دراسات تاريخية من القرآن الكريم - المجلد1

هوية الکتاب

بطاقة تعريف: مهران محمدبيومي

عنوان واسم المؤلف: دراسات تاريخية من القرآن الكريم محمدبيومي مهران

تفاصيل المنشور: بيروت : دارالنهضة العربيه ، ق 1408 = .م 1988 = .1367.

خصائص المظهر: ج 4

حالة الاستماع: القائمة السابقة

ملحوظة : كتابنامه مندرجات : ج 1. بلاد العرب --.ج 2. مصر --.ج 3. في بلاد الشام -- .ج 4. في العراق

موضوع : قرآن -- قصه ها

ترتيب الكونجرس: BP88/م86د4 1367

رقم الببليوغرافيا الوطنية: م 81-8979

ص: 1

اشارة

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الثانية

١٤٠٨ ه_ - ١٩٨٨ م

دار النهضة العربية

للطباعة والنشر

بروت - ص.ب ١١٠٧٤٩

الإدارة : بيروت، شارع مدحت باشا بناية

كريدية، تلفون: 303816

312213 /309830

برقياً : دانهضة ، ص . ب ٧٤٩-١١

تلکس : NAHDA 40290 LE

29354 LE

المكتبة : شارع البستاني، بناية اسكندراني

رقم ٣ غربي الجامعة العربية،

تلفون : ٣١٦٢٠٢

المستودع : بشر حسن ، تلفون : 833180

ص: 2

ص: 3

ص: 4

[الجزء الاول]

تقديم

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم و الصلاة و السلام على محمد المبعوث رحمة للعالمين لا ريب في أن القرآن الكريم كمصدر تاريخي، إنما هو أصدق المصادر و أصحها على الإطلاق، فهو موثوق السند، ثم هو قبل ذلك و بعده، كتاب الله الذي «لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (1)».

و من ثم فلا سبيل إلى الشك في صحة نصه بحال من الأحوال، لأنه ذو وثاقة تاريخية لا تقبل الجدل، ذلك لأن القرآن الكريم إنما دون في البداية بإملاء الرسول- صلوات الله و سلامه عليه- و تلي فيما بعد و حمل تصديقه النهائي قبل أن ينتقل- عليه أفضل الصلاة و السلام- إلى الرفيق الأعلى (2)، و لأن القصص القرآني إنما هو أنباء و أحداث تاريخية لم تلتبس بشي ء من الخيال، و لم يدخل عليها شي ء غير الواقع (3).

ثم إن الله سبحانه و تعالى قد تعهد بحفظه دون تحريف أو تبديل، يقول عزّ من قال: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (4)»، و يقول «إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ، فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (5)»، و من ثم فلم يصبه ما أصاب الكتب الماضية من التحريف و التبديل و انقطاع السند، حيث لم يتكفل اللّه بحفظها، بل وكلها إلى حفظ الناس، فقال

ص: 5


1- سورة فصلت: آية 42
2- محمد عبد اللّه دراز: مدخل إلى القرآن الكريم ص 49
3- عبد الكريم الخطيب: القصص القرآني ص 52
4- سورة الحجر: آية 9
5- سورة القيامة: آية 17- 19

تعالى: «وَ الرَّبَّانِيُّونَ وَ الْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ (1)»، أي بما طلب إليهم حفظه.

و السر في هذه التفرقة أن سائر الكتب السماوية جي ء بها على التوقيت لا التأييد، و أن هذا القرآن جي ء به مصدقا لما بين يديه من الكتب، و مهيمنا عليها، و صدق الله العظيم حيث يقول «وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ (2)» و من هنا كان القرآن الكريم جامعا لما في هذه الكتب من الحقائق الثابتة، زائدا عليها بما شاء الله زيادته، و كان سادا مسدها، و لم يكن شي ء منها يسد مسده، فقضى الله أن يبقى حجة إلى قيام الساعة، و إذا قضى اللّه أمرا يسر له أسبابه، و هو الحكيم العليم (3).

و مع ذلك كله- و يا للعجب- فإن ميدان الدراسة في التاريخ القديم، قد حرم من هذا المنهل الغزير، ربما لأن هذا الميدان إنما قد ظلّ إلى عهد قريب يكاد يكون مقصورا على المستشرقين، و تلاميذهم من العرب غير المسلمين، و إن هؤلاء و أولئك لم يتطرقوا في دراساتهم إلى الأحداث التاريخية التي جاء ذكرها في القرآن الكريم، ربما لأن هذه الدراسة بعيدة عن أغراضهم، أو لأن مجال البحث فيها قد لا يستهويهم لسبب أو لآخر، أو لأن العرب منهم إنما كانوا يحسون بحرج إن تناولوا أحداث القرآن التاريخية بالبحث و الدراسة.

و أيا ما كان السبب، فإن ميدان البحث في التاريخ القديم، إنما قد 14

ص: 6


1- سورة المائدة: آية 44
2- سورة المائدة: آية 48
3- محمد عبد اللّه دراز: النبأ العظيم ص 13- 14

خسر بذلك أصح مصادره و أصدقها على وجه الإطلاق، هذا فضلا عن أن الموقف إنما بقي كما هو، حتى بعد أن دخل نفر من المسلمين ميدان التخصص في التاريخ القديم، و حتى بعد أن حاولت قلة نادرة منهم- ربما لا يتجاوز عددها الواحد أو الاثنين- أن تعتمد في كتاباتها على ما جاء من محكم التنزيل، فقد ظل المتخصصون في تاريخ الشرق الأدنى القديم، يعتمدون على المصادر التقليدية لدراسة هذا الفرع من فروع الدراسات التاريخية، و لم يكن القرآن الكريم منها، على أي حال.

و من عجب، فإن المؤرخين المحدثين- الاوربيين منهم و الشرقيين، المسلمين و غير المسلمين- إنما ينظرون إلى التوراة، و كأنها المصدر الأساسي لدراسة فترات معينة من تاريخ الشرق الأدنى القديم، رغم أنهم يجمعون- او يكادون- على أنها غير موثوقة السند، و رغم ان هناك مئات من الأبحاث التي كتبها المؤمنون بالتوراة- فضلا عن غير المؤمنين بها- و هي جميعا إنما تثير جدلا طويلا حول وثاقة نصها، بل حول نسبة هذا النص لهذا الشخص أو ذاك (1).

و رغم ذلك كله، لم يفكر واحد من هؤلاء المؤرخين في أن يرجع إلى القرآن الكريم، ذلك الكتاب السماوي العظيم، الذي تجمع آراء العلماء في العالم كله على وثاقة نصه، أو كما يقول «سير وليم موير»- و هو من أشد المتعصبين ضد الإسلام- «إن العالم كله ليس فيه كتاب غير القرآن الكريم ظل أربعة عشر قرنا كاملا بنص هذا مبلغ صفائه و دقته» (2)

ص: 7


1- أنظر عن التوراة كتابنا «إسرائيل» ص 19- 159 (القاهرة 1973)
2- محمد حسين هيكل: الصديق ابو بكر، القاهرة 1964 ص 323 و كذا 1923 ,hgrubnidE ,malsI fo yrotsiH dna dammahoM fo efiL ehT ,riuM mailliW riS

و يعود العالم الإنكليزي مرة أخرى ليؤكد أن المصحف الذي جمعه عثمان قد تواتر انتقاله من يد ليد حتى وصل إلينا بدون أي تحريف، و أنه قد حفظ بعناية شديدة بحيث لم يطرأ عليه أي تغيير على الإطلاق في النسخ التي لا حصر لها و المتداولة في البلاد الإسلامية الواسعة، فلم يوجد إلا قرآن واحد لجميع الفرق الإسلامية في كل العصور و كل الأزمان (1)، و هذا الاستعمال الإجماعي لنفس النص المقبول من الجميع يعدّ أكبر حجة و دليل على صحة النص المنزل الموجود معنا (2).

و يؤكد «لوبلوا» أن القرآن الكريم هو اليوم الكتاب الرباني الوحيد الذي ليس فيه أي تغيير (3)، كما يقرر «نولدكه» أن النص القرآني

(1) قارن ذلك بما هو معترف به عن التوراة من جميع المؤمنين بها، حيث ترى أن هناك نسختين للتوراة عند اليهود، الواحدة لليهود و العبرانيين، و الأخرى لليهود السامريين، و كل منهما تختلف عن الأخرى في عدد أسفارها و في كثير من نصوصها، و لم يكن الأمر عند المسيحيين- و هم من المؤمنين بها إيمانهم بأناجيلهم المختلفة- بأفضل منه عند اليهود، ذلك لأن هناك على الأقل طبعتين للتوراة (العهد القديم)، الواحدة تستعملها الكنائس البروتستانتية، و الأخرى تستعملها الكنائس الكاثوليكية و الارثوذكسية الشرقية، و التي تزيد عن الأولى بأسفار عدة، اعتبرها البروتستانت أسفارا زائفة (أبو كريفا)، هذا فضلا عن الاختلاف في عدد إصحاحات أسفار توراة البروتستانت عنها في توراة الكاثوليك، بل إن أسماء الأسفار نفسها كانت- و لا تزال- موضع خلاف بينهما، و اخيرا فهناك الاختلاف في ترتيب الأسفار عند اليهود عنها عند المسيحيين (انظر: كتابنا «إسرائيل» ص 20- 21، قاموس الكتاب المقدس 1/ 451 (بيروت 1964) حسن ظاظا: الفكر الديني الإسرائيلي، القاهرة 1971، ص 248- 249، حبيب سعيد: المدخل الى الكتاب المقدس، القاهرة ص 67- 68، فؤاد حسنين: التوراة الهيروغليفية، القاهرة 1968 ص 14- 15، و كذا-

ص: 8


1- 144. P, 1970, ogacihC, yranoitciD elbiB s'regnU, regnU. F. M
2- محمد عبد اللّه دراز: مدخل الى القرآن الكريم ص 40، و كذا 33 .P ,naroK eL te tamohaM ,erialiH .tS .B .dammahoM fo efiL ehT ,riuM .W
3- محمد عبد اللّه دراز: المرجع السابق ص 40 و كذا. 47. P, 1887, siraP, euqiarbeH elbiB al te naroK el, siobbeL

إنما بقي على أحسن صورة من الكمال و المطابقة (1).

هذا و يؤكد العلماء في كل أنحاء الدنيا أن المصحف الذي كتب على أيام أبي بكر الصديق، هو نفس المصحف الذي كتب على أيام الرسول- صلوات الله و سلامه عليه- و هو نفس المصحف الذي كتب على أيام عثمان، و بالتالي فإن كل قراءة قرآنية يجب أن تكون متفقة مع نصه، و أن الشك فيه كفر، و أن الزيادة عليه لا تجوز، و أنه القرآن المتواتر الخالد إلى يوم القيامة (2).

و ليس من شك في أن القرآن الكريم، أنما يقدم لنا- عن طريق القصص القرآني- معلومات هامة و صحيحة تماما عن عصور ما قبل الإسلام، و أخبار دولها، أيدتها الكشوف الحديثة كل التأييد، و على سبيل المثال، فإنه يقدم لنا- عن طريق قصة الكليم عليه السلام- كثيرا من المعلومات الملكية الإلهية في مصر الفرعونية، و عن الأحوال السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية فيها (3)، و الأمر كذلك بالنسبة إلى قصة الخليل- صلوات الله و سلامه عليه- حيث يقدم لنا الكثير من المعلومات عن العراق القديم (4).

ص: 9


1- أنظر: 16. P, 1961, snarauQ sed eihcihcseG, ekedleoN. T
2- محمد أبو زهرة: القرآن ص 43، تفسير القرطبي 1/ 80- 86، فتاوى ابن تيمية 13/ 420- 421، محمد حسين هيكل: حياة محمد ص 51- 55، و انظر كذلك: XXIX- VIX. P. P, tic- po riuM. W
3- انظر عن قصة موسى (البقرة: آية 47- 74، الأعراف: آية 103- 155، يونس: آية 75- 93، طه: آية 9- 99، الشعراء: آية 10- 68، القصص: آية 3- 44، غافر: آية 23- 54)
4- انظر عن قصة إبراهيم (البقرة: آية 258، الأنعام: آية 74- 83، إبراهيم: آية 35- 41، مريم: آية 41- 50، الأنبياء: آية 51- 73، الشعراء: آية 69- 89، الصافات: آية 83- 113.

و أما عن بني إسرائيل، فليس هناك من شك في أنه ليس هناك كتاب سماوي- حتى التوراة نفسها- قد فصل الحديث عن بني إسرائيل، و أفاض في وصف يهود و أحوالهم و أخلاقهم، و أبان مواقفهم من الأنبياء، كما فعل القرآن الكريم، و صدق الله العظيم حيث يقول «إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (1)».

و أما عن بلاد العرب، فإنك تجد في كتاب الله الكريم تعالى جملة من الآيات الكريمة، تتحدث عن مملكة سبأ- في جنوب شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام- هذا إلى أن القرآن الكريم قد انفرد- دون غيره من الكتب المقدسة المتداولة اليوم- بذكر أقوام عربية بادت- كقوم عاد (2) و ثمود (3)- فضلا عن قصة أصحاب الكهف (4)، و سيل العرم (5)، و قصة أصحاب الأخدود (6)، إلى جانب قصة أصحاب الفيل (7)، و هجرة الخليل و ولده إسماعيل عليهما السلام، إلى الأرض الطاهرة في الحجاز، ثم إقامة إسماعيل هناك (8) و صدق الله العظيم حيث يقول «تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَ لا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا، فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (9)»، و حيث يقول «ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَ ما كُنْتَ

ص: 10


1- سورة النمل: آية 76
2- انظر: الأعراف: آية 65، هود: آية 50- 60، الشعراء: آية 123- 140
3- انظر: الأعراف: آية 73- 79، هود: آية 61- 68، الشعراء: آية 141- 159
4- سورة الكهف: آية 9- 26
5- سورة سبأ: آية 15- 19
6- سورة البروج: آية 4- 10
7- سورة الفيل
8- انظر: سورة البقرة: آية 124- 131، سورة إبراهيم: آية 35- 41
9- سورة هود: آية 49

لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (1)».

غير أن ذلك كله لا يعني بحال من الأحوال، أن القرآن الكريم كتاب تاريخ، يتحدث عن أخبار الأمم، كما يتحدث عنها المؤرخون، و إنما هو كتاب هداية و ارشاد للتي هي أقوم (2)، أنزله اللّه سبحانه و تعالى ليكون دستورا للمسلمين، و منها جا يسيرون عليه في حياتهم، و يدعوهم إلى التوحيد (3)، و إلى تهذيب النفوس، و إلى وضع مبادئ للأخلاق (4)، و ميزان للعدالة (5)، و استنباط لبعض الأحكام (6)، فإذا ما عرض لحادثة تاريخية، فانما للعبرة و العظة (7).

و مع ذلك فيجب ألا يغيب عن بالنا- دائما و أبدا- أن القصص القرآني إن هو الا الحق الصراح، و صدق الله العظيم حيث يقول «وَ مَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً (8)» و يقول «إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ (9)» و يقول «نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ (10)» و يقول «وَ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ

ص: 11


1- سورة آل عمران: آية 44
2- سورة الإسراء: آية 9
3- انظر مثلا: في قصة نوح (سورة نوح: آية 2- 20) و في قصة يوسف (سورة يوسف آية 37- 40) و في قصة عيسى (النساء: آية 171- 172، آل عمران: آية 59، المائدة: آية 71، 76)
4- انظر مثلا: سورة البقرة: آية 44، الأعراف: آية 85- 87، هود: آية 84- 88
5- انظر مثلا في قصة داود (سورة ص: آية 21- 26)
6- انظر مثلا في قصة هابيل و قابيل: سورة المائدة: آية 27- 32، 42- 50، البقرة: آية 178- 179
7- انظر: عن أهداف القرآن و مقاصده: تفسير المنار 1/ 206- 293
8- سورة النساء: آية 87
9- سورة آل عمران: آية 62
10- سورة الكهف: آية 13

الكتاب هو الحق (1)» و يقول «إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ (2)» و يقول «تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ، فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَ آياتِهِ يُؤْمِنُونَ (3)» و يقول «وَ آمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ (4)» و يقول «تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (5)» و يقول «نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ (6)».

و يعلم الله، أنني منذ التحقت بقسم التاريخ في جامعة الاسكندرية، في الخمسينات من هذا القرن العشرين، كنت أسائل نفسي- عند ما أدرس أحداثا تاريخية تعرض لها القرآن الكريم بالإيجاز أو التفصيل- لم لم يرجع المؤرخون المسلمون- و فيهم الكثيرون ممن حفظوا كثيرا أو قليلا من القرآن الكريم بحكم نشأتهم الدينية، و عرفوا الكثير مما جاء من محكم التنزيل بحكم دراساتهم العلمية- أقول لم لم يرجعوا إلى ما جاء في القرآن الكريم عن هذه الأحداث؟ على الأقل ليتثبتوا من صحتها او عدم صحتها، طبقا لما جاء عنها في كتاب الله الكريم، و لكني لم أكن أهتدي إلى نوع من الإجابة يرضيني، أو على الأقل ينير أمامي الطريق، أزاء موقفهم هذا.

و بقيت كذلك في حيرة من أمري، حتى أكملت دراساتي العليا، و عينت مدرسا للتاريخ القديم بجامعة الإسكندرية في أخريات الستينات من هذا القرن العشرين، و بدأت اتجه نحو القرآن العظيم، نحو المصدر

ص: 12


1- سورة فاطر: آية 31
2- سورة الزمر: آية 2، و انظر الآية 41
3- سورة الجاثية: آية 6
4- سورة محمد: آية 2
5- سورة البقرة: آية 252
6- سورة آل عمران: آية 3

الذي يعلو فوق كل المصادر، و يبدو أنه مما يسر لي ذلك أن تخصصي إنما كان في تاريخ مصر و الشرق الأدنى القديم، فضلا عن نشأتي في بيئة إسلامية محافظة، في الصعيد الاقصى من أرض الكنانة، هيأت لي المناخ المناسب لحفظ القرآن الكريم، و لم أكن قد تجاوزت العاشرة من عمري بكثير، هذا إلى جانب دراسات إسلامية، قضيت فيها الشطر المبكر من حياتي العلمية في معاهد المعلمين، و أخيرا فلقد كان وجودي بين اعضاء هيئة التدريس في قسم التاريخ، بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، فرصة طيبة، و حاسمة، للاتجاه إلى دراسة الأحداث التاريخية، التي جاءت في القرآن الكريم.

و هكذا عقدت العزم- بعد أن استخرت اللّه سبحانه و تعالى- على أن أكتب في الأحداث التاريخية التي تعرض لها القرآن الكريم- دون غيرها- سلسلة من الأبحاث تحت عنوان «دراسات تاريخية من القرآن الكريم (1)» في خمسة أجزاء، و التي أرجو أن يوفقني اللّه إلى اخراجها في صورة طيبة، و على النحو التالي:- 1- دراسات تاريخية من القرآن الكريم- الجزء الأول- في بلاد العرب 2- دراسات تاريخية من القرآن الكريم- الجزء الثاني- في العراق

ص: 13


1- يعني هذا العنوان أن هذه الدراسة في أجزائها الخمسة، لن تتعرض للأحداث التاريخية التي جاءت في غير القرآن الكريم، و إنما سوف تكون مقصورة- إن شاء اللّه- على ما جاء من محكم التنزيل من أحداث دينية و سياسية، و اقتصادية و اجتماعية ... الخ، في بلاد العرب و في العراق و في مصر و في سورية، ثم يكون ختام المسك من هذه السلسلة، سيرة أشرف الأولين و الآخرين، نبي الرحمة و رسول السلام، رسول اللّه، صلى اللّه عليه و سلّم، كما جاءت في القرآن الكريم: و لعل هذه الإشارة الموجزة إنما توضح عنوان هذه السلسلة (دراسات تاريخية من القرآن الكريم)، أي التاريخ الذي جاء في القرآن الكريم فحسب، دون التعرض فيها لما جاء في المصادر التاريخية التقليدية، و لم يرد له ذكر في القرآن العظيم.

3- دراسات تاريخية من القرآن الكريم- الجزء الثالث- في مصر 4- دراسات تاريخية من القرآن الكريم- الجزء الرابع- في سورية (فلسطين).

5- دراسات تاريخية من القرآن الكريم- الجزء الخامس- في السيرة النبوية الشريفة.

و أما هذا الجزء الأول من هذه السلسلة، فإنما يتعرض للأحداث التي أشار إليها القرآن، و التي كانت أرض العروبة، و موطنها الأول، مسرحا لها، و من ثم فإننا نراه يتحدث عن إبراهيم الخليل، و عن الكعبة المشرفة، ثم عن العاديين قوم هود، و الثموديين قوم صالح، و المديانيين قوم شعيب، فضلا عن أحداث أخرى كان لها دوي كبير في تاريخ العرب قبل الإسلام، كسيل العرم، و قصة أصحاب الأخدود، و أخيرا غزوة الفيل، و التي كانت واحدة من إرهاصات كثيرة، سبقت مطلع النور من مكة المكرمة، حيث ولد خاتم النبيين، و سيد المرسلين، و رسول رب العالمين، محمد رسول اللّه، (صلى اللّه عليه و سلّم) و أما الفصول الثلاثة الأولى، فكانت دراسة في القرآن الكريم و الحديث النبوي الشريف، و اخيرا علم التفسير، حيث اعتمدت هذه الدراسة على القرآن الكريم، بصفته مصدرها الأول و الأساسي، ثم على حديث رسول (صلى اللّه عليه و سلّم)، و تفسير القرآن الكريم، بصفتهما المفسرين الأساسيّين لكتاب الله الكريم، و من هنا كان لزاما علينا أن نقدم للقارئ صورة موجزة عن مصادرنا الأساسية لهذه الدراسة.

و أما غير القرآن الكريم و الحديث النبوي الشريف و علم التفسير من مصادر، لا شك أنها أفادتنا كثيرا في دراستنا هذه، فلم تقدم عنها دراسة مستقلة لأنها مصادر مساعدة أو مصادر ثانوية، لم يكن عمادنا عليها إلا في

ص: 14

تفسير بعض الأحداث، أو تقديم و جهات نظر مختلفة، قد نتفق معها أحيانا، و قد نختلف معها أحيانا أخرى، و لكنها في كل الأحوال مصادر إنسانية- و ليست سماوية- ثم إنها ليست مصادر أصيلة في هذه الدراسة التي تبحث في «الدراسات التاريخية من القرآن الكريم».

و بعد: فلعل من حسن الطالع أن يسبغ اللّه فضله على صاحب هذه الدراسة، و أن تشملها هي عناية الرحمن، فتهيأ لها وسيلة النشر عن طريق جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية لتخرجها إلى الناس في ثوب قشيب، جزى الله القائمين بالأمر في هذه الجامعة الإسلامية عن صنيعهم الجميل هذا خير الجزاء.

و أخيرا، فهذا نوع جديد من الدراسة التاريخية، تهيبت كثيرا قبل أن أخوض في غمار بحره المتلاطم، و لكني وجدت آخر الأمر أن التردد ليس في مصلحة البحث العلمي في كل الأحوال، ثم إنني ما زدت عن كوني باحثا يستحث خطاه في أول الطريق، و من ثم فعليه أن يضع لبنة في بناء هذا الصرح الشامخ، و على غيره من الباحثين أن يضعوا لبنات أكثر قوة، و أشد رسوخا، حتى تأتي أجيال أخرى فتقيم صرح الدراسات التاريخية القرآنية، كما أقامت أجيال سبقت صرح الدراسات اللغوية و الفقهية و غيرها من الدراسات التي اعتمدت على محكم التنزيل، فالقرآن الكريم كان- و ما يزال و سيظل أبد الدهر- «لا يشبع منه العلماء، و لا يمله الاتقياء، و لا يخلق على كثرة الرد، و لا تنقضي عجائبه».

و أملي من الله كبير أن تنال هذه الدراسة بعض الرضا.

«وَ ما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ».

محمد بيومي مهران

ص: 15

ص: 16

الفصل الأول القرآن الكريم

اشارة

ص: 17

ص: 18

[1] التدوين في عهد النبي صلى اللّه عليه و سلّم

القرآن الكريم كتاب الله الذي «لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (1)»، نزل على رسول اللّه- صلوات اللّه و سلامه عليه- منجما في ثلاث و عشرين سنة (2)، حسب الحوادث و مقتضى الحال (3)، و كانت الآيات و السور تدون ساعة نزولها، إذ كان المصطفى (صلى اللّه عليه و سلّم) إذا ما انزلت عليه آية أو آيات، قال: «ضعوها في مكان كذا ... من سورة كذا»، فقد ورد أن جبريل- عليه السّلام- كان ينزل بالآية أو الآيات على النبي، فيقول له، يا محمد إن اللّه يأمرك أن تضعها على رأس كذا من سورة كذا»، و لهذا اتفق العلماء على أن جمع القرآن «توقيفي»، بمعنى أن ترتيبه بهذه الطريقة التي نراه عليها اليوم في المصاحف، إنما هو بأمر و وحي من اللّه (4)

ص: 19


1- سورة فصلت: آية 42
2- قارن صحيح البخارى 6/ 96
3- نزل القرآن منجما فيما بين عامي 13 ق. ه، 11 ه (610- 632 م) لأسباب: منها تثبيت قلب النبي أمام أذى الكافرين، و منها التلطف بالنبي عند نزول الوحي و منها التدرج في تشريع الأحكام السماوية، و منها تسهيل حفظ القرآن و فهمه على المسلمين، و منها مسايرة الحوادث و الوقائع و التنبيه عليها في حينها، و منها الارشاد إلى مصدر القرآن و انه تنزيل الحكيم الحميد (محمد علي الصابوني: التبيان في علوم القرآن ص 40- 49، محمد عبد اللّه دراز: مدخل إلى القرآن الكريم ص 33، محمد سعيد رمضان: من روائع القرآن ص 36- 41) و منها أن العرب كانوا أمة أمية، و الكتابة ليست فيهم رائجة، بل يندر فيهم من يعرفها، و أندر منه من يتقنها، فما كان في استطاعتهم أن يكتبوا القرآن كله إذا نزل جملة واحدة، إذ يكون بسوره و آياته عسيرا عليهم أن يكتبوه و إن كتبوه لا يعدموا الخطأ و التصحيف و التحريف (محمد أبو زهرة: القرآن ص 23- 24)
4- نفس المرجع السابق ص 27، 47- 49، السيوطي: الاتقان في علوم القرآن 1/ 48، 63، الزركشي: البرهان في علوم القرآن ص 234، 237، 241، السجستاني: كتاب المصاحف ص 31، مقدمتان في علوم القرآن ص 26- 32، 40، 41، 58، تفسير القرطبي 1/ 60، محمد علي الصابوني: المرجع السابق ص 59

و هكذا تمر الأيام بالرسول الكريم- صلوات الله و سلامه عليه- و هو على هذا العهد، يأتيه الوحي نجما بعد نجم، و كتاب الوحي يسجلونه آية بعد آية (1)، حتى إذا ما كمل التنزيل، و انتقل الرسول الأعظم- عليه الصلاة و السلام- إلى الرفيق الأعلى كان القرآن كله مسجلا في صحف- و إن كانت مفرقة لم يكونوا قد جمعوها فيما بين الدفتين، و لم يلزموا القراء توالي سورها (2)- و في صدور الحفاظ من الصحابة- رضوان اللّه عليهم- هؤلاء الصفوة من أمة محمد النبي المختار، الذين كانوا يتسابقون إلى تلاوة القرآن و مدارسته، و يبذلون قصارى جهدهم لاستظهاره و حفظه، و يعلمونه أولادهم و زوجاتهم في البيوت، حتى كان الذي يمر ببيوت الأنصار في غسق الدجى، لا يسمع فيها إلا صوت القرآن يتلى، و حتى كان المصطفى- صلوات الله و سلامه عليه- يمر على بعض دور الصحابة، فيقف عند بعضها يستمع القرآن في ظلام الليل، و حتى روي عنه (صلى اللّه عليه و سلّم) أنه قال: «إني لأعرف أصوات رفقة الاشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل، و أعرف منازلهم من أصواتهم بالليل بالقرآن، و إن كنت لم أر منازلهم بالنهار» [رواه الشيخان .

و من هنا كان حفاظ القرآن الكريم في حياة الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) لا يحصون، و تلك- ويم الله- عناية من الرحمن خاصة بهذا القرآن

ص: 20


1- لعل أشهر كتاب الوحي- و الذين يقال أن عددهم بلغ تسعة و عشرين كاتبا- الخلفاء الاربعة و أبي بن كعب و زيد بن ثابت و المغيرة بن شعبة و الزبير بن العوام و شرحبيل و عبد اللّه بن رواحه (أنظر فتح الباري 9/ 18) و كانوا يضعون ما يكتبونه في بيت النبي عليه الصلاة و السلام، ثم يكتبون لأنفسهم منه صورا أخرى يحفظونها لديهم (البرهان 1/ 238، الاتقان 1/ 58، محمد عبد اللّه دراز: المرجع السابق ص 34- 35، من روائع القرآن ص 49- 51)
2- الاتقان في علوم القرآن 1/ 59، البرهان في علوم القرآن ص 235، مقدمتان في علوم القرآن ص 32، مقدمة كتاب المصاحف لآرثر جفري ص 5، محمد حسين هيكل: حياة محمد ص 49- 50

العظيم، حين يسره للحفظ، «وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ» (1)»، فكتب له الخلود، و حماه من التحريف و التبديل، و صانه من تطرق الضياع إلى شي ء منه، عن طريق حفظه في السطور، و حفظه في الصدور (2) مصداقا لقوله تعالى «وَ إِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ، لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (3)»، و قوله تعالى «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (4)»، و قوله تعالى «إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ، فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (5)».

و لعل من الأفضل هنا أن نشير إلى أن القرآن الكريم، إنما كان مكتوبا كله عند الصحابة، قد لا يكون الأمر كذلك عندهم جميعا، أو عند واحد منهم بعينه، و لكنه كذلك عند الجميع، و أن ما ينقص الواحد منهم يكمله الآخر، و من ثم فقد تضافروا جميعا على نقله مكتوبا، و إن تقاصر بعضهم عن كتابته كمل الآخر، و كان الكمال النقلي جماعيا، و ليس أحاديا

على أن هناك بعض المؤرخين- و كذا بعض المستشرقين- إنما يذهبون إلى أن القرآن الكريم، إنما بقي حتى انتقال الرسول- صلوات الله و سلامه عليه- إلى الرفيق الأعلى، لم يجمع سورا، و لم ينتظم كتابا، فبقيت الآيات التي نزلت فرادى لم تضم إلى غيرها على الصورة التي نراها

---

(6) محمد أبو زهرة: القرآن ص 28

(7) انظر: عبد المنعم ماجد: التاريخ السياسي للدولة العربية 1/ 250- 251

(8) 22. P 1959, naroC ua noitcudortnI, erehcalB. R و كذا 16. P, 1961, snarauQ sed ethcihcseG, ekedleoN. T.

ص: 21


1- سورة القمر. آية 32
2- أنظر: الدكتور محمد عبد اللّه دراز: النبأ العظيم ص 12- 14
3- سورة فصلت: آية 41- 42
4- سورة الحجر: آية 9
5- سورة القيامة: آية 17- 19، و انظر: تفسير الطبري 1/ 95- 97

اليوم، فلما كان الجمع رتبت السور و نظمت في كتاب (1)، بل إن بعضهم ليذهب إلى حد ان ينسب إلى زيد بن ثابت، أنه قال: «قبض النبي و لم يكن القرآن جمع في شي ء» (2) .... إلى غير ذلك من ادعاءات لا يقصد بها وجه الله، فضلا عن البحث العلمي لذاته.

و الحق أن هؤلاء و أولئك قد جانبهم الصواب فيما ذهبوا إليه، فالأمر الذي لا شك فيه أن الآيات إنما جمعت سورا على عهد رسول اللّه- صلوات الله و سلامه عليه- و بتوقيفه، لأسباب كثيرة، منها (أولا) أن الإمام مالك- رضي الله عنه- كان يقول: «إنما ألف القرآن على ما كانوا يسمعونه من رسول اللّه، (صلى اللّه عليه و سلّم) (3)»، و منها (ثانيا) أن عبد اللّه بن مسعود يقول: «قرأت من فيّ رسول اللّه، (صلى اللّه عليه و سلّم)، بضعا و سبعين سورة، و قرأت عليه من (سورة) البقرة إلى قوله تعالى «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (4)» (أي إلى آخر الآية: 222)، و منها (ثالثا) ما رواه البخاري و مسلم، عن أنس بن مالك، أنه قال: «جمع القرآن على عهد النبي، (صلى اللّه عليه و سلّم)، أربعة كلهم من الأنصار (5)».

و منها (رابعا) أن زيد بن ثابت قد قرأ القرآن كله على رسول اللّه، (صلى اللّه عليه و سلّم)، و منها (خامسا) ما تظاهرت عليه الروايات بأن الأئمة الأربعة قد جمعوا القرآن على عهد النبي- عليه الصلاة و السلام- لأجل سبقهم

ص: 22


1- محمد حسين هيكل: الصديق أبو بكر ص 307
2- أنظر: 1923, hgrubnidE, dammahoM fo efiL ehT, riuM mailliW riS
3- تفسير القرطبي 1/ 60، محمد أبو زهرة: القرآن ص 48، قارن: مقدمتان في علوم القرآن ص 49
4- نفس المرجع السابق ص 30، تفسير القرطبي 1/ 58
5- الزركشي: البرهان في علوم القرآن 1/ 241- 243

للإسلام، و إعظام الرسول، (صلى اللّه عليه و سلّم)، لهم (1)، و منها (سادسا) ما ورد عن رسول الله، (صلى اللّه عليه و سلّم)- من طريق عثمان رضي الله عنه- من أنه «كان (صلى اللّه عليه و سلّم)، تنزل عليه السورة ذات العدد، فكان إذا نزل عليه الشي ء دعا بعض من كان يكتب، فيقول: «ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا و كذا»، و منها (سابعا) قول زيد بن ثابت:

«كنا عند النبي (صلى اللّه عليه و سلّم)، نؤلف القرآن من الرقاع (2)، مما يدل على أن كتبة الوحي كانوا يتحرون أن تكون آيات كل سورة مجموعة مرتبة، بعضها إلى بعض، في مكان خاص، حتى يسهل عليهم تنفيذ أمر النبي عند ما ينزل الوحي، ليوضع في مكانه المحدد (3).

و منها (ثامنا) ما روي عن ابن عباس من أن النبي، (صلى اللّه عليه و سلّم)، كان أجود الناس بالخير، و كان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، و كان جبريل يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه النبي- (صلى اللّه عليه و سلّم) القرآن (4)، و في حديث فاطمة الزهراء- رضي اللّه عنها و أرضاها- قالت: «أسر إلي النبي، (صلى اللّه عليه و سلّم)، أن جبريل كان يعارضني بالقرآن كل سنة، و أنه عارضني العام مرتين، و لا أراه إلا حضور أجلي» (5).

و منها (تاسعا) ما جاء في قصة إسلام عمر بن الخطاب، من أن الرجل قد شكا له ما أحدثه الدين الجديد من فرقة بين أهل مكة،

ص: 23


1- محمد حسين هيكل: الصديق أبو بكر ص 308- 309
2- الاتقان في علوم القرآن 1/ 60، مقدمتان في علوم القرآن ص 41- 42
3- عبد الصبور شاهين: تاريخ القرآن. القاهرة 1966 ص 78- 79
4- نفس المرجع السابق ص 52، صحيح البخاري 1/ 287 (طبعة المطبعة البهية 1299 ه).
5- ابن كثير: فضائل القرآن ص 44، البرهان 1/ 232، مقدمتان في علوم القرآن ص 26، مدخل إلى القرآن الكريم ص 36، مجموع فتاوى شيخ الإسلام احمد بن تيمية 13/ 395

اضطرت كثيرين منهم إلى الهجرة إلى الحبشة، فهداه تفكيره إلى أن الخلاص من هذه الأزمة الحادة، إنما يكمن في «قتل محمد الذي فرق أمر قريش و عاب دينها»، و من ثم فقد خرج متوشحا سيفه، فلقيه نعيم بن عبد الله، و أخبره أن اخته فاطمة و زوجها سعيد بن زيد بن الخطاب، قد أسلما و تابعا محمدا، فما كان من عمر إلا أن أسرع إليهما، و هناك سمع عندهما من يقرأ القرآن، فبطش بهما حتى شج أخته، غير أنه ما لبث غير قليل، حتى ندم على ما أصابها، و طلب منها أن تعطيه الصحيفة التي كانوا يقرءون فيها- و كان بها سورة طه- و قرأ ابن الخطاب ما بالصحيفة، فأخذه إعجازها و جلالها و سمو الدعوة التي تدعو إليها، فذهب إلى الرسول- (صلى اللّه عليه و سلّم) و أسلم على يديه (1)، و ليس من شك في أن هذه الصحيفة لم تكن إلا واحدة من صحف كثيرة متداولة بين أيدي الذين أسلموا من أهل مكة، سجلت سورا أخرى من القرآن الكريم، و لقد ظل الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) بين المسلمين في مكة و المدينة ثلاث عشرة سنة بعد إسلام عمر، كان يقول خلالها لأصحابه «لا تكتبوا عني شيئا سوى القرآن، فمن كتب عني شيئا سوى القرآن فليمحه»، و كان طبيعيا أن يكتب الصحابة كل ما يستطيعون كتابته من القرآن لتلاوته في الصلاة، و لمعرفة أحكام الدين الذي يؤمنون به، كما كان يكتب القرآن كذلك أولئك الذين كان يوفدهم النبي إلى القبائل لتعليم أهلها القرآن، و تفقيههم في الدين، و هم لم يكونوا يكتبونه آيات متقطعة، بل سورا متصلة، يمليها رسول الله، (صلى اللّه عليه و سلّم) (2).

و منها (عاشرا) أن ما كان يوحي إلى النبي متصلا بوحي سبق إليه

ص: 24


1- ابن الاثير: الكامل في التاريخ 2/ 84- 87، ابن الجوزي: تاريخ عمر بن الخطاب ص 11- 12، محمد حسين هيكل: حياة محمد ص 173- 174
2- محمد حسين هيكل: الصديق أبو بكر ص 309- 310

كان الوحي يلحقه به، و من ذلك أن جبريل قال للنبي (صلى اللّه عليه و سلّم) حين أوحى إليه قوله تعالى «وَ اتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ» «يا محمد ضعها في رأس ثمانين و مائتين من البقرة (1)»، و منها (حادي عشر) إن ترتيب السور و وضع البسملة في الأوائل، إنما هو توقيف من النبي، عليه الصلاة و السلام، حتى أنه عند ما لم يؤمر بذلك في أول سورة براءة، تركت بلا بسملة، و الأمر كذلك بالنسبة إلى تقديم سورتي البقرة و آل عمران، رغم نزول بضع و ثمانين سورة قبلهما، ذلك لأنه (صلى اللّه عليه و سلّم) كان يقول: «ضعوا هذه السورة موضع كذا و كذا من القرآن (2)».

و منها (ثاني عشر) أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم)، كثيرا ما كان يتلو في الصلاة- و في غير الصلاة- سورة كاملة، منها البقرة و آل عمران و النساء و الاعراف و النجم و الرحمن و القمر و الجن و غيرها، و هذا كله صريح في الدلالة على أن ترتيب الآيات في السور قد تمّ بتوقيف النبي، و أنه قبض و هذا الجمع تام معروف للمسلمين، ثابت في صدور القراء و الحفاظ (3)، و منها (ثالث عشر) ما نقله الرواة من أن رسول الله، (صلى اللّه عليه و سلّم)، قال لعبد الله بن عمرو بن العاص: اقرأ القرآن في كذا ليلة يدعوه إلى التيسير، و هو يقول: إني اطيق أكثر من ذلك، إلى أن قال له: اقرأ القرآن في ثلاث ليال (4)، و منها (رابع عشر) أن هناك كثيرا من أحاديث الرسول، (صلى اللّه عليه و سلّم)، تتحدث عن فضائل سور معينة (5).

ص: 25


1- نفس المرجع السابق ص 310، تفسير القرطبي 1/ 60- 61، مقدمتان في علوم القرآن ص 41،
2- تفسير القرطبي 1/ 59- 60، 8/ 61
3- مقدمتان في علوم القرآن ص 26- 27، 29- 31، الصديق ابو بكر ص 311
4- انظر روايات أخرى للحديث الشريف (مقدمتان في علوم القرآن) ص 27- 28
5- مقدمتان في علوم القرآن ص 29- 30، 64- 74 [مقدمة كتاب المباني و مقدمة ابن عطية، و قد صححه و نشره الدكتور آرثر جفري- القاهرة 1954 م

و منها (خامس عشر) ما تدل عليه الأخبار المروية عن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم)، في تسمية سورة «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» فاتحة الكتاب، فلو لا أنه (صلى اللّه عليه و سلّم)، أمر اصحابه بأن يرتبوا هذا الترتيب عن أمر جبريل عليه السلام، عن اللّه عز و جل، لما كان لتسمية هذه السورة «فاتحة الكتاب» معنى، إذ قد ثبت بالإجماع أن هذه السورة ليست بفاتحة سور القرآن نزولا، فثبت أنها فاتحته نظما و ترتيبا و تكلما، (1)، و منها (سادس عشر) ما يروى عن ابن عباس أن النبي، (صلى اللّه عليه و سلّم)، لم يكن يعلم ختم السورة حتى نزل «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ»، و هذا أيضا من أدل الدليل على أن ترتيب السور التي في أيدينا هو ما كان عليه في اللوح المحفوظ (2)، و أن السورة كانت تنزل في أمر يحدث، و الآية جوابا لسؤال، و يوقف جبريل رسول الله على موضع السورة و الآية، فاتساق السور كاتساق الآيات و الحروف، فكله عن رسول الله، عن رب العالمين، فمن أخر سورة مقدمة أو قدم أخرى مؤخرة فهو كمن أفسد نظم الآيات، و غير الحروف و الكلمات (3).

[2] جمع القرآن في عهد أبي بكر

و جاء الصديق- رضي اللّه عنه و أرضاه- (11- 13 ه- 632- 634 م)، و كانت حروب الردة التي أبلى المسلمون فيها بلاء حسنا، و ليس من شك في أن أشدها عنفا و ضراوة، تلك التي دارت رحى الحرب فيها بين المسلمين- بقيادة خالد بن الوليد من ناحية، و بين المرتدين- بقيادة مسيلمة بن حبيب الكذاب- من ناحية أخرى، في

ص: 26


1- نفس المرجع السابق ص 41- 42
2- نفس المرجع السابق ص 41
3- تفسير القرطبي 1/ 50- 51، 61 (القاهرة 1967)

مكان من الصحراء في طرف اليمامة يسمى «عقرباء» (1)، و انتهت بفرار مسيلمة و أتباعه، إلا أن المسلمين تبعوه، و اشتبك الفريقان من جديد، و قتل مسيلمة و عشرة آلاف من أتباعه، كما استشهد كثير من وجوه المسلمين و قراء القرآن الكريم- قيل سبعون، و قيل قريب من خمسمائة، و قيل سبعمائة- و سمي المكان الذي دارت فيه المعركة «حديقة الموت»، كما سمي يوم المعركة «بيوم اليمامة» (2).

و بدأ عمر بن الخطاب- رضي اللّه عنه- يحس بالخطر الداهم، الذي لاحت نذره في معركة اليمامة، و يوشك أن يلتهم كل حفاظ القرآن من الصحابة- رضي اللّه عنهم- و هم الشهود العدول على وثاقة النص المكتوب، و قد كان مفرقا في لخاف و كرانيف و عسب. أضلاع و أكتاف، إلى جانب ما كان في الصدور، و لم يأخذ بعد صورة الكتاب الواحد، اللهم إلا في صدور الصحابة الذين جمعوه حفظا في عهد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) و قد بدأت الحرب تقرضهم واحدا إثر واحد (3).

و هكذا- و كما يروي الإمام البخاري في صحيحه عن زيد بن ثابت (4)- أن الفاروق عمر جاء إلى أبي بكر، فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، و إني أخشى أن يستمر القتل بالقراء في كل المواطن،

ص: 27


1- أنظر عن «عقرباء»: ياقوت 4/ 135، البكري 3/ 950، كتاب الحربي ص 616 (حيث يضعها مكان بلدة الجبيلية الحالية على ضفة وادي حنيفة) ثم قارن: صحيح الأخبار 1/ 196، 2/ 169، 5/ 93
2- ياقوت 2/ 232، 4/ 442، مروج الذهب 2/ 303، تاريخ ابن خلدون 2/ 74- 76 من القسم الثاني، صحيح الأخبار 1/ 196، ابن الاثير 2/ 360- 367، تاريخ الطبري 3/ 281- 301، الاتقان 1/ 59، تفسير القرطبي 1/ 50، فضل القرآن ص 15- 17، الصديق ابو بكر ص 152- 168
3- عبد الصبور شاهين: تاريخ القرآن ص 102
4- صحيح البخاري 2/ 196 (طبعة البهية)

فيذهب من القرآن كثير، و إني أرى أن تأمر بجمع القرآن»، و يتردد الصديق بعض الوقت، خشية إن يفعل ما لم يفعله رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) ثم ما يلبث أن يشرح اللّه صدره لهذا العمل الجليل، فيأمر باستدعاء زيد بن ثابت، حيث يكلفه بجمع القرآن، و يتردد زيد- كما تردد الصديق من قبل- لأنه لا يريد كصحابي أن يقوم بعمل ما لم يقم به النبي أو يأمر به، و لأنه كمؤمن يتحاشى مثل هذا العمل الخطير خشية أبسط الأخطاء و أتفهها في تنفيذ مهمته، و أخيرا يشرح اللّه صدره لذلك، و يتم الأمر بما كان محفوظا في صدور الرجال، و بما كان يكتب بين يدي رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلّم) و يحفظ المصحف الشريف عند الصديق، ثم عند الفاروق عمر (13- 23 ه- 634- 644 م) من بعده، ثم عند أم المؤمنين «حفصة بنت عمر»- رضي اللّه عنهم أجمعين (1).

و لعل هدف الفاروق- رضي اللّه عنه و أرضاه- من هذه الطريقة لم يقتصر على حفظ المدون من التنزيل في مأمن من الأخطار، و في صورة يسهل الرجوع اليها، و إنما كان يقصد ايضا إقرار الشكل النهائي لكتاب اللّه الكريم و توثيقه عن طريق حفظته الباقين على قيد الحياة، و اعتماده من الصحابة الذين كان كل منهم يحفظ منه أجزاء كبيرة أو صغيرة (2).

ص: 28


1- الاتقان 1/ 59- 60، ابن الاثير 3/ 112، تفسير الطبري 1/ 59- 62، كتاب المصاحف ص 5- 10، 20، فضائل القرآن ص 14- 16، مقدمتان في علوم القرآن ص 17- 21 و كذا البرهان في علوم القرآن ص 233- 234، 239، تفسير القرطبي 1/ 49- 50، محمد حسين هيكل: حياة محمد ص 50- 51، الصديق أبو بكر ص 303- 312، محمد أبو زهرة القرآن ص 30- 31، عبد المنعم ماجد: المرجع السابق ص 251- 252 و كذا 2- 1261. PP, 14, IE
2- محمد عبد اللّه دراز: مدخل الى القرآن الكريم ص 36، و انظر: م. ج رستوفدوني: تاريخ القرآن و المصاحف ص 26- 27 (مترجم).

و لعل من الأهمية بمكان هنا الاشارة إلى أن الخليفة الراشد أبا بكر الصديق كان موفقا التوفيق كل التوفيق في مهمته الجليلة- و الخطيرة كذلك- لثقة الناس فيه (1)، ثم لاختياره للصحابي الجليل «زيد بن ثابت»، ذلك الاختيار الذي توفرت له كل عوامل النجاح، لأسباب منها (أولا) أن زيدا كان شابا، و من ثم فهو أقدر على العمل من غيره، و هو لشابه أقل تعصبا لرأيه و اعتزازه بعلمه، و ذلك يدعوه إلى الاستماع لكبار الصحابة من القراء و الحفاظ، و التدقيق في الجمع دون إيثار لما حفظه هو، و منها (ثانيا) أن زيدا إنما كان من حفاظ القرآن الكريم، فقد وعاه كله، و رسول اللّه حي، ثم هو (ثالثا) من كتاب الوحي لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) و هو فوق ذلك، كان معروفا بشدة ورعه، و عظم أمانته، و كمال خلقه، و استقامة دينه، فضلا عن نبوغ و ذكاء، و لعل كل ذلك، ما كان يعنيه الصديق من قوله: «إنك رجل شاب عاقل و لا نتهمك، كنت تكتب الوحي لرسول اللّه، (صلى اللّه عليه و سلّم)، فتتبع القرآن فأجمعه» (2)، و منها (رابعا) أنه من المتواتر أن زيدا إنما حضر العرضة الاخيرة للقرآن، حين عرضه رسول اللّه على جبريل للمرة الثانية، في السنة التي كانت فيها وفاته، (3)، و منها (خامسا) أن زيد بن ثابت- و إن كان في حداثة من السن في جانب أكابر الصحابة- فقد كان من أكابرهم في الفقه و الرأي، و كانت الرئاسة له بالمدينة في القضاء و الفتيا،

ص: 29


1- 205. P, tic- op, ekedleoN. T
2- الاتقان 1/ 59 البرهان ص 233، تفسير القرطبي 1/ 50، فضائل القرآن ص 14، تاريخ القرآن للزنجاني ص 17، مقدمتان في علوم القرآن 18، 25، 26، 51، 52، و أنظر لوبلوا حيث يقول- بعد أن أورد هذه الرواية- «من ذا الذي لم يتمن لو أن أحدا من تلاميذ عيسى الذين عاصروه قام بتدوين تعاليمه بعد وفاته مباشرة»( 47 .P ,1887 ,siraP ,euqiarbeH elbiB al te naroK el ,siolbeL )
3- تفسير القرطبي 1/ 53، محمد أبو زهرة: القرآن ص 28، عبد الصبور شاهين: تاريخ القرآن ص 107، محمد حسين هيكل: الصديق أبو بكر ص 321

و القراءة و الفرائض في عهد عمر و عثمان و علي (1).

