: إنه ما يمكن التوصل به إلي العلم بمطلوب خبري، فلا يشمل الإمارة. وهذان التعريفان للأصوليين. وقوله: ما يمكن، يشمل ما نظر فيه بالفعل وأوجب المطلوب وما لم ينظر فيه بعد، فالعالم قبل النظر فيه دليل علي وجود الصانع عند الأصوليين دون المنطقيين حيث عرفوه بأنه قولان فصاعداً يكون عنهما قول آخر، وهذا يشمل الإمارة، وقيل: قولان فصاعداً يلزم عنه لذاته قول آخر، وهذا لا يشمل الإمارة. فالدليل عندهم إنما يصدق علي القضايا

المصدق بها حالة النظر فيها أي ترتيبها، لأنها الحالة التي تكون فيه أو يلزم منها قول آخر.

ويمكن أن يقال: علي اعتبار اللزوم لا يصدق الدليل علي المقدمات حال ترتيبها، لأن اللزوم لا يحصل عنده بل بعده. اللهم إلا أن يراد باللزوم اللغوي، أي الإستتباع.

ثم إن الذي يكفي إعتباره في تحقق الإيمان من هذه التعاريف هو التعريف الثاني للأصوليين لكن بعد النظر فيما يمكن التوصل به، لا الأول، لأن ما يفيد الظن بالمعارف الأصولية غير كاف في تحقق الإيمان علي المذهب الحق.

ولا يعتبر في تحققه شئ من تعريف المنطقيين، لأن العلم بترتيب المقدمات وتفصيلها علي الوجه المعتبر عندهم غير لازم في حصول الإيمان، بل اللازم من الدليل فيه ما تطمئن به النفس بحسب استعدادها ويسكن إليه القلب، بحيث يكون ذلك ثابتاً مانعاً من تطرق الشك والشبهة إلي عقيدة المكلف، وهذا يتفق كثيراً بملاحظة الدليل إجمالاً، كما هو الواقع لأكثر الناس.

أقول: يمكن أن يقال أن حصول العلم عن الدليل لا يكون إلا بعد ترتيب المقدمات علي الوجه التفصيلي المعتبر في شرائط الإستدلال، وحصوله في النفس وإن لم يحصل الشعور بذلك الترتيب، إذ ليس كل ما اتصفت به النفس تشعر به، إذ العلم بالعلم غير لازم.

والحاصل أن الترتيب المذكور طبيعي لكل نفس ناطقة مركوز فيها. وهذا معني ما قالوه من أن الشكل الأول بديهي الإنتاج لقربه من الطبع، فدل علي أن في الطبيعة ترتيباً مطبوعاً متي أشرفت عليه النفس حصل به العلم، وحينئذ فالمعتبر في حصول العلم بالدليل ليس إلا ما ذكره المنطقيون. والخلاف بينهم وبين الأصوليين ليس إلا في التسمية، لانهم يطلقون الدليل علي نفس المحسوس كالعالم، وأهل المعقول لا يطلقونه إلا

علي نفس المعقول كالقضايا المرتبة، مع أن حصول العلم بالفعل علي الإصطلاحين يتوقف علي ترتيب القضايا المعقولة، وما نحن فيه من هذا القبيل،فإن حصول الإيمان بالفعل أعني التصديق بالمعارف الإلهية إنمايكون بعد الترتيب المذكور.

فقولهم إن الدليل الإجمالي كاف في الإيمان لا يخلو عن مسامحة، لما بينا من أن الترتيب لابد منه في النظريات، وكأنهم أرادوا بالإجمال عدم الشعور بذلك الترتيب وعدم العلم بشرائط الإستدلال، لا عدم حصول ذلك في النفس، والثاني هو المعتبر في حصول العلم دون الأول. نعم الأول إنما يعتبر في المناظرات ودفع المغالطات ورد الشبهة وإلزام الخصوم.

ويؤيد ما ذكرناه أنك لا تجد في مباحث الدليل وتعريفه إشارة إلي أنه قد يكون تفصيلياً وقد يكون إجمالياً، وما يوجد في مباحث الإيمان من أنه يكفي فيه الدليل الجملي، فقد بينا المراد منه.

العجز عن معرفة ذات الله تعالي

الكافي:1/92

باب النهي عن الكلام في الكيفية:

محمد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب، عن أبي بصير قال: قال أبوجعفر عليه السلام: تكلموا في خلق الله ولا تتكلموا في الله فإن الكلام في الله لا يزداد صاحبه إلا تحيراً. وفي رواية أخري عن حريز: تكلموا في كل شئ ولا تتكلموا في ذات الله.

محمد بن يحيي، عن أحمد بن محمد، عن ابن أبي عمير، عن عبدالرحمن بن الحجاج، عن سليمان بن خالد قال: قال أبو عبدالله عليه السلام: إن الله عز وجل يقول: وَأَنَّ إلي رَبِّكَ الْمُنْتَهَي، فإذا انتهي الكلام إلي الله فأمسكوا.

علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير عن أبي أيوب، عن محمد بن مسلم قال: قال أبو عبدالله عليه السلام: يا محمد إن الناس لا يزال

بهم المنطق حتي يتكلموا في الله، فإذا سمعتم ذلك فقولوا: لا إله إلا الله الواحد الذي ليس كمثله شئ.

عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن بعض أصحابه، عن الحسين بن المياح، عن أبيه قال سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: من نظر في الله كيف هو؟ هلك.

عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن محمد بن عبدالحميد، عن العلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إياكم والتفكر في الله، ولكن إذا أردتم أن تنظروا إلي عظمته فانظروا إلي عظيم خلقه.

محمد بن أبي عبدالله رفعه قال: قال أبوعبدالله عليه السلام: يا ابن آدم لو أكل قلبك طائر لم يشبعه، وبصرك لو وضع عليه خرق إبرة لغطاه، تريد أن تعرف بهما ملكوت السماوات والأرض، إن كنت صادقاً فهذه الشمس خلق من خلق الله، فإن قدرت تملأ عينيك منها فهو كما تقول.

نهج البلاغة:2/67

... فمن هداك لإجترار الغذاء من ثدي أمك، وعرفك عند الحاجة مواضع طلبك وإرادتك. هيهات، إن من يعجز عن صفات ذي الهيئة والأدوات فهو عن صفات خالقه أعجز. وَمِن تناولِه بحدود المخلوقين أبعد.

نهج البلاغة:2/119

ومن خطبة له عليه السلام في التوحيد وتجمع هذه الخطبة من أصول العلم ما لا تجمعه خطبة:

ما وحده من كيفه، ولا حقيقته أصاب من مَثَّله، ولا إياه عني من شَبَّهه، ولا صمده من أشار إليه وتوهمه.

كل معروف بنفسه مصنوع، وكل قائم في سواه معلول.

فاعلٌ لا باضطراب آلة، مقدر لا بجول فكرة، غني لا بإستفادة، لا تصحبه الأوقات، ولا ترفده الأدوات، سبق الأوقات كونه، والعدم وجوده، والإبتداء أزله.

بتشعيره المشاعر عُرِفَ أن لا

مُشْعِرَ له، وبمضادته بين الأمور عرف أن لا ضد له، وبمقارنته بين الأشياء عُرِفَ أن لا قرين له، ضاد النور بالظلمة، والوضوح بالبهمة والجمود بالبلل....

نهج البلاغة:1/158

ومن خطبة له عليه السلام: الحمد لله المعروف من غير رؤية، والخالق من غير رَوِيَّة، الذي لم يزل قائماً دائماً إذ لا سماء ذات أبراج، ولا حجب ذات أرتاج، ولا ليل داج، ولا بحر ساج، ولا جبل ذو فجاج....

نهج البلاغة:1/164

... وأشهد أن من شبهك بتباين أعضاء خلقك، وتلاحم حقاق مفاصلهم المحتجبة لتدبير حكمتك، لم يعقد غيب ضميره علي معرفتك، ولم يباشر قلبه اليقين بأنه لا ند لك وكأنه لم يسمع تبرأ التابعين من المتبوعين، إذ يقولون: تَأَللهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ أَلْعَالَمِينَ. كذب العادلون بك، إذ شبهوك بأصنامهم، ونحلوك حلية المخلوقين بأوهامهم، وجزؤوك تجزئة المجسمات بخواطرهم، وقدروك علي الخلقة المختلفة القوي بقرائح عقولهم....

الكافي:1/137

علي بن محمد، عن صالح بن أبي حماد، عن الحسين بن يزيد، عن الحسن بن علي ابن أبي حمزة، عن إبراهيم عن أبي عبدالله عليه السلام قال: إن الله تبارك اسمه، وتعالي ذكره، وجل ثناؤه، سبحانه وتقدس، وتفرد وتوحد، ولم يزل ولا يزال، وهو الأول والآخر و الظاهر والباطن فلا أول لأوليته، رفيعٌ في أعلي علوه، شامخ الأركان، رفيع البنيان عظيم السلطان، منيف الآلاء، سني العلياء، الذي عجز الواصفون عن كنه صفته، ولا يطيقون حمل معرفة إلهيته، ولا يحدون حدوده، لأنه بالكيفية لا يتناهي إليه.

علي بن إبراهيم، عن المختار بن محمد بن المختار ومحمد بن الحسن، عن عبدالله ابن الحسن العلوي جميعاً، عن الفتح بن يزيد الجرجاني قال: ضمني وأبا الحسن عليه السلام الطريق في منصرفي من

مكة إلي خراسان وهو سائر إلي العراق، فسمعته يقول: من اتقي الله يتقي، ومن أطاع الله يطاع، فتلطفت الوصول إليه، فوصلت فسلمت عليه، فرد علي السلام ثم قال: يا فتح من أرضي الخالق لم يبال بسخط المخلوق، ومن أسخط الخالق فقمن أن يسلط الله عليه سخط المخلوق، وإن الخالق لا يوصف إلا بما وصف به نفسه، وأني يوصف الذي تعجز الحواس أن تدركه، والأوهام أن تناله، والخطرات أن تحده، والأبصار عن الإحاطة به، جل عما وصفه الواصفون، وتعالي عما ينعته الناعتون، نأي في قربه، وقرب في نأيه، فهو في نأيه قريب، وفي قربه بعيد، كيَّف الكيف فلا يقال: كيف؟ وأيَّن الاين فلا يقال: أين؟ إذ هو منقطع الكيفوفية والاينونية.

النهي عن الفضولية في معرفة الله تعالي

مستدرك الوسائل:12/47

محمد بن مسعود العياشي في تفسيره: عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمد، عن أبيه (عليهما السلام): إن رجلاً قال لامير المؤمنين عليه السلام: هل تصف ربنا نزداد له حباً وبه معرفة؟ فغضب وخطب الناس، فقال فيما قال:

عليك يا عبدالله بما دلك عليه القرآن من صفته، وتقدمك فيه الرسول من معرفته، فائتم به، واستضي بنور هدايته، فإنما هي نعمة وحكمة أوتيتها، فخذ ما أوتيت وكن من الشاكرين، وما كلفك الشيطان علمه مما ليس عليك في الكتاب فرضه، ولا في سنة الرسول وأئمة الهدي أثره، فكل علمه إلي الله، ولا تقدر عظمة الله عليه قدر عقلك، فتكون من الهالكين، وأعلم يا عبدالله أن الراسخين في العلم، هم الذين أغناهم الله عن الاقتحام علي السدد المضروبة دون الغيوب، إقراراً بجهل ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب، فقالوا: آمنا به كل من عند ربنا، وقد مدح الله اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا

به علماً، وسمي تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عن كنهه رسوخاً.

انواع من المعرفة والعارفين

المعرفة الحقيقية والمعرفة الشكلية

الصحيفة السجادية:2/108

... عن ثابت البناني قال: كنت حاجاً وجماعة عباد البصرة مثل أيوب السجستاني، وصالح المري، وعتبة الغلام، وحبيب الفارسي، ومالك بن دينار، فلما أن دخلنا مكة رأينا الماء ضيقاً، وقد اشتد بالناس العطش لقلة الغيث، ففزع إلينا أهل مكة والحجاج يسألوننا أن نستسقي لهم، فأتينا الكعبة وطفنا بها، ثم سألنا الله خاضعين متضرعين بها، فمنعنا الإجابة. فبينما نحن كذلك إذا نحن بفتي قد أقبل وقد أكربته أحزانه وأقلقته أشجانه، فطاف بالكعبة أشواطاً، ثم أقبل علينا، فقال: يا مالك بن دينار ويا ثابت البناني ويا صالح المري ويا عتبة الغلام ويا حبيب الفارسي ويا سعد ويا عمر ويا صالح الأعمي ويا رابعة ويا سعدانة ويا جعفر بن سليمان، فقلنا: لبيك وسعديك يا فتي. فقال: أما فيكم أحد يحبه الرحمن؟ فقلنا: يا فتي علينا الدعاء وعليه الإجابة، فقال: أبعدوا عن الكعبة فلو كان فيكم أحد يحبه الرحمن لأجابه!

ثم أتي الكعبة فخر ساجداً، فسمعته يقول في سجوده: سيدي بحبك لي إلا سقيتهم الغيث. قال: فما استتم الكلام حتي أتاهم الغيث كأفواه القرب. فقلت: يا فتي من أين علمت أنه يحبك؟ قال: لو لم يحبني لم يستزرني، فلما استزارني علمت أنه يحبني، فسألته بحبه لي فأجابني. ثم ولي عنا وأنشأ يقول:

من عرف الرب فلم تُغْنِهِ معرفة الرب فذاك الشقِي

ما ضر ذو الطاعة ما ناله في طاعة الله وما ذا لقِي

ما يصنع العبد بغير التقي والعز ك_ل العز للمتقِي

فقلت يا أهل مكة من هذا الفتي؟ قالوا: علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. ورواه في مستدرك الوسائل:6/209

تحير المتصوفة في دور العقل في المعرفة

التعرف لمذهب أهل التصوف للكلاباذي/63-67 (تحقيق د. عبد الحليم محمود طبع عيسي الحلبي مصر

1960)

قولهم في معرفة الله تعالي:

أجمعوا علي أن الدليل علي الله هو الله وحده، وسبيل العقل عندهم سبيل العاقل في حاجته إلي الدليل لأنه محدث، والمحدث لا يدل إلا علي مثله. وقال رجل للنوري: ما الدليل علي الله؟ قال: الله. قال فما العقل؟ قال العقل عاجز، والعاجز لا يدل إلا علي عاجز مثله!

وقال ابن عطاء: العقل آلة للعبودية لا للأشراف علي الربوبية. وقال غيره: العقل يجول حول الكون، فإذا نظر إلي المكون ذاب. وقال أبوبكر القحطبي: من لحقته العقول فهوت مقهورة إلا من جهة الإثبات، ولولا أنه تعرف إليها بالألطاف لما أدركته من جهة الإثبات. وأنشدونا لبعض الكبار:

من رامه بالعقل مسترشداً سرحه في حيرة يلهو

وشاب بالتلبيس أسراره يقول من حيرته هل هو

وقال بعض الكبار من المشايخ: البادي من المكونات معروف بنفسه لهجوم العقل عليه، والحق أعز من أن تهجم العقول عليه وإنه عرفنا نفسه أنه ربنا فقال: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ ولم يقل: من أنا؟ فتهجم العقول عليه حين بدأ معرفاً، فلذلك انفرد عن العقول، وتنزه عن التحصل غير الإثبات.

وأجمعوا أنه لا يعرفه إلا ذو عقل، لأن العقل آلة للعبد يعرف به ما عرف، وهو بنفسه لا يعرف الله تعالي.

وقال أبوبكر السباك: لما خلق الله العقل قال له: من أنا؟ فسكت فكحله بنور الوحدانية ففتح عينيه فقال: أنت الله لا إله إلا أنت. فلم يكن للعقل أن يعرف الله إلا الله.

تحيرهم في الفرق بين العلم والمعرفة

ثم اختلفوا في المعرفة نفسها: ما هي؟ والفرق بينها وبين العلم.

فقال الجنيد: المعرفة وجود جهلك عند قيام علمه. قيل له زدنا، قال: هو العارف وهو المعروف. معناه: إنك جاهل به من حيث أنت، وإنما عرفته من حيث

هو، وهو كما قال سهل: المعرفة هي المعرفة بالجهل.

وقال سهل: العلم يثبت بالمعرفة، والعقل يثبت بالعلم، وأما المعرفة فإنها تثبت بذاتها. معناه: إن الله إذا عرف عبداً نفسه فعرف الله تعالي بتعرفه إليه، أحدث له بعد ذلك علماً، فأدرك العلم بالمعرفة وقام العقل فيه بالعلم الذي أحدثه فيه.

وقال غيره: تبين الأشياء علي الظاهر علم، وتبينها علي استكشاف بواطنها معرفة. وقال غيره: أباح العلم للعامة وخص أولياءه بالمعرفة.

وقال أبوبكر الوراق: المعرفة معرفة الأشياء بصورها وسماتها، والعلم علم الأشياء بحقائقها.

وقال أبو سعيد الخراز: المعرفة بالله هي علم الطلب لله من قبل الوجود له، والعلم بالله هو بعد الوجود، فالعلم بالله أخفي وأدق من المعرفة بالله.

وقال فارس: المعرفة هي المستوفية في كنه المعروف.

وقال غيره: المعرفة هي حقر الأقدار إلا قدر الله، وأن لا يشهد مع قدر الله قدراً.

وقيل لذي النون: بم عرفت ربك؟ قال: ما هممت بمعصية فذكرت جلال الله إلا استحييت منه. جعل معرفته بقرب الله منه دلالة المعرفة له.

وقيل لعليان: كيف حالك مع المولي؟ قال: ما جفوته منذ عرفته. قيل له: متي عرفته؟ قال: منذ سموني مجنوناً. جعل دلالة معرفة له تعظيم قدره عنده.

قال سهل: سبحان من لم يدرك العباد من معرفته إلا عجزاً عن معرفته.

تصوراتهم عن العارف بالله تعالي

التعرف لمذهب أهل التصوف للكلاباذي/136-138

سئل الحسن بن علي بن يزدانيار: متي يكون العارف بمشهد الحق؟ قال: إذا بدا الشاهد، وفني الشواهد، وذهب الحواس، واضمحل الإخلاص.

معني بدا الشاهد: يعني شاهد الحق، وهو أفعاله بك مما سبق منه إليك من بره لك، وإكرامه إياك بمعرفته، وتوحيده، والإيمان به، تفني رؤية ذلك منك رؤية أفعالك وبرك وطاعتك، فتري كثير ما منك

مستغرقاً في قليل ما منه، وإن كان ما منه ليس بقليل، وما منك ليس بكثير.

وفناء الشواهد: بسقوط رؤية الخلق عنك، بمعني الضر والنفع والذم والمدح.

وذهاب الحواس هو معني قوله: فبي ينطق وبي يبصر، الحديث.

ومعني اضمحل الإخلاص: أن لا يراك مخلصاً، وما خلص من أفعالك خلص، ولن يخلص أبداً إذا رأيت صفتك، فإن أوصافك معلولة مثلك.

سئل ذوالنون، عن نهاية العارف، فقال: إذا كان كما كان حيث كان قبل أن يكون، معناه: أن يشاهد الله وأفعاله دون شاهده وأفعاله.

قال بعضهم: أعرف الخلق بالله أشدهم تحيراً فيه.

قيل لذي النون: ما أول درجة يرقاها العارف؟

فقال: التحير، ثم الافتقار، ثم الإتصال، ثم التحير.

الحيرة الأولي في أفعاله به ونعمه عنده، فلا يري شكره يوازي نعمه، وهو يعلم أنه مطالب بشكرها، وإن شكر كان شكره نعمة يجب عليه شكرها، ولا يري أفعاله أهلاً أن يقابله بها استحقاراً لها، ويراها واجبة عليه، لا يجوز له التخلف عنها.

وقيل قام الشبلي يوماً يصلي فبقي طويلاً ثم صلي، فلما انفتل عن صلاته قال: يا ويلاه إن صليت جحدت، وإن لم أصل كفرت.

أي جحدت عظم النعمة وكمال الفضل حيث قابلت ذلك بفعلي شكراً له مع حقارته. ثم أنشد:

الحم_د لله عل_ي أنن_ي كضفدع يسكن في اليم

إن هي فاهت ملات فمها أو سكتت ماتت من الغم

والحيرة الأخيرة: أن يتحير في متاهات التوحيد، فيضل فهمه ويخنس عقله في عظم قدرة الله تعالي وهيبته وجلاله. وقد قيل: دون التوحيد متاهات تضل فيها الأفكار.

سأل أبو السوداء بعض الكبار فقال: هل للعارف وقت؟ قال: لا. فقال: لم؟ قال: لأن الوقت فرجة تنفس عن الكربة، والمعرفة أمواج تغط، وترفع وتحط،

فالعارف وقته أسود مظلم. ثم قال:

شرط المعارف محو الكل منك إذا بدا المريد بلحظ غير مطلع

قال فارس العارف: من كان علمه حالة، وكانت حركاته غلبة عليه.

سئل الجنيد عن العارف فقال: لون الماء لون الإناء. يعني أنه يكون في كل حال بما هو أولي فتختلف أحواله، ولذلك قيل: هو ابن وقته.

سئل ذو النون عن العارف، فقال: كان هاهنا فذهب. يعني أنك لا تراه في وقتين بحالة واحدة، لأن مصرفه غيره. وأنشدونا لابن عطاء:

ولو نطقت في السن الدهر خبرت بأني في ثوب الصبابة أرفل

وما أن لها علم بقدري وموضعي وما ذاك موهوم لاني أنقل

وقال سهل بن عبدالله: أول مقام في المعرفة أن يعطي العبد يقيناً في سره تسكن به جوارحه، وتوكلاً في جوارحه يسلم به في دنياه، وحياة في قلبه يفوز بها في عقباه.

قلنا: العارف هو الذي بذل مجهوده فيما لله، وتحقق معرفته بما من الله، وصح رجوعه من الأشياء إلي الله. قال الله تعالي: تري أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق.

المؤلفة قلوبهم بالمال لكي يعرفوا

اجتهد الخليفة عمر بن الخطاب في آية المؤلفة قلوبهم فأسقط سهمهم رغم نص الآية عليه، وقد خالفه في ذلك علي والأئمة من أهل البيت غليهم السلام وعدد من الصحابة لأن الآية نصت علي ذلك ولا يجوز نسخها بالإجتهاد!

الكافي:2/412

عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن علي بن حسان، عن موسي بن بكر، عن رجل قال: قال أبو جعفر عليه السلام: ما كانت المؤلفة قلوبهم قط أكثر منهم اليوم، وهم قوم وحدوا الله وخرجوا من الشرك ولم تدخل معرفة محمد رسول الله صلي الله عليه وآله قلوبهم وما جاء به، فتألفهم رسول الله

صلي الله عليه وآله وتألفهم المؤمنون بعد رسول الله صلي الله عليه وآله لكي ما يعرفوا.

مجمع الفائدة والبرهان:4/158

الرابع: المؤلفة قلوبهم، قال المصنف في المنتهي: أجمع علمائنا علي أن من المشركين قوم مؤلفة يستمالون بالزكاة لمعاونة المسلمين، ونقل في التهذيب من تفسير علي بن إبراهيم، عن العالم عليه السلام أنه قال: والمؤلفة قلوبهم قال: هم قوم وحدوا الله وخلعوا عبادة من دون الله ولم تدخل المعرفة قلوبهم أن محمداً رسول الله صلي الله عليه وآله، فكان رسول الله صلي الله عليه وآله يتألفهم يعلمهم ويعرفهم كيما يعرفوا، فجعل لهم نصيباً في الصدقات لكي يعرفوا ويرغبوا.

راجع أيضاً: الحدائق الناضرة:12/175، وذخيرة المعاد/454، ومستند الشيعة:2/46، وجواهر الكلام:15/339، وفقه السيد الخوئي:23/247، ومصباح الفقية:3/95، وغيرها من مصادر الحديث والفقه والتفسير.

دعوة العدو في الجهاد إلي معرفة الله تعالي

الكافي:5/36

علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمد، عن المنقري، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري قال: دخل رجال من قريش علي علي بن الحسين صلوات الله عليهما، فسألوه كيف الدعوة إلي الدين؟ قال: تقول: بسم الله الرحمن الرحيم أدعوكم إلي الله عز وجل وإلي دينه، وجماعه أمران: أحدهما معرفة الله عز وجل، والآخر العمل برضوانه، وأن معرفة الله عز وجل أن يعرف بالوحدانية والرأفة والرحمة والعزة والعلم والقدرة والعلو علي كل شئ وأنه النافع الضار، القاهر لكل شئ، الذي لا تدركه الأبصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير وأن محمداً عبده ورسوله، وأن ما جاء به هو الحق من عند الله عز وجل، وما سواه هو الباطل، فإذا أجابوا ذلك فلهم ما للمسلمين وعليهم ما علي المسلمين.

عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن الحسن بن شمون، عن عبدالله بن عبدالرحمن،

عن مسمع بن عبدالملك، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: لما وجهني رسول الله صلي الله عليه وآله إلي اليمن قال:يا علي لا تقاتل أحداً حتي تدعوه إلي الإسلام، وأيم الله لأن يهدي الله عز وجل علي يديك رجلاً خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت، ولك ولاؤه. انتهي. وروي نحو الحديث الأول في تهذيب الأحكام:6/141

معرفة أهل الآخرة بديهية لا كسبية

رسائل الشريف المرتضي:2/133

قال المرتضي (رض): سألت بيان أحكام أهل الآخرة في معارفهم وأحوالهم، وأنا ذاكر من ذلك جملة وجيزة: إعلم أن لأهل الآخرة ثلاث أحوال: حال ثواب، وحال عقاب، وحال أخري للمحاسبة. ويعمهم في هذه الأحوال الثلاث سقوط التكليف عنهم، وأن معارفهم ضرورية، وأنهم ملجؤون إلي الإمتناع من القبيح وإن كانوا مختارين لأفعالهم مؤثرين لها، وهذا هو الصحيح دون ما ذهب إليه من خالف هذه الجملة....

وأما الذي يدل علي أن أهل الآخرة لابد أن يكونوا عارفين بالله تعالي وأحواله، فهو أن المثاب متي لم يعرفه تعالي، لم يصح منه معرفة كون الثواب ثواباً وواصلاً إليه علي الوجه الذي يستحقه، وأنه دائم غير منقطع، وإذا كانت هذه المعارف واجبة فما لا يتم هذه المعرفة إلا به _ من معرفة الله تعالي وإكمال العقل وغيرهما _ لابد من حصوله.

بحث للشيخ الطوسي في تعريف الإيمان والكفر

الاقتصاد/140

الإيمان هو التصديق بالقلب، ولا إعتبار بما يجري علي اللسان، وكل من كان عارفاً بالله وبنبيه وبكل ما أوجب الله عليه معرفته مقراً بذلك مصدقاً به فهو مؤمن. والكفر نقيض ذلك، وهو الجحود بالقلب دون اللسان مما أوجب الله تعالي عليه المعرفة به، ويعلم بدليل شرعي أنه يستحق العقاب الدائم الكثير.

وفي المرجئة من قال: الإيمان هو التصديق باللسان خاصة وكذلك الكفر هو الجحود باللسان، والفسق هو كل ما خرج به عن طاعة الله تعالي إلي معصيته، سواء كان صغيراً أو كبيراً. وفيهم من ذهب إلي أن الإيمان هو التصديق بالقلب واللسان معاً، والكفر هو الجحود بهما.

وفي أصحابنا من قال: الإيمان هو التصديق بالقلب واللسان والعمل بالجوارح، وعليه دلت كثير من الأخبار المروية عن الائمة غليهم السلام.

وقالت المعتزلة: الإيمان إسم للطاعات، ومنهم

من جعل النوافل والفرائض من الإيمان، ومنهم من قال النوافل خارجة عن الإيمان. والإسلام والدين عندهم شئ واحد، والفسق عندهم عبارة عن كل معصية يستحق بها العقاب، والصغائر التي تقع عندهم مكفرة لا تسمي فسقاً. والكفر عندهم هو ما يستحق به عقاب عظيم، وأجريت علي فاعله أحكام مخصوصة، فمرتكب الكبيرة عندهم ليس بمؤمن ولا كافر بل هو فاسق.

وقالت الخوارج قريباً من قول المعتزلة إلا أنهم لا يسمون الكبائر كلها كفراً، وفيهم من يسميها شركاً.

والفضيلية منهم تسمي كل معصية كفراً صغيرة كانت أو كبيرة.

والزيدية من كان منهم علي مذهب الناصر يسمون الكبائر كفر نعمة، والباقون يذهبون مذهب المعتزلة.

والذي يدل علي ما قلناه: أولاً، هو أن الإيمان في اللغة هو التصديق، ولا يسمون أفعال الجوارح إيماناً، ولا خلاف بينهم فيه.

ويدل عليه أيضاً قولهم: فلان يؤمن بكذا وكذا وفلان لا يؤمن بكذا. وقال تعالي: يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ. وقال: وما أنت بمؤمن لنا، أي بمصدق، وإذا كان فائدة هذه اللفظة في اللغة ما قلناه وجب إطلاق ذلك عليها إلا أن يمنع مانع، ومن ادعي الانتقال فعليه الدلالة، وقد قال الله تعالي: بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ. وقال: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ. وقال: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا. وكل ذلك يقتضي حمل هذه اللفظة علي مقتضي اللغة. وليس إذا كان هاهنا ألفاظ منتقلة وجب أن يحكم في جميع الألفاظ بذلك، وإنما ينتقل عما ينتقل بدليل يوجب ذلك. وإن كان في المرجئة من قال ليس هاهنا لفظ منتقل ولا يحتاج إلي ذلك.

ولا يلزمنا أن نسمي كل مصدق مؤمنا لأنا إنما نطلق ذلك علي من صدق بجميع ما أوجبه الله عليه. والإجماع مانع من تسمية من

صدق بالجبت والطاغوت مؤمناً، فمنعنا ذلك بدليل وخصصنا موجب اللغة، وجري ذلك مجري تخصيص العرف لفظ الدابة ببهيمة مخصوصة، وإن كان موجب اللغة يقتضي تسمية كل ما دب دابة، ويكون ذلك تخصيصاً لا نقلاً. فعلي موجب هذا، يلزم من ادعي انتقال هذه اللفظة إلي أفعال الجوارح أن يدل عليه.

وليس لأحد أن يقول: إن العرف لا يعرف التصديق فيه إلا بالقول، فكيف حملتموه علي ما يختص القلب؟

قلنا: العرف يعرف بالتصديق باللسان والقلب، لانهم يصفون الاخرس بأنه مؤمن وكذلك الساكت، ويقولون: فلان يصدق بكذا وكذا وفلان لا يصدق، ويريدون ما يرجع إلي القلب، فلم يخرج بما قلناه عن موجب اللغة.

وإنما منعنا إطلاقه في المصدق باللسان لأنه لو جاز ذلك لوجب تسميته بالإيمان وإن علم جحوده بالقلب، والإجماع مانع من ذلك.

... وأما الكفر فقد قلنا إنه عند المرجئة من أفعال القلوب، وهو جحد ما أوجب الله تعالي معرفته مما عليه دليل قاطع كالتوحيد والعدل والنبوة وغير ذلك، وأما في اللغة فهو الستر والجحود، وفي الشرع عبارة عما يستحق به العقاب الدائم الكثير، ويلحق بفاعله أحكام شرعية كمنع التوارث والتناكح.

والعلم بكون المعصية كفراً طريقه السمع لا مجال للعقل فيه، لأن مقادير العقاب لا تعلم عقلاً، وقد أجمعت الأمة علي أن الإخلال بمعرفة الله تعالي و توحيده وعدله وجحد نبوة رسله كفر، لا يخالف فيه إلا أصحاب المعارف الذين بينا فساد قولهم.

ولا فرق بين أن يكون شاكاً في هذه الأشياء أو يكون معتقداً لما يقدح في حصولها، لأن الاخلال بالواجب يعم الكل.

فعلي هذا، المجبرة والمشبهة كفار، وكذلك من قال بالصفات القديمة لأن اعتقادهم الفاسد في هذه الأشياء ينافي الإعتقاد الصحيح من المعرفة بالله

تعالي وعدله وحكمته.

