تسلیه المجالس و زینه المجالس الموسوم بمقتل الحسین علیه السلام المجلد 1

اشارة

سرشناسه : مجدی، محمدبن ابی طالب، قرن ق 11

عنوان و نام پديدآور : تسلیه المجالس و زینه المجالس الموسوم بمقتل الحسین علیه السلام/ تالیف محمدبن ابی طالب الحسین الموسوی الحائری الکرکی؛ تحقیق فارس حسون کریم

مشخصات نشر : قم: موسسه المعارف الاسلامیه، 1418ق. = 1376.

مشخصات ظاهری : ج 2

فروست : (موسسه المعارف الاسلامیه؛ 84 و 85)

شابک : 30000ریال(دوره) ؛ 30000ریال(دوره) ؛ 30000ریال(دوره) ؛ 30000ریال(دوره) ؛ 964-6289-09-6(ج.1) ؛ 964-6289-11-8(ج.2)

وضعیت فهرست نویسی : فهرستنویسی قبلی

یادداشت : کتابنامه

موضوع : حسین بن علی(ع)، امام سوم، 61 - 4ق. -- سرگذشتنامه

خاندان نبوت -- سوگواریها

واقعه کربلا، ق 61

شناسه افزوده : کریم، فارس حسون، 1331 - . محقق

شناسه افزوده : بنیاد معارف اسلامی

رده بندی کنگره : BP41/5/م 24ت 5

رده بندی دیویی : 297/9534

شماره کتابشناسی ملی : م 78-4071

اطلاعات رکورد کتابشناسی : فهرست قبلی

ص: 1

اشارة

تسلية المجالس وزينة المجالس

المَؤسُوِمُ بِ مَقتَلُ الحسَيِنَ عَلَيِه السَلَامُ

من مصادر بحارالانوار

ص: 2

ص: 3

تسلية المجالس وزينة المجالس

المَؤسُوِمُ بِ مَقتَلُ الحسَيِنَ عَلَيِه السَلَامُ

تَأليفُ السيَدِ الديب مُحمّدَبن ابي طالب الحسُينِيَ الموسَوِي الحَائِري الکَرکَي

« مِن اَعلَام القرَنِ العَاشِرِ »

الجُزءُالَأوَل

تحَقيقَ

فارس حسون کریم

ص: 4

بسم الله الرحمن الرحیم

ص: 5

کلمة الناشر

بسم الله الرَّحمَنِ الرَّحيِم

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام علي أشرف المرسلين محمد وعلي آله الأطياب الأخيار.

وبعد:

ففي عام 11 للهجرة أفل النور المقدّس من الأرض، ذلک النور الذي بعثه الله بشيراً ونذيراً للعالمين، وقبل أن يواري جثمانه الثري بدأ خطّ الانحراف عن الرسالة التي جاء بها الرسول الأکرم صلي الله عليه و آله وسلم، فکانت وفاته صلّي الله عليه وآله وسلّم حدّاً فاصلاً بين عهدين يختلفان کلّ الاختلاف، فذاک عهد اتسم بالايمان والصدق والرحمة، وهذا عهد الانقلاب علي الأعقاب ، وکأنّ القوم أبوا إلاّ أن يطبقوا الوعد الإلهي (أفإن مات أو قتل انقلبتم علي أعقابکم ......)

وکان من نتائج هذا الانحراف هو انقسام الأمة إلي قسمين :

أحدهما: محب لأهل البيت عليهم السلام موالٍ لهم، وملتزم بنهجهم الّذي

وضعوه ، منکر لخطّ الانحراف ولمبدأ السقيفة في الحکم.

والثاني: خطّ أصحاب المصالح والهمج الرعاع، والذي شمل إضافة إلي أتباع الشيخين ، الحزب الأمويّ والخوارج الذين أردوا أمير المؤمنين عليه السلام شهيداً في محرابه ، واستولي علي الحکم معاوية بعد أن أرغم الامام الحسن عليه السلام علي الصلح معه لأسباب معروفة.

ومات معاوية وهو يوصي ابنه يزيد بأن يبادر إلي أخذ البيعة من جماعة ،

وخص بالذکر الإمام الحسين بن علي عليه السلام

واستلم يزيد الخلافة بعد أبيه ، وهو ليس أهلا للحکومة فضلاً عن خلافة الرسول صلّي الله عليه وآله وسلّم، فإن بعض التأمّل في شخصيّة هذا الرجل وفي بعض ذاتياته وممارساته من خلال ما أوردته کتب التاريخ والسير عن فترة حکمه القصيرة، يظهر

ص: 6

لکلّ ذي عقل بأنّه کان فاشلاً وخاسراً في جميع الأمور وبالأخصّ في الخطين الرئيسيين اللّذين يجب أن يتصف بهما الحاکم المسلم، ألا وهي خطّي السياسة ، والالتزام الديني.

وکان أبناء الأمّة آنذاک قد تلبد إحساسهم وأخلدوا إلي سبات عميق، فهم همج رعاع ينعقون مع کلّ ناعق ، يميلون مع کل ريح، کما وصفهم أمير المؤمنين عليه السلام ، ولولا دم الحسين عليه السلام لما تغير هذا الحال .

فالحسين الرمز ، هو ذلک الانسان الّذي عرف طريقه ، فلم تلوه عنها نصائح المحبين - کابن عبّاس -، ولا تحذيرات المنافسين - کالحرّ بن يزيد الرياحي -، ولکن الحسين مضي، لأنّه مُضاءُ ببرقٍ داخليّ ، يعرفه هو، لينفّذ ما في الکتب ، کما يقول السيّد المسيح ...

رفض عروض الوليد بن عقبة والي يزيد علي المدينة ، وخرج إلي مکّة لليلتين

بقيتا من شهر رجب سنة 60 للهجرة .

وخرج عليه السلام إلي العراق في الثامن من ذي الحجة، وقُتل رسوله إلي

العراق مسلم بن عقيل بعد ذلک بيوم واحد.

وبلغ عليه السلام مشارف الکوفة، وکان والي يزيد عليها عبيدالله بن زياد، فأرسل ألف فارس بقيادة الحر بن يزيد لاصطياد الحسين ومن معه .. والتقي الرکبان ......... ودار بين الامام الحسين وبين الحر بن يزيد حوار طويل غير انه لم يثني الحسين عن غايته ، لذلک انجذب إليه قائد الجيش الأمويّ «الحرّ» وجاهد ما استطاع دونه ودون آل بيته من النساء والأطفال حتي ضُرَّج بدمه.

وهکذا سائر أصحاب الأمام وأنصاره - مسلم بن عوسجة، وبرير، وزهير ، وحبيب ، و... . تابعوه في مسيرة الشهادة ، والمواقف الصامدة والبطولية التي وقفوها أمام الموت المحقق ، فصمدوا واستشهدوا ، وضربوا أروع الأمثلة في التضحية والفداء في سبيل نصرة إمام زمانهم الحسين عليه السلام.

وتشابکت الأحداث و تعقدّت ، ثم مرّت بسرعة ، وإذا بالحسين مخضّب بدمه ،

ص: 7

في کربلاء ، لم يحد عن صراطه السويّ، فلم يُهادن الظالمين ، ولم يستسلم للباطل ، ولم يبايع ، وإنّما خرج ثائراً علي کلّ ذلک، لإصلاح أمّة جدّه ، وليجدّد إسلام الأمّة التي انقلبت علي أعقابها ، فيجعلها خير أمّة أخرجت للناس .

فکان عاشوراء اختضاب الأرض بالدم الحسيني مرّة، ولکنّه سيظلّ زينة

السماء الداعية إلي الحرية الحمراء ، قبل کلّ شروق، وبعد کلّ غروب.....

ومع استشهاد الامام الحسين عليه السلام تيقّظت ضمائر أبناء الأمّة، وانتشر حب آل النبيّ صلّي الله عليه وآله وسلّم في صفوفهم، وتحرک الأئمّة عليهم السلام واحدة تلو الآخر في سبيل نشر المباديء الّتي ثار من أجلها الحسين عليه السلام، وتوالت الثورات الشيعية الّتي تطالب بالثأر من قتلة الحسين ... فکانت ثورة المختار رحمه الله ، وثورة التوّابين، وعشرات الثورات الأخري ، وأخذ العلماء والخطباء وأهل السير بالحديث عن الثورة والمآسي التي رافقتها.

وأضحي يوم عاشوراء رمزاً لکل المحرومين والثائرين ضدّ الظلم والطغيان في

کلّ مکان وزمان، و الّفت مئات الکتب الّتي تحدّثت عن وقائع ثورة الحسين «ع »

ومن هذه الکتب القيّمة هذا الکتاب الّذي بين يديک - عزيزي القاريء - وهو تسلية المُجالس وزينة المجالس» المسمّي ب «مقتل الحسين عليه السلام» للسيد العالم الأديب محمد بن أبي طالب الحسيني الکرکي الحائري رحمه الله، وقد حوي علي مقدّمة ومجالس عشرة ، تطرّق المؤلّف في مقدّمته لبعض فضائل أهل البيت عليهم السلام ، ورد بعض الأحاديث التي وضعها الأمويون ، وبالأخصّ في حکم معاوية ، والّتي حاولت الرفع من منزلة الصحابة ، والحط من شخصية الإمام علي عليه السلام وأئمة أهل البيت عليهم السلام

وقد تصدي الفاضل فارس حسّون کريم لتحقيق هذا السفر القيّم، ليخرجه

لمحبّي أهل البيت من زوايا المکتبات ، بعد أن تحمل جهوداً مضنية في الحصول علي نسخة الکتاب النفيسة ، و استنساخها ، ومراجعة عشرات المصادر من أجل تثبيت الخبر الصحيح ، فجزاه الله خير جزاء المحسنين.

مؤسسة المعارف الاسلامية - قم

ص: 8

الاهدا

سيّدي أبا الأحرار.

يا من کان اسمه نغمة حلوة في فم أبي الزهراء - صلي الله عليه و آله - ، يستعذبها ولا يملّ من ترديدها، ففيک وفي أخيک کان يجد أُنسه وسلوته عمّا فقد من الأبناء، وما يؤذيک کان يؤذيه ، حتي انّه سمع بکاءک ذات مرّة فقال للزهراء عليها السلام .:

أما علمتِ أنّ بکاءه يؤذيني ؟

فما عساه أن يقول لو قد رأي أمة الضلال قد تکالبت علي انتهاک حرمتک ؟!

فقد بارزتک بسيوف الدهر ، ورمتک بسهامه ، غير أنها جعلت منک قبلة للشفاعة نترم فيها طرباً.

فکان عملي هذا عنوان تذکار الولاء ، عساه أن يحظي بالقبول ، فأبلغ غاية المأمول.

فارس

ص: 9

ص: 10

ترجمة المؤلّف

اشارة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الحکيم الوهاب ، ربّ الأرباب ، والهادي إلي سبيل الهدي

والصواب.

والصلاة والسلام علي خير خلقه المؤيدّ بفصل الخطاب ، خاتم أنبيائه

محمد أشرف الأحباب .

وعلي آله ، النور المبين والصراط المستقيم و منهاج الصواب ، أُولي العلم المحسودين علي ما آتاهم الله من فضله وأولي الأمر کما جاء به الکتاب ، ترفع بهم درجات شيعتهم وتخفض درجات اعدائهم النصّاب.

وبعد :

فکثير هم الأعاظم الّذين لم ينصفهم التاريخ ، وهذا السيّد الّذي نحن بصدد الحديث عن حياته واحد من أولئک الأکابر .

فالسيد رحمه الله رقم ناصع في جبين الدهر ، وهو عالم کبير ، فاضل خبير ، کامل قدير ، أديب جدير ، شاعر ناثر، ناظم ماهر، يشهد له کتابه هذا بعلوّ کعبه ، وشدة إيمانه ، ومع کلّ هذا لم نعثر له علي ذکر شاف يفي بحقّ هذا السيّد

ص: 11

الجليل .

والّذي وجدناه عبارات موجزة مقتضبة جدّاً لا تسمن ولا تغني من جوع، فلم تتطرّق لجانب بسيط من عمره الشريف ، کنسبه ، أُسرته ، مدينته ، محلّ و تاريخ ولادته ، وما أعقبها من مراحل حياته ، کدراسته وشيوخه وتلامذته ، ... و أخيراً تاريخ وفاته .

وکأنّه رحمه الله علي يقين بما تخبّيء له غِيَر الزمان من تجاهل وإهمال ،

ففي موضع من کتابه هذا أورد اسمه ونسبه ولقبه کاملاً(1) وفي موضع آخر بين محلّ ولادته وسبب ترکه ذلک المحلّ واستيطانه الحائر،(2) وفي موضع ذکر انّه رأی کتاب « روضة الشهداء » للکاشفي(3) فنصنّف «تسلية المجالس وزينة المجالس» علي منواله (4)، وفي موضع ذکر أنّه بعث ابنه طاهر ليأتيه بکتاب «تذکرة الفقهاء» للعلّامة الحلّي (5)-(6)

وفي موضع آخر هذا الکتاب أشاد

ص: 12


1- في ج 1/53.
2- في ج 1 / 54.
3- «روضة الشهداء» فارسي، للحسين بن علي الکاشفي البيهقي ، المتوفي في حدود سنة 910 ه، مرتب علي عشرة أبواب وخاتمة فيها ذکر أولاد السبطين وجملة من السادات، واحتمل بعض أنّه أوّل مقتل فارسي شاعت قراءته بين الفرس حتي عرف قاريہ بد روضة خوان»، ثمّ توسّع في هذا العنوان إلي هذا الزمان حتي يقال لکلّ قاريء روضة خوان».. «الذريعة: 294/11رقم 1775».
4- في ج 1 / 69.
5- «تذکرة الفقهاء في الفقه الاستدلالي من تصنيف العلّامة جمال الدين أبي منصور الحسن بن يوسف الحلي، المتوفي سنة 726ه، وقد طبع في مجلّدين ضخمين في إيران .«الذريعة: 43/4رقم 169». وقد طبع مؤخّراً في قم بتحقيق و نشر مؤسّسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث .
6- في أواخر الجزء الثاني.

بالسلطان الشاه إسماعيل أبو المظفّر الصفوي(1)-(2)، وفي موضع ذکر غزو التتار وما فعلوا .(3)

اسمه ونسبه الشريف :

السيّد محمد بن أبي طالب بن أحمد بن محمد المشهور بن طاهر بن يحيي

ابن ناصر بن أبي العزّ (4)الحسيني الموسوي الحائري الکرکي.

ص: 13


1- الشاه إسماعيل الأوّل بن السلطان حيدر الحسيني الموسوي الصفوي ، ينتهي نسبه إلي حمزة بن الإمام موسي الکاظم عليه السلام ، ولد في 25 رجب سنة 892 ه ، وتوفّي في تبريز 19 رجب سنة 930 ه أو 931 ه ، ودفن بمقبرة جدّه صفي الدين في أردبيل ، ابتدأت سلطنته سنة 906 ه ومدّة ملکه 24 سنة ، وهو أول الملوک الصفويّة وموطّد دولتهم. «أعيان الشيعة : 3/ 321».
2- في ج 63/1.
3- في أواخر الجزء الثاني .
4- الظاهر أن «ابن أبي العزّ» هذا هو العالم الفاضل المعروف ، وهو الّذي ذهب مع والد العلّامة الحلّي والسيّد مجد الدين بن طاووس لطلب الأمان لأهل الحلّة ، والقصّة کما يلي: قال العلامة الحلّي - المتوفيّ سنة 726 ه. في کشف اليقين : 101ح 92 : لمّا وصل السلطان هولاکو إلي بغداد قبل أن يفتحها هرب أکثر أهل الحلة إلي البطائح إلا القليل . وکان من جملة القليل والدي رحمه الله والسيّد مجد الدين بن طاووس والفقيه ابن أبي العين ، فأجمع رأيهم علي مکاتبة السلطان بأنّهم مطيعون داخلون تحت الإيليّة ، وأنفذوا به شخصاً أعجميّاً. فأنفذ السلطان إليهم فرماناً[ الفرمان : الأمر الملوکي] مع شخصين ؛ أحدهما يقال له تُکلم ، والآخر يقال له علاء الدين ، وقال لهما : إن کانت قلوبهم کما وردت به کتبهم فيحضرون إلينا ، فجاء الأميران فخافوا لعدم معرفتهم بما ينتهي الحال إليه ، فقال والدي رحمه الله : إن جئت وحدي کفي ، فقالا : نعم ، فاصعد معهما. فلمّا حضر بين يديه ، وکان ذلک قبل فتح بغداد وقبل قتل الخليفة ، قال له : کيف أقدمتم علي مکاتبتي والحضور عندي قبل أن تعلموا ما ينتهي إليه أمري وأمر صاحبکم ؟ وکيف تأمنون ان صالحني ورحلت نقمته ؟ : فقال له والدي : إنّما أقدمنا علي ذلک ، لأنّا روينا عن إمامنا عليّ بن أبي طالب عليه السلام أنّه قال في بعض خطبه : الزوراء وما أدراک ما الزوراء ؟ أرض ذات أثلٍ يشيّد فيها البنيان ، ويکثر فيها السکان ، ويکون فيها مهارم وخزان ، يتّخذها ولد العبّاس موطناً ، الزخرفهم مسکناً ، تکون لهم دار لهو و لعب ، يکون بها الجور الجائر ، والحيف المحيف ، والأئمة الفجرة ، والقراء الفسقة ، والوزراء الخونة ، تخدمهم أبناء فارس والروم لا يأتمرون بينهم بمعروفي إذا عرفوه ، ولا ينتهون عن منکر إذا أنکروه ، تکتفي الرجال منهم بالرجال ، والنساء بالنساء ، فعند ذلک الغم العميم ، والبکاء الطويل ، والويل والعويل لأهل الزوراء من سطوات الترک ، وماهم الترک ، قوم صغار الحدق ، وجوههم کالمجان المطرقة ، لباسهم الحديد ، جرد مرد، يقدمهم ملک يأتي من حيث بدا ، ملکهم جهوري الصوت ، قوي الصولة ، عالي الهمة ، لا يمر بمدينة إلا فتحها ، ولا ترفع له راية إلا نکسها ، الويل الويل لمن ناواه ، فلا يزال کذلک حتي يظفر . فلمّا وصف لنا ذلک ، ووجدنا الصفات فيکم ، رجونا کم فقصدناک ، فطيَّب قلوبهم ، وکتب الهم فرماناً باسم والدي رحمه الله يطيب فيه قلوب أهل الحلة وأعمالها . انتهي . ورواه العلّامة أيضاً في نهج الحق وکشف الصدق : 243 -244، وعبدالله أفندي الأصفهاني في رياض العلماء :6/9 (إشارة) ، والشيخ عبّاس القمّي في الکنيوالألقاب: 189/1 ، وسفينة البحار : 3/ 533 ، والسيّد محسن الأمين في أعيان الشيعة : 2/ 258، والمدرس في ريحانة الأدب : 233/5 رقم 430.

محلّ ولادته وهجرته إلي الحائر :

حدّد المؤلّف رحمه الله مکان مولده قائلاً :

إنّي لمّا هجرت مهاجر أبي وأمّي وعمومتي وبني عمّي ومسقط رأسي ومولدي ، ومصدري في الأمور وموردي ، وهي البلدة المشهورة بين أرباب الطريقة بالأرض المقدسّة ، وهي في الحقيقة علي تقوي الله مؤسّسة ... أعني البلدة المشهورة ب «دمشق» معدن الفجور والغرور والفسق..(1)

فحششت رکابي عن ديارهم ، وأبعدت قراري من قرارهم ... وحططت رحلي ببلاد سيّد الوصييّن ، وألقيت کلّي علي إمام المتّقين ، وجعلت مشهد قرّة

ص: 14


1- انظر ج 1 / 54.

عينه ابي عبدالله موطني ، وحضرته الشريفة في حياتي ومماتي مسکني و مدفني. (1)

ما قيل في الاطراء عليه

کتب علي ظهر النسخة ما هذا نصّه : کتاب «تسلية المجالس وزينة المجالس» تأليف السيد الحسيب النسيب ، العالم الفاضل الکامل ، خلاصة البلغاء ، زبدة الخطباء النصحاء الألبّاء، أنموذج سلفه الطاهرين، وصفوة الفضلاء البارعين ، فخر الملّة والشريعة والدين ، محمد بن أبي طالب ...أدام الله أوصاله(2)

وقال المجلسي رحمه الله : السيد النجيب العالم محمد بن أبي طالب(3)

وقال في موضع آخر : وکتاب «تسلية المجالس» مؤلفه من سادة

الأفاضل المتأخرين (4)

وقال السيّد إعجاز النيسابوري الکنتوري : السيّد النجيب العالم محمد بن

أبي طالب(5)

وقال الميرزا الخوانساري - ضمن کلامه عن الفقيه محمد بن أبي طالب الاسترابادي - : ثمّ ليعلم أنّ هذا الرجل غير محمد بن أبي طالب الحسيني الحائري الذي کان هو أيضاً کما في رجال النيسابوري(6) من جملة

ص: 15


1- انظر ج62/1.
2- ستعرف أنّ النسخة کتبت في عصر المؤلّف رحمه الله
3- بحار الأنوار : 21/1 و 40.
4- بحار الأنوار : 21/ 1 و .
5- کشف الحجب والأستار: 121 رقم 579.
6- وهو الميرزا محمد الاخباري المقتول . «الذريعة : 157/10 رقم 283» .

المشايخ(1)

وقال السيّد محسن الأمين : في رسالة «نزهة أهل الحرمين»(2) وصفه

بالعالم الجليل والسيد الجليل (3)

ولده :

صرّح المؤلّف رحمه الله أنّه أرسل ولده «طاهر» ليأتيه بکتاب «تذکرة الفقهاء» للعلّامة الحلّي ، ولا نعلم کم له من الأولاد ، وکم کان عمر ناصر

حينذاک ؟(4)

اهمها

فترة عمره الشريف :

بما أنّا لم نتعرف علي تاريخ ولادة المؤلّف ولا تاريخ وفاته رحمه الله ،

ص: 16


1- روضات الجنّات : 35/7 . واحتمل الشيخ آقا بزرگ الطهراني في طبقات أعلام الشيعة «إحياء الدائر من مآثر أهل القرن العاشر : 214 أن يکون المؤلّف هو نفسه محمد بن أبي طالب الموسوي الحسيني الاسترابادي ، تلميذ المحقق الکرکي ، وشارح الجعفريّة ، وسمّي الشرح «المطالب المظفّرية»، حيث قال : ولعله الاسترابادي المذکور .. فإنه في آخر المجلس الخامس في أحوال مسلم بن عقيل أظهر الشکوي من أهل زمانه وغدرهم به کما غدر أهل الکوفة بمسلم. قال: ولمّانجّاه الله منهم هاجر إلي کربلاء واتّخذها موطناً ومستقرّاً فيظهر أنّه لم يکن حائريّ الأصل . انتهي . أقول : يبدو أنّ الحقّ مع الميرزا الخوانساري، حيث إنّ المؤلّف رحمه الله صحيح لم يکن حائريّ الأصل لکنّه کرکيّ ، کما هو صرح في کتابه ، وکما بيناه فيما سبق .
2- «نزهة أهل الحرمين في تاريخ تعميرات المشهدين» في النجف وکربلاء ، لسيّدنا الحسن بن هادي صدر الدين العاملي الأصفهاني الکاظمي «1272 - 1354» صاحب «تأسيس الشيعة الکرام الفنون الاسلام» . «الذريعة : 114/24 رقم 592» .
3- أعيان الشيعة :62/9 .
4- انظر أواخر الجزء الثاني .

فلذا من الصعب تحديد الفترة التي عاشها ، إلّا أنّ هناک دلالات نعرف من خلالها العصر الّذي عاش فيه هذا السيّد البارع ، وکما يلي :

1- انّه رحمه الله عثر علي کتاب «روضة الشهداء» للمولي الحسين الواعظ الکاشفي ، المتوفّي سنة «910» ه، وتاريخ تأليف الروضة هو سنة «847» ه، وألف کتابه هذا علي منوال الروضة.

2- أشاد رحمه الله في کتابه هذا بالسلطان شاه إسماعيل الصفوي ، المولود سنة «892» ه، وتسلم السلطة سنة «906» ه، وقاتل شيک خان الاوزبک سنة «916» ه، وتوفي سنة «930» ه.

3- لقد زار المؤلّف مرقد أمير المؤمنين عليه السلام في سنة «921» ه(1)

4- کتب بعض قصائده وصرّح بأن عمره کان «70» سنة (2)

5- الف السجع النفيس عام 955 ه.

1. صرّح بأنّه حصل علي کتاب «تذکرة الفقهاء» للعلّامة الحلّي سنة

«900 ه.

ونستنتج من هذا انّه رحمه الله ولد في القرن التاسع وعاش إلي أواسط

القرن العاشر .

ص: 17


1- انظر ج230/1 .
2- انظر ج 2/ 74 و 130.

حول الکتاب

اشارة

سفر کبير ثمين جلّه في مقتل الإمام الحسين بن علي عليهما السلام وثواب إظهار الجزع لمصابه ومصاب أهل بيته ، والبکاء لرزّيتهم والجلوس العزيتّهم ، وحمل سبايا رسول الله صلّي الله عليه و آله وبناته وأحفاده إلي الشام .

وقد قال مؤلّفه : إنّي بعد أن منّ الله عليَّ بمجاورة سبط نبيّه..أطلق لساني بمدح رسوله المصطفي ، ووليّه المرتضي ، وأهل بيتهما الأئمّة النجباء.. فصرتُ أحلّي بذکرهم المنابر ، و أزيّن بشکرهم المحاضر..فقلَّ أن يمضي يوم من الأيّام التي حباهم الله فيها بتفضيله ، ونوّه بذکرهم في محکم تنزيله ، إلّا وقد وضعتُ خطبة في فضل ذلک اليوم الشريف... کخطبة مولد البشير النذير ، وخطبة يوم الغدير وذيّلتها بأحاديث رائقة...وخطبة يوم السادس من شهر ذي الحجّة الذي کان فيه تزويج البتول من صنو الرسول ، ويوم نزول سورة «هل أتي» وما في فضلهم أتي ، والمجلس المشهور به «تحفة الزوار ومنحة الأبرار» وهو مجلس ذکرت فيه ثواب زيارة سيّد الشهداء وفضل کربلاء ، وکالتعزية الموسومة ب

مجرية العبرة ومحزنة العترة» وهي خطبة يوم التاسع من المحرم ، وکالمجلس المشهور ب «قاطع أسباب النفاق وقامع أرباب الشقاق» وهو مجلس قلته بإذن الله في اليوم السادس والعشرين من ذي الحجّة... وکالرسالة الموسومة ب «السجع النفيس في محاورة الدلام وإبليس» وغير ذلک من رسائل وخطب وأشعار تحث علي اقتناء الفضائل...

وکان ذلک يشتمل علي مائتي ورقة وأکثر ، أبهي من عقود اللآليء

وأبهر...

ص: 18

ثمّ إنّي بعد ذلک عثرت علي کتاب لبعض فصحاء اللغة الفارسيّة ، و فرسان البلاغة الأعجميّة (1).قد رتبه علي عشرة مجالس لقيام المآتم المصاب الغرّ الميامين من بني هاشم شهداء کربلاء...وجعلها خاصّة بالعشر الأول من شهر محرّم الحرام... وجعل لکلّ يوم من أيّامه مجلساً لقواعد الحزن والتعزية.......

فاستخرت الله سبحانه أن أنسخ علي منواله في التصنيف والترتيب ، وأقتدي بأفعاله في التأليف والتهذيب ، وأزيّن مجالس أهل الإيمان بمناقب سادتهم ومواليهم ، وأهیَّج أحزان قلوب أهل العرفان من شيعتهم ومواليهم ، وأُحلَّي أجياد اللسان العربي بدرر نظم ونثري ، وأُجدَّد معاهد الأشجان بنواضح بدائع فکري ، ورتبّته کترتيبه ، وبوّبته کتبويبه ، لکن لم أقصد ترجمة کلامه ، ولا سلکت مسلکه في تثاره ونظامه ، وجعلته عشرة مجالس... ولم آورد فيه من الأحاديث إلّا ما صحّحه علماؤنا ، ورجّحه أعلامنا ، ودوّنوه في کتبهم ، ونقلوه عن أئمّتهم(2)

نسخة الکتاب :

هي النسخة النفيسة المحفوظة في مکتبة مدرسة النمازي في مدينة «خوي» - من توابع محافظة تبريز - برقم 459 مکتوبة بخطّ نسخ متوسّط ، وأخطاؤها ليست قليلة ، تقع في «580» صفحة ، احتوت کل صفحة «22» سطراً، قياس الصفحة11/7017 سم ، سقط من وسطها صفحة واحدة أکملناها من مقتل الإمام الحسين عليه السلام للخوارزمي - وأشرنا له في

ص: 19


1- مراده «روضة الشهداء» للمولي الکاشفي .
2- انظر ج67/1- 70.

محلّه -، ومن آخرها أيضاً صفحة أو أکثر وهي من نثر المؤلّف ، فلذا توقّفنا في آخر الکتاب کما في النسخة . کتبت علي النسخة بعض الحواشي بالفارسية وبالعربية.

وقد کتب علي ظهر النسخة - وبنفس خطّ کاتب النسخة - ما هذا نصه : کتاب «تسلية المجالس وزينة المجالس» تأليف السيد الحسيب النسيب.... الحسيني الموسوي الحائري أدام الله أوصاله.

فيفهم من هذا أنّ النسخة مکتوبة في عصر المؤلّف ولعلّ کاتبها تلميذ

المؤلّف أو شخص آخر(1)

تسمية الکتاب :

أطلق علي الکتاب عدّة تسميات ، وکما يلي :

1- تسلية المُجَالس(2)

2 - تسلية المُجَالس وزينة المَجَالس.(3)

3- زينة المَجَالس. (4)

4 - مقتل الإمام الحسين عليه السلام (5) وجميعها غير بعيد عن الصحيح ، وثانيها هو الأصحّ والأکمل ، وهو الذي

ص: 20


1- قال الشيخ آقا بزرگ الطهراني : نسخة - أي من هذا الکتاب - عند الشيخ محمد رضا فرج الله . «الذريعة : 22 / 27»
2- بحار الأنوار : 40/1 ، الذريعة : 4 / 179 رقم 885.
3- بحار الأنوار : 21/1 ، کشف الحجب والأستار : 121 رقم 579 ، أعيان الشيعة : 62/9، طبقات أعلام الشيعة (القرن العاشر) : 214.
4- الذريعة : 12 / 94.
5- بحار الأنوار : 21/1 ، الذريعة : 22 / 27.

صّرح به المؤلّف في مقدّمته للکتاب ، وکان اختيارنا عليه.

اشتباهان حول الکتاب :

ا- قال الخوانساري رحمه الله - نقلاً عن رجال النيسابوري ، وعند ذکره للمؤلّف -: وله کتاب «تسلية المُجالس» و «زينة المَجالس» کلاهما في مقتل مولانا الحسين عليه السلام(1)انتهي .

والحال کا عرفت انّه کتاب واحد.

2- قال الأستاذ عبد الجبّار الرفاعي حفظه الله في «معجم ما کتب عن

الرسول وأهل البيت صلوات الله عليهم» ج153/7: «تسلية المُجالس» للسيّد

محمد الحسيني الحائري . يأتي بعنوان «زينة المَجالس» . انتهي.

إلّا أنّه قال في ص 325رقم 18677:

زينة المَجالس» (مقتل فارسي) للسيّد مجد الدين محمد بن أبي طالب

الحسيني الحائري ، فرغ منه سنة 1004 ه.... انتهي .

وقال ثالثة في ج 8/69:

مقتل أبي عبدالله الحسين عليه السلام» للسيد محمد الحائري ، تقدّم

بعنوان : «زينة المجَالس» . انتهي.

ويمکن تصحيح هذا الاشتباه بالنقاط التالية :

أ: حصل خلط بين «تسلية المُجَالس وزينة المَجَالس» - کتابنا هذا - وبين «زينة المَجالس» للسيّد مجد الدين محمد بن أبي طالب الحائري ، وذلک

ص: 21


1- روضات الجنّات :35/7.

نتيجة اشتراک اسم الکتاب واسم المؤلّف في الاثنين .

ب : إنّ «زينة المجالس» هو في التواريخ وليس في مقتل الإمام الحسين

عليه السلام.

وقد قال الشيخ آقا بزرگ الطهراني رحمه الله : «زينة المجالس» في التواريخ ، للأمير مجد الدين محمد الحسيني المتخلص «مجدي» ألفه سنة «1004» ه باسم الشاه طهماسب ، مرتّباً علي تسعة أجزاء ، وکلّ جزء علي عشرة فصول ، إلّا الجزء الأخير فإنّه لم يخرج منه إلّا ثمانية فصول في النسخة المخطوطة ، لکنّه اُلحق بالکتاب فصلان في الطبع ؛ أحدهما في تواريخ المغول ، والآخر في الصفويّة ، وينقل عنه في «مطلع الشمس»، وهو فارسيّ.. إلي آخر کلامه(1)

ج : إنّ مؤلّف «تسلية المُجَالس وزينة المَجَالس» أهدي کتابه للشاه إسماعيل الصفوي الّذي کانت السلطة بيده في عام «906 - 930» ه، وهذا يعني أنّ تاريخ تأليف الکتاب يقع في هذه الفترة ، و مؤلّف هکذا کتاب من البعيد أن يقل عمره عن «20» أو «25» سنة ، فعلي غالب الظن أن ميلاده کان قبل سنة

«900» ه.

وأمّا مؤلّف کتاب «زينة المَجالس» فقد ألّف کتابه سنة « 1004» ه، ومن

المعلوم أنّه توفّي بعد هذا التاريخ.

وبالنتيجة فمن البعيد جدّاً أن يکون مؤلف «تسلية المُجَالس وزينة المَجَالس المولود قبل سنة «900» ه قد عمّر لما بعد سنة «1004» ه.

ص: 22


1- الذريعة : 12 /94 رقم 618.

ومن الجدير بالذکر أنّ العلّامة المجلسي رحمه الله قد نقل في بحار الأنوار عن «تسلية المُجَالس وزينة المَجَالس» في المجلّد العاشر من الطبع القديم (الحجري) ، أي ّ 44 ص 310 و354وغيرها والمجلّد 45 من الطبع الجديد .

منهجيّة التحقيق

کان أوّل عملي هو استنساخ النسخة الخطّيّة ، ومن ثمّ إرجاع الأحاديث إلي مصادرها الأصليّة - وإن لم يصرّح المؤلّف بمصادرها علي الأغلب - حيث طابقت الأحاديث مع مصادرها ، وبعد ذلک ضبطت النصّ ضبطاً متقناً - علي قدر الوسع والإمکان ، ولم أدّع الکمال في ذلک - وکما يلي :

1- طابقت الآيات القرآنيّة الشريفة مع القرآن الکريم وأثبتّها کما هي في

القرآن .

2 - ما أضفته من المصادر جعلته بين [] وأشرت لذلک في محلّه .

3 - اقتصرت في الإشارة لموارد الاختلافات بين النسخة والمصادر -

المهمّة منها فقط.

4 - قمت باتّحاد الأحاديث الواردة في الکتاب مع المصادر الحديثيّة

المعتبرة .

ص: 23

تقدير وعرفان :

لقد کان الأمل يحدوني بأن يُکتب لهذا السفر القيّم بالظهور قبل مدّة من الزمان ، أي في حياة أُستاذنا العلّامة الراحل والمحقّق الخبير السيّد عبد العزيز ابن السيّد جواد الطباطبائي اليزدي النجفي قدّس سرّه ، سيّما وانّه قد هيّأ لي النسخة الّتي اعتمدتها في التحقيق من مدرسة النمازي في مدينة «خوي»، وانّه أيضاً کان يرغب في أن يري صدور هذا الکتاب ، إلّا أنّ أموراً عديدة حالت دون إتمام تحقيق الکتاب في ذلک الوقت ، وشاءت الإرادة الإلهيّة غير ما شئنا برحيل السيّد عنّا ، فجزاه الله خير جزاء المحسنين ، وأسکنه فسيح جنانه وأوفرها.

وأسجّل وافر شکري لکلّ من مالي مدَّ العون في عملي هذا، وأخصّ بالذکر منهم : الأستاذ الفاضل محمود البدري ، وأشقائي : علي وعبدالکريم وصادق وفّقهم الله جميعاً.

وأشکر أيضاً أمّ ولدي «حيدر» التي شارکتني في مختلف مراحل تحقيق

الکتاب ، من استنساخ واستخراج ومقابلة فجزاها الله خيراً .

والحمد لله ربّ العالمين .

فارس حسّون کريم

قم المقدّسة ذکري مولد سيّد الشهداء عليه السلام

3 شعبان 1417 ه

ص: 24

صورة

صورة الصفحة الأولي من النسخة الخطية «الأصل» .

ص: 25

صورة

صورة الصفحة الأخيرة من النسخة الخطية «الأصل» .

ص: 26

مقدمه المولف

اشارة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي جعل مصائب دار الغرور مصروفة إلي وجوه أوليائه ، ونوائب بطشها المشهور موقوفة علي جهة أصفيائه ، ووعدهم علي الصبر الجميل بالثواب الجزيل في دار جزائه ، وأراهم فضل درجة الشهادة في منازل دار السعادة الباقية ببقائه ، فبذلوا أرواحهم لينالوا الزلفي من رحمته ، وباعوا أنفسهم من الله بنعيم جتته ، وتلقّوا حدود الصّفاح (1)بشرائف وجوههم ، وقابلوا رؤوس صدور الرماح بکرائم صدورهم ، فکوّرتهم وقد أظلم ليل نقع (2) الحرب ، وبلغت القلوب الحناجر لوقع الطعن والضرب ، وکفر القتام (3) شمس النهار برنامه ، وغمر الظلام فجاج الأقطار بغمامه ، وخشعت الأصوات لوقع الصرام علي هامات الرجال ، وأشرقت الأرض بما سال عليها من شآبيب الجريال (4)، فلم تر إلّا رؤوساً تقطف ، ونفوساً تختطف ، وأبطالاً قد صبغت

ص: 27


1- هي السيوف العريضة .
2- النَّقعُ : رفع الصوت.
3- الکَفرُ: التغطية . والقَتامُ : الغبار
4- الجِريال : صبغ أحمر، وجِريال الذهب : حمرته. «لسان العرب :109/11 - جرل - ».

جيوبها بدم الحتوف ، وفرساناً وجبت جنوبها بغروب السيوف (1) لرأيت منهم وجوهاً کالبدور في ظُلَم النقع مشرقة ، وأُسداً في غاب (2)

الرماح مطرقة ، يرون الموت في طاعة ربّهم راحة أرواحهم ، وبذلوا الوسع في إعلاء کلمة خالقهم مجلية أفراحهم.

ليوث إذا ضربت الحرب جمرها ، غيوث إذا السماء منعت درّها ، رهبان إذا الليل أرخي ستوره ، أعلام إذا النهار أشاع نوره ، مصابيح الظلام إذا الغسق غَمَّت سُدفتُهُ ، مجاديح (3)

الانعام إذا الزمان عمّت أزمّته ، سادة الأمّة ، وقادة الأئمّة ، و معدن الحکمة ، ومنبع العصمة، وبحار العلم ، وبحار الحلم ، إن سئلوا أوضحوا ، وإن نطقوا أفصحوا ، وإن استسمحوا جادوا ، وإن استرفدوا عادوا ، أصلهم معرق ، وفرعهم معذق ، وحوضهم مورود، ومجدهم محسود ، وفخرهم... (4) النبوة أصلهم ، والامامة نسلهم ، لا شرف إلا وهم أصله ، ...(5)

وأُمروا بالجهاد في سبيل الله فأتمروا ، لبسوا القلوب علي الدروع عند مکافحة الکفاح، وتلقّوا بالخدود والصدور حدود الصفاح ورؤوس الرماح ، يرون طعم الموت في طاعة ربّهم أحلي من العسل المشار(6) وارتکاب

ص: 28


1- أي سَقَطَت جُنُوبها إلي الأرض بحدود السيوف .
2- الغابةُ من الرَّماح : ما طال منها ، وکان لها أطراف تُري کأطراف الأجَمة ؛ وقيل : هي المضطربة من الرماح في الريح؛ وقيل : هي الرماح إذا اجتمعت . «لسان العرب : 656/1 - غيب .» .
3- مِجدَحُ : نجم من النجوم کانت العرب تزعم أنها تُمطَرُ به ، وهو المُجدَحُ أيضاً ؛ وقيل : هو الدَّبَران لأنّه يطلعآخراً ويسمّي حادِيَ النجوم . «لسان العرب :421/2- جدح - ».
4- کانت هناک آثار ترميم علي الصفحة الأولي من الأصل ، ومن جرّاء ذلک فقد هنا مقدار3 سطور
5- کانت هناک آثار ترميم علي الصفحة الأولي من الأصل ، ومن جراء ذلک فقد هنا مقدار3 سطور
6- يقال : رجلُ مِشرُ : شديد الحُمرة. «القاموس المحيط : 2/ 134 - مشر - » . وقال في حياة الحيوان الکبري : 2/ 350: وأجوده - أي العسل - الخريفي الصادق الحلاوة والکثير الربيعي المائل إلي الحمرة وفي هامش الأصل : المشار : النشاط.

الأخطار في إعلاء کلمة خالقهم أولي من رکوب العار .

جدّهم أکرم مبعوث ، وخير مرسل ، وأشرف مبعوث بالمجد الأعبل(1)والشرف الأطول ، لم يضرب فيه فاجر ، ولم يسهم فيه عاهر ، نقله الله من الأصلاب الفاخرة إلي الأرحام الطاهرة ، واختصه بالکرامات الباهرة ، والمعجزات الظاهرة ، ونسخ الشرائع بشريعته ، وفسخ المذاهب بملته ، أقام به الاسلام وشدّ أزره(2) ، وأوضح به الايمان وأعلا أمره ، وجعله مصباحأ لظلم الضلال ، ومفتاحة لما استعلن من الأحکام ، وأحيا به السنّة والفرض ، وجعله شفيع يوم الحشر والعرض ، وأسري به إلي حضيرة قدسه ، وشرّفه ليلة الإسراء بخطاب نفسه ، فهو أشرف الموجودات ، وخلاصة الکائنات، أقسم ربّنا بحياته، وجعله أفضل أهل أرضه وسماواته ، وأزلفه بقربه ، واختصه بحبه ، فهو سيّد المرسلين ، وإمام المتقّين ، وخاتم النبيّين ، النبيّ المهذّب ، والمصطفي المقرّب، الحبيب المجيب ، والأمين الأنجب .

صاحب الحوض والکوثر ، والتاج والمغفر ، والخطبة والمنبر ، والرکن والمشعر ، والوجه الأنور، والجبين الأزهر ، والدين الأظهر ، والحسب الأطهر ، والنسب الأشهر ، محمد سيّد البشر ، المختار للرسالة ، الموضح للدلالة ، المصطفي للوحي والنبوّة ، المرتضي للعلم والفتوّة .

صاحب الفضل والسخاء ، والجود والعطاء ، والمذاکرة والبکاء ،

ص: 29


1- العَبلُ : الضخم من کلّ شيء . وأعَبلُ : غَلُظ وابيَضَّ . «لسان العرب :420/11 - عبل - .
2- في هامش الأصل : الأزر : الظهر .

والخشوع والدعاء، والانابة والصفاء.

صاحب الملّة الحنيفيّة ، والشريعة المرضيّة ، والأمّة المهديّة ، والعترة

الحسنيّة والحسينيّة .

صاحب الفضل الجليّ ، والنور المضيّ ، والکتاب البهيّ ، الرسول النبيّ

الأُمّي

هذا الذي زيّنت بمدحه طروسي(1) ورصفت بوصفه بديعي و تجنيسي ، وقابلت بدّر کماله تربيعي و تسديسي، وجعلت ذکره في خلواتي آليفي و آنيسي، وحليت المجامع بملاقي(2)مناقبه ، وشققت المسامع بمعالي مراتبه.

هو الذي رفع الله به قواعد الصدق بعد اندراسها ، وأطلع أنوار الحق بعد انطماسها ، وأقام حدود السنّة بجواهر لفظه ، وحتي أجياد الشريعة بزواجر وعظه ، وأطلع شمس الملّة الحنيفيّة في فلک نبوّته ، وأظهر بدر الشريعة المصطفويّة من مطالع رسالته ، فتح به و ختم ، وفرض طاعته و حتم ، ونسخ الشرائع بشريعته ، ونسخ الملّة بملّته.

لم يخلق خلقاً أقرب منه إليه ، ولم ينشيء نشأً أکرم منه عليه ، شرفه من فلق الصبح أشهر ، ودينه من نور الشمس أظهر ، ونسبه من کل نسب أطهر ، وحسبه من کلّ حسب أفخر ، لما أخلص لله بوفاء حقّه ، وسلک إلي الله بقدم صدقه ، ورفض الدنيا رفضاً ، وقرضها قرضاً، لعلمه بسوء مواقع فتکها، وحذراً من مصارع هلکها ، أطلعه الله علي أسرار ملکوته ، وشرّفه بخطاب حضرة

ص: 30


1- الطَّرسُ : الصحيفة . ويقال : هي التي محيت ثم کتبت . «لسان العرب :6/ 121 -طرس - ».
2- المَلاقي : أشراف نواحي أعلي الجبل لا يزال يَمثُل عليها الوعل يعتصم بها من الصياد . لسان العرب : 255/15 - لقا -» .

کتاب النبي صلي الله عليه وآله إلي کسري .

جبروته ، وأرسله صادعاً بحکمه ، وجعله خازناً لعلمه ، فقام صلّي الله عليه و آله بأعباء الرسالة جاهداً، وباع من الله روحه مجاهداً ، و قطع من قربت قربته ، ووصل من بعدت لحمته ، وهجر في الله الأدنين ، ووصل الأبعدين ، سل عنه أحد وبدر کم خسف الله به فيهما للشرک بدراً ، وهتک للشرک ستراً ، وقصم للظلم ظهراً ، جاهد في الله حقّ جهاده ، وصبر علي الأذي في الله من جهاد عباده حتي کسرت في أحد رباعيته ، وشجت لمناو شته(1) القتال جبهته ، و ثفنت من دمه لمّته (2)، وقتلت عترته وأسرته .

کم نصبوا له غوائلهم (3) وکم وجّهوا نحوه عواملهم ؟ وکم جرّدوا عليه مناصلهم (4) وکم فوقوا إليه معابلهم(5)؟ وأبي الله إلّا تأييده بنصره ، وتمجيده بذکره.

روي أن النبيّ صلّي الله عليه و آله کتب إلي کسري بن هرمز : أمّا بعد :

فأسلم تسلم ، وإلّا فأذن بحرب من الله ورسوله ، والسلام علي من اتّبع

الهدي.

قال : فلمّا وصل إليه الکتاب مزّقه و استخفّ به ، وقال : من هذا الذي يدعوني إلي دينه، ويبدأ باسمه قبل اسمي ؟ وبعث إلي رسول الله صلّي الله عليه

ص: 31


1- في هامش الأصل : المناوشة : الإسراع في النهوض .
2- اللمَّة : شعر الرأس.
3- الغوائل : الدواهي
4- النَّصلُ : حديدة السهم والرمح .
5- المِعبَلة : نصلُ طويل عريض ، والجمع معابل... ومنه حديث علي عليه السلام : تکَنَّفتکم غَوائلُه وأقصَدَتکم معابِلُه . «لسان العرب :422/11 - عبل - .

و آله بتراب ، فقال رسول الله صلّي الله عليه وآله : مزّق الله ملکه کما مزّق کتابي ، أما إنکم ستمزّقون ملکه ، وبعث إليّ بتراب أما إنّکم ستمزّقون (1)أرضه ، فکان کما قال صلّي الله عليه و آله

ثم کتب کسري في الوقت إلي عامله علي اليمن ، وکان اسمه باذام(2) ويکنّي أبا مهران ، أن امض إلي يثرب واحمل هذا الذي يزعم أنّه نبيّ ، وبدأ باسمه قبل اسمي ، ودعاني إلي غير ديني ، فبعث باذام إلي النبيّ صلّي الله عليه و آله فيروز الديلمي في جمع ، وأرسل معه کتاب يذکر فيه ماکتب إليه کسري ، فأتاه فيروز بمن معه ، وقال : إنّ کسري أمرني أن أحملک إليه ، فاستنظره صلّي الله عليه و آله ليلته إلي الصباح.

فلمّا کان في (3)الغد حضر فيروز مستحثّاً لرسول الله صلّي الله عليه و آله ، فقال رسول الله صلّي الله عليه و آله : أخبرني ربّي انّه قتل صاحبک البارحة، سلّط الله عليه ابنه شِيرَوَيه علي سبع ساعات من الليل ، فأمسک حتي يأتيک الخبر ، فراع ذلک فيروز وهاله ، ورجع إلي باذام فأخبره .

فقال له باذام : کيف وجدت نفسک حين دخلت عليه ؟

فقال : والله ما هبت أحدا کهيبة هذا الرجل ، فوصل الخبر إليه کما قال رسول الله صلّي الله عليه و آله فأسلما، وظهر في زمانهما العنسي(4) المتنبّيء

ص: 32


1- في المناقب : ستملکون.
2- في المناقب و مصادر أخري : باذان . انظر في قصة إسلامه الروض الأنف للسهيلي : 307/1 .
3- في المناقب : من.
4- في الأصل : العبسي . وهو عَيهلة بن کعب بن عوف العنسي ، مشعوذ من أهل اليمن ، کان بطّاشاً جبّاراً ، أسلم لمّا أسلمت اليمن ، وارتدّ في أيام النبي صلّي الله عليه وآله ، فکان أوّل مرتدّ في الاسلام د وادّعي النبوة . «الکامل في التاريخ : 336/2 ، الأعلام : 111/5 ».

نزول سورة النجم

باليمن وما افتراه من الکذب ، فأرسل إليه رسول الله صلّي الله عليه وآله فيروز الديلمي ، وقال : اقتله قتله الله ، فقتله (1)-(2)

وروت(3) العامّة عن جعفر بن محمد عليه السلام أنّها لما نزلت سورة

ص: 33


1- من المناقب.
2- روي کتابه صلي الله عليه وآله إلي ملک الفرس کسري بن هرمز بألفاظ متفاوتة ، انظر : مسند أحمد بن حنبل : 243/1 و ج 133/3 ، صحيح البخاري : 10/6 ، تاريخ اليعقوبي : 2/ 77، تاريخ الطبري : 654/2 ، مشکل الآثار للطحاوي:215/1. الأموال لأبي عبيد : 23، دلائل النبوّة لأبي نعيم: 2/ 348ح 241 . السنن الکبري للبيهقي : 177/9 ، تاريخ بغداد : 1/ 132 ، الشفا للقاضي عياض : 460/1 ، مناقب ابن شهرآشوب : 79/1 . الکامل في التاريخ : 213/2 ، البداية والنهاية : 268/4وص 269، صبح الأعشي: 363/6 ، المواهب اللدنية للقسطلاني : 139/2 ، السيرةالحلبية : 277/3 ، بحار الأنوار : 381/20 ح 7 ص 389، جمهرة رسائل العرب :40/1رقم 4. السيرة النبوّية لأحمد زيني دحلان المطبوع بهامش السيرة الحلية : 3/65، أعيان الشيعة : 1/ 244.
3- في هامش الأصل : وروي العيّاشي بإسناده عن خيشة (خثيمة) قال : سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول : من حدّث عنّا بحديث فنحن سائلوه عنه يوماً ، فإن صدق علينا فإنّما يصدق علي الله وعلي رسوله ، وإن کذب علينا فإنما يکذب علي الله وعلي رسوله لاا إذا حدّثنا لا نقول : قال فلان رتال فلان ، وإنّما نقول : قال الله وقال رسوله ، ثمّ تلا هذه الآية : (وَيَوم القِيَامَةِ تَرَي الَّذين کَذَبُوا عَلَی اللهِ وُجَوهُمُ مُسوَدَّةُ ألَيسَ في جَهَنَّمَ مَثويَّ لِلمَتَکَبَرَينَ) [سورة الزمر:60]، ثمّ أشار خيثمة إلي أذنيه فقال : صمّتا إن لم أکن سمعته. قال الراوي [سودة بن کليب] : سألت أبا جعفر عليه السلام عن هذه الأية ، فقال : کلّ إمام انتحل إمامة ليست له من الله . قلت : وإن کان علوياً ؟ قال : وإن کان علوياً. فقلت : وإن کان فاطمياً ؟ قال : وإن کان فاطميّاً . «مجمع البيان : 500

«والنجم إذا هوي» أخبر بذلک عتبة (1) بن أبي لهب ، فجاء إلي النبيّ صلّي الله عليه و آله و تفل في وجهه وطلّق ابنته ، وقال : کفرت بالنجم وبرب النجم، فدعا عليه رسول الله وقال : اللّهم سلّط عليه کلباًمن کلابک ، فخرج إلي الشام ، فنزل في بعض الطريق ، وألقي الله عليه الرعب ، فقال لأصحابه ليلاً : نيّموني بينکم، ففعلوا ، فجاء أسد فافترسه من بين الناس ، ففي ذلک يقول حسّان بن ثابت :

سائِل بني الأشعر(2)إن جئتَهم ما کان أنباءُ أبي(3) واسِع لا و سَّعَ

اللهُ له قبرَه بل ضيَّقَ الله علي القاطِع رمي رسول الله من بينهم دون قريش رَمية القادع واستَوجَبَ الدَّعوةَ منه بما بيَّن للنَّاظِر والسَّامِع فسلّط الله

به کلبَه يمشي الهوينَا مشيةَ الخادع حتي أتاهُ وسطَ أصحابِه وقد عَلَتَهُم سنَةُ الهاجع (4) فَالتَقَمَ الرَّأسَ بيافوخِه والنَّحرَ منه فغرة الجائع مَن يرجع العام إلي أهله فما أکيل السَّبع بالرَّاجِع

ص: 34


1- لعلّه عتيبة کما ذکرت بعض المصادر ، لأن عتبة وأخوه معتب أسلما في عهد النبي صلي الله عليه و آله . انظر الاصابة :455/2 رقم 5413 و ج 443/3 رقم 8120.
2- کذا في ديوان حسّان وغيره ، وفي الأصل : بني الأصفر. وبني الأصفر تطلق علي الروم لأنّ أباهم الأول کان أصفر اللون . انظر «لسان العرب : 465/4 - صفر -». .
3- کذا في بعض المصادر ، وفي الأصل : بني واسع . وکان عتيبة بن أبي لهب بن عبد المطلب يکني أبا واسع .
4- هذا البيت لم يورده في مجمع البيان .

قد کان هذا لکم عبرة للسيّد المتبوعِ والتَّابعِ(1)

وبعد :

فيقول العبد الفقير ، الذليل الحقير ، المعترف بذنبه ، المنيب إلي ربّه ، الذي لم يکتب له الکرام الکاتبون عملاً صالحاً، ولم تشهد له الملائکة المقرّبون يقيناً ناصحاً ، إلّا ما يتقرب به في کلّ آن من توحيد مالکه وربّه ، والانابة إليه بقالبه وقلبه ، وجعل ذکره أنيس خلوته ، وتلاوة کتابه جليس وحدته ، بالتوسّل إليه بأوليائه الطاهرين من أهل بيت نبيّه ، المتوکّل عليه بمجاورة الأکرمين من ذرّيّة وليّه ، وتشريف المنابر بذکر مناقبهم، وتزيين المحاضر بنشر مراتبهم ، وإيضاح الدليل علي سلوک سبيلهم، وشفاء الغليل بتشريفهم و تفضيلهم، وقمع رؤوس من عاداهم بمقامع نظمه ونثره ، و غيضّ نفوس من ناواهم بتواضع خطبه وشعره، محمد بن أبي طالب بن أحمد بن محمد المشهور بن طاهر بن يحيي بن ناصر بن أبي العزّ الحسيني الموسوي الحائري أمّاً وأباً ، الامامي ملّة ومذهباً ، الحسيني نسباً ومحتداً (2) الکرکي (3)منشاً و مولداً

ص: 35


1- روي الحديث والأبيات بتفاوت . انظر :۔ تفسير القرآن لعبد الرزاق الصنعاني : 250/2/2 ، تفسير الطبري : 27 /24 ، تفسير الکشف والبيان للثعلبي : 297 (مخطوط) ، دلائل النبوة لأبي نعيم : 454 ح 380 وص 455 ح 381 و ص457ح 383، دلائل النبوّة للبيهقي : 2/ 338 ، الشفا للقاضي عياض: 460/1، مجمع البيان : 5 / 172 ، الدرّ المنثور : 121/6 - 122، ديوان حسّان بن ثابت : 153.
2- حَدَا الشيء يَحدُه حَدواً واحتدَاه : تبعه . «لسان العرب : 168/14 - حدا -» . وقد تکون بالذال المعجمة ؛ حَذَا حذوَه : فَعَل فعله ، يقال : فلان يحتَدي علي مثال فلان إذا اقتدي به في أمره ، ويقال : حاذيت موضعاً إذا صرت بحذائه. «لسان العرب : 14/170 - حذا».
3- الکَرَک : قلعة حصينة جدّاً في طرف الشام ، من نواحي البلقاء في جبالها «مراصد الاطلاع: 1159/3» .

في هجرة المؤلف رحمه الله من دمشق

إنّي لمّا هجرت مهاجر أبي وأمّي وعمومتي وبني عمّي ومسقط رأسي ومولدي ، ومصدري في الأمور وموردي ، وهي البلدة المشهورة بين أرباب الطريقة بالأرض المقدّسة ، وهي في الحقيقة علي غير تقوي الله مؤسّسة ، کم سب أمير المؤمنين علي منابرها، وأظهرت کلمة الکفر في منائرها ، وعصي رب العالمين في بواطنها وظواهرها، وحملت رؤوس بنيّ النبيّ إلي يزيدها وفاجرها ؟ فهي دار الفاسقين ، وقرار المنافقين ، ومغرس العصابة الناصبة ، ومجمع الطائفة الکاذبة ، أعني البلدة المشهورة بدمشق ، معدن الفجور والغرور والفسق ، ولمّا منّ الله بتوفيق الخروج منها ، وتسهيل الطريق بالبعد عنها ، وفارقتها غير آسف علي حضرتها ونصرتها ، ولا نادم علي مفارقة جهتها وربوتها ، أري کلّ وارد من موارد يزيدها ثورة ، وکل ملازم لباب يزيدها من المعدلين آثماًأو کفوراً ، وکلّ عاکف بأموتها من أعلام علمائها عتلّاً (1) فخوراً ، وکلّ زبرج(2)أُجري علي صفحات عروشها وجدرانها حرفاً وغروراً.

علمائها ذئاب بل ذباب ، وأُمراؤها سباع بل کلاب ، ونساؤها أبغي من هند البغيّة ، ومخدّراتها أزني من امّ زياد سميّة ، الأبنة في علمائها فاشية ، والدياثة من زعمائها ناشية ، إن لامهم لائم علي سوء فعلهم قالوا: «هذا تقدير ربنّا» بکفرهم وجهلهم ، او آنّبهم مؤنّب بفجور نسائهم قالوا : «هذا ما کتب الله علي جباههنّ» بکفرهم وضلالهم ، فجدعاً (3) لهم وکبّاً، وبؤساً وغباً .

ص: 36


1- المَتُلّ : الشديد الجاني والفظّ الغليظ من الناس ؛ وقيل : هو الشديد الخصومة . «لسان العرب : 423/11 - عتل -» .
2- الزَّبرج: الوَشيُ ، الذَّهَب . «لسان العرب: 2/ 285 - زبرج -» .
3- الجَدع : القطع .

وما عسي أن أقول في وصف قوم حنيت جوانحهم علي بعض الوصيّ وعترته، وبنيت جوارحهم علي إنزال الأذي بمواليه وشيعته : يسلقون المؤمنين بألسنة حداد ، ويقصدون الصالحين بالبغي في کلّ ناد ، ويتشادقون (1) بغيبتهم في محاضرهم ومجامعهم ، ويعلنون بسبّهم عقيب جمعهم في جوامعهم، يعدّون يوم عاشوراء من أعظم أعيادهم وزينتهم ، ويسمّونه فجوراً رأس سنتهم، ويعتقدون طبخ الحبوب تلک الليلة من أعظم سنتهم ، والمصافحة بالأکف المخضوبة في ذلک اليوم من أفضل طريقهم وسنتهم ، ويتهادون بالتحف والهدايا في المنازل، ويتبارکون بإدخار الأدوية والأشربة من ذلک اليوم إلي قابل ، ويقصدون بالأذي من بکي فيه علي آل الرسول ، ويتجسّسون علي من جلس التعزية الطاهرة البتول.

وليس ذلک بعجيب من نفاقهم ، ولا بغريب من شقاقهم ، فقد ارتضعوا بغض الامام الوصيّ من أخلاف(2)اخلافهم ، واُشربوا هجر آل النبيّ من آبائهم وأسلافهم ، أغصان الشجرة الملعونة في القرآن ، وأفنان(3)دوحة البغي والعدوان ، الذين أعلنوا بسب الله ورسوله علي منابرهم ، ودل قبح ظاهرهم علي خبث سرائرهم ، کم أظهروا الفساد في البلاد، وأشهروا العناد في العباد ؟ وزن الشيطان للناس اتّباعهم ، وصيّر علماء هم أشياعهم وأتباعهم ، فبذلوا لهم

ص: 37


1- المتَشَدقون : المتوسَّعون في الکلام من غير احتياط واحتراز ، وقيل : المتشدَّق : المستهزيء بالناس يلوي شِدقه بهم وعليهم. «لسان العرب: 173/10.شدق -» .
2- الأخلاف : جمع خِلف - بالکسر - وهو الضرع لکلّ ذات خُفّ وظِلفٍ. «لسان العرب :92/2 - خلف - ». ومراده آنهم ارتضعوا بعض الامام من آبائهم الماضين
3- الفَنَنُ : الغَصنُ ، وقيل : الغُصنُ القضيب يعني المقضوب ، والفَنَنُ : ماتشعَّب منه ، والجمع أفنان . «لسان العرب :327/13 - فنن - ». والدُّوحة: الشجرة العظيمة المتّسعة.

في مناقب ومثالب اصطنعتها العامة

الأموال ، وولّوهم الأعمال ، فغرّتهم الحياة الدنيا بزينتها ، وفتنتهم بزهرتها ، فبدّلوا کلام الله بآرائهم ، وحرّفوا کتاب الله بأهوائهم ، وسلکوا بقدم الغيّ إلي الباطل سبيلاً، واشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً ، وأنکروافضل الوصيّ وما أنزل فيه من الآيات ، وجحدوا النصّ الجليّ وما ورد في إمامته من الدلالات ، تقرّباً إلي أئمّة ضلالهم ، وحرّفوا مقال النبيّ طمعاً في نوالهم.

ألا تري إلي أزکاهم البخاري قد ألغي حديث الخاتم وقصّة الغدير

وخبر الطائر (1) وآية التطهير ؟

وإن أنصفهم مسلم قد أنکر حديث الکهف والإخاء ، وطعن في حديث

«أنا مدينة العلم» ، وحديث اللوح.

وإنّ أشهرهم الطبري توقّف عن حديث الوصيّة(2)، و تأويل (یُوفُونَ بِالنُّذر)(3)، ونعم المطيّة ، ومن أعلام مبشّريهم وضلّال مفتريهم من نور الآيات والأخبار المجمع عليها نحو (إنَّمَا وَليُّکُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا)(4)، ونحو

ص: 38


1- انظر الغدير : 218/3 وما بعدها.
2- تفسير الطبري :19 / 75.
3- سورة الانسان : 7.
4- سورة المائدة: 55. وقد اتفق المفسّرون والمحدّثون وعلماء الأثر علي نزول هذه الآية الشريفة في أمير المؤمنين عليّ عليه السلام ، وروره بأسانيد وطرق کثيرة تنتهي إلي جماعة من کبار الصحابة والمفسّرين. قال السيّد ابن طاووس في سعد السعود: 96: انّ محمد بن العبّاس بن الماهيار المعروف بابن الحجّام قد رواه في کتابه «ما نزل من القرآن في علي عليه السلام» من تسعين طريقاً بأسانيد متصلة، کلّها أو جلّها من رجال المخالفين لأهل البيت عليهم السلام ، وذکر منهم: عمر بن الخطاب، عثمان بن عفان، الزبير بن العوامّ، عبد الرحمان بن عوف، سعد بن أبي وقّاص، طلحة بن عبدالله، عبدالله بن عبّاس، أبو رافع، جابر بن عبدالله الأنصاري، أبو ذرّ، الخليل بن مرة، علي بن الحسين عليه السلام، أبو جعفر محمد بن - علي عليه السلام ، جعفر بن محمد عليه السلام ، أبو هاشم عبدالله بن محمد بن الحنفية، مجاهد المکيّ، محمّد بن السري، عطاء بن السائب، عبد الرزاق . انتهي يضاف إلي هؤلاء من مصادر أخري: علي عليه السلام ، عمار بن ياسر، شلمة بن کھيل، أنس بن مالک، عبدالله بن سلام، المقداد بن الأسود الکندي، عبد الملک بن جريح ورواه البلاذري في أنساب الأشراف : 1/ 150ح 151 ، الحاکم النيشابوري في معرفة علوم الحديث: 102، الحبري في ما نزل من القرآن في علي عليه السلام : 258 -261 ح 21 - 23، الشجري في أماليه: 1/ 137 و 138 بعدّة طرق، الواحدي في أسباب النزول: 113 ، الحافظ أبو نعيم الأصفهاني في ما نزل من القرآن في علي عليه السلام - علي ما في النور المشتعل -:61- 85 ح 5 - 15، ابن عساکر في ترجمة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق: 409/2ح 915 و916، الجويني في فرائد السمطين : 1/ 187 - 195 ح 149 - 153، ابن المغازلي في المناقب: 311 -314ح 354 - 358، الگنجي في کفاية الطالب: 228 و249، الحاکم الحسکاني في شواهد التنزيل :161/1 - 184ح 216 - 240 بأکثر من أربعة وعشرين طريقاً، السيوطي في الباب النقول: 93 ، الجصّاص في أحکام القرآن :102/4 ، الخوارزمي في المناقب186 و 187. وأخرجه الشوکاني في فتح القدير : 53/2عن الخطيب في المتفق والمفترق عن ابن عباس، وعن عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبي الشيخ وابن مردويه عن ابن عبّاس ، وعن أبي الشيخ وابن مردويه وابن عساکر عن علي ، وعن ابن مردويه والطبراني في الأوسط عن عمّار.

أنت منّي بمنزلة هارون من موسي ، وإنّي تارک فيکم الثقلين ، وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوّاً ، وجماعة من کبار أنصابهم ، وفجّار نصّابهم ، جعلوا مقابل کلّ حق باطلاً ، وبإزاء کلّ قائل قائلاً ، مثل «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة»(1) فوضعوا بإزائه «أبو بکر وعمر سيّداکهول أهل الجنّة»(2) و

ص: 39


1- صحيح الترمذي :306/2 ، سنن ابن ماجة : 44/1 ، مسند أحمد: 391/5 ، موارد الظمآن : 551، خصائص أمير المؤمنين عليه السلام للنسائي :36، تاريخ بغداد : 9/ 231 ، حلية الأولياء : 190/4 ، الاصابة : 266/1 ، أسد الغابة: 5/ 574، مناقب أمير المؤمنين عليه السلام لمحمد بن سليمان الکوفي : 2/ 238 ح 703، المستدرک علي الصحيحين : 3/ 381.
2- صحيح الترمذي : 5/ 570، سنن ابن ماجة : 36/1و 38، مسند أحمد: 1/ 80، : تاريخ بغداد : 307/5 ، و ج 118/7 - 119،کنز العمال : 561/11ح 22652 و ص562ح 32654 و ص563ح32664، وج 700/12 ح 36084.

«کان أحبّ الرجال إلي النبيّ عليّ ، ومن النساء فاطمة(1) فوضعوا الحديث في أبي بکر وعائشة(2)، وغرّوا الجاهل بمقالات الباطل ليدحضوا به الحق ، ولو أردت لأوردت من أکاذيبهم وأغاليطهم، وزلفت من أباطيلهم ومخاليطهم، ما يعجز اللسان عن وصفه ، ويکلّ البنان من رصفه ، فأعرضت عن رقم ذلک في الدفاتر ، وإن کان حاکي الکفر ليس بکافر.

شعر:

إذا ما روي الراوون ألف فضيلة لأصحاب مولانا النبي محمد يقولون هذا في الصحيحين مثبت بخط الأمامين الحديث يشيّد(3)ومهما روينا في علي فضيلة يقولون هذا من أحاديث مُلحِد(4)

آخر:

إذا في مجلس ذکروا عليّاً وسبطيه وفاطمة الزکيّة يقول الحاضرون ذروا فهذا سقيم من حديث الرافضيّة(5)

ص: 40


1- ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق لابن عساکر :163/2 ح 641 وص 165ح 646، سنن الترمذي :655/5 ح 3868، المستدرک للحاکم : 3/155. سير أعلام النبلاء: 2/ 131.
2- الرياض النضرة: 1/ 135،کنز العمّال : 12 / 133 ح 34350.
3- في المناقب : فَسَدَّد ، وفي بعض نسخه : مسدّد.
4- مناقب ابن شهر آشوب: 3/1.
5- الأبيات للشافعي ، انظر ديوانه ص 90، مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي : 129/2، مناقب ابن شهرآشوب : 30/1. وروي الجويني في فرائد السمطين : 1/ 135 ح98 بإسناده إلي أبي عبدالله محمد ابن الفضل الرافعي بالبصرة ، قال : سمعت الربيع بن سلمان يقول : قلت للشافعي : إن هاهنا قوما لا يصيرون علي سماع فضيلة لأهل البيت ، فإذا أراد أحد أنّ يذکرها يقولون : هذا رافضي !! قال : فأنشأ الشافعي يقول : إذا في مجلس ذکروا عليّاً وسبطيه وفاطمة الزکيّة فأجري بعضهم ذکري سواهم فأيقن أنه ابن سلقلقية إذا ذکروا عليّاً أو بنيه تشاغل بالروايات العليّة وقال تجاوزوا يا قوم هذا فهذا من حديث الرافضية بَرنت إلي المهيمن من أناس يرون الرفض حبّ الفاطميّة علي آل الرسول صلاة ربّي ولعنته لتلک الجاهليّة.