و بدهي أن عملية جمع القرآن لم يقم بها زيد بن ثابت وحده، و إنما عاونه فيها الحفظة الكرام من صحابة النبي الاعلام، و أن زيدا سلك في سبيل الجمع الخطة المثلى، فما كان ليعتمد على حفظه- و إنه لحافظ- و لا على حفظ من استعان بهم- و انهم لحفاظ أمناء- و لكنه كان لا بد أن يعتمد على أمر مادي، يرى بالحس و لا يحفظ بالقلب وحده، فكان لا بد أن يرى ما حفظه مكتوبا في عصر النبي، (صلى اللّه عليه و سلّم) و أن يشهد شاهدان بأنهما هكذا رأوا ذلك المكتوب في عصر النبي، و بإملائه عليه الصلاة و السلام، و قد تتبع القرآن بذلك آية آية، لا يكتب إلا ما رآه مكتوبا عن النبي، (صلى اللّه عليه و سلّم)، في عهده، و يشهد شاهدان أنهما رأيا ذلك المكتوب في عهد النبي و نقلاه، أو يرى ذلك المكتوب عند اثنين، فهو شهادة كاملة منهما (2)، و يروي ابن أبي داود- من طريق هشام بن عروة عن أبيه- أن أبا بكر قال لعمر و زيد: «أقعدا على باب المسجد، فمن جاء كما بشاهدين على شي ء من كتاب اللّه فاكتباه» (3).

و هكذا يمكننا القول أن زيدا اتبع طريقة في الجمع نستطيع أن نقول عنها في غير تردد، أنها طريقة فذة في تاريخ الصناعة العقلية الإنسانية، و أنها طريقة التحقيق العلمي المألوف في العصر الحديث، و أن الصحابي الجليل قد اتبع هذه الطريقة بدقة دونها كل دقة، و أن هذه الدقة في جمع القرآن، متصلة بايمان زيد باللّه، فالقرآن كلام اللّه جل شأنه، فكل تهاون في أمره أو إغفال للدقة في جمعه وزر ما كان أحرص زيدا- في حسن إسلامه و جميل صحبته لرسول اللّه- أن يتنزه عنه، و لقد شهد المنصفون من

ص: 30


1- احمد أمين: فجر الاسلام ص 175، مقدمتان في علوم القرآن ص 50- 51
2- محمد أبو زهرة: القرآن ص 31- 32، الاتقان في علوم القرآن 1/ 60
3- عبد الصبور شاهين: تاريخ القرآن ص 106، الاتقان 1/ 60

المستشرقين جميعا بهذه الدقة، حتى ليقول «سير وليم موير»، «و الأرجح أن العالم كله ليس فيه كتاب غير القرآن ظل أربعة عشر قرنا كاملا بنص هذا مبلغ صفائه و دقته» (1).

و يعلق الاستاذ أبو زهرة على هذا العمل الجليل الذي اشترك فيه الشيخان- أبو بكر و عمر- و حمل عبأه زيد بن ثابت، مع جمع من المهاجرين و الأنصار، بحقيقتين هامتين، تدلان على إجماع الأمة كلها على حماية القرآن الكريم من التحريف و التغيير و التبديل، و أنه مصون بصيانة اللّه سبحانه و تعالى له، و محفوظ بحفظه، و إلهام المؤمنين بالقيام عليه و حياطته، أما أولى الحقيقتين، فهي أن عمل زيد هذا لم يكن كتابة مبتدأة، و لكنه إعادة لمكتوب، فقد كتب القرآن كله في عهد النبي، (صلى اللّه عليه و سلّم) و عمل زيد الابتدائي هو البحث عما كتب عليه و التأكد من سلامته، بشهادة اثنين على الرقعة التي توجد فيها الآية أو الآيتان أو الآيات، و بحفظ زيد نفسه، و بالحافظين من الصحابة- و قد كانوا الجم الغفير و العدد الكبير- فما كان لأحد أن يقول إن زيدا كتب من غير أصل مادي قائم، بل إنه أخذ من أصل قائم ثابت مادي، و أما الحقيقة الثانية، فهي أن عمل زيد لم يكن عملا آحاديا، بل كان عملا جماعيا من مشيخة صحابة رسول اللّه، (صلى اللّه عليه و سلّم)، فقد طلب أبو بكر إلى كل من عنده من القرآن شي ء مكتوب أن يجي ء به إلى زيد، و إلى كل من يحفظ القرآن أن يدلي إليه بما يحفظه، و اجتمع لزيد من الرقاع و العظام و جريد النخل و رقيق الحجارة، و كل ما كتب أصحاب رسول اللّه، و عند ذلك بدأ زيد يرتبه و يوازنه و يستشهد عليه، و لا يثبت آية إلا إذا اطمأن إلى اثباتها، كما أوحيت إلى رسول اللّه، و استمر الأمر كذلك، حتى إذا ما أتمّ زيد ما

ص: 31


1- محمد حسين هيكل: المرجع السابق ص 323، و كذا 1923 ,hgrubnidE ,malsI fo yrotsiH dna dammahoM fo efiL ehT ,riuM mailliW riS

كتب، تذاكره الناس، و تعرفوه و أقروه، فكان المكتوب متواترا بالكتابة، و متواترا بالحفظ في الصدور، و ما تمّ هذا لكتاب في الوجود غير القرآن، و تلك- ويم اللّه- عناية من الرحمن خاصة بهذا القرآن العظيم (1).

[3] مصحف عثمان

و تمر الأيام، و تمضي السنون، و في عهد ذي النورين- عثمان بن عفان، رضي اللّه عنه و أرضاه- (24- 35 ه- 644- 656 م) تتسع الفتوحات الإسلامية، و يتفرق المسلمون في الأقطار و الأمصار، و يشرح اللّه صدر الخليفة الراشد إلى جمع القرآن الكريم في مصحف واحد، و ذلك في العام الرابع و العشرين (أو أوائل الخامس و العشرين) من هجرة المصطفى- عليه الصلاة و السلام- ثم كتب منه سبعة مصاحف (2)، و بعث منها إلى كل من مكة و الشام و اليمن و البحرين و البصرة و الكوفة، و حبس بالمدينة واحدا (3)، و يبدو أن عبد اللّه بن مسعود، قد خالطه شي ء من غضب- كما سنوضح ذلك فيما بعد- و من ثم فقد أمر أصحابه بغل مصاحفهم، لما أمر عثمان بحرق ما عدا المصحف الإمام، غير أن الصحابي الجليل سرعان ما عاد إلى رأي جماعة المسلمين، و يروى أن الإمام علي- كرم اللّه وجهه- قال: «لو لم يفعل ذلك عثمان لفعلته أنا»، و هكذا يتفق الأئمة الأربعة (أبو بكر و عمر و عثمان و علي)، على أن ذلك العمل العظيم، إنما كان من

ص: 32


1- محمد أبو زهرة: القرآن ص 33- 35، الصديق أبو بكر ص 322- 323
2- اختلف العلماء في عدد هذه المصاحف، فمن قائل أنظر أربعة، و أن الخليفة بعث بها إلى الكوفة و البصرة و الشام، و ترك واحدا بالمدينة، و من قائل خمسة، و من قائل أنها سبعة (الاتقان 1/ 62، البرهان 2/ 240 و كذا 234. P, tic- po, ekedleoN. T)
3- كتاب المصاحف ص 34

مصلحة الدين (1) و يرى العلماء أن الفرق بين جمع أبي بكر و جمع عثمان، أن الأول كان عبارة عن جمع القرآن و كتابته في مصحف واحد مرتب الآيات على ما وقفهم عليه النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) خشية أن يذهب من القرآن شي ء، بسبب موت كثير من الحفاظ بعد موقعة اليمامة، و أن الثاني كان عبارة عن نسخ عدة نسخ من المصحف الذي جمع في عهد أبي بكر لترسل إلى البلاد الإسلامية، و أن السبب في ذلك، إنما هو إختلاف بعض القراء في قراءة آيات من القرآن الكريم، ذلك أن «حذيفة بن اليمان»- فيما يروي الإمام البخاري في باب فضل القرآن، عن أنس بن مالك- قدم علي على عثمان بن عفان، بعد غزوة في أذربيجان و أرمينية، رأى فيها القوم من أهل العراق و الشام مختلفين على قراءة القرآن، فأخبره بالذي رأى، و طلب منه أن يدرك الأمة قبل أن يختلفوا في القرآن إختلاف اليهود و النصارى في الكتب، و من ثم فإن الخليفة سرعان ما يرسل في طلب المصحف الذي عند حفصة، و يأمر زيد بن ثابت و سعيد بن العاص و عبد اللّه بن الزبير و عبد الرحمن بن هشام، أن ينسخوها في المصاحف، و قال لهم: «إذا اختلفتم أنتم و زيد بن ثابت في عربية من عربية القرآن، فاكتبوها بلسان قريش، فإن القرآن أنزل بلسانهم»، ففعلوا ذلك حتى كتبت في المصاحف (2)، و يروى أن هناك خلافا قد حدث على كتابة كلمة

ص: 33


1- فضائل القرآن ص 18- 19 البرهان 1/ 230، تفسير القرطبي 1/ 52- 55، فتاوى ابن تيمية 4/ 399- 400، محمد أبو زهرة: القرآن ص 44- 46، و كذا 92. P, 2. 1938, snaruQ sed ethcihcseG, yllawhcS
2- الإتقان 1/ 60- 63، فتاوى ابن تيمية 15/ 251- 252، تفسير القرطبي 1/ 60- 62، السجستاني ص 18- 26 صحيح البخاري 6/ 98، فضائل القرآن ص 19، مقدمتان في علوم القرآن ص 51- 52، فتاوى ابن تيمية 13/ 396، قارن 13/ 409- 410، و كذا 53. P, tic- po, erehcalB. R و كذا 1078. P, IE و كذا عبد المنعم ماجد: المرجع السابق ص 250- 252

«التابوت» التي جاءت في قوله تعالى: «إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ» (1)، أ يكتبونه بالتاء أو الهاء، فقال زيد: إنما هو «التابوة»، و قال الثلاثة القرشيون: إنما هو «التابوت»، فتراجعوا إلى عثمان، فقال: اكتبوه بلغة قريش، فإن القرآن نزل بلغتهم» (2).

و القضية التي ينبغي أن نناقشها الآن- فيما يرى الدكتور عبد الصبور شاهين- هي أهمية عمل عثمان من الناحية القرائية، فإذا كان عمل عثمان مقتصرا على نسخ مصاحف عدة من المصحف الذي كتبه زيد في عهد أبي بكر، فأية قيمة يمكن أن تكون لهذا العمل؟ و قد يزداد الأمر أهمية، إذا ما علمنا أن مصحف أبي بكر كان مكتوبا- كما هو المنطق- على حرف واحد، و الأمر كذلك بالنسبة إلى كتاب الوحي على عهد رسول اللّه، و إذا كان زيد بن ثابت- طبقا لما ورد في الأحاديث الصحيحة- من أكثر كتاب الوحي ملازمة لرسول اللّه، (صلى اللّه عليه و سلّم) ثم هو قد قام بكتابته على عهد أبي بكر، و على عهد عثمان، فان ذلك يدلنا على أن منهج الكتابة كان واحدا في المراحل الثلاثة تقريبا، إلا ما ارتآه عثمان من تجريد رسمه من الإعجام حتى يتسع الرسم لكثير من الوجوه التي صح نقلها عن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم)، أي إضفاء صفة الشرعية على القراءات المختلفة التي كانت تدخل في إطار النص المدون، و لها أصل نبوي مجمع عليه، ثم إن هدفا آخر قد تحقق بعمل عثمان، هو التقريب اللغوي ما بين وجوه القراءة المتلوة آنذاك في الأمصار المختلفة، و القضاء على الخلاف الذي كاد أن يعصف

ص: 34


1- سورة البقرة: آية 248 و انظر: و تفسير الطبري 5/ 315- 328، تفسير الكشاف 1/ 293- 294 (دار الكاتب العربي- بيروت)، تفسير ابن كثير 1/ 445- 446، تفسير و جدي ص 51
2- تفسير القرطبي 1/ 54، فضائل القرآن ص 20، البرهان 1/ 376، الاتقان 1/ 98، مدخل الى القرآن الكريم ص 38- 39، مقدمتان في علوم القرآن ص 19، محمد أبو زهرة ص 39

بوحدة الجماعة، أي أن عمل عثمان كان من مقاصده أساسا نشر النص القرآني بلسان قريش، و إرساء هذا التقليد اللغوي الذي سبقته مقدمات كثيرة في عهد أبي بكر و عمر، رضي اللّه عنهما، ذلك لأن الخليفة الراشد إنما كان يعتبر التمارى في القرآن نوعا من الكفر (1).

و من ثم فليس صحيحا ما ذهب إليه البعض من أنه قد يكون هناك غرض سياسي بقصد التقليل من نفوذ القراء الذي تزايد بسبب أنهم وحدهم الذين يعرفون مضمون القرآن، بأن يوجد له نصا مقروءا (2)، فما كان للسياسة دخل عند صحابة رسول اللّه في شئون القرآن الكريم.

و على أي حال، فلقد ساعد عثمان على تحقيق أهدافه من جمعه للقرآن، أنه قد أمر بإحراق كل ما عدا مصحفه من صحف أو مصاحف كان قيّدها الصحابة و الآخذون عنهم، و قد انصاع الناس لأمره في سائر الأمصار، فيما عدا ما روي عن عبد اللّه بن مسعود من أنه عارض ذلك، و أمر الناس في الكوفة بالتمسك بمصحفه- كما أشرنا آنفا- لشبهة اعترته، هي ظنه أن زيدا قد انفرد بالعمل، و قد كان هو أولى من يقوم به، فلما علم بعد ذلك أن موقفه قائم على شبهة لا أكثر، و أن المصحف الذي أرسله عثمان هو نسخة من جمع أبي بكر، الذي أخذ عن صدور الرجال، و عن العسب و اللخاف، التي كتبت على عهد رسول اللّه و بإملائه، و إن زيدا لم ينفرد بالعمل، بل شاركه فيه جمع كبير من الصحابة، و أجمع عليه المسلمون جميعا، وافق اقتناعا أولا، و حفاظا على وحدة الأمة ثانيا، و بذلك تمت موافقة الأمة كلها على مصحف عثمان، حتى قال مصعب بن

ص: 35


1- عبد الصبور شاهين: تاريخ القرآن ص 116- 117، البرهان 1/ 235- 236، البخاري 3/ 196- 197
2- عبد المنعم ماجد: المرجع السابق ص 252، قارن 60- 56. PP tic- co, erehcalB. R

سعد: «أدركت الناس متوافرين حين أحرق عثمان المصاحف، فأعجبهم ذلك، و قال: لم ينكر ذلك منهم أحد»، و قال الإمام علي- كرم اللّه وجهه- لرجل كوفي عاب عثمان بجمع الناس على المصحف، «اسكت، فمن ملأ منا فعل ذلك، فلو وليت منه ما وليّ عثمان لسلكت سبيله» (1).

و يقرر «نولدكه» أن ذلك كله يعد أقوى دليل على أن النص القرآني على أحسن صورة من الكمال و المطابقة (2)، كما يؤكد «لوبلوا» أن القرآن هو اليوم الكتاب الرباني الوحيد الذي ليس فيه أي تغيير (3)، و كان «سيروليم موير» قد أعلن من قبل: أن المصحف الذي جمعه عثمان قد تواتر انتقاله من يد ليد حتى وصل إلينا بدون أي تحريف، و لقد حفظ بعناية شديدة بحيث لم يطرأ عليه أي تغيير يذكر، بل نستطيع أن نقول إنه لم يطرأ عليه أي تغيير على الإطلاق في النسخ التي لا حصر لها و المتداولة في البلاد الإسلامية الواسعة، فلم يوجد إلا قرآن واحد لجميع الفرق الإسلامية المتنازعة، و هذا الاستعمال الإجماعي لنفس النص المقبول من الجميع حتى اليوم يعد أكبر حجة و دليل على صحة النص المنزل الموجود معنا (4).

و هكذا يبدو واضحا- من كل ما سبق- أنه ليس صحيحا ما يزعمه البعض من أن جمع القرآن قد تأخر إلى عهد الخليفة عثمان بن عفان (5)،

ص: 36


1- عبد الصبور شاهين: تاريخ القرآن ص 117، كتاب المصاحف ص 13- 18، فضائل القرآن ص 22- 23، تفسير القرطبي 1/ 52- 54، مقدمتان في علوم القرآن ص 45- 46، ابن الاثير 3/ 111- 112، محمد أبو زهرة: القرآن ص 44، مدخل الى القرآن الكريم ص 49- 50
2- 93. P, tic- po, ekedleoN. T
3- مدخل إلى القرآن الكريم ص 40 و كذا،, tic- po siolbeL
4- محمد عبد اللّه دراز: المرجع السابق ص 40، و كذا dammahoM fo efiL ehT, riuM. W temohaM, erialiH. tS. B و كذا 33. P, naroK el te
5- عبد المنعم ماجد: المرجع السابق ص 18، و كذا 59- 55. P. P. malsI, emuatliuG. A

ذلك لأن القرآن الكريم كان كله مسجلا في صحف- و إن كانت مفرقة- و في صدور الصحابة، قبل أن ينتقل الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) إلى الرفيق الأعلى، و أنه قد جمع في مصحف واحد على أيام الصديق، و أن هذا المصحف قد أودع عنده، ثم عند الفاروق من بعده، ثم عند حفصة أم المؤمنين (1)، و في عهد عثمان- رضي اللّه عنهم أجمعين- نسخت منه عدة نسخ أرسلت إلى الآفاق الإسلامية، بمشورة من حضره من صحابة رسول اللّه، (صلى اللّه عليه و سلّم)، و أن الإمام علي- كرم اللّه وجهه- قد ارتضى هذا العمل الجليل و حمد أثره (2)، و معنى هذا ببساطة أن المصحف الذي كتب على أيام أبي بكر- هو نفس المصحف الذي كتب على أيام الرسول- صلوات اللّه و سلامه عليه- و هو نفسه الذي كتب على أيام عثمان (3)، و بالتالي فإن كل قراءة قرآنية يجب أن تكون متفقة مع نصه، و أن الشك فيه كفر، و أن الزيادة عليه لا تجوز، و أنه القرآن المتواتر الخالد إلى يوم القيامة (4).

ص: 37


1- فضائل القرآن ص 15، كتاب المصاحف ص 5، مقدمتان في علوم القرآن ص 23، البرهان 1/ 59
2- هناك رواية تنسب فضل السبق في جمع القرآن إلى الإمام علي كرم اللّه وجهه، إذ يروي أشعث عن ابن سيرين أنه لما توفي الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم)، أقسم على ألا يرتدي برداء إلا لجمعة، حتى يجمع القرآن في مصحف، ففعل، فأرسل أبو بكر إليه بعد أيام: أكرهت إمارتي يا أبا الحسن؟ قال: لا و اللّه، إلا أني أقسمت ألا أرتدي برداء إلا لجمعة، فبايعه ثم رجع، و يقول السجستاني: أن أحدا لم يذكر كلمة مصحف إلا أشعث، و هو لين الحديث، و إنما رووا حتى أجمع القرآن، يعني أتم حفظه، فإنه يقال للذي يحفظ القرآن، قد جمع القرآن (انظر: كتاب المصاحف ص 10، الاتقان 1/ 59، تاريخ القرآن ص 104- 105) و الأمر كذلك بالنسبة الى جمع عمر بن الخطاب (كتاب المصاحف ص 10- 11) إلا إذا كان المراد أول من أشار بجمعه (الاتقان 1/ 58)
3- للمقارنة بين تدوين القرآن الكريم و غيره من الكتب المقدسة، أنظر عن التوراة (كتابنا إسرائيل ص 24- 45) و عن الانجيل (المدخل الى الكتاب المقدس، احمد شلبي: المسيحية ص 153- 160)
4- محمد أبو زهرة: القرآن ص 43، تفسير القرطبي 1/ 80- 86، فتاوى ابن تيمية 13/ 420- 421، محمد حسين هيكل: حياة محمد ص 51- 55، و كذا XXIX- VIX. P, tic- po, riuM. W

[4] القرآن كمصدر تاريخي

القرآن الكريم كمصدر تاريخي لا ريب أنه أصدق المصادر و أصحها على الاطلاق، فهو موثوق السند- كما بينّا آنفا- ثم هو قبل ذلك و بعده كتاب اللّه الذي «لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (1)»، و من ثم فلا سبيل إلى الشك في صحة نصه (2) بحال من الأحوال، لأنه ذو وثاقة تاريخية لا تقبل الجدل، فقد دون في البداية بإملاء الرسول، (صلى اللّه عليه و سلّم)، و تلي فيما بعد و حمل تصديقه النهائي قبل وفاته (3)، و لأن القصص القرآني إنما هو أنباء و أحداث تاريخية، لم تلتبس بشي ء من الخيال، و لم يدخل عليها شي ء غير الواقع (4)، و أنه كما يقول سبحانه و تعالى «وَ بِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَ بِالْحَقِّ نَزَلَ» (5)، ثم أن اللّه عز و جل قد تعهد- كما أشرنا من قبل- بحفظه دون تحريف أو تبديل.

و يرى الدكتور دراز أن تسمية القرآن الكريم، بالقرآن و بالكتاب، إنما تعني الأولى كونه متلوا بالألسن، بينما تعني الثانية كونه مدونا بالأقلام، و أن في تسمية القرآن الكريم بهذين الاسمين، إشارة إلى أن اللّه سوف يحفظه في موضعين، لا في موضع واحد، أعني أنه يجب حفظه في الصدور و السطور جميعا، أن تضل إحداهما فتذكر الأخرى، فلا ثقة لنا لحفظ حافظ، حتى يوافق الرسم المجمع عليه من الأصحاب، المنقول إلينا جيلا بعد جيل على هيئته التي وضع عليها أول مرة، و لا ثقة لنا بكتابة كاتب حتى يوافق ما هو عند الحفاظ بالإسناد الصحيح

ص: 38


1- سورة فصلت: آية 42
2- طه حسين: في الأدب الجاهلي- القاهرة 1933 ص 68
3- محمد عبد اللّه دراز: المرجع السابق ص 49
4- عبد الكريم الخطيب: القصص القرآني، القاهرة 1964 ص 52
5- سورة الإسراء: آية 105

المتواتر (1).

و بهذه العناية المزدوجة التي بعثها اللّه في نفوس الأمة المحمدية اقتداء بنبيها، بقي القرآن محفوظا في حرز حريز، إنجازا لوعد اللّه الذي تكفل بحفظه، حيث يقول «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ» (2)، و لم يصبه ما أصاب الكتب الماضية من التحريف و التبديل و انقطاع السند، حيث لم يتكفل اللّه بحفظها، بل و كلها إلى حفظ الناس، فقال تعالى: «وَ الرَّبَّانِيُّونَ وَ الْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ» (3)، أي بما طلب إليهم حفظه، و السر في هذه التفرقة أن سائر الكتب السماوية جي ء بها على التوقيت لا التأييد، و أن هذا القرآن جي ء به مصدقا لما بين يديه من الكتب و مهيمنا عليها، فكان جامعا لما فيها من الحقائق الثابتة، زائدا عليها بما شاء اللّه زيادته، و كان سادا مسدها و لم يكن شي ء فيها يسد مسده، فقضى اللّه أن يبقى حجة إلى قيام الساعة، و إذا قضى اللّه أمرا يسر له أسبابه، و هو الحكيم العليم (4).

غير أني أودّ أن أنبه- بعد أن أستغفر ربي العظيم كثيرا- إلى أن القرآن الكريم لم ينزّل كتابا في التاريخ، يتحدث عن أخبار الأمم، كما يتحدث عنها المؤرخون، و إنما هو كتاب هداية و إرشاد للتي هي أقوم (5)، أنزله اللّه، سبحانه و تعالى- ليكون دستورا للمسلمين، و منهاجا يسيرون

ص: 39


1- محمد عبد اللّه دراز: النبأ العظيم، و نظرات جديدة في القرآن من 12، 13
2- سورة الحجر: آية 9
3- سورة المائدة: آية 44
4- محمد عبد اللّه دراز: النبأ العظيم ص 13، 14
5- سورة الإسراء: آية 9

عليه في حياتهم، يدعوهم إلى التوحيد (1) و إلى تهذيب النفوس، و إلى وضع مبادئ للأخلاق (2)، و ميزان للعدالة في الحكم (3)، و استنباط لبعض الأحكام (4)، فإذا ما عرض لحادثة تاريخية، فإنما للعبرة و العظة (5).

و في الواقع إن في القرآن الكريم لقصصا شتى من غير قصص الدعوة، أو قصص الجهاد في تبليغ الرسالة، و لكنها تراد كذلك لعبرتها، و لا تراد لأخبارها التاريخية، و منها قصة يوسف، و قصة إسماعيل عليهما السلام، فقصة يوسف قصة إنسان قد تمرس منذ طفولته بآفات الطبائع البشرية، من حسد الأخوة، إلى غواية المرأة، إلى ظلم السجن، إلى تكاليف الولاية و تدبير المصالح في إبان الشدة و المجاعة، و قصة إسماعيل تتخللها هذه التجارب الإنسانية من عهد الطفولة كذلك، فيصاب بالغربة المنقطعة عن العشيرة و عن الزاد و الماء، و إن كان الأخطر من ذلك كله أن تكتب عليه التجارب الإنسانية ضريبة الفداء، و هي في مفترق الطرق بين الهمجية التي كانت- في معظم مجتمعات الشرق القديم- لا تتورع عن الذبائح البشرية، و بين الإنسانية المهذبة التي لا تأبى الفداء بالحياة، و لكنها تتورع عن ذبح الإنسان، ثم يكتب لهذا الغلام الوحيد بواد غير ذي زرع عند البيت المحرم، أن تنتمي إليه أمة ذات شعوب و قبائل تتحول على يديها تواريخ العالم على مدى الأيام (6).

ص: 40


1- انظر مثلا في قصة نوح (سورة نوح آية 2- 20) و في قصة يوسف (يوسف: آية 37- 40) و في قصة عيسى (النساء: آية 171- 172، آل عمران: آية 59، المائدة: آية 71، 76)
2- أنظر مثلا (البقرة: آية 44، الاعراف: آية 85- 87، هود: آية 84- 88)
3- أنظر مثلا في قصة داود (ص: آية 21- 26)
4- أنظر مثلا في قصة هابيل و قابيل (المائدة: آية 27- 32، 42- 50، البقرة: آية 178- 179)
5- راجع عن أهداف القرآن و مقاصده: تفسير المنار 1/ 206- 293
6- عباس العقاد: الإسلام دعوة عالمية ص 218- 219

و هكذا، و عن طريق القصص القرآني، يقدم لنا كتاب اللّه العزيز، معلومات هامة عن عصور ما قبل الإسلام و أخبار دولها، أيدتها الكشوف الحديثة كل التأييد، فيقدم لنا- عن طريق قصة موسى- كثيرا من المعلومات عن الملكية الإلهية في مصر الفرعونية، و عن الأحوال السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية فيها (1)، و الأمر كذلك بالنسبة إلى قصة إبراهيم، حيث تقدم لنا الكثير عن العراق القديم (2).

و لعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن أبرز قصص الأنبياء في القرآن الكريم، إنما هما قصتا إبراهيم و موسى عليهما السلام، فهما قصتان مسهبتان في أجزائه، ربما لأنهما ترويان نبأ الرسالة بين أعرق أمم الحضارة الإنسانية و هما أمة وادي النهرين و أمة وادي النيل، و من أجل ذلك كانت القصتان أو في القصص بين جميع قصص الأنبياء، و كانت الثورة فيهما على ضلال العقل في العبادة جامعة لأكثر العبادات المستنكرة في الزمن القديم (3).

و أما عن بني إسرائيل، فليس هناك من شك في أنه ليس هناك كتاب سماوي- حتى التوراة نفسها- قد فصل الحديث عن بني إسرائيل، و أفاض في وصف يهود و أحوالهم و أخلاقهم، و أبان مواقفهم من الأنبياء، كما فعل القرآن الكريم، و صدق اللّه العظيم، حيث يقول: «إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ» (4).

ص: 41


1- انظر عن قصة موسى (البقرة: آية 47- 74، الأعراف: آية 103- 155، يونس: آية 75- 93، طه: آية 9- 99، الشعراء: آية 10- 68، القصص: آية 3- 44، غافر:آية 23- 54)
2- أنظر عن قصة إبراهيم (البقرة: آية 258، الإنعام: آية 74- 83، مريم: آية 41- 50، الأنبياء: آية 51- 73، الشعراء: آية 69- 89، الصافات: آية 83- 113
3- عباس العقاد: المرجع السابق ص 218
4- سورة النمل: آية 76

و أما عن بلاد العرب، فإنك تجد في كتاب اللّه الكريم سورة تحمل اسم مملكة في جنوب شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام- و أعني بها سورة سبأ- هذا إلى أن القرآن الكريم قد انفرد- دون غيره من الكتب المقدسة- بذكر أقوام عربية بادت، كقوم عاد (1) و ثمود (2)، فضلا عن قصة أصحاب الكهف (3) و سيل العرم (4)، و قصة أصحاب الأخدود (5) إلى جانب قصة أصحاب الفيل (6)، و هجرة الخليل و ولده إسماعيل عليهما السلام إلى الأرض الطاهرة في الحجاز، ثم إقامة إسماعيل هناك (7)، و صدق اللّه العظيم، حيث يقول «تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ، ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَ لا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا، فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ» (8)، و يقول: «ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَ هُمْ يَمْكُرُونَ» (9)، و يقول: «ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ، وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ» (10)، و يقول: «وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ، وَ ما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ، وَ لكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ، وَ ما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا، وَ لكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ، وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَ لكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً

ص: 42


1- الاعراف: آية 65، هود: آية 50- 60، الشعراء: آية 123- 140
2- الاعراف: آية 73- 79، هود: آية 61- 68، الشعراء: آية 141- 159
3- سورة الكهف: آية 9- 26
4- سورة سبأ: آية 15- 19
5- سورة البروج: آية 4- 10
6- سورة الفيل
7- سورة البقرة: آية 124- 131، سورة إبراهيم: آية 35- 41
8- سورة هود: آية 49
9- سورة يوسف آية 102
10- سورة آل عمران: آية 44

ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ» (1) و يقول: «وَ كُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ، وَ جاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَ مَوْعِظَةٌ وَ ذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ» (2) و يقول «نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ» (3) و يقول «لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ، ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَ لكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَ تَفْصِيلَ كُلِّ شَيْ ءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» (4).

و صدق رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) حيث يقول في وصف القرآن:

«كتاب اللّه تبارك و تعالى، فيه نبأ من قبلكم، و خبر ما بعدكم، و حكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه اللّه، و من ابتغى الهدى في غيره أضله اللّه، هو حبل اللّه المتين و نوره المبين، و هو الذكر الحكيم، و هو الصراط المستقيم، و هو الذي لا يزيغ به الأهواء، و لا تلتبس به الألسنة، و لا تتشعب معه الآراء، و لا يشبع منه العلماء، و لا يمله الأتقياء، و لا يخلق على كثرة الرد، و لا تنقضي عجائبه، و هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا، من علم علمه سبق، و من قال به صدق، و من حكم به عدل، و من عمل به أجر، و من دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم (5)».

على أنه يجب أن نلاحظ جيدا، أن هدف القرآن من قصصه، ليس التأريخ لهذا القصص، و إنما عبرا تفرض الاستفادة بما حل بالسابقين،

ص: 43


1- سورة القصص: آية 44- 46
2- سورة هود: آية 120
3- سورة الكهف: آية 13
4- سورة يوسف: آية 111
5- الاتقان 2/ 151، سنن الترمذي 2/ 149، مقومتان في علوم القرآن ص 59، تفسير القرطبي 1/ 5، محمد ابو زهرة: القرآن ص 15

و زجرا لخصوم الإسلام من قريش، ثم تثبيتا لقلب النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) أمام أذى الكافرين، حيث شاءت رحمة اللّه بالمصطفى المختار، أن تخفف عنه الشدائد و الآلام، عن طريق قصص الأنبياء و المرسلين، حيث يذكره اللّه- جل و علا- بما لاقاه أخوة كرام له من عنت الضالين، و بغي الكافرين، فما وهنوا و ما استكانوا، و ما ضعفوا و ما تخاذلوا، و لكنهم صبروا و صابروا، و من هنا يخاطب اللّه رسوله الكريم في كتابه العزيز: «وَ كُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ، وَ جاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَ مَوْعِظَةٌ وَ ذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ» (1)، كما أن في هذا القصص بيان ما نزل بالأقوياء الذين غرهم الغرور، و الجبابرة الذين طغوا في البلاد، و أكثروا فيها الفساد، و اللّه من ورائهم محيط (2)، و مع ذلك فيجب ألا يغيب عن بالنا- دائما و أبدا- أن هذا القصص إن هو إلا الحق الصراح، و صدق اللّه حيث يقول «وَ مَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً» (3)، و يقول «إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ» (4)، و يقول: «تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ» (5)، و يقول: «نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ» (6)، و يقول:

«نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ» (7)، و يقول: «وَ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ» (8)، و يقول: «إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ» (9)، و يقول «تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ، فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَ آياتِهِ

ص: 44


1- سورة هود: آية 120
2- محمد أبو زهرة: القرآن ص 203
3- سورة النساء: آية 87
4- سورة آل عمران: آية 62
5- سورة البقرة: آية 252
6- سورة آل عمران: آية 3
7- سورة الكهف: آية 13
8- سورة فاطر: آية 31
9- سورة الرمز: آية 2 و أنظر الآية 41

يُؤْمِنُونَ» (1) و يقول «وَ آمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ» (2).

و من هنا فليس صحيحا ما ذهب إليه البعض، من أن المنطق العاطفي هو الذي يسود القصة التاريخية في القرآن الكريم، و معنى هذا أن القصص التاريخي في القرآن، إنما هو قصص أدبي أولا و أخيرا، و أن الأساس الذي كان يلحظه القرآن دائما في نفوس المعاصرين للنبي عليه الصلاة و السلام، إنما هو القدرة على التأثير (3) و أن مقابلة القصص القرآني و أحداثه و شخصياته بالحقائق التاريخية يكشف عن مفارقات كبيرة تفتح المجال لمن يريدون أن ينالوا من القرآن و أن يشككوا في صحته، و في صدق النبي، و أنه تلقى القرآن من السماء (4)، ذلك لأنك إن قرأت ما ورد في القرآن الكريم من قصص، فإنك لن تجد شيئا من المبالغات التي وصلت إلينا في كتب التاريخ، أو في توراة اليهود المتداولة اليوم، فضلا عن أن ما ذكره القرآن الكريم صحيحا تؤيده الاكتشافات الحديثة (5) و من عجب أن المستشرقين إنما قد سبقوا أصحاب هذا الإتجاه، إلى الشك فيما جاء في القرآن الكريم، و ليس له نظير في التوراة- كقصة عاد و ثمود- ثم سرعان ما تبيّن لهم أن عادا و ثمودا مذكورتان في جغرافية بطليموس، و أن هناك الكثير من النصوص التاريخية التي تتحدث عن ثمود- كما سنرى فيما بعد- فضلا عن أن الكتاب اليونان و الرومان، إنما ذكروا اسم عاد مقرونا باسم إرم، كما جاء في القرآن الكريم (6) و صدق اللّه العظيم، حيث

ص: 45


1- سورة الجاثية: آية 6
2- سورة محمد: آية 2
3- محمد احمد خلف اللّه: الفن القصصي في القرآن ص 137- 138، 248، 305، 337
4- مقدمة كتاب الفن القصصي في القرآن، و كذا ص 174- 177، عبد الكريم الخطيب: القصص القرآني ص 295، 320- 339. و راجع: محمود شلتوت: تفسير القرآن الكريم، القاهرة 1973 ص 45- 50، 273 (رأيه في الأمثال المضروبة في القرآن). FFI 6. P, naroK eht fo secruoS ehT, lladsiT. S
5- جرجي زيدان: العرب قبل الإسلام ص 13
6- عباس العقاد: مطلع النور، أو طوالع البعثة المحمدية ص 61

يقول: «وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ» (1)، و حيث يقول «وَ هذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ» (2)، و حيث يقول «وَ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ، مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ» (3).

و ليس صحيحا كذلك ما ذهب إليه البعض من أنه لا شك أن إشارات القرآن الكريم إلى كثير من القصص، إنما هو دليل على أنها كانت من القصص الشعبي السائد الذي كان يتداوله الناس في بلاد العرب (4)، ذلك لأن العرب ما كانوا يعرفون شيئا عن كثير من قصص القرآن، و على سبيل المثال، فإن القرآن الكريم يختم قصة نوح بقوله تعالى «تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَ لا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا»، فلو كان العرب يعرفون هذه القصة مثلا، و أنها كانت من قصصهم الشعبي الذي يتداولونه في أسمارهم، أ فكان العرب- و فيهم أشد أعداء النبي- من يسكت على قوله تعالى «ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَ لا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا»؟

أ ليس من المنطق أن أعداء المصطفى، (صلى اللّه عليه و سلّم)- و قد كانوا دائما على يقظة يتمنون أقل ثغرة، ليوجهوا من خلالها ضرباتهم، و يحولوها إلى سخرية و استهزاء- سوف يجيبونه أنهم يعرفون القصة، بل و أنها من أساطيرهم التي تفيض بها مجالسهم و نواديهم، و لكن التاريخ لم يحدثنا عمن أنكر على الرسول هذه الآية الكريمة، مما يدل على أن ما جاء به القرآن الكريم

ص: 46


1- سورة المائدة: آية 48، و أنظر تفسير أبي السعود 3/ 33 و تفسير الكشاف 1/ 639- 640، تفسير روح المعاني 6/ 151- 155، تفسير الطبرسي 6/ 110- 113، في ظلال القرآن 6/ 178- 182 (دار إحياء التراث العربي- بيروت 1961)، تفسير الطبري 10/ 377- 391 (دار المعارف- القاهرة 1957)
2- سورة الإنعام: آية 92
3- سورة فاطر: آية 31
4- الأدب العربي الحديث ص 302 (من مقررات طلاب البكالوريا الأدبية السورية)، محمد سعيد رمضان البوطي: من روائع القرآن- دمشق 1972، ص 237.

من أخبار الأمم البائدة، كان شيئا يكاد يجهله العرب جهلا تاما، و إن كان يعلم بعضا منه أهل الكتاب الذين درسوا التوراة و الإنجيل (1).

[5] القصص القرآني و التوراة

و ليس صحيحا كذلك ما ذهب إليه بعض المستشرقين من أن القرآن الكريم، قد اعتمد إلى حد كبير في قصصه على التوراة و الإنجيل (2)، و زاد بعض من تابعهم من الباحثين العرب على ذلك أن القرآن الكريم جعل هذه الأخبار مطابقة لما في الكتب السابقة، أو لما يعرفه أهل الكتاب من أخبار، حتى ليخيل إلينا أن مقياس صدقها و صحتها من الوجهة التاريخية، و من وجهة دلالتها على النبوة و الرسالة، أن تكون مطابقة لما يعرفه أهل الكتاب من أخبار (3)، و ذهب «مالك بن نبي» أن هناك تشابها عجيبا بين القرآن و الكتاب المقدس (التوراة و الانجيل)، و أن تاريخ الأنبياء يتوالى منذ إبراهيم إلى زكريا و يحيى و مريم و المسيح، فأحيانا نجد القرآن يكرر نفس القصة، و أحيانا يأتي بمادة تاريخية خاصة به مثل هود و صالح و لقمان و أهل الكهف و ذي القرنين (4)، و من عجب أن صاحب كتاب «من روائع القرآن» ينقل عنه- فيما يزعم- أن القرآن جاء بقصص الأنبياء السابقين و الأمم الغابرة، على نحو يتفق جملة و تفصيلا مع ما أثبتته التوراة و الإنجيل من عرض تلك الأخبار و القصص، و أن ذلك دليل لا يقبل الشك بأن هذا القرآن ما كان حديثا يفترى (5)، و لكنه وحي من اللّه

ص: 47


1- نفس المرجع السابق ص 238- 240
2- جولدتسهير: العقيدة و الشريعة في الإسلام، ترجمة الدكتور محمد يوسف موسى ص 12، 15، و كذا 62- 61. PP, 1964, (skooB nacileP), malsI, emualliuG derflA
3- محمد أحمد خلف اللّه: المرجع السابق ص 22، و أنظر ص 27- 28، 45، 174- 177، 182
4- مالك بن نبي: الظاهرة القرآنية ص 251
5- محمد سعيد البوطي: المرجع السابق ص 221

عز و جل (1).

و الحقيقة غير ذلك تماما لأسباب كثيرة، منها (أولا) أن الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) لم يغادر مكة، إلا في رحلة يحيط بها الشك، صاحب فيها عمه أبا طالب، و هو في التاسعة من عمره (2)، و ثانية و هو في الخامسة و العشرين في فترة قصيرة كان لا يكاد ينفك فيها عن قومه و رفاقه، و قد ذهب بعض المستشرقين- و منهم جولدتسهير- (3) إلى أن لهذه الرحلة أثرا في نظام النبي الإصلاحي، غير أن بعضا آخر، إنما يشك في ذلك لعدم وجود أية إشارة في القرآن الكريم عن المظاهر الخارجية للديانة المسيحية، و إن كان يتوسع في الحديث عن أعماق روح المسيحية الشرقية (4)، و الواقع أن الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) حتى لو افترضنا جدلا بأنه قد اتصل بالمسيحية في ذلك الوقت- و هذا ما نرفضه- فإنه سوف لا يجد- فيما يرى سال- إلا ما ينفره من المسيحية، بسبب أطماع رجال الدين، و الانشقاق بينهم و الخلافات على أتفه الأسباب، و كان المسيحيون في تحفزهم لإرضاء شهواتهم، قد انتهوا تقريبا إلى طرد المسيحية ذاتها من الوجود، بفضل جدالهم المستمر حول

ص: 48


1- من عجب أن الدكتور البوطي ينقل كل ذلك دون تعليق، و المستشرقون المبغضون للقرآن لم يقولوا اكثر من ذلك، فضلا عن أن الجملة التي جاءت في كتاب «الظاهرة القرآنية» لا تعني ما ذهب إليه، و إن اقتربت منه
2- يتفق الباحثون الآن على أن مقابلة بحيري الراهب- إن صحت- فهي لا تعدو نبوءة في مضمونها توقع بعثة هذا الشاب (أي محمد) رسولا في المستقبل (انظر: هيورات: مصدر جديد للقرآن، الجريدة الأسيوية، عدد يوليو- اغسطس 1904)
3- 128 .P ,naroK uD ecruoS ellevuoN eno ,trauH raP etiC ,regnerpS 4 .P ,malsI'L edioL al te emgoD el ,rehizdloG و كذا. 8- 37. P. P, enirtcoD aS te eiv aS, temohoM, eardnA. T و كذا

طريقة فهمها (1)، و هكذا- و كما يقول تايلور- إن كل ما كان يقابله محمد (صلى اللّه عليه و سلّم) و أتباعه في كل اتجاه، لم يكن إلا خرافات منفرة، و وثنية منحطة و مخجلة، و مذاهب كنسية مغرورة، بحيث شعر العرب ذو العقول النيرة، بأنهم رسل من قبل اللّه مكلفين بما ألم بالعالم من فساد، و عند ما أراد «موشايم» وصف هذا العصر، رسم صورة مقارنة، أبرز فيها التعارض بين المسيحيين الأوائل و الأواخر؛ و خرج بأن الديانة الحقيقية في القرن السابع الميلادي، كانت مدفونة تحت أكوام من الخرافات و الأوهام، حتى إنه لم يكن في مقدورها أن ترفع رأسها (2)، و كما يقول الدكتور محمد عبد اللّه دراز، إن هذه الصفحات تبدو، و كأنها كتبت لتفسر الآية الكريمة (3) «وَ مِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ، فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ، فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَ الْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ، وَ سَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ» (4)، و لعل كل هذه الأسباب هي التي دفعت «هوارت» إلى أن يقرر في النهاية أنه مهما كان إغراء الفكرة التي تقول بأن تفكير المصلح الشاب (يعني رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم)) قد تأثر بقوة عند ما شاهد تطبيق الديانة المسيحية بسورية، فإنه يتحتم استبعادها، نظرا لضعف الوثائق و الأسس التاريخية الصحيحة (5).

ص: 49


1- 71 -68 .p ,emsitemoham el rus seuqitirC te seuqirotsiH snoitavresbO ,elaS segroeG
2- محمد عبد اللّه دراز: المرجع السابق ص 135- 138
3- نفس المرجع السابق ص 138
4- سورة المائدة: آية 14 و انظر: تفسير الطبري 10/ 135- 140 (دار المعارف- القاهرة 1957)، تفسير الكشاف 1/ 616- 617 (دار الكاتب العربي، بيروت)، تفسير روح المعاني 6/ 95- 97 (دار احياء التراث العربي، بيروت)، تفسير مجمع البيان 6/ 54- 55 (دار مكتبة الحياة، بيروت 1961)، في ظلال القرآن 6/ 104، 107- 108 (دار احياء التراث العربي، بيروت 1961)، تفسير الجواهر (طنطاوي جوهري) 3/ 151 (المكتبة الاسلامية- طبعة ثالثة 1974)
5- محمد عبد اللّه دراز: المرجع السابق ص 138 و كذا 129. P, 1904, naroK ud ecruoS ellevuon enu, trauH

و منها (ثانيا) أن النبي نشأ أميا لا يقرأ و لا يكتب (1)، و لم تكن نشأته بين أهل الكتاب حتى يعلم بالتلقين علمهم، و الفئة القليلة المستضعفة التي وجدت في مكة منهم، تكاد تعد على أصابع اليد الواحدة، و كانت تعد من أجهل سكان المدينة المقدسة و أحطهم مقاما في المجتمع الانساني، يحترفون بدني ء الحرف، كخدمة بعض العرب، أو الاتجار في أشياء حقيرة، كبيع النبيذ، و غير ذلك مما يقوم به المستضعفون الذين يقطنون الأحياء المنزوية (2)، ثم إن هؤلاء المطمورين لم يكونوا يجهلون دينهم فحسب، و لكن بصفة خاصة- و هنا تتركز حجة القرآن (3) كانت لغتهم الأجنبية حاجزا أمام النبي (4)، و في نفس الوقت كان قوم محمد (صلى اللّه عليه و سلّم)، أميين، لا يسود فيهم علم من أي طريق كان، إلا أن يكون علم الفطرة و البيان، و لم تكن عندهم مدرسة يتعلمون فيها، و لا علماء يتلقونه عليهم، لقد كانوا منزوين بشركهم عن أهل الكتاب، و المعرفة في أي باب من أبوابها، يقول سبحانه و تعالى «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ، وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ» (5)، و كانت رحلتا الصيف و الشتاء إلى الشام و اليمن تجاريتين لا تتصلان بالعلم في أي باب من أبوابه، و لا منزع من منازعه (6) و منها (ثالثا) أنه لم يثبت أنه كان بمكة أو ضواحيها أي مركز ثقافي

ص: 50


1- سورة العنكبوت: آية 48
2- مؤتمر سورة يوسف 2/ 1310، مدخل إلى القرآن الكريم ص 134، و كذا trauH و كذا 21. P, 1937, siraP, malsI'L, essaM 131. P. tic- po
3- سورة النحل: آية 103
4- محمد عبد اللّه دراز: المرجع السابق ص 135، و كذا 28. P, 1926, noitutitsnI te ecnayorC malsI'L, snemmaL ereP
5- سورة الجمعة: آية 2
6- محمد أبو زهرة: القرآن ص 363

ديني ليقوم بنشر فكرة الكتاب المقدس التي عبر عنها القرآن (1)، و منها (رابعا) أنه لو كانت الفكرة اليهودية المسيحية قد تغلغلت حقا في الثقافة و البيئة الجاهلية، لكانت هناك ترجمة عربية للكتاب المقدس، الأمر الذي لم يثبت على الإطلاق، بل إن الآية الكريمة «قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» (2)، نشير إلى أنه لم يكن بين العرب من يعرف العبرية، فضلا عن عدم وجود ترجمة عربية للتوراة (3)، قبل عام 718 م، و أما ترجمة الانجيل، فلم تكن هناك حاجة إليها، إلا في القرن التاسع و العاشر الميلادي، بل إن القس «شيدياك» ليصرح بأنه لم يتمكن من الرجوع بتاريخ أقدم ترجمات العهد الجديد (الانجيل) باللغة العبرية إلى أبعد من القرن الحادي عشر الميلادي (4).

و منها (خامسا) الخلاف الجوهري بين القرآن و الانجيل في أمور

ص: 51


1- مالك بن نبي: المرجع السابق ص 310
2- سورة آل عمران: آية 93
3- مالك بن نبي: المرجع السابق ص 311- 312، راجع ترجمات التوراة في كتابنا «إسرائيل» ص 48- 51
4- انظر: شيدياك: دراسة عن الغزالي الفصل السابع، مقالة «مس بادويك» عن أصل الترجمة العربية للكتاب المقدس، مجلة «العالم الاسلامي» عدد آبريل 1939، مدخل إلى القرآن الكريم ص 138- 142، و كذا 35. P, tic- po, siolbeL و كذا 35. P, tic- po, lldsiT. S

رئيسية- كألوهية المسيح و صلبه و عقيدة التثليث (1)- فضلا عما أشار إليه القرآن من تحريف النصارى لإنجيل المسيح عليه السلام، و منها (سادسا) أن السور المكية- و هي التي نزلت قبل هجرة الرسول، (صلى اللّه عليه و سلّم)، الى المدينة، حيث يوجد اليهود، هي التي تعرض أطوار قصص التوراة بتفاصيلها الدقيقة (2)، و لم تترك للسور المدنية سوى فرصة استخلاص الدروس منها و غالبا في تلميحات موجزة (3)، و منها (سابعا) أن القرآن الكريم يختلف اختلافا جوهريا في أمور رئيسية مع التوراة كذلك، و من ثم فإن الخلاف بين قصص القرآن و حكايات التوراة واضح الى حد كبير.