بحث للشهيد الثاني في تعريف الإيمان والكفر

رسائل الشهيد الثاني:2/50

في تعريف الإيمان لغة وشرعاً، فاعلم أن الإيمان لغةً: التصديق، كما نص عليه أهلها، وهو إفعال من الأمن، بمعني سكون النفس واطمئنانها لعدم ما يوجب الخوف لها، وحينئذ فكان حقيقة آمن به سكنت نفسه واطمأنت بسبب قبول قوله وامتثال أمره، فتكون الباء للسببية. ويحتمل أن يكون بمعني آمنه التكذيب والمخالفة، كما ذكره بعضهم فتكون الباء فيه زائدة، والأول أولي كما لا يخفي وأوفق لمعني التصديق، وهو يتعدي باللام كقوله تعالي: وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا، فَأَمَنَ لَهُ لُوطٌ. وبالباء كقوله تعالي: آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ.

وأما التصديق: فقد قيل أنه القبول والإذعان بالقلب، كما ذكره أهل الميزان.

ويمكن أن يقال: معناه قبول الخبر أعم من أن يكون بالجنان أو باللسان، ويدل عليه قوله تعالي: قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا. فأخبروا عن أنفسهم بالإيمان وهم من أهل اللسان، مع أن الواقع منهم هو الإعتراف باللسان دون الجنان، لنفيه عنهم بقوله تعالي: قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا. وإثبات الإعتراف بقوله تعالي: وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا، الدال علي كونه إقراراً بالشهادتين، وقد سموه إيماناً بحسب عرفهم، والذي نفاه الله عنهم إنما هو الإيمان في عرف الشرع.

إن قلت: يحتمل أن يكون ما ادعوه من الإيمان هو الشرعي، حيث سمعوا الشارع كلفهم بالإيمان، فيكون المنفي عنهم هو ما ادعوا ثبوته لهم، فلم يبق في الآية دلالة علي أنهم أرادوا اللغوي.

قلت: الظاهر أنه في ذلك الوقت لم تكن الحقائق الشرعية متقررة عندهم، لبعدهم عن مدارك الشرعيات، فلا يكون المخبر عنه إلا ما يسمونه إيماناً عندهم.

وقوله تعالي: آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ، وقوله تعالي: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَ مَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ.

وجه

الدلالة في هذه الآيات أن الإيمان في اللغة التصديق، وقد وقع في الأخبار عنهم أنهم آمنوا بألسنتهم دون قلوبهم، فيلزم صحة إطلاق التصديق علي الإقرار باللسان وإن لم يوافقه الجنان. وعلي هذا فيكون المنفي هو الإيمان الشرعي أعني القلبي، جمعاً بين صحة النفي والإثبات في هذه الآيات.

لا يقال: هذا الإطلاق مجاز، وإلا لزم الإشتراك، والمجاز خير منه.

لانا نقول: هو من قبيل المشترك المعنوي لا اللفظي، ومعناه قبول الخبر أعم من أن يكون باللسان أو بالجنان، واستعمال اللفظ الكلي في أحد أفراد معناه باعتبار تحقق الكلي في ضمنه حقيقة لا مجازاً، كما هو المقرر في بحث الالفاظ.

فإن قلت: إن المتبادر من معني الإيمان هو التصديق القلبي عند الإطلاق، وأيضاً يصح سلب الإيمان عمن أنكر بقلبه وإن أقر بلسانه، والأول علامة الحقيقة والثاني علامة المجاز.

قلت: الجواب عن الأول أن التبادر لا يدل علي أكثر من كون المتبادر هو الحقيقي لا المجازي، لكن لا يدل علي كون الحقيقة لغوية أو عرفية، وحينئذ فلا يتعين أن اللغوي هو التصديق القلبي، فلعله العرفي الشرعي.

إن قلت: الأصل عدم النقل، فيتعين اللغوي.

قلت: لا ريب أن المعني اللغوي الذي هو مطلق التصديق لم يبق علي إطلاقه بل أخرج عنه إما بالتخصيص عند بعض أو النقل عند آخرين. ومما يدل علي ذلك أن الإيمان الشرعي هو التصديق بالله وحده وصفاته وعدله، وبنبوة نبينا محمد صلي الله عليه وآله وبما علم بالضرورة مجيئه به لا ما وقع فيه الخلاف وعلي هذا أكثر المسلمين. وزاد الإمامية التصديق بإمامة إمام الزمان، لأنه من ضروريات مذهبهم أيضاً أنه مما جاء به النبي صلي الله عليه وآله وقد عرفت أن الإيمان في اللغة

التصديق مطلقاً، وهذا أخص منه.

ويؤيد ذلك قوله تعالي: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَ رَسُولِهِ. أخبر عنهم تعالي بالإيمان، ثم أمرهم بإنشائه فلابد أن يكون الثاني غير الأول، وإلا لكان أمراً بتحصيل الحاصل. وإذا حصلت المغايرة كان الثاني المأمور به هو الشرعي، حيث لم يكن حاصلاً لهم، إذ لا محتمل غيره إلا التأكيد، والتأسيس خير منه. وعن الثاني بالمنع من كون ما صح سلبه هو الإيمان اللغوي بل الشرعي، وليس النزاع فيه.

إن قلت: ما ذكرته معارض بما ذكره أهل الميزان في تقسيم العلم إلي التصور والتصديق، من أن المراد بالتصديق الإذعان القلبي، فيكون في اللغة كذلك لأن الأصل عدم النقل.

قلت: قد بينا سابقاً أن الخروج عن هذا الأصل ولو سلم فلا دلالة في ذلك علي حصر معني التصديق مطلقاً في الإذعان القلبي، بل التصديق الذي هو قسم من العلم وليس محل النزاع.

علي أنا نقول: لو سلمنا صحة الإطلاق مجازاً ثبت مطلوبنا أيضاً، لانا لم ندع إلا أن معناه قبول الخبر مطلقاً، ولا ريب أن الألفاظ المستعملة لغة في معني من المعاني حقيقة أو مجازاً تعد من اللغة، وهذا ظاهر.

واما الإيمان الشرعي: فقد اختلفت في بيان حقيقته العبارات بحسب اختلاف الإعتبارات. وبيان ذلك: إن الإيمان شرعاً: إما أن يكون من أفعال القلوب فقط، أو من أفعال الجوارح فقط، أو منهما معاً. فإن كان الأول فهو التصديق بالقلب فقط، وهو مذهب الأشاعرة وجمع من متقدمي الإمامية ومتأخريهم، ومنهم المحقق الطوسي رحمه الله في فصوله، لكن اختلفوا في معني التصديق فقال أصحابنا: هو العلم. وقال الأشعرية: هو التصديق النفساني، وعنوا به أنه عبارة عن ربط القلب علي ما علم من أخبار المخبر،

فهو أمر كسبي يثبت باختيار المصدق، ولذا يثاب عليه بخلاف العلم والمعرفة، فإنها ربما تحصل بلا كسب، كما في الضرويات.

وقد ذكر حاصل ذلك بعض المحققين، فقال: التصديق هو أن تنسب باختيارك الصدق للمخبر حتي لو وقع ذلك في القلب من غير اختيار لم يكن تصديقاً وإن كان معرفة، وسنبين إن شاء الله تعالي[ قصور ]ذلك.

وإن كان الثاني، فإما أن يكون عبارة عن التلفظ بالشهادتين فقط، وهو مذهب الكرامية. أوعن جميع أفعال الجوارح من الطاعات بأسرها فرضاً ونفلاً، وهو مذهب الخوارج وقدماء المعتزلة والغلاة والقاضي عبدالجبار. أو عن جميعها من الواجبات وترك المحظورات دون النوافل، وهو مذهب أبي علي الجبائي وابنه هاشم وأكثر معتزلة البصرة.

وإن كان الثالث، فهو إما أن يكون عبارة عن أفعال القلوب مع جميع أفعال الجوارح من الطاعات، وهو قول المحدثين وجمع من السلف كابن مجاهد وغيره، فإنهم قالوا: إن الإيمان تصديق بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان.

وإما أن يكون عبارة عن التصديق مع كلمتي الشهادة، ونسب إلي طائفة، منهم أبوحنيفة.

أو يكون عبارة عن التصديق بالقلب مع الإقرار باللسان، وهو مذهب المحقق نصير الدين الطوسي رحمه الله في تجريده، فهذه سبعة مذاهب ذكرت في الشرح الجديد للتجريد وغيره.

واعلم أن مفهوم الإيمان علي المذهب الأول يكون تخصيصاً للمعني اللغوي، وأما علي المذاهب الباقية فهومنقول، والتخصيص خير من النقل.

وهنا بحث وهو أن القائلين بأن الإيمان عبارة عن فعل الطاعات، كقدماء المعتزلة والعلاف والخوارج، لا ريب أنهم يوجبون اعتقاد مسائل الأصول، وحينئذ فما الفرق بينهم وبين القائلين بأنه عبارة عن أفعال القلوب والجوارح؟

ويمكن الجواب، بأن اعتقاد المعارف شرط عند الأولين وشطر عند الاخرين...

إعلم أن المحقق الطوسي رحمه الله

ذكر في قواعد العقائد أن أصول الإيمان عند الشيعة ثلاثة: التصديق بوحدانية الله تعالي في ذاته تعالي، والعدل في أفعاله، والتصديق بنبوة الأنبياء غليهم السلام والتصديق بإمامة الأئمة المعصومين من بعد الأنبياء غليهم السلام.

وقال أهل السنة: إن الإيمان هو التصديق بالله تعالي، وبكون النبي صلي الله عليه وآله صادقاً، والتصديق بالأحكام التي يعلم يقيناً أنه صلي الله عليه وآله حكم بها دون ما فيه اختلاف واشتباه.

والكفر يقابل الإيمان، والذنب يقابل العمل الصالح، وينقسم إلي كبائر وصغائر.

ويستحق المؤمن بالإجماع الخلود في الجنة، ويستحق الكافر الخلود في العقاب. انتهي.

وذكر في الشرح الجديد للتجريد أن الإيمان في الشرع عند الأشاعرة هو التصديق للرسول فيما علم مجيئه به ضرورة، فتفصيلاً فيما علم تفصيلاً، وإجمالاً فيما علم إجمالاً، فهو في الشرع تصديق خاص. انتهي.

فهؤلاء اتفقوا علي أن حقيقة الإيمان هي التصديق فقط، وإن اختلفوا في المقدار المصدق به. والكلام هاهنا في مقامين:

الأول: في أن التصديق الذي هو الإيمان المراد به اليقين الجازم الثابت، كما يظهر من كلام من حكينا عنه.

الثاني: في أن الأعمال ليست جزء من حقيقة الإيمان الحقيقي، بل هي جزء من الإيمان الكمالي. أما الدليل علي الأول فآيات بينات:

منها قوله تعالي: إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا. والإيمان حق للنص والإجماع، فلا يكفي في حصوله وتحققه الظن.

ومنها: إن يتبعون إلا الظن، إن هم إلا يظنون، إن بعض الظن إثم. فهذه قد اشتركت في التوبيخ علي اتباع الظن، والإيمان لا يوبخ من حصل له بالإجماع، فلا يكون ظناً.

ومنها قوله: إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا. فنفي عنهم الريب، فيكون الثابت هو اليقين.

إن قلت: هذه

الآية الكريمة لا تدل علي المدعي بل علي خلافه، وهو عدم اعتبار اليقين في الإيمان، وذلك أنها إنما دلت علي حصر الإيمان فيما عدا الشك، فيصدق الإيمان علي الظن.

قلت: الظن في معرض الريب، لأن النقيض مجوز فيه ويقوي بأدني تشكيك، فصاحبه لا يخلو من ريب حيث أنه دائماً يجوز النقيض، علي أن الريب قد يطلق علي ما هو أعم من الشك، يقال: لا أرتاب في كذا. ويريد أنه منه علي يقين، وهذا شائع ذائع.

ومن السنة المطهرة قوله عليه السلام: يا مقلب القلوب والابصار ثبت قلبي علي دينك، فلو لم يكن ثبات القلب شرطاً في الإيمان لما طلبه عليه السلام، والثبات هو الجزم والمطابقة، والظن لإثبات فيه، إذ يجوز ارتفاعه.

وفيه، منع كون الثبات شرطاً في تحقيق الإيمان، ويجوز أن يكون عليه السلام طلبه لكونه الفرد الأكمل، وهو لا نزاع فيه.

ومن جملة الدلائل علي ذلك أيضاً الإجماع، حيث ادعي بعضهم أنه يجب معرفة الله تعالي التي لا يتحقق الإيمان بها إلا بالدليل إجماعاً من العلماء كافة، والدليل ما أفاد العلم، والظن لا يفيده.

وفي صحة دعوي الإجماع بحث، لوقوع الخلاف في جواز التقليد في المعارف الأصولية، كما سنذكره إن شاء الله تعالي.

واعلم أن جميع ما ذكرناه من الأدلة لا يفيد شئ منه العلم بأن الجزم والثبات معتبر في التصديق الذي هو الإيمان إنما يفيد الظن باعتبارهما، لأن الآيات قابلة للتأويل وغيرها كذلك، مع كونها من الاحاد.

ومن الآيات أيضاً قوله تعالي: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللهُ. واعترض علي هذا الدليل بأنه أخص من المدعي، فإنه إنما يدل علي اعتبار اليقين في بعض المعارف، وهو التوحيد دون غيره، والمدعي اعتبار اليقين في

كل ما التصديق به شرط في تحقق الإيمان، كالعدل والنبوة والمعاد وغيرها.

وأجيب بأنه لا قائل بالفرق، فإن كل من اعتبر اليقين اعتبره في الجميع، ومن لم يعتبره لم يعتبره في شئ منها. واعلم أن ما ذكرناه علي ما تقدم وارد هاهنا أيضاً.

واعترض أيضاً بأن الآية الكريمة خطاب للرسول صلي الله عليه وآله، فهي إنما تدل علي وجوب العلم عليه وحده دون غيره.

وأجيب بأن ذلك ليس من خصوصياته صلي الله عليه وآله بالإجماع، وقد دل دليل وجوب التأسي به علي وجوب اتباعه، فيجب علي باقي المكلفين تحصيل العلم بالعقائد الأصولية.

وأيضاً أورد أنه إنما يفيد الوجوب لو ثبت أن الأمر للوجوب، وفيه منع لاحتماله غيره، وكذا يتوقف علي كون المراد من العلم هاهنا القطعي، وهو غير معلوم، إذ يحتمل أن يراد به الظن الغالب، وهو يحصل بالتقليد. وبالجملة فهو دليل ظني.

وأما المقالة الثانية وهو أن الأعمال ليست جزء من الإيمان ولا نفسه فالدليل عليه من الكتاب العزيز، والسنة المطهرة، والإجماع.

أما الكتاب، فمنه قوله تعالي: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، فإن العطف يقتضي المغايرة، وعدم دخول المعطوف في المعطوف عليه، فلو كان عمل الصالحات جزء من الإيمان أو نفسه لزم خلو العطف عن الفائدة لكونه تكراراً.

وَرُدَّ ذلك بأن الصالحات جمع معرف يشمل الفرض والنفل، والقائل بكون الطاعات جزء من الإيمان يريد بها فعل الواجبات واجتناب المحرمات، وحينئذ فيصح العطف لحصول المغايرة المفيدة لعموم المعطوف، فلم يدخل كله في المعطوف عليه، نعم ذلك يصلح دليلاً علي إبطال مذهب القائلين بكون المندوب داخلاً في حقيقة الإيمان كالخوارج.

ومنه قوله تعالي: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، أي حالة إيمانه، فإن عمل الصالحات في

حالة الإيمان يقتضي المغايرة لما أضيف إلي تلك الحالة وقارنه فيها، وإلا لصار المعني: ومن يعمل بعض الإيمان حال حصول ذلك البعض، أو ومن يعمل من الإيمان حال حصوله، وحينئذ فيلزم تقدم الشئ علي نفسه وتحصيل الحاصل.

إن قلت: الآية الكريمة إنما تدل علي المغايرة في الجملة، لكن لا يلزم من ذلك أن لا تكون الأعمال جزءاً، فإن المعني والله أعلم: ومن يعمل من الصالحات حال إيمانه، أي تصديقه بالمعارف الإلهية، وحينئذ فيجوز أن يكون الإيمان الشرعي بمجموع الجزئين، أي عمل الصالحات والتصديق المذكور، فالمغايرة إنما هي بين جزئي الإيمان ولا محذور فيه، بل لابد منه وإلا لما تحقق الكل، بل لابد لنفي ذلك من دليل.

قلت: من المعلوم أن الإيمان قد غير عن معناه لغة، فأما التصديق بالمعارف فقط فيكون تخصيصاً، أو مع الأعمال فيكون نقلاً، لكن الأول أولي، لأن التخصيص خير من النقل.

ووجه الإستدلال بالآية أيضاً بأن ظاهرها كون الإيمان الشرعي شرطاً لصحة الأعمال، حيث جعل سعيه مقبولاً إذا وقع حال الإيمان، فلابد أن يكون الإيمان غير الأعمال، وإلا لزم إشتراط الشئ بنفسه.

ويرد علي هذا ما ورد علي الأول بعينه، نعم اللازم هنا أن يكون أحد جزئي المركب شرطاً لصحة الآخر ولا محذور فيه.

والجواب عن هذا هو الجواب عن ذلك فتأمل.

ومنه قوله تعالي: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا... فإنه أثبت الإيمان لمن ارتكب بعض المعاصي، فلو كان ترك المنهيات جزء من الإيمان لزم تحقق الإيمان وعدم تحققه في موضع واحد في حالة واحدة وهو محال.

ولهم أن يجيبوا عن ذلك بمنع تحقق الإيمان حالة ارتكاب المنهي، وكون تسميتهم بالمؤمنين باعتبار ما كانوا عليه وخصوصاً علي مذهب المعتزلة، فإنهم لا

يشترطون في صدق المشتق علي حقيقة بقاء المعني المشتق منه.

ويمكن دفعه بأن الشارع قد منع من جواز إطلاق المؤمن علي من تحقق كفره وعكسه، والكلام في خطاب الشارع، فلا نسلم لهم الجواب.

ومنه قوله تعالي: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ، فإن أمرهم بالتقوي التي لا تحصل إلا بفعل الطاعات والإنزجار عن المنهيات مع وصفهم بالإيمان، يدل علي عدم حصول التقوي لهم، وإلا لما أمروا بها مع حصول الإيمان لو صفهم به، فلا تكون الأعمال نفس الإيمان ولا جزء منه، وإلا لكان أمراً بتحصيل الحاصل.

ويرد عليه، جواز أن يراد من الإيمان الذي وصفوا به اللغوي، ويكون المأمور به هو الشرعي وهو الطاعات، أو جزؤه عند من يقول بالجزئية. ويجاب عنه بنحو ما أجيب عما أورد علي الدليل الثاني، فليتأمل.

ومنه أيضاً الآيات الدالة علي كون القلب محلاً للايمان من دون ضميمة شئ آخر، كقوله تعالي: أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ. أي جمعه وأثبته فيها والله أعلم.

ولو كان الإقرار غيره من الأعمال نفس الإيمان أو جزءه، لما كان القلب محل جمعه، بل هو مع اللسان وحده، أو مع بقية الجوارح علي اختلاف الآراء.

وقوله تعالي: وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ. ولو كان غير القلب من أعمال الجوارح نفس الإيمان أو جزءه، لما جعل كله محل القلب، كما هو ظاهر الآية الكريمة.

وقوله تعالي: وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ. فإن إطمئنانه بالإيمان يقتضي تعلقه كله به، وإلا لكان مطمئناً ببعضه لا كله.

أقول: يرد علي الأخير أنه لا يلزم من اطمئنانه بالإيمان كونه محلاً له، إذ من الجائز كونه عبارة عن الطاعات وحدها، أو مع شئ آخر واطمئنان القلب لإطلاعه علي حصول ذلك،

فإن القلب يطلع علي الأعمال.

ويرد علي الأولين أن الإيمان المكتوب والداخل في القلب إنما هو العقائد الأصولية، ولا يدل علي حصر الإيمان في ذلك، ونحن لا نمنع ذلك بل نقول بإعتبار ذلك في الإيمان إما علي طريق الشرطية لصحته، أو الجزئية له، إذ من يزعم أنه الطاعات فقط لابد من حصول ذلك التصديق عنده أيضاً لتصح تلك الأعمال، غاية الأمر أنه شرط للإيمان أو جزؤه لا نفسه، كما تقدمت الاشارة إليه.

نعم هما يدلان علي بطلان مذهب الكرامية، حيث يكتفون في تحققه بلفظ الشهادتين من غير شئ آخر أصلاً لا شرطاً ولا جزءاً.

قيل: وكذا آيات الطبع والختم تشعر بأن محل الإيمان القلب، كقوله تعالي: أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلَي قُلُوبِهِمْ... فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ... وَخَتَمَ عَلَي سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَي بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ. وفيه ما تقدم.

وأما السنة المطهرة، فكقوله عليه السلام: يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي علي دينك، وجه الدلالة فيه أن المراد من الدين هنا الإيمان، لأن طلب تثبيت القلب عليه يدل علي أنه متعلق بالإعتقاد، وليس هناك شئ آخر غير الإيمان من الإعتقاد يصلح لثبات القلب عليه بحيث يسمي ديناً، فتعين أن يكون هو الإيمان، وحيث لم يطلب غيره في حصول الإيمان علم أن الإيمان يتعلق بالقلب لا بغيره.

وكذا ما روي أن جبرئيل عليه السلام أتي النبي صلي الله عليه وآله فسأله عن الإيمان؟ فقال: أن تؤمن بالله ورسوله واليوم الاخر. ومعني ذلك: أن تصدق بالله ورسله واليوم الآخر، فلو كان فعل الجوارح أو غيره من الإيمان لذكره له، حيث سأله الرسول صلي الله عليه وآله عما هو الإيمان المطلوب للشارع.

وإن قيل: ظاهر الحديث

فيه مناقشة، وذلك أن الرسول عليه السلام سأله عن حقيقة الإيمان، فكان من حق الجواب في شرح معناه أن يقال: أن تصدق بالله لا أن تؤمن، لأن أن مع الفعل في تأويل المصدر، فيصير حاصله الإيمان هو الإيمان بالله، فيلزم منه تعريف الشئ بنفسه في الجملة، وذلك لا يليق بنفس الأمر.

والجواب أن المراد من قوله: أن تؤمن بالله، أن تصدق، وقد كان التصديق معلوماً له عليه السلام لغة، فلم يكن تعريف الشئ بنفسه، فهذا إنما يكون بالقياس إلي غيرهما (عليهما السلام)، وإلا فالسائل والمسؤول غنيان عن معرفة المعاني من الألفاظ.

وأما الإجماع، فهو أن الأمة أجمعت علي أن الإيمان شرط لسائر العبادات، والشئ لا يكون شرطاً لنفسه، فلا يكون الإيمان هو العبادات.

أقول: علي تقدير تسليم دعوي الإجماع، فللخصوم أن يقولوا: نحن نقول بكون التصديق بمسائل الأصول شرطاً لصحة العبادات التي هي الإيمان، ولا يلزمنا بذلك أن يكون تلك المسائل هي الإيمان، فإن سميتموها إيماناً بالمعني اللغوي فلا مشاحة في ذلك، وإن قلتم بل هي الإيمان الشرعي، فهو محل النزاع ودليلكم لا يدل عليه.

وأجمعت أيضاً علي أن فساد العبادات لا يوجب فساد الإيمان، وذلك يقتضي كون الإيمان غير أعمال الجوارح.

أقول: إن صح نقل الإجماع، فلا ريب في دلالته علي المدعي، وسلامته عن المطاعن المتقدمة.

هل يمكن أن يصير المؤمن كافرا

... المؤمن هل يجوز أن يكفر بعد إيمانه أم لا؟ ذهب إلي الأول جماعة من العلماء، وظاهر القرآن العزيز يدل عليه في آيات كثيرة، كقوله تعالي: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا... إلي غير ذلك من الآيات، ولو كان التصديق بالمعارف الأصولية يعتبر فيه الجزم والثبات لما صح ذلك، إذ اليقين لا يزول بالأضعف، ولا ريب أن موجب

الكفر أضعف مما يوجب الإيمان.

قلت: لا ريب أن الإيمان من الكيفيات النفسانية، إذ هو نوع من العلم علي ما هو الحق، فهو عرض، وقبوله للزوال بعروض ضده أو مثله، عند من يقول الأعراض لا تبقي زمانين كالأشاعرة ظاهر. وكذا علي القول بأن الباقي محتاج إلي المؤثر في بقائه أو غير محتاج مع قطع النظر عن بقاء الأعراض زمانين، لأن الفاعل مختار، فيصح منه الإيجاد والإعدام في كل وقت. غاية الأمر أن تبديل الإيمان بالكفر لا يجوز أن يكون من فعل الله تعالي علي ما تقتضيه قواعد العدلية، من أن العبد له فعل، وأن اللطف واجب علي الله تعالي، ولو كان التبديل منه تعالي لنافي اللطف. علي أنا نقول: قد يستند الكفر إلي الفعل دون الإعتقاد، فيجامع الجزم اليقين في المعارف الأصولية، كما في السجود للصنم وإلقاء المصاحف في القاذورات مع كونه مصدقاً بالمعارف.

إن قلت: فعلي هذا يلزم جواز اجتماع الإيمان والكفر في محل واحد وزمان واحد، وهو محال، لأن الكفر عدم الإيمان عما من شأنه أن يكون مؤمناً.

قلت: الإيمان هو التصديق بالأصول المذكورة بشرط عدم السجود وغيره مما يوجب فعله الكفر بدلالة الشارع عليه، وانتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط.

ثانيها يلزم أن يكون الظان ولو في أحد من الأصول الخمسة كافراً وإن كان عالماً بالباقي، لأن الظن من أضداد اليقين فلا يجامعه. فيلزم (القول) بكفر مستضعفي المسلمين بل كثير من عوامهم، لعدم التصديق في الأول والثبات في الثاني، كما نشاهد من تشككهم عند التشكيك، مع أن الشارع حكم بإسلامهم وأجري عليهم أحكامه. ومن هاهنا اكتفي بعض العلماء في الإيمان بالتقليد، كما تقدمت الاشارة إليه.

ويمكن الجواب عن ذلك: بأن من يشترط اليقين

يلتزم الحكم بكفرهم لو علم كون اعتقادهم بالمعارف عن ظن، لكن هذا الإلتزام في المستضعف في غاية البعد والضعف. وأما إجراء الأحكام الشرعية فإنما هو للاكتفاء بالظاهر إذ هو المدار في إجراء الأحكام الشرعية فهو لا ينافي كون المجري عليه كذلك كافراً في نفس الأمر. وبالجملة، فالكلام إنما هو في بيان ما يتحقق به كون المكلف مؤمناً عند الله سبحانه، وأما عندنا فيكفي ما يفيد الظن حصول ذلك له، كإقراره بالمعارف الأصولية مختاراً غير مستهزي، لتعذر العلم علينا غالباً بحصول ذلك له.

ثالثها: أنه إذا كان الإيمان هو التصديق الجازم الثابت، فلا يمكن الحكم بإيمان أحد حتي نعلم يقيناً أن تصديقه بما ذكر يقيني، وأني لنا بذلك، ولا يطلع علي الضمائر إلا خالق السرائر.

والجواب عن هذا هو الجواب عن الثاني.

رابعها: انتقاض حد الإيمان والكفر جمعاً ومنعاً بحالة النوم والغفلة وكذا بالصبي لأنه إن كان مصدقاً فهو مؤمن وإلا فكافر، لعدم الواسطة، مع أن الشارع لم يحكم عليه بشئ منهما حقيقة بل تبعاً.

وأجيب عن الأولين بأن التصديق باق لم يزل، والذهول والغفلة إنما هو عن حصوله واتصاف النفس به، إذ العلم بالعلم وبصفات النفس غير لازم، ولا عدمه ينافي حصولهما.

علي أن الشارع جعل الأمر المحقق الذي لم يطرأ عليه ما يضاده ويزيله في حكم الباقي، فسمي من اتصف بالإيمان مؤمناً، سواء كان مستشعراً بإيمان نفسه، أو غافلاً عن ذلك مع اتصاف نفسه به.

وعن الثالث بأن الكلام في الإيمان الشرعي فهو من أفراد التكليف، فلا يوصف الصبي بشئ منها حقيقة، لعدم دخوله في المكلف، نعم يوصف تبعاً.

هل تزول المعرفة والإيمان بإنكار الضروري؟

نهاية الافكار:2/190

وحيث انجر الكلام إلي هنا ينبغي عطف الكلام إلي بيان أن كفر

منكر الضروري هل هو لمحض إنكاره أو أنه من جهة استتباعه لتكذيب النبي صلي الله عليه وآله، وتظهر الثمرة فيما لو كان منشأ الإنكار الإعتقاد بعدم صدور ما أنكره عن النبي صلي الله عليه وآله، أو اشتباه الأمر عليه، فإنه علي الأول

يحكم عليه بالكفر ويرتب عليه آثاره بمحض إنكاره، بخلاف الثاني حيث لا يحكم عليه بالكفر في الفرض المزبور.

فنقول: إن ظاهر إطلاق كلماتهم في كفر منكر الضروري وإن كان يقتضي الوجه الأول، ولكن النظر الدقيق فيها يقتضي خلافه، وذلك لما هو المعلوم من انصراف إطلاق كلماتهم إلي المنكر المنتحل للاسلام المعاشر للمسلمين. ومن الواضح ظهور إنكار مثل هذا الشخص في تكذيبه للنبي صلي الله عليه وآله ومع هذا الانصراف لا مجال للأخذ بإطلاق كلامهم في الحكم بكفر منكر الضروري حتي مع العلم بعدم رجوع إنكاره إلي تكذيب النبي صلي الله عليه وآله، وبعد عدم دليل في البين علي ثبوت الكفر بمحض الإنكار أمكن الإلتزام بعدم الكفر فيمن يحتمل في حقه الشبهة وخفاء الأمر عليه بحسب ظهور حاله كما فيمن هو قريب عهد بالإسلام عاش في البوادي ولم يختلط بالمسلمين، حيث أن إنكار مثله لا يكون له ظهور في تكذيب النبي صلي الله عليه وآله، وبذلك يندفع ما قد يتوهم من اقتضاء البيان المزبور عدم الحكم بالكفر حتي في من نشأ في الإسلام وعاشر المسلمين مع احتمال الشبهة في حقه خصوصاً مع دعواه عدم اعتقاده بصدور ما أنكره عن النبي صلي الله عليه وآله وأنه من الموضوعات. إذ نقول إنه كذلك لولا ظهور حال مثله في تكذيب النبي صلي الله عليه وآله وعدم خفاء شئ عليه من أساس الدين وضرورياته، حيث أن العادة قاضية

بأن من عاشر المسلمين مدة مديدة من عمره لا يخفي عليه شئ من أساس الدين وضرورياته فضلاً عمن كان مسلماً وكان نشوؤه من صغره بين المسلمين، فإنكار مثل هذا الشخص يكشف لا محالة بمقتضي ظهور حاله عن تكذيب النبي بحيث لو ادعي جهله بذلك أو اعتقاده بعدم صدور ما أنكره عن النبي لا يسمع منه بل يحكم بكفره.

وهذا بخلاف غيره ممن كان نشوه في البوادي أو البلاد التي لا يوجد فيها المسلم فإن ظهور حاله ربما يكون علي العكس، ومن ذلك لا نحكم بكفره بمجرد انكاره لشئ من ضروريات الدين خصوصاً مع دعواه عدم علمه بكون ما أنكره صادراً عن النبي صلي الله عليه وآله.

بل ولعل في جعل مدار الكفر علي إنكار الضروري دلالة علي ما ذكرنا من طريقية الإنكار للتكذيب بلحاظ بُعد خفاء ما هو أساس الدين وضرورياته علي المنتحل للإسلام المعاشر مع المسلمين، بخلاف غير الضروري حيث لا بُعد في خفائه، وإلا فلا فرق في استلزام الإنكار للتكذيب بين الضروري وغيره، وحينئذ فيمكن الجمع بين إطلاق كلامهم في كفر منكر الضروري وبين ما هو الظاهر من طريقية الإنكار للتكذيب بحمل الإطلاقات علي المنكر المنتحل للإسلام المعاشر مع المسلمين برهة من عمره.

وقد يستدل علي استتباع مجرد الإنكار للكفر بما رواه زرارة عن أبي عبدالله عليه السلام من قوله: لو أن العباد إذا جهلوا وقفوا ولم يجحدوا لم يكفروا، ولكن يدفعه ظهور الرواية في الإنكار الناشئ عن العناد إذ الجحد ليس إلا عبارة عن ذلك ومن المعلوم عدم صلاحية مثله للدلالة علي ثبوت الكفر بمحض الإنكار، ومجرد كون الإنكار العنادي موجباً للكفر لا يقتضي تسرية الحكم إلي مطلق الإنكار، ومن ذلك نقول

أن الإنكار العنادي موجب للكفر مطلقاً ولو في غير الضروري.

