اسس القضاء و الشهادة

اشارة

نام كتاب: اسس القضاء و الشهادة

موضوع: فقه استدلالى

نويسنده: تبريزى، جواد بن على

تاريخ وفات مؤلف: 1427 ه ق

زبان: عربى

قطع: وزيرى

تعداد جلد: 1

ناشر: دفتر مؤلف

تاريخ نشر: ه ق

نوبت چاپ: اول

مكان چاپ: قم- ايران

[المقدمة]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه رب العالمين و صلى اللّه على سيدنا محمّد و آله الطيبين الطاهرين.

و بعد، فيقول المفتقر إلى رحمة ربّه جواد بن علي التبريزي غفر اللّه لهما:

لما فرغت من بحوث القضاء و الشهادات أردت أن أبرزها بصورة التأليف لتكون تذكرة لي و عسى أن تنفع غيري من رواد العلم و الفضيلة و الصالحين للتصدي لمنصب القضاء و فصل الخصومة.

و قد اخترت لعناوين الأبحاث كتاب الشرائع لحفظ تراثنا و امتيازها مع إيجازها بالاشتمال على جلّ المباحث و المسائل.

و أسأل اللّه سبحانه أن يوفّقني بإخراج سائر بحوثي بصورة التأليف و أن يجعلها ذخرا ليوم معادي يَوْمَ لٰا يَنْفَعُ مٰالٌ وَ لٰا بَنُونَ، انّه سميع مجيب.

المؤلف

أسس القضاء و الشهادة، ص: 4

[كتاب القضاء]

اشارة

كتاب القضاء

أسس القضاء و الشهادة، ص: 5

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم في صفات القاضي و آدابه و كيفية الحكم و أحكام الدعاوي (1)

..........

______________________________

(1) قد جعل- قدّس سرّه- بحث القضاء أربعة أقسام، و عبّر عن كل قسم بالنظر:

النظر الأوّل: في صفات القاضي، أي الأمور المعتبرة في المتصدي للقضاء، ليجوز له قضاؤه تكليفا و وضعا، بمعنى نفوذه في حق المتخاصمين و غيرهما، و لا يخفى أنّ ما يعتبر في جواز قضائه تكليفا عليه إحرازها في نفسه، لأنّ القضاء فعله و لا يفيده إحراز غيره، و ما يعتبر في نفوذ قضائه على المتخاصمين إحرازها فيه لينفذ حكمه في حقّهما، و كذا غيرهما ممّن يريد ترتيب الأثر على قضائه.

النظر الثاني: في الآداب، يعني الأمور المطلوبة من القاضي أو الجائزة له.

النظر الثالث: في كيفية الحكم، يعني بيان الأمور التي على القاضي الاعتماد عليها في قضائه و ما يعتبر رعايته بالإضافة إلى المتخاصمين.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 6

..........

______________________________

النظر الرابع: في أحكام الدعاوي، يعني الوظائف المقررة بمقتضى أدلّة الأحكام في موارد الاختلافات و المنازعات في الأموال و العقود و الإيقاعات و المواريث و الأولاد.

و ينبغي قبل الشروع في النظر الأوّل التعرض لمعنى القضاء و الحكم و بيان الفرق بينه و بين الفتوى، فنقول:

القضاء لغة يطلق على معان: منها الحكم كقوله سبحانه ثُمَّ لٰا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّٰا قَضَيْتَ «1» و فَاقْضِ مٰا أَنْتَ قٰاضٍ «2»، و منها الإنهاء و الإتمام كقوله سبحانه فَلَمّٰا قَضىٰ مُوسَى الْأَجَلَ «3» و أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ «4»، و منها الأمر كقوله سبحانه وَ قَضىٰ رَبُّكَ أَلّٰا تَعْبُدُوا إِلّٰا إِيّٰاهُ «5» و منها الحتم فَلَمّٰا قَضَيْنٰا عَلَيْهِ الْمَوْتَ «6»، و منها الفعل و الخلق:

فَقَضٰاهُنَّ سَبْعَ سَمٰاوٰاتٍ «7» و يمكن إرجاع بعضها إلى بعض كارجاع الأمر إلى الحكم.

و كيف كان فالمراد بالقضاء في المقام هو إنشاء الحكم الجزئي لحصول الموضوع أو المتعلق لكلية المجعول في الشريعة بمفاد القضية الحقيقية، أو

______________________________

(1) النساء: 65.

(2) طه: 72.

(3) القصص: 29.

(4) القصص: 28.

(5) الإسراء: 23.

(6) سبأ: 14.

(7) فصلت: 12.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 7

..........

______________________________

الحكم بعدم الحصول فيما إذا وقعت الخصومة و المنازعة في حصول أحدهما بين شخصين أو أشخاص، أو تعيين الحكم في واقعة خارجية بتطبيق الكبرى المقررة في الشرع على تلك الواقعة فيما إذا وقعت المخاصمة في حكم تلك الواقعة، إمّا لجهل المتخاصمين بتلك الكبرى الكلية المجعولة في الشرع أو اختلافهم في تلك الكبرى.

و قد يطلق الحكم على ما ذكر و على مطلق الحكم بحصول الموضوع فيما إذا وقعت الشبهة فيه بين الناس من غير مخاصمة كالحكم برؤية الهلال، كما يطلق أيضا على تعيين الوظيفة الفعلية على الناس في مورد أو

موارد لرعاية المصلحة العامة الموجبة له، و يعبّر عن هذا القسم بالحكم الابتدائي.

و يحتمل أن يكون إطلاق القضاء على جميع ما ذكر بمعنى الحكم و يكون من تغليب المطلق على بعض أفراده، و يحتمل أنّ إطلاقه على الحكم في موارد المخاصمة بمعنى الإنهاء و الإتمام، فيكون إطلاقه على غيره بالعناية أو بمعنى مطلق الحكم، و لا ينافي ذلك ما يأتي من أنّ الأدلة الواردة في نفوذ القضاء و الحكم قاصرة عن شمولها لموارد غير المخاصمات، هذا كلّه في القضاء.

و أمّا الفتوى فهي تعيين الأحكام المجعولة في الشرع بنحو القضايا الحقيقية المستفادة من مداركها و تعيين ما يعتبر في موضوعاتها و متعلقاتها من القيود نفيا أو إثباتا.

و هل كما أنّ جواز الإفتاء لمن كان عدلا في دينه و عالما بالأحكام الشرعية من مداركها من قبيل الحكم و الموضوع كذلك جواز القضاء، أو أنّ جواز القضاء و الولاية عليه يحتاج إلى النصب عاما أو خاصا؟ ظاهر المشهور أنّ القضاء

أسس القضاء و الشهادة، ص: 8

..........

______________________________

منصب يعطى، كما هو مقتضى أخذهم الولاية في تعريفه. و أنّه ولاية الحكم، و لعلّ مرادهم انّ القضاء بالأصالة منصب للنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الإمام- عليه السلام- و قيام الغير به يحتاج إلى نصب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أو الإمام.

جاء في صحيحة سليمان بن خالد: «اتّقوا الحكومة فإنّها للإمام العالم بالقضاء العادل في المسلمين لنبي أو وصي نبي» «1».

و في رواية إسحاق بن عمار عن أبي عبد اللّه- عليه السلام- قال: قال أمير المؤمنين- عليه السلام- لشريح: «يا شريح قد جلست مجلسا لا يجلسه إلّا نبي أو وصي نبي أو شقي» «2».

و في

معتبرة سالم بن مكرم الجمال قال: قال أبو عبد اللّه- عليه السلام-: «إياكم أن يحاكم بعضكم بعضا إلى أهل الجور، و لكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه بينكم فإني قد جعلته قاضيا فتحاكموا إليه» «3».

و ظاهر هذه الروايات انّ ولاية القضاء للرجل المزبور اعطى من قبل الإمام- عليه السلام-، و مثلها مقبولة عمر بن حنظلة عن أبي عبد اللّه- عليه السلام- فإنّ فيها:

«ينظران من كان منكم ممّن قد روى حدثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فليرضوا به حكما فإنّي قد جعلته حاكما» «4».

و لا ينافي ذلك ما عن المشهور أيضا بل لم ينقل الخلاف فيه من أنّ القضاء واجب، فإن انحصر القاضي بواحد تعيّن عليه القضاء، و كذا فيما إذا لم

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 3 من أبواب صفات القاضي، الحديث 3: 7.

(2) الوسائل: ج 18، الباب 3 من أبواب صفات القاضي، الحديث 2: 7.

(3) المصدر نفسه: الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 5: 4.

(4) المصدر نفسه: الباب 9 من أبواب صفات القاضي.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 9

..........

______________________________

ينحصر بواحد و لكن لم يكف الواحد بحاجة البلد، و مع تعدده و الاكتفاء بواحد يكون القضاء واجبا كفائيا على حد سائر الواجبات الكفائية، و علّل ذلك بتوقف نظم البلاد و العدل بين الناس عليه و انّ الظلم من شيم النفوس فلا بدّ من حاكم ينتصف للمظلوم من ظالمة، و لأنّ القضاء داخل في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

و الوجه في عدم المنافاة أنّه يجب على من شمله النصب العام القيام به بما ذكروا، بل يجب على الناس تحصيل ما به يعمّهم النصب العام بنحو الواجب

الكفائي، نظير ما يذكر من وجوب التفقّه في الدين، و يمكن أن يستفاد ذلك من قوله سبحانه يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّٰامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدٰاءَ لِلّٰهِ وَ لَوْ عَلىٰ أَنْفُسِكُمْ «1»، حيث إنّ وجوب القيام بالقسط مقتضاه تحصيل ما يحتاج إليه في القيام بالقسط.

و لكن الاستدلال على نفوذ القضاء بالآية المزبورة، بل استفادة نفوذه من دليل وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، كما ترى، مع أنّ وجوب الحكم بعنوان الأمر بالمعروف و القيام بالقسط فيما إذا أحرز أنّ أحد المتخاصمين يعمل المنكر مع علمه بالمنكر أو يترك المعروف مع علمه به كما هو مقتضى عدم وجوب إرشاد الجاهل و الغافل في الموضوعات، أو أحرز أنّ أحد المتخاصمين يظلم الآخر كما هو مقتضى الأمر بالقيام بالقسط.

و على كلّ حال سواء كان القضاء ولاية معطاة أو كان جوازه من قبيل سائر الموضوعات و أحكامه، فلا ينبغي التأمل في نفوذ القضاء ممّن له أهليته، فإنّ

______________________________

(1) النساء: 135.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 10

..........

______________________________

النفوذ مقتضى جعله حاكما أو قاضيا، و معنى نفوذه على المتخاصمين أنّ عليهما العمل به من ثبوت المدعى به أو عدم ثبوته أو سقوط الحق و عدم سقوطه، و على السائرين بمعنى جواز ترتيب الأثر و عدم جواز العمل على خلاف مقتضى ذلك القضاء حتى ما إذا كان القضاء في موارد نشأ الاختلاف من الحكم الواقعي الكلي.

و بهذا يظهر المراد من قولهم: إنّ الحكم لا ينقض بالفتوى و لكن الفتوى تنقض بالحكم، فإذا كان رأى أحد المتخاصمين اجتهادا أو تقليدا على خلاف قضاء القاضي تكون الواقعة الخاصة خارجة عن الفتوى المعتبرة في كلي تلك الواقعة، فيعمل في تلك الواقعة على طبق القضاء، و لا

يجوز لقاض آخر نقض ذلك القضاء، حتى لو عدل القاضي المزبور عن فتواه فلا يجوز له نقض قضائه السابق بل يكون قضاؤه فيها خارجا عن الكبرى التي استنبطها عن الأدلّة لاحقا، و هذا مقتضى ما دلّ على نفوذ قضائه.

نعم، تأتي بعض الموارد في جواز النقض، كما يأتي أنّ القضاء لا يغيّر الواقع عمّا هو عليه، فمن أحرز بالوجدان أنّ ما قضى به على خلاف الواقع فعليه رعاية الواقع.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 11

[النظر الأوّل: في الصفات]

اشارة

النظر الأوّل:

في الصفات (1).

______________________________

(1) يقع الكلام في صفات القاضي بالإضافة إلى القاضي المنصوب و بالإضافة إلى قاضي التحكيم.

فإنّ القاضي على نحوين:

قاضي التحكيم، و هو أن يتراضيا- أي الخصمان- بنظر شخص في واقعتهما و قضائه و فصل الخصومة بينهما، و هذا القاضي يعتبر علمه بالقضاء و قوانينه في تلك الواقعة، و إلّا كان حكمه و قضائه فيها من غير علم فيكون ملعونا و مع قضائه فيها بالعلم يكون قضائه نافذا، و لكن لا يترتب على هذا الشخص شؤون القاضي المنصوب من إلزامه الخصم بالحضور مع طرح أحد الخصمين الدعوى عنده أو الإجبار على العمل بحكمه بعد قضائه.

و يشهد بنفوذ قضائه عليهما صحيحة الحلبي «قال: قلت لأبي عبد اللّه- عليه السلام-: ربّما كان بين الرجلين من أصحابنا المنازعة في الشي ء فيتراضيان برجل منّا، فقال: ليس هو ذاك إنّما هو الذي يجبر الناس على حكمه بالسيف و السوط» «1».

فإنّ تجويز المراجعة إليه ظاهره نفوذ قضائه و حكمه، و ما في ذيلها اشارة

______________________________

(1) الوسائل: ج 18 الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 8: 5.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 12

..........

______________________________

إلى قاضي الجور المنصوب من قبل الولاة في عصره- عليه السلام-، و قد ذكروا-

عليهم السلام- أنّ المرافعة إليهم إيمان بالجبت و الطاغوت.

و الثاني: القاضي المنصوب، و إنّما يتصور المنصوب بالنصب الخاص في زمان الغيبة إذا كان للمتصدي لأمر المسلمين و لو في بقعة من الأرض الولاية الشرعية للزعامة عليهم و حفظ بلادهم من كيد الأعداء و تحصيل الأمن لهم الموقوف على تعيين قاض أو قضاة فيها ممن شملهم النصب العام، و أمّا مجرّد النصب العام فقد تقدم استفادة إعطاء الولاية ممّا دلّ عليه بحيث يثبت لمن يعمّه النصب غير نفوذ قضائه مع تراضي المتخاصمين بالمحاكمة عنده من سائر الآثار كالتصدي لتنفيذ قضائه أو إلزام الخصم بالحضور للمرافعة مع رجوع المدعي إليه و غير ذلك مما يعد من شؤون القاضي كالحكم بثبوت موجب الحد على الشخص مشكل و ان لا يبعد الالتزام بأنّ من شمله النصب العام له ذلك لا لدلالة ما دل على النصب العام عليه بل للعلم بأنّ هذه الأمور ممّا لا بدّ من التصدي لها مع التمكن و المتيقن من المتصدي لها من شمله النصب العام.

و دعوى استفادة كل ذلك ممّا دلّ على وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و القيام بالقسط و العدل لا يمكن المساعدة عليها، لأنّ أدلّة الأمر بالمعروف لا تقتضي نفوذ أصل القضاء على المتخاصمين، فضلا عن دلالتها على نفوذ غيره ممّا يترتب على نفوذ القضاء، بل لا يقتضي وجوب النظر في أمر المترافعين إلّا فيما إذا علم الشخص إجمالا، بأنّ أحد المترافعين يعمل المنكر مع علمه بأنّه منكر أو يترك المعروف الواجب عليه مع علمه به، فيجب النظر مع هذا العلم لا للقضاء، بل للقيام بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 13

و يشترط فيه البلوغ

و كمال العقل و الإيمان و العدالة و طهارة المولد و العلم و الذكورة (1).

______________________________

و ممّا ذكرنا يظهر الحال في الاستدلال بالآية المباركة فإنّ الآية غايتها أنّها تعم القضاء، و أمّا نفوذه و المقدار النافذ من فعل القاضي بعد قضائه فليست ناظرة إليه، و بتعبير آخر لا يزيد شمولها للقضاء عن شمولها للشهادة، فكما لا دلالة لها على شرائط الشهادة و القيود المعتبرة في نفوذها كذلك في ناحية القضاء، و إلّا جاز لكل أحد تنفيذ قضاء القاضي و لو بالتصرف في أموال المدّعى عليه، بدعوى أنّ التنفيذ و لو بالتصرف فيها بعد قضاء القاضي بثبوت الدين مثلا قيام بالقسط، مع أنّ مقتضى ما دلّ على المنع عن التصرف في مال الغير بلا طيبة نفسه كون التصرّف المزبور جورا على المدعى عليه.

(1) لا ينبغي التأمّل في أنّ نفوذ القضاء سواء فسّرت الولاية على القضاء به أم بغيره خلاف الأصل، حيث إنّ مقتضاه عدم الجعل فيحتاج إثبات النفوذ بمجرده أو مع جواز الإلزام بقضائه و تنفيذه إلى قيام الدليل عليه.

و قد تقدم أنّ الولاية على القضاء للنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و وصيه- عليه السلام-، و في صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه- عليه السلام- قال: «اتّقوا الحكومة فإنّ الحكومة للإمام العالم بالقضاء العادل في المسلمين لنبي أو وصي نبيّ» «1»، و في رواية إسحاق بن عمّار عن أبي عبد اللّه- عليه السلام- «قال أمير المؤمنين- عليه السلام- لشريح:

يا شريح قد جلست مجلسا لا يجلسه إلّا نبي أو وصي نبي أو شقي» «2»،

______________________________

(1) الوسائل: ج 18 الباب 3 من أبواب صفات القاضي، الحديث 3: 7.

(2) المصدر نفسه: الحديث 2: 7.

أسس القضاء و

الشهادة، ص: 14

..........

______________________________

و نحوها غيرها. و يخرج عن الأصل فيما إذا اجتمع للشخص صفات.

و قد تعرض الماتن- قدّس سرّه- أوّلا لما يكون اعتباره متفق عليه بين الأصحاب من البلوغ و كمال العقل و الإيمان و العدالة و طهارة المولد و العلم و الذكورة، و تعرض ثانيا لما قيل أو يمكن أن يقال باعتباره كالعرفان بالكتابة و البصر و الحرية.

و لا يخفى أنّه لو بني على عدم وفاء الأدلة اللفظية لجعل الولاية على القضاء في غير موارد التحكيم، و استفيد لزوم التصدي للقضاء الابتدائي مما تقدم من الدليل على الحسبة حفظا للنظام و انتصافا للمظلوم من ظالمة، فلا يحتاج اعتبار الأوصاف إلى دليل خاص للزوم الاقتصار على القدر المتيقن إلّا أن يقوم دليل على عدم اعتبار وصف في مورد، و ادعى العلم أو الاطمئنان بعدم الفرق بين ذلك المورد و التصدي للقضاء كالامامة في الصلاة، حيث ورد فيها جواز امامة العبد و قبول شهادته، و كذا عدم اعتبار عرفان الكتابة و البصر فيهما، و لكن في التعدي منهما إلى القضاء تأمّل.

و كيف ما كان فلا ينبغي الاشكال و التردّد في اعتبار البلوغ و الذكورة في القاضي، سواء أ كان القاضي ابتدائيا أم قاضي تحكيم، لأنّه قد ورد في معتبرة سالم ابن مكرم و في صحيحة الحلبي المتقدمتين عنوان الرجل فلا يعم العنوان للصبي و المرأة.

و دعوى أنّ ذكر الرجل باعتبار أنّ الغالب في العالم بالقضاء هو الرجل مع كون قاضي التحكيم رجلا مفروض في السؤال في صحيحة الحلبي، فلا يدلّ على التقييد، و على الجملة ذكر الرجل أو فرضه في السؤال لا يدل على الاختصاص

أسس القضاء و الشهادة، ص: 15

..........

______________________________

و لا يمنع عن

الأخذ بالإطلاق في مقبولة عمر بن حنظلة، حيث ذكر- عليه السلام- فيها: «ينظران إلى من كان منكم- إلخ»، فإنّها تعمّ من كان منهم بلا فرق بين الذكر و الأنثى.

لا يمكن المساعدة عليها، لا لضعف المقبولة سندا، كما بنينا عليه سابقا و عدلنا عنه فيما بعد، حيث إنّ عمر بن حنظلة من المعاريف الذين لم ينقل فيهم قدح، بل لانصرافها إلى الرجل أيضا لما علم من الشارع من إرادته الستر من المرأة و إرادته ترك مواجهتها مع الأجانب مهما أمكن، فلا يجعل لها ما يقتضي مواجهتها معهم فلم يرض الشارع بإمامتها للرجال، و قد ورد فيما رواه الصدوق بسنده عن حماد بن عمرو و انس بن محمد عن أبيه عن جعفر بن محمد عن آبائه في وصية النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لعلي: «يا علي ليس على المرأة جمعة و لا جماعة- إلى أن قال:- و لا تولى القضاء، الحديث» «1».

و ممّا ذكرنا يظهر أنّه لو وقعت المخاصمة بين امرأتين و جعلتا امرأة أخرى قاضي التحكيم بينهما لا يكون قضاؤها نافذا في حقهما.

و كذا لا ينبغي التأمّل في اعتبار كمال العقل و الإيمان حيث ورد التقييد في معتبرة سالم بن مكرم الجمال في قوله- عليه السلام-: «انظروا إلى رجل منكم»، و في المقبولة: «ينظران إلى من كان منكم»، و في صحيحة الحلبي فرض في السؤال كون الرجل المفروض قضائه من طائفة المتراضين، فلا يعمّ شي ء منها غير المؤمن من المخالف أو الكافر.

و ممّا ذكر يظهر أيضا وجه اعتبار العدالة، فإنّ الفاسق لا يليق بمنصب

______________________________

(1) الوسائل: ج 18 الباب 2 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1: 6.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 16

..........

______________________________

القضاء

أو جعل قضائه نافذا بعد ما ذكر في صحيحة سليمان بن خالد و غيرها أنّ القضاء لا يحقّ للنبي أو وصي نبي، مع أنّه يظهر من مقبولة عمر بن حنظلة انّ اعتبار العدالة في القاضي كان مفروغا عنه في القاضي كفقاهته، حيث ذكر سلام اللّه عليه فيها مع اختلاف القاضيين الأخذ بالحكم الذي حكم به أعدلهما و أفقههما و أصدقهما في الحديث و أورعهما.

أضف إلى ذلك أنّ الشارع إذا لم يجعل للفاسق الإمامة في الصلاة و لم يجعل شهادة الفاسق نافذة إلّا إذا دخلت في الإقرار على نفسه، فكيف يجعل النفوذ لقضاء الفاسق مع نهيه عن الرجوع إلى قضاة الجور حتى فيما كان قضاء الجائر حقا و على طبق موازين القضاء.

و أمّا الاستدلال على اعتبار العدالة في القاضي، فيمكن أن يقال في توجيهه بأنّ الشارع إذا نهى عن الركون إلى الظالمين بالاشتراك في ظلمهم أو تأييدهم و الرضا بظلمهم فلا يحتمل أن يعطي الولاية على القضاء للظالم و فيها ما يقتضي ركون الناس إليه.

و على الجملة لا يحتمل أن يكون القضاء المقصود من تشريعه و اعتباره التحفظ على حقوق الناس و استيفائها و الانتصاف للمظلوم من ظالمة بيد الفاسق، مع ما ورد فيه من أنّه ليس إلّا لنبي أو وصي، و على ذلك فقياس القضاء بالرواية حيث لا يعتبر في اعتبار الرواية عدالة راويها مع الفارق، بل مقتضى ما ذكر اعتبار طهارة المولد لما ذكر من عظم أمر القضاء و الشارع لم يشرع إمامة ولد الزنا فكيف يرضى بقضائه.

و كذا يعتبر في القاضي ابتدائيا أو تحكيميا كمال العقل، و يقتضي اعتباره

أسس القضاء و الشهادة، ص: 17

فلا ينعقد القضاء لصبي و لو مراهق و

لا لكافر، لأنّه ليس أهلا للأمانة، و كذا الفاسق، و يدخل في ضمن العدالة اشتراط الأمانة و المحافظة على فعل الواجبات.

و لا ينعقد القضاء لولد الزنا مع تحقّق حاله، كما لا تصحّ إمامته و لا شهادته في الأشياء الجليلة.

و كذا لا ينعقد لغير العالم المستقل بأهلية الفتوى (1)، و لا يكفيه فتوى العلماء

______________________________

انصراف معتبرة أبي خديجة و غيرها عن المجنون و السفيه بملاحظة ما ورد من عظم القضاء و خطره، فإنّ ظاهرها بملاحظة ما ذكر الرجوع إلى رجل يكون بمقتضى علمه صالحا للقضاء، و المجنون و السفيه لا يناسبان القضاء خصوصا القاضي الابتدائي، حيث إنّ له استيفاء حقوق الناس المقتضي الولاية على التصرف في أموالهم مع توقف استيفائها عليه، و المجنون و السفيه لا ولاية لهما على مالهما فكيف بأموال الناس.

(1) يعتبر في القاضي كونه عالما بالقضاء، و ظاهر الماتن اعتبار كونه مستقلا بالفتوى، و لا يكفي مجرّد كونه راويا للفتوى، و لا يتحقق الاستقلال بها إلّا بالاجتهاد المطلق و كونه ضابطا، لأنّ العلم فعلا بالأحكام لا يتحقق مع غلبة النسيان، و لذا ذكر- قدّس سرّه-: و يدخل فيه- أي في اعتبار العلم- أن يكون ضابطا.

و ذكر في الجواهر في ذيل المتن: يعتبر في القاضي أن يكون مجتهدا مطلقا و لا يكفي التجزي و لا خلاف فيه، بل في المسالك الإجماع عليه بلا فرق بين حالتي الاختيار و الاضطرار.

ثم أورد على هذا الاعتبار بما حاصله: أنّه يظهر من بعض الآيات و الروايات جواز الحكم بالحق من كلّ مؤمن كان عالما بالاجتهاد كما ذكر أم بغيره، كقوله

أسس القضاء و الشهادة، ص: 18

و لا بدّ أن يكون عالما بجميع ما وليه، و يدخل فيه أن

يكون ضابطا فلو غلب عليه النسيان لم يجز نصبه، و هل يشترط علمه بالكتابة فيه تردد، نظرا إلى اختصاص النبي

______________________________

سبحانه وَ إِذٰا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّٰاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ «1»، و يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّٰامِينَ بِالْقِسْطِ «2» فإنّ من كون الرجل قيّما بالقسط حكمه في الواقعة بالحق و العدل، و قوله سبحانه وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْفٰاسِقُونَ «3»، فإنّ مفهومه أنّ الحكم بما أنزل اللّه ليس من الفسق بل أمر واجب، و كذا يستفاد ذلك من قوله- عليه السلام-: «رجل قضى بالحق و هو يعلم فهو في الجنة» «4».

و على الجملة مقتضى الروايات الكثيرة المتعاضدة أنّ كل من تعلّم أحكاما خاصة بطريق معتبر و حكم بها بين الناس يندرج حكمه في القسط و العدل و الحق و غيرها من العناوين الواردة في الكتاب المجيد، و ما في معتبرة أبي خديجة سالم بن مكرم: «انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فتحاكموا إليه»، بناء على أنّ ذلك يعمّ غير المجتهد.

و الحاصل يمكن القول بأنّه يندرج في الحكم بالحق و العدل و القيام بالقسط تعلّم الأحكام بالاجتهاد الصحيح أو التقليد الصحيح و الحكم بما تعلم بين الناس، فلا يعتبر في القضاء أصل الاجتهاد فضلا عن الاجتهاد المطلق.

و أجاب عن ذلك بأنّه يمكن أن يقال: يستفاد من الروايات اعتبار أمر آخر في جواز القضاء و الحكم بين الناس زائدا على العلم بالأحكام و هو النصب

______________________________

(1) النساء: 58.

(2) النساء: 135.

(3) المائدة: 47.

(4) الوسائل: ج 18، الباب 4 من أبواب صفات القاضي، الحديث 6: 11.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 19

صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالرئاسة العامة مع خلوّه في

أوّل أمره من الكتابة و الأقرب اشتراط ذلك لما يضطر إليه من الأمور التي لا تتيسر لغير النبي بدون الكتابة.

______________________________

من قبل الإمام- عليه السلام-، و استشهد على اعتباره بصحيحة سليمان بن خالد و خبر إسحاق بن عمّار المتقدمتين، و على ذلك يقيّد إطلاق جواز الحكم بالحق و العدل و القسط بما إذا كان ذلك بالنصب، و قد ورد هذا النصب في مقبولة عمر بن حنظلة و معتبرة أبي خديجة بناء على ارادة الاجتهاد منها، كما هو ظاهر المقبولة، أو يحمل القيام بالقسط و الحكم بالحق في الآيات و الروايات المشار إليها بالقيام بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر المجرّدين عن القضاء و فصل الخصومة كما هو المراد في المقام.

و ناقش في الجواب المزبور بأنّه لو كان النصب معتبرا أمكن دعوى تحقّقه بالإضافة إلى كل مؤمن يعلم من أحكامهم- عليهم السلام- ما يقضي به في الواقعة سواء أ كان بالاجتهاد أم بالتقليد الصحيح، كما تدل عليه رواية جميل عن أبي عبد اللّه- عليه السلام- «قال: سمعته يقول: يغدو الناس على ثلاثة أصناف: عالم و متعلّم و غثاء، فنحن العلماء و شيعتنا المتعلمون و سائر الناس غثاء» «1»، حيث إنّ ظاهرها تساوي الشيعة العالمين بالأحكام سواء أ كان تعلّمهم بالمشافهة أم بالاجتهاد الصحيح أو التقليد الصحيح، كما يستفاد ذلك من خبر عبد اللّه بن طلحة عن أبي عبد اللّه- عليه السلام- أيضا الوارد في السارق الذي قتلته المرأة التي دخل بيتها ليسرق و فجر بها بالإكراه و قتل ابنها، حيث أمر الإمام- عليه السلام- السائل بالقضاء في الواقعة بما أجاب «2».

و النهي أو الإنكار عن القضاء أو على القضاء يرجع إلى المعرضين في

______________________________

(1) الوسائل: ج 18

الباب 3 من أبواب صفات القاضي، الحديث 5: 8.

(2) المصدر نفسه: الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 8: 5.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 20

و لا ينعقد القضاء للمرأة و إن استكملت الشرائط، و في انعقاد قضاء

______________________________

القضاء عن التمسك بحبلهم و أحكامهم- عليهم السلام- و الأخذ بآرائهم و قياساتهم و غير ذلك من الباطل الذي لفّقوه من عندهم و استغنوا بذلك عن تتبّع أحكام الأئمّة- عليهم السلام-، و استشهد لذلك بصحيحة الحلبي المتقدمة: «قال: قلت لأبي عبد اللّه- عليه السلام-: ربّما كان بين رجلين من أصحابنا المنازعة في الشي ء فيتراضيان برجل منّا، فقال: ليس هو ذاك إنّما هو الذي يجبر الناس على حكمه بالسيف و السوط» «1».

و لو سلم عدم دلالة النصوص على نصب كل شيعي عالم بأحكامهم كما ذكر فلا أقل من عدم الدلالة على عدم النصب.

بل لو تأمّل المتأمل في القضاة الذين كانوا زمان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أمر الناس بالترافع إليهم لوجد جلّهم قاصرين عن مرتبة الاجتهاد و كان قضاؤهم و حكمهم بما سمعوا عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فالالتزام بقصور من تعلّم جملة من أحكامهم مشافهة أو اجتهادا أو بتقليد صحيح عن منصب القضاء خلاف الآيات و الروايات المشار إليها، و نصب خصوص المجتهد زمان الغيبة بناء على ظهور المعتبرة و المقبولة فيه لا ينافي نصب غيره للقضاء أيضا، فيكون نصب المجتهد بالنصب العام على وجه يكون للإمام- عليه السلام- من الرئاسة العامة للتصرف بالقضاء و غيره من الولايات و من تلك الولايات نصب القاضي، فيجوز للمجتهد نصب مقلّده للقضاء بفتواه في المنازعات المرفوعة إليه و لا تكون هذه الرئاسة لغيره.

و

المتحصل أنّ اشتراط الاجتهاد في القاضي الموجب لعدم جواز القضاء لغيره من العالم بالأحكام بالتقليد الصحيح كاشتراط البصر و الكتابة و الحرية

______________________________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 23 من أبواب قصاص النفس، الحديث 2: 45.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 21

الأعمى تردد، أظهره أنّه لا ينعقد لافتقاره إلى التمييز بين الخصوم و تعذر ذلك مع

______________________________

و نحو ذلك يناسب الاستحسان و القياس و نحوهما ممّا ذكره العامة و لا يناسب الروايات المنقولة إلينا عن الأئمة- عليهم السلام-، و دعوى الإجماع في المسألة لا يمكن المساعدة عليها حيث حكى في التنقيح عن المبسوط بأنّ في المسألة أقوالا ثلاثة:

منها جواز تصدي العامي للقضاء، بحيث أن يستفتي المجتهد ثم يقضي و إذا كان جواز التصدي من العامي قبل تعلّمه قولا فكيف يدعى عدم الجواز لمن تصدى للقضاء بعد الاستفتاء و تعلّم جملة من الأحكام بحيث يقضي في الواقعة بما يعلمه! و ذكر- قدّس سرّه- في آخر كلامه: و لو سلم اعتبار النصب أو غيره من الشرائط ممّا ذكروه في القاضي من الكتابة و البصر و نحو ذلك فلا وجه لاعتبارها في جواز الإفتاء، حيث إنّ الفتوى بالاجتهاد الصحيح حكم بما أنزل اللّه و العدل و القسط فيجوز و يجب الأخذ بها بعد كونها مندرجة في العدل و الحكم بما أنزل اللّه و القيام بالقسط و لا يحتاج إلى النصب كما هو مقتضى جوازها و وجوب الأخذ بها فيكون شروط القضاء غير شرط الفتوى، نعم يمكن استفادة اعتبار الفتوى من دليل جواز القضاء فإنّ الحكم الخاص الذي طبق على واقعة و يعبّر عنه بالقضاء إذا كان حقا و عدلا و قسطا كانت الكبرى المنطبقة عليها حقّا و عدلا و تلك

الكبرى تعتبر- هذا ملخص كلامه الطويل العريض في المقام.

أقول: أمّا قوله سبحانه يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّٰامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدٰاءَ لِلّٰهِ وَ لَوْ عَلىٰ أَنْفُسِكُمْ «1»، ظاهره و لا أقل من المحتمل كون المراد من القيام بالقسط هي الشهادة بالحق و عدم العدول عنه، و يؤيده قوله سبحانه في سورة

______________________________

(1) النساء: 135.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 22

العمى إلّا فيما يقل، و هل يشترط الحرية؟ قال في المبسوط: نعم، و الأقرب أنّه

______________________________

المائدة يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّٰامِينَ لِلّٰهِ شُهَدٰاءَ بِالْقِسْطِ «1»، و على تقدير كون المراد القيمومة بالقسط في كل مقام حتى عند القيام بالقضاء بين الناس، بأن يكون شهداء للّه خبرا بعد خبر فليس لها دلالة على نفوذ القضاء من كل شخص، لعدم كونها في مقام بيان شرائط القاضي، بل في مقام بيان العدل و الحق في كل الأمور و منها القضاء، كما أنّ الأمر بكون الناس شهداء للّه لا يقتضي قبول الشهادة في كل مقام عن كل شخص كما إذا كانت على الغير و لم يكن عادلا.

و بتعبير آخر شمول قوله سبحانه يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّٰامِينَ بِالْقِسْطِ للقضاء بين الناس، مثل قوله سبحانه وَ إِذٰا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّٰاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ «2» في مقام اعتبار القسط في الحكم، و أمّا الأمور المعتبرة في الحاكم فلا نظر له إلى ذلك، فلا يمكن التمسك بشي ء منهما في دفع احتمال بعض الأمور المحتمل اعتبارها في الحاكم كالاجتهاد و كونه رجلا، لاحظ قوله سبحانه إِذٰا طَلَّقْتُمُ النِّسٰاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ «3» فإنّه ليس في مقام بيان الأمور المعتبرة في المطلق، و لو شك في اعتبار كون المطلق زوجا أو يصحّ طلاق الولي أيضا فلا

يمكن التمسك به في إثبات صحّة طلاق الولي.

و ممّا ذكرنا يظهر ما عن بعض الأصحاب- قدّس سرّه- من رفع اليد عن إطلاق الآيات بما ورد في نفوذ القضاء من كون القاضي راويا للحديث و الناظر في الحلال و الحرام و العالم بقضاياهم من العناوين التي لا تصدق على العامي و لو مع تعلّمه عددا من القضايا من مجتهده لا يمكن المساعدة عليه.

______________________________

(1) المائدة: 8.

(2) النساء: 58.

(3) الطلاق: 1.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 23

ليس شرطا.

______________________________

و الحاصل انّ الكلام في المقام في شرائط القاضي بحيث ينفذ حكمه لا في شرائط حلية إبراز الحكم الشرعي و الحق في الواقعة، و لذا لا يمكن التمسك في المقام أيضا بقوله سبحانه وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْفٰاسِقُونَ «1» فإنّ مفهومه أنّه لا محذور تكليفا على الشخص إذا كان حكمه بما أنزل اللّه، و أمّا ما يعتبر في نفوذ ذلك الحكم فلا تعرض فيه لذلك، و نظير ذلك ما ورد في رجل قضى بالحق و هو يعلم.

نعم ربّما يستدل على عدم اعتبار الاجتهاد و لو بنحو التجزي في قاضي التحكيم بالإطلاق في صحيحة الحلبي «قال: قلت لأبي عبد اللّه- عليه السلام-: ربّما كان بين رجلين من أصحابنا المنازعة في الشي ء فيتراضيان برجل منّا فقال: ليس هو ذاك- الحديث». بعد تقييدها بكون الرجل عادلا يعلم القضاء في تلك الواقعة و لو تقليدا، أخذا بما دلّ على عدم نفوذ الفاسق و عدم جواز القضاء مع الجهل بالحق.

و لكن قد تقدم أنّ مدلول مقبولة عمر بن حنظلة و معتبرة سالم بن مكرم يناسب القضاء بنحو التحكيم، حيث إنّ الأمر بتوافق الخصمين في الرجوع إلى من ذكر فيهما و الرضا

بحكمه مقتضاه ذلك و لو كان المراد القاضي الابتدائي لكان تعيين المراجعة إليه بيد المدعي، لما يأتي من أنّ تعيين القاضي حق للمدعي و المدعى عليه ملزم بالاستجابة عند رجوع المدعي إلى القاضي الابتدائي، خصوصا بملاحظة ما ورد في ذيل المقبولة من فرض تعيين كل من المتخاصمين رجلا و تراضيهما بكونهما ناظرين في منازعتهما، و لو كان القضاء ابتدائيا لكان الحكم هو الذي عيّنه المدعي، و ينفذ حكمه على المتخاصمين.

______________________________

(1) المائدة: 47.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 24

[و هنا مسائل]

اشارة

و هنا مسائل:

[الأولى: يشترط في ثبوت الولاية اذن الإمام أو من فوّض إليه الإمام]

الأولى: يشترط في ثبوت الولاية اذن الإمام (1) أو من فوّض إليه الإمام، و لو استقضى أهل البلد قاضيا لم تثبت ولايته، نعم لو تراضى خصمان بواحد من

______________________________

أضف إلى ذلك أنّ المقبولة و المعتبرة لم يفرض فيهما زمان الغيبة، بل المتيقن من الأمر فيهما بالمراجعة إلى من وصفه- عليه السلام- زمان حضوره، و من الظاهر أنّ في ذلك الزمان لم يكن القضاء من أصحابه- عليه السلام- كالقضاء ممّن له شؤون القاضي من استيفاء حقوق الناس بعضهم من بعض، أو حقوق اللّه من العقوبات لأنّ هذا الاستيفاء يتوقف على القدرة و السيطرة التي كانت بيد المخالفين، و لا تحصل للشخص إلّا أن يكون بيده ولاية البلاد و امارتها أو بكونه منصوبا بالنصب الخاص من قبل من يكون كذلك، اللهم إلّا أن يقال: إنّ عدم التمكن من العمل بمقتضى الولاية لا ينافي ثبوت الولاية.

هذا كله بالإضافة إلى اشتراط الاجتهاد و عدمه في القاضي، و أمّا اعتبار سائر الأمور من عرفانه الكتابة و البصر و الحرية أو غير ذلك فقد تقدم أنّ مقتضى الإطلاق في دليل نفوذ القضاء عدم اعتبار شي ء منها، فيكفي في القاضي البصيرة و لا يلزم البصر و كذا في غيره.

(1) ظاهر كلامه- قدّس سرّه- أن نصب الإمام- عليه السلام- أو من فوّض إليه أمر النصب شرط في نفوذ القضاء من القاضي الابتدائي فلا ينفذ القضاء من غير المجاز إلّا بنحو التحكيم، و يعتبر في قاضي التحكيم الشرائط المعتبرة في القاضي الابتدائي و منها الاجتهاد كما تقدم.

ثمّ ذكر- قدّس سرّه- أنّ مع عدم الإمام ينفذ قضاء الفقيه الجامع

أسس القضاء و الشهادة، ص: 25

الرعية و ترافعا إليه فحكم بينهما لزمهما الحكم

و لا يشترط رضاهما بعد الحكم، و يشترط فيه ما يشترط في القاضي المنصوب عن الإمام و يعمّ الجواز كل الأحكام

______________________________

لشرائط الفتوى من فقهاء أهل البيت- سلام اللّه عليهم أجمعين-، و تمسّك في ذلك بقول أبي عبد اللّه- عليه السلام- في معتبرة أبي خديجة: «فاجعلوه قاضيا فانّي قد جعلته قاضيا فتحاكموا إليه».

أقول: إن كان المراد بالإذن الإذن الخاص، فيمكن الفرق بين قاضي التحكيم و القاضي الابتدائي بأنّه ليس في قاضي التحكيم الاذن الخاص، و لذا لا ينفذ حكمه إلّا مع تراضي الخصمين بكونه حاكما في منازعتهما، إلّا أنّه يرد عليه أنّه كيف يمكن القاضي الابتدائي مع عدم الإمام- عليه السلام.

فان قيل: انّه لا يعتبر مع عدم حضور الإمام- عليه السلام- الاذن الخاص في القاضي الابتدائي، فيقال: إن كان المستند لعدم اعتباره معتبرة أبي خديجة و رواية عمر بن حنظلة و غيرهما فهي تعم زمان حضور الإمام- عليه السلام- بل ذلك الزمان مقطوع من مدلولها.

و على الجملة: نفوذ القضاء بلا اذن خاص في زمان غيبة الإمام- عليه السلام- خاصة خارج عن مدلول تلك الاخبار، إلّا أن يراد من عدم الإمام عدم التمكن من الرجوع إليه، سواء أ كان زمان الحضور أم زمان الغيبة.

و إن كان المراد بالإذن الأعم من الاذن الخاص، كما هو المعروف في كلمات الأصحاب فكيف يتصور قاضي التحكيم مع اعتبار الاجتهاد فيه كالقاضي الابتدائي. و الحاصل لم يظهر لي ما يجمع شمل كلام الماتن في المقام.

و أيضا إن أراد ممّا ذكره- قدّس سرّه- من جواز القضاء بنحو التحكيم في جميع الأحكام تمام المرافعات و المنازعات، فهو و إن أراد استيفاء حقوق الناس

أسس القضاء و الشهادة، ص: 26

و مع عدم الإمام ينفذ

قضاء الفقيه من فقهاء أهل البيت الجامع للصفات المشترطة في الفتوى، لقول أبي عبد اللّه- عليه السلام-: «فاجعلوه قاضيا فإنّي جعلته قاضيا

______________________________

بعضهم من بعض لاستيفاء حقوق الناس و حقوق اللّه من العقوبات الشرعية، فمن المعلوم أنّه ليس في البين ما يدل على جواز ذلك لمن يجوز له القضاء بنحو التحكيم، بل غاية ما يستفاد من صحيحة الحلبي المتقدمة نفوذ قضائه في المنازعات و المرافعات، بل استفادة العموم من معتبرة أبي خديجة و مقبولة عمر بن حنظلة أيضا مشكل.

نعم لا يبعد أن يقتضي دليل الحسبة التصدي للقضاء بنحو القاضي المنصوب الخاص، و استيفاء حقوق الناس بعضهم من بعض، و اجراء الحدود و التعزيرات على مرتكبي موجباتهما، حفظا لحقوق الناس و نظام البلاد، و كون من له القضاء هو المتيقن ممّن تقتضي خطابات الحدود و التعزيرات اجرائهما على المرتكبين.

ثمّ إنّه يكفي في القاضي في واقعة علمه بحكمها، و لو بنحو التجزي في الاجتهاد، فلا يعتبر الاجتهاد المطلق، لصدق ما ورد في معتبرة أبي خديجة و مقبولة عمر بن حنظلة عليه، فإنّ العلم بالأحكام المتعارف في ذلك الزمان و عرفانه بها و النظر فيها كان بوصول الخطابات الشرعية إلى الشخص و عرفانه مداليلها بمقدار يعتدّ بها، و هذا أقل مراتب الاجتهاد، و نصب القاضي في زمان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أو في زمان علي- عليه السلام- قد وقع لهذا النحو من العالم، و استظهار جواز القضاء لمن تعبّد بفهم الغير من تلك الخطابات و الروايات و ان صدق عليه أنّه تعلم الأحكام من ذلك الغير مشكل جدا، لانصرافهما إلى ما إذا كان التعلم بنحو المعهود في ذلك الزمان.

بل في البين أمر آخر و هو

أنّه إذا فرض مع عدم حضور الإمام- عليه السلام-

أسس القضاء و الشهادة، ص: 27

فتحاكموا إليه»، و لو عدل و الحال هذه إلى قضاة الجور كان مخطئا (1).

______________________________

الولاية الشرعية بتنظيم أمر البلاد و التحفظ عليها للفقيه العادل الجامع لشرائط الفتوى، أو من نصبه إدخالا لأمر تنظيم أمور البلاد و التحفظ عليها في أمور الحسبة، فالتصدي للقضاء و سائر شؤون القضاء و استيفاء الحقوق و العقوبات الشرعية بلا استيذان من ذلك القائم بأمر نظام البلاد و التحفظ بها فيما إذا أوجب ذلك موجبا لبعض الاختلال فيها و ضعف القوة المركزية لحوزة الإسلام، التي تصدى لها الفقيه الجامع لشرائط الفتوى أو المنصوب و المجاز من قبله مشكل إلّا بنحو قضاء التحكيم، حيث لو قيل باستفادة القضاء الابتدائي من المقبولة و معتبرة أبي خديجة فلا ينبغي التأمّل في أنّ المفروض من مدلولهما غير هذا الفرض، مع أنّ الأصل عدم نفوذ القضاء فلا بدّ في الخروج عنه من ثبوت الدليل عليه.

نعم إذا كان القائم بأمر تنظيمها و التحفظ عليها ملحقا بحكّام الجور يكون أمر القضاء في المنازعات داخلا في مداليل الروايات المشار إليها.

(1) لا خلاف في عدم جواز الترافع إلى قضاة الجور مع التمكن من الرجوع إلى من هو أهل للقضاء و استيفاء حقه بحكمه.

و يقال و كذا المراجعة إلى مطلق من ليس أهلا للقضاء، و يشهد لذلك مثل معتبرة أبي خديجة المتقدمة، فإنّ عدم الجواز مقتضى التحذير الوارد فيها من قوله- عليه السلام-: «إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضا إلى أهل الجور»، و نحوها غيرها.

و لكن يمكن دعوى أنّ التحذير المزبور لا يعمّ مطلق من لا يكون أهلا للقضاء، بل مثل القضاة في ذلك العصر ممن كانوا من أصحاب

الصولة و السيطرة و مستقلين في قضاياهم و لو بالقياسات و الاستحسانات تاركين قضايا أهل بيت العصمة- عليهم السلام.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 28

..........

______________________________

و على ذلك فلا يكون في المراجعة إلى غير أهله من العالم بقضاياهم- عليهم السلام- مع فقده بعض الأمور المعتبرة في القاضي إلّا الحكم الوضعي و هو عدم نفوذ قضائه، فلا يحلّ له المال فيما إذا لم يحرز بحجّة معتبرة من الخارج أنّه حقّه، بخلاف ما إذا أحرز ذلك، فلا يكون عليه في أخذه أيّ محذور.

و قيل بحرمة اعانة الغير على ارتكاب الحرام فيحرم المراجعة إليه، يعني إلى غير الأهل للقضاء لأنّ القضاء من غير الأهل محرم، و المراجعة إليه من إعانته على ارتكابه المحرم.

و لكن ذكرنا في المكاسب المحرمة أنّ في حرمة مجرد اعانة الغير على ارتكابه الحرام من غير كونه داخلا في عنوان الإعانة على الظلم على الغير و من غير كونه تعاونا على الإثم و العدوان تأمّلا، و أيضا في حرمة قضاء غير الأهل مع علمه بحكم الواقعة مع التزامه بعدم نفوذ قضائه تأمّل، و إنّما لا يكون قضاؤه جائزا وضعا، نعم القضاء من غير علم محرّم لأنّه من الافتراء و الكذب على الشارع.

و كيف ما كان فلو توقّف استنقاذ حقه المعلوم و المحرز على المراجعة إلى قاضي الجور أو من ليس أهلا للقضاء فيجوز كما هو ظاهر الماتن- قدّس سرّه- و غيره، و الوجه في ذلك انّ التحذير في معتبرة أبي خديجة و غيرها منصرف إلى صورة إمكان فصل الخصومة بالمراجعة إلى من كان أهلا له و لو بنحو التحكيم، و لو فرض الإطلاق و عدم الانصراف يكون الجواز مقتضى قاعدة نفي الضرر الحاكمة على المحرمات، و

منها المراجعة إلى أهل الجور أو حرمة الإعانة على إثم الغير و ارتكابه الحرام.

ثمّ إنّ المذكور في كلمات جماعة من الأصحاب، بل المشهور عندهم كما قيل أنّه إن أخذ حقّه بالمراجعة إلى غير الأهل للقضاء في فرض حرمة المراجعة إليه

أسس القضاء و الشهادة، ص: 29

..........

______________________________

لا يحلّ له ذلك الحق و إن كان ثابتا في الواقع.

و قد ورد ذلك في معتبرة عمر بن حنظلة التي وصفوها بالمقبولة لعمل الأصحاب بهذا الحكم الوارد فيها، و عبارة عدة من الأصحاب كعبارة الماتن خالية عن ذكر ذلك. و ناقش بعضهم في الرواية بضعف السند لعدم ثبوت توثيق لعمر ابن حنظلة، و لكن ذكرنا أنّ الرجل من المعاريف، و لم يرد في حقه قدح.

نعم لا موجب لعدم الحل فيما إذا كان مورد المخاصمة عينا و كان الشخص محرزا أنها ماله، فإنّ مقتضى كونها ماله جواز تصرفه فيها و الحق الوارد فيها ينصرف إلى الدين، و الدين و ان يتعيّن في المال الخارجي بإعطاء المديون بقصد الوفاء، و هذا القصد حاصل في فرض الرواية، لكن عدم حلّ هذا للشخص لعدم علمه باستحقاقه واقعا، كما هو المفروض في المعتبرة من كون مورد السؤال فيها الشبهة الحكمية.

و من هنا لو كان الحق الوارد فيها ما يعمّ العين فلا بأس بالالتزام بعدم الحل، لما ذكرنا أنّ المفروض فيها الشبهة الحكمية، و مع عدم نفوذ قضاء القاضي لا سبيل للشخص إلى إحراز حقه ليجوز له بحسب الحكم الظاهري.

و بتعبير آخر المفروض في المعتبرة اختلافهما في الدين و الميراث، فالأوّل يختص بغير العين و الثاني يعم العين و الدين، و يلتزم بأنّ الشخص فيما إذا لم يحرز استحقاقه إلّا بطريق القضاء غير النافذ فلا

يجوز له التصرف و لو كان محقا في الواقع في موارد الدين و العين، و لو سلّم أنّ الرواية تعم العين و الدين حتى ما إذا كان الاختلاف فيهما لاختلاف الموضوع لا الحكم الكلي، فيلتزم بعدم الحل لكنه عدم الحل في خصوص المراجعة إلى المفروض فيها من السلطان الجائر و القاضي المنصوب من قبله.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 30

[الثانية: تولي القضاء مستحب لمن يثق من نفسه بالقيام بشرائطه، و ربّما وجب]

الثانية: تولي القضاء مستحب لمن يثق من نفسه بالقيام بشرائطه (1)، و ربّما وجب و وجوبه على الكفاية، و إذا علم الإمام أنّ بلدا خال من قاض لزم أن يبعث

______________________________

(1) ذكر الماتن- قدّس سرّه- استحباب تولي القضاء لمن يثق بنفسه و يجد لنفسها شرائط القضاء، و قد يجب كفاية، و يظهر من آخر كلامه أنّ وجوبه في موارده من جهة وجوب الأمر بالمعروف، و كأنّ حكم القاضي بين المتخاصمين داخل في عنوان الأمر بالمعروف فيجب حيث قال: و لو لم يعلم الإمام من يكون له شرائط القاضي مع انحصار واجدها به وجب أن يعرّف نفسه طلبا لنصب الإمام، لأنّ القضاء من الأمر بالمعروف.

و فيه ما تقدم من أنّ وجوب القضاء لا يرتبط بمسألة وجوب الأمر بالمعروف، كيف و قد لا يكون من يلزم بالدين على صاحبه لإثباته ذلك الدين بالبينة معروفا واقعا لخطأ البينة، أو لأنّ المنكر قد أدى الدين، و لكن لعدم البينة له على الأداء أنكر الدين إلى غير ذلك من الموضوعات التي لا يجب فيها إرشاد الجاهل بها أو المعتقد بخلافها.

و كيف كان فالمذكور في كلام جماعة من الأصحاب أنّ القضاء مستحب عيني و واجب كفائي.

و يورد على ذلك بأنّ الاستحباب التعييني و إن يجتمع مع الوجوب التخييري كما في كفارة شهر

رمضان حيث يجب عتق الرقبة تخييرا مع كونه مستحبا تعيينا، حيث انّ الوجوب في موارد التخييري يتعلق بالجامع بين الخصال و لو كان ذلك الجامع أمرا انتزاعيا اعتباريا كعنوان أحدها فلا يتعلّق الوجوب بعتق

أسس القضاء و الشهادة، ص: 31

له و يأثم أهل البلد بالاتفاق على منعه و يحلّ قتالهم طلبا للإجابة، و لو وجد من هو بالشرائط فامتنع لم يجبر مع وجود مثله، و لو ألزمه الإمام. قال في الخلاف: لم يكن له الامتناع لأنّ ما يلزم به الإمام واجب، و نحن نمنع الإلزام إذ الإمام لا يلزم بما ليس

______________________________

الرقبة، بل يتعلّق بالجامع و يكون العتق مصداقا له، فلا منع في كون تطبيق الواجب عليه مستحبا تعيينا، و أمّا في موارد الوجوب الكفائي فاجتماع الوجوب الكفائي في فعل مع كون ذلك الفعل مستحبا عينيا غير ممكن، لأنّ التكليف في موارد الوجوب الكفائي يتوجه إلى كل واحد من المتعددين، غاية الأمر التكليف المتوجه إلى كل منهم مغيّى بعدم حصول الفعل من الآخرين، حيث انّ توجه التكليف و البعث إلى الجامع من غير أن يتوجه إلى الأشخاص غير معقول، فإنّ الجامع لا يقبل الانبعاث و الانزجار و لا يقاس بالأحكام الوضعية مثل ملكية الزكاة للفقير و سهم السادة للهاشمي الفقير.

و على ذلك فمع توجه التكليف الوجوبي إلى فعل الشخص، و لو مع كونه مغيّى بعدم حصول الفعل من الآخر، كيف يكون ذلك الفعل مستحبا لذلك الشخص، خصوصا بملاحظة أنّ الاستحباب أيضا يكون كفائيا لسقوطه بحصول الفعل من الآخرين.

و قد نقل في الجواهر في الجمع بين الاستحباب العيني و الوجوب الكفائي بعض الوجوه، ككون الوجوب الكفائي قبل قيام الغير بشؤون القضاء في الواقعة و الاستحباب النفسي

ممن يثق بنفسه يتعلّق بالقضاء في تلك الواقعة بعد تصدي الغير و قيامه بمقدمات القضاء فيها.

و ناقش فيه بأنّهم لم يقيّدوا الاستحباب بما بعد سقوط الوجوب الكفائي

أسس القضاء و الشهادة، ص: 32

لازما، أمّا لو لم يوجد غيره تعيّن هو و لزمه الإجابة، و لو لم يعلم به الإمام وجب أن يعرّف نفسه لأنّ القضاء من باب الأمر بالمعروف. و هل يجوز أن يبذل مالا ليلي القضاء؟ قيل: لا لأنّه كالرشوة.

______________________________

و قيام الغير بشؤون القضاء في واقعة، مع أنّ الوجوب الكفائي لا يسقط بمجرّد قيام الغير بمقدمات الفعل أو تهيئة نفسه للإتيان به، و ذكر أنّ الأولى أن يقال: إن التولي للقضاء عن الإمام- عليه السلام- مستحب نفسي لمن يثق من نفسه و لا يجب على غير الإمام- عليه السلام- التولي على ما تقدم من الروايات و في بعضها من أنّ القضاء لنبي أو وصي نبي، نعم ربّما يجب التولي إذا كان مقدمة للأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، بحيث يكون الشخص مع تولي القضاء متمكّنا منهما كما يجب فيما أمر الإمام- عليه السلام- بالتولي، و لعل ما ذكر المصنّف- ره- يرجع إلى ذلك، انتهى.

أقول: يمكن أن يقال إنّ تولي القضاء بجعل نفسه في معرض المرافعة إليه مع شمول الاذن و النصب له و إن كان واجبا كفائيا مع عدم الانحصار، و عينيا مع الانحصار، حفظا للنظام و حسما للمخاصمة و المنازعة بين الناس الموجبة لانعدام الأمن و التشاجر الموجب لضياع الحقوق، إلّا أنّ وجوب القضاء في كل واقعة ترفع إليه غير واجب فيما إذا أمكن عرض الصلح على المترافعين أو ترغيب مدعي الحق في العفو و الإغماض، حتى على تقدير حقه واقعا، و

في مثل ذلك إذا اطمئن من نفسه بإيصال الحق إلى صاحبه بالقضاء فيها يكون القضاء مستحبا لما فيه اعانة و سعي في قضاء حاجة المؤمن و نحو إيصال الحق إلى صاحبه.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 33

[الثالثة: إذا وجد اثنان متفاوتان في الفضيلة مع استكمال الشرائط المعتبرة]

الثالثة: إذا وجد اثنان متفاوتان في الفضيلة مع استكمال الشرائط المعتبرة فيهما، فإن قلّد الأفضل جاز، و هل يجوز العدول إلى المفضول فيه تردد، و الوجه الجواز (1) لأنّ خلله ينجبر بنظر الإمام.

______________________________

(1) ذكر- قدّس سرّه- إذا كان اثنان بشرائط القاضي، و لكن اختص أحدهما بالفضيلة، يعني بالأعلميّة في مسائل القضاء، فلو نصب الإمام الأفضل جاز، و هل يجوز له ترك الأفضل و نصب المفضول، فيه تردد، و لكن الأظهر جوازه، لأنّ الخلل الحاصل بترك نصب الأفضل ينجبر بكون الإمام ناظرا إلى قضاء المفضول.

و أورد عليه في الجواهر إنّه قد لا يكون الإمام- عليه السلام- قريبا ليطلع على حكم المفضول في الوقائع المرفوعة إليه، و إنّ أصل فرض المسألة خال عن الثمرة، حيث إنّ الإمام- عليه السلام- أعلم بما يفعل مع حضوره و العمدة التكلّم في نواب الغيبة الذين بيدهم القضاء في الوقائع، و أنّه هل يجوز المرافعة إلى المفضول منهم في القضاء أو الفتوى و لو مع العلم باختلاف الفاضل مع المفضول في القضاء أو الفتوى و لو إجمالا؟ فاختار الجواز أخذا بالإطلاق في أدلّة النصب العام من قوله- عليه السلام- «انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا»، فإنّه- عليه السلام- لم يقل انظروا إلى الأفضل منكم، و إذا كان قضاء المفضول مع وجود الأفضل نافذا فلازمه اعتبار فتواه في كلّي تلك الواقعة، لأنّ الحكم الكلّي يكون من الحق و القسط و ما أنزل اللّه، فيستفاد

جواز تقليد المفضول من جواز المحاكمة إليه، أضف إلى ذلك السيرة المستمرة من المتشرعة، فإنّها كانت جارية على الرجوع في الوقائع المبتلى بها إلى نواب الإمام- عليه السلام- مع العلم باختلافهم في مراتب الفضل.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 34

..........

______________________________

لا يقال: لا يمكن التخيير بين الأفضل و المفضول مع العلم باختلافهما، كيف قد ورد في بعض الروايات تعيّن حكم الفاضل و ترجيحه على حكم غيره.

فإنّه يقال: ان ما أشير إليه في بعض الروايات ناظر إلى ما إذا اتفق المتخاصمين على المراجعة إلى الفاضل و المفضول دفعة، فاختلفا في حكم الواقعة فإنّه في هذا الفرض لا يمكن التخيير و لا ترتفع المخاصمة، فلا بد من ترجيح أحدهما، و لذا ذكر فيها أنّه مع فقد الترجيح يتوقف حتى يلقى الإمام- عليه السلام-، و لا ينافي ذلك التخيير ابتداء في رفع أصل المخاصمة بين الرجوع إلى الفاضل أو المفضول، بل التأمّل في أدلّة النصب و منها صدر المقبولة يقضي تجويز الرجوع إلى كل منهما و نفوذ قضائه.

أقول: أمّا مسألة الرجوع إلى الأعلم في مقام الاستفتاء فهي خارجة عن البحث في المقام، و قد تقدم أنّه لا ملازمة بين نفوذ قضاء المفضول و اعتبار فتواه، و الكلام في المقام في نفوذ قضائه مع وجود الفاضل، و الأظهر بحسب معتبرة أبي مريم و معتبرة عمر بن حنظلة جواز الرجوع إلى كل منهما، و لكن بما أنّ نفوذ القضاء و اعتباره كنفوذ الفتوى و اعتبارها طريقيّ فلا إطلاق لهما بالإضافة إلى صورة العلم باختلاف الفاضل و المفضول في القضاء في الواقعة التي يراد رفعها إلى القضاء، و بتعبير آخر لا يدخل هذا الفرض في مدلول معتبرة أبي مريم و صدر معتبرة

عمر ابن حنظلة.

نعم يستظهر من ذيل الثانية اعتبار قضاء الأعلم، حيث لا يحتمل الفرق بين اعتبار قضائه بعد المراجعة إليه مع المراجعة إلى المفضول و بين الاتفاق

أسس القضاء و الشهادة، ص: 35

..........

______________________________

على المراجعة إلى الأعلم خاصة من الابتداء. بل مقتضى ما تقدم من لزوم التصدي للقضاء حفظا للنظام و استيفاء لحقوق بعض الرعية على البعض الآخر المستكشف منه نفوذ القضاء أيضا نفوذ قضاء الفاضل مع إحراز اختلاف قضائه مع المفضول.

بل لو قيل باعتبار النصب الخاص فيما كان في بقعة من الأرض زعامة إسلامية بحيث يمكن إحراز الولاية الشرعية للمتصدي لها فالمتعين عليه نصب الفاضل إذا كان في نصبه كفاية، لأنّ نفوذ نصبه بالإضافة إلى الأفضل محرز و غيره مشكوك.

و ربّما يدل عليه ما في العهد المعروف إلى مالك الأشتر من قوله- عليه السلام-:

«اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك» «1»، و لكن المراد ليس هو الأفضل المطلق بل الأفضل الموجود في البلد و ما حوله بحيث يمكن لعامة الناس في ذلك البلد أو ما حوله من الرجوع إليه، فإنّ اعتبار الرجوع إلى الأفضل المطلق نظير تقليد الأعلم غير محتمل، حيث لا تتيسّر لجميع الناس المرافعة إليه بخلاف أخذ الفتوى، فإنّه يمكن الأخذ بالرجوع إلى رواة الفتوى أو الرجوع إلى رسالة الأعلم.

نعم لا يبعد أن يكون الأمر في القضاء أيضا كذلك فيما إذا كان اختلاف المترافعين و منازعتهما ناشئة عن جهلهما بالحكم الشرعي الثابت للواقعة التي ابتليا بها، حيث إنّه ترتفع منازعتهما برجوعهما إلى فتوى الأعلم من غير حاجة إلى القضاء.

______________________________

(1) الوسائل: ج 18 الباب 8 من أبواب آداب القاضي، الحديث 9: 163.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 36

[الرابعة: إذا اذن له الإمام في الاستخلاف جاز]

الرابعة: إذا اذن له الإمام في

الاستخلاف جاز و لو منع لم يجز، و مع إطلاق التولية إن كان هناك امارة تدلّ على الاذن مثل سعة الولاية التي لا تضبطها اليد الواحدة جاز الاستنابة و إلّا فلا، استنادا إلى أن القضاء موقوف على الاذن (1).

______________________________

(1) ذكر- قدّس سرّه- انّه لو أذن الامام- عليه السلام- لمنصوبه الخاص في الاستخلاف للقضاء جاز له استخلاف من يجوز له القضاء مع نصبه و لو منع عن الاستخلاف لم يجز، و مع إطلاق توليته القضاء و تفويضه إليه فإن كان في البين قرينة تقتضي الاذن في الاستخلاف، كما لو كان البلد وسيعا لا يتيسّر فيه القضاء بوحدة جاز الاستخلاف، و مع عدم القرينة فلا يجوز لأنّ القضاء من غير الإمام- عليه السلام- موقوف على اذنه- عليه السلام- و قد تحقق بالإضافة إلى المنصوب دون من يستخلفه.

أقول: المهم في المقام التكلم في زمان الغيبة و انّ المنصوب للقضاء بالنصب العام يجوز له أن يستنيب غيره بالقضاء بالتوكيل، فيما إذا لم يكن من ينوب عنه داخلا في النصب العام كأن يوكّل المجتهد مقلّده البصير في أمر القضاء أن يقضي بفتاواه في الوقائع التي ترفع إليه، بأن يطبق على تلك الوقائع فتاواه التي ذكرها في رسالته أو كتابه، فيحكم بمقتضاها.

فقد ذكر في الجواهر جواز ذلك و نقله عن المحكي عن الفاضل القمي و قال: لا بأس بذلك لو لم يكن إجماع على خلافه كما لهجت بدعواه السنة المعاصرين و بعض من تقدّمهم، و قال: لا يرد على ذلك باختصاص النصب العام بالمجتهد، فكيف يكون قضاء غيره نافذا، فإنّ اختصاص النصب العام للمجتهد يقتضي عدم نفوذ حكم غيره مستقلا، لا عدم نفوذ حكمه و لو كان بالتوكيل عن المنصوب، فانّ

للمجتهد الولاية على القضاء نظير ما كان للإمام- عليه السلام- على

أسس القضاء و الشهادة، ص: 37

..........

______________________________

ما هو ظاهر رواية عمر بن حنظلة و كما كان للإمام- عليه السلام- الاستنابة للقضاء بقضاياه- عليه السلام- كذلك للمجتهد الاستنابة و تولية الحكم بفتاواه التي هي عدل و قسط و حكم بما أنزل اللّه، انتهى.

و لا يخفى أنّ غاية ما يستفاد من النصب العام أنّ للعالم بقضاياهم أن يقضي في الوقائع التي ترفع إليه، و أمّا أن له التوكيل بأنّ يوكّل الغير في القضاء فيها فلا.

و بتعبير آخر: ان مقتضى جعل شخص حاكما أو قاضيا كما هو مقتضى معتبرة أبي خديجة و مقبولة عمر بن حنظلة هو قيام مبدء القضاء و الحكم بذلك الشخص لا الأعم من قيامه به و بمن هو من قبله، إلّا أن يثبت أنّ القضاء نظير البيع و النكاح و الطلاق من الأمور التي تستند إلى الشخص بالتسبيب و الوكالة، كما أنّه لم يحرز أنّه من الأفعال التي تستند عرفا إلى غير المباشر أيضا، كما في الحلق و الذبح و التصدّق.

و ليس فيما ورد بمشروعية الوكالة عموم يدخل فيه القضاء. و التمسّك في مشروعية التوكيل في القضاء بمثل رواية معاوية بن وهب و جابر بن يزيد غير صحيح، فإنّها واردة في بيان حكم آخر، و هو استمرار الوكالة في أمر إلى زمان وصول العزل إلى الوكيل بعد مشروعية الوكالة في ذلك الأمر.

و على الجملة: الثابت هو أنّ قضاء المجتهد قضاؤه- عليه السلام- و أمّا أنّ قضاء وكيل المجتهد قضاؤه- عليه السلام- فهذا غير ظاهر، و مقتضى الأصل عدم النفوذ.

هذا كلّه إذا وكّل المجتهد مقلّده، و أمّا إذا وكّل مجتهدا آخر لا يجوز لذلك

المجتهد الاستقلال بالقضاء، كما إذا كان مفضولا و معه الأفضل في البلد

أسس القضاء و الشهادة، ص: 38

..........

______________________________

فالأمر أيضا كذلك، بل الأمر فيه أشكل فإنّه و إن وكّله في القضاء بعلمه فالمفروض أنّ القضاء عنه بعلمه غير نافذ في الواقعة، و إن وكّله في القضاء بفتوى الموكّل فالمفروض أنّ ذلك المجتهد لا يرى فتواه حكم اللّه و الحق و العدل فكيف يكون قضاؤه بالحق و العدل و بما أنزل اللّه.

و أجاب عن ذلك السيد اليزدي- قدّس سرّه- بأنّ دليل اعتبار ظن المجتهد على حدّ سواء بالإضافة إلى المجتهدين، و لكن لم يظهر وجه صحيح لذلك الجواب، فإنّ مقتضاه أن يترك ما استفاده من الأدلة و الأخذ في الواقعة بفتوى الغير، و كيف يمكن لمجتهد أن يترك مقتضى خطاب الشرع بنظره و يتعبّد بما يراه مقتضى خلاف ظاهره.

ثمّ إنّه قد يقال: إذا اقتضت المصلحة تولية القضاء لغير الواجد لشرائط القاضي كغير العالم أو غير العادل فللإمام- عليه السلام- توليته، و يستدلّ على ذلك بنصب شريح المعروف بفقده شرائطه، و انّ الاضطرار إلى فعل كما يرفع حرمته كذلك الاضطرار إلى ترك رعاية شرط يرفع اشتراطه، و على ذلك فالاضطرار إلى قضاء العالم بالحكم من غير اجتهاد أو من غير عدالة يوجب جواز المرافعة إليه، بل نفوذ قضائه و جواز نصبه.

أقول: الاضطرار، تارة: يلاحظ بالإضافة إلى وليّ الرعية حيث لا يكون له خيار إلّا نصب من لا يكون واجدا للأوصاف المشروطة، كما قيل وقوع ذلك في نصب شريح، و أخرى: بالإضافة إلى الرعية حيث يضطرّون إلى المرافعة إلى قضاء غير الواجد لشرائط القاضي. و ثالثة: يلاحظ بالإضافة إلى نفس القاضي حيث يرى نفسه فاقدا لبعض شرائط القاضي

كالعدالة أو الاجتهاد، و لكن يرى

أسس القضاء و الشهادة، ص: 39

..........

______________________________

حاجة الرعية إلى قضائه لعدم كون الواجد لشرائط القضاء بمقدار الكفاية لحاجة الناس أو عدم تصدّي الواجد لشرائطه للقضاء، عذرا أو من غير عذر.

فإن كان الاضطرار بالإضافة إلى وليّ المسلمين فلا ينبغي التأمّل في أنّه يجوز له الاذن لغير الواجد بالقضاء بالحق في الوقائع المرفوعة إليها، لأنّ الاذن في القضاء في نفسه و ان كان غير جائز لغير الواجد، إلّا أنّ طروّ الاضطرار إلى الاذن و النصب يجوّزه، كما يجوزه نفي الحرج أو الضرر الحرمة الثابتة في فعل لولا طرو هذه العناوين، و يقال من هذا القبيل اضطرار علي- عليه السلام- إلى النصب في قضية الحكمين. و لكن لا يترتب على هذا النصب حكم وضعي، و بتعبير آخر يكون نصبه هذا من قبيل التقية في بيان الحكم أو القضاء، و لعل نصب شريح كان من هذا القبيل، و لذا اشترط- عليه السلام- أن لا ينفذ قضائه حتى يعرضه عليه، و في صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه- عليه السلام-: «لما ولّى أمير المؤمنين- عليه السلام- شريحا القضاء اشترط عليه أن لا ينفذ القضاء حتى يعرضه عليه «1».

نعم لو كان النصب بمعنى إلزام ولي المسلمين الرعية بالعمل بقضاء ذلك الفاقد و ترتيب الأثر عليه لطرو المصلحة الموجبة لذلك، فلا بأس بالإلزام بترتيب أثر القضاء الصحيح عليه، إلّا مع العلم بخطئه، أو مع العلم بصوابه، كما ربّما يلتزم بذلك بالإضافة إلى قضاء القاضي من أهل الخلاف بالإضافة إلى ثبوت هلال ذي الحجة، و يمكن استظهار ذلك مما ورد في شأن شريح في قضية درع طلحة.

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 3 من أبواب آداب

القاضي، الحديث 1: 6.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 40

..........

______________________________

و لعل اشتراط أن لا ينفذ حكمه حتى يعرضه عليه- عليه السلام- لإحراز كونه على الحق، و هذا يدخل في الحكم الولائي بالإضافة إلى الرعية و بالإضافة إلى الولي من الحكم الشرعي في نصبه و أمر الرعية باتباع قضائه، حيث إنّ جواز النصب و جواز الأمر بالاتباع فيما إذا لم يعلم خطأ قضائه أو علم كونه على الموازين من الحكم الشرعي المترتب على ولاية الزعامة على الرعية، فيما كانت شرعية كما في الإمام- عليه السلام.

و أمّا اضطرار المترافعين إلى المرافعة إلى فاقد الأوصاف المعتبرة في القاضي، فقد تقدم الكلام فيه في المراجعة إلى حكّام الجور و قضائهم من أنّه إذا أحرز حقّه و توقف استنقاذه على الترافع إلى غير الواجد للأوصاف فلا بأس لارتفاع الحرمة بأدلّة نفي الضرر و نفي الحرج و للاضطرار، و لا يقتضي شي ء من ذلك اعتبار قضاء الفاقد لشرائط القضاء، حيث مقتضى الأدلّة الرافعة نفي التكليف الثابت لولاها لا إثبات الحكم الوضعي.

و على الجملة فالأوصاف المعتبرة في القاضي لا يدخل في فعل المكلّف ليضطرّ إليه فعلا أو تركا، و إنّما فعله المرافعة إلى فاقد الوصف و الرجوع إليه لو كان محرما يرتفع حرمته، و لكن لا يثبت نفوذ قضائه.

و أمّا اضطرار غير الواجد لأوصاف القاضي إلى القضاء فلا يتصور اضطراره إلى قضائه، فإنّ تولي القضاء مشروط بصفات و على غير الواجد تحصيل تلك الصفات مع تمكنه من تحصيلها ليقضي بين الناس، و مع عدم تمكنه فلا تكليف بالإضافة إلى القضاء، نعم يمكن تصوير إكراهه على القضاء، و معه يجوز له القضاء تكليفا، و لكن لا يثبت لقضائه نفوذ.

أسس القضاء و الشهادة، ص:

41

[الخامسة: إذا ولي من لا يتعين عليه القضاء]

الخامسة: إذا ولي من لا يتعين عليه القضاء فإن كان له كفاية من ماله فالأفضل أن لا يطلب الرزق من بيت المال و لو طلب جاز (1) لأنّه من المصالح، و إن تعيّن عليه القضاء و لم يكن له كفاية جاز له أخذ الرزق و إن كان له كفاية قيل: لا يجوز له أخذ الرزق لأنّه يؤدي فرضا.

______________________________

(1) ذكر- قدّس سرّه- أنّه إذا لم يتعين على الشخص تولّي القضاء كما إذا كان التولي واجبا كفائيا و تولى القضاء و كان له مال يكفي لمؤنته، فالأفضل أن لا يأخذ الرزق من بيت المال المجتمع من الزكوات و الخراج و المقاسمة و جزية الرؤوس و نحوها، و لعل وجه كونه أفضل توفير بيت المال و تيسير ولي المسلمين، حيث إنّ الامتناع عن الارتزاق منها إعانته على مهامّه من صرف المال على سائر مصالح المسلمين، و لو طلب الرزق و الحال هذه جاز لأنّ صرفها على القضاة من صرفها على مصالح المسلمين.

و ذكر في الجواهر أنّ في جواز المطالبة إشكال، و هو أنّه مع وجوب تولي القضاء و لو بنحو الواجب الكفائي لا يجوز له الامتناع عن التولي، و مع عدم الجواز كيف يجوز له المطالبة بالمال، هذا لو لم نقل بكون القضاء تعبديا و إلّا يجي ء في الطلب اشكال آخر و هو أنّ العبادة فعل العبد ليتقرب به إلى اللّه سبحانه و مع أخذ العوض يلزم الجمع بين العوض و المعوض، هذا إذا كان الوجوب كفائيا، و أمّا إذا تولى القضاء لعدم الآخر أو أمر الإمام- عليه السلام- بالتولي فيجوز أخذ الرزق مع حاجته لقيامه بمصلحة المسلمين و نظام النوع، و أمّا إذا لم يكن

محتاجا فلا يجوز على قول لأنّ القضاء في الفرض متعيّن عليه.

أقول: أمّا أخذ الرزق من بيت المال فالأظهر جوازه، سواء أ كان له مال يكفي لمؤنته أم لا، لأنّ بيت المال معدّ للصرف على مصالح المسلمين، و إذا كان في إعطاء ولي المسلمين القاضي من بيت المال و لو مع عدم فقره ما يوجب

أسس القضاء و الشهادة، ص: 42

امّا لو أخذ الجعل من المتحاكمين ففيه خلاف و الوجه التفصيل، فمع عدم التعين و حصول الضرورة قيل يجوز و الأولى المنع و لو اختلّ أحد الشرطين لم يجز.

______________________________

اهتمامه و سعيه في أمر القضاء جاز له الإعطاء، كما جاز للقاضي الطلب و الأخذ.

و لا يقال: قد ورد في صحيحة عبد اللّه بن سنان: «سئل أبو عبد اللّه- عليه السلام- عن قاض بين قريتين يأخذ من السلطان على القضاء الرزق، فقال: ذلك السحت» «1».

فإنّه يقال: مع أنّ ظاهرها العوض على القضاء، حيث لو كان المراد مجرد الارتزاق لاكتفى السائل بقوله عن قاض بين قريتين يأخذ الرزق من السلطان، فهي منصرفة إلى قضاة الجور المعروفين في ذلك الزمان المنهي عن المراجعة إليهم من الأعوان الظلمة.

و الحاصل ارتزاق القاضي و الإعطاء من بيت المال له من صرفه على مصالح المسلمين، خصوصا مع حاجته و لو للتوفير على عياله أو تأمين الأمور المرتبة على قضائه، و قد ورد في العهد المعروف إلى مالك الأشتر: «و أكثر تعاهد قضائه و افسح له في البذل ما يزيح علّته و تقلّ معه حاجته إلى الناس» «2».

و أمّا أخذ الأجرة على القضاء فقد ذكرنا في بحث أخذ الأجرة على الواجبات أنّ مجرد وجوب الفعل و لو كان تعبّديا لا يوجب عدم جواز أخذ

الأجرة عليه، لأنّ العبادة لا توجب كون الفعل مملوكا لفاعله أو للّه سبحانه بملك اعتباري ليلزم من أخذ الأجرة عليه الجمع بين العوض و المعوض، و يكفي في قصد التقرّب المعتبر فيه انّه لو لم يكن أمر الشارع به لما كان يأتي به حتى مع إعطاء الأجرة عليه، بل الموجب لفساد أخذ الأجرة أحد أمرين: أحدهما: أن يكون إيجابه على المكلّف بأن يأتي به مجانا، الثاني: عدم المالية لذلك الفعل، سواء

______________________________

(1) الوسائل: ج 18 الباب 8 من أبواب آداب القاضي، الحديث 1: 162.

(2) المصدر نفسه: الحديث 9: 163.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 43

امّا الشاهد فلا يجوز له أخذ الأجرة، لتعيّن الإقامة عليه مع التمكّن، و يجوز للمؤذن و القاسم و كاتب القاضي و المترجم و صاحب الديوان و والي بيت المال أن يأخذوا الرزق من بيت المال لأنّه من المصالح، و كذا من يكيل للناس و يزن، و من يعلّم القرآن و الآداب.

______________________________

أ كان واجبا أم مندوبا، بحيث يكون أخذ العوض عليه من أكل المال بالباطل.

و ربّما يقال: إنّه يستفاد عدم المالية للقضاء شرعا و إيجابه على واجد الأوصاف مجانا من صحيحة عمّار بن مروان قال: «قال أبو عبد اللّه- عليه السلام-:

كل شي ء غلّ من الإمام فهو سحت، و السحت أنواع كثيرة، منها ما أصيب من أعمال الولاة الظلمة و منها أجور القضاة و أجور الفواجر و ثمن الخمر و النبيذ و المسكر و الربا بعد البينة فأمّا الرشا في الحكم فإنّ ذلك الكفر باللّه العظيم جلّ اسمه و برسوله» «1».

و أجيب بأنّها ناظرة إلى ذلك الزمان من القضاة المتصدين للقضاء من قبل الظلمة، و إنّ أجورهم داخلة في ما أصيب من أعمال

الولاة الظلمة، كما يؤيّدها تكرار لفظة منها الظاهرة في التبعيض، مع رجوع الضمير إلى الموصول لا إلى الأنواع.

أقول: لم تظهر قرينة على أنّ الألف و اللام في القضاة للعهد و تكرار لفظة منها لا يدلّ على شي ء لو لم يكن تأنيث الضمير قرينة على عوده إلى الأنواع، مضافا إلى أنّ القضاء في واقعة كالإفتاء فيها في عدم المالية، فالأحوط ترك أخذ العوض من المتخاصمين. بل مطلقا، و إن كان العهد المعروف يشير إلى جواز الأوّل و الاكتفاء بالارتزاق، حيث إنّ ما في العهد لا يخرج إلى حد الظهور في أخذ العوض، فإنّه يمكن أن يكون السؤال لكتابة القضاء، و لو كان الكاتب هو القاضي و مثل الكتابة ليس داخلا في القضاء الواجب، كما لا يخفى.

______________________________

(1) الوسائل: ج 12 الباب 5 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 12: 64.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 44

[السادسة: تثبت ولاية القاضي بالاستفاضة]

السادسة: تثبت ولاية القاضي بالاستفاضة (1)، و كذا يثبت

______________________________

(1) الظاهر انّ المراد من ولاية القاضي نصبه الخاص للقضاء و مراده من الاستفاضة شهرة خبر نصبه، بحيث يحصل منه الاطمئنان و الوثوق و سكون النفس غالبا، و لو لم يكن في بعض الموارد لبعض الجهات كذلك و الثبوت بالشياع كذلك لا يختص بالولاية على القضاء، بل يثبت بالاستفاضة غيرها أيضا مما جرت السيرة حتى عند المتشرعة على الاعتماد عليها فيها من نسب الشخص، ككونه ابن فلان أو أخا لفلان من غير فرق من جهة الأب أو الأم و الملك المطلق ككون هذه الدار لزيد أو المزرعة لفلان، نعم خصوصية الملك ككونه بالشراء أو المصالحة أو الهبة و نحوها لا تثبت بالشياع.

و من الاستفاضة المعتبرة الشياع في موت شخص أو نكاحه من فلانة،

أو كون الملك وقفا و كون العبد معتقا و نحو ذلك مما قيل في ضابطها كل ما يعسر عليه إقامة البينة، و الوجه في تفسير الاستفاضة في كلام الماتن بذلك أنّه لو كان المراد بالاستفاضة الشياع المفيد للعلم و اليقين فعلا لما يكون اعتباره مختصا بالأمور المذكورة كما هو ظاهر المتن و غيره.

و في مرسلة يونس بن عبد الرحمن عن أبي عبد اللّه- عليه السلام- «قال: سألته عن البيّنة إذا أقيمت على الحق أ يحلّ للقاضي أن يقضي بقول البيّنة إذا لم يعرفهم من غير مسألة؟ فقال: خمسة أشياء يجب على الناس أن يأخذوا فيها بظاهر الحكم: الولايات و التناكح و المواريث و الذبائح و الشهادات، فإذا كان ظاهره ظاهرا مأمونا جازت شهادته و لا يسأل عن باطنه» «1».

و في رواية الفقيه: الأنساب بدل المواريث «2»، و لعل المراد منهما واحد،

______________________________

(1) الوسائل: ج 18 الباب 22 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 213.

(2) الفقيه 3: 9، الرقم: 29.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 45

بالاستفاضة: النسب و الملك المطلق و الموت و النكاح و الوقف و العتق، و لو لم

______________________________

حيث إنّ المراد من المواريث موجب الإرث، أي النسب و المراد بظاهر الحكم الشياع الموجب للاطمئنان و سكون النفس غالبا، و إن لم يكن في بعض الموارد لوجود مقتضى الشك كذلك.

و لعلّ المراد من ظاهر الحكم في عدالة الشهود و عدم السؤال عن باطنه، مع أنّ القاضي يفتش عن حال الشهود، و يسأل المدعي عليه عن الجارح لهم هو أنّه يكفي في عدالة الشخص إحراز حسن ظاهره و إحراز عدم القادح في ذلك الحسن، و لا يعتبر التفتيش و السؤال عن باطن أمره، و في بعض نسخ

التهذيب الأخذ بظاهر الحال بدل ظاهر الحكم.

و ذكر صاحب الجواهر- قدّس سرّه- أنّ المراد منهما واحد لكون المراد بظاهر الحكم شيوع النسبة بين المحمول و موضوعه، و إنّ النسبة بينهما فيما كانت شائعة عند الناس، بحيث ينسبون الحكم إلى ذلك الموضوع كما يقال هذه الدار وقف، أو أنّ فلانا ابن خالد يجوز الحكم بذلك الشياع في الأمور المتقدمة، و يحتمل أن يكون المراد بظاهر الحكم في الشهادات الأمور المربوطة بالشهادة كعدالة الشاهد و فسقه.

و استشهد لذلك بصحيحة حريز الواردة في ذم أبي عبد اللّه- عليه السلام- ابنه إسماعيل في دفعه مالا إلى من كان يريد السفر إلى اليمن ليشتري له بضاعة مع الشياع عند الناس بأنّ المدفوع إليه شارب الخمر و انّه ليس أهلا للأمانة «1»، حيث إنّ الصحيحة ظاهرة في اعتبار الشياع في إحراز فسق الشخص و حسن حاله فيكون العبرة بنفس الشياع لا بما يحصل منه من العلم أو الظن المتاخم أو مطلق الظن.

______________________________

(1) الوسائل: ج 13 الباب 6 من أبواب أحكام الوديعة، الحديث 1: 230.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 46

يستفض أمّا لبعد موضع ولايته عن موضع عقد القضاء له أو لغيره من

______________________________

بل يظهر من الصحيحة اعتبار الشياع في كل أمر و لو لم يكن من فسق شخص أو عدله أو الأمور المتقدمة، لأنّ سياق الصحيحة و هو الأمر بتصديق المؤمنين يأبى عن حملها على خصوص شياع الفسق لشخص و انحصار تصديق المؤمنين به، و اقتصارهم بالأمور المتقدمة في ذكر اعتبار الشياع ليس لعدم اعتباره في غيرها مع حصوله، بل لأنّ تحقق الشياع في غيرها أمر نادر، كيف و قد صرّحوا بثبوت رؤية الهلال و غيرها بالشياع، و على ذلك فيجوز للقاضي

الحكم في الواقعة المرفوعة إليه بالشياع و ظاهر الحكم عند الناس، و لا ينافي ذلك ما ورد في أنّ القضاء يكون بالبيّنات دون غيرها و ذلك فإنّ ما دلّ على عدم اعتبار غير البيّنة و اليمين في القضاء بالإطلاق فيرفع اليد عنه في موارد الشياع لقيام الدليل على اعتباره.

