دراسات تاريخية من القرآن الكريم- المجلد 2

هویة الکتاب

بطاقة تعريف: مهران محمدبيومي

عنوان واسم المؤلف: دراسات تاريخية من القرآن الكريم محمدبيومي مهران

تفاصيل المنشور: بيروت : دارالنهضة العربيه ، ق 1408 = .م 1988 = .1367.

خصائص المظهر: ج 4

حالة الاستماع: القائمة السابقة

ملحوظة : كتابنامه مندرجات : ج 1. بلاد العرب --.ج 2. مصر --.ج 3. في بلاد الشام -- .ج 4. في العراق

موضوع : قرآن -- قصه ها

ترتيب الكونجرس: BP88/م86د4 1367

رقم الببليوغرافيا الوطنية: م 81-8979

ص: 1

اشارة

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الثانية

١٤٠٨ ه_ - ١٩٨٨ م

دار النهضة العربية

للطباعة والنشر

بروت - ص.ب ١١٠٧٤٩

الإدارة : بيروت، شارع مدحت باشا بناية

كريدية، تلفون: 303816

312213 /309830

برقياً : دانهضة ، ص . ب ٧٤٩-١١

تلکس : NAHDA 40290 LE

29354 LE

المكتبة : شارع البستاني، بناية اسكندراني رقم ٣ غربي الجامعة العربية،

تلفون : ٣١٦٢٠٢

المستودع : بشر حسن ، تلفون : 833180

ص: 2

ص: 3

ص: 4

[الجزء الثانى]

تقديم

بسم اللّه الرحمن الرحيم و الصّلاة و السّلام عليه المبعوث رحمه للعالمين سيّدنا محمّد و آله تحدثنا في الجزء الأول من هذه الدراسة عن النبوات في بلاد العرب، و من ثم فقد قدمنا دراسة تاريخية عن أبي الأنبياء إبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام و كذا عن هود و صالح و شعيب عليهم السلام، هذا إلى جانب دراسة أحداث تاريخية جاء ذكرها في القرآن الكريم، كقصة سيل العرم و أصحاب الأخدود و أصحاب الفيل.

و قد خصصنا هذا الجزء الثاني من هذه السلسلة «دراسات تاريخية من القرآن الكريم» لدراسة تاريخ النبوات في أرض الكنانة.

و قد قدمنا له بدراسة عن النبوة و الأنبياء، ثم قدمنا بعد ذلك دراسة مفصلة عن تاريخ النبيّين الكريمين يوسف و موسى عليهما السلام، فضلا عن تاريخ بني إسرائيل في مصر.

و أملي في اللّه تعالى كبير أن يكون فيها بعض النفع، و اللّه من وراء

ص: 5

القصد، و هو الهادي إلى سواء السبيل.

«و ما توفيقي إلا باللّه عليه توكلت و إليه أنيب».

دكتور محمد بيومي مهران استاذ تاريخ مصر و الشرق القديم و رئيس قسم التاريخ و الآثار المصريّة و الاسلامية كلّية الآداب. جامعة الاسكندريّة الإسكندرية في 12 ربيع الأول عام 1408 ه 4 نوفمبر عام 1987 م

ص: 6

الكتاب الأول دراسات تمهيدية

اشارة

ص: 7

ص: 8

الفصل الأول النّبوّة و الأنبياء

1- النبي و النبوة:

النبيّ: لغة قيل المنبأ المأخوذ من النبأ، أي الخبر المفيد لماله شأن، و يصح فيه معنى الفاعل و المفعول، لأنه منبئ عن اللّه و منبأ عنه، و إن كان الإمام ابن تيمية يفضل أن يكون بمعنى مفعول، فإنه إذا أنبأه اللّه، فهو نبي اللّه (1)، و النبي بالتشديد أكثر استعمالا، أبدلت الهمزة فيه ياء، لأنه من أنبأ عن اللّه فهو ينبئ عنه، و الاسم منه منبئ، أو هو من النبوة، و هي الرفعة و الشرف (2).

و تجمع كلمة «نبي» على «نبيين و أنبياء» (3)، و قد حكى سماعا عن العرب في جمع النبي «النبآء»، و ذلك من لغة الذين يهمزون «النبي ء»، ثم يجمعونه على «النبآء»، و من ذلك قول عباس بن مرداس في مدح النبي (صلى اللّه عليه و سلم).

ص: 9


1- ابن تيمية: النبوات- القاهرة 1346 ه ص 166، و انظر: ابن حزم: الفصل في الملل و الأهواء و النحل- الجزء الخامس، القاهرة 1964 ص 87.
2- محمد رشيد رضا: الوحي المحمدي- القاهرة 1955 ص 37، تفسير الطبري 2/ 140- 141، محمود الشرقاوي: الأنبياء في القرآن الكريم، القاهرة 1970 ص 9، معجم ياقوت الحموي 5/ 259- 360 (بيروت 1957).
3- انظر: سورة البقرة: آية 61، آل عمران: آية 112، تفسير الطبري 2/ 139- 141، 7/ 116- 118 (دار المعارف).

يا خاتم النبآء إنك مرسل بالخير كل هدى السبيل هداكا (1)

و النبوة فضل يسبغه اللّه على من يشاء من عباده، و هبة ربانية يمنحها اللّه لمن يريد من خلقه، و هي لا تدرك بالجد و التعب، و لا يتوسل إليها بسبب و لا نسب، و إنما هي بمحض الفضل الإلهي، فاللّه تعالى، يختص برحمته من يشاء، و هي تأتي إلى النبي من تلقاء نفسها، و على غير توقع منه، فهي إذن اصطفاء و اختيار من اللّه سبحانه و تعالى للمصطفين الأخيار من عباده (2)، و «اللّه أعلم حيث يجعل رسالته» (3)، و من ثم فإن اللّه تعالى إنما يختص بهذه الرحمة العظيمة، و المنقبة الكريمة، من كان أهلا لها، بما أهله هو، جل شأنه، من سلامة الفطرة، و علو الهمة، و زكاة النفس و طهارة القلب، و حب الخير و الحق.

هذا، و ليس صحيحا ما ذهب إليه «سيجال» من أن كلمة «نبي» عبرية الأصل، و أن لفظ «النبي» (4) إنما كان خاصا ببني إسرائيل، ذلك لأنه، فيما يرى سيجال هذا، ليست هناك نقوش تثبت وجوده في اللغة الكنعانية و الفينيقية، ثم إن الفعل «نبأ» الذي اشتق منه الاسم «نبي» لا يوجد في عبرية العهد القديم في صورته الأساسية، أي في الثلاثي المجرد، و أن الفعل الذي جاء للدلالة على عمل النبي في العهد القديم (التوراة) إنما جاء في الصيغ المزيدة على زنة «فعل» و «تفعل»، و هي في الحقيقة صيغ مشتقة من الاسم

ص: 10


1- انظر: تفسير الطبري 2/ 141، سيرة ابن هشام 4/ 103، ثم قارن: تفسير البحر المحيط 1/ 220، ياقوت 5/ 259- 260.
2- تفسير المنار 8/ 33- 34، محمد علي الصابوني: النبوة و الأنبياء، بيروت 1980 ص 9- 10.
3- سورة الأنعام: آية 124.
4- انظر تعريفات مختلفة للفظة النبي عند بني إسرائيل و عند علماء اللاهوت الأوربيين (محمد بيومي مهران: النبوة و الأنبياء عند بني إسرائيل- الإسكندرية 1978 ص 25- 30.

«نبي» نفسه، و هذه الحقيقة تدعونا إلى الاعتقاد بأن الاسم «نبي» قديم جدا في العبرية الإسرائيلية، و أنه يصعد إلى ما قبل التاريخ من حياة بني إسرائيل، و لما كان هذا الاسم يميز عمادا حيا و فعالا لا في حياة الأمة، فإنه حفظ منذ تلك الحقب السحيقة، بعد أن نسي الفعل المجرد «نبأ» الذي اشتق منه، مع توالي العصور، و انتهى أمره و اختفى من اللغة (1).

و في الواقع، فإن كلمة «نبي» ليست عبرية الأصل، كما يقول أدولف لودز (2)، و من ثم فإن علماء اللاهوت الأوروبيين و غيرهم، من أمثال جوستاف هولشر (3)، و شميدت، و لوذر (4)، و كلود سوربري (5)، إنما يتفقون على أن كلمة «نبي»، عربية، و ليست عبرية، في شكلها و معناها، و أن أصل الكلمة سامي قديم موجود في الأكدية بمعنى «يدعو» (ulaN) (6).

غير أن الأمر، كما يقول الأستاذ العقاد (7)، طيب اللّه ثراه، غني عن الخبط فيه بالظنون مع المستشرقين، من يفقه منهم اللغة العربية، و من لا يفقه منها غير الأشباح و الخيالات، فإن وفرة الكلمات التي لا تلتبس بمعنى «النبوة» في اللغة العربية كالعرافة و الكهانة و العيافة و الزجر و الرؤية، تغنيها عن اتخاذ كلمة واحدة للرائي و النبي، و تاريخ النبوات العربية التي وردت

ص: 11


1- م. ص. سيجال: حول تاريخ الأنبياء عند بني إسرائيل- ترجمة الدكتور حسن ظاظا- بيروت 1967 ص 17- 18.
2- .,yrutneC thgiE eht fo elddim eht ot sgninnigeB eht morF ,learsI ,sdoL .A 445. p، 1962.
3- .,gizpieL ,laersI ethcihcseG noigileR nuZ gnuhcusretnU ,netforP eiD ,rehcsloH .G 46- 145. p، 1914.
4- , nodnoL, msiaduJ fo esiR eht dna stehporP ehT, sdoL. A 1937.
5- .6 ,SENJ ni ,ycehporP fo tnempoleveD eht ni ydutsA ,learsI ni nam yloH ehT ,ierlruaS .C 216. p، 1947،.
6- ., notecnirP, yrotsiH eht ni tsaE raen ehT, ittiH. K. P 107. p، 1961.
7- عباس محمود العقاد: حقائق الإسلام و أباطيل خصومه- بيروت 1966 ص 91- 92.

في التوراة سابق لاتخاذ العبريين كلمة النبي بدلا كلمة الرائي و الناظر، و تلمذة موسى لنبي شعيب مذكورة في التوراة قبل سائر النبوات الإسرائيلية، و موسى الكليم، و لا ريب، رائد النبوة الكبرى بين بني إسرائيل.

ثم إن كلمة «النبي» عربية لفظا و معنى، عربية لفظا، لأن المعنى الذي تؤديه لا تجمعه كلمة واحدة في اللغات الأخرى، فهي تجمع معاني الكشف و الوحي و الإنباء بالغيب و الإنذار و التبشير، و هي معاني متفرقة تؤديها في اللغات الحديثة بكلمات متعددة، فالكشف مثلا تؤديه في اللغة الإنجليزية كلمة (noitaleveR)، و الوحي تؤديه كلمة (noitaripsnI) و استطلاع الغيب تؤديه كلمة (noitaniviD) أو (clcarO) و لا تجتمع كلها في معنى «النبوة» كما تجتمع في هذه الكلمة باللغة العربية.

و قد وجدت كلمة «النبوة» في اللغة العربية غير مستعارة من معنى آخر، لأن اللغة العربية غنية بكلمات العرافة و العيافة و الكهانة و ما إليها من الكلمات التي لا تلتبس في اللسان العربي بمعنى النبوة، كما تلتبس في الألسنة الأخرى عن أصل التسمية و اشتقاق المعاني الجديدة عن الألفاظ القديمة، فكلمة «النبي» تدل على معنى واحد لا تدل على غيره، خلافا لأمثالها من الكلمات في كثير من اللغات.

و قد استعار العبريون كلمة «النبي» من العرب في شمال شبه الجزيرة العربية بعد اتصالهم بها، لأنهم كانوا يسمون الأنبياء الأقدمين بالآباء، و كانوا يسمون المطلع على الغيب بعد ذلك باسم الرائي أو الناظر، و لم يفهموا من كلمة «النبوة» في مبدأ الأمر، إلا معنى الإنذار (1) و أما كلمة (tehporP) الإنجليزية و كلمة (etehporP) الفرنسية، و كلمة (neteforP) الألمانية و غيرها، فإنها منقولة عن اليونانية القديمة، ذلك أن

ص: 12


1- عباس العقاد: إبراهيم أو الأنبياء ص 159.

الأمم التي كانت تشيع فيها نبوة الجذب، يكثر أن يكون مع المجذوب، مفسر يدعى العلم بمغزى كلامه و لحن رموزه و إشاراته، و قد كانوا من اليونان يسمون المجذوب «مانتي» (itnaM) و يسمون المفسر (بروفيت tehporP) أي المتكلم عن غيره، و من هذه الكلمة نقل الأروبيون كلمة «النبوة» بجميع معانيها (1).

2- الفرق بين النبي و الرسول:

هذا و يفرق العلماء بين النبي و الرسول، اعتمادا على عدة أمور، منها ما ورد في كتاب اللّه من عطف النبي على الرسول في قوله تعالى: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ (2)، و منها وصف اللّه بعض رسله بالنبوة و الرسالة، مما يدل على أن الرسالة أمر زائد على النبوة، كقوله تعالى: وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً وَ كانَ رَسُولًا نَبِيًّا (3)، و كقوله تعالى: وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَ كانَ رَسُولًا نَبِيًّا (4)، و منها ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن النبي (ص) أن عدة الأنبياء مائة و أربعة و عشرون ألف نبي، و عدة الرسل ثلاثمائة و بضعة عشر رسولا.

و من هنا ذهب فريق من العلماء إلى أن النبي هو من أوحى إليه بشرع، سواء أمر بتبليغه أو لم يؤمر، و الرسول هو من أوحى إليه بشرع و أمر بتبليغه (5)، قال تعالى: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيٍّ الآية،

ص: 13


1- عباس العقاد، حقائق الإسلام و أباطيل خصومه ص 90.
2- سورة الحج: آية 52.
3- سورة مريم: آية 51.
4- سورة مريم: آية 54.
5- تفسير القرطبي ص 4472، الإمام الطحاوي، شرح العقيدة الطحاوية، بيروت 1971 ص 167، الديار بكري: تاريخ الخميس ص 7، محمود الشرقاوي: المرجع السابق ص 9.

و يرى الإمام ابن تيمية أن اللّه في قوله: مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيٍّ قد ذكر إرسالا يعم النوعين، و قد خص أحدهما بأنه رسول، فإن هذا هو الرسول المطلق الذي أمر بتبليغ رسالته إلى من خالف اللّه، كنوح عليه السلام، و الذي ثبت في الصحيح أنه أول رسول بعث إلى أهل الأرض، و قد كان قبله أنبياء كشيث و إدريس، و قبلهما آدم كان نبيا مكلما (1).

على أن العقل، فيما يرى الشرقاوي، لا يستسيغ أن يوحي اللّه العلي القدير إلى نبي بشرع ثم لا يأمره بتبليغه، لأن الشرع أمانة و علم و أداء واجب، و كتمان العلم نقص و رذيله (2)، ثم إن اللّه لا ينزل وحيه ليكتم و يدفن في صدر واحد من الناس، ثم يموت هذا العلم بموته، هذا فضلا عن الحديث الشريف الذي رواه البخاري و مسلم و الترمذي و النسائي، و الذي يقول فيه (ص) «عرضت على الأمم فرأيت النبي و معه الرهط، و النبي و معه الرجل و الرجلان و النبي و ليس معه أحد»، فدل هذا على أن الأنبياء مأمورون بالبلاغ، و أنهم يتفاوتون في مدى الاستجابة لهم (3).

على أن هناك وجها آخر للنظر يذهب إلى أن الرسول من أوحى إليه بشرع، و أنزل عليه كتاب، كإبراهيم و موسى. و داود و عيسى و محمد، صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين، و النبي الذي ليس برسول هو من أوحى إليه بشرع، و لم ينزل عليه كتاب، كإسماعيل و شعيب و يونس و لوط و زكريا و غيرهم من الأنبياء، و هذا التعريف لا يستقيم أيضا لأن اللّه سبحانه و تعالى قد وصف بعض الأنبياء الذين لم تنزل عليهم كتب بالرسالة (4)، فقال عن إسماعيل عليه السلام. «و اذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد

ص: 14


1- ابن تيمية: كتاب النبوات ص 173.
2- محمود الشرقاوي: المرجع السابق 9- 10.
3- عمر سليمان الأشقر: المرجع السابق ص 14- 15.
4- محمود الشرقاوي: المرجع السابق ص 10.

و كان رسولا نبيا» (1)، و قال تعالى عن لوط عليه السلام: وَ إِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (2)، و قال تعالى عن يونس: وَ إِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3).

و هناك وجه ثالث للنظر يذهب إلى أن الرسول من الأنبياء إنما هو من بعثه اللّه بشرع جديد يدعو الناس إليه، أما النبي الذي ليس برسول، فهو من بعث لتقرير شرع سابق، كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا بين موسى و عيسى عليهما السلام، و من ثم فقد قيل إن كل رسول نبي، و ليس كل نبي رسولا (4).

غير أن الإمام ابن تيمية إنما يرى أنه ليس من شرط الرسول أن يأتي بشريعة جديدة، فإن يوسف كان رسولا، و كان على ملة إبراهيم، و داود و سليمان كانا رسولين، و كانا على شريعة التوراة (5)، قال تعالى، عن مؤمن آل فرعون: وَ لَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا (6).

هذا و يذهب فريق رابع من العلماء إلى أن الرسول إنها يختلف عن النبي، لأن اختلاف الأسماء إنما يدل على اختلاف المسميات، و الرسول أعلى منزلة من النبي، و لذلك سميت الملائكة رسلا، و لم يسموا أنبياء، هذا و قد اختلف من قال بهذا في الفرق بينهما على ثلاثة أقاويل، أحدهما: أن الرسول هو الذي تنزل عليه الملائكة بالوحي، و النبي هو الذي يوحي إليه في

ص: 15


1- سورة مريم: آية 54.
2- سورة الصافات: آية 133.
3- سورة الصافات: آية 139.
4- تفسير البيضاوي 2/ 95- 96، تفسير القرطبي ص 4472، الإمام الطحاوي: المرجع السابق ص 167، عبد الحليم محمود: في رحاب الأنبياء و الرسل- القاهرة 1977 ص 42، تفسير المنار 9/ 194- 195.
5- ابن تيمية: المرجع السابق ص 173.
6- سورة غافر: آية 34.

نومه، و الثاني أن الرسول هو المبعوث إلى أمة، و النبي هو المحدث الذي لا يبعث إلى أمة، و الثالث أن الرسول المبتدئ بوضع الشرائع و الأحكام، و النبي هو الذي يحفظ شريعة غيره (1).

و من هنا يذهب الإمام الطحاوي في العقيدة (ص 167) إلى أن الرسول أخص من النبي، و أن الرسالة أعم من جهة نفسها فالنبوة جزء من الرسالة، إذ الرسالة تتناول النبوة و غيرها، بخلاف الرسل، فإنهم لا يتناولون الأنبياء و غيرهم، بل الأمر بالعكس، فالرسالة أعم من جهة نفسها، و أخص من جهة أهلها.

و أما عدد الأنبياء و الرسل، فعلم ذلك عند ربي جل جلاله، و لكننا نعرف من القرآن الكريم أسماء خمسة و عشرين من هؤلاء المصطفين الأخيار (2)، و نعلم كذلك أنه ما من أمة إلا و جاءها رسول من عند اللّه العلي القدير، فلقد اقتضت حكمة اللّه تعالى في الأمم، قبل هذه الأمة، أن يرسل في كل منها نذيرا، و لم يرسل رسولا للبشرية كلها، إلا سيدنا محمد (ص)، و اقتضى عدله ألا يعذب أحدا من الخلق، إلا بعد أن تقوم عليه الحجة (3)، قال تعالى: وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (4)، و من هنا كثر الأنبياء و الرسل في تاريخ البشرية كثرة هائلة، قال تعالى: وَ إِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا

ص: 16


1- أبو الحسن الماوردي: المرجع السابق ص 38.
2- هم آدم و إدريس و نوح و هود و صالح و إبراهيم و لوط و إسماعيل و إسحاق و يعقوب و يوسف و أيوب و شعيب و موسى و هارون و يونس و داود و سليمان و إلياس و السبع و زكريا و يحيى و عيسى، و كذا ذو الكفل عند كثير من المفسرين، و سيدهم محمد (ص)، و في حديث أبي ذر، منهم أربعة من العرب: هود و صالح و شعيب و محمد (ص) (انظر تفسير ابن كثير 2/ 422، تفسير البيضاوي 2/ 312).
3- عمر سليمان الأشقر: المرجع السابق ص 17.
4- سورة الإسراء: آية 15.

فِيها نَذِيرٌ (1)، و قال تعالى: وَ كَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (2)، و قال تعالى: مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ (3)، و قال تعالى: رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ (4).

و من هنا كان الخلاف على عدد الأنبياء، عليهم السلام، فمن قائل إنهم مائة ألف و أربعة و عشرون ألفا، و من قائل إنهم ثمانية آلاف، منهم أربعة آلاف من بني إسرائيل، و أربعة آلاف من سائر الناس، و من قائل إنهم أربعة آلاف، و من قائل إنهم، ثلاثة آلاف، و أن الرسل من الأنبياء ثلاثمائة و ثلاثة عشر، أولهم آدم و آخرهم محمد (ص) (5).

و على أية حال، فليس من المستحب، فيما أظن، و ليس كل الظن إثما، الخوض في إحصاء الرسل و الأنبياء، فإنه لا يعلم إلا بوحي من اللّه تعالى، و لم يبيّن اللّه ذلك في كتابه (6)، غير أن هناك حديث أبي ذر المشهور، و الذي جاء فيه أنه دخل المسجد النبوي الشريف، فإذا رسول اللّه (ص) جالس وحده، فسأله عن أشياء كثيرة، منها الصلاة و الهجرة و الصيام و الصدقة، ثم سأله: كم الأنبياء؟ فقال: مائة ألف و أربعة و عشرون، قال:

قلت يا رسول اللّه كم الرسل عن ذلك؟ قال: ثلاثمائة و ثلاثة عشر، جم غفير، كثير طيب، قال قلت: فمن كان أولهم، قال آدم، قلت: أ نبي مرسل؟ قال

ص: 17


1- سورة فاطر: آية 24.
2- سورة الزخرف: آية 6.
3- سورة غافر: آية 78.
4- سورة النساء: آية 164.
5- تفسير ابن كثير 2/ 422- 428 (القاهرة 1971)، تفسير القرطبي ص 2014- 2015 (دار الشعب- القاهرة 1970) تفسير المنار 7/ 500- 507، تفسير روح المعاني 24/ 88- 89، مجمع الزوائد 8/ 210، ابن قتيبة: المعارف، القاهرة 1934 ص 26، أبو الحسن الماوردي: المرجع السابق ص 52.
6- محمود الشرقاوي: المرجع السابق ص 24.

نعم، خلقه اللّه بيده، و نفخ فيه من روحه، و سواه قبيلا» (1).

3- نبوة المرأة:

من المعروف أن النبوة في الإسلام إنما هي مقصورة على الرجال دون النساء، لقوله تعالى: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ (2)، و هكذا استنبط بعض العلماء من هذه الآية الكريمة أن النبوة لا تكون إلا في الرجال، و أما النساء فليس فيهن نبية أبدا (3)، و الحكمة من تخصيص الرجال بالنبوة دون النساء، أن النبوة عب ء ثقيل، و تكليف شاق لا تتحمله طبيعة المرأة الضعيفة، لأنه يحتاج إلى مجاهدة و مصابرة، و لهذا كان جميع الرسل في محنة قاسية مع أقوامهم، و ابتلوا ابتلاء شديدا في سبيل تبليغ دعوة اللّه تعالى (4)، يقول اللّه تعالى لنبيه الكريم: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ (5).

غير أن الإمام ابن حزم إنما يتجه إلى أن آية النحل وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا، إنما تعني الرسل دون الأنبياء، و من ثم فلم يدع أحد أن اللّه تعالى قد أرسل امرأة، و أما النبوة، و هي لفظة مأخوذة من الإنباء و هو الإعلام، فمن أعلمه اللّه، عز و جل، بما يكون قبل أن يكون، أو أوحى إليه

ص: 18


1- تفسير ابن كثير 2/ 422- 426، و انظر: مسند الإمام أحمد 5/ 265- 266، تفسير روح المعاني 24/ 88، مجمع الزوائد 8/ 210، مشكاة المصابيح 3/ 122، تفسير النسفي 1/ 263- 264.
2- سورة النحل: آية 43، يوسف: آية 109 و انظر: تفسير الطبري 14/ 108- 109، تفسير روح المعاني 14/ 147- 148، تفسير الطبرسي 14/ 75- 78.
3- لم تكن النبوة الإسرائيلية مقصورة على الرجال دون النساء، فلقد تنبأت المرأة، كما تنبأ الرجال، و من ذلك: مريم، أخت هارون و موسى (خروج 15/ 20) و دبورة (قضاة 4/ 4) و حنة أم صموئيل النبي (صموئيل أول 2/ 1) و خلدة امرأة شلوم بن تقوة (ملوك ثان 22/ 14) و حنة بنت فتوئيل (لوقا 2/ 26) و بنات فيلبس العذارى الأربع (أعمال الرسل 21/ 9)، كما كانت زوجات الأنبياء يدعون أحيانا نبيات (إشعياء 8/ 3).
4- محمد على الصابوني: النبوة و الأنبياء ص 10، صفوة التفاسير 2/ 129.
5- سورة الأحقاف: آية 35.

منبئا بأمر ما، فهو نبي بلا شك، فأمرها مختلف، و قد جاء في القرآن الكريم بأن اللّه قد أرسل ملائكة إلى نساء، فأخبروهن بوحي حق من اللّه تعالى، كما حدث مع أم إسحاق و أم موسى و أم المسيح، عليهم السلام (1).

و لنقرأ هذه الآيات الكريمة، يقول تعالى: وَ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ، فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَ أَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً، قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ، وَ امْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَ مِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ، قالَتْ يا وَيْلَتى أَ أَلِدُ وَ أَنَا عَجُوزٌ، وَ هذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْ ءٌ عَجِيبٌ، قالُوا أَ تَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، رَحْمَتُ اللَّهِ وَ بَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (2)، فهذا خطاب الملائكة لأم إسحاق عن اللّه عز و جل بالبشارة لها بإسحاق، ثم يعقوب، و لا يمكن أن يكون هذا الخطاب من ملك لغير نبي» (3).

هذا فضلا عن أن اللّه تعالى قد أرسل جبريل إلى مريم أم المسيح، عليهم السلام، يقول لها: «إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا» (4)، فهذه نبوة صحيحة بوحي صحيح، و رسالة من اللّه تعالى إليها، و ليس قوله عز و جل: وَ أُمُّهُ صِدِّيقَةٌ (5). يمانع أن تكون نبيه، فقد قال اللّه تعالى:

يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ (6).

و هو مع ذلك رسول نبي (7)، و جاء في تفسير روح المعاني (3/ 154)

ص: 19


1- ابن حزم: الفصل في الملل و الأهواء و النحل 5/ 87.
2- سورة هود: آية 69- 73، و انظر: تفسير ابن كثير 4/ 264- 266، تفسير الطبري 15/ 381- 400، تفسير القرطبي ص 3290- 3299، تفسير المنار 12/ 105- 108.
3- ابن حزم: المرجع السابق ص 87.
4- سورة مريم: آية 19، و انظر تفسير القرطبي ص 4128- 4130.
5- سورة المائدة: آية 75.
6- سورة يوسف: آية 46.
7- ابن حزم: المرجع السابق ص 87- 88.

أن القول بنبوة مريم شهير، بل مال الشيخ تقي الدين السبكي في الحلبيات، و ابن السيد، إلى ترجيحه، و ذكر أن ذكرها مع الأنبياء في سورتهم قرينة قوية لذلك، و أما الاستدلال بآية وَ ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا، لا يصح، لأن المذكور فيها الإرسال و هو أخص من الاستنباء على الصحيح المشهور، و لا يلزم من نفي الأخص، نفي الأعم. و الأمر كذلك بالنسبة إلى أم موسى، إذ أوحى اللّه تعالى إليها بإلقاء ولدها في اليم، و أنه سوف يرده إليها و يجعله نبيا مرسلا (1)، يقول تعالى:

وَ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَ لا تَخافِي وَ لا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَ جاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (2)، غير أن هناك من يرى أن ذلك استدلالا خاطئا، لأن الوحي ليس بإنزال ملك، و إنما هو بطريق الإلهام، فقد أخبر اللّه تعالى بأنه أوحى إلى النحل، فقال تعالى: وَ أَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَ مِنَ الشَّجَرِ وَ مِمَّا يَعْرِشُونَ (3)، فهل يصح أن نقول أن النحل قد نبأه اللّه تعالى (4).

و يذهب الفخر الرازي في التفسير الكبير إلى أن مريم عليها السلام ما كانت من الأنبياء، لقوله تعالى: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ»، و إذا كان كذلك كان إرسال جبريل عليه السلام إليها، إما أن يكون كرامة لها، و هو مذهب من يجوز كرامات الأولياء، أو إرهاصا لعيسى عليه السلام، و ذلك جائز عندنا، و عند الكعبي من المعتزلة، أو معجزة لزكريا عليه السلام، و من الناس من قال: إن ذلك كان على سبيل النفث في الروع و الإلهام و الإلقاء في القلب، كما كان في حق أم موسى عليه السلام في قوله تعالى: وَ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى (5).

ص: 20


1- نفس المرجع السابق ص 88.
2- سورة القصص: آية 7.
3- سورة النحل: آية 68.
4- محمد علي الصابوني: النبوة و الأنبياء ص 10.
5- تفسير الفخر الرازي 3/ 54.

هذا و قد نقل القاضي عياض عن جمهور الفقهاء أن مريم ليست بنبية، و ذكر النووي في الأذكار عن إمام الحرمين أنه نقل الإجماع على أن مريم ليست نبيّة، و نسبه في «شرح المهذب» لجماعة، و جاء عن الحسن البصري: ليس في النساء نبيّة، و لا في الجن (1).

4- وظائف الرسل:

بيّن القرآن الكريم و السنّة النبوية المطهرة بوضوح و جلاء وظائف الرسل، عليهم السلام، و مهماتهم، ذلك أن اللّه سبحانه و تعالى قد أوكل إلى الأنبياء أهم الواجبات، و أقدس المهمات، و أشرف الغايات، و التي من أهمها (أولا) أنهم الدعاة البررة إلى عبادة اللّه الواحد القهار، و هذه في الحقيقة هي الوظيفة الأساسية، بل هي المهمة الكبرى التي بعث من أجلها الرسل الكرام، و هي تعريف الخلق بالخالق، جل و علاه و تخصيص العبادة له دون سواه (2)، كما قال جل ثناؤه: وَ لَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ اجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ (3)، و قال تعالى: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (4)، و قال تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ

ص: 21


1- فتح الباري 6/ 471، 473، عمر سليمان الأشقر: الرسل و الرسالات، الكويت 1985 ص 86- 89.
2- انظر: محمد بيومي مهران: النبوة و الأنبياء عند بني إسرائيل- الإسكندرية 1978 ص 77- 81، محمد علي الصابوني: النبوة و الأنبياء، بيروت 1980 ص 23- 25، عمر سليمان الأشقر: الرسل و الرسالات- الكويت 1985 ص 43- 54.
3- سورة النحل، آية 36، و انظر: تفسير الطبري 14/ 103، تفسير الفخر الرازي 20/ 26- 27، تفسير أبي السعود 3/ 360- 361.
4- سورة الأنبياء: آية 25، و انظر كذلك من سورة هود: الآيات 25، 50، 61، 84، تفسير الطبري 15/ 293- 294، تفسير روح المعاني 12/ 35- 37، 77- 80، 88، 114- 115، 17/ 31- 32.

عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (1)، و قال تعالى: وَ إِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ، إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (2)، و قال تعالى:

وَ إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ (3)، و قال تعالى: وَ إِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ اتَّقُوهُ، ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (4).

و منها (ثانيا) إنارة الطريق أمام الناس، و هدايتهم إلى سواء السبيل، قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً وَ داعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَ سِراجاً مُنِيراً (5)، و هكذا كان كل رسول يدعو قومه إلى الصراط المستقيم، و يبيّنه و يهديهم إليه، فضلا عن مقاومة الانحراف الحادث في عهده و مصره، و هكذا أنكر هود على قومه الاستعلاء في الأرض و التجبر فيها، و أنكر صالح على قومه الإفساد في الأرض و إتباع المفسدين، و حارب لوط جريمة اللواط التي استشرت في قومه، و قاوم شعيب في قومه جريمة التطفيف في المكيال و الميزان (6).

و منها (ثالثا) أن من رحمة اللّه على عباده أن يرسل إليهم الرسل قبل أن يقع عليهم عقابه، و من ثم لا تكون للعاصين منهم حجة على اللّه بعد الرسل، قال تعالى: وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (7)، و قال تعالى:

ص: 22


1- سورة الأعراف: آية 59، و انظر تفسير ابن كثير 3/ 427- 428، تفسير القرطبي ص 2668- 2670 (ط الشعيب).
2- سورة هود: آية 50.
3- سورة الأعراف: آية 73.
4- سورة العنكبوت: آية 16.
5- سورة الأحزاب: آية 45- 46.
6- عمر سليمان الأشقر: المرجع السابق ص 51.
7- سورة الإسراء: آية 15.

رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ (1)، و قال تعالى: وَ لَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَ نَخْزى (2)، و من ثم ففي يوم القيامة عند ما يجمع اللّه الأولين و الآخرين يأتي اللّه لكل أمة برسولها ليشهد عليها بأنه بلغها رسالة ربه، و أقام عليها الحجة، قال تعالى: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ، وَ جِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً، يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ عَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ، وَ لا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً (3).

و منها (رابعا) أن الرسل سفراء اللّه إلى عباده و حملة وحيه، فهم الذين يقومون بتبليغ أوامر اللّه تعالى و نواهيه إلى عبادة قال تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ (4)، و قال تعالى:

الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَ يَخْشَوْنَهُ وَ لا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَ كَفى بِاللَّهِ حَسِيباً (5)، و منها (خامسا) تذكير الناس، كل الناس، بيوم الدين يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَ لا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (6)، ذلك أن من مهمة الأنبياء التبشير و الإنذار، قال تعالى: وَ ما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ (7)، مبشرين المؤمنين بالحياة الطيبة، و منذرين العصاة بعذاب اللّه في الآخرة (8).

ص: 23


1- سورة النساء: آية 165.
2- سورة طه: آية 134.
3- سورة النساء: آية 41- 42.
4- سورة المائدة: آية 67.
5- سورة الأحزاب: آية 39.
6- سورة الشعراء: آية 88- 89.
7- سورة الكهف: آية 56.
8- انظر: سورة النحل: آية 97، طه: آية 123، النور: آية 55، النساء: آية 13- 14، الواقعة: آية 215- 38، 41- 51- 56.

و منها (سادسا) أن الرسل، صلوات اللّه و سلامه عليهم، هم الأسوة الحسنة للناس جميعا، قال تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَ الْيَوْمَ الْآخِرَ وَ ذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (1)، و قال تعالى: قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَ الَّذِينَ مَعَهُ (2)، و قال تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَ الْيَوْمَ الْآخِرَ، وَ مَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (3)، و قال تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ (4)، و قال تعالى: وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَ أَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَ إِقامَ الصَّلاةِ وَ إِيتاءَ الزَّكاةِ وَ كانُوا لَنا عابِدِينَ (5)، و ذلك لأن الرسل صفوة من خليفته، و خيرته من عبادة (6)، طهرهم، و علمهم ما شاء أن يعلمهم، ثم أرسلهم إلى الناس ليأخذوهم بأسباب الهداية، و ينأوا بهم عن معاهد الضلالة، و لذلك كان من كليات أصول المسلمين، أن شرع من قبلنا شرع لنا، إلا إذا ورد من رسول اللّه (ص) ما ينسخه (7).

ص: 24


1- سورة الأحزاب: آية 21.
2- سورة الممتحنة: آية 4.
3- سورة الممتحنة: آية 6.
4- سورة الأنعام: آية 90.
5- سورة الأنبياء: آية 73.
6- و تصديقا لهذا فلقد جاء في الحديث الشريف، الذي رواه مسلم و الترمذي، أنه (ص) قال: «إن اللّه اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، و اصطفى قريشا من كنانة، و اصطفى من قريش بني هاشم، و اصطفاني من بني هاشم، فأنا خيار من خيار من خيار»، و من مسند الإمام أحمد و سنن الترمذي عن النبي (ص) أنه قال: أنا محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب، إن اللّه تعالى خلق الخلق فجعلني في خيرهم، ثم جعلهم فرقتين فجعلني في خيرهم فرقة، ثم جعلهم قبائل فجعلني من خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم بيتا، فأنا خيركم بيتا، و خيركم نفسا» (انظر: صحيح مسلم المواهب للقسطلاني 1/ 13، ابن كثير: السيرة النبوية 1/ 191، عبد الحليم محمود: دلائل النبوة و معجزات الرسول، القاهرة 1973 ص 68، أحمد حسن الباقوري: مع القرآن، القاهرة 1970 ص 21).
7- محمود أبو رية: دين اللّه واحد على ألسنة جميع الرسل- القاهرة 1970 ص 58.

و من هنا فقد أوجب اللّه للرسل العصمة الكاملة، لتصح بهم القدوة، و تقوم بهم الحجة، فلا يكون من أحدهم عمل ينال من كرامته أو يقدح في عدالته أو يحط من منزلته العلية بين ذوي المروءات و العقول الرجحة (1)، ذلك أمر ضروري، إذ لو لم يكن ذلك كذلك، و لما كانوا أهلا لهذا الاختصاص الإلهي الذي يفوق كل اختصاص، اختصاصهم بوحيه، و الكشف لهم عن أسرار حلمه، و لو لم تسلم أبدانهم من المنفرات، لكان انزعاج النفس لمرآهم حجة للمنكر في إنكار دعواهم، و لو كذبوا أو خافوا أو قبحت سيرتهم، لضعفت الثقة فيهم، و لكانوا مضلين لا مرشدين، فتذهب الحكمة من بعثهم، و الأمر كذلك لو أدركهم السهو أو النسيان فيما عهد إليهم بتبليغه من القصائد و الأحكام (2).

و منها سابعا: سياسة الأمة المسلمة، ذلك أن الذين يستجيبون للرسل يكوّنون جماعة و أمة، و بالتالي يحتاجون إلى من يسوسهم و يقودهم و يدبر أمورهم، و الرسل يقومون بهذه المهمة في حال حياتهم، فهم يحكمون بين الناس بحكم اللّه قال تعالى: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ (3)، و قال تعالى: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ (4) و في الحديث، الذي رواه البخاري و مسلم و أحمد و ابن ماجة، عن النبي (ص) «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي قام نبي»، و من ثم فقد أوجب اللّه طاعتهم، قال تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ (5).

ص: 25


1- كمال أحمد عون: اليهود من كتبهم المقدسة- القاهرة 1970 ص 106.
2- محمد عبث: رسالة التوحيد- القاهرة 1969 ص 77.
3- سورة المائدة: آية 48.
4- سورة (ص): آية 26.
5- سورة النساء: آية 8.
[5] وحدة الهدف في دعوات الرسل:

لا ريب في أن دين اللّه واحد في الأولين و الآخرين، لا يختلف إلا في صورة و مظاهره، و أما روحه و حقيقته، و هو ما طولب به العالمون أجمعون على ألسنة جميع الأنبياء و المرسلين، فلا يتغير، و هو إيمان باللّه الواحد الأحد، و إخلاص له في العبادة، و أن يتعاون الناس على البر و التقوى، و ألا يتعاونوا على الإثم و العدوان، هذا هو دين اللّه الذي أرسل في كل أمة، و لكل قوم على مدى الدهور و الأزمان (1)، و لا ريب كذلك في أن هذا الدين هو الإسلام (2)، و صدق ربنا جل و علا حيث يقول: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ (3) و يقول: وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَ هُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (4)، و الإسلام، في لغة القرآن، ليس اسما لدين خاص، و إنما هو اسم للدين المشترك الذي هتف به كل الأنبياء، و انتسب إليه كل أتباع الأنبياء (5)، و من ثم فإن الإسلام شعار عام يدور في القرآن على ألسنة الأنبياء و أتباعهم منذ أقدم العصور التاريخية إلى عصر البعثة المحمدية (6).

ص: 26


1- محمود أبو رية: المرجع السابق ص 35.
2- الإسلام: هو دين اللّه في الأولين و الآخرين، و هو الطاعة و الامتثال (تفسير الطبري 2/ 510- 511) و يقول الإمام ابن تيمية: الإسلام هو أن يستسلم الإنسان للّه، لا لغيره، فيعبد اللّه و لا يشرك به شيئا، و يتوكل على اللّه وحده، و يرجوه و يخافه وحده، و يحب اللّه المحبة التامة، لا يحب مخلوقا كحبه للّه، بل يحب للّه و يبغض للّه، و يوالي للّه و يعادي للّه، فمن استكبر عن عبادة اللّه لم يكن مسلما، و من يعبد مع اللّه غيره لم يكن مسلما (ابن تيمية: كتاب النبوات- القاهرة 1346 ه ص 87- 88).
3- سورة آل عمران: آية 19.
4- سورة آل عمران: آية 85.
5- محمد الراوي: الدعوة الإسلامية دعوة عالمية ص 51.
6- محمود الشرقاوي: الأنبياء في القرآن الكريم ص 75- 76.

و هكذا أخبر القرآن في غير موضع أن الأنبياء جميعا إنما كان دينهم الإسلام، كما في سورة البقرة و آل عمران و المائدة و الأعراف و يونس و يوسف و الأنبياء و الحج و النمل و القصص و الشورى و غيرها (1)، و هكذا يبدو واضحا أن دين اللّه واحد منذ الأزل إلى مبعث محمد (ص) إلى يوم الدين «إن الدين عند اللّه الإسلام»، فالدين منذ القدم هو دين الإسلام «هو حاكم المسلمين من قبل»، من قبل مبعث محمد، و من قبل مبعث إبراهيم، و قد سمي اللّه منذ الأزل «مسلما» كل من اعتنق أسس هذه الدين، دين اللّه، و سار على مضامينه من: إسلام الوجه للّه، و انقياد له، و توكل عليه، و تسليم الأمر لمدبر الأمر و صرف الكون، و من هذا يتضح أن وصف الإسلام ليس منصبا على كل من آمن بدعوة محمد (ص) في عهد محمد أو من بعده فحسب، بل هو وصف و لقب أطلقه اللّه من قبل على كل من آمن برسوله الذي بعث في زمنه، و بكل من وحّد ربه و أسلم وجهه و قلبه و أمره كله للّه رب العالمين، و المسلم في عرف القرآن هو كل من آمن برسوله و كل من وحّد اللّه من الأزل حتى اليوم، و من هذا يتضح أن محمد (ص). لم يأت بدين جديد مستقل، و إنما جاء ليصلح دين اللّه مما طرأ عليه من مغالاة و زيادة و جهالة، و ليهدي الأمم القادمة على الطريق إلى الدين الأول الذي أرسل اللّه به سائر الرسل، و الذي كمله محمد (ص) و أتمه اللّه على يد محمد (ص) بما جعله

ص: 27


1- انظر: سورة البقرة: آية 128، 132، 136، آل عمران: آية 51- 53، 64- 67، 83- 85، المائدة: آية 3، 44، 11، الأعراف: آية 126، يونس: آية 72، 84، 90، يوسف: آية 101، الأنبياء: آية 108، الحج: آية 78، النمل: آية 31، 38، 42، القصص: آية 52، الزمر: آية 12، فصلت: آية 33، الشورى: آية 13، و انظر: محمد بيومي مهران: المرجع السابق ص 134- 135، محمد عبد اللّه دراز: الدين: بحوث ممهدة لدراسة الأديان- القاهرة 1969 ص 183، محمود أبو رية: المرجع السابق ص 60- 67، مناع القطان: الإسلام شريعة اللّه الخالدة إلى البشر كافة- الرياض 1974 ص 11- 40، تفسير المنار 1/ 67، 477.

دينا أزليا للناس كافة إلى يوم الدين (1).

و في هذا يقول سيدنا رسول اللّه (ص)، فيما أخرجه الإمام أحمد و البخاري و مسلم عن أبي هريرة، «مثلي في النبيين كمثل رجل بني دارا فأحسنها و أكملها و أجملها و ترك فيها موضع لبنة لم يضعها، فجعل الناس يطوفون بالبنيان و يعجبون منه و يقولون لو تم موضع هذه اللبنة، فأنا في النبيين موضع تلك اللبنة» (2)، و في رواية للبخاري. «مثلي و مثل الأنبياء من قبلي، كمثل رجل بنى بيتا فحسنه و جمله إلا موضع لبنة فجعل الناس يطوفون به، و يعجبون و يقولون: هلا وضعت هذه اللبنة، فأنا اللبنة، و أنا خاتم النبيين» (3).

و من هنا فإن نبوة القرآن الكريم إنما تؤمن بكل ما سبقها من نبوات، لأن الهدف واحد، و العقيدة واحدة، فالأنبياء، صلوات اللّه و سلامه عليهم، دينهم واحد، و إن تنوعت شرائعهم (4)، و قد ثبت في الصحيح عن أبي هريرة أن رسول اللّه (ص) قال: «إنا معشر الأنبياء ديننا واحد» (5)، قال تعالى: 5)

ص: 28


1- محمود بن الشريف: الأديان في القرآن- جدة 1979 ص 30- 33.
2- الحديث: اخرجه أيضا الإمام أحمد و البخاري و مسلم و الترمذي عن جابر بن عبد اللّه، و أخرجه الإمام أحمد و مسلم عن أبي سعيد الخدري.
3- صحيح البخاري- كتاب المناقب- باب خاتم النبيين- دار الشعب- القاهرة 1378 ه 4/ 226.
4- مجموعة فتاوي ابن تيمية- الرياض 1381 ه 1/ 357.
5- روي الحديث الشريف بعدة روايات، فرواية في البخاري و مسلم و أحمد، أنه (ص) قال: «أنا أولى الناس بعيس بن مريم في الدنيا و الآخرة، و الأنبياء اخوة من علات، أمهاتهم شتى، و دينهم واحد، و في رواية أخرى للبخاري «أنا أولى الناس بعيسى بن مريم، و الأنبياء أولاد علات ليس بيني و بينه نبي»، و في رواية ثالثة «نحن معاشر الأنبياء اخوة لعلات ديننا واحد»، يعني بذلك التوحيد الذي بعث اللّه به كل رسول أرسله و ضمه كل كتاب أنزله، و أبناء العلات أبناء الضرائر، يكون أبوهم رجلا واحدا، و أمهاتهم متعددات و كذلك الرسل ربهم الذي أرسلهم إله واحد، و رسالاتهم متعددة بتعدد بلادهم، أي إن الدين واحد، و هو عبادة اللّه و حدد لا شريك له، و إن تنوعت الشرائع التي هي بمنزلة الأمهات، و المقصود، كما يقول ابن كثير، أن الشرائع و إن تنوعت في أوقاتهما إلا أن الجميع آمرة بعبادة اللّه وحده لا شريك له، و هو دين الإسلام الذي شرعه اللّه لجميع الأنبياء، و هو الدين الذي لا يقبل اللّه غيره يوم القيامة، كما قال تعالى: وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ، و يقول الإمام محمد عبده: أن القرآن قد صرح بما لا يحتمل الريبة بأن دين اللّه في جميع الأزمات و على ألسن جميع الأنبياء، واحد، و يقول الأستاذ الشاذلي و أما الشرائع فمختلفة في الأوامر و النواهي، فقد يكون الشي ء في هذه الشريعة حراما ثم يحل في الأخرى و بالعكس، و خفيفا فيزداد في الشدة في هذه دون هذه، لماله تعالى من الحجة الدافعة و الحكمة البالغة، قال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة: «لكل جعلنا منكم شرعة و منها جما»، يقول: سبيلا و سنّة، و السنن مختلفة، هي في التوراة شريعة، و في الإنجيل شريعة و في الفرقان شريعة، يحل اللّه فيها ما يشاء و يحرم ما يشاء ليعلم من يطيعه ممن يعصيه، و الدين الذي لا يقبل اللّه غيره هو التوحيد و الإخلاص للّه تعالى الذي جاءت به جميع الرسل (انظر: محمد عبده: المرجع السابق ص 163، عبد اللّه شحاتة: تفسير سورة الإسراء، القاهرة 1975 ص 10، الباقوري: المرجع السابق ص 139، عبد المجيد الشاذلي: حد الإسلام و حقيقة الإيمان- جامعة أم القرى- مكة المكرمة ص 100، محمد بيومي مهران: المرجع السابق ص 5- 6، مختصر تفسير ابن كثير 1/ 459، البداية و النهاية 1/ 153- 154، محمود أبو رية: المرجع السابق ص 35- 45)

وَ إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ أَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (1) و قال تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَ ما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى وَ عِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَ لا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ، اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (2).

و من هنا كان طلب القرآن الكريم الإيمان بكل الرسل، كما طلب كذلك الإيمان بما أنزل عليهم، و كان الإيمان بالبعض دون البعض الآخر خروجا عن دين اللّه و هديه (3)، يقول سبحانه و تعالى: وَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ -

ص: 29


1- سورة المؤمنون: آية 52، و انظر تفسير القرطبي ص 4520- 4521 (دار الشعب).
2- سورة الشورى: آية 13.
3- محمد أبو زهرة: العقيدة الإسلامية لما جاء بها القرآن الكريم- القاهرة 1969 ص 85- 86، تفسير المنار 10/ 182- 183 خالد محمد خالد: كما تحدث القرآن- القاهرة 1970 ص 99- 122.

وَ رُسُلِهِ وَ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (1)، و يقول تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ، مِنْ رَبِّهِ، وَ الْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَ قالُوا سَمِعْنا وَ أَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَ إِلَيْكَ الْمَصِيرُ (2)، و قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ الْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَ الْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ، وَ مَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً (3)، و قال تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَ ما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْباطِ، وَ ما أُوتِيَ مُوسى وَ عِيسى وَ ما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ، لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (4).

و انطلاقا من كل هذا، فإن القرآن الكريم إنما يعلمنا أن كل رسول يرسل، و كل كتاب ينزل إنما قد جاء مصدقا و مؤكدا لما قبله، فالإنجيل مصدق و مؤكد للتوراة (5)، و القرآن مصدق و مؤكد للتوراة و الإنجيل، و لكل ما بين يديه من الكتب (6) يقول سبحانه و تعالى: وَ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ، وَ آتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَ نُورٌ وَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَ هُدىً وَ مَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ، وَ لْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ،

ص: 30


1- سورة النساء: آية 15.
2- سورة البقرة: آية 285.
3- سورة النساء: آية 136.
4- سورة البقرة: آية 136.
5- من البدهي أننا نعني هنا التوراة و الإنجيل اللذين أنزلهما اللّه على رسوليه موسى و عيسى، عليهما السلام، و ليس توراة اليهود و أناجيل النصارى المتداولة اليوم (انظر عن التوراة الحالية: محمد بيومي مهران: إسرائيل- الكتاب الثالث- الإسكندرية 1979 ص 1- 379).
6- محمد عبد اللّه دراز: المرجع السابق ص 185، محمد أبو زهرة: المرجع السابق ص 85- 86.

وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً، وَ لكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (1).

و يقول المسيح، عليه السلام، كما جاء في العهد الجديد «لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس و الأنبياء، ما جئت لأنقض بل لأكمل، فإني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء و الأرض و لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل» (2).

و لا ريب في أن هذا التصديق لا يعني أن الكتب المتأخرة، إنما هي تجديد للمتقدمة و تذكير بها، فلا نبدل فيها معنى و لا نغير حكما، و إنما الواقع غير ذلك، فقد جاء الإنجيل بتبديل بعض أحكام التوراة، كما جاء القرآن بتبديل بعض أحكام الإنجيل، و لكن يجب أن يفهم أن هذا و ذاك لم يكن من المتأخر نقضا للمتقدم، و لا إنكارا لحكمة أحكامه في إبانها، و إنما كان وقوفا عند وقتها الناسب و أجلها المقدر (3)، و من هنا كان قوله (ص) في الحديث الشريف: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، و في رواية الإمام مالك في الموطأ «إن اللّه بعثني لأتمم مكارم الأخلاق». و هكذا فإن اللّه تعالى، بمقتضى حكمته في رسالاته، إنما كان يجعل كل نبي يبشر بمن يجي ء بعده، فالتوراة بشرت بالمسيح و بمحمد، عليهما الصلاة و أتم التسليم، و المسيح بشر بمحمد (ص)، يقول تعالى: وَ إِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ

ص: 31


1- سورة المائدة: آية 46- 48.
2- إنجيل متى 5/ 17- 18.
3- انظر: سورة آل عمران: آية 50، الأعراف: آية 157، محمد عبد اللّه دراز: المرجع السابق ص 185- 186.

يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ، فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (1).

و من المعروف أن أحمدا من أسماء رسول اللّه (ص). و من ثم فقد جاء في الحديث الشريف، قوله (ص): «و الذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي أو نصراني و لا يؤمن بي إلا دخل النار» (2)، و في بعض الأحاديث «لو كان موسى و عيسى حيين لما وسعهما إلا أتباعي» (3)، و أن النبي (ص) وقف على «مدراس» اليهود في المدينة المنورة فقال: يا معشر يهود أسلموا، فو الذي لا إله إلا هو لتعلمون أني رسول اللّه إليكم، فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم، قال: ذلك أريد» (4)، و من ثم فالذي يقطع به في كتاب اللّه و سنّة رسوله، و من حيث المعنى، أن رسول اللّه (ص) قد بشرت به الأنبياء قبله، و أتباع الأنبياء يعلمون ذلك، و لكن أكثرهم يكتمونه و يخفونه (5).

هذا و قد أخذ اللّه الميثاق على كل نبي، إذا جاءه رسول و صدق لما معه أن يؤمن به و ينصره (6)، يقول تعالى: وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما

ص: 32


1- سورة الصف: آية 6، و عن بشارات التوراة بسيدنا رسول اللّه (ص) (انظر: سفر التثنية 18/ 15، 18، 23/ 3، أشعياء 60/ 1- 7، 42/ 10- 12، حبقوق 3/ 3- 4) و عن بشارة الإنجيل (انظر: متى 7/ 21- 23، 15/ 8- 9، 23/ 42- 43) ثم انظر: إبراهيم خليل أحمد: محمد في التوراة و الإنجيل و القرآن- الطبقة الخامسة- القاهرة 1983 ص 33- 95، بشرى زخاري ميخائيل: محمد رسول اللّه- هكذا بشرت به الأناجيل- القاهرة 1972، ابن كثير: السيرة النبوية 1/ 286- 340 (القاهرة 1964).
2- صحيح مسلم 1/ 367 (دار الشعب- القاهرة 1971).
3- مختصر تفسير ابن كثير 1/ 296.
4- ابن كثير: شمائل الرسول و دلائل نبوته و فضله و خصائصه- القاهرة 1967 ص 339، ثم قارن: ابن الجوزي: الوفا بأحوال المصطفى- الجزء الأول- القاهرة 1966 ص 36- 37، عماد الدين خليل: دراسة في السيرة- بيروت 1974 ص 319- 322.
5- ابن كثير: المرجع السابق ص 339، ابن الجوزي: المرجع السابق ص 37.
6- محمد عبد اللّه دراز: المرجع السابق ص 185.

آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ، ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ» (1). قال الإمام علي و ابن عباس، رضي اللّه عنهما، ما بعث اللّه نبيا من الأنبياء، إلا أخذ عليه الميثاق، لئن بعث اللّه محمدا: و هو حي، ليؤمنن به و لينصرنه، و قال الحسن البصري و قتادة: أخذ اللّه ميثاق النبيين أن يصدق بعضهم بعضا، و هذا لإيضاح ما قاله علي و ابن عباس و لا ينفيه بل يستلزمه و يقتضيه (2).

و صدق سيدنا رسول اللّه (ص) حين صوّر الرسالات السماوية في جملتها أحسن تصوير في قوله (ص): «مثلي و مثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بني بيتا فأحسنه و جمّله إلا موضع لبنة، فجعل الناس يطوفون به و يعجبون له و يقولون هلا وضعت هذه اللبنة، فأنا اللبنة و أنا خاتم النبيين» (3).

و قريب من هذا ما يراه بعض الباحثين من أن صلاة المصطفى (ص) بالأنبياء، ليلة أن أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، إنما تشير إلى وحدة الرسالات و النبوات، و أنها جميعا من عند اللّه، و أن الأنبياء و المرسلين إنما أرسلوا من أجل هداية الناس، و دعوتهم إلى التوحيد (4).

و بدهي أن ذلك كذلك، لأن دين جميع الأنبياء واحد في التوحيد و روح العبادة، و تزكية النفس بالأعمال التي تقوّم الملكات و تهذب

ص: 33


1- سورة آل عمران: آية 81، و انظر: تفسير المنار 3/ 287- 290، تفسير ابن كثير 2/ 55- 57، تفسير الطبري 6/ 550- 561.
2- مختصر تفسير ابن كثير 1/ 296.
3- صحيح البخاري 4/ 226 (دار الشعب- القاهرة 1378 ه).
4- عبد اللّه شحاتة: المرجع السابق ص 8، و انظر: عماد الدين خليل: المرجع السابق ص 115- 116.

الأخلاق، و هكذا فالأنبياء في الأساس العام دعاة إلى توحيد اللّه و هداة إلى الفضائل. و مكارم الأخلاق، و من ثم فإن الديانات إنما تلتقي على فكرة التوحيد و حسن السلوك، و إن اختلفت الوسيلة لتهذيب هذا السلوك من نبي لآخر، و هكذا رأينا من الأنبياء من حارب رذائل معينة انتشرت بين قومه، كتطفيف الكيل الذي حاربه شعيب، و كالانحراف الجنسي الذي وقف أمامه لوط بكل إصرار و حزم (1).

و هنا علينا أن نلاحظ أن هناك فرقا بين الدين في ثباته و عدم تبدله بتبدل الأنبياء، و بين تبدل الشرائع و تغيرها بتبدل الأنبياء و تغيّرهم، بل ينبغي أن يكون هذا الفرق واضحا في الذهن، سائقا في الفهم، و هو كذلك فيما يقرر القرآن الكريم، فأما من ناحية العقل و الفكر، فإن الدين، أي دين، إنما هو قائم على أصول ثلاثة: أولها: الإيمان بأن لهذا الكون إلها خالقا مدبرا، و محيط العلم، بالغ القدرة، لا يغرب عن علمه شي ء، و لا يعترض قدرته شي ء، و ثاني الأصول الدعوة إلى العمل الصالح الذي يشيع على الإنسانية الأمن و السلام، و ثالث الأصول أن اللّه لم يخلق الناس عبثا، و لن يتركهم سدى، و أنهم لا بد راجعون إليه، و محاسبون بين يديه، و مجازون على ما عملوا إن خيرا فخيرا، و إن شرا فشرا.

هذا ما يتصل بالدين في عدم قبوله التغيير و التبديل، و أما ما يتصل بالشرائع حيث هي مجموعة قوانين تنظم السلوك في المجتمع، فإنها قابلة للتغيير و التبديل، بمقتضى تغيّر البيئات و اختلاف المصالح، و قد أشار إلى ذلك القرآن الكريم و الحديث الشريف (2).

ص: 34


1- أبو الحسن الماوردي: أعلام النبوة- القاهرة 1971 ص 22، محمود أبو رية: المرجع السابق ص 119، عبد اللّه شحاتة، المرجع السابق 8- 9.
2- مجموعة فتاوي ابن تيمية 1/ 357، و انظر: الباقوري: المرجع السابق ص 137- 139، خالد محمد خالد: المرجع السابق، ص 115، عبد اللّه شحاتة: المرجع السابق ص 10.

بقيت الإشارة هنا إلى أن النبوة فضل يسبغه اللّه على من يشاء من عباده، وهبة ربانية يمنحها اللّه لمن يريد من خلقه، و هي لا تدرك بالجد و التعب، و لا تنال بكثرة الطاعة و العبادة، و لا يتوسل إليها بسبب و لا نسب، و إنما هي بمحض الفضل الإلهي، فاللّه يختص برحمته من يشاء، و هي تأتي إلى النبي من تلقاء نفسها، و على غير توقع منه، فهي إذن اصطفاء و اختيار من اللّه سبحانه و تعالى للمصطفين الأخيار من عباده (1)، و صدق اللّه العظيم حيث يقول: «اللّه أعلم حيث يجعل رسالته» (2).

و من ثم فإن اللّه سبحانه و تعالى إنما يختص بهذه الرحمة العظيمة، و المنقبة الكريمة، من كان أهلا لها، بما أهله، جل شأنه، من سلامة الفطرة، و علو الهمة، و زكاة النفس، و طهارة القلب، و حب الخير و الحق، و كان أذكياء العرب في الجاهلية، على شركهم باللّه تعالى، يعلمون أن الصادقين محبي الحق، و فاعلي الخير من الفضلاء، أهل لكرامته تعالى و عنايته، كما يؤخذ من استنباط أم المؤمنين خديجة في حديث أم المؤمنين عائشة، رضي اللّه عنهما، في بدء الوحي، فإنه (ص) لما قال لخديجة: «لقد خشيت على نفسي»، قالت له: «كلا فو اللّه لا يخزيك اللّه أبدا، إنك لتصل الرحم و تصدق الحديث، و تحمل الكلّ و تكسب المعدوم، و تقري الضيف، و تعين على نوائب الحق» (3).

ص: 35


1- تفسير المنار 8/ 33- 34، محمد علي الصابوني: النبوة و الأنبياء- بيروت 1980 ص 8.
2- سورة الأنعام: آية 124، و انظر: تفسير روح المعاني 8/ 21- 23، تفسير المنار 8/ 32- 35، تفسير ابن كثير 3/ 323- 326.
3- صحيح مسلم 1/ 379- 380، و انظر: ابن كثير: السيرة النبوية 1/ 394- 395، تفسير المنار 8/ 34، عبد الحليم محمود: المرجع السابق ص 354.

ص: 36

الكتاب الثّاني سيرة يوسف عليه السّلام

اشارة

ص: 37

ص: 38

الفصل الأول يوسف فيما قبل الوزارة

[1] يوسف و أخوته في كنعان:

يوسف الصديق عليه السلام هو: يوسف النبي بن يعقوب النبي بن إسحاق النبي بن إبراهيم النبي، صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين، و قد أثنى عليه ربنا جل جلاله في القرآن الكريم بقوله تعالى: كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَ الْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ كما أثنى عليه سيدنا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في الحديث الذي رواه البخاري عن أبي هريرة، حيث وصفه بقوله الشريف «إن الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم» و قد جاءت قصته في سورة كاملة من القرآن الكريم هي سورة يوسف (1).

ص: 39


1- انظر عن قصة يوسف كاملة من وجهة النظر الإسلامية: سورة يوسف آية 1- 102، تفسير الطبري 15/ 547- 586، 16/ 1- 315 (دار المعارف) تفسير الفخر الرازي 17/ 83- 229، تفسير الطبري 13/ 5- 134، تفسير النسفى 2/ 352- 397، تفسير أبي السعود 3/ 77- 143، في ظلال القرآن 4/ 1949- 2037 (بيروت 1982) تفسير المنثور للسيوطي 4/ 2- 42، تفسير ابن كثير 4/ 294- 349، تفسير القرطبي ص 3347- 3506، تفسير المنار 12/ 213- 268، محمد رشيد رضا، تفسير سورة يوسف (القاهرة 1936)، صفوة التفاسير 2/ 39- 71، تفسير الجلالين ص 302- 320، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان 4/ 3- 41، تفسير الخازن 3/ 262- 293، تفسير البغوي (على هامش الخازن)، ابن كثير: البداية و النهاية 1/ 197- 220، تاريخ الطبري 1/ 330- 364، تاريخ ابن خلدون 2/ 44- 47، تاريخ ابن الأثير 1/ 78- 88، تفسير ابن عباس 2/ 497- 502، حسن محمد باجودة: الوحدة الموضوعية في سورة يوسف عليه السلام، جدة- 1983 م.

هذا و تشير التوراة إلى أن يوسف الصديق قد ولد لأبيه من زوجته الثانية «راحيل»، ابنة خال أبيه لابان في «حاران» (و تقع على نهر بلخ على مبعدة 60 ميلا من اتصاله بالفرات، و إلى الغرب من تل حلفا، و على مبعدة 280 ميلا إلى الشمال الشرقي من دمشق)، و كان يعقوب عليه السلام قد تزوج من أختها الكبرى «ليئة»، ثم تزوج من راحيل، ثم من جاريتها بلهة، ثم من زلفة جارية ليئة (1)، و هكذا جمع يعقوب تحته الشقيقتين، فضلا عن جاريتيهما، و كان ذلك، فيما يرى ابن كثير، سائغا في ملتهم، ثم نسخ في شريعة التوراة، و هذا وحده دليل كاف على وقوع النسخ، لأن فعل يعقوب عليه السلام دليل على جواز هذا و إباحته لأنه معصوم (2)، بل إن الطبري (3) يرى في ذلك قوله تعالى: وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ، و إن كان المفسرون يجمعون أو يكادون، على أن المراد بقوله تعالى: إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ أي في الجاهلية قبل الإسلام، و ليس قبل نزول التوراة، كما ذهب ابن كثير، أي أن النسخ كان بالقرآن، و ليس بالتوراة، على أية حال، فلقد ماتت راحيل أم يوسف، و هي تضع ابنها الثاني «بنيامين» و دفنت في بيت لحم (على مبعدة خمسة أميال جنوبي القدس) حيث ولد داود و المسيح عيسى بن مريم، عليهما السلام. (4)

هذا و قد زود يعقوب عن زوجاته الأربع باثنى عشر ولدا، فضلا عن 8)

ص: 40


1- تكوين 29/ 23، 28، 30/ 5، 79.
2- تاريخ ابن كثير 1/ 195.
3- تاريخ الطبري 1/ 320.
4- تكوين 35/ 19- 20، تاريخ ابن كثير 1/ 197، محمد بيومي مهبران: إسرائيل 2/ 646 (الاسكندرية 1978)، و انظر عن قصة يوسف من الناحية التاريخية و دخول بني إسرائيل مصر (محمد بيومي مهران- إسرائيل 1/ 212- 260- الاسكندرية 1978)

ابنته دينة التي ولدتها ليئة، و هكذا «كان بنو يعقوب اثنى عشر، بنو ليئة راؤبين بكر يعقوب و شمعون و لاوى و يهودا و يساكر و زبولوث، و أبناء راحيل يوسف و بنيامين، و أبناء بلهة جارية راحيل، دان و نفتالى، و أبناء زلفة جارية ليئة، جاد و أشير، هؤلاء بنو يعقوب الذين ولدوا في فدان أرام (1)»، ثم هاجر يعقوب ببنيه و زوجاته إلى كنعان (فلسطين) حيث عاشوا في «حبرون» (و تقع على مبعدة 19 ميلا جنوب غرب القدس، و هي مدينة الخليل الحالية، و فيها قبر إبراهيم و سارة و إسحاق و يعقوب، حيث يقوم اليوم مسجد كبير هو الحرم الإبراهيمي) و ظلوا هناك في أرض كنعان حتى هاجروا إلى مصر بدعوة من الصديق عليه السلام.

و هكذا عاش الصديق مع أبيه و إخوته حينا من الدهر في كنعان، كان الصديق فيها أحب الأخوة إلى أبيه يعقوب النبي عليه السلام، لأنه كان، فيما تقول توراة اليهود، «يأتي بنميمتهم الرديئة إلى أبيهم»، و لأنه «ابن شيخوخته» و لأنه صنع له من دونهم قميصا ملونا، و لأنه رأى حلمين فسرهما إخوته على أنه سيكون سيدا عليهم، أما أولهما: « «فها نحن حازمون حزما في الحقل، و إذا حزمتن قامت و انتصبت فاحتاطت حزمكم و سجدت لحزمتي»، و أما الثاني فقد رأى فيه «و إذا الشمس و القمر و أحد عشر كوكبا ساجدة لي، و قصه على أبيه و على إخوته، فانتهره أبوه، و قال له ما هذا الحلم الذي حلمت، هل نأتي أنا و أمك و إخوتك لنسجد لك إلى الأرض، فحسده إخوته، و أما أبوه فحفظ الأمر (2)»، و لم يشر القرآن الكريم إلا إلى الرؤيا الأخيرة، و أن أباه أمره أن يكتم رؤياه عن إخوته، يقول تعالى إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي

ص: 41


1- تكوين 35/ 22- 26.
2- تكوين 37/ 1- 11.

ساجِدِينَ، قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (1).

و هكذا عرف يعقوب، كما جاء في تفسير أبي السعود (4/ 252)، من رؤيا يوسف أن اللّه تعالى سيبلغه مبلغا جليلا من الحكمة، و يصطفيه للنبوة، و ينعم عليه بشرف الدارين، فخاف عليه حسد الأخوة، و نصحه بأن لا يقص رؤياه عليهم فيكيدوا له، مع أن يعقوب كان يعلم أنهم ليسوا بقادرين على تحويل ما دلت الرؤيا عليه، و قد جاء في الأثر «استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود».

هكذا بدأ إخوة يوسف يضمرون له الشر، لأنه أحب إلى أبيهم منهم «قالوا ليوسف و أخوه أحب إلى أبينا منا و نحن عصبة، إن أبانا لفي ضلال مبين»، و الآية الكريمة تشير إلى إيثار يعقوب ليوسف و أخيه عليهم، و هم عصبة (و العصبة و العصابة: العشرة من الرجال فصاعدا سموا بذلك لأن الأمور تعصب بهم) و يقول الشيخ الشعراوي في الفتاوى: إن إيثار فرد بالحب عن الآخرين ينشئ في نفس الآخرين عقدة النقص التي تؤدي إلى أن يكون السلوك غير منطقي على المبدأ الخلقي، و لذلك حين أحس إخوة يوسف بأن يوسف و أخاه أحب إلى أبيهم منهم، فكروا في أن يزيحوا ذلك الحب من طريقهم و قالوا: نحن عصبة، و لو أنهم فهموا بعض الفهم لعرفوا أنهم جاءوا بحيثية امتاز ذلك الصغير بالحب، لأنهم عصبة و لأنهم أشداء، و هو صغير يعطف عليه، فلا يقيسوا العطف و الحب هنا على العطف و الحب عليهم، لأنهم اجتازوا مرحلة العطف و الحب، فالإنسان منا يحب صغيره لأنه يعتقد أن هذا الصغير بالنسبة لأخوته هو أقصرهم عمرا معه،

ص: 42


1- سورة يوسف آية 4- 5، 554- 559، تفسير المنار 11/ 290- 299، تفسير ابن كثير 4/ 297- 299، تفسير الخازن 3/ 261- 263.

و أنه في حاجة مع العجز إلى شي ء كثير من الحب، فلو أن الكبار فهموا تلك العلاقة لما جعلوها عيبا في الأب (1).

و على أية حال، فالآية، كما في ظلال القرآن (2)، لا تشير إلى علمهم برؤياه، و لو كانوا قد علموا برؤياه لجاء ذكرها على ألسنتهم (3)، و لكانت أدعى إلى أن تلهج ألسنتهم بالحقد عليه، فما خافه يعقوب على يوسف لو قص رؤياه على إخوته قد تم عن طريق آخر، و هو حقدهم عليه لإيثار أبيهم له، و لم يكن بد أن يتم لأنه حلقة في سلسلة الرواية الكبرى المرسومة لتصل بيوسف إلى النهاية المرسومة، و التي تمهد لها ظروف حياته و واقع أسرته، و مجيئه لأبيه على كبره، و أصغر الأبناء هم أحب الأبناء، و بخاصة حين يكون الوالد في سن الكبر، كما كان الحال مع يوسف و أخيه، و إخوته من أمهات، و هكذا بدأ الحقد يغلي في نفوس إخوة يوسف، و يدخل الشيطان بينهم، فيختل تقديرهم للواقع، و تتضخم في حسهم أشياء صغيرة، و تهون أحداث ضخام، تهون الفعلة الشفعاء المتمثلة في إزهاق روح غلام برى ء لا يملك دفعا عن نفسه، و هو أخ لهم، و هم أبناء نبيّ، و إن لم يكونوا هم أنبياء، يهون هذا، و تتضخم في أعينهم حكاية إيثار أبيهم له بالحب، حتى توازى القتل، أكبر جرائم الأرض قاطبة، بعد الشرك باللّه، و هكذا دبروا له مكيدة، كي يخلو لهم وجه أبيهم، و أنجزوا خطتهم للتخلص منه، بأن اقْتُلُوا يُوسُفَ ).

ص: 43


1- محمد متولي الشعراوي: الفتاوى 10/ 71- 74 (بيروت 1982).
2- في ظلال القرآن 4/ 1973 (بيروت 1982).
3- جاء في تاريخ ابن الأثير: أن امرأة يعقوب سمعت ما قال يوسف لأبيه، فقال لها يعقوب: اكتمي ما قال يوسف و لا تخبري أولادك، قالت نعم، فلما أقبل أولاد يعقوب من الرعي أخبرتهم بالرؤيا، فازدادوا حسدا و كراهة له و قالوا: ما عنى بالشمس غير أبينا و لا بالقمر غيرك و لا بالكواكب غيرنا، إن ابن راحيل يريد أن يمتلك علينا و يقول: أنا سيدكم. (الكامل 1/ 78- 79).

أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَ تَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ (1).