هذا كله في صورة التمكن من تحصيل العلم والإعتقاد الجزمي، ولقد عرفت وجوبه عليه فيما يرجع إلي الله جل شأنه وما يرجع إلي أنبيائه ورسله وحججه وأنه مع الإخلال به يكون معاقباً لا محالة.

نعم يبقي الكلام حينئذ في كفره وترتيب آثاره عليه من النجاسة وغيرها مع الإخلال بتحصيل المعرفة، فنقول:

أما مع عدم إظهاره للشهادتين فلا إشكال في كفره وترتيب آثاره عليه من النجاسة وعدم الارث والمناكحة. وأما مع إظهار الشهادتين ففيه إشكال ينشأ من كفاية مجرد إظهار الشهادتين مع عدم الإنكار في الحكم بالإسلام، ومن عدم كفايته ولزوم الإعتقاد في الباطن أيضاً.

ولكنه لا ينبغي التأمل في عدم كفايته، فإن حقيقة الإسلام عبارة عن الإعتقاد بالواجب تعالي والتصديق بالنبي عليه السلام بكونه رسولاً من عند الله سبحانه، وأن الإكتفاء بإظهار الشهادتين من جهة كونه أمارة علي الإعتقاد في الباطن كما يظهر ذلك أيضاً من النصوص الكثيرة.

ولا ينافي ذلك ما يترائي في صدر الإسلام من معاملة النبي صلي الله عليه وآله مع المنافقين معاملة الإسلام بمجرد إظهارهم الشهادتين مع علمه صلي الله عليه وآله بعدم كونهم مؤمنين بالله ولا مصدقين برسوله واقعاً، وأن إظهارهم الشهادتين كان لمحض الصورة، إما لاجل خوفهم من القتل، وإما لبعض المصالح المنظورة لهم كالوصول إلي مقام الرياسة والامال الدنيوية لما سمعوا وعلموا من الكهنة بارتقاء الإسلام وتفوقه علي سائر المذاهب والأديان، مع أنهم لم يؤمنوا بالله طرفة عين كما نطقت به الأخبار والاثار المروية عن الأئمة الأطهار.

إذ نقول إن في معاملة النبي صلي الله عليه وآله والوصي مع هؤلاء المنافقين في الصدر الأول معاملة الإسلام بمحض إظهارهم

الشهادتين وجوها ومصالح شتي:

منها: تكثير جمعية المسلمين وازديادهم في قبال الكفار وعبدة الأوثان الموجب لازدياد صولة المسلمين في أنظار المشركين.

ومنها: حفظ من في أصلابهم من المؤمنين الذين يوجدون بعد ذلك.

ومنها: تعليم الأمة في الأخذ بما يقتضيه ظاهر القول بالشهادتين في الكشف عن الإعتقاد في الباطن، فإنه لو فتح مثل هذا الباب في الصدر الأول لقتل كل أحد صاحبه لاجل ما كان بينهم من العداوة في الجاهلية بدعوي أن اعتقاده علي خلاف ما يظهره باللسان وأن إظهار الشهادتين كان لأجل الخوف من القتل أو الطمع في الشركة في أخذ الغنيمه، ومثله لا يزيد المسلمين وشوكتهم إلا ضعفاً كما يشهد لذلك الآية الشريفة: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَي إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا، وقضية أسامة بن زيد في ذلك معروفة.

ومنها: غير ذلك من المصالح التي لاحظها النبي صلي الله عليه وآله مع علمه بكونهم حقيقة غير مؤمنين علي ما نطق به الكتاب المبين في مواضع عديدة في قوله سبحانه: يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ، وقوله: وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إلي بَعْضٍ... الخ. وغير ذلك من الآيات الكثيرة.

وأين ذلك وزماننا هذا الذي قد كثر فيه المسلمون كثرة عظيمة، وحينئذ فلا يمكن الإلتزام بترتيب آثار الإسلام علي مجرد إظهار الشهادتين مع العلم بعدم كون إظهارها إلا صورياً محضاً خصوصاً مع ظهور اعتبار القول في كونه لأجل الحكاية والطريقية عن الإعتقاد في الباطن، بل لابد من ترتيب آثار الكفر عليه في الفرض المزبور.

هل أن الكافر يعرف الله تعالي؟

مسالك الافهام:2/75

النية معتبرة في الكفارة لأنها عبادة تقع علي وجوه مختلفة فلا يتميز المقصد منها بالنية لقوله صلي الله عليه وآله: إنما الأعمال بالنيات ويعتبر فيها نية القربة

لقوله تعالي: وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ. وهذا هو القدر المتفق عليه منها....

إذا تقرر ذلك فقد فرع المصنف علي اعتبار نية القربة به أنه لا يصح من الكافر كتابياً كان أم غيره، محتجاً بتعذر نية القربة في حقه، وفيه نظر، لأنه إن أراد بنية القربة المتعذرة منه نية إيقاع الفعل طلباً للتقرب إلي الله بواسطه نيل الثواب أو ما جري مجري ذلك سواء حصل له ما نواه أم لا، منعنا من تعذر نية القربة من مطلق الكافر، لأن من اعترف منهم بالله تعالي وكان كفره بجحد نبوة النبي صلي الله عليه وآله أو غيره من الأنبياء أو بعض شرايع الإسلام يمكن منه هذا النوع من التقرب، وإنما يمتنع من الكافر المعطل الذي لا يعترف بوجود الله تعالي كالدهري وبعض عبدة الأصنام، وإن أراد بها إيقاعه علي وجه التقرب إلي الله تعالي بحيث يستحق بها الثواب طالبناه بدليل علي اشتراط مثل ذلك وعارضناه بعبارة المخالف من المسلمين وعتقه فإنه لا يستتبع الثواب عنده مع صحة عتقه، وفي صحة عبادات غيره بحث فُرِد في محله.

وبالجملة فكلامهم في هذا الباب مختلف غير منقح، لانهم تارة يحكمون ببطلان عبادة الكافر مطلقاً استناداً إلي تعذر نية القربة منه، ومقتضي ذلك إرادة المعني الثاني لأن ذلك هو المتعذر منه لا الأول، وتارة يجوزون منه بعض العبادات كالعتق وسيأتي تجويز جماعة من الأصحاب له منه، مع اشتراط القربة فيه نظراً إلي ما ذكرناه من الوجه في الأول.

وقد وقع الخلاف بينهم في وقفه وصدقته وعتقه المتبرع به ونحو ذلك من التصرفات المالية المعتبر فيها القربة، واتفقوا علي عدم صحة العبادات البدنية منه نظراً إلي أن المال يراعي

فيه جانب المدفوع إليه ولو بفك الرقبة من الرق فيرجح فيه جانب القربات بخلاف العبادات البدنية، ومن ثم ذهب بعض العامة إلي عدم اشتراط النية في العتق والإطعام واعتبرها في الصيام، إلا أن هذا الإعتبار غير منضبط عند الأصحاب كما أشرنا إليه، وسيأتي له في العتق زيادة بحث.

ثم عد إلي العبارة واعلم أن قوله ذمياً كان الكافر أو حربياً أو مرتداً لا يظهر للتسوية بين هذه الفرق مزية، لأن الكافر المقر بالله تعالي لا يفرق فيه بين الذمي والحربي، وإن افترقا في الإقرار بالجزية فإن ذلك أمر خارج عن هذا المطلق، وإنما حق التسوية بين أصناف الكفار أن يقول سواء كان مقراً بالله كالكتابي أم جاحداً له كالوثني، لأن ذلك هو موضع الإشكال ومحل الخلاف.

وأما ما قاله بعضهم من أن الكافر مطلقاً لا يعرف الله تعالي علي الوجه المعتبر ولو عرفه لأقر بجميع رسله ودين الإسلام فهو كلام بعيد عن التحقيق جداً، ولا ملازمة بين الأمرين كما لا ملازمة بين معرفة المسلم لله تعالي ومعرفة دين الحق من فرق الإسلام، وكل حزب بما لديهم فرحون.

مسالك الافهام:2/153

قوله: ويصح اليمين من الكافر.. إلخ. إذا حلف الكافر بالله تعالي علي شئ سواء كان مقراً بالله كاليهودي والنصراني، أو من كفر بجحد فريضة من المسلمين، أو غير مقر به كالوثني، ففي انعقاد يمينه أقوال أشهرها الأول، وهو الذي اختاره المصنف والشيخ في المبسوط وأتباعه وأكثر المتأخرين لوجود المقتضي وهو حلفه بالله تعالي مع باقي الشرايط وانتفاء المانع، إذ ليس هناك إلا كفره وهو غير مانع لتناول الأدلة الدالة علي انعقاد اليمين له من الآيات والأخبار، ولأن الكفار مخاطبون بفروع الشرايع فيدخلون تحت عموم قوله تعالي:

وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ، وغيره.

وقال الشيخ في الخلاف وابن إدريس: لا ينعقد مطلقاً لأن شرط صحتها الحلف بالله والكافر لا يعرف الله، وفي إطلاق القولين معاً منع ظاهر.

وفصل العلامة جيداً في المختلف فقال: إن كان كفره باعتبار جهله بالله وعدم علمه به لم ينعقد يمينه لأنه يحلف بغير الله، ولو عبر به فعبارته لغو لعدم اعتقاده ما يقتضي تعظيمه بالحلف به، وإن كان جحده باعتبار جحد نبوة أو فريضة انعقدت يمينه، لوجود المقتضي وهو الحلف بالله تعالي من عارف به إلي آخر ما اعتبر. وتوقف فعل المحلوف عليه لو كان طاعة، والتكفير علي تقدير الحنث علي الإسلام لا يمنع أصل الإنعقاد، لأنه مشروط بشرط زايد علي أصل اليمين فلا ملازمة بينهما.

وفائدة الصحة تظهر في بقاء اليمين لو أسلم في المطلقة أو قبل خروج وقت الموقتة، وفي العقاب علي متعلقها لو مات علي كفره ولما يفعله لا في تدارك الكفارة ولو سبق الحنث الإسلام، لأنها تسقط به عنه.

قوله: وفي صحة التكفير.. إلخ. إذا قلنا بصحة يمين الكافر علي بعض الوجوه وحنث في يمينه وجبت عليه الكفارة مطلقاً، ومذهب الأصحاب عدم صحتها منه حال الكفر لأنها من العبادات المشروطة بنية القربة، وهي متعذرة في حقة سواء عرف الله أم لا، لأن المراد من القربة ما يترتب عليه الثواب وهو منتف في حقه.

والمصنف رحمه الله تردد في ذلك، ووجه التردد ما ذكر ومن احتمال أن يراد بالقربة قصد التقرب إلي الله تعالي سواء حصل له القرب والثواب أم لا كما سبق تحقيقه في عتق الكافر، ومن حيث أن بعض خصال الكفارة قد يشك في اعتبار نية القربة فيها كالإطعام والكسوة كما يقوله

العامة فإنهم لا يعتبرون النية إلا في الصوم من خصالها ويجوزون الإطعام ونحوه بدونها، ولكن مذهب الأصحاب اعتبار نية القربة في جميع خصالها، وظاهرهم اختيار المعني الأول من معاني القربة، ومن ثم أبطلوا عبادات الكافر، ومن اختار منهم صحة يمينه منع من صحة التكفير منه مادام علي كفره، فما تردد المصنف رحمه الله فيه لا يظهر فيه خلاف معتد به.

بحث في معرفة الله تعالي عن طريق معرفة النفس

تفسير الميزان للطباطبائي:6/169 وما بعده

في الغرر والدرر للآمدي عن علي عليه السلام قال: من عرف نفسه عرف ربه.

أقول ورواه الفريقان عن النبي أيضاً وهو حديث مشهور، وقد ذكر بعض العلماء أنه من تعليق المحال، ومفاده استحالة معرفة النفس لإستحالة الاحاطة العلمية بالله سبحانه. ورد أولاً، بقوله صلي الله عليه وآله في رواية أخري: أعرفكم بنفسه أعرفكم بربه. وثانياً، بأن الحديث في معني عكس النقيض، لقوله تعالي: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ.

وفيه عنه عليه السلام: قال الكيس من عرف نفسه وأخلص أعماله.

أقول: تقدم في البيان السابق معني ارتباط الإخلاص وتفرعه علي الإشتغال بمعرفة النفس.

وفيه عنه عليه السلام: قال المعرفة بالنفس أنفع المعرفتين.

أقول: الظاهر أن المراد بالمعرفتين المعرفة بالآيات الأنفسية والمعرفة بالآيات الآفاقية، قال تعالي: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الأفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّي يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَي كُلِّ شَئٍْ شَهِيدٌ. حم السجده: 53، وقال تعالي: وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ. الذاريات: 21.

وكون السير الأنفسي أنفع من السير الآفاقي لعله لكون المعرفة النفسانية لا تنفك عادةً من إصلاح أوصافها وأعمالها بخلاف المعرفة الآفاقية، وذلك أن كون معرفة الآيات نافعة إنما هو لأن معرفة الآيات بما هي آيات موصلة إلي معرفة

الله سبحانه وأسمائه وصفاته وأفعاله، ككونه تعالي حياً لا يعرضه موت، وقادراً لا يشوبه، عجز وعالماً لا يخالطه جهل، وأنه تعالي هو الخالق لكل شئ، والمالك لكل شئ، والرب القائم علي كل نفس بما كسبت، خلق الخلق لا لحاجة منه إليهم بل لينعم عليهم بما استحقوه، ثم يجمعهم ليوم الجمع لا ريب فيه، ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين احسنوا بالحسني.

وهذه وأمثالها معارف حقة، إذا تناولها الإنسان وأتقنها مثلت له حقيقه حياته وأنها حياة مؤبدة ذات سعادة دائمة أو شقوة لازمة، وليست بتلك المتهوسة المنقطعة اللاهية اللاغية.

وهذا موقف علمي يهدي الإنسان إلي تكاليف ووظائف بالنسبة إلي ربه وبالنسبة إلي أبناء نوعه في الحياة الدنيا والحياة الآخرة، وهي التي نسميها بالدين، فإن السنة التي يلتزمها الإنسان في حياته ولا يخلو عنها حتي البدوي والهمجي، إنما يضعها ويلتزمها أو يأخذها ويلتزمها لنفسه من حيث أنه يقدر لنفسه نوعاً من الحياة أي نوع كان، ثم يعمل بما استحسنه من السنة لاسعاد تلك الحياة، وهذا من الوضوح بمكان.

فالحياة التي يقدرها الإنسان لنفسه تمثل له الحوائج المناسبة لها فيهتدي بها إلي الأعمال التي تضمن عادة رفع تلك الحوائج فيطبق الإنسان عمله عليها، وهو السنة أو الدين.

فتلخص مما ذكرنا أن النظر في الآيات الأنفسية والآفاقية ومعرفة الله سبحانه بها يهتدي الإنسان إلي التمسك بالدين الحق والشريعة الإلهية، من جهه تمثيل المعرفة المذكورة الحياة الإنسانية المؤبدة له عند ذلك، وتعلقها بالتوحيد والمعاد والنبوة.

وهذه الهداية إلي الإيمان والتقوي يشترك فيها الطريقان معاً، أعني طريقي النظر إلي الآفاق والأنفس، فهما نافعان جميعاً، غير أن النظر إلي آيات النفس أنفع، فإنه لا يخلو من العثور علي ذات النفس وقواها

وأدواتها الروحية والبدنية وما يعرضها من الإعتدال في أمرها أو طغيانها أو خمودها، والملكات الفاضلة أو الرذيلة والأحوال الحسنة أو السيئة التي تقارنها.

واشتغال الإنسان بمعرفة هذه الأمور والإذعان بما يلزمها من أمن أو خطر وسعادة أو شقاوة لا ينفك من أن يعرفه الداء والدواء من موقف قريب، فيشتغل بإصلاح الفاسد منها والإلتزام بصحيحها، بخلاف النظر في الآيات الافاقية، فإنه إن دعا إلي إصلاح النفس وتطهيرها من سفاسف الأخلاق ورذائلها وتحليتها بالفضائل الروحية، لكنه ينادي لذلك من مكان بعيد، وهو ظاهر.

وللرواية معني آخر أدق مستخرج من نتائج الأبحاث الحقيقية في علم النفس، وهو أن النظر في الآيات الآفاقية والمعرفة الحاصلة من ذلك نظر فكري وعلم حصولي، بخلاف النظر في النفس وقواها وأطوار وجودها والمعرفة المتجلية منها، فإنه نظر شهودي وعلم حضوري، والتصديق الفكري يحتاج في تحققه إلي نظم الأقيسه واستعمال البرهان وهو باق ما دام الإنسان متوجهاً إلي مقدماته غير ذاهل عنها ولا مشتغل بغيرها، ولذلك يزول العلم بزوال الأشراف علي دليله وتكثر فيه الشبهات ويثور فيه الإختلاف.

وهذا بخلاف العلم النفساني بالنفس وقواها وأطوار وجودها فإنه من العيان، فإذا اشتغل الإنسان بالنظر إلي آيات نفسه وشاهد فقرها إلي ربها وحاجتها في جميع أطوار وجودها وجد أمراً عجيباً، وجد نفسه متعلقة بالعظمة والكبرياء متصلة في وجودها وحياتها وعلمها وقدرتها وسمعها وبصرها وإرادتها وحبها وسائر صفاتها وأفعالها، بما لا يتناهي بهاءً وسناءً وجمالاً وجلالاً وكمالاً من الوجود والحياة والعلم والقدرة وغيرها من كل كمال.

وشاهد ما تقدم بيانه أن النفس الإنسانية لا شأن لها إلا في نفسها، ولا مخرج لها من نفسها، ولا شغل لها إلا السير الإضطراري في مسير نفسها، وإنها منقطعة عن كل

شئ كانت تظن أنها مجتمعه معه مختلطه به إلا ربها، المحيط بباطنها وظاهرها وكل شئ دونها، فوجدت أنها دائماً في خلا مع ربها وإن كانت في ملا من الناس.

وعند ذلك تنصرف عن كل شيء وتتوجه إلي ربها وتنسي كل شئ، وتذكر ربها فلا يحجبه عنها حجاب، ولا تستتر عنه بستر، وهو حق المعرفة الذي قدر للإنسان.

وهذه المعرفة الأحري بها أن تسمي بمعرفة الله بالله....

وأما المعرفة الفكرية التي يفيدها النظر في الآيات الآفاقية سواء حصلت من قياس أو حدس أو غير ذلك، فإنما هي معرفة بصورة ذهنية عن صورة ذهنية، وجل الاله أن يحيط به ذهن أو تساوي ذاته صورة مختلقة اختلقها خلق من خلقه، ولا يحيطون به علما.

وقد روي في الإرشاد والإحتجاج علي ما في البحار، عن الشعبي، عن أمير المؤمنين عليه السلام في كلام له: إن الله أجل من أن يحتجب عن شئ أو يحتجب عنه شئ.

وفي التوحيد، عن موسي بن جعفر عليه السلام في كلام له: ليس بينه وبين خلقه حجاب غير خلقه، احتجب بغير حجاب محجوب، واستتر بغير ستر مستور، لا إله إلا هو الكبير المتعال.

وفي التوحيد مسنداً عن عبد الاعلي، عن الصادق عليه السلام في حديث: ومن زعم أنه يعرف الله بحجاب أو بصورة أو بمثال، فهو مشرك، لأن الحجاب والصورة والمثال غيره، وإنما هو واحد موحد، فكيف يوحد من زعم أنه يوحده بغيره! إنما عرف الله من عرفه بالله، فمن لم يعرفه به فليس يعرفه، إنما يعرف غيره.. الحديث.

والأخبار المأثورة عن أئمة أهل البيت عليه السلام في معني ما قدمناه كثيرة جداً لعل الله يوفقنا لايرادها وشرحها في ماسيأتي إن شاء الله العزيز

من تفسير سورة الاعراف.

فقد تحصل أن النظر في آيات الانفس أنفس وأغلي قيمةً، وأنه هو المنتج لحقيقة المعرفة فحسب، وعلي هذا فعده عليه السلام إياها أنفع المعرفتين لا معرفة متعينة إنما هو لأن العامة من الناس قاصرون عن نيلها، وقد أطبق الكتاب والسنة وجرت السيرة الطاهرة النبوية وسيرة أهل بيته الطاهرين علي قبول من آمن بالله عن نظر آفاقي وهو النظر الشائع بين المؤمنين. فالطريقان نافعان جميعاً، لكن النفع في طريق النفس أتم وأغزر.

وفي الدرر والغرر عن علي عليه السلام قال: العارف من عرف نفسه فاعتقها ونزهها عن كل ما يبعدها. أقول: أي أعتقها عن إسارة الهوي وَرِقِّية الشهوات.

وفيه، عنه عليه السلام قال: أعظم الجهل جهل الإنسان أمر نفسه.

وفيه، عنه عليه السلام قال: أعظم الحكمه معرفة الإنسان نفسه.

وفيه، عنه عليه السلام قال: أكثر الناس معرفة لنفسه أخوفهم لربه. أقول: وذلك لكونه أعلمهم بربه وأعرفهم به، وقد قال الله سبحانه: إِنَّمَا يَخْشَي اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ.

وفيه، عنه عليه السلام قال: أفضل العقل معرفة المرء بنفسه، فمن عرف نفسه عقل، ومن جهلها ضل.

وفيه، عنه عليه السلام قال: عجبت لمن ينشد ضالته وقد أضل نفسه فلا يطلبها.

وفيه، عنه عليه السلام قال: عجبت لمن يجهل نفسه كيف يعرف ربه.

وفيه، عنه عليه السلام قال: غايه المعرفة أن يعرف المرء نفسه. أقول: وقد تقدم وجه كونها غاية المعرفة فإنها المعرفة حقيقة.

وفيه، عنه عليه السلام قال: كيف يعرف غيره من يجهل نفسه.

وفيه، عنه عليه السلام قال: كفي بالمرء معرفةً أن يعرف نفسه، وكفي بالمرء جهلاً أن يجهل نفسه.

وفيه، عنه عليه السلام قال: من عرف نفسه تجرد. أقول: أي تجرد عن

علائق الدنيا، أو تجرد عن الناس بالإعتزال عنهم، أو تجرد عن كل شئ بالإخلاص لله.

وفيه، عنه عليه السلام قال: من عرف نفسه جاهدها، ومن جهل نفسه أهملها.

وفيه، عنه عليه السلام قال: من عرف نفسه جل أمره.

وفيه، عنه عليه السلام قال: من عرف نفسه كان لغيره أعرف، ومن جهل نفسه كان بغيره أجهل.

وفيه، عنه عليه السلام قال: من عرف نفسه فقد انتهي إلي غاية كل معرفة وعلم.

وفيه، عنه عليه السلام قال: من لم يعرف نفسه بعد عن سبيل النجاة، وخبط في الضلال والجهالات.

وفيه، عنه عليه السلام قال: معرفة النفس أنفع المعارف.

وفيه، عنه عليه السلام قال: نال الفوز الأكبر من ظفر بمعرفة النفس.

وفيه، عنه عليه السلام قال: لا تجهل نفسك فإن الجاهل معرفة نفسه جاهل بكل شئ.

وفي تحف العقول، عن الصادق عليه السلام في حديث: من زعم أنه يعرف الله بتوهم القلوب فهو مشرك، ومن زعم أنه يعرف الله بالإسم دون المعني فقد أقر بالطعن لأن الإسم محدث، ومن زعم أنه يعبد الإسم والمعني فقد جعل مع الله شريكاً، ومن زعم أنه يعبد بالصفة لا بالإدراك فقد أحال علي غائب، ومن زعم أنه يضيف الموصوف إلي الصفة فقد صغر بالكبير، وما قدروا الله حق قدره.

قيل له: فكيف سبيل التوحيد؟ قال: باب البحث ممكن وطلب المخرج موجود، إن معرفة عين الشاهد قبل صفته، ومعرفة صفة الغائب قبل عينه. قيل وكيف يعرف عين الشاهد قبل صفته؟ قال: تعرفه وتعلم علمه، وتعرف نفسك به ولا تعرف نفسك من نفسك، وتعلم أن ما فيه له وبه، كما قالوا ليوسف إنك لانت يوسف، قال أنا يوسف وهذا أخي، فعرفوه به ولم يعرفوه

بغيره ولا أثبتوه من أنفسهم بتوهم القلوب... الحديث.

أقول: قد أوضحنا في ذيل قوله عليه السلام: المعرفة بالنفس أنفع المعرفتين، الرواية الثانية من الباب أن الإنسان إذا اشتغل بآية نفسه وخلا بها عن غيرها انقطع إلي ربه من كل شئ، وعقب ذلك معرفة ربه معرفة بلا توسيط وسط وعلماً بلا تسبيب سبب، إذ الإنقطاع يرفع كل حجاب مضروب، وعند ذلك يذهل الإنسان بمشاهدة ساحة العظمة والكبرياء عن نفسه. وأحري بهذه المعرفة أن تسمي معرفة الله بالله... وانكشف له عند ذلك من حقيقه نفسه أنها الفقيرة إلي الله سبحانه المملوكة له ملكاً لا تستقل بشئ دونه، وهذا هو المراد بقوله عليه السلام: تعرف نفسك به، ولا تعرف نفسك بنفسك من نفسك، وتعلم أن ما فيه له وبه.

وفي هذا المعني ما رواه المسعودي في إثبات الوصية عن أمير المؤمنين عليه السلام قال في خطبة له: فسبحانك ملات كل شئ وباينت كل شئ، فأنت لا يفقدك شئ وأنت الفعال لما تشاء... إلي أن قال: سبحانك أي عين تقوم نصب بهاء نورك وترقي إلي نور ضياء قدرتك، وأي فهم يفهم ما دون ذلك إلا أبصار كشفت عنها الأغطية وهتكت عنها الحجب العمية فرقت أرواحها علي أطراف أجنحة الأرواح، فناجوك في أركانك وولجوا بين أنوار بهائك، ونظروا من مرتقي التربة إلي مستوي كبريائك، فسماهم أهل الملكوت زواراً، ودعاهم أهل الجبروت عماراً.

وفي البحار عن إرشاد الديلمي وذكر بعد ذلك سندين لهذا الحديث وفيه: فمن عمل برضائي ألزمه ثلاث خصال: أعرفه شكراً لا يخالطه الجهل، وذكراً لا يخالطه النسيان، ومحبةً لا يؤثر علي محبتي محبة المخلوقين. فإذا أحبني أحببته وأفتح عين قلبه إلي جلالي ولا أخفي عليه خاصة خلقي وأناجيه

في ظلم الليل ونور النهار، حتي ينقطع حديثه مع المخلوقين ومجالسته معهم، واسمعه كلامي وكلام ملائكتي وأعرفه السر الذي سترته عن خلقي، وألبسه الحياء حتي يستحيي منه الخلق كلهم، ويمشئ علي الأرض مغفوراً له، واجعل قلبه واعياً وبصيراً، ولا أخفي عليه شيئاً من جنة ولا نار، وأعرفه ما يمر علي الناس في القيامة من الهول والشدة، وما أحاسب به الأغنياء والفقراء والجهال والعلماء، وأنومه في قبره وأنزل عليه منكراً ونكيراً حتي يسألاه، ولا يري غم الموت وظلمة القبر واللحد وهول المطلع، ثم أنصب له ميزانه وأنشر ديوانه، ثم أضع كتابه في يمينه فيقرؤه منشوراً، ثم لا أجعل بيني وبينه ترجماناً. فهذه صفات المحبين.

يا أحمد إجعل همك هماً واحداً، واجعل لسانك لساناً واحداً، واجعل بدنك حياً لا يغفل أبداً، من يغفل عني لا أبالي بأي واد هلك.

والروايات الثلاثة الأخيرة وإن لم تكن من أخبار هذا البحث المعقود علي الإستقامة، إلا أنا إنما أوردناها ليقضي الناقد البصير بما قدمناه من أن المعرفة الحقيقية لا تستوفي بالعلم الفكري حق استيفائها، فإن الروايات تذكر أموراً من المواهب الإلهية المخصوصة بأوليائه لا ينتجها السير الفكري البتة. وهي أخبار مستقيمة صحيحة يشهد علي صحتها الكتاب الإلهي علي ما سنبين ذلك فيما سيوافيك من تفسير سوره الأعراف إن شاء الله العزيز....

وأما سائر الفرق المذهبية من الهنود، كالجوكية أصحاب الأنفاس والأوهام، وكأصحاب الروحانيات، وأصحاب الحكمة، وغيرهم، فلكل طائفة منهم رياضات شاقة عملية لا تخلو عن العزلة وتحريم اللذائذ الشهوانية علي النفس.

وأما البوذية فبناء مذهبهم علي تهذيب النفس ومخالفة هواها وتحريم لذائذها عليها للحصول علي حقيقة المعرفة، وقد كان هذا هو الطريقة التي سلكها بوذا نفسه في حياته فالمنقول أنه

كان من أبناء الملوك أو الرؤساء فرفض زخارف الحياة وهجر أريكة العرش إلي غابة موحشة لزمها في ريعان شبابه واعتزل الناس وترك التمتع بمزايا الحياة وأقبل علي رياضة نفسه والتفكر في أسرار الخلقة، حتي قذفت المعرفة في قلبه وسنه إذ ذاك ستة وثلاثون، وعند ذاك خرج إلي الناس فدعاهم إلي ترويض النفس وتحصيل المعرفة، ولم يزل علي ذلك قريباً من أربع وأربعين سنة علي ما في التواريخ.

وأما الصابئون، ونعني بهم أصحاب الروحانيات فهم وإن أنكروا أمر النبوة غير أن لهم في طريق الوصول إلي كمال المعرفة النفسانية طرقاً لا تختلف كثيراً عن طرق البراهمة والبوذيين، قالوا علي ما في الملل والنحل: أن الواجب علينا أن نطهر نفوسنا عن دنس الشهوات الطبيعية، ونهذب أخلاقنا عن علائق القوي الشهوانية والغضبية، حتي يحصل مناسبة ما بيننا وبين الروحانيات، فنسأل حاجاتنا منهم ونعرض أحوالنا عليهم ونصبوا في جميع أمورنا إليهم، فيشفعون لنا إلي خالقنا وخالقهم ورازقنا ورازقهم.

وهذا التطهير ليس يحصل إلا باكتسابنا ورياضتنا، وفطامنا أنفسنا عن دنيئات الشهوات، استمداداً من جهة الروحانيات، والإستمداد هو التضرع والإبتهال بالدعوات وإقامة الصلوات، وبذل الزكوات، والصيام عن المطعومات والمشروبات، وتقريب القرابين والذبائح، وتبخير البخورات وتعزيم العزائم، فيحصل لنفوسنا استعداد واستمداد من غير واسطة. انتهي.

وهؤلاء وإن اختلفوا فيما بين أنفسهم بعض الإختلاف في العقائد العامة الراجعة إلي الخلق والايجاد لكنهم متفقوا الرأي في وجوب ترويض النفس للحصول علي كمال المعرفة وسعادة النشأة.

وأما المانوية من الثنوية، فاستقرار مذهبهم علي كون النفس من عالم النور العلوي وهبوطها إلي هذه الشبكات المادية المظلمة المسماة بالأبدان، وأن سعادتها وكمالها التخلص من دار الظلمة إلي ساحة النور، إما اختياراً بالترويض النفساني، وإما اضطراراً بالموت الطبيعي

المعروف.

وأما أهل الكتاب ونعني بهم اليهود و النصاري والمجوس، فكتبهم المقدسة وهي العهد العتيق والعهد الجديد وأوستا، مشحونة بالدعوة إلي إصلاح النفس وتهذيبها ومخالفة هواها. ولاتزال كتب العهدين تذكر الزهد في الدنيا والإشتغال بتطهير السر، ولا يزال يتربي بينهم جم غفير من الزهاد وتاركي الدنيا، جيلاً بعد جيل وخاصة النصاري فإن من سننهم المتبعة الرهبانية. وقد ذكر أمر رهبانيتهم في القرآن الشريف قال تعالي: ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسيِنَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ. المائده: 82، وقال تعالي: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا، الحديد: 27. كما ذكر المتعبدون من اليهود في قوله: لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ، يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ. آل عمران: 114.