و يحتمل أن يكون حصر القضاء بالبينات بملاحظة الغالب، حيث إنّ تحقق الشياع في الحكم في غالب الموضوعات أمر نادر، كما لو كان المراد من شياع الحكم أن يكون الناس على إذعان بالنسبة لا ان يكون الشياع في خبر النسبة بأن اشتهر أنّه قيل انّ زيدا شارب الخمر و خبر إسماعيل يشير إلى أنّ المراد هو شياع التصديق، فإنّ المناسب للأمر بتصديق المؤمنين التصديق بما هم فيه على تصديق و إذعان، انتهى.

أقول: قد تقدم انّ الشياع الموجب للعلم ليس مورد المناقشة في الاعتبار فإنّ العلم الوجداني معتبر من أي سبب حصل، و الكلام في الشياع غير الموجب للعلم، فهل هو موضوع للاعتبار في بعض الأمور كما هو ظاهر الماتن أو أنّه معتبر في كل الأمور كما هو ظاهر كلام صاحب الجواهر- قدّس سرّه-؟

و الأظهر عدم اعتبار الشياع بنفسه فإنّ مرسلة يونس مع ضعفها سندا

أسس القضاء و الشهادة، ص: 47

الأسباب، أشهد الإمام أو من نصبه الإمام على ولايته شاهدين بصورة ما عهد

______________________________

و عدم انطباق ما ورد فيها على الأمور التي ذكرها الماتن و غيره لا دلالة لها على اعتبار الشياع، فإنّه من المحتمل أن يكون المراد بظاهر الحكم في الولايات المعاملة مع المتصدي لها معاملة الولي الشرعي من جواز المعاملة كما تقدم في جواز شراء الخراج و المقاسمة و الالتزام بطاعتهم طاعة الرعية على ما كان

في ذلك الزمان لرعاية التقية و لو مداراة، و في النكاح و المواريث و الذبائح إسلام الشخص باعترافه بالشهادتين، و في الشهادات ما تقدم في ثبوت عدالة الشاهد.

و في صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر- عليه السلام- قال سألته عن الإيمان فقال: الإيمان ما كان في القلب و الإسلام ما كان عليه التناكح و المواريث و تحقن به الدماء، و أمّا صحيحة حريز فلو لم يكن فيها الاستشهاد بالآية لكانت في دعوى دلالتها على اعتبار الشيوع في ثبوت الشي ء وجه، و لكن بملاحظته لا تكون لها دلالة على أزيد من الترغيب في تصديق الناس تحفظا على الواقع و احتياطا فيه، لا تصديقهم في ثبوته حتى بالإضافة إلى أثر يكون ترتيبه على خلاف الاحتياط، كما هو المراد من ثبوت الشي ء و اعتبار الامارة.

و بتعبير آخر: ليس المدعى أنّ المراد من الإيمان للمؤمنين خصوص تصديق الناس فيما ينفعهم و لا يضرّهم المعبّر عنه بالتصديق الأخلاقي بأن لا ينسب الكذب إليهم، كما في مورد نزول الآية حيث صدّق النبيّ الأكرم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم النمّام على إنكاره نميمته مع تصديقه اللّه سبحانه فيما أوحى إليه في أمر النمام فإنّ ارادة خصوصه ينافي مورد الصحيحة، حيث إنّ موردها ترتيب أثر شارب الخمر على من يذكره الناس بشرب الخمر، فالجمع بين الصحيحة و ما ورد في مورد الآية هو أنّ المراد من تصديق المؤمنين التحفّظ في مورد اخبارهم على الأخلاق و الواقع و إنّ هذا من المرغوبات الشرعية.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 48

إليه (1) و سيّرهما معه ليشهدا له بالولاية، و لا يجب على أهل الولاية قبول دعواه مع عدم البينة و إن شهدت له

الأمارات ما لم يحصل اليقين.

______________________________

و المتحصّل أنّه لا إطلاق في البين يقتضي اعتبار مجرّد الشياع في ثبوت كل شي ء ما لم يوجب العلم أو الوثوق و الاطمئنان، نعم الموجب للاطمئنان لا يكون موجبا للحكم و القضاء في المرافعات و موجبات الحدود أخذا بما دلّ على اعتبار البيّنة في مدرك القضاء و ما ورد في ثبوت موجبات الحد على ما يأتي في باب الشهادات، و أيضا قد ورد في بعض الموارد أو قامت السيرة على اعتبار الشياع فيها حتى و لو لم يكن مفيدا للوثوق و الاطمئنان كشيوع نسب شخص و ثبوت حسن الظاهر له الكاشف عن عدالته، و لكن لم يظهر وجه لكون نصب القاضي منها، سواء كان المراد النصب الخاص أم ما هو الدخيل في النصب العام من اجتهاده و فقاهته.

(1) ذكر- قدّس سرّه- أنّه لو لم يكن نصبه مستفيضا لبعد موضع تولّيه القضاء عن موضع عقد القضاء له، يعني النصب، أو لجهة أخرى أشهد الإمام أو من بيده أمر نصبه بإطلاقه أو تقييده و الاشتراط فيه بشاهدين و يرسلهما معه إلى موضع تولّيه ليشهدا له بالنصب، و لا عبرة في ثبوت النصب بغير شهادة العدلين من سائر الأمارات الظنّية، حيث لم يثبت اعتبار غير شهادتهما.

و ذكر في الجواهر أنّ هذا بناء على عدم الحاجة في اعتبار البيّنة إلى حكم الحاكم على طبقها، و أمّا بناء على اعتبار الحكم فيحتاج ثبوت ولايته على حكم الحاكم سواء أ كان حاكم بلد آخر أم الحاكم الذي في ذلك الموضع فيما إذا كان عزله معلقا على أن تثبت ولاية القاضي المرسل.

أقول: الظاهر عدم الحاجة في اعتبار البيّنة إلى حكم الحاكم في غير

أسس القضاء و الشهادة، ص:

49

[السابعة: يجوز نصب قاضيين في البلد الواحد لكل منهما جهة على انفراده]

السابعة: يجوز نصب قاضيين في البلد الواحد (1) لكل منهما جهة على انفراده و هل يجوز التشريك بينها في الجهة الواحدة؟ قيل بالمنع حسما لمادة اختلاف

______________________________

الحقوق المحتاجة إلى المرافعة و غير الحدود، لما ذكر على اعتبارها من الدليل، نعم عزل القاضي معلقا على حدوث أمر معين كتعليق نصبه صحيح، فإنّ العزل و النصب يتبعان نظر ولي المسلمين في التحفظ بصلاحهم و أمن بلادهم، و عليه فيجوز لولي المسلمين نصب القاضي في البلد بالإضافة إلى الواقعة المرفوعة إليها، معلقا على ما إذا كان حكمه في الواقعة موافقا مع سائر القضاء في سائر البلاد بحسب كلي تلك الواقعة، و هذا علاج لتشتت القضاء في الوقائع التي تتحد في نوعها في الحكم، حفظا لنظام القضاء فيها.

(1) ذكر- قدّس سرّه- أنّه يجوز لولي المسلمين نصب قاضيين في بلد واحد فيما كان نصب كل منهما في جهة غير ما ينصب الآخر لتلك الجهة، بأن نصب أحدهما للقضاء في الحقوق المالية و الآخر في الدماء و الفروج، و أمّا فيما كان نصبهما في الجهة الواحدة على الاستقلال أو أن يقضي كل منهما في كل الجهات و القضايا على نحو الاستقلال. كما هو الحال في النصب العام، فقيل بعدم الجواز، لأنّ مع النصب كذلك يمكن أن يختار أحد المترافعين غير ما يختاره الآخر، فيكون منشأ للنزاع و الاختلاف، و لكن الوجه الجواز، لأنّ كلّا من القاضيين ينوب عن ولي المسلمين، في القضاء، و النيابة تتبع اختيار المنوب عنه، نظير توكيل المالك اثنين في بيع ماله بحيث يكون لكل منهما بيعه.

و ذكر في الجواهر في ذيل ذلك أنّ مع تنازعهما في اختيار القاضي يقدم من سبق إليه أحد المتخاصمين، و مع

التقارن يرجعان في التعيين إلى القرعة، و ذكر أيضا جواز نصب المتعدد و جواز نصب المتعدد أيضا للقضاء في الوقائع بنحو الاشتراك و الاجتماع، كما قواه العلّامة و ولده، و لكن منع عنه بعضهم لعدم

أسس القضاء و الشهادة، ص: 50

الغريمين في الاختيار، و الوجه الجواز لأنّ القضاء نيابة تتبع اختيار المنوب.

______________________________

الدليل على التشريك حتى في الوكالة و سائر الولايات و يمكن أن يقال ان التشريك في الوصاية و الوكالة هو عدم نفوذ تصرّف أحدهما بدون رضا الآخر لا أن يكون لكل منهما نصف الولاية أو الوكالة، ففي المقام أيضا يمكن التشريك في الحكم بهذا المعنى، لا أن يكون كل من القاضيين بمنزلة نصف القاضي، و يترتب على التشريك بمعنى عدم النفوذ بدون رضى الآخر أنّه لو مات أحد الوصيين يكون تصرّف الآخر نافذا، و لا يحتاج إلى ضم الحاكم شخصا آخر مكان الميت بناء على أنّ المراد من التشريك شرط رضى الآخر مع إمكانه.

ثمّ أشار- قدّس سرّه- إلى ما قد يقال في المقام من أنّه كيف لا يجوز التشريك بمعنى إعطاء الولاية لاثنين مجتمعين مع أنّه قد وقع مثل هذا التشريك في الولاية العامّة التي هي فوق الولايات، كما في قضية موسى و هارون- على نبينا و آله و عليهما الصلاة و السلام-، و أجاب بأنّ منصب النبوة كان لموسى و المراد من تشريك هارون إعطاء المنصب له، و لذا أفرد التصريح بهذا المنصب له في بعض الآيات، و على ما تقدم فإن اختلفا في الحكم وقف الحكم و إلّا نفذا، انتهى.

أقول: لو توقف نفوذ الحكم على النصب الخاص فيمكن كون نصب كلّ من الاثنين أو الأكثر بنحو الإطلاق و الاستقلال، كما يمكن

كونه على تقدير و على نحو الاشتراك في إصدار الحكم أو يوافق كل منهما على نظر الآخر قبل إصدار أحدهما الحكم.

و أمّا بالنظر إلى النصب العام فلا ينبغي التأمّل في أن مقتضى ما تقدم نفوذ القضاء ممّن ترافعا عنده، و كان على الأوصاف المعتبرة المتقدمة سواء تعدد من على الأوصاف في البلد أم لا، و العمدة أن مع تعدد القاضي و نفوذ الحكم من

أسس القضاء و الشهادة، ص: 51

..........

______________________________

كل منهم فهل يكون اختيار القاضي للمدّعي أو من سبق إليه أحد المتخاصمين يتعين قضائه أو يرجع إلى القرعة إلّا إذا اتّفقا بواحد؟

ذكر في المستند أنّه إذا كان هناك مجتهدان و أكثر، بحيث يجوز الرجوع إلى كل منهما أو منهم فمن اختاره المدّعى للمرافعة إليه يكون له القضاء في الواقعة، و يجب على خصمه الإجابة لذلك القاضي، و على ذلك الإجماع و لأن المدّعي هو المطالب بالحق و لا حق للمنكر ابتداء.

و أجاب عن ذلك في ملحقات العروة بأن للمنكر أيضا حق الجواب كما أنّ له أن يسبق إلى حاكم فيطلب منه تخليصه عن دعوى المدّعي، و مقتضى القاعدة مع عدم أعلمية أحد الحاكمين القرعة، إلّا إذا ثبت الإجماع على تقديم مختار المدعي، و ذكر في العروة أنّ اختيار الحاكم بيد المدّعي إلّا إذا كان مختار الآخر أعلم، بل الأحوط الرجوع إلى الأعلم مطلقا.

أقول: ليس في البين ما يدل على ثبوت حقّ للمنكر قبل رجوع المدعي إلى قاض و المطالبة بحقّه بطرح دعواه و كذا بعد رجوعه إليه، و ما ذكر من أنّ للمنكر حق الجواب، فإن أريد لزوم الجواب بالإقرار أو بالإنكار أو بغيرهما فهذا ليس حقا له بل حكم يترتب على رجوع المدعي

إلى القاضي و طرح دعواه عنده و مطالبة القاضي الخصم بالجواب عن دعوى المدعي.

و أمّا الحق في تخليص نفسه عن دعوى المدّعى فلا نعرف له مدركا، فإنّ المسقط لدعوى المدعي حلف المنكر و ما دام لم يطالب المدعي القاضي بالحكم لا يكون للقاضي تحليفه أو للمنكر التبرع بالحلف، بمعنى أنّه لو حلف كذلك لا يسقط حق الدعوى، كما يأتي على ما يقال.

نعم هذا إذا كان المدعي مطالبا بالحقّ عن خصمه، و إمّا إذا كانت

أسس القضاء و الشهادة، ص: 52

..........

______________________________

دعواه سقوط حقّ كان لخصمه سابقا فلا يبعد أن يكون لخصمه المنكر لسقوط حقه طرح المطالبة بحقه عند قاض، فيلزم على مدعي السقوط الحضور و إثبات دعوى السقوط. و على الجملة مقتضى مطالبة المنكر للسقوط بحقه إحضار المدعي عند أي قاض راجع إليه لاستيفاء حقّه، لكن هذا لا ينافي تعين اختيار مدعي السقوط.

و المتحصل أنّه إذا كان القضاء في موارد الاختلاف في الموضوعات الخارجية فاختيار القاضي بيد المدّعي سواء أ كان مختاره أعلم أم لا، فإنّ مقتضى إطلاق دليل نفوذ القضاء عدم اعتبار كون القاضي أعلم، كما تقدم في التكلم في معتبرة سالم بن مكرم و مقبولة عمر بن حنظلة بناء على عدم انصرافهما إلى قاضي التحكيم. و بما أنّ للمدّعي إثبات دعواه بأي طريق شرعي و لا يطالب منه خصوص طريق كما هو الحال في كل من يتصدى لإثبات أمر فله إثبات دعواه و لو بقضاء من لا يوافق عليه خصمه.

و هذا فيما إذا كانت دعوى المدعى ثبوت الحق، أمّا إذا كانت دعواه السقوط فاختيار القاضي أيضا بيد المدعي للسقوط لما تقدم، و لا ينافيه جواز مراجعة المنكر إلى قاض لاستيفاء حقه فيما إذا

ترك المدعي المرافعة إلى قاض، هذا كله في الاختلاف في الموضوعات الخارجية.

أمّا إذا كان اختلافهما في الحكم الكلّي للواقعة فيجري أيضا ما ذكر في الاختلاف في الموضوعات، فيما إذا توقف إنهاء المخاصمة على القضاء، كما إذا كانت المنازعة بين مجتهدين مختلفين في الرأي أو بين مقلديهما، و لا يبعد تقييد مختار المدعى في الفرض، بما إذا كان أعلم، و أمّا إذا لم يتوقف إنهاؤها على القضاء

أسس القضاء و الشهادة، ص: 53

..........

______________________________

فالمتعين الرجوع إلى الفتوى مطلقا أو فتوى الأعلم، فيما إذا علم اختلاف القضاة في الفتوى و لو بنحو الإجمال، على ما هو المقرر في بحث لزوم التقليد على العامي.

ثمّ إنّ ما ذكرنا من كون تعيين القاضي بيد المدعي لا ينافي رضاه بمن يعيّنه خصمه أو رضاهما بحاكمين بأن يكونا ناظرين في أمرهما، و حينئذ مع اختلافهما في الحكم يكون المتبع قضاء الأعلم، كما يشهد لذلك موثقة داود بن الحصين عن أبي عبد اللّه- عليه السلام- «في رجلين اتّفقا على عدلين جعلاهما في حكم وقع بينهما فيه خلاف فرضيا بالعدلين فاختلف العدلان بينهما، عن قول أيّهما يمضي الحكم؟

قال: ينظر إلى أفقههما و أعلمهما بأحاديثنا و أورعهما فينفذ حكمه و لا يلتفت إلى الآخر» «1».

و لا يخفى أنّه لو أمكن في موارد التداعي رفع الاختلاف بتقليد صحيح و هو التقليد ممن تسالما على كونه أعلم فهو، و أمّا مع عدمه فان اتّفقا على قضاء واحد فهو، و مع عدم اتّفاقهما يتعيّن الرجوع في تعيين القاضي إلى القرعة من غير خلاف يعرف، بلا فرق بين الاختلاف في الموضوع أو الحكم.

و يشهد لذلك بعض الروايات الواردة في القرعة، فإنّها على ما قيل تعم ما إذا لم يمكن

تعيين الحق أو لم يمكن العمل بالحقوق لتزاحمها في مقام العمل، ففيما ادعى الولد الأكبر عينا بأنّها حبوة كالراحلة لأبيهم و ادعاها سائر الورثة إرثا، أو ادعى من زوج الأب بنته الباكرة منه زوجيتها و ادعاها أيضا من زوج البنت نفسها منه فإن أمكن رفع الخلاف بالتقليد الصحيح و هو التقليد ممن تسالموا على

______________________________

(1) الوسائل: ج 18 الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 20: 80.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 54

[الثامنة: إذا حدث في القاضي ما يمنع الانعقاد انعزل]

الثامنة: إذا حدث في القاضي ما يمنع الانعقاد انعزل (1) و إن لم يشهد الإمام بعزله كالجنون أو الفسق و لو حكم لم ينفذ حكمه، و هل يجوز أن يعزل اقتراحا؟

الوجه لا، لأنّ ولايته استقرت شرعا فلا تزول تشهّيا، أما لو رأى الإمام أو النائب عزله لوجه من وجوه المصالح أو لوجود من هو أتم منه نظرا فإنّه جائز مراعاة للمصلحة.

______________________________

كونه أعلم فهو، و أمّا مع عدم إمكانه كما إذا كان كل من الولد الأكبر و سائر الورثة مجتهدا أو مقلدا لمن يرى الحكم على طبق ما يدّعيه فإن لم يرضوا بقضاء ثالث معيّن يرجع في تعيين القاضي إلى القرعة، بلا فرق بين كون الراحلة بيد الولد الأكبر أو سائر الورثة، و بلا فرق بين كون الزوجة تحت يد أحد الزوجين أم لا.

و ما عن المستند من التفصيل بأنّ مع كون أحدهما ذا اليد يكون مختار الآخر مقدما لانّ الآخر هو المدعى و كذا يقدّم تعيين من لا تكون المرأة تحت يده لا يمكن المساعدة عليه، فإنّه لا أثر لليد و لا اعتبار بها في الشبهات الحكمية و تعيين صاحبها منكرا من آثار اعتبارها، و إنّما تعتبر في موارد الاختلاف في الموضوعات

سواء أ كان الخلاف في موجب اليد أم في مزيل حكمها.

(1) ذكر- قدّس سرّه- انعزال القاضي بمعنى انحلال نصبه للقضاء بحدوث ما يمنع عن انعقاد منصب القضاء، كما إذا زالت عنه بعض الأوصاف المعتبرة في القاضي، و إن لم يؤخذ الشاهد على عزله كحدوث جنون أو فسق فإن نصبه ما دام كونه على الأوصاف كما هو مقتضى اعتبارها ابتداء و استدامة، و على ذلك فإن قضى بعد حدوث ما يوجب انعزاله لا ينفذ حكمه، حتى و إن لم يعزله الإمام و لو لعدم اطلاعه بحاله.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 55

[التاسعة: إذا مات الإمام، قال الشيخ- ره-: الذي يقتضيه مذهبنا انعزال القضاة أجمع]

التاسعة: إذا مات الإمام، قال الشيخ- ره-: الذي يقتضيه مذهبنا انعزال القضاة أجمع، و قال في المبسوط: لا ينعزلون (1) لأنّ ولايتهم تثبت شرعا فلا تزول بموته- عليه السلام- و الأوّل أشبه، و لو مات القاضي الأصلي لم ينعزل النائب عنه لأنّ

______________________________

نعم الانعزال و إن كان تابعا لزوال الوصف واقعا، و لكن ما دام لم يحرز الزوال بوجه معتبر يعتبر حكمه للاستصحاب في ناحية بقاء الوصف، و هذا من الحكم الظاهري في الشبهة الموضوعية فلا ينافي عدم النفوذ الواقعي.

كما أنّ الكلام في أنّ عزل القاضي يكون بوصول خبر العزل إليه أو بحدوث إنشائه، و إن لم يبلغه خبره لا يجري في فرض فقد الوصف، لما تقدم من أنّ مقتضى اعتبار الوصف في القاضي ابتداء و استدامة عدم الاعتبار بقضائه بعد فقد الوصف.

و ذكر صاحب الجواهر- قدّس سرّه- ان عود الوصف الزائل لا يفيد في المقام بلا فرق بين عوده سريعا أو غير سريع و انّه ربّما يفرق بينهما فلا يبطل النصب في الأوّل دون الثاني.

أقول: لا يبعد أن يكون مقتضى النصب الخاص إعطاء الولاية

للقضاء في زمان كان في ذلك الزمان على الأوصاف فبعود الوصف المفقود يكون له ولاية القضاء، كما هو الحال في النصب العام، و على الجملة لا يكون له ولاية القضاء زمان فقد الوصف خاصة.

(1) ذكر- قدّس سرّه-: انّه إذا مات الإمام ينعزل القضاة بموته عند الشيخ- قدّس سرّه- قائلا بأنّ انعزالهم مقتضى مذهبنا، و وجّهه في الجواهر بأنّ ولاية القضاة فرع ولاية الإمام- عليه السلام- التي انقضت بوفاته، و قال في المبسوط بعدم انعزالهم لأنّ ولاية القضاء تثبت لهم بتوليته- عليه السلام-، و الأصل بقاؤها، و لأنّ في

أسس القضاء و الشهادة، ص: 56

الاستنابة مشروطة بإذن الإمام فالنائب عنه كالنائب عن الإمام فلا ينعزل بموت الواسطة و القول بانعزاله أشبه.

______________________________

الانعزال ضررا عظيما لخلوّ البلاد من القضاة إلى أن يتجدّد النصب من الإمام اللاحق.

و ذكر في المسالك أنّه يبطل النصب العام أيضا لأنّ الإمام الصادر عنه هذا النصب بقوله جعلته حاكما أو قاضيا قد مات، إلّا أنّ الأصحاب متفقون على استمرار النصب العام في زمان الغيبة، و أنّه ليس من قبيل النصب الخاص، بل من قبيل بيان الحكم الكلّي و اعلامه كبيان قبول شهادة العدل و كون اليد امارة الملك، و غير ذلك من الأحكام الكلية.

أقول: اخبار الإمام- عليه السلام- بالكبرى الشرعية غير إعطاء الولاية بخلاف نصب القاضي للرعية عاما أو خاصّا فلا يقاس الثاني بالأوّل، و لو قيل بأنّ النصب العام في القضاء من قبيل إعطاء المنصب و اعتبار الولاية جرى ذلك في النصب الخاص أيضا، و ذلك فإنّ إعطاء الولاية و اعتبارها غير الوكالة في القضاء، فإنّه لا يكون تصرّف الوكيل نافذا بعد موت الموكّل، حيث إنّ الوكالة أخذ الغير نائبا في الفعل

القابل للاستناد إلى الشخص و لو بالتسبيب فهذه النيابة تعتبر ما دام الموكّل حيا، و تنقضي بموته بخلاف إعطاء الولاية و جعل المنصب للغير كجعل القيم للصغار و المتولي للوقف فمع اعتبار النصب تتم الولاية للمنصوب.

و لو قيل بأنّ نصب شخص قاضيا من قبيل الاستنابة في القضاء، كما هو مقتضى ما ذكرنا عن صاحب الجواهر- قدّس سرّه- جرى مثلها في النصب العام أيضا، حيث إنّه عن الإمام السابق، إلّا أن يدعى إمضائه عن الإمام

أسس القضاء و الشهادة، ص: 57

..........

______________________________

اللاحق و حتى عن إمام العصر- عجل اللّه تعالى فرجه الشريف- بعد وقوعه عن آبائه بنحو الوكالة الفضولية و الالتزام بالفضولية و إثبات الإمضاء كما ترى، و إن يقال بمثله في مسألة تحليل الخمس، أو يدعى انّ الإمام- عليه السلام- لا تنقضي ولايته بموته بل ولايته ثابتة حيّا أو ميّتا، و على ذلك يلزم بقاء النصب الخاصّ أيضا و الالتزام باختلاف أحكام الوكالة بين كون الموكّل هو الإمام- عليه السلام- أو غيره أيضا كما ترى.

و على الجملة نصب القاضي خصوصا أو عموما من قبيل إعطاء المنصب و اعتبار الولاية فلا تنقضي بموت الإمام- عليه السلام-، نعم في مثل نصب الفقيه القيم للصغار أو المتولي للأوقاف و نحو ذلك كلام و هو أنّ للفقيه الولاية على النصب أو إنّه ليس له إلّا التوكيل و الاستنابة و لو كان من قبيل التوكيل ينتهي بموت الفقيه، بخلاف ما إذا كان له إعطاء المنصب فانّ المنصب المعطى يبقى ما دام المنصوب.

و قد ذكرنا في بحث ولاية الفقيه أنّ تصديه للأوقاف التي لا متولي لها و لأموال الأيتام التي لا قيم لهم داخل في الأمور الحسبية التي يكون الأصل فيها

عدم جواز التصرّف و تصرّف الفقيه فيها بالمباشرة أو بالاستنابة من باب الأخذ بالقدر المتيقن من الجواز، و أمّا ولايته على النصب فأقامه الدليل عليه مشكل، إلّا أن يدعى أنّ مجرّد التوكيل في مثل تلك الأمور غير كاف للزوم توقف التصدّي و تعطيل الأموال بموت المجتهد إلى أن يحصل الاذن من مجتهد آخر، أو أنّ النصب المزبور و نحوه من شؤون القاضي، كما يظهر من بعض الروايات، و قد أعطي منصب القضاء للفقيه العادل على ما تقدم.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 58

[العاشرة: إذا اقتضت المصلحة تولية من لم يستكمل الشرائط انعقدت ولايته]

العاشرة: إذا اقتضت المصلحة تولية من لم يستكمل الشرائط انعقدت ولايته مراعاة للمصلحة في نظر الإمام كما اتفق لبعض القضاة في زمان علي- عليه السلام-، و ربّما منع من ذلك فإنّه- عليه السلام- لم يكن يفوّض إلى من يستقضيه و لا يرتضيه بل يشاركه فيما ينفذه فيكون هو- عليه السلام- الحاكم في الواقعة لا المنصوب.

[الحادية عشرة: كل من لا تقبل شهادته لا ينفذ حكمه]

الحادية عشرة: كل من لا تقبل شهادته لا ينفذ حكمه (1) كالولد على الوالد

______________________________

(1) ذكر- قدّس سرّه- أنّه لا ينفذ قضاء القاضي فيما كان قضاؤه على من لا تقبل شهادته عليه، كقضائه على والده حيث لا تقبل شهادة الولد على والده و كشهادة العبد على مولاه و شهادة أحد على آخر بينهما خصومة أي عداوة، بحيث لا توجب تلك العداوة فسق الشاهد، و إلّا يكون عدم القبول لفسق الشاهد، فإنّ القاضي إذا كان ممّن لا تقبل شهادته على الآخر فلا ينفذ قضاؤه عليه أيضا و لو مع كونه بشرائط القاضي و أوصافه، و هذا بخلاف شهادة الولد لوالده، أو شهادة الوالد على ولده أو لولده، و شهادة الأخ على أخيه أو لأخيه، فإنّ الشهادة كذلك نافذة فيما كان الشاهد عدلا و لذلك يكون قضاؤه أيضا نافذا مع كونه بشرائط القضاء و أوصاف القاضي، و الوجه في ذلك يعني عدم نفوذ القضاء فيما ذكر ما قيل من أنّ القضاء شهادة و زيادة و إذا لم تجز الشهادة فلا يجوز القضاء أيضا.

و لكن لا يخفى ما فيه، فإنّ أصل الحكم يعني عدم قبول شهادة الولد على والده غير ثابت و إن نسب ذلك إلى الأشهر بل إلى المشهور، لأنّ المستند فيه هو مرسلة الفقيه «1» و للإرسال و معارضتها بخبري علي بن

سويد «2» و داود بن الحصين «3» غير صالحة للاعتماد عليها، فيؤخذ بإطلاق ما دلّ على ثبوت الحق

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 26 من أبواب الشهادات، الحديث 6: 271.

(2) المصدر نفسه: الباب 3 من أبواب الشهادات، الحديث 1: 229.

(3) المصدر نفسه: الباب 4 من أبواب الشهادات، الحديث 1: 230.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 59

و العبد على مولاه و الخصم على خصمه و يجوز حكم الأب على ولده و له، و الأخ على

______________________________

بشهادة العدلين أو بشهادة العدل و يمين المدّعى و نحو ذلك.

و أمّا الأخذ بعموم قوله سبحانه يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّٰامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدٰاءَ لِلّٰهِ وَ لَوْ عَلىٰ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوٰالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ «1» كما ذكر في الجواهر و غيرها لا يمكن المساعدة عليه، فإنّه كما تقدم، حيث إنّ الأمر بإقامة الشهادة لا يدلّ على نفوذها و لزوم قبولها مطلقا.

لا يقال: كيف تجوز شهادة الولد على والده مع حرمة العقوق و ظاهر قوله سبحانه وَ صٰاحِبْهُمٰا فِي الدُّنْيٰا مَعْرُوفاً «2»، مع أنّها إظهار لكذب الوالد و إيذائه فلا يكون معروفا بل عقوقا.

فإنّه يقال: إظهار الحق و ردّ الوالد عن باطله و تخليصه عمّا عليه من حق الغير معروف إليه و لو صحّ ما ذكر لكان مقتضاه حرمة شهادة الولد على والدته و لا تنفذ شهادته لكونه بتلك الشهادة محكوما عليه بالفسق، و عموم قوله سبحانه:

كُونُوا قَوّٰامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدٰاءَ ينفي تلك الحرمة، و إلّا لما كان فرق بين الشهادة على الوالد و الشهادة على الأم، و ما قيل من جواز شهادة الولد على والده بعد موته مبني على دعوى العقوق، ثمّ على تقدير قبول الأصل فكون القضاء داخلا في الشهادة بأن يكون القضاء

شهادة و زيادة ممنوع، فإنّ القضاء أخذ بشهادة الغير لا اقامة لها، نعم لو تم أمر العقوق و المصاحبة بالمعروف لما كان فرق بين أداء الشهادة و القضاء.

و من جملة من لا تقبل شهادته من يجرّ بشهادته نفعا إلى نفسه، أو يدفع

______________________________

(1) النساء: 135.

(2) لقمان: 15.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 60

أخيه و له كما تجوز شهادته.

______________________________

غرامة عن نفسه، و لذا قالوا انّ القاضي إذا كان داخلا في الأطراف في المخاصمة سواء كان مدعيا أم منكرا أو كان المدعي أو المنكر متعددا أحدهم القاضي فلا ينفذ حكمه في تلك الواقعة و لو مع تراضي الأطراف.

و يستدل على ذلك بوجهين:

الأوّل: عدم قبول شهادة من يجرّ بشهادته نفعا إلى نفسه، أو يدفع غرما عنه، و القضاء شهادة و زيادة، و في معتبرة أبان قال: «سئل أبو عبد اللّه- عليه السلام- عن شريكين شهد أحدهما لصاحبه، قال: تجوز شهادته إلّا في شي ء له فيه نصيب» «1» و نحوها غيرها.

و في موثقة سماعة قال: «سألته عمّا يردّ من الشهود؟ قال: المريب و الخصم و الشريك و دافع مغرم الحديث» «2».

و لكن هذا الوجه غير تام لما تقدم من أنّ القضاء غير الشهادة فلا يجري على الأوّل الحكم الثابت في الثاني، مع أنّ مقتضى الوجه المزبور أن لا ينفذ حكمه في تلك الواقعة، فيما إذا كان في الحكم الصادر جرّ نفع إلى نفسه أو دفع مغرم عنه، أمّا إذا كان في قضائه الحكم على نفسه فيكون نافذا مع أنّ ظاهرهم عدم نفوذ حكمه في تلك الواقعة مطلقا و حتى مع تراضي الأطراف.

كما هو مقتضى الوجه الثاني، و هو أنّ الظاهر من معتبرة سالم بن مكرم و مقبولة عمر بن

حنظلة و غيرهما ممّا ورد الأمر بالرجوع إلى رجل يعلم من قضاياهم أو من يروي حديثهم و ينظر في حلالهم و حرامهم توجه الأمر إلى أطراف

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 27 من أبواب الشهادات، الحديث 3: 272.

(2) المصدر نفسه: الباب 32 من أبواب الشهادات، الحديث 3: 278.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 61

..........

______________________________

المخاصمة، و إذا كان القاضي من أطرافها يكون مكلفا كسائر أطرافها بالرجوع إلى من يكون حاكما و قاضيا.

و هذا نظير ما يذكر في باب الزكاة من أنّ الأمر بدفعها و الإتيان بها ظاهر الدفع إلى الغير، فلا يجوز لمالك النصاب تملك الزكاة لنفسه مع فقره، و هذا الوجه لا بأس به، و لذا لا يبعد الالتزام بعدم نفوذ القضاء حتى فيما إذا وكّل القاضي الغير في المرافعة إليه مع الطرف الآخر، أو كان النزاع بين وكيله و الطرف الآخر في مال أنّه ملك موكلّه أو للطرف الآخر، و كذا فيما كان النزاع في مال بأنّه للمولى عليه للقاضي أو لشخص آخر كما إذا كان القاضي وصيّا أو قيما للأطفال بالإيصاء إليه أو بجعل القيمومة من الميت، فإنّ القاضي المزبور في الواقعة طرف المخاصمة.

و ذكر في ملحقات العروة انّ الولاية الخاصة لا تمنع القضاء كالولاية العامّة، فيما إذا وكّل القاضي الغير في المرافعة إليه مع الطرف الآخر، نعم إذا لم يكن القاضي داخلا في أطراف النزاع بحسب صورته، كما إذا نذر أحد المال للقاضي أو وقف عليه، ثم وقع النزاع بين الناذر أو الواقف و بين الغير في المال المنذور أو الوقف، فلا إشكال في قضاء القاضي بالمنذور له الموقوف عليه حيث إنّ الخطاب بالرجوع إلى من ينظر في واقعتهم لا يتوجه إلى

القاضي المزبور.

و يظهر من المستند أنّ القاضي لا ينفذ حكمه فيما كان هو أو وكيله طرفا في النزاع و لو في الوقائع التي يتصرف فيها القاضي بالولاية العامّة بأن كان المتصدي للواقعة التي وقعت المخاصمة فيها هو القاضي أو وكيله، و أمّا إذا كان المتصدي لها شخص آخر نصبه القاضي المزبور قيما أو متوليا أو نصبه كذلك حاكم آخر فلا بأس بتصديه للقضاء فيها، لأنّ القاضي في فرض تصديه بالمباشرة أو

أسس القضاء و الشهادة، ص: 62

..........

______________________________

بالتوكيل طرف النزاع، بخلاف ما إذا كان طرف النزاع القيم أو المتولي المنصوب من قبله أو من قبل حاكم آخر فلا يتعلّق نزاعهما بالقاضي.

و يمكن تأييد ذلك بما ورد في درع طلحة، فإنّه إمّا كان راجعا إلى بيت المال أو إلى ورثة طلحة، و باعتبار غيابهم عن المال كان المتصدي لأمره علي- عليه السلام- بالولاية العامّة، و قد جعل- عليه السلام- بينه و بين من كان بيده درعه شريح.

أقول: لا يخفى أنّ التأييد في غير محلّه فإنّ جعل القاضي في الواقعة كان تلبية لسؤال عبد اللّه بن قفل فلا يدلّ على عدم نفوذ قضائه- عليه السلام- فيما لو كان متصديا للقضاء، بل ظاهر أمره- عليه السلام- بعد بيان خطأ شريح بأخذ الدرع هو نفوذ حكمه- عليه السلام- «1».

و الحاصل أنّ دعوى الانصراف في روايات نصب القاضي و انّ أطراف المخاصمة مكلّفون بالرجوع إلى شخص آخر ليقضي بينهم بالإضافة إلى موارد الولاية العامّة غير محرز و إن كان رعاية ما ذكر مطابقا للاحتياط في بعض الموارد.

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 14 من أبواب كيفية الحكم، الحديث: 6: 194.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 63

[النظر الثاني: في الآداب]

اشارة

النظر الثاني:

في الآداب

[و هي قسمان: مستحبة و مكروهة]

اشارة

و هي قسمان: مستحبة و مكروهة (1).

[فالمستحبة]

فالمستحبة: أن يطلب من أهل ولايته من يسأله عمّا يحتاج إليه في أمور بلده، و أن يسكن عند وصوله في وسط البلد لترد الخصوم عليه ورودا متساويا، و أن

______________________________

(1) الآداب المذكورة في المقام على نحوين، منها ما تكون رعايتها على من يكون منصوبا للقضاء بالنصب الخاص كالأخذ من الحاكم المعزول تسجيلات حجج الناس و ودائعهم، و منها ما يكون رعايتها حتى لمن قضاؤه بالنصب العام كاتّخاذ وسط البلد مسكنا ليسهل لجميع أهل البلد الوصول إليه.

ثمّ إنّ من يقضي بين الناس إمّا أن يتخذ القضاء شأنا و شغلا لنفسه و إمّا أن يتفق له القضاء من غير أن يتخذه شأنا و شغلا، و الأمور المرغوبة إليها قد تتعلّق بالأوّل كالسكن في وسط البلد و القضاء في موضع بارز و قد تعمّ كليهما كالتسوية بين الخصمين، و ربّما يذكر الأمور المتعلقة بما يعمّهما في كيفية الحكم و آداب القضاء، و قد لا يلاحظ ذلك و يذكر ما يعمّهما في آداب القاضي كما يقال

أسس القضاء و الشهادة، ص: 64

ينادى بقدومه إن كان البلد واسعا لا ينتشر خبره فيه إلّا بالنداء، و أن يجلس

______________________________

يستحب أن يطلب حضور بعض أهل العلم قضائه مع أنّ ذلك من آداب القضاء.

و كيف ما كان فقد ذكر الماتن- قدّس سرّه- استحباب أمور للمتصدي للقضاء، بعضها راجعة إلى شؤون القاضي المنصوب بالنصب الخاص من غير أن يدخل في القضاء كما في النظر إلى أمر المحبوسين و أولياء القصر و النظر في اللقط، و بعضها داخلة في شؤون القضاء كالجلوس مستدبر القبلة أو مستقبلها، و لكن لا يتيسّر إتمام كلّ ما ذكر بالدليل، مع أنّ الحكم الاستحبابي

و غير الإلزامي كالالزامي يحتاج إلى مستند معتبر، لما ذكرنا في بحث الأصول من أنّ قاعدة التسامح في أدلّة السنن لا أساس لها، فإنّ الروايات الواردة في الثواب على عمل بلغ فيه الثواب لا تدل على أزيد من إعطاء الثواب البالغ لمن أتى بذلك العمل على طبق البلوغ، فإن كان الخبر البالغ معتبرا يكون الإتيان به بنحو الجزم و إن كان غير معتبر يؤتى به رجاء أو بعنوان الاحتياط، و أنّها لا تعم غير موارد بلوغ الخبر.

نعم يمكن أن يدخل بعض ما ذكر في المقام في بعض العناوين المرغوبة إليها شرعا فإنّ اتّخاذ القاضي في وسط البلد مسكنا و جلوسه للقضاء في موضع بارز يسهّل للناس الوصول إليه، فيدخل في عنوان السعي في حوائج الناس و دفع اضطرارهم فيكون مستحبا بهذا العنوان، كما أنّ حضور بعض أهل العلم مجلس القضاء و شهودهم الحكم فيه نوع تحفظ على الواقع و احتياط في حقوق الناس و أموالهم، فيكون مستحبا بما دلّ على حسن الاحتياط في الدين أو حقوق الناس.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 65

للقضاء في موضع بارز مثل رحبة أو فضاء ليسهل الوصول إليه، و أن يبدأ بأخذ ما في يد الحاكم المعزول (1) من حجج الناس و ودائعهم لأنّ نظر الأوّل سقط بولايته، و لو حكم في المسجد، صلّى عند دخوله تحية المسجد، ثمّ يجلس مستدبر القبلة، ليكون وجوه الخصوم إليها، و قيل: يستقبل القبلة لقوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «خير المجالس ما استقبل به القبلة» و الأوّل أظهر.

ثمّ يسأل عن أهل السجون، و يثبت أسماءهم، و ينادي في البلد بذلك ليحضر الخصوم، و يجعل لذلك وقتا، فإذا اجتمعوا أخرج اسم واحد

واحد، و سأله عن موجب حبسه، و عرض قوله على خصمه، فإن ثبت لحبسه موجب أعاده، و إلّا أشاع حاله، بحيث إن لم يظهر له خصم أطلقه.

______________________________

(1) ظاهر كلامه- قدّس سرّه- انّ القاضي المنصوب يبدأ بأخذ ما بيد الحاكم المعزول من حجج الناس و ودائعهم، ثمّ ينظر في حال المحبوسين و يفتّش عن موجب حبسهم، و ينادي بهم في البلد طلبا لخصومهم ثم ينظر في حال أوصياء الأيتام و يلاحظ تصرّفاتهم و موجب وصايتهم و أمر انقراض ولايتهم، ثمّ ينظر في أمناء الحاكم الحافظين لأموال الأيتام و سائر القاصرين من الناس ثمّ ينظر في الضوال و اللقط الموجودة بيد أمناء الحاكم.

و لكن لم يتضحّ وجه صحيح لما ذكر من الترتيب فإنّ النظر فيما ذكر حفظا للنظام و الحقوق واجب على الوالي أو القاضي على حسب العهد المرسوم لهما من وليّ الأمر، فإن تمكن القاضي المنصوب لجميع ذلك من النظر فيها و لو بمعونة أمنائه و وكلائه في زمان واحد فهو و إلّا يبدأ بالنظر فيما كان النظر إليه أهم، فلو علم أنّ بين المحبوسين مظلوما و دفع الظلم عنه أهم لحفظ النظام يكون تقديمه متعينا، خصوصا فيما كان الأخذ بما بيد الحاكم المعزول من حجج الناس و ودائعهم غير مهمّ عنده لعدم الخوف من تأخيره.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 66

و كذا لو أحضر محبوسا فقال: لا خصم لي، فإنّه ينادى في البلد فإن لم يظهر له خصم أطلقه، و قيل: يحلّفه مع ذلك.

ثمّ يسأل عن الأوصياء على الأيتام، و يعمل معهم ما يجب من تضمين، أو إنفاذ أو إسقاط ولاية، إمّا لبلوغ اليتيم أو لظهور خيانة، أو ضمّ مشارك إن ظهر من الوصي عجز.

ثمّ

ينظر في أمناء الحاكم، الحافظين لأموال الأيتام الذين يليهم الحاكم، و لأموال الناس من وديعة أو مال محجور عليه، فيعزل الخائن و يسعد الضعيف بمشارك، أو يستبدل به بحسب ما يقتضيه رأيه.

ثمّ ينظر في الضوال و اللقط، فيبيع ما يخشى تلفه، و ما تستوعب نفقته ثمنه، و يسلّم ما عرفه الملتقط حولا إن كان شي ء من ذلك في يد أمناء الحاكم، و يستبقي ما عدا ذلك مثل الجواهر و الأثمان، محفوظا على أربابها، لتدفع إليهم عند الحضور، على الوجه المحرّر أولا.

و يحضر من أهل العلم من يشهد حكمه (1) فإن أخطأ نبّهوه لأنّ المصيب

______________________________

(1) قد تقدم أنّ حضور بعض أهل العلم و الفضل مجلس القضاء و الحكم نوع احتياط في أعراض الناس و أموالهم و حقوقهم، و ما ذكر- قدّس سرّه- من أنّ القاضي لو أخطأ فأتلف لم يضمن، و كان التلف على بيت المال، يستدل عليه تارة بكون القاضي محسنا، و مٰا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ «1» و انّ الضمان سبيل، و أخرى بما عن الفقيه بسنده إلى الأصبغ بن نباتة «قضى أمير المؤمنين- عليه السلام-:

أنّ ما أخطأت القضاة في دم أو قطع فهو على بيت مال المسلمين» «2»، و رواه الكليني- قدّس سرّه- بسند موثق عن أبي مريم عن أبي جعفر- عليه السلام.

______________________________

(1) التوبة: 91.

(2) الوسائل: ج 18، الباب 10 من أبواب آداب القاضي، الحديث 1: 165.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 67

عندنا واحد و يخاوضهم فيما يستبهم من المسائل النظرية لتقع الفتوى مقرّرة، و لو أخطأ فأتلف لم يضمن و كان على بيت المال. و إذا تعدّى أحد الغريمين سنن الشرع عرّفه خطأه (1) بالرفق، فإن عاد زجره فإن عاد أدّبه بحسب

حاله مقتصرا على ما يوجب لزوم النّمط.

______________________________

أقول: أمّا قضية كون القاضي محسنا فلا يمكن الاستدلال بها في المقام، فإنّ القاضي كان قاصدا للإحسان لا أنّه محسن فعلا، و ثانيا: نفي السبيل على المحسن لو اقتضى نفي الضمان فالمنفي ضمان التلف لا ضمان الإتلاف، كما هو الفرض في كلام الماتن- قدّس سرّه-، فإنّ الإتلاف و لو بنحو التسبيب يوجب ضمان المتلف كان قاصدا للإحسان أم لا، بل عدم ضمان التلف في موارد الأمانة المالكية أو الشرعية مستفاد من الروايات الظاهرة في عدم ضمان الأمين الموافقة للسيرة العقلائية.

و على ذلك فمقتضى القاعدة لو كان المال المعطى للآخر بقضائه الخاطئ موجودا استردّه، و إن كان تالفا يكون الضمان أو استقراره على من تلف بيده إذا لم يكن الإعطاء له مجانا و إلّا يكون استقرار ضمانه على القاضي، حيث إنّه أتلف المال بالتسبيب و لكن فيما كان الضمان على القاضي يتدارك من بيت المال لأنّ ثبوت الضمان على القاضي لا بهذا النحو يوجب الكفّ عن القضاء، مضافا إلى إمكان استفادته من الموثقة الدالة على ضمان دية القطع و الدم مع خطإ القاضي على بيت المال، فإنّه لا يحتمل الفرق بين الدية و المال في الفرض.

(1) لو تعدى أحد الخصمين أو الغرماء سنن الشرع عرّفه الحاكم خطئه برفق فإن عاد زجره فإن عاد أدّبه بحسب حاله مقتصرا على ما يوجب النمط.

أقول: لو كان التعدي بارتكاب ما لا يجوز شرعا بأن ينسب إلى الشاهد الكذب عمدا أو إلى القاضي الجور و الميل عن الحق، أو كان فعله اهانة و إيذاء

أسس القضاء و الشهادة، ص: 68

..........

______________________________

لخصمه أو الشاهد أو القاضي و غير ذلك، فإن كان ذلك لجهله بعدم جواز ذلك

شرعا أو احتمل الجهل في حقّه عرّفه الحاكم خطائه، لأنّ ذلك يدخل في تعليم الجاهل، فإن عاد إليه بعد التعريف زجره حيث يدخل الزجر في عنوان النهي عن المنكر، و لو عاد أدّبه فإنّ التأديب يدخل في عنوان المنع عن المنكر و النهي عنه عملا أو يكون من التعزير على ما ارتكبه من الحرام. و لكن ذكرنا في بحث الأمر بالمعروف أنّ النهي عملا و ان يعدّ من مراتب الأمر بالمعروف إلّا أنّه لا يدخل في الواجب الكفائي.

نعم ربّما يدخل الفعل في عنوان المنع عن المنكر، إلّا أنّه لا دليل على وجوبه و لو بنحو الواجب الكفائي، بل لا دليل أيضا على مشروعيته إلّا بالإضافة إلى الأهل، كما هو مقتضى إطلاق قوله سبحانه قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ نٰاراً «1»، و في صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه- عليه السلام- قال: «جاء رجل إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال: إنّ أمي لا تدفع يد لامس، قال: فاحبسها، قال: قد فعلت، قال: فامنع من يدخل عليها، قال: قد فعلت، قال: قيّدها فإنّك لا تبرّها بشي ء أفضل من أن تمنعها عن محارم اللّه عزّ و جلّ»، و ما ورد في تفسير الآية لا يدلّ على انحصار مدلولها بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

نعم تأديب من يرتكب محرما ليرفع يده عنه مشروع للحاكم و الوالي و لو فيما لم ينطبق عليه غير عنوان التعزير فضلا عمّا إذا انطبق عليه عنوان المنع عن إيذاء الغير أيضا أو غيره من الحرام، و في موثقة سماعة عن أبي عبد اللّه- عليه السلام- قال:

«إنّ رجلا لقي رجلا على عهد أمير المؤمنين- عليه السلام- و قال:

إنّ هذا افترى عليّ، قال: و ما قال لك؟ قال: إنّه احتلم بأمّ الآخر، قال: انّ في العدل إن شئت

______________________________

(1) التحريم: 61.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 69

[و الآداب المكروهة]

و الآداب المكروهة:

أن يتخذ حاجبا وقت القضاء (1)، و أن يجعل المسجد مجلسا للقضاء، دائما و لا يكره لو اتفق نادرا، و قيل: لا يكره مطلقا التفاتا إلى ما عرف من قضاء علي- عليه

______________________________

جلدت ظلّه فإنّ الحلم إنّما هو مثل الظل و لكن سنوجعه ضربا وجيعا حتى لا يؤذي المسلمين، فضربه ضربا وجيعا» «1».

و مما ذكر يظهر أنّه يجوز للحاكم هذا التأديب بالعود بعد تعريف الخطأ، لأنّ غاية ما يستفاد ممّا ورد في عدم ثبوت الحدّ و التعزير في حق الجاهل بالحكم عدم مشروعية التأديب بالضرب أو بغيره قبل تعريف الخطأ، لا في العود بعد عرفان الحكم.

(1) قد ذكر في الكلمات أنّه يكره للقاضي أمور:

منها: اتخاذه حاجبا عند الحاجة إلى القضاء للنبوي المروي في كلمات العامّة: «من ولي شيئا من الناس فاحتجب دون حاجتهم احتجب اللّه تعالى دون حاجته و فاقته و فقره» «2»، و لسان الخبر و ان يناسب الكراهة، إلّا أنّ الاعتماد عليه في الحكم بها لضعف سنده مشكل.

و الأظهر انه لو كان الحجب بحيث يترك الناس و خصوماتهم من غير فصل فهذا غير جائز، لما تقدم من وجوب تولّي القضاء حفظا للنظام و إنهاء الخصومات باستيفاء حقوق بعضهم من بعض، و ان لم يكن الحجب موجبا

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 24 من أبواب حد القذف، الحديث 1: 458.

(2) السنن البيهقي 10: 110.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 70

السلام- بجامع الكوفة، و أن يقضي و هو غضبان، و كذا يكره مع كلّ وصف

يساوي الغضب في شغل النفس كالجوع و العطش و الغمّ و الفرح و الوجع و مدافعة الأخبثين و غلبة النعاس، و لو قضى و الحال هذا نفذ إذا وقع حقا.

______________________________

لذلك بأن كان مجرّد التأخير في القضاء فيكون هذا من ترك المستحب و هو السعي في قضاء حوائج الناس كما في صورة عدم اتّخاذ الحاجب و القضاء فورا.

و منها: اتّخاذ المسجد مكانا للقضاء أو القضاء فيه من غير اتّخاذه مكانا، كما هو ظاهر المحكي عن الصدوق- قدّس سرّه-، و بعضهم كالمصنف- قدّس سرّه- فصّل بين جعله مجلسا للقضاء دائما فيكره، و بين القضاء فيه بعض الأحيان فلا يكره، و بعضهم أنكر الكراهة لما هو المعروف من قضاء عليّ- عليه السلام- في جامع الكوفة، فإنّ أمر دكّة القضاء إلى يومنا هذا معروف.

و استدل على الكراهة بما ورد في النهي عن بعض الأمور في المسجد، معلّلا بأنّ المسجد بني لغير ذلك أو انّه بني للقرآن، و في معتبرة محمد بن مسلم عن أحدهما- عليه السلام- قال: «نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن سلّ السيف في المسجد و عن برئ النبل في المسجد و قال: إنّما بني لغير ذلك» «1»، و بمرسلة علي بن أسباط عن بعض رجاله قال: «قال أبو عبد اللّه- عليه السلام-: جنبوا مساجدكم البيع و الشراء و المجانين و الصبيان و الأحكام و الضالة و الحدود و رفع الصوت» «2».

و لكن لا يخفى انّه يمكن دعوى أنّ القضاء من قبيل تعليم الحكم فيكون داخلا فيما بني له المسجد، و المرسلة لضعف سندها لا تصلح للاعتماد عليها،

______________________________

(1) الوسائل: ج 3، الباب 17 من أبواب أحكام المساجد، الحديث 1: 495.

(2) المصدر نفسه:

الباب 27، من أبواب المساجد، الحديث 1: 507.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 71

و أن يتولى البيع و الشراء بنفسه (1).

______________________________

خصوصا بملاحظة معروفية أمر دكة القضاء بجامع الكوفة. و القول بأنّ قضائه في المسجد غير محرز لاحتمال خروج دكّة القضاء من المسجد أو كان القضاء فيها بعض الأحيان اتّفاقا لا يمكن المساعدة عليه، فإنّ كون دكة القضاء من المسجد كمعروفية سائر الأجزاء و المقامات فيه و لو كان قضاؤه فيها نادرا لاشتهر مكان آخر أيضا بكونه مجلس القضاء.

و منها: القضاء حال الغضب و لعلّ المراد بالغضب ما يخرج به النفس عن الاعتدال و اشتغالها بأمر آخر لا يناسب الدقة في القضاء و ملاحظة موازينه، و يؤيد ذلك إلحاق كل أمر يشتغل به النفس، و في معتبرة السكوني عن أبي عبد اللّه قال:

«قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: من ابتلي بالقضاء فلا يقضي و هو غضبان» «1»، و في خبر سلمة بن كهيل: «و لا تقعد في مجلس القضاء حتى تطعم» «2»، و كيف ما كان فلو قضى و الحال هذه نفذ إذا كان على الموازين أخذا بما دلّ على نفوذ القضاء و قصور ما دلّ على المنع عن الظهور في عدم النفوذ بل الحرمة، فلاحظ.

(1) ذكر في الجواهر في ذيل هذا الكلام ما حاصله: انّه يكره للقاضي تولّي البيع و الشراء لنفسه في مجلس الحكم و غيره، سواء أ كانت معاملته مع من يعلم انّه يحاسبه أم غيره، و لعلّ النسخة الصحيحة: مع من يعلم انّ يحابيه أو غيره أي معاملته مع من يوقع البيع المحاباة و غيره لقوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم- على ما رواه بعض العامة-:

«ما

عدل وال اتّجر في رعيته أبدا» «3»، بل في آخر: «لعن إمام يتّجر في رعيّته» «4».

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 2 من أبواب آداب القاضي، الحديث 1: 156.

(2) المصدر نفسه: الباب 1 من أبواب آداب القاضي، الحديث 1: 155.

(3) الجامع الصغير للسيوطي 2: 146، المغني لابن قدامة 11: 439.

(4) الجامع الصغير للسيوطي 2: 146، المغني لابن قدامة 11: 439.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 72

..........

______________________________

و لأنّ في حال تولي القضاء يكون البيع أو الشراء موجبا لتشويش خاطره خصوصا إذا كان ذلك في مجلس الحكم فإنّه المانع من التوجه بتمام قلبه إلى الخصومة المرفوعة إليه، و لاحتمال أن يقع البيع أو الشراء منه على وجه المحاباة بأن يبيع الآخر المال منه بأقل من قيمته السوقية أو يشتري منه بأكثر منها بحيث يوجب ذلك جلب محبة القاضي و ميله إليه، و قد يحصل الخوف لخصم من يعامل القاضي من ميل القاضي إلى ذلك المعامل فيمتنع عن المرافعة إليه فيكون القاضي موضع التهمة إلى غير ذلك.

و قد عمّم- قدّس سرّه- الحكم فالحق سائر المعاملات بالبيع و الشراء و قال:

بل يكره للقاضي النظر في نفقة عياله و ضيعته و غير ذلك ممّا يشغل قلبه فالأولى للقاضي أن يوكّل من لا يعرفه الغير أنّه وكيله للبيع و الشراء، ثمّ نقل ما روى عن بعض كتب العامة أنّ عليا- عليه السلام- امتنع عن شراء القميص ممن عرفه إلى ان انتهى إلى من لا يعرفه فاشترى منه «1».

أقول: ليس فيما ذكر وجه يصحّ الاعتماد في الحكم بكراهة تولي القاضي البيع و الشراء لنفسه، و إنّما الممنوع ميل القاضي إلى أحد الخصمين للحكم له، كما تشهد لذلك صحيحة أبي حمزة الثمالي، نعم معاملة

القاضي ممن يبيعه أو يشتري منه محاباة لجلب رضاه ليحكم له عند المخاصمة إليه داخل في الرشوة، فيما إذا علم القاضي أنّ بيعه أو الشراء منه كذلك، فلا تجوز له تلك المعاملة لأنّها من الرشوة في الحكم، كما ذكرنا ذلك في المكاسب المحرّمة، و أمّا تولي البيع و الشراء في مجلس الحكم بحيث يوجب تشويش البال فقد تقدم كراهة الحكم حال اشتغال القلب، و هذا داخل فيه سواء أ باع أو اشترى لنفسه أم للغير.

______________________________

(1) السنن للبيهقي 10: 107.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 73

و كذا الحكومة (1) و أن يستعمل الانقباض المانع عن اللحن بالحجّة (2).

______________________________

(1) أي و كذا يكره توليه الحكومة لنفسه بأن يقف مع خصمه عند قاض آخر، بل الأولى أن يوكّل من يرافع مع خصمه عند قاض آخر، و في نهج البلاغة «إنّ للخصومة قحما»، قال ابن أبي الحديد في ذيل هذا الكلام: قالها أمير المؤمنين حين وكّل عبد اللّه بن جعفر في الخصومة عنه، و روى انّه- عليه السلام- وكّل عقيلا في خصومته و قال: انّ للخصومة قحما «1».

أقول: لو تمّ ذلك لم يكن هذا من آداب القاضي، بل يكره لكل خصم تولي الخصومة بنفسه و انّ الأولى التوكيل في المخاصمة إلى القاضي، و قد ورد في بعض الروايات المروية بطرقنا أنّ أمير المؤمنين «2»- عليه السلام- بل قبله النبي «3» صلّى اللّه عليه و آله و سلّم توليا الخصومة بنفسهما، و يقال إنّ ذلك لا ينافي الكراهة و إنّما كان ذلك لبيان بعض الأحكام الشرعية التي أخطأ فيها من نصب قاضيا للناس، كما في قضية درع طلحة أو لغير ذلك من المصالح.

(2) ذكروا أنّ إظهار القاضي الانقباض في وجه

الخصوم المانع عن لحنهم بالحجّة و التفطن بها و تحريرها على وجه الكمال مكروه.

أقول: ينبغي أن يراد من الانقباض ما لم يكن بحيث كان فيه مهانة المؤمنين و التجبّر عليهم، فإنّ هذا أمر في نفسه غير جائز، سواء أ كان من القاضي أم غيره.

و إذا لم يكن كذلك فيمكن أن يقال أنّه لا يجوز للقاضي فعل ما يوجب دهشة

______________________________

(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 19: 260.

(2) الوسائل: ج 18، الباب 14 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 6: 194.

(3) الوسائل: ج 18، الباب 18 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 200.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 74

و كذا يكره اللين الذي لا يؤمن معه جرأة الخصوم، و يكره أن يرتّب للشهادة قوما (1) دون غيرهم، و قيل: يحرم لاستواء العدول في موجب القبول و لأنّ في ذلك مشقة على الناس بما يلحق من كلفة الاقتصار.

______________________________

المترافعين إليه بحيث يغفلان أو يغفل أحدهما عن ذكر ما هو دخيل في الإفصاح عن مورد منازعتهما، فإنّ هذا ينافي مشروعية القضاء و إيصال الحق لأهله و في غير ذلك فلا موجب للكراهة أيضا.

و ممّا ذكرنا يظهر الحال في اللين الخارج عن المتعارف و الموجب لجرأة المتخاصمين على ما فيه نوع مهانة للقاضي أو لقضائه.

(1) لا يخفى أنّ ترتيب قوم للشهادة إن كان بحيث لا تقبل الشهادة من غيرهم حتى مع التمكن من إحراز عدالتهم، فهذا إبطال لحقوق الناس و تضييع لها و قد جعل القضاء لرعاية حقوق الناس و استيفائها، و إن كان المراد أنّه يطلب من الناس أن يجعلوا لمعاملاتهم و حقوقهم شهودا منهم دون غيرهم فالاستجابة لذلك لا لزوم لها على الناس، و لكن لا كراهة فيه فيما

إذا لم يكن في تعيينهم لجعل غيرهم من العدول موضع التهمة، بل كان التعيين لتسهيل أمر القضاء و عدم تأخيره إلى تعديل الشهود، و قيل: إنّ أوّل من رتب للشهادة قوما بعض القضاة من العامّة.

و كيف ما كان فليس مراد الشيخ- قدّس سرّه- من منعه الصورة التي ذكرنا عدم الكراهة فيها أيضا، فلاحظ كلامه المنقول عنه في مبسوطه تجده موافقا لما ذكرنا.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 75

[و هنا مسائل]

اشارة

و هنا مسائل:

[الأولى: الإمام يقضي بعلمه مطلقا و غيره من القضاة يقضي بعلمه]

الأولى: الإمام يقضي بعلمه مطلقا (1) و غيره من القضاة يقضي بعلمه في

______________________________

(1) وجوب اتباع حكم الإمام- عليه السلام- على الرعية و نفوذه بعد كون طاعته سلام اللّه عليه كطاعة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من أصول مذهبنا و لم يخالف فيه أحد منّا، و أمّا جواز قضائه بعلمه فهو أيضا ممّا لا ينبغي التأمّل فيه، فإنّ القضاء المزبور داخل في القضاء بالحق و الحكم بالعدل فيدخل في قوله سبحانه وَ إِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ، و لقول عليّ- عليه السلام- لشريح في قضية درع طلحة: «ويحك- أو: ويلك- انّ إمام المسلمين يؤمن من أمورهم على ما هو أعظم من هذا» «1»، و لقتله- عليه السلام- خصم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قضاء بعلمه «2».

بل يظهر من بعض الروايات المعتبرة أنّ حكم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بعلمه كان مفروغا عنه بين الناس كصحيحة محمّد بن قيس و في خبر حسين بن خالد أو صحيحة عن أبي عبد اللّه- عليه السلام-: «سمعته يقول: الواجب على الإمام إذا نظر إلى رجل يزني أو يشرب الخمر أن يقيم عليه الحدّ و لا يحتاج إلى بيّنة مع نظره لأنّه أمين اللّه في خلقه» «3»، و في ذيله دلالة على أنّ ذلك بالإضافة إلى حقوق اللّه، و أمّا حقوق الناس فاستيفاء الحق فيها يكون بمطالبة صاحبه.

و كيف كان فلا موجب لتطويل الكلام في المقام، و ما نقل السيد- قدّس سرّه- عن أبي علي ابن الجنيد من الخلاف لا يعتنى به، فإنّ خلافه مبني على

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 14 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 6: 194.

(2)

المصدر نفسه: الباب 18 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 200.

(3) المصدر نفسه: الباب 32 من أبواب مقدمات الحدود، الحديث 3: 344.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 76

حقوق الناس و في حقوق اللّه سبحانه على قولين أصحّهما القضاء (1)، و يجوز أن يحكم في ذلك كلّه من غير حضور شاهد يشهد الحكم.

______________________________

اجتهاده المخدوش، و هو انّ اللّه سبحانه قد أوجب للمؤمنين حقوقا لم تثبت بينهم و بين الكفار و المرتدين كالمناكح و المواريث و الذبائح و غير ذلك و وجدنا اللّه تعالى قد أطلع نبيّه على من يبطن الكفر و يظهر الإسلام فكان يعلمه و لم يبيّن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أحوال هؤلاء الأشخاص لسائر المؤمنين ليمتنعوا عن مناكحتهم و إرثهم و ذبائحهم إلى غير ذلك.

و وجه الخدشة أنّ الكفر باطنا لا يمنع عن الحكم بالإسلام، فإنّ الموضوع لترتيب الحقوق المزبورة هو الاعتراف بالشهادتين من غير إظهار الخلاف بتكذيب نفسه في اعترافه.

(1) صريح كلام السيد- قدّس سرّه- جواز الحكم من الحاكم بعلمه في حقوق الناس عند الإمامية و لو من غير الإمام- عليه السلام-، حيث ذكر في الجواب عن الإشكال بأنّه كيف تدعون الإجماع على جواز الحكم مع أنّ أبا علي ابن الجنيد يصرح بالخلاف، بأنّ خلاف ابن الجنيد لاجتهاد مخدوش و انّه لا يخفى اتّفاق الإمامية على الإنكار على أبي بكر، حيث طلب البيّنة من الزهراء- سلام اللّه عليها- على دعواها بأنّ فدك نحلة أبيها مع علمه بصدقها لعصمتها- سلام اللّه عليها.

و المتحصل جواز قضاء غير النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و غير الإمام- عليه السلام- بعلمه في حقوق الناس أيضا من القطعيات في كلمات جملة من

الأصحاب، و قد نقل الإجماع عليه و على جوازه في حقوق اللّه في الانتصار و الخلاف و الغنية و السرائر.

و على كلّ حال يقع الكلام في المقام في جواز الحكم من القاضي بعلمه تكليفا، و في نفوذ ذلك الحكم على المتخاصمين و غيرهما وضعا، و أنّه يجوز

أسس القضاء و الشهادة، ص: 77

..........

______________________________

للقاضي اجراء حدود اللّه على مرتكبي موجباتها فيما إذا كان ثبوتها بعلمه، و الكلام في الأولين فيما إذا كانت المخاصمة في الموضوعات، و أمّا فيما إذا كان من الشبهات الحكمية فلا كلام في جواز الحكم و نفوذه على ما تقدم سابقا.

فنقول: الحكم بعلمه في حقوق الناس داخل في الحكم بالعدل و القضاء بالقسط فيجوز بل ينفذ لإطلاق قوله- عليه السلام-: جعلته حاكما أو قاضيا، بعد عدم الدليل على تقييد ذلك بكون الحكم بغير علم و كذا الحال فيما إذا كان حكمه في حدود اللّه أخذا بقوله سبحانه الزّٰانِيَةُ وَ الزّٰانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وٰاحِدٍ مِنْهُمٰا مِائَةَ جَلْدَةٍ «1» و غيره بعد كون الخطاب للحكّام على ما يأتي.

و ما يقال في المقام في وجه المنع إمّا راجع إلى عدم جواز الحكم من القاضي بعلمه كما قيل بأنّ الحكم بعلمه يجعل القاضي موضع التهمة، و إمّا راجع إلى الحكم الوضعي بدعوى أنّ الطريق المألوف في القضاء في حقوق الناس و غيرها غير علمه، كما يستفاد ذلك من صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّه- عليه السلام- «قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: إنّما أقضي بينكم بالبيّنات و الأيمان» «2»، و ما ورد في الرجل الذي رأى الفجور بزوجته «3».

و لكن شيئا من ذلك لا يصلح مانعا، فإنّ قضيته جعل

الحاكم موضع التهمة، فلا مورد لها فيما إذا عرف القاضي بالديانة و تعصّبه في دين اللّه، بل مطلقا بعد عرفان عدالته، و إلّا لكان تعديله الشاهد بعلمه أو تجريحه غير جائز للتهمة الموهومة، مع أنّ الظاهر عدم الخلاف و المناقشة في مسألة جرحه و تعديله بل

______________________________

(1) النور: 2.

(2) الوسائل: ج 18، الباب 2 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 169.

(3) الوسائل: ج 18، الباب 45 من أبواب حد الزنا، الحديث 1: 413.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 78

..........

______________________________

لا بدّ من انتهائهما بعلمه كما لا يخفى.

و أمّا قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّما أقضي بينكم»، فقد تقدم جواز قضاء النبي بعلمه و وقوعه، و قضايا مولانا أمير المؤمنين- عليه السلام- مشهورة معروفة عند العوام فضلا عن الخواص، فيكون الحصر في الصحيحة غالبيا، و الصحيحة ناظرة إلى عدم تغير الواقع بحكمه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم على طبق البينات و الأيمان كما يشهد بذلك ذيلها، و قد يكون القضاء باعتراف الخصم و إقراره، مع أنّ الحكم به لا يكون داخلا في شي ء من البينة و الأيمان.

أضف إلى ذلك احتمال كون البينة في الصحيحة بمعناها اللغوي، فتعمّ علم القاضي كما يفصح عن ذلك غير واحد من الآيات كقوله سبحانه قُلْ إِنِّي عَلىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي «1» و قوله فَقَدْ جٰاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ «2» و أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي* «3» إلى غير ذلك مما استعمل فيه البينة بمعنى موضح الواقع و الأمر و الحق.

لا يقال: لا يحتمل كون البينة في الصحيحة بالمعنى اللغوي، و إلّا لم يصح إفراد الأيمان عن البينات حيث إنّ الأيمان أيضا من موضح الحق

و الواقع.

فإنّه يقال: عطف الأيمان على البينات لا ينافي كونها بمعنى موضحات الأمر حيث إنّ البيّنة ظاهرها موضح الأمر، و الواقع مع قطع النظر عن مقام القضاء و لا يكون الأيمان كذلك فإنّها موضحات بلحاظ مقام القضاء في حقوق الناس،

______________________________

(1) الأنعام: 57.

(2) الأنعام: 157.

(3) هود: 28.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 79

..........

______________________________

و ما ورد فيمن رأى الفجور بزوجته ناظر إلى عدم جواز اجراء الحدّ لغير الحاكم، و أنّه لا بدّ من ثبوت الفجور عنده، نعم يمكن أن يستفاد منه أنّه لا بأس بالرجل أن يقتل من فجر بامرأته بعد ثبوته عند الحاكم.

و على الجملة فليس في البين ما يمنع عن القضاء بالعلم بأن يكون له طريق مألوف لا يدخل فيه علم القاضي بل اعتبار البيّنة في حق القاضي العالم بالحق و الواقع غير ممكن.

و ما يقال بأنّه: لا يجوز الحكم في حقوق اللّه بالعلم لأنّ حقوق اللّه مبتنية على المسامحة، و يدل عليها ما روي عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في قضية الملاعنة: «و لو كنت راجما بغير بينة لرجمتها» «1»، و لذا حكى عن بعض اختصاص الجواز بحقوق الناس، لا يمكن المساعدة عليه فإنّه لم يثبت في حقوق اللّه إلّا أنّ للقاضي المنع من ثبوت موجب الحدّ باعتراف المرتكب، لا أنّ علم القاضي لا يكون طريقا لثبوته.

و ربّما يستدل على جواز القضاء بالعلم بأنّه إذا طلق الرجل امرأته عند القاضي ثلاث مرات بحيث لا يجوز له الرجوع إليها إلّا بعد النكاح من المحلّل، ثم جحد الرجل الطلاق و لم تتمكن زوجته من اقامة الشهادة على طلاقها كذلك فإنّه يتوجه اليمين إلى الزوج، فإنّ حكم الحاكم المزبور بكون المرأة زوجته فهذا

حكم بالباطل و الزور، و إن لم يحكم بشي ء لزم ترك القضاء، و قد تقدم وجوبه عينا أو كفاية، فيتعين القضاء بعلمه و إن ترك القضاء بالعلم مستلزم لعدم إنكار المنكر و عدم وجوب إظهار الحق مع إمكانه. و إذا لم يجز ذلك يتعين الحكم بعلمه.

أقول: يمكن المناقشة فيما ذكر بأنّه لو ثبت انحصار طريق القضاء

______________________________

(1) سنن البيهقي 7: 407.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 80

..........

______________________________

بالبينة و الحلف و الإقرار يمكن للقاضي العالم بحقيقة الحال أحد أمرين:

الأوّل: ان يحوّل الواقعة إلى قاض آخر، و يحضر عنده ليشهد بما علمه من أمر الطلاق أو غيره، إذا كان معه شاهد آخر.

________________________________________

تبريزى، جواد بن على، أسس القضاء و الشهادة، در يك جلد، دفتر مؤلف، قم - ايران، اول، ه ق

أسس القضاء و الشهادة؛ ص: 80

الثاني: أن يأمر الزوج باعترافه بالطلاق و التوبة و الرجوع عن إنكاره، و يعزّره على كذبه و إنكاره، حتى يعترف بالحال، و نذكر ان شاء اللّه تعالى انّ ما يذكر من أنّ الإقرار بالإكراه لا يكون نافذا لا يشمل الفرض ممّا يعلم القاضي انّ إقراره و لو بإكراهه مطابق للواقع.

و قد يقال في وجه عدم جواز القضاء بالعلم: بأنّ العلم إنّما يكون طريقا بالذات إلى متعلّقه بالإضافة إلى العالم، فيكون علم القاضي طريقا إلى الواقع بالإضافة إلى نفسه، و جواز القضاء ليس من أثر الواقع، بل أثر إحرازه كما يفصح عن ذلك قوله- عليه السلام- في تقسيم القضاة: «رجل قضى بالحق و هو يعلم» «1»، و قوله- عليه السلام-: «من أفتى الناس بغير علم لعنته ملائكة السماء» «2» لعدم احتمال الفرق بين الإفتاء و القضاء من هذه الجهة، و إذا كان إحراز

الواقع موضوعا لجواز القضاء فيمكن أن يختص الموضوع بما إذا كان الإحراز بالبينة أو الحلف، كما هو مقتضى قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّما أقضي بينكم بالبينات و الأيمان»، و لا يمكن التعدي إلى العلم بالقضاء بعلمه الوجداني، فضلا عن دعوى الأولوية لاحتمال الخصوصية في البيّنة لكونها طريقا إلى الواقع مطلقا لا بالإضافة إلى شخص دون شخص، بخلاف العلم، فإنّه طريق بالإضافة إلى العالم فقط أضف إلى ذلك ما تقدم من أنّ القضاء بعلمه يجعله موضع التهمة.

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 4 من أبواب صفات القاضي، الحديث 6: 11.

(2) الوسائل: ج 18، الباب 4 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1: 9.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 81

..........

______________________________

أقول: كون الموضوع لجواز القضاء و الإفتاء إحراز الواقع لا نفس ثبوت الشي ء واقعا صحيح، لكن هذا لا يمنع عن حكمه بعلمه فكما انّ علمه طريق إلى الواقع بالإضافة كذلك البينة في موارد قضائه بها و إلّا ربّما يكون كل من المتخاصمين جازما بما يدعي أو ينكر فلا يكون اعتبار بالبينة بالإضافة إليهما، و أمّا دلالة الحصر فقد تقدم أنّه إضافي و قد ذكر للدلالة على تغيّر الواقع بالقضاء بها أو بالحلف كما تقدم الجواب عن كون القضاء بالعلم يجعل القاضي موضع التهمة، كما في موارد قضائه في اختلاف المترافعين في واقعة لاختلافهما في الحكم الشرعي لكلي تلك الواقعة فتدبر.

و بتعبير آخر كما أنّ حكم القاضي في موارد اختلاف المتخاصمين في حكم كلي الواقعة لا يكون بالبينة و اليمين كذلك في مورد اختلافهما في الموضوع مع علم القاضي بواقع الأمر، حيث إنّ القاضي في موارد عدم علمه بواقع الأمر عند اختلافهما في الموضوع يتمسّك بالحجّة المعتبرة

في حق الشاك، و يجعل من يكون قوله موافقا لتلك الحجّة المعتبرة المدعى عليه و من يكون قوله مخالفا لها المدعى فيطلب من الثاني البينة و مع عدمها تصل النوبة إلى طلب الحلف من المدّعى عليه، و مع علم القاضي بالواقع لا تكون لتلك الحجّة موضوعا، بل يكون قضاؤه في الواقعة بإحرازه الصغرى و الكبرى كما في موارد الخصومة للاختلاف في حكم كلّيها فيعمه قضائه فيها ما دلّ على مشروعية القضاء بالسنّة العادلة كما لا يخفى.

ثمّ إنّه قد ذكر في المسالك انّه بناء على عدم جواز قضاء القاضي بعلمه يستثني موارد: منها تزكية الشهود و جرحهم لئلا يلزم الدور أو التسلسل، و منها الإقرار في مجلس القضاء و ان لم يسمع ذلك الإقرار غير القاضي، بل قد يقال باستثناء إقرار الخصم مطلقا و لو لم يكن في مجلس القضاء، و منها العلم بخطإ

أسس القضاء و الشهادة، ص: 82

[الثانية: إذا أقام المدعي بينة و لم يعرف الحاكم عدالتهما]

الثانية: إذا أقام المدعي بينة و لم يعرف الحاكم عدالتهما فالتمس المدعي حبس المنكر ليعدّلهما، قال الشيخ- ره-: يجوز حبسه (1) لقيام البينة بما ادعاه، و فيه

______________________________

الشهود و كذبهم، و منها أن يشهد مع الحاكم آخر فإنّه لا يقصر الحاكم عن شاهد، و منها تعزير من أساء أدبه في مجلسه، و إن لم يعلم به غيره.

أقول: أمّا قضية التعديل و الجرح فقد تقدم الكلام فيه، و انّ القاضي يعمل فيهما على طبق علمه لا محالة، و تقدم أيضا أنّ علمه بإقرار الخصم سواء أ كان في مجلس القضاء أم غيره موجب للحكم، و يظهر ذلك من بعض الروايات، خصوصا الواردة في ثبوت بعض موجبات الحدود، و كذلك الحال في علمه بخطإ الشهود أو كذبهم.

و أمّا

أنّ الحاكم يحسب شاهدا و انّه إذا شهد معه آخر يجوز الحكم فلا يمكن المساعدة عليه فيما إذا كان المراد ان يقضي بشهادته مع آخر، لأنّ ظاهر الأدلة كون الشاهدين غير القاضي، و خروج القاضي عن الشاهدين كخروج المدّعي و المدّعى عليه عنهما.

(1) إذا أقام المدّعي بدين له على غيره شاهدين و لم يعرف الحاكم عدالتهما، و احتاج المدّعي إلى إثبات عدالتهما، فالتمس من الحاكم حبس المدّعى عليه حتى تثبت عدالتهما، قال الشيخ- قدّس سرّه-: يجوز للحاكم الإجابة بحبس المدعى عليه لقيام البيّنة بدعواه، و استشكل الماتن- قدّس سرّه- بأنّه لم يثبت بشهادتهما الدين ليحبس المديون لأدائه أو ثبوت إعساره.

و بتعبير آخر إنّما يجوز حبس المديون بالدين الحال عليه ليؤديه أو يحرز عسرة كما يدل على ذلك مثل موثقة غياث بن إبراهيم عن جعفر عن أبيه: «أنّ عليا- عليه السلام- كان يحبس في الدين فإذا تبيّن له حاجة و إفلاس خلّى سبيله حتى

أسس القضاء و الشهادة، ص: 83

اشكال من حيث لم يثبت بتلك البينة حق يوجب العقوبة.

______________________________

يستفيد مالا» «1»، و إذا لم يثبت الدين فلا موجب لجواز حبسه بعد كون الأصل براءة ذمة المدعى عليه.

و وجّه في الجواهر كلام الشيخ بأنّه يرى ثبوت الدين بالبيّنة التي لم يعرف فسقها، و إن جاز للحاكم طلب المدّعي بتزكية الشاهدين لاسترابته أو التماس الغريم أو للاستظهار أو نحو ذلك، ثمّ قال: إنّ المعتبر في الشاهد العدالة، و لا يكفي مجرّد عدم ظهور الفسق، و انّه ما لم يثبت الدين فلا يجوز حبس المدعى عليه و لا مطالبة الكفيل.

و فيه: إن توجيه كلام الشيخ بما ذكر لا يرجع إلى محصّل. فإنّه لو كان الأصل في الشاهد العدالة

أو أنّ المعتبر في الشهادة عدم ظهور فسق الشاهد لا يكون للحاكم مطالبة المدعي بتزكية الشاهدين و إثبات حالهما واقعا، فإنّ طلب ذلك منه يكون كطلبه بإثبات نسبهما و غير ذلك من الأمور الراجعة إليهما، ممّا لا يجب على المدّعى الاستجابة لطلبه.

و أمّا ما ذكره- قدّس سرّه- من أنّه ما دام لم يثبت الدين لم يجز مطالبة المدعي عليه بالكفيل، فلا يمكن المساعدة عليه فإنّ مطالبته بالكفيل لا تتوقّف على ثبوت الدين، بل يجوز مطالبة الكفيل من المدعى عليه ليحضر مجلس الحكم لانهاء المخاصمة و فصلها سواء أ كان الحكم فيه بثبوت الحق أم براءة المدعي عليه و قد اعترف- ره- في باب الكفالة بمشروعيتها في الحقوق و منها حق الدعوى، و لعلّ مراده في المقام عدم جواز مطالبة الكفيل بالدين لا بحق الدعوى.

______________________________

(1) الوسائل: 13، الباب 7 من أبواب الحجر، الحديث 1: 148.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 84

[الثالثة: لو قضى الحاكم على غريم بضمان مال و أمر بحبسه]

الثالثة: لو قضى الحاكم على غريم بضمان مال و أمر بحبسه، فعند حضور الحاكم الثاني ينظر (1) فإن كان الحكم موافقا للحق الزم و إلّا أبطله، سواء كان مستند الحكم قطعيا أو اجتهاديا، و كذا كل حكم قضى به الأوّل و بان للثاني فيه

______________________________

(1) ذكر- قدّس سرّه- في المسألة أمورا ثلاثة:

الأوّل: إنّ الحاكم الأوّل إذا حكم على أحد بضمان مال و حبسه لاستيفاء المال يجب على الحاكم الثاني النظر في أمر المحبوس، فإن كان الحكم الأوّل حقّا ألزم عليه المال، و إن لم يكن حقّا أبطل الحكم الأوّل و خلّى سبيل المحبوس سواء أ كان مستند حكم الحاكم الثاني قطعيا أم اجتهادا.

الثاني: إنّه إذا حكم الحاكم الأوّل بحكم و فصل الخصومة في واقعة لا يجب

على الثاني النظر فيها، و لكن لو نظر و بان له خطأ الأوّل في حكمه أبطله.

الثالث: إنّه لو حكم هو بنفسه في واقعة بحكم ثم بان له خطائه في حكمه نقضه و يستأنف الحكم فيها بما يراه حقّا.

و قد ذكر في الجواهر في ذيل الأمر الأوّل انّه و ان جزم بوجوب النظر في المسالك بل يظهر من عباراتهم عند تعرضهم لكون النظر في المحبوسين من آداب القاضي تسالمهم عليه، إلّا أنّه مع ذلك يشكل وجوب النظر لنفوذ القضاء الأوّل و يعمّه ما دلّ على عدم جواز ردّه و يحمل على الصحيح، فيكون حبس الحاكم الثاني و استيفاء المال منه نظير التصرّف في المال الذي أخذه الشخص المزبور بحكم الحاكم الأوّل في أنّه لا يجب النظر في أمر ذلك المال و التفتيش عن صحّة الحكم الأوّل، بل لا يجوز النظر مع امتناع المحكوم له عن المرافعة عنده، لكن الأقوى عدم البأس بتجديد المرافعة مع تراضيهما، و ينفذ الحكم الثاني و لو كان مستنده اجتهادا.

أقول: إذا تحقق الحكم من الحاكم الأوّل على طبق موازين القضاء

أسس القضاء و الشهادة، ص: 85

الخطأ فإنّه ينقضه، و كذا لو حكم هو ثمّ تبين الخطاء فإنّه يبطل الأوّل و يستأنف الحكم بما علمه حقا.

______________________________

عنده يعمّه ما دلّ على نفوذ الحكم، فيجوز للحاكم الثاني تنفيذ ذلك الحكم فيما إذا لم ينفذه الحاكم الأوّل و يكون تنفيذه لكونه عملا بالحكم المزبور الذي يعمّه خطاب النفوذ، بل لا يجوز له إيقافه، فإنّ إيقاف تنفيذه ردّ للحكم المشروع، نعم يجوز للثاني النظر في تلك الواقعة تكليفا فيما إذا رضي المحكوم له بالحضور، و لكن لا يكون الحكم من الثاني بخلاف الأوّل مشروعا و نافذا

إلّا إذا تبيّن للحاكم الثاني خطأ الأوّل بأن ظهر له عدم رعاية الأوّل موازين القضاء، كما إذا كان في المسألة دليل بحيث لا يقبل الاجتهاد على خلافه و لا يكون الحكم المزبور إلّا بالتقصير و عدم رعاية موازين القضاء، فإنّ في هذا الفرض ينقض ذلك الحكم و لا يجوز له تنفيذه لأنّ الحكم المزبور ليس من حكمهم، بل حكم بالجور و الباطل حتى و لو احتمل مطابقته للحكم الواقعي.

نعم إحراز التقصير في القضاء و الغفلة عن موازين القضاء لا يتيسّر غالبا إلّا فيما كان في البين مثل الدلالة القطعية التي يصل إليها الفاحص بالفحص القليل، أو يكون من الحاكم الأوّل الغفلة الظاهرة في ملاحظة موازين القضاء، بحيث لا يحتمل الاجتهاد على خلافها.

و ممّا ذكرنا يظهر أنّه لا يسقط نفوذ القضاء الأوّل و لو بتراضي المتخاصمين إلّا فيما ذكرنا و عدم النفوذ فيه لا يحتاج إلى رضاهما كما لا يخفى، كما ظهر أنّ على الحاكم الثاني تنفيذ ما حكم به الحاكم الأوّل في موارد نفوذه، حيث إنّ مقتضى ما دلّ على نفوذه عدم الفرق بين المتخاصمين و الحاكم الثاني.

و على الجملة نظر الحاكم الثاني لا اعتبار به في الواقعة التي انتهت الخصومة فيها بالحكم من الحاكم الأوّل أو بالحكم منه أوّلا.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 86

[الرابعة: ليس على الحاكم تتبّع حكم من كان قبله]

الرابعة: ليس على الحاكم تتبّع حكم من كان قبله لكن لو زعم المحكوم عليه أنّ الأوّل حكم عليه بالجور لزمه النظر فيه (1)، و كذا لو ثبت عنده ما يبطل

______________________________

(1) ذكر في المسألة أمورا ثلاثة:

الأوّل: عدم وجوب النظر على الحاكم الثاني في القضاء الصادر عن الحاكم الأوّل.

الثاني: انّه لو ادّعى المحكوم عليه بقضاء الحاكم السابق جوره عليه في قضائه

وجب على الثاني النظر في قضائه.

الثالث: انّ كل حكم من الحاكم السابق ينقض على تقدير ظهور خطائه في قضائه للحاكم الثاني، من غير فرق بين حقوق الناس و حقوق اللّه، مشيرا إلى خلاف بعض في حقوق الناس، حيث قالوا انّ النقض في حقوق الناس يحتاج إلى مطالبة المستحق.

و ذكر في الجواهر في وجه الأمر الأوّل انّ عدم وجوب النظر على الحاكم الثاني مقتضى حمل قضاء الحاكم الأوّل على الصحّة.