و في الواقع، فإن قصة الصديق، كما جاءت في التوراة و القرآن العظيم، إنما تشير بوضوح إلى أن إخوته إنما ظلوا ردحا من الزمن ضحايا الكبت الذي عانوه، كي يخفوا رغبتهم في التخلص من يوسف رغبة في أن يخلوا لهم حب أبيهم، و لكنهم كانوا يفشلون في إخفائها و كبتها، بل كثيرا ما كانت تبدو فيما يصدر عنهم من مواقف أو كلمات ضد يوسف، مما جعل أباهم يعقوب يشك في حسن نواياهم، عند ما دعوا يوسف ليلعب معهم (2)، فقال لهم وَ أَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَ أَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ (3)، و هو في الواقع إنما كان يتخوف عليه من عدوانهم أكثر مما يتخوف عليه عدوان الذئب، و لكنه أراد أن يصرفهم عنه بتلك الفعلة، و لكن إخوة يوسف كانوا بارعين في الدهاء، فقالوا لأبيهم لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَ نَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ (4).

و هكذا كان من نتيجة الكبت الذي عانوه أن انحرفوا بتفكيرهم، فكل ما كان يهمهم تحقيقه هو أن يحولوا بين يوسف و أبيه فاتفقوا على قتله، و تلطيخ قميصه بالدم، و ادعاء أن الذئب أكله، لما ذهبوا يتسابقون و تركوه عند متاعهم، غير أن التلفيق كان واضحا، أو كان ساذجا، لأن القميص لم يكن ممزقا بآثار أسنان الذئب، أو كما قال يعقوب، في رواية السدى، إن كان هذا الذئب لرحيما، كيف أكل لحمه و لم يخرق قميصه (5)، و هكذا ألهاهم ).

ص: 44


1- سورة يوسف: آية 9.
2- التهامى نقرة: سيكولوجية القصة في القرآن- تونس 1974 ص 156 (رسالة دكتوراه).
3- سورة يوسف آية 13.
4- سورة يوسف: آية 14.
5- جاء في تفسير الطبري عن ابن عباس أنه قال: ذبحوا شاة و لطخوا بدمها القميص، فلما جاءوا يعقوب قال: كذبتم لو أكله الذئب لمزق قميصه، و في رواية أخرى، كما في تفسير النسفى و أبي السعود و الخازن، نهم ذبحوا سخلة و لطخوا القميص بدمها، و زل عنهم أن يمزقوا القميص، فلما سمع يعقوب بخبر يوسف صاح بأعلى صوته، و قال: أين القميص و أخذوه و ألقاه على وجهه و بكى حتى خضب وجهه بدم القميص و قال: تاللّه ما رأيت كاليوم ذئبا أحلم من هذا، أكله و لم يمزق عليه قميصه، و في رواية ثالثة في تفسير الخازن أنهم أتوا بذئب و قالوا ليعقوب: هذا أكل ابنك، فقال الذئب حين سأله، و قد أنطقه اللّه، و اللّه ما أكلت و ما رأيت ولدك قط، و لا يحل لنا أن نأكل لحوم الأنبياء، فقال يعقوب كيف وقعت في أرض كنعان، قال: أتيت لصلة الرحم فأخذوني و أتوا بي إليك فأطلقه يعقوب (انظر: تفسير الطبري 12/ 164، تفسير أبي السعود 4/ 260، تفسير الخازن 3/ 269، تفسير النسفى 2/ 214- 215، صفوة التفاسير 2/ 44).

الحقد الفائر عن سبك الكذبة، فلو كانوا أهدأ أعصابا ما فعلوها منذ المرة الأولى التي يأذن لهم فيها يعقوب باصطحاب يوسف معهم، و لكنهم كانوا معجلين لا يصبرون، يخشون أن لا تؤاتيهم الفرصة مرة أخرى، كذلك كان التقاطهم لحكاية الذئب المكشوفة دليلا على التسرع، و قد كان أبوهم يحذرهم فيها أمس و هم ينفونها، و يكادون يتهكمون بها، فلم يكن من المستساغ أن يذهبوا في الصباح ليتركوا يوسف للذئب الذي حذرهم منه أبوهم أمس، و بمثل هذا التسرع جاءوا على قميصه بدم كذب لطخوه في غير إتقان، فكان ظاهر الكذب حتى ليوصف بأنه كذب (1)، الأمر الذي جعل يعقوب لا يصدقهم، و لهذا كان يدعوهم دائما إلى أن يتقصوا آثار أخيهم، و قد وقعوا في حالة «التبرير»، كما يفعل المذنب، إذ يعمد إلى تفسير سلوكه ليبيّن لنفسه و للناس أن لسلوكه هذا أسبابا معقولة (2)، فهم يقولون يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَ تَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا، فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَ ما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَ لَوْ كُنَّا صادِقِينَ (3).

و على أية حال، فلقد كان أخوة يوسف قد أجمعوا أمرهم على أن

ص: 45


1- في ظلال القرآن 4/ 1975- 1976.
2- التهامي نقرة: المرجع السابق ص 516- 517.
3- سورة يوسف: آية 17.

يجعلوه في غيابت الجب (1)، و لكنهم سرعان ما غيروا رأيهم حيث أشار يهوذا على أن يبيعوه للإسماعيليين، و لكن الأمور لم تسر كما يرغبون، و كما تقول التوراة «جاء رجال مديانيون تجار فسحبوا يوسف و أصعدوه من البئر، و باعوا يوسف للإسماعيليين بعشرين من الفضة، فأتوا بيوسف إلى مصر (2)»، و إلى هذا يشير القرآن الكريم في قوله تعالى وَ جاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ، قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ وَ أَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ، وَ شَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ، وَ كانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (3).

و هكذا هبط الصديق مصر، كرقيق اشتراه رئيس الشرطة المصري بثمن بخس دراهم معدودة، رأى بعض المفسرين أنها دون الأربعين، على أساس أنها معدودة لا موزونة، و إنما يعدّ القليل، و يوزن الكثير، و كانت العرب تزن ما بلغ الأوقية، و هي أربعون درهما مما فوقها، و تعدّ ما دونها، و لهذا يعبرون عن القليلة بالمعدودة، و ذهب ابن عباس و ابن مسعود و غيرهما إلى أنهم باعوه بعشرين درهما، بينما ذهب فريق ثالث إلى أنهم باعوه بأربعين درهما (4)، و أيا ما كان الأمر، فقد كانت هذه نهاية المحنة الأولى في حياة النبي الكريم.

ص: 46


1- ذهب بعض المفسرين إلى أنها بئر بأرض الأردن أو هي بين مصر و مدين أو هي على مبعدة ثلاثة فراسخ من منازل يعقوب في كنعان، و هو الأرجح، أو هي بئر المقدس، غير أن التقاط السيارة له و مجيئهم أباهم عشاء يبكون ذلك اليوم، يضعف هذا الإتجاه (تفسير أبي السعود 4/ 258، تفسير النسف 2/ 214).
2- تكوين 37/ 18- 28.
3- سورة يوسف: آية 19- 20.
4- تفسير الطبري 16/ 13- 16، تفسير القرطبي 9/ 155- 157، تفسير المنار 2/ 281، تفسير ابن كثير 4/ 305، تفسير روح المعاني 12/ 204- 205، تفسير أبي السعود 4/ 261، تفسير الخازن 3/ 271، تفسير النسفى 2/ 215، مؤتمر تفسير سورة يوسف 1/ 421- 427، المقدسي: البدء و التأريخ 3/ 68.

بقيت الإشارة إلى أن هناك فريقا من المفسرين ذهب إلى أن أخوة يوسف كانوا أنبياء، و استدلوا على ذلك بأنهم الأسباط المذكورون في آية آل عمران (84) قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ ما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَ ما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْباطِ، و الصحيح أن الأسباط ليسوا أولاد يعقوب، و إنما هم القبائل من ذرية يعقوب، كما نبه عليه المحققون (1)، هذا و قد جاء في المصباح المنير: السبط ولد الولد، و الجمع أسباط، مثل حمل و أحمال، و السبط: الفريق من اليهود، يقال للعرب قبائل، و لليهود أسباط، و من هنا ذهب المفسرون المسلمون إلى أن الأسباط هم بنو يعقوب، كانوا اثنى عشر رجلا، كل واحد منهم ولد سبطا، أمة من الناس، فسموا أسباطا، هذا و قد بعث اللّه منهم عدة رسل، غير أنه لم يصح أن أخوة يوسف بالذات كانوا أنبياء، إذ لو كانوا كذلك لما أقدموا عليه من الأفعال الشنيعة، فالحسد و السعي بالفساد، و الإقدام على القتل، و الكذب، و إلقاء يوسف في الجب، كل ذلك من الكبائر التي تتنافى في عصمة الأنبياء، فالقول بأنهم أنبياء، مع هذه الجرائم، لا يقبله عقل حصيف (2)، و يقول ابن كثير: و ظاهر ما ذكرنا من فعالهم و مقالهم في هذه القصة يدل على أنهم غير أنبياء، و من استدل بنبوتهم بآية آل عمران (84) و زعم أن هؤلاء هم الأسباط فليس استدلال بقوى، لأن المراد بالأسباط شعوب بني إسرائيل و ما كان يوجد فيهم من الأنبياء ينزل عليهم الوحي من السماء، و مما يؤيد أن يوسف عليه السلام هو المختص من

ص: 47


1- يذهب البعض إلى أن الأسباط كانوا من بني إسماعيل الذين أرسل اللّه إليهم رسلا، لم يذكروا أسماءهم و لا أممهم، و بخاصة من بني قحطان، كقوم تبع و أصحاب الرس و سبأ (انظر صابر طيحة: بنو إسرائيل في ميزان القرآن- بيروت 1975 ص 181- 196).
2- محمد علي الصابوني: صفوة التفاسير 2/ 45- 46 (بيروت 1981)، تفسير الطبري 2/ 121، 3/ 111، 113، 6/ 569، تفسير الكشاف 1/ 195، تفسير روح المعاني 16/ 6، في ظلال القرآن 4/ 1973، محمد بيومي مهران: إسرائيل 1/ 150.

بين إخوته بالرسالة و النبوة أنه لم ينص على واحد من إخوته سواه، فدل على ما ذكرناه (1).

[2] يوسف و امرأة العزيز:-

اشترى عزيز مصر يوسف من تجار الرقيق، ثم ذهب به إلى بيته و قال لامرأته «اكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا (2)»، ذلك لأن الرجل إنما توسم في الصديق خيرا، و الخير يتوسم في الوجوه الصباح، و خاصة حين تصاحبها السجايا الملاح، فإذا هو يوصي به امرأته خيرا، و هكذا بدأ الصديق مرحلة جديدة في حياته في قصر عزيز مصر الذي اشتراه، و هو طبقا للرواية العربية، الوزير بمصر، و كان اسمه، فيما يروى عن ابن عباس، «قطفير» و كان على خزائن مصر، و كان الملك يومئذ «الريان بن الوليد» رجل من العماليق، و اسم امرأته راعيل أو زليخا (3).

على أن العجيب من الأمر أن تصف التوراة عزيز مصر بأنه «خصى فرعون رئيس الشرطة» (4)، و لست أدري كيف دار في خلد كاتب نص التوراة هذا، بأن رئيس الشرطة المصري كان خصيا، و من عجب أن هذه الأكاذيب قد انتقلت إلى بعض كتب التفسير، و إن رفضتها جمهرة المفسرين (5)، و كأن

ص: 48


1- ابن كثير: البداية و النهاية 1/ 198- 199.
2- سورة يوسف: آية 21: و روى ابن كثير في تفسيره عن عبد اللّه بن مسعود قال: أفرس الناس ثلاثة: عزيز مصر، حين قال لامرأته «أكرمي مثواه» و المرأة التي قالت لأبيها عن موسى «يا أبت استأجره»، و أبو بكر الصديق حين استخلف عمر بن الخطاب رضي اللّه عنهما (مختصر تفسير ابن كثير 2/ 245).
3- مختصر تفسير ابن كثير 2/ 244.
4- تكوين 29/ 1.
5- تفسير الطبري 16/ 19، تفسير القرطبي ص 3389، تفسير أبي السعود 4/ 286، تفسير الخازن 3/ 293، و انظر: تفسير البيضاوي 1/ 491، تفسير المنار 12/ 272، تفسير روح المعاني 12/ 207، مؤتمر تفسير سورة يوسف 1/ 434، 503- 504، 1/ 525- 526.

الرجل لم يكن شافعا له، في نظر كتبة التوراة و من لفّ لفّهم، في دحض هذه الغيرة، أنه كان زوج أجمل سيدة في مجتمع الهكسوس، و لكن ما الحيلة و صاحب سفر التكوين من التوراة إنما يرى أن حاشية القصر كانت كلها من الخصيان، حتى لنجده كذلك يصف رئيس سقاة الملك و رئيس خبازية بأنهما من الخصيان (1).

غير أن الصديق، عليه السلام، إنما تعرض في أخريات أيامه في قصر العزيز إلى امتحان رهيب، بدأت به المحنة الثانية في حياته، و هي أشد من المحنة الأولى، تجيئه و قد أوتي صحة الحكم، و أوتي العلم، ليواجهها و ينجو منها جزاء إحسانه الذي سجله اللّه تعالى في قرآنه، و ذلك حين راودته امرأة العزيز عن نفسه، لأنها افتتنت بحسنه فأحبته، و ليس لها ما يردعها من خوف زوجها عن خيانته، لأنها تملك قيادة كما يشاء هواها، شأن ربات القصور المترفات اللائي أفسدت طباعهن الحرية و الفراغ، و كادت له لما رفض أن يستجيب، لأن لها من نفاذ الكلمة و من السلطان على زوجها ما مكنها من الانتقام، رغم ما عرف زوجها من آيات صدقه (2). و إلى هذا يشير القرآن الكريم في قوله تعالى وَ راوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ، وَ غَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَ قالَتْ هَيْتَ لَكَ، قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ، وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها، لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَ الْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ (3)، و يقول الأستاذ سيد قطب (4)، طيب اللّه ثراه، إن هذه الدعوة السافرة الجاهرة من امرأة العزيز، لا تكون ).

ص: 49


1- تكوين 40/ 2.
2- التهامى نفرة: المرجع السابق ص 512.
3- سورة يوسف: آية 23- 24، و انظر: تفسير الطبري 16/ 24- 50، تفسير ابن كثير 4/ 306- 309، تفسير المنار 12/ 227- 235، تفسير القرطبي ص 3391- 3399.
4- في ظلال القرآن 4/ 1980- 1981 (بيروت 1982).

أول دعوة من المرأة، إنما تكون هي الدعوة الأخيرة، و قد لا تكون أبدا، إذا لم تضطر إليها المرأة اضطرارا، و الفتى يعيش معها و قوته و فتوته تتكامل، و أنوثتها هي تكمل و تنضج، فلا بد كانت هناك إغراءات شتى خفيفة لطيفة، قبل هذه المفاجأة العنيفة الغليظة، «قال معاذ اللّه إنه ربي أحسن مثواي، إنه لا يفلح الظالمون»، و النص هنا صريح و قاطع في أن رد يوسف المباشر على المراودة السافرة كان هو التأبي، المصحوب بتذكير نعمة اللّه عليه، و تذكر حدوده و جزاء من يتجاوز هذه الحدود، فلم تكن هناك استجابة في أول الموقف لما دعته إليه دعوة غليظة جاهرة بعد تغليق الأبواب، و بعد الهتاف باللفظ الصريح الذي يتجمل القرآن في حكايته و روايته و قالت: هيت لك.

هذا و قد حصر المفسرون القدامى منهم و المحدثون نظرهم في الواقعة الأخيرة «و لقد همّت به و همّ بها لو لا أن رأى برهان ربه»، فأما الذين ساروا وراء الإسرائليات فقد رووا أساطير كثيرة يصورون فيها يوسف هائج الغريزة و مندفعا شبقا، و اللّه يدافعه ببراهين كثيرة فلا يندفع، صورت له هيئة أبيه يعقوب في سقف المخدع عاضا على إصبعه بفمه، و صورت له لوحات كتبت عليها آيات من القرآن (نعم القرآن) تنهى عن مثل هذا المنكر، و هو لا يرعوى، حتى أرسل اللّه جبريل يقول له: أدرك عبدي، فجاء فضربه على صدره، إلى آخر هذه التصورات الأسطورية التي سار وراءها بعض الرواة، و هي واضحة التلفيق و الاختراع (1).

على أن جمهور المفسرين إنما ساروا على أنها همّت به همّ الفعل، و همّ بها همّ النفس، ثم تجلى له برهان ربه فتركه، و أنكر صاحب تفسير

ص: 50


1- في ظلال القرآن 4/ 1981 ثم انظر: تفسير النسفى 2/ 217، تفسير الطبري 16/ 33- 48 تفسير ابن كثير 4/ 308- 309 تفسير القرطبي ص 3391- 3398، تاريخ الطبري 1/ 337- 338، الكامل لابن الأثير 1/ 80- 81، و من عجب أن التوراة لم تذكر شيئا مما ذكره المفسرون من هذه الروايات، كما جاءت قصة المراودة في سفر التكوين 39/ 7- 20.

المنار على الجمهور هذا الرأي، و يقول الإمام الفخر الرازي: الهم خطور الشي ء بالبال أو ميل الطبع، كالصائم يرى في الصيف الماء البارد، فتحمله نفسه على الميل إليه و طلب شربه، و لكن يمنعه دينه عنه، و قال أبو حيان في البحر: نسب بعضهم ليوسف ما لا يجوز نسبته لآحاد الفساق و الذي اختاره أن يوسف عليه السلام لم يقع منه همّ البتة، بل هو منفي لوجود رؤية البرهان، و قال أبو السعود: إن همّه إليها بمعنى ميله إليها بمقتضى الطبيعة البشرية، ميلا جليا، لأنه قصدها قصدا اختياريا، الا يرى إلى ما سبق من استعصامه المنبئ عن كمال كراهيته له و نفرته منه، و حكمه بعدم إفلاح الظالمين، و هل هو إلا تسجيل باستحالة صدور الهمّ منه تسجيلا محكما، و ما قيل: إنه حلّ الهميان، و جلس مجلس الختان، فإنما هي خرافات و أباطيل تمجّها الأذان، و تردها العقول و الأذهان (1).

هذا و قد ذهب صاحب تفسير المنار (2) إلى أنها همت بضربه نتيجة إبائه و إهانته لها، و هي السيدة الآمرة، و همّ هو برد الاعتداء، و لكنه آثر الهرب فلحقت به وقدت قميصه من دبر، على أن تفسير الهمّ، فيما يرى صاحب الظلال (3)، بأنه همّ الضرب ورد الضرب مسألة لا دليل عليها في العبارة، فهم مجرد رأى لمحاولة البعد بيوسف عن همّ الفعل أو همّ الميل إليه في تلك الواقعة، و فيه تكلف و إبعاد عن مدلول النص، ثم يرى في قوله تعالى وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ نهاية موقف طويل من الإغراء، بعد ما أبى يوسف في أول الأمر و استعصم، و هو تصوير واقعي صادق لحالة النفس البشرية الصالحة في المقاومة و الضعف، ثم الاعتصام باللّه في النهاية ).

ص: 51


1- تفسير الفخر الرازي 18/ 119، تفسير البحر المحيط 5/ 295، تفسير أبي السعود 2/ 63، تفسير المنار 12/ 231- 136.
2- تفسير المنار 12/ 229- 231.
3- في ظلال القرآن 4/ 1981- 1982 (بيروت 1982).

و النجاة، و لكن السياق القرآني لم يفصل في تلك المشاعر البشرية المتداخلة المتعارضة المتغالبة، لأن المنهج القرآني لا يريد أن يجعل من تلك اللحظة معرضا يستغرق أكثر من مساحته المناسبة في محيط القصة، و في محيط الحياة البشرية الكاملة كذلك، فذكر طرفي الموقف بين الاعتصام في أوله و الاعتصام في نهايته، مع الإلمام بلحظة الضعف بينهما، ليكتمل الصدق و الواقعية و الجو النظيف جميعا، ثم يرى صاحب الظلال بعد ذلك أن ذلك أقرب إلى الطبيعة البشرية و إلى العصمة النبوية، و ما كان يوسف سوى بشر، نعم إنه بشر ممتاز، و من ثم لم يتجاوز همه الميل النفسي في لحظة من اللحظات، فلما رأى برهان ربه الذي نبض في ضميره و قلبه، بعد لحظة الضعف الطارئة عاد إلى الاعتصام و التأبي.

و لعل هذا قريبا مما ذهب إليه الزمخشري في الكشاف حيث يقول:

فإن قلت: كيف جاز على نبي اللّه أن يكون منه همّ بالمعصية و قصد إليها، قلت (أي الزمخشري) المراد أن نفسه مالت إلى المخالطة، و نازعت إليها عن شهوة الشباب و قرمه ميلا يشبه الهمّ به و القصد إليه، و كما تقتضيه صورة تلك الحال التي تكاد تذهب بالعقول و العزائم، و هو يسر ما به و يرده بالنظر في برهان اللّه المأخوذ على المكلفين من وجوب اجتناب المحارم، و لو لم يكن ذلك الميل الشديد المسمى همّا لشدته، لما كان صاحبه ممدوحا عند اللّه بالامتناع، لأن استعظام الصبر على الابتلاء على حسب عظيم الابتلاء و شدته.

و أيا ما كان الأمر، فلقد آثر الصديق التخلص بعد أن استفاق، و هي عدت خلفه لتمسك به، و هي ما تزال في هياجها الحيواني وَ اسْتَبَقَا الْبابَ وَ قَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَ أَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ، قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَ شَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها، إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَ هُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ، وَ إِنْ كانَ

ص: 52

قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَ هُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ، فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ، قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ، يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا، وَ اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ (1).

هذا و قد اختلف المفسرون في هذا الشاهد، قيل هو ابن عم امرأة العزيز، و كان جالسا مع زوجها لدى الباب، و قيل كان حكيما يرجع إليه الملك و يستشيره، و ربما كان بعض أهلها قد بصر بها من حيث لا تشعر فأغضبه اللّه تعالى لنبيه بالشهادة له و القيام بالحق، و إنما ألقى اللّه الشهادة إلى من هو من أهلها ليكون أدل على نزاهته و أنفى للتهمة (2)، قال أبو حيان في البحر: و كونه من أهلها أوجب للحجة عليها، و أوثق لبراءة يوسف، و أنفى للتهمة (3)، و ذهب جماعة من علماء السلف، على رأسهم ابن عباس و الحسن البصري و سعيد بن جبير و الضحاك، أنه كان صبيا في الدار، و اختاره ابن جرير، و فيه حديث مرفوع رواه ابن جرير عن ابن عباس عن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «تكلم أربعة و هم صغار» فذكر فيهم شاهد يوسف، و رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: «تكلم أربعة و هم صغار، ابن ماشطة بنت فرعون، و شاهد يوسف، و صاحب جريح، و عيسى بن مريم»، و رواه الحاكم عن أبي هريرة (4)، و هكذا ظهرت براءة يوسف عليه السلام للعزيز، فقال له «يوسف أعرض عن هذا» أي لا تذكره لأحد، لأن كتمان مثل هذه الأمور، كما يقول ابن كثير، هو الأليق و الأحسن، و أمرها هي بالاستغفار لذنبها الذي صدر منها، و التوبة إلى ربها، فإن العبد إذا تاب إلى اللّه تاب

ص: 53


1- سورة يوسف: آية 25- 29.
2- تفسير أبي السعود 4/ 268.
3- تفسير البحر المحيط 5/ 297.
4- مختصر تفسير ابن كثير 2/ 247، و انظر: تفسير الطبري 12/ 193، تفسير النسفي 2/ 218، تفسير أبي السعود 4/ 268.

اللّه عليه، و أهل مصر، و إن كانوا يعبدون الأصنام، إلا أنهم يعلمون أن الذي يغفر الذنوب و يؤاخذ بها، هو اللّه وحده لا شريك له في ذلك (1).

غير أن أنباء الفضيحة سرعان ما تترامى إلى الناس، و طفق النساء خاصة يتحدثن بسقطة امرأة العزيز، و يتناقلنها بينهن، و أنها شغفت حبا بفتاها و خادمها، و كيف خرجت على طبع أنوثتها في إدلالها و تمنعها، و نزلت عن كبريائها و سلطانها (2)، وَ قالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (3)، و في ذلك إشباع في اللوم، فإن من لا زوج لها من النساء، أو لها زوج دني ء، قد تعذر في مراودة الأخدان، لا سيما إذا كان فيهم علو الجانب، و أما التي لها زوج، و أي زوج، إنه عزيز مصر، فمراودتها لغيره، لا سيما لعبدها الذي لا كفاءة بينها و بينه أصلا، و تماديها في ذلك، إنما هو غاية الغي و نهاية الضلال (4)، فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَ أَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً، وَ آتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَ قالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ، فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَ قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً، إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (5).

هذا و تشير الآية الكريمة إلى أن امرأة العزيز إنما أرادت أن ترد على النساء اللواتي أطلقن ألسنتهن فيها بمكر يوقعهن فيما وقعت فيه من طريق ثغرة الضعف الغريزي الشهوي الذي تعرفه فيهن من معرفتها لنفسها، و من ثم فقد أقامت لهن مأدبة في قصرها، و بدهي أنهن كن من نساء الطبقة الراقية اللواتي يهمها أمرهن، و هن اللواتي يدعين إلى الموائد في القصور، و يؤخذ

ص: 54


1- ابن كثير: البداية و النهاية 1/ 204.
2- التهامي نقرة: المرجع السابق ص 512.
3- سورة يوسف: آية 30.
4- تفسير أبي السعود 4/ 270.
5- سورة يوسف: آية 31.

بهذه الوسائل الناعمة المظهر، و أنهن كن يأكلن و هن متكئات على الوسائد و الحشايا، فأعدت لهن هذا المتكأ، و آتت كل واحدة منهن سكينا تستعملها في الطعام، و يؤخذ من هذا أن الحضارة في مصر كانت قد بلغت شأوا بعيدا، و أن الترف في القصور كان عظيما، فإن استعمال السكاكين في الأكل قبل هذه الآلف من السنين له قيمة في تصوير الترف و الحضارة المصرية بين حكام مصر من الهكسوس، و هم خليط من شعوب شتى، فما بالك بالمصريين أنفسهم، و هم أرفع شأنا، و أكثر تمدنا، و أرقى حضارة من كل شعوب الشرق القديم، و على أية حال، فبينما النساء منشغلات بتقطيع اللحم أو تقشير الفاكهة، فاجأتهن بيوسف، فلما رأينه أكبرنه و جرحن أيديهن بالسكاكين للدهشة، «و قلن حاشا للّه، ما هذا بشر إن هذا إلا ملك كريم»، و هذه التعبيرات، فيما يرى صاحب الظلال (1)، دليل على تسرب شي ء من ديانات التوحيد في ذلك الزمان، و هنا أدركت امرأة العزيز أن هؤلاء النسوة يقفن معها على أرض واحدة، حيث تبدو فيها الأنثى متجردة من كل تجمل المرأة و حيائها، فإذا بها تقول قول المرأة المنتصرة، و التي تفخر عليهن بأن هذا في متناول يدها، و إن كان قد استعصى قياده مرة، فهي تملك هذه القيادة مرة أخرى قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ، وَ لَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ، وَ لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَ لَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ، قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ، وَ إِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَ أَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ، فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (2).

و هكذا تحولت الأمور إلى صراع بين المرأة و الفتى، و دخلت كما يقال في دور من العناد و المفاعلة غريب، هي بتهالكها الذي انكشف عن تحجج

ص: 55


1- في ظلال القرآن 4/ 1953، 1984- 1985.
2- سورة يوسف: آية 32- 34.

سافر، و كبر خائر، و هو بإصراره الذي لا سبيل له إلا إلى المضي فيما بدا و أعلن للناس، و لكنه مع ذلك لم ينج منهم و من كيد نسائهم، و تحالفت عليه قوى البغي، فكان لهن من السلطان على أزواجهن ما حجب الحق الأبلج، و أساء إلى الخلق المتين (1)، ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (2).

و ليس هناك من سبيل إلى شك في أن هذه إنما تقدم لنا صورة لمجتمع فاسد آثم، تصور ما كان عليه مجتمع الدخلاء من حكام الهكسوس المغتصبين في مصر من فساد و انحلال، و لو لم يكن لدينا عن مصر في ذلك الزمان سوى تلك القصة، لاتخذناها وحدها دليلا على مجتمع يسوده الأجانب و الغرباء، و لنفيناها عن المصريين و نسبناها إلى المجتمع الأجنبي مطمئنين، لأنها إنما تخالف عن طبيعة الأشياء في مصر، و تخرج عن سليقة المصري بما ركب فيه من الأنفة و الحمية و الكرامة و الكبرياء، و لو نظرنا إلى بعض قصص التوراة، لوجدنا قصتنا هذه أشبه بقصص التوراة و أدنى إلى مجتمعها (3)، على حين تنبو عن مجتمع المصريين الأصيل، و تخالف تقاليدهم و أذواقهم، خلافا يفوق كل خلاف (4).

[3] يوسف في السجن:-

تمثل هذه الفترة في حياة الصديق المحنة الثالثة و الأخيرة، فكل ما بعدها رخاء، و ابتلاء لصبره على الرخاء، بعد ابتلاء صبره على الشدة، و المحنة في هذه الحلقة هي محنة السجن بعد ظهور البراءة، و السجن للبري ء المظلوم أقسى، و إن كان في طمأنينة القلب بالبراءة تعزية

ص: 56


1- أحمد عبد الحميد يوسف: مصر في القرآن و السنة- القاهرة 1973 ص 45.
2- سورة يوسف: آية 35.
3- انظر عن مجتمع قصص التوراة (محمد بيومي مهران: إسرائيل 3/ 162- 218).
4- أحمد عبد الحميد يوسف: المرجع السابق ص 45- 46.

و سلوى (1)، ذلك أن القوم من الهكسوس سرعان ما قذفوا بالصديق إلى السجن، رغم ما رأوا من آيات براءته، كقد القميص و قطع الأيدي و شهادة الصبي و غير ذلك، مدة لم يحددوا زمنها، لأن الهدف من ذلك إنما كان أن ينسى الناس قصته مع امرأة العزيز، هذه القصة التي لاكتها الألسن بين أوساط الناس.

و مع ذلك، فإن الصديق عليه السلام، إنما يتقبل السجن صابرا محتسبا، و رغم أنه كان في سجنه غريبا وحيدا بيد أنه كان دائما يسبح لمن أحيا الفؤاد بنوره، فإذا به يستشعر رحابة في وجدانه وسعت الكون كله، و سمت روحه لتتصل بروح الوجود، و إذا به يأنس بربه، و يحس تعاطفا مع كل من حوله و ما حوله، و إذا بقلبه ينفتح للبشرية جمعاء، حتى الذين ظلموه لم يحقد عليهم، كانت إرادته أن يتقي اللّه حق تقاته، و نيته أن يخلص للّه، و عزمه أن يصل حبله بحبل اللّه، و قصده أن يهب نفسه للّه، و أن يسير في سبيل اللّه فجزاه اللّه الجزاء الأوفى، فعلمه من علمه، و اللّه بكل شي ء عليم (2).

و كان ملك مصر من الهكسوس الغزاة قد أدخل معه صاحب طعامه و صاحب شرابه بعد أن اتهمهما بأنهما تآمرا عليه و دسا له السم في الطعام، فراح الصديق يدعوهما إلى اللّه و يذهب عنهما حزنهما، و يبذل لهما ما وسعه البذل لتطمئن نفوسهما، و يرى السجناء في مسلكه الطاهر ما يجذبهم إليه، فيطلبون إليه تفسير الرؤيا و تأويل الأحلام (3)، و يكاد القرآن الكريم و العهد

ص: 57


1- في ظلال القرآن 4/ 1987.
2- عبد الحميد جودة السحار: بنو إسماعيل- القاهرة 1966 ص 56- 58.
3- هناك بحوث كثيرة لعلماء النفس في الأحلام، فمن قائل إنها صورة من اللاشعور النهائي، أو هي صورة من الرغبات المكبوتة تتنفس بها الأحلام في غياب الوعي، و من قائل إنها تعويضية، و من قائل إنها تقوم بوظيفة لإعداد الحياة، إذ أن الأمر كله لا يعدو أن القوم يحلمون، لأنهم يلتمسون في الحلم حلولا لا يسيرون عليها في نشاطهم المقبل (إسحاق رمزي: علم النفس الفردي- القاهرة 1919 ص 132- 134، التهامي نقرة: المرجع السابق ص 518، في ظلال القرآن 4/ 1972)، و يذهب ابن خلدون في المقدمة (ص 180) أن النفس إذا خفت عنها شواغل الحس و موانعه بالنوم، تتعرض إلى معرفة ما تتشوق إليه في عالم الحق، فقدرك في بعض الأحيان منه لمحة يكون فيها الظفر المطلوب، و لذلك جعل اللّه الرؤيا من المبشرات. و روى عن أبو هريرة عن النبي صلى اللّه عليه و سلم أنه قال «لم يبق من النبوة إلا المبشرات، قيل و ما المبشرات يا رسول اللّه؟ قال: الرؤيا الصالحة» (صحيح البخاري 9/ 40- القاهرة 1378) و في تفسير النسفي 2/ 169 روى عنه صلى اللّه عليه و سلم) عن البشرى «هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له»، و عنه صلى اللّه عليه و سلم «ذهبت النبوة و بقيت المبشرات، و الرؤيا الصالحة جزء من ستة و أربعين جزءا من النبوة» (تفسير النسفي 2/ 169)، و يرى الإمام الغزالي أن أدلة العقل وحدها لا تكفي لنبوة نبي، و يقول: إنما نعرف النبي أو العارف الذي يتلقى علمه من اللّه بأمر آخر، فإن اللّه أعطانا نموذجا من خصائص النبوة نشاهده في نفوسنا، و يعني بذلك ما يراه النائم من أسرار الغيب (الغزالي: المنقذ من الضلال- القاهرة 1308 ه ص 24- 26)، و يذهب صاحب الظلال (4/ 1972) إلى أننا ملزمون بالاعتقاد بأن بعض الرؤى تحمل نبوءات عن المستقبل القريب أو البعيد، ملزمون بهذا أولا من ناحية ما ورد في هذه السورة من وقوع مصداق رؤيا يوسف، و رؤيا صاحبه في السجن و رؤيا ملك مصر، و ثانيا ما نراه في حياتنا من تحقيق رؤيا تنبئية في حالات متكررة بشكل يصعب نفي وجوده لأنه موجود بالفعل.

القديم يتشابهون في عرضهما للأمر، و إن استغرقت التوراة كثيرا في رؤيا السجينين (1).

على أن القرآن الكريم إنما ينفرد وحده بذكر دعوة يوسف عليه السلام، و هو في السجن، إلى توحيد اللّه، و بث العقيدة الصحيحة، و يظهر جليا في هذه الدعوة لطف مدخله إلى النفوس، و سيره خطوة خطوة في رفق و تؤده (2)، لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي (3)، و كأنه أراد إخبارهما بمعجزاته توطئه لدعائهما إلى الإيمان، قال

ص: 58


1- سورة يوسف: آية 36- 37- 41، تكوين 40/ 1- 22.
2- التهامي نقرة: المرجع السابق ص 535.
3- سورة يوسف: آية 37.

الإمام البيضاوي: أراد أن يدعوهما إلى التوحيد و يرشدهما إلى الدين القويم قبل أن يسعفهما إلى ما سألاه عنه، كما هي طريقة الأنبياء في الهداية و الإرشاد، فقدم ما يكون معجزة له من الأخبار بالغيب لدلهما على صدقه في الدعوة و التعبير (1).

ثم يتوغل في قلوبهما أكثر، و يفصح عن دعوته، و يكشف عن فساد اعتقادهما، و اعتقاد قومهما بعد ذلك التمهيد الطويل (2)، إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ، وَ اتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ، ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْ ءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَ عَلَى النَّاسِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ، يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ، ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ، إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ، وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (3)، و هي صورة للإسلام واضحة كاملة دقيقة شاملة، كما جاء بها رسل اللّه جميعا، من ناحية أصول العقيدة تحتوي، الإيمان باللّه و بالآخرة، و توحيد اللّه و عدم الإشراك به أصلا، و معرفة اللّه تعالى بصفاته الواحد القهار، و الحكم بعدم وجود حقيقة و لا سلطان لغيره أصلا، و من ثم نفي الأرقاب التي تتحكم في رقاب العباد، و إعلان السلطان و الحكم للّه وحده، ما دام أن اللّه أمر ألا يعبد الناس غيره، و مزاولة السلطان و الحكم و الربوبية هي تعبيد للناس مخالف للأمر بعبادة اللّه وحده، و حديد معنى «العبادة» بأنها الخضوع للسلطان و الحكم و الإذعان للربوبية، و تعريف الدين القيم بأنه إفراد اللّه سبحانه و تعالى بالعبادة، أي إفراده بالحكم، فهما مترادفان أو متلازمان «إن الحكم إلا للّه أمر ألا تعبدوا

ص: 59


1- تفسير البيضاوي 2/ 264.
2- محمد رجب البيومي: البيان القرآني- القاهرة 1971 ص 225.
3- سورة يوسف: آية 37- 40.

إلا إياه ذلك الدين القيم»، و هذه هي أوضح صورة للإسلام و أكملها و أدقها و أشملها (1).

و هكذا يبلغ الصديق عليه السلام، أقصى الغاية من الدرس الذي ألقاه، مرتبطا في مطلعه بالأمر الذي يشغل بال صاحبيه في السجن، و من ثم فهو يؤول لهما الرؤيا في نهاية الدرس، ليزيدهما ثقة في قوله كله و تعلقا به يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً، وَ أَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ (2).

و الصديق، مع هذا كله، بشر، فيه ضعف البشر، فهو يتطلب الخلاص من سجنه، بمحاولة إيصال خبره إلى الملك، لعله يكشف المؤامرة الظالمة التي جاءت به إلى السجن، و إن كان اللّه تعالى شاء أن يعلمه أن يقطع الرجاء إلا منه وحده، وَ قالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (3)، و البضع ما بين الثلاث إلى التسع، و في الحديث «رحم اللّه أخي يوسف لو لم يقل أذكرني عند ربك لما لبث في السجن سبعا» (4)، و الاستعانة بالعباد، و إن كانت مرخصة، لكن اللائق بالأنبياء الأخذ بالعزائم (5)، و جاء في تفسير القرطبي أن جبريل جاء إلى يوسف و هو في السجن معاتبا فقال له: يا يوسف من خلصك من القتل من أيدي إخوتك، قال اللّه تعالى، قال فمن أخرجك من الجب، قال اللّه تعالى، قال فمن عصمك من الفاحشة، قال اللّه تعالى، قال فمن صرف عنك كيد النساء، قال اللّه تعالى، قال: فكيف تركت ربك فلم تسأله

ص: 60


1- في ظلال القرآن 4/ 1960.
2- سورة يوسف: آية 41.
3- سورة يوسف: آية 42.
4- تفسير النسفي 2/ 223.
5- تفسير أبي السعود 4/ 280، تفسير الخازن 3/ 285- 286.

و وثقت بمخلوق، قال يا رب كلمة زلت مني، أسألك يا إله إبراهيم و إله الشيخ يعقوب عليهم السلام: أن ترحمني، قال جبريل: فإن عقوبتك أن تلبث في السجن بضع سنين (1).

و جاءت ساعة الذكرى عند ما رأى الملك حلما غريبا لا يقدر تفسيره أحد، فتذكر السجين السالف براعة يوسف، و يشير به، ثم ينهض إلى استفتائه فينطوي بالتأويل الصريح (2)، و إلى هذا يشير القرآن الكريم في قوله تعالى: وَ قالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ، وَ سَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَ أُخَرَ يابِساتٍ، يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ، قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَ ما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ، وَ قالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَ ادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ، يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَ سَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَ أُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ، قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ، ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَ فِيهِ يَعْصِرُونَ (3)، قال الإمام الزمخشري: تأول عليه السلام البقرات السمان و السنبلات الخضر بسنين مخاصيب، و العجاف اليابسات بسنين مجدية، ثم بشرهم بأن العام الثامن يجي ء مباركا خصيبا، كثير الخير، غزير النعم، و ذلك من جهة الوحي (4)، لأن هذا العام الرخاء لا يقابله رمز في رؤيا الملك، فهو إذن من العلم اللدني الذي علمه اللّه يوسف، فبشر به الساقي ليبشر به الملك و الناس بالخلاص من الجدب و الجوع بعام رخي رغيد.

ص: 61


1- تفسير القرطبي 9/ 196.
2- محمد رجب البيومي: المرجع السابق ص 225.
3- سورة يوسف: آية 43- 49.
4- تفسير الكشاف 2/ 477.

و لعل من الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى أنه قد مرت بنا رؤى ثلاث، رؤيا يوسف، و رؤيا صاحب السجن، و رؤيا الملك، و طلب تأويلها في كل مرة، و الاهتمام بها يعطينا صورة من جو العصر كله في مصر و في خارج مصر، و أن الهبة التي وهبها يوسف كانت من روح العصر وجوه، على ما نعهد في معجزات الأنبياء، فهل كانت هذه هي معجزة يوسف عليه السلام (1)؟ ربما كان الأمر كذلك.

و على أي حال، فلقد طلب الملك أن يأتوا بيوسف من السجن، غير أن الصديق إنما يرفض أن يغادر سجنه حتى تظهر براءته للناس جميعا، مما ألصق به من تهمة هو منها براء، قال السدي، قال ابن عباس: لو خرج يوسف يومئذ قبل أن يعلم الملك بشأنه ما زالت في نفس العزيز منه حاجة يقول:

هذا الذي راود امرأتي، فلما رجع الرسول إلى الملك من عند يوسف جمع الملك أولئك النسوة (2) فقال لهن: ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ، قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَ أَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ، وَ ما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (3).

و هكذا تثبت الأحداث السابقة جميعا عصمة النّبي الكريم سيدنا يوسف عليه السلام و براءته من تلك التهمة التي نسبها إليه من لا يعرف قدر النبوة و لا عظمة الرسالة و لا صفات الأنبياء الكرام البررة، فضلا عن أن يوسف نبيّ وجد أبيه نبيّ، فهو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، هذا و قد قدم لنا الأستاذ الصابوني وجوها عشرة على عصمة يوسف و براءته،

ص: 62


1- في ظلال القرآن 4/ 1993- 1994.
2- تاريخ الطبري 1/ 346.
3- سورة يوسف: آية 51- 53.

منها (أولا) امتناعه عن مطاوعة امرأة العزيز و وقوفه في وجهها بكل صلابة و عزم «قال معاذ اللّه إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون» و منها (ثانيا) فراره من امرأة العزيز بعد أن حاصرته و ضيقت عليه الخناق و أرادته على نفسها بالغصب و الإكراه، و لو كان يوسف قد همّ بالفاحشة لما فر منها، لأن الذي يريد ذلك يقدم و لا يفر «و استبقا الباب و قدت قميصه من دبر» الآية، و منها (ثالثا) شهادة بعض أقرباء المرأة ببراءة يوسف حيث أشار بفحص ثوبه فإن كان طالبا و هي الممتنعة فإن ثوبه سيشق من أمام، و إن كانت هي الطالبة له و هو الممتنع فإن ثوبه سيشق من خلف، و هذا ما ثبت (الآيات 26- 29)، و منها (رابعا) تفضيله السجن على عمل الفاحشة (آية 33) و هذا من أعظم البراهين على براءته، ذلك لأنه لو طاوعها لما لبث في السجن بضع سنين بسبب تلك التهمة الظالمة، و منها (خامسا) ثناء اللّه تعالى عليه في مواطن عديدة من السورة، كما في الآيات (21، 22، 24) فلقد أخبر اللّه تعالى أنه من المحسنين و أنه من عباده المخلصين، و لن يكون ثناء اللّه تعالى إلا على من صفت نفسه، و طهرت سيرته من كل نية سوء، و كل عمل قبيح، فكان من الأطهار المقربين، كما أثنى عليه سيدنا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فقال صلى اللّه عليه و سلم: إن الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، و كفى بذلك شرفا و فضلا.

و منها (سادسا) اعتراف امرأة العزيز نفسها بعصمته و عفته أمام جمع من نسوة المدينة، كما في الآيات (31- 32) و منها (سابعا) ظهور أمارات براءة يوسف بكل الأدلة، كقد القميص و قطع النسوة أيديهن و شهادة الصبي، و مع ذلك فقد أقدم العزيز على سجنه إيهاما للناس، و سترا على زوجته (الآية 35)، و منها (ثامنا) استجابة اللّه تعالى لدعوة يوسف بأن يصرف عنه كيدهن، و لو كان راغبا في مطاوعة امرأة العزيز، لما طلب من اللّه أن يصرف عنه كيدهن (الآية 34)، و منها (تاسعا) عدم قبول يوسف الخروج من السجن

ص: 63

حتى تظهر براءته أمام الناس جميعا، (الآية 50) و منها (عاشرا) الاعتراف الواضح من النسوة و من امرأة العزيز ببراءة يوسف و عفته (الآيات 51- 53) (1).

ص: 64


1- محمد علي الصابوني: النبوة و الأنبياء ص 74- 78، صفوة التفاسير 2/ 53- 54، تفسير النسفي 2/ 221

الفصل الثّاني يوسف عزيز مصر

[1] يوسف العزيز:-

ظهرت براءة يوسف عليه السلام، كما رأينا، في الفصل السابق، و من ثم فقد خرج من السجن، و لقي الملك و تحدث إليه، فرأى فيه مخايل الأمانة، و حكمة التصرف و عزة النفس، و أمارات السيادة فقربه إليه، و رفع منزلته لديه، و هكذا تشاء إرادة اللّه أن يصبح الصديق على خزائن الأرض أمينا، بعد أن كان في زوايا الأرض سجينا، إذ ينال الحظوة عند ملك مصر من الهكسوس بعد أن قام بتفسير رؤياه تفسيرا يتفق و مقام النبوة، و يتنزه عن تفسيرات رجال البلاط و حكمائه من سدنة و كهان، فضلا عن براءته مما نسب إليه بشأن امرأة العزيز، و من ثم فقد قلده الملك ما يشبه وزارة التموين في عصرنا الحاضر (1)، و إن كانت التوراة تجعله أشبه برئيس الوزراء (2)، و هكذا قدّر للصديق عليه السلام أن يرتفع من رق العبودية إلى كرسي الوزارة (3)، و أن يتزوج، فيما تروي التوراة، من سيدة مصرية هي «أسنات

ص: 65


1- انظر: سورة يوسف: آية 54- 56، تكوين 41/ 1- 44.
2- تكوين 41/ 40- 44.
3- ربما كان الصديق، حدسا عن غير يقين، يشرف على ما كان يسمى في مصر القديمة، مصلحة الحقول و الخزانة، فأما مصلحة الحقول: فكان يتبعها الأراضي الزراعية على ضفاف النيل، فضلا عن تلك التي تقع على حافة الصحراء و المحيطة بالمقابر و الأهرامات الملكية، و أما مصلحة الخزانة، و كانت تسمى بيت المال الأبيض (برجج) و يتولى إدارتها، تحت إشراف الوزير، مدير البيت الأبيض المزدوج، و لها فروع من الأقاليم، كما كانت تنقسم إلى قسمين: بيت الذهب و بيت الشونة (أنظر: محمد بيومي مهران: الحضارة المصرية- الإسكندرية 1984 ص 129)، غير أن المؤكد أن يوسف كان يشغل منصب العزيز، كما وصف في القرآن (سورة يوسف: آية 78).

بنت فوطي فارع» كاهن أون (عين شمس)، و منها أنجب ولديه منسي و أفرايم (1)، و إن زوّجته المصادر العربية من امرأة العزيز التي راودته عن نفسه من قبل، و قد أسموها راعيل أو زليخا، بعد أن شغل منصب زوجها كذلك بسبب موته أو إعفائه من منصبه (2).

و لعل سائلا يتساءل: أ ليس في قول يوسف عليه السلام «اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم» أمران محظوران في الإسلام، أولهما:

طلب التولية و هو محظور بقول الرسول صلى اللّه عليه و سلم «إنا و اللّه لا نولي هذا العمل أحدا سأله أو حرص عليه» (متفق عليه)، و أنه صلى اللّه عليه و سلم قال لعبد الرحمن بن سمرة: يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة، فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها، و إن أوتيتها من غير مسألة أعنت عليها»، و ثانيهما: تزكية النفس، و هي محظورة بقوله تعالى: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ (3).

و قد ذهب بعض المفسرين إلى أن يوسف إنما طلب الولاية رغبة في العدل، و إقامة الحق و الإحسان، و ليس هو من باب التزكية للنفس، و إنما هو للإشعار بحنكته و درايته لاستلام وزارة المالية (4)، و ذهب أبو السعود

ص: 66


1- تكوين 41/ 45، 50- 52.
2- تفسير أبي السعود 4/ 286، تفسير النسفي 2/ 228، تفسير الخازن 3/ 293، تاريخ الطبري 1/ 347، تاريخ ابن خلدون 2/ 45، الكامل في التاريخ لابن الأثير 1/ 83، البداية و النهاية لابن كثير 1/ 210.
3- في ظلال القرآن 4/ 2006، تفسير الخازن 3/ 292.
4- صفوة التفاسير 2/ 57.

في تفسيره (1) إلى أنه قال «اجعلني على خزائن الأرض» أي أرض مصر (2) و ولني أمرها من الإيراد و الصرف، إني حفيظ لهما ممن لا يستحقهما، عليم بوجود التصرف فيهما، و فيه دليل على جواز طلب الولاية، إذا كان الطالب ممن يقدر على إقامة العدل و إجراء أحكام الشريعة، و إن كان من يد الجائر أو الكافر، و قيل إن الملك أسلم، و قال الخازن في تفسيره: يكره طلب الإمارة إذا لم يتعين عليه طلبها، فإذا تعيّن وجب عليه و لا كراهية عليه، و أما يوسف فكان عليه طلب الإمارة لأنه مرسل من اللّه تعالى، و الرسول أعلم بمصالح الأمة من غيره، و إذا كان مكلفا برعاية المصالح و لا يمكنه ذلك إلا بطلب الإمارة وجب عليه طلبها، و هنا في طلب الإمارة، بسبب ما سيحدث من قحط، إيصال الخير للمستحقين، فيجب طلبها (3).

و ذهب الإمام النسفي في تفسيره إلى أن يوسف عليه السلام وصف نفسه في قوله «اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم»، بالأمانة و الكفاية و هما طلبة الملوك ممن يولونهم، و إنما قال ذلك ليتوصل إلى إمضاء أحكام اللّه و إقامة الحق و بسط العدل، و التمكن مما لأجله بعث الأنبياء إلى العباد، و لعلمه أن أحدا غيره لا يقوم مقامه في ذلك، فطلبه ابتغاء وجه اللّه، لا لحب الملك و الدنيا، و في الحديث «رحم اللّه أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته، و لكنه أخر ذلك سنة»، قالوا و فيه دليل على أنه يجوز أن يتولى الإنسان حمالة من يد سلطان جائر، و قد كان السلف يتولون القضاء من جهة الظلمة، و إذا علم النبي أو الظالم أنه لا سبيل إلى الحكم بأمر اللّه و دفع الظلم، إلا بتمكين الملك الكافر أو

ص: 67


1- تفسير أبي السعود 4/ 286.
2- قال الإمام القرطبي في تفسيره لقوله تعالى: قال: اجعلني على خزائن الأرض. «قال سعيد بن منصور: سمعت مالك بن أنس يقول: مصر خزانة الأرض» أما سمعت قوله «اجعلني على خزائن الأرض» أي على حفظها (تفسير القرطبي ص 3442).
3- تفسير الخازن 3/ 292.

الفاسق فله أن يستظهر به (1)، و أما ابن كثير فيذهب إلى أنه يجوز للرجل أن يمدح نفسه، إذا جهل أمره، للحاجة، و لهذا قال يوسف إنه حفيظ، أي خازن أمين، و عليم، أي ذو علم و بصيرة بما يتولاه، و من ثم فقد طلب يوسف من الملك أن يوليه النظر فيما يتعلق بالأهراء، لما يتوقع من حصول الخلل فيما بعد مضي سبع سنى الخصب لينظر فيها بما يرضي اللّه في خلقه من الاحتياط لهم و الرفق بهم، و أخبر الملك إنه حفيظ أي قوي على حفظ ما لديه، أمين عليه، عليم بضبط الأشياء و مصالح الأهراء، و في هذا دليل على جواز طلب الولاية لمن علم من نفسه الأمانة و الكفاية (2).

هذا و يتجه صاحب الظلال إلى أننا لا نريد أن نجيب بأن هذه القواعد (عدم طلب التولية و عدم تزكية النفس) إنما تقررت في النظام الإسلامي على عهد سيدنا محمد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و أنها لم تكن مقررة على أيام يوسف عليه السلام، و المسائل التنظيمية في هذا الدين (الإسلام) ليست موحدة كأصول العقيدة الثابتة في كل رسالة و على كل رسول، لا نريد أن نجيب بذلك، و إن كان له وجه، لأن الأمر يرتكن إلى اعتبارات أخرى لا بدّ من إدراكها، لإدراك منهج الاستدلال من الأصول و النصوص، و ذلك لأن يوسف عليه السلام لم يكن يعيش في مجتمع مسلم تنطبق عليه قاعدة عدم تزكية النفس عند الناس، و عدم طلب الإمارة، كما أنه كان يرى أن الظروف تمكن له من أن يكون حاكما مطاعا، لا خادما في وضع جاهلي، و كان الأمر كما توقع فتمكن بسيطرته من الدعوة لدينه و نشره في مصر في أيام حكمه، و قد توارى العزيز، و توارى الملك تماما (3).

ص: 68


1- تفسير النسفي 2/ 227.
2- تفسير ابن كثير 2/ 254 (المختصر)، البداية و النهاية 1/ 210، و انظر تاريخ الطبري 1/ 347.
3- في ظلال القرآن 4/ 2006، 2013.

و لعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن هناك من يزعم أن يوسف عليه السلام، قد استقل بملك مصر، اعتمادا على قول يوسف في دعائه «رب قد آتيتني من الملك و علمتني من تأويل الأحاديث»، و لا دليل لهم في ذلك، فيما يرى ابن خلدون، لأن كل من ملك شيئا، و لو في خاصة نفسه، فاستيلاؤه يسمى ملكا، حتى البيت و الفرس و الخادم، فكيف من ملك التصرف، و لو كان من شعب واحد منها، فهو ملك، و قد كان العرب يسمون أهل القرى و المدائن ملوكا (1)، فما ظنك بوزير مصر لذلك العهد، و في تلك الدولة، و أما الذين يستدلون بقوله تعالي: وَ كَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ فهو ليس بديل أيضا، لأن التمكين يكون بغير الملك، و نص القرآن إنما هو بولاية على أمور الزرع في جمعه و تفريقه، كما قال تعالى:

اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ، و مساق القصة كلها أنه مرءوس في تلك الدولة بقرائن الحال كلها، لا يتوهم من تلك اللفظة الواقعة في دعائه، فلا نعدل عن النص المحفوف بالقرائن إلى هذا المتوهم الضعيف، و أيضا فالقصة في التوراة (2) قد وقعت صريحة في أنه لم يكن ملكا و لا صار إليه ملك، و أيضا فالأمر الطبيعي من الشوكة و القطامة له يدفع أن يكون حصل له ملك، لأنه إنما كان في تلك الدولة قبل أن يأتي إليه إخوته منفردا لا يملك إلا نفسه، و لا يتأتى الملك في هذا الحال (3)، هذا فضلا عن

ص: 69


1- تشير نصوص فرعون مصر تحوتمس الثالث (1490- 1436 ق، م) على أنه حارب في موقعه مجد و حوالي عام 1468 ق، م، أعداءه من ملوك سورية بزعامة أمير قادش، و عددهم 330 ملكا و أميرا، مع كل منهم جيشه الخاص، و قد انتصر عليهم، كما تشير نصوص شلمنصر الثالث الأشوري أنه حارب في موقعه قرقر عام 853 ق، م حلفا من الأمراء السوريين يضم اثنى عشر ملكا على رأسهم بنحدد ملك دمشق، كما اعتاد العرب تسمية حكام القرى و المدائن ملوكا مثل هجر و معان و دومة الجندل، و كان ولاة الأطراف و عمالها في الخلافة العباسية يسمون ملوكا.
2- تكوين 41/ 33- 57.
3- تاريخ ابن خلدون 2/ 47.

أن جمهرة المؤرخين و المفسرين إنما تذهب إلى أنه كان أشبه بوزير التموين أو المالية أو ما يشبه ذلك، مما يفهم منه أنه كان المسئول عن جمع الغلال و حفظها في الأهراء في سنوات الرخاء، و حسن استخدامها في أعوام المجاعة (1).

و لعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن التاريخ المصري إنما يصدق الأحداث التي أتت بيوسف عليه السلام إلى هذا المنصب ذلك أن مصر إنما كانت عرضة للمجاعات، و فترات من تدهور الإنتاج الزراعي و الحيواني على مرّ العصور، و لقد كان ذلك في أغلب الأحايين من آثار اضطراب النيل و امتناع فيضه، و إخلاله بالوفاء، كما تعوّد و تعوّد منه الناس كل عام، فإذا تدهور و أقام على نقائصه لم تكد مياهه لتصل إلى الأرض التي تتحرق شوقا إليه، و تنتظر العام كله، أو جله، للقائه، فعندئذ فلا ريّ و لا استنبات، ثم لا زرع و لا ضرع، فتكون الكارثة التي تنزل بالبلاد و العباد (2).

و التاريخ يحدثنا أن اللّه تعالى ما جعل بلدا في العالم، تتوقف حياته و وجوده، مصيره و مستقبله، في السلم أو في الحرب، أو يرتبط سكانه و تاريخه بنهر، مثلما تفعل مصر و النيل، و من ثم فإذا بالغ النيل في فيضه أحيانا، فتعظم أمواهه و تضري أمواجه، فإذا هو يندفع طوفانا عنيفا مدمرا مغرقا كل شي ء، ثم لا يكاد ينحسر عن الأرض إلا وقف انقضى من أوان البذر وقت قد يكون على الإنتاج أيام الحصاد سيّئ المسغبة، و إن لم يبلغ

ص: 70


1- أنظر: تاريخ الطبري 1/ 347- 348، الكل لابن الأثير 1/ 83- 88، ابن كثير: البداية و النهاية 1/ 210، صفوة التفاسير 2/ 57، تفسير أبي السعود 4/ 286، تفسير الخازن 3/ 292.
2- انظر: تفسير ابن كثير 4/ 321، تفسير القرطبي ص 3446- 3447، تفسير الطبري 16/ 148- 152، تفسير النسفي 2/ 228، أحمد عبد الحميد يوسف: المرجع السابق ص 55، تفسير الجلالين ص 311- 312، صفوة التفاسير 2/ 57.

ذلك من سوئه مبلغ نقص الماء، ذلك أن النهر إن هبط عن معدله الطبيعي، فهي «الشدة» التي قد تصل إلى «المجاعة»، و إذا كان الفيض المغرق يعني الطاعون، فإن المجاعة كانت تعني «الموتان» الذي يصل إلى حد نشر معه الطاعون بدوره بعد ذلك حتى يتناقص السكان بدرجة مخيفة (1).

على أن إنحباس النيل و نضوب موارد الدولة، إنما كان وثيق الصلة بما كان ينزل بها من الضعف السياسي، و تحلل السلطة المركزية، و تدهور الأمن و اضطراب النظام، فيكون شيوع الفساد و انتشار الجريمة مع القحط و الجوع، شرا مستطيرا، و شقاء متصلا، يحل بالناس فيترك في نفوسهم و عقولهم أثرا لا يمحي أو لا يكاد يمحي (2). و يقدم لنا التاريخ أمثلة كثيرة لانخفاض النيل في مصر قبل و بعد عصر يوسف الصديق عليه السلام، و ما ينتج عن ذلك من كوارث اقتصادية، و من أشهر الأمثلة ما حدث على أيام الثورة الاجتماعية الأولى (الأسرات 7- 10) يقول «نفرتي»: لقد جف نيل مصر حتى ليخوضه الناس بالقدم، و سوف يبحث الناس عن الماء لتجري عليه السفن فيجدوا أن الطريق قد صار شاطئا، و أن الشاطئ قد صار ماء (3)»، و من ثم فقد رأينا من نفس الفترة شريفا من الصعيد هو «عنخ تفي» حاكم «نخن» (البصيلية- مركز أدفو بمحافظة أسوان) يتحدث عن سني المجاعة فيقول إنه أمد خلالها مدنا أخرى، إلى جانب مدينته، بالهبات و القمح، و قد امتدت دائرة نشاطه حتى دندرة، في مقابل قنا عبر النهر، و بذا أنقذ الصعيد الجنوبي الذي كاد يموت جوعا، و كاد كل رجل فيه أن يغتال أطفاله (4)».

على أن المصريين قد اكتسبوا من ذلك حكمة التجربة و حسن التدبير،

ص: 71


1- جمال حمدان: شخصية مصر- القاهرة 1970 ص 241- 245.
2- أحمد عبد الحميد يوسف: المرجع السابق ص 56.
3- , EAL, namrE. A 113. p، 1927.
4- , shoarahP eht fo tpygE, renidraG. A 111. p، 1961.

إذ كانوا يدخرون غلة الأرض من أيام الري لأيام الجفاف، و من يسرهم لعسرهم، و من رخائهم لشدتهم، و كانت حكمة الملوك و الأمراء و حكام الأقاليم و حسن تدبيرهم خليقا أن يخفف عن الرعية بما كانوا يصنعون (1)، و من ثم فقد رأينا «خيتي» أمير أسيوط على أيام الإهناسيين يتحدث عن جهوده في القضاء على الأزمة الاقتصادية، بأن يقدم هدية لمدينته بأن حفر ترعة ليروي الفلاحون منها أرضهم و يسقوا زرعهم، ثم يقول: إنني غني بقمح الشمال حيث كانت الأرض في جفاف، و عند ما شحت أقوات البلاد أمددت المدينة بالحبوب و الخبز، و سمحت لكل مواطن بأن يأخذ نصيبه و نصيب زوجته، و قد أعطيت الأرملة و ولدها، و تجاوزت عن الضرائب التي فرضها أبي، و ملأت المراعي بالمواشي (2)»، و في مدينة الكاب، مقابل البصيلية عبر النهر، نرى أميرها «ببي» من الأسرة الثالثة عشرة، التي سبقت قليلا جدا عصر الصديق، و ربما عاصرت أوائله من أيام الهكسوس، يقول: «لقد كنت أكدس القمح الجيد المطلوب، و كنت يقظا في فصل البذر، فلما وقعت المجاعة على مدى الكثير من السنين أعطيت مدينتي القمح في كل مجاعة (3)».

على أن العلماء على كثرة ما قرءوا من أخبار المجاعات في مصر القديمة (4)، إنما يقفون خاصة موقف الفاحص من مجاعة تفشت أخبارها

ص: 72


1- أحمد عبد الحميد يوسف: المرجع السابق ص 57- 58.
2- محمد بيومي مهران: الثورة الاجتماعية الأولى- الإسكندرية 1966 ص 128- 129. و كذا F, eriac eL, enneicnA etpygE'l snad enimaF aL, reidnaV. J 101. p، 1936 و كذا, I, ERA, detsaerB. H. J 181. p، 1906.
3- P, tic, po reidnaV. T 114
4- تعرضت مصر لكثير من المجاعات في العصور الوسطى بسبب انخفاض النيل، كالتي حدثت على أيام الأمويين في عام 87 م، و على أيام الإخشيديين في أعوام 329 م، 338 م، 341 م، 343 م، 351 م، و لعل أشهر و أبشع المجاعات ما سجل البغدادي أثناء الشدة المستنصرية التي بدأت عام 457 م، و استمرت سبع سنين متصلة في أخريات أيام الفاطميين، و بلغ من قسوتها أن أكل الناس القطط و الكلاب، ثم الجيف، ثم أكلوا بعضهم بعضا، حتى انتهت بفناء رهيب للسكان، لا يملك قارئ البغدادي إلا أن يتصوره فناء كاملا أو شبه كامل (أنظر: جمال حمدان: المرجع السابق ص 244- 245، محمد حمدي المناوي: مصر في ظل الإسلام 1/ 171- 175، الكندي: كتاب الولاة و كتاب القضاة ص 59 (بيروت 1908)، السيوطي: حسن المحاضرة في أخبار مصر و القاهرة 2/ 154.

على الصخر من جزيرة سهيل جنوبي أسوان، و لئن كان الخبر منسوبا إلى أيام الملك «زوسر» من الأسرة الثالثة فالذي لا شك فيه إنما نقش بعده بعشرين قرنا من الزمان، نقشه كهان «خنوم» على عهد البطالة، ربما عام 187 ق. م.

على أيام بطليموس الخامس، و ربما بطليموس العاشر في أكبر الظن، أي في الفترة (107- 88 ق. م.)، و غير بعيد أن يكون النص صوتا من واقع بعيد، يرجع إلى أيام الصديق، و أن كهان خنوم حين كتبوه على عهد بطليموس الخامس أو العاشر، إنما كانوا تحت تأثير ما كان يومئذ من أصداء الماضي السحيق، و بما ورد في التوراة من أصداء السنين السبع الشداد التي جرت بها ألسنة من كان بمصر يومئذ من يهود، بخاصة و أن الترجمة السبعينية (1) للتوراة كانت قد تمت بمصر على أيام بطليموس الثاني (284- 246 ق. م)، و أن هناك جالية من يهود إنما كانت تقيم في اليفانتين (جزيرة أسوان) (2) و تطل من حيث الموقع على جزيرة سهيل حيث نقش نص المجاعة (3).

و على أية حال و أيا ما كانت ظروف هذه المجاعات التي كانت بسبب عدم فيضان النيل، فإن المجاعة التي كانت ستحدث على أيام الصديق في عهد

ص: 73


1- انظر: عن الترجمة السبعينية للتوراة (محمد بيومي مهران: إسرائيل 3/ 107- 112).
2- أنظر: عن الجالية اليهودية في أسوان (محمد بيومي مهران: إسرائيل 2/ 1076- 1102).
3- أنظر: عن نقش المجاعة على جزيرة سهيل: محمد بيومي مهران: مصر 1/ 363- 366، إسرائيل 1/ 227- 229، و كذا, oriaC, lehaS a enimaF aL ed eletS aL, teugraB. P 1953 و كذا, TENA, nosliW. A. J 32- 31. p، 1966 و كذا P, tic- po, reidnaV. J. 139- 132

الهكسوس، إنما كانت حقيقة لا ريب فيها، لو لا أن تداركت رحمة اللّه أرض الكنانة بحكمة يوسف عليه السلام، و من ثم فقد كانت أيام الصديق في مصر خيرا كلها، دينا و دنيا، بل إن وجود يوسف في مصر حين من الدهر، شرف ما بعده شرف، و أن دعوته كانت رحمة و هداية للمصريين، ما في ذلك من ريب، و أن الصديق عليه السلام قد أنقذ اللّه به مصر من مجاعة محققة، كادت تهلك الحرث و النسل، و أنه قد نشر في مصر دعوة التوحيد و بث العقيدة الصحيحة، ما في ذلك شبهة من شك، و هكذا حمل الصديق عليه السلام إلى مصر نور الإيمان و هداية التوحيد، و عدالة اللّه، و كل ما هو خير و طيب من نعم اللّه التي يجريها، سبحانه و تعالى، على أيدي المصطفين الأخيار من أنبيائه الكرام البررة.

[2] يوسف و إخوته في مصر:-

ما أن تمضي سنون الرخاء السبع، و تبدأ سنون الجفاف في مصر، حتى يجتاح أرض كنعان (فلسطين) جدب، فتفقر الأرض و تعم المجاعة، و تتجه كنعان صوب أرض الكنانة، الطيبة و الكريمة كذلك، لعلها تجد عندها المأوى، كالعهد بها دائما و أبدا، و ينطلق أبناء يعقوب إلى مصر مع المنطلقين، فقد أصابهم من الجوع ما أصاب غيرهم، و يتعرف الصديق على إخوته و هم له منكرون، و هذا من بديهيات الأمور، فإن يوسف قد عرفهم لقوة فهمه، و عدم مباينة أحوالهم السابقة لحالهم يومئذ لمفارقته إياهم و هم رجال، و تشابه هيأتهم و زيّهم في الحالين، و لكن همته معقودة بهم و بمعرفة أحوالهم، لا سيما زمن القحط، و أما هم فلم يعرفوه لأن خيالهم لا يتصور قط أن هذا الوزير الخطير، هو ذاك الغلام العبراني الذي ألقوه في الجب منذ عشرين عاما أو تزيد، فقد كبر بعد صغر، و اغتنى بعد فقر، و عاش بعد أن دفعوه إلى الموت، و عزّ بعد أن حقّروه و أهانوه، و وزّر بعد أن كان من رعاة

ص: 74

الأغنام، فكيف يعرفون وجودا من عدم، و من أجل هذا عرفهم، و هم له منكرون، و لم يخطر على بالهم أنه نجا من الجب الذي ألقوه فيه، و أنه عاش و كبر، و نزح من كنعان إلى مصر ليصير وزيرا خطيرا (1).

و من عجب أن التوراة، و من نحا نحوها من المفسرين، إنما تفاجئنا بصورة غريبة عن محاورة دارت بين يوسف و إخوته، تذهب فيها إلى أن الصديق إنما عرف إخوته منذ اللحظة الأولى للقائه بهم، و أنه قد اتهمهم بالتجسس ثم حبسهم أياما ثلاثة، ثم أطلق سبيلهم، و إن استبق أخاهم «شمعون» حيث قيّده على مرأى منهم، حتى يعودوا إليه بأخيهم «بنيامين» (2)، و هذا التهديد، إن حملناه محمل الجد، فلا بدّ من القول إنه إنما يدل على أن يوسف إنما كان يحمل حقدا دفينا على إخوته، و هو أمر لا نشك في براءة الصديق منه البراءة، كل البراءة، هذا و قد ذهبت جمهرة من المفسرين و المؤرخين المسلمين إلى أن إخوة يوسف لما دخلوا عليه عرفهم و قال كالمنكر عليهم: ما أقدمكم بلادي؟ قالوا: جئنا للميرة، قال لعلكم عيون (جواسيس) علينا، قالوا: معاذ اللّه، قال فمن أين أنتم، قالوا من بلاد كنعان، و أبونا يعقوب نبيّ اللّه، قال: و له أولاد غيركم، قالوا نعم، كنا اثنى عشر، فذهب أصغرنا و هلك في البرية، و كان أحبنا إليه، و بقي شقيقه فاحتبسه ليتسلى به عنه، و جئنا نحن العشرة، فأمر بإنزالهم و إكرامهم (3).

و أما القرآن الكريم فقد ذكر أن يوسف أكرم وفادتهم، ورد إليهم ما

ص: 75


1- تفسير أبي السعود 4/ 288، محمود زهران: قصص من القرآن ص 87.
2- تكوين 42/ 7- 24.
3- أنظر: تفسير النسفي 2/ 288، تفسير الجلالين 2/ 249، مختصر تفسير ابن كثير 2/ 255، صفوة التفاسير 2/ 58، تاريخ الطبري 1/ 348، الكامل لابن الأثير 1/ 84، البداية و النهاية لابن كثير 1/ 211.

دفعوه من ثمن دون أن يشعرهم (1)، و جاء أن يغريهم ذلك بإحضار شقيقه بنيامين، و هددهم بلطف إن لم يأتوا به فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَ لا تَقْرَبُونِ، و لم يرد في الذكر الحكيم مما ورد في التوراة من إساءته لإخوته، إذ أن ذلك لا يتفق و الصورة التي رسمها القرآن الكريم و أبرز معالمها لشخصية يوسف، و ما اتسمت به من حلم و إخلاص و بر، و هو الذي علمه ربه و أحسن هدايته، و طهر قلبه من الحسد، قال تعالى منوها بشأنه: كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَ الْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ (2).

و دارت مفاوضات بين يعقوب عليه السلام و أبنائه انتهت بقبوله إرسال بنيامين معهم، على أن يؤتره موثقا من اللّه أن يردوه عليه، إلا أن يحاط بهم (3)، فلما آتوه موثقهم جعل النبي الكريم يوصيهم بما خطر له، وَ قالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَ ادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَ ما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْ ءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ عَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ، وَ لَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْ ءٍ إِلَّا حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَ إِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (4).

و تضرب الروايات و التفاسير في هذا و تبدي و تعيد بلا ضرورة، و لو كان السياق القرآني يحب أن يكشف عن السبب لقال، و لكنه قال فقط «إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها، فينبغي أن يقف المفسرون عند ما أراده السياق احتفاظا بالجو الذي أراده، و الجو يوحي بأنه كان يخشى شيئا عليهم، و يرى

ص: 76


1- جاء في تفسير الظلال (4/ 2016) أن يوسف لم يعطهم قمحا، إنما وضع لهم بضاعتهم في رحالهم، فلما عادوا قالوا: يا أبانا منع منا الكيل، و فتحوا رحالهم فوجدوا بضاعتهم، و كان ذلك ليضطرهم إلى العودة بأخيهم، و كان هذا بعض الدرس الذي عليهم أن يأخذوه.
2- أنظر: سورة يوسف: آية 58- 63.
3- سورة يوسف: آية 63- 66.
4- سورة يوسف: آية 67- 68.