فبدّل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم ، وزلّة العالم کانکسار السفينة تغرق ويغرق معها غيرها ، بل إذا زلّ العالمِ زلّ العالم ، وجماعة من الفسّاق حملهم النفاق إلي أن قالوا: کان أبو بکر أشجع من عليّ،(1) وإنّ مرحباً قتله محمد بن مَسلمة،(2) وإنّ ذا الثديّة قتل بمصر(3) وإنّ في أداء سورة براءة کان الأمير أبا بکر علی عليّ (4)، وربّما قالوا : قرأه أنس بن مالک ، وإنّ

ص: 41


1- الرياض النضرة: 1/ 138، تاريخ الخلفاء للسيوطي: 36، مجمع الزوائد : 46/9 . ولقد أجاد الأميني رحمه الله في الغدير : 200/7 - 215 في تفنيد هذا الزعم، فراجعه
2- الکامل في التاريخ : 219/2.
3- قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : 268/2 : وفي کتاب صفّين أيضاً للمدائني، عن مسروق ، أنّ عائشة قالت له لما عرفت أنّ عليّاً عليه السلام قتل ذا الثّديّة : لعن الله عمرو بن العاص ، فإنّه کتب إليّ يخبرني أنّه قتله بالاسکندرية ، ألا إنّه ليس يمنعني مافي نفسي أن أقول ما سمعته من رسول الله صلّي الله عليه وآله يقول : يقتله خير أمّتي من بعدي، عنه البحار : 32/ 340، وج 15/38 ح 24.
4- انظر : السيرة النبوّية لابن هشام : 188/4 - 190، تاريخ خليفة بن خيّاط : 93، کتاب العثمانية للجاحظ : 129، سنن النسائي :247/5 ، خصائص أمير المؤمنين عليه السلام للنسائي (نشر مکتبة المعلا في الکويت) : 93 ح 78 ، السنن الکبري للبيهقي :111/5.الرياض النضرة : 3/ 132 - 136 وفيه تأويلات خبيثة ، البداية والنهاية : 357/7، تفسير القرآن العظيم لابن کثير : 10 /344 وما بعدها (أوائل سورة التوبة) أورد عدّة روايات بهذا المعني

محسناً ولد في حياة النبيّ صلّي الله عليه و آله سقطاً (1)، وإنّ النبيّ صلّي الله عليه و آله قال : إنّ بني المغيرة استأذنوني أن ينکحوا ابنتهم من عليّ فلا آذن ، ثم لا آذن إلّا أنّ يطلّق عليّ ابنتي وينکح ابنتهم (2)، وأسندوا إليه صلّي الله عليه و آله انّه قال : إنّ آل أبي طالب (3) ليسوالي بأولياء ، إنّما ولیّي الله وصالح المؤمنين (4)، وقالوا: إنّ صدقة النبيّ کانت بيد العبّاس فغلب عليُّ العبّاس عليها، ومن رکب الباطل زلّت قدمه ، وکقول الجاحظ (5) ليس إيمان علي إيماناً لأنّه آمن وهو صبيّ(6) ولا شجاعته بشجاعة لأنّ النبيّ صلّي الله

ص: 42


1- انظر : تاريخ الطبري : 153/5، الکامل في التاريخ : 397/3 وفيهما بلفظ : توفّي صغيراً ، تهذيب الکمال : 479/20 بلفظ : دَرَجِ سِقطاً ، البداية والنهاية : 331/7 بلفظ : فلمّا ولد الثالث - أي لعلي عليه السلام - جاء النبي صلّي الله عليه و آله فقال : أروني ابني ما سمّيتموه ؟ فقلت : حرباً . فقال : بل هو محسن . وفي موضع آخر بلفظ : ومات وهو صغیر.
2- انظر : صحيح مسلم : 1902/4 ح 2449 ، صحيح الترمذي : 698/5 ح3867 عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي : 13 / 246 ، أسد الغابة : 7 / 222 و فيها جميعاً : هشام بن المغيرة
3- في بعض المصادر : آل أبي فلان ، وفي بعضها : آل فلان ، وفي بعضها : آل أبي
4- مسند أحمد: 303/4 ، صحيح مسلم:197/1 رقم 366، صحيح البخاري : 7/8مسند أبي عوانة: 96/1 ، الجامع لأحکام القرآن للقرطبي : 346/16 ، مشکاة المصابيح للتبريزي: 3/ 1376 ح 4914، جامع الأحاديث للسيوطي :209/2 ح 4856، الدرَ المنثور : 3/ 183،کنز العمال : 3/ 358ح 6922، شرح نهج البلاغة : 64/4
5- راجع کتابه «العثمانية» فقد نفث فيه ما يکون عليه وبا إن شاء الله
6- انظر في هذا المعني البداية والنهاية :222/7 فقد قال : وکان سبب إسلام علي صغيراً أنّه کان في کفالة رسول الله صلّي الله عليه و آله لأنه کان قد أصابهم سنة مجاعة ، فأخذه من أبيه ، فکان عنده ، فلمّا بعثه الله بالحق أمنت خديجة وأهل البيت ومن جملتهم علي ، وکان الايمان النافع المتعدي نفعه إلي الناس إيمان الصدّيق !!!

عليه وآله أخبره انّ ابن ملجم يقتله ، ونسبة جماعة انّ حروبه کانت خطأ(1)وانّه قتل المسلمين عمداً ، وقول واحد من علمائهم : إنّ الحسن قتل ابن ملجم، وکان لعلي أولاد صغار ولم يتربّص به ، وقول القتيبي: أوّل خارج في الاسلام الحسين(2)

فويل للقاسية قلوبهم من ذکر الله ، ولعمري انّ هذا الأمر عظيم ، وخطب في الاسلام جسيم، بل هو کما قال الله : (إنَّ هَذَاَ هو البَلَاءُ المُبِينُ) (3)، فصارت الغوغاء تزعق (4)علي المحدّثين والذاکرين الأمير المؤمنين .

شعر:

إذا ما ذکرنا من عليّ فضيلة

رمينا بزنديق وبغض أبي بکر

ص: 43


1- انظر الغدير : 3/ 188 و ص249.
2- وهکذا دواليک إلي ما شاء الله أن يدونوا مما ارتضته أنفسهم وأزاغهم الشيطان به ، ولقد تصدّت لهذه المتاهات أقلام منصفة سجّلت القول الحقّ تارة في مؤلّفات خاصّة ، وتارة في فصول أو أبواب ضمن تأليفاتهم ، وتارة بالاشارة إلي ما وضعه الوضّاعون تقرّباً السلطان ، أو حبّاً في جاهٍ أو مالٍ. و ممّن تناول هذا الموضوع بالتأليف أو بالاشارة : ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة : 17/3 ، و ج 45/11 و 46، والشهيد القاضي التستري في الصوارم المهرقة في جواب الصواعق المحرقة ، والمير حامد حسين النيشابوري اللکنوي المتوفي سنة 1306 ه في کتابه «شوارق النصوص في تکذيب فضائل اللصوص» و «عبقات الأنوار» ، والعلامة الأميني في موسوعته «الغدير» ، والأستاذ صائب عبد الحميد في منهج في الانتماء المذهبي : 191 وما بعدها ، والسيد علي الميلاني في مقالات نشرت في مجلة تراثنا «الأعداد 20 - 31» تحت عنوان : من الأحاديث الموضوعة.
3- سورة الصافّات : 106.
4- أصل الغوغاء الجراد حين يخف للطيران ، ثمّ استعير للسفلة من الناس والمتسرعين إلي الشرّ ، ويجوز أن يکون من الغوغاء الصوت والجلبة لکثرة لغطهم وصياحهم. والزّعق : الصياح.

في أن المؤلف رحمه الله استوطن کربلاء

وقال آخر: وإن قلت عيناً من عليّ تغامزوا عليَّ وقالوا قد سببتَ معاوية(1)

(وأفَرَأیتَ مَنِ اتَّخَذَ إلهَهُ هَوَاهُ وأَضَلَّه اللهُ عَلَي عِلم وَخَتَمَ عَلَي سَمِعَه وَقَلبِهِ وَجَعَلَ عَلَي بَصَرِهِ غِشَاوَةً)(2)، وبقيت علماء الشيعة في أمورهم متحيّرين ، وعلي أنفسهم خائفين ، وفي الزوايا متحجّرين، بل حالهم کحال الأنبياء والمرسلين ، کما حکي سبحانه عن الکافرين : (لَئِن لَم تَنَتَهِ؛ يَا لُوطُ لَتَکُونَنَّ مِنَ المُخرَجِينَ)(3) (لَئِنَ لَم تَنتَهِ؛ يَا نُوحُ لَتَکُونَنَّ مِنَ المَرجُومِين)(4)، (لنَخرُجَنَّکَ يَا شُعَيبُ وَالَّذِينَ آمَنوا مَعَکَ مِن قرَيَتَنَا أو لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا)(5) فقلت : (اهدِنَا الصَّراط المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أنعَمت عَلَيهِم غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِم وَلَا الضَّالَّينَ) (6)

فحثثت رکابي عن ديارهم ، وأبعدت قراري من قرارهم، واستحليت البعد عن مزنهم ، واستعذبت البروز(7) عن برزتهم ، وحططت رحلي ببلاد سيد الوصييّن ، وألقيت کلّي (8)علي إمام المتقين ، وجعلت مشهد قرة عينه أبي عبدالله موطني ، وحضرته الشريفة في حياتي ومماتي مسکني ومدفني ، لا أريد منها

ص: 44


1- مناقب ابن شهرآشوب : 5/1
2- سورة الجاثية : 23.
3- سورة الشعراء : 167.
4- سورة الشعراء : 116.
5- سورة الأعراف : 88.
6- سورة الفاتحة : 6 و 7.
7- البروز : الخروج.
8- الکَلُّ : الذي هو عيال وثقل علي صاحبه ، قال الله تعالي : (و َهُوَکَلُّ عَلیَ مَولَاه) أي عِیال. «لسان العرب: 594/11 - کلل - ».

إشادة المؤلف بالسلطان إسماعيل الصفوي .

بدلاً ، ولا أبغي عنها حولاً ، اُزين منابرها ببديع نظامي، وأُسرّ محاضرها بمعاني کلامي ، وأّقلّد أجياد مدائحه بدرر لفظي ، واُزيّن خرائد محامده بملابس وعظي ، ملازماً علي الدعاء آناء ليلي وأطراف نهاري ، وعقيب تهجدّي وتلاوتي في أسحاري ، بدوام دولة من أعلي کلمة الاسلام بعد رفضها، ورفع درجة الايمان بعد خفضها ، وقطع عصب النفاق بقاطع غضبه ، وقمع أرباب الشقاق بسطوة حربه ، وأقرّ عين جدّه المصطفي، و أبيه المرتضي، وأسخن عيون أولي الضلالة والشقاء، وجعل الدين الحنيف يميس(1) في حلل المهابة والبهاء، والحق يرفل في ميادين القوة والعلاء

فرع النبوّة، وشجرة الفتوّة ، الناطق بالصدق ، والداعي إلي الحّق، قامع کلّ ظالم، لا تأخذه في الله لومة لائم، عماد الدين ، وعميد المؤمنين ، علم الشريعة

النبويّة ، ومؤيّد الشيعة الاماميّة.

شعر : علويّ النجار (2)من آل موسي أبحر العلم والجبال الواسي هاشمّي لا من بني عبد شمس فاطمّي لا من بني العبّاس

صاحب الأصل الراسخ ، والفرع الشامخ ، والمجد الأطول ، والشرف الأعبل ، قاتل الکفرة ، وخاذل الفجرة ، وطاهر الأسرة ، وجمال العترة ، السيد الأفخر، والعنصر الأطهر ، والليث الغضنفر ، زينة ولد جده أمير المؤمنين حيدر، وعمدة ذرّيّة السيّد الشهيد السعيد شاه حيدر ، مولانا وسيّدنا السلطان الجليل شاه إسماعيل أبو المظفّر، الّذي أيّد الله الاسلام بعزيز نصره ، وقطع دابر البهتان

ص: 45


1- المنيس : التَّبختُر
2- النَّجرُ والنُّجارُ والجار : الأصل والحسب . «لسان العرب : 193/5 - نجر -» .

بغالب أمره ، وأظهر بدر الحقّ بعد خفائه ، وأنار نور الصدق بعد انطفائه، وأنطق لساني بمدح سادتي وأئمّتي ، وأطلق جناني بسبّ حسدتي وأعداء ملّتي.

أقطع بحدّي غراسهم ، وأقلع بجدّي أساسهم ، معتقداً ذلک من أفضل أعمالي، وأکمل أفعالي ، الّذي أتصّل به إلي منازل السعادة الباقية ، والجنّة العالية ، جعل الله أرکان دولته في صعيد السعادة ثابتة ، ودوحة سلطنته في ربوة السيادة نابتة، وأعلام النصر منصوبة علي هامة رفعته ، وکلل المجد مضروبة علي عظمة سدته ، و آيات الايمان بدوام أيّامه متلؤّة ، ورايات الاسلام بسديد آرائه مجلوّة، وشمس شرفه في أفلاک التأييد سائرة ، وأنجم عظمته في منازل التأييد دائرة، والعکوس إلي قضايا عدوّه موجّهة ، والنحوس بذکر مساويء ضده منوهة.

اللهمّ اجعل أعداءه في قبضة أسره مأسورين ، وبصارم سطوته مقهورين، وبعد الامرة مأمورين ، وبعد الرفعة مدحورين ، واجعل لهم بأنفسهم شغلاً شاغلاً ، ومن أعدائهم بلاء ناز ، واشف صدورنا بغيظهم ، وأظللنا بظلّک من فيضهم ، فإنّهم قد ألحدوا في آياتک ، ولدّنوا (1)ببيّناتک ، وأهانوا أولياءک ، وأعزوا أعداءک ، وراموا إطفاء أنوار الايمان ، وإخفاء اعلام القرآن ، وقتل ذرّيّة نبيک سيّد المرسلين ، وهضم عترة وليّک أفضل الوصيّين ، ونصبوانصاب الشرک ، وأظهروا کلمة الکفر ، وقصدوا المؤمنين في أنفسهم وأموالهم ، وأجلبوا عليهم بخيلهم ورجالهم ، وغزوهم في عقر ديارهم ، وراموا قلع آثارهم ، وقطع أدبارهم ، واستئصال شأفتهم ، واستحلال حرمتهم ، وأسر ذراريهم ونسائهم ، وقهر علمائهم وأعلامهم ، وشوا عليهم الغارات ، وأظهروا فيهم الترّات ،

ص: 46


1- يقال : تلدّن عليه إذا تلکّأ عليه . «لسان العرب :383/13 - لندن -» .

وشرّدوهم عن بلادهم ، وقطعوهم عن موادّهم، وجعلوا الجزع شعارهم ، والهلع دثارهم ، وترکوهم عماله يتکفکفون ، وحاملين لا يعرفون ، عباديد(1) في الأقطار، و متفرّقين في الأمصار ، قد أُخرجوا من ديارهم بغير حقّ إلّا أن يقولوا ربّنا الله (2) وأُوذوا لاعتقادهم العصمة والصدق في أولياء الله لا ذنب لهم إلِّا حبّ أهل بيت نبيّهم الأطهار ، وبغض أعدائهم الظلمة الفجّار ، الذين خالفوا نبيّک ، وهضموا وليّک ، واستحلّوا حقّه ، وأکذبوا صدقه ، وجحدوا نصّ النبيّ عليه ، ووجّهوا وجهة ظلمهم إليه ، ومنعوا الزهراء نحلتها ، واستصفوا بلغتها ، وخالفوا والدها ، وکذبوا شاهدها، وقتلوا ذرّيّتها بعدها.

اللهمّ فطوّقهم أطواق لعنتک ، واقرعهم بقوارع نقمتک ، وصبّ عليهم سوط عذابک ، وصخُ (3) أسماعهم بصوت عقابک ، وارفع لنا عندک درجة ببغضهم ، وهیّيء لنا من أمرنا رشَداً (4) بغضهم - ولا تجعلنا فتنةً للقوم الظالمين ، ونجّنا برحمتک من القوم الکافرين (5)

اللهمّ الحظ سلطاننا بعين عنايتک ، ونوّر نصره و احففه بملائکتک ، و افرغ عليه منک واقية باقية ، و ثبّت له قدم صدق في معارج التوفيق راقية ، واجعل له من لدنک سلطاناً نصيراً ، واقسم له من مغانم ألطافک فضلاً کبيراً ، وردّ أعداءه بغيظهم لن ينالوا خيراً (رَبّنَا اتِهمِ ضِعفَينِ من العَذَابِ وَالعَنهُم لَعناً کَبيِراً) (6)

ص: 47


1- عباديد و عبابيد : أي متفرقين . «لسان العرب : 276/3 - عبد -
2- إشارة إلي الآية :.4 من سورة الحجّ.
3- الصاخّة : صيحة تصخّ الأذن أي تطعنها فتصمتها لشدّتها ، ومنه سمُيت القيامة الصاخّة لسان العرب : 3/ 33 - صخخ -»
4- إشارة إلي الآية : 10 من سورة الکهف .
5- إشارة إلي الآيتين : 85 و 86 من سورة يونس .
6- سورة الأحزاب : 68.

قصیدة للمولف رحمة الله في هجره موطنة دمشق و استقرارة في کربلاء

فإنّه والي أولياءک ، وعادي أعداءک ، و قطع فيک الأقربين ، ووصل الأبعدين .

ولمّا استقرّت لي الدار في حضرة سيّد الشهداء ، وطاب لي القرار في مقام خامس أصحاب الکساء ، أردت أن أسم حبيبي بميسم العبوديّة لشريف حضرته ، وأرقم اسمي في دفاتر أرقّاء خدمته ، وأعطّر المَجَالس بنشر مناقبه ، وأُسرّ المُجالِس بذکر مراثيه ، فجمعت هذا الکتاب مع قلّة بضاعتي ، ورکود قريحتي ، فکنتُ بإهدائه إلي عزيز جنابه کناقل التمر إلي هجر ، (1)ومهدي الحصي إلي الدرر ، وقد روي لساني عن قلبي ، ورقم بناني عن لبّي:

فَارَقتُ قَوماً دِينهُم نَصبُ وَإلحَادُ

وَکُفرُ بسذوي الفسوق بأرضِهِم سوق وَللفُجَّارِ فجر لقَضَائِهِم في هَتکِ دينِ المُصطَفَی نَابُ وَظفرُ إن قلتُ عَيناً مِن عليُ أظهَرُوا حِقداً وَهرُّوا(2)

شبه الکِلَابِ إذَا عَوَت فَالَّشرُّ مِنهُم مُستَمِرُّ عُلَمَاؤُهُم عُلَماءُ سوءٍ طَبعُهُم غَذرُ وَمَکرُ وَرِجَالُهُم بَقَرُ إذا ذُکِرَ الوَصِيُّ عَتوا وَفَرُّوا وَنِسَاؤُهُم بالغنج کَم مِن زَاهِدٍ فَتَنُوا وَغَرَّوا

هذَا وَکَم مَنزِلَةُ بَعَد الغِنّی مِنهُنَّ فَقرُ کَم لَيلَةٍ مِن هَجرِهِم أمسَي فُؤَادِي فِيهِ جَمرُ

فَهَجَرتُ مُنصَرَفي إذ لِي لِسَمع الهَجر وَقرُ وَحَثَثتُ رَحلِي نَخوَ مَن هُوَلِلنَّبِيَّ أَخُ وَصِهرُ

ص: 48


1- أورد هذا المثل الميداني في مجمع الأمثال : 152/2 رقم 3080 بهذا اللفظ : کَمُستَبضِع التَّمر إلي هَجَرَ.
2- الهِرُّ : الاسم من قولک هَرَرتُه هَرّاً أي کرهته . «لسان العرب:260/5 - هرر -» .

في ذکر المؤلف خطبه ومجالسه المختلفة

مَؤليً اُزيحُ بِقَصدِهِ عَن سَاحَتِي ضُرُّ وَعِشرُ

وتلوت : (الحَمَدُ لِلهِ الَّذي نَجَّانَا مِنَ القَومِ الظَّالِمينَ وَقُل رَبَّ أنزِلنِي

مُنزَلاًمُبَارَکاً وَأنتَ خَيرُ المُنزِلِينَ)(1)

ثمّ إنّي بعد أن منّ الله عليّ بمجاورة سبط نبيّه ، وأهّلني للاقامة في حضرة وليّه وابن وليّه ، أطلق لساني بمدح رسوله المصطفي ، ووليّه المرتضي ، وأهل بيتهما الأئمة النجباء سادة أهل الدنيا والأخري ، الذين جعل الله أجر الرسالة مودّتهم ، وألزم الکافّة طاعتهم ، فصرت أُحلّي بذکرهم المنابر ، وأزيّن بشکرهم المحاضر ، وأشنّف بمدحهم المسامع (2)، وأشرّف بوصفهم الجوامع ، وأقمع هامات من ناواهم بمقامع نظمي ونثري ، وارغم معاطس من عاداهم بأکفّ خطبي وشعري .

فقلَّ أن يمضي يوم من الأيّام التي حباهم الله فيها بتفضيله ، ونوّه بذکرهم في محکم تنزيله ، إلّا وقد وضعتُ خطبة في فضل ذلک اليوم الشريف، وأوردت کلمة في عمل ذلک الوقت المنيف ، کخطبة «مولد البشير النذير»، وخطبة «يوم الغدير» وذيلتها بأحاديث رائقة ، ونکت شائقة ، يطرب لها المؤمن التقي ، ويهجرها سمع المنافق الشقي ، وخطبة «يوم السادس من شهر ذي الحجة» الذي کان فيه تزويج البتول من صنو الرسول ، ويوم نزول سورة «هل اتي» ، وما في فضلهم آتي ، والمجلس المشهور به «تحفة الزوار ومنحة الأبرار» وهو مجلس ذکرت فيه ثواب زيارة سيد الشهداء وفضل کربلاء ، وکالتعزية الموسومة ب «مجرية العبرة ومحزنة العترة» وهي خطبة يوم التاسع من المحرم ، وکالمجلس

ص: 49


1- سورة المؤمنون : 28 و 29.
2- سورة المؤمنون : 28 و 29. عطس - ».

قصيدة للمؤلف رحمه الله مفتخر بما ينظم ويقول في مدح المصطفي وآله علیهم السلام

وآله عليهم السلام

المشهور ب «قاطع أسباب النفاق ، وقامع أرباب الشقاق» وهو مجلس قلته بإذن الله في اليوم السادس والعشرين من ذي الحجة ، وخطبت به علي صهوة(1) المنبر ، وأوردت فيه مآثم علي عدو الله إبليس الأکبر ، وکالرسالة الموسومة و«السجع النفيس في محاورة الدلام وإبليس». .

وغير ذلک من رسالات وخطب وأشعار تحت علي اقتناء الفضائل ، و تنهي عن اقتراف الرذائل ، وتوضح من أدلة التوحيد ما فيه تلال الطالب ، وبلاغ الراغب ، بأدلة قاطعة ، وحجج ساطعة ، والتحذير من الدار الفانية ، والترغيب في الحياة الباقية ، وکان ذلک يشتمل علي مائتي ورقة وأکثر ، أبهي من عقود اللآليء وأبهر ، قد فاز من البلاغة بالسهم المعلّي ، وحاز من الفصاحة السهم الأعلي ، تمج فقراته مسمع الحاسد البغيض ، وتسمر(2)حلاوة ترصّعاته فم المعاند المريض ، کما وصفت في راتق (3) نظمي من رام بصعر خدّه هظمي : کم شامخ بأنفه تکبّراً وباذخ بخدّه تصعّرا

ومضمر لحسن لفظي حسداً ووجهه يظهر ما قد أضمرا ترجف منه وحشاه حنقاً يکاد يزلقني بما يرا يناي وينهي عن مقامي جاهداً يريد أن يشنأني بين الوري کأن لفظي أسهم بقلبه حدّ

يبالي لمعاينها برا في مدح صنو المصطفي اسنادها بالصدق ما کان حديثاً مفترا يمجّها مسمع ذي وقاحة أعسي النفاق سمعه والمبصرا يعرض عنّي معرضاً بعارضٍ فداً له کم فيه من لوم جرا

ص: 50


1- صَهوَةُ کلّ شيء : أعلاه . «لسان العرب : 14 /471 - صها - .
2- السَّمرُ: شَدُّکَ شيئاً بِالمِسمارِ . «لسان العرب :387/4 - سمر - » .
3- الراتق : الملتئم

عثور المؤلف علي کتاب روضة الشهداء للکاشفي وتأليفه کتابه هذا علی منواله

علي منواله

کذا مريض القلب في لهاته يري الزلال العذب صابا ممقرا لا زال في أحشائه وقلبه من سقط زند مقولي نار الشرا

ثمّ إنّي بعد ذلک عثرت علي کتاب لبعض فصحاء اللغة الفارسيّة(1)

وفرسان البلاغة الأعجميّة ، أصحاب المجد القديم ، والدين القويم ، الذين قال الله سبحانه فيهم : (وَءَ اخَرِينَ مِنهُم لَمَّا يَلحَقُوا بِهِم وَهُوَ العَزِيزُ الحَکيِمُ) (2)تزيّن بتحقيقهم وتدقيقهم المجامع والمجالس ، وکيف لا يکون ذلک کذلک وقد قال سيّد المرسلين : لو کان العلم معلّقاً بالثريّا لناله رجال من فارس(3)؟

ص: 51


1- مراده کتاب «روضة الشهداء»، للمولي الواعظ الحسين بن علي الکاشفي البيهقي ، المتوفي في حدود سنة 910 ه، مرتب علي عشرة أبواب وخاتمة ، وهو أوّل مقتل فارسي شاعت قراءته بين الفرس حتي عرف قاريه به «روضة خوان» ، «الذريعة : 11/ 294 رقم. «1775
2- سورة الجمعة : 3.
3- روي هذا الحديث بألفاظ مختلفة ، ففي بعضها : لو کان الدين ، وفي بعضها : لو کان الإيمان . وإليک جملة من مصادره : مصنّف عبد الرزاق : 11/ 66 ح 1923، مصنّف ابن أبي شيبة : 206/12 ح 12561و ص 207ح 12562، مسند أحمد: 296/2 - 297 و ص 308- 309 و ص 417 وص 420 و ص422و ص 469 ، ص حيح البخاري : 188/6، صحيح مسلم:4 :1972 ب59ح2546 ، سنن الترمذي : 384/5 ب 48 ح 3261 و ص 413 ب 63ح3310 و 725 71ح 3933، ش عب الايمان : 342/4 ح 5330، مسند أبي يعلي: 3/ 23 ح 1433 و ص 27 ح 1438، تفسير الطبري : 42/26 وج 28 /62، المطالب العالية : 4 /158 ح 4228، المعجم الکبير للطبراني :251/10 ح 10470حلية الأولياء : 64/6 ، دلائل النبوة :6/ 333 و334، فردوس الأخبار : 367/4 ح7060، تفسير البغوي : 187/4 و ص 339، البداية والنهاية : 197/6 ، تفسيرالکشاف : 530/4، زاد المسير : 415/7 ، کنز العمال : 92/12 ح 34134، جامع الأصول : 16 / 258 و ج 93/18 ، مدارک التنزيل :143/4 ، لباب التأويل: 4/143 و ص 264، البحر المحيط : 86/8 ، تفسير ابن کثير :196/4 و ص 388مجمع الزوائد: 64/10 و ص 65، کشف الهيثمي :316/3 ح 2835 ، تفسير أبي السعود : 103/8 ، الجامع الصغير :434/2ح 7459 و 7464، الدّر المنثور : 67/6وص 215، الفتوحات الإلهيّة : 155/4 ، روح المعاني :26/ 75 و ج83/28 ، قرب الاسناد : 52، مجمع البيان :108/5ص 284 ، تفسير أبي الفتوح الرازي : 198/10وج 143/11 ، منهج الصادقين : 357/8 و ج 9/ 274 ، تفسير الصافي : 32/5وص 173 ، نور الثقلين :46/5 ح 89 و ص 323ح 22.

ووجدته رضي الله عنه قد رتبه علي عشرة مجالس لقيام المآتم، لمصاب الغرّ الميامين من بني هاشم، شهداء کربلاء وأهل (قُل لا أسألُکُم عَلَيهِ أجراً إلَّا المَودَّةَ فِي القُربَي)(1)وجعلها خاصّة بالعشر الأول من شهر محرّم الحرام الذي فيه هتکت حرمة الاسلام ، وقتلت ذرّيّة سيّد الأنام ، وجعل لکلّ يومٍ من أيّامه مجلساً لقواعد الحزن والتعزية مؤسّساً .

أثابه الله ثواب الصدّيقين ، وحشره في زمرة أوليائه الطاهرين .

فاستخرت الله سبحانه أن أنسخ علي منواله في التصنيف والترتيب ، وأقتدي بأفعاله في التأليف والتهذيب ، وأزين مجالس أهل الإيمان بمناقب سادتهم ومواليهم ، وأهيج أحزان قلوب أهل العرفان من شيعتهم ومواليهم ، وأحلي أجياد اللسان العربي بدرر نظمي ونثري ، وأجدد معاهد الأشجان بنواضح بدائع فکري ، ورتبته کترتيبه ، وبؤبته کتبويبه ، لکن لم أقصد ترجمة کلامه ، ولا سلکت مسلکه في نثاره ونظامه، وجعلته عشرة مجالس ، وسميته با «تَسلية المُجالس وزينة المَجالس»، ولم أورد فيه من الأحاديث إلا ما صححه علماؤنا ، ورجّحه أعلامنا ، ودوّنوه في کتبهم ، ونقلوه عن أئمّتهم.

اللهمّ اجعلنا من السالکين بقدم الصدق إلي ما أوردوا ، والمؤيّدين من

السنّة النبويّة لما أيدوا ، إنّک علي کلّ شيء قدير .

ص: 52


1- سورة الشوري: 23.

المجلس الأول : في ذکر أمور تتعلق بظلامة أبي عبدالله الحسين عليه السلام وما في معناها، و...

اشارة

المجلس الأول : في ذکر أمور تتعلق بظلامة أبي عبدالله الحسين عليه السلام وما في معناها، وطرق في ذکر ثواب من أظهر الجزع المصابه ومصاب أهل بيته، وثواب من بکي لرزيتهم، وجلس لعزیتهم وجلس لعزتهم

في ذکر أُمور تتعلّق بظلامة أبي عبدالله الحسين عليه السلام وما في معناها ، وطرق في ذکر ثواب من أظهر الجزع المصابه ومصاب أهل بيته ، و ثواب من بکي

لرزيّتهم، وجلس لعزیّتهم

الحمد لله الّذي زيّن قلوب أوليائه بملابس عنايته ، وحتي نفوس أصفيائه بنفائس کرامته ، وشري منهم أنفسهم وأموالهم بنعيم جنّته ، وأطلعهم علي أسرار ملکوته ، فعزفت (1)أنفسهم عن الدنيا الدنية إلي جوار حضرته لما جذب أنفسهم بزمام عنايته إلي جنابه الأقدس ، وأجلسهم علي بساط أنسه في ظل جواره المقدس ، وناداهم في سرائرهم في ذلک المقام المشرف ، وخاطبهم في ضمائرهم بخطابه الجليل الأشرف ، وسقاهم من شراب جئته بالکأس الروية ، وأطلعهم علي ما أعد للمجاهدين في سبيله من المقامات السنيّة والدرجات العلية.

بذلوا أنفسهم فنالوافضلها ، وکانوا أحقّ بها وأهلها ، وصلوا بقدوم صدقهم إلي تلک المعاهد والمعالم، واستظّلوا بظلال تلک العواطف والمراحم ، يجاهدون

ص: 53


1- العزف - بفتح العين المهملة وسکون الزاي المعجمة -: الزهد . «ح» .

في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، قرعت أسماعهم(1) رنّة آيات الذکر الحکيم (إنَّ اللهَ اشتَرَي مِنَ المؤمِنِينَ أنفُسهُم وأموالَهُم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبيلِ اللهِ فَيَقتُلُونَ وَيُقتَلُونَ وَعداً عَلَيهِ حَقّاً في التَّوراةِ وَالإنجِيل وَالقُرآنِ وَمَن أؤفَي بِعَهدِهِ مِنَ اللهِ فَاستَبشِرُوا بَبَيعِکُمُ الَّذِي بَایَعتُم بِهِ وَذَلِکَ هُوَ الفَوزُ العَظِيمُ) (2)فهاموا بلذيذ نعمتها طربة ، وقضوا بامتثال أوامرها من السعادة الأبديّة إرباً ، لمّا رؤا انّ الجهاد في سبيل ربّهم من أفضل الطاعات ، وبذل الوسع في إعلاء کلمة خالقهم من أعظم القربات ، تلقّوا حدود الصفاح بوجوههم الشريفة ، وصبروا علي ألم الجراح شوقاً إلي تلک المنازل المنيفة.

وکان أفضل من فاز بالمعلّي من سهامها، وتلقّي بشريف طلعته مواقع نصالها وسهامها ، سبط سيّد المرسلين ، وقرة عين إمام المتقين ، صفوة المصطفين ، أبا عبدالله الحسين ، الذي هُدِم رکن الايمان بوفاته ، وصم حبل الاسلام بفواته ، واهتزّ العرش لمصيبته ، وبکت الأفلاک لرزیّته ، وأمطرت السماء دماً و تراباً ، و حيرت من أولي العرفان أفکار وألباباً .

يا لها من مصيبة لا ترقي عبرتها ، ولا تخبو (3) زفرتها ، ولا تنسي واقعتها، ولا توشي جراحتها، تضرم نيران الأحزان في قلوب خالصي الايمان ، وتشيد قواعد الأشجان في نفوس أرباب أهل العرفان ، فهي التي کست السماء شفقاً من دماء شهدائها ، وأذکت في القلوب حرقاً بشدّة بلائها ، لم تَحدُث في الخلق مصيبة مثلها منذ قامت السماوات والأرض، ولم يغضب الجليل غضبها إلي يوم الحساب والعرض، زفرت جهنّم حين حدوثها زفرة

ص: 54


1- أي ضربت بشدّة الاعتماد .
2- سورة التوبة : 111.
3- أي ولا تسکن .

لولا أنّ الحق منعها إلي أجل مسمّي لأحرقت الأرض بزفرتها، وشهقت شهقة لولا الأمر الذي کتب الله لعباده لأهلکت الخلق بفضيع شهقتها، شردت علي خزّانها فخوطبت: قرّي فلأجعلنّک لقتلته سجناً مؤبّداً، ولأکتبنّ علي أغلالهم وأصفادهم دواماً مخلّداً، ولأجعلنّ فراعنة الأنبياء وأعداء الدين تستعيذ من عذابهم، ولأصيرّنّ الکفرة والفجرة من أهل سجّين يعجبوا من عقابهم، يشرف عليهم إبليس فيلعنهم، ويطلع عليهم عبدة الأوثان فتوبخهم، ولأجعلنّ وليّي وابن أوليائي، وصفّیي ونجل أصفيائي، صاحب هذه المصيبة العظمي، والواقعة الکبري، المجاهد بنفسه وولده، والموفي بعقده وعهده، الذي لم يجاهد جهاده نبي من أنبيائي، ولاصبر صبره مخلص من آمنائي، سيّد الشهداء في الدنيا والآخرة، ولا قيمن حججي علي عبادي من ذرّيتّه الطاهرة.

فيا إخواني، أفي غفلة أنتم من هذا الشهر الّذي أظلّکم ؟ أم في رقدة من هذا العشر الّذي نزل بکم ؟ أتعلمون أيّ رحم فيه للرسول قطعت ؟ وأيّ مصيبة علي بني البتول وقعت ؟ وأي سادة منهم علي الصعيد صرعت ؟ وأي قادة بکؤوس الحمام جرعت ؟ وأي کبد لسيّد الأنبياء فريت ؟ وأي مهجة منه بسهام الأعداء رميت ؟

فيا له من شهر لايحسن الجزع إلا في أيّامه ولياليه، وياله من عشر لا

يليق الهلع إلّا في أعجازه وبواديه، سقيت فيه بنو الرسول کؤوس الحتوف بعد الظماء، وأُسلبت أرواحهم بغروب(1) السيوف والظباء، وصارت أجسادهم علي الرمضاء بلا وطاء، منعوا فيه من شرب المباح، وصدروا من دم الجراح ،

ص: 55


1- الغَرب: الحدَّة، ومنه غَربُ السيف، أي کانت تُدَارَي حِدَتُه وتُتَّقي . «لسان العرب : 641/1 - غرب - ».

فيا ليت نفسي کانت لأنفسهم فداء ، ووجهي لأوجههم وقاء، فلو أنّ عين الرسول عاينت سبطه وقد تحوطت عليه بقية الأحزاب، وأحاطت به کتائب کفرة الکتاب، وهو يذکّرهم بآيات الله، ويحذّرهم من سخط الله، ويورد عليهم الحجة، ويوضح بهم المحجة، ولا يزدادون من عظته إلّا نفوراً، ولا من تذکِرَته إلّا غروراً، وراموا منه خطّة لا تليق بمثله، وطلبوا منه خصلة لا تحسن بفرعه وأصله .

فأبي أبو الأسد الهاصرة(1)، أو الليوث الحاسرة(2) وقدّم بينه وبين الله أفراطاً بين يديه، فصدقوا ما عاهدوا الله عليه، وبذلوا الوسع في طاعة ربّهم ووليّهم، واستشعروا الصبر في نصرة ابن نبيّهم، يرون القتل في العزّ حياة، والحياة في العزّ قتل، کشف الله عن بصائرهم، وتجلي لهم في سرائرهم، فرأوا ما أعدّ لهم من السعادة الباقية (في جَنّةٍ عَالِيَةٍ قُطُوفُهَا دَانِيَةُ . وقيل لهم : کُلُوا وَاشرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أسلَفتُم فِي الأيَّام الخَالِيَة)(3)فتلقّوا رماح الأعداء بصدور بنيت علي الاخلاص قواعدها، وبقلوب بنيت علي الايمان عقائدها، و قابلواصفاح الأشقياء بوجوه طالما أحيت ليلها بسجودها ورکوعها، وارضت ربّها بتهجّدها وخشوعها، محامية عن ابن إمامها ورسولها، تابعة أمر هاديها ودليلها، کلّ منهم قد أرضي بتصمّم عزيمته إلهه وربّه قائلاً : اليوم

ص: 56


1- أسدُهَصُورُ وهَصَّار وهَيصَرُ وهَيصَارُ .. يَکسِرُ ويُمِيلُ. «لسان العرب : 5/ 264. هصر- ». .
2- في الحديث : يخرج في آخر الزمان رجلُ يسمَي أمير العُصَبِ، وقال بعضهم : يسمّي أمير الغَضَب، أصحابه مُحسَّرَون مُحقَّرون مُقصَونَ عن أبواب السلطان ومجالس الملوک، يأتونه من کلّ أؤبٍ کأنّهم قَزَعَ الخريف، يُورّثُهُم الله مشارق الأرض ومغاربها، محسّرون محقرّون أي مؤذون محمولون علي الحسرة أو مطرودون متعبون من حَسَرَ الدابّة إذا أتعبها. « لسان العرب : 190/4 - حمسر - ».
3- سورة الحاقة : 22 - 24.

و ثواب الجزع عليه

تلقي الأحبّة، محمد وحزبه ، حتي إذا فازوا من السعادة بالدرجة العلية، وحازوا أعظم سهم من السعادة الأبديّة، وأصبحت أجسادهم بسيوف الأعداء مبضعة، وأطرافهم بصفاح الأشقياء مقطّعة، ورؤوسهم عن الأجساد منتزعة، وعلي الرماح مرفعة، قد سقوا من کؤوس الحتوف بالکأس المترعة وتلقّوا حدود السيوف بوجوه کانت إلي ربّها مسرعة، وعمّا نهي عنه ورعة، قد أشرق صعيد کربلاء بدمائهم، وشرف طفّ نينوي باسلابهم، وصار مختلف أرواح الأنبياء والمرسلين، ومهبط ملائکة الله المقربين، فهم التائبون العابدون الحامدون الراکعون الساجدون(1)يحسبهم الجاهل أمواتاً وهم أحياء عند ربّهم يرزقون (2)ويظنّهم رفاتاً وهم في الغرفات آمنون (3) (لاَ يَخزُنُهُمُ الفَزَعُ الأکَبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ المَلَائِکَهُ هَذَا يَومُکُمُ الَّذِي کَنتُم تُوعَدُونَ) (4)(فَرحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضلِهِ وَيَستَبشِرُونً بِالَّذِينَ لَم يَلحَقُوا بِهِم مِن

خَلفِهِم الَّا خَوفُ عَلَيهِم وَلَا هُم يَحزَنُون) (5)

ولمّا شاهد فوزهم بالشهادة العظمي، و نيلهم السعادة الکبري، وصار وجيداً من أهله وأسرته، فقيداً لإخوانه وصَحَبَتِهِ، وقد أحدقت به الأعداء من کلّ جانب، وضاقت به المسالک والمذاهب، وفوّقت(6) الأعداء نحوه سهامها ومعابلهاء وجرّدت عليه مناصلها و عواملها، وبنات المصطفي يلذن به صارخات، ويتوسّلن

ص: 57


1- إشارة إلي الآية : 112 من سورة التوبة
2- إشارة إلي الآية: 169 من سورة آل عمران .
3- إشارة إلي الآية : 37 من سورة سبأ
4- سورة الأنبياء : 103.
5- سورة آل عمران: 170.
6- الفُوقُ من السهم: موضع الوتر.. ومَشَقُّ رأس السهم حيث يقع الوتر. وَفَوَّقتُه تفويقاً: عملت له فُوقاً. وفَوَّقَ نبله تَفويقاً إذا فرضها وجعل لها أفواقاً. «لسان العرب:319/10 و 320 - فوق .

ضارعات، وهو يدافع عنهن، ويمانع دونهنّ، ويتلقّی السيوف بشريف طلعته، ويفرّق الصفوف بشدّة عزمته، قد قتلت رجاله، وذبحت أطفاله، وانتهکت حرمة الرسول بانتهاک حرمته، وعظمت مصيبة البتول لعظيم رزيته.

فما ظنّکم بسيّد المرسلين لو رآه في تلک الحال عديم الأعوان، فقيد الاخوان، ممنوعة من شرب المباح، مخضوبة بدم الجراح، قد أجمعت أئمّة السوء علي قتله، واجتمعت عصابة البغي لخذله ؟ هل کان يتلقي عنه السيوف بيديه وساعديه ؟ أم يدفع عنه الحتوف بجنبيه وعينيه ؟

بل لو رآه أمير المؤمنين ، وسيّد الوصييّن ، وهو يستغيث ولا يغاث،

ويستسقي فلا يسقي، قد أثخنه الجراح، وأثقله السلاح، وجعلته عصبة الضلال طعمة لمناصلها، ومَورداً لعواملها، وهو يحمل کَحَمَلات أبيه في أحد وبدر، ويتلقّی سيوف أهل البغي والغدر، لا يزيده قلّة الأنصار إلا بصيرة من أمره، ولا يکسبه تظافر الأشرار إلا إخلاصاً في علانيته وسره، أهل کان يليق الصبر بجلال کماله ؟ أم يتلقّی عنه السيوف بأعضائه وأوصاله ؟

بل لو رأته سيّدة النساء وهو يتلظي ظماً، ويتلهف عطشاً، وعاينت بناتها أساري علي الأقتاب، حياري بغير نقاب ولا جلباب، يطاف بهنّ في البلاد، ويتشرّفهنّ الحاضر والباد، وشاهدت تلک الوجوه التي طالما قبّلها الرسول المجتبي، وأکرمها الوصيّ المرتضي، أصحاب سورة هل أتي، وأرباب (قُل لَا أَسأَلکُم علَيهِ أَجراً إلّا المَودَّةَ فِي القُربَي (1) يسار بها علي رماح الأعداء مخضباً شيبها بالدماء، أکانت تهنأ لها الحياة بعدها أم تتمنّی

ص: 58


1- سورة الشوري : 23.

مجيء فاطمة عليها السلام يوم القيامة قائلة : إلهي احکم بيني وبين من ظلمني ومن قتل ولدي

من ظلمني ومن قتل ولدي

لا وثواب الجزع عليه

الممات عندها؟(1)

روي من طريق أهل البيت عليهم السلام عن النبي صلّي الله عليه و آله قال: تقبل فاطمة يوم القيامة علي ناقة من نوق الجنّة، خطامها من لؤلؤ رطب، وقوائمها من الزمرّد الأخضر، وذنبها من المسک الأذفر(2) وعيناها ياقوتتان حمراوان، عليها قبّة من النور، پري باطنها من ظاهرها، وظاهرها من باطنها، داخلها عفو الله، وخارجها رحمة الله(3)وعلي رأسها تاج من نور ، للتاج سبعون [رکناً، کلّ رکن مرصّع بالدرّ والياقوت يضيء کما يضيء الکوکب الدرّي في اُفق السماء، وعن يمينها سبعون ألف ملک، وعن شمالها سبعون ](4)ألف ملک و جبرائيل آخذ بخطام الناقة ينادي بأعلي صوته : غضّوا أبصارکم حتي تجوز فاطمة، فتسير حتي تحاذي عرش ربّها و تزجّ بنفسها عن الناقة و تقول : إلهي وسيدي احکم بيني وبين من ظلمني، اللهم احکم بيني وبين من قتل ولدي، فإذا النداء من قبل الله: يا حبيبتي وابنة حبيبي، سلي تعطي، واشفعي تشفّعي، فوعزّتي وجلالي لايفوتني في هذا اليوم ظلم ظالم.

ص: 59


1- وردت في «ح» عدّة أبيات: و آل رسول الله تشبَی نساؤهم ومن حولهن الستر بهتک والخدرُ سبايا بأکوار المطايا حواسراً يلاحظهنّ العبدُ في الناس والحرُّ ورملة في ظلّ القصور مصانة يناط علي أقراطها التبر والدرَّ فويل يزيد من عذاب جهنّم إذا أقبلت في الحشر فاطمة الطهر ملابسها .... من السمَّ سود وآخر قان من دم السبط يخرّ تنادي وأبصار الأنام شواخص وفي کلّ قلب من مهابنها ذعر
2- أي طيب الريح.
3- کناية عن أنّها مشمولة بعفو الله ورحمته، وتجيء إلي القيامة شفيعة للعباد معها رحمة الله وعفوه لهم
4- من أمالي الصدوق.

تحشر فاطمة عليها السلام وهي آخذة بقميص الحسين ملطخ بالدم

فتقول: إلهي ذرّيتي وشيعتني وشيعة ذرّيتّي ومحبّي[محّبي](1)ذرّيتّي، فإذا النداء من قبل الله: أين ذرّيّة فاطمة وشيعتها ومحبّوها ومحبّوا ذّريتّها ؟ فيقومون وقد أحاطت بهم ملائکة الرحمة فتقدمهم فاطمة کلهم حتي تدخلهم الجنّة. (2)

وفي حديث آخر: قال صلّي الله عليه و آله : تحشر فاطمة و تخلع عليها الحلل وهي آخذة بقميص الحسين ملطخ بالدم وقد تعلّقت بقائمة العرش تقول : يا ربّ احکم بيني وبين قاتل ولدي، فيؤخذ لها بحقّها.(3)

ص: 60


1- من أمالي الصدوق.
2- أمالي الصدوق : 25 ح 4، عنه غاية المرام: 594 ح 45، والبحار: 43 / 219 ح 1، وعوالم العلوم: 11 /564 ح 4. وأورده في مناقب ابن شهرآشوب: 326/3، وروضة الواعظين : 148، والفضائل لشاذان: و في «ح» عدّة أبيات أخري إذا علي الدنيا الدنیّة ظفرت أيدي بغاة طغاتها بهداتها ف هناک ينصفها الاله بعدله وتسوق شيعتها إلي جنّاتها يوماً به تأتي بتولة أحمد تتمرغ الأملاک في خطواتها وخديجة الکبري وحوّا حولها مع مريم يبکيان من کرباتها وبکقها ثوب الشهيد مضمخ ودموعها تجري علي وجناتها تسبدي شکايتها الجبار السما ولها الخلائق هوّدت أصواتها يا مصرخ المستصرخين وناصر المستضعفين ومنتهي دعواتها هل أمة فعلت بال نبيهم کفعال أمية مع ساداتها غصبت نصيبي من أبي وأستضعفت بَعلي مزيل الکرب في شدّاتها وغدت إلي ولدي تسنُ سيوفها وسقته کأس الموت في حملاتها وسبت بناتي جهرة ومضت بها نحو الشام هديّة لبغاتها
3- عيون أخبار الرضا عليه السلام : 2/ 8ح 21 ص 26 ح 6، مناقب ابن شهر آشوب : .327/3 وروي في صحيفة الامام الرضا عليه السلام : 89ح 21، وفيه تخريجات أُخري، فراجع.

تقبل فاطمة عليها السلام يوم القيامة ومعها ألف نبي وألف وصي وألف شهید، و أبیات شعریة للصاحب بن عباد في ذلک

وألف شهيد، وأبيات شعرية للصاحب بن عباد في ذلک

وفي حديث آخر : انّها تقبل يوم القيامة ومعها ألف نبيّ وألف صدّيق وألف شهيد، ومن الکرّوبييّن ألف ألف يسعدونها علي البکاء، وانّها لتشهق شهقة فلا يبقي في السماء ملک إلا بکي رحمة لها، وما تسکن حتي يأتيها أبوها، فيقول: يا بنّية ، قد أبکيت أهل السماوات و شغلتيهم عن التسبيح، فکفّي حتي يقدّسوا، فإن الله بالغ أمره. (1) سَوفَ تَأتِي الزَّهرَاءُ تَلتَمِسُ الحک مَ إذا حَانَ مَحشَرُ التَّعدِيلِ وَأبُوهَا وَبَعلها وَبَنُوهَا حَولَها وَالخِصَامَ غَير قَلَيلِ

وَتُنَادِي يَاربَّ ذبَّح أولاَ دِي لمَاذَا وَأنتَ خَيرُ مدِيلِ(2)

فَیُنَادي بمالکٍ ألهب النَّا رَوَأجَّج وخُذ بأهل الغلولِ

وَیُجَازَي کلُّ بِمَا کَان مِنهُ مِن عِقَاب التَّخلِيدِ (3)والتنکيل (4)

فيا إخواني ، أظهروا في هذا الشهر شعار الأحزان، وأفيضوا الدموع

المقرحة للأجفان، فإنّ البکاء في هذا الشهر لمصاب آل الرسول من أفضل الطاعات، وإظهار الجزع لما نال عترة الوصيّ من أکمل القربات.

روي الشيخ الجليل الفقيه جعفر بن محمد [بن قولويه بإسناده إلي الإمام

ص: 61


1- کامل الزيارات : 87 ذح 16، عنه البحار: 225/45 ذح 17، وعوالم العلوم: 111/17ح2.
2- کذا في ديوان الصاحبه، وفي الأصل : يا ربّ تذبح .... وأنت أنت مزيل.
3- کذا في ديوان الصاحب، وفي الأصل: عذاب التجليد.
4- الأبيات للصاحب بن عباده المولود سنة «326 ه»، والمتوفّي سنة «385 ه»، انسظر ديوانه ص263، ومقتل الخوارزمي : 2/ 150، ومناقب ابن شهر آشوب: 3/ 328، والبحار :292/45 ، وعوالم العلوم: 589/17 .

في ثواب البکاء علي الحسين عليه السلام

أبي جعفر محمد ](1)بن علي الباقر عليه السلام قال : کان أبي علي بن الحسين صلوات الله عليه يقول: أيما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين عليه السلام دمعة حتي تسيل علي خدّه بوّأه الله بها في الجنّة [غرفاً يسکنها ](2) أحقاباً، وأيّما مؤمن دمعت عيناه حتي تسيل علي خدّه لأذيً مسّنا من عدوّنا في الدنيا بوّأه [الله بها] (3) في الجنّة مبوّأ صدق، وأيّما مؤمن مسّه أذيً فينا فدمعت عيناه حتي تسيل علي خدّه من مضاضة ما أُوذي فينا صرف الله عن وجهه الأذي و آمنه يوم القيامة من سخطه والنار (4)- (5)

وروي بإسناد متّصل إلي الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال:

کان يقول : إنّ الجزع والبکاء مکروه للعبد في کلّ ما جزع ما خلا البکاء علي الحسين عليه السلام فإنّه فيه مأجور(6)

وروي رضي الله عنه بإسناد متصل بالامام أبي عبد الله عليه السلام قال: من ذکر عنده الحسين عليه السلام فخرج من عينة [من الدموع] (7) مقدار جناح

ص: 62


1- أثبتناه لما يتطّلبه السياق.
2- من الکامل.
3- من الکامل.
4- کذا في الکامل، وفي الأصل: سخط النار.
5- تفسير القمي:291/2 ، کامل الزيارات : 100ح 1، ثواب الأعمال : 108ح 1، الملهوف : في مقدمة المؤلف، عنها البحار : 44/ 281 ح 13، وعوالم العلوم: 17 / 526ح4 وأخرجه في مدينة المعاجز :152/4ح 217، وعوالم العلوم : 17 / 532ح اعن القمّي.
6- ک امل الزيارات : 100ح 2، عنه البحار : 291/44ح 32، وعوالم العلوم : 17 /533 ح 5.
7- من الکامل.

ذباب کان ثوابه علي الله عزّ وجلّ ولم يرض له بدون الجنّة (1)

وروي رضي الله عنه عن مسمع بن عبدالملک البصري قال : قال لي أبو

عبد الله الصادق عليه السلام: يا مسمع، أنت من أهل العراق ؟

قلت : نعم . قال : أما تأتي قبر الحسين عليه السلام؟

قلت : يا مولاي ، أنا رجل مشهور عند أهل البصرة، وعندنا من يتبع هوي هذا الخليفة وأعداؤنا کثير من القبائل(2) من التصاب وغيرهم، ولست آمنهم أن يرفعوا خبري عند ولد سليمان فيمثلون بي.

قال : أما تذکر ما صنع به ؟ قلت : بلي والله. قال : فتجزع؟

قلت: نعم والله وأستعبر لذلک حتي يري أهلي ذلک (3)، فأمتنع من الطعام

الشراب حتي يستبين ذلک في وجهي.

قال : رحم الله دمعتک، أما إنک من الذين يعدون في أهل الجزع لنا، والذين يفرحون لفرحنا، ويحزنون لحزننا، ويخافون لخوفنا، ويأمنون إذا أمنّاء أما إنّک ستري عند موتک حضور آبائي لک ووصيّتهم ملک الموت بک، وما

ص: 63


1- کامل الزيارات : 100 ح 3، عنه البحار : 291/44 ح 33، وعوالم العلوم: 17 / 533ح4.
2- في الکامل: من أهل القبائل.
3- في الکامل : أثر ذلک

يلقونک به من البشارة أفضل لک(1) ثمّ استعبر واستعبرت معه، فقال : الحمد لله الذي فضّلنا علي خلقه بالرحمة، وخصّنا أهل البيت بالرحمة.

يا مسمع، إنّ السماوات والأرض لتبکي منذ قتل أمير المؤمنين رحمة لنا، ومن يبکي لنا من الملائکة أکثر منکم، وما رقأت دموع الملائکة منذ قتلنا، وما بکي أحد رحمة لنا ولما لقينا إلّا رحمه الله قبل أن تخرج الدمعة من عينه، فإذا سالت دمعته(2)علي خده فلو أن قطرة من دموعه سقطت في جهنم لأطفأت حرها، حتي لا يوجد لها حرارة، وإنّ الموجع قلبه لنا ليفرح يوم يرانا عند موته فرحة لا تزال تلک الفرحة في قلبه حتي يرد علينا الحوض، وإن الکوثر ليفرح بمحبينا إذا وردوا عليه(3)

يا مسمع، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً، ولم يستق بعدها أبداً وهو في برد الکافور، وريح المسک، وطعم الزنجبيل، أحلي من العسل، وألين من الزبد، وأصفي من الدمع، وأذکر من العنبر، يخرج من تسنيم، ويمر في أنهار الجنان، يجري علي رضراض(4)الدّر والياقوت، فيه من القدحان أکثر من عدد نجوم السماء، يوجد ريحه من مسيرة ألف عام، قدحانه من الذهب والفضّة وألوان الجواهر، وما عين (5)بکت لنا الا نعمت بالنظر إلي الکوثر وسقيت منه(6)

ص: 64


1- زاد في الکامل : ولملک الموت أرق عليک وأشدّ رحمة لک من الأمّ الشفيقة علي ولدها، قال.
2- في الکامل : دموعه.
3- في الکامل: وإن الکوثر ليفرح بمحبنا إذا ورد عليه حتي انه ليذيقه من ضروب الطعام مالا يشتهي أن يصدر عنه.
4- الرضراض : الحصي أو صغارها.
5- في الکامل : وما من عين.
6- زاد في الکامل: من أحبنا، وإن الشارب منه ليعطي من اللذة والطعم والشهوة له أکثر مما يعطاه من هو دونه في حبنا.

وإنّ علي الکوثر أمير المؤمنين عليه السلام وفي يده عصا من عوسج يحطّم بها أعداءنا، فيقول الرجل منهم : إنّي أشهد الشهادتين، فيقول له : انطلق إلي إمامک فلان فاسأله أن يشفع لک إذ کان عندک خير الخلق فإن خير الخلق لا تردّ شفاعته ، فيقول : يا مولاي ، اهلکت من العطش ، فيقول: زادک الله ظمأً وزادک عطشاً

قال مسمع: فقلت : يا مولاي ، کيف يقدر علي الدنو من الحوض ولم

يقدر عليه غيره؟(1)

قال : إنّه ورع عن أشياء قبيحة، وکفّ عن شتمنا إذا ذکرنا، وترک أشياء اجتري عليها غيره، وليس ذلک لحتبّنا، ولا لهويً منه لنا، ولکن ذلک لشدّة اجتهاده في عبادته، ولما(2)شغل به نفسه عن ذکر الناس، فأما قلبه فمنافق، ودينه النصب (3)وولاية الماضين، وتقدمه لهم علي کل أحد.(4)

وعن عبد الله بن بکير، قال : حججت مع أبي عبد الله عليه السلام، فقلت له يوماً: يا ابن سول الله ، لو نبش قبر الحسين عليه السلام هل کان يصاب في قبره شيء؟

فقال : يا ابن بکير، ما أعظم مسألتک (5)؟! إنّ الحسين بن علي عليه السلام

ص: 65


1- في الکامل: فاسأله أن يشفع لک، فيقول: تبرّأ منّي إمامي الّذي تذکره، فيقول: ارجع إلي ورائک فقل للّذي کنت تتولاّه وتقدّمه علي الخلق فاسأله إذا کان خير الخلق عندک أن يشفع لک، فإن خير الخلق من يشفع ، فيقول: إني أهلک عطشاً.
2- في الکامل : ولما قد.
3- في الکامل: ودينه النصب، واتباعه أهل النصب. والمراد من الماضين : الخلفاء الثلاثة.
4- کامل الزيارات : 101ح 6، عنه البحار :289/44 ح 31، وعوالم العلوم: 529/17 ح 13.
5- في الکامل: مسائلک.

مع أبيه وأمّه وأخيه في منزل رسول الله صلّي الله عليه و آله ومعه يرزقون ويحبرون، وإنّه لعن يمين العرش متعلق به يقول:(1) يا ربّ، انجز لي ما وعدتني، وإنّه لينظر إلي زوّاره لهو أعرف بأسمائهم وأسماء آبائهم وما في رحالهم من أحدهم بولده، وإنه لينظر إلي من يبکيه فيستغفر له، ويسأل أباه الاستغفار له، ويقول: أيّها الباکي، لو علمت ما أعدّ الله لک لفرحت أکثر ممّا حزنت، وإنّه ليستغفر له من کلّ ذنب وخطيئة.(2)

وعن ابن أبي عمير بإسناد متّصل إلي أبي عبد الله، قال: من ذکرنا عنده ففاض من عينيه مثل جناح الذباب غفر الله له ذنوبه، ولو کانت مثل زبد البحر.(3)

وروي الشيخ الجليل علي بن الحسين بن بابويه القمّي رضي الله عنه بإسناد متّصل إلي الإمام أبي الحسن الرضا عليه السلام قال : إنّ أبي کان إذا أهلّ شهر المحرّم لايري ضاحکة، وکانت الکآبة والحزن غالبين عليه، فإذا کان يوم عاشوراء کان يوم جزعه ومصيبته، ويقول : في مثل هذا اليوم قتل جدّي الحسين صلوات الله عليه. (4)

وروي ابن فضّال، عن أبيه، عن الرضا علي بن موسي عليه السلام قال :

ص: 66


1- في الکامل: وإنّه أعرف بهم وبأسمائهم
2- کامل الزيارات : 103ح 2، عنه البحار:292/44 ح 35 و 36، وعوالم العلوم: 17 /533ح 8.
3- المحاسن للسبرقي : 63/1ح 110، عنه البحار : 289/44 ح 30، وعوالم العلوم :527/17 ح 6. ورواه بهذا الإسناد أيضاً في کامل الزيارات : 103ح 8، عنه البحار : 44/284ح 20،وعوالم العلوم: 528/17ح 10.
4- أمالي الصدوق : 111ح 2، عنه البحار: 44/ 283 ح 17، وعوالم العلوم: 17 / 538ح1.

في بکاء زين العابدين علي أبيه عليهما السلام

من ترک السعي في حوائجه يوم عاشوراء قضي الله له حوائج الدنيا والآخرة، ومن کان يوم عاشوراء يوم جزعه وبکائه جعل الله يوم القيامة يوم فرحه و سروره، و قرّت بنا في الجنان عينه، ومن سمّي يوم عاشوراء يوم برکة أو ادخر المنزله فيه شيئا لم يبارک له فيه، وحشره الله في زمرة يزيد وعبيد الله بن زياد وعمر بن سعد لعنهم الله في أسفل درک من النار.(1)

وروي الشيخ الفقيه جعفر بن محمد بن قولويه القمّي رضي الله عنه قال : بکي علي بن الحسين بن علي عليه السلام علي أبيه صلوات الله عليه عشرين سنة أو أربعين سنة، وما وضع بين يديه طعام إلا بکي حتي قال له مولاه، جعلت فداک، يابن رسول الله، إنّي أخاف عليک أن تکون من الهالکين(2)فقال : إنّما أشکو بثّي وحزني إلي الله وأعلم من الله مالا تعلمون، إنّي لم أذکر مصرع بني(3)فاطمة إلّا خنقتني العبرة لذلک.(4)

وروي رضي الله عنه قال : أشرف مولي لعلي بن الحسين عليه السلام وهو في سقيفة له ساجد يبکي، فقال له : يامولاي، أما آن لحزنک أن ينقضي ؟

فرفع رأسه إليه، فقال: ياويلک ثکلتک أمک، والله لقد شکي يعقوب إلي ربه

ص: 67


1- أمالي الصدوق : 112 ح 4، علل الشرائع : 227ح 2، عيون أخبار الرضا عليه السلام :298/1 ح 57، عنها البحار : 102/101 ح 1 و 2. وأخرجه في البحار : 44 / 284 ح 18، وعوالم العلوم: 17/ 539 ح 3 عن الأمالي.
2- کذا في الکمال، وفي الأصل: الجاهلين
3- کذا في الکمال، وفي الأصل: ابن.
4- کامل الزيارات : 107ح 1، عنه البحار:109/46 ح 2، وعوالم العلوم: 157/18 ح 2. ورواه الصدوق في الخصال: 272 ح 10، والأمالي : 121ح 5، عنهما البحار: 109/46ح 2، وعوالم العلوم : 158/18 ح 1.

أن الحسين عليه السلام قتيل العبرة

في أقلّ ممّا رأيت(1)حين قال : يا أسفي علي يوسف، إنّه فقد ابناً واحداً، وأنا رأيت أبي وجماعة أهل بيتي يذبّحون حولي.

قال: وکان علي بن الحسين عليه السلام يميل إلي ولد عقيل، فقيل له :

لما تميل إلي ابن عمّک هؤلاء دون أولاد جعفر (2) ؟

قال : إنّي أذکر يومهم مع أبي عبد الله عليه السلام فأرقّ لهم.(3)

وروي أيضاً رضي الله عنه عن أبي عبد الله عليه السلام قال : قال الحسين عليه السلام : أنا قتيل العبرة(4)، قتلت مکروباً، وحقيق عليّ أن لا يأتيني مکروب إلّا ردّه الله وقلبه إلي أهله مسروراً . (5)

فيا أصحاب القلوب السليمة ، والعقول المستقيمة، لا يظنّ ظان منکم بجهله، أو يلبس الشيطان علي عقله، أنّ ما حلّ بالسبط الشهيد من البلاء العتيد الهوانه علي ربه، أو لنقص في زلفته وقربه، ولکن الحقّ سبحانه يبتلي عباده الصالحين بالتکاليف الشاقّة في أنفسهم وأجسادهم، ويختبر أولياءه المخلصين بالمحن المتتابعة في أموالهم وأولادهم، ويحثهم علي جهاد أعدائه بأقوالهم وأفعالهم، ويوفّقهم لامتثال أوامره ونواهيه في جميع أحوالهم، قال سبحانه: (وَلَو يَشَاءُ اللهُ لانتَصَرَ مِنهُم وَلکِن لِيَبلُوَا بَعضَکُم بَبَغضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي

ص: 68


1- کذا في الکمال، وفي الأصل: تري.
2- في الکمال : دون آل جعفر.
3- کامل الزيارات : 107ح 2، عنه البحار:110/46 ح ، وعوالم العلوم: 158/18ح 4.
4- قال المجلسي : أي قتيل منسوب إلي العبرة والبکاء، وسبب لها، أو أقتل مع العبرة والحزن وشدّة الحال، والأوّل أظهر. (
5- کامل الزيارات : 109ح7، عنه البحار : 279/44 ح ة، و عوالم العلوم:536/17 ح 3.

أن البلاء موکل بالأنبياء ، ثم بالأولياء، ثم بالأمثل

سَبِيلِ اللهِ فَلُن يُضِلَّ أعمَالَهُم»(1) وقال سبحانه: (أنَّي لَا أُضِيعُ عَمَل عَامِلٍ مِنکُم مِن ذَکَر أَو أُنثَي بَعضُکُم مِن بَعض فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأخرِجُوا مِن دِيَارِهِم وَأوذُوا فِي سِبيلِي وَقَاتَلِوا وَقُتِلُوا لأَکفَّرَنَّ عَنهم سَيَّئاتِهِم وَلادخِلَهَّم جَنَّاتٍ تَجري مِن تَحتِها الأَنهَارُ ثَوَاباً مِن عِندِ اللهِ وَاللهُ عِندَهُ حُسنُ الثَّوَاب) (2) وقال سبحانه : (أم حَسِبتُم أن تَدخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَعلَم الله الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنکُم) (3) (وَلَم يَستَّخِذُوا مِن دُونِ اللهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلاَ المُؤمِنِينَ وَلِيجَةً (4)

وقال رسول الله صلّي الله عليه و آله : البلاء (5)موکل بالأنبياء، ثمّ

بالأولياء، ثمّ بالأمثل فالأمثل(6)-(7)

ص: 69


1- سورة محمد صلّي الله عليه و آله : 4.
2- سورة آل عمران :195.
3- سورة آل عمران : 142.
4- سورة التوبة : 16.
5- قال المجلسي رضي الله عنه في البحار : 200/67 : البلاء : ما يختبر ويمتحن به من خير أو شرّ، وأکثر ما يأتي مطلقة الشر، وما أريد به الخير يأتي مقيدة کما قال تعالي: و بلاء حسنا) - سورة الأنفال : 17 -، وأصله : المحنة. والله تعالي يبتلي عبده بالصنع الجميل ليمتحن شکره، وبما يکره ليمتحن صبره، يقال: بلاه الله بخير أو شر يبلوه بلواً... بمعني امتحنه، والاسم: البلاء مثل سلام.
6- قال ابن الأثير في النهاية : 296/4 : الأمثل فالأمثل: أي الأشرف فالأشرف، والأعلي فالأعلي في الرتبة والمنزلة، ثمّ يقال : هذا أمثل من هذا أي أفضل وأدني إلي الخير، وأماثل الناس: خيارهم.
7- روي هذا الحديث بألفاظ متفاوتة، انظر: مسند أحمد بن حنبل : 369/6 ، مستدرک الحاکم : 404/4 ، کنز العمال : 326/3 ح6778 و6780 - 1780 وروي عن الامام علي بن أبي طالب والامام الباقر والامام الصادق عليهم السلام، انظر : الکافي: 2/ 252ح 1 و 4 و ص 259 ح 29. ويأتي في ص 83 هامش 9.

وقال أمير المؤمنين عليه السلام : ولو أراد اللهُ سبحانه بأنبيائه حيثُ بعثهم أن يفتح لهم کنوزَ الذّهبان، و معادنَ العِقيان (1) ومَغارس الجِنان، وأن يحشرَ معهم طير السماء ووحوش الأرضين لفعلَ، ولو فعل ذلک لسقط البلاءُ(2) وبطل الجَزاءُ، واضمحلّ (3) الانباء، وَلَما وجَبَ للقابِليِن أجور المبتَلين، ولا استحق المؤمنون(4) ثواب المحِسنين، ولا لزِمت الأسمَاءُ معانيها، ولکنَّ الله سبحانه جعل رسلَه أُولي قوّةٍ في عَزائمِهم، وضَعَفةً فيما تري الأعينُ من حالاتهم، مع قَناعةٍ تملأ ُالقلوبَ والعيونَ غنيً، و خصاصةٍ (5) تملأُ الأبصار والأسماع أذيً.

ولو کانت الأنبياءُ أهلَ قوِّةٍ لا تُرامُ، وعزّةٍ لا تُضامُ، ومُلکٍ تُمدُّ نحوه أعناقُ الرجال [و تُشدُّ إليه عُقَدّ الرَّحال] (6)، لکانَ ذلکَ أهونَ علی الخلق في الاعتبار، وأبعدَ لَهم عن الاستکبار، ولآمنوا عن رهبةٍ قاهرةٍ لهم، أو رغبةٍ مائلةٍ بهم، فکانت النيّاتُ مشترکةً، والحسناتُ مقتَسَمَةً، ولکنَّ الله سبحانه أراد أن يکونَ الاتَّباعُ الرسله، والتصديقُ بکتبه، والخشوعُ لوجهه، والاستکانةُ لأمره، والاستسلامُ الطاعته، أُموراً له خاصة، لا تَشوبها من غيرها شائبة، فکلّما کانت البلوي والاختبارُ أعظمَ کانت المثوبة والجزاءُ أجزلَ.(7)

روي حنّان بن سدير، عن أبي عبد الله عليه السلام [قال: آمن مع نوح من

ص: 70


1- الذّهبان: جمع ذهب. والوقيان : نوع من الذهب ينمو في معدنه .
2- أي الامتحان الّذي به يتميز الخبيث من الطيّب.
3- في النهج : اضمحلَت . والمراد : سقط الوعد والوعيد.
4- کذا في النهج، وفي الأصل: الموصوف، وهو تصحيف
5- خصاصة: فقر وحاجة.
6- من النهج
7- نهج البلاغة : 291 خطبة رقم 192 «الخطبة القاصعة»، عنه البحار: 114/6 ح 11(قطعة). وج 141/13ح61(قطعة)وج469/14.ويأتي في ص 65 أيضاً.

ما عاناه نوح عليه السلام من قومه

من قومه ثمانية نفر.

وفي حديث وهب بن منبه (1)أنّ نوحاً عليه السلام دعا قومه إلي الله حتي انقرضت ثلاثة قرون منهم، کلّ قرن ثلاثمائة سنة يدعوهم سرّاً وجهراًفلا يزدادون إلّا طغياناً، ولا يأتي منهم قرن إلا کان أعتي علي الله من الذين من قبلهم، وکان الرجل منهم يأتي بابنه وهو صغير فيقيمه علي رأس نوح فيقول: يا بني، إن بقيت بعدي فلا تطيعنّ هذا المجنون

وکانوا يثورون إلي نوح فيضربونه حتي يسيل مسامعه دما، وحتي لايعقل شيئا مما يصنع به فيحمل ويرمي ( به )(2)في بيت أو علي باب داره مغشيا عليه، فأوحي الله تعالي إليه : (أَنّهُ لَن يُؤمِنَ مِن قَؤمِکَ إلاَّ مَن قَد آمَنَ)(3)، فعندها أقبل بالدعاء عليهم ولم يکن دعا عليهم قبل ذلک فقال : (رَبَّ لاَ تَذَر عَلَی الأَرضِ مِنَ الکَافِرِينَ دَیَّاراً) ) (4)إلي آخر السورة.

فأعقم الله تعالي أصلاب الرجال وأرحام النساء فلبثوا أربعين سنة لا يولد لهم [ ولد ](5)، وقحطوا في تلک الأربعين سنة حتي هلکت أموالهم وأصابهم الجهد والبلاء، فقال لهم نوح : (استَغفِرُوا رَبَّکُم إنَّه کَانَ غَفَّاراً) (6) فأعذر إليهم وأنذر فلم يزدادوا إلا کفراً، فلمّا يئس منهم أقصر عن کلامهم ودعا عليهم حتي أغرقهم الله سبحانه.(7)

ص: 71


1- من المجمع.
2- من المجمع.
3- سورة هود: 36.
4- سورة نوح : 26.
5- من المجمع.
6- سورة نوح : 10.
7- مجمع البيان: 2/ 434 - 435، عنه البحار:299/11 . وانظر : قصص الأنبياء : 84 ح 75 و 76، عنه البحار : 287/11 ح 9.

ما عاناه إبراهيم عليه السلام من قومه

وهذا إبراهيم عليه السلام خليل الله وصفیّه لمّا کسر الأصنام وجعلها أجذَاذاً، وقطعها بشدّة عزمه أفلاذاً(1)

، قال بعضهم لبعض : (حَرَّقُوه - بالنار - وَأنصُرُوا آلِهَتَکُم إن کُنتُم فَاعِلينَ) (2)أي ناصريها، والمعني : انکم لا تنصرونها إلّا بتحريقه بالنار ؛ قيل : وکان الّذي أشار بتحريق إبراهيم بالنار رجل من أکراد فارس، فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل (3)فيها إلي يوم القيامة ؛ وقيل : إنّما قاله نمرود(4)

قال السدّي : فجمعوا له الحطب حتي انّ الرجل منهم ليمرض فيوصي بکذا وکذا من ماله فُيشتري به حطب، وحتي انّ المرأة لتغزل فتشتري به حطباً حتي جمعوا من ذلک ما أرادوا، فلمّا أرادوا أن يلقوه في النار لم يدروا کيف يلقونه، لأنّهم کانوا قد صنعوا للنار حائطاًطوله ثلاثون ذراعاً، وعرضه عشرة، وملؤوه حطباً، وأجّجوا فيه النار، ولم يقدروا من الدّنو من النار لشدّة حرّها، فجاء إبليس فصنع لهم المنجنيق ، وهي أوّل منجنيق صنعت فوضعوه فيها، ثم رموه، قال الله سبحانه:(5) (قُلنا يَا نَارُکُونِي بَرداً وسَلَاماً عَلَي إبرَاهِيمَ)».(6)

قال أبو العالية: لو لم يقل سبحانه:(وَسَلَاماً)لکانت تؤذيه من شدّة(7)

ص: 72


1- أجذاذة : أي قِطَعا، وکِسَراً. «النهاية: 1/ 250 - جذذ » والأفلاذ : جمع فِلَذٍ ، والفلذَ: جمع فِلذَة، وهي القطعة المقطوعة طولاً. «النهاية 3/ 470 - فلذ - »..
2- سورة الأنبياء : 68.
3- کذا في المجمع، و في الأصل والبحار: يتخلخل وتَجَلجَل في الأرض: أي ساخ فيها ودخل . «لسان العرب :121/11- جلل -
4- زاد في المجمع: وفي الکلام حذف.
5- زاد في المجمع: وفي الکلام حذف.
6- سورة الأنبياء: 69.
7- في المجمع : فجاء إبليس فدلّهم علي المنجنيق

بردها، ولکان بردها أشدّ عليه من حرها فصارت سلاماً(1) عليه، ولو لم يقل (عَلَی إبرَاهِيم ) لکان بردها باقياً إلي الأبد.