أقول: ما تقدم من الماتن- قدّس سرّه- من وجوب النظر في أمر المحبوس بالقضاء من الحاكم السابق لا ينافي ما ذكر في المسألة من عدم وجوب النظر على الحاكم الثاني، في حكم القاضي الأوّل، و ذلك فإنّ وجوب النظر في أمر المحبوس باعتبار انّ استيفاء الدين منه يتوقف على ثبوت الحق عليه عند الحاكم الثاني، و لذا يجب النظر في أمره، حيث إنّ مجرّد ثبوت الحق عند القاضي الأوّل لا يوجب كون الثاني وليا على الاستيفاء، بخلاف ما ذكر في هذه المسألة فإنّ المفروض فيها انتهاء الواقعة السابقة حكما و استيفاء، و لكن قد عرفت ما في الفرق

أسس القضاء و الشهادة، ص: 87

حكم الأوّل أبطله، سواء كان من حقوق اللّه تعالى أو حقوق الناس.

______________________________

فلا نعيد.

و أمّا ما ذكر صاحب الجواهر- قدّس سرّه- في وجه عدم وجوب النظر على الحاكم الثاني، فيمكن أن يقال بعدم الحاجة إلى إجراء أصالة الصحّة في القضاء السابق، بل لو لم تكن أصالة الصحّة فيه لما كان النظر فيه واجبا على الحاكم اللاحق، لأنّ العمدة في وجوب النظر و القضاء هو وجوب القيام بأمر إنهاء المنازعة بين الناس و استيفاء الحقوق لذويها ممّن عليه، و لذا ذكرنا سابقا أنه لو أمكن

فصل الخصومة بترغيب المتخاصمين بالمصالحة لما وجب القضاء.

و عليه فالوقائع السابقة التي انتهت المخاصمة فيها بالقضاء النافذ بين المتخاصمين فالقضاء فيها خارج عن وظيفة القاضي الثاني، سواء أ كان قضاؤه فيها صحيحا أم خطأ عنده، و لذا ذكرنا انّه لا يجوز له نقض حكمه و انّ حكمه نافذ حتى على القاضي الثاني.

نعم لو نظر و وجد حكمه بغير ما أنزل اللّه و بغير موازين القضاء من جهة تقصيره يجوز له النقض بل يجب، و لعلّ مراده- قدّس سرّه- من الحمل على الصحّة نفي هذا القسم من الفساد، هذا بالإضافة إلى المخاصمات.

و أمّا بالإضافة إلى حقوق اللّه و الحدود فليس فيها إلّا أنّ للحاكم إجرائها بعد ثبوت موجباتها عنده، و لا دليل على نفوذ قضائه و حكمه فيها بالثبوت أو النفي، و عليه فان أراد الحاكم اجراء الحدّ على من حكم الأوّل بثبوت موجبه في حقّه فاللازم عليه إحراز ثبوته.

اللّهم إلّا أن يقال: انّ الحكم بثبوت الموجب من شؤون القاضي و لو لم

أسس القضاء و الشهادة، ص: 88

..........

______________________________

يكن حكمه بالثبوت نافذا في حق الغير لما جاز للحداد اجراء الحدّ بأمر القاضي إلّا مع إحرازه ثبوت الموجب.

و ذكر في وجه الأمر الثاني: انّ دعوى المحكوم عليه بأنّ الحاكم السابق قد حكم عليه بالجور مسموعة فإنّه يعمه قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «البينة على المدعي و اليمين على المدعى عليه» «1»، من غير ان يكون في البين ما يوجب رفع اليد عن العموم.

لا يقال: دعوى الجور على القاضي الأوّل و كذا استئناف القضاء في تلك الواقعة ردّ على القاضي الأوّل فلا يجوز، و أيضا لو جاز دعوى الجور على القاضي الأوّل لجاز دعواه

في قضاء الأخير أيضا، و هذا سدّ لباب فصل الخصومة بالقضاء، و القول بأنّ دعوى القضاء بالجور تسمع فيما إذا كانت الدعوى بعد عزل القاضي الأوّل بحيث تكون الدعوى عليه بعد انقضاء ولايته على الحكم نظير دعوى المولى عليه بعد بلوغه على وليّه بالإضافة إلى بعض ما وقع أيام ولايته، لا يمكن المساعدة عليه، فإنّه لو كان السماع ردّا للقضاء فلا يجوز قبل العزل و بعده، و إن لم يكن ردّا فلا وجه لعدم سماعه حتى على القاضي الأخير أيضا، مع أنّ مسألة العزل لا تجري بالإضافة إلى من كان قضاؤه بالنصب العام.

و الظاهر أنّه ليس بردّ، فإن منصرف الرد إنكار الحكم على القاضي عملا مع كون قضائه على الموازين، و لا يعمّ ما إذا كانت الدعوى خطأه و خروجه عن موازين القضاء في قضائه.

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 3 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 5: 171.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 89

[الخامسة: إذا ادّعى رجل أنّ المعزول قضى عليه بشهادة فاسقين وجب إحضاره]

الخامسة: إذا ادّعى رجل أنّ المعزول قضى عليه بشهادة فاسقين وجب إحضاره (1) و إن لم يقم المدّعي بينة، فإن حضر و اعترف به ألزم، و إن قال: لم أحكم إلّا بشهادة عدلين قال الشيخ: يكلّف البينة لأنّه اعترف بنقل المال و هو يدّعي بما يزيل الضمان عنه، و يشكل بما أنّ الظاهر استظهار الحكام في أحكامهم فيكون القول قوله مع يمينه لأنّه يدعي الظاهر.

______________________________

(1) حاصل ما ذكره- قدّس سرّه- في المسألة أنّ دعوى المحكوم عليه عند الحاكم الثاني بأنّ الحاكم الأوّل قد حكم عليه بشهادة فاسقين مسموعة سواء أقام بينة على دعواه أم لا، فإنّه ليس من شرط سماع الدعوى إقامة البيّنة بها، و لا خصوصية للمقام ليمتاز بها عن سائر

الدعاوي.

و على ذلك فعلى الحاكم الفعلي إحضار الحاكم الأوّل، فإن اعترف بما يدعيه المحكوم عليه ألزم بالمال إن أخذه أو استوفى بحكمه و إن لم يعترف بأنّ ذكر أنّه لم يحكم إلّا بشهادة العدلين، فقال الشيخ- قدّس سرّه-: يكلّف الحاكم المزبور بإقامة البيّنة بما ذكره لأنّه يعترف بأخذ المال من المحكوم عليه و يدعى عدم ضمانه في ذلك، و يلزم على ذلك انّه لو لم يقم البيّنة يحلف المحكوم عليه و يلزم الحاكم بضمان المال.

و لكن مقتضى أصالة الصحّة في حكمه تجعله منكرا، فعلى المحكوم عليه المدعى إقامة البيّنة بما يدعيه، و لعل هذا هو المراد من قول الماتن- قدّس سرّه-:

إنّ الظاهر استظهار الحكّام في أحكامهم، و أيضا إلزام الحاكم بالمال مع اعترافه ينحصر بما إذا كان اعترافه بما يوجب الضمان، كما إذا اعترف بأنّه حكم مع علمه بفسق الشاهدين أو عدم إحرازه عدالتهما.

و ممّا ذكرنا يظهر أنّه تسمع دعوى المحكوم عليه على القاضي الأوّل، فيما إذا ادّعى أنّه حكم عليه بشهادة الفاسقين مع علمه بفسقهما أو عدم إحرازه

أسس القضاء و الشهادة، ص: 90

[السادسة: إذا افتقر الحاكم إلى مترجم لم يقبل إلّا شاهدان عدلان]

السادسة: إذا افتقر الحاكم إلى مترجم لم يقبل إلّا شاهدان عدلان (1) و لا يقنع

______________________________

عدالتهما، فإنّه في هذا الفرض لو اعترف القاضي بما يدعيه الزم بالمال و يمكن للمحكوم عليه المخاصمة مع المحكوم له أيضا فيما إذا ادّعى أنّه كان يعلم بأنّ حكم القاضي بشهادة فاسقين أو بشهادة من لم يكن عدالتهما محرزا له عند حكمه، و في غير ذلك لا مورد لسماع الدعوى، و اللّه سبحانه هو العالم.

(1) ذكر- قدّس سرّه- أنّه لو احتاج الحاكم إلى مترجم يعتبر التعدد فيه بأن يكونا رجلين عدلين لا يكتفي بالعدل الواحد،

لأنّ كفاية المتعدد متفق عليه و كفاية الواحد غير محرز. و ربّما يقال بأنّ كفاية الواحد و عدمها مبنيان على كون الترجمة من قسم الشهادة أو من قبيل الرواية فيعتبر التعدد على الأوّل و يكتفي بالواحد على الثاني.

فالعمدة التكلّم في المائز بين الشهادة و الخبر ليرى دخول الترجمة في أيّ منهما، و قد قيل انّ الشهادة قسم من الخبر و كل مورد ثبت فيه اعتبار التعدد فيؤخذ فيه التعدد و في غيره يكتفي بالواحد كما هو مقتضى ما دلّ على اعتبار خبر العدل.

و أورد على ذلك في الجواهر بأنّ الرواية غير الشهادة في العرف و ليس للشارع حقيقة شرعية و لا يكون اعتبار التعدد و عدمه مائزا بينهما عند العرف بحيث يكون إطلاق الشهادة دائرا مدار اعتباره، و انّ الظاهر دخول الترجمة في الشهادة بعضا كما أنّها قد تكون رواية، فإنّه إن كان المقصود من الترجمة إثبات ما يترتب عليه حكم الحاكم كشهادة الشاهد فتكون شهادة كالشهادة بالبيع أو النكاح أو الزنا و شرب الخمر فيعتبر التعدد.

و أمّا إذا كان المقصود ترجمة دعوى المدّعى أو جواب المدّعى عليه و نحو ذلك، كترجمة فتوى المفتي لمقلديه أو ترجمة سؤال السائل عن المجتهد فيكتفي

أسس القضاء و الشهادة، ص: 91

بالواحد عملا بالمتفق عليه.

______________________________

فيه بالواحد، و على الجملة الميزان في تمييز أفراد الشهادة عن أفراد الرواية المقابلة في العرف فما كان من الأوّل يعتبر فيه التعدد، و في غيره يكتفى بالواحد أخذا بقوله سبحانه وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ «1» في الأوّل و بما دلّ على اعتبار خبر العدل في الثاني، و لو اشتبه فرد بينهما فيلحق بالشهادة عملا بالمتفق عليه، و لا دلالة لآية النبإ على

اعتبار قول العدل و نبئه مطلقا بحيث لا يعتبر فيه التعدد لأنّ غاية مدلولها عدم اعتبار التبيّن فيه في مقابل اعتباره في العمل على نبأ الفاسق، و من الظاهر عدم منافاة ذلك مع اعتبار التعدد كما هو مورد نزول الآية.

ثم ذكر في آخر كلامه- قدّس سرّه- أنّه يمكن أن يقال باعتبار التعدد في كل ما له دخل في القضاء أخذا بقوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّما أقضي بينكم بالبينات»، و قوله- عليه السلام-: «استخراج الحقوق بشهادة رجلين- إلخ» «2»، و على ذلك فيعتبر في الترجمة التعدد لا باعتبار أنّها ترجمة، بل من حيث إنّها ترجمة للشهادة أو دعوى المدعي أو اعتراف الخصم إلى غير ذلك ممّا له دخل في موضوع القضاء- انتهى.

أقول: لا ينبغي التأمّل في أنّ الشهادة قسم من الخبر، فإنّ الشاهد يخبر بالواقعة الخارجية فيكون راويا و مخبرا بها، و لكن يعتبر حضوره الواقعة التي يخبر بها، و لو كان حضور الواقعة بمشاهدتها يعتبر المشاهدة، و فيما كان الحضور لها بسماعها يعتبر سماعها إلى غير ذلك و الاستعمالات الشائعة في الكتاب المجيد و غيره، مثل قوله سبحانه وَ لْيَشْهَدْ عَذٰابَهُمٰا طٰائِفَةٌ «3» و

______________________________

(1) الطلاق: 2.

(2) الوسائل: ج 18، الباب 7 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 4: 176.

(3) النور: 2.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 92

..........

______________________________

مٰا كُنْتُ قٰاطِعَةً أَمْراً حَتّٰى تَشْهَدُونِ «1» و أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ «2» إلى غير ذلك تفصح عن اعتبار الحضور و الاخبار عن حس.

و ليس المراد انّ الشهادة لا تستعمل في الخبر بالشي ء بمجرّد الاعتقاد و العلم كقول القائل: أشهد ان لا إله إلّا اللّه و نحوه، بل المراد انصراف الشهادة إلى ما ذكر من

قسم الخبر، و يعتبر في الخبر بالشي ء العلم به، و إلّا لدخل القول المزبور في الكذب أو في مثل قوله سبحانه لٰا تَقْفُ مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ «3» إلّا أنّ مجرّد العلم و إحراز الشي ء لا يوجب دخول الخبر به في عنوان الشهادة به، بل يعتبر في صدقها العلم بالواقعة بحضورها.

فكل واقعة اعتبر في ثبوتها الشهادة يعتبر في المخبر بها التعدد و العلم بها حسيا، و فيما لا يثبت فيه إلّا اعتبار خبر العدل و الثقة يعتبر الخبر بها سواء أ كان بحسّ الواقعة أم الاخبار بها مع الواسطة. و لا يعتبر الخبر فيما كان المنشأ للعلم مجرّد الحدس إلّا فيما إذا اندرج الخبر المزبور في قول أهل الخبرة.

ثمّ لا يخفى أنّ المترجم لا يشهد بالواقعة التي شهد بها الشاهدان، لأنّه لم يحضر تلك الواقعة و تقبل ترجمة العدلين شهود الزنا، و لا تكون أيضا من الشهادة على الشهادة، حيث إنّ الترجمة تقبل في الشهادة بحدود اللّه مع أنّه لا يسمع في الحدود الشهادة على الشهادة، بل الترجمة تفسير لشهادة الشاهد و الإتيان بالمرادف لكلامهما.

______________________________

(1) النمل: 32.

(2) الطلاق: 2.

(3) الإسراء: 36.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 93

[السابعة: إذا اتخذ القاضي كاتبا وجب أن يكون بالغا عاقلا مسلما عدلا]

السابعة: إذا اتخذ القاضي كاتبا وجب أن يكون بالغا عاقلا مسلما عدلا بصيرا ليؤمن انخداعه (1)، و إن كان مع ذلك فقيها كان حسنا.

______________________________

و ما في كلام الجواهر- قدّس سرّه- من أنّ الظاهر اعتبار التعدد في المترجم لأنّ الترجمة نظير شهادة الفرع لا يمكن المساعدة عليه، و كذا ما ذكره أخيرا من اعتبار التعدد في كل ما له دخل في القضاء أخذا بقوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و ذلك فإنّ ظاهره حصر فصل الخصومة

في الواقعة المتخاصم فيها بالبينة، و أمّا تعيين الواقعة و تمييز المدّعي و المنكر فيها فلا دلالة على كون ذلك بالبينة.

و المتحصل أنّ المترجم للشهادة الواقعة عند الحاكم و لغيرها لا يدخل في البيّنة و الشاهد للمدعى أو غيره ليعتبر فيه التعدد، بل مقتضى السيرة العقلائية الاعتماد في الترجمة على الثقة العارف بلغة الشاهدين أو غيرهما، و اللّه سبحانه هو العالم.

(1) ذكر- قدّس سرّه- إنّ القاضي إذا اتّخذ كاتبا فيعتبر كونه مسلما بالغا عاقلا عادلا بصيرا لئلا ينخدع، و مجرّد كونه مسلما عاقلا بالغا عادلا غير كاف، بل يعتبر كونه بصيرا بحيث لا ينخدع، فإنّ الكاتب أمين القضاء، فيعتبر كونه على الصفات المزبورة، و لو كان فقيها أيضا لكان حسنا لأنّ الفقاهة كمال للشخص.

و أضاف في الجواهر أنّه ينبغي أن يكون جيّد الكتابة بلا خلاف أجده في شي ء من ذلك، ثمّ قال: و لكن قد يقال: لا موجب لاعتبار الأوصاف في الكاتب لأنّ كتابه القضاء لا تكون حجّة بنفسها لا للقاضي المزبور و لا لغيره، بحيث يعتمد عليها في الحكم ثانيا، فيما إذا امتنع المحكوم عليه عن إنفاذ القضاء بدعوى عدم الحكم عليه، و على الجملة ثمرة الكتابة يتذكر القاضي بقضائه فإن تذكّر قضائه فلا يحتاج إلى الأوصاف، و إن لم يتذكر فلا تفيده الأوصاف،

أسس القضاء و الشهادة، ص: 94

[الثامنة: الحاكم إن عرف عدالة الشاهدين حكم]

الثامنة: الحاكم إن عرف عدالة الشاهدين حكم (1) و إن عرف فسقهما اطرح

______________________________

و أجاب عن ذلك بأنّ ثمرة الكتابة لا تنحصر بما يكون التذكر فيه دخيلا بل ربّما تكون الكتابة مراسلة إلى قاض آخر أو أمرا أو نهيا للسائرين ممّا يكون فيه تغيير و زيادة و نقيصة، و إذا كان القاضي بحيث لا يتمكن

من ملاحظتها ثانيا فلا بدّ من أن يكون كاتبها بالأوصاف المزبورة.

أقول: يمكن تزوير قضاء القاضي و كتابته بتحريف فتكون ذريعة لدعوى المحكوم عليه بطلان قضائه و كونه على خلاف الموازين و لو مستقبلا فاعتبار الأوصاف في الكاتب منع عن وقوع ذلك.

(1) ذكر- قدّس سرّه- في هذه المسألة أمورا لعلّها لا تناسب آداب القاضي بل تناسب كيفية الحكم.

فمنها: انّ القاضي إذا عرف عدالة الشاهدين سواء أ كان عرفانه عدالتهما بشهادة الشاهدين بعدالتهما من غير ثبوت جرح أم باختلاطه مع الشاهدين و عرفانه عدالتهما وجدانا يحكم على طبق شهادتهما، كما أنّه لو عرف فسقهما كما ذكر طرح شهادتهما، و إذا لم يعلم حالهما من حيث الفسق و العدالة يبحث عن حالهما حتى يتحقق أحدهما.

و لكن ذكر الشيخ- قدّس سرّه- في الخلاف جواز الحكم بشهادة من علم إسلامه و لم يعلم فسقه، و به رواية شاذة لم يعمل بها معظم الأصحاب، و يستفاد من كلامه- قدّس سرّه- إنّ الفحص عن عدالة الشاهدين وظيفة الحاكم و أنّه لا يطالب المدّعي بالتعديل.

و يقال بأنه يظهر ذلك ممّا ورد في حكاية فعل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في التفسير المنسوب إلى الحسن بن علي العسكري: و أنّه كان يرسل شخصين من قبله لا يعلم

أسس القضاء و الشهادة، ص: 95

و إن جهل الأمرين بحث عنهما، و كذا لو عرف إسلامهما و جهل عدالتهما توقف حتى يتحقق ما يبنى عليه من تعديل أو جرح، و قال في الخلاف: يحكم و به رواية

______________________________

أحدهما الآخر يسألان قبيلتهما عن حالهما، فإن جاءا بمدح و ثناء حكم، و إن جاءا بشرّ ستر عليهما و دعا الخصمين إلى الصلح، و إن لم يكن

لهما قبيلة سأل الخصم عنهما فإن زكّاهما حكم و إلّا طرحهما «1».

و فيه أنّ الرواية لضعف السند غير قابلة للاعتماد عليها و لا دلالة لها أيضا على أنّ الفحص عن عدالة الشاهدين وظيفة الحاكم لأنّ فعله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لعلّه لتسهيل الأمر للمدّعي المكلّف بإقامة البيّنة على دعواه. فإنّ ظاهر ما ورد في أنّ البيّنة على المدّعي انّ عليه إثبات أنّهما شاهدان عدلان، و أيضا ما ورد في ذيلها من حكمه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مع تزكية الخصم لا يلتزم به، فانّ مجرّد تزكيته لا تكفي في إحراز كون شهادتهما بينة، كما لا يكون اعترافا من الخصم بما يشهدان به ليقال ثبوت الدعوى لاعتراف الخصم بها، فإنّه يمكن أن يزكّيهما و يخطّئهما بما يقولان، و على كل تقدير فإن بحث الحاكم و ثبت عنده عدالة الشاهدين يحكم بما شهدا به، و مع عدم ثبوتها لا يمكن الحكم بشهادتهما سواء أظهر الجرح أم لا، و كذا لو علم إسلامهما بل و إيمانهما و لم يعرف عدالتهما، فإنّ مجرّد الإيمان مع عدم إحراز الفسق لا تكون عدالة، و دعوى أنّ الأصل في المؤمن العدالة لا أساس لها و إن قال به الشيخ- قدّس سرّه- و حكى عن الإسكافي و المفيد- قدّس سرّهما.

و قد يقال في وجه ذلك إنّ الإسلام و الإيمان مع عدم ظهور الفسق عدالة، أو أنّه لا يشترط في قبول الشهادة العدالة بل المعتبر في الشاهد الإسلام و الإيمان مع عدم ظهور الفسق، كما هو مقتضى قوله سبحانه:

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 6 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 174.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 96

شاذة و لو

حكم بالظاهر ثمّ تبين فسقهما وقت الحكم نقض حكمه (1).

______________________________

وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجٰالِكُمْ «1»، فإنّ مدلوله كفاية الشاهدين من المسلمين و آية النبإ قد دلّت على إلغاء خبر الفاسق سواء أ كان في مقام الشهادة أو غيرها، و استصحاب عدم الفسق يدخل الشاهد في عموم المستثنى منه، لا يقال: قوله سبحانه:

وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ «2» مقتضاه اعتبار العدالة في الشاهد و به يقيّد الإطلاق في الآية الأولى، فإنّه يقال: لا دلالة للآية على كونها مقيّدة لأنّ الوصف لا مفهوم له.

أقول: لا يخفى ما فيه فإنّ صحيحة ابن أبي يعفور الآتية قد علّقت قبول الشهادة على عدالة الشخص المنكشفة بحسن الظاهر، كما أنّها تنافي كون العدالة إسلام الشخص و عدم ظهور فسقه، كما أنّها تنافي كون الأصل في المسلم أو المؤمن العدالة، و كذا غيرها من الروايات، و حمل فعل المسلم على الصحّة بمعنى أنّه لا يعصى اللّه سبحانه فيما أمكن أمر آخر و لا يرتبط بمسألة ترتيب آثار العدالة على الفاعل، و ما ذكر- قدّس سرّه- من الرواية الشاذة سوف نتعرض لها في بحث الشهادات، و سنذكر أنّها معرض عنها و معارضة بما أشرنا إليها من الروايات و موافقة للعامّة فتطرح.

(1) لعلّ المراد أنّه إذا حكم القاضي في واقعة بشهادة شاهدين قد أحرز عدالتهما بوجه معتبر كما كان في البين بيّنة بعدالتهما أو باعتقاده عدالتهما الحاصل بالخلطة أو بغيرها، ثمّ بان بعد الحكم فسقهما عند الحاكم، فإنّه ينقض حكمه و يتمكن المحكوم عليه من ترك العمل بقضائه، فيحتاج إلى تجديد الدعوى، و الوجه في النقض انكشاف عدم كون الحكم بالبينة العادلة فلا يكون نافذا،

______________________________

(1) البقرة: 282.

(2) الطلاق: 2.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 97

..........

______________________________

فيلزم

إنشاء الإلغاء و إعلانه لئلا يفوت على المحكوم عليه حق أو يتوجه إليه ضرر.

و قد يناقش في النقض بأنّه غير جائز، لأنّ الحكم كان على موازين القضاء بنظر القاضي حين قضائه، و بتعبير آخر الموضوع لنفوذ حكمه كونه بشهادة رجلين قد أحرز عدالتهما عند حكمه لا العدالة الواقعية، فيكون نظير جواز الاقتداء، حيث إنّ الموضوع له إحراز عدالة الإمام عند الاقتداء بصلاته لا عدالته الواقعية، و لذا لا يكون انكشاف فسق الإمام موجبا لبطلان صلاة المأموم.

و لكن لا يخفى انّ الموضوع للحكم النافذ كونه بالبينة أي بشهادة العدلين، و نظر القاضي و إحرازه طريق إلى ما هو الموضوع لنفوذ حكمه و جوازه، و بانكشاف عدم عدالة الشاهدين يعلم عدم تحقق الحكم النافذ، و دعوى أنّ العدالة إحرازها شرط لم يعلم لها وجه صحيح، بل الأمر في الائتمام أيضا كذلك حيث إنّ الموضوع لجواز الائتمام عدالة الإمام.

و ما في بعض الروايات: «لا تصلّ إلّا خلف من تثق بدينه» «1»، لا يدل على كون الموضوع لجواز الائتمام الوثوق بعدالة الإمام، حيث إنّ ظاهره أخذ الوثوق و العلم و نحوهما في خطاب الحكم بما هو طريق لا لدخله في موضوع الحكم، و لا أقل من حمله على ذلك جمعا بين الروايات و عدم إعادة الصلاة بعد انكشاف بطلان الجماعة لحديث لا تعاد، و الرواية الواردة لا تتعدى عن مدلول الحديث.

هذا كلّه فيما إذا انكشف فسق الشاهدين أو أحدهما حال الشهادة، أمّا إذا انكشف طريان الفسق بعد الحكم أو قبله و بعد الشهادة فلا موجب لجواز

______________________________

(1) الوسائل: ج 4، الباب 10 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 2: 389.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 98

..........

______________________________

النقض، لأنّ الحكم كان بالبينة

العادلة، و كذا فيما لم يعلم طريان الفسق حال شهادتهما أو بعده، فإنّ مقتضى الاستصحاب في عدالتهما حال شهادتهما مقتضاه نفوذ القضاء بشهادتهما، بل يمكن الأخذ بأصالة الصحّة في حكمه كما لا يخفى.

و قد ذكر في الجواهر أنّ ما ذكر فيما إذا اتّفق العلم للحاكم بفسق الشاهدين، أمّا إذا عثر المحكوم عليه بعد القضاء على جارح الشاهدين و أراد تجديد الدعوى فإنّه لا يجوز التجديد فإنّ جوازه يناقض نفوذ القضاء و فصل الخصومة، و يكشف عن ذلك قولهم بأنّه يمهل ثلاثة أيّام لو ادّعى وجود الجارح، فإنّ مقتضاه أنّه لا يفيد الظفر بالجارح بعد تلك المدّة فيما حكم الحاكم، و لا يوجب دعواه الجارح بعد المدّة توقف الحاكم عن حكمه.

أقول: هذا فيما إذا قيل بأنّ الإتيان بالجارح وظيفة المحكوم عليه، و إذا لم يأت به وقت الحكم و حكم القاضي في الواقعة فلا ينقض الحكم، نظير ما إذا حكم في واقعة بحلف المنكر مع عدم إتيان المدّعى بالبيّنة ثمّ ظفر بالبيّنة فإنّ الظفر عليها لا يفيده بعد الحكم، كما يشهد بذلك بعض الروايات، و كذا فيما إذا قيل بأنّ الفحص عن الجارح وظيفة الحاكم و قد فحص عنه بالمقدار اللازم.

أمّا إذا ادّعى المحكوم عليه ترك القاضي الفحص عن الجارح مع وجوده حال الحكم أو تمكن الحاكم من إحراز حال الشاهدين للشياع المفيد للعلم بفسقهما فهذا يدخل فيما تقدم من دعوى المحكوم عليه أنّ الحاكم قد حكم عليه مع فسق الشاهدين أو عدم ثبوت عدالتهما.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 99

و لا يجوز التعويل في الشهادة على حسن الظاهر (1)، و ينبغي أن يكون

______________________________

(1) حاصله عدم جواز الشهادة بعدالة شخص اعتمادا على حسن ظاهره، بأن لا

يرى المعاشر له في غير خفاياه إلّا الخير و المواظبة على وظائفه الشرعية كالصلاة في أوقاتها، لأنّ العدالة كإعسار الشخص يمكن اختلاف خفايا الشخص مع ظاهره، و ربّ شخص ظاهره الفقر و فقد المال و باطنه على خلاف ظاهره، و كذا الحال في العدالة خصوصا في ما إذا كان متصديا لبعض ما هو من شؤون العادل، كالإمامة في الصلاة، بل يعتبر في إحراز عدالة الشخص المعرفة المتقادمة بباطنه، بأن يعرف أنّ باطنه و خفاياه أيضا حسن كظاهره فتكون المعرفة كذلك بطول المعاشرة ليمكن له إحراز ملكة العدالة، هذا بحسب إحرازها.

و أمّا بحسب أداء الشهادة بها فتكفي الشهادة بها مطلقة، أي بلا حاجة إلى تفسير عدالته بأن يصرّح له ملكة اجتناب الكبائر التي هي عبارة عن المعاصي الفلانية و انه يترك الإصرار على الصغائر التي هي عبارة عن المعاصي الفلانية، فإنّ التفسير كذلك لا يحتمل اعتباره لعسره نوعا و ينبغي للحاكم أن يسأل الشاهد بعدالة الشاهد سرّا لأنّ السؤال و أداء الشاهدة سرّا يجعل الشاهد بالعدالة بعيدا عن التهمة، بأنّه يشهد بالعدالة حياء أو خوفا و تقية، أو لغير ذلك من الدواعي، هذا كلّه في التعديل.

و أمّا الجرح فلا بدّ من تفسيره في مقام أداء الشهادة، لعدم العسر، حيث يكفي في الجرح ذكر سبب واحد للفسق، خلافا للشيخ- قدّس سرّه-، حيث اكتفى فيه أيضا بالإطلاق لعدم حاجة معرفة فسق الشخص إلى المعرفة الباطنة المتقادمة لحصول الفسق بفعل واحد و كفاية إحرازه به.

أقول: لا ينبغي التأمّل في أنّ حسن الظاهر طريق معتبر إلى عدالة الشخص، و مع إحراز القاضي حسن ظاهره بالوجدان يقبل شهادته، فيكون

أسس القضاء و الشهادة، ص: 100

السؤال عن التزكية سرّا فإنّه أبعد

من التهمة و يثبت مطلقة (1)، و يفتقر إلى المعرفة

______________________________

قيام البينة بالحسن كعلمه وجدانا بها كما هو ظاهر صحيحة ابن أبي يعفور «1»، و في موثقة سماعة بن مهران عن أبي عبد اللّه- عليه السلام- «قال: من عامل الناس فلم يظلمهم، و حدّثهم فلم يكذبهم، و وعدهم فلم يخلفهم كان ممّن حرمت غيبته و كملت مروته و ظهر عدله و وجبت اخوته»، و لا تنافي بينها و بين الصحيحة لتعدد حسن الظاهر المجعول كل منهما طريقا إلى عدالة الشخص.

ثمّ إنّه بما أنّ حسن الظاهر طريق إلى العدالة فلا يعتبر في صورة العلم بباطن الشخص و كون خفاياه على خلاف ظاهره، كما أنّه لا يسقط هذا الطريق عن الاعتبار بالعلم إجمالا بأنّه قد صدر عن الشخص في خفاياه بعض الحرام و لو صغيرا في بعض الأوقات.

لأنّ مع احتمال التوبة يكون حسن ظاهره معتبرا لاحتمال اصابة حسن الباطن و لو قلنا كما هو الصحيح بأنّ الصغيرة أيضا بلا توبة كالكبيرة بدونها قادحة في العدالة كما هو غير بعيد، على ما يأتي في بحث العدالة في مباحث الشهادات.

(1) قيل في وجه التفرقة بين التزكية و الجرح باعتبار التفسير في الثاني دون الأوّل بأنّ التفسير في الأوّل يحتاج إلى تعداد الكبائر و الإصرار على الصغائر و الشهادة بالترك بالملكة الحاصلة له و ترك ما ينافي المروة، و هذا أمر حرجي على المزكّي لا يحتمل اعتباره، بخلاف الجرح فإنّه يكفي في ثبوته سبب واحد، و لأنّ الاختلاف في كون بعض المعاصي كبيرة أم لا يوجب بيان السبب ليرى الحاكم إنّه موجب للفسق أم لا.

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 41، من أبواب الشهادات، الحديث 1: 288.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 101

الباطنة المتقادمة و لا يثبت الجرح إلّا مفسرا، و في الخلاف يثبت مطلقا.

______________________________

و أورد على ذلك في الجواهر بما حاصله: إنّ الاختلاف في كون بعض المعاصي كبيرة كما أنّها توجب فسق فاعلها عند من يراها كبيرة، كذلك أنّها لا تقدح في العدالة مع عدم الإصرار عليها عند من لا يراها كبيرة، و إذا شهد المزكّي بالعدالة و احتمل القاضي انّ الشخص يرتكب ما يراه كبيرة ممّا لا يراه المزكّي أنّها كبيرة فكيف يقبل شهادته بالعدالة مطلقة و لا يقبل شهادته بالفسق بلا تفسير.

ثمّ قال: الأقوى كفاية الإطلاق في الشهادة بالعدالة و الفسق، لا لأنّ الحاكم يحرز انّ كلّا من المزكّي و الجارح عارف بالمعاصي الكبيرة و الصغيرة و ما ينافي المروة و ما لا ينافيها، و إلّا لم يصحّ لهما الشهادة بالعدالة بالفسق و مع إحرازه كذلك لا موجب لسؤاله عنهما التفسير، و ذلك فإنّ الإحراز فيما إذا علم الحاكم بأنّ كلّا من المزكّي و الجارح يعرف أسباب الجرح و التعديل على طبق مذهبه بأن كانا مقلدين للحاكم المزبور أو من يوافقه في الفتوى، بل الوجه في كفاية الإطلاق ما هو معلوم من طريقة الشرع من حمل شهادة المزكّي و الجارح على العدل و الفسق الواقعيين، و لو مع اختلاف الاجتهاد في الواقع، نظير سائر الموارد من الشهادة بالملك أو الطهارة أو الزواج و غير ذلك من موارد الشهادة بالمسببات مع وقوع الاختلاف في بعض أسبابها.

و أنكر بعض الأعاظم هذا الكلام و ذكر أنّ السيرة على قبول الشهادة بالعدل أو بالفسق أو الملك أو غيرها ممّا وقع الخلاف في أسبابه مطلقا غير محرز، بل المحرز ثبوتها فيما لا اختلاف في الأسباب أو علم بالقرائن اتفاق

المذهبين.

أقول: مقتضى السيرة هو الحمل على الواقع إلّا مع إحراز الاختلاف،

أسس القضاء و الشهادة، ص: 102

و لا يحتاج الجرح إلى تقادم المعرفة و يكفي العلم بموجب الجرح، و لو اختلف الشهود في الجرح و التعديل قدّم الجرح لأنّه شهادة بما يخفى على الآخرين، و لو تعارضت البينتان في الجرح و التعديل قال في الخلاف: وقف الحاكم، و لو قيل:

يعمل على الجرح كان حسنا (1).

______________________________

و معه لا يفرق بين التعديل و الجرح.

ثمّ إنّ ظاهر كلماتهم اعتبار البيّنة في التعديل و الجرح. و لكن لا يبعد دعوى اعتبار خبر العدل الواحد، لأنّه طريق معتبر في الأحكام و الموضوعات التي لا يدخل في عنوان الدعوى و بعض الموضوعات التي اعتبر الشارع في ثبوتها طريقا خاصا، و لذلك يمكن للحاكم في التعديل و الجرح الاعتماد على الاستصحاب، و لو كانت عدالة المخبر أو الشاهد من قبيل الدعاوي لما أمكن اعتماده عليه فيهما، و أيضا يشكل التعديل أو الجرح فيما إذا تعارضت البينة و خبر العدل، كما هو الحال في تعارض خبر عدل في الأحكام مع خبر عدلين آخرين.

(1) و مراده- قدّس سرّه- إنّ الجرح شهادة بما يخفى على الآخرين و المزكّي في الغالب يشهد بأنّه لم ير من الشاهد المعصية و الجارح يشهد بأنّه يراها منه، و لا منافاة بين عدم رؤية شخص و رؤية شخص آخر.

و في الجواهر: انّه يتم فيما إذا لم يعين الجارح وقت المعصية، و أمّا مع التعيين و شهادة المزكي انّه كان في ذلك الوقت في المسجد أو غيره من الأمكنة فيقع التعارض لا محالة.

أقول: مع أنّه قد يقدم قول المزكي كما إذا ذكر الجارح أنّه رأى منه المعصية الفلانية و قال المزكي

انّه عدل فعلا و انّه لو وقع منه ما ذكرت فقد تاب منه

أسس القضاء و الشهادة، ص: 103

[التاسعة: لا بأس بتفريق الشهود]

التاسعة: لا بأس بتفريق الشهود (1)، و يستحب فيمن لا قوة عنده.

______________________________

فعلا، و لكن مع تعارض ما أخبرا به أيضا تكون النتيجة تقديم قول الجارح، لأنّه إذا لم تتم البينة على المدعى عليه تصل النوبة إلى استحلافه.

و عن الشيخ- قدّس سرّه- في الخلاف انّه مع اختلاف الشهود في التزكية و الجرح توقف الحاكم عن الحكم، و يأمر المتخاصمين بالمصالحة، و لا يتوجه اليمين إلى المنكر، لاحتمال كون الشهادة بالدعوى بيّنة و معها لا تصل النوبة إلى اليمين.

و فيه أنّه لو تم ذلك لاقتضى التوقف عن الحكم أيضا فيما كان لدعوى المدّعي شاهدان لم يثبت عدالتهما لعدم المزكّي لهما.

و الحلّ إنّ شهادة العدلين انّما تكون بيّنة فعلا للحاكم فيما إذا تمكن من إحراز عدالتهما، مع أنّه يمكن إحراز عدم عدالتهما بالاستصحاب الجاري في عدم حدوث ملكة العدالة أو حسن الظاهر أو الاستقامة في الدين لهما، لأنّ كلّ ذلك من الأمر الحادث المسبوق بالعدم، و لا يعارض باستصحاب عدم حدوث الفسق، حيث انّ الفسق لا أثر له في المقام، و أنّ الموضوع و المستند لحكم القاضي عدالة الشاهدين كما تقدم.

(1) ذكر في الجواهر أنّه لا يجوز للقاضي تفريق الشهود و السؤال عن كل واحد من غير علم الآخر عن خصوصيات الواقعة التي يشهدون بها ليعلم صدقهم باتفاق كلمتهم أو كذبهم باختلاف قولهم و تشتت كلامهم أو بغير ذلك، و يستحب ذلك في مورد الريبة، كما إذا لم يكن للشاهد قوة عقل بحيث يحتمل تلبيس الأمر عليه أو توافق الشهود على الشهادة غلطا، كما يشهد بذلك فعل

أسس

القضاء و الشهادة، ص: 104

..........

______________________________

دانيال- عليه الصلاة و السلام- في شهود الزنا «1»، و ما فعل داود- عليه الصلاة و السلام- في منكري قتل صاحبهم و أخذهم ماله «2»، أضف إلى ذلك قوله سبحانه لنبيه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من الأخذ بهداهم بقوله فَبِهُدٰاهُمُ اقْتَدِهْ «3».

لا يقال: قد نسخت الأحكام الثابتة في الشرائع السابقة بشريعتنا، فاستحباب التفريق في شرعهم لا يقتضي الاستحباب في شريعتنا، فإنّه يقال ليس المراد من نسخ الشرائع السابقة بشريعتنا نسخ كل واحد واحد من تلك الأحكام، و لا ينافي الأمر ببعض ما كان في تلك الشرائع. و أيضا يلاحظ المروي من فعل علي- عليه السلام- في سبعة خرجوا في سفر و لم يرجع واحد منهم من تفريق الستة الراجعين «4»، بل يظهر منه أنّه يجوز للقاضي التوسل إلى معرفة الحق بكل وسيلة مباحة في نفسها كالتكبيرة في الناس و نحوها. و في المسالك أنّ التفريق قبل أن تتم البينة في الواقعة و قبل طلب الحكم، كما إذا كان التفريق قبل تزكية الشهود، و إلّا لم يجز ترك الحكم و التفتيش عن الحق حتى في فرض ثبوت الريبة. فإنّ مجرد الريبة لا تمنع عن الحكم بعد تمام مقدمات الحكم و طلب المدّعي، و دعوى أنّه لا دلالة في البين على وجوب الحكم على القاضي مع ثبوت الريبة و إن طلب المدّعي الحكم، كما عن بعض، لا يمكن المساعدة عليها.

و على ذلك فاللازم حمل جواز التفريق و استحبابه في كلام المصنف

______________________________

(1) الكافي 7: 425، التهذيب 6: 308.

(2) الكافي 7: 372.

(3) الأنعام: 90.

(4) الكافي 7: 317، و الوسائل: 18، الباب 20 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 204.

أسس القضاء

و الشهادة، ص: 105

..........

______________________________

- قدّس سرّه- إلى ما قبل تمام مقدمات الحكم، أو على مقام أداء الشهادة، حيث إنّ أداء الشهادة تفريقا أحد فردي الأداء، و القاضي مخيّر بينهما، و يستحب الأداء التفريقي مع ثبوت الريبة، انتهى.

أقول: إذا تمت مقدمات الحكم و طلب المدعي القضاء فلا دليل على عدم جواز تأخير القضاء فيما إذا كان في البين ريبة إذا احتمل القاضي تدارك المظلمة و العلم بالواقع مع التأخير و تفريق الشهود و السؤال من كل واحد منهم من غير اطلاع الآخرين، فإنّ هذا التأخير لا ينافي القيام بالقسط و الحكم بما أنزل اللّه، و لا الدليل السابق المذكور على وجوب القضاء حفظا للأمن و استيفاء حقوق بعض الناس من بعضهم الآخرين.

نعم المنقول من دانيال- عليه السلام- ظاهره تفريق أهل الدعوى في سماع دعواهم، و لكن صدر الرواية الواردة في قضاء عليّ- عليه السلام- في قضية اليتيمة من قبيل تفريق الشهود، إلّا أنّ الزنا حيث لا يثبت بشهادة النساء منفردة فيمكن أن يكون تفريقهن للتوسل إلى الواقع و دفع المظلمة المحتملة من غير أن يكون في البين تأخير القضاء.

و يستفاد من المروي في قضية داود- على نبينا و عليه الصلاة و السلام- أنّه يجوز للقاضي محاكمة المتهم بنظره لتدارك المظلمة المحتمل وقوعها، و إن لم يكن دعوى من ذي الحق لعدم جزمه بدعواه.

و يقوى هذا الجواز فيما كان في البين اقتضاء التحفظ على أمر النظام و أمن البلاد، و اللّه سبحانه هو العالم.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 106

[العاشرة: لا يشهد الشاهدان بالجرح إلّا مع المشاهدة لفعل ما يقدح في العدالة]

العاشرة: لا يشهد الشاهدان بالجرح إلّا مع المشاهدة لفعل ما يقدح في العدالة أو أن يشيع ذلك في الناس شياعا موجبا للعلم (1)، و لا يعوّل

على سماع

______________________________

(1) لا يخفى أنّ الفسق كغيره من الأمور يعتبر في الشهادة به من إحرازه حسّا، و المراد حسّ المشهود به أو حسّ ما لا ينفك عن المشهود به عادة، و لذا تمكن الشهادة بالشي ء اعتمادا على الاستفاضة الموجبة للعلم به عادة، حيث لا تنفك هذه الاستفاضة عن ثبوته، بخلاف الشهادة بالشي ء اعتمادا على استصحابه أو خبر العدل به و نحو ذلك ممّا لا يكون حسّا بذلك الشي ء و لا علما به عادة، نعم لو كان ذلك الشي ء ممّا يعتبر فيه الخبر به فيمكن الاعتماد على الاخبار به، و قد تقدم انّ عدالة الشاهد يعتبر فيه الخبر به و لا يتعين الشهادة به، و لذا يمكن للقاضي الاعتماد على استصحاب عدالة الشاهد، كما يعتمد في تعديل الرواة و توثيقهم على نقل القدماء من أهل الرجال في تشخيص حال الرواة.

و دعوى الإجماع على اعتبار الشهادة في ثبوت العدالة، كما عن جماعة، لا يمكن المساعدة عليها، و كيف تمكن هذه الدعوى مع تصريحهم بجواز اعتماد القاضي على الاستصحاب في عدالة الشاهد.

نعم يعتبر في ثبوت الفسق الموجب للحد أو التعزير الشهادة، على ما تقرّر في بحث الحدود.

ثمّ إنّ ما ذكرنا من اعتبار الحسّ في الشهادة هو القاعدة الأوّلية. و قد يقال بجواز الشهادة ببعض الأمور مع عدم الحسّ بها كالشهادة بالملك اعتمادا على اليد و بالعدالة اعتمادا على حسن الظاهر، و نحو ذلك ممّا قيل بأنّ ذلك مقتضى الأدلّة الخاصّة الواردة في مواردها، و يأتي البحث في بعضها أو جلّها في بحث الشهادات ان شاء اللّه تعالى.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 107

ذلك من الواحد و العشرة لعدم اليقين بخبرهم.

______________________________

و قد ذكر في الجواهر أنّه لا يكفي في

الشهادة بالفسق مجرّد مشاهدة الفعل المحرم، بل يعتبر العلم بصدوره عنه على وجه المعصية، و لا اعتبار بالظن بصدوره عنه كذلك، و دعوى أنّ للأفعال ظهورا كالأقوال، فكما يمكن الاعتماد على الظهور في الثاني يعتمد على الظهور في الأوّل لا يمكن المساعدة عليها، فانّ الفعل بما هو ليس له ظهور و إنّما يحصل الظهور من بعض المقارنات، فإن أفاد تلك المقارنات العلم فهو، و إلّا فلا يجوز الشهادة بالفسق، لأنّه من الظن الذي لا يغني من الحقّ شيئا، نعم لا عبرة بالاحتمال الذي لا يعتدّ به و لا ينافي الجزم في العادة.

أقول: دلالة الفعل كدلالة اللفظ بالإضافة إلى مدلول الفعل إنشاء أو إخبارا بالدلالة العرفية فإعطاء المال الفقير ظاهره تمليكه إيّاه، فيجوز له تمليكه الغير مجانا أو بلا عوض، و أمّا كون الفاعل ملتفتا إلى عنوان الفعل حين الارتكاب أو غافل عنه أو أنّه كان مكرها على ارتكابه أو مضطرا أم لا، فمثل ذلك لا تدخل في دلالة الفعل لا عقلا و لا عرفا، فلا بد من إحراز ذلك من الخارج.

بقي في المقام أمور:

منها: أنّ الشاهدين في الواقعة إذا كانا عدلين عند القاضي و لكن اعترف المدعي بفسقهما فهل يجوز للحاكم الحكم بشهادتهما؟ فقد يقال بجوازه فانّ ميزان القضاء إحراز القاضي كون شهادتهما بينة و المفروض تحقق ذلك فلا اعتبار بإحراز المدّعى أو اعترافه كما لا اعتبار بنظر خصمه، و قد يقال: بأنّه لا يصحّ له الحكم لاعتراف المدّعي بعدم الأثر لشهادتهما، حيث إنّ المعتبر في القضاء عدالة الشاهدين واقعا، و إحراز القاضي يعتبر طريقا، لا أنّه تمام الموضوع لجواز القضاء.

أقول: إحراز القاضي عدالة الشاهدين و إن كان موضوعا لجواز القضاء

أسس القضاء و الشهادة،

ص: 108

[الحادية عشرة: و لو ثبت عدالة الشاهد]

الحادية عشرة: و لو ثبت عدالة الشاهد حكم باستمرار عدالته حتى يتبيّن ما ينافيها، و قيل: إن مضت مدة يمكن تغيّر حال الشاهد فيها استأنف البحث عنه و لا حدّ لذلك بل بحسب ما يراه الحاكم.

[الثانية عشرة: ينبغي أن يجمع قضايا كل أسبوع و وثائقه و حججه]

الثانية عشرة: ينبغي أن يجمع قضايا كل أسبوع (1) و وثائقه و حججه و يكتب

______________________________

بشهادتهما تكليفا إلّا أنّ المدعي مع عدم إحرازه ثبوت حقّه واقعا لا يمكن أن يرتب على قضائه أثر الواقع و القضاء النافذ، فلا يجوز له مطالبة القاضي بحبس المدّعى عليه بالدين الذي شهد به الشاهدان، كما يجوز للمدعى عليه الامتناع عن أداء الدين المزبور أخذا باعترافه فسق الشاهدين و كون القضاء ليس على الموازين.

و منها: ما ذكره جماعة أنّه يجوز للحاكم الحكم مع عدم إحراز عدالة الشاهدين بالاعتماد على تصديق المدعى عليه عدالتهما، لأنّ اعترافه بعدلهما اعتراف بثبوت الحكم النافذ بشهادتهما، و يدلّ على ذلك ما عن تفسير العسكري- سلام اللّه عليه- من فعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و إقباله على المدعى عليه و سؤاله ما تقول فيهما؟ فإن قال: ما عرفنا إلّا خيرا غير أنّهما قد غلطا فيما شهدا عليّ أنفذ شهادتهما «1».

و لكن تقدم انّ الرواية لا يمكن الاعتماد عليها كما تقدم، و ان نفوذ الحكم فرع جوازه تكليفا و إذا لم يحرز القاضي عدالة الشاهدين بوجه معتبر فلا يجوز له القضاء تكليفا ليكون ذلك الحكم نافذا على المدعى عليه باعترافه أو بدونه.

(1) المراد من جمع قضايا كل أسبوع جمعها في الكتابة و ضبطها في ديوان الحكم بأن يكتب و لو بأمره كاتبه كل واحد من الوقائع المرفوعة إليه و أربابها

______________________________

(1) الوسائل: 18، الباب 6 من أبواب

كيفية الحكم، الحديث 1: 174.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 109

عليها، فإذا اجتمع ما لشهر كتب عليه قضاء شهر كذا، فإذا اجتمع ما لسنة جمعه

______________________________

بأسمائهم و حكمه فيها، و أنّه قد حكم في الواقعة الفلانية بكذا بالبينة الفلانية أو بإقرار المدعى عليه أو بيمين المنكر أو اليمين المردودة، ثمّ يجمعها و يكتب عليها انّها قضايا القاضي فلان بن فلان في أسبوع كذا من شهر كذا و من سنة كذا.

و إذا جمع قضايا الشهر يكتب عليها إنّها قضايا فلان بن فلان في شهر كذا من سنة كذا، و إذا جمع قضايا الشهور يكتب عليها أنّها قضايا القاضي فلان بن فلان في سنة كذا، كل ذلك لتسهيل المراجعة إلى الواقعة المرفوعة إليه و حكمه فيها عند الحاجة منه أو من غيره، يعني القاضي الذي يجي ء من بعده، فإنّ الكتابة و إن لم تكن من شرط القضاء و نفوذه، إلّا أنّها من آدابه و مستحباته، لأنّ بها نوع سعي في حوائج الناس و تحفظ على حقوقهم.

بل لا يبعد وجوبها إذا طلبها وليّ الأمر الذي نصبه للقضاء رعاية للأمن و حقوق الناس، و مع عدم الأمر يستظهر مطلوبيتها و استحبابها من معتبرة عقبة ابن خالد عن أبي عبد اللّه- عليه السلام- حيث سأل- عليه السلام- غيلان بن جامع قال:

«كيف تقضي يا غيلان؟ فأجاب: أكتب هذا ما قضى به فلان بن فلان لفلان بن فلان يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا ثم أطرحه في الدواوين، قال: قلت: هذا هو الحتم من القضاء» «1». بل يستظهر من قوله سبحانه إِذٰا تَدٰايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَ لْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كٰاتِبٌ بِالْعَدْلِ الآية «2»، بدعوى أنّ القضاء أولى بالتحفظ عليه

من الدين، و إذا كانت كتابة الدين للتحفظ مطلوبة فهي في أمر القضاء أولى.

______________________________

(1) الكافي 7: 429.

(2) البقرة: 282.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 110

و كتب عليه قضاء سنة كذا.

______________________________

هذا بالإضافة إلى الكتابة للإيداع في الديوان، و أمّا إذا طلب المحكوم له كتابته لتكون حجّة عنده فلا دليل على وجوب الإجابة، حتى فيما إذا بذل الملتمس المال، و ان نسب وجوبها إلى الأشهر، إلّا أنّه لا دليل عليه فضلا عن وجوبها مجانا، و التمسّك في ذلك بقوله تعالى وَ لٰا يَأْبَ كٰاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ «1» لا يمكن المساعدة عليه، فإنّ الوجوب في مورد الآية غير ثابت فضلا عن التعدي عنه إلى المقام، حيث إنّ الكتابة ليست شرطا في الدين و لا واجبا فيه.

نعم إذا توقف وصول المحكوم له إلى حقّه عليها، كما إذا نصب ولي الأمر لانفاذ القضاء شخصا آخر لا يعلم الحق إلّا بالكتابة أو شرط عليه في الإنفاذ كتابة القاضي لزم الكتابة، و هذا أمر آخر، و يجوز للقاضي أخذ الأجرة على الكتابة كما تقدم سابقا، و الوجه في اللزوم أنّ القضاء بغير إنفاذه لا يثمر في أمن البلاد و استيفاء بعض الناس حقوقهم من بعضهم الآخر و لكن الواجب الكتابة لا إعطاء القرطاس و المداد و نحوه.

نظير ما يقال من أنّ الواجب هو تكفين الميت لا إعطاء الكفن فإنّه مقتضى قاعدة نفي الضرر، و أيضا الواجب نفس الكتابة لا الكتابة مجانا، و قد ذكرنا في بحث أخذ الأجرة على الواجبات أنّ مجرّد وجوب فعل على مكلف لا يمنع عن أخذه الأجرة عليه ممن يستفيد من ذلك الفعل، بل المانع عدم المالية لذلك الفعل أو إلغاء الشارع المالية بإيجابه على المكلف مجانا، حيث

يدخل بذلك أخذ الأجرة عليه في أكل المال بالباطل.

______________________________

(1) البقرة: 282.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 111

[الثالثة عشرة: كل موضع وجب على الحاكم فيه كتابة المحضر]

الثالثة عشرة: كل موضع وجب على الحاكم فيه كتابة المحضر فإن حمل له من بيت المال ما يصرفه في ذلك وجب عليه الكتابة، و كذا ان أحضر الملتمس ذلك من خاصته و لا يجب على الحاكم دفع القرطاس من خاصته.

[الرابعة عشرة: يكره للحاكم أن يعنت الشهود إذا كانوا من ذوي البصائر و الأذهان القوية]

الرابعة عشرة: يكره للحاكم أن يعنت الشهود (1) إذا كانوا من ذوي البصائر و الأذهان القوية مثل أن يفرّق بينهم، لأنّ في ذلك غضاضة لهم، و يستحب ذلك في موضع الريبة.

[الخامسة عشرة: لا يجوز للحاكم أن يتعتع الشاهد]

الخامسة عشرة: لا يجوز للحاكم أن يتعتع الشاهد (2)، و هو أن يداخله في

______________________________

(1) الاعنات: إدخال المشقة و الأمر الشاق و لو بملاحظة حال الشخص، كما لو كان الشاهدان من أهل البصيرة و الذهن و القوي، فيكون التفريق بينهما في مقام أداء الشهادة و الاستفسار و الاستقصاء من خصوصيات المشهود به، بحيث يوهم كون شهادتهما مورد الريبة مكروها، بخلاف ما إذا كان الشاهد في شهادته مورد الريبة، فإنّ التفريق و السؤال عن خصوصيات المشهود به مرغوب إليه كما تقدم.

(2) حاصله أنّه لا يجوز للحاكم أن يتعتع الشاهد بأن يتداخل أثناء شهادة الشاهد بكلام ليتكلم به في شهادته، أو يعرض عمّا يريد التكلّم به، أو يتكلّم الحاكم بكلام عند تمام شهادته ليجعله الشاهد تتمة لشهادته، كل ذلك بقصد إيقاع الشاهد و هدايته إلى شهادة تنفع المدعي أو تضرّه، و لو بأن تكون مسموعة أو مردودة.

و عن المسالك عدم الفرق في عدم جواز ذلك بين كون الشاهد مريدا التكلم به في ضمن شهادته أو تعقيبها به أم لا، و قرّره في الجواهر فيما كان قصد الحاكم من مداخلته ما ذكر من انتفاع المدّعي أو تضرّره و كون شهادته مسموعة أو مردودة، و أضاف إليه عدم الفرق فيما ذكر بين مداخلة القاضي و غيره سوى

أسس القضاء و الشهادة، ص: 112

التلفّظ بالشهادة أو يعقبه بل يكفّ عنه حتى ينتهي ما عنده و ان يتردّد و لو تردّد في الشهادة لم يجز له ترغيبه في الاقدام على

الإقامة و لا تزهيده في إقامتها، و كذا لا يجوز إيقاف عزم الغريم عن الإقرار لأنّه ظلم لغريمه، و يجوز ذلك في حقوق اللّه فإنّ الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال لما عز عند اعترافه بالزنا: لعلّك قبّلتها لعلّك لمستها، و هو تعريض بإيثار الاستتار.

______________________________

الخصم حيث يجوز له المداخلة.

و الوجه في عدم الجواز أنّ في المداخلة المزبورة تضييع حق و ترويج باطل و نحوهما ممّا هو معلوم حرمته من غير الحاكم فضلا عن الحاكم.

نعم إذا لم يكن في المداخلة المزبورة تضييع حق أو ترويج باطل أو غيرهما من الحرام بل كان من الإعانة على إبراز مقصده و نحو ذلك فيشكل الحكم بحرمته و الأصل الجواز.

و أيضا لو تردد الشاهد أثناء شهادته لم يجز للحاكم ترغيبه في الشهادة بإقامتها أو إكمالها، كما لا يجوز تزهيده في الشهادة و إيقاعه في الشك في المشهود به بعد كونه جازما بالشهادة به.

و الوجه في عدم الجواز بأنّ الأوّل أمر بالمنكر، حيث لا يجوز الشهادة مع الترديد، و في الثاني نهى عن المعروف أي إقامة الشهادة، و لا يختص هذا بالشاهد، بل لا يجوز إيقاف الخصم عن إقراره بحق المدعي فإنّه ظلم لغريمه، نعم يجوز هذا الإيقاف في حدود اللّه، كما يظهر ذلك ممّا فعله النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في قضية ماعز عند اعترافه بالزنا: «لعلّك قبّلتها» «1» على المروي فيها.

أقول: يظهر ذلك من صحيحة مالك بن عطية و غيرها أيضا من المرويات في الحدود.

______________________________

(1) سنن البيهقي 8: 226، نيل الأوطار 7: 104، باب استفسار المقر بالزنا.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 113

[السادسة عشرة: يكره أن يضيّف أحد الخصمين]

السادسة عشرة: يكره أن يضيّف أحد الخصمين دون صاحبه (1).

[السابعة عشرة: الرشوة حرام]

السابعة عشرة: الرشوة حرام (2) على آخذها و يأثم الدافع لها إن توصّل بها إلى الحكم له بالباطل و لو كان إلى حق لم يأثم، و يجب على المرتشي إعادة الرشوة إلى صاحبها و لو تلفت قبل وصولها إليه ضمنها له.

______________________________

و ما ذكر من عدم جواز الترغيب في إقامتها فيما إذا لم يحرز الحاكم إنّه عالم بالحق و الواقع و إنّه كان حاضرا في الواقعة و انّ تردّده في إقامتها بسبب تردّده في بعض الخصوصيات التي لا دخل لها في ثبوت الموضوع كزمان الواقعة و مكانها فالأظهر في مثل ذلك جواز الترغيب، فإنّه داخل في الأمر بالمعروف، و كذا يجوز تزهيده فيما إذا احتمل أنّ إقامتها لعدم التفاته فعلا بما يجب على الشاهد رعايته كالعلم بالواقعة بالحسّ خصوصا إذا كان التزهيد قبل إقامتها، فإنّ هذا التزهيد غير داخل في النهي عن المعروف.

(1) يكره للقاضي أن يضيّف أحد الخصمين دون صاحبه، لما في ذلك تهمة ميل القاضي إليه. و في معتبرة السكوني: «إنّ رجلا نزل بأمير المؤمنين- عليه السلام- فمكث عنده أيّاما ثمّ تقدم إليه في خصومة لم يذكرها له، فقال له: أخصم أنت؟

قال: نعم، قال: تحوّل عنّا فانّ رسول اللّه نهى أن يضاف الخصم إلّا و معه خصمه» «1»، و مناسبة الحكم و الموضوع مقتضاها الكراهة، لأنّ الضيافة المزبورة لا دخل لها في الخصومة و القضاء إلّا نحو إيهام الميل إليه كما لا يخفى.

(2) قد تكلّمنا في المكاسب المحرّمة في حكم الرشا في الحكم، بالإضافة إلى الراشي و المرتشي تكليفا و في حكمه وضعا و بيان مصاديقه، و كذا في حكم الهدية للقاضي، و لا

حاجة إلى إعادته في المقام.

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 3 من آداب القاضي، الحديث 2: 157.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 114

[الثامنة عشرة: إذا التمس الخصم إحضار خصمه مجلس الحكم]

الثامنة عشرة: إذا التمس الخصم إحضار خصمه مجلس الحكم أحضره (1) إذا كان حاضرا، سواء كان حرّر المدّعي دعواه أو لم يحرّرها، و أمّا لو كان غائبا لم يعده الحاكم حتى يحرّر دعواه، و الفرق لزوم المشقة في الثاني و عدمها في الأوّل، هذا

______________________________

(1) و حاصله أنّه إذا طلب أحد الخصمين من القاضي إحضار خصمه مجلس الحكم و كان ذلك الخصم حاضرا في البلد لزم على الحاكم الإجابة بإحضاره، بلا فرق بين التماسه قبل تحرير دعواه أو بعده، و بلا فرق بين كون خصمه من ذوي الشرف و المروّات و عدمه، و بلا فرق بين كون الإحضار بكتابة يدفعها إلى المدّعي أو إلى غيره من أعوانه أو أعوان الحكومة، و مع امتناعه عن الحضور استعان بهم على إحضاره، كل ذلك مقتضى إطلاق كلامه- قدّس سرّه- و ادّعى على وجوب الإجابة لالتماس الخصم و لو قبل تحرير الدعوى في صورة كون الخصم حاضرا في البلد الإجماع، و ان خالف الإسكافي فيما إذا كان الخصم من أهل الشرف و المروات.

و أمّا إذا لم يكن الخصم حاضرا في البلد فلا يجب على الحاكم أن يعده أي أن يمهله للحضور إلّا مع تحرير الدعوى و وجدان القاضي دعواه مسموعة، و الفرق بين حاضر البلد و الغائب عنه تيسّر الحضور في الحاضر و عدم تيسّره في الغائب.

و الإحضار بعد تحرير الدعوى يختص بما إذا كان الغائب في موضع يدخل في ولاية القاضي و لم يكن فيه للقاضي خليفة، و لو كان فيه خليفة له يقال تسمع القاضي بينة

المدعي إن كانت، و أرسل إلى خليفته أن يحكم في واقعتهما.

و إن لم يكن ذلك البلد داخلا في ولايته حكم في الواقعة مع غياب الخصم ان كانت للمدعي بينة كما سيأتي في القضاء على الغائب، و إن رضى المدّعي بالحضور إلى ذلك البلد ليحكم القاضي في ذلك البلد بينهما أرجع الواقعة إلى

أسس القضاء و الشهادة، ص: 115

إذا كان في بعض مواضع ولايته و ليس له هناك خليفة يحكم، و إن كان في غير ولايته أثبت الحكم عليه بالحجة و إن كان غائبا، و لو ادّعى على امرأة فإن كانت برزة فهي كالرجل، و إن كانت مخدّرة بعث إليها من يثق به في الحكم بينها و بين غريمها.

______________________________

ذلك الحاكم.

هذا كلّه فيما إذا كان الخصم رجلا، أمّا إذا كانت امرأة فإن كانت برزة يعني من النساء التي من عادتهن البروز لحوائجهن و حضور مجالس الرجال فهي كالرجل فيما ذكر، و أمّا إذا كانت مخدرة تمتنع من الخروج إلى حوائجها من غير ضرورة و لا تخرج إلى مجالس الرجال بعث إليها من يثق به ليحكم بينها و بين غريمها.

أقول: لا موجب على القاضي في توجيه الطلب إلى الخصم بالحضور مجلس الحكم قبل تحرير المدّعي دعواه من غير فرق بين حضور الخصم و غيابه، لأنّه ما دام لم يثبت كون دعواه مسموعة لا يثبت للمدّعي حقّ الدعوى و من الظاهر أنّ تيسر الحضور و عدمه لا يوجب الحق في الأوّل دون الثاني، مع أنّه ربّما يكون الحضور للمخاصمة أمرا صعبا و حرجيا للخصم، كما إذا كان من أهل المروة و معروفا بعدم اعتدائه على الناس في حقوقهم و أموالهم، و لذا قيل إنّه لا يوجّه إليه الطلب.

نعم

لو علم القاضي بأنّ دعوى المدّعي مسموعة بقرينة حاله يمكن دعوى لزوم إحضار خصمه مع إمكانه سواء أ كان حاضرا في البلد أم غائبا عنه، كما أنّه لا فرق بين المرأة و الرجل، حيث يمكن للمرأة المخدرة أو الرجل الذي من أهل المروة و الشرف التوكيل في المخاصمة.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 116

..........

______________________________

ثمّ إنّ ثبوت ما ذكر في حق القاضي المنصوب بالنصب الخاص، أمّا من يحكم في الواقعة المرفوعة إليه بالنصب العام فوجوب الإجابة له عند طلب الخصم منه إحضار خصمه مع تمكنه عليه لا يخلو من قوة، بناء على ما تقدم من وجوب القيام بأمر بالقضاء بين الناس و فصل الخصومة بينهم، و استيفاء حقوق بعضهم من بعض، و اللّه سبحانه هو العالم.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 117

[النظر الثالث: في كيفية الحكم]

اشارة

النظر الثالث:

في كيفية الحكم

[و فيه مقاصد]

اشارة

و فيه مقاصد:

[المقصد الأوّل: في وظائف الحاكم]
اشارة

المقصد الأوّل: في وظائف الحاكم، و هي سبع:

[الأولى: التسوية بين الخصمين]

الأولى: التسوية بين الخصمين (1) في السلام و الجلوس و النظر و الكلام

______________________________

(1) ذكر- قدّس سرّه- أنّه يجب على القاضي التسوية بين الخصمين في السلام بدءا أو ردّا، و الجلوس بأن يجلسهما في مكان لا يعدّ مكان أحدهما أعلى المجلس و الآخر أسفله، بل مقتضى عبارته أنّهما لو جلسا كذلك كلّفهما بالجلوس سواء، كما هو ظاهر التسوية بينهما اللازمة رعايتها على القاضي، و يدخل فيها التسوية في النظر إليهما بأن لا يختص نظره إلى أحدهما أو يكون أكثر منه إلى الآخر، و في الكلام معهما سواء أ كان الكلام راجعا إلى المشاجرة أم غيرها، و في الإنصات و الاستماع إليهما عند تكلّمهما، كما يجب على القاضي العدل في الحكم بينهما.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 118

و الإنصات و العدل في الحكم، و لا تجب التسوية في الميل بالقلب لتعذّره غالبا، هذا

______________________________

أقول: العدل في الحكم بينهما ممّا لا ينبغي التأمّل في اعتباره لقوله سبحانه:

وَ إِذٰا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّٰاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ «1»، و لكن لا يعرف من العدل في الحكم إلّا الحكم على موازين القضاء و ترك الجور فيه و إلّا يكون الحكم باطلا غير نافذ.

أمّا غيره من التسوية في السلام و الجلوس و النظر و الكلام و الإنصات فوجوبها منسوب إلى الصدوقين و إلى الأشهر أو المشهور بين المتأخرين بل مطلقا، كما يجد الناظر في كلمات الأصحاب، و يستدلّ على ذلك بمعتبرة السكوني عن أبي عبد اللّه- عليه السلام-: «قال: قال أمير المؤمنين- عليه السلام-: من ابتلي بالقضاء فليواس بينهم في الإشارة و في النظر و في المجلس» «2». و قد تقدمت معتبرته في إضافة أحد الخصمين

«3»، و لعلّ ما ذكر في المعتبرة من باب المثال و المراد التسوية بينهم و لو في غير ذلك من كيفية المعاشرة و الإكرام، لئلا يتوهم أحدهما ميل القاضي إلى الآخر، و أنّه يقضي له و لو بالجور عليه، كما يظهر ذلك ممّا ورد في خبر سلمة بن كهيل من قول علي- عليه السلام- لشريح: «ثم واس بين المسلمين بوجهك و منطقك و مجلسك حتى لا يطمع قريبك في حيفك و لا ييأس عدوّك من عدلك» «4».

و الظاهر انّ الإيهام المزبور حكمة في رعاية التسوية، فيعمّ لزومها حتى ما إذا عرف القاضي بأنّه لا يعدل عن الحق و الحكم على موازين القضاء حتى مع أقرب الناس إليه، و أيضا يختصّ التسوية بما إذا كان المتخاصمان مسلمين، و لو كان

______________________________

(1) النساء: 58.

(2) الوسائل: ج 18، الباب 3 من أبواب آداب القاضي، الحديث 1: 157.

(3) الوسائل: ج 18، الباب 3 من أبواب آداب القاضي، الحديث 2: 157.

(4) الوسائل: ج 18، الباب 1 من أبواب آداب القاضي، الحديث 1: 155.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 119

كلّه مع التساوي في الإسلام أو الكفر، و لو كان أحدهما مسلما جاز أن يكون الذمي قائما و المسلم قاعدا أو أعلى منزلا.

______________________________

أحدهما مسلما فلا يجب رعايتها، نعم يتعين الحكم بالعدل و عدم الجور لما تقدم و عدم رعاية التسوية لعدم كون الكافر أهلا للإكرام و لا يكون مساويا للمؤمن، و في المروي عن علي- عليه السلام-: «أنّه جلس في جنب شريح في حكومة له مع يهودي في درع و قال: لو كان خصمي مسلما لجلست معه بين يديك و لكن قد سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم

يقول: لا تساووهم في المجلس» «1».

كما أنّ التسوية تختص بالأفعال و لا تعم الميل القلبي بأنّ لا يحبّ أن يكون الحق و الحكم على طبق موازين القضاء لصالح فلان من المتخاصمين و أن يظهر التسوية بالإضافة إلى ذلك أيضا من صحيحة أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر- عليه السلام- في حكاية قاض في بني إسرائيل «2».

و الوجه في عدم الوجوب كون التكليف في التسوية في الميل القلبي أمرا حرجيا و شاقا، و لا يمكن أن يعتمد على الصحيحة في الحكم بلزوم التسوية في الميل القلبي بالإضافة إلينا بل غايتها ثبوت ذلك في بني إسرائيل، و تصدي الإمام- عليه السلام- لنقلها لا يدلّ على بقاء ذلك الحكم بحدّه بل يكفي بقاء أصل مطلوبيتها و قد كان في بني إسرائيل من التكاليف الشاقة و ليكن هذا منها خصوصا بملاحظة قوله سبحانه مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ «3».

و المتحصل أنّ الموجب لهلاك القاضي ميله عن موازين القضاء في حكمه.

و في معتبرة السكوني عن أبي عبد اللّه- عليه السلام- «قال: قال أمير المؤمنين- عليه السلام-:

______________________________

(1) المغني لابن قدامة 11: 444.

(2) الوسائل: ج 18، الباب 9 من أبواب آداب القاضي، الحديث 1: 164.

(3) الحج: 78.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 120

[الثانية: لا يجوز أن يلقّن أحد الخصمين ما فيه ضرر على خصمه]

الثانية: لا يجوز أن يلقّن أحد الخصمين ما فيه ضرر على خصمه (1) و لا أن يهديه لوجوه الحجاج، لأنّ ذلك يفتح باب المنازعة و قد نصب لسدّها.

______________________________

يد اللّه فوق رأس الحاكم ترفرف بالرحمة، فإذا حاف وكله اللّه على نفسه» «1»، بناء على أنّ المراد بالحاكم القاضي أو ما يعمّه، بل يكفي في ذلك قوله سبحانه كُونُوا قَوّٰامِينَ لِلّٰهِ شُهَدٰاءَ بِالْقِسْطِ وَ لٰا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلىٰ

أَلّٰا تَعْدِلُوا «2».

و لكن الإنصاف أنّ التسوية في الجلوس و النظر و الكلام و الإنصات و غير ذلك من حسن المعاشرة من الآداب المستحبة للقاضي، كما نقل ذلك عن الديلمي و العلّامة و غيرهما، و لا يتعين رعايتها، لأنّ الظاهر أنّ الأمر بها لدفع إيهام أحد المتخاصمين إنّه يراعي جانب الآخر و يعدل عن الحكم بالحق، و هذا ليس من الملاك الملزم، خصوصا بعد ما علم المتخاصمان من القاضي العدل في حكمه، و أنّه لا يعدل عن القضاء بموازينه في أي قضية ترفع إليه.

(1) ذكر- قدّس سرّه- أنّه لا يجوز للقاضي أن يلقّن أحد الخصمين ما يضرّ خصمه بأن يلقّنه ما يكون موجبا لسماع دعواه، كما إذا قال المدّعي إنّ له بيد خصمه مالا فسكت قال له الحاكم لا بدّ من أنّك رأيت المال المزبور و تتمكن من توصيفه و تعيينه و الداعي له إلى هذا القول تلقين المدّعي أن يضم تعيين المال إلى دعواه، ليمكن سماعها، أو يلقن أحد الخصمين طريق الاحتجاج، كأن يقول لمن يريد إنكار الدين عليه بدعوى الأداء: انّك ما اقترضت من مدّعي المال عليك بداعي تلقينه أنّ له مع علمه بفراغ ذمّته إنكار أصل الاقتراض لجواز الكذب فيما إذا توقف عليه دفع الضرر و لو كان ماليا، و الوجه في عدم الجواز أنّ القاضي جعل

______________________________

(1) المائدة: 8.

(2) الوسائل: ج 18، الباب 9 من أبواب آداب القاضي، الحديث 1: 164.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 121

[الثالثة: إذا سكت الخصمان استحب أن يقول لهما تكلما أو ليتكلّم المدّعي]

الثالثة: إذا سكت الخصمان استحب أن يقول لهما تكلما (1) أو ليتكلّم المدّعي، و لو أحسّ منهما باحتشامه أمر من يقول ذلك. و يكره أن يواجه بالخطاب أحدهما لما يتضمن من إيحاش الآخر.

______________________________

لسد المنازعة،

و تلقينه في الأوّل فتح لبابها، كما أنّ تلقينه طريق الاحتجاج إضرار أو فيه ضرر لخصمه فإنّ مقتضى الاستصحاب بقاء الدين على عهدة مدّعي الأداء.

أقول: تلقينه طريق الاحتجاج لا يجوز فيما إذا لم يحرز القاضي صدق مدعى الأداء، أمّا مع علمه فالتلقين المزبور اعانة للمظلوم و انتصار له، و ما قيل من أنّه مع إحراز الصدق لا يحتاج إلى التلقين فإنّ للحاكم أن يحكم بعلمه يدفعه إمكان المانع عن حكمه من غير إنكار المنكر، فيكون تلقينه طريق الاحتجاج مقدمة لإيصال الحق إلى صاحبه.

و أيضا تلقينه ما يصحح دعوى المدّعي لم يعلم عدم جوازه فإنّ التلقين المزبور و إن يوجب فتح باب المرافعة، و لكن مجرّد ذلك ليس مانعا عن جوازه، لأنّ القاضي جعل لفصل المنازعة لا لسدّها، كما لا يخفى.

(1) ذكر- قدّس سرّه- انّه إذا سكت الخصمان الحاضران مجلس القضاء استحب للقاضي أن يوجّه إليهما الخطاب بقوله تكلّما أو ليتكلّم المدّعي منكما، و لو أحسّ القاضي إنّ الخصمين قد دخلاهما الخجل و الاستحياء من القاضي، يقول لمن يقول لهما تكلّما أو ليتكلّم المدّعي منكما، و يكره للقاضي أن يوجّه خطابه إلى أحدهما بقوله تكلّم، لأنّ توجيه الخطاب إلى أحدهما بخصوصه إدخال الآخر في الوحشة.

أقول: لم يعلم الوجه في ترتب أمره لمن يقول لهما ذلك على إحساسه بأنّ

أسس القضاء و الشهادة، ص: 122

[الرابعة: إذا ترافع الخصمان و كان الحكم واضحا لزمه القضاء]

الرابعة: إذا ترافع الخصمان و كان الحكم واضحا لزمه القضاء و يستحب ترغيبهما في الصلح (1) فإن أبيا إلّا المناجزة حكم بينهما.

______________________________

سكوتهما لاحتشامه. و لعلّ توجيه الخطاب إليهما داخل في عنوان المعاشرة بالمعروف، و يستحب بذلك العنوان، و لكن قوله- قدّس سرّه-: و يكره توجيه الخطاب إلى أحدهما ينافي ما سبق

من وجوب التسوية بين الخصمين في الكلام و دعوى استثناء ذلك من العموم المزبور كما ترى! و كيف ما كان فقد تقدم عدم الدليل على عدم الجواز فيكون توجيهه إلى أحدهما تركا للاستحباب.

(1) يستحب للقاضي دعوة المتخاصمين قبل الحكم للصلح بينهما، لأنّه داخل في الأمر بالمعروف، بل الصلح و الإصلاح في نفسه أمر مستحب، و في صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه- عليه السلام-: «لأنّ أصلح بين اثنين أحبّ إليّ من أن أتصدّق بدينارين» «1»، و يمكن أن يستظهر ذلك من قوله سبحانه:

وَ لٰا تَجْعَلُوا اللّٰهَ عُرْضَةً لِأَيْمٰانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَ تَتَّقُوا وَ تُصْلِحُوا بَيْنَ النّٰاسِ «2»، و إذا سئل المدّعى المناجزة حكم بينهما على ما تقدم من وجوب القضاء و فصل الخصومة بين الناس.

و إذا أشكل الحكم بينهما لعدم إحراز القاضي المدّعي من المنكر في الواقعة أو عدم تشخيصه الكبرى فيما كان منشأ اختلافهما الاختلاف في الكبرى فلا يجوز له الحكم، لأنّه من القضاء بغير علم، فيؤخر القضاء في الواقعة إلى وضوح الحكم و خروج قضائه عن القضاء بغير علم و عن كونه قضاء بغير موازينه.

______________________________

(1) الوسائل: ج 13، الباب 1 من أحكام الصلح، الحديث 1: 162.

(2) البقرة: 224.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 123

[الخامسة: إذا ورد الخصوم مترتبين بدأ بالأوّل فالأوّل]

الخامسة: إذا ورد الخصوم مترتبين بدأ بالأوّل فالأوّل (1)، فإن وردوا جميعا قيل:

يقرع بينهم، و قيل: يكتب أسماء المدعين و لا يحتاج إلى ذكر الخصوم، و قيل: يذكرهم أيضا لتنحصر الحكومة معه و ليس معتمدا، و يجعلها تحت ساتر ثم يخرج رقعة رقعة و يستدعي صاحبها، و قيل: إنّما يكتب أسماءهم مع تعسّر القرعة بالكثرة.

______________________________

(1) قيل إنّ البدء بالأوّل لكونه أحقّ بالسبق، و على ذلك فإن كان

السابق واحدا تعيّن و ان لم يحرز السابق أو وردوا جميعا يقرع بينهم بكتابة اسم كل واحد منهم في رقعة و جمع القاضي تلك الرقع تحت الساتر و يخرج واحدا واحدا و إذا خرج اسم واحد أجرى الحكم بينه و بين خصمه، بعد سماع دعواه و مطالبته القضاء بينهما، و لا يحتاج إلى كتابة أسماء الخصوم مع أصحاب الدعوى لأنّ القضاء و مطالبته حق للمدعى.

و قيل بذكر الخصوم معهم لتحضروا مع أصحاب الدعوى للحكم، و لكنه ضعيف لما تقدم من عدم كونهم أهل الحق ليخرج الحق لهم بالقرعة، و ربّما قيل: إنّ كتابة أسماء المدّعين كما ذكر بعد تعذّر القرعة أو تعسره لكثرة المدّعين و إلّا يقرع بينهم بما هو المعروف من وضع الرقاع في بنادق من طين و نحوه و سترها، و لكن لا يخفى إنّ كلا النحوين من القرعة فيما بينهم، فلا يتوقف اختيار كتابة الأسماء كما ذكر على تعذّر الأوّل أو تعسره.

نعم الكلام في تعيّن أصل القرعة و عدم تخيير القاضي في اختيار الأوّل، فالأوّل فيما وردوا جميعا، بل مع ورودهم مترتّبين، فإنّ الورود أوّلا لا يوجب الحق الملزم للسابق حتى تجب القرعة لإخراجه و ما تقدم من لزوم التسوية على تقدير القول به لا ينافي التخيير في المقام، فإنّها بالإضافة إلى المتخاصمين في واقعة لا بين الخصم في واقعة و بين خصم للآخر في واقعة أخرى، و هذا فيما إذا لم يشترط على القاضي في نصبه تقديم السابق، و إلّا فعليه رعايته مع إحراز السابق، و اللّه سبحانه هو العالم.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 124

[السادسة: إذا قطع المدّعى عليه دعوى المدعي بدعوى لم يسمع]

السادسة: إذا قطع المدّعى عليه دعوى المدعي بدعوى لم يسمع (1) حتى يجيب عن الدعوى

و تنتهي الحكومة ثمّ يستأنف هو.

______________________________

(1) إذا قطع الخصم دعوى خصمه بدعوى أخرى لا تسمع منه حتى يجيب عن الدعوى و يحكم القاضي فيها. و كذا إذا بدر أحد الخصمين بالدعوى فهو أولى، بمعنى أنّه لا تسمع دعوى خصمه حتى يجيب عن تلك الدعوى بالإنكار أو بالاقتدار أو بغيرهما و يحكم القاضي فيها، و كلّ ذلك بملاحظة ان السابق و المبادر بطرح دعواه لسبقه في دعواه أحق بالقضاء بناء على ما تقدم من كون ذلك موجبا للحق الملزم و لا يبعد كون ذلك من الأدب إلّا إذا احتمل القاضي الارتباط بين الدعويين، بحيث يظهر من الاستماع إلى الثانية الحال في بعض الخصوصيات في الدعوى الأولى.

و لو ابتدرا معا فالذي على يمين خصمه أولى بالدعوى، و قد حكى على ذلك الإجماع عن السيد و الشيخ- قدّس سرّهما-، و يستدل على ذلك بخبر محمد ابن مسلم عن أبي جعفر- عليه السلام- «قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن يقدم صاحب اليمين في المجلس بالكلام» «1»، و صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه- عليه السلام- قال: «إذا تقدمت مع خصم إلى وال أو إلى قاض فكن عن يمينه» «2».

و لكن لا يخفى أنّ الخبر لضعف سنده و عدم تمام دلالته لا يمكن الاعتماد عليه، فإنّ سند الصدوق- قدّس سرّه- إلى محمّد بن مسلم فيه علي بن أحمد بن عبد اللّه عن أبيه، و ابن الجنيد و ان روى الخبر عن كتاب الحسن بن محبوب و لكن سنده إلى كتابه غير معلوم لنا، مع أنّ المراد بصاحب اليمين من كان جالسا يمين خصمه لا يمين القاضي غير ظاهر.

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب

5 من أبواب آداب القاضي، الحديث 2: 160.

(2) الوسائل: ج 18، الباب 5 من أبواب آداب القاضي، الحديث 1: 160.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 125

[السابعة: إذا بدر أحد الخصمين بالدعوى فهو أولى]

السابعة: إذا بدر أحد الخصمين بالدعوى فهو أولى، و لو ابتدرا بالدعوى سمع من الذي عن يمين صاحبه، و لو اتفق مسافر و حاضر فهما سواء (1) ما لم يستضرّ أحدهما بالتأخّر، فيقدم دفعا للضرر، و يكره للحاكم أن يشفع في إسقاط حق أو إبطال (2).

______________________________

أمّا صحيحة عبد اللّه بن سنان فلا دلالة لها على حكم طرح الدعوى و أحقية صاحب اليمين في طرحها، لأنّ المحتمل أن يكون الجلوس بيمين الخصم مستحبا في نفسه، و لذا ذكر في الوسائل عنوان الباب: استحباب القيام عن يمين الخصم و يستحب للقاضي أن يقدم الذي عن يمين خصمه بالكلام، و أمّا دعوى الإجماع فيظهر الحال فيها بمراجعة كلمات الأصحاب، و عدم كونه على تقديره مدركيا.

(1) يعني إذا كان أحد المدعيين حاضرا و الآخر مسافرا، فلا يكون المسافر أحق بالقضاء بينه و بين خصمه من الحاضر، فيقرع بينهما في سماع الدعوى ما لم يكن تأخير المسافر مضرّا بحاله، و إلّا يقدم.

و قيل: ان تضرر المسافر لا يوجب سقوط حق الحاضر، كما في الازدحام على سائر الحقوق المشتركة، و يجاب بأنّ التخيير في المقام حق القاضي و ترجيحه، و مع عدم المرجح الشرعي يرجع إلى القرعة في حق تخييره و لزوم الضرر على أحدهما دون الآخر مرجح شرعي في حق تخييره، و مثل المسافر المرأة التي تتضرر بالتأخير عن بيتها.

و لكن لا يخفى أنّ لزوم الممانعة عن تضرّر الآخر مطلقا غير محرز.

(2) ذكر- قدّس سرّه- انّه يكره للقاضي الشفاعة إلى أحد الخصمين في إسقاط

حقّه بعد ثبوته بحكمه أو إبطاله حقّه في الدعوى على خصمه قبل حكمه، و يستدل على ذلك بما عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حيث سأله أسامة حاجة لبعض من خاصمه

أسس القضاء و الشهادة، ص: 126

[المقصد الثاني: في مسائل متعلّقة بالدعوى]
اشارة

المقصد الثاني: في مسائل متعلّقة بالدعوى، و هي خمس:

[الأولى: قال الشيخ لا تسمع الدعوى إذا كانت مجهولة]

الأولى: قال الشيخ لا تسمع الدعوى إذا كانت مجهولة (1)، مثل أن يدعي

______________________________

إليه فقال: «يا أسامة لا تسألني حاجة إذا جلست مجلس القضاء فإنّ الحقوق ليس فيها شفاعة» «1».

و على ذلك فقد يتراءى التنافي بين ذلك و بين ما تقدم من أنّه يستحب للقاضي ترغيب المتخاصمين في الصلح الموجب للإغماض عن بعض الحق، و ربّما يجمع بينهما بجعل الصلح أمرا متوسطا بين الاسقاط و عدمه أو ترغيبهما في الصلح ببعث القاضي شخصا في ترغيبهما، أو كون الترغيب إلى الصلح مستثنى من الحكم المزبور لكون الصلح أمرا مرغوبا إليه و كون إصلاح ذات البين أفضل من الصدقة، خصوصا فيما كان الترغيب قبل ثبوت الحق، حيث إنّ ظاهر الرواية مع ضعف طريقه الشفاعة بعد ثبوته كما لا يخفى.

(1) المحكي عن الشيخ و أبي الصلاح و بني حمزة و زهرة و إدريس و العلّامة في التحرير و التذكرة لا تسمع الدعوى فيما إذا كان المدّعى به مجهولا لم يعيّنه المدّعي أو لم يصفه بما يرفع جهالته، كما إذا ادّعى أنّ له على الآخر فرسا أو ثوبا من غير ذكر خصوصياته و أوصافه، و علّل ذلك بعدم الفائدة في سماعها، حتى فيما لو أقرّ به خصمه، حيث لا يمكن أخذ المعترف بشي ء معيّن.