في دخولهم من أبواب متفرقة اتقاء لهذا الشي ء، مع تسليمه بأنه لا يغني عنهم من اللّه شي ء، فالحكم كله إليه، و الاعتماد كله عليه، إنما هو خاطر شعر به، و حاجة في نفسه قضاها بالوصية، و هو على علم بأن إرادة اللّه نافذة، فقد علمه اللّه هذا فتعلم بنور النبوة أنه لا ينفع حذر من قدر، و لكن أكثر الناس لا يعلمون، ثم ليكن هذا الشي ء الذي كان يخشاه هو العين الحاسدة، و قد قال سيدنا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: إن العين حق، و قال صلى اللّه عليه و سلم العين حق تدخل الرجل القبر، و الجمل القدر»، و كان صلى اللّه عليه و سلم يعوّذ الحسن و الحسين فيقول: «أعيذكما بكلمات اللّه التامة من كل هامة و من كل عين لامة»، و في رواية «أعوذ بكلمات اللّه التامة من كل شيطان و هامة، و من كل عين لامة»، و كان صلى اللّه عليه و سلم يقول: كان أبوكما (يعني إبراهيم) يعوّذ بهما إسماعيل و إسحاق» (رواه البخاري)، أو كان يعقوب يخشى على أولاده غيرة الملك من كثرتهم و فتوتهم أو هو تتبع قطاع الطرق لهم، أو كائنا ما كان فهو لا يزيد شيئا في الموضوع (1).

و على أية حال، فما أن دخلوا على يوسف و رأى أخاه، حتى سجد شكرا للّه على أن ساق إليه أخاه و وجده على قيد الحياة، في يد أعداءه، و هم الذين من قبل طاردوا أخاه، و ثارت شجون يوسف لما رآه، و تحركت نفسه لسابق ما عاناه، فمال على أخيه بنيامين و قال: إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون، و سأدبر أمرا و هم لا يشعرون، و ستبقى و هم راحلون، فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ، ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ: أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ، قالُوا وَ أَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ما ذا تَفْقِدُونَ، قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَ لِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ، وَ أَنَا بِهِ زَعِيمٌ، قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي

ص: 77


1- في ظلال القرآن 4/ 2018، صفوة التفاسير 2/ 59، تفسير النسفي 2/ 230، تفسير أبي السعود 4/ 292، مختصر تفسير ابن كثير 2/ 256.

الْأَرْضِ وَ ما كُنَّا سارِقِينَ (1)، قال البيضاوي استشهدوا بعلمهم على براءة أنفسهم لما عرفوا منهم من فرط أمانتهم، كرد البضاعة التي جعلت في رحالهم، و ككمّ أفواه الدواب لئلا تتناول زرعا أو طعاما لأحد (2)، و هنا سألوهم: فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ، قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ، كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (3).

و هنا ينكشف طرف التدبير الذي ألهمه اللّه يوسف، و طبقا الرواية ابن كثير، فقد كانت شريعة إبراهيم عليه السلام أن السارق يدفع إلى المسروق منه، أو كما يقول صاحب الظلال: فقد كان المتبع في دين يعقوب أن يؤخذ السارق رهينة أو أسيرا أو رقيقا في مقابل ما يسرق، و تقول التوراة: الذي يوجد معه من عبيدك يموت، و نحن أيضا نكون عبيدا لسيدي، فقال نعم الآن بحسب كلامكم هذا يكون الذي يوجد معه يكون لي عبدا، و أما أنتم فتكونون أبرياء»، و لما كان إخوة يوسف موقنين بالبراءة فقد ارتضوا تحكيم شريعتهم فيمن يظهر أنه سارق، ذلك ليتم تدبير اللّه ليوسف و أخيه، ذلك لأنه لو حكم فيهم بشريعة ملك مصر ما تمكن من أخذ أخيه، إنما كان يعاقب السارق على سرقته، دون أن يستولي على أخيه، كما استولى عليه بتحكيم إخوته لدينهم هم، و هذا هو تدبير اللّه الذي ألهم يوسف أسبابه، و هو كيد اللّه له، و الكيد يطلق على التدبير في الخفاء للخير أو للشر سواء و إن كان الشر قد غلب عليه (4).

و بدأ التفتيش، و أرشدت الصديق حصافته إلى أن يبدأ برحالهم قبل

ص: 78


1- سورة يوسف: آية 70- 73.
2- تفسير البيضاوي 2/ 267.
3- سورة يوسف: آية 74- 75.
4- تفسير الظلال 4/ 2019- 2020، مختصر تفسير ابن كثير 2/ 257، تفسير النسفي 2/ 232 تكوين 44/ 9- 10.

رحل أخيه، كي لا يثير شبهة في نتيجة التفتيش، قال قتادة: ذكر لنا أنه كان لا يفتح متاعا و لا ينظر وعاء إلا أستغفر اللّه مما قذفهم به، حتى بقي أخوه، و هو أصغرهم، فقال: ما أظن هذا أخذ شيئا، فقالوا و اللّه لا نتركك حتى تنظر في رحله، فإنه أطيب لنفسك و أنفسنا، فلما فتحوا متاعه وجدوا الصواع فيه، فلما أخرجها منه نكس الأخوة رءوسهم من الحياء و أقبلوا عليه يلومونه و يقولون له: فضحتنا و سوّدت وجوهنا يا ابن راحيل. و في رواية لابن الأثير قالوا: يا بني راحيل لا يزال لنا منكم بلاء، فقال بنيامين: بل بنو راحيل ما يزال لهم منكم بلاء، و زاد الطبري: ذهبت بأخي فأهلكتموه في البرية، وضع هذا الصواع في رحلي الذي وضع الدراهم في رحالكم، فقالوا: لا تذكرا الدراهم فتؤخذ بها. ثم صاح الأخوة، و قد حرك الحرج الذي يلاقونه الآن كوامن حقدهم على بنيامين، و على يوسف قبله، فإذا هم ينتصلون من نقيصة السرقة، و ينفونها عنهم و يلقونها على أبناء هذا الفرع من أبناء يعقوب (أبناء راحيل) قالوا: «إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل»، و تنطلق الروايات و التفاسير تبحث عن مصداق قولهم هذا في تعلانية و حكايات و أساطير، فمن قائل إنه كان سرق صنما لجده أبي أمه فكسره فعيروه بذلك، و من قائل كان بنو يعقوب على طعام، إذ نظر يوسف إلى عرق (و هو العظم أكل لحمه) فخبأه فعيروه بذلك، إلى غير ذلك من روايات لا سند لها، و كأن أخوة يوسف لم يكذبوا قبل ذلك على أبيهم في يوسف، و كأنهم لا يمكن أن يكذبوا على عزيز مصر دفعا للتهمة التي تحرجهم، و تبرءوا من يوسف و أخيه السارق، و إرواء لحقدهم القديم على يوسف و أخيه، و على أية حال، فلقد أسرها يوسف في نفسه و لم يبدها لهم (1).

ص: 79


1- تفسير النسفي 2/ 232، تفسير الظلال 4/ 2022، صفوة التفاسير 2/ 62، تاريخ الطبري 1/ 354- 355، الكامل لابن الأثير 1/ 85، مختصر تفسير ابن كثير 2/ 258، البداية و النهاية 1/ 213.

ثم سرعان ما عاد أخوة يوسف إلى الموقف الحرج الذي وقعوا فيه، و إلى الموثق الذي أخذه عليهم أبوهم، فراحوا يسترحمون يوسف باسم والد الفتى، الشيخ الكبير، و يعرضون أن يأخذ بدله واحدا منهم، إن لم يكن مطلقه لخاطر أبيه، و يستعينون في رجائه بتذكيره بإحسانه و صلاحه و بره لعله يلين «قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين»، و لكن يوسف كان يريد أن يلقي عليهم درسا، و كان يريد أن يشوقهم إلى المفاجأة التي يعدها لهم و لأبيه ليكون وقعها أعمق و أشد أثرا في النفوس «قال معاذ اللّه أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون»، و لم يقل معاذ اللّه أن نأخذ بريئا بجريرة سارق، لأنه كان يعلم أن أخاه ليس بسارق، فعبر أدق تعبير يحيكه السياق هنا باللغة العربية بدقة، قال صاحب تفسير روح المعاني: و التعبير بقوله «من وجدنا متاعنا عنده» بدل «من سرق» لتحقيق الحق و الاحتزار عن الكذب (1).

و هكذا وقع القوم في ضيق، و انحدروا في مأزق، و ابتعدوا عن الناس، و تناجوا في أمرهم، «قال كبيرهم أ لم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من اللّه و من قبل ما فرطتم في يوسف فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم اللّه لي و هو خير الحاكمين، ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق و ما شهدنا إلا ما علمنا و ما كنا للغيب حافظين»، و إن كان في شك من أمركم فليسأل القرية (2) التي كنا فيها، أو ليسأل القافلة التي كنا فيها فهم

ص: 80


1- في ظلال القرآن 4/ 2022، تفسير روح المعاني 13/ 34.
2- القرية هنا ليست اسما لعاصمة مصر، حتى و إن رأى البعض أن اسم القرية إنما يعني المدينة الكبيرة لأن عاصمة مصر على أيام الهكسوس (أفاريس) و هو عصر يوسف، لم تكن عاصمة لمصر كلها، و إنما للجزء الذي كان يحكمه الهكسوس حتى مدينة القوصية (شمالي أسيوط بحوالي 15 كيلا) فحسب، و لأن اللّه وصف مكة المكرمة عند ظهور الإسلام بأنها أم القرى (الأنعام 92) ثم يصف عاصمة مصر كلها بأنها قرية، و من ثم فالرأي عندي أنها ربما كانت القرية أو المدينة التي اختيرت لتوزيع الغلال خارج العاصمة أو قريبا منها.

لم يكونوا وحدهم فقد كانت القوافل ترد مصر بكثرة كاثرة لتمتار الغلة من أرض الكنانة في السنين العجاف، غير أن يعقوب ما كان يبحث عن أعذار، و من ثم فقد انصرف إلى ربه يدعوه و يضرع إليه و يقول: «بل سولت لكم أنفسكم أمرا، فصبر جميل عسى اللّه أن يأتيني بهم جميعا، إنه هو العليم الحكيم»، و تولى عنهم يبكي ولدا بعد ولد، و الجرح الأول أعمق، و الجرح على الجرح أنكى و أشد، «و قال يا أسفا على يوسف و ابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم»، و يبلغ الحقد بقلوب بنيه لا يرحموا ما به، و أن يلسع قلوبهم حنينه ليوسف و حزنه عليه ذلك الحزن الكامد الكظيم، فلا يسرون عنه و لا يعزونه، و لا يعللونه بالرجاء، بل يريدون أن يطمسوا في قلبه الشعاع الأخير، «قالوا تاللّه تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين»، و يرد عليهم بأن يتركوه لربه، فهو لا يشكو لأحد من خلقه، و هو على صلة بربه غير صلتهم، و يعلم من حقيقته ما لا يعلمون، ثم يوجههم إلى تلمس يوسف و أخيه، و ألا ييأسوا من رحمة اللّه في العثور عليهما، فإن رحمته واسعة و فرجه دائما منظور (1).

و جهز القوم جهازهم و حملوا متاعهم و بضاعتهم، و دخلوا مصر، للمرة الثالثة، و قد هدّهم التعب وكدهم العيش، و ضاقت بهم السبل، و كاد أن يقضي عليهم القحط القاتل، فلقد أضرت بهم المجاعة، و نفدت منهم النقود، و جاءوا ببضاعة رديئة هي الباقية لديهم يشترون بها الزاد، يدخلون و في حديثهم انكسار لم يعهد في أحاديثهم من قبل، و شكوى من المجاعة تدل على ما فعلت بهم الأيام، و دخلوا على يوسف فقالوا: يا أيها العزيز مسنا و أهلنا الضرّ و جئنا ببضاعة مزجاة من صوف و دراهم زيوف أو رديئة، قال ابن عباس، فيما يروي الرازي، كانت دراهم رديئة لا تقبل في ثمن الطعام،

ص: 81


1- في ظلال القرآن 4/ 2025- 2026.

ثم سألوه «فأوف لنا الكيل و تصدق علينا إن اللّه يجزي المتصدقين»، و كان الصديق عليه السلام دقيق الحس، رقيق القلب، لطيف الوجدان، و إلى هذا الحد لا يطيق أن يرى على إخوته الذل و التذلل، و المهانة و الاستكانة، و طلب الصدقة و المعونة، و من ثم فقد أعلمهم بحقيقة أمره و عفا عنهم، و قال لهم «اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا، و أتوني بأهلكم أجمعين»، و أما كيف عرف الصديق أن رائحته سترد على أبيه بصره الكليل، فذلك مما علمه اللّه، و المفاجأة تصنع في كثير من الحالات فعل الخارقة، و ما لها لا تكون خارقة، و يوسف نبيّ رسول، و يعقوب نبيّ رسول (1).

و لعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن صياغة التوراة لدعوة يوسف أباه و أهله أن يأتوا إليه في مصر، إنما تعطي تأكيدا يكشف عن مطامع يهود في مصر، تقول التوراة «خذوا أباكم و بيوتكم (خيامكم) و تعالوا إلي فأعطيكم خيرات أرض مصر و تأكلون دسم الأرض ... خذوا لكم من أرض مصر عجلات لأولادكم و نسائكم و احملوا أباكم و تعالوا، و لا تحزن عيونكم على أثاثكم لأن خيرات جميع أرض مصر لكم (2)»، كما أن التوراة لم تهمل كذلك أن تؤكد أن رحلة هؤلاء المجهدين الجياع إلى مصر المضيافة، دائما و أبدا، إنما كانت للقوت، و لكنها تؤكد كذلك أنها لتحقيق مؤامرة على الأرض الطيبة التي استضافتهم (3).

و على أية حال، فإن يعقوب عليه السلام، سرعان ما يصل إلى مصر، بعد أن ارتد بصيرا، و يصف القرآن الكريم لقاء يوسف بأبيه و إخوته في قول اللّه تعالى: فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَ قالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ

ص: 82


1- في ظلال القرآن 4/ 2026- 2027، تفسير الفخر الرازي 18/ 201.
2- تكوين 45/ 18- 20.
3- تكوين 46/ 1- 4.

شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ، وَ رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَ خَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَ قالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَ قَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَ جاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَ بَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَ عَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ، ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ. نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَ هُمْ يَمْكُرُونَ (1).

و تذهب التوراة إلى أن يعقوب عليه السلام، إنما جاء و معه كل أفراد أسرته «ست و ستون نفسا»، فضلا عن نساء بني يعقوب، و أبناء يوسف اللذان ولدا في مصر نفسان، جميع نفوس بيت يعقوب التي جاءت إلى مصر سبعون (2).

[3] استقرار بني إسرائيل في أرض جوشن:-

تروي التوراة أن يوسف عليه السلام طلب من أبيه و إخوته أن يقولوا للملك إذا ما سألهم عن صناعتهم: عبيدك أهل مواشي منذ صبانا إلى الآن نحن و آباؤنا جميعا لكي تسكنوا في أرض جاسان، لأن كل راعي غنم رجس للمصريين (3)»، و هكذا يذهب إخوة يوسف إلى ملك مصر يسألونه السكنى

ص: 83


1- سورة يوسف: آية 99- 102، و انظر: تفسير الكشاف 2/ 504- 507، تفسير ابن كثير 4/ 334- 337، تفسير الطبري 13/ 118- 126، تفسير الفخر الرازي 17/ 210- 217، تفسير أبي السعود 4/ 293 و ما بعدها، تفسير القرطبي ص 3492- 3494، الدار المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي 4/ 27- 40، محمد رشيد رضا: تفسير سورة يوسف ص 126- 130 (القاهرة 1936)، تفسير النسفي 4/ 235- 240، صفوة التفاسير 2/ 68- 69 (بيروت 1981).
2- تكوين 46/ 26- 27.
3- تكوين 46/ 33- 34.

في أرض جاسان، و يجيب الملك سؤلهم (1)، و لعل في اختيار هذا المكان، إلى جانب جودته، روعى فيه قربه من حدود مصر الشرقية، و سيناء المطلة على أرض كنعان، حيث ورد يعقوب و بنوه، كي يقيموا ما أحبوا الإقامة، و يرحلوا متى شاءوا الرحيل (2).

و هكذا استقر المطاف ببني يعقوب إلى الاستقرار في مصر، حيث نزلوا أرض جوشن (جسم أو جسام، كما قرئ اسمها في النصوص المصرية (3))، أو أرض «جاسان»، كما وردت في توراة يهود، و يكون استقرارهم هذا في تلك البقعة من وادي طميلات شرقي الدلتا، فاتحة لقصة تاريخ أكبر تشعبت أحداثه، و تقلبت فصوله.

على أن هناك خطأ تاريخيا في رواية التوراة، حيث تقول في سفر التكوين أن يوسف قد أسكن أباه و أخوته في «أرض رعمسيس»، ذلك لأن كلمة «رعمسيس» لا تستعمل إلا منذ الأسرة التاسعة عشرة (1308- 1194 ق م)، و ليس منذ عهد الهكسوس (حوالي 1725- 1575 ق. م)، و هو العصر الذي يفترض دخول بني يعقوب فيه مصر، كما سوف نفصل ذلك فيما بعد.

و على أي حال، فلقد قام جدل طويل حول موقع «أرض جوشن» أو جاسان، و ربما كان ذلك لأن «أرض جوشو» لم تذكر في أي نقش مصري (4)، و إنما بدلا عنها «أرض جسم أو جاسم» (5)، هذا فضلا عن أن

ص: 84


1- تكوين 48/ 5- 6.
2- كمال عون: اليهود من كتابهم المقدس- القاهرة 1970 ص 85.
3- ., elbiB al te tpygE'L, tetnoM. P. 57. p، 1959.
4- جيمس بيكي: الآثار المصرية في وادي النيل- الجزء الأول، ترجمة لبيب حبشي و شفيق فريد، مراجعة محمد جمال الدين مختار، القاهرة 1963 ص 49.
5- .. p, elbiB al te etpygE'L, tetnom. P 57.

التوراة نفسها، إنما هي مضطربة في تحديدها بالنسبة إلى مصر، فهي في بعض نصوص التوراة، إقليم يقع على مقربة من مصر، ملائم لرعي الماشية، و لكنه غير مسكون بالمصريين (1)، و هي في نصوص أخرى- توراتية كذلك (2)- ليست إقليما مجاورا لمصر، و لكنه جزء من مصر نفسها (3)، و ليت الأمر اقتصر على ذلك بل إن التوراة إنما تطلق نفس هذا الإسم (أرض جوشن)، على منطقة في فلسطين الجنوبية، تقع فيما بين غزة و جبعون (4)- و تقع في مكانها الآن قرية الجيب، على مبعدة خمسة أميال إلى الشمال الغربي من أورشليم (5)- أحيانا، و على واحدة من مجموعة مدن في جبال يهوذا أحيانا أخرى (6).

و قد أدى ذلك كله إلى وجود أكثر من رأي بشأن موقع «أرض جوشن» فهناك من يرى مطابقتها بالمدينة و الإقليم المعروف لدى المصريين باسم «بر- سوبد» (صفط الحنة الحالية) (7)، و هناك فريق ثان يذهب إلى أنها إنما تقع في وادي طميلات، و تمتد من بحيرة التمساح حتى النيل (8)، على أن هناك من يرى أن وادي طميلات إنما يمتد من فرع النيل الشرقي حتى بحيرة التمساح الحالية، التي تقع في وسط قناة السويس، و يمثل اتساعا من أراض زراعية على الحد الشرقي لدلتا النيل المصرية، مجاورا لصحراء سيناء

ص: 85


1- تكوين 46: 34، خروج 9: 16.
2- تكوين 47: 6، خروج 3: 22821، 11: 2.
3- , AEJ, renidraG A 262. p، 1918، 5 و كذا, AEJ ellivan. E. 10 31. p، 1924. 10
4- قاموس المتاب المقدس 1/ 246.
5- يشوع 10: 41، 11: 16.
6- يشوع 15: 51، قاموس الكتاب المقدس 1/ 277 (بيروت 1964).
7- جيمس بيكي: المرجع السابق ص 49.
8- . p, tic. po, regnu. FM 420.

مباشرة، و يبدو أن وادي طميلات- و ربما جزءا منه- كان له اسم في العصور القديمة يظهر في التوراة على شكل «أرض جوشن» أو «جاسان»، و طبقا لما جاء في سفر الخروج (1) فإنه كان في أرض جوشن التي استقر فيها الإسرائليون إبان هبوطهم مصر (2).

على أن هناك فريقا ثالثا، إنما يذهب إلى أن أرض جوشن إنما تقع في شبه جزيرة سيناء، و تمتد فيما بين تانيس و منطقة العريش، فضلا عن وادي طميلات الذي ينحدر من الشرق إلى الغرب فيما بين الزقازيق و الإسماعيلية (3)، و إن كان هناك فريق رابع يتردد في ذلك، على أساس أن هناك «جوشن» أخرى، قد ذكرت مع «قادش» و غزة في جنوب فلسطين، و تقع في تخوم نهر مصر (وادي العريش)، و بما أن هاجر أم إسماعيل دعيت في التوراة «مصرية»، فمن المستطاع إذن القول باتساع اسم مصر، و الأمر كذلك بالنسبة إلى «برية أرض مصر» حيث وضع «حزقيال» (4)- على ما يبدو- هؤلاء الإسرائليين الرحل (5).

و هناك فريق خامس، يذهب إلى أن أرض جوش إنما هي وادي طميلات- و الذي يرى أنه يمتد شرقا و غربا من الزقازيق حتى الإسماعيلية- غير أن هذا التوحيد غير مؤكد (6)، ذلك لأن الدكتور «سير ألن جاردنر» (1879- 1962 م) يرى أن الكلمة المصرية التي قرأها «هينرش بروجش» (1827- 1894 م) و «إدوارد نافيل» (1875- 1914 م)، على أنها

ص: 86


1- خروج 8: 18. 9: 26.
2- , nodnoL, learsI fo yrotsiH ehT. htoN. M 113. p، 1965.
3- حسن محمود: حضارة مصر و الشرق القديم- العبرانيون ص 351.
4- حزقيال 20: 26.
5- , egdirbmaC, III, HAC, skooc. A. S 359. p، 1965.
6- nodnoL yrutneC thgiE eht fo elddim eht ot sgninnigeB sti mroF ,learsI ,sdoL .A 178. p، 1962.

«جوشن» كانت اسما لسيناء (1)، و هناك تقاليد يهودية عديدة وضعت مكان استيطان العبرانيين بعيدا إلى الشمال، ناحية تانيس و بلوزيوم (2).

و مع ذلك، فهناك احتمال أن يكون وادي طميلات، على الأقل جزءا من «أرض جوشن»، ذلك لأن مدينة «بيشوم» (3)، كانت بالتأكيد في هذا الوادي و الأمر كذلك بالنسبة إلى مدينة «هيرونبوليس» و التي وحدتها الترجمة السبعينية التي تمت بمصر في عهد بطليموس الثاني (284- 246 ق. م)، مرتين بجوشن (4)، هذا فضلا عن أن وادي طميلات إقليم بدوي تخترقه ترعة تتغذى من مياه النيل، و في الوقت الحاضر- و طبقا للتطور الزراعي- تستطيع إعالة اثنى عشر ألفا من السكان المزارعين، و لكن كان يسكنها منذ قرن مضى أربعة آلاف من البدو، و هكذا كانت طبيعة هذا الوادي وقت أن سمح موظف الحدود على أيام مرنبتاح (1224- 1214 ق. م) لقبائل البدو الشاسو من أدوم بالدخول (5).

و الرأي عندي، أن «أرض جوشن» هذه، إنما تقع في وادي طميلات و الذي يمتد من فرع النيل الشرقي (البيلوزي) متجها نحو الشرق، حتى بحيرة التمساح- ذلك لأننا لا نستطيع أن نجعل «أرض جوشن» هذه في جنوب فلسطين، أو في المنطقة الممتدة من وادي العريش حتى غزة، إذ أن ذلك إنما يتعارض تعارضا تاما مع القول بأن الإسرائيليين دخلوا مصر و عاشوا فيها

ص: 87


1- .,AEJ nehsoG fo emaN eht fo tnelaviuqE naitpygE desoppuS ehT ,renidraG .H .A 23- 18. p، 1918، 5.
2- مزمور 78: 12.
3- خروج 1: 11.
4- تكوين 45: 28- 29.
5- .. p, tic. po, sdoL. A 174- 172.

هذا فضلا عن أن إطلاق اسم «جوشن» على منطقة بجنوب فلسطين، ربما كان إحياء لذكرى مصر التي ترسبت في نفوس القوم، دون أن يجدوا لها فكاكا، و قد ظهر ذلك الإسم على مدينة في جبال يهوذا كذلك، ربما لأن هذه المنطقة إنما كانت خصبة بدرجة تشبه في ذلك منطقة جوشن في مصر، كما أن الاضطهاد الذي تحدثت عنه التوراة قد ارتبط ببناء مدينتي رعمسيس و فيثوم، و كانت الأولى في موقع على الأقل ليس ببعيد عن وادي طميلات، أما الثانية «فيثوم» (بيثوم بر- أتوم)، فهي بالتأكيد في هذا الوادي، كما أن خروج بني إسرائيل إنما تمّ من هذه المنطقة (من رعمسيس إلى سكوت ... الخ)، و ليس هناك من دليل- أو حتى مجرد إشارة- على أن الإسرائيليين قد نقلوا من منطقة استقرارهم الأولى على أيام يوسف الصديق، و حتى الخروج على أيام موسى الكليم، عليهما السلام.

و أيا ما كان الأمر، فقد دخل الإسرائيليون مصر، و استقروا في «أرض جوشن»، و إن كان بعض الباحثين إنما يحاول أن يتشكك في ذلك كله، و أن ينفي دخول العبرانيين مصر من أساس، معتمدين في ذلك على عدة أسباب، منها (أولا) أنه لا توجد وثائق غير إسرائيلية تؤكد صحة التقاليد العبرية الخاصة بإقامة الإسرائيليين في مصر و خروجهم منها، و إن كان بعض المفسرين قد بحثوا جادين لإعطاء النصوص و التفسيرات المطلوبة.

و منها (ثانيا) أن النقوش المصرية المختلفة تسجل دخول الأسيويين مصر، و لكن ليس واحدا منها يشير إلى دخول بني إسرائيل أرض الفراعين، و إن كانت قد أشارت إلى العمال الأسيويين الذين كانوا يفدون إلى مصر، و يستخدمهم الفراعين في أعمال البناء، و كان يطلق عليهم «عبر» (R. P,)،

و تقرأ «عابيرو» (uirupA)، و قد استدل عليهم كثير من علماء المصريات، مثل «شاباس»، و علماء العبرية- من أمثال هومل و سكنر و درايفر و كريجلز- الذين وحوهم بالعبريين، إلا أن ذلك لم تثبت صحته بسبب الصعوبات

ص: 88

اللغوية، و أما عن عن وجود «العابيرو» في مصر، فأمر تؤيده نقوش مصرية، ترجع إلى أيام «رعمسيس الرابع» (1151- 1145 ق. م)- من الأسرة العشرين- و هي ترجع إلى فترة متأخرة عن أي تاريخ مقترح لخروج بني إسرائيل من مصر، و من هنا يمكننا- اعتمادا على سكوت المصادر المصرية- أن نستنتج أن دخول الإسرائيليين مصر، إنما هو خيال بحت، لا يعتمد على أي أساس تاريخي.

و منها (ثالثا) أن كلمة «مصرايم» التي وردت في التوراة لا تدل على مصر، و إنما على الإقليم الواقع شمال شبه الجزيرة العربية و الذي يمتد غربا حتى حدود مصر الشرقية، و لهذا فإن ما يقال عن إقامة العبريين في مصر، معناه إقامتهم في جنوب فلسطين، أو في شبه جزيرة سيناء، ذلك أن الخروج- طبقا لنظرية العالم اليهودي هوجو فنكلر- لم يحدث من مصر، إذ أن «فنكلر» يعتقد أن اسم «مصرايم» لم يكن مقصورا على الإشارة إلى مصر، و لكنه كان كذلك يشمل الإقليم الذي سماه الجغرافيون البابليون «مصر» (أو موصري)، و الذي يقع جنوب البحر الميت شمال شبه جزيرة العرب، و يمتد غربا حتى حدود مصر الشرقية و يضم جبل سعير و مدينة البتراء و أراضي مدين و أدوم.

و يعتقد «فنكلر» أن التقاليد الأصلية عند ما تحدثت عن إقامة الآباء- و بخاصة موسى- في «مصرايم»، فقد كانت تشير إلى ذلك الزمن، حيث عاش أسلاف العبرانيين في صحراء جنوب فلسطين، ثم بدأ سكان كنعان يستخدمون اصطلاح «مصرايم» على المراعي الجنوبية، و كذا على مصر نفسها، ذلك البلد الذي يقع بالنسبة إليهم فيما وراء الصحراء، و لعل مما يفسر افتراضنا هذا، أن الوادي القريب من غزة سمي «نهر مصرايم»، بالرغم من أنه كان على مسيرة ثلاثة أيام من الحدود المصرية، و من هنا فمن الممكن أن يشير اسم «مصرايم» في بعض النصوص و التقاليد العبرية إلى الصحراء

ص: 89

المصرية، و ليس إلى اسم مصر بالذات (1).

غير أن هناك كثيرا من الصعاب التي تقف عقبة كئود في سبيل قبولنا لوجهة النظر هذه، منها (أولا) أن التقاليد الإسرائيلية لا تتحدث عن مجرد الإقامة المؤقتة في «مصرايم»، و لكنها تتحدث كذلك عن استبعاد الآباء الأولين فيها، و ليس من المقبول أن بتحدث العبرانيون عن استعبادهم في مصر بهذه الصورة، لمجرد الثناء على قوة الرب التي يعزون إليها خلاصهم (2).

و منها (ثانيا) أن مصر، و إن لم تقدم دليلا مباشرا على إقامة العبريين فيها، فإنها قدمت ما يجعل الإقامة و الخروج منها أمرا مقبولا تماما، فهناك صلات عديدة بين الحياة في مصر، كما نعرفها من الآثار، و تفصيلات الرواية الإسرائيلية عن هذه النقطة (3)، ذلك لأن التقارير الخاصة عن أقدم صورة للتقاليد الإسرائيلية (في المصدر إليهوي) بشأن أسلوب الحياة في «جوشن» و مدن المخازن (رعمسيس و بيثوم)، تتفق مع الحقائق التي قدمتها الحفريات عنها (4)، هذا فضلا عن أن ما جاء بالتوراة من وصف لجو مصر و أحوالها، إنما يدل على إقامة فعلية في مصر، فقد وصفوا ماء النيل وقت الفيضان، و أشاروا إلى ما يعقب هبوط مستوى النيل بعد الفيضان من انتشار الأوبئة

ص: 90


1- حسن محمود: المرجع السابق 350، هز جز ويلز: معالم تاريخ الإنسانية 2/ 286 (ترجمة عبد العزيز جاويد)، محمد العزبي: مجلة الهلال يونية 1971 ص 65 و أنظر: مادة aidipolcycnE hsiweJ ehT في sudOXE و كذا:, nilreB, I, GVM, niaM, ahhuleM, irsuM. relkcniW. H 1898.
2- . p, tic- po. sdoL. A 169
3- F. ygolocahcrA lacilbiB, thgirW. E. G 53. p. 1956. و كذا. p. tic- po nageniF. J 134.
4- , P. tic- po sdoL. A 169.

و الأمراض (1)، فطبقا للمؤرخ العبراني أن سبب ذلك هو أن ماء النيل يصبح «محمرا» و غير صحي في فصول معينة من السنة، و أن أسراب الضفادع إنما تتكاثر بعد الفيضان، كما أن البعوض يتكاثر بعد انحسار المياه، و هكذا اعتقد الإسرائيليون أن مصر قد أصبحت لهذا السبب بلد الأمراض الوبائية و المستوطنة (2).

و منها (ثالثا) أن بعض أسماء الأعلام الإسرائيلية من أصل مصري، فمثلا «فينحاس» و معناه «زنجي»، و كذا موسى و هو اسم مصري (3)- كما سوف نشير إلى ذلك بالتفصيل فيما بعد-، و منها (رابعا) أن هناك فقرات كاملة من أدب الحكمة في مصر، قد ظهرت في كتابات الإسرائيليين، كما في المزامير و كتب الحكمة (4) و أعمال أنبياء بني إسرائيل (5)، و كلها تظهر صلة الأدب العبري بالأدب المصري (6).

ص: 91


1- حسن محمود: المرجع السابق ص 351.
2- , p. tic- po. sdoL. A 170.
3- . P, tic- op, nageniF. J 134.
4- قارن بين الرموز 104 و نشيد أخناتون، و بين المزامير بصفة عامة و قصائد المديح المصري في الإله آمون رع، ثم قارن بين سفر الأمثال في التوراة و تعاليم الحكيم المصري أمنمؤوبي.
5- F, LSJA, htimS. M. J 172. p، 49. و كذا, RBJ, htimS. S. W. 15- 12. p، 19 و كذا. P, tic- po, nagniF. J 134.
6- قدم لنا «أوسترلي» أهم خصائص الأدب المصري التي تشبه خصائص الأدب العبري، و التي منها (أولا) أن القصائد مقسمة في كل منهما إلى فقرات و أبيات، و منها (ثانيا) تكرار استخدام التماثل، فتأخذ الفكرة في كل منهما تعبيرا مزدوجا، حتى أن السطر يتكون فيها من جملتين قصيرتين، توجد فيهما نفس الفكرة بصيغة مختلفة عن الأخرى، و منها (ثالثا) أن السطور الشعرية في كل من الأدبين تحتوي على عدد محدد و منتظم من الأنغام، و منها (رابعا) تكرار التلاعب بالألفاظ، و ورود ألفاظ كثيرة متشابهة التطور جنبا إلى جنب و منها (خامسا) الاستعمال الغريب الذي يظهر أحيانا في أخذ كلمة وردت في سطر، ثم تكرر في السطر التالي، كما كانت الاستعارة كثيرة الاستعمال أيضا، و من كل هذا- و لوجود هذه الصور في الأدب العبري- استنتج العلماء أن اليهود قد اعتمدوا في التركيب النهائي لأدبهم الشعري على النماذج المصرية بدرجة ما، و بخاصة في مجالات رئيسية ثلاث، هي: الشعر الديني، و كتابات الحكمة، و الشعر غير الديني (أنظر:, drofXO, tpygE, tneicnA eht fo erutaretiL eht, namrE. A 242- 241. p، 1947.

و منها (خامسا) أن هناك نصوصا صريحة في التوراة تتحدث عن دخول الإسرائيليين مصر، بل و قد ذكر كذلك أسماء الذين دخلوا منهم أرض الكنانة (1)، فضلا عما جاء في القرآن الكريم بهذا الشأن (2).

و في الواقع- و كما أشرنا آنفا- أن التوراة ليست وحدها من بين الكتب المقدسة التي تحدثت عن دخول بني إسرائيل مصر، و إنما ذلك أمر تجمع عليه الكتب المقدسة الثلاثة، فالإنجيل يقول في الرسالة إلى العبرانيين:

«بالإيمان يوسف عند موته ذكر خروج بني إسرائيل، و أوصى من جهة عظامه، بالإيمان موسى لما كبر أبى أن يدعي ابن ابنة فرعون، مفضلا بالأحرى أن يذل مع شعب اللّه (3).

و أما القرآن الكريم، فإنه يتحدث بصراحة عن إقامة يوسف في مصر، و عن قدوم يعقوب و بنيه إليه فيها، يقول سبحانه و تعالى: وَ قالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً (4)، و يقول:

فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَ قالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ، وَ رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَ خَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَ قالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَ قَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَ جاءَ بِكُمْ مِنَ

ص: 92


1- تكوين 46: 1- 27.
2- سورة يوسف: آية 99.
3- الرسالة إلى العبرانيين 11: 22- 29.
4- سورة يوسف: آية 21.

الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَ بَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (1).

ثم يتحدث كتاب اللّه الكريم بعد ذلك عن حياة بني إسرائيل في مصر، و عن نماذج العذاب الذي أنزله فرعون مصر و جنده ببني إسرائيل، من ذلك قوله تعالى: وَ إِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَ يَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَ فِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (2)، و يقول:

وَ إِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَ يَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَ فِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (3)، و يقول: وَ إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَ يَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَ فِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (4).

و ليس هناك من ريب في أن إنكارنا لأمر تجمع عليه الكتب المقدسة لا يتفق و منتج البحث العلمي، فضلا عن تعارضه مع إيماننا بما جاء في كتب السماء- الأمر الذي لا يقره منطق أو عقل أو دين، فضلا عن العلم نفسه- هذا إلى أن جمهرة المؤرخين و أساتذة علم اللاهوت إنما يتحدثون عن قصة يوسف في مصر.

ص: 93


1- سورة يوسف: آية 99- 100.
2- سورة البقرة: آية 49، و أنظر: تفسير الكشاف 1/ 137- 138، تفسير الطبري 2/ 36- 39، تفسير النسفي 1/ 49، تفسير روح المعاني 1/ 252- 254، تفسير الطبرسي 1/ 231- 235، التفسير الكاشف 1/ 98- 100 (لمحمد جواد مغنية)، تفسير البحر المحيط 1/ 187- 188، تفسير المنار 1/ 308- 313، تفسير ابن كثير 1/ 128- 129 الدر المنثور في التفسير بالمأثور 1/ 68- 69، في ظلال القرآن 1/ 70- 72، تفسير الجواهر ص 1/ 59- 61.
3- سورة الأعراف: آية 141.
4- سورة إبراهيم: آية 6.

و يضيف «كيلر» إلى ذلك، أن قصة بيع الإسماعيليين للصديق عليه السلام إنما هي جد مقبولة، ذلك لأن القوم إنما كانوا يترددون على مصر لبيع التوابل و العطور التي كانت تستخدم في الخدمة الدينية، ذلك لأن هذه الأخشاب العجيبة ذات الرائحة الزكية إنما كانت تحرق في المعابد، و يستخدمها الأطباء في إبراء المرضى، و الكهان في تحنيط أجساد الموتى من النبلاء (1)، بل إن هناك ما يشير إلى أن هذه التجارة قد استمرت إلى زمن متأخر جدا بعد هذا الحادث، فهناك كتابة مدونة بخط المسند في الجيزة، ذهب «أدولف جرومان» إلى أنها إنما ترجع إلى عام (264- 263 ق. م) (2)- و ربما إلى ما بعد عام 261 ق. م، أو حتى إلى عام 159 ق. م، فيما يرى بعض الباحثين (3)- و تشير إلى وجود جالية معينة كانت تقيم في مصر، و تتجر في الطيب و البخور، ثم «فوطيفار» و هو اسم رئيس الشرطة المصري الذي اشترى يوسف الصديق، و هو اسم وطني تماما، فهو يعني في المصرية القديمة (با- دي- بارع) بمعنى «عطية الإله رع» (4).

و هكذا يبدو لنا بوضوح أن الروايات الإسرائيلية التي تتحدث عن إقامة القوم في مصر إنما هي روايات جد صحيحة، و أنه ليس من الغريب أن تستضيف أرض الكنانة على حدودها الشرقية بعضا من البدو و الرعاة، فذلك أمر عهدناه كثيرا طوال تاريخ مصر على أيام الفراعين، و إن كان يختلف في فترات ضعفها عنه في فترات قوتها.

و من النوع الأول ما حدث في أوائل عصر الثورة الاجتماعية الأولى، حين ضعفت البلاد من الإجهاد الداخلي الذي أصابها في أعقاب الدولة

ص: 94


1- . p, tic- po, relleK. W 103- 103
2- , nehcnuM, naibarA, nnamhorG. A 26. p، 1963
3- فؤاد حسنين: التاريخ العربي القديم ص 269، و كذا. ROSAB. 7. p، 1939، 73
4- , yrotsiH sA elbiB ehT, relleK. W 103. p، 1967

القديمة، فتركت الحدود مفتوحة دونما أية حماية، و من ثم فقد تدفق البدو الأسيويون إلى الدلتا و استقروا فيها (1).

و من النوع الثاني تلك القبيلة الآسيوية التي صورت على مقبرة «خنم حتب» ببني حسن، من عهد «سنوسرت الثاني» (1897- 1877 ق م)، وعدتها 37 شخصا، يتقدمهم رئيس الجماعة «أبشاي» (2)، و من هذا النوع كذلك ما عرف «بتقرير موظف الحدود»؛ و الذي يرجع إلى السنة الثامنة من عهد «مرنبتاح» (1224- 1214 ق م)، و قد جاء فيه: أنه سمح لقبائل البدو من أدوم بدخول الدلتا الشرقية، ليظلوا أحياء و لتظل ماشيتهم حيّة، و يشير هذا الموظف إلى أن هناك أياما يستطيع البدو فيها أن يدخلوا من استحكامات الحدود لمثل هذه الأغراض (3).

و بدهي أننا لا نستطيع القول أن واحدة من هذه الهجرات الأسيوية إنما هي هجرة العبرانيين إلى مصر، إلا أن تقرير موظف الحدود هذا يبدو منه أن تقاليد التوراة إنما تشير إلى نوع من الأحداث التي كانت تقع في أغلب الأحايين، كما يصور كذلك نوع الباعث الذي قاد الإسرائيليين إلى مصر (4).

و هكذا نستطيع أن نصور دخول الإسرائيليين مصر- فيما يرى أدولف لودز- بأن جماعة من البدو العبرانيين من الصعب أن نطلق عليهم اسم قبائل- و الذين كوّنوا فيما بعد بيت يوسف (أفرايم و منسي و بنيامين)، ثم لحقت بهم

ص: 95


1- محمد بيومي مهران: الثورة الاجتماعية الأولى في مصر الفراعنة ص 99، حركات التحرير في مصر القديمة ص 73- 88.
2- جيمس بيكي: الآثار المصرية في وادي النيل- الجزء الثاني ص 72- 73.
3- TENA، 259. p، 1966. و كذا. p, tic- po, sdoL. A 172- 171 و كذا. p, tic- po, nosliW. J 258 و كذا. 636 f. oN, III, tpygE fo sdroceR tneicnA, detsaerB. H. J
4- . P, tic- pO, htroN nitraM 113.

قبائل أخرى، و أجزاء من قبائل- قد سمح لهم بالاستقرار على حدود مصر في منطقة رعوية، تقع بين الدلتا و الصحراء الشرقية (العربية)، ذلك لأنهم كانوا قد اضطروا أن يتركوا أماكنهم المعتادة، بسبب مجاعة ألمت بهم نتيجة الجفاف، على رواية، و بسبب إخوتهم- أي البدو الآخرين- طبقا لرواية أخرى (قصة يوسف في التقاليد العبرية و غيرها (1)). و الأمر بهذه الصور مقبول نوعا ما رغم اختلافه في بعض الأمور مع رواية الكتاب المقدس.

و يبدو أن هذا الخلاف بين روايات التوراة و آراء المؤرخين لم يكن مقصورا على دخول الإسرائيليين مصر، و إنما امتد كذلك إلى الأسباط التي عاشت في مصر كذلك، و من ثم فإنه على الرغم من أن التوراة تروي في سفر التكوين أن يوسف قد استدعى أباه و إخوته جميعا للإقامة معه في أرض الكنانة، و أن يعقوب قد أتى إلى مصر، (و معه كل نسله، بنوه و بنو بنيه معه، و بنات بنيه و كل نسائه، جاء بهم معه إلى مصر) (2)، هذا فضلا عن أن التوراة إنما ذكرت أسماء بني إسرائيل الذين جاءوا إلى مصر و عددهم. (3)

رغم هذا كله، فإن هناك فريقا كبيرا من المؤرخين يذهب إلى أن هناك جزءا كبيرا ممن أطلق عليهم اسم «الإسرائيليين» لم تطأ أقدامهم أرض النيل أبدا، أو على الأقل- فيما يرى البعض- لم يبقوا بها حتى الخروج المشهور على أيام موسى، عليه السلام، و هكذا رأينا «تيودور روبنسون» يذهب إلى أن شعب إسرائيل الذي يتحدث التاريخ عنه، إنما يشمل عشائر كثيرة لم تطأ أقدامها أرض مصر مطلقا، بل إن الإصحاح الثامن و الثلاثين من سفر التكوين قد يفهم منه أن يهوذا قد استقر في الجزء الجنوبي من كنعان، و أن

ص: 96


1- . 171. p, tic- po, sdoL. A
2- تكوين 45: 16- 28.
3- تكوين 46: 7- 27، أنظر: سورة يوسف: آية 93- 101.

قبيلة أشير كانت قد أقامت في ديارها التي استقرت فيها عند ولادة موسى (1)، و يكاد «فيليب حتى» يعتقد أن الإسرائيليين الذين دخلوا مصر، إنما هم قبيلة «راحيل» (أفرايم و منسي و بنيامين)، في زمن الهكسوس (2).

و يرى «ستانلي كوك» أن الذين هبطوا مصر لم يكونوا كل الإسرائيليين، و أن أولئك الذين بقوا في كنعان إنما كانت لهم تقاليد جد مختلفة عن تلك التي حدثت في الخروج (3)، و الأمر كذلك بالنسبة إلى دائرة المعارف اليهودية، و يتجه «السير فلندرز بتري» نفس الإتجاه، مستندا في ذلك إلى وجود أسماء مثل «يعقوب إل» و «يوسف إل»، في قوائم انتصارات فرعون مصر العظيم «تحوتمس الثالث» (1490- 1436 ق. م)، ثم يفترض بعد ذلك أن هذه الأسماء، إنما هي أسماء أولئك الإسرائيليين الذين عادوا إلى كنعان مباشرة بعد انتهاء القحط الذي ألم بها (4).

و أما المؤرخ اليهودي «سيسل جوزيف روث»، فالرأي عنده أن بيت يوسف- متضمنا سبطي أفرايم و منسي- هم الذين كانوا في مصر، و من ثم فإنه يذهب إلى أن موسى نفسه إنما كان عبرانيا أو إسرائيليا، مع نوع من الانتساب المصري، و في كل الاحتمالات فإن الكليم إنما ينتمي إلى قبيلة أفرايم، أكثر من انتمائه إلى قبيلة لاوى، التي نسب إليها عن طريق التقاليد العبرية، ثم يرى بعد ذلك أن هناك موجات بدوية كثيرة دخلت فلسطين، و أن أكثرها أهمية تلك التي دعيت «بيت يوسف».

و من هنا، فالرأي عنده أن هناك بعضا من القبائل الإسرائيلية لم تكن قد

ص: 97


1- تيودور روبنسون: تاريخ العالم- إسرائيل في ضوء التاريخ، ترجمة عبد الحميد يونس ص 108.
2- فيلب حتى: المرجع السابق ص 193.
3- . p, tic- po. kooC. A. S 360.
4- , nodnoL, learsI dnatpygE, eirteP. M. W 34، p، 1925.

شاركت في العبودية المصرية أو في الخروج من مصر، و بخاصة قبيلة يهوذا، و التي كانت بطنا كنعانيا، أكثر منه جماعة أرامية مهاجرة، و قد دخلت هذه القبيلة في المجموعة الإسرائيلية و امتصت مظاهرها القومية في تاريخ متأخر نسبيا، و ربما كان ذلك في عصر الحروب و العناء الطويل الذي نجح آخر الأمر في إدخال العبرانيين إلى فلسطين (1).

و يرى «أدولف لودز» أن الجزء الأكبر من القبائل الإسرائيلية لم تهاجر إلى مصر، و إنما عاشوا حياة حل و ترحال حول الواحات الجنوبية (بئر سبع و قادش)، و أن بعض هذه القبائل هو الذي ذهب مهاجرا إلى مصر، و هناك استعبدهم «رعمسيس الثاني» (1290- 1224 ق. م)، أو أحد أسلافه، ثم هربوا بعد فترة و نصبوا خيامهم في واحة قادش، و يبدو أنهم اتحدوا هناك مع القبائل التي بقيت في هذا الإقليم، و كونوا معا أمة واحدة (2).

و أما «هوجو جرسمان» فالرأي عنده أن القبائل التي نزلت إلى مصر إنما كانت قبائل بيت يوسف، و ربما شمعون، و من المحتمل كذلك لاوى، و لكن الجزء الأساسي من الإسرائيليين قد بقي في فلسطين (3).

و يرى «مارتن نوث» أن الرحيل من مصر، و الخلاص الذي تم عن «طريق البحر»، لا يفترض عدد أكبر من قبائل كاملة، و إنما جماعة صغيرة كانت في موقف يضطرها بسبب صغر حجمها إلى الهروب، و أما اسم الجماعة فهي «جماعة راحيل» التي يقع الاختيار عليها غالبا بسهولة، و لكن الأسباب التي تدعو إلى ذلك لا تبدو سليمة تماما، و على أي حال، فإنه من الخطأ أن نسأل عن: أي القبائل الإسرائيلية هي التي كانت في مصر، لأن

ص: 98


1- , p, elpoeP hsiweJ eht fo yrotsiH trohS A, htoR. J. C 8- 7.
2- . p, tic- po, sdoL. A 189- 188.
3- . p, dibI 184.

هذه القبائل الإسرائيلية قد تكونت في وحدات معينة عند ما وصلت إلى فلسطين فحسب، و أنها قد أخذت أسماءها المعروفة هناك في فلسطين كذلك.

و على أي حال، فيمكن الظن بأن هؤلاء المهاجرين إلى مصر، إنما كانت لهم صلات بهذه البلاد في أوقات تغيير المرعى، و ربما رجع هؤلاء المهاجرون إلى نفس الإقليم مرة أخرى بعد الخروج من مصر، و إن كنا لا ندري كيف حدث هذا، و أيا ما كان الأمر، فإن العناصر التي أتت إلى مصر إنما قد وصلت إلى حدود أقاربها الذين كانوا يعيشون في مجاورات فلسطين، و ربما كانوا على صلة بهذه البطون إبان إقامتهم في مصر، و أنهم قد أخبروهم بقصة «معجزة الخلاص الإلهية» التي أثرت فيهم بعمق، لدرجة أنهم نقلوا القصة إلى كل مكان، ثم إلى أحفادهم من بعدهم، على أنها قد حدثت لهم جميعا، و ليس فقط إلى هؤلاء الذين كانوا في مصر و بهذه الطريقة كان الاعتراف بالعقيدة في اللّه، الذي أوضح عن نفسه بمهابة، و ذلك عن طريق تخليصهم من أيدي المصريين القوية، ثم أصبحت هذه القصة ملكية شائعة لكل بني إسرائيل، و واحدة من الأسس الخاصة بالعقيدة التي كانت حيوية في نظام اتحاد القبائل الاثني عشر، تحت حماية قانون الرب الإجباري (1).

[4] عصر يوسف عليه السلام:-
اشارة

يختلف العلماء في تحديد عصر يوسف عليه السلام، و بالتالي في وقت دخول بني إسرائيل مصر، و لعل السبب الأساسي في ذلك أن التوراة و القرآن العظيم، لم يحددا وقتا لدخول الصديق عليه السلام أرض الكنانة، بل إنهما حتى لم يذكرا اسم الملك الذي عاصر يوسف الصديق عليه السلام، هذا

ص: 99


1- . p, tic- po, htoN nitraM 119- 117.

فضلا عن أن مصر- و هي البلد التي كان يأمل العلماء أن يجدوا فيها وثائق معاصرة للأحداث التي جاءت في التوراة- لم تشر أبدا إلى هبوط الإسرائيليين إليها، بل ليست هناك أية إشارة في التاريخ المصري القديم إلى إسرائيل، فيما قبل عصر مرنبتاح (1224- 1214- ق. م)، و من هنا كان الخلاف بين العلماء على تحديد ذلك العصر الذي دخل الإسرائيليون فيه مصر، فهناك من رأى أنهم قد هبطوا مصر على أيام الهكسوس (حوالي 1725- 1575 ق. م)، و هناك من تأخر بهم إلى أيام أمنحتب الثاني (1436- 1413 ق. م).

[1] الرأي الأول:

يذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن عصر الهكسوس (1) إنما هو العصر الذي هبط بنو إسرائيل فيه مصر، معتمدين في ذلك على أدلة كثيرة، منها (أولا) أن التوراة تروي في سفر التكوين أن يوسف كان يركب في عربة الفرعون الثانية على أساس أنه «نائب الملك»، و في هذا دلالة على عصر الهكسوس، ذلك لأن «حكام البلاد الأجنبية» هؤلاء، إنما كانوا أول من أدخل عربة الحرب السريعة إلى مصر، و منها (ثانيا) أن الهكسوس هم أول من استعمل العربات الرسمية في المناسبات العامة في مصر، و كانت العربة الأولى من نصيب الملك، بينما كانت الثانية من نصيب وزيره الأول (2).

و منها (ثالثا) أن «ساكن الرمال» ما كان يستطيع أن يصل إلى منصب الوزير على أيام الفراعين المصريين في تلك العصور المجيدة من تاريخ

ص: 100


1- أنظر عن عصر الهكسوس: محمد بيومي مهران: «حركات التحرير في مصر القديمة» (و هو الجزء الثالث من سلسلة «دراسات في تاريخ الشرق الأدنى القديم»)- دار المعارف- القاهرة 1976، ص 127- 130، 211.
2- . p, tic- po, relleK. W 105- 103.

الكنانة، ذلك لأن البدو إنما كانوا يعملون في تربية الحمير و الغنم و الماعز «و أن كل راعي غنم رجس عند المصريين» (1)، و من هنا، و في عهد سيادة الهكسوس فحسب، يجد الأسيوي الفرصة سانحة ليصل إلى أعلى المراكز في الدولة- و الأمر كذلك في أيام الضعف- و من هنا فقد وجدنا موظفين يحملون أسماء سامية في عصر الهكسوس (2) و إن كانت نبوة يوسف و تأويله الأحاديث هما سبب وصوله إلى منصبه، و ليس لأنه أسيوي.

و منها (رابعا) أن هناك «جعولا» من ذلك العصر، جاءت بها أسماء رؤساء مثل «يعقوب حر» و «عنات حر»، و مهما يكن معنى «حر» هذه، فإن «عنات» هي الإلهة السامية المعروفة، و إنه لمن الصعب أن ننحى وجهة النظر القائلة بأن الأب يعقوب قد خلد ذكره في الإسم الآخر (3)، مما جعل المؤرخ الأمريكي «جيمس هنري برستد» يعتبر ذلك إشارة إلى أن قائد قبيلة يعقوب الإسرائيلية، ربما نال الفرصة ليصل إلى بعض السلطة في وادي النيل في تلك الفترة المظلمة، و التي تتناسب مع احتمال دخول بني إسرائيل إلى مصر وقت ذاك.

و منها (خامسا) ما ذهب إليه «حبيب سعيد» من أن دخول الإسرائيليين إلى مصر، إنما حدث خلال حكم الهكسوس لمصر، لأنه في مثل هذا الاضطراب التاريخي فقط، يتسنى لهم أن يلقوا ترحابا، و هم الغرباء النازحون، و منها (سادسا) أن هناك من الباحثين من يجعل الهكسوس من أصول سامية شمالية غربية، (شمال غربي الجزيرة العربية) و من ثم فهم

ص: 101


1- تكوين: 46: 34.
2- . p, tic- po, relleK. W 107- 105.
3- . p, shoarahP eht fo tpygE, renidraG. A 157.

أقرباء للعبرانيين، مما جعل يوسف العبراني يجد الفرصة ليصل إلى مركز القوة في البلاط المصري (1)، و بالتالي فقد قوبل أبوه و إخوته بالترحاب من الهكسوس الساميين، و الذين سمحوا لهم بالإقامة في «جوشن» (2).

و منها (سابعا) ما ذهب إليه بعض الباحثين من أن دخول الإسرائيليين إلى مصر، إنما كان في عصر الهكسوس، على أساس أن هذا يعطي الإسرائيليين أربعة قرون كفترة إقامة في مصر، حتى تم طردهم منها على أيام رعمسيس الثاني (3) أو ولده و منها (ثامنا) ما ذهب إليه «فلندرز بيتري» من أن عصر يوسف إنما كان على أيام الهكسوس، و يظهر ذلك عن طريق اللقب البابلي الذي أعطى له، و هو" kerbA"، و الذي هو" uhkarabA"، و هو واحد من ضباط الدولة الخمسة العظام (4).

و منها (تاسعا) ما ذهبنا إليه من قبل من أن القرآن الكريم قد حرص في سرده لقصة يوسف، على أن يلقب الحاكم الذي عاصره بلقب «ملك» (5)، بينما حرص على أن يلقب الحاكم الذي عاصر موسى بلقب «فرعون»، و قد أثبتنا من قبل أن لقب «فرعون» (6) لم يستعمل للدلالة على شخص الملك إلا منذ أيام تحوتمس الثالث (7)، و بصفة مؤكدة منذ أيام «أخناتون» (8)، مما يدل

ص: 102


1- , m siaduJ, nietopE. I 15. p، 1970.
2- . 4. P,. tiC- pO, htoB. C
3- . 242. P,. tiC- pO. xuoR. G
4- . P, tiC- pO, eirteP. F. M. W 27.
5- سورة يوسف: آية 43 و 50 و 4 fo ycageL eht ni, learsI dna tpygE, yelretseO. E. O. W F
6- سورة الأعراف: آية 103- 104، 109، 112، 123، 117، 117، يونس. آية 75، 76، 83، 88، 90، هود: آية 97، الإسراء: آية 101- 102، طه: آية 24، 43، 60، 78، 79، المؤمنون: آية 46 ... و هكذا.
7- . P,. tiC- pO, renidraG A 52.
8- , rammarg naitpygE, renidnaG A 75. p، 1966.

على أن عصر يوسف إنما كان قبل عصر الأسرة الثامنة عشرة التي أستعمل فيها لقب «فرعون» (1)، و بالتالي فهو في عصر الهكسوس.

و منها (عاشرا) أن هناك ما يشير إلى أن يوسف قد وصل إلى ما وصل إليه من النفوذ في عصر الهكسوس- و ربما ليس بعد عام 1700 ق. م- ففي سفر التكوين ما يشير إلى أن قصر الملك لم يكن بعيدا عن «أرض جوشن»، و هذا يعني أن العاصمة المصرية كانت في منطقة الدلتا، و هو أمر يتفق و عصر الهكسوس، حيث كانت عصمتهم «أواريس» (حت و عرت- صان الحجر الحالية)، هذا فضلا عن أن سفر الخروج يقرر أن مدة إقامة الإسرائيليين في مصر، إنما كانت 430 سنة (2)، و حيث أن الخروج قد تم بعد عام 1300 ق. م (الأمر الذي سنناقشه فيما بعد)، فإن ذلك يرجع بعهد يوسف إلى حوالي عام 1700 ق. م، و هي فترة تتفق و حكم الهكسوس (3).

بل إننا نستطيع أن نصل إلى نفس النتيجة من إشارة سفر التكوين من أن قصر الملك كان في «أرض جوشن»، ذلك أن عاصمة مصر لم تكن في الدلتا الشرقية إلى في عصر الهكسوس، ثم في عصر الرعامسة بعد ذلك، حيث كانت «أواريس» في العصر الأول، و «بر- رعمسيس» في العصر الثاني، و لما كان عصر يوسف لا يمكن أن يكون- بحال من الأحوال- في عصر الرعامسة، فهو إذن في عصر الهكسوس، بل إنني أعتقد أن تحديد إقامتهم في أرض جوشن- و هي منطقة نفوذ الهكسوس الأساسية، و قاعدة هذا النفوذ، كما نعرف- إنما يعد دليلا على أن عصر وجود الإسرائيليين في مصر، إنما كان على أيام الهكسوس.

ص: 103


1- , ogacihC, tpygE tneicna fo erutuc eht, nosliW. A. J 102. p، 1963، و انظر عبد العزيز صالح: حضارة مصر القديمة و آثارها، الجزء الأول القاهرة 1962، ص 30- 31.
2- خروج 12: 40.
3- . p, elbiB eht ot saltA lacirotsiH retsenimtseW ehT 28.

و منها (حادي عشر) أن هناك ما يشير إلى أن يوسف قد حمل إلى مصر، حيث كانت تجارة الرقيق من البنين و البنات الأسيويين تلقي يومئذ رواجا دلّ عليه ما كشفت عنه بردية في متحف بروكلين (1) بالولايات المتحدة الأمريكية، فقد جاء فيها ذكر ما يربو على أربعين أسيويا من نيف و ثمانين، كانوا يعملون خدما في بيت واحد من عصر الأسرة الثالثة عشرة قبل مجي ء الهكسوس، و لم يكن من سبيل بحكم ما هو معروف من تاريخ تلك الفترة، و أحوال مصر المتواضعة، أن يكون هؤلاء مع إخوان لهم في بيوت أخرى، من أسرى الحرب في زمان لم تقع فيه حروب (2).

و أما عدم ذكر «يوسف» في الآثار المصرية، رغم أنه شغل منصب الوزير للملك، فهذه- فيما أظن- هذا الرأي و لا ننقضه، إذ لو كان يوسف عاش في غير عصر الهكسوس، لكان من الممكن أن نعثر على دليل أثري يؤيد وجوده، أو على الأقل يشير إلى الأحداث التي روتها التوراة، ذلك لأن التاريخ المصري، رغم أنه يمتاز على تاريخ الشرق الأدنى القديم بوضوحه و كثرة آثاره، فإن عصر الهكسوس بالذات يمتاز بالغموض، بل إنه ليعد واحدا من أغمض فترات التاريخ المصري القديم، ذلك لأن المصريين ما كانوا براغبين في تسجيل ذكرى هذا العصر البغيض إلى نفوسهم (3)، بل إنهم لم يحاولوا حتى الإشارة إليه إلا على أيام الملكة «حتشبسوت» (4)، (1490- 1468 ق. م)، هذا فضلا عن تدميرهم لآثار الهكسوس بعد نجاحهم في طردهم و تحرير البلاد من سيطرتهم.

أضف إلى ذلك كله، أن يوسف، على الرغم من أنه كان ذا مكانة في

ص: 104


1- muesum nylkoorB eht ni modgniK elddim etaL eht fo surypapA seyaH .C .W 1955.
2- أحمد عبد الحميد يوسف: المرجع السابق ص 43.
3- أنظر: كتابنا «حركات التحرير في مصر القديمة» ص 103- 106.
4- أنظر:, AEJ renidraG. A 48- 45. p، 1946، 32.

حكومة مصر، غير أنه لم يعد أن يكون وزيرا فحسب، و أن كل عمل عظيم يقوم به و يستحق التسجيل، إنما كان ينسب إلى الملك، الذي كانت النقوش تهدف إلى تعظيمه و الإشادة بذكره، لأن كل شي ء كان في مصر من وحيه هو، و على ذلك فإن اسم يوسف لم يكن ليظهر بطبيعة الحال (1).

و انطلاقا من هذا، إذا أردنا أن نحدد- قدر استطاعتنا، و في الوقت نفسه حدسا غير يقين- ملك مصر الذي عاصر الصديق، مستعينين في ذلك بقوائم الملوك من تلك الفترة، و مستعينين في الوقت نفسه بالمصادر الإسلامية، لوجدنا أن واحدا من ملوك الهكسوس كان يدعي «سا أوسر إن رع- خيان» (2) من ملوك الأسرة الخامسة عشرة الهكسوسية- أي في بداءة عصر الهكسوس- لوجدنا في الوقت نفسه، أن المصادر الإسلامية تذكر أن ملك مصر على أيام الصديق، إنما كان من ملوك العرب، المعروفين بالرعاة (الهكسوس) (3) و أنه كان يدعي «الريان» (4)، و إني لأظن- و ليس كل الظن إثما- أنه ليس من الصعب كثيرا تصحيف الإسم «ريان» إلى «خيان» و إن كانت هناك قصة قديمة تجعلهم يصلون مصر على أيام الملك (إيبيبي (5)).

ص: 105


1- سليم حسن: مصر القديمة- الجزء السابع- القاهرة 1950 ص 107- 10.
2- أنظر: عن هذا الملك: محمد بيومي مهران: حركات التحرير في مصر القديمة ص 145- 148، و كذا fo tpygE. renidraG. A و كذا, AEJ, hgrebredaS- evasg .. T 63. p، 1951، 37. erneneqeS ot, III, semenemmA fo htaeD eht morf tpygE, seyaH. C. W و كذا. p, shoarahP 158, egdirbmaC, II 22. p، 1965.
3- محمد رشيد رضا: تفسير سورة يوسف، القاهرة 1936 ص 68.
4- الإمام الطبري: تاريخ الطبري 1/ 325- 336، تفسير الطبري 16/ 17 الإمام ابن كثير: قصص الأنبياء 1/ 306، تفسير ابن كثير 4/ 306، تاريخ ابن خلدون 2/ 75- 76، المسعودي: مروج الذهب 1/ 61، سعد زغلول عبد الحميد: في تاريخ العرب قبل الإسلام ص 104 (بيروت 1975).
5- نجيب ميخائيل: مصر و الشرق الأدنى القديم 1/ 403.
(ب) الرأي الثاني:

و يذهب إلى أن الإسرائيليين قد هبطوا مصر على أيام «أمنحتب الثاني» (1436- 1413 ق. م) و ينادى به «برني و جرسمان»، ذلك أن «برني» كتب في عام 1918 م مقالا عن الموضوع (1)، ثم عاد إليه مرة أخرى في عام 1920 م في تعليقه على «سفر القضاة» (2)، و فيه رأي: أن بعضا من قبائل العبريين قد استقر في مصر على أيام الهكسوس و طردوا منهم و هذا يتفق مع هبوط إبراهيم الخليل- عليه السلام- مصر، و خروجه منها (3).

هذا و قد وجد تحوتمس الثالث في فلسطين إحدى المجموعات العبرية، و تدعى «يعقوب إل»، بعد أن طردها الآدوميون من كنعان (هروب يعقوب من عيسو)، ثم غزت البلاد مرة أخرى (غزو الخابير و حوالي عام 1400 ق. م) لأن «لابان»- صهر يعقوب و خاله- كان يتعقبهم (أي القبائل الآرامية و ساجاز تل العمرانية)، و أن هؤلاء الخابير و الذين سموا «عابيرو» (العبرانيين) قد وجهوا هجومهم نحو «شكيم» بصفة خاصة، و أن جماعة منهم- متضمنة يوسف، و ربما شمعون و لاوى- قد أخذت طريقها نحو مصر أثناء حكم أمنحتب الثاني، حوالي عام 1435 ق. م، لأن هؤلاء قد استقروا هناك- طبقا للترجمة السبعينية- مدة 215 (4) عاما، و لكن الجزء الأساسي من الإسرائيليين قد بقي في فلسطين، و من ثم فقد ذكر سبط «أشير» في سجلات «سيتي الأول» (1309- 1291 ق. م) و رعمسيس الثاني (1290- 1224

ص: 106


1- ., naanaC ni tnemeltteS learsI, yenruB. F. C 1918.
2- ., segduJ fo kooB eht, yenruB. F. C 1920.
3- تكوين 12: 10- 20.
4- خروج 12: 40- 41، مع ملاحظة أن بعض المصادر الإسلامية ذهبت إلى هذا الإتجاه (أبو الفداء: المختصر في أخبار البشر 1/ 20، ابن حزم الفصل في الملل و الأهواء و النحل- الجزء الأول ص 10).

ق. م)، و الأمر كذلك بالنسبة إلى إسرائيل عصر مرنبتاح، أو في فترة الاضطرابات التي تلت موته (1).

و أما الملامح الخاصة لنظرية «جرسمان»، فهي ضغط الأحداث إلى أقصر فترة زمنية ممكنة، فهو يرى أن الخابير و ينتمون إلى موجة من موجات الغزاة الآراميين سابقة للتي أتت بالإسرائيليين، و أن الأخارى قد و صلوا إلى حدود فلسطين حوالي عام 1300 ق. م، و أن جزءا منهم قد اتجه إلى مصر مباشرة، و أقاموا هناك فترة جيلين فقط، و هو الزمن الذي يتطلبه الجزء الأقدم من التقاليد الإسرائيلية (2)، و لنقل أنها كانت خمسين عاما، و أنهم هربوا أثناء حكم فرعون الاضطهاد، و استقروا في كنعان حوالي عام 1230 ق. م، و من ثم فليس من الغريب أن يذكر مرنبتاح إسرائيل بين الشعوب التي أخضعها أثناء حملته إلى فلسطين.

على أن هناك كثيرا من العقبات التي تقف في وجه قبولنا لرأي «برني» هذا، منها (أولا) أنه يتعارض تماما مع التوراة- مصدرنا الأساسي في هذه الفترة من تاريخ بني إسرائيل-، ذلك لأن التوراة إنما تذهب إلى أن بني إسرائيل إنما قدموا إلى مصر، بسبب مجاعة حلت بأرض كنعان، ثم بدعوة من يوسف- عليه السلام (3)- و ليس بسبب طرد الآدوميين لهم، و منها (ثانيا) أنه يختصر مدة إقامة بني إسرائيل في مصر إلى 215 عاما، و التوراة صريحة في ذلك، إذ تحدد مدة إقامتهم ب 430 عاما (4)- و إن كان ما ذهب إليه يتفق مع الترجمة السبعينية.

ص: 107


1- . p, tic- po, sdoL. A 185- 184.
2- تكوين 15: 16، خروج 1: 6- 8، 6: 20.
3- سورة يوسف: آية 58- 100، تكوين 41: 56- 45: 28.
4- خروج 12: 40- 41.

و منها (ثالثا) أنها ترتبط بين نزول إبراهيم و خروجه منها، و بين عهد الهكسوس، الأمر الذي رفضناه من قبل، و منها (رابعا) أنها ترتبط بين روايات إسرائيلية تتعلق بأحداث مبكرة في فلسطين، و بين قصة دخول الإسرائيليين مصر، و منها (خامسا) أنها تجعل دخول الإسرائيليين مصر، إنما كان مقصورا على أسباط معينة، علما بأن التوراة تجعل ذلك للإسرائيليين عامة (1).

و منها (سادسا) أن يوسف الصديق كان- كما هو معروف- قد شغل منصبا كبيرا في الدولة، و لم يكن من عامة القوم، فكيف لم تشر إليه النصوص المصرية؟ و هي التي أشارت كثيرا إلى الوزراء و كبار الموظفين، بجانب ملوكهم، و هو أمر قد عللناه في عصر الهكسوس بغموض هذا العصر و ضياع آثاره، و هذا ما لم يقل به أحد ممن أرخوا لعصر أمنحتب الثاني (1436- 1413 ق. م).

أما نظرية «جرسمان» فهي تضغط الأحداث بدرجة كبيرة، هذا فضلا عن اعتمادها على تفسيرات معينة لنصوص معينة، و في نفس الوقت، فإنها تتجاهل نصوصا أخرى تحدد بصراحة مدة الإقامة ب 430 سنة، أضف إلى ذلك أن تحديدها لدخول بني إسرائيل مصر في عام 1300 ق. م، و الخروج بعام 1230 ق. م، يجعل مدة إقامة بني إسرائيل في مصر، حوالي 70 عاما، كما يحددها جرسمان نفسه- و هو أمر يخالف كل التقاليد العبرية، بل إن القصة كلها- كما يقدمها لنا جرسمان- إنما تخالف كل التقاليد اليهودية، الخاصة بقصة دخول و خروج بني إسرائيل من مصر.

و هكذا يبدو لي أن عصر الهكسوس- و ليس غيره- إنما هو العصر الذي دخل الإسرائيليون فيه أرض الكنانة.

ص: 108


1- تكوين 45: 16- 28.

الفصل الثّالث قصّة يوسف بين آيات القرآن و روايات التّوراة

1- تمهيد:-

من البدهي أن تحمل قصص التوراة بعض أوجه شبه بالقصص القرآني، و إن كان قليلا، ذلك لأن التوراة في الأصل، إنما هي كتاب مقدس، فالإسلام الحنيف إنما يؤمن بموسى، كنبي و كرسول و ككليم للّه تعالى، ثم يقرر بعد ذلك، دونما لبس أو غموض، أن موسى جاءته صحف (1)، و أنزلت عليه توراة (2)، غير أن توراة موسى هذه سرعان ما امتدت إليها أيد أثيمة، فحرفت و بدلت، ثم كتبت سواها، بما يتلائم مع يهود، و يتواءم مع مخططاتهم، ثم زعموا، بعد كل هذا، أنها التوراة التي أنزلها اللّه على موسى عليه السلام (3) كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً (4).

ص: 109


1- سورة النجم: آية 36، الأعلى: آية 19.
2- جاءت كلمة التوراة في القرآن الكريم 18 مرة (أنظر: آل عمران: 3، 48، 50، 65، 93، المائدة: 43، 44، 46، 66، 68، 110، الأعراف: 157، التوبة. 111، الفتح: 29 الصف: 6 الجمعة: 5).
3- قدم المؤلف دراسة مستقلة عن التوراة (أنظر: محمد بيومي مهران: إسرائيل- الجزء الثالث- الإسكندرية 1979).
4- سورة الكهف: آية 5.

و الذي تولى هذا التصحيف و التأويل و التعمية، إنما هي طائفة متخصصة من أحبار يهود، بغية الحفاظ على مكانتها و مكاسبها، و إلى هذا يشير القرآن الكريم مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ (1)، و فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا، فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَ وَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (2).