قال الصادق عليه السلام : لمّا أُجلس إبراهيم في المنجنيق وأرادوا أن پرموا به في النار أتاه جبرئيل عليه السلام وقال: السلام عليک يا إبراهيم [ورحمة الله وبرکاته] (2)، ألک حاجة ؟

فقال : أمّا إليک فلا، فلمّا طرحوه دعا اللهُ سبحانه فقال : يا الله، يا واحد، يا أحد، ياصمد ، يامن لم يلد ولم يولد، ولم يکن له کفواً أحد، فحسرت النار عنه، فرأوه وانه لمحتبٍ ومعه جبرئيل عليه السلام وهما يتحدّثان في روضة خضراء.

وروي عن النبي صلّي الله عليه و آله أن نمرود الجبّار لمّا ألقي إبراهيم عليه السلام في النار نزل إليه جبرئيل عليه السلام بقميص من الجنة وطنفسة(3) من الجنّة فألبسه القميص وأقعده علي الطنفسة وقعد معه يحدّثه. تمام الخبر.

قال کعب: لم تحرق منه النار غير وثاقه، قال الله سبحانه: (وَأرَادُوا بِهِ

کَيداً فَجَعَلنَاهُم الأخسَريِنَ).(4)

قال ابن عبّاس : هو ان الله سبحانه سلّط علي نمرود وخيله البعوض حتي

أخذت لحومهم، وشربت دماءهم، ووقعت واحدة في دماغه فأهلکته.(5)

ص: 73


1- کذا في المجمع، وفي الأصل: سلامة.
2- من المجمع.
3- کذا في المجمع، وفي الأصل: وطبقة، وکذا في الموضع الآخر. والطَّنفِسَة والطَّنفُسَة : النُّمرُقة فوق الرحل ؛ وقيل : هي البساط الذي له خَملُرقیق.لسان العرب : 127/6 - طنفس - ». .
4- سورة الأنبياء : 70
5- مجمع البيان : 54/4- 55، عنه البحار : 12 / 23 - 25.

ثمّ انّ الله سبحانه ابتلاه کما ذکر في محکم کتابه بالکلمات التي أتمّها، والمحن الّتي احتملها، ووفّي بها حتي أثني الله سبحانه عليه في کتابه بقوله:

(وَإبرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّي ) والابتلاء هو الاختبار، وسمّي ذلک اختباراً؛ لأنّ ما يستعمله الانسان ينافي مثل ذلک يجري علي جهة الاختبار والامتحان فأجري سبحانه علي أمره اسم أمور العباد علي طريق الاتّساع، وحقيقة الابتلاء تشديد التکليف.

ووجه آخر هو انّ الابتلاء علي ضربين؛ أحدهما يستحيل عليه سبحانه والآخر جائز، فالمستحيل هو أن يختبره ليعلم ما تکشف الأيام عنه وهذا لا يصح عليه سبحانه، لأنه علّام الغيوب، والآخر أن يبتليه حتي يصبر علي ما يبتليه فيکون ما يعطيه علي سبيل الاستحقاق، ولينظر إليه الناظر فيقتدي به فيعلم من حکمة الله سبحانه انه لم يکل أسباب الامامة إلّا إلي الکافي المستقلّ بها الذي کشفت الأيّام عنه، ومما ابتلاه في نفسه ما ذکرناه أوّلآً وفي أهله حين خلص الله حرمته من عبادة القبطي، ثم في ولده حين أمر بذبح ولده في قوله: (إنّي أرَي فِي المَنامِ أنّي أذبَحُک)

روي محمد بن إسحاق بن يسار، أنّ إبراهيم عليه السلام کان إذا أراد إسماعيل وهاجر حمل علي البراق، فيغدو من الشام ويقيل بمکّة، ويروح من

ص: 74

مکّة فيبيت في الشام عند أهله، حتي إذا بلغ إسماعيل السعي أُري في المنام أن يذبحه، فقال : يا بني، خذ المدية والحبل وانطلق بنا إلي الشعب لنحتطب، فلما خلا إبراهيم بابنه في شعب ثبير أخبره بما قد ذکره الله عنه، فقال : يا أبت اشدد رباطي حتي لا أضطرب، واکفف عنّي ثيابک حتي لا تنتضح بدمي فتراه والدتي، واشحذ شفرتک، وأسرع مرّ السکين عليّ عنقي ليکون أهون عليّ فإنّ الموت شديد.

فقال إبراهيم: نعم العون أنت يا بنيّ علي أمر الله. قال : فأقبل شيخ علي إبراهيم، فقال : يا إبراهيم، ما تريد من هذا الغلام ؟ قال : أريد أن أذبحه. فقال : سبحان الله ! تريد أن تذبح غلاماً لم يعص الله طرفة عين قط. قال إبراهيم : إن الله أمرني بذلک . قال : ربک ينهاک عن ذلک، وإنّما أمرک بهذا الشيطان. فقال إبراهيم: لا والله، ثمّ قال الغلام: يا أبت، حمرّ وجهي، واشدد وثاقي.

فقال إبراهيم: الوثاق مع الذبح والله لا أجمعهما عليک اليوم، ثمّ تلّه لجبينه وأخذ المدية بيمينه، هذا والملائکة تنتحب والأرض تنحب، ثمّ رفع رأسه إلي السماء وانحني عليه بالمدية، و قلب جبرئيل المدية علي قفاها و اجتر إليه الفدية من ثبير، واجتر الغلام من تحته، ووضع الکبش مکان الغلام، ونودي من ميسرة مسجد الخيف: (أن يَا إبرَاهِيمُ قَد صَدَّقتَ الرُّؤيَا إنَّا کَذلِکَ نَجزِي المُحسِنِينَ إنَّ هذَا لَهُوَ البَلَاءُ المُبِينُ)(1)

ص: 75


1- سوره الصاقات: 104-106.

قال : ولحق إبليس بأُمّ الغلام حين زارت البيت، فقال لها: ما شيخ رأيته

بمني؟

قالت : ذاک بعلي . قال : فوصيف رأيته ؟ قالت : ذاک ابني . قال : فإنّي رأيته وقد أضجعه، وأخذ المدية ليذبحه. قالت : کذبت ! إبراهيم أرحم الناس، فکيف يذبح ابنه ؟ قال : فورب السماء والأرض، ورب هذه الکعبة، قد رأيته کذلک. قالت: ولم؟ قال: زعم أنّ ربّه أمره بذلک.

قالت : حقّ له أن يطيع ربّه، فوقع في نفسها أنّه قد أمر في ابنها بأمر، فلمّا قضت منسکها(1) أسرعت في الوادي راجعة إلي مني، واضعة يدها (2)علي رأسها، فلمّا جاءت [ سارة] (3)وأخبرت الخبر، قامت إلي ابنها تنظر مکان السکين من نحره فوجدته خدشاًفي حلقه، ففزعت واشتکت، وکان بدؤ مرضها الّذي هلکت فيه (4)

وهذا يعقوب إسرائيل الله ابتلاه الله بفراق يوسف، فبکي عليه حتي

ص: 76


1- في المجمع : نسکها.
2- في المجمع: يديها.
3- من المجمع.
4- مجمع البيان: 454/4 - 455، عنه البحار : 12/135. وانظر قصص الأنبياء : «المسمي عرائس المجالس» للثعلبي : 93 - 94.

قصة يوسف عليه السلام

ابيضّت عيناه من الحزن فهو کظيم(1)

روي أبو حمزة الثمالي، عن علي بن الحسين عليه السلام أنّ يعقوب کان يذبح کلّ يوم کبشاً يتصدّق منه ويأکل هو وعياله، وأنّ سائلاً مؤمناً صوّاماً قوّاماً اعتري باب يعقوب عشيّة جمعة عند أوان إفطاره، وکان مجتازاً غريباً فهتف علي بابه فاستطعم هو وهم يسمعونه فلم يصدقوا قوله، فلمّا يئس أن يطعموه وغشيه الليل استعبر وشکا جوعه إلي الله سبحانه، وبات طاوياً، وأصبح صائماً صابراً حامداً لله تعالي، وبات يعقوب و آل يعقوب بطاناً، وأصبحوا وعندهم فضلة من طعامهم، فابتلاه الله سبحانه في يوسف عليه السلام ، وأوحي إليه أن استعدّ لبلائي، وارض بقضائي، واصبر للمصائب ، فرأي يوسف الرؤيا في تلک الليلة.

وروي أنّ يعقوب عليه السلام کان شديد الحبّ ليوسف، وکان يوسف من

أحسن الناس وجهاً.

وروي عن النبي صلّي الله عليه و آله، قال : أُعطي يوسف شطر الحسن،

والنصف الآخر لسائر الناس

وقال کعب الأحبار: کان يوسف حسن الوجه، جعد الشعر، ضخم العين، مستوي الخلقة، أبيض اللون، وکان إذا تبسم رأيت النور في ضواحکه، وإذا تکلّم رايت شعاع النور يلتهب عن ثناياه، ولا يستطيع أحد وصفه، وکان حسنه کضوء النهار عن (2)الليل، وکان يشبه آدم عليه السلام يوم خلقه الله عز ّوجلّ

ص: 77


1- إشارة للآية: 84 من سورة يوسف.
2- في المجمع: عند

وصوّره ونفخ فيه من روحه(1)

فحسده إخوته ودبّروا في أمره، وذلک أنّ يعقوب کان شديد الحبّ اليوسف، وکان يؤثره علي سائر أولاده فحسدوه، ثم رأي الرؤيا فصار حسدهم له أشد.

وقيل : إنّ يعقوب عليه السلام کان يرحمه وأخاه لصغرهما فاستثقلوا ذلک، ودبّروا في هلاکه کما حکي سبحانه عنهم في قوله:( اقتُلُوا یُوسُفَ أوِ اطرَحُوهُ أرضاً یَخلُ لَکُم وَجهُ أبِيکُم )(2)أي اطرحوه في أرض بعيدة عن أبيه فلا يهتدي إليه.(3)

ولمّا أقبلوا إلي أبيهم وسألوه أن يرسل يوسف معهم وأظهروا النصيحة والمحبّة والشفقة علي يوسف، ولمّاهمّ يعقوب أن يبعثه معهم وحثّهم علي حفظه، وقال: (إنّي لَيَحُزُنُنِي أن تَذهَبُوا بهِ وَأَخَافُ أن يَأکُلَهُ الذَّئبُ وَأنتُم عَنهُ غَافِلُونَ) (4)وکانت أرضهم مذابة، وکانت الذئاب ضارية في ذلک الوقت.

وقيل : إنّ يعقوب رأي في منامه کأن يوسف قد شدّ عليه عشرة أذؤب ليقتلوه، وإذا ذئب منها يحمي عنه، فکأنّ الأرض انشقّت فدخل فيها يوسف فلم يخرج إلا بعد ثلاثة أيّام، فمن ثم قال ذلک فلقّنهم العلّة وکانوا لا يدرون.

وروي عن النبي صلّي الله عليه وآله قال: لا تلقّنوا الکذب فيکذبوا، فإنّ

بني يعقوب لم يعلموا أنّ الذئب يأکل الإنسان حتي لقّنهم أبوهم.

ص: 78


1- مجمع البيان :212/3 و 220.
2- سورة يوسف : 9.
3- مجمع البيان : 212/3 .
4- سورة يوسف : 13.

وهذا يدلّ علي أنّ الخصم لا ينبغي أن يلقن حجّة.

ولمّا ذهبوا به أخرجوه عن يعقوب مکرّماً، فلمّا وصلوا إلي الصحراء أظهروا له العداوة وجعلوا يضربونه وهو يستغيث بواحد واحد منهم فلا يغيثه، وکان يقول: يا أبتاه، فهموا بقتله، فمنعهم يهوذا – وقيل : لاوي - فذهبوا به إلي الجب، فجعلوا يدلونه فيه وهو يتعلّق بشفيره، ثمّ نزعوا عنه قميصه وهو يقول: لا تفعلوا، ردّوا علي القميص أتواري به.

فيقولون: ادع الشمس والقمر والأحد عشر کوکباً يؤنسنک(1)، فدلّوه في البئر حتي إذا بلغ نصفها فألقوه إرادة أن يموت وکان في البئر ماء فسقط فيه، ثمّ آوي إلي صخرة فيها فقام عليها، وکان يهوذا يأتيه بالطعام.

وقيل : وکلّ الله به ملکاً يحرسه ويطعمه.

وقيل : إنّ إبراهيم عليه السلام لمّا أُلقي في النار عرياناً أتاه جبرئيل عليه السلام بقميص من حرير الجنّة فألبسه إيّاه ، فکان ذلک القميص عند إبراهيم عليه السلام ، فلمّا مات ورثه إسحاق، فلما مات إسحاق ورثه يعقوب، فلمّا شبّ يوسف جعل يعقوب ذلک القميص في تعويذ و علقه في عنق يوسف، فکان لا يفارقه، فلمّا ألقي في البئر عرياناً جاءه جبرئيل وکان عليه ذلک التعويذ، فأخرج منه القميص وألبسه إيّاه.

قيل : وهو القميص الّذي وجد يعقوب ريحه لمّا فصلت العير من مصر،

وکان يعقوب بفلسطين فقال: (إنَّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُف) (2)

وفي کتاب النبوّة، عن الحسن بن محبوب، عن الحسن بن عمارة، عن

ص: 79


1- کذا في المجمع، وفي الأصل: والإحدي عشر کوکباً تؤنسک.
2- سورة يوسف : 94.

مسمع أبي سيّار(1) عن الصادق عليه السلام قال: لمّا ألقي إخوة يوسف يوسف في الجبّ نزل عليه جبرئيل وقال: يا غلام، من طرحک في الجبّ؟

قال : إخوتي لمنزلتي من أبي حسدوني، ولذلک في الجبّ طرحوني. فقال : أتحبّ أن تخرج من هذا الجبّ ؟ فقال: ذاک إلي إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب.

فقال له جبرئيل : إنّ إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب يقول لک: قل: اللّهمّ إنّي أسألک [بأن لک الحمد لا إله إلا أنت بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والاکرام] (2) أن تصلّي علي محمد و آل محمد، وأن تجعل لي من أمري فرجاً ومخرجاً، وترزقني من حيث أحتسب ومن حيث لا أحتسب ، فجعل الله له من ذلک يومئذ فرجاً، ومن کيد المرأة مخرجاً، وأتاه ملک مصر من حيث لم يحتسب.

وروي أنّ يوسف عليه السلام قال في الجت : يا إله إبراهيم وإسحاق

ويعقوب، ارحم ضعفي و قلّة حيلتي وصغري.

قال مجاهد : أوحي الله إليه وهو في الجبّ ونبّأه وأوحي إليه أن اکتم حالک ،واصبر علي ما أصابک، فإنّک ستخبر(3)

إخوتک بما فعلوا بک في وقت لا يعرفونک.

ولمّا فعلوا بيوسف ما فعلوا جاءوا أباهم عشاءً يبکون (4)کما ذکر سبحانه

ص: 80


1- کذا في المجمع، و في الأصل : مسمع بن سيّار .
2- من المجمع.
3- کذا في المجمع، وفي الأصل : تجير.
4- إشارة إلي الآية:16من سورة يوسف.

ليلبسوا علي أبيهم، وإنّما أظهروا البکاء ليوهموا أنّهم صادقون، وفي هذا دلالة علي أنّ البکاء لا يوجب صدق دعوي الباکي في دعواه.

ولمّا سمع يعقوب بکاءهم وصياحهم فزع وقال : ما لکم؟

فقالوا: (يا أبَانَا ذَهَبنَا نَستَبِقُ - علي الأقدام ؛ وقيل : ننتصل(1) ونترامي فننظر أيّ السهام أسبق وَتَرَکنَایُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأکَلَهُ الذَّئبُ وَمَا أنتَ بِمُؤمِنٍ لَنَا - أي مصدّق - وَلَو کُنَّا صَادِقِينَ)(2). وأظهروا ليعقوب قميص يوسف ملطّخاً بالدم، وقالوا: هذا دم يوسف حين أکله الذئب ؛ قيل : إنهم ذبحوا سخلة وجعلوا دمها علي القميص ولم يمزّقوا الثوب، ولم يخطر ببالهم انّ الذئب إذا أکل إنساناً يمزّق ثوبه ؛ وقيل : إنّ يعقوب قال : أروني القميص، فأروه إيّاه، فلمّا رآه صحيحاً قال: يا بنيّ، ما رأيت ذئباً أحلم من هذا الذئب ! أکل ابني ولم يخرق قميصه.

وقيل : إنّه لمّا قال لهم يعقوب ذلک، قالوا: بل قتله اللصوص.

فقال عليه السلام : فکيف قتلوه وترکوا قميصه وهم إليه أحوج من قتله؟ (بَل سَوَّلَت لَکَم أنفُسُکُم أمراً أي زينّت لکم - فَصَبرُ جَمِيلُ) (3)أي صبري صبر

جميل لا أشکو إلي الناس.

وقيل: إنّما يکون الصبر جميلاً إذا قصد به وجه الله تعالي، وفعل للوجه

الّذي وجب.

وقيل : إنّ البلاء نزل علي يعقوب في کبره، وعلي يوسف في صغره بلا

ص: 81


1- کذا في المجمع، و في الأصل: نتناصل
2- سورة يوسف : 17.
3- سورة يوسف : 18.

ذنب کان منهما، فأکّب يعقوب علي حزنه، وانطلق يوسف في رقّه، وکان(1) ذلک بعين الله سبحانه يسمع ويري، وکلّ ذلک امتحان من الله، ومکث يوسف عليه السلام في الجت ثلاثة أيّام.(2)

ثمّ جاءت السيّارة من قبل مدين يريدون مصر فاخطا وا الطريق، وانطلقوا بهيمون حتي نزلوا قريبا من الجبّ، وکان الجبّ في قفرة بعيدة من العمران، وإنّما هو للرعاة والمجتازة، وکان ماؤه ملحاً فعذب، فبعثوا رجلاً يقال له مالک بن داغر (3)ليطلب الماء ( فأدلَي دَلوَهُ) فتعلّق يوسف عليه السلام بالدلو(4) فلمّا خرج إذا هو بغلام أحسن ما يکون

فنادي أصحابه وقال : (يَا بُشرَي هذَا غُلَامُ وأسَرُّوهُ)(5) من أصحابهم لئلّا يطلبوا منهم الشرکة فيه، وکانت إخوته قريب منهم فأتوهم وقالوا: هذا عبد لنا أبق منّا واختفي في هذا الجب(6)، وقالوا له بالعبرانية: لئن قلت أنا أخوهم قتلناک، فتابعهم(7) علي ذلک لئلّا يقتلوه، وطلبوا من القافلة أن يشروه منهم، فأذعنوا لهم بذلک ، فشر وه منهم کما قال سبحانه: (وَشَرَوهُ بِثَمَن بَخسٍ دَرَاهِمَ مَعدُودَةٍ) (8) أي ناقص لا برکة فيه لأنّه حرام، وقوله سبحانه: (مَعدُودَة) أي قليلة، وذکر العدد عبارة عن القلّة ، وقيل : إنهم کانوا لا يزنون من الدراهم دون

ص: 82


1- في المجمع : وکلّ
2- مجمع البيان : 216/3 - 218. وانظر : عرائس المجالس: 110 - 116.
3- في العرائس : دعر ، وفي المجمع : زعر، وکذا في الموضع الآتي
4- سورة يوسف : 19
5- في المجمع : بالحبل.
6- في المجمع : الموضع.
7- کذا في المجمع، وفي الأصل : فبايعهم.
8- سورة يوسف: 20.

الأوقية، وکانوا يزنون الأوقية وهي أربعون درهماً فما زاد عليها ؛ وقيل : کانت الدراهم عشرين ، وکانوا إخوته عشرة فاقتسموها در همين در همين.

ذکر أبو حمزة الثمالي أن مالک بن داغر وأصحابه لم يزالوا يتعرّفون من الله الخير في سفرهم ذلک حتي فارقوا يوسف ففقدوا ذلک، وتحرّک قلب مالک اليوسف فأتاه، فقال : أخبرني من أنت ؟

فانتسب له يوسف ولم يکن مالک يعرفه، فقال : أنا يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، فالتزمه مالک و بکي وکان مالک رجلاً عاقراً لا يولد له، فقال اليوسف: لو دعوت ربّک أن يهب لي ولداً ، فدعا يوسف ربّه أن يهب له ولداً ويجعلهم ذکوراً، فولد له اثنا عشر بطناً في کلّ بطن غلامان (وَکَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدَينَ)(1) أي من الزاهدين في شرائه لأنّهم لم يروا عليه آثار العبوديّة، ووجدوا فيه علامات الأحرار، فلذلک زهدوا فيه. (2)

ولمّا عرض للبيع في سوق مصر تزايدوا فيه حتي بلغ ثمنه وزنه ورقاً ومسکاً وحريراً، فاشتراه العزيز بهذا الثمن، وقال لامرأته راعيل – ولقبها زليخا۔ : (أکرِمِي مَثواهُ عَسَي أن يَنفَعَنَا أَو نَتَّخِذَهُ وَلَداً) (3)، وإنّما قال ذلک لمّا رأي علي يوسف من الجمال والعقل والهداية في الأمور، والعزيز هو خازن الملک وخليفته وکان اسمه اطفير(4) والملک هو الريان بن الوليد ((5)وکان أصله

ص: 83


1- سورة يوسف: 20
2- مجمع البيان : 219/3 - 220. وانظر : عرائس المجالس : 116.
3- سورة يوسف : 21.
4- في العرائس: قطفير بن رحيب، وفي المجمع: واسمه قطفير، وکان لا يأتي النساء؛ وقيل: إنّ اسمه أظفير.
5- في العرائس : الريان بن الوليد بن ثروان بن أراشة بن قاران بن عمرو بن عملاق بن الاوذ بن سام بن نوح عليه السلام .

من العماليق ؛ وقيل : إنّه لم يمت حتي آمن بيوسف واتّبعه علي دينه، ثم مات ويوسف عليه السلام حيّ فملک بعده قابوس بن مصعب(1) فدعاه يوسف إلي الاسلام فأبي أن يقبل.(2)

ولمّا أن استقرّ في منزل اطفير راودته زوجته زليخا عن نفسه، ورامت منه أن يواقعها ، وعلق قلبها بحبّه لما رأت من جماله وهيبته ؛ قيل: إنّ يوسف عليه السلام کان إذا مشي في أزقة مصر أشرق نور وجهه علي الحيطان کما يشرق نور انعکاس نور الشمس علي الحائط إذا قابلت الماء، کما قال سبحانه : (وَلَقَد هَمَّت بِهِ وَهَمَّ بِهَا)معناه همّت هي بالفاحشة وهمّ يوسف بضربها ودفعها عن نفسه کما يقال : هممت بفلان أي بضربه أو إيقاع مکروه به، فيکون معني رؤية البرهان أنّ الله سبحانه أراه برهاناً علي انّه إن أقدم علي ما همّ به أهلکه أهلها أو قتلوه، أو ادّعت عليه المراودة علي القبيح وقذفته بأنّه دعاها إليه وضربها الامتناعها منه فأخبر سبحانه أنّه صرف عنه السوء والفحشاء اللّذين هما القتل وظنّ اقتراف الفاحشة به ويکون التقدير: (لَولا أن رَأَي بُرهَانَ رَبَّهِ) لفعل ذلک.(3)

ويؤيّد انّه لم يهمّ بالفاحشة قوله سبحانه: (کَذلِکَ لِنَصرِفَ عَنهُ السُّوء

وَالفَحشَاءَ) (4) وقوله ذلک ليعلم أنّي لم أخنه بالغيب. (5)

ثمّ انّ يوسف لمّا رأي شدّة إقبالها عليه والتزامها له ولّي فارّاً منها قاصداً

ص: 84


1- في العرائس: قابوس بن مصعب بن معاوية بن نمير بن السلواس بن فاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح عليه السلام.
2- مجمع البيان: 3/ 221. وانظر : عرائس المجالس: 117.
3- مجمع البيان : 3/ 223 - 224 . وانظر : عرائس المجالس: 118
4- سورة يوسف : 26.
5- مجمع البيان : 225/3.

للخروج من الباب، فسبقته إلي الباب و آرامت منعه من الخروج لتقضي شهوتها منه، ورام هو الفرار منها، فلحقته قبل أن يصل إلي الباب، والتزمته بقميصه من ورائه فقدته -کما حکي سبحانه - وإذا سیَّدها من وراء الباب، فلمّا رأته اندهشت وورّکت الذنب(1)علي يوسف لتبريء ساحتها عند زوجها وقالت : (مَا جَزَاءُ مَن أرَادَ بِأَهِلکَ سُوءاً، إلَّا أن يُسجَنَ أو عَذَابُ أَليمُ).(2)

وأراد يوسف براءة ساحته فقال : (هِي رَاوَدَتِني عَن نَفسِي) لمّا ذکرت المرأة ذلک لم يجد يوسف بدّاً من تنزيه نفسه، ولو کفّت عن الکذب لم يذکر يوسف شيئاً من ذلک، (وَشَهِدَ شَاهِدُ مِن أهلِهَا) وهو صبيّ في المهد ؛ قيل : إنّه کان ابن أُخت زليخا وهو ابن ثلاثة أشهر، فقال: (إن کَانَ قَمِيصُهُ قُدَّمِن قُبُلٍ فَصَدقَت وَهُوَ مِنَ الکَاذِبيِنَ وَإن کَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُر فَکَذَبَت وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ)َ(3) لأنّه لو کان مقبلاً عليها لکان قميصه قدّ من قبل، فلمّا کان فارّاً منها کان القدّ من دبر لأنّه هو الهارب منها، وهي الطالبة له، وهذا الأمر ظاهر، فلمّا رأي زوجها ذلک علم خيانة المرأة، فقال : (إنَّهُ مِن کَيدِکُنَّ إنَّ کَيدکُنَّ عَظِيمُ) (ثم أقبل علي يوسف، فقال : (4)(يُوسُف أعرِض عَن هذا) ولا تذکر هذا الحديث طلباً للبراءة فقد ظهر صدقک وبراءتک، ثم أقبل علي زليخا وقال:

(وَاستَغفِرِي لِذَنبِک ) (5)؛ قيل : إنّه لم يکن غيوراً فسلبه الله الغيرة لطفاً منه بيوسف حتي کفي شرّه، ولهذا قال ليوسف: (أعرِض عَن هذَا)، واقتصر علي

ص: 85


1- وَرَّکَ فلان ذنبه علي غيره تَوريکاً: إذا أضافه إليه وقرفه به، وإنّه لمُؤَرَّکُ في هذا الأمر: أي ليس له فيه ذنب. «لسان العرب : 512/10 - ورک - »
2- سورة يوسف : 25.
3- سورة يوسف : 29 و 27.
4- سورة يوسف : 28 و 29.
5- سورة يوسف : 28 و 29.

هذا القدر، ثم قال لها : (وَ استَغفِرِي لِذَنبِکِ )فإنّ الذنب منک.(1)

ثمّ قال الله سبحانه:(ثُمَّ بَدَا لَهُم مِن بَعدِ مَا رَأوُا الآيَاتِ (2)

، وذلک أنّ زليخا لم تزل تقتِل منه(3) في الذَّروةِ، والغارب(4) وکان مطواعاً لها وجملاً ذلولاً زمامه بيدها حتي أنساه ذلک ما عاين من الآيات وعمل برأيها في سجنه، وکيد النساء أعظم من کيد الشيطان لأنّ کيد الشيطان بالوسوسة ، وکيد النساء اللطف

لأنه بالمشاهدة وقوله سبحانه: (وَمِن شَرَّ النَّفَّاثَاتِ فِي العُقَدِ) (5) والمصريّات

أعظم النساء کيداً لأنّه معهنّ ما ليس مع غيره من البوائق والحيل.

وعن بعض العلماء : اني أخاف من النساء أکثر ممّا أخاف من الشيطان لأنّ الله سبحانه وتعالي يقول : (إنّ کَيد الشَّيطَان کَانَ ضَعِيفاً) (6)وفي النساء : (إنّ کَيدکُنَّ عَظِيمُ) وخاصّة إذا قارن ذلک عدم الغيرة في الأزواج، وهذا الأمر مرکوس في طبيعة أکثر رجال مصر.

قال شيخنا الشهيد شمس الدين محمد بن مکّي رضي الله عنه في کتاب الدروس: إنّ شرب ماء النيل يميت القلب، والأکل في فخارها، وغسل الرأس بطينها يذهب بالغيرة ويورث الدياثة.(7)

ولمّا کثر اللغط في شأنها وشأن يوسف، وشاع الأمر بذلک، وتکلّمت

ص: 86


1- مجمع البيان: 227/3.
2- سورة يوسف : 35.
3- في «ح» : أي من زوجها۔
4- في حديث الزبير : فما زالَ يَفتِلُ في الذَّروَةِ والغارِبِ حتي أجابه عائشةُ إلي الخُروجِ . «لسان العرب: 1/ 644 - غرب - ».
5- سورة الفلق : 4.
6- سورة النساء : 76.
7- الدروس : 47/3 .

النسوة بذلک أنّ( امرَأَةُ العَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَفسه) (1)

وأظهروا الإنکار الفعلها وأشهروا خطأها دعتهنّ واستضافتهنّ وأظهرت حبّها إيّاه واستکتمتهنّ فأظهرنه، وأعتدت لکلّ واحدة منهنّ متکاً - أي وسادة -، وقدّمت له الفواکه أوّلاً،(وَاتَت کُلَّ وَاحِدَةِ مِنهُنَّ سِکَّيناً)لتقطيع الفواکه ، وکانت قد أجلست يوسف غير مجلسهنّ، وأمرته بالخروج عليه في هيأته، ولم يکن يتهيّاً له أن لا يخرج لأنّه بمنزلة العبد لها، (فَلَمَّا رَأَينَهُ أکبَرنَهُ) أي أعظمنه وتحيرن في جماله إذ کان کالقمر ليلة البدر(وَقَطَّعنَ أيدِيَهُنَّ)(2)بتلک السکاکين، فما أحسسن إلّا بالدم، ولم يجدن ألم القطع لاشتغال قلوبهنّ بيوسف عليه السلام ، والمعني : جرحن أيديهنّ، وليس معناه أبنّ أيديهنّ، لأن هذا مستعمل في الکلام، تقول للرجل: قطعت يدي : أي خدشتها.(3)

ثمّ قال الله سبحانه : (ثُمّ بَدَا لَهُم مِن بَعدِ مَا رَأوُا الآيَاتِ الدالّة علي براءة يوسف[وهي قدّ القميص من دبره وجزّ الأيدي] (4)لَیَسجُبُنَّهُ حَتَّي حِينٌ) (5) وذلک أنّ المرأة قالت لزوجها : إنّ هذا العبد قد فضحني في الناس، من حيث إنّه يخبرهم انّي راودته عن نفسه، ولست أطيق أن أعتذر بعذري، فإمّا أن تأذن لي فأخرج وأعتذر، وإما أن تحبسه کما حبستني

فحبسه لذلک بعد علمه ببراءته وليظهر للناس أنّ الذنب کان له لأنّه ما يحبس إلّا المجرم ، وقيل: کان الحبس قريباً منها فأرادت انّها تکون إذا أرادت

ص: 87


1- سورة يوسف : 30.
2- سورة يوسف : 31
3- مجمع البيان : 3/ 230.
4- من المجمع.
5- سورة يوسف : 35.

أن تراه أشرفت عليه ورأته، وقوله: (وَلَيَسجُنُنَّهُ حَتَّي حينٍ) قيل : حتي ينسي حديث الامرأة معه.(1)

ولمّا أدخل السجن أدخل معه غلامان للملک أحدهما صاحب شرابه، والآخر صاحب طعامه أنهي إلي الملک الأعظم أنّهما يريدان يسمّانه فأدخلهما إلي السجن، وکان يوسف لمّا دخل السجن عرفهما انّه يعبّر الرؤيا، فقال أحد العبدين للآخر: هلم حتي نجرّبه، فقال أحدهما وهو الساقي: رأيت أصل کرمة (2)عليها ثلاثة عناقيد من عنب فجنيتها وعصرتها في کأس الملک وسقيته إيّاها.

وقال الآخر : إنّي رأيت کأنّ فوق رأسي ثلاث سلال فيها الخبز وألوان الأطعمة وسباع الطير تنهش منها(نَبَّئنَا بِتَأوِيِلهِ انَّا نَرَاکَ مِنَ المُحسِنِينَ)(3) إنّک ذو أفعال جميلة.

قيل: إنّما نسباه إلي الإحسان لأنّه کان إذا ضاق علي رجل مکانه وسّع له، وإن احتاج جمع له، وإن مرض قام عليه ؛ وقيل: إنّه کان يعين المظلوم، وينصر الضعيف، ويعود العليل ، وکان يحبو کلّ رجل بما يؤتي به ذلک اليوم من منزله من الطعام، وهذا مثل قول عيسي(وَأنَبَّئُکُم بِمَا تَأکُلُونَ وَمَا تَدَّ خِرُونَ فِي بُيُوتِکُم) (4) (ذَلِکُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبَّي(5)

وقيل : قالا له: من أين عرفت ذلک ولست بکاهن ولا عرّاف ؟

ص: 88


1- مجمع البيان : 232/3.
2- في المجمع: حبلة.
3- سورة يوسف : 36.
4- سورة آل عمران : 49.
5- سورة يوسف :37.

فأخبرهما انّه رسول الله ، وانّه سبحانه علّمه ذلک.

وکان يوسف قبل ذلک في السجن لم يدعهم إلي الله لأنّهم کانوا يعبدون الأصنام، فلمّا رأي إقبالهم عليه وتوجّههم إلي قبول قوله وحسن اعتقادهم فيه رجا منهم القبول فأظهر انّه نبيّ ودعاهم إلي الله بالحکمة والموعظة الحسنة.

وروي أنّ أهل السجن قالوا له : قد أحببناک حين رأيناک.

فقال : لا تحبّوني، فوالله ما أحبّني أحد إلا دخل عليَّ من حبّه بلاء، أحبّتني عمّتي فنسبت إلي السرقة، وأحبّني أبي فألقيت في الجبّ، وأحبّتني امرأة العزيز فأُلقيت في السجن.(1)

ثم أقبل عليهم بالدعاء إلي الله سبحانه ، فقال : (يَا صَاحِبَي السَّجنِ أأَربَابُ مُتَفَرَّقُونَ - أي متباينون من حجر وخشب لا تضرّ ولا تنفع - خَيرُ أَمِ اللهُ الواحِدُ القَهَّارُ) (2) الذي إليه الحشر والنشر (3) وبيده النفع والضرّ، أهو خير أم هذه الأصنام الّتي تعبدونها (ذَلِکَ – الّذي بينّت من توحيد الله(4) وعبادته وترک عبادة غيره هو الدَّينُ القَيَّمُ) (5)أي المستقيم الذي لا عوج فيه.

ثمّ عبّر عليه السلام رؤياهما، فقال : أما العناقيد الثلاثة فهي ثلاثة أيّام تبقي في السجن، ثمّ يخرجک الملک في اليوم الرابع وتعود إلي ما کنت عليه، وأمّا الآخر فقال له : أنت تصلب و تأکل الطير من رأسک، فقال : ما رأيت شيئاً

ص: 89


1- مجمع البيان : 3/ 232 - 233.
2- سورة يوسف : 39.
3- في المجمع : الخير والشرّ.
4- کذا في المجمع، و في الأصل: الّذي يثبت من توحيد الله.
5- سورة يوسف : 40.

وکنت ألعب، فقال يوسف:(قُضِيَ الأمرُ الَّذي فِيهِ تَستَفتِيَانِ)(1) وما قلته لکما فإنّه نازل بکما، (وقَالَ لِلَّذي ظَنَّ - أي تحقّق - أنَّهُ نَاجٍ مِنهُمَا - وهو الساقي -اُذکُرنِي عِندَرَ بَّکَ) أي اذکرني عند الملک اني محبوس ظلماً، فأنسي الشيطان الساقي أن يذکر يوسف عند ربه حتي لبث في السجن سبع سنين.

وعن النبي صلّي الله عليه و آله قال : عجبت من أخي يوسف عليه السلام

کيف استعان(2)بالمخلوق دون الخالق ؟!

ولولا کلمته ما لبث في السجن طول ما لبث يعني قوله: (انکُرنِي عِندَ

رَبَّکَ) .

وروي عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال : جاء جبرئيل عليه

السلام (3)إلي يوسف فقال: يا يوسف ، من جعلک أحسن الناس ؟

قال : ربيّ.

قال : فمن حبّبک إلي أبيک دون إخوتک ؟

قال: ربّي.

قال: من ساق إليک السيّارة؟

قال: ربي. قال: فمن صرف عنک الحجارة ؟

قال: ربّي .

ص: 90


1- سورة يوسف: 41.
2- سورة يوسف : 42.
3- في المجمع: استغاث.

قال: فمن أنقذک من الجبّ ؟

قال: ربّي قال: فمن صرف عنک کيد النسوة ؟

قال: ربّي.

قال: فإنّ ربّک يقول: ما دعاک إلي أن تنزل (1)حاجتک بمخلوق دوني؟

البث في السجن بضع سنين بما قلت.

قال: فبکي يوسف حتي بکي لبکائه الحيطان، فتأذّي أهل السجن لبکائه، فصالحهم علي أن يبکي يوماً ويسکت يوماً، فکان في اليوم الّذي يسکت أسوأ حالاً، والقول في ذلک: [انّ ](2)الاستعانة بمخلوق في دفع المضارّ والتخلّص من المکاره جائز غير منکر ولا قبيحاً، بل ربما يجب ذلک، وکان نبيّنا صلّي الله عليه وآله يستعين بالمهاجرين والأنصار و غيرهم فيما ينويه. ولو کان قبيحة لم يفعله صلّي الله عليه و آله ، وإنّما عوتب يوسف عليه السلام في ترک عادته الجميلة في الصبر والتوکّل علي الله سبحانه في کلّ أموره.

وإنّما کان يکون قبيحاً لو ترک التوکّل علي الله سبحانه في کلّ أموره أو اقتصر علي غيره، وفي هذا ترغيب في الاعتصام بالله تعالي والاستعانة به دون غيره عند نزول الشدائد، وأکثر المفسرين قالوا: إنّ مدّة إقامة يوسف في السجن کانت سبع سنين، وهذه السبع سوي الخمسة التي کانت قبل تعبير الرؤيا للساقي وصاحب الطعام.

وروي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: علم جبرئيل عليه السلام يوسف

ص: 91


1- کذا في المجمع، وفي الأصل، تقول.
2- من المجمع.

عليه السلام وهو في السجن، فقال: قل في دبر کلّ صلاة فريضة: اللّهمّ اجعل لي فرجاً ومخرجاً، وارزقني من حيث أحتسب ومن حيث لا أحتسب.

وروي شعيب(1)العقرقوفي عنه عليه السلام قال : لما انقضت المدّة وأذن الله ليوسف في دعاء الفرج وضع عليه السلام خده علي الأرض، ثمّ قال: اللهمّ إن کانت ذنوبي قد أخلقت وجهي عندک فإني أتوجّه إليک بوجوه آبائي الصالحين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ففرّج الله عنه.

قال شعيب : فقلت : جعلت فداک، أندعو نحن بهذا الدعاء ؟

فقال : ادعوا بمثله، اللّهمّ إن کانت ذنوبي قد أخلقت عندک وجهي فانّي أتوجّه إليک بنبيک(2) نبي الرحمة، وعليّ وفاطمة والحسن والحسين والأئمّة عليهم السلام.(3)

ثمّ لمّا أذن الله بالفرج رأي الملک الرؤيا الّتي هالته وهي التي ذکرها الله سبحانه في کتابه وهي (وَقَالَ المَلِکُ - يعني الوليد بن الريّان - إنَّي أَرَي سَبعَ بَقَرَاتٍ )(4) إلي آخر الآيات، فلمّا قصّ رؤياه علي خواصّه (قَالُوا : هذه - أَضغَاثُ أحلَامٍ وَمَانَحنُ بَتَأوِيلِ الأحلَامِ بِعَالِمِينَ) (5)وکان جهلهم ،(6)سبب نجاة يوسف عليه السلام، لأن الساقي تذکّر حديث يوسف فجثا بين يدي الملک

ص: 92


1- کذا في المجمع - وهو الصحيح - ، وفي الأصل : أبو شعيب. راجع في ترجمته : معجم رجال الحديث: 34/9 رقم 5740.
2- في المجمع : بوجه نبيّک.
3- مجمع البيان : 234/3- 235.وانظر : تفسير القمي: 344/1- 345.
4- سورة يوسف: 43.
5- سورة يوسف : 44.
6- أي بتأويل رؤيا الملک.

فقال: أيّها الملک إنّي قصصت أنا وصاحب الطعام علي رجل في السجن منامين فخبّرنا بتأويلهما، وصدق في جميع ما وصف، فإن أذنت مضيت إليه وأتيتک بتفسير رؤياک، فأذن به الملک، فأتي يوسف في السجن، فقال: (أَيُّهَا الصَّدَّيقُ أفِينَا فِي سَبعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ)(1) إلي آخره لعلّي أرجع إلي الملک والعلماء الّذين جمعهم لتعبير الرؤيا فعجزوا عنها، فيعرفون فضلک، ويخرجوک من السجن.

فقال يوسف في جوابه : أمّا السبع بقرات السمان والسبع العجاف والسبع السنابل الخضر والسبع اليابسات فإنّهنّ سبع سنين مخصبات يتبعهنّ سبع سنين مجدبات (2) فادأبوا في الزراعة في تلک السنين المخصبة بجد واجتهاد، وکلّما تحصدونه ذروه في سنبله بغير دوس ولا تذرية (إلَّا قَلِيلاً مِمَّا تَأکُلُونَ) (3) وإنّما أمرهم بذلک ليکون أبقي وأبعد من الفساد، لأنّ السنبل إذا ترک بحاله لايقع فيه السوس ولا (4)يهلک وإن بقي مدّة من الزمان، وإذا صفّي أسرع إليه الفساد، (ثمّ يَأتِي مِن بَعدِ ذلِکَ سَبعُ شِدَادُ يَأکُلنَ مَا قَدَّمتُم لَهُنَّ)

« وأضاف الأکل إلي السنين

لأن الأکل يقع فيها أکثر.

وروي أنّ يوسف عليه السلام کان يقرّب زاد اثنين إلي واحد فيأکل نصفه فيشبع ويترک الباقي، فلمّا کان أوّل السنين المجدبة قرّب طعام اثنين إلي واحد فأکله، فقال: هذا أوّل السنين الشداد، وکانت السبع سنين المخصبات کثرت فيها الأمطار وفاض ماء النيل، فلمّا انقضت أمسک الله المطر ولم يوف النيل فوقع

ص: 93


1- سورة يوسف : 46.
2- في المجمع : قال يوسف في جوابه معبّراً ومعلّماً : أمّا البقرات السبع العجاف والسنابل السبع اليابسات فالسنون الجدبة، وأمّا السبع السمان والسنابل السبع الخضر فإنّهنّ سبع سنين مخصبات.
3- سورة يوسف : 47.
4- سورة يوسف: 48.

القحط وکان ما قضاه الله سبحانه.

وهذا التأويل من يوسف إنّما کان ممّا أطلعه الله عليه بالوحي من علم

الغيب ليکون من آيات نبوته عليه السلام (1)

فلمّا رجع الرسول إلي الملک وقصّ عليه ما قال يوسف قال:( ائئتُونِي بِهِ) که (2) ، فأتاه الرسول، وقال : أجب الملک، فأبي أن يجيبه، وأن يخرج معه حتي يتبيّن براءته ممّا(3)قذف به ، وقال للرسول : ارجع إلي الملک واسأله أن يفحص عن النسوة اللاتي قطّعن أيديهنّ ليعلم صحّة براءتي ولم يفرد امرأة العزيز حسن عشرة منه ورعاية أدب لکونها زوجة خليفة الملک(4)فخلطها بالنسوة.

ولو خرج يوسف مع الرسول من غير أن يعلم الملک براءته ما زالت في نفس الملک منه حالة (5)، وکان يقول: هذا الذي راود امرأة وزيري وخليفتي فيراه الملک بعين مشکوک فيه فأحب أن يراه بعد إزالة الشکّ من قلبه.

فأمر الملک بإحضار النسوة، فلمّا حضرن قال: ما شأنکنّ إذ راودتن

يوسف عن نفسه ودعوتنّه إلي أنفسکنّ ؟

(قُلنَ حَاشَ لِلهِ مَا عَلِمنَا عَلَيهِ مِن سُوعٍ) وما فعل شيئاً ممّا نسب إليه، واعترفن ببراءته، وانّه حبس مظلوماً . فقالت امرأة العزيز من بينهنّ: (الآنَ حَصحَصَ الحَقُّ أنَا رَاوَدتُهُ عَن نَفسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ) (6) في قوله:( هِيَ

ص: 94


1- مجمع البيان : 3/ 237 - 239.
2- سورة يوسف : 50.
3- کذا في المجمع، وفي الأصل: وما
4- في المجمع: لکونها زوجة الملک أو زوجة خليفة الملک.
5- في العرائس: حاجة.
6- سورة يوسف : 51.

رَاؤَدتنِي عَن نَفسِي)(1) فلمّا ظهر أمر يوسف ، قال صلوات الله عليه :

(وَمَا أبَرَّيءُ؛ نَفسِي) (2)کره تزکية نفسه انقطاعاً إلي الله سبحانه(3)

ولمّا تبيّن للملک براءته من السوء قال: (وائتُونِي بِهِ أستَخِلصهُ لِنَفسِي)(4) فلمّا أتاه رسول الملک قال: قم، إن الملک يدعوک، فالق ثياب السجن عنک والبس ثياباً جدداً، فأقبل يوسف، و تنظف من درن السجن، ولبس ثيابه، وأتي الملک وهو يومئذ ابن ثلاثين سنة.

وروي أنّ يوسف لمّا خرج من السجن تعلّق به أهل السجن وسألوه أن يدعو لهم، فقال: اللّهمّ اعطف عليهم بقلوب الأخيار، ولا تعم عليهم الأخبار، فلذلک يکون أهل السجن أعرف الناس بالأخبار في کلّ بلدة، ولما خرج کتب علي باب السجن: هذه قبور الأحياء، وبيوت(5)الأحزان، وتجربة الأصدقاء وشماتة الأعداء.

ولمّا وقف بباب الملک قال: حسبي ربّي من دنياي، وحسبي ربّي من خلقه عزّ جاره وجلّ ثناؤه ولا إله غيره، ولمّا دخل علي الملک قال: اللّهمّ إنّي أسألک بخيرک من خيره، وأعوذ بک من شرّه و شر غيره، ولمّا نظر إليه الملک سلّم عليه يوسف بالعربيّة، فقال له الملک: ما هذا اللسان ؟

قال: لسان عمّي إسماعيل، ثمّ دعا له بالعبرانية، فقال له الملک : ما هذا

اللسان ؟

ص: 95


1- سورة يوسف:26.
2- سورة يوسف: 53.
3- مجمع البيان : 3/240- 241.
4- سورة يوسف : 54.
5- في المجمع : وبيت.

قال: لسان آبائي .

قيل : کان الملک يتکلّم بسبعين لساناً، فکلّما کلّم يوسف بلسانٍ أجابه بذلک اللسان، فتعجّب الملک من ذلک، فقال: يا يوسف، إنّي أحبُّ أن أسمع رؤياي منک شفاهاً من غيرِ أن أتکلّم بها.

فقال يوسف : نعم، أيّها الملک، رأيتَ سبع بقرات سمان شهب غرّ حسان، کشف عنهنّ النيل، وطلعن عليک من شاطئه تشخب أخلافه لبناً، فبينا أنت تتعجّب من ذلک إذ نضب النيل فغار ماؤه، وبدايبسه، فخرج من حمئه ووحله (1)سبع بقرات عجاف شعث مقلصات البطون، ليس لهنّ ضروع، ولهنّ أنياب وأضراس وأکفّ کأکفّ الکلاب، وخراطيم کخراطيم السباع، فاختلطن بالسمان فافتر سنهنّ افتراس السباع، وأکلن لحومهنّ، ومزّقن جلودهنّ، فبينا أنت تنظر وتتعجّب إذا سبع سنابل خضر وسبع أخر سود في منبت واحد عروقه في الثري والماء، فبينا أنت تقول في نفسک: آني هذا وهؤلاء خضر مثمرات وهؤلاء سود يابسات والمنبت واحد وأصولهنّ في الماء؟ إذهبّت ريح فذرت الأرفات (2)من اليابسات السود علي (3) المثمرات الخضر فاشتعلت فيهنّ النار وأحرقتهنّ وصرن سوداً متغيّرات، فهذا آخر ما رأيت، ثمّ انتبهت من نومک مذعوراً.

فقال الملک : ما شأن هذه الرؤيا بأعجب ممّا سمعته منک فما تري في

رؤياي ايّها الصدّيق ؟

فقال يوسف: أري أن تجمع الطعام وتزرع زرعاً کثيراً في هذه السنين

ص: 96


1- کذا في العرائس والمجمع، وفي الأصل: جماده
2- في العرائس : فردّت أوراق السود اليابسات. ومراده : الرُّفاتُ : وهو الحُطام من کلّ شيء تکَسَّر.
3- کذا في المجمع، و في الأصل، إلي

المخصبة وتبني الأهراء(1)والخزائن، فتجمع الطعام فيها بقصبه (2)وسنبله [ليکون قصبه و سنبله](3) علفاً للدوابّ، وتأمر الناس فيرفعون من طعامهم الخمس فيکفيک من الطعام الّذي جمعته لأهل مصر ومن حولها، ويأتيک الخلق من النواحي فيمتارون منک بحکمک، ويجتمع عندک من الکنوز مالم يجتمع الأحد.

فقال الملک: ومن لي بهذا ؟ ومن يجمعه ويبيعه ويکفي الشغل فيه ؟

فقال يوسف : (اجعَلنِي عَلَی خَزَائِنِ الأَرضِ إنَّي حَفِيظُ عَلِيمُ) ،(4) أحفظ الشيء أن يجري فيه خيانة، عليم بمن يستحقّ منها شيئاً أولا يستحقّ ؛ وقيل: عليم بالألسن، وذلک أن الناس يفدون (5)من کلّ ناحية، ويتکلّمون بلغات مختلفة.

وفي هذا دلالة علي ان الانسان يجوز له أن يظهر فضله عند من لا يعرفه؛

وقيل: إنّ الملک الأکبر فوض إليه أمر مصر ودخل بيته وأغلق بابه.(6)

وروي [أحمد بن] (7) محمد بن عيسي، عن الحسن بن علي بن بنت إلياس قال: سمعت الرضا عليه السلام يقول : وأقبل يوسف علي جمع الطعام، فجمع في السبع السنين المخصبة وکبسه في الخزائن، فلمّا مضت تلک السنون وأقبلت السنون المجدبة أقبل يوسف علي بيع الطعام.

ص: 97


1- الهُؤيُ: بيت کبير ضَخم يُجمَع فيه طَعام السلطان، والجمع أفراء. «لسان العرب: 361/15- هرا- ». .
2- کذا في المجمع والعرائس، وفي الأصل: بنصبه.
3- من المجمع
4- سورة يوسف : 55.
5- کذا في المجمع، و في الأصل: يبدون.
6- مجمع البيان : 242/3 -243، عرائس المجالس : 126-127.
7- من المجمع

فباعهم في السنة الأولي بالدراهم والدنانير حتي لم يبق بمصر وما

حولها دينار ولا درهم إلا صار في ملک(1) يوسف.

وباعهم في السنة الثانية بالحلي والجواهر حتي لم يبق بمصر وما حولها

حلي ولا جواهر إلا صار في ملکه (2)

وباعهم في السنة الثالثة بالدوات والمواشي حتي لم يبق بمصر وما

حولها دابة ولا ماشية إلّا صارت في ملکه.

ثم باعهم في السنة الرابعة بالعبيد والإماء حتي لم يبق بمصر وما حولها

عبد ولا أمة (3) إلا صار في ملکه.

وباعهم في السنة الخامسة بالدور والعقار حتي لم يبق بمصر وما حولها

دار ولا عقار إلّا صار في ملکه.

ثم باعهم في السنة السادسة بالمزارع والأنهار حتي لم يبق بمصر وما

حولها نهر ولا مزرعة إلا صار في ملکه.

ثمّ باعهم في السنة السابعة برقابهم حتي لم يبق بمصر وما حولها عبد ولا حرّ إلّا صار عبداً ليوسف عليه السلام، فملک أحرارهم وعبيدهم وأموالهم، وقال الناس: ما سمعنا ولا رأينا بملک أعطاه الله من الملک مثل ما أعطي يوسف. (4)

وقيل : إنّ الملک لمّا أراد توليته دعاه فتوّجه وردّاه وقلّده سيفه، وأمر بأن يوضع له سرير من ذهب، مکلّل بالدر والياقوت، ويضرب عليه کلّة

(5)

ص: 98


1- في المجمع: مملکة.
2- في المجمع: مملکته، وکذا في سائر المواضع الآتية.
3- کذا في المجمع، و في الأصل: دابّة - وهو تصحيف ..
4- مجمع البيان: 244/3 .
5- في العرائس : قبة. من

استبرق، وأمره أن يخرج متوّجاً؛ لونه کالثلج،(1) ووجهه کالقمر، يري الناظر وجهه في صفاء وجهه(2)، فانطلق فجلس علي السرير، ودانت له الملوک، فعدل بين الناس فأحبّه الرجال والنساء، وقال الناس : ما سمعنا ولا رأينا بملک أعطاه الله ما أعطي هذا الملک حکماً وعلماً (3)

ثمّ قال يوسف للملک: ما تري فيما خوّلني ربّي من ملک مصر وأهلها أشر عليَّ برأيک فإنّي لم أصلحهم لأفسدهم، ولم نجهم من البلاء لأکون بلاء عليهم، ولکنّ الله تعالي أنجاهم علي يدي.

قال له الملک: الرأي رأيک.

قال يوسف : إنّي أُشهد الله وأشهدک أيّها الملک أنّي قد أعتقت أهل مصر کلّهم، ورددت عليهم أموالهم وعبيدهم، ورددت عليک أيّها الملک خاتمک وسريرک و تاجک علي أن لا تسير وأن لا تستولي ولا تحکم إلا بحکمي

قال له الملک: إنّ ذلک زيني وفخري أن لا أسير إلّا بسيرتک، ولا أحکم إلّا بحکمک، ولولاک لما قويت عليه، ولقد جعلت سلطاني عزيزاً ما يرام، وأنا أشهد أن لا إله إلّا الله، وأنک رسول الله، فأقم علي ما ولّيتک إنک لدينا مکين أمين (4) وکان يوسف لا يمتليء شبعاً من الطعام في الأيّام المجدبة ؛ فقيل له: أتجوع وفي يدک خزائن الأرض ؟

ص: 99


1- کذا في المجمع والعرائس، وفي الأصل، کالبلج. وقيل : الأبلَجُ: الأبيضُ الحسنُ الواسعُ الوجه... ويقال للرجل الطَّلِق الوجهِ: أبلجُ وبَلجُ. لسان العرب: 215/2 - بلج - »
2- .في العرائس : يري فيه من بياض وجهه الناظر صفاء لونه.
3- مجمع البيان :243/3، عرائس المجالس : 128.
4- إشارة إلي الآية: 54 من سورة يوسف

قال عليه السلام : أخاف أن أشبع فأنسي الجياع.(1)

وکان قطفير العزيز هلک في تلک الأيّام (2) وافتقرت أمرأته زليخا واحتاجت حتي سألت الناس، فقالوا لها: ما يضرّک لو قعدت للعزيز - وکان يوسف يسمّي بالعزيز، وکلّ ملک کان لهم سمّوه بهذا الاسم ؟

فقالت : أستحي منه، فلم يزالوا بها حتي قعدت له، فأقبل يوسف في موکبه ،(3) فقامت إليه زليخا، فقالت : سبحان من جعل الملوک عبيدة بالمعصية، والعبيد ملوکآً بالطاعة !

فقال لها يوسف: أأنت تيک(4)؟

قالت: نعم، فأمر بها فحولت إلي منزله، وکانت هرمة، فقال لها يوسف:

ألست فعلت [بي](5)کذا وکذا ؟

قالت : يا نبيّ الله، لا تلمني فإنّي بليت ببلاء لم يبل به أحد. قال: وما هو؟

قالت : بليت بحبّک، ولم يخلق الله لک في الدنيا نظيراً، و بليت بأنّه لم تکن

في مصر امرأة أجمل منّي، و بليت بزوج عنّين.

قال يوسف : فما حاجتک ؟ قالت: اسأل الله ليردّ علئَّ شبابي، فسأل الله فردّ عليها شبابها، وتزوّجها

ص: 100


1- مجمع البيان: 244/3.
2- أي في تلک السنين الجدية.
3- کذا في المجمع والقتي، وفي الأصل: مرکبه.
4- کذا في المجمع، وفي القتي : أنت هاتيک ؟ وفي الأصل: أنت منک ؟
5- من المجمع والقني.

يوسف، ودخل بها فوجدها بکراً، ولما دخل بها قال: أو ليس هذا خيراً من ذاک ؟ وولدت له افراثيم (1)و ميشا. (2)

ثمّ انّ يعقوب وبنيه أصابهم ما أصاب الناس فجمعهم أبوهم، وقال: يا بنيّ، بلغني انّ الطعام يباع بمصر، وانّ صاحبه رجل صالح فاذهبوا إليه فإنّه يحسن إليکم، فتجهّزوا وساروا حتي أتوا مصر فدخلوا علي يوسف (فَعَرَفَهُم وهُم لَهُ مُنکِرُونَ) (3)وکانوا عشرة، وأمسک يعقوب بنيامين أخا يوسف لأمّه؛ قيل : کان بين أن قذفوه في الجبّ وبين أن دخلوا عليه أربعون سنة، فلذلک أنکروه لأنّهم رأوه ملکاً جالساً علي السرير، عليه ثياب الملوک، ولم يخطر ببالهم أنّه يصير إلي تلک الحال، وکان يوسف ينتظر قدومهم عليه وکان اثبت له، فلمّا نظر إليهم وکلّمهم بالعبرانية، قال لهم: من أنتم ؟ وما أمرکم ؟ فإنّي أنکر شأنکم.(4)

[فلمّا جهّزهم وأعطاهم وأحسن إليهم في الکيل قال لهم: من أنتم ؟] (5)قالوا: نحن قوم من أرض الشام رعاة أصابنا الجهد، فجئنا نمتار. فقال : لعلّکم عيون جئتم تنظرون إلي عورة بلادي ؟

فقالوا : لا والله، ما نحن بجواسيس، وإنما نحن إخوة من أب واحد وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن، ولو تعلم بأبينا لکرمنا عليک، فإنّه نبيّ الله، وابن أنبيائه، وإنّه لمحزون.

ص: 101


1- في المجمع: افرائيم.
2- مجمع البيان : 3/ 243، تفسير القتي:357/1.
3- سورة يوسف : 58.
4- مجمع البيان : 245/3، عرائس المجالس : 129.
5- من المجمع.

قال: وما الّذي أحزَنه، فلعل حزنه کان من قبل سفهکم وجهلکم ؟

قالوا: أيّها الملک، لسنا بسفهاء، ولا جهّال، ولا أتاه الحزن من قبلنا، ولکنّه کان له ابن أصغرنا(1) سنّاً، وإنّه خرج يوماً معنا إلي الصيد فأکله الذئب، فلم يزل بعده حزيناً باکياً

فقال لهم يوسف: کلّکم من أبٍ وأُمًّ؟ قالوا: أبونا واحد، وأمّهاتنا شتّي .

قال: فما حمل أباکم [ علي] (2)أن سرّ حکم کلّکم ؟ ألا حبس واحداً

منکم يستأنس به ؟

قالوا: قد فعل، وإنّما حبس واحداً منّا وهو أصغرنا لأنه أخو الّذي هلک

من أمّه، فأبونا يتسلّي به.

قال: فمن يعلم أنّ الّذي تقولونه حقّ؟ قالوا: أيّها الملک، إنا ببلاد لا يعرفنا أحد.

فقال يوسف: فائنوني بأخيکم الّذي من أبيکم إن کنتم صادقين فأنا

أرضي بذلک.

قالوا : إنّ أبانا يحزن علي فراقه وسنراوده عنه .

قال: فدعوا عندي رهينة حتي تأتوني بأخيکم الّذي من أبيکم، فاقترعوا بينهم فأصابت القرعة شمعون ؛ وقيل : إنّ يوسف اختار شمعون لأنّه کان

ص: 102


1- في المجمع : کان له ابن کان أصغرنا
2- من المجمع.

أحسنهم رأياً فيه، فجعلوها (1)عنده. .

قيل: وکان يوسف أمر ترجماناً يعرف العبرانيّة أن يکلّمهم، وکان لا يکلّمهم بنفسه ليشبه عليهم، فإنّهم لو عرفوه لها موا في الأرض حياء من أبيهم، فکان في معرفتهم إيّاه مفسدة، (وَقَالَ لِفتيانِهِ أجعَلُوا بِضَاعَتَهُم فِي رِحَالِهِم) أي قال لعبيده وغلمانه : اجعلوا ثمن طعامهم وما کانوا جاوا به في أوعيتهم ؛ وقيل : کانت بضاعتهم النعال والادم (لَعَلَّهُم يَعرِفُونَهَا إذَا انقَلبُوا إلَي أهِلَهِم لَعَلَّهُم يَرجِعُون) (2) بعد ذلک لطلب الميرة مرّة أخري، وإنّما فعل ذلک ليعلموا أنّ يوسف ما فعل ذلک إلّا إکراماً لهم

وقيل: إنّه عليه السلام رأي لؤماً(3)، أن يأخذ ثمن الطعام من أبيه وإخوته

مع حاجتهم إليه، فردّه عليهم من حيث لا يعلمون تفضّلاً وکرماً.(4)

(فَلَمَّا رَجَعُوا إلَي أَبِيهِم قَالُوا يَا أبَانَا مُنعِ مِنَّا الکَیلُ) (5)؛ قيل: إنّهم لمّا رجعوا إلي يعقوب سلّموا عليه سلاماً ضعيفاً، قال لهم: يابنيّ، مالکم تسلّمون سلاماً ضعيفاً؟ ومالي لا أسمع منکم (6)صوت شمعون ؟

قالوا: يا أبانا، جئناک (7)من عند أعظم الناس ملکاً، ولم ير الناس مثله حکماً وعلماً وخشوعاً وسکينة ووقاراً ولئن کان له شبيه في الدنيا فإنّه يشبهک،

ص: 103


1- في المجمع : فخلفوه
2- سورة يوسف : 62.
3- کذا في المجمع، وفي الأصل: يوماً.
4- مجمع البيان : 3/ 245-246.
5- سورة يوسف : 63.
6- في المجمع: فيکم.
7- في المجمع: إنا جئناک.

ولکنّا أهل بيت خلقنا للبلاء(1)، انّه اتّهمنا وزعم أن لايصدقنا حتي ترسل معنا بنيامين برسالة منک تخبره عن (2)حزنک، وما الّذي أحزنک ؟ وعن سرعة الشيب إليک، وذهاب بصرک، وقوله: (مُنعَ مِنَّا الکَيلُ) في المستقبل وإلّا فهم کانوا قد اکتالوا، أي منع منّا في المستقبل إن لم نأته بأخينا لقوله: (فَلَاکَیلَ لَکُم عِندِي وَلاَ تَقَرَبُونِ) (3)فأرسل معنا، فإن لم ترسله معنا منعنا الکيل فأرسله معنا(فَإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (4)من أن يصيبه سوء أو مکروه.

(قَالَ - يعقوب : - هَل آمَنُکُم عَلَيهِ إلاَّ کَمَا أمِنتُکُم عَلَی أَخِيِه مِن قَبلُ)، وإنّما قرعهم عليه السلام ليحثّهم علي حفظه وکِلاءتِهِ وإلّا فإنّه کان يعلم أنّهم في هذه الحال لا يفعلون ما لا يجوز، ثمّ قال: (فَاللهُ خَيرُ حَافِظاً وَهُوَ أرحَمُ الرَّاحِمِينَ)(5) يرحم ضعفي، وکبر سنّي، ويردّه عليّ

روي في الخبر أنّ الله سبحانه قال: فبعزّتي وجلالي لأردّنّهما إليک بعد أن توکّلت عليَّ، (وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُم) يعني أوعية الطعام (وَجَدوا بِضَاعَتَهُم رُدَّت إلَيهِم قَالُوا يَا أبَانَا مَا نَبغِي) أي أيّ [شيء](6)نطلب بعد هذا ؟ کال لنا، وَرَدَّ علينا بضاعتنا، أرادوا أن تطيب نفس يعقوب، ويرسل معهم أخاهم، أي فلا ينبغي أن نخاف علي أخينا ممّن قد أحسن إلينا هذا الإحسان، فأرسله معنا فإنّا تحفظه، ونردّه سالماً، (وَنَزدَادُ کَيلَ بَعِيرٍ) (7)لأنّ يوسف عليه السلام کان لا

ص: 104


1- کذا في المجمع، وفي الأصل: شبيه في الدنيا إنّه ليشهد له.
2- في المجمع: ليخبره من.
3- سورة يوسف : 60.
4- سورة يوسف : 63.
5- سورة يوسف : 64.
6- من المجمع.
7- سورة يوسف: 65.

يزيد الرجل يأتي من الآفاق علي وقر بعير.

فلمّا رأي يعقوب عليه السلام رده البضاعة، وتحقّق عنده إکرام الملک إيّاهم وعزم علي إرسال ابن يامين، (قَالَ لَن أُزسِلَهُ مَعَکُم حَتَّي تُؤتُونِ مَؤثِقاً مِنَ اللهِ لَتَأتُنَّني بِهِ) أي لتردّنّه إليّ.

قال ابن عبّاس: حتي تحلفوا بحقّ محمد خاتم النبييّن صلّي الله عليه و آله و سيّد المرسلين ألّا تغدروا بأخيکم، ولتأتنّني به (وإلَّا أنّ يُحَاطَ بِکُم) أي تغلبوا عليه، والمعني إلّا أن يحال بينکم وبينه بيد عالية، فحلفوا له بحقّ محمد ومنزلته من ربّه.

(قَالَ - يعقوب : اللهُ عَلي مَا تَقُولُ وَکِيلُ» (1)أي شاهد حافظ، وإنّما أرسل يعقوب ابن يامين معهم لأنّه علم أنّهم لمّا کبروا ندموا علي ما [کان] (2)فرط منهم في أمر يوسف، ولم يصّروا علي ذلک، ولهذا وثق بهم، وإنّما عيّرهم

بحديث يوسف حثّاً لهم علي حفظ أخيهم.(3)

ولمّا تجهّزوا للمسير قال يعقوب: (يَا بَنِيَّ لَا تَدخُلُوا مِن بَاب وَاحِدٍ وَأذخُلُوا مِن أَبوَابٍ مُتَفَرَّقَةٍ(4)خاف عليهم العين لأنّهم کانوا ذوي جمال وهيئة وکمال وهم إخوة أولاد رجل واحد.

وقيل: خاف عليهم حسد الناس لهم، وأن يبلغ الملک قوتهم وبطشهم فيحبسهم أو يقتلهم خوفا علي ملکه، والأوّل أصحّ، لأنّه ورد في الخبر عن رسول الله صلّي الله عليه و آله أنّ العين حقّ، والعين تستنزل الحالق، والحالق:

ص: 105


1- سورة يوسف : 66.
2- من المجمع.
3- مجمع البيان 3/ 247-248.
4- سورة يوسف: 67.

المکان المرتفع من الجبل وغيره، فجعل صلّي الله عليه و آله العين کأنّها تحطّ ذروة الجبل من قوّة أخذها، وشدّة بطشها.(1)

وروي أنّه صلّي الله عليه و آله کان يعوّذ الحسن والحسين عليهما السلام، فکان يقول: أُعيذکما بکلمات الله التامّة، من کلّ شيطان وهامة، ومن کلّ عين لامّة. (2)

وروي أنّ إبراهيم عليه السلام عوّذ ابنيه ، وأنّ موسي عوّذ بني هارون(3)

بهذه العوذة.

وروي أنّ بني جعفر کانوا غلماناً بيضاً فقالت أسماء بنت عميس: يا

رسول الله ، إنّ العين إليهم سريعة أفأسترقي لهم من العين ؟

فقال صلّي الله عليه و آله : نعم.(4)

وروي أنّ جبرئيل رقي رسول الله صلّي الله عليه و آله وعلّمه هذه الرقية:

بسم الله أرقيک، من عين کلّ حاسد، الله يشفيک. (5)

ص: 106


1- أخرجه في البحار:17/63 ح 5 عن زبدة البيان (انظر حاشية مصباح الکفعمي: 220).
2- أخرجه في البحار: 18/63 ح 7 عن دعائم الاسلام: 2/ 139 ح 488.وفي ج196/94 ح ، عن مجموعة الشهيد و دعوات الراوندي : 85 ح 217.
3- في المجمع: ابني.
4- أورده في مجمع البيان: 341/5 .وأخرجه في البحار : 26/63 ح 30، وج 132/95 ح 10 عن جامع الأخبار: 443.
5- أخرجه في البحار : 18 / 268 ح 31، وج30/95ح 14 عن أمالي الطوسي : 2/252. وقد روي في الأمالي بهذا اللفظ : بسم الله أرقيک من کل شيء يؤذيک، من شرّ کلّ نفس أو عين حاسد، والله يشفيک، بسم الله أرقيک.

وروي عن النبي صلّي الله عليه و آله [أنّه قال](1) : لو کان شيء يسبق القدر لسبقته العين.(2)

(وَلَمَّا دَخَلُوا - مصر - مِن حَيثُ أمَرَهُم أبُوهُم)(3) أي من أبواب متفرّقة؛

قيل: کان لمصر أربعة أبواب فدخلوا من أبوابها الأربعة متفرّقين(4)

ثمّ دخلوا علي يوسف مجتمعين وقالوا: هذا أخونا قد جئنا به کما أمرتنا، فقال: أحسنتم ، ثمّ أنزلهم وأکرمهم، ثم صنع لهم ضيافة وقال : ليجلس کلّ ابني أم علي مائدة، فجلسوا فبقي ابني(5) يامين قائماً. فقال له يوسف: مالک الاتجلس ؟

قال: أيّها الملک [إنک قلت: ](6) ليجلس کلّ ابني أمّ علي مائدة وليس لي

فيهم ابن أمّ.

فقال له يوسف: فما کان لک ابن أمّ. قال : بلي. قال : فما فعل؟ قال: زعم هؤلاء أنّ الذئب أکله. قال: فما بلغ من حزنک عليه؟

ص: 107


1- من المجمع.
2- أخرجه في البحار: 26/63 ح 27، وج 95 / 131 ح 9 عن مکارم الأخلاق : 414، إلّا أنّ فيهم : عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام.
3- سورة يوسف : 68.
4- مجمع البيان :249/3 ، عنه البحار:6/63 -7.
5- في المجمع : بني . وکذا في الموضع الآتي .
6- من المجمع.

قال: ولد لي أحد عشر ابنا کلّهم اشتقت له اسماً من اسمه.| قال يوسف: أراک شممت النساء وعانقتهنّ، وشممت الولد من بعده؟

قال: إنّ لي أباً صالحاً وقد قال لي : تزوّج لعلّ الله يخرج منک ذرّيّة تثقل

الأرض بالتسبيح.

فقال له يوسف : تعال فاجلس معي علي مائدتي.

فقال إخوة يوسف : لقد فضّل الله يوسف وأخاه حتي أجلسة الملک علي

مائدته.