وأما الفرق المختلفة من أصحاب الإرتياضات والأعمال النفسية كأصحاب السحر والسيمياء، وأصحاب الطلسمات وتسخير الأرواح والجن وروحانيات الحروف والكواكب وغيرها، وأصحاب الإحضار وتسخير النفوس، فلكل منهم ارتياضات نفسية خاصة تنتج نوعاً من السلطة علي أمر النفس.

وجملة الأمر علي ما يتحصل من جميع ما مر: أن الوجهة الأخيرة لجميع أرباب الأديان والمذاهب والأعمال هو تهذيب النفس بترك هواها والإشتغال بتطهيرها من شوب الأخلاق والأحوال غير المناسبة للمطلوب.

لعلك ترجع وتقول إن الذي ثبت من سنن أرباب المذاهب والطرق وسيرهم هو الزهد في الدنيا وهو غير مسألة معرفة النفس أو الإشتغال بأمر النفس بالمعني الذي تقدم البحث عنه. وبلفظ أوضح: الذي يندب إليه الأديان والمذاهب التي تدعو إلي العبودية بنحو أن يتزهد الإنسان نوع تزهد في الدنيا بإتيان الأعمال الصالحة وترك الهوي والاثام ورذائل الأخلاق

ليتهيأ بذلك لأحسن الجزاء، إما في الآخرة كما تصرح به الأديان النبوية كاليهودية والنصرانية والإسلام، أو في الدنيا كما استقر عليه دين الوثنية ومذهب التناسخ وغيرهما، فالمتعبد علي حسب الدستور الديني يأتي بما ندب إليه من نوع التزهد من غير أن يخطر بباله أن هناك نفساً مجردة وأن لها نوعاً من المعرفة فيه سعادتها وكمال وجودها.

وكذلك الواحد من أصحاب الرياضات علي اختلاف طرقها وسننها إنما يرتاض بما يرتاض من مشاق الأعمال ولا همَّ له في ذلك إلا حيازه المقام الموعود فيها والتسلط علي نتيجه العمل كنفوذ الإرادة مثلاً، وهو في غفلة من أمر النفس المذكور من حين يأخذ في عمله إلي حين يختمه. علي أن في هؤلاء من لا يري في النفس إلا أنها أمر مادي طبيعي كالدم أو الروح البخار أو الأجزاء الأصلية، ومن يري أن النفس جسم لطيف مشاكل للبدن العنصري حال فيه وهو الحامل للحياة، فكيف يسوغ القول بكون الجميع يرومون بذلك أمر معرفة النفس.

لكنه ينبغي لك أن تتذكر ما تقدم ذكره أن الإنسان في جميع هذه المواقف التي يأتي فيها بأعمال تصرف النفس عن الإشتغال بالأمور الخارجية والتمتعات المتفننة المادية إلي نفسها، للحصول علي خواص وآثار لا توصل إليها الأسباب المادية والعوامل الطبيعية العادية، لا يريد إلا الإنفصال عن العلل والأسباب الخارجية والإستقلال بنفسه للحصول علي نتائج خاصة لا سبيل للعوامل المادية العادية إليها.

فالمتدين المتزهد في دينه يري أن من الواجب الإنساني أن يختار لنفسه سعادته الحقيقية، وهي الحياه الطيبة الأخروية عند المنتحلين بالمعاد، والحياة السعيدة الدنيوية التي تجمع له الخير وتدفع عنه الشر عند المنكرين له كالوثنية وأصحاب التناسخ، ثم يري أن الإسترسال في التمتعات الحيوانية لا

تحوز له سعادته ولا تسلك به إلي غرضه، فلا محيص له عن رفض الهوي وترك الإنطلاق إلي كل ما تتهوسه نفسه بأسبابها العادية في الجملة، والإنجذاب إلي سبب أو أسباب فوق الأسباب المادية العادية بالتقرب إليه والإتصال به، وأن هذا التقرب والإتصال إنما يتأتي بالخضوع له والتسليم لامره، وذلك أمر روحي نفساني لا ينحفظ إلا بأعمال وتروك بدنية، وهذه هي العبادة الدينية من صلاة ونسك أو ما يرجع إلي ذلك.

فالأعمال والمجاهدات والإرتياضات الدينية ترجع جميعاً إلي نوع من الإشتغال بأمر النفس، والإنسان يري بالفطرة أنه لا يأخذ شيئاً ولا يترك شيناً إلا لنفع نفسه، وقد تقدم أن الإنسان لا يخلو ولا لحظة من لحظات وجوده من مشاهدة نفسه وحضور ذاته، وأنه لا يخطي في شعوره هذا البتة، وإن أخطأ فإنما يخطي في تفسيره بحسب الرأي النظري والبحث الفكري.

فظهر بهذا البيان أن الأديان والمذاهب علي اختلاف سننها وطرقها تروم الإشتغال بأمر النفس في الجملة، سواء علم بذلك المنتحلون بها أم لم يعلموا. وكذلك الواحد من أصحاب الرياضات والمجاهدات وإن لم يكن منتحلاً بديلاً ولا مؤمناً بأمر حقيقة النفس، لا يقصد بنوع رياضته التي يرتاض بها إلا الحصول علي نتيجتها الموعودة له، وليست النتيجة الموعودة مرتبطة بالأعمال والتروك التي يأتي بها ارتباطاً طبيعياً نظير الإرتباط الواقع بين الأسباب الطبيعية ومسبباتها، بل هو ارتباط إرادي غير مادي متعلق بشعور المرتاض وإرادته المحفوظين بنوع العمل الذي يأتي به، دائر بين نفس المرتاض وبين النتيجة الموعودة.

فحقيقة الرياضة المذكورة هي تأييد النفس وتكميلها في شعورها وإرادتها للنتيجة المطلوبة. وإن شئت قلت: أثر الرياضة أن تحصل للنفس حالة العلم بأن المطلوب مقدور لها، فإذا صحت الرياضة وتمت صارت بحيث

لو أرادت المطلوب مطلقاً أو أرادته علي شرائط خاصة، كإحضار الروح للصبي غير المراهق في المرآة، حصل المطلوب.

وإلي هذا الباب يرجع معني ما روي: أنه ذكر عند النبي صلي الله عليه وآله أن بعض أصحاب عيسي عليه السلام كان يمشئ علي الماء فقال صلي الله عليه وآله: لو كان يقينه أشد من ذلك لمشي علي الهواء، فالحديث كما تري يومئ إلي أن الأمر يدور مدار اليقين بالله سبحانه وإمحاء الأسباب الكونية عن الإستقلال في التأثير.

فإلي أي مبلغ بلغ ركون الإنسان إلي القدرة المطلقة الإلهية انقادت له الأشياء علي قدره، فافهم ذلك.

ومن أجمع القول في هذا الشأن قول الصادق عليه السلام: ما ضعف بدن عما قويت عليه النية. وقال صلي الله عليه وآله في الحديث المتواتر: إنما الأعمال بالنيات.

فقد تبين أن الاثار الدينية للاعمال والعبادات وكذلك آثار الرياضات والمجاهدات إنما تستقر الرابطة بينها وبين النفس الإنسانية بشؤونها الباطنية، فالإشتغال بشئ منها اشتغال بأمر النفس....

إياك أن يشتبه عليك الأمر فتستنتج من الأبحاث السابقة أن الدين هو العرفان والتصوف، أعني معرفة النفس كما توهمه بعض الباحثين من الماديين، فقسم المسلك الحيوي الدائر بين الناس إلي قسمين المادية والعرفان وهو الدين. وذلك أن الذي يعقد عليه الدين أن للانسان سعادة حقيقية ليس ينالها إلا بالخضوع لما فوق الطبيعة، ورفض الإقتصار علي التمتعات المادية.

وقد أنتجت الابحاث السابقة أن الأديان أيما كانت من حق أو باطل تستعمل تربية الناس وسوقهم إلي السعادة التي تعدهم إياها، وتدعوهم إليها إصلاح لنفس وتهذيبها إصلاحاً وتهذيباً يناسب المطلوب. وأين هذا من كون عرفان النفس هو الدين.

فالدين يدعو إلي عبادة الاله سبحانه من غير واسطة، أو بواسطة الشفعاء والشركاء،

لأن فيها السعادة الإنسانية والحياة الطيبة التي لا بغية للإنسان دونها، ولا ينالها الإنسان ولن ينالها إلا بنفس طاهرة مطهرة من ألواث التعلق بالماديات والتمتعات المرسلة الحيوانية، فمست الحاجة إلي أن يدرج في أجزاء دعوته إصلاح النفس وتطهيرها ليستعد المنتحل به المتربي في حجره للتلبس بالخير والسعادة ولا يكون كمن يتناول الشئ بإحدي يديه ويدفعه بالأخري.

فالدين أمر وعرفان النفس أمر آخر وراءه وإن استلزم الدين العرفان نوعاً من الإستلزام.

وبنظير البيان يتبين أن طرق الرياضة والمجاهدة المسلوكة لمقاصد متنوعة غريبة عن العادة أيضاً غير عرفان النفس وإن ارتبط البعض بالبعض نحواً من الإرتباط.

نعم لنا أن نقضي بأمر وهو: إن عرفان النفس بأي طريق من الطرق فرض السلوك إليه إنما هو أمر مأخوذ من الدين، كما أن البحث البالغ الحر يعطي أن الأديان علي اختلافها وتشتتها إنما انشعبت هذه الانشعابات من دين واحد عريق تدعو إليه الفطرة الإنسانية وهو دين التوحيد.

فإنا إذا راجعنا فطرتنا الساذجة بالأغماض عن التعصبات الطارئة علينا بالوراثة من أسلافنا أو بالسراية من أمثالنا لم نرتب في أن العالم علي وحدته في كثرته وارتباط أجزائه في عين تشتتها، ينتهي إلي سبب واحد فوق الأسباب وهو الحق الذي يجب الخضوع لجانبه، وترتيب السلوك الحيوي علي حسب تدبيره وتربيته، وهو الدين المبني علي التوحيد.

والتأمل العميق في جميع الأديان والنحل يعطي أنها مشتملة نوع اشتمال علي هذا الروح الحي حتي الوثنية والثنوية، وإنما وقع الإختلاف في تطبيق السنة الدينية علي هذا الأصل والإصابة والخطأ فيه، فمن قائل مثلاً أنه أقرب إلينا من حبل الوريد وهو معنا أينما كنا ليس لنا من دونه من ولي ولا شفيع، فمن الواجب عبادته وحده من غير

إشراك، ومن قائل أن تسفل الإنسان الأرضي وخسة جوهره لا يدع له مخلصاً إلي الإتصال بذاك الجناب، وأين التراب ورب الأرباب فمن الواجب أن نتقرب إلي بعض عباده المكرمين المتجردين عن جلباب المادة، الطاهرين المطهرين من ألواث الطبيعة، وهم روحانيات الكواكب، أو أرباب الأنواع، أو المقربون من الإنسان، وما نعبدهم إلا ليقربونا إلي الله زلفي. وإذ كانوا غائبين عن حواسنا متعالين عن جهاتنا كان من الواجب أن نجسدهم بالأنصاب والأصنام حتي يتم بذلك أمر التقرب العبادي. وعلي هذا القياس في سائر الأديان والملل، فلا نجد في متونها إلا ما هو بحسب الحقيقة نحو توجيه لتوحيد الاله عز اسمه.

ومن المعلوم أن السنن الدائرة بين الناس وإن انشعبت أي انشعاب واختلفت أي إختلاف شديد، فإنها تميل إلي التوحد إذا رجعنا إلي سابق عهودها القهقري، وتنتهي بالآخرة إلي دين الفطرة الساذجة الإنسانية وهو التوحيد.

فدين التوحيد أبو الأديان وهي أبناء له صالحة أو طالحة.

ثم إن الدين الفطري إنما يعتبر أمر عرفان النفس ليتوصل به إلي السعادة الإنسانية التي يدعو إليها، وهي معرفة الإله التي هي المطلوب الأخير عنده. وبعبارة أخري: الدين إنما يدعو إلي عرفان النفس دعوة طريقية لا غائية، فإن الذوق الديني لا يرتضي الإشتغال بأمر إلا في سبيل العبودية، وإن الدين عند الله الإسلام ولا يرضي لعباده الكفر، فكيف يرضي بعرفان النفس إذا استقل بالمطلوبية.

ومن هنا يظهر أن العرفان ينتهي إلي أصل الدين الفطري إذ ليس هو بنفسه أمراً مستقلاً تدعو إليه الفطرة الإنسانية، حتي تنتهي فروعه وأغصانه إلي أصل واحد هو العرفان الفطري.

ويمكن أن يستأنس في ذلك بأمر آخر وهو: أن الإنسانية وإن اندفعت بالفطرة إلي الإجتماع والمدنية لاسعاد الحياة، وأثبت

النقل والبحث أن رجالاً أو أقواماً اجتماعيين دعوا إلي طرائق قومية أو وضعوا سنناً اجتماعية وأجروها بين أممهم، كسنن القبائل، والسنن الملوكية، والديمقراطية، ونحوها، ولم يثبت بنقل أو بحث أن يدعو إلي عرفان النفس وتهذيب أخلاقها أحد من غير أهل الدين في طول التاريخ البشري.

نعم من الممكن أن يكون بعض أصحاب هذه الطرق غير الدينية، كأصحاب السحر والأرواح ونحوهما إنما تنبه إلي هذا النوع من عرفان النفس من غير طريق الدين، لكن لا من جهة الفطرة، إذ الفطرة لا حكم لها في ذلك كما عرفت، بل من جهه مشاهدة بعض الآثار النفسانية الغريبة علي سبيل الإتفاق، فتتوق نفسه إلي الظفر بمنزلة نفسانية يملك بها أعمالاً عجيبة وتصرفات في الكون نادرة تستغربها النفوس، فيدفعه هذا التوقان إلي البحث عنه والسلوك إليه، ثم السلوك بعد السلوك يمهد السبيل إلي المطلوب ويسهل الوعر منه.

يحكي عن كثير من صلحائنا من أهل الدين أنهم نالوا في خلال مجاهداتهم الدينية كرامات خارقة للعادة، وحوادث غريبة اختصوا بها من بين أمثالهم كتمثل أمور لأبصارهم غائبة عن أبصار غيرهم، ومشاهدة أشخاص أو وقائع لا يشاهدها حواس من دونهم من الناس، واستجابة للدعوة وشفاء المريض الذي لا مطمع لنجاح المداواة فيه، والنجاة من المخاطر والمهالك من غير طريق العادة.

وقد يتفق نظائر ذلك لغير أهل الصلاح إذا كان ذا نية صادقة ونفس منقطعة، فهؤلاء يرون ما يرون وهم علي غفلة من سببه القريب، وإنما يسندون ذلك إلي الله سبحانه من غير توسيط وسط.

وإستناد الأمور إليه تعالي وإن كان حقاً لا محيص عن الإعتراف به، لكن نفي الأسباب المتوسطة مما لا مطمع فيه.

وربما أحضر الروحي روح أحد من الناس في مرآة

أو ماء ونحوه بالتصرف في نفس صبي علي ما هو المتعارف، وهو كغيره يري أن الصبي إنما يبصره بالبصر الحسي، وأن بين أبصار سائر الناظرين وبين الروح المحضر حجاباً مضروباً، لو كشف عنه لكانوا مثل الصبي في الظفر بمشاهدته.

وربما وجدوا الأرواح المحضرة أنها تكذب في أخبارها فيكون عجباً لأن عالم الأرواح عالم الطهارة والصفاء لا سبيل للكذب والفرية والزور إليه.

وربما أحضروا روح إنسان حي فيستنطقونه بأسراره وضمائره وصاحب الروح في حالة اليقظة مشغول بأشغاله وحوائجه اليومية لا خبر عنده من أن روحه محضر مستنطق يبث من القول ما لا يرضي هو ببثه.

وربما نوم الإنسان تنويماً مغناطيسياً، ثم لقن بعمل حتي ينعم بقبوله، فإذا أوقظ ومضي لشأنه أتي بالعمل الذي لقنه علي الشريطة التي أريد بها وهو غافل عما لقنوه، وعن إنعامه بقبوله.

وبعض الروحيين لما شاهدوا صوراً روحية تماثل الصور الإنسانية أو صور بعض الحيوان ظنوا أن هذه الصور في عالم المادة وظرف الطبيعة المتغيرة، وخاصة بعض من لا يري لغير الأمر المادي وجوداً، حتي حاول بعض هؤلاء أن يخترع أدوات صناعية يصطاد بها الأرواح! كل ذلك استناداً منهم إلي فرضية افترضوها في النفس أنها مبدأ مادي أو خاصة لمبدأ مادي، يفعل بالشعور والإرادة، مع أنهم لم يحلوا مشكلة الحياة والشعور حتي اليوم.

ونظير هذه الفرضية فرضية من يري أن الروح جسم لطيف مشاكل للبدن العنصري في هيئاته وأشكاله، لما وجدوا أن الإنسان يري نفسه في المنام وهو علي هيئته في اليقظه، وربما يمثل لأرباب المجاهدات صور أنفسهم قبالاً خارج أبدانهم وهي مشاكلة للصورة البدنية مشاكلة تامة، فحكموا أن الروح جسم لطيف حال البدن العنصري مادام الإنسان حياً فإذا فارق البدن كان

هو الموت.

وقد فاتهم أن هذه صورة إدراكية قائمة بشعور الإنسان نظيره صورته التي يدركها من بدنه، ونظيره صور سائر الأشياء الخارجة المنفصلة عن بدنه، وربما تظهر هذه الصورة المنفصلة لبعض أرباب المجاهدة أكثر من واحدة، أو في هيئة غير هيئة نفسه، وربما يري نفسه عين نفس غيره من أفراد الناس، فإذا لم يحكموا في هذه الصور المذكور أنها هي صورة الروح، فجدير بهم أن لا يحكموا في الصورة الواحدة المشاكلة التي تتراءي لارباب المجاهدات أنها صورة الروح.

وحقيقة الأمر أن هؤلاء نالوا شيئاً من معارف النفس وفاتهم معرفة حقيقتها، فأخطاوا في تفسير ما نالوه، وضلوا في توجيه أمره. والحق الذي يهدي إليه البرهان والتجربة أن حقيقة النفس التي هي هذا الشعور المتعقل المحكي عنه بقولنا (أنا) أمر مغاير في جوهره لهذه الأمور المادية كما تقدم، وأن أقسام شعوره وأنواع إدراكاته من حس أو خيال أو تعقل من جهة كونها مدركات إنما هي متقررة في عالمه وظرفه غير الخواص الطبيعية الحاصلة في أعضاء الحس والإدراك من البدن، فإنها أفعال وانفعالات مادية فاقدة في نفسها للحياة والشعور، فهذه الأمور المشهودة الخاصة بالصلحاء وأرباب المجاهدات والرياضات غير خارجة عن حيطة نفوسهم، وإنما الشأن في أن هذه المعلومات والمعارف كيف استقرت في النفس وأين محلها منها، وأن للنفس سمة علية لجميع الحوادث والأمور المرتبطة بها ارتباطاً ما. فجميع هذه الأمور الغريبة المطاوعة لأهل الرياضة والمجاهدة، إنما ترتضع من إرادتهم ومشيئتهم، والإرادة ناشئة من الشعور، فللشعور الإنساني دخل في جميع الحوادث المرتبطة به والأمور المماسة له.

فمن الحري أن نقسم المشتغلين بعرفان النفس في الجملة إلي طائفتين، إحداهما: المشتغلون بالإشتغال بإحراز شئ من آثار النفس الغريبة الخارجة عن حومة

المتعارف من الأسباب والمسببات المادية كأصحاب السحر والطلسمات وأصحاب تسخير روحانيات الكواكب والموكلين علي الأمور والجن وأرواح الآدميين وأصحاب الدعوات والعزائم ونحو ذلك.

والثانية: المشتغلون بمعرفة النفس بالانصراف عن الأمور الخارجة عنها والانجذاب نحوها، للغور فيها ومشاهدة جوهرها وشؤونها كالمتصوفة علي اختلاف طبقاتهم ومسالكهم.

وليس التصوف مما أبدعه المسلمون من عند أنفسهم لما (ثبت) أنه يوجد بين الأمم التي تتقدمهم في النشوء كالنصاري وغيرهم، حتي الوثنية من البرهمانية والبوذية، ففيهم من يسلك الطريقة حتي اليوم، بل هي طريقة موروثة ورثوها من أسلافهم. لكن لا بمعني الأخذ والتقليد العادي كوراثة الناس ألوان المدنية بعضهم من بعض، وأمة منهم متأخرة من أمة منهم متقدمة، كما جري علي ذلك عده من الباحثين الأديان والمذاهب وذلك لما عرفت في الفصول السابقة من أن دين الفطرة يهدي إلي الزهد، والزهد يرشد إلي عرفان النفس.

فاستقرار الدين بين أمة وتمكنه من قلوبهم يعدهم ويهيؤهم لأن تنشأ بينهم طريقة عرفان النفس لا محالة، ويأخذ بها بعض من تمت في حقه العوامل المقتضية لذلك. فمكث الحياة الدينية في أمة من الأمم برهه معتداً بها ينشئ بينهم هذه الطريقة لا محالة صحيحة أو فاسدة، وإن انقطعوا عن غيرهم من الأمم الدينية كل الإنقطاع. وما هذا شأنه لا ينبغي أن يعد من السنن الموروثة التي يأخذها جيل عن جيل.

ثم ينبغي أن نقسم أصحاب القسم الثاني من القسمين المتقدمين وهم أهل العرفان حقيقة إلي طائفتين: فطائفة، منهم يسلكون الطريقة لنفسها فيرزقون شيئاً من معارفها من غير أن يتم لهم تمام المعرفة لها، لأنهم لما كانوا لا يريدون غير النفس فهم في غفلة عن أمر صانعها وهو الله عز اسمه الذي هو السبب الحق الأخذ بناصية

النفس في وجودها وآثار وجودها. وكيف يسع الإنسان تمام معرفة شئ مع الذهول عن معرفة أسباب وجوده وخاصة السبب الذي هو سبب كل سبب، وهل هو إلا كمن يدعي معرفة السرير علي جهل منه بالنجار وقدومه ومنشاره، وغرضه في صنعه، إلي غير ذلك من علل وجود السرير.

ومن الحري بهذا النوع من معرفة النفس أن يسمي كهانة بما في ذيله من الحصول علي شئ من علوم النفس وآثارها.

وطائفة منهم يقصدون طريقة معرفة النفس لتكون ذريعة لهم إلي معرفة الرب تعالي، وطريقتهم هذه هي التي يرتضيها الدين في الجملة وهي أن يشتغل الإنسان بمعرفة نفسه بما أنها آية من آيات ربه وأقرب آية، وتكون النفس طريقاً مسلوكاً والله سبحانه هو الغاية التي يسلك إليها، وأن إلي ربك المنتهي.

وهؤلاء طوائف مختلفة ذووا مذاهب متشتتة في الأمم والنحل، وليس لنا كثير خبرة بمذاهب غير المسلمين منهم وطرائقهم التي يسلكونها. وأما المسلمون فطرقهم فيها كثيرة ربما انهيت بحسب الأصول إلي خمس وعشرين سلسلة، تنشعب من كل سلسلة منها سلاسل جزئية أخر، وقد استندوا فيها إلا واحدة، إلي علي عليه أفضل السلام.

وهناك رجال منهم لا ينتمون إلي واحدة من هذه السلاسل ويسمون الأويسية نسبة إلي أويس القرني، وهناك آخرون منهم لا يتسمون بإسم ولا يتظاهرون بشعار.

ولهم كتب ورسائل مسفورة ترجموا فيها عن سلاسلهم وطرقهم والنواميس والآداب التي لهم عن رجالهم، وضبطوا فيها المنقول من مكاشفاتهم، وأعربوا فيها عن حججهم ومقاصدهم التي بنوها عليها، من أراد الوقوف عليها فليراجعها.

وأما البحث عن تفصيل الطرق والمسالك وتصحيح الصحيح ونقد الفاسد، فله مقام آخر، وقد تقدم في الجزء الخامس من هذا الكتاب بحث لا يخلو عن نفع في هذا

الباب، فهذه خلاصه ما أردنا إيراده من البحث المتعلق بمعني معرفة النفس.

واعلم أن عرفان النفس بغية عملية لا يحصل تمام المعرفة بها إلا من طريق السلوك العملي دون النظري.

وأما علم النفس الذي دَوَّنه أرباب النظر من القدماء فليس يغني من ذلك شيئاً، وكذلك فن النفس العملي الذي دونه المتأخرون حديثاً، فإنما هو شعبة من فن الاخلاق علي ما دونه القدماء، والله الهادي. انتهي.

الموقف الفقهي من الدعوة إلي معرفة الله تعالي عن طريق معرفة النفس

ما ذكره صاحب الميزان رحمه الله من الطريقين لمعرفة الله تعالي: طريق النظر في الآفاق وطريق النظر في الأنفس، مطلب شائع بين العرفانيين والمتصوفة، والظاهر أنهم أخذوه من قوله تعالي (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الأفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّي يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) ولابد هنا من تسجيل الملاحظات التالية:

أولاً: وردت أحاديث شريفة في تفسير الآية المذكورة بأنها من علامات ظهور الإمام المهدي عليه السلام أو من الاحداث التي تظهر علي يده، وأن المقصود بالآفاق آفاق الأرض حيث (تنتقض الأطراف عليهم) أي علي الجبارين قرب ظهوره عليه السلام. ويؤيد ذلك سين الإستقبال في الآية، التي تخبر عن حدث في المستقبل، وإلا لقال (ولقد أريناهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم) مثلاً. أو قال (أو لم ينظروا في الآفاق) كما قال تعالي (أَوَ لَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ).

ثانياً: لا شك أن النظر في ملكوت السماوات والأرض، أي فيما يمكن للإنسان معرفته وفهمه وأخذ العبرة منه، أمر محبوب شرعاً وموصل إلي معرفة الله تعالي وزيادة الإيمان به. قال تعالي: أَوَ لَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللهُ مِنْ شَئٍْ وَأَنْ عَسَي أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ الاعراف: 185، ولكن نفس الإنسان جزء من هذا الملكوت وواحدة

من هذه الآفاق، وليست طريقاً في مقابل بقية الآفاق.

ثالثاً: لم أجد سنداً للحديث الذي ذكره (المعرفة بالنفس أنفع المعرفتين) ومن البعيد أن يكون حديثاً شريفاً، وعلي فرض صحته لا يصح تفسيره بما ذكره رحمه الله فإن المقابل لمعرفة الله بالنفس معرفة الله بالله تعالي، أو معرفة الله بأنبيائه وأوليائه، أو معرفة الله بآياته غير النفس..فمن أين جعل رحمه الله المعرفة التي تقابل معرفة النفس، معرفة الآفاق وحصره المقابلة بها. ثم إذا كانت المعرفة بالسير الآفاقي تشمل معرفة الله بالله تعالي وبأوليائه صلوات الله عليهم، فكيف يصح تفضيل معرفته عن طريق النفس علي هذه المعرفة؟!

رابعاً: تقدم بحث الحد الأدني الواجب من معرفة الله تعالي، ولم يتعرض الفقهاء والمتكلمون إلي طرقه، ولم يفضلوا بعضها علي بعض. كما تقدم أن معرفة الله هي من صنعه تعالي في نفس الإنسان وألطافه به، ولا صنع للإنسان فيها.

خامساً: لا شك في صحة ما ذكره رحمه الله من أن تزكية النفس وتهذيبها من الرذائل والشهوات والتعلق بحطام الدنيا ومتاعها، مقدمة لازمة لتحقيق هدف الدين الذي هو عبادة الله تعالي. قال تعالي (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ) وقال تعالي (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ) ولكن الوارد في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة هو تزكية النفس وجهاد النفس ومخالفة النفس، وهي أمور عملية غير ما يطرحه المتصوفة والعرفاء من معرفة النفس، وإن كانت تزكية النفس تتوقف علي قدر من معرفتها.

سادساً: لو سلمنا أن تزكية النفس ومخالفتها وجهادها هي نفس معرفة النفس التي طرحها المتصوفة والعرفاء، ولكن الدعوة إلي معرفة الله تعالي وطاعته عن طريق معرفة النفس علي إجمالها وإهمالها تتضمن مخاطر عديدة لا يمكن

قبولها، لأنها تتسع للضد والنقيض في الأساليب والاهداف والقدوات.. جميعاً.

فبعض الدعوات إلي معرفة الله تعالي عن طريق معرفة النفس تتبني العزلة والرهبانية، وبعضها يتبني إصلاح النفس والمجتمع والحكم. وبعضها يدعو إلي التقيد بأحكام الشريعة المقررة في هذا المذهب أو ذاك... وبعضها يدعو إلي تقليد الأستاذ شيخ الطريقة أو أستاذ الأخلاق وما شابه، دون الحاجة إلي أخذ أي مفهوم أو حكم شرعي من غيره!

وبعضها يدعي أنه يتصل بالله تعالي عن طريق المعرفة فيلهم العقائد والأحكام الشرعية، ولا يحتاج عند ذلك إلي شريعة! بل ولا إلي نبوة!!

وبعض الدعوات تجعل قدوتها في المعرفة بعض الصحابة أو الأولياء الذين لم يجعلهم الله تعالي ولا رسوله قدوة. بل قد يتخذ بعضهم قدوة من العرفاء والمتصوفة غير المسلمين.. إلي آخر ما هنالك من تعدد الأساليب والأهداف والقدوات.

ولهذا، فإن من المشكل جداً أن ندعو الناس إلي معرفة الله تعالي عن طريق معرفة النفس، ونقول لهم اقتدوا بأستاذكم حتي يصل أحدكم إلي الله تعالي فيصير أستاذاً مجتهداً! فما أيسر أن يجلس الشيطان في هذا الطريق وينحرف بالإنسان!

سابعاً: بما أن حب الذات أقوي غرائز الإنسان علي الإطلاق، فإن دعوة العوام بل وأكثر المتعلمين إلي سلوك طريق العرفان والتصوف بدون تحديد الوسائل والأهداف والقدوة، يجعلهم في معرض الوقوع في عبادة الذات وتعظيمها، فيتخيل أحدهم أنه وصل إلي الله تعالي، وحصل علي ارتباط به، وصار صاحب أسرار إلهية، ويزين له الشيطان العيش في عالم من نسيج الخيال وحب الذات، وقد تظهر منه ادعاءات باطلة واتجاهات منحرفة، أعاذنا الله وجميع المؤمنين.

لذلك فإن الإئتمام في المعرفة وتعيين وسائلها وهدفها من أول ضرورياتها، فالواجب التركيز علي القدوة في معرفة النفس والسلوك، قبل الدعوة

إلي سلوك طريق لا إمام له.

ثامناً: ما دامت معرفة النفس عند المتصوفة طريقاً إلي معرفة الله تعالي، ومعرفة الله تعالي طريقاً إلي عبادته، فالهدف المتفق عليه عند الجميع هو عبادة الله سبحانه. وهذه العبادة التي هي غاية الخلق وطريق التكامل الإنساني الوحيد، إنما تحصل بإطاعته سبحانه، وإطاعة رسوله صلي الله عليه وآله وإطاعة أهل بيته غليهم السلام أولي الأمر الذين أمرنا الله ورسوله بإطاعتهم والاقتداء بهم..

ولذلك فلابد في الدعوة إلي المعرفة والعرفان وتزكية النفس وتطهيرها وجهادها وغرس الفضائل فيها.. أن تتقيد بإطاعة الأحكام الشرعية كاملة، وتتخذ من النبي وآله صلي الله عليه وعليهم قدوة وأئمة في المسلك والسلوك.. حتي تكون طريقاً صحيحاً في الحياة، موصلة إلي رضوان الله تعالي. ولذلك أجاب أحد الفقهاء شخصاً سأله ما هو العرفان، وكيف يكون الإنسان عارفاً، فقال له: هذه الأحكام الشرعية التي تطبقها يومياً فتصلي وتقوم بالواجبات وتترك المحرمات هي العرفان، وأنت بسلوكك هذا تمارس المعرفة.

ومن الطبيعي أن يكون ذلك السلوك علي درجات ومراتب ومقامات، ولكنها تتحق من هذا الطريق الذي سلكه النبي وآله وتلامذتهم، لا من غيره.