هذا و قد عمد لفيف من رؤسائهم الدينيين إلى أخفاء بعض الأسفار في الهيكل، و هي التي عرفت بالأسفار الخفية (3)، ثم اختلفت نظرتهم إليها، إذ كان بعضها، فيما يعتقدون، غير مقدس، بينما بعضها الآخر موحي به من عند اللّه، و إن رأى الأحبار إخفاءه في الهيكل حتى لا يطلع عليه العامة من القوم، كما رأوا عدم إدراجه بين أسفار التوراة، ربما لأن ما به من حقائق لا يتفق و أهواءهم، و ربما لأن ما به من بشارات لا يتلاءم و ميولهم العنصرية، و من هذا يقول القرآن الكريم قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَ هُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَ تُخْفُونَ كَثِيراً (4)، و من ثم فقد كان حكم الإسلام على كتاب اليهود المتداول اليوم، أنه يحمل بعض لمحات من توراة موسى، ذلك لأن اليهود إنما قد أوتوا نصيبا منها، و نسوا نصيبا و خطا، فلم يحفظوها كلها، و لم يضيفوها كلها، و إنما قد حرفوا ما أتوه عن مواضعه تحريفا لفظيا و معنويا (5).

و يقول الإمام ابن تيمية: أما من ذهب إلى أنها كلها (أي التوراة) مبدلة من أولها إلى آخرها، و لم يبق منها حرف إلا بدلوه، فهذا بعيد، و كذا

ص: 110


1- سورة النساء: آية 46.
2- سورة البقرة: آية 79.
3- أنظر: عن الأسفار الخفية في التوراة (محمد بيومي مهران: إسرائيل 3/ 219- 223).
4- سورة الأنعام: آية 91.
5- تفسير المنار 1/ 213.

من قال لم يبدل شي ء منها بالكلية بعيد أيضا، و الحق أنه دخلها تبديل و تغيير و تصرفوا في بعض ألفاظها بالزيادة و النقص، كما تصرفوا في معانيها، و هذا معلوم عند التأمل (1).

و من ثم فليس صحيحا ما ذهبت إليه بعض المستشرقين من أن القرآن الكريم قد اعتمد إلى حد كبير في قصصه على التوراة و الإنجيل (2)، و زاد بعض من تابعهم من الباحثين العرب أن القرآن الكريم جعل هذه الأخبار مطابقة لما في الكتب السابقة، أو لما يعرفه أهل الكتاب من أخبار، حتى ليخيل إلينا (أي الباحثين العرب) أن مقياس صدقها و صحتها من الوجهة التاريخية، و من وجهة دلالتها على النبوة و الرسالة، أن تكون مطابقة لما يعرفه أهل الكتاب من أخبار (3).

و ذهب الأستاذ مالك بن نبي أن هناك تشابها عجيبا بين القرآن و الكتاب المقدس (التوراة و الإنجيل) و أن تاريخ الأنبياء يتوالى منذ إبراهيم إلى زكريا و يحيى و مريم و المسيح، فأحيانا نجد القرآن يكرر نفس القصة، و أحيانا يأتي بمادة تاريخية خاصة به، مثل هود و صالح و لقمان و أهل الكهف و ذي القرنين (4)، و من عجب أن الدكتور البوطي ينقل عنه، فيما يزعم، أن القرآن جاء بقصص الأنبياء و الأمم الغابرة، على نحو يتفق جملة و تفصيلا مع ما أثبتته التوراة و الإنجيل من عرض تلك الأخبار و القصص، و أن ذلك دليلا لا

ص: 111


1- ابن كثير: البداية و النهاية 2/ 149.
2- جولد تسيهر: العقيدة و الشريعة تب الإسلام- ترجمة محمد يوسف موسى- القاهرة 1946 ص 12، 15 و كذا:, (stooB nacileP) malsI, emualliuG derflA 62- 61. p، 1964.
3- محمد أحمد خلف اللّه: الفن القصصي في القرآن الكريم- القاهرة 1953 ص 22، و أنظر ص 27، 28، 45، 173، 175، 182.
4- مالك بن بني: الظاهرة القرآنية- ترجمة الدكتور عبد الصبور شاهين- بيروت 1961 ص 251.

يقبل الشك بأن هذا القرآن ما كان حديثا يفترى، و لكنه وحي من اللّه عز و جل (1)، و لست أدري كيف نقل البوطي كل ذلك دون تعليق، و المستشرقون المبغضون للقرآن لم يقولوا أكثر من ذلك، فضلا عن أن الجملة التي قالها مالك بن بني لا تعني ما ذهب إليه، و إن اقتربت منه.

و قد ناقشنا ذلك كله في الجزء الأول من هذه السلسلة، و بيّنا بطلانه، ثم أثبتنا ذلك البطلان بعقد مقارنة لكثير من قصص الأنبياء، مثل نوح و إبراهيم و موسى و هارون و داود و سليمان و مريم و المسيح عليهم السلام، كما جاءت في القصص القرآني و روايات التوراة (2).

[2] قصة يوسف بين آيات القرآن و روايات التوراة:-

لعل قصة يوسف عليه السلام، إنما كانت أكثر القصص الذي طال الجدل و اشتد حولها، حتى زعم «الفرد جيوم» أنها تدل على أن محمدا صلى اللّه عليه و سلم لم يكن يعرف قصة الآباء الأوائل، كما جاءت في سفر التكوين من التوراة، فحسب، بل إنه يعرف كذلك التطور اليهودي المتأخر للقصة (3)، حيث تداخلت مصادر التوراة الثلاثة (إليهوي و الإلهيمي و الكهنوتي)، و كونت قصة تكون مزيجا عجيبا من هذه المصادر جميعا (4).

و لعل أفضل ما نفعله للرد على مزاعم «جيوم» و غيره من المستشرقين، بل و بعض المسلمين للأسف، أن نعقد مقارنة بين القصتين، ذلك لأن قصته التوراة، و إن كانت تحمل بعض أوجه شبه من القصة القرآنية، فإن هناك

ص: 112


1- محمد سعيد البوطي: من روائع القرآن- دمشق 1972 ص 221.
2- أنظر: محمد بيومي مهران: دراسات تاريخية من القرآن- الجزء الأول- في بلاد العرب- الرياض: 198 ص 47- 88.
3- مالك بن بني: المرجع السابق ص 251 و كذا.. p, tic- po, emualliuG. A 61.
4- أنظر عن مصادر التوراة: محمد بيومي مهران: إسرائيل 3/ 97- 106، حسن ظاظا: الفكر الديني الإسرائيلي- الإسكندرية 1971 ص 28- 31.

خلافات جوهرية بين القصتين، كما جاءت في الذكر الحكيم (سورة يوسف) و في سفر التكوين من التوراة (الإصحاحات 37، 39- 50)، تثبت، دونما أي ريب، أن المصدر الأول لم يعتمد على الثاني، بل إن سيدنا محمد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، كما يؤكد الباحثون من المستشرقين، حتى المتعصبين منهم، لم يقرأ التوراة أو أي كتاب آخر من كتب أهل الكتاب (1).

و أما هذه الخلافات الجوهرية بين قصة يوسف القرآنية، و تلك التي جاءت في التوراة، فمنها (أولا) تلك الملامح الروحية التي تتميز بها القصة القرآنية، فضلا عن أن شخصية يوسف النبي، أكثر وضوحا في القصة القرآنية، منها في رواية التوراة، و منها (ثانيا) أن حب يعقوب ليوسف إنما تصوره التوراة، على أن الصديق إنما كان يأتي لأبيه «بنميمة أخوته الرديئة»، و لأنه ابن شيخوخته، في الدرجة الأولى، ثم رؤيا يوسف في الدرجة الثانية (2)، و أما في القرآن الكريم، فإن السبب إنما هو الرؤيا الصادقة، ثم إحساس عميق من يعقوب النبي، بما سوف يكون للصديق من مستقبل في عالم النبوة و تأويل الأحاديث (3)، و منها (ثالثا) أن القرآن الكريم وحده هو الذي يشير إلى أن مؤامرة إخوة يوسف عليه، إنما بدأت قبل أن يذهب معهم، فضلا عن توضيح رأي أبناء يعقوب في أبيهم، و لنقرأ هذه الآيات الكريمة لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَ إِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَ أَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَ نَحْنُ عُصْبَةٌ، إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ، اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ

ص: 113


1- راجع عن تفسير سورة يوسف: تفسير المنار 12/ 251- 324، 13/ 1 و ما بعدها+ تفسير سورة يوسف لرشيد رضا، تفسير البيضاوي 1/ 486- 511، تفسير الطبري 12/ 149- 238، 13/ 1- 91، تفسير القرطبي 9/ 118- 277، تفسير الألوسي 12/ 170- 261، 13/ 1- 84 مؤتمر تفسير سورة يوسف (جزءان)، تفسير النسفي 2/ 210- 241.
2- تكوين 37: 2- 11.
3- سورة يوسف: آية 6.

اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَ تَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ (1).

و منها (رابعا) إن قصة التوراة تذهب إلى أن يعقوب هو الذي طلب من يوسف أن يذهب إلى إخوته الذين يرعون أغنامهم عند شكيم (2)- و التي يحتمل أنها تل بلاطة شرق نابلس الحالية- بينما يرى القرآن الكريم أن أخوة يوسف هم الذين طلبوا من أبيهم أن يذهب يوسف معهم، لأن أباه إنما كان يخشى عليه من حقدهم، قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَ إِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ، أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَ يَلْعَبْ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (3)، و منها (خامسا) أن القرآن الكريم إنما يشير إلى ارتياب يعقوب في بنيه عقب تنفيذ المؤامرة- فضلا عن ارتيابهم في أنفسهم- وَ ما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَ لَوْ كُنَّا صادِقِينَ، وَ جاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ، قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً (4)، بينما تشير رواية التوراة إلى سرعة تصديق يعقوب لفرية أولاده، و يأسه عقب المؤامرة (5)، «فتحققه (أي قميص يوسف) و قال قميص ابني وحش ردي ء أكله، افترس يوسف افتراسا فمزق يعقوب ثيابه و وضع مسحا على حقويه، و ناح على ابنه أياما كثيرة» و منها (سادسا) أن الحيوان الذي ألصقت به تهمة قتل يوسف، إنما هو «تيس من المعزى» في التوراة (6)، و لكنه الذئب في القرآن الكريم (7).

و منها (سابعا) أن التوراة في عرضها لقصة يوسف مع امرأة العزيز، لم

ص: 114


1- سورة يوسف: آية 7-!.
2- تكوين 37: 12- 16.
3- سورة يوسف: آية 11- 12.
4- سورة يوسف: آية 17- 18.
5- مالك بن بني: المرجع السابق ص 302.
6- تكوين 37: 33- 34.
7- سورة يوسف: آية 13- 14، 17.

تحاول أن تركز على براءة يوسف، كما فعل القرآن الكريم الذي عرض البراءة في جلاء و وضوح، و منها (ثامنا) أن القرآن الكريم يصور لنا يوسف بعد حادث المراودة، و هو يفر من أمام امرأة العزيز، غير أنها سرعان ما تلحق به، فتتعلق بقميصه، و يتمزق منه ما علقت يدها به، و هنا يصل العزيز و يفاجأ بما لا يتصوره، فتبادر المرأة إلى دفع التهمة عن نفسها، و ترمي بها على يوسف في جرأة، ثم لا تنتظر رأي العزيز في صحة الاتّهام، فتغريه به و تعمل على توكيده في نفسه، بأن تطلب إليه رأيه في الجزاء الذي يجزّى به هذا المتهم (1)، يقول تعالى: وَ اسْتَبَقَا الْبابَ وَ قَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَ أَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ (2)، بينما تتجاهل رواية التوراة حضور العزيز، و تذهب إلى أن امرأة العزيز قد أخبرت أهل البيت بأن الرجل العبراني قد حاول الاعتداء عليها، و أنه لم يتركها إلا بعد أن استغاثت بمن في البيت، و من ثم فقد ترك ثوبه و خرج، و أبقت الثوب حتى إذا ما جاء بعلها أخبرته أن عبده العبراني حاول الاعتداء على شرفها و لما صرخت ترك ثوبه بجوارها و فر هاربا، و لعل من المفيد هنا الإشارة إلى ما في النص التوراتي من اضطراب، فمرة لا يوجد أحد في البيت، و مرة أخرى، فإن البيت ملي ء بأهله، و مرة يوصف يوسف بأنه رجل عبراني، و أخرى عبد عبراني و فرق بين العبارتين في مثل هذه الحالة النفسية (3).

و منها (تاسعا) أن القرآن الكريم وحده هو الذي يشير إلى أن اللّه سبحانه و تعالى- قد أظهر براءة يوسف على يد شاهد من أهل امرأة العزيز

ص: 115


1- عبد الكريم الخطيب: القصص القرآني ص 100.
2- سورة يوسف: آية 25.
3- تكوين 39: 11- 18.

نفسها، تروي كتب التفسير أنه صبي في المهد، و ذلك حين قال إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَ هُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ، وَ إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَ هُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ، فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ، قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (1)، كما شهدت ببراءته النسوة للآتي قطعن أيديهن بقولهن حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ (2)، بينما لم تذهب التوراة إلى أكثر من أن العزيز حين سمع بالقصة لم يزد عن «أن غضبه حمى، فأخذ يوسف و وضعه في بيت السجن (3)».

و منها (عاشرا) أن القرآن الكريم وحده هو الذي يشير إلى أن عزيز مصر، حينما عرف الحقيقة، فإذا به يطلب من يوسف كتمان الأمر، و عدم إذاعته بين الناس، و في نفس الوقت فإنه يتجه إلى امرأته يأمرها أن تستغفر لذنبها و أن تتوب إلى ربها (4)، فإن العبد إذا تاب إلى اللّه تاب اللّه عليه، و أهل مصر- و إن كانوا وقت ذاك غير موحدين- إلا أنهم إنما كانوا يعلمون أن الذي يغفر الذنوب و يؤاخذ بها، إنما هو اللّه وحده، لا شريك له في ذلك (5)، و منها (حادي عشر) أن التوراة لم تتعرض لحادث النسوة اللاتي أخذن يرددن في المدينة، امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا، إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ، فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَ أَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَ آتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً، وَ قالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ، فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَ قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ، وَ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً، إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (6).

ص: 116


1- سورة يوسف: آية 26- 28.
2- سورة يوسف: آية 51.
3- تكوين 39: 19- 20.
4- سورة يوسف: آية 29.
5- ابن كثير: البداية و النهاية 1/ 204 التفسير 4/ 22.
6- سورة يوسف: آية 30- 31.

و منها (ثاني عشر) أن القرآن الكريم وحده هو الذي يشير إلى أن يوسف- عليه السلام- قد فضل السجن، على أن يقترف الفاحشة، و ذلك حين خيّر بين أن تنال المرأة منه ما تريد، و إلا فإن أبواب السجن مفتوحة على مصراعيها لاستقباله، قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَ إِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَ أَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ، فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (1).

و منها (ثالث عشر) إن القرآن الكريم وحده هو الذي يشير إلى أن يعقوب- عليه السلام- حينما فقد في عاصفة هو جاء من عواصف الفتنة و الحسد، أعز فلذات كبده- يوسف الصديق- لم يغلبه الحزن الذي عصف بقلبه، على الصبر الذي ملأ كيانه (2)، فإذا به يتقبل المأساة بما يتفق و مكان النبوة السامي، فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (3)، بينما تصوره التوراة في صورة لا نرتضيها للنبي الكريم، «فأبى أن يتعزى، و قال إني أنزل إلى ابني نائحا إلى الهاوية» (4)، و حين تتكرر المأساة مرة أخرى، و يفقد يعقوب بنيامين- كما فقد يوسف من قبل- فإن الجواب في القرآن الكريم، فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً، إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (5)، و أما الجواب في التوراة- و حتى قبل وقوع الكارثة- «إذا أصابته أذية تنزلون شيبتي بشر إلى الهاوية» (6)، بل إن القرآن الكريم ليشير بوضوح إلى أن مر السنين، و كر الأيام، لا يفقد الأمل في نفس النبي الكريم،

ص: 117


1- سورة يوسف: آية 33- 34.
2- عبد الكريم الخطيب: المرجع السابق ص 211.
3- سورة يوسف: آية 18.
4- تكوين 37: 35.
5- سورة يوسف: آية 83.
6- تكوين 42: 36- 38، 44: 29- 31.

يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَ أَخِيهِ وَ لا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ، إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ بينما تنعى التوراة على موت يوسف «لا ينزل ابني معكم، لأن أخاه (أي يوسف) قد مات، و هو وحده باق».

و منها (رابع عشر) أن القرآن وحده هو الذي يشير إلى أن يوسف قد تنبأ بعام فيه يغاث الناس و فيه يعصرون، بعد سبع سنوات من القحط (1)، و منها (خامس عشر) أن القرآن وحده هو الذي يشير إلى أن يوسف بعد أن فسر الحلم لملك مصر، و رسم له الطريق الصحيح للخروج من الأزمة بسلام، رفض في إباء و شمم أن يقبل المنصب الخطير الذي عرض عليه، حتى يتحقق الملك و رجاله- بل و الناس جميعا- من براءته و نزاهة عرضه، مما نسب إليه بشأن امرأة العزيز، و كان سببا في أن يلبث في السجن بضع سنين، ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (2)، و الآية الكريمة تفيد أن يوسف لم يشأ أن يقال عنه مجرم سرّ منه الملك، فعفا عن جريمته و أخرجه من السجن، و تجي ء الشواهد كلها- بعد بحث دقيق- بعفة الصديق و طهارته، و عندئذ يتقدم الصديق في ثقة و ثبات، قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ، و هكذا يتحمل يوسف المسئولية كاملة في صدق و شجاعة، و ينجح آخر الأمر في أن يرسي السفينة على مرفإ الأمن و السلامة (3)، و الأمر عكس ذلك تماما في التوراة، فما أن يفسر الصديق الحلم للملك، و ما أن يعرض الملك الأمر عليه، حتى يقبله فورا (4).

ص: 118


1- سورة يوسف: آية 47- 49.
2- سورة يوسف: آية 50، و أنظر: تفسير الطبري 16/ 133- 137.
3- سورة يوسف: آية 46- 57.
4- تكوين 41: 37- 46.

و منها (سادس عشر) أن قصة يوسف إنما تشير إلى أن المصريين، ربما كانوا يعيشون في حرية شخصية إلى حد ما، حتى مع نفس الملك القابض على السلطة في مصر، و إن هذا الملك قد قبل أن يأمر بشي ء في حق عبد دخيل، فيأبى عليه ذلك العبد امتثال أمره، إلا بعد إجراء التحقيق، مع أنه يمكنه الجمع بين امتثال إرادة الملك و أجراء التحقيق، بأن يبادر يوسف بالخروج من السجن، ثم يطلب من الملك التحقيق في قضيته (1).

و منها (سابع عشر) إن التوراة لم تشر إطلاقا إلى قيام يوسف- عليه السلام- بدعوة التوحيد، بعكس القرآن الكريم الذي يشير إلى أن الصديق قد انتهز الثقة المكينة التي اكتسبها بين السجناء، بسبب تفسير الرؤيا و تأويل الأحلام، فيقوم بدعوته الدينية، شارحا عقيدة الأنبياء جميعا في وحدانية اللّه الخالق العظيم. و هاتفا بمستمعيه (2)، إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ، وَ اتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ، ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْ ءٍ، ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَ عَلَى النَّاسِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ، يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ، ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ، إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ، وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (3)، و ذلك لأن يوسف لم يكن عالما يؤول الرؤيا فحسب، بل كان رسولا مصلحا، فما كان يرى فرصة يتنفس فيها برسالته إلا انتهزها، و لا نهزة صالحة للدعوة إلا علق بها (4)، و لهذا فإن الإشارة إلى

ص: 119


1- مؤتمر تفسير سورة يوسف 2/ 839.
2- محمد رجب البيومي: البيان القرآني ص 225 عبد الوهاب النجار: قصص الأنبياء ص 140.
3- سورة يوسف: آية 37- 40.
4- محمد أحمد جاد المولي و آخرون: قصص القرآن ص 103.

الآخرة في قصة يوسف مقصورة على القرآن (1) دون التوراة.

و منها (ثامن عشر) إن القرآن الكريم هو وحده الذي يشير إلى إعلان امرأة العزيز براءة يوسف، و أنها هي التي راودته عن نفسها، قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَ أَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ (2)، و هكذا تقدم لنا القصة القرآنية امرأة العزيز، و هي تتحدث بلغة تليق بضمير إنساني وخزه الندم و أرغمته طهارة التضحية و نزاهتها على الاستسلام للحق، فإذا بالخاطئة تعترف في النهاية بغلطتها و تقر بخطيئتها (3).

و منها (تاسع عشر) إن يوسف عليه السلام قد وصف في القرآن الكريم بالصديق و بالعزيز (4)، و في التوراة ب «صفنات فعنج» (5)، و منها (عشرون) إن القرآن الكريم وحده هو الذي يتحدث عن نبوة عزيز مصر الصادقة في يوسف الصديق، وَ قالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً، وَ كَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَ لِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ، وَ اللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ، وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (6)، و منها (واحد و عشرون) أن القرآن الكريم وحده هو الذي يشير في ختام قصة يوسف مع أبيه و أخوته إلى تحقيق حلمه الأول، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَ قالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ، وَ رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَ خَرُّوا لَهُ سُجَّداً، وَ قالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَ قَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ

ص: 120


1- سورة يوسف: آية 57.
2- سورة يوسف: آية 51- 52.
3- مالك بن نبي: الظاهرة القرآنية ص 304- 305.
4- سورة يوسف: آية 46، 88.
5- تكوين 41: 45.
6- سورة يوسف: آية 21.

أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَ جاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَ بَيْنَ إِخْوَتِي، إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَ عَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً، وَ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (1).

و منها (اثنان و عشرون) أن قصة التوراة تتحدث دائما عن ملك مصر، على أنه فرعون مصر (2)، بينما يتحدث القرآن على أنه الملك و ليس الفرعون (3)، و يرى الأستاذ حبيب سعيد أن هذه كانت هي العادة المتبعة في القرنين التاسع عشر و الثامن عشر ق. م (4)، و الحقيقة غير ذلك تماما، فمن المعروف تاريخيا أن كلمة «فرعون» في صيغتها المصرية، «بر- عا» أو «بر- عو»، كانت تعني- بادئ ذي بدء- البيت العالي، أو البيت العظيم، و كانوا يشيرون بها إلى القصر الملكي- و ليس إلى ساكنه- ثم سرعان ما تغيرت و غدت تعبيرا محترما، يقصد به الملك نفسه، و ذلك منذ الأسرة الثامنة عشرة (5)، و أما متى حدث هذا التغيير في استعمال لقب فرعون، فإن «سير ألن جاردنر»- العالم الحجة في اللغة المصرية القديمة- يحدد ذلك بعهد الفرعون «تحوتمس الثالث» (1490- 1436 ق. م)، حيث بدئ في إطلاق الاصطلاح «أي فرعون» على الملك نفسه ثم في عهد الداعية الديني المشهور «أخناتون» (1367- 1350 ق. م)، مستندا في ذلك على خطاب من عهده، ثم استعمل منذ الأسرة التاسعة عشرة (1308- 1184 ق. م)

ص: 121


1- سورة يوسف: آية 99- 101، و أنظر: تفسير الطبري 16/ 264- 277 (دار المعارف- القاهرة 1969).
2- تكوين 40: 7- 41: 15، 46: 31- 50: 7.
3- سورة يوسف: آية 43، 50، 54، 72، 76.
4- حبيب سعيد: المدخل إلى الكتاب المقدس ص 76.
5- , ogacihC, tpygE tneicnA fo erutluC ehT, nosliW. A. J 102. p، 1963.

و فيما بعد، في بعض الأحايين، كمرادف لكلمة «جلالته»، و من هذا الوقت أصبحنا نقرأ: «خرج فرعون» و «قال فرعون ... و هكذا (1)».

و من ثم، فإن القرآن الكريم- فيما يبدو لي- أراد أن يفرق بين حاكم مصر الأجنبي على أيام يوسف الصديق في عهد الهكسوس (2) فأطلق عليه لقب «ملك»، و بين حاكم مصر الوطني على أيام موسى- مثلا- الذي أطلق عليه لقب «فرعون»، و هو اللقب الذي كان يطلق على ملوك مصر منذ عهد إخناتون، هذا فضلا عن أن ذلك من إعجاز القرآن، الذي لا إعجاز بعده، و إذا ما عدنا إلى التوراة، لوجدنا أن الحقائق التاريخية تقف ضد ما أوردته التوراة بشأن استعمال لقب فرعون، إذ أنها تستعمله حين يجب أن تستعمل لقب ملك، و ذلك قبل الأسرة الثامنة عشرة، و تستعمل لقب ملك حين يجب أن تستعمل لقب فرعون، و ذلك منذ عهد الأسرة الثامنة عشرة (1575- 1308 ق. م)، و فيما بعدها.

و منها (ثلاث و عشرون) أن رؤيا يوسف في القرآن الكريم واحدة إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ، بينما هي في التوراة حلمان، الواحد رأى فيه يوسف أنه و إخوته حازمون حزما في الحقل، و أن حزمته قامت و انتصبت فاحتاطت حزم أخيه فسجدت حزمهم لحزمته، فقاله إخوته أ لعلك تملك علينا ملكا أم تتسلط علينا

ص: 122


1- , drofxO, shoarahP eht fo tpygE, renidraG. H. A 52. p، 1964 و كذا, drofxo, rammarG naitpygE, renidnaG. H. A 75. p، 1966.
2- حوالي (1725- 1575 ق. م)، و أنظر آراء أخرى في كتابنا «حركات التحرير في مصر القديمة» دار المعارف 1976 ص 137- 138، و كذا ,noitaziliviC ylrA ehT tsaE raeN ehT orettoB .J ni noisavnI .soskyH ehT ,drofdeR .B .D و كذا, noitidarT dna yrotsiH 23. p، 1970. p, shoarahP eht fo tpygE, renidraG. H. A 165 و كذا. p, tic- po nosliW A. J 159. و كذا 393. p، 1967.

تسلطا، فازدادوا له بغضا من أجل أحلامه و من أجل كلامه، و الثاني. رأى فيه يوسف أن الشمس و القمر و أحد عشر كوكبا ساجدة له، و لما قصه على أبيه و إخوته نهره أبوه و قال له: ما هذا الحلم الذي حلمت هل نأتي أنا و أمك و إخوتك لنسجد لك إلى الأرض، فحسده إخوته، و أما أبوه فحفظ الأمر، و أما القرآن الكريم فيقول يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (1).

و منها (أربع و عشرون) أن الجب الذي ألقى فيه يوسف إنما هو في التوراة بئر فارغة ليس بها ماء، و لكنه في القرآن إنما كان به ماء وَ جاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ (2)، و منها (خمس و عشرون) أن الذي اشترى يوسف من مصر، إنما هو في التوراة رئيس الشرطة، و هو العزيز في القرآن الكريم، و فرق كبير بين المنصبين (3)، و منها (ست و عشرون) أن التوراة تذهب إلى أن يوسف دخل السجن بمجرد أن سمع العزيز كلام امرأته، و دونما أي تحقيق، ذلك «أن غضبه حمى، و أخذ يوسف و وضعه في بيت السجن المكان الذي كان أسرى الملك محبوسين فيه»، بينما يؤكد القرآن الكريم أن الصديق قد أودع السجن، بعد ما ظهرت أدلة براءته، كقد القميص و قطع الأيدي و شهادة الصبي و غير ذلك ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (4)، و هذا يدل على أن سجن الصديق لم يكن بسبب غضب فجائي من العزيز للموقف المخزي الذي رأى فيه امرأته، و إنما تم ذلك بتدبير و تخطيط الهدف منه أن ينسى الناس قصة أو قل فضيحة امرأة العزيز التي لاكتها الألسن كثيرا بين أوساط الناس.

ص: 123


1- سورة يوسف: آية 4- 5، تكوين 37/ 5- 11.
2- سورة يوسف: آية 19، تكوين 37/ 24.
3- سورة يوسف: آية 21، 30- تكوين 37/ 36.
4- سورة يوسف: آية 23- 35، تكوين 39/ 7- 19.

و منها (سبع و عشرون) أن رؤيا الملك في القرآن واحدة، و أما في التوراة فقد رأى الملك رؤياه على مرتين، في الأولى رأى البقرات السبع السمان يأكلهن سبع عجاف، ثم نام فرأى السنابل الرقيقة تبتلع السنابل السمينة و قد علّلت التوراة تكرار حلم الملك مرتين، و في صورتين مختلفتين، «لأن الأمر مقرر من قبل اللّه، و اللّه مسرع ليصنعه» (1)، و منها (ثمان و عشرون) أن التوراة تذهب إلى أن فرعون قد أرسل إلى يوسف في السجن من يستدعيه لتأويل رؤياه «فأسرعوا به من السجن، فحلق و أبدل ثيابه و دخل على فرعون»، و فسر له حلمه، ثم اقترح عليه أن يختار رجلا بصيرا و حكيما و يجعله على أرض مصر (2)، على أن القرآن الكريم (3) على غير ذلك، فصاحب يوسف الذي نجا من السجن هو الذي أشار على الملك أن يرسله إلى الصديق ليعرف منه تأويل رؤيا الملك، و أن يوسف لم يذهب إلى الملك، و إنما فسر الحلم، بل و أشار بالحل الذي يمكّن البلاد من اجتياز هذه المحنة، و بشر بعام فيه يغاث الناس و فيه يعصرون، و هو ما يزال بعد في زوايا الأرض سجينا (4)، و منها (تسع و عشرون) أن القرآن الكريم إنما يذكر أن يوسف الصديق إنما أمر بوضع صواع (مكيال) الملك في رحل أخيه، بينما تذكر التوراة أنه أمر بوضع طاسة الفضة في رحل أخيه بنيامين (5).

و منها (ثلاثون) أن القرآن الكريم يشير إلى أن الصديق عليه السلام، لما اتهم إخوته بسرقة صواع الملك سألهم رجاله فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ، قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ،

ص: 124


1- سورة يوسف: آية 43، تكوين 41/ 1- 7، 23.
2- تكوين 41/ 14- 36.
3- سورة يوسف: آية 45- 48.
4- سورة يوسف: آية 49.
5- سورة يوسف: آية 70- 72، تكوين 44/ 2.

و أما في التوراة فقد قال إخوة يوسف، دون أن يسألهم أحد عن عقاب من يوجد عنده صواع الملك، «الذي يوجد معه من عبيدك (يعنون أنفسهم) يموت، و نحن أيضا نكون عبيدا لسيدي، قال نعم الآن بحسب كلامكم هذا يكون، الذي يوجد معه يكون لي عبدا، و أما أنتم فتكونون أبرياء»، و مع ملاحظة التناقض في نص التوراة، فهي تذكر أن من يوجد معه يحكم عليه، بالموت، بينما يصبح الباقون أبرياء، فإن حكم يوسف عليهم أن من وجد معه يصبح وحده عبدا له، و أما الباقون فأبرياء، رغم هذا التناقض، فإن التوراة لم تذكر ما أضافه القرآن الكريم عن أن ذلك القانون إنما كان شريعتهم هم، و ما كان يطبق في الشرائع المصرية، و من ثم فما كان من حق يوسف عليه السلام أن يأخذ أخاه في دين الملك، لأنه لم يكن من حكم ذلك الملك المصري و قضائه أن يسترق أحد بالسرقة، فضلا عن أن يحكم عليه بالموت (1).

و منها (واحد و ثلاثون) أن القرآن وحده من دون التوراة، هو الذي أشار إلى أن إخوة يوسف سرعان ما قالوا، عند ما وجد صواع الملك في رحل أخيهم بنيامين «إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل» (يعنون يوسف عليه السلام)، فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَ لَمْ يُبْدِها لَهُمْ، قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ (2)، و منها (اثنان و ثلاثون) أن القرآن وحده، من دون التوراة، هو الذي أشار إلى قول يعقوب لبنيه يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ، وَ ادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، وَ ما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْ ءٍ، إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ عَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (3).

ص: 125


1- سورة يوسف: آية 74- 76، تكوين 44/ 9- 10.
2- سورة يوسف: آية 77.
3- سورة يوسف: آية 67.

و منها (ثلاثة و ثلاثون) أن القرآن الكريم وحده، من دون التوراة، هو الذي أشار إلى قول إخوة يوسف ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَ ما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا وَ ما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ، و لما كانوا يخشون أن يكذبهم، نظرا لتجربة يوسف السابقة، فإنهم طلبوا منه أن يسأل القرية التي كانوا فيها، وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَ الْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَ إِنَّا لَصادِقُونَ (1)، و منها (أربع و ثلاثون) أن القرآن الكريم يشير إلى أن الصديق هو الذي سأل إخوته عما فعلوه به و بأخيه فعرفوه، ثم اعترفوا بخطئهم في حقه، و أن اللّه تعالى قد آثره عليهم، و حينئذ عفا يوسف عنهم قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَ أَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ، قالُوا أَ إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَ هذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَ يَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ، قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَ إِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ، قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَ هُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، و أن ذلك إنما قد حدث بعد أن أخذ يوسف أخاه منهم، و بعد أن عادوا إلى أبيهم و أعلموه أن ابنه سرق، و في التوراة، فإن يوسف هو الذي قدّم نفسه لهم، بعد أن أحضروا أخاهم، و قبل أن يعودوا إلى أبيهم، و بعد أن سألهم عن أبيهم و هل ما يزال حيا، و أنهم ارتاعوا منه، و لم يستطيعوا أن يجيبوه (2).

و منها (خمس و ثلاثون) أن القرآن الكريم وحده، من دون التوراة، الذي يشير إلى أن يوسف عليه السلام بعد أن عفا عن إخوته، و أكرم وفادتهم، قال اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَ أْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ، وَ لَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ، قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ، فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى

ص: 126


1- سورة يوسف: آية 81- 82.
2- سورة يوسف: آية 89- 92، تكوين 45/ 1- 14.

وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (1). و أما كيف عرف يوسف أن رائحته سترد على أبيه بصره الكليل، فلقد سبق أن أشرنا أن ذلك مما علمه اللّه و المفاجأة تصنع في كثير من الحالات فعل الخارقة، و ما لها لا تكون خارقة، و يوسف نبي رسول، و يعقوب نبي رسول (2).

و أخيرا فإن القرآن الكريم إنما يختم قصة يوسف عليه السلام، بقول اللّه تعالى: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَ هُمْ يَمْكُرُونَ، أي ذلك الذي أخبرناك عنه يا محمد من أمر يوسف و قصته من الأخبار المغيبة التي لم تكن تعلمها قبل الوحي، و إنما نعلمك نحن بها على أبلغ وجه، و أدق تصوير، ليظهر صدقك في دعوى الرسالة (3).

و لعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن التوراة إنما قد انفردت، من دون القرآن الكريم، بأمور، تتفق في بعضها و خلق يهود، و تبتعد في بعضها الآخر عن الحقائق التاريخية، و من هذه الأمور (أولا) أن التوراة في عرضها لقصة يوسف الصديق، عليه السلام- بعكس القرآن الكريم- إنما تعطي تأكيدا يكشف عن مطامع يهود في مصر، و لنقرأ هذا النص «خذوا أباكم و بيوتكم و تعالوا إليّ فأعطيكم خيرات أرض مصر، و تأكلون دسم الأرض ... خذوا لكم من أرض مصر عجلات لأولادكم و نسائكم و احملوا أباكم و تعالوا، و لا تحزن عيونكم على أثاثكم، لأن خيرات جميع أرض مصر لكم» (4)، كما لم تهمل التوراة كذلك أن تؤكد أن رحلة هؤلاء المجهدين

ص: 127


1- سورة يوسف: آية 93- 96.
2- في ظلال القرآن 4/ 2027.
3- سورة يوسف: آية 102، صفوة التفاسير 2/ 69.
4- تكوين 45: 18- 20.

الجياع إلى مصر، إنما كانت للقوت، و لكنها تؤكد أيضا أنها لتحقيق مؤامرة على الأرض التي استضافتهم (1).

و منها (ثانيا) أن التوراة تزعم أن يوسف قد اشترى كل أرض مصر- من عليها و ما عليها- للفرعون (و هو اصطلاح لم يكن قد أستعمل في مصر بعد، كما أشرنا آنفا) يعد أن امتلأت الأرض جوعا (2)، الأمر الذي لم يثبت تاريخيا، فضلا عن أنني- علم اللّه- لست أدري: لما ذا تريد التوراة- أو بالأحرى يريد كاتبوها- أن يصوروا النبي الكريم في صورة صوت عذاب المصريين، يستغل حاجتهم للمقومات الضرورية للحياة نفسها، فيستولي على أرض مصر كلها- باستثناء أرض الكهانة- لمصلحة الملك الهكسوسي؟. ثم و هل كان ملك مصر على أيام الهكسوس- و هو العصر الذي نرجع فيه دخول بني إسرائيل إلى أرض الكنانة (3)- يسيطر على مصر كلها، حتى يستولي له يوسف- عليه السلام- على كل حال أراضيها؟.

إن جمهرة المؤرخين، إنما ترى أن الهكسوس لم يمدوا نفوذهم أبدا إلى أبعد من القوصية (4) جنوبا، اللهم إلا في احتلال مؤقت قصير لإقليم (بي حتحور)، قام به «أبو فيس»- ربما آخر من حمل هذا اللقب- و ليس هناك من دليل حقيقي على أن غيره من الهكسوس قد تم له هذا الأمر (5)، أما أمر جبايتهم للضرائب من مصر العليا و السفلى على السواء، فموضع شك على الأقل، ذلك لأن وجهة النظر التي ترى احتلال الهكسوس للبلاد كلها، ليست سوى و هم قضى عليه النص الكبير للملك «كاموزا» الذي يتضمن في وضوح

ص: 128


1- تكوين 46: 1- 4.
2- تكوين 47: 13- 26، و أنظر تفسير الخازن 3/ 193.
3- راجع كتابنا «إسرائيل» ص 237- 245، و أنظر.
4- . FF .p ,zrutS rhi dnu netpygeA ni soskyH red tfahcsrreH eiD ,bibaL rohaP 18.
5- . p, tic- po, renidraG. H. A، 168.

أن الغزاة لم يتقدموا إطلاقا فيما وراء جبلين، و الذي يشير إلى أنهم اضطروا بعد قليل إلى إرساء حدهم عند «خمون» (الأشمونين مركز ملوي) (1).

و منها (ثالثا) أن التوراة تصور لنا شعور المصريين تجاه الإسرائيليين بأنه شعور عدائي، أو على الأقل غير ودي، منذ اللحظة الأولى التي قدم الإسرائيليون فيها بأخيهم بنيامين، إذ نرى يوسف يولم وليمة تكريم لأخيه، و لكنه يضطر إلى أن تكون له وليمة خاصة، و ثانية لإخوته، و ثالثة للمصريين، و ذلك «لأن المصريين لا يقدرون أن يأكلوا طعاما مع العبرانيين، لأنه رجس عند المصريين» (2)، و هكذا تبدو نظرة المصريين للعبرانيين واضحة لنا منذ أول لقاء بينهما، و في ضيافة يوسف العبراني نفسه، و هي نظرة لا تدل بحال من الأحوال على احترام المصريين للعبرانيين، و إنما تدل على أنفة المصريين و تأبيهم عن مخالطة العبرانيين، و عدم استعدادهم حتى للأكل معهم، رغم أنهم يعرفون أنهم إخوة يوسف عزيز مصر وقت ذاك، و الأمين على خزائنها، و الأثير عند مليكها، و ليس من شك أن هذا إن دلّ على شي ء، فإنما يدل على أن القطيعة بين الفريقين كانت واضحة لا تحتاج إلى بيان (3).

و منها (رابعا) أن التوراة قد حددت اسم من اشترى يوسف و وظيفته، و أنه «فوطيفار خصي فرعون رئيس الشرطة» (4) و بدهي أن القرآن الكريم لم يفعل ذلك، لأنه- كما قلنا من قبل- ليس كتاب حوادث و تواريخ، و إنما قصصه للعبرة و العظة، و إن لقّبه «بالعزيز»، و لا شأن للقرآن بروايات

ص: 129


1- . P, dibI 167 و كذا كتابنا «حركات التحرير في مصر القديمة» ص 143- 145.
2- تكوين 43: 32، قارن: الظاهرة القرآنية ص 305.
3- كتابنا «إسرائيل» ص 243 (الإسكندرية 1983).
4- تكوين: 39: 1.

المفسرين عن اسمه و اسم ملك مصر في عهده و اسم امرأة العزيز، فتلك اجتهادات، و فوق كل ذي علم عليم (1).

و هنا لنا أن نتساءل عن وصف التوراة لفوطيفار بأنه «خصي فرعون» (2)؟ و هل يتزوج الخصيان؟ و الحق أنني لست أدري كيف دار في خلد كاتب التوراة أن رئيس الشرطة المصري كان خصيا (3)؟ أو لم يكن شافعا له في دحض هذه الفسرية بأنه زوج أجمل سيدة في البلاد، و لكن ما الحيلة و صاحب سفر التكوين- أول أسفار التوراة- يرى أن حاشية القصر كلها من الخصيان، و منهم رئيس السقاة و رئيس الخبازين (4)، و هو أمر اعتدناه في مصر الفراعنة، و ما حدثنا به تاريخا، و إنما ذلك رأي يهود الأسر البابلي، حين كتبوا توراتهم على ضفاف الفرات، متأثرين بكل الحضارات القديمة التي شاهدوها- أو التي عاشوا في ظلالها- من ناحية، و بحقدهم الأعمى على مصر من ناحية أخرى، حتى أعماهم هذا الحقد عن حقائق التاريخ، فجعلوا كل رجال البلاط المصري من الخصيان.

و لعل من المفيد أن نشير هنا إلى أن الآية الكريمة عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً قد تفيد أن الرجل كان عقيما، لم يكن له ولد، و ما كان يرجو أن يكون له، و لكنها لن تفيد أنه كان خصيا (5).

ص: 130


1- تفسير الطبري 12/ 174- 176 تفسير المنار 12/ 272، تفسير ابن كثير 4/ 17.
2- تكوين 39: 1.
3- من عجب أن هذه الأكاذيب قد انتقلت إلى بعض كتب التفسير (الطبري 12/ 175، القرطبي 9/ 160)، و أن رفضتهما جمهرة المفسرين (تفسير البيضاوي 1/ 491، تفسير المنار 12/ 272، تفسير الألوسي 12/ 207، مؤتمر تفسير سورة يوسف 1/ 434، 503، 504، قارن 1/ 525، 526، 2/ 873).
4- تكوين: 40: 2.
5- تفسير المنار 12/ 272، تفسير البيضاوي 1/ 491، روح المعاني 12/ 207، تفسير القرطبي 9/ 160.

و منها (خامسا) ما تردده التوراة من أن يوسف إنما كان يتهم إخوته بأنهم «جواسيس جاءوا ليروا عورة الأرض»، فضلا عن أن يوسف إنما كان يكرر القسم بحياة فرعون (1)، الأمر الذي لا يتفق و مكانة النبوة بحال من الأحوال.

بقيت نقطة أخيرة تتصل بذلك الاضطراب الواضح في قصة التوراة، ففي سفر التكوين (37: 26- 28) نجد أن يهوذا هو صاحب الكلمة، و قد اقترح على إخوته أن يبيعوا يوسف للإسماعيليين بعشرين مثقالا، في حين نرى في نفس السفر (37: 21- 24) أن راوئين هو صاحب الصوت الأعلى، يقترح إلقاءه في الجب فيوافق الجميع، حيث يأخذه التجار المديانيون، كما في (تكوين 37: 28) و الأمر كذلك بالنسبة إلى بيعه إلى فوطيفار، ففي أول القصة عن قوم من مدين (2)، بينما هم في آخرها من الإسماعيليين (3).

و بعد: فهذه نظرة سريعة إلى الفروق بين قصص القرآن و روايات التوراة، فإذا ما تذكرنا أن القرآن الكريم- كما هو معروف- جاء به محمد النبي الأمي، الذي لا يكتب و لا يقرأ، كما قال تعالى: وَ ما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَ لا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (4)، مما يدل بوضوح لا لبس فيه و لا غموض- أن هذا القرآن من عند اللّه، و أنه و إن اتفق مع التوراة في القليل، فإنه يختلف معها في أكثر الكثير، كما يدل كذلك على أن هذا النوع من العلم ما كان عند العرب، و ليس لهم به دراية، و أخيرا فهو يدل على أن هذا القرآن ليس حديثا يفترى، و ليس أساطير الأولين اكتتبها، و لا

ص: 131


1- تكوين 42: 9- 16.
2- تكوين 37: 36.
3- تكوين 39: 1.
4- سورة العنكبوت: آية 48.

يمكن أن تملى عليه، و إذا كان بعض المشركين قد ادعوا أنه تلقاها من بعض الناس في مكة- كما يقول بعض المستشرقين الآن- فهو لم يثبت اتصاله به، و لسانه أعجمي، و هذا كتاب عربي مبين، و فوق ذلك في القرآن من صادق الأخبار، ما لم يكن في كتب أهل الكتاب المسطورة، و لا يأتيه الباطل فيما يقول (1)، و لست أدري إعجازا بعد هذا الإعجاز (2). ).

ص: 132


1- محمد أبو زهرة: القرآن ص 364- 365، الباقلاني: إعجاز القرآن ص 53- 54.
2- من إعجاز القرآن كذلك إخباره بأمور حدثت في المستقبل، منها إخباره بانتصار الروم على الفرس بعد أن كانت الهزيمة من نصيب الأولين (الروم 1- 2) و منها إخباره بنصر المسلمين في بدر قبل الموقعة الكبرى (الأنفال: آية 7) و أن ذلك سوف يقع في نفس الوقت الذي سيهزم فيه الفرس أمام الروم (الروم 3- 5)، و غير ذلك من أمور لا يمكن أن تكون حدسا أو تقديرا شخصيا، و إنما هي من عند علام الغيوب، كقيام دولة الإسلام الفتية على الأرض (النور 55) و عجز كل القوى عن القضاء عليها (الأنفال 36) و الانشقاق بين المسيحيين إلى يوم القيامة (المائدة 14) و الشتات الإسرائيلي (آل عمران 112) و التفوق المسيحي إلى اليهود حتى يوم القيامة (آل عمران 55) [أنظر: الباقلاني: إعجاز القرآن ص 77- 79، تفسير القرطبي 1/ 73- 78، الكشاف 3/ 252، 4/ 440، 445، مناهل العرفان للزرقاني 2/ 273، تفسير الطبري 21/ 16- 21، 25/ 111- 115، تفسير البيضاوي 2/ 215- 216، 439، تفسير الجلالين ص 215- 216 (نسخة على هامش البيضاوي) تفسير الألوسي 21/ 16- 22، تفسير الطبرسي 21/ 5- 9، تفسير الفخر الرازي 25/ 95- 98، تفسير روح المعاني 6/ 95- 97، تفسير الطبري 6/ 445- 464، 7/ 116- 118، 10/ 135- 140، 13/ 398- 407، 529- 534 (دار المعارف بمصر)، تفسير مجمع البيان 3/ 94- 96، 4/ 166- 169، 6/ 54- 55 (دار مكتبة الحياة، ببيروت 1961).

الكتاب الثالث سيرة موسى عليه السّلام

اشارة

ص: 133

ص: 134

الباب الأول موسى من المولد إلى المبعث

اشارة

ص: 135

ص: 136

الفصل الأول بنو إسرائيل في مصر
(أ) فيما قبل الاضطهاد:-

قدم بنو إسرائيل، كما رأينا من قبل، لا كغزاة فاتحين، و إنما كلاجئين من جدب أصاب أرض كنعان، فوجدوا في مصر، و في ظل أخيهم يوسف عليه السلام، ضيافة كريمة، فاختاروا، أو اختار لهم يوسف، أرض جوشن في وادي طميلات، لأنهم رعاة أغنام، و هذه أرض مراع، و لأنها تبعدهم عن مخالطة أهل البلاد و الاندماج فيهم، و الامتزاج بهم، حيث كانوا يؤثرون الإقامة في جهات خاصة بهم، ربما لأن تلك طبيعتهم، و ربما بسبب نفور المصريين منهم أو من حرفتهم كرعاة «لأن كل راعي غنم رجس عند المصريين، و لعلنا نحس بذلك منذ اللحظة الأولى التي قدم فيها بنو إسرائيل بأخيهم بنيامين، إذ نرى يوسف يولم وليمة تكريما لأخيه، و لكنه، فيما تروي التوراة، يأمر بأن تكون له مائدة خاصة به، و أخرى لإخوته، و ثالثة للمصريين «لأن المصريين لا يقدروا أن يأكلوا طعاما مع العبرانيين لأنه رجس عند المصريين» (1).

و هكذا تبدو نظرة المصريين للعبرانيين واضحة لنا منذ أول لقاء بينهم، و في ضيافة يوسف العبراني نفسه، و هي نظرة لا تدل، بحال من الأحوال،

ص: 137


1- تكوين 43/ 32.

على احترام المصريين العبرانيين، و إنما تدل على أنفة المصريين، و تأبيهم عن مخالطة العبرانيين، و عدم استعدادهم حتى للأكل معهم على مائدة واحدة، لأن الأكل معهم رجس لا يليق بالمصريين، رغم أنهم يعرفون أنهم إخوة يوسف، عزيز مصر وقت ذاك، و الأمين على خزائنها، و الأثير عند مليكهما، و إن دل ذلك على شي ء، فإنما يدل على أن القطيعة بين الفريقين ما كانت تحتاج إلى بيان، بل إن يوسف نفسه، طبقا لرواية التوراة، إنما يسلم بها سلفا، و من ثم فقد أعد مائدة للمصريين، و أخرى لإخوته، و ثالثة له، و لعل أراد بذلك ألا يغضب أحد الفريقين، إن جلس على مائدة فريق دون الآخر.

هذا و ربما كان من أسباب هذه النفرة بين المصريين و الإسرائيليين تلك النظرة المتعالية التي كان ينظر بها المصريون إلى من عداهم من الشعوب، بل إنهم إنما كانوا يعتبرون أنفسهم وحدهم هم «الناس» أو «الرجال» و أما الأجانب فلا، و من ثم فقد كانوا يزدرونهم و يطلقون على رؤسائهم لقب «وغد» (1)، و زاد الأمر بالنسبة للعبرانيين حرفتهم كرعاة، «و كل راعي غنم رجس عند المصريين».

و أيا ما كان الأمر، فلقد عاش بنو إسرائيل في ظل الهكسوس الغزاة، ما شاء اللّه لهم أن يعيشوا، حتى تقوم ثورة التحرير، التي يحمل لواءها أبناء الصعيد من طيبة، أولئك الذين لم يخنعوا للهكسوس أو يخضعوا لسلطانهم، و تنتهي الأمور بمصر بطرد الهكسوس مصر و مطاردتهم حتى زاهى في لبنان، و من ثم يسترد المصريون زمام الأمور، و تقوم الأسرة الثامنة عشرة حوالي عام 1575 ق. م، و على رأسها أحمس الأول، الذي مجّدته الأجيال اللاحقة،

ص: 138


1- محمد بيومي مهران: الثورة الاجتماعية الأولى في مصر الفراغنة ص 162، 209، و كذا, drofxO, shoorahP ehT fo tpygE, renidraG. H. A 37. p، 1961.

كمؤسس للأسرة الثامنة عشرة، و كبداية لعهد الإمبراطورية المصرية، و كبطل لا يباري نجح في طرد الهكسوس من مصر (1).

كان الإسرائيليون مرتبطين بالهكسوس بأوثق رباط، فيوسف الصديق عليه السلام، وصل إلى ما وصل إليه في عهدهم، كما أن بني إسرائيل قد ساعدوا الغاصب الأجنبي و من ثم فقد تركهم في مراعيهم آمنين، و لعل هذا كان واحدا من الأسباب التي جعلت المصريين ينفرون من اليهود، و يضمرون لهم أشد المقت، هذا إلى أنهم ربما كانوا على اتصال بالهكسوس، اتصال الملق و المصانعة، و تقديم كافة الخدمات، و من بينها خدمات التجسس، و نتج عن ذلك أن تشابهت بعض الأسماء بين الفريقين، و إن كان علماء اليهود يردون ذلك إلى أن الهكسوس إنما كانوا أيضا قبائل من بينها العبرانيين (2)- الأمر الذي سوف نناقشه فيما بعد- و لعل هذا الذي يقوله علماء اليهود هو ذاته على ما كان بين الغزاة الهكسوس، و الضيوف الإسرائيليين، من صلات وثيقة أقرها اليهود في تراثهم العبري، و عزوا إليها استقرار العبرانيين في مصر.

على أنه يجب أن نشير هنا إلى أن الإسرائيليين إنما قد تأثروا كثيرا بسادتهم الهكسوس، الذين حاولوا بدورهم أن يكسبوا ود المصريين، و يتكيفوا بالحضارة المصرية، فتبنوا ثقافة البلاد، و طريقتها في الكتابة، بل و عبدوا الإله «رع»، و كانوا يقرنون اسمه بألقابهم مثل «عاقن رع»- و هو الملك أبو فيس- كما عبدوا الإله المصري «ست»، و الذي كان يشبه إلههم الأصلي «تشوب»، و كانوا يطلقون عليه أحيانا «سوتخ» (3).

ص: 139


1- أنظر عن عصر الهكسوس في مصر و حرب التحرير (محمد بيومي مهران: حركات التحرير في مصر القديمة- القاهرة 1976 (ط دار المعارف) ص 101- 223).
2- . 5. p, tic- po, htoR. C و كذا. p, tic- po, nietspE. I 15
3- محمد بيومي مهران: المرجع السابق ص 155- 160، عبد العزيز صالح: مصر و العراق ص 191.

و من هنا، فأكبر الظن، أن الإسرائيليين قد تأثروا بالهكسوس في اعتناق الديانة المصرية، و من ثم فقد رأينا «دين ستانلي» يقول: إن إقامة بني إسرائيل في مصر، قد أثرت فيهم كثيرا، فيما يتصل بحريتهم السابقة و نشاطهم السابق، و إن كان الأهم من ذلك كثيرا، أن الديانة السابقة التي تمتع بها عصر الآباء البطارقة الأقدمين، إنما قد تلاشت الآن كثيرا.

و تقدم لنا التوراة الكثير من الأدلة على أن الإسرائيليين إنما كانوا يعبدون آلهة البلاد التي كانت تستضيفهم، و من هنا جاء في سفر يشوع قول الرب: «انزعوا الآلهة الذين عبدهم آباؤكم عبر النهر، و في مصر، و اعبدوا الرب» (1)، كما جاء في سفر حزقيال: «في ذلك اليوم رفعت لهم يدعني لأخرجهم من أرض مصر، إلى الأرض التي تجسستها لهم، تفيض لبنا و عسلا، هي فخر كل الأراضي، و قلت لهم: اطرحوا كل إنسان منكم أرجاس عينيه، و لا تتنجسوا بأصنام مصر، فتمردوا عليّ ... و لم يتركوا أصنام مصر» (2).

و هكذا عاش الإسرائيليون في مصر فترة رخاء في بادئ الأمر، و اعتنقوا ديانة المصريين، ثم مضت فترة لا ندري مداها على وجه التحقيق، و إن كنا لا نظن أن الاضطهاد قد بدأ بعد التحرير مباشرة، و إنما يبدو لي أن ذلك، إنما كان بعد حين من الدهر.

(ب) الاضطهاد- أسبابه و نتائجه:

ترجع التوراة أسباب اضطهاد المصريين للإسرائيليين إلى أنه «قام ملك جديد على مصر، لم يكن يعرف يوسف، فقال لشعبه: هو ذا بنو إسرائيل شعب أكثر و أعظم منا، هلم نحتال لهم، لئلا ينموا فيكون إذا حدثت حرب

ص: 140


1- يشوع 24: 14.
2- حزقيال 20: 6- 8.

أنهم ينضمون إلى أعدائنا و يحاربوننا و يصعدون من الأرض» (1).

و في الواقع أننا إذا ما أردنا مناقشة أسباب التوراة هذه للاضطهاد المصري لبني إسرائيل، لرأينا فيها بعض الصواب، و لكننا سوف نرى فيها- في نفس الوقت- الكثير من الخطأ، فالتوراة تجعل من فرعون الذي «لم يكن يعرف يوسف» سببا في الاضطهاد، و رغم أنه سبب غير مقنع تماما، إلا أنه ربما كان يحمل بعض الصواب بين طياته، ذلك لأن هذا الفرعون الذي تشير إليه التوراة- دون أن تذكر اسمه- ربما كان «رعمسيس الثاني» و ربما كان «سيتي الأول»- فيما يرى أطلس و ستمنستر التاريخي- هو الملك الذي بدأ العمل في بناء مدينة «بر- رعمسيس»، كما تدل بعض الآثار التي وجدت في موقع المدينة (2).

و أما جهل هذا الفرعون بيوسف الصديق، عليه السلام، فلعل السبب في ذلك أن الصديق إنما عاش قبل هذا الفرعون بقرون، ترجع إلى أيام الهكسوس، و هم الغزاة الذين يحمل لهم المصريون في قلوبهم كل الكره و البغض، و لم يحاولوا أن يسجلوا تاريخهم، فضلا عن تاريخ موظفيهم، و الصديق واحد منهم، و من هنا فقد ارتبط يوسف بحدث مؤلم في الضمير الوطني المصري، و ذلك لسببين، الواحد أنه كان أسيويا، و جواب رمال، و الآخر أنه كان من أكبر موظفي الدولة المحتلة المكروهة، و طبقا لوجهة النظر الأخيرة، فإن أي إعجاب بيوسف إنما كان يعني- في نظر فرعون- الثناء على الهكسوس (3).

و أما ما تذهب إليه التوراة من أن الإسرائيليين قد أصبحوا «شعبا أعظم

ص: 141


1- خروج 1: 8- 10.
2- .. p, elbiB eht ot saltA lacirotsiH retsenimtseW ehT 37.
3- .. p, tic- po, relleK. W 117.

و أكثر» من المصريين، فهذا منطق غير مقبول، و أن النص التوراتي لا شك أنه قد أوغل في المبالغة، و أغرق في التعصب، ذلك أن التوراة نفسها إنما تحدثنا أن بني إسرائيل عند ما قدموا إلى مصر، للمرة الأولى، إنما كان «جميع نفوس بيت يعقوب التي جاءت إلى مصر سبعون» (1)، و ها نحن الآن على أيام الاضطهاد- ثم الخروج فيما بعد- و قد انصرمت 215 سنة، على رأي التوراة السبعينية- أو ضعف هذا الرقم على رأي التوراة العبرية- حتى يصبح هذا البيت من الناس «شعبا أعظم و أكثر» من المصريين- أصحاب أعظم و أقوى دولة في العالم وقت ذاك- أو حتى يصبح عدد بيت يعقوب قد ناهز المليوني- ربما الثلاثة- فلما طردوا من مصر، كان من بينهم «نحو ستمائة ألف ماش من الرجال، عدا الأولاد، فكان جميع الأبكار الذكور، من ابن شهر فصاعد، اثنين و عشرين ألفا و مائتين و ثلاثة و سبعون» (2)، فإذا ضاعفنا هذا العدد كان الأبكار من الجنسين قرابة 45 ألف.

و يعلق بعض الباحثين على ذلك، بأننا لو قسمنا عدد الجماعة على الأبكار، لخلصنا إلى أن المرأة الإسرائيلية من اليهود الأبقين، كانت تلد زهاء 65 وليدا، و هو أمر لا يستقيم مع المنطق، فضلا عما تعرضوا له من ذلة و عسف تحت رؤساء التسخير، و لا مع ما روى من عبورهم البحر في سويعات قصار، و من ثم فإن علماء اللاهوت و المؤرخين، سواء بسواء، أصبحوا الآن لا يعلقون على هذه الأرقام التي ذكرتها التوراة أية أهمية، و يعتبرونها محض خيال إسرائيلي (3)،- الأمر الذي سوف نناقشه عند الحديث عن الخروج.

ص: 142


1- تكوين 46: 26- 27.
2- خروج 12: 32، عدد 43: 43.
3- عصام الدين حفني ناصف: محنة التوراة على أيدي اليهود، القاهرة 1965 ص 35، أحمد عبد الحميد يوسف: المرجع السابق ص 72. و كذا, II, HAC, learsI fo esiR ehT, kooC. A. S 358. p، 1931.

هذا فضلا عن أن الإسرائيليين لم يكونوا في مصر- في غالب الأحايين- إلا مجرد رعاة أغنام، و أن المصريين إنما هم أصحاب البلد الأصلاء هم المالكون للسلطة و القوة و الثروة في البلاد، و من ثم يبدو واضحا مدى المبالغة في نص التوراة الذي يصف الإسرائيليين بأنهم «شعب أكثر و أعظم» من المصريين، و ليس أدل على ذلك من الاضطهاد الذي تقول به التوراة، و تحاول تبريره بمثل هذه الحجج الواهية، و إلا فخبرني بربك: كيف يضطهد الأقل الأكثر، و الأذل الأعز، و الأضعف الأقوى؟.

و أما قول التوراة، أنه «إذ حدثت حرب أنهم ينضمون إلى أعدائنا و يحاربوننا و يصعدون من الأرض»، فلعل هنا موطن السر، و لعل من كتبوا هذه النصوص في التوراة قد أشاروا إلى موطن الداء، دون أن يدروا، و هو عدم ثقة المصريين في بني إسرائيل، و خشيتهم من أن يكونوا حربا عليهم، إن طمع فيهم غاز لئيم، أو أراد معتد أثيم أن يدنس أرضهم، و لعل لهم من عهد الهكسوس ذكريات لا تضع الإسرائيليين فوق مستوى الشبهات، بل إنهم- كما يقول الدكتور الحاخام أبشتين (1)- كانوا متهمين بالتعاطف مع الهكسوس، و أقرباء نائب الملك السابق، أو وزير تموينه على الأصح.

و هكذا يبدو واضحا- و بنص التوراة نفسها- أن سبب الاضطهاد من أقوى الأسباب التي تخيف منهم أمة متحضرة كمصر، و ملكا مهيبا كفرعون، و هو انعدام ولائهم للبلاد التي يعيشون فيها، و استعدادهم للانضمام إلى أعدائهم و شن الحرب عليها (2)، حتى وقع في خلد فرعون و آله أنهم طابور خامس، و ربما كان ذلك- فيما يرى سير ليونارد و ولي- انعكاسا للكراهية القومية للهكسوس المحتلين التي رأت في العبرانيين ظلالهم (3).

ص: 143


1- . p, msiaduJ, nietspE. I 15.
2- حسن ظاظا: الصهيونية العالمية و إسرائيل، القاهرة 1971 م ص 4.
3- . p, tic- po, yellooW. L 495.

هذا فضلا عن أن الشعب المصري لم يكن ينظر بارتياح إلى الإسرائيليين منذ أول يوم عرفهم فيه (1)، ثم تحول هذا الشعور إلى كره و مقت، حين رآهم أجراء أذلاء يستخدمهم الهكسوس الغزاة في أعمالهم، ثم تحولت به الكراهية إلى احتقار و ازدراء، بخاصة و أنهم كانوا منذ البداية يعتبرون الأكل معهم نجاسة، ثم رحل الغزاة من أرض مصر، فبقي هؤلاء الأذناب ليلعبوا دور الذئاب، و كان من رعمسيس ما كان مع هؤلاء الجواسيس (2).

و هنا لنا أن نتساءل هل كان هناك حقا استعباد من المصريين للإسرائيليين؟ أم أن الأمر لا يعدو أن الإسرائيليين قد اعتادوا الدعة و الرخاء منذ أيام يوسف، فلما تغيرت الحال نوعا، و رأى الفراعين ضرورة اشتراك اليهود فيما كان يبذل في البلاد من جهود نحو التنمية في الزراعة. و أعمال البناء و تشييد التماثيل و المعابد و ما إلى ذلك، عدوا ذلك عننا لا يطيقون احتماله و بدءوا يتذمرون (3)؟

و إذا ما أردنا أن نصل إلى الحقيقة، أو حتى أن نقترب منها، فعلينا أن نتذكر أن مصر، إحدى الدول التي لم تعرف السخرة و الاستعباد قبل عهد الدولة الحديثة، حين كان الأسرى يدفعون إلى العمل فيستعبدون عن هذا الطريق، و لم يقل أحد من العلماء أن الإسرائيليين دخلوا مصر كأسرى حرب، و من ثم استعبدهم المصريون، هذا فضلا عن أن التوراة إنما تذكر صراحة أن الفرعون إنما كان ينظر إليهم- حتى في أوقات الشغب- و كأنهم من الشعب ليسوا مجموعة من العبيد- أو حتى المستعبدين-، تقول التوراة:

ص: 144


1- تكوين 43: 32.
2- عبد الرحيم فودة: من معاني القرآن ص 177- 178.
3- صبري جرجس: التراث اليهودي الصهيوني، القاهرة 1970 م ص 25.

«فقال لهما ملك مصر: لما ذا يا موسى و هارون تبطلان الشعب من أعماله (1):، بل إن القرآن الكريم إنما يقدم لنا الإسرائيليين على أنهم قد أصبحوا جزءا من رعية فرعون، أو طائفة منهم، يقول سبحانه و تعالى: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَ جَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَ يَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ (2).

بل إننا- حتى لو افترضنا جدلا- أن المصريين قد استعبدوهم يعد طرد الهكسوس، فإن العمال- سواء كانوا يعملون في المقابر أو المحاجر الملكية، أو كانوا يعملون في تشييد المدن- إنما كانوا يعاملون معاملة طيبة، و يمنحون المكافآت في الأوقات المناسبة، و أنهم كانوا يتمتعون بفترات راحة رسمية، كانت تقع في اليوم العاشر و العشرين و الثلاثين من كل شهر، كما كانوا يمنحون إجازات في المناسبات الخاصة بالأعياد الكبرى للآلهة الرسمية كانت كثيرا ما تصل إلى أيام متتالية (3)، كما كان بعضهم يتخلفون عن العمل لأسباب مختلفة كالمرض و تقديم القرابين للإله، كما كان انحراف مزاج الزوجة أو الابنة كافيا- و إن كان غريبا- يسوغ أحيانا التخلف عن العمل (4).

و من ثم فقد رأينا بعض الفراعنة يفخرون بأنهم إنما يعاملون عمالهم برفق و سخاء، فها هو «سيتي الأول» يحدثنا أن الواحد من عماله، إنما كان «يتقاضى أربعة أرطال من الخبز، و حزمتين من الخضروات، و قطعة من

ص: 145


1- خروج 5: 4.
2- سورة القصص: آية 4.
3- ,egdirbmaC ,ytsanyD tsriF ytnewT eht fo dnE eht ot ,III ,sessemaR fo htaeD eht morf tpygE ,ynreC .J 18. p، 1965.
4- أرمان، رانكة: مصر و الحياة المصرية في العصور القديمة، ترجمة عبد المنعم أبو بكر، القاهرة 1953 ص 124.

اللحم المشوي كل يوم، و ثوبا من الكتان النظيف مرتين كل شهر» (1)، و في الواقع أنه لو كان ما يقوله «سيتي» صحيحا، لكان عماله يعيشون في مستوى يقارب مستوى العمال في العصر الحديث، و في أكثر البلاد تقدما، فإذا أضفنا إلى ذلك أن «سيتي الأول» هذا، أو ابنه رعمسيس الثاني، هما اللذان تدور حولهما روايات التوراة عن السخرة، و بناء مدينتي «فيثوم و رعمسيس»، لتبين لنا مدى ما في رواية التوراة من مجافاة للحقيقة.

و لعلنا نستخلص الدليل على حسن معاملة الفراعين للعمال من بني إسرائيل من توراة بني إسرائيل نفسها، ذلك أننا نقرأ في سفر الخروج أن الإسرائيليين قد ثاروا على موسى، و لما يمضي شهر و نصف الشهر على خروجهم من مصر، بعد أن أفقدهم موسى حياة الرخاء في مصر، و جاء بهم إلى البرية (2)، ثم سرعان ما تمضي فترة فتعود الثورة و يشتد الحنين إلى مصر، و من ثم نقرأ في سفر العدد: «فعاد بنو إسرائيل أيضا، و بكوا و قالوا من يطعمنا لحما، قد تذكرنا السمك الذي كنا نأكله في مصر مجانا، و القثاء و البطيخ و الكرات و البصل و الثوم (3)، بل إن التوراة في سفر الخروج إنما تؤكد أن الإسرائيليين إنما كانوا يعارضون في الخروج من مصر منذ بادئ الأمر، تقول التوراة- على لسان الإسرائيليين- «ما ذا صنعت بنا حتى أخرجتنا من مصر، أ ليس هذا هو الكلام الذي كلمناك به في مصر قائلين: كف عنا فنخدم المصريين» (4).

و هكذا يبدو لي أن الأمر لم يكن بالصورة التي قدمتها التوراة، و أن

ص: 146


1- , ogacihC, VI, tpygE fo sdroceR tneicnA, detsaerB. H. J 414. p، 1907.
2- خروج 16: 2.
3- عدد 11: 4- 6.
4- خروج: 14: 11- 122.

الإسرائيليين لم يكونوا عبيدا مسخرين في مصر، و إنما كانوا قوما طفيليين اعتادوا حياة الدعة و الرخاء في ظل رعاية الهكسوس و إيثارهم على الوطنيين، و حين ولى ذلك كله، و تحررت البلاد من نير الهكسوس، و أراد الفراعين إعادة الدولة المصرية إلى ما كانت عليه من مجد و سؤدد، فكان لزاما عليهم الاهتمام بزراعتها و إعادة ما تهدم من منشآتها، و هنا كان على القاطنين بأرض الكنانة، الإسهام في هذا الجهد العظيم، فطلب أولوا الأمر من بني إسرائيل أن يشاركوا في ذلك كله، لا أن يكون عملهم مقصورا على رعاية المواشي و الأغنام، و هو أمر يعود عليهم بالنفع وحدهم.

و هنا غضب الإسرائيليون لأنهم ما تعودوا أن يشاركوا بجهد في إقامة الدولة من كبوتها، و لأنهم سوف يفقدون امتيازاتهم القديمة، و ربما فكروا في العمل ضد الدولة، أو أن الدولة نفسها كانت تخشى- كما تقول التوراة (1)- أن يتآمر بنو إسرائيل ضدها في محاولة للانتكاس، بل إن بعض الباحثين إنما يذهب إلى أن شعب مصر إنما كان قد اكتشف فعلا أن بني إسرائيل يتآمرون عليه (2).

و على أي حال، فلو اتفقنا مع الآراء التي تنادي بأن فرعون التسخير، إنما كان «رعمسيس الثاني» (3)- أو حتى أبوه «سيتي الأول»، لرأينا أن ظروف البلاد إنما كانت تستدعي وقت ذاك الحذر و الحيطة من الأخطار الخارجية التي كانت تهددها، و لم يكن لرعمسيس- أو أبوه،- بداهة أن يفاجى ء الناس- على غير علة و لا سبب- بتلك السياسة، عن مجرد مزاج مال

ص: 147


1- خروج 1: 10.
2- سليمان مظهر: قصة العقائد ص 283.
3- قاموس الكتاب المقدس 2/ 923، و أنظر: ehT, ellivan, E و كذا. p, tic- po, hoN. M 134، 120. . p, tic- po, nageniF. J 134، 120. و كذا. p, tnematseT dlO eht fo ygoloeahcrA 39.

به إليها، و شهوة إلى الدم عصفت به في قوم أبرياء. و إنما لا بد و أن تكون هناك أسباب، تستدعي كل هذا العنف، و تلك القوة القاسية.

كان عهد رعمسيس الثاني (1290- 1224 ق. م)- و كذا عهد أبيه سيتي الأول (1309- 1291 ق. م) من قبل- قد تميز بالحرب الضروس التي اشتعل أوارها بين القوتين الأعظم في ذلك الوقت، و أعني بهما القوة المصرية و القوة الحيثية، فالتاريخ يحدثنا أن الحيثيين كانوا من وراء الثورات التي شبت في إمبراطورية مصر الآسيوية على أيام أخناتون (1367- 1350 ق. م)، حتى قضوا- أو كادوا- على النفوذ المصري في غربي آسيا (1)، حتى إذا ما كانت أيام «حور محب (1335- 1308 ق. م) بدأت مصر تستعيد قوتها، و تنازع الحيثيين سلطانهم الذي اكتسبوه في غيبة الإمبراطورية المصرية، بل إن الرجل إنما أحرز انتصارا عليهم حتى قبل توليته عرش الكنانة (2).

على أن «سبتي الأول» إنما كان حقا هو الفرعون الذي قام بالمحاولة الجادة لاستراد الإمبراطورية المفقودة في آسيا، و وضع حد لنزوات البدو الذين كانوا يهدون الحدود الفلسطينية من الشرق، فيقوم بحملات ثلاث ينجح فيها في إخضاع كل بلاد فلسطين، و جانب من سورية، ثم يستمر في تقدمه شمالا، حتى إذا ما كانت الحملة الرابعة تحدث المواجهة المباشرة بينه و بين الحيثيين في مكان ما إلى الشمال من مدينة قادش، و طبقا لنصوص

ص: 148


1- , (skooB niugneP), setittiH ehT, yenruG. R. O 51. p، 1969، و كذا. p, I, tselbaT anramA le- lleT ehT, recrem. B. A. S، 21- 417، 215، F. p, II 529، 238.
2- أنظر: دريوتون، فانسيية: مصر، ترجمة عباس بيومي، القاهرة 1950 ص 466- 467، محمد بيومي مهران: المرجع السابق ص 229- 230 و كذا, Y, N, tpygE fo yrotsiH A, detsaerB. H. J 40. p، 1946 و كذا, aej, bahmeraH lareneG eht fo bmoT etihpeM eht, renidraG. H. A 4. p، 1951، 39.

الكرنك، فقد كتب النصر للفرعون، فضلا عما استطاع الحصول عليه من الغنائم و الأسرى، إلى جانب إجبار الحيثيين على العودة إلى بلادهم (1).