ص: 52


1- أنظر: النساء: آية 171، المائدة 17، 72- 75، 116 و التوبة: آية 30- 31، النساء: آية 157 و انظر عن هذه الآيات الكريمة: تفسير الطبري 9/ 367- 377، 415- 424، 10/ 146- 150، 480- 486، 14/ 201- 212، 11/ 237- 238 (طبعة دار المعارف) تفسير روح المعاني 6/ 10- 12، 24- 40، 98- 103، 207- 211، 7/ 64- 69، تفسير البحر المحيط 3/ 536- 540، تفسير المنار 6/ 81- 98، 479- 487، 7/ 260- 276، تفسير الكشاف 1/ 584- 585، 593- 594، 617- 618، 663- 664، 694، تفسير مجمع البيان 5/ 279- 284، 299- 303، 6/ 57- 60، 161- 168، تفسير ابن كثير 2/ 458- 461، 615- 617، تفسير أبي السعود 2/ 49- 51، تفسير القرطبي 6/ 20- 25، 249- 251، 374- 377 (دار الكتب المصرية- القاهرة 1938)
2- انظر مثلا: الأعراف عن آدم (11- 25) و موسى (102- 176) يونس عن موسى (75- 92) و هود عن نوح (25- 49) و إبراهيم و لوط (69- 82) و سورة يوسف عن يوسف، و سورة الحجر عن آدم و إبراهيم و لوط (26- 77) و سورة الإسراء عن بني اسرائيل (4- 8) و سورة الكهف عن أهل الكهف (9- 25) و موسى (60- 82) و سورة مريم عن زكريا و يحيى و مريم و عيسى .. الخ (1- 33) و سورة طه عن موسى (9- 98) و سورة الأنبياء عن إبراهيم (51- 70) و داود و سليمان (78- 82) و سورة الشعراء عن موسى و إبراهيم و نوح .. الخ (10- 189) و سورة النمل عن موسى و داود و سليمان (7- 44) و سورة القصص عن موسى (3- 43) و قارون (76- 82) و سورة العنكبوت عن نوح و إبراهيم و لوط (14- 35) و سورة سبأ عن داود و سليمان (10- 14) و سورة ص عن داود و سليمان و أيوب (17- 14) و سورة الذاريات عن إبراهيم (24- 37)
3- محمد عبد اللّه دراز: المرجع السابق ص 156- 157

و أخيرا (ثامنا) فإن محمدا (صلى اللّه عليه و سلّم)، لم يكن له معلم من قومه الأميين قط، بل لم يكن له- عليه الصلاة و السلام- معلم من غيرهم من أمم الأرض قاطبة، و حسب الباحث في ذلك أن نحيله على التاريخ، و ندعه يقلب صفحات القديم منه و الحديث، و الإسلامي منه و العالمي، ثم نسأله: هل قرأ فيه سطرا واحدا يقول: إن محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب، لقي قبل إعلان نبوته فلانا من العلماء، فجلس إليه يستمع من حديثه عن علوم الدين، و من قصصه عن الأولين و الآخرين (1).

و أما الذين لقوه بعد النبوة، فقد سمع منهم و سمعوا منه، و لكنهم كانوا له سائلين، و عنه آخذين، و كان هو لهم معلما و واعظا، و منذرا و مبشرا (2).

على أنه يجب أن نلاحظ أن قصص التوراة إن كانت تحمل أوجه شبه بالقصص القرآني، فربما يرجع ذلك إلى أن التوراة- في الأصل- كتاب مقدس، و أن الإسلام الحنيف، إنما يؤمن بموسى- كنبي و كرسول و ككليم للّه عز و جل- ثم يقرر بعد ذلك- دونما لبس أو غموض- أن موسى جاءته صحف و أنزلت عليه توراة، إلا أن توراة موسى هذه، سرعان ما امتدت إليها أيد أثيمة، فحرفت و بدلت، ثم كتبت سواها، بما يتلاءم مع يهود، و يتواءم مع مخططاتهم، ثم زعموا- بعد كل هذا- أنها هي التوراة التي أنزلها اللّه على موسى (3)، «كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً» (4).

و الذي تولى هذا التصحيف و التأويل و التعمية، إنما هي طائفة

ص: 53


1- محمد عبد اللّه دراز: النبأ العظيم ص 56- 57
2- نفس المرجع السابق ص 57
3- راجع كتابنا إسرائيل ص 21- 23
4- سورة الكهف: آية 5

متخصصة من أحبارهم، بغية الحفاظ على مكانتها و مكاسبها، و عن هذا يقول القرآن الكريم «مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ» (1) و يقول «فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا، فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَ وَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ» (2)، و يقول: «فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَ جَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ، وَ نَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ» (3).

هذا و قد عمد لفيف من رؤسائهم الدينيين إلى إخفاء بعض الأسفار في الهيكل- و هي التي عرفت بالأسفار الخفية (4)- ثم اختلفت نظرتهم إليها، إذ كان بعضها- فيما يعتقدون- غير مقدس، بينما بعضها الآخر موحى به من عند اللّه، و إن رأي الأحبار إخفاءه في الهيكل حتى لا يطلع عليه العامة من القوم، كما رأوا عدم إدراجه بين أسفار التوراة، ربما

ص: 54


1- سورة النساء: آية 46
2- سورة البقرة: آية 79
3- سورة المائدة: آية 13
4- انظر عنها كتابنا إسرائيل ص 95- 97

لأن ما بها من حقائق لا تتفق و أهواءهم، و ربما لأن ما بها من بشارات لا يتلاءم و ميولهم العنصرية و عن هذا يقول القرآن الكريم «قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَ هُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَ تُخْفُونَ كَثِيراً» (1)، و من ثم فقد كان حكم الإسلام على كتاب اليهود هذا، أنه يحمل بعض لمحات من توراة موسى، ذلك لأن اليهود، إنما قد أوتوا نصيبا منها، و نسوا نصيبا و حظا، فلم يحفظوها كلها، و لم يضيعوها كلها، و أنهم قد حرفوا ما أوتوه عن مواضعه تحريفا لفظيا و معنويا (2).

[6] مقارنة بين القصص القرآني و روايات التوراة

و الرأي عندي أن خير ما نفعله لنثبت الخلاف الجوهري بين قصص القرآن و روايات التوراة، و أن المصدر الأول لم يعتمد على الثاني، بل إن محمدا (صلى اللّه عليه و سلّم) كما يؤكد الباحثون من المستشرقين- حتى المتعصبين منهم- لم يقرأ التوراة، أو أي كتاب آخر من كتب أهل الكتاب (3)، هو أن نقدم مقارنة بين بعض قصص القرآن، و نظائرها في التوراة.

و إذا بدأنا بقصة نوح- عليه السّلام- وجدنا أنها في القرآن (4)، غيرها

ص: 55


1- سورة الانعام: آية 91
2- تفسير المنار 1/ 213
3- 16. P, I, tic- po, ekedleoN. T
4- ذكر القرآن قصة نوح في سور كثيرة منها الأعراف (59- 64) و يونس (71- 73) و هود (25- 49) و الانبياء (76- 77) و المؤمنون (23- 30) و الشعراء (105- 122) و العنكبوت (14- 15) و الصافات (75- 82) و القمر (9- 17) ثم سورة كاملة هي سورة نوح، كما ذكر في مواضع متفرقة من النساء و الأنعام و التوبة و إبراهيم و الإسراء و الاحزاب و ص و غافر و الشورى و ق و الذاريات و النجم و الحديد و التحريم

في التوراة، و على سبيل المثال، لا الحصر، فإن القرآن وحده هو الذي يذكر أن نوحا- عليه السلام- إنما كان رسولا من رب العالمين، و أنه قد قضى من الوقت- ما شاء اللّه له أن يقضي- في دعوة قومه إلى عبادة اللّه الواحد القهار، و أن اللّه- جل و علا- لم يأت بالطوفان إلا بعد أن تحمل النبي الكريم في سبيل دعوته كل صنوف الأذى و الاضطهاد، و إلا بعد أن جرب النبي الكريم كل سبل الإقناع دونما أية نتيجة، و إلا بعد أن يئس النبي من أن يؤمن به قومه (1)، و إلا بعد أن أوحى إليه «أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ (2)»، و هكذا اتبع النبي الكريم كل ما يمكن اتباعه، تصديقا لقوله تعالى «وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (3)»، و الأمر غير ذلك تماما في التوراة (4).

هذا فضلا عن أن القرآن الكريم هو وحده الذي يؤكد- التأكيد كل التأكيد- أن الناجين من الطوفان، إنما نجوا لأنهم آمنوا بالله العزيز الحكيم، بل إن القرآن ليقص علينا- من بين ما يقص من أحداث- ما وقع مع ابن النبي الكريم، و كيف كان من الغارقين (5)، عملا بالمبدإ الإسلامي العظيم، «مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ أَساءَ فَعَلَيْها، وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ» (6).

ص: 56


1- سورة نوح: آية 1- 27
2- سورة هود: آية 36
3- سورة الاسراء: آية 15
4- أنظر مقالنا «قصة الطوفان بين الآثار و الكتب المقدسة» مجلة كلية اللغة العربية و العلوم الاجتماعية- العدد الخامس- الرياض 1975 ص 448
5- سورة هود: آية 25- 48
6- سورة فصلت: آية 46

«وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (1)»، «وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى وَ أَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى (2)»، «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (3)».

و القرآن الكريم وحده هو الذي لا نجد فيه نصا قطعيا على أن الطوفان قد شمل الأرض كلها- و هذا ما نميل إليه و نرجحه (4)- أضف إلى ذلك أن القرآن الكريم- بعكس التوراة- إنما ينزه اللّه سبحانه و تعالى عن الندم على إحداث الطوفان، بل أن التوراة لتذهب إلى أبعد من ذلك، حين تزعم أن اللّه- تعالى عن ذلك علوا كبيرا- قد عزم على ألا يحدث طوفانا بعد ذلك و أنه قد وضع علامة، هي القوس في السماء، ليتذكر وعده، فلا يكون طوفان يغرق الأرض أبدا (5)، كما تذهب التوراة

ص: 57


1- سورة فاطر: آية 18 و انظر: تفسير الطبري 22/ 126- 128، تفسير البيضاوي 2/ 270، تفسير الفخر الرازي 26/ 14- 15، تفسير القرطبي 14/ 337- 338، تفسير روح المعاني 22/ 186- 185، تفسير مجمع البيان 22/ 235- 237، تفسير و جدي (و انظر نفس الآية: الأنعام: 164، الإسراء: 15) و انظر قوله تعالى «تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَ لَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ» من سورة البقرة: آية 141، و انظر عنها: تفسير المنار 1/ 400- 404، تفسير القرطبي ص 531 (دار الشعب- القاهرة 1969) تفسير ابن كثير 1/ 272- 273 (دار الشعب- 1971 م)، تفسير الطبري 3/ 128- 129 (دار المعارف) الدرر المنثور في التفسير بالمأثور 1/ 140- 141، تفسير أبي السعود 1/ 265- 266، في ظلال القرآن 1/ 119، تفسير الكشاف 1/ 316، تفسير روح المعاني 1/ 401، تفسير الفخر الرازي 4/ 100، تفسير مجمع البيان 1/ 498، تفسير القاسمي (محاسن التأويل لمحمد جمال الدين القاسمي- طبعة الحلبي 1957) 2/ 277- 278، تفسير و جدي ص 27، و انظر: محمود أبو ريدة: دين اللّه واحد، القاهرة 1970 ص 65- 67.
2- سورة النجم: آية 39- 40
3- سورة الزلزلة: آية 7- 8
4- راجع مقالنا: قصة الطوفان بين الآثار و الكتب المقدسة ص 383- 457، تفسير المنار 12/ 106- 109
5- تكوين 9: 1- 17

كذلك إلى أن نوحا إنما قدم الأضاحي للرب بعد نجاته، و أن الرب ما لبث أن شمّ رائحة الشواء، فسكن غضبه، و تنسم رائحة الرضا (1)، و يرد القرآن الكريم على فحش يهود هذا، بقوله تعالى «لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَ لا دِماؤُها، وَ لكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ» (2)، و يقول تعالى «فَكُلُوا مِنْها وَ أَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ (3)»، و ما أصدق القرآن الكريم حيث يختم هذه القصة بقوله تعالى «تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَ لا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا، فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (4)».

و في قصة أبي الأنبياء، إبراهيم الخليل- عليه الصلاة و السلام- قد تفرد القرآن الكريم- دون غيره من الكتب المقدسة- بأن يقدم لنا الخليل- عليه السلام- في صورة المجاهد بنفسه و ولده و ماله لله، و الذي حطم الأصنام، و تحدى الجبابرة الطغام، و ألقى من أجل دعوته في النار، فأنجاه الله في كفاح طويل و جهاد موصول، كان للناس إماما، و على مدارجه أو من نسله درج الأنبياء (5)، و من أسف أن إبراهيم العظيم هذا، لم تصوره التوراة إلا رجلا لا همّ له، إلا جمع البقر و الغنم، و الأتن و الجمال، و الإماء و العبيد، متخذا من الوسائل أحطها، و من الطرق أحقرها، بل إن التوراة لم تجد وسيلة لجمع المال، إلا أن تجعل أبا الأنبياء- و حاشاه أن يكون كذلك- و كأنما هو يتاجر بامرأته سارة، متنقلا بها من بلد إلى بلد (6).

و من الغريب المؤلم أن مفسري التوراة لم يحاولوا رد هذه الروايات

ص: 58


1- تكوين 8: 20- 12، و أنظر عن رأى التوراة في نوح (تكوين 9: 20- 27)
2- سورة الحج: آية 37
3- سورة الحج: آية 28
4- سورة هود: آية 49
5- كمال عون: اليهود من كتابهم المقدس ص 107
6- تكوين 12: 10- 20، 20: 1- 18

الكذوب، و إنما جهدوا- قدر طاقتهم- لإثباتها، و هم أول من يعلم أن التوراة- أو العهد القديم- غير موثوقة السند، و راح بعضهم يتطاول على المقام السامي، دونما أي حذر أو حيطة، إثباتا لصحة نصوص التوراة، فيما يزعمون (1)، و كأن التوراة لا تكون كتابا مقدسا، إلا اذا صورت المصطفين الأخيار، من أنبياء الله الكرام في صورة مشوهة (2).

و يقدم لنا القرآن الكريم- بعكس التوراة تماما- خليل الرحمن، و هو يترك موطنه الأصلي في حاران (3)، مبشرا بدعوة التوحيد، في مكان غير هذه الأرض، التي لم تتقبل دعوته بقبول حسن، و تقص علينا الآيات الكريمة من سورة مريم، كيف بدأ إبراهيم دعوته مع أبيه، يهديه بها صراطا مستقيما، غير أن أباه قد رفض الدعوة، بل و هدده إن لم ينته عنها، ليرجمنه و ليهجرنه مليا، فما كان من الخليل، تأدبا مع أبيه و حدبا عليه، إلا أن يدعو له بالمغفرة، و أن ينتظر إجابة دعوته إلى حين، و لنقرأ هذه الآيات الكريمة: «وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا، إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَ لا يُبْصِرُ وَ لا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً، يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا، يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا، يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا، قالَ أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ، لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَ اهْجُرْنِي مَلِيًّا، قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا، وَ أَعْتَزِلُكُمْ وَ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ

ص: 59


1- ف. ب. ماير: حياة إبراهيم ص 65، 221، حبيب سعيد: خليل اللّه في اليهودية و المسيحية و الاسلام ص 47، القس منيس عبد النور: إبراهيم السائح الروحي ص 26
2- انظر رحله في كتابنا اسرائيل ص 69- 86
3- انظر وجهات نظر مختلفة عن موطن الخليل و هجراته، في كتابنا «اسرائيل» ص 165- 196

وَ أَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا (1)».

و هذه الآيات الكريمة تدل بوضوح على أن هناك حلافا عميق الجذور بين إبراهيم و أبيه، تأدي بالوالد أن يأمر ابنه بالهجرة، حيث لا أمل في اتفاق، و لكن الأمور سرعان ما تتأزم كذلك بين إبراهيم و قومه، إلى الحد الذي لا يجد القوم مخرجا منها، إلا أن يلقوا بابراهيم في نار أوقدوها لإحراقه، و هنا يفقد إبراهيم الأمل في ايمان القوم، و يقرر الهجرة، «وَ قالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ» (2)، و لم يجد من القوم من يؤمن به إلا ابن أخيه لوط (3)، «فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَ قالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4)»، و هكذا كتب اللّه لإبراهيم- و كذا لابن أخيه- النجاة، بعد أن اعد القوم العدة لإحراقه، «قالُوا حَرِّقُوهُ وَ انْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ، قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَ سَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ، وَ أَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ، وَ نَجَّيْناهُ وَ لُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ (5)».

و لعل من المفيد الإشارة هنا إلى رأي عالم يهودي، يعترف فيه صراحة، بأن التوراة لم تأت على السبب الصريح لمهاجرة إبراهيم أرض آبائه، و إنما يؤخذ مما جاء فيها في مواضع مختلفة، أنه فضل ذلك كي يعبد اللّه عملا بما أنزل عليه من الوحي، و هذا يطابق ما جاء في القرآن من أنه إنما غادر أهله و بلاده، لأنهم كانوا عبدة أصنام، و كان يعبد اللّه فخاصمهم و ارتحل عنهم إلى حيث يبيت في مأمن منهم، و حيث تتسنى له

ص: 60


1- سورة مريم: آية 41- 48
2- سورة الصافات: آية 99، و أنظر عن تفسير هذه الآيات: تفسير الطبري 23/ 75- 76، تفسير القرطبي 15/ 97- 98، روح المعاني 23/ 126- 127
3- انظر عن رأي التوراة في لوط: تكوين 19: 30- 38، كتابنا إسرائيل ص 73- 74
4- سورة العنكبوت: آية 26
5- سورة الأنبياء: آية 68- 71

عبادة الحق دون معارضة أو خصام (1).

هذا، و قد انفرد القرآن الكريم- دون غيره من الكتب المقدسة- بأخبار إبراهيم و رحلته إلى الحجاز، و أنه ترك هناك ولده إسماعيل- و كذا زوجته هاجر- و إنه فعل ذلك امتثالا لأمر اللّه، و رغبته في نشر الإيمان باللّه، في بيئة جديدة، و في مناخ جديد، بعد أن قام بذلك في العراق و سورية، و فلسطين و مصر، ليربط ولده و بكره، بما ارتبط به هو من قبل، فإبراهيم الخليل يرجع في نسبه الأول إلى العرب البادية- كما يسميهم الاخباريون- و التي هاجرت في فترة لا نستطيع تحديدها على وجه اليقين من بلاد العرب إلى الرافدين (2).

و أخيرا، فإن القرآن الكريم- بعكس التوراة- إنما ينظر إلى إبراهيم، على أنه أبو الأنبياء، حيث أخرج اللّه من صلبه أنبياء بررة، حملوا الراية و توارثوا المشعل (3)، و هو خليل اللّه (4)، و هو الأسوة الحسنة للمؤمنين جميعا (5)، إذ «كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَ لَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَ هَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» (6)، و من ثم فقد أوحى اللّه إلى حبيبه و نبيه المصطفى- صلوات الله و سلامه عليه- «أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (7)»، و من هنا فلا يرغب عن ملته إلا من سفه نفسه (8)، ثم هو- أول من أعطى المسلمين اسمهم (9)، و أول من

ص: 61


1- شاهين مكاريوس: تاريخ الأمة الإسرائيلية ص 15
2- أنظر: كتابنا اسرائيل ص 195- 196
3- سورة الانعام: آية 84- 87
4- سورة النساء: آية 125
5- سورة الممتحنة: آية 4
6- سورة النحل: آية 120- 121
7- سورة النحل: آية 123
8- سورة البقرة: آية 130
9- سورة الحج: آية 78

دعا لهم ربهم أن يبعث فيهم رسولا منهم يهديهم سواء السبيل (1)، و هو باني كعبتهم الشريفة، و جاعل مكة أقدس بقاع الأرض قاطبة (2) و من دعا لهم «رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَ ارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ (3)»، و هو أول من أذن في الناس بالحج (4)، و أخيرا، فإلى الخليل يشرف بالانتساب كل أصحاب الديانات السماوية- اليهودية و المسيحية و الإسلامية- و تلك مكانة- علم الله- ما استطاعت التوراة أن تصل إلى شي ء منها، بالنسبة إلى الخليل- عليه السلام- و لكنه القرآن- كتاب اللّه الكريم- يعطي كل ذي حق حقه (5).

و الأمر كذلك بالنسبة إلى بقية قصص الأنبياء الكرام، كموسى و هارون، و قد تحدثنا عن قصتهما مع بني إسرائيل بالتفصيل في كتابنا إسرائيل (6)، و رأينا كيف لقي النبيان الكريمان من يهود عناء، ما بعده عناء، و كيف تختم التوراة قصتها برواية كذوب، مؤداها أن موتهما إنما كان بسبب خيانتهما للربّ، «عند مريبة قادش في برية صين»، «إذ لم يقدسا رب اسرائيل في وسط إسرائيل»، و من ثم فقد حرم اللّه الأرض

ص: 62


1- سورة البقرة: آية 129
2- سورة آل عمران: آية 96
3- سورة البقرة: آية 126
4- سورة الحج: آية 27
5- ذكر القرآن الكريم إبراهيم في عدة آيات من سورة، منها: البقرة (124- 140، 258، 260) و آل عمران (67- 68، 95- 97) و النساء (54- 163) و الانعام (74- 88) و التوبة (70، 114) و هود (69- 76) و يوسف (6، 38) و إبراهيم (35- 41) و الحجر (51- 60) و النحل (120- 123) و مريم (41- 50) و الانبياء (51- 73) و الحج (26- 33، 78) و الشعراء (69- 89) و العنكبوت (16- 27، 31- 32) و الاحزاب (7) و الصافات (83- 113) و ص (45) و الشورى (13) و الزخرف (26، 27) و الذاريات (24- 30) و النجم (37) و الحديد (26) و الممتحنة (4) و الاعلى (19) (6) كتابنا إسرائيل ص 254- 329

المقدسة عليها أبدا (1).

و لعل الذين يقولون بأن قصص القرآن، قد اعتمد على التوراة، يعلمون أن القرآن الكريم إنما يقدم لنا النبيين الكريمين و قد بذلا الجهد في تبليغ دعوة ربهما، و أفنيا عمرهما من أجلها، حتى لقيا ربهما مطمئنين إلى رضاه، و هكذا نرى القرآن الكريم يكرمهما أمجد تكريم، و ذلك حين يقول، «وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً وَ كانَ رَسُولًا نَبِيًّا، وَ نادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ، وَ قَرَّبْناهُ نَجِيًّا، وَ وَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا (2)»، و حين يقول «وَ لَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وَ هارُونَ، وَ نَجَّيْناهُما وَ قَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (3)» و يقول «وَ هَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ، وَ تَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ، سَلامٌ عَلى مُوسى وَ هارُونَ، إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ» (4) و يقول «يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَ بِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَ كُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (5)»، و يقول «وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى وَ أَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ، هُدىً وَ ذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (6)» و يقول

ص: 63


1- سفر التثنية 32: 48- 52
2- سورة مريم: آية 51- 52 تفسير البيضاوي 2/ 36، تفسير روح المعاني 16/ 103- 104، تفسير الفخر الرازي 21/ 231، تفسير الطبري 16/ 94- 95، تفسير مجمع البيان 16/ 44- 46، تفسير القاسمي 11/ 4149، تفسير القرطي ص 4152- 4153
3- سورة الصافات: آية 114- 115 تفسير القرطبي 15/ 114، تفسير الفخر الرازي 26/ 159، تفسير الطبري 23/ 90، تفسير روح المعاني 23/ 138، تفسير ابن كثير 7/ 31 (دار الشعب 1972)، تفسير البيضاوي 2/ 298، تفسير و جدي ص 593
4- سورة الصافات: آية 118- 121 تفسير البيضاوي 2/ 298- 299، و تفسير القرطبي 15/ 114، تفسير الطبري 23/ 90- 91، تفسير الفخر الرازي 26/ 159، تفسير روح المعاني 23/ 138، تفسير و جدي ص 594، تفسير ابن كثير 7/ 31
5- سورة الاعراف: آية 144 تفسير الطبري 13/ 105 (دار المعارف) 1958، تفسير مجمع البيان 19/ 18- 20، تفسير القاسمي 7/ 2754، تفسير المنار 9/ 104- 113 (دار الشعب 1974)، تفسير القرطبي ص 2716 (دار الشعب 1970)، تفسير ابن كثير 7/ 471، تفسير وجدى ص 214.
6- سورة غافر: آية 53- 54

«وَ أَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَ لِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي (1)»، و يقول «وَ اصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (2)».

و هكذا يرفع القرآن الكريم هذين الرسولين الكريمين إلى الدرجة التي يستحقانها، ثم يطلب إلى المؤمنين به أن يرتفعوا إلى مستوى دينهم القويم، فلا يتأثروا بما يعرفون عن بني إسرائيل في حكمهم على موسى عليه السلام، فيقول «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا وَ كانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً (3)».

و تصور التوراة النبي الأواب داود عليه السلام، الذي آتاه اللّه الحكمة و فصل الخطاب، و هو يقضي وقته في نزهة فوق قصره يتطلع إلى حرمات الناس، فإذا ما رأى امرأة أعجبه حسنها، سرعان ما يأمر جنده بارسالها إلى فراشه، و حين يقضي منها وطره، و تثمر جريمته، يرسل في طلب زوجها من ميدان القتال، إيهاما له بأنه عنه راض، و لقضاء وقت جميل مع صاحبته موافق، و حين يتعفف الرجل من أن يكون بين أحضان امرأته، بينما اخوة له يجندلون بسيوف العدو، يدبر أمر قتله، و ما أن تنتهي المناحة

ص: 64


1- سور طه: آية 39 تفسير روح المعاني 16/ 93- 94، تفسير البيضاوي 2/ 49- 50 تفسير الفخر الرازي 22/ 50، تفسير الطبري 16/ 162- 167، تفسير الطبرسي 16/ 98- 100، تفسير القاسمي 11/ 4179، تفسير وجدى ص 408 تفسير القرطبى ص 4235- 4237 (دار الشعب 1970).
2- سورة طه: آية 41 تفسير القاسمي 11/ 4181، تفسير الطبرسي 16/ 98- 104، تفسير الطبري 16/ 168- 169، تفسير البيضاوي 2/ 50، تفسير الجلالين (نسخة على هامش البيضاوي) 2/ 50، تفسير روح المعاني 16/ 95- 96، تفسير الفخر الرازي 22/ 50، تفسير القرطبي ص 4235، 4238- 4239 (دار الشعب 1970)
3- سورة الاحزاب: آية 69، و انظر كتاب: عبد الرحيم فودة: من معاني القرآن ص 214 تفسير البيضاوي 2/ 253، تفسير الجلالين (نسخة على هامش البيضاوي) 2/ 253، تفسير القرطبي 14/ 250- 252، تفسير الفخر الرازي 25/ 233، تفسير الطبري 22/ 50- 53.

حتى يأمر بضم امرأته إلى حريمه (1) و الواقع أنه ليست هناك صورة تجمع بين النقيضين اللذين لا التقاء بينهما، كالصورة التي تقدمها التوراة لنا عن داود ملك اليهود القدير، فهو الشجاع قاتل جالوت الجبار بمقلاعه دون سيف في يده (2)، و بذا يصبح مطاردا من الفلسطينيين، و لكنه سرعان ما يشاركهم في محاربة عدو لهم، بل و يضع سيفه تحت تصرفهم ضد مواطنيهم اليهود، (3)، و هو يعمل حامل سلاح شاؤل الإسرائيلي يوما ما، ثم حارسا ل «أخيش» الفلسطيني يوما آخر (4)، و هو قد بدأ حكمه تحت سيادة الفلسطينيين ثم أنهاه و قد قضى على نفوذهم تماما، و هو عدو شاؤل اللدود، و لكنه في نفس الوقت زوج ابنته، و حبيب ابنه «يوناثان»، و كثير من فتيات إسرائيل (5)، و هو يعمل مغنيا في بلاط شاؤل، لأنه يجيد الضرب على القيثار، و يغني أغانيه العجيبة بصوته الرخيم و لكنه في نفس الوقت الفارس المغوار، حامل سلاح الملك و قاتل أعدائه (6).

و هو قاس غليظ القلب- كما كان الناس في وقته و كما كانت قبيلته- و هي صور مستحبة في اذهان اليهود، خلعوها على إلههم «يهوه»، من بين ما خلعوا عليه من صفات، و لكنه في نفس الوقت كان مستعدا لأن

ص: 65


1- صموئيل ثان 11: 2 إلى 12: 12، و أنظر عن تهم كذوب أخرى ألصقتها التوراة بالنبي الأواب (صموئيل أول 21: 2، 18: 25، 27، ملوك أول 2: 8، 9، صموئيل ثان 13: 1- 14، 14: 24، 28، ملوك أول 15: 5، أخيار أول 20: 30، صموئيل ثان 2: 6- 19، و راجع كتابنا إسرائيل ص 79- 84)
2- صموئيل أول 17: 50
3- صموئيل أول 29: 2- 2
4- صموئيل أول 28: 1- 2
5- صموئيل أول 18: 1- 7
6- صموئيل أول 16: 21- 23

يعفو عن أعدائه، كما كان يعفو عنهم قيصر و المسيح، يقتل الأسرى جملة، كأنه ملك من ملوك الآشوريين، بل إنه ليبالغ حتى في النسوة، حين يأمر بحرق المغلوبين و سلخ جلودهم و وشرهم بالمنشار (1). و حين يطلب منه شاؤل مائة غلفة من الفلسطينيين مهرا لابنته «ميكال»، إذا به يقتل مائتي رجل من الفلسطينيين (2)، و يقدم غلفهم مهرا لابنة شاؤل هذه (3)، و حين يوصي ولده سليمان- و هو على فراش الموت- بأن «يحدر بالدم إلى الهاوية (4)» شيبة شمعي بن جبرا، الذي لعنه منذ سنين طويلة.

و هو يأخذ النساء من ازواجهن قسرا، مستغلا في ذلك جاهه و سلطانه، فهو يشترط لمقابلة «أبنير قائد جيوش شاؤل، أن يأتي له بميكال ابنة شاؤل- و التي دفع مهرها من قبل رءوس مائتين من الفلسطينيين- من زوجها «فلطيئيل بن لايش»، الذي أدمى قلبه فراقها، ثم سار وراءها و هو يبكي حتى «بحوريم»، و لم يرجع من ورائها، إلا بأمر من أبنير، و إلا خوفا منه (5)، ثم يأخذ امرأة «أوريا الحيثي» بين نسائه، و يرسل بزوجها الى الصف الأول في ميدان القتال ليتخلص منه (6).

و هو يقبل زجر «ناثان» له في ذلة، و لكنه مع ذلك يحتفظ ب «بتشيع» الجميلة، و يعفو عن صموئيل عدة مرات، تكاد تبلغ اربعمائة و تسعين، و لا يسلبه الا درعه، حين كان في مقدوره أن يسلبه حياته، و يعفو عن

ص: 66


1- صموئيل ثان 12: 29- 31
2- كان الفلسطينيون- و هم غير ساميين- لا يختنون، و من ثم فقد كان الإسرائيليون- بعد ان تعلموا الختان في مصر- يقطعون غلف القتلى من الفلسطينيين
3- صموئيل أول 18: 25- 27
4- ملوك أول 2: 9
5- صموئيل ثان 3: 12- 16
6- صموئيل ثان 11: 2- 26

«مغيبوشت» و يساعده- رغم أنه حفيد شاؤل، و قد يكون من المطالبين بعرش عمه وجده من قبله (1)- و هو يعفو عن ولده «أبشالوم» بعد أن قبض عليه في ثورة مسلحة، و بعد أن دنس عرضه على ملأ من القوم (2)، بل إنه ليعفو عن «شاؤل» الذي كان يسعى لقتله، بعد أن تمكن منه عدة مرات، و في أمان مطلق و مناعة تامة (3).

و يعلق المؤرخ الأمريكي «ول ديورانت» على ذلك، بأن هذا وصف رجل حقيقي، لا رجل خيالي، اكتملت فيه عناصر الرجولة المختلفة، ينطوي على جميع بقايا الهمجية، و على كل مقومات الحضارة (4).

و أما في القرآن الكريم، فإن داود- عليه السلام- إنما هو «نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (5)، و قد «آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَ الْحِكْمَةَ وَ عَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ» (6)، «وَ آتَيْنا داوُدَ زَبُوراً» (7)، «وَ لَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَ سُلَيْمانَ عِلْماً وَ قالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (8)»، «وَ لَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَ الطَّيْرَ وَ أَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَ قَدِّرْ فِي السَّرْدِ» (9)، ثم يأمر اللّه نبيه الكريم محمد- صلوات اللّه و سلامه عليه-

ص: 67


1- صموئيل ثان 4: 4- 5
2- صموئيل ثان 16: 23، 18: 33
3- صموئيل أول 24: 2- 22
4- ول ديورانت: قصة الحضارة- ج 2 ص 331- 332، نجيب ميخائيل: مصر و الشرق الادنى القديم ح 3 ص 362- 373
5- سورة ص: آية 30
6- سورة البقرة: آية 251
7- سورة النساء: آية 163
8- سورة النمل: آية 15
9- سورة سبأ: آية 10، 11

«اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَ اذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ، إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَ الْإِشْراقِ، وَ الطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ، وَ شَدَدْنا مُلْكَهُ وَ آتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَ فَصْلَ الْخِطابِ» (1)، «وَ إِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَ حُسْنَ مَآبٍ» (2) و أخيرا، و ليس آخرا (3)، «وَ وَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ» (4).

و أما أعظم ملوك إسرائيل، سليمان الحكيم، فليس في نظر التوراة، إلا ذلك الحاكم الذي يرتكب أبشع الجرائم في سبيل توطيد سلطانه، فيقتل أخاه الأكبر «أدونيا» (5) صاحب الحق الشرعي في العرش- ثم يقتل «يوآب» قائد جيش أبيه (6)، ثم هو- في نظر التوراة كذلك- ذلك الرجل الغارق في ملذاته، و الذي يجمع في بلاطه ألفا من النساء بين الزوجات و الحظيات، و من كل بلد و لون (7)، و يبدو أن كاتب سفر الملوك (8) لم يرضه كل ما الصقه من تهم بسليمان، فإذا به يحول النبي الكريم إلى كافر، و يجعل الرسول الجليل- و حاشاه أن يكون كذلك- مشركا، فإذا بغضب الرب يحل به، و اذا باللعنة تنزل عليه،

ص: 68


1- سورة ص: آية 17- 20
2- سورة ص: آية 25
3- ذكر القرآن الكريم داود عليه السلام في عدة آيات من سورة، منها البقرة (251) و المائدة (78) و الانعام (84) و الاسراء (55) و الانبياء (78- 80) و النمل (15- 16) و سبأ (10- 11) و ص (17- 26)
4- سورة ص: آية 30)
5- التوراة: ملوك أول 2: 13- 25
6- ملوك أول 2: 28- 35
7- ملوك أول 11: 1- 3
8- التوراة: سفر الملوك الأول 11: 4- 11، ثم قارن الآية الكريمة (102) من سورة البقرة، و انظر: تفسير الطبري 2/ 405- 457 (دار المعارف)، تفسير الكشاف 1/ 171- 173 (دار الكاتب العربي- بيروت).

و النقمة تحل بنسله من بعده و ينفذ رب اسرائيل وعيده، فيفتقد ذنوب الآباء في الأبناء، و يمزق مملكته من بعده ليفوز عبده يربعام منها بنصيب الأسد، و لم ينس كاتب التوراة أن يذكر لنا أن تأجيل انحلال المملكة، ليس من أجل سليمان، فقد عصي ربه و استحق وعيده، و إنما من أجل داود عبده، و من أجل أورشليم مدينته التي اختارها (1).

و أما سليمان في القرآن الكريم (2)، فهو الملك النبي، أعطاه الله العلم بلغة الحيوان، و سخر له الطير، و سخر له الجن، و أوتي علم لغة النمل و الطير، يقول سبحانه و تعالى «وَ لَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَ سُلَيْمانَ عِلْماً، وَ قالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ، وَ قالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَ أُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْ ءٍ، إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ، وَ حُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ وَ الطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ، حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ، قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَ جُنُودُهُ وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ، فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها، وَ قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَ عَلى والِدَيَّ وَ أَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَ أَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ (3)» و يقول «وَ وَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ، نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (4)» و قد دعا سليمان ربه، «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ، فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ، وَ الشَّياطِينَ

ص: 69


1- ملوك أول 11: 1- 13، قارن أخبار أول 22: 6- 19 حيث التعارض الصارخ بين نصوص التوراة.
2- ذكر القرآن الكريم سليمان عليه السلام في سورة البقرة (102) و النساء (163) و الانعام (84) و الانبياء (78- 82) و النمل (15- 44) و سبأ (12- 14) و ص (30- 40).
3- سورة النمل: آية 15- 19، و انظر تفسير الطبري 19/ 140- 143، تفسير البيضاوي 2/ 172- 173
4- سورة ص: آية 30

كُلَّ بَنَّاءٍ وَ غَوَّاصٍ، وَ آخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ، هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ، وَ إِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَ حُسْنَ مَآبٍ (1)» و في قصة مريم البتول يشير القرآن الكريم إلى أحداث لم ترد في التوراة- فضلا عن الإنجيل و أعمال الرسل- فالقرآن الكريم (2) وحده هو الذي يشير إلى كفالة نبي اللّه زكريا لها، «ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ

ص: 70


1- سورة ص: آية 35- 40، و انظر: تفسير الطبري 23/ 156- 164، تفسير البيضاوي 2/ 309- 311، تفسير القرطبي 15/ 198- 207، تفسير الآلوسي 23/ 200- 205، و انظر موقف سليمان من ملكة سبأ في القرآن و في توراة اليهود- كما بسطناه في مقالنا «العرب و علاقاتهم الدولية في العصور القديمة «مجلة كلية اللغة العربية و العلوم الاجتماعية، العدد السادس، 1976
2- ذكرت السيدة مريم في القرآن الكريم في عدة سور منها آل عمران (35- 37، 42- 48) مريم (16- 35) و الأنبياء (91) و التحريم (12)، و انظر: تفسير الطبري 6/ 328- 359، 393- 423 (دار المعارف)، 16/ 59- 88، 28/ 172، تفسير البيضاوي 2/ 30- 34، 448، تفسير روح المعاني 16/ 74- 95، 28/ 164- 165، تفسير الطبرسي 3/ 63- 69، 76- 85، 16/ 20- 39، 28/ 125- 130، تفسير القاسمي 16/ 5869- 5873، تفسير ابن كثير 4/ 443- 459 (دار الاندلس، بيروت)، 8/ 199- 200 (دار الشعب، القاهرة 1973)، تفسير الكشاف 1/ 354- 358، 361- 362، 2/ 504- 509، 4/ 132، الدرر المنثور 4/ 264- 271، تفسير النسفي 3/ 32- 36، تفسير أبي السعود 3/ 278- 282، تفسير القرطبي 11/ 89- 109 (دار الكاتب العربي) ص 6682- 6683 (دار الشعب 1970)، في ظلال القرآن 6/ 2305- 2309 و انظر: عبد اللّه محمود شحاتة: من نور القرآن، القاهرة 1973 ص 163- 165 و انظر الحديث الشريف: حيث يروى عن أنس بن مالك، أن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) قال: «خير نساء العالمين أربع: مريم ابنة عمران، و آسية امرأة فرعون، و خديجة بنت خويلد، و فاطمة بنت محمد رسول اللّه» (صحيح البخارى 6/ 320، 7/ 83، تفسير ابن كثير 2/ 139، البداية و النهاية لابن كثير 2/ 60، و انظر: روايات اخرى للحديث الشريف في: تفسير الطبري 6/ 393- 398، صحيح مسلم 2/ 243، صحيح البخاري 6/ 339، 7/ 100- 101، سنن الترمذي 4/ 365- 366، مسند الإمام احمد 3/ 135).

إِلَيْكَ، وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ، وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (1)»، و القرآن الكريم وحده هو الذي يشير إلى اصطفائها و فضلها على نساء العالمين، «وَ إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَ طَهَّرَكِ وَ اصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (2)».

و أما قصة يوسف عليه السلام، فقد آثرنا أن نؤخرها- رغم أن التسلسل التاريخي يحتم علينا أن نضعها بين قصة إبراهيم و قصة موسى- لأننا أردنا أن نناقشها بشي ء من التفصيل، و ذلك بسبب الجدل الذي طال حولها- حتى زعم «الفرد جيوم» أنها إنما تدل على أن محمدا (صلى اللّه عليه و سلّم) لم يكن يعرف قصة الآباء الأول- كما جاءت في سفر التكوين من التوراة- فحسب، بل إنه يعرف كذلك التطور اليهودي المتأخر للقصة (3)، حيث تداخلت مصادر التوراة الثلاثة (اليهوي و الألوهيي و الكهنوتي)، و كونت قصة لا تمثل واحدا من هذه المصادر، و إنما تكوّن مزيجا عجيبا منها جميعا (4).

و لعل افضل ما نفعله هنا للرد على مزاعم «جيوم» و غيره من المستشرقين- بل و بعض المسلمين للأسف- أن نعقد مقارنة بين القصتين، ذلك لأن قصة التوراة، و إن كانت تحمل بعض أوجه شبه من القصة القرآنية (5)، فإن هناك خلافات جوهرية بين القصتين، منها (أولا)

ص: 71


1- سورة آل عمران: آية 44
2- سورة آل عمران آية 42
3- مالك بن نبي: الظاهرة القرآنية ص 251 و كذا 61. P, 1964, malsI, emualluG derflA
4- راجع عن مصادر التوراة، كتابنا إسرائيل ص 45- 48، حسن ظاظا: الفكر الديني الاسرائيلي ص 28- 31
5- جاءت قصة سيدنا يوسف في القرآن الكريم في سورة كاملة هي سورة يوسف، و في التوراة فى الاصحاح 37 ثم من 39 إلى 50 من سفر التكوين.

تلك الملامح الروحية التي تتميز بها القصة القرآنية، فضلا عن أن شخصية يوسف النبي، أكثر وضوحا في القصة القرآنية (1)، منها في رواية التوراة، و منها (ثانيا) أن حب يعقوب ليوسف إنما تصوره التوراة، على أن الصديق إنما كان يأتي لأبيه «بنميمة أخوته الرديئة»، و لأنه ابن شيخوخته، في الدرجة الأولى، ثم رؤيا يوسف في الدرجة الثانية (2)، و أما في القرآن الكريم، فإن السبب إنما هو الرؤيا الصادقة، ثم احساس عميق من يعقوب النبي، بما سوف يكون للصديق من مستقبل في عالم النبوة و تأويل الأحاديث (3)، و منها (ثالثا) أن القرآن الكريم وحده هو الذي يشير إلى أن مؤامرة اخوة يوسف عليه، إنما بدأت قبل ان يذهب معهم، فضلا عن توضيح رأي أبناء يعقوب في أبيهم، و لنقرأ هذه الآيات الكريمة «لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَ إِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَ أَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَ نَحْنُ عُصْبَةٌ، إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ، اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَ تَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ (4)».

و منها (رابعا) إن قصة التوراة تذهب إلى أن يعقوب هو الذي طلب من يوسف أن يذهب إلى إخوته الذين يرعون أغنامهم عند شكيم (5)- و التي يحتمل أنها تل بلاطة شرق نابلس الحالية- بينما يرى القرآن الكريم أن

ص: 72


1- راجع عن تفسير سورة يوسف: تفسير المنار 12/ 251- 324، 13/ 1 و ما بعدها+ تفسير سورة يوسف لرشيد رضا، تفسير البيضاوي 1/ 486- 511، تفسير الطبري 12/ 149- 238، 13/ 1- 91، تفسير القرطبي 9/ 118- 277، تفسير الآلوسي 12/ 170- 261، 13/ 1- 84 مؤتمر تفسير سورة يوسف (جزءان)، تفسير النسفي 2/ 210- 241
2- تكوين 37: 2- 11
3- سورة يوسف: آية 6
4- سورة يوسف: آية 7- 9
5- تكوين 37: 12- 16

أخوة يوسف هم الذين طلبوا من أبيهم أن يذهب يوسف معهم، لأن أباه إنما كان يخشى عليه من حقدهم، «قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَ إِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ، أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَ يَلْعَبْ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (1)»، و منها (خامسا) أن القرآن الكريم إنما يشير إلى ارتياب يعقوب في بنيه عقب تنفيذ المؤامرة- فضلا عن ارتيابهم في أنفسهم- «وَ ما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَ لَوْ كُنَّا صادِقِينَ، وَ جاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ، قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً (2)»، بينما تشير رواية التوراة إلى سرعة تصديق يعقوب لفرية أولاده، و يأسه عقب المؤامرة (3)، «فتحققه (أي قميص يوسف) و قال قميص ابني وحش ردي ء أكله، افترس يوسف افتراسا فمزق يعقوب ثيابه و وضع مسحا على حقويه، و ناح على ابنه أياما كثيرة» و منها (سادسا) أن الحيوان الذي ألصقت به تهمة قتل يوسف، إنما هو «تيس من المعزى» في التوراة (4)، و لكنه الذئب في القرآن الكريم (5).

و منها (سابعا) أن التوراة في عرضها لقصة يوسف مع امرأة العزيز، لم تحاول أن تركز على براءة يوسف، كما فعل القرآن الكريم الذي عرض البراءة في جلاء و وضوح، و منها (ثامنا) أن القرآن الكريم يصور لنا يوسف بعد حادث المراودة، و هو يفر من أمام امرأة العزيز، غير أنها سرعان ما تلحق به، فتتعلق بقميصه، و يتمزق منه ما علقت يدها به، و هنا يصل العزيز و يفاجأ بما لا يتصوره، فتبادر المرأة إلى دفع التهمة عن نفسها، و ترمي بها على يوسف في جرأة(6)، ثم لا تنتظر رأي العزيز في

ص: 73


1- سورة يوسف: آية 11- 12.
2- سورة يوسف: آية 17- 18.
3- مالك بن نبي: المرجع السابق ص 302.
4- تكوين 37: 33- 34.
5- تكوين 37: 31.
6- سورة يوسف: آية 13- 14، 17.

صحة الاتهام، فتغريه به و تعمل على توكيده في نفسه، بأن تطلب إليه رأيه في الجزاء الذي يجزّى به هذا المتهم (1)، يقول تعالى «وَ اسْتَبَقَا الْبابَ وَ قَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَ أَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ (2)»، بينما تتجاهل رواية التوراة حضور العزيز، و تذهب إلى أن امرأة العزيز قد اخبرت أهل البيت بأن الرجل العبراني قد حاول الاعتداء عليها، و أنه لم يتركها إلا بعد أن استغاثت بمن في البيت، و من ثم فقد ترك ثوبه و خرج، و أبقت الثوب حتى إذا ما جاء بعلها أخبرته أن عبده العبراني حاول الاعتداء على شرفها و لما صرخت ترك ثوبه بجوارها و فر هاربا، و لعل من المفيد هنا الإشارة إلى ما في النص التوراتي من اضطراب، فمرة لا يوجد أحد في البيت، و مرة أخرى، فإن البيت ملي ء بأهله، و مرة يوصف يوسف بأنه رجل عبراني، و أخرى عبد عبراني و فرق بين العبارتين في مثل هذه الحالة النفسية (3) و منها (تاسعا) أن القرآن الكريم وحده هو الذي يشير إلى أن الله- سبحانه و تعالى- قد أظهر براءة يوسف على يد شاهد من أهل امرأة العزيز نفسها، تروي كتب التفسير أنه صبي في المهد، و ذلك حين قال «إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَ هُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ، وَ إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَ هُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ، فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ، قالَ إِنَّهُ مِنْ

ص: 74


1- عبد الكريم الخطيب: القصص القرآني ص 100
2- سورة يوسف: آية 25
3- تكوين 39: 11- 18

كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (1)»، كما شهدت ببراءته النسوة الآتي قطعن أيديهن بقولهن «حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ (2)»، بينما لم تذهب التوراة إلى أكثر من أن العزيز حين سمع بالقصة لم يزد عن «أن غضبه حمى، فأخذ يوسف و وضعه في بيت السجن (3)».

و منها (عاشرا) أن القرآن الكريم وحده هو الذي يشير إلى أن عزيز مصر، حينما عرف الحقيقة، فإذا به يطلب من يوسف كتمان الأمر، و عدم إذاعته بين الناس، و في نفس الوقت فإنه يتجه إلى امرأته يأمرها ان تستغفر لذنبها و أن تتوب إلى ربها (4)، فإن العبد إذا تاب إلى الله تاب الله عليه، و أهل مصر- و إن كانوا وقت ذاك غير موحدين- إلّا أنهم إنما كانوا يعلمون أن الذي يغفر الذنوب و يؤخذ بها، إنما هو اللّه وحده، لا شريك له في ذلك (5)، و منها (حادي عشر) أن التوراة لم تتعرض لحادث النسوة اللاتي أخذن يرددن في المدينة، «امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا، إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ، فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَ أَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَ آتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً، وَ قالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ، فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَ قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ، وَ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً، إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (6)».