فلمّا نهضوا بعد أن أکلوا قال: دعوا أخاکم يبيت عندي، فبات عند يوسف،

فقال له يوسف: أتحبّ أن أکون أخاک بدل أخيک الهالک ؟

فقال: من يجد - أيّها الملک -أخاً مثلک، لکن لم يلدک يعقوب ولا راحيل، فبکي يوسف، وقام إليه واعتنقه، وقال له : أنا أخوک يوسف، فلا تحزن علي ما صنعوا بنا فيما مضي، فإن الله قد أحسن إلينا، وجمعنا علي خيرٍ، ولا تعلمهم بذلک، وأنا لا أُفارقک.

فقال: يا أخي، تعلم اغتمام والدي بي. فقال: لا سبيل إلي ذلک إلّا أنّ السبيل إلي ما لا يحمل.

t

قال: لا أبالي .

قال: افعل ما بدا لک.

فقال: فإني أُدسّ صاعي في رحلک، ثمّ أنادي عليک بأنّک سرقته ليتهيّأ لي

ردّک بعد تسريحک معهم.

قال: افعل.

ص: 108

بجليلي

قال: وکانت الصاع أوّل مشربة للملک مصوغة من فضّة مموّهة بالذهب؛

وقيل: کانت من ذهبٍ مرصّعة بالجواهر، ثم لمّا وقع القحط جعلت مکيالاً يکال بها الطعام، ثمّ انطلقوا راجعين إلي أبيهم ومعهم أخوهم ابن يامين، فلمّا فصلوا عن مصر أرسل يوسف في أعقابهم رجاله، فنادوا فيهم:( أَيَّتُهَا العِيرُ إنّکُم لَسَا رقُونَ )(1)؛ قيل : إنّ يوسف أمر المنادي أن ينادي إنکم لسارقون ولن ترد سرقة الصاع، وإنّما عني به إنّکم سرقتم يوسف من أبيه، وألقيتموه في الجبّ.

وأقبلوا أصحاب العير علي أصحاب يوسف قائلين لهم: (مَاذَا تَفقِدُونَ قَالوا نَفقِدُ صُوَاعَ المَلِکِ -أي: صاعه ومشربته (2) وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِملُ بَعِيرٍ)(3)فأجابهم إخوة يوسف: (تَاللهِ لَقَد عَلمِتُم مَا جِئنَا لِنُفسِدَ فِي الأَرضِ وَمَا کُنَّا سَارِقِينَ) (4)فإنّکم اطّلعتم علي حسن سيرتنا مرّة بعد أخري، فقد علمتم أنّ السرقة ليست من شأننا؛ وقيل: إنّما قالوا ذلک لأنهم ردوا البضاعة التي وجدوها في رحالهم مخافة أن تکون وضعت بغير إذن الملک لأنّ من ردّما وجد لا يکون سارقاً؛ وقيل: إنّهم لمّا دخلوا مصر في أوّل مرّة رأوهم قد شدّوا أفواه دو ابّهم کي لا تتناول الحرث والزرع.

فردّوا العير بأجمعها إلي مصر، فلمّا حضروا عند يوسف قيل لهم: إنکم

السارقون.

قالوا: معاذ الله أن نکون سارقين

ص: 109


1- سورة يوسف: 70.
2- في المجمع: وسقايته
3- سورة يوسف: 71 و 72.
4- سورة يوسف: 73.

فقال لهم الّذين ناداهم: فما جزاء السارق عندکم (إن کُنتُم کَاذِبيِن)(1)

في قولکم : إنّا لم نسرق ؟

(قَالُوا جَزَاؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحِلِه فَهُوَ جَزَاؤُهُ) (2)أي يسترقّ

وقيل: إنّ السّنة کانت في بني إسرائيل أنّ السارق يسترقّ بسرقته، وفي دين الملک الضرب والضمان، فلهذا قال لهم يوسف: ما جزاء السارق عندکم ؟

قالوا : يسترّق بسرقته، (فَبَدأَ بِأَوعِيَتهِم قَبلَ وِعَاءِ أَخِيهِ - لإزالة التهمة - ثُمَّ أستَخرَجَهَا مِن وِعَاءِ أَخِيهِ) (3)، وإنّما بدأ بأوعيتهم لأنّه لو بدأ بوعاء أخيه العلموا أنّه هو الّذي وضعها فيه، فأقبلوا علي بنيامين، وقالوا له: فضحتنا و سوّدت وجوهنا، متي أخذت هذا الصاع ؟

فقال: وضع هذا الصاع في رحلي الّذي وضع الدراهم في رحالکم. (4)

فأقبلوا إخوة يوسف علي يوسف قائلين :(إن يَسرِق - بنيامين - فَقَد

سَرَقَ أخُ لَهُ مِن قَبلُ) فليست سرقته بأمر بديع فإنّه اقتدي بأخيه يوسف واختلف في السرقة الّتي أنبؤا بها يوسف ؛ فقيل: کانت منطقة إسحاق عليه السلام، وکانت عند عمّة يوسف، وکانت أکبر ولد إسحاق، وکانوا يتوارثونها بالکبر، وکانت تحضن يوسف و تربيّه بعد وفاة أمّه، و تحبّه حبّاً شديداً، فلمّا ترعرع أراد يعقوب أن يستردّه منها، فاحتالت وجاءت بالمنطقة وشّدتها علي وسط يوسف وادّعت أنّه سرقها، وکان من ستتهم استرقاق السارق، فحبسته بذلک السبب عندها.

ص: 110


1- سورة يوسف: 74.
2- سورة يوسف: 75.
3- سورة يوسف: 76.
4- مجمع البيان : 3/ 251 - 253، عرائس المجالس: 131 - 132.

قال: فأخفي يوسف تلک الکلمة الّتي قالوها (وَلَم يبدِهَا لَهُم )، بل (قَالَ أنتُم شَرُّ مَکَاناً) في السرق لأنکم سرقتم أخاکم من أبيکم (وَاللهُ أَعلَمُ بِمَا

تَصِفُونَ) (1)

والظاهر أنّه أسرّ هذا المقال في نفسه ، ثمّ جهر بقوله : (وَاللهُ أعلَمُ بِمَا تَصِفُونَ) فأقبلوا بالخضوع علي يوسف والاستعطاف قائلين: (یَا أيُّهَا العَزِيزُ إنَّ لَه أَ باً شَيخاًکبِيراً فَخُذ أَحَدَنَا مَکَانَهُ)، إنّما قالوا هذا لما علموا أنّه استحقّه فسألوه أن يأخذ عنه بدلاً شفقة علي والدهم، ورقّقوا (2)في القول علي سبيل الاسترحام ومعناه کبيراً في السنّ؛ وقيل : کبيراً في القدر، فلا ينبغي أن يسترقّ ولده (إنَّا تَرَاکَ مِنَ المُحسِنينَ) .(3)

فأجابهم يوسف: (مَعَاذَ اللهِ أن نَأخُذَ إلَّا مَن وَجَدنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ)(4) أي نأخذ البريء بجرم السقيم، ولم يقل: «من سرق» تحرّزاً من الکذب، فلمّا استيأسوا من يوسف أن يجيبهم إلي ما سألوه انفردوا عن الناس من غير أن يکون معهم من ليس منهم يتناجون فيما يفعلون في ذهابهم لأبيهم بغير أخيهم وهل يرجعون أو يقيمون.

قال کبيرهم وهو روبيل، وکان أسنّهم، وکان ابن خالة يوسف، وهو الّذي نهي إخوته عن قتله: (أَلَم تَعلَمُوا أنَّ أبَاکُم قَد أَخَذَ عَلَيَکُم مَوثِقاً مِنَ اللهِ) فذکّرهم بذلک (فَلَن أبرَحَ الأرضَ) أي لا أزال بهذه الأرض، ولا أزول عنها

ص: 111


1- سورة يوسف : 77.
2- کذا في المجمع ، وفي الأصل : فرقعوا .
3- سورة يوسف : 78.
4- سورة يوسف: 79.

(حَتَّی يَاذَنَ لِي اَبِي)(1) في البراح والرجوع أو الموت فيکون ذلک عذراً إليّ

عند أبي. (2)

(اُرجِعوا إلَي أَبِيکُم فَقُولُوا يَا أبَانَا إنَّ أبنَکَ سَرَقَ وَمَا شَهِدنَا إلَّا بِمَا عَلِمنَا) به؛ وقيل: وما شهدنا انّ السارق يسترقّ إلّا بما علمنا أنّ الحکم ذلک، ولم نعلم أنّ ابنک سرق [أم لا] (3)؟ وإنّما قالوا ذلک إلا لما قال لهم يعقوب عليه السلام : وما يدري الملک انّ السارق يؤخذ بسرقته [ويسترقّ](4)، وإنّما علم ذلک بقولکم.

فقالوا:اشهدنا إلّا بما علمنا (وَمَا کُنَّا لِلغَيبِ حَافِظِينَ)(5)، أي لانعلم أسرق أم کذبوا عليه ؟ وإنّما نعلم منه ما کان يحدث في حضورنا معه، فإذا غاب الانعلم ما يصنع (6)(واسأًلِ القَريَة) أي أهل القرية، واسأل أهل العير، معناه: وسل من شئت من أهل مصر عن هذا الأمر، فإنّ هذا أمر شائع فيهم يخبرک به من سألته، وکان معهم جماعة من أهل مصر صاروا إلي الناحية الّتي کان فيها يعقوب، واسأل العير (الَّتي أقَبَلنَا فِيهَا) (7) أي القافلة الّتي أقبلنا فيها، وکانت القافلة من أرض کنعان، وکانوا يمتارون في مصر، وإنّما قالوا ذلک لأنّهم کانوا متّهمين عند يعقوب، فقال لهم يعقوب: ما عندي ان الأمر کما تقولونه، (بَل

سَوَّلَت لَکُم أَنفُسُکُم أَمراً فَصَبر جَمِيلُ) أي سأصبر صبراً جميلاً (عَسَي اللهُ أن يأتِيَنِي بِهِم جَميعاً) أي بيوسف وابن يامين وروبيل أو شمعون [ أو لاوي أو

ص: 112


1- سورة يوسف:80.
2- مجمع البيان : 2/254 - 255.
3- من المجمع.
4- من المجمع.
5- سورة يوسف: 81.
6- يعنون انه سرق ليلاً وهم نيام، والغيب هو الليل
7- سورة يوسف: 82.

يهوذا] (1)(إنَّهُ هوَ العَلِيمُ الحَکِيمُ) (2)، (وَتَوَلَّي - يعقوب - عَنهُم) لشدّة الحزن لما بلغه خبر (حبس)(3) ابن يامين، وهاج ذلک وجده بيوسف لأنّه کان يتسلّي به، (وَقَالَ يَا أَسَفَي عَلَي يُوسفَ» أي واطول حزني علي يوسف.

عن سعيد بن جبير [أنّه قال ]:(4) لقد أُعطيت هذه الأمّة عند المصيبة مالم يعط الأنبياء قبلهم إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولو أعطيها الأنبياء لأُعطيها يعقوب،

(وَأبيَضَّت عَينَاهُ مِنَ الحُزنِ) والبکاء.

وسئل الصادق عليه السلام : ما بلغ من حزن يعقوب علي يوسف(5) ؟

قال: حزن سبعين حري ثکلي ؛ وقيل: إنّه عمي ستّ سنين،(فَهُوَ کَظِيمُ)(6) وهو المملوء من الهمّ والحزن، الممسک للغيض لا يشکوه إلي أهل زمانه، ولا يظهره بلسانه، ولذلک لقّب موسي بن جعفر عليهما السلام بالکاظم لکثره ما کان يتجرّعُ من الغيظ والغمّ طول أيّام خلافته لأبيه في ذات الله تعالي.

(قَالُوأ - أي قال إخوة يوسف لأبيهم: - تَاللهِ تَفتَؤُا تَذکُرُ یُوسُفَ حَتَّی تَکُونَ حَرَضاً) (7)أي هالکاً دنفاً، فاسد العقل، قريباً من الموت ؛ وقيل : إنّهم قالوا ذلک تبرّماً ببکائه إذ تنغّص عيشهم (8)بذلک (قَالَ - يعقوب في جوابهم : إنَّمَا أَشکُوا بَثَّي وَحُزنِي إلَي اللهِ).

وروي عن النبي صلّي الله عليه و آله أنّ جبرئيل أتي يعقوب فقال: يا

ص: 113


1- من المجمع
2- سورة يوسف : 83.
3- من المجمع
4- من المجمع
5- کذا في المجمع ، وفي الأصل : ما يبلغ حزن يعقوب .
6- سورة يوسف: 84
7- سورة يوسف : 85.
8- کذا في المجمع، وفي الأصل : عليهم - وهو تصحيف ..

يعقوب، إنّ الله يقرئک السلام ويقول: أبشر وليفرح قلبک، فوعزّتي وجلالي لو کانا میّتين (1)لنشر تهما لک اصنع طعاماً للمساکين فإنّ أحبّ عبادي إليّ المساکين، أتدري لم أذهبتُ بصرک، وقوِّستُ ظهرک ؟ لأنّکم ذبحتم شاة، وأتاکم فلان المسکين وهو صائم فلم تطعموه شيئاً، فکان يعقوب بعد ذلک إذا أراد الغذاء أمر منادياً ينادي: ألا من أراد الغذاء من المساکين فليتغذّ مع يعقوب ،

(وَأَعلَمُ مِنَ اللهِ مَا لا َتعلَمُونَ) (2)أي وأعلم صدق رؤيا يوسف، وأعلم أنّه حيّ،

وأنّکم ستجدونه.(3)

وفي کتاب النبوّة : بالاسناد عن سدير الصيرفي، عن أبي جعفر عليه السلام ، قال: إنّ يعقوب دعا الله سبحانه أن يهبط عليه ملک الموت، فأجابه فقال: ما حاجتک ؟

فقال: أخبرني هل مرّ بک روح يوسف في الأرواح ؟

قال: لا، فعلم أنّه حيّ ؛ وقيل : إنّهم لمّا أخبروه بسيرة الملک قال: لعلّه يوسف، فلذلک قال: (يَا بَنِيَّ أذهَبُوا فَتَحسَّسُوامِن یُوسُفَ وَ أَخيهِ) أي استخبروا من شأنهما، واطلبوا خبر هما، وانظروا ملک مصر ما اسمه ؟ وعلي أيّ دين هو ؟ فإنّه قد أُلقي في روعي أنّ الّذي حبس ابن يامين هو يوسف، وإنّه إنّما طلبه منکم، وجعل الصاع في رحله احتيالاً في حبس أخيه عند نفسه، (وَلاَ تَيأَسُوا مِن رَوحِ اللهِ إنَّه لَا يَناَسُ مِن رَوحِ اللهِ إلَّا القَومُ الکَافِرُونَ) (4)

قال ابن عبّاس: يريد ان المؤمن من الله علي خيرٍ يرجوه في الشدائد

ص: 114


1- في «ح»: أي يوسف وأخوه بنيامين.
2- سورة يوسف :86.
3- في المجمع: ستسجدون له کما اقتضاه رؤياه.
4- سورة يوسف: 87.

والبلاء، ويشکره ويحمده في الرخاء، والکافر ليس کذلک.

سؤال : کيف خفي أخبار يوسف علي يعقوب في المدّة الطويلة مع قرب(1)

المسافة ؟ وکيف لم يعلمه بخبره لتسکن نفسه ويزول وجده ؟

الجواب : قال السيّد المرتضي رضي الله عنه : يجوز أن يکون ذلک ممکناً،

و [کان](2)عليه قادراً، لکن الله سبحانه أوحي إليه أن يعدل عن اطلّاعه علی خبره تشديداًللمحنة عليه، ولله سبحانه أن يشدّد (3) التکلّف وأن يسهّله.(4)

ولمّا قال يعقوب لبنيه: (اذهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأَخِیِه)خرجوا

قاصدين مصر.(5)

وروي في کتاب النبوّة : بالاسناد عن الحسن بن محبوب، عن أبي إسماعيل الفرّاء، عن طربال، عن أبي عبد الله عليه السلام في خبرٍ طويلٍ أنّ يعقوب کتب إلي يوسف:

بسم الله الرحمن الرحيم

إلي عزيز مصر، ومظهر العدل، وموفي الکيل.

من يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن صاحب نمرود الّذي

جمع له النار ليحرقه بها فجعلها الله عليه برداً وسلاماً وأنجاه منها.

أخبرک أيّها العزيز، إنّا أهل بيت لم يزل البلاء إلينا سريعاً من الله ليبلونا

ص: 115


1- کذا في المجمع ، وفي الأصل : مدّة
2- من المجمع.
3- في المجمع: يصعّب.
4- مجمع البيان: 257/3 - 258.
5- مجمع البيان : 3/ 260.

عند السرّاء والضرّاء، وان مصائباً تتابعت علي منذ عشرين سنة ؛ أوّلها أنّه کان لي ابن سميته يوسف، وکان سروري من بين ولدي وقرّة عيني وثمرة فؤادي، وانّ إخوته من غير أمّه سألوني أن أرسله معهم يرتع ويلعب، فبعثته معهم بکرة فجاؤني عشاء يبکون، وجاءوا علي قميصه بدم کذب، وزعموا أنّ الذئب أکله، فاشتدّ لفقده حزني، وکثر علي فراقه بکائي حتي ابيضّت عيناي من الحزن، وکان له أخ وکنت به معجباً وکان لي أنيساً، وکنت إذا ذکرت يوسف ضممته إلي صدري فسکن بعض مابي وما أجد في صدري، وأنّ إخوته ذکروا الي (1) آنک سألتهم عنه وأمرتهم أنّ يأتوک به، فإن لم يأتوک به منعتهم الميرة، فبعثته معهم ليمتاروا [لنا] (2) قمحاًفرجعوا إليّ وليس هو معهم، وذکروا أنّه سرق مکيال الملک، ونحن أهل بيت لا نسرق، وقد حبسته عنّي وفجعتني به، [وقد اشتدّ الفراقه حزني حتي تقوس لذلک ظهري و عظمت] (3)به مصيبتي مع مصائب تتابعت عليّ، فمّن عليّ بتخليت سبيله وإطلاقه من حبسک، وطيّب لنا القمح، وعجّل سراح آل إبراهيم.

قال : فمضوا بکتابه حتي دخلوا علي يوسف في دار الملک وقالوا:

(يَا أَيُّهَا العَزِيزُ مَسَّنَا وَأهلَنَا الضّرُّ) (4)فتصدّق علينا بأخينا ابن يامين،

وهذا کتاب أبينا يعقوب أتينا به إليک يسألک تخلية سبيله، فمّن به علينا، وأخذ يوسف کتاب يعقوب، وقبّله ووضعه علي عينيه، وبکي وانتحب حتي بل دمعه القميص الذي عليه، ثم أقبل عليهم و (قَالَ هَل عَلِمتُم مَا فَعَلتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ) من إذلاله وإبعاده عن أبيه، وإلقائه في الجب، والاجتماع علي قتله وبيعه بثمن وکس، وما فعلتم بأخيه من إفراده عن يوسف والتفريق بينهما حتي صار وحيداً

ص: 116


1- من المجمع.
2- من المجمع.
3- من المجمع.
4- سورة يوسف: 88.

ذليلاً[فيما] (1)بينکم لايکلّمکم إلّا کما يکلّم الذليل العزيز؟

وإنّما لم يذکر أباه يعقوب تعظيماً له، ورفعآً من قدره، وانّ ذلک کان بلاء له ليزداد به علوّ الدرجة عند الله تعالي، (إذ أَنتُم جَاهِلُونَ)(2) وکان هذا تلقيناً لهم بما يعتذرون به، وهذا هو الغاية في الکرم إذ صفح عنهم ولقّنهم وجه العذر(3) (قَالُوا أإنَّکَ لاَنتَ یُوسُف) ؟ قيل: إنّ يوسف لمّا قال لهم : (هَل عَلِمتُم مَا فَعَلتُم بِيُوسُفَ)، رفع التاج عن رأسه وتبسّم إليهم، فلمّا أبصروا ثناياه کانّها اللؤلؤ المنظوم شبّهوه بيوسف وَ (قَالُوا أإنّکَ لاَنتَ یُوسُفَ) فقال: (أَنَا یُوسُفُ) المَظلوم المستحلّ منه المحرم، (وَهَذَا أَخِي) المَظلوم کظلمي (قَد مَنَّ اللهُ عَلَينَا) (4) بالاجتماع بعد طول الفرقة : (قَالُوا تَاللهِ لَقَد آثَرَکَ اللهُ علَينَا وَإِن کُنَّا لَخَاطئين) (5) أي اختارک بالحلم والعلم والملک(6) والحسن. (7)

قيل: إنّه عليه السلام لما عرفهم نفسه سألهم عن أبيه، فقال: ما فعل أبي

بعدي ؟

قالوا: ذهبت عيناه.

فقال: (اذهَبُوا بِقَيصِي هذَا)واطرحوه علي وجه أبي يعد مبصراً(8)

ص: 117


1- من المجمع،
2- سورة يوسف: 89.
3- کذا في المجمع، وفي الأصل: وکفتهم العذر.
4- سورة يوسف: 90.
5- سورة يوسف: 91.
6- في المجمع: والعقل.
7- مجمع البيان: 262/3 وبدون أن ينسب کتاب يعقوب إلي يوسف إلي کتاب النبوّة . کماهو أعلاه ..
8- کذا في المجمع، و في الأصل: منظراً.

(وَأتُونِي بِأَهِلِکُم أَجمَعيَن)(1)

وروي أنّ يوسف عليه السلام قال : إنّما يذهب بقميصي من ذهب به أوّلاً فقال يهوذا: أنا ذهبت به وهو متلطّخ بالدم، وأخبرته انّه أکله الذئب.

قال: فاذهب بهذا أيضاً واخبره أنّه حيّ، وافرحه کما أحزنته، فحمل القميص وخرج حافياً حاسراً حتی أتي يعقوب وکان معه سبعة أرغفة، وکانت مسافة ما بينهما ثمانين فرسخاً، فلم يستوف الأرغفة في الطريق وقد ذکرنا من (2)قبل شأن القميص، وإنّما أرسل القميص بأمر من جبرئيل عليه السلام قال له : أرسل إليه قميصک فإنّ فيه ريح الجنة لا يقع علي مبتلي ولا سقيم إلا صحّ وعوفي.

ثمّ انّ يوسف عليه السلام أمر لهم بمائتي راحلة وما يحتاج إليه من آلات السفر، فلمّا قربوا من يعقوب قال لأولاد أولاده الذين کانوا عنده : (وإنَّي لأَجِدُ رِيحَ یُوسُفَ).

روي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: وجد يعقوب ريح قميص يوسف (3)عليه السلام حين فصلت العير من مصر وهو بفلسطين من مسيرة عشر ليال.

قال ابن عبّاس: هاجت ريح فحملت ريح قميص يوسف إلي يعقوب. (4)وروي أنّ ريح الصبا استأذنت الله ربّها في أن تأتي يعقوب بريح يوسف

ص: 118


1- سورة يوسف : 93.
2- من المجمع.
3- کذا في المجمع، و في الأصل: إبراهيم .
4- مجمع البيان : 261/3 .

قبل أن يأتيه البشير بالقميص، فأذن لها، فأتته بها، ولذلک يستروح کلّ محزون بريح الصبا، وقد أکثر الشعراء من ذکرها، فمن ذلک قولهم: فَإنَّ الصَّبَا ريحُ إذا مَاتَنَسَّمَت عَلَی نَفَسِ مَهمُومٍ تَجلَّت هُمُومُها

وقول أبي الصخر(1) الهذلي : إذَا قُلتُ هذَا حِينَ أسلُو يُهيجَنِي نَسِيمُ الصَّبَا مِن حَيثُ يَطَّلِعُ الفَجرُ

(لَولاً أَن تُفَنَّدُونِ) (2) أي: تقولون إنّه شيخ قد هرم وخرف، وذهب عقله، (َقَالُوا تَاللهِ إنَّک لَفِي ضَلَالِکَ القَدِيم) (3) عن الصواب في حبّ يوسف عليه السلام فإنّه کان عندهم أنّ يوسف قد مات منذ سنين، ولم يريدوا الضلال عن الدين.

(فَلَمَّا أَن جَاءَ البَسِيرُ) وهو يهوذا (ألقَاهُ عَلَی وَجهِهِ فَارتَدَّ بَصِيراً) . قال الضحّاک : عاد إليه بصره بعد العمي ، وقوّته بعد الضعف ، وشبابه بعد الهرم، وسروره بعد الحزن . فقال للبشير (4): ما أدري ما أثيبک [به] (5)هوّن الله عليک سکرات الموت.

ولمّا قدموا أولاده عليه (قَالُوا يَا أَبانَا آستَغفِرز لَنَا ذُنُوبَنَا إنَّاکُنَّا

خَاطِئِينَ)(6)

فقال لهم: (سَوفَ أُستَغفِرُ لَکُم رَبَّي إنَّه هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ ) (7)؛ قيل: إنّه لم

معا

ص: 119


1- کذا في المجمع ، وفي الأصل : منجب
2- سورة يوسف: 94.
3- سورة يوسف: 95.
4- سورة يوسف: 99.
5- من المجمع.
6- سورة يوسف : 97.
7- سورة يوسف : 98.

يستغفر لهم في الحال، لأنّه أخرّهم إلي سحر ليلة الجمعة، روي ذلک عن أبي عبد الله عليه السلام أنّه کان يستغفر لهم کلّ ليلة جمعة في نيف وعشرين سنة حتي نزل قبول توبتهم.

وروي أنّ جبرئيل عليه السلام علّم يعقوب هذا الدعاء: يارجاء المؤمنين لاتخيّب رجائي، وياغوث المؤمنين أغثني، وياعون المؤمنين أعنّي، وياحبيب التوّابين تب علي، فاستجب لهم.(1)- (2)

وفي حديث ابن محبوب، عن أبي جعفر عليه السلام أنّ يعقوب قال الولده: تحملوا من ساعتکم إلي يوسف في يومکم هذا بأهليکم (3) أجمعين، فساروا من فورهم ويعقوب معهم وخالة يوسف [أمّ] (4)يامين فحثّوا السير فرحاً وسروراً تسعة أيّام إلي مصر.

فلمّا دنا يعقوب من مصر تلقّاه يوسف في الجند وأهل مصر. فقال يعقوب: پايهوذا ، هذا فرعون مصر ؟ قال: لا، هذا ابنک يوسف، ثمّ تلاقيا علي يوم من مصر، فلمّا دنا کلّ واحد من صاحبه بدأ يعقوب بالسلام، فقال: السلام عليک يا مُذهب الأحزان.

ثمّ انّ يوسف اعتنق أباه و بکي، (وَقَالَ) لهم قبل دخول مصر: (آدخُلَوا مِصرَ إن شَاءَ الله آمِنيِنَ) (5)، وإنّما قال: (آمِنيِنَ )لأنّهم کانوا يخافون ملوک مصر، ولا يدخلونها إلّا بجوازهم ؛ قيل: دخلوا مصر وهم ثلاثة وسبعون إنساناً،

ص: 120


1- کذا في المجمع، وفي الأصل: له.
2- مجمع البيان: 263/3 .
3- في المجمع: تحملوا إلي يوسف من يومکم هذا بأهلکم.
4- من المجمع.
5- سورة يوسف : 99.

وخرجوا مع موسي و هم ستّمائة ألف وخمسمائة وبضع وسبعون رجلاً، (وَرفَعَ أَبَويهِ عَلَی العَرشِ) علي سرير ملکه إعظاماً لهما.

ثمّ دخل منزله واکتحل وادهن، ولبس ثياب العزّ والملک، فلمّا رأوه سجدوا له جميعاً إعظاماً له، وشکراً لله، ولم يکن يوسف في تلک المدة يدّهن، ولا يکتحل، ولا يتطيّب، حتي جمع الله بينه وبين أبيه وإخوته.

فلمّا رأوه (وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً) وکانت تحية الناس - في ذلک الزمان - بعضهم لبعضٍ يومئذ السجود، والانحناء، والتکفير، ولم يکونوا نهوا عن السجود الغير الله في شريعتهم، وأعطي الله تعالي هذه الأمّة السلام، وهو تحيّة أهل الجنّة.

(وَقَالَ) يوسف:(يَا أَبَتِ هَذَا تَأوِيلُ رُؤيَايَ مِن قَبلُ قَد جَعَلَهَا رَبَّي

حَقّاً) (1)في اليقظة.

وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال : کان بين الرؤية و تأويلها

أربعون سنة.

وولد ليوسف من امرأة العزيز زليخا: أفرائيم(2) وميشا، ورحمة امرأة

ايوب، وکان بين يوسف وموسي عليهما السلام أربعمائة سنة.

وفي کتاب التبوة بالاسناد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال يعقوب

اليوسف: حدّثني کيف صنع بک إخوتک ؟

قال: يا أبه دعني. قال: أقسمت عليک إلّا ما أخبرتني .

ص: 121


1- سورة يوسف: 100.
2- في المجمع: أفرايم.

فقال: أخذوني وأقعدوني علي رأس الجب، ثمّ قالوا: انزع قميصک، فقلت لهم: إنّي أسألکم بوجه يعقوب ألاّ تنزعوا قميصي عنّي، ولاتبدوا عورتي، فرفع فلان السکّين عليّ، فصاح يعقوب و خر مغشيّاً عليه، ثم أفاق، فقال: يا بنيّ، کيف صنعوا بک ؟

فقال يوسف: إنّي أسألک بإله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلّا أعفيتني،

قال: فترکه.

وروي أنّ يوسف قال ليعقوب عليهما السلام : يا أبة، لا تسألني عن صنع

إخوتي، واسأل عن صنع الله بي.

قال أبو حمزة الثمالي: بلغنا أن يعقوب عاش مائة وسبعاً (1)وأربعين سنة،

ودخل علي يوسف في مصر وهو ابن مائة سنة وثلاثين سنة، وکان عند يوسف في مصر سبع عشرة سنة، ثمّ توفّي صلوات الله عليه فنقل إلي الشام في تابوت من ساج، ووافق ذلک اليوم يوم مات عيصو، وکان يعقوب وعيصو ولدا في بطن واحد ودفنا في قبر واحد.

وکان يوسف عليه السلام قد مضي مع تابوت أبيه إلي بيت المقدس،

ولمادفنه رجع إلي مصر، وکان دفنه في بيت المقدس عن وصيّة منه إليه أن يدفن عند قبور آبائه عليهم السلام، وعاش عليه السلام بعد أبيه ثلاثاً وعشرين سنة، ثمّ مات، وکان أوّل رسول في بني إسرائيل، وأوصي أن يدفن عند قبور آبائه عليهم السلام.(2)

وعن أبي خالد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: دخل يوسف السجن

ص: 122


1- کذا في المجمع - وهو الصحيح -، وفي الأصل: سنة.
2- مجمع البيان: 3/ 264 - 266.

وهو ابن اثنتي عشرة سنة، ومکث فيه ثمانية عشرة سنة، وبقي بعد خروجه ثمانين سنة، فذلک مائة سنة و عشر سنين.

قالوا: ولمّا جمع الله سبحانه شمله، وأقر عينه، وأتم له رؤياه، ووسع عليه في ملک الدنيا علم أنّ ذلک لا يبقي ولا يدوم، فطلب من الله سبحانه نعيماً لا يفني، و تاقت نفسه إلي الجنّة، فتمنّي الموت ودعا به، ولم يتمنّ ذلک نبي قبله ولا بعده، فقال:( رَبَّ قَد ءَاتَيتَنِي مِنَ المُلکِ وَعَلَّمتَنِي مِن تَأوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّموَاتِ وَالأرضِ أنتَ وَليّي فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّني مُسلِماً وَألحِقنّي بِالصَّالِحينَ) (1) فتوفّاه الله تعالي بمصر وهو نبيّ، ودفن في النيل في صندوق من رخام، وذلک أنّه لمّا مات تشاحّ الناس عليه، کلّ يحبّ أن يدفن في محلّته، لما

کانوا يرجون من برکاته، فرأوا أن يدفنوه في النيل فيمر الماء عليه، ثم يصل (2)إلي جميع مصر، فيکون کلّهم شرکاء في برکته شرعاً، فکان قبره في النيل إلي أن حمله موسي عليه السلام لما خرج من مصر، ودفنه عند آبائه الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين.(3)

وإنّما أوردت هذه القصة بتمامها ليکون ذلک تسلية للمؤمن التقّي وردّ علي الجاحد الشقيّ، فإنّ الله سبحانه يبتلي عباده الصالحين بأعدائه الطالحين، ليکون الجزاء علي قدر البلاء، والثواب علي قدر المشقّة، لأنّه سبحانه هو المدّبر الحکيم العليم بمصالح عباده في معاشهم ومعادهم ، فتارة يکون البلاء في النفس والولد - کما مر في قصّة يعقوب ويوسف - وتارة يکون في ضنک العيش والفقر کما ذکر سيّدنا أمير المؤمنين عليه

ص: 123


1- سورة يوسف : 101.
2- کذا في المجمع، وفي الأصل: رحل.
3- مجمع البيان : 266/3 ، عرائس المجالس: 142.

في إبتلاء موسي وهارون عليهما السلام

السلام عن موسي عليه السلام في قوله: (رَبَّ إنَّي لمَا أنزَلتَ إلَيَّ مِن خَير فَقِيرُ) (1)قال : والله ما سأله إلّا خبزاً يأکله، لأنّه (2)کان يأکسل بقلةَ الأرض، ولقد کانت خضرة البقلِ نُري من شفيف صِفاق بطنه(3)، لهزاله ، وتشذّب لحمه (4)- (5)

ولقد دخل هو وأخوه هارون عليهما السلام علي فرعون، وعليهما مدارعُ الصوف ، وبأيديهما العصيُّ، فشرطا له - إن أسلم - بقاء ملکه، ودوامَ عزه

فقال: ألا تعجبون من هذين يشرطان لي دوامَ العزّ، وبقاءَ الملک، وهما

علي ما ترونَ من حال الفقر والذلّ، فهلّا أُلقيَ عليهما أساورة من ذهب ؟ إعظاماً للذهب وجمعه، واحتقاراً للصوف ولُبسه! ولو أراد الله سبحانه بأنبيائه حيث [بعثهم](6) أن يفتح لهم کنوز الذَّهبان، ومعادن العِقيان، ومغارسَ الجِنان، وأن يحشر معهم طير السماء ووحوش الأرضين لفعل، ولو فعل لسقط البلاء وبطل الجزاء(7). کما ذکرنا أوّلاً (8)

کما حکي عن بعضهم انّه کان إذا أقبلت عليه الدنيا يقول: هذا ذنب

ص: 124


1- سورة القصص : 24.
2- کذا في النهج والمجمع، وفي الأصل: ولقد
3- کذا في النهج والمجمع، وفي الأصل : من صفاق سفاف بطنه. وشفيف : رقيق، يستشفّ ما وراءه. والصفاق: الجلد الباطن الّذي فوقه الجلد الظاهر من البطن.
4- أي ّتفرّقه.
5- نهج البلاغة:226 خطبة رقم 160، مجمع البيان : 248/4.
6- من النهج.
7- نهج البلاغة: 291 خطبة رقم 192 «الخطبة القاصعة».
8- في ص 40، وذکرنا تخريجات أخري.

عجّلت عقوبته ، وإذا افتقر أو أصابته خصاصة قال : مرحباً بشعار الصالحين (1)- (2)

فکذلک الأنبياء والأولياء يسرّهم ما ينزل بهم من البلاء، ويفرحون بما امتحنوا به من الابتلاء، راحة أرواحهم فيما فيه رضي خالقهم، ولذّة أنفسهم فيما يمتحنهم الله به في أموالهم وأجسادهم، وما يختاره من فيض ثمرات قلوبهم وأحفادهم، فلا يغرّنّکم الشيطان بغروره، ولا يفتننکم مروره فيلقي في روعکم، ويوسوس في صدورکم.

إنّ ما أصاب من کان قبلکم من الأنبياء والمرسلين، والأولياء

والصالحين، في الدار الفانية والحياة البالية، من جهد البلاء وشدّة اللأواء والامتحان بجهاد الأعداء، هواناً بهم علي خالقهم، وهظماً لهم لدي بارئهم، بل أنزل بهم البأساء والضرّاء، ووجّه إليهم محن دار الفناء، من سقم الأجساد، وتحمّل الأذي من أهل الجحود والعناد، فتحمّلوا المشاقّ في ذاته من أداء الفرائض والنوافل، وصبروا علي جهاد أعدائه من أهل الزيغ والباطل، يسوقون العباد بسوط وعظهم إلي غفران ربّهم، ويجذبون النفوس بصوت لفظهم إلي منازل قربهم، لا توحشهم مخالفة من خالفهم، ولا يرهبهم عناد من عاندهم، بل يصدعون بالحقّ، ويقرعون بالصدق، ويوضحون الحجّة، ويهدون إلي المحجّة لا يزيدهم قلّة الأنصار إلا تصميماً في عزائمهم، ولا يکسبهم تظافر الأشرار إلّا شدّة لشکائمهم، ليس في قلوبهم جليل إلّا جلاله، ولا في أعينهم جميل إلّا

ص: 125


1- أي علامتهم. «مجمع البحرين: 349/3 - شعر - »
2- تفسير القمّي : 200/1 ، عنه البحار: 340/13 ح 16، و ج 199/67 .ورواه في الکافي : 263/2 ح 12، عنه البحار : 15/72 ح 14. وأورده في إرشاد القلوب : 156.

في صبر أيوب عليه السلام

جماله، لما شربوا من شراب جتته في حضيرة قدسه، أتحفهم بمقام قربه وآنسه، يختارون قطع أوصالهم علي قطع اتّصالهم، وذهاب أنفسهم علي بعد مؤنسهم.

أما تري کيف أثني الله علي نبيّه أيّوب بقول:( إنَّا وَجَدنَاهُ صَابِراً نِعمَ العَبدُ إنَّهُ أوّابُ ) (1)؟ انظر کيف شرّفه الله بإضافته إلي نفسه، وأثني عليه بالصبر الجميل في محکم التنزيل، وکان عليه السلام في زمن يعقوب بن إسحاق عليه السلام ، وتزوّج ليا(2)بنت يعقوب ؛ وقيل : رحمة بنت يوسف (3)، وولد له سبعة بنين وثلاث بنات.

وکان له من المال والمواشي مالا يحصي کثرة. قيل : کان له أربعمائة عبد ما بين زرّاع وحمّال وراع وغير ذلک، وکان في أخفض عيش وأنعم بال مدّة أربعين سنة، ولمّا زاد الله ابتلاءه و امتحانه لا ليعلم صبره وشدّة عزيمته، بل زيادة في درجته، ورفعة لمنزلته ، أتاه جبرئيل عليه السلام فقال: يا أيّوب، أربعون سنة لک في خفض العيش والنعمة، فاستعدّ للبلاء، وارض بالقضاء، فإنّک ستتبدّل بالنعمة محنة، وبالغني فقراً، وبالصحّة سقماً

فأجابه أيّوب : ليس عليّ بأس من ذلک إذا رضي الله به. عذّب بما شئت غير البعد عنک تجد أوفي محبّ بما يرضيک مبتهجاً

فمضي علي ذلک مدّة فصلّي صلاة الصبح، وأسند ظهره إلي المحراب وإذا

بالضجّة قد علت، وإذا بقائل يقول: يا أيّوب، إنّ مواشيک کانت في الواد الفلاني فأتاها السيل واحتملها جميعاً، وألقاها في البحر، فبينما هو کذلک إذ أتته رعاة

ص: 126


1- سورة ص : 44.
2- في قصص الأنبياء للراوندي : 141ح 151 : إليا.
3- وقيل : رحمة بنت أفراثيم بن يوسف عليه السلام . انظر تفسير البرهان : 53/4 ومابعدها ح 11، ففيه قصّة أيوب عليه السلام مفصّلة نقلاً عن تحفة الاخوان .

وجهه .

الإبل، فسألهم : ما الخبر ؟

فقال قائلهم: هبت علينا سموم عاصف لو هَبت علي جبل لأذابته بحرّها،

فأتت علي أرواح الإبل جميعها، ولم تترک منها کبيراً ولا صغيراً إلّا أهلکته.

فبينا هو يتعجّب من ذلک ويحمد الله ويشکره إذ أتت الأَکَرَةُ قائلين : قد نزلت بنا صاعقة فلم تترک من الزرع والأشجار والثمار شيئاً إلا أحرقته، فلم يزده ذلک ولم يغيره ولم يفتر لسانه عن ذکر الله وعن التسبيح والتقديس.

فبينما هو کذلک يحمد الله ويشکره إذ أتاه آت قدأتي باکياً حزيناً يلطم

وجهه ويحثو التراب علي رأسه، فسأله أيّوب: ما الخبر ؟

فقال: إنّ ابنک الأکبر أضاف باقي إخوته فوضع لهم الطعام وبعضهم قد ابتدأ بالأکل، وبعضهم لم يبتديء إذ خرّ السقف عليهم فماتوا جميعهم، فاستعبر أيّوب، ثم استشعر لباس الصبر، والتوکّل علي الله، و تفويض الأمر إليه، وأخذ في السجود قائلاً: يارب إذا کنت لي لا أبالي، ثمّ بعد ذلک حلّ به من الأسقام والأمراض في بدنه ما لا يوصف کثرة، ولم يشتک إلي مخلوق، ولم يفوض أمره إلي غير ربه سبحانه، وأمّا قوله: (أنّي مَسُّنِيَ الضُّرُّ وَأنَتَ أرحمُ الرَّاحِمِينَ ) (1) فإنّما کان لما روي أنّ الشيطان أتاه في صورة طبيب فقال: إنّ أردت أنّ أشفيک من علّتک فاسجد لي، فإنّي أُزيل عنک ما يؤلمک، وأشفيک من علّتک، فصاح أيّوب عند ذلک، وأستغاث بالله قائلاً: (وأنَّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرحَمُ الرَّاحِمِينَ)، فولّي عنه إبليس، وقد يأس منه فأتي زوجته رحمة بنت يوسف ووسوس إليها.

روي أنّه أتاها في صورة طبيب، فدعته إلي مداواة أيّوب عليه السلام،

ص: 127


1- سورة الأنبياء : 83.

فقال : أُداويه علي أنّه إذا بريء قال: أنت شفيتني، لا أريد جزاء سوي ذلک.

قال: فأشارت إلي أيّوب بذلک، فصاح واضطرب واستجار بالله وحلف

ليضربنّها مائة ضربة.

وقيل : أوحي الله إلي أيوب: يا أيوب، إنّ سبعين نبيّاً من أنبيائي سألوني هذا البلاء فلا تجزع، فلمّا أتاه الله بالعافية في بدنه اشتاق إلي ما کان عليه من البلاء، فلذلک قال سبحانه: (إنَّا وَجَدنَا هُ صَابِراً نِعمَ العَبد إنَّهُ أؤَّابُ)(1)

ولمّا انقضت المحنة وقرب الفرج أتاه جبرئيل بأمر الله بعد أن دامت به الأسقام والأمراض سبع سنين، وقال: يا أيّوب ، (ارکُض بِرِجِلِکَ)(2)أي ادفع الأرض برجلک (هذا مُغَتسَلُ بَارِدُ وَشَرَابُ)فرکض برجله فنبعت عينان فاغتسل من أحدهما فبريء، وشرب من الأخري

وروي عن الصادق عليه السلام أن الله تعالي أحيا له أهله الذين ماتوا

بأعيانهم قبل البليّة ، وأحيا أهله الّذين ماتوا وهو في البليّة.

قالوا: ولمّا ردّ الله عليه ولده وأهله وماله، وعافاه في بدنه أطعم أهل قرينه سبعة أيّام، وأمرهم أن يحمدوا الله ويشکروه، ثمّ أمره جبرئيل أن يأخذ ضغثاً وهو ملء الکفّ من الشماريخ وما أشبه ذلک، فيضربها ضربة واحدة براءة

اليمينه لأنّه کان قد حلف ليضربنّها ماءة ضربة.(3)

فانظر إلي شدّة إخلاصه، وعظيم اختصاصه، وحسن مراقبته لمعبوده

ومقابلته البلاء بالشکر في رکوعه وسجوده.

ص: 128


1- سورة ص : 44.
2- سورة ص : 42.
3- مجمع البيان : 59/4 و 478، عنه البحار :340/12 .

في إبتلاء عيسي بن مريم عليه السلام

وکذلک کان روح الله وکلمته المسيح بن مريم ، کان عليه السلام کما وصفه أمير المؤمنين وسيّد الوصييّن بقوله: کان يَلبَسَ الخشِن، ويأکل الجشب(1)، وسراجه بالليل القمر، وظلاله في الشتاء (2)مشارق الأرض ومغاربها، ولم يکن له ولد يحزنه، ولا زوجة تفتنه، دابّته(3) رجلاه، وخادمه يداه. (4)

وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: والله ما تبع عيسي شيئاً من المساويء قطّ، ولا انتهر يتيماً (5)قطّ، ولا قهقه ضاحکاً قطّ، ولا ذب ذباباً عن وجهه، ولا أخذ علي أنفه من شيء نتن قطّ،(6) ولا عبث قطّ.(7)»

وروي أنّه عليه السلام مرّ برهطٍ، فقال بعضهم لبعض: قد جاءکم الساحر ابن الساحرة، والفاعل ابن الفاعلة، فقذفوه بأمّه، فسمع ذلک عيسي عليه السلام، فقال: اللّهمّ أنت ربّي خلقتني ولم آتهم من تلقاء نفسي، اللّهمّ العن من سبّني، وسبّ اُمّي، فاستجاب الله له دعوته، فمسخهم خنازير.

ص: 129


1- کذا في النهج. وفي الأصل: الحشيش - وهو تصحيف.. طَعامُ جَشِبُ ومجشوبُ: أي غليظ خَشِنَ. وقيل : هو الّذي لا أدم له. «لسان العرب: 265/1-جشب »
2- قال المجلسي رحمه الله : لعلّ المعني أن الإنسان إنّما يحتاج إلي الإدام لأنّه يعسر علي النفس أکل الخبز خالياً عنه. فأمّا مع الجوع الشديد فيلتذّ بالخبز ولا يطلب غيره، فهو بمنزلة الإدام، أو أنّه کان يأکل الخبز دون الشبع، فکان الجوع مخلوطاً به کالادام
3- في النهج: وظلاله في الشتاء مشارق الأرض ومغاربها، وفاکهته وريحانه ماتنبتُ الأرض للبهائم، ولم تکن له زوجة تفتِنُهُ ، ولا ولد يحزنُهُ . ولا مال يلفِتُهُ، ولا طمَعُ يذلّه دابّته....
4- نهج البلاغة : 227 خطبة رقم160، عنه البحار : 14/ 238 ح 16.
5- کذا في المجمع وفي الأصل، شيء.
6- کذا في المجمع ، وفي الأصل: ولا أخذ علي نفسه من بين شيء قطّ.
7- مجمع البيان :266/2 . عنه البحار: 263/14 . وانظر : عرائس المجالس: 398.

ولمّا مسخهم الله سبحانه بدعائه بلغ ذلک يهوذا وهو رأس اليهود، فخاف أن يدعو عليه، فجمع اليهود، فاتّفقوا علي قتله، فبعث الله سبحانه جبرئيل يمنعه منهم، ويعينه عليهم، وذلک معني قوله: (وَأَیَّدنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ)(1)فاجتمع اليهود حول عيسي، فجعلوا يسألونه فيقول لهم : يا معشر يهود، إنّ الله تعالي يبغضکم، فثاروا (2)إليه ليقتلوه، فأدخله جبرئيل خوخة البيت الداخل، لها روزنة في سقفها، فرفعه جبرئيل إلي السماء، فبعث رأس اليهود رجلاً من أصحابه اسمه ططيانوس(3)، ليدخل عليه الخوخة فيقتله، فدخل فلم يره، فأبطأ عليهم، فظنّوا أنّه يقاتله في الخوخة، فألقي الله عليه شبه عيسي، فلمّا خرج علي أصحابه قتلوه وصلبوه ؛ وقيل : ألقي الله عليه شبه وجه عيسي، ولم يلق عليه شبه جسده، فقال بعض القوم: إنّ الوجه وجه عيسي، والجسد جسد ططيانوس، فقال بعضهم : إن کان هذاططيانوس فأين عيسي ؟ وإن کان هذا عيسي فأين ططيانوس ؟ فاشتبه

الأمر عليهم.(4)

وعن رسول الله صلّي الله عليه و آله أنّ عيسي لم يمت، وانّه راجع إليکم

قبل يوم القيامة.

وقد صحّ عنه صلّي الله عليه و آله أنّه قال: کيف أنتم إذا نزل ابن مريم

فيکم (5)وإمامکم منکم . رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما.(6)

ص: 130


1- سورة البقرة: 87 و 253.
2- في المجمع : فساروا.
3- في المجمع: طيطانوس، وفي العرائس : فلطيانوس، وکذا في المواضع الآتية.
4- مجمع البيان : 135/2 - 136، عرائس المجالس: 400.
5- کذا في غالبية المصادر، وفي الأصل : عليکم.
6- صحيح البخاري : 205/4 ، صحيح مسلم: 1/ 136 ب 71ح 244 و 245. وانظر أيضاً: المصنف لعبد الرزّاق:400/11 ح 20841، جواهر البحار في فضائل النبي المختار للنبهاني: 311/1 ، منتخب الصحيحين للنبهاني: 289، مسند أحمد بن حنبل :2/ 272 و 336، مسند أبوعوانة: 106/1 ، ابن حبّان : 8/ 283 - 284 ح6764الأسماء والصفات للبيهقي: 535، مصابيح البغوي: 516/3 ح4261، شرح السنّةللبغوي: 82/15 ، الفردوس: 342/3 ح 4916، جامع الأصول: 47/11 ح 7808، مطالب السؤول : 2/ 80، بيان الشافعي : 495 - 496ب 7،عقد الدرر : 229ب 10، الفصول المهمة : 294 في 12 و ص 295و ص 299، جمع الجوامع: 1/632، برهان المتقي : 159ب 9ح4 ، کنز العمّال : 14/ 332 ح 38840 وص 334ح 38845الجامع لأحکام القرآن للقرطبي : 101/4 ، وج106/16 ، فرائد فوائد الفکر: 22 ب 6،نور الأبصار: 188، ينابيع المودة :186 ب 56، فيض القدير:58/5ح 6440، العطر الوردي : 71، تصريح الکشميري: 97 ح 2، عقيدة أهل السنّة: 8ح 1 و 2، العمدة لابن بطريق: 431 ح903 و ص 432 ح 905، کشف الغمّة : 3/ 228 و 269 و 279، إثبات الهداة: 599/3 ح 63 و ص 606 ح 106، غاية المرام للبحراني : 698ح 65 و 697 ح 40 - 42 و ص 702 ح 128، حلية الأبرار : 2/ 692 و 693 و 698و 710 ، البحار :88/51 ب 1.

وقوله سبحانه: (وَرَافِعُکَ إليَّ) (1)؛ قيل: أي بعد نزولک من السماء في

آخر الزمان. (2)

وروي أنّ عيسي لمّا أخرجه قومه وأمّه من بين ظهرانيهم عاد إليهم مع الحواريّين، وصاح فيهم بالدعوة، فهمّوا بقتله، فرفعه جبرئيل إلي السماء . کما

مرّ-.

وروي أنّ الحوارييّن اتبّعوا عيسي، وکانوا إذا جاعوا قالوا: يا روح الله ،

جعنا، فيضرب بيده إلي الأرض، سهلاً کان أو جبلآً، فيخرج لکلّ إنسان رغيفين يأکلهما، وإذا عطشوا قالوا: يا روح الله، عطشنا، فيضرب بيده إلي الأرض، سهلاً

ص: 131


1- کذا الصحيح ، وفي الأصل : إلي آمنوا۔ والآية في سورة آل عمران: 55.
2- مجمع البيان : 449/1.

کان أو جبلاً، فتنبع عين ماء(1) فيشربون.

فقالوا: يا روح الله، من أفضل منّا، إذا جعنا أطعمتننا، وإذا عطشنا

سقيتنا(2)، وقد آمنّا بک واتبّعناک ؟

قال: : أفضل منکم من يعمل بيده، ويأکل من کسبه، فصاروا يغسلون

الثياب بالکراء.(3)

والحواري شدّة البياض، ومنه الحواري من الخبز لشدّة بياضه، فکأنّهم

هم المبيّضون للثياب. (4)

وقيل: إنّ الذي دلّهم علي المسيح کان رجلاً من الحواريين وکان منافقاً، وذلک أنّ عيسي جمعهم تلک الليلة، وأوصاهم، وقال: ليکفرنّ بي أحدکم قبل أن يصيح الديک، ويبيعني بدراهم يسيرة، وخرجوا وتفرّقوا، وکانت اليهود تطلبه، فأتي أحد الحوارّيين إليهم فقال (5)ما تجعلون لي إن دللتکم عليه ؟ فجعلوا له ثلاثين درهما، فأخذها ودلهم عليه، فألقي الله عليه شبه عيسي عليه السلام لما دخل البيت، ورفع عيسي فأخذ وقال: أنا الذي دللتکم عليه؛ فلم يلتفتوا إلي قوله، وقتلوه وهم يظنّون آنه عيسي

فلمّا رفع عيسي وأتي عليه سبعة أيّام قال الله له :اهبط علي مريم التجمع لک الحواريين ، وتبتهم في الأرض دعاة ، فهبط عليها، واشتعل الجبل نورة، فجمعت له الحواريين، فبتهم في الأرض دعاة، ثمّ رفعه الله

ص: 132


1- في المجمع : فيخرج ماء.
2- في المجمع: إذا شئنا أطعمتنا، وإذا شئنا سقيتنا.
3- مجمع البيان :448/1 .
4- مجمع البيان: 447/1
5- کذا في المجمع - وهو الصحيح - ، و في الأصل: وقالوا.

في معجزة ميلاد يحيي بن زکريا عليهما السلام

تعالي في تلک الليلة، وهذه الليلة هي الليلة الّتي تسمّيها النصاري ليلة الدخنة ويدخّنوا فيها.

فلمّا أصبح الحواريون حدّث کلّ واحدٍ منهم بلغة من أرسله إليه(1) عيسي عليه السلام(2)

وکانت مريم بنت عمران أمّ عيسي ليس أبوها عمران أبو موسي بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب، بل هو عمران بن الهشم (3)بن امون من ولد سليمان بن داود عليه السلام ، وکان بينه وبين عمران أبي موسي ألف وثمانمائة سنة.

وکانت امرأة عمران اسمها حتّة أمّ مريم، وهي جدّة عيسي وأختها إيشاع واسم أبيها فاقوذ بن قبيل، وهي امرأة زکريّا، فيحيي و مريم ولدا

خالة. (4)

وکان يحيي بن زکريّا کما وصفه الله سبحانه وأثني عليه في کتابه العزيز بقوله: (وَآتَيناهُ الحُکم صَبّیاً وَحَناناً مِن لَدُنَّا وَکَاةً؛ وَکَاَنَ تَقِيّاً وَبَرّاً بِوَالِدَيهِ وَلَم يَکُن جَبَّاراً عَصِيّاً وَسَلامُ عَلَيهِ يَومَ وُلِدَ وَيَومَ يَمُوتُ وَ يَومَ يَنبعَثُ حَيّاً) (5)وکانت ولادته آية من آيات الله سبحانه، لأنّ زکريّا لمّا رأي من کرامات الله لمريم حين کفلها، وکان يري عندها فاکهة الصيف في الشتاء، وفاکهة الشتاء في

ص: 133


1- في المجمع : إليهم.
2- مجمع البيان 448/1-449.
3- کذا في المجمع، وفي الأصل: اشهم.
4- أنظر : الکامل في التاريخ : 1 / 298 - وفيه: عمران بن ماثان -، عرائس المجالس :166 و 371، ومجمع البيان: 1/ 433 - 434، و ج503/3.
5- سورة مريم : 12-15.

أن قاتل يحيي عليه السلام کان ولد زنا، وکذلک قاتل الحسين بن

علي عليهما السلام .

الصيف، خلاف ما جرت به العادة، فسألها عن ذلک فيقول: «أنّي لک هذا ؟ فتقول : من رزق الله.(1)

فعندها دعا الله سبحانه، کما قال سبحانه:(إذ نَادَي رَبَّهُ نِدَاءًخًفِيّاً)(2)أي دعا ربّه سرّاً غير جهر يخفيه في نفسه لا يريد به رياء، وفي هذا دلالة علي أن المستحب في الدعاء الإخفاء، فإنّه أقرب إلي الاجابة.

وفي الحديث: خير الدعاء الخفي، وخير الرزق ما يکفي.

وقيل: إنّما أخفاه لئلّا يهزأ به الناس فيقولوا: انظروا إلي هذا الشيخ سأل

الولد علي الکبر.(3)

قال ابن عبّاس : کان عمر زکريّاحين طلب الولد عشرين ومائة سنة،

وکانت امرأته أبنة ثمان وتسعين سنة.(4)

فأوحي الله إليه : (يَا زَکَريَّا انَّا نُبَشَّرُکَ بِغُلَامٍ اُسَمُهُ يَحيَي لَم نَجعَل لَهُ مِن

قَبلُ سَمِیّاً) (5)أي لم نسم أحداً قبله بهذا الاسم.

وکذلک الحسين عليه السلام لم يسم أحد قبله باسمه. وکان قاتل يحيي ولد زنا، وکذلک قاتل الحسين عليه السلام کان ولد زنا. وحمل راس يحيي بن زکريّا إلي بغي من بغايا بني إسرائيل. وکذلک حمل رأس الحسين إلي نجل بغيّة من بغايا قريش، ولم تبک

ص: 134


1- إشارة إلي الآية : 37 من سورة آل عمران
2- سورة مريم : 3.
3- مجمع البيان : 502/3 .
4- مجمع البيان : 1/439، وفيه : يوم بشر بالولد.
5- سورة مريم: 7.

لا يقتل الأنبياء وولد الأنبياء إلا ولد زنا

السماء إلا عليهما بکت أربعين صباحاً.

وسئل الصادق عليه السلام عن بکائها، قال: کانت الشمس تطلع حمراء

و تغيب حمراء.(1)

وروي عن علي بن زيد، عن علي بن الحسين عليه السلام قال: خرجنا

مع الحسين عليه السلام إلي العراق فما نزل منزلاً، ولا ارتحل منه إلّا ذکر يحيي بن زکريّا(2)-(3)

وعن أبي جعفر عليه السلام ، عن رسول الله صلي الله عليه و آله ، قال : لا

يقتل الأنبياء وولد الأنبياء إلّا ولد زنا(4)

وسئل الصادق عليه السلام عن قول فرعون: (ذَرُونِي أَقتُل مُوسَي)(5)

فقيل: من کان يمنعه منه ؟

قال: إنّه کان لرشده، ولم يکن ولد زنا، لأنّ الأنبياء والحجج لا يقتلها إلّا

ولد الزنا. (6)

ص: 135


1- انظر کامل الزيارات: 88ب 28، قصص الأنبياء للراوندي: 220 ح 291، بحار الأنوار:201/45 ب40، عوالم العلوم: 466/17 ب 2.
2- مناقب ابن شهر آشوب: 4 / 85، عنه البحار: 45/ 298 ح 10 ، وعوالم العلوم: 608/17ح 3.
3- مجمع البيان: 504/3 ، عنه البحار : 175/14.
4- کامل الزيارات : 78 ح 9 و ص 79ح 10، عنه البحار: 27 / 240 ح 5 و 6. وأورده الراوندي في قصص الأنبياء: 220 ح 290 و 291، عنه البحار: 27 / 240ح 3 و 4.
5- سورة غافر : 26.
6- کامل الزيارات : 78 ح 7، علل الشرائع : 57ح 1، عنهما البحار: 27 / 239ح 2.وأخرجه في البحار: 132/13ح 35 عن العلل.

مناجاة للمؤلف رحمه الله

وکان يحيي أکبر من عيسي بستّة أشهر، وکلّف التصديق به، وکان أوّل مصدّق به، وشهد أنّه کلمة الله وروحه، وکان ذلک أحد معجزات عيسي عليه السلام، وأقوي الأسباب لإظهار أمره، فإن الناس کانوا يقبلون قوله لمعرفتهم بصدقه وزهده.(1)

فلهذا اجتمعت اليهود علي قتله (2)، فلمّا أحسّ بذلک فر منهم واختفي في أصل شجرة، فالتأمت عليه، فدلّهم إبليس عليه ؛ وقيل: إنّه جذب طرف ردائه فلاح(3) لهم في ظاهر الشجرة، فوضعوا عليه منشاراً، وقدوا أصل الشجرة ويحيي بنصفين، فأرسل الله سبحانه عليهم بخت نصّر، وکان دم يحيي يفور من أصل الشجرة، فقتل عليه سبعين ألفاً، وکذلک قتل بالحسين سبعون وسبعون ألفاً، وما أُخذ بثأره إلي الآن.

المناجاة

يا من أغرق أصحاب الأفکار الصائبة في بحار إلهيّته، وحيّر أرباب الأنظار الثاقبة في مبدأ ربوبيّته، ويا من تفرّد بالبقاء في قديم أزلیّته، ويامن توحّد بالعلي في دوام عظمته، ويامن وسم ما سواه بميسم ( کُلُّ شَيءٍ هَالِکُ إلَّا وَجهَهُ) (4)، و يامن جعل لکلّ حي إلي سبيل الموت غاية ووجهة، ويا

ص: 136


1- مجمع البيان : 1/ 438، عنه البحار : 169/14.
2- روي هذا في زکريّا عليه السلام ، انظر : علل الشرائع : 80ح 1، عنه البحار: 14/ 179ح15. وقصص الأنبياء للراوندي: 217 ح 284، عنه البحار: 14 / 181 ع 22.
3- في «ح» : أي فظهر.
4- سورة القصص : 88.

من رجوت وجوده منزه عن العدم، ويا من دوام بقائه متّصف بالأحديّة والقدم، ويا من هدانا السبيل إلي ما يز لفنا برضوانه، وعرّفنا الدليل إلي ما يتحفنا بجنانه، ونصب لنا أعلاماً يهتدي بها الحائر عن قصد السبيل في معتقده ونحلته، وأثبت لنا في سماء الصباح إيضاح بيانه أنجماً ينجو بنورها السائر بغير دليل في ظلمة حيرته، وجعلهم خاصّة نفسه من عباده، وولاة أمره في بلاده، لذّتهم في امتثال أوامره ونواهيه، وفرحتهم فيما يقرّبهم من حضرته ويرضيه، وکلّفهم بالتکاليف الشاقة من جهاد أعدائه، وألزمهم بکفّ أکفّ الملحدين في صفاته وآلائه.

فبذلوا وسعهم في إعلاء کلمته، وأجهدوا جهدهم إذعاناً لربوبيته، وقابلوا بشرائف وجوههم صفاح الأعداء، وتلقّوا بکرائم صدورهم رماح الأشقياء، حتي قطعت أوصالهم، وذبحت أطفالهم ، وسبيت ذراريهم ونساؤهم، وأنهبت أثقالهم وأموالهم، وأهديت إلي رؤوس البغاة رؤوسهم، واستلّت بسيوف الطغاة نفوسهم، وصارت أجسادهم علي الرمضاء منبوذة، وبصوارم الأعداء موقوذة(1) تسفي (2) عليهم الأعاصير بذيولها، وتطأهم الأشقياء بخيولها، وتبکي عليهم السموات السبع بأفلاکها، والأرضون السبع بأملاکها، والبحار ببينانها، والأعصار بأزمانها، والجنّة بولدانها، والنار بخزّانهاء والعرش بحملته، والفرش بحملته، أبدانهم منبوذة بالعراء، وأرواحهم منعّمة في الرفيق الأعلي.

أسألک بحقّ ما ضقت کربلاء من أشباحهم، وجنّة المأوي من أرواحهم،

ص: 137


1- الوقذ: شدة الضرب. «لسان العرب:519/3 - وقذ - ».
2- سَفَتِ الريح الترابَ تَسفِيهِ سَفياض، إذا أذرَته. «صحاح الجوهري: 6 / 2377 - سفي »

وبحقّ ألوانهم الشاحبةفي عراها، وأوداجهم الشاخبة (1)في ثراها، وبما ضمّ صعيدها من قبورهم وظرائحهم، وما غيّب في عراصها من أعضائهم وجوارحهم، وبحقّ تلک الوجوه التي طال ماقبّلها الرسول، وأکرمتها البتول ، وبحق تلک الأبدان التي لم تزل تدأب في عبادتک ، وتکدح في طاعتک، طالما سهرت نواظرها بلذيذ مناجاتک، وأظمأت هواجرها طلباً لمرضاتک ، شاهدت أنوار تجلّيات عظمتک بأبصار بصائرها، ولاحظت جلال ربوبيتّک بأفکار ضمائرها، فأشرقت أنوار الهيّتک علي مرايا قلوبها ، فأضاءت الأکوان بانعکاس أشعّة ذلک النور الّذي هو کمال مطلوبها

أن تصلّي علي محمد و آل محمد، وأن تجعل قلوبنا معمورة بحبّهم، وأنفسنا مسرورة بقربهم، وألسنتنا بذکر مناقبهم ناطقة ، و أبداننا بنشر فضائلهم عانقة ، ومدائحنا إلي نحو جهاتهم موجّهة ، وقرائحنا بمعاني صفاتهم مفوّهة، وشکرنا موقوفاً علي حضرة رفعتهم، وذکرنا مصر وفاً إلي مدحة عظمتهم،

الانعتقد سواهم سبيلاً موصلاً إليک، ولانري غير حبّهم سبباً منجياً لديک، تري کل مجد غير مجدهم حقيراً، وکلّ غنيّ بغير ولا تهم فقيراً، وکل فخر سوي فخرهم زوراً، وکلّ ناطق بغير لسانهم زخرفاً وغروراً، وکلّ عالم بغير علمهم جاهلاً ، وکل إمام يدّعي من دونهم باطلاً.

فلک الحمد علي ما اطّلعنا عليه من سرّک المصون بعرفان فضلهم، وأهّلنا

له من علمک المخزون بالاستمساک بحبلهم.

ص: 138


1- في حديث الشهداء: أوداجُهم تَشخُبُ دماً، قيل: هي ما أحاط بالعنق من العروق الّتي يقطعها الذابح. «لسان العرب : 397/2- ودج - ».

اللّهمّ فثبّتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ونوّر بمصابيح

ولاتهم سبيل سلوکنا إليک في ظلمات الساهرة(1)وزیّن بذکرهم مجالس وعظنا، وشرّف بشکرهم نفائس لفظنا، واجعلنا وحاضري مجلسنا ممن يناله شفاعتهم يوم وقوفنا بين يديک، ومن تتلقّاهم الملائکة الکرام بالبشري حين العرض عليک، وأثبنا علي تحمّل الأذي فيهم من أعداء دينک ثواب الصدّيقين، وأيّدنا بروح قدسک، وانصرنا علي القوم الکافرين.

والحمد لله ربّ العالمين، وصلّي الله علي محمد و آله الطاهرين.

ص: 139


1- الساهرة : الأرض ، الفلاة ؛ وقيل: أرض يجدّدها الله يوم القيامة. «لسان العرب: 4/382- سهر - .

ص: 140

المجلس الثاني في ذکر سيّد المرسلين، وما ناله من الأذي من

اشارة

المجلس الثاني في ذکر سيّد المرسلين، وما ناله من الأذي من أعداء الدين، وذکر وفاته، وذکر أمور تتعلّق بظلامة أهل بيته الطاهرين

صلوات الله عليهم أجمعين

الحمد لله الّذي وعد علي الصبر الجميل بالثواب الجزيل في دار جزائه، وتوعد بالعذاب الأليم علي ترک التسليم لقضائه، وابتلي أنبياءه بالمحن السابقة في علمه في دار بلائه، وکلفهم بالتکاليف الشاقة من حکمه في منزل ابتلائه، وأمرهم بکف أکفّ الملحدين في آياته، ورغم أنوف الجاحدين لصفاته، وأطلعهم علي أسرار عظمته بصغر ما سواه لديهم ، وکشف عن أبصار بصائرهم فوعوا ما ألقاه إليهم، وتجلّي لهم في ضمائرهم فطاح وجودهم في شهودهم، وخاطبهم في سرائرهم ، فهاموا طرباً بلذةّ خطاب معبودهم، حصّن مدينة وجودهم بسور توفيقه من وساوس الشکّ، وحمي حوزة نفوسهم بتوفيق مشيئته من شُبه الشرک، وأطلعهم علي عيوب دار الغرور فرفضوها، وحذّرهم مصارع بطشها المشهور ففرضوها.

وصلوا بقدم صدقهم إلي عين اليقين، وشربوا من شراب الجنّة بکأس من

ص: 141

معين، وسلکوا مفاوز البرزخ إلي الدار الباقية، فکشفوا حجب غيوبه لأهل الحياة الفانية، وحذّرهم ما يلقون في سلوکهم - بعد مماتهم - إلي دار قرارهم، وأراهم عواقب أمورهم بعد الاخراج من ديارهم، وأمرهم باتخاذ الزاد البعيد السفرهم، وحسن الارتياد قبل انقطاع عذرهم، ما وهنوا في سبيل ربهم، وما ضعفوا وما استکانوا بل أيّدوا الحقّ وأهله، ونصروا وأعانوا وجاهدوا في الله بأيديهم وألسنتهم، ونصحوا في سبيل الله في سرّهم وعلانيتهم، وکان أفضل سابق في حلبة الاخلاص لربه، وأکمل داع دعا إلي الله بقالبه وقلبه، وخير مبعوث بدأ الله به وختم، وأجمل مبعوث بالمجد الأعبل والشرف الأقدم، کم تلقّي صفاح الأعداء بطلعته الشريفة ؟! وکم قابل رماح الأشقياء ببهجته المنيفة !!صاحب بدر الصغري والکبري ، وسيد أهل الدنيا والأخري ، الّذي لم يجاهد أحد في أحد جهاده، ولا جائد جَليد في حنين جلاده(1)، أشجع الخلق بالحقّ، وأصدع الرسل بالصدق.

تاج رسالته: (سُبحَان الَّذِي أسرَي) (2) وتوقيع نبوّته : (فَاوحَي إلَي عَبدِهِ مَا أوحَي) (3)، ودلالة محبّته : (مَا وَدَّعَکَ رَبُّکَ وَمَا قَلَی)(4)، وآية بعثه : (مَا کَذَبَ الفُؤَادُ مَا رَأي)(5) کل من الأنبياء مقدّمة جنده، وکلّ من الأولياء

خذ الميثاق علي من بعده بوفاء عهده، في صحف الخليل ذکره أشهر من أن يشهر، وفي توراة الکليم فضله من فلق الصبح أظهر، والمسيح في إنجيله دعا إليه وبشّر، وصاحب الزبور لمّا دعا باسمه أظهره الله علي جالوت و نصره أعني

ص: 142


1- الجلد: القوة والشدة، الصلابة. «لسان العرب : 125/3 - جلد - »
2- سورة الاسراء: 1.
3- سورة النجم: 10.
4- سورة الضحي : 3.
5- سورة النجم: 11.

الرسول صلي الله عليه وآله وأبو جهل

صاحب الحوض والکوثر، والتاج والمغفر، والدين الأظهر، والنسب الأطهر، محمد سيّد البشر، أشرف مبعوث إلي الکافّة، وخير مبعوث بالرحمة والرأفة، تحمّل أعباء الرسالة صابراً، وجاهد في الله مصابراً، ما أوذي أذاه نبيّ، ولاصبر صبره وليّ، کم راموا هدم بنيانه، وهدّ أرکانه، وإدحاض حجّته، وإذلال صحبته ؟ وأبي الله إلّا تأييده ونصره، وإعلاء فوق کلّ أمر أمره.

روي سيّدنا و مولانا الامام المفترض الطاعة الامام ابن الأئمّة، والسيّد ابن السادة، نجل النبيّ، وسلالة الوصيّ، الامام الزکي، أبو القائم المهديّ الحسن بن علي العسکري صلوات الله وسلامه عليه وعلي آبائه الطاهرين وولده الحجّة علي الخلق أجمعين ، أنُّ أبا جهل کتب إلي رسول الله صلّي الله عليه و آله - بعد أنّ هاجر إلي المدينة - : يا محمد، إن الخيوط (1)الّتي في رأسک هي الّتي ضيّقت عليک مکّة، ورمت بک إلي يثرب، وإنّها لاتزال بک إلي أن نوردک موارد الهلکة.. إلي آخر الکتاب.

فقال رسول الله صلّي الله عليه و آله للرسول : إنّ أبا جهل بالمکار(2)يهدّدني، وربّ العالمين بالنصر والظفر يعدني، وخبر الله أصدق، والقبول من الله أحقّ، لن يضر محمد من خذله، أو يغضب عليه بعد أن ينصره الله عزّوجلّ، ويتفضّل بکرمه وجوده عليه.