و يخلف «رعمسيس الثاني» أباه «سيتي الأول» على عرش الكنانة في عام 1290 ق. م، و يبدأ حكمه بأن يوجه كل جودة في متابعة الانتصارات التي حققها أبوه في فلسطين و مدها نحو الشمال، إلى سورية، و هنا تحدث مواجهة أخرى بين المصريين و الحيثيين على أرض قادش (2)، حيث كانت

ص: 149


1- أنظر محمد بيومي مهران: المرجع السابق ص 230- 232. و كذا TENA ni, nosliW. J، 254. p، 1966. . O. R و كذا, AEJ ni, I, sohteS fo sraW eht, renkluaF. O. R 38- 37. p، 1974، 33. و كذا. fo tpygE, renidraG, HA و كذا, egdirbmaC, 2, trap, II, HAC ni, renkluAF 201- 218. p، 1975. , drofxo, shoarahP eht 254- 253. p. 164، 1964.
2- قادش: بلد تقع على نهر الأورنت (العاصي) في مكان «تل نبي مند»، على الشاطئ الأيسر لنهر العاصي، داخل الزاوية المكونة من التقاء العاصي بنهر الموقادية الصغير من ناحية الغرب، و على مبعدة بضعة أميال جنوبي النهاية الجنوبية لبحيرة حمص، و كانت قادش تدعى في حوليات تحوتمس الثالث «قدشو» و في رسائل العمارنة «كنزا» أو «كدش» و في بعض الحالات «كدشو» و «جيزا» و ربما كان «إدوارد ماير» مصيبا في ظنه أن الاسمين مختلفان حقيقة، فالأول هو الإسم الحقيقي، و الثاني اسم بمعنى «المحراب» من الأصل السامي «قدش» أي مقدس، و يبدو أن المدينة قد خربت بعد المعركة الطاحنة بين رعمسيس الثاني و مواتيلا ملك الحيثيين، ثم جددت بعد ذلك عدة مرات، ربما كان آخرها في العصر الروماني. و ترجع أهمية قادش من الناحية الإستراتيجية أنها تقع في النهاية الشمالية لوادي البقاع، و من ثم فقد كان لزاما على الجيوش المتجهة شمالا أو جنوبا أن تمر بها، إلا إذا فضلت السير على الساحل الضيق بطريق أرواد أو أجاريات. و أما قدش و قادش المذكورتان في التوراة فهما مكانان في جنوب فلسطين (غير قادش الأورنت)، فأما الأولى: فهي قادش برنيع، و التي يرجح أنها على مبعدة 50 ميلا جنوبي بئر سبع، 70 ميلا جنوبي حبرون (الخليل)، و أما الثانية فهي مكان قرية قدس الحالية على مبعدة عشرة أميال شمالي صفد، و أربعة أميال إلى الشمال الغربي من بحيرة الحولة (أنظر قاموس الكتاب المقدس 2/ 708- 709 و كذا ,hsedaK fo elttaB ehT ,detsaerB .H .J ,I ,acitsamonO naitpygE tneicnA ,renidraG .A و كذا. p, tic- po, regnU. F. M 625. و كذا 141- 137.. ogacihC P 13. p، 1903.

معركتها المشهورة في السنة الخامسة من عهد رعمسيس الثاني (حوالي عام 1285 ق م)، و التي انتهت بنصر غير مؤزر للمصريين، مما اضطر الفرعون إلى العودة إلى النضال ثانية عام حكمه الثامن (حوالي عام 1282 ق م) ضد أعدائه في الأرض الأسيوية، و يكتب له هذه المرة نجحا بعيد المدى في إخضاع المدن الثائرة من جنوبي فلسطين حتى شمال سورية، ثم يتقدم حتى بلاد النهرين، و يوقع بالحيثيين هزيمة ثانية في «تونب»، و هكذا ينجح رعمسيس الثاني في أن يستعيد الإمبراطورية المصرية في آسيا، و في أن يسجل اسمه كأحد الفراعين المحاربين، الذين أفنوا عمرهم في الحفاظ على الإمبراطورية المصرية التي ورثوها عن فرعون مصر العظيم «تحوتمس الثالث»، كما كانت الحملة درسا قاسيا للحيثيين أجبرهم على احترام السيادة المصرية في آسيا، و عدم التدخل في شئون الولايات المصرية هناك (1).

هذه هي الظروف التي كانت تمر بها مصر في تلك الفترة التي تحدثت التوراة عن استعباد الإسرائيليين في مصر إبانها، و لعل أي منصف ليرى أن الفرعون ما كان في استطاعته أن يترك البلاد تحت رحمة الدسائس الإسرائيلية، و أغلب الظن أن رعمسيس إنما طارد بني إسرائيل بعد أن أوعز صدره عليهم، و ثقة مفقودة ربما افتقدها عندهم في حروبه ضد الحيثيين، و لعله وجد فيهم ما لم يتعففوا عنه من خيانة و تجارة بولائهم للغالب في ظنهم من المتنازعين، و ما كان من حق الفرعون أن يترك طائفة من الناس- أيا

ص: 150


1- محمد بيومي مهران: مصر و العالم الخارجي في عصر رعمسيس الثالث- الإسكندرية 1969 ص 77- 93 (رسالة دكتوراه) و أنظر: hsedaK ehT, renidraG. A و كذا:. p, TENA 265: eht no noitaredisnoC, ekcideoG. H و كذا, drofxo, II, sessemaR fo noitpircsnI 9- 7. p، 1966. , 2 traP, II, HAC ni, renkluaF. O. R: و كذا, AEJ, hsedaK fo elttaB 79- 72. p، 1966، 52. , 7, AEJ, hsedaK fo elttaB eht no setoN snoS, neruB. A: و كذا egdirbmaC، 230- 226. p، 1975. 195- 194. p، 1921.

كانت- تنعم بخيرات الكنانة و دون أن تؤدي عملا يتفق و ظروف الحرب هذه، فضلا عن الخيانة و التجسس، بخاصة و أن الإسرائيليين كانوا يسكنون في منطقة الحدود الشرقية، و هو التي اضطر رعمسيس تحت ضغط الظروف أن ينقل إليها عاصمته، لتكون في مكان وسط بين مملكته في مصر و أملاكها في آسيا، و من ثم يصبح على مقربة من الأحداث التي كانت تدور وقت ذاك في أملاك مصر الأسيوية، أضف إلى ذلك كله أن الإسرائيليين إنما كانوا يرتبطون بفلسطين بالذات بالأساطير التي تجعلها «أرض الميعاد»، فضلا عن أنهم قدموا إلى مصر منها كذلك، و من هنا كان خوف الفرعون من أن يكونوا جواسيس عليه، لمصلحة أعدائه من الأمراء الأسيويين، فضلا عن الحيثيين.

و انطلاقا من هذا كله، كان أمر فرعون أن يعمل عبيده الإسرائيليين في بناء المدن الجديدة- مكرهين كانوا أم راغبين- بل و تحت إشراف رؤساء مصريين، و لم يكن في هذا الأمر شي ء من تعنت أو شذوذ- فما أظن- فالفرعون أراد بوضعهم تحت إشراف المصريين أن يكون في مأمن من جانبهم، و حتى لا يصاب بضربة خيانة منهم، في وقت هو في أشد الحاجة إلى من يؤمن له ظهره إبان قتاله المرير ضد الحيثيين، و ضد الأمراء الأسيويين، هذا من ناحية، و من ناحية أخرى، فإن هذه الشوامخ الراسيات على أرض الكنانة قد قام بها من قبل مصريون، فما الغريب في الأمر، أن يسهم بنو إسرائيل في بناء مدينتي «فيثوم و رعمسيس»- و هما المدينتان اللتان شيدهما رعمسيس الثاني في نفس المنطقة التي يقيم فيها الإسرائيليون- و هو إسهام لم يتجاوز صنع قوالب من اللبن تستخدم في بناء المدن، بل إنه في أشد حالات قسوته- كما تصوره التوراة (1)- أن يجمع الإسرائيليون اللبن الذي يستخدمونه في صنع اللبن بأنفسهم من القرى المصرية، بعد أن كان

ص: 151


1- خروج 1: 8- 14، 5: 6- 11.

المشرفون عليهم هم الذين يقومون بجمعه.

هذا هو العمل القاسي الذي كلف به الإسرائيليون، إسهام في بناء بعض مدن الدلتا، و الحق أنه ما كان من المنطق، و ما كان من العدل، أن يعمل المصريون- فضلا عن الأسرى الأسيويين (1)- في الحقول، و في بناء المدن و تشييد المحاريب و التماثيل، ثم يخوض أشبال الكنانة و أسودها بعد ذلك المعارك الضارية، يقتلون و يقتلون، بينما يظل الإسرائيليون- ما شاء اللّه لهم أن يظلوا- عالة على البلاد التي استضافتهم نيفا و أربعة قرون، منذ أن وصلوا إليها لاجئين، يطلبون الرزق، و يلتمسون وسائل العيش الناعم، و الحياة السهلة الرضية، بين أهلها الكرام أبدا، دون أن يقوموا لأهلها جزءا و لا شكورا.

و الرأي عندي، أنه حتى هذه المرحلة، لم يكن هناك تعذيب للإسرائيليين قد بدأ بعد، و إنما العذاب المهين قد بدأ، حين «أمر فرعون جميع شعبه قائلا: كل ابن يولد تطرحونه في النهر، لكن كل بنت تستحيونها (2)»؛ و إلى هذا يشير القرآن الكريم في قوله تعالى: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَ جَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً، يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَ يَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ (3)، و قول: وَ إِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ، يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَ يَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ، وَ فِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (4). ).

ص: 152


1- أنظر عن استخدام الأسرى في المباني: te itnasaraB و كذا. on, III, ERA, detsaerB. J 498, IX, EASA (ibun) auobeS- SE idauQ a seevuorT seletS, reihtuaG 84. p، 1911.
2- خروج 1: 23.
3- سورة القصص: آية 4، و أنظر: تفسير روح المعاني 20/ 42- 44، في ظلال القرآن 20/ 2676، تفسير ابن كثير 3/ 379- 380 (دار إحياء التراث العربي- بيروت)، تفسير القرطبي ص 4963- 4965.
4- سورة البقرة: آية 49، و أنظر: تفسير روح المعاني 1/ 252- 254، تفسير الكشاف 1/ 127- 138، تفسير الطبري 2/ 36- 29 (دار المعارف)، تفسير النسفي 1/ 49، تفسير القرطبي ص 225- 230 تفسير الطبرسي 2/ 231- 215، التفسير الكاشف لمحمد جواد مغنية 1/ 98- 100، تفسير البحر المحيط 1/ 187- 188، تفسير المنار 1/ 308- 313، الدر المنثور في التفسير بالمأثور 1/ 68- 69 (طهرا 1377 ه)، في ظلال القرآن 1/ 70- 72، تفسير ابن كثير 1/ 128 130 (القاهرة 1971) الجواهر في تفسير القرآن الكريم 1/ 59- 61 (للشيخ طنطاوي جوهري).

و سؤال البداهة الآن: لم تغير الحال إلى هذا المصير الأليم؟ و لم أذاق الفرعون بني إسرائيل العذاب المهين؟

إن الإسرائيليين- كما هو معروف- لم يكونوا أول الشعوب الأسيوية التي استضافتها مصر، و لم يكونوا كذلك آخرها، و بخاصة إذا أرخنا مرحلة الاضطهاد هذه بعصر رعمسيس الثاني، فإننا نعلم أن عاصمته التي سخر الإسرائيليين في بنائها، طبقا لرواية التوراة، مثل سائر المدن الكبرى في مصر حيث كان يخالط المصريون الليبيين و الزنوج و الأسيويين، و لا شك في أن موقع العاصمة الجديدة بين مصر و أقاليم الشرق جعل الوفود تقصدها، فظهر الغرباء في بعض وظائف الدولة، و امتلأت لغة المصريين بكلمات أسيوية سامية وردت كثيرا في الأدب المصري، و بخاصة في القرن الثالث عشر ق.

م، و كان ازدواج اللغة واضحا في عاصمة الرعامسة، هذا فضلا عن أن الآلهة الكنعانية قد مثلت في مجمع الآلهة المصري، كذلك شاعت بين المصريين بعض العادات السامية، بل أصبح للغرباء في العاصمة أحياء خاصة، كما أصبح لغير المصريين من جندها ثكنات خاصة بهم في قلبها و في ضواحيها (1).

ص: 153


1- بيير مونتيه: الحياة اليومية في مصر الرعامسة، ترجمة عزيز مرقس منصور، القاهرة 1965 ص 19- 20، و أنظر Y. N, arzE ot maharbA morF, doireP lacilbiB ehT, thgirblA. F. W. 14. p، 1963.

و إذا كان ذلك كذلك، فلم حاق الإسرائيليون بغضب فرعون دون سواهم من ضيوف مصر و أسراها؟

و هنا علينا أن نبحث عن سبب مقنع لهذا التحول الخطير في حياة الإسرائيليين في مصر، و ليس هذا السبب- بحال من الأحوال- ما ترويه الأساطير من أن الإسرائيليين قد أذاعوا بين الناس- أو أن الكهنة المصريين قد تنبّئوا- بأنه سيولد من بني إسرائيل من سيكون على يديه زوال فرعون و ضياع ملكه (1)، فلعمري إنما تلك روايات رأينا مثلها عن إبراهيم الخليل (2) و عن المسيح (3)، عليهما السلام، فضلا عن تلك التي دارت حول «زرادشت» (4).

و من هنا، فليس أمامنا سوى أن نفترض أن أمرا قد حدث من الإسرائيليين الذين ساءهم ما كانوا به من عمل في مدينتي فيثوم و رعمسيس، فعصف ذلك الأمر بالبقية الباقية من صبر فرعون، و إن كنا لا ندري على التحقيق ما هو هذا الأمر، فربما كان خيانة، و ربما كان بداية تمرد، أو على الأقل، فإن الإسرائيليين ربما بدءوا يوجهون حربا نفسية لخلخلة الرأي العام المصري- إن صح هذا التعبير- و بخاصة في منطقة شرق الدلتا، التي كانت تعج بالأجانب من كل جنس، إن لم يكونوا قد قاموا بالاتصال بالعدو الأسيوي، و القوات المصرية في حالة نزال معه على الأرض الأسيوية نفسها، و ربما اكتشف المصريون ذلك بعد عودة قواتهم من معركة قادش

ص: 154


1- ابن كثير: البداية و النهاية 1/ 137- 238، قصص الأنبياء 2/ 4- 5، تاريخ الطبري 1/ 386- 388، تاريخ اليعقوبي 1/ 33 مروج الذهب 1/ 61.
2- تاريخ الطبري 1/ 234- 236، ابن الأثير: الكامل في التاريخ 1/ 94- 95، ابن كثير البداية و النهاية 1/ 148، أبو الفداء المختصر في أخبار البشر 1/ 13.
3- متى 2: 1- 23.
4- على عبد الواحد وافي: الأسفار المقدسة ص 129- 130.

المشهورة، أو ربما كان ذلك بعد حملة العام الثامن التي قضى فيها رعمسيس الثاني على أعدائه- سواء أ كانوا من الأمراء الأسيويين الثائرين، أو من الملوك الحيثيين الطامعين، ذلك لأننا نميل أن ما حدث إنما كان بعد هذه الحملة الأخيرة، حيث أن الفترة ما بين معركة قادش في السنة الخامسة من حكم رعمسيس الثاني (حوالي عام 1285 ق م)، و بين حملة العام الثامن (حوالي عام 1282 ق م) إنما تميزت باندلاع الثورة في كل فلسطين بتحريض من الحيثيين، و ربما بدسائس الإسرائيليين كذلك.

و من هنا فقد عاد رعمسيس من حملته هذه، و في غضب من أحس أنه طعن من وراء ظهره ممن آوتهم مصر بعد تشرد، و أطعمتهم بعد جوع، فكان العذاب الأليم صبّه فرعون، دونما رحمة أو شفقة، على الإسرائيليين، حيث أمر بذبح أبنائهم و استحياء نسائهم، و في هذه الأيام العصيبة ولد لبني إسرائيل أمل جديد، ذلكم هو «موسى بن عمران بن قاهت بن لاوى بن يعقوب» عليه السلام.

و يعلق أحد علماء الإسلام الأجلاء على هذه الأحداث، و على موقف فرعون منها، فيرى فضيلته: أن فرعون كان عظيما و كريما في موقفه من بني إسرائيل، ثم يتساءل فضيلته: ما ذا يفعل أي حاكم- عادل أو ظالم- في قوم دخلاء غرباء، وجدوا في بلاده المرعى الخصيب، و العيش الرطب، و الضيافة الكريمة، على الرغم من أن أهلها يكرهونهم، ثم وجدهم بعد ذلك، و بعد طول الإقامة في بلاده خونة و جواسيس، و مثار فتن و دسائس و أذنابا لأعدائه، يعملون على هدم وطنه و استعباد أهله.

و حين سئل فضيلته: أ يقتل أطفالهم، و يستحي نساءهم، و يسخرهم في تعبيد الطرق، و بناء المدن، كما فعل فرعون؟

أجاب فضيلته: و هل هذا يعد شيئا إذا قيس بما وقع عليهم من «نبوخدنصّر

ص: 155

» (605- 562 ق. م) و «أدولف هتلر» (1889- 1945 م)، و أباطرة الرومان، و ما عانوه من المذابح التي أكلت نساءهم و أطفالهم في روسيا و أسبانيا، و في كل مكان كان لهم فيه كيان؟.

إن هؤلاء كانوا وراء كل فتنة عامة، و خلف كل محنة إنسانية في كل عصر و لم يكن هلاك فرعون تكريما لهؤلاء الذين يقول اللّه فيهم مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا، و إن كان انتقاما من فرعون لتكبره و تجيره و ما آل إليه أمره من الطغيان، حتى انتهى به إلى الكفر، و الإصرار على الكفر (1)، و قال: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي (2)، و قوله لموسى: لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (3)، و قوله: فَحَشَرَ فَنادى فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى (4)، و كذلك جاء بعد هذه الآية قوله تعالى: فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَ الْأُولى إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى (5)، و هذا التعليل للفرق هو الذي تذكره الآية الكريمة: فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ كانُوا عَنْها غافِلِينَ (6)، و أخيرا فإن النقيصة التي أخذت على فرعون إنما كانت اندفاعه في العذاب و إسرافه في القتل للمذنب و غير المذنب على السواء (7).

و لعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن هناك رأيا يذهب إلى أن سبب اضطهاد الفراعين لبني إسرائيل إنما هي أسباب سياسية و دينية، ذلك أن ديانة

ص: 156


1- عبد الرحيم فودة: من معاني القرآن ص 192- 193.
2- سورة القصص: آية 38.
3- سورة الشعراء: آية 29.
4- سورة النازعات: آية 22- 24.
5- سورة النازعات: آية 25- 26.
6- سورة الأعراف: آية 136.
7- أحمد عبد الحميد يوسف: المرجع السابق ص 87.

التوحيد التي كانت قد عرفت قبل تولي يوسف مقاليد الحكم في مصر، لا بد أن تكون قد انتشرت بعد ذلك و استقرت على نطاق واسع في أثناء توليه الحكم، ثم من بعد ذلك في عهد أسرة الرعاة (الهكسوس) فلما استرد الفراعنة زمام الأمور في الأسرة الثامنة عشرة أخذوا يقاومون ديانة التوحيد ممثلة في ذرية يعقوب التي تكاثرت في مصر، لإعادة الوثنية التي تقوم عليها الفرعونية، و هكذا يكشف لنا سببا أصيلا من أسباب اضطهاد الفراعنة بعد ذلك لبني يعقوب، إلى جانب السبب السياسي، و هو أنهم جاءوا و استوطنوا و حكموا و استقروا في عهد ملوك الرعاة (الهكسوس) فلما طرد المصريون ملوك الرعاة طاردوا حلفاءهم من بني يعقوب أيضا، و إن كان إختلاف العقيدتين ينبغي أن يكون هو التفسير الأقوى لذلك الاضطهاد الفظيع، ذلك أن انتشار عقيدة التوحيد الصحيحة يحطم القاعدة التي يقوم عليها ملك الفراعنة، فهي العدو الأصيل للطواغيت و حكم الطواغيت و ربوبية الطواغيت (1).

و رغم جاذبية هذه النظرية، و ما فيها من أوجه صواب، فإن فيها نقاط ضعف أيضا، منها (أولا) أن الهكسوس، على الأقل بعد عهد يوسف عليه السلام، لم يكونوا موحدين بدليل أن ملكهم أبو فيس الذي قامت ضده حرب التحرير لم يكن موحدا، فلقد أطلق على نفسه في رسالته لأمير كوش «عاوسررع، ابن رع، أبوبي»، كما وصف نفسه، كما أشرنا من قبل، بأنه «ابن رع من جسده» و «الصورة الحية لرع على الأرض»، و بدهي أن هذه ليست أسماء أو صفات الموحدين، و منها (ثانيا) أن كثيرا من ملوك الهكسوس، بعد عهد يوسف، قد قبلوا عبادة إله الشمس رع، بجانب ست، كما أن كثيرا من ملوكهم، كما أشرنا من قبل، كانت لهم أسماء مركبة من اسم «رع» مثل «هائلة هي قوة رع» و «رع هو سيد السيف». ).

ص: 157


1- في ظلال القرآن 4/ 1961 (بيروت 1982).

و منها (ثالثا) أن صورة الأنثى العارية التي تظهر على الجعارين من عصر الهكسوس، إنما تمثل الإلهة السامية «عنات» أو «عتر- عشتارت»، و يشار إليها في نصوص متأخرة من عهدهم، و كأنها زوجة للإله «ست- بعل» (1)، و منها (رابعا) أن رويات المفسرين و المؤرخين المسلمين إنما تذهب إلى أن ملك الهكسوس الذي فسر له يوسف رؤياه، هو الذي آمن به فقط، أما من جاء بعده فلم يؤمن، يقول ابن الأثير في الكامل: لما ولي يوسف عمل مصر، دعا الملك الريان إلى الإيمان فآمن ثم توفي، ثم ملك بعده مصر قابوس ... فدعاه يوسف إلى الإيمان فلم يؤمن، و توفي يوسف في ملكه (2).

عقب طرد الهكسوس مباشرة أو حتى بعده بقليل، و إنما تم بعد ذلك بفترة طويلة، و إذا كان ما ذهبنا إليه من أن رعمسيس الثاني (1290- 1224 ق.

م) هو فرعون التسخير، صحيحا، فإن هذا يعني أن بني إسرائيل لم يضطهدوا إلا بعد قرابة قرون ثلاثة من طرد الهكسوس حوالي عام 1575 ق. م، و منها (سادسا) صحيح أن بني إسرائيل على أيام يعقوب و يوسف عليهما السلام، بل و بعد ذلك بفترة ليست قصيرة، كانوا، دون شك، على ديانة التوحيد، و لكنه صحيح كذلك أنه بعد مضي قرون من عهد يوسف، قد تصل إلى الثلاثة، لم يكن بنو إسرائيل، كما كانوا موحدين، و إن ظلوا على بقايا من دينهم، و خاصة في فترة الاضطهاد العنيفة، و هكذا ما أن تمضي الأيام و تمر السنين على عهد يوسف الصديق، و تطول إقامة بني إسرائيل في مصر إلى

ص: 158


1- محمد بيومي مهران: حركات التحرير في مصر القديمة- القاهرة 1976 ص 152- 155، و كذا eht morF tpygE, seyaH. C. W و كذا, AEJ, hgrebredaS- evoS. T 65- 64. p، 1951، 37 II ecneuqeS ot, III semenemmA fo htaeD، 18- 17. p، 1965.
2- تاريخ الطبري 1/ 363، ابن كثير: البداية و النهاية 1/ 212، ابن الأثير: الكامل في التاريخ 1/ 83.

قرون، ربما تجاوزت الأربعة، حتى ينسى الإسرائيليون خلالها دعوة التوحيد، التي نادى بها الآباء من أنبياء اللّه الكرام، إبراهيم و إسحاق و يعقوب و يوسف عليهم السلام، و ينغمسون في وثنية المصريين، و يتعبدون لآلهتهم (1).

و منها (سابعا) أن سيرة بني إسرائيل مع موسى عليه السلام، لا تدل أبدا أنهم كانوا موحدين على أيام الاضطهاد فمن المعروف أنه ما أن كتب اللّه النصر لموسى على فرعون، و نجح في الخروج بقومه من قبضته، حتى عاد بنو إسرائيل إلى الوثنية، و عبادة الأصنام، و في الواقع فإن التراث الديني اليهودي ليزخر بأدلة لا تقبل الشك، على أن اليهود الذين رافقوا موسى لم يكونوا أكفاء لحمل عب ء التوحيد و فلسفته التجريدية الروحية الرفيعة، و لم يجدوا فيما تقدمه الديانة الجديدة ما يشبع حاجتهم إلى الاعتبارات المادية، بل إنه لا يفهم من حادث واحد من حوادث رحلة الخروج أن القوم كانوا يؤثرون الفرار حرصا على عقيدة دينية، فإنهم أسفوا على ما تعودوه من المراسيم الدينية في مصر، و ودوا لو أنهم يعودون إليها، و يعبدونها مسوخة ممسوخة في الصحراء (2)، و من ثم فلم يكد بنو إسرائيل يمضون مع موسى عليه السلام، بعد خروجهم من البحر، و نجاتهم من آل فرعون، حتى رأوا قوما يعبدون أصناما لهم، فنسوا كل ما كانوا يذكرونه من آيات اللّه، و نجاتهم مع موسى، و قالوا ما حكاه القرآن في قوله تعالى: وَ جاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ، قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ، قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ، إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَ باطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (3)، و الفاء في قوله تعالى: فَأَتَوْا تفيد، كما هو معروف،

ص: 159


1- خروج 12/ 40، حزقيال 20/ 4- 8.
2- عباس العقاد: مطلع النور أو طوالع البعثة المحمدية- القاهرة 1968 ص 107.
3- سورة الأعراف: آية 138- 139.

الترتيب و التعقيب، و معنى ذلك أنه لم يمضي وقت بعد خروجهم من البحر، و نجاتهم من الهلاك، حتى عادوا إلى الوثنية التي ألفوها، و ألفوا الذل معها، و هذا يدل على أن الإيمان لم يخالط بشاشة قلوبهم، و لم يتمكن من ضمائرهم و مشاعرهم، و لم يثمر فيهم الثمرة الطيبة لكل شجرة طيبة، و إنما كان إيمانهم بموسى إيمانا بإمامته و زعامته، لا إيمانا بالذي خلقه و سواه (1).

و هكذا لم يمضي وقت طويل حتى كانت الردة الثانية، بعد فشل الأولى، ممثلة في العجل الذي عبدوه، و التي تحدثت عنها التوراة (2)، كما تحدث عنها القرآن (3)، و ليس هناك من شك في أن هذا من تأثير الديانة المصرية على بني إسرائيل، ذلك أن عبادة العجل في مصر إنما هي جد عميقة الجذور، ترجع إلى أيام اسرة الأولى (4)، و هكذا بقيت الوثنية راسخة في قلوب بني إسرائيل، حتى بعد انغلاق البحر لهم، و حتى بعد أن جاوزوه على يبس، و حتى بعد أن منّ اللّه عليهم بالمن و السلوى، و حتى بعد أن استقوا موسى فضرب الحجر بعصاه فانبجست منه اثنتا عشرة عينا، لكل سبط من أسباطهم مشربه، و حتى بعد أن نزلت عليهم شريعته تحذرهم من اتخاذ آلهة غير اللّه، حتى بعد هذا كله، و مع وجود موسى نبيّهم بين ظهرانيهم، فإنهم سرعان ما زاغوا عن الطريق المستقيم، و كفروا باللّه الواحد الأحد «و صنعوا لهم عجلا مسبوكا و سجدوا له و ذبحوا و قالوا: «هذه آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من أرض مصر (5)»، و هذا ما سوف يفعلونه في دويلة إسرائيل على

ص: 160


1- عبد الرحيم قودة: من معارف القرآن ص 193- 194.
2- خروج 32/ 1- 28.
3- سورة البقرة: آية 51، 54، 92، 93، سورة النساء: آية 153، سورة الأعراف: آية 148- 152، سورة طه: آية 83- 98.
4- , tpygE ciahcrA, yremE. B. W 124. p، 1963.
5- خروج 32/ 8.

أيام ير بعام الأول (922- 901 ق. م) و بعد موت نبيّهم سليمان عليه السلام مباشرة عام 922 ق. م (1).

و منها (ثامنا) أن المفسرين و المؤرخين المسلمين يذكرون أسبابا للاضطهاد، ليس من بينها أبدا عقيدة بني إسرائيل التوحيدية، و إنما هي أسباب تتصل بنبوءات خشى فرعون منها على ملكه (2)، و سوف نناقشها بالتفصيل في مكانها من الفصل التالي، و منها (تاسعا) أن حال بني إسرائيل في مصر لم يكن شرا كله، و لا نكرا كله، إذ أبدوا استعدادا للعيش مع المجتمع و التعاون بين بنيه، بل إن التوراة لتذكر صراحة أن الفرعون إنما كان ينظر إليهم، حتى في أوقات الشغب، و كأنهم من الشعب، و ليسوا مجموعة من العبيد أو حتى المستعبدين «فقال لهما ملك مصر: لما ذا يا موسى و هارون تبطلان الشعب عن أعماله (3)»، بل إن القرآن الكريم إنما يقدمهم على أنهم قد أصبحوا جزءا من رعية فرعون أو طائفة منهم، قال تعالى: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَ جَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَ يَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ (4)، و هكذا كان ينو إسرائيل «طائفة منهم» أي من الشعب المصري، و لم يكونوا بالطائفة المنبوذة التي لا يتعامل معها الناس، أو ينفر منها الملوك، بل لقد كان ساقي مرنبتاح رجلا يحمل اسما لا شك في صيغته العبرية هو «بن عزين»، و قد روت التوراة من أمر موسى و التقاطه ما يدل على مكانة بني إسرائيل عامة من المصريين و تسامح المصريين معهم (5).

ص: 161


1- ملوك أول 12/ 25- 33، هوشع 8/ 5- 6.
2- أنظر: ابن كثير: البداية و النهاية 1/ 231- 238، قصص الأنبياء 3/ 4- 5، تاريخ الطبري 1/ 386- 388، تاريخ اليعقوبي 1/ 33، المسعودي مروج الذهب 1/ 61.
3- خروج 5/ 4.
4- سورة القصص: آية 4.
5- أنظر: خروج 2/ 5- 10، أحمد عبد الحميد يوسف: المرجع السابق ص 91- 92.

ص: 162

الفصل الثّاني موسى من المولد إلى المبعث
[1] موسى في قصر فرعون:

في فترة الاضطرابات العصيبة التي سلط اللّه فيها فرعون على بني إسرائيل، يقتل أبناءهم و يستحي نساءهم (1)، في هذه الظروف القاسية، ولد موسى عليه السلام (2)، و كان أصغر أولاد أبيه، و ثالث ثلاثة، مريم البكر، و هارون الثاني، و هو «موسى بن عمران بن قاهت بن لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، عليهم السلام»، و أما أمه فهي يوكابد بنت لاوى، و هي عمة زوجها عمران، فيما تروي التوراة (3)، و هكذا، و نظرا للظروف المحيطة

ص: 163


1- أنظر عن الروايات التي دارت حول ذبح فرعون لأبناء بني إسرائيل (تفسير الطبري 1/ 269- 328 ط 1954، تاريخ الطبري 1/ 385- 388، تفسير الدر المنثور 5/ 119- 120، مختصر تفسير ابن كثير 1/ 63- 64، البداية و النهاية 1/ 137- 238. تفسير الفخر الرازي 24/ 225، تفسير الخازن 1/ 58- 59، تفسير النسفي 3/ 225- 226، الكامل لابن الأثير 1/ 95- 96).
2- أنظر عن قصة موسى في القرآن الكريم: سورة البقرة (47- 98) المائدة (20- 26) الأعراف (103- 171) يونس (75- 94) هود (96- 99) إبراهيم (5- 8) الإسراء (2) الكهف (60- 82) مريم (51- 53) طه (9- 98) الأنبياء (48- 49) المؤمنون (45- 49) الفرقان (35- 36) الشعراء (10- 68) النمل (7- 14) القصص (3- 47) العنكبوت (39) الأحزاب (69) الصافات (114- 122) غافر (23- 54) الزخرف (46- 56) الدخان (17- 33) الذاريات (38- 40) و غيرها.
3- خروج 6/ 20، عدد 26/ 58- 59.

ببني إسرائيل، فما أن ولد موسى عليه السلام حتى أخفته أمه عن العيون حينا من الدهر، قدرته التوراة و بعض المفسرين بثلاثة أشهر (1)، و لكنها سرعان ما خشيت أن يفتضح أمرها، بل و كادت تبدي به لو لا أن ربط اللّه على قلبها، ففزعت إلى اللّه مما تخشى على وليدها من بطش فرعون، فأوحى اللّه إليها (2) أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ، وَ لا تَخافِي وَ لا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَ جاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (3).

و شاءت إرادة اللّه، و لا راد لمشيئته، أن تقول لهذا الملك الجبار المغرور بكثرة جنوده و سلطة بأسه و اتساع ملكه، قد حكم العظيم الذي لا يغلب و لا يمانع و لا يخالف أقداره، أن هذا المولود الذي تحترز منه، و قد قتلت بسببه من النفوس ما لا يعد و لا يحصى، لا يكون مرباه إلا في دارك و على فراشك، و لا يتغذى إلا بطعامك و شرابك في منزلك، و أنت الذي تتبناه و تربيه، ثم يكون هلاكك في دنياك و أخراك على يديه، لتكذيبك ما جاء به من الحق المبين، حتى تعلم أنت و سائر الخلق أن اللّه هو الفعال لما يريد (4)، و من ثم فإن إرادة اللّه إنما تلقى بالتابوت و من فيه إلى جوار قصر

ص: 164


1- خروج 2/ 2، تفسير النسفي 3/ 227.
2- يقول ابن كثير: ليس هذا بوحي نبوة، كما زعمه ابن حزم و غير واحد من المتكلمين، بل الصحيح أنه وحي إلهام و إرشاد، كما حكاه أبو الحسن الأشعري عن أهل السنة و الجماعة، هذا و قد ورد عن ابن عباس: أنه وحي إلهام، و قال مقاتل: أخبرها جبريل بذلك، قال القرطبي: فعلى قول مقاتل هو وحي إعلام، لا إلهام، و أجمع الكل على أنها لم تكن بنية و إنما إرسال الملك إليها على نحو تكليم الملك للأقرع و الأبرص و الأعمى، كما في الحديث المشهور، و كذلك تكليم الملائكة للناس من غير نبوة، و قد سلمت على «عمران بن حصين» و لم يكن نبيا (تفسير البيضاوي 2/ 88، تفسير القرطبي 13/ 249- 250، صفوة التفاسير 2/ 425، البداية و النهاية 1/ 239.
3- سورة القصص: آية 7، و أنظر: مختصر تفسير ابن كثير 3/ 6.
4- ابن كثير: البداية و النهاية 1/ 238.

فرعون، فيقع موسى من قلب امرأة فرعون (1)، موقع الحب و الحدب و الإشفاق بل إنها لتقول لفرعون قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَ لَكَ، لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً (2)، فقد كان موسى عليه السلام، لا يراه أحد إلا أحبه، قال تعالى: وَ أَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَ لِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي (3)، لكن الشقي فرعون يقول لامرأته، فيما يروي الطبري، «يكون لك، فأما أنا فلا حاجة لي فيه، و لذا قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم «و الذي يحلف به لو أقر فرعون أن يكون له قرة عين، كما أقرت به، لهداه اللّه به، كما هدى به امرأته، و لكن اللّه حرمه ذلك»، و مع ذلك فقد قبل رجاء زوجته، فلا يقتل الطفل النبي لحكمة أرادها اللّه، لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً (4).

و هنا ظنت أم موسى أنها أوقعت وليدها بنفسها في عرين الأسد، حيث وقع موسى بين عدوه و عدوها، الذي حرصت على أن تباعد بينه و بين ابنها، و رضيت في سبيل استنقاذه منه أن يبتعد عنها إلى حين وَ أَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَ قالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ (5)، و لكن للّه حكمة هو مبديها، و أمر هو بالغه، فيحميه و يضمن له الحياة، و يكفل له التربية الكريمة الناعمة، و التعليم الناضج الذي يؤهله لقيادة شعب تعوذه القيادة، و لتعليم

ص: 165


1- ذهب بعض الباحثين إلى أن امرأة فرعون كانت من بني إسرائيل من سبط موسى، بل إن البعض ذهب إلى أنها عمته، (البداية و النهاية 1/ 239، الكامل لابن الأثير 1/ 95) و بدهي أن هذا ليس صحيحا، فامرأة فرعون مصرية، لا شك في ذلك، كما ترى جمهرة المفسرين، ثم إن فرعون ما كان يتزوج من بني إسرائيل، و هو يذبح أبناءهم و يستحي نساءهم، كما أن قوانين وراثة العرش في مصر لا تسمح بذلك.
2- سورة القصص: آية 9.
3- سورة طه: آية 39.
4- سورة القصص: آية 8، تاريخ الطبري 1/ 393.
5- سورة القصص: آية 10- 11.

أمة أعماها الجهل، لحمل رسالة التوحيد، و يحميه بالحب الذي يطغى على كوا من الشر، و غوائل الأحقاد (1).

و يأتي آل فرعون لموسى بالمراضع فيعافهن جميعا، و هنا تتقدم أخته فتعرض على آل فرعون أن تدعو لهم امرأة عبرانية ترضعه و تكفله، و أن تكون له ناصحة مشفقة، و يقبل آل فرعون عرضها، و يبعثوا في طلب الظئر، و سرعان ما تجي ء بأمه، دون أن تشعرهم بأن أمها أمه، و هو أخوها، و يقبل موسى على ثدي أمه، و هنا تذهب المراجع الإسلامية إلى أن فرعون عند ما رأى ذلك، سألها: من أنت منه؟ فقد أبى كل ثدي إلا ثديك، فقالت: إني امرأة طيبة الريح طيبة اللبن، لا أوتي بصبي إلا قبلني، فدفعه إليها و أجرى عليها، و ذهبت به إلى بيتها، و أنجز اللّه وعده في الرد، فعندها ثبت و استقر في علمها أنه سيكون نبيا، و هكذا عاد موسى إلى أمه ليعيش معها فترة حضانته (2)، و إلى هذا يشير القرآن الكريم في قوله تعالى: وَ حَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَ هُمْ لَهُ ناصِحُونَ، فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَ لا تَحْزَنَ وَ لِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (3).

و لعل في هذا ما يشير إلى أن حال بني إسرائيل في مصر لم يكن شرا كله، و لا نكرا، إن أبدوا استعدادا للعيش في المجتمع و التعاون بين بنيه، و قد كانوا، كما قال سبحانه و تعالى: طائِفَةٌ مِنْهُمْ، و لم يكونوا بالطائفة المنبوذة التي لا يتعامل معها الناس، أو ينفر منها الملوك، بل لقد كان ساقي «مرنبتاح» فرعون موسى، فيما نرجح، رجلا يحمل اسما لا شك في صيغته

ص: 166


1- أحمد عبد الحميد يوسف: المرجع السابق ص 89.
2- تفسير النسفي 3/ 228- 229، خروج 2/ 7- 10.
3- سورة القصص: آية 12- 13.

العبرية هو «بن عزين»، و قد روت التوراة من أمر موسى و التقاطه ما يدل على مكانة بني إسرائيل عامة من المصريين، و تسامحهم معهم (1)، هذا فضلا عما جاء في القرآن الكريم بشأن قارون، قال تعالى: إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَ آتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (2)، و هناك روايات تذهب إلى أنه كان من عشيرة موسى عليه السلام عمه أو ابن عمه، على خلاف في الرأي، و أن فرعون قد ولاه على بني إسرائيل، و أنه قد نافس موسى على رئاسة بني إسرائيل (3).).

ص: 167


1- سورة القصص: آية 4، خروج 2/ 5- 10، أحمد عبد الحميد يوسف: المرجع السابق ص 91- 92.
2- سورة القصص: آية 76.
3- تشير بعض آي الذكر الحكيم إلى أن قارون كان من قوم موسى، و أن موسى أرسل إليه، و إلى فرعون و هامان (القصص: آية 76، العنكبوت: آية 39، غافر: آية 23- 24)، و تذهب الروايات إلى أنه كان عظيم المال، كثير الكنوز، حتى أن مفاتيح خزائنه كانت تحمل على أربعين بغلا، فبغى على قومه بكثرة ماله، و أنه قال لموسى: لك الرسالة، و لهارون الحبورة، و أنا في غير شي ء، إلى متى أصبر، فقال موسى: هذا صنع اللّه، و في رواية أنه قال لموسى: أما لئن كنت فضلت على بالنبوة، فلقد فضلت عليك بالدنيا، هذا و تذهب بعض الروايات إلى أن قارون قد دبر لموسى مكيدة ليلصق به تهمة الفاحشة مع بغي في مقابل رشوة من المال، قيل إنها ألف دينار أو طست من ذهب، فلما كان يوم عيد و خطب موسى فقال: إن من سرق قطعنا يده و من افترى جلدناه، و من زنى و هو محصن جلدناه، و إن أحصن رجمناه، فقال له قارون: إن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانه، فأحضرها و ناشدها بالذي فلق البحر. و أنزل التوراة أن تصدق، فقالت: جعل لي قارون جعلا على أن أقذفك بنفسي، فخر موسى ساجدا، و هكذا برأ اللّه موسى، و أذن له في قارون، فقال موسى: يا بني إسرائيل إن اللّه بعثني إلى قارون، كما بعثني إلى فرعون، ثم دعا عليه، فخسف اللّه به و بمن اتبعه الأرض، هذا و قد لقب بعض الباحثين المحدثين أن قارون هذا، هو «قورح» الذي جاءت قصته في التوراة (عدد 16/ 1- 50) و رغم وجه بعض شبه بين القصتين، فإنني أتردد في قبول هذا الرأي لوجود اختلافات كثيرة بينهما، إلا أن تكون من تحريفات التوراة (تفسير النسفي 3/ 244- 248، في ظلال القرآن 5/ 2710- 2714، تفسير البيضاوي 4/ 128- 129، تفسيرالكشاف 3/ 340- 342، ابن كثير: مختصر التفسير 3/ 23- 26، البداية و النهاية 1/ 309- 312، تاريخ الطبري 1/ 443- 452، ابن الأثير 1/ 115- 116، سفر التثنية 22/ 22- 29، ثم أنظر حكم الزنا في التوراة: محمد بيومي مهران: إسرائيل 3/ 194- 195).

و أيا ما كان الأمر، فإن موسى عليه السلام، إنما ينشأ في قصر فرعون، أعظم ملوك الأرض في عصره، كما ينشأ الأمراء، و ما أن يشب عن الطوق، حتى تظهر بوادر ذكائه و قوة شخصيته، فيتعلم، فيما يرى بعض المؤرخين، القراءة و الكتابة و الحساب، و نسخ الصحائف على البردى، و يتعلم شيئا من الفلك و الجغرافية، و أطرافا من التاريخ، و يقرأ من قصص المصريين و آدابهم و حكمهم شيئا كثيرا، و كما جاء في الإنجيل فقد «تهذب بكل حكمة المصريين»، و على أية حال، فلسنا نعرف من حياة موسى عليه السلام، منذ مولده و حتى صدر شبابه شيئا على وجه اليقين، و أكبر الظن أنه تولى منصبا، و تبوأ مكانة في دولة فرعون، حيث بدأ أترابه، كاتبا، و غير بعيد أن يكون قد التحق بالجيش مع من التحق من أمراء البيت المالك (1).

و أما سياق قصة موسى في القرآن الكريم، كما يقول الأستاذ سيد قطب، طيب اللّه ثراه، إنما يسكت عن السنوات الطوال ما بين مولد موسى عليه السلام، و الحلقة التالية التي تمثل شبابه و اكتماله، فلا نعلم ما ذا كان بعد رده إلى أمه لترضعه، و لا كيف تربى في قصر فرعون، و لا كيف كانت صلته بأمه بعد فترة الرضاعة، و لا كيف كان مكانه في القصر أو خارجه، بعد أن شب و كبر، و لا كيف كانت عقيدته، و هو الذي يصنع على عين اللّه، و يعد في وسط عباد فرعون و كهانته، يسكت القرآن عن كل هذا، و يبدأ الحلقة التالية مباشرة حين بلغ أشده و استوى فقد آتاه اللّه الحكمة و العلم و جزاه

ص: 168


1- أعمال الرسل 7/ 22، أحمد عبد الحميد يوسف: المرجع السابق ص 92- 93، و كذا W. و كذا F, suhpesoJ suivalF fo skroW dna efiL eht, notsihW 77. p، 1957. IX, retpahC, II, kooB, suhpesoJ

جزاء المحسنين، قال تعالى: وَ لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ اسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَ عِلْماً، وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، و بلوغ الأشد اكتمال القوة الجسمية، و الاستواء اكتمال النضج العقلي و العفوي، و هو يكون عادة في سن الثلاثين، فهل ظل موسى في قصر فرعون ربيبا و متبنا لفرعون و زوجته حتى بلغ هذه السن، أم أنه افترق عنهما و اعتزل القصر، و لم تسترح نفسه في ظل الأوضاع الآسنة التي لا تستريح لها نفس مصفاة مجتباة، كنفس موسى عليه السلام، و بخاصة و أن أمه لا بد أن تكون قد عرفته من هو و من قومه و ما دينه، و هو يرى كيف يسأم قومه الخسف البشع و الظلم الشنيع، و البغي اللئيم (1).

في الواقع ليس لدينا من دليل على شي ء من ذلك، و إن كان سياق الحوادث بعد هذا يلهم شيئا من هذا، فلقد كان موسى، فيما يبدو، لا ينسى أنه من بني إسرائيل، أولئك الذين فرض عليهم فرعون العذاب المهين، و ربما كان النبي الكريم يدرك أن اللّه إنما آتاه العلم و الحكمة ليدرك قومه، و ينقذهم من ظلم فرعون و جبروته، فكان كثير الحدب عليهم و الشفقة بهم، و من ثم فقد تعرض بسببهم لمحنة قاسية، انتهت به إلى الخروج من مصر، و البقاء في مدين سنين عددا، ذلك أنه ربما كان خارجا في أحد الأيام من قصر فرعون «و دخل المدينة على حين غفلة (2) من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان، هذا من شيعته (3) و هذا من عدوه، فاستغاثه الذي من شيعته على ا-

ص: 169


1- في ظلال القرآن 5/ 2681.
2- الغفلة: روى عن ابن عباس: أنها بين العشاءين، و روى عنه أيضا، و عن سعيد بن جبير و عكرمة و قتادة و السدى: أنها وقت القائلة يعني انتصاف النهار (أنظر: تفسير القرطبي ص 4976 تفسير النسفي 3/ 229، تفسير الفخر الرازي 4/ 233، صفوة التفاسير 2/ 427، البداية و النهاية 1/ 241، ابن الأثير 1/ 98، تفسير البيضاوي 4/ 125) و قيل الغفلة عن ذكر موسى و نسيان أمره (تفسير الفخر الرازي 24/ 233).
3- يقول الفخر الرازي في تفسيره (24/ 233- 234) قيل الرجلان كانا كافرين، إلا أن أحدهما-

الذي من عدوه فوكزه (1) موسى فقضى عليه، قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين، قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم، قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين (2)».

و لم يكن المجرمون الذين عزم موسى عليه السلام على ألا يظاهرهم و يناصرهم، إلا هؤلاء من بني إسرائيل، و هكذا ندم موسى على أن ظاهر الإسرائيلي ضد المصري، فكان من نتيجة ذلك أن قتل نفسا حرم اللّه قتلها، و من ثم فقد عزم، بعد أن تاب و أناب، ألا يكون ظهيرا للمجرمين، و هذه العبارة قد يستشف منها أن الكليم عليه السلام إنما كان يستخدم نفوذه في مناصرة بني إسرائيل، و كف أيدي المصريين عنهم، و يبدو أن شبح القتيل إنما كان يلوح أمام عينه، و يعترض طريقه أينما ذهب، و أن خوف الثأر أو القصاص إنما كان يملأ حياته قلقا و أرقا (3)، و مهما يكن من أمر، فسرعان ما يعثر القوم على جثة القتيل، فيطلب أهله من فرعون أن يأخذ لهم القصاص من قاتله، غير أن الفرعون إنما يمهل القوم إلى حين، حتى تكشف الشرطة عن الجاني، و تأتي بمن يشهد على أنه القاتل، أو أن ذلك المصري عند ما سمع الإسرائيلي في اليوم التالي يقول لموسى: «أ تريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس»، فلقفها من فمه ثم ذهب بها إلى باب فرعون و ألقاها عنده، - إسرائيلي، و الآخر مصري، و احتج على أنه موسى قال له: «إنك لغوي مبين»، و المشهور الذي كان من شيعته مسلما لأنه لا يقال لمن يخالف الرجل في دينه و طريقه إنه من شيعته، و قيل إن المصري كان طباخ فرعون و قد سخر الإسرائيلي لحمل الحطب إلى مطبخه، و قيل الرجلان المقتتلان أحدهما السامري، و هو الذي من شيعته، و الآخر طباخ فرعون.

ص: 170


1- الوكز: الضرب بجمع اليد، و قال قتادة بعصا كانت معه، و المفهوم من التعبير أنها و كزة واحدة كان فيها حتف المصري، مما يشي بقوة موسى و فتوته، و يصور كذلك انفعاله و غضبه، و يعبر عما كان يخالجه من الضيق بفرعون و من يتصل به (في ظلال القرآن 5/ 2682).
2- سورة القصص: آية 15- 17.
3- عبد الرحيم فودة: المرجع السابق ص 160.

فعلم فرعون بذلك، فاشتد حنقه و عزم على قتل موسى، فطلبوه (1).

و يصبح موسى في المدينة خائفا و يترقب، و يذهب الأستاذ سيد قطب إلى أن لفظ «يترقب» يصور هيئة القلق الذي يتلفت و يتوجس، و يتوقع الشر في كل لحظة، و هي سمة الشخصية الانفعالية تبدوا كذلك في هذا الموقف، و التعبير يجسم هيئة القلق و الخوف بهذا اللفظ، كما أنه يضخمها بكلمتي «في المدينة»، فالمدينة عادة موطن الأمن و الطمأنينة فإذا كان خائفا يترقب في المدينة، فأعظم الخوف ما كان في مأمن و مستقر، و حالة موسى هذه تلهم أنه لم يكن من رجال القصر، و إلا فما أرخص أن يزهق أحد رجال القصر نفسا في عهود الظلم و الطغيان، و ما كان ليخشى شيئا، فضلا عن أن يصبح خائفا يترقب، لو أنه كان ما يزال في مكانه من قلب فرعون و قصره (2)، غير أن ابن كثير يذهب إلى أن اللّه تعالى يخبرنا أن موسى أصبح بمدينة مصر خائفا، أي من فرعون و ملئه أن يعلموا أن هذا القتيل الذي رفع إليه أمره إنما قتله موسى في نصرة رجل من بني إسرائيل، فتقوى ظنونهم أن موسى منهم، و يترتب على ذلك أمر عظيم فصار يسير في المدينة في صبيحة هذا اليوم خائفا يترقب (3)، و هذا ما نميل إليه و نرجحه.

و على أي حال، فإن موسى عليه السلام يمر بمن استصرخه بالأمس، فإذا به يستصرخه، مرة أخرى، ضد آخر، فيؤنبه موسى على مشاكسته و ميله إلى الخصام، و مع ذلك فما أن همّ موسى بنصرته حتى قال: أَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ، إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَ ما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (4).

ص: 171


1- مختصر ابن كثير 3/ 9، تاريخ الطبري 1/ 391.
2- في ظلال القرآن 5/ 2682- 2683.
3- ابن كثير: البداية و النهاية 1/ 242.
4- سورة القصص: آية 19.

و هكذا تورط موسى في قتل مصري، عن غير عمد، روى الإمام النسفى أن اسمه «فاتون»، و لا أدري كيف استقام لمفسري الإسلام هذا الإسم الذي تدل صيغته المصرية على أن سند الرواية و التواتر موصول، ذلك أنه اسم مصري خالص مؤلف من اسم الشمس «آتون» مع فاء التعريف (1)، و على أي حال، فإن موسى إنما يوشك الآن أن يتورط في محنة جديدة بسبب ذلك الإسرائيلي الذي استصرخه بالأمس، و يستصرخه اليوم، و من ثم فقد وصفه الكليم بأنه «غوي مبين».

و يذهب الأستاذ سيد قطب إلى أن العبرة التي تستشف من طريقة التعبير القرآنية عن الحادثتين و ما تلاهما أنه لا يبرر الفعلة، و لكنه كذلك لا يضخمها، و لعل وصفها بأنها ظلم للنفس إنما نشأ من اندفاع موسى بدافع العصبية القومية، و هو المختار ليكون رسول اللّه، المصنوع على عين اللّه، أو لعله كان لأنه استعجل الاشتباك بصنائع الطغيان، و اللّه يريد أن يكون الخلاص الشامل بالطريقة التي قضاها، حيث لا تجدي تلك الاشتباكات الفردية الجانبية في تغيير الأوضاع، كما كف اللّه المسلمين في مكة المكرمة عن الاشتباك حتى جاء الأوان (2).

و على أي حال، فقد كان تصرف الإسرائيلي الأحمق أو هذا الغوي المبين، كما وصفه موسى، أن شاع الخبر، و أنبئت السلطات التي ارتاعت، كما ارتاع الناس، لما ارتكب موسى من قتل رجل، و الشروع في قتل آخر، فكان أن استقر الرأي على محاكمته بما ارتكب، و القصاص منه بما جنت يداه، و إن كان موسى قد رأى في ذلك ظلما صارخا، و إفتئاتا عنيفا، أن يطلب بقتل خطأ لم يتعمده و لم يرغب فيه، و لكن الذي لا شك فيه أنه قتل،

ص: 172


1- تفسير النسفي 3/ 229، أحمد عبد الحميد يوسف: المرجع السابق ص 96.
2- في ظلال القرآن 5/ 2684.

و أن الظواهر و ما وقع منه في اليوم التالي لا تقف إلى جانبه، و من ثم فقد تحقق موسى عليه السلام أنه مطلوب بدم القتيل، و أدرك ألا مظنة من القصاص، فلقد عرف الملأ من قوم فرعون أنها فعلة موسى، و ما من شك أنهم أحسوا فيها بسبح الخطر، فهي فعلة طابعها التمرد و الثورة، و الانتصار لبني إسرائيل، و من ثم فهي ظاهرة خطيرة تستحق التأمل، و لو كانت جريمة قتل عادية ما استحقت أن يشتغل بها فرعون و الملأ و الكبراء، فانتدبت يد القدر واحدا من الملأ، الأرجح أنه الرجل المؤمن من آل فرعون الذي يكتم إيمانه، و الذي جاء ذكره في سورة غافر، انتدبته ليسعى إلى موسى من أقصى المدينة ليبلغه بتآمر القوم ضده قبل أن يبلغوه، قال تعالى: وَ جاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ، و قد سمى اللّه هنا التشاور ائتمارا، لأن كلا من المتشاورين يأمر و يأتمر (1)، و قد جاءت القصة كاملة في «حديث الفتون» الذي يروي قصة موسى عليه السلام، و قد رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس (2).

و هكذا لم يكد موسى يسمع أن الملأ يأتمرون به ليقتلوه حتى عزم على التعجيل بالرحيل، و لم يجد مع الخوف فرصة يتزود فيها لهذه الرحلة التي لم يكن يعرف مداها و لا منتهاها، فلقد أوشك القوم أن يحدقوا به، و أن يطبقوا عليه، و أن يفتكوا به، فلا مجال للتفكير فيما وراء ذلك من تعب يضنيه، ).

ص: 173


1- سورة القصص: آية 20، تفسير البيضاوي 4/ 125، أحمد عبد الحميد يوسف: المرجع السابق ص 97- 99، في ظلال القرآن 5/ 2685.
2- أنظر عن حديث الفتون المشهور (ابن كثير: مختصر التفسير 2/ 457- 481، البداية و النهاية 1/ 300- 307، تاريخ الطبري 1/ 392- 296، و أخرجه النسائي في سننه، و ابن جرير و ابن حاتم في تفسيرهما، و هو موقوف من كلام ابن عباس، و ليس فيه مرفوع إلا قليل منه، كما يقول ابن كثير).

و جوع يذوبه، و مسالك يقطعها، و مهالك يرجو النجاة منها، كان كل همه أن يفلت بعنقه من هؤلاء الذين يأتمرون به ليقتلوه، فإن أعوزه الدليل بين متاهات السهول و التلال و الجبال، فلن يعوزه أن يلتمس في رحمة اللّه دليله و سبيله، و إن كمن له الخطر في كل مكمن و مسكن، فعساه يجد في رعاية اللّه ملاذه و معاذه (1)، و هكذا يخرج موسى من مصر هائما على وجهه في صحراوات سيناء المقفرة، فارا مستوحشا، خائفا من أن تناله هروات الشرطة من رجال «المجاي» الأشداء، أو تصل إليه أيدي السلطات، و كان في مصر شرطة منظمة يجند رجالها من قبائل «مدجا» على مقربة من الجندل الثاني (2).

[2] موسى في مدين:-

و يكتب اللّه للنبي الكريم سيدنا موسى عليه السلام نجحا بعيد المدى في اجتياز القفار، ملتمسا الأمن و السكينة و الهدى، حتى يصل إلى مدين، عند خليج العقبة (3)، حيث يجد هناك المأوى و الأمان، و هنا تبدأ حلقة جديدة من حياة موسى عليه السلام، بدأت عند ما ورد ماء مدين، و رأى مشهدا لا تستريح إليه النفس ذات المروءة، كنفس موسى، رأى الرعاة الرجال يوردون أنعامهم لتشرب من الماء، بينما هناك امرأتان تمنعان غنمهما عن ذلك، مع أن الأولى أن تسقي المرأتان و تصدرا بأغنامهما أولا، و أن يفسح

ص: 174


1- عبد الرحيم فودة: المرجع السابق ص 161.
2- أنظر: shoorahP eht fo tpygE, renidraG. A، 101. p، 1961.
3- عن: مدين القبيلة و الموقع (أنظر: محمد بيومي مهران: إسرائيل 2/ 558- 561، دراسات تاريخية من القرآن 1/ 297- 307)، هذا و قد اختلف المفسرون في «اسم مدين» فذهب فريق إلى أنه اسم رجل في الأصل، ثم كانت له ذرية، فاشتهر في القبيلة كتميم و قيس و غيرهما، و ذهب آخرون إلى أنه اسم ماء نسب القوم إليه، و الأول أصح، لأن اللّه تعالى أضاف الماء إلى مدين في قوله تعالى: «و لما ورد ماء مدين»، و لو كان اسما للماء لكانت الإضافة غير صحيحة أو غير حقيقية، و الأصل في الإضافة التغاير حقيقة، (تفسير الفخر الرازي 25/ 64، ياقوت الحموي 5/ 77- 78).

لهما الرجال و يعينوهما، و لم يقعد موسى، و هو الهارب المطارد، و المسافر المكدود، ليستريح، و هو يشهد هذا المنظر المنكر المخالف للمعروف، بل تقدم للمرأتين يسألهما عن أمرهما الغريب، و عند ما عرف قصتهما تقدم فسقى لهما، ثم تولى إلى الظل، و إلى هذا يشير القرآن في قوله تعالى: وَ لَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ، وَ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما، قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَ أَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ، فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا، فَلَمَّا جاءَهُ وَ قَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (1).

هذا و يقدم لنا المفسرون عدة روايات عن الحادث، فقد جاء في تفسير ابن كثير (2): روى عمرو بن ميمون الأودي عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أن موسى عليه السلام، لما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون، قال: فلما فرغوا أعادوا الصخرة على البئر، و لا يطيق رفعها إلا عشرة رجال، فإذا هو بامرأتين تذودان، قال ما خطبكما، فحدثتاه فأتى الحجر فرفعه، لم يسق إلا ذنوبا واحدا حتى رويت الغنم (أخرجه ابن أبي شيبة و إسناده صحيح)، غير أن صاحب الظلال إنما يذهب إلى أنه لا حاجة لكل ما رواه المفسرون من دلائل قوة موسى، كرفع الحجر الذي يغطي البئر، و كان لا يرفعه، فيما قالوا، إلا عشرون أو أربعون أو أكثر أو أقل، فالبئر لم يكن مغطى، إنما كان الرعاة يسقون فنحاهم و سقي للمرأتين أو سقي لهما مع الرعاة، و لا حاجة كذلك لما رووه عن دلائل أمانته من قوله للفتاة:

ص: 175


1- سورة القصص: آية 23- 26.
2- مختصر تفسير ابن كثير 3/ 9- 10.

امشي خلفي و دليني على الطريق خوف أن يراها، أو أنه قال لها هذا بعد أن مشى خلفها فرفع الهواء ثيابها عن كعبها (1)، فهذا كله تكلف لا داعي له، و دفع لريبة لا وجود لها، و موسى عليه السلام عفيف النظر، نظيف الحس، و هي كذلك، و العفة و الأمانة لا تحتاجان لكل هذا التكلف عند لقاء رجل و امرأة، فالعفة تنضح في التصرف العادي البسيط بلا تكلف و لا اصطناع.

و على أي حال، فلقد استجاب الشيخ لاقتراح ابنته، و لعله أحسن من نفس الفتاة، و نفس موسى، ثقة متبادلة، و ميلا فطريا سليما صالحا لبناء أسرة، و القوة و الأمانة حين تجتمعان في رجل، لا شك تهفو إليه طبيعة الفتاة السليمة التي لم تفسد و لم تلوث و لم تنحرف عن فطرة اللّه، فجمع الرجل بين الغايتين، و هو يعرض على موسى أن يزوجه إحدى ابنتيه في مقابل أن يخدمه و يرعى ماشيته ثماني سنين، فإن زادها إلى عشر، فهو تفضل منه لا يلزم به، قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ، فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَ ما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ، سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (2)، قال الإمام القرطبي: في الآية عرض الولي ابنته على الرجل، و هذه سنة قائمة، عرض شعيب ابنته على موسى، و عرض عمر ابنته حفصة على أبي بكر و عثمان، و عرضت الموهوبة نفسها على النبي صلى اللّه عليه و سلم، فمن الحسن عرض الرجل وليته على الرجل الصالح، اقتداء بالسلف الصالح (3).

و لعل سائلا يتساءل: من هو شيخ مدين هذا الذي صاهر موسى عليه السلام؟

ص: 176


1- تفسير النسفي 3/ 231، تفسير البيضاوي 4/ 126، الدر المنثور 5/ 126- 127، تفسير الفخر الرازي 4/ 239- 244، مختصر تفسير ابن كثير 3/ 11، تاريخ الطبري 1/ 398، ابن الأثير 1/ 99.
2- سورة القصص: آية 27، في ظلال القرآن 5/ 2687- 2688.
3- تفسير القرطبي 13/ 271.

إن سياق القصة في القرآن الكريم لم يتعرض لاسم هذا الشيخ، ذلك لأن التحديد التاريخي ليس هدفا من أهداف القصة في القرآن الكريم، و لا يزيد في دلالتها شيئا، و أما التوراة فجد مضطربة في اسم هذا الشيخ، و كذا قبيلته، فمرة هو يثرون كاهن عديان، و مرة هو حوباب بن رعوئيل، و مرة ثالثة هو رعوئيل نفسه، و قبيلته مرة هي قبيلة مديانية و مرة أخرى هي قينية، و مرة ثالثة تأكيد على أنها قينية، حتى زعم البعض أن بني القيني ربما كانوا مديانيين (1).

هذا و قد اختلف علماء المسلمين في صهر موسى عليه السلام، فذهب فريق إلى أنه شعيب عليه السلام، نبي مدين، قال بذلك الأئمة الحسن البصري و مالك بن أنس و النسفي و ابن الأثير (2)، و قال ابن كثير (3): جاء ذلك مصرحا به في حديث في إسناده نظر، و صرح طائفة بأن شعيبا عليه السلام عاش عمرا طويلا، بعد هلاك قومه حتى أدركه موسى عليه السلام و تزوج ابنته، و روى ابن أبي حاتم و غيره عن الحسن البصري أن صاحب موسى عليه السلام هذا، اسمه شعيب، و كان سيد الماء، و لكن ليس بالنبي صاحب مدين، و قيل إنه ابن أخي شعيب، و قيل ابن عمه، و قيل رجل مؤمن من قوم شعيب، و قال آخرون كان شعيب قبل زمان موسى بمدة طويلة لأنه قال لقومه «و ما قوم لوط منكم ببعيد، و قال ابن عباس و أبوه عبيدة بن عبد اللّه اسمه «يثرون»، زاد أبو عبيدة: و هو ابن أخي شعيب، و روى ابن جرير عن ابن

ص: 177


1- خروج 2/ 16- 18، 3/ 1، عدد 10/ 29، قضاة 1/ 16، 4/ 11، و كذا. p, acilbiB ideapolcycnE, sgnitsaH. J 3080. و كذا I, EAE، 616. p، 1908
2- تفسير النسفي 3/ 232، مختصر تفسير ابن كثير 3/ 10، صفوة التفاسير 2/ 431، تاريخ ابن خلدون 2/ 93، الكامل لابن الأثير 1/ 99، مروج الذهب للمسعودي 1/ 61، تاريخ اليعقوبي 1/ 34.
3- ابن كثير: البداية و النهاية 1/ 244.

عباس أنه «يثري» صاحب مدين، ثم قال: الصواب أن هذا لا يدرك إلا بخبر، و لا خبر يجب به الحجة في ذلك (1).

و يميل صاحب الظلال (5/ 2687) إلى ترجيح أن صهر موسى عليه السلام ليس شعيبا النبي، و إنما هو شيخ آخر من مدين، و الذي يحمل على هذا الترجيح أن هذا الرجل شيخ كبير، و شعيب شهد مهلك قومه المكذبين له، و لم يبق معه إلا المؤمنون به، فلو كان هو شعيب النبي بين بقية قومه المؤمنين، ما سقوا قبل بنتيّ نبيّهم الشيخ الكبير، فليس هذا سلوك قوم مؤمنين، و لا معاملتهم لنبيّهم و بناته من أول جيل، يضاف إلى هذا أن القرآن لم يذكر شيئا عن تعليمه لموسى صهره، و لو كان شعيبا النبي لسمعنا صوت النبوة في شي ء من هذا مع موسى، و قد عاش معه عشر سنوات.

و أيا ما كان الأمر، فلم يكن لموسى من بلد يعرفه، و لا وطن يهفو إليه و يتطلع إلى رؤيته، بعد ذلك المنفى الذي فرض عليه أو قدّر عليه، سوى مسقط رأسه مصر، و كأنى به يستعجل الأيام ليعود إلى ذلك البلد الذي ولد فيه، و نشأ في ربوعه، و تنسم هواءه و سعد به، و هو لذلك لم يقطع على نفسه أطول الأجلين حين العهد مع حميه، فأعطى الأمل، و خص نفسه بالخيار (2)، غير أنه من المعروف أن موسى عليه السلام أتم المدة، و هي عشر سنين، و قد روى أن النبي صلى اللّه عليه و سلم سئل أي الأجلين قضى موسى، قال: أكملهما و أفضلهما، و عن ابن عباس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال سألت جبريل: أي الأجلين قضى موسى، قال: أتمهما و أكملهما، و عن أبي ذر أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم سئل أي الأجلين قضى موسى، قال: أوفاهما و أبرهما، قال: و إن سئلت أي المرأتين تزوج فقل الصغرى منهما، و أخرج ابن مردوية عن أبي

ص: 178


1- مختصر ابن كثير 3/ 10، تاريخ الطبري 1/ 400، ابن الأثير 1/ 99.
2- أحمد عبد الحميد: المرجع السابق ص 101.

هريرة قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال لي جبريل: يا محمد، إن سألك اليهود أي الأجلين قضى موسى، فقل أوفاهما، و إن سألوك أيهما تزوج فقل الصغرى، و روى البخاري عن سعيد بن جبير قال: سألني يهودي من أهل الحيرة، أي الأجلين قضى موسى فقلت: لا أدري حتى أقدم على حبر العرب فأسأله، فقدمت فسألت ابن عباس فقال: قضى أكثرهما و أطيبهما، إن رسول اللّه إذا قال فعل (و رواه النسائي في حديث الفتون)، و جاء في تاريخ الطبري عن سعيد بن جبير قال: سألني رجل من أهل النصرانية: أي الأجلين قضى موسى، قلت لا أعلم، و أنا يومئذ لا أعلم، فلقيت ابن عباس، فذكرت له الذي سألني عنه النصراني، فقال: أما كنت تعلم أن ثمانيا واجبة عليه، لم يكن نبي لينقض منها شيئا، و تعلم أن اللّه كان قاضيا عن موسى عدته التي وعده، فإنه قضى عشر سنين» (1).

و هكذا يمكث موسى في مدين عشر سنين (2)، يرزق فيها بولدين من زوجته صفورة (3) ثم يعود إلى مصر، بعد أن قضى أكمل و أتم الأجل الذي كان بينه و بين صهره، و بعد أن علم، طبقا لرواية التوراة، أن ملك مصر الذي كان يطلبه قد مات (4)، فينبعث الأمل في نفس موسى عليه السلام في العودة إلى أرض الكنانة، بل إنه يقرر العودة فعلا، و قد «تنهد بنو إسرائيل من العبودية (5)».

ص: 179


1- تفسير النسفي 1/ 234، الدر المنثور 5/ 126- 127، تاريخ الطبري 1/ 399، ابن كثير: مختصر التفسير 3/ 11، البداية و النهاية 1/ 245.
2- تذهب التقاليد اليهودية و النصرانية إلى أن موسى قد أقام في مدين أربعين عاما (خروج 7/ 7، أعمال الرسل 7/ 30، قاموس الكتاب المقدس 2/ 931).
3- خروج 2/ 21- 22، 18/ 1- 6.
4- خروج 2/ 23، 4/ 29، و أنظر: في ظلال القرآن 5/ 3077.
5- خروج 2/ 23- 25.

ص: 180

الفصل الثّالث موسى الرّسول النّبي
[1] المبعث:-

في الطريق من مدين إلى مصر، ضل موسى عليه السلام طريقه في الصحراء، و الليل مظلم، و المتاهة واسعة، نعرف هذا من قوله لأهله:

امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً (1)، قال ابن عباس: إنه رأى شجرة خضراء أطافت بها من أسفلها إلى أعلاها نار بيضاء تتقد كأضوأ ما يكون، فوقف متعجبا من شدة ضوئها، و شدة خضرة الشجرة، فلا النار تغيّر خضرتها، و لا كثرة ماء الشجر تغير ضوءها، و قيل إن الشجرة كانت عوسجة، و قيل كانت سمرة، و هناك طور سيناء، و في تلك الليلة المباركة نُودِيَ يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ (2) إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً، وَ أَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى إِنَّنِي

ص: 181


1- سورة طه: آية 10، تفسير أبي السعود 6/ 7.
2- ذهب المفسرون مذاهب شتى في أسباب أمر اللّه تعالى لموسى بخلع نعليه، فقالوا ربما لأن الحفوة أدخل في التواضع و حسن الأدب، و ربما تعظيما لهذه البقعة المقدسة، و من ثم فقد كان السلف الصالح يطوفون بالكعبة حافين، و ربما ليباشر الوادي بقدميه تبركا به، و ربما لأن نعليه كانتا جلد حمار غير مدبوغ، و ربما كان المعنى فرغ قلبك من الأهل و المال، ثم قيل إنك بالوادي المقدس و ذلك لتعليل الخلع، ثم نودي باصطفائه رسولا نبيا (تفسير أبي السعود 6/ 7، مختصر تفسير ابن كثير 2/ 471).

أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَ أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (1)، و ذهل موسى، و نسي ما جاء من أجله، و بينما هو مستغرق فيما هو فيه ليس في كيانه ذرة واحدة تتلفت إلى سواه، إذا هو يتلقى سؤالا لا يحتاج منه إلى جواب: وَ ما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَ أَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَ لِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى قالَ أَلْقِها يا مُوسى فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى قالَ خُذْها وَ لا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى وَ اضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي وَ احْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي، يَفْقَهُوا قَوْلِي، وَ اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي، هارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي، وَ أَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي، كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً، وَ نَذْكُرَكَ كَثِيراً، إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً، قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى (2).

و هكذا، هناك، و في هذا الموقف المشهود، الذي وقفه موسى في تلك البقعة المباركة من سيناء، اصطفى اللّه تعالى موسى لنفسه، و عهد إليه برسالته إلى فرعون، اذْهَبْ أَنْتَ وَ أَخُوكَ بِآياتِي وَ لا تَنِيا فِي ذِكْرِي، اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَ أَرى فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ، فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَ لا تُعَذِّبْهُمْ، قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ، وَ السَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى (3).

و هنا يحس النبي الكريم بثقل العب ء الذي ألقي على كاهله، و قد كان، و هو عائد إلى وطنه، يقدر الأمن بعد الخوف، و القرار بعد الفرار، فإذا

ص: 182


1- سورة طه: آية 11- 14.
2- سورة طه: آية 17- 36.
3- سورة طه: آية 42- 46.