و منها (ثاني عشر) أن القرآن الكريم وحده هو الذي يشير إلى أن يوسف- عليه السلام- قد فضل السجن، على أن يقترف الفاحشة، و ذلك حين خيّر، بين ان تنال المرأة منه ما تريد، و إلا فان أبواب السجن

ص: 75


1- سورة يوسف: آية 26- 28
2- سورة يوسف: آية 51
3- تكوين 39: 19- 20
4- سورة يوسف: آية 29
5- ابن كثير: البداية و النهاية 1/ 204 التفسير 4/ 22
6- سورة يوسف: آية 30- 31

مفتوحة على مصراعيها لاستقباله، «قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَ إِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَ أَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ، فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (1)».

و منها (ثالث عشر) إن القرآن الكريم وحده هو الذي يشير إلى أن يعقوب- عليه السلام- حينما فقد في عاصفة هو جاء من عواصف الفتنة و الحسد، أعز فلذات كبده- يوسف الصديق- لم يغلبه الحزن الذي عصف بقلبه، على الصبر الذي ملأ كيانه (2)، فإذا به يتقبل المأساة بما يتفق و مكان النبوة السامي، «فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (3)»، بينما تصوره التوراة في صورة لا نرتضيها للنبي الكريم، «فأبى ان يتعزى، و قال إني أنزل إلى ابني نائحا إلى الهاوية» (4)، و حين تتكرر المأساة مرة أخرى، و يفقد يعقوب بنيامين- كما فقد يوسف من قبل- فإن الجواب في القرآن الكريم، «فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً، إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (5)»، و أما الجواب في التوراة- و حتى قبل وقوع الكارثة- «إذا أصابته أذية تنزلون شيبتي بشر إلى الهاوية (6)»، بل إن القرآن الكريم ليشير بوضوح إلى أن مر السنين، و كر الأيام، لا يفقد الأمل في نفس النبي الكريم، «يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَ أَخِيهِ وَ لا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ، إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ (7)».

ص: 76


1- سورة يوسف: آية 33- 34
2- عبد الكريم الخطيب: المرجع السابق ص 211
3- سورة يوسف: آية 18
4- تكوين 37: 35
5- سورة يوسف: آية 83
6- تكوين 42: 36- 38، 44: 29- 31
7- سورة يوسف: آية 87

و منها (رابع عشر) أن القرآن وحده هو الذي يشير الى ان يوسف قد تنبأ بعام فيه يغاث الناس و فيه يعصرون، بعد سبع سنوات من القحط (1)، و منها (خامس عشر) أن القرآن وحده هو الذي يشير إلى أن يوسف بعد أن فسر الحلم لملك مصر، و رسم له الطريق الصحيح للخروج من الأزمة بسلام، رفض في إباء و شمم أن يقبل المنصب الخطير الذي عرض عليه، حتى يتحقق الملك و رجاله- بل و الناس جميعا- من براءته و نزاهة عرضه، مما نسب إليه بشأن امرأة العزيز، و كان سببا في أن يلبث في السجن بضع سنين، «ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (2)»، و الآية الكريمة تفيد أن يوسف لم يشأ أن يقال عنه مجرم سرّ منه الملك، فعفا عن جريمته و أخرجه من السجن، و تجي ء الشواهد كلها- بعد بحث دقيق- بعفة الصديق و طهارته، و عندئذ يتقدم الصديق في ثقة و ثبات، «قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ»، و هكذا يتحمل يوسف المسئولية كاملة في صدق و شجاعة، و ينجح آخر الأمر في ان يرسي السفينة على مرفإ الأمن و السلامة (3)، و الأمر عكس ذلك تماما في التوراة، فما أن يفسر الصديق الحلم للملك، و ما أن يعرض الملك الأمر عليه، حتى يقبله فورا (4) و منها (سادس عشر) أن قصة يوسف إنما تشير إلى ان المصريين، ربما كانوا يعيشون في حرية شخصية إلى حد ما، حتى مع نفس الملك القابض على السلطة في مصر، و إن هذا الملك قد قبل أن يأمر بشي ء في حق عبد دخيل، فيأبى عليه ذلك العبد امتثال أمره، إلا بعد إجراء

ص: 77


1- سورة يوسف: آية 47- 49
2- سورة يوسف: آية 50، و انظر: تفسير الطبري 16/ 133- 137.
3- سورة يوسف: آية 46- 57
4- تكوين 41: 37- 46

التحقيق، مع أنه يمكنه الجمع بين امتثال إرادة الملك و أجراء التحقيق، بأن يبادر يوسف بالخروج من السجن، ثم يطلب من الملك التحقيق في قضيته (1).

و منها (سابع عشر) إن التوراة لم تشر إطلاقا إلى قيام يوسف- عليه السلام- بدعوة التوحيد، بعكس القرآن الكريم الذي يشير إلى أن الصديق قد انتهز الثقة المكينة التي اكتسبها بين السجناء، بسبب تفسير الرؤيا و تأويل الأحلام، فيقوم بدعوته الدينية، شارحا عقيدة الأنبياء جميعا في وحدانية اللّه الخالق العظيم. و هاتفا بمستمعيه (2)، «إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ، وَ اتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ، ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْ ءٍ، ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَ عَلَى النَّاسِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ، يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ، ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ، إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ، وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (3)»، و ذلك لأن يوسف لم يكن عالما يؤول الرؤيا فحسب، بل كان رسولا مصلحا، أرسله اللّه هاديا للناس في دنياهم و آخرتهم و معاشهم و معادهم، فما كان يرى فرصة يتنفس فيها برسالته إلا انتهزها، و لا نهزة صالحة للدعوة إلا علق بها (4)، و لهذا فإن الإشارة إلى الآخرة في قصة يوسف مقصورة على القرآن (5) دون التوراة.

ص: 78


1- مؤتمر تفسير سورة يوسف 2/ 839
2- محمد رجب البيومي: البيان القرآني ص 225 عبد الوهاب النجار: قصص الأنبياء ص 140
3- سورة يوسف: آية 37- 40
4- محمد احمد جاد المولى و آخرون: قصص القرآن ص 103
5- سورة يوسف: آية 57

و منها (ثامن عشر) إن القرآن الكريم هو وحده الذي يشير إلى إعلان امرأة العزيز براءة يوسف، و أنها هي التي راودته عن نفسها، «قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَ أَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ (1)»، و هكذا تقدم لنا القصة القرآنية امرأة العزيز، و هي تتحدث بلغة تليق بضمير انساني وخزه الندم و ارغمته طهارة التضحية و نزاهتها على الاستسلام للحق، فإذا بالخاطئة تعترف في النهاية بغلطتها و تقر بخطيئتها (2).

و منها (تاسع عشر) إن يوسف عليه السلام قد وصف في القرآن الكريم بالصديق و بالعزيز (3)، و في التوراة ب «صفنات فعنج» (4)»، و منها (عشرون) إن القرآن الكريم وحده هو الذي يتحدث عن نبوءة عزيز مصر الصادقة في يوسف الصديق، «وَ قالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً، وَ كَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَ لِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ، وَ اللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ، وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (5)»، و منها (واحد و عشرون) أن القرآن الكريم وحده هو الذي يشير في ختام قصة يوسف مع أبيه و أخوته إلى تحقيق حلمه الأول، «فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَ قالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ، وَ رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَ خَرُّوا لَهُ سُجَّداً، وَ قالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَ قَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ

ص: 79


1- سورة يوسف: آية 51- 52
2- مالك بن نبي: الظاهرة القرآنية ص 304- 305
3- سورة يوسف: آية 46، 48
4- تكوين 41: 45
5- سورة يوسف: آية 21

وَ جاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَ بَيْنَ إِخْوَتِي، إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَ عَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً، وَ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (1)».

و منها (عشرون) أن قصة التوراة تتحدث دائما عن ملك مصر، على أنه فرعون مصر (2)، بينما يتحدث القرآن على أنه الملك و ليس الفرعون (3)، و يرى الأستاذ حبيب سعيد أن هذه كانت هي العادة المتبعة في القرنين التاسع عشر و الثامن عشر ق. م (4)، و الحقيقة غير ذلك تماما، فمن المعروف تاريخيا أن كلمة «فرعون» في صيغتها المصرية، «بر- عا» أو «بر- عو»، كانت تعني- بادئ ذي بدء- البيت العالي، أو البيت العظيم، و كانوا يشيرون بها إلى القصر الملكي- و ليس إلى ساكنه- ثم سرعان ما تغيرت و غدت تعبيرا محترما، يقصد به الملك نفسه، و ذلك منذ الأسرة الثامنة عشرة (5)، و أما متى حدث هذا التغيير في استعمال لقب فرعون، فإن «سير ألن جاردنر»- العالم الحجة في اللغة المصرية القديمة- يحدد ذلك بعهد الفرعون «تحوتمس الثالث» (1490- 1436 ق. م)، حيث بدئ في إطلاق الاصطلاح «أي فرعون) على الملك نفسه ثم في عهد الداعية الديني المشهور «أخناتون» (1367- 1350 ق. م)، مستندا في ذلك على خطاب من عهده، ثم استعمل منذ الأسرة التاسعة عشرة

ص: 80


1- سورة يوسف: آية 99- 101، و انظر: تفسير الطبري 16/ 264- 277 (دار المعارف- القاهرة 1969)
2- تكوين 40: 7- 41: 15، 46: 31- 50: 7
3- سورة يوسف: آية 43، 50، 54، 72، 76
4- حبيب سعيد: المدخل الى الكتاب المقدس ص 76
5- 102. P, 1963, ogacihC, tpygE tneicnA fo erutluC ehT, nosliW. A. J

(1308- 1184 ق. م) و فيما بعد، في بعض الأحايين، كمرادف لكلمة «جلالته»، و من هذا الوقت أصبحنا نقرأ: «خرج فرعون» و «قال فرعون ... و هكذا (1).

و من ثم، فإن القرآن الكريم- فيما يبدو لي- أراد أن يفرق بين حاكم مصر الأجنبي على أيام يوسف الصديق في عهد الهكسوس (2) فأطلق عليه لقب «ملك»، و بين حاكم مصر الوطني على أيام موسى- مثلا- الذي أطلق عليه لقب «فرعون»، و هو اللقب الذي كان يطلق على ملوك مصر منذ عهد إخناتون، هذا فضلا عن أن ذلك من إعجاز القرآن، الذي لا إعجاز بعده، و إذا ما عدنا إلى التوراة، لوجدنا أن الحقائق التاريخية تقف ضد ما أوردته التوراة بشأن استعمال لقب فرعون، إذ أنها تستعمله حين يجب أن تستعمل لقب ملك، و ذلك قبل الأسرة الثامنة عشرة، و تستعمل لقب ملك حين يجب أن تستعمل لقب فرعون، و ذلك منذ عهد الأسرة الثامنة عشرة (1575- 1308 ق. م)، و فيما بعدها.

و لعل من الأهمية بمكان الاشارة إلى أن هناك اشياء ذكرتها التوراة لم يذكرها القرآن الكريم، و هي في أمور تتفق في بعضها و خلق يهود- كاتبي التوراة- و تبتعد في بعضها الآخر عن الحقائق التاريخية، و أما هذه الأمور، فأهمها (أولا) أن التوراة في عرضها لقصة الصديق- بعكس القرآن

ص: 81


1- 52. P, 1964, drofxO, shoarahP ehT fo tpygE, renidraG. H. A و كذا 75. P, 1966, drofxO, rammarG naitpyE, renidraG. H. A
2- حوالي (1725- 1575 ق. م.)، و انظر آراء أخرى في كتابنا «حركات التحرير في مصر القديمة» دار المعارف 1975 ص 137- 138، و كذا ehT, orettoB. J soskyH ehT, drofdeR. B. D و كذا ,nosliW .A .J 23 .P ,1970 ,noitidarT dna yrotsiH ni noisavnI و كذا 165 .P ,shoarahP eht fo tpygE ,renidraG .H .A 393 .P ,1967 ,noitaziliviC ylrA ehT ,rsaE raeN و كذا 159. P, uc- po

الكريم- إنما تعطي تأكيدا يكشف عن مطامع يهود في مصر، و لنقرأ هذا النص «خذوا أباكم و بيوتكم و تعالوا إليّ فأعطيكم خيرات أرض مصر، و تأكلون دسم الأرض ... خذوا لكم من أرض مصر عجلات لأولادكم و نسائكم و احملوا أباكم و تعالوا، و لا تحزن عيونكم على أثاثكم، لأن خيرات جميع أرض مصر لكم» (1)، كما لم تهمل التوراة كذلك أن تؤكد أن رحلة هؤلاء المجهدين الجياع إلى مصر، إنما كانت للقوت، و لكنها تؤكد أيضا أنها لتحقيق مؤامرة على الأرض التي استضافتهم (2).

و منها (ثانيا) أن التوراة تزعم أن يوسف قد اشترى كل أرض مصر- من عليها و ما عليها- للفرعون (و هو اصطلاح لم يكن قد استعمل في مصر بعد، كما أشرنا آنفا) بعد أن امتلأت الأرض جوعا (3)، الأمر الذي لم يثبت تاريخيا، فضلا عن أنني- علم اللّه- لست أدري: لما ذا تريد التوراة- أو بالأحرى يريد كاتبوها- أن يصوروا النبي الكريم في صورة صوت عذاب على المصريين، يستغل حاجتهم للمعونات الضرورية للحياة نفسها، فيستولي على أرض مصر كلها- باستثناء أرض الكهانة- لمصلحة الملك الهكسوسي؟. ثم و هل كان ملك مصر على أيام الهكسوس- و هو العصر الذي نرجح فيه دخول بني إسرائيل إلى أرض الكنانة (4)- يسيطر على مصر كلها، حتى يستولي له يوسف- عليه السلام- على كل أراضيها؟

إن جمهرة المؤرخين، إنما ترى أن الهكوس لم يمدوا نفوذهم أبدا إلى أبعد من القوصية (5) جنوبا، اللهم إلا في احتلال مؤقت قصير لإقليم (بي

ص: 82


1- تكوين 45: 18- 20
2- تكوين 46: 1- 4
3- تكوين 47: 13- 26
4- راجع كتابنا «إسرائيل» ص 237- 245، و انظر
5- ..FF 18 .P ,zrutS rhi dnu netpygeA ni soskyH red tfahcsrreH eiD ,bibaL rohaP

حتحور)، قام به «أبو فيس»- ربما آخر من حمل هذا اللقب- و ليس هناك من دليل حقيقي على أن غيره من الهكسوس قد تم له هذا الأمر (1)، أما أمر جبايتهم للضرائب من مصر العليا و السفلى على السواء، فموضع شك على الأقل، ذلك لأن وجهة النظر التي ترى احتلال الهكسوس للبلاد كلها، ليست سوى و هم قضى عليه النص الكبير للملك «كاموزا» الذي يتضمن في وضوح أن الغزاة لم يتقدموا إطلاقا فيما وراء جبلين، و الذي يشير إلى أنهم اضطروا بعد قليل إلى إرساء حدهم عند «خمون» (الاشمونين مركزملوي) (2).

و منها (ثالثا) أن التوراة تصور لنا شعور المصريين تجاه الإسرائيليين بأنه شعور عدائي، أو على الأقل غير ودي، منذ اللحظة الأولى التي قدم الإسرائيليون فيها بأخيهم بنيامين، إذ نرى يوسف يولم وليمة تكريم لأخيه، و لكنه يضطر إلى أن تكون له وليمة خاصة، و ثانية لإخوته، و ثالثة للمصريين، و ذلك «لأن المصريين لا يقدرون أن يأكلوا طعاما مع العبرانيين، لأنه رجس عند المصريين» (3)، و هكذا تبدو نظرة المصريين للعبرانيين واضحة لنا منذ أول لقاء بينهما، و في ضيافة يوسف العبراني نفسه، و هي نظرة لا تدل بحال من الأحوال على احترام المصريين للعبرانيين، و إنما تدل على أنفة المصريين و تأبيهم عن مخالطة العبرانيين، و عدم استعدادهم حتى للأكل معهم، رغم أنهم يعرفون أنهم إخوة يوسف عزيز مصر وقت ذاك، و الأمين على خزائنها، و الأثير عند مليكها، و ليس من شك أن هذا إن دلّ على شي ء، فإنما يدل على أن القطيعة بين الفريقين كانت واضحة لا تحتاج إلى بيان (4).

ص: 83


1- 168. P, tic- po, renidraG. H. A
2- , 168. P, dibI و كذا كتابنا «حركات التحرير في مصر القديمة» ص 143- 145
3- تكوين 43: 32، قارن: الظاهرة القرآنية ص 305
4- كتابنا «اسرائيل» ص 243

و منها (رابعا) أن التوراة قد حددت اسم من اشترى يوسف و وظيفته، و أنه «فوطيفار خصي فرعون رئيس الشرطة» (1) و بدهي أن القرآن الكريم لم يفعل ذلك، لأنه- كما قلنا من قبل- ليس كتاب حوادث و تواريخ، و إنما قصصه للعبرة و العظة، و إن لقّبه «بالعزيز»، و لا شأن للقرآن بروايات المفسرين عن اسمه و اسم ملك مصر في عهده و اسم امرأة العزيز، فتلك اجتهادات، و فوق كل ذي علم عليم (2).

و هنا لنا أن نتساءل عن وصف التوراة لفوطيفار بأنه «خصي فرعون (3)»؟ و هل يتزوج الخصيان؟ و الحق أنني لست أدرى كيف دار في خلد كاتب التوراة أن رئيس الشرطة المصري كان خصيا (4)؟ أو لم يكن شافعا له في دحض هذه الفرية بأنه كان زوج أجمل سيدة في البلاد، و لكن ما الحيلة و صاحب سفر التكوين- أول أسفار التوراة- يرى أن حاشية القصر كلها من الخصيان، و منهم رئيس السقاة و رئيس الخبازين (5)، و هو أمر ما اعتدناه في مصر الفراعنة، و ما حدثنا به تاريخها، و إنما ذلك رأي يهود الأسر البابلي، حين كتبوا توراتهم على ضفاف الفرات، متأثرين بكل الحضارات القديمة التي شاهدوها- أو التي عاشوا في ظلالها- من ناحية، و بحقدهم الأعمى على مصر من ناحية أخرى، حتى أعماهم هذا الحقد عن حقائق التاريخ، فجعلوا كل رجال البلاط المصري من الخصيان.

ص: 84


1- تكوين 39: 1
2- تفسير الطبري 12/ 174- 176 تفسير المنار 12/ 272، تفسير ابن كثير 4/ 17
3- تكوين 39: 1
4- من عجب أن هذه الأكاذيب قد انتقلت إلى بعض كتب التفسير (الطبري 12/ 175، القرطبي 9/ 160)، و ان رفضتهما جمهرة المفسرين (تفسير البيضاوي 1/ 491، تفسير المنار 12/ 272، تفسير الألوسي 12/ 207، مؤتمر تفسير سورة يوسف 1/ 434، 503، 504، قارن 1/ 525، 526، 2/ 873)
5- تكوين 40: 2

و لعل من المفيد أن نشير هنا إلى أن الآية الكريمة «عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً» قد تفيد أن الرجل كان عقيما، لم يكن له ولد، و ما كان يرجو أن يكون له، و لكنها لن تفيد أنه كان خصيا (1).

و منها (خامسا) ما تردده التوراة من أن يوسف إنما كان يتهم إخوته بأنهم «جواسيس جاءوا ليروا عورة الأرض،» فضلا عن أن يوسف إنما كان يكرر القسم بحياة فرعون (2)، الأمر الذي لا يتفق و مكانه النبوة بحال من الأحوال.

بقيت نقطة أخيرة تتصل بذلك الاضطراب الواضح في قصة التوراة، ففي سفر التكوين (37: 26- 28) نجد أن يهوذا هو صاحب الكلمة، و قد اقترح على إخوته أن يبيعوا يوسف للإسماعيليين بعشرين مثقالا، في حين نرى في نفس السفر (37: 21- 24) أن راوئين هو صاحب الصوت الأعلى، يقترح القاءه في الجب فيوافق الجميع، حيث يأخذه التجار المديانيون، كما في (تكوين 37: 28) و الأمر كذلك بالنسبة إلى بيعه إلى فوطيفار، ففي أول القصة عن قوم من مدين (3)، بينما هم في آخرها من الإسماعيليين (4).

و بعد: فهذه نظرة سريعة إلى الفروق بين قصص القرآن و روايات التوراة، فإذا ما تذكرنا أن القرآن الكريم- كما هو معروف- جاء به محمد النبي الأمي، الذي لا يكتب و لا يقرأ، كما قال تعالى «وَ ما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ

ص: 85


1- تفسير المنار 12/ 272، تفسير البيضاوي 1/ 491، روح المعاني 12/ 207، تفسير القرطبي 9/ 160
2- تكوين 42: 9- 16
3- تكوين 37: 36
4- تكوين 39: 1

قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَ لا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ» (1)، مما يدل بوضوح لا لبس فيه و لا غموض- أن هذا القرآن من عند اللّه، و أنه و إن اتفق مع التوراة في القليل، فإنه يختلف معها في أكثر الكثير، كما يدل كذلك على أن هذا النوع من العلم ما كان عند العرب، و ليس لهم به دراية، و أخيرا فهو يدل على أن هذا القرآن ليس حديثا يفترى، و ليس أساطير الأولين اكتتبها، و لا يمكن أن تملى عليه، و إذا كان بعض المشركين قد ادعوا أنه تلقاها من بعض الناس في مكة- كما يقول بعض المستشرقين الآن- فهو لم يثبت اتصاله به، و لسانه أعجمي، و هذا كتاب عربي مبين، و فوق ذلك في القرآن من صادق الأخبار، ما لم يكن في كتب أهل الكتاب المسطورة، و لا يأتيه الباطل فيما يقول (2)، و لست أدري إعجازا بعد هذا الإعجاز (3).

ص: 86


1- سورة العنكبوت: آية 48
2- محمد أبو زهرة: القرآن ص 364- 365، الباقلاني: إعجاز القرآن ص 53- 54
3- من إعجاز القرآن كذلك إخباره بأمور حدثت في المستقبل، منها إخباره بانتصار الروم على الفرس بعد أن كانت الهزيمة من نصيب الأولين (الروم 1- 2) و منها إخباره بنصر المسلمين في بدر قبل الموقعة الكبرى (الأنفال: آية 7) و أن ذلك سوف يقع في نفس الوقت الذي سيهزم فيه الفرس امام الروم (الروم 3- 5)، و غير ذلك من أمور لا يمكن أن تكون حدسا أو تقديرا شخصيا، و انما هي من عند علام الغيوب، كقيام دولة الاسلام الفتية على الارض (النور 55) و عجز كل القوى عن القضاء عليها (الانفال 36) و الانشقاق بين المسيحيين إلى يوم القيامة (المائدة 14) و الشتات الاسرائيلي (آل عمران 112) و التفوق المسيحي على اليهود حتى يوم القيامة (آل عمران 55) [انظر: الباقلاني: إعجاز القرآن ص 77- 79، تفسير القرطبي 1/ 73- 78، الكشاف 3/ 252، 4/ 440، 445، مناهل العرفان للزرقاني 2/ 273، تفسير الطبري 21/ 16- 21، 25/ 111- 115، تفسير البيضاوي 2/ 215- 216، 439، تفسير الجلالين ص 215- 216 (نسخة على هامش البيضاوي) تفسير الآلوسي 21/ 16- 22، تفسير الطبرسي 21/ 5- 9، تفسير الفخر الرازي 25/ 95- 98، تفسير روح المعاني 6/ 95- 97، تفسير الطبري 6/ 445- 464، 7/ 116- 118، 10/ 135- 140، 13/ 398- 407، 529- 534 (دار المعارف بمصر)، تفسير مجمع البيان 3/ 94- 96، 4/ 166- 169، 6/ 54- 55 (دار مكتبة الحياة،بيروت 1961): في ظلال القرآن 21/ 2753- 2759، الدر المنثور في التفسير بالمأثور 5/ 150- 153، تفسير النسفى 3/ 266- 267 (طبعة الحلبي)، تفسير أبي السعود 4/ 179- 180، تفسير الطبرسي 21/ 5- 9، تيسير العلي القدير 3/ 304- 306، تفسير المنار 4/ 47- 58، تفسير القرطبي ص 1416- 1417 (دار الشعب) تفسير ابن كثير 2/ 77- 86 (دار الشعب)، تفسير الكشاف 1/ 366؛ 401- 402، 616 (دار الكاتب العربي- بيروت)، 3/ 213- 215 مدخل الى القرآن الكريم ص 177- 181، القصص القرآني ص 49- 50، التبيان في علوم القرآن ص 121- 127

و هكذا يبدو بوضوح أن القرآن الكريم مصدر لا يرقى إليه الشك بحال من الأحوال، يحدثنا عن أقوام بادت، و عن أحداث جرت في عصور ما قبل الإسلام، ثم إنه مرآة صادقة للحياة في الجاهلية، حيث يصور لنا الحياة الدينية و الاقتصادية و الاجتماعية و العقلية أصدق تصوير (1)، ففي القرآن الكريم ذكر لبعض أصنام أهل الحجاز، و ذكر لجدلهم مع الرسول صلى اللّه عليه و سلم في الإسلام، و في الحياة، و في المثل الجاهلية، كما تعرض القرآن الكريم لنواح اقتصادية و سياسية عندهم فضلا عن أمور جاهلية، تتصل بمعارضة قريش للقرآن و الإسلام.

و قد تعرض الإسلام للقانون الجاهلي، و بعبارة اخرى لعرف العرب و تقاليدهم في الجاهلية، و أقر بعضا، و أنكر بعضا، و عدّل بعضا، و مثال ما عدّله الإسلام بعض شريعة الجاهلية في الحج و الزواج و الطلاق و المهر و الخلع و الايلاء، و ألغى نظام التبني المعروف في الجاهلية و غير ذلك (2)، و كل تلك أمور يستطيع المؤرخ عن طريق دراستها أن يتعرف ما كان عليه القوم في جاهليتهم، و من ثم يستطيع التعرف على كثير من أحوالهم الاجتماعية.

و بدهي أننا لا نستطيع الافادة من القرآن الكريم على الوجه الصحيح،

ص: 87


1- احمد إبراهيم الشريف: مكة و المدينة في الجاهلية و عصر الرسول ص و- ط.
2- احمد أمين: فجر الإسلام ص 227

إلا إذا استعنا بمصدرين أساسيين آخرين، و أعني بهما: حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و تفسير القرآن الكريم.

ص: 88

الفصل الثّاني الحديث

ص: 89

ص: 90

الحديث هو ما ورد عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم من قول أو فعل أو تقرير (1)، و للحديث الشريف مكانة كبرى في الدين تلي مرتبة القرآن الكريم مباشرة، و صدق رسول اللّه عليه الصلاة و السلام حيث يقول «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما بعدي أبدا، كتاب اللّه و سنتي» (2)، ذلك أن كثيرا من آيات القرآن الكريم مجملة أو مطلقة أو عامة، فجاء رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فبيّنها أو قيدها أو خصصها (3)، قال تعالى «وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ» (4). و قال تعالى «لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ، وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ» (5)، و قال تعالى «وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» (6).

هذا و قد فرض اللّه على المؤمنين طاعة رسوله- عليه الصلاة و السلام- في غير آية من القرآن الكريم، يقول تعالى: «وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» (7) و يقول «فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» (8)، كما قرن سبحانه و تعالى طاعة النبي بطاعته عز و جل، يقول تعالى «مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ» (9) و يقول «وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ

ص: 91


1- أنظر تعريفات أخرى: مصطفى السباعي: السنة و مكانتها في التشريع ص 59- 60
2- الحديث رواه أصحاب السنن
3- فتاوى ابن تيمية 15/ 443، 13/ 29، 17/ 431- 432
4- سورة النحل: آية 44
5- سورة آل عمران: آية 164
6- سورة الشورى: آية 52
7- سورة الحشر: آية 7
8- سورة النور: آية 63
9- سورة النساء: آية 80

لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً» (1)، و ذلك لأن السنة- كما يقول الامام احمد بن حنبل- تفسر الكتاب و تبيّنه (2)، و يقول الإمام الشافعي إن اللّه سبحانه و تعالى، يقول في كتابه الكريم: «وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ» و يقول: «وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلَّهِ»، ثم بيّن على لسان نبيه- صلى اللّه عليه و سلم عدد ما فرض من الصلوات و مواقيتها و سننها، و عدد الزكاة و مواقيتها، و كيفية أداء الحج و العمرة ...

و هكذا (3)، و من هنا كان الحديث الشريف هو المصدر الثاني للشريعة الاسلامية، ثم هو أصدق المصادر التاريخية- بعد القرآن الكريم- لمعرفة التاريخ العربي القديم فى عصوره القريبة من الإسلام بالذات.

غير أن الحديث الشريف لم يدون على أيام النبي صلى اللّه عليه و سلم كما دون القرآن الكريم، حتى لا يتخذ المسلمون مع القرآن كتابا يضاهى به، و حتى لا يعتمد الصحابة على الكتابة، فينصرفوا عن حفظ الحديث (4)، و من ثم وجدنا أحاديث تنهى عن تدوين الحديث، منها ما رواه مسلم- عن أبي سعيد الخدري- من أن النبي، صلى اللّه عليه و سلّم، قال: «لا تكتبوا عني، و من كتب عني غير القرآن فليمحه، و حدثوا عني فلا حرج، و من كذب علي متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار» (5).

ص: 92


1- سورة الأحزاب: آية 36
2- تفسير القرطبي 1/ 39
3- محمد يوسف محمد: منزله السنة من الكتاب، ص 20- 23 من كتاب دفاع عن الحديث النبوي
4- ابن عبد البر: جامع بيان العلم و فضله 1/ 68، و انظر: سنن الدارمي 2/ 91 طبع الهند، تذكرة الحفاظ للذهبي 1/ 3، 5، تقييد العلم ص 27، محمود ابو رية: المرجع السابق ص 46- 53
5- ابن كثير 1/ 6، صحيح مسلم 4/ 298، تفسير القرطبي 1/ 80، فتاوى ابن تيمية 13/ 366، قارن: تأويل مختلف الحديث ص 49، مشكل الآثار للطحاوي 1/ 171، ابن سعد 2/ 74، 75، بحوث في تاريخ السنة ص 142، أبو رية: المرجع السابق ص 59- 65

و مع ذلك فهناك ما يدل على أن صحفا من الحديث قد كتبت على عهد رسول اللّه، صلى اللّه عليه و سلم، منها ما كتبه رسول اللّه- عليه الصلاة و السلام- لأهل نجران عند ما صالحهم، و ما كتبه لثقيف و لأهل دومة الجندل و لأهل هجر (1)، فضلا عن الرسائل التي ارسلها للملوك و الأمراء، و الوثيقة التي بيّن فيها حقوق المسلمين و المشركين و اليهود في المدينة عند ما قدمها (2)، و ما روى عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص من أنه كان يكتب كل ما سمع من رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم (3)، بل إن هناك من يذهب إلى أن أبا هريرة قد كتب كذلك، و رغم أنه نفسه لا يكتب، فإنهم يعللون ذلك بأنه قد تعلم الكتابة بعد ذلك (4) هذا إلى جانب أن هناك ما يشير إلى أن عبد اللّه بن مسعود، و سعد بن عبادة كانا يكتبان (5)، فضلا عن خطبة النبي صلى اللّه عليه و سلم التي كتبت لأبي شاه اليمني (6)، و ما كتبه الرسول لبعض عماله من كتب حدد فيها مقادير الزكاة في الإبل و الغنم، و أخيرا فإن الإمام علي- كرم اللّه وجهه- كانت عنده صحيفة فيها أحكام الدية، كما كان عند أبي رافع مولى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم كتاب فيه استفتاح الصلاة، بالإضافة إلى صحف سمرة بن جندب، و جابر بن عبد اللّه (7)، و يعلل بعض العلماء لهذا الخلاف في أن

ص: 93


1- أنظر: الأموال لأبي عبد اللّه ص 272، 276، 282، 287
2- نهاية الارب 18/ 159- 169
3- صحيح البخارى 1/ 34، جامع بيان العلم 1/ 70- 71، ابن سعد 7/ 189 أسد الغابة 3/ 233- 234
4- دفاع عن الحديث ص 16، فتح الباري 2/ 167، جامع بيان العلم 1/ 70.
5- ابن عبد البر 1/ 72، مسند الإمام احمد 5/ 285، قارن: مقدمة ابن الصلاح ص 170، الباعث الحثيث ص 148، دفاع عن الحديث ص 15
6- صحيح البخارى 3/ 110
7- بحوث في تاريخ السنة ص 147، دفاع عن الحديث ص 50

النهي عن الكتابة، إنما كان وقت نزول القرآن، خشية التباس القرآن بالحديث (1).

و هناك ما يشير إلى أن تدوين الحديث، إنما بدأ التفكير فيه على أيام الفاروق عمر بن الخطاب (13- 23 ه- 634- 644 م)، و لكن الخليفة الراشد سرعان ما عدل عن ذلك، حتى لا ينصرف الناس عن كتاب اللّه (2)، ثم تجددت الفكرة على أيام عمر بن عبد العزيز (99- 101 ه- 717- 719 م)، و كما يروي أبو نعيم- في تاريخ اصفهان- أن الخليفة قد كتب إلى أهل الآفاق: أنظروا إلى حديث رسول اللّه، صلى اللّه عليه و سلم، فأجمعوه، و طبقا لرواية الإمام البخاري، فإن عمر قد كتب إلى أبي بكر بن حزم- نائبه في الامارة و القضاء على المدينة- أن «أنظر ما كان من سنة أو حديث فأكبته، فإني خفت دروس العلم و ذهاب العلماء»، غير أن الأمر لم يتم بسبب موت الخليفة، و تنحية ابن حزم عن إمارة المدينة، على أيام يزيد بن عبد الملك، و بقي الأمر كذلك إلى أن تولى هشام بن عبد الملك (105- 125 ه- 724- 743 م)، فجدّ في ذلك الأمر «ابن شهاب الزهري» (ت 124 ه)، و إن كان هناك ما يشير الى أنه قد أكره على ذلك في أول الأمر، غير أن هذه الكراهية ما لبثت أن صارت رضا (3).

و بقي الأمر كذلك، حتى جاء أبو جعفر المنصور العباسي

ص: 94


1- أحمد أمين: فجر الإسلام ص 209، قارن: تأويل مختلف الحديث ص 396، و أنظر المسند 10/ 766
2- ابن عبد البر 1/ 64- 65، تقييد العلم ص 52، أضواء على السنة المحمدية ص 47
3- نفس المرجع السابق ص 258- 262، إرشاد الساري شرح القسطلاني 1/ 7، تقييد العلم للخطيب البغدادي ص 107، ابن عبد البر 1/ 77، صحيح البخاري: باب العلم، الأحياء للغزالي 1/ 79، مقدمة المصحح لكتاب معرفة علوم الحديث ص ي، صبحي الصالح: مباحث في علوم الحديث: ص 38- 40، محمد الصباغ: الحديث النبوي ص 120- 122

(136- 158 ه- 754- 775 م)، الذي أراد أن ينسخ من موطأ مالك، الذي كتبه عام 148 ه، نسخا توزع على الأمصار، ليعمل الناس بها دون غيرها، إلا أن الإمام مالك قد رفض الفكرة من المنصور، كما رفضها من الرشيد (170- 193 ه- 786- 809 م) من بعده، و ذلك حين شاوره في أن يعلق الموطأ في الكعبة، و يحمل الناس على ما فيه، فأبى الإمام مالك، لأن أصحاب رسول اللّه، صلى اللّه عليه و سلم، قد اختلفوا في الفروع، و تفرقوا في البلدان، و كل مصيب (1).

و على أي حال، فلقد تمّ تدوين الحديث في القرن الثاني الهجري، و يروي ابن حجر في شرح البخاري أن أول من جمع ذلك الربيع بن صبيح (ت 160 ه) و سعيد بن أبي عروبة (156 ه)، إلى أن انتهى الأمر إلى كبار الطبقة الثالثة، من أمثال الإمام مالك (93- 179 ه) بالمدينة، و عبد الملك بن جريح (ت 150 ه) بمكة، و الأوزاعي (ت 156 أو 157 ه) بالشام، و سفيان بن الثوري (ت 161 ه) بالكوفة، و حماد بن سلمة بن دينار (ت 167 ه) بالبصرة، و الليث بن سعد (ت 175 ه) بمصر، و هيثم (ت 188 ه) بواسط، و معمر باليمن (ت 153 ه) و ابن المبارك (ت 181 ه) بخراسان، و جرير بن عبد الحميد بالري، و كل هؤلاء من رجال القرن الثاني، و كانت مجموعات الحديث لهم مختلطة بأقوال الصحابة و فتاوى التابعين، ثم تلاهم كثير من الأئمة في التصنيف كل على حسب ما سنح له و انتهى إليه علمه (2).

ص: 95


1- احمد امين: المرجع السابق ص 221- 222، حياة محمد ص 66- 67، محمود ابو رية: المرجع السابق ص 298، الحافظ بن عبد البر: كتاب الانتقاد ص 41، مباحث في تدوين السنة المطهرة ص 186
2- فجر الاسلام ص 222، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 101، النجوم الزاهرة 1/ 351، دفاع عن الحديث ص 73- 74، كتاب معرفة علوم الحديث ص ي- يا

و على أي حال، فإنه من المتفق عليه- أو يكاد- تدوين الحديث إنما بصفة عامة و رسمية في نهاية القرن الأول الهجري، و لم يكد ينتهي القرن الثالث حتى كانت السنة كلها مدونة في الكتب من صحاح و سنن و مسانيد (1)، و أن بعض الصحابة و التابعين كانوا يدونون في القرن الأول الهجري، لا سيما بعد وفاة النبي، صلى اللّه عليه و سلم. (2).

و قد اتبع المسلمون الدقة- كل الدقة- في تدوين الحديث، إذ كانت الأحاديث تروى عن طريق سلسلة الحفاظ، أو ما يعرف «بالسند» أو «الإسناد»، حتى تصل إلى النبي، صلى اللّه عليه و سلم، أو إلى السلف الأول من الصحابة أو التابعين أو تابعي التابعين (3)، هذا إلى جانب تقويم الرواة و تعديلهم أو تجريحهم، و وضعهم في درجات متفاوتة من الثقة فيما يروون (4)، و يروي الإمام مسلم في مقدمة صحيحه أنهم لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا «سموا لنا رجالكم» (5).

و قد أبدعت الثقافة الإسلامية في هذا فنا قائما بذاته هو «الجرح

ص: 96


1- المسانيد: هي كتب الحديث التي ألفت في القرن الثاني الهجري، و أشهرها: مسند معمر بن راشد (ت 152 ه) و مسند الطيالسي (ت 204 ه) و مسند الحميدي (ت 219 ه) و مسند الإمام احمد بن حنبل (164- 241 ه) و مسند الديلمي و الشافعي و غيرها.
2- دفاع عن الحديث ص 122، مفتاح السنة ص 18
3- مقدمة ابن خلدون ص 452، حاجي خليفة: كشف الظنون 1/ 423، مباحث في تدوين السنة ص 88- 103، النيسابوري: كتاب معرفة علوم الحديث ص 5- 12، و كذا 201. P, 2, IE
4- عبد الستار الحلوجي: مقدمة لدراسة المراجع ص 62، و انظر: النيسابوري: المرجع السابق ص 14- 27
5- احمد امين: فجر الإسلام ص 216، محمود أبو رية: المرجع السابق ص 72- 73، 331، مباحث في تدوين السنة ص 89- 92، و انظر صحيح مسلم، سنن الترمذي

و التعديل» (1)، لا نشك في أن من أعظم ما مهد لنشأته كذب الوضاعين (2)، و افتراء أهل الأهواء، و نسبتهم إلى القرآن و السنة أقوالا يدعمون بها زيفهم و يحاربون بها الاتجاه الحق في العقيدة و في الشريعة، و قد كان المسلمون يأخذون الأخبار من أفواه الرجال، و مما قيدوه في نسخهم، ناظرين دائما إلى هيئة الرجل و صلاحه، فهم لم يكونوا يفصلون بين علم الفرد و سلوكه، فالفرد- في نظرهم الصائب- وحدة متكاملة، يؤثر فيها سلوكه على علمه، أو العكس، و لا مناص من بحث

ص: 97


1- انظر عن الجرح و التعديل: فجر الاسلام ص 216- 218، أضواء على السنة المحمدية ص 331- 341، محمد الصباغ: الحديث النبوي ص 143- 146، محب الدين الخطيب و آخرون: دفاع عن الحديث النبوي ص 90- 96، مباحث في تدوين السنة المطهرة ص 123- 160، النيسابوري: كتاب معرفة علوم الحديث ص 52- 58.
2- ترجع نشأة الاختراع في الرواية و وضع الحديث على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إلى آخريات أيام الخليفة عثمان بن عفان، و بعد الفتنة التي أودت بحياته، ثم اشتد الاختراع و استفاض بعد ذلك، و أما أسباب الوضع فتتلخص في نقاط، منها الخلافات السياسية، و منها نصرة المذاهب في أصول الدين و فروعه، و منها الزنادقة اللابسون لباس الإسلام غشا و نفاقا و قصدهم بذلك إفساد الدين و إيقاع الخلاف بين المسلمين، و منها الغفلة عن الحفظ، اشتغالا عنه بالزهد و الانقطاع للعبادة، و منها التعصب للجنس و القبيلة و البلد، و منها التقرب إلى أصحاب السلطان من الملوك و الأمراء، و منها الرغبة في إرضاء الناس و ابتغاء القبول عندهم، و منهم الوعاظ و القصاص الذين لا يهمهم إلا أن يبكي الناس في مجالسهم، و منها الرغبة في الإتيان بغريب الحديث من متن و إسناد، و منها الانتصار للفتيا، و منها الترويج لنوع من المأكل أو الطيب أو الثياب، و منها غفلة المحدث و اختلاط عقله في أخريات أيام حياته، و منها الرغبة في الخبر، و لكن مع جهل بالدين [أنظر: اللئالئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة للسيوطي 2/ 232، 346، الباعث الحثيث ص 82، 86، 93، 94 اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية ص 208، رسالة التوحيد ص 7، 8، تاريخ بغداد 5/ 308، 13/ 335، مجلة المنار 27/ 747- 754، لسان الميزان لابن حجر العسقلاني 1/ 13، 5/ 7، فتح الباري 1/ 161، ميزان الاعتدال للذهبي 3/ 338، 430، الموضوعات لابن الجوزي 1/ 42، و انظر امثلة للأحاديث الموضوعة في كتب: الحديث و المحدثون، تنزيه الشريعة لابن عراق، الاصابة في تمييز الصحابة، الفوائد الموضوعة في الأحاديث الموضوعة، الاستيعاب في معرفة الأصحاب

حاله بحثا متقصيا، يتناول أدق تفاصيل حياته الذهنية و السلوكية ليمكن قبول نقله أو رفضه، و ما نظن أن ثقافة في الأرض قامت على مثل هذا الأساس النقدي المنهجي النزيه، فذلك شي ء تفرد به المسلمون (1).

و ليس من شك في أن كتب الحديث (2) و شروحها- رغم أنها مصدر فقهي أكثر منه تاريخي (3)- مورد غني من الموارد الأساسية لتدوين أخبار الجاهلية فيما قبيل الإسلام، على أن الغريب من الأمر، أن مؤرخي تلك الفترة قد تجاهلوا هذا المنهل الغزير، و بخاصة فيما يتصل بتاريخ عرب الحجاز، إلى حد كبير، و من ثم فقد خسروا واحدا من أهم مصادر التاريخ العربي القديم.

ص: 98


1- عبد الصبور شاهين: تاريخ القرآن ص 82- 83
2- أشهر مجاميع الحديث: موطأ مالك و مسند ابن حنبل و سنن الدارميّ (ت 255 ه) و صحيح البخارى (194- 256 ه) و صحيح مسلم (204- 268 ه) و سنن أبي داود (202- 275 ه) و سنن الترمذي (209- 279 ه) و سنن النسائي (215- 303 ه) و سنن ابن ماجة (209- 273 أو 275 ه)
3- 7. P, 1952, siraP, iemohaM ed emelborP eL, arehcaiB. R

الفصل الثّالث التفسير

ص: 99

ص: 100

نزل القرآن الكريم بلغة العرب، و على أساليب العرب و كلامهم (1)، يقول تعالى «إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2)» و يقول «قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (3)»، و يقول «إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (4)»، و يقول «وَ إِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (5)ابن قتيبة: رسالة في المسائل و الأجوبة ص 8(6)»، و هذا طبيعي لأنه أتى يدعو العرب- بادئ ذي بدء- ثم الناس كافة، إلى الإسلام، فلا بد أن يكون بلغة يفهمونها، تصديقا لقوله تعالى «وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ» (7).

و رغم أن القرآن الكريم نزل بلسان عربي، و في بيئة عربية كانت تفاخر من نواحي الحضارة بفن القول، فإنه لم يكن كله في متناول الصحابة جميعا يستطيعون أن يفهموه- إجمالا و تفصيلا- بمجرد أن يسمعوه، لأن العرب- كما يقول ابن قتيبة (7)- لا تستوي في المعرفة بجميع ما في القرآن من الغريب و المتشابه، بل إن بعضها يفضل في ذلك على بعض، و من هنا فليس صحيحا ما ذهب اليه «ابن خلدون» (8) من أن القرآن نزل بلغة العرب و على أساليب بلاغتهم، فكانوا كلهم يفهمونه،

ص: 101


1- أنظر تأويل مشكلات القرآن لابن قتيبة ص 62
2- سورة يوسف: آية 2
3- سورة الزمر: آية 28
4- سورة الزخرف: آية 3
5- سورة الشعراء: آية 192- 195، و انظر الرعد (37) و النحل (102- 103) و طه (113) و فصلت (1- 3، 44) و الشورى
6- و الأحقاف (12)
7- سورة إبراهيم: آية 4
8- مقدمة ابن خلدون ص 366

و يعلمون معانيه في مفرداته و تراكيبه لأن نزول القرآن بلغة العرب، لا يقتضي أن العرب كلهم يفهمونه في مفرداته و تراكيبه، و إنما كانوا يختلفون في مقدار فهمه حسب رقيهم العقلي، بل إن ألفاظ القرآن نفسها لم يكن العرب كلهم يفهمون معناها، كما لم يدع أحد أن كل فرد في كل أمة يعرف ألفاظ لغتها (1). و ليس أدلّ على ذلك، مما يروى عن أنس بن مالك، أن رجلا سأل الفاروق عمر عن قوله تعالى «وَ فاكِهَةً وَ أَبًّا (2)، ما الأب؟ فقال عمر: نهينا عن التكلف و التعمق»، و روي عن عمر أيضا، أنه كان على المنبر، فقرأ «أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ» (3)، ثم سأل عن معنى «التخوف»، فقال رجل من هذيل: التخوف عندنا التنقص (4).

و قريب من هذا، ما روي عن ابن عباس (3 ق. ه- 68 ه) أنه قال: ما كنت لأدري ما فاطر السموات و الأرض، حتى أحتكم إليّ أعرابيان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي ابتدأت حفرها (5).

فإذا كان هذا شأن الفاروق، يلتبس عليه معنى «التخوف» إلى أن يفسره له شيخ من هذيل، لأن التخوف من لغة هذيل، و إذا كان هذا شأن ابن عباس- و هو حبر الأمة، و ترجمان القرآن، و من دعا له رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بقوله: اللهم فقهه في الدين و علمه التأويل، و من كان عنده أدق الفهم لإشارات القرآن و دقائق معانيه (6)- لا يدري معنى فاطر السموات

ص: 102


1- احمد امين: فجر الاسلام ص 196
2- سورة عيسى: آية 31
3- سورة النحل: آية 47
4- الموافقات 2/ 57- 58، فجر الاسلام ص 196
5- مصادر الشعر الجاهلي و قيمتها التاريخية، تفسير الطبري 14/ 77
6- الاتقان 2/ 179، 187، تفسير القرطبي 1/ 33، فتاوى ابن تيمية 4/ 93، 94، 13/ 365، 17/ 402، تفسير الطبري 1/ 90، مقدمتان في علوم القرآن ص 57- 58، 264

و الأرض، حتى يحتكم إليه أعرابيان في بئر، فيقول أحدهما أنا فطرتها، أي بدأت حفرها (1)، بل و يروى عنه كذلك أنه قال: ما كنت أدري معنى قوله تعالى «رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ» (2) حتى سمعت بنت ذي يزن، تقول لزوجها: تعال أفاتحك: أي أحاكمك (3)- إذا كان هذا شأن الفاروق و ابن عباس، فحريّ بالعامة من العرب- و من باب أولي حريّ بنا، وفينا العجمة التي غلبت في كل مكان- ألا يفهموا جميعا لغة القرآن؛ لأنهم لم يكونوا جميعا على مستوى واحد في فهم اللغة العربية (4) فضلا عن أن هناك إشارات كثيرة في القرآن الكريم إلى أشياء في التوراة و الانجيل، و الرد عليها، و هي أمور لا يكفي في فهمها معرفة اللغة العربية (5).

إلا أن هذا لا يمنعنا من القول، بأن الصحابة على العموم كانوا أقدر الناس على فهم القرآن، لأنه نزل بلغتهم، و لأنهم شاهدوا الظروف التي نزل فيها القرآن، و مع ذلك فقد اختلفوا في الفهم حسب اختلافهم في أدوات الفهم، و ذلك لأسباب منها (أولا) أنهم كانوا يعرفون العربية على تفاوت فيما بينهم، و ان كانت العربية لغتهم و منها (ثانيا) ان منهم من كان يلازم النبي صلى اللّه عليه و سلم، و يقيم بجانبه، و يشاهد الأسباب التي دعت إلى نزول الآية، و منهم من ليس كذلك، و منها (ثالثا) اختلافهم في معرفة عادات العرب في أقوالهم و أفعالهم، فمن عرف عادات العرب في الحج في

ص: 103


1- تفسير القرطبي 1/ 44، التفسير و المفسرون 1/ 35، أمين مدني: التاريخ العربي و مصادره ص 47- 48
2- سورة الاعراف: آية 89
3- تفسير القرطبي 1/ 44
4- محمد أبو زهرة: القرآن ص 584
5- احمد أمين: فجر الاسلام ص 196.