ثمّ قال للرسول : قل له : يا أبا جهل، إنّک راسلتني بما ألقاه الشيطان في خلدک (3) وأنا أجيبک بما ألقاه في خاطري الرحمن، إنّ الحرب بيننا وبينک

ص: 143


1- في تفسير العسکري: الخبوط. وهو من تخبطه الشيطان: إذا مسه بحبل أو جنون. وما في المتن «الخيوط» فلعله کناية عن الجنون.
2- في التفسير والمناقب، بالمکاره و العطب.
3- الخلد : البال والقلب .

إخبار النبي صلي الله عليه و آله بمصارع المشرکين في بدر

کافية (1)إلي تسعة وعشرين يوماً، وإن الله سيقتلک فيها بأضعف أصحابي، وستلقي أنت وشيبة وعتبة والوليد وفلان وفلان -وذکر عدداً من قريش - في قليب بدر مقتّلين، أقتل منکم سبعين، وآسر منکم سبعين، أحملهم علي الفداء (2) الثقيل.

ثمّ قال صلّي الله عليه و آله : ألا تحبّون أن أريکم مصرع (3)کلّ واحد من هؤلاء ؟ هلموا إلي بدر، فإن هناک الملتقي والمحشر، وهناک البلاء [الأکبر](4) فلم يجبه إلّا أمير المؤمنين ، وقال : نعم، بسم الله، فقال صلّي الله عليه و آله لليهود: اخطوا خطوة واحدة فإنّ الله يطوي الأرض لکم، ويوصلکم إلي هناک، فخطا القوم خطوة ، ثم الثانية ، فإذا هم عند بئر بدر.

فقال صلّي الله عليه و آله : هذا مصرع عتبة ، وذاک مصرع شيبة ، وذاک مصرع الوليد، إلي أن سمّي تمام سبعين، وسيؤسر فلان وفلان، إلي أن ذکر سبعين منهم، فلمّا انتهي (5) إلي آخرها قال: هذا مصرع أبي جهل، يجرحه (6)فلان الأنصاري ، ويجهز عليه عبد الله بن مسعود أضعف أصحابي.

ثمّ قال: إنّ ذلک لحقّ کائن إلي بعد ثمانية وعشرين يوماً، فکان کما

ص: 144


1- في التفسير: کائنة.
2- کذا في التفسير والمناقب، و في الأصل: النداء
3- کذا في التفسير والمناقب، و في الأصل: مصارع.
4- من التفسير والمناقب
5- في التفسير والمناقب: انتهوا. .
6- کذا في التفسير والمناقب، وفي الأصل، آخرها فإن هذا مصرع أبي جهل يخرجه - وهو تصحيف ..

الهجرة إلي الحبشة

قال صلّي الله عليه و آله.(1)

ولمّا ائتمرت قريش أن يفتنوا المؤمنين عن دينهم ، فوثبت کلّ قبيلة علي من فيها من المسلمين، يؤذونهم ويعذّبونهم ، فافتتن من افتتن، وعصم اللہ سبحانه منهم من شاء، وحمي(2) الله نبيّه بعمّه أبي طالب رضي الله عنه ، فلمّا رأي رسول الله صلّي الله عليه و آله ما بأصحابه، ولم يقدر علي منعهم، ولم يؤمر بعد بالجهاد ، أمرهم بالخروج إلي أرض الحبشة ، وقال : إن بها ملکاً صالحاً، لا يُظلم ولا يُظلم عنده أحد، فاخرجوا إليه حتي يجعل الله عزّ وجلّ للمسلمين فرجاً، وأراد به النجاشي، واسمه أصحمة، وهو بالحبشية عطيّة، وإنّما النجاشي اسم الملک، کقولهم تبع ، وکسري (3)، وقيصر .

فخرج إليها سرّاً أحد عشر رجلاً ، وأربع نسوة ، وهم : الزبير بن العوّام ، وعبد الله بن مسعود، وعبد الرحمان بن عوف، وأبو حذيفة بن عتبة، وامرأته سهلة بنت سهيلبن عمرو، ومصعب بن عمير ، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وامرأته سلمة بنت أبي أميّة، و عثمان بن مظعون، و عامر بن ربيعة، وامرأته ليلي بنت أبي خيثمة، وحاطب بن عمرو، وسهيل (4) بن بيضاء، فخرجوا إلي البحر، وأخذوا سفينة إلي برّ (5)الحبشة بنصف دينار، وذلک في رجب، في السنة الخامسة من

ص: 145


1- التفسير المنسوب إلي الأمام العسکري عليه السلام : 294 -296، عنه البحار : 17 /342، و تفسير البرهان :115/1 ح 1. وأورده في الاحتجاج : 1/ 38، ومناقب ابن شهر اشوب : 1/68 . وأخرجه في البحار : 19 /265 مع 6 عن تفسير العسکري والاحتجاج وانظر : الأحاديث الغيبية : 5/2 - 8 ح 351.
2- في المجمع: ومنع.
3- کذا في المجمع ، و في الأصل : کقوله : کسري
4- في المجمع: سهیل.
5- في المجمع: أرض.

مبعث النبي صلّي الله عليه و آله(1)

ثمّ خرج بعدهم جعفر بن أبي طالب، وتتابع المسلمون إليها، وکان جميع من هاجر إلي الحبشة من المسلمين علي التعاقب، اثنين وثمانين رجلاً (2)سوي النساء والصبيان.

فلمّا علمت قريش بذلک وجّهت عمرو بن العاص وصاحبه عمارة بن الوليد بالهدايا إلي النجاشي وإلي بطارقته ليرّدوهم، وکان عمارة بن الوليد شابّاً حسن الوجه، وأخرج عمرو بن العاص أهله معه.

فلمّا رکبوا السفينة شربوا الخمر. فقال عمارة لعمرو بن العاص : قل لأهلک تقبلني، فلمّا انتشي(3)عمرو دفعه عمارة في الماء، ونشب (4)عمرو في صدر السفينة، وأخرج من الماء، وألقي الله العداوة بينهما في مسيرهما قبل أن يصلا إلي النجاشي

ثمّ وردا علي النجاشي ، فأنزلهم، ثمّ استدعي بهما وسألهما ما أقدمهما

إلي بلاده.

فقال عمرو: أيّها الملک، إنّ قوماً خالفونا في ديننا، وسبّوا آلهتنا(5) وصاروا إليک، فردّهم إلينا، فبعث النجاشي إلي جعفر، فحضر بين يديه، فقال: أيّها الملک، سلهم أنحن عبيد لهم ؟

فقال: لا ، بل أحرار. قال: سلهم ألهم علينا ديون يطالبونا بها؟

ص: 146


1- زاد في المجمع: وهذه هي الهجرة الأولي
2- کذا في المجمع، و في الأصل: إنساناً
3- الانتشاء : أوّل السکر.
4- نشب الشيء في الشيء : علق.
5- کذا في المجمع ، وفي الأصل: إلهنا.

قال: عمرو : لا، ما لنا عليکم ديون. قال: فلکم في أعناقنا دماء تطالبوننا بها ؟ قال عمرو: لا. قال: فما تريدون منّا ؟! آذيتمونا ، فخرجنا من بلادکم(1)

قال جعفر: أيّها الملک، إن الله سبحانه بعث فينا نبيّاً أمرنا بخلع الأنداد، وبترک الاستقسام بالأزلام، وأمرنا بالصلاة، والزکاة، والعدل، والاحسان، وإيتاء ذي القربي، ونهانا عن الفحشاء، والمنکر، والبغي.

فقال النجاشي : بهذا بعث عيسي، ثمّ قال النجاشي (2) هل تحفظ ممّا أُنزل

علي نبيّک شيئاً ؟

قال : نعم .

قال: اقرأ، فقرأ سورة مريم، فلمّا بلغ (وهُزَّي إلَيک بِجِذعِ النَّخلَةِ تُسَاقِط

عَلَيکِ رُطَباً جَنيّاً) (3) قال النجاشي: هذا والله هو الحقّ.

فقال عمرو: إنّه مخالف لنا، فردّه علينا.

فرفع الملک يده ولطم عمرو، وقال : اسکت والله لئن ذکرته بسوء لأفعلنّ بک، ثمّ قال : ارجعوا إلي هذا هديته، وقال لجعفر ولأصحابه: امکثوا أنتم سيوم، والسيوم: الآمنون، وأمر لهم بما يصلحهم من الرزق، فانصرف عمرو وأقام المسلمون هناک بخير دار، وأحسن جوار، إلي أن هاجر رسول الله صلّی الله

ص: 147


1- في المجمع: ديارکم.
2- زاد في المجمع : لجعفر.
3- سورة مريم : 25.

في إيمان أبي طالب رضي الله عنه

عليه وآله إلي المدينة، وعلا أمره، وهادن قريشاً، وفتح خيبر، فوافي جعفر إلي رسول الله صلّی الله عليه و آله بجميع من کانوا معه، فقال رسول الله صلّی الله عليه و آله : لا أدري بأيّهما أسرّ، بفتح خيبر أم بقدوم جعفر ؟

وأتي مع جعفر وأصحابه من الحبشة سبعون راجلآً، منهم اثنان وستّون من الحبشة، و ثمانية من أهل الشام، منهم (1) بحيراء الراهب، فقرأ عليهم رسول الله صلّی الله عليه و اله سورة يس إلي آخرها، فبکوا حين سمعوا القرآن و آمنوا، وقالوا: ما أشبه هذا بما أُنزل علي عيسي !(2)

ثمّ لم يزل رسول الله صلّی الله عليه و آله يقاسي منهم الأهوال، ولکنّ الله سبحانه کان يمنعهم عنه بعمّه أبي طالب، وکان أبو طالب رضي الله عنه يظهر لهم أنّه موافق لهم في دينهم ليتمّ له ما يريد من حماية رسول الله، وإلّا فهو کان مسلماً موحداً.

وقد أجمعت العصابة من أهل البيت عليهم السلام انّه قد مات مسلماً وإجماعهم حجّة علي ما ذکر في غير موضع (3)، وسبب الشبهة في ذلک أنّ أمير المؤمنين صلوات الله عليه کان يعلن بنفاق أبي سفيان، فشکا معاوية ذلک إلي مروان وعمر وعبد الله بن عامر فقالوا : إنّ إسلام أبيه أخفي من نفاق أبيک، فأظهر کفره، فجعل يقول: ألا إنّ أبا طالب مات کافراً، وأمر الناس بذلک فصارت سنّة.

وقال الصادق عليه السلام : مثل أبي طالب مثل أصحاب الکهف، أسرّوا

ص: 148


1- في المجمع: فيهم.
2- مجمع البيان: 2/ 233 - 234، عنه البحار : 413-411/18.ورواه في تفسير القمّي: 176/1 - 178، بتفاوت، عنه البحار: 18 / 414 ح 1.
3- انظر البحار : 35 / 139 نقلاً عن مجمع البيان.

الايمان وأظهروا الشرک، فآتاهم الله أجرهم مرّتين(1)

وقد صنّف الشيخ أبو جعفر بن بابويه، وأبو علي الکوفي(2)، وسعد القمّي(3)، وعلي بن بلال المهلّبي،(4) والشيخ المفيد (5)في فضائله، وقد أجمع أهل البيت علي ذلک - کما ذکرنا أوّلاً ..

وروي شعبة، عن قتادة، عن الحسن في خبر طويل انّه لمّا حضرت ابا

طالب الوفاة دعا رسول الله صلّی الله عليه و آله و بکي و قال : يا محمد، إنّي أخرج من الدنيا ومالي غمّ إلاّ غمک ، و ستلقي هزواً وحروباً کثيرة من بني أميّة وبني المغيرة، فإذا متّ فخبّر أصحابک لينتقلوا من مکة إلي حيث شاؤا، فلا مقام لهم بمکّة بعدي.

ص: 149


1- أمالي الصدوق : 492 ح 12، معاني الأخبار: 285 ح 1، إيمان أبي طالب لفخّار بن معد: 321 - 322 و ص 362 و ص363. وأخرجه في البحار: 35/ 72ح 7 عن أمالي الصدوق. وفي ص 77ح 15 عن معاني الأخبار. وفي ص 158 عن شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد
2- إيمان أبي طالب لأبي علي الکوفي أحمد بن محمد بن عمار، المتوفّي سنة «346 ه » . رجال النجاشي : 95 رقم 236 ، فهرست الطوسي : 29 رقم 78».
3- فضل أبي طالب وعبد المطّلب وأبي النبي صلّی الله عليه و آله لسعد بن عبد الله بن أبي خلف الأشعري القمّي أبي القاسم، المتوفي سنة «299 ه» أو «301 ه» من ثقاة الطائفة ووجهائهم. «رجال النجاشي : 177 رقم 467، فهرست الطوسي: 75 رقم 306». .
4- البيان عن خيرة الرحمن لأبي الحسن علي بن بلال بن أبي معاوية المهلّبي الأزدي . رجال النجاشي: 265 رقم 690، فهرست الطوسي :96 رقم402».
5- إيمان أبي طالب لأبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان الحارثي المفيد، المتوفّي سنة «413 ه» ، طبع - ولأکثر من مرّة . ضمن «نفائس المخطوطات» الّتي قام بتحقيقها وإصدارها العلّامة الشيخ محمد حسن آل ياسين، وذلک سنة « 1372 ه »، کما طبع ضمن عدّة رسائل للشيخ المفيد» نشر مکتبة المفيد - قم - ، وطبع أخيرة بتحقيق مؤسسة البعثة - قم سنة « 1412 ه » -

فبکي رسول الله صلّی الله عليه و آله وقال : ياعمّ، إنّک راحل من الدنيا، وإنّي راحل بعدک من مکّة إلي المدينة، وراحل بعد المدينة إلي الله، وإنّي وإيّاک نلتقي بين يدي الله بعد الموت، فيسألک عن الايمان بي، ويسألک عن ولاية ابنک علي.

ياعمّ، فاشهد بکلمة الاخلاص معي في حياتک قبل موتک، أُخاصم بها

عند ربيّ فترضي ربّک عن نفسي، وترضيني وترضي ولدک عليّاً.

ياعمّ، أما تأسف بنفسک أن يکون عليّ ولدک إمام أمّتي، وأسعد المقرّبين

في الجنان، وتکونَ الشقيّ المعذّب إن متَّ علي کفرک في النيران ؟

ياعمّ ، إنک تخاف عليَّ أذي أعاديّ ولا تخاف علي نفسک غداً عذاب

ربّي !

فضحک أبوطالب، وقال: ودعوتني وزعمت انّک ناصحي ولقد صدقت وکنت قدم أمينا(1)

وعقد علي ثلاثة وستّين (2) عقد الخنصر والبنصر وعقد الإبهام علي إصبعه الوسطي، وأشار بإصبعه المسبحة، يقول: لا إله إلّا الله، محمد رسول الله.

فقام علي عليه السلام وقال: الله أکبر ، الله أکبر ، والّذي بعثک بالحقّ نبيّاً

لقد شفّعک الله في عمّک وهداه بک.

ص: 150


1- انظر «ديوان شيخ الأباطح أبي طالب» من جمع أبي هقان المهزمي: 41.
2- کذا في البحار، وفي الأصل: ثلاثة وتسعين. وتفسير ذلک أن الألف واحد واللام ثلاثون والهاء خمسة، والألف واحد والحاء ثمانية والدال أربعة والجيم ثلاثة والواو ستة والألف واحد والدال أربعة : فذلک ثلاثة وستون

امام

فقام جعفر وقال: لقد سُدتنا في الجنة يا شيخي کما سُدتنا في الدنيا.

فلمّا مات أبو طالب رضي الله عنه أنزل الله : (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إنّ

أرضِي وَاسِعَةُ فَإيّايَ فَاعبُدُونِ) (1)-(2)

تفسير وکيع : قال: حدّثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم،(3) عن أبيه ، عن أبي ذّر الغفاري قال: والله الذي لا إله إلا هو ما مات أبو طالب حتي آمن بلسان الحبشة، وقال لرسول الله صلّی الله عليه و آله : يا محمد ، أتفقه لسان الحبشة ؟

قال: يا عمّ، إن الله علّمني جميع الکلام.

قال: يا محمد، «اسدن ملصافافاطالاها(4)يعني : أشهد مخلصاً: لا إله إلا

الله، فبکي رسول الله وقال : إنّ الله أقرّ عيني بأبي طالب (5)

الصادق عليه السلام : لما حضرت أبا طالب الوفاة أوصي بنيه، فکان فيما أوصي قال : إنيّ أوصيکم بمحمد ، فإنّه الأمين في قريش، والصدّيق في العرب، فقد حباکم بأمر قبله الجَنان (6)، وأنکره اللسان مخافة الشنان (7)، وأيم الله لکأنّي أنظر قد محضته العرب درها، وصفّت له بلادها، وأعطته قيادها، فدونکم يا بني

ص: 151


1- سورة العنکبوت: 56.
2- بحار الأنوار: 35/ 79 عن مناقب ابن شهر آشوب - ولم أجده فيه -
3- کذا في البحار، وفي الأصل: حدّثنا شيبان، عن منصور وإبراهيم.
4- في البحار: لمصافا قاطالاها.
5- بحار الأنوار: 30 / 78 ح 18 عن مناقب ابن شهر آشوب - ولم أجده فيه .. وقال المجلسي رحمه الله : يمکن حمل هذا الخبر علي أنه أظهر إسلامه في بعض المواطن البعض المصالح بتلک اللغة، فلا ينافي کونه أظهر الاسلام بلغة أخري أيضاً في مواطن أخر.
6- الجنان : القلب .
7- الشنان : البغضاء. ومراده : لم أظهره باللسان مخافة عداوة القوم .

عبد المطّلب، فقوه بآبائکم وأمّهاتکم وأولادکم، کونوا له دعاة، وفي حربه حماة، فوالله لا سلک أحد سبيله إلّا رُشِد، ولا أخذ أحد بهداه إلّا سُعِد، ولو کان في نفسي مدّة، وفي أجلي تأخير لکفيته الکوافي، ودفعت عنه الدواهي، غير أنّي أشهد بشهادته، وأعظّم مقالته.(1)

وقال رجل لأمير المؤمنين : يا أمير المؤمنين ، إنّک لبالمنزل الذي أنزلک

الله ، وأبوک يعذّب بالنار ؟

فقال أمير المؤمنين : فضّ الله فاک، والّذي بعث محمداً بالحقّ نبيّاً، لو شفع أبي في کلّ مذنب علي وجه الأرض لشفّعه الله تعالي فيهم، أبي يعذّب بالنار وابنه قسيم الجنّة والنار!

ثمّ قال: والّذي بعث محمداً بالحقّ نبيّاً، إنّ نور أبي طالب يوم القيامة ليطفيء أنوار الخلق إلّا خمسة أنوار، نور محمد صلّی الله عليه و آله ، ونوري ، ونور فاطمة، ونور الحسن، ونور الحسين صلوات الله عليهم أجمعين، لأن نوره من نورنا الذي خلقه الله سبحانه من قبل خلق آدم بألفي عام.(2)

وما روي من أشعاره الدالّة علي إسلامه الّتي تنفث في عُقَد السحر، وتُغيَّر في وجه شعراء الدهر (3) تزيد علي ثلاثة آلاف بيت، مذکورة في کتب المغازي،

ص: 152


1- أورده في روضة الواعظين: 139 -140، باختلاف، عنه البحار : 107/35 ضمن ح 34.وأورده في سيرة الحلبي : 375/1 طبع مصر، باختلاف أيضاً.
2- مائة منقبة: 174 ح 98 ، أمالي الطوسي:311/1 - 312 الاحتجاج : 229 - 230، إيمان أبي طالب لفخّار : 74، کنز الفوائد: 1/ 183، بشارة المصطفي : 249 ، البحار:69/35ح 3 و ص 110 ح 39، غاية المرام : 46 ح 63و ص 208 ح16، الدرجات الرفيعة: 50، الغدير :387/7 ح 7.
3- کذا في المجمع ، وفي الأصل، الّذي ينفث في عند السجود يغبر في وجوه شعر الدهر.

يکاشف فيها من کاشف النبي صلّی الله عليه وآله ، ويصحّح نبوّته.(1)

في محاسن البرقي(2)يونس بن ظبيان، قال رجل عند الصادق عليه

السلام : إنّ أبا طالب مات مشرکاً.

قال أبو عبد الله : أبعد قوله: ألم تعلموا أن نبينا لا مکذّب لدينا ولا يعني بقول الأباطل (3) وأبيض يُستسقي الغمام بوجهه ثِمال اليتامي(4)عِصمةُ للأراملِ فأظهره(5)ربُّ العبادِ بنصرهِ وأظهر ديناً حقّه غير باطل(6)؟

و تظافرت الروايات أنّ النبيّ صلّی الله عليه و آله قال عند وفاته : ياعمّ وصلتک رَحم وجزيت خيراً ياعمّ ، کفلتني صغيراً ، و أحظيتني کبيراً، فجزيت عنّي

ص: 153


1- مجمع البيان : 260/4 ، متشابه القرآن ومختلفه لابن شهر آشوب: 2/ 65. ولقد جمع أشعار شيخ الأباطح أبي طالب رضوان الله تعالي عليه: أبو هفّان عبد الله بن أحمد المهزمي، المتوفّي سنة «257 ه »، ورواها عفيف بن أسعد، عن عثمان بن جني الموصلي البغدادي النحوي، المتوفي سنة « 392ه». . وقد طبع أخيرة بتحقيق وإستدراک الشيخ محمد باقر المحمودي، وصدر عن مجمع إحياء الثقافة - قم -، وتلته طبعة أخري بتحقيق مؤسّسة البعثة - قم -.
2- لم أجده في المحاسن.
3- في بعض المصادر : لقد علموا أنّ ابننا لا مکذّب لديهم ولا يعني بقول الأباطل وفي بعضها : ألم تعلموا أنّ ابننا لا مکذّب لدينا ولا يعباً بقول الأباطل
4- في بعض المصادر : وربيع اليتامي.
5- في بعض المصادر : فأيّده.
6- انظر : إيمان أبي طالب للشيخ المفيد: 21، الحجّة علي الذاهب : 305- 323، ديوان شيخ الأباطح : 26 - 37، الطرائف: 300 و 301 و305، البحار: 35/ 72ح 6 و ص 136ح 81 و ص 166.

خیراً

وفي رواية : فقد ربّيت وکفلت صغيراً، وآزرت و نصرت کبيراً

ثمّ أقبل علي الناس فقال : أم والله، لأشفعنّ لعميّ شفاعة يعجب بها

الثقلان(1)

فدعا له صلّی الله عليه و آله ، وليس للنبيّ أن يدعو بعد الموت لکافر لقوله تعالي: (وَلاَ تُصَلَّ عَلَی أَحَدٍ مِنهُم مَاتَ أبَداً) (2)، والشفاعة لا تکون إلّا لمؤمن

ولا يشفعون إلا لمني از تضي(3)

وأجمع أهل النقل من الخاصّة والعامة أن النبيّ صلّی الله عليه و آله قيل له:

ما ترجو لعمّک أبي طالب ؟

قال : أرجو له کلّ خير من ربيّ.(4)

ولمّا مات أبو طالب أمر رسول الله صلّی الله عليه و آله أمير المؤمنين من بين أولاده الحاضرين بتغسيله وتکفينه ومواراته دون عقيل وطالب، ولم يکن من أولاده من آمن في تلک الحال إلّا أمير المؤمنين عليه السلام و جعفر، وکان جعفر ببلاد الحبشة، ولو کان کافراً لما أمر أمير المؤمنين بتغسيله وتولية أمره،

ص: 154


1- تاريخ اليعقوبي : 35/2، إيمان أبي طالب للشيخ المفيد : 25 - 26، متشابه القرآن ومختلفه:64/2 ، الحجّة علي الذاهب: 265، الطرائف: 305ح 393، شرح نهج البلاغةلابن أبي الحديد:76/14 ، بحار الأنوار: 35/ 125 ح 67 و ص 163، الغدير: 373/7.
2- سورة التوبة :84.
3- سورة الأنبياء : 28.
4- إيمان أبي طالب للشيخ المفيد: 27، الحجّة علي الذاهب: 71 - 72، الطرائف: 305ح394، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 68/14 ، کنز الفوائد: 1/184، بحار الأنوار: 109/35 ح 38 و ص 151 و ص 156، الغدير: 7/ 373.

ولکان الکافر أحقّ به(1)

وتوفّي أبو طالب وخديجة في سنة ستّ (2) من الوحي، فسمّاه رسول الله صلّی الله عليه وآله عام الحزن. (3)

وقالت فاطمة بنت أسد وعلي صلوات الله عليه: أظهر إسلامک بسر

محمد.

فقال لهما: آمنت به منذ أربعين سنة. فقالا : جدّده.

فقال: أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أنّ محمداً رسول الله، فاکتموا ذلک

عليَّ.

فقال أمير المؤمنين : لقد أظهرت دين عيسي و ملّة إبراهيم.

في کتاب دلائل النبوّة : قال العباس: لما حضرت أبي طالب الوفاة قال له نبيّ الله صلّی الله عليه و آله : ياعمّ، قل کلمة واحدة أشفع لک بها يوم القيامة: «لا إله إلّا الله». .

وکانت جميلة بنت حرب تقول: يا أبا طالب، مت علي دين الأشياخ،

فرأيته يحرّک شفتيه ، وسمعته يقول : أشهد أن لا إله إلّا الله ، وأنّ محمّداً رسول الله. (4)

ص: 155


1- الفصول المختارة :229/2 ، عنه البحار: 35/ 173.
2- قيل : تسع ، وقيل : عشر.
3- تاريخ اليعقوبي : 35/2 ، قصص الأنبياء للراوندي : 317، الحجّة علي الذاهب : 261،البحار : 82/35ح 24.
4- أمالي الطوسي:271/1 - 272 ، عنه البحار :76/35 ح 11.

الخطيب في الأربعين: بالاسناد عن محمد بن کعب أنّ أبا طالب لمّا رأي

النبيّ صلّی الله عليه و آله يتفل في فم علي، فقال : ما هذا ، يا محمد ؟

قال: إيمان وحکمة. فقال أبو طالب لعليّ: يا بنيّ، انصر ابن عمّک وآزره.(1)

وإذا استقرأت ورمت معرفة من کان أشدّ متابعة، وأعظم حياطة للنبي صلّی الله عليه وآله، وأعظم محاماة عنه وعن دينه لم تجد في المهاجرين والأنصار وغيرهم من المسلمين مثل أبي طالب رضي الله عنه وولده، فإنّ أحداً لم يحام عن رسول الله کأبي طالب، فإنّه ذبّ عن رسول الله صلّی الله عليه و آله مدّة حياته بمکّة، وکذلک لما حضر في الشعب، حتي انّ رسول الله لم يمکنه بعد موته الاقامة بمکّة، وهبط عليه جبرائيل وقال: يا محمد، إنّ الله يقرئک السلام، ويقول لک : اخرج قد مات ناصرک. (2)

وقال رسول الله صلّی الله عليه و آله : ما نالت قريش منّي ما نالت وما أکره

حتي مات أبو طالب (3)

ثمّ لم يستقرّ حتي خرج صلّی الله عليه و آله إلي الطائف.

وکذلک ولده جعفر رضي الله عنه لم يزل يذبّ في إعلاء کلمة الاسلام ونصر الرسول صلّی الله عليه و آله حتي قتل في دار غربة مقبلاً غير مدبر، وسماه رسول الله صلّی الله عليه و آله «ذا الجناحين» لأنّ يديه قطعتا في الحرب، فأبدله

ص: 156


1- مناقب الخوارزمي : 78، عنه کشف الغمة : 288/1وأخرجه في البحار :249/28 ح42 عن الکشف.
2- البحار : 19 /14ح، وج 35/ 112ح 43، ص 137 ح 83 و ص 174.
3- مناقب ابن شهر آشوب: 67/1، عنه البحار: 19/17 ح 9.

الله منهما جناحين يطير بهما في الجنّة، ووجد فيه بعد أن قتل بضع وتسعون رمية وطعنة، ليس منها شيء في دبره(1)

وهذا أمير المؤمنين وسيّد الوصييّن، لم يجاهد أحد جهاده، ولا يواسي الرسول صلّی الله عليه و آله مواساته، وهو صلوات الله عليه صاحب الوقائع المشهورة، والمقامات المذکورة، الّتي اتفّق المخالف والمؤالف علي نقلها، وضربت الأمثال بشجاعته فيها، کبدر وأحد والأحزاب وخيبر وحنين وأوطَاس(2)وغيرها من الغزوات والسرايا، وفدي رسول الله صلیّ الله عليه و آله بمبيته علي فراشه حتي أنزل الله فيه: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشرِي نَفسَه ابتِغَاءَ مَرضَاتِ اللهِ) (3) وما زال صلوات الله عليه يذبّ عن رسول الله صلّی الله عليه وآله ويکدح في إعلاء کلمته في حياته وبعد موته حتي قتل في محرابه راکعاً.

وکذلک ولداه الحسن والحسين صلّی الله عليهما، فإنّهما بالغا في النصيحة الجدّهما، وثابرا علي آثار دينه وقمع الملحدين فيه ، لتکون کلمة الله العليا ، وکلمة الّذين کفروا السفلي ، حتي قتلا في سبيل الله وذرّيتّهما وولدهما، وسبيت نساؤهما وذرّيتّهما.

وکذلک زيد بن علي بن الحسين صلوات الله عليه ، وولده يحيي بن زيد،

ومحمد بن زيد، وغيرهما من أولاده وأحفاده.

ص: 157


1- انظر : الاستيعاب : 211/1، عنه البحار:276/22 .وجامع الأصول: 248/9 ح 6124، عنه البحار: 58/21ح 10. وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 2/ 760، عنه البحار : 61/21 -62.
2- أوطاس : واد في ديار هوازن ، فيه کانت وقعة ځين.. ويومئذ قال النبي صلي الله عليه و آله : حبي الوطيش. «معجم البلدان: 281/1 »
3- سورة البقرة: 207.

وکذلک بنو الحسن عبد الله ومحمد وإبراهيم وغيرهم کصاحب فخ ومن تابعه، وکانوا أکثر من ثلاثمائة من ولد أبي طالب، حتي قال سيّدنا أبو الحسن الثالث علي بن محمد الهادي العسکري صلّی الله عليه : ما أُصبنا بمصيبة بعد کربلاء کمصيبة صاحب فخّ.(1)

ومن حفدته مسلم بن عقيل، وولده الّذين شروا أنفسهم من الله بالثمن الأوفر، وقد صنّف فيهم کتاب مقاتل الطالبيّين (2)وتواريخهم وسيرتهم فلانطوّل بذلک، ولولا حسن اعتقادهم، وصفاء ودادهم، وشدّة جهادهم، وقوة اجتهادهم لما جعلهم الله خلفاءه في أرضه ، والأمناء علي سنّته وفرضه .

بحار العلم، ومعادن الحلم، وأئمّة الهدي، ومصابيح الدجي، أوّلهم عليّ وآخرهم المهديّ، کلّما خوي لهم نجم بزغ نجم طالع، وکلّما اختفي منهم علم بدا علم لامع، وکفي فخراً کون المهديّ من ذرّيتّه الّذي يملأ الله الأرض به قسطاًوعدلاً کما ملئت جوراً وظلماً.

وکان أبو طالب رضي الله عنه ربيّ رسول الله صلّی الله عليه و آله صغيراً،

ص: 158


1- روي في عمدة الطالب : 183 عن محمد الجواد بن علي الرضا عليهما السلام أنه قال: لم يکن لنا بعد الطف مصرع أعظم من فخ . عنه عوالم العلوم :363/21ح 7. وروي في معجم البلدان: 4/ 238 بهذا اللفظ ... ولهذا يقال لم تکم مصيبة بعد کربلاء أشد وأفجع من فخ. عنه البحار :165/48 و عن عمدة الطالب.
2- مقاتل الطالبيّين لأبي الفرج الأصفهاني صاحب الأغاني - المتوفّي ببغداد سنة ستَ أو سبع وخمسين وثلاثمائة، ذکر فيه شهداءهم إلي أواخر المقتدر الّذي مات سنة «320 ه»، ابتدأ فيه بجعفر الطيار أول الشهداء من آل أبي طالب، وأختم بإسحاق بن عباس، المعروف به «المهلوس» الشهيد بأرمن، وذکر بعده جمعا متن حکي له قتلهم، وتبرأ من خطائه، وفرغ منه في جمادي الأولي سنة « 313 ها» . «الذريعة : 376/21 ». وقد طبع عدّة مرات، منها في إيران ستة «1307 ها»، وفي النجف سنة «1385 ه»، ومن ثمّ - بالأوفست علي طبعة النجف - في قم سنة «1405ه).

في شفقة فاطمة بنت أسد رضي الله عنها علي رسول الله

صلي الله عليه و آله

وحصنه کبيراً.

وکانت زوجته فاطمة بنت أسد رضي الله عنها شديدة الحنّو والشفقة علي رسول الله صلّی الله عليه و آله ، وهي أحد الصالحات القانتات، ولمّا سمعت قول الله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذا جَاَءَکَ المُؤمِنَاتُ يُبَايِعنَکَ)

(1) کانت أوّل امرأة بايعت

رسول الله صلّی الله عليه و آله هي.

وروي عن جعفر بن محمد الصادق عليه السلام أنّ فاطمة بنت أسد أوّل امرأة هاجرت إلي رسول الله صلّی الله عليه و آله من مکّة إلي المدينة علي قدمها، وکانت أبرّ الناس برسول الله صلّی الله عليه و آله ، وسمعت رسول الله صلّی الله عليه و آله يقول : الناس يحشرون يوم القيامة عراة، فقالت : و اسوأتاه.

فقال لها رسول الله صلّی الله عليه و آله : إني أسأل الله أن يبعثک کاسية. وسمعته يذکر ضغطة القبر، فقالت : واضعفاه. فقال لها رسول الله صلّی الله عليه و آله : إني أسأل الله أن يکفيک ذلک.(2)

وفي الخبر أنّها أسلمت بعد عشرين يوماً من مبعث رسول الله صلّی الله عليه و آله علي يد أمير المؤمنين صلوات الله عليه ولدها، وجاءت إلي رسول الله صلي الله عليه و آله باکية واستزادت، فأمرها رسول الله صلّی الله عليه و آله أن تقتفي آثار ابنها.

وروي أنّها لمّاماتت دخل عليها رسول الله صلّی الله عليه و آله فجلس عند رأسها، وقال: يرحمک الله يا أمّي، کنت أمّي بعد أمّي، تجوعين وتشبعيني،

ص: 159


1- سورة الممتحنة : 12.
2- روي نحوه في اعتقادات الصدوق: 58 -59 (المطبوع في مصّفات الشيخ المفيد، ج 5)، عنه البحار: 279/6. وأورده أيضاً شاذان في الروضة : 5 - مخطوط ..

و تعرين وتکسيني، وتمنعين نفسک من طيب الطعام و تطعميني، تريدين بذلک وجه الله والدار الآخرة، ثمّ أمر صلّی الله عليه و آله أن تغسل ثلاثاً، فلما بلغ الماء الذي فيه الکافور سکبه رسول الله صلي الله عليه و آله بيده، ثمّ خلع قميصه فألبسها إيّاه ولفّها فوقه، ثمّ دعا رسول الله صلّی الله عليه و آله أُسامة وأبا أيّوب وغلاماً أسود يحفرون قبرها، فلمّا بلغوا اللحد حفره رسول الله صلّی الله عليه وآله وأخرج ترابه بيده، فلمّا فرغ دخل فاضطجع فيه، ثمّ قال: الحمد لله الذي يحيي ويميت وهو حيّ لا يموت، [اللّهمّ](1) اغفر لأمّي فاطمة بنت أسد، ولقّنها حجّتها، ووسّع عليها مدخلها، بحقّ نبيّک والأنبياء الذين من قبلي، فإنّک أرحم الراحمين.

ثمّ قال صلّی الله عليه و آله بعد وضعها في الحد: يا فاطمة ، أنا محمّد سيّد ولد آدم ولا فخر، فإذا أتاک منکر و نکير فسألاک: من ربّک ؟ فقولي: الله ربّي، ومحمد نبیّي، والاسلام ديني، والقرآن کتابي، وابني عليّ إمامي ووليّي.

ثمّ قال صلّی الله عليه و آله : اللّهمّ ثبّت فاطمة بالقول الثابت، ثمّ ضرب بيده اليمني علي اليسري فنفضهما، ثمّ قال: والّذي نفس محمّد بيده لقد سمعت فاطمة تصفيق يميني علي شمالي.

وروي أنّه صلّی الله عليه و آله کبر عليها أربعين تکبيرة، فسأله عمّار عن ذلک، فقال: يا عمّار، التفتّ عن يميني فنظرت أربعين صفّاً من الملائکة، فکبرت لکلّ صفّ تکبيرة.

وفي خبر آخر: يا عمّار، إن الملائکة قد ملأت الفضاء، وفتح لها باب من الجنّة، ومهد لها مهاد من مهاد الجنّة، وبعث إليها بريحان من ريحان الجنّة، فهي

ص: 160


1- من الفصول المهمة.

فيما لاقاه النبي صلي الله عليه و آله من الأذي في الطائف من

عتبة وشيبة

في روح وريحان وجنّة نعيم، وقبرها روضة من رياض الجنّة(1)

وکفاها رضي الله عنها فضلاً وفخراً في الدنيا والآخرة ان ولدها ذرّيّة رسول الله صلّی الله عليه و آله ونسله، وهم أحد الحبلين اللذين لم ينقطعا حتي پردا علي رسول الله صلّی الله عليه و آله الحوض، ولولا خوف الإطالة لأوردت من شعر أبي طالب رضي الله عنه الّذي يحث فيه بنيه علي نصر رسول الله صلّی الله عليه و آله و اتّباع هديه جملة مفيدة تنبيء عن حسن عقيدته، وإخلاص سريرته، لکن اقتصرت علي هذا القدر والله الموفق، وهو حسبنا ونعم الوکيل وإنما قالت الناصبة ما قالت فيه عداوة لولده أمير المؤمنين وحطّاً من قدره، ويأبي الله إلا أن يتمّ نوره ولو کره المشرکون.(2)

ولمّا توفّي أبو طالب رضي الله عنه اشتدّ البلاء علي رسول الله صلّی الله عليه و آله ، فعمد لثقيف في الطائف، فوجد ثلاثة، هم سادة، وهم إخوة : عبد ياليل، و مسعود، وحبيب، بنو عمرو، فعرض صلّی الله عليه و آله عليهم نفسه.

فقال أحدهم: أنا أسرق باب (3)الکعبة إن کان الله بعثک بشيء قطّ، وقال الآخر: أعجز الله أن يرسل غيرک ؟ وقال الآخر: والله لا أکلّمک بعد مجلسک هذا أبداً، فإن کنت نبيّاً کما تقول لأنت أعظم خطراً من أن يزد عليک الکلام، وإن کنت تکذب علي الله فلا ينبغي لي أن أکلّمک، وتهزّؤوا به وأفشوا في قومه ما

ص: 161


1- أمالي الصدوق : 258ح 14، روضة الواعظين:142، الفصول المهنة لابن الصباغ: 31. وأخرجه في البحار: 25 / 70ح 4 عن الأمالي والروضة، وفي ص 179 عن الفصول المهمّة. . وفي ج 350/81ح 22 عن الأمالي.
2- إشارة إلي الآية: 32 من سورة التوبة
3- في إعلام الوري: استار . وفي مصادر أخري : أمرط ثياب الکعبة، و مراده: أمزقها.

راجعوه(1) ثمّ أغروا به سفهاءهم، فقعدوا له صفّين علي طريقه.

فلمّا مرّ رسول الله صلّی الله عليه و آله بين صفّيهم جعلوا لا يرفع قدماً ولا يضعها إلاّ رضخوها بالحجارة حتي أدموا رجليه، فخلص منهم وهما تسيلان بالدماء، فعمد إلي حائط من حوائطهم ، واستظلّ بظلّ حبُلة - وهي الکرمة وهو مکروب موجع تسيل رجلاه دماً ، فإذا في الحائط عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وهما من بني عبد شمس، وهما من أکابر قريش، وکان لهم أموال بالطائف، فلمّا رآهما کره مکانهما لما يعلم من عداوتهما لله ولرسوله.

وکلاهما قتلا يوم بدر وقتل معهما الوليد بن عتبة، قتل عتبة أبو عبيدة بن الحارث بن عبد المطّلب، ضربه علي هامته بالسيف فقطعها، وضرب هو عبيدة بن الحارث علي ساقه فأطتها(2) فسقطا جميعاً، وحمل شيبة - أخوه - علي حمزة فتضاربا بالسيفين حتي انثلما، وحمل أمير المؤمنين عليه السلام علي الوليد فضربه علي حبل عاتقه فأخرج السيف من إبطه.

قال عليّ صلوات الله عليه : لقد أخذ الوليد يمينه بشماله فضرب بها هامتي، فظننت أن السماء سقطت علي الأرض، ثم اعتنق حمزة وشيبة، فقال المسلمون: يا علي، أما تري الکلب فقد أنهر (3) عمّک ؟ فحمل عليه علي عليه السلام، ثمّ قال لحمزة: ياعمّ، طأطيء رأسک - وکان حمزة أطول من شيبة - فأدخل حمزة رأسه في صدره، فضربه عليّ صلوات الله عليه فطرح نصف

ص: 162


1- في إعلام الوري: و أفشوا في قومهم الذي راجعوه به .
2- أي قطعها.
3- انهَرَ الطعنة : وسَعها . وأنّهرتُ الدم : أي أسلته . «لسان العرب: 5/ 237 - نهرّ -» . وفي مناقب ابن شهرآشوب : يهرّ . يقال : هرَّ الکلب یَهِرُّهريراً : إذا نَبَحَ وکَشَرَ عن أنيابه . «لسان العرب :261/5 - هرر -» .

رأسه، ثمّ أتي إلي عتبة وبه رمق فأجهز عليه.

واحتمل عبيدة رضي الله عنه وبه رمق، وحملاه عليّ وحمزة وأتيا به رسول الله صلّی الله عليه و آله و مخّ ساقه يسيل، فاستعبر رسول الله صلّی الله عليه و آله ، فقال عبيدة : ألست أوّل شهيد من أهل بيتک ؟ قال: بلي، أنت أوّل شهيد من أهل بيتي)(1)

رجعنا إلي تمام القصّة:

فلمّا رأيا رسول الله صلّی الله عليه وآله أرسلا غلاماً لهما يدعي عدّاس معه عنب - وهو نصرانيّ من أهل نينوي -، فلمّا جاء رسول الله صلّی الله عليه و آله قال له رسول الله : من أيّ أرض أنت ؟

قال: من أهل نينوي. قال صلي الله عليه و آله : من مدينة الرجل الصالح يونس بن متّي؟ فقال عدّاس : وما أعلمک بيونس ؟

قال صلّی الله عليه و آله : أنا رسول الله ، والله تعالي أخبرني بخبره، فلمّا أخبره بما أخبره الله به من شأن يونس خرّ عدّاس ساجداً الرسول الله صلّی الله عليه و آله (2)، وجعل يقبّل قدميه وهما تسيلان دماً، فلمّا نظر عتبة و شيبة ما يصنع غلامهما سکتا، فلمّا أتاهما قالا: ما شأنک سجدت لمحمّد، وقبلت قدميه، ولم نرک فعلت بأحدٍ منّا ذلک ؟

ص: 163


1- انظر في وصف هذا الموقف في غزوة بدر : تفسير القمي: 265/1 ، مجمع البيان : 527/2، مناقب ابن شهر آشوب: 119/3 ، عنها ألبحار: 254/19 ح 3 و ص225 وص290.
2- في إعلام الوري : ساجد له .

رجوع رسول الله صلي الله عليه و آله من الطائف إلي مکة ،

و عرضه نفسه علي قبائل العرب

قال: هذا رجل صالح أخبرني بشيء عرفته من شأن رسول بعثه الله إلينا

يدعي يونس بن متّي.

فضحکا وقالا: لا يفتننّک عن نصرانيتّک فإنّه رجل خدّاع.(1)

وروي أنّ المشرکين لمّا مضوا إلي بدر لقتال رسول الله صلّی الله عليه و آله کان عدّاس مع سيديه عتبة وشيبة، فسأل منهما: من هذا الّذي عزمتم علي حربه والوقيعة به ؟

فقالا له: يا عدّاس، أرأيت الّذي أرسلناک إليه بالعنب في الطائف ؟ قد اتّبعه قوم من الصُّباة، وقد قصدنا حربهم، و تفريق کلمتهم، وأن نأتي بهم إلي مکة ساري، ونعرفّهم ضلالهم.

فقال عدّاس : بالله يا سيّديَّ، ارجعوا من فورکم هذا إلي مکّة، والله لئن لقيتموه لا تفرحوا بالحياة بعدها، والله إنه نبي حق، وقوله صدق، فزجراه ولم يعبئا بکلامه.(2)

ثمّ إنّ رسول الله صلّی الله عليه و آله رجع إلي مکّة من الطائف واشتد البلاء، وأقبل المشرکون يردّون المسلمين ويفتنونهم عن دينهم، ثمّ أنّ النبي صلّی الله عليه و آله استجار بالأخنس بن شَريق ، وسهيل بن عمرو فتعلّا، ثمّ استجار بالمطعم بن عدّي حتي دبر في أمر الهجرة.(3)

وکان رسول الله صلّی الله عليه وآله يعرض نفسه علي قبائل العرب في

ص: 164


1- إعلام الوري : 64، عنه البحار : 6/19 ضمن ح 5.وأورده في مناقب ابن شهر آشوب: 68/1 ، عنه البحار:17/19ح 9.
2- المغازي للواقدي: 33، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد :96/14. البحار: 330/19.
3- إعلام الوري:65، عنه البحار:7/19.

بيعة العقبة

الموسم، فلقي رهطاًمن الخزرج، فقال: ألا تجلسون أحدّثکم؟

قالوا: بلي، فجلسوا إليه، فدعاهم إلي الله، وتلا عليهم القرآن.

فقال بعضهم لبعض: يا قوم، تعلمون والله انّه النبيّ الّذي کانوا يوعدوکم به اليهود(1)، فلا يسبقتّکم إليه أحد، فأجابوه، وقالوا له: إنّا ترکنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والسوء مثل مابينهم ، وعسي الله أن يجمع بينهم بک، فستقدم عليهم وتدعوهم إلي أمرک، وکانوا ستّة نفر.

فلمّا قدموا المدينة أخبروا قومهم بالخبر، فما دار حول إلّا وفيها حديث رسول الله صلّی الله عليه و آله ، حتي إذا کان العام المقبل أتي الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلاً، فلقوا النبي صلّی الله عليه و آله ، فبايعوه علي بيعة النساء ألا يشرکوا بالله شيئاً، ولا يسرقوا، إلي آخرها، ثمّ انصرفوا وبعث معهم مصعب بن عمير يصلّي بهم ، وکان يسمّي بينهم في المدينة «المقريء»(2) فلم تبق دار في المدينة إلّا وفيها رجال ونساء مسلمون إلا دار اميّة وحطيمة ووائل وهم من

الأوس.

ثمّ عاد مصعب إلي مکّة، وخرج من خرج من الأنصار إلي الموسم،

فاجتمعوا في الشعب عند العقبة ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان في أيّام التشريق بالليل عند رسول الله صلّی الله عليه و آله ، فقال صلي الله عليه و آله : أبايعکم علي الاسلام.

فقال بعضهم: يا رسول الله، نريد أن تعرّفنا ما لله علينا، وما لک علينا، وما

لنا علي الله .

ص: 165


1- في المناقب والبحار: الّذي کان يوعدکم به اليهود.
2- سمّي بذلک لأنّه کان يقرئهم القرآن.

فقال صلّی الله عليه و آله : أمّا ما لله عليکم فتعبدوه، ولا تشرکوا به شيئاً،

وأمّا ما لي عليکم فتنصرونني مثل نسائکم وأبنائکم، وأن تصبروا علي عضّ السيوف، وأن يقتل خيارکم.

قالوا: فإذا فعلنا ذلک فما لنا علي الله ؟

قال: أمّا في الدنيا فالظهور علي من عاداکم، وفي الآخرة رضوان الله والجنّة، فأخذ البراء بن معرور بيده، وقال: والذي بعثک بالحقّ نبيّاً لنمنعنّک بما نمنع به أُزرنا(1)، فبايعنا يا رسول الله، فنحن أهل الحرب وأهل الحلقة ورثناها کبار عن کبار.

فقال أبو الهيثم: إنّ بيننا وبين الرجال حبالاً، وإنّا إن قطعناها أو قطعوها

فهل عسيت إن فعلنا ذلک، ثمّ أظهرک الله أن ترجع إلي قومک وتدعنا ؟

فتبسّم رسول الله، ثمّ قال : بل الدم الدم والهدم الهدم، أُحارب مسن حاربتم، و سالم من سالمتم، ثمّ قال صلي الله عليه و آله : أخرجوا لکم (2)اثني عشر نقيباً، فاختاروا، فقال: أُبايعکم کبيعة عيسي بن مريم للحوارييّن کفلاء علي قومهم بما فيهم، وعلي أن تمنعوني بما(3)تمنعون منه نساءکم وأبناءکم، فبايعوه علي ذلک، فصرخ الشيطان في العقبة: يا أهل الجباجب(4) هل لکم في محمّد

ص: 166


1- ال ابن الأثير في النهاية: 1/ 45: وفي حديث بيعة العقبة «لَنَمنَعنَّکَ ممّا نمنع به اُزُرَنَا» أي نساءنا وأهلنا، کنّي عنهنّ بالأزرِ؛ وقيل: أراد أنفسنا . وقد يکنّي عن النفس بالازار.
2- في المناقب والبحار: إليَّ
3- في المناقب والبحار: ممّا .
4- قال ابن الأثير في النهاية: 1/234 : في حديث بيعة الأنصار «نادي الشيطان: يا أصحاب الجُبَاجب» هي جمع جُبجُب - بالضمّ - وهو المستوَي من الأرض ليس بحَزن، وهي هاهنا منازل بمنیً، سمّيت به ، قيل: لأنّ کروش الأضاحي تُلقَي فيها أيّام الحج والجَبجَبَة : الکَرِش يُجعل فيها اللحم يُتزوّد في الأسفار .

في أمر رسول الله صلي الله عليه و آله أصحابه بالهجرة من مکة إلي

المدينة واجتماع دار الندوة

والصباة معه ؟ اجتمعوا علي حربکم، ثمّ نفر الناس من مني وفشي الخبر، فخرجوا في الطلب، فأدرکوا سعد بن عبّادة والمنذر بن عمرو، فأمّا المنذر فأعجز القوم، وأمّا سعد فأخذوه، وربطوه بنسع رحله، وأدخلوه مکّة يضربونه، فبلغ خبره جبير بن مطعم والحارث بن حرب بن أميّة فأتياه وخلّصاه.

وکان النبيّ صلّی الله عليه و آله في ذلک الوقت لم يؤمر إلّا بالدعاء والصبر علي الأذي، والصفح عن الجاهل، فطالت قريش علي المسلمين، فلمّا کثر عتوّهم أمر صلّی الله عليه و آله بالهجرة، فقال صلّی الله عليه و آله لأصحابه المؤمنين: إنّ الله قد جعل لکم داراً وإخواناً تأمنون بها، فخرجوا أرسالاً(1) يتسلّلون تحت الليل، حتي لم يبق مع النبي إلّا عليّ عليه السلام ، مع جماعة يسيرة من أصحابه، فحذرت قريش خروجه، وعلموا أنّه قد أجمع علي حربهم، فاجتمعوا في دار الندوة وهي دار قُصيّ بن کِلاب يتشاورون في أمره، فتمثّل لهم إبليس في صورة شيخ من أهل نجد، فقال: أنا ذو رأي حضرت لموازرتکم.

فقال عروة بن هشام : نتربّص به ريب المنون، وقال أبو البختري

أخرجوه عنکم تستريحوا من أذاه

وقال العاص بن وائل وأميّة و اُبيّ ابنا خلف : نبني له علماً (2)نستودعه فيه،

فلا يخلص إليه(3)من الصباة أحد.

ص: 167


1- قال المجلسي رحمه الله : الأرسال - بالفتح - : جمع الرسل - بالتحريک - وهو القطيع من کلّ شيء، أي زمراً زمراً. ويحتمل الإرسال - بالکسر - : وهو الرفق والتؤدة.
2- زاد في المناقب : ونترک له فرجاً. يقال لما يبُني في جواد الطريق من المنازل يستدلّ بها علي الطريق: أعلامُ، واحدها عَلَم والعَلَم : المنار ... والعَلَامة والعَلَمَ: شيء يُنصب في الفلوات تهتدي به الضالّة . «لسان العرب:419/12 - علم - ». .
3- کذا الصحيح ، وفي الأصل: فلا يخلص منه إليه.

مبيت علي عليه السلام في فراش رسول الله صلي الله عليه و آله

وقال عتبة وشيبة وأبو سفيان: نرحل بعيراً صعباً ونوثق محمّداً عليه کتافاً وشدّاً، ثمّ نقصع (1)البعير بأطراف الرماح فيوشک أن يقطعه بين الدکادک (2) إرباً إرباً.

فقال أبو جهل : أري لکم أن تعمدوا إلي قبائلکم العشرة فتنتدبوا من کلّ قبيلة رجلاً نجداً(3)، وتأتونه بياتاً، فيذهب دمه في قبائل قريش جميعها، فلا يستطيع بنو هاشم وبنو المطلّب مناهضة قريش فيه فيرضون بالعقل.

فقال أبو مرّة: أحسنت يا أبا الحکم، هذا الرأي فلا نعدلنّ له رأياً، فأنزل الله سبحانه : (يَمکُرُ بک الَّذِينَ کَفَروا لِيُثبتُوکَ أَو يَقتُلُوکَ أَو يُخرِجُوکَ) (4) الآية، فهبط جبرئيل علي رسول الله صلّی الله عليه و آله وقال: لاتبت هذه الليلة علي فراشک الذي کنت تبيت عليه، فدعا عليّاً عليه السلام ، فقال : إنّ الله سبحانه أوحي إليّ أن أهجر دار قومي، وأن أنطلق إلي غار ثور أطحل (5) ليلتي هذه وأمرني أن آمرک بالمبيت علي مضجعي، وأن ألقي عليک شبهي .

فقال أمير المؤمنين عليه السلام : أو تسلم بمبيتي هناک ؟ قال صلّی الله عليه و آله : نعم.

فتبسّم أمير المؤمنين ضاحکاً، وأهوي إلي الأرض ساجداً، فکان أوّل من سجد لله شکراً، وأوّل من وضع وجهه علي الأرض بعد سجدته، فلمّا رفع رأسه

ص: 168


1- أي نجرحه بأطراف الرماح حتي يغضب .
2- جمع الدکداک : وهو أرض فيها غلظ.
3- النجد : الشجاع الماضي فيما يعجز عنه غيره.
4- سورة الأنفال : 30.
5- الطَّحلَة - بالضمّ -: لَونُ بَين الغُبرة والسواد ببياضٍ قليلٍ . «القاموس المحيط : 6/4 -طحل - ».

قال: امض بما أمرت به، فداک سمعي و بصري وسويداء قلبي.

قال: فارقد علي فراشي، واشتمل بردي الحضرمي، ثمّ إنيّ أُخبرک يا علي انّ الله تعالي يمتحن أولياءه علي قدر إيمانهم ومنازلهم من دينهم،(1) فأشدّ الناس بلاء الأنبياء ثمّ الأمثل فالأمثل (2) وقد امتحنک الله يا ابن امّ بي، وامتحنني فيک بمثل ما امتحن خليله إبراهيم والذبيح إسماعيل، فصبراً صبراً ( إنَّ رَحمَةَ اللهِ قَرِيبُ مِنَ المُحسِنِينَ) (3)ثمّ ضمّه إلي صدره، واستتبع رسول الله صلّی الله عليه وآله أبو بکر وهند بن أبي هالة وعبيد الله(4) بن فُهَيرة، ودليلهم أُريقط (5)الليثي فأمرهم رسول الله بمکان ذکره لهم، ولبث (6)صلّی الله عليه و آله مع عليّ يوصيه، ثمّ خرج في فحمة العشاء(7) والرصد من قريش فقد أطافوا به ينتظرون انتصاف الليل ليهجموا عليه، وکان صلّی الله عليه وآله يقول: (وَجَعَلنَا مِن بَين أَيديِهم سَداً وَمِن خَلفِهِم سَدّاً) (8)الآية، وکان بيده قبضة تراب، فرمي بها في رؤوسهم، ومضي حتي انتهي إلي أصحابه الذين واعدهم، فنهضوا (9)معه

ص: 169


1- في المناقب : دينه.
2- تقدمت تخريجاته ص 39هامش 16
3- سورة الأعراف: 56.
4- في المناقب : عبدالله ، وکذا في المواضع الآتية . وفي الکامل : عامر بن فُهَيرَة . وهو مولي الطُّفَيل بن عبدالله الأزديّ - اشتراه أبو بکر . انظر في ترجمته «الکامل في التاريخ : 68/2». .
5- في المناقب : أزيقطة . ولعلّه أبو واقد کما سيأتي في ص 85-. وفي تاريخ الطبري : 2/ 378 و 380 دليلهم : عبد الله بن أرقد.
6- کذا في المناقب ، وفي الأصل:کتب - وهو تصحيف .
7- الفَحمَهُ من الليل: أوّله، أو أشدُّ سواده، أو ما بين غروب الشمس إلي نوم الناس. القاموس المحيط :158/4 - فحم - ».
8- سورة يس : 9.
9- في المناقب : فمضوا.

حتي وصلوا إلي الغار، وانصرف هند و عبيد الله بن فهيرة راجعين إلي مکّة.(1)

وکان قد اجتمع حول دار رسول الله صلي الله عليه و آله أربعمائة رجل

مکبّلين بالسلاح.

قال ابن عبّاس: فکان من بني عبد شمس عتبة وشيبة ابنا ربيعة بن هشام وأبو سفيان، ومن بني نوفل طعمة(2) بن عديّ وجبير بن مُطعم والحارث بن عامر، و من بني عبد الدار النضر بن الحارث، ومن بني أسد أبو البختري وزمعة (3) ابن الأسود و حکيم بن حزام (4) ومن بني مخزوم أبو جهل، ومن بني سهم نُبَيه ومُنبَّه ابنا الحجّاج، ومن بني جُمَح أميّة بن خلف، هؤلاء الرؤساء وغيرهم

ممّن (5) لا يعدّ من قريش.(6)

وأحاطوا بالدار إلي أن مضي من الليل شطره هجموا علي أمير المؤمنين صلوات الله عليه شاهرين سيوفهم ، ففطن بهم فاخترط سيفه وشدّ عليهم فانحازوا عنه ، وقالوا: أين صاحبک ؟

قال : لا أدري ، أو رقيب کنت عليه ، ألجأتموه إلي الخروج ، فخرج.

ص: 170


1- مناقب ابن شهر آشوب: 181/ 1 - 183، عنه البحار: 25/19 ح 15 «إلي قوله : يتشاورون في أمره». . وأخرجه في البحار: 19 / 23 عن المنتفي في مولد المصطفي للکازروني، ولم أعثر علي غير طبعته الفارسيّة والمسماة «نهاية المسؤول في رواية الرسول». . وانظر في هجرته صلّی الله عليه و آله : الکامل في التاريخ : 101/2 وما بعدها.
2- في تاريخ الطبري: طعَيَمَة.
3- کذا في المناقب وتاريخ الطبري، وفي الأصل: ربيعة.
4- کذا في المناقب وتاريخ الطبري، وفي الأصل: مزاحم
5- کذا في المناقب وتاريخ الطبري ، وفي الأصل: ممّا
6- مناقب ابن شهر آشوب: 2/ 58، عنه البحار: 290/38 . وانظر تاريخ الطبري:370/2 .

في هجرة علي عليه السلام من مکة إلي المدينة

وکان أمير المؤمنين في تلک الحال ابن عشرين سنة، فأقام صلوات الله عليه بمکّة حتي أدّي أمانات رسول الله صلّی الله عليه و آله ، وأدّي إلي کلّ [ذي](1) حقّ حقّه، ثمّ عزم صلوات الله عليه علي الهجرة.

فکان ذلک دلالة علي خلافته وإمامته وشجاعته، وحمل نساء النبيّ صلّی الله عليه و آله بعد ثلاثة أيّام، وفيهنّ عائشة، فله المنّة علی أبي بکر بحفظ ولده، ولعليّ عليه السلام المنّة عليه في هجرته، وعليّ ذو الهجرتين والشجاع هو الثابت (2)بين أربعمائة سيف، وإنّما أباته النبي علي ّفراشه ثقة بنجدته، فکانوا محدقين به إلي طلوع الفجر ليقتلوه ظاهراً، فيذهب دمه بمشاهدة بني هاشم بأنّ قاتليه من جميع القبائل.(3)

وقد ذکرنا رؤساءهم الّذين اجتمعوا لقتله قبل ذلک.

وروي أنّ أمير المؤمنين عليه السلام لمّا عزم علي الهجرة قال له العباس: إنّ محمداً ما خرج إلّا خفية، وقد طلبته قريش أشدّ طلب، وأنت تخرج جهاراً في أثاث و هوادج ومال ونساء ورجال تقطع بهم السباسب(4) والشعاب من بين قبائل قريش، ما أري لک أن تمضي إلّا في خُفَارَة (5)خزاعة.

فقال أمير المؤمنين عليه السلام :

ص: 171


1- من المناقب
2- في المناقب: والشجاع البائت.
3- مناقب ابن شهر آشوب: 2/58 - 59، عنه البحار:289/38- 291.
4- السباسب : جمع السَّبسُب: المَفَازة أو الأرض المستوية البعيدة. «القاموس المحيط :81/ 1 - سَبَّه - ».
5- فير القوم: جيرهم . «المحيط في اللغة : 331/4 - خف »

إنّ المنيّة شربة مورودة لا تجزعنّ(1)وشدّ للترحيل إنّ ابن آمنة النبيّ محمداً رجل صدوق قال عن جبريل أرخ الزمام ولا تخف من عائق فالله يرديهم عن التنکيل إني بربّي واثق وبأحمد وسبيله متلاحق بسبيلِ

قالوا: وکمن مهلع غلام حنظلة بن أبي سفيان في طريقه بالليل، فلمّا رآه (2) أمير المؤمنين عليه السلام اخترط (3) سيفه ونهض إليه، فصاح أمير المؤمنين عليه السلام فيه صيحة خرّ علی وجهه، وجَلَدَه(4)بسيفه، ثمّ مضي صلوات الله عليه ليلا.(5)

وکان مبيت أمير المؤمنين عليه السلام أوّل ليلة.

وأقام رسول الله صلّی الله عليه و آله في الغار ثلاثة أيّام، ولمّا ورد المدينة نزل في بني عمرو بن عوف بقُباء منتظرة لأمير المؤمنين عليه السلام ، وکان أمير المؤمنين أمر ضعفاء المسلمين أن يتسلّلوا ويتخفّفوا إذا ملأ الليل بطن کلّ وادي وکان معه من النساء الفواطم (6) وأيمن بن أمّ أيمن (7)مولي رسول الله صلّی الله

ص: 172


1- في المناقب : لاتنزع
2- کذا في المناقب، و في الأصل: رأي.
3- في المناقب : سلّ.
4- في المناقب : جلله. يقال : جلدته بالسيف والسوط جلدة إذا ضربت جلده . «لسان العرب: 125/3 -جلد - »...
5- مناقب ابن شهر آشوب:59/2، عنه البحار:291/38.
6- أي : فاطمة بنت رسول الله صلّی الله عليه وآله ، وأمّه فاطمة بنت أسد بن هاشم، وفاطمة بنت الزبير بن عبد المطلّب - وقد قيل هي ضُباعة
7- کذا في المناقب ، وفي الأصل : وأمّ أيمن.

عليه وآله وغيرهم، وخرج عليه السلام إلي ذي طوي، وأبو واقد يسوق بالرواحل فأعنف بهم، فقال أمير المؤمنين : أبا واقد، ارفق بالنسوة فإنّهنّ ضعائف.

قال : إنّي أخاف أن يدرکنا الطلب.

فال: اربع عليک،(1) إنّ النبي صلّی الله عليه و آله قال لي : يا علي، إنّهم لن يصلوا إليک من الآن بمکروه، ثمّ جعل أمير المؤمنين يسوق بهنّ سوقاً رفيقاً ويرتجز عليه السلام:

ليس إلّا الله فارفع ظتکا يکفيک ربّ العرش (2) ما أهمکا

فلمّا شارف ضجنان (3) أدرکه الطلب بثمانية فوارس، فأنزل النسوة واستقبلهم منتضياً سيفه، فأقبلوا عليه وقالوا: يا غُدَر(4)، کيف أنت (5)ناج بالنسوة ؟ ارجع لا أبا لک.

قال: فإن لم أفعل أفترجعون؟ ودنوا من النسوة فحال بينهم وبينها وقتل

جناحاً، وکان يشدّ عليهم شدّ الأسد علي فريسته، وهو يقول:

خلّوا سبيل الجاهد المجاهدِ آليت لا أعبد غير الواح

فتقهقروا عنه، فسار ظاهرة حتي وافي ضجنان فتلوّم بها يومه وليلته، ولحق به نفر من المستضعفين، فصلّی ليلته تلک والفواطم يذکرون الله قياماً

ص: 173


1- أي توقّف وتحبّس.
2- في المناقب : الناس.
3- ضَجَنان: جبل قرب مکّة.
4- أي: يا غادر.
5- في المناقب : أظننت ياغدار آتک.

وقعوداً وعلي جنوبهم حتي طلع الفجر، فصلّی بهم صلاة الفجر، ثمّ سار بهم حتي وصل المدينة، وقد نزل الوحي بما کان من شأنهم قبل قدومهم، وهو قوله تعالي:(الّذيِنَ يَذکُرُّونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلی جُنُوبِهِم - إلي قوله - أنَّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنکُم مِن ذَکَرٍ أَو أنثَي - فالذکر عليّ والأنثي فاطمة - بَغضُکُم مِن بَغضٍ - عليّ من الفواطم وهنّ من عليّ، إلي قوله - عِندَهُ حُسنُ الثَّوَابِ(1)

وتلا رسول الله صلّي الله عليه و آله : (إنَّ اللهَ اشتَرَي مِنَ المُؤمِنِينَ أنفُسَهُم وَأموَالَهُم)(2)الآية، ثمّ قال : يا عليّ، أنت أوّل هذه الأمّة إيماناً بالله وبرسوله، وأوّلهم هجرة إلي الله ورسوله، وآخرهم عهداًبرسول الله صلّی الله عليه وآله ، والّذي نفسي بيده لا يحبّک إلّا مؤمن قد امتحن الله قلبه للايمان، ولا يبغضک إلّا منافق أو کافر.

وکان قيام علي بعد النبي بمکّة ثلاث ليال، ثمّ لحق برسول الله صلّی الله

عليه و آله (3)

روي السدّي، عن ابن عبّاس، قال: نزل قوله تعالي:(4)(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشرِي نَفسَهُ انتِغَاءَ مَرضَاةِ اللهِ) في عليّ بن أبي طالب حين هرب النبيّ صلّی الله عليه و آله عن المشرکين إلي الغار، ونام عليّ عليه السلام علي فراش رسول الله صلّی الله عليه و آله ، ونزلت الآية بين مکّة والمدينة.

ص: 174


1- سورة آل عمران : 191- 195.
2- سورة التوبة: 111.
3- مناقب ابن شهر آشوب : 84/2-86 ، عنه البحار: 65/19 .
4- سورة البقرة : 207.

في دخول رسول الله صلي الله عليه و آله و صاحبه الغار

وروي أنّه لمّا نام أمير المؤمنين عليه السلام قام جبرئيل عند(1) رأسه،

و ميکائيل عند رجليه، وجبرئيل ينادي : بخ بخ من مثلک يا ابن أبي طالب يباهي الله به الملائکة ؟(2)

وروي أنّ الله عزّ وجلّ أوحي إلي جبرئيل و ميکائيل أنّي قد جعلت عمر

أحدکما أطول من الآخر، فأکما يؤثر صاحبه بالزيادة ؟ فلم يجيبا.

فأوحي الله إليهما: هذا عليّ بن أبي طالب قد آثر محمداًبعمره، ووقاه

بنفسه، فاهبطا إليه واحفظانه، فهبط جبرئيل و ميکائيل، الحديث.(3)

وأمّا المشرکون فرکبوا الصعب والذلول في طلب رسول الله صلّی الله عليه

وآله (4)

قال الزهري : ولمّا دخل رسول الله صلّی الله عليه و آله وأبو بکر الغار أرسل الله زوجاً من حمام ، حتي باضا في أسفل الثقب، والعنکبوت حتي تنسج بيتاً، فلمّا جاء سراقة بن مالک في طلبهما فرأي بيض الحمام ونسج (5)العنکبوت، قال: لو دخله أحد لانکسر البيض و تفسّخ [ بيت ](6)العنکبوت، فانصرف.

ص: 175


1- کذا في المجمع، وفي الأصل: علي .
2- مجمع البيان :301/1 . وفيه : بک الملائکة.
3- أمالي الطوسي : 2/ 83 -84، إحياء علوم الدين: 3/ 258، الروضة لشاذان: 2 مخطوط) ، إرشاد القلوب للديلمي: 224، تأويل الأيات : 89/1 ح 76. وأخرجه في البحار: 39/19 ص64 و ص 85 ح36و ص 86ح 37 عن بعض المصادر أعلاه .
4- مناقب ابن شهر آشوب : 1/ 183.
5- في المجمع: وبيت.
6- من المجمع.

وقال رسول الله صلّی الله عليه و آله : اللّهمّ أعمِ أبصارهم عنّا، فعميت

أبصارهم عن دخوله، وجعلوا ينظرون(1)يميناً وشمالاً حول الغار.

وقال أبو بکر: لو نظروا إلي أقدامهم لرأونا.

وروي علي بن إبراهيم في تفسيره: کان رجل من خزاعة، يقال له أبو کرز، فما زال يقفو أثر رسول الله صلّی الله عليه وآله حتي وقف بهم علي الحجر (2)، فقال : [ هذه] (3) قدم محمد، هي والله أخت القدم التي في المقام، وقال: هذه قدم أبي قحافة والله، وقال: ماجاوزا هذا المکان، إمّا أن يکونا صعدا في السماء أو نزلا في الأرض.

وجاء فارس من الملائکة في صورة الإنس، فوقف علي باب الغار، وهو

يقول: اطلبوه في هذه الشعاب فليس هاهنا.

ونزل رجل من قريش فاستقبل باب الغار وبال، فقال أبو بکر: قد

أبصرونا يا رسول الله.

فقال صلّی الله عليه و آله : لو أبصرونا ما استقبلونا بعوراتهم.(4)

(فَاَنزَلَ اللهُ سَکِينَتَهُ عَلَيهِ) (5) أي علي رسوله صلي الله عليه وآله ، أي :

ألقي في قلبه ما سکن به، وعلم أنّهم غير واصلين إليه.

وفي تخصيص رسول الله صلّی الله عليه و آله بالسکينة، وعدم إدخال أبي

ص: 176


1- في المجمع: يضربون.
2- في المجمع : باب الغار.
3- من المجمع.
4- آورده عن علي بن إبراهيم في مناقب ابن شهر آشوب: 127/1 - 128، عنه البحار :77/199 ح 28.
5- سورة التوبة : 40.

بکر فيها، أقوي دليل علي عدم إيمانه، وقوّة يقينه صلّی الله عليه وآله ، ورباط جاشه، وقد أشرک الله المؤمنين مع رسوله في السکينة في هذه السورة وغيرها بقوله: (فَأَنَزَلَ اللهُ سَکينَتَهُ) علي رسوله وعلي المؤمنين، وأنزل جنوداً لم تروها، وفي سورة إنّا فتحنا: (فَأَنَزَلَ اللهُ سَکيِنَتَهُ عَلَی رَسُولِهِ وَعَلَی المُؤمِنيِنَ وَأَلزَمَهُم کَلَمِةَ التَّقوی(1)

الآية.(2)

وقد ردّ رسول الله صلّی الله عليه و آله هند وعبد الله بن فُهيرة حين أوصلاه إلي الغار، وحبس أبي بکر لعلمه برباط جأشهما، وشدّة يقينهما، وقوّة إيمانهما، وانّهما لو قتلا ما أخبرا بمکان رسول الله صلّی الله عليه وآله ، وحبس أبا بکر عنده خوفاً علي نفسه منه، لأنّه کان قد علم أوّلاً بعزم الرسول، وخاف إن أذن له کما أذن لهما أن تعلم قريشاً بمکانه فيخبرهم به إمّا رهبة أو نفاقاً.