به يبعث، كما يقول ابن كثير إلى أعظم ملك على وجه الأرض إذ ذاك، و أجبرهم و أشدهم كفرا، و أكثرهم جنودا، و أبلغهم تمردا، و لا ريب في أن في أحداث التاريخ مصداقا لذلك، و موسى نفسه يعرف من هو فرعون، فقد ربّي في قصره، و شهد طغيانه و جبروته، و شاهد ما يصبه على قومه من بني إسرائيل من عذاب و نكال، إن موسى، عليه السلام، يعرف ذلك كله و يعرف أنه ذاهب لمواجهة أقوى ملك في الأرض و أطغى جبار، و أن قومه قد أذلهم الاستعباد الطويل و أفسد فطرتهم، و من ثم فإن رسالة موسى بالذات، قد تكون فيما يرى صاحب الظلال، أضخم تكليف تلقاه بشر، عدا رسالة سيد الأولين و الآخرين محمد صلى اللّه عليه و سلم، فهو مرسل إلى فرعون الطاغية المتجبر، أعتى ملوك الأرض في زمانه، و أقدمهم عرشا، و أثبتهم ملكا، و أعرقهم حضارة، و أشدهم بعدا للخلق، و استعلاء في الأرض.

و هو مرسل أيضا لاستنقاذ قوم قد شربوا من كئوس الذل حتى استمرءوا مذاقه، فمرءوا عليه و استكانوا دهرا طويلا، و الذل يفسد الفطرة البشرية حتى تأسن و تتعفن، و يذهب بما فيها من الخير و الجمال و التطلع، و من الاشمئزاز من العفن و النتن و الرجس و الدنس، فاستنقاذ قوم كهؤلاء عمل شاق عسير، و هو مرسل إلى قوم لهم عقيدة قديمة انحرفوا عنها و فسدت صورتها في قلوبهم، فلا هي قلوب خامة تتقبل العقيدة الجديدة، ببراءة و سلامة، و لا هي باقية على عقيدتها القديمة، و معالجة مثل هذه القلوب شاقة عسيرة، و هو في اختصار مرسل لإعادة بناء أمة، بل لإنشائها من أساس، فلأول مرة سيصبح بنو إسرائيل شعبا مستقلا، له حياة خاصة، تحكمها رسالة، و إنشاء الأمم عمل ضخم شاق عسير (1).

و من هنا كانت دعوة موسى و هارون «ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو

ص: 183


1- في ظلال القرآن 5/ 2690.

أن يطغي»، و الفرط هو التسرع بالأذى للوهلة الأولى، و الطغيان أشمل من الأذى، و فرعون يومئذ لا يتحرج من أحدهما أو كليهما، و هنا يجي ء الرد الحاسم للنبيين الكريمين لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَ أَرى ثم يحدد لهما قاعدة رسالتهما فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ ليشعر منذ اللحظة الأولى بأن هناك إلها هو ربه، و هو رب الناس، فليس هو إلها خاصا بموسى و هارون أو ببني إسرائيل (1)، كما كان سائدا في خرافات الوثنية يومذاك أن لكل قوم إلها أو آلهة، أو كما كان سائدا في بعض العصور من أن فرعون مصر إله يعبد فيها لأنه من نسل الآلهة، الأمر الذي سنناقشه فيما بعد، ثم إيضاح لموضوع رسالتهما «فأرسل معنا بني إسرائيل و لا تعذبهم»، ففي هذه الحدود كانت رسالتهما إلى فرعون، لاستنقاذ بني إسرائيل، و العودة بهم إلى عقيدة التوحيد، و إلى الأرض المقدسة التي كتب اللّه لهم أن يسكنوها إلى أن يفسدوا فيها فيدمرهم تدميرا (2).

على أن موسى عليه السلام سرعان ما يتذكر أنه قتل من المصريين نفسا، ما زال يحمل وزرها في ضميره، و أنه قد خرج من مصر هاربا من

ص: 184


1- تطلق التوراة على اللّه، جل جلاله، لفظ «يهوه» و أحيانا «إلوهيم»، و هو في كلتا الحالتين إله بني إسرائيل دون سائر البشر، و ليس رب العالمين، كما يعتقد المسلمون و المسيحيون، و قد بدأت فكرة الإله الواحد في التوراة مع إبراهيم، حيث جعلت الرب الإله، ربا لإبراهيم ثم إسحاق فيعقوب ثم موسى، ثم جعلته بعد ذلك إلها لبني إسرائيل جميعا على أيام النبي إشعياء، و لكنها لم تخرج به من دائرة بني إسرائيل إلى غيرهم من الشعوب، فقد ظل المعنى المتضمن لمفهوم اللّه تعالى في التوراة على أنه إله إسرائيل في المقام الأول، و هكذا كانت ديانة يهود في التوراة ديانة أسرة بشرية واحدة هي بنو إسرائيل (تكوين 12/ 1- 3، 13/ 14- 18، 15/ 18- 20، 26/ 24، خروج 3/ 6، 6/ 6- 7، يشوع 8/ 3، 9/ 18، 13، صموئيل أول 25/ 33، أخبار أيام أول 16/ 36، ثم أنظر: محمد بيومي مهران: 4/ 219 (الباب الأول- الديانة اليهودية).
2- في ظلال القرآن 4/ 2336- 2337.

الذين ائتمروا به ليقتلوه، فكيف يعود إلى قبضة الحاقدين عليه، المتربصين به، المطالبين بالثأر منه، ليدعو فرعون بترك ألوهيته المزعومة، ثم استنقاذ بني إسرائيل من بين يديه، و هم، فيما يرى، عبيده و خدمه، و لكنه عليه السلام، و هو في حضرة ربه، و ربه يكرمه بلقائه، و يكرمه بنجائه، و يكرمه بآياته، و يكرمه برعايته، فما له لا يحتاط لدعوته خيفة أن يقتل فتنقطع رسالته قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (1)، يقولها لا ليعتذر أو يتقاعس، و لكن ليحتاط للدعوة، و يطمئن إلى مضيها في طريقها، لو لقي ما يخاف، و هو الحرص اللائق بموسى القوي الأمين وَ أَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي (2)، إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (3)، و من ثم فسرعان ما تأتيه البشارة من ربه سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَ نَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً

ص: 185


1- أحمد عبد الحميد يوسف: المرجع السابق ص 102، عبد الرحيم فودة: المرجع السابق ص 167.(1) سورة القصص: آية 33.
2- يقول الإمام الفخر الرازي في تفسيره (24/ 122- 123، 249) لما أمر اللّه موسى بالذهاب إلى فرعون و قومه طلب أن يبعث معه هارون إليهم و ذلك لسببين، الأول: أن فرعون ربما كذب موسى، و التكذيب سبب لضيق القلب، و ضيق القلب سبب لتعثر الكلام على من يكون في لسانه جسة، و من ثم فقد بدأ بخوف التكذيب، ثم ثنى بضيق الصدر، ثم تلث بعدم انطلاقة اللسان، و أما هارون فهو أفصح لسانا منه، و ليس في حقه هذا المعنى، فكان إرساله لائقا، و الثاني: أن لهم عندي ذنبا، فأخاف أن يبادروا إلى قتلي، و حينئذ لا يحصل المقصود من البعثة، و أما هارون فليس كذلك فيحصل المقصود من البعثة، و أعلم أنه ليس في التماس موسى أن يضم إليه هارون ما يدل على أنه استعفى من الذهاب إلى فرعون، بل مقصودة فيما سأل ربه أن يقع ذلك الذهاب على أقوى الوجوه في الوصول إلى المراد، و هكذا يكون تصديق هارون لموسى بمعنى أن يعاضده على إظهار الحجة و البيان، و و ذلك بأن يلخص بلسانه الفصيح وجوه الدلائل و يجيب عن الشبهات و يجادل به الكفار، و يذهب السّدى إلى أن نبيّن و آيتين أقوى من نبي واحد و آية واحدة، و إن ذهب آخرون إلى أنه من حيث الدلالة لا فرق بين معجزة و معجزتين و نبي و نبيين.
3- سورة القصص: آية 34.

فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَ مَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ (1)، و هنا تبدأ قصة موسى عليه السلام، و خروج بني إسرائيل من مصر.

[2] بني موسى و فرعون:-

صدع موسى بما أمره اللّه عز و جل به، فولى وجهه، مع أخيه هارون، شطر قصر فرعون، ليدعو صاحبه بدعوة الحق و العدل و العقيدة الصحيحة، أملا من الكليم في أن يسمع فرعون دعوة التوحيد، و يسمح بخروج بني إسرائيل من مصر، تقول التوراة: «و دخل موسى و هارون، و قالا لفرعون:

هكذا يقول الرب إله إسرائيل، أطلق شعبي ليعودوا لي في البرية، فقال فرعون: من هو الرب حتى أسمع لقوله فأطلق إسرائيل، لا أعرف الرب، و إسرائيل لأطلقه، فقالا له: إله العبرانيين قد التقانا، فنذهب سفر ثلاثة أيام في البرية، و نذبح للرب إلهنا، لئلا يصيبنا بالوباء أو بالسيف (2)»، و إلى هذا يشير القرآن في قوله تعالى: وَ قالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ، حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ، قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ (3).

غير أن فرعون لم يؤمن بموسى و لم يسمح له، و إنما اتهمه و هارون بأنهما «يبطلان الشعب من أعماله» ثم أمر ألا يعطي الإسرائيليين تبنا، و من ثم فعليهم أن يجمعوه بأنفسهم من القرى لعمل ما كلفوا به من التبن، و أن من يتأخر منهم عن القيام بصناعة الكمية المحدة إنما سوف يكون عقابه الضرب الشديد (4)، و من عجب أن التوراة و إن أشارت من قبل إلى إيمان بني

ص: 186


1- سورة القصص: آية 35.
2- خروج 5/ 1- 3.
3- سورة الأعراف: آية 104- 105، و أنظر: تفسير القرطبي 13/ 13- 14، تفسير ابن كثير 3/ 450، تفسير المنار 9/ 33، 37- 40.
4- خروج 5/ 4- 18، ابن كثير: البداية و النهاية 1/ 263.

إسرائيل بموسى و هارون و دعوتهما، إلا أنها سرعان ما تعود ثانية لتقول إنهم «لم يسمعوا لموسى من صغر النفس و من العبودية القاسية، رغم ما وعدهم به موسى من إنقاذ لهم من عبودية المصريين، و من اتخاذهم شعبا مختارا لرب إسرائيل، و إدخالهم الأرض التي تفيض لبنا و عسلا، رغم ذلك كله فإنهم لم يؤمنوا بموسى و لم يسمعوا له، بسبب صغار في نفوسهم بسبب العبودية القاسية (1)، و إلى هذا يشير القرآن في قوله تعالى: فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ (2) عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَ مَلَائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ، وَ إِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ، وَ إِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (3)، و النص القرآني يفيد أن الذين أظهروا إيمانهم بموسى من بني إسرائيل إنما كانوا هم الفتيان

ص: 187


1- خروج 4/ 29- 31، 6/ 6- 9.
2- اختلف المفسرون في هذه الذرية التي آمنت بموسى، فذهب فريق، و هم الأكثر، إلى أنهم من بني إسرائيل، و ذلك أن موسى دعا الآباء فلم يجيبوه خوفا من فرعون، و أجابته طائفة من أبنائهم مع الخوف، و قال مجاهد: هم أولاد الذين أرسل إليهم موسى من طول الزمان و مات آباؤهم، و اختار ابن جرير قول مجاهد في الذرية أنها من بني إسرائيل، لا من قوم فرعون، لعودة الضمير على أقرب المذكورين، و ذهب فريق آخر إلى أنهم من قوم فرعون، قال ابن عباس: الذرية التي آمنت لموسى من غير بني إسرائيل من قوم فرعون يسير، منهم امرأة فرعون، و مؤمن آل فرعون، و خازن فرعون و امرأته خازنة (و إن كان لابن عباس قول آخر من بني إسرائيل)، و يذهب ابن كثير إلى أنهم من قوم فرعون لأن بني إسرائيل كلهم آمنوا بموسى عليه السلام، و قد كانوا يعرفون نعته و صفته و البشارة به من كتبهم المتقدمة، و أن اللّه سينقذهم به من أسر فرعون و يظهرهم عليه، و أما الضمير «و في ملئهم» فيرجع إلى فرعون، و الجمع لما هو معتاد في ضمائر العظماء، و لا يأباه مقام بيان علوه في الفساد و التسلط على العباد، أو لأن المراد به فرعون بمعنى آل فرعون أو لأنه ذو أصحاب يأتمرون أو إلى الذرية على خوف من فرعون و أشراف بني إسرائيل لأنهم كانوا يمنعون أعقابهم خوفا من فرعون عليهم و على أنفسهم (تفسير النسفي 2/ 172- 173، تفسير أبي السعود 4/ 170، تفسير ابن كثير 4/ 222- 223، تفسير الطبري 15/ 163- 167، تفسير الخازن 3/ 2048202، تفسير المنار 11/ 383- 384، تفسير القرطبي ص 3208.).
3- سورة يونس: آية 83.

الصغار، لا مجموعة الشعب الإسرائيلي، و أن هؤلاء الفتيان كان يخشى من فتنتهم و ردهم من أتباع موسى، خوفا من فرعون و تأثير كبار قومهم ذوي المصالح عند أصحاب السلطان، و الأذلاء الذين يلوذون بكل صاحب سلطة، و بخاصة من بني إسرائيل، و قد كان فرعون ذا سلطة ضخمة و جبروت، كما كان مسرفا في الطغيان لا يقف عند حد، و لا يتحرج من إجراء قاس (1)، و هكذا يبدو واضحا إلى أي مدى قد أذل الاستعباد قوم موسى، و أفسد طباعهم، فأعرضوا عن الحق و أصبحوا لا يملكون من أمر نفسهم شيئا، فلقي منهم نبيّهم العنت الشديد.

و على أية حال، فلقد عجب فرعون، و هو يرى موسى عليه السلام، يواجهه بهذه الدعوى الضخمة «إني رسول رب العالمين» ثم يطالبه بهذا الطلب الضخم «أن أرسل معي بني إسرائيل»، و من ثم فقد كان بين موسى و فرعون جدل شق و استطال ذكّر فرعون فيه موسى بتربيته في القصر الملكي، و كيف أحسن سلفه (2) مثواه، ثم كيف ارتكب جريمته تلك، يعني قتل موسى لمصري، ثم فر هاربا من مصر كلها، دون أن يناله من القصاص ما يستحق قالَ أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً، وَ لَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ، وَ فَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَ أَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (3)، و هكذا جمع فرعون كل ما حسبه ردا قاتلا لا يملك معه موسى جوابا، و لا يستطيع مقاومته، و بخاصة حكاية القتل، و ما يمكن أن يعقبها من القصاص، فأجابه موسى عليه السلام قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَ أَنَا مِنَ الضَّالِّينَ، فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَ جَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ، وَ تِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ (4).

ص: 188


1- في ظلال القرآن 3/ 1815.
2- قارن: ابن كثير: البداية و النهاية 1/ 250.
3- سورة الشعراء: آية 18- 19.
4- سورة الشعراء: آية 20- 22.

و يتصل الجدل و الحوار بين الرجلين، النبي و الملك، قالَ فِرْعَوْنُ وَ ما رَبُّ الْعالَمِينَ، قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ، قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَ لا تَسْتَمِعُونَ، قالَ رَبُّكُمْ وَ رَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ، قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ، قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ ما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ، قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ، قالَ أَ وَ لَوْ جِئْتُكَ بِشَيْ ءٍ مُبِينٍ، قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ، فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ، وَ نَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (1)، و كانت هذه مفاجأة ضخمة لفرعون و ملئه، فالعصا (2) تنقلب إلى ثعبانا لا شك في ثعبانيته، ثم إن ).

ص: 189


1- سورة الشعراء: آية 23- 33.
2- هناك عدة روايات بشأن عصا موسى هذه، منها (أولا) أن شعيبا كانت عنده عصى الأنبياء، فأمر موسى أن يأخذ له واحدة منها، فأخذ موسى عصا هبط بها آدم من الجنة و لم تزل الأنبياء تتوارثها حتى وقعت إلى شعيب، فضنّ بها شعيب على موسى و طلب أن يأخذ غيرها، فما وقع في يده غيرها سبع مرات فعلم أن له معها شأنا، و روى أن شعيبا أمر ابنته أن تأتي لموسى بعصا، فلما أتته بها قال ائته بغيرها، فلما أرادت أن تأخذ غيرها لم يقع في يدها غيرها، فلما رآها الشيخ رضى، ثم ندم و خرج يطلب موسى، لكن موسى رفض أن يعطيه إياها، ثم اتفقا على أن يحتكما إلى أول من يلقاهما، فلقيهما ملك فقضى بأن يضعوها على الأرض فمن حملها فهي له، فلم يستطع الشيخ حملها، و أخذها موسى بسهولة، فتركها له الشيخ، و منها (ثانيا) رواية تقول أنه كان في دار بيرون ابن أخي شعيب بيت لا يدخله إلا هو و ابنته التي تزوجها موسى، و كان في ذلك البيت ثلاث عشرة عصا، و كان له أحد عشر ولدا، فأخذ كل واحد منهم عصا، ثم احتاج موسى عصا، و لم يجد أهله في الدار، فدخل البيت و أخذ تلك العصا، فلم علم بيرون بما حدث فرح و قال لابنته: إن زوجك هذا نبي، و أن له مع هذه العصا لشأنا، و منها (ثالثا) رواية تقول إن موسى كان يرعى غنم حميه فنام، و إذا بالتنين قد جاء فقامت عصا موسى فقتلته و عادت و هي دامية، فلما استيقظ موسى و رأى العصا دامية و التنين مقتولا، أرتاح و علم أن في تلك العصا آية، فأخبر حميه بالقصة ففرح و علم أن لهذه العصا شأنا، و أراد أن يكافئ موسى على حسن رعيه وصلته لابنته، فوهب له كل أبلق و بلقاء تضعها أغنامه في تلك السنة، فأوحى اللّه إلى موسى أن أضرب بعصاك الماء الذي تسقي الغنم منه، فوضعت جميعها ما بين أبلق و بلقاء، فعلم شعيب أن هذا رزق ساقه اللّه لموسى و زوجته فوفي له شرطة، و منها (رابعا) رواية تقول إن هذه العصا عصا آدم و أن جبريل أخذها بعد موت آدم فبقيت معه حتى لقي موسى ربه ليلا، و منها (خامسا) رواية تنسب للحسن البصري تقول إنها من عرض الشجر أخذها موسى دون أن يتخيرها، و عن الكلبي أنها من شجرة العوسج، و رأى الفخر الرازي أنه لا مطمع في ترجيح رواية على أخرى، لأنه ليس في القرآن ما يدل عليها و الأخبار متعارضة (تفسير الفخر الرازي 24/ 246- 247).

يده السمراء، و قد كان موسى عليه السلام «آدم» أي مائلا إلى السمرة، يخرجها من جيبه، فإذا هي بيضاء من غير سوء، بيضاء ليست عن مرض، و لكنها المعجزة، فإذا أعادها إلى جيبه عادت سمراء، فإذا فرعون، و قد أحس بضخامة المعجزة و قوتها يسرع بمقاومتها و دفعها، و هو يحس ضعف موقفه، و يكاد يتملق القوم من حوله، و يهيج مخاوفهم من موسى و قومه ليغطي على وقع المعجزة المزلزلة قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ، يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَما ذا تَأْمُرُونَ (1).

و لعل سائلا يتساءل: لم اختار اللّه معجزة لموسى عليه السلام من نوع السحر؟

و لعل الجواب على ذلك، إنما يأتي من دراستنا للتاريخ المصري في عصوره القديمة، حتى نستطيع أن ندرك الحكمة من نزول الآية و المعجزة بالصورة التي شاء اللّه أن تنزل بهما، فما كانت لتنزل إلا في أمر من واقع حياة الناس و ما يدور بأذهانهم فتكون محققة في أعينهم على غير قاعدة و لا قياس لخارق من الأعمال، طالما فكروا فيه و سمروا به و ضربوا به أغوار الوهم و تخيلوه، و قد ورد لنا عن الحياة المصرية القديمة من أحاديث السحر و السحارين ما كان الناس يخرجون به إلى عالم الغيب من عالم الشهادة، و من دنيا الواقع إلى آفاق الخيال (2).

ص: 190


1- سورة الشعراء: آية 34/ 35، تاريخ الطبري 1/ 403، في ظلال القرآن 3/ 1347، 5/ 2594.
2- أحمد عبد الحميد: المرجع السابق ص 104.

و هكذا كانت معجزة موسى من نوع السحر الذي برع المصريون فيه، و من نفس المنطق، و على نفس الدرب، كانت معجزة القرآن الكريم الأولى في بيانه الذي خرست معه الألسنة فما تنطق، و في فصاحته التي شدهت معها الأفئدة فما تعي، و سوف يظل هذا البيان و تلك الفصاحة حجة على العالمين، تلك كانت معجزة القرآن الأولى يوم طالع الرسول العرب، و هم ما هم بيانا و فصاحة (1)، يستوي في ذلك رجالهم و نساؤهم، و ما أمر أسواق العرب التي كانوا يعرضون فيها بضاعة الكلام و صناعة الشعر و الخطابة، بخاف على متأدب.

فما هو إلا أن جاء القرآن، و إذا الأسواق قد انفضت، إلا منه، و إذا الأندية صفرت، إلا عنه، فما قدر أحد منهم أن يباريه أو يجاريه، أو يقترح فيه إبدال كلمة بكلمة، أو حذف كلمة أو زيادة كلمة، أو تقديم واحدة و تأخير أخرى، ذلك على أنه لم يسد عليهم باب المعارضة، بل فتحه على مصراعيه، بل دعاهم إليه أفراد أو جماعات، بل تحداهم و كرر عليهم ذلك التحدي في صور شتى، متهكما بهم متنزلا معهم إلى الأخف فالأخف (2)، فدعاهم أول مرة أن يجيئوا بمثله (3)، ثم دعاهم أن يأتوا بعشر سور مثله (4)، ثم أن يأتوا بسورة واحدة مثله (5)، ثم بسورة واحدة من مثله (6)، و أباح لهم في كل مرة أن يستعينوا بمن شاءوا و من استطاعوا، ثم رماهم- و العلم كله-

ص: 191


1- إبراهيم الأبياري: تأريخ القرآن، القاهرة 1965 ص 44- 45.
2- محمد عبد اللّه دراز: النبأ العظيم، نظرات جديدة في القرآن، الكويت 1970 ص 84.
3- سورة الإسراء: آية 88.
4- سورة هود: آية 13.
5- سورة يونس: آية 38.
6- سورة البقرة: آية 23.

بالعجز في غير مواربة، فقال: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (1).

و هكذا شاء اللّه، أن يقرأ النبي الأمي، و أن تكون معجزته كتابا لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (2)، و أن يكون هذا الكتاب بما يتعلق فيه من آيات العلم و الحكمة و السمو الأدبي، هو حجته البالغة على أنه مبلغ عن اللّه، لا بد له فيما يتلوه منه، كما يقول اللّه تعالى: وَ ما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَ لا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (3)، ثم ليكون هذا الكتاب دستور أمة أمية، لم تكن تقرأ و تكتب، و أن يكون هذا الدستور أكمل و أمثل نظام عرفته البشرية، و أن يكون إلى أن يرث اللّه الأرض و من عليها، معجزة الإنس و الجن في كل دهر و عصر (4).

و عودا على بدء، إلى معجزة موسى عليه السلام، حيث نرى أن المصريين إنما كانوا- فيما تشهد به قصص أدبهم- يحبون أحاديث السحر و خوارق الأعمال، و فيما نسبوه إلى خوفو- و هو اختصار اسمه الكامل خنوم خوفو وى- في بردية و ستكار (5)- أو قصة خوفو و السحرة، من حبه السحر

ص: 192


1- سورة الإسراء: آية 38، و أنظر: تفسير القرطبي ص 3942- 3943، عبد اللّه محمود شحاتة: تفسير سورة الإسراء ص 234- 237.
2- سورة فصلت: آية 42، و أنظر تفسير الكشاف 4/ 201- 202، تفسير مجمع البيان 24/ 24- 26، تفسير روح المعاني 14/ 127- 128، تفسير الفخر الرازي 26/ 131، تفسير النسفي 4/ 380، تفسير القرطبي ص 5810- 5811، تفسير ابن كثير 7/ 171- 172.
3- سورة العنكبوت: آية 48، و أنظر: تفسير القرطبي ص 5067- 5069.
4- عبد الرحيم فودة: من معاني القرآن ص 4- 6.
5- البردية محفوظة بمتحف برلين، و ترجع إلى أيام الدولة الوسطى، و ربما إلى عصر الهكسوس، و كان «أدولف إرمان» أول من عني بنشرها، كما نشرها «جاستون ماسبيرو» و «ماكس بيير» و «بييت»، و مجموعة من العلماء المصريين و الأوروبيين بعد ذلك، (انظر: , nodnoL, snaitpygE tneicnA eht fo erutaretiL ehT, namrE. A 47- 36. p. 1927. و كذا ,siraP ,euqninoarahP euqopE'L ed neitpygE setnoC te snamoR ,ervbefeL .G 77- 70. p، 1949. F. p, tpygE tneicnA fo seirotS ralupoP, orepsaM. J 21. . F. rutaretiL ehcsitpygA eiD, repeip xaM

و إقباله عليه، ما يصور لنا كذلك ما تعلقت به أوهام الناس في العصور القديمة من خيالات يردونها إلى السحر و يستعينونه عليها (1).

تروى البردية في القصة الثالثة- أو قصة الزوج المخدوع- أن كاهنا يدعى «أوبا أونر» كانت له زوجة قد أقامت علاقة غير شريفة مع فتى من أواسط الناس، و أنهما كانا يلتقيان- في غياب زوجها- في منزل ريفي يملكه الزوج الكاهن على حافة بحيرة، حيث كانا يعاقران الخمر، و يرتكبان ما حرم اللّه، ثم ينزل الفتى آخر النهار في البحيرة، على أن حارس البيت، و قد سدرت المرأة في غيها، و مضت في ضلالها زمنا، قد عمد فمشى بخبرها إلى زوجها، الذي صنع من الشمع كهيئة التمساح، فألقاه في البحيرة بعد أن قرأ عليه من عزائم السحر، ما حوله إلى تمساح مفترس عظيم، فلما نزل الفتى إلى الماء قبض التمساح عليه و نزل به إلى الماء، ثم تحدث الكاهن بخبر زوجته الخاطئة إلى الملك و دعاه إلى بيته ليشهد العشيق الشاب بين فكي التمساح، هنالك وقف الملك على حافة البحيرة مع الكاهن الذي نادى التمساح فخرج إليهما فريسته، فما أن رأى الملك التمساح حتى ارتاع و فزع من مرآة، و لكن الكاهن ما كاد ينحني عليه ليلتقطه حتى عاد سيرته الأولى دمية من الشمع (2).

ص: 193


1- أحمد عبد الحميد: المرجع السابق ص 105.
2- جوستاف لوفيغر: روايات و قصص مصرية من العصر الفرعوني، ترجمة علي حافظ، ص 141- 144، أحمد فخري: تاريخ الحضارة المصرية- العصر الفرعوني، الأدب المصري القديم، القاهرة 1962 ص 317، أحمد عبد الحميد: المرجع السابق ص 47، 105، سليم حسن: الأدب المصري القديم، الجزء الأول، القاهرة 1945 ص 77- 78.

و تروي البردية في قصة سنفرو- رأس الأسرة الرابعة- و فتيات القصر، أن الملك إنما كان قد أحس ذات يوم ضيقا في الصدر، و حزنا في النفس، فأشار عليه كاهنه «جا جام عنخ» بالنزول إلى بحيرة القصر، مع عشرين فتاة من الغيد الحسان من فتيات قصره، يجدفن و يغنين، و قد فعل الملك، فتسربت إليه البهجة و سرى إلى نفسه السرور، بما شهد من فتيات ليس عليهم من اللباس إلا ثياب من شبك لا تكاد تستر شيئا، و بما سمع من غنائهن، و هن يسرن به في أمواه البحيرة وسط الخمائل و الأغصان، لو لا ما رأى من توقفهن عن التجديف، لما شكت إحداهن من سقوط حليّة لها في الماء و إصرارها على الحصول على حليتها لا ترضى عنها بديلا و لا عوضا من الملك.

و سرعان ما استدعى الكاهن «جا جام عنخ» على عجل، فما أن علم بالخبر، حتى قرأ من عزائم السحر، الذي انشقت له مياه البحيرة، حيث انطوت نصف على نصف، فأصبح ارتفاع ماء البحيرة أربعة و عشرين ذراعا في أحد الجانبين، بعد أن كان اثنى عشر فقط، و رأوا في قاع البحيرة تلك الحلية، و قد استقرت فوق قطعة مكسورة من فخار، فأشار إليها الكاهن ثم سلمها إلى صاحبتها.

و تروي البردية- مرة ثالثة- في قصة الساحر «ددي» الذي بلغ من سحره أن يلحم الرأس المقطوع، و يذلل الأسد لإرادته، أن قد دعى إلى حضرة الملك «خوفو»، حيث عرض سحره عليه، و أوقعه بأوزة ثم ثور، فصل رأس كل منهما، ثم ما زال يقرأ من عزائمه، و الرأس يقترب من الجسد حتى التحما و عادت الحياة إلى كل منهما، ثم أعاد التجربة مرة ثانية في بطة، ثم في ثور، فنجح في ذلك كله (1).

ص: 194


1- جوستاف لفيقر: المرجع السابق ص 147- 151، أحمد فخري: المرجع السابق ص 398- 400، سليم حسن: المرجع السابق ص 81- 83، أحمد عبد الحميد يوسف المرجع السابق ص 105- 106.

و هكذا يمكننا أن نفهم ما دار بين موسى و سحرة فرعون، حينما «كلم الرب موسى و هارون قائلا: إذا كلمكما فرعون قائلا: هاتيا عجيبة تقول لهارون خذ عصاك و أطرحها أمام فرعون فتصير ثعبانا، فدخل موسى و هارون إلى فرعون و فعلا هكذا كما أمر الرب، طرح هارون عصاه أمام فرعون و أمام عبيده فصارت ثعبانا» (1)، و إلى عصا موسى- و ليس هارون كما تقول التوراة- يشير القرآن الكريم في قوله تعالى: فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ، وَ نَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (2).

و هنا رأى الملأ من قوم فرعون ما راعهم و روّعهم، و لكن خوفهم من فرعون منعهم من أن يقولوا كلمة الحق، رأوا عصا موسى و قد صارت حية تسعى، و رأوا يده بعد أن أخرجها من جيبه، و قد صارت بيضاء من غير سوء، فلم يصدقوه مع ذاك في أنه مرسل من قبل اللّه رب العالمين، و اتهموه بأنه ساحر ماهر، يريد أن يستعلي هو و أخوه في أرض مصر، ليخرجا منها أهلها، و يمكنا لبني إسرائيل فيها، و انتهوا بعد التشاور إلى أن يرجئ فرعون موسى و أخاه، دون عقاب، حتى تبطل حجتهما و تثبت إدانتهما، و ذلك بأن يحضر المهرة من السحرة من مدائن مصر، ليواجه بهم هذا الساحر الماهر، و إلى هذا يشير القرآن في قوله تعالى: قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ، يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَما ذا تَأْمُرُونَ، قالُوا أَرْجِهْ وَ أَخاهُ وَ أَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (3).

و اجتمع السحرة في ميقات معلوم، يوم الزينة، و لعله يوم عيد وفاء

ص: 195


1- خروج 7: 8- 10.
2- سورة الشعراء: آية 32- 33.
3- سورة الأعراف: آية 109- 112، و أنظر: تفسير الطبري: 13/ 18- 25، تفسير المنار 9/ 33- 55، تفسير ابن كثير 3/ 451- 452، و أنظر: يونس آية 78- 79، طه 57- 64، الشعراء 34- 38.

النيل، أو غيره من أعياد المصريين (1)، ثم تقدموا ممتلئين ثقة بأن لهم النصر و الأجر، قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ، قالَ نَعَمْ وَ إِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (2)، و من ثم فقد خيروا موسى فيمن يبدأ قائلين: يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَ إِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى (3)، و يذهب الإمام الفخر الرازي إلى أن السحرة المصريين قد تواضعوا لموسى عليه السلام فقدموه على أنفسهم، فقالوا «إما أن تلقي و إما أن نكون أول من ألقى»، فلما تواضعوا له، تواضع هو أيضا فقدمهم على نفسه، و قال: أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ، و هكذا قدم موسى السحرة على نفسه، رجاء أن يصير ذلك التواضع سببا لقبول الحق، و لقد حصل ببركة ذلك التواضع ذلك المطلوب، و يقول الزمخشري في الكشاف: تخيّرهم إياه أدب حسن راعوه معه، كما يفعل أهل الصناعات إذا التقوا كالمتناظرين قبل أن يتخاصموا في الجدال، و المتصارعين قبل أن يأخذوا في الصراع، و قال القرطبي: تأدبوا مع موسى بقولهم «إما أن تلقي» فكان ذلك سبب إيمانهم.

على أن هناك من يذهب إلى أن تخيّرهم لموسى لم يكن من باب الأدب، و إنما كان كما يقول صاحب البحر المحيط، من باب الإدلال لما يعلمونه من السحر، و إيهام الغلبة و الثقة بأنفسهم، و عدم الاكتراث بأمر موسى، و قد أعطاهم موسى فرصة التقدم، وثوقا بالحق، و علما بأن اللّه تعالى سيبطل سحرهم، كما حكى اللّه عن موسى، حيث قال: ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ

ص: 196


1- أنظر عن الأعياد (محمد بيومي مهران: الحضارة المصرية- الإسكندرية 1984 ص 112- 115).
2- سورة الأعراف: آية 113- 114، و أنظر: الشعراء: آية 41- 42.
3- سورة طه: آية 65، و أنظر: الأعراف: آية 115، ثم قارن: يونس: آية 80 (فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون) و الشعراء آية 43 (قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون) و في هاتين الآيتين (بعكس آيتي الأعراف 115، طه 65) نرى موسى عليه السلام هو الذي يقدم السحرة، دونما تخيير منهم له، على أن يبدءوا بعرض مهاراتهم السحرية.

إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ و يذهب صاحب الظلال إلى أن التحدي إنما كان واضحا في تخيرهم لموسى، و تبدو كذلك ثقتهم بسحرهم و قدرتهم على الغلبة، و في الجانب الآخر تتجلى ثقة موسى عليه السلام، و استهانته بالتحدي، «قال ألقوا» فهذه الكلمة الواحدة تبدو فيها قلة المبالاة، و تلقي ظل الثقة الكامنة وراءها في نفس موسى، على طريقة القرآن الكريم في إلقاء الظلال بالكلمة المفردة في كثير من الأحايين (1).

و أيا ما كان الأمر، فلقد تقدم السحرة (2) واثقين من النصر،

ص: 197


1- تفسير الفخر الرازي 24/ 133- 134، تفسير البحر المحيط 4/ 361، تفسير القرطبي 11/ 214، في ظلال القرآن 3/ 1349.
2- اضطرب الناقلون للأخبار في عدد السحرة اضطرابا متناقضا يعجب العاقل، كما يقول أبو حيان، من تسطيره في الكتب، فمن قائل 12 ألف أو 17 ألف أو 30 ألف أو 80 ألف، أو 70 ألف، ألقوا 70 ألف عصا، 70 ألف حبل، على أن أغرب ما في الروايات أنهم كانوا 72 ساحرا، اثنان من المصريين، 70 من بني إسرائيل، و قيل تسعمائة، ثلاثمائة من الفرس، و ثلاثمائة من الروم، و ثلاثمائة من الإسكندرية، و جاء في تفسير الطبري عن ابن عباس أن فرعون قال: لا نغالبه (أي موسى) إلا بمن هو منه، فبعث بعلماء بني إسرائيل إلى الفرما يعلمونهم السحر، لما يعلم الصبيان الكتاب في الكتاب، فعلموهم سحرا كثيرا، حتى قال كبيرهم أنه علمهم سحرا لا يطيقه أهل الأرض، إلا أن يكون، أمرا من السماء، فإنهم لا طاقة لهم به، فأما سحر أهل الأرض فإنه لن يغلبهم (تفسير الطبري 13/ 25، تفسير البحر المحيط 4/ 360، 6/ 26، تفسير القرطبي 11/ 214، ابن كثير: مختصر التفسير 2/ 486، البداية و النهاية 1/ 254، تفسير الدر المنثور 3/ 106، تاريخ ابن الأثير 1/ 103، تفسير النسفي 3/ 57) و بدهي أن المبالغة واضحة من هذه الأعداد، فما كان التنافس بينهم و بين موسى يحتاج إلى أعداد تصل إلى تسعمائة ألف ساحر، و ربما كان رقم 72 ساحرا، مقبولا نوعا ما، و أما الأماكن التي جاء منها السحرة كبلاد الفرس و الروم و الإسكندرية، فليت الذين كتبوا ذلك يعلمون أن الإسكندرية أنشئت عام 332 ق. م، و بعد هذه الأحداث بما يقرب من ألف عام، و أن الفرس ظهروا عام 525 ق. م، أي بعد هذه الأحداث بحوالي 700 عام، و الروم بعدها بما يقرب من اثنى عشر قرنا، و أن الفرما أو العريش لم تكن من المراكز العلمية في مصر، و أن مصر باتت تموج بالسحرة، و قد بلغوا شأوا بعيدا فيه، و ما كانوا في حاجة لبني إسرائيل، الذين ما كانوا يعرفون علما أو فنا أو صناعة، غير سخرة في بناء المدن و رعي مواشيهم، ثم كيف يستعين فرعون ببني إسرائيل على موسى الذي جاء لينقذهم من فرعون الذي كان يذبح أبناءهم و يستبي نساءهم، ثم إن سياق القصة في القرآن يشير إلى استعانة فرعون بالسحرة المصريين، و ليس ببني إسرائيل.

فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَ عِصِيَّهُمْ وَ قالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ (1)، و سرعان ما صارت الحبال و العصي، كما تقول التوراة، ثعابين، أو بالأحرى خيل إليهم من سحرهم إنها تسعى و كما نص الذكر الحكيم فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَ اسْتَرْهَبُوهُمْ وَ جاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ، قال الزمخشري: استرعبوهم و أرهبوهم إرهابا شديدا، و حسبنا أن يقرر القرآن الكريم أنه سحر عظيم، لندرك أي سحر كان، و حسبنا أن نعلم أنهم سحروا أعين الناس و أثاروا الرهبة في قلوبهم، و استرعبوهم، لنتصور إي سحر كان، و لفظ «استرهب» ذاته لفظ مصور، فهم استجاشوا إحساس الرهبة في الناس و قسروهم عليه قسرا، ثم حسبنا أن نعلم من النص القرآني الآخر في سورة طه أن موسى عليه السلام قد أوجس في نفسه خيفة، لنتصور حقيقة ما كان، يقول اللّه تعالى:

قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَ إِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَ عِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى وَ أَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ، وَ لا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَ مُوسى (2).

و جاء في تفسير ابن كثير: قال ابن عباس: فجعلت لا تمر بشي ء من حبالهم و لا من خشبهم إلا التهمته، فعرفت السحرة أن هذا شي ء من السماء، ليس هذا بسحر، فخروا سجدا، و قالوا آمنا برب العالمين رب موسى

ص: 198


1- سورة الشعراء: آية 44.
2- سورة الأعراف: آية 116، طه: آية 65- 70، في ظلال القرآن 3/ 1349، تفسير الطبري 13/ 28.

و هارون، قال ابن إسحاق: جعلت تتبع تلك الحبال و العصي واحدة واحدة حتى ما يرى بالوادي قليل و لا كثير، ثم أخذها موسى فإذا هي عصا في يده كما كانت، و وقع السحرة سجدا، و قالوا: لو كان هذا ساحرا ما غلبنا، و في هذا إشارة إلى أهمية العلم و تكريمه، فقد كان هؤلاء السحرة أعرف الناس بما جاء به موسى عليه السلام، و أنه من عند اللّه، و ليس من فنون السحر الذي تجروا فيه، و من ثم فقد خروا ساجدين و قالوا: «آمنا برب العالمين رب موسى و هارون»، لأن العالم في فنه إنما هو أكثر الناس استعدادا للتسليم بالحقيقة حين تنكشف له، لأنه أقرب من غيره إدراكا لهذه الحقيقة، و من ثم فما أن تأكدوا من معجزة موسى حتى ملك الحق قلوبهم، و ملأ الإيمان مشاعرهم، فاستخفوا بتهديد فرعون لهم أن يقطع أيديهم و أرجلهم من خلاف، و يصلبهم في جذوع النخل «و قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون، إنا نطمع أن يغفر لنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين».

و يقول أبو حيان: قال المتكلمون إن في هذا دلالة على فضل العلم، لأنهم كانوا كاملين في علم السحر، و من ثم فما أن علموا أن ما جاء به موسى خارج عن جنس السحر، حتى آمنوا به، و لو لا العلم لتوهموا أنه سحر، و أن موسى أسحر منهم، و لكن نظرا لأنهم كانوا، كما يقول الفخر الرازي، في الطبقة العليا من علم السحر، فقد علموا أن ذلك خارجا عن حد السحر، و ما كان ذلك إلا ببركة تحقيقهم في علم السحر، و من ثم لم يتمالكوا أن رموا بأنفسهم إلى الأرض ساجدين، كأنهم أخذوا فطرحوا طرحا، قال أبو السعود: روى أن رئيسهم قال: كنا نغلب الناس، و كانت الآلات تبقي علينا، فلو كان هذا سحرا، فأين ما ألقيناه من الآلات، فاستدل بتغير أحوال الأجسام على الصانع القادر العالم، و أن ظهور ذلك على يد موسى دليل على صحة رسالته، و من ثم فقد خروا سجروا، آمنا برب موسى و هارون (1).

ص: 199


1- تفسير البحر المحيط 4/ 364- 365، تفسير الفخر الرازي 24/ 134، تفسير أبي السعود 6/ 27- 28، في ظلال القرآن 3/ 1350، ابن كثير: مختصر التفسير 2/ 42، البداية و النهاية 1/ 258، تاريخ الطبري 1/ 409، الكامل لابن الأثير 1/ 103.

و بدهي أن ذلك كله إنما يدل على أن سلطان السحر محدود، فهو، و إن كان له حقيقة، فإن حقيقته لا تتجاوز الأيدي و الأرجل من خلاف فرعون، و قد جاءت هذه الرواية في معظم كتب التفسير، على أن هناك خلافا في تنفيذ فرعون لوعيده، فليس في القرآن الكريم نص على أن فرعون أنفذ وعيده، و لكن الظاهر من سياق القصة أنه صلبهم و عذبهم، قال ابن عباس و عبيد بن عمير: كانوا من أول النهار سحرة، فصاروا من آخره شهداء بررة، و يؤيد هذا قولهم: «ربنا أفرغ علينا صبرا و توفنا مسلمين» (1)، و أما النص الذي يصور وسائل التعذيب في زمان فرعون فقد ورد في معبد عمدا من بلاد النوبة المصرية، و يرجع إلى السنة الرابعة من عهد «مرنبتاح» (حوالي عام 1220 ق. م)، و يؤكد أن مرنبتاح هذا، و الذي شاع في الناس أنه فرعون موسى، إنما قطع من خلاف و صلب، و قد نشر هذا النص الزميل الفاضل الدكتور أحمد عبد الحميد يوسف (2).

و أيا ما كان الأمر، فلقد كان هذا موقف الذين آمنوا من المصريين، ملك الحق قلوبهم، و ملأ الإيمان مشاعرهم، فاستخفوا بتهديد فرعون لهم أن يقطع أيديهم و أرجلهم من خلاف، و يصلبهم في جذوع النخل قالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ، إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (3)، و هنا تتجلى قوة الإيمان، إذا سكن القلب و اطمأنت به

ص: 200


1- تفسير الطبري 13/ 34، تفسير البيضاوي 3/ 23، تفسير الفخر الرازي 4/ 135، تفسير البحر المحيط 4/ 365، تفسير النسفي 2/ 70، الدر المنثور 3/ 107، ابن كثير: مختصر التفسير 2/ 43، البداية و النهاية 1/ 258.
2- أحمد عبد الحميد يوسف: المرجع السابق ص 110، و كذا F ,lIV L ,EASA ,adamA ta txeT raey htruof s'hatpnereM ,fessuoJ .A .A 273. p، 1964.
3- سورة الشعراء: آية 50- 51، عبد الرحيم فودة: المرجع السابق ص 179.

النفس و تتجلى الحقيقة بالاستعداد للفداء في سبيلها، و يظهر طغيان فرعون هذا الذي يستعظم أن يكون في مصر من يذعن للحق، قبل أن يأذن له الملك.

و فوجئ فرعون بما لم يكن يتوقع من عجز السحرة، و فضيحة الهزيمة أمام موسى بين الناس، و أحس أن صرح كبريائه بدأ ينهار، و أنه كاد أن يكون أضحوكة عامة تشيع في أرجاء مصر كلها، و من ثم فقد وقف يزأر و لا زئير، و يتوعد السحرة و لا وعيد، كما أحس الملأ من حوله أن مقامهم كذلك صائر إلى دمار، و البطانة من حول الملك، و كل الملوك و أصحاب السلطان، لا تخلد إلى السكون، فهي دائمة الحركة، دائمة القول و التحريض، لأن الدعوة الجديدة تعصف بمقامهم و مقام زعيمهم في البلاد، و لعل ذلك يمكن أن يفهم من قولهم لموسى و هارون من أول لقاء أَ جِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَ تَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ (1)، و من ثم فإننا نراهم يحرضون فرعون على مذبحة جديدة بين بني إسرائيل، وَ قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَ تَذَرُ مُوسى وَ قَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَ يَذَرَكَ وَ آلِهَتَكَ، قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَ نَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَ إِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ (2)، و في سورة غافر قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَ اسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ وَ ما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ، وَ قالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَ لْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ (3).

و من المعروف أن بني إسرائيل قد عانوا من قبل، في إبان مولد موسى، مثل هذا التنكيل الوحشي من فرعون و ملئه، كما يقول تعالى:

ص: 201


1- سورة يونس: آية 78.
2- سورة الأعراف: آية 127.
3- سورة غافر: آية 25- 26.

إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَ جَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَ يَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (1).

و من ثم فهناك، فيما يرى صاحب الظلال، أحد احتمالين، فيما حدث بعد ذلك الأمر، الأول أن فرعون الذي أصدر ذلك الأمر، كان قد مات و خلفه ابنه أو ولي عهده، و هذا ما تذهب إليه التوراة (2)، و لم يكن الأمر منفذا في العهد الجديد، حتى جاء موسى و واجه الفرعون الجديد، الذي كان يعرفه و هو ولي للعهد، و يعرف تربيته في القصر، و يعرف الأمر الأول بتذبيح الذكور و ترك الإناث من بني إسرائيل، فحاشيته تشير إلى هذا الأمر، و توحي بتخصيصه لمن آمنوا بموسى، سواء كانوا من السحرة أو من بني إسرائيل القلائل الذين استجابوا له على خوف من فرعون و ملئه، و الاحتمال الثاني، أنه كان فرعون الأول الذي تبنى موسى ما يزال، على عرشه، و قد تراخى في تنفيذ الأمر بعد فترة أو وقف العمل به بعد زوال حدته، فالحاشية تشير بتجديده و تخص به الذين آمنوا مع موسى وحدهم للإرهاب و التخويف (3).

و أما قتل موسى عليه السلام، فإنما هو جد صعب المنال، و ربما كان السبب في ذلك خوف الفرعون و ملئه، من حدوث هياج عام بين المصريين أنفسهم، و خاصة بعد أن شاع و ذاع، و ملأ الأسماع، نبأ المعجزة الباهرة التي قهرت المهرة من السحرة و حمّلتهم على أن يؤمنوا و يعلنوا إيمانهم على رءوس الأشهاد بهذه الصورة المؤثرة، و من ثم فأكبر الظن أن النبيين الكريمين لم تكن لهما قوة تحميهما، في نظر فرعون، إلا الخوف من هياج

ص: 202


1- سورة القصص: آية 4.
2- خروج 2/ 23، 4/ 19، ثم قارن: البداية و النهاية 1/ 250.
3- في ظلال القرآن 5/ 3077- 3078.

الرأي العام، إن صح هذا التعبير، بعد أن سمع ما سمع، و رأى ما رأى، و من يدري فقد يوحي هذا للجماهير بتقديس موسى و اعتباره شهيدا، و الحماسة الشعورية له و للدين الذي جاء به، و لعلنا نستطيع أن نلمس هذه المعارضة فيما حكاه القرآن عن فرعون حين قال ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَ لْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ (1)، فإن كلمة «ذرني» تفيد أنه كان هناك من يعوقونه أو يمنعونه أو يشيرون عليه بغير ما كان يرى، و قد يكون بعض مستشاري الفرعون أحس في نفسه رهبة أن ينتقم إله موسى له أو يبطش بهم، و ليس هذا ببعيد، فقد كان الوثنيون يعتقدون بتعدد الآلهة، و يتصورون بسهولة أن يكون لموسى إله ينتقم له ممن يعتقدون عليه، و يكون قول فرعون «و ليدع ربه» ردا على هذا التلويح، و إن كان لا يبعد أن هذه الكلمة الفاجرة من فرعون إنما كانت تبجحا و استهتارا، لقي جزاءها في نهاية المطاف، حيث أغرقه اللّه و جنده في البحر (2).

هذا فضلا عن أن هناك دليلا من القرآن يفيد أن هناك من يعارض في قتل موسى عليه السلام، ذلك أن فرعون عند ما ضاق ذرعا بموسى، و عقد مع الملأ مؤتمرا للفتك به، فوجئ بواحد من هذا الملأ يكتم إيمانه، ينهض لمعارضة هذه الفكرة و يقول: أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ، وَ قَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ، وَ إِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ، وَ إِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ، إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ، يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ، فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا، و هال فرعون ما سمع، فأخذته العزة بالإثم و نفخ الشيطان في روحه، فقال: ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى وَ ما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ، و عاد الرجل يعقب على كلام

ص: 203


1- سورة غافر: آية 26.
2- في ظلال القرآن 5/ 3078.

فرعون، و يحذره من غضب اللّه و بطشه، و بما حدث لغيره من الطغاة العتاة، ثم أعلن أنه أبرأ ذمته فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَ أُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (1).

و هكذا فشل فرعون و ملؤه في تدبير خطة لاغتيال موسى، بل إن القرآن إنما يحدثنا أن فرعون إنما وجد المعارضة في داخل بيته نفسه، من زوجته، ذلك أن امرأة فرعون قد استطاعت أن تحرر فكرها و وجدانها من كل الأواصر و المؤثرات و القيود، فترفض أن تسير في ركاب زوجها، و أن تنساق في تيار المجتمع الذي تعيش فيه، بل و تعلن عن موقفها في ثبات و إيمان، بعد أن اتضح لها ضلال فرعون، و تبيّن لها الحق في دعوة موسى، رغم ضغط المجتمع و شدة وطأته، و رغم مغيرات الحياة الرخية الناعمة في قصر أعظم ملوك الأرض، و أكثرهم غنى، و أرفعهم حضارة، و رغم آصرة الزوجية التي تربطها بفرعون، فكانت مثلا للشخصية الإنسانية المستقلة في الإيمان و القيم (2)، و إلى هذه السيدة الجليلة يشير القرآن الكريم في قوله تعالى:

وَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَ نَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَ عَمَلِهِ وَ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (3)، و هي التي ).

ص: 204


1- أنظر: سورة غافر: آية 28- 44، محمد بيومي مهران: إسرائيل 1/ 315- 330.
2- التهامي نقرة: المرجع السابق ص 401.
3- سورة التحريم: آية 11، هذا و قد جاءت أحاديث شريفة في فضل امرأة فرعون منها قوله صلى اللّه عليه و سلم «خير نساء العالمين أربع، مريم ابنة عمران، و آسية امرأة فرعون، و خديجة بنت خويلد، و فاطمة بنت محمد رسول اللّه»، و منها قوله صلى اللّه عليه و سلم: حسبك من نساء العالمين بأربع، مريم بنت عمران و آسية امرأة فرعون و خديجة بنت خويلد و فاطمة بنت محمد» و قوله صلى اللّه عليه و سلم: «أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد و فاطمة بنت محمد و مريم بنت عمران و آسية امرأة فرعون» (و أنظر عن هذه الأحاديث الشريفة و روايات أخرى لها: ابن كثير: التفسير 2/ 32- 34، البداية و النهاية 2/ 59- 63، تفسير الطبري 6/ 393--!؟، صحيح البخاري 4/ 193، 6/ 239، صحيح مسلم 2/ 243، سنن الترمذي 4/ 365- 366، المستدرك للحاكم 3/ 184، تحفة الأحوذي 10/ 389) و أن امرأة فرعون ستكون زوجة للنبي صلى اللّه عليه و سلم في الجنة (أنظر: البداية و النهاية 2/ 62).

أودع اللّه في قلبها حب موسى عليها السلام، و الشفقة عليه، و الرحمة به منذ أول لحظة رأته فيها، وَ قالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَ لَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً (1).

و على أي حال، فلقد علم موسى عليه السلام أن فرعون ماض في غلوائه و كبريائه، كما علم بنو إسرائيل ما ينتظرهم من المحن و البلايا و الفتن، فتملكهم الرعب، و لم يجدوا في أنفسهم قوة تعينهم على مجرد الصبر و الاحتمال، فقد قال لهم موسى: اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَ اصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، فكان جوابهم مما حكاه القرآن عنهم: أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَ مِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا، و هو جواب ينم عن عدم الإيمان باللّه و الثقة بعونه و نصره، كما ينم عن شعورهم بهوان قدرهم و العجر عن الصبر (2).

و نقرأ في التوراة أن موسى ضرب النهر بعصاه، فتحول الماء دما، و مات السمك و أنتن النهر، و بعد أيام سبعة سلط اللّه عليهم الضفادع حتى اكتظت بها الأرض، و حتى خيل أن الأرض تتحرك بسببها، مما جعل فرعون يطلب من موسى أن يسأل ربه أن يرفع عنه هذا البلاء، و حين أجيب إلى مسئوله عاد ثانية فاشتد قلبه (3)، فسلط اللّه على كل أرض مصر البعوض (4)، فإذا ما تذكرنا أن المصريين كانوا قوما يراعون منتهى الدقة في النظافة، كما ».

ص: 205


1- سورة القصص: آية 9.
2- سورة الأعراف: آية 128- 129، عبد الرحيم مودة: المرجع السابق ص 183.
3- خروج 7/ 14- 22، 8/ 1- 15، ف. ب. ماير: حياة موسى- ترجمة القس مرقص داود ص 104.
4- استعملت الترجمة العربية و الألمانية للتوراة كلمة «البعوض»، و أما الترجمة الإنجليزية و الفرنسية و هامش الكتاب المقدس، فقد استعملت كلمة «القمل» بدلا من كلمة «البعوض».

كان الكهنة أكثر القوم مراعاة للنظافة كانوا يغتسلون مرارا، و يحلقون شعورهم لكي لا يعلق بها أي دنس يعطلهم عن واجباتهم الدينية، و من ثم فقد كانت ضربة «البعوض» هذه، فوق أنها أليمة، فهي بغيضة إلى نفوسهم، فإذا أضفنا إلى ذلك الذباب، و لعله الجعران، لعرفنا السبب الذي جعل فرعون يكرر طلبه إلى موسى أن يسأل ربه أن يرفع عن مصر هذه المصائب، في مقابل أن يسمح لبني إسرائيل أن يذبحوا لربهم في البرية، على ألا يبتعدوا كثيرا، فما أن دعا موسى ربه، و فرج اللّه كربة فرعون و قومه، حتى عاد الطاغية إلى سيرته الأولى، فاشتد على بني إسرائيل، و منعهم من الخروج، و من ثم فإن دعوات موسى بالمصائب على فرعون و قومه سرعان ما تتكرر، و لكنها هذه المرة في الحقول، و على الخيل و الحمير و الجمال (1).

و البقر و الغنم، و لا يستثنى رب إسرائيل من هذا الوباء غير ماشية بني إسرائيل، و لعل الأخيرة كانت السبب في أن فرعون لم يطلق سراح بني إسرائيل، بجانب عناده و إصراره على الكفر و العناد، و من ثم فقد كرر رب إسرائيل مصائبه على فرعون و قومه، فإذا الدمامل تنتشر في كل أرض مصر.

و مع ذلك فإن فرعون لم يؤمن بدعوة موسى و هارون، و لم يسمح بخروج بني إسرائيل من مصر، و من ثم فقد سلط اللّه عليه و على قومه عاصفة محملة بالرعد و البرد، و لم تهدأ إلا برجاء من فرعون لموسى بأن يكف اللّه هذا البرد، و ذلك الرعد عن البلاد و العباد، و ما أن تم ذلك حتى عاد فرعون سيرته الأولى، فسلط اللّه عليه الجراد، حتى أصبح وجه مصر الأخضر أسمرا ).

ص: 206


1- لعل كلمة «الجمال» هنا من تحريفات التوراة، ذلك لأن الجمال وقت ذاك ظلت على التحقيق غريبة على المصريين، بل لقد كانت غريبة على من أقبل على مصر من الساميين، فقد جاءت قبيلة «أبشاي» في الأسرة الثانية عشرة على الحمير، لا الجمال، بل إن استعمال الجمال لم يعرف في هذه المنطقة إلا في أخريات القرن الثالث قبل الميلاد، و ربما بعد ذلك (حسن ظاظا: الساميون و لغاتهم ص 12- 13، أحمد عبد الحميد يوسف: المرجع السابق ص 26).

بسبب الجراد، و أخيرا، و بدون إنذار، حل الظلام على الأرض، حتى لم يبصر أحد أخاه، فشلت كل حركة في البلاد، و ارتعدت أقسى القلوب، و طلب فرعون من موسى ألا يرى وجهه أبدا (1).

هذه هي الضربات التي أوقعها رب إسرائيل بفرعون و قومه، كما جاءت في توراة يهود، و هي و إن اتسمت بالمبالغة أحيانا، و عدم الدقة أحيانا أخرى، فإن ملامح مما جاء عنها في الذكر الحكيم، قال تعالى: وَ لَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَ نَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ إلى قوله تعالى: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَ الْجَرادَ وَ الْقُمَّلَ (2) وَ الضَّفادِعَ وَ الدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَ كانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ، وَ لَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَ لَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ، فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ، فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ كانُوا عَنْها غافِلِينَ (3).

و روى ابن كثير في التفسير عن سعيد بن جبير، و غيره من السلف، قال: لما أتى موسى عليه السلام فرعون قال له: أرسل معي بني إسرائيل،

ص: 207


1- خروج 8/ 16- 32، 9/ 1- 35، 10/ 1- 29، مزمور 78/ 47- 48، ماير: المرجع السابق ص 111- 118.
2- اختلف المفسرون في لفظ «القمل» فقيل هي «الدبا» (الدبى) بفتح الباء، و هي صغار الجراد الذي لا أجنحة له، و هي البراغيث، و هي دواب سود صغار، و هي «الحمنان» و هي ضرب من القردان، واحدتها «حمنانة» فوق القمقامة، و هي ضرب شديد التشبث بأصول الشعر، و هي السوس الذي يخرج من الحنطة، و هي الجعلان و هو دابة سوداء من دواب الأرض، و هي القمل جمع قملة، و هي دابة تشبه القمل تأكل الإبل (تفسير ابن كثير 3/ 461- 463، تفسير الطبري 13/ 54- 56، مجاز القرآن 1/ 226، الدر المنثور 3/ 107- 108، تفسير القرطبي ص 2705- 2706، تفسير النسفي 2/ 72، صفوة التفاسير 1/ 467).
3- سورة الأعراف: آية 130- 136، و أنظر: تفسير الطبري 13/ 45- 75، تفسير المنار 9/ 74- 84، تفسير ابن كثير 3/ 455- 464، الجواهر في تفسير القرآن الكريم 4/ 210- 212، تفسير القرطبي ص 2699- 2708، تفسير البيضاوي 3/ 24- 25، الدر المنثور 3/ 107- 108.

فأرسل اللّه عليهم الطوفان و هو المطر، فصب عليهم منه شيئا خافوا أن يكون عذابا، فقالوا أدع لنا ربك يكشف عنا المطر فنؤمن لك و نرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه فلم يؤمنوا و لم يرسلوا معه بني إسرائيل، فأنبت لهم في تلك السنة شيئا لم ينبته قبل ذلك من الزرع و الثمار و الكلأ، فقالوا هذا ما كنا نتمنى، فأرسل اللّه عليهم الجراد فسلطه على الكلأ، فلما رأوا أثره في الكلأ عرفوا أنه لا يبقي الزرع، فقالوا يا موسى أدع لنا ربك فيكشف عنا الجراد، فنؤمن لك و نرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه فكشف عنهم الجراد، فلم يؤمنوا و لم يرسلوا معه بني إسرائيل، فداسوا و أحرزوا في البيوت فقالوا قد أحرزنا، فأرسل اللّه عليهم القمل، و هو السوس الذي يخرج منه، فكان الرجل يخرج عشرة أجربة إلى الرحى فلا يرد منها إلا ثلاثة أقفرة، فقالوا يا موسى أدع لنا ربك يكشف عنا القمل فنؤمن لك و نرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه فكشف عنهم فلم يؤمنوا و لم يرسلوا معه بني إسرائيل، فبينما هو جالس عند فرعون إذ سمع نقيق ضفدع، فقال لفرعون ما تلقى أنت و قومك من هذا، فقال و ما عسى أن يكون كيد هذا، فما أمسوا حتى كان الرجل يجلس إلى ذقنه في الضفادع، و يهم أن يتكلم فيثب الضفدع في فيه، فقالوا يا موسى أدع لنا ربك يكشف عنا هذه الضفادع فنؤمن لك و نرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه فكشف عنهم فلم يؤمنوا، و أرسل اللّه عليهم الدم فكانوا ما استقروا من الأنهار و الآبار و ما كان في أوعيتهم وجدوه دما عبيطا، فشكوا إلى فرعون فقالوا إنا قد ابتلينا بالدم و ليس لنا شراب، فقال إنه قد سحركم، فقالوا: من أين سحرنا و نحن لا نجد في أوعيتنا شيئا من الماء إلا وجدناه دما عبيطا، و قالوا يا موسى أدع لنا ربك يكشف عنا هذا الدم فنؤمن لك و نرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه فكشف عنهم فلم يؤمنوا و لم يرسلوا معه بني إسرائيل» (1).

ص: 208


1- مختصر تفسير ابن كثير 2/ 45- 46.

و على أية حال، فإن الكوارث التي جاءت في القرآن الكريم و ترددت في التوراة، على أنها لحقت بمصر سنين عددا، فأصيبت البلاد بالقحط و العلل و الآفات، إنما تصدقها أحداث التاريخ، فمصر لم تكن، كما رأينا من قبل، بمنجاة مما قد ينزل بها من كوارث، فربما انحبس النيل فصوّح الزرع، أو زاد فأغرق البلاد بطوفان عظيم، و هو على الحالين، كما يدمنا، نذير النوازل و نقص في الثمرات، فإذا وقعت الواقعة انتشرت بها الأدواء و الأوبئة، فحصدت الناس حصدا يعجزهم عن تشييع موتاهم إلى القبور، و قد حدث مثل ذلك على أيام الثورة الاجتماعية، و في أخريات أيام الأسرة العشرين، كما حدثنا «إيبو- ور» عن الأولى، و كما تحدثت وثائق أخريات أيام الدولة الحديثة عن عام اشتد فيه الجوع بالناس، حتى سموه «عام الضياع» (1).

على أن الأمر هنا، بين موسى و فرعون، فيما نعتقده و نؤمن به، إنما هو معجزة نبي، و بدهي أنه ليس بالضرورة أن تتفق المعجزات مع بعض أحداث في التاريخ، فإذا ما كان لها صدى في هذه الأحداث التاريخية، فإن ذلك تصديقا لهذه الأحداث، و ليس للمعجزات، و التي سوف نتحدث عنها بالتفصيل عند حديثنا عن انقلاب البحر لموسى عليه السلام، و على أي حال، فالواضح من نصوص التوراة و آي الذكر الحكيم أن البلاد قد أصيبت في تلك الفترة بالقحط و الجدب، و نقصت ثمراتها بالجوائع الجوية و الآفات السماوية، و غرقت أرضها بطوفان، و هجمت عليها جيوش جرارة من الجراد تجتاح الأخضر و اليابس، و امتلأ الجو بالبعوض، و كثر «الدبا» في الأرض، و كذا الضفادع التي نغصت على الناس حياتهم، فكانوا يجدونها في كل

ص: 209


1- محمد بيومي مهران: مصر و العالم الخارجي في عصر رعمسيس الثالث ص 357- 359، و كذا, OA, ynreC. J 177- 173. p، 1933، 6. و كذا, EAL, namrE. A 95. p، 1927.

مكان، و هكذا كانت النقمة عامة، و كان بلاء من السماء، لم يصب الطبقة الحاكمة وحدها، و إنما شمل الناس جميعا، بما فيهم الكهنة و عامة الناس (1)، و صدق اللّه العظيم حيث يقول: وَ اتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً، وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (2).

و مع ذلك فقد ظل فرعون على عناده و كفره و كبريائه، فدعا موسى على فرعون و ملئه، و استجاب اللّه لدعاء نبيّه الكريم و أخذ فرعون و قومه ببعض ذنوبهم، لعل فرعون يرعوي و يؤمن بموسى و رسالته، و يطلق بني إسرائيل من أسره، غير أن ذلك لم يزده إلا تجبرا و تكبرا، فيعلن للملإ: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي، فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَ إِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ (3)، و لعل من الأهمية بمكان أن نقف قليلا عند هذه الآية الكريمة، ذلك أن ما عرف عن فراعين مصر، و ما تشهد به اليوم آثارهم، أنهم إنما كانوا ينشئون، ما شاءوا، من الحجر، و هو كثير وافر يغنيهم عما سواه، إن أرادوا لما ينشئون الدوام و طول البقاء، فكانوا يتخذون منه المعابد و المسلات و القبور، و لم يصطنعوا الطوب المحروق، و لغير ذلك كانوا يتخذون اللبن من طين غير محروق، فكانوا يتخذون منه بيوتهم، سواء أ كانت للعلية من القوم و الملوك، أم للعامة و غمار الناس، و ربما تردد القارئ غير المسلم فيما يسمع من قول اللّه في أمر فرعون أن يوقد له هامان على الطين، و قد عرف أن المصريين فيما خلفوا من آثارهم لم يتخذوا الآجر المحروق في البناء قبل عصر الرومان (4).

ص: 210


1- عبد الرحيم فودة: المرجع السابق ص 183- 184.
2- سورة الأنفال: آية 25.
3- سورة القصص: آية 38، و أنظر: سورة غافر: آية 36.
4- أحمد عبد الحميد يوسف: المرجع السابق ص 137- 138.

و هنا لعلنا نتساءل: ما ذا عن الطوب المحروق الذي جاء في الآية الكريمة على عهد فرعون موسى، و قد سبق عصره عصر الرومان بما لا يقل عن ألف من الأعوام؟

يروي الإمام الطبري في تاريخه عن قتادة أن فرعون موسى كان أول من طبخ الآجر ليبني به الصرح، و روى الإمام النسفي في تفسيره لقوله تعالى: فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ، أي أطبخ لي الآجر و أتخذه، و إنما لم يقل مكان الطين هذا لأنه أول من عمل الآجر، فهو يعلمه الصنعة بهذه العبارة، و لأنه أفصح و أشبه بكلام الجبابرة، إذ أمر هامان وزيره بالإبقاء على الطين فنادى باسمه ب «يا» في وسط الكلام، دليل التعظم و التجبر، و روى القرطبي عن حبر الأمة و ترجمان القرآن، عبد اللّه بن عباس، رضي اللّه عنهما، أن فرعون موسى إنما كان أول من صنع الآجر و بنى به، و روى عن الإمام السيوطي في تفسيره عن ابن أبي حاتم عن قتادة: كان فرعون أول من طبخ الآجر و صنع له الصرح، و أخرج ابن المنذر عن ابن جريح قال:

فرعون أول من صنع الآجر و بنى به، و أخرج عبد بن حميد و ابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله: «فأوقد لي يا هامان على الطين» قال: أوقد على الطين حتى يكون آجرا، و قال الإمام البيضاوي: أول من اتخذ الآجر فرعون، و لذلك أمر باتخاذه على وجه يتضمن تعليم الصنعة، مع ما فيه من تعظيم، و لذا نادى هامان باسمه بيا في وسط الكلام (1)، و من ثم فأكبر الظن أن المفسرين، كما بدا لنا من قبل، قد كانوا يستندون إلى طائفة من الخبر الصحيح كانت بين أيديهم، و أن اختلط كذلك بما لا قيمة له من الأوهام، كحديثهم عن أصل فرعون موسى هذا (2).

ص: 211


1- تفسير النسفي 3/ 237، تفسير الدر المنثور 5/ 129، تفسير القرطبي ص 5004، تفسير البيضاوي 4/ 128، تاريخ الطبري 1/ 405.
2- يروي المفسرون عن فرعون موسى حكايات أشبه بالأساطير منها بحقائق التاريخ، فهو، فيما يزعمون، الوليد بن مصعب أو مصعب بن ريان أو هو قنطورس أو قابوس، و كنيته أبو مرة، و هو مصري أو هو من بني عمليق و من يقايا عاد، على أن أسوأ ما في هذه الأساطير أن يكون فرعون مصر، (أعظم دول العالم وقت ذاك، و أعرقها حضارة و أرسخها ملكا، و أقدمها عرشا، بل و يكاد الوحيد، فيما نعلم، في كل تاريخ النبوات الذي أرسل إليه نبيّين، و ليس نبيا واحدا) فرعون مصر هذا، فيما يزعم المفسرون، كان فارسيا من إصطخر أو أصفهان، و كان عطارا ركبته الديون فأفلس، فخرج إلى الشام فلم يتسن له المقام، فدخل مصر، و رأى في ظاهره حملا من البطيخ بدرهم، و في نفسه بطيخة بدرهم فخرج إلى السواد فاشترى حملا بدرهم، و توجه إلى السوق فكل من لقيه من المكاسين أخذ منه بطيخة، فدخل مصر و ما معه إلا بطيخة فباعها بدرهم، و رأى أهل البلد متروكين سدى لا يتعاطى أحد سياستهم (تصور هذا في عصر الإمبراطورية و في وقت كانت مصر تحكم فيه الشرق، و كان ملكها سيد الملوك طرا، لأنه أعظمهم و أغناهم و أقواهم) فتوجه نحو المقابر فرأى ميتا يدفن فتعرض لأوليائه، على أنه أمين المقابر، و منعهم من دفنه حتى يدفعوا خمسة دراهم، فدفعوها، و كذا فعل آخرون، حتى جمع في ثلاثة أشهر مالا عظيما، ثم تعرض له يوما أحد أولياء متوفى و ذهبوا به إلى فرعون، فسأله: من أنت و من أقامك بهذا المقام، فقال لم يقمني أحد، و إني فعلت ذلك لأحضر إلى مجلسك، فأنبئك إلى اختلال حال قومك، و قد جمعت بهذا الطريق هذا المال و أحضره و دفعه إلى فرعون، ثم قال ولني أمورك ترني أمينا فولاه فسار بهم سيرة حسنة فانتظمت مصالح العسكر و استقامت أحوال الرعية و لبث فيهم أمدا طويلا، و ترامى أمره بالعدل و الصلاح (و بدهي أن المفسرين تأثروا في هذا بقصة يوسف عليه السلام) فلما مات فرعون أقامه مقامه، فكان من أمره ما كان، و كان فرعون يوسف ريان، و كان بينهما أكثر من أربعمائة عام (و لا تعليق على هذه الأساطير سوى أنها تدل على جهل فاضح بالتاريخ المصري القديم). و على أية حال، فلقد ذهب الزمخشري إلى فرعون اسم علم لمن ملك العمالقة، كقيصر لملك الروم و كسرى لملك الفرس. و لعتو الفراعنة اشتقوا تفرعن إذا عتا و تجبر (تفسير الكشاف 1/ 102، الدر المنثور 3/ 105، روح المعاني 1/ 253، تفسير أبي السعود 1/ 172.

و مهما يكن من أمر، فلقد أعثرتنا الأحافير على ما يوافق أقوال المفسرين من حيث البناء بالآجر، فلقد عثر «بتري» على طائفة من غير مألوف المصريين من الآجر المحروق، بنيت به قبور، و أقيمت به بعض من أسس المنشآت، ترجع إلى عصور الفراعين: رعمسيس الثاني و مرنبتاح و سيتي

ص: 212

الثاني، من الأسرة التاسعة عشرة (1308- 1184 ق. م)، و كان عثوره عليها في «نبيشة» و «دفنة» غير بعيد من «بي رعمسيس» (قنيتر) عاصمة هؤلاء الفراعين في شرق الدلتا، و قال «بتري» في ذلك: إن حرق اللبن قد ظل نادرا إلى عصر الرومان، و هو قول لا يكاد يخالف قول المفسرين من بدء اتخاذ الآجر المحروق، على عهد فرعون موسى، و هو كذلك من قرائن القرآن الكريم التي نتخذها مطمئنين في تحديد عصر خروج بني إسرائيل من مصر، و بأنه كان على أيام الأسرة التاسعة عشرة التي بدأت، كما أثبتت الحفائر، و ألمع القرآن الكريم، تصطنع في بنائها الآجر المحروق (1).