الجاهلية، استطاع أن يعرف آيات الحج أكثر من غيره ممن لم يعرف (1).

و هكذا نشأ علم التفسير لفهم القرآن و تدبره، و لتبيان ما أوجز فيه، أو ما أشير إليه فيه إشارات غامضة، أو لما غمض علينا نحن من تشابيهه و استعاراته و ألفاظه أو لشرح أحكامه (2)، هذا و قد نشأ التفسير في عصر الرسول، صلى اللّه عليه و سلم، فكان النبي أول المفسرين له، ثم تابعه أصحابه من بعد (3)، على أساس أنهم الواقفون على أسراره، المهتدون بهدي النبي صلى اللّه عليه و سلم (4)، و لعل أشهر المفسرين من الصحابة، الإمام علي- كرم اللّه وجهه- و عبد اللّه بن عباس، و عبد اللّه بن مسعود (5).

و جاء عصر التابعين، الذين أخذوا عن الصحابة، و أشهرهم تلاميذ ابن عباس في مكة، كمجاهد (21- 103 ه) و عطاء بن رباح (27- 114 ه) و عكرمة (25- 105 ه) مولى ابن عباس، و سعيد بن جبير (45- 94 ه)، و من أهل المدينة عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، و محمد كعب القرضي (ت 117 ه) و رافع بن مهران، أو كما يكنى أبو العالية الرياحي (ت 93 ه)، و أما تلاميذ عبد اللّه بن مسعود في العراق، فمسروق بن الأجدع- و هو عربي من همدان- و قتادة أبو الخطاب السدوسي- و هو عربي كان يسكن البصرة- و عطاء الخراساني

ص: 104


1- نفس المرجع السابق ص 197- 198
2- عمر فروخ: تاريخ الجاهلية ص 16، و انظر: البرهان 2/ 13
3- فتاوى الإمام ابن تيمية 13/ 331- 333
4- اشتهر بتفسير القرآن عشرة من الصحابة، و هم الخلفاء الاربعة و ابن مسعود و ابن عباس و أبي بن كعب و زيد بن ثابت و أبو موسى الاشعري و عبد اللّه بن الزبير، و أما الخلفاء فأكثر ما روي عنه هو الإمام علي، و الرواية عن الثلاثة نذرة جدا (كشف الظنون 1/ 178، الاتقان 2/ 187- 189، فتاوي ابن تيمية 13/ 364- 366، 17/ 402، فجر الاسلام ص 202- 204)
5- راجع شروط المفسر و آدابه (الاتقان 2/ 175- 187، تفسير المنار 1/ 17- 26، التبيان في علوم القرآن ص 177- 181)

(50- 135 ه)، فضلا عن الإمام الحسن البصري، ذلك العالم الزاهد، الذي ولد في المدينة المنورة، و شب في كنف الإمام علي بن أبي طالب، ثم استكتبه الربيع بن زياد والي خراسان في عهد معاوية، فسكن البصرة، و توفي بها عام 110 ه (1).

و في هذا العصر- عصر التابعين- تضخم التفسير بالإسرائيليات و النصرانيات، لأسباب كثيرة، منها (أولا) أن كثيرا من اليهود كان- إبان ظهور الإسلام و قبله- يقيمون في المدينة المنورة و في مجاوراتها، كبني قينقاع و بني قريظة و بني النضير، فضلا عن يهود خيبر و فدك و تيماء، و كان هؤلاء و أولئك قد حملوا معهم إلى بلاد العرب- يوم وفدوا إليها خلال القرنين، الأول و الثاني بعد الميلاد، على ما نرجح (2)- ما حملوا من ثقافات مستمدة من كتبهم الدينية، و ما يتصل بها من شروح، و ما توارثوه جيلا بعد جيل عن أنبيائهم و أحبارهم، هذا و قد كان لليهود في بلاد العرب مواضع يقيمون فيها عبادتهم و شعائر دينهم، و يتدارسون فيها أحكام شريعتهم و أيامهم الماضية، و أخبارهم الخاصة برسلهم و أنبيائهم و كتبهم و غير ذلك، عرفت عند الجاهليين «بالمدارس» أو «بيت

ص: 105


1- الاتقان 2/ 190، 224، 225، فتاوى ابن تيمية 13/ 332، 347، 368، 369، 15/ 67، 68، 201، مقدمتان في علوم القرآن ص 263، 264، فجر الاسلام ص 174، 184، 204، 205، التبيان في علوم القرآن ص 160- 170
2- يختلف المؤرخون في العصر الذي جاء فيه اليهود إلى بلاد العرب، ففريق يراه على أيام موسى (القرن 13 ق. م.) و فريق يراه على أيام داود (1000- 960 ق. م.) و فريق يراه عقب استيلاء سرجون الثاني على السامرة عام 722 ق. م.، و فريق يراه بعد استيلاء نبوخذ نصر على أورشليم عام 586 ق. م.، و أخيرا هناك من يراه بعد القضاء النهائي على اليهود في فلسطين على أيام تيتوس عام 70 م، و على أيام هدريان فيما بين عامي 132، 135 م، و هذا ما نرجحه (أنظر التفصيلات في كتابنا «بلاد العرب»، و هو الجزء الخامس، من «دراسات في تاريخ الشرق الادنى القديم- تحت الطبع)

المدارس» (1)، و يروي أبو داود عن ابن عباس، أن هذا الحي من الأنصار كانوا- و هم أهل وثن- مع هذا الحي من اليهود- و هم أهل كتاب- يرون لهم فضلا، و يقتدون بكثير من أفعالهم (2).

و منها (ثانيا) أن العرب كانوا يقومون برحلات إلى الشام و اليمن، و بدهي أنه كانت تتم بين العرب و اليهود الذين كانوا يستوطنون هذه البلاد، لقاءات لا شك أنها كانت عاملا قويا من عوامل تسرب الثقافة اليهودية إلى العرب الذين كانت ثقافتهم- بحكم بداوتهم و جاهليتهم- محدودة ضيقة، و زاد الطين بلة، أن اليهود الذين نقل العرب عنهم، كانوا في غالبيتهم بداة مثلهم، لا يعرفون من كتبهم، إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب (3).

و منها (ثالثا) دخول جماعات من علماء اليهود و أحبارهم في الإسلام، كعبد اللّه بن سلام، و عبد اللّه بن صوريا، و كعب الأحبار و غيرهم، ممن كانت لهم ثقافة يهودية واسعة، و كانت لهم بين المسلمين مكانة مرموقة و مركز ملحوظ، بهذا كله التحمت الثقافة الإسرائيلية بالثقافة الإسلامية، بصورة أوسع و على نطاق أرحب (4)، و منها (رابعا) ميل النفوس لسماع التفاصيل عما يشير اليه القرآن من أحداث يهودية و نصرانية (5)، و منها (خامسا) أن العرب لم يكونوا أهل كتاب و لا علم، و إنما

ص: 106


1- أنظر: المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي 2/ 120، رمزي نعناعة: الاسرائيليات و أثرها في كتب التفسير ص 107، صحيح البخارى 9/ 131، كتاب الاعتصام بالكتاب و السنة.
2- انظر: تفسير ابن كثير 1/ 261
3- محمد السيد الذهبى: الإسرائيليات في التفسير و الحديث ص 24- 25، مقدمة ابن خلدون ص 283- 284.
4- محمد السيد الذهبي: المرجع السابق ص 26
5- احمد امين: فجر الإسلام ص 205

غلبت عليهم البداوة و الأمية، و إذا ما تشوقوا إلى معرفة شي ء مما تشوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكنونات و بدء الخليقة و أسرار الوجود، فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم، و يستفيدون منهم (1)، لأنهم- كما يقول ابن إسحاق- أهل العلم الأول (2)، و كانت التوراة- و التلمود- من بعدها- تشتمل على كثير مما يشتمل عليه القرآن الكريم من وقائع و أحداث تتصل بالمصطفين و الأخيار، من أنبياء اللّه الكرام، و لكن بإسهاب و تفصيل، قد يغري، في كثير من الاحايين، عواطف العامة، اكثر مما يرضي عقول العلماء.

و منها (سادسا) أن العرب لم يكونوا يعرفون العبرية- لغة التوراة- و كان أحبار يهود- كما يروي عن أبي هريرة- يقرءون التوراة بالعبرية و يفسرونها بالعربية لأهل الإسلام (3)، و من ثم فلم تكن هناك من وسيلة أمام المسلمين للتأكد من صدق يهود، فضلا عن أنهم كانوا أقل منهم دهاء و مكرا، و من ثم فقد راجت بينهم سوق أكاذيب ما يسمونهم أهل العلم الأول، و تساهل المفسرون و ملئوا كتب التفسير بهذه المنقولات، و التي كانت إما من التوراة، أو مما يفتري أحبار التوراة، و لهذا حذر «النظام» من بعض المفسرين، فإن بعضا منهم- و بخاصة عكرمة و الكلبي و السدي و الضحاك و مقاتل و ابو بكر الأصم- يقول بغير رواية إلى غير أساس، و كلما كان المفسر أغرب عند العامة كان أحب اليهم (4).

و منها (سابعا) ما يرويه «ابن النديم» من أن «أحمد بن عبد اللّه بن

ص: 107


1- مقدمة ابن خلدون ص 439- 440، و انظر: تفسير الطبري 6/ 9، 10، 17/ 10، 27/ 31، تفسير ابن كثير ابن كثير 3/ 102
2- معجم الأدباء 18/ 8
3- صحيح البخاري 2/ 285
4- الحيوان للجاحظ 1/ 343- 346

سلام» قد ترجم التوراة ترجمة دقيقة، (1) فاذا صح ذلك، فإن الرجل يكون قد قدم مادة جديدة خصبة من الاسرائيليات يضيفونها إلى تفسير القرآن الكريم، و من ثم فقد توسع المفسرون و المؤرخون في الاستعانة بهذه الترجمة- إن كانت قد وجدت حقا- في تصوير أخبار ما قبل البعثة و كانوا أحيانا يزيدون في هذه الأخبار، كلما استبد بالمفسر الميل إلى الإغراب و التقصي لجزئيات الأحداث، و قد جرأهم على ذلك ضعف ملكة النقد عند معاصريهم (2)، بل إن الأمر لم يقتصر على ضعف ملكة النقد هذه، و إنما تجاوزها إلى أن عدم معرفة العرب للغة العبرية جعلهم لا يعرفون مدى صحة هذه التوراة المترجمة، ثم إن اليهود أنفسهم- في دمشق و حلب مثلا- كانوا ينكرون على يهود بلاد العرب يهوديتهم، لأنهم لم يحافظوا على الديانة اليهودية التوحيدية (3)، كما أننا نعرف أن التوراة يصعب على رجل واحد القيام بترجمتها، فضلا عن أن تكون تلك الترجمة دقيقة (4)- و ان بخاصة الذي قام بها، فيما يزعمون، من يهود بلاد العرب، و هم ليسوا أعلم من العرب بكثير- و على أي حال، فالمعروف أن التوراة، إنما ترجمت إلى اللغة العربية حوالي عام 718 م، و بالتأكيد أن أحمد هذا لم يكن واحدا ممن شاركوا فيها.

و منها (ثامنا) أن معلومات العرب الجاهليين عن أسفار التوراة معلومات مشوهة، بل إن العربي الجاهلي كان ينظر إلى ما في أيدي الرهبان و الأحبار، نظرة احترام تمنعه من أن يجادل فيها، بل إن ما جاء في

ص: 108


1- الفهرست ص 32
2- رمزي نعناعة: المرجع السابق 198
3- اسرائيل و لفنسون: تاريخ اليهود في بلاد العرب ص 13، حسن إبراهيم: تاريخ الاسلام السياسى 1/ 73 و كذا setilearsI dna sbarA neewteB snoitaleR ehT, htuoilograM. S. D و كذا 75 ,51 .P .PIII ,sweJ eht fo yrotsiH ,ztaerG 60 .P ,malsI fo esiR eht ot roirP
4- راجع ترجمات التوراة في كتابنا اسرائيل ص 48- 51

«الفهرست» و في «الطبقات» ليؤكد لنا أن حرص المسلمين على حرفية ما ينقلونه من الأسفار إلى اللغة العربية، ليس بأقل من حرصهم على ما يرويه الأحبار و نقله حرفيا، و هذا ما جعل القصص اليهودي ينتشر كما هو بين العامة، و يصدقه ضعاف المؤرخين (1)، بل لقد بلغ الأمر بالبعض- و منهم كعب الأحبار و وهب بن منبه- إلى أن ينسب إلى التوراة، و غيرها من كتب الرسل، ما ليس فيها شي ء منه، و لا حومت حوله (2).

و منها (تاسعا) ما يروي من أن عبد اللّه بن عمرو بن العاص، قد أصاب يوم اليرموك (15 ه- 636 م) (3)، زاملتين من أهل الكتاب، فكان يحدث منهما، بعد ذلك، بقدر ما فهمه من حديث «حدثوا عن بني إسرائيل و لا حرج» (4)، و لعل هذا كله هو الذي دفع الإمام أحمد بن

ص: 109


1- أمين مدني: المرجع السابق ص 90
2- تفسير المنار 1/ 9
3- انظر عن معركة اليرموك: ابن الاثير 2/ 410- 415 و كذا تاريخ الطبري 3/ 394- 414، فتوح البلدان ص 137، فتوح الشام 2/ 120- 124، 237- 239، العقاد: معاوية في الميزان ص 41، عبد المنعم ماجد: المرجع السابق ص 184- 188.
4- فتاوى ابن تيمية 13/ 366، و انظر عن الحديث الشريف: صحيح البخارى 6/ 319- 320، هذا و هناك ما يشير إلى النهي عن الأخذ عن بني إسرائيل (أنظر: صحيح البخاري 3/ 181، 8/ 120، مسند الإمام احمد 3/ 387، فتح الباري 13/ 259، 404، تفسير ابن كثير 4/ 6- 8، البداية و النهاية 1/ 198، محمد السيد الذهبي: المرجع السابق ص 68- 71)، و يروي ابن حجر أن النهي كان قبل استقرار الأحكام الإسلامية، و القواعد الدينية خشية الفتنة، فلما زال المحظور وقع الإذن في ذلك لما في سماع الأخبار التي كانت في زمانهم من الاعتبار (فتح الباري 6/ 388)، فضلا عن الاحتياج الى الرد على المخالف، بدليل نقل الأئمّة قديما و حديثا من التوراة، و إلزام اليهود بالتصديق لمحمد صلى اللّه عليه و سلم بما يستخرجونه من كتابهم (فتح الباري 17/ 309، و انظر وجهات نظر أخرى في: مقدمة من أصول التفسير ص 17- 20، 45- 46، عمدة التفسير، تعليق احمد شاكر 1/ 15، تفسير ابن كثير 1/ 4، محاسن التأويل للقاسمي 1/ 44- 45، البداية و النهاية 1/ 6- 7، تفسير البقاعي ص 89- 90، محمد السيد الذهبي ص 71- 90).

حنبل إلى أن يقول كلمته المشهورة «ثلاثة ليس لها أصل: التفسير و الملاحم و المغازي، أي ليس لها إسناد، لأن الغالب عليها المراسيل (1)، و إلى أن يقول ابن تيمية: «و الموضوعات في كتب التفسير كثيرة» (2).

و مع ذلك كله، فإن الأمر لم يكن خطيرا على أيام الرسول صلى اللّه عليه و سلم لأن صحابته كانوا أعرف الناس بأمور دينهم، إلا أن عصر التابعين كان جد مختلف، إذ كثر النقل فيه عن يهود، و من ثم فقد وجدت أسفار يهود و أناجيل النصارى طريقها إلى كتب التفسير، و زاد الطين بلة أن وجد في تلك الفترة جماعة من المفسرين أرادوا ان يسدوا ما يرونه ثغرة قائمة في التفسير، بما وصل إليهم من الإسرائيليات، فجاء ما روي عنهم في التفسير مليئا بقصص كله سخف و نكارة، كالذي نراه في كتب التفسير منسوبا إلى قتادة و مجاهد، ثم جاء في عصر التابعين من عظم شغفه بالإسرائيليات و أفرط في الأخذ منها إلى درجة جعلتهم لا يردون قولا، و لا يحجمون عن أن يلصقوا بالقرآن كل ما يروى لهم، و إن كان لا يتصوره عقل، و استمر الشغف بالإسرائيليات، و الولع بنقل الأخبار التي كان يعتبر الكثير منها نوعا من الخرافة، إلى أن جاء عصر التدوين (3).

و على أي حال، سواء أ كانت هذه هي كل الأسباب، أم أن هناك أسبابا أخرى، فالذي لا شك فيه أن كثيرا من كتب التفسير قد اتسع لما قيل من ذلك و أكثر، حتى أصبح فيها مزيجا متنوعا من مخلفات الأديان المختلفة و المذاهب المتباينة، التي ترامت إلى علم العرب (4)، و حتى حوت

ص: 110


1- ابن تيمية: مقدمة في أصول التفسير ص 14 (طبعة دمشق)، تفسير المنار 1/ 8، و أنظر: الأسرار المرفوعة ص 339، كشف الخفاء 2/ 402، المقاصد الحسنة ص 481، تمييز الطيب من الخبيث ص 198.
2- ابن تيمية: الرجع السابق ص 19
3- محمد السيد الذهبي: المرجع السابق ص 36- 37 مقدمة ابن خلدون ص 490- 491
4- أمين الحولي: التفسير: معالم حياته، منهجه اليوم ص 10- 11، دائرة المعارف الاسلامية 9/ 415، محمد السيد الذهبي: التفسير و المفسرون 1/ 88

من الإسرائيليات كل عجيب و عجيبة، و استوت في ذلك تفاسير المتقدمين و المتأخرين، و المتساهلين و المتشددين (1)، على تفاوت بينها في ذلك قلة و كثرة، و تعقيبا عليها، و سكوتا عليها (2).

و أيا ما كان الأمر، و رغم هذه الشوائب، فالذي لا شك فيه، أنه في كتب التفسير (3)، ثروة تاريخية قيمة، تفيد المؤرخ في تدوين التاريخ العربي القديم، و تشرح ما جاء مجملا في القرآن العظيم، و تبسط ما كان عالقا بأذهان الناس عن الأيام التي سبقت عصر الإسلام، و تحكي ما سمعوه عن القبائل العربية البائدة، التي ذكرت على وجه الإجمال في القرآن الكريم، و ما ورد عندهم من أحكام و آراء و معتقدات

ص: 111


1- لعل أشهر كتب التفسير التي روت كثيرا من الاسرائيليات هي: تفسير مقاتل بن سليمان (ت 150 ه) و الطبري (224- 310 ه) و الثعلبي (ت 427 ه) و الخازن (678- 741 ه)، و اما التي تحرجت عن التوسع فيها، فأشهرها: تفسير ابن كثير (700- 774 ه) و الألوسي (1217- 1270 ه) و محمد رشيد رضا (1282- 1354 ه) [أنظر: دارة المعارف الإسلامية 9/ 451- 452، محمد السيد الذهبي: الاسرائيليات في التفسير و الحديث ص 161- 249
2- نفس المرجع السابق ص 158، 283
3- أشهر كتب التفسير: تفسير الطبري (جامع البيان عن تأويل آي القرآن) و تفسير الثعلبي (الكشف عن بيان تفسير القرآن) (تفسير المرتضى) (آمالي الشريف) و تفسير المشكاة (مرآة الأنوار و مشكاة الأسرار) و تفسير البغوي (معالم التنزيل) و تفسير الزمخشري (الكشاف على حقائق التنزيل و عيون الأقاويل في وجوه التأويل) و تفسير الطبرسي (مجمع البيان) و تفسير ابن العربي (أحكام القرآن) و تفسير ابن عطية (المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز) و تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) و تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن) و تفسير النسفي (مدارك التنزيل و حقائق التأويل) و تفسير النيسابوري (غرائب القرآن و رغائب الفرقان) و تفسير الخازن (لباب التأويل في معاني التنزيل) و تفسير أبي حيان (البحر المحيط) و تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم) و تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل و أسرار التنزيل) و تفسير الجواهر (الجواهر الحسان في تفسير القرآن) لعبد الرحمن الثعالبي الجزائري و تفسير السيوطي (الدر المنثور في التفسير بالمأثور) و تفسير الجلالين، و تفسير أبي السعود (إرشاد العقل السليم) و تفسير الألوسي (روح المعاني في تفسير القرآن العظيم و السبع المثاني) و تفسير القاسمي (محاسن التأويل) و تفسير المنار (تفسير القرآن الحكيم) و تفسير و جدي (المصحف المفسر) و تفسير سيد قطب (في ظلال القرآن) و تفسير طنطاوي جوهري (الجواهر في تفسير القرآن الكريم).

ص: 112

الفصل الرّابع إبراهيم الخليل جدّ العرب

اشارة

ص: 113

ص: 114

إبراهيم أبو الانبياء، و الجد الأعلى لرسول اللّه، و أشدّ الناس شبها به، خليل اللّه، و إمام المتقين، رمز الإيمان و الأسوة الحسنة للمؤمنين جميعا (1)، و أول من أعطى المسلمين اسمهم (2)، و أول من دعا لهم ربهم أن يبعث فيهم رسولا منهم، يهديهم سواء السبيل (3)، و صدق رسول اللّه، صلى اللّه عليه و سلم، حيث يقول «أنا دعوة أبي إبراهيم» (4).

و تاريخ الحجاز لن يكون مفهوما إلا عن طريق دراسة تاريخ أبي الانبياء- سيدنا إبراهيم عليه الصلاة و السلام- فهو أبو العرب (5)، و هو باني كعبتهم (6)، و جاعل مكة أقدس بقاع الأرض قاطبة (7)، و هو أول من أذن في الناس بالحج (8)، و أول من دعا لهذه الأرض الطيبة بالأمن و السكينة، و الخير و البركة (9).

و هكذا كان الحجاز الشريف مهد خاتم الأنبياء و المرسلين، محمد رسول اللّه- صلوات اللّه و سلامه عليه- مهبط الوحي، و منزل القرآن، تتجه إليه ملايين قلوب المسلمين و وجوههم في كل يوم خمس مرات (10)،

ص: 115


1- سورة الممتحنة: آية 4
2- سورة الحج: آية 78
3- سورة البقرة: آية 129
4- تفسير القرطبي 2/ 131
5- سورة الحج: آية 78
6- سورة البقرة: آية 127
7- سورة آل عمران: آية 96، و انظر: تفسير الطبري 3/ 45
8- سورة الحج: آية 27
9- سورة البقرة: آية 126
10- سورة البقرة: آية 144

و تؤمه في كل سنة آلاف مؤلفة من الحجيج، استجابة لدعوة إبراهيم، و أداء للفريضة الخامسة من فرائض الإسلام (1).

و هكذا يبدو بوضوح أن الخليل عليه السلام، لم يرتبط بدين من الأديان، كما ارتبط بالإسلام، و لم يؤمن أصحاب دين بالخليل، كما آمن به المسلمون، و لم يتباه جنس بانتسابهم إلى الخليل، كما تباهى العرب بعامة- و قريش بخاصة- و لم يتمسك أصحاب دين بدعوة الخليل، كما تمسك بها المسلمون- رغم دعاوى يهود، و مزاعم النصارى- لأنهم ورثة الخليل في الإيمان و التوحيد الصحيح.

[1] مولد الخليل عليه السلام

تقدم لنا المصادر العربية عن مولد الخليل رواية مؤداها أنه ولد في عصر ملك دعوة «نمرود بن كنعان بن كوش» و الذي كان واحدا من ملوك أربعة ملكوا الأرض كلها (نمرود و بختنصر و هما كافران، و سليمان بن داود و ذي القرنين و هما مؤمنان). و أن أصحاب النجوم قد أخبروه أن غلاما- يقال له إبراهيم- سوف يولد في شهر كذا من سنة كذا من عهده، و أنه سوف يفارق دين القوم و يحطم أصنامهم، و من ثم فإن الرجل قد أمر بقتل كل غلام يولد في تلك الفترة، غير أن أم إبراهيم قد أخفت حملها، فضلا عن أنها قد وضعته سرا في مغارة قريبة من المدينة، و من ثم فقد نجا من القتل، ثم أعلمت زوجها بأن الغلام قد مات على زعم، و أخبرته بالحقيقة على زعم آخر، و على أي حال، فإنها- طبقا للرواية- قد أخذت تتردد على وليدها يوما بعد آخر، و أنها كانت تتعجب كثيرا، حينما كانت

ص: 116


1- سورة آل عمران: آية 97

تراه يشب في اليوم ما يشبه غيره في الشهر (1).

و الرواية على هذا النحو مزيج عجيب من روايات مختلفة، فضلا عن أن سهام الريب توجه إليها من كل جانب، و ليس بالوسع القول أنها ترقى إلى ما فوق مظان الشبهات، و لعل أهم ما يوجه إليها من شبهات يتلخص في نقاط: منها (أولا) أن تلك الأسطورة التي تتردد في المصادر العربية- دون غيرها من المصادر و الحقائق التاريخية- عن الملوك الاربعة الذين حكموا الدنيا بأسرها، لا تتفق و الحقائق التاريخية أبدا، فأول هؤلاء الملوك- و أعني به نمرود- قد لا يعلم أصحاب هذه الأسطورة أن التاريخ البابلي لا يعرف ملكا بهذا الإسم- حتى الآن على الأقل- و لست أدري من أين جاء به أصحابنا المؤرخون الإسلاميون، و أكبر الظن أنهم أخذوه من توراة يهود، حيث جاء فيها «و كوش ولد نمرود الذي ابتدأ يكون جبارا في الأرض ... و كان ابتداء مملكته بابل و أرك و أكد و كلنه في أرض شنعار» (2)، على أن التاريخ يعرف بلدا باسم «نمرود»- على مجرى الزاب الأعلى- و قد كانت عاصمة للامبراطورية الآشورية على أيام سرجون الثاني (722- 705 ق. م.)، و هي نفسها مدينة «كالح» في التوراة (3)، و هكذا خلط كاتب سفر التكوين بين الملك و المدينة، ثم جاء مؤرخونا و نقلوا ما في التوراة، و كأنه التاريخ الذي يرقي فوق كل هواتف الريبة و الشك.

و أما «نبوخذ نصر»- أو بختنصر كما يدعونه- (605- 562

ص: 117


1- ابن الأثير 1/ 94- 95، الطبري 1/ 233- 237، أبو الفداء 1/ 13، ابن كثير 1/ 148، المحبر ص 392- 394، تفسير ابن كثير 3/ 181، 182، مروج الذهب 1/ 56، تاريخ الخميس ص 89- 91، 114، المقدسي 3/ 45- 48، 53، 54
2- تكوين 10: 8- 10
3- تكوين 10: 11

ق. م.)، فلم يكن ملكه يزيد- بحال من الأحوال- عن سورية بمعناها القديم، فضلا عن العراق، و مرة أخرى، ربما تأثر الكتاب المسلمون بروايات التوراة عن «نبوخذ نصر» الذي كتب له القضاء على البقية الباقية من الكيان السياسي لليهود في فلسطين، ثم القيام بالأسر البابلي المعروف في التاريخ (1)، و هكذا بدأ كتابنا يتأثرون بكتابات اليهود عن الرجل، حتى أنهم جعلوه يغزو بلاد العرب على أيام «عدنان» لسبب لا يخطر على بال مؤرخ، ذلك السبب هو الغيرة على أنبياء اللّه الذين قتلهم العرب، و لست أدري كيف قبل المؤرخون الإسلاميون هذه الاسطورة، و هم يعتقدون- في نفس الوقت- أن الرجل إنما كان كافرا، و قد يزول العجب حين ينسبون إصدار أمر الغزو إلى «برخيا» اليهودي، و كأن مذلّ اليهود، إنما يعمل بأمر اليهود (2)، ثم قد يعود العجب مرة أخرى، إذا علمنا أن توراة اليهود تخلو تماما من هذه الروايات، و أن الفترة ما بين عهد «عدنان» و عهد نبوخذ نصر جد بعيدة (3).

و اما سليمان بن داود- عليه السلام- فإن المصادر التاريخية جميعا، بما فيها التوراة، تتفق- هذا إذا استثنينا المصادر العربية- على أن ملك

ص: 118


1- انظر كتابنا اسرائيل ص 529- 535 و كذا 233 .P ,learsI dna tpygE ,yelretseO .E .O .W ,226 .P ,tsaP tneicnA eht morf thgiL ,nageniF .402 -399 .PP ,1965 ,II ,AHC ni ,kooC .S ,288 -285 .PP ,learsI fo yrotsiH ehT ,htoN .M ,225 -223 .PP .haduJ fo modgniK eht fo sraW tsaL ehT ,tamalaM .A 284 -280 .PP ,yrotsiH sa elbiB ehT ,relleK .W
2- تاريخ الطبري 1/ 558- 560، ابن الأثير 1/ 270- 272، المسعودي 2/ 130- 131، معجم البلدان 2/ 328- 331، الإكليل 2/ 286
3- أنظر: كتابنا «بلاد العرب»

النبي الكريم لم يتجاوز فلسطين بحدودها المعروفة (1)، بل إن التوراة نفسها- رغم المبالغات المعروفة عنها، بخاصة إذا كان الأمر يتصل بملك سليمان- ترى أن مملكة إسرائيل، في أقصى اتساع لها، و في أزهى العهود، إنما كان «من دان إلى بئر سبع» (2)، و هي حدود قد لا تشمل حتى فلسطين كلها.

و أما الإسكندر المقدوني (336- 323 ق. م.)- إن كان هو المقصود بذي القرنين، و هو أمر تحيط به الشكوك- فلعله أكثر الأربعة اتساعا في الملك، و لكنه بالتأكيد لم يملك الدنيا بأسرها، كما أنه لم يكن مؤمنا، بل إن الرجل إنما كان يؤله في كل بلد تضعه الأقدار تحت حكمه (3).

و منها (ثانيا) هذا التردد في معرفة آزر بمولد ولده، ألا يدعو إلى التساؤل: كيف أخفت أم إبراهيم وليدها عن أبيه؟ ثم مرة أخرى: آزر يخاف على وليده من الملك، فأي الروايتين هي الصحيحة؟ و منها (ثالثا) هذا الإصرار العجيب في المصادر العربية، على ترديد رواية إعلام المنجمين للملوك بمولد الأنبياء- يحدث هذا في مولد إبراهيم، كما يحدث في مولد الكليم و المسيح عليهما السلام، بل لقد رآه البعض كذلك في مولد «زرادشت» نبي الفرس المزعوم، و إن كانت الاسرائيليات تبلغ

ص: 119


1- أنظر مقالنا «العرب و علاقاتهم الدولية في العصور القديمة» مجلة كلية اللغة العربية و العلوم الاجتماعية- العدد السادس، 1976، ملوك أول 9: 11، 16، و كذا 206 -205 .P .P ,tic -po ,htoN .M ,433 .P ,tsaE raeN eht fo yrotsiH tneicnA ehT ,llaH .R .H ,368 .P ,yrutneC thgiE eht fo elddiM eht ot sgninnigeB stimorF ,learsI ,sdoL .A ,77 -76 .PP ,dlroW eht fo yrotsiH trohsA ,slleW .G .H 21 .P ,elpoeP hsiweJ eht fo yrotsiH trohsA .htoR .C .529 .P ,tseuqnoC naisreP ot semiT tseilraE eht morF ,tpygE fo yrotsiH A ,detsaerB .J
2- قضاة 20: 1، صموئيل أول 3: 20، صموئيل ثان 23: 2، أخبار أيام ثان 21: 31
3- و. و. تارن: الإسكندر الأكبر، ترجمة زكي علي، ص 178- 180

قمتها فيما يتصل بموسى عليه السلام، بل إن بعض المؤرخين إنما جعل بني إسرائيل انفسهم- و ليس المنجمين- هم الذين كانوا يرددون هذه النبوءة، و أن صاحبها هو الخليل نفسه (1).

و لعل سؤال البداهة الآن: لم يصرّ هؤلاء المؤرخون على أن يجعلوا المنجمين يعلمون الغيب من الأمر؟ حتى أنهم في قصة إبراهيم، إنما يحددون مولده بالسنة، بل و الشهر كذلك، و إن لم يقل لنا أصحابنا المؤرخون: متى كان هذا الشهر، و تلك السنة، ثم ألا تبدو الصنعة واضحة في ولادة الخليل في مغارة، ثم تركه وحيدا فيها، ثم زيارة أمه له يوما بعد يوم، دون أن يدري الملك- أو حتى أبو الخليل نفسه- شيئا عن ذلك، ثم من أين اتى المؤرخون بكل هذا القصص؟

و الرأي عندي أنه ربما صاحبت مولد الخليل عليه السلام بعض الخوارق، فذلك أمر لا ننكره، و ما كان لنا أن ننكره، و لكن أن تكون الخوارق بهذه الطريقة التي يذكرها مؤرخونا، و أن تتكرر مع بعض الأنبياء على نفس الوتيرة، مع تغيرات طفيفة في السرد القصصي، فذلك ما نراه أمر اختلاق، لعبت الإسرائيليات فيه الدور الأول، ثم شاء لمؤرخينا علمهم أن يزيدوا فيها، و هم يعلمون أن التوراة محرفة، فما زادوا- و الحال هذه- على أن نقلوا التحريف، بل و ربما في بعض الأحايين أن حرفوا التحريف نفسه، فأتت كتاباتهم على هذا النحو أو ذاك.

ص: 120


1- ابن الأثير 1/ 170، تاريخ الطبري 1/ 234- 237، 387- 388، ابن كثير 1/ 237- 238، تاريخ اليعقوبي 1/ 23، مروج الذهب 1/ 56، متى 2: 1- 22، قارن: تفسير المنار 1/ 313، المقدسي 3/ 45، تفسير الطبري 12/ 65- 67، قصة مشابهة عن قوم صالح عليه السلام.

[2] موطن الخليل و عصره

تروي التوراة أن الخليل عليه السلام، إنما هو «أبرام (1) بن تارح»، و من ثم فإن القرآن الكريم يختلف مع التوراة في اسم والد إبراهيم، حيث يقول سبحانه و تعالى «وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَ تَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً» (2).

و يبدو أن بعض المفسرين و المؤرخين نظروا إلى رواية التوراة، و كأنها السند الصحيح (3)، و من ثم فقد حاولوا تأويل الآية الكريمة بما يخرجها عن صريح اللفظ، محاولين بذلك أن يقضوا على التناقض بين ما جاء في القرآن، و ما ذهبت إليه التوراة، الأمر الذي ناقشناه بالتفصيل في كتابنا إسرائيل، و ذهبنا إلى أن اسم والد الخليل، إنما هو «آزر»، طبقا لما جاء في القرآن الكريم و الحديث الشريف، فضلا عن أن الأدلة العلمية كلها تقف إلى جانبه، و من ثم فإن تأويلات المفسرين و المؤرخين لا معنى

ص: 121


1- دعت التوراة الخليل أبرام حتى التاسعة و التسعين من عمره، ثم إبراهيم بعد ذلك (انظر تكوين 11: 27- 31، 12، 4، 7، 9، 10، 14، 16- 18، 13: 1- 8، 12، 14، 18، 14: 13، 14، 19، 22، 23، 15: 1- 3، 13، 18، 16: 1- 6، 15، 17: 1- 6
2- سورة الأنعام: آية 74 و انظر: تفسير الطبري 11/ 465- 469 (دار الشعب- القاهرة 1957)، تفسير النسفي 2/ 53، الجواهر في تفسير القرآن الكريم (للشيخ طنطاوي جوهري) 4/ 56 (طبعة ثالثة 1974).
3- ابن الأثير 1/ 94، تاريخ الطبري 1/ 223، أبو الفداء 1/ 13، المقدسي 3/ 47، تاريخ اليعقوبي 1/ 23- 24، مروج الذهب 1/ 56، ابن خلدون 2/ 33، تفسير روح المعاني 7/ 194، تفسير القرطبي ص 2458 (طبعة الشعب) دائرة المعارف الاسلامية 1/ 52- 55، تفسير الطبري 11/ 465- 466، و مع ذلك فهناك من يجمعون على أن «آزر» هو ابو إبراهيم طبقا لتصريح القرآن (تفسير الطبري 11/ 468- 469، تفسير الفخر الرازي 3/ 72، تفسير البحر المحيط 4/ 163- 164، تفسير روح المعاني 7/ 194- 195، تفسير الجواهر 4/ 56، البداية و النهاية لابن كثير 1/ 142 عباس العقاد: أبو الأنبياء ص 135- 136)

لها (1):

و أما قوم إبراهيم، فهناك من يجعلهم من المجموعة الآرامية التي تزوج منها إسحاق و يعقوب، و سواء أصح هذا أم لا، فأن قوم إبراهيم قد خرجوا من قلب الجزيرة العربية التي نشئوا فيها كجماعة من الجماعات السامية العديدة، و لعل في تفكير إبراهيم في إسكان زوجته المصرية، و ابنه إسماعيل منها في منطقة مكة المكرمة، هربا من ضرتها العجوز سارة، لم يكن على الأرجح بمحض الصدفة، ذلك لأن الصدفة لم يكن لها محل في تنظيم مثل هذه الخلافات العائلية عند رؤساء العشائر الأقدمين، و أذا كان إبراهيم قد اختار هذه المنطقة، فمما لا شك فيه أنه هو شخصيا كانت له صلات قرابة و صلات حلف و ذمة مع سكانها، و إلا لما اختار هذا المكان القفر البعيد مأوى لزوجته و ابنه (2).

و هكذا يمكن القول أن إبراهيم الخليل كان عربيا خالصا من سلالة العرب العاربة التي يرتفع نسبها إلى سام بن نوح، عليه السلام، كما أنه سوف يكون أبا العرب العدنانية الذين هم أبناء ولده إسماعيل، و هو بهذا جد العرب، قبل أن يكون جد الإسرائيليين.

هذا و يقدم لنا المؤرخون وجهتي نظر، فيما يتصل بأور موطن الخليل عليه السلام، الواحدة تذهب إلى أنها إنما تقع في جنوب العراق (3)، بينما تذهب الثانية إلى أن «أور» هذه ليست من بابل، و لا تقع على الخليج العربي، بل هي من إقليم العراق الأعلى في منطقة الجزيرة بين دجلة و «الفرات» و أن هناك كثيرا من الأدلة التي تؤيد هذا

ص: 122


1- كتابنا اسرائيل ص 160- 164
2- حسن ظاظا: الصهيونية العالمية و اسرائيل ص 26- 27.
3- تكوين 11: 28، 31، 15: 7، نحميا 9: 7 و كذا 42. P, tic- po, relleK. W

الإتجاه، موجودة في نصوص التوراة نفسها (1)، إلى جانب أدلة أخرى، سبق لنا مناقشتها في كتابنا إسرائيل (2)، و كلها تؤيد الفكرة القائلة أن «أور»، إنما كانت من مجاورات «حاران»، و بالذات إلى الشرق منها طبقا لتقاليد محلية ترجع إلى القرن الرابع الميلادي، و لعل «إميانوس مركليوس» كان يعنيها في إشارة له من نفس التاريخ إلى قلعة تقع بين سنجار و الدجلة (3)، و من ثم فقد ارتضينا الرأي الذي يجعل من حاران- و ليس أور المشهورة في جنوب العراق (4)- موطنا للخليل (5).

هذا و قد اختلف المؤرخون كذلك في عصر الخليل (6)، فبينما يذهب «يونجر» إلى أنه ربما كان في الفترة (1261- 1986 ق. م.) (7)، بينما يرى «و يجال» أن الخليل إنما ولد في حوالي منتصف القرن الحادي و العشرين ق. م. (8)، و أما أطلس و ستمنستر، فيحدد

ص: 123


1- تكوين 24: 7، 40، 27: 43- 44، 28: 10، يشوع 24: 2، نجيب ميخائيل مصر و الشرق الأدنى 3/ 183، حسن محمود: حضارة مصر و الشرق القديم: ص 349، و كذا 166. p, tic- po, sdoL A و كذا 70. P, tic- po, nageniF. J
2- راجع كتابنا إسرائيل ص 165- 171
3- 6- 165. PP, tic- po, sdoL. A
4- تذهب بعض الروايات الإسلامية إلى أن موطن الخليل، إنما كان في كوثي من سواد العراق، و تذهب روايات أخرى إلى أنه في بابل، بينما تذهب رواية ثالثة إلى السوس من أرض الاهواز، و رابعة الى حران، غير سادسة تذهب إلى الوركاء، بل ان رواية سابعة ترى أنه ولد بغوطة دمشق (تفسير الطبري 20/ 142، ابن كثير 1/ 140، تاريخ اليعقوبي 1/ 23، تاريخ الطبري 1/ 223، ياقوت 2/ 235، 4/ 487، أبو الفداء 1/ 13)
5- جون الدر: الاحجار تتكلم ص 43، 44 و كذا 104 P ,tic -po ,yarG .J ,6 -165 .P .P ,tic -po ,sdoLL .A ,514 -492 .P .P ,noitaziliviC fo sgninnigeB ehT ,yellooW .L ,71 -70 .P .P ,tic -po ,nageniF .J ,31 -21 .P .P ,msiaduJ ,nitetspE .I
6- راجع كتابنا إسرائيل ص 171- 177
7- 14- 10. P. P, tic- po, regnU. M
8- 40. P, shoarahP eht fo yrotsiHA, llagieW. A

عصر الخليل فيما بين عامي 2000، 1700 ق. م. (1)، بينما حددت موسوعة و ستمنستر- اعتمادا على تقدير الأسقف يوشر- مولد الخليل بعام 1996 ق. م. (2)، و أما السير «ليونارد و ولي» فيراه معاصرا لعصر «لارسا»، أعني ما بين عامي 1920، 1800 ق. م.، مستشهدا في ذلك بما دونه العهد القديم، و بتحقيق كلمة «عابيرو» (3)، التي يرى أنها استعملت في ذلك الوقت للدلالة على العبرانيين (4).

و يذهب «كيلر» إلى أن الخليل قد عاش حوالي عام 1900 ق. م. (5)، و أما «جورج روكس» فيرى أن الرحلة التي قام بها إلى كنعان، قد تمت في حوالي عام 1850 ق. م.، أو بعد ذلك بقليل (6)، و هذا يعني أن الخليل قد ولد في الربع الأخير من القرن العشرين ق. م.،

و يحدد «جاك فينجان» عام 1900 ق. م.، كتاريخ لدخول إبراهيم كنعان، و أنه قد ترك ميز و بوتاميا في عصر الغزو الأموري و العيلامي، و أن الاضطرابات التي حدثت هي التي اضطرته إلى الرحيل من موطنه الأصلي (7).

و هناك طائفة من العلماء حاولت الربط بين إبراهيم الخليل، و بين حمورابي الملك البابلي الشهير، بصلة من نوع ما عن طريق «امرافل ملك

ص: 124


1- 234. P, elbiB eht ot saltA lacirotsiH retsenimts? W
2- عباس العقاد إبراهيم أبو الأنبياء ص 69، قاموس الكتاب المقدس ص 12
3- انظر عن كلمة عابيرو و صلتها بالعبرانيين، كتابنا إسرائيل ص 1- 5، حسن ظاظا: الساميون و لغاتهم ص 71، 14 -13 .PP ,tic -po ,nietspE .I ,212 .P ,tic -po ,yelretseO .O .W ,7 -406 .P ,tic -po ,tlaH .R .H
4- 512, 492. P. P, tic- po, yelooW. L
5- 69. P, tic- po, relleK. W
6- 215. P, qarI tneicnA, xuoR. G
7- 3- 72. P. P, tic- po, nageniF. J

شنعار» الذي هزمه إبراهيم عند محاولته إنقاذ ابن أخيه لوط (1)، و من ثم فقد رأى البعض أن امرافل، إنما هو «امرابل» والد حمورابي (2)، أو أنه حمورابي نفسه على رأي آخر (3)، أو على الأقل- فيما يرى فريق ثالث- أن إبراهيم كان يعيش في نفس الوقت الذي كان يعيش فيه حمورابي في بابل (4)، غير أن هناك من يرى ان عصر حمورابي متأخر عن عصر الوقائع التي تنسب إلى أمرافل بمائة سنة أو أكثر، و أن أمرافل و حمورابي لا يدلان على شخص واحد، هذا فضلا عن أن الرأي قد استقر بين العلماء، على أن تاريخ حمورابي إنما كان في الفترة (1728- 1686 ق. م.) فلو افترضنا جدلا أن إبراهيم كان يعاصر حمورابي على الأقل، و طبقا لنص التوراة- العبري أو السبعيني- فإن مدة إقامة آباء الإسرائيليين في كنعان قبل دخولهم مصر قدرت ب 215 سنة، و هذا يجعل دخولهم مصر في عام 1513 ق. م.، و هذا تاريخ يقع في أخريات عهد الفرعون تحوتمس الأول (1528- 1510 ق. م.)، و بعد طرد الهكسوس من مصر (في عام 1575 ق. م.)، بأكثر من نصف القرن، و الذين يفترض دخول الإسرائيليين مصر على أيامهم، هذا فضلا عن أنه رغم ما يذهب إليه البعض من أن «أمرافل» قريب من اسم حمورابي، فالأمر ما يزال مجال مناقشة و اعتراض من جانب العلماء، و أن اسم إمرافل هذا ما يزال حتى الآن يصعب تعيين صاحبه، كما يصعب تعيين زملائه الآخرين الذين

ص: 125


1- تكوين 14: 1- 23
2- ول ديورانت: قصة الحضارة 2/ 324 و كذا 17. P, learsI dna tpygE, eirteP. F. W
3- عباس العقاد: المرجع السابق ص 61- 64، و كذا 71- 70., airyssA foyrotsiH, ylraE ehT, htims. S و كذا انظر koobdnaH elbiB tekcaB ehT yellaH. H.
4- 74. p, tic- po, slleW. G. H 73. p, tic- po, nageniF. J

جاء ذكرهم في سفر التكوين (14: 1) (1).

و أخيرا فهناك من يوحّد إبراهيم ب «دمقي اليشو»، ذلك لأن «ديوتي» يترجم اسم «دمقي اليشو» بحبيب اللّه، من المقة بمعنى الحب، و الإيل بمعنى اللّه، و ضمير الاضافة، ثم جاء «جون فلبي» فظن أن هذا الإسم يطابق في الزمن و الصفة اسم الخليل إبراهيم، و أن الخليل كان ملكا من الملوك الذين حكموا جنوب العراق عند الخليج العربي، لأن الأقوال متواترة لمقام الخليل هناك في أور الكلدانيين، و لأن اسم «دمشقي إليشو» ورد في الآثار البابلية بين عدة ملوك يسمون بملوك الشاطئ أو ملوك الأرض البحرية، و هو اصطلاح يطلق على العرب من سكان تلك الجهات (2)، هذا و قد حدد «ديلابورت» لهذه الاسرة الفترة (1925- 1761 ق. م.) (3)، غير أن هناك عقبات تقف في وجه هذا الإتجاه، منها ان واحدا من الكتب المقدسة- مصادرنا الأصلية عن الخليل عليه السلام- لم يقل بأنه كان ملكا من الملوك، و منها ذلك الرأي الذي يجعل من حاران- و ليس أور- موطنا للخليل، و الذي ارتضيناه من قبل، و أخيرا فإن هذه الفكرة تجعل هجرة إبراهيم، بسبب استيلاء الكاشيين على بابل، و ليس من أجل دعوة التوحيد التي حمل لواءها طوال حياته.

و لهذا كله، فليس أمامنا سوى أن نفترض- حدسا عن غير يقين- أن الرأي الذي يجعل الخليل يعيش حوالي عام 1900 ق. م.، أقرب إلى الصواب من غيره، على أساس أن الإسرائيليين قد خرجوا من مصر في أخريات القرن الثالث عشر ق. م.، في عصر مرنبتاح (1224- 1214

ص: 126


1- راجع كتابنا إسرائيل ص 175- 176
2- 1947, airdnaxelA, malsI fo dnuorgkcaB ehT, yblihP. B. J و كذا: عباس العقاد: المرجع السابق ص 64، 134
3- ل. ديلابورت: بلاد ما بين النهرين، ترجمة محرم كمال ص 74

ق. م.)، و أنهم جاءوها على أيام الهكسوس، حوالي عام 1650 ق. م.، و لما كانت مدة إقامتهم في مصر- كما يحددها سفر الخروج (1)- 430 سنة، فإن قدوم إبراهيم إلى كنعان يصبح حينئذ في حوالي عام 1850 ق. م.، و لما كان قد هاجر إلى كنعان، و هو في الخامسة و السبعين من عمره (2)، فهو قد ولد حوالي عام 1940 ق. م.، و بهذا يكون قد عاش في الفترة (1940- 1765 ق. م.)، على أساس أنه قد انتقل إلى الرفيق الأعلى، و عمره 175 عاما (3).

[3] هجراته

كانت أولى هجرات الخليل- طبقا لرواية التوراة- من أور الكلدانيين، على اعتبار أنها الموطن الأول له، و هو أمر سبق أن ناقشناه، و خلصنا منه إلى أن ذلك إنما كان في حاران، و ليس في أور، و على أي حال، فإن التوراة تنسب هذه الهجرة إلى تارح، و ليس إلى إبراهيم، كما أنها تجعل كنعان هدف الرحلة من أور، و أن حاران لم تكن أكثر من محطة وقوف يستريح فيها المهاجرون أياما، أو يقيمون سنين عددا (4).