وقد روي أبو المفضّل الشيباني بإسناده عن مجاهد، قال: فخرت عائشة بأبيها ومکانه مع رسول الله صلّی الله عليه و آله في الغار، فقال لها عبد الله بن شدّاد بن الهاد: فأين أنتِ من علي بن أبي طالب حيث نام [في] (3) مکانه وهو يري أنّه يقتل ؟ فسکتت ولم تجد جواباً.

وشتّان بين قوله تعالي: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشرِي نَفسَهُ انتِغَاءَ مَرضَاةِ اللهِ)(4) وبين قوله: (لَا تَخزَن إنَّ اللهَ مَعَنَا) (5) وکان النبي صلّی الله عليه و آله يقوّي قلبه، ولم يکن مع عليّ أحد يقوّي قلبه، وهو لم يصبه وجع، وعليُّ کان

ص: 177


1- سورة الفتح:26.
2- مجمع البيان: 31/3 ، عنه البحار: 19/ 33.
3- من المناقب .
4- سورة البقرة : 207.
5- سورة التوبة: 40.

أن الرسول صلي الله عليه و آله أسس مسجده بقبا

يرمي بالحجارة وهو علي فراش رسول الله صلّی الله عليه و آله ، وأبو بکر مختف بالغار، وعلي ظاهر للکفّار.

واستخلفه الرسول لردّ الودائع لأنّه کان أميناً، فلمّا أدّاها قام صلوات الله عليه علي سطح الکعبة، فنادي بأعلي صوته : يا أيها الناس، هل من صاحب أمانة ؟ هل من صاحب وصيّة ؟ هل من صاحب عدة له قِبَل رسول الله صلّی الله عليه و آله ؟ فلمّا لم يأت أحد لحق بالنبيّ صلّی الله عليه و آله.(1)

فنزل معه علي کلثوم(2) وکان أبو بکر في بيت خبيب(3)بن إساف، فأقام

النبيّ صلّی الله عليه و آله بقبا يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وأتس مسجده، وصلي يوم الجمعة في المسجد الذي ببطن الوادي - وادي رانوقا(4) فکانت أوّل صلاة صلّاها بالمدينة، ثمّ أتاه غسان بن مالک وعبّاس بن عبادة في رجال من بني سالم، فقالوا: يا رسول الله ، أقم عندنا في العدّة والعدد والمنعة.

فقال صلّی الله عليه و آله : خلّوا سبيلها ، فإنّها مأمورة – يعني ناقته - ، ثمّ

ص: 178


1- مناقب ابن شهر آشوب : 57/2 - 58 ، عنه البحار:289/38 .
2- في المناقب : کلثوم بن هدم وهو کلثوم بن هدم بن امريء القيس بن الحارث بن مالک بن الأوس الأنصاري الأوسي، کان يسکن قباء، ويعرف بصاحب رسول الله صلي الله عليه و آله ، وکان شيخاً کبيراً، وأسلم قبل وصول النبي صلي الله عليه وآله إلي المدينة، توفي قبل بدر بيسير، وقيل: إنّه أوّل من مات من أصحاب رسول الله صلّی الله عليه و آله . «أُسد الغابة: 253/4 »
3- کذا الصحيح ، وفي الأصل والمناقب : حبيب - وهو تصحيف .. وهو خُبيب بن إساف ؛ وقيل: يساف، ابن عِنَبة بن عَمرو الأنصاري الخزرجي: شهد بدراً وأحداًوالخندق، وکان نازلاً بالمدينة وتأخّر إسلامه حتي سار النبيّ صلّی الله عليه و آله إلي بدر، فلحق النبي صلّی الله عليه و آله في الطريق فأسلم. «أسد الغابة: 1/ 368 وج 101/2 - 102 »
4- في المناقب : رافوقا.

نزول النبي صلي الله عليه و آله في بيت أبي أيوب

تلقّاه زياد بن لبيد وفروة بن عمرو في رجال من بني بياضة، فقال کذلک، ثمّ اعترضه سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو في رجال من بني ساعدة ، ثمّ اعترضه سعد بن الربيع وخارجة بن زيد و عبد الله بن رواحة في رجال من بني الحارث، فانطلقت حتي إذا وازت دار بني مالک بن النجّار برکت علي باب مسجد رسول الله صلّی الله عليه و آله ، وهو يومئذ مِربِد(1)لغلامين يتيمين من بني النجّار، فلما برکت ورسول الله لم ينزل و ثبت وسارت غير بعيد ورسول الله صلّی الله عليه وآله واضع لها زمامها لايثنيها به، ثمّ التفّت إلي خلفها فرجعت إلي مبرکها أول مرّة فبرکت، ثم تجلجلت (2) ورزمت ووضعت جرانها، فنزل صلّی الله عليه و آله عنها، واحتمل أبو ايوب رحله ووضعه في بيته، ونزل رسول الله في بيت أبي أيّوب وسأل عن المربد فأخبر انّه لسهل وسهيل يتيمين لمعاذ بن عفراء، فأرضاهما معاذ، وأمر النبي صلّی الله عليه و آله ببناء المسجد، وعمل رسول الله صلّی الله عليه و آله بنفسه، وعمل فيه المهاجرون والأنصار، وأخذ المسلمون پر تجزون وهم يعملون، فقال بعضهم : لئن قعدنا والنبيّ يعمل لذاک منّا

العمل المضلّل

ص: 179


1- کذا في المناقب، و في الأصل : مزيد . وکذا في المواضع التالية. والمربد : موضع الإبل.
2- کذا في المناقب ، وفي الأصل : تخلخلت وتجلجلت : أي تخاضعت وتضعضعت . وما في الأصل لعلّه : تحلحلت - وهو الموافق لما في سيرة ابن إسحاق، ومعناه : تحرّکت. قال ابن الأثير في النهاية: 4 / 239 : «ثمّ تَلَحَلَتَ وأزَمَت، وَوَضَعَت جِرَائَها» تَلَخَلَتَ: أي أقامَت وَلَزِمَت مکانها ولم تَبرح، وهو ضدّ تَحَلحَل. وقال في ج 220/2 : «وأرز مت» أي صوَّتَت، والإز زام: الصوت لايفتح به الفَمُ، و «ناقةرازم» هي الّتي لا تتحرّک من الهزال. والجران باطن العنق ؛ وقيل: مقدّمه .

غزوات رسول الله صلي الله عليه وآله

والنبي صلّی الله عليه وآله يقول : لا عيش إلّا عيش الآخرة ربّ (1)ارحم الأنصار والمهاجرة

وعلي أمير المؤمنين يقول: لايستوي من يعمل (2) المساجدا يدأب فيها قائماً وقاعداً

ومن يُري عن الغبار(3) حائداً ثمّ انتقل من بيت أبي أيّوب إلي مساکنه الّتي بنيت له؛ وقيل: کانت مدّة مقامه بالمدينة إلي أن بني المسجد وبيوته من شهر ربيع الأوّل إلي صفر من السنة القابلة.(4)

ولمّا کان بعد سبعة أشهر من الهجرة نزل جبرئيل عليه صلّی الله عليه و آله بقول: (أذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ بأَنَّهُم ظُلِمُوا)(5) الآية، وقلّد في عنق رسول الله صلّی الله عليه و آله سيفاً. وفي رواية : لم يکن له غمد، وقال: حارب بهذا قومک حتي يقولوا لا إله إلا الله .

وروي أهل السير أنّ جميع ما غزا رسول الله صلّی الله عليه و آله بنفسه ستّ وعشرون غزاة، علي هذا النسق: الأبواء، بواط(6)العشيرة، بدر الأُولي، بدر

ص: 180


1- في المناقب : اللّهمّ.
2- کذا في المناقب، و في الأصل : يعمر.
3- في المناقب: الغيار. - بمعني : الغيرة -، وکلاهما يناسب المقام. والحائد: المعرض والمائل عن الشيء
4- مناقب ابن شهر آشوب: 1/184- 186، عنه البحار : 122/19 ح 9.
5- سورة الحج :40.
6- بُّواط: واد من أودية القبلية........ وهو جبلُ من جبال جهينة، بناحية رَضوَي به غزاة للنبيّ صلّي الله عليه و آله .« مراصد الاطلّاع: 228/1» سعة

سرايا رسول الله صلي الله عليه و آله

الکبري، السويق، ذي أمر، أُحد، نجران، بنو سليم، الأسد، بنو النضير، ذات الرقاع، بدر الأُخري، دومة الجندل، الخندق، بنو قريظة، بنو لحيان، بنو قرد، بنو المصطلق، [الحديبيّة، خيبر، الفتح، حنين، الطائف](1) ، تبوک، بنو قينقاع، قاتل في تسع، وهي: بدر الکبري، وأُحد، والخندق، وبني قريظة،(2) وبني لحيان، وخيبر، والفتح، وحنين، والطائف.

وأمّا سراياه فستّ وثلاثون، لا نطوّل بذکرها.(3)

وکان أمير المؤمنين عليه السلام قطب رحاها الّتي عليه تدور، وفارسها البطل المشهور، إلّا تبوک، فإنّ رسول الله صلّی الله عليه و آله خلّفه علي المدينة لأنّه علم أنّه لا يکون فيها حرب، ولمّا لحق برسول الله صلّی الله عليه و آله وقال: يا رسول الله، خلّفتني مع النساء والصبيان، فردّه رسول الله صلّی الله عليه و آله من اللحوق، وقال: يا عليّ، أنت منّي بمنزلة هارون من موسي إلّا أنّه لا نبيّ بعدي، انّ المدينة لا تصلح إلّا بي أو بک(4) فرجع صلوات الله عليه.

وکان المنافقون يتخرصون(5) الأخبار ، ويرجفونها في المدينة ، ويزوّدون

ص: 181


1- من المناقب .
2- زاد في المناقب : وبني المصطلق.
3- مناقب ابن شهر آشوب: 186/1 و 212، عنه البحار : 172/19 ح 18.
4- انظر : مناقب ابن شهر آشوب: 15/3 -17، بحار الأنوار:254/37 - 289 ب 53 الأمثل في تفسير کتاب الله المنزل: 5/ 182- 190 حيث يتبين من خلالها أن حديث المنزلة من حيث الأسانيد هو من أقوي الأحاديث والروايات الاسلاميّة الّتي وردت في مؤلفات جميع الفرق الاسلاميّة بلا استثناء، وان هذا الحديث يوضح لأهل الإنصاف من حيث الدلالة أفضليّة عليّ عليه السلام عليّ الأمة جمعاء، وأيضاً خلافته المباشرة - وبلا فصل - بعد رسول الله صلّی الله عليه و آله.
5- يتخرّصون : أي يفتعلون . ويرجفون : أي يخوضون في الأخبار السيئة وذکر الفتن التي يکون معها اضطراب في الناس .

موعظة جليلة للمؤلف رحمه الله

الأحاديث ليشوشّوا علي ضعفاء المؤمنين ، وکانوا کلّما ألقوا إلي المسلمين ما بينّوه من الإفک والإرجاف أمرهم أمير المؤمنين بالصبر، وأعلمهم أنّ ذلک لا حقيقة له، إلي أن رجع رسول الله صلّی الله عليه و آله مؤيّداً منصوراً قد خضعت له رقاب المشرکين، والتزموا الشرائط شرطها عليهم صلّی الله عليه و آله .

وکفي أمير المؤمنين فخراً ودلالة علي فضله و تقديمه ما صدر منه في بدر وأحد وخيبر والخندق، فإنّ القتلي کانت سبعين، قتل صلوات الله عليه بيده الشريفة ثمانية وعشرين، وقيل: ستّة وثلاثين، وقتلت الملائکة والناس تمام العدد.

موعظة جليلة فرّغ نفسک أيّها المؤمن متفکّراً بعين بصيرتک، وأيقظ قلبک أيّها المخلص ناظراً بعين باصرتک، أما کان الله سبحانه قادراً علي صب سوط عذابه(1) علي من آذي نبيّه ؟ أما کان جلّ جلاله عالماً عن نصب حبائل غوائله، وناجر وليه ؟ أما کان في شدة بطشه قوة تزيل جبال تهامة عن مراکزها، وتنسفها نسفاً(2)؟ أما کان في عموم سلطانه قدرة أن يخسف الأرض بأهلها، أو يسقط السماء عليهم کِسَفاً(3)لما ارتکبوا من خلاف نبيّهم ما ارتکبوا، واحتقبوا من کبائر الذنوب ما احتقبوا، واتخذوا الأصنام آلهة من دون مبدعهم وخالقهم، واستقسموا بالأزلام عتوّاً علي مالکهم ورازقهم، وجعلوا له البنات ولهم البنين بجائر قسمتهم،

نمود

ص: 182


1- إقتباس من الآية: 13 من سورة الفجر.
2- إقتباس من الآية: 105 من سورة طه.
3- إقتباس من الآية: 92 من سورة الاسراء

وبحروا البحيرة، وسيّبوا السائبة (1)ببدعة جاهليّتهم ؟ أما کان سبحانه قادراً حين آذوا الرسول وراموا قتله علي مسخهم قردة خاسئين (2) ؟ أکان عاجزاً لمّا أخرجوانبيّهم أن ينزل عليهم آية فتضلّ أعناقهم لها خاضعين (3)؟

بلي هو القادر الّذي لا يعجزه شيء في الأرض، ولا في السماء، القاهر فلا يفلت من قبضة سطوته من دنا أو نأي، الّذي لا يزيد في ملکه طاعة مطيع من عباده، ولا ينقص من سلطانه معصية متهتّک بعباده، لکنه سبحانه أمهلهم بحلمه، وأحصاهم بعلمه، ولم يعاجلهم بنقمته، ولم يخلهم من رحمته، وفتح لهم أبواب الهدي إلي رضوانه، وحذّرهم سلوک سبيل الردي إلي عصيانه ، وکلّفهم بالتکاليف الشاقّة من بعثتهم علي طاعته ، وحذرهم من الأعمال الموبقة بنهيهم عن مخالفته، ونصب لهم أعلاماً يستدلّون بمنارهها من حيرة الضلالة في مدارج السلوک، ونجوماً يهتدون بأنوارها من مداحض الجهالة ومهالک الشکوک.

ولمّا کان سبحانه منزّهاً عن العرض والجسم، مقدّساً عن الترکيب والقسم، لا تخطر صفته بفکر، ولا يدرک سبحانه ببصر، ولا تعده الأيّام، ولا تحدّه الأنام، قصرت الأفکار عن تبصرة کماله، وحارت الأنظار عن تحديد جلاله، وحسرت الأبصار عن مشاهدة جماله، وتاهت الأفهام في بيداء معرفته، وکلّت الأوهام عن تعيين صفته.

لم يخلق سبحانه خلقه عبثاً، ولم يترکهم هملاً، بل أمرهم بالطاعة وندبهم إليها، وکلّفهم بالعبادة وأثابهم عليها، قال سبحانه: (وَمَا خَلَقَتُ الجِنَّ والإنسَ إلَّا

ص: 183


1- إقتباس من الآية: 103 من سورة المائدة
2- إقتباس من الآية: 65 من سورة البقرة، والآية : 166من سورة الأعراف .
3- إقتباس من الآية: 4 من سورة الشعراء

لِيَعبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنهُم مِن رِزقٍ وَ مَا أُرِيدُ أَن يُطعِمُونِ)(1) والعبث لا يليق بحکمته، والإغراء بالقبيح لا يحسن بصفته.

وجب في لطفه إعلامهم بما فيه صلاحهم في دنياهم وأُخراهم، وفي عدله تعريفهم مبدأهم ومنتهاهم، وجعل لهم قدرة واختيارة، ولم يجبرهم علي فعل الطاعة وترک المعصية اضطرارة، بل هداهم النجدين، وأوضح لهم السبيلين.

ولمّا کانت کدورات الطبيعة غالبة علي نفوسهم، وظلمة الجهالة مانعة من تطهيرهم وتقديسهم، والنفس الأمارة تقودهم إلي مداحض البوار، والشهوة الحيوانيّة تحثّهم علي ارتکاب موبقات الأوزار، والوسواس الخنّاس قد استولي بوساوسه علي صدورهم ، وزين لهم بزخارفه مزالق غرورهم، فوجب في عدله وحکمته إقامة من يسوقهم بسوط لفظه إلي ما يقرّبهم من حضيرة جلاله، ويزجرهم بصوت وعظه عمّا يوبق أحدهم في معاشه وماله، إذ أنفسهم منحطّة عن مراتب الکمال، غاوية في مسالک الوبال، منخرطة في سلک أن النفس الأمارة بالسوء إلّا من رحم، (2)غارقة في لجّة الجهل إلا من عصم، تقصر قواها عن تلقّي نفحات رحمته، وتضعف مراياها لعدم جلاها عن مقابلة أشعّة معرفته.

فأقام سبحانه لهم حججاً من أبناء نوعهم، ظاهرين في عالم الانسانيّة باطنين في عالم الروحانيّة، فظواهرهم أشخاص بشرية، وبواطنهم أملاک علويّة، قد توجّهم سبحانه بتيجان الحکمة، وأفرغ عليهم حلل العصمة، وطهرّهم من الأدناس، ونزّههم عن الأرجاس، فشربوا من شراب حبه (3) أشغلهم به عمن سواه، واطلّعوا علي أسرار ملکوته فما في قلوبهم إلّا إيّاه، لما انتشت نشاءة

ص: 184


1- سورة الذاريات : 56 و57.
2- إقتباس من الآية : 53 من سورة يوسف.
3- کذا الصحيح، وفي الأصل: حبهما.

نفوسهم من رحيق خطابه في عالم الذرّ، وسکنت هيبة عزّة جلاله شغاف قلوبهم حين أقرّ من أقرّ ، وأنکر من أنکر ، لم تزل العناية الأزليّة تنقلهم من الأصلاب الفاخرة إلي الأرحام الطاهرة، والألطاف الإلهية تمنحهم شرف الدنيا والآخرة.

جعلهم سبحانه السفراء بينه وبين عباده، والأمناء علي وحيه في سائر أنامه وبلاده، بشّرت الأنبياء الماضية بظهورهم، وأشرقت السماوات العالية بساطع نورهم، کتب أسماءهم علي سرادقات عرشه المجيد، وأوجب فرض ولايتهم علي عباده من قريب وبعيد، کلّفهم بحمل أعباء رسالته، وجعلهم أهلاً الأداء أمانته، يتلقّون بوجه باطنهم أنوار سبحات جمال عزته، ويقابلون بظاهر ضياء محاسن بهجاتهم عباده فيهتدون بنورهم إلي نعيم جنّته، (عِبَادُ مُکرَمُونَ لاَيَسبِقُونَهُ بالقَولِ وَهُم بِأَمرِهِ يَعمَلُونَ يَعلَمُ مَا بَينَ أَيديِهِم وَمَا خَلفَهُم وَلَا يَشفَعُونَ إلَّا لِمَنِ أُرتَضَي وَهُم مِن خَشيَتِه مُشفِقُونَ)(1)

أصلهم نبيّ تمّمت به النبوّة، وکملت به الفتوّة، وانتهت إليه الرئاسة العامّة، وخصّ من الله بالکلمة التامّة، وأيّده سبحانه بنصره في المواطن المشهورة وأظهره بقهره علي أعدائه في حروبه المذکورة، وشدَّ أزره بوصيّه المرتضي، وشيّد ملّته بصفيه المجتبي، صارم نقمته، وحامي حوزته، الّذي لم يخلق الله خلقاً أکمل منه من بعده ولا قبله، ولم يدرک مدرک شأوه(2)ولا فضله، ولا أخلص مخلص لله إخلاصه، ولا جاهد مجاهد في الله جهاده من العامّة والخاصّة.

إن دارت حرب فهو قطب رحاها، أو توجّهت آمال فهو غاية رجاها، أو ذکر علم فهو مطلع شمسه، أو اشتهر فضل فهو قالب نفسه، باب علم مدينة

ص: 185


1- سورة الأنبياء : 26 - 28.
2- الشَّأو : الغاية، الأمد، السَّبق.

المصطفي، وقاضي دَينه، ومنجز عداته، وقاضي دِينه، طال بقوادم الشرف لا علي بقدمه علي الکتف .

ناداه البيت الحرام بلسان الحال، وناجاه الرکن والمقام بمعاني المقال: يا صاحب النفس القدسية، ويا منبع الأسرار الخفية، ويا مطلع الأنوار الإلهيّة، ويا دفتر العلوم الربّانيّة، أما تري ماحلّ بي من الأرجاس ؟ أما تنظر ما اکتنفني من الأدناس ؟ الأنصاب حولي منصوبة، والأزلام في عراصي مضروبة، والأصنام مرفوعة علي عرشي، والأوثان محدّقة بفرشي، تنضح بالدماء جدراني، وتستلم الأشقياء آرکاني، ويعبد الشيطان في ساحتي، ويسجد لغير الرحمن حول بَنيَّتِي.

فالغوث الغوث يا صاحب الشدّة والقوّة، والعون العون ياربّ النجدة والفتوة، خذ بمجامع الشرف بخلاصي واستنقاذي، وفز بالمعلاّ من سهامه فيک معاني وملاذي.

ولمّا شاهد ربّ الرسالة العامة تضعها بوصیّه، وعاين صاحب الدعوة التامّة تشقعها بوليّه، ناداه بلسان الاخلاص في طاعة معبوده، وأنهضه بيد القوّة القاهرة لاستيفاء حدوده، وفتح له إلي سبيل طاعة ربّه منهاجاً، وجعل کتفه الشريفة بأمر ذي المعارج لأخمصه(1) معراجة، وأمره بتستم(2) ذروة بيت ربه، و تنزيهه عن الرجس من الأوثان بقالبه وقلبه، و تکسير صحيح جمعها بيد سطوته، وإلقاء هبلها عن ظهره بشدّة عزمته.

روي بحذف الاسناد عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال : دخلنا مکّة

ص: 186


1- الأخمص: باطن القدم ومارقَّ من أسفلها وتجافي عن الأرض ؛ وقيل: الأخمَصُ خَصرُ القدم. «لسان العرب : 30/7 - خمص - ».
2- تم الشيء و تسمه : علاه . «لسان العرب :306/12 - سنم - ».

فتح مکة

يوم الفتح مع رسول الله صلّي الله عليه و آله وفي البيت وحوله ثلاثمائة وستّون صنماً، فأمر رسول الله صلّی الله عليه و آله فأُلقيت جميعها عي وجوهها، وأمر بإخراجها، وکان علي البيت صنم - لقريش - طويل يقال له «هبل»، وکان من نحاس علي صورة رجل موتّد با وتادٍ من حديدٍ إلي الأرض في حائط الکعبة.

قال أمير المؤمنين ، فقال لي رسول الله : اجلس، فجلست إلي جانب

الکعبة، ثمّ صعد رسول الله صلّی الله عليه و آله علي منکبي، ثمّ قال لي : انهض بي، فنهضت به، فلمّا رأي ضعفي عنه، قال: اجلس، فجلست وأنزلته عنّي، فقال: قم - يا علي - علي عاتقي حتي أرفعک، فأعطيته ثوبي، فوضعه رسول الله صلي الله عليه و آله علي عاتقه، ثمّ رفعني حتي وضعني علي ظهر الکعبة، وکان طول الکعبة أربعين ذراعاً، فوالذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، لو أردت أن أمسک السماء بيدي لمسکتها.

وروي أنّه صلوات الله عليه لمّا عالج قلعه اهتزّت الکعبة من شدّة معالجته، فکسره وألقاه من فوق الکعبة إلي الأرض، ثمّ نادي رسول الله صلّی الله عليه و آله : انزل، فوثب من أعلي الکعبة کأنّ له جناحين.(1)

وقيل : إنّه صلوات الله عليه تعلّق بالميزاب، ثمّ أرسل نفسه إلي الأرض، فلمّا سقط صلوات الله عليه ضحک ، فقال النبي : ما يضحکک يا علي، أضحک الله سنّک ؟

قال: ضحکت - يا رسول الله - متعجّباً من اني رميت بنفسي من فوق

البيت إلي الأرض فما تألّمت، ولا أصابني وجع !

ص: 187


1- مناقب ابن شهر آشوب: 135/2 -136، وفيه عن جابر بن عبد الله ؛ وعن أبي مريم، عن أمير المؤمنين علي عليه السلام ؛ وعن ابن عبّاس.

فقال : کيف تتألّم يا أبا الحسن أو يصيبک وجع ؟! إنّما رفعک محمد،

وأنزلک جبرئيل(1)

وروي أنّ عمر تمنّي علي رسول الله صلّی الله عليه و آله أن يکسره ، فقال

صلّی الله عليه و آله : إن الذي عبده لا يکسره.

ولمّا صعد أبو بکر المنبر في بدء أمره نزل عن مقام رسول الله صلّی الله عليه و آله مرقاة، فلمّا صعد عمر نزل عن مقام أبي بکر مرقاة، فلمّا صعد عثمان نزل عن مقام عمر مرقاة، فلمّا تولّي أمير المؤمنين صلوات الله عليه صعد إلي مقام رسول الله صلّی الله عليه و آله ، فسمع من الناس ضوضاء، فقال: ماهذا الّذي أسمع ؟

قالوا: لصعود إلي مقام رسول الله صلي الله عليه و آله الذي لم يصعد إليه

مَن تقدّمک.

فقال عليه السلام : سمعت رسول الله صلّی الله عليه و آله يقول : من قام مقامي ولم يعمل بعملي أکتبه الله في النار، وأنا والله العامل بعمله، الممتثل قوله، الحاکم بحکمه، فلذلک قمت هنا.

ثمّ ذکر في خطبته، فقال: معاشر الناس، قمت مقام أخي وابن عمي لأنّه أعلمني بسرّي وما يکون منّي، فکأنّه صلوات الله عليه قال: أنا الّذي وضعت قدمي علي خاتم النبوة، فما هذه الأعواد ؟ أنا من محمد و محمد منّي.

وقال صلوات الله عليه في خطبته (2): أنا کسرت الأصنام ، أنا رفعت

ص: 188


1- مناقب ابن شهر آشوب :141/2 .وانظر الغدير: 12/7.
2- في المناقب : خطبة الافتخار .

الأعلام، أنا ثبّتّ الاسلام.

[قال ابن نباتة: حتّی شدّ به أطناب الاسلام، وهدّ به أحزاب الأصنام،

فأصبح الايمان فاشياً بأقياله، والبهتان متلاشياًبصياله] ،(1) ولمقام إبراهيم شرف علي کلّ حجر لکونه مقاماً لقدم إبراهيم، فيجب أن يکون قدم عليّ أشرف من رؤوس أعدائه لأن مقامه کتف النبوّة، والغالية والمشبّهة من المجبّرة يقولون أکثر من هذا(2)

حتي روت المجبّرة عن النبي صلّی الله عليه و آله قال: لمّا بلغت سدرة المنتهي ليلة المعراج وضع الجليل سبحانه يده علي کتفي فأحسست ببردها علي

کبدي.(3)

وقيل في ذلک شعراً قيل لي قل في عليَّ المرتضي مدحاً يطفيء (4)ناراً موقده قلت لا يبلغ مدحي(5)رجلا حار ذو الجهل إلي أن عبده وعلي واضع أقدامه في مقام(6)وضع الله يده(7) وقيل أيضاً:

ص: 189


1- من المناقب.
2- مناقب ابن شهر آشوب : 135/2 - 136.
3- أورد مثل هذا الشهرستاني في الملل والنحل: 1/ 97 في «مشبهة الحشوية» بهذا اللفظ : حتي وجدت برد أنامله علي کتفي
4- في المناقب : کلمات تطفيء.
5- في المناقب : قولي.
6- في المناقب : وعلي واضعا رجلاً له ...... بمکان.
7- مناقب ابن شهر آشوب: 2/ 137 ناسباً الأبيات إلي أبي نؤاس. وانظر الغدير: 12/7 .

قالوا مدحت عليّ الطهر قلت لهم کلّ امتداح جميع الأرض معناه ماذا أقول بمن حطّت له قدم في موضع وضع الرحمن يمناه(1)

فيا من يتصدّي سواه للامامة، ويدوک(2)للزعامة، ويضعف سباله، ويرجل قذائه، وينتقص کمال الکامل ، وينکر فضل الفاضل ، ويکاثر بکثرة الأتباع، ويفاخر بالهمج الرعاع، يحسبه الظمآن ماء، حتي إذا جاءه لم يجده شيئاً، ويظنّه الجاهل إماماً وقد ضرب الحمق علي هامته من الجهل، ظلّاً وفيئاً، يدير لسانه في لهواته إذا سئل، ويجمد ريقه في بلعومه إذا جودل، يظنّ أنّه الفاضل الأعلم، وهو أجهل من البازل الأعلم، ويعذر انّه علم السنّة ، وهو أضل الحق والسنة.

تنحّ عن رتبة وليّ الحقّ في الخلق، و ميزان القسط والصدق، لفظه جلاء القلوب، ووعظه شفاء الکروب، ومعلّمه ربّ العالمين، ومؤدّبه سيّد المرسلين، ينصب له کلّ يوم علماً من علمه، ويفتح له باباً من حِکَمِهِ و حُکمِهِ ، يتبّعه اتباع الفصيل أثر أمّه، ويلازمه ملازمة شعاره (3)لجسمه.

ويک اربع علي ضلعک، و تفکّر في أصلک وفرعک، وطالع مراءة عقلک بعين الانصاف، واحذر ارتکاب طريقة الوقاحة والاعتساف، أليست أمّک صهاک ؟ أليس الخطاب أباک ؟ ألست جاحد النصوص علي أهل الخصوص ؟ ألست منکسّ الراية يوم القموص؟ أما في حنين وأوطاس کنت أوّل المدبرين

ص: 190


1- مناقب ابن شهر آشوب : 2/ 137 . وفيه :«لمن » بدل «بمن» .
2- في حديث خيبر : أنّ النبي صلّي الله عليه و آله قال: لأُعطينَّ الراية غداً رجلاً يفتح الله علي يديه، فباتَ الناس يَدُوکون تلک الليلة فيمن يدفعها إليه، قوله: يَدُرکون أي يخوضون ويموجون ويختلفون فيه. والدَّوک: الاختلاط. وقع القوم في دَوکَةٍ ودَوکةٍ وبُوح أي وقعوا في اختلاط من أمرهم وخصومة وشر . «لسان العرب: 430/10 - دوک - ».
3- الشَّعار: ما ولي شَعَرَ جسد الإنسان دون ما سواه من الثياب... وفي المثل : هم الشَّعار دون الدَّثار، يصفهم بالمودّة والقرب . «لسان العرب: 412/4 - شعر - ».

من الناس ؟ أأنت قاتل عمرو ومفرّق جموعه ؟ أأنت المتصدق بخاتمه في رکوعه ؟ أرضيک الرسول دون الخلق صهراً ؟ أم أوردک في الغدير من غدير الشرف ورداً وصدراً ؟

ويحک قف عند حدّک، ولا تفاخر بأبيک وجدّک، ولا تجار فرسان المجد فنضلّ في الحلبة طريحاً، ولا تساجل(1) أبطال الفخر فتصبح بسيوف الفضيحة طليحاً.

يا مغرور غرّتک دار الغرور، يا مثبور (2) وفتنتک ببطشها المشهور، وزينت لک سوء عملک فرأيته حسناً، فغادرتک بموبقات سيّئاتک مرتهناً، وعن قليل يسفر الصباح، ويري المبدع في دين الله ما حضر وأباح، و يکشف الجليل لک عن وجه غفلتک حجاباً، ويقوم الروح والملائکة صفّاً لا يتکلّمون إلّا من أذن له الرحمن وقال صواباً (3)، ويقف سيّد المرسلين، ووصيّه سيد الوصييّن، وابنته سيّدة نساء العالمين، ثمّ يؤتي بک موثوقاً بأغلالک، مرتهناً بأعمالک، يتبرّأ منک أتباعک، ويلعنک أشياعک، وملائکة العذاب تدعک إلي النار دعّاً، والزبانية تسفعک بعذبات العذاب سفعاً

فعندها يجثو سيّد المرسلين للخصومة، ويقف وصيّه المظلوم وابنته وينادي عليک باسمک، ويظهر للناس بعض حدّک ورسمک، وينظر في ديوان حسابک، وتتهيّأ ملائکة العذاب لأخذک وعذابک، ويقال لک علي رؤوس الأشهاد ومجمع العباد: يا قاطعاً رحم نبيّه، يا جاحداً فضل وليّه، يا منکراً نصّ الغدير، يا ظالماً أهل آية التطهير، ألست القائل : إنّ نبيّکم ليهجر، وقد قال الله في

ص: 191


1- ساجَلَ الرَّجلَ : باراه ... والمساَجَلَة: المفاخرة. «لسان العرب :326/11 - سجل - ».
2- المثبور : المغلوب، الملعون، المطرود، المعذب، المحبوس.
3- إقتباس من الآية : 38 من سورة النبأ .

خطبة لأمير المؤمنين عليه السلام يشکو فيها قريش

شأنه: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَي)(1)؟ ألست الزاعم أنّه غوي في حب وصّيه، والله يقول: (مَا ضَلَّ صَاحِبُکُم وَمَا غَوَي)) (2)؟ ألست المسند إلي رسول « ما ترکناه صدقة (3)؟

فلعن الله الحديث ومتخرّصه ومصدّقه، أما کان جزاء من أکلت الدنيا

بسلطانه ترک فدک لذرّيّته ؟ أما کان في شرع المروّة التغافل عن بقعة من الأرض ذات الطول والعرض لعترته ؟ هنالک تصحو من خمار خمرتک، وتفيق من غمار غمرتک، ويحقّ الحقّ، ويأتي النداء من قبل الحقّ: (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلسِلَةٍ ذَرعُهَا سَبعُونَ ذِرَاعاً فَاسلُکَوهُ إنّه کَانَ لَا يُؤمِنُ بِاللهِ العَظِيمِ وَلَا يَحُضُّ عَلَی طَعَام المِسکِینِ فَلَيسَ لَهُ اليَومَ هَا هُنَا حَمِيمُ وَلَا طَعَامُ إلَّا مِن غِسلِينٍ)(4)، فتجرّ مصفّداً، وتسحب مقيّداً، وتلقي في الجحيم مرکوساً، وتقذف في الحميم منکوساً، في شرّ سجن قعرها هاوية، وسجنتها زبانية، وما أدراک ما هيه نار حامية. (5)

روي أنّ أمير المؤمنين عليه السلام خطب فقال : ما لنا وقريش، وما

تنکر منّا قريش غير أنّا أهل بيت شيّد الله فوق بنيانهم بنياننا، وأعلي فوق رؤوسهم رؤوسنا، واختارنا الله عليهم، فنقموا عليه أن اختارنا عليهم،

ص: 192


1- سورة النجم : 3.
2- سورة النجم : 2.
3- انظر : طبقات ابن سعد : 28/2 ، صحيح البخاري :96/4 -98، و ج25/5 وص 115-114 ص 177، وج 82/7 . وج 8/ 185، و ج 9/ 122، ص حيح مسلم: 1380/3 ح1759، الملل والنحل: 2131
4- سورة الحاقة: 36-30
5- إقتباس من الآية: 10 و 11 من سورة القارعة.

[وسخطوا مارضي الله، وأحبّوا ما کره الله، فلمّا اختارنا عليهم ](1)شرکناهم في حريمنا، وعرّفناهم الکتاب والسنّة، وعلمناهم الفرائض والسنن، و حفظناهم الصدق والدين (2)، فوثبوا علينا، وجحدوا فضلنا، ومنعونا حقّنا، والتوونا أسباب أعمالنا.

اللّهمّ فإنّي أستعديک علي قريش، فخذ لي بحقّي منها، ولا تدع مظلمتي لها، وطالبهم يا ربّ - بحقّي فإنّک الحکيم (3) العدل، فإنّ قريشاًصغرت قدري، واستحلّت المحارم منّي، واستخفّت بعرضي وعشيرتي، وقهرتني علي ميراثي من ابن عمّي، وأغروا بي أعدائي، ووتروا بيني وبين العرب(4)وسلبوني ما مهّدت لنفسي من لدن صباي بجهدي وکدّي، ومنعوني ما خلّفه أخي وحميمي وشقيقيه(5) وقالوا إنّک لحريص متّهم.

أليس بنا اهتدوا من متاه الکفر، ومن عمي الضلالة، وغيّ الظلماء ؟ أليس

أنقذتهم من الفتنة الصمّاء العمياء (6) ؟ ويلهم ألم أُخلّصهم من نيران الطغاة (7)وسيوف البغاة، ووطأة الأسد، ومقارعة الطماطمة(8)، ومجادلة القماقمة الّذين

ص: 193


1- من المناقب.
2- في المناقب : اللين، ودّيناهّم الدين و الاسلام .
3- في المناقب : الحکم
4- في المناقب : العرب والعجم.
5- کذا في المناقب، و في الأصل: وجسمي وشفيقي.
6- في المناقب: الفتنة الظلماء والمحنة العمياء
7- زاد في المناقب : وکره العتاة
8- في المناقب : الصماء طميم الناس : أخلاطهم وکثرتهم. والطَّمطَة : العَجمة. والطَّماطِم: هو الأعجم الذي لايُفصِح. «لسان العرب:371/12 - طمم -» .

کانوا عجم العرب، وغنم الحرب(1)، وقطب الأقدام، وحبال (2)القتال، وسهام الخطوب، وسلّ السيوف ؟ أليس بي تسنّموا(3) الشرف، ونالوا الحقّ والنصف ؟ ألست آية نبوة محمّد صلّی الله عليه و آله ، ودليل رسالته، وعلامة رضاه، وسخطه الّذي يقطع بي الدرع الدلاص، ويصطلم(4) الرجال الحراص، وبي کان يبري جماجم البهم (5)وهام الأبطال إلي أن فزعت تيم إلي الفرار، وعدّي إلي الانتکاص (6)

ألا وإنّي لو أسلمت قريشاً للمنايا والحتوف وترکتها لحصدتها سيوف الغواة، ووطأتها الأعاجم، وکرّات الأعادي، وحملات الأعالي، وطحنتهم سنابک الصافنات (7)، وحوافر الصاهلات، في مواقف الأزل والهزل،(8) في طلاب الأعنّة، وبريق الأسنّة، ما بقوالهظمي، ولا عاشوا لظلمي، ولما قالوا : إنّک

الحريص متهم .(9)

ثمّ قال بعد کلام :

ص: 194


1- أي الّذين يطلبون غنائمها.
2- في المناقب : جبال.
3- تسنّم الشيء : علاه وارتفع به.
4- الدَّلاص: الليَّن البراق الأملس، واصطلم : استأصل وأباد.
5- کذا في المناقب ، وفي الأصل : الهمم. واليهم: جمع بهمة: الفارس الذي لا يبالي في الحرب من شدة بأسه.
6- کذا في المناقب . وفي الأصل: إلي أن قرعت بهم إلي الفرار، وعدي إلي الانتقاص
7- السنابک : أطراف الحوافر. والصافنات: جمع الصافن: وهو الفرس القائم علي ثلاث قوائم، وطرف الحافر الرابعة . «المعجم الوسيط :453/1 و 517»
8- کذا في المناقب ، وفي الأصل : والقول. والأزل : شدة الزمان، وضيق العيش . والهزل : الضعف ، والهذيان وأسترخاء الکلام.
9- من المناقب . وفي الأصل عبارة « مابقوا ...» فيها تصحيف.

ألا وإنّي فتحت الاسلام، ونصرت الدين، وعزّزت الرسول، وثبّت(1) أعلامه، وأعليت مناره، وأعلنت أسراره، وأظهرت أثره وحاله، وصفيت الدولة، ووطأت الماشي(2)و الراکب، ثمّ قدتها صافية علي أنّي بها مستأثر.

[ثمّ قال بعد کلام:] (3)

سبقني إليها التيمي والعدوي کسباق الفرس احتيالاً واغتيالاً وخدعة

وغيلة.

ثمّ قال بعد کلامه:

يا معشر المهاجرين والأنصار، أين کانت سبقة تيم وعديّ إلي سقيفة بني ساعدة خوف الفتنة [ألا کانت](4) يوم الأبواء، إذ تکافت الصفوف، و تکانفت الحتوف (5) وتقارعت السيوف ؟ أم هلا خشيا فتنة الإسلام يوم ابن عبد ودّ إذ شمخ بأنفه، وطمح ببصره ؟

ولِمَ [لم ](6)يشفقا علي الدين وأهله يوم بواط إذ اسودّ الأفق، واعوجّ

عظم العنق (7)

ولِمَ لم يشفقا يوم رضوي إذ السهام تطير، و المنايا تسير ، والأسد تزأر ؟

وهلا بادرا يوم العشيرة إذ الأسنان [ تصطکّ ، والآذان](8) تستک،

والدروع تهتک ؟

ص: 195


1- في المناقب : و پنيت .
2- کذا في المناقب ، وفي الأصل : للماضي.
3- من المناقب
4- من المناقب
5- في المناقب : إذ تکاثفت الصفوف ، وتکاثرت الحتوف.
6- من المناقب
7- زاد في المناقب : وانحل سيل الغرق.
8- من المناقب

وهلا کانت مبادرتهما يوم بدر إذ الأرواح في الصعداء ترتقي، والجياد

بالصناديد ترتدي، والأرض من دماء الأبطال ترتوي ؟

ولِمَ لم يشفقا علي الدين يوم بدر الثانية، والدعاس ترعب، والأوداج

تشخب، والصدور تخضب ؟

وهلا بادرا يوم ذات الليوث(1) وقد أمجّ التولب (2) واصطلم الشوقب،

وادلهم(3)الکوکب.

[ولم لا کانت شفقتهما علي الاسلام يوم الأکدر] ،(4) والعين تدمع،

والمنية تلمع، والصفائح تنزع.

ثم عدّد وقائع النبي صلّی الله عليه و آله ، ثمّ قال : فإنّهما کانا في النظارة.

ثمّ قال : فما هذه الدهماء والدهياء الّتي وردت علينا(5) من قريش ؟ أنا صاحب هذه المشاهد، وأبو هذه المواقف، وابن هذه الأفعال الحميدة - إلي آخر الخطبة ..

ومن جملة قصيدة للناشيء رحمة الله عليه : فلِمَ لم يثوروا(6) ببدرٍ وقد تبلت من القوم إذ بارزوکا ؟ ولِمَ عرَّدوا إذ شجيت العدي بمهراس أُحد وقد (7) نازلوکا ؟

ص: 196


1- أي غزوة حنين
2- أمجَّ: جَري جَرياً شديداً. والتولب : ولد الأتان من الحمار الوحشي إذا استکمل الحول.
3- الشوقب : الطويل من الرجال، النعام، الإبل . وادلهم : اشتد ظلامه.
4- من المناقب : وفيه «والعيون» بدل «والعين». .
5- کذا في المناقب ، وفي الأصل: عليها.
6- کذا في المناقب، وفي الأصل : تثور . والتبل : الثأر
7- ي المناقب : ولم؟ وعرد: هرب . والمهراس : صخرة منقورة تسع کثيراً من الماء، وقد يعمل منه حياض للماء ، وهو هنا اسم ماء بأحد.

وَلِمَ أجمحوا يوم سلعٍ،(1) وقد ثبتَّ لعمرو ولِمَ أسلموکا ؟ ولِمَ يوم خيبر لم يثبتوا براية (2) أحمد واسترکبوکا ؟ فلاقيت مرحباً والعنکبوت واسداً يحامون إذ واجهوکا فدکدکن حصنهم قاهراً وطوّحت بالباب إذ حاجزوکا ولَم يحضروا بحنين وقد صککت بنفسک جيشاً صکوکا فأنت المقدّم في کل ذلک فله درّک لِمَ أخروکا ؟

ومن نهج البلاغة :

اللّهم إنّي أستعديک علي قريش، فإنّهم [قد] (3) فطعوا رحمي، وکفروا آياتي(4)، وأجمعوا علي منازعتي حقّاً کنت أولي به من غيري، وقالوا : ألا

[إنّ] (5) في الحقّ أن (6)تأخذه، وفي الحق [ أن]تُمنعه، فاصبر مغموماً، أو مُت متأسّفاً، فنظرت فإذا ليس لي رافد، ولا ذابّ (7) ولا مساعد، إلّا أهل بيتي، فَضَنَتُن (8)(بهم عن المنية، فأغضيت علي القذي (9)، وجرعت ريقي علي الشَّجا(10) وصبرت علي الأذي، ووطّنت (11)نفسي علي کظم الغيظ، وما هو أمرّ

ص: 197


1- الجمع : استعمل بمعني إدامة النظر مع فتح العين. وسلع : موضع بقرب المدينة
2- في المناقب : صحابة.
3- من النهج والمناقب.
4- في النهج: وأکفَؤُوا إنائي. وهنا کناية عن تضييع الحقّ.
5- من النهج والمناقب.
6- من النهج والمناقب.
7- الرافد : المعين . والذات : المدافع
8- أي بخل
9- القذي : ما يقع في العين، ومراده عليه السلام : غضضت الطرف عنه.
10- الشجا: ما اعترض في الحلق من عظم ونحوه، يريد به غصة الحزن
11- في المناقب : وطبت .. وحر ، وفي النهج: وصبر من کظم الغيظ علي أم من القلقم. وآلم للقلب من وخز الشفار. والعلقم: الحنظل. والشفار: جمع شفرة: حد السيف ونحوه.

من العلقم، و آلم من حرّ الشفار.

وکذلک قوله صلوات الله عليه في خطبته الشقشقيّة: أما والله لقد

تقمّصا(1)ابن أبي قحافة - إلي آخرها - (2)

إذا تقرّر هذا فاعلم - أيّها المؤمن - [أن ](3) الدنيا لم تزل مصائبها مولعة بالأنبياء والمرسلين، ومطالبها عسرة علي الأولياء الصالحين، وأبناءها لم تزل ترمي بسهام حسدها من شيّد الله بالتقوي بنيانه، وشدّ بالاخلاص أرکانه، وأعلي بالطاعة مجده، وأسعد بالجّد جدّه، يحسد دنيّهم شريفهم، ويظلم قویّهم ضعيفهم، فتفکّروا في رأس أبنائها، وأساس زعمائها، أول کل حاسد، وأصل کل مارد، أعني الشيطان المغوي، والفتان المردي، کيف افتخر بعنصره النورانّي، وأصله النيراني، ورمي صفّي الله المجتبي عن قوس غروره، وأصمي منه المعابل بنبال فجوره، وأخرجه وروحه من الجنّة ينزع عنهما لباسهما، ويبدي لهما سوآتهما ، فلعنه الله بما أبدي من حسده، وأبان عن سوء معتقده، وأخرجه من نعيم جنّته، وقلّدته بشقوته طوق لعنته، فطلب النظرة منه سبحانه إلي يوم الدين، فقال: (أنظِرنِي إلَي يَومِ يُبَعثُونَ) (4)فقال سبحانه: ( إنَّکَ مِنَ المُنظَرِينَ) (5)فقال: (فَبعِزَّتِکَ لَأغوِيَنَّهُم أجمَعِينَ إلَّا عِبَادَکَ مِنهُم المُخلَصِينَ)(6)

ثمّ ينظره سبحانه کرامة به عليه ولم يمهله لمنفعة واصلة منه إليه ، ولکن

ص: 198


1- أي لبسها کالقميص .
2- مناقب ابن شهر آشوب : 201/2 -204، نهج البلاغة : 336 خطبة 217 ص48 خطبة 3
3- أثبتناه لضرورة السياق.
4- سورة الأعراف : 14 و 15. وانظر الآيتين : 79 و 80 من سورة ص .
5- سورة الأعراف : 14و 15. وانظر الآيتين : 79 و 80 من سورة ص .
6- سورة ص : 82 و 83.

أراد سبحانه ليبلو عباده أتهم أشدّ مخالفة لأمره، وحذراً من زوره ومکره، وتباعداً من موبقات زخارفه، و فراراً من موديات مواقفه، فصدق اللعين عليهم ظنّه، وزيّن لهم ما فرض عليهم وسنّه، فاتبعوه إلّا فريقاً من المؤمنين، وعبدوه إلا قليلاً من المخلصين، واتّخذوه رّباً دون خالقهم، وأبتغوا عنده الرزق دون رازقهم، ونصروا أولياءه، وقهروا أعداءه، وذهبوا بهم کلّ مذهب، وسدّوا عليهم کلّ مطلب، واتخذوا الأوثان أربابا ، والأصنام أنصابة، وقتلوا النبتّين ، وفتنوا المؤمنين .

فهم أبناؤه المخلصون في طاعته، والمناصحون في متابعته ، زيّن لهم دينه، فاتّبعوا قوله وفعله ، وموه لهم سبيله، فاتّخذوه وجهة وقبلةً، وبحروا له البحيرة، وسيّبوا السايبة، ووصلوا الوصيلة بأحلامهم العازبة، فالصبور الشکور نوح، والخليل والکليم والروح، کم نصبت أسلافهم لهم العداوة والبغضاء، وأغرت أخلاقهم بهم السفهاء ؟ حتي نادي نوح : ربّ( أنّي مَغلُوبُ فَانتَصِر) (1)وأُلقي الخليل في نار ضرامها يستعر، وفرّ الکليم من الظالم الأشر، وابن مريم لولا أنّ الله تعالي رفعه إلي سمائه لأحلّوا به الشيء النکر.

ثمّ لم يزل الأشرار من أشياعه، والفجّار من أتباعه، والأرجاس من ذرّيته، والأوغاد من حفد ته، ترفع بالأنبياء (2) أوصياءهم، وتقصد بالأذي المخلصين من أوليائهم، إلي أن انتهت النوبة إلي سيّد المرسلين، وخاتم النبيين ، فنصبوا له غوائلهم، وفوّقوا نحوه معابلهم، حتي قتلوا في بدر وأُحد أهله، و راموا بجدّهم وجمعهم قتله، وأخرجوه عن عقر داره، وطردوه عن محلّ قراره، وحزّبوا أحزابهم علي حربه، ورکبوا الصعب والذلول في طلبه، وضربوا بطون

ص: 199


1- سورة القمر: 10.
2- کذا في الأصل .

دواخلهم لمتاجرته، وأغروا سفهاءهم وجهّالهم بمحاورته.

ولم يزل الله سبحانه مؤيّداً له بنصره، مشيّداً بنيانه بأخيه وصهره، قاصماً فقرات ظهور أولي النفاق بمشهور فقاره، قامعاً هامات ذوي الشقاق بمشحوذ غراره، مظهراً دين الاسلام بشدة عزمته، مدمّراً حزب الشيطان بعالي همّته، حتي أعلي الله بسيفه کلمة الاسلام وشيّدها، وأيّد ملّة الإيمان وأيّدها، وفلّ جنود الطغيان وفرقها، وأذلّ جموع العدوان ومزّقها، وقتل من قريش أبطالها وطواغيتها، وألقي عن البيت الحرام أنصابها وجوابيتها.

ولمّا علم الله أنه لا مزيد علي تعنّيه وإخلاصه، ولا أقرب إلي الرسول من قرباه واختصاصه، توجّه بتاج العصمة والزعامة، وجعل الامامة فيه وفي نسله إلي يوم القيامة.

ولمّا أکمل الله دين الحقّ وأظهره، ونصب علم العدل ويسّره، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وسلکوا إلي سبيل رضوان الله منهاجاً، أراد الله أن ينقل نبيّه من داره الفانية إلي داره الباقية، وأن يتحفه بالحياة الدائمة في جنّة عالية، أنزل عليه بعد أن فتح حصون الشرک ودمّرها، وأعلي کلمة الحق وأظهرها، ونسف جبال الشرک وجعلها سراباً، وفتح لأهل الحق إلي عرفان جلاله أبواباً، وصير لهم باتّباع نبيه ووليه إلي رضوانه ماباً (إذَا جَاءَ نَصرُ اللهِ وَالفَتح وَرَأيتَ النَّاسَ يَدخُلَونَ فِي دِينَ الله أفوَاجا فَسَبَّح بِحَمدِرَ بَّکَ وَاستَغِفِرهُ انَّهُ کَانَ تَوَّاباً(1)

قال المفسّرون: لمّا نزلت هذه الآية (إنَّک مَيَّتُ وَإنَّهُم مَيَّتُونَ)(2) قال

ص: 200


1- سورة النصر: 1- 3.
2- سورة الزمر : 30.

في نعي رسول الله صلي الله عليه و آله نفسه

رسول الله صلّی الله عليه و آله : ليتني أعلم متي يکون ذلک، فأنزل الله سبحانه سورة النصر، فکان رسول الله صلّی الله عليه و آله يسکت بين التکبير والقراءة بعد نزول هذه السورة، فيقول : سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه.

فقيل : يا رسول الله ، لم تکن تقوله قبل هذا ! [ فقال] (1) أما إن نفسي نعيت إليّ، ثمّ بکي بکاء شديداً. فقيل : يا رسول الله، أو تبکي من الموت وقد غفر الله لک ما تقدّم من ذنبک وما تأخّر ؟!

قال: فأين هول المطّلع ؟ وأين ضيق القبر، وظلمة اللحد ؟ وأين القيامة

والأهوال؟

فعاش صلّی الله عليه و آله بعد نزولها عاماً تاماً .

ثمّ نزلت و(لَقَد جَاءَ کُم رَسُول مِن أنفسِکُم)(2)الآية إلي آخر السورة وهذه السورة آخر سورة کاملة نزلت من القرآن، فعاش صلي الله عليه و آله بعدها ستة أشهر، ثمّ لمّا مضي صلّی الله عليه و آله في حجّة الوداع نزلت عليه في الطريق (يَستَفتُونَکَ قُلی الله یُفتِيکُم فِي الکَلَالة)(3)إلي آخرها، فسمّيت آيةالصيف.(4)ثمّ لمّا أتمّ صلوات الله عليه و آله مناسکه نزل عليه (يَا أَيُّهَا الرَّسُول بَلَّغ

مَا أنزِلَ إَليکَ مِن رَبَّکَ وإن لَم تَفعَل فَمَا بَلَّغتَ رِسَالَتهُ) (5)

ص: 201


1- من المناقب.
2- سورة التوبة: 128.
3- سورة النساء :176.
4- مناقب ابن شهر آشوب : 234/1، عنه البحار : 22 /471 ح 20.
5- سورة المائدة : 67.

أن الله تعالي أوحي إلي النبي صلي الله عليه و آله أن ينصب علي

للناس ويخبرهم بولايته ، وقول النبي صلي الله عليه و آله :

من کنت مولاه فعلي مولاه»

روي العيّاشي (1) بإسناده عن ابن أبي عمير، عن ابن أُذينة، عن الکلبي ، عن أبي صالح، عن ابن عباس وجابر بن عبد الله قالا: أمر الله محمد صلّی الله عليه و آله أن ينصب عليّاً عليه السلام للناس فيخبرهم بولايته، فتخوف رسول الله صلي الله عليه و آله أن يقولوا حابي ابن عمه، وأن يطعنوا في ذلک عليه، فأنزل الله هذه الآية ، فقام صلوات الله عليه و آله بولايته يوم غدير خم

وروي هذا الخبر أيضاً الحاکم أبو القاسم الحسکاني بإسناده عن ابن أبي عمير إلي آخره في کتاب شواهد التنزيل لقواعد التفضيل(2)، وفيه أيضاً (3)قال: لمّا نزلت هذه الآية أخذ رسول الله صلّی الله عليه و آله بيد علي عليه السلام ورفعها، وقال : من کنت مولاه فعليّ مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه.

وقد أورد هذا الخبر أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي في

تفسيره. (4)

و[قد ](5)اشتهرت الروايات عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام انّ الله أوحي إلي نبيّه صلّی الله عليه وآله أن يستخلف عليّاً عليه السلام ، فکان يخاف أن يشق ذلک علي جماعة من أصحابه، فأنزل الله تعالي هذه الآية(6)

ص: 202


1- تفسير العياشي : 331/1 ح 152، عنه البحار : 139/37ح 31، وتفسير البرهان :489/1 ح ، وعوالم العلوم: 50/3/15ح 16 « حديث الغدير».
2- شواهد التنزيل : 1/ 255 ح 249.
3- شواهد التنزيل :251/1 ح 245 ص 252 ح 247.
4- الکشف والبيان للثعلبي : 78( مخطوط)، عنه کشف المهمّ :107 ح 20 و ص 108ح22، والغدير: 217/1و ص 274.
5- من المجمع.
6- لفظ الجلالة من المجمع.

تشجيعاً له علي القيام بما أمره الله (1) بأدائه.(2)

الباقر والصادق عليهما السلام : لمّا نزلت هذه الآية وهي (اليَوم أکمَلتُ لَکُم دِينَکُم وَأتمَمتُ عَلَيکُم نِعمَتِي )(3) إلي آخرها قال يهوديّ لابن عبّاس (4): لو

کان هذا اليوم فينا لاتّخذناه عيداً.

فقال ابن عبّاس: وأيّ يوم أکمل من هذا اليوم (5)-2(6)

وسأُورد خطبة رسول الله صلّی الله عليه و آله في أثناء هذا الفصل عند

ذکر خطبتي، فإنّي بنيتها علي خطبة رسول الله صلي الله عليه و آله .

وجاء في تفسير قوله تعالي: (فَأَوحَي إلَي عَبدِهِ مَا أوحَي) (7) ليلة المعراج في علي، فلمّا دخل وقته أوحي الله : بلّغ ما أُنزل إليک من ربّک في ليلة المعراج

(8)

ص: 203


1- لفظ الجلالة من المجمع.
2- مجمع البيان : 2/ 223، عنه البحار:249/37 - 250، و عوالم العلوم : 3/15 /352 «حديث الغدير) .
3- سورة المائدة : 3.
4- في المنافب العمر
5- في المناقب : العيد
6- مناقب ابن شهر آشوب : 22/3 ، عنه البحار: 156/37 ح 39، وعوالم العلوم:115/3//15 ح 148 «حديث الغدير» . وانظر الإبانة لابن بطة : 2/ 632-635ح 818-821.
7- سورة النجم : 10.
8- في المناقب : قال : بلّغ ما أنزل إليک من ربک وما أوحي، أي بلّغ ما أنزل إليک في علي عليه السلام ليلة المعراج. ونسب فيه الأبيات الآتية إلي الشريف المرتضي. وهو السيّد المرتضي علم الهدي ذو المجدين علي بن الحسين بن موسي، وهو إمام في الفقه ومؤسّس لأصوله، شاعر، متکلّم ، مفسر، ولد سنة «355» ه ، و توفّي سنة «436» ه.

في قوله تعالي: (واليوم أکملت لکم دينکم)

الله درّ اليوم ما أشرفا ودرّ من کان به أعرفا ساقَ إلينا فيه ربُّ العُلي ما أمرض الأعداء أو أتلفا وخصّ بالأمر عليّاً وإن بدل من بدّل أو حرّفا إن کان قولاً کافياً فالّذي قال بخم وحدَه قد کفي قيل له بلّغ فمن لم يکن مبلّغاً عن ربّه ما وفي (1)

عن أبي حاتم الرازي أنّ جعفر بن محمد الصادق عليه السلام قرأ (فَإذَا

فَرَغتَ) (2) من إکمال الشريعة (فَانصَب) لهم عليّاً إماماً.

وروي النطنزي في کتابه الخصائص قال : لما نزل قوله :(اليومَ أکمَلتُ لَکُم دِينَکُم) قال رسول الله صلّی الله عليه و آله : الله أکبر علي إکمال الدين، وإتمام النعمة، ورضا الربّ برسالتي، وولاية عليّ بن أبي طالب عليه السلام بعدي.

وروي : لمّا نزل قوله:(إنَّما وَليُّکُم اللهُ وَرَسُولُهُ)(3) أمر الله سبحانه أن ينادي بولاية عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وضاق النبي بذلک ذرعاً لمعرفته بفساد قلوبهم، فأنزل سبحانه : (يَا أيَّهَا الرَّسُولُ بَلَّغ مَا أنزِلَ إلَيکَ)(4) الآية، ثمّ أنزل (أذُکُرُوا نِعمةَ اللهِ عَلَيکُم) (5)ثمّ أنزل (واليَوم أکمَلتُ لَکُم دِينَکُم)، وفي

ص: 204


1- مناقب ابن شهر آشوب:21/3، عنه البحار:155/37 ح 39.
2- سورة الشرح : 7.
3- سورة المائدة :55.
4- سورة المائدة : 67.
5- سورة المائدة : 11 و 20. سورة الأحزاب: 9، سورة فاطر : 3. وانظر سورة البقرة: 231، سورة آل عمران: 103، سورة المائدة : 7.

رواة حديث الغدير

هذه الآية خمس إشارات(1) إکمال الدين، وإتمام النعمة، ورضا الرحمن، وإهانة الشيطان، ويأس الجاحدين.

وفي الحديث أنّ الغدير عبد المؤمنين، وعبد الله الأکبر.

وعن ابن عبّاس قال: اجتمعت في ذلک اليوم - الّذي نصب رسول الله صلّی الله عليه و آله و فيه (2)عليّاً - خمسة أعياد : الجمعة والغدير وعيد اليهود والنصاري والمجوس، ولم يجتمع قبل ذلک قطّ.

والعلماء مطبقون علي قبول هذا الخبر، وإنّما وقع الخلاف في تأويله.

ذکره محمد بن إسحاق، وأحمد البلاذري، ومسلم بن الحجّاج، وأبو

إسحاق الثعلبي، وأحمد بن حنبل من أربعين طريقاً.(3)

وذکر عن الصاحب کافي الکفاة رحمه الله أنّه قال : روي لنا قصّة غدير خم القاضي أبو بکر الجعابي عن أبي بکر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وطلحة،

ص: 205


1- في المناقب : بشارات .
2- أثبتناه لضرورة السياق.
3- في المناقب : ومسلم بن الحجّاج، وأبو نعيم الأصفهاني، وأبو الحسن الدارقطني، وأبو بکر بن مردويه، وابن شاهين، وأبو بکر الباقلاني، وأبو المعالي الجويني، وأبو إسحاق الثعلبي، وأبو سعيد الخرگوشي، وأبو المظفّر السمعاني، و أبو بکر بن شيبة ، وعلي بن الجعد، وشعبة ، والأعمش ، وابن عباس، وابن الثلاج، والشعبي، والزهري ، والأقليشي. وابن البيع، وابن ماجة، وابن عبد ربّه، والألکاني، وأبو يعلي الموصلي من عدّة طرق، وأحمد بن حنبل من أربعين طريقاً، وابن بطّة من ثلاث وعشرين طريقة، وأبن جرير الطبري من نيف وسبعين طريقاً في کتاب الولاية، وأبو العبّاس بن عقدة من مائة وخمس طرق، وأبو بکر الجعابي من مائة وخمس وعشرين طريقاً. وقد صنّف علي بن بلال المهلّبي کتاب الغدير، وأحمد بن محمد بن سعيد کتاب من روي غدير خمّ، ومسعود السجزي کتاباً فيه رواه هذا الخبر وطرقه، واستخرج منصور اللائي الرازي في کتابه أسماء رواته علي حروف المعجم.

والزبير، والحسن ، والحسين ، و عبد الله بن جعفر، وعبّاس بن عبد المطلّب، وعبد الله بن عبّاس، وأبي ذرّ، وسلمان، وعبد الرحمان ، و أبي برزة الأسلمي، وسهل بن حنيف، إلي أن عدّ قريباً من مائة من أکابر الصحابة.

ومن النساء قد رواه : فاطمة الزهراء، وعائشة، وأمّ سلمة، وأمّ هانيء بنت

أبي طالب، وفاطمة بنت حمزة.

والغدير بين مکّة والمدينة في واد يقال له وادي الأراک ، وهو علي أربعة

أميال من الجحفة عند شجرات خمس دوحات عظام.

الصادق عليه السلام : تعطي حقوق الناس بشهادة عدلين (1) وما أعطي

علي حقّه بشهادة عشرة آلاف نفس 1 - يعني الغدير -(2)- (3)

فضائل أحمد بن حنبل و أحاديث أبي بکر بن مالک وإبانة ابن بطّة وکشف الثعلبي عن البراء، قال: لمّا أقبلنا مع رسول الله صلّی الله عليه و آله في حجّة الوداع کنّا بغدير خمّ، فنادي صلّی الله عليه و آله : [ان] (4)الصلاة جامعة فکسح النبي صلّی الله عليه و آله بين (5)شجرتين، وأخذ بيد عليّ، وقال : ألست أولي بالمؤمنين من أنفسهم ؟

قالوا : بلي ، يا رسول الله . ثمّ قال: ألست أولي من کلّ مؤمن بنفسه ؟ قالوا: بلي ، يا رسول الله .

ص: 206


1- في المناقب : شاهدين .
2- من المناقب
3- مناقب ابن شهر آشوب : 3/ 23 - 29، عنه البحار : 109/37 - 108 ح 39 و
4- من المناقب
5- في المناقب : تحت

قول عمر بن الخطاب لعلي عليه السلام : أصبحت مولاي

فقال : هذا مولي من أنا مولاه ، اللّهّم وال من والاه، وعاد من عاداه .

قال: فلقيه عمر بن الخطّاب، فقال: هنيئاً لک يا ابن أبي طالب، أصبحت

مولاي و مولي کلّ مؤمن ومؤمنة.

وروي هذا الحديث من عدّة طرق عن عمر بن الخطّاب.

السمعاني في فضائل الصحابة (1) قيل لعمر بن الخطّاب : إنا نراک تصنع

بعلیّ شيئاً لا تصنعه بأحد من أصحاب النبيّ ؟!

قال: لأنه مولاي.(2) فقد أجري الله الحقّ علی لسانه، ولکن کان باطنه بخلاف ظاهره.

روي معاوية بن عمّار، عن الصادق عليه السلام في خبر قال: لمّا قال النبي : من کنت مولاه فعليّ مولاه، قال العدويّ: لا والله ما أمره بهذا، وما هو إلّا شيء تقوله، فأنزل الله سبحانه (وَلَو تَقَوَّلَ عَلَينَا بَعضَ الأقَاوِيلِ - إلي قوله - عَلَی الکَافِرِينَ)(3)یعني محمداً، وقوله: (وَإنّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ) (4)

ص: 207


1- زاد في المناقب : بإسناده عن سالم بن أبي الجعد.
2- مناقب ابن شهر آشوب :35/3-36 ، عنه البحار: 37/159، وعوالم العلوم. 202/3/15 ح 270 و 207 ح 284«حديث الغدير». . انظر: مسند أحمد بن حنبل: 84/1 و 119 و 152، وج 4/ 281 و 370 و 372، وج361/5و 366و 370 و 419، فضائل الصحابة لأحمد: 563/2ح947 : ص569 ح 959 ص 598 ح 1021 ص 610ح 1042 و ص613 ح 1048 و 682 ح 1167 وص 705ح 1206. وانظر : کشف المهمّ : 99ح 1وص 103ح 11 ص 107ح 21 و ص 128 ح 53 وص 129 ح 55، عوالم العلوم المذکور: 60 ح 29 و ص 102 ح 118 وص 103ح 120 وص 202 ح 270 و 205 ح 278 ص 207 ح284 .
3- سورة الحاقّة: 41- 50.
4- سورة الحاقة: 51.

أقاويل المنافقين في ولاية علي عليه السلام

يعني عليّاً (1)

فهذا الحديث عن الصادق عليه السلام يؤيّد ما قلناه من فساد باطنه.

حسّان الجمال، عن أبي عبد الله عليه السلام في خبر أنّ المنافقين لمّا رأوا رسول الله صلّی الله عليه و آله و آله رافعا يد علي، قال بعضهم لبعض : انظروا عينيه کأنهما عينا مجنون، فنزل جبرئيل بهذه الآية:(وَإن يَکَادُ الَّذِين کَفَرُوا لَيُزلقُونَکَ بِأبصَارِهِم لَمَّا سَمِعوا الذَّکرَ وَيَقُولُونَ إنَّهُ لَمَجنُونُ) (2)- (3)

عبد العظيم الحسني : عن الصادق عليه السلام في خبر: قال رجل من بني عديّ: اجتمعت إليّ قريش ، فأتينا النبيّ صلّی الله عليه و آله ، فقالوا: يا رسول الله، إنّا ترکنا عبادة الأوثان واتّبعناک، فأشرکنا في ولاية عليّ عليه السلام ، فهبط جبرئيل عليه السلام علي رسول الله صلّي الله عليه و آله وقال:(لَئِنَ أَشرَکتَ لَيَحبَطَنَّ عَمَلُکَ) (4)- (5)

قال الرجل : فضاق صدري، فخرجت هارباً لما أصابني من الجهد، فإذا أنا بفارس قد تلقّاني علي فرس أشقر، عليه عمامة صفراء تفوح منه رائحة المسک، وقال لي: يا رجل، لقد عقد محمد عقدة لايحلّها إلّا کافر أو منافق.

ص: 208


1- مناقب ابن شهرآشوب : 3/ 37، عنه البحار: 160/37 ، وکشف المهمّ : 170 ح 17، وعوالم العلوم: 141/3/15 ح 207 «حديث الغدير». .
2- سورة القلم: 51.
3- مناقب ابن شهر آشوب : 3/ 37. عنه البحار: 160/37 ، وعوالم العلوم:141/3/15 ح208«حديث الغدير». . ورواه في الکافي : 566/4ح 2. وفي التهذيب : 3/ 263 ح746، عنه کشف المهمّ : 169ح 16.
4- کذا في المناقب ، و في الأصل : قال: جاء رجل
5- سورة الزمر: 65.

[قال: ](1)فأتيت النبيّ صلّی الله عليه و آله فأخبرته، فقال : هل عرفت الفارس ؟ ذاک جبرئيل عليه السلام عرض عليک(2) الولاية، إن حللتم أو شککتم کنت خصمکم يوم القيامة(3)

الباقر عليه السلام قال : قام ابن هند و تمطّی (4)وخرج مغضباً واضعاً يمينه علي عبد الله بن قيس الأشعري، ويساره علي المغيرة بن شعبة، وهو يقول: والله لا نصدّق محمداً علي مقالته، ولا نقرّ لعلئّ بولايته، فنزل (فَلَا صَدَّق وَلَا صَلَّي) الآيات، فهمّ به رسول الله صلّی الله عليه وآله أن يرده ويقتله.

فقال جبرئيل : (لَا تُحرَّک بِهِ لِسَانَکَ لِتَعجَلَ بِهِ)(5)

فسکت [عنه] (6)

رسول الله صلّی الله عليه و آله)(7)بإسناد متصّل بالامام الصادق عليه السلام قال :(8)

وروي الشيخ الطوسي وأبو علي الطبرسي في تفسير هما(9) لمّا نصب رسول الله صلّی الله عليه و آله عليّاً علماً يوم غدير خمّ، وقال: من کنت مولاه فعليّ مولاه، وطار ذلک في البلاد،

ص: 209


1- من المناقب .
2- تفسير التبيان : 113/ 10 ، مجمع البيان : 302/5 .
3- مناقب ابن شهر آشوب : 3/38، عنه البحار: 161/37، وعوالم العلوم: 149/3/15 ح224حديث الغدير».
4- أي تبختر و تکبّر
5- سورة القيامة:31.
6- من المناقب .
7- سورة القيامة: 16.
8- مناقب ابن شهر آشوب : 3/ 38، عنه البحار: 161/37، وعوالم العلوم:124/3/15ح174 حديث الغدير». .
9- تفسيرالتبیان113/10مجمع البیان352/5. وانظر شواهد التنزيل : 3812 وما بعدها.

فقدم علي رسول الله صلي الله عليه و آله النعمان بن الحارث الفهري، (1)فقال: يا محمد، أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلّا الله، وأنّک رسول الله، وأمرتنا بالجهاد والصوم والصلاة والزکاة فقبلنا، ثم لم ترض حتي فضّلت هذا الغلام، فقلت: من کنت مولاه فعليّ مولاه ، فهذا شيء منک أو أمر من الله ؟

فقال رسول الله صلّی الله عليه و آله : والله الذي لا إله إلّا هو ان ّهذا من

فوتي النعمان بن الحارث وهو يقول: :( اللَّهُمَ إن کَانَ هذَا هُوَ الحَقُّ مِن عِنِدکَ فَأَمطِر عَلَينَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ آئتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (2) فرماه الله بحجر علي رأسه فقتله، وأنزل الله تعالي(سَألَ سَائِلَ بِعَذَابٍ وَاقعٍ لِلکَافِرينَ ليَسَ لَهُ دَافِعُ مِنَ اللهِ ذِي المَعَارِج ِ)(3)-(4)

وروي أنّه في الحال قام يريد راحلته فرماه الله بحجر قبل أن يصل إليها.

وروي أن رسول الله صلّی الله عليه و آله لمّا فرغ من غدير خمّ وتفرّق الناس اجتمع نفر من قريش يتأسّفون علي ما جري، فمر بهم ضبّ، فقال بعضهم : ليت محمداً أمّر علينا هذا الضبّ دون عليّ.