و أورد على ذلك بأنّهم ذكروا سماع الإقرار بالمجهول، و يكلّف المعترف بالتفسير، فإن فسّره بشي ء تعيّن أخذه به لنفوذ إقراره على نفسه، و مع عدم تفسيره يؤخذ بما يصدق عليه عنوان المدعى به، و على ذلك فاللازم سماع دعوى المدّعي

______________________________

(1) المستدرك: ج 17، الباب 11 من أبواب القاضي، الحديث 2: 358.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 127

فرسا أو ثوبا و يقبل الإقرار بالمجهول و يلزم تفسيره، و في الأوّل إشكال، و أمّا لو كانت الدعوى وصية سمعت و إن كانت مجهولة لأنّ الوصية بالمجهول جائزة،

______________________________

لإمكان اعتراف خصمه به، فيلزم لسماع الإقرار بالمجهول سماع الدعوى المجهولة.

و دعوى الفرق بين الإقرار بالمجهول و الدعوى المجهولة حيث إنّه لو لم يسمع الإقرار بالمجهول لأدى ذلك في بعض الأحيان إلى رجوع المعترف عن اعترافه، و فيه ذهاب حق الغير، بخلاف الدعوى المجهولة، فإن إلزامه بالتفسير لا يوجب رفع يده عن دعواه أو ذهاب حقّ الغير عليه، و لكن لا يخفى ما فيها، حيث إنّ المدّعي قد لا يتمكن من تفسير دعواه و تعيين المدّعى به لنسيانه، فعدم سماع دعواه يوجب رفع يده عنها، و ان يضيع حقه على الغير.

و قال بعض: انّه لو كانت الجهالة في الدعوى بحيث توجب خروج ما يذكره عن عنوان الدعوى على الغير في بعض احتمالاتها فلا تسمع، إلّا مع رفعه ذلك الاحتمال. و إذا قال إنّه أتلف عليّ ثوبا و احتمل كونه ممّا لا مالية له فلا تسمع دعواه، بخلاف ما إذا قال أتلف عليّ ثوبا من أموالي، و قال بعض آخر: أنّه لو كان المدعى به من القيميات و فرض تلفه فيعتبر في سماع دعواه تعيين القيمة التي يدعيها على خصمه، و إن كان مثليا فيعتبر تعيين أوصافه بما يعتبر في بيعه سلفا و لا يعتبر تعيين القيمة و إن كان من الأثمان فيعتبر جنسه و وصفه و نقده و قدره.

قال في الدروس تبعا للشيخ- قدّس سرّه-: لا يعتبر في بيع شي ء بثمن تعيين نقده لانصرافه إلى نقد البلد بخلاف الدعوى فإنّه يعتبر في سماعها تعيين النقد لأنّ الدعوى

اخبار عن الماضي فيحتمل النقود المختلفة بخلاف البيع حيث

أسس القضاء و الشهادة، ص: 128

و لا بدّ من إيراد الدعوى بصيغة الجزم (1) فلو قال: أظن أو أتوهّم لم يسمع، و كان

______________________________

إنّه إنشاء و إيجاب في الحال ينصرف إطلاقه إلى نقد البلد، و أمّا دعوى الوصية فإنّها تسمع و ان كانت الوصية المدّعى بها لم تعيّن لصحّة الوصية بالمجهول.

أقول: لا يعتبر في سماع الدعوى ارتفاع الجهالة عنها، بل لو كانت الدعوى بحيث مع إقرار الخصم يلزم بالتفسير، و مع اعتذاره عن التفسير بالنسيان و نحوه يلزم بما يصدق عليه عنوان المدّعى به، كان هذا كافيا كما تقدم، و لا دليل على اعتبار الأزيد من ذلك، و ممّا ذكر يظهر وجه المناقشة فيما ذكره في الدروس و لا حاجة إلى الإعادة.

(1) ذكروا في سماع الدعوى بإلزام الخصم بالجواب كون دعواه جازمة، فلا تسمع فيما كانت على وجه التردّد أو الظن، كما إذا قال: احتمل أو أظن أنّ لي عند زيد أو عليه مالا، و يقال في وجه اعتبار الجزم تارة بعدم صدق الدعوى بدونه.

فإنّها الإخبار الجازم، و أخرى بأنّ من لازم الدعوى شرعا أنّه إذا ردّ المنكر اليمين على المدعي أو نكل أن يتمكن من الحلف عليها.

و لكن لا يخفى ما في الاستدلال بهما، فإنّ صدق المنازعة و المخاصمة، بل صدق الدعوى في موارد الاتهام ظاهر، و جواز ردّ الحلف أو الرد بالنكول يثبت في غير موارد الجزم أيضا، غاية الأمر لا يجوز للمدّعي في تلك الموارد الحلف بحقّه لعدم علمه، فيلزم إيقاف الدعوى أو سقوطها كما يأتي.

نعم قد يستدل على عدم سماع الدعوى مع عدم الجزم بوجه آخر، و هو: أنّ الامارة أو الأصل

الجاري في الواقعة عند القاضي يعتبر في حق المدّعي المزبور أيضا لفرض عدم علمه بالواقع، و مقتضى الاعتبار في حقه أيضا عدم جواز إلزام خصمه بشي ء.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 129

بعض من عاصرناه يسمعها في التهمة و يحلف المنكر، و هو بعيد عن شبه الدعوى.

______________________________

و لكن هذا الاستدلال لا يوجب عدم سماع دعواه فيما إذا كان في البين بيّنة، أو يحتمل أن يعترف بحقّه لو كان خصمه ملزما بالجواب لاحتماله علمه بالواقع و ثبوت حقّه. اللهم إلّا أن يقال إنّ مع البينة بحقه تكون دعواه جازمة لأنّها علم بالواقع، و أمّا مع عدمها فاحتماله علم خصمه بحقّه على تقديره لا يفيده شيئا في سماع دعواه حيث انّ الامارة أو الأصل حجّة لعدم ثبوت الحق له ليطالب به الآخر أو يدعي عليه.

نعم لا يجوز لمن لا جزم له بحقّه و لكن كان مقتضى الأصل المعتبر ثبوت حقّه أن يوجه الدعوى إلى غريمه اعتمادا عليه، كما إذا استدان منه آخر و شكّ في أنّه أدّى ما عليه من الدين أم لا فيجوز له الأخذ باستصحاب بقاء الدين على عهدته و يوجّه إليه الطلب بالوفاء، فالقول بعدم سماع الدعوى على الغير في هذه الصورة بلا وجه، و كذا ما كان له عند غيره مالا فاحتمل عدم ردّه عليه و نحو ذلك، و على الجملة فالقول باعتبار الجزم في سماع الدعوى على الإطلاق لا يمكن المساعدة عليه.

ثمّ إنّه لا يجوز له في موارد عدم سماع الدعوى بغير جزم إبراز الدعوى بصورة الجزم فإنّ الاخبار عن جزم يدخل في الكذب، و التورية لا تنفعه مع عدم حزمه، فلو علم القاضي انّه غير جازم في دعواه و أنّه أبرزها بصورة

الجزم فلا يرتب عليه أثرا، نعم مع عدم علمه بذلك يكون ظاهر قوله معتبرا في كونها على نحو الجزم كان كاذبا أو مورّيا، و هذا بخلاف موارد الدعوى اعتمادا على الأصل المعتبر، فإنّه يجوز فيها الدعوى بنحو الجزم مع كون مفاد الأصل التعبد بالعلم.

و قد يقال: انّ عدم سماع الدعوى مع عدم الجزم يختص بما إذا كان من يدعي عليه مأمونا، و أمّا إذا كان متّهما فتسمع الدعوى في موارد الاتهام، كما في

أسس القضاء و الشهادة، ص: 130

[الثانية: قال: إذا كان المدعى به من الأثمان افتقر إلى ذكر جنسه و وصفه و نقده]

الثانية: قال: إذا كان المدعى به من الأثمان افتقر إلى ذكر جنسه و وصفه و نقده، و إن كان عرضا مثليا ضبطه بالصفات و لم يفتقر إلى ذكر قيمته و ذكر القيمة

______________________________

دعوى القتل و السرقة و نحوهما فيما كان المدّعى عليه غير مأمون، و عن بعضهم تخصيص السماع في المال الذي يكون بيد المدعى عليه للعمل فيه للمدعي أو استيفائه منه حقّه أو بوجه العارية و الوديعة، فإنّ صاحب المال إذا اتّهمه بالخيانة بإمساك المال أو إتلافه أو الإفراط و التفريط فيه و كان متهما غير مأمون تسمع دعواه، و إن لم يكن اتهامه على نحو الجزم.

أقول: مدلول الروايات التي وردت في ضمان الأجير غير المأمون لا يرتبط بسماع الدعوى، بل مفادها أنّ الأجير ضامن لما تلف بيده، إلّا إذا أقام بيّنة أنّه لم يحصل منه إفراط و تفريط و إتلاف من غير توقف الضمان على حلف المالك. و هذا الحكم و ان التزم به جماعة و لم يلتزم به الأكثر بل المشهور ببعض الروايات الظاهرة في خلافه، إلّا أنّه على كل تقدير خارج عن البحث في المقام.

بقي في المقام أمر، و هو أنّه إذا

تردد المدعي عليه بين اثنين أو أكثر كما إذا قال: قتل ابني أحد هذين، أو سرق أحدهما مالي، أو أنّ أحدهما مديون لي، فهل على القاضي سماع الدعوى بمطالبتهما بالجواب أو أنّه يعتبر في سماعها تعيين المدعى عليه؟

فقد يقال بعدم السماع لعدم وجوب الجواب على كل منهما لعدم توجه الدعوى إليه بل لعدم فائدة الجواب لو قال كل منهما نعم واحد منّا كذلك، حيث إنّ الإقرار كذلك لا يوجب على المقرّ شيئا، فإنّه ليس من الإقرار على النفس، بل الإقرار المزبور جامع بين الشهادة على الغير و الإقرار على النفس، بل لو كان للمدّعي بيّنة على دعواه، و شهدت تلك البيّنة بالحق من غير تعيين من عليه الحق لا تفيد شيئا، إذ البيّنة لا تزيد على علم القاضي بالحال و أنّه لا يمكن له الحكم على أحدهما بذلك العلم الإجمالي إلّا في موارد خاصة، كتقسيط الدية عليهما أخذا

أسس القضاء و الشهادة، ص: 131

أحوط، و إن لم يكن مثليا فلا بدّ من ذكر القيمة و في الكل إشكال ينشأ من مساواة الدعوى بالإقرار.

______________________________

بما ورد في الميت يوجد بين أهل قرية و نحوها.

و يظهر من المحقق في باب القصاص السماع في مثل دعوى القتل، قال:

و لو قال قتله أحد هذين سمع، إذ لا ضرر في إحلافهما و لو أقامت بيّنة سمعت لإثبات اللوث. و في المسالك: الوجه في سماع هذه الدعوى عدم تضررهما بإحلافهما بخلاف عدم سماع الدعوى، حيث إنّ المدّعي يتضرّر بذهاب حقه لاخفاء القاتل قتله غالبا حتى لا يدّعي عليه غالبا، و كذلك غير القتل من السرقة و الخيانة و الإتلاف فإنّه في أمثال هذه تسمع الدعوى على المردّد بخلاف دعوى القرض و

البيع و نحوهما ممّا لا يكون في الغالب إلّا ظاهرا فإنّه لا تسمع في هذه الموارد الدعوى على المردّد و احتمل السماع حيث انّ الإنسان عرضة للنسيان و لا يتوجّه من سماع الدعوى ضرر على المدّعى عليهم و لا يثبت بالبينة بالمردّد الحق على أحدهم بل يثبت اللوث يعني التهمة و يتعين من عليه الحق بالحلف.

أقول: لو ثبت أنّ مع ثبوت الحق على المردّد بين محصورين يقسّط ذلك الحق عليهم أو يخرج من عليه الحق بالقرعة تسمع الدعوى على المردّد، حيث يثبت التقسيط أو الإخراج بالقرعة بإقرارهم، و كذا مع نكولهما أو ردّهما اليمين على المدّعى، و أمّا إذا لم يثبت التقسيط و الإخراج بالقرعة كما هو كذلك بالإضافة إلى التقسيط في غير مورد القتل، و كذا الإخراج بالقرعة لو لم تتم دعوى استفادته من بعض ما ورد فيها، بل من الآية المباركة الواردة في قضية يونس- على نبينا و آله و عليه الصلاة و السلام. فمقتضى الأصل من ناحية عدم ثبوته على كل واحد منهما أو منهم كما ذكروا في مثل الجنابة المردّدة بين شخصين عدم مطالبة أي منهما أو منهم بشي ء.

لا يقال: لا يجري في المقام الأصل في ناحية عدم الاشتغال في حق كل واحد لكون جريانه كذلك ضرر على المدعى، فكما أنّ حديث نفي الضرر ينفي

أسس القضاء و الشهادة، ص: 132

[الثالثة: إذا تمت الدعوى هل يطالب المدّعى عليه بالجواب أو يتوقف ذلك على التماس المدّعى؟]

الثالثة: إذا تمت الدعوى هل يطالب المدّعى عليه بالجواب أو يتوقف ذلك على التماس المدّعى؟ فيه تردد (1) و الوجه أنّه يتوقف لأنّه حق له فيقف على المطالبة.

______________________________

الأحكام الواقعية عند كونها ضرريّة كذلك تنفي الأحكام الظاهرية الموجبة للضرر، و بتعبير آخر حكومة قاعدة نفيه على حدّ سواء بالإضافة إلى

الأحكام المجعولة واقعية كانت أو ظاهرية.

فإنّه يقال: لو سلم ذلك فمن المقرّر في محلّه أنّه لا حكومة لقاعدة نفي الضرر في موارد تعارض الضررين الموجب لعدم كون الرفع امتنانا و المقام منه، فإنّه كما أنّ في جريان الاستصحاب في حقّ كل منهما ضررا على المدّعي فرفع الاستصحاب أيضا فيه ضرر على المدّعى عليهم.

و ممّا ذكرنا يظهر الحال في سماع الدعوى مع الترديد في صاحب الحق، كما لو ادّعى اثنان أنّ لأحدهما على فلان حقّ كذا، و أنّه بناء على التقسيط أو الإخراج بالقرعة تسمع الدعوى، بل السماع في الفرض أظهر، حيث يمكن أن يوكّل أحدهما الآخر في الدعوى عليه، و مع هذا التوكيل يمكن للوكيل توجيه الدعوى الجازمة إليه، غاية الأمر مع استيفاء الحق باعترافه أو بنكوله أو بردّه اليمين يقسط ذلك الحق لهما، أو يخرج صاحبه بالقرعة، و اللّه سبحانه هو العالم.

(1) ذكر- قدّس سرّه- إنّه إذا تمت الدعوى من المدّعي فهل على القاضي أن يطالب المدعى عليه بالجواب أو أنّ مطالبته يتوقّف على التماس المدّعي، ففي ذلك تردّد، فإنّ الشيخ- قدّس سرّه- حكي عنه قولان، و لكن الوجه أنّه يتوقف على التماسه فإنّ الجواب يرجع إلى حق المدّعي فيتوقف على مطالبته.

و ذكر في الجواهر: أنّ الأوجه خلاف ذلك، و أنّ مطالبة الحاكم لا يتوقف على التماس المدّعي للأصل، و انّ الجواب حق للحاكم فإنّه المكلّف على فصل الخصومة المتوقف على المطالبة بالجواب.

و عن الشهيد الثاني وجه آخر لعدم التوقف و هو قيام القرينة الحالية على

أسس القضاء و الشهادة، ص: 133

[الرابعة: لو ادّعى أحد الرعية على القاضي]

الرابعة: لو ادّعى أحد الرعية على القاضي، فإن كان هناك إمام رافعه إليه و إن لم يكن و كان في غير

ولايته رافعه إلى قاضي تلك الولاية و إن كان في ولايته رافعه إلى خليفته (1).

______________________________

مطالبة المدّعي و إرادته الجواب؛ إذ الإنسان لا يحضر بخصمه مجلس الحكم إلّا لإرادته فصل الخصومة المتوقف على سماع القاضي جواب خصمه، و أورد في الجواهر في هذا الوجه بأنّ مقتضاه توقف المطالبة بالالتماس و لو كان ذلك الالتماس بشاهد الحال.

أقول: إن كان المراد بالأصل الأصل العملي فلا ينبغي التأمّل في أنّ مقتضاه عدم وجوب مطالبة المدّعي عليه بالجواب عند التماس المدّعي حيث إنّ الوجوب في الفرض محرز و مع عدم التماسه مدفوع بأصالة البراءة.

و إن كان المراد منه الإطلاق في مثل قوله سبحانه كُونُوا قَوّٰامِينَ بِالْقِسْطِ «1» فقد تقدم انّ وجوب القضاء على القاضي مشروط بمطالبته منه، و لا يجب عليه إحضار المتخاصمين من غير مراجعتهما إليه أو التماس المدّعى القضاء، و على ذلك فمع مطالبة القضاء فعلى القاضي أن يطالب خصمه بالجواب التمس المدّعي أو لم يلتمس.

(1) حاصله أنّه إذا كان لأحد الرعية دعوى مال أو حق على القاضي تسمع تلك الدعوى على القاضي كما تسمع دعوى أحد الرعية على مثله، كما يشهد بذلك ما نقل عن علي- عليه السلام- من حضوره مع خصمه عند شريح، و ثبوت منصب القضاء لا ينافي ما ثبت في الشرع من كون البيّنة على المدّعي و اليمين على من ادّعي عليه.

و على ذلك فإن كان في البين أمام رفع الرعية المزبورة المحاكمة إليه، و إن لم

______________________________

(1) النساء: 135.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 134

[الخامسة: يستحب للخصمين أن يجلسا بين يدي الحاكم]

الخامسة: يستحب للخصمين أن يجلسا بين يدي الحاكم (1) و لو قاما بين يديه كان جائزا.

______________________________

يكن الإمام في متناول يده، و كان المدّعي في غير ولاية خصمه رفع

دعواه إلى قاضي ذلك البلد و يجب على القاضي المخاصم الحضور إلى ذلك القاضي و لو بوكيله، أمّا إذا كان المدّعي في بلد خصمه رفع دعواه إلى خليفة خصمه، و لو طالب المدّعي خصمه بالحضور إلى غير خليفته من قاضي بلد آخر لم يجب عليه الإجابة، لأنّ قضاء خليفته نافذ في حقّهما لخروج الخليفة عن طرف المخاصمة، كما أنّه ليس وكيلا عن القاضي ليجري عليه حكم موكّله، كما يشهد بذلك حضور علي- عليه السلام- مع خصمه عند شريح.

أقول: قد تقدم إنّ تعيين القاضي للمدّعي، حيث إنّه صاحب الدعوى، فله إثبات حقّه بأي طريق و عليه لو كان للقاضي المدّعى عليه خليفة فله طرح دعواه عند قاضي بلد آخر، و يجب على القاضي المدّعى عليه الحضور عنده مع عدم كونه ضرريا أو حرجيا، و يكون قضائه نافذا في حقّهما، و إن فرض نصب ذلك القاضي لأهل ذلك البلد لأنّ المراد بالأهل من حلّ فيه. و إن كان وطنه غيره، كما في المسافر، و يجري ذلك في اختلاف أحد رعية مع مثله، و لا فرق فيما ذكر بين كون الدعوى على القاضي المال و غيره من الحق أو القضاء عليه بالجور بما يوجب ضمانه و لو من بيت المال، و قد تقدم الكلام في ذلك آنفا.

(1) قيل: إنّ الجلوس كذلك يوافق الأدب فيستحب، كما أنّه لو قاما بين يديه جاز، لأنّه ليس في القيام بين يديه ما ينافي كرامة القاضي، و ربّما يؤيّد الجلوس بين يديه بالمروي عن علي- عليه السلام- في قضية مخاصمته مع اليهودي و جلوسه بجنب شريح: «لو كان خصمي مسلما لجلست معه بين يديك» «1»، و النقل ضعيف كما تقدم، و لذا يصلح

للتأييد.

______________________________

(1) المغني لابن قدامة: 11/ 444.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 135

[المقصد الثالث: في جواب المدعى عليه]
اشارة

المقصد الثالث: في جواب المدعى عليه.

[و هو إمّا إقرار أو إنكار أو سكوت]
اشارة

و هو إمّا إقرار أو إنكار أو سكوت (1).

[أمّا الإقرار]

أمّا الإقرار: فيلزمه (2) إذا كان جائز التصرّف.

______________________________

(1) إدخال السكوت في جواب المدّعى عليه لا يخلو عن المسامحة، و لذا ذكر أنّ المراد بالجواب ما يصدر عن المدّعى عليه بعد الدعوى عليه فإنّ الجواب بهذا المعنى يطلق على السكوت أو أنّ السكوت مع الإصرار عليه يجعل المدعى عليه ناكلا فيردّ معه اليمين على المدّعى، فالسكوت مع الإصرار عليه كالإنكار و كأنّه بمنزلة الجواب بالإنكار و ترك اليمين.

أقول: إطلاق الجواب على السكوت لا يخرج عن المسامحة و كونه مع الإصرار عليه كالإنكار و النكول عن اليمين يدخله في الإنكار حكما فيكون إطلاق الجواب عليه بالعناية، و أيضا لا ينحصر الجواب بما ذكر، بل يمكن أن يجيب بلا أدري و سيأتي الكلام فيه فيما أجاب به فلا وجه لحذفه عن أقسام الجواب، اللّهمّ إلّا أن يقال المهم في المقام الجواب المترتّب عليه الأثر و الجواب بلا أدري لا أثر له كما يأتي.

(2) ذكر- قدّس سرّه- أنّه إذا أجاب الخصم بالإقرار بالمدّعى به يثبت الدعوى به، فيما إذا كان المقرّ واجد لشرائط نفوذ الإقرار.

و يبقى الكلام في أنّه يجوز الحكم في الواقعة بمجرّد سماع الحاكم إقرار المدّعى عليه أو يتوقف على التماس المدّعي، قيل و القائل الشيخ- قدّس سرّه- في المبسوط عدم جواز الحكم إلّا بعد مطالبة المدّعي لأنّ الحكم حق للمدّعي فيتوقف على مطالبته.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 136

..........

______________________________

أقول: ينبغي التكلّم في المقام في جهات: نفوذ إقرار المدعى عليه و الحاجة بعد الإقرار إلى حكم الحاكم و ما يترتب على الحكم بعده.

أمّا الجهة الأولى: فلا ينبغي التأمّل في نفوذ إقرار الشخص على نفسه إذا كان المعترف على

الأوصاف المعتبرة فيه المذكورة في باب الإقرار، كما يشهد بذلك استقرار السيرة العقلائية على أخذ المقر على نفسه باعترافه من غير ثبوت الردع، بل المنقول عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قوله: «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز» «1»، و قد ورد في الروايات المتفرقة في أبواب مختلفة ما يشهد على نفوذ اعتراف الشخص على نفسه، كالتي وردت فيمن أقرّ بارتكابه موجب الحد، و كالّتي وردت في اعتراف بعض الورثة بالوصية للغير، و ما ورد في عدم سماع الإقرار مع الإكراه على المقرّ، و ما ورد في عدم سماع شهادة الفاسق إلّا على نفسه إلى غير ذلك.

و أمّا الجهة الثانية فقد يقال في المقام: بأنّ ثبوت الحق بالإقرار لا يتوقف على حاكم الحاكم، و أنّه إذا كانت العين بيد المقرّ فيجوز له أخذها من يده بمجرّد اعترافه، كما أنّه لو كان من قبيل الدين فيجوز له المطالبة به بخلاف البيّنة فإنّ اعتبارها بالإضافة إلى الحاكم خاصة لأنّ المدّعى عالم بحقّه كما هو فرض دعواه و خصمه منكر لحقه و لما يشهد به البيّنة و لو بادعائه خطأ الشاهدين، و بتعبير آخر البيّنة بنفسها لا ترفع الخصومة بين الخصمين بخلاف اعتراف الخصم، فإنّ مع الاعتراف لا خصومة ليحتاج فصلها إلى الحكم.

أقول: ربّما يكون جواب الخصم اعترافا بالحق بنظر القاضي و لا يلتفت إليه المدّعي، و ربّما يكون اعترافه مع عدم الشرائط أو بعضها بنظر القاضي، و ربّما

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 3 من أبواب الإقرار، الحديث 2: 133.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 137

و هل يحكم به عليه من دون مسألة المدعي (1)؟ قيل: لا لأنّه حق له فلا يستوفى إلّا بمسألته.

______________________________

يدعي المعترف

أنّ اعترافه كان بنحو الاشتباه فيمتنع عن إيصال حق المدعى إليه فالقطع لكل ذلك يكون بحكم الحاكم، كما إنّه إذا حكم الحاكم في الواقع يكون حكمه نافذا حتى بالإضافة إلى السائرين ممّن لم يعلموا بإقرار الخصم للمدعي.

و ممّا ذكرنا يظهر الحال في صحّة حكم الحاكم و نفوذه حتى فيما إذا اعترف الخصم بالدين عليه و أداه إلى المدّعى بعد اعترافه و قبل حكم الحاكم، لأنّ حكم الحاكم بالدين و أنّه ادّاه قاطع لنشوب المنازعة و المخاصمة بينهما بعد ذلك و لو بدعوى أنّ الاعتراف و الدفع وقع منه خطأ.

أمّا الكلام في الجهة الثالثة: فقد تقدم انّ المترتّب على قضاء القاضي إنهاء المخاصمة، ثمّ إنّ للقاضي أن يتصدى بعد القضاء لتنفيذه إذا وجد المدّعى عليه ممتنعا عن العمل بمقتضاه، لأنّ هذا داخل في الأمور الحسبية التي من شؤون الفقيه إذا تمكن عليه، كما هو الحال في القاضي المنصوب بالنصب الخاص، بل يظهر من بعض الروايات انّ التنفيذ يدخل في شؤون القاضي بأن يتصدى لبيع مال المديون الممتنع في أداء دينه و نحو ذلك على نحو ما يأتي.

نعم لو كان في البين من هو منصوب ممّن له ولاية شرعية لاستيفاء الحقوق و تنفيذ قضاء القاضي لم يكن للقاضي التصدي للتنفيذ، بل عليه إيصال قضائه في الواقعة إليه و لو بالكتابة كما تقدم.

(1) لم يثبت أنّ الحكم في الواقعة بعد رفعها إلى القاضي للحكم حق للمدّعي، بأن لا يجوز و لا ينفذ قبل مسألته، بل مقتضى ما ورد في ميزان القضاء جواز الحكم بعد تمامه، فيعمّه ما دلّ على نفوذه من غير فرق بين تمام الميزان

أسس القضاء و الشهادة، ص: 138

و صورة الحكم أن يقول: ألزمتك

أو قضيت عليك أو ادفع إليه ماله (1).

و لو التمس أن يكتب له بالإقرار لم يكتب حتّى يعلم اسمه و نسبه أو يشهد

______________________________

بالإقرار النافذ أو بغيره من تمام البيّنة التي أقامها المدّعي بدعواه أو استحلاف المدعى عليه، كما إذا لم يقم بيّنة على دعواه.

و على الجملة جواز الحكم يترتب على تمام ميزانه بعد رفع الواقعة إليه للحكم فيها، سواء أ كان المنتفع بالحكم المزبور هو المدّعي أو المدعى عليه، و كما أنّ الحكم مع انتفاع المدعى عليه أو عدم انتفاعه من حق المدعى عليه كذلك الحال بالإضافة إلى المدعى.

(1) قد ذكرنا سابقا الفرق بين الفتوى و القضاء، و انّ الإفتاء هو تعيين المجتهد الكبرى الشرعية المجعولة المستفادة بنظره من مدارك الأحكام، فيعتبر هذا التعيين بالإضافة إلى العامي على ما هو المقرر في باب الاجتهاد و التقليد، و يكون تطبيقها على مواردها بيده.

و انّ القضاء- سواء أ كانت المخاصمة في الواقعة الخارجية ناشئة عن الاختلاف في تعيين الكبرى الشرعية كما إذا اختلفت الزوجة مع سائر الورثة في إرثها من العقار بأن قالت: إنّها ترث منها، و أنكر ذلك سائر الورثة، أم كانت ناشئة عن الاختلاف في تحقق الموضوع أو المتعلق كما في دعوى امرأة أنّها زوجة أبيهم المتوفى و نفيهم كونها زوجته- هو تعيين الحكم الجزئي في الواقعة، سواء أ كان بتطبيق الكبرى الكلية المجعولة في الشرع بتلك الواقعة أم بتعيين الموضوع و المتعلق لتمام المثبت أو النافي لهما بقصد إنهاء الخلاف و قطع الخصومة.

و الظاهر عدم الفرق بين أن يكون إنشاء الحكم الجزئي بالتلفظ أو بالكتابة و كان إنشاؤه بالدلالة المطابقية أو الالتزامية، و كذا الحكم بتحقق الموضوع أو المتعلق بقصد انهائها.

أسس القضاء و الشهادة،

ص: 139

شاهدا عدل (1)، و لو شهد عليه بالحلية جاز و لم يفتقر إلى معرفة النسب و اكتفى بذكر حليته.

و لو ادعى الإعسار (2) كشف عن حاله فإن استبان فقره أنظره و في تسليمه

______________________________

(1) يظهر ممّا تقدم الحال في كتابة القاضي حكمه بعد إنشائه أو كتابة إقرار المعترف بوجه، حيث ذكرنا أنّ الكتابة بعد الحكم لا تدخل في القضاء، و لكن إذا توقف تنفيذه على كتابته أو التمس بها المحكوم له حتى لا يتمكن خصمه من تجديد المخاصمة بدعوى عدم القضاء و أراد القاضي كتابته مباشرة أو تسبيبا فعليه أن يكتب بنحو يؤمن من التزوير بأن يكتب فيها اسم المقر و نسبه و كذا في كتابة الحكم فيكتب: انّ فلان بن فلان قد اعترف عندي بكذا، و يشهد على اسمه و نسبه شاهدا عدل و لو عيّن القاضي المقر مع عدم معرفته باسمه و نسبه و عدم قيام شاهدي عدل بوصفه المميز له عن غيره، بنحو لا يمكن الاشتباه عادة كفى، كأن يكتب انّه اعترف عندي من يكون عينه اليسرى مقلوعة و لونه أسود و رجله اليمنى مقطوعة بكذا و كذا لفلان بن فلان. كلّ ذلك للأمن من التزوير أو خوف تجديد المخاصمة.

و قد تقدم أيضا أنّ الكتابة و لو في مورد توقف إنهاء المخاصمة خارجا و تنفيذها عليها لا يمنع عن أخذ الأجرة عليها، لأنّ مجرّد الوجوب لا يمنع عن أخذ الأجرة، نعم إذا كان القاضي منصوبا و اشترط عليه كتابة القضاء أو أمر بها ولي الأمر لزم رعاية الشرط و الأمر.

(2) ثمّ إنّ الموسر إذا امتنع عن أداء ما عليه بعد الحكم أجبر عليه، و مع مماطلته أو إصراره على الامتناع فالمذكور

في كلام جملة من الأصحاب جواز عقوبته بالتغليظ عليه في القول، و لو التمس غريمه حبسه حبس، بل ادّعى

أسس القضاء و الشهادة، ص: 140

إلى غرمائه ليستعملوه أو يؤاجروه روايتان أشهرهما الانظار حتى يوسر، و هل يحبس

______________________________

بعضهم عدم الخلاف في ذلك.

و لعل الظاهر منهم انّ للحاكم التخيير بين حبسه و تصدّيه للأداء من ماله، و لكن في موثقة غياث بن إبراهيم عن جعفر عن أبيه: «أنّ عليّا- عليه السلام- كان يفلّس الرجل إذا التوى على غرمائه ثمّ يأمر به فيقسم ماله بينهم بالحصص فإن أبى فيقسّم بينهم» «1»، و في بعض النسخ «كان يحبس الرجل إذا التوى» و لعله الصحيح، فالمتيقن من صورة تصدّيه الأداء عدم إمكان إجباره و لو بالحبس و التغليظ له و حبسه لمماطلته و منعه عن المنكر و إلزامه بأداء ما عليه من مال الغير.

و لو ادّعى الإعسار فقد ذكر الماتن- قدّس سرّه- أنّه كشف الحاكم حاله، فإن ظهر فقده المال أمهله، و لا يجوز مع ظهور فقره تسليمه إلى غريمه ليستعمله بإزاء الدين أو يوجره و لو مع مطالبته بهذا التسليم، و أن يظهر ذلك و لو مع عدم المطالبة من رواية إلّا أنّ الأشهر هو الانظار.

و لعلّ الأخذ برواية الانظار لموافقتها الكتاب المجيد قال اللّه سبحانه وَ إِنْ كٰانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلىٰ مَيْسَرَةٍ «2»، و في موثقة غياث بن إبراهيم عن جعفر عن أبيه: «أنّ عليّا- عليه السلام- كان يحبس في الدين فإذا تبين له حاجة و إفلاس خلّى سبيله حتى يستفيد مالا» «3»، و في معتبرة السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي- عليه السلام-: «انّ امرأة استعدت على زوجها أنّه لا ينفق عليها و كان

زوجها معسرا فأبى أن يحبسه و قال «إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً» «4».

و لكن مع ذلك عن الشيخ في النهاية أنّه يدفع إلى غرمائه ليوجروه أو

______________________________

(1) الوسائل: ج 13، الباب 6 من أبواب الحجر، الحديث 1: 147.

(2) البقرة: 280.

(3) الوسائل: ج 13، الباب 7 من أبواب الحجر، الحديث 1: 148.

(4) الوسائل: ج 13، الباب 7 من أبواب الحجر، الحديث 2: 148.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 141

حتى يتبين حاله؟ فيه تفصيل ذكر في باب المفلّس.

______________________________

يستعملوه، لمعتبرة السكوني عن جعفر عن أبيه «أنّ عليا- عليه السلام- كان يحبس في الدين ثم ينظر فإن كان له مال أعطى الغرماء و إن لم يكن له مال دفعه إلى الغرماء فيقول لهم: اصنعوا به ما شئتم، إن شئتم أجروه، و إن شئتم استعملوه» «1»، و قد ظهر ممّا تقدم ضعفه.

أضف إلى ذلك انّ الأصل عدم ولاية الحاكم عليه بالتسليم و عدم ولاية الغريم بالإيجار، نعم لو كان المديون من أرباب الحرف و الصناعة و طلب الغريم استيجاره للعمل وجب على المديون القبول إذا كان في العمل له أداء دينه كلا أو بعضا، بخلاف العمل لغيره، و لا يبعد جواز إجباره على الإجارة المزبورة، لأنّ المراد بإخلاء السبيل إطلاقه عن الحبس ليستفيد مالا، فلا ينافي الإجبار عليها مع إطلاقه عن الحبس.

ثمّ هل للحاكم حبس المديون المدعي الإعسار حتى يتبيّن حاله؟ عن جماعة منهم المصنّف في كتاب المفلّس التفصيل، و هو أنّه إذا أحرز المال لمدعي الإعسار سابقا و لو بثبوت دعواه عليه كما إذا كانت مخاصمة مع غريمه و قد أثبت الاقتراض على خصمه ففي مثل ذلك لا تقبل دعوى إعساره بل يحبس حتى يظهر حاله و لو بقيام البينة

بإعساره بتلف أمواله أو تلف ذلك المال و يخلى سبيله، و أمّا إذا لم يعلم المال له سابقا كما إذا ادّعى عليه انّه قتل دابته فأقر به و ادعى إعساره، و في الفرض لا يحبس و لعله لاستصحاب عدم المال، غاية الأمر لو ادعى غريمه عليه أنّه موسر و نكل عن الحلف على عدم يساره يحسبه الحاكم مع ردّ اليمين على مدّعى يساره أو بمجرّد نكوله على الخلاف في جواز الحكم بمجرّد النكول أو أنّه

______________________________

(1) الوسائل: ج 13، الباب 7 من أبواب الحجر، الحديث 3: 148.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 142

..........

______________________________

يكون بعد ردّ اليمين.

و لكن عن بعض أنّ مقتضى موثقة غياث بن إبراهيم المتقدمة عدم الفرق في جواز الحبس إلى تبيّن العسر بين الفرضين، و دعوى عدم الإطلاق لها فإنّ مدلولها نقل الفعل و لعلّ الفعل كان في فرض إحراز المال للمديون سابقا أو في فرض دعوى المال بالاقتراض و نحوه يدفعها أنّ الحكاية لبيان وظيفة القاضي و لو كان ذلك في بعض الفروض تعرّض- عليه السلام- لذكره.

أضف إلى ذلك أنّ ما قيل من أنّ استصحاب عدم المال له لا يثبت عسرة، فإنّ الاستصحاب المزبور ينفع في مثل إعطاء الزكاة، حيث إنّ الفقر المعتبر في مستحق الزكاة عدم ملكه قوت السنة و عدم الحرفة له، بحيث يتمكن معها على تحصيل قوتها، و يمكن إثبات عدم الملك و عدم الحرفة كذلك بالاستصحاب، بخلاف العسر، فإنّه العجز عن أداء الدين اللازم لعدم المال، و لا يمكن ذلك بالاستصحاب.

و هل حبس المديون يختصّ بما إذا كان رجلا أو يعم المرأة أيضا؟ يمكن دعوى الإطلاق فيما تقدم، نعم لا يحبس الوالد لدين ولده، بل الوالدة لدين ولدها،

لمنافاة طلب حبسهما لمصاحبتهما بالمعروف، و في صحيحة الحسين بن أبي العلاء قال: «قلت لأبي عبد اللّه- عليه السلام-: ما يحلّ للرجل من مال ولده؟ قال: قوته بغير سرف- إلى أن قال:- أو كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يحبس الأب للابن».

و كذلك يشكل جواز حبس المديون المريض مع كون الحبس مضرّا بحاله بناء على تأخير إقامة الحد على المريض حتى برئه، كما سيأتي في باب الحدود، و كذا فيما إذا كان في البين مانع آخر ككونه أجيرا للغير و يكون الحبس منافيا للعمل لذلك الغير.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 143

[و أمّا الإنكار]

و أمّا الإنكار:

فإذا قال: لا حق له عليّ، فإن كان المدّعي يعلم أنّه موضع المطالبة بالبينة (1) فالحاكم بالخيار، إن شاء قال للمدّعي أ لك بينة، و إن شاء سكت و أمّا إذا كان

______________________________

(1) إذا أجاب المدعى عليه بالإنكار فعلى المدعي إثبات دعواه بالبينة، و يطلبها الحاكم مقدمة لحكمه بالثبوت، نعم إذا علم المدعي أنّ إقامة البيّنة بدعواه وظيفته لا يجب على القاضي سؤال البيّنة عنه، بل يجوز له أن يسكت، كما هو ظاهر المصنّف- قدّس سرّه-، و لكن لا يبعد لزوم المطالبة مطلقا، لأنّ القضاء فصل الخصومة و إنهائها و مع عدم المطالبة يبقى في البين اعتذار المدعي لتجديدها، بأنّه كان لي بينة فلم أحضرها أيضا انتظارا لمطالبة الحاكم.

نعم لو كان المدعي عالما بأنّ إحضارها أيضا لا يتوقف على مطالبة الحاكم لا يجب على القاضي سؤالها و إن يحتمل ذلك في موارده أيضا سدا لباب تجديد المنازعة بدعوى المدعى الجهل بأنّ وظيفته إقامة البينة أو إحضارها بلا مطالبة القاضي و لكنه ضعيف كما يظهر ذلك بالتأمّل، نعم لو

احتمل القاضي جهله ذكر له أنّ عليه إحضار البينة.

و أمّا إذا لم تكن للمدّعي بينة، أي لم يقم البينة بدعواه بعد المطالبة، و المراد من البينة المثبت لحقه، سواء كان شاهدي عدل أم غيرهما، كشهادة العدل و يمينه، كما إذا كانت الدعوى مالا، يذكر الحاكم للمدعي أنّ له استحلاف المدعى عليه إذا لم يعرف أنّ له ذلك، فإنّه يعتبر في القضاء بحلف المنكر استحلاف المدعي، فإذا تبرّع المنكر بالحلف أو أحلفه الحاكم بلا مطالبة المدعي فلا يجوز الحكم، كما عليه المشهور قديما و حديثا، بل قولا واحدا.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 144

المدّعي لا يعلم أنّه موضع المطالبة بالبينة وجب أن يقول الحاكم ذلك أو معناه، فإن لم تكن له بينة عرّفه الحاكم أنّ له اليمين.

______________________________

و يشهد لذلك موثقة عبد اللّه بن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه- عليه السلام- قال:

«إذا رضي صاحب الحق بيمين المنكر لحقّه فاستحلفه فحلف أن لا حق له قبله ذهبت اليمين بحق المدعي فلا دعوى له. قلت له: و إن كانت عليه بينة عادلة؟

قال: نعم و إن أقام بعد ما استحلفه باللّه خمسين قسامة ما كان له و كانت اليمين قد أبطلت كل ما ادّعاه قبله مما قد استحلفه عليه» «1».

و في خبر خضر بن عمرو النخعي عن أبي عبد اللّه- عليه السلام- في الرجل يكون له على الرجل المال فيجحده؟ قال: «ان استحلفه فليس له أن يأخذ شيئا، و إن تركه و لم يستحلفه فهو على حقّه» «2».

لا يقال: ظاهر الموثقة و إن كان ما ذكر من كون الاستحلاف حق للمدعي فلا ينفذ حكم الحاكم بتبرع المدعى عليه بالحلف أو بمجرد إحلاف الحاكم، و كذا خبر النخعي، إلّا أنّ

ظاهرهما أنّ ما يترتب عليه سقوط الحق هو يمين المدعى عليه بعد استحلاف المدعي، من غير حاجة إلى حكم الحاكم. و بتعبير آخر ظاهرهما عدم الحاجة إلى حكم الحاكم في إنهاء الخصومة و سقوط حق الدعوى.

فإنّه يقال: ظاهر الموثقة و نحوها بيان وظيفة الحاكم عند حلف المنكر باستحلاف المدعي، و أنّه يحكم بانقضاء الخصومة و انهائها، خصوصا بملاحظة

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 9 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 178.

(2) المصدر نفسه: الباب 10 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 179.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 145

و لا يحلف المدّعى عليه إلّا بعد سؤال المدّعي لأنّه حق له فيتوقف استيفاؤه على المطالبة، و لو تبرّع هو أو تبرع الحاكم بإحلافه لم يعتدّ بتلك اليمين و أعادها الحاكم إن التمس المدّعي.

______________________________

قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّما أقضي بينكم بالبينات و الأيمان» «1»، و ليست ناظرة إلى عدم الحاجة إلى الحكم بمجرّد حصول الحلف، كما أنّ ما دلّ على ثبوت الحق بالبيّنة لا ينفي التوقف على الحكم في موارد المخاصمة. و المتحصل أنّ طلب اليمين حق للمدعي على المنكر، فمع عدم إقامته البينة بدعواه فله مطالبة المنكر باليمين، و له حق تأخير الواقعة و إيقافها كما هو ظاهر الموثقة.

و لا يبعد أن يقال: إنّ هذا فيما إذا كانت دعواه ثبوت الحق له، كما هو ظاهرها و ظاهر غيرها. و أمّا إذا كانت دعواه سقوط ما كان عليه من حق الغير، كما إذا ادعى أداء ما كان من دين الغير عليه الثابت باعترافه أو بالبينة، و أنكر الدائن أدائه فإن لم يقم البينة بالأداء و لم يرض بيمين الدائن لإرادته تأخير الواقعة و إيقاف

الحكم فللحاكم إحلاف الدائن على عدم الأداء و حكمه ببقاء الدين.

و في صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه- عليه السلام- قال: في كتاب علي- عليه السلام-: «إنّ نبيا من الأنبياء شكا إلى ربّه فقال: يا ربّ كيف اقضي فيما لم أر و لم أشهد؟ قال: فأوحى اللّه إليه: احكم بينهم بكتابي و أضفهم إلى اسمي فحلّفهم به، و قال: هذا لمن لم تقم له بينة» «2» فإنّ ظاهرها كظاهر غيرها انّ التحليف وظيفة الحاكم مع عدم إقامة المدعي البينة، فيرفع اليد عن الإطلاق بمطالبة المدعي فيما كان دعواه ثبوت حق له على الغير و يؤخذ في غيره بالإطلاق.

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 2 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 169.

(2) المصدر نفسه: الباب 1 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 167.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 146

ثمّ المنكر إمّا أن يحلف أو يردّ أو ينكل، فإذا حلف سقطت الدعوى و لو ظفر المدّعي بعد ذلك بمال الغريم لم تحلّ له المقاصّة (1) و لو عاود المطالبة أثم و لم

______________________________

(1) أمّا سقوط الدعوى و عدم سماع تجديدها فقد تقدم الكلام فيه و أنّه مقتضى نفوذ القضاء و عدم سماع البينة بعده، و أمّا عدم جواز المقاصّة من مال الغريم فتدل عليه موثقة ابن أبي يعفور المتقدمة حيث ذكر- عليه السلام- فيها: «و كانت اليمين قد أبطلت كل ما ادّعاه قبله ممّا استحلفه عليه»، و لكن بما أنّ القضاء بحلف المنكر أو بغيرها لا يغيّر الواقع عمّا هو عليه لقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّما أقضي بينكم بالبينات و الأيمان، و بعضكم ألحن بحجّته من بعض آخر، فأيّما رجل قطعت

له من مال أخيه شيئا فإنّما قطعت له به قطعة من النار» «1».

يقال: إنّ المراد بذهاب الحق ذهابه في دار الدنيا، بمعنى أنّه لا يجوز له في دارها ترتيب آثار الحق له من جواز المطالبة و التقاص به، و في خبر خضر النخعي المتقدم: «و ان استحلفه فليس له أن يأخذ شيئا و ان تركه و لم يستحلفه فهو على حقه»، و نحوه ما في خبر عبد اللّه بن وضاح قال: «كانت بيني و بين رجل من اليهود معاملة فخانني بألف درهم- إلى أن قال:- فكتب أبو الحسن- عليه السلام-: لا تأخذ منه شيئا إن كان ظلمك فلا تظلمه و لولا أنك رضيت بيمينه فحلفته لأمرتك أن تأخذ من تحت يدك و لكنك رضيت بيمينه- الحديث» «2»، و لكن مورد الخبر القضاء غير النافذ كما لا يخفى.

و في صحيحة سليمان بن خالد قال: «سألت أبا عبد اللّه- عليه السلام- عن رجل وقع لي عنده مال فكابرني عليه و حلف ثم وقع له عندي مال آخذه لمكان مالي

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 2 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 169.

(2) المصدر نفسه: الباب 10 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2: 180.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 147

تسمع دعواه، و لو أقام بينة بما حلف عليه المنكر لم تسمع، و قيل يعمل بها ما لم يشترط المنكر سقوط الحق باليمين.

______________________________

الذي أخذه و أجحده و أحلف عليه كما صنع؟ قال: إن خانك فلا تخنه و لا تدخل فيما عتبته عليه» «1».

و لكن في معتبرة أبي بكر الحضرمي قال: «قلت له: رجل لي عليه دراهم فجحدني و حلف عليها، أ يجوز لي إن وقع له قبلي دراهم أن

آخذ منه بقدر حقي؟

قال: فقال: نعم و لكن لهذا كلام- الحديث» «2».

و لكن لا يخفى أنّ المعتبرة بناء على نقل الشيخ مضمرة، و على رواية الكليني و الصدوق- قدّس سرّهما- مسندة، و عن أبي عبد اللّه- عليه السلام- و لكن ليس على نقلهما فرض حلف و على تقديره أيضا تكون موثقة ابن أبي يعفور موجبة للجمع بين صحيحة سليمان بن خالد و المعتبرة، حيث يحمل الصحيحة على صورة الحلف بالاستحلاف و معتبرة أبي بكر على الحلف تبرعا.

و دعوى بما أنّ الحلف لا يوجب ذهاب حق المحق واقعا فالموثقة ناظرة إلى ذهابه من حيث الدعوى و المطالبة فلا دلالة لها على عدم جواز المقاصة، و صحيحة سليمان بن خالد ظهورها يناسب الكراهة فلا تنافي معتبرة أبي بكر لا يمكن المساعدة عليه، فإنّ حمل الموثقة على ما ذكر خلاف ظاهرها فإنّ ظاهرها تفريع نفي حق الدعوى على ذهاب ما يدعيه من الحق، و يلزم على ذلك عدم جواز المقاصة فلاحظ.

ثمّ إنّ الظاهر عدم جواز المقاصة من مال الغريم بعد استحلافه بلا فرق

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 83 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 7: 204.

(2) المصدر نفسه: الحديث 4: 203.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 148

و قيل: إن نسي بيّنته سمعت و إن أحلف و الأوّل هو المروي، و كذا لو أقام بعد الإحلاف شاهدا و بذل معه اليمين و هنا أولى، و أمّا لو أكذب الحالف نفسه جاز مطالبته (1) و حلّ مقاصته مما يجده له مع امتناعه عن التسليم.

______________________________

بين كون ما ادّعاه المدعي من الحق له دينا أو عينا. بل الظاهر عدم جواز الإمساك فيما لو ظفر المدعي بعد ذلك بنفس العين التي ادّعاها على

ذي اليد الحالف، فإنّه و إن لم تخرج العين عن ملكه واقعا فيما لو كان صادقا في دعوا و انّ القضاء لا يبطل الملكية الواقعية، كما يشهد بذلك صحيحة هشام المتقدمة و غيرها: «فأيما رجل قطعت له من مال أخيه شيئا فإنّما قطعت له به قطعة من النار»، إلّا أنّه لا يجوز له تكليفا بل وضعا ما ينافي القضاء و يعدّ معارضة للمنكر الحالف.

نعم يجوز للمدّعي المزبور ما لا ينافي نقضه و لا يعد معارضة له، كما إذا استعار العين المزبورة من الحالف المنكر من يعتقد أنّها ملك المدعى، فإنّ الاستيذان من المدعي و الاذن للمستأذن لا يعد نقضا و لا معارضة للمنكر و اللّه سبحانه هو العالم.

(1) بلا خلاف ظاهر، فإنّ جواز مطالبة المنكر بالمال عليه مع تكذيبه نفسه و لو بعد الحلف و القضاء مقتضى نفوذ إقراره، و يبطل اليمين الذي حكم بها بذهاب حق المدعي.

لا يقال: ما دلّ على نفوذ الإقرار مع ما دلّ على أنّ الحلف من المدعى عليه يذهب بحق المدعي متعارضان بالعموم من وجه لافتراقهما في الإقرار غير المسبوق بالحلف و في الحلف غير الملحوق بالإقرار و يجتمعان في الإقرار المسبوق بالحلف على النفي و يتعين الأخذ بما دل على أنّ اليمين يذهب بها الحق، لعدم عموم لفظي معتبر أو إطلاق كذلك في ناحية نفوذ الإقرار، بل العموم مأخوذ من موارد مختلفة

أسس القضاء و الشهادة، ص: 149

و إن ردّ اليمين على المدعى لزمه الحلف (1) و لو نكل سقط دعواه.

______________________________

فيكون اصطياديا فلا يكون محرزا مع الإطلاق أو العموم اللفظي على خلافه، و دعوى انصراف ما دلّ على أنّ اليمين يذهب بها الحق عن صورة تكذيب الحالف نفسه

بعد ذلك لم يعلم لها وجه غير ما قيل من أنّ المرتكز في أذهان المتشرعة و غيرهم إلزام المقرّ على نفسه باعترافه.

فإنّه يقال: مضافا إلى ما ذكر في وجه الانصراف أنّه يتعين الأخذ بمقتضى تكذيب نفسه و اعترافه بحق المدعي، سواء أ كان تكذيبه و اعترافه عند الحاكم أم عند المدعي، كما يشهد بذلك معتبرة مسمع بن أبي سيار قال: «قلت لأبي عبد اللّه- عليه السلام-: إني كنت استودعت رجلا مالا فجحدنيه و حلف لي عليه، ثمّ أنّه جائني بعد ذلك بسنتين بالمال الذي أودعته إيّاه، فقال: هذا مالك فخذه و هذه أربعة آلاف درهم ربحتها فهي لك مع مالك و اجعلني في حلّ، فأخذت منه المال و أبيت أن أخذ منه الربح و أوقفت المال الذي كنت استودعته و أتيت حتى أستطلع رأيك، فما ترى؟ فقال: خذ نصف الربح و أعطه النصف و حلّله فإنّ هذا الرجل تائب و اللّه يحب التوابين» «1»، فإنّها كالصريح في جواز الأخذ بالحق مع اعتراف الحالف المنكر، و لو كان اعترافه برد المال أو غيره كما لا يخفى.

(1) لا خلاف في أنّه يجوز للمدّعي عليه ردّ اليمين على المدعى في الجملة، و أنّه إذا ردّها عليه فإن حلف المدعى على حقه ثبت و ان نكل سقط حقّه و دعواه.

و يشهد لذلك غير واحد من الروايات، كصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما- عليهما السلام- في الرجل يدّعي و لا بينة له؟ قال: «يستحلفه، فإن ردّ اليمين

______________________________

(1) الوسائل: ج 16، الباب 48 من أبواب الايمان، الحديث 3: 215.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 150

..........

______________________________

على صاحب الحق فلم يحلف فلا حق له» «1»، و صحيحة جميل عن أبي عبد اللّه-

عليه السلام- قال: «إذا أقام المدعي البينة فليس عليه يمين، و إن لم يقم البينة فردّ عليه الذي ادعى عليه اليمين فأبى فلا حق له» «2»، و في رواية عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال: «قلت للشيخ: خبّرني عن الرجل يدعي قبل الرجل الحق فلم تكن له بينة بماله، قال: فيمين المدعى عليه فإن حلف فلا حق له و ان ردّ اليمين على المدعى فلم يحلف فلا حق له» «3»، و لا يبعد اعتبار هذه سندا كما يأتي و نحوها غيرها، و مدلولها كما ذكرنا أنّ نكول المدعى عن اليمين المردودة كاف في حكم الحاكم بسقوط حقّه، سواء أ كان نكوله للاباء عن الحلف و ان كان صادقا أم كانت دعواه بنحو التهمة و عدم العلم كما في دعوى التفريط على من كان ماله بيد الآخر عارية أو وديعة على ما تقدم.

و قد يقال: انّ حلف المنكر حق للمدعي لا أنّه حكم شرعي فيجوز للمدعي إسقاطه بمعنى إبراء المدعي عليه من الحلف نظير إبراء الدائن لمدينه، و هذا الإبراء و الإسقاط بمنزلة الاستيفاء فيجوز معه الحكم ببراءة عهدة المدعى عليه عمّا كان يدعي عليه سواء أ كان دينا أم عينا.

و لكن لا يخفى ما فيه، فإنّ مقتضى مثل قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّما أقضي بينكم بالبينات و الأيمان» لزوم اليمين في القضاء، و كذا الإطلاق في مثل قوله- عليه السلام-:

«إذا رضى صاحب الحق بيمين المنكر لحقّه فاستحلفه فحلف أن لا حقّ له قبله ذهبت اليمين بحق المدعي» «4»، حيث لو كان الإبراء عن الحلف كالحلف لزم

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 7 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 176.

(2) الوسائل:

ج 18، الباب 7 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 6: 176.

(3) المصدر نفسه: الباب 4 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 173.

(4) المصدر نفسه: الباب 9 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 179.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 151

..........

______________________________

تقييد فاستحلفه بذكر العدل كقوله أو أبرأه، و بتعبير آخر المستفاد من الروايات كون رضا المدعي بحلف المنكر شرط في صحّة الحلف يعني جواز الحكم معه، نظير رضا الأب في نكاح الباكرة، لا أنّ الحلف المزبور كالدين على المديون حق للمدعي، و لذا لا يترتب على عدم استحلافه إلّا إيقاف الواقعة لو لم يسقط حق دعواه.

و توهم أنّ عدم استحلاف المدعى بنفسه يوجب سقوط دعواه فلا يجوز له تجديد الدعوى بعد ذلك استنادا إلى معتبرة عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه- عليه السلام-: «في الرجل يدّعي عليه الحق و لا بينة للمدعي، قال: يستحلف أو يرد اليمين على صاحب الحق فإن لم يفعل فلا حق له» «1»، بدعوى أنّ ضمير الفاعل يرجع إلى المدعى، فاسد فإنّ ظاهرها رجوع الضمير إلى المدعى عليه، و لا أقلّ من احتماله و مقتضى ما دل على أنّ القضاء بالبينة و الأيمان عدم سقوط الدعوى و عدم حصول القضاء بترك الاستحلاف، و لا ينافي ذلك القضاء بنكول المدعي عن اليمين المردودة لقيام الدليل عليه كما تقدم.

بقي في المقام أمر، و هو أنّ الظاهر اختصاص جواز ردّ اليمين على المدعي بما إذا كانت الدعوى ماليّة، حيث يجوز للمكلف أن يتحمل الضرر المالي احترازا عن اليمين، و لو كان صادقا أمّا إذا كانت الدعوى عليه غير المال كما إذا ادعى رجل على امرأة أنّها زوجته فأنكرتها فعلى المرأة الحلف على نفي الزوجية، و

لا يجوز له ردّ اليمين على المدعي لأنّ ما ورد في تخيير المدعى عليه بين الحلف و ردّه على المدعي واردة في دعوى الحق الظاهر في المال، غاية الأمر سواء أ كان دينا أم عينا.

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 7 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 176.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 152

و إن نكل المنكر بمعنى أنّه لم يحلف و لم يردّ، قال الحاكم (1): إن حلفت و إلّا

______________________________

و لا يبعد أن يقال لا دليل على كون اليمين المردودة من مدرك القضاء في غير دعوى المال أخذا بقولهم- عليهم السلام-: «البينة على من ادّعى و اليمين على من ادعي عليه» «1» فإنّ مقتضاه كما أنّ البينة من المدعى عليه لا تكون مدركا للقضاء كذلك اليمين من المدعي حتى ما لو كانت مردودة بردّ المدعى عليه و قد رفع اليد عن ذلك في دعوى الأموال.

و دعوى الإطلاق في بعض الروايات كقوله- عليه السلام- في صحيحة هشام عن أبي عبد اللّه- عليه السلام- قال: «ترد اليمين على المدعى» «2»، لا يمكن المساعدة عليها فإنّ مقتضاها جواز ردّ اليمين على المدّعي تكليفا أيضا مع أنّه ذكرنا عدم إمكان الالتزام بجواز الردّ تكليفا في مثل دعوى الزوجية حتى يؤخذ بلازمه، و هو نفوذ القضاء باليمين المردودة، و اللّه سبحانه هو العالم.

(1) إذا لم يحلف المدعى عليه المنكر و لم يردّ اليمين على المدعي، فظاهر المصنّف- قدّس سرّه- أنّه يجب على الحاكم أن يقول للمنكر ما مضمونه ان حلفت أو ردّدت اليمين فهو، و إلّا يجري عليك حكم الناكل، و انّ القول المزبور مرّة لازم و تكراره ثلاث مرات مستحب استظهارا لنكوله، و عن بعض التصريح باستحباب القول المزبور

و لا يجب حتى مرّة أقول: اللازم أن يعلم المنكر ان عليه اليمين أو ردّها إلى المدّعي، أمّا إذا لم يفعل فما ذا يفعل القاضي فلا يعتبر علم المنكر بذلك، بل استحباب القول المزبور أيضا لا يخلو عن الاشكال.

و دعوى أنّ استحبابه للتسامح في أدلة السنن لفتوى جماعة، يدفعها أنّ أدلة

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 3 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 170.

(2) المصدر نفسه: الباب 7 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 3: 176.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 153

جعلتك ناكلا و يكرّر ذلك ثلاثا استظهارا لا فرضا، فإن أصرّ قيل: بل يقضي

______________________________

التسامح لا تثبت استحباب الفعل، و على تقديره فلا تعمّ إلّا موارد بلوغ الخبر المتعارف عن المعصوم- عليه السلام.

و يمكن أن يقال نفوذ الحكم مع نكول المنكر مروي كما يأتي و مقتضى إطلاقه عدم اعتبار القول المزبور و النكول المستفاد من المروي هو امتناع المنكر عن الحلف و الرد كما يأتي.

و كيف ما كان، فإذا نكل المنكر أو أصرّ عليه يحكم بثبوت دعوى المدعي كما عليه جماعة من قدماء أصحابنا و متأخريهم، بل هذا هو المنسوب إلى الأشهر أو المشهور، و عن جماعة أخرى انّ الحاكم يردّ اليمين معه على المدّعي فإن حلف على الحق له حكم بالثبوت و إلّا فلا حقّ له، بل نسب ذلك أيضا إلى الأكثر و عن الخلاف و الغنية الإجماع عليه.

و يستدلّ على الأوّل بوجوه:

الأوّل: إنّ مقتضى الأصل عدم اشتراط حكمه بحلف المدّعي مع نكول المنكر، و الثاني أنّه مقتضى ما دلّ على أنّ البينة على المدّعي و اليمين على المدعى عليه هو عدم مطالبة المدعي باليمين و يرفع اليد عن ذلك فيما إذا ردّ المدعى عليه

اليمين عليه.

و لا يخفى أنّ شيئا من الوجهين لم يتم، فإنّ مقتضى الأصل عدم نفوذ الحكم بدون ردّ اليمين على المدعي و حلفه عليه فإنّ جواز الحكم و نفوذه معه متيقّن و بدونه غير محرز، و مقتضى الأصل عدم نفوذه و اعتباره، نظير ما يشك في اعتبار شي ء في معاملة لم يكن لدليل اعتبارها إطلاق أو عموم يدفع به اعتباره فيها و لا يقاس المقام كالمعاملات بالشرط في اعتبار شي ء في متعلّق التكليف، حيث إنّ

أسس القضاء و الشهادة، ص: 154

عليه بالنكول و قيل يرد اليمين على المدّعى فإن حلف ثبت حقّه و إن امتنع

______________________________

مقتضى الأصل العملي فيه عدم الاشتراط كما هو المقرر في بحث الأصول العملية من علم الأصول.

________________________________________

تبريزى، جواد بن على، أسس القضاء و الشهادة، در يك جلد، دفتر مؤلف، قم - ايران، اول، ه ق

أسس القضاء و الشهادة؛ ص: 154

و كذا مقتضى ما دلّ على أنّ البينة على المدعي و اليمين على المدعى عليه هو عدم اعتبار يمين المدعي، إلّا أنّ ما دل على عدم القضاء إلّا بالبينة و اليمين مقتضاه عدم جواز القضاء بدون يمين المدعى عليه، فيرفع اليد عنه ما إذا ردّ المدعى عليه اليمين على المدعي أو ردّها الحاكم عليه. و بدونه يؤخذ بمقتضاها معا و هو عدم نفوذ الحكم بلا بينة و لا يمين و لو كانت مردودة من المدعى عليه أو الحاكم.

و الوجه الثالث صحيحة محمد بن مسلم الواردة في كيفية إحلاف الأخرس، حيث ورد فيها «أنّ عليّا- عليه السلام- كتب الحلف ثمّ غسله و أمر الأخرس بشربه فامتنع فألزمه الدين» «1»، حيث إنّ مقتضاه جواز حكم الحاكم بمجرّد امتناع المنكر عن الحلف.

لا يقال: مقتضى

ما ورد في كيفية إحلاف الأخرس جواز الحكم بمجرّد امتناع المدعى عليه عن الحلف و لو لم يمتنع عن ردّ اليمين على المدعي.

فإنّه يقال: على تقدير هذا الإطلاق يرفع اليد عنه بما دلّ على أنّ للمنكر ردّ اليمين على المدعي عليه، فإن حلف فهو و إن أبى سقطت دعواه و بطل حقه.

أقول: الصحيح في الجواب عن الاستدلال بالصحيحة منع إطلاقها، و انّه بمجرد نكول المدعى عليه للحاكم أن يحكم عليه، فإنّها وردت في مقام بيان كيفية إحلاف المدعى عليه الأخرس لا في مقام جميع ما يلزم في الحكم على الأخرس

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 33 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 222.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 155

سقط، و الأوّل أظهر و هو المروي.

______________________________

المدعى عليه، و الواقعة قضية خارجية، فلعلّ الإمام- عليه السلام- بعد تركه شرب الحلف أمره برد اليمين على المدعي فحلف، أو ردّها عليه الإمام- عليه السلام- فحلف، ثمّ ألزمه بالدين.

و قد يقال: غاية دلالة الصحيحة على جواز الحكم بمجرّد نكول المنكر أنّها بالإطلاق يعني عدم ورود ردّ الإمام- عليه السلام- اليمين على المدعي و لكن مقتضى صحيحة هشام عن أبي عبد اللّه- عليه السلام- «قال: تردّ اليمين على المدّعى» «1»، هو لزوم ردّها على المدعي في الحكم كان ذلك بردّ المدعى عليه أو الحاكم، و قد تقدم أنّ الرد ابتداء للمدعى عليه.

و على الجملة مقتضى صحيحة محمد بن مسلم الواردة في إحلاف الأخرس جواز الحكم مع نكول المدعى عليه، و لكن مقتضاها ذلك بإطلاق، و مقتضى إطلاق صحيحة هشام لزوم ردّ اليمين في الحكم و لو من الحاكم، و بعد تساقط الإطلاقين يرجع إلى مقتضى الأدلة الأولية التي ذكرناه في الجواب

عن الوجه الثاني، و قلنا بعدم جواز الحكم بلا ردّ اليمين على المدعي و لو من الحاكم، و لو فرض عدم تمامه أيضا يرجع إلى مقتضى الأصل العملي، و قد ذكرنا في الجواب عن الوجه الأوّل انّه الاشتراط.

و قد يقال: في وجه ردّ الحاكم اليمين على المدعى بأنّه ولي الممتنع و المنكر فيما إذا امتنع عن ردّ اليمين فيردها الحاكم ولاية عليه، و لا يخفى ما فيه، فإنّ الثابت من حق المدعي على المنكر الاستحلاف فله أن لا يطالبه بالحلف كما تقدم، أمّا ردّ اليمين على المدعي فهو مسقط لحق المدعي على المدعى عليه، و لذا لو امتنع

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 7 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 3: 176.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 156

و لو بذل المنكر يمينه بعد النكول لم يلتفت إليه (1).

______________________________

المدعي عن الحلف بعده أو قال لا أريد ردّ الحلف سقطت دعواه، و ولاية الحاكم على الممتنع فيما كان ذلك حقّا للغير على الممتنع.

بقي في المقام أمر، و هو أنّه ربّما يستدل لجواز الحكم بمجرّد نكول المدعى عليه بخبر عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه «قال: قلت للشيخ- عليه السلام-: خبّرني عن الرجل يدعي قبل الرجل الحق فلا يكون له بينة بماله، قال: فيمين المدعى عليه، فإن حلف فلا حق له و إن لم يحلف فعليه- الحديث» «1»، فإنّ مدلوله جواز الحكم على المدعى عليه بمجرّد تركه ما عليه من الحلف غاية الأمر ترفع اليد عن إطلاقه صورة ردّه اليمين المدعى فلم يحلف.

و فيه: أنّ الرواية في سندها ياسين الضرير البصري و لم يوثق، و لم يثبت كونه من المعاريف، مع أنّ الصدوق- قدّس سرّه- نقل في الفقيه بعد

قوله: فإن حلف فلا حق له، و ان ردّ اليمين على المدعى فلم يحلف فلا حق له بل نقل في الوسائل عن الكافي كما في الفقيه «2» و جعل: و إن لم يحلف فعليه، نسخة، و على ذلك فلا يمكن الاعتماد عليها حيث لم يثبت النقل.

و قد تقدم أنّ مقتضى الإطلاق في صحيحة هشام تعين الرد على المدعي كان الراد هو المدعى عليه أو الحاكم، بل لزوم الرد مع امتناع المنكر عن الحلف و الردّ مقتضى الأصل، و اللّه سبحانه هو العالم.

(1) قيل: هذا بناء على كفاية نكوله في حكم الحاكم، أمّا بناء على ردّ الحاكم اليمين على المدعي فيقبل بذله ما دام لم يحلف المدعي، و لا يبعد ذلك، فإنّه قد

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 173.

(2) الكافي 7: 415، التهذيب 6: 229، الفقيه 3: 38.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 157

..........

______________________________

تقدم انّ مع حلف المدعي باليمين المردودة يثبت ميزان القضاء بالحق و انّ ما دلّ على أنّ ميزان القضاء البينة من المدعى و مع عدم إقامتها اليمين من المنكر يرفع اليد عن إطلاقه بما إذا دلّ على أنّ حلف المدعي على حقه بعد ردّ اليمين عليه ميزان لثبوته و إبائه موجب لسقوطه، و إذا لم يحصل هذا الحلف و الإباء فيؤخذ بالإطلاق المزبور، و مقتضاه نفوذ بذل اليمين من المنكر.

و دعوى أنّه إنّما يفيد بذل اليمين من المنكر إذا لم يحكم الحاكم بكونه ناكلا و إلّا فلا فائدة لبذل المنكر اليمين لا يخفى ما فيها، فإنّ المفروض أنّه لم يثبت انّ نكول المنكر ميزان القضاء بل الثابت انّ حلف المدعي بعد الرد عليه و إبائه ميزان القضاء

بثبوت الحق أو سقوطه و إذا لم يحصل هذا الميزان الذي اعتباره في طول عدم حلف المدعى عليه و حلف المدعى عليه على نفي الحق ثبت ميزان القضاء بسقوط الحق و النكول بنفسه ليس مورد المخاصمة ليكون حكم القاضي فيه فاصلا.

و ممّا ذكرنا يظهر الحال فيما إذا رجع المنكر عن ردّ اليمين على المدعي و حلف على نفي الحق قبل حلف المدعي على ثبوته فإنّ مقتضى قوله صلوات اللّه و سلامه عليه: «البيّنة للمدعي و اليمين على من أنكر»، نفوذ هذا الحلف من المنكر، و في موثقة ابن أبي يعفور: «إذا رضى صاحب الحق بيمين المنكر لحقّه فاستحلفه فحلف أنّ لا حق قبله ذهبت اليمين بحق المدعى فلا دعوى له» «1»، فإنّ عمومها يعمّ المقام.

و نظير ذلك ما إذا لم يقم المدعي البينة بدعواه، و لكن قبل حلف المدعى

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 9 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 179.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 158

..........

______________________________

عليه على نفي حقّه أقامها كما إذا حضر مجلس القضاء اتّفاقا شاهدان كان كل منهما عالما بحقّه فشهدا، فإنّ شهادتهما في الفرض داخلة في قوله- عليه السلام-: «البينة على المدعي» و أنّها ميزان القضاء بثبوت الحق.

بقي في المقام أمور:

منها: ما إذا طلب المنكر الإمهال في اختيار الحلف أو ردّ اليمين، فهل يجوز للحاكم أو يتعين عليه الإمهال له أو لا يسمع طلب؟

فنقول: لا ينبغي التأمّل في جوازه فيما إذا رضى المدعي بالتأخير، لأنّ الحلف فيما إذا كانت دعواه ثبوت الحق على الغير حق له فيكون له التأخير في المطالبة، أمّا إذا لم يرض بذلك فالامهال من الحاكم مشكل فيما إذا كان بمدة طويلة يكون تأخير القضاء إليها موجبا

لتضرر المدعي، كما إذا كان في الحضور ثانيا نفقة السفر و نحوها، بل لا يبعد أن يكون مقتضى مثل معتبرة عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه- عليه السلام-: «في الرجل يدعي عليه الحق و لا بيّنة للمدعي؟ قال:

يستحلف أو يرد اليمين على صاحب الحق» «1» عدم الحق للمنكر في الاستمهال.

و منها: ما هو المنسوب إلى الشهرة من أنّ ردّ المنكر اليمين على المدعي فيما إذا كانت دعواه لنفسه و كونها جزمية، أمّا إذا كانت لغيره كما إذا كان المدعي وليّا أو وكيلا أو وصيا و ادعى على الغير مالا للمولّى عليه أو لموكّله أو الوصية بالمال الذي بيد الوارث و أنكرها الغير أو الوارث فإنّه لا يكون مورد لردّ الحلف، بل يتعين على المنكر الحلف على نفي الحق، و إلّا فيحكم الحاكم بثبوته بمجرّد نكوله و امتناعه عن الحلف، و كذا فيما كانت دعواه غير جزمية كدعوى التهمة في إتلاف

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 7 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2: 176.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 159

..........

______________________________

ماله الذي كان بيد الغير أمانة أو عارية أو إجارة.

و الوجه في ذلك انّ ما ورد في أنّ البينة على المدعى و اليمين على من أنكر مقتضاه تعين اليمين على المدعى عليه، غاية الأمر قد رفع اليد عن دلالتها على تعيّنها عليه بما دل على أنّ له ردّ اليمين على صاحب الحق المدعى، و إذا لم يكن المدعي صاحب الحق كما في دعوى الولي و الوصي و الوكيل فلا موضوع لرد اليمين، و كذا ما ورد في ردّ اليمين فظاهره انّ للمنكر ردّ اليمين إلى المدعى الذي يرى نفسه صاحب الحق، و الدعوى فيما إذا كانت

بنحو التهمة لا يرى المدعي نفسه صاحب الحق، بل غايته أنّه يظن أنّ له الحق على المدعى عليه.

و في صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما- عليهما السلام-: «في الرجل يدعي و لا بينة له؟ قال: يستحلفه، فإن ردّ اليمين على صاحب الحق فلم يحلف فلا حقّ له» «1»، و في معتبرة عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه- عليه السلام-: «في الرجل يدعي عليه الحق و لا بيّنة للمدعي؟ قال: يستحلف أو يرد اليمين على صاحب الحق فإن لم يفعل فلا حق له» «2»، إلى غير ذلك ممّا ظاهره الردّ على المدعي الذي يرى نفسه صاحب الحق، و في غيره يؤخذ بما تقدم ممّا يكون مقتضاه تعيّن الحلف على المدعى عليه.

أقول: الأظهر جواز ردّ اليمين على المدّعي في موارد كونه وليّا أو وصيّا أو حتى إذا كان وكيلا، و ذكر صاحب الحق في أكثر الروايات الواردة في ردّها لا يمنع عن الرد عليهم فإنّ ظاهرها صاحب الحق أصالة أو بالولاية و الوصاية أو حتى بالوكالة، و يجوز لهم الحلف باليمين المردودة فإنّه لا يعتبر في الحلف إلّا العلم بما

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 7 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 176.

(2) الوسائل: ج 18، الباب 7 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2: 176.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 160

..........

______________________________

يحلف عليه، و لو ادعى عدم ظهورها في العموم و اختصاصها بصاحب الحق بالأصالة لكان طلب الحلف من المنكر فيما إذا كان المدعي وليا أو وصيا مشكلا، لأنّ الوارد في موثقة عبد اللّه بن أبي يعفور: «إذا رضي صاحب الحق بيمين المنكر لحقّه فاستحلفه فحلف أن لا حق قبله ذهب اليمين بحق المدعي».

أضف إلى ذلك إطلاق

صحيحة هشام المتقدمة عن أبي عبد اللّه- عليه السلام-:

«قال: ترد اليمين على المدعي» «1»، فإنّه و إن قلنا سابقا إنّه لا يمكن الأخذ بإطلاقها بالإضافة إلى موارد الدعوى في غير الأموال، إلّا أنّ الأخذ بإطلاقها من حيث كون المدعي فيها صاحب المال بالأصالة أو بالولاية و الوصاية أو الوكالة بلا مانع.

و لا يبعد أيضا أن يقال في موارد كون المدعي وكيلا يكون الرد عليه ردا على الموكّل أيضا، و إذا ردّ المنكر الحلف عليه فإن حضر الموكّل و حلف على حقّه ثبت حيث إنّ التوكيل يوجب استناد الدعوى إلى الموكل أيضا، فيكون سقوط حقه بإباء الوكيل و الموكّل عن اليمين المردودة و ثبوته بحلف أحدهما.

و أمّا في موارد الدعوى على الغير تهمة فيما إذا كان المال بيد الغير فلا مورد لردّ المنكر اليمين على المدعي، بل المنكر فيها إذا أقام البينة بعدم الخيانة و تلف المال بلا تفريط أو حلف عليه فهو ان كلّا منهما تسقط دعواه و إن لم يقم بينة أو لم يحلف فهو ضامن للمال.

و هذا كما ذكرنا استفيد ممّا ورد في ضمان الأجير و في صحيحة عبد اللّه بن مسكان عن أبي بصير، كما تقدم، قال: «لا يضمن الصائغ و القصار و لا الحائك

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 7 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 3: 176.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 161

و لو كان للمدعي بينة لم يقل الحاكم أحضرها (1) لأنّه حق له، و قيل

______________________________

إلّا أن يكونوا متهمين فيجيئون بالبينة و يستحلف لعلّه يستخرج منه شي ء» مع ملاحظة ما ورد في أنّهم إن أقاموا البينة فهو و إلّا فيضمنون حيث تقيّد الثانية بالأولى فتكون النتيجة لزوم إقامة البينة بالتلف

من غير إفراط أو الحلف عليه و إلّا فيضمن.

نعم الموارد التي أشرنا إليها من سماع الدعوى فيها بنحو عدم الجزم مع عدم كون من بيده المال أجيرا، كدعوى التهمة على الودعي و المرتهن و المستعير و الوكيل و عامل المضاربة، يمكن القول فيها بأنّه لا يستفاد الحكم فيها ممّا ورد في اتّهام الأجير بل هي باقية في دعوى المال على الغير مع فرض كونه أمينا من قبل المدعى فيجري عليها ردّ اليمين على المدعي، غاية الأمر إذا لم يحلف المدعي على حقه و لو لعدم علمه بالحال سقطت دعواه، كسقوط دعواه بيمين الأمين، و لكن لا يبعد التعدي منها إلى موارد كون من بيده المال متّهما بلا فرق بين الأجير و غيره، و يؤيده ما ورد في دعوى المرتهن تلف الرهن.

(1) نسب عدم الجواز إلى الأكثر و إلى جماعة كالشيخ في المبسوط و ابن إدريس في السرائر، كما نسب الجواز إلى بعض كظاهر المهذب، و عن بعضهم التفصيل كالعلّامة في المختلف و الشهيد في الدروس بين علم المدّعي بأنّ له حق الإحضار فلا يجوز، و بين جهله فيجوز.

و يظهر من تعليل عدم الجواز بأنّ إحضارها حق للمدعى كون المراد بقوله أحضرها أمر المدعى و إلزامه بإحضار البينة، و من الظاهر أنّ إلزامه بإحضارها غير جائز سواء أ كان عالما بأنّ له حق الإحضار أم لا، حيث انّ الممتنع عن أداء حق يؤمر و يجبر عليه، و لكن الممتنع عن استيفاء حقه و الانتفاع به لا يجبر عليه.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 162

يجوز و هو حسن.

و مع حضورها لا يسألها الحاكم ما لم يلتمس المدّعي، و مع الإقامة بالشهادة لا يحكم إلّا بمسألة المدّعي أيضا.

______________________________

نعم

إذا كان الأمر بنحو الإرشاد إلى أنّ للمدّعي إحضار البينة و اقامة الشهادة بدعواه لا بأس به بالإضافة إلى المدعي العالم، و يجب بالإضافة إلى الجاهل، لأنّ في تعليم الجاهل تمكينا له على الوصول إلى حقّه، و قد شرع القضاء له.

و أمّا الإلزام فلا يجوز، لأنّ له العدول عن دعواه أو رضاءه بحلف خصمه، و لو مع تمكّنه على إثبات دعواه بالبينة، كما يدل عليه ما في موثقة عبد اللّه بن أبي يعفور من قوله: «إذا رضى صاحب الحق بيمين المنكر لحقّه فاستحلفه فحلف ان لا حق له قبله ذهب اليمين بحقّ المدعي» «1».

نعم لا أثر لحلف المنكر أو استحلافه بعد إحضار البينة و شهادتها، لمثل قوله- عليه السلام- في صحيحة سليمان بن خالد الواردة في الإحلاف: «هذا لمن لم تقم له بينة» «2» فإنّ ظاهره تمام الشهادة و حصول ملاك القضاء، لا مجرد إحضار البينة.

و إحضارها مجلس الحكم و قوله هذه بينتي كاف في وجوب الشهادة على الشاهدين، كما هو مقتضى قوله سبحانه وَ أَقِيمُوا الشَّهٰادَةَ لِلّٰهِ «3»، وَ لٰا يَأْبَ الشُّهَدٰاءُ إِذٰا مٰا دُعُوا «4» فللحاكم طلب الشهادة منهما و لا دليل على كون الطلب حق المدعي، كما لا يكون حكم الحاكم بعد تمام الشهادة حقّا للمدعي أخذا بقوله

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 9 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 179.

(2) المصدر نفسه: الباب 1 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 167.

(3) الطلاق: 2.

(4) البقرة: 282.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 163

و بعد أن يعرف عدالة البينة يقول هل عندك جرح (1)، فإن قال: نعم و سأل الانظار في إثباته أنظره ثلاثا فإن تعذّر الجرح حكم بعد سؤال المدّعي.

______________________________

سبحانه كُونُوا قَوّٰامِينَ بِالْقِسْطِ

«1» و لوجوب القضاء و فصل الخصومة و استيفاء حقوق الناس لبعضهم من بعض، فلا يكون أداء الشهادة و الحكم بعده من حق المدعي.

و لكن لا بأس بالصلح بينهما بعد أداء الشهادة بل بعد الحكم حيث إنّ الصلح جائز بين المسلمين كما إنّ للمدعي إسقاط حقّه قبل أداء الشهادة أو بعدها و كذا قبل حكم الحاكم و بعده.

و على الجملة ما ذكر الماتن- قدّس سرّه- من أنّ الحاكم لا يسأل الشهادة إلّا بعد التماس المدعي و كذا لا يحكم إلّا بعد التماسه، لا يمكن المساعدة عليه فإنّ ذلك من وظائف الحاكم و أداء الشهادة وظيفة الشاهد مع طلب الشهادة منه.

(1) إذا كان القاضي عالما بعدالة الشاهدين و بعد أدائهما شهادتهما يتمّ عنده ميزان القضاء فله الحكم بثبوت الدعوى و لا يعتني بشهادة الجارح فضلا عن احتمال وجوده لأنّ مع علم القاضي بعدالة الشاهدين لا تكون بيّنة الجرح معتبرة في حق القاضي، أما إذا لم يعلم القاضي بعدالتهما، و إنّما يقبل شهادتهما لوجود بينة التزكية أو حسن الظاهر.

فقد يقال: يجوز له الحكم أيضا لحصول ملاك ميزان القضاء و أصالة عدم الجارح. غاية الأمر يكون للخصم دعوى فسق الشاهدين و إثبات فسقهما و مع إثباته و لو بعد الحكم ينقض الحاكم حكمه، لأنّ عدم نقض الحكم بالبينة القائمة بعد الحكم فيما إذا كان الحكم السابق برضى المدعي بحلف المنكر.

______________________________

(1) النساء: 135.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 164

..........

______________________________

و لكن المنسوب إلى المشهور أنّه لو ادّعى الخصم وجود الجارح أنظره الحاكم ثلاثة أيام من غير تفصيل بين بعد المسافة و قربها.

و في رواية سلمة بن كهيل عن علي- عليه السلام- من قوله: «و اجعل لمن ادّعى شهودا غيبا أمدا

بينهما» «1»، و ظاهرها جعل الإنظار بحيث يناسب إحضارها فيكون الانظار بالثلاثة بلا مستند يصلح الاعتماد عليه.

كما أنّ رواية سلمة بن كهيل لا يمكن الاعتماد عليها لضعف سندها و عدم دلالتها على حكم المقام، فإنّ المقام في الإمهال فيما إذا ادعى الخصم البينة له بالجرح، و ظاهر الرواية إمهال المدعي إذا كان له شهود غيّب بحقّه.

و لا يبعد أن يقال: إنّ مع تمام ميزان القضاء بشهادة شاهدين المحرز عدالتهما بالبينة لا موجب لوقف القضاء، حتى إذا ادّعى الخصم أنّ له بينة الجارح، غاية الأمر إذا ظهر فسق الشاهدين و خلاف بينة التزكية يلغى الحكم، لانكشاف كون الحكم لم يكن بالبينة العادلة، و لا يقاس بقيام البينة بالحق بعد الحكم بحلف المنكر أو نكول المدعي عن اليمين مع ردّها عليه، لما تقدم من سقوط الحق باليمين المزبورة و إنّ هذا اليمين تثبت الحق إذا ردت على المدعي، و مع نكوله تكون موجبة لسقوط حقّه.

و بتعبير آخر لم يكن إحضار المدعي البينة بعد تمام الحكم بالحلف كاشفا عن عدم كون الحكم السابق عند صدوره بميزان القضاء بخلاف صورة العلم بفسق شاهدي الدعوى أو قيام بيّنة الجارح لهما في زمان شهادتهما بحق المدعي.

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 1 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 155.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 165

و لا يستحلف المدّعي مع البينة إلّا أن تكون الشهادة على ميت (1)،

______________________________

(1) لا خلاف بين أصحابنا أنّه لا اعتبار بيمين المدعى مع إقامته البينة بدعواه و يشهد لذلك مثل قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «البينة على من ادّعى و اليمين على من ادّعي عليه» «1»، حيث إنّ التفصيل قاطع الشركة، و في صحيحة محمد

بن مسلم «قال:

سألت أبا جعفر- عليه السلام- عن الرجل يقيم البينة على حقّه هل عليه أن يستحلف؟ قال: لا» «2»، و في خبر أبي العباس عن أبي عبد اللّه- عليه السلام- قال: «إذا أقام الرجل البينة على حقّه فليس عليه يمين- الحديث» «3».

و نقل عن بعض العامّة اعتبار اليمين مع بينة المدعي، و يوافق ذلك ما في خبر سلمة بن كهيل من قوله- عليه السلام- لشريح: «و ردّ اليمين على المدّعي مع بيّنته فإنّ ذلك أجلى للعمى و أثبت في القضاء» «4» و مع ضعفه سندا، و معارضته مع ما تقدم، و كونه على وفاق العامة لا يمكن الاعتماد عليه. بل في حمله على الاستحباب حتى مع طلب المدعى عليه و رضا المدعي مشكل، لظهوره في الحكم الوضعي و اعتباره في القضاء.

و كيف كان فقد استثنى الأصحاب من الحكم الدعوى على الميت بالدين عليه فإنّه لو أقام المدعي البيّنة بدعواه يعتبر في ثبوتها انضمام يمين المدعى بالبينة، و مع عدم أحدهما لا تثبت الدعوى، و قد يقال: بعدم تعرض الأصحاب لهذا الاستثناء قبل المصنّف غير الشيخ- قدّس سرّه.

و يدلّ على اعتبار ضم اليمين صحيحة الصفار إلى أبي محمد- عليه السلام-:

«هل تقبل شهادة الوصي للميت بدين له على رجل مع شاهد آخر عدل؟ فوقّع:

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 3 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 170.

(2) المصدر نفسه: الباب 8 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 177.

(3) المصدر نفسه: الباب 8 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 177.

(4) المصدر نفسه: الحديث 4: 178.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 166

فيستحلف على بقاء الحق في ذمته استظهارا.

______________________________

إذا شهد معه آخر عدل فعلى المدعى يمين و كتب: أ يجوز

للوصي أن يشهد لوارث الميت صغيرا أو كبيرا و هو القابض للصغير و ليس للكبير بقابض؟ فوقع- عليه السلام-: نعم و ينبغي للوصي أن يشهد بالحق و لا يكتم الشهادة، و كتب: أو تقبل شهادة الوصي على الميت مع شاهد آخر عدل؟ فوقع- عليه السلام-: نعم من بعد يمين» «1».

و الاستدلال بما في الذيل، حيث إنّ ظاهره اجتماع شرط الشاهد في الوصي من غير جهة كونه وصيا و جوابه- عليه السلام- بقبول شهادته مع شهادة عدل آخر من بعد يمين مقتضاه اعتبار يمين المدعي، كما ذكر في صدرها، و لا يضرّ ما في الصدر من اعتبار اليمين في الدعوى للميت على الحيّ، لأنّ عدم إمكان الأخذ بما في الصدر لما دلّ على عدم اعتبار اليمين مع البينة للمدعي لا يوجب طرح غيره من الحكم الوارد فيها.