معرفة النبي والأئمة

يجب علي كل الناس معرفة النبي

الكافي:1/168

علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن العباس بن عمر الفقيمي، عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال للزنديق الذي سأله من أين أثبتت الأنبياء والرسل؟ قال: أنه لما أثبتنا أن لنا خالقاً صانعاً متعالياً عنا وعن جميع ما خلق، وكان ذلك الصانع حكيماً متعالياً لم يجز أن يشاهده خلقه ولا يلامسوه، فيباشرهم ويباشروه ويحاجهم ويحاجوه، ثبت أن له سفراء في خلقه، يعبرون عنه إلي خلقه وعباده، ويدلونهم علي مصالحهم ومنافعهم وما به بقاؤهم وفي تركه فناوهم، فثبت الأمرون والناهون عن الحكيم

العليم في خلقه والمعبرون عنه عز وجل، وهم الأنبياء غليهم السلام وصفوته من خلقه، حكماء مؤدبين بالحكمة، مبعوثين بها، غير مشاركين للناس - علي مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب - في شئ من أحوالهم، مؤيدين من عند الحكيم العليم بالحكمة، ثم ثبت ذلك في كل دهر وزمان مما أتت به الرسل والأنبياء من الدلائل والبراهين، لكيلا تخلو أرض الله من حجة، يكون معه علم يدل علي صدق مقالته وجواز عدالته.

دعائم الإسلام:1/5

فأما ما فرض علي القلب من الإيمان فالإقرار والمعرفة والعقد والرضا والتسليم بأن الله تبارك وتعالي هو الواحد، لا إله إلا هو وحده لا شريك له إلهاً واحداً أحداً صمداً لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، وأن محمداً عبده ورسوله صلي الله عليه وآله والإقرار بما كان من عند الله من نبي أو كتاب، وذلك ما فرض علي القلب من الإقرار والمعرفة.

الهداية للصدوق/5

يجب أن يعتقد أن النبوة حق كما اعتقدنا أن التوحيد حق، والأنبياء الذين بعثهم الله مئة ألف نبي وأربعة وعشرون ألف نبي، جاؤوا بالحق من عند الحق وأن قولهم قول الله وأمرهم أمر الله وطاعتهم طاعة الله ومعصيتهم معصية الله، فإنهم لم ينطقوا إلا عن الله تبارك وتعالي وعن وحيه. وأن سادة الأنبياء خمسة الذين عليهم دارت الرحي، وهم أصحاب الشرايع وهم أولوا العزم: نوح، وإبراهيم، وموسي، وعيسي، ومحمد صلوات الله عليهم، وأن محمداً صلي الله عليه وآله سيدهم وأفضلهم، وأنه جاء بالحق وصدق المرسلين، وأن الذين كذبوه لذائقوا العذاب الأليم، وأن الذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون.

ويجب أن يعتقد أن الله تعالي لم يخلق خلقاً أفضل من محمد صلي الله عليه

وآله ومن بعده الأئمة صلوات الله عليهم، وأنهم أحب الخلق إلي الله عز وجل وأكرمهم عليه، وأولهم إقراراً به لما أخذ الله ميثاق النببين من الذر، وأشهدهم علي أنفسهم ألست بربكم قالوا بلي، وأن الله بعث نبيه صلي الله عليه وآله في الذر، وأن الله أعطي ما أعطي كل نبي علي قدر معرفته، ونبينا صلي الله عليه وآله سبقهم إلي الإقرار به.

ويعتقد أن الله تبارك وتعالي خلق جميع ما خلق له ولاهل بيته صلي الله عليه وآله وأنه لولاهم ما خلق السماء والأرض، ولا الجنة والنار، ولا آدم ولا حواء ولا الملائكة، ولا شيئاً مما خلق، صلوات الله عليهم أجمعين...

رسائل الشهيد الثاني:2/144

الثالث، في بيان المعارف التي يحصل بها الإيمان، وهي خمسة أصول: الأصل الأول، معرفة الله تعالي وتقدس. المراد بها التصديق الجازم الثابت بأنه تعالي موجود أزلاً وأبداً، واجب الوجود لذاته....

الأصل الثاني، التصديق بعدله، أي بأنه عادل. والتصديق بحكمته....

الأصل الثالث، التصديق بنبوة محمد صلي الله عليه وآله وبجميع ما جاء به، تفصيلاً فيما علم تفصيلاً، وإجمالاً فيما علم إجمالاً. وليس بعيداً أن يكون التصديق الإجمالي بجميع ما جاء به عليه السلام كافياً في تحقق الإيمان، وإن كان المكلف قادراً علي العلم بذلك تفصيلاً يجب العلم بتفاصيل ما جاء به من الشرائع للعمل به.

وأما تفصيل ما أخبر به من أحوال المبدأ والمعاد، كالتكليف بالعبادات، والسؤال في القبر وعذابه، والمعاد الجسماني، والحساب والصراط، والجنة، والنار، والميزان، وتطاير الكتب، مما ثبت مجيؤه به تواتراً، فهل التصديق بتفاصيله معتبرة في تحقق الإيمان؟ صرح باعتباره جمع من العلماء. والظاهر أن التصديق به إجمالاً كاف، بمعني أن المكلف لو اعتقد حقية كل ما أخبر به

عليه السلام بحيث كلما ثبت عنده جزئي منها صدق به تفصيلاً كان مؤمناً وإن لم يطلع علي تفاصيل تلك الجزئيات بعد، ويؤيد ذلك أن أكثر الناس في الصدر الأول لم يكونوا عالمين بهذه التفاصيل في الأول، بل كانوا يطلعون عليها وقتاً فوقتاً، مع الحكم بإيمانهم في كل وقت من حين التصديق بالوحدانية والرسالة، بل هذا حال أكثر الناس في جميع الاعصار كما هو المشاهد، فلو اعتبرناه لزم خروج أكثر أهل الإيمان عنه، وهو بعيد عن حكمة العزيز الحكيم. نعم العلم بذلك لا ريب أنه من مكملات الإيمان....كشف الغطاء/4

... ثم لا تجب علي الأمم اللاحقة معرفة الأنبياء السابقين، نعم ربما وجب معرفة أن لله أنبياء قد سبقت دعوتهم وانقرضت ملتهم علي الاجمال. ويجب معرفة عصمته بالدليل، ويكفي فيه أنه لو جاز عليه الخطأ والخطيئة لم يبق وثوق بإخباره ولا إعتماد علي وعده ووعيده، فتنتفي فائدة البعثة.

يعرف النبي بالمعجزة والإمام بالنص والمعجزة

رسائل الشريف المرتضي:3/18

باب ما يجب اعتقاده في النبوة. متي علم الله سبحانه أن لنا في بعض الأفعال مصالح وألطافاً، أو فيها ما هو مفسدة في الدين، والعقل لا يدل عليها، وجب بعثة الرسول لتعريفه، ولا سبيل إلي تصديقه إلا بالمعجز. وصفة المعجز أن يكون خارقاً للعادة، ومطابقاً لدعوي الرسول ومتعلقاً بها، وأن يكون متعذراً في جنسه أو صفته المخصوصة علي الخلق، ويكون من فعله تعالي أو جارياً مجري فعله تعالي، وإذا وقع موقع التصديق فلا بد من دلالته علي المصدق وإلا كان قبيحاً.

... باب ما يجب إعتقاده في الإمامة وما يتصل به أوجب في الإمام عصمته، لأنه لو لم يكن كذلك لكانت الحاجة إليه فيه، وهذا يتناهي من الرؤساء والإنتهاء إلي رئيس معصوم. وواجب أن يكون

أفضل من رعيته وأعلم، لقبح تقديم المفضول علي الفاضل فيما كان أفضل منه فيه في العقول. فإذا وجبت عصمته وجب النص من الله تعالي عليه وبطل إختيار الإمامة، لأن العصمة لا طريق للأنام إلي العلم بمن هو عليها.

الاقتصاد للشيخ الطوسي/151

ولا طريق إلي معرفة النبي إلا بالمعجز، والمعجز في اللغة عبارة عمن جعل غيره عاجزاً، مثل المقدور الذي يجعل غيره قادراً إلا أنه صار بالعرف عبارة عما يدل علي صدق من ظهر علي يده واختص به، والمعتمد علي ما في العرف دون مجرد اللغة.

والمعجز يدل علي ما قلناه بشروط: أولها أن يكون خارقاً للعادة، والثاني يكون من فعل الله أو جارياً مجري فعله، والثالث أن يتعذر علي الخلق جنسه أو صفته المخصوصة، والرابع أن يتعلق بالمدعي علي وجه التصديق لدعواه.

... فعلي هذا لا يلزم أن يظهر الله علي يد كل إمام معجزاً، لأنه يجوز أن يعلم إمامته بنص أو طريق آخر، ومتي فرضنا أنه لا طريق إلي معرفة إمامته إلا المعجز وجب إظهار ذلك عليه وجري مجري النبي سواء، لأنه لابد لنا من معرفته كما لابد لنا من معرفة النبي المتحمل لمصالحنا. ولو فرضنا في نبي علمنا نبوته بالمعجز أنه نص علي نبي آخر لاغني ذلك عن ظهور المعجز علي يد النبي الثاني، بأن نقول: النبي الأول أعلمنا أنه نبي، كما يعلم بنص إمام علي إمامته ولا يحتاج إلي معجز.

و تجب معرفة الأئمة لأن الله تعالي فرض طاعتهم

رسائل الشهيد الثاني:2/145

الأصل الرابع: التصديق بإمامة الإثني عشر صلوات الله عليهم أجمعين، وهذا الأصل اعتبرته في تحقق الإيمان الطائفة المحقة الإمامية، حتي أنه من ضروريات مذهبهم، دون غيرهم من المخالفين، فإنه عندهم من الفروع....

الكافي:1/180

عدة من أصحابنا، عن أحمد

بن محمد بن خالد عن أبيه، عمن ذكره، عن محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلي، عن أبيه، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: إنكم لا تكونون صالحين حتي تعرفوا ولا تعرفوا، حتي تصدقوا ولا تصدقوا، حتي تسلموا، أبواباً أربعة لا يصلح أولها إلا بآخرها... إنما يتقبل الله من المتقين، فمن اتقي الله فيما أمره لقي الله مؤمناً بما جاء به محمد صلي الله عليه وآله هيهات هيهات فات قوم وماتوا قبل أن يهتدوا وظنوا أنهم آمنوا، وأشركوا من حيث لا يعلمون. إنه من أتي البيوت من أبوابها اهتدي، ومن أخذ في غيرها سلك طريق الردي، وصل الله طاعة ولي أمره بطاعة رسوله، وطاعة رسوله بطاعته، فمن ترك طاعة ولاة الأمر لم يطع الله ولا رسوله، وهو الإقرار بما أنزل من عند الله عز وجل، خذوا زينتكم عند كل مسجد والتمسوا البيوت التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، فإنه أخبركم أنهم رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار.

إن الله قد استخلص الرسل لأمره، ثم استخلصهم مصدقين بذلك في نذره فقال: وإن من أمة إلا خلا فيها نذير، تاه من جهل، واهتدي من أبصر وعقل. إن الله عز وجل يقول: فَإِنَّهَا لا تَعْمَي الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَي الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ، وكيف يهتدي من لا يبصر؟ وكيف يبصر من لم يتدبر؟ إتبعوا رسول الله وأهل بيته وأقروا بما نزل من عند الله واتبعوا آثار الهدي، فإنهم علامات الإمامة والتقي، واعلموا أنه لو أنكر رجل عيسي ابن مريم عليه السلام وأقر بمن سواه من الرسل لم يؤمن. اقتصوا الطريق بالتماس المنار والتمسوا من وراء

الحجب الآثار، تستكملوا أمر دينكم وتؤمنوا بالله ربكم...

علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسي، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: ذروة الأمر وسنامه ومفتاحه وباب الأشياء ورضا الرحمن تبارك وتعالي: الطاعة للإمام بعد معرفته، ثم قال: إن الله تبارك وتعالي يقول: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ وَمَنْ تَوَلَّي فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا.

الحسين بن محمد الأشعري، عن معلي بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء عن أبان بن عثمان، عن أبي الصباح قال: أشهد أني سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: أشهد أن علياً إمام فرض الله طاعته، وأن الحسن إمام فرض الله طاعته، الحسين إمام فرض الله طاعته، وأن علي بن الحسين إمام فرض الله طاعته، وأن محمد بن علي إمام فرض الله طاعته.

محمد بن يحيي، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن حماد بن عيسي عن الحسين بن المختار، عن بعض أصحابنا، عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله عز وجل: وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا. قال: الطاعة المفروضة.

أحمد بن محمد، عن محمد بن أبي عمير، عن سيف بن عميرة، عن أبي الصباح الكناني قال: قال أبو عبدالله عليه السلام: نحن قوم فرض الله عز وجل طاعتنا، ولنا صفوا المال، ونحن الراسخون في العلم، ونحن المحسودون الذين قال الله: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَي مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ.

أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن الحسين بن أبي العلاء قال: ذكرت لابي عبد الله عليه السلام قولنا في الاوصياء أن طاعتهم مفترضة قال فقال: نعم، هم الذين قال الله تعالي: أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ. وهم الذين قال الله

عز وجل: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا.

وبهذا الإسناد، عن أحمد بن محمد، عن معمر بن خلاد قال: سأل رجل فارسي الحسن عليه السلام فقال: طاعتك مفترضة؟ فقال نعم، قال: مثل طاعة علي ابن أبي طالب عليه السلام؟ فقال: نعم.

وبهذا الإسناد، عن أحمد بن محمد عن علي بن الحكم، عن علي بن أبي حمزة عن بصير، عن أبي عبدالله عليه السلام قال سألته عن الأئمة هل يجرون في الأمر والطاعة مجري واحداً؟ قال: نعم.

علي، عن محمد بن عيسي، عن يونس، عن محمد بن الفضيل قال: سألته عن أفضل ما يتقرب به العباد إلي الله عز وجل، قال: أفضل ما يتقرب به العباد إلي الله عز وجل طاعة الله وطاعة رسوله وطاعة أولي الأمر، قال أبو جعفر عليه السلام: حبنا إيمان وبغضنا كفر.

محمد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن محمد بن عيسي، عن فضالة بن أيوب، عن أبان، عن عبدالله بن سنان، عن إسماعيل بن جابر، قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: أعرض عليك ديني الذي أدين الله عز وجل به؟ قال: فقال هات، قال فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله والإقرار بما جاء به من عند الله، وأن علياً كان إماماً فرض الله طاعته، ثم كان بعده الحسن إماماً فرض الله طاعته، ثم كان بعده الحسين إماماً فرض الله طاعته، ثم كان بعده علي بن الحسين إماماً فرض الله طاعته حتي انتهي الأمر إليه، ثم قلت: أنت يرحمك الله؟ قال: فقال: هذا دين الله ودين ملائكته.

دعائم الإسلام:1/52

... ثم قال أبوعبدالله جعفر بن محمد صلي الله عليه... وإنما يقبل الله

عز وجل العمل من العباد بالفرائض التي افترضها عليهم بعد معرفة من جاء بها من عنده، ودعاهم إليه، فأول ذلك معرفة من دعا إليه، وهو الله الذي لا إله إلا هو وحده والإقرار بربوبيته، ومعرفة الرسول الذي بلغ عنه، وقبول ما جاء به، ثم معرفة الوصي، ثم معرفة الأئمة بعد الرسل الذين افترض الله طاعتهم في كل عصر وزمان علي أهله، والإيمان والتصديق بأول الرسل والأئمة وآخرهم. ثم العمل بما افترض الله عز وجل علي العباد من الطاعات ظاهراً وباطناً، واجتناب ما حرم الله عز وجل عليهم ظاهره وباطنه....

الهداية للصدوق/6

باب الإمامة. يجب أن يعتقد أن الإمامة حق، كما اعتقد أن النبوة حق، ويعتقد أن الله عز وجل الذي جعل النبي صلي الله عليه وآله نبياً هو الذي جعل الإمام إماماً، وأن نصب الإمام واختياره إلي الله عز وجل، وأن فضله منه.

ويجب أن يعتقد أنه يلزمنا من طاعة الإمام ما يلزمنا من طاعة النبي صلي الله عليه وآله وكل فضل آتاه الله عز وجل نبيه فقد آتاه الإمام إلا النبوة....

باب معرفة الأئمة الذين هم حجج الله علي خلقه بعد نبيه صلوات الله عليه وعليهم بأسمائهم.

يجب أن يعتقد أن حجج الله عز وجل علي خلقه بعد نبيه محمد صلي الله عليه وآله الأئمة الإثنا عشر: أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ثم الحسن، ثم الحسين، ثم علي بن الحسين، ثم محمد بن علي، ثم جعفر بن محمد، ثم موسي بن جعفر، ثم الرضا علي بن موسي، ثم محمد بن علي، ثم علي بن محمد، ثم الحسن بن علي، ثم الحجة القائم صاحب الزمان خليفة الله في أرضه، صلوات الله عليهم أجمعين.

ويجب أن يعتقد أنهم أولوا الأمر الذين أمر الله بطاعتهم، وأنهم الشهداء علي الناس، وأنهم أبواب الله والسبيل إليه والأدلاء عليه، وأنهم عيبة علمه وتراجمة وحيه وأركان توحيده، وأنهم معصومون من الخطأ والزلل، وأنهم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، وأن لهم المعجزات والدلائل، وأنهم أمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماوات، ومَثَلُهم في هذه الأمة كمثل سفينة نوح وباب حطة الله، وأنهم عباد الله المكرمون الذين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون. ويجب أن يعتقد أن حبهم إيمان وبغضهم كفر، وأن أمرهم أمر الله ونهيهم نهي الله، وطاعتهم طاعة الله ومعصيتهم معصية الله، ووليهم ولي الله وعدوهم عدو الله.

ويجب أن يعتقد أن حجة الله في أرضه وخليفته علي عباده في زماننا هذا هو القائم المنتظر ابن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسي بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب غليهم السلام، وأنه هو الذي أخبر النبي صلي الله عليه وآله به عن الله عز وجل بإسمه ونسبه، وأنه هو الذي يملا الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، وأنه هو الذي يظهر الله عز وجل به دينه صلي الله عليه وآله علي الدين كله ولو كره المشركون، وأنه هو الذي يفتح الله عز وجل علي يده مشارق الأرض ومغاربها، حتي لا يبقي مكان إلا ينادي فيه بالأذان ويكون الدين كله لله، وأنه هو المهدي الذي إذا خرج نزل عيسي بن مريم عليه السلام فصلي خلفه، ويكون إذا صلي خلفه مصلياً خلف الرسول صلي الله عليه وآله لأنه خليفته.

ويجب أن يعتقد أنه لا يجوز أن يكون القائم غيره، بقي في غيبته

ما بقي، ولو بقي في غيبته عمر الدنيا لم يكن القائم غيره، لأن النبي صلي الله عليه وآله والأئمة غليهم السلام عرفوا باسمه ونسبه ونصوا به وبشروا.

ويجب أن يتبرأ إلي الله عز وجل من الأوثان الأربعة: يغوث ويعوق ونسر وهبل، ومن الأنداد الأربع اللات والعزي ومناة والشعري، وممن عبدوهم ومن جميع أشياعهم وأتباعهم، ويعتقد فيهم أنهم أعداء الله وأعداء رسوله وأنهم شر خلق الله، ولا يتم الإقرار بجميع ما ذكرناه إلا بالتبري منهم.

المقنعة/32

ويجب علي كل مكلف أن يعرف إمام زمانه، ويعتقد إمامته وفرض طاعته، وأنه أفضل أهل عصره وسيد قومه، وأنهم في العصمة والكمال كالأنبياء غليهم السلام يعتقد أن كل رسول لله تعالي فهو نبي إمام، وليس كل إمام نبياً ولا رسولاً، وأن الأئمة بعد رسول الله صلي الله عليه وآله حجج الله تعالي وأوليائه وخاصة أصفياء الله، أولهم وسيدهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، عليه أفضل السلام، وبعده الحسن والحسين، ثم علي بن الحسين، ثم محمد بن علي بن الحسين، ثم جعفر بن محمد، ثم موسي بن جعفر، ثم علي بن موسي، ثم محمد بن علي بن موسي، ثم علي بن محمد بن علي، ثم الحسن بن علي بن محمد، ثم الحجة القائم بالحق ابن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسي غليهم السلام، لاإمامة لاحد بعد النبي صلي الله عليه وآله غيرهم، ولا يستحقها سواهم، وأنهم الحجة علي كافة الانام كالأنبياء غليهم السلام وأنهم أفضل خلق الله بعد نبيه عليه وآله السلام، والشهداء علي رعاياهم يوم القيامة، كما أن الأنبياء غليهم السلام شهداء الله علي أممهم، وأنه بمعرفتهم وولايتهم

تقبل الأعمال، وبعداوتهم والجهل بهم يستحق النار.

رسائل الكركي:2/298

مسألة: معرفة تعداد الأئمة غليهم السلام شرط في صحة عقد النكاح، أم يكفي معرفتهم وإعتقاد إمامتهم إجمالاً من الزوجين من غير معرفة التعداد علي الترتيب أو من غير تعداد مطلقاً؟

الجواب: إن كانت الزوجة عارفة فلا بد من معرفة الزوج.

العروة الوثقي:2/318

مسألة: استشكل بعض العلماء في جواز إعطاء الزكاة لعوام المؤمنين الذين لا يعرفون الله إلا بهذا اللفظ، أو النبي أو الأئمة كلاً أو بعضاً، شيئاً من المعارف، الخمس واستقرب عدم الأجزاء، بل ذكر بعض آخر أنه لا يكفي معرفة الأئمة بأسمائهم بل لابد في كل واحد أن يعرف أنه من هو وابن من، فيشترط تعيينه وتمييزه عن غيره، وأن يعرف الترتيب في خلافتهم، ولو لم يعلم أنه هل يعرف ما يلزم معرفته أم لا يعتبر الفحص عن حاله، ولا يكفي الإقرار الإجمالي بأني مسلم مؤمن واثني عشري. وما ذكروه مشكل جداً، بل الاقوي كفاية الإقرار الإجمالي وإن لم يعرف أسماؤهم أيضاً فضلاً عن أسماء آبائهم والترتيب في خلافتهم.

و تجب معرفتهم لأن الله تعالي فرض مودتهم

الغدير للاميني:2/324

أخرج القاضي عياض في الشفاء عن النبي صلي الله عليه وآله أنه قال: معرفة آل محمد براءة من النار، وحب آل محمد جواز علي الصراط، والولاية لآل محمد أمان من العذاب. ويوجد في الصواعق/139، والإتحاف/15، ورشفة الصادي/459.

الغدير:2/307

أخرج الحافظ أبو عبد الله الملا في سيرته أن رسول الله صلي الله عليه وآله قال: إن الله جعل أجري عليكم المودة في أهل بيتي، وإني سائلكم غداً عنهم. ورواه محب الدين الطبري في الذخائر/25 وابن حجر في الصواعق/102 و 136 والسمهودي في جواهر العقدين.

قال جابر بن عبدالله: جاء أعرابي إلي النبي صلي الله

عليه وآله وقال: يا محمد أعرض علي الإسلام.

فقال: تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله.

قال: تسألني عليه أجراً قال: لا، إلا المودة في القربي.

قال: قرابتي أو قرابتك!

قال: قرابتي.

قال: هات أبايعك، فعلي من لا يحبك ولا يحب قرابتك لعنة الله.

فقال النبي صلي الله عليه وآله: آمين.

أخرجه الحافظ الكنجي في الكفاية/31 من طريق الحافظ أبي نعيم، عن محمد بن أحمد بن مخلد، عن الحافظ ابن أبي شيبة بإسناده.

وأخرج الحافظ الطبري، وابن عساكر، والحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل لقواعد التفضيل، بعدة طرق عن أبي أمامة الباهلي، قال قال رسول الله صلي الله عليه وآله: إن الله خلق الأنبياء من أشجار شتي، وخلقني من شجرة واحدة، فأنا أصلها وعلي فرعها وفاطمة لقاحها والحسن والحسين ثمرها، فمن تعلق بغصن من أغصانها نجا، ومن زاغ عنها هوي، ولو أن عبداً عبد الله بين الصفا والمروة ألف عام ثم ألف عام ثم ألف عام، ثم لم يدرك محبتنا، أكبه الله علي منخريه في النار. ثم تلا: قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربي.

الغدير:1/242

شمس الدين أبوالمظفر سبط ابن الجوزي الحنفي المتوفي 654، رواه في تذكرته/19 قال: ذكر أبوإسحاق الثعلبي في تفسيره بإسناده أن النبي(ص)لما قال ذلك (يعني حديث الولاية) طار في الأقطار وشاع في البلاد والأمصار فبلغ ذلك الحرث بن النعمان الفهري فأتاه علي ناقة له فأناخها علي باب المسجد، ثم عقلها وجاء فدخل في المسجد فجثا بين يدي رسول الله(ص)فقال: يا محمد إنك أمرتنا أن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقبلنا منك ذلك، وإنك أمرتنا أن نصلي خمس صلوات

في اليوم والليلة ونصوم رمضان ونحج البيت ونزكي أموالنا فقبلنا منك ذلك، ثم لم ترض بهذا حتي رفعت بضبعي ابن عمك وفضلته علي الناس وقلت: من كنت مولاه فعلي مولاه. فهذا شئ منك أو من الله؟!

فقال رسول الله(ص)وقد احمرت عيناه: والله الذي لا إله إلا هو ما هو إلا من الله.

فولي الحرث وهو يقول: اللهم إن كان ما يقول محمد حقاً فأرسل من السماء علينا حجارة أو ائتنا بعذاب أليم! قال: فوالله ما بلغ ناقته حتي رماه الله من السماء بحجر فوقع علي هامته فخرج من دبره و مات، وأنزل الله تعالي: سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ. الآيات....

شمس الدين الشربيني القاهري الشافعي المتوفي 977 (المترجم/135) قال: في تفسيره السراج المنير 4/364: اختلف في هذا الداعي فقال ابن عباس: هو النضر بن الحرث، وقيل: هو الحرث بن النعمان... انتهي.

ملاحظة: لا ينافي هذا الحديث نزول الآية في مكة، لأن ما وقع في المدينة يكون تأويلها، فيكون المعني أن الحرث الفهري هو السائل بالعذاب الذي أخبر عنه الله تعالي قبل ذلك، أو يكون مصداقاً للسائلين بالعذاب.

علي أنه لا مانع من القول بنزول جبرئيل مرة أخري بالآية مؤكداً حادثة تأويلها، بل لا مانع من نزول الآية مرتين.

الشفا للقاضي عياض جزء 2/47

فصل. ومن توقيره(ص)وبره بر آله وذريته وأمهات المؤمنين أزواجه كما حض عليه(ص)وسلكه السلف الصالح رضي الله عنهم، قال الله تعالي: إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ، الآية. وقال تعالي: وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ.

أخبرنا الشيخ أبو محمد بن أحمد العدل من كتابه وكتبت من أصله، حدثنا أبو الحسن المقري الفرغاني، حدثتني أم القاسم بنت الشيخ أبي بكر الخفاف، قالت حدثني أبي حدثنا خاتم

هو ابن عقيل، حدثنا يحيي هو ابن اسماعيل، حدثنا يحيي هو الحمائي، حدثنا وكيع، عن أبيه، عن سعيد بن مسروق، عن يزيد بن حيان، عن زيد بن أرقم (رض) قال قال رسول الله (ص): أنشدكم الله أهل بيتي، ثلاثاً. قلنا لزيد: من أهل بيته؟ قال آل علي وآل جعفر وآل عقيل وآل العباس.

وقال (ص): إني تارك فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما.

وقال (ص): معرفة آل محمد(ص)براءة من النار، وحب آل محمد جواز علي الصراط، والولاية لآل محمد أمان من العذاب.

قال بعض العلماء: معرفتهم هي معرفة مكانهم من النبي(ص)وإذا عرفهم بذلك، عرف وجوب حقهم وحرمتهم بسببه. انتهي.

ونلاحظ أن القاضي عياضاً قد بتر حديث الغدير الذي يرويه مسلم وغيره، فلم يرو إلا جزءً من آخره، ثم فسر معرفة آل محمد بأنها معرفة نسبهم من النبي صلي الله عليه وآله أو معرفة معزته لهم، مدعياً أن الإنسان يستحق براءة من النار!! وهذا من عجائب الفتاوي التي تجعل الجنة مشروطة بمعرفة نسب آل النبي صلي الله عليه وعليهم! أما اتِّباعهم وإطاعتهم، وموالاة من وليهم ومعاداة عدوهم فلا يجب منه شي..!

وقد تعرض السيد شرف الدين لهذا الحديث في المراجعات/82 وقال في هامشه:

أورده القاضي عياض في الفصل الذي عقده لبيان أن من توقيره وبره صلي الله عليه وآله بر آله وذريته، من كتاب الشفا في أول/40 من قسمه الثاني طبع الاستانة سنة 1328، وأنت تعلم أن ليس المراد من معرفتهم هنا مجرد معرفة أسمائهم وأشخاصهم وكونهم أرحام رسول الله صلي الله عليه وآله فإن أبا جهل وأبا لهب ليعرفان ذلك كله، وإنما المراد معرفة أنهم

أولوا الأمر بعد رسول الله علي حد قوله صلي الله عليه وآله: من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية. انتهي.

ومن الطريف أن القاضي عياضاً روي بعد هذا الحديث أحاديث أخري تفسر معرفة أهل البيت غليهم السلام بخلاف ما فسرها، قال:

وعن عمر بن أبي سلمة لما نزلت: إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ، الآية - وذلك في بيت أم سلمة - دعا فاطمة وحسناً وحسيناً فجللهم بكساء وعلي خلف ظهره ثم قال:اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.

وعن سعد بن أبي وقاص: لما نزلت آية المباهلة دعا النبي(ص)علياً وحسناً وحسيناً وفاطمة وقال: اللهم هؤلاء أهلي.

وقال النبي(ص)في علي: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. وقال فيه: لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق... وقال أبو بكر (رض): إرقبوا محمداً في أهل بيته. انتهي!

و تجب معرفتهم لأن الله تعالي فرض الصلاة عليهم

رسائل الشريف المرتضي:2/249

الرسالة الباهرة في العترة الطاهرة. بسم الله الرحمن الرحيم. قال (رض): مما يدل أيضاً علي تقديمهم غليهم السلام وتعظيمهم علي البشر أن الله تعالي دلنا علي أن المعرفة بهم كالمعرفة به تعالي في أنها إيمان وإسلام، وإن الجهل والشك فيهم كالجهل به والشك فيه في أنه كفر وخروج من الإيمان، وهذه منزلة ليس لاحد من البشر إلا لنبينا صلي الله عليه وآله وبعده لامير المؤمنين عليه السلام والأئمة من ولده علي جماعتهم السلام. لأن المعرفة بنبوة الأنبياء المتقدمين من آدم إلي عيسي غليهم السلام أجمعين غير واجبة علينا ولا تعلق لها بشئ من تكاليفنا، ولولا أن القرآن ورد بنبوة من سمي فيه من الأنبياء المتقدمين فعرفناهم تصديقاً للقرآن وإلا فلا وجه لوجوب معرفتهم

علينا، ولا تعلق لها بشئ من أحوال تكليفنا.

وبقي علينا أن ندل علي أن الأمر علي ما ادعيناه.

والذي يدل علي أن المعرفة بإمامة من ذكرناه غليهم السلام من جملة الإيمان وأن الإخلال بها كفر ورجوع عن الإيمان، إجماع الشيعة الإمامية علي ذلك فإنهم لا يختلفون فيه، وإجماعهم حجة بدلالة أن قول الحجة المعصوم الذي قد دلت العقول علي وجوده في كل زمان في جملتهم وفي زمرتهم، وقد دللنا علي هذه الطريقة في مواضع كثيرة من كتبنا واستوفيناها في جواب التبانيات خاصة، وفي كتاب نصرة ما انفردت به الشيعة الإمامية من المسائل الفقهية، فإن هذا الكتاب مبني علي صحة هذا الأصل.

ويمكن أن يستدل علي وجوب المعرفة بهم غليهم السلام بإجماع الأمة، مضافاً إلي ما بيناه من إجماع الإمامية وذلك أن جميع أصحاب الشافعي يذهبون إلي أن الصلاة علي نبينا صلي الله عليه وآله في التشهد الاخير فرض واجب وركن من أركان الصلاة من أخل به فلا صلاة له، وأكثرهم يقول: إن الصلاة في هذا التشهد علي آل النبي عليهم الصلوات في الوجوب واللزوم ووقوف أجزاء الصلاة عليها كالصلاة علي النبي صلي الله عليه وآله والباقون منهم يذهبون إلي أن الصلاة علي الال مستحبة وليست بواجبة.