هذا و يرجح البعض أسباب هذه الهجرة إلى أن أور، إنما كانت في زمن إبراهيم قد فقدت شهرتها و طغت عليها بابل، فبارت تجارتها، و رسب الطين في مرفئها، و باتت الحياة فيها قلقة غير مستقرة، مما حمل أهلها على مغادرتها و الارتحال شمالا، و من هنا رحل إبراهيم من أور إلى حاران (5)، و تقول تعليقات «أبنجدون» أنه ربما كان من أسباب هذه

ص: 127


1- سفر الخروج 12: 40
2- تكوين 12: 4
3- تكوين 25: 7، (انظر ابن كثير 1/ 56- 57، و المقدس 3/ 53
4- تكوين 11: 31
5- حبيب سعيد: المرجع السابق ص 8.

الهجرة اضطراب سياسي في جنوب العراق، أصابت جرائره معيشة أهل أور، فلم تستقر عليه أحوال المعيشة و التجارة في أور (1).

و يرى أستاذنا الدكتور الناضوري أن هجرة إبراهيم عليه السلام، تتصل اتصالا وثيقا بالأحداث التاريخية التي كانت سائدة في جنوب بلاد الرافدين في بداية الألف الثاني ق. م.، حيث كان عصر الاختلال الاموري و العيلامي، أو كما يطلق عليه أيضا عصر إيسين و لارسا، و هو المرحلة التاريخية التي حدثت أثناءها عدة تحركات بشرية مثل تحركات العناصر العيلامية من سوسة بعيلام، و تحركات العناصر الآمورية من سورية بحذاء نهر الفرات، مما أدى إلى ازدياد ظاهرة الصراع السياسي و الحضاري بين حكومات المدن السومرية و الأكدية، و تلك العناصر الوافدة، و كان ذلك من الأسباب المباشرة و التي أدت إلى هجرة إبراهيم عليه السلام و جماعته إلى حاران (2)، و هكذا ترجع هجرة الخليل إلى الأسباب السياسية و الاقتصادية في نفس الوقت، كما أنها كانت من «أور»، و لم تكن من حاران كذلك.

و ليس هناك من شك- فيما نعتقد- في أهمية الأسباب الاقتصادية و السياسية في الهجرات بصفة عامة، غير أن الأمر في حالة الخليل- عليه السلام- جد مختلف، و من ثم فعلينا أن نتذكر- بادئ ذي بدء- أن إبراهيم لم يكن ملكا من الملوك، و إنما كان نبيا رسولا، هذا إلى أن هجرة رجل بأسرته، لا تعني في كل الأحوال اضطراب الأمور في البلد الذي هاجر منه، إلا إذا كانت هناك هجرة جماعية، و لهذا فالرأي عندي أن هجرة إبراهيم لم تكن لأسباب سياسية أو اقتصادية في الدرجة

ص: 128


1- عباس العقاد: المرجع السابق ص 62
2- رشيد الناضوري: المدخل في التطور التاريخي للفكر الديني ص 173- 174

الأولى، و إنما كانت دينية، كانت هجرة نبي يريد أن يبشر بدعوة التوحيد في مكان غير هذه الأرض التي لم تتقبل دعوته بقبول حسن.

و يقص علينا القرآن الكريم- في آيات كريمة من سورة مريم (1)- كيف بدأ إبراهيم دعوته مع أبيه يهديه بها صراطا مستقيما- كما أشرنا من قبل- و كيف أن أباه قد رفض الدعوة، و هدده إن لم ينته عنها ليرجمنه و ليهجرنه مليا، فما كان من الخليل تأدبا مع أبيه و حدبا عليه، إلا أن يدعو له بالمغفرة، و إلا أن ينتظر إجابة دعوته إلى حين.

غير أن الأمور سرعان ما بدأت تتأزم بين الخليل و قومه، حين بذل أبو الأنبياء الجهد- كل الجهد- لصرفهم عن عبادة الأوثان، و الإتجاه إلى عبادة اللّه الواحد القهار، إلا أن القوم ظلوا في طغيانهم يعمهون، مما دفع الخليل إلى أن يجرب معهم وسائل حسية، و من ثم فقد حطم الأصنام و ترك كبيرهم، لعل القوم يفكرون في الموقف الجديد، أملا في أن يهديهم اللّه سواء السبيل، فيعرفوا أن هذه الأصنام لا تملك لنفسها نفعا، و لا تمنع عنها ضرا، فضلا عن أن يكون ذلك للقوم أنفسهم، إلا أن هذه العقول المتحجرة، لم تزد على أن تلجأ إلى العنف لنصرة أصنامها، و لم تجد لها مخرجا من الموقف الجديد، إلا أن تلقي بإبراهيم في نار، ظنوا أنها ستكون القاضية على الخليل، و أنها الحل السعيد لمشكلتهم، مع هذا الذي سفه عقولهم و حطم أصنامهم، دون أن يفكروا مرة في مقابلة الحجة بالحجة، و دون أن يرجعوا إلى الحق، ما دام الحق مع إبراهيم، و تلك- ويم اللّه- عادة من طمس اللّه على قلوبهم في كل زمان و مكان، لا يعرفون إلا القوة الطاغية ضد العقول المستنيرة، التي تبغي لهم الخير و الفلاح.

ص: 129


1- سورة مريم: آية 41- 48

و لنقرأ هذه الآيات الكريمة من سورة الانبياء «وَ لَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَ كُنَّا بِهِ عالِمِينَ، إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَ قَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ، قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ، قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ، قالُوا أَ جِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ، قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَ أَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ، وَ تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ، فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ، قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ، قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ، قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ، قالُوا أَ أَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ، قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ، فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ، ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ، قالَ أَ فَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَ لا يَضُرُّكُمْ، أُفٍّ لَكُمْ وَ لِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ، قالُوا حَرِّقُوهُ وَ انْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ، قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَ سَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ، وَ أَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ» (1).

و يحاول بعض المؤرخين الإسلاميين أن يقدموا لنا قصصا تدعو إلى العجب في هذه المواقف الجادة، فيروون أن نمرودا أمر بجمع الحطب، حتى أن المرأة العجوز كانت تحمل الحطب على ظهرها، و تقول «اذهب به إلى هذا الذي يذكر آلهتنا»، و حتى أن المرأة لتنذر إن بلغت ما تريد أن تحتطب لنار إبراهيم، و أن أمه نظرت إليه في النار، فطلبت أن تجي ء إليه فيها، على أن يدعو اللّه ألا يضرها شي ء من حر النار، ففعل، و هكذا

ص: 130


1- سورة الأنبياء: آية 51- 70.

ذهبت إليه فاعتنقته و قبلته ثم عادت و قد اطمأنت على ولدها (1)، و يتسابق البعض الآخر في رواية الأساطير، فيذهب إلى أنها أنما كانت ابنة نمرود- و ليست أم الخليل- و أن الخليل قد زوجها بعد ذلك من ولده مدين، فحملت منه عشرين بطنا، أكرمهم اللّه بالنبوة (2).

و لست أدري كيف احتاج نمرود- و هو في رأي هذا النفر من المؤرخين قد ملك الدنيا بأسرها- إلى أن تحمل المرأة العجوز ما لا تطيق، و إلى أن ينتظر نذر النساء بجمع الحطب لناره، و هل كان جمع الحطب يحتاج إلى فترة تمضي بين أن يتحقق للمرأة ما طلبت و بين أن توفي بنذرها حطبا للنار التي أعدها النمرود لإبراهيم؟. و أما قصة أم إبراهيم، فأمرها عجب، فكيف رأته في النار سليما معافى، ثم اعتنقته و قبلته، ثم كيف سمح لها القوم بأن تذهب إليه، أم أن أصحابنا المؤرخين أرادوا لها أن تذهب خلسة- كما وضعته خلسة فيما يزعمون؟. و إن كان الأعجب من ذلك أن تكون هذه المرأة بنت النمرود، و أن يزوجها إبراهيم من ولده مدين، و أن تنجب له عشرين بطنا من الأنبياء، و أخيرا ما الهدف من هذا القصص و أمثاله، كقصة الميرة، و قصة جيوش الذباب، و قصة أفراخ النور (3).

و أما روايتهم بأن النمرود من الأنباط، الذين لم يستقلوا بشبر واحد من الأرض، و من ثم فإن النمرود كان عاملا للضحاك- و هو فارسي- على السواد و ما اتصل به يمنة و يسرة (4)، فليت الذين كتبوا كل هذا

ص: 131


1- تاريخ الطبري 1/ 241، تفسير القرطبي 15/ 98 ابن الأثير 1/ 98- 99، ابن كثير 1/ 146
2- تاريخ الخميس ص 93- 95
3- ابن الأثير 1/ 115- 117، ابن كثير 1/ 149، تاريخ الطبري 1/ 288- 290، تاريخ الخميس ص 95- 96، المقدسي 3/ 56، أخبار الزمان للمسعودي ص 104- 109، تفسير مقاتل 1/ 123- 124
4- تاريخ الطبري 1/ 291- 292، ابن الأثير 1/ 116- 117

يعرفون أن الأنباط لم يكونوا في العراق، و إنما في شمال غرب الجزيرة العربية، و أن عاصمتهم إنما كانت «البتراء»، و أنهم أقاموا دولة مستقلة، فيما بين القرن الثاني قبل الميلاد، و أوائل الثاني الميلادي، ثم استولى الرومان عليها في عام 106 م، على أيام تراجان (98- 117) م، و من ثم فالفرق بين عهد الخليل، عليه الصلاة و السلام- و بين عهد الأنباط، جد كبير (1).

و عودا على بدء، إلى الخليل و قومه، حيث ترى أبا الأنبياء قد بدأ يفقد الأمل في إيمان القوم، و بخاصة بعد المناظرة التي جرت بينه و بين الذي آتاه اللّه الملك (2)، فإن اللّه لا يهدي القوم الظالمين، و هنا يقرر الخليل الهجرة، «وَ قالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ» (3)، و يعلن القرآن الكريم في وضوح- لا لبس فيه و لا غموض- إيمان لوط عليه السلام، «فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ، وَ قالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» (4)، و يبدو أن النبي الكريم قد تحمل بعض الأذى الذي تحمله أبو الأنبياء- عليه السلام- و من ثم فقد ربط القرآن الكريم نجاة الواحد منهما بالآخر، من عذاب هؤلاء القوم الظالمين، يقول سبحانه و تعالى «قالُوا حَرِّقُوهُ وَ انْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ، قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَ سَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ، وَ أَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ، وَ نَجَّيْناهُ وَ لُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ» (5).

ص: 132


1- راجع عن دولة الانباط، كتابنا «بلاد العرب»
2- سورة البقرة: آية 258 و انظر: تفسير الطبري 5/ 429- 438 (دار المعارف بمصر)، الكشاف 1/ 304- 306، تفسير النسفي 1/ 130- 131، الدرر المنثور 1/ 332- 333، تفسير القرطبي 3/ 283- 284، تفسير روح المعاني 3/ 15- 19
3- سورة الصافات: آية 99
4- سورة العنكبوت: آية 26
5- سورة الأنبياء: آية 68- 71

و بدهى أنه ليس في هذه الآيات الكريمة ما يشير إلى هجرة أبيه معه، و لو كان أبوه آمن به و هاجر معه، لكان ذلك حدثا هاما جديرا بالتنصيص عليه، تكريما له و لإبراهيم في نفس الوقت، و لم يكن ابن أخيه لوط أقرب إليه من أبيه، حتى ينال لوط وحده شرف الهجرة و مثوبة التوحيد (1)، هذا فضلا عن أن الآيات الكريمة تشير إلى أن الهجرة إنما كانت «إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ (2)»، و ليست هذه الارض- بحال من الاحوال- حاران، فإذا تذكرنا أن موطن الخليل كان في حاران، لتبين لنا أن هجرة الخليل هذه إنما كانت من حاران إلى كنعان، و بالتالي فلا صلة لها بأور.

و من هنا فليست الهجرة لأسباب سياسية أو اقتصادية، و إنما لأسباب دينية تتصل بدعوة التوحيد التي حمل لواءها جدنا الأكبر أبو الأنبياء إبراهيم الخليل- عليه السلام- بخاصة و أن حاران- و تقع على نهر بلخ على مبعدة 60 ميلا إلى الغرب من تل حلفا- كانت أثناء هذه الهجرة- حوالي عام 1865 ق. م.- و طوال القرنين 19، 18 ق. م. مدينة مزدهرة، و تقع على طريق التجارة القادمة إليها من الشرق و الغرب، أضف إلى ذلك أن الخليل كان يقيم المحاريب للّه العلي القدير- كما سوف ترى- مما يدل على أن الأسباب الدينية لعبت أهم الأدوار في هجراته، الأمر الذي يبدو واضحا في آيات القرآن الكريم، و كذا في بعض نصوص التوراة.

و أيا ما كان الأمر، فان الرحلة قد بدأت من كنعان، و لا تشير

ص: 133


1- محمود عمارة: اليهود في الكتب المقدسة ص 21، 23
2- انظر عن تفسير الآية الكريمة: تفسير البيضاوي 2/ 76- 77، تفسير الجلالين ص 77 (نسخة على هامش البيضاوي).

التوراة من قريب أو بعيد إلى أماكن حط الخليل فيها ركبه و رحالهم أثناء هجرتهم هذه، حتى وصلوا إلى شكيم، و إن كان المؤرخ اليهودي «يوسف بن متى»، قد ذهب إلى أن إبراهيم كان «ملك دمشق»، و أن «نقولا الدمشقي» يقول في الكتاب الرابع من تاريخه، أن ابراميس (إبراهيم) حكم في دمشق، و كان مغيرا قدم من أرض بابل من البلاد التي تسمى بلاد الكلدانيين، و لم يمض عليه طويل وقت حتى هجرها و قومه إلى كنعان، و هو أمر لم يذكره القرآن من بعد، و لا التوراة أو الإنجيل من بعد، و إن ورد اسم «اليعاذر الدمشقي» في التوراة- و هو وكيل بيت إبراهيم- و إن أشار كذلك المؤرخون الإسلاميون إلى رواية ابن عباس من أن الخليل قد ولد بغوطة دمشق في قرية يقال لها برزة في جبل يقال له قاسيون، و قد صحح ذلك الحافظ بن عساكر، فقال أنه ولد في بابل، و إنما نسب إليه هذا المقام لأنه صلى فيه، إذ جاء معينا للوط عليه السلام (1)، و كل ذلك يدل على أن هناك علاقة من نوع ما بين إبراهيم الخليل و بين دمشق، و إن كانت وصلت إلينا من مصادر متأخرة.

و على أي حال، فإن إبراهيم الخليل قد اختار- كما تشير التوراة- في ريادته الأولى لأرض كنعان، الطريق الشاق و الموحش، إذ كان متجولا فوق التلال نحو الجنوب، و هنا نجد حواف التلال المليئة بالأشجار، تقدم ملجأ و ملاذا للغريب في الأرض الأجنبية بينما يقدم الخلاء الواسع المرعى الواسع لقطعانه و رعاته، و عند ما أراد الخليل أن يستقر في بادئ الأمر، فضل ذلك أن يكون فوق هضبة، ذلك لأنه- بأقواسه و مقاليعه- لم يكن في حالة تمكنه من أن يخاطر بالصدام مع الكنعانيين، الذين كانوا- بسيوفهم و حرابهم- أكبر من ند له، و لم يكن إبراهيم بعد مستعدا

ص: 134


1- ابن كثير: قصص الأنبياء 1/ 168، البداية و النهاية 1/ 140

للمغامرة بعيدا عن الهضاب، و أياما كان الأمر، فقد نزل إبراهيم عند شكيم في مكان بلوطة مورة، بين جبل عيبال و جرزيم، و هناك بنى مذبحا للرب، و ربما قد تحرش به الكنعانيون، و لهذا نراه ينتقل إلى المنطقة الجبلية بين بيت إيل و عاي، فيضرب خيامه هناك، و يقيم مذبحا للرب، ثم يرتحل ارتحالا متواليا نحو الجنوب (1).

و يقيم الخليل- ما شاء اللّه له أن يقيم- في أرض كنعان، ثم يرحل عنها صوب أرض النيل الطيبة، بسبب مجاعة حلت بأرض كنعان (2)، و مصر كانت دائما و أبدا، للبدو و الكنعانيين- و بخاصة في أوقات القحط- ملاذهم، و غالبا منقذهم الوحيد، فحينما كانت الأرض تجف في أوطانهم، كانت أرض الكنانة الطيبة تقدم لهم المأوى و المرعى، و كان النيل بفيضانه المنتظم يتعهد بذلك (3).

و تأبى التوراة أن تمر رحلة الخليل- عليه السلام- إلى أرض الكنانة بخير، فتقول إن خليل اللّه قد هاجر بزوجته سارة إلى مصر، بسبب قحط قد أصاب أرض كنعان، و عند ما أشرف على التخوم المصرية، اتفق مع سارة على أن تقول أنها أخته، و ليست زوجته، ذلك لأن المصريين إن علموا أنها زوجته قتلوه، و أما إن كانت أخته فمن أجلها أكرموه، و حدث ما توقعه، و أبرت سارة بوعدها، و أخذت إلى بيت فرعون، و نال إبراهيم خيرا بسببها، إذ أسبغ عليه فرعون وافر نعمته، من غنم و بقر، و حمير و أتن و جمال، و عبيد و إماء، إلا أن المصائب سرعان ما أخذت

ص: 135


1- . 10. P, tic- po, regnU. F. M و انظر: تكوين 12: 6- 9
2- تكوين 12: 10
3- 87. P, tic- po, relleK. W

تتوالى على فرعون و بيته، مما اضطره أن يستدعي إبراهيم و يؤنبه على فعلته هذه، «لما ذا لم تخبرني أنها امرأتك، لما ذا قلت أنها أختي، حتى أخذتها لي لتكون زوجتي» ثم يصدر أمره بطرد إبراهيم و امرأته من مصر، و إن سمح له بأن يأخذ ما كان قد أعطاه إياه من قبل (1).

و يعلم اللّه، و تشهد ملائكته، أن نفسي تتأفف من مجرد التعليق على هذه الفرية الدنيئة التي يلصقها كاتب سفر التكوين بأبى الأنبياء، فتلك فعلة لا يقبلها على نفسه، و لا يرتضيها لعرضه أحط الناس، فضلا عن أن يكون ذلك نبي اللّه و خليله العظيم، و مع ذلك فإذا رجعنا إلى نصوص التوراة نفسها، لعلمنا أن إبراهيم قد جاء إلى كنعان، و هو في الخامسة و السبعين من عمره، و أن سارة كانت في الخامسة و الستين (2)، و أنهما أقاما في أرض كنعان- ما شاء اللّه لهما أن يقيما- ثم هاجر إلى مصر، فهل كانت سارة، و قد جاوزت الخامسة و الستين من عمرها بسنين عددا، تفتن الرجال، فضلا عن أن يكون فيها لملوك مصر المترفين إربا، ثم أ ليست هي نفسها قد وصفت في إصحاح قبل هذا الإصحاح من سفر التكوين نفسه، بعد أن بشرت بإسحاق، بأنها قد صكت وجهها و ضحكت و قالت: أ يحدث هذا مع عجوز عقيم، انقطعت عنها عادة النساء، و بعلها شيخ كبير (3)، و إلى هذا يشير القرآن الكريم في قوله تعالى «وَ امْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَ مِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ، قالَتْ يا وَيْلَتى أَ أَلِدُ وَ أَنَا عَجُوزٌ وَ هذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْ ءٌ

ص: 136


1- تكوين 12: 10- 20، و انظر قصة مشابهة لابراهيم مع سارة و ملك جيرار في (تكوين 20:1- 18) غير أن سارة هنا قد جاوزت التسعين من عمرها
2- تكوين 12: 4، 17: 17
3- تكوين 18: 9- 15

عَجِيبٌ (1)»، أضف إلى ذلك أن التاريخ ما حدثنا أن الفراعين كانوا يأخذون النساء من أهليهم غصبا، و لكنه حدثنا أن عقوبة الزنا كانت عندهم من أقسى العقوبات.

و من عجب أن بعض المؤرخين الإسلاميين قد تابعوا التوراة في مزاعمها، فيروون القصة- كما جاءت في التوراة- و إن حاولوا صبغها بالصبغة الإسلامية، فعند ما يطلب إبراهيم من سارة أن تقول لفرعون أنها أخته، إنما يفسرون ذلك لأنه ليس على وجه الأرض غيرهما مؤمن، فهي إذن أخته في الإسلام، ثم إن فرعون- و هو هنا سنان بن علوان- لم يستطع أن يقضي منها وطره (2).

و لعل سائلا يتساءل: هل عرفت مصر- حتى في أيام الهكسوس، و الذين يسميهم المؤرخون المسلمون العماليق- ملكا يحمل اسم «سنان بن علوان»- أو حتى «صاروف بن صاروف» سواء أ كان أخو الضحاك أو كان غلاما للنمرود- و الجواب: أن التاريخ المصري كله لا يعرف هذه الأسماء، و لست أدري من أين جاء به أصحابنا المؤرخون الإسلاميون، على أن الأمر الذي يدعو إلى العجب حقا، ادعاء الرواة إن إبراهيم قال عن سارة أنها أخته، لأنه لا يوجد على ظهر الارض غيرهما من المؤمنين، و الأعجب من ذلك أن تأتي الرواية من كبار المفسرين، و القرآن الكريم لا يشير إلى ذلك، و إنما هو يصرح- دونما لبس أو

ص: 137


1- سورة هود: آية 71- 72
2- أنظر: تاريخ الطبري 1/ 244- 247. ابن كثير 1/ 150- 152، ابن الأثير 1/ 100- 101، المقدس 3/ 52، تاريخ ابن خلدون 2/ 35، محمد احمد جاد المولى و آخرون: قصص القرآن ص 53- 55، قارن: مؤتمر تفسير سورة يوسف 1/ 136- 139

غموض- أن الذي آمن بابراهيم، إنما هو لوط، يقول تعالى «فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَ قالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» (1) و يقول «وَ نَجَّيْناهُ وَ لُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ» (2)، بل إن هناك ما يشير إلى مؤمنين آخرين مع إبراهيم غير لوط، يقول سبحانه و تعالى «قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَ الَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَ مِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَ بَدا بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَ الْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ» (3)، فما ذا يقول هؤلاء الرواة في هذه الآيات الكريمة، التي تتعارض و رواياتهم، و لعل هذا هو الذي دعا الإمام ابن كثير إلى أن يرى أن إبراهيم إنما كان يعني زوجين مؤمنين غيري و غيرك، لأن لوطا كان معهم و هو نبي عليه السلام (4)، و كأن ابن كثير إنما يسلم بالقصة، و لكنه يحاول أن يخفف من تعارضها مع القرآن الكريم بتفسيره هذا الذي يخالف إجماع رواة القصة التوراتية من المؤرخين المسلمين.

[4] رحلة الخليل الى الحجاز

انفردت المصادر الإسلامية بأخبار إبراهيم في الحجاز، و علق بعض المؤرخين الغربيين على هذه الأخبار بشي ء كثير من الدهشة و الاستنكار، و كأن المصادر الإسلامية قد نسبت إلى إبراهيم خارقة من

ص: 138


1- سورة العنكبوت: آية 26
2- سورة الأنبياء: آية 71
3- سورة الممتحنة: آية 4 و انظر: تفسير روح المعاني 28/ 69- 73، تفسير الفخر الرازي 29/ 300- 301، تفسير الطبري 28/ 62- 63، تفسير الطبرسي 28/ 47- 49، تفسير الكشاف 4/ 90، تفسير القاسمي 16/ 5765- 5766، تفسير ابن كثير 8/ 113، تفسير القرطبي ص 6535 (دار الشعب 1970)
4- ابن كثير: البداية و النهاية 1/ 152 (طبعة 1966)

خوارق الفلك، و أسندت إليه واقعة بينة البطلان بذاتها، و غير قابلة الوقوع ... و واضح من أسلوب نقدهم أنهم يكتبون لإثبات دين، و إنكار دين، و لا يفتحون عقولهم للحجة حيث تكون، فضلا عن الاجتهاد في طلب الحقيقة، قبل أن يوجههم إليها المخالفون و المختلفون، أما الواقع الغريب حقا، فهو طواف إبراهيم بين أنحاء العالم المعمور، و وقوفه دون الجنوب، لغير سبب بل مع تجدد الأسباب التي تدعوه إلى الجنوب، و لو من قبيل التجربة و الاستطلاع.

و يستطرد الأستاذ العقاد (1)- طيب اللّه ثراه- مبينا الأسباب التي تدعو الخليل إلى الاتجاه نحو الجنوب- نحو الحجاز- ذلك لأنه لم يكن صاحب وطن عند بيت المقدس، سواء نظرنا إلى وطن السكن أو وطن الدعوة أو وطن المرعى، فالمتواتر من روايات التوراة أنه لم يجد هناك مدفنا لزوجه فاشتراه من عفرون الحثي (2)، أما الدعوة الدينية فقد كانت الرئاسة فيها الأحبار «إيل عليون» و كان إبراهيم يقدم العشر أحيانا لأولئك الأحبار (3)، و من المعروف أن من كان معه أتباع يخرجون في طلب المرعى، فلا بد لهم من مكان يسيمون فيه إبلهم و ماشيتهم بعيدا عن المزاحمة و المنازعة، و هكذا كان إبراهيم يعمل في أكثر أيامه- كما تواترت أبناؤه في سفر التكوين- فلا يزال متجها نحو الجنوب.

و هناك أسباب دينية غير الأسباب الدنيوية توحي إليه أن يجرب المسير الى الجنوب، حيث يستطيع أن يبني لعبادة اللّه هيكلا، غير الهياكل التي كان يتولاها الكهان و الأحبار من سادة بيت المقدس في ذلك الحين، فقد بدا له أن

ص: 139


1- عباس العقاد: المرجع السابق ص 191- 193
2- تكوين 23: 4- 20، و انظر مقالنا «قصة أرض الميعاد بين الحقيقة و الأسطورة»
3- تكوين 14: 18- 20

إقامة المذابح المتعددة فتنت أتباعه و جعلتهم يتقربون في كل مذبح إلى الرب المعبود بجواره، و مثل هذه الفتنة بعد عصر إبراهيم قد أقنعت حكماء الشعب بحصر القربان في مكان واحد، فاتخذوا له خيمة و انتظروا الفرصة السانحة لبناء الهيكل حيث يقدرون على البناء، هذا إلى جانب أن الأهمية الدينية لبيت المقدس جاءت متأخرة بعد عصر إبراهيم و عصر موسى بزمن طويل، حتى استولى داود (1000- 960 ق. م.) على المدينة المقدسة في العام الثامن من حكمه، ثم اتخذها عاصمة له (1)، ثم جاء من بعده ولده سليمان (960- 922 ق. م.)، فأقام فيها هيكله المشهور (2)، و بقي أمرها كذلك حتى عهد «يوآش» (801- 786 ق. م.) ملك إسرائيل، الذي حارب «أمصيا» (800- 783 ق. م.) ملك يهوذا، و هدم أسوار أورشليم من باب أفرايم (3) أما الجنوب المسكوت عنه، فقد كان له شأن من القداسة الى أيام «أرمياء» و ما بعدها، و كانت كلمة «تيمان» مرادفة لكلمة الحكمة و المشورة الصادقة، و هي تقابل كلمة «يمن» في اللغة العربية بجميع معانيها، و منها الإشارة إلى الجنوب، ففي سفر حبقوق «اللّه جاء من تيمان و القدوس من جبل فاران» (4)، و أوضح من ذلك قول إرمياء متسائلا «أ لا حكمة بعد في تيمان، هل بادت المشورة من الفهماء» (5)، و أيسر ما يستوجب طالب الحقيقة أن يتساءل: كيف يكون هذا الجنوب موصدا أمام إبراهيم، و كيف يطوف الأقطار جميعا و لا ينفتح له الباب

ص: 140


1- انظر كتابنا اسرائيل ص 455- 464
2- انظر كتابنا اسرائيل ص 464- 471
3- ملوك ثان 13: 13- 14
4- حبقوق 3: 3
5- إرمياء 49: 7

الذي لا موصد عليه؟ إن كان أحد الطرفين مفتوحا أمامه، فليس هو طريق بيت المقدس، بل طريق الحجاز.

و رغم ذلك كله، يأتي المستشرق الإنجليزى «سير وليم موير»، و ينفي القصة من أساسها في كتابه «حياة محمد» (1) و يذهب- فيما يروي عنه الدكتور هيكل (2)- أنها بعض الإسرائيليات ابتدعها اليهود قبل الإسلام بأجيال، ليربطوا بها بينهم و بين العرب، بالاشتراك في أبوة إبراهيم لهم جميعا، فلئن كان إسحاق أبا لليهود، و إذا كان أخوه إسماعيل أبا للعرب، فهم إذن أبناء عمومة توجب على العرب حسن معاملة النازلين بينهم من اليهود، و تيسر لتجارة اليهود في شبه الجزيرة العربية.

و يستند المؤرخ الانجليزي في ذلك إلى أن أوضاع العبادة في بلاد العرب لا صلة بينها و بين دين إبراهيم، لأنها وثنية مغرقة في الوثنية، و كان إبراهيم حنيفا مسلما، غير أن وثنية العرب- فيما يرى الدكتور هيكل- بعد موت إبراهيم و إسماعيل بقرون كثيرة لا تدل أنهم كانوا كذلك، حين جاء إبراهيم إلى الحجاز، حين اشترك مع إسماعيل في بناء الكعبة، و لو أنها كانت وثنية يومئذ لما أيّد ذلك رأي «موير»، فقد كان قوم إبراهيم يعبدون الأصنام، و حاول هو هدايتهم فلم ينجح، فإذا دعا العرب الى مثل ما دعا إليه قومه فلم ينجح و بقي العرب على عبادة الأوثان، لم يطعن ذلك في ذهاب إبراهيم و إسماعيل إلى مكة، بل إن المنطق ليؤيد رواية التاريخ، فإبراهيم الذي خرج من العراق فارا من أهله إلى فلسطين و مصر، رجل ألف الارتحال و ألف اجتياز الصحارى، و الطريق ما بين

ص: 141


1- 1923, hgrubnidE, dammahoM fo efiL ehT, riuM mailliW riS
2- محمد حسين هيكل: حياة محمد ص 90- 91 (طبعة 1965)

فلسطين و مكة كان مطروقا من القوافل منذ أقدم العصور، فلا محل إذن للريبة في واقعة تاريخية انعقد الإجماع على جملتها (1).

هذا فضلا عن أنه إن كانت وثنية العرب هي دليل «وليم موير» على عدم انتسابهم إلى إبراهيم، فإن الإسرائيليين لم يكونوا خيرا منهم في ذلك، فقد بقيت عبادة الأوثان فيهم، بعد دعوة إبراهيم، و حتى ظهور الأنبياء من بعده، حدث ذلك أثناء عهد يعقوب (2)- أو إسرائيل كما يكنى- و في أثناء إقامتهم بمصر (3)، و في أثناء الخروج بقيادة موسى، و في التيه في صحراوات سيناء (4)، بل إن التراث الديني اليهودي ليزخر بأدلة لا تقبل الشك، على أن اليهود الذين رافقوا موسى إلى سيناء، لم يكونوا كفؤا لعب ء حمل التوحيد و فلسفته التجريدية الروحية الرفيعة، و لم يجدوا فيما تقدمه الديانة الجديدة ما يشبع حاجتهم إلى الاعتبارات المادية، بل إنه لا يفهم من حادث واحد من حوادث الرحلة، أن القوم كانوا يؤثرون الفرار حرصا على عقيدة دينية، فإنهم أسفوا على ما تعوده من المراسيم الدينية في مصر، و ودوا لو أنهم يعودون إليها، أو يعبدونها ممسوخة منسوخة في الصحراء (5)، و أبلغ دليل على ذلك قصة عبادة العجل التي وردت في القرآن الكريم (6)- و كذا في التوراة (7)- إذ عبد القوم عجل الذهب، و موسى ما يزال بين ظهرانيهم يتلقى الوحي من ربه على جبال سيناء.

ص: 142


1- نفس المرجع السابق ص 106- 107 (طبعة 1971)
2- تكوين 35: 2، 4
3- لاويون 17: 7، يشوع 24: 14، حزقيال 20: 7- 8، إرمياء 44: 8- 19
4- خروج 22: 27- 28، 9: 15، 20: 7- 26، تثنية 9: 7
5- مطلع النور ص 107
6- سورة البقرة آية 92، الاعراف: آية 142- 152، طه: آية 83- 98
7- خروج 22: 7- 28

و ليس من شك في أن هذا كان من نتيجة تأثير الديانة المصرية عليهم، تلك الديانة التي تمكنت من نفوسهم إبان إقامتهم الطويلة في مصر، لدرجة أنهم ما كانوا بمستطيعين الإيمان بدعوة موسى، إما خوفا من فرعون، و إما خوفا من شيوخ بني إسرائيل، و إلى هذا يشير القرآن الكريم «فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَ مَلَائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ» (1)، باعتبار الضمير في «ملئهم» راجعا إلى قوم موسى، بل إن القوم برموا بموسى و ضجروا به، و قالوا «أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَ مِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا» (2).

و هكذا بقيت الوثنية راسخة في قلوبهم، حتى بعد انغلاق البحر لهم، و حتى بعد أن جاوزوه على يبس (3)، و حتى بعد أن منّ اللّه عليهم بالمن و السلوى، و حتى بعد أن استسقوا موسى، فضرب الحجر بعصاه فانبجست منه اثنتا عشرة عينا لكل سبط من الأسباط مشربهم (4)، حتى بعد أن نزلت عليهم شريعة السماء تحذرهم من اتخاذ آلهة أخرى غير اللّه، حتى بعد هذا كله، فإنهم سرعان ما زاغوا عن الطريق المستقيم، و كفروا باللّه الواحد الأحد، «و صنعوا لهم عجلا مسبوكا و سجدوا له و ذبحوا له و قالوا هذه آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من أرض مصر» (5).

و لم تكن أيام يشوع، بأفضل من أيام موسى، بالنسبة للوثنية الإسرائيلية (6)، هذا فضلا عن أن السمة المميزة لعصر القضاة، إنما

ص: 143


1- سورة يونس: آية 83
2- الاعراف: آية 129
3- سورة البقرة: آية 50، يونس: آية 91- 92، طه: آية 77، الشعراء: آية 61- 68
4- سورة البقرة: آية 60- 61، الاعراف: آية 160 و طه: آية 80- 81
5- خروج 32: 8
6- يشوع 24: 14، 23

كانت هي الردة و عبادة الأوثان (1)، كما بقيت عبادة العجل تتجدد في حياة بني إسرائيل من حين إلى حين، حتى إذا ما حدث الانقسام إلى مملكتين، تبنى ملوك إسرائيل ديانات الشرك، بالإضافة إلى دين يهوه و أقاموا عجولا من الذهب وضعوها في مبان كالمعابد (2)، كما فعل يربعام الأول (922- 901 ق. م.) في مدينتي دان و بيت إيل (3)، و كما فعل «أخاب» (869- 850 ق. م.) حين أقام الهياكل للبعل (4)، و تروي التوراة ان «حزقيا» (715- 687 ق. م.) ملك يهوذا، قد «أزال المرتفعات و كسر التماثيل و قطع السوراي، و سحق حية النحاس التي حملها موسى، لأن بني إسرائيل كانوا إلى تلك الأيام يوقدون لها» (5).

و هكذا بقي بنو إسرائيل- كالعرب تماما- يعبدون الأصنام إلى ما بعد إبراهيم بمئات السنين، و من هنا فإن عبادة الأوثان لا تدل على انتماء العرب أو اليهود إلى إبراهيم، أو عدم انتمائهم، ثم أ ليس إبراهيم يرجع في أصوله الأولى إلى جزيرة العرب و أن أسلافه قدموا إلى منطقة الهلال الخصيب كغيرهم من الكتل البشرية السامية، التي قذفت بها صحراء

ص: 144


1- قضاة 2: 8- 23، 3: 5- 9، 2: 19، 4: 1، 6: 25، 28، 30، 8: 24- 27، 8: 33، 10: 6، 10، 13- 16، 13: 1، 17: 4- 13، 18: 17، 24، 30، صموئيل 3، 4
2- عن الوثنية الإسرائيلية في عصر الملكية، أنظر التوراة: صموئيل أول (15: 23) (29: 13) ملوك أول 11: 4- 8، 33) (14: 23، 32) (15: 3، 12) ملوك ثان (8: 26) (21: 11- 12) (23: 10) (24: 18- 21) (14: 4) (25: 14- 16، 20) (16: 3- 4) (28: 2- 4، 6) (23: 25) (2: 2- 16) (21: 21) (22: 7) (23: 4- 26، 37) (24: 2- 3) أخبار ثان (33: 2- 11) (34: 3- 7) (26: 12- 17) حزقيال (14: 22- 23)
3- ملوك أول 12: 26- 36
4- ملوك أول 16: 31- 33
5- ملوك ثان 18: 4

العرب إلى تلك المنطقة الخصيبة، فما المانع إذن أن يكون إبراهيم قد فكر، لا نقول في العودة إلى موطن الأجداد، بل في زيارته فحسب، و هو الرجل الذي قضى حياته و هو يعيش حياة أشبه بحياة البدو و أبناء الصحراء العربية.

ثم هناك البينة الكبرى التي تأتي من مباحث اللغة، و هي التقارب الشديد بين لغة الحجاز و لغة النبط أو النباتيين، الذين ينتمون إلى «نبات بن إسماعيل بن إبراهيم، ذلك لأن لغة الحجاز لم تتطور من اللغة اليمنية مباشرة، و إنما جاء التطور من العربية القديمة (1) إلى الأشورية إلى الآرامية إلى النبطية إلى القرشية، فتقارب لغة النبط و لغة قريش من هذا السبيل، و كان التقارب بينهما في الزمان و المكان، أو في درجات التطور، و لم يكن تقاربا يقاس بالفراسخ و الأميال، و كانت هذه هي البينة الكبرى من مباحث اللغة على قرابة أهل الحجاز من النبطيين أو النباتيين أبناء إسماعيل، و لم تكن هذه القرابة من اختراع النسابين أو فقهاء الإسلام، و لكنها كانت قرابة الواقع التي حفظتها أسانيد اللغة و الثقافة، و استخرجتها من حجارة الأحافير و الكشوف الحديثة (2)، و مما يدعو إلى

ص: 145


1- راجع عن الصلات اللغوية بين العرب و مصر، و مدى أثر الهيروغليفية المصرية في الكتابة السامية الجنوبية (مقالنا: العرب و علاقاتهم الدولية، و كذا. ngiS, nesneJ. H و كذا FF 21 .P ,1934 ,24 ,EIM ,seuqitiamisotorP snoitpircsnI seL ,hctivobieL .I 350 .P etirW ot stroftE s'naM fo tnuodcAdna ,tpircS dna lobmvS و كذا 64 .P ,snoiT pircsnI ilaniS ehT morf tnempoleveD dna esiR sti ,tebahaplA ehT ,gnilgnerpS .M و كذا: عبد المنعم عبد الحليم: دراسة تاريخية للصلات و المؤثرات الحضارية بين حضارة مصر الفرعونية و حضارات البحر الاحمر ص 118- 122
2- يتجه العلماء إلى أن الأنباط عرب، بل و أقرب في عروبتهم إلى قريش و عرب الحجاز من عرب الجنوب، لأن أسماءهم عربية، و لأن أسماء ملوكهم و ملكاتهم عربية كذلك، و لأنهم يعبدون آلهة عربية، و لأن لغتهم لم تكن أرامية و انما عربية، و ان استعملوا الآرامية في نقوشهم، و لأن الكتاب الكلاسيكيين- و كذا اليهود- إنما كانوا يطلقون عليهم لفظ العرب (أنظر: كتابنا «بلاد العرب»، بلاشير: تاريخ الأدب العربي- العصر الجاهلي ص 55- 56، جرجي زيدان: المرجع السابق ص 81: و كذا 260, 242. P, SIC و كذا 6- 172. PP, cibarA ne euqigoloehcrA noissiM, cangivaS dna nessuaJ

احترام روايات النسابين في هذا الباب أنهم عرفوا الحقيقة التي كشفها علماء الأحافير، فقال ابن عباس «نحن معاشر قريش من النبط» (1).

هذا و قد أشار «مارتن شبرنجلنج» في العصر الحديث إلى ظاهرة انتقال الكتابة النبطية إلى الحجاز، و الى تطور الخط العربي عن الخط النبطي (2)، كما ذهب «سوزمين» إلى أن اليهود إنما كانوا ينظرون إلى العرب الذين يقطنون إلى الشرق من الحد العربي، على أنهم من نسل إسماعيل بن إبراهيم.

و يضيف الدكتور «إسرائيل ولفنسون» إلى ذلك حججا، منها أنه إذا وجد الميل عند بعض المستشرقين إلى إنكار وجود الآباء الأقدمين من إبراهيم و إسماعيل و إسحاق و يعقوب، فإنهم لا يستطيعون أن ينكروا وجود قبائل بني إسرائيل و بني إسماعيل، لأن التوراة نصت على وجودها في طور سيناء و الحجاز، بما ذكرته من الحوادث التي وقعت بين بطون إسماعيلية و أدومية و إسرائيلية و لا شك أن هذا كاف لإثبات العلاقة الدموية المتينة بين اليهود و عرب طور سيناء و الحجاز، ثم يؤيد ذلك بترجمة جديدة لنص سفر التكوين (25: 18)، «و نزلت (بطون بني إسماعيل) مع نشأتها بين أخواتها، و استوطنت البلاد من الحولة إلى

ص: 146


1- عباس العقاد: المرجع السابق ص 136- 137، سفر التكوين 25: 13، اللسان 7/ 411، عبد الرحمن الانصاري: لمحات عن القبائل البائدة في الجزيرة العربية ص 89، مقالنا عن «العرب و علاقاتهم الدولية في العصور القديمة، مجلة كلية اللغة العربية و العلوم الاجتماعية، العدد السادس، 1976 م ص 313- 316، حسن ظاظا: الساميون و لغاتهم ص 114، و انظر: 52 .P ,tic -po ,gnilgnerpS nitraM .52 .P ,1931 ,snoit -pircsnI ianiS eht morF tnempoleveD dna esiR sti ,tebahplA ehT ,gnilgnerpS nitraM

طريق القوافل بين مصر و العراق» (1).

و منها ما جاء في ترجمة التوراة السامرية (2) التي صدرت في 1851 م، من أن إسماعيل قد «سكن برية فاران بالحجاز، و أخذت له أمه امرأة من أرض مصر»، و أن سفر العدد يفرق بين سيناء و فاران، إذ جاء فيه أن بني إسرائيل ارتحلوا «من برية سيناء، فحلت السحابة في برية فاران»، و لم يسكن أبناء إسماعيل قط في غرب سيناء، فيقال أن جبل فاران واقع إلى غربها، و إنما تدل الشواهد القديمة جميعا على وجود فاران في مكة، أو هي أرض التلال التي بين مكة و المدينة، و يذهب المؤرخ جيروم و اللاهوتي يوسبيوس إلى أن فاران بلد عند بلاد العرب على مسيرة ثلاثة أيام إلى الشرق من أيله (3).

و منها ما يراه علماء الإفرنج من أن علاقة بطون اسرائيل الجنوبية بعرب الحجاز و طور سيناء، أقرب منها إلى قبائل بني إسرائيل الشمالية، و منها أن اليهود لو كانوا يريدون استغلال هذه القرابة للتزلف إلى قريش أو العدنانيين، لكان الأليق و الأجدر أن يخترعوا تلك القرابة بينهم و بين الأوس و الخزرج الذين يتاخمونهم و يشاركونهم في المواطن و المرافق، و يرتبطون معهم برباط المعاملة و الجوار، و منها أن التوراة قد ترجمت إلى اليونانية في عهد بطليموس الثاني (285- 246 ق. م.)، و في صلبها كل النصوص التي تربط العرب الاسماعيلية بالقرابة النسبية مع اليهود، و ذلك قبل رحيل يهود يثرب إلى الحجاز بما يقرب من أربعة قرون (4).

و هكذا فإن القرائن المتجمعة يجب أن تستوقف نظر الباحث المنزه

ص: 147


1- اسرائيل و لفنسون: تاريخ اليهود في بلاد العرب ص 75- 76
2- راجع الفرق بين التوراة السامرية و العبرية في كتابنا إسرائيل ص 20
3- عباس العقاد: مطلع النور ص 14- 16
4- اسرائيل و لفنسون: المرجع السابق ص 76- 78

عن الغرض، و أيسر ما فيها أنها تدفع الغرابة عن رحلة إبراهيم إلى الحجاز، و إنها هي وحدها تحقق له صفة العمل على الدعوة الدينية، و قد جاء الإسلام مثبتا رحلة إبراهيم إلى الحجاز، و أثبتها و لا شك بعد أن ثبتت مع الزمن المتطاول، لأن انتساب أناس من العرب إلى إبراهيم قد سبق فيه التاريخ كل اختراع مفروض، و لو تمهل به التاريخ المتواتر حتى يجوز الاختراع فيه، لأنكرت إسرائيل انتساب العرب إلى إبراهيم، و أنكر العرب أنهم أبناء إبراهيم من جارية مطرودة، و ليس هذا غاية ما يدعيه المنتسب عند الاختراع (1).

و مع ذلك، فهناك اتجاه آخر، إنما ينسب انتساب العرب إلى إبراهيم، لا إلى اليهود، و إنما إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فقد جاء في دائرة المعارف الاسلامية- نقلا عن فنسنك- أن «شبر نجر» كان أول من لاحظ أن شخصية إبراهيم- كما في القرآن الكريم- قد مرت بأطوار قبل أن تصبح في نهاية الأمر مؤسسة للكعبة، ثم جاء «هرجروني» و زعم أن إبراهيم في أقدم ما نزل من الوحي هو رسول من اللّه أنذر قومه كما تنذر الرسل (2)، و لم يذكر لإسماعيل صلة به، كما لم يذكر قط أن إبراهيم هو واضع البيت، و لا أنه أول المسلمين، أما السور المدنية فالأمر فيها على غير ذلك، فإبراهيم يدعى حنيفا مسلما، و هو واضع ملة إبراهيم، و قد رفع مع إسماعيل قواعد البيت المحرم (الكعبة).

و أما سر هذا- في زعم هؤلاء المستشرقين- فهو أن محمدا- صلوات

ص: 148


1- عباس العقاد: إبراهيم أبو الانبياء ص 196، مع ملاحظة أننا لا نوافق على أن هاجر جارية انظر كتابنا اسرائيل ص 210- 213
2- يشير «هرجوني» هنا إلى الآيات الكريمة (الذاريات: آية 24- 37، الحجر: آية 51- 59، سورة الصافات: آية 83- 113، سورة الأنعام: آية 74- 83، سورة هود: آية 69- 76 سورة مريم: آية 41- 50، سورة الأنبياء: آية 51- 73، سورة العنكبوت:آية 16- 27) و هي آيات مكية تحدثت عن إبراهيم عليه الصلاة و السلام.

اللّه و سلامه عليه- كان قد اعتمد على اليهود في مكة، فما لبثوا أن اتخذوا حياله خطة عداء، فلم يكن له بد من أن يلتمس غيرهم ناصرا، هناك هداه ذكاء مسدد إلى شأن جديد لأبي العرب إبراهيم، و بذا استطاع أن يخلص من يهودية عصره، ليصل حبله بيهودية إبراهيم التي كانت ممهدة للإسلام، و لما أخذت مكة تشغل جلّ تفكير الرسول، أصبح إبراهيم أيضا المشيد لبيت هذه المدينة المقدس، رغم أنه لا يوجد أي دليل تاريخي على أن إبراهيم و إسماعيل كانا أبدا بمكة (1).

هذه هي وجهة النظر الكذوب التي يقدمها المستشرقون من أعداء الإسلام، و كان من الممكن أن نكتفي بما سبق أن ذكرنا من قبل، إذ نسب الفكرة آخرون إلى اليهود، و ليس إلى رسول اللّه، غير أننا سوف نقدم أدلة جديدة ضد هذا الإتجاه؛ منها (أولا) أن القرآن الكريم لم يقل أبدا أن اليهود كانوا من مؤيدي الإسلام، بل إنه لينص صراحة أنهم أشد أعدائه، يقول سبحانه و تعالى «لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا، وَ لَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَ رُهْباناً وَ أَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ» (2).

و منها (ثانيا) روايات التوراة التي نصت على أن إسماعيل و إسحاق أخوان من أب واحد، و إن اختلفت الأمهات، فاسماعيل من هاجر،

ص: 149


1- 2 -61 .P .P ,malsI ,emualliuG derflA .33 ,28 .P .P .1926 ,snoitutitisnI te ecnayorC ,malsI'L ,snem -maL ereP ,9 -137 .P .P ,1945 ,siraP ,enirtcoD aS te eiV aS ,temohaM ,eardnA .T و أنظر: ج. ديمومبين: النظم الاسلامية، ترجمة الشماع و السامر، بغداد 1952 ص 66- 68، و كذا طه حسين: في الأدب الجاهلي ص 26، 29، مدخل إلى القرآن الكريم ص 155- 156، دائرة المعارف الاسلامية 1/ 146
2- سورة المائدة: آية 82 و انظر: تفسير الطبرسي 6/ 171- 176، الجواهر في تفسير القرآن الكريم 3/ 202، تفسير الكشاف 1/ 668- 669، تفسير الطبري 10/ 498- 506، تفسير النسفي 2/ 3- 4، تفسير ابن كثير 2/ 623، في ظلال القرآن 7/ 959- 966

و إسحاق من سارة (1)، ثم هناك رواية سفر التكوين- الآنفة الذكر- التي تجعل أبناء إسماعيل إنما يسكنون بين مصر و العراق، «سكنوا من حويلة إلى شور التي أمام مصر» (2)، و حويلة هي خولان، و خولان قبيلة يمنية تسكن سراة اليمن مما يلي الحجاز، مما يدل على أن مكة تشملها مساكن إسماعيل و بنيه- كما أشرنا من قبل- و منها (ثالثا) أن الإسلام لم يعتز قط بالانتساب إلى يهودية إبراهيم، بل إنه لينفي عنه اليهودية أصلا، «ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَ لا نَصْرانِيًّا، وَ لكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً» (3).