لا يقال: لا يمكن الأخذ بما في ذيلها أيضا لمعارضته بصحيحة أخرى للصفار «قال: كتبت إلى أبي محمد- عليه السلام-: رجل أوصى إلى ولده و فيهم كبار قد أدركوا و فيهم صغار، أ يجوز للكبار أن ينفذوا وصيته و يقضوا دينه لمن صحّ على الميت بشهود عدول قبل أن يدرك الأوصياء الصغار؟ فوقّع- عليه السلام-: نعم على الأكابر من الولد أن يقضوا دين أبيهم و لا يحبسوه بذلك» «2»، حيث إنّ ظاهر هذه أداء الدين على الميت في صورة إثبات مدعيه بشهود عدول و لو كان ضم اليمين مع الشهود العدول معتبرا تعرض- عليه السلام- لاعتبار الضم في الجواب.

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 28 من أبواب الشهادات، الحديث 1: 273.

(2) المصدر نفسه: ج 13 الباب 50 من أبواب الوصايا، الحديث 1: 438.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 167

..........

______________________________

فإنّه يقال: غاية

دلالة هذه الصحيحة على عدم اعتبار ضم اليمين إلى البينة في الدعوى على الميت بالإطلاق بعدم ذكر ذلك في الجواب فيرفع اليد عنه بالتقييد الوارد في صحيحته المتقدمة، مع أنّ من المحتمل جدا أن يكون ما في كلام السائل بشهود عدول قيدا لقضاء الكبار.

و يظهر اعتبار الضم من رواية عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه «قال: قلت للشيخ- عليه السلام-:- إلى أن قال:- قال- عليه السلام-: و إن كان المطلوب بالحق قد مات فأقيمت عليه البيّنة فعلى المدعى اليمين باللّه الذي لا إله إلّا هو لقد مات فلان و انّ حقّه لعليه فإن حلف و إلّا فلا حقّ له، لأنّا لا ندري لعلّه قد أوفاه ببينة لا نعلم موضعها أو غير بينة قبل الموت، فمن ثمّ صارت عليه اليمين مع البينة فإن ادعى بلا بينة فلا حقّ له لأنّ المدعى عليه ليس بحيّ و لو كان حيّا لألزم اليمين أو الحق أو يرد اليمين عليه فمن ثمّ لم يثبت الحق» «1».

و لكن في سندها ياسين الضرير، و لم يثبت له توثيق، و ربّما يناقش فيها بعدم ثبوت ان المسؤول فيها هو الإمام- عليه السلام- و لعلّه غيره، و بان اعتبار اليمين باللّه على النحو الوارد فيها غير معتبر.

و مثلها رواية سليمان بن حفص المروزي قال: كتبت إلى أبي الحسن- عليه السلام- في رجل مات و له ورثة فجاء رجل فادعى عليه مالا و ان عنده الرهن، فكتب- عليه السلام-: إن كان له على الميت مال و لا بينة له عليه فليأخذ ماله بما في يده و ليردّ الباقي على ورثته و متى أقرّ بما عنده أخذ به و طولب بالبينة على دعواه و أوفى حقه

بعد اليمين و متى لم يقم البينة و الورثة ينكرون فله عليهم يمين علم يحلفون باللّه ما

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 4 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 173.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 168

..........

______________________________

يعلمون أنّه على ميّتهم حقّا» «1»، و الوجه في كونها مثل السابق عدم ثبوت توثيق لسليمان بن حفص.

و الظاهر انّ المذكور في صدر الجواب هو أنّ مثل هذا الشخص، إذا لم يمكنه إثبات الدين على الميت يأخذ ما عنده من الرهن تقاصّا و ردّ الزائد عن حقه على الورثة من غير إقرار بأنّ ما عنده كان رهنا لأبيهم، و إلّا يؤخذ بإقراره بالرهن من غير أن يثبت له حق على الميت.

ثمّ إنّه قد وقع الكلام في أنّ اعتبار يمين المدعي في الدعوى على الميت مطلقا أو أنّه يختص بما إذا كان المدعى على الميت يدّعي عليه الحق لنفسه فلو كان المدعي عليه وصي ميت آخر. كما إذا قال لوصي ميّت انّ من أوصى إليّ له مال كذا على ميتكّم و أقام البينة بما ادعاه فإنّه لو كان ثبوت الدين على ميت موقوفا على اليمين مطلقا حتى في مثل الفرض لم يثبت الدين عليه، لأنّ يمين الوصي لا يفيد شيئا حيث لم يعهد ثبوت مال لآخر بيمين شخص ثالث، و انّما المعهود ثبوته يمين صاحب الحق خاصة كما قيل.

و كذا فيما كان المدعي على الميت ورثة ميت آخر كما إذا قالوا: لميّتنا على ميّتكم مقدار كذا من المال و أقاموا البيّنة بمدّعاهم، فإنّه لا يمكن للورثة المدّعين الحلف على بقاء المال على عهدة الميّت المدعى عليه، حيث إنّ غاية الأمر أنّهم يعلمون بثبوت الدين عليه لا ببقائه. و من المحتمل أنّ

الميّت الدائن قد ابرأ الميت المديون.

و احتمال جواز الحلف للورثة اعتمادا على الاستصحاب في الدين كجواز

______________________________

(1) الوسائل: ج 13، الباب 20 من أحكام الرهن، الحديث 1: 140.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 169

..........

______________________________

الشهادة بالملك اعتمادا على قاعدة اليد بلا وجه، لأنّ منصرف أدلة اعتبار اليمين بالعلم كونه بنحو الجزم و البت لا بنحو التعبّد، و جواز الشهادة بقاعدة اليد لم يثبت، و على تقدير القول به فهو لدليل خاصّ كما يأتي.

و ذكر في الجواهر- قدّس سرّه- أنّ ثبوت الدين على الميت كثبوت الدين على الحيّ يكون بالبينة و يعتبر يمين المدعي استظهارا لبقاء دينه فيما إذا كان المدعي على الميّت صاحب الحق و انّ عدم ثبوت المال بالبينة مخالف للذوق الفقهي، و يفصح عن كون اعتبار اليمين استظهاريا لبقاء الدين الثابت بالبينة قوله- عليه السلام- في قوي عبد الرحمن: «فعلى المدعي اليمين باللّه الذي لا إله إلّا هو لقد مات فلان و انّ حقّه لعليه فإن حلف و إلّا فلا حق له» «1» و أنّ هذا الحلف للمدعي أنّه صاحب الحق على الميت فلا يعم غيره، و حمل المفروض فيه على المثال كما عن بعض غير ظاهر.

أقول: دعوى دلالة رواية عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه على عدم الحاجة إلى ضم اليمين فيما إذا لم يكن المدعى دعواه الحق لنفسه على الميّت لا يمكن المساعدة عليها، فإنّ غاية القول أنّها لا تدل على ضمّ اليمين إلى البيّنة في الفرض أيضا، فيؤخذ بالإطلاق من صحيحة الصفار المتقدمة، و مقتضاه اعتبار الضم مطلقا.

نعم دلالتها على ثبوت الدين أيضا على الميت بالبيّنة و اعتبار ضم اليمين لاحتمال عدم بقاء الدين الثابت فلا حاجة إلى ضم اليمين مع

العلم ببقائه على ذمته على تقدير الثبوت و أنّه لا بدّ من يمين المدعى إذا ثبت الدين على ميّتهم

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 4 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 173.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 170

..........

______________________________

بإقرارهم و لكن قالوا نحتمل عدم بقائه لاحتمال الأداء و الإبراء قبل موته، كما هو مقتضى تعليل اعتبار ضم اليمين فيها تامّة و دعوى أنّ ما ورد فيها حكمة لا تعليل لا يمكن المساعدة عليها، لعدم القرينة على أنّ الوارد فيها حكمة، إلّا أنّها لضعف سندها لا يمكن الاعتماد عليها.

و مقتضى صحيحة الصفار المتقدمة انّ سقوط الاستصحاب في بقاء الدين عن الاعتبار فيما إذا ثبت الدين بالبينة و لا تعم ما إذا ثبت بإقرار الورثة أو علمهم بأصل ثبوت الدين، كما أنّ مقتضاها اعتبار ضم اليمين إلى البينة حتى لو اعترف الورثة و الوصي ببقاء الدين على الميت على تقدير الثبوت، كما لا يخفى.

و على ذلك فتسمية اليمين من المدّعي استظهاريا بمعنى أنّ اليمين تعتبر فيما إذا احتمل براءة عهدة الميت بالوفاء و نحوه قبل موته و انّ اليمين تعتبر في موارد إقرار الورثة بأصل ثبوت الدين كما لو قالوا نحتمل الوفاء أو الإبراء قبل موت ميّتهم أو شهدت البيّنة على إقرار الميّت بالدين كما تقدم، لا يمكن المساعدة عليها كما التزم بذلك و انّه يعتبر الضم مطلقا صاحب المستند- قدّس سرّه-، لكن لا لما ذكره من كون ما ورد في رواية عبد الرحمن حكمة لا تعليل، بل لما ذكرنا من ضعف سندها.

بقي في المقام أمور:

الأوّل: قد ذكرنا أنّ العمدة في القول باعتبار ضم اليمين من المدّعي إلى بينته هو صحيحة الصفار المتقدمة، و أنّها لا تعم موارد

ثبوت الدين بعلم الحاكم أو اعتراف الوصي و الورثة و الشياع المفيد للعلم، فهل يمكن في هذه الموارد حكم الحاكم بثبوت الدين على الميت فعلا بحيث يخرج عن تركته فيما إذا احتمل الحاكم

أسس القضاء و الشهادة، ص: 171

..........

______________________________

أو المعترف بأصل الدين حصول الإبراء أو الوفاء قبل موت الميّت أو أنّه لا يصح للحاكم هذا الحكم؟

الأظهر هو الثاني، لأنّ مقتضى قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّما أقضي بينكم بالبينات و الأيمان» «1»، منضما إلى قولهم- عليهم السلام-: «البيّنة على المدعي و اليمين على المدعى عليه» «2» عدم جواز القضاء بمجرّد الاستصحاب أو غيره من القواعد المقررة للشاك، بل يتعين أن يكون مدرك القضاء البينة أو اليمين غاية الأمر رفعنا اليد عن ذلك فيما إذا علم القاضي جزما بثبوت الحق و صحة دعوى المدعي أو كان عالما بالواقع أو حصل الاعتراف من الخصم بدعوى المدعي و ثبوت الحق له فعلا، و من المفروض أنّه مع احتمال البقاء و الارتفاع لا يحصل شي ء من ملاك حكمه.

و على ذلك فيصح في الموارد المزبورة الحكم بأنّ الدين كان ثابتا على الميت و بعد ثبوت الدين السابق بالحكم كما في موارد علم القاضي أو بإقرار الوصي و الوارث يجب العمل من الوارث و الوصي على طبق الاستصحاب فللحاكم إلزامهما بالعمل به، كما تقدم في موارد عدم سماع الدعوى مع عدم الجزم فلو ظفرا و لو بعد ذلك بالبينة على الوفاء أو الإبراء أو قد علما بأحدهما فلهما الترافع مع المدعي لعدم حصول القضاء بالدين على الميت عند موته ليقال عدم انتقاض هذا الحكم، كما أنّ المدعي على الميت إذا وجد البينة على الدين فله إثباته بها

منضما إلى يمينه، لما ذكرنا من عدم كون كل ذلك من تجديد المخاصمة بعد فصلها.

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 2 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 169.

(2) المصدر نفسه: الباب 3 من أبواب الحكم، الحديث 5: 171.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 172

..........

______________________________

الثاني: يقع الكلام في أنّ ضم اليمين إلى بينة المدعي على الميّت يختص بما إذا كانت الدعوى عليه دينا فلا يحتاج إلى ضم اليمين فيما كانت دعواه العين التي كانت بيد المورث أو المنفعة أو الحق كحق الخيار.

فقد يقال بالاختصاص لاختصاص رواية عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه بالدين، حيث ورد فيها الحلف على أنّه مات و حقه عليه، و ظاهر بقاء الحق عليه هو الدين، و كذا ما ورد فيها من التعليل بأنّه لا ندري لعلّه أوفاه و دعوى انّ ذكر احتمال الوفاء بالدين من باب المثال، و المعيار احتمال عدم ثبوت مال أو حق على الميت أو عند الميت عند موته لا يمكن المساعدة عليها، خصوصا بملاحظة الفرق بين البيّنة القائمة بالدين و القائمة بكون العين للغير. فإنّ بيّنة الدين تعتمد غالبا في بقائه على الاستصحاب بخلاف الشهادة بكون العين للغير.

لا يقال: قد تقدم ضعف الرواية سندا و ان المستند في اشتراط الضم هو صحيحة الصفار و مقتضاها توقف ثبوت الدعوى على الميت على ضم اليمين، من غير فرق بين كون الدعوى دينا أو غيره.

فإنّه يقال: لا يمكن أن يستفاد من الصحيحة أيضا اعتبار الضم في غير الدين فيكون المرجع في غيره إطلاق ما دلّ على ثبوت الدعوى و حصول ميزان القضاء بالبينة، و الوجه في عدم إمكان الاستفادة انّ الصدوق- قدّس سرّه- رواها هكذا: «أو تقبل شهادة الوصي على الميت

بدين مع عدل آخر، قال- عليه السلام-:

نعم من بعد يمين» «1». و مقتضى الاختلاف بين النقلين بالزيادة و النقيصة الأخذ بالزيادة و لا أقل من إجمال الصحيحة من هذه الجهة.

______________________________

(1) الفقيه 3: 43/ 147.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 173

..........

______________________________

بل لا يبعد أن يقال: انّ على نقل الكليني- قدّس سرّه- أيضا ظاهرها دعوى الدين على الميت حيث تكون الدعوى في العين على الوارث لوقوع العين بيدهم و انحلال العارية و نحوها التي كانت موجبة لجريان يد الميت عليها فالشهادة على الميت و الدعوى عليه ظاهرها موارد الدين لا العين و نحوها و قد تقدم أنّ المناقشة في التمسك في اعتبار ضم اليمين بصحيحة الصفار باحتمال أن يكون المراد من اليمين فيها يمين الشاهد لا المدعي غير صحيحة فإنّه قد ذكر في صدرها في شهادة الوصي للميت يمين المدعى و ظاهر الذيل اعتبار تلك اليمين فلاحظ.

و قد تحصل مما ذكرنا أنّه لو شهدت البيّنة بأنّ العين التي كانت بيد الميت كانت عارية عنده أو وديعة أو غصبا إلى أن مات يحكم القاضي على العين بأنّها ملك المدعي بلا حاجة إلى ضم يمينه.

أمّا إذا شهدت أنّها كانت للمدعي في السابق و لا تدري ما كانت عليه عند موت المورث يثبت بالبينة الملك السابق، فيحكم به و يلزم الورثة العمل بمقتضى الاستصحاب فيما إذا اعترفوا بالملك السابق و احتملوا الانتقال بعد ذلك لسقوط يد الميت عن الاعتبار مع اعترافهم بالملك السابق للمدعي.

أمّا إذا قالوا مع قيام البيّنة بالملك السابق للمدعي أو مع اعترافهم بملكه السابق بأنّ العين عند موت مورثهم كان ملكا له لا للمدّعي فلهم على المدّعي الحلف على عدمه لانقلاب الدعوى بالبينة المزبورة أو بالاعتراف، و

أن لا يخلو الانقلاب في صورة البينة بالملك السابق عن المناقشة. و إذا لم تكن في البين إلّا دعوى المدعي العين و جواب الورثة بعدم علمهم بالحال، فيأتي الكلام في ذلك

أسس القضاء و الشهادة، ص: 174

..........

______________________________

في جواب المدعى عليه بلا أدري ان شاء اللّه تعالى.

الثالث: المنسوب إلى المشهور أنّ الدين على الميت كالدين على الحيّ يثبت بشهادة واحد و يمين المدعي، و عليه اختلفوا في الحاجة في ثبوت دعوى الدين على الميت بشاهد و يمين المدعي إلى يمين أخرى من المدعي على بقاء الدين عليه إلى أن مات أو أنّه لا حاجة مع ثبوت الدعوى بشاهد و يمين إلى الأخرى للتداخل، فقد يقال بالحاجة لأنّ اليمين الأولى مع شهادة عدل تثبت أصل الدين و اليمين الأخرى لاستظهار بقاء الدين عليه إلى موته كما يقال إذا كانت شهادة الشاهد و اليمين أوّل مرة على الدين على الميت إلى أن مات ففي الحاجة إلى اليمين الأخرى اشكال للزوم تكرار اليمين بلا فائدة.

أقول: لو ثبت أنّ حلف المدعي مع شهادة عدل بينة فلا يبعد أن يقال بلزوم تكرار اليمين، حيث يعمه قوله- عليه السلام- ما في رواية عبد الرحمن، و ان كان المطلوب بالحق قد مات فأقيمت عليه البينة فعلى المدعي يمين، فيكون كما إذا ثبت الدين على الميت بشاهد عدل و امرأتين عادلتين، كما هو ظاهر ما ورد في سماع شهادة النساء مع الرجال في الماليات أو الدين خاصة.

و أمّا إذا قيل بعدم قيام دليل على التنزيل فلازم ذلك عدم ثبوت الدين على الميت بشاهد واحد، و لو مع يمين المدعي بأكثر من مرّة لقوله- عليه السلام- في ذيل الرواية: «فإن ادّعى بلا بينة فلا

حق له» «1».

لا يقال: ما ورد في ثبوت دعوى المال بشهادة الواحد مع يمين المدعي مقتضاه ثبوت الدين بهما في الفرض أيضا، بل ظاهره أنّهما بينة، خصوصا بملاحظة

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 4 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 173.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 175

..........

______________________________

ما ورد من أنّ البينة على المدعي و اليمين على المدعى عليه، و انّ الحكم باليمين فيما إذا لم يقم المدعي البينة بدعواه.

فإنّه يقال: نعم ما ورد في ثبوت الدين أو مطلق المال بشهادة عدل مع يمين المدعي أو بشهادة رجل و امرأتين أو بشهادة امرأتين و يمين المدعى ظاهره كون ما ذكر بيّنة، إلّا أنّ مقتضى صحيحة محمد بن يحيى اعتبار تعدد الشاهد في البينة على دين الميت، و ذلك فإنّ الدين عليه لو ثبت بشهادة عدل و يمين المدعي و لو مع تكرار اليمين لم يكن وجه لتقييد قبول شهادة الوصي على الميت بما إذا كان معه عدل آخر و يمين المدعي، فمقتضى الصحيحة أنّ قبول شهادة الوصي مع عدل آخر يحتاج إلى يمين المدعي، و هذا نوع تخصيص في أدلّة اعتبار البينة في الدعاوي، و لذا يحتاج إلى ضمّها حتى ما لو علم أنّ الميت على تقدير كونه مديونا لم يوفيه و أنّه قد مات و الدين عليه، فدعوى كون اليمين استظهاريا، كما هو ظاهر خبر عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه المتقدمة لا يمكن المساعدة عليها.

نعم لو كان في البين خطاب يكون مدلوله تنزيل يمين المدعي في موارد دعوى المال أو الدين على الغير منزلة شهادة عدل لأمكن القول بكفاية شهادة واحد و يمين المدعي في الدعوى على الميت أيضا أخذا بعموم التنزيل.

و لكن يمكن

المناقشة في الجواب بأنّ كون شهادة عدل آخر مع شهادة الوصي لم يؤخذ قيدا في جواب الإمام- عليه السلام- ليكون مقتضاه أنّ شهادة الوصي بدون انضمام شهادة عدل آخر و لو مع يمين المدعى لا يثبت الدين على الميت، بل قد ذكر ذلك في كلام السائل بفرضه شهادة الوصي مع شهادة عدل آخر فذكر- عليه السلام- أنّ شهادتهما لا تفيد إلّا مع يمين المدّعي على الدين على الميت.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 176

..........

______________________________

نعم ذكر ذلك قيدا في الجواب في صدر الرواية في فرض الدعوى للميت على الحيّ فذكر- عليه السلام- تثبت الدعوى إذا انضم إلى شهادة الوصي شهادة عدل آخر مع يمين المدعي، و من الظاهر أنّ الصدر غير معمول به فإنّه لا يعتبر في دعوى الورثة على حيّ بالدين لمورثهم عليه مع شهادة العدلين يمين الورثة فلا بد من أن يترك أو يحمل على عدم قبول شهادة الوصي مطلقا أو في صورة اختلال بعض شرائط الشاهد فيه.

و المتحصل: أنّه لا يبعد القول بثبوت الدين على الميت بشهادة عدل و يمين المدعي، كثبوته بهما على الحي و الفرق بينهما أنّ الدين على الحي يثبت بشهادة العدلين و لكن الدين لا يثبت على الميت بمجرد شهادتهما بل لا بدّ من ضم اليمين.

و ممّا ذكرنا يظهر أنّه لو ادّعى الوارث على ميت بدين لمورثهم و كان بينهم عدلان يثبت الدين على الميت المدعى عليه بشهادتهما مع اليمين من كل واحد منهم، فإنّ دعوى العدلين بالإضافة إلى سهام الوارث يحسب بينة فتثبت سهامهم بضم اليمين منهم كما إذا دعوى كل منهما بالإضافة إلى دعوى الآخر يحسب شهادة عدل واحد يضمّ إليهما يمينه.

و بتعبير آخر كل من الوارث

بالإضافة إلى سهمه من الدين على الميت مدّع، و دعواه بالإضافة إلى سهام الآخرين شهادة. لكن هذا مبني على أنّ المأخوذ لا يكون مشاعا بين جميع الورثة بأن يختص كل واحد من الورثة بما يأخذه من الدين بمقدار سهمه، و إلّا تدخل شهادة العدلين من الورثة في شهادة الشريك لشريكه و هي غير مسموعة كما يأتي في الشهادات.

الرابع: أنّ ما تقدم من توقف ثبوت الدين على الميت على ضم يمين المدعي

أسس القضاء و الشهادة، ص: 177

و لو شهدت على صبي أو مجنون أو غائب ففي ضم اليمين إلى البينة تردّد أشبهه أنه لا يمين (1).

______________________________

لا يجري إذا كان ثبوت الدين عليه بإقرار الميت بالدين له عليه قبل موته، حيث إنّ اعترافه قبل موته نافذ. نعم إذا كان اعترافه في مرض موته و كان متهما في إقراره فلا ينفذ ذلك الإقرار، كما يشهد بذلك غير واحد من الروايات كصحيحة منصور ابن حازم قال: «سألت أبا عبد اللّه- عليه السلام- عن رجل أوصى لبعض ورثته أنّ له عليه دينا؟ فقال: إن كان الميّت مرضيا فأعطه الذي أوصى له» «1»، و تمام الكلام في كتاب الوصية.

(1) المنسوب إلى الأكثر بل إلى المشهور الحاجة إلى ضم يمين المدعي بالبينة في موارد دعوى الدين على مثل الميت ممّن لا لسان له كالصبي و المجنون و الغائب، و عن جماعة بل عن أكثر المتأخرين عدم الحاجة، و يستدل على الحاجة بالتعليل الوارد في رواية عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه «2» المتقدمة، و لكن لا يخفى أنّ الصبي و المجنون ليسا من أهل الوفاء ليندرج احتمال وفائهما في التعليل المزبور، بل الدعوى متوجهة إلى وليهما.

و الغائب و إن لم

يكن له لسان إلّا أنّه على حجته إذا جاء، ففي صحيحة جميل: «الغائب يقضى عليه إذا قامت عليه البينة و يباع ماله و يقضى عنه دينه و هو غائب، و يكون الغائب على حجته إذا قدم، و لا يدفع المال إلى الذي أقام البينة إلّا بكفلاء».

و على الجملة الميت لا لسان له أصلا و الغائب لا لسان له فعلا، فلا يمكن التعدي ممّا ورد في الأوّل إلى الثاني.

______________________________

(1) الوسائل: ج 13، الباب 16 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 1: 376.

(2) المصدر نفسه: ج 18، الباب 4 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 173.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 178

و يدفع الحاكم من مال الغائب قدر الحق بعد تكفيل القابض بالمال (1).

______________________________

هذا مع ضعف الرواية سندا و العمدة في دعوى الدين على الميت صحيحة محمد بن يحيى الواردة في شهادة الوصي، و لم يرد فيها تعليل.

(1) قد ذكر هذا الحكم في كلماتهم و يستدل على ذلك بصحيحة جميل عن جماعة من أصحابنا، عنهما- عليهما السلام- قال: «الغائب يقضى عليه إذا قامت عليه البينة و يباع ماله و يقضى عنه دينه و هو غائب و يكون الغائب على حجته إذا قدم، قال: لا يدفع المال إلى الذي أقام البينة إلّا بكفلاء» «1».

و الشيخ- قدّس سرّه- و إن رواها بسند فيه ضعف «2»، إلّا أنّ السند الآخر صحيح، حيث روى عن جعفر بن محمد بن قولويه عن أبيه عن سعد بن عبد اللّه عن أيوب بن نوح عن محمد بن أبي عمير عن جميل، أضف إلى ذلك أنّ له- قدّس سرّه- إلى جميع كتب محمد بن أبي عمير و رواياته التي منها هذه الرواية طريق صحيح، على ما

ذكره في الفهرست، و لا يضرّ باعتبارها التعبير عنها بالمرسلة، فإنّ الإرسال بمثل ما في الرواية من التعبير بالعدة و الجماعة و غير واحد ظاهره عدم انحصار راويها بواحد أو اثنين، و مع كثرة رواته لا يخلو رواته عن الثقة و العدل، كما يظهر بوضوح بملاحظة من روى عنه جميل. و فيما رواه بسند آخر عن جميل بن دراج عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر- عليه السلام- مثله إلّا أنّه «زاد إذا لم يكن مليا» «3».

و مقتضى الجمع بين الكفالة و عدم ملاءة المدعي إنّ المراد بالكفالة التكفيل

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 26 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 216.

(2) التهذيب: 6/ 296، الاستبصار: 3/ 47.

(3) الوسائل: ج 18، الباب 26 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 206.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 179

..........

______________________________

بمعنى ضمانه المال المدفوع إليه و إلّا فبمجرّد الكفالة لا تفيد في تدارك ما يفوت على الغائب أحيانا إلّا أنّ السند في تقييد الكفالة بعدم الملائة لا يخلو عن الضعف و مناسبة المقام موجبة لرفع اليد عن اعتبار الكفالة بمعناها الظاهر المعروف.

و ما يقال من أنّه لا يمكن الأخذ بظاهر مرسلة جميل فإنّ مقتضاها اعتبار تعدّد الكفيل لا يمكن المساعدة عليه، فإنّ ظاهرها بمناسبة الحكم و الموضوع ارادة الجنس من الجمع المحلى باللام، فلا مجال في الحكم في المقام، و إن كان لا يبعد كما تقدم أن يكون المراد من الكفيل فيه هو الكفيل بالمال.

و ممّا ذكرنا يظهر أنّه لا مجال للتوقف في الحكم بما في رواية أبي البختري عن جعفر عن أبيه عن علي قال: «لا يقضى على غائب» «1»، فإنّه مضافا إلى ضعف سنده مطلق قابل للتقييد بما

إذا لم يكن للمدّعي كفيل.

بقي في المقام أمر، و هو أنّه إذا كانت دعوى المدعي على الغائب سقوط حق الغائب عنه، كما إذا طالب وكيل الغائب الدين لموكّله عن المدين و ادعى المدين أنّه أداه لموكّله فإن كان للمدعي بينة بالأداء أو بالإبراء فهو و إلّا يجب عليه الأداء إلى الوكيل و ليس له إحلاف الوكيل على عدم الأداء أو الإبراء، نعم لو ادّعى عليه علمه بالأداء و الإبراء فله إحلاف الوكيل على عدم علمه.

و يمكن أن يقال: انّه مع عدم البينة له بالأداء أو الإبراء و إن يكلّف بالأداء إلى الوكيل إلّا أنّه للأخذ بإقرار المدين بالدين عليه للموكّل و عدم إثباته الأداء و الإبراء لا لثبوت القضاء في الواقعة و عليه يبقى له على الموكل حق دعوى الأداء.

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 26 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 4: 217.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 180

و لو ذكر المدعي أنّ له بينة غائبة خيّره الحاكم بين الصبر و بين إحلاف الغريم (1) و ليس له ملازمته و لا مطالبته بكفيل.

[و أمّا السكوت]

و أمّا السكوت: فإن اعتمده الزم بالجواب فإن عاند حبس حتى يبين (2)،

______________________________

(1) إذا كان للمدعي بينة حاضرة بحيث حصل القضاء بها و ثبت الدين على المنكر فلا كلام، أمّا إذا ذكر المدعي أنّ له بينة غائبة بدينه خيّره الحاكم بين إحضار البينة و بين إحلاف المنكر لأنّ كلّا من إحضارها و استحلاف الغريم حق للمدّعي فله اختيار أحدهما و قد تقدم أنّ حلف المنكر مدرك للقضاء مع عدم إقامة المدعي البينة بدعواه لا مع عدمها، و لكن لو لم يستحلف و طلب تأخير القضاء إلى إحضارها لا يكون له ملازمة الغريم بنحو

لا يجوز تلك الملازمة مع عدم الخصومة فضلا عن أن يطلب حبسه أو يطلب الكفيل، لأنّ الملازمة فرع ثبوت الحق و حبسه فرع امتناعه عن أداء ما ثبت عليه من الدين، و كذا مطالبة الكفيل.

و لكن ربّما يقال: لا بأس بجواز مطالبة المدعي المزبور الكفيل عن خصمه لخوفه من ضياع حقّه و لا تتوقّف الكفالة على ثبوت الدين بل تصحّ مع الدين المحتمل، و فيه أنّ صحّة الكفالة مع الدين المحتمل لا يوجب جواز إلزام الخصم بالكفالة على الدين المحتمل.

(2) يبقى الكلام فيما إذا لم يجب الخصم عن الدعوى بأن سكت أو أجاب بأني لا أدري. فنقول:

لو سكت و لم يجب فالمشهور بين المتأخرين أنّه يلزم بالجواب، فإن عاند حبس حتى يجيب، و ينسب ذلك إلى الشيخين و ابن حمزة أيضا، و قد ذكر الماتن- قدّس سرّه- أنّ هذا مروي، و قد تلقّى بعض هذا الكلام بالرواية المرسلة، و لكن لا

أسس القضاء و الشهادة، ص: 181

و قيل: يجبر حتى يجيب، و قيل: يقول الحاكم إمّا أجبت و إلّا جعلتك ناكلا

______________________________

يخفى ما فيه.

فإنّه يحتمل أن يكون مراده رواية ليّ الواجد تحل عقوبته، بدعوى أنّها تعمّ واجد الجواب أيضا، و قد تقدم في بحث حكم الممتنع عن أداء الدين و لو بدعوى الإعسار أنّ ظاهرها واجد المال، و قيل: إنّ إلزامه بالجواب بعد عناده يكون للأمر بالمعروف و النهي عن المنكر بمراتبهما و لو بالانتهاء إلى الضرب و الإهانة، و يدخل فيهما حبسه.

و في قول آخر نسب إلى الشيخ- قدّس سرّه- في المبسوط و ابن إدريس و القاضي في مهذّبه و عن العلامة في القواعد، انّ الحاكم يقول له إمّا أجبت و إلّا جعلتك ناكلا

و رددت اليمين على المدعي، و مع إصراره على السكوت و بعد تكراره ثلاثا، يردّ اليمين على المدعي، فإن حلف ثبت حقّه و إلّا سقط.

و لكن قد يناقش في هذا القول بأنّ السكوت لا يعدّ نكولا و رد اليمين من الخصم أو الحاكم يكون مع الإنكار و النكول لا مطلقا و تدفع المناقشة بأنّه لم يرد في الروايات عنوان النكول، بل الوارد فيها ردّ المدعى عليه اليمين، كما في صحيحة محمد بن مسلم «1»، أو أنّه يرد اليمين على المدعي، كما في صحيحة هشام المتقدمة «2»، و هذه تعم ما إذا كان الراد هو المدعى عليه أو الحاكم.

و بتعبير آخر مقتضى الروايات الدالة على أنّ البينة للمدعي و اليمين على المدعى عليه كون طلب الحلف في فرض سكوت المدعى عليه أيضا من حق المدّعي، فإن طلب المدعي هذا الحق و أبى المدعى عليه عن أدائه يردّ الحاكم

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 7 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 176.

(2) المصدر نفسه: الحديث 3: 176.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 182

و رددت اليمين على المدّعي فإن أصرّ ردّ الحاكم اليمين على المدّعي، و الأوّل مرويّ

______________________________

اليمين على المدعي أخذا بصحيحة هشام.

و ما ورد في بعض الروايات «البينة للمدعي و اليمين على من أنكر» «1»، لا ينافي ما تقدم لعدم المنافاة بينهما، فيكون اليمين من المدعي عليه منكرا أو ساكتا من حق المدعي.

و قد يقال بعدم الحاجة إلى ردّ الحاكم اليمين على المدعي بإصراره على سكوته و عدم جوابه، بل يحكم الحاكم بثبوت دعوى المدعي، و يستظهر ذلك من صحيحة محمد بن مسلم الواردة في كيفية إحلاف الأخرس، حيث ورد فيها: «انّ عليا- عليه السلام- كتب الحلف

ثمّ غسله و أمر الأخرس أن يشربه فامتنع فألزمه الدين» «2»، و ظاهر الصحيحة أنّ أبا عبد اللّه- عليه السلام- في مقام بيان كيفية القضاء فيما إذا كان المدعى عليه أخرس و لم يكن للمدعي بيّنة، فقوله- عليه السلام- في مقام بيان هذا الحكم: «فامتنع فالزمه بالدين»، ظاهره أنّ مع امتناع الخصم عن الحلف و ردّه على المدعي يحكم بثبوت الدعوى بلا حاجة إلى ردّ الحاكم اليمين.

و كذا يستدلّ على ذلك بمعتبرة عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه- عليه السلام- «في الرجل يدّعي عليه الحق و لا بينة للمدعي؟ قال: يستحلف أو يردّ اليمين على صاحب الحق فإن لم يفعل فلا حق له» «3»، بدعوى أنّ ظاهرها كون المدعي عليه مع عدم البينة للمدعي يلزم بالحلف باستحلافه أو يرد اليمين على المدعي فإن لم يفعل شيئا من ذلك فلا حق له في الاعتراض بثبوت الدعوى.

______________________________

(1) مستدرك الوسائل: 17، الباب 3 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 4: 368.

(2) الوسائل: ج 18، الباب 33 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 222.

(3) المصدر نفسه: الباب 7 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2: 176.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 183

و الأخير بناء على عدم القضاء بالنكول.

______________________________

و على الجملة إصرار المدعي عليه بسكوته و عدم جوابه عن دعوى المدعي يكون امتناعا عن الحلف و عن ردّه على المدعي فيحكم بثبوت الدعوى.

و لكن لا يخفى أنّ صحيحة محمد بن مسلم في مقام بيان كيفية إحلاف الأخرس فيما إذا لم يكن للمدعى بينة و كان الأخرس منكرا، أمّا انّ الأخرس مع امتناعه عن الحلف يحتاج إلى الحكم إلى رد اليمين على المدعى من قبل الحاكم أو من قبله فليست في مقام

بيان ذلك، كما يظهر ذلك بملاحظة السؤال في صدرها.

و أمّا معتبرة عبيد بن زرارة فلم يظهر أنّ المراد من قوله- عليه السلام-: «فلا حق له» نفي الحق للمدعي له لو لم نقل بظهوره في نفي الحق للرجل المدعي كما سئل عن حقّه مع عدم البينة له بذلك الحق و ذكر الإمام- عليه السلام- أنّ له أن يستحلف المدعي عليه فيحلف أو يرد المدعي عليه اليمين على المدعي المزبور فيحلف هو، فإن لم يفعل أي لم يحلف المدعي بعد ردّ اليمين عليه فلا حق له، يعني يسقط حقّه، فيكون موافقا لما في غيرها كصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما- عليهما السلام-:

«في الرجل يدعي و لا بيّنة له؟ قال: يستحلفه فإن ردّ اليمين على صاحب الحق فلم يحلف فلا حق له» «1» هذا أوّلا.

و ثانيا: سلمنا ظهورها في أنّ امتناع المدعى عليه عن الحلف و عن ردّه على المدعي يوجب ثبوت دعوى المدعي، لكن هذه الدلالة بالإطلاق، حيث تقبل التقييد بأنّه إذا لم يفعل و رد الحاكم اليمين على المدعي فحلف فلا حق له في الاعتراض، كما أنّ دلالة صحيحة هشام عن أبي عبد اللّه- عليه السلام- «تردّ اليمين على المدعي» «2» مطلقة يدل على أنّ القضاء لا يكون إلّا برد اليمين مع عدم إقامة

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 7 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 176.

(2) الوسائل: ج 18، الباب 7 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2: 176.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 184

..........

______________________________

المدعي البينة بدعواه، سواء أردّه المدعى عليه أم ردّه الحاكم و بعد سقوط الإطلاق من الجانبين يرجع إلى أصالة عدم نفوذ القضاء بلا بينة و لا يمين.

و ربّما يستدل على ردّ الحاكم

اليمين مع سكوته عن الجواب بأنّ الحاكم له ردّ اليمين على المدعي فيما إذا كان المدعى عليه منكرا و لم يحلف و لم يردّ اليمين فيكون ردّ الحاكم مع سكوته أولى، و لكن لا يخفى أنّ ردّ الحاكم اعتباره مع إنكار المدعى عليه و نكوله عن الحلف أو الرد أوّل الكلام و ثانيا ما لا يخفى في دعوى الأولويّة.

و قد ظهر ممّا ذكرنا ان الحكم بأنّ المدّعى عليه مع إصراره على السكوت يحبس أو يجبر بالجواب بمراتب الأمر بالمعروف غير تام، فيما إذا كان ردّ اليمين من المدعى عليه و الحاكم جائزا، كما في دعوى الأموال، و أمّا فيما لا يجوز للمدعي عليه ردّ اليمين، كما في دعوى الزوجية و نحوها فالإجبار بالجواب متعين و اللّه العالم.

و إذا أجاب المدعى عليه بلا أدري و أنّه جاهل بالحال فقد يقال: أنّه إذا لم يكذبه المدعي في دعوى الجهل بالحال فليس له إحلافه، و إلّا أحلفه على عدم العلم و يقال في وجهه أنّه لا يمكن أن يستحلف على نفي الحق الواقعي، لأنّه يدعي الجهل بالحال و أنّه لا يتمكن من الحلف عليه لعدم علمه، و هذا فيما إذا صدقه المدعى في دعواه الجهل واضح، كما إذا لم يصدقه و لم يكذبه فإنّه لا يجوز له إحلافه أيضا لعدم كون المدعى جازما بعلمه بالحال، و قد تقدم اعتبار الجزم في سماع الدعوى نعم إذا كذّبه في دعوى الجهل بأن قال أنت عالم بحقّي فله حينئذ إحلافه على عدم علمه بالحال.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 185

..........

______________________________

و قد يقال بأن المدعي في الفرض بما أنّه جازم بحقّه على خصمه فدعواه في الحق عليه مسموعة، و بما أنّ حق

المدّعي لا ينحصر في خصوص استحلاف المدعى عليه، بل حقّه حلفه أو رد الحلف عليه لما تقدم من أنّ الحق للمدعي لا ينحصر بما إذا كان خصمه منكرا، بل على المدعى عليه أمّا اليمين أو ردّها على المدعي، و المدعى عليه متمكن عن الردّ على المدعي و ان لم يتمكن من الحلف مباشرة فيتعين عليه الرد أخذا بما دلّ على أنّ المدعى عليه يحلف أو يرد اليمين و على ذلك فلا تفيده دعوى الجهل بالحال سواء كذّبه المدعي أو صدقه أو قال لا أصدقه و لا أكذّبه لأنّ غاية تصديقه أنّه قد نسي الدين عليه، و هذا لا يوجب عدم سماع دعواه بالدين عليه إذا كانت جزمية كما هو الفرض.

نعم إنّما يتم ذلك فيما إذا كانت الدعوى حقا ماليا يجوز على المدعى عليه فيها ردّ اليمين على المدعي، أمّا في مثل دعوى الزوجية فلا تسمع دعوى المدعي مع عدم البينة بدعواه و تصديقه بأنّ المدعى عليه جاهل بالحال و أنّه نسيه أو مع عدم تكذيبه في جوابه بلا أدري، حيث يعترف بأنّه ليس له حق الاستحلاف لعدم تمكن المدعى عليه من الحلف. نعم لو ادّعى عليه العلم بالحال يكون له استحلاف المدعى عليه على عدم علمه بالحال.

و يؤيّد ذلك ما في ذيل رواية عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه المتقدمة في حكم الدعوى على الميّت فإنّه قد ورد فيها: «فإن ادّعى بلا بيّنة فلا حق له لأنّ المدعى عليه ليس بحيّ و لو كان حيّا لألزم اليمين أو الحق أو يردّ اليمين عليه» «1»، و مقتضى التعليل أنّ مع الدعوى على الحيّ لا يخلو أمر المدعى

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 4 من أبواب كيفية

الحكم، الحديث 1: 173.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 186

..........

______________________________

عليه عن التزامه بالحق باعترافه به أو اليمين على نفيه أو برد اليمين على المدعي.

و دعوى أنّ مورد الأخبار الواردة في ردّ اليمين هو ما إذا أمكن للمدعى عليه الحلف ففي مثل ذلك شرع ردّ اليمين على المدعى و أنّه كيف تكون دعوى المدعي مسموعة مع عدم البينة بدعواه و تصديقه بأنّ خصمه يعمل على طبق وظيفته الشرعية من أصالة عدم اشتغال ذمته بشي ء لا يمكن المساعدة عليها، فإنّ الوارد في تلك الأخبار يمين المدعى عليه و إطلاقه يعم المنكر و غيره إلّا أن يقال بعدم صدق الدعوى مع اعتراف الشخص بأنّ الآخر يعمل على وظيفته الشرعية و هو كما ترى.

نعم إذا أجاب خصمه بلا أدري فلا يجوز له مطالبته باليمين أو الرد في الموارد التي ذكرنا عدم جواز ردّ اليمين على المدعي فيها، فلا تسمع فيها الدعوى إلّا بالبينة أو اعتراف خصمه إلّا أنّ يدعي على خصمه، العلم بالحال، و في الفرض يجب عليه الحلف على نفي علمه و إلّا يجبر على الاعتراف بحق المدعي أو على الحلف على نفي علمه، على ما تقدم في امتناع من يمتنع عن الجواب عن دعوى المدعي بالسكوت.

لكن مع ذلك لا يبعد دعوى أنّ حق المدعي من المدعى عليه ينحصر بإحلافه، و الرد على المدعي حق للمدعى عليه لا للمدعي و إذا اعترف المدعي بأنّ خصمه لا يدري أو قال لا أدري أنّه عالم بحقّي أم لا فهذا اعتراف منه بعدم حق له في الاستحلاف، فلا موجب للرد على المدعي في الفرض، و اللّه العالم.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 187

و لو كان به آفة من طرش أو خرس

(1) توصّل إلى معرفة جوابه بالإشارة المفيدة لليقين و لو استغلقت إشارته بحيث يحتاج إلى المترجم لم يكف الواحد و افتقر في الشهادة بإشارته إلى مترجمين عدلين.

______________________________

(1) يعني لو كان للمدعى عليه طرش لا يسمع ما يقال بحيث يتميز، أو خرس لا يتكلّم، توصّل إلى معرفة جوابه بإشارته التي تفيد اليقين بمراده من الإقرار و الإنكار، و لو لم يمكن حصول اليقين بمراده بحيث احتيج إلى مترجم فلا بدّ من مترجمين عدلين، لأنّ ترجمتهما شهادة بجواب الخصم.

أقول: الترجمة ليست شهادة و لذا تسمع ترجمة شهادة الشاهدين في حقوق اللّه و لو كانت شهادة لم تقبل لعدم اعتبار الشهادة بالشهادة في حقوق اللّه، بل إنّها بيان مراد الغير من فعله أو قوله فيعتبر أن يكون من أهل خبرة ذلك، و يكفي فيه الوثاقة فلا يعتبر فيه العدالة فضلا عن التعدد. و لعلّ ما ذكر في الجواهر من أنّ الترجمة من قرينة الظن بالمراد لا الشهادة راجع إلى ما ذكرنا.

استدراك: بقي ممّا يقول المدعى عليه في الجواب أمر، و هو أنّه إذا أجاب المدعى عليه بأنّ المال للغير، يعني لفلان و لو صدقه الغير اعترافه و قال نعم المال لي يكون المقرّ له خصما للمدعي، فإن أقام بينة بأنّ المال له أخذ المال سواء أ كان بيده أم بيد المقرّ و ليس للمدعي بعد أخذه المال دعوى على المقرّ، حيث أنّه قد أخذ ماله، أمّا إذا لم يكن له بيّنة فإن حلف المقرّ له على عدم كون المال له سقط دعواه المال على المقر له كما يسقط دعواه مطلقا إذا ردّ المقر له الحلف عليه فلم يحلف أو ردّه الحاكم عليه فلم يحلف، لأنّ عدم حلفه إسقاط

لحقه في دعوى العين، فلا يبقى للدعوى على المقر مورد.

و يجوز له الدعوى على المقر فيما إذا حلف المقرّ له على نفي دعواه، كما أنّه

أسس القضاء و الشهادة، ص: 188

[مسائل تتعلّق بالحكم على الغائب]
اشارة

مسائل تتعلّق بالحكم على الغائب:

[الأولى: يقضى على من غاب عن مجلس القضاء مطلقا]

الأولى: يقضى على من غاب عن مجلس القضاء مطلقا (1) مسافرا كان و حاضرا، و قيل يعتبر في الحاضر تعذر حضوره مجلس الحكم.

______________________________

يجوز له دعوى العين من الابتداء على المقر بأنّه قد دفع ماله إلى الغير أو أتلفه عليه بإقراره بأنّ العين للآخر و لو حلف المقر على أنّه لم يدفع ماله إلى الغير و انه لم يتلف عليه المال بإقراره فهو و إلّا فيرد اليمين على المدعي أو ردّها الحاكم عليه بنكوله فحلف أنّ العين كانت له يغرم للمدعي بدل المال، كما هو مقتضى ثبوت إتلاف المقرّ على المدعي ماله بإقراره أنّ العين للمقر له، هذا كلّه فيما إذا صدق المقرّ له المقر في اعترافه، أمّا إذا قال بأنّ المال لا أدري أنّه لي أم لا ينحصر خصم المدعي على المقرّ.

فإن كان للمدعي بينة أخذ بدل العين من المقرّ لإتلافه العين على المدعي بإقراره بأنّ العين للغير، و كذا إذا لم تكن بينة و لم يحلف المقر على عدم كون العين له و أنّه لم يتلف عليه ماله بإقراره بأنّها للغير بل ردّ اليمين عليه أو ردّها الحاكم عليه بعد نكول المقرّ، و اللّه سبحانه هو العالم.

(1) الوارد في جواز القضاء هو عنوان الغائب لا عنوان المسافر ليدعي انصرافه إلى ما يكون السفر شرعيا، بل لا يبعد صدقه على الحاضر في البلد إذا تم اعلامه بالحضور بالمرافعة و أخفى نفسه و امتنع عن الحضور لصدق الغائب عليه عرفا. أمّا إذا لم يتم الاعلام و لم يحضر لعدم اطلاعه بالدعوى عليه فظاهر إطلاق كلمات جملة من الأصحاب جواز الحكم عليه، و لكن في جواز القضاء عليه تأمّلا، و مثل الممتنع

عن الحضور بعد اعلامه من تعذّر عليه الحضور بنفسه بعد اعلامه، حيث أنّ تعذر حضوره بنفسه لا يوجب أن لا يصدق عليه عنوان الغائب،

أسس القضاء و الشهادة، ص: 189

[الثانية: يقضى على الغائب في حقوق الناس]

الثانية: يقضى على الغائب في حقوق الناس كالديون و العقود، و لا يقضى في حقوق اللّه تعالى كالزنا و اللواط لأنّها مبنيّة على التخفيف، و لو اشتمل الحكم على الحقين قضى بما يخص الناس، كالسرقة يقضى بالغرم و في القضاء بالقطع تردد.

______________________________

خصوصا فيما كان متمكنا على التوكيل في المرافعة.

ثمّ إنّ ظاهر القضاء هو فصل الخصومة فلا يعم موارد الحكم بثبوت موجب الحدّ كالزنا و اللواط و غيرهما ممّا يترتب على مرتكبه الحدّ، فلا حاجة في الحكم بعدم مشروعية القضاء في حدود اللّه سبحانه إلى التشبث بحديث درء الحدود بالشبهة «1» أو بغيره كما لا يخفى.

نعم قد يقال: إذا ترتب على ثبوت المدعى به كل من التغريم و الحد كدعوى السرقة فبالحكم على الغائب بسرقة المال يثبت الموضوع لإجراء الحدّ أيضا، حيث إنّه لا دليل على أنّ القضاء بثبوت موجب الحدّ يحتاج إلى حضور من يجري عليه الحد.

و يمكن دفعه بأنّ الدليل على اعتبار الحضور هو أنّ للشخص أن يبطل الحجّة التي هي مستند ثبوت موجب الحد، و بما أنّ المعلوم من مذاق الشرع أنّ بناء الحدود على التخفيف و الممانعة عن ثبوت موجبه مهما كان سبيل لها، كما يظهر ذلك من الروايات الواردة في ثبوت الزنا بالإقرار بأربع مرات «2»، فلا يجوز للحاكم أن يأذن الحداد أو يوكّل شخصا في إجراء الحدّ على الغائب الذي لم يحضر مجلس ثبوت الحدّ، مع احتماله أنّ عنده ما يوجب بطلان الحجّة المزبورة. و لا مانع عن تفكيك ثبوت

التغريم عن ثبوت الحد إذا كان الثبوت تعبّديا.

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 24 من أبواب مقدمات الحدود، الحديث 4: 336.

(2) المصدر نفسه: الباب 16 من أبواب مقدمات الحدود، الحديث 5 و 6: 328.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 190

[الثالثة: لو كان صاحب الحق غائبا فطالب الوكيل فادعى الغريم التسليم إلى الموكل و لا بينة]

الثالثة: لو كان صاحب الحق غائبا فطالب الوكيل فادعى الغريم التسليم إلى الموكل و لا بينة، ففي الإلزام تردد (1) بين الوقوف في الحكم لاحتمال الأداء و بين الحكم و إلغاء دعواه لأنّ التوقف يؤدي إلى تعذر طلب الحقوق بالوكلاء، و الأوّل أشبه.

______________________________

(1) إذا كان صاحب الحق غائبا و طالب وكيله الغريم بحق موكّله، و ادعى الغريم أنّه قد أدى المال لموكّله أو أنّ موكّله قد أبرأه و لم يكن لدعواه بينة فهل للوكيل إلزام الغريم بالأداء أو ليس له إلزامه به؟

فقد يقال: أنّه لا يحكم على الغريم بلزوم الأداء من غير فرق بين ثبوت الدين عليه باعترافه أو بالبينة لاحتمال أدائه أو إبراء موكّله.

و قد يقال: أنّه لو لم يحكم بلزوم الأداء لم يمكن مطالبة الحق بالوكلاء و لا يفيد دعوى الغريم بلا بينة بعد اعترافه بالدين عليه أو قيام البينة به و ذكر أصحاب هذا القول بأنّه ليس للغريم إحلاف الوكيل على عدم الأداء إلى موكّله أو عدم إبرائه، لأنّ دعوى الأداء أو الإبراء متوجّه إلى الموكل الغائب لا إلى وكيله.

نعم لو ادعى الغريم على الوكيل علمه بالأداء المزبور أو الإبراء حلف على عدم علمه.

أقول: في النفس ممّا ذكر من إلزام الغريم بالأداء شي ء، فإنّ حكم الحاكم بالاشتغال فعلا، و أنّ الغريم ملزم بالأداء لا يستند إلى البينة القائمة بثبوت أصل الدين و لا بإقرار الغريم بثبوته سابقا، حيث لا مخاصمة في الثبوت سابقا،

بل يستند إلى الاستصحاب و الاستصحاب غير داخل في مدرك القضاء، إلّا أن يقال أنّ مع اعتراف الغريم بالوكالة للوكيل عن موكّله مع عدم دعواه على الوكيل العلم بالأداء أو الإبراء اعترافا بأنّه يعمل بوظيفته الوكالية شرعا، فيلزم بالأداء مع عدم البينة له، كما هو الحال في دعواه إبراء الموكّل أيضا.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 191

[المقصد الرابع: في كيفية الاستحلاف]
اشارة

المقصد الرابع: في كيفية الاستحلاف و البحث فيه في أمور ثلاثة:

[الأوّل: في اليمين]
اشارة

الأوّل: في اليمين:

و لا يستحلف أحد إلّا باللّه و لو كان كافرا (1).

______________________________

(1) البحث في كيفية الاستحلاف و ما يترتب على اليمين يقع في أمور:

الأوّل في اليمين و ما يحلف به، الثاني: في يمين المنكر و المدعي، و الثالث: في اليمين مع الشاهد الواحد.

أمّا الأوّل: فظاهر الأصحاب من غير خلاف يعرف أنّه لا يصحّ الحلف و لا يترتب عليه الأثر من سقوط الدعوى و الحق أو ثبوته بغير اللّه سبحانه كالنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الإمام- عليه السلام- و المشاهد المشرفة و الكتب المنزلة و غير ذلك ممّا له حرمة، و ظاهرهم عدم تعيّن لفظ الجلالة، بل يجوز بكلّ من أسمائه تعالى.

و في صحيحة محمد بن مسلم قال: «قلت لأبي جعفر- عليه السلام-: قول اللّه عزّ و جلّ وَ اللَّيْلِ إِذٰا يَغْشىٰ «1»، و النَّجْمِ إِذٰا هَوىٰ «2» و ما أشبه ذلك فقال:

إنّ للّه عزّ و جلّ أن يقسم من خلقه بما شاء و ليس لخلقه أن يقسموا إلّا به» «3»، و نحوها صحيحة علي بن مهزيار «4»، و في صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه- عليه السلام- قال: «في كتاب عليّ أنّ نبيا من الأنبياء شكا إلى ربّه فقال: يا ربّ كيف أقضي فيما لم أر و لم أشهد؟ قال: فأوحى اللّه إليه: احكم بينهم بكتابي

______________________________

(1) الليل: 1.

(2) النجم: 1.

(3) الوسائل: ج 18، الباب 30 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 191.

(4) الوسائل: ج 18، الباب 30 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 3: 191.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 192

..........

______________________________

و أضفهم إلى اسمي فحلّفهم به و

قال: هذا لمن لم تقم له بينة» «1» و قريب منها غيرها.

و مقتضى مثل هذه الروايات جواز الحلف بكل اسم للّه سبحانه، بل مقتضاها عدم اعتبار العربية، و أنّه يصحّ الحلف بكل اسم يرادف اسمه سبحانه من سائر اللغات، خصوصا بملاحظة ما في كتاب علي- عليه السلام- من شكاية نبي من الأنبياء و الوحي إليه حيث لم يقيّد فيها بكون النبي عربيّا و لهذا يكون دعوى انصراف اسم اللّه إلى لفظ الجلالة بلا موجب.

و أيضا لا يبعد جواز الحلف بكل دالّ عليه سبحانه كقوله: و الذي أنزل المطر و أنبت الأرض لصدق الحلف باللّه سبحانه عليه، بل يصدق أنّه حلف باسمه سبحانه، لأنّ المراد بالاسم ليس العلم الشخصي، فإنّ أسماء اللّه سبحانه ليس كلّها من قبيل العلم الشخصي.

ثمّ إنّ المراد بعدم صحّة الحلف بغير اللّه سبحانه عدم جواز ترتب القضاء و غيره من وجوب الوفاء به و ترتب الكفارة على حنثه، أمّا الحلف المعاملي بأن يصالح ما يدعيه من الحق بحلف غريمه بغير اللّه سبحانه من سائر المحترمات فلا بأس به، كما إذا قال لمدعي الأداء أصالح ديني بأن تحلف لي بالأداء بصاحب راية الحسين، أخذا بما دل على نفوذ الصلح و نفوذه.

نعم إذا كان الحلف بشي ء أمرا محرّما على ما قيل في الحلف بالطلاق و العتاق و بالبراءة فلا يجوز لعدم شمول وجوب الوفاء بالعقد على الفرض المزبور، كما إذا صالح حقّه على الآخر بشربه الخمر.

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 1 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 167.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 193

و قيل: لا يقتصر في المجوسي على لفظ الجلالة بل يضمّ إلى هذه اللفظة الشريفة ما يزيل الاحتمال لأنّه يسمّي النور

إلها (1)، و لا يجوز الإحلاف بغير أسماء

______________________________

(1) قال الشيخ في المبسوط أنّه يطلب في استحلاف المجوسي أن يضيف إلى لفظ الجلالة أمرا لينحصر مدلوله باللّه سبحانه و اللّه الذي خلق النور و الظلمة أو باللّه الذي خلق كل شي ء، و وجه الإضافة أنّ المجوسي يرى النور إليها، فلعل في حلفه أراد النور فلا يكون حالفا باللّه سبحانه.

و ناقش في الجواهر بما حاصله: أنّ اضافة خالق النور أو كل شي ء إلى لفظ الجلالة لا تقتضي أن يريد المجوسي الحالف ذاته المقدسة مع أن المعتبر في الحلف ارادة المحلّف لا الحالف، و لو طلب الحاكم الحلف باللّه سبحانه و علمنا أنّ الحالف يريد بلفظ الجلالة غير ذاته المقدسة فلا يضر في القضاء و الحكم، و الحاصل أنّ الإطلاق في الروايات الواردة في الحلف باللّه مقتضاها عدم اعتبار الزيادة و الإضافة.

أقول: مقتضى الإطلاق و إن كان ما ذكره فيما إذا احتمل إجابة المجوسي أو غيره بالحلف الذي طلبه الحاكم، أمّا إذا علم خلافه و أنّه أراد غيره فلا يكفي في القضاء لعدم صدق الحلف باللّه عزّ و جلّ عليه.

و دعوى أنّ الحلف يتبع ارادة المحلّف دون الحالف لا يمكن المساعدة عليها، لأن حلف باللّه سبحانه فعل الحالف، أضف إلى ذلك صحيحة صفوان قال: «سألت أبا الحسن- عليه السلام- عن الرجل يحلف و ضميره على غير ما حلف عليه؟ قال: اليمين على الضمير» «1»، فإنّها و إن كانت ناظرة إلى قصد الحالف في المحلوف عليه إلّا أنّه لا يحتمل الفرق بينه و بين المحلوف به. و نحوها صحيحة إسماعيل بن سعد الأشعري «2».

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 21 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 179.

(2) الوسائل: ج 18،

الباب 21 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2: 179.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 194

اللّه سبحانه كالكتب المنزلة و الرسل المعظمة و الأماكن المشرفة و لو رأى الحاكم

______________________________

نعم في رواية الصدوق اليمين على الضمير يعني ضمير المظلوم «1»، لكن هذه لا تكون قرينة على رفع اليد عن ظهور الصحيحتين لاحتمال كون التفسير من الصدوق- قدّس سرّه- مع ضعف سندها، لأنّ سنده إلى إسماعيل بن سعد الأشعري مجهول.

و على الجملة ظاهر الأصحاب، بل المصرح به في كلام الأكثر عدم الفرق في القضاء بالحلف باللّه بين الحالف المسلم و الكافر بأقسامه.

و تشهد لذلك جملة من الروايات كصحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه- عليه السلام- قال: «لا يحلف الرجل اليهودي و لا النصراني و لا المجوسي بغير اللّه إنّ اللّه عزّ و جلّ يقول فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ «2»» «3»، و صحيحة الحلبي قال:

«سألت أبا عبد اللّه- عليه السلام- عن أهل الملل يستحلفون فقال: لا تحلفوهم إلّا باللّه عزّ و جلّ» «4»، و موثقة سماعة عن أبي عبد اللّه- عليه السلام- قال: «سألته هل يصلح لأحد أن يحلّف أحدا من اليهود و النصارى و المجوس بآلهتهم؟ قال: لا يصلح لأحد أن يحلف أحدا إلّا باللّه عزّ و جلّ» «5» و إطلاق هذه يعمّ غير الطوائف الثلاثة أيضا.

لكن في مقابلها ما ظاهره جواز حلف أهل سائر الأديان بما يعتقدون، و في معتبرة السكوني عن أبي عبد اللّه- عليه السلام-: «أنّ أمير المؤمنين- عليه السلام- استحلف يهوديا بالتوراة التي أنزلت على موسى- عليه السلام-» «6».

______________________________

(1) الفقيه: 3/ 233، ح 30.

(2) المائدة: 48.

(3) الوسائل: ج 16، الباب 32 من أبواب الأيمان، الحديث 1: 196.

(4) الوسائل: ج 16، الباب

32 من أبواب الأيمان، الحديث 3: 196.

(5) الوسائل: ج 16، الباب 32 من أبواب الأيمان، الحديث 5: 196.

(6) المصدر نفسه: الحديث 4: 198.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 195

إحلاف الذمّي بما يقتضيه دينه أردع جاز.

______________________________

و ربّما يقال إنّها في واقعة خاصة، و يحتمل اختصاصه بالإمام- عليه السلام-، أو أنّ المراد أنّه- عليه السلام- استحلفه بمنزل التوراة على موسى- عليه الصلاة و السلام-، أو أنّ استحلاف المزبور وقع تغليظا بأن استحلفه به زيادة على الحلف باللّه، لكن كل ذلك كما ترى، و في صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما- عليهما السلام- قال: «سألته عن الأحكام فقال: في كل دين ما يستحلفون به» «1»، و في صحيحة محمد بن قيس قال: «سمعت أبا جعفر- عليه السلام- يقول: قضى علي- عليه السلام- فيمن استحلف أهل الكتاب بيمين صبر أن يستحلفه بكتابه و ملته» «2».

و لهذا ذكر جماعة منهم الماتن- قدّس سرّه- أنّه لو رأى الحاكم أنّ إحلاف الذمّي بما يقتضيه دينه أردع جاز بلا فرق بين أن يكون المترافعان ذمّيين أو تكون المرافعة بين المسلم و الذمي.

لا يقال: كيف يجوز القضاء بحلفهم بما يعتقدون و إن كان حلفهم به أردع مع انّ الطائفة الأولى تدل على عدم جواز إحلاف أحد بغير أسماء اللّه سبحانه.

فإنّه يقال: لا معارضة بين الطائفتين، فإنّ الطائفة الثانية أخص بالإضافة إلى الأولى، حيث إنّ الطائفة الأولى تمنع عن إحلافهم بغير اللّه عزّ و جلّ، سواء أ كان بما يعتقدون من كتابهم و دينهم أم بغيره، و الثانية أي المجوّزة تختص بما يعتقدون به من كتابهم و دينهم فيرفع اليد عن إطلاق الأولى بالثانية، و على تقدير الإغماض فالطائفة الثانية كالنص في جواز إحلافهم بكتابهم

و دينهم، و ظاهر الأولى المنع فيرفع اليد عن ظهور المنع بثبوت الترخيص في الحلف بما يعتقدون، فيكون المراد بالمنع أولوية اختيار الاستحلاف باللّه عزّ و جلّ، و على تقدير المعارضة

______________________________

(1) الوسائل: ج 16، الباب 32 من أبواب الأيمان، الحديث 4 و 7 و 8: 198.

(2) الوسائل: ج 16، الباب 32 من أبواب الأيمان، الحديث 4 و 7 و 8: 198.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 196

..........

______________________________

فلا ترجيح للأولى على الثانية، فيرجع بعد تساقطهما إلى الإطلاق في قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّما أقضي بينكم بالبينات و الأيمان» «1».

اللّهمّ إلّا أن يقال: أنّ المراد بالأيمان انحلالها بحسب الحالفين لا بحسب أنواع الحلف كما هو الحال في البينات. و ظاهر صحيحة سليمان بن خالد هو المرجع بعد تساقط الإطلاقين، حيث ورد فيها أحكم بينهم بكتابي و أضفهم إلى اسمي فحلّفهم به، إلّا أنّك قد عرفت أنّه لا تصل النوبة إلى المعارضة، فالأظهر جواز حلفهم بما يعتقدون من كتابهم و دينهم بلا فرق بين كونه أردع أم لا، إلّا أنّ الأولى بل الأحوط استحلافهم باسم اللّه سبحانه و اللّه العالم.

بقي في المقام أمران:

الأوّل: قد يقال أنّ إحلاف الكافر باللّه سبحانه أو بما يعتقد على كراهية أو بدونها فيما إذا كان ذميا، أمّا الحربي سواء أ كان من أهل الكتاب أم كان من أهل الشرك و الإلحاد فلا تسمع دعواه على المسلم، و لا تحتاج دعوى المسلم عليه إلى البينة لتصل النوبة مع عدمها إلى حلف الحربي، و ذلك فإنّه لا حرمة للكافر الحربي و المشرك و الملحد نفسا و عرضا و مالا و القضاء و فصل الخصومة لإيصال الحق إلى المحق أو رفع

يد غير المحق عن حق الغير فلا موجب لإحلاف الحربي أصلا.

نعم إذا لم يتمكن المسلم في مورد التخلص من الحربي إلّا بالقضاء أو استحلافه فيكون الواقع صورة القضاء و الاستحلاف وسيلة للانقاذ أو التخلّص منه لا للقضاء الشرعي، و عليه فيجوز الإنقاذ و التخلص بكل وسيلة مشروعة

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 2 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 169.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 197

..........

______________________________

و منها إحلافه بما يعتقد. و دعوى أنّ الملحد و المشرك ربّما يكون معاهدا فيحتاج إلى القضاء لا يمكن المساعدة عليها، لأنّ غاية المعاهدة ثبوت الحكم التكليفي يعني عدم جواز التعرض عليه نفسا و عرضا و مالا أيضا، و لا يوجب ثبوت الحكم الوضعي يعني الضمان.

الثاني: قد يقال: بعدم جواز الحلف بغير اللّه سبحانه تكليفا من غير فرق بين مقام القضاء و غيره و أنّه لا يترتب على الحلف المزبور أثر من جواز القضاء و كفارة الحنث، بل لا تجوز المصالحة بالحلف بغير اللّه لحرمته.

و يستظهر عدم جوازه من بعض الروايات، كصحيحة علي بن مهزيار قال:

«قلت لأبي جعفر الثاني- عليه السلام-: جعلت فداك في قول اللّه عزّ و جلّ وَ اللَّيْلِ إِذٰا يَغْشىٰ وَ النَّهٰارِ إِذٰا تَجَلّٰى و قوله عزّ و جلّ وَ النَّجْمِ إِذٰا هَوىٰ و ما أشبه هذا؟

فقال: إنّ للّه عزّ و جلّ يقسم من خلقه بما شاء و ليس لخلقه أن يقسموا إلّا به عزّ و جلّ» «1»، و نحوها صحيحة محمد بن مسلم «2»، و في رواية الحسين بن زيد عن الصادق- عليه السلام- عن آبائه عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في حديث المناهي: «أنّه نهى أن يحلف الرجل بغير اللّه، و

قال: من حلف بغير اللّه فليس من اللّه في شي ء، و نهى أن يحلف الرجل بسورة من كتاب اللّه عزّ و جلّ و قال: من حلف بسورة من كتاب اللّه فعليه بكل آية منها كفارة يمين فمن شاء برّ و من شاء فجر، و نهى أن يقول الرجل للرجل لا و حياتك و حياة فلان» «3»، و عن غوالي اللآلي عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «من حلف بغير اللّه أشرك، و في آخر: فقد كفر» «4».

______________________________

(1) الوسائل: ج 16، الباب 30 من أبواب الايمان، الحديث 1: 190.

(2) الوسائل: ج 16، الباب 30 من أبواب الايمان، الحديث 2: 190.

(3) الوسائل: ج 16، الباب 30 من أبواب الايمان، الحديث 3: 190.

(4) المستدرك: 16، الباب 24، من أبواب الأيمان، الحديث 3: 65.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 198

..........

______________________________

و ظاهر عبارة الماتن يعطي عدم الجواز، و عن الدروس و الروضة و في تحريمه أي الحلف بغير اللّه في غير الدعوى نظر من الخبر و الحمل على الكراهة، و أمّا الحلف بالطلاق و العتاق و البراءة فحرام قطعا.

أقول: القول بالتحريم ضعيف، غايته لجريان السيرة القطعية من المتشرعة الحلف بسائر المحترمات و لو كان هذا أمرا محرما لكانت حرمته من المسلمات، و في صحيحة صفوان بن يحيى عن أبي جرير القمي قال: «قلت لأبي الحسن- عليه السلام-: جعلت فداك قد عرفت انقطاعي إلى أبيك ثم إليك ثم حلفت له و حق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و حق فلان و فلان حتى انتهيت إليه أنه لا يخرج ما تخبرني به إلى أحد من الناس و سألته عن أبيه أ حي هو أم ميت؟

فقال: قد و اللّه مات- إلى أن قال:- قلت: فأنت الإمام؟ قال: نعم» «1».

و لو كان الحلف بغير اللّه محرما لمنع الإمام- عليه السلام- الحلف بحق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و سائر الأئمة، بل كان المناسب لصفوان أن يذكر له حرمة هذا الحلف، و في معتبرة مروك بن عبيد عن محمّد بن يزيد الطبري قال: «كنت قائما على رأس الرضا- عليه السلام- بخراسان- إلى أن قال:- فقال: بلغني أنّ الناس يقولون إنّا نزعم أنّ الناس عبيد لنا، لا و قرابتي من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ما قلته قط و لا سمعت أحدا من آبائي و لكني أقول: ان الناس عبيد لنا في الطاعة موال لنا في الدين» «2».

و المتحصل: أنّ ما ورد في صحيحة علي بن مهزيار و غيرها يكون المراد منه أنّ ما يترتب على حلف العباد من حرمة الحنث و قطع المخاصمة به لا يترتب على غير الحلف باللّه أو على استحباب اختيار الحلف باللّه في مقام الحاجة إلى الحلف أو تعينه، كما في الحلف الذي يترتب عليه القضاء.

______________________________

(1) الوسائل: ج 16، الباب 30 من أبواب الأيمان، الحديث 6: 193.

(2) الوسائل: ج 16، الباب 30 من أبواب الأيمان، الحديث 7: 193.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 199

و يستحب للحاكم تقديم العظة على اليمين (1) و التخويف من عاقبتها، و يكفي أن يقول: قل: و اللّه ماله قبلي حق، و قد يغلّظ اليمين بالقول و الزمان و المكان لكن ذلك غير لازم و لو التمسه المدعى بل هو مستحب استظهارا في الحكم.

______________________________

(1) يستحب للحاكم أن يقدم على اليمين وعظ من عليه اليمين بكراهة اليمين

الصادقة، و لو بدعوة المتخاصمين إلى المصالحة و التخويف من اليمين الكاذبة و منع جحد حق الناس عليه و التعدي عليهم بما في الآيات و الروايات نظير قوله سبحانه وَ لٰا تَجْعَلُوا اللّٰهَ عُرْضَةً لِأَيْمٰانِكُمْ «1»، و ما في معتبرة السكوني عن أبي عبد اللّه- عليه السلام- قال: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: من أجلّ اللّه أن يحلف به أعطاه اللّه خيرا ممّا ذهب منه» «2»، و ما في صحيحة محمد بن يحيى الخزاز قال:

«سمعت أبا عبد اللّه- عليه السلام- يقول: لا تحلفوا باللّه صادقين و لا كاذبين» «3»، و ما في صحيحة أبي عبيدة الحذاء و غيرها من «أنّ اليمين الكاذبة و قطعية الرحم تذران البلاد بلاقع من أهلها» «4» أي خالية من أهلها و «إنّ الحلف باللّه كاذبا مبارزة للّه سبحانه» «5» و غير ذلك.

حيث إنّ مقتضى قوله سبحانه وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرىٰ تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ «6»، و ما دلّ على الاحتياط في حقوق الناس هو استحباب العظة و التخويف ممّا يترتب على اليمين كاذبا.

و ممّا ذكر يظهر وجه استحباب التغليظ في اليمين قولا و زمانا و مكانا، و وجه

______________________________

(1) البقرة: 224.

(2) الوسائل: ج 16، الباب 1 من أبواب الأيمان، الحديث 3: 140.

(3) الوسائل: ج 16، الباب 1 من أبواب الأيمان، الحديث 5: 140.

(4) المصدر نفسه: الباب 4 من أبواب الأيمان، الحديث 1: 144.

(5) المصدر نفسه: الحديث 4: 145.

(6) الذاريات: 55.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 200

فالتغليظ بالقول مثل أن يقول: قل: و اللّه الذي لا إله إلّا هو الرحمن الرحيم الطالب الغالب الضار النافع المدرك المهلك، الذي يعلم من السرّ ما يعلمه من العلانية، ما لهذا المدعي

عليّ شي ء ممّا ادعاه، و يجوز التغليظ بغير هذه الألفاظ مما يراه الحاكم.

______________________________

الظهور أنّ المراد بالتغليظ طلب الحاكم ممّن عليه اليمين الغلظة في اليمين فانّ هذا التغليظ نوع احتياط في إيصال الحقوق إلى ذويها و قد شرع القضاء لغاية فصل الخصومة و التمكين على وصول ذي الحق إلى حقه.

و لا يبعد استفادة التغليظ قولا ممّا ورد في إحلاف الأخرس «1»، و ما روي في قرب الاسناد عن الحسن بن ظريف عن الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه- عليهما السلام-: «انّ عليا- عليه السلام- كان يستحلف النصارى و اليهود في بيعهم و كنائسهم و المجوس في بيوت نيرانهم و يقول: شددوا عليهم احتياطا للمسلمين» «2» و لعلّ في قوله سبحانه تَحْبِسُونَهُمٰا مِنْ بَعْدِ الصَّلٰاةِ «3» إشارة إلى التغليظ من حيث الزمان، و المكان و قد ورد أيضا التغليظ في الدعوى على الميت.

و على الجملة فالمنسوب إلى المشهور استحباب التغليظ في اليمين و انّه ثابت في جميع الحقوق عدا المال فإنّه لا تغليظ فيما دون نصاب القطع من المال.

و يستدل على الاستثناء برواية محمد بن مسلم و زرارة عنهما- عليهما السلام- جميعا قالا: «لا يحلف أحد عند قبر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم على أقل ممّا يجب فيه القطع» «4»، و لكن الدلالة مبتنية على كون لا يحلف بالتشديد، أضف إلى ذلك ضعف سندها.

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 33 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 222.

(2) المصدر نفسه: الباب 29 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2: 219.

(3) المائدة: 126.

(4) الوسائل: ج 18، الباب 29 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 219.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 201

و بالمكان كالمسجد و الحرم و ما

شاكله من الأماكن المعظمة.

و بالزمان كيوم الجمعة و العيد و غيرهما من الأوقات المكرمة.

و يغلّظ على الكافر بالأماكن التي يعتقد شرفها و الأزمان التي يرى حرمتها، و يستحب التغليظ في الحقوق كلّها و إن قلّت عدا المال فإنّه لا يغلّظ فيه بما دون نصاب القطع.

[فرعان]
اشارة

فرعان:

[الأوّل: لو امتنع عن الإجابة إلى التغليظ لم يجبر]

الأوّل: لو امتنع عن الإجابة إلى التغليظ لم يجبر و لم يتحقق بامتناعه النكول (1).

______________________________

(1) المشهور ان استحباب التغليظ للحاكم بأن يطلب ممّن عليه اليمين اليمين المغلظة و أمّا الحالف فلا استحباب في حقّه بل يكره التغليظ منه، كما يكره الحلف و عليه فلو امتنع الحالف عن تغليظ يمينه و حلف بدونه لا يكون ناكلا بل على الحاكم القضاء في الواقعة بذلك الحلف و ذلك أخذا بما دلّ على نفوذ القضاء بالبينات و الأيمان بعد رفع اليد عن إطلاقه بالإضافة إلى الحلف بغير اللّه سبحانه و الحلف بغير مطالبة المدعي.

و في صحيحة أبي حمزة عن علي بن الحسين- عليهما السلام- قال: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: لا تحلفوا إلّا باللّه و من حلف باللّه فليصدق و من لم يصدق فليس من اللّه و من حلف له باللّه فليرض و من حلف له باللّه فلم يرض فليس من اللّه عزّ و جلّ» «1».

فإنّ إطلاقها يعمّ صورة طلب اليمين المغلظة.

و على الجملة الثابت من الروايات أنّ ما على المدعى عليه مع عدم إقامة المدعي البينة بدعواه اليمين على نفي الدعوى و إنّ للمدعى أن يطلبها من

______________________________

(1) الوسائل: ج 16، الباب 6 من أبواب الأيمان.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 202

..........

______________________________

خصمه و أمّا كون اليمين المغلظة حقّا له فلم يثبت ذلك، نعم قد يناقش بأنّه لا يجتمع الاستحباب للحاكم مع عدم وجوب الإجابة على من عليه اليمين.

و يؤيد وجوب الإجابة بما ورد في استحلاف الأخرس و بما ورد في اليمين الاستظهاري لظهورهما في كون ترك اليمين المغلظة نكولا و مسقطا للدعوى على الميت، حيث ورد في رواية عبد الرحمن بن أبي

عبد اللّه المتقدّمة الواردة في دعوى الدين على الميت بعد إقامة البينة به: «فعلى المدعى اليمين باللّه الذي لا إله إلّا هو لقد مات فلان و انّ حق لعليه فإن حلف و إلّا فلا حق له» «1».

أقول: إمكان التفكيك بين الاستحباب للحاكم و عدم وجوب الإجابة على من عليه اليمين ظاهر، بل لا يبعد القول بعدم وجوب الإجابة بالتغليظ زمانا أو مكانا، و إن قيل بوجوب الإجابة فيهما، فإنّ عدم وجوب الإجابة مقتضى الإطلاق المتقدم و كون التغليظ استظهارا يناسب عدم وجوب الإجابة فإنّ من عليه اليمين اقدامه على اليمين المغلّظة مع علمه بعدم وجوب التغليظ عليه يناسب صدقه في عدم ثبوت الحق عليه أو ثبوت ما يحلف عليه من الحقّ.

و ما ورد في الدعوى على الميت ظاهره أنّه يتعين على الحاكم المطالبة بالحلف بنحو التغليظ و أنّه لا يكون مجرّد الحلف باللّه مدركا لقضائه، لا أنّ الحاكم إذا طلب الحلف المغلظ يكون عليه ذلك الحلف، كما هو المدعى، مع أنّه قد تقدمت المناقشة في سندها، أمّا ما ورد في حلف الأخرس فإنّها واقعة خاصة و لعلّه- عليه السلام- قد أحرز امتناعه عن الحلف لا بما هو حلف مغلّظ.

و على الجملة فإن لم يطلب المدعي الحلف من المدعى عليه حتى صار زمان

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 4 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 172.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 203

[الثاني: لو حلف لا يجيب إلى التغليظ]

الثاني: لو حلف لا يجيب إلى التغليظ فالتمس خصمه لم تنحل يمينه (1).

______________________________

يرى حرمته أو دخل في مكان كذلك فوجوب الإجابة على المدعى عليه بما أنّه اجابة على الاستحلاف و لا بأس به إذا اجتمعت في الزمان المزبور أو المكان المزبور سائر شرائط الاستحلاف،

أمّا إذا طلب في مجلس الحكم أن يحلف في ذلك المكان أو ذلك الزمان فلا يجب عليه الإجابة إلّا على نفس الحلف.

(1) ذكر- قدّس سرّه- أنّ التغليظ و إن كان يستحب للحاكم إلّا فيما تقدم في المال الأقل من نصاب القطع إلّا أنّه مكروه بالإضافة إلى الحالف بحيث لا ينحلّ يمينه فيما إذا حلف على ترك التغليظ في حلفه فإنّ الحلف على شي ء إنّما ينحل فيما إذا صار المحلوف عليه مرجوحا في زمان العمل و ترك التغليظ لا يصير مرجوحا و لو مع استدعاء المدعي أو طلب الحاكم.

لا يقال: على ذلك لو حلف على ترك الحلف و اتفق المرافعة بينه و بين غريمه و وصلت النوبة إلى طلب الحلف منه فاللازم أن يردّ اليمين على خصمه لعدم انحلال حلفه.

فإنّه يقال: بانحلال حلفه في الفرض و الانحلال واضح في موارد عدم جواز ردّ اليمين على المدعي لعدم كون الدعوى في المال بل في مورد دعوى المال عليه أيضا انحلاله مقتضى نفي الضرر بخلاف الحلف على ترك التغليظ.

اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّه لم تثبت كراهة التغليظ في فرض الحلف، إنّما الثابت كراهة الحلف و إنّ المطلوب تركه إجلالا للّه سبحانه و لو بتحمل الضرر كما هو المستفاد ممّا تقدم كمعتبرة السكوني عن أبي عبد اللّه- عليه السلام- قال: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: من أجلّ اللّه سبحانه أن يحلف به أعطاه اللّه خيرا ممّا ذهب منه» «1»، و في موثقة أبي أيوب الخزاز قال: «سمعت أبا عبد اللّه- عليه السلام- يقول: لا تحلفوا باللّه

______________________________

(1) الوسائل: ج 16، الباب 1 من أبواب الأيمان، الحديث 3: 140.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 204

و

حلف الأخرس بالإشارة (1) و قيل توضع يده على اسم اللّه في المصحف أو يكتب اسمه سبحانه و يوضع يده عليه.

و قيل يكتب اليمين في لوح و يغسل و يؤمر بشربه بعد اعلامه فإن شربه كان حالفا و إن امتنع ألزم الحق استنادا إلى حكم عليّ- عليه السلام- في واقعة الأخرس.

______________________________

صادقين و لا كاذبين فإنّه عزّ و جلّ يقول لٰا تَجْعَلُوا اللّٰهَ عُرْضَةً لِأَيْمٰانِكُمْ «1»» «2»، إلى غير ذلك.

و عليه فلو حلف على ترك اليمين المغلظة بأن لا يحلف باللّه سبحانه مغلظا ينعقد الحلف فإنّه من الحلف على ترك المكروه، و ان حلف أنّه إذا حلف باللّه سبحانه في مورد فلا يجعله مغلظا فصحّة هذا الحلف مبنية على كون ترك التغليظ مع فرض الحلف إجلالا للّه سبحانه أيضا و لا يخلوا عن تأمّل.

و دعوى أنّ التغليظ مع طلب الحاكم و لو بالتماس المدعي اجابة للمؤمن و الإجابة له مستحب لا يمكن المساعدة عليها، فإنّه لم يثبت استحباب إجابة المؤمن في ترك المستحب و فعل المكروه كما لو دعاه مؤمن و التمس منه ترك صلاة الليل و نحوها، نعم ورد ذلك فيمن صام ندبا و دعاه أخيه المؤمن إلى الأكل.

(1) المشهور عند الأصحاب انّ حلف الأخرس بالإشارة المفهمة كغيره من إنشاءاته و قرائته في الصلاة و تلبيته و غير ذلك، و في معتبرة السكوني عن أبي عبد اللّه- عليه السلام-: «أنّ عليّا- عليه السلام- قال: تلبية الأخرس و تشهده و قراءة القرآن في الصلاة تحريك لسانه و إشارته بإصبعه» «3» و ظاهرها اعتبار تحريك اللسان، مع أنّه لم يرد فيها ذكر غير التلبية و الصلاة و قراءة القرآن، فيكون التعدي إلى مثل الحلف

______________________________

(1) البقرة: 224.

(2)

الوسائل: ج 16، الباب 1 من أبواب الأيمان، الحديث 5: 140.

(3) المصدر نفسه: ج 9: الباب 39، من أبواب الإحرام، الحديث 1: 39.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 205

و لا يستحلف الحاكم أحدا إلّا في مجلس قضائه (1) إلّا مع العذر كالمرض المانع و شبهه، فحينئذ يستنيب الحاكم من يحلّفه في منزله و كذا المرأة التي لا عادة

______________________________

لعدم احتمال الفرق أو الوثوق بعدمه.

و يشكل الوثوق فضلا عن عدم احتمال الفرق بملاحظة صحيحة محمد بن مسلم الواردة في حلف الأخرس حيث ورد فيها بعد السؤال عن الأخرس كيف يحلف إذا ادعي عليه الدين و أنكر و ليس للمدعي بيّنة: «إنّ أمير المؤمنين- عليه السلام- أتي بأخرس فادّعي عليه دين و لم يكن للمدعي بينة، فقال أمير المؤمنين- عليه السلام-:

الحمد للّه الذي لم يخرجني من الدنيا حتى بيّنت للأمة جميع ما تحتاج إليه- إلى أن قال: كتب الحلف و غسله ثم أمره بشربه» «1» و لذا نسب الماتن- قدّس سرّه- الحلف كذلك إلى بعض، كما نسب إلى بعض اعتبار وضع الأخرس إصبعه على اسم اللّه في المصحف أو غيره، و لعلّ الوضع كذلك محقق للإشارة إلى الحلف بإصبعه.

و المتحصل: أنّ المستفاد من الصحيحة أنّ استحلاف الأخرس يحصل بما ورد فيها و مقتضى الجمع بينها و بين المعتبرة أنّ ما ورد في الصحيحة داخل في إشارة الأخرس و لو حكما، و حيث لم يعهد من أحد من الأصحاب القول بتعين ما ورد في استحلاف الأخرس فالأحوط ضم الإشارة إليه، و اللّه سبحانه هو العالم.

(1) الظاهر عندهم أنّه يعتبر صدور الحلف ممّن عليه اليمين عند الحاكم في مجلس قضائه بطلب من الحاكم فلا يجوز للحاكم أن يوكّل شخصا آخر

في استحلافه، و يستدل على ذلك بأصالة عدم انقطاع الخصومة و نفوذ الحكم بغير الحلف المزبور مع عدم عموم أو إطلاق يقتضي نفوذ الحكم مع التوكيل في

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 33، من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 222.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 206

لها بالبروز إلى مجمع الرجال أو الممنوعة بأحد الأعذار.

______________________________

الاستحلاف، بل ظاهر صحيحة سليمان بن خالد كون الحلف بطلب الحاكم بالمباشرة حيث ورد فيها: «أنّ نبيا من الأنبياء شكى إلى ربّه فقال: يا ربّ كيف أقضي فيما لم أر و لم أشهد؟ فأوحى اللّه إليه: احكم بينهم بكتابي و أضفهم إلى اسمي فحلّفهم به» «1».

و لكن لا يخفى أنّه لو كانت المباشرة في الطلب و الحلف في مجلس القضاء معتبرة لما كان فرق بين صورتي الاختيار و العذر، حيث إنّه لو لم يمكن حضور من عليه اليمين مجلس الحاكم أو كان فيه عسر لكان على الحاكم في نفوذ حكمه الحضور عند من عليه اليمين و جعل منزله مجلس قضائه في الواقعة، و مع عدم إمكان ذلك ليوقف الحكم في الواقعة كسائر موارد إيقافه، فلا وجه لتفصيل الماتن و غيره بين الصورتين، و على الجملة مقتضى الأصل العملي المزبور أو ما يدعى استظهاره من صحيحة سليمان بن خالد عدم الفرق بين صورتي الاختيار و العذر.

و لكن الأظهر أنّه لا يعتبر في الحلف أن يكون في مجلس القضاء حتى في حال الاختيار، فإنّ مقتضى ما ورد في مدرك القضاء كونه بالبينة من المدعي و مع عدم إقامتها بحلف المدعى عليه، سواء أ كان الحلف عند الحاكم أو عند وكيله فإن غاية ما ثبت اعتباره أن يكون الإحلاف من الحاكم بعد مطالبة المدعى و

الطلب كما يكون بالمباشرة كذلك يكون بالتسبيب، فإن فعل الوكيل ينسب إلى موكّله.