فعلي القول الأول لابد لكل من وجبت عليه الصلاة من معرفتهم من حيث كان واجباً عليه الصلاة عليهم، فإن الصلاة عليهم فرع علي المعرفة بهم، ومن ذهب إلي أن ذلك مستحب فهو من جملة العبادة وإن كان مسنوناً مستحباً والتعبد به يقتضي التعبد بما لا يتم إلا به من المعرفة. ومن عدا أصحاب الشافعي لا ينكرون أن الصلاة علي النبي وآله في التشهد مستحبة، وأي شبهة تبقي مع هذا

في أنهم غليهم السلام أفضل الناس وإجلالهم وذكرهم واجب في الصلاة.

وعند أكثر الأمة من الشيعة الإمامية وجمهور أصحاب الشافعي أن الصلاة تبطل بتركه وهل مثل هذه الفضيلة لمخلوق سواهم أو تتعداهم؟

ومما يمكن الإستدلال به علي ذلك أن الله تعالي قد ألهم جميع القلوب، وغرس في كل النفوس تعظيم شأنهم وإجلال قدرهم علي تباين مذاهبهم واختلاف دياناتهم ونحلهم، وما اجتمع هؤلاء المختلفون المتباينون مع تشتت الاهواء وتشعب الاراء علي شئ كإجماعهم علي تعظيم من ذكرناه وإكبارهم، إنهم يزورون قبورهم ويقصدون من شاحط البلاد وشاطئها مشاهدهم ومدافنهم والمواضع التي وسمت بصلاتهم فيها وحلولهم بها، وينفقون في ذلك الأموال ويستنفدون الأحوال، فقد أخبرني من لا أحصيه كثرة أن أهل نيسابور ومن والاها من تلك البلدان يخرجون في كل سنة إلي طوس لزيارة الإمام أبي الحسن علي بن موسي الرضا صلوات الله عليهما بالجمال الكثيرة والاهبة التي لا توجد مثلها إلا للحج إلي بيت الله. وهذا مع المعروف من انحراف أهل خراسان عن هذه الجهة وازورارهم عن هذا الشعب.

وما تسخير هذه القلوب القاسية وعطف هذه الأمم البائنة إلا كالخارق للعادات والخارج عن الأمور المألوفات، وإلا فما الحامل للمخالفين لهذه النحلة المنحازين عن هذه الجملة علي أن يراوحوا هذه المشاهد ويغادوها ويستنزلوا عندها من الله تعالي الأرزاق ويستفتحوا الإغلال ويطلبوا ببركاتها الحاجات ويستدفعوا البليات، والأحوال الظاهرة كلها لا توجب ذلك ولا تقتضيه ولا تستدعيه وإلا فعلوا ذلك فيمن يعتقدونهم، وأكثرهم يعتقدون إمامته وفرض طاعته، وأنه في الديانة موافق لهم غير مخالف ومساعد غير معاند.

ومن المحال أن يكونوا فعلوا ذلك لداع من دواعي الدنيا، فإن الدنيا عند غير هذه الطائفة موجودة وعندها هي مفقودة، ولا لتقية واستصلاح،

فإن التقية هي فيهم لا منهم ولا خوف من جهتهم ولا سلطان لهم، وكل خوف إنما هو عليهم فلم يبق إلا داعي الدين، وذلك هو الأمر الغريب العجيب الذي لا ينفذ في مثله إلا مشية الله وقدرة القهار التي تذلل الصعاب، وتقود بأزمتها الرقاب.

وليس لمن جهل هذه المزية أو تجاهلها وتعامي عنها وهو يبصرها أن يقول: إن العلة في تعظيم غير فرق الشيعة لهؤلاء القوم ليست ما عظمتموه وفخمتموه وادعيتم خرقه للعادة وخروجه من الطبيعة، بل هي لأن هؤلاء القوم من عترة النبي صلي الله عليه وآله وكل من عظم النبي صلي الله عليه وآله فلا بد من أن يكون لعترته وأهل بيته معظماً مكرماً، وإذا انضاف إلي القرابة الزهد وهجر الدنيا والعفة والعلم زاد الإجلال والإكرام لزيادة أسبابهما.

والجواب عن هذه الشبهة الضعيفة: أنه شارك أئمتنا غليهم السلام في حسبهم ونسبهم وقراباتهم من النبي صلي الله عليه وآله غيرهم، وكانت لكثير منهم عبادات ظاهرة وزهادة في الدنيا بادية، وسمات جميلة وصفات حسنة، من ولد أبيهم عليه وآله السلام، ومن ولد العباس رضوان الله عليه، فما رأينا من الإجماع علي تعظيمهم وزيارة مدافنهم والاستشفاع بهم في الاغراض، والاستدفاع بمكانهم للأعراض والأمراض، وما وجدنا مشاهداً معايناً في هذا الشراك، وإلا فمن ذا الذي أجمع علي فرط إعظامه وإجلاله من سائر صنوف العترة في هذه الحالة يجري مجري الباقر والصادق والكاظم والرضا صلوات الله عليهم أجمعين، لأن من عدا من ذكرناه من صلحاء العترة وزهادها ممن يعظمه فريق من الأمة ويعرض عنه فريق، ومن عظمه منهم وقدمه لا ينتهي في الاجلال والاعظام إلي الغاية التي ينتهي إليها من ذكرناه.

ولو لا أن تفصيل هذه الجملة ملحوظ

معلوم لفصلناها علي طول ذلك ولاسمينا من كنينا عنه ونظرنا بين كل معظم مقدم من العترة ليعلم أن الذي ذكرناه هو الحق الواضح، وما عداه هو الباطل الماضح.

وبعد فمعلوم ضرورة أن الباقر والصادق ومن وليهما من الأئمة صلوات الله عليهم أجمعين كانوا في الديانة والإعتقاد وما يفتون من حلال وحرام علي خلاف ما يذهب إليه مخالفوا الإمامية، وإن ظهر شك في ذلك كله فلا شك ولا شبهة علي منصف في أنهم لم يكونوا علي مذهب الفرقة المختلفة المجتمعة علي تعظيمهم والتقرب إلي الله تعالي بهم.

وكيف يعترض ريب فيما ذكرناه، ومعلوم ضرورة أن شيوخ الإمامية وسلفهم في تلك الازمان كانوا بطانة للصادق والكاظم والباقر غليهم السلام وملازمين لهم ومتمسكين بهم، ومظهرين أن كل شئ يعتقدونه وينتحلونه ويصححونه أو يبطنونه فعنهم تلقوه ومنهم أخذوه، فلو لم يكونوا عنهم بذلك راضين وعليه مقرين لابوا عليهم نسبة تلك المذاهب إليهم وهم منها بريئون خليون، ولنفوا ما بينهم من مواصلة ومجالسة وملازمة وموالاة ومصافاة ومدح وإطراء وثناء، ولابدلوه بالذم واللوم والبراءة والعداوة، فلو لم يكونوا غليهم السلام لهذه المذاهب معتقدين وبها راضين لبان لنا واتضح، ولو لم يكن إلا هذه الدلالة لكفت وأغنت. وكيف يطيب قلب عاقل أو يسوغ في الدين لأحد أن يعظم في الدين من هو علي خلاف ما يعتقد أنه الحق وما سواه باطل، ثم ينتهي في التعظيمات والكرامات إلي أبعد الغايات وأقصي النهايات، وهل جرت بمثل هذا عادة أو مضت عليه سنة؟

أو لا يرون أن الإمامية لا تلتفت إلي من خالفها من العترة وحاد عن جادتها في الديانة ومحجتها في الولاية، ولا تسمح له بشئ من المدح والتعظيم فضلاً عن غايته وأقصي نهايته،

بل تتبرأ منه وتعاديه وتجريه في جميع الأحكام مجري من لا نسب له ولا حسب له ولا قرابة ولا علقة. وهذا يوقظ علي أن الله خرق في هذه العصابة العادات وقلب الجبلات، ليبين من عظيم منزلتهم وشريف مرتبتهم. وهذه فضيلة تزيد علي الفضائل وتربي علي جميع الخصائص والمناقب، وكفي بها برهاناً لائحاً وميزاناً راجحاً، والحمد لله رب العالمين. انتهي.

ملاحظة: نعرف قوة استدلال الشريف الرضي قدس الله نفسه عندما نلاحظ أن نيشابور كانت مركزاً للعلماء والمذاهب المخالفة لأهل البيت غليهم السلام فمنها أئمة الحديث وأساتيذ أصحاب الصحاح والشخصيات العلمية السنية. بل كانت إلي القرن السادس العاصمة العلمية للسنة، ومع ذلك كانت تخرج كلها لزيارة قبر الإمام الرضا غليهم السلام في طوس، كل سنة بقوافل كقوافل الحج!! ولا يتسع المقام للتفصيل.

الغدير للاميني:2/303

في المقام أخبار كثيرة وكلمات ضافية توجد في طيات كتب الفقه والتفسير والحديث. ذكر ابن حجر في الصواعق/87 قوله تعالي: إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَي النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا. وروي جملة من الأخبار الصحيحة الواردة فيها وأن النبي صلي الله عليه وآله قرن الصلاة علي آله بالصلاة عليه لما سئل عن كيفية الصلاة والسلام عليه، ثم قال: وهذا دليل ظاهر علي أن الأمر بالصلاة علي أهل بيته وبقية آله مراد من هذه الآية، وإلا لم يسألوا عن الصلاة علي أهل بيته وآله عقب نزولها، ولم يجابوا بما ذكر، فلما أجيبوا به دل علي أن الصلاة عليهم من جملة المأمور به، وأنه صلي الله عليه وآله أقامهم في ذلك مقام نفسه، لأن القصد من الصلاة عليه مزيد تعظيمه ومنه تعظيمهم، ومن ثم لما دخل من مر في الكساء قال:

اللهم إنهم مني وأنا منهم فاجعل صلاتك ورحمتك ومغفرتك ورضوانك عليَّ وعليهم. وقضية استجابة هذا الدعاء: أن الله صلي عليهم معه، فحينئذ طلب من المؤمنين صلاتهم عليهم معه.

ويروي: لا تصلوا علي الصلاة البتراء، فقالوا: وما الصلاة البتراء؟ قال: تقولون اللهم صل علي محمد وتمسكون، بل قولوا اللهم صلِّ علي محمد وعلي آل محمد. ثم نقل للامام الشافعي قوله:

يا أهل بيت رسول الله حبكم فرض من الله في القرآن أنزله

كفاكم من عظيم القدر أنكم من لم يصل عليكم لا صلاة له

فقال: فيحتمل لا صلاة له صحيحة، فيكون موافقاً لقوله بوجوب الصلاة علي الال، ويحتمل لا صلاة كاملة فيوافق أظهر قوليه.

وقال في هامش الغدير: نسبهما إلي الإمام الشافعي الزرقاني في شرح المواهب: 7/7 وجمع آخرون.

وقال ابن حجر في/139 من الصواعق: أخرج الدار قطني والبيهقي حديث: من صلي صلاة ولم يصل فيها عليّ وعلي أهل بيتي لم تقبل منه. وكأن هذا الحديث هو مستند قول الشافعي(رض): إن الصلاة علي الآل من واجبات الصلاة كالصلاة عليه صلي الله عليه وآله لكنه ضعيف، فمستنده الأمر في الحديث المتفق عليه: قولوا اللهم صل علي محمد وعلي آل محمد، والأمر للوجوب حقيقة علي الأصح.

وقال الرازي في تفسيره:7/391: إن الدعاء للآل منصب عظيم، ولذلك جعل هذا الدعاء خاتمة التشهد في الصلاة، وقوله: اللهم صلِّ علي محمد وآل محمد وارحم محمداً وآل محمد، وهذا التعظيم لم يوجد في حق غير الآل، فكل ذلك يدل علي أن حب آل محمد واجب.

وقال: أهل بيته صلي الله عليه وآله ساووه في خمسة أشياء: في الصلاة عليه وعليهم في التشهد. وفي السلام. والطهارة. وفي تحريم الصدقة. وفي المحبة.

وقال النيسابوري

في تفسيره عند قوله تعالي: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَي، كفي شرفاً لال رسول الله صلي الله عليه وآله وفخراً ختم التشهد بذكرهم والصلاة عليهم في كل صلاة.

وروي محب الدين الطبري في الذخاير/19 عن جابر (رض) أنه كان يقول: لو صليت صلاة لم أصل فيها علي محمد وعلي آل محمد، ما رأيت أنها تقبل.

وأخرج القاضي عياض في الشفا عن ابن مسعود مرفوعاً: من صلي صلاة لم يصل عليَّ فيها وعلي أهل بيتي، لم تقبل منه.

وللقاضي الخفاجي الحنفي في شرح الشفا 3/500-505 فوائد جمة حول المسألة وذكر مختصر ما صنفه الإمام الخيصري في المسألة سماه: زهر الرياض في رد ما شنعه القاضي عياض.

وصور الصلوات المأثورة علي النبي وآله مذكورة في (شفاء السقام) لتقي الدين السبكي/181-187، وأورد جملة منها الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد: 10/163 وأول لفظ ذكره عن بريدة قال: قلنا يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال قولوا: اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك علي محمد وآل محمد، كما جعلتها علي آل إبراهيم إنك حميد مجيد. انتهي.

وقد روت مصادر إخواننا السنة هذا الحديث وصححته، ولكنهم لا يعملون به إلا في صلاتهم، فتراهم غالباً يصلون علي النبي وحده في غير صلاتهم، حتي في أدعيتهم، مع أنهم رووا أن الدعاء لا يقبل ولا يصعد إلي الله تعالي إذا لم يصل معه علي النبي صلي الله عليه وآله ورووا أن النبي علمهم كيفية الصلاة عليه، فكأن استجابة أدعيتهم ليست مهمة عندهم!

ولا يسع المجال لايراد الأحاديث الكثيرة في فضل الصلاة علي النبي وآله صلي الله عليه وآله وأحكامها وكيفيتها التي يسمونها الصلاة الإبراهيمية، وهي جديرة

ببحث مفصل، وقد ألف فيها عدد من القدماء رسائل مستقلة.

وقد روي أحاديث الصلاة الابراهيمية الإمام مالك في كتاب الموطأ:1/165، وكتاب المسند/349، وكتاب الام:1/140، والبخاري في صحيحه:4/118 - 19 وج 6/27 وج 7/156-157، ومسلم:2/16-17، وابن ماجة:1/293، وأبو داود:1/221-222، والترمذي:5/38، والنسائي:3/45-50، وأحمد:4/118-119 وص 244 وج 5/353 وص 424، والدارمي:1/165 وص 309، والحاكم:1/268-270، والبيهقي في سننه:2/146-153 وص 378-379، والهيثمي في مجمع الزوائد:2/144-145، والهندي في كنز العمال:2/266-283 وج 5، وأورد السيوطي عدداً كبيراً من أحاديثها في الدر المنثور:5/215-220، وغيره من المفسرين، والفقهاء كالنووي في المجموع:3/466، وابن قدامة في المغني:1/580، وابن حزم في المحلي:3/272.... ولا نطيل بذكر كلماتهم.

الشفا للقاضي عياض جزء 2/64

...في الحديث: لا صلاة لمن لم يصل علي، قال ابن القصار معناه كاملة أو لمن لم يصل علي مرة في عمره. وضعف أهل الحديث كلهم رواية هذا الحديث.

وفي حديث أبي جعفر عن ابن مسعود عن النبي (ص): من صلي صلاة لم يصل فيها علي وعلي أهل بيتي لم تقبل منه. قال الدارقطني: الصواب أنه من قول أبي جعفر محمد بن الحسين: لو صليت صلاة لم أصل فيها علي النبي(ص)ولا علي أهل بيته لرأيت أنها لا تتم....

فقال النبي (ص): عجل هذا، ثم دعاه فقال له ولغيره: إذا صلي أحدكم فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه، ثم ليصل علي النبي(ص)، ثم ليدع بعد بما شاء، ويروي من غير هذا السيد بتمجيد الله وهو أصح.

وعن عمر بن الخطاب (رض) قال: الدعاء والصلاة معلق بين السماء والأرض فلا يصعد إلي الله منه شئ حتي يصلي علي النبي(ص).

وقال الأردبيلي في زبدة البيان/84

التاسعة: إِنَّ اللهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَي النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا...

قال في الكشاف: الصلاة عليه واجبة، وقد اختلفوا في حال وجوبها، فمنهم من أوجبها كلما جري ذكره، وفي الحديث: من ذكرت عنده فلم يصل علي فدخل النار فأبعده الله... ومنهم من قال: تجب في كل مجلس مرة، وإن تكرر ذكره، كما قيل في آية السجدة، وتسميت العاطس وكذلك في كل دعاء في أوله وآخره، ومنهم من أوجبها في العمر مرة وكذا قال في إظهار الشهادتين مرة، والذي يقتضيه الإحتياط الصلاة عليه عند كل ذكر، لما ورد من الأخبار. انتهي.

والأخبار من طرقنا أيضاً مثل الأول موجودة مع صحة بعضها، ولا شك أن احتياط الكشاف أحوط، واختار في كنز العرفان الوجوب كلما ذكر وقال إنه اختيار الكشاف... ثم قال في الكشاف: فإن قلت: فما تقول في الصلاة علي غيره صلي الله عليه وآله.

قلت: القياس يقتضي جواز الصلاة علي كل مؤمن، لقوله تعالي: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَ مَلائِكَتُهُ، وقوله: وصل عليهم إن صلوتك سكن لهم، وقوله صلي الله عليه وآله: اللهم صل علي آل أبي أوفي، ولكن للعلماء تفصيلاً في ذلك، وهو أنها إن كان علي سبيل التبع كقولك صلي الله علي النبي وآله، فلا كلام فيها، وأما إذا أفرد غيره من أهل البيت بالصلاة كما يفرد هو، فمكروه لأن ذلك صار شعاراً لذكر رسول الله صلي الله عليه وآله ولانه يؤدي إلي الاتهام بالرفض! (راجع تفسير الكشاف:2/549)

ولا يخفي ما فيه فإن ما ذكره برهان لا قياس، وإن البرهان من العقل والنقل كتاباً وسنة كما نقله، ومثله قوله تعالي: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا للهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ، فإنها تدل علي أن صلوات الله

علي من يقول هذا بعد المصيبة، ولا شك في صدوره كذلك عن أهل البيت بل غيرهم أيضاً. فإذا ثبت لهم الصلاة من الله فيجوز القول بذلك لهم، وهو ظاهر اقتضي جوازه مطلقاً، بل الإنفراد بخصوصه فلا مجال للتفصيل.... وإنما صار ذلك شعار الرافضة لانهم فعلوا ذلك، وتركه غيرهم بغير وجه، وإلا فهو مقتضي البرهان، ومع ذلك لا يستلزم كونه شعاراً لهم، ومتداولاً بينهم تركه، وإلا يلزم ترك العبادات كذلك فإنها شعارهم.

وبالجملة لا ينبغي منع ما يقتضي العقل والنقل جوازه بل استحبابه وكونه عبادة، بسبب أن جماعة من المسلمين يفعلون هذه السنة والعبادة، فإن ذلك تعصب وعناد محض، وليس فيه تقرب إلي الله تعالي وطلب لمرضاته وعمل لله تعالي وهو ظاهر، ولا يناسب من العلماء العمل إلا لله.

ولهم أمثال ذلك كثيرة، مثل ما ورد في تسنيم القبور أن المستحب هو التسطيح، ولكن هو شعار للرفضة فالتسنيم خير منه، وكذلك في التختم باليمين وغير ذلك، ومنه ذكر (علي) بعد قوله صلي الله عليه وعلي آله، وترك الآل معه(ص)مع أنه مرغوب بغير نزاع، وإنما النزاع كان في الأفراد، فإنهم يتركون الآل معه ويقولون صلي الله عليه!

والعجب أنهم يتركون الآل وفي حديث كعب حيث يقولون سأله عن كيفية الصلاة عليه، فقال صلي الله عليه وآله قولوا: اللهم صل علي محمد وآل محمد كما صليت علي إبراهيم وآل إبراهيم.. إلخ. فتأمل.

وقال ابن أبي جمهور الإحسائي عن الصلاة البتراء في كتابه غوالي اللئالي:2/40: وبمعناه ما رواه الإمام السخاوي الشافعي في القول البديع في الصلاة علي الحبيب الشفيع في الباب الأول، في الأمر بالصلاة علي رسول الله صلي الله عليه وآله ولفظ الحديث: ويروي عنه(ص)مما لم أقف علي

إسناده: لا تصلوا عليَّ الصلاة البتيرا، قالوا وما الصلاة البتيرا يا رسول الله؟ قال: تقولوا: اللهم صل علي محمد وتمسكون، بل قولوا اللهم صل علي محمد وعلي آل محمد. أخرجه أبو سعد في شرف المصطفي. انتهي.

ملاحظة: كان أكثر علماء السنة في القرون الماضية يصلون علي النبي في كتبهم بصيغة (عليهما السلام) ونلاحظ ذلك بوضوح في مخطوطات كتبهم التي وصلت إلينا سالمة ولم تمسها يد المحرفين والنواصب. ويظهر أن حذف الصلاة علي آل النبي صلي الله عليه وآله انتشر مع موجة التعصب العثماني الأخيرة ضد الشيعة. وقد ورث هذه الموجة وأفرط فيها الوهابيون و (المحققون) والناشرون الذين أطعموهم من سحت أموالهم، فمدوا أيديهم إلي كتب التراث وخانوا مؤلفيها فحذفوا منها وحرفوا كثيراً من المواضع، ومن ذلك عبارة صلي الله عليه وآله ووضعوا بدلها(ص).

والحمدلله أنه بقي في المحققين والناشرين أفراد أمناء وأصحاب ضمائر مستقيمة أثبتو الصلاة علي آل النبي كما وردت في مخطوطات المؤلفين مثل مستدرك الحاكم. كما بقيت النسخ المخطوطة ومصوراتها وستبقي شاهدة علي نواصب التحقيق والنشر.

كما ينبغي الاشارة إلي أن المسلمين الاوائل فهموا معني التسليم في قوله تعالي: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا، بأنه التسليم لأمر النبي وليس السلام عليه صلي الله عليه وآله لأنه لم يقل وسلموا سلاماً. ولذا نجد أن الصلاة عليه استعملت مجردة في القرون الأولي بدون (وسلم) وإن كان الدعاء بتسليم الله عليه من نوع الدعاء بالصلاة عليه صلي الله عليه وآله وسلم تسليماً كثيراً، ولكني أظن أنهم بعد أن حذفوا كلمة (وآله) التي كانت سائدة عند الجميع قروناً طويلة وجدوا خلاً فملؤوه بكلمة (وسلم). وهذا موضوع مهم، يحتاج إلي بحث واسع موثق.

و تجب معرفتهم لانهم أهل الذكر الذين أمرنا الله بسؤالهم

بصائر

الدرجات/37-41

حدثنا العباس بن معروف، عن حماد بن عيسي، عن عمرو بن يزيد، قال قال أبو جعفر عليه السلام: وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون، قال: رسول الله صلي الله عليه وآله وأهل بيته أهل الذكر وهم المسؤولون.

حدثنا يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينه، عن بريد، عن معاوية قال أبوجعفر عليه السلام في قول الله تبارك وتعالي: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ، قال: إنما عنانا بها، نحن أهل الذكر ونحن المسؤولون....

حدثنا أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن صفوان، عن أبي عثمان، عن المعلي بن خنيس، عن أبي عبدالله عليه السلام في قول الله تعالي: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ، قال هم آل محمد، فذكرنا له حديث الكلبي أنه قال: هي في أهل الكتاب، قال فلعنه وكذبه.

حدثنا السندي بن محمد، عن علا، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال قلت له إن من عندنا يزعمون أن قول الله تعالي: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ، أنهم اليهود والنصاري، قال: إذاً يدعونهم إلي دينهم، ثم أشار بيده إلي صدره فقال: نحن أهل الذكر ونحن المسؤولون.

حدثنا عبدالله بن جعفر، عن محمد بن عيسي، عن محمد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر وعبدالكريم، عن عبدالحميد بن أبي الديلم، عن أبي عبدالله عليه السلام في قول الله تعالي: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ، قال: كتاب الله الذكر، وأهله آل محمد الذين أمر الله بسؤالهم ولم يؤمروا بسؤال الجهال. وسمي الله القرآن ذكراً فقال: وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس مانزل إليهم ولعلهم يتفكرون.

روضة الواعظين/203

وقال الباقر عليه السلام في قوله تعالي:

فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ، قال نحن أهل الذكر. قال أبو زرعة: صدق محمد بن علي، ولعمري إن أبا جعفر لمن أكبر العلماء.

العمدة/303

ومنها قوله تعالي: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ. وهذا أيضاً غاية في الأمر باتباعه، لموضع الأمر بسؤاله، وبجعله تعالي أهل الذكر، والذكر هو القرآن، وهو أهله بنص كتاب الله تعالي، فوجب اتباعه واتباع ذريته، لموضع الأمر بسؤالهم.

نهج الحق/210

الثالثة والثمانون: روي الحافظ، محمد بن موسي الشيرازي من علماء الجمهور، واستخرجه من التفاسير الإثني عشر، عن ابن عباس في قوله تعالي: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ، قال: هم محمد، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين. هم أهل الذكر، والعلم، والعقل، والبيان، وهم أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، والله ما سمي المؤمن مؤمناً إلا كرامة لامير المؤمنين. ورواه سفيان الثوري عن السدي عن الحارث.

أمان الأمة/196

وأخرج الثعلبي في تفسيره الكبير في تفسير قوله تعالي: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ، عن جابر قال: قال علي بن أبي طالب: نحن أهل الذكر. وأخرجه الطبري في تفسيره. وأخرج الحسكاني في ذلك روايات غيرها.

الخطط السياسية لتوحيد الامة/97

وما يؤكد أنهم أولو الأمر وأهل الذكر: أن الهداية لا تدرك بعد النبي إلا بالقرآن وبهم معاً، وأن الضلالة لا يمكن تجنبها إلا بالقرآن وبهم معاً، فهم أحد الثقلين بالنص، وإن كنت في شك من ذلك فارجع مشكوراً إلي صحيح الترمذي:5/328 حديث 3874، وجامع الأصول لابن الاثير:1/187 حديث 65، والمعجم الكبير للطبراني/137، ومشكاة المصابيح:2/258، وإحياء الميت للسيوطي بهامش الاتحاف /114، والفتح الكبير للنبهاني:1/503 وج 3/385 والصواعق المحرقة لابن حجر/147 و 226، والمعجم الصغير للطبراني:1/135، ومقتل الحسين للخوارزمي:1/104، والطبقات الكبري لابن سعد:2/194، وخصائص النسائي/21،

ومجمع الزوائد للهيثمي:5/195. ولولا الرغبة بالاختصار لذكرت لك 192 مرجعاً.

الخطط السياسية لتوحيد الأمة/266

فإذا ذكر ذاكر أن الله تعالي قد أذهب الرجس عن أهل البيت وطهرهم تطهيراً، جاءك الجواب سريعاً، إن أهل البيت هم نساء النبي وحدهن، ومنهم من يتبرع بالمباهلة إذا كان أهل البيت غير نساء النبي!

وإذا قيل إن النبي لا يسأل أجراً إلا المودة في القربي، قيل: كل قريش قرابة النبي، بل كل العالم أقارب النبي، وهو جد التقي ولو كان عبداً حبشياً!

وإذا قيل: هم أهل الذكر. قيل لك: إن العلماء هم أهل الذكر، وهم ورثة الأنبياء!

وباختصار فلا تجد نصاً في القرآن الكريم يتعلق بأهل البيت الكرام أو ببني هاشم، إلا وقد حضرت له البطون ومن والاها عشرات التفسيرات والتأويلات لإخراجه عن معناه الخاص بأهل البيت الكرام! ولا تجد فضلاً اختص به أهل البيت الكرام إلا وقد أوجدت بطون قريش لرجالاتها فضلاً يعادله عن طريق التفسير والتأويل! ومع سيطرة البطون وإشرافها علي وسائل الأعلام، وهيمنتها علي الدولة الإسلامية خلطت كافة الأوراق، حتي إذا أخرجت يدك لم تكد تراها.

معالم الفتن لسعيد أيوب:1/123

والخلاصة: إن الروايات التي فسرت الآية بينت أن الذكر رسول الله وأن عترته أهله. وروي في قوله عز وجل: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا، إن الآية مكية وعلي هذا فالمراد بقوله: أهلك، بحسب وقت النزول خديجة زوج النبي (ص) وعلي بن أبي طالب، وكان من أهله وفي بيته أو هما وبعض بنات النبي(ص). وعلي هذا فإن القول بأن أهله جميع متبعيه من أمته غير سديد... وروي أن النبي صلي الله عليه وآله ظل يأمر أهله بالصلاة في مكة والمدينة حتي فارق الدنيا.

وفي الدر المنثور أخرج الطبراني

في الأوسط وأبونعيم في الحلية والبيهقي في شعب الإيمان بسند صحيح عن عبدالله بن سلام قال: كان النبي(ص)إذا نزلت بأهله شدة أو ضيق أمرهم بالصلاة وتلا: وأمر أهلك بالصلاة، وروي أنه صلي الله عليه وآله كان يجي إلي باب علي وفاطمة ثمانية أشهر، وفي رواية تسعة أشهر ويقول: الصلاة رحمكم الله. إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرُكُمْ تَطْهِيراً....

و تجب معرفتهم لأن الأعمال لا تقبل إلا بولايتهم

الكافي:1/183

محمد بن يحيي، عن محمد بن الحسين، عن صفوان بن يحيي، عن العلاء بن رزين عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: كل من دان الله عز وجل بعبادة يجهد فيها نفسه ولا إمام له من الله فسعيه غير مقبول، وهو ضال متحير والله شأني لأعماله، ومثله كمثل شاة ضلت عن راعيها وقطيعها، فهجمت ذاهبة وجائية يومها، فلما جنها الليل بصرت بقطيع غنم مع راعيها، فحنت إليها واغترت بها، فباتت معها في مربضها فلما أن ساق الراعي قطيعة أنكرت راعيها وقطيعها، فهجمت متحيرة تطلب راعيها وقطيعها فبصرت بغنم مع راعيها فحنت إليها واغترت بها فصاح بها الراعي: الحقي براعيك، وقطيعك فأنت تائهة متحيرة عن راعيك وقطيعك، فهجمت ذعرة متحيرة تائهة لا راعي لها يرشدها إلي مرعاها أو يردها، فبينا هي كذلك إذا اغتنم الذئب ضيعتها فأكلها، وكذلك والله يا محمد من أصبح من هذه الأمة لا إمام له من الله عز وجل. انتهي. ونحوه في المحاسن/92، وتفسير العياشي:2/252.

علل الشرائع:1/250

حدثنا محمد بن علي ماجيلويه رحمه الله، عن عمه محمد بن أبي القاسم، عن يحيي بن علي الكوفي، عن محمد بن سنان، عن صباح المدايني، عن المفضل بن عمر، أن أباعبدالله عليه السلام كتب إليه كتاباً فيه:

إن الله تعالي لم يبعث نبياً قط يدعو إلي معرفة الله ليس معها طاعة في أمر ولا نهي، وإنما يقبل الله من العباد العمل بالفرايض التي فرضها الله علي حدودها، مع معرفة من دعا إليه. ومن أطاع وحرم الحرام ظاهره وباطنه وصلي وصام وحج واعتمر وعظم حرمات الله كلها ولم يدع منها شيئاً، وعمل بالبر كله ومكارم الاخلاق كلها وتجنب سيئها.

ومن زعم أنه يحل الحلال ويحرم الحرام بغير معرفة النبي صلي الله عليه وآله لم يحل لله حلالاً ولم يحرم له حراماً، وإن من صلي وزكي وحج واعتمر وفعل (البر) كله بغير معرفة من افترض الله عليه طاعته، فلم يفعل شيئاً من ذلك، لم يصل ولم يصم ولم يزك ولم يحج ولم يعتمر ولم يغتسل من الجنابة ولم يتطهر ولم يحرم لله، وليس له صلاة وإن ركع وإن سجد، ولا له زكاة ولا حج، وإنما ذلك كله يكون بمعرفة رجل مَنَّ الله تعالي علي خلقته بطاعته وأمر بالأخذ عنه، فمن عرفه وأخذ عنه أطاع الله.

ومن زعم أن ذلك إنما هي المعرفة وأنه إذا عرف اكتفي بغير طاعة فقد كذب وأشرك، وإنما قيل إعرف واعمل ما شئت من الخير فإنه لا يقبل منك ذلك بغير معرفة، فإذا عرفت فاعمل لنفسك ما شئت من الطاعة قل أو كثر، فإنه مقبول منك. انتهي. ورواه في وسائل الشيعة:1/95.