و منها (رابعا)، ففيما يختص بالكعبة، فقد ثبت بنص القرآن الكريم- و كذا التوراة- أن إبراهيم قد أوصل ابنه إسماعيل إلى مكة، و إذا كان من المتعين أن يقيم له فيها بنية يجعلها متعبدا على مثال الصوامع، و لم ينازع أحد إلى اليوم إبراهيم في أنه باني ذلك المصلى، حتى يصح أن يقال، أن محمدا (صلى اللّه عليه و سلم) نسبه إليه تعظيما لشأنه، و لم تختص الكعبة وحدها بأنها بيت اللّه، فكل المساجد بيوت اللّه عند المسلمين، و إنما عظمت الكعبة لأنها أول بيت للّه وضع للناس ببكة، و مما يدل على أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) لم يتخذ بناء الكعبة أساسا من أسس دعوته أنه أمر أصحابه أن يولوا وجوههم في صلاتهم شطر بيت المقدس طوال مقامه بمكة (4)، ثم أ لم يؤمن أصحاب هذا الاتجاه- مسيحيون كانوا أم يهودا- بما جاء في التوراة من أن إبراهيم قد أقام مذابح للرب عند شكيم

ص: 150


1- تكوين 16: 15- 16، 21: 21
2- تكوين 25: 18
3- سورة آل عمران: آية 67 و انظر: تفسير الكشاف/ 370- 371، تفسير مجمع البيان 3/ 109- 111، تفسير العلى القدير 1/ 280- 281، تفسير ابن كثير 2/ 54- 55، في ظلال القرآن 3/ 407- 412، الدرر المنثور في التفسير بالمأثور 2/ 41، تفسير القرطبي 4/ 109، تفسير الطبري 6/ 493- 496.
4- دائرة المعارف الاسلامية 1/ 146- 147.

و بيت إيل، و عند بلوطات ممر التي في حبرون و غيرها (1)، فاذا كانوا يؤمنون بذلك، فلم ينكرون بناء إبراهيم للكعبة.

و منها (خامسا) أن الاتجاه الذي يذهب إلى أن محمدا- صلوات اللّه و سلامه عليه- ظل بعيدا عن صلة العرب بابراهيم و اسماعيل إلى أن هاجر إلى المدينة، فبدت له فكرة أن يصل حبل العرب الذين هو منهم باليهود عن طريق إبراهيم و إسماعيل، إنما هو اتجاه يهدم التوراة، قبل أن يثير أي شكوك حول القرآن الكريم، لأن التوراة ذكرت صلة إبراهيم بإسماعيل، و أنه جدّ عدة قبائل في بلاد العرب (2).

و منها (سادسا) أن «فنسنك» حين عدّ السور المكية عمد إلى التي يذكر فيها إبراهيم مجردا عن الصلة باسماعيل و العرب، و لذا فهو قد تخطى سورة إبراهيم- و هي مكية- و قد شهدت بعكس ما يقول، و آياتها شاهدة بأن إبراهيم و إسماعيل بنيا البيت، و أنهما كانا يدعوان اللّه تعالى بالهداية و أن يجنبهما و بنيّهما عبادة الأصنام، و إبراهيم يذكر أنه أسكن من ذريته بواد غير ذي زرع عند بيت اللّه المحرم، و يدعو اللّه أن يرزقهم من الثمرات، و يحمد اللّه أن وهب له إسماعيل و إسحاق، و لنقرأ هذه الآيات الكريمة، «وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ، رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَ مَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَ ارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ، رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَ ما نُعْلِنُ وَ ما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْ ءٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي

ص: 151


1- تكوين 12: 7- 8، 13: 18
2- تكوين 25: 12- 18.

وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ، رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي، رَبَّنا وَ تَقَبَّلْ دُعاءِ، رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَ لِوالِدَيَّ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ» (1).

و منها (سابعا) أن القول بأن القرآن الكريم لم يذكر إلا في السور المدنية أن إبراهيم كان حنيفا، فذلك- مرة أخرى- غير صحيح، ذلك لأن القرآن الكريم، إنما ذكر ذلك في سورتي الأنعام و النحل- و هما مكيتان- و لنقرأ هذه الآيات الكريمة، «إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ حَنِيفاً وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ» (2) و «قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» (3) و «إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَ لَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» (4)، «ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» (5)، و هكذا يتخطى فنسنك- كما يقول الأستاذ النجار- هذه الآيات عمدا، غاضا النظر عما تقضي به الأمانة في سبيل تأييد نظريته (6).

و منها (ثامنا) تلك الدعوة التي تذهب إلى أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) جاء إلى المدينة، و كله أمل أن يؤمن اليهود به و يظاهروه على أمره، فلما أخلفوا ما أمله و كذبوه، أراد أن يتصل بهم عن طريق إبراهيم، و عبّر عن ذلك بيهودية إبراهيم، فذلك غير صحيح كذلك، ذلك لأن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) لم يكن يعتز باليهود أبدا، و إنما كان يتوقع أن

ص: 152


1- سورة إبراهيم: آية 35- 41
2- سورة الإنعام: آية 79
3- سورة الإنعام: آية 161
4- سورة النحل: آية 120
5- سورة النحل: آية 123
6- عبد الوهاب النجار: المرجع السابق ص 75

يؤمنوا به لأنهم أهل توحيد- في الأصل- يجانبون الاصنام، و يعادون أهلها، و لأن النبي مذكور في توراتهم، ذلك لأن بني إسرائيل كانوا قد وعدوا في توراتهم- كما جاء في سفري التثنية و أشعياء (1)- بنبي يقوم من بين إخوتهم- و هم العرب الاسماعيلية، فلما مجدوا ذلك كله كانوا عنده بمثابة غيرهم فقط.

و منها (تاسعا) أننا لا نعرف شعبا آخر له ما للعرب من شغف بالأنساب، حيث يحرصون على الاحتفاظ في ذاكرتهم بسلسلة أجدادهم، حتى يصلوا بها إلى الجيل العشرين (2)، فهل من المحتمل أن يبقى هذا الشعب في جهالة تامة بأصله حتى آخر لحظة (3)، و منها (عاشرا) أن وجود الكعبة بينهم- و فيها بعض الأماكن المعروفة تحمل اسم إبراهيم و اسماعيل- أ لا يذكرهم ذلك كله بعلاقتهم بهذه الأسماء المجيدة (4)، و منها (حادي عشر) سكوت كفار قريش- و هم أعلم الناس بأنسابهم- عن قوله تعالى: «مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ» (5)، فلو لم يكن العرب يعلمون قبل محمد أنهم من سلالة إبراهيم- عن طريق ولده إسماعيل- لما سكتوا لمحمد، و فيهم أشد أعدائه، و أكثر الناس حرصا على تكذيب دعواه.

و منها (ثاني عشر) ذكره «زيد بن عمرو بن نفيل»- و هو قبل

ص: 153


1- سفر التثنية 18: 15- 19، سفر أشعياء 42: 10- 13
2- ما زلنا نحتفظ بهذه العادة في قرانا بصعيد مصر، حيث يعلم الآباء الأبناء سلسلة نسبهم حتى الجد الأعلى الذي يتشرفون بالانتساب إليه
3- عبد الرحمن الانصاري: المرجع السابق ص 91، محمد عبد اللّه دراز: مدخل إلى القرآن الكريم ص 157.
4- نفس المرجع السابق من 157
5- سورة الحج: آية 78

المصطفى- لإبراهيم الخليل، حيث يقول: «يا معشر قريش: و الذي نفس زيد بن عمرو بيده ما أصبح منكم على دين إبراهيم غيري» (1)، و زيد هذا- كما هو معروف- من الحنفاء، و الذين كانوا على ملة إبراهيم، و لم يكونوا يهودا و لا نصارى (2)، و أن مجموعة من هؤلاء الحنفاء أو المتحنفين- و منهم زيد بن عمرو و ورقة بن نوفل و عثمان بن الحويرث و عبد اللّه بن جحش- قد حضروا قريشا عند وثن لهم، فلما اجتمعوا خلا أولئك النفر إلى بعض، فقال قائلهم: «تعلمون و اللّه ما قومكم على شي ء، لقد اخطئوا دين أبيهم إبراهيم» (3).

و منها (ثالث عشر) ذكر إبراهيم الخليل في شعر عبد المطلب- جدّ النبي (صلى اللّه عليه و سلم) إبان غزو الحبشة للكعبة،- و المعروفة بغزوة الفيل (4)-

ص: 154


1- ابن كثير 2/ 237- 241، الذهبي: تاريخ الإسلام 1/ 54، الاشتقاق ص 84، 103، جواد علي 6/ 472- 473
2- انظر عن الحنفاء: تفسير القرطبي 2/ 139- 140، تفسير المنار 1/ 480- 482، تفسير الطبري 3/ 104- 108، مجمع البيان 1/ 215 و ما بعدها، التفسير الكبير للفخر الرازي 4/ 89 و ما بعدها، جواد علي 6/ 452- 453، مدخل الى القرآن الكريم ص 131- 132، ريجيس بلاشير: المرجع السابق ص 68 و كذا 144. P, 1905, AJ, yvelaH. J و كذا 773. P, 1903, SARJ, milsuM dna finaH droW ehhT, llayL. C و كذا 259. P, II, IE
3- ابن كثير 2/ 238، مطلع النور ص 68، جواد علي 6/ 476
4- أنظر عن غزوة الفيل: ابن الاثير 1/ 442- 447، تاريخ الطبري 2/ 130- 139، تفسير الطبري 20/ 188، 30/ 193- 194، تفسير القرطبي ص 7277- 7290 (طبعة الشعب)، تفسير ابن كثير 8/ 503- 511 (طبعة الشعب)، في ظلال القرآن 8/ 664- 675، تفسير الألوسي 30/ 232- 237، البيهقي: دلائل النبوة 1/ 56- 57، صحيح الأخبار 4/ 21- 22، البداية و النهاية 2/ 170- 176، تاريخ الخميس ص 212- 217 نهاية الارب 1/ 251- 264، تفسير البيضاوي 2/ 576، الكشاف 3/ 288، أعلام النبوة ص 149، احمد إبراهيم الشريف: المرجع السابق ص 154- 155، و كذا 79 -277 .PP ,4 -3 ,1953 ,noesuM el 435 .P .D .A yrutneC ht 6 ehT ni aibarA ni stnevE ,htimS .S و كذا 275. P, 66, 1964, noesuM el و كذا 180. P, I, suipocorP

حيث يقول (نحن أهل اللّه في بلدته: لم يزل ذاك عهد إبرهم) (1) ثم تلقيب عبد المطلب بعد فشل الحملة الغشوم بلقب «إبراهيم الثاني»، نسبة إلى جده الأعظم إبراهيم الخليل، عليه السلام (2).

و منها (رابع عشر) صورة إبراهيم الخليل التي وجدت على جدران الكعبة فيما قبل الإسلام، حيث صوره القوم في يده الأزلام، و يقابلها صورة ابنه على فرس يجيز الناس مقبضا، ثم مجموعة صور لكثير من أولادهما، حتى قصى بن كلاب (3). و أخيرا (خامس عشر) فإن العرب كانوا- قبل أن يبعث محمد رسولا من رب العالمين- إنما يعتقدون أنهم من ولد إبراهيم و ها هو أبو طالب عم النبي (صلى اللّه عليه و سلم) يقول في خطبة له يوم زواج المصطفى صلى اللّه عليه و سلم من خديجة: «الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم و زرع إسماعيل، و جعل لنا بلدا حراما و بنيانا محجوجا، و جعلنا الحكام على الناس».

ثم (سادس عشر) ما عرف عند العرب القرشيين في الجاهلية بنظام (الخمس) و الذي كان شعاره «نحن بنو إبراهيم و أهل الحرمة و ولاة البيت و قاطنو مكة و ساكنوها، ليس لأحد من العرب مثل حقنا، و لا تعرف له العرب ما تعرف لنا»، فضلا عن أن عبد المطلب يقول لرسول أبرهة حين جاء يعلمه ان القائد الحبشي لم يأت لحربهم و انما لهدم البيت، يقول له «هذا بيت اللّه الحرام، و بيت إبراهيم خليله» (4).

ص: 155


1- الازرقي 1/ 146
2- أنظر مقالنا: العرب و علاقاتهم الدولية في العصور القديمة- مجلة كلية اللغة العربية و العلوم الاجتماعية العدد السادس.
3- المسعودي 2/ 272، الازرقي 2/ 168- 170.
4- تفسير الطبري ذ/ 188، محمد الخضري: تاريخ الأمم الاسلامية 1/ 56- 57، ابن هشام 1/ 201، و انظر مقالنا «العرب و علاقاتهم الدولية في العصور القديمة» مجلة كلية اللغة العربية و العلوم الاجتماعية- العدد السادس- الرياض 1976 ص 408 الازرقي 1/ 43، 176، تاريخ الطبري 2/ 133.

و أخيرا منها (سابع عشر) ما أشار اليه المسعودي من أن العرب قبل الاسلام انما كانوا يؤرخون بتواريخ كثيرة، و منها التأريخ بوفاة إبراهيم و اسماعيل عليهما السلام (1)

[5] اسكان اسماعيل الحجاز

و هكذا يبدو واضحا أن رحلة الخليل- عليه السلام- إلى الحجاز أمر مؤكد، و أنه ترك هناك ولده إسماعيل، و زوجته هاجر، و لعل السبب المباشر في انتقال إسماعيل و أمه هاجر إلى الحجاز، و سكناهم هناك، يرجع إلى القصة المشهورة عن سارة التي أرادت أن تبعد إسماعيل عن أبيه، بعد أن رأته يملأ حياة الشيخ الجليل، و الذي كان قد حرم الولد، و قد قارب التسعين من عمره.

و هنا غضبت سارة و اكتأبت، و لزمها همّ مقيم، فلم تعد تطيق هاجر أو ولدها، و أبدت رغبتها في التخلص منهما، و ارسالهما إلى مكان سحيق، إذ لم يعد عيش يطيب بجوارهما، و لم يبق للإسعاد من أثر في بيت يضمهما معا، و هذا أمر طبيعي، فالغيرة بين النساء من ألصق الصفات بهن، فليست هناك امرأة- كائنة من كانت- لا تريد أن تكون صاحبة الحظوة وحدها عند بعلها، و ليست هناك امرأة تقبل راضية، أن تشاركها في حب زوجها ضرة لها، و بخاصة إن كانت هذه الضرة في ريعان الشباب، بينما هي على أبواب الشيخوخة، و أن الضرة قد أعطت الزوج العظيم الولد، بينما هي قد حرمت منه، و حرمت الزوج منه،

ص: 156


1- ابو الحسن علي بن الحسين المسعودي: التنبه و الاشراف، القاهرة 1938 ص 172- 181، انظر كتابنا «دراسات في تاريخ العرب القديم». المطابع الاهلية للأوفست، الرياض 1977 ص 28- 29 (جامعة الامام محمد بن مسعود الاسلامية).

تلك أمور عادية تحدث في كل بيت تتعدد فيه الزوجات، أيا كان هذا البيت، و سواء أ كان صاحب هذا البيت ملكا يحكم الناس، أو زعيما تصفق له الملايين، أو حتى فقيرا يكد ليله و نهاره من أجل لقمة العيش، بل إن ذلك أمر، عرفناه في بيوت أنبياء بني إسرائيل و ملوكهم من بعد، عرفناه في بيت يعقوب بين زوجاته الأربعة، كما عرفنا آثاره في قصة يوسف عليه السلام، و عرفناه في بيت داود، ممثلا في قصة أمنون و إبشالوم (1)، و في النزاع بين أدونيا و سليمان (2)، كما عرفناه في بيت سليمان بين نسائه الكثيرات، بل إن قصة غيرة السيدة عائشة من السيدة خديجة- رضي اللّه عنهما- و قد انتقلت الأخيرة إلى جوار ربها الكريم، أمر معروف.

و من هنا فإن غيرة السيدة سارة- فيما أعتقد- ليست من خوارق العادات أو شواذ الأمور، و من ثم فإنّا لا نوافق رواية التوراة من أن «سارة رأت ابن هاجر المصرية الذي ولدته لإبراهيم يمزح، فقالت لإبراهيم اطرد هذه الجارية و ابنها»، ذلك لأن العداوة بين المرأتين بدأت حتى قبل أن ترزق هاجر بوليدها، و ذلك حين أذلتهما سارة، فهربت منها إلى الصحراء المقفرة، و لم تعد إليها إلا بأمر ملاك الرب الذي بشرها بأنها ستلد ابنا تدعوه إسماعيل (3).

و هكذا يبدو واضحا أن تعليل التوراة لطرد هاجر بأن إسماعيل كان يمزح يوم فطام إسحاق تعليل غير كاف، ففي حديث البخاري أن إسماعيل كان رضيعا يوم أبعد هو و أمه إلى مكة، و محال أن يكون من رضيع مزح و لا غيره، و إنما هي غيرة سارة من أن يكون لإبراهيم ولد من

ص: 157


1- صموئيل ثان 13: 1- 39
2- ملوك أول 1: 5- 53
3- تكوين 16: 5- 15، 21: 9- 10

غيرها تراه معهما في البيت، و تحريف اليهود لكتابهم أشهر من نار على علم (1).

و هكذا يبدو بوضوح ما ذهبنا إليه، و هو أن الأمر لم يكن مزاح صبي، و إنما كان غيرة امرأة من ابن ضرتها، و خوفا منها على مكانتها عند زوجها، و رغبتها في أن لا ينصرف حبّ هذا الزوج إلى غيرها من النساء، و في أن لا ينال ابن ضرتها- و هو بكر أبيه (2)- شيئا من ميراث أبيه، ذلك لأن حب المرأة لأبنائها أمر معلوم، و من هنا بدأت تفكر في إزاحة إسماعيل و أمه من مكانتهما، فكان التبرير من كاتب التوراة أن إسماعيل كان يمزح في وليمة فطام إسحاق- كما أشرنا آنفا- و انطلاقا من هذا فقد استجاب إسماعيل و أمه لإبراهيم فيما ارتآه من أن يجنبهما النزاع الذي قد يتفاقم بين الزوجتين، و الغيرة التي قد تقتل سارة، و تزعج أمن إبراهيم و استقراره.

و أيا ما كان الأمر، فإن القرآن الكريم لم يشر الى سبب هذا الحادث، و انما يروي البخارى عن ابن عباس أن هاجر سألت إبراهيم حين وضعها و ابنها هناك في مكة عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، ثم قفى منطلقا، «أأللّه أمرك بهذا؟ فقال نعم: قالت: إذا لا يضيعنا» (3).

ص: 158


1- عبد الوهاب النجار: المرجع السابق ص 104
2- أنظر عن البكورية و أهميتها عند بني إسرائيل: مقالنا «قصة أرض الميعاد بين الحقيقة و الأسطورة» و كذا: صبري جرجس: التراث اليهودي الصهيوني ص 67، تكوين 25: 27- 33، كتابنا إسرائيل ص 75
3- ابن كثير 1/ 154، تفسير القرطبي 9/ 369، تفسير الطبري 13/ 229- 230 (طبعة 1954)، تفسير الألوسي 13/ 236، المقدسي 3/ 60، الازرقي 1/ 54، 2/ 39، تاريخ ابن خلدون 2/ 36، تاريخ الخميس ص 106، ابن الأثير 1/ 103، شفاء الغرام 2/ 3، تاريخ اليعقوبي 1/ 25.

و من هذا المنطلق كان اعتقادنا، أن الخليل- عليه الصلاة و السلام- قد أقدم على ما أقدم عليه من رحلته إلى الحجاز بزوجه و ولده، امتثالا لأمر اللّه، و رغبة في نشر الإيمان باللّه في بيئة جديدة، و في مناخ جديد، بعد أن قام بذلك في العراق و في سورية و في مصر، و ليربط ولده و بكره بما ارتبط به هو من قبل، فإبراهيم- كما أشرنا من قبل- يرجع في نسبه الأول إلى العرب العاربة، و التي هاجرت من جزيرة العرب، و إبراهيم قد ولد و نشأ في العراق، و إبراهيم هاجر إلى الشام ثم إلى مصر، و من مصر إلى فلسطين ثانية، ثم من فلسطين إلى الحجاز، و من الحجاز الى فلسطين، و أما إسماعيل- عليه السلام- فقد كان نصف مصري، نصف عراقي، و اسماعيل قد ولد في الشام، و عاش في الحجاز، و تزوج من يمنية- أو مصرية طبقا لرواية التوراة (1)- و تخريجا من هذا، فإن إسماعيل رمز العروبة كلها، رمز لعروبة العراق، و رمز لعروبة الشام، و رمز لعروبة مصر، و رمز لعروبة الجزيرة العربية، و لعل هذا ما يميزه على أخيه إسحاق، الذي اقتصرت حياته و مماته على جزء من الشام فحسب، و لم يتصل بقرابة من دم، أو صلة من نسب، بغير عشيرة أمه، حيث تزوج من ابنة خاله لابان (2).

[6] قصة الذبيح

اشارة

لم يترك الأب الحنون و الشيخ الجليل ابنه في ذلك المكان الموحش القفر بصحراء مكة، دون أن يحن إليه و يذكره، و دون أن يزوره بين الحين و الحين، و في إحدى هذه الزيارات، و كان الغلام قد شبّ و ارتحل، و أطاق ما يفعله أبوه من السعي و العمل، رأى الخليل- عليه الصلاة

ص: 159


1- تكوين 21: 21
2- تكوين 28: 1- 2

و السلام- أنه يؤمر بذبح ولده هذا، و لما كانت أنبياء اللّه تنام أعينهم و لا تنام قلوبهم، فإن «رؤيا الأنبياء وحي» (1)، و لهذا صمم الخليل على تنفيذ أمر ربه، و لم يثنه عن عزمه هذا، أن إسماعيل وحيده، و أنه قد رزق به و هو شيخ كبير، على رأس ست و ثمانين سنة من عمره، و بعد أن ظل يرجوه أعواما و أعواما، رغم ذلك كله، فإن خليل اللّه قد عقد العزم على إنجاز ما أمر به، بإيمان المؤمنين، و استسلام المسلمين للّه وحده، مما يدل على منتهى الطاعة و الامتثال لأمر اللّه، و هذا هو الإسلام بعينه، إذ أن الإسلام هو الطاعة و الامتثال للّه، و هو دين الأولين و الآخرين (2)، و لهذا فقد وصف اللّه سبحانه و تعالى هذا الأمر بقوله تعالى: «إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ» (3)، على أن الخليل إنما رأى أن يعرض ذلك على ولده ليكون أطيب لقلبه و أهون عليه من أن يأخذه قسرا و يذبحه قهرا (4).

و لنقرأ هذه الآيات الكريمة: «وَ قالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ، رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ، فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ، فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ، فَلَمَّا أَسْلَما وَ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وَ نادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ، وَ فَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ، وَ تَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ، سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ، كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا

ص: 160


1- تفسير ابن كثير 4/ 9، البداية و النهاية 1/ 157، قارن: تفسير البيضاوي 2/ 297 روح المعاني 23/ 128
2- انظر: تفسير الطبري 2/ 510- 511، 3/ 74 (طبعة دار المعارف)
3- سورة الصافات: آية 106
4- انظر: تفسير القرطبي 15/ 101- 104، تفسير البيضاوي 2/ 297، تفسير الطبري 15/ 78- 79

الْمُؤْمِنِينَ، وَ بَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ» (1) و لعل سؤال البداهة الآن: من هو الذبيح من ولدي إبراهيم؟ و هو في الواقع سؤال، ما تزال الإجابة عنه موضع خلاف بين اليهود و النصارى من ناحية، و المسلمين من ناحية أخرى، فضلا عن أن قصة الذبيح عند اليهود، تحتل مكانة تختلف عنها عند المسلمين، و لنحاول الآن أن نتعرف وجهات النظر المختلفة.

(أ) وجهة النظر اليهودية و المسيحية

يختلف اليهود و النصارى عن المسلمين في اسم الذبيح، فبينما يرى المسلمون أنه إسماعيل، يذهب اليهود و النصارى إلى أنه إسحاق، فضلا عن أن قصة الذبيح هذه، إنما تحتل في التاريخ اليهودي مكانة تختلف عنها عند المسلمين، و الذي يقرأ تاريخ اليهود ليرى أن هذا الاختلاف له جانب هام يفوق في أهميته جانب البحث التاريخي، الذي يراد به معرفة اسم الذبيح من ولدي إبراهيم، لأنه في الواقع إختلاف يتعلق به- في نظرهم- اختيار الشعب الموعود، كما يتعلق به الحذف و الإثبات في سيرة إبراهيم ليتصل بذرية إسحاق، و ينقطع عن ذرية إسماعيل، أو ليثبت من سيرته كل ما يتعلق بإسرائيل، و نقطع منها كل ما يتصل بالعرب، و أن هذا النزاع قد بدأ قديما قبل تدوين نسخ التوراة التي كتبت في بابل- أثناء السبي البابلي في القرن السادس قبل الميلاد- و واضح أن هذا النزاع في أوله، لم يكن نزاعا على العقيدة، فإن التوراة (2) تروى أن إبراهيم قد قدّم العشر لملكي صادق، كاهن اللّه العلي أو عليون، الذي كان معبود

ص: 161


1- سورة الصافات: آية 99- 102
2- سفر التكوين 14: 18- 20

السكان في فلسطين، و ما جاورها إلى الجنوب، و قد زار «هيرودوت» (484- 430 ق. م.) بلاد العرب الشمالية عند مدخل مصر، و روى أنهم كانوا يعبدون اللّه تعالى، و اللات أو إيليلات، منذ قرون سابقه للقرن الخامس ق. م.، و من ثم فلم يكن النزاع على العقيدة في نشأته، إلا فرعا من فروع التنازع على الميراث، و لم يكن شأن الذرية الموعودة أو المختارة إلا أنها تعزز دعواها في ذلك النزاع، و تنفي عنه من ينازعها عليه (1)، و من هنا كانت الدعوى بأن الذبيح كان إسحاق، رغبة في اغتصاب شرف عرف لإسماعيل جد العرب.

و هكذا تقول اليهود و النصارى أن الذبيح إنما هو إسحاق، معتمدين في ذلك على عدة عوامل، منها (أولا) ما جاء في التوراة «خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحاق، و أذهب إلى أرض المريا، و اصعده هناك محرقة على أحد الجبال الذي أقول لك» (2)، و منها (ثانيا) ما جاء في الإنجيل «بالإيمان قدم إبراهيم إسحاق و هو مجرب، قدم الذي قبل المواعيد وحيده، الذي قيل له إنه باسحاق يدعى لك نسل، إذ حسب أن اللّه قادر على الإقامة من الأموات أيضا» (3)، و منها (ثالثا) أن إسحاق قد ولد بطريقة خارقة للطبيعة، و أنه قد أعطي اسما قبل أن تحمل به أمه (4)، و منها (رابعا) ما يذهب إليه الدكتور ماير من أن هناك فوارق عظمى بين الأخوين، فقد كان إسماعيل ابن الجارية، و إسحاق ابن الزوجة الشرعية، بل إنه ليبلغ به الشطط و التعصب الأعمى إلى أبعد من ذلك، حين يرى أن إسحاق أرفع قدرا من إسماعيل بدرجة لا تترك مجالا للمقارنة بينهما (5)، و منها (خامسا) بعض الروايات الإسلامية عن كعب الأحبار

ص: 162


1- عباس العقاد: المرجع السابق ص 87
2- تكوين 22: 2
3- الرسالة إلى العبرانيين 11: 17- 19
4- حبيب سعيد: المرجع السابق ص 93، تكوين 18: 9- 15
5- ف. ب. ماير: حياة إبراهيم ص 305- 306

من أن الذي امر إبراهيم بذبحه إنما كان إسحاقا (1).

و إذا أردنا مناقشة حجج اليهود و النصارى هذه، فإننا نلاحظ عليها عدة نقاط، منها (أولا) أنها تصف الذبيح بأنه ابن إبراهيم الوحيد، و هو وصف لا يمكن- بحال من الأحوال- أن ينطبق على غير إسماعيل وحده في السنوات الأربعة عشرة الأولى من عمره، و التي سبقت مولد إسحاق، و انطلاقا من هذا، فإن إسحاق لم يكتب له في يوم من الأيام أن يكون وحيد إبراهيم، ذلك لأن إسماعيل قد عاش حتى وفاة إبراهيم، ثم اشترك مع إسحاق في دفنه بمغارة المكفية، كنص التوراة نفسها (2)، و هكذا لم يكن إسحاق أبدا وحيدا مع وجود إسماعيل، أما إسماعيل فقد كان وحيدا قبل مولد إسحاق، و من هنا كانت لفظة إسحاق في نص التوراة «خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحاق» (3) مقحمة، لأنه لم يكن وحيدا و لا بكرا، و إنما ذلك هو إسماعيل، و لعل الذي حمل اليهود على ذلك هو حسد العرب (4)، و حرصا منهم على أن يكون أبوهم إسحاق هو الذبيح الذي جاد بنفسه في طاعة ربه، و هو في حالة صغره، هذا فضلا عن أن ذلك إنما يتعارض و نصوص أخرى من التوراة.

و منها (ثانيا) أن ما جاء في الإنجيل- في الرسالة إلى العبرانيين- فقد كان الحل الذي ارتضاه فقهاء المسيحية للخروج من مشكلة: كيف يؤمر إبراهيم بذبح إسحاق، و هو ابنه الموعود الذي يخرج منه الشعب المختار، طبقا لرواية التوراة «باسحاق يدعى لك نسل» (5)، إذ لو كان إسحاق

ص: 163


1- الطبري 1/ 265، ابن كثير 1/ 159- 160، ابن الأثير 1/ 109، تفسير البيضاوي 2/ 297، تفسير الطبري 23/ 77- 83، تفسير القرطبي 15/ 101
2- تكوين 16: 16، 25: 9
3- تكوين 22: 2
4- ابن كثير 1/ 159، راجع فتاوى ابن تيمية 4/ 331- 332
5- تكوين 21: 12

قد كبر و صار له ابن يحافظ على النسل في الأجيال القادمة لزالت العقبة، و لكن كيف يتفق أن يموت إسحاق الذي لم يكن له ابن بعد، و أن يتحقق الوعد الذي أعطي لإبراهيم، بأن يكون له من إسحاق نسلا، كرمل البحر و كنجوم السماء.

و من هنا- و كما يقول الدكتور ماير (1)- كان الفكر الوحيد الذي ملأ قلب إبراهيم على أي حال، هو «أن اللّه قادر على الإقامة من الأموات أيضا»، و حل المشكلة على هذا الوجه جديد في المسيحية، لم ينظر اليه أحبار اليهود الذين اعتبروا أن التضحية قائمة على تسليم إبراهيم بموت إسحاق، و أنه أطاع اللّه و لم يطع قلبه، و لم يحفل بحنانه على ابنه الموعود (2)، هذا من ناحية، و من ناحية أخرى، فإن هذا الحل، الذي ارتضاه فقهاء المسيحية، إنما يقلل من قيمة تضحية إبراهيم و إذعانه لربه، و إن لم يذهب بقيمتها تماما، ما دام أنه كان على يقين من أن اللّه سوف يعيد الحياة إلى ولده، بعد أن يقوم بذبحه بنفسه.

و منها (ثالثا) أن حجتهم من أن إسحاق قد ولد بطريقة خارقة للطبيعة، و أنه قد أعطي اسمه قبل أن تحمل به أمه فلعلهم يقصدون بالولادة الخارقة للعادة، أن إسحاق ولد لإبراهيم و هو شيخ في المائة، و امرأته عجوز في التسعين من عمرها (3)، فإذا كان ذلك كذلك، فهو صحيح، و لكن صحيح كذلك أن ولادة إسماعيل فيها نفس الأمر، أو

ص: 164


1- ف. ب. ماير: حياة إبراهيم ص 256
2- تكوين 22: 1- 18، و انظر: العقاد: المرجع السابق ص 87
3- تكوين 17: 17

قريب منه، لأنه قد ولد و إبراهيم في السادسة و الثمانين من عمره (1)، بل إن إبراهيم- فيما تروي التوراة نفسها- قد تزوج و هو في السابعة و الثلاثين بعد المائة من قطورة، و رزق منها بستة بنين (2)، هذا فضلا عن أن الروايات الإسلامية، إنما تضيف لإبراهيم زوجة رابعة، بني بها في الفترة ما بين زواجه بقطورة، و بين وفاته و هو في الخامسة و السبعين بعد المائة من عمره، دعتها حجورة ولدت له خمسة بنين (3)، أضف إلى ذلك أن قصة ولادة إسحاق، بالطريقة التي روتها التوراة، ليست فريدة في نوعها، فهناك ولادة يحيى عليه السلام- و المعروف عند النصارى بيوحنا المعمدان- تكاد تكون تكرارا لولادة إسحاق، ذلك إن أبا يحيى زكريا- عليه السلام- كان قد بلغ من الكبر عتيا، و كانت امرأته- اليصابات في الروايات المسيحية- عاقرا، فسأل ربه أن يهبه غلاما زكيا، فكان يحيى (4)، ثم هناك ولادة عيسى عليه السلام، بدون أب، ثم هناك كذلك آدم عليه السلام من غير أب، حتى و لا أم، و إلى هذا يشير القرآن الكريم، في قوله تعالى «إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ، ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» (5).

ص: 165


1- تكوين 16: 16، هذا و تذهب بعض الروايات الاسلامية إلى أن إسماعيل ولد لابراهيم و هو ابن أربع و ستين، و اسحاق لسبعين، بينما تذهب رواية أخرى إلى أن إسماعيل ولد لإبراهيم و هو ابن تسع و تسعين، و ولد له إسحاق و هو ابن مائة و اثنتي عشرة سنة، على أن رواية ثالثة ترى ان اسحاق ولد لإبراهيم و هو ابن مائة و سبع عشرة سنة [أنظر تفسير الألوسي 13/ 242، تفسير المنسقي 2/ 264، تفسير القرطبي 9/ 375، تفسير الطبري 13/ 235، تفسير البيضاوي 1/ 533]
2- تكوين 23: 1- 2، 25: 1- 4 و انظر: الطبري 1/ 309- 311، ابن كثير 1/ 175
3- الطبري 1/ 311، ابن الاثير 1/ 123، ابن كثير 1/ 175، ابن سعد 1/ 21، تكوين 25: 7
4- سورة آل عمران: آية 37- 41، سورة مريم: آية 2- 15، سورة الأنبياء: آية 89- 90، انجيل لوقا 1: 5- 80
5- سورة آل عمران: آية 59

و منها (رابعا) أن حجتهم بأن إسحاق قد أعطى اسما قبل أن يولد، فالرد على ذلك، أن إسماعيل- و بنص التوراة- كذلك قد أعطى اسما قبل أن يولد (1)، فإذا كان في ذلك كرامة لإسحاق- و هذا ما نعتقده- فهو كرامة لإسماعيل كذلك، بل ان إسماعيل قد سبق إسحاق في هذه الكرامة، إذ أعطى اسمه قبله، بل إن التوراة نفسها إنما تتحدث عن البشارة بإسماعيل قبل أن تتحدث عن البشارة بإسحاق (2)، هذا إلى أن يحيى و عيسى قد أعطيا اسميهما قبل أن يولدا كذلك، و إلى هذا يشير القرآن الكريم في قوله تعالى «فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَ هُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَ سَيِّداً وَ حَصُوراً وَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ» (3)، و يقول «يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا» (4)، و يقول «إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ» (5).

و منها (خامسا) أن ما يزعمه الدكتور ماير من أن إسماعيل ابن الجارية، و أن إسحاق ابن الحرة، إنما هو يعتمد في ذلك على ما جاء في الإنجيل من «أنه مكتوب أنه كان لإبراهيم ابنان واحد من الجارية و آخر من الحرة، لكن الذي من الجارية ولد حسب الجسد، و أما الذي من الحرة فبالموعد» (6)، و هذا بدوره ليس إلا تكرارا لما جاء في التوراة (7)، و قد سبق لنا مناقشته، و إن كان لزاما علينا أن نضيف جديدا هنا، فهو

ص: 166


1- تكوين 16: 11
2- تكوين 16: 18
3- سورة آل عمران: آية 39
4- سورة مريم: آية 7
5- سورة آل عمران: آية 45
6- الرسالة لأهل غلاطية 4: 22- 23
7- تكوين 16: 1- 9

أن القول بأن هاجر أم إسماعيل كانت جارية لسارة، أمر يحتاج إلى إعادة نظر، و قد سبق لنا مناقشته في كتابنا «إسرائيل»، و خرجنا منه برأي جديد- تقدمنا به حدسا عن غير يقين- أنها ربما كانت ابنة واحد من كبار رجال الدين المصريين، على أساس أنهم الطبقة المنتظر أن يكون الخليل أكثر اتصالا بها (1) و منها (سادسا) أن مفسري التوراة من المسيحيين يريدون أن يصبغوا هذه النصوص بالصيغة المسيحية، ذلك لأن المسيحية- فيما يرى آباء الكنيسة و فقهاؤها- تحرم تعدد الزوجات، فجعلوا من هاجر جارية، و سارة زوجة شرعية، وفاتهم أن الأسرة الإسرائيلية كانت تقوم على تعدد الزوجات، كما كانت تساوي بين هؤلاء الزوجات في الحقوق و الواجبات، و أن كان عددهن يتفاوت قلة و كثرة، حسب ثروة الزوج و مكانته، و لو أن علماء التلمود يحددون للرجل أربع زوجات فقط، و للملك ثماني عشرة زوجة، كما أن قانون الملوك يمنعهم من المبالغة في اقتناء الزوجات «و لا يكثر له نساء لئلا يزيغ قبله» (2)، و قد استغل بعض الإسرائيليين هذا الحق، فبالغوا فيه، إذ «كان لجدعون سبعون ولدا خارجون من صلبه، لأنه كانت له نساء كثيرات» (3)، و قد تزوج داود

ص: 167


1- راجع كتابنا اسرائيل ص 210- 213 مع ملاحظة أن هناك وجهات نظر أخرى، منها أنها أميرة مصرية وقعت في أيدي العماليق ثم أهديت إلى إبراهيم، و منها أنها أخت زوج فرعون، و منها أنها ابنة أحد ملوك مصر .. (انظر: حبيب سعيد: المرجع السابق ص 82، ف. ب. ماير: المرجع السابق ص 136، 236، عبد الحميد السحار: بنو اسماعيل ص 93، عبد الحميد واكد: نهاية اسرائيل ص 88، شفاء الغرام ص 15، تاريخ الخميس ص 165، ياقوت: معجم البلدان 1/ 249 (بيروت 1955) و كذا. A. S 369. P, tic- po, kooC
2- تثنية 17: 17، و كذا فؤاد حسنين: إسرائيل عبر التاريخ 1/ 99
3- قضاة 8: 13

من نساء كثيرات، فضلا عن الإماء و السراري (1)، و اقترن «رحبعام» بثماني عشرة امرأة؛ و ستين سرية، ولدن له ثمانية و عشرين ابنا و ستين ابنة» (2) و تزوج «أبيا» أربع عشرة امرأة و خلف اثنين و عشرين ابنا و ست عشرة بنتا (3)، وفاق سليمان جميع أقرانه، إذ «كانت له سبع مائة من النساء السيدات و ثلاث مائة من السراري» (4)، و إذا ما عدنا إلى عصر الآباء الأوائل- كما يسمونه- فإننا نجد أن الخليل نفسه يتبع هذا المبدأ، فيجمع بين هاجر و سارة، ثم بين قطورة و حجورة، ثم أ لم يجمع يعقوب- أبو الآباء- و الذي حمل الإسرائيليون اسمه، بين نساء أربعة- بين راحيل و ليئة و زلفة و بلهة- و كان منهن أبناؤه الاثنا عشر (5)، ثم أ لم يجمع موسى- صاحب التوراة- بين صفورة ابنة كاهن مدين، و بين المرأة الكوشية التي ثار عليه أخواه من أجلها (6).

و هكذا يبدو لنا بوضوح أن مبدأ تعدد الزوجات- كما يقول جوستاف لوبون- كان شائعا كثيرا لدى بني إسرائيل على الدوام، و ما كان القانون المدني أو الشرعي ليعارضه (7)، سواء أ كان ذلك للأنبياء أو غير الأنبياء، و سواء أ كان ذلك في عصر الآباء الأول أو عصر الملكية، حتى حدده الربانيون بأربعة، و ان أطلقه القراءون، و أن التفسير الذي قدمه صاحب «الرسالة إلى أهل غلاطية»، إنما يقدم الصورة المسيحية- و ليس اليهودية- للزواج، و أنه لأمر مناف للعقل- فضلا عن المنطق و الدين- أن

ص: 168


1- صموئيل أول 25: 39، 43، 28: 27 صموئيل ثان 3: 3، 4، 5: 13
2- أخبار أيام ثان 11: 21
3- أخبار أيام ثان 13: 21
4- ملوك أول 11: 3
5- تكوين 35: 22- 26
6- خروج 2: 21، عدد 12: 1
7- جوستاف لوبون: اليهود في تاريخ الحضارات الأولى ص 50

نطبق شريعة دين على شريعة دين سبقه.

و هكذا نستطيع أن نقرر، و نحن مطمئنون، أن هاجر و سارة- رضي اللّه عنهما- كانت كلتاهما زوجة فاضلة للخليل عليه السلام، و لكل منهما من الحقوق و الواجبات ما للأخرى، و أن الأمر كذلك بالنسبة لا بنيهما النبيين الكريمين، و اذا لم يقتنع علماء اليهود بما نقول، فما رأيهم في أبناء يعقوب الاثني عشر، و هم في نفس الوقت رءوس الأسباط الاثني عشر، فهم كما نعلم- و بنص التوراة نفسها (1)- من زوجاته الأربعة (الحرائر و الجواري)، و لم يقل واحد من العلماء أو رجال اللاهوت من اليهود و النصارى، أن أبناء يعقوب من الجاريتين، بلهة و زلفة، أقل مرتبة من أخوتهم أبناء السيدتين، ليئة و راحيل، هذا إذا سلمنا جدلا، بأن أم إسماعيل كانت جارية لسارة، أضف إلى ذلك كله أن إسماعيل إنما كان بكر إبراهيم، و للبكورية في بني إسرائيل شأن عظيم، و حقوق كثيرة.

بقيت نقطة أخيرة، تتصل بما يزعمه «ماير» من أن إسحاق كان أرفع قدرا من إسماعيل بدرجة لا تترك مجالا للمقارنة بينهما، فذلك تعصب أعمى، و تلك دعوة الغرب و حقدهم على العرب أبناء إسماعيل، نحتمي منه بقوله تعالى «لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ» (2)، إيمانا منا بأن كلا من اسماعيل و اسحاق ابن للخليل، و قد وصف اسحاق في القرآن الكريم بانه كان «نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ» (3)، و وصف إسماعيل بأنه «كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَ كانَ رَسُولًا نَبِيًّا» (4)، فما كان لنا أن نفرق بين أحد من رسل

ص: 169


1- تكوين 35: 22- 26
2- سورة البقرة: آية 285
3- سورة الصافات: آية 112
4- سورة مريم: آية 54

اللّه، فذلك شأنه سبحانه و تعالى، و نحن نؤمن الإيمان، كل الإيمان، بأن إسماعيل و إسحاق عليهما السلام، أفضل منا ملايين المرات، و ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء و اللّه ذو الفضل العظيم، سائلين اللّه الغفور الرحيم أن يغفر لنا ذلاتنا، إن كنا قد أخطأنا فيما كتبنا عن أنبيائه الكرام، و ما أردنا من ذلك إلا أن نقول كلمة حق- قدر استطاعتنا- «وَ ما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ» (1).

و منها (سابعا) أن ما جاء في الروايات الإسلامية، نقلا عن كعب الأحبار و غيره، فذلك يرجع إلى أن المسلمين إنما يؤمنون بنبوة إسحاق و يعقوب و يوسف، و من هنا فقد استغل ذلك بعض اليهود الذين أسلموا- و منهم كعب الأحبار و وهب بن منبه (2)- و نقلوا أمثال هذه الروايات التي لم يبت القرآن الكريم فيها، تحقيقا لأغراض خاصة بهم، ثم أن هذه الروايات الاسلامية مضطربة، فبينما ينسبها أصحابها إلى ابن عباس، فإنهم يرون رواية أخرى- عن ابن عباس كذلك- يذهبون فيها إلى أن الذبيح إنما هو إسماعيل عليه السلام (3).

(ب) وجهة النظر الاسلامية

يرى المسلمون أن الذبيح إنما كان إسماعيل عليه السلام، اعتمادا على رواية ابن عباس في تفسيره لقوله تعالى «وَ فَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ» (4)، على أنه إسماعيل، و على أننا نجد في كتاب اللّه- عز و جل- في قصة الخبر عن إبراهيم، و ما أمر به من ذبح ابنه إسماعيل، و ذلك أن اللّه سبحانه

ص: 170


1- سورة هود: آية 88
2- أنظر ما كتبناه من قبل عن الاسرائيليات في التفسير
3- تفسير الطبري 23/ 81- 84، تفسير القرطبي 15/ 99- 100
4- سورة الصافات: آية 107

و تعالى، حين فرغ من قصة المذبوح من ابني إبراهيم، فإنه يقول «وَ بَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ» (1)، فالإتيان بالبشرى بعد ذكر القصة صريح في أن إسحاق غير الغلام الذي ابتلى اللّه إبراهيم بذبحه و عودة الضمير إلى الغلام الذبيح، ثم ذكر اسم إسحاق معه صريحا، يقتضي التغاير بين إسحاق و الذبيح (2).

و يضيف الإمام ابن تيمية إلى ذلك، أن قصة الذبيح المذكورة في سورة الصافات (3) تدل على أنه إسماعيل، إذ يقول سبحانه و تعالى «فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ»، فقد انطوت البشارة هنا على ثلاث: على أن الولد غلام ذكر، و على أنه يبلغ الحلم، و على أنه يكون حليما، و أي حلم أعظم من أن يعرض عليه أبوه الذبح، فيقول «سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ»، ثم إنه لم يذكر قصة الذبيح في القرآن الكريم، إلا في هذا الموضع، و في سائر المواضع يذكر البشارة باسحاق خاصة- كما في سورة هود (4)- ثم إنه ذكر في البشارة في الصافات، بأنه غلام حليم، و حين ذكر البشارة باسحاق، وصفه بأنه غلام عليم (5)، و التخصيص لا بد له من حكمة، و هذا مما يقوّي اقتران الوصفين، و الحلم هنا مناسب للصبر الذي هو خلق الذبيح، هذا فضلا عن أن إسماعيل قد وصف بالصبر، دون إسحاق، في قوله تعالى «وَ إِسْماعِيلَ وَ إِدْرِيسَ وَ ذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ» (6)، و بصدق الوعد، «إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ» (7)، لأنه

ص: 171


1- سورة الصافات: آية 112
2- عبد الوهاب النجار: المرجع السابق ص 102، فتاوى ابن تيمية 4/ 332- 333
3- سورة الصافات: آية 99- 113
4- سورة هود: آية 71- 72
5- سورة الحجر: آية 53، الذاريات: آية 28
6- سورة الأنبياء: آية 85
7- سورة مريم: آية 54

وعد أباه من نفسه الصبر على الذبح فوفىّ به، ثم إن البشارة باسحاق كانت معجزة، لأن العجوز عقيم، و أنها كانت مشتركة بين إبراهيم و امرأته، بينما البشارة بالذبيح فقد كانت لإبراهيم، ثم امتحانا له، دون الأم المبشرة به (1).

أضف إلى ذلك أن اللّه سبحانه و تعالى يقول «وَ بَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ» (2)، فكيف يأمره اللّه بذبحه، و قد وعده أن يكون نبيا (3)، ثم إن البشارة باسحاق إنما كانت مقرونة بولادة يعقوب منه، فلا يناسبها الأمر بذبحه مراهقا (4)، و من هنا استدل محمد بن كعب القرظي على أنه إسماعيل، و ليس إسحاقا، حيث يقول سبحانه و تعالى «فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَ مِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ» (5)، فكيف تقع البشارة بإسحاق، و أنه سيولد له يعقوب، ثم يؤمر بذبح إسحاق، و هو صغير قبل أن يولد له، هذا لا يكون لأنه يناقض البشارة المتقدمة، و هناك ما روي من أن عمر بن عبد العزيز الخليفة الأموي، سأل رجلا من علماء اليهود، كان قد أسلم و حسن إسلامه: أي ابنيّ إبراهيم أمر بذبحه؟ فقال إسماعيل و اللّه يا أمير المؤمنين، و إن يهود لتعلم ذلك، و لكنهم يحسدونكم معشر العرب على أن يكون أباكم الذي كان من أمر اللّه فيه، و الفضل الذي ذكره اللّه منه لصبره لما أمر به، فهم يجحدون ذلك و يزعمون أنه 0)

ص: 172


1- مجموع فتاوى شيخ الإسلام احمد بن تيمية 4/ 331- 335، و انظر: روح المعاني 23/ 134 تفسير الطبري 23/ 85
2- سورة الصافات: آية 112
3- تفسير القرطبي ص 5545 (طبعة الشعب)
4- روح المعاني 23/ 134، تاريخ الخميس ص 108
5- سورة هود: آية 71، و انظر: تفسير الطبري 15/ 389- 397 (دار المعارف- القاهرة 1960)

إسحاق، لأن إسحاق أبوهم (1).

و هناك ما جاء في إنجيل برنابا على لسان المسيح- عليه الصلاة و السلام- «الحق أقول لكم، أنكم إذا أمعنتم النظر في كلام الملاك جبريل تعلمون خبث كتبنا و فقهائنا، لأن الملاك قال يا إبراهيم: سيعلم العالم كله كيف يحبك اللّه، و لكن كيف يعلم العالم محبتك للّه؟ حقا يجب عليك أن تفعل شيئا لأجل محبة اللّه، فأجاب إبراهيم ها هو ذا عبد اللّه مستعد أن يفعل كل ما يريد اللّه، فكلم اللّه حينئذ إبراهيم قائلا: خذ ابنك بكرك و أصعد الجبل لتقدمه ذبيحة»، فكيف يكون إسحاق البكر، و هو لما ولد كان إسماعيل ابن سبع سنين (2).