و الحاصل: أنّه لا يعتبر كون الاستحلاف في مجلس القضاء بل لا يبعد أن يكون الأمر في سماع البينة كذلك بأن يوكل الحاكم شخصا أو أشخاصا لسماع شهادة الشاهدين، فيكون حكمه بعد إحرازه شهادتهما حكما بالبينة.

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 1 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 167.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 207

[البحث الثاني: في يمين المنكر و المدعي]
اشارة

البحث الثاني: في يمين المنكر و المدعي.

اليمين تتوجه على المنكر (1) تعويلا على الخبر و على المدّعي مع الرد و مع

______________________________

(1) يتوجّه اليمين على المنكر من المتخاصمين بلا خلاف يعرف أو ينقل لقوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «البيّنة على من ادّعى و اليمين على من أدعي عليه» «1» كما في صحيحة جميل و هشام عن أبي عبد اللّه- عليه السلام-، و قوله- عليه السلام- في صحيحة بريد بن معاوية: «الحقوق كلّها البينة على المدعي و اليمين على المدعى عليه إلّا في الدم خاصة» «2»، و في صحيحة جميل عن أبي عبد اللّه- عليه السلام- قال: «إذا أقام المدعي البينة فليس عليه يمين و إن لم يقم البينة فرد عليه الذي ادعي عليه اليمين فأبى فلا حق له» «3». و مثل هذه الأخيرة تدلّ على توجه اليمين على المدعى مع ردّ المنكر الحلف عليه، أو حتى مع نكوله على ما تقدم. و يتوجه اليمين أيضا على المدعى في دعوى المال إذا كان له شاهد واحد كما يأتي.

و يتوجّه على المدعي و قبيلته في دعواه القتل أو الجرح مع اللوث المعبر عنها بالقسامة على ما يأتي في بحث ثبوت دعوى القتل، و قد علّل الماتن- قدّس سرّه- عدم

الحاجة إلى اليمين مع البيّنة للمدعي بعدم التهمة في البينة، و علّل وصول النوبة مع عدمها إلى يمين المنكر باستناده إلى البراءة الأصلية، فيكون أولى بها، و لكن التعليل في كلا الحكمين ضعيف، فإنّ مع إقامة المدعي البينة بدعواه يتمّ ملاك القضاء على ما تقدم من الروايات المشار إليها، و قد ذكر فيها أنّ المطلوب منه البينة: المدعي، و انّ المطلوب منه اليمين: هو المدعى عليه، و في رواية منصور

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 3، من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 170.

(2) الوسائل: ج 18، الباب 3، من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2: 170.

(3) المصدر نفسه: الباب 7 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 6: 177.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 208

الشاهد الواحد، و قد تتوجه مع اللوث في دعوى الدم و لا يمين للمنكر مع بينة المدعي لانتفاء التهمة عنها و مع فقدها فالمنكر مستند إلى البراءة الأصلية فهو أولى باليمين.

______________________________

عن أبي عبد اللّه- عليه السلام-، حيث ورد فيها: «لأنّ اللّه عزّ و جلّ إنّما أمر أن تطلب البينة من المدعى، فإن كانت له بينة و إلّا فيمين الذي هو في يده، هكذا أمر اللّه عزّ و جلّ» «1».

و الحاصل: أنّ مقتضى الروايات أنّ مع البينة للمدعي يتم ملاك القضاء و الشبهة في البينة توجب الفحص عن حال البينة لا ضم يمين المدعي و مع عدم تمام البينة تصل النوبة إلى يمين المدعى عليه سواء كان المدعى عليه قوله مطابقا لأصالة البراءة، أو غيرها من الأمور المعتبرة في حق القاضي المفروض عدم علمه بالواقعة المرفوعة إليه.

أمّا ما في رواية سلمة بن كهيل «2» من إحلاف المدّعي مع البينة له فلا يمكن الاعتماد عليها، لضعفها

سندا، و مع الغمض يحمل اليمين على الاستحباب بقرينة ما دلّ على أنّ مع البينة يتم موضوع القضاء و انّ اليمين على المدعى عليه مع عدمها، و مع الإغماض عن ذلك أيضا يكون الترجيح مع الروايات الدالة على الاكتفاء في القضاء ببينة المدعى، لأنّ ضم اليمين إليها مذهب العامة، و على الجملة ضم اليمين إلى البينة ثبت اعتباره في الدعوى على الميت، و في غيرها يؤخذ بمقتضى الروايات المشار إليها.

ثمّ إنّه يعتبر في الحلف كونه على نحو القطع و البتّ، و عليه فهل يجوز

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 3 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 4: 171.

(2) المصدر نفسه: الباب 8 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 4: 178.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 209

و مع توجهّها يلزمه الحلف على القطع مطّردا (1) إلّا على نفي فعل الغير فإنّها

______________________________

للحالف الحلف كذلك فيما كان مستنده أمارة معتبرة في حقه أو أصل معتبر كذلك كقاعدة اليد و أصالة الصحّة أو الاستصحاب مع أنّه قد ورد في الروايات عدم جواز الحلف على غير العلم؟

لا يبعد أن يقال بجواز الحلف فيما إذا كان مقتضى دليل اعتبار الأمارة أو الأصل العلم بالواقع، حيث انّ الامارة أو الأصل المحرز بدليل الاعتبار يقوم مقام العلم المأخوذ في الموضوع للحكم بنحو الطريقية و أمّا بناء على أنّ المجعول و المستفاد من دليل الاعتبار جعل الحكم التكليفي الظاهري الطريقي أو جعل المنجزية و المعذرية فالحلف استنادا عليه مشكل، لعدم العلم بالمحلوف عليه.

و لعل قول الماتن بعد ذلك: و مع توجهها يلزم الحلف على القطع مطردا، مقتضى اعتباره وقوع الحلف في الموارد المزبورة أيضا على نحو البت، و لا يكفي فيها الحلف على عدم العلم، بل

قوله في المقام فالمنكر مستند إلى البراءة الأصلية يقرب من الصراحة في ذلك، و لكنه كما ترى.

(1) ظاهره أنّ مع توجه اليمين على أحد الخصمين في مرافعة فاللازم عليه أن يحلف على نحو القطع و البت بأن يحلف على ثبوت المدعى به، كما في اليمين المردودة إلى المدعى أو على نفيه، كما في يمين المنكر، و استثنى من اعتبار وقوع الحلف على القطع موردا واحدا، و هو الحلف على نفي فعل الغير، فإن المعتبر فيه أن يحلف على نفي علمه به.

و لكن لا يخفى ما في الاستثناء فإنّ المدعى به فيما إذا كان من فعل الغير فلا تسمع الدعوى على الخصم إلّا بالبينة، كما تقدم في مسألة ما إذا أجاب المدعى عليه بأنّه لا أدري، نعم لو ادعى على الخصم أنّه يعلم بوقوع فعل الغير فأنكر

أسس القضاء و الشهادة، ص: 210

على نفي العلم، فلو ادّعى علي ابتياع أو قرض أو جناية فأنكر حلف على الجزم.

______________________________

فعليه الحلف على نفي علمه، و هذا العلم يوجب سقوط دعوى العلم عليه، و لا يوجب عدم سماع دعوى فعل الغير، كما إذا وجد المدعي بعد ذلك بينة على ذلك الفعل على ما تقدم.

و على ذلك فلا يتوجه في مورد دعوى فعل الغير حلف على الخصم، و مع دعوى العلم عليه يتوجه إليه اليمين على نفي المدعى به الثاني، و هو دعوى العلم عليه، فيكون حلفه على عدم علمه حلفا على القطع و البت، و على الجملة فمع توجه الحلف يكون الحلف في كل مورد على نحو القطع و البت بلا استثناء، و لا يتوجه الحلف في مورد دعوى فعل الغير بلا دعوى العلم به على الخصم أصلا، و

يشهد لما ذكرنا ما فرعه بعد ذلك على هذا الاعتبار، و قال: و لو ادعى على أبيه الميّت لم يتوجه إلى الابن اليمين إلّا مع دعوى علمه بدين أبيه.

هذا ما يتعلّق بالعبارة، و أمّا أصل اعتبار وقوع الحلف على نحو الجزم و البت فإنّ ظاهر ما دلّ على أنّ البينة على من ادعي و اليمين على من ادعي عليه وقوع الحلف على نفي المدعى به كما أنّ على المدعي إقامة البينة عليه، و كذا ما دل على رد اليمين على المدعى وقوع الحلف منه على ما ادعاه و بضميمة ما دلّ على أنّه لا يحلف الرجل إلّا على علمه و لا يستحلف إلّا على علمه أنّه إنّما يتوجه اليمين على من ادعى عليه مع علمه بما يحلف عليه.

و المتحصل: أنّه لا فرق في الحلف على فعل نفسه أو غيره في أنّه لا يترتب على نفي العلم إلّا سقوط دعوى العلم، نعم لو رد منكر العلم اليمين على مدعي العلم عليه فحلف ثبت ذلك الفعل و هذا مشترك بين ما إذا كانت الدعوى فعله أو فعل غيره.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 211

و لو ادّعى على أبيه الميت لم يتوجه اليمين ما لم يدع عليه العلم فيكفيه

______________________________

ثمّ إنّ المصنّف- قدّس سرّه- قد فرّع على ما ذكره من اعتبار الجزم و البت في الحلف على نفي فعله و كفاية الحلف على نفي العلم في فعل غيره أنّه لو ادّعى عليه ابتياعا أو قرضا أو جناية يعتبر الحلف على نفيه بنحو الجزم و البت لأنّ المدعى به فعله، بخلاف ما إذا ادّعى على أبيه الميت بما ذكر فإنّه يكفي فيه الحلف على نفي علمه به مع دعوى العلم

على الابن، و كذا الحال فيما قال من عليه الحق قبض وكيلك حقك، فإنّه يكفي أن يحلف الموكّل على عدم علمه بقبض الوكيل مع دعوى العلم عليه.

و قال في الجواهر في ذيل ذلك: إنّه لو يتضمن الدعوى دعوى العلم على الموكّل فلا مورد لليمين، بل إن كانت للمدعي بينة بدعواه و إلّا فلا تسمع، و نقل عن كشف اللثام أنّ الموكل حتى مع حلفه على عدم علمه بقبض وكيله فللمدعي إثبات قبضه أو أن يحلف على البراءة، و أورد عليه بأنّه لا مورد لحلف مدعي القبض على البراءة بلا رضا الموكل بيمينه، بل مع رضاه أيضا بمعنى أنّه لا يترتب على حلفه بالبراءة القضاء بها أمّا مع عدم رضاه فظاهر لعدم تحقق رد اليمين، و كذا مع رضاه لأنّ رضاه لا يجعل يمين البراءة بقبض الوكيل يمينا مردودة فإنّ اليمين المردودة تكون برد من يتوجه إليه اليمين و الموكل في الفرض لا يتوجه إليه اليمين على نفي القبض، إلّا أن يدعي كفاية رضا المدعى عليه بحلف المدعي في ردّها، و إن لم يكن المدعى عليه ممّن يتوجّه إليه اليمين.

أقول: إذا كان المدعى به فعل الغير، و أجاب المدعي بعدم علمه به فلا يتوجه إليه اليمين على النفي، أمّا إذا أنكر وقوع الفعل فعليه الحلف على عدم وقوع الفعل، أو ردّ الحلف على المدعي، نعم لا يجتمع الحلف على عدم العلم مع اليمين المردودة، إلّا مع مصالحة الموكّل الحالف حقّه بحلف المدعي على القبض

أسس القضاء و الشهادة، ص: 212

الحلف أنّه لا يعلم و كذا لو قال قبض وكيلك.

______________________________

أو على البراءة و تدخل اليمين في اليمين المعاملي لا في اليمين المردودة.

و تعرّض صاحب الجواهر- قدّس

سرّه- في المقام لفرع، و تكلّم في الحلف فيه أنّه على نفي العلم لكونه من فعل الغير أو أنّه من الحلف على فعل نفسه ليعتبر فيه الحلف على نحو البت و الجزم، و هو ما إذا ادّعى على عبده جناية بما يتوجه استحقاق العبد أو استحقاق بعضه فهل للمولى الحلف على عدم علمه بجنايته أو يتعين عليه الحلف على نفيها بنحو البت، و منشأ الاحتمالين هو أنّ الدعوى المزبورة على المولى لكونه هو الغريم و العبد كسائر أمواله مملوك له، أو أنّ المدعى به من فعل الغير.

و نقل عن كشف اللثام أنّه بناء على كونها من فعل الغير يتعين إثباتها بالبينة سواء أحلف المولى على نفي علمه أم اعترف المدعي بعدم علمه و بناء على كون المولى هو الغريم تثبت الجناية بحلف المدعي مع نكول المولى عن الحلف على نفي الجناية، و لا يكفي حلفه على عدم علمه.

و اختار- قدّس سرّه- انّ الحلف في الدعوى المزبورة حلف الغريم و نقل عن المسالك أنّه بني الوجهان على تعلق أرش الجناية برقبة العبد فقط أو برقبته و ذمته، بحيث يتبع العبد بعد عتقه بما فضل أرش جنايته، فإن قيل بالأوّل يكون المولى هو الغريم، و على الثاني يكون الحلف على نفي العلم.

أقول: يظهر الحال في الفرع ممّا ذكرنا من عدم الفرق بين فعل نفسه و فعل غيره، فإن كان منكرا يتوجه إليه اليمين على نفي المدعى به، و إن أجاب بالجهل بالحال فليس عليه حلف إلّا مع دعوى العلم عليه فمعها يحلف على عدم علمه، و اللّه سبحانه هو العالم.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 213

و أمّا المدعي و لا شاهد له فلا يمين عليه إلّا مع

الرد أو نكول المدّعي عليه على قول، فإن ردّها المنكر توجهت فيحلف على الجزم و لو نكل سقطت دعواه إجماعا (1).

و لو ردّ المنكر اليمين ثمّ بذلها قبل الإحلاف قال الشيخ: ليس له ذلك إلّا برضا المدعي (2) و فيه تردد منشأه أنّ ذلك تفويض لا إسقاط.

______________________________

(1) قد تقدم الكلام في ذلك فلا حاجة إلى الإعادة.

(2) لو رد المنكر اليمين على المدعي، فأحلفه الحاكم ثبت الحق المدعى به، و لا أثر لبذل المنكر الحلف بعد ذلك بلا خلاف يعرف أو ينقل، و يشهد لذلك مفهوم الشرطية في صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما- عليهما السلام-: «في الرجل يدّعي و لا بينة له؟ قال: يستحلفه فإن ردّ اليمين على صاحب الحق فلم يحلف فلا حق له» «1»، فإنّ مفهومها إذا حلف صاحب الحق مع ردّ اليمين عليه ثبت حقه.

و أمّا إذا بذل المنكر الحلف قبل إحلاف المدعي، فهل يكون رجوعه عن ردّ اليمين و حلفه نافذا؟ ذكر الشيخ- قدّس سرّه-: إنّ رجوعه و بذله غير نافذ إلّا برضا المدعي و كان ردّه اليمين على المدعي إسقاط لحقه.

و لكن الصحيح نفوذ حلفه فإنّه لا يستفاد ممّا ورد في ردّ اليمين على المدعى إلّا تفويض اليمين فإذا رجع عن تفويضه و بذل الحلف فيتم الموضوع للقضاء في الواقعة كما هو مقتضى قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «البينة على من ادعى و اليمين على من ادعي عليه»، و قد تقدم أنّ الحلف على المدعي عليه ليس حقا لا للمدعى عليه و لا للمدعي، حتى يقبل الاسقاط منهما، غاية الأمر ثبت أنّه يجوز للمدعي عدم المطالبة بالقضاء بترك المطالبة بحلف المدعى عليه، كما يجوز للمدعى عليه ردّ

اليمين على المدعي مع مطالبته الحلف، و لو كان ردّ اليمين بمجرّده إسقاطا لا ينفع في عوده رضا المدعي كما لا يخفى.

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 7 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 176.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 214

و يكفي مع الإنكار الحلف على نفي الاستحقاق لأنّه يأتي على الدعوى (1) فلو ادّعى عليه غصبا أو إجارة مثلا فأجاب بأنّي لم أ غصب و لم أستأجر قيل يلزمه الحلف على وفق الجواب لأنّه لم يجب به إلّا و هو قادر على الحلف عليه، و الوجه أنّه ان تطوع بذلك صحّ و ان اقتصر على نفي الاستحقاق كفى.

و لو ادّعى المنكر الإبراء أو الإقباض فقد انقلب مدعيا و المدّعي منكرا (2)

______________________________

(1) لا يعتبر في حلف المنكر أن يكون المحلوف عليه نفي خصوص ما ذكره المدّعي في دعواه، كما لا يعتبر فيه أن يكون المحلوف عليه خصوص ما أجاب به عن دعوى المدعي و إذا قال المدعي أقرضتك الألف فأجاب بأني ما اقترضت منك ألفا و لا غير ألف و حلف أنّه لا يستحق عليه مالا كفى في ترتب الحكم عليه من جواز القضاء ببراءة ذمته، حيث إنّ الحلف المزبور يصدق عليه أنّه حلف على نفي دعواه، فإنّ نفي العام نفي للخاص أيضا.

و ربّما يقال بأنّه تعتبر مطابقة المحلوف عليه بما ذكره في الجواب، و لو ادعى عليه غصبا أو إجارة أو قرضا فأجاب بأني ما غصبت و لم استأجر أو لم اقترض فاللازم أن يحلف على نفي الغصب و الاستيجار و الاقتراض، لأنّ الجواب بالخاص مقتضاه أنّه متمكن على الحلف عليه، و لكنّه كما ترى، فإنّ مقتضاه جواز الحلف على طبق الجواب لا تعين ذلك،

و الموضوع لجواز القضاء اليمين على نفي ما يدعيه المدعي كان اليمين على نفيه بعنوانه الخاص أو بعنوان يدخل فيه.

(2) لو ذكر منكر الدين أنّ الغير قد أبرأ ذمته أو أنّه قد قبض دينه تنقلب الدعوى فيصير مدعيا، فعليه إثبات الإبراء أو الإقباض، و مدعي الدين منكرا، يتوجه إليه اليمين على بقاء حقه أو على عدم الإبراء أو القبض، و هذا ظاهر.

و لكن في المقام أمر و هو ما تقدم من أنّه يعتبر في نفوذ الحلف عن المنكر كونه برضا المدعي و مطالبته، و عليه فلو لم يطالب الذي صار مدعيا بدعوى الإبراء

أسس القضاء و الشهادة، ص: 215

فيكفي المدعي اليمين على بقاء الحق و لو حلف على نفي ذلك كان آكد لكنه غير لازم.

______________________________

و القبض اليمين عمّن صار منكرا بإنكار الإبراء و الإقباض بأن أراد إيقاف الدعوى فهل يمكن لمنكر الإبراء و الإقباض استيفاء دينه و مطالبة المدعي بالدين، مع أنّ ظاهر الأصحاب أنّ استحلاف المنكر حق للمدعي و إذا تبرّع بالحلف فلا يصحّ القضاء به، و مقتضى ذلك أنّ للمدعي إيقاف القضاء بتركه مطالبة المنكر بالحلف.

و في موثقة عبد اللّه بن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه- عليه السلام-: «إذا رضى صاحب الحق بيمين المنكر لحقّه فاستحلفه فحلف أن لا حق له قبله ذهبت اليمين بحق المدعي فلا دعوى له» «1»، و في رواية خضر النخعي عن أبي عبد اللّه- عليه السلام-: «في الرجل يكون له على الرجل المال فيجحده؟ قال: إن استحلفه فليس له أن يأخذ شيئا» «2»، و ظهورها في اعتبار مطالبة المدعي الحلف غير منكر، و في صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما- عليه السلام-: «في الرجل يدعى و

لا بينة له؟ قال:

يستحلفه» «3». و ظاهرها أيضا اعتبار طلب المدعي صاحبه باليمين إلى غير ذلك.

و لكن لا يبعد أن يقال مقتضى وجوب القضاء و فصل الخصومة بين الناس مع ملاحظة ما دلّ على أنّ مدرك القضاء البينة على من ادعى و اليمين على من ادعي عليه، أنّ على القاضي مطالبة المدعي بالبينة، كما أنّ عليه مطالبة المدعي عليه باليمين مع عدم إقامة المدعي البينة، و كما أنّ رضا المنكر غير دخيل في مطالبة المدعي بالبينة كذلك لا دخل لرضا المدعي في مطالبة المنكر باليمين، غاية الأمر يرفع اليد عن الإطلاق في ناحية طلب اليمين عن المنكر بالروايات

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 9 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 178.

(2) المصدر نفسه: الباب 10 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 179.

(3) المصدر نفسه: الباب 7 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 176.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 216

و كل ما يتوجه الجواب عن الدعوى فيه يتوجه معه اليمين (1) و يقضي علي المنكر به مع النكول كالعتق و النسب و النكاح و غير ذلك.

______________________________

المتقدمة، و مدلولها ما إذا كان الشخص مدعيا للحق له و خصمه منكرا للحق عليه، أمّا إذا انعكس الأمر بأن كان المدعي يدعي سقوط حق الغير و خصمه ينكر سقوط حقه فهذه الصورة خارجة عن مدلولها، بل لو قلنا بأنّ اعتبار رضى المدعي بيمين المنكر على القاعدة لأنّ المدعي صاحب الحق فله إيقاف المطالبة بحقه و لو بعدم مطالبة المنكر لحقه بالحلف، فيختص ذلك بما إذا كانت الدعوى ثبوت الحق لا سقوط حق الغير.

و على ذلك فللقاضي في الفرض مطالبة المنكر للإبراء و القبض بالحلف على بقاء حقّه و بعده يقضى

و يلزم مدعى الإبراء و القبض بالأداء.

نعم إذا طلب المدعى تأخير القضاء لإحضار بينته بالإبراء أو القبض فللحاكم الإمهال بنحو لا يوجب الإهمال في أداء حقوق الناس.

(1) ذكر- قدّس سرّه- أنّ كل مورد يتعيّن فيه على الخصم الجواب عن الدعوى بالإقرار أو بالإنكار أو حتى بقوله لا أعلم بأن كانت الدعوى عليه مسموعة يتوجه إليه الحلف، و لو بأن يحلف على عدم علمه على ما تقدم.

فلا يتعين الجواب فيما لا تسمع الدعوى كدعوى موجب الحد على أحد بلا بينة، كما يأتي فإنّه لا يتوجه في دعواه اليمين، و إذا توجّه اليمين إلى المنكر فنكل يحكم بثبوت الدعوى بمجرّد النكول أو مع رد اليمين على المدعى على خلاف تقدم، و ذكر أنّه مع اعتبار الردّ ان حلف المدعي تثبت دعواه و إن نكل أي امتنع عن الحلف سقطت دعواه بلا فرق في ذلك كلّه بين كون الدعوى بالمال أو بغيره من حقوق الناس، كدعوى العتق و النسب و النكاح و الطلاق و الرجوع فيه و الإيلاء و غير ذلك. خلافا لبعض العامة، حيث قالوا بعدم توجه اليمين في غير الأموال

أسس القضاء و الشهادة، ص: 217

هذا على القول بالقضاء بالنكول، و على القول الآخر ترد اليمين على المدعى و يقضي له مع اليمين و عليه مع النكول.

______________________________

و عللوه بأن تحليف الخصم لإقراره أو نكوله ليحكم القاضي بالنكول، فإن نكوله بمنزلة البذل و الإباحة، و لا مورد لهما في غير الأموال و نحوها. و عن بعض آخر منهم أنّ اليمين لا يتوجه على الخصم، إلّا فيما إذا ثبتت الدعوى بشاهدين ذكرين، فإن غيرها يلحق بدعوى الحدّ.

أقول: ما ذكره- قدّس سرّه- من الملازمة بين سماع الدعوى و

استحقاق الجواب عنها و بين الحلف عليه و ان كان صحيحا كما هو مقتضى قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:

«البينة على من ادعى و اليمين على من ادعى عليه» «1»، و قوله: «إنّما أقضي بينكم بالبينات و الأيمان» «2»، إلّا أنّ دعوى مثل النسب يختصّ سماعها بما إذا ترتب عليها الحق للمدعي كالإرث و وجوب النفقة و نحوهما، و لو لم تتضمّن دعواه مطالبة حق أو سقوط ما عليه من الحق للغير فلا تكون في البين دعوى على الغير.

و من هذا القبيل دعوى الزوجة الظهار أو الإيلاء على زوجها، فإنّها تسمع دعواها لتضمنها مطالبة ما على زوجها أو سقوط ما له عليها، و كذا لا مورد لتوجه اليمين في مثل ما إذا ادعى الزوج طلاق زوجته أو الرجوع في طلاقها، مع فرض عدم انقضاء عدتها حين دعوى الرجوع، فإنّ قبول قوله فيهما لدخوله في قاعدة «من ملك شيئا ملك الإقرار به.

و أيضا قد تقدم أنّ ردّ اليمين على المدعي من المنكر أو من الحاكم في موارد دعوى المال أو ما يرجع إليها صحيح، أمّا في غيرها فمشكل، بل الحكم بالنكول فيها أيضا كذلك.

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 3 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 170.

(2) المصدر نفسه: الباب 1 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 169.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 218

[مسائل ثمان]
اشارة

مسائل ثمان:

[الأولى: لا يتوجه اليمين على الوارث ما لم يدع عليه العلم بموت المورث]

الأولى: لا يتوجه اليمين على الوارث ما لم يدع عليه العلم بموت المورث و العلم بالحق و انّه ترك في يده مالا (1)، و لو ساعد المدعي على عدم أحد هذه الأمور لم يتوجه، و لو ادّعى عليه العلم بموته أو بالحق كفاه الحلف أنّه لا يعلم نعم لو أثبت الحق و الوفاة و ادّعى في يده مالا حلف الوارث على القطع.

______________________________

(1) إذا ادعى على الوارث بدين له على المورث يتوجه اليمين إلى الوارث فيما إذا فرض في دعواه اجتماع أمور ثلاثة علم الوارث بموت المورث و بالدين له عليه، و وجود التركة بيده كلا أو بعضا، و إذا ساعد المدعي أي صدّق الوارث في عدم أحد هذه الأمور الثلاثة لم يتوجه إلى الوارث يمين أصلا، كما إنّه إذا كانت التركة بيد الوارث و ادعى علمه بموت المورث أو بالدين له عليه يكفي الوارث الحلف على عدم علمه، و لو أحرز الموت و الدين و ادعى التركة يلزم على الوارث الحلف على عدم كونها بيده، لأنّ المال بيد الوارث من فعل الوارث، فيعتبر في الحلف عليه البت بخلاف دعوى الدين على المورث أو دعوى موته.

لا يقال: مقتضى رواية عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه «1» عدم سماع الدعوى على الميت بلا بينة، و ان تضمنت دعواه الأمور الثلاثة فضلا عن توجّه اليمين على الوارث، حيث ورد فيها و ان ادعى بلا بينة فلا حقّ له لأنّ المدعى عليه ليس بحيّ.

فإنّه يقال: لو تضمنت الدعوى الأمور الثلاثة تكون الدعوى على الوارث أيضا فمن ثمّ تتوجّه اليمين على الوارث، بل يمكن القول كما تقدم بسماع الدعوى فيما إذا أحرز الموت و وجود التركة بيد الوارث

و لم يعترف المدعي بجهل الوارث بالدين له على المورث فإنّه تصدق في الفرض الدعوى على الوارث نعم إذا أجاب

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 4 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 173.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 219

[الثانية: إذا ادّعى على المملوك فالغريم مولاه]

الثانية: إذا ادّعى على المملوك فالغريم مولاه (1) و يستوي في ذلك دعوى المال و الجناية.

______________________________

الوارث بلا أدري فلا مورد لليمين، و لا حق للمدعي بلا بينة. و إذا أجاب بنفي الدين يتوجه إليه اليمين على النفي، كما أنّه لو اعترف يؤخذ باعترافه.

و الحاصل: انّ الدعوى تكون على الميت خاصة، فيما إذا اعترف المدعي بجهل الوارث بالدين، فلا تسمع بلا بينة كما هو ظاهر الرواية.

(1) و ذلك فإنّ دعوى الجناية على العبد دعوى استرقاقه أو مطالبة المولى بالفداء، فتكون متوجهة إلى المولى، و كذا الحال في دعوى المال الموجود بيد العبد، فإنّ المال المزبور ملك المولى أو أنّ ولاية التصرّف فيه للمولى دون العبد، فتكون دعواه على مالكه أو الولي به، و لا عبرة في أمثال ذلك باعتراف العبد أو إنكاره، و لا يتوجه إليه الحلف، بل ثبوتها باعتراف المولى و يتوجه إليه اليمين مع إنكاره أو إنكار العلم بها، نعم مع حلفه على عدم علمه تسقط دعوى العلم لا أصل الدعوى على ما تقدم.

نعم إذا كانت دعوى المال منحصرة بما في ذمة العبد، كما في دعوى الإتلاف عليه فلا يكون للمولى شأن في هذه الدعوى، و لا يكون اعترافه نافذا في حق العبد و لا يتوجه إليه حلف، بل العبرة في ثبوت المال على ذمته حيث يؤخذ منه بعد عتقه أو انعتاقه باعتراف العبد و في سقوطها بحلفه على نفيها.

و ممّا ذكرنا يظهر أنّه لو

كانت للدعوى جهتان، كما في دعوى القتل على العبد عمدا، فينفذ اعتراف المولى بالإضافة إلى الاسترقاق، فيكون لأولياء الدم استرقاقه، و أمّا القصاص فلا لأنّ إزهاق روح العبد ليس من إقرار المولى على نفسه، بل على نفس الغير و المولى لا سلطان له في غير

أسس القضاء و الشهادة، ص: 220

[الثالثة: لا تسمع الدعوى في الحدود مجردة عن البينة]

الثالثة: لا تسمع الدعوى في الحدود مجردة عن البينة (1) و لا يتوجه اليمين على

______________________________

ملكيته، بل ينفذ اعتراف العبد بالإضافة إلى القصاص و لكن بنحو لا ينافي ملك المولى بأن يقتص منه بعد عتقه، و بذلك يظهر الخلل في إطلاق كلام الماتن و غيره.

(1) يأتي أنّه يعتبر في سماع الدعوى بحيث يلزم الجواب مع عدم البينة للمدعي كون المدعى به حقا للمدعي أو لمن يتعلّق به ولاية أو وكالة أو وصاية أو سقوط حق للغير عليه أو على من يتعلّق به، كما في دعوى الأموال و غيرها من حقوق الناس، أمّا حدود اللّه سبحانه فلا تكون من قبيل الحق لأحد ليطالبها أربابها، بل هي من حقوق اللّه سبحانه، فالمطلع على مرتكب موجباتها مع عدم تمكنه على إثبات الارتكاب لا يجب عليه إظهاره و لو عند الحاكم كما لا يجب على المرتكب هذا الإظهار، كما يشهد لذلك صحيحة أبي العباس قال: «قال أبو عبد اللّه- عليه السلام- أتى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم رجل فقال: إني زنيت- إلى أن قال: فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:- لو استتر ثم تاب كان خيرا له» «1» و نحوها غيرها.

بل لا يبعد القول بعدم جواز الإظهار من غير المتمكن على الإثبات و لو عند القاضي فيما كان المرتكب غير متجاهر

بالفسق، أخذا بما دلّ على حرمة الاغتياب، كما إنّه لو أظهر مع حرمته أو مع جوازه فلا يجب على القاضي المطالبة بالجواب، فإنّ الموضوع في الحدود لا يزيد على سائر الشبهات الموضوعية في عدم لزوم الفحص عنها مع ورود درء الحدود بالشبهات، و الأمر بالستر على مرتكب السوء، و في مرسلة الصدوق: «ادرأوا الحدود بالشبهات و لا شفاعة و لا كفالة و لا يمين في حدّ» «2».

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 16 من أبواب مقدمات الحدود، الحديث 5: 328.

(2) المصدر نفسه: الباب 24 من أبواب مقدمات الحدود، الحديث 1: 336.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 221

المنكر، نعم لو قذفه بالزنا و لا بينة فادّعاه عليه قال في المبسوط: جاز أن يحلف

______________________________

نعم يجوز الإظهار مع التمكن على الإثبات، بل يجب حسبة، و فيما أمره ولي المسلمين به منعا عن المنكر، و يكون الإظهار عند الحاكم من قبيل الشهادة بالارتكاب لا من قبيل الدعوى على الغير، و يظهر ذلك ممّا ورد في رفع مفطر الصوم و غيره إلى الإمام.

و لا فرق أيضا في جواز الإظهار أو وجوبه أو تحريمه بين موجبات الحد و موجبات التعزير. و يختص ما ذكر بما إذا كان الحد من حقوق اللّه سبحانه فقط، و أمّا إذا كان من حق الناس كحدّ القذف فالمطالبة به بدعوى القذف على الغير و ان يدخل في الدعوى على الغير، و لكنه لا تسمع الدعوى فيه أيضا بلا بينة و لا يتوجه فيه يمين على منكره، و في معتبرة غياث بن إبراهيم عن جعفر عن أبيه عن أمير المؤمنين- عليه السلام- في حديث قال: «لا يستحلف صاحب الحد» «1»، و مقتضى إطلاقها عدم الفرق بين كون الحد

من حقوق اللّه فقط أو من حق الناس أيضا.

و على الجملة: فالمخبر عن الغير بأنّه ارتكب موجب الحد لا يكون من المدعي حقيقة في غير ما كان الحد من حق الناس، كحدّ القذف، و لو اجتمعت في المخبر شرائط الشهادة يكون من الشهود، و لذا ذكر جماعة أنّه لو شهد الزوج بزنا زوجته مع ثلاثة شهود يثبت زناها، و ان كان ما ذكروه مورد تأمّل، كما يأتي في بحث الحدود إن شاء اللّه تعالى.

ثمّ إنّ المدعى به قد تجتمع فيه جهتان يكون من حق اللّه سبحانه لكونه موجبا للحد على فرض وقوعه و يكون من حق الناس، فيترتب عليه ضمان المال

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 24 من أبواب مقدمات الحدود، الحديث 2: 335.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 222

ليثبت الحدّ على القاذف و فيه إشكال إذ لا يمين في حدّ.

______________________________

مثلا فيجري على كل من الجهتين حكمها، كما إذا ادعى على الغير سرقة المال فتسمع دعواه بالإضافة إلى ضمان المال فإن أقام شاهدا واحدا و حلف على سرقته يثبت ضمانه، و مع عدم البينة و الشاهد الواحد يستحق مطالبة المدعي عليه باليمين، و إذا حلف سقطت دعواه، و إن ردّ اليمين على المدعي أو ردّها الحاكم مع نكوله و حلف المدعي ثبتت السرقة، و لكن لا يترتب على ثبوت الدعوى بشاهد و يمين أو باليمين المردودة قطع يده، لعدم الاعتبار في الحدود باليمين، و لو مع الشاهد الواحد أو كانت مردودة.

ثمّ إنّه قد ذكر الشيخ- قدّس سرّه- في المبسوط أنّه لو قذف الآخر بلا بينة بزناه بأن قال له: يا زاني، ثم ادعى عند الحاكم بأنّه قد زنى أنّه يجوز للمقذوف أن يحلف على عدم

زناه ليثبت على قاذفه حدّ القذف.

و لكن لا يخفى ما فيه، فإنّه ليس في الحدود يمين فلا يحتاج في ثبوت حد القذف عليه إلى حلف المقذوف على عدم زناه، و في معتبرة السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي- عليه السلام- «في ثلاثة شهدوا على رجل بالزنا، فقال علي- عليه السلام-:

أين الرابع؟ قالوا: الآن يجي ء. فقال علي- عليه السلام-: حدّوهم فليس في الحدود نظرة ساعة» «1»، و في صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر- عليه السلام-: «قال أمير المؤمنين- عليه السلام- لا يجلد رجل و لا امرأة حتى يشهد عليهما أربعة شهود على الإيلاج و الإخراج، و قال: لا أكون أوّل الشهود الأربعة أخشى الروعة أن ينكل بعضهم فأجلد» «2»، و ظاهرهما في كون الشهادة بالزنا مع عدم تمامها يوجب جريان حد القذف على الشاهد لا يقبل المناقشة.

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 12 من أبواب حد الزنا، الحديث 8: 372.

(2) المصدر نفسه: الحديث 11: 373.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 223

[الرابعة: منكر السرقة يتوجه عليه اليمين لإسقاط الغرم]

الرابعة: منكر السرقة يتوجه عليه اليمين لإسقاط الغرم (1) و لو نكل لزمه المال دون القطع بناء على القضاء بالنكول و هو الأظهر و إلّا حلف المدّعي و لا يثبت الحد على القولين و كذا لو أقام شاهدا و حلف.

[الخامسة: لو كان له بينة فأعرض عنها و التمس يمين المنكر]

________________________________________

تبريزى، جواد بن على، أسس القضاء و الشهادة، در يك جلد، دفتر مؤلف، قم - ايران، اول، ه ق

أسس القضاء و الشهادة؛ ص: 223

الخامسة: لو كان له بينة فأعرض عنها و التمس يمين المنكر أو قال:

أسقطت البينة و قنعت باليمين فهل له الرجوع قيل: لا (2) و فيه تردد و لعل الأقرب الجواز و كذا البحث لو أقام شاهدا فأعرض عنه و قنع بيمين المنكر.

______________________________

(1) قد ظهر ما في المسألة ممّا تقدم فلا نعيد.

(2) لو كان للمدعي بينة فأعرض عنها و التمس اليمين عن المنكر، أو قال: أسقطت البينة و قبلت باليمين، ثمّ رجع و أراد إقامة البينة فهل تسمع تلك البينة أم لا؟ فعن الشيخ- قدّس سرّه- في المبسوط و المحكي عن ابن إدريس أنّها لا تسمع، لأنّ إقامة البينة كانت من حقه و قد أسقطها كسائر الحقوق في أنّه لا يرجع فيها بعد إسقاطها. و لكن الصحيح سماعها فيما إذا كان رجوع المدعي قبل تمام اليمين من المنكر.

و الوجه في ذلك أنّ مع إقامة البينة لا تصل النوبة إلى يمين المنكر، و جواز إقامتها للمدعي حكمي لا حقّي، كما هو مقتضى قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «البينة على من ادعى و اليمين على من ادعي عليه» «1»، فيما إذا لم يقم المدّعي البينة مع ضميمة قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّما أقضي بينكم بالبينات و الأيمان»

«2»، فإنّ اقامة البينة تعم المفروض في المقام، و إنّما ترفع اليد ما إذا حلف المنكر على النفي، فإنّه لا تسمع بعد ذلك البينة لتمام ملاك القضاء قبل إقامتها على ما تقدم من أنّه إذا رضى صاحب الحق بيمين صاحبه فحلف فلا حق له.

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 3 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 170.

(2) المصدر نفسه: الباب 2 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 168.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 224

[السادسة: لو ادّعى صاحب النصاب إبداله في أثناء الحول قبل قوله بلا يمين]

السادسة: لو ادّعى صاحب النصاب إبداله في أثناء الحول قبل قوله بلا يمين (1) و كذا لو خرص عليه فادعى النقصان.

______________________________

و ممّا ذكرنا يظهر الحال فيما كان شاهد واحد بدعواه فإنّ للمدعي إثبات دعواه بشهادة الشاهد بضم يمينه، و إذا طلب الحلف عن خصمه و قبل حلفه رجع و حلف بحقّه، فمع شهادة الواحد يتم ملاك القضاء، كما عليه المشهور.

(1) لو ادعى صاحب النصاب إبداله أثناء الحول قبل قوله و لا يمين عليه، و كذا لو خرص عليه فادعى النقصان لينتقص من مقدار الزكاة لكون اعتبار الخرص في تعيين مقدار الزكاة طريقي، و الظاهر أنّ الحكم في بابي الزكاة و الخمس متسالم عليه بين الأصحاب قديما و حديثا و لا يكون قول مالك النصاب من دعوى الإبدال أو دعوى الخطاء في الخرص، بل كلّما ذكر صاحب المال عدم تعلق الزكاة أو الخمس بماله أو عيّن مقداره أو ذكر سقوطه بأدائه يقبل قوله.

و في صحيحة بريد بن معاوية قال: «سمعت أبا عبد اللّه- عليه السلام- يقول:

بعث أمير المؤمنين- عليه السلام- مصدّقا من الكوفة إلى باديتها- إلى أن قال:- قال: ثم قل لهم: يا عباد اللّه أرسلني إليكم ولي اللّه لآخذ منكم حق اللّه

في أموالكم فهل للّه في أموالكم من حق فتؤدّوه إلى وليه؟ فإن قال لك قائل: لا، فلا تراجعه» «1». و في موثقة غياث بن إبراهيم عن جعفر عن أبيه- عليهما السلام- قال: «كان عليّ- صلوات اللّه عليه- إذا بعث مصّدقه قال له: إذا أتيت على ربّ المال فقل تصدّق رحمك اللّه ممّا أعطاك اللّه فإن ولّى عنك فلا تراجعه» «2»، و لعلّ ظاهرها الاعراض عن المصّدق بالاعتذار بعدم الزكاة في ماله.

______________________________

(1) الوسائل: ج 6، الباب 14 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 1: 88.

(2) المصدر نفسه: الحديث 5: 90.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 225

..........

______________________________

و ذكر بعض الأصحاب: أنّ المراد بسماع قول صاحب المال بلا يمين في نفي الزكاة و الخمس عن ماله صورة عدم العلم بكذبه، أمّا إذا علم كذبه سواء أ كان العالم الفقير أم عامل الزكاة أو الحاكم فلا موجب لرفع اليد عمّا دلّ على الحلف على المنكر، حيث يمكن للفقير أو العامل بل الحاكم دعوى الزكاة في ماله، و إذا كان المدعي فقيرا يكون هو صاحب الحق لأنّه شريك مع المالك من حيث إنّه فرد من الطبيعي، غاية الأمر أنّ المالك ليس ملزما بالدفع إليه، بل يجوز له الدفع إلى فرد آخر و كذا العامل أو الحاكم فإنّه مطالبة الوكيل و الولي.

أقول: أمّا الفقير فلا موجب لعدّ قوله من الدعوى على الغير، بل يكون من باب الاخبار و الشهادة، و لو انضم إليه قول غيره، و كانا عدلين، لكان من البينة بكون المال متعلق الزكاة، و ذلك فإنّ الفقير ليس مالكا للزكاة، حيث إنّ الزكاة ملك الجامع بين الأصناف الثمانية، كما أنّه ليس له ولاية على الزكاة و إنّما يدخل في أحد

العناوين المقرّرة مصرفا للزكاة، نظير الفقير في إعطاء الكفارة، و لا يظن لأحد التزامه بأنّ قول الفقير بأنّ على فلان كفارة يكون من الدعوى المسموعة على الغير.

نعم إذا أحرز الحاكم بالزكاة فيما بيده أو على عهدته أو شهد العدلان عنده بذلك و أنكره ربّ المال فهل على ربّ المال الحلف على عدم الزكاة أو أدائها؟ فقد يستظهر من بعض الروايات قبول قوله، و لو مع العلم بكذبه، و كانّ لقول صاحب المال موضوعية، و في موثقة سماعة قال: «سألته عن الرجل يكون معه المال مضاربة هل عليه في ذلك المال زكاة إذا كان يتّجر به؟ فقال: ينبغي له أن يقول لصاحب المال زكّوه فإن قالوا إنا نزكّيه فليس عليه غير ذلك و إن هم أمروه بأن يزكّيه فليفعل، قلت: أ رأيت لو قالوا انا نزكيه و الرجل يعلم أنّهم لا يزكونه، فقال:

أسس القضاء و الشهادة، ص: 226

..........

______________________________

إذا هم أقروا بأنّهم يزكونه فليس عليه غير ذلك و ان هم قالوا: إنا لا نزكيه فلا ينبغي له أن يقبل ذلك المال و لا يعمل به حتى يزكوه» «1».

و لكن لا يخفى ظاهرها زكاة التجارة و لعدم كونها من الزكاة الواجبة عندنا عبّر- عليه السلام- بينبغي و لا ينبغي و انّه يسمع قولهم مع العلم بكذبهم، و طلب الحلف من ربّ المال على إخراجه الزكاة أو عدم تعلّقها لا موجب له مع الجهل بالحال، و مع العلم بها و إنكاره فإنّ مع الجهل فالسماع بلا يمين مقتضى صحيحة بريد و موثقة غياث المتقدمتين، و مع العلم بكذبه فلأنّ الحاكم له الولاية على الزكاة و أخذها من شؤونه، فإن علم بوجودها في المال أو على عهدة الغير فله

إجباره على إخراجها، و إلّا فله التصدي بذلك، و ما دلّ على أنّ اليمين على من ادعي عليه أو على المدعي مع ردّها عليه ظاهره الواقعة المرفوعة إلى الحاكم، و لا يعم الواقعة التي يكون التصدي بها للحاكم بما هو حاكم.

قال في المستند: لو علم تعلّق الزكاة بماله و عدم إخراجها كان لمن شأنه ذلك أن يكلّفه بالأداء أو يأخذ منه، و هل تقوم شهادة العدلين مقام العلم أم لا؟ صرّح في الشرائع بالأوّل و مقتضى الأصل هو الثاني.

ثمّ إنّه قد ثبتت الولاية بالإضافة إلى الزكاة و صرفها على مصارفها للنبي الأكرم و الأئمة- صلوات اللّه عليهم أجمعين- كما يفصح عن ذلك قوله سبحانه:

خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِهٰا وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلٰاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ «2»، فإنّ الأمر بالأخذ يعم صورة امتناعهم و الأخذ منهم قهرا عليهم و لا

______________________________

(1) الوسائل: ج 6، الباب 15 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 1: 50.

(2) التوبة: 103.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 227

..........

______________________________

ينافيه ما في الذيل من الصلاة عليهم، لأنّها طلب الرحمة و عدم إمساك النعمة عليهم فيناسب العاصي من الأمة أيضا.

و يظهر من الروايات الكثيرة الواردة في موارد مختلفة أنّ لرب المال أيضا الولاية على صرف زكاته على مصارفها منها ما ورد في جواز إعطائه زكاتها أقاربه من الذين لا يجب عليه نفقتهم، و منها ما ورد في جواز قضاء دين الأب عن الزكاة، و منها ما ورد في إعطاء الفقير حتى يغنيه، و ما ورد في سماع قول رب المال إلى غير ذلك و النتيجة ثبوت الولاية على الصرف لكل من رب المال و الإمام- عليه السلام.

و لو قيل بالنيابة للفقيه

أو للأعلم في زمان الغيبة فيجوز للفقيه أو الأعلم ما كان جائزا للنبي و الإمام- عليه السلام- من أخذ الزكاة من رب المال مع امتناعه و لو قهرا عليه، كما أنّه لو أمر بنقل الزكاة إليه كان أمره كأمر الإمام- عليه السلام- في وجوب الاتباع.

و أمّا لو بني على عدم النيابة، و انّ الثابت في حق الفقيه ما يدخل في الأمور الحسبية التي ذكرنا في بحث ولاية الفقيه من أهمّها تنظيم أمر البلاد و تأمين بلاد المسلمين و الدفاع عن الحوزة الإسلامية و ذكرنا أنّ مع وضع فقيه يده على الأمر الحسبي فلا يجوز للآخرين مزاحمته فلا يثبت الولاية للفقيه بالإضافة إلى الزكاة، لأنّ مع ثبوت الولاية لرب المال لا يدخل أمر الزكاة في الأمور الحسبية إلّا إذا امتنع ربّ المال عن إخراجها و كان لصرفها على مواردها ضرورة كما أنّه لو توقف حفظ نظام البلاد و الحوزة الإسلامية على أخذ الزكاة و صرفها على مواردها دخل أخذها و صرفها في ولاية الفقيه المتصدي لحفظها و ترتيب أمنها، و مع امتناع ربّ المال من أدائها يكون على الفقيه أو المأذون من قبله التصدي لأخذ الزكاة و لو بالجبر.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 228

..........

______________________________

ذكر في العروة: الأفضل بل الأحوط نقل الزكاة إلى الفقيه الجامع للشرائط في زمن الغيبة لا سيّما إذا طلبها لأنّه أعرف بمواقعها، و لكن الأقوى عدم وجوبه فيجوز للمالك مباشرة أو بالاستنابة و التوكيل تفريقها على الفقراء و صرفها في مصارفها، نعم لو طلبها الفقيه على وجه الإيجاب بأن يكون هناك ما يقتضي وجوب صرفها في مصرفها بحسب الخصوصيات الموجبة لذلك و كان مقلدا له يجب الدفع إليه، حيث إنّه تكليفه الشرعي

لا لمجرد طلبه، و إن كان أحوط، كما ذكرنا، بخلاف ما إذا طلبها الإمام- عليه السلام- في زمان الحضور، فإنّه يجب الدفع إليه بمجرّد طلبه من حيث وجوب طاعته.

أقول: التقييد بكونه مقلدا له لكون إيجابه مع عدم التقليد عنه لا يكون من التكليف الشرعي المعتبر في حق غير مقلّده، و بتعبير آخر لو كان فتوى الفقيه المزبور ان طلب الفقيه الزكاة و لو مع الموجب المزبور كطلب الإمام- عليه السلام- في وجوب الإجابة فلا يجب الاتباع على غير مقلّده.

و أمّا بالإضافة إلى الخمس فمقتضى الآية المباركة بضميمة ما ورد في تفسيرها على أنّ لرب المال أن يعطي نصفه الفقراء و المساكين و أبناء السبيل من الهاشميين و نقل النصف الآخر إلى الإمام- عليه السلام-، إلّا أنّ مقتضى الروايات الواردة في أنّ لنا الخمس و الأمر بنقله أو دفعه إلى وكلائهم عدم ثبوت الولاية لرب المال في زمان الحضور، و يكون الأمر كذلك في زمان الغيبة أيضا لو قيل بنيابة الفقيه.

و أمّا إذا قيل بعدم ثبوت نيابته فيجوز لرب المال دفع سهم السادة الأيتام و المساكين و أبناء السبيل من الهاشميين أخذا بمقتضى الآية و ما هو بمفادها، فإنّ المقدار الثابت في رفع اليد عن مقتضاها زمان الحضور، و أمّا بالإضافة إلى السهم المبارك فالتصرّف فيه من التصرّف في ملك الغير، و يكون منوطا بإحراز الرضا

أسس القضاء و الشهادة، ص: 229

و كذا لو ادعى الذمي الإسلام قبل الحول (1) أمّا لو ادعى الحربي الإنبات

______________________________

و الاذن، و لا يحصل هذا الإحراز إلّا بالرجوع إلى من يقلّده، و العمل على طبق ما يعيّنه.

و يجري في فرض امتناع ربّ المال عن إخراج الخمس ما ذكرنا في فرض

الامتناع عن إخراج الزكاة، و اللّه سبحانه هو العالم.

(1) هذا الفرع مبني على أنّ الإسلام بعد الحول لا يوجب سقوط الجزية أمّا بناء على سقوطها بإسلام الذمي سواء أ كان قبل الحول أم بعده قبل إعطاء الجزية، كما عليه المشهور و الأظهر عند الماتن- قدّس سرّه- على ما ذكره في كتاب الجهاد فلا يدخل الفرض في سماع القول.

و يشهد لذلك مع الإغماض عن النبوي الدال على أنّ الإسلام يجبّ ما قبله «1»، و الدال على أنّه ليس على المسلم جزية ظاهر الآية المباركة في أخذ الجزية حال كون المأخوذ منه صاغرا و الأخذ حال الذل لا يناسب شرف المسلم، و صحيحة زرارة قال: «قلت لأبي عبد اللّه- عليه السلام-: ما حدّ الجزية على أهل الكتاب و هل عليهم في ذلك شي ء موظّف لا ينبغي أن يجوز إلى غيره؟- إلى أن قال- عليه السلام-: فالجزية تؤخذ منهم على قدر ما يطيقون له أن يأخذهم به حتى يسلموا فإنّ اللّه عزّ و جلّ قال حَتّٰى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صٰاغِرُونَ «2»، كيف يكون صاغرا و هو يكترث لما يؤخذ منه حتى يجد ذلّا لما أخذ منه فيألم لذلك فيسلم» «3» فإنّ ظاهرها أيضا أنّ بالإسلام ينتهى أخذ الجزية بلا فرق بين حيلان الحول عليه كافرا أم لا، و ما هو المنسوب إلى الحلبي و بعض آخر من عدم كون الإسلام بعد الحول مسقطا للجزية لا يمكن المساعدة عليه.

______________________________

(1) المستدرك: الباب 61 من أبواب جهاد العدو، الحديث 34.

(2) التوبة: 29.

(3) الوسائل: ج 11، الباب 68 من أبواب جهاد العدو، الحديث 1: 113.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 230

بعلاج لا بالسن ليتخلّص عن القتل فيه تردد (1)

و لعلّ الأقرب أنّه لا يقبل إلّا مع البينة.

______________________________

و لكن بناء عليه فدعوى الذمي إسلامه قبل الحول لسماع قوله بلا موجب لعدم كون المقام من صغريات قاعدة من ملك شيئا، فرفع اليد عن الاستصحاب في ناحية كفره إلى آخر السنة بلا وجه، و لو لم نقل باشتغال العهدة بالجزية من أوّل الحول، كما لا يخفى.

و دعوى أنّ الإسلام من الحق بين العبد و ربّه و لا يعلم إلّا من قبل العبد يدفعها بأنّ الإسلام عبارة عن إظهار الشهادتين و يمكن فيه الإشهاد.

(1) إذا أسر الكافر الحربي أثناء القتال و ادعى صغره و انّ الإنبات بعانته كان بالعلاج فسماع قوله مبني على القول بأنّ الموجب للبلوغ هو الإنبات الطبيعي الحاصل بالطعن في السن لا مطلق الإنبات، و لو كان بالعلاج، إذا لو كان الموضوع للبلوغ مطلق الإنبات فلا مورد للسماع لإحراز بلوغه و لزوم قتله.

و في صحيحة الكناسي قال: «قلت لأبي جعفر- عليه السلام-: متى يجوز للأب أن يزوّج ابنته و لا يستأمرها؟- إلى أن قال:- قلت: فالغلام يجري في ذلك مجرى الجارية؟ فقال: يا أبا خالد إنّ الغلام إذا زوّجه أبوه و لم يدرك كان بالخيار إذا أدرك و بلغ خمسة عشرة سنة أو يشعر في وجهه أو ينبت في عانته قبل ذلك» «1».

و لا يبعد ظهورها في الإنبات الطبيعي، كما لا يبعد ذلك حتى في البلوغ بالاحتلام، و لا يضر بالاستدلال اشتمالها على حكم لا يعمل به، و هو ثبوت الخيار للصغير بعد بلوغها فيما إذا زوّجه أبوه في صغره إن لم يمكن تقييده بما إذا زوّجه بالصغيرة.

و المتحصل إذا فرض انصراف الإنبات إلى الطبيعي فسماع دعوى الحربي

______________________________

(1) الوسائل: ج 14، الباب 6

من أولياء العقد، الحديث 9: 209.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 231

..........

______________________________

صغره و انّ الإنبات كان بالعلاج فيما إذا احتمل صدقه لاستصحاب صغره و عدم تحقق الإنبات الطبيعي و مقتضاه دخوله فيمن لا يقتل، حتى حال قيام الحرب، كما هو ظاهر النص و الفتوى، و في صحيحة أبي حمزة الثمالي أو محمّد بن حمران و جميل معا عن أبي عبد اللّه- عليه السلام- قال: «كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إذا أراد أن يبعث سرية- إلى أن قال:- و لا تغلوا و لا تمثلوا و لا تغدروا و لا تقتلوا شيخا فانيا و لا صبيا و لا امرأة و لا تقطعوا شجرا إلّا أن تضطروا إليها» «1»، و نحوها غيرها.

و على ذلك فلا موضوعية لدعوى الحربي، بل كل من احتمل صغره لا يجوز قتله فدعواه الإنبات بالعلاج موجبة لانقداح احتمال صغره.

و ربّما يقال بسماع دعوى البلوغ بالاحتلام فإنّ الاحتلام ممّا لا يعلم إلّا من قبل الشخص فيقبل قوله فيه، و يورد عليه بأنّ سماع قوله دوري لأنّ سماع القول موقوف على إحراز البلوغ فإنّ الصبي لا يعتبر قوله و لو توقف البلوغ يعني إحرازه على سماع قوله لدار.

و لكن لا يخفى أنّ البلوغ حتى بالاحتلام يمكن إحرازه بغير قوله، و معه لا موجب لرفع اليد عن الاستصحاب في صغره فيحكم عليه بعدم جواز قتله أو سائر ما يترتب على الصغر من عدم صحّة عقده و إيقاعه إلى غير ذلك.

ثمّ إنّه قد حكى في الجواهر عن غاية المراد و المسالك موارد تلحق بسماع الدعوى فيها، كما إذا ادعى بنوة صغير و لا منازع له، و يمكن استظهار القبول فيه من صحيحة عبد

الرحمن بن الحجاج قال: «سألت أبا عبد اللّه- عليه السلام- عن الحميل فقال: و أي شي ء الحميل؟ قلت: المرأة تسبى من أهلها و معها الولد

______________________________

(1) الوسائل: ج 11، الباب 15 من أبواب جهاد العدو، الحديث 2: 43.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 232

..........

______________________________

الصغير فتقول: هو ابني، و الرجل يسبى فيلقى أخاه فيقول: هو أخي و ليس لهم بينة إلّا قولهم؟ قال فقال: ما يقول الناس فيهم عندكم؟ قلت: لا يورّثونهم لأنّه لم يكن على ولادتهم بينة و إنّما هي ولادة الشرك، فقال: سبحان اللّه إذا جاءت بابنها أو بابنتها و لم تزل مقرة به- الحديث» «1».

و منها: مدعي أنّه من أهل الكتاب لتؤخذ منه الجزية، و ربّما يستدل على ذلك ما عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في بعض الروايات المعتبرة من أمره السرايا بقبول الجزية من باذليها «2»، مع أنّه لا يعلم في الغالب أنّ الباذلين من أهل الكتاب إلّا بإقرارهم، و ربّما يذكر أيضا أنّ الدين أمر قلبي لا يعرف إلّا من قبل صاحبه و لكن قد تقدم ما فيه و يؤيد السماع ما ورد في بعض الروايات من سؤال علي- عليه السلام- ما أخذوا على الإفطار في شهر رمضان عن دينهم.

و منها: مدعي تقدم الإسلام على الزنا بالمسلمة حذرا من القتل، و لعلّه لدرء الحد بالشبهة و جريان الحد جلدا لاعترافه باستحقاقه.

و منها: مدعي فعل الصلاة و الصيام خوفا من التعزير، و لعلّه لأنّ التعزير كالحدّ يرتفع بالشبهة.

و منها: مدعي إيقاع العمل المستأجر عليه إذا كان من الأعمال المشروطة بالنية كالحج و الصلاة، و فيه أنّ المدعى فيما إذا كان ثقة فوقوع العمل منه يحرز بقوله، و أمّا

صحته فيكفي في إحرازها أصالة الصحة، أمّا إذا لم يكن ثقة فمجرّد كون النية أمرا قلبيا لا يكفي في إحراز الوقوع و إحراز براءة ذمة الميت.

و منها: دعوى الولي إخراج ما كلّف به من نفقة و غيرها و الوكيل بفعل ما

______________________________

(1) الكافي 7: 165.

(2) سنن البيهقي 9: 184.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 233

..........

______________________________

وكّل فيه، و لا يبعد سماع قولهما مع عدم الإنكار عليهما من المولى عليه و الموكّل، و إلّا فيحتاج إلى الإثبات.

و منها: دعوى مالك الدار لو نازعه المستعير و المستأجر في ملكية الكنز على قول مشهور، و هذه أيضا لا توجب سماع دعواها بلا يمين. غاية الأمر بما أنّ يد المالك أقوى من يد المستعير، و المستأجر بحسب المالك منكرا في الواقعة لموافقة قوله مع مقتضى قاعدة اليد.

و منها: دعوى أنّ إحراز الطعام للقوت، و الوجه في سماعها أنّ الموضوع للإكراه على البيع حبس الطعام زمان ضرورة الناس تربصا للغلاء، و مقتضى الأصل عدم حصول الموضوع لجواز الإكراه عليه.

و منها: قول المدعي مع نكول المنكر على القول بالقضاء به، و لكن قد تقدم أنّ نكول المنكر ليس من ملاك القضاء، بل يرد اليمين معه على المدعى، فإن حلف فهو، و إلّا سقطت دعواه.

و منها: مدعي الغلط في إعطاء الزائد عن الحق لا التبرع و السماع لأنّه مقتضى الاستصحاب في عدم تمليك الزائد و لا يعارضه الاستصحاب في عدم الخطاء فإنّه لا يثبت التعمد بالتبرع.

و منها: دعوى المحلّلة الإصابة ليلزم على مالكها الاستبراء، و هذا يدخل في دعوى المرأة أنّها في العدة.

و منها: دعوى المرأة أنّها في الحيض أو الطهر أو في العدة أو أنّها خلية و في صحيحة زرارة عن أبي

جعفر- عليه السلام- قال: «العدة و الحيض للنساء إذا ادعت صدقت» «1»، و نحوها غيرها، و ربّما يظهر من معتبرة السكوني أنّ ذلك ما لم تكن

______________________________

(1) الوسائل: ج 15، الباب 24 من أبواب العدد، الحديث 1: 441.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 234

..........

______________________________

متّهمة «1»، و يلحق بما ذكر دعوى المرأة عدم الزوج كما في صحيحة ميسر.

و منها: دعوى الضئر أنّه الولد، و في صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه- عليه السلام- «في رجل استأجر ضئرا فغابت بولده سنين ثم إنّها جائت به فأنكرته أمّه و زعم أهلها أنّهم لا يعرفونه؟ قال: ليس عليها شي ء الضئر مأمونة» «2»، و يلحق بذلك دعوى ملك المال بلا منازع في غير اللقطة لخبر الكيس.

و منها: ما إذا ادّعى انّ ما بيد زيد ماله قد سرقه منه و قال زيد أنّه كان ماله، و لكنه وهبه له لا أنّه سرقه. فإنّه قد تقدم عدم قطع يد مدعي الهبة لعدم ثبوت السرقة لا لسماع قوله نعم يجوز لمدعي السرقة أخذ المال المزبور و لو كان من بيده المال من ذوي الأرحام لعدم ثبوت الهبة أيضا، و ممّا ذكر يظهر الحال في منكر موجب الرجم أو مدعي الإكراه فيه أو الجهالة مع احتمالهما في حقّه و كذا في مدعي الضرورة في الكون مع الأجنبي مجردين و منكر القذف مع عدم البينة لمدعي القذف.

و منها: مدعي ردّ الوديعة في المشهور، و لكن قد ذكرنا في بحث الوديعة انّه يسمع قول الودعي في صورة التلف في عدم الخيانة، كما في سائر حالات كون مال الغير بيد الشخص بنحو الأمانة، أمّا رد الواجب عليه فعليه إثباته كغيره.

و منها: مدعي تقدم العيب مع

شهادة الحال، و وجهه أنّ مع شهادة الحال بنحو ظهوره يقدم قول المشتري لإحراز صدقه.

و قد تقدم من جميع ما ذكرنا أنّه لا يستفاد من الموارد الكلية لا قاعدة قبول الشخص في نفي موجب الحد و التعزير أو قبول ما كان قوله اخبارا بينه و بين ربّه أو لا يعلم إلّا من قبله و لم يكن فيه ضرر على الغير.

______________________________

(1) الوسائل: ج 1، الباب 47 من أبواب الحيض.

(2) المصدر نفسه: ج 15، الباب 80 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث 1: 189.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 235

[السابعة: لو مات و لا وارث له و ظهر له شاهد بدين]

السابعة: لو مات و لا وارث له و ظهر له شاهد بدين (1) قيل يحبس حتى يحلف أو يقرّ لتعذر اليمين في طرف المشهود، له و كذا لو ادعى الوصي أنّ الميت

______________________________

(1) إذا مات شخص لا وارث له بأن يكون تركته على تقديرها للإمام أو المسلمين و شهد واحد بالدين له على حي و أنكر الدين ذلك الحيّ قال الشيخ في محكي المبسوط أنّه يحبس المنكر حتى يحلف على برائته أو يقرّ بالدين، و ذلك لعدم إمكان ان يردّ الحاكم مع نكوله اليمين إلى المشهود له، فإنّ المشهود له ميّت و لا يمكن أيضا ردّها على الإمام- عليه السلام- أو على المسلمين.

و يجري مثل ذلك يعني حبس المنكر إلى أن يحلف على النفي أو يعترف فيما إذا ادعى وصي الميّت على ورثته أنّه أوصى بكذا للفقراء و أنكر الورثة الوصية فإنّ الورثة يحبسون إلى أن يحلفوا على نفي الوصية أو يعترفوا بها، و ذلك فإنّ ردّ الحاكم مع نكول الورثة على الوصي غير ممكن لعدم جواز أن يحلف الوصي عن الميت.

و قد أورد الماتن- قدّس سرّه- على ما

ذكره في المبسوط بأنّ السجن عقوبة لم يثبت موجبها، و ذكر في الجواهر في ذيل ذلك أنّه قد ثبت موجب العقوبة، فإنّ الدعوى المسموعة تقتضي من المنكر اليمين أو أداء الدين، و بما أنّه لم يأت بما هو مقتضاه فيستحق الحبس.

أقول: ما ذكر في الفرعين مبني على ردّ اليمين مع نكول المنكر عن بذله على المدّعي و إلّا فاللازم الحكم بثبوت الدين للميت على الحي و الحكم بثبوت الوصية للفقراء بمجرّد نكول الحي أو الورثة عن اليمين.

و قد ذكر بعضهم أنّه و إن لا يحكم بثبوت الدعوى بمجرّد نكول المنكر في سائر الموارد، لكن مجرّد نكوله عن اليمين في مثل الفرعين ممّا لا يمكن ردّها على المدعي كاف في الحكم بثبوتها.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 236

أوصى للفقراء و شهد واحد و أنكر الوارث و في الموضعين إشكال لأنّ السجن عقوبة لم يثبت موجبها.

______________________________

كما أنّه ذكر بعض آخر أنّه ليس في مثل الفرعين توجه اليمين على المنكر، فإنّه إنّما يتوجه اليمين عليه فيما إذا أمكن له ردّها على المدعي، و في مثل هذين الموردين يوقف الدعوى إلى أن يوجد بينة بها.

و لكن ضعف كل من القولين ظاهر، لأنّ ما ورد في أنّه يرد اليمين على المدعي ظاهره عدم جواز القضاء بمجرّد نكول المنكر عن اليمين، كما أنّه قد تقدم عدم اختصاص توجّه اليمين على المنكر بموارد جواز ردّه على المدعي و موارد عدم جوازه مع موارد جوازه سيّان.

و الصحيح في المقام أنّ ردّ الحاكم على الوصي اليمين مع نكول الورثة المنكرين متعين و إذا حلف بها ثبتت الوصية، و دعوى أنّ المدعي إنّما يحلف على فعل نفسه لا يمكن المساعدة عليها، لما تقدم من جواز

الحلف على البت و القطع مع العلم، سواء أ كان المحلوف عليه فعله أم فعل غيره، كما هو الحال في حلف الولي و الوكيل، بل لا حاجة مع فرض شهادة عدل آخر إلى مسألة رد اليمين، فإنّ شهادة الواحد مع يمين المدعي تثبت دعوى المال.

و أمّا مسألة دعوى الدين لميت لا وارث له فهي راجعة إلى نفس الحاكم فإن تصدى لأمر تركته من شؤونه فإن أحرز بوجه معتبر أنّ الحي مديون للميت المزبور أخذ المال منه بلا حاجة إلى القضاء و إن لم يحرز ذلك، كما هو فرض شهادة واحد أو وجدانه مكتوبا في مذكراته، فيما إذا احتمل أنّ ضبطه كان بلا موجب فمقتضى أصالة براءة ذمة الحي الجارية عند الحاكم المتصدي لأمر مال الإمام- عليه السلام- عدم أخذ الحي المزبور بشي ء، و اللّه سبحانه هو العالم.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 237

[الثامنة: لو مات و عليه دين يحيط بالتركة لم ينتقل إلى الوارث]

الثامنة: لو مات و عليه دين يحيط بالتركة لم ينتقل إلى الوارث و كانت بحكم مال الميت و إن لم يحط انتقل إليه ما فضل عن الدين، و في الحالين للوارث المحاكمة على من يدعيه لمورثه (1) لأنّه قائم مقامه.

______________________________

(1) لو كان للميت دين يحيط بتركته لم تنتقل التركة إلى الوارث، بل تبقي على ملك الميت و عدم انتقالها إلى الورثة لأنّ الإرث بعد الدين، و أمّا عدم انتقالها إلى الدائن فإنّ الدائن يملك على ذمة الميت فتبقى التركة على ملك الميت ليوفي بها دينه.

و يترتب على ذلك أنّه لو حصل للتركة نماء بعد ذلك و قبل صرفها على دينه يكون ذلك النماء أيضا ملكا للميت، فتصرف على دينه، فيما كان دينه أكثر من تركته، بخلاف ما إذا قيل بانتقال التركة إلى

الوارث، و لو مع الدين المستوعب، فإنّه يكون النماء المتجدد ملك الورثة، و لا يصرف على دينه، و كذا الحال فيما زادت التركة عن دين الميت فإنّه لا ينتقل مقدار الدين إلى الوارث، و هذا هو القول الأظهر في المسألة، و القول الآخر أنّ التركة تنتقل إلى الورثة بزعم أنّ المال لا يبقى بلا مالك و الميت لا يملك.

و على الأوّل من القولين ففي الحالين أي ما إذا كان الدين مستوعبا للتركة أو كانت التركة أزيد لو لم يكن للميت تركة إلّا على ذمة زيد و كان على الميت دين لعمرو فأنكر زيد الدين عليه للميت فهل طرف المخاصمة مع زيد هو الوارث أو عمرو؟

ذكر الماتن- قدّس سرّه- أنّ طرف المخاصمة مع زيد هو الوارث لا عمرو لأنّ الوارث يقوم مقام الميّت فلو كان للدين على زيد شاهد واحد يحلف الوارث مع ذلك الشاهد، و يثبت الدين على زيد لثبوت الدعوى المالي بشاهد واحد

أسس القضاء و الشهادة، ص: 238

..........

______________________________

و يمين المدعي، و أمّا عمرو فليس طرف المخاصمة، لأنّه ما على ذمة زيد ليس بملكه و ان تعلّق به حقّه، فإنّ المفروض بقاء التركة في المفروض بتمامها أو بمقدار الدين على ملك الميت.

نعم ذكر في القواعد أنّه لو امتنع الوارث عن المرافعة يجوز للدائن يعني عمرو في الفرض المحاكمة مع زيد، و لكن لا يجوز له الحلف مع الشاهد الواحد أو باليمين المردودة، بل يجوز له إحلاف زيد على عدم اشتغال ذمته للميت. فلو حلف زيد على عدم الدين للميت تسقط دعوى زيد لا دعوى الوارث، فيمكن للوارث بعد ذلك إثبات الدين على زيد بشهادة واحد و يمينه أو باليمين المردودة.

و إذا أخذ الوارث

الدين لمورثه من زيد كان لعمرو مطالبة الوارث بالدين على مورثه لبقاء المال على ملك المورث و لزوم صرفه في أداء دينه، و هل يجوز لعمرو مطالبة زيد بالمال قبل أخذ الوارث؟ فيه اشكال.

و ذكر في الجواهر في وجه الاشكال توهم سقوط الدين عن زيد بإحلاف عمرو قبل ذلك، و أجاب عنه بأنّ الساقط بالإحلاف حق الدعوى على زيد لا المطالبة بالمال الثابت على عهدة زيد بإثبات الوارث، و لذا لا فرق في جواز مطالبته بين أخذ الوارث و عدمه.

و لكن ناقش- قدّس سرّه- في جواز مطالبة عمرو زيدا أو الوارث بأنّ اليمين على الإبراء من زيد قد فوتت التركة بالإضافة إلى عمرو و أنّ الميت ليس له تركة بالإضافة إليه ليطالبها وفاء للدين، و إن كان له تركة بالإضافة إلى الوارث، و ناقش أيضا في حلف الوارث مع الشاهد الواحد أو باليمين المردودة بأنّ يمينه عن الغير، حيث إنّ المال لم ينتقل في الفرض إلى ملكه و انتقاله إليه بإبراء الدائنين

أسس القضاء و الشهادة، ص: 239

..........

______________________________

الميت لا يوجب كون حلفه بالفعل عن نفسه، و لو كان الانتقال التقديري موجبا لكون حلفه عن نفسه لجاز حلف عمرو أيضا، لكون ما على ذمة زيد ملكه على تقدير وفاء دين الميت به- انتهى.

أقول: إذا كان على الميت دين يحيط بتركته و كانت تركته منحصرة بماله على عهدة الآخر فليس للدائن مطالبة الورثة بالوفاء، لأنّ ما على عهدة الآخر ملك للميت يتعين الدين على الميت فيه، و ليس للوارث شأن فيه، و لذا ليس للوارث مخاصمة المديون للميت في الفرض، و انتقاله إلى الوارث على تقدير إبراء الميت عمّا على عهدته لا يصحح طرح الدعوى قبل

الإبراء.

نعم إذا كان الوارث وصيا للميت في استيفاء ماله و أداء ما عليه يجوز له مخاصمة المدين للميت، و هذا خارج عن الفرض، كما أنّه يخرج عنه ما إذا أخذ الوارث الوكالة عن الدائن في طرح الدعوى على المدين للميت، و على الجملة فللدائن مطالبة المدين للميت و مخاصمته، و كذا الحال فيما كان ما للميت على ذمة الآخر أكثر من الدين، و لكن ذكر الوارث بأنّه لا يدري أنّ لمورثه مال بذمة الآخر.

نعم إذا اعترف الوارث بأنّ للمورث على عهدة الآخر أكثر من الدين عليه، أو كان بيد الوارث تركة أخرى فطرف المخاصمة مع المدين للميت هو الوارث، حيث إنّ الدائن لا يستحق عن التركة إلّا الدين له بنحو الكلي في المعين فللوارث أداء ذلك الكلي و تعيينه في كل من أبعاض التركة.

نعم إذا امتنع الوارث عن المخاصمة مع مدين الميت فيجوز للدائن مطالبته بوفاء ما عليه من الدين للميت، لأنّ امتناع الورثة عن المحاكمة إسقاط لحقه في تعيين الدين على الميت في أبعاض تركته.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 240

[البحث الثالث: في اليمين مع الشاهد]
اشارة

البحث الثالث: في اليمين مع الشاهد.

يقضي بالشاهد و اليمين في الجملة (1) استنادا إلى قضاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قضاء علي- عليه السلام- بعده.

______________________________

(1) لا خلاف عندنا في ثبوت الدعوى بشهادة عدل واحد و يمين المدعي في الجملة، و على ذلك اتفاق الأصحاب قديما و حديثا، و بذلك نطقت الروايات و انّه قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بهما و علي- عليه السلام-، و المشهور على أنّ الثابت بهما دعوى المال عينا أو دينا، و كذا كل دعوى يكون المقصود بها المال، كدعوى

البيع و الإجارة و الهبة إلى غير ذلك، و لكن عن جماعة كالشيخ في النهاية و الاستبصار و ابني زهرة و البراج اختصاص الثبوت بدعوى الدين، و عن السبزواري ثبوت حقوق الناس بهما مطلقا، و لو لم تكن من دعوى المال أو المقصود منها المال كالطلاق و العتاق و النسب و الوصية إليه إلى غير ذلك، حيث مال إلى ذلك في آخر كلامه و استثنى المورد الذي تم فيه الإجماع على عدم قبول شهادة الواحد مع اليمين.

و الروايات الواردة في المقام على طائفتين:

الأولى: ما يظهر منها الاختصاص بالدين أو أنّ الثبوت بهما في الدين، و في موثقة أبي بصير قال: «سألت أبا عبد اللّه- عليه السلام- عن الرجل يكون له عند الرجل الحق و له شاهد واحد؟ قال: فقال كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقضي بشاهد واحد و يمين صاحب الحق و ذلك في الدين» «1»، و في صحيحة حماد بن عثمان قال:

«سمعت أبا عبد اللّه- عليه السلام- يقول: كان علي- عليه السلام- يجيز في الدين شهادة رجل و يمين المدعي» «2»، و في صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه- عليه السلام-

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 14 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 193.

(2) الوسائل: ج 18، الباب 14 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 11: 193.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 241

..........

______________________________

قال: «كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يجيز في الدين شهادة رجل واحد و يمين صاحب الدين و لم يجز في الهلال إلّا شاهدي عدل» «1»، إلى غير ذلك.

الثانية: ما يظهر منه ثبوت حقوق الناس بهما، كصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر-

عليه السلام- قال: «لو كان الأمر إلينا أجزنا شهادة الرجل الواحد إذا علم منه خير مع يمين الخصم في حقوق الناس، فأمّا ما كان من حقوق اللّه عزّ و جلّ أو رؤية الهلال فلا» «2».

و معتبرة منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه- عليه السلام- قال: «كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقضي بشاهد واحد مع يمين صاحب الحق» «3» بناء على عدم ارادة الدين من الحق.

و لو لم يكن في البين صحيحة محمد بن مسلم كالصريحة في الإطلاق يتعين الجمع بين الطائفتين بحمل الإطلاق في الطائفة الثانية على القيد في الطائفة الأولى، و لكن معها لا يمكن ذلك، بل يتعين أن تحمل الأولى على أنّ قضاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قد وقع بشاهد و يمين في الدين لا أنّ ثبوت الدعوى بهما يختص بالدين، كما يحمل على ذلك ما ورد في معتبرة داود بن الحصين «4» و غيرها ممّا يلحق بالطائفة الأولى.

لا يقال: مع الإغماض عن صحيحة محمد بن مسلم أيضا لا يمكن الاختصاص، لأنّ اعتراض علي- عليه السلام- على قضاء شريح في قضية درع طلحة

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 14، من أبواب كيفية الحكم، الحديث 5: 195.

(2) المصدر نفسه: الحديث 12: 196.

(3) المصدر نفسه: الحديث 2: 193.

(4) المصدر نفسه: الباب 24 من أبواب كيفية الشهادات، الحديث 35: 265.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 242

..........

______________________________

شاهد لثبوت دعوى العين بشاهد و يمين، حيث ذكر سلام اللّه عليه فيها: «ثم أتيتك بالحسن فشهد فقلت: هذا واحد و لا أقضي بشهادة واحد حتى يكون معه آخر و قد قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و

سلّم بشهادة واحد و يمين» «1».

فإنّه يقال: لم تكن دعوى علي- عليه السلام- درع طلحة من موارد المحاكمة، كما ذكرنا سابقا، و يشير إلى ذلك ما في ذيل الحديث: «ويلك- أو ويحك- أنّ إمام المسلمين يؤمن من أمورهم على ما هو أعظم من ذلك»، و اعتراضه- عليه السلام- كان مبنيا على عدم جعل شريح شهادة الواحد مع يمين المدعي ميزان القضاء و لو في دعوى الدين، كما يظهر ذلك من استشهاده- عليه السلام- بقضاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

نعم يمكن أن يقال: إنّ في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج دلالة أو إشارة إلى عدم اختصاص الثبوت بدعوى الدين أو المال و هو أنّه- عليه السلام- قد ذكر في ردّ الحكم بن عتيبة و سلمة بن كهيل قول اللّه وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ «2» هو أن لا تقبلوا شهادة واحد مع اليمين «3»، و حاصل جوابه- عليه السلام- أنّ اللّه قد أمر بأخذ شاهدين عدلين في تحمل الشهادة بالطلاق أو النكاح لا في مقام أدائها و يمكن أن يتعيّن في مقام التحمل تحمل الشاهدين و لا يعتبر في مقام الأداء لاحتمال أن يكون حكمة التعدد في التحمل لأجل أنّه لو نسي أحدهما الشهادة يكون الآخر على ذكر منها، و على ذلك فلو كان اعتبار شهادة الواحد مع يمين المدعي مختصا بالدين لكان الأنسب أن يذكر- عليه السلام- في الردّ عليهما بأنّ الآية ناظرة إلى الطلاق أو النكاح و اعتبار شهادة الواحد و اليمين يختص بالدين.

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 14 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 6: 194.

(2) الطلاق: 2.

(3) الوسائل: ج 18، الباب 14 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 6: 194.

أسس

القضاء و الشهادة، ص: 243

..........

______________________________

لا يقال: آية التداين بقرينة ما فيها من ذكر وجه اعتبار المرأتين مع الرجل من قوله سبحانه أَنْ تَضِلَّ إِحْدٰاهُمٰا فَتُذَكِّرَ إِحْدٰاهُمَا الْأُخْرىٰ «1» ظاهرها عدم اعتبار شهادة الواحد و يمين المدعي في الدين أيضا.

فإنّه يقال: لا دلالة في الآية المباركة أيضا على عدم سماع شهادة الواحد مع يمين المدعي إذا لم يمكن في مقام الأداء شهادة رجل و امرأتين، بل على تقدير الإغماض فالظهور إطلاقي يرفع اليد عنه بما ورد في قضاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بهما، كما يدل عليه ما ورد في معتبرة داود بن الحصين «2» و غيرها ممّا تقدم.

و الحاصل: مقتضى الجمع بين الطائفتين الالتزام بثبوت الدعوى في حقوق الناس كافة بشهادة الواحد و يمين المدعي، إلّا إذا تم في مورد الإجماع على خلافه، كما ذكره في الجواهر أيضا. فما عن المشهور من اختصاص السماع بدعوى المال لا يخلو عن المناقشة، فإنّه إن كان مرادهم المقصود من الدعوى هو المال فيدخل فيها جملة من الحقوق غير المالية كدعوى الوكالة فيما كان غرض المدعي المطالبة بالأجرة، و كذا دعوى الوصاية فيما كان غرض المدعي الأكل بالمعروف، و دعوى النسب فيما كان الغرض من دعواها الإرث أو النفقة إلى غير ذلك.

و إن كان مرادهم أن يكون المدعى به في نفسه مالا فلا وجه في خلافهم و ترددهم في ثبوت النكاح، و دعوى الوقف بهما. ثمّ إنّ الظاهر من حقوق الناس مقابل حقوق اللّه التي يدخل فيها الحدود و مع التردد في مورد أنّه من حقوق الناس أو حقوق اللّه يرجع فيه إلى الأصل و مقتضاه عدم اعتبار شهادة الواحد، و يمين

______________________________

(1) البقرة:

282.

(2) الوسائل: ج 18، الباب 24 من أبواب الشهادات، الحديث 35: 265.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 244

و يشترط شهادة الشاهد أوّلا و ثبوت عدالته ثم اليمين (1) و لو بدأ باليمين

______________________________

المدعي بينة، لو لم نقل بظهور البينة في خصوص شهادة العدلين من مثل قولهم- عليهم السلام-: «البينة على المدعي و اليمين على من أنكر» «1»، و إن قولهم: و اليمين على من أنكر ظاهره عدم اعتبار يمين المدعي في القضاء.

(1) المنسوب إلى المشهور بل نفي الخلاف في أنّه يعتبر في ثبوت الدعوى بشاهد و يمين وقوع اليمين بعد شهادة الشاهد و ثبوت عدالته، فإنه و إن لا يعتبر الترتيب بين شهادة الشاهد و ثبوت عدالته إلّا أنّه يعتبر وقوع اليمين بعدهما، فلو حلف المدعي أوّلا وقع لغوا، فعليه اعادة اليمين بعدهما، و نسب في كشف اللثام الاعتبار إلى قطع الأصحاب.

و يستدلّ على ذلك بوجوه بعضها استحسانية، كالمذكور في المسالك بأنّ وظيفة المدعي إثبات مدّعاه بالبينة و لو بدأ بشهادة الواحد تنقص البينة و يكون لها تكميلها باليمين للنص، بخلاف ما إذا عكس الأمر فإنّ الحلف ليس من البدء بما هو وظيفة المدعي فلا يعتبر، و فيه انّ النص قد دلّ على ثبوت الدعوى بشاهد و يمين و لم يعتبر فيه تقديم الشهادة فتكون وظيفة المدعي إقامة البينة و مع عدمها الشاهد و اليمين، نظير ما ورد من أنّ على المدعي في دعواه المال شهادة رجلين أو شهادة رجل و امرأتين، حيث لا تدل على وقوع شهادة الرجل قبل شهادة المرأتين.

و ذكر في كشف اللثام أنّ اليمين تكون حجة المدعي إذا قوي جانبه، و مع حصول شهادة العدل الواحد أوّلا يقوى جانبه فتعتبر اليمين منه

دون العكس، كما أنّ اليمين تثبت بها الدعوى بمجرّدها إذا قوي جانبه بنكول المنكر. و فيه أنّ ما

______________________________

(1) المستدرك: ج 17، الباب 3 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 4: 368.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 245

وقعت لاغية و افتقر إلى إعادتها بعد الإقامة.

______________________________

ذكر مجرّد دعوى لم يشهد بها شي ء من الروايات.

نعم قد يذكر أنّه قد ورد في الروايات ذكر الشاهد قبل ذكر اليمين، فتكون ظاهرة في اعتبار وقوع الشهادة قبل اليمين. و فيه أنّ الوارد في جملة منها عطف يمين المدعي على شهادة رجل واحد بالواو العاطفة أو بلفظ مع و لا دلالة لهما على الترتيب بل في رواية عباد بن صهيب عن أبيه عن الصادق عن آبائه: «أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قضى باليمين مع الشاهد الواحد» «1»، و رواية العباس بن هلال عن أبي الحسن الرضا- عليه السلام- قال: «انّ جعفر بن محمد- عليهما السلام- قال له أبو حنيفة:

كيف تقضون باليمين مع الشاهد الواحد» «2».

و قد يذكر في وجه تقديم شهادة الواحد أنّه لا إطلاق في روايات الباب، فإنّها واردة في مقام نفي حصر ثبوت الدعوى بالبينة، و إنّه يكفي في القضاء في الدين أو الحق المالي شهادة الواحد و يمين المدعي، و لذا لم يذكر فيها تمام ما يعتبر في ثبوت الدعوى بهما، و إنّ الثبوت فيما إذا لم يتمكن المدعي من اقامة البينة.

و فيه: أنّه لا قرينة في البين على كون تمام الروايات مهملة، مع أنّ الأصل في كل خطاب كون المتكلم به في مقام البيان من جهة قيود الموضوع و الحكم، و في صحيحة أحمد بن محمد ابن أبي نصر البزنطي قال: «سمعت الرضا-

عليه السلام- يقول: قال أبو حنيفة لأبي عبد اللّه- عليه السلام- تجيزون شهادة واحد و يمين؟ قال:

نعم قضى به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قضى به علي- عليه السلام- بين أظهركم» «3».

فإنّه و إن كان لدعوى الإهمال فيها مجال، و لكن لا مجال لدعواه في مثل صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه- عليه السلام- قال: «كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 14 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 15: 196.

(2) الوسائل: ج 18، الباب 14 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 13: 196.

(3) الوسائل: ج 18، الباب 14 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 17: 196.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 246

و يثبت الحكم بذلك في الأموال (1): كالدين و القرض و الغصب، و في

______________________________

يقضي بشاهد واحد مع يمين صاحب الحق» «1»، و معتبرة داود بن الحصين عن أبي عبد اللّه- عليه السلام- قال: سألته عن شهادة النساء في النكاح بلا رجل معهنّ- إلى أن قال:- فقلت: أنّى ذكر اللّه تعالى قوله فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتٰانِ «2»، فقال: ذلك في الدين إذا لم يكن رجلان فرجل و امرأتان و رجل واحد و يمين المدعي إذا لم يكن امرأتان، قضى به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أمير المؤمنين- عليه السلام- بعده عندكم» «3».