ص: 210


1- في المناقب : الحارث بن النعمان الفهري. وفي رواية: أبي عبيد جابر بن النضر بن الحارث بن کلدة العبدري. وفي التبيان أن السائل هو : النضر بن کلدة ، وفي المجمع : النضر بن الحارث بن کلدة .
2- سورة الأنفال: 32.
3- سورة المعارج: 1- 3.
4- مناقب ابن شهر آشوب:40/3 . عنه البحار: 37/ 162، وعوالم العلوم:68/3/15 ح 45 «حديث الغدير». . ورواه في الکافي :57/8 ح 18، عنه البحار : 35/ 323ح 22، والبرهان: 4/ 150، وغاية المرام : 425ب 184ح 1، ومدينة المعاجز : 2/ 265 ح 544.

أن يوم الغدير في السماء أشهر منه في الأرض

فسمع ذلک أبو ذّر، فحکي ذلک لرسول الله صلّی الله عليه و آله ، فبعث إليهم وأحضرهم، وأعرض عليهم مقالهم، فأنکروا وحلفوا، فأنزل سبحانه تعالي :

(يَحلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُوا)(1) الآية.

فقال رسول الله صلّی الله عليه و آله : ما أظلّت الخضراء، ولا أقلّت

الغبراء، الخبر.

وفي رواية أبي بصير، عن الصادق عليه السلام : أنّ النبيّ صلّی الله عليه وآله قال : نزل عليَّ جبرائيل وأخبرني أنّه يؤتي يوم القيامة بقوم إمامهم ضبّ، فانظروا ألا تکونوا أُولئک، فأنزل سبحانه : (يَومَ نَدعُواکُلَّ أُناسٍ بِإمَامِهم)(2)-(3)

وروي شيخنا أبو جعفر الطوسي رضي الله عنه في أماليه عن أحمد[ بن محمد] بن نصر، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام أنّه قال : حدّثني أبي، عن أبيه أنّ يوم الغدير في السماء أشهر منه في الأرض، إنّ الله سبحانه في الفردوس قصر لينة من فضة، ولبنة من ذهب، فيه مائة ألف خيمة من ياقوتة حمراء (4) ومائة ألف خيمة من ياقوتة خضراء ، ترابه المسک والعنبر، فيه أربعة أنهار : نهر من خمر، ونهر من ماء، ونهر من لبن، ونهر من عسل، حواليه أشجار جميع الفواکه، عليها(5)طيور أبدانها من لؤلؤ، وأجنحتها من ياقوت، تصوّت بأنواع الأصوات، إذا کان يوم الغدير ورد إلي ذلک القصر أهل السماوات يسبّحون الله(6)

ص: 211


1- سورة التوبة:74.
2- سورة الإسراء: 71. -
3- مناقب ابن شهر آشوب : 41/37 ، عنه البحار :163/37، وتفسير البرهان : 2/ 147ح 7، وعوالم العلوم: 163/3/15 ح 240 «حديث الغدير».
4- من المناقب .
5- في المناقب : فيه مائة ألف قبة حمراء.
6- في المناقب: عليه.

زيارة المؤلف رحمه الله لمرقد أمير المؤمنين عليه السلام

ويقدّسونه ويهلّلونه، فتطاير تلک الطيور فتقع في ذلک الماء، وتتمرّغ علي ذلک المسک والعنبر، فإذا اجتمعت الملائکة طارت فتنفض ذلک عليهم، وانّهم في ذلک و اليوم (1) ليتها دون نثار فاطمة عليها السلام ، فإذا کان آخر اليوم نودوا : انصرفوا إلي مراتبکم فقد أمنتم من الخطر والزلل إلي قابل في هذا اليوم تکرمة المحمد وعليّ ، الخبر. (2)

وفي سنة أحد وعشرين وتسعمائة زرت مشهده الشريف صلوات الله عليه وکان الله سبحانه قد ألقي علي لساني خطبة جليلة، وکلمات فصيحة في فضله صلوات الله عليه وذمّ أعدائه، وأوردت في أثنائها خطبة النبي صلّی الله عليه وآله يوم الغدير (3)، والخطبة الّتي من کلام أمير المؤمنين عليه السلام التي أوردها شيخنا أبو جعفر الطوسي في مصباحه الکبير (4)، وضممتها ألفاظاً رائقة

ص: 212


1- من المناقب .
2- مناقب ابن شهر آشوب : 42/3، عنه البحار :163/37 ، وکشف المهم : 174ح 21،وعوالم العلوم: 152/3/15 ح 232 و ص 221 ح 304 «حديث الغدير». وأورده في فرحة الغرّي : 106، عنه البحار: 118/97 ح 9. وفي إقبال الأعمال: 468، عنه کشف المهمّ: 72ح 20. وأورد صدره في مصباح المتهجدّ : 737. وانّ حديث الغدير ممّا تواتر نقله وروايته عند علماء الفريقين، حيث رواه عن النبي صلّی الله عليه و آله نحو مائة وعشرين من الصحابة. ولقد أجاد يراع العلّامة الحجّة السيّد عبد العزيز الطباطبائي قدّس سرّه في إحصاء تدوين الکتب التي أفردت في التأليف حول واقعة الغدير منذ القرن الثاني وحتي يومنا هذا. ويمکنک أيضاً مراجعة تخريجات الحديث في مصادر أهمّها: مناظرة الشيخ والد البهائي مع أحد علماء العامة في حلب : 49، صحيفة الامام الرضا عليه السلام : 172 - 224ح .109
3- انظر مثلاً : الاحتجاج للطبرسي: 58، عنه عوالم العلوم: 178/3/15 «حديث الغدير» .
4- مصباح المتهجدّ: 702.

خطبة يوم الغدير للمؤلف رحمه الله ، متضمنة خطبة النبي صلي الله

عليه و آله يوم الغدير ، وخطبة أمير المؤمنين عليه السلام التي

رواها الشيخ الطوسي في مصباحه

واستعارات شائقة، يطرب لها المؤمن التّقيّ، ويصدر عنها المنافق الشقيّ، فخطبت بها في ذلک اليوم الشريف في مشهده صلوات الله عليه تجاه ضريحه في جمع لا يحصي کثرة، وأحببت إيرادها في هذا المجموع لتکون تذکرة لمن کان له قلب أو ألقي السمع وهو شهيد.

الخطبة

الحمد لله الذي ثبتّ بکلمة التوفيق قواعد عقائدنا، وأثبت في صحائف التصديق دلائل معارفنا، وذلّل لقلوبنا سلوک مشارع الايمان في مواردنا ومصادرنا، وسهّل لنفوسنا حزونة شرائع العرفان بقدم صدقنا واستقامتنا، وخاطبنا ببيان عنايته:

(أجيبُوا دَاعِيَ اللهِ)(1)فأجبنا، ونادانا بلسان سيّد بريّته :( أن آمِنُوا بِرَبَّکُم فَامَنَّا)(2)، وأمرنا بالتمسّک بعروة خليفته في خليقته فقلنا: ربّنا (سَمِعنَا وَأَطَعنَا) (3) لمّا سلک الناس مسالک المهالک، وارتکبوا متن الضلالة فلم يحصلوا من طائل علي ذلک، ورأوا شرار الضلالة وظنّوه سراباً، وشاهدوا علم الجهالة فحسبوه صواباً، سلکنا سبيل نبيّنا وعترته، واستقمنا علي طريقة وليّنا وذرّيّته ، الذي زيّن الله کتابه بذکر مناقبه، وأوضح في تنزيله عن شرف مراتبه، بدلالة إشارة (إنَّما وَلِیُّکُمُ)(4)، وآية عبارة (إنَّمَا يريدُ اللهُ لِيُذهِبَ عَنکُم الرَّجسَ أهلَ

ص: 213


1- سورة الأحقاف : 31.
2- سورة آل عمران: 193.
3- سورة البقرة : 285، سورة النساء: 46، سورة المائدة: 7، سورة النور: 51.
4- سورة المائدة : 00.

البَيتِ وَيُطَهَّرَکُم)(1)

ولمّا علم الله صدق نبيّه، وإخلاص طويتّه ، ليس له ثان في الخلق، ولم يثنه ثان عن التوجّه إلي الحقّ، مصباح الظلام إذا العيون هجعت ، المتهجدّ القوّام إذا الجنوب اضطجعت، المستأنس بالحقّ إذا الليل سجا ، المستوحش من الخلق إذا الغسق دجا، له مع الله حالات و مقامات، وتقلبه في صحائف الاخلاص سمات وعلامات، لا يقصد بتهجدّه إلّا مولاه، ولا يرجو بتعبّده إلّا إيّاه، لولا جِدُّه لما قام للاسلام عمود، ولولا علمه لما عرف العابد من المعبود، اصطفاه سبحانه لنفسه، وأيّده بروح قدسه، وأوجب له عرض الولاية علي جِنّه وإنسه، وساوي بينه وبين الرسول في علمه وحلمه، وطمّه ورمّه، وجدّه ورسمه، وفضله وحقّه.

وجعل له في قلوب المؤمنين ودّاً، وأمر نبیّه أن يورده من غدير الشرف في الغدير صدراً وورداً، وأن يثبت له في الأعناق إلي يوم التلاق عقداً و عهداً، وأن يرفع له بالرئاسة العامة في الآفاق علي الاطلاق شرفاً ومجداً.

فقام صلّی الله عليه و آله صادعاً بأمر الله، منفّذاً لحکم الله، خاطباً في الغدير علي منبر الکرامة ، مخاطباً للجم الغفير بفرض الامامة ، مبّينا أمر وصیّه ووليّ عهده، مظهراً شرف صفيّه وأخصّ الخلق من بعده، راغباً معاطياً طال ما شمخت تعزّزاًوکبراً، قاهراً أسي کم أظهرت لوليّ أمرها عقداًوعذراً، قاطعاً أسباب أولي النفاق بمبين وعظه، قامعاً هامات الشقاق بمتين لفظه.

ما أظهر صلّی الله عليه و آله شرفه و ميثاقه في الخطبة إلّا بعد أن أعلي الله في الملکوت الأعلي شأنه وخطبه، وأمر الصاقين الحافّين بالقيام علي قدم

ص: 214


1- سورة الأحزاب: 33.

الخدمة الاستماع النصّ الجليّ علي الامام العظيم، الّذي زينّ الله کتابه بذکر أسمائه بقوله:(إنَّهُ فِي أمَّ الکِتَابِ لَدَينَا لَعَلِيُّ حَکِيمُ)(1)

صاحب الکرامات السامية، والمقامات العالية، وجه الله الّذي يتوجّه به إليه، وسبيله الّذي بسلوکه يفوز السالکون فيه يوم العرض عليه، ويده الباسطة في بلاده، وعينه الباصرة في عباده، وحبيبه حقّاً فمن فرط فيه فقد فرط في حبيب الله، ولسانه صدقاً فمن ردّ عليه فقد ردّ علي الله، لما شرب بالکأس الرويّة من شراب(يُحبُّهُم وَيُحبُّونَهُ) (2) وفاز بالدرجة العليّة من مقامات(لَعَلِمَهُ الّذِينَ يَستَنبِطُونَه)(3) قابل بوجه باطنه أنوار تجلّيات قيّوم الملکوت، و ظهرت بانعکاس مرآة کمال عرفانه أسرار صاحب العزّة والجبروت، فصار قلبه مشکاة النور الإلهي من حضيرة جلاله ونفسه ، منبع السر الخفيّ من فيضان کماله.

جلّ أن يدرک وصفه بيان واصف، أو يوصف قدره بنان راصف، نقطة دائرة الموجودات فعليه مدارها، وصفوة خلاصة الکائنات فهو قيمها ومختارها، من نحو منطقه يعرف الحق فما زيد وعمر؟ وإلي مصباح علمه يعشق الخلق فما خالد وبکر ؟

من اعتقد أنّ الحق بميزان غير علومه يعرف فالوبال والنکال له وفيه ومن زعم أن الرب بمنطق غير بيانه يوصف فالتراب بل الکثکث (4)بفيه، کلّيّ العلم وجزئيّه به يعرف، وفضل العدل وجنسه برسمه وحده معرّف.

ص: 215


1- سورة الزخرف : 4.
2- سورة المائدة : 54.
3- سورة النساء : 83.
4- الکثکث: دُقاقُ التراب، وفُتاتُ الحجارة ؛ وقيل: التراب مع الحجر .«لسان العرب: 179/2- کشت - .

لا شرف إلّا لمن شرف باقتفاء آثاره، ولا سؤدد إلّا لمن استضاء بلوامع أنواره، ولا عُرف إلا لمن تمسک بأسبابه، ولا عَرَف إلا لمن تمسّک بترابه، فلک النجاة في بحار الضلالة، وعلم الهداة في أقطار الجهالة، من التجأ إلي کنف عصمته نجا، ومن غوي عن طريق طريقته هوي، لا يحبه إلا من علت همته، وغلت قيمته، فطابت آرومته، وارتفعت جرثومته.

فيا أيّها العارفون بفضله، المتمسّکون بحبله، السالکون سبيله، التابعون دليله، أبشروا بروح وريحان(1) ومغفرة ورضوان، وجنّات لکم فيها نعيم مقيم، خالدين فيها أبداً إنّ الله عنده أجر عظيم (2)، قلتم ربنّا ثمّ استقمتم، وسلکتم سبيل نبيّکم و ولیّکم و تبتم، فأنتم خلاصة الله في خلقه، القائمون بوظائف عزائمه وحقّه، فهنّاکم الله في هذا اليوم الرحمة، وأتمّ عليکم النعمة، وجعلکم خير أمّة، وسلک بکم سبيل سيد الأئمّة، الذي ضربه الله مثلاً في محکم تنزيله، وشدّ به عضد نبيّه ورسوله، وهزم بعزمه الأحزاب، وقصم بسيفه الأصلاب، وجعل حبّه فارقة بين الکفر والإيمان، واتّباعه وسيلة إلي الفوز بنعيم الجنان.

فانشروا في هذا اليوم أعلام الإسلام بنشر فضله، وابشروا إذ سلکتم منهاج سبيله واستمسکتم بحبله، وأظهروا آثار النعمة فهو يوم الزينة للمخلصين من أتباعه، واشکروا حسن صنيع ربکم إذ جعلکم من خاصّته وأشياعه، وارعوا أسماعکم إلي ما أورد الرسول من شرفه في خطبته، واستضيئوا بلوامع أنواره واستسنّوا بسنّته.

فقد روي أنّه صلّی الله عليه و آله لمّا أتمّ مناسک حّجه، وفرغ من شعائر

ص: 216


1- إقتباس من الآية: 89 من سورة الواقعة
2- إقتباس من الآية: 21 و 22 من سورة التوبة.

عجّه و ثجّه(1)ناداه الله بلسان التشريف مبين فضله من لدنه ومکانته : يا أيها الأشول بلغ ما أنزل إليک من ربک وإن لم تفعل فما بلغت رسالتهه.(2)

فأراد صلّی الله عليه و آله تأخير بلاغها إلي دار هجرته، و مستقرّ دعوته،

ظنّاً منه أنّها فريضة موسعة، وأنّ الأمر فيه مندوحة وسعة، وفَرَقاً من فرق الضالّين المضلّين، الزالّين المزلّين، أن يکذّبوا بالکتاب وحججه وبیّناته، وأن يتّهموا الرسول فيما أنزل عليه في وصيّه بمحاباته.

فعاتبه سبحانه علي ترک الاولي مهدّداً، ووعده العصمة علي من لجّ في الباطل واعتدي، وشرّف الله غدير خمّ بما أنزل فيه من الرحمة، وأتمّ من النعمة.

فقام صلّي الله عليه و آله فيه خاطباً علي منبر الکرامة ، موضحاً فضل درجة الامامة، هذا والجليل سبحانه يسدّده، وروح القدس عن يمينه يمجدّه، و ميکائيل عن يساره يعضده، وجبرئيل معظم شأنه وخطبه، وحملة العرش مادّة أعناقها لاستماع الخطبة، والروحانيون وقوف علي قدم الخدمة، والکروبيون صفوف لتلقّي نفحات الرحمة، والحور العين من القصور علي الأرائک ينظرون، والولدان المخلّدون لتشار السرور منتظرون، آخذاً بعضد من کان في المباهلة معاضده و مساعده، و في المصاولة عضده وساعده.

سيفه القاطع، ونوره الساطع، وصدّيقه الصادق، ولسانه الناطق، أخوه وابن عمّه، والخصّيص به کابن أمّه، ليث الشري(3)، غيث الوري ، أسد الله

ص: 217


1- في الحديث: أفضل الحجّ العج ّوالثلجُّ، العج: رفع الصوت بالتلبية، والثجُّ: صَبُ الدم وسَیَلان دماء الهدي، يعني الذبح. «لسان العرب: 318/2 - عجج - ».
2- سورة المائدة : 67.
3- الشَّري: موضع تُنسب إليه الأُسدُ. «لسان العرب : 431/14- شري -

المِحراب، (1)حليف المسجد والمحراب، قاصم العُداة ، وقاسم العِدات، في المعرکة ليث، وفي المخمصة غيث، طريقه أبلج، ونهجه أوضح منهج، بابه عند سدّ الأبواب مفتوح، وصدره لتلقّي نفحات الرحمن مشروح

کم عنيد بصارمه شدخ ؟ وکم صنديد ببطشه دوّخ ؟ وکم ريح للشرک أرکد؟ وکم نار للظلم أخمد ؟ وکم صنم جعله جذاذاً ؟ وکم وثن ترکه أفلاذاً ؟ قسيم الجنة والنار، و سيِّد المهاجرين والأنصار، و حياة المجديين لدي الاغوار، ونکال الظالمين يوم البوار، جعله الله للمصطفي ختناً ونفساً، وله الزهراء سکناًوعرساً، ورفع له فوق عرش المجد عرشاً، و خلقه أشدّ خلقة قوّة وإيماناً وبطشاً و کم أسد بثعلب رمحه قنص ؟ وکم صنديد حذراًمن حسامه کعَّ وقع ؟ أعلم من علي وجه الأرض، بالکتاب والسنّة والفرض، الإيمان بحبّه منوط، والکفر ببغضه مسوط (2)، أفصح من لفظ، وأنصح من وعظ، وأتقي من سجد لله ورکع، وأخشي من خشي الرحمن بالغيب وخضع، حلل الإمامة ربّنا علي هامة مجده أفرغ، ولبوس الزعامة نبيّنا علي قدّ قامته فصل وأسبغ، وله بالرئاسة العامّة فضَّل وشرَّف، ولأسماع أوليائه بذکر مناقبه لَذَّذَ وَشَنَّفَ، شهد الله له بالاخلاص وصدق، لما انه بخاتمه في رکوعه تصدق.(3)

الزاهد السالک، العابد الناسک، العالم العامل، الوليّ الکامل، صراط الله المستقيم، ونهجه القويم، وأمينه المأمون، وخازن سرّه المخزون، النجم في منزله هوي، والرسول في نصبه علماً للمسلمين ما ضلّ وما غوي ولا ينطق عن

ص: 218


1- المحِراب: شديد الحرب، شُجاعُ . «لسان العرب: 303/1 - حرب - ».
2- المخمَصَة : الجوع ، المجاعة.
3- مَسُوط: أي ممزوجُ و مخلوطُ . «لسان العرب :326/7- سوط - ».

المجلس الثاني: في ذکر سيد المرسلين و الهوي، المرجع في علم التوحيد إليه ، والمعوّل في معرفة الکتاب و السنّة عليه، أجلّ العالمين جلالاً، وأفصحهم مقالاً.

الامام الزکيّ القدسيّ الربانيّ الإلهيّ، أمير المؤمنين أبو الحسن عليّ الجليل العليّ، حامداً لله حمداً يليق بجلال عظمته، شاکراً لأنعمه شکراً يحسن بتمام نعمته، موضحاً دين الحقّ في خطبته، شارحاً قول الصدق في کلمته، قائلا : معاشر الناس، ألست أولي منکم بأنفسکم؟

قالوا: بلي ، يا رسول الله. قال: فمن کنت مولاه فهذا علي مولاه، ومن کنت نبيّه فعلّي إمامه ووليّه.

أيّها الناس، إنّ الله آخي بيني وبين عليّ، وزوّجه ابنتي من فوق عرشه، وأشهد علي ذلک مقربّي ملائکته، فعليّ منّي وأنا من علي، محبّه محبّي، ومبغضه مبغضي، وهو وليّ الخلق من بعدي.(1)

معاشر الناس ، إنّ هذا اليوم وهو يوم غدير خمّ من أفضل أعياد أمّتي، وهو اليوم الّذي أمرني الله فيه بنصب عليّ أخي علماً لأمّتي، يبيّن لهم ما اختلفوا فيه من سنّتي، وهو أمير المؤمنين، ويعسوب المتّقين، وقائد الغر المحجّلين.

أيّها الناس، من أحبّ عليّاً أحببته، ومن أبغض عليّاً أبغضته، ومن وصل عليّاً وصلته، ومن قطع عليّاً قطعته، ومن والي عليّاً و اليته، ومن عادي عليّاً عاديته.

أيّها الناس ، أنا مدينة الحکمة وعليّ بابها، لا تؤتي المدينة إلّا من قبل

الباب، وکذب من يزعم أنّه يحبّني ويبغض عليّاً

ص: 219


1- إشارة إلي الآيات: 3-1 من سورة النجم.

أيّها الناس، والّذي بعثني بالرسالة، وانتجبني للنبوة، ما أقمت عليّاً علماً في الأرض حتي نوّه الله بذکره في السماء، وفرض ولايته علي سائر ملائکته.

ثمّ قلت عقيبها: يا لها من خطبة نشر فيها صلّی الله عليه و آله لواء الإيمان ، وظهر منها رواء الإحسان، وخفق علم الحقّ في الملکوت الأعلي، و برق بارق العدل في أقطار الدنيا، فالملائکة المقرّبون مشغولون بتکرارها لاستظهارها، والولدان المخلّدون مأمورون بإظهارها وإشهارها، يحيي موات القلوب مزن سحابها، وينشي نشوات السرور في النفوس رحيق شرابها، و تنعش قلب المؤمن التقيّ بلذّة خطابها، وتتعس جدّ المنافق الشقيّ بشدّة عتابها.

يا لها من خطبة الحقّ منبرها، والصدق مخبرها ، والنبوّة أصلها، والإمامة نسلها، والنبيّ موردها ومصدرها، والوصيّ موردها ومصدرها، العهود فيها مؤکّدة، والعقود مشدّدة، والإيمان بامتثال نواهيها وأوامرها منوط، والکفر بمخالفة بواطنها وظواهرها مَسُوط، بلبل دوح فصاحتها يطرب أسماع القلوب بشهيّ نغمته، وسربال جمال بلاغتها يروق أبصار البصائر بوشيّ صنعته.

دقّت لها کؤوس الحبور في الملکوت الأعلي، وأُديرت کؤوس السرور في جنّة المأوي، وتلقّت الملائکة المقرّبون بالبشري أهل التحقيق علي مراکب التوفيق، وطافت الولدان المخلّدون علي أهل التصديق من الرحيق المختوم بأکواب وأباريق، وفتح رضوان باب الرضوان بأمر المهيمن السلام، وقال لأهل الولاية من المؤمنين : (اَذخُلُوهَا بِسَلامٍ) (1) ومشي بين أيديهم قائماً بشرائط

ص: 220


1- سورة الحجر : 46، سورة ق : 34.

الخدمة، وأجلسهم علي أرائک التعظيم مجرياً عليهم من الاکرام عادته ورسمه،(يَطُوفُ عَلَيهِم وِلدَانُ مُخَلَّدُونَ بَأَکوَابٍ وَأبَارِيقَ وَکَأسٍ مِن مَعِينٍ لَا يُصَدَّعُونَ عَنهَا وَلَا يُنزِفُونَ وَفَاکِهَةٍ ممَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحمِ طَيرٍ ممَّا يَشتَهُونَ)

فابشروا - معاشر المؤمنين العارفين - بفضل هذا اليوم الشريف، والعيد المنيف، الذي أقام الله فيه عليّاً أمير المؤمنين علماً للمسلمين، وأمرکم باتّباع نيّر دليله في محکم تنزيله، فقال عزّ من قائل : (وَأنَّ هَذَا صِرَاطِي مُستَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّق بِکُم عَن سَبِيِله) (1)-(2)

والله لقد نظرتم حيث نظر الله ، وواليتم من والي الله ، وعاديتم من عادي الله، أنتم الشعار والدثار، والأبرار الأطهار، طهرت ولادتکم، وخلصت طينتکم، فما المؤمنون إلّا أنتم، ولا المخلصون إلّا منکم، اختارکم الله لدينه ، واصطفاکم علي غيبه، فما خُلقت الجنّة إلا لکم، ولا برزت الجحيم إلّا لعدوّکم.

أنتم في النار تطلبون فلا توجدون، ومن الکوثر تردون ولا تصدّون، فلا يحزنکم إقبال الدنيا علي غيرکم، واجتماع أهلها علي إهانتکم وتأخيرکم، فإنّما هم ذئاب ضارية، بل کلاب عاوية، فلا تمدّوا أعينکم إلي ما متّعوا به من زينتهاء وفتنوا فيه من زهر تها ، من الثياب الموشّاة، والمراکب المغشّاة، والخيل المسوّمة، والنعم المطهّمة، والحلل المزرّرة، والعمائم المقوّرة، والرقاب الغليظة، والأقفاء العريضة، والعثانين (3) المصفّفة، واللحي المغلّفة ، والدور المزخرفة والقصور المشرفة، والأموال المکنوزة، والأمتعة المحروزة، والمنازل العامرة،

ص: 221


1- سورة الواقعة : 17 - 21.
2- سورة الأنعام : 103.
3- العُثنُوين من اللحية: ما نبت علي الذَّقَن وتحته سِفلاً ؛ وقيل : اللحية کلّها؛ وقيل : عُثنون اللحية: طرفها . «لسان العرب :276/13 - عثن - .

والجنان الغامرة، فإنّ ذلک متاع قليل، وجناب و بيل، مرجعه إلي زوال، وتملکه إلي انتقال.

وعن قليل يسفر الصباح، ويحيعل الداعي إلي الفلاح، ويحمَد المؤمن التقيّ غِبّ السُّري(1) وينجلي عن المنافق الشقّي غيابات الکري(2)، ويري أنّ ما کان فيه من النعيم الزائد ، والزبرج الجائد، إلّا(3) کسرابٍ بقيعةٍ،(4) أو حلم يقتضيها سويعة، ويتجلّی الجليل لحسابه، وتتهيّاً ملائکة العذاب لأخذه وعقابه، ويري سيّده عتيق الأوّل، وابن صهاک الزنيم الأرذل، في الدرک الأسفل ، والعذاب الأطول، مصفّدين مقرّنين، يستغيثان فلا يغاثان، ويناديان فلا يجابان، کلّما سدّت عليهما سيل المسالک استغاثا بخازن النار : يا مالک يامالک، نضجت منّا الجلود، يا مالک أثقلتنا القيود.

إذا أراد الله أن يحلّ بأهل النار أليم عذابه، و وخيم عقابه، أمر ملائکة العذاب بفتح کوة من سجنهما، فيتأذّي أهل النار من ريحهما ونتنهما، شرابهما حميم، وعذابهما مقيم، وأشياعهما من حولهما في السلاسل يسحبون، وبالمقامع يضربون، وفي النار يسجرون، وفي العذاب محضرون، يقولون: (رَبَّنَا أَخرِجنَا مِنَها فَإن عُدنَا فإِنَّا ظَالِمُون)(5)، فيجابون: (اخسَئوا فِيهَا وَلَا تُکَلَّمُونَ إنَّهُ کَانَ فَرِيقُ مِن عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغفِر لَنَا و اُرحَمنَا وَأَنتَ خَيرُ الرَّاحِمِينَ فَاتَّخَذتُمُوهُم سِخرِيّاً حَتَّی أَنسَوکُم ذِکرِي وَکُنتُم مِنهُم تَضحَکُون إنَّي جَرَيتُهَمَ

ص: 222


1- غِبُّ الأمر ومغبَّتُه: عاقبته وآخره . السُّري : سير الليل بعامتّه.
2- غَيابة کلّ شيء: قعره. الکَرَي : النوم.
3- کذا في الأصل ، ولو کانت العبارة هکذا: «لم يکن إلّا » أو « ليس إلا » لکانت أصحّ . والزبرج : الوشي، الذهب، وکلّ شيء حسن. والجائد: الکثير، الغزير.
4- إقتباس من الآية: 39 من سورة النور.
5- سورة المؤمنون: 107.

اليَومَ بِمَا صَبَرُوا أنَّهُم هُم الفَائِزُونَ)(1)

يطلع الله عليهما فيلعن، والملائکة تؤمّن، والنبيّ يعنّف، والوصيّ يؤفّف، والزهراء تتظلّم، والجحيم تتضرَّم، والزبانية تقمع، والنار تسفع (2)، هذا جزاء من وسم غير إبله ، وخالف الله ورسوله بقوله وعمله، ومنع الزهراء تراثها(3) من والدها سيّد المرسلين ، وآذي الله ورسوله وآذي إمام المسلمين وسيّد الوصيّين.

کلّ ذلک وأنتم علي الأرائک تنظرون، ومن الکفار تضحکون، ومن زيارة سادتکم لا تحجبون،(يُسقَونَ مِن رَحِيقٍ َمختُوم خِتَامُهُ مِسکُ وَفِي ذَلِکَ

فَليَتَنَا فَسِ المِتَنَافِسُونَ وَمِزَاجُهُ مِن تَسنِيمٍ عَيناً يَشرَبُ بِهَا المُقرَّبُونَ) (4) إذا نظرتم إلي نبيّکم واليّکم علي الحوض للمؤمن يوردون، وللمنافق يطردون قلتم:( الحَمدُ للهِ الَّذي هَدَانَا لِهذَا وَمَاکُنَّالِنَهتَدِيَ لَولَا أَن هَدَانَا اللهُ ) فيجابون: (أن تِلکُمُ الجَنَّةُ أورِثتمُوهَا بِمَا کُنتُم تَعمَلُونَ)(5)

فاحمدوا ربّکم علي هذه النعمة التي أهّلکم لها، وجعلکم من أهلها، واقتدوا في هذا اليوم بسنّة ولیّکم ووسيلتکم إلي أمير المؤمنين وسيّد الوصييّن، فقد روي أنّه صلوات الله عليه خطب في هذا اليوم الکريم، والعيد العظيم، فقال - بعد أن حمد الله وأثني عليه، وذکر النبي وصلّی عليه -: أيّها الناس ، هذا يوم

ص: 223


1- سورة المؤمنون: 108-111.
2- سَفَعَته النارُ والشمسُ: لَفَفَحته لَفَحَاً يَسيراً فغيَّرت لون بشرته وسوّدته . «لسان العرب:157/8 - سفع مس»
3- الوِرثُ والازثُ والتُّراثُ والمِيراثُ : ما وُرِثَ . «لسان العرب: 2/ 200 - ورث .
4- سورة المطففين : 25- 28.
5- سورة الأعراف : 43.

عظيم الشأن، فيه وقع الفرج، وعلت(1) الدرج، ووضحت الحجج، وهو يوم الايضاح، ويوم الافصاح، ويوم الکشف عن المقام الصراح، ويوم کمال الدين، ويوم العهد المعهود، ويوم الشاهد والمشهود، ويوم بيان(2) العقود عن النفاق والجحود، ويوم البيان عن حقائق الإيمان، ويوم البرهان، ويوم دحر الشيطان.

هذا يوم الفصل الّذي کنتم توعدون(3) ويوم الملأ الأعلي إذ يختصمون ، ويوم النبأ العظيم الّذي أنتم عنه معرضون، ويوم الارشاد، ويوم محنة العباد، ويوم الدليل علي الروّاد، ويوم إبداء خفايا الصدور، ومضمرات الأمور، هذا يوم النصوص علي أهل الخصوص، هذا يوم شيث، هذا يوم إدريس، هذا يوم هود، هذا يوم يوشع، هذا يوم شمعون ( هذا يوم الأمن المأمون )، هذا يوم إبراز المصون من المکنون، هذا يوم إبلاء السرائر.(4)

فلم يزل صلوات الله عليه يقول : هذا يوم ، هذا يوم،(5) ثمّ قال: فراقبوا الله عزّوجلّ واتّقوه، واسمعوا له وأطيعوه، واحذروا المکر ولا تخادعوه، وفتشوا ضمائرکم ولا(6) تواربوه، و تقرّبوا إلي الله بتوحيده وطاعة من أمرکم أن تطيعوه، ولا تمسکوا بعصم الکوافر، ولا يجنح بکم الغي فتضّلوا عن سواء السبيل باتّباع أولئک الّذين ضلّوا وأضلّوا، قال الله سبحانه عن طائفة ذکرهم بالذم في کتابه فقال سبحانه (7) (وَإذ يَتحَاجُّون فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاء الَّذِينَ استَکبَرُاانَّا

ص: 224


1- في المتهجدّ: ورفعت، وفي المناقب : ورفع الدرج، وصحّت الحجج.
2- في المتهجد والمناقب: تبيان
3- کذا في المتهجدّ والمناقب، و في الأصل: کنتم به تکذبون.
4- في المتهجد والمناقب: ويوم الملأ الأعلي الذي أنتم عنه معرضون.
5- في المناقب : الذواد.
6- من المتهجد
7- کذا في المتهجد، وفي الأصل : فيجمع.

کُنَّالَکُم تَبَعاً فَهَل أَنتُم مُغنُون عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ)(1)

وقال سبحانه: (رَبَّنَا إنَّا أطَعنَا سَادَتَنَا وَکُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّوا السَّبِيلاً رَبَّنَا آتِهِم

ضِغفَين مِنَ العَذَاب وَالعَنهُم لَعناً کَبيِراً)(2)

أتدرون ما الاستکبار؟ هو ترک الطاعة لمن أُمروا بطاعته، والترفّع عمّن ندبوا إلي متابعته، والقرآن ينطق من هذا عن کثير إن تدبّره متدّبر وعظه و زجره.

واعلموا عباد الله - أنّ الله سبحانه يقول في محکم کتابه :( إنّ اللهَ يُحِبُ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبيِلهِ صَفّاً کأَنَّهُم بنُيَانُ مَرصُوصُ) (3) أتدرون ما سبيل الله ؟ ومن سبيل الله ؟ وما صراط الله ؟ ومن صراط الله ؟

أنا صراط الله الّذي نصبني (4) للاتّباع بعد نبيّه صلّی الله عليه و آله ، وأنا سبيل الله الذي من لم يسلکه بطاعة الله [فيه](5) هوي به إلي النار، وأنا حجة الله علي الأبرار والفجار، [ونور الأنوار] (6)، وأنا قسيم الجنّة والنار، فتيقّضوا من رقدة الغافلين (7)، [وبادروا بالعمل قبل حلول الأجل، وسابقوا إلي مغفرة من ربّکم] قبل أنّ يُضرب بالسور بباطن الرحمة وظاهر العذاب، فتدعون فلا يسمع دعاؤکم،(8) وتصيحون فلا يُحفل بصيحتکم، وأن(9) تستغيثوا

ص: 225


1- سورة غافر : 47. وفي الأصل والمتهجدّ تصحيف، حيث فيهما صدر الآية المذکورة يليه ذيل الآية 21 من سورة إبراهيم : (فَهَل أنتُّم مُغنُونَ عَنَّا مِن عَذَابِ اللهِ مِن شَي قَالُوا لَوهَدَانَا اللهُ لَهَدينَاکُم).
2- سورة الأحزاب:67 و 68 . وفي المتهجدّ تقدّمت هاتان الآيتان علي الآية السابقة.
3- سورة الصفّ: 4.
4- کذا في المتهجدّ ، وفي الأصل: تصدي. وهذه الجملة جاءت في المتهجدّ بعد قوله: هوي به إلي النار
5- من المتهجد
6- من المتهجدّ
7- في المتهجدّ: فانتبهوا عن رقدة الغفلة.
8- من المتهجد
9- في المتهجدّ: فتنادون فلا يسمع نداؤکم ، وتضجون فلا يُحفل بضجيجکم، وقبل أن .

فلا(1) تغاثوا، بادروا بالطاعات قبل فوات الأوقات، فکأن قد جاءکم هادم اللّذات، ولات حين مناصٍ (2)، ولا محيص تخليص

عودوا رحمکم الله بعد انقضاء مجمعکم بالتوسعة علي عيالکم، والبرّ بإخوانکم، والشکر لله عزّ وجلّ علي ما منحکم، واجتمعوا يجمع الله شملکم، وتبارّوا يصل الله أُلفتکم، وتهانوا نعمة الله کما هنّأکم بالثواب(3)علي أضعاف الأعياد قبله وبعده إلّا في مثله، والبرّ فيه يثمر المال، ويزيد في العمر، والتعطّف فيه يقتضي رحمة الله وعطفه.

فافرحوا وفرّحوا إخوانکم باللباس الحسن، والمأکل الهنيء، والرائحة الطيّبة، وهنّؤا إخوانکم وعيالاتکم بالفضل من برّ کم، وما(4) تناله القدرة من استطاعتکم، وأظهروا البشر والحبور فيما بينکم ، والسرور في ملاقاتکم، والحمد لله علي ما منحکم ، وعودوا بالمزيد من الخير علي أهل التأميل لکم، وصلوا بکم ضعفاءکم بالفضل من أقواتکم(5)، وما تناله القدرة من استطاعتکم، وعلي حسب طاقتکم، فالدرهم فيه بمائة ألف درهم، والمزيد من الله عزّوجلّ ما لادرک له، وصوم هذا اليوم ممّا ندب الله تعالي إليه، وجعل الثواب الجزيل کفالة عنه، حتي لو أن عبدا من العبيد تعبّد به بالتشبيه من ابتداء الدنيا إلي انتهائها، صائماًنهارها، قائماً ليلها، إذا أخلص المخلص في صيامه لتقاصرت إليه أيّام الدنيا [عن کفاية، ومن أسعف أخاه مبتدأ وبرّه راغباً فله کأجر من صام هذا اليوم

ص: 226


1- کذا في المتهجدّ، وفي الأصل: لن
2- في المتهجدّ: فلا مناَص نجاءٍ
3- في المتهجدّ : وتهادوا نعم الله کما منّاکم بالثواب فيه
4- في المتهجدّ : وهيّؤا لإخوانکم وعيالکم عن فضله بالجهد من جودکم وبما.
5- في المتهجد : وساووا بکم ضعفاءکم في ماکلکم.

قام ليلته]، ومن فطّر مؤمناً في ليلته کان کمن فطَّر فئاماً وفئاماً .

فلم يزل صلوات الله عليه يعدّ بيده الشريفة حتي عدّ عشراً . فنهض ناهض وقال: يا أمير المؤمنين ، وما الفئام ؟ (1)

قال: مائة ألف نبيّ وصدّيق وشهيد، فما ظنّکم بمن تکفّل عدداً من المؤمنين ؟ فأنا الضامن له علي الله تعالي الأمان من الکفر والفقر، وإن مات في يومه أو في ليلته أو فيما بعده إلي مثله [من غير ارتکاب کبيرة] (2) فأجره علي الله تعالي، ومن استدان لإخوانه فأسعفهم فأنا الضامن له علي الله، إن بقّاه أدّاه، وإن مات قبل تأديته تحمله عنه، وإذا تلاقيتم فتصافحوا بالتسليم، [تهانوا النعمة في هذا اليوم] (3)، وليعلم بذلک الشاهد الغائب والحاضر البائن، وليعد القوي علي الضعيف، والغني علي الفقير، بذلک أمرني رسول الله عن الله .(4)

وفي الحديث أنّ النبي صلّی الله عليه و آله کان يخبر عن وفاته بمدّة ويقول: قد حان منّي خفوق من بين أظهرکم، وکان المنافقون يقولون: لئن مات محمد ليخرب دينه، فلمّا کان موقف الغدير قالوا:بطل کيدنا، فنزلت : (اليَومَ يَئِسَ الَّذِينَ کَفَرُوا مِن دِینِکُم) (5) -(6)

ص: 227


1- من المتهجدّ.
2- من المتهجدّ
3- من المتهجد. وفيه : «وليبلّغ» بدل «وليعلم»
4- مصباح المتهجّد : 755 - 758 - وليس فيه: «عن الله» -، عنه مناقب ابن شهر آشوب : 43/3. وأورده في إقبال الأعمال: 462- 464، عنه کشف المهمّ : 62 - 65. وأخرجه في البحار: 196/ 37 ، وعوالم العلوم: 118/3/15 ح 109 و ص 209ح290 «حديث الغدير» عن مناقب ابن شهر آشوب.
5- سورة المائدة : 3.
6- مناقب ابن شهر آشوب : 40/3 ، عنه البحار: 163/37 .

وکان الجمع الکبير والجمّ الغفير في الغدير حين أخذ البشير النذير بيد صنوه نور الله المبين، وسببه المتين، وإمام المتّقين، وأمير المؤمنين، أکثرهم ممّن الإلحاد دينه، والنفاق قرينه، قد استحوذ الشيطان علي قلبه، واستولي علي لبه، فأعطي بلسانه ما ليس في فؤاده ، وظهر علي صفحات وجهه ما أضمر من إلحاده، وأسرّ غدراً، وأخفي مکراً، ونصب لنبيّه الغوائل، وجادل في أمر الغدير بالباطل، وأرصد بابه لتنفر ناقته، وعاقد علي إنزال المنون بساحته، واستئصال شأفته.

وأطلع الله نبيّه علي ما دبّروا، ووقاه سيّئات ما مکروا، ولمّا أشرقت دار الهجرة بنور مقدمه، وشرفت أرجاؤها بموطيء قدمه ، وقد أکمل صلّی الله عليه و آله الدين بنصب و صيّه علماً لأمّته، وعمم النعمة بجعله حافظاً لشريعته، ونشر أعلام الإيمان بنشر مناقبه، وأعلي کلمة الاسلام بإعلاء مراتبه، وجلا أحکام الشريعة النبوّية في مدامس الاشتهار، وحلّي جيد الملّة الحنيفيّة بنفائس الافتخار(1)، ودارت رحي العدل علي قطبها، وأشرقت الأرض بنور ربّها، دعاه

ص: 228


1- في «ح »: نظم هذا المضمون علي بن حماد رحمه الله وقال: أخي الصحابة أشکالأفأفرده فقال لم يا رسول الله تفردني قال النبيّ لنفسي قد ذخرتک ما في الأرض لي من أخ إلّاک يشبهني أنا أخوک الّذي ترضي و أنت أخي ولا تزال تواسيني وتسعفني تشدّ أزري وترعي سنّتي وعلي کلّ الأمور تواتيني وتعضدني ما عشت أنت وزيري .... وإذا قضيتُ نحبي تواليني وتخلفني وأنت تغسّلني عند الوفاة فما يحلّ لغيرک عند الغسل ينظرني وأنت وارث علمي والأمين علي جميع أمري من سرَّ ومن علن وسوف تبدي لک الأعداء ما نقموا من الضغائن والأحقاد والإحن واستعمل الحلم عنهم وانتظر.... وبالإله عليهم فاستعن تعن ألقي إليه رسول الله سائر ما ألقي إليه من الرحمن ذي المنن علما بما کان وما قد يکون وما يقول في لقن أوحي إلي لقن وبعد دفن رسول الله کم ظهرت له معاجز قد دقّت علي... آل النبيّ إليکم کلّ مکرمة تتري علي رغم من ...... سفن النجاة الّتي قد فاز... لله ما حل في هاتيکم السفن قد جاد أجدائکم جود به... وصار ربعکم صوب... أنا ابن حماد العبدي فضلني ربّي بما خصّني فيکم و.... لاعذّب الله أمّي انّها شربت حبّ الوصيّ وأسقتنيه في اللبن وکان لي والد يهوي أبا حسن فصرت من ذي وذا أهوي أبا حسن يا نفس إنّ شبابي کان يغدرني في اللهو والشيب فيه اليوم يعذلني کم من أخ لک عللتيه ثمّ قضي نحب الحياة وأدرجتيه في الکفن وأنت عمّا قليل تلحقين به فأکثري الزاد للترحال واحتجن وسوف تلقين بعد الموت ما کسبت يداک من سيُء يا نفس أو حسن لولا اتکالي علي عفو الإله إذاً لکاد ذنبي بما أسلفت يؤنسني وليس لي عمل أرجو النجاة به إلّا موالاة مولاي أبي حسن أقول : وعلي بن حمّاد هو : أبو الحسن علي بن حمّاد بن عُبيد الله بن حماد العدويّ العبدي البصري، من معاصري الشيخ الصدوق والنجاشي . «انظر: الغدير :153/4، أدب الطفّ،161/2 - 198»..

بدء مرض النبي صلي الله عليه و آله

الله إلي جواره مختاراً، وناداه بلسان قضائه جهاراً : يا من أطلعته علي سرّي المصون، وغيبي المکنون، (إنَّکَ مَيَّتُ وَإنَّهُم مَيَّتُونَ) (1)

ولمّا انقضي أجله الجليل، وألقت به الأسقام مؤذنة بوشک الرحيل،

انصدعت لتوجعه قلوب المؤمنين، وهمعت لتألّمه عيون المسلمين .

وکان بدؤ مرضه صلّی الله عليه و آله يوم السبت أو يوم الأحد من صفر.

ولمّا اشتدّ مرضه قام صلّی الله عليه و آله آخذاً بيد عليّ عليه السلام، وتبعه جماعة من أصحابه ، وتوجه إلي البقيع، فقال : السلام عليکم أهل القبور، ليهنئکم ما أصبحتم فيه مما فيه الناس، أقبلت الفتن کقطع الليل المظلم، يتبع

ص: 229


1- سورة الزمر : 30.

النبي صلي الله عليه وآله يوصي قبل وفاته

آخرها أوّلها، إنّ جبرئيل کان يعرض عليَّ القرآن کلّ سنة مرّة، وهذه السنة عرضه عليَّ مرّتين، ولا أراه إلّا لحضور أجلي.

فقام إليه عمّار بن ياسر وقال: بأبي أنت وأُمي يا رسول الله، إذا کان ذلک

من يغسّلک منّا ؟

قال: ذاک عليّ بن أبي طالب، إنّه لا يهمّ بعضو من أعضائي إلّا أعانته

الملائکة علي ذلک.

قال: فمن يصلّي عليک منّا إذا کان ذلک ؟

قال: مه رحمک الله، ثمّ قال لأمير المؤمنين عليه السلام : ياعلي، إذا

رأيت روحي قد فارقت جسدي فاغسلني وانق غسلي، وکفّنّي في طمريّ اللّذين أصلّي فيهما أو في بياض مصر وبرد يمانيّ، ولا تغال في کفني، واحملوني حتي تضعوني علي شفير قبري، فأوّل من يصلّي عليَّ الجليل جلّ جلاله من فوق عرشه، ثمّ جبرئيل و ميکائيل وإسرافيل في جنود من الملائکة لا يحصي عددهم إلّا الله عزّ وجلّ، ثم الحافّون بالعرش، ثمّ أهل سماء فسماء، ثمّ جلّ أهل بيتي ونسائي الأقربون فالأقربون، يؤمون إيماء، ويسلّمون تسليماً، لا تؤذوني بصوت نادب ولا برنّة.

ثمّ قال لعمّه العبّاس: يا عبّاس، يا عمّ رسول الله، تقبل وصيّتي، وتنجز

عدتي، و تقضي ديني.

فقال العبّاس: يا رسول الله، عمّک شيخ کبير، ذو عيال کثير، وأنت تباري

الريح سمحاً وکرماً، وعليک وعد لا ينهض به عمّک.

فأقبل علي عليّ عليه السلام، فقال: تقبل وصيّتي، و تنجز عدتي، و تقضي

ديني ؟

ص: 230

الصلاة الأخيرة للنبي صلي الله عليه و آله بالناس

فقال: نعم، يا رسول الله.

فقال: ادن منّي، فدنا منه، فضمّه إليه ونزع خاتمه من يده، فقال: خذ هذا

فضعه في يدک، ودعا بسيفه ودرعه وجميع لامته، فدفع ذلک إليه، والتمس عصابة کان يشدّها علي بطنه إذا لبس الدرع، وروي أنّ جبرئيل أتاه بها من السماء، فجيء بها إليه، فدفعها إلي عليّ وقال: اقبض هذا في حياتي، ودفع إليه بغلته، وقال: امض علي اسم الله إلي منزلک.

ثمّ أُغمي علي رسول الله صلي الله عليه و آله ، وحضر وقت الصلاة، وأذَّن

بلال، ونادي: الصلاة يا رسول الله .

ففتح صلّی الله عليه و آله عينيه وقال: ادعوا لي حبيبي، فجعل يُعرَضُ عليه رجل فرجل وهو يُعرِض عنه، إلي أن حضر أمير المؤمنين فتهلّل وَجهُهُ، ثمّ قال : يا بلال، هلمّ عليَّ بالناس، فأجمع الناس.

فخرج صلّي الله عليه و آله متوکّئاً علي أمير المؤمنين بيده اليمني، وعلي الفضل بن العبّاس باليد الأخري، متعصّباً بعمامته، متوکّئاً علي قوسه، فصلّي بالناس جالساً، وقد کانت عائشة قد أرسلت إلي أبيها أن يصلّي بالناس، فنحّاه رسول الله صلّي الله عليه و آله وصلّي.

ثمّ قام وصعد المنبر، فحمد الله وأثني عليه، ثم قال: أيّها الناس، إنّه قد حان منّي خفوق من بين أظهرکم، فأيّ نبيّ کنت لکم ؟ ألم أجاهد بين أظهرکم، ألم تکسر رباعيتي ؟ ألم يعفّر جبيني ؟ ألم تسل الدماء علي حرّ وجهي حتي الثقت(1)لحيتي ؟ ألم أکابد الشدّة والجهد مع جهّال قومي ؟ ألم أربط حجر

المجاعة علي بطني ؟

ص: 231


1- لثقت : ابتلت .

الرسول صلي الله عليه و آله يعطي القصاص من نفسه

قالوا: بلي، يا رسول الله ، لقد کنت صابراً، وعن المنکر ناهياً، فجزاک الله

عنّا أفضل الجزاء.

قال: وأنتم جزاکم الله ربي ثم قال : إن ربّي سبحانه أقسم ألّا يجوزه ظلم ظالم، فناشدتکم بالله أيّ رجل منکم کانت له قِبَل محمّد مظلمة فليقم وليقصّ،

فإنّ القصاص في دار الدنيا أحبّ إليّ من القصاص في الآخرة علي رؤوس الملائکة والأنبياء؟

فقام إليه رجل - من أقصي القوم - يقال له سوادة بن قيس فقال: فداک أبي وامّي، إنّک - يا رسول الله - لمّا أقبلت من الطائف استقبلتک وأنت علي ناقتک العضباء وبيدک القضيب الممشوق، فرفعت القضيب وأنت تريد الراحلة فأصاب بطني، فلا أدري أعمداً أم خطأ ؟

فقال صلّی الله عليه و آله : معاذ الله أن أکون تعمّدت، ثمّ قال: يا بلال، قم إلي منزل فاطمة فائتني بالقضيب الممشوق، فخرج بلال وهو ينادي في سکک المدينة: معاشر الناس، من الّذي يعطي القصاص من نفسه قبل يوم القيامة ؟ فطرق بلال الباب علي فاطمة عليها السلام وهو يقول : يا فاطمة، قومي فوالدک يريد القضيب الممشوق، فصاحت فاطمة وهي تقول: وما يصنع أبي بالقضيب وليس هذا اليوم يومه ؟!

فقال : أما علمتِ أنّ أباک قد صعد المنبر وهو يودّع الناس ويعطي القصاص من نفسه ؟ فصاحت فاطمة وهي تقول: واعماه لغمّک يا أبتاه، من للفقراء والمساکين وابن السبيل بعدک يا رسول الله، يا حبيب الله، وحبيب القلوب ؟ ثمّ ناولت بلا القضيب، فجاء به وناوله رسول الله صلّی الله عليه و آله.

ص: 232

فقال رسول الله : أين الشيخ؟

فقال: ها أنذا يا رسول الله، بأبي أنت وأمّي. قال: قم فاقتصّ حتي ترضي۔

فقال الشيخ: اکشف لي عن بطنک يا رسول الله، فکشف صلّی الله عليه وآله عن بطنه، فقال الشيخ: أتأذن لي - يا رسول الله - أن أضع فمي علي بطنک ؟ فأذن له، فقال: أعوذ بموضع القصاص من بطن رسول الله من النار.

فقال رسول الله صلّی الله عليه و آله : يا سوادة ، أتعفو أم تقتصّ ؟ قال : بل أعفو ، يا رسول الله.

فقال رسول الله صلّی الله عليه و آله : اللّهمّ اعف عن سوادة بن قيس کما

عفا عن نبيک.

ثمّ نزل رسول الله صلّی الله عليه و آله ودخل منزل أمّ سلمة وهو يقول:

ربّ سلّم أمّة محمد من النار، ويسّر عليهم الحساب.

فقالت أم سلمة: يا رسول الله، مالي أراک مغموما متغير اللون ؟

فقال صلّی الله عليه و آله :نعيت إليّ نفسي، فسلام لک منّي في الدنيا فلا

تسمعين صوت محمد بعد هذا أبداً.

فقالت أمّ سلمة: واحزناه حزناً لا تدرکه الندامة عليک يا محمد.

ثمّ قال رسول الله صلّی الله عليه و آله : ادع لي حبيبة نفسي وقرّة عيني فاطمة، فجاءت فاطمة وهي تقول: نفسي لنفسک الفداء، ووجهي لوجهک الوقاء، يا أبتاه، ألا تکلّمني کلمةً، فإني أراک مفارق الدنيا، وأري عساکر الموت تغشاک ؟

ص: 233

قول النبي صلي الله عليه وآله: «ائتوني بدواة وکتف ...»

وقول عمر:

«إن النبي قد اشتد به الوجع وهو يهجره

فقال: يا بنيّة، إنّي مفارقک، فسلام عليک منّي. قالت : يا أبتاه ، فأين الملتقي يوم القيامة ؟ قال: عند الحساب. قالت: فإن لم ألقک عند الحساب ؟ قال: عند الشفاعة لأمتّي. قالت : فإن لم ألقک عند الشفاعة لاُمتک.

قال: عند الصراط، جبرئيل عن يميني، و ميکائيل عن يساري، والملائکة من خلفي وقدّامي ينادون: ربّ سلّم أمّة محمد من النار، ويسّر عليهم الحساب.

قالت فاطمة عليها السلام : فأين والدتي خديجة ؟ قال: في قصر له أربعة أبواب إلي الجنّة.

وعن ابن عبّاس قال: اشتدّ برسول الله صلّی الله عليه و آله وجعه يوم

الخميس، فقال: ائتوني بدواة وکتف لأکتب لکم کتاباً لن تضلّوا بعده أبداً.

فقال عمر : إنّ النبيّ قد اشتدّ به الوجع وهو يهجر، عندکم القرآن حسبنا کتاب الله(1)، فاختلف الناس حينئذٍ بينهم، فمنهم من يقول: القول ما قال عمر،

ص: 234


1- انظر : صحيح مسلم : 1259/3ح 22، شرح نهج البلاغة: 2/55، وج 51/6 ، الملل والنحل للشهرستاني : 29/1، المسند للحميدي : 241/1ح526، طبقات ابن سعد:36/2 و 37، مسند أحمد بن حنبل: 293 و 355 ، صحيح البخاري: 39/1 ، وج85/4 و 121 ، المعجم الکبير للطبراني: 445/11 ح 12261، شرح السنّة للبغوي : 180/11ح 2755، الکامل في التاريخ: 2/ 320. . وأخرجه في البحار: 468/22 عن إعلام الوري: 141 ، إرشاد المفيد: 89. وفي ص 472 ح 21 عن مناقب ابن شهر آشوب : 235/1. وفي ص 474 عن أمالي المفيد : 36ح 3. وفي ص 498ح 44 عن کتاب سُليم بن قيس: 210.

نزول ملک الموت لقبض روح النبي صلي الله عليه وآله

فلمّا کثر اللغط(1)عند رسول الله صلّی الله عليه و آله قال: قوموا، فکان ابن عباس يقول: الرزيّة کلّ الرزيّة ما خلا بين رسول الله صلّی الله عليه و آله و بين أن يکتب لهم ذلک الکتاب من اختلافهم ولغطهم

ثمّ أُغمي علي رسول الله صلّی الله عليه وآله ، فلمّا أفاق قال: انطلقوابي إلي فاطمة، فجيء به حتي وضع رأسه في حجرها، فإذا الحسن والحسين عليهما السلام يبکيان ويصيحان ويضطربان، وهما يقولان: أنفسنا لنفسک الفداء، ووجوهنا لوجهک الوقاء

فقال رسول الله صلّی الله عليه و آله : يا علي، من هاذان ؟

فقال: ابناک الحسن والحسين، فعانقهما وقبلهما، وکان الحسن أشدّ بکاءً

من الحسين.

فقال أمير المؤمنين : کفّ يا حسن، فقد شققت علي رسول الله ، ونزل ملک

الموت، فقال: السلام عليک، يا رسول الله .

فقال : وعليک السلام ، يا ملک الموت، لي إليک حاجة، ألّا تقبض روحي

حتي يأتي جبرئيل أخي.

فخرج ملک الموت وهو يقول: وامحمداه، فاستقبله جبرئيل في الهواء،

وقال: يا ملک الموت، قبضت روح محمد صلّی الله عليه و آله ؟

قال: سألني ألا أقبضه حتي يلقاک فيسلم عليک وتسلم عليه.

فقال جبرئيل : يا ملک الموت، أما تري أبواب السماء قد فتحت لروح

محمد ؟ أما تري الحور العين قد تزيّنت لمحمد ؟

ص: 235


1- کذا الصحيح، وفي الأصل: اللفظ.

مناجاة الرسول صلي الله عليه و آله لعلي عليه السلام

ثمّ نزل جبرئيل عليه السلام فقال: السلام عليک، يا أبا القاسم.

فقال: وعليک السلام ادن منّي يا جبرئيل، فدنا منه، فنزل ملک الموت، فقال له جبرئيل : يا ملک الموت، احفظ وصيّة الله في روح محمدصلّی الله عليه وآله ، وکان جبرئيل عن يمينه، و ميکائيل عن يساره، وملک الموت آخذ بروحه صلّی الله عليه و آله ، وجبرئيل يقول: يا محمد(إنَّکَ مَيَّتُ وَإنَّهُم مَيَّتُونَ)(1) (کُلُّ نَفسٍ ذَائِقَهُ المَوتِ (2)-(3)

مسند أبي يعلي وفضائل أحمد: عن أمّ سلمة في خبر: والّذي تحلف أمّ سلمة به أنّه کان آخر عهد برسول الله صلّی الله عليه و آله عليّ عليه السلام، وکان رسول الله قد بعثه في حاجة غداة قبض، وکان يقول: جاء عليّ - ثلاث مرّات - قالت : فجاء عليّ قبل طلوع الشمس، فخرجنا من البيت لمّا علمنا انه له إليه حاجة، فانکب عليه علي، فکان آخر الناس به عهدا ، وجعل يساره ويناجيه(4)

ومن طريق أهل البيت عليهم السلام أنّ عائشة دعت أباها فأعرض عنه رسول الله صلّی الله عليه و آله ، ودعت حفصة أباها فأعرض عنه، ودعت أمّ(5)

ص: 236


1- سورة الزمر: 30.
2- سورة آل عمران: 185، سورة الأنبياء : 35، سورة العنکبوت: 57.
3- أمالي الصدوق : 505 ح 6، عنه البحار: 507/22 ح 9. وأورد قطعات منه في مناقب ابن شهر آشوب : 1/ 234 - 235، عنه البحار: 22 / 472. وانظر : الأحاديث الغيبية : 1/ 38ح 12.
4- مناقب ابن شهر آشوب236/1.
5- مسند أبي يعلي الموصلي : 12 / 364ح 1936، فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل:286/2 ح 1171.

سلمة عليّاً عليه السلام فناجاه طويلاً (1) . حتي إذا اشتد کربه ، وارتفع أنينه، وعرق لهول الموت جبينه نادي لشدّة السياق: واکر باه.

فنادت فاطمة : واکرباه لکربک يا أبتاه . فأجابها مسکّناً لحرقتها بين القوم: لاکرب علي أبيک بعد اليوم.(2)

ثمّ سالت نفسه الشريفة صلّی الله عليه و آله مختاراً، فسالت لها العيون من شؤونها مدراراً، وانقطع بموته الوحي والتنزيل، وامتنع من الأرض. جبرئيل، وأظلمت المدينة بعد نورها وضيائها، وارتفع الضجيج من قصورها وأرحابها.(3)

وروي أنّه صلّی الله عليه و آله لما دنا منه الأجل المحتوم جذب عليا إليه،

وغشاه بثوبه الذي عليه، ووضع فاه علي فيه، وجعل يناجيه.

فلما حضره الموت وقضي صلّی الله عليه و آله استل أمير المؤمنين عليه السلام من تحت الثوب، وترکه علي رسول الله صلي الله عليه و آله ؛ فقيل لأمير المؤمنين : ما الذي ناجاک به رسول الله صلّی الله عليه و آله ؟

فقال: علّمني ألف باب من العلم، ينتج کلّ باب إلي ألف باب ، وأوصاني

بما أنا به قائم إن شاء الله.(4)

ومن طريق أهل البيت عليهم السلام أنّ رسول الله صلّی الله عليه و آله جذب عليّاً تحت ثوبه، وجعل يناجيه، فلمّا حضره الموت قال: يا عليّ، ضع

ص: 237


1- مناقب ابن شهر آشوب:236/1-237، عنه البحار: 521/22 ح 29.
2- کشف الغمّة: 16/1 ، عنه البحار: 22 / 531.
3- أرحاب: جمع رحبة، وهي الصحراء.
4- في oالمناقب : فتح لي من کل باب ألف باب.

قبض النبي صلي الله عليه وآله ويد أمير المؤمنين عليه السلام

تحت حنکه ، وما قاله أمير المؤمنين عليه السلام في هذا

المعني

رأسي في حجرک، فقد جاء أمر الله، فإذا فاضت نفسي فتناولها بيدک، وامسح بها وجهک، ثمّ وجّهني إلي القبلة، وتول أمري، وصلّ عليّ أوّل الناس، ولا تفارقني حتي تواريني في رمسي، واستعن بالله سبحانه .

فأخذ عليّ برأسه، ووضعه في حجره، فأُغمي عليه، فبکت فاطمة، فأومأ

إليها بالدنوّ منه، فأسرّ إليها شيئاً فضحکت وتهلّل وجهها.

فسئلت عن ذلک، فقالت: أعلمني أنّي أوّل أهل بيته لحوقاً به.

ثمّ قضي صلّی الله عليه و آله ويد أمير المؤمنين عليه السلام تحت حنکه، ففاضت نفسه صلّی الله عليه و آله ، فرفعها أمير المؤمنين إلي وجهه فمسحه بها، ثمّ مدّ عليه إزاره، واستقبل بالنظر في أمره(1)

وممّا قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه في نهج البلاغة في هذا المعني:

وقد علم المستحفظون من أصحاب محمد صلّی الله عليه و آله أني لم أرد علي الله ولا علي رسوله ساعة فقط، ولقد واسيته بنفسي في المواطن التي تنکص(2)فيها الأبطال، وتتأخر الأقدام، نجد(3) أکرمني الله بها .

ولقد قُبض رسول الله صلّی الله عليه و آله وإن رأسه لعلي صدري، وقد سالت نفسه في کفّي، فأمررتها علي وجهي، ولقد وليت غسله صلّی الله عليه وآله والملائکة أعواني، فضجّت الدار والأفنية ؛ ملأ يهبط، وملا يعرج، وما فارقت سمعي هيئمة (4) منهم ، يصلون عليه حتي واريناه في ضريحه، فمن ذا أحق به متي حيّاً وميّتاً؟ فانفذوا علي بصائرکم، ولتصدق نيّاتکم في جهاد

ص: 238


1- مناقب ابن شهر آشوب: 1/ 237، عنه البحار: 521/22 - 522.
2- تنکص: تتراجع.
3- لجدة: الشجاعة
4- الهينمة: الکلام الخفي لا يفهم.

عدوّکم، فوالّذي لا إله إلّا هو إنّي لعلي جادّة الحقّ، وإنّهم لعلي مزلّة الباطل، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولکم !(1)

عن أبي جعفر الباقر عليه السلام(2)

قال: قال الناس: کيف کانت الصلاة

ص: 239


1- نهج البلاغة : 311 خطبة رقم 197، عنه البحار: 22 / 540 ح 49 من قوله «ولقد قبض».
2- في «ح» : عن أبي جعفر عليه السلام قال: لمّا قبض رسول الله صلّی الله عليه و آله بات آل محمد عليهم السلام بأطول ليلة حتي ظنوا أن لاسماء تظلهم، ولا أرض تقلهم، لأن رسول الله صلّی الله عليه وآله وتر الأقربين والأبعدين في الله. فبينما هم کذلک إذ أتاهم آت لا يرونه ويسمعون کلامه، فقال: السلام عليکم أهل البيت ورحمة الله وبرکاته ، إنّ في الله عزاء من کلّ مصيبة، ونجاة من کل هلکة، ودرکاً لما فات : (کُلَّ نَفسٍ ذَائِقَةُ المَوتِ وَإنَّمَا تُوفَّونَ أُجُورَکُم يَومَ القِيَامَةِ فَمَن زُحزِحَ عَنِ النَّارِ وَأدخِلَ الجَنَّةَ فَقَد فَازَ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنيا إلاَّ مَتَاعُ الغُرُورِ)، [ آل عمران : 185 ]، إنّ الله اختارکم وفضّلکم وطهّرکم وجعلکم أهل بيت نبّيه، واستودعکم علمه، وأورثکم کتابه، وجعلکم تابوت علمه وعصا عزّه، وضرب لکم مثلاً من نوره، وعصمکم من الزلل، وآمنکم من الفتن، فتعزّوا بعزاء الله. فإنّ الله لم ينزع منکم رحمته، ولن يزيل عنکم نعمته، فأنتم أهل الله عزّوجلّ الذين بهم تمّت النعمة، واجتمعت الفرقة، وائتلفت الکلمة، وأنتم أولياؤه، فمن تولاّکم فاز، ومن ظلم حقّکم زهق، مودّتکم من الله واجبة في کتابه علي عباده المؤمنين، ثم الله علي نصرکم إذا يشاء قدير، فاصبر والعواقب الأمور، فإنّها إلي الله تصير، قد قبلکم الله من نبیّه وديعة، واستودعکم أولياءه المؤمنين في الأرض، فمن أدي أمانته أتاه الله صدقه، وأنتم الأمانة المستودعة، ولکم المودة الواجبة، والطاعة المفروضة، وقد قبض رسول الله صلّی الله عليه و آله وقد أکمل لکم الدين، وبيّن لکم سبيل المخرج، فلم يترک لجاهل حجّة، فمن جهل أو تجاهل أو أنکر أو نسي أو تناسي فعلي الله حسابه، والله من وراء حوائجکم . وأستودعکم الله ، والسلام عليکم. فسألت أبا جعفر عليه السلام ممن أتاهم للتعزية. قال: من الله تعالي شأنه. نقل من کتاب اصول الکافي للکليني رحمه الله [ج 1ص 445 ح 19،عنه البحار: 22 / 537 ح 39].

أن أمير المؤمنين عليه السلام نزل قبر رسول الله صلي الله عليه و آله

عليه ؟ فقال عليّ عليه السلام: [إن] (1)رسول الله صلّی الله عليه وآله إمام حيا و ميّتاً فدخل عليه عشرة عشرة، فصلوّا عليه يوم الاثنين وليلة الثلاثاء حتي الصباح ويوم الثلاثاء، حتي صلّی عليه الأقرباء والخواصّ، ولم يحضر أهل السقيفة، وکان عليّ عليه السلام أنفذ لهم بريدة، وإنّما تمّت بيعتهم بعد دفنه صلّی الله عليه و آله.

وقال أمير المؤمنين صلوات الله عليه : سمعت رسول الله صلي الله عليه و آله يقول: إنما أنزلت هذه الآية في الصلاة علي بعد قبض الله لي: (إنَّ اللهَ وَمَلَائِکَتَهُ يُصَلُّون عَلَي النَّبِيَّ.(2)الآية.

وسئل الباقر عليه السلام : کيف کانت الصلاة علي رسول الله صلّی الله

عليه و آله ؟

فقال: لمّا غسله أمير المؤمنين عليه السلام وکفّنه وسجّاه أدخل عليه عشرة عشرة فداروا حوله، ثمّ وقف أمير المؤمنين في وسطهم فقال:( إنُّ اللهَ وَمَلائِکَتَهُ يُصَلُونَ عَلَی النَّبِيّ) الآية، فيقول القوم مثل ما يقول حتي صلّی عليه أهل المدينة والعوالي، واختلفوا أين يدفن ؟ فقال بعضهم: في البقيع، وقال آخرون : في صحن المسجد.

فقال أمير المؤمنين عليه السلام : إنّ الله لم يقبض نبيّه إلّا في أطهر بقاع الأرض، فينبغي أن يدفن في البقعة الّتي قبض فيه، فاتّفقت الجماعة علي قوله. ودفن في حجرته.

ونزل في قبر رسول الله صلّی الله عليه و آله أمير المؤمنين عليه السلام

ص: 240


1- سورة الأحزاب: 56.
2- من المناقب .

أمير المؤمنين عليه السلام يرثي النبي صلي الله عليه وآله

والفضل بن العبّاس وقثم وشقران، ولهذا قال أمير المؤمنين : أنا الأوّل وأنا الآخر(1)

وأنشأ أمير المؤمنين صلوات الله عليه يقول:

نَفسي علي زَفَراتها محبوسةُ

يالَيتَها خرجت مع الزَّفراتِ

الاخَير بعدک في الحياة وإنّما

و أخشَي (2)مخَافَةَ أن تطولَ حياتي (3)

وله صلوات الله عليه : ألَا طرق النَّاعي بلَيلٍ فَراعنَي

وَأرَّقَني لمَّا استقلّ(4) مُنَاديا

فقلتُ له لمَّاسمعتُ الّذي نَعي(5)

أغيرَ رسولِ الله إن کنتَ (6)ناعِيا

فحقّق ما أسعفت(7)منه ولم أجد

وکان خليلي عزّتي وجماليا

ص: 241


1- مناقب ابن شهر آشوب: 1/ 239 -240.
2- في الديوان: أبکي.
3- مناقب ابن شهر آشوب: 240/1 ، ديوان أمير المؤمنين عليه السلام : 57 ( دار الکتاب العربي) و ص 55 ( دار ابن زيدون) .
4- في الديوان : استهل.
5- في الديوان : لمّا رأيتُ الّذي أتي.. أغير رسول الله أصبح
6- في المناقب : فخفق ما أشفقت.
7- في الديوان : ولم يبل ... وکان خليلي عدّتي. وهذا البيت غير مذکور في طبعة دار الکتاب.

فَوَاللهِ ما أنساک أحمدُ ما مَشَت(1)

بي العيس(2)في أرضٍ وجاوزتُ واديا

وکنتُ متي أهبِط مِنَ الأرضِ تَلعَةً

أريدها أقرأينه جديد و باليا

شجاعُ (3)تَشطُّ الخيل عنه کأنَّما

يَرَينَ بِهِ لَيثاً عَلَيهنّ عاديا(4)

[وله عليه السلام :] ألا يا رسول الله کنتَ حمیً لنا

وکنت بنا برّاً ولم تک جافيا(5)

وکأن علي قلبي لذکر محمد(6)من المناقب(7)

وما جيب(8) من بعد النبي المکاويا(9)

ص: 242


1- في المناقب : مست .
2- في الديوان : العيش.
3- کذا في المناقب والديوان، وفي الأصل : بلغة.
4- في المناقب : أجد، وفي الديوان: أجد أثراً مِنهُ جَديراً وبافيا.
5- کذا في المناقب ، وفي الأصل: يشطي، وفي الديوان : جواد تشظّي وتشط : أي تبعد
6- في الديوان : ضاريا. مناقب ابن شهر آشوب: 241/1 ، ديوان أمير المؤمنين عليه السلام :126( دار الکتاب
7- العربي ) وص 153 ( دار ابن زيدون ) ، أنساب الأشراف: 592/1 .
8- في المناقب : رجائيا.
9- في المناقب : وما جاء . والمکاوي : جمع المکواة.