وسائل الشيعة:1/90

وعن علي بن إبراهيم، عن أبيه وعن عبدالله بن الصلت جميعاً، عن حماد بن عيسي، عن حريز بن عبدالله، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث) قال: ذروة الأمر وسنامه ومفتاحه وباب الأشياء ورضا الرحمان الطاعة للإمام بعد معرفته، أما لو أن رجلاً قام ليله

وصام نهاره، وتصدق بجميع ماله وحج جميع دهره، ولم يعرف ولاية ولي الله فيواليه وتكون جميع أعماله بدلالته إليه، ما كان له علي الله حق في ثوابه ولا كان من أهل الإيمان. ورواه البرقي في المحاسن عن عبدالله بن الصلت بالإسناد.

وعن محمد بن الحسن، عن الصفار، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن علي بن عقبة، عن أبيه عقبة بن خالد، عن ميسر، عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث) قال: إن أفضل البقاع ما بين الركن والمقام، وباب الكعبة وذاك حطيم إسماعيل، ووالله لو أن عبداً صف قدميه في ذلك المكان، وقام الليل مصلياً حتي يجيئه النهار، وصام النهار حتي يجيئه الليل، ولم يعرف حقنا وحرمتنا أهل البيت لم يقبل الله منه شيئاً أبداً.

علي بن إبراهيم في تفسيره، عن أحمد بن علي، عن الحسين بن عبيد الله، عن السندي بن محمد، عن أبان، عن الحارث، عن عمرو، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالي: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَي، قال: ألا تري كيف اشترط ولم تنفعه التوبة والإيمان والعمل الصالح حتي اهتدي؟ والله لو جهد أن يعمل ما قبل منه حتي يهتدي، قال: قلت: إلي من جعلني الله فداك؟ قال: إلينا. أقول: والأحاديث في ذلك كثيرة جداً.

مستدرك الوسائل:1/149-155

وعن سلام بن سعيد المخزومي عن يونس بن حباب عن علي بن الحسين عليه السلام قال قام رسول الله صلي الله عليه وآله فحمد الله وأثني عليه ثم قال: ما بال أقوام إذا ذكر عندهم آل إبراهيم وآل عمران فرحوا واستبشروا، وإذا ذكر عندهم آل محمد اشمأزت قلوبهم! والذي نفس محمد بيده لو أن عبداً جاء يوم

القيامة بعمل سبعين نبياً ما قبل الله ذلك منه حتي يلقي الله بولايتي وولاية أهل بيتي!

ورواه ابن الشيخ الطوسي في أماليه، عن أبيه، عن المفيد، عن علي بن خالد المراغي، عن الحسن بن علي الكوفي، عن إسماعيل بن محمد المزني، عن سلام بن أبي عمرة، عن سعد بن سعيد، مثله.

(وقال في هامشه: كتاب سلام بن أبي عمرة/117، أمالي الطوسي:1/140 باختلاف يسير وعنه في بحار الأنوار:27/172 ح 15).

أحمد بن محمد بن خالد البرقي في المحاسن، عن خلاد المقري، عن قيس بن الربيع، عن ليث بن سليمان، عن ابن أبي ليلي، عن الحسين بن علي عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه وآله: إلزموا مودتنا أهل البيت فإنه من لقي الله وهو يودنا أهل البيت دخل الجنة بشفاعتنا. والذي نفسي بيده لا ينتفع عبد بعلمه إلا بمعرفة حقنا.

(وقال في هامشه: المحاسن/61 ح 105، أمالي المفيد/43 ح2 باختلاف يسير. أمالي المفيد/13 ح 1، عنه في بحار الأنوار:75/101 ح 7)

وعن أبيه، عن أبي منصور السكري، عن جده علي بن عمر عن العباس بن يوسف الشكلي، عن عبيد الله بن هشام، عن محمد بن مصعب، عن الهيثم بن حماد عن يزيد الرقاشئ، عن أنس بن مالك، قال رجعنا مع رسول الله صلي الله عليه وآله قافلين من تبوك، فقال لي في بعض الطريق ألقوا لي الأحلاس والأقتاب ففعلوا، فصعد رسول الله صلي الله عليه وآله فحمد الله وأثني عليه بما هو أهله، ثم قال معاشر: الناس ما لي إذا ذكر آل إبراهيم تهللت وجوهكم، وإذا ذكر آل محمد كأنما يفقأ في وجوهكم حب الرمان، فوالذي بعثني بالحق نبياً لو جاء أحدكم يوم القيامة

بأعمال كأمثال الجبال ولم يجي بولاية علي بن أبي طالب أكبه الله عز وجل في النار.

(وقال في هامشه: أمالي الطوسي:1/314 باختلاف يسير، عنه في بحار الأنوار: 27/171 ح 12. الاحلاس: واحده حلس بكسر فسكون كحمل وأحمال: كساء يوضع علي ظهر البعير تحت القتب-لسان العرب:6/54، مجمع البحرين:4/63 حلس، والأقتاب: جمع قتب وهو بالتحريك: رحل البعير - لسان العرب:1/660، مجمع البحرين:2/139 قتب).

الغدير للاميني:2/301

عن ابن عباس في حديث عن النبي صلي الله عليه وآله: لو أن رجلاً صفن بين الركن والمقام فصلي وصام ثم لقي الله وهو مبغض لأهل بيت محمد، دخل النار. أخرجه الحاكم في المستدرك 3/149 وصححه، والذهبي في تلخيصه.

وأخرج الطبراني في الأوسط من طريق أبي ليلي، عن الإمام السبط الشهيد، عن جده رسول الله صلي الله عليه وآله انه قال: إلزموا مودتنا أهل البيت فإنه من لقي الله عز وجل وهو يودنا دخل الجنة بشفاعتنا، والذي نفسي بيده لا ينفع عبداً عمله إلا بمعرفة حقنا. و ذكره الهيثمي في المجمع 9/172، وابن حجر في الصواعق، ومحمد سليمان محفوظ في أعجب ما رأيت 1/8 والنبهاني في الشرف المؤبد/96 والحضرمي في رشفة الصادي/43.

وأخرج الحافظ السمان في أماليه بإسناده عن رسول الله صلي الله عليه وآله: لو أن عبداً عبدالله سبعة آلاف سنة و(هو) عمر الدنيا ثم أتي الله عز وجل يبغض علي بن أبي طالب جاحداً لحقه ناكثاً لولايته، لاتعس الله خيره وجدع أنفه. وذكره القرشئ في شمس الأخبار/40.

وأخرج الخوارزمي في المناقب/39 عن النبي صلي الله عليه وآله أنه قال لعلي: يا علي لو أن عبداً عبد الله عز وجل مثل ما قام نوح في قومه وكان له مثل أحد ذهباً

فأنفقه في سبيل الله، ومد في عمره حتي حج ألف عام علي قدميه، ثم قتل بين الصفا والمروة مظلوماً، ثم لم يوالك يا علي، لم يشم رائحة الجنة ولم يدخلها.

عن أم سلمة عن رسول الله صلي الله عليه وآله أنه قال: يا أم سلمة أتعرفينه؟ قلت: نعم هذا علي بن أبي طالب. قال: صدقت، سجيته سجيتي ودمه دمي وهو عيبة علمي، فاسمعي واشهدي لو أن عبداً من عباد الله عز وجل عبد الله ألف عام بين الركن والمقام ثم لقي الله عز وجل مبغضاً لعلي بن أبي طالب وعترتي، أكبه الله تعالي علي منخره يوم القيامة في نار جهنم.

أخرجه الحافظ الكنجي بإسناده من طريق الحافظ أبي الفضل السلامي ثم قال: هذا حديث سنده مشهور عند أهل النقل.

وأخرج ابن عساكر في تاريخه مسنداً عن جابر بن عبدالله عن رسول الله صلي الله عليه وآله في حديث: يا علي لو أن أمتي صاموا حتي يكونوا كالحنايا، وصلوا حتي يكونوا كالاوتار، ثم أبغضوك لأكبهم الله في النار.

وذكره الكنجي في الكفاية/179، وأخرجه الفقيه ابن المغازلي في المناقب، ونقله عنه القرشئ في شمس الأخبار/33 ورواه شيخ الإسلام الحمويني في الفرايد في الباب الأول. وهناك أخبار كثيرة تضاهي هذه في ولاء أمير المؤمنين وعترته لا يسعنا ذكرها....

- قال الشيخ أبوبكر بن شهاب السقاف، وهو شيخ محمد بن عقيل الحضرمي صاحب النصائح الكافية:

حب آل البيت قربَهْ وهو أسمي الحب رتبَهْ

ذنب من والأهم يغسله مزن المحبَّهْ

والذي يبغضهم لا يسكن الإيمان قلبَهْ

علمه والنسك رجسٌ عسلٌ في ضَرْعِ كلبَهْ

لعن الله عدو الآل إبلي___س وح__زبَ_هْ

و تجب معرفتهم لأنهم محال معرفة الله تعالي

الكافي:4/578

محمد بن يحيي، عن محمد بن أحمد، عن هارون

بن مسلم، عن علي بن حسان، عن الرضا عليه السلام قال: سئل أبي، عن إتيان قبر الحسين عليه السلام فقال: صلوا في المساجد حوله ويجزي في المواضع كلها أن تقول: السلام علي أولياء الله وأصفيائه، السلام علي أمناء الله وأحبائه، السلام علي أنصار الله وخلفائه، السلام علي محال معرفة الله، السلام علي مساكن ذكر الله، السلام علي مظهري أمر الله ونهيه، السلام علي الدعاة إلي الله، السلام علي المستقرين في مرضات الله، السلام علي الممحصين في طاعة الله، السلام علي الأدلاء علي الله، السلام علي الذين من والأهم فقد وال الله ومن عاداهم فقد عادي الله ومن عرفهم فقد عرف الله ومن جهلهم فقد جهل الله ومن اعتصم بهم فقد اعتصم بالله ومن تخلي منهم فقد تخلي من الله. انتهي.ورواه في من لا يحضره الفقيه:2/608

من لا يحضره الفقيه:2/609

... السلام علي أئمة الهدي، ومصابيح الدجي وأعلام التقي، وذوي النهي، وأولي الحجي، وكهف الوري، وورثة الأنبياء، والمثل الأعلي، والدعوة الحسني، وحجج الله علي أهل الدنيا والآخرة والأولي، ورحمة الله وبركاته، السلام علي محال معرفة الله، ومساكن بركة الله، ومعادن حكمة الله وحفظة سر الله، وحملة كتاب الله، وأوصياء نبي الله، وذرية رسول الله صلي الله عليه وآله ورحمة الله وبركاته....

المزار/176

باب زيارة جامعة لسائر الأئمة غليهم السلام وتجزؤك في جميع المشاهد علي ساكنيها السلام أن تقول: السلام علي أولياء الله وأصفيائه، السلام علي أمناء الله وأحبائه، السلام علي أنصار الله وخلفائه، السلام علي محال معرفة الله، السلام علي معادن حكمة الله، السلام علي مساكن ذكر الله، السلام علي عباد الله المكرمين الذين لا يسبقونه بالقول، وهم بأمره يعملون....

و تجب معرفتهم لأنها طريق معرفة الله تعالي

الكافي:1/180

الحسين بن محمد، عن

معلي بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء قال: حدثنا محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة قال قال لي أبو جعفر عليه السلام: إنما يعبد الله من يعرف الله، فأما من لا يعرف الله فإنما يعبده هكذا ضلالاً. قلت: جعلت فداك فما معرفة الله؟ قال: تصديق الله عز وجل وتصديق رسوله صلي الله عليه وآله وموالاة علي عليه السلام والإئتمام به وبأئمة الهدي غليهم السلام والبراءة إلي الله عز وجل من عدوهم، وهكذا يعرف الله عز وجل.

علل الشرائع:1/9

حدثنا أبي (رض) قال: حدثنا أحمد بن إدريس، عن الحسين بن عبيد الله، عن الحسن بن علي بن أبي عثمان، عن عبدالكريم بن عبدالله، عن سلمة ابن عطا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: خرج الحسين بن علي (عليهما السلام) علي أصحابه فقال أيها الناس: إن الله جل ذكره ما خلق العباد إلا ليعرفوه، فإذا عرفوه عبدوه فإذا عبدوا استغنوا بعبادته عن عبادة من سواه.

فقال له رجل: يابن رسول الله بأبي أنت وأمي فما معرفة الله؟ قال معرفة أهل كل زمان إمامهم الذي يجب عليهم طاعته؟

قال مصنف هذا الكتاب يعني ذلك: أن يعلم أهل كل زمان أن الله هو الذي لا يخليهم في كل زمان عن إمام معصوم، فمن عبد رباً لم يقم لهم الحجة فإنما عبد غير الله عز وجل.

و تجب معرفتهم لحديث: من مات و لم يعرف إمام زمانه

هذا الحديث بصيغه المتعددة متواتر في مصادرنا ومصادر إخواننا السنة، ولكن المهم معرفة صيغته الأصلية وظروفه التي قاله فيها النبي صلي الله عليه وآله لأنه نص علي الوصية بنظام الإمامة من بعده صلي الله عليه وآله.

لذلك نورد صِيَغَه وتطبيقاته علي مذهب أهل بيت النبي صلي الله عليه وآله ثم علي

مذاهب إخواننا السنة، لكي نستكشف منها أصل الحديث. وقد أوردنا عدداً من صيغه ومصادره في (معجم أحاديث الإمام المهدي عليه السلام) ونضيف إليها هنا ما عثرنا عليه مجدداً.

صيغ الحديث في مصادر مذهب أهل البيت

في وجوب معرفة الإمام من أهل البيت

روي البرقي في المحاسن:1/153:

عنه (أحمد بن أبي عبدالله البرقي) عن أبيه، عن النضر بن سويد، عن يحيي الحلبي، عن بشير الدهان قال قال أبو عبد الله عليه السلام: قال رسول الله صلي الله عليه وآله: من مات وهو لا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية، ثم قال: فعليكم بالطاعة، قد رأيتم أصحاب علي، وأنتم تأتمون بمن لا يعذر الناس بجهالته، لنا كرائم القرآن، ونحن أقوام افترض الله طاعتنا، ولنا الانفال ولنا صفو المال.

وروي في/154: عنه (أحمد بن عبدالله البرقي) عن أبيه، عن النضر، عن يحيي الحلبي، عن حسين بن أبي العلاء قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن قول رسول الله صلي الله عليه وآله: من مات ليس له إمام مات ميتة جاهلية، فقال: نعم، لو أن الناس تبعوا علي بن الحسين (عليهما السلام) وتركوا عبدالملك بن مروان اهتدوا، فقلنا من مات لا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية ميتة كفر؟ فقال: لا، ميتة ضلال.

وفي تفسير العياشي:2/303، عن عمار الساباطي، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: لا تترك الأرض بغير إمام يحل حلال الله ويحرم حرامه، وهو قول الله: يوم ندعو كل أناس بإمامهم، ثم قال قال رسول الله صلي الله عليه وآله: من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية. فمدوا أعناقهم، وفتحوا أعينهم، فقال أبو عبد الله عليه السلام: ليست الجاهلية الجهلاء.

وروي الكليني في الكافي:1/376

الحسين بن محمد، عن معلي بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن أحمد بن عائذ، عن أبي

أذينة، عن الفضيل بن يسار قال: إبتدأنا أبو عبدالله عليه السلام يوماً وقال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله: من مات وليس عليه إمام فميتته ميتة جاهلية. فقلت: قال ذلك رسول الله صلي الله عليه وآله؟ فقال: إي والله قد قال. قلت: فكل من مات وليس له إمام فميتته ميتة جاهلية؟ قال: نعم.

وفيها: الحسين بن محمد، عن معلي بن محمد، عن الوشاء قال: حدثني عبدالكريم بن عمرو، عن ابن أبي يعفور قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن قول رسول الله صلي الله عليه وآله: من مات وليس له إمام فميتته ميتة جاهلية، قال قلت ميتة كفر؟ قال: ميتة ضلال، قلت: فمن مات اليوم وليس له إمام فميتته ميتة جاهلية؟ فقال: نعم.

وفي/377: أحمد بن إدريس، عن محمد بن عبدالجبار، عن صفوان، عن الفضيل، عن الحارث بن المغيرة قال: قلت لابي عبدالله عليه السلام: قال رسول الله صلي الله عليه وآله: من مات لا يعرف إمامه، مات ميتة جاهلية؟ قال: نعم، قلت: جاهلية جهلاء جاهلية لا يعرف امامه؟ قال: جاهلية كفر ونفاق وضلال.

وفي/378: علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسي، عن يونس بن عبدالرحمن، قال: حدثنا حماد، عن عبدالاعلي قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن قول العامة رسول الله صلي الله عليه وآله قال فقال: الحق والله... الحديث-كما في روايته الثانية بتفاوت.

وفي:1/371: عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن النعمان، عن محمد بن مروان، عن فضيل بن يسار قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: من مات وليس له إمام فميتته ميتة جاهلية، ومن مات وهو عارف لامامه لم يضره تقدم هذا أو تأخر. ومن مات وهو

عارف لامامه كان كمن هو مع القائم في فسطاطه.

وفي:1/390: عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسي، عن ابن سنان، عن ابن مسكان عن سدير قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: إني تركت مواليك مختلفين يتبرأ بعضهم من بعض قال: فقال: وما أنت وذاك، إنما كلف الناس ثلاثة: معرفة الأئمة، والتسليم لهم فيما ورد عليهم، والرد إليهم فيما اختلفوا فيه.

وفي:8/146: يحيي الحلبي، عن بشير الكناسي قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: وصلتم وقطع الناس، وأحببتم وأبغض الناس، وعرفتم وأنكر الناس، وهو الحق، إن الله اتخذ محمداً صلي الله عليه وآله عبداً قبل أن يتخذه نبياً وإن علياً عليه السلام كان عبداً ناصحاً لله عز وجل فنصحه وأحب الله عز وجل فأحبه، إن حقنا في كتاب الله بين، لنا صفو الأموال ولنا الأنفال وإنا قوم فرض الله عزو جل طاعتنا وإنكم تأتمون بمن لا يعذر الناس بجهالته، وقال رسول الله صلي الله عليه وآله: من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية، عليكم بالطاعة فقد رأيتم أصحاب علي عليه السلام.

الغيبة للنعماني/127-130: كما في المحاسن، بسند آخر، عن معاوية بن وهب....

رجال الكشي/424: قريباً من رواية الكافي الخامسة.

كمال الدين:2/413: عن سليم بن قيس الهلالي أنه سمع من سلمان ومن أبي ذر ومن المقداد حديثاً عن رسول الله صلي الله عليه وآله أنه قال: من مات.. وليس له إمام مات ميتة جاهلية، ثم عرضه علي جابر وابن عباس فقالا: صدقوا وبروا، وقد شهدنا ذلك وسمعناه من رسول الله صلي الله عليه وآله وإن سلمان قال: يا رسول الله إنك قلت من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية، من هذا الإمام؟ قال:

من أوصيائي يا سلمان، فمن مات من أمتي وليس له إمام منهم يعرفه فهي ميتة جاهلية، فإن جهله وعاداه فهو مشرك، وإن جهله ولم يعاده ولم يوال له عدواً فهو جاهل وليس بمشرك. انتهي. ومثله في الإمامة والتبصرة/33

ثواب الأعمال/205: قريباً من رواية الكافي الخامسة.

عيون أخبار الرضا:2/58: عن علي بن أبي طالب قال قال رسول الله صلي الله عليه وآله: من مات وليس له إمام من ولدي مات ميتة جاهلية، ويؤخذ بما عمل في الجاهلية والإسلام.

الإختصاص/268: عن عمر بن يزيد، عن أبي الحسن الأول عليه السلام قال سمعته يقول: من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية، إمام حي يعرفه، فقلت: لم أسمع أباك يذكر هذا يعني إماماً حياً فقال: قد والله قال ذاك رسول الله صلي الله عليه وآله قال: وقال رسول الله صلي الله عليه وآله: من مات وليس له إمام يسمع له ويطيع مات ميتة جاهلية.

رسائل المفيد/384: كما في المحاسن، عن النبي صلي الله عليه وآله وقال: خبر صحيح يشهد به إجماع أهل الآثار ويقوي منار صريح القرآن حيث يقول جل اسمه: يوم ندعو كل أناس بإمامهم، فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرؤون كتابهم ولا يظلمون فتيلاً.

دعائم الإسلام:1/27: وعنه (الإمام الصادق عليه السلام) أنه قال في قول رسول الله صلي الله عليه وآله: من مات لا يعرف إمام دهره مات ميتة جاهلية، فقال: إماماً حياً. قيل له: لم نسمع حياً، قال: قد قال والله ذلك، يعني رسول الله.

وعنه عليه السلام أنه قال في قول الله عز وجل يوم ندعو كل أناس بإمامهم، فقال: بمن كانوا يأتمون به في الدنيا، يدعي عليٌّ بالقرن الذي كان فيه، والحسن بالقرن الذي

كان فيه، والحسين بالقرن الذي كان فيه، وعدد الأئمة، ثم قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله: من مات لا يعرف إمام دهره مات ميتة جاهلية. انتهي. ورواه في مناقب آل أبي طالب:1/212 وج 2/246 و:3/18 وص413، بعدة روايات. ورواه الحر العاملي في وسائل الشيعة:13/352.

وروي نحوه في:18/565 وفي:11/491 وقال: ورواه علي بن عيسي في كشف الغمة نقلاً عن الطبرسي في إعلام الوري. وفي كنز الفوائد/151: بسند آخر، عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله: - كما في رواية العيون.وفي تلخيص الشافي: 4/132: كما في رسائل المفيد، مرسلاً. وفي إثبات الهداة:1/87: عن روايات الكافي. وفي غاية المرام/266 - عن رواية الكافي الخامسة بتفاوت يسير. وفي /273 - عن رواية العياشئ الثانية. وفي تفسير البرهان:1/382 - عن رواية الكافي الخامسة.وفي/386 - عن رواية العياشي الأولي. وفي:2/430 - عن رواية العياشي الثانية. وفي تفسير نور الثقلين:1/503 - عن روايتي الكافي السادسة والخامسة. وفي بحار الأنوار: 8/12 - عن رواية العياشي الثانية. وفي: 23/76 - عن رواية المحاسن الأولي. وفي/81 - عن رواية العيون. وفي/92 - عن كنز الكراجكي بتفاوت يسير. وفي/78 - عن النعماني. وفي/85 - عن ثواب الأعمال.وفي/88 - عن كمال الدين. وفي/89 - عن رجال الكشئ. وفي/92 - عن الاختصاص. وفي:68/337 - عن رواية الكافي السادسة. وفي/387 - عن رواية العياشي الأولي، وفيه (عيسي بن السري، بدل يحيي بن السري).

في أن معرفتهم و ولايتهم من دعائم الإسلام

روي الكليني في الكافي:2/19

محمد بن يحيي، عن أحمد بن محمد، عن صفوان بن يحيي، عن عيسي بن السري اليسع قال: قلت لابي عبدالله عليه السلام: أخبرني بدعائم الإسلام التي لا يسع أحد التقصير عن معرفة شئ منها،

الذي من قصر عن معرفة شئ منها فسد دينه ولم يقبل الله منه عمله، ومن عرفها وعمل بها صلح له دينه وقبل منه عمله، ولم يضق به مما هو فيه لجهل شئ من الأمور جهله؟

فقال: شهادة أن لا إله إلا الله، والإيمان بأن محمداً رسول الله صلي الله عليه وآله والإقرار بما جاء به من عند الله، وحق في الأاموال الزكاة، والولاية التي أمر الله عز وجل بها ولاية آل محمد صلي الله عليه وآله. قال: فقلت له: هل في الولاية فضل يعرف لمن أخذ به؟

قال: نعم قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ. وقال رسول الله صلي الله عليه وآله: من مات ولا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية. وكان رسول الله صلي الله عليه وآله وكان علياً عليه السلام وقال الاخرون: كان معاوية، ثم كان الحسن عليه السلام ثم كان الحسين عليه السلام وقال الآخرون: يزيد بن معاوية وحسين بن علي، ولا سواء ولا سواء.

قال: ثم سكت ثم قال: أزيدك؟ فقال له حكم الأعور: نعم جعلت فداك قال: ثم كان علي بن الحسين ثم كان محمد بن علي أبو جعفر وكانت الشيعة قبل أن يكون أبو جعفر وهم لا يعرفون مناسك حجهم وحلالهم وحرامهم حتي كان أبوجعفر ففتح لهم وبين لهم مناسك حجهم وحلالهم وحرامهم حتي صار الناس يحتاجون إليهم من بعد ما كانوا يحتاجون إلي الناس، وهكذا يكون الأمر، والأرض لا تكون إلا بإمام، ومن مات لا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية، وأحوج ما تكون إلي ما أنت عليه إذا بلغت نفسك هذه، وأهوي بيده إلي حلقه، وانقطعت عنك الدنيا تقول: لقد

كنت علي أمر حسن. انتهي. ومثله في تفسير العياشي:1/252.

وفي الكافي:2/21 علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسي، عن يونس، عن حماد بن عثمان، عن عيسي بن السري قال قلت لابي عبدالله عليه السلام.... كما في رواية العياشي الأولي، وزاد فيه: وأحوج ما يكون أحدكم إلي معرفته إذا بلغت نفسه هاهنا قال وأهوي بيده إلي صدره، يقول حينئذ: لقد كنت علي أمر حسن. انتهي. ونحوه في المحاسن/92 ونحوه في وسائل الشيعة:20/287 عن النجاشئ 209 وخلاصة الرجال/60 والشيخ/257 والفهرست/143 وجامع الرواة:ص 651 والكشي/ 1. 36.

وفي رجال الكشي/424: جعفر بن أحمد، عن صفوان، عن أبي اليسع قال قلت لابي عبدالله عليه السلام حدثني عن دعائم الإسلام التي بني عليها ولا يسع أحداً من الناس تقصير عن شئ منها... كما في رواية الكافي الثانية بتفاوت. وفي ثواب الأعمال/205 - كما في رواية الكافي الأخيرة. وفي تفسير الصافي: 1/463 - عن رواية الكافي الثانية. وفي تفسير البرهان:1/383 - عن رواية الكافي الثانية، بتفاوت يسير. وفي بحار الأنوار:23/289 ب 4 ح 35 - عن رواية الكافي الثانية. وفي تفسير نور الثقلين:1/503 - عن رواية الكافي الثانية. وفي تنقيح المقال/360-عن الكشي.

في أن الإمام من أهل البيت قد يغيب

روي الصدوق في كمال الدين:2/409

حدثنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق (رض) قال: حدثني أبوعلي بن همام قال: سمعت محمد بن عثمان العمري قدس الله روحه يقول: سمعت أبي يقول سئل أبو محمد الحسن بن علي (عليهما السلام) وأنا عنده عن الخبر الذي روي عن آبائه غليهم السلام: إن الأرض لا تخلو من حجة لله علي خلقه إلي يوم القيامة، وإن من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية، فقال: إن هذا حق كما أن النهار حق،

فقيل له: يا ابن رسول الله فمن الحجة والإمام بعدك؟ فقال: إبني محمد هو الإمام والحجة بعدي، من مات ولم يعرفه مات ميتة جاهلية، أما إن له غيبة يحار فيها الجاهلون، ويهلك فيها المبطلون، ويكذب فيها الوقاتون، ثم يخرج فكأني أنظر إلي الاعلام البيض تخفق فوق رأسه بنجف الكوفة.

وفي كفاية الاثر/292: أخبرنا أبوالمفضل رحمه الله قال: حدثني أبو همام قال: سمعت محمد بن عثمان العمري قدس الله روحه يقول: - كما في كمال الدين.

وفي إعلام الوري/415 و442 - كما في كمال الدين بتفاوت يسير عن الإمام الباقر.وفي كشف الغمة: 3/318 - عن إعلام الوري، بتفاوت يسير.وفي إثبات الهداة: 3/482 - عن كمال الدين، وقال: ورواه علي بن محمد الخزاز في كتاب الكفاية. وفي وسائل الشيعة:11/491 _ أوله، عن إعلام الوري.وفي حلية الابرار:2/552 _ كما في كمال الدين، عن ابن بابويه. وفي بحار الأنوار:58/160 _ عن كمال الدين، وأشار إلي مثله عن كفاية الأثر.وفي منتخب الاثر/226 _ عن كفاية الأثر.

كما توجد في مصادرنا أحاديث أخري عديدة، يمكن أن تصل إلي مجموعات أخري

_كالذي رواه في الكافي:1/397

علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن منصور، عن فضل الاعور، عن أبي عبيدة الحذاء قال: كنا زمان أبي جعفر عليه السلام حين قبض نتردد كالغنم لا راعي لها، فلقينا سالم بن أبي حفصة فقال لي: يا أبا عبيدة من إمامك؟ فقلت أئمتي آل محمد فقال: هلكت وأهلكت أما سمعت أنا وأنت أبا جعفر عليه السلام يقول: من مات وليس عليه إمام مات ميتة جاهلية؟ فقلت: بلي لعمري، ولقد كان قبل ذلك بثلاث أو نحوها دخلت علي أبي عبدالله عليه السلام فرزق الله المعرفة

فقلت لأبي عبدالله عليه السلام: إن سالماً قال لي كذا وكذا، قال فقال: يا أبا عبيدة أنه لا يموت منا ميت حتي يخلف من بعده من يعمل بمثل عمله ويسير بسيرته ويدعو إلي ما دعا إليه، يا أبا عبيدة إنه لم يمنع ما أعطي داود أن أعطي سليمان، ثم قال: يا أبا عبيدة إذا قام قائم آل محمد عليه السلام حكم بحكم داود وسليمان لا يسأل بينة. انتهي. وروي مثله في بصائر الدجات/259، ونحوه في/509 وص 510

والذي رواه في أعلام الدين/459

وسأله أبوبصير عن قول الله تعالي: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا، ما عني بذلك؟ فقال: معرفة الإمام واجتناب الكبائر، ومن مات وليس في رقبته بيعة لإمام مات ميتة جاهلية، ولا يعذر الناس حتي يعرفوا إمامهم، فمن مات وهو عارف بالإمامة لم يضره تقدم هذا الأمر أو تأخر، فكان كمن هو مع القائم في فسطاطه. قال: ثم مكث هنيئة ثم قال: لا بل كمن قاتل معه، ثم قال: لا بل والله كمن استشهد مع رسول الله صلي الله عليه وآله. انتهي. ورواه في بحار الأنوار:27/126 - عن أعلام الدين.

تفسير الحديث في مذهب أهل البيت

في هذا الحديث الشريف عناصر ومفاهيم عديدة، نذكر أهمها:

المفهوم الأول: أن النبي صلي الله عليه وآله بلغ الأمة نظام الإمامة من بعده، وأنه الطريق الوحيد لضمان عدم الوقوع في الجاهلية. وأن الله تعالي جعل الإمام ركناً عملياً من أركان الإسلام مثل الصلاة والزكاة والحج، وجعل طاعته فريضة علي كل مسلم.

روي في الإمامة والتبصرة/63

سعد، عن محمد بن عيسي بن عبيد، عن حماد بن عيسي، عن إسماعيل بن جعفر: عن أبي عبدالله عليه السلام قال: جاء رجل إلي أبي عبدالله عليه

السلام فسأله عن الأئمة غليهم السلام فسماهم حتي انتهي إلي ابنه، ثم قال: والأمر هكذا يكون، والأرض لا تصلح إلا بإمام، قال رسول الله صلي الله عليه وآله: من مات لا يعرف إمامه، مات ميتة جاهلية. ثلاث مرات.

المفهوم الثاني: أن الأئمة الذين قصدهم النبي صلي الله عليه وآله هم الأئمة من ذريته غليهم السلام فقد أخبره الله تعالي أنهم سيكونون في الأمة في كل عصر مع القرآن لا يفترقان حتي يردا عليه الحوض، كما ورد في حديث الثقلين الذي صح عند الجميع.