و على الجملة: التأمّل في اعتبار تقديم الشهادة بل منع اعتباره، كما عن صاحب المستند هو الأظهر، و ليس المراد من يمين المدعي اليمين على صدق الشاهد فيما شهد حتى لا يكون للحلف موضوع قبل الشهادة، بل المراد اليمين على أنّه حقه ثابت، و في صحيحة الحلبي

عن أبي عبد اللّه- عليه السلام-: «أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أجاز شهادة النساء مع يمين الطالب يحلف باللّه أنّ حقّه لحق» «4»، و ظاهر الحلف على ثبوت حقه لا الحلف على صدق الشاهد فيما وقع منه من الشهادة.

نعم في المقام كلام، و هو أنّ يمين المدعي تقوم مقام الشاهد الآخر، بحيث تكون اليمين أحد جزئي المثبت للحق، أو أنّ مثبتة شهادة الشاهد و يمين المدعي شرط في شهادته و يتفرع على الأوّل أنّ الشاهد إذا رجع عن شهادته بعد القضاء بها يغرم نصف المال، و على الثاني أنّه يغرم تمام المال، لكن ظاهر الروايات كون اليمين أحد جزءي المثبت للحق، خصوصا بملاحظة معتبرة داود بن الحصين، حيث إنّ ظاهرها قيام اليمين مقام شهادة المرأتين القائمة شهادتهما مقام شهادة عدل آخر من البينة.

(1) ظاهر كلام الماتن- قدّس سرّه- أنّه يثبت بشهادة عدل واحد و يمين

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 14 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2: 193.

(2) البقرة: 282.

(3) الوسائل: ج 18، الباب 24 من أبواب الشهادات، الحديث 35: 265.

(4) المصدر نفسه: الباب 15 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 3: 198.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 247

المعاوضات: كالبيع و الصرف و الصلح و الإجارة و القراض و الهبة و الوصية له، و الجناية الموجبة للدية: كالخطاء و عمد الخطاء و قتل الوالد ولده و الحر العبد و كسر

______________________________

المدعي ما إذا كان نفس المدعى به مالا أو أمرا يكون المقصود بذلك الأمر عند الناس دعوى تملك المال عينا أو دينا أو منفعة، كدعوى البيع، و الوصية له، و الهبة، و القرض، و الغصب في مال تالف أو غيره، و الجناية

الموجبة للدية، و الأرش، و دعوى الإجارة، و غيرها ممّا يعبر عنها بالحقوق المالية.

و أنّه لا يثبت بهما ما يكون المدعى به أمرا لا يكون المقصود بذلك الأمر عند الناس المال و ان ترتب عليه تملك المال، كما في دعوى الخلع و الطلاق و الرجعة و التدبير و الكتابة و النسب و الوصية إليه و عيوب النساء و قد تقدم أنّ هذا القول هو المنسوب إلى المشهور، و في مقابل ذلك اختصاص الثابت بشهادة الواحد و يمين المدعي بموارد دعوى الدين و عموم الثبوت بهما ما لم يكن من حدود اللّه سبحانه و أن يطلق عليه حق الناس، كدعوى القذف، أو كان مثل رؤية الهلال ممّا لا يكون فيها دعوى حق على الغير، أو كان فيها هذه الدعوى، و لكن قام دليل خاص أو إجماع على عدم اعتبار شاهد و يمين فيها.

و ذكر صاحب الجواهر- قدّس سرّه- أنّ كل مورد تشرع فيه ردّ يمين المنكر على المدعي تثبت الدعوى فيه بشهادة الواحد و يمين المدعي، حيث إنّ الظاهر كون هذه اليمين يمين المنكر قد صارت إلى المدعي الذي له شاهد واحد، و على ذلك فالأمر في المسألة دائر بين القولين الاختصاص بالدين أو التعميم لكل حق.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 248

العظام و الجائفة و المأمومة، و ضابطه كل ما كان مالا أو المقصود منه مالا، و في النكاح تردد أمّا الخلع و الطلاق و الرجعة و العتق و التدبير و الكتابة و النسب و الوكالة و الوصية إليه و عيوب النساء فلا، و في الوقف إشكال منشأه النظر إلى من ينتقل إليه و الأشبه القبول لانتقاله إلى الموقوف عليهم.

______________________________

أقول: لم يظهر أنّ يمين المدعي

مع شهادة الواحد دائر مدار جواز ردّ اليمين، و قد تقدم أنّ طائفة من الروايات ظاهرها اختصاص الثبوت بهما بالدين، و لكن في مقابلها صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر- عليه السلام- «1» من ثبوت حقوق الناس بهما، فالأمر دائر بين أن يكون المراد من حقوق الناس دعوى الدين كما ذكرنا انصراف الحق إلى الدين في الروايات الواردة في ردّ اليمين على المدعي، و بين أن يحمل ما ورد ما ظاهره الاختصاص بالدين على أنّ القضاء الواقع بشاهد و يمين من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قد وقع في الدين لا أنّه يختص الثبوت بهما بالدين. و قد ذكرنا أنّه يمكن استظهار ثبوت المال بهما و لو كان عينا من صحيحة عبد الرحمن ابن الحجاج «2»، بل ما يكون المقصود منه مالا.

و قد ظهر ممّا ذكرنا أنّ التردد في دعوى النكاح لا وجه له فإنّه ربّما يكون غرض مدعيه المال كما في فرض موت أحد الزوجين إلّا أنّ المقصود من النكاح عند الناس هو الزوجية لا المال، نظير دعوى الوصاية إليه، و اللّه سبحانه هو العالم.

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 14 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 12: 196.

(2) الوسائل: ج 18، الباب 14 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 6: 194.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 249

و لا يثبت دعوى الجماعة مع الشاهد إلّا مع حلف كلّ واحد منهم (1) و لو

______________________________

(1) لو ادعى جماعة مالا مشتركا بينهم بسبب واحد كالإرث و أقاموا شاهدا واحدا فلا يكفي في ثبوت دعواهم حلف واحد منهم مع شهادة الشاهد لهم، بل يعتبر في ثبوتها حلف كلّ واحد منهم، لأنّ الدعوى المزبورة و ان كانت

بحسب الصورة واحدة، إلّا أنّ كلا منهم مدع بالإضافة إلى حصته من ذلك المال، و الشاهد الواحد يشهد بالحصة لكلّ منهم، فيلزم حلف كل منهم على حصته.

و وحدة السبب لا توجب الاكتفاء بحلف واحد فإنّه مضافا إلى ما تقدم من أن الثابت بشهادة الواحد و يمين المدعي المال دون السبب ان السبب فيه أيضا انحلال، فثبوته بالإضافة إلى بعض لا يلازم ثبوته بالإضافة إلى الآخرين بحسب الظاهر.

فما عن المقدس البغدادي من كفاية حلف واحد من بعضهم، و إلّا فلا يثبت حقّ الحالف أيضا بدون حلف الآخرين لا يمكن المساعدة عليه، بل المحكي في كلمات بعض التسالم على الحكم من الأصحاب، نعم ربّما يحتمل أن تثبت حصة كلّ منهم بالحلف الواحد فيما كان الحالف وليّا عليهم أو وكيلا عنهم في الدعوى، و لكنّه أيضا لا يخلو من تأمل، و قد تقدم جواز حلف الولي بل الوكيل في الدعوى مع علمه بالحال.

و على ذلك ففيما حلف البعض و امتنع الآخرون تثبت حصة الحالف و لو باعها من المدعى عليه و أخذ ثمنها فلا ينبغي التأمل في عدم شركة الممتنعين عن الحلف في الثمن المزبور، لأنّ المبيع هو الحصة، و كذا إذا ما باعها من غير المدعى عليه، أمّا إذا أخذ مقدار حصته و كان المدعى به عينا شارك، في المأخوذ بقية الشركاء، لأنّ أخذ مقدار حصته من العين لا يعين حصته فيه، لبطلان القسمة مع غير المالك. و على الجملة فالمقدار المأخوذ مال مشترك باعتراف الحالف، كما أنّ

أسس القضاء و الشهادة، ص: 250

امتنع البعض ثبت نصيب من حلف دون الممتنع و لا يحلف من لا يعرف ما يحلف

______________________________

الباقي من العين عند المدعى عليه باق على

الإشاعة بين الجميع.

و أمّا إذا كان المدعى به دينا على عهدة المدعى عليه تتعيّن حصته في المأخوذ، لأنّ الدين إنّما يتعيّن بما في الخارج بقصد الدافع و إذا قصد المدعى عليه دفع دينه للحالف يكون المأخوذ ملك الحالف، و تبقى حصة الآخر على ذمّته.

لا يقال: كيف يختص الدين بالمدفوع إليه الحالف و لا يشترك فيه سائر الورثة مع أنّ الأصحاب ذكروا عدم جواز قسمة الدين المشترك قبل أخذه و استفادوا ذلك من الروايات الواردة من أنّ التالف من الدين يذهب على كل الشركاء و الواصل منه يكون مشتركا بينهم و لو مع قسمة الديان، و في موثقة غياث بن إبراهيم عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه عن علي- عليه السلام-: «في رجلين بينهما مال منه بأيديهما و منه ما غائب عنهما فاقتسما الذي بأيديهما و احتال كل واحد منهما بنصيبه فقبض أحدهما و لم يقبض الآخر قال ما قبض أحدهما فهو بينهما و ما ذهب فهو بينهما» و قريب منها غيرها.

فإنّه يقال: الروايات المشار إليها لا تعمّ المقام، فإنّ المفروض فيها ما إذا كان لاثنين مالا بذمة الواحد أو المتعدد و اقتسما ذلك الدين قبل أخذه، بأن قال أحد الشريكين لصاحبه أنّ مالنا ما في ذمة فلان من الدين المشترك لك و ما على عهدة الآخر لي، أو قال ما يؤخذ من المديون من القسط الأول من الدين لك و القسط الثاني لي و كان دفع المديون وفاء لما عليه من الدين لهما، و في مثل ذلك لو تلف بعض الدين يحسب عليهما لبطلان القسمة أو انحلالها بتلف البعض.

أمّا إذا دفع من عليه المال للآخر ما عليه بقصد وفاء ما عليه له، يتعين

الدين له بالدفع و لا يدخل في المفروض فيها لتلف ما للآخر عليه بامتناعه عن

أسس القضاء و الشهادة، ص: 251

عليه يقينا و لا يثبت مالا لغيره (1)، فلو ادّعى غريم الميّت مالا له على آخر مع شاهد

______________________________

الحلف، و كأنه أتلف ماله على الآخر بالامتناع المزبور.

بقي في المقام أمر، و هو أنّ امتناع المدعي مع الشاهد الواحد عن الحلف ليس كامتناعه عن اليمين المردودة عليه، فإنّ امتناعه عن اليمين المردودة يوجب سقوط دعواه، فيحكم القاضي ببراءة ذمة المدعى عليه، فلا يفيده الظفر بعد ذلك بالبينة، على ما تقدم، و هذا بخلاف اليمين مع الشاهد، حيث أنّ يمينه في المقام إقامة المثبت لدعواه كإقامة البينة و امتناعه عن إقامة البينة ليس بمعنى طلب اليمين عن المنكر و الرضا بيمينه، فيكون امتناعه عن الحلف بلا طلب اليمين عن المنكر من إيقاف الدعوى، و لو ظفر بعد ذلك بشاهد آخر أو أنّه مات و قام وارثه لبذل اليمين ليأخذ حصة مورثه جاز.

(1) ذكر- قدّس سرّه- اعتبار أمرين في الحلف المترتب عليه جواز القضاء:

الأوّل: كون المحلوف عليه أمرا يقينيا سواء أ كان الحلف على النفي أم الإثبات و سواء أ كانت اليمين مردودة أم غيرها.

الثاني: أنّه يعتبر في الحلف أن لا يكون المحلوف عليه لغير الحالف، بأن يحلف على مال للغير و إن تعلّق حقه به، و لأجله تصح له الدعوى فيه.

أقول: إن كان المراد من الأمر الأوّل عدم جواز الحلف بمجرد وجدان ضبط المحلوف عليه في كتابته أو كتابة مورثه مع احتمال كونه بلا موجب أو نحو ذلك مما لا يكون حجّة معتبرة فالأمر ظاهر، لما تقدم من الروايات الظاهرة في اعتبار علم الحالف و أنّه لا

يمين إلّا على العلم، و إن كان المراد اعتبار خصوص وصف اليقين بحيث لا يجوز الحلف اعتمادا على الحجج مع كون مفاد دليل اعتبارها أنّها علم بالواقع فلا يمكن المساعدة عليه كالاستصحاب، حيث مفاد خطاب اعتباره أنّ اليقين بالحالة السابقة يقين ببقائها و أنّ اليقين السابق يعتبر علما بالبقاء، نعم لا

أسس القضاء و الشهادة، ص: 252

فإن حلف الوارث ثبت و إن امتنع لم يحلف الغريم و كذا لو ادّعى رهنا و أقام شاهدا انّه للراهن لم يحلف لأنّ يمينه لإثبات مال الغير.

______________________________

يجوز الحلف اعتمادا على مثل أصالة البراءة مما يكون مفادها مجرد الحكم الظاهري.

و ما عن صاحب الجواهر من الاستشكال في جواز الحلف اعتمادا على الاستصحاب بل تقويته عدم الجواز فيه تأمل، و قد تقدم جواز الحلف اعتمادا على قاعدة اليد و وروده في معتبرة حفص بن غياث.

و أمّا ما ذكر من الأمر الثاني و هو عدم جواز الحلف على المال للغير سواء أ كان عينا أم على العهدة فقد نسب ذلك إلى الشهرة، و عن كاشف اللثام جواز حلف الولي على المال للمولى عليه.

و يستدل على عدم الاعتبار بما في الروايات في ثبوت الحق بشاهد و يمين صاحب الحق كما في معتبرة منصور بن حازم «1»، و يمين صاحب الدين كما في صحيحة محمد بن مسلم «2»، مع أنّ الأصل عدم ثبوت الدعوى و عدم نفوذ القضاء بغير يمين صاحب الحقّ.

و لكن الأظهر عدم الفرق في الحلف سواء أ كانت اليمين مردودة أم مع الشاهد بين كونه على المال للحالف أو للغير فيما إذا تعلّق للحالف الحق بذلك المال أو بدعواه، كما في الولي و الوكيل في الدعوى.

و ما ذكر من الروايات

و إن كان ظاهرها حلف من يدعي أنّه مالك المال، إلّا أنّها لا تصلح لتقييد الإطلاق في البعض الأخرى كصحيحة حماد بن عثمان قال: «سمعت أبا عبد اللّه- عليه السلام- يقول: كان علي- عليه السلام- يجيز في الدين

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 14 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2: 193.

(2) المصدر نفسه: الحديث 5 و 11: 195.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 253

و لو ادّعى الجماعة مالا لمورثهم و حلفوا مع شاهدهم تثبت الدعوى (1) و قسم بينهم على الفريضة و لو كان وصيّة قسّموه بالسّويّة إلّا أن يثبت التفضيل و لو امتنعوا لم يحكم لهم و لو حلف بعض أخذ و لم يكن للممتنع معه شركة، و لو كان في

______________________________

شهادة رجل و يمين المدعى» «1»، و صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر- عليه السلام-: «لو كان الأمر إلينا أجزنا شهادة الرجل الواحد إذا علم منه خير مع يمين الخصم» «2». و صحيحة هشام عن أبي عبد اللّه- عليه السلام-: «ترد اليمين على المدعي» «3».

و الوجه في عدم صلاحها للتقييد كون الغالب في المدعى بالمال صاحبه فلا تمنع عن الأخذ بالإطلاق في الطائفة الثانية مع أنّه لا تنافي بين الإطلاق و التقييد لكونهما من المثبتين مع انحلال الحكم.

و الحاصل أنّ مع الإطلاق لا تصل النوبة إلى الأصل العملي، أضف إلى كل ذلك صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج الواردة في اعتراض عليّ- عليه السلام- على قضاء شريح في درع طلحة «4»، مع أنّ الحلف عليه مع الشاهد الواحد لم يكن من حلف المالك بناء على ما ذكروا من توجه اعتراضه عليه السلام إليه في قضائه المفروض في الرواية.

(1) ثمّ إنّ الماتن- قدّس سرّه- قد

فرع على الأمر الثاني فروعا:

الأوّل: ما إذا ادّعى غريم الميت يعني الدائن عليه مالا للميت على آخر،

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 14 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 11: 195.

(2) المصدر نفسه: الحديث 12: 196.

(3) المصدر نفسه: الباب 7 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 3: 176.

(4) المصدر نفسه: الباب 14 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 6: 194.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 254

الجملة مولى عليه يوقف نصيبه فإن كمل و رشد حلف و استحقّ و إن امتنع لم يحكم له و إن مات قبل ذلك كان لوارثه الحلف و استيفاء نصيبه.

______________________________

و كان له شاهد، فإنّه لا يحلف الدائن على ذلك المال للميت على الغير و ان يصحّ له طرح الدعوى على الغير لتعلّق حقه بذلك المال مطلقا أو مع امتناع الوارث عن المخاصمة مع ذلك الآخر على ما تقدم و الحلف مع الشاهد يجوز للوارث.

أقول: قد تقدم الكلام في ذلك فلا نعيد.

الثاني: ما لو ادعى على الآخر انّ المال الموجود بيده ملك الغير و انّه قد رهن عنده بالدين له عليه فإنّه لا يجوز له ان يحلف على انّ المال للمديون لأنّ حلفه يكون لثبوت المال للغير.

الثالث: ما إذا ادعى جماعة أنّ المال بيد الآخر أو عهدته لمورثهم و أقاموا شاهدا واحدا فإنّهم يحلفون مع الشاهد و يقتسمون المال على أسهم الإرث و لو ادعوا أنّه وصية لهم يقتسمونه بالسوية مع عدم ثبوت القرينة على التفصيل و لو امتنع بعضهم عن الحلف أخذ الحالفين أسهمهم و لا يشارك الممتنع في المأخوذ، و لو كان في جملة الجماعة قاصر لا يحلف وليه، لأنّ حلفه للغير، بل يأخذ غيره سهمه، و يوقف الدعوى بالإضافة إليه، و ينتظر بلوغه،

فلو حلف بعد البلوغ أخذ ماله عن المدعى عليه، و إن مات قبل حلفه قام وارثه مقامه.

أقول: إنّ الحالف فيما أخذ العين المدعى بها كلا أو بعضا يشترك فيه الجميع لبطلان القسمة مع غير المالك مع اعتراف الحالف بأنّ المال على الإشاعة بين الجميع، و ذكرنا في المقام عدم الفرق بين الولي و غيره في جواز الحلف، بل لا يجوز في الفرض للولي إيقاف الدعوى بامتناعه عن الحلف لأنّه من تضييع مال المولى عليه.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 255

[مسائل خمس]
اشارة

مسائل خمس:

[الأولى: لو قال: هذه الجارية مملوكتي و أم ولدي]

الأولى: لو قال: هذه الجارية مملوكتي و أم ولدي حلف مع شاهده و يثبت رقيتها (1) دون الولد لأنّه ليس مالا و يثبت لها حكم أم الولد بإقراره.

[الثانية: لو ادّعى بعض الورثة أنّ الميّت وقف عليهم دارا]

الثانية: لو ادّعى بعض الورثة أنّ الميّت وقف عليهم دارا (2) و على نسلهم، فإن حلف المدّعون مع شاهدهم قضى لهم و إن امتنعوا حكم بها ميراثا و كان

______________________________

(1) لو كانت بيد زيد جارية و ادعى آخر عليه أنّ الجارية مملوكته و أنّها أم ولده و اقام شاهدا و حلف أنّها أم ولده فلا ينبغي التأمل في أنّه يثبت بهما أنّها مملوكته، و أمّا ولدها فيبقى في يد زيد، لأنّ مدعي الجارية لم يدع ملكية الولد له، بل ادعى النسب، و هو على ما تقدم لا يثبت بشاهد و يمين. نعم لا يجوز للمدعى بيع الجارية أخذا باعترافه بأنّها أم ولد يترتب عليها حكمها من عدم جواز البيع و غيره.

و المتحصل: أنّه يبقى الولد بيد المدعى عليه، فيحكم بكونه ملكا له، أخذا بمقتضى يده عليه. نعم إذا انتقل ذلك الولد إلى المدعي بالإرث من ذي اليد أو المصالحة أو غيرهما يحكم بكونه حرا، أخذا على المدعى باعترافه السابق، و ربّما يناقش فيما ذكر ببعض الاعتراضات، و لا ثمرة مهمة للتعرض لها.

(2) لو ادعى بعض الورثة أنّ الدار الفلانية التي كانت لمورثهم قد وقفها المورث عليهم و على نسلهم، كما هو مقتضى الوقف الخاص و أقاموا شاهدا واحدا، فإن حلفوا قضى بهما لهم بالوقف، فيخرج دين الميت من غيرها، كما يخرج وصاياه من غيرها من ثلث التركة الباقية بعد أداء الدين و يقسم باقي التركة على جميع الورثة على أسهم الإرث، و لو لم يكن له تركة غير

الدار فهو ممن لا تركة له، فلا موضوع لإخراج ديونه و وصاياه وارثه، و إذا امتنع مدعي الوقف عن الحلف

أسس القضاء و الشهادة، ص: 256

نصيب المدعين وقفا و لو حلف بعض ثبت نصيب الحالف وقفا و كان الباقي طلقا، تقضى منه الديون و تخرج الوصايا و ما فضل ميراثا و ما يحصل من الفاضل للمدّعين يكون وقفا.

______________________________

مع الشاهد بأن لم يحلف من المدّعين بالوقف حتى واحد منهم تدخل الدار المفروضة في تركة الميت فيخرج منها ديونه و يصرف من ثلثها وصاياه و يكون الباقي لجميع الورثة المدّعين بالوقف و غيرهم على أسهم الإرث، غاية الأمر يؤخذ المدعون بإقرارهم بأن الدار ليست من الملك الطلق لهم حتى يتمكنوا على بيعها.

و لو لم يكن للميت مال آخر غير تلك الدار و حلف بعض المدعين بالوقف عليهم دون البعض الآخر كما إذا كانوا أربع اخوة و ادعى اثنان منهم الوقف عليهما و أقاما شاهدا واحدا و حلف أحدهما و امتنع الآخر يثبت الوقف في نصف الدار كما هو تقضى ادعائهما أنّ تمام الدار وقف عليهما حيث أن مقتضاه كون كلّ منهما مدعيا بأنّ نصف الدار بنحو الإشاعة وقف عليه فيخرج دين الميت من نصفها الآخر و ينفذ وصاياه من ثلث الباقي من بعد أداء الدين و يجعل ثلثي الباقي من النصف ثلاثة اسمهم سهمان منه لغير المدعيين و سهم للمدعي غير الحالف نعم يؤخذ غير الحالف بإقراره بأنّ ملكه غير طلق على ما تقدم.

مثلا يكون الدار المزبور اثنى عشر سهما، و بحلف أحد المدعيين يثبت له ستة أسهم و هي نصف الدار، و تبقى ستة أسهم، و إذا صرف ثلاثة من الستة الباقية في ديون الميت

و وصاياه يبقى ثلاثة أسهم سهم واحد للممتنع عن الحلف و سهمان للآخرين.

و لكن ظاهر المصنف- قدّس سرّه- كجماعة من الأصحاب أن الباقي بعد

أسس القضاء و الشهادة، ص: 257

و لو انقرض الممتنع كان للبطن التي تأخذه بعده (1) الحلف مع الشاهد و لا يبطل حقّهم بامتناع الأوّل.

______________________________

إخراج الدين و وصاياه يقسم على جميع الورثة حتى الحالف، و لا يمكن المساعدة عليه، فإنّ الحالف معترف بأنّه لا سهم له من الباقي، و أنّه ليس له من الدار إلّا نصفها حيث أنّها وقف عليه و على أخيه و المنكرين للوقف و إن يعترفون بإرث الحالف إلّا أنّه يقولان بأنّ سهمه أقل من النصف.

(1) ذكر- قدّس سرّه- أنّه إذا انقرض الممتنع عن الحلف كان للبطن الذي يصير حصة الممتنع إليه الحلف على الوقفية، فتأخذ الحصة بتمامها، لأنّ امتناع السابق لا يوجب سقوط دعوى الوقف في النصف الثاني من الدار.

أقول: في المسألة فرضان:

الأوّل: أن يكون بعض الاخوة ممن لم يدع الوقفية كان منكرا للوقفية على المدعين بها و بما أنّه ثبتت دعوى الوقفية في نصف الدار بشاهد و يمين حلفوا على نفي الوقفية، و في هذا الفرض لا مجال لنقض الحكم السابق بعدم الوقفية بالإضافة إلى نصفها الآخر، غاية الأمر من انتقلت إليه حصة الممتنع عن الحلف من نصفها لاعترافه بالوقف ايضا يلزم بإقراره به بالإضافة إلى تلك الحصة التي فرضنا أنّها الواحد من ثلاثة.

الثاني: أن يكون جريان حكم التركة على نصف الدار لإيقاف الدعوى و عدم مطالبة الممتنع عن الحلف بالحلف عن المنكرين أو أنّ البعض لم يكن منكرا للوقفية و لا مقرا بها، كما إذا قالوا لا نعلم الحال، و في هذا الفرض يمكن أن

يقال بأنّ للبطن اللاحق من نسل الممتنع أن يحلف على الوقفية و يأخذ النصف الثاني من الدار، و لكن قد يناقش في هذا أيضا بأنّه لا مورد لحلف البطن اللاحق، لأنّ الحكم بالوقفية في النصف الثاني يكون من الوقف المنقطع الأوّل.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 258

[الثالثة: إذا ادّعى الوقفية عليه و على أولاده بعده و حلف مع شاهده]

الثالثة: إذا ادّعى الوقفية عليه و على أولاده بعده و حلف مع شاهده ثبتت الدعوى و لا يلزم الأولاد بعد انقراضه يمين مستأنفة لأنّ الثبوت الأوّل اغنى عن تجديده و كذا إذا انقرضت البطون و صار إلى الفقراء أو المصالح، و أمّا لو ادّعى التشريك بينه و بين أولاده افتقر البطن الثاني إلى اليمين (1) لأنّ البطن الثاني بعد وجودها تعود كالموجودة وقت الدعوى فلو ادّعى ثلاثة اخوة أنّ الوقف عليهم و على أولادهم مشتركا فحلفوا مع الشاهد ثمّ صار لأحدهم ولد فقد صار الوقف أرباعا و لا تثبت حصة هذا الولد ما لم يحلف لأنّه يتلقى الوقف عن الواقف فهو كما لو كان موجودا وقت الدعوى و يوقف له الربع فإن كمل و حلف أخذ.

و إن امتنع قال الشيخ يرجع ربعه على الإخوة لأنّهم أثبتوا أصل الوقف عليهم ما لم يحصل المزاحم و بامتناعه جرى مجرى المعدوم و فيه إشكال ينشأ من اعتراف الأخوة بعدم استحقاق الربع و لو مات أحد الإخوة قبل بلوغ الطفل عزل له الثلث من حين وفاة الميت لأنّ الوقف صار أثلاثا و قد كان له الربع إلى حين الوفاة فإن بلغ و حلف أخذ الجميع و إن ردّ كان الربع إلى حين الوفاة لورثة الميت و الأخوين و الثلث من حين الوفاة لأخوين و فيه أيضا إشكال كالأوّل.

______________________________

و لكن لا يخفى أنّ

الشاهد و اليمين تثبتان الوقفية من الأوّل كاثبات البينة، حيث إنّ الوقف تمليكي فيأخذ البطن اللاحق النصف من الدار و ما تلف من منافعها في اليد الآخرين مما كان ملكا للممتنع عن الحلف، اللهم إلّا أن يقال أن امتناعه عن الحلف كان إسقاطا لاحترام تلك المنافع فلا يضمن الآخرين عليه بها.

(1) ذكر في الجواهر أنّه إذا انقرض الحالف و صار الوقف إلى البطن اللاحق فيحتاج ثبوت الوقف على اللاحق إلى حلفه، لأنّ الوقف ثبت بالإضافة إلى الحالف الماضي و البطن اللاحق لا يتلقى الملك من السابق كما في الإرث ليكفي

أسس القضاء و الشهادة، ص: 259

[الرابعة: لو ادّعى عبدا و ذكر أنّه كان له و أعتقه فأنكر المتشبث]

الرابعة: لو ادّعى عبدا و ذكر أنّه كان له و أعتقه (1) فأنكر المتشبث قال الشيخ: يحلف مع شاهده و يستنقذه و هو بعيد لأنّه لا يدّعي مالا.

______________________________

في الانتقال إلى اللاحق ثبوت الملك للسابق بل يتلقى من الواقف فيلزم في ثبوت الوقف بالإضافة إليه الحلف.

و فيه: أنّ الوقف و إن ينحل بالإضافة أي الموقوف عليه المتعدد كما إذا وقف العين على زيد و عمرو و من بعدهما على أولادهما نسلا بعد نسل فيكون نصفها وقفا لزيد و نصفها الآخر لعمرو، إلّا أنّ الوقف لا ينحل إلى المتعدد بالإضافة إلى البطون التالية، و لذا يكفي في تحقق القبض قبض البطن الموجود و على ذلك و كما أنّ مع البينة بالوقف تثبت الوقف التمليكي و كذلك بشاهد و يمين، و قد تقدم عدم صحة ما بنوا عليه الحكم في أمثال المقام من أنّ الحلف على ملك الغير غير صحيح، فإنّ ظاهر الروايات أنّ الحلف مع شاهد واحد يقوم مقام البينة و تثبت بها الدعاوي المالية أو غيرها أيضا كثبوتها بالبينة

و ان الحلف يصح على العلم فيما كان مدعيا ولاية أو وكالة.

و الظاهر عدم الفرق في عدم الحاجة إلى الحلف من البطن اللاحق سواء أ كان الوقف بالإضافة إلى البطن اللاحق على وجه التشريك أم بنحو الترتب و انقضاء البطن الموجود.

(1) لو كان بيد شخص عبدا فادّعى عليه آخر أنّ العبد المزبور كان له و انّه أعتقه فهو حر و اقام بذلك شاهدا فهل يثبت كونه حرا بحلف المدعى مع ذلك الشاهد الواحد؟ قال الشيخ- قدّس سرّه- نعم، لأنّ الملك السابق يثبت بشاهد و يمين فيحكم بكونه حرا أخذا عليه بإقراره، و لكن لا يخفى ما فيه لعدم تحقق الدعوى على الغير في الفرض ليقال بثبوتها بشاهد و يمين. و دعوى ولاء

أسس القضاء و الشهادة، ص: 260

[الخامسة: لو ادّعى عليه القتل و أقام شاهدا]

الخامسة: لو ادّعى عليه القتل و أقام شاهدا فإن كان خطاء أو عمد الخطاء حلف و حكم له (1) و إن كان عمدا موجبا للقصاص لم يثبت باليمين مع الواحدة و كانت شهادة الشاهد لوثا و جاز له إثبات دعواه بالقسامة.

______________________________

العتق مما لا يثبت بشاهد و يمين، كما هو المفروض. نعم إذا كان المدعي المزبور عدلا، و شهد معه آخر بما ذكر يثبت عند الحاكم كونه حرا غير مملوك، فيأخذه و يخلي سبيله بناء على ترتب ولاء العتق لا يوجب ردّ شهادته.

(1) لو ادّعى أن فلانا قتل مورثه خطأ أو بنحو شبه العمد، و أقام شاهدا واحدا و حلف على القتل تثبت الدية على العاقلة في الأول و على القاتل في الثاني فإن الدية ما يثبت بشاهد و يمين. بخلاف ما إذا ادعى عليه القتل عمدا و اقام شاهدا، فإنّه لا يثبت القصاص بشاهد و يمين،

بل وجود شاهد واحد يوجب اللوث، فيثبت القتل العمدي في المورد بالقسامة.

لا يقال: بناء على ثبوت حق الناس بشاهد و يمين يثبت القصاص، فإنّه من حق الناس.

فإنّه يقال: لا يثبت القصاص بشاهد و يمين و لو كان من حق الناس، فإن ذلك مقتضى ما ورد في ثبوت القتل بالبينة، و مع عدمها في مورد اللوث على المدعى عليه البينة بالنفي و مع عدمها تعتبر القسامة، بل لا يبعد أن يكون الأمر كذلك بالإضافة إلى القتل خطأ أو شبه الخطأ، فيعتبر في ثبوت الدية على العاقلة أو على القاتل القسامة، و لا يكفي مجرد شاهد و يمين. و تمام الكلام في كتاب القصاص و الديات، ان شاء اللّه تعالى.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 261

[خاتمة تشتمل على فصلين]

اشارة

خاتمة تشتمل على فصلين

[الأوّل في كتاب قاض إلى قاض]
اشارة

الأوّل في كتاب قاض إلى قاض إنهاء حكم الحاكم إلى الآخر أمّا بالكتابة أو القول أو الشهادة.

أمّا الكتابة فلا عبرة (1) بها لإمكان التشبيه.

______________________________

(1) قد يتحقق القضاء و فصل الخصومة عن قاض و ينهي القاضي المزبور و يبلغه إلى قاض آخر ليحكم الآخر به ايضا، و ربّما يكون الداعي إلى ذلك عدم تجديد المخاصمة عنده، أو تنفيذ الحاكم الآخر قضاءه، أو أنّه قد حكم للمدعي مع غياب المدعى عليه، و حيث إنّ الغائب على حجته و يمكن له إقامة الدعوى على المدعى عنده فيكون على علم من قضائه في الواقعة المرفوعة إلى القضاء قبل ذلك.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 262

و أمّا القول مشافهة فهو أن يقول للآخر: حكمت بكذا أو أنفذت أو أمضيت ففي القضاء به تردّد، نص الشيخ في الخلاف انّه لا يقبل.

______________________________

و الإبلاغ و الإنهاء يكون على وجوه:

الأوّل: أن يكتب الحاكم الأول إلى الثاني بصورة حكمه و انّه قد حكم في الواقعة الفلانية للمدعي المزبور على فلان و يذكر اسمه و رسمه بكذا و كذا و لا سيّما أن يذكر مدرك قضائه من شهادة العدلين أم شهادة واحد و يمين المدعى أو غير ذلك.

الثاني: أن يذكر الحاكم الأول للثاني أنّه قد حكم في الواقعة الفلانية المرقوعة إليه و يذكر خصوصياتها بكذا و كذا.

الثالث: أن يأخذ الحاكم الأول شهادة الشاهدين بقضائه ليشهدا عند الحاكم الآخر به.

أما الإبلاغ و الإنهاء بالكتابة فالمشهور على عدم اعتباره بها سواء أ كان في البين شهادة شاهدين أنّه كتابته أم لا، و سواء أ كان الكتاب مختوما بخاتمه أم لا، لأنّ الكتابة تحتمل التزوير و عدم القصد بما رسمه، و في موثقة السكوني عن

جعفر عن أبيه عن علي- عليه السلام-: «أنّه كان لا يجيز كتاب قاض إلى قاض في حد و لا في غيره حتى وليت بنو أمية فأجازوا بالبينات» «1»، و نحوها رواية طلحة بن زيد «2»، خلافا لأبي علي فجوزها في حقوق الناس دون حقوق اللّه تعالى. و عن الأردبيلي موافقته مع العلم بكتابته قاصدا لمعناها.

أقول: إذا أحرز الحاكم الثاني أنّ ما وصل إليه كتابه القاضي الأول و أنّه قد كتبه بعد قضائه فلا فرق بينها و بين أخباره بحكمه مشافهة و ما في الروايتين

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 28 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 218.

(2) الوسائل: ج 18، الباب 28 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2: 218.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 263

و أمّا الشهادة فإن شهدت البينة بالحكم و بإشهاده إيّاهما على حكمه تعيّن القبول لأنّ ذلك ممّا تمسّ الحاجة إليه إذ احتياج أرباب الحقوق إلى إثباتها في البلاد المتباعدة غالب و تكليف شهود الأصل التنقل متعذّر أو متعسّر فلا بدّ من وسيلة إلى استيفائها مع تباعد الغرماء و لا وسيلة إلّا رفع الأحكام إلى الحكام و أتمّ ذلك احتياطا ما صوّرناه.

______________________________

محمول على صورة عدم إحراز ذلك مع ضعف الثانية سندا.

و أمّا اخبار الحاكم بحكمه الحاكم الثاني، كما إذا قال له قد حكمت في الواقعة الفلانية لفلان على فلان بكذا، فعن الشيخ- قدّس سرّه- في الخلاف بعدم الاعتبار بالخبر و لا يصلح سندا للحكم من الحاكم الثاني و تردّد فيه الماتن- قدّس سرّه- و إن قوّى القبول فيما بعد و سيأتي التعرض له.

و أمّا الحكم اعتمادا على البينة بالحكم من الحاكم الأول بأن يشهد عدلان بأن الحاكم الأول قد حكم بحضورهما بكذا

لفلان على فلان فقد ذكر الماتن- قدّس سرّه- في جوازه وجوها:

الأوّل: الحاجة إلى الحكم من الحاكم الثاني أو تنفيذه يقتضي ذلك، فإن الحقوق لأربابها في البلاد المتباعدة أمر غالب و استيفائها يحتاج إلى وسيلة في رفع الحكم من حاكم إلى حاكم آخر، حيث أن تنقل الشاهدين بأصل الحق في البلاد متعسر أو متعذر غالبا، فيكون رفع حكم الحاكم بشهادتهما إلى حاكم آخر بشهادة الشاهدين بحكمه من أتم الوسيلة.

لا يقال: يمكن الحكم من الحاكم الثاني بوجه آخر، و هو شهادة الفرع على شهادة الأصل بالحق عند الحاكم الثاني ليكون إنفاذه و حكمه من الحكم بالبينة.

فإنّه يقال: تعسّر التنقل أو تعذّره يجري في شاهدي الفرع أيضا، لأن قبول

أسس القضاء و الشهادة، ص: 264

لا يقال: يتوصل إلى ذلك بالشهادة على الشهود الأصل، لأنّا نقول قد لا يساعد شهود الفرع على التنقّل و الشهادة الثالثة لا تسمع و لأنّه لو لم يشرع إنهاء الأحكام بطلت الحجج مع تطاول المدد و لأنّ منع ذلك يؤدّي إلى استمرار الخصومة

______________________________

شهادة الفرع يختص بالمرتبة الثانية و شهادة المرتبة الثالثة غير مقبولة عندهم بل شهادة الفرع بالمرتبة الثانية أيضا لا تكفي في ثبوت كل الدعاوي كما يأتي.

الثاني: انّه لو لم تسمع الشهادة بالحكم بأن يتوقف الحكم من الحاكم الثاني بأصل الحق على البينة به عنده أو على الشهادة بالشهادة بالحق بالمرتبة الثانية كما يعبر عنها بشهادة الفرع لبطل اقامة الحجج لذوي الحقوق مع تطاول الأزمنة، حيث يتوقف الحكم من الحاكم الثاني على قيام البينة عنده بالحق أو الشهادة بالشهادة به، و بتتالي الأزمنة يموت الحاكم الأول و شهود الحق أصلا و فرعا و تنقطع الحجة بالحق.

أقول: عدم انقطاع الحجة بالحق لا يتوقف

على حكم الحاكم اللاحق بالحق ليقال أنّ حكمه به يتوقف على البينة عنده أو الإقرار أو اليمين المردودة، بل تبقى الحجة بالحق في الأزمنة المتتالية بحكم اللاحق بأنّ هذه الواقعة قد حكم فيها بكذا السابق عليه و ان حكمه نافذ، سواء أحصل له العلم بحكم السابق بسماعه منه مشافهة أم بغيره حتى من خصوصيات كتابة القاضي السابق كما تقدم أم بقيام البينة عنده بالحكم من الحاكم السابق.

و على الجملة: فمقتضى ما تقدم من لزوم التصدي كفاية لإيصال حقوق الناس بعضهم إلى بعض و نفوذ القضاء و عدم جواز نقضه لزوم تنفيذ الحكم الصادر عن الحاكم الأوّل.

و مما ذكرنا يظهر ضعف ما ذكر الماتن- قدّس سرّه- في الوجه الثالث، و هو

أسس القضاء و الشهادة، ص: 265

في الواقعة الواحدة بأن يرافعه المحكوم عليه إلى الآخر فإن لم ينفذ الثاني ما حكم به الأوّل اتصلت المنازعة. و لأنّ الغريمين لو تصادقا إن حاكما حكم عليهما ألزمهما الحاكم ما حكم الأوّل فكذا ما لو قامت البيّنة لأنّها تثبت ما لو أقرّ به الغريم به لزم.

______________________________

أنّه لو لم تسمع الشهادة بالحكم اتصلت المنازعة بين المتخاصمين في خصومة واحدة حيث يمكن للمدعي عليه فيها طرح الخصومة عند حاكم آخر، و وجه الظهور ان مقتضى ما تقدم تنفيذ الحاكم الآخر الحكم الصادر عن الأوّل لا الحكم في تلك الخصومة ثانيا بثبوت الحق للمحكوم له بلا بينة عنده بالحق.

الثالث: انّ المتنازعين لو اعترفا بأنّ الحاكم قد حكم في واقعتهما بكذا ألزمهما الحاكم الثاني بالعمل على طبق حكمه، فتكون البينة بحكمه أيضا كذلك، و مقتضى ذلك لزوم تنفيذ الحكم الصادر عن الأوّل.

فتحصل من جميع ما ذكرنا أنّ إلزام الحاكم الثاني المحكوم عليه

في حكم الحاكم الأوّل بالعمل عليه مشروع بل لازم، فإنّه مقتضى نفوذ ذلك الحكم و عدم جواز ردّه و الإلزام بالعمل عليه داخل في الأمر بالمعروف، و انّ تنفيذه من شؤون القاضي و الحاكم لكونه من استيفاء حقوق الناس بعضهم من بعض سواء أ كان الحكم عنه أم عن الحاكم قبله.

بل لا تبعد مشروعية حكمه بثبوت الحكم عن الحاكم السابق فيما إذا طلب المحكوم له و أحرزه الحاكم وجدانا أو بشهادة الشاهدين.

لا يقال: هذا خارج عمّا دل على نفوذ القضاء في موارد المخاصمة، فإنّ مقتضاه القضاء في مورد المنازعة لا في ثبوت القضاء و عدمه.

فإنّه يقال: الغرض من القضاء إنهاء الخصومة و استيفاء الحقوق، و هذا لا

أسس القضاء و الشهادة، ص: 266

لا يقال: فتوى الأصحاب أنّه لا يجوز كتاب قاض إلى قاض و لا العمل به، و رواية طلحة بن زيد و السكوني عن أبي عبد اللّه- عليه السلام-: إنّ عليا- عليه السلام- كان لا يجيز كتاب قاض إلى قاض لا في حدّ لا في غيره حتّى وليت بنو أميّة فأجازوا بالبيّنات.

______________________________

يتم إلّا بحكم الحاكم الثاني بثبوت الحكم عن الحاكم السابق، و إلّا لاستمرت المنازعة، نعم القضاء بثبوت الحق للمحكوم له في تلك الواقعة اعتمادا على الحكم من الحاكم السابق لم تعلم مشروعيته، فضلا عن نفوذه، فإنّه من القضاء بلا بينة و لا علم منه.

ثمّ إنّ ظاهر المصنّف- قدّس سرّه- أنّه يعتبر في حكم الحاكم الثاني بنفوذ الحكم الأوّل حضور شاهدي الحكم المخاصمة المرفوعة إلى الحاكم الأوّل و سماعهما الحكم بإشهاده على حكمه، و لو كان حضورهما في تلك الواقعة اتفاقيا، و لم يطلب منهما تحمل الشهادة فلا يعتبر شهادتهما. و لكن لا

يخفى ما فيه، فإنّه لا يعتبر في سماع البينة إلّا الاخبار بالواقعة المشهود بها عن حسّ، و عليه فلو لم يحضر إلّا إنشاء نفس الحكم الصادر من القاضي السابق بعد أن يستمعا المرافعة بين المتخاصمين سمع شهادتهما بالحكم.

بقي في المقام أمور:

منها: أنّه قد تقدم انّه على الحاكم الثاني الحكم التنفيذي و إنفاذ الحكم من الحاكم السابق مع ثبوت ذلك الحكم عنده بوجه معتبر، فإنّه مع ثبوته كذلك يكون إلزام المتخاصمين بالعمل به داخلا في الأمر بالمعروف و المنع عن المنكر يعني ردّ قضاء الحاكم الأوّل كما أنّ عليه الحكم التنفيذي لئلا تستمر المنازعة، أضف إلى ذلك: انّ إنفاذ القضاء الصحيح من الحاكم من شؤون القضاء.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 267

لأنّا نجيب عن الأوّل بمنع دعوى الإجماع على خلاف موضع النزاع لأنّ المنع من العمل بكتاب قاض إلى قاض ليس منعا عن العمل بحكم الحاكم مع ثبوته و نحن نقول فلا عبرة عندنا بالكتاب مختوما كان أو مفتوحا و إلى جواز ما ذكرنا أومأ الشيخ أبو جعفر- ره- في الخلاف.

و نجيب عن الرواية بالطعن في سندها فإنّ طلحة بتري و السكوني عامي و مع تسليمها نقول بموجبها فإنّا لا نعمل بالكتاب أصلا و لو شهد به فكأنّ الكتاب ملغى.

______________________________

و أمّا إذا لم يثبت الحكم السابق بأن شهد الشاهدان أنّ حق زيد على عمرو بكذا كان ثباتا عند الحاكم الفلاني، أو أنّ الحاكم الأوّل ذكر لهما هذا الحق اخبارا فلا مورد للحكم التنفيذي من الحاكم الثاني و لا للتنفيذ لعدم إحراز الحكم من الأوّل، و مجرد ثبوت حق لزيد على عمرو لا يلازم ثبوته عند الحاكم الآخر، بل يعتبر في الحكم من الحاكم الآخر إقامة المدعي

البينة بحقه أو إقرار خصمه أو اليمين المردودة على ما مرّ، بل لا يشرع القضاء في الواقعة ثانيا بعد القضاء النافذ سابقا.

و منها: أنّه لو تغيّر حال الحاكم الأوّل بعد حكمه بموت أو عزل لم يقدح ذلك في إنفاذ الحاكم الآخر حكمه بخلاف ما لو تغير حاله بفسق، فإنّه لو سبق الإنفاذ على الفسق فهو و إلّا فلا ينفذ بل يتعين تجديد المرافعة عند الحاكم الثاني، و ذكروا في وجه الفرق انّ فسقه يكشف عن سوء حاله حال قضائه بخلاف الموت و العزل و نحوهما و في الفرق ما لا يخفى.

و هذا بالإضافة إلى تغيّر حال الحاكم الأوّل، و أمّا تغيّر حال الحاكم الثاني فلا يقدح في الحكم من الحاكم السابق، و كلّما ثبت الحكم السابق عند حاكم آخر يترتب عليه جواز الإنفاذ أو وجوبه.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 268

إذا عرفت هذا فالعمل بذلك مقصور على حقوق الناس دون الحدود و غيرها من حقوق اللّه.

ثمّ إنّ ما ينهى من الحاكم أمران: أحدهما حكم وقع بين المتخاصمين و الثاني إثبات دعوى مدّع على غائب.

أمّا الأوّل: فإن حضر شاهدا لأنهاء خصومة الخصمين و سمعا ما حكم به الحاكم و أشهدهما على حكمه ثمّ شهدا بالحكم عند الآخر ثبت بشهادتهما حكم ذلك الحاكم و أنفذ ما ثبت عنده لا أنّه يحكم بصحة الحكم في نفس الأمر إذ لا علم له به بل الفائدة فيه قطع خصومة الخصمين لو عادوا المنازعة في تلك الواقعة و إن لم يحضر الخصومة فحكى لهما الواقعة و صورة الحكم و سمّى المتحاكمين بأسمائهما و آبائهما و صفاتهما و أشهدهما على الحكم ففيه تردّد و القبول أولى لأنّ حكمه كما كان ماضيا كان

أخباره ماضيا.

______________________________

و منها: انّ قضاء التنفيذ يختص بما إذا كان الحكم للحاكم الأوّل في حقوق الناس، فلا يشرع ذلك في الحدود و نحوها من حقوق اللّه سبحانه، و ذكر في الجواهر بلا خلاف، بل حكي غير واحد الإجماع عليه و هو الحجّة، لا ما قيل من درء الحدود بالشبهة فإنّه لا تكون شبهة بعد قيام البينة.

أقول: ما تقدم أنّ الالتزام بالقضاء التنفيذي لقطع المنازعة و عدم استمرارها في طول الزمان، و هذا لا يجري في الحدود بل ذكرنا سابقا أنّه لا مورد للقضاء في الحدود، حيث إنّ موجب الحد مع إحرازه بما هو معتبر فيه بترتب عليه اجراء الحد و إلّا فلا، و على ذلك فإن كان الحاكم الآخر وكيلا في إجراء الحد من الحاكم الذي ثبت عنده موجبه، و إلّا فاستيفاء الحد اعتمادا على ثبوت الموضوع عند حاكم آخر لا دليل عليه.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 269

و أمّا الثاني و هو إثبات دعوى المدّعى، فإن حضر الشاهدان الدعوى و إقامة الشهادة و الحكم بما شهدا به و أشهدهما على نفسه بالحكم و شهدا بذلك عند الآخر قبلها و أنفذ الحكم، و لو لم يحضرا الواقعة و أشهدهما بما صورته: ان فلان بن فلان الفلاني ادّعى على فلان بن فلان الفلاني كذا و شهد له بدعواه فلان و فلان و يذكر عدالتهما أو تزكيتهما فحكمت أو أمضيت ففي الحكم به تردّد، مع أنّ القبول أرجح خصوصا مع إحضار الكتاب المتضمن للدعوى و شهادة الشهود، أمّا لو أخبر حاكما آخر بأنّه ثبت عنده كذا لم يحكم به الثاني و ليس كذلك لو قال حكمت فإنّ فيه تردّدا.

و صورة الإنهاء أن يقصّ الشاهدان ما شاهداه من

الواقعة و ما سمعاه من لفظ الحاكم و يقولا: و أشهدنا على نفسه أنّه حكم بذلك و أمضاه و لو أحالا على الكتاب بعد قراءته فقالا أشهدنا الحاكم فلان على نفسه انّه حكم بذلك جاز.

و لا بدّ من ضبط الشي ء المشهود به بما يرفع الجهالة عنه و لو اشتبه على الثاني أوقف الحكم حتى يوضحه المدعى و لو تغيّرت حال الأوّل بموت أو عزل لم يقدح ذلك في العمل بحكمه، و إن تغيّرت بفسق لم يعمل بحكمه و يقرّ ما سبق إنفاذه على زمان فسقه و لا أثر لتغير حال المكتوب إليه في الكتاب بل كلّ من قامت عنده البيّنة بأن الأوّل حكم به و أشهدهم به عمل بها إذ اللازم لكلّ حاكم إنفاذ ما حكم به غيره من الحكام.

______________________________

منها: ما ذكر من صورة الإنهاء أن يخبر الشاهدان بما شهداه من الواقعة و ما سمعا من الحاكم و يقولان أشهدنا الحاكم الفلاني، و لو أحالا الحاكم الثاني على الكتابة و بعد قرائته الحاكم الثاني الكتاب لهما قالا أشهدنا الحاكم الفلاني بأنّه قد ذكر ما في الكتاب كفى في الإنهاء.

أقول: قد تقدم صدق الشهادة بحكم الحاكم الأوّل فيما إذا لم يشهدا المرافعة قبل الحكم، و لا الحكم، بل إذا استمعا للمرافعة و الحكم جاز شهادتهما.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 270

[مسائل ثلاث]
اشارة

مسائل ثلاث:

[الأولى: إذا أقرّ المحكوم عليه انّه هو المشهود عليه الزم]

الأولى: إذا أقرّ المحكوم عليه انّه هو المشهود عليه الزم (1) و لو أنكر و كانت الشهادة بوصف يحتمل الاتفاق عليه غالبا فالقول قوله مع يمينه ما لم يقم المدعي البينة و إن كان الوصف مما يتعذر اتفاقه إلّا نادرا لم يلتفت إلى إنكاره لأنّه خلاف الظاهر.

______________________________

(1) لو شهد شاهدا الحكم بأنّ الحاكم قد أجرى الحكم على هذا المعين خارجا فلا إشكال، أمّا إذا شهدا أنّه أجرى الحكم على العنوان بأن قالا انّه حكم بالألف على أحمد بن محمد بن جعفر فإن اعترف الشخص بأنّه المحكوم عليه الزم بالحق عملا باعترافه.

أمّا إذا أنكر المحكوم عليه و لم تكن شهادة الشاهدين بالحكم على عينه، كما هو الفرض، و كان العنوان ممّا يحتمل عادة اتفاق غير واحد فيه فلا ينبغي التأمّل في أنّ القول قول المنكر مع يمينه ما لم يقم المدعي بينة بأنّه المراد من العنوان أو أحرز ذلك الحاكم الثاني من طريق آخر، و إذا اعترف بأنّه المراد من العنوان المذكور في الحكم و لكن لم يعترف بالحق عليه فقد قيل لم يلزم، لأنّ القضاء على عنوان يغلب فيه الاشتراك قضاء مبهم محكوم بالفساد فلا يلزم المعترف بأنّه المراد من العنوان ما لم يعترف بالحق عليه ليؤخذ بإقراره بالحق عليه و لعل هذا خلاف ظاهر إطلاق الماتن- قدّس سرّه- و صريح الدروس، كما هو الأظهر، فإنّ الحكم المزبور نافذ مع اعتراف الشخص بأنّه المراد من العنوان أو ثبوت ذلك بطريق آخر لصدق القضاء و الحكم عليه و إنكاره الحق بعد اعترافه بالقضاء عليه بذلك الحق لا يفيد له شيئا.

أمّا إذا لم يكن العنوان المذكور على المحكوم عليه ممّا يتفق فيه غيره إلّا نادرا

لم يلتفت إلى إنكاره و يلزم بالحق الذي قضى به عليه الحاكم الأوّل أخذا بظاهر

أسس القضاء و الشهادة، ص: 271

و لو ادعى أنّ في البلد مساويا له في الاسم و النسب كلّف إبانته في إثباته فإن كان المساوي حيّا سئل فإن اعترف أنّه الغريم الزم و أطلق الأوّل و إن أنكر وقف الحكم حتّى يتبيّن، و إن كان المساوي ميّتا و هناك دلالة تشهد بالبراءة امّا لأنّ

______________________________

العنوان، و هل يحتاج في إلزامه بالحق إلى حلف المدعي على أنّه المحكوم عليه دون غيره أو لا يحتاج إليه الأوفق بقاعدة اليمين على المنكر مع عدم البينة للمدعي هو الحلف، لأنّ من له الحق لموافقة قوله الظاهر يكون منكرا بالإضافة إلى دعوى الغريم بأنّ المراد بالعنوان ليس هو بل غيره، اللهمّ إلّا أن يقال بانصراف ما دل على تلك القاعدة عن مثل هذا المورد من الخلاف، و أنّه كما يؤخذ بظاهر كلام القاضي في غير ناحية المدعى عليه كذلك يؤخذ به في ناحية المدعي عليه.

نعم إذا كان العنوان المحكوم عليه ممّا لا يقع فيه الاشتراك إلّا نادرا، و ادعى المعنون بذلك العنوان مع عدم اعترافه بالحق عليه و لا بكونه هو المراد في حكم الحاكم أنّ في البلد شخصا آخر معنون بذلك العنوان أيضا فقد ذكر الماتن- قدّس سرّه- انّه يكلّف أن يعنين ذلك الشخص المساوي له في العنوان فإنّ عيّنه و اعترف ذلك المساوي بأنّه المراد من العنوان في حكم الحاكم الأوّل ألزم بالحق و أطلق الأوّل. و إن أنكر انّه المراد من العنوان المحكوم عليه يوقف في الحكم الصادر عن الأوّل حتى يتعيّن المحكوم عليه.

و قد ناقش في الجواهر في كلا الفرضين، أمّا في

الأوّل فلأنّ المحكوم له ادعى الحق على الأوّل، فمع عدم سقوط هذه الدعوى كيف يطلق من قبل الحاكم الثاني. و في الثاني بأنّه كيف يوقف الحكم مع كون الدعوى على المعنونين بالعنوان، كما إذا كان المدعي وارث صاحب الحق و قلنا بجواز هذه الدعوى و عدم جواز ردّ الحلف فيه على المدعي، فإنّه في الفرض إن حلفا على النفي فهو و إلّا ألزما بالحق.

أقول: يمكن أن تكون المرافعة عند الحاكم الأوّل من صاحب الحق و غريمه،

أسس القضاء و الشهادة، ص: 272

الغريم لم يعاصر و إمّا لأنّ تاريخ الحق متأخر عن موته ألزم الأول و إن احتمل وقف الحكم حتّى يتبيّن.

[الثانية: للمشهود عليه أن يمتنع من التسليم حتى يشهد القابض]

الثانية: للمشهود عليه أن يمتنع من التسليم حتى يشهد القابض (1) و لو لم يكن عليه بالحق شاهد، قيل لا يلزم الاشهاد و لو قيل يلزم كان حسنا، حسما لمادة المنازعة أو كراهية لتوجه اليمين.

______________________________

و قد ذكر الحاكم الأوّل عند شاهدي الحكم عنوانه، ثمّ إنّ وارث صاحب الحق رفع الواقعة إلى الحاكم الثاني طلبا لا نفاذ الحكم الصادر عن الحاكم الأوّل و لظهور العنوان فيمن عينه أحضره عند الحاكم الثاني، و إذا ذكر الحاضر للحاكم الثاني إنّ في البلد من هو مساو لهذا العنوان و أحضره الحاكم و اعترف بأنّه هو المراد من المحكوم عليه في قضاء الحاكم الأوّل يطلق الحاكم الأوّل و يلزم الثاني لاعترافه بالقضاء عليه، و لو لم يعترف الثاني بالقضاء عليه يتعيّن إيقاف دعوى الوارث لما يأتي انّ من شرط سماع الدعوى تعيين المدعى عليه بلا فرق بين دعوى الوارث أو غيره.

و ما ذكر الماتن- قدّس سرّه- من تكليف الحاضر الأوّل المنكر للقضاء عليه بإبانة المساوي، فوجوبها عليه شرطي لغرض

إسقاط الدعوى عليه أو إبطالها.

(1) قيل: إنّ المشهود عليه في عين أو دين له الامتناع عن تسليم تلك العين أو الوفاء بالدين، حتى يتمّ الاشهاد بالقبض، فإنّ وجوب التسليم قبل الاشهاد ضرر عليه و إذا كان المشهود به عينا، فهل يضمن تلك العين زمان جواز الامتناع عن التسليم؟ فيه وجهان.

أقول: في الإمساك حتى يتم الاشهاد فيه أيضا ضرر على المالك، و قد يقال إنّ جواز الامتناع فيما كان عليه بالحق شاهد و أمّا إذا لم يكن فلا ملزم لإلزام القابض بالإشهاد، لأنّ المشهود عليه يمكنه إنكار أصل الحق فيما لو عاد القابض إلى الدعوى عليه.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 273

[الثالثة: لا يجب على المدعى دفع الحجّة مع الوفاء]

الثالثة: لا يجب على المدعى دفع الحجّة مع الوفاء لأنّها حجة له (1) لو خرج المقبوض مستحقّا، و كذا القول في البائع إذا التمس المشتري كتاب الأصل لأنّه حجّة له على البائع الأوّل بالثمن لو خرج المبيع مستحقا.

______________________________

و ذكر الماتن- قدّس سرّه-: انّ القول بجواز إلزام القابض بالإشهاد مطلقا حسن، حسما لمادة المنازعة و كراهة توجه اليمين.

أقول: كراهية توجه اليمين لا يوجب ردع اليد عمّا دلّ على عدم جواز التأخير في أداء الدين مع التمكن عليه أو وجوب ردّ المال على صاحبه مع عدم رضاه بالإمساك، و حسم مادة المنازعة لا يكون أيضا موجبا لذلك، خصوصا مع إمكان عود المنازعة بموت شاهد القبض.

نعم، لا يبعد أن يقال: إنّ في الموارد التي يمكن أن يكون القبض فيها في معرض الإنكار، و معه يخسر دافع العين و الدين يكون الواجب الرد أو الأداء المتعارف كان بالإشهاد أو غيره.

(1) لا يجب على الدائن الحجة للدين إلى المديون مع وفائه الدين، لأنّ الحجة ملك الدائن «و الناس مسلطون

على أموالهم»، و ربّما يظهر أنّ ما دفع إلى الدائن وفاء ملكا للغير، فيؤخذ من الدائن، فيفيد الدائن الحجة المزبورة.

و كذلك الحال فيما إذا اشترى المتاع من بايعه، و أخذ من البائع كتاب البيع، ثم باع المشتري المتاع من آخر فطالب المشتري الثاني بائعه أي المشتري الأوّل بدفع كتاب الأصل فلا يجب عليه الدفع، لأنّ الكتاب ملكه و يفيده لو ظهر المتاع مستحقا للغير، حيث يأخذ به البائع الأوّل بالثمن المدفوع إليه. نعم لو طالب المدين الدائن بإعطاء الحجة لقبضه الدين عليه و المشتري الثاني كتاب البيع الثاني و كان اشتراط دفعهما أمرا ارتكازيا في الدين و البيع أو غيرهما من المعاملات لزم العمل به.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 274

[الفصل الثاني في لواحق من أحكام القسمة و النظر في القاسم و المقسوم و الكيفية و اللواحق]
اشارة

الفصل الثاني في لواحق من أحكام القسمة و النظر في القاسم و المقسوم و الكيفية و اللواحق

[أمّا الأوّل: في القاسم]

أمّا الأوّل: فيستحب للإمام أن ينصب قاسما كما كان لعلي- عليه السلام- و يشترط فيه البلوغ و كمال العقل و الإيمان و العدالة و المعرفة بالحساب (1) و لا يشترط الحرية و لو تراضى

______________________________

(1) يقع الكلام في لواحق مباحث القضاء من القسمة و أحكامها، و الوجه في لحوقها بمباحث القضاء ما يقال بمناسبة القضاء القسمة، حيث إنّ الحاكم لا يستغني عن القسام لما يتفق عليه في موارد المخاصمة قسمة المال المشترك.

و على كلّ يقع الكلام في هذا الفصل من كتاب القضاء في القاسم و الأمور المعتبرة فيه و المال الذي تتعلق به القسمة المعبّر عنه بالمقسوم و كيفية القسمة و في بعض لواحقها، أي بعض الأمور التي قد تقع بعد القسمة.

و قد تكلّم أكثر الأصحاب في القسمة في أواخر مباحث الشركة و عرّفوها

أسس القضاء و الشهادة، ص: 275

الخصمان بقاسم لم تشترط العدالة، و في التراضي بقسمة الكافر نظر أقربه الجواز

______________________________

بأنّها تمييز حق الشركاء و الأولى تعريفها بأنّها تعيين حصة الشركاء في بعض المال المشترك خارجا، و الوجه في الأولوية ظهور التمييز في أنّ للحق واقعا معيّنا يتميّز بالقسمة، مع أنّه لا يكون في موارد الشركة بنحو الإشاعة واقع معيّن.

ثمّ إنّ القسمة عقد مفاده تعيين الحصص في البعض المعيّن من المال المشترك، و انّ المنشأ ابتداء هذا التعيين، و لا تدخل في البيع، بأن يقال كما هو المنسوب إلى بعض أنّ القسمة مبادلة حصة الآخرين في بعض المال المشترك بحصّته في البعض الآخر من ذلك المال، و يلزم على ذلك أن يترتب على القسمة ما يترتب على

البيع و المعاوضة من ثبوت خيار المجلس و حرمة الربا فيما كان العوضان من جنس واحد مكيلا أو موزونا بخلاف ما ذكرنا من أنّها في حقيقتها تعيين الحصص في الأبعاض الخارجية من المال المشترك.

نعم التعاوض لازم القسمة لا أنّ مفادها المعاوضة، و يكفي في مشروعية القسمة و لزومها بعد ما عليها سيرة العقلاء و بناءهم في المال المشترك قوله عزّ من قائل أَوْفُوا بِالْعُقُودِ «1»، حيث إنّ المراد بالعقد العهد و الالتزام و لو بنحو المشدود.

كما يدل على مشروعيتها و لو في الجملة قوله سبحانه وَ إِذٰا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبىٰ لو لم نقل بدلالته على المشروعية في كل مال مشترك.

نعم قوله سبحانه وَ نَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمٰاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ غايته دلالته على قبول الماء بنحو من القسمة، كما أنّ مثل النبوي الوارد في الشفعة فإذا وقعت أو حددت الحدود و عرفت الطرق فلا شفعة مقتضاه مشروعيتها في الأراضي المشتركة.

______________________________

(1) المائدة: 1.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 276

كما لو تراضيا بأنفسهما من غير قاسم.

______________________________

و ذكر الماتن- قدّس سرّه- إنّ الإمام يستحب له أن ينصب قاسما، كما كان القاسم لعلي- عليه السلام-، و قيل إنّ اسمه عبد اللّه بن يحيى و انّ الظاهر هو الحضرمي الذي قال له- عليه السلام- يوم الجمل: «فإنّك و أباك من شرطة الخميس و أبشر بالجنّة».

و يقال في وجه استحبابه أنّ نصبه من مصالح المسلمين، و لذا يعطى الأجرة من بيت المال المصروفة على مصالحهم، و أنّه يعتبر فيه البلوغ و كمال العقل و الإيمان و العدالة و معرفة الحساب و اعتبار معرفته بالحساب ظاهر، لأنّ القسمة تتوقف على تعديل السهام و اعتبار عدالته لأنّ نصبه قساما من إعطاء الولاية و لزوم

قبول قوله و الفاسق لا يستحقها و لا يقبل قوله، و الحرية غير معتبرة في إعطائها، نعم يعتبر اذن مولاه و رضاه بتصدّيه لها.

أقول: كون نصب القسام من إعطاء الولاية بأن تكون القاسمية للأموال المشتركة من المناصب لا من قبيل التوكيل أو الاستيجار غير ظاهر، و كون القاسم لعلي- عليه السلام- لم يثبت أنّه كان بنحو نصب القاضي و لم يكن بنحو التوكيل أو الاستيجار، و لو شك في كونهما منصبا فالأصل عدمه.

و الحاصل يجوز للحاكم استيجار شخص أو توكيله لقسمة المال المشترك فيما إذا طلبوها من الحاكم أو أمر بها الحاكم، كما في صورة امتناع بعض الشركاء عن القسمة، و لذا يجوز للشركاء توكيل غير ذلك القاسم في القسمة، لأنّ الولاية في القسمة للشركاء، فإنّهم ملاك المال المشترك و القسمة تصرّف في المال المشترك نعم إذا امتنع بعض الشركاء عن القسمة أجبره الحاكم عليها و لو لم يمتثل يتصدى بقسمته و لو بالتوكيل لولايته على الممتنع.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 277

و المنصوب من قبل الإمام تمضى قسمته بنفس القرعة (1) و لا يشترط رضاهما بعدها و في غيره يقف اللزوم على الرضا بعد القرعة و في هذا اشكال من حيث أنّ

______________________________

و لا تعتبر العدالة في الوكيل، كما لا يعتبر فيه الإيمان و الإسلام، و التوكيل في المقام لا يزيد عليه في سائر المقامات، نعم توكيل الحاكم شخصا ينبغي أن يكون بتلك الصفات تحفظا على كرامة المقام. و على ذلك فيمكن للشركاء إيكال أمر القسمة إلى غير بالغ و لا يقدح في ذلك عدم صحة عقد الصبي، لأنّ قسمة الصبي بإذن الشركاء و أمره بها تدخل في عقد الشركاء فيعمّها قوله سبحانه أَوْفُوا بِالْعُقُودِ.

(1)

ذكر جماعة من الأصحاب كالماتن- قدّس سرّه- إنّه إذا كانت القسمة من قاسم نصبه الإمام تمضي قسمته بنفس القرعة التي أجراها القاسم فلا يجوز للشركاء الامتناع عن القسمة الحاصلة بها، بخلاف ما إذا كانت القسمة بقرعة الوكيل عن الشركاء أو بفعل الشركاء، فإنّه يعتبر رضاهم بالقسمة بعد القرعة و ناقش الماتن- قدّس سرّه- في هذه التفرقة بأنّ رضا الشركاء بالقسمة حال القرعة يوجب تحقق القسمة و القرعة التي وسيلة إلى تعيين سهامهم أجريت برضاهم.

و قد يقال في وجه التفرقة، بأنّ قرعة المنصوب من قبل الإمام بمنزلة حكمه فتكون نافذة بخلاف القرعة من غيره، فإنّ مقتضى الأصل بقاء الشركة في المال إلى أن يحصل اليقين بارتفاعها، و هو يحصل برضاهم بالقسمة حتى بعد القرعة.

أقول: قد تقدم أنّ القسمة من العقود عند العقلاء، فمع تحققها بالقرعة برضاء الشركاء التي من قبيل إنشاء المعاملة بالفعل يحكم بنفوذها، أخذا بالعموم

أسس القضاء و الشهادة، ص: 278

القرعة وسيلة إلى تعيين الحقّ و قد قارنها الرضا.

______________________________

في قوله سبحانه أَوْفُوا بِالْعُقُودِ «1»، يعني العهود، و لا تصل النوبة إلى الأصل العملي. و مع قطع النظر عن ذلك فلا تكون قرعة القاسم المنصوب من قبل الإمام إلّا كالقرعة من الوكيل للشركاء، فإن كان فعل الوكيل بعد تحققه لازما لزمت القسمة في كلا الفرضين، و إلّا فلا، و ما دلّ على نفوذ القضاء و عدم جواز نقضه لا يعم القسمة، فإنّ القسمة هي التي يجبر الحاكم الممتنع من الشركاء عليها.

ثمّ إنّ مقتضى عموم قوله سبحانه أَوْفُوا بِالْعُقُودِ نفوذ القسمة بالتراضي القولي من الشركاء في تعيين حصصهم من غير قرعة و الالتزام باعتبار القرعة في حصول القسمة بلا موجب، سواء أريد من الاشتراط الشرط

الخارجي أم ما ذكر كصاحب الجواهر من كونها شرطا داخليا للقسمة، بحيث لا يصدق عنوان القسمة بدونها، و لكن شي ء من الأمرين غير ثابت، بل الأظهر عدم اعتبارها في القسمة، و لم يرد في شي ء من اخبار القرعة أنّها معينة في قسمة المال المشترك.

بل قيل في الأخبار ما يكون ظاهرا في حصول القسمة بدونها، كالتي وردت في قسمة الدين المشترك كموثقة غياث عن جعفر عن أبيه عن علي- عليه السلام-:

«عن رجلين بينهما مال بأيديهما و منه غائب فاقتسما الذي بأيديهما و أحال كل واحد منهما نصيبه فاقتضى أحدهما و لم يقتض الآخر» الحديث، و لكن في ظهورها في قسمة ما بأيديهما بالقرعة أو بلا قرعة تأمّل، بل منع، حيث إنّها واردة في السؤال عن حكم آخر و هو قسمة مال الغائب يعني الدين كما لا يخفى.

______________________________

(1) المائدة: 1.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 279

و يجري القاسم الواحد إذا لم يكن في القسمة ردّ (1)، و لا بدّ من اثنين في قسمة الرد لأنّها تتضمن تقويما فلا ينفرد به الواحد و يسقط اعتبار الثاني مع رضا الشريك

______________________________

(1) ذكر الماتن- قدّس سرّه- كجماعة أنّه لا يعتبر في القاسم التعدّد إلّا في قسمة الردّ، و علّل اعتبار التعدد في قسمة الرد بأنّها تتضمّن التقويم و يعتبر في المقوم الداخل قوله في الشهادة التعدّد و أردفه بقوله و لو رضى الشريكان بتقسيم واحد كفى، و لا يحتاج إلى ضم الآخر حيث انّ الحق لهما.

أقول: قد ذكرنا في بحث أرش العيب من الخيارات أنّ الرجوع إلى المقوم فيما كان الرجوع إليه من الرجوع إلى أهل الخبرة لا يعتبر فيه التعدد، لاعتبار قول أهل الخبرة مع عدم المعارضة بمثله، و هذا

ممّا جرت عليه سيرة العقلاء، فيكون قوله نظير اعتبار خبر الثقة في الأحكام، حيث إنّ مع السيرة على اعتباره علما لا يعمّه مثل قوله سبحانه لٰا تَقْفُ مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ «1» و مع السيرة أيضا على اعتبار قول أهل الخبرة في الموضوعات لا يمنع عنها ما في رواية مصدق بن صدقة:

«الأشياء كلّها على ذلك إلّا أن يستبين غير هذا أو تقوم به البينة» كما أنّها لا تمنع عن اعتبار قول ذي اليد و غيره ممّا يلتزم باعتباره في الموضوعات.

و على ذلك ينحصر اعتبار التعدد في القاسم على موارد دخول التقويم في الشهادة، كما إذا لم يكن تعيين المال من أي جنس أو ماليته بأي مقدار محتاجا إلى الحدس من أهله.

و ثانيا: إنّ القسمة لا تتضمن التقويم، بل تتوقف عليه في غير قسمة الافراز، فلا يعتبر التعدّد في القاسم، بل يعتبر في المقوّم، و لو قوّم المال اثنان و قسّمه واحد حصلت القسمة.

______________________________

(1) الإسراء: 36.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 280

و اجرة القسّام من بيت المال (1) فإن لم يكن إمام أو كان و لا سعة في بيت المال كانت أجرته على المتقاسمين.

______________________________

و ثالثا: انّ القسمة تضمّنها أو توقفها على التقوم لا ينحصر على قسمة الردّ، بل تعمّ قسمة التعديل أيضا، فلا وجه لتخصيص التضمن بقسمة الردّ إلّا أن يراد بها ما تعمّ قسمة التعديل بأن كان المراد غير قسمة الافراز و لكن هذا الإطلاق غير معروف و على الجملة قد تقدم سابقا أنّ إيكال القسمة إلى شخص الاذن له في إنشاء القسمة كان المأذون أو الأجير واحدا أو متعددا.

(1) إذا طلب الشركاء القسمة من الحاكم فلا يبعد أن يقال بان ضمان أجرة القاسم

عليهم إلّا أن يرى الحاكم في إعطائها من بيت المال صلاحا، كما في موارد الإجبار على القسمة بعضا أو كلّا، و قد قيد بعضهم كون الأجرة من بيت المال بما إذا لم يكن القاسم ممّن يرتزق من بيت المال، و إلّا فلا يستحق أجرة على عمله مع أمر الحاكم بالقسمة و لعلّه لظهور أمره في طلبها مجانا.

و ما قيل في الفرق بين الارتزاق من بيت المال و أخذ الأجرة على العمل منها من أنّ أخذ الأجرة تكون في موارد اختصاص منفعة عمل العامل بالغير، كما في المقام بخلاف الارتزاق، فإنّ منفعة عمله لا تختص بالغير بل يعمّ نفسه أيضا كالمؤذن حيث ينتفع هو و غيره من أذانه لا يخفى ما فيه، فإنّه يجري الارتزاق من بيت المال فيما إذا كان المنتفع بعمله غيره، و لكن الشارع شرع العمل مجانا كالتصدي لتغسيل الموتى و دفنهم، بل كالمتصدي للقضاء على ما تقدم.

ثم إنّه إذا استأجره الشركاء على القسمة بإجارة واحدة أو أمروه بالقسمة و لو بأن استأجره واحد من الشركاء عن نفسه أصالة و عن سائر الشركاء وكالة أو أمره بالقسمة كذلك فلا ينبغي التأمّل في أنّ الأجرة على جميع الشركاء بحسب سهامهم، إلّا مع بنائهم كون الأجرة على الرؤوس لا بحسب السهام، حيث إنّ مع

أسس القضاء و الشهادة، ص: 281

فإن استأجره كلّ واحد منهما بأجرة معيّنة فلا بحث و إن استأجروه في عقد واحد و لم يعيّنوا نصيب كلّ واحد من الأجرة لزمهم الأجرة بالحصص و كذا لو لم يقدّروا اجرة كان له اجرة المثل عليهم بالحصص لا بالسوية.

______________________________

عدم بنائهم كذلك ظاهر أمر المتعدد واحدا بالقسمة هو ضمان الأجرة بحسب السهام، و لعلّ وجه

الظهور انّ العمل لصاحب السهم الزائد أكثر و أنّه لو كانت القسمة على الرؤوس فربّما لا يبقى على بعض الشركاء من المال المشترك شي ء، كما إذا كانت السهام كثيرة مختلفة بالزيادة و النقيصة باختلاف فاحش، بحيث يذهب السهم الأدنى بأجرة القسمة على تقدير كونها على الرؤوس.

نعم إذا استأجره أحد الشريكين على تعيين حصته من حصة صاحبه يستشكل في جواز أن يؤجر نفسه ثانيا على تعيين حصة الآخر، حيث إنّ العمل بالإجارة الأولية الواجبة عليه على الفرض يتوقف على تعيين حصة الشريك الآخر فلا يجوز له أخذ الأجرة عليه، فإنّه من أخذ الأجرة على الواجب، و يجري هذا الاشكال فيما إذا كان المال مشتركا بين ثلاثة، فإنّه إذا استأجره اثنان منهم على تعيين حصتهما فلا يجوز له الإيجار من ثالث.

أقول: لا يبعد أن يلتزم ببطلان الإجارة الثانية لا لأنّ الواجب لا يجوز أخذ الأجرة عليه، فإنّه قد ذكرنا في بحث أخذ الأجرة على الواجبات أنّ مجرد وجوب الفعل ما لم يكن إيجابه عليه بنحو المجانية لا يمنع عن أخذ الأجرة عليه، أضف إلى ذلك أنّ تعيين حصة المستأجر يلازم تعيين حصة الآخر، لا أنّ تعيين حصة الآخر مقدمة للعمل المستأجر عليه.

بل لأنّ أخذ الأجرة على تعيين الحصة للشريك الآخر بعد الاستئجار على تعيين حصة الشريك الأوّل من أكل المال بالباطل عرفا، حيث إنّ الإتيان بالعمل المستأجر عليه يلازم ذلك التعيين.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 282

[الثاني في المقسوم]

الثاني في المقسوم:

هو امّا متساوي الأجزاء كذوات الأمثال مثل الحبوب و الأدهان أو متفاوتها كالأشجار و العقار.

فالأوّل: يجبر الممتنع (1) مع مطالبة الشريك بالقسمة لأنّ الإنسان له ولاية

______________________________

(1) إذا كان المال المشترك متساوي الأجزاء بأن كان مثليا فيجبر الممتنع عن

القسمة عليها عند مطالبة سائر الشركاء القسمة بلا خلاف، بل عليه الاتفاق، و أضاف في الجواهر إلى ذكر الاتفاق قاعدة وجوب إيصال الحق إلى مستحقه مع عدم الضرر في الإيصال، كما هو الفرض في قسمة الإجبار المفروض في المقام، و ذكر الماتن- قدّس سرّه- بأنّ الإنسان له ولاية الانتفاع بماله و الانفراد به أكمل نفعا.

أقول: أمّا دعوى الإجماع فعلى تقديره مدركي، و لا أقل من احتمال كون المدرك له ما ذكر في قاعدتين و غيرهما.

و أمّا القاعدتان فشي ء منهما غير تام، لأنّ حق الشريك هو الحصة من المال بنحو الإشاعة، لا بنحو المعين، و صيرورتها معينا يتوقف على القسمة، و القسمة نوع عقد مشروع من الشركاء يكون بالتراضي، و يحكم بالبطلان مع الإكراه عليهم أو على بعضهم، كما هو مقتضى رفع الإكراه في سائر العقود و المعاملات.

و أمّا دعوى جواز الإجبار عليه لكون الانفراد أكمل نفعا فهي تشبيه دعوى جواز الإجبار على البيع فيما كان الثمن أكمل نفعا للبائع، و العمدة في المقام جريان السيرة العقلائية على أنّ لكل من الشركاء حق إفراز ماله عن الآخرين و لو مع الإجبار فيما لم يكن ضرر في القسمة على سائر الشركاء. و الضرر كما يأتي نقص مالية الحصة مع خروجها عن الإشاعة إلى التعيين و كذلك فيما كان الشي ء غير قابل للقسمة الخارجية فإنّها جارية على قسمة ماليته و لو بالبيع و تقسيم ثمنه إذا لم يقدم أحد الشريكين على شراء حصة صاحبه، و في صورة الضرر و لو لبعض

أسس القضاء و الشهادة، ص: 283

الانتفاع بما له و الانفراد أكمل نفعا، و يقسم كيلا و وزنا متساويا أو متفاضلا ربويا كان أو غيره لأنّ القسمة

تمييز حقّ لا بيع (1).

______________________________

الشركاء السيرة غير محرزة، و احتمال جواز الإجبار مدفوع بما تقدم من اعتبار التراضي في العقد و عدم إمضائه مع الإكراه عليه.

و ذكر في الجواهر في المقام أنّه لا فرق في المال المشترك المفروض كونه مثليا بين الجامد و المائع، و في المائع بين كونه ممّا مسّته النار للعقد أي الثخونة كالعصير يمسّه النار ليصير دبسا أو ربّا، أو مسته للتصفية كالعسل و السمن، خلافا لبعض العامّة، حيث منعوا القسمة في الثاني حتى مع عدم التفاضل، لأنّه لا يجوز بيع المائع المزبور بعضه ببعض و لو مع المماثلة و القسمة داخلة في البيع، و عن كشف اللثام مثل ذلك، و قال بعده أنّ هذه خرافة في خرافة، حيث إنّ الالتزام بعدم جواز معاوضة مائع مسته النار بمثله خرافة. و الالتزام بكون القسمة بيعا خرافة أخرى.

(1) ذكر- قدّس سرّه- أنّ المثلي يقسم بين الشركاء على حساب الحصص بالكيل و الوزن متساويا أو متفاضلا، كما إذا كان المال المشترك صبرتين من الحنطة إحداهما جيّدة و الأخرى رديّة، بحيث تساوي قيمة الجيدة ضعف قيمة الردية، فإنّه يجوز لأحد الشريكين أن يعيّن حصته في الردية، بحيث يكون مقدار سهمه خارجا ضعف السهم لشريك الآخر بحسب الكيل و الوزن، و حيث إنّ القسمة ليست بيعا جاز ذلك و أيضا بما أنّ القسمة ليست بيعا فيجوز أن يوضع بعض المال في إحدى كفتي الميزان و البعض الآخر في كفّته الأخرى حتى تتعادلا من غير علم بوزن كل منهما.

ثمّ إنّ احتمال كون المراد من متفاضلا أن يأخذ أحد الشريكين زائدا على حصّته و لو بهبة الآخر الزائد ضعيف غايته، لأنّ الهبة لا تدخل في عنوان القسمة.

أسس القضاء و

الشهادة، ص: 284

و الثاني: إمّا أن يستضرّ الكلّ أو البعض أو لا يستضرّ أحدهم، و في الأوّل لا يجبر الممتنع (1) كالجواهر و العضائد الضيّقة، و في الثاني إن التمس المستضرّ اجبر من لا يتضرر و إن امتنع المتضرر لم يجبر و يتحقّق الضرر المانع من الإجبار بعدم الانتفاع بالنصيب بعد القسمة و قيل بنقصان القيمة و هو أشبه و للشيخ قولان.

______________________________

(1) إذا كان المال المشترك مختلفا في أجزائه، و لو بحسب القيمة، فإنّ تضرّر كلّ من الشريكين بالقسمة فلا يجبر أحدهما عليه و لو طلبها الآخر، بل تصح قسمتها مع تراضيهما فقط، و كذا فيما إذا تضرّر أحد الشريكين فإنّه لا يجبر المتضرر لو طلبها الآخر. نعم لو رضى به المتضرر و طلبها وجبة على الآخر الإجابة و ليس المراد بالضرر سقوط الحصة عن الانتفاع بعد التعيين، بل يعم النقص في ماليتها كما هو المعهود من الضرر في الأموال.

و يستدل على عدم وجوب الإجابة و عدم جواز الإجبار في الصورتين بقاعدة نفي الضرر، و لكن لا يخفى ما فيه، فإنّه لم يرد في وجوب الإجابة على طلب القسمة من أحد الشريكين و جواز الإجبار عليها خطاب خاص أو عام لتكون قاعدة نفي الضرر حاكما على إطلاق ذلك الخطاب أو عمومه بالإضافة إلى صورة الضرر، بل ذكرنا أنّ مقتضى حديث رفع الإكراه أو عدم حلّ مال الغير إلّا بطيبة نفسه و انّ حرمة مال المسلم كحرمة دمه عدم مشروعية القسمة الإجبارية، غاية الأمر يرفع عن ذلك في صورة عدم الضرر في القسمة أو مطالبته المتضرر للسيرة العقلائية الثابتة في المال المشترك من وجوب الإجابة و جواز الإجبار عليها، و أمّا مع الضرر على كلّ

منهما أو طلب غير المتضرر فلا موجب لجواز الإجبار.

ثمّ إنّ المشهور إنّ القسمة إنّما يعتبر في وجوب الإجبار عليها مع عدم الضرر أو مع مطالبة المتضرر إذا كانت تعديلية لا تتضمن رد المال من أحد

أسس القضاء و الشهادة، ص: 285

ثمّ المقسوم إن لم يكن فيه ردّ و لا ضرر اجبر الممتنع و يسمّى قسمة إجبار و إن تضمنت أحدهما لم يجبر و يسمّى قسمة تراض، و يقسم الثوب الذي لا ينقص قيمته بالقطع كما يقسم الأرض و إن كان ينقص قيمته بالقطع لم يقسم لحصول الضرر بالقسمة، و يقسم الثياب و العبيد بعد التعديل بالقيمة قسمة إجبار، و إذا سألا الحاكم القسمة و لهما بينة بالملك قسّم و إن كان يدهما عليه و لا منازع لهما قال الشيخ في المبسوط لا يقسم و قال في الخلاف يقسم و هو الأشبه لأنّ التصرّف دلالة الملك (1).

______________________________

الشريكين، أمّا إذا كانت متضمّنة لردّ المال من أحدهما فلا يجبر عليها حتى مع عدم الضرر و يعتبر فيها تراضي الشريكين مطلقا، و يستدل على عدم جواز الإجبار في القسمة الردية بأنّها تتضمن المعاوضة و تمليك المال فيعتبر فيها التراضي.

و لكن لا يخفى عدم الفرق بين القسمة الافرازية و التعديلية و القسمة الردية في أنّ القسمة حقيقتها أمر واحد في جميعها، و هي تعيين الحصة خارجا، فالمعاوضة غير منشأة ليعتبر فيها التراضي، بل قهرية تبعية يعبّر عنها بالتعاوض، و مقتضى السيرة المشار إليها عدم الفرق في الحكم بين الأقسام مع عدم الضرر، كما إذا كانت لهما داران ضيقتان على نحو الإشاعة و تكون قيمة إحداهما ألفين و قيمة الأخرى ألفا و خمسمائة فيضاف إلى الأدنى خمسمائة أخرى، فيقرع بينهما

فمن أصابته الدار الأدنى يأخذ من صاحبه مائتين و خمسين، و انّما تحتاج إلى القرعة مع عدم تراضيهما بدونها، و إذا لم تمكن هذه القسمة و لو لعدم المال تباع الداران، و يقسم ثمنهما بينهما كل ذلك بالسيرة المشار إليها.

(1) إذا سأل الشريكان الحاكم أو غيره قسمة المال المشترك بينهما فإن كان لهما بينة بملكهما ذلك المال قسمه بينهما، لأنّ البينة حجّة للقسمة التي قيل إنّها

أسس القضاء و الشهادة، ص: 286

[الثالث: في كيفية القسمة بالحصص]
اشارة

الثالث: في كيفية القسمة بالحصص.

إن تساوت قدرا و قيمة فالقسمة بتعديلها على السهام (1) لأنّه يتضمن القيمة كالدار يكون بين اثنين و قيمتها متساوية و عند التعديل يكون القاسم مخيّرا بين الإخراج على الأسماء و الإخراج على السهام.