[3] ألوهية الفرعون المزعومة:-
اشارة

لعل من الأهمية بمكان الإشارة هنا، و قبل أن نترك موضوع موسى و فرعون، أن نشير إلى «ألوهية الفرعون المزعومة» التي رأيناها موضوع جدل شديد بين النبي الكريم و الملك الفرعون بل هي الصخرة التي تحطمت عليها، فيما نعتقد، كل أوجه التقارب بينهما، و مما يزيد الأمر أهمية أننا لا نعرف في تاريخ النبوات، دعوة يتعرض صاحبها لزعم كذوب ممن أرسل إليه، على أنه إله للناس، بل إن الفرعون إنما يهدد النبي الكريم نفسه قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (2)، ثم يعلن للناس عامة ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي (3)، و عند ما يتقدم له موسى عليه السلام بمعجزات تدل على صدق رسالته، إذا به يرفض الدعوة كلها ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى فَحَشَرَ فَنادى فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى (4).

ص: 213


1- أحمد عبد الحميد يوسف: المرجع السابق ص 138، و كذا. p, henefeD dna hehsebN, eirteP. F. M. W 47، 19- 18.
2- سورة الشعراء: آية 29.
3- سورة القصص: آية 38.
4- سورة النازعات: آية 22- 24.
فما قصة ألوهية فرعون هذه:

يحدثنا التاريخ أن مؤسس الأسرة المصرية الأولى، استطاع أن يكوّن لمصر حوالي عام 3200 قبل الميلاد، حكومة مركزية قوية ثابتة الأركان، كان على رأسها «الملك المؤله» الذي استطاع أن يجمع بين يديه كل السلطات، حكومة كان الملك فيها هو المحور، بل هو الروح التي تبعث الحياة في الدولة هو المحور، بل هو الروح التي تبعث الحياة في الدولة، و كل ما يحدث فيها و حي منه، على أسس دينية عميقة الأثر، فهو «الإله الأعظم»، و هو «الإله الصقر حور»، الذي تجسم في هيئة بشرية، و لهذا فهو- في نظر رعاياه- إله حي على شكل إنسان، يتساوى مع غيره من الآلهة الأخرى فيما لها من حقوق، و من ثم فله حق الاتصال بهم، و له على شعبه- ما لغيره من الآلهة- من التقديس و المهابة (1).

و من هنا كان الأساس السياسي و الاجتماعي الذي قامت عليه الحضارة المصرية، هو التأكيد كل التأكيد، بأن مصر يحكمها إله، و أن هذا الإله الجالس على العرش غير محدود المعرفة و المقدرة، و أنه على علم بكل ما يدور في أرض الكنانة، و من هنا كان من الصعب أن نفرق بين الملك و الدولة، إذ كانت كلمته قانون، و رغبته أمر، و رعيته ملك يمينه، يتصرف فيها كيف شاء، و متى شاء (2).

و قد اختلف المؤرخون فيما بينهم في كيفية إيمان المصريين بأن الجالس على العرش إله يحكم بشرا؟ و كيف أصبحت ألوهية الفرعون عقيدة الدولة الرسمية، فهناك من يرى أنها إنما كانت وليدة أسباب انتصاره على

ص: 214


1- محمد بيومي مهران: التنظيم السياسي في مصر و العراق القديم ص 4 (الإسكندرية 1970)، الحضارة المصرية- الإسكندرية 1984 ص 99- 115.
2- محمد بيومي مهران: حركات التحرير في مصر القديمة، القاهرة 1976 ص 17.

منافسيه. ثم اصطناعه صفات إلهية، حتى غدا إلها بين الآلهة (1)، و من يرى أن الصعاب التي لاقاها مؤسسوا الوحدة دافعا للقول بأن مصر يحكمها إله، تتمثل فيه القوى التي تهيمن على القطرين (الصعيد و الدلتا)، بل إنه أدعى منذ الأسرة الخامسة بأنه الابن الشرعي لإله الشمس «رع»، أعظم الآلهة طرا و سيدهم، و بذلك تمكن الملك من أن يتباعد بنفسه عن أن يكون من البشر، و عن أن يكون منتسبا لأي جزء من أجزاء مصر، و من ثم فقد انتفت حجة الوجه البحري في معارضته في أن يحكمه رجل من الصعيد (2).

و هناك وجه آخر للنظر، يذهب إلى أن المصري كان لا يحس بضرورة تحديد الأنواع تحديدا صريحا، فقد سهل عليه أن ينتقل من البشري إلى الآلهي براحة تامة، و أن يقبل العقيدة التي تنص على أن الفرعون الذي كان يعيش بين الناس كأنما هو من لحم و دم إنساني، كان في الحقيقة إلها تكرم فأقام فوق الأرض ليحكم أرض مصر، و من ثم فإن طريقة التفكير هذه، فيما يرى جون ويلسون- بجانب العوامل الجغرافية- إنما كانت سببا في عقيدة الملكية الإلهية، التي ربما كانت سهلة و طبيعية بالنسبة للمصريين، و ربما كانت متأصلة الجذور منذ أيام ما قبل التاريخ (3).

و هناك رأي رابع، يجعلها نتيجة أسباب دينية، ذلك أن المصريين القدامى إنما كانوا يعتقدون- كما تروي الأساطير- أن آلهة التاسوعيين قد حكموا الواحد تلو الآخر على الأرض في مصر ذاتها، قبل أن يعرجوا إلى السماء- أو فيما يختص بالذين ذاقوا الموت قبل أن يهبطوا إلى الجحيم-

ص: 215


1- نجيب ميخائيل: مصر و الشرق الأدنى القديم- الجزء الرابع- ص 74 (الإسكندرية 1966.
2- عبد المنعم أبو بكر: تاريخ الحضارة المصرية- العصر الفرعوني، النظم الاجتماعية- القاهرة 1962 ص 111.
3- . p, tic- po, nosliW. A. J 47، 45.

و كانت القوائم الملكية تبدأ بهم، بل و تحدد عدد سنى حكمهم- كما تفعل بردية تورين- و قد ترك «أوزير» آخر الآلهة العظام، لابنه حور ملك مصر، و من «حور» هذا تحدر في زعمهم كل ملوك مصر، و بناء على ذلك، فإن حتى الملك يقوم على طبيعته الإلهية التي كانت تنتقل مع الدم، و في عهد الأسرات الأولى لم تكن ألوهية الملك مؤكدة إلا لتسلسله من «حور» إله الأسرة بغض النظر عن أية مؤلفة دينية (1).

و تذهب وجهة النظر الخامسة إلى أن ألوهية الفرعون إنما تتصل اتصالا وثيقا بالعناصر الأساسية التي شكلت المبادئ و القيم المصرية منذ البداية، و تتركز تلك العناصر بصفة خاصة على تأثر الإنسان بكافة المقومات البيئية المحلية في مصر تأثرا كاملا بطريق مباشر أو غير مباشر، فقد بدأ الإنسان حياته المستقرة بالزراعة، و نشأ لأول مرة المجتمع الزراعي المستقر و المعتمد على ضمان توفير مياه الري و مساعدة العوامل الطبيعية المختلفة اللازمة للإنتاج الزراعي السليم، ثم سرعان ما أدرك الإنسان ضرورة ضمان ذلك الاستمرار حتى يطمئن على حياته المستقلة، و في نفس الوقت آمن بالظواهر الطبيعية المحيطة به و المسيطرة على تلك البيئة، و شعر بارتباط حياته و مستقبله بتلك القوى الكونية المسيطرة على هذا العالم، و قد اعتبر الملك أحق من يقوم بوظيفة الوساطة بين الإنسان و الآلهة، حتى يستطيع أن يضمن رضى تلك القوى على الإنسان، و بالتالي اطمئنانه على حياته الحاضرة و المستقبلة، و لذلك ارتبط ملوك مصر بعالم الآلهة ارتباطا كبيرا لم يألفه المؤرخ في أنظمة الحكم الأخرى في منطقة الشرق الأدنى القديم (2).

ص: 216


1- أيتين دريوتيوجاك فانديه: مصر، ترجمة عباس بيومي، القاهرة 1950 ص 90- 91.
2- رشيد الناضوري: جنوب غربي آسيا و شمال إفريقيا- الكتاب الأول- بيروت 1968، ص 282- 283.

و هكذا نرى العلماء يختلفون في تفسيرهم لألوهية الملك المصري، و كيف نشأت؟ و كيف اقتنع المجتمع المصري و آمن بألوهية ملوكه؟

و إذا أردنا مناقشة هذا كله، لرأينا أن الأسباب العسكرية لا تستطيع وحدها أن تصل بالمغلوبين إلى الإيمان بألوهية ملوكهم، ذلك لأن الغزو قد يجبر قوما على الخضوع لآخرين، و قد يجعل من زعيم المنتصرين «دكتاتورا» يأمر فيطيع المغلوبين، و لكنه لا يجعل منه- بحال من الأحوال- إلها يؤمن الناس به، كواحد من آلهتهم الأخرى، و حتى لو آمنوا به في فترة الغزو- و في أعقابه لفترة ما- فكيف تسنى لملوك مصر أن يجعلوا من ألوهيتهم عقيدة يؤمن بها الناس حتى نهاية العصور الفرعونية.

و أما النظرية التي تجعل الصعاب التي لاقاها مؤسسوا الوحدة دافعا إلى القول بأن مصر يحكمها إله تتمثل فيه القوى التي تهيمن على القطرين، فقد يكون الأمر كذلك إلى حد ما، و في هذه الحال، فإن توطيد هذا المبدأ في جميع أنحاء البلاد إنما احتاج إلى وقت طويل، حتى قبل القوم أن ذلك الإنسان الذي يحكمهم ليس بشرا، بل هو من نوع آخر، فلدينا ما يثبت أن الوحدة التي قامت في أول عصر التأسيس لم يكتب لها البقاء طويلا، و إنما إنهارت في النصف الثاني من عصر الأسرة الثانية، إذ تدلنا آثار الملك «خع سخم»- و التي تقتصر على مدينة «نخن»- على مدى جهوده في استرجاع الدلتا، و توطيد الوحدة، و القضاء على الفتنة، الأمر الذي تمّ على يد خلفه «خع سخموي».

و أما الرأي الذي جعل من العوامل الجغرافية- إلى جانب طريقة التفكير المصري- سببا في الإيمان بألوهية الفرعون، فإنها تضعف كثيرا، إذا ما تذكرنا أن ألوهية الملك المصري إنما كانت مرتبطة إلى حد كبير بتقدم البلاد و ازدهارها- و ليس بالعوامل الجغرافية فيها، و أن أية فترة من الفترات

ص: 217

التي كان يضعف فيها الحكم، كان القطران ينفصلان بعضهما عن البعض الآخر، و لم يمسك عليهما وحدتهما إلا اعتمادهما المشترك على مياه النيل.

و أما ذلك الرأي الذي أرجعها لأسباب دينية، فهو في الواقع إنما يعتمد على الأساطير- أكثر من اعتماده على الأدلة التاريخية- إذ لو كان الأمر كذلك، و كان مؤسس الوحدة معترفا بألوهيته على اعتبار أنه سليل الإله «حور»، لما احتاجت الوحدة إلى كل هذه الحروب التي خاضها أبطال التوحيد، من أمثال «عقرب» و «عحا»، و لما احتاجت كذلك إلى جهود خلفائهم بعد النكسة التي أصيبت بها الوحدة في عصر الأسرة الثانية.

و أما النظرية الاقتصادية، فرغم أهمية ضمان توفير الأمن الاقتصادي و غيره من مظاهر الاستقرار في المجتمع، على أساس إمكان توسط الفراعنة بعد حملهم لتلك الصفة الإلهية من أجل تحقيق ذلك، فإن ذلك الأمر ليس بكاف لتعليل إيمان المصريين بألوهية ملوكهم، إذ لو كان الأمر كذلك، لكان ملوك العراق القديم أحق بالألوهية من ملوك مصر، فبلاد الرافدين إنما كانت معرضة بصورة مستمرة ببتقلبات الجوية التي تحول دون الاستقرار و الطمأنينة، مما أدى إلى تعدد القوى الإلهية، و ظواهر التنبؤ و التمائم، بينما كانت البيئة المصرية مطمئنة إلى حد كبير (1).

و من ثم، فالرأي عندي: أن هذه الأسباب مجتمعة هي التي عملت على تأليه الفرعون في أرض الكنانة، و ربما كانت هناك فكرة أصيلة عن الملكية الإلهية في مصر، و لكنها فكرة غير منتظمة، ثم جاءت الأسرة الأولى و انتهزت فرصة وجود هذا الرأي لتأييد النظام الجديد، فرفعت الفرعون من رتبة بشر متميز- من الجائز أن ينازعه في سلطانه بشر آخر متميزون و أقوياء- إلى مرتبة «إله» لا يمكن منازعته، و هكذا كانت عقيدة الملكية الإلهية، كما

ص: 218


1- رشيد الناضوري: التطور التاريخي للفكر الديني ص 161، 163.

نعرفها قد صيغت و عدلت كثيرا، ثم وجدت قبولا رسميا في أوائل أيام الأسرات، و هذا قول لا يمكن إثباته بالتأكيد، و لكننا نستطيع القول أن العوامل الاقتصادية. و حاجة الناس إلى وسيط يكون بينهم و بين آلهتهم، لتحقيق ما يمكن أن نسميه «بالأمن الوقائي» ضد كل ما يصيبهم بأذى من قريب أو بعيد، ثم بدأ الملوك ينسبون أنفسهم- بعد قيام الوحدة و إخضاع الدلتا- إلى الإله «حور»، خليفة أبيه «أوزير»- آخر الآلهة العظام الذين حكموا مصر في عصور ممعنة في القدم- و منذ الأسرة الخامسة (حوالى عام 2480 ق. م)، يصبح الملوك أبناء للإله «رع» من صلبه، و في عصور تالية، و حين يصبح آمون- سيد الآلهة و كبيرهم- يصبحون أبناء له.

و لعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن ألوهية الفرعون لم تكن بمعنى أنه خالق الكون و مدبره أو أن له سلطانا في عالم الأسباب الكونية، إنما كان يدعي الألوهية على شعبه، بمعنى أنه حاكم هذا الشعب بشريعته و قانونه، و أنه بإرادته و أمره تمضي الشئون و تقضي الأمور، كما أشرنا من قبل، كذلك لم يكن الناس، في مصر يتعبدون إلى فرعون بمعنى تقديم الشعائر التعبدية له، فقد كانت لهم آلهتهم، كما كان لفرعون نفسه آلهته التي يعبدها كذلك، كما هو ظاهر، من قول الملأ له «و يذرك و آلهتك»، و كما يثبت ذلك تاريخ مصر في العصور الفرعونية، و من هنا فإن هذا الملك المؤله لم تكن تقام له المعابد، كما كانت تقام لغيره من الآلهة، كما لم تكن تقدم له القرابين (1)، و أن تسميته بالإله العظيم لم تقف حائلا، دون أن تكون له شخصية بشرية، و أن طبيعته لم تمنع القوم من أن ينظروا إليه كحاكم بشري، له أملاكه الخاصة و مخازنه و دواوينه الخاصة. ).

ص: 219


1- قارن حالات: أمنحتب الثالث و رعمسيس الثاني و الثالث (محمد بيومي مهران- الحضارة المصرية- الإسكندرية 1984 ص 128).

و بدهي أنه في مقابل هذه الحقوق التي كان يتمتع بها الفرعون، كان عليه عدة واجبات، فهو المسئول عن مصر و حماية حدودها من غارات الشعوب المجاورة الطامعة في خيراتها، و هو الذي يعمل على تدعيم العدالة و نشر لواء الحور بين أفراد شعبه، و هو المسئول عن تأمين وسائل الحياة للمصريين بحفر الترع و إقامة الجسور ليتيسر فلاحة الأرض و زراعتها، كما كان عليه حماية المدن من غائلة الفيضان، و تشجيع الصناع و الفنانين، فضلا عن إقامة المعابد للآلهة و تقديم القرابين لها، فإن أهمل واجباته، كلها أو بعضها، فقد قدسيته، و من ثم يحور لغيره من الآلهة ألا يعترفوا به كواحد منهم، و هكذا يبدو أن الملكية، و إن أفاءت على الملك القداسة و الألوهية، فهي في الوقت نفسه، قد حددت من سلطانه، بما فرضت عليه من واجبات.

و من هنا فإن القوم في عصر الثورة الاجتماعية الأولى، و قد تدهورت أحوال البلاد الداخلية و الخارجية، فضلا عن ظهور اللامركزية منذ أخريات الدولة القديمة، لم يعودوا ينظرون إلى ملوكهم تلك النظرة التي كان أسلافهم ينظرون بها إلى ملوك الأسرة الرابعة مثلا، الأمر الذي أدى إلى التقليل من هالة التقديس التي كان يحاط بها الملك أو يحيط بها نفسه، و هكذا لم يعد الملك ذلك الإله المترفع و الحاكم الجبار فوق البشر، و الذي يرجو رعاياه عطفه و رضاه، و إنما أصبح شخصا غير معصوم يتحدث عن ضعفه و عن خطاياه، كما يتحدث الآخرون من رعاياه، بل إننا نرى في هذا العصر الحكيم «إيبو- ور» يتهم الفرعون بأنه سبب الفوضى و الاضطرابات التي سادت في البلاد، فرغم أنه قد أعطي الحكمة و السلطة، فقد بقي في قصره يحيط نفسه بمجموعة من المنافقين، حتى ساءت الحال و فقد الناس الأمن و الأمان، ثم يبلغ به العنف أشده حتى يتمنى للملك أن يذوق البؤس بنفسه، و حين يرد الفرعون بأنه حاول جهده أن يحمي شعبه، يتهمه «إيبو- ور» بالجهل و عدم الكفاءة للمنصب الخطير، ثم يرسم له صورة الملك

ص: 220

الأمثل بأنه الحاكم العادل الكف ء الذي لا يحمل في قلبه شرّا لرعيته، و يعمل جهده على جمع كلمتها و توحيد صفوفها، إنه كالراعي يصرف يومه في جمع قطيعه بعضه إلى بعض، و من ثم فإن الثورة رغم أنها أبقت على مبدأ الملكية الإلهية، فإنها في الوقت نفسه نادت بحقوق الأفراد و بالعدالة الاجتماعية مما جعل الملك المؤله راعيا لشعبه يسهر على مصالحهم و يضني نفسه في سبيل سعادتهم، و هكذا لم يعد الملك ذلك الحاكم الجبار، فوق البشر، و إنما غدا إنسان له ما للإنسان من ضعف و نزوات، و حاكما يعمل لخير شعبه، و يجهد نفسه على أن يكون دائم اليقظة، حتى لا يؤخذ على غرة، شأنه في ذلك، شأن أي إنسان، قد يفعل الخير فيجد خيرا، و قد لا يجد سوى الشر.

هذا و قد أشرنا من قبل عن أن مصر لم تكن أبدا تعرف عبادة الملك الحي طوال العصور الفرعونية، و إن حاول ذلك «أمنحتب الثالث»، و على استحياء شديد في النوبة، و ليس في مصر نفسها، ثم حاول كذلك رعمسيس الثاني في معابده التي أقامها في النوبة للآلهة المصرية و في «هربيط» و كانت مدينة عسكرية، ثم رعمسيس الثالث في منف و في العاصمة «بي رعمسيس»، و إن لم تشر سجلات عصره في بردية هاريس و مدينته هابو إلى ذلك أبدا (1).).

ص: 221


1- أنظر عن الموضوع و المراجع (محمد بيومي مهران: الثورة الاجتماعية الأولى، الإسكندرية 1966 ص 190- 240، الحضارة المصرية- الإسكندرية 1984 ص 97- 128).

ص: 222

الباب الثاني خروج بني إسرائيل من مصر
اشارة

ص: 223

ص: 224

الفصل الأول الخروج- أسبابه و تاريخه و مكانه
[1] أسباب الخروج:

يختلف العلماء في أسباب خروج بني إسرائيل من مصر، أو طردهم منها، و لعل السبب في ذلك تناقض نصوص التوراة بشأنها، فهي تصوره، و كأنه إضراب عن العمل، و من ثم فإنها تتحدث عن تمرد العمال العبرانيين على رؤسائهم المصريين، كما تتحدث عن تكاسلهم عن القيام بواجباتهم بسبب رغبتهم في الخروج إلى البرية ليذبحوا للرب إلههم، و لكن فرعون يرفض ذلك (1)، الأمر الذي دفع «وارد» إلى القول بأن الخروج لم يكن إلا إضرابا عن العمل (2)، و يذهب «كيلر» إلى أن الإسرائيليين إنما كانوا يكوّنون رصيدا هائلا من الأيدي العاملة الرخيصة، و الأجنبية كذلك، و ما كان المصريين براغبين في تركهم يخرجون من البلاد (3)، في فترة البناء النشطة في عهد رعمسيس الثاني (1290- 1224 ق. م) و الذي كان اهتمامه مركزا في الدلتا الشرقية، و من هنا حاول الإسرائليون الهروب ضد رغبة المصريين (4)،

ص: 225


1- خروج 5/ 4- 5.
2- ول ديورانت: قصة الحضارة 2/ 326، و كذا. p, II, ylwoL tneicnA, draW 76.
3- , yrotsiH sa elbiB ehT, relleK. W 123. p، 1967.
4- , nodnoL, learsI fo yrotsiH ehT, htoN. M 114. p، 1965.

على أن هناك من يذهب إلى أن مصر عند ما قررت التوسع شرقا إلى بابل، رأت أنه من ضروريات السياسة الجديدة إقرار البدو نشرا للأمن، فضلا عن الاستقرار، فشق هذا الوضع الجديد على بني إسرائيل الذين كانوا ينزلون «وادي جوشن» من عهد يوسف عليه السلام، كبدو يروحون و يغدون، و هم بحكم هذا الضرب من الحياة تغلب عليهم النزعة الفردية، و ينفرون من الملكية الجماعية، و من ثم فقد تمردوا مفضلين البداوة و الترحال، على الحضارة و الاستقرار (1).

على أن هناك وجها آخر للنظر، يذهب إلى أن الخروج إنما قد تم برغبة المصريين، ذلك لأن الطاعون قد انتشر بين الإسرائيليين، مما اضطر المصريون إلى أن يتركونهم يخرجون حتى لا ينتشر الوباء بين المصريين أنفسهم، و لعل هذا الرأي إنما يتفق مع ما رواه «يوسف اليهودي» نقلا عن مانيتو، من أن خروج بني إسرائيل من مصر، إنما كان رغبة من المصريين في أن يتقوا وباء فشا بين اليهود المستعبدين المملقين، و أن موسى نفسه إنما كان كاهنا مصريا خرج للتبشير بين اليهود المجذومين، و أنه علمهم قواعد النظافة على نسق القواعد المتبعة عند الكهنة المصريين، هذا فضلا عن أن المؤرخين الأغارقة و الرومان إنما يفسرون قصة الخروج على هذا النحو (2).

و لعل الوصول إلى رأي في المشكلة يقرب من الصواب، أو يكاد، من وجهة نظر التوراة، إنما يتطلب منا الرجوع إلى نصوص التوراة نفسها، و بخاصة فيما يتصل بدعوة موسى عليه السلام، و هل كانت لهداية المصريين و الإسرائيليين سواء بسواء، أم أنها كانت تهدي إلى إخراج بني إسرائيل من

ص: 226


1- فؤاد حسنين: إسرائيل عبر التاريخ 1/ 54- 55.
2- ول ديورانت: المرجع السابق ص 326، و كذا ,nmdnoL ,yrutneC hthgiE eht fo elddiM eht ot sgninnigeB sti morF ,learsI ,sdoL .A 168. p، 1962.

مصر فحسب، و من هنا لعلنا نعرف قدر الطاقة، هل خرج بنو إسرائيل من مصر راغبين أم مكرهين؟

إن التوراة تزخر بالنصوص التي تدل على أن دعوة موسى عليه السلام، إنما كانت تهدف إلى إخراج بني إسرائيل من مصر، و إطلاق سراحهم من عبودية المصريين، يبدو هذا واضحا خاصة من الإصحاحات العشرة الأولى من سفر الخروج (1)، و من ثم فالهدف من دعوة موسى، كما تصورها التوراة، إنما هو إخراج بني إسرائيل من مصر، و أن يقيهم شر العذاب المهين الذي كانوا يتعرضون له في أرض الكنانة.

و لعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن القول بأن موضوع رسالة موسى إنما كان إطلاق بني إسرائيل من عبودية فرعون و قومه، إنما هو أمر يقرره القرآن الكريم في عدة سور، من ذلك قول اللّه تعالى: وَ قالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ، حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ (2)، و قوله تعالى:

فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَ لا تُعَذِّبْهُمْ (3)، و قوله تعالى: فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ، أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ (4)، و يقول صاحب الظلال: و واضح من هذا أن موسى عليه السلام لم يكن رسولا إلى فرعون و قومه ليدعوهم إلى دينه و يأخذهم بمنهج رسالته، إنما كان رسولا إليهم ليطلب إطلاق بني إسرائيل ليعبدوا ربهم كما يريدون، و قد كانوا أهل دين منذ أبيهم إسرائيل، و هو يعقوب أبو يوسف

ص: 227


1- أنظر: خروج 3/ 7- 11، 5/ 1- 5، 10- 13، 26- 7/ 2- 5، 14، 8/ 1- 2، 20- 32، 9/ 1- 2، 13، 17، 28، 35، 10/ 3، 7- 11، 20.
2- سورة الأعراف: آية 104- 105.
3- سورة طه: آية 47.
4- سورة الشعراء: آية 16- 17.

عليهما السلام، فبهت هذا الدين في نفوسهم، و فسدت عقائدهم، فأرسل اللّه إليهم موسى لينقذهم من ظلم فرعون، و يعيد تربيتهم على دين التوحيد، و يقول في مكان آخر من تفسيره أن موضوع رسالتهما (أي موسى و هارون) فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَ لا تُعَذِّبْهُمْ، ففي هذه الحدود كانت رسالتهما إلى فرعون، لاستنقاذ بني إسرائيل، و العودة بهم إلى عقيدة التوحيد، و إلى الأرض المقدسة التي كتب اللّه لهم أن يسكنوها إلى أن يفسدوا فيها فيدمرهم تدميرا (1).

و يقول أبو حيان في بحره المحيط في تفسير آية الأعراف (105) لم يطلب موسى من فرعون في هذه الآية إلا إرسال بني إسرائيل معه، و في غيرها دعاه إلى الإقرار بتوحيد اللّه و ربوبيته، قال تعالى: فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى، وَ أَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى (2)، و كل بدعوته إلى توحيد اللّه، و قوله تعالى حكاية عن فرعون: فَقالُوا أَ نُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَ قَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ (3) فهذا و نظائره دليل على أنه طلب منه الإيمان، خلافا لمن قال إن موسى لم يدعه إلى الإيمان، و لا إلى التزام شرعه، و ليس بنو إسرائيل من قوم فرعون و لا من المصريين (القبط)، أ لا ترى أن بقية المصريين، و هم الأكثر، لم يرجع إليهم موسى (4).

و عودا على بدء، عودا إلى التوراة، حيث نرى اتجاه النصوص يتغير عند ما يعلن فرعون موافقته على رغبة موسى بإطلاق الرجال من بني إسرائيل ليعبدوا للرب إلههم في البرية، غير أن موسى لا يرضى إلا أن يخرج

ص: 228


1- في ظلال القرآن 4/ 2337، 5/ 2590.
2- سورة النازعات: آية 18- 19.
3- سورة المؤمنين: آية 47.
4- تفسير البحر المحيط 4/ 356.

الإسرائيليون جميعا، بل حتى الغنم و البقر، و هنا يرفض الفرعون، و إن كان لا يمضي طويل وقت حتى يوافق على خروج بني إسرائيل جميعا، و إن استثنى من ذلك الأغنام و الأبقار، غير أن موسى لا يقبل إلا بخروج أغنامهم و أبقارهم معهم، لأن بني إسرائيل، فيما ترى توراتهم، ما كانوا بقادرين على عبادة ربهم بدون مواشيهم (1)، و يصر الفرعون على رأيه، و هنا تبدأ التوراة لا تتحدث عن خروج بني إسرائيل من مصر، و إنما تتحدث عن طردهم (2)، كما تبدأ النصوص التوراتية تخطط لسرقة المصريين (3)، و عن البلاياء التي نزلت بمصر مما اضطر فرعون إلى أن يوافق على خروج الإسرائيليين بأغنامهم و أبقارهم (4)، و هنا لا يتورع كتبة التوراة أن يدونوا في نصوصها أن مشروع سرقة المصريين الذي كان قد دبر بليل، إنما قد تم تنفيذه الآن «و أعطي الرب نعمة للشعب في عيون المصريين حتى أعاروهم، أمتعة فضة و أمتعة ذهب، فسلبوا المصريين (5)»، و أن هذا قد تم برضى من موسى و بأمر منه، و في الحقيقة أن الإساءة إلى الأنبياء الكرام من بني إسرائيل أنفسهم، أمر معروف في التوراة، و نظائره كثيرة.

و أيا ما كان الأمر، فإن نصوص التوراة تشير إلى أن الخروج إنما قد تم بأمر فرعون و موافقته، بل إنها تشير صراحة إلى أن بني إسرائيل قد أكرهوا على الخروج من مصر (6)، أو على الأقل، فإنهم لم يكونوا جميعا راضين عن الخروج، إذ وافق عليه فريق، و أنكره آخرون، إلا أن الغلبة إنما كانت

ص: 229


1- خروج 10/ 9- 11، 24- 26، 11/ 1- 2.
2- خروج 6/ 1.
3- خروج 11/ 1- 3.
4- خروج 12/ 29- 33.
5- خروج 12/ 34- 36.
6- خروج 12/ 39.

للأولين على الآخرين، و من هنا فإن اللّه لم يهدهم إلى أقرب الطرق إلى كنعان «لئلا يندم الشعب إذا رأوا حربا و يرجعوا إلى مصر (1)»، بل إن هناك نصوصا توراتية تقرر أن بني إسرائيل إنما كانوا يعارضون فكرة الخروج من مصر منذ أن عرضها عليهم موسى، بادئ ذي بدء، و أنهم حين خرجوا منها، سواء أ كان ذلك بأمر فرعون أو بتحريض من موسى، فقد كانوا لذلك من الكارهين، و من هنا فقد كثرت ثوراتهم على موسى في سيناء، بل حتى و هم على أبواب كنعان، حيث نادوا بخلع موسى، و المناداة برئيس جديد يستطيع أن يعود بها إلى أرض الكنانة «أ ليس خيرا لنا أن نرجع إلى مصر، فقال بعضهم لبعض نقيم رئيسا و نرجع إلى مصر (2)».

على أن آي الذكر الحكيم إنما تقرر أن الخروج من مصر، إنما كان بوحي من اللّه تعالى إلى موسى عليه السلام، قال تعالى: وَ لَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً وَ لا تَخْشى (3)، و قال تعالى: وَ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (4)، و قال تعالى: فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ، وَ اتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (5) و هذا كله يفيد أن الخروج إنما كان بأمر من اللّه لموسى عليه السلام، فلقد أوحى اللّه تعالى إلى موسى أن يسري بعباده، و أن يرحل بهم ليلا، بعد تدبير و تنظيم، و نبأه أن فرعون سيتبعهم بجنده، و أمره أن يقود قومه إلى ساحل البحر (6)، و بدهي أنه ليس بعد قول اللّه تعالى قول،

ص: 230


1- خروج 13/ 17- 18.
2- خروج 14/ 11- 12، عدد 14/ 3- 4.
3- سورة طه: آية 77.
4- سورة الشعراء: آية 52.
5- سورة الدخان: آية 23- 24.
6- في ظلال القرآن 5/ 2597.

و بالتالي فإن الخروج من مصر إنما تم بأمر اللّه تعالى، و ليس بأمر موسى أو فرعون.

[2] تاريخ الخروج:-

اختلف المؤرخون، القدامى منهم و المحدثون، في تاريخ خروج بني إسرائيل من مصر، و بالتالي في الاستقرار الذي تلاه في كنعان (فلسطين)، و من ثم فقد قدموا لنا نظريات مختلفة، يصل الفرق بين أقدمها و أحدثها إلى أربعة قرون، و من ثم فقد رأينا البعض يجعل من طرد الهكسوس من مصر (حوالي عام 1575 ق. م) تاريخا للخروج، بينما يتأخر آخرون إلى ما بعد عصر رعمسيس الثالث (1182- 1151 ق. م)، و الفرق بينهما، كما رأينا، كبير، يصل إلى أربعة قرون، و في نفس الوقت، إنما يشير إلى الغموض الذي يرين على تاريخ خروج بني إسرائيل من مصر، بقيادة موسى عليه السلام.

و لعل صعوبة الوصول إلى رأي محدد بشأن تاريخ الخروج، إنما يرجع، في أكبر الظن، إلى أسباب ثلاثة، أولها: أن الآثار المصرية، و كذا الفلسطينية، لم تقدم لنا تاريخا محددا عن هذا الحدث الخطير، و الذي أصبح له تأثير ضخم على التاريخ الديني، و ما برح حتى الآن يؤثر في نفسية اليهود، بل إنه هو الذي أثمر بصفة عامة ذاتيتهم الخاصة، و أما سبب عدم ذكر هذا الحادث في الآثار أو الوثائق المصرية، فيرجع، فيما نرى، إلى أمرين، أولهما: أن احتمال العثور على أسماء الأنبياء و الرسل، صلوات و سلامة عليهم، في النصوص الإنسانية، و خاصة المصرية، ضعيف إلى درجة كبيرة، في ذلك لأن حقيقة الصراع بين القيم السماوية و البشرية، ربما كان سببا، و هو كذلك، في إغفال ذكرها، و هذه ظاهرة يلمسها المؤرخ في تاريخ الشرق الأدنى القديم بوجه عام، بالنسبة إلى تعمد عدم التعريف

ص: 231

بالمعارضين (1)، و ثانيهما: أن المصادر المصرية القديمة، و التي تمتاز عن غيرها من مصادر الشرق الأدنى القديم بوضوحها و كثرة آثارها و نصوصها، كان من المنتظر أن تمدنا هذه المصادر المصرية بمعلومات كافية عن موسى عليه السلام، غير أن هذه المصادر، في غالبيتها، إنما كتبت بأمر من الملوك، أو بوحي منهم، أو على الأقل برضى منهم، فإذا تذكرنا أن الملك كان في العقيدة المصرية القديمة مؤلها، كان من الطبيعي ألا يستسيغ الفكر المصري أن يهزم الملك المؤله أو الإله في حرب خاض غمارها، و لهذا فالنصر كاد أن يكون حليفه فيها، و قد تكون الحقيقة غير ذلك (2)، و من المعروف أن قصة موسى، كما جاءت في التوراة و القرآن العظيم، إنما انتهت بغرق الفرعون و جنوده في البحر، و نجاة موسى و من آمن معه بالواحد الأحد، و ليس من المقبول، طبقا للعقيدة الملكية الإلهية في مصر القديمة، أن تسجل النصوص غرق الفرعون الإله، و نجاة عبيده العبرانيين، و من هنا كان من الصعب العثور على اسم موسى و قصة خروجه ببني إسرائيل من مصر، حتى الآن على الأقل، رغم ضخامة التركة الأثرية التي خلفتها لنا مصر في العصور الفرعونية (3).

و أما ثاني الأسباب فإنما يرجع إلى الاضطراب الواضح بين نصوص التوراة، حتى استطاع العلماء أن يستخرجوا منها تاريخين مختلفين للخروج في وقتين مختلفين، يكاد الواحد منهما يبعد عن الآخر بأكثر من قرنين من الزمان، حيث اعتمد البعض على نص في سفر الملوك، توصلوا إلى أن الخروج إنما كان على أيام تحوتمس الثالث (1490- 1436 ق. م) (4) بينما

ص: 232


1- رشيد الناضوري: الفكر الديني- بيروت 1969 ص 174.
2- محمد بيومي مهران: الثورة الاجتماعية الأولى في مصر الفراعنة ص 3.
3- محمد بيومي مهران: إسرائيل 1/ 314- 315.
4- ملول أول 6/ 1.

اعتمد آخرون على نص في سفر الخروج توصلوا منه إلى أن الخروج إنما كان على أيام رعمسيس الثاني (1290- 1224 ق. م) (1).

و أما ثالث الأسباب، فيرجع إلى أن القرآن الكريم، و كذا التوراة، لم يذكر أي منهما اسم الفرعون الذي عاصر موسى عليه السلام و ذلك على الرغم من أن أبرز قصص الأنبياء في القرآن الكريم قصتان مسهبتان في أجزائه لأنهما ترويان نبأ الرسالة بين أعرق أمم الحضارات الإنسانية، و هما أمة وادي النهرين و أمة وادي النيل، و كانت الثورة فيهما على ضلال العقل في العبادة، جامعة لأكثر العبادات المستنكرة في الزمن القديم، و لعل السبب في عدم ذكر القرآن لاسم فرعون موسى، أن الإسم لا أهمية له في موضوع القرآن أو في صميم رسالته، فإنه كتاب هداية و إرشاد، و من ثم فهو يكتفي من القصة و الوقائع التاريخية الصحيحة بالقدر الذي يستخلص منه العبرة، و يقتضيه المقام، و من ثم فهدف قصة موسى في القرآن، كهدف غيرها، ليس التأريخ لهما، و إنما عبرا تفرض الإفادة بما حل بالسابقين.

و على أي حال، فإن أهم الآراء التي دارت حول تاريخ الخروج خمسة، أولها رأي يذهب أصحابه إلى أن الخروج إنما تم أثناء طرد الهكسوس من مصر على أيام أحمس الأول، حوالي عام 1575 ق. م، و ثانيهما أنه تم على أيام تحوتمس الثالث (1490- 1436 ق. م) أو ولده أمنحتب الثاني (1436- 1413 ق. م)، و ثالثها أنه تم في أعقاب أيام إخناتون (1367- 1350 ق. م)، و ربما في الفترة ما بين موت أخناتون و توليه حور محب العرش حوالي عام 1335 ق. م، و رابعها أنه تم على أيام رعمسيس الثاني (1290- 1224 ق. م)، و خامسها أنه على أيام ولده «مرنبتاح» (1224- 1214 ق. م)، فإذا كان هذا الرأي صحيحا، و هذا ما

ص: 233


1- خروج 1/ 10.

نميل إليه و نرجحه، فإن الخروج لا بد و أن يكون في العام الأخير من حكم مرنبتاح، سواء أ كان هذا العام العاشر من الحكم (حوالي عام 1214 ق. م) أو العام الثامن من الحكم (حوالى عام 1216 ق. م)، على خلاف في الرأي، و ذلك لأن التوراة (1) و القرآن العظيم إنما يقولان إن الفرعون قد غرق في البحر، و إن أضاف القرآن الكريم أن جثة الفرعون قد انتشلت لتكون آية لمن خلفه (2)، على أن هناك آراء أخرى، ذهب أولها إلى أن الخروج تم على أيام «سيتي الثاني»، و ذهب ثانيها إلى أنه كان في نهاية الأسرة التاسعة عشرة، و أما ثالث الآراء فقد تأخر به إلى ما بعد عهد رعمسيس الثالث، ثاني ملوك الأسرة العشرين، الأمر الذي سنناقشه بالتفصيل في الفصل الثالث (فرعون موسى) من هذا الباب الثاني.

و لعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن الوصول إلى تاريخ محدد، على وجه اليقين أو حتى على وجه التقريب، أمر في غاية الأهمية من الناحيتين التاريخية و الدينية، فأما من الناحية التاريخية، فلعلنا نستطيع، عن طريق معرفتنا لتاريخ الخروج، أن نعرف وقت دخول بني إسرائيل فلسطين، و بالتالي بداية التاريخ الإسرائيلي، ذلك لأن تاريخ بني إسرائيل كشعب، لا يبدأ إلا بالخروج من مصر، و أما من الناحية الدينية، فإننا نستطيع أن نعرف بداية ظهور اليهودية، ذلك أننا إذا عرفنا فرعون مصر الذي خرج اليهود في عهده من مصر، فإننا نستطيع، اعتمادا على وضوح التاريخ المصري على أيام الفراعين، أن نحدد عصر موسى عليه السلام، ذلك العصر الذي يعتبر واحدا من أهم الأعصر في تاريخ البشرية الديني، لأنه العصر الذي ظهرت فيه أولى الديانات السماوية الثلاثة الكبرى المعاصرة، اليهودية و المسيحية و الإسلام.

ص: 234


1- خروج 14/ 26- 31، 15/ 1- 5، الرسالة إلى العبرانيين 15/ 29.
2- سورة يونس: آية 90- 92.

و لعل مما يزيد الأمر أهمية أننا نعرف البداية المؤكدة للمسيحية و الإسلام، عن طريق معرفتنا لتاريخ نبيّيهما الكريمين سيدنا عيسى و سيدنا و مولانا محمد رسول اللّه، صلوات اللّه و سلامه عليهما، فأما المسيح عليه السلام، فقد ولد على أيام أول قياصرة روما «أوغسطس» (27 ق. م- 14 م)، و أيام «هرودوس الكبير» (37- 4 ق. م) أو ولده «إرخيلاوس» (4 ق. م- 6 م) حاكمي اليهودية من قبل الرومان، و على أيام «الحارث الرابع» (9 ق.

م- 40 م) ملك الأنباط، هذا و يذهب البعض إلى أن المسيح ولد ما بين عامي 6، 2 قبل الميلاد، بينما رأى آخرون أنه ولد عام 5 ق. م، أو أوائل عام 4 ق. م، أما الاحتفال بمولده في 25 ديسمبر، فقد بدأ في القرن الرابع الميلادي، و من ثم فربما كان مولده في 25 ديسمبر عام 5 ق. م، و هذا يجعله سابقا للتاريخ الذي وضعه «ديونيسيوس» في 25 ديسمبر عام 1 م، بخمس سنوات، على أن هناك من يراه قد ولد في عام 4 م، و أنه رفع إلى السماء في عام 27 م، و ربما في 23 مارس عام 29 م، على أن هناك من يرى المسيح بدأ دعوته، و قد ناهز الثلاثين من عمره في عهد الإمبراطور «تيبريوس» (14- 37 م) (1).

و أما المولد النبوي الشريف لمولانا و سيدنا وجدنا محمد رسول اللّه، صلى اللّه عليه و آله و سلم، فقد كان، طبقا للمصادر الإسلامية، في عام الفيل (2)، ).

ص: 235


1- قاموس الكتاب المقدس 2/ 684، ه. ج. ويلز: تاريخ العالم- القاهرة 1967 ص 172، 416، فيليب حتى: المرجع السابق 1/ 311- 312، 363، محمد بيومي مهران: إسرائيل 1/ 359، 2/ 1145، و كذا ehT, suhpesoJ و كذا, VIX, seitiuqtnA, suhpesoJ 4، 6، VX، 5، 3، 8, IIIX, I, raW hsiweJ 8.
2- تاريخ الطبري 2/ 155- 157، ابن كثير: البداية و النهاية 1/ 259- 363، سيرة ابن هشام 1/ 158- 159، دلائل النبوة للبيهقي، عماد الدين خليل: دراسة في السيرة ص 37، محمد بيومي مهران: دراسات تاريخية من القرآن الكريم 1/ 388- 410 (الرياض 1980).

غير أن عام الفيل نفسه غير معروف على وجه التحديد (1)، و الأمر كذلك إلى من يرونه يتفق و موقعه «ذي قار» (2)، و من ثم فقد اعتمد العلماء على تاريخين محققين من السيرة النبوية الشريفة، لتحقيق المولد النبوي الشريف، و هما: تاريخ الهجرة في عام 622 م، و تاريخ الانتقال إلى الرفيق الأعلى في عام 632 م، و مع ذلك لم يصل العلماء، إلى نتائج مؤكدة.

و على أية حال، فإن «جوستاف لوبون» يرى أن مولد المصطفى صلى اللّه عليه و سلم إنما كان يوم 27 أغسطس عام 570 م، بينما يتأخر به «كوسان دي برسيفال» يومين، فيراه في 29 أغسطس 570 م، و أما محمود باشا الفلكي فقد حدد لمولد مولانا و سيدنا وجدنا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يوم 9 ربيع الأول، الموافق 20 أبريل عام 571 م، و يتفق معه في ذلك «سلفستر دي ساسي»، و الحق أن الإمام السهيلي (1114- 1185 م) قد سبق كلا من الفلكي و سلفستر في تاريخهما للمولد النبوي الشريف بيوم 20 أبريل (نيسان)، على أن المترجمين لحياة سيدنا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إنما يجمعون على أنه ولد يوم الاثنين من الأسبوع الثاني من شهر ربيع الأول من عام الفيل، و يذهب جمهور كبير من العلماء على أن هذا التاريخ يوافق العام الثالث و الخمسين قبل الهجرة، أي عام 571 م، و أما الانتقال إلى الرفيق الأعلى فقد كان يوم 12 أو 13 ربيع الأول عام 11 ه، الموافق 7 أو 8 يونيه عام 632 م، بعد أن بلغ صلى اللّه عليه و سلم 63 عاما قمريا بالكامل، أي أكثر من واحد و ستين عاما شمسيا، بحوالي شهر و أكثر من نصف الشهر، روى البخاري و مسلم و الترمذي عن ابن عباس أنه قال: مكث النبي صلى اللّه عليه و سلم بمكة ثلاث عشرة سنة يوحي إليه، و بالمدينة عشرا، و توفي و هو ابن ثلاث و ستين سنة (3)».

ص: 236


1- تتراوح تقديرات العلماء فيما بين أعوام 552 م، 563 م. 570 م، 571 م.
2- أنظر: محمد بيومي مهران: دراسات في تاريخ العرب القديم ص 594- 597.
3- محمود الفلكي: التقويم العربي قبل الإسلام ص 38، محمد عبد اللّه دراز: مدخل إلى القرآن الكريم ص 22، و انظر: صحيح البخاري 6/ 19، صحيح مسلم 15/ 99- 104 (بيروت 1981) و كذا ed egA ,snenammaL .P ,emsimalsI'L tnava sebarA sed eriotsiH'L rus iassE ,lavecreP ed nissuC و كذا. p, I 283. P, temohaM ed melporP eL, erehcalB. R 15. P, dammahoM 209.
[3] مكان الخروج و بدايته:

التف بنو إسرائيل حول موسى عليه السلام في مصر، لا كنبي، و إنما كقائد يرجي على يديه الخلاص من استعباد المصريين، و بدأ موسى مسيرة الخروج، و معه بطانة من السحرة المصريين الذين آمنوا به و صدقوه، بل كما وصفهم القرآن الكريم أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ، هذا فضلا عن الإسرائيليين و من لاذ بهم ممن آمنوا بموسى و دعوته، و كانت بداية المسيرة من مدينة «بي رعمسيس» مقر الفرعون و عاصمة الإمبراطورية المصرية وقت ذاك، و التي قام جدل طويل بين العلماء حول موقفها، و إذا كان صحيحا ما ذهبنا إليه من دراسات سابقة لنا، فإنها تقع مكان قرية «قنتير»، على مبعدة 19 كيلا إلى الجنوب من صان الحجر، و على مبعدة 9 كيلا إلى الشمال الشرقي من فاقوس شرقية (1).

و على أية حال، فلقد ارتحل بنو إسرائيل من «بي رعمسيس».

(رعمسيس في التوراة) إلى سكوت (2)، و كان عددهم، فيما تروي التوراة،

ص: 237


1- محمد بيومي مهران: مصر و العالم الخارجي في عصر رعمسيس الثالث- الإسكندرية 1969 ص 46- 62، إسرائيل 1/ 439- 443.
2- سكوت: مكان غير معروف الآن بالضبط، و لكنها تقع في الإقليم الثامن من أقاليم الدلتا، و كان يسمى «واع إيب» أو «نفر إيب» و يقع في نهاية الدلتا الشرقية بين وادي طميلات و البحر الأحمر، و يذهب البعض إلى أن سكوت هي تل المسخوطة على مبعدة 15 كيلا شرقي الإسماعيلية و من يرى أنها «بيثوم» (فيثوم) (بر آتوم) و هي تل سليمان على مبعدة 3 كيلا من غربة أبو سعيد، قريبا من القصاصين، و على مبعدة 13 كيلا غربي تل المسخوطة، أو هي التل الكبير على مبعدة 49 كيلا غربي الإسماعيلية، و من يرى أنها «ثكو» عند المصريين القدامى على مبعدة 10 كيلا من قنتير، و إن رأى فريق رابع أن ذلك أمرا يحتمل الكثير من الشك، (محمد بيومي مهران: الحضارة المصرية- الإسكندرية 1984 ص 172- 173).

نحو ستمائة ألف ماش من الرجال، عدا الأولاد (1)، و قد تابع بعض المؤرخين و المفسرين (2) التوراة في ذكر تلك الأرقام، التي أثارت جدلا بين العلماء حول صحتها، ذلك لأن رقم (600 ألف) إنما يصل ببيت يعقوب، و الذين كانوا سبعين نفسا يوم دخلوا مصر على أيام يوسف (3) منذ 215 عاما، طبقا للترجمة السبعينية (4) للتوراة، أو ضعف هذا الرقم طبقا لرواية التوراة العبرية، يصل بهم الآن، و عند الخروج من مصر، إلى ما يزيد عن المليونين، و ربما الثلاثة، تقول التوراة: كان من بينهم «نحو ست مائة ألف ماش من الرجال، عدا الأولاد، فكان جميع الأبكار الذكور، من ابن شهر فصاعد، اثنين و عشرين ألفا و مائتين و ثلاثة و سبعون (5)»، فإذا ضاعفنا هذا الرقم كان الأبكار من الجنسين قرابة 45 ألفا.

و من ثم فقد رفض كثير من العلماء هذه الأرقام، و إن قبلها آخرون، بينما حاول فريق ثالث إيجاد تفسير آخر لهذه الأرقام و من ثم فقد ذهب «فلند

ص: 238


1- خروج 12/ 37.
2- أنظر: تاريخ الطبري 1/ 404، تاريخ ابن خلدون 1/ 94، الكامل لابن الأثير 1/ 106، البداية و النهاية لابن كثير 1/ 270، تاريخ اليعقوبي 1/ 36، مروج الذهب للمسعودي 1/ 61، تفسير روح المعاني 1/ 270، تفسير الدر المنثور 5/ 84، تفسير أبي السعود 6/ 244، ثم قارن ذلك بما جاء في تفسير النسفي (3/ 60) حيث جعل بني إسرائيل سبعين ألفا فقط، و أن فرعون ركب إليهم في ستمائة ألف، هذا و قد جاء في تفسير السيوطي (5/ 85): روى ابن عباس عن النبي صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: كان أصحاب موسى الذين جاوزوا البحر اثنى عشر سبطا، فكان في كل طريق اثنى عشر ألفا، كلهم ولد يعقوب عليه السلام.
3- تكوين 46/ 26- 27.
4- أنظر عن الترجمة السبعينية للتوراة: محمد بيومي مهران: إسرائيل 3/ 107- 112.
5- خروج 12/ 32، عدد 43/ 43، و انظر: عصام الدين حفني ناصف: محنة التوراة على أيدي اليهود- القاهرة 1965 ص 35.

رزبتري» إلى القول بأن الألف إنما تعني الأسرة و الجماعة أو العشيرة أو الخيمة، و على ذلك فإن 400 و 54 مثلا، لا تعني إن هناك 54400 شخصا، و إنما تعني (54) عشيرة، عدتها (400) فردا، ثم يفترض «بتري» بعد ذلك أن الخيمة الواحدة كانت تضم في المتوسط تسعة أفراد، هم الجدين و الوالدين و ثلاثة أطفال، فضلا عن اثنين من الرعاة أو التابعين من الجمهور المختلط الذي صعد معهم، و هذا على اختلاف بين القبائل، فالقبيلة الفقيرة كانت تضم خيامها خمسة أفراد و ثلاثة أطفال، بينما تضم القبيلة الغنية أطفالا أكثر، ثم يقترح «بتري» بعد ذلك أن المجموع الكلي كان 5550 (خمسة آلاف و خمسمائة و خمسون شخصا) و بهذا يمكن لموسى عليه السلام أن يحكم في كل الخصومات التي تنشب بين حوالي ستمائة خيمة أو مجموعة، لأن الفصل بين ستمائة ألف رجل جد محال (1).

هذا فضلا عن أن هناك قابلتين، هما شفرة و فوعة (2)، كانتا تقومان بمساعدة نساء بني إسرائيل في مصر أثناء الوضع، و ربما كان مقر الواحدة منهما في مدينة «بي رعمسيس»، و الأخرى «فيثوم» (بر أتوم)، و هو أمر مقبول بالنسبة لمجموعة تعدادها ستة آلاف، و مواليدها بمعدل مولود كل أسبوع (3)، أضف إلى ذلك أننا لو أخذنا الرقم الأكبر، و هو ستمائة ألف، فهذا يعني 140 مولودا في كل يوم، و هو أمر جد محال بالنسبة لأية قابلة (4)، هذا فضلا عن أننا لو قسمنا عدد الجماعة على الأبكار لخلصنا إلى أن المرأة الإسرائيلية كانت تلد زهاء 65 وليدا، و هذا أمر لا يستقيم مع المنطق، فضلا عما تعرضوا له من ذل و عسف تحت رؤساء التسخير، و لا مع ما روى من عبورهم البحر في

ص: 239


1- , nodnoL, learsI dna tpygE, cirteP. F. M. W 44- 42. p، 1925.
2- خروج 1/ 15.
3- . p, tic- po, eirteP. F. M. W 46- 44.
4- نجيب ميخائيل: مصر و الشرق الأدنى القديم 3/ 388.

سويعات قصار، و من ثم فإن علماء اللاهوت و المؤرخين سواء بسواء، أصبحوا الآن لا يعلقون على هذه الأرقام التي ذكرتها التوراة أية أهمية، و يعتبرونها محض خيال إسرائيلي (1).

و على أية حال، فإن التوراة تروي أن الرب كان يعلم ما في الإسرائيليين «من صغر النفس و من العبودية القاسية»، و أنهم لم يصبحوا بعد أكفاء لدفع ثمن الحرية، أو حتى جادين في الخروج من مصر، حرصا منهم على حياة، و تقاعسا عن جهاد، و خوفا من موت، و من ثم فإنه لم يهدهم إلى أقرب الطرق إلى كنعان، مع أنها قريبة، «لئلا يندم الشعب إذا رأوا حربا و يرجعوا إلى مصر، فأدار اللّه الشعب في طريق بحر سوف (2)»، و ربما كان السبب أن لا يمروا بجوار الحصون المصرية التي كانت تحمي البلاد من غارات البدو، و بخاصة عند «ثارو» (و هي تل أبو صيفة الحالي في مجاورات القنطرة شرق) و قد علمنا من نص موظف الحدود، و يرجع إلى العام الثامن من عهد مرنبتاح، كيف كانت سلطات الأمن تسيطر سيطرة كاملة على حركات الناس و البدو في تلك البقاع من تخوم مصر الشرقية (3).

و هكذا ارتحل بنو إسرائيل من سكوت، و نزلوا في «إيثام» في طريق البرية، ثم كلم الرب موسى قائلا «كلم بني إسرائيل أن يرجعوا، و ينزلوا أمام فم الحيروث، بين مجدل و البحر، أمام بعل صفون، مقابله تنزلون عند البحر (4)».

ص: 240


1- عصام الدين حفني ناصف: المرجع السابق ص 35، أحمد عبد الحميد يوسف: المرجع السابق ص 73، و كذا, II, HAC ni, learsI fo esiR ehT, kooC. A. S 358. p، 1931.
2- خروج 13/ 17- 18.
3- أنظر: محمد بيومي مهران: إسرائيل 1/ 415- 416، و كذا, ERA, detsaerB. H. J naitpygE, renidraG. H. A و كذا. P, TENA, nosliW. J 259- 258 و كذا, rammarG 77- 76. p، 1966. oN, III 638- 636.
4- خروج 13/ 20، 14/ 1- 2.
الفصل الثّاني معجزة انفلاق البحر
اشارة

علم فرعون أن بني إسرائيل قد فروا بليل، و أنهم قد أخذوا معهم (1) ما

ص: 241


1- جاء في التوراة في ختام قصة يوسف عليه السلام أنه أوصى عند موته أن يحمل بنو إسرائيل عظامه معهم حين يخرجهم الرب من مصر إلى الأرض التي وعدهم بها (تكوين 50/ 24- 26) و أخرج أبو يعلي و الحاكم بسنده عن سيدنا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: أ عجزتم أن تكونوا مثل عجوز بني إسرائيل، فقال أصحابه يا رسول اللّه و ما عجوز بني إسرائيل، قال: إن موسى لما سار ببني إسرائيل من مصر ضلوا الطريق، فقال ما هذا؟ فقال علماؤهم نحن نحدثك، إن يوسف لما حضره الموت أخذ علينا موثقا من اللّه أن لا نخرج من مصر حتى ننقل عظامه معنا، قال: فمن علم موضع قبره، قالوا: ما ندري أين قبر يوسف إلا عجوز من بني إسرائيل فبعثنا إليها فأتته، فقال: دلوني على قبر يوسف، قالت:، و اللّه لا أفعل حتى تعطيني حكمي، قال: و ما حكمك، قالت: أكون معك في الجنة، فكره أن يعطيها ذلك فأوحى اللّه إليه أعطيها حكمها، فانطلقت بهم إلى بحيرة موضع مستنقع ماء، فقالت: انضبوا هذا الماء فأنضبوا، قالت: احفروا و استخرجوا يوسف، فلما أقلوها إلى الأرض إذا الطريق مثل ضوء النهار» (محمد ناصر الدين الألباني: سلسلة الأحاديث الصحيحة بيروت 1403 ه، حديث رقم 313). و تذهب رواية إسلامية عن عروة بن الزبير عن أبيه أن اللّه حين أمر موسى بالمسير ببني إسرائيل أمره أن يحتمل يوسف معه حتى يضعه في الأرض المقدسة، فسأل موسى عمن يعرف موضع قبره، فما وجد، إلا عجوزا من بني إسرائيل فقالت: يا بني اللّه: أنا أعرف مكانه، إن أنت أخرجتني معك و لم تخلفني بأرض مصر دللتك عليه، (و أضافت رواية الخازن: ألا ينزل موسى غرفة من غرف الجنة إلا نزلتها معك، فأجابها إلى ذلك، بعد أن سأل ربه، فقالت: هو في (النيل في جوف الماء) فخرجت به العجوز حتى أرته إياه في ناحية من النيل في الماء، فاستخرجه موسى صندوقا من مرمر، فاحتمله معه، قال عروة: فمن ذلك تحمل اليهود موتاها من كل أرض إلى الأرض المقدسة (تاريخ الطبري 1/ 419، الكامل لابن الأثير 1/ 105، تفسير الخازن 1/ 57- 58، تاريخ اليعقوبي 1/ 35).

أعاره المصريون لهم من الأمتعة و الذهب و الفضة (1) و طبقا لرواية التوراة، فلقد تغير قلب فرعون و ملئه على بني إسرائيل، «و قالوا: ما ذا فعلنا حتى أطلقنا إسرائيل من خدمتنا (2)»، و هنا لم يجد الفرعون مناصا من أن يلحق بالفارين حتى يعيد ما سرقوه، إن لم يردهم إلى ما كانوا عليه من ذل العبودية، أو يفتك بهم و يستأصل شأفتهم من البلاد، و من ثم فقد أمر بما يسمى في عصرنا الحاضر «التعبئة العامة»، فأرسل في المدائن حاشرين يجمعون الجند، و إن كان هذا الجمع، كما يقول صاحب الظلال، قد يشي بانزعاج فرعون، و بقوة موسى و من معه و عظيم خطرهم، حتى ليحتاج الملك بزعمه، إلى التعبئة العامة، و لا بد إذن من التهوين من شأن المؤمنين إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ، وَ إِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ، وَ إِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ، مستيقظون لمكائدهم محتاطون لأمرهم، ممسكون بزمام الأمور، قال الزمخشري: و هذه معاذير اعتذر بها إلى قومه لئلا يظن به ما يكسر من قهره و سلطانه (3).

و تقول التوراة: و شدد الرب قلب فرعون حتى سعى وراء بني إسرائيل، و أدركتهم جميع خيل مركبات فرعون و فرسانه و جيشه، و هم نازلون عند البحر، و رأى بنو إسرائيل الخطر الزاحف من خلفهم، و هو يقترب منهم، فتملكهم الذعر و الخوف، و أيقنوا أنهم هالكون، و صاحوا

ص: 242


1- خروج 12/ 35- 36، و انظر: تاريخ الطبري 1/ 413- 414، تفسير الخازن 1/ 57، الدر المنثور 5/ 84، ابن الأثير 1/ 106.
2- خروج 14/ 5.
3- سورة الشعراء: آية 52- 56، في ظلال القرآن 5/ 2597- 2598، تفسير الكشاف 3/ 248.

بموسى «ما ذا صنعت بنا حتى أخرجتنا من مصر، أ ليس هذا هو الكلام الذي كلمناك به في مصر، قائلين: كف عنا فنخدم المصريين، لأنه خير لنا أن نخدم المصريين من أن نموت في البرية» (1)، و يصبح موسى عليه السلام في مأزق حرج، فقد كانت بحيرة البوص على يمينه، و حصن مجدل، بما فيه من حامية، أمامه، سادا الطريق من جهة الشمال، و على يساره مستنقعات فرع النيل البيلوزي، و خلفه الفرعون و قواته الضاربة، و هكذا وقف موسى و قومه أمام البحر، ليس معهم سفن، و لا هم يملكون خوضه، و ما هم بمسلحين، و قد قاربهم فرعون بجنوده شاكي السلاح يطلبونهم و لا يرحمون، و قالت دلائل الحال كلها: أن لا مفر و البحر أمامهم، و العدو خلفهم (2)، و هنا صاح بنو إسرائيل: «إنا لمدركون»، و قالوا يا موسى: أوذينا من قبل أن تأتينا، كانوا يذبحون أبناءنا و يستحيون نساءنا، و من بعد ما جئتنا اليوم يدركنا فرعون فيقتلنا، إنا لمدركون البحر من بين أيدينا، و فرعون من خلفنا، و في ).

ص: 243


1- خروج 14/ 8- 12.
2- في ظلال القرآن 5/ 2598، محمد بيومي مهران: إسرائيل 1/ 450. تذهب روايات المفسرين و المؤرخين إلى كثير من المبالغة، بل الخيال، في تقدير أعداد جيش فرعون، فتذهب رواية إلى أن فرعون تبع بني إسرائيل في ألف ألف (مليون) و قيل في ألف ألف و سبعمائة ألف حصان (مليون و سبعمائة ألف) و تذهب أخرى إلى أنهم مليون و ستمائة ألف، و تذهب رواية ثالثة إلى أنهم مليون و مائة ألف، و تذهب رابعة إلى أنهم مليون و خمسمائة ملك، مع كل ملك ألف، و خرج فرعون في جمع عظيم، و كانت مقدمته سبعمائة ألف فارس، و تذهب رواية خامسة إلى أن فرعون كان في سبعة آلاف (7 مليون) و كان بين يديه مائة ألف ألف ناشب، و مائة ألف ألف حراب، و مائة ألف ألف معهم الأعمدة، و بدهي أن سكان مصر جميعا وقت ذاك، ربما لم يبلغوا هذا العدد، ثم إننا حتى لو صدقنا مبالغات التوراة و من تابعها من المفسرين عن أعداد بني إسرائيل وقت الخروج، فإن عددهم (ستمائة ألف غير الأولاد و الشيوخ) لا يتطلب بحال من الأحوال هذه الملايين من جنود مصر، لمطاردتهم، ثم كيف تمكن فرعون من جمع هذه الملايين من الرجال و الخيل من كل أنحاء مصر، حين علم فجأة بخروج بني إسرائيل، وراءهم مطاردا، و ربما كان أقرب إلى الصواب ما قاله الإمام النسفي «فخرج موسى ببني إسرائيل من أول الليل، و كانوا سبعين ألفا، و قد استعاروا حليهم، فركب فرعون في ستمائة ألف من القبط فقص أثرهم (تفسير الطبري 1/ 275- 279، تفسير الخازن 1/ 58، الدر المنثور 5/ 84، تفسير أبي السعود 6/ 244، تفسير النسفي 3/ 60، تفسير البغوي 1/ 58، تاريخ الطبري 1/ 414- 415، ابن كثير: البداية و النهاية 1/ 270، تاريخ اليعقوبي 1/ 36، ثم قارن خروج 14/ 5- 9).

رواية قالوا يا موسى: أين ما وعدتنا، فكيف نصنع، هذا فرعون خلفنا إن أدركنا قتلنا، و البحر أمامنا إن دخلناه غرقنا (1).

و هكذا سدت السبل أمام بني إسرائيل، و لم يجد موسى عليه السلام من وسيلة لإنقاذهم سوى طلب العون و الرحمة من اللّه، و من ثم فهو يصيح في وجوه الخائفين الفزعين من أتباعه «إن معي ربي سيهدين»، قال الرازي:

قوّى نفوسهم بأمرين أحدهما أن ربه معه، و هذا دلالة النصر و التكفل بالمعونة، و الثاني قوله «سيهدين» أي إلى طريق النجاة و الخلاص، و إذا دله على طريق نجاته و هلاك أعدائه فقد بلغ النهاية في النصر، و روى ابن أبي حاتم عن عبد اللّه بن سلام: أن موسى عليه السلام لما انتهى إلى البحر قال:

يا من كان قبل كل شي ء، و الكائن بعد كل شي ء، اجعل لنا مخرجا، فأوحى اللّه أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ (2)، و هنا تحدث المعجزة الكبرى، إذ أوحى اللّه إلى موسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ، وَ أَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ، وَ أَنْجَيْنا مُوسى وَ مَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ، ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَ ما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (3).

و لعل سؤال البداهة الآن: أين و متى و كيف تم انغلاق البحر لموسى عليه السلام؟

ص: 244


1- تاريخ الطبري 1/ 415، تفسير الخازن 1/ 58.
2- تفسير الفخر الرازي 24/ 138 نختصر تفسير ابن كثير 2/ 648.
3- سورة الشعراء: آية 63- 67.
[1] مكان انغلاق البحر:-

قام جدل طويل بين العلماء حول تحديد هذا البحر الذي انغلق لموسى عليه السلام، فهو البحر الأحمر، في رأي التوراة، و هو بحيرة المنزلة أو جزء منها، في رأي آخر، و هو المنطقة التي كان يطلق عليها في العصور الهلينستية و الرومانية «بحر سربونين» (aeS nainobriS) أي «سبخة البردويل» في رأي ثالث، أو هو النهاية الشمالية لخليج السويس، في رأي رابع، أو إحدى البحيرات المرة، دونما تحديد لواحدة منها بالذات، في رأي خامس، أو حتى خليج السويس، في رأي سادس (1).

و هو عند المفسرين و المؤرخين المسلمين بحر القلزم (بحر السويس- أي البحر الأحمر و خليج السويس) أو هو عند التقاء خليج السويس بمنطقة البحيرات، أو هو النيل (أي أحد فروع النيل في الدلتا الشرقية) أو هو بحر «إساف أو ساف» من وراء مصر، فلقد أخرج عبد بن حميد و ابن أبي حاتم عن قتادة في تفسير قوله تعالى: فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ قال: في البحر، بحر يقال له ساف من وراء مصر، أغرقهم اللّه فيه، بل إن هناك رواية عن ابن عباس جاءت في تفسير الفخر الرازي تذهب إلى أن موسى لما انتهى إلى البحر مع بني إسرائيل أمرهم أن يخوضوا البحر فامتنعوا، إلا يوشع بن نون، فإنه ضرب دابته و خاض في البحر حتى عبر ثم رجع، فأبوا أن يخوضوا، و ربما كان هذا يشير إلى بعض البحيرات و ربما إلى بحيرة المنزلة بالذات (2).

على أن الحماس لإثبات أن البحر الذي انغلق هو البحر الأحمر،

ص: 245


1- , egdirbmaC, 2. traP, III, yrotsiH tneicnA egdirbmaC ehT 323. p، 1975.
2- تفسير الفخر الرازي 24/ 139، تفسير روح المعاني 1/ 255، تفسير النسفي 3/ 185، تفسير الخازن 1/ 58، تفسير الدر المنثور 5/ 129، تفسير البيضاوي 4/ 67، تفسير أبي السعود 4/ 377، صفوة التفاسير 1/ 468، تاريخ ابن خلدون 1/ 94.

وصل بالبعض إلى أن يتعسفوا له الحلول، و أن يتكلفوا النظريات و من هنا قامت نظرية تنادي بأن فرعون قد غرق في البحر الأحمر، مع خلاف على المكان الذي وقع فيه هذا الحادث العظيم، فهناك ما كان يفكر فيه الحجاج المسيحيون القدامى، و هو الطريق الشمالي لخليج السويس، قرب مدينة السويس الحالية (1)، و هناك من يرون أن البحر الأحمر كان يمتد إلى الشمال بعد خليج السويس الحالي، و من هؤلاء علماء الحملة الفرنسية (1798- 1801 م) الذين افترضوا أن خليج السويس كان في العصور اليونانية يمتد شمالا حتى بحيرة التمساح الحالية، ثم جاء «لينان دي بلفون» و قام بدراسة برزح السويس، و المنطقة التي تليها حتى البحر المتوسط في الفترة ما بين عامي 1821، 1840 م، و ذهب إلى أن تربة البحيرات المرة قبل أن تملؤها المياه قبل حفر قناة السويس، كانت بها أصداف و نباتات لها مثيل على ساحل البحر الأحمر، و من ثم فقد رأى أن مياه البحر الأحمر كانت تغطي هذه الأماكن في فترة غير بعيدة جدا، لا تمتد إلى أبعد من العصور التاريخية (2)، بل و زاد البعض فذهب إلى أن خليج السويس ربما كان في الألف الثانية قبل الميلاد (حيث تم الخروج في أخرياته) ما يزال على اتصال بالبحيرات المرة، بل و مع بحيرة التمساح كذلك، هذا فضلا عن أن بحيرة البلاح إنما كانت على اتصال بالبحر المتوسط، و من ثم فقد كان هناك برزخ ضيق نسبيا بين بحيرة التمساح و بحيرة الملاح، لعل الحادث العظيم كان قد وقع فيه (3).

و يتشكك كثير من العلماء، و منهم جادرنر و كوثمان، فيما قدمناه آنفا،

ص: 246


1- قاموس الكتاب المقدس 1/ 164، و كذا, nodnoL, leartsI fo yrotsiH eht, htoN nitraM 116. p، 1965.
2- , AEJ ni, ellivoN. E 48- 36. p، 1924، 10.
3- . P, tic- Po, htoN. M 116.

لعدم وجود أدلة تدعم هذا الرأي (1)، بل إن «مارتن نوث» إنما يذهب إلى أنه ليس هناك شي ء مؤكد بالنسبة لهذا الأمر، سوى أن هذا الحادث قد وقع على حدود الدلتا الشرقية، و من المستحيل التحقق من مكان الحادث العظيم بدقة أكثر من ذلك، حتى لو كانت لدينا معلومات صحيحة عن امتداد فروع البحر و البحيرات في منطقة قناة السويس الحالية في الفترة التي وقع فيها هذا الحادث (2).

على أن هناك من يرى أن مكان انغلاق البحر إنما كان إلى الجنوب من مدينة السويس، و من هذا الفريق «روبرتسون» الذي خفض مستوى البحر الأحمر بما يتراوح ما بين خمسة عشرة عقدة، و عشرين عقدة، ليجعل عبوره من قبالة الطور ممكنا، و بذلك يقدم للناس اتساعا معقولا، بين سلسلة الجبال المعروفة باسم جلال الشمالية و الجنوبية (3)، و ربما قريب من هذا ما يراه البعض من أن هناك مكانا في خليج السويس يدعى «بركة قارون» يقولون: إن العبور كان بها، و هي بعيدة عن السويس كثيرا، بينما هناك من يرى أن بني إسرائيل قد عبروا في مكان ما، شمالي المكان المعروف باسم «عيون موسى» في البر الأسيوي، و هو لا يبعد كثيرا عن مدينة السويس (4).

هذا و يرى فريق من العلماء في نص التوراة «كلم بني إسرائيل أن يرجعوا و ينزلوا أمام فم الحيروث بين مجدل و البحر، أمام بعل صفون، مقابلة تنزلون عند البحر» (5)، بعض الإشارات الموجزة، و التي تعتبر واضحة

ص: 247


1- . P, tic- po, ellivoN. E 36.
2- . P, tic- po, htoN. M 115.
3- سليم حسن: مصر القديمة 7/ 128.
4- عبد الوهاب النجار: المرجع السابق ص 203.
5- خروج 14/ 2.

بما يكفي للقول بأنها تخص منطقة كان يطلق عليها في العصور الهلينستية و الرومانية «بحر سربونين» (أي سبخة البردويل الحالية)، و لكن رغم أن الإشارة دقيقة، فإنها موجودة فقط في النص الكهنوتي (1)، و ربما كانت تصور مجهودا متأخرا، لوضع الحادث العظيم و الحاسم في مكان يتفق و الوضع التقليدي للأحداث التاريخية، ذلك لأن أقدم رواية في «البنتاتوك» (2) تبدو و كأنها على غير دارية بمثل هذا المكان المحدد بدقة، و الذي لم نتوصل إليه حتى الآن، و إن أشير فقط، و بغموض، إلى مكان «على البحر» (3).