بل روت مصادرنا أن النبي صلي الله عليه وآله قد نص في هذا الحديث علي أن الأئمة من ذريته ففي مستدرك الوسائل:18/176 قال:

أبو الفتح الكراجكي في كنز الفوائد، عن محمد بن أحمد بن شاذان القمي عن أحمد بن محمد بن عبيد الله بن عياش، عن محمد بن عمر، عن الحسن بن عبد الله بن محمد بن العباس الرازي، عن أبيه، عن علي بن موسي الرضا، عن آبائه، عن أمير المؤمنين غليهم السلام قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله: من مات وليس له إمام من ولدي مات ميتة جاهلية، يؤخذ بما عمل في الجاهلية والإسلام. انتهي. ورواه في تفسير نور الثقلين:1/503 وص540 وج 2/282 وج 3/194 وج 4/240 وتفسير كنز الدقائق: 2/595، وغيرها.

وقد روي جميع المسلمين شهادات النبي صلي الله عليه وآله في حق علي والحسن والحسين غليهم السلام وروي الشيعة شهاداته وشهادات علي والحسنين في حق بقية الائمة غليهم السلام ومن ذلك:

ما رواه البرقي في المحاسن/155: عن ابن فضال، عن ثعلبة بن ميمون، عن بشير العطار، قال: قال أبو عبدالله عليه السلام: يوم ندعو كل أناس بإمامهم،

ثم قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وعني إمامكم، وكم من إمام يجي يوم القيامة يلعن أصحابه ويلعنونه، نحن ذرية محمد صلي الله عليه وآله وأمنا فاطمة عليها السلام وما آتي الله أحداً من المرسلين شيئاً إلا وقد آتاه محمداً صلي الله عليه وآله كما آتي المرسلين من قبله، ثم تلا: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً.

وروي الطبرسي في أعلام الدين/459: عن أبي بصير عن الإمام الصادق عليه السلام في قول الله تعالي: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا، ما عني بذلك؟ فقال: معرفة الإمام واجتناب الكبائر، ومن مات وليس في رقبته بيعة لامام مات ميتة جاهلية، ولا يعذر الناس حتي يعرفوا إمامهم.

المفهوم الثالث: أن هذا الحديث الثابت المتواتر، يؤيد نفي أهل البيت وشيعتهم للروايات القائلة بأن النبي صلي الله عليه وآله لم يوص بشئ في أمر الخلافة، لأنه يدل علي أنه صلي الله عليه وآله قد أرسي نظام الإمامة وعين أشخاصه من ذريته، كما أمره الله تعالي، وهو في هذا الحديث يوجه الأمة إلي ضرورة معرفة الإمام في كل عصر، فإن تعبير (لا يعرف إمام زمانه) يدل علي أن مشكلة وجود الإمام في كل زمان محلولة في الإسلام بتكفل الله تعالي ببقاء ذرية نبيه إلي يوم القيامة واختياره إماماً منهم في كل عصر، وإنما هي مشكلة المسلمين في أن يعرفوا إمام زمانهم ويبايعوه!

والمتأمل في الحديث الشريف يري أن اختيار الله تعالي محمداً صلي الله عليه وآله للنبوة واختيار آله من بعده للامامة، منسجم مع سنة الله تعالي في الأنبياء السابقين وذرياتهم، وبالتالي فالحديث بعيد كل البعد عن عالم اختيار الناس لانفسهم بعد النبي صلي الله

عليه وآل وبعيدٌ عن منطق تقسيم الأمر بين بني هاشم الذين كانت لهم النبوة، وبين قبائل قريش الذين ينبغي أن تكون لهم الخلافة مناوبةً أو مغالبةً كما قالوا.... إلي آخر المنطق القرشئ القبلي الذي ظهر في مرض النبي ويوم وفاته، وانتصر في السقيفة في فترة انشغال أهل البيت بجنازة النبي صلي الله عليه وآله! وسيطر علي الحكم في تاريخنا الإسلامي إلي أن انتهي علي يد العثمانيين بأسوأ نهاية!

المفهوم الرابع: أن المسلم في كل عصر لا يتم إسلامه حتي يبايع الإمام من ذرية النبي صلي الله عليه وآله بأن يعتقد به ويعترف بما له من حق الطاعة بأمر الله تعالي وأمر رسوله صلي الله عليه وآله. فالذي لا يعرف الإمام يكون فيه نوع من الجهل والجاهلية، وإن مات علي ذلك مات علي نوع من الجاهلية.

المفهوم الخامس: أن أهل بيت النبي صلي الله عليه وعليهم هم امتحان الأمة بعد نبيها، فهم ميزان الإسلام والجاهلية، وهم ميزان الإيمان والنفاق، وهم ميزان الوفاء للنبي صلي الله عليه وآله وإطاعته بعد رحيله أو عصيانه. وقد وردت أحاديث كثيرة في مصادر الطرفين تنص علي هذه المفاهيم الإسلامية وتؤكدها وتؤيدها.

من ذلك ما روته مصادر الطرفين وصححه علماء الحديث، من أن بغض علي عليه السلام علامة علي النفاق وعدم الإيمان بالنبي صلي الله عليه وآله.

فقد روي أحمد في مسنده:1/95 وص 128 وص 292 عن زر بن حبيش عن علي (رض) قال: عهد إليَّ النبي(ص)أنه لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق. ورواه الترمذي في سننه:5/306، وقال الترمذي في سننه:5/298:

حدثنا قتيبة أخبرنا جعفر بن سليمان، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري قال: إن كنا لنعرف المنافقين

نحن معشر الأنصار ببغضهم علي بن أبي طالب. هذا حديث غريب. وقد تكلم شعبة في أبي هارون العبدي، وقد روي هذا عن الأعمش عن أبي صالح عن سعيد.

وقال الهيثمي في مجمع الزوائد:9/132

وعن جابر بن عبدالله قال: والله ما كنا نعرف منافقينا علي عهد رسول الله(ص)إلا ببغضهم علياً. رواه الطبراني في الأوسط والبزار بنحوه، إلا أنه قال ما كنا نعرف منافقينا معشر الأنصار، بأسانيد كلها ضعيفة (....).

وعن ابن عباس قال: نظر رسول الله(ص)إلي علي فقال: لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق، من أحبك فقد أحبني ومن أبغضك فقد أبغضني، وحبيبي حبيب الله وبغيضي بغيض الله، ويل لمن أبغضك بعدي. رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات إلا أن في ترجمة أبي الأزهر أحمد بن الأزهر النيسابوري أن معمراً كان له ابن أخ رافضي فأدخل هذا الحديث في كتبه، وكان معمر مهيباً لا يراجع وسمعه عبدالرزاق. وعن عمران بن الحصين أن رسول الله(ص) قال لعلي: لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق. رواه الطبراني في الأوسط، وفيه محمد بن كثير الكوفي حرق أحمد حديثه وضعفه الجمهور ووثقه ابن معين، وعثمان بن هشام لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات (...).

وروي في كنز العمال:13/106

عن أبي ذر قال: ما كنا نعرف المنافقين علي عهد رسول الله(ص)إلا بثلاث: بتكذيبهم الله ورسوله، والتخلف عن الصلاة وببغضهم علي بن أبي طالب. خط، في المتفق.

وروي الحاكم في المستدرك:3/128

... عن ابن عباس رضي الله عنهما قال نظر النبي صلي الله عليه وآله إلي علي فقال: يا علي أنت سيد في الدنيا، سيد في الآخرة، حبيبك حبيبي وحبيبي حبيب الله، وعدوك عدوي وعدوي عدو الله، والويل لمن أبغضك

بعدي. صحيح علي شرط الشيخين، وأبو الأزهر بإجماعهم ثقة، وإذا تفرد الثقة بحديث فهو علي أصلهم صحيح.

وروي الحاكم في:3/135

... سمعت عمار بن ياسر (رض) يقول سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله يقول لعلي: يا علي طوبي لمن أحبك وصدق فيك، وويل لمن أبغضك وكذب فيك. هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

وروي الحاكم في:3/142، أن النبي صلي الله عليه وآله قد أخبر علياً بأن الأمة ستغدر به من بعده! فقال: عن حيان الأسدي سمعت علياً يقول قال لي رسول الله صلي الله عليه وآله: إن الأمة ستغدر بك بعدي، وأنت تعيش علي ملتي وتقتل علي سنتي. من أحبك أحبني ومن أبغضك أبغضني، وإن هذه ستخضب من هذا يعني لحيته من رأسه. صحيح. انتهي.

بل روي الشيعة والسنة إخبار النبي صلي الله عليه وآله بأن مبغض علي عليه السلام (يموت ميتة جاهلية) فقد روي الصدوق في علل الشرائع:1/157:

حدثني الحسين بن يحيي بن ضريس، عن معاوية بن صالح بن ضريس البجلي قال: حدثنا أبوعوانة قال: حدثنا محمد بن يزيد وهشام الزراعي قال: حدثني عبدالله بن ميمون الطهوي قال: حدثنا ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر قال بينا أنا مع النبي صلي الله عليه وآله في نخيل المدينة وهو يطلب علياً عليه السلام إذا انتهي إلي حايط فاطلع فيه فنظر إلي علي وهو يعمل في الأرض وقد اغْبَارَّ، فقال: ما ألوم الناس أن يكنوك أبا تراب، فلقد رأيت علياً تمعر وجهه وتغير لونه واشتد ذلك عليه، فقال النبي صلي الله عليه وآله ألا أرضيك يا علي؟ قال: نعم يا رسول الله، فأخذ بيده فقال: أنت أخي ووزيري وخليفتي في أهلي تقضي ديني وتبري ذمتي،

من أحبك في حياة مني فقد قضي له بالجنة، ومن أحبك في حياة منك بعدي ختم الله له بالامن والإيمان، ومن أحبك بعدك ولم يرك ختم الله له بالامن والإيمان وآمنه يوم الفزع الأكبر، ومن مات وهو يبغضك يا علي مات ميتة جاهلية يحاسبه الله عز وجل بما عمل في الإسلام.وروي نحوه في ص144، وروي نحوه المغربي في شرح الأخبار: 1/113، وقال في/157: وبآخر عن علي صلوات الله عليه، أنه قال: قال لي رسول الله صلي الله عليه وآله: إن الله أمرني أن أدنيك فلا أقصيك، وأن أعلمك فلا أجفوك، وحق علي أطيع ربي عز وجل، وحق عليك أن تعي. يا علي من مات وهو يحبك كتب الله له بالأمن والأمان ما طلعت شمس وما غربت، ومن مات وهو يبغضك مات ميتة الجاهلية وحوسب بعمله في الإسلام. انتهي. وروي في: 2/477: يا علي إنه من أبغضك في حياتي وبعد موتي مات ميتة جاهلية، وحوسب بعمله في الإسلام. يا علي أنت معي في الجنة. انتهي. وروي نحوه في مستدرك الوسائل: 18/181 وص 187 وص 182 وفيه (من مات لا يعرف إمام دهره..)

وروي محمد بن سليمان في مناقب أمير المؤمنين:1/320، وروي نحوه في:2/486 فقال: محمد بن منصور عن أبي هشام الرفاعي محمد بن يزيد، عن عبدالله بن ميمون الطهوي، عن ليث عن مجاهد: عن ابن عمر قال: بينا أنا مع رسول الله صلي الله عليه وآله في نخل بالمدينة وهو يطلب علياً إذ انتهي إلي حائط فاطلع فيه فنظر إلي علي وهو يعمل في الأرض وقد أغبار فقال له: ما ألوم الناس أن يكنوك بأبي تراب. قال ابن عمر: فلقد رأيت علياً تمعر وجهه وتغير لونه

واشتد ذلك عليه فقال له النبي صلي الله عليه وآله: ألا أرضيك يا علي؟ قال: بلي يا رسول الله، قال: أنت أخي ووزيري وخليفتي في أهلي، تقضي ديني وتبري ذمتي. من أحبك في حياة مني فقد قضي نحبه، ومن أحبك في حياة منك بعدي فقد ختم الله له بالامن والإيمان، ومن أحبك بعدك ولم يرك ختم الله له بالامن والإيمان وآمنه يوم الفزع الأكبر. ومن مات وهو يبغضك يا علي مات ميتة جاهلية يهودياً أو نصرانياً، ويحاسبه الله بما عمل في الإسلام. ثم قال ابن عمر: لقد سماه الله في أكثر من ثلاثين آية سماه فيها كلها مؤمناً.

وقال في هامشه: هذا الحديث - أو قريب منه سند ومتناً - رواه الحافظ الطبراني في الحديث: 100 أو ما حوله من مسند عبدالله بن عمر من كتاب المعجم الكبير:3 من المخطوطة الورق 20/ب.

ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد:9/121، وتوقف في صحته، قال: رواه الطبراني وفيه من لم أعرفه. وقال عن رواية أخري له: رواه أبو يعلي وفيه زكريا الأصبهاني وهو ضعيف. وقال عن رواية ثالثة له في:9/111: رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه حامد بن آدم المروزي وهو كذاب. وقال عن رواية رابعة له: رواه الطبراني في الأوسط وفيه أشعث ابن عم الحسن بن صالح وهو ضعيف ولم أعرفه. انتهي. وقد رأيت تضعيفه للأحاديث المتقدمة التي صححها الحاكم علي شرط الشيخين وعلي شرطه!

ولكن الهندي رواه ووثقه، قال في كنز العمال:11/610 و:13/159:

عن علي قال: طلبني رسول الله(ص)فوجدني في جدول نائماً فقال: قم ما ألوم الناس يسمونك أبا تراب، قال فرآني كأني وجدت في نفسي من ذلك: قم والله لأرضينك! أنت أخي وأبو ولدي، تقاتل عن

سنتي وتبري ذمتي، من مات في عهدي فهو كنز الله، ومن مات في عهدك فقد قضي نحبه، ومن مات بحبك بعد موتك ختم الله له بالأمن والإيمان ما طلعت شمس أو غربت، ومن مات يبغضك مات ميتة جاهلية وحوسب بما عمل في الإسلام. ع، قال البوصيري: رواته ثقات. انتهي.

المفهوم السادس: أن معني (مات ميتة جاهلية) يتفاوت حسب حالة الشخص فقد روي في الكافي:1/377... عن الحارث بن المغيرة قال: قلت لأبي عبدالله عليه السلام: قال رسول الله صلي الله عليه وآله: من مات لا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية؟ قال: نعم، قلت جاهلية جهلاء أو جاهلية لا يعرف إمامه؟ قال جاهلية كفر ونفاق وضلال. ونحوه في المحاسن/155 ونحوه في الإمامة والتبصرة 82 عن الإمام الباقر عليه السلام وفي رواية منها (مات ميتة جاهلية كفر وشرك وضلال).

وروي الصدوق في كمال الدين:2/413: عن سليم بن قيس الهلالي... عن رسول الله صلي الله عليه وآله أنه قال: من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية... وإن سلمان قال: يا رسول الله إنك قلت من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية، من هذا الإمام؟ قال: من أوصيائي يا سلمان، فمن مات من أمتي وليس له إمام منهم يعرفه فهي ميتة جاهلية، فإن جهله وعاداه فهو مشرك، وإن جهله ولم يعاده ولم يوال له عدواً فهو جاهل وليس بمشرك. انتهي. ونحوه في/668.

وهذا الحكم النبوي غير عجيب، وإن بدا شديداً، لأن الجميع رووا عنه صلي الله عليه وآله من أبغض أهل البيت غليهم السلام أو نصب لهم العداوة فهو كافر. ولا يتسع المجال لاستعراض حكم الناصبي والنواصب في مصادر فقه الطرفين. ولذلك فإن قوله صلي الله عليه وآله:

مات ميتة جاهلية، وقوله في هذا الحديث: فإن جهله وعاداه فهو مشرك، منسجم مع آية المودة في القربي، وما رواه الجميع في تفسيرها. أما إذا كان موقف المسلم الجهل بأهل البيت غليهم السلام بدون موقف عدائي منهم.. فلا يكون ناصبياً. وفي الحديث الذي وثقه البوصيري دلالة مهمة علي أن محب علي عليه السلام يموت علي الإسلام ولا يحاسب بما عمل في الإسلام، وأن مبغضه يموت علي جاهلية ويحاسب بما عمل في الجاهلية وفي الإسلام!! فيكون علي عليه السلام ميزاناً لجميع الأمة مع رسول الله صلي الله عليه وآله.

تفسير الشيعة الزيدية للحديث

مسند زيد بن علي/361

حدثني زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي (ع م) قال: من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية إذا كان الإمام عدلاً براً تقياً.

الأحكام في الحلال والحرام:2/466

تقريب القول فيما روي عن النبي صلي الله عليه وآله أنه قال: من مات لا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية.

قال يحيي بن الحسين صلوات الله عليه: إذا كان في عصر هذا الإنسان إمام قائم زكي، تقي، علم، نقي، فلم يعرفه ولم ينصره وتركه وخذله ومات علي ذلك مات ميتة جاهلية، فإذا لم يكن إمام ظاهر معروف باسمه مفهوم بقيامه، فالإمام الرسول والقرآن وأمير المؤمنين، وممن كان علي سيرته وفي صفته من ولده.

فتجب معرفة ما ذكرنا علي جميع الانام إذا لم يعلم في الأرض في ذلك العصر إمام، ويجب عليهم أن يعلموا أن هذا الأمر في ولد رسول الله صلي الله عليه وعلي آله وسلم خاصاً دون غيرهم، وأنه لا يعدم في كل عصر حجة لله يظهر منهم إمام يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، فإذا علم كلما ذكرنا وكان الأمر

عنده علي ما شرحنا ثم مات فقد نجا من الميتة الجاهلية ومات علي الميتة الملية، ومن جهل ذلك ولم يقل به ولم يعتقده فقد خرج من الميتة الملية ومات علي الميتة الجاهلية. هذا تفسير الحديث ومعناه.

الفرق بين صيغ الحديث في مصادرنا و مصادر إخواننا

روت مصادر إخواننا السنة هذا الحديث بشكل واسع وصيغ متعددة، وفي بعضها لفظة: إمام كما في مصادرنا، وفي أكثر صيغه حلت محلها لفظة: أمير. وقد خلت صيغه عندهم تقريباً من مادة معرفة الإمام وحلت محلها بيعة الإمام أو الأمير.

ونلاحظ وجود عناصر جديدة في رواياتهم، منها أن يكون ذلك الإمام إمام جماعة، والمقصود به الذي يستطيع أن يسيطر علي أكثرية الناس في منطقته، مهما كان أسلوبه في السيطرة، فهو في مصطلح إخواننا إمام جماعة، ومن يعارضه إمام فرقة.

ومنها، حرمة نكث بيعته والخروج عليه.

ومنها، أنه لا يشترط فيه أي شروط إلا أن يكون من قبائل قريش، ويسيطر علي أكثرية الناس في بلده، أو أكثرية الأمة..

ومنها، أنه لا يجوز لغير قريش أن تتصدي لحكم المسلمين أو تطمع فيه، كما أن الصراع القبلي بين قبائل قريش علي الخلافة حرام... إلي آخر الإضافات التي تعكس الخلاف الدموي علي الخلافة ومحاولة فرقائه بإسناد مواقفهم بتطوير هذا الحديث وغيره! كما روت مصادر إخواننا تطبيقات الصحابة والتابعين لهذا الحديث، خاصة عبدالله بن عمر، وأبي سعيد الخدري.

والسبب في سعة روايته عندهم أن أصل الحديث كان مشهوراً، وكانت السلطة تحتاج إليه - بشرط تحريفه ومصادرته-ليكون شعاراً لإثبات شرعيتها ثم لتحريم الخروج عليها، ولذلك كثر توظيفه لمصلحة الحاكم حتي لو كان في أول أمره خارجاً علي الشرعية وتسلط علي المسلمين بالقهر والغلبة، فقد استشهد بهذا الحديث معاوية بن أبي سفيان، قال الهيثمي في مجمع

الزوائد:5/218: عن معاوية قال: قال رسول الله (ص): من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية. وفي رواية من مات وليس من عنقه بيعة مات ميتة جاهلية. انتهي.

ولكن مهما كانت الفروقات في صيغ الحديث، ففيه عنصران ثابتان عند الطرفين، وهما أن النبي صلي الله عليه وآله تحدث عن نظام الحكم من بعده. وأنه تحدث عن الإمام ونظام الإمامة ولم يتحدث عن نظام الخلافة.

وهذه الحقيقة رأس خيط في الإعتقاد بأن الله تعالي قد اختار نوع نظام الحكم للامة بعد نبيها صلي الله عليه وآله ووضع له آلية، وأن هذا الحديث إحدي مفردات هذه الآلية التي وصلت إلينا باتفاق جميع الأطراف!

ومن السهل أن نتعقل معني الحديث أو صيغة الحكم الإسلامي علي مذهب أهل البيت غليهم السلام وأن الله تعالي اختار ذرية نبيه للامامة من بعده، وضَمِن بقدرته استمرار وجود إمام منهم في كل عصر، وكلف الأمة بمعرفته وبيعته، وجعل خاتمهم الإمام المهدي الموعود عليه السلام الذي يظهر سبحانه علي يده دينه علي الدين كله، ويملا به الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، علي حد تعبير جده المصطفي صلي الله عليه وآله.

وأما علي مذهب إخواننا السنة فمن المشكل أن يتعقل الإنسان أن مشروع الله تعالي لخاتم الأديان هو نظام الخلافة الذي بدأ يوم وفاة النبي صلي الله عليه وآله في السقيفة، وامتد في تاريخ الأمة صراعات متصلة علي الخلافة وأمواجاً من الإنقسامات والدماء، حتي انتهي بسقوط الخلافة العثمانية، واستسلام الأمة استسلاماً ذليلاً لأعدائها الغربيين!!

روايات إخواننا التي وردت فيها لفظة إمام

روي أحمد في مسنده:4/96

عن عاصم عن أبي صالح، عن معاوية، قال قال رسول الله (ص): من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية.

وروي الطيالسي في مسنده/1259

حدثنا أبوداود

قال: حدثنا خارجة بن مصعب، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله(ص)يقول: من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية، ومن نزع يداً من طاعة جاء يوم القيامة لا حجة له.

وروي ابن حبان في صحيحه:7/49

عن معاوية، قال: قال رسول الله (ص): من مات وليس له مات ميتة جاهلية. وقال ابن حبان: قوله (ص): مات ميتة الجاهلية معناه: من مات ولم يعتقد أن له إماماً يدعو الناس إلي طاعة الله حتي يكون قوام الإسلام به عند الحوادث والنوازل، مقتنعاً في الإنقياد علي من ليس نعته ما وصفنا، مات ميتة جاهلية.

وروي الطبراني في معجمه الكبير:10/350

حدثنا الحسن بن جرير الصوري، ثنا أبو الجماهر، ثنا خليد بن دعلج، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عباس قال قال رسول الله (ص): من فارق جماعة المسلمين قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، ومن مات ليس عليه إمام فميتته جاهلية، ومن مات تحت راية عمية يدعو إلي عصبة أو ينصر عصبة فقتلته جاهلية.

وروي الحاكم في المستدرك:1/117

.. من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه حتي يراجعه. وقال: من مات وليس عليه إمام جماعة فإن موتته موتة جاهلية.

وروي الهيثمي في مجمع الزوائد:5/218-219

عن معاوية قال: قال رسول الله(ص)من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية. وفي رواية من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية. رواه الطبراني وإسنادهما ضعيف. انتهي. ولكنه مال إلي تصحيحه في:5/225

وعن معاذ بن جبل قال قال رسول الله (ص): ألا إن الجنة لا تحل لعاص، ومن لقي الله ناكثاً بيعته لقيه وهو أجذم، ومن خرج من الجماعة قيد شبر متعمداً

فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، ومن مات ليس لإمام جماعة عليه طاعة مات ميتة جاهلية. رواه الطبراني وفيه عمرو بن واقد وهو متروك.

وعن أبي الدرداء قال قام فينا رسول الله(ص)فقال: ألا إن الجنة لا تحل لعاص، من لقي الله وهو ناكث بيعته يوم القيامة لقيه وهو أجذم، ومن خرج من الطاعة شبراً فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، ومن أصبح ليس لأمير جماعة عليه طاعة بعثه الله يوم القيامة من ميتة جاهلية، ولو أعذر عبد أسنه الناس يوم القيامة. رواه الطبراني وعمر بن رويبة وهو متروك.

وروي النووي في المجموع:19/190

حديث مسلم الآتي وقال: وأخرجه عن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر بمعني حديث نافع، وأخرجه الحاكم عن ابن عمر بلفظ: من خرج من الجماعة فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه حتي يراجعه، ومن مات وليس عليه إمام جماعة فإن ميتته ميتة جاهلية. وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ: من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فميتته جاهلية. انتهي. ورواه البيهقي في سننه: 8/156.

وروي في كنز العمال:1/103: من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية. حم، طب، عن معاوية.

وروي في كنز العمال:1/207-208

من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقه الإسلام من عنقه حتي يراجعه. ومن مات وليس عليه إمام جماعة فإن موتته موتة جاهلية. ك، عن ابن عمر.

من فارق المسلمين قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، ومن مات ليس عليه إمام فميتته ميتة الجاهلية، ومن مات تحت راية عمية يدعو إلي عصيبة أو ينصر عصيبة فقتلته جاهلية. طب.

من فارق جماعة المسلمين شبراً أخرج من عنقه ربقة الإسلام، والمخالفين بألويتهم يتناولونها يوم القيامة من وراء

ظهورهم، ومن مات من غير إمام جماعة مات ميتة جاهلية. ك، عن ابن عمر.

وفي كنز العمال أيضاً:6/65

من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية، ومن نزع يداً من طاعة جاء يوم القيامة لا حجة له. ط، حل، عن ابن عمر.

رواياتهم التي فيها لفظ طاعة

روي ابن أبي شيبة في مصنفه:15/38

حدثنا علي بن حفص، عن شريك، عن عاصم، عن عبدالله بن عامر، عن أبيه قال: قال رسول الله (ص): من مات ولا طاعة عليه مات ميتة جاهلية، ومن خلعها بعد عقده إياها فلا حجة له.

وروي أحمد في مسنده:3/446

عن عبدالله بن عامر، يعني ابن ربيعة عن أبيه قال: قال رسول الله (ص): من مات وليست عليه طاعة مات ميتة جاهلية، فإن خلعها من بعد عقدها في عنقه لقي الله تبارك وتعالي وليست له حجة. وقال قال الحسن: بعد عقده إياها في عنقه.

وروي البخاري في تاريخه:6/445، أوله، كما في ابن أبي شيبة.

ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد:5/223 وقال: رواه أحمد، وأبو يعلي، والبزار، والطبراني. وروي نحوه في:2/252.. وغيرهم... وغيرهم.

رواياتهم التي توجب طاعة الحاكم الجائر

وهي كثيرة جداً في مصادر إخواننا، وقد وصل فيها التحذير إلي حد اعتبار الثائر علي الحاكم الجائر خارجاً عن الإسلام، باغياً، واجب القتل، مهدور الدم، يموت موتة جاهلية وأنه كافر مخلد في النار، لكنه إذا انتصر صار حاكماً شرعياً واجب الطاعة، وصار الخارج عليه ملعوناً كما كان هو ملعوناً قبل ساعة.. وهكذا تصنع السياسة ومخالفة الرسول!!

روي مسلم في صحيحه:6/21

عن أبي هريرة عن النبي(ص)أنه قال: من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية.

وروي مسلم في:6/22

عن الحسن بن الربيع، عن حماد قال: من رأي من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه، فإنه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبراً فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية... انتهي. وروي نحوه ابن ماجة:2/1302

وروي الحاكم في المستدرك:1/118

عن أبي هريرة أن رسول الله صلي الله عليه وآله قال: من فارق الجماعة فمات، مات موتة جاهلية. انتهي. وروي

نحوه أحمد في مسنده:2/93 وص 123 وص 154 وص 296 وص 306 وص 488 وج 3/445 و446

وروي الهيثمي في مجمع الزوائد:5/218

وعن أبي هريرة أن رسول الله(ص)قال: سيليكم بعدي ولاة، فيليكم البر ببره والفاجر بفجوره، فاسمعوا لهم. انتهي. والنسائي:7/123، والدارمي:2/241، والبيهقي في سننه:8/157، والهيثمي في مجمع الزوائد:1/324 وج 6/286، وكنز العمال:3/509 وج 6/52، وابن حزم في المحلي:9/359..، وغيرهم..، وغيرهم..

مدرسة البخاري في تفسير هذا الحديث

لعل أكثر هذا الروايات صراحة في التأكيد علي حرمة الخروج علي الحاكم، تلك التي تحذر المسلمين من موتة الجاهلية إذا هم لم يطيعوه ويتحملوا منه مهما كانت أعماله مكروهة، وقد اقتصر البخاري في صحيحه علي هذه الروايات فلم يرو شيئاً في التحذير من ميتة الجاهلية غيرها! ولان إطاعة الحاكم عنده ولو كان جائراً هي الضمان الوحيد لعدم رجوع المسلم إلي الجاهلية، قال في صحيحه: 8/87:

... عن أبي رجاء عن ابن عباس عن النبي صلي الله وسلم قال: من كره من أميره شيئاً فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبراً مات ميتة جاهلية. ورواه أيضاً في نفس الصفحة بعدة روايات. ورواه أيضاً في: 8/105، ورواه مسلم في صحيحه: 6/21، والبيهقي في سننه:8/156 - 157 وج 10/234، وأحمد في مسنده:1/297 وص 310، ونحوه في:2/70 وص93 وص123 وص 445 وفي:3/446.

وروي الهيثمي في مجمع الزوائد:5/219 اعلاناً من الله ورسوله ببراءة ذمة المسلمين عند الله تعالي في طاعتهم لحكام الجور، قال:

عن المقدام بن معدي كرب أن رسول الله(ص)قال: أطيعوا أمراءكم مهما كان، فإن أمروكم بشئ مما جئتكم به فإنهم يؤجرون عليه وتؤجرون بطاعتهم، وأن أمروكم بشئ مما لم آتكم به فإنه عليهم وأنتم منه براء، ذلكم بأنكم إذا لقيتم الله قلتم ربنا لا ظلم فيقول لا

ظلم، فتقولون ربنا أرسلت إلينا رسلاً فأطعناهم بإذنك واستخلفت علينا خلفاء فأطعناهم بإذنك، وأمرت علينا أمراء فأطعناهم بإذنك، فيقول صدقهم هو عليهم وأنتم منه براء. رواه الطبراني وفيه إسحق بن إبراهيم بن زبريق وثقه أبو حاتم وضعفه النسائي، وبقية رجاله ثقات. انتهي.

والفرية الكبري في هذا الحديث أن الحاكم الجائر قد استخلفه الله تعالي علي عباده وأمرهم بطاعته مهما عصي الله تعالي (واستخلفت علينا خلفاء فأطعناهم بإذنك) بل ادعي واضع الحديث أن ذلك يشمل عمال الحاكم وموظفيه أيضاً (وأمرت علينا أمراء فأطعناهم بإذنك)!

ومن العجيب أن مخالفي أهل البيت غليهم السلام يستكثرون أن يكون الله عزوجل اختار لهذه الأمة اثني عشر إماماً بعد نبيها من ذريته، وقد صحت رواياته عند الطرفين، ولا يستكثرون مافي مصادرهم وعقائدهم من الإفتراء علي الله تعالي بأنه اختار كل الحكام والطغاة والمفسدين في الأرض بل والكفار المستعمرين أئمة وحكاماً وأمر المسلمين بطاعتهم!!

عبدالله بن عمر يطبق تفسير إخواننا للحديث

من أبرز من روي عنه حديث الميتة الجاهلية عبدالله بن عمر، وقد اقترنت روايته بقصة عبد الله مع الحديث وتطبيقاته له في حياته التي امتدت إلي زمن الحجاج الثقفي وخلافة عبد الملك بن مروان، وقد ذكرت مصادر الحديث والتاريخ والفقه أن عبدالله بن عمر كان يعارض كل تحرك ضد الحاكم مهما فسق وطغي بحجة هذا الحديث، لأن المهم برأيه أن يكون في عنق المسلم بيعة لأحد، أي أحد، وأن لا ينام علي فراشه ليلة إلا والبيعة في عنقه، حتي لا يموت موتة جاهلية!!

روي مسلم صحيحه:6/22

عن زيد بن محمد عن نافع قال: جاء عبدالله بن عمر إلي عبدالله بن مطيع حين كان من أمر الحرة ما كان زمن يزيد بن معاوية فقال: إطرحوا لأبي عبدالرحمن وسادة،

فقال: إني لم آتك لأجلس، أتيتك لأحدثك حديثاً سمعت رسول الله (ص)يقوله، سمعت رسول الله(ص)يقول: من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية.

وروي ابن سعد في الطبقات:5/144

عن أمية بن محمد بن عبدا