أمّا الأوّل فهو أن يكتب كلّ نصيب في رقعة و يصف كلّ واحد بما يميزه عن الآخر و يجعل ذلك مصونا في ساتر كالشمع و الطين و يأمر من لم يطلع على الصورة

______________________________

بمنزلة الحكم في فصل الخصومة و رفع الخلاف بخلاف ما إذا لم يكن لهما بينة بأن كان الطريق إلى مالكيّتهما يدهما بالمال فإنّه يذكر أنّه لا يقسّم لأنّ الحكم لا يجوز بغير البينة و القسمة بمنزلة الحكم و لاحتمال أن يحصل لهما منازع.

و فيه أنّ القسمة حتى من الحاكم لا تكون حكما، بل هي تعيين الحصة من المال المشترك في أبعاضه، و تحسب نوعا من المعاملة توجد بالمباشرة و التوكيل، و إذا ظهر أنّ المتقاسمين أو أحدهما لم يكن شريكا ينكشف بطلانها نظير انكشاف عدم الملك في سائر المعاملات.

و لو ادعى أحد على المتقاسمين أو على أحدهما قبل القسمة أو بعدها تسمع دعواه هذا أوّلا و ثانيا لو فرض أنّ القسمة بمنزلة الحكم

أو نوع منه فلا تجوز بالاستناد إلى قاعدة اليد، فلازم ذلك عدم جواز القسمة بالبينة بالملك أيضا، لأنّ الحكم يصح ببينة المدعي خاصة، و لا يكفي فيه مطلق البينة و بينة المتقاسمين في الفرض غير داخل في بينة المدعي، حيث إنّ يدهما على المال.

(1) إذا كان سهم أحد الشريكين مساويا مع سهم الشريك الآخر من حيث المقدار و القيمة من المال المشترك على تقدير جعله حصتين كما في الأرض المتساوية الأجزاء من حيث القدر و القيمة فإنّها إذا كانت مشتركة بين

أسس القضاء و الشهادة، ص: 287

بإخراج أحدهما على اسم أحد المتقاسمين فما خرج فله.

و أمّا الثاني فهو أن يكتب كلّ اسم في رقعة و يصونهما و يخرج على سهم من السهمين فمن خرج اسمه فله ذلك السهم.

و إن تساوت قدرا لا قيمة عدّلت السهام قيمة و الغى القدر حتى لو كان الثلثان بقيمته مساويا للثلث جعل الثلث محاذيا للثلثين و كيفية القرعة عليه كما صورناه.

و إن تساوت الحصص قيمة لا قدرا مثل أن يكون لواحد النصف و للآخر الثلث و للآخر السدس و قيمة أجزاء ذلك الملك متساوية سوّيت السهام على أقلهم نصيبا فجعلت أسداسا ثم كم تكتب رقعة فيه تردد بين أن يكتب بعدد الشركاء أو بعدد السهام و الأقرب الاقتصار على عدد الشركاء لحصول المراد به فالزيادة كلفة.

______________________________

اثنين بالمناصفة يجعلها القاسم نصفين، ثمّ يخرج القرعة باسم الشركاء أو السهام.

أمّا الأوّل يعني إخراجها باسم الشركاء فيكتب كلا من نصفي الأرض في رقعة، بحيث يميّزه عن النصف الآخر، و يجعل كلا من الرقعتين بحيث لا يمحو كتابتها في ساتر من شمع أو طين أو نحوهما، ثم يؤمر من لا يطلع على كتابتهما بإخراج

أحدهما باسم أحد الشريكين.

و أمّا الثاني أي إخراجها باسم السهام فيكتب اسم أحد الشريكين في رقعة و اسم الشريك الآخر في رقعة أخرى، و يجعل كلا منهما في ساتر، كما تقدم، ثم يؤمر من لا يطلع على كتابتهما بإخراج إحداهما لأحد السهمين المعينين خارجا.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 288

إذا عرفت هذا فإنّه يكتب ثلاث رقاع لكلّ اسم رقعة و يجعل للسهام أوّل و ثان و هكذا إلى الأخير و الخيار في تعيين ذلك إلى المتقاسمين و لو تعاسروا عيّنه القاسم ثمّ يخرج رقعة فإن تضمنت اسم صاحب النصف فله الثلاثة الأول ثمّ يخرج ثانية فإن خرج صاحب الثلث فله السهمان الآخران و لا يحتاج إلى إخراج الثالثة بل لصاحبها ما بقي و كذا لو خرج اسم صاحب الثلث أوّلا كان له السهمان الأوّلان ثمّ يخرج أخرى فإن خرج صاحب النصف فله الثالث و الرابع و الخامس و لا يحتاج إلى إخراج أخرى لأنّ السادس تعيّن لصاحبها.

و هكذا لو خرج اسم صاحب السدس أوّلا كان له السهم الأوّل ثمّ يخرج أخرى فإن كان صاحب الثلث كان له الثاني و الثالث و الباقي لصاحب النصف و لو خرج في الثانية صاحب النصف كان له الثاني و الثالث و الرابع و بقي الآخران

______________________________

أمّا إذا كانت السهام متساوية في المقدار من المال المشترك، لكن المقدار المساوي للسهم منه لا يكون مساويا لمقدار السهم الآخر في القيمة، مثل إذا كانت الأرض المشتركة بين الاثنين بالمناصفة مختلفة في أجزائها بحسب القيمة، بحيث يساوي ثلثها من جانب ثلثي الباقي بحسب القيمة، و في هذا الفرض تعدّل السهام بحسب القيمة لا المقدار، كما في الصورة السابقة بأن يجعل ثلثها من ذلك الجانب

سهما و ثلثيها الباقيين سهما آخر، ثم يخرج القرعة باسم الشريكين أو باسم السهام على ما تقدم.

و إذا كانت السهام مختلفة قدرا لا قيمة، كما إذا كانت الأرض المتساوية أجزائها بحسب القيمة مشتركة بين ثلاثة سهم أحدهم نصفها و سهم الثاني منهم ثلثها و سهم الثالث سدسها، و في مثل ذلك يعدّل المال المشترك على أقل السهام بأن تجعل الأرض المفروضة ستة أسهم خارجية، و يعيّن لابتداء السهام طرفا

أسس القضاء و الشهادة، ص: 289

لصاحب الثلث من غير احتياج إلى إخراج اسمه و لا يخرج في هذه على السهام بل على الأسماء إذ لا يؤمن ان يؤدي إلى تفرق السهام و هو ضرر، و لو اختلفت السهام

______________________________

بالتراضي أو بحكم القاسم، ثمّ يقرع بكتابة أسماء الشركاء في الرقع، و هل تكون الرقع بعدد الشركاء بأن يكتب اسم كل شريك في رقعة فيكون في الفرض ثلاث رقع أو يجعل الرقعة بمقدار السهام بأن يكتب اسم من له نصف الأرض في ثلاث رقع و من له ثلثها في رقعتين و اسم من له السدس في رقعة فتحصل ستّ رقع؟

الظاهر الاكتفاء بالأوّل لحصول الغرض كما نذكر، ثمّ يؤمر من لا يطلع على كتابتها بإخراج إحداها، فإن خرجت باسم الشريك بالنصف يأخذ من ابتداء السهام بثلاثة منها، ثم يخرج رقعة أخرى فإن خرج باسم الشريك بالثلث يأخذ سهم الرابع و سهم الخامس و السهم الباقي لصاحب السدس و هكذا، و لو جعل الرقع ستّا فإن خرج اسم صاحب النصف يعطى تمام سهامه، ثم لو خرج اسمه ثانيا أو ثالثا يلغي الرقعة الخارجة، و فائدة زيادة الرقع مع أنّه يلغي ثانيها و ثالثها لتكثير حظه في الخروج لأنّ أكثر المال

له هكذا قيل، و لكن لا يخفى ما فيه بعد تعديل السهام و عدم جواز تفريق سهام شخص.

و على الجملة: يخرج الرقع في هذه الصورة على السهام، و يكتب في الرقع أسماء الشركاء و لا تخرج على أسماء الشركاء بأن يكتب السهام في الرقع حذرا من تفرّق السهام.

و إذا اختلفت السهام قدرا و قيمة عدّل المال المشترك على أقل السهام بحسب القيمة ثم، يعين السهام بكتابة أسماء الشركاء في الرقع كما تقدم في الصورة السابقة، و قد يقال بإمكان إخراج القرعة على الأسماء بأن يكتب السهام في الرقاع بالنحو التالي ففي رقعة نصف المال، و في الأخرى ثلثه و في الثالثة سدسه، و يعيّن

أسس القضاء و الشهادة، ص: 290

و القيمة عدلت السهام تقويما و ميّزت على قدر سهم أقلهم نصيبا و أقرع عليها كما صورناه.

______________________________

مبدأ السهام المخرجة بالتراضي، أو بتعين القاسم أو بالقرعة الأخرى على المبدء، فيؤمر من لا يطلع على الحال فيها بإخراج رقعة من القراع الثلاث ثم يؤمر بإخراج الثانية، و لكن لا يخفى أنّ هذه عبارة أخرى لكتابة أسماء الشركاء و إخراجها على السهام.

و أمّا كتابة السهام الستّة على الرقاع الستّ ثم إخراجها فقد تقدم أنّه قد يوجب التفريق على واحد في سهامه، كما إذا ظهر السهم الثاني أو الخامس باسم صاحب السدس، أو ظهر الخامس باسم صاحب النصف بعد خروج السهم الرابع باسم صاحب السدس، و هكذا.

أقول: يقع الكلام في المقام في جهتين الأولى في وجه اعتبار قسمة السهام بالقرعة و هل الدليل على مشروعية القرعة تعم مثل المقام ممّا لا يكون للحق فيه واقع معين أم لا؟ و الثانية في انحصار طريق القسمة في المال المشترك على القرعة

بما تقدم من الكيفية من الرقع و كتابتها و الستر عليها، أم أنّها تصدق و لو لم تكن بالكيفية المتقدمة.

أمّا الجهة الأولى: فقد يقال أنّ مشروعية القرعة تنحصر بما إذا كان للشي ء واقع معيّن فيستكشف الواقع المجهول لنا بالقرعة، و بتعبير آخر تخرج القرعة الحق الواقعي، و مع عدم التعيّن للشي ء واقعا كما في المال المشترك فلا دليل على كونها معينة، و يجاب عن ذلك بأنّ في روايات القرعة ما يدل على جريانها حتى فيما لم يكن للشي ء واقع معيّن، و في صحيحة إبراهيم بن عمر اليماني عن أبي عبد اللّه- عليه السلام-: «في رجل قال: أوّل مملوك أملكه فهو حرّ فورث ثلاثة قال: يقرع بينهم

أسس القضاء و الشهادة، ص: 291

و أمّا لو كانت قسمة رد و هي المفتقرة إلى ردّ في مقابلة بناء أو شجر أو بئر فلا

______________________________

فمن أصابه القرعة أعتق قال: و القرعة سنّة» «1».

و لكن في الاعتماد على الصحيحة إشكال، فإنّه لا عتق إلّا بعد ملك كما في غير واحد من الروايات المعتبرة سندا و دلالة، فلا يكون عتق الواحد قبل الملك صحيحا ليحمل المعتق على الطبيعي المقيد بالوحدة، و يتعيّن ذلك الطبيعي بالقرعة، و في صحيحة منصور بن حازم «قال: سأل بعض أصحابنا أبا عبد اللّه- عليه السلام- عن مسألة فقال: هذه تخرج في القرعة، ثم قال: فأي قضية أعدل من القرعة إذا فوّضوا أمرهم إلى اللّه عزّ و جلّ أ ليس اللّه يقول فَسٰاهَمَ فَكٰانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ «2»» «3».

و أورد على الاستدلال بهذه الصحيحة بأنّ من كان مطلوب الحوت كان معينا واقعا، و أجيب بأنّ الأمر و إن كان كذلك واقعا إلّا أنّ أهل السفينة اعتقدوا أنّ واحدا

لا بعينه مطلوب الحوت فساهموا لتعيين الواحد لا بعينه و إلّا فلو كانوا عالمين بأنّ الحوت يطلب يونس- عليه السلام- لأخذوه و القوة في البحر.

أقول: لا يخفى ما في الاستدلال بها فإنّ أهل السفينة و إن لم يعتقدوا بأنّ يونس- عليه السلام- مطلوب للحوت، إلّا أنّه من المحتمل أنّهم اعتقدوا كما نقل أنّ واحدا معينا يطلبه الحوت و هم لا يعرفونه بعينه، و استعملوا القرعة في إخراجه، و على الجملة لا تثبت بالرواية مشروعية القرعة في تعيين ما ليس له واقع معين.

نعم يظهر العموم عن صحيحة حريز عن محمد عن أبي عبد اللّه- عليه السلام-

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 13 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2: 187.

(2) الصافات: 141.

(3) الوسائل: ج 18، الباب 13 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 17: 191.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 292

تصحّ القسمة ما لم يتراضيا جميعا (1) لما يتضمّن من الضميمة التي لا تستقر إلّا بالتراضي و إذا اتّفقا على الرد و عدلت السهام فهل يلزم بنفس القرعة قيل لا لأنّها تتضمن معاوضة و لا يعلم كلّ واحد من يحصل له العوض فيفتقر إلى الرضا بعد العلم بما ميزته القرعة.

______________________________

«في الرجل يكون له المملوكون فيوصي بعتق ثلثهم قال: كان علي- عليه السلام- يسهم بينهم» «1». حيث إنّ شركة الميت مع سائر الورثة في الثلث بنحو الإشاعة، و الرواية ظاهرها تعيين سهم الوصية، بالقرعة و لكن في سندها اشكالا فإنّ محمد الذي يروي عنه حريز يحتمل كونه محمد بن مروان الذي روى غير حريز عن محمد بن مروان مثلها، كما يحتمل كونه غيره و على الجملة لا يتعين محمد في محمد ابن مسلم.

و لكن لا يبعد أن يقال: إن تعيين

السهام بها خارجا في موارد الميز لبعضها و لو قهرا مع عدم التراضي بين الشركاء بنحو آخر للسيرة الجارية من العقلاء عليها، كما ذكرنا نظيرها في الإلزام بالقسمة مع طلب بعض الشركاء مع عدم الضرر، و هذا المقدار مع عدم ثبوت الردع كاف في الحكم بمشروعيتها، كما أن مقتضاها عدم اعتبار رضا الشركاء بعدها بالقسمة الحاصلة بها، بل لا يعتبر رضا جميعهم بها قبل إجرائها في موارد جواز الإجبار بالقسمة على ما تقدم، و ممّا ذكر يظهر الكلام في الجهة الثانية و انّ القرعة تحصل و لو بفقد بعض ما تقدم.

(1) قد تقدم ما فيه فلا يحتاج إلى الإعادة.

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 13 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 3: 188.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 293

[مسائل ثلاث]
اشارة

مسائل ثلاث:

[الاولى: لو كان لدار علو و سفل فطلب أحد الشريكين قسمتها]

الاولى: لو كان لدار علو و سفل فطلب أحد الشريكين قسمتها (1) بحيث يكون لكلّ واحد منهما نصيب من العلو و السفل بموجب التعديل جاز و اجبر الممتنع مع انتفاء الضرر و لو طلب انفراده بالسفل أو العلو لم يجبر الممتنع و كذا لو طلب قسمة كلّ منهما منفردا.

______________________________

(1) إذا كانت الدار مشتركة بين اثنين و كان لها علو و سفل و طلب أحد الشريكين القسمة يكون المطلوب من قسمتها على أنحاء:

الأوّل: أن يطلب قسمتها على حصتهما، بحيث يكون لكل منهما نصيب خاص من كل من العلو و السفل، و تجوز هذه المطالبة بمعنى أنّه يجبر الشريك على هذه القسمة مع عدم الضرر فيها.

الثاني: أن يكون المطلوب من قسمتها بحيث ينفرد أحدهما بالسفل و الآخر بالعلو و يذكر أنّ هذا النحو من القسمة لا يجبر عليها بل تحتاج إلى التراضي و لو مع عدم الضرر، و يقال في وجه ذلك أنّ القسمة بالنحو الأوّل داخلة في القسمة افرازا.

و بالنحو الثاني: داخلة في القسمة تعديلا، و مع إمكان قسمة المال المشترك افرازا لا يجوز الإجبار على القسمة تعديلا كما يأتي.

أقول: الكبرى و إن كانت كما ذكر، لأنّ عمدة الدليل على جواز الإجبار على القسمة السيرة العقلائية و مقتضاها تقديم القسمة الافرازية إلّا أنّ كون الأوّل قسمة افرازية غير صحيح، و مع كونها تعديلية أيضا يجبر على الجامع بين القسمتين، و مع عدم التراضي بأحد النحوين يعين أحدهما بالقرعة مع عدم الضرر كما هو الفرض. نعم في مثل الشقق المتعارفة في عصرنا الحاضر تحسب كل

أسس القضاء و الشهادة، ص: 294

[الثانية: لو كان بينهما أرض و زرع فطلب قسمة الأرض حسب اجبر الممتنع]

الثانية: لو كان بينهما أرض و زرع فطلب قسمة الأرض حسب اجبر الممتنع (1) لأنّ

الزرع كالمتاع في الدار و لو طلب قسمة الزرع قال الشيخ لم يجبر الآخر لأنّ تعديل ذلك بالسهام غير ممكن و فيه اشكال من حيث إمكان التعديل بالتقويم إذا لم يكن فيه جهالة إمّا لو كان بذرا لم يظهر لم يصحّ القسمة لتحقق الجهالة و لو كان سنبلا قال أيضا لا يصحّ و هو مشكل لجواز بيع الزرع عندنا.

______________________________

طبقة مالا مستقلا و يأتي حكمها.

الثالث: ما إذا كان المطلوب قسمة كل من العلو و السفل منفردا، بأن يقسم السفل مع قطع النظر عن العلو و العلو مع قطع النظر عن السفل و كأنّهما مالان مستقلان يكون كل واحد منهما مشتركا بينهما، و هذه القسمة تحتاج إلى التراضي، و لا يجبر عليها، لأنّ تقسيمها كذلك بحيث يكون السفل من جانب و العلو من جانب آخر لواحد و السفل من جانب آخر مع العلو من الجانب الأوّل للآخر غير داخل في قسمتها المتعارفة، لأنّ الدار تحسب بجميع أجزائها مالا واحدا مشتركا.

(1) إذا اشترك اثنان في أرض و زرعها يحسب كل من الأرض و الزرع مالا مستقلا، و لذا لو طلب أحدهما قسمة الأرض خاصة يجبر الآخر عليها مع عدم الضرر سواء أ كانت قسمتها قسمة تعديل أم إفراز، أمّا إذا طلب أحدهما قسمة الزرع خاصة فالمحكي عن الشيخ- قدّس سرّه- إنّه لا يجبر الآخر على القسمة لعدم إمكانها في الزرع لأنّ القسمة تتوقف على تعديل السهام و تعديلها في الزرع عادة غير ممكن، و ناقش الماتن- قدّس سرّه- فيه بأنّ كلامه لا يخلو عن إشكال فإنّ الذي لا يمكن في الزرع عادة هو التعديل عينا و أمّا التعديل قيمة فهو أمر ممكن. نعم فيما كان بذرا لم تصح

قسمته لتحقق الجهالة في المقسوم.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 295

[الثالثة: لو كان بينهما قرحان متعدّدة و طلب واحد قسمتها بعضا في بعض]

الثالثة: لو كان بينهما قرحان متعدّدة و طلب واحد قسمتها بعضا في بعض لم يجبر الممتنع (1) و لو طلب قسمة كلّ واحد بانفراده اجبر الآخر و كذا لو كان بينهما حبوب مختلفة و يقسم القراح الواحد و إن اختلفت أشجار أقطاعه كالدار الواسعة

______________________________

أقول: لعلّ المراد بالجهالة عدم إمكان تعديل السهام حتى قيمة، و لا يبعد أن يقال: إنّ المال المشترك إذا كان حبا مستورا في الأرض لم يخضر أو مع اخضراره أيضا المسمى بالبذر في بعض الكلمات غير قابل للقسمة، لأنّ البذر قبل صيرورته قصيلا أو سنبلا لا يعتبر مالا حتى يعدل السهام قيمته و إن يكون ملكا اللّهمّ إلّا أن يقال عدم المالية بلحاظ الحالة الفعلية لا بلحاظ اشتراط بقائه ليصير قصيلا أو سنبلا أو حنطة و شعيرا كما لا يخفى.

و لو صار الزرع سنبلا فالمحكي في كلام الماتن عن الشيخ- قدّس سرّه- عدم صحة قسمته و لعلّه لعدم إمكان تعديل السهام و لو بالقيمة و لكن ضعّفه الماتن- قدّس سرّه- بجواز بيع الزرع قصيلا كان أو سنبلا و كان جواز البيع يلازم التقويم الذي يدخل فيه تعديل السهام بالقيمة و لكن لا يخفى أنّ جواز البيع يلازم التقويم لا تعديل السهام في أبعاض العين قيمة كما يظهر ذلك للمتأمّل.

(1) المشهور بين الأصحاب كما قيل إنّ الاملاك المتعددة التي يعد كل واحد منها ملكا و مالا مستقلا إذا كان كل واحد منها مشتركا بين اثنين أو أزيد و طلب أحد الشريكين الآخر بقسمة بعضها في بعض بأن يكون بعضها بتمامه ملكا له و بعضها الآخر بتمامه ملكا للشريك الآخر، كما إذا كان

لهما قطعات أربع من الأرض الخالية من الشجر المعبر عن كل واحد منها بالقراح، و طلب أن تكون قطعتان منها له و القطعتان للآخر، أو كان في الخارج صبرتان إحداهما حنطة و الأخرى شعير و كل منهما مشترك بين اثنين بالمناصفة فطلب أحدهما القسمة بأن تكون احدى الصبرتين بتمامها له و الأخرى بتمامها لصاحبه، و كذا إذا كانت لهما

أسس القضاء و الشهادة، ص: 296

إذا اختلفت أبنيتها و لا يقسم الدكاكين المتجاورة بعضها في بعض قسمة إجبار لأنّها أملاك متعدّدة يقصد كلّ واحد منها بالسكنى على انفراده فهي كالأقرحة المتباعدة.

______________________________

غير ذلك من الدكاكين و الدور المتعددة، ففي مثل ذلك لا يجبر الآخر على هذه القسمة حتى فيما لم يكن في البين ضرر، بخلاف ما إذا طلب قسمة كل منها بأن يكون بعض كل منها لواحد و بعضه الآخر للآخر فإنّه يجبر على هذه القسمة مع عدم الضرر.

و علّلوا ذلك بأنّ هذا النحو من القسمة قسمة إفراز و مع إمكانها لا يجبر على القسمة بالنحو الأوّل الداخلة في القسمة التعديلية، لأنّ للمالك أن يتحفظ بحصّته من المال و لو مع اجابته لطلب القسمة أو طلبها. نعم مع عدم إمكان القسمة إلّا بالنحو الأوّل كما في الثياب المتعددة المشتركة كل واحد منها بينهما و كالدواب و الكتب و غير ذلك جاز الإجبار عليها، و استثنوا من جواز الإجبار القسمة بالردّ و التزموا بعدم جواز الإجبار عليها حتى و لو يمكن غيرها.

بل استشكلوا في صحة قسمة الرد مع إمكان القسمة بالإفراز أو بالتعديل حتى مع التراضي، فإنّه مع إمكان غيره لا تصدق عليها القسمة و لذا ذكر بعضهم عدم صحتها حينئذ إلّا بإيقاع المصالحة المفيدة فائدتها.

ثمّ إنّه

إذا طلب أحد الشريكين قسمة المال المشترك بينهما بالقسمة بالنحو الثاني وجبت الإجابة لها و جاز الإجبار عليها و لو كانت القسمة بالإضافة إلى توابعه من النحو الأوّل يعني من قسمة بعض التوابع المشتركة في البعض الأخرى، كما إذا كانت الدار واسعة فيها أشجار مختلفة و أبنية متعددة، و إلى ذلك ينظر كلام الماتن- قدّس سرّه- و يقسم القراح الواحد و ان اختلفت أشجار أقطاعه كالدار الواسعة إذا اختلفت أبنيتها.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 297

[الرابع: في اللواحق و هي ثلاث]
اشارة

الرابع: في اللواحق و هي ثلاث:

[الأولى: إذا ادّعى بعد القسمة الغلط عليه لم تسمع دعواه]

الأولى: إذا ادّعى بعد القسمة الغلط عليه لم تسمع دعواه (1) فإن أقامت بنية سمعت و حكم ببطلان القسمة لأنّ فائدتها تميّز الحق و لم يحصل و لو عدمها فالتمس اليمين كان له إن ادّعى على شريكه العلم بالغلط.

______________________________

أقول: قد تقدم أنّه إذا لم تمكن القسمة بالإفراز و التعديل يجوز لأحد الشريكين مطالبة الآخر بالقسمة الردية، و يجب على الآخر القبول، غاية الأمر إذا طلب كل منهما الحصة الخالي عن الرد أو المضمة بها الرد يقرع بينهما و مع عدم إمكان هذا النحو من القسمة و لو لعدم المال لواحد منهما للضم للطرف الناقص يباع المال المشترك و يقسم الثمن لهما على ما أشرنا إليه من السيرة العقلائية.

(1) إذا ادعى أحد الشريكين على الآخر وقوع الغلط لم تسمع إلّا مع البينة به فيما أجاب الآخر بلا أدري، أمّا إذا كان نافيا للغلط أو ادعى عليه علمه بالغلط يتوجه اليمين على الآخر بالحلف على نفي الغلط أو على عدم علمه بالغلط، لأنّ أصالة الصحة الجارية في القسمة تجعل من يدّعي الغلط مدعيا في دعواه فعليه إثباته، و مع جواب الآخر بلا أدري و اعتراف المدعي بعدم العلم لم يتوجه الدعوى على الآخر. بل الأمر كذلك حتى مع قوله بأنّه لا يدري أنّ الآخر يعلم الغلط أم لا لأنّ قوله هذا مساو بأنّ الآخر مع عدم علمه به يعمل على وظيفته.

و الماتن كغيره- قدّس سرّهم- لم يتعرض لصورة نفي الآخر الغلط، فإنّه قد ذكرنا أنّ مع نفيه يتوجه إليه اليمين على نفيه و عدم تعرضهم له لما بنوا عليه في موارد الدعوى على الغير في فعل الآخر من أنّه لا تسمع

الدعوى إلّا مع البينة، حيث لا يمكن فيها للمدعي عليه اليمين على فعل الآخر و هو القاسم في المقام، و لكن قد عرفت ما فيه، و على الجملة إنّما لا تسمع الدعوى في المقام كسائر المقامات مع عدم البينة للمدعي فيما إذا أجاب الخصم بلا أدري لا مطلقا.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 298

[الثانية: إذا اقتسما ثمّ ظهر البعض مستحقّا]

الثانية: إذا اقتسما ثمّ ظهر البعض مستحقّا فإن كان معينا في أحدهما بطلت القسمة (1) لبقاء الشركة في النصيب الآخر و لو كان فيهما بالسوية لم تبطل لأنّ فائدة

______________________________

ثمّ إنّ الخصم في دعوى الغلط هو الشريك الآخر سواء أ كانت القسمة عن قاسم منصوب أم بتوكيل من المتقاسمين أو كانت بفعل الشريكين. نعم إذا كان القاسم غيرهما بالأجرة على المدعي أو على الشريكين فللدعوى عليه وجه لاسترداد الأجرة أو دعوى سقوطها عن عهدة المدعي، و لعل ما ذكر في القواعد يرجع إلى ذلك.

أمّا التفرقة في سماع الدعوى بين القسمة إجبارا فتسمع دعوى الغلط مع البينة بل بدونها أيضا على ما تقدم و بين القسمة بالتراضي فإنّها لا تسمع لأنّ التراضي حصل منهما بتعيين حصتهما بما وقع فلا يمكن المساعدة عليه، فإنّ التراضي بما وقع مبني على التعديل و هو غير حاصل على دعوى مدعي الغلط.

(1) إذا ظهر بعد القسمة بعض المال مستحقا للغير فإن أوجب ردّ ذلك البعض على مستحقّه بطلان التعديل بطلت القسمة، كما إذا اقتسما الأموال المتعددة المشتركة بينهما بتقسيم التعديل و تعيين حصة أحدهما في بعضها بحصة الآخر في المال الآخر و ظهر المدفوع إلى أحدهما مستحقا للغير، و كذا إذا ظهر لمن وقعت حصته على بعضها أنّها ملك للغير، و كذا في المدفوع إلى الآخر من الشريكين

مع اختلاف المالين المستحقين للغير في القيمة، أمّا إذا كان كل منهما مساويا مع الآخر في القيمة فلا تبطل القسمة لعدم بطلان التعديل، نعم إذا أوجب ذلك خروج الباقي للشريكين عن التعديل في القيمة لبقاء دار لأحدهما بلا طريق ماء و نحوه بطلت القسمة ببطلان التعديل.

هذا كلّه فيما إذا ظهر البعض المعين مستحقا للغير، و أمّا إذا ظهر بعض المال بنحو الإشاعة مستحقا للغير، كما إذا قسمت التركة بين أخوين، ثم ظهر أخ

أسس القضاء و الشهادة، ص: 299

القسمة باقية و هو إفراز كلّ واحد من الحقّين و لو كان فيهما لا بالسوية بطلت لتحقق الشركة، و إن كان المستحقّ مشاعا معهما فللشيخ قولان: أحدهما لا تبطل فيما زاد عن المستحق و الثاني تبطل لأنّها وقعت من دون إذن الشريك و هو أشبه.

______________________________

ثالث، فيقال مع تساوي نسبة المال المستحق للغير تبطل القسمة بالإضافة إلى حصة الأخ الثالث، بمعنى أنّ الثالث يشترك في كل ما وصل إلى كل من الأخوين بالثلث، و بتعبير آخر القسمة صحيحة بالإضافة إلى حصتي الأخوين المتقاسمين.

و عن الشيخ- قدّس سرّه- في أحد قوليه أنّها تبطل من أصلها، لأنّ القسمة من المعاملات و قد وقعت بلا اذن الشريك الثالث حتى فيما كان الثالث شريكا في حصته أحدهما خاصة، كما إذا قسمت التركة بين أخ الميت و زوجته ثم ظهرت للميت زوجة أخرى.

نعم يختص البطلان بما إذا لم يجز الثالث تلك القسمة و إلّا صحت القسمة و يكون شريكا مع كل من الأخوين في ما بيده بالثلث في الأوّل و مع ما بيد الزوجة بالمناصفة في الثاني، لأنّ صحة المعاملة الفضولية لا تختصّ بغير القسمة بل تجري فيها أيضا، كما هو مقتضى

وجوب الوفاء بالعقود بعد إجازة أربابها.

و ظاهر بعض الكلمات عدم الحاجة إلى الإجازة أيضا فيما إذا كانت النسبة متساوية بالإضافة إلى حصتي المتقاسمتين، كما إذا كان المال المشترك ثلاث دواب تساوي قيمة إحداها قيمتي الأخريين فاقتسما بينهما بقسمة التعديل بأن أخذ أحد الشريكين الدابتين و الآخر تلك الواحدة، فإنّ الغير في الفرض يملك من كل دابة ثلثها و النسبة بعد القسمة أيضا باقية بحالها، و لكن الأظهر بطلان القسمة في الفرض أيضا مع عدم اجازة الغير، و ذلك فإنّ النسبة و لو كانت باقية بحالها إلّا أنّ قسمة الشريكين مع الغير تختلف مع قسمة كل الشركاء، فإنّ القسمة في الفرض تكون بقسمة الرد لا محالة، و لكن الشريكين اقتسموا بقسمة التعديل.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 300

[الثالثة: لو قسّم الورثة التركة ثمّ ظهر على الميّت دين]

________________________________________

تبريزى، جواد بن على، أسس القضاء و الشهادة، در يك جلد، دفتر مؤلف، قم - ايران، اول، ه ق

أسس القضاء و الشهادة؛ ص: 300

الثالثة: لو قسّم الورثة التركة ثمّ ظهر على الميّت دين فإن قام الورثة بالدين لم تبطل القسمة (1) و إن امتنعوا نقضت و قضى منها الدين.

______________________________

فالصحيح هو أنّه إذا كانت القسمة بين الشريكين المتقاسمين قسمة إفراز لا تحتاج إلى القرعة بين الشركاء، كما كذا كان المال المشترك صبرة من الحنطة التي بعد قسمتها إلى الحصتين يكون للغير ثلث الحبة من كل حبة، فالقسمة المزبورة لا تحتاج إلى إجازة الغير لبقاء مال الغير بحاله حتى في مقام القسمة مع كل منهما، أمّا إذا كانت القسمة تعديلية أو افرازية تحتاج كالتعديلية إلى القرعة مع تشاح الشركاء كالأرض التي تشاح في الأخذ من شرقها أو غربها أو من وسطها أو كانت القسمة ردية فلا تجوز القسمة إلّا

بإجازة الغير.

(1) بأن أدى الورثة الدين من أموالهم فيكون الفرض كما إذا أدى الأجنبي دين الميت تبرعا أو إبراء الدائن ذمته فإنّه بعد ذلك لا يكون على الميت دين فتكون تركته للورثة فتصح القسمة الحاصلة قبل ذلك.

و يلحق بذلك ما لو ضمن الورثة الدين على الميت للغرماء فإنّه بناء على ما هو الصحيح عندنا من انتقال الدين إلى ذمة الضامن مع عقد الضامن تبرأ ذمّة الميت فتصح القسمة السابقة.

و قيل: إنّ هذا فيما إذا لم يكن الدين مستوعبا للتركة، حيث إنّ مع عدم الاستيعاب يدخل الفرض في المسألة السابقة يعني الثانية تقريبا و انّما الفرق بين المفروض و المتقدم في المسألة السابقة هو أنّ ما يستحقه الغير في تلك المسألة كان من الحصة المشاعة و في الفرض من قبيل الكلي في المعين، أمّا مع كون الدين مستوعبا فلا يحكم بلزوم القسمة لأنّ مع الاستيعاب لا تكون التركة ملكا للورثة لتكون قسمتها من تقسيم المال المشترك و يدخل في لزوم الوفاء بالقسمة التي

أسس القضاء و الشهادة، ص: 301

..........

______________________________

تدخل في المعاملة و العقد، بل يكون الورثة مالكين بعد حصولها نظير مسألة من باع شيئا ثمّ ملك.

أقول: صحّة القسمة مع عدم استيعاب الدين أيضا مورد المناقشة، فإنّ القسمة بالإضافة إلى مقدار الدين نظير مسألة من باع شيئا ثمّ ملك، و بيان ذلك أنّ مع عدم استيعاب الدين أيضا لا تنتقل جميع التركة إلى ملك الورثة و يكون استثناء مقدارها عن التركة بنحو الكلي في المعين، و بتعبير آخر يكون الفرض كتقسيم الورثة تركة الميت قبل موته بلا فرق بين صورة استيعاب الدين و عدمها، و الأحوط لو لم يكن أظهر اعتبار التراضي بالقسمة السابقة أو إجازتها

من الحاكم إذا كانت قسمة إجبار.

ثمّ إنّه يذكر في المقام أنّه لو أدى بعض الورثة من ماله دين الميت بمقدار سهمه و امتنع البعض الآخر يباع على الممتنع ما وصل إليه من التركة بمقدار سهمه من الدين و يقال كما عن صاحب الجواهر- قدّس سرّه- أنّه إذا بطلت القسمة بالإضافة إلى ما يباع فلا تصحّ القسمة المزبورة.

أقول: مع الغمض عن المناقشة السابقة لا يكون في الفرض اشكال آخر، و ذلك فإنّه قد تقدم أنّه يجوز للورثة تملك التركة بأداء دين ما على الميت من أموالهم فما يباع من التركة التي بيد الممتنع يكون مقابلا لما تملّكه سائر الورثة من التركة بأداء دين ميّتهم فيحصل التعديل في بقية التركة مع عدم الاستيعاب كما هو المفروض.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 303

[النظر الرابع: في أحكام الدعوى]

اشارة

النظر الرابع:

في أحكام الدعوى و هو يستدعي بيان مقدمة و مقاصد.

[أمّا المقدمة فتشتمل على فصلين]

اشارة

أمّا المقدمة فتشتمل على فصلين:

[الأوّل في المدعى]

الأوّل في المدعى و هو الذي يترك لو ترك الخصومة (1) و قيل هو الذي يدعى خلاف الأصل أو أمرا خفيّا و كيف عرفناه فالمنكر في مقابلته.

______________________________

(1) قد ورد في الروايات أنّه يكون القضاء بالبينة للمدعي و اليمين على من ادعي عليه إذا لم يقم المدعي البينة، فيقع الكلام في المقام في الميزان لكون أحد المتخاصمين مدّعيا ليطلب منه البينة و اليمين من خصمه مع عدمها. هذا بالإضافة إلى غير الموارد التي قام دليل خاص فيها على كيفية الحكم على ما يأتي،

أسس القضاء و الشهادة، ص: 304

..........

______________________________

و ذكر صاحب الجواهر- قدّس سرّه- أنّه لو اشتبه في مورد الأمر و لم يتبين فيه المدعي من المدعى عليه ينحصر الإثبات بالبينة لأنّها حجّة شرعية و مع فرض تعارض البينة فيه بأن كان لكل منها بينة يعمل على المرجح و مع عدمه تتعين القرعة في العمل بها.

أقول: تتضح حقيقة الحال و ما فيه بعد تتميم المقال في ميزان تشخيص المدعي من المدعى عليه، و قد ذكر الماتن- قدّس سرّه- في الميزان أنّ الذي يترك لو ترك الخصومة بمعنى أنّ خصمه لا يراجعه لو لم يراجع هو خصمه هو المدعي.

و أورد على هذا التعريف بأنّه يصدق في موارد دعوى الحق على الغير خاصة، أمّا في موارد دعوى سقوط ما كان للغير عليه من الحق فلا، فإنّه لو ترك دعوى سقوط الدين عن عهدته لأخذه الآخر و طلب منه الدين.

و قد يتعذر عن الإيراد بأنّ ما ذكر في تعريف المدعي للإشارة إلى تمييز الدعوى ببعض الجهات و إلّا ففي الحقيقة ليس للدعوى على الغير حقيقة شرعية، بل الدعوى على معناها اللغوي العرفي و هو

الاخبار الجازم المتضمن للحق له على الغير أو سقوط ما كان للغير عليه.

و قد يجاب عن الإيراد بأنّ المراد من تركه لو ترك الدعوى عدم مطالبته بشي ء من جهة الدعوى فلا ينافي مطالبته من جهة أخرى كثبوت المال على عهدته و فيه أنّ التعريف قد ذكر للمدعي في مقابل المنكر، و هو الذي لا يترك إذا ترك إنكاره و معنى عدم تركه مطالبته بالحق عليه للغير، فقد تحصل ممّا ذكر أنّ التعريف المزبور لا يكون ملاكا لتشخيص المدعي عن المنكر.

و قد يقال في ميزان كون أحد المتخاصمين مدعيا و الآخر منكرا: إنّ المدعي

أسس القضاء و الشهادة، ص: 305

..........

______________________________

من يكون قوله مخالفا للأصل فيكون المدعى عليه و المنكر من يكون قوله موافقا للأصل.

و قد يورد على هذا التعريف بأنّه إن أريد من الأصل جميع الأصول فمن المقطوع عدم اعتبار جميع الأصول في كون شخص مدعيا و الآخر منكرا و ان أريد بعضها فيمكن أن يكون قول أحد المتخاصمين مخالفا لأصل و موافقا لأصل آخر، كما يمكن أن يكون قول أحد المتخاصمين مخالفا لأصل و قول الآخر أيضا مخالفا لأصل آخر.

و لكن لا يخفى ضعف هذا الإيراد فإنّ المراد بالأصل هو الأصل المعتبر الجاري في حق الشاك، و الأصول المتعددة إذا كانت بعضها موضوعية و بعضها حكمية لا تصل النوبة إلى الأصل الحكمي مع جريان الأصل الموضوعي.

و بتعبير آخر تشخيص المدعي من المنكر لتطلب البينة من المدعي يكون من وظيفة الحاكم الشرعي المفروض جهله بواقع الحال في الواقعة المرفوعة إليه، فيأخذ في تلك الواقعة بالأصل المعتبر في حق الشاك فمن يوافق قوله مع ذلك الأصل المعتبر لا يحتاج قوله إلى إثبات و من يخالف قوله

ذلك الأصل فيطالبه بالبينة.

و ممّا ذكر يظهر الجواب عمّا إذا كان قول أحد الخصمين موافقا لأصل و القول الآخر موافقا لأصل آخر، و وجه الظهور أنّه إذا كان أحد الأصلين موضوعيا و الآخر حكميا فلا تصل النوبة إلى الحكمي، و إلّا تكون الواقعة من موارد التداعي لا الدعوى و الإنكار.

و الصحيح في الإيراد عليه أنّه لا يختصّ المدعي بمن لا يوافق قوله الأصل

أسس القضاء و الشهادة، ص: 306

..........

______________________________

و المدعى عليه بمن يوافق قوله الأصل، بل يعمّ المدعي كل من يكون قوله محتاجا إلى الإثبات لكونه مخالفا لما اعتبر في حق الشاك، سواء أ كان أصلا عمليا أم امارة كقاعدة اليد، و لعلّه لذلك عطف الماتن- قدّس سرّه- كغيره المخالفة للظاهر على خلاف الأصل كما إذا اعتبر الشارع ظاهر الحال في مورد أو حكم بحلف من يكون قوله موافقا له بحيث يفهم منه اعتبار ذلك الظاهر.

و الحاصل لا يختلف الشرع و العرف في معنى الدعوى على الغير بحيث يوصف أحدهما مدعيا و الآخر مدعى عليه، فكل من يذكر ثبوت الحق و نحوه له على الغير أو ارتفاع حق الغير عنه بحيث يحتاج إلى إثبات ما يذكره هو المدعي فالمقام نظير ما ذكرنا في المعاملات بالمعنى الأخص من أنّ لفظ البيع مثلا يستعمل في كلام الشارع فيما يستعمل فيه عند العرف، غاية الأمر يختلف نظرهما في مصاديقه بحيث يرى العرف تمليك الخمر بالعوض بيعا أو المنابذة بيعا و لا يعتبرهما الشارع.

و الوجه في كون المقام نظيرها أنّ المدعي في دعواه على الغير يطالب بحق له عليه أو يخبر عن سقوط ما للغير عليه من الحق، و المراد بالحق في المقام ما يعمّ المال على العهدة

و الخارج و غيرهما مما يقع مورد المخاصمة و المنازعة و المطالبة كدعوى الزوجية و الوصاية و الطلاق إلى غير ذلك ممّا يكون عند العقلاء ملزما بإثباتها على الغير، فربّما يكون ما يذكره عند العقلاء محتاجا إلى الإثبات و لكن يكون الأمر عند الشارع بالعكس و ذلك لموافقته لما اعتبر الشارع في حق الشاك.

و على ذلك فإن أسلم الزوجان قبل الدخول فقال الزوج أسلمنا معا فالنكاح باق و قالت الزوجة أسلمت قبلك فلا نكاح، فإنّ الاستصحاب في ناحية عدم إسلامهما معا يعارضه عدم إسلام الزوجة قبل زوجها فإنّ إسلامهما معا موضوع

أسس القضاء و الشهادة، ص: 307

..........

______________________________

لبقاء نكاحهما و إسلامها قبل إسلام زوجها موضوع لزواله فتصل النوبة إلى استصحاب بقاء نكاحهما و يوافقه قول الزوج فتكون المرأة مدعية لزوال النكاح فعليها إثباته.

و قيل: إن قولها يوافق الظاهر لأنّ إسلامهما معا خلاف الظاهر يعني أمرا بعيدا، و لكن لا يخفى ما فيه فإنّ موافقة الظاهر توجب كون من يوافقه منكرا، و لا يلاحظ معها موافقة الأصل، لأنّ الظاهر من قبيل الامارة و لا تصل النوبة إلى الأصل مع اعتباره، و كذا فيما لو حكم الشارع بتقديم قول من يوافق ذلك الظاهر و أمّا مع عدم ثبوت شي ء من الأمرين كما هو الصحيح فلا اعتبار به في تشخيص المدعي عن المدعى عليه.

و ذكر صاحب الجواهر- قدّس سرّه- أنّ المتعين هو القول بأنّ المدعي من ينشأ الخصومة في حق له أو في الخروج عن حق للغير كان عليه سواء كان قوله مخالفا للأصل و الظاهر أم موافقا لأحدهما، و سواء ترك مع تركه أم لم يترك، و على ذلك ففي مسألة إسلام الزوجين قبل الدخول لو كان

مصب الدعوى تقارن إسلامهما أو تقدم إسلام الزوجة فكل منهما مدّع فيكون المورد من موارد التحالف، و إن كان مصب الدعوى بقاء الزوجية و عدم بقائها فالمرأة مدعية.

أقول: إذا كان أحد المتخاصمين منشأ الخصومة في حق له على الغير أو سقوط حق آخر كان عليه يكون قوله مخالفا للأصل لا محالة، لأنّ ثبوت الحق كسقوطه أمر حادث مسبوق بالعدم.

و أمّا قوله- قدّس سرّه- أنّه لو كان مصب الدعوى تقارن إسلامهما أو تقدم إسلامهما يكون كل منهما مدعيا و منكرا فلا يخفى ما فيه، فإنّه إذا كان كل منهما مدعيا بالإضافة إلى قوله و منكرا بالإضافة إلى قول الآخر تكون الوظيفة مع عدم

أسس القضاء و الشهادة، ص: 308

..........

______________________________

البينة التحالف، و لا معنى للتحالف في مثل المقام ممّا لا يمكن الحكم معه، و إنّما يعتبر التحالف فيما إذا أمكن فصل الخصومة معه بسقوط الدعويين.

أضف إلى ذلك أنّ مجرّد الاختلاف في مصب القولين كما في قول أحدهما تقارن إسلامهما و قول الآخر تقدم إسلامها لا يوجب صدق الدعوى ما لم يتضمن دعوى الحق له أو سقوط ما كان للغير من الحق.

ثمّ لا يخفى أنّه ربّما يسمع قول شخص أو أحد المتخاصمين مع اليمين أو بدونها مع كونه مدعيا عرفا، كما إذا ادعى الودعي ردّ الوديعة و أنكر صاحبها ردّها، فإنّ الأكثر التزموا في المسألة بتقديم قول الودعي و أنّه يحلف على الردّ، كما إذا ادعى الأمين تلف المال و قال المالك بقائه و عدم تلفه فإنّ ثبوت مثل هذا الحكم لا يدلّ على أنّ للمدعي معنى شرعيا، بل الحكم في هذه الموارد إمّا لأنّ الشارع منع من اتهام الأمين مطلقا كما قيل من أنّ الأصل في

الأمين عدم الخيانة فيكون قول من يخالفه دعوى، أو أنّه من قبيل التخصيص في قولهم البينة على المدعي و اليمين على المدعى عليه.

و ممّا ذكرنا يظهر أنّه يختلف صدق المدعي و المدعى عليه باعتبار تضمن القول مطالبة الحق أو سقوطه، فلو اختلفا و قال مالك المال انّه وهب المال و قال صاحبه أنّه باعه منه و أخذ الثمن و كان غرض البائع من دعوى الهبة الرجوع لبقاء عين المال و غرض صاحبه أنّه لا يجوز له الرجوع لبيع المال و قبض الثمن، فيكون المدعي هو المالك لجريان الاستصحاب في ناحية عدم الهبة، و لا يجري الاستصحاب في ناحية عدم البيع لاعتراف المالك بعدم استحقاقه المطالبة بالثمن و إثبات الهبة بالاستصحاب في عدم البيع مثبت.

و أمّا إذا كان المال تالفا و قال المالك أنّ الواقع بينهما كان بيعا بكذا فله

أسس القضاء و الشهادة، ص: 309

و يشترط البلوغ و العقل (1) و إن يدّعى لنفسه أو لمن له ولاية الدعوى عنه ما

______________________________

المطالبة بالثمن و قال الآخر انّه كانت هبة فلا يستحق عليه شيئا فالمالك مدّع، لأنّ الاستصحاب يجري في ناحية عدم البيع و لا يعارضه الاستصحاب في ناحية عدم الهبة لعدم الأثر للهبة في الفرض و إثبات البيع بنفيها من الأصل المثبت.

و ما يقال من أنّ الميزان في تشخيص المدعي عن المنكر مصب الدعوى، ينبغي أن يراد منه الغرض و المقصود فيما لا مورد للأصل في المصبّ إلّا بلحاظ أثر هو الغرض و المقصود.

(1) حاصل ما ذكره- قدّس سرّه- أنّه يعتبر في المدعي أن يكون بالغا عاقلا و أن يدعي لنفسه أو لمن له ولاية الدعوى عنه و أن يدعي ما يصح منه تملكه و

لو ولاية أو وكالة. و هذه القيود الأربعة معتبرة في كون شخص مدعيا ثمّ أردف على هذه القيود و لا بدّ من كون الدعوى صحيحة لازمة و كأنّ مراده- قدّس سرّه- أنّ القيود الأربعة معتبرة في كون شخص مدعيا بإضافة كون دعواه صحيحة لازمة.

و كيف ما كان يقع الكلام فيما يعتبر في المدعي فنقول: لا ينبغي التأمّل في اعتبار البلوغ و العقل في سماع الدعوى لو كان المراد من سماعها القضاء في الواقعة و فصل الخصومة و المرافعة فيها فإنّ المتصدي لواقعتهما مرافعة وليّهما، نعم فيما إذا لم يمكن لولي الصبي المرافعة كما إذا ادعى الصبي أنّ الغير جنى عليه بالجراحة أو سلب ثيابه و نحو ذلك أو حتى ما إذا ادّعى أنّ الغير يظلمه في التصرّف في أمواله و وضع يده عليها من غير ولاية أو وصاية أو يتلف عليه أمواله حتى مع الولاية و الوصاية فلا يبعد سماعها فيما إذا أحضر بيّنة أو ذكر أنّ له بيّنة أو احتمل القاضي علمه بظلامته إذا فحص الأمر فلا يبعد السماع بهذا المعنى، حفظا للنظام و دفعا للظلامة إذا ثبتت. و لكن هذا غير السماع للقضاء في واقعة

أسس القضاء و الشهادة، ص: 310

يصحّ منه تملّكه فهذه قيود أربعة فلا تسمع دعوى الصغير و لا المجنون و لا دعواه ما لا لغيره إلّا أن يكون وكيلا أو وصيّا أو وليّا أو حاكما أو أمينا لحاكم، و لا تسمع

______________________________

الصبي، فإنّ الصبي لا يستحلف و لا يعتبر إقراره و لا يرد عليه اليمين و لا يجوز عليه أمره، اللّهمّ إلّا أن يقال: أنّ عدم السماع بهذا المعنى يجري عندهم في دعوى الوكيل بل الولي أيضا على ما

تقدم.

و قد ذكروا أيضا أنّه لا تسمع الدعوى فيما إذا ادعى مالا للغير على شخص مع عدم الولاية و الوكالة و الوصاية بالإضافة إلى ذلك الغير، و يناقش في ذلك بموارد دعوى المرتهن على غاصب العين المرهونة و دعوى الودعي و المستعير و نحوهما على غاصب الوديعة و العارية، و يجاب عن ذلك بتعلّق حق الرهن أو الوديعة أو العارية عنده، و لذا تسمع دعواها، و لكن يستشكل بأنّه إذا ثبت عند الحاكم كونها رهنا عنده بالشهود أو اليمين المردودة فلا يثبت كونها ملكا لذلك الغير، لأنّ الدعوى بالإضافة إلى ملكية الغير تبرعيّة.

و يمكن الجواب عن ذلك بان إعطاء المدين رهنا أو إيداع شخص عنده مالا أو دفعه إليه عارية أو استيجار شخص للاحتطاب له و نحو ذلك يتضمن الاذن من المالك الدافع أو المستأجر في حفظ ماله بأي نحو يكون به حفظه حتى ما كان بالمرافعة، و هذا المقدار من الاذن كاف في التوكيل في المرافعة التي يحفظ بها المال.

و المتحصّل فيما كانت الدعوى تبرعية بحيث لا يتعلّق بها المدعى فلا تدخل الواقعة في الخصومة المنازعة التي أمر أطرافها برفعها إلى العالم بالأحكام و نهى عن رفعها إلى قضاة الجور.

و لا ينتقض ذلك بموارد رفع الواقعة بالقضاء حسبة فإنّ الدعوى فيها مسموعة بلا كلام، و وجه عدم الانتقاض كما أنّ في مورد التصرّف في مال الغير

أسس القضاء و الشهادة، ص: 311

دعوى المسلم خمرا (1) أو خنزيرا.

______________________________

حسبة يكون للمتصرّف ولاية ذلك التصرّف كما هو المقرر في بحث الولاية و كذلك في مورد لزوم المرافعة يكون للمحتسب ولاية الدعوى في ذلك المال لمالكه القاصر أو الغائب.

ثمّ إنّه ربّما يقال باعتبار الرشد في المدّعى فلا

تسمع دعوى السفيه، كما عن الأردبيلي و غيره، و لعلّ مراده و مراد غيره- قدّس سرّهم- الدعاوي المالية، و إلّا فلا وجه لعدم سماع دعواه على الغير بقذفه أو الجناية عليه و كذا دعوى النكاح و نحوه ممّا لا يكون تصرّفا ماليا بل لعدم موجب لعدم سماع دعواه المالي إذا لم تنتهي إلى تصرّف في أمواله، كما إذا ادّعى على الغير بأنّه قد باع من ولي المال الفلاني و يمتنع عن الإقباض و على الجملة فيما كانت الدعوى منتهية إلى تصرّف مالي من السفيه في أمواله فلا تسمع تلك الدعوى لعدم تمكنه على ذلك التصرّف، و أمّا غيره فيدخل فيما دلّ على مشروعية القضاء و فصل الخصومة و الأمر بالقيام بالقسط و العدل بين الناس.

(1) عدم سماع دعوى المسلم فيما إذا كان المدعى به الخمر أو الخنزير على العهدة ظاهر، فإنّه لا يثبت على ذمة أحد للمسلم شي ء منهما لعدم المالية لهما شرعا و العهدة تكون مضمونة بالمال و مثل ذلك يدخل في الدعوى الممتنع شرعا، أمّا إذا ادعى ثمن الخمر أو الخنزير على عهدة الغير كما إذا باع الخمر أو الخنزير من كافر حال كفره أيضا ثمّ أسلم، فإنّه بعد الإسلام يستحق الثمن على عهدة الكافر أو حتى ما إذا أسلم ذلك الكافر أيضا.

و في صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر- عليه السلام- «قال:

سألته عن رجلين نصرانيين باع أحدهما خمرا أو خنزيرا إلى أجل فأسلما قبل أن

أسس القضاء و الشهادة، ص: 312

و لا بدّ من كون الدعوى صحيحة لازمة (1) فلو ادعى هبة لم تسمع حتى

______________________________

يقبضا الثمن هل يحلّ له ثمنه بعد الإسلام؟ قال: إنّما له الثمن فلا بأس

أن يأخذه» «1».

و أمّا إذا كان المدعى به الخمر أو الخنزير خارجا فإطلاق كثير من الأصحاب أنّها لا تسمع، لأنّ المسلم لا يملك الخمر أو الخنزير، و لا بد من حمل كلامهم على صورة عدم إمكان تخليل الخمر، و إلّا يثبت حقّ الاختصاص أو الملك و لو لم تكن لها مالية شرعا.

(1) ظاهر عطف اللزوم على الصحة و إن كان تغايرهما و أنّه يعتبر في سماع الدعوى كون المدعى به تامّا و كونه لازما، إلّا أنّ التفريع على اعتبارهما بقوله فلو ادعى هبة لم تسمع حتى يدعي الإقباض لا يناسب التغاير، فإنّ الهبة المقبوضة لا تكون لازمة لجواز الرجوع فيها.

و لا يخفى أنّ التصريح بالصحّة في الدعوى غير معتبر لظهور دعوى أي المعاملة في صحيحها، و لذا يحمل الإقرار بها على الصحيح، و لعله لذلك اكتفى في الدروس باعتبار اللزوم و قال: كل دعوى ملزمة معلومة فهي مسموعة فلا تصح دعوى الهبة بلا اقباض و كذا دعوى الرهن و لا دعوى البيع من غير أن ينضم إلى قوله و يلزمك تسليم المبيع، فإنّ مع عدم هذا الضم لا تكون الدعوى ملزمة لجواز فسخه بخيار المجلس.

و عن صاحب الجواهر- قدّس سرّه-: أنّ المراد باللزوم الصحّة، فيكون عطف اللزوم على الصحّة تفسيريا، و أنّه لا أجد في ذلك خلافا، و نقل عن الأردبيلي- قدّس سرّه-: أنّه ما المانع عن سماع دعوى الرهن أو الهبة بلا دعوى اقباض حيث

______________________________

(1) الوسائل: ج 12، الباب 61 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1: 172.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 313

يدعي الإقباض و كذا لو ادعى رهنا.

______________________________

يمكن للمدعي إثبات عقد الرهن أو الهبة أوّلا ثمّ يدعي الإقباض و انّه لو

كان كون المدعى به أمرا لازما غير معنى الصحة فلا يفيد ضمّ دعوى الإقباض أيضا فإنّ المتهب فيما كان غير ذي رحم يمكن للواهب الرجوع فيها فلا يلزم بضم دعوى الإقباض، و يلزم أيضا عدم سماع دعوى البيع قبل انقضاء المجلس و زمان الخيار، و لا أظن أن يلتزم به أحد.

و قال: إنّ عقد الهبة أو الرهن بلا اقباض ليس بصحيح، أي ذا أثر و لا يعتبر في سماع الدعوى إلّا كونها على تقدير ثبوتها ذات أثر يستحقه المدعي، و هذا حاصل مع ضم دعوى الإقباض و ان أمكن رجوع الواهب فيها، و مراد الدروس باللزوم ليس بمعنى عدم إمكان الرجوع بالفسخ أو الإقالة و نحوهما، بل بحيث يكون للدعوى أثر يستحقّه المدعي على تقدير ثبوتها و ضم قوله يلزمك تسليمه بمعنى أنّك لم تفسخ البيع إلى الآن بخيار المجلس أو غيره، لا أنّه لا يمكن الفسخ بعد ذلك أصلا.

أقول: يعتبر في صدق الدعوى على الغير أن يكون للمدعي به أثر فعلا أو مستقبلا، و مع عدم الأثر له كذلك لا معنى للدعوى عليه و لا مورد فيه للمخاصمة كما إذا ذكر لصاحب المتاع انّك وهبتني و لكن لم تقبض، و كذا لا مورد للدعوى فيما إذا كانت الخصومة بنفسها موجبة للانحلال المدعى به كما إذا قالت الزوجة لزوجها أيّام عدتها الرجعية إنّك طلقتني، و قال: ما طلقتك، و من هذا القبيل إذا قال المتهب للواهب: انّك وهبتني هذا المال الذي بيدي، قال: ما وهبتك، أو قال شخص لآخر: انّك أوصيت إليّ، قال: ما أوصيتك، ففي مثل هذه الموارد لا مورد للدعوى و لا للمرافعة و رفع الخصومة إلى الحاكم للقضاء.

أسس القضاء و الشهادة، ص:

314

لو ادّعى المنكر فسق الحاكم أو الشهود و لا بينة فادعى علم المشهود له ففي توجه اليمين على نفي العلم تردد أشبهه عدم التوجه (1) لأنّه ليس حقا لازما و لا يثبت بالنكول و لا باليمين المردودة و لأنّه يثير فسادا.

______________________________

و ما في كلمات الأصحاب في دعوى الهبة المقبوضة لم يفرضوا أنّ المدعى عليه في دعواها هو الواهب ليكون إنكاره الهبة رجوعا، بل يمكن أن يكون المدعى عليه الوارث كما لا يخفى.

نعم لو كان مع انحلال المدعى به أيضا حق للمدعي كما في دعوى البيع على صاحبه في زمان خيار صاحبه مع قبضه الثمن تكون دعوى البيع عليه إلزاما بأحد الأمرين إمّا الوفاء و إمّا ردّ الثمن.

(1) لو ادعى المنكر على المدعي علمه بفسق الحاكم أو الشهود له، و لم يكن للمنكر بينة لإثبات فسق الحاكم عند حاكم آخر أو إثبات فسق الشهود عند الحاكم الأوّل أو الآخر فلا تسمع دعواه، أي لا يتوجّه اليمين على المدعي بأن يحلف على عدم علمه بفسقهما، و إذا لم تسمع دعوى المنكر في الفرض فلا يترتب على نكول المدعي ثبوت دعوى المنكر على القول بثبوت الدعوى بمجرّد النكول، و لا باليمين المردودة بناء على عدم كفاية نكول المدعي عليه بمجرّده في الحكم بثبوت الدعوى.

و ذكر- رحمه اللّه- في وجه عدم السماع وجهين:

الأوّل: أنّ الدعوى ليست ملزمة على المدعي بمعنى أنّه لو كان عالما بفسق الشهود أو الحاكم لا يضرّ علمه هذا باستيفاء حقه من المنكر لثبوت حقه، واقعا و لا ينافي أيضا بأنّه لو اعترف المشهود له بفسق الحاكم أو الشهود يلزم بإقراره.

الوجه الثاني: أنّ سماع دعوى المنكر علم المشهود له بالحال، يعني فسق

أسس القضاء و

الشهادة، ص: 315

و كذا لو التمس المنكر يمين المدعى منضمة إلى الشهادة لم يجب اجابته

______________________________

الحاكم أو الشاهد يوجب الفساد، حيث إنّ السماع بلا بينة جرأة على الاستطالة على الحكام و القدح في الشهود.

أقول: لم يظهر الوجه في عدم لزوم الدعوى على المحكوم له علمه بفسق الحاكم عند حكمه، لما تقدّم من أنّ المراد بلزوم أن يكون للمدعى به أثر عملي و في ما نحن فيه الأثر موجود و هو جواز امتناع المنكر عن العمل بقضائه بعدم إعطاء الحق للمشهود له أو استرداده منه ثانيا، و لذا لو اعترف المشهود له بذلك ترتب عليه هذا الأثر بلا كلام، و هكذا الحال في الدعوى على المحكوم له علمه بفسق الشهود له.

نعم يمكن أن يقال بعدم سماع دعوى الفسق على المدعي المحكوم له بلا بيّنة فإن هذا يوجب اجتراء الناس على نقض الأحكام الصادرة عن القضاء و امتناع الشهود عن الحضور للشهادة حذرا من القدح فيهم، و لو أغمض عن ذلك فلا موجب لرفع اليد في المقام عن إطلاق ما دلّ على أنّ البينة على المدعي و اليمين على المدعى عليه.

و ربّما يعلّل عدم السماع في المقام بأنّه لا يمكن في المقام الحكم ببطلان القضاء الأوّل بنكول المدعي عن الحلف على عدم علمه بفسق الحاكم أو فسق الشهود له، كما لا يمكن الحكم بذلك باليمين المردودة عن المحكوم له إلى المنكر المدعي بعلم المحكوم له، و يستظهر ذلك من عبارة الماتن أيضا حيث إنّه- قدّس سرّه- لم يأت بال «فاء» في قوله لا يثبت بالنكول و لا باليمين المردودة، بل أتى بال «واو» و قال: و لا يثبت بالنكول و اليمين المردودة، و لكن التعليل ضعيف فإنّه

لا مانع عن الالتزام بعد توجّه اليمين على نفي العلم بالمحكوم له أن يحكم ببطلان الحكم بنكوله أو باليمين المردودة.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 316

لنهوض البينة بثبوت الحقّ (1).

______________________________

(1) على المشهور، و الوجه في ذلك أنّ المدعي تثبت دعواه بالبينة، فلا يحتاج إلى ضم اليمين كما هو مقتضى التفصيل الوارد بأنّ البينة على المدعي و اليمين على المدعى عليه بعد تقييده بأنّ اليمين على المدعى عليه فيما لم يقم المدعي البينة بحقّه، و يشهد لذلك صحيحة محمد بن مسلم قال: «سألت أبا جعفر- عليه السلام- عن الرجل يقيم البينة على حقّه هل عليه أن يستحلف؟ قال:

لا» «1»، و نحوها صحيحة أبي العباس «2».

نعم في خبر سلمة بن كهيل عن علي- عليه السلام- في آداب القضاء قوله- عليه السلام- لشريح: «و ردّ اليمين على المدعي مع بيّنته فإنّ ذلك أجلى للعمى و أثبت في القضاء» «3»، و لكن قد تقدم ضعف سنده، و مع الغمض عنه يحمل على الاستحباب جمعا، بل لظهور كونه أثبت للقضاء و أجلى للعمى فيه كما لا يخفى.

أمّا ما في مكاتبة الصفار إلى أبي محمّد- عليه السلام- «هل تقبل شهادة الوصي للميت بدين له على رجل مع شاهد آخر عدل؟ فوقع: إذا شهد معه آخر عدل فعلى المدعي يمين» «4» فقد تقدم سابقا أنّها معرض عنها عند المشهور، و مع الإغماض عنه أنّها واردة في شهادة الوصي للميت فيمكن أن يكون وجه الحاجة عدم سماع شهادة الوصي للميت، و لذا يحتاج إلى يمين المدعي أو يرفع اليد عن الإطلاق المتقدم فيما كان أحد الشاهدين للميّت وصيّه.

ثمّ إنّه لا فرق في عدم وجوب الإجابة بين موارد دعوى الدين على المدعى عليه أو

دعوى العين، كما هو مقتضى إطلاق ما تقدم.

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 8 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 177.

(2) الوسائل: ج 18، الباب 8 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2: 177.

(3) المصدر نفسه: الحديث 4: 178.

(4) المصدر نفسه: الباب 28 من أبواب الشهادات، الحديث 1: 273.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 317

..........

______________________________

و عن القواعد أنّه بعد أن ذكر الحكم المزبور قال: لو التمس المنكر بعد إقامة البينة عليه استحلاف المدعي على الاستحقاق أجيب إليه، و لو التمس المنكر يمين المدعي مع الشهادة لم يلزم اجابته.

و فسّره في الجواهر أنّ المراد بالثاني موارد دعوى العين و انّ المنكر الذي بيده العين لو التمس يمين المدعي مع بيّنته لم يلزم إجابته لأنّ البينة تثبت الملكية الفعلية للمدعي و تكون معارضة مع يد المنكر فتقدم على اليد لأنّه لا اعتبار باليد مع البينة على خلافها، و المراد بالفقرة الأولى دعوى الدين فإنّ المنكر المدعي بالبراءة عن الدين لو التمس الحلف بأن يحلف المدعي على استحقاقه الدين عليه بعد البينة بأصل الدين أجيب إليه إلحاقا للمورد بمورد الدعوى على الميت، لأنّ البينة في المقام أيضا قد شهدت بأصل الدين، غاية الأمر فرق بينهما من جهة أخرى، و هو أنّ الدعوى على الميت تحتاج إلى اليمين مع البينة المعبّر عنها بيمين الاستظهار بلا فرق بين سؤال المدعي عليهم أم لا، بخلاف المقام فإنّ استحقاق اليمين موقوف على سؤال المنكر.

ثمّ نقل عن المبسوط ما ظاهره أنّه لو طلب المنكر الحلف على بقاء الدين و عدم سقوطه أجيب إليه، أمّا إذا طلب الحلف على أصل ثبوت الدين بأن قال أنّه برئ من الأوّل لم يلزم الجواب، و وجه الظهور أنّه تعرض

الشيخ- قدّس سرّه- لكيفية حلف المدعي و المحلوف عليه فيها بقاء الدين على العهدة.

أقول: لو كان المنكر لأصل الدين مدعيا بأنّه قد أبرأه دائنه، أو أنّه اقتضى دينه فهذه دعوى على دائنه و لو لم يكن إنكاره الأوّل تكذيبا لهذه الدعوى، كما إذا اعتذر عن إنكاره بعدم البينة له بالإبراء أو الاقتضاء و اعتقاده عدم تمام البينة للمدعي يكون له استحلاف المدعي فيما إذا شهدت بينته بأصل الدين، و أمّا إذا

أسس القضاء و الشهادة، ص: 318

و في الإلزام بالجواب عن دعوى الإقرار تردد (1) منشأه أنّ الإقرار لا يثبت حقا في نفس الأمر بل إذا ثبت قضى به ظاهرا.

______________________________

لم يكن مدعيا بأن قال: أنّي احتمل إبرائه عهدتي و نحوه فلا تسمع ليتوجه إلى خصمه اليمين.

و الحاصل لا يقاس المقام بالدعوى على الميت، حيث لا يعتبر في الدعوى عليه البينة مجرّدة، و التعليل الوارد فيه في الحاجة إلى يمين المدعي مع ضعف مستنده لا يعمّ المقام، فإنّ من عليه الدين في المقام حيّ فعليه إقامة البينة على أداء دينه كما لا يخفى.

(1) إذا لم تكن الدعوى على الغير ثبوت الحق له واقعا، بل كانت دعواه أن ذلك الغير اعترف بأنّ له حقّ كذا عليه أو مال كذا بيده فهل يتوجّه اليمين إلى الخصم فيما أنكر اعترافه أو أنّه لا تسمع الدعوى المزبورة إلّا بقيام البينة باعترافه بالحق؟

قيل: لا تسمع دعوى الإقرار بدونها فإنّه يعتبر في توجه اليمين على المنكر أن يدعي عليه الحق الواقعي و الإقرار و أن يؤخذ به المقرّ إلّا أنّه لا يقتضي ثبوت الحق واقعا، فلا تكون دعوى اعترافه اخبارا بثبوت الحق الواقعي له.

و لكن لا يخفى ما فيه، فإنّ صدق

الدعوى على دعوى الإقرار ظاهر، حيث إنّ الخصم يؤخذ به على تقدير تصديق دعوى الإقرار و قد تقدم أنّه لا يعتبر في المدعى به إلّا كونه ذا أثر فيعمه قولهم- عليهما السلام- «البينة على المدعي و اليمين على المدعى عليه» «1»، و يظهر ذلك عن القواعد و المسالك و الإيضاح و غيرها.

و على ذلك فإن نكل المنكر يحكم بثبوت الحق و لو بعد ردّ اليمين على مدعي

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 3 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 5: 171.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 319

و لا تفتقر صحة الدعوى إلى الكشف في النكاح و لا غيره (1) و ربّما افتقرت إلى

______________________________

إقراره سواء حلف المدعي على اعترافه أو على ثبوت الحق له واقعا، لأنّ اعتراف خصمه طريق إلى ثبوت ذلك الحق له فيكون حلفه عليه مع العلم و إن لم يعلم الحق بسببه الواقعي، كما لا يبعد عدم إلزام الخصم بخصوص الحلف على عدم إقراره له بل يكفي حلفه على عدم الحق عليه أو عنده.

و هذا نظير ما يقال: إنّه إذا ادعى عليه الاقتراض أو البيع منه نسية ليثبت اشتغال ذمته يجوز له الحلف على براءة ذمته.

لا يقال: إذا كان مقترضا أو مشتريا، و لكن قد أدى ما عليه يتعين الحلف على البراءة، و لا يجوز له الحلف على عدم الاقتراض أو الشراء، فإنّه يقال: قد ذكر في بحث حرمة الكذب الكلام في جواز الكذب و الحلف كاذبا لدفع الضرر عن نفسه و ماله و عرضه، فيدخل المقام في تلك الكبرى.

(1) ذكر- قدّس سرّه- أنّه لا يتوقف سماع الدعوى بلزوم مطالبة الجواب عن الخصم و توجّه اليمين إليه مع إنكاره على الكشف عن خصوصيات المدعى

به.

و قال في الجواهر في ذيل ذلك: لا يتوقف سماع دعوى الملك على بيان سببه سواء ادعى العين أو الدين بلا خلاف، بل الإجماع على قسميه على ذلك، بل قيل انّه لا خلاف في ذلك عند العامة أيضا، و كذا إذا كان المدعى به النكاح أو غيره من العقود بأن يتوقف سماع دعوى النكاح أو الزوجية على الكشف عن خصوصياته بأن يقول وقع في زمان كذا و مكان كذا بعقد دائم في حضور فلان و فلان و نحو ذلك، بلا خلاف عندنا، و عن الشافعي الحاجة إلى الكشف في النكاح مطلقا في وجه و في وجه آخر يحتاج إلى الكشف فيما كان المدعى به الزوجية، أمّا إذا كان النكاح فلا يحتاج، و عن بعض أصحابه أنّ الكشف

أسس القضاء و الشهادة، ص: 320

ذلك في دعوى القتل (1) لأنّ فائته لا يستدرك.

______________________________

مستحب، و عن بعض آخر من أصحابه أنّ الحاجة إلى الكشف فيما كان المدعى به النكاح حدوثا و أمّا إذا ادّعى بقائه فلا يفتقر إلى الكشف. و للشافعي أيضا قول بالاحتياج إلى الكشف في غير النكاح من العقود مطلقا، و في وجه آخر فيما إذا كانت الدعوى متعلقة بالجارية و ذلك للاحتياط في الفروج.

أقول: صدق الدعوى على الغير التي تكون البينة فيها على المدعي و اليمين على المدعى عليه لا تتوقف على الكشف، و التفصيل في دعوى الملك من غير فرق بين دعوى العين أو الدين، و كذا غير الملك، إلّا أنّه يلزم أن تكون الدعوى متضمنة بما يطالب الآخر به أو سقوط ما كان للآخر عليه، و على ذلك فمجرّد قول المرأة أنّها زوجة فلان من غير أن تتضمن مطالبتها بصداقها أو غيره

لا يحسب أنّها دعوى على الرجل، حيث تحتمل الزوجية الانقطاع، و معه لا يكون مجرّد الكشف عنها مطالبة الرجل بشي ء، نعم لا يعتبر أن يكون الكشف قبل سؤال الحاكم أو إرشاده بأنّ الدعوى أن يقول إنسان شيئا يطالب خصمه به، و هذا بخلاف دعوى الرجل زوجية امرأة فإن دعواها تتضمن مطالبة المرأة بحق الاستمتاع منها.

(1) ظاهر كلامه- قدّس سرّه- أنّه قد يفتقر سماع الدعوى في القتل إلى الكشف عن الخصوصيات و علّله بأنّ فائته لا يستدرك، و أضاف عليه في الجواهر اختلاف أسبابه قيل فلا بدّ من وصف القتل بالعمد أو الخطأ و بأنّه قتله وحده أو مع غيره بالمباشرة أو التسبيب، و حكى عن المبسوط الاتفاق على ذلك، و قال إن لم يثبت الإجماع على ذلك فلا يخلو اعتبار الكشف عن الإشكال لأنّ الاعتبار و عدم سماع الدعوى قد يوجب ذهاب دم امرئ مسلم، كما إذا نسي المدعي الخصوصية أو لم يتعرض لها لتردده فيها.

بل قد يقال: إذا أحرز القتل فيمكن إحراز كونه خطأ بالأصل، و لذا قال

أسس القضاء و الشهادة، ص: 321

و لو اقتصرت على قولها هذا زوجي كفى في دعوى النكاح و لا يفتقر ذلك إلى دعوى شي ء من حقوق الزوجية لأنّ ذلك يتضمن دعوى لوازم الزوجية (1) و لو أنكر

______________________________

في الدروس و المصنّف في كتاب القصاص الأقرب الاكتفاء في دعوى القتل بعدم التفصيل و كما عن الأردبيلي- قدّس سرّه-، بل ربّما يظهر من المصنّف- رحمه اللّه- في المقام التأمّل في إطلاق اعتبار التفصيل، حيث عبّر بكلمة ربّما افتقرت إلى ذلك في دعوى القتل، و على الجملة لا فرق بين دعوى القتل و غيره و أنّه إذا فرض عدم ترتب

أثر على الكلي في غيره أيضا لم تسمع الدعوى به و إلّا سمعت.

أقول: ما ذكره- قدّس سرّه- أخيرا لعلّه ما ذكرناه في ذيل قول الماتن- قدّس سرّه- و لا يفتقر صحّة الدعوى إلى الكشف في النكاح.

(1) ذكر- قدّس سرّه- أنّه لو قالت المرأة في مقام الدعوى أنّ هذا زوجي لكفى في السماع و لا يتوقف على شي ء من حقوق الزوجية، لأنّ قولها هذا زوجي يتضمن المطالبة بتلك الحقوق، و لا يخفى أنّ هذا ما ذكرنا سابقا من اعتبار ظهور الدعوى في مطالبة الآخر بحق أو مطالبته برفع اليد عمّا كان له من الحق سواء أ كان هذا بالذكر في الدعوى أم بقرينة المقام، هذا في قول الزوجة، أمّا إذا ادّعى الرجل زوجية امرأة فقد تقدم أنّ قوله: هذه زوجتي، يكون بمجرّده دعوى عليها.

و كيف ما كان فقد ذكر- قدّس سرّه- كما عليه المشهور في كلامهم: أنّ الرجل إذا أنكر كونه زوجا لها يتوجّه إليه اليمين مع عدم البينة للمرأة كما هو الفرض، و إنّه لو حلف على عدم الزوجية سقطت دعواها و لو نكل يحكم بكونه زوجا لها بناء على أنّ النكول كاف في الحكم في ثبوت المدعى به. و على القول الآخر يرد اليمين على المرأة و يحكم بثبوت دعواها بحلفها، و كذا الكلام فيما كان الرجل مدعيا بأن قال: هذه زوجتي، و أنكرتها المرأة، فتتوجه اليمين على المرأة، فإن حلفت سقطت دعواه، و إن نكلت يحكم بثبوت الزوجية بمجرّد النكول أو مع

أسس القضاء و الشهادة، ص: 322

النكاح لزمه اليمين و لو نكل قضى عليه على القول بالنكول و على القول الآخر يرد

______________________________

حلف الرجل بردّ اليمين عليه على القولين، و عن العلّامة

في التحرير: أنّه لو حلفت المرأة على الزوجية يشكل القول بجواز تمكين الرجل منها لإقرار الرجل بحرمة ذلك عليه و أنّها ليست بزوجته و من حكم الحاكم بالزوجية.

أقول: يجري الإشكال فيما إذا كان الرجل مدعيا و إنّه لا يجوز للمرأة تمكين الرجل من نفسها لاعترافها بأنّه أجنبي.

و ذكر في الجواهر في ذيل كون الرجل مدعيا و المرأة منكرة أنّ مع الحكم بثبوت الزوجية بمجرّد نكولها أو مع اليمين المردودة على الرجل أنّه يثبت على الرجل المهر بوطئها إن قهرها أو قلنا بوجوب التمكين عليها مع حكم الحاكم بالزوجية، أو كانت المرأة معتقدة بوجوب التمكين مع الحكم و انّ المرأة لا تستحق شيئا بدون الوطي لاعترافها بعدم استحقاقها بشي ء من المهر بدون الوطي، و في كشف اللثام يجب في هذا الفرض يعني كون الرجل مدعيا نفقتها عليه لحبس المرأة على الرجل، و قال: و فيه نظر، انتهى.

و لا يخفى أنّه لو كانت هي المدعية للزوجية و أثبتها بالنكول أو اليمين المردودة عليها يجوز لها إلزام الزوج بنفقتها لكونها زوجة بزعمها و اثبتتها بالحكم و المفروض تمكينها من الرجل، و هذا تمام الموضوع للزوم النفقة على الزوج.

بخلاف ما إذا كان الرجل مدعيا لها و أثبتها بنكولها أو باليمين المردودة عليه، فإنّه لا يجوز لها إلزام الرجل بنفقتها لاعترافها بأنّها لا تستحق النفقة عليه، و مجرّد حبسها عليه لا يوجب الفرق بين المهر مع عدم الدخول و بين نفقتها، فإنّها كما لا تستحق مع عدم الدخول المهر أخذا باعترافها كذلك الأمر في نفقتها و لو مع الجبر عليها بالدخول، و الأمر في ميراثها من زوجها كذلك.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 323

اليمين عليها فإذا حلفت ثبت الزوجية و

كذا السياق لو كان هو المدعى.

______________________________

ثمّ إنّ الاشكال في الميراث و جواز التمكين و المطالبة بالنفقة تجري حتى فيما إذا أثبت المدعي بالزوجية الزوجية بالبينة، كما يظهر وجهه للمتأمّل.

و ظاهر كلماتهم كما ذكرنا سابقا و يظهر من كلام الماتن- قدّس سرّه- أيضا أنّ اليمين فيما إذا توجهت على المدعى عليه فله ردّها على المدعي، فإن حلف ثبتت دعواه، و إلّا سقطت، و إنّه إذا لم يحلف المدعى عليه و لم يردّها على المدعي يحكم بثبوت الدعوى أيضا بالنكول أو باليمين المردودة من قبل الحاكم بلا فرق بين دعوى الماليات أو الأعراض و النفوس و الأطراف. بل عن بعض دعوى عدم الخلاف أو اتفاق الأصحاب عليه.

و يستدل على ذلك بعدة روايات، منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما- عليه السلام- «في الرجل يدّعي و لا بينة له؟ قال: يستحلفه فإن ردّ اليمين على صاحب الحق فلم يحلف فلا حق له» «1»، و نحوها معتبرة عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه- عليه السلام- «في الرجل يدّعي عليه الحق و لا بينة للمدعي؟ قال: يستحلف أو يردّ اليمين على صاحب الحق فإن لم يفعل فلا حق له» «2»، فإنّ مقتضى الإطلاق فيها عدم الفرق بين كون الحق مالا أو غيره، و في صحيحة هشام عن أبي عبد اللّه- عليه السلام- قال: «تردّ اليمين على المدعي» «3».

و قد ذكرنا سابقا أنّ المراد بالحق في مثلها دعوى المال دينا أو حتى عينا بقرينة أمرين:

أحدهما: كثرة ارادة المال من الحق عند إطلاقها، كما في جملة من الروايات الواردة في ثبوت دعوى الحق بشاهد و يمين، و ما ورد في الدعوى على الميت كرواية

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 7 من

أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 176.

(2) الوسائل: ج 18، الباب 7 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2: 176.

(3) الوسائل: ج 18، الباب 7 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 3: 176.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 324

و لو ادعى أنّ هذه بنت أمته لم تسمع (1) دعواه لاحتمال أن تلد في ملك غيره

______________________________

عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه المتقدمة «1»، و نظير مرسلة أبان عن رجل عن أبي عبد اللّه- عليه السلام- «في الرجل يدعي عليه الحق و ليس لصاحب الحق بينة؟ قال:

يستحلف المدعى عليه فإن أبى أن يحلف و قال: أنا أرد اليمين عليك لصاحب الحق فإنّ ذلك واجب على صاحب الحق أن يحلف و يأخذ ماله» «2». و لا يحتاج في إثبات كون إطلاق الحق يراد به المال إلى ملاحظة السند في الروايات الدالة عليه كما يظهر وجهه للمتأمّل، فإن تعارف الاستعمال لا يحتاج إلى ثبوت وثاقة الراوي.

و ثانيهما: و هو العمدة ظهور بعض الروايات كمعتبرة عبيد بن زرارة في تخيير المدعى عليه بين الحلف و الرد، و لا يمكن الالتزام بذلك إلّا في مثل الماليات، فإن رد اليمين من المنكر لقتل العمد على مدعيه ممّا لا يحتمل جوازه، و كذا في موارد دعوى الزوجية المأمور كل من المتخاصمين بحفظ الفرج. و على ذلك فلا يبعد الالتزام باختصاص مسألة ردّ اليمين إلى الدعاوي المالية و في غيرها مع إباء المنكر عن اليمين يجبر على الإقرار أو الحلف، و مع عدم إمكانه يقف القضاء، و لو قيل بإطلاق ردّ اليمين فلا ينبغي التأمّل في عدم جواز ردّها على المدعي من المنكر العالم بالحال في الموارد المشار إليها.

(1) ذكر أنّه لا تسمع الدعوى فيما إذا قال

هذه بنت أمته، فإنّ القول المزبور لا يعدّ دعوى بملكية البنت لاحتمال كونها بنت لأمته و لم تكن مملوكة له، كما إذا صارت أمّها ملكا له بعد أن تلدها في ملك غيره، و كذا لا تسمع الدعوى بأنّها ولدتها في ملكه لاحتمال كون البنت حرة، كما إذا وطئها حرّ شبهة أو بالتحليل أو ملكا لغيره و لو بالشرط في شراء أمّها أو غير ذلك.

______________________________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 7 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 5: 176.

(2) المصدر نفسه: الباب 4 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 173.

أسس القضاء و الشهادة، ص: 325

ثم تصير له و كذا لو قال ولدتها في ملكي لاحتمال أن تكون حرة و ملكا لغيره و كذا لا تسمع البينة بذلك ما لم يصرّح بأنّ البنت ملكه و كذا البينة.

______________________________

و الحاصل سماع دعوى ملك البنت يحتاج إلى ذكر أنّ البنت ملكه، و كذا يعتبر في سماع البينة بملك البنت تصريح الشهود بأنّ البنت ملكه و مثل القول في بنت الأمة القول في ثمرة النخل، و لو قال هذه مشيرا إلى ما في الخارج ثمرة نخلي لا تسمع ما لم يذكر أنّها ملكي، و كذلك الأمر في الإقرار فإنّه إذا اعترف بأنّ ما بيده ثمرة نخل فلان، أو أنّ هذه البنت بنت المملوكة لفلان فلا يلزم بأنّ الثمرة أو البنت بيده ملك الغير، و هذا فيما فسّر إقراره بنحو لا ينافي كون الثمرة أو البنت ملكا لنفسه و ليس كذلك الاعتراف بأنّ الغزل بيده من قطن فلان أو الدقيق بيده من حنطة فلان، فإنّه يلزم باعترافه و يحكم بأنّ الغزل أو الدقيق لفلان، و الفرق أنّ الغزل أو الدقيق نفس القطن و

الحنطة قد تغيّر وصفهما بخلاف الثمرة فإنّه من النماء المنفصل و كذا بنت الأمة.

أقول: ينبغي التعرض لأمور تتعلّق بكلامه- قدّس سرّه-:

الأوّل: ما ذكره أنّها لا يسمع قوله فيما كذا قال مشيرا إلى البنت ولدتها أمّها في ملكي، فإنّه نقل في الجواهر عن لقطة المبسوط و التذكرة سماع الدعوى و البينة، بل في التذكرة دعوى الإجماع عليه، و ذكر في وجه السماع و لعلّه لأصالة تبعية النماء للأصل و لكن هذا الأصل يعتمد عليه مع عدم يد الآخر على النماء حيث لا اعتبار للأصل المزبور و لا بغيره ممّا هو أقوى من هذا الأصل، و كلام الأصحاب في المقام في الدعوى على الآخر فيكون المفروض في كلامهم كون البنت بيد الآخر، و لا يقاس بباب اللقطة المفروض فيه عدم اليد لآخر أو اعترافه بأنّ ما بيده ليس ملكا له.

أقول: انقطاع الأصل المزبور بقاعدة اليد يوجب أن يكون صاحب اليد هو

أسس القضاء و الشهادة، ص: 326

و مثله لو قال هذه ثمرة نخلي و كذا لو أقر له من الثمرة في يده أو بنت

______________________________

المدعى عليه، و من قال للآخر: ما بيدك من البنت ولدتها أمها في ملكي مدّعيا، لا أن لا تسمع دعواه، و على الجملة لو كان لقوله في مقام الدعوى هذه البنت ولدتها أمّها في ملكي ظهور في دعوى ملكيته البنت لمالك الأم كما هو المفروض فاللازم سماع الدعوى، بل الأمر كذلك لو قال في مقام الدعوى أنّها بنت أمته و أن لم يكن هذا الظهور بأن لم يكن القول المزبور في ذلك المقام، كما إذا كانت البنت بيده و قال ذلك جوابا عمّن يدعي ملكية البنت يكون ظاهره الإنكار، و قد تقدم أنّه