أفاطم صلّي الله ربّ محمّد

علي جدث أُمّي بيثرب ثاويا

فدي لرسول الله أمي وخالتي

وعمّي وزوجي(1) ثم نفسي وخاليا

فلو أنّ ربّ العرش أبقاک بيننا

سعدنا ولکن أمره کان ماضيا

عليک من الله السلام تحيّة

وأدخلتَ جنّات من العدن راضيا(2)

وقالت الزهراء صلوات الله عليها : قل للمغيّب تحت أطباق الثري

إن کنت تسمع صرختي وندائيا

ص بت عليَّ مصائب لو أنّها

و صبّت علي الأيّام عدن(3) لياليا

قد کنتُ ذات حميً بظلّ محمد

لا أخش من ضيم وکان جماليا

فاليوم أخشع للذليل وأتّقي

ضيعي وأدفع ظالمي بردائيا

ص: 243


1- کذا في المناقب ، وفي الأصل : وروحين
2- مناقب ابن شهر آشوب : 242/1،وأنساب الأشراف: 594/1 ، وفيه الأبيات منسوبة الصفية بنت عبد المطلب.
3- في المناقب : صرن.

فإذا بکت قمريّة في ليلها

شجناً علي غصن بکيت صباحيا

[فلاجعلنّ الحزن بعدک مؤنسي](1)

ولأجعلنّ الدمع فيک وشاحيا(2)

ماذا علي من شم تربة أحمد

ألا يشم مدي الزمان غواليا(3)

ولها صلوات الله عليها: کنتَ السواد لمقلتي يبکي عليک النساظر من شاء بعدک فليمت فعليک کنت أحاذر (4)

وقالت أم سلمة: فجعناه بالنبيّ وکان فينا إمام کرامة نعم(5) الإمام وکان قوامنا والرأس منّا فنحن اليوم ليس لنا قوام ننوح ون(6)شتکي ماقد لقينا ويشکو فقدک البلد الحرام فلا تبعد فکلّ فتئً کريم سيدرکه وإن کرها الحمام(7)

ص: 244


1- من المناقب .
2- الوشاح : نسيج عريض يرصَّع بالجوهر، وتشدّه المرأة بين عاتقها وکشحَیها . «المعجم الوسيط : 2/ 1033 - وشح - ».
3- مناقب ابن شهر آشوب: 242/1. والغوالي: جمع الغالية: أخلاط من الطيب کالمسک والعنبر. «المعجم الوسيط : 660/2».
4- مناقب ابن شهر آشوب : 243/1
5- کذا في المناقب، و في الأصل: فنا.
6- کذا في المناقب ، وفي الأصل : کرم
7- مناقب ابن شهر آشوب: 243/1 .

صفية بنت عبدالمطلب وحسان بن ثابت يرثيان النبي صلي الله

عليه و آله

وقالت صفيّة بنت عبد المطّلب (1)يا عَين جودي بدمع منک منحدر

ولا تَملّي وابکي(2) سيّد البشرِ

ابکي (3)-(4)الرسولَ فَقَد هَدَّت مصيبتُه

جميع قومي وأهل البدو والحضر

ولاتَملّي بکاک الدهر معولةً

عليه ما غرّد القُمريّ في السحر(5)

وقال حسان : إنّ الرزيّة لا رزيّة مثلها ميّت بطيبة مثله لم يفقد ميّت بطيبة أشرقت بحياته ظلم البلاد إنهم أو منجد والکوکب الدرّي أصبح أفلاً بالنور بعد تبلّج وتصعّد لله ماضمّت(6) حفيرة قبره منه وما فقدت سواري المسجد (7)

الکافي : اجتمعت نسوة بني هاشم، وجعلن يذکرن النبي صلّی الله عليه و آله ،

فقالت فاطمة عليها السلام : اترکن التعداد و عليکنّ بالدعاء.

ص: 245


1- صفيَة بنت عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف، عمّة النبيّ صلّی الله عليه و آله ، أمّ الزبير بن العوّام، کانت من أشجع النساء في زمانها. انظر في ترجمتها: أعيان الشيعة : 7/ 390، الاصابة: 348/4 ، أعلام الزرکلي:206/3 .
2- في المناقب ، وبکّي
3- في المناقب : بکّي .
4- مناقب ابن شهر آشوب؛243/1، وأنساب الأشراف: 594/1.
5- کذا في المناقب ، وفي الأصل : الشجر
6- في المناقب : ضمنت .
7- مناقب ابن شهر آشوب: 244/1 .

أن النبي صلي الله عليه و آله أوصي علي عليه السلام بأن لا

يغسله غيره

مناجاة للمؤلف رحمه الله

وقالت فاطمة : قال النبيّ صلّی الله عليه و آله لعليّ: يا علي، من أُصيب

بمصيبة فليذکر مصيبته بي فإنّها من أعظم المصائب (1)

روي يزيد بن بلال، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: أوصي النبيّ صلّی الله عليه و آله : أن لا يغسّله أحد غيري، فإنّه لا يري أحد عورته إلّا طمست عيناه.

قال: فما أتناول عضواً إلّا کان کأنّما نقله ثلاثون رجلا (2)حتي فرغت

من غسله.(3)

وروي أنّه لمّا أراد أمير المؤمنين تغسيله استدعي الفضل بن العبّاس ليعينه، وکان مشدود العينين، وقد أمره أمير المؤمنين عليه السلام [بذلک] (4) إشفاقاًعليه من العمي(5)

المناجاة

يا من جمال جلاله منزه عن التغيير والزوال، ويا من دوام کماله مقدّس عن الحدوث والانتقال، ويا من جلّ في ذاته وصفاته عن المعاني والأحوال. ويامن دلّ بافتقار مخلوقاته علي انّه الکبير المتعال.

سبحانک من قاهر تردّی بالجبروت والکبرياء، وتعاليت من قادر لا

ص: 246


1- مناقب ابن شهر آشوب : 1/ 238 - وليس فيه «وقالت فاطمة»، عنه البحار: 22 /522. ولم أجده في الکافي.
2- في المناقب: فما تناولت عضواً إلّا کأنّما يقلبه معي ثلاثون رجلاً
3- مناقب ابن شهر آشوب: 1/ 239، عنه البحار: 22 /524.
4- من المناقب .
5- مناقب ابن شهر آشوب: 1/ 239 ، عنه البحار : 22 /524.

يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، لا تشارک في وجوب وجودک، ولا تضاهي في فضلک وجودک، ولا يخرج عن سلطانک قويّ ولا ضعيف، ولا يفلت من قبضتک دنّي ولا شريف، ولا يخرج عن إحصائک وفي ولا طفيف، أنت الظاهر ببديع قدرتک، القاهر بعموم ربوبيّتک، حکمت بالموت، وقضيّت بالفوت، فلا رادّ لقضائک، ولا مفر من بلائک .

سبحانک أخرجتنا من عالم الغيب إلي عالم الشهادة، وقضيتّ لنا في دار بلائک بالحسني وزيادة، وجعلتَ لنا أرضک فراشاً، وسخرت لنا من رزقک معاشاً، ورکبت فينا أدوات معرفتک، و آلات عبادتک، من عقول کاملة، وأرکان عاملة، وجوارح مطيعة، وقویً مستطيعة.

وأودعت في أجسادنا من عجائب حکمتک، وغرائب صنعتک، أعدل شاهد علي وحدانيتک، وأکبر دال علي فردانيّتک، من آلات بسط وقبض ، ورفع وخفض ، وحرکة وسکون ، وظهور وبطون ، وطبائع مصرفة ، وقویً مختلفة ، من باصرة وسامعة، ومفرقة وجامعة، وماسکة ودافعة، وموصلة ومانعة، وذاکرة وحافظة، وذائقة ولافظة.

ونصبت لنا من خواصک أعلاماً جعلت قلوبها مواطن حبّک، ومعادن قربک، لما فازت بالدرجة العليّة من فيضان عنايتک، وشربت بالکأس الروية من شراب محبّتک، أطربها بلبل دوح عرفانک تشتهي نغمته، وأرقّها صوت مجيد فرقانک بفصيح کلمته، فطالعت جلال جمالک بأبصار بصائرها، وشاهدت أنوار تجلّيات عظمتک بأفکار سرائرها، فجرت في مضمار عشقها إلي حضيرة قدسک، وسلکت بقدم صدقها إلي مقام انسک، لم تقصر قواها عن الترقي في مدارج السلوک بتوفيقک و تأييدک، ولم تختلجها عوارض الشکوک بإرشادک

کار 1

ص: 247

وتسديدک، حتي إذا وردت من عين اليقين ورداً وصدراً، وکشف بها الحقّ المبين عن غوامض أسراره حجاباً و ستراً، وصار المحبّ حبيباً، والطالب مطلوباً.

جعلتهم معادن علمک ، و مواضع حکمک ، وتراجمة وحيک ، وسفرة أمرک، وعصمتهم من کلّ عيب ، ونزّهتهم من کلّ ريب ، وتوجتهم بتاج عنايتک، وأفرغت عليهم خلع کرامتک، وأسريت بهاديهم إلي الصفيح الأعلي، وسموت بساميهم إلي المقام الأدني، وأطلعته علي أسرار ملکوتک، وشرفته بخطاب حضرة جبروتک ، ووسمته بخاتم النبيين ، وسميته بأحمد ومحمد وطه وياسين ، وجعلته أفضل أهل السماوات وأهل الأرضين، وأيدته بوليک سيّد الوصيّين ، وفرضت ولاءها وولاء أهل بيتهما علي عبادک أجمعين، فقلت : (يَا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَکُونُوا مَعَ الصَّادِقِيِنَ)(1)

فمن سلک سبيلهم، واقتفي دليلهم، فهو ممّن الحقته جناح رحمتک،

وأورثته نعيم جنّتک، ورقمت اسمه في جرائد المنتجبين من خواصّک، وأثبتّ وسمه في صحائف الموسومين بإخلاصک.

ومن تولّی عن أمرهم، وأنکر عنهم برهم، وتوالي من جرت عليه نعمتهم، وعظمت لديه مننهم، واستطال علي الناس برفيع مجدهم، واشتهر بالباس بغرار حسدهم، وتاه في ظلمة ضلالته، وغرق في لجة جهالته، فهو ممن قلت فيه: (يُؤمنون بِالجِبتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ اللَّذِينَ کَفَروا هؤلاَءِ أهدَي مِنَ الَّذِينَ

ص: 248


1- سورة التوبة: 119.

آمَنُوا سَبِيلاً أولَئِکَ الَّذِينَ لَعَنَهُم اللهُ وَمَن يَلعَنِ اللهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً) (1)

(يُرِيُدونَ أنَ يَتَحَاکَمُوا إلَي الطَّاغُوتِ وَقَد أمِرُوا أَن يَکفُرُوا بِهِ وَيُريِدُ الشَّيطَانُ أن يُضِلَّهُم ضَلَالاً بَعِيداً وَإذَا قِيلَ لَهُم تَعَالَوا إلَي مَا أنَزَلَ اللهُ وَإلَي الرَّسُولِ رَأيتَ المُنَافِقِينَ يَصُدُّون عَنکَ صُدُوداً)(2) وأُولَئِکَ الَّذِينَ کَفَرُوا بِآيَاتِ رَبَّهم وَلِقَائِهِ فَحَبطَت أعمَالهُم فَلَا نُقِيم لَهُم يَومَ القِيَامَةِ وَزناً ذَلِکَ جَزَاؤُهُم جَهنَّم بِمَا کَفَرُوا وَاتَّخَذوا آيَاتِي وَزُسُليِ هُزُواً.(3)

اللّهمّ إنّا لا نعلم نبيّاً من أنبيائک، ولا نعتقد وليّاً من أوليائک، ولا ملکاًمن حملة عرشک، ولا هابطاً بوحيک وأمرک، ولا أميناً علي غيبک وسترک، أفضل الديک من نبيک المصطفي، وأمينک المجتبي، الّذي انتجبته لرسالتک، واصطفيته بکلمتک، وختمت به أنبياءک، ووصيّه الذي اخترته لخلافتک، وقرنت طاعته بطاعتک، وضربته مثلاً في محکم تنزيلک، وشددت به عضد نبيّک ورسولک وأيّدته بالفضل والحکم، وآتيته بسطة في العلم و الجسم، وهزمت بجدّه الأحزاب، وقصمت بسيفه الأصلاب، وجعلت حبّه فارقاً بين الکفر والإيمان، وحبّه وسيلة إلي الفوز بنعيم الجنان.

الانعتقد ذنباً بعد الإلحاد في آياتک، والجحود لصفاتک، وادّعاء إلهاً سواک،

والتکبّر علي جلالک وعلاک، أعظم ولا أکبر، ولا أوثق ولا أشقّ، من ذنب من وضع من قدره، واجتري عليه بکفره، وقدّم عليه من لا يعادل عند الله شسع نعله، وأخره عمّن ليس له فضل کفضله، ولا أصل کأصله، وجحد نصّ رسولک

ص: 249


1- سورة النساء : 51 و 52.
2- سورة النساء : 60 و61.
3- سوررة الکهف : 105 و 109.

و حرّف آيات تنزيلک، وشهد أنّ طاعتک مقرونة بطاعته، وولايتک مشروطة بولايته، إذ هو «أُولوا الأمر الذي أمرت باقتفاء أثره، ونوهت في کتابک بذکره، وأمرت نبيک أن يأخذ ميثاق خلافته علي کلّ مقرّ بوحدانيّتک، معتقد لربوبيّتک، فمن ردّ مقال رسولک، وسلک غير سبيلک، فهو ممّن قلّدته لعنتک، ووعدته نقمتک، وأعددت له أليم عذابک، ووخيم عقابک.

ونشهد أنّه سبيلک القويم، وصراطک المستقيم، ونشهد أنّ من ابتزّه سلطانه غاصباً، وتسمّي باسمه کاذباً، وأنکر ما أوصيت من فرض ولايته، وأخفي ما أظهرت من حقّ خلافته، فقد بعد من الصواب، وحقّت عليه کلمة العذاب، فلا عذاب أعظم من عذابه، ولا عقاب أنکي من عقابه، إذ الثواب والعقاب علي مقدار الفعل المکتسب في دار البلاء، ومحلّه الابتلاء، ومن جحد الوصي منزلته، ورد ّعلي الرسول مقالته ، وأوّل نصّ الکتاب بالتأويل الواهي، والخيال الساهي، وقدّم من يستحقّ التأخير لنقصه، وأخر من قدّم الله ورسوله منصبه، ونصب العداوة لأهل بيت نبيه، وجحد الولاية بضلاله وغيه، وعدل بميراث الرسول عن أهله، ووضعه في غير محلّه، فهو ممّن أنکر أصول الإيمان، وانتظم في مسلک عبدة الأوثان، وأعداء الرحمن، ومقره في الدرک الأسفل، وجزاؤه العذاب الأطول، يتعوّذ فرعون وهامان من عذابه، وينفر عبدة الأوثان من أليم عقابه.

کما ذکرت هنا في فقرات نثري، وأوردت قديماً في خطبي وشعري،

مخاطباً من تجرّأ علي الله والرسول ، وغصب حقّ الوصي والبتول :

غرّتک دنياک فصرت حاکماًوللوصي والبتول ظالما وللنبي المصطفي مخاصماً فسوف تصلي بعد ذا سعيرا

ص: 250

عقوبة الذنب من الله علي مقدار ذنب العبد في دار البلا وظلم من يؤذي النبي المرسلا هل فوقه ظلم فکن بصيرا

اللّهمّ فکما جعلتنا من المستمسکين بحبل نبيک وعترته، والمستظلّين بظلال وليّک وذرّيته، المعتصمين بمعاقل محبيهم، الموسومين بخاصة شيعتهم، الواثقين بعروة عصمتهم، السالکين واضح طريقتهم فصلّ علي محمد و آله ، وأمتنا علي الحق الّذي هديتنا إليه من عرفان حقهم، وابعثنا علي النهج الذي نحن عليه من الاقرار بصدقهم، ومتّعنا بالنظر إلي جلال جمالهم في حشرنا، واجعلهم شفعاءنا إليک يوم نشرنا، وارزقنا منازل السعداء، واسقنا من حوضهم شربة لا نظمأ بعدها أبداً، إنّک علي کلّ شيء قدير، وبالاجابة جدير، والحمد لله ربّ العالمين، وصلّی الله علي سيّدنا محمد

وآله الطاهرين .

ص: 251

ص: 252

المجلس الثالث: في ذکر شيء من فضائل أمير المؤمنين، وذکر أدلة شريفة علي فرض إمامته، و...

اشارة

المجلس الثالث: في ذکر شيء من فضائل أمير المؤمنين، وذکر أدلة شريفة علي فرض إمامته، والاستدلال علي کفر من أنکر نص خلافته، وذکر طرف من ظلامة سيدة النساء صلوات الله عليها، وذکر وفاتها، ووفاة أمير المؤمنين صلوات الله عليه وعلي أبنائه الطاهرين

خطبة للمؤلف رحمه الله

في ذکر شيء من فضائل أمير المؤمنين، وذکر أدلّة شريفة

علي فرض إمامته ، والاستدلال علي کفر من أنکر نصّ خلافته ، وذکر طرف من ظلامة سيّدة النساء صلوات الله عليها، وذکر وفاتها ، ووفاة أمير المؤمنين

صلوات الله عليه وعلي أبنائه الطاهرين

الخطبة

الحمد لله الذي أسبغ علينا فضله العميم، وأسدي إلينا برّه الجسيم، وهدانا صراطه المستقيم، وسلک بنا سبيله القويم ، وجعلنا من أمّة رسوله الکريم، وشيعة وليه الأواه الحليم ، أعني سيد الوصيين ، وإمام المتقّين ، وحبل الله المتين ، ونوره المبين ، عليّ أمير المؤمنين ، المغصوب أمره ، المجهول قدره، المشهور فضله ، المنشور عدله ، المظلوم حقّه المکذوب صدقه ، المقتول في محرابه، المهدوم رکن الاسلام بمصابه، أفضل من ارتدي بالخلافة واتّزر، وأشرف من تسمّي بالإمامة واشتهر ، صنو الرسول و مواريه في رمسه ، وصارمه المسلول

ص: 253

ومواسيه بنفسه .

کم رکن للشرک هدم ، وکم صلب للکفر قصم ، وکم أدحض للجهل حجّة، وکم أمعن للبغي مهجة ، وکم أخفي للنفاق محجّة ، وکم أفاء الله علي المسلمين بسيفه أموالا ودياراً وحدائق ذات بهجة.

کتب الله بيد عظمته منشور ولايته ، وختم بطابع عنايته توقيع خلافته، وأوجب فرض ولايته علي کافّة بريّته ، وجعل الرئاسة العامّة إلي يوم القيامة فيه وفي ذرّيّته ، (إنَّمَا وَليُّکُم)(1)تاج سلطانه ، و (قُل لَا أَسأَلکُم) (2) خلعة عظيم شأنه ، وآية النجوي في حلية الفخر جواد سباقه ، وسورة هل أتي في عرصة المجد ميدان انطلاقه.

قرن الشمس مقعد أصله ، وهامة السماک مرکب فضله ، عدله عميم ، وفضله عظيم ، ونوره تامّ ، وجوده عامّ ، وعلمه بحر زاخر ، وکفّه جود هامر، ولفظه لؤلؤ منثور ، وعزمه سيف مشهور ، وحبّه شرف وفخر ، وبغضه نفاق وکفر.

يعشق جماله قلبي ، ويعتقد کماله لبّي ، ويهوي ذکره لساني ، ويعتاد شکره جناني ، و يحلو تکرّر لفظه في لهواتي ، ويجلو فصيح وعظه کرباتي ، کلامه شفاء غمومي ، وخطبه مجلية همومي ، ونهج بلاغته سبيل بلاغتي ، وغرر درره حلية فصاحتي ، ينشي مدحه نشوات السرور في فؤادي ، ويستعذب وصفه دقيق فکري في إصداري وإيرادي .

إن ابني من عدوّي ناب وظفر ، فزعت إلي الدعاء باسمه في الجهر

ص: 254


1- سورة المائدة : 55.
2- سورة الشوري : 23 .

والسرّ، ليجعل الله معاندي بصواعق توسّلاتي مقهوراً ، وبسهام دعواتي محسوراً، ويطرق لعيني مذؤوماً مدحوراً ، وأن يردّ الّذين کفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً (1)

اللهمّ اجعل کيده في تضليل ، وأرسل عليه حجارة من سجّيل (2) وشهباً ثاقبة يضعف عن تحمّل سعيرها الطوق ، وسحائب هلکه برد بارودها بمطر من تحت إلي فوق .

اللهمّ أرسل عليه شواظاً من نار ونحاس (3)، وبنادق من رصاص تترکه کهشيم المحتظر (4) ولا توفّقه للتوبة ، ولا ترشده للأوبة ، وصمّ سمعه عن سماع نصيحتي ، ولا تنفعه بتبياني و تذکرتي ، حتي تخرجه من دار الفناء وأنت عليه غضبان ، و تصليه جهنّم وقلبه غير مطمئنّ بالإيمان .

ربّنا أفرغ علينا صبراً علي ظلمه ، وأعظم لنا من لدنک أجراً علي هظمه،

واجعل لنا أُسوة بنبیّک وأهل بيته الأطهار ، وارفع لنا عندک درجة في منازل الأبرار ، إنّک ذو الفضل الجزيل ، والصنع الجميل . .

روي عن شمس فلک النبوّة ، وروح جسد الفتوّة ، ومن أعلي الله علي کلّ علوّ علوّه ، وأسمي علي کلّ سموّ سموّه ، بلبل دوح ( اقرَأ وَرَبُّکَ الأکرَمُ) (5) قاريء لوح (وَعَلَّمَکَ مَا لَم تَکُن تَعلَم)(6)، صدر مجلس(ألَم نَشرَح لَکَ

ص: 255


1- إقتباس من الآية : 25 من سورة الأحزاب
2- إقتباس من الآية : 2 و 4 من سورة الفيل
3- إقتباس من الآية :35 من سورة الرحمن .
4- إقتباس من الآية : 31 من سورة القمر .
5- سورة العلق : 3.
6- سورة النساء : 113.

صَدرَ کَ) (1) بدر مشرق (وَرَفَعنَا لَکَ ذِکرَکَ)(2)، تاج نبوّته (مَا کَانَ مُحَمَّدُ أَبَا أحَدٍ مِن رِجَالِکُم وَلکِن رَسُول اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيّين) (3)ومنهاج ملّته (وَمَن يَبتَغِ غَيرَ الإسلَام دِيناً فَلَن يُقبَلَ مِنهُ وَهُوَ فِي الآَخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِيِنَ) (4)، وقسم رسالته (يس وَالقُرآن اِلحَکِيمِ إنَّکَ لَمِنَ المُرسَلِينَ) (5) وصحيفة أدبه(خُذِ العَفوَ وَأمُر بِالعُرفِ وَأَعرِض عَنِ الجَاهِليِن)(6)، ومعراج رفعته (سُبحَانَ الَّذِي أَسرَي)(7)، وکمال معرفته (سَنُقرِئُکَ فَلَا تَنسَی) (8)

رسخت قدمه في صعيد المجد الأطول ، وشمخت شجرته في روضة

الشرف الأعبل ، طار بقوادم التقديم لمّا أُسري به من المسجد الحرام إلي المسجد الأقصي ، وفاز بدرجة التعظيم لمّا وطيء بأخمصه بساط العزّة والکبرياء ، نودي في ذلک المقام : دس البساط بنعليک ، وخوطب بلسان الحال: (انَّا أوحَينَا )(9)النبيّون طلائع جنودک ، والکروبيّون مقدّمة عديدک ، ( وانَّا فَتَحنَا) (10)علم نصرتک وتأييدک ، (وَلَسَوفَ يُعطِيکَ رَبَّکَ فَتَرضَي) (11)علامة رفعتک و تمجيد .

ص: 256


1- سورة الشرح : 1.
2- سورة الشرح : 4.
3- سورة الأحزاب : 40.
4- سورة آل عمران : 85.
5- سورة يس : 1- 3.
6- سورة الأعراف : 199 .
7- سورة الاسراء : 1.
8- سورة الأعلي : 6.
9- سورة النساء : 163.
10- سورة الفتح : 1.
11- سورة الضحي : 5.

الدنيا والآخرة في قبضة حکمک ، و علوم الأوّلين والآخرين کالقطرة في بحر علمک ، لم أخلق خلقاً أکرم منک عليّ ، ولم أنشيء نشأً أدني منک إليّ ، السبع الطباق ميدان سباقک ، وسدرة المنتهي غاية براقک ، شجرتک في دوحة المجد نسقت ، ونبعتک في ربوة العز سمقت ، قلبک خزانة علمي ، وشرعک مناط حکمي ، ويمنک موضع سّري ، وأمرک قرين أمري .

(مَن يُطع الرَّسُولَ فَقَد أطَاعَ اللهَ) (1)عنوان صحيفتک ، (فَاتَّبعُونِي يُحبِبکَمُ اللهُ)(2)توقيع رسالتک ، يا بدر دجي أسريت به ليلاً إلي حضرة قدسي، ويا شمس ضحي أبديت سناها من مقام أنسي ، خذ ما أتيتک بقوّة .

فإذا لسان حاله ، صلّی الله عليه و آله : يا من شرّفني - بلذيذ مناجاته بي إلي الصفيح الأعلي من سماواته ، وأطلعني علي أسرار ملکوته ، وأسمعني نغمة خطاب جبروته ، ربتي(3)وحق ما أزلفتني به من قربک ، وأتحفتني من خالص حبّک ، وما ضمّت عليه جوانحي وأحشائي من صحّة يقيني وولائي ، وما سکن من بهجتک في سواد ناظري وسويداء ما في قلبي إلّا جلال جمالک ، ولا في نفسي إلا بهاء کمالک ، صرفت کلّي نحو طاعتک ، ووجّهت وجهي إلي کعبة محبّتک ، ووقفت سمعي علي خطاب حضرتک ، حلية لساني شريف ذکرک، وراحة جناني دوام شکرک.

يا معبودي ومقصودي ، ومن له خضوعي وسجودي ، نوّر بمصابيح التوفيق سبيل سلوکي إليک ، واحملني علي مطايا التحقيق موضحاً أدلّة الحق عليک ، إنّک الهادي إلي طريق الرشاد، والموضح سبيل السداد ، هذا الّذي جليت

ص: 257


1- سورة النساء : 80.
2- سورة آل عمران : 31.
3- کذا في الأصل .

إخبار النبي صلي الله عليه و آله باستشهاد أمير المؤمنين عليه السلام

رين القلوب بذکر مفاخره ، وجلوت علي النفوس غروس مآثره ، ونقلت درّه من طور مراتبه ، وصببت قطرة من بحر مناقبه .

روي عنه بالروايات القاطعة ، والآثار الساطعة ، متّصلة إليه صلّی الله

عليه و آله أنّه صعد المنبر فخطب بعد أن اجتمع الناس إليه ، فقال :

يا معشر المؤمنين ، إنّ الله سبحانه أوحي إليّ أنّي مقبوض ، وان ابن عمّي علياً مقتول ، وإنّي - أيّها الناس - آخبرکم بخبرٍ إن عملتم به سلمتم ، وإن ترکتموه هلکتم ، إن ابن عمي علية هو أخي ووزيري ، وهو خليفتي ، وهو المبلّغ عنّي، وهو إمام المتقّين ، وقائد الغرّ المحجّلين ، إن استرشد تموه أرشدکم ، وإن تبعتموه نجوتم ، وإن خالفتموه ضللتم ، وإن أطعتموه فالله أطعتم ، وإن عصيتموه فالله عصيتم ، وإن بايعتموه فالله بايعتم ، وإن نکثتم بيعته فبيعة الله نکثتم ، وإن الله سبحانه أنزل عليَّ القرآن ، وهو الّذي من خالفه ضلّ ، ومن ابتغي علمه عند غير علي هلک .

أيّها الناس ، اسمعوا قولي ، واعرفوا حقّ نصيحتي ، ولا تخلفوني في أهل بيتي إلّا بالّذي أمرتم به من حقّهم(1) فإنّهم حامتي و قرابتي وإخوتي وأولادي، وإنّکم مجموعون ومساءلون عن الثقلين ، فانظروا کيف تخلفوني فيهما ، إنهم أهل بيتي ، فمن آذاهم آذاني ، ومن ظلمهم ظلمني ، ومن أذلّهم أذلنّي ، ومن أعزهم أعزّني ، ومن أکرمهم أکرمني او [من نصرهم نصرني ، ومن خذلهم خذلني ، ومن طلب الهدي في غير هم فقد کذّبني].(2)

أيّها الناس ، اتّقوا الله وانظروا ما أنتم قائلون إذا لقيتموه، فإنّي خصيم لمن

ص: 258


1- في الأمالي : حفظهم .
2- من الأمالي .

آذاهم ، ومن کنت خصمه خصمه الله (1) ، أقول قولي [هذا] (2) وأستغفر الله لي ولکم.(3)

أقول : في موجب هذه الخطبة الّتي ذکر الرسول صلّی الله عليه و آله فيها شرف أمير المؤمنين ، وأبان عن فضله الّذي لا يوازيه فضل أحد من العالمين ، إذ اختصه بخلافته وإخوته ، وسجّل انّه الأولي بتدبير أمّته ، وأوضح عن شرف رتبته ، وأفصح برفعة منزلته بقوله : هذا أخي ووزيري وخليفتي والمبلّغ عنّي ، ثمّ زاده شرفاً بقوله : هو إمام المتقين ، وقائد الغرّ المحجلين ، وإنّما خصّ المتّقين بالذکر لکونهم هم الفائزون بإخلاص الطاعة له في سرهم وعلانيتهم ، وهم المتّبعون بأداء أمره ونواهيه في ظواهرهم وبواطنهم ، وهم الذين اهتدوا فزادهم الله هدي وآتاهم تقواهم (4) ، وهم الّذين اعتصموا بحبل الله فعصموا من الردي في دنياهم وأخراهم(5) ، وان کان صلوات الله عليه إماماً لجميع الخلق من الثقلين ، وسيّداً لمن أقرّ بتوحيد ربّ المشرقين وربّ المغربين

ثمّ عرّفنا صلّی الله عليه و آله إن استرشدناه استرشدنا ، وإن تبعناه نجونا، وإن خالفناه ضللنا ، وإن أطعناه فالله أطعنا ، وإن عصيناه فالله عصينا ، وإن

بالا

ص: 259


1- في الأمالي : خصمه خصمته
2- من الأمالي .
3- أمالي الصدوق : 62ح 11 ، عنه البحار :94/38 ح 10، وإثبات الهداة :1 /279ح .148ورواه في بشارة المصطفي : 16 - 17 بالاسناد إلي الصدوق. وأورده في مشارق أنوار اليقين : 52 - 53 ، عنه البحار : 23 /153 ح 118.
4- إقتباس من الآية : 17 من سورة محمد صلّی الله عليه و آله
5- إقتباس من الآية : 103 من سورة آل عمران .

بايعناه فالله بايعنا، وإن نکثنا بيعته فبيعة الله نکثنا .

ثمّ قال صلّی الله عليه و آله : إن الله أنزل عليَّ القرآن الّذي من خالقه ضلّ،

ومن ابتغي علمه عند غير عليّ هلک.

وما کان صلّی الله عليه و آله ليثبت له هذه الخصائص تشهّياً ، ولا ليوجب له هذه الفضائل اقتراحاً ، بل بوحي يوحي ، لکونه صلي الله عليه و آله لا ينطق عن الهوي (1).

ولم يکن سبحانه ليوجب علينا متابعته ، ويفرض علينا ولايته ، ولا يحثّنا علي الاستمساک بعروته ، ويأمرنا بسلوک طريقته ، إلّا لأنّه سبحانه علم تشدّده في حبه ، وإخلاصه بقالبه وقلبه .

و قد طهّره سبحانه بالعصمة ، وأيده بالحکمة ، لا تأخذه فيه لومة لائم، ولا يثني عزيمته عن التوجّه إليه عقائد العزائم ، قلبه منبع الأسرار الإلهيّة ، ونفسه معدن العلوم الربّانيّة والفضائل النفسانية ، إلي کعبة علومه تشدّ الرحال ، وببيت معارفه يطوف الرجال ، وعلي قواعد استنباطه تبني الأحکام ، وهو الذي وضع قوانين العلوم بأسرها، وتفرّد دون الخلق بضبطها وحصرها ، فالعلوم الإلهيّة من عين يقينه نبعت ، الأحکام الشرعيّة من تحقيقه و تبيينه تفرّعت ، وموازين الفصاحة بلسانه استقام لسانها ، و قعر البلاغة بنهج بلاغته قامت سوقها و استقامت أوزانها ، والقواعد الرياضيّة بحدّة فطنته أوضح غامض إشکالها ، وأقام البرهان علي وحدة الصانع ووجوب وجوده بستر تيب قضاياها وأشکالها.

کلّ علم لا يعزي إليه فهو باطل ، وکلّ نثر لا يحلّي بجواهر کلامه فهو

ص: 260

عاطل ، وکلّ عالم لا يعتمد عليه فهو جاهل ، وکلّ منطبق لا يقفو أثره فهو باقل(1)، وکل فاضل لا يحذو حذوه فهو خامل.

ما من علم إلّا وهو أصله وفرعه ، وما من أدب إلّا وهو بصره وسمعه ، إليه يرجع المتالّهون في سلوکهم ، وبنور کشفه تکشف ظلمة الحيرة من سلوکهم ، أقدم الناس سلمة ، وأغزرهم علما ، وأعرفهم بکتاب الله ، وأذبّهم عن وجه رسول الله . .

سيفه القاطع ، ونوره الساطع ، وصدّيقه الصادق ، ولسانه الناطق ، وأنيس وحشته ، وجليس وحدته ، ووليّ عهده ، وأبو ولده ، وأفضل الخلق من بعده ، لم يسبقه الأولون بعلم و جهاد ، ولم يلحقه الآخرون بجدّ واجتهاد ، نصر الرسول إذ خذلوا، وآزره إذ فشلوا، وآثره بنفسه إذ بخلوا ، واستقام علي طريقته ، إذ غيرّوا وبدّلوا.

مجده شامخ ، وعلمه راسخ ، کم حجّة لمارق أدحض ، وکم شبهة لزاهق قوّض ، وکم علم للشرک نکسّ ، وکم جدّ للظلم أتعس ، وکم جمع للنفاق أرکس، وکم منطبق من أولي الشقاق أبلس ، أوّل من صام وصلي وتصدّق ، وأقام الإسلام في بدر و حنين واحد والخندق ، کم قصم فقار مشرک بذي الفقار ، کالوليد وعمرو وذي الخِمار(2) ردّت له الشمس وقد دنت للطفل ، حتي أدّي فرضه وعن طاعة ربّه ما اشتغل .

أوّل في الدين ذو قدم وله عزّ إذا انتسبا خصّه ربّي فصيّره لبني بنت النبيّ أبا

ص: 261


1- باقلُ : اسم رجل يضرب به المثل في العِيَّ . «لسان العرب : 62/11 - بقل -» .
2- هو مبيع بن الحارث ، من بني مالک .

قول النبي صلي الله عليه و آله لعلي عليه السلام: «لک أشياء ليس لي مثلها»

فهو سيّد الوصييّن ، وزوج سيّدة نساء العالمين ، وابناه سيّدا شباب أهل الجنّة ، وعمه حمزه سيّد الشهداء ، وأخوه جعفر يسمّي ملکا ، سيّد الطيور في الجثة يطير مع الملائکة ، وأبوه سيّد العرب حامي رسول الله ، وجدّه رئيس مکة وجدّ جدّه عبد مناف سيّد العرب ، وحماته أمّ المؤمنين أوّل امرأة أسلمت وصلّت وأنفقت ، ومنها نسل النبيّ صلّی الله عليه و آله ، وأمّه فاطمة بنت أسد أوّل هاشميّة ولدت من هاشميّين.

وروي الثقات عن رسول الله صلّی الله عليه و آله أنّه قال : يا عليّ ، لک أشياء ليس لي مثلها ؛ إنّ لک زوجة مثل فاطمة وليس لي مثلها ، ولک ولدين من صلبک وليس لي مثلهما من صلبي ، ولک مثل خديجة أمّ أهلک وليس لي مثلها، ولک حمو (1)مثلي وليس لي حمو مثلي ، ولک أمّ في النسب مثل جعفر وليس لي مثله في النسب ، ولک أمّ مثل فاطمة بنت أسد الهاشميّة المهاجرة وليس لي أمّ

مثلها .

سلمان وأبوذرّ والمقداد : أنّ رجلاً فاخر عليّاً عليه السلام فقال [النبيّ صلّی الله عليه و آله] (2) : إن فاخرت العرب فأنت أکرمهم ابن عمّ ، وأکرمهم نفساً وأکرمهم زوجة، وأکرمهم ولداً ، وأکرمهم أخاً ، وأکرمهم عمّاً ، وأعظمهم حلماً وأکثرهم علماً ، وأقدمهم سلماً ، [وفي خبر :] (3) وأشجعهم قلباً ، وأسخاهم کفّاً.

وفي خبر آخر : أنت أفضل أمّتي فضلاً (4) وروي شيخ السنّة القاضي أبو عمرو عثمان بن أحمد في خبر طويل أنّ

ص: 262


1- في المناقب : صهر ، وکذا في الموضع الآتي .
2- من المناقب
3- من المناقب
4- مناقب ابن شهرآشوب : 2/ 170، عنه البحار : 68/40 ح 102.

فاطمه بنت اسد رأت النبي صلّی الله عليه وآله يأکل تمراً له رائحة تزداد علي کلّ الأطائب من المسک والعنبر ، من نخلة لا شماريخ لها ، فقالت : ناولني - يا

رسول الله - أنل منها .

قال صلّی الله عليه و آله: لا تصلح إلا أن تشهدي معي لأن (1)

لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، فشهدت الشهادتين ، فناولها فأکلت ، فازدادت رغبتها ، وطلبت أُخري لأبي طالب ، فأوعز إليها صلّی الله عليه و آله ألا تعطيه

إلا بعد الشهادتين .

الا

فلمّا جنّ عليها الليل اشتمّ أبو طالب نسيماً ما اشتمّ مثله قطّ فأظهرت ما معها فالتمسه منها ، فأبت عليه،(2) إلّا أن يشهد الشهادتين ، فلم يملک نفسه أنّ شهد الشهادتين غير أنّه سألها أن تکتم عليه لئلّا تعيّره قريش ، فعاهدته علي ذلک ، وأعطته ما معها ودنا إليها ، فعلقت بعلي صلوات الله عليه في تلک الليلة ولمّا علقت بعليّ عليه السلام از داد حسنها ، وکان يتکلم في بطنها ، وکانت يوماً في الکعبة فتکلّم عليّ عليه السلام مع جعفر فغشي عليه ، فالتفتت فإذا الأصنام خرّت علي وجوهها ، فمسحت علي بطنها وقالت : يا قرّة العين ، تخدمک (3)الأصنام فيّ داخلاً ، فکيف شأنک خارجا ؟! وذکرت لأبي طالب ذلک ، فقال : هو الّذي قال لي عنه أسد في طريق الطائف. (4)

وروي الحسن بن محبوب ، عن الصادق عليه السلام أنّه لمّا أخذ فاطمة

ص: 263


1- من المناقب .
2- کذا في المناقب ، وفي الأصل : إليه .
3- في المناقب : سجدتک .
4- مناقب ابن شهرآشوب : 2/ 172 ، عنه البحار :17/35ح 14 ، وحلية الأبرار : 19/2ح 1.

ميلاد أمير المؤمنين علي عليه السلام في الکعبة

بنت أسد الطلق أتت الکعبة فانفتح البيت من ظهره ودخلت فاطمة فيه ، ثمّ عادت الفتحة والتصقت وبقيت فيه ثلاثة أيّام تأکل من ثمار الجنّة وأرزاقها حتي ولدت أمير المؤمنين عليه السلام في جوف الکعبة.

وقيل : إنّه لمّا أخذها المخاض أنّت الکعبة وقالت : ربّ إنّي مؤمنة بک وبما جاء من عندک من کتب ورسل ، مصدّقة بکلام جدّي إبراهيم ، فبحقّ الّذي بني هذا البيت ، وبحقّ المولود الّذي في بطني لما يسّرت عليَّ ولادتي .

فانفتح البيت ودخلت فيه وإذا بحوّاء و مريم و آسية وأمّ موسي ، وصنعن به کما صنعن برسول الله صلّی الله عليه و آله عند ولادته ، فلمّا ولدته سجد علي الأرض يقول : أشهد أنّ لا إله إلّا الله ، وأشهد أنّ محمداً رسول الله ، [وأشهد أنّ عليّاً وصيّ محمد رسول الله] (1)بمحمد تختم النبوّة ، وبي تتمّ الوصيّة ، وأنا أمير المؤمنين ، ثمّ سلّم علي النساء، وأشرقت الأرض(2) بضيائها، فخرج أبو طالب وهو يقول : أبشروا، فقد خرج وليّ الله .

وفي رواية أُخري : أنّه لمّا خرجت به أمّه من البيت قال لأبي طالب: السلام عليک يا أبة ورحمة الله وبرکاته ، ثمّ تنحنح وقرأ : (بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ قَد أفلَحَ المُؤمِنُونَ) (3) الآيات ، فقال رسول الله صلّی الله عليه و آله : قد أفلحوا بک ، أنت والله أميرهم تميرهم من علومک فيمتارون ، وأنت والله دليلهم وبک يهتدون .

ووضع رسول الله صلّی الله عليه و آله لسانه في فيه فانفجر اثنتا عشرة

ص: 264


1- من المناقب .
2- في المناقب : السماء .
3- سورة المؤمنون : 1.

عليّاً وظلامة الزهراء علي عينة - الحديث - فحتکه رسول الله بريقه ، وأذّن في أُذنه اليمني ، وأقام في اليسري ، فعرف الشهادتين وولد علي الفطرة.(1)

وروي أنّه لمّا ولد [عليّ عليه السلام] (2)أخذ أبو طالب بيد فاطمة - وعليّ

علي صدره و خرج ليلاً إلي الأبطح ونادي : ياربَّ هذا الغسق الدجي والقمر المبتلج المضيَّ بيَّن لنا من حکمک المقضيّ لماذا تري في اسم ذا الصبيّ؟ (3)

قال : فجاء شيء کالسحاب يدبّ علي وجه الأرض حتي حصل في صدر أبي طالب فضمه مع عليّ إلي صدره ، فلمّا أصبح إذا هو بلوح أخضر فيه مکتوب :

خ صصتما بالولد الزکيّ والطاهر المنتجب الرضيّ فاسمه مسن شامخ علي علي اشتق من العليّ (4)

قال : فعلّق (5) اللوح في الکعبة ، وما زال هناک حتي أخذه هشام بن عبد الملک لعنه الله ، وإجماع أهل البيت أنّه ولد في الزاوية اليمني في الکعبة، فالولد الطاهر من النسل الطاهر ، ولد في الموضع الطاهر ، فأين توجد هذه

ص: 265


1- مناقب ابن شهرآشوب : 2/ 173 - 174، عنه البحار : 17/30 ذح 14.
2- من المناقب .
3- من المناقب . وفي «ح» : قال أبو طالب : سمّيته بعليّ کي يدوم له عزّ العلوّ وخير العزّ أدومه.
4- انظر کفاية الطالب :406، عنه الغدير : 347/7 . وفي الفضائل لشاذان : 56 - 57، عنهالبحار :102/35 - 103.
5- في المناقب : فعلّقوا .

أمير المؤمنين عليه السلام يقضي في رجل زني مرة بعد مرة

أن النبي صلي الله عليه وآله أخذ عليا عليه السلام من أبي طال

الکرامة لغيره ؟ فأشرف البقاع الحرم، وأشرف الحرم المسجد ، وأشرف

[بقاع](1) المسجد الکعبة ، ولم يولد فيه مولود سواه ، فالمولود فيه يکون في غاية الشرف، وليس المولود في سيد الأيام يوم الجمعة في الشهر الحرام في البيت الحرام سوي أمير المؤمنين عليه السلام. (2)

وأجمع أهل البيت بأدلّة قاطعة بأنّه معصوم ، وأجمع الناس انّه لم يشرک

بالله أبداً ، وانّه بايع(3) النبيّ في صغره و ترک أبويه .

وروي جابر رضي الله عنه ، عن النبي صلّی الله عليه و آله قال : ثلاثة لم يکفروا بالله (4) طرفة عين : مؤمن آل يس ، وعليّ بن أبي طالب ، و آسية امرأة

فرعون. (5)

وروي أنّه أعترف رجل [محصن] (6) عند أمير المؤمنين عليه السلام أنه

زنا مرّة بعد مرّة وأمير المؤمنين يتغافل عنه حتي اعترف الرابعة ، فأمر صلوات الله عليه بحبسه ، ثمّ نادي في الناس ، ثمّ أخرجه بالغلس(7) ثمّ حفر له حفيرة ووضعه فيها ، ثمّ نادي : أيها الناس ، هذه حقوق الله لا يطلبها من کان عليه مثلها، فانصرفوا ما خلا عليّ بن أبي طالب والحسن والحسين صلوات الله

عليهم. (8)

ص: 266


1- من المناقب .
2- مناقب ابن شهرآشوب : 2/174 - 175 ، عنه البحار : 18/35 - 19.
3- کذا في المناقب ، وفي الأصل : تابع .
4- في المناقب : بالوحي .
5- مناقب ابن شهرآشوب : 2/ 177 .
6- من مناقب .
7- الغلس : ظلمة آخر الليل
8- مناقب ابن شهرآشوب : 2/ 177 ، وزاد فيه : فرجمه ، ثمّ صلّی عليه

أبيات لديک الجن

وفي التهذيب أنّ محمد بن الحنفية کان ممّن رجع(1)

وکان أمير المؤمنين ممّن وصفه الله تعالي (وَأجبُنِي وَبَنِيَّ أَن نَعبُدَ الأَصنَامَ) (2)ثم قال : (وَمِن ذریَّتنَا يا أمة مُسلِمَةً لَکَ)(3)، فنظرنا في أمر الظالم فإذا الأمَّةً قد فسّروه انّه عابد الأصنام ، وانّ من عبدها فقد لزمه الذلّ ، وقد نفي الله أن يکون الظالم إماماً (4)لقوله :(لَا يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ) (5)

ووجدنا العامّة بأسرهم إذا ذکروا عليّاً قالوا: کرّم الله وجهه ، وأجروا ذلک

علي ألسنتهم ، يعنون بذلک : عن عبادة الأصنام.(6)ديک الجنّ (7)

شرفي محبّة معشر شرًّفوا بسورة هل أتي وولاي من في فتکه سمَّاه ذو العرش الفتي لم يعبد الأصنام قطّ ولا ألام ولا عتا ثبتاً إذا قدما سواه إلي المهاوي زلّتا ثقل الهدي وکتابه بعد النبيّ تشتّتا

ص: 267


1- تهذيب الأحکام : 11/10ذح 23 وفيه أن ذلک کان في قضيّة أخري .
2- سورة إبراهيم : 35.
3- سورة البقرة : 128.
4- في المناقب : خليفة .
5- سورة البقرة :124.
6- مناقب ابن شهرآشوب : 2/ 177
7- هو أبو محمد عبد السلام بن رغبان ، أصله من مؤتة ، وولد في حمص ، وهو شاعر مشهور مجيد... وکان يتشيّع ، له مرات کثيرة للحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام ، توفّي سنة «235» ه. «الکني والألقاب :212/2 »

أن أمير المؤمنين عليه السلام لم يشرب الخمر حتي قبل تحريمها

واحسرتا من ذلّهم وخضوعهم واحسرتا

طالت حياة عدوّهم حتّي متي وإلي متي؟ ثمّ انّه صلوات الله عليه لم يشرب الخمر قطّ ، ولم يأکل ما ذبح علي

النصب ، وغير ذلک من الفسوق وقريش ملوّثون بها.(1)

روي قتادة ، عن الحسن البصري ، قال : اجتمع علي و عثمان بن مظعون

وأبو طلحة و أبو عبيدة ومعاذ بن جبل و سهيل بن بيضاء وأبو دجانة في منزل سعد بن أبي وقّاص ، فأکلوا شيئاً، ثم قُدَّم إليهم شيئاً من الفضيح، فقام أمير المؤمنين عليه السلام و خرج من بينهم ، فقال عثمان في ذلک ، فقال علي: لعن الله الخمر ، والله لا أشرب شيئاً يذهب بعقلي ، ويضحک بي من رآني ، و أزوّج کريمتي من لا أريد ، وخرج من بينهم ، فأتي المسجد ، وهبط جبرئيل بهذه الآية : (يَا أيُّها الذِينَ آمَنُوا - يعني الذين اجتمعوا في منزل سعد - إنَّمَا الخَمرُ والمَيسِرُ وَالأنصَابُ وَالأزلَامُ رِجسُ مِن عَمَلِ الشَّيطَانِ ) (2) إلي آخرها، فقال أمير المؤمنين عليه السلام : تبا لها ، والله - يا رسول الله - لقد کان بصري فيها نافذ منذ کنت صغيراً.

قال الحسن :] (3)والله الّذي لا إله إلّا هو ما شربها (4)قبل تحريمها ولا

ساعة قطّ. (5)

ثمّ إنّه کان أبو طالب وفاطمة بنت أسد ربّيا رسول الله صلّی الله عليه و آله،

ص: 268


1- مناقب ابن شهرآشوب : 2/ 178 .
2- سورة المائدة : 90.
3- من المناقب .
4- کذا في المناقب ، وفي الأصل : ما شربتها .
5- مناقب ابن شهرآشوب : 2/ 178 .

ليعينه علي أمره

وربّي النبي صلّی الله عليه و آله وخديجة لعلي عليه السلام ، وسمعنا(1)مذاکرة أنّه لمّا ولد أمير المؤمنين صلوات الله عليه لم يفتح عينيه ثلاثة أيّام ، فجاء النبيّ صلّی الله عليه و آله ففتح عينيه ، ونظر إلي النبيّ صلّی الله عليه و آله ، فقال النبي صلّی الله عليه و آله : خصّني بالنظر ، وخصصته بالعلم .

وروي أنّ النبي صلّی الله عليه و آله حين تزوّج خديجة قال لعمّه أبي طالب : إنّي أحبّ أن تدفع إليّ بعض ولدک يعينني علي أمري ويکفيني ، وأشکر لک بلاءک عندي.

فقال أبو طالب : خذأیّهم شئت ، فأخذ عليّاً عليه السلام.(2)

نهج البلاغة : وقد علمتم موضعي من رسول الله صلّی الله عليه و آله بالقرابة، والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا وليد يضمّني إلي صدره، ويلفّني(3) في فراشه ، ويمسّني خدّه ،(4) ويشمّني عّرفّهُ(5)وکان يمضغ الشيء ويلقمنيه ، وما وجد لي کذبة في قول ولا خطلة (6) في فعل ، ولقد قرن الله به صلي الله عليه و آله من لدن لأن (7) کان فطيماً أعظم مَلَکٍ من ملائکته يسلک به طريق المکارم ، ومحاسن أخلاق العالم ، ليله ونهاره، ولقد کنت أتّبعه اتّباع الفصيل أثر أمّه ، يرفع لي[ في](8) کلّ يوم عَلَماً من أخلاقه ،

ص: 269


1- في المناقب : وسمعت .
2- مناقب ابن شهرآشوب : 2/ 179، عنه البحار : 38 /294 ح 1، وحلية الأبرار :28/2ح 2 (صدره).
3- في النهج : وأنا ولد ... يکنفني .
4- في المناقب والنهج : جسده
5- عرفه : رائحته الذکية .
6- لخطلة : واحدة الخَطَل ، وهو الخطأ ينشأ عن عدم الروية
7- من النهج.
8- من المناقب والنهج .

ويأمرني بالاقتداء به.(1)

فمن استقت عروقه من منبع النبوّة ، ورضعت شجرته ثدي الرسالة ، و تهدّلت أغصانه(2) من نبعة الامامة ، ونشأ في دار الوحي ، وربّي في بيت التنزيل، ولم يفارق النبيّ صلّی الله عليه و آله ساعة في حال حياته إلي حال وفاته ، لا يقاس به أحد من سائر الخلق ، وإذا کان صلوات الله عليه نشأ في أکرم آرومة ، وأطيب مغرس ، والعرق الصالح ينمي ، والشهاب الثاقب يسري ، و تعليم الرسول نافع(3)، ولم يکن الرسول صلّی الله عليه و آله ليتولي تأديبه ويتضمن حضانته وحسن تربيته إلا علي ضربين (4) إمّا علي التفرّس فيه ، أو بالوحي من الله سبحانه ، فإن کان بالتفرّس فلا تخطيء فراسته ولا يخيب [ظنّه](5)، وإن کان بالوحي فلا منزلة أعلي ولا حال أدل علي الفضيلة والامامة منه. (6)

ثمّ إنّ رسول الله صلّی الله عليه و آله خصّه بسيّدة النساء دون غيره بأمر الله سبحانه ، وتولّي سبحانه عقدة نکاحها ، وأنزل في ذلک قرآناً يتلي إلي يوم القيامة.

روي ابن عبّاس رضي الله عنه وابن مسعود وجابر والبراء وأنس

ص: 270


1- نهج البلاغة : 300 خطبة رقم 192 ، عنه مناقب ابن شهرآشوب : 2/ 180 ، والبحار :38 / 320 ح 33. وأخرجه في حلية الأبرار : 2/ 30ح 4 عن المناقب.
2- کذا في المناقب ، وفي الأصل : عليه أغصانه
3- في المناقب : ناجع.
4- کذا في المناقب ، وفي الأصل : إلا علي خير بين .
5- من المناقب
6- مناقب ابن شهرآشوب : 2/ 180 ، عنه البحار : 38/ 295.

أن عليا عليه السلام کان کفو فاطمة عليها السلام

الجواب علي ما قالته الناصبة: تزوج النبي صلي الله عليه

وآله من الشيخين، وزوج عثمان بنتين

وأمّ سلمة ، ورواه السدّي وابن سيرين(1) و الباقر عليه السلام في قوله تعالي :

(وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ المَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهراً) قالوا : هو محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام (وَکَانَ رَبُّکَ قَديراً) (2)[القائم في آخر الزمان](3) لأنّه لم يجتمع نسب وسبب في الصحابة[ والقرابة ](4) إلّا له . (5)

عوتب صلّی الله عليه و آله في أمر فاطمة ، فقال : لو لم يخلق الله عليّ بن

أبي طالب ما کان لفاطمة کفو علي وجه الأرض.(6)

ومثله روي عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام ، وزاد فيه : آدم و من

دونه (7)

قالت الناصبة : تزوّج النبي صلّی الله عليه و آله من الشيخين، وزوّج

عثمان بنتين .

قلنا : الترويج لا يدلّ علي الفضل ، وإنّما هو مبنيّ علي إظهار الشهادتين،

ثم إنّه صلّی الله عليه و آله تزوّج في جماعة ، وأما عثمان ففي زواجه خلاف کثير، وأنّه صلّی عليه و آله [کان زوّجهما من کافرين قبله ]، (8)وليس حکم

ص: 271


1- کذا في المناقب ، و في الأصل : سدير
2- سورة الفرقان : 54.
3- من المناقب .
4- من المناقب .
5- مناقب ابن شهرآشوب : 2/ 181 ، عنه البحار :106/43 ، وعوالم العلوم : 279/11.
6- مناقب ابن شهرآشوب : 181/2 ، عنه البحار : 107/43 ، وعوالم العلوم : 11 / 282ح 17.
7- من المناقب .
8- مناقب ابن شهرآشوب : 181/2، عنه البحار : 107/43 ، وعوالم العلوم : 281/11ح 13.

فاطمة مثل ذلک، لأنّها ولدت في الاسلام ، و من أهل العباء والمباهلة والمهاجرة في أصعب وقت ، ووردت فيها آية التطهير ، وافتخر جبرائيل بکونه منهم ، وشهد الله لهم بالصدق ، ولها أمومة الأئمّة إلي يوم القيامة ، ومنها الحسن والحسين عليهما السلام، وعقب الرسول ، وهي سيّدة نساء العالمين ، وزوجها من أصلها وليس بأجنبيّ.

وأمّا الشيخان فقد توسلا إلي النبيّ بذلک .

وأمّا علي فتوسّل النبيّ إليه بعد ما ردّ خطبتهما ، والعاقد عليها(1) هو الله تعالي ، والقابل جبرائيل ، والخاطب راحيل ، والشهود حملة العرش ، وصاحب النثار رضوان ، وطبق النتار شجرة طوبي ، والنثار الدر والياقوت والمرجان، والرسول هو الماشطة ، وأسماء صاحبة الحجلة (2)، ووليد هذا النکاح الأئمة الطاهرين عليهم السلام.(3)

مع انّه قد روي أنّ زينب ورقيّة لم يکونا ابنتي رسول الله صلّی الله عليه و آله علي الحقيقة ، بل ربيبتيه من جحش - کان زوج خديجة قبل رسول الله صلّی الله عليه و آله - روي ذلک صاحب کتاب الکشف واللمع، ورواه البلاذري(4) أيضاً ، وکانت زينب تحت أبي العاص بن الربيع ، وأمّا رقية فتزوّجها عتبة بن أبي لهب ومات علي کفره بعد أن طلّقها ، وتزوّج بها عثمان.

ص: 272


1- في المناقب : بينهما .
2- کذا في المناقب ، وفي الأصل : وسيّدة النساء صاحبة الحجلة
3- مناقب ابن شهرآشوب : 2/ 182 ، عنه البحار : 107/43 ، وعوالم العلوم : 282/11.
4- أنساب الأشراف: 397/1 و 401.

مؤاخاة النبي صلي الله عليه وآله لعلي عليه السلام

وصار أمير المؤمنين أخا رسول الله صلّی الله عليه و آله من ثلاثة أوجه:

[أولها :](1)لقوله عليه السلام : ما زال ينقل من الآباء الأخائر ، الخبر.

الثاني : أنّ فاطمة بنت أسد ربّت رسول الله صلّی الله عليه و آله حتي قال: هذه أمّي ، وکان رسول الله صلّی الله عليه و آله عند أبي طالب من أعزّ أولاده، ربّاه في صغره ، وحماه في کبره ، ونصره بالمال واللسان والسيف والأولاد ز[والهجرة ](2)، والأب أبوان : أب ولادة وأب إفادة ، ثمّ انّ العمّ والد، قال سبحانه حکايه عن يعقوب :( مَا تَعبُدونَ مِن بَعدِي قَالُوا نَعبُدُ إلهَکَ وَإلهَ آبَائِکَ إبرَاهِيمَ وَإسمَاعِيلَ) (3) الآية ، وإسماعيل کان عمّه .

وقال سبحانه حکاية عن إبراهيم : (وَإذ قَالَ إبرَاهِيمَ لأبِيِه آزَرَ) (4) قال

الزجاج : أجمع النسّابة أنّ اسم أبي إبراهيم تارخ.

[والثالث :] (5)آخاه النبيّ صلّی الله عليه و آله في عدّة مواضع : يوم بيعة العشيرة حين لم يسبايعه أحد بايعه علي علي أن يکون له أخاًفي الدارين . وقال في مواضع کثيرة ، منها : يوم خيبر : أنت أخي ووصيّي . وفي يوم المؤاخاة ما ظهر عند الخاصّ والعام ّصحتّه ، وقد رواه ابن بطّة من ستّة طرق.

وروي أنّ النبي صلّی الله عليه و آله کان بالنخيلة وحوله سبعمائة وأربعون رجلاً ، فنزل جبرئيل وقال : إن الله تعالي آخي بين الملائکة : بيني وبين ميکائيل، وبين إسرافيل وعزرائيل ، وبين دردائيل و راحيل ، فأخي النبي صلّی

ص: 273


1- من المناقب .
2- من المناقب .
3- سورة البقرة : 133 .
4- سورة الأنعام : 74.
5- من المناقب .

الله عليه و آله بين أصحابه.

وروي خطيب خوارزم في کتابه (1) بالاسناد عن ابن مسعود ، قال النبي صلّی الله عليه و آله : أوّل من اتّخذ عليّ بن أبي طالب أسفاً إسرافيل ثمّ جبرائيل ، الخبر.

وعن ابن عبّاس ، قال : لما نزل قوله تعالي : (إنَّمَا المُومِنَونَ إخوَة) (2) آخي رسول الله صلّی الله عليه و آله بين الأشکال والأمثال : فآخي بين أبي بکر وعمر ، وبين عثمان وعبدالرحمان ، وبين سعد بن أبي وقّاص وسعيد بن زيد، وبين طلحة والزبير ، وبين أبي عبيدة وسعد بن معاذ ، وبين مصعب بن عمير وأبي أيّوب الأنصاري ، وبين أبي ذر وابن مسعود ، وبين سلمان وحذيفة ، وبين حمزة وزيد ، وبين أبي الدرداء و بلال ، وبين جعفر الطيّار ومعاذ بن جبل ، وبين المقداد وعمار ، وبين عائشة وحفصة ، وبين زينب بنت جحش وميمونة ، وبين أم سلمة وصفيّة ، حتي آخي بين أصحابه بأجمعهم علي قدر منازلهم ، ثمّ قال : يا عليّ، أنت أخي وأنا أخوک .

تاريخ البلاذري : قال علي عليه السلام : يا رسول الله ، أخسيت بين

أصحابک و ترکتني؟

فقال : أنت أخي ، أما ترضي أن تدعي إذا دعيتُ ، وتکسي إذا کسيتِ

وتدخل الجنة إذا دخلت ؟ !(3)

ص: 274


1- مناقب الخوارزمي : 31- وفيه : اسرافيل ، ثم ميکائيل، ثم جبرئيل -، عنه کشف الغمة :376/1 . وفي البحار : 110/39ح 17 عن الکشف
2- سورة الحجرات : 10.
3- مناقب ابن شهرآشوب : 2/184 - 185 وزاد فيه : قال : بلي ، يا رسول الله ، عنه البحار : 38/ 335ح 10.

أبيات لأمير المؤمنين عليه السلام بعد مؤاخاة النبي صلي الله عليه واله له

وقال رسول الله صلّی الله عليه و آله : إذا کان يوم القيامة نادي منادٍ(1) من بطنان العرش : يا محمد ، نعم الأب أبوک إبراهيم ، ونعم الأخ أخوک عليّ بن أبي طالب. (2)

وروي أبو إسحاق العدل ، قال أبو يحيي : ما جلس عليّ صلوات الله عليه علي المنبر إلّا قال : أنا عبدالله ، وأخو رسول الله ، لا يقولها بعدي إلّا کذاب (3)

الصادق عليه السلام قال : لمّا آخي رسول الله صلّی الله عليه و آله بين أصحابه وترک عليّاً ، فقال له في ذلک ، فقال النبي صلّی الله عليه و آله : إنّما (4) اخترتک لنفسي ، أنت أخي وأنا أخوک في الدنيا والآخرة.

فبکي عند ذلک أمير المؤمنين وقال : أقيک بنفسي أيّها المصطفي الّذي

هدانا به الرحمن من عَمَهِ (5)الجهل

بروحي أفديه(6)وما قدر مهجتي؟

المن أنتمي منه إلي الفرع والأصل

ومن ضمني مذ کنت طفلا ويافعة

وأنعشني بالبّر والعللّ والتهل(7)

ص: 275


1- في المناقب : نوديت .
2- مناقب ابن شهرآشوب 2: 189 ، عنه البحار : 38 / 337.
3- مناقب ابن شهرآشوب 2:186 ، عنه البحار : 38 / 337.
4- کذا في المناقب ، وفي الأصل : أنا .
5- العمة : الحيرة والتردد
6- في المناقب : وأفديک حوبائي . والحوباء : النفس .
7- العلّ : الشرب الثاني ، والنهل : الشرب الأول . وهذا کناية عن غاية اهتمامه صلّی الله عليه و آله بتربيته علي جميع الحالات

ومن جدّه جدّي ومن عمّه عمّي

: ومن أمه(1) أُمّي ومن بنته أهلي

ومن حين آخي بين من کان حاضراً

دعساني و أخاني وبيّن من فضلي

لک الفضل إني ما حييت لشاکرُ

لإتمام ما أوليت يا خاتم الرسل؟(2) قيل لقثم بن العبّاس : بأي شيء ورث عليّ النبي صلّی الله عليه و آله دون

العبّاس ؟

قال : لأنّه [کان] (3)أشدّنا به لصوقاً ، وأسرعنا به لحوقاً (4)

وقد علمنا أنّ أمير المؤمنين لم يکن أخاً للرسول في النسب ، فلمّا جعله شکلا له وأخا بين الأشکال والأمثال واستخلصه لنفسه علمنا بذلک أنّه الإمام الحقّ علي سائر المسلمين ، فلا يجوز لأحدٍ أنّ يتقدّمه ، ولا أن يتأمر عليه ، لأنّه شبه الرسول ومشاکله ، والعرب تقول للشيء : إنّه أخو الشيء إذا أشبهه وقاربه، فکما لا يجوز التقدم علي رسول الله صلّی الله عليه و آله (لَا تُقَدَّمُوا بَين يَديَ اللهِ وَرَسُوِلِه ) (5)کذلک لا يجوز التقدّم علي أمير المؤمنين صلوات الله عليه لأنّه

ص: 276


1- في المناقب : أهله .
2- مناقب ابن شهرآشوب :186/2 - 187 ، عنه البحار : 28 / 337. وانظر ديوان الإمام علي عليه السلام - طبعة دار ابن زيدون -: 246.
3- من المناقب .
4- مناقب ابن شهرآشوب : 2/ 188 ، عنه البحار : 340/38 .
5- سورة الحجرات : 1.

سد رسول الله صلي الله عليه و آله أبواب الصحابة وترک باب علي عليه السلام

مشابهه ومماثله ، ولهذا أمر الله نبيّه بسدّ أبواب الصحابة و ترک باب عليّ لکونه مماثله و مشابهه.(1)

روي أحمد في کتاب الفضائل(2) أنّ رسول الله صلّی الله عليه و آله قال في ذلک - لمّا تکلّم الناس -: والله ما سددت شيئاً ولا فتحته ، ولکن أمرت بشيء فاتّبعته(3)

تاريخ البلاذري ومسند أحمد في خبر قال عمرو بن ميمون (4) خلا ابن عباس مع جماعة ، فنالوا من علي ، فقام ابن عباس ، ثم قال : آف آف وقعوا في رجل قال له رسول الله صلّی الله عليه و آله : من کنت مولاه فعليّ مولاه ، ومن کنت وليه فعلي وليه.

وقال له : أنت منّي بمنزلة هارون من موسي ، الخبر . وقال : لأدفعنّ الراية غدا إلي رجل ، الخبر .

وسدّ أبواب الصحابة إلّا بابه . ونام مکان رسول الله ليلة الغار . وبعث

ببراءة مع أبي بکر ، ثمّ أرسل عليّاً فأخذها منه(5)

وفي فضائل أحمد : قال عبدالله بن عمر : ثلاثة أشياء کنّ لعليّ لو کان لي واحدة منها لکانت أحبّ إلي من حمر النعم ؛ أحدها : إعطاؤه الراية يوم خيبر، و تزويجه فاطمة ، وسدّ الأبواب .

ص: 277


1- نحوه في مناقب ابن شهرآشوب : 2/ 189 ، عنه البحار : 38 / 340.
2- فضائل الصحابة : 2/ 581 ح 985، مسند أحمد :175/1 ، وج 369/4 .
3- مناقب ابن شهرآشوب: 2/ 190.
4- من المناقب .
5- مناقب ابن شهرآشوب : 191/2 ، عنه البحار : 39 / 28.

وقيل : إنّ العبّاس خرج يوم سدّ الأبواب ، وهو يبکي ويقول : سددت

باب عمّک(1) وأسکنت ابن عمک ؟

فقال صلّی الله عليه و آله : ما أخرجتک ولا أسکنته ، ولکنّ الله أسکنه . (2)

وفي رواية أنّه قال : أمّا عليّ فابن عمّ رسول الله وختنه ، وهذا بيته -

وأشار بيده إلي بيت علي - حيث ترون أمر الله تعالي نبيه أن يبني مسجده فبني فيه عشرة أبيات : تسعة لبنيه وأزواجه وأصحابه ، وعاشرها وهو متوسّطها لعليّ وفاطمة ، وکان ذلک في أوّل سنة الهجرة ؛ وقيل : کان في آخر عمر النبي صلي الله عليه و آله ، والأوّل أصحّ ، وبقي علي کونه مفتوح الباب إلي المسجد ، ولم يزل علي وولده فيه إلي أيام عبدالملک بن مروان ، فعرف الخبر فحسد القوم علي ذلک واغتاظ ، وأمر بهدم الدار ، وأظهر أنّه يريد أن يزيد في المسجد ، وکان في الدار الحسن بن الحسن فقال : لا أخرج ولا أمکّن من هدمها ، فضرب بالسياط ، وتصايح الناس ، وأُخرج عند ذلک ، وهدمت الدار ، وزيد في المسجد.(3)

وروي عيسي بن عبدالله أنّ دار فاطمة عليها السلام حول تربة النبي

صلّی الله عليه و آله ، وبينهما حوض(4)

وفي منهاج الکراجکي أنّه ما بين البيت الّذي فيه رسول الله صلّی الله عليه و آله و بين الباب المحاذي لزقاق البقيع . فتح له باب وسدّ علي سائر الأصحاب ، من قلع الباب کيف يُسدّ عليه الباب ؟ قلع باب الکفر من التخوم ،

ص: 278


1- في المناقب : ويقول : أخرجت عمّک .
2- مناقب ابن شهرآشوب : 191/2 ، عنه البحار : 39 / 28.
3- مناقب ابن شهرآشوب : 191/ 2 - 192 ، عنه البحار : 29 / 29 ح 11.
4- مناقب ابن شهرآشوب : 2/ 192، عنه البحار : 39 / 29 .

محبة النبي صلي الله عليه وآله لعلي عليه السلام

فتح له أبواب من العلوم (1)

ومن شدّة تحن رسول الله صلّی الله عليه و آله ما رواه ابن مسعود ، قال : رأيت کفّ عليّ في کف رسول الله صلّی الله عليه و آله وهو يقبّلها فقلت : ما منزلته منک ، يا رسول الله ؟

قال : منزلتي من الله (2)

وسئل النبيّ صلّی الله عليه و آله عن بعض أصحابه فذکره بخير (3) فقال

قائل : فعليّ ؟

فقال صلّی الله عليه و آله : إنّما سألتني عن الناس ، ولم تسألني عن

نفسي (4)

مَن نفسه مِن نفسه وجنسه من جنسه

وغرسه من غرسه(5) فهل له معادل ؟(6) وروي أنّ رسول الله صلّی الله عليه و آله کان إذا جلس وأراد أن يقوم لا

يأخذ بيده غير علي عليه السلام.(7)

أنساب الأشراف(8) قال رجل لابن عمر : حدّثني عن عليّ بن أبي

ص: 279


1- مناقب ابن شهرآشوب : 2/ 192 ، عنه البحار : 29/39
2- مناقب ابن شهرآشوب : 2/ 220 .
3- في المناقب : فذکر فيه .
4- مناقب ابن شهرآشوب : 2/ 217.
5- في المناقب : وعرسه من عرسه .
6- مناقب ابن شهرآشوب : 218/2 ، والبيت للسوسي .
7- مناقب ابن شهرآشوب : 219/2 ، عنه البحار : 297/38
8- أنساب الأشراف : 2/ 180 ع 211.

طالب.

قال : تريد أن تعلم ما کانت منزلته من رسول الله صلّی الله عليه و آله، فانظر إلي بيته من بيوت رسول الله صلّی الله عليه و آله ، هو ذاک بيته أوسط بيوت النبي صلّی الله عليه و آله(1)

وکان النبيّ (2)إذا غضب لم يجترئ عليه أحد أن(3)يکلمه إلا علي، وأتاه

يوما فوجده نائم فلم يوقظه .

لا شک انّ النبيّ صلّی الله عليه و آله کان أکبر سنّاً وأکثر(4) جاهاً من عليّ فلمّا کان يحترمه هذا الاحترام إمّا انّه کان من الله تعالي أو من قبل نفسه ، وعلي الحالين جميعاً أظهر للناس فضله، وعلوّ درجته عند الله ، ومنزلته عند رسول الله صلّی الله عليه و آله (5)

وروي عن عائشة ، قالت : رأيت رسول الله صلّی الله عليه و آله التزم عليّاً و قبله وقال : بأبي الوحيد الشهيد ، بأبي الوحيد الشهيد ، ذکره أبو يعلي الموصلي

في المسند.(6)

وانّه لمّا جرح أمير المؤمنين في رأسه من ضربة عمرو بن عبدودّ يوم الخندق ، فجاء إلي رسول الله صلّی الله عليه و آله فشدّه ونفث فيه فبرأ ، فقال :

ص: 280


1- مناقب ابن شهرآشوب :219/2، عنه البحار : 38 / 297
2- أنساب الأشراف : 2/ 107 ح 44.
3- من المناقب .
4- کذا في المناقب ، وفي الأصل : وأکبر
5- مناقب ابن شهرآشوب : 2/ 219، عنه البحار : 38 / 298 .
6- مناقب ابن شهرآشوب : 2/ 220.

أين أکون إذا خضبت هذه من هذه؟(1)

و