هذا و يذهب فريق من الباحثين إلى أن المراد بالبحر هنا «بحيرة المنزلة أو جزء منها»، على أساس أن ترجمة «يم سوف» بالبحر الأحمر، ترجمة خاطئة، و الصحيح «بحيرة البوص أو القصب»، ذلك لأن كلمة «يم» ما تزال تعيش في لغتنا العربية، و نفهم أن من معناه «الماء»، و أما قديما فكانت تطلق على فروع النيل، و أما كلمة «سوف» فهي كلمة دخلت في اللغة العبرية من اللغة المصرية القديمة، و تعني «البوص» و هو نبات يكثر وجوده في المياه الضحضاحة عند مصبات الترع و المصارف العامة، و في بحيرة المنزلة، قبالة «قنتير» (و هو مدينة بي رعمسيس التي بدأ منها الخروج) بصفة خاصة، و لما كان هذا النبات الذي تمتد فروعه كالسيوف ينمو بكثرة، و بارتفاع عظيم، في هذه الجهة، و كانت بلاد مصر، و لا سيما العاصمة «بي رعمسيس» (قنتير) تأخذ منه حاجتها، و كانت كلمة «البردي» التي أطلقت عليه من بعد لم تعرف وقت ذاك، لأنها لم تظهر في اللغة المصرية القديمة، إلا في عهد الدولة

ص: 248


1- أنظر عن: النص الكهنوتي و غيره من مصادر التوراة (محمد بيومي مهران: إسرائيل- الجزء الثالث- الإسكندرية 1979 ص 97- 106).
2- أنظر عن «البنتاتوك» (محمد بيومي مهران: إسرائيل 3/ 32، 136).
3- . P, tic- po, htoN. M 116- 115. و كذا traP, III, HAC 323. p، 1975، 2.

الحديثة، فقد عرفت مصر القديمة هذه البحيرة باسم «يم سوف» (1) و ليس هناك من ريب في أن النصوص المصرية مليئة بالإشارات إلى مستنقعات القصب في مجاورات «صوعن» (تانيس) أو مستنقعات البردي في شرق الدلتا، و هكذا يتضح لنا أن المعنى من كلمة «سوف» التي جاءت في الأصل العربي، و ترجمت في التوراة إلى «بحر سوف» فإن معناها العبري هو «بحر القصب»، و الذي ترجم خطأ إلى «البحر الأحمر»، و هو لا يعني شيئا سوى «بحيرة المنزلة» إن لم يكن جزء منها، بخاصة و أن مدينة «بي رعمسيس» هي «قنتير» الحالية، و ليست «تانيس»، كما يعتقد بعض الأثريين من قبل (2).

هذا فضلا عن أن «اليم» في اللغة العربية «البحر أو النهر»، و هو كذلك في اللغة المصرية القديمة، إذ «اليم» لفظة سامية عرفت في اللغة المصرية القديمة منذ الأسرة الثامنة عشرة، حوالي القرن السادس عشر قبل الميلاد، و كان المصريون يطلقون على البحر و النهر، و ما اتسع من لج الماء لفظة «أليم»، و منه جاء اسم منخفض الفيوم بعد إضافة «فاء التعريف» في المصرية إليه (و كانت في الدولة القديمة تدعى تاحنت إن مرور)، على أن الذي يستوقف النظر هنا أن اللفظ ورد في القرآن الكريم ثماني مرات (3)، لم يذكر في أحد ما غير ما يخص مصر، ليس غير، حيث ذكر بمفهوم النيل ثلاثا، و أطلق على البحر الذي غرق فيه فرعون أربعا، و الثامنة بشأن عجل السامري، فكأنما يشير القرآن الكريم إلى موضع معلوم، كما يدعوه أهله

ص: 249


1- سليم حسن: المرجع السابق ص 129، أبكار السقاف: إسرائيل و عقيدة الأرض الموعودة- القاهرة 1967 ص 196.
2- أنظر: محمد بيومي مهران: مصر و العالم الخارجي في عصر رعمسيس الثالث ص 46- 62، و كذا. p, II, tpygE fo retpecS ehT, seyaH. W و كذا, EASA, azmaH. M 68- 31. p، 1930، 30. L, EASA, ihcabaH. L 559- 433. p، 1952، 11. و كذا 256.
3- سورة الأعراف: آية 136، طه: آية 39، 39، 78، 97، القصص: آية 7، 40، الذاريات: آية 40.

باسمه المعلوم (1)، هذا و رغم أن كثيرا من المفسرين يرون أنه بحر القلزم، يعنون بذلك البحر الأحمر، غير أن طائفة منهم ترى أنه النيل، و لعلهم يعنون أحد فروع النيل، و يرون أن العرب كانت تسمي الماء و الملح و العذب بحرا، إذا كثر، هذا إلى أن فريقا ثالثا ذهب إلى أنه بحر ساف (بحر سوف)، بل إن الإمام الفخر الرازي روى عن ابن عباس أن يوشع بن نون ضرب دابته و خاض في البحر حتى عبر ثم رجع (2)، كما رأينا من قبل، و بدهي أن يوشع لا يمكنه أن يخوض البحر الأحمر بدابته، و من ثم فربما هذه الرواية قد تشير إلى مكان آخر، غير البحر الأحمر، و ربما كانت بحيرة المنزلة.

هذه هي الآراء المختلفة التي دارت حول مكان انغلاق البحر لموسى عليه السلام، و كل منها له مؤيدوه و معارضوه، و من ثم فإنني لا أستطيع أن أجزم بمكان بعينه انغلاق فيه البحر لموسى، ما دمنا لا نملك نصا صريحا واضحا، و كل ما قدمناه إنما هو اجتهادات، و فوق كل ذي علم عليم، و اللّه وحده يعلم الغيب من الأمر، و هو وحده العليم بكل شي ء.

[2] تاريخ انغلاق البحر:-

في الواقع أن تاريخ انغلاق البحر لموسى عليه السلام، إنما يتصل بتاريخ خروج بني إسرائيل من مصر، و غرق فرعون و جنده، و نجاة موسى و من معه، و هذا ما سوف نناقشه بالتفصيل عند حديثنا عن «فرعون مصر»، و هو موضوع الفصل الثالث من هذا الباب، و يكفي أن نشير الآن إلى أننا نرجح أن فرعون موسى إنما هو «مرنبتاح» (1224- 1214 ق. م)، على أن يكون تاريخ الخروج و غرق الفرعون في العام الأخير من حكمه، ذلك لأن

ص: 250


1- أحمد عبد الحميد يوسف: المرجع السابق ص 87.
2- تفسير الفخر الرازي 4/ 139، تفسير روح المعاني 1/ 255، تفسير النسفي 3/ 185، و انظر: محمد بيومي مهران: إسرائيل 1/ 446- 449.

التوراة و الإنجيل و القرآن العظيم إنما تجمع كلها على أن الفرعون قد غرق في البحر عند ما أراد اللحاق ببني إسرائيل (1).

و القرآن العظيم لا يحدد زمنا بعينه للحادث الجلل، ذلك لأن التحديد التاريخي، كما هو معروف، ليس هدفا من أهداف القصة القرآنية و لا تزيد في دلالتها شيئا، و أما الحديث النبوي الشريف، فليس فيه، على قدر ما أعلم، سوى أن الحادث الجليل إنما كان يوم عاشوراء، فلقد روى البخاري و مسلم و النسائي و البيهقي عن ابن عباس قال: قدم النبي صلى اللّه عليه و سلم المدينة، و اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ما هذا اليوم الذي تصومونه، فقالوا: هذا يوم ظهر فيه موسى على فرعون، فقال النبي صلى اللّه عليه و سلم لأصحابه: و أنتم أحق بموسى منهم فصوموه» و أخرج أبو يعلي و ابن مردوية عن أنس عن النبي صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: فلق البحر لبني إسرائيل يوم عاشوراء»، و أخرج الإمام أحمد و البخاري و مسلم و النسائي و ابن ماجة، من طرق، عن ابن عباس أنه قال: قدم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم المدينة فرأى اليهود يصومون يوم عاشوراء، فقال: ما هذا اليوم الذي تصومون، قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجى اللّه عز و جل فيه بني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى عليه السلام، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم «أنا أحق بموسى منكم، فصامه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و أمر بصومه» (2).

و أما التوراة فلا تذكر إلا أن الخروج حدث في شهر أبيب (3)، و هو

ص: 251


1- أنظر: محمد بيومي مهران: إسرائيل 1/ 413- 436.
2- تفسير الدر المنثور 1/ 69، تفسير النسفي 2/ 73، تفسير الخازن 1/ 59، تفسير ابن كثير 1/ 138، 2/ 667- 668، صحيح البخاري 3/ 56، 57، 6/ 91، صحيح مسلم 8/ 9- 10، مسند أحمد 1/ 292، 310، مجمع الزوائد 3/ 188، المطالب العالمية ص 3467، تفسير القرطبي ص 333.
3- خروج 13/ 4.

الشهر قبل الأخير من شهور السنة المصرية القديمة، (المعروفة خطأ بالشهور القبطية)، و ليس العبرية، غير أن اليهود إنما يحتفلون بخروجهم من مصر في عيدهم الأكبر، في الشهر الأول من السنة العبرية، شهر أبيب (نيسان- أبريل)، و يبدو أن الطريقة القديمة للتقويم العبري تجعل بدء السنة في الربيع، و ربما كان بدء التأريخ هو قصة خروج بني إسرائيل من مصر، في الفترة التي يقع فيها عيدهم الأكبر «عيد الفصح» حيث يتم الاحتفال به بين العشاءين (أي بين المغرب و العتمة) في ليلة الرابع عشر من أبريل (1).

[3] معجزة انغلاق البحر:-

رأينا من قبل كيف أحاط فرعون بقواته الضاربة ببني إسرائيل، و كيف تملكهم الذعر و الخوف، و أيقنوا أنهم هالكون، و كيف بلغ بهم الكرب مداه، و إن هي إلا دقائق تمر، ثم يهجم الموت و لا مناص و لا معين، و لكن موسى الذي تلقى الوحي من ربه لا يشك لحظة، و مل ء قلبه الثقة بربه، و اليقين بعونه، و التأكد من النجاة، و إن كان لا يدري كيف تكون، فهي لا بد كائنة، و اللّه هو الذي يوجهه و يرعاه، «قال كلا إن معي ربي سيهدين»، و هكذا، و في اللحظة الأخيرة ينبثق الشعاع المنير في ليل اليأس و الكرب، و ينفتح طريق النجاة من حيث لا يحتسبون فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ، فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ، و هكذا وقعت المعجزة، و انكشف بين فرقي الماء طريق، و وقف الماء على جانبي الطريق كالطود العظيم (2)، و أرسل اللّه الريح على أرض البحر، فلحفته حتى صار يابسا كوجه الأرض (3)، فلهذا قال: فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا

ص: 252


1- أنظر: عن التقويم العبري و عيد الفصح (محمد بيومي مهران: إسرائيل- الجزء الرابع- الإسكندرية 1979 ص 153- 163).
2- في ظلال القرآن 5/ 2598- 2599.
3- أخرج الطبراني و أبو نعيم في الحلية عن سعيد بن جبير: أن هرقل كتب إلى معاوية بن أبي سفيان و قال: إن كان بقي فيهم شي ء من النبوة فسيخبرني عما أسألهم عنه، قال و كتب إليه يسأله عن المجرة و عن القوس و عن البقعة التي لم تصبها الشمس إلا ساعة واحدة، قال فلما أتى معاوية الكتاب و الرسول، قال هذا شي ء ما كنت أو به له أن أسأل إلى يومي هذا، من لهذا؟ فقالوا: ابن عباس (ابن عم النبي صلى اللّه عليه و سلم) و طوى معاوية كتاب هرقل و بعثه إلى ابن عباس فكتب إليه: إن القوس أمان لأهل الأرض من الغرق، و المجرة باب السماء الذي تشق منه، و أما البقعة التي لم تصبها الشمس إلا ساعة من نهار، فالبحر الذي أفرج عن بني إسرائيل (الدر المنثور 1/ 69، حلية الأولياء 1/ 320).

تَخافُ دَرَكاً وَ لا تَخْشى (1).

و اقتحم بنو إسرائيل البحر الذي صار فيه اثنا عشر طريقا، في كل طريق سبط، و كأن الطريق إذ انغلقت بجدران، فقال: كل سبط، قد قتل أصحابنا، فلما رأى ذلك دعا اللّه فجعلها قناطر كهيئة الطيقان، فنظر آخرهم إلى أولهم، حتى خرجوا جميعا، ثم دنا فرعون و أصحابه فلما نظر فرعون إلى البحر منفلقا، و تحقق ما كان يتحققه قبل ذلك من أن هذا من فعل رب العرش الكريم، فأحجم و لم يتقدم و ندم في نفسه على خروجه في طلب بني إسرائيل، لكنه أظهر لجنوده تجلدا، و قال: أ لا ترون البحر فرق مني، و قد تفتح لي حتى أدرك أعدائي فأقتلهم، فذلك قول اللّه وَ أَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ، وَ أَنْجَيْنا مُوسى وَ مَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ، ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (2).

و لعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن التوراة قد اختلفت في تفسيرها للمعجزة الكبرى عن القرآن الكريم، فالتوراة ترجعها إلى ريح شرقية هبت فأزالت الماء و ظهرت اليابسة، و حينئذ عبر بنو إسرائيل (3)، و يذهب «روبنسون» إلى أن ريحا شرقية شمالية هبت على هذا الجزء، بدرجة تكفي لطرد الماء من بعض الأماكن، و على كل حال، فلقد تغيرت

ص: 253


1- سورة طه: آية 77.
2- سورة الشعراء: آية 64- 66، تاريخ الطبري 1/ 415، البداية و النهاية لابن كثير 1/ 272.
3- خروج 14/ 21- 31.

المعالم في الصورة الغابرة، بحيث يتعذر معرفة الموضع بالضبط (1)، و هناك من يرى أن منسوب الماء ما يزال حتى الآن متأثرا بدرجة عظيمة بالريح في بحيرة المنزلة و البرلس، و يلاحظ أن الطريق من بلطيم حتى برج البرلس تغطى بالمياه عند ما يهب الهواء غربا، ثم تصبح جافة عند ما يهب الهواء من الشرق، و يمكن للإنسان أن يسير عليها بالسيارة (2)، و في أنشودة الاحتفال بهذا الخلاص، نرى كاتب سفر الخروج يعلن عن قدرته الشعرية فيقول:

«بريح أنفك تراكمت المياه، انتصبت المجاري كرابية» (3)، و قد وضعت هذه التقاليد أخيرا في الترجمات النثرية التي ترجع إلى القرن الخامس قبل الميلاد (4).

و يقول «جراي» رغم أننا لا نستطيع أن ننكر التدخل الإلهي في الخلاص العظيم، فإنه لم يتضمن انغلاق البحر، و أن الأمر إنما تم عن طريق عاصفة ممطرة، بطريقة فجائية غير مألوفة، في مكان و وقت يتناسبان مع إرادة اللّه، و لم تقدم المعجزة بطريقة خارقة للطبيعة، كما جاءت في التوراة (5)، و إنما بطريقة مطابقة لها تماما (6).

و أما في القرآن الكريم، فالمعجزة واضحة لا ريب فيها، و ذلك حين أوحى اللّه إلى نبيّه موسى عليه السلام أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ، وَ أَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ، وَ أَنْجَيْنا مُوسى وَ مَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ، ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَ ما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (7)،

ص: 254


1- قاموس الكتاب المقدس 1/ 164.
2- سليم حسن: المرجع السابق ص 135.
3- خروج 15/ 8.
4- . Y. N, ygolohtyM nretsaE raeN eht ni, learsI, yarG. J 107. p، 1969.
5- خروج 12/ 32.
6- . P, tic- po. yarG. J 107.
7- سورة الشعراء: آية 62- 67.

و لعل مما تجدر الإشارة إليه هنا أن اللّه، جلت قدرته، قد أسند فرق البحر إلى ذاته الكريمة، ليدل على أن القوم عبروه و قطعوه، و هو معهم، بعنايته، و قوله تعالى: فَأَنْجَيْناكُمْ وَ أَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ بيانا للمنة العظمى التي امتن اللّه بها على بني إسرائيل، و التي ترتبت على فرق البحر، لأن فرق البحر ترتب عليه أمران: أولهما: نجاتهم، و ثانيهما إهلاك عدوهم، و كلاهما نعمة عظمى، و الإيمان الصحيح يقتضي بأن نفهم واقعة انفصال البحر لموسى و قومه على أنها معجزة كونية لموسى عليه السلام، و قد زعم البعض أنها كانت حادثة طبيعية، بدون سند و لا دليل (1).

و انطلاقا من كل هذا، فإننا نرفض ما يذهب إليه البعض من أن انغلاق البحر، إنما كان نتيجة المد و الجزر، و بالتالي فتلك علة طبيعية لنظام جغرافي (2)، كما نرفض كذلك القول بأن عنصر التهويل قد لعب دوره في القصة حتى أظهرها بهذه الصورة، و أن هناك رواية مشابهة لها قد رددتها التوراة عن يشوع (3)، خادم موسى و فتاه، و عبوره الأردن على يبس (4)، و أن ).

ص: 255


1- محمد سيد طنطاوي: بنو إسرائيل في القرآن و السنة 1/ 459 (القاهرة 1968).
2- , elpoP hsiweJ eht fo yrotsoH trohS A, htoR. C 6. p، 1969.
3- يشوع 1/ 10- 18، 4/ 23- 24.
4- تروي المصادر الإسلامية أن الصحابي الجليل العلاء بن الحضرمي كان قد بعثه سيدنا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إلى ملك البحرين المنذر بن ساوي فأسلم على يديه و أقام فيهم الإسلام و العدل، فلما توفي رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم مات المنذر بعده بقليل، فارتد أهل البحرين، فبعث إليهم أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه العلاء بن الحضرمي، ثم حدثت معركة بين المسلمين و المرتدين، انتصر فيها المسلمون انتصارا حاسما، ففر كثير من المرتدين إلى «دارين» بالبحرين، فتبعهم العلاء حتى أتى ساحل البحر ليركبوا في السفن، فرأى أن الشقة بعيدة، لا يصلون إليهم في السفن حتى يذهب أعداء اللّه، فاقتحم البحر بفرسه و هو يقول «يا أرحم الراحمين، يا حكيم يا كريم، يا أحد يا صمد، يا حي يا محي، يا قيوم يا ذا الجلال و الإكرام، لا إله إلا أنت يا ربنا»، و أمر الجيش أن يقولوا ذلك و يقتحموا، ففعلوا ذلك، فأجاز بهم الخليج بإذن اللّه، يمشون على مثل رملة دمثة فوقها ماء، لا يغمر أخفاف الإبل، و لا يصل إلى ركب الخيل، و مسيرته للسفن يوم و ليلة، فقطعه إلى الساحل الآخر، فقاتل عدوه و قهرهم، و اجتاز غنائمهم، ثم رجع فقطعه إلى الجانب الآخر، فعاد إلى موضعه الأول، و ذلك كله في يوم، و لم يترك من العدو مخبرا، و استاق الذراري و الأنعام و الأموال، و لم يفقد المسلمون شيئا سوى عليقة فرس لرجل من المسلمين، و مع ذلك رجع العلاء فجاء بها، ثم قسم الغنائم فأصاب الفارس ألفين، و الراجل ألفا، مع كثرة الجيش، و كتب إلى الصديق فأعلمه بذلك، و روى أن راهبا من هجر رأى ذلك فأسلم، و قال: خشيت إن لم أفعل أن يمسخني اللّه، لما شاهدت من الآيات (ابن كثير: البداية و النهاية 6/ 369- 371، تاريخ ابن خلدون 2/ 505).

خليج العقبة دعي في سفر الملوك «بحر سوف» (1) (بحر القصب)، بيد أن سفر القضاة (2) إنما يتحدث عن رحلة بني إسرائيل البرية من مصر إلى بحر سوف (3)، كما أننا لن نقارن أبدا معجزة فرق البحر لموسى عليه السلام، بما جاء في بردية «و ستكار» عن أساطير تنسب إلى أحد الكهنة المصريين، و أنه استطاع بفضل تعاويذ سحره من أن يشق البحيرة، للملك «سنقرو» مؤسس الأسرة الرابعة، و أن يضع ماء أحد جانبيها على الجانب الآخر، ثم يستخرج حلية كانت قد ضاعت من إحدى المغنيات، ثم يعيد الماء إلى مكانه الأول (4)، كما أننا لا نوافق «برستد» من أن هناك انفجارا بركانيا حدث في سيناء، حينما ضاق الخناق على بني إسرائيل عند خروجهم من مصر، و أن الزلزال الذي صحب ذلك الانفجار، و موجة المد التي نتجت عنه، هما اللذان أفضيا إلى ابتلاع الجنود المصريين الذين كانوا يتعقبون بني إسرائيل الفارين (5).

ص: 256


1- ملوك أول 9/ 26.
2- قضاة 11/ 16.
3- . P, tic- po, kooC. A. S 91.
4- أنظر عن بردية و ستكار:. namrE. A و كذا F. P,. rutaretiL ehcsitpygA eiD, repeiP xaM 55. . P, EAL 46- 36 F .P ,tpygE tneicnA fo seirotS ralupoP ,orepsaM .J ,siraP ,euqinoarahP euqopE'L ed sneitpygE setnoC te snamoR ,ervbefeL .G 21. و كذا 77- 70. p، 1949.
5- , Y. N, tpygE fo yrotsiH A, detsaerB. H. J 342. p، 1946.

و أما سبب رفضنا للآراء السابقة، فذلك لأننا نرى في حادث انغلاق البحر لموسى رأيا آخر، فهو، فيما نعتقد و نؤمن به الإيمان كل الإيمان، أنه معجزة موسى الكبرى، و المعجزة، فيما نعلم، قوى إلهية يعجز البشر عن الإتيان بمثلها، و الحصول على نظير لها، و لا تأتي إلا في مقام التحدي و الإعجاز، و هي، كغيرها من معجزات الأنبياء، من عمل اللّه، و لا فضل لأحد فيها سواه سبحانه و تعالى، فليس لنبي يد في هذه الخوارق التي بهرت الناس و قهرت الخلق، و قامت أدلة صادقة على صدق من ظهرت على أيديهم في أنهم مبلغون عن اللّه سبحانه و تعالى، و من هنا خاف موسى عليه السلام، حين تحولت عصاه حية تسعى، فولّى مدبرا و لم يعقب لشدة خوفه منها، حتى هدأ اللّه روعه و أمن خوفه، و على هذا الأساس لا يستغرب و لا يستبعد وقوعها ممن لا يعجزه شي ء في الأرض و لا في السماء (1)، فإنه جل شأنه، كما يقول إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (2)، هذا فضلا عن أن المعجزة إنما هي من البراهين العقلية التي تقرر قيومية اللّه الخالق عز شأنه، و إطلاق قدرته من قيود القوانين و العادات المعلومة في حدود مدارك العقول الإنسانية إلى سنن كونية و قوانين للوجود فوق آفاق تلك العقول، تحدث على وفقها تلك الأحداث الكونية و الأعاجيب الإعجازية، إذا تطلبها أسبابها، و حانت مناسبتها، و اللّه سبحانه و تعالى فعال لما يريد لا يسأل عما يفعل (3).

و يقول الإمام الفخر الرازي أن انغلاق البحر لموسى معجزة من

ص: 257


1- أنظر: سورة طه: آية 66- 69، النمل: آية 10، القصص: آية 31- 32، عبد الرحيم فودة: من معاني القرآن ص 109.
2- سورة يس: آية 82.
3- محمد الصادق عرجون: معجزة الأنبياء بين العقل و العلم- الإسكندرية 1955 ص 2، ثم أنظر عن المعجزة و شروطها: الإمام القرطبي: الجامع لأحكام القرآن- القاهرة 1969 ص 70- 72.

وجوه، منها (أولا) أن تفرق ذلك الماء معجزة، و ثانيا: أن اجتماع ذلك الماء فوق كل طرف منه حتى صار كالجبل من المعجزات أيضا لأنه كان لا يمتنع في الماء الذي أزيل بذلك التفريق أن يبدده اللّه تعالى حتى يصير كأنه لم يكن، فلما جمع على الطرفين صار مؤكدا لهذا الإعجاز، و ثالثا: أنه إن ثبت ما روى في الخبر أنه تعالى أرسل على فرعون و قومه من الريح و الظلمة ما حيّرهم، فاحتبسوا القدر الذي يتكامل معه عبور بني إسرائيل، فهو معجز ثالث، و رابعا: أن اللّه تعالى جعل في تلك الجدران المائية كوى ينظر منها بعضهم إلى بعض، فهو معجز رابع، و خامسا: أن أبقى اللّه تعالى تلك المسالك حتى قرب منها آل فرعون و طمعوا منها آل فرعون و طمعوا أن يتخلصوا من البحر، كما تخلص قوم موسى، فهو معجز خامس (1).

و هكذا نستطيع أن نصل من ذلك كله إلى نتيجة واحدة هي: أن انغلاق البحر لموسى عليه السلام، لا علاقة له ببني إسرائيل فتلك معجزة نبي، كما أن غرق فرعون لم يكن تكريما للإسرائيليين، فتلك عاقبة من أصر على كفر، و لم يؤمن باللّه الواحد الأحد، بل و تجاوزه لكل الحدود البشرية، فقال: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي (2)، ثم يهدد النبي الكريم قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (3)، و أخيرا اندفاعه في العذاب و إسرافه في القتل للمذنب و غير المذنب على سواء، و أما حساب بني إسرائيل فعسير عند اللّه تعالى، حتى أنه عز و جل، ليكتب على هؤلاء الذين أنجاهم من فرعون أن يتيهوا في الأرض أربعين عاما، ثم يحرم عليهم الأرض المقدسة أبدا (4).

ص: 258


1- تفسير الفخر الرازي 24/ 139.
2- سورة القصص: آية 38.
3- سورة الشعراء: آية 29.
4- سورة المائدة: آية 21- 26، سفر العدد 4/ 34، أعمال الرسل 7/ 26، 42.
[4] إيمان فرعون عند الغرق:-

تحدث القرآن الكريم عن إيمان فرعون حين أدركه الغرق، فقال تعالى: وَ جاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ، فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَ جُنُودُهُ بَغْياً وَ عَدْواً، حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَ أَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَ كُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ، فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً، وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ (1).

و الآيات الكريمة تشير إلى أن فرعون حين غشيته سكرات الموت آمن، حيث لا ينفعه الإيمان، و لهذا قال تعالى في جواب فرعون حين قال ما قال:

آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ، و ذلك لأن التوبة، كما يقول علماء السلف، قبل المرض و الموت، و روى الترمذي عن ابن عمر عن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: إن اللّه يقبل توبة العبد ما لم يغرغر»، أي ما لم تبلغ روحه حلقومه فيكون بمنزلة الشي ء الذي يتغرغر به (2).

و يقول ابن السعود في تفسيره: إن فرعون حين أدركه الغرق «قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل»، لم يقل كمقالة السحرة «آمنا برب العالمين رب موسى و هارون»، بل عبّر عنه تعالى بالموصول، و جعل صلته إيمان بني إسرائيل به، تعالى للإشعار برجوعه عن الاستعصاء، و باتباعه لمن كان يستتبعهم طمعا في القبول و الانتظام معهم في سلك النجاة (3)، و قال النسفي إن في الآية دليل على إن الإيمان و الإسلام واحد، قال آمنت، ثم قال: و أنا من المسلمين»، كرر فرعون المعنى الواحد ثلاث مرات في ثلاث عبارات حرصا على القبول، ثم لم يقبل منه حيث أخطأ

ص: 259


1- سورة يونس: آية 90- 92.
2- مختصر تفسير ابن كثير 2/ 205، حسن باجودة: التفسير البسيط للقرآن الكريم 4/ 286 (مكة المكرمة 286، تفسير القرطبي ص 1662.
3- تفسير النسفي 2/ 174- 175.

وقته، و كانت المرة الواحدة تكفي في حالة الاختيار، أ تؤمن الآن في وقت الاضطرار، حين أدركك الغرق، و أيست من نفسك، و روى الخازن في تفسير عن ابن عباس أنه قال: لم يقبل اللّه إيمانه عند نزول العذاب و قد كان في مهل، و قال العلماء: إيمانه، غير مقبول لأن الإيمان و التوبة عند معاينة الملائكة و العذاب غير مقبولين، و قيل إنه قال ليدفع ما نزل به من البلية الحاضرة، و لم يكن قصد به الإقرار بوحدانية اللّه، و الاعتراف له بالربوبية، و قيل إن فرعون كان من الدهريين المنكرين لوجود الخالق، فلهذا قال:

«آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل»، فلم ينفعه ذلك لحصول الشك في إيمانه، و لما رجع فرعون إلى الإيمان و التوبة حين أغلق بابهما، بحضور الموت و معاينة الملائكة، قيل له: «الآن و قد عصيت من قبل»، يعني الآن تتوب، و قد أضعت التوبة في وقتها، و آثرت دنياك الفانية على الآخرة الباقية، و قيل إن المخاطب بذلك لفرعون هو جبريل و قيل الملائكة، و قيل هو اللّه تعالى، عرف فرعون قبيح صنعه و ما كان عليه من الفساد في الأرض، بدليل قوله تعالى: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ، و القول الأول أشهر (1)، و يعضده ما روى عن ابن عباس عن النبي صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: «لما قال فرعون: «آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، قال قال لي جبريل: لو رأيتني و قد أخذت من حال البحر فدسسته في فيه مخافة أن تناله الرحمة» (2)، و عن أبي حازم عن أبي هريرة قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال لي جبريل: يا محمد لو رأيتني و أنا أغطه و أدس من الحال في فيه مخافة أن تدركه رحمة اللّه، فيغفر له، يعني فرعون، و في بعض الروايات إن جبريل قال: ما بغضت أحدا بغضي لفرعون حين قال: أنا ربكم الأعلى، و لقد

ص: 260


1- تفسير الخازن 3/ 206.
2- مختصر تفسير ابن كثير 2/ 206، و أنظر: تفسير الدر المنثور 3/ 315.

جعلت أدس في فيه الطين حين قال ما قال» (1).

على أن الإمام فخر الدين الرازي اعترض في تفسيره على ذلك، فقال:

هل يصح أن جبريل أخذ يملأ فمه بالطين، لئلا يتوب غضبا عليه، و الجواب الأقرب أنه لا يصح، لأنه في تلك الحال إما أن التكليف كان ثابتا أم لا، فإن كان ثابتا لا يجوز لجبريل أن يمنعه من التوبة، بل يجب عليه أن يعينه على التوبة و على كل طاعة، و أما إن كان التكليف زائلا عن فرعون في ذلك الوقت، فحينئذ لا يبقى لهذا الذي نسب إلى جبريل فائدة، و أيضا لو منعه من التوبة لكان قد رضى ببقائه على الكفر، و الرضا بالكفر كفر، و أيضا كيف يليق بجلال اللّه بأن يمنعه من الإيمان، و إذا قيل إن جبريل فعل ذلك من عند نفسه لا بأمر اللّه، فهذا يبطله قول جبريل: وَ ما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ.

و على أي حال، فإن موسى عليه السلام حين أخبر بني إسرائيل بغرق فرعون و قومه، قالوا: ما مات و ذلك لعظمته عندهم، و ما حصل في قلوبهم من الرعب لأجله، فأمر اللّه البحر فألقى فرعون على الساحل أحمر قصيرا، كأنه ثور، فرآه بنو إسرائيل، فمن ذلك الوقت لا يقبل البحر ميتا أبدا، و روى عن ابن عباس: أن اللّه أنجى فرعون لبني إسرائيل من البحر، فنظروا إليه بعد ما غرق، و أما معنى قوله تعالى: بِبَدَنِكَ، يعني نلقيك جسدا بلا روح فيه، و قيل هذا الخطاب، على سبيل التهكم و الاستهزاء، كأنه قيل له ننجيك، و لكن النجاة لبدنك، لا لروحك، و قيل أراد بالبدن الدروع، و كان، لفرعون دروع من ذهب مرصع بالجواهر يعرف في درعه عرفوه، و قيل ننجيك ببدنك، أي نجعلك على نجوة من الأرض كي ينظروا فيعرفوا أنك مت، و أخرج ابن الأبياري عن ابن سعود أنه قرأ «فاليوم ننجيك بندائك» (2).

ص: 261


1- ابن كثير: البداية و النهاية 1/ 273.
2- تفسير الخازن 3/ 207- 209، الدر المنثور 3/ 315- 316.

و أما قوله تعالى: لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً، أي عظة و عبرة، و ذلك أن بني إسرائيل ادعوا أن قتل فرعون لا يموت أبدا، فأظهره اللّه حتى يشاهدوه و هو ميت لتزول الشبهة من قلوبهم، و يعتبروا به لأنه كان في غاية العظمة فصار إلى نهاية الخسة و الذلة، ملقى على الأرض لا يهابه أحد، أو لتكون أية لمن يأتي بعدك من القرون، إذا سمعوا مآل أمرك ممن شاهدك عبرة و نكالا عن الطغيان، أو حجة تدل على أن الإنسان على ما كان عليه من عظم الشأن و كبرياء الملك، إنما هو مملوك مقهور بعيد عن مظان الربوبية، و قرئ «لمن خلقك» أي لخالقك آية كسائر الآيات، فإن إفراده إياك بالإلقاء إلى الساحل، دليل على أنه نعمد منه لكشف تزويرك و إماطة الشبهة في أمرك، و دليل على كمال قدرته و علمه و إرادته، و أيا كان المعنى، فإنه لم يكن آية لمن خلفه لمدة جيل أو جيلين، و إنما بقي آية للعشرات الكثيرة من الأجيال، و المئات الكثيرة من السنين، و ذلك بما كان رب العرش لأهل مصر من سلطان العلم و أسرار التحنيط (1).

بقيت الإشارة إلى أن موت فرعون غرقا، ناسب هلاك بني إسرائيل على يديه بالذبح فيه تعجيل الموت بأنهار الدم، و الغرق فيه إبطاء الموت و لا دم خارج، و لما كان الغرق من أعسر الموتات، و أعظمها شدة، فكان لمن ادعى الربوبية و قال: «أنا ربكم الأعلى»، و على قدر الذنب يكون العقاب، و لك أن تقول: لما افتخر فرعون بالماء، و قال: «أ ليس لي ملك مصر و هذه الأنهار تجري من تحتي»، جعل اللّه موته بالماء، بما افتخر به (2).

ص: 262


1- تفسير البيضاوي 3/ 100، الدر المنثور 3/ 316، تفسير الخازن 3/ 209، أحمد عبد الحميد: المرجع السابق ص 123، تفسير النسفي 2/ 175.
2- تفسير روح المعاني 1/ 255- 257.
الفصل الثّالث فرعون موسى
اشارة

اختلفت الآراء، كما أشرنا من قبل، في هذا الفرعون الذي كان يعذب بني إسرائيل، فيذبح أبناءهم و يستحي نساءهم، ثم يرفض بعد ذلك دعوة موسى عليه السلام، و كان الفرعون الذي أغرقه اللّه في البحر، انتقاما منه لتجبره و كفره، و ما آل إليه أمره من الطغيان و الكفر، و ادعاء الألوهية، فقال: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي (1)، و قوله لموسى:

لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (2)، و قوله: «أنا ربكم الأعلى»، و من ثم فقد جاء بعد هذه الآية فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَ الْأُولى إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى (3)، هذا فضلا عن تجاوزه لحدوده البشرية، و اندفاعه في التعذيب، و إسرافه في القتل للمذنب و غير المذنب على سواء.

و سنحاول هنا، قدر الطاقة، مناقشة الآراء المختلفة التي دارت حول تحديد اسم هذا الفرعون، لعلنا نستطيع، بمشيئة اللّه، أن نصل إلى رأي قريب من الصواب، أو لا يبعد عن الصواب كثيرا، مؤمنين تمام الإيمان، أن اليقين ما زال، و سيظل أبد الدهر، عند صاحب اليقين، و ما زال، و سيظل، العلم عند رب العلم، يؤتيه من عباده من يشاء، و هو علام الغيوب، و ما نقوم

ص: 263


1- سورة القصص: آية 38.
2- سورة الشعراء: آية 29.
3- سورة النازعات: آية 22- 26.

به، أو يقوم به غيرنا، لا يعدو محاولات قد تخطئ و تصيب، بل قد تخطئ كثيرا و تصيب قليلا.

[1] الرأي الأول: فرعون موسى هو أحمس الأول:-

يزعم اليهودي «يوسف بن متى» (37- 98 أو 100 م) أن «مانيتو» المؤرخ المصري، الذي كتب تاريخه حوالي عام 280 قبل الميلاد، إنما يرجع بالهكسوس (1) إلى أصول يهودية (2)، و من ثم فالخروج، في نظر المؤرخ اليهودي، إنما هو طرد الهكسوس من مصر حوالي عام 1575 ق.

م، بقيادة أحمس الأول (1575- 1550 ق. م)، و بالتالي فإن أحمس الأول هو فرعون موسى، هذا و قد تابع يوسف اليهودي بعض المؤرخين، و منهم الدكتور هول و الدكتور باهور لبيب.

و يذهب «هول» إلى توحيد «الخابير و» بالعابير و (العبرانيين)، و أن الخابير و هم قبائل بدوية قدمت إلى الجنوب الشرقي لفلسطين، فاكتسحت كنعان في الفترة ما بين عامي 1390، 1360 قبل الميلاد، و أن رسائل العمارنة تظهر لنا كيف أشاعت هذه القبائل الذعر بين الكنعانيين، ثم سيطرت على فلسطين بعد انسحاب السلطة المصرية منها على أيام «إخناتون» (1367- 1350 ق. م)، و من ثم يجب أن يكون الخروج قبل أيام «أمنحتب الثالث» (1405- 1367 ق. م)، ثم يقترح أن تكون لحظة خروج بني إسرائيل من مصر، هي لحظة قيام الأسرة الثامنة عشرة، و أن مؤسس هذه الأسرة الملك «أحمس الأول» هو فرعون موسى الذي روت التوراة أنه «لم يكن يعرف يوسف»، و بالتالي فإن التقرير التوراتي عن

ص: 264


1- قدم المؤلف دراسة مفصلة عن عصر الهكسوس و طردهم من مصر (محمد بيومي مهران:حركات التحرير في مصر القديمة- دار المعارف- القاهرة 1976 ص 101- 223).
2- F, egdirbmaC (yrarbiL lacissalC beoL ehT), ohtenaM, leddeW. G. W 77. p، 1940.

الخروج إنما هو ترجمة عبرية لطرد الهكسوس من مصر (1).

و لعل مما يعضد نظرية «هول» ما يؤكده «إرنست سيللين»، طبقا لبقايا فخارية عثر عليها في موقع أريحا، من أن المدينة قد دمرت حوالي عام 1500 ق. م، أو حتى بعد فترة وجيزة من عام 1600 ق. م، فيما يرى «كارل فتزينجر»، و هو مكتشف آخر موقع أريحا، و لكن «سيللين» يرفض أن يكون الإسرائيليون هم الذين دمروا أريحا (2)، كما أن «روبنسون» يرى أنه ليس من الميسور أن نضع رواية التوراة في هذا الإطار (3).

و أما الدكتور «باهور لبيب» فيذهب إلى أن الأبحاث الحديثة قد أسفرت عن أن الهكسوس من أصل سامي و موطنهم فلسطين، و أنهم من طائفة اليهود الذين جاء ذكرهم في التوراة و القرآن الكريم (4)، اعتمادا على أن «مانيتو» رأى أنهم قوم شرقيون أتوا إلى مصر من الشرق، و أنهم من بني إسرائيل، و أن أسماءهم من أصل سامي، و أن لهم علاقة بفلسطين، حيث يقطن اليهود، و أن أغلب أسمائهم التي عثر عليها بمصر من أصل سامي كنعاني، مما يدل على أنهم كانوا من أصل يمت بصلة كبيرة إلى العبرانيين، و أن هناك آلهة سامية كانت تعبد أصلا في فلسطين، و قد ظهرت في مصر على أثر غزو الهكسوس لها، فلو لم يكن الهكسوس ساميين لما نقلوا معهم آلهتهم السامية إلى مصر، كما أن استخدام الجواد و العربة في مصر إنما يرجع إلى عهد الهكسوس، هذا و قد أظهرت الحفريات في فلسطين عدة مقابر ترجع إلى أيام الهكسوس و مؤرخة بأسماء ملوكهم، و هذا دليل مادي على وجود صلة

ص: 265


1- ., nodnoL, tsaE raeN ehT fo yrotsiH tneicnA ehT, llaH. R. H 409- 406.، 1963.
2- أنظر:, nodnoL, ohcireJ, regniztaW lraC dna nilleS tsnrE 1913. و كذا. P, tic- po, sdoL. A 182.
3- .. P, learsI fo yrotsiH ehT, nosniboR. W. H 29.
4- . F, netpygeA ni soskyH red tfahcsreH eiD, bibaL ruohaP 8. p، 1934.

بين الهكسوس و اليهود في فلسطين، كما أن العبرانيين كانوا يعبدون الحمار، فإذا أمكن هذه هي كل حجج الباحثين الذين رأوا في اليهود دليلا على أنهم من أصل سامي (1).

هذه هي كل حجج الباحثين الذين رأوا في اليهود هكسوسا، أو في الهكسوس يهودا، و لعل من الأفضل قبل مناقشتنا لهذا الإتجاه، الإشارة إلى أننا لا نطمئن تماما إلى رواية المؤرخ اليهودي «يوسف بن متى» و من دعوا بدعوته، من أنهم ينقلون عن «مانيتو»، ما دمنا لا نملك النص الكامل لكتاب «مانيتو»، و الذي فقد في حريق الإسكندرية عام 48 ق. م، و قد وصلت إلينا منه مقتطفات مختصرة أحيانا، و مبتورة أحيانا أخرى، و ما دمنا، في نفس الوقت، لا نملك من الأدلة التاريخية ما يقوم دليلا على صحة ما نقله «يوسف اليهودي» و غيره، عن «مانيتو»، بل إن رواية يوسف اليهودي نفسه، و التي يزعم أنه نقلها عن مانيتو، من أن اليهود هم الهكسوس، تناقضها روايته التي أشرنا إليها من قبل، من أن سبب خروج بني إسرائيل من مصر، إنما كان رغبة المصريين في اتقاء وباء تفشى بين اليهود.

هذا فضلا عن أن يوسف اليهودي لم يقبل تفسير مانيتو لكلمة الهكسوس من أنها تعني «الملوك الرعاة» على أساس أن «هك» تعني في اللغة المقدسة «ملك»، و أن «سوس» تعني في اللغة الدارجة «راعي»، فيتابع هذا الاشتقاق باشتقاق آخر لاسم الهكسوس من مصدر آخر، بمعنى «الأسرى الرعاة» لأن كلمة «هك» تعني «أسير»، و هو يفضل هذا الاشتقاق، لأنه يعتقد أن قصة التوراة عن دخول الإسرائيليين مصر، ثم الخروج بعد ذلك، لهما أصول في احتلال الهكسوس ثم طردهما فيما بعد، و الواقع،

ص: 266


1- باهور لبيب: لمحات من الدراسات المصرية القديمة- القاهرة 1947 ص 41- 45، و كذا. P, tic- po, bibaL. P 25.

فيما يرى «سير ألن جاردنر»، العالم الحجة في اللغة المصرية القديمة، أنه على الرغم من وجود أسس لغوية للاشتقاق، فإنه قد جانبه الصواب، و أن كلمة «هكسوس» مشتقة من غير شك من اصطلاح «حقاخست»، أي «رئيس البلد الأجنبية الجبلية» التي كانت تعني منذ عهد الدولة الوسطى «مشايخ البدو» (1).

و أما أن قصة دخول بني إسرائيل مصر، ثم الخروج منها، لها صلة بدخول الهكسوس مصر، ثم الخروج منها، كما روج ذلك يوسف اليهودي، فقد كان يوسف هذا يهدف منها إلى رفع شأن قومه اليهود، الذين كان يحتقرهم الإغريق و يحطون من قدرهم، و ليبرهن للملإ أن اليهود و الهكسوس من عنصر واحد، و أنهم قد خرجوا من مصر حوالي ألف عام قبل حرب طروادة، التي يراها الإغريق تاريخا سحيقا من القدم، غير أن كثيرا من المؤرخين ينكرون الصلة بين اليهود و الهكسوس، فيذهب «جاردنر» إلى أنه ليست هناك صلة بين الاثنين، بدليل أن الهكسوس لم يتركوا أي أثر في قصص العبرانيين، كما روتها التوراة، كما أن مجي ء يوسف عليه السلام إلى مصر، إنما قد حدث، كما أثبتنا من قبل، على أيام حكم الهكسوس لمصر، هذا فضلا عن أن أحداث الملوك الرعاة (الهكسوس) لم تصور أبدا في قصة خروج بني إسرائيل من مصر، بل إن مدينة «بي رعمسيس» التي أنشأها رعمسيس الثاني (1290- 1224 ق. م)، بعد طرد الهكسوس، بحوالي ثلاثة قرون، إنما تدخل في قصة بني إسرائيل في مصر و خروجهم منها، فهي المدينة التي سخر بنو إسرائيل في بنائها، كما أنها كانت بداية مسيرة الخروج من مصر (2)، و من ثم فليس من المستحيل أن تكون اقتباسات يوسف اليهودي

ص: 267


1- , drofxO, shoarahP eht fo tpygE, renidraG. H. A 154. p، 1964.
2- خروج 1/ 11، 12/ 37.

من مانيتو، إنما توحي بأحداث وقعت فيما بعد، في أوائل عهد الأسرة التاسعة عشرة، و أنها قد اختلطت بذكر حوادث الهكسوس، و هناك ما يشير إلى مثل هذه العلاقات الموجودة في أغلب الأحيان بين مصر و أولئك البدو الذين يعيشون على تخومها، جاء ذكرها في «بردية أنسطاسى، السادسة»، و لكن ليس هناك ما يشير إلى حدوث مأساة كالتي مثلت في التوراة، كما جاءت في سفر الخروج (1).

و أما ما ذهب إليه «هول» فيناقضه أنه يتعارض تماما مع ما جاء في التوراة و القرآن العظيم بشأن دخول و خروج بني إسرائيل من مصر (2)، كما أن حملات تحوتمس الثالث (1490- 1436 ق. م) المظفرة، تكون طبقا لهذا، قد حدثت بعد استقرار بني إسرائيل نهائيا في فلسطين، و هنا فمن الصعب أن نجد تفسيرا لصمت التقاليد الإسرائيلية فيما يختص بالنزاع الذي لا يمكن تجنبه مع الفاتحين المصريين، و خاصة فيما يتعلق بإدارة البلاد بموظفين مصريين، فضلا عن وجود الحاميات المصرية في فلسطين، تلك الحقيقة التاريخية التي كانت أهميتها تظهر أكثر فأكثر (3)، هذا فضلا عن أن التوراة تجعل إقامة بني إسرائيل في مصر 430 سنة (4)، بينما يتفق العلماء الآن على أن مدة حكم الهكسوس في مصر لا تتجاوز القرن و نصف القرن (1725- 1575 ق. م) (5)، أضف إلى ذلك أن التوراة و الإنجيل و القرآن ).

ص: 268


1- , AEJ ni, suduoxE ehT fo yhpargoeG ehT, renidraG. H. A 88- 87، 1924، 10.
2- أنظر: سورة يوسف: آية 8- 22، 57- 100، سفر التكوين: الاصحاحات 37- 47، خروج: اصحاحات 12- 14.
3- . P, tic- po, sdoL. A 183- 182.
4- خروج 12/ 40- 41.
5- انظر: عن عصر الهكسوس في مصر (محمد بيومي مهران: حركات التحرير في مصر القديمة ص 137- 138، 211).

العظيم، إنما تجعل فترة التيه أربعين سنة (1)، بينما فترة التيه هنا تتجاوز القرنين من الزمان، و هي فترة أطول بكثير مما يجب، و مما افترضته التقاليد العبرانية، كما يرى «هول» نفسه (2).

و أما أدلة «باهور لبيب»، غير اعتماده على رواية مانيتو، كما نقلها يوسف اليهودي، فإنها تقوم أساسا على ما ذهب إليه من أن الهكسوس ساميون، و من فلسطين، و بالتالي فهم يهود، و الواقع أن رأيه هذا يحمل كثيرا من وجوه الخطأ، منها (أولا) أن وجود أسماء كنعانية بين الهكسوس، لا يعني أن اليهود كنعانيون، و إن كان كل منهما ينتمي إلى نفس المجموعة البشرية السامية و إن كانت التوراة ترفض، لأسباب سياسية و دينية، أن يكون الكنعانيون ساميين (3)، مع أنهم كانوا يعلمون ما بينهم و بين الكنعانيين من صلات لغوية و بشرية (4)، و منها (ثانيا) أن العبرانيين لم تكن لهم لغة خاصة بهم قبل عام 1000 ق. م، إذ كانوا يتكلمون الآرامية قبل دخولهم فلسطين، و الكنعانية بعد ذلك، كما أن اللغة العبرية نفسها، ليست إلا خليطا من الآرامية و الكنعانية و كثير من اللغات السامية و غير السامية (5)، و من ثم فإن الاعتماد على اللغة كأساس للعلاقة بين اليهود و الهكسوس، اعتماد مضلل لا يثبت تلك العلاقة، و منها (ثالثا) أن القول بأن اليهود كانوا يعبدون الحمار، قول غير صحيح، على وجه اليقين، بل إنه من المؤكد أن بني إسرائيل كانوا

ص: 269


1- أنظر: سورة المائدة: آية 26، حيث يقول تعالى: قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ، فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ، و انظر: سفر العدد 14/ 33، أعمال الرسل 7/ 36، 40.
2- .. P, tic- po, llaH. R. H 408.
3- تكوين 10/ 6.
4- أنظر: محمد بيومي مهران: الساميون و الآراء التي دارت حول موطنهم الأصلي- الرياض 1974 ص 247- 248.
5- فؤاد حسنين: التوراة الهيروغليفية ص 4، نجيب ميخائيل: المرجع السابق ص 32.

قبل دخولهم مصر موحدين، على ملة إبراهيم و إسحاق و يعقوب، قال تعالى على لسان يوسف: وَ اتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْ ءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَ عَلَى النَّاسِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (1)، و من ثم فعبادة الهكسوس للحمار أو عدم عبادتهم لا تفيدنا في معرفة العلاقة بين اليهود و الهكسوس، كما أنه ليس هناك من دليل على أن اليهود عبدوا الحمار في مصر.

و منها (رابعا) أن استخدام العربة و الحصان في عصر الهكسوس لا يدل أبدا على أن اليهود هم الهكسوس، و إن كانت الأسماء كنعانية و ليس الكنعانيون هم اليهود على أية حال، و مع ذلك فهناك من يرى أن الحصان، و ربما العربة التي تجرها الخيل، قد عرفا في وادي النيل، و في ميز و بوتاميا، قبل عصر الهكسوس (2)، بل و يذهب أمري» أن ذلك كان منذ أيام الدولة الوسطى، فقد عثر في حفرياته في منطقة بوهن (وادي حلفا) في عام 1962 م على هياكل دفنت في مستويات قديمة من أحد الحصون المصرية حددها بعصر الدولة الوسطى، و إن لم يعرفوا العربة، و إن كان أستاذنا المرحوم عبد المنعم أبو بكر (1907- 1976) طيب اللّه ثراه، يرد هذا المستوى إلى عهد الدولة الحديثة (3)، هذا فضلا عن أن هناك من يرى أن الهكسوس لم يستخدموا الحصان حتى فترة متأخرة جدا من حكمهم، و أن أقدم نص يشير إلى ذلك إنما يتحدث عن طرد الهكسوس، و أما المقابر التي وجدها «بتري» في تل العجول بجنوب فلسطين، و قد دفنت فيها الحمير مع الخيول، مع الموتى من الآدميين، و أنها تدل على استخدام الهكسوس للحصان، فهي

ص: 270


1- سورة يوسف: آية 38.
2- ,egdirbmaC II ,erneneuqeS ot ,II semenemmA fo htaeD eht morf tpygE ,seyaH .W 18. p، 1965.
3- عبد العزيز صالح: مصر و العراق ص 190، نجيب ميخائيل: المرجع السابق 1/ 407.

ترجع إلى فترة متأخرة من عهد الهكسوس، و ربما ترجع إلى بداية الدولة الحديثة، أما في مصر، فليست هناك أية دفنة لحصان واحد، أو حتى عظام حصان، في المقابر العديدة التي ترجع إلى عهد الهكسوس، كما أنه لا يوجد نقش واحد لحصان ما (1).

و منها (خامسا) أن توحيد كلمة «خابيرو» بكلمة «عابيرو»، و أنها هي نفس الكلمة الحالية «عبري»، فقد اتفقت جمهرة من العلماء على أن هؤلاء العابيرو، لم يكونوا أبدا من بني إسرائيل، و الأرجح أن الكلمة سامية لقبائل بدوية كانت تعيش في شرق الأردن، بل حتى الذين ينادون بتوحيد كلمة خابيرو بعابيرو، يرون أن الأمر غير مؤكد، و لا يمكن أن نتخذه أساسا لأية نتيجة تاريخية (2)، و منها (سادسا) أن اليهود ساميون، بينما الأمر جد مختلف بالنسبة للهكسوس فمن يؤكد أنهم سلالة آرية كان موطنها في آسيا الصغرى (3)، و من يرى أنهم من أعراب شبه الجزيرة العربية (4)، بل و يذهب المؤرخون المسلمون إلى أنهم العمالقة أو من العرب البائدة (5)، و يذهب «جاردنر» إلى أن اصطلاح «حقاخست» (حيق خاس) أي رئيس البلدية الجبلية الأجنبية يشير إلى الحكام، و ليس، كما يظن يوسف اليهودي، إلى

ص: 271


1- , ottO, E و كذا, AEJ, tpygE ni eluR soskyH ehT, hgrevredoS- evaS. T 60- 59. p، 1951، 37. oN, 333. P, II, FOFA, gnissiB noV. W. F 61. و كذا, VPDZ 259. p، 61
2- أنظر: محمد بيومي مهران: إسرائيل 1/ 22- 28، الكسندر شارف: تاريخ مصر ص 144، تيودور روبنسون: إسرائيل في ضوء التاريخ ص 108، و كذا, msiaduJ, neitspE, I 1970. F. W و كذا. P, tic- po, nosliW. J 201 و كذا. P, tic- po, nageniF. J 118. و كذا P. 14- 13, sedamoN xuerbeH sed noigileR aL, emrahD. E و كذا, TENA, thgirblA 13., on 486. p، 1966, sellexurB, E. S. N 85- 75، 1937.
3- , retpygeA red ethcihcseG, reknuJ. H 105. p، 1933.
4- F ,nodnoL ,... aisA nretseW dna tpygE ,yrotsiH nretsaE ni seidutS ,gniK .W .L 134. p، 1907.
5- تفسير القرطبي ص 427، تاريخ الطبري 1/ 335- 336، تاريخ ابن الأثير 1/ 10، 104، تاريخ ابن خلدون 2/ 27.

الجنس كله، و طالما أخطأ الباحثون في هذا الأمر، بل إن البعض منهم، كما رأينا، يرى أن الهكسوس جنس معين من الغزاة شقوا طريقهم إلى مصر، بعد أن تم لهم غزو سورية و فلسطين، و ليس هناك ما يؤكد وجهة النظر هذه، و إن بدا أن كلمات مانيتو قد تشير إلى ذلك (1)، و من هنا فإن العلماء يكادون يجمعون على أن الهكسوس ليسوا شعبا معينا، و إنما خليط من شعوب متعددة، اختلطت بعضها بالبعض الآخر و هي في طريقها إلى مصر، و هذا يبدو واضحا في أسمائهم التي تنبئ عن خليط من أجناس مختلفة، حتى و إن غلبت فيها الأسماء السامية، ففيها كذلك عناصر غير سامية، لا شك أن بعضها «كاسي»، و الآخر «حوري»، و كلا الجنسين من أصل «هندو- أوربي» نزل من أواسط آسيا، و على أية حال، فإن الساميين لا يكاد يتألف منهم العامل الرئيسي المسئول عن الزحف الجديد، و قد تغري غلبة الأسماء السامية المعروفة لنا الآن بتفوق الساميين في العدد، و لكن يمكن أن يرجع سببها لعدم كفاية الأدلة التي في متناولنا، أو لأن العناصر غير السامية قد هضمت بسرعة (2).

و منها (سابعا) أن هذا الرأي الذي يرى في طرد الهكسوس قصة خروج بني إسرائيل من مصر، إنما يتعارض تماما عما جاء في التوراة و القرآن الكريم (3)، اللذين لم يتحدثا أبدا عن دخول بني إسرائيل أرض الكنانة غزاة فاتحين، أو أن ملوك مصر كانوا يوما ما ينتمون إلى أرومة سرائيلية، و إن

ص: 272


1- . P, tic- po, renidraG. A 156.
2- أحمد فخري: مصر الفرعونية ص 187، سليم حسن: مصر القديمة 4/ 187، نجيب ميخائيل: المرجع السابق ص 402، و كذا. P, tic- po, nosliW. J 164 و كذا. P, tic- po, renidraG. A 157.
3- أنظر: سورة يوسف: آية 41- 100، تكوين: إصحاحات 37- 47، و أنظر: قصة يوسف في هذه الدراسة.

تحدثنا عن وصول يوسف الصديق إلى منصب كبير في الحكومة المصرية على أيام الهكسوس كما أشرنا إلى ذلك من قبل، كما تحدثنا عن دخول بني إسرائيل مصر، و قد عضهم الجوع في أرض كنعان، فأتوا إلى أرض النيل يلتمسون المأوى و الشبع، و قد حققت لهم مصر ما يريدون، و تلك عادتها طوال عصور التاريخ، و منها (ثامنا) أن التوراة تتحدث في سفر التكوين أن الرب أخبر خليله إبراهيم بأن بني إسرائيل سوف تكتب عليهم الذلة و المسكنة في مصر فترة قوامها قرونا أربعة، زادها سفر الخروج ثلاثين عاما، كما تحدثت عن خروج القوم من مصر، و قد كانوا في عجلة من أمرهم، حتى أنهم ما كانوا قادرين على أن ينتظروا حتى يختمر عجينهم، و من ثم فقد خرجوا دون أن يصنعوا لأنفسهم زادا (1)، و قد أشار القرآن الكريم إلى أن الإسرائيليين قد خرجوا من مصر بأمر اللّه ليلا قال تعالى في سورة الدخان:

فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ، و قال تعالى: وَ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (2).

و منها (تاسعا) أن التوراة تجعل من مدينة «بي رعمسيس» نقطة التجمع التي بدا منها بنو إسرائيل الخروج من مصر (3)، و هذه لم تنشأ، كما أشرنا من قبل، إلا على أيام «رعمسيس الثاني» (1290- 1224 ق. م)، و منها (عاشرا) أن التوراة و القرآن العظيم يصفان حياة بني إسرائيل في مصر، بكل الذل و الهوان، تقول التوراة «فاستعبد المصريون بني إسرائيل بعنف، و مرروا حياتهم بعبودية قاسية في الطين و اللبن و كل عمل في الحقل، كل عملهم الذي عملوه بواسطتهم عنفا» (4)، و كان الهدف، فيما يرى جيمس

ص: 273


1- تكوين 15/ 13، خروج 12/ 31- 40.
2- سورة الشعراء: آية 52، و أنظر سورة طه: آية 77.
3- خروج 12/ 37.
4- خروج 1/ 13- 14، 23- 24.

فريرز، أن المصريين أرادوا أن يحولوا دون تكاثرهم عن طريق تشغيلهم في الأعمال الشاقة التي ربما قضت عليهم، و لما فشلت هذه المعاملة في تحقيق النتيجة المرغوبة، أمر الملك بقتل الذكور من أطفالهم إثر ولادتهم، غير أن القابلات اللاتي كلفن بذلك كن يتهربن في تنفيذه (1)، و من ثم فقد أمر فرعون شعبه جميعا بأن «كل ابن يولد تطرحونه في النهر، لكن البنت تستحيونها» (2)، و إلى هذا يشير القرآن الكريم في قوله تعالى: وَ إِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ، يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَ يَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ، وَ فِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (3)، و كان من نتائج ذلك كله، أن غدا العرف الشائع بين العبرانيين أنهم يتشاءمون تشاؤما تقليديا بالأيام التي قضوها بمصر، و يحسبونها بلية البلايا، و محنة المحن في تاريخهم كله، من عهد إبراهيم الخليل إلى عهد النازية الهتلرية، أي طوال أربعين قرنا، من القرن العشرين قبل الميلاد إلى القرن العشرين بعد الميلاد، و قد مرت بهم محنة السبي إلى وادي النهرين، و لكنهم لا يتشاءمون بها، كما تشاءموا بالمقام في مصر، و لا يجعلون الخروج من بابل (عام 539 ق. م) عيدا باقيا متجددا، كعيد الخروج من أرض وادي النيل في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، و هكذا كان الخروج من مصر أكبر أعياد اليهود، عيد الفصح، في الرابع عشر من شهر نيسان (أبريل) بين العشاءين.

و هكذا نستطيع أن نقول، دون أن يخالجنا ريب فيما نقول، أن دعوى ).

ص: 274


1- جيمس فريزر: الفلكور في العهد القديم- القاهرة 1974 ص 5 (مترجم) و انظر: خروج 1/ 15- 21.
2- خروج 1/ 22.
3- سورة البقرة: آية 49، و انظر: سورة الأعراف: آية 141، سورة القصص: آية 4 عباس محمود العقاد: الثقافة العربية أسبق من ثقافة اليونان و العبريين- القاهرة 1960 ص 58، و انظر: عن هذا الرأي الأول (محمد بيومي مهران: إسرائيل 1/ 361- 376).

يوسف اليهودي في الربط بين الهكسوس و أجداده العبرانيين لم تكن إلا من نوع تلك الدعاوي الكذوب التي لا يزال يحذقها أحفادهم الصهاينة المحدثون، و أنه ليست هناك صلة بين الهكسوس و اليهود، و ذلك لأن اليهود لم يكونوا وقت ذاك قد استوطنوا فلسطين كقوم لهم كيان يستطيعون أن يحتلوا دولة كبرى كمصر، بل أكبر و أعظم دول الشرق الأدنى القديم قاطبة، الأمر الذي لم يكتب لهم أبدا، بل إنهم لم يكونوا حتى هذه المرحلة إلا مجموعة من الرحل الذين يستقرون على أطراف إقليم زراعي بموافقة أصحابه، و هم في مركز الرعايا الخاضعين، إن لم يكونوا العبيد المستذلين، و ما حدثنا التاريخ من قبل و من بعد عن مستعمر يستذل في أرض يستعمرها، و من هنا فإننا نستبعد هذا الرأي تماما، و لا نرى أن خروج بني إسرائيل من مصر، بقيادة موسى عليه السلام، و كاموزا و أحمس الأول، و بالتالي فإن أحمس الأول ليس هو فرعون موسى.

[2] الرأي الثاني: تحوتمس الثالث هو فرعون موسى:-

يذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن فرعون موسى هو تحوتمس الثالث (1490- 1436 ق. م) أو ابنه «أمنحتب الثاني» (1436- 1413 ق. م) (1) اعتمادا على نص التوراة «و كان في سنة الأربع مائة و الثمانين لخروج بني إسرائيل من أرض مصر في السنة الرابعة لملك سليمان على بني إسرائيل، في شهر زيو، هو الشهر الثاني أنه بنى البيت للرب» (2)، و لما كان حكم سليمان يقع في الفترة (972- 936 ق. م) (3)، فالعام الرابع إذن هو عام 967 ق. م

ص: 275


1- قاموس الكتاب المقدس 2/ 933.
2- ملوك أول 6/ 1.
3- يختلف المؤرخون في فترة حكم سليمان، فيرى فضلو حوراني أنها في الفترة (974- 932 ق. م) و يرى حسن ظاظا أنها في الفترة (973- 936 ق. م) و يرى شموكل أنها في الفترة (970- 932 ق. م) و يرى فيلب حتى أنها في الفترة (963- 923 ق. م) و يرى هيتون أنها في الفترة (961- 922 ق. م) و يرى أولبرايت أنها في الفترة (960- 922 ق. م) و هكذا.

(أو عام 967/ 966 ق. م)، و بالتالي فالخروج في عام 1446 أو 1447 ق.

م (1)، إذا ما عدنا إلى الوراء 480 عاما، و من ثم فالخروج تم في عهد تحوتمس الثالث (1490- 1436 ق. م) أو بالأحرى في العقد الأخير من عهده.

و يرى أصحاب هذا الإتجاه أن الصورة التي تقدم لتحوتمس الثالث كفرعون لموسى مقبولة تماما، لأنه كان بناء عظيما، و لأنه استخدم الأسرى الأسيويين في مشروعاته البنائية، و لأن مدة الأربعين سنة التي قدرت لفترة التيه (2)، تجعل الإسرائيليين يصلون إلى كنعان حوالي عام 1400 ق. م، و من هنا يمكن توحيد العبرانيين (العابيرو) بالخابير و الذين كانوا يضغطون على كنعان وقت ذاك (3)، هذا إلى جانب ما يقوله «جون جارستلنج» من أنه قد كشف في مقابر أريحا الملكية ما يشير إلى أن موسى قد انتشلته من الماء الأميرة المصرية «حتشبسوت» عام 1527 قبل الميلاد، على وجه التحقيق، و أنه قد تربي في بلاطها بين حاشيتها، ثم فر من مصر حين جلس على العرش المصري عدوها، تحوتمس الثالث، و يعتقد «جارستانج» كذلك أن المخلفات التي وجدت في قبور أريحا (جريكو ohcireJ) تؤيد ما جاء في الإصحاح السادس عشر من سفر يشوع، و أن هذه البقايا ترجع إلى حوالي عام 1400 ق. م، و أن الخروج تم عام 1447 ق. م (4). ).

ص: 276


1- أنظر:, JEI, reviL. J 122- 113. p، 1953، 3. و كذا, ROSAB, thgirblA'. F. W 22- 16. p، 1945، 100. و كذا., SENJ, eleihT. R. E 184- 147. p، 1944، 3.
2- خروج 16/ 35، تثنية 2/ 7، يشوع 5/ 6.
3- , hgrubnidE, sudoxE eht fo etaD ehT, kcaJ. W. J 1925. و كذا. P, tic- po, nageniF. J 118- 117.
4- ول ديورانت: قصة الحضارة- الجزء الثاني- ترجمة محمد بدران- القاهرة 1961 ص 326، و انظر: عن هذا الرأي الثاني (محمد بيومي مهران: إسرائيل 1/ 377- 390).

هذا و يؤيد «هومل» و «أور» هذا الرأي، مع بعض الاختلافات، فهما يذهبان إلى أن دخول بني إسرائيل مصر، و غزو الهكسوس لها، إنما كان في عام 1877 ق. م، و أن الخروج، طبقا لرواية التوراة التي تجعل إقامة الإسرائيليين في مصر 430 سنة، إنما كان في عام 1447 ق. م، في عهد الملك أمنحتب الثاني، و أن غزو فلسطين تم بعد ذلك بأربعين سنة و هذا بالضبط عصر رسائل العمارنة (1)، ثم بدأ سليمان في بناء معبده بعد خروج أسلافه من مصر ب 480 سنة، أي في عام 967 ق. م (2).

و لعل قريبا من هذا ما يراه «أونجر» من أن موسى عليه السلام ولد في عام 1520 قبل الميلاد، على أيام الملك تحوتمس الأول (1528- 1510 ق. م) و أن ابنة فرعون التي أنجته هي حتشبسوت، و أن اضطهاد بني إسرائيل قد بدأ بعد أن نشب النزاع بين حتشبسوت و تحوتمس الثالث، ثم وصول الأخير إلى العرش المصري، و من ثم فإن «أونجر» يحدد تاريخ الخروج بعام 1441 ق. م، على أيام أمنحتب الثاني الذي يراه قد حكم في الفترة (1450- 1425 ق. م)، و أن أباه تحوتمس الثالث قد حكم في الفترة (1482- 1450 ق.

م) (3).

و رغم جاذبية هذه النظرية، فيما يرى البعض، إلا أننا نعتقد أن هناك عقبات كئود تقف في طريق قبولنا لها، و التي منها (أولا) أن توحيد «عابيرو» رسائل العمارنة بعبراني التوراة أمر بعيد الاحتمال، كما أشرنا آنفا، و منها (ثانيا) أن رسائل «عبد خيبا» أمير أورشليم من قبل الفرعون إنما تفيد أن

ص: 277


1- أنظر: عن رسائل العمارنة و عصرها (محمد بيومي مهران: إخناتون- الإسكندرية 1979 ص 233- 245).
2- خروج 12/ 40، ملوك أول 6/ 1، و كذا .P ,tic -po ,sdoL .A ,aveneG ,tnematseT dlo eht fo melborP eht ,rrO 182. و كذا 424- 422. p، 1908
3- , yranoitciD elbiB s'regnU, regnU. F. M 333- 332. p، 1970.

مدينته كانت عرضة لهجوم كبير (1)، هذا مع أن رواية التوراة يفهم منها أورشليم لم تكن هدفا رئيسيا بالنسبة إلى يشوع، بل إن احتلالها، طبقا لرواية التوراة لم يتم إلا على أيام داود عليه السلام (2)، و منها (ثالثا) أن التفاصيل التي يقدمها سفر يشوع و القضاة عن الاستيطان الإسرائيلي النهائي في فلسطين، لا يتفق بصفة عامة مع المادة التاريخية التي جاءت في رسائل العمارنة، فمثلا أسماء الملوك الكنعانيين التي جاءت في سفري يشوع و القضاة، إنما تختلف عن أسماء الأمراء الذين حكموا نفس المدن أثناء عهد أمنحتب الثالث و ولده إخناتون، فمثلا «عبدي خيبا» من رسائل العمارنة (3)، هو «أدوني صادق» من يشوع، أو «أدوني بازاق» في القضاة (4)، و كذلك حاكم «جارز» هو «يباخي» أو «يباخو» في رسائل العمارنة (5)، و هو «هورام» في يشوع (6)، و حاكم صور هو «عيد تيرش» في رسائل العمارنة (7)، و هو «يابين» في سفري يشوع و القضاة (8) ... و هكذا.

و منها (رابعا) أن نص سفر الملوك الأول (6/ 1) و الذي يحدد الفترة من الخروج و حتى بناء المعبد في العام الرابع من حكم سليمان بمدة 480

ص: 278


1- محمد بيومي مهران: إسرائيل 2/ 826- 827، إخناتون ص 233، و كذا ,giapieL ,nlefaT anramA -lE eiD ,rebeW .o dna noztdnuK .A .J ,thgirblA .F .W و كذا. P, TENA 489- 487, otnoroT, II, stelbaT anramA- le lleT eht, recreM. B. A. S 727، 721. p، 1934 و كذا 877. p، 1915.
2- محمد بيومي مهران: إسرائيل 2/ 828- 839، و كذا, III, HAC ni, retsilacaM. S. A. R 346- 342. p، 1965 و كذا. P, tic- po, nageniF. J 118.
3- . P, TENA 489- 487.
4- يشوع 10/ 1، قضاة 1/ 5- 7.
5- . P, TENA 490.
6- يشوع 10/ 33.
7- . P, tic- po, sdoL. A 184- 182. و كذا. P, tic- po, kooC. A. S 7- 356.
8- يشوع 11/ 1، قضاة 4/ 2.

سنة، يناقضه، فيما يرى سبينوزا، من يجعل هذه الفترة نفسها 440 سنة، كما أن هذه المادة، طبقا لنصوص من التوراة تصل إلى 580 سنة (1)، و من ثم فقد رأى البعض أن مدة أل 480 سنة، إنما هي عنصر متأخر في النص، و أن الترجمة السبعينية للتوراة قد وضعته في مكان آخر، و من ثم فربما كان تخمينا لأحد المؤلفين المتأخرين نسبيا، و الذي ربما قد استخلصها من السجلات التوراتية، ذلك لأن هناك فترة اثنى عشر جيلا تقع ما بين الحادثين (الخروج و بناء المعبد)، و أنه قد أعطى لكل جيل كتقدير أعلى أربعين عاما، فكانت النتيجة 480 عاما (40 x 12- 480 عاما)، و من ثم فنفس الشي ء يكون صحيحا في حالة التقويمات المتصلة في أسفار يشوع و القضاة و صموئيل، و التي تقوم على نفس التقدير، أي 40 عاما لكل جيل (2)، و هناك افتراض آخر، هو أن أل 480 عاما، ربما تشير إلى الوقت الذي دخلت فيه مجموعة مبكرة، ربما يهودا أو قبائل أخرى، إلى فلسطين من الجنوب، و هذا يفصلها عن قبائل «بيت يوسف» التي خرجت من مصر تحت قيادة موسى و يسوع، كما يجعلها سابقة لها، و لو أن التقاليد التوراتية، و كذا آي الذكر الحكيم، تجعل الحادثتين مرتبطتين معا في النهاية (3).

و منها (خامسا) أن الخروج، طبقا لهذه النظرية، كان في عام 1447 ق. م، و إذا سمحنا بفترة 430 سنة للإقامة في مصر، طبقا لرواية التوراة (4)، فإننا سوف نصل إلى عام 1877 ق. م، كما رأى هومل و أور، و هذا يصل بنا إلى قرابة قرن و نصف القرن قبل دخول الهكسوس مصر، و إنه لأمر غير

ص: 279


1- باروخ سبينوزا: رسالة في اللاهوت و السياسة- القاهرة 1971 ص 290- 296 (مترجم).
2- , nodnoL, auhsoJ ot hpesoJ morF 1950، و كذا. P, tic- po, nageniF. J, yelwoR. H. H 121- 120 F 147، F 139. P.
3- . P, tic- po, nageniF. J 118.
4- خروج 12/ 40.

مقبول أن يدخل بنو إسرائيل مصر قبل عصر الهكسوس، لأسباب سبق لنا مناقشتها عند الحديث عن يوسف عليه السلام، هذا فضلا عن أن دخول بني إسرائيل مصر عام 1877 ق. م، فإن ذلك يجعل دخولهم على أيام الأسرة الثانية