ثم أ ليس في شعائر الحج عند المسلمين كثيرا من الأدلة على أن الحادث إنما كان في مكة- و ليس في فلسطين- و أنه مع إسماعيل- و ليس مع إسحاق- و أن المسلمين، بعكس اليهود، كانوا- و ما يزالون و سوف يظلمون أبد الدهر- يحيون ذكرى الفداء الفذ هذا في كل عام، عند حجهم إلى بيت اللّه الحرام، في الأضحية يوم النحر، و في السعي بين الصفا و المروة، و في رمي الجمار، و كل تلك أمور لا توجد عند يهود، فإذا ما تذكرنا أن إسماعيل و أمه- و ليس إسحاق و أمه- هما اللذان كانا بمكة، و أن إسماعيل، و ليس إسحاق، هو الذي شارك أباه الخليل في بناء البيت الحرام، و أن النحر في منى- و ليس في فلسطين- في يوم عيد الأضحى

ص: 173


1- ابن كثير: قصص الأنبياء 1/ 215- 217، البداية و النهاية 1/ 159- 160، تفسير القرآن العظيم 7/ 28- 30، تاريخ ابن خلدون 2/ 38، ابن الأثير 1/ 110- 111، تفسير الطبري 23/ 84- 85، تفسير البيضاوي 2/ 297، تفسير القرطبي 15/ 101، روح المعاني 23/ 133- 135
2- محمد حسني عبد الحميد: أبو الأنبياء إبراهيم الخليل ص 86، علي عبد الواحد وافي:الأسفار المقدسة ص 87- 88، مع ملاحظة مخالفة هذا النص لنصي التوراة (تكوين 16: 16، 17: 3)

المبارك، إنما هو من تمام سنن الحج إلى هذا البيت المعمور، و من هنا يبدو لنا بوضوح أن الذين زعموا من يهود- و من تابعهم في زعمهم هذا من نصارى و مسلمين- أن الفداء إنما كان في الشام، قد أخطئوا كثيرا، إذ لو كان الأمر كما يزعمون، لكانت كل الشعائر التي تتصل بعملية الفداء هذه في الشام، و ليس في مكة.

و يذهب الإمام السيوطي إلى أن البشارة بمولود، إنما جاءت مرتين، الواحدة في قوله تعالى «وَ قالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ، رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ، فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ، فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ» (1)، فهذه الآيات الكريمة قاطعة في أن المبشر به هو الذبيح، و الأخرى في قوله تعالى «وَ امْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَ مِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ، قالَتْ يا وَيْلَتى أَ أَلِدُ وَ أَنَا عَجُوزٌ وَ هذا بَعْلِي شَيْخاً، إِنَّ هذا لَشَيْ ءٌ عَجِيبٌ» (2)، و في هذه الآيات الكريمة، إنما المبشر به إسحاق، و قد وقعت هذه البشارة في فلسطين، لما جاءت الملائكة بسبب قوم لوط، و هو في آخر مرة، و لم تكن بدعوة من إبراهيم، فهو شيخ كبير، و امرأته عجوز، و أما البشارة الأولى فقد كانت عند ما انتقل الخليل عليه السلام من العراق إلى الشام، و كانت بدعوة منه، حيث كان في سن لا يستغرب منه الولد، و من ثم فقد سأل ربه أن يهبه غلاما من الصالحين، و ينتهي السيوطي إلى أنهما بشارتان في وقتين مختلفين، بغلامين مختلفين، الواحد بغير سؤال- و هو إسحاق- و قد جاء اسمه صريحا في الآيات الكريمة، و الآخر بسؤال، و قد ارتبط

ص: 174


1- سورة الصافات: آية 99- 102
2- سورة هود: آية 71- 72

بقصة الذبح، و هو اسماعيل (1)، فضلا عن أن البشارة باسحاق إنما كانت مقرونة بولادة يعقوب منه، فلا يناسبها الأمر بذبحه مراهقا (2).

أضف الى ذلك كله، أن الآية الكريمة: «رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ»، تفيد أنه دعاء وقع من إبراهيم قبل أن يرزق بواحد من ابنائه، إذ لو كان له ولد ما طلب الولد الواحد، و كلمة «من» هنا للتبعيض، و أقل درجات البعضية الواحد، و من ثم فان قوله تعالى من الصالحين لا تفيد الا طلب الواحد، و بهذا يكون الدعاء في وقت لم يكن للخليل فيه شي ء من الذرية، و من المعروف أن هناك اجماعا بين علماء المسلمين- فضلا عن كتب اليهود و النصارى- ان اسماعيل انما هو ولد إبراهيم البكر، و من ثم فان الدعاء انما يراد به اسماعيل، و حيث أن رؤيا البشري ثم رؤيا الذبح انما جاءت بعد ذلك، فالذبيح اذن هو اسماعيل. (3).

و هناك رواية تذهب إلى أن بعضا من صحابة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قد رأوا بقايا رأس الكبش في بيت اللّه الحرام، فعثمان بن طلحة يروي أنه رأى قرني الكبش، و أنهما بقيا حتى احتراق البيت أثناء حصار الحجاج لابن

ص: 175


1- تفسير القاسمي 14/ 5053، محمود الشرقاوي: الأنبياء في القرآن الكريم ص 165، شفاء الغرام 2/ 10- 11، تفسير الألوسي 12/ 97- 101، 13/ 135- 136، 14/ 60- 61، تفسير المنار 12/ 127- 130، تفسير القرطبي 9/ 62- 71، 15/ 100- 103، تفسير البيضاوي 1/ 474- 475، 2/ 297، 1/ 543- 544، و انظر السيوطي في رسالته القول الفصيح في تعيين الذبيح، فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 4/ 332- 333، تفسير الطبري 12/ 71- 77، 14/ 39- 41
2- تاريخ الخميس ص 108، و انظر: التفسير الكبير للفخر الرازي 26/ 154
3- تفسير الفخر الرازي 26/ 154

الزبير (1)، و ابن عباس يروي أنه رأى رأس الكبش (2) ما يزال معلقا عند ميزاب الكعبة قد يبس، و يبدو أن قريشا قد توارثت قرني الكبش، خلفا عن سلف، و أن ذلك إنما كان من دعاوى الفخر عندهم، و بدهي أنهم لا يتفاخرون بهما، إن كان الذبيح إسحاق، و ليس إسماعيل، و كل تلك الروايات إنما تدل على أن الذبيح إنما كان إسماعيل، فهو الذي كان- و ليس إسحاق- في مكة المكرمة (3).

و أخيرا فهناك رواية تذهب إلى أن رجلا جاء إلى الحبيب المصطفى- صلوات اللّه و سلامه عليه- فقال: يا رسول اللّه، عد علي مما أفاء اللّه عليك يا ابن الذبيحين، فتبسم (صلى اللّه عليه و سلم)، فقيل لمعاوية بن أبي سفيان- و كان حاضرا- و ما الذبيحان؟ فقال: إن عبد المطلب نذر إن سهل اللّه حفر زمزم أن يذبح أحد أولاده، فخرج السهم على عبد اللّه أبي النبي (صلى اللّه عليه و سلم) ففداه بمائة بعير، و أما الذبيح الثاني فهو اسماعيل (4).

ص: 176


1- انظر عن هذا الحصار (72/ 73 ه- 692 م): ابن الأثير 4/ 22- 24، العقد الفريد 2/ 182، الازرقي 1/ 196- 200، مروج الذهب 5/ 259- 260، الاخبار الطوال ص 304 و ما بعدها
2- هناك من يرى ان الذبيح إنما فدي بوعل (و هو التيس الجبلي)، و من يرى أنه تيس من الأروي، و لكن الجمهور على أنه كبش، و لذا يفضل العلماء الأضحية بالغنم عنها بالبقر و الابل (تفسير الطبري 23/ 86- 87، تفسير القرطبي 15/ 107)
3- ابن كثير 1/ 158، شفاء الغرام 2/ 9، تاريخ الخميس ص 108، الازرقي 1/ 159- 160، تفسير الألوسي 23/ 134، تفسير الطبري 23/ 83- 84، 87، تفسير القرطبي 15/ 106، فتاوى ابن تيمية 4/ 335، تفسير البيضاوي 2/ 297
4- ابن كثير 1/ 160، ابن الأثير 1/ 180، ابن خلدون 2/ 337، شفاء الغرام 2/ 11، تفسير الألوسي 23/ 134، 136 تفسير البيضاوي 2/ 297، تفسير الطبري 23/ 85
(ح) قصة الذبيح و التضحية البشرية

عرفت بعض مجتمعات الشرق الأدنى القديم نظام الضحايا البشرية التي كانت تقدم على مذابح الآلهة و عند دفن الملوك، و تدلنا حفائر «أور» السومرية على قدم تلك العادة، إذ كان الملوك يدفنون و معهم حاشيتهم و وزرائهم، و لا يبدو من هيئة جثمانهم أنهم ماتوا على الرغم منهم، فليس منهم من وجدت جثته و فيها أثر الذبح أو الخنق أو القتل أو الضرب العنيف، و لهذا يعتقد «سير ليونارد و ولي» أنهم كانوا يتجرعون باختيارهم عقارا ساما يخدرهم و يميتهم، إيمانا منهم بالانتقال مع الملوك الأرباب إلى حالة في السماء، كحالتهم في الحياة الأرضية، هذا و قد وجدت على بعض أختام الطين صور آدميين يلبسون قناعا يشبه رأس الحيوان، و المظنون أن هذا الذي كان مقدمة للذبح الرمزي، و اجراء الشعائر مجرى التمثيل المقدس في الاحتفالات العامة، و لا سيما الاحتفال برأس السنة (1).

و تدلنا مقبرة «زفاحعبي»- الحاكم المصري في كرمه بالسودان على أيام الأسرة الثانية عشرة (1991- 1786 ق. م.)- على إتباع نفس العادة، إذ ضحى باكثر من مائتي شخص من خدمه و أتباعه، ثم دفنوا في الممر المؤدي إلى قبره، و لعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن هذه العادة ربما كانت معروفة في مصر في عهد ما قبل الأسرات، و ربما في الأسرة الأولى كذلك، و لكنها انقرضت بعد ذلك (2).

و لم يكن الأمر مختلفا بالنسبة إلى الكنعانيين و الفينيقيين، فقد كانت

ص: 177


1- عباس العقاد: إبراهيم أبو الأنبياء ص 172، و أنظر و كذا 1963, RUTA SNOITAVACXE, seedlahc eht fo ru, yelloow. L و كذا lautiR citimeS ylraE fo snigirO, ekooH
2- أحمد فخري: مصر الفرعونية ص 320

التضحية بالطفل البكر عرفا جاريا لدى الكنعانيين في العصر العتيق، و في حفريات «جازر» دليل قاطع في هذا الصدد، فقد وجدت بها عظام أطفال في حالة بلاء بين بين، مودعة في أسس المنازل، و قد احتفظ الفينيقيون بهذه العادة إلى عصور قريبة، حتى روى «فيلون» أن من عادات القوم في حالات الأخطار العامة، أن يضحوا بأعز أبنائهم لإبعاد الكوارث عن أنفسهم (1)، و طبقا لرواية التوراة، فإن المؤابيين إنما كانوا يفعلون كذلك، و قد ضحى ملك مؤاب (ميشع) بابنه البكر لإلهه شمس، لينقذه من قوات إسرائيل و يهوذا التي أحاطت به (2). هذا و قد تبيّن من مخلفات المدافن من «أم التار» في «أبو ظبي» أنها تضم العديد من الهياكل العظمية المتكدسة في المدفن المشترك، و يدل وجود الهياكل العظيمة خارج الجدران الخارجية على ظاهرة التضحية البشرية التي تواكب مراسم الدفن، حيث توضع جثث الأشخاص الذين يضحى بهم خارج المبنى الذي يضم جثة المتوفي (3).

و هنا- فيما يبدو لي- تظهر أهمية قصة الذبيح إسماعيل عليه السلام، في التاريخ الإنساني، إذ كتبت عليه ضريبة الفداء، و هي في مفترق الطرق بين الهمجية التي كانت لا تتورع عن الذبائح البشرية، و بين الإنسانية المهذبة التي لا تأبى الفداء بالحياة، و لكنها تتورع عن ذبح الإنسان (4)، و لما كان الأنبياء هم الأسوة الحسنة التي يحتذى حذوها كافة الناس و خاصتهم، فإن اللّه جلت قدرته أراد أن يجعل من خليله قدوة حسنة، و مثلا أعلى، لأرفع صور الإيمان و أجلها في تاريخ الإنسانية، و في الوقت

ص: 178


1- ج. كونتنو: الحضارة الفينيقية ص 145
2- ملوك ثان 3: 27
3- 212. P, 1970, nodnoL, numleD rof gnikooL, ybbiB. G و كذا 218- 217. PP, 1962, lamuK, nesdivrohT. K
4- عباس العقاد: الإسلام دعوة عالمية ص 218- 219

ذاته، فإنه- جل و علا- قد أعطى الإنسانية نفسها، مثلا حيّا في إبراهيم و ابنه إسماعيل، تمهيدا لمنع هذه العادة البربرية، فيأمره بذبح ولده، ثم يفتديه بكبش عظيم، و من هنا كان ارتباط هذا الحادث ارتباطا وثيقا، بظاهرة التضحية البشرية، التي كانت تمارس في بعض مجتمعات الشرق الأدنى القديم، و الحث على استبدال ذلك التقليد بالتضحية الحيوانية (1).

و من عجب، أن ذرية إبراهيم من إسحاق، لم يكونوا على مستوى الدعوة، فبقيت فيهم عادة التضحية البشرية إلى ما بعد أيام موسى و نزول التوراة، و يتضح هذا من رواية سفر الخروج (2)، حيث يحرم اللّه على بني إسرائيل أن يعطوا أبكار أبنائهم قربانا إلى اللّه تعالى، كما يتضح كذلك من سفر اللاويين (3)، حيث ينص على عقوبة الرجم لمن يعطي ابنه قربانا لملكوم- إله العمونيين- و قد كانوا يقدمون له الذبائح البشرية، لا سيما من الأطفال (4).

و مع ذلك فقد ظل أمراء بني إسرائيل ينذرون أبناءهم، محرقة على المذابح، كما فعل «يفتاح الجلعادي» حين نذر للرب «إن دفعت بني عمون ليدي، فالخارج الذي يخرج من أبواب بيتي للقائي عند رجوعي بالسلامة من عند بني عمون، يكون للرب، و أصعده محرقة» (5)، و تشاء الأقدار أن تكون ابنته الوحيدة هي التي تهب للقائه عند ما عاد من معركته هذه، و من ثم فقد اضطر أن يفي بنذره هذا بعد شهرين (6).

ص: 179


1- رشيد الناضوري: المرجع السابق ص 174
2- خروج 22: 9
3- لاويون 18: 21، 20: 2
4- قاموس الكتاب المقدس 2/ 721
5- قضاة 11: 30- 31
6- قضاة 11: 34- 40

و هكذا بقي الإسرائيليون، و حتى عصر القضاة، يمارسون التضحية البشرية- تقليدا للكنعانيين و المؤابيين و غيرهم- رغم أنها ليست من شريعة موسى، و رغم أنهم نهوا عنها مرارا، بل إن الأمر قد بقي كذلك، حتى عصر ارمياء النبي (627- 577 ق. م.) الذي نعى عليهم أنهم «بنو المرتفعات ليحرقوا بنيهم و بناتهم بالنار»، و حتى عصر أشعياء، الذي يقول لهم: «يا بني الساحرة، نسل الفاسق و الزانية ... المتوقدون إلى الأصنام تحت كل شجرة خضراء، القاتلون الأولاد في الأودية تحت شقوق المعاقل» (1).

ص: 180


1- أشعياء 57: 3- 5

الفصل الخامس الكعبة الشّريفة

اشارة

ص: 181

ص: 182

[1] بناء الكعبة

لا ريب في أن الكعبة، إنما قام ببنائها الخليل و ولده إسماعيل- عليهما السلام- الأمر الذي يؤكده القرآن الكريم، و يرتضيه محققو المؤرخين، إلا أن نفرا من المؤرخين، إنما يحلو لهم أن يقدموا لنا روايات ترجع ببناء الكعبة إلى ما قبل عهد إبراهيم بآلاف السنين، بل أن البعض إنما يذهب إلى أنها قد بنيت قبل أن يبرأ اللّه الأرض نفسها، و هكذا وجدت لدينا روايات تنسب بناء الكعبة إلى الملائكة، و قبل أن يخلق آدم بألفي سنة، بل إن هذا النفر إنما يذهب إلى أن الملائكة قد خاطبت آدم عند حجه إلى البيت الحرام، و بلسان عربي مبين، قائلة: «برّ حجك يا آدم، حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام» بينما تواضع بعض هؤلاء الرواة فنسب بناء الكعبة إلى آدم فحسب، و تواضع بعض آخر أكثر، فنسب بناءها إلى شيث بن آدم، و أن هذا البيت المقدس، إنما غرق في طوفان نوح، حتى أتى إبراهيم فأعاد بناءه (1).

على أن فريقا آخر، إنما يذهب إلى أن الكعبة، إنما أقيمت في مكان معبد قديم للعماليق، اندثر و اختفى قبل قدوم إبراهيم إلى الحجاز، مما جعل هذه البلاد موضع تقديس، حتى أن المصريين القدامى، إنما كانوا يسمون بلاد الحجاز «البلاد المقدسة» (2). بل إن البعض قد زاد، فأراد أن يطوّع

ص: 183


1- العمري: مسالك الأبصار في ممالك الأمصار 1/ 93- 94، تفسير المنار 1/ 466، تفسير البيضاوي 1/ 172، الكشاف 1/ 311، تاريخ الخميس ص 100- 104، 133، نهاية الأرب 1/ 228- 230، ياقوت 4/ 463- 465، الازرقي 1/ 32- 53، الحربي: كتاب المناسك و أماكن الحج و معالم الجزيرة ص 481- 482، علي حسني الخربوطلي: الكعبة على مرّ العصور ص 5- 10
2- نفس المرجع السابق ص 10، مع ملاحظة أنه ليس هناك شي ء مؤكد من الناحية التاريخية عن هذا الإسم

الآيتين الكريمتين، «وَ إِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ» (1) و «إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْماعِيلُ» (2)، لتتفق مع هذا الهدف، فرأى أنهما تلهمان أن هذه المنطقة كانت معروفة، و أن الكعبة ربما أقامت على أنقاض معبد قديم، جرت عليه أحداث تاريخية و جغرافية غيرت من طبيعة المكان و أهمل هذا المعبد، حتى هيئ لإبراهيم أن يرفع قواعده من جديد (3).

و الرأي عندي أن الكعبة المشرفة، إنما ترجع في بنائها إلى الخليل و ولده إسماعيل، عليهما السلام (4)، دون غيرهما من العالمين، يقول سبحانه و تعالى «وَ إِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَ أَمْناً وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى، وَ عَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْعاكِفِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ، وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَ ارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَ مَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ، وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» (5)، و يقول

ص: 184


1- سورة الحج: آية 26
2- سورة البقرة: آية 127
3- احمد إبراهيم الشريف: المرجع السابق ص 167، تاريخ الطبري 1/ 254، قارن: تفسير القرطبي 2/ 120، الكشاف 1/ 311
4- نلاحظ في الآية الكريمة «وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْماعِيلُ»، تأخير ذكر اسماعيل عن ذكر المفعول، إشارة إلى أن المأمور من اللّه إنما هو إبراهيم، و إنما كان إسماعيل مساعدا له، و قد ورد أنه كان يناوله الحجارة (تفسير المنار 1/ 469، البداية و النهاية 1/ 156)، ثم قارن تفسير الطبري 3/ 64- 67، 71- 72، حيث نرى أن النبيين الكريمين قد رفعا القواعد معا بدليل قوله تعالى «رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنا وَ اجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَ أَرِنا مَناسِكَنا وَ تُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» (البقرة: آية 127- 128).
5- سورة البقرة: آية 125- 127

سبحانه و تعالى «إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ، فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً، وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ» (1)، و يقول «وَ إِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْقائِمِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ، وَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا، وَ عَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ» (2).

و يرى الإمام ابن كثير و غيره من العلماء، أنه لم يجي ء في خبر صحيح عن المعصوم (صلى اللّه عليه و سلم) أن البيت كان مبنيا قبل الخليل عليه السلام (3)، و من تمسك في هذا بقوله مكان البيت، فليس بناهض و لا ظاهر، لأن المراد مكانه المقدر في علم اللّه المقرر في قدرته، المعظم عند الأنبياء، موضعه من لدن آدم إلى زمان إبراهيم، و لنعرف ذلك كله، فلنعد إلى القصة من أولها.

استجابت هاجر لما ارتآه الخليل عليه السلام- كما أشرنا آنفا- من أن يجنبها النزاع الذي قد يتفاقم بين سارة و هاجر، و الغيرة التي قد تقتل سارة، و تزعج أمن إبراهيم و استقراره، و من ثم فقد قام الخليل برحلته إلى الحجاز، و معه هاجر و إسماعيل، امتثالا لأمر اللّه و رغبة في نشر الايمان في بيئة جديدة، و في مناخ جديد، و إلا لو كان الأمر مجرد إبعاد هاجر و ولدها إسماعيل عن سارة، لكان الأولى بإبراهيم- و هو الرحيم بولده، الحنون على زوجته- أن يذهب بهما إلى أرض الكنانة، فيحقق بذلك عدة أغراض، تستقر زوجته عند أهلها، و يطمئن على ولده عند خئولته، و لا

ص: 185


1- سورة آل عمران: آية 96- 97
2- سورة الحج: آية 26- 27
3- ابن كثير: البداية و النهاية 1/ 163، الكشاف 1/ 446، تفسير المنار 1/ 466- 467، تفسير الطبري 3/ 70، البداية و النهاية 2/ 298 تاريخ اليعقوبي 1/ 27

نقول يرد المرأة إلى أهلها، بدل أن يقذف بها هناك في صحراء جرداء، لا زرع فيه و لا ماء.

و لكن الخليل- عليه السلام- لم يكن يفعل ما فعل بأمر من نفسه، أو بأمر من سارة- كما يحلوا للسطحيين من المؤرخين- و إنما كان يفعل ذلك كله بأمر من رب إبراهيم، تمهيدا لأعظم مهمة، خلدت ذكر إبراهيم، و هدت أقواما إلى الإيمان بالواحد القهار، أعني أول بيت وضع للناس- بيت اللّه الحرام- و ليعيش إسماعيل هناك، و حتى يخرج من ظهره أشرف الأولين و الآخرين، رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و حتى تنشأ هناك خير أمة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف و تنهي عن المنكر، و هكذا، فالرأي عندي أن هجرة أبي الأنبياء بولده الحبيب و أمه، إنما كانت لأمر أراده اللّه، و ليست انتقاما من سارة، أرادت به أن يذهب الخليل بزوجه و ولده إلى مكان سحيق، لا تعرف عنهم شيئا، ثم يعود إليها الخليل وحده، و لهذا يتجه البعض أن هجرة إبراهيم بولده و زوجته إلى الأرض المقدسة في الحجاز إنما كانت بعد أن أمر اللّه إبراهيم ببناء البيت (1).

و من هنا فإن الروايات التي ذهبت إلى أن سارة في قرارها الغاضب هذا أقسمت لتقطعنّ من هاجر ثلاثة أعضاء، و من ثم فقد أمر الخليل أن تثقب أذنيها و أن تخفضها، فتبر بقسمها، و هكذا كانت هاجر أول من اختتن من النساء، و أول من ثقبت أذنيها منهن (2)، روايات لا تتفق و مكانة الخليل أبدا، فضلا عن جهل فاضح بالتاريخ.

و ليت الذين يذكرون ذلك كله يعرفون أن المصريات كن يلبسن «الحلقان» في آذانهن قبل تلك الأيام بمئات السنين، و أن الختان عادة

ص: 186


1- تفسير الطبري 3/ 68- 69
2- ابن كثير 1/ 154، العقد الفريد 1/ 135، تاريخ الخميس ص 105، شفاء الغرام 2/ 15، المقدسي 3/ 53، قارن: مروج الذهب 2/ 19- 20

مصرية متأصلة، تفرد بها المصريون دون شعوب المنطقة جميعا، منذ أن كان فجر التاريخ، و أن اليهود لم يعرفوا هذه العادة إلا إبان إقامتهم في مصر، حتى أن التوراة نفسها لم تتحدث عن سنة الختان إلا بعد زيارة إبراهيم لمصر، و أنه لا يوجد شعب في حوض البحر المتوسط كان يتبع هذه السنة غير المصريين، ثم انتقل بعد ذلك منهم إلى السوريين و الفينيقيين، و أن هيرودت يروي أنه سألهم عن هذه العادة، فقالوا إنهم أخذوها من المصريين، الذين كانوا يتحرون بها النظافة و الطهارة، و ما يزال الختان حتى اليوم في عرف المصريين يسمى «الطهارة»، و لعل هذا هو السبب في أن المصريين كانوا يعتبرون أي قوم غير مختونين دنسين، و من ثم فقد كانوا يقطعون غلف القتلى من هؤلاء القوم، الأمر الذي يبدو واضحا في حروب مربنتاح (1224- 1214 ق. م) و رعمسيس الثالث (1182- 1151 ق. م) (1).

و أيا ما كان الأمر، فإن الأسرة المباركة، سرعان ما تصل إلى الأرض الطيبة، حيث تبقى هاجر و وليدها العظيم، بينما يعود الخليل إلى فلسطين، و هنا تقدم لنا الروايات العربية منظرا فريدا في التاريخ، يقدم الخليل فيه- كما تقدم هاجر كذلك- دليلا ما بعده دليل على قوة الايمان بالخالق الأعظم.

تقول الروايات أن اللّه أوحى إلى إبراهيم أن يأتي مكة، و ليس بمكة يومئذ بيت، و كان موضع البيت ربوة حمراء، و إن كانت هناك روايات تذهب إلى أن أناسا من العماليق كانوا وقت ذاك خارج مكة و ما حولها،

ص: 187


1- محمد بيومي مهران: مصر و العالم الخارجي في عصر رعمسيس الثالث ص 230، قصة أرض الميعاد بين الحقيقة و الأسطورة، مجلة الأسطول- العدد 66 ص 14- 15، جوزيف لويس: الختان ص 52- 54 و أنظر: أبكار السقاف: إسرائيل و عقيدة الأرض الموعودة- القاهرة 1967، تكوين 12: 10- 20، 17: 9- 27.

و أن واديها قد اتخذ من قبل أن تبنى موئلا للراحة من قبل رجال القوافل- سواء إبان قدومها من ناحية اليمن قاصدة فلسطين، أو متجهة من فلسطين إلى اليمن- و لكنه كان فيما خلا ذلك، من أشد الأماكن خلاء أو يكاد، و هناك في هذا المكان المقفر، يترك إبراهيم هاجر و إسماعيل، عند دوحة فوق زمزم، و يقفل راجعا، فتناديه هاجر: يا إبراهيم إلى من تكلنا؟

فيقول: إلى اللّه، فتقول له: انطلق فإنه لا يضيعنا، و ينطلق إبراهيم حتى إذا ما كان عند الثنية حيث لا يرونه، يستقبل بوجهه البيت ثم يدعو بهذه الدعوات (1)، «رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ، رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ، فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ (2) تَهْوِي إِلَيْهِمْ، وَ ارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ» (3).

و فرغ الطعام و الماء فعطشت هاجر و عطش وليدها و راح يتلبط، و نظرت إليه و هو يتلوى من العطش، فأحست نياط قلبها تتمزق، و كاد عقلها أن يطيش، و راحت تسعى بين الصفا و المروة تتلهف على رؤية أحد ينقذ ولدها من الموت عطشا حتى إذا ما أتمت السعي سبع مرات،

ص: 188


1- ابن كثير 1/ 154- 155، ابن الأثير 1/ 103، تاريخ الطبري 1/ 252- 253، تفسير الطبري 3/ 62، 13/ 230- 233، التفسير الكبير للفخر الرازي 19/ 136، تاريخ اليعقوبي 1/ 25، شفاء الغرام 2/ 3، تاريخ الخميس ص 106، تفسير الألوسي 13/ 236، المقدسي 3/ 60، الازرقي 1/ 54، 2/ 39، تاريخ ابن خلدون 2/ 36، قصص القرآن ص 57- 58، قصص الأنبياء ص 104- 105، مروج الذهب 2/ 18
2- يروي ابن عباس و غيره أن اللّه سبحانه و تعالى، لو قال «أفئدة الناس» و لم يقل «أفئدة من الناس»، لازدحم عليهم الفرس و الروم و الناس كلهم، و لحجت اليهود و النصارى و المجوس، و لكنه قال «من الناس»، فاختص به المسلمون (تفسير ابن كثير 4/ 142، روح المعاني 13/ 238، 239، تفسير البيضاوي 1/ 533، تفسير الطبري 13/ 233- 234، التفسير الكبير للفخر الرازي 19/ 137، تفسير القرطبي 9/ 373، تفسير النسفي 2/ 264)
3- سورة إبراهيم: آية 37

عادت إلى إسماعيل، فإذا الماء قد ظهر عند قدميه، فجعلت تخوضه في فرح و تغرف الماء في سقاتها و شربت و أرضعت وليدها، و اذا بملك عند زمزم يقول لها: لا تخافي الضيعة فإن هذا بيت اللّه الحرام، يبنيه هذا الغلام و أبوه، و أن اللّه لا يضيّع أهله (1).

و هكذا كتب اللّه الرءوف الرحيم لإسماعيل و أمه النجاة، و كان السعي بين الصفا و المروة من شعائر اللّه، و صدق عز من قال «إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما، وَ مَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً، فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ» (2)، و يروي ابن عباس عن الحبيب المصطفى- صلوات اللّه و سلامه عليه- قوله «فلذلك سعى الناس بينهما»، أي بين الصفا و المروة، و لست أدري: هل كان يدور بخلد جدتنا العظيمة أم إسماعيل- عليهما السلام- أن ملايين المؤمنين على مرّ السنين سوف يسعون بين الصفا و المروة سبعة أشواط، تخليدا لذكرى ما كان في ذلك السعي من خير و بركة (3).

و يمر نفر من جرهم- أو من العماليق على رواية أخرى بواد قريب من مكة، و يعرفوا بأمر زمزم، ثم لم يلبثوا إلا قليلا، حتى يعرضوا على هاجر

ص: 189


1- تاريخ الطبري 1/ 253- 258، ابن الاثير 1/ 103- 105، ابن كثير 1/ 155، تاريخ اليعقوبي 1/ 25، ياقوت 3/ 148- 149، العقد الفريد 1/ 133، شفاء الغرام 2/ 3- 4، الحربي: المرجع السابق ص 484- 485، تفسير الطبري 3/ 69، المقدسي 3/ 60- 62، روح المعاني 13/ 236- 237، مروج الذهب 2/ 18، تاريخ ابن خلدون 2/ 36- 37، قصص القرآن ص 58- 59، قصص الأنبياء ص 105، حياة محمد ص 103- 105، الازرقي 1/ 54- 55، 2/ 39- 40
2- سورة البقرة: آية 158
3- محمود الشرقاوي: المرجع السابق ص 166- 167، قصص الأنبياء ص 105، الازرقي 2/ 40، مروج الذهب 2/ 19، التفسير الكبير للفخر الرازي 19/ 136، تاريخ الخميس ص 106، العقد الفريد 1/ 135، شفاء الغرام 2/ 3- 6، 16 مروج الذهب 2/ 46- 47، تفسير الطبري 13/ 230- 232، تفسير القرطبي 9/ 369- 270 (طبعة 1967)

أن يقيموا في جوارها، على أن يكون الماء ماءها، فأذنت لهم، و شب إسماعيل بينهم، و تعلم العربية منهم، فضلا عن الزواج بواحدة من بناتهم (1)، و إن كانت التوراة تذهب إلى أن أمه قد أخذت له زوجة من أهلها من مصر (2)، كما أن هناك من المؤرخين المسلمين أنفسهم من تنبه إلى الفارق بين لغة قريش و لغة الجنوب- أي بين لغة العدنانيين و لغة القحطانيين- فلو كان إسماعيل قد تعلم العربية من جرهم لكانت لغته موافقة للغتهم، أو لغيرها ممن نزل مكة، فضلا عن أن منزلة يعرب عند اللّه ليست بأعلى من منزلة إسماعيل، كما أن منزلة قحطان ليست عند اللّه بأعلى من منزلة إبراهيم خليل الرحمن، فيمنع إسماعيل فضيلة اللسان العربي التي أعطيت ليعرب بن قحطان (3)، و لهذا ذهب بعض المؤرخين إلى أن إسماعيل كان أول من ألهم هذا اللسان العربي المبين (4)، بل إن هناك من يذهب إلى أن قحطان نفسه من ولد إسماعيل (5).

و على أي حال، فإن صاحب الإكليل، إنما يذهب إلى أن سبأ بن يشجب

ص: 190


1- ابن كثير 1/ 155، ابن الأثير 1/ 103- 104، مروج الذهب 2/ 46- 47، تاريخ الطبري 1/ 258، تفسير الطبري 13/ 230، تفسير البيضاوي 1/ 533، تفسير الألوسي 13/ 237، تفسير القرطبي 9/ 274، قصص القرآن ص 63، الازرقي 1/ 57، 2/ 40- 41 العقد الفريد 1/ 133، شفاء الغرام 2/ 4، تاريخ الخميس ص 110، الإكليل 1/ 98- 102، 117، المعارف ص 16- 17، تاريخ ابن خلدون 2/ 37، 2/ 331- 332.
2- تكوين 21: 21
3- مروج الذهب 2/ 46
4- تاريخ ابن خلدون 2/ 86، تاريخ الخميس ص 110، تاريخ اليعقوبي 1/ 221، العقد الفريد 1/ 134، لسان العرب 2/ 75، تاج العروس 2/ 352، شفاء الغرام ص 13، قارن: ياقوت 4/ 98
5- الإكليل 1/ 103- 105، تاريخ ابن خلدون 2/ 241- 242، نهاية الأرب للقلقشندي ص 396- 397

- أو ولده حمير- هو الذي سيّر جرهم إلى جبال الحرم و الحجاز، ولاة على العماليق و عبد ضخم، فكانوا بنجد و كذا الطائف و أجبل الحرم، و وادي مكة يومئذ خاو لا يدخلونه إلا رعاة، حتى إذا ما جاءت هاجر و ولدها، أقاموا معهم و تزوج إسماعيل منهم (1).

و أيا كان الأمر، فإن الخليل لم يكن ليترك ولده الحبيب في ذلك المكان الموحش القفر بوادي مكة، دون أن يزوره، بين الحين و الحين، فقد كان لا ينقطع عن زيارة هاجر و إسماعيل، ليشد الأواصر بين الأخوين، إسماعيل و إسحاق و ربما ليزيل الجفوة بين هاجر و سارة، و إن كان المصادر العربية تتجه اتجاها عجيبا، فهي تروي أن الزيارة ما كانت تتم إلا برضى من سارة، و بشرط ألا ينزل عند هاجر، و حتى بعد وفاة هاجر، فإن سارة إنما كانت تفرض على إبراهيم ألا ينزل كذلك عند إسماعيل، و سار نفر من المؤرخين المحدثين في الركب، و زادوا أنها اشترطت كذلك ألا ينزل عن جواده (2).

و لست أدري كيف نسي هؤلاء المؤرخون- أو تناسوا- أن هاجر كانت ما تزال زوجة للخليل، فما حدثنا مصدر قط عن فراق بينهما، و أن هاجر و سارة- رضي اللّه عنهما- كلتاهما زوجة فاضلة للخليل، عليه السلام، و لكل منهما من الحقوق و عليها من الواجبات، ما للأخرى و ما عليها، و أن إسماعيل هو ولد إبراهيم البكر، و إذا كانت الروايات العربية على صواب فيما ذهبت إليه، من أنه كان ما يزال صغيرا عند ما تركه، فهو إذن ليس البكر فحسب، و لكنه الوحيد كذلك، لأن الخليل لم يرزق

ص: 191


1- الإكليل 1/ 101
2- ابن الاثير 1/ 104، تاريخ الطبري 1/ 258، تاريخ الخميس ص 111، تاريخ ابن خلدون 1/ 37، مروج الذهب 2/ 19- 21، علي حسني الخربوطلي: المرجع السابق ص 15، قارن: تاريخ اليعقوبي 1/ 26

باسحاق، إلا و كان إسماعيل في الرابعة عشرة من عمره، فإذا كان ذلك كذلك، فكيف قبل هؤلاء المؤرخون أن لا يزور إبراهيم زوجته و ولده، إلا بإذن من سارة، فأيهما صواب القوامة على الآخر، و اللّه سبحانه و تعالى يقول «الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ» (1)، و يقول «وَ لِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ» (2)، ثم أ ليس لهاجر في إبراهيم حق كسارة تماما، و العدل بين النساء أمر لا يحتاج إلى إيضاح، و ليس من شك في أن الخليل عليه السلام، كان أعلم بذلك كله، و أحرص عليه، من هؤلاء الذين كتبوا ما كتبوا.

ثم أ لم يكن إسماعيل ولده، و له فيه حق كإسحاق تماما، إن لم يفق حق سارة في إبراهيم، أم أنه ابن الجارية- كما تزعم يهود، و كما يرد المؤرخون الإسلاميون مزاعم يهود في كتبهم- و من ثم فليس له حق في أبيه، إلا أن تأذن سارة، و حتى هذه، فلست أعرف نوعين من الأبوة، نوع لابن الحرة، و آخر لابن الجارية، ثم و ليقرأ هؤلاء صفات هذا و ذاك في القرآن الكريم.

و أخيرا، فهل عرف هؤلاء المؤرخون أن الرحلة من فلسطين إلى مكة في هذه الصحراوات المقفرة، تحتاج إلى راحة، بعد عناء السفر، و مشقة الطريق، ثم كيف بعد كل هذا يرون أن إبراهيم قدم إلى مكة في إحدى زياراته لولده، فرفض أن ينزل من على دابته، رغم إلحاح زوج ولده، مما اضطرها إلى أن ترجل له شعره، و تغسله له، بل و يشرب لبنا، و يأكل

ص: 192


1- سورة النساء: آية 34، و انظر تفسير الكشاف 1/ 505
2- سورة البقرة: آية 228 و انظر: تفسير الطبري 4/ 533، 536 (دار المعارف بمصر)، تفسير الكشاف 1/ 272

شرائح من لحم، و هو ما يزال على دابته، و أنه ترك آثار رجليه على حجر كان يتكئ عليه أثناء ترجيل شعره أو غسله (1)، و إذا قيل أن الأرض كانت تطوي له، و أنه كان يركب البراق إذا سار إليهم، فسؤال البداهة هنا: كيف قبل هؤلاء المؤرخون أن يسجلوا في كتبهم أن الخليل- عليه السلام- لم يزر إسماعيل- منذ أن تركه رضيعا مع أمه هناك في واد قفر- إلا بعد أن تزوج إسماعيل- عليه السلام- و كيف قبلوا أن يسجلوا على أنفسهم أن أبا الأنبياء تخلف كل هذه الفترة عن مطالعة أحوال ولده و زوجته، و هم في أشد الحاجة إليه، و هل هذا يتفق و خلق أبي الأنبياء، كما قدمه لنا القرآن الكريم (2).

و نحن لا ننكر أن تكون قدما الخليل عليه السلام، قد تركت أثرا في الحجر، فقد علمنا من القرآن معجزات للخليل أعظم من هذه و أكبر، و لكننا ننكر أن يكون السبب في ذلك أنه أبى أن ينزل عن دابته، لأن سارة اشترطت عليه ذلك، و من ثم فإننا نشم رائحة الاسرائيليات في هذه الروايات.

و على أي حال، ففي إحدى زيارات الخليل لولده إسماعيل، عليهما السلام، وجده يصلح نبلا له من وراء زمزم، فقال له: يا إسماعيل، إن اللّه قد أمرني أن أبني له بيتا، فقال إسماعيل: فأطع ربك، فقال إبراهيم:

قد أمرك أن تعينني على بنائه، قال: إذن أفعل، فقام معه، فجعل إبراهيم يبنيه، و إسماعيل يناوله الحجارة، ثم قال إبراهيم لإسماعيل ائتني بحجر حسن أضعه على الركن، فيكون للناس علما، و ذهب إسماعيل يلتمس لأبيه حجرا، فأتاه به، و لكنه وجده قد ركب الحجر الأسود في مكانه،

ص: 193


1- مروج الذهب 2/ 20- 22، ابن الأثير 1/ 104، الطبري 1/ 258- 259، الحربي: المرجع السابق ص 483- 484، تفسير الطبري 3/ 35
2- ابن كثير 1/ 157، تفسير القرطبي 9/ 370

فقال: يا أبت من أتاك بهذا الحجر، فقال: أتاني به من لم يتكل على بنائك، أتاني به جبريل من السماء (1).

و الحجر الأسود حجر صقيل بيضي غير منتظم، و لونه أسمر يميل إلى الإحمرار، و فيه نقط حمراء و تعاريج صفراء، و قد يكون من نوع النيازك بدليل وصفه أنه كان يتلألأ نورا، فأضاء شرقا و غربا، و يمينا و شمالا، إلى منتهى أنصاب الحرم، و تلألؤه الموصوف دليل على أنه كان ذي لون غير السواد، و قد ثبت عن النبي (ص) أن الحجر الأسود كان ياقوتة بيضاء فاسود بذنوب العباد، و أنه (ص) قال: «نزل الحجر الأسود من الجنة، و هو أشد بياضا من اللبن فسودته خطايا بني آدم». و أما تقديس الحجر الأسود، فربما قد نجم من ارتباطه بشي ء مقدس، فهو إما أن يكون رمزا للعهد الذي أخذه إبراهيم على نفسه و ولده، بجعل هذا البيت مثابة للناس و أمنا، و إما أن يكون قد أقامه إبراهيم حجة عليه و على ولده، بأن هذا البيت قد انتقل من ملكهم إلى اللّه تعالى، ليكون للناس مصلى، و مسجدا للطائفين و العاكفين و الركع السجود، و لذا فقد وضعه في الركن الأقرب إلى الباب، ليكون أول حدود هذا البيت المكرم، الذي يبتدئ منه الطائفون، و اختار له اللون الأسود لسهولة تعيينه و تحديد مكانه، لذلك كان الحجر الأسود محترما من إبراهيم، محترما من ولده، مقدسا عند المسلمين إلى اليوم و إلى الغد، و إلى أن يغير اللّه هذه الأرض غير الأرض (2).

و هكذا بنى إبراهيم و إسماعيل، عليهما السلام، «الكعبة المشرفة» بيتا

ص: 194


1- تاريخ الطبري 1/ 250- 260، تفسير الطبري 3/ 66- 70، ابن الأثير 1/ 106، ابن كثير 1/ 156، 163- 166، الأزرقي 1/ 58- 65، تاريخ الخميس ص 113، شفاء الغرام 2/ 4- 8، تفسير القرطبي 2/ 122، قصص الأنبياء ص 106، قصص القرآن ص 65- 67، مروج الذهب 2/ 22، قارن: اليعقوبي 1/ 27
2- علي حسني الخربوطلي: المرجع السابق ص 19- 20، لطفي جمعة: ثورة الاسلام ص 59، الهجرسي: كتاب الحج ص 25، و أنظر: العقد الثمين 1/ 67- 68.

للّه تعالى، ليكون رمزا للحقيقة الكبرى في الوجود، حقيقة التوحيد، توحيد التوجه إلى اللّه الواحد الأحد، و تضرع خليل الله و دعا ربه، و أمن إسماعيل، أن يجعل اللّه افئدة من الناس تهوي إلى ذريته في جوار هذا البيت المحرم (1)، «رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ، رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَ ارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ» (2).

و إذا كان صحيحا ما ذهب إليه بعض المؤرخين من أن إسماعيل، عليه السلام، كان في الثلاثين من عمره، يوم أمر اللّه عز و جل إبراهيم ببناء الكعبة (3)، فإن بناء الكعبة حينئذ يكون في حوالي عام 1824 ق. م.،

على أساس أن إسماعيل قد ولد في عام 1854 ق. م، لأنه ولد لإبراهيم و هو في السادسة و الثمانين من عمره، و أن إبراهيم قد عاش في الفترة (1940- 1765 ق. م)، و لما كان إسماعيل قد عاش مائة و سبع و ثلاثين سنة، فإنه يكون قد انتقل الى الرفيق الأعلى في حوالي عام 1717 ق. م (4).

و قد خلد القرآن الكريم بناء الكعبة، حيث يقول سبحانه و تعالى «إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ، فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً، وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ

ص: 195


1- محمد الصادق عرجون: محمد (صلى اللّه عليه و سلم) من نبعته إلى بعثته ص 17
2- سورة إبراهيم: آية 37 و انظر: تفسير الطبري 13/ 229- 235، تفسير الكشاف 2/ 380، تفسير ابن كثير 4/ 141- 142، في ظلال القرآن 13/ 2104، 2109- 2110، الدرر المنثور في التفسير بالمأثور 4/ 86- 87، تفسير النسفي 2/ 263- 264، تفسير القرطبي 9/ 368- 374.
3- مروج الذهب 2/ 22، علي حسني الخربوطلي: المرجع السابق ص 16
4- أنظر: كتابنا إسرائيل ص 177، 202، مقالنا قصة الطوفان بين الآثار و الكتاب المقدسة ص 434، تكوين 12: 4، 16: 25: 7، 17

إِلَيْهِ سَبِيلًا (1)» و لعل في هذه الآيات الكريمة إشارة إلى أن الحج الى البيت على المستطيع هو استمرار لغرض إلهي قديم، معترف به من الناس، و ممارس من بعضهم، فهو أول بيت وضع للناس (2)، فيه الهدى، و فيه البركة، و فيه الخير الكثير، و هو من بناء إبراهيم بما فيه من علامات هي مقام إبراهيم، و أن من دخله كان آمنا، و يلفت النظر هنا كلمة «الناس» فإنها إنما تدل على أن الحج، إنما كان على الناس كافة (3)، كما تدل كلمة «العالمين» على أن البيت الحرام، إنما هو هداية للبشرية جمعاء، و هكذا ما نرى إبراهيم يفرغ من بناء البيت، حتى يأمره ربه أن يؤذن في الناس بالحج، «وَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَ عَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ» (4).

و هنا يروي ابن عباس أن إبراهيم قال: يا رب و ما يبلغ صوتي، قال أذّن و عليّ البلاغ، فنادى: أيها الناس إن اللّه قد كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق، فسمعه ما بين السماء و الأرض، و ما في أصلاب الرجال و أرحام النساء، فأجابه من آمن ممن سبق في علم اللّه ان يحج إلى يوم القيامة، فأجيب: لبيك لبيك، ثم خرج بإسماعيل معه إلى التروية، فنزل به منى و من معه من المسلمين، فصلى بهم الظهر و العصر و المغرب و العشاء الآخرة، ثم بات حتى أصبح فصلى بهم الفجر، ثم سار إلى عرفة فأقام بها هناك، حتى إذا مالت الشمس جمع بين الصلاتين، الظهر

ص: 196


1- سورة آل عمران آية 96- 97
2- هناك رواية تنسب إلى الإمام علي كرم اللّه وجهه، مؤداها أن رجلا سأله: أ هو أول بيت. فقال: لا، قد كان قبله بيوت، و لكنه أول بيت وضع للناس (أي الناس كافة) مباركا، فيه الهدى و الرحمة و البركة، و أول من بناه إبراهيم (الكشاف 1/ 446)، تفسير الطبري 3/ 69، 7/ 19، قارن: 7/ 20، 22، ابن كثير 2/ 299، قصص الأنبياء 106)
3- احمد إبراهيم الشريف: المرجع السابق ص 173، و انظر: تفسير ابن كثير 4/ 631- 647 تفسير المنار 4/ 6- 14
4- سورة الحج: آية 27

و العصر، ثم راح إلى الموقف من عرفة، الذي يقف عليه الإمام، فوقف به على الأراك، فلما غربت الشمس دفع به و من معه حتى أتى المزدلفة فجمع بين الصلاتين، المغرب و العشاء الآخرة، ثم بات بهما و من معه، حتى إذا طلع الفجر صلى الغداة، ثم وقف على قزح حتى إذا أسفر دفع به و بمن معه يريه و يعلمه كيف يصنع حتى رمى الجمرة، و أراه المنحر، ثم نحر و حلق، و أراه كيف يطوف، ثم عاد به إلى منى ليريه كيف رمى الجمار، حتى فرغ من الحج، و يروى عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، أن جبريل هو الذي أرى إبراهيم كيف يحج (1).

[2] الكعبة بعد إبراهيم و اسماعيل

ظلت الكعبة بعد إبراهيم و إسماعيل، عليهما السلام، حرما آمنا، يقدسه العرب، على أنه البيت الحرام الذي بناه أبوهم إبراهيم و ولده إسماعيل، ثم ما لبثت هذه القداسة إن امتدت إلى مكة و مجاوراتها، بل إن صاحب كتاب «الاصنام» ليرى أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن، إلا و قد حمل معه حجرا من حجارة الكعبة، تعظيما لها، و صبابة بمكة، فحيثما حلو وضعوه و طافوا به كطوافهم بالكعبة، تيمنا منهم بها، و صبابة بالحرم و حبا له، و هم بعد يعظمون الكعبة و مكة، و يحجون و يعتمرون، على إرث أبيهم إسماعيل من تعظيم الكعبة و الحج و الاعتمار (2).

و يروي الأخباريون أن المكيين كانوا يعظمون البيت و يقدسونه، حتى أنهم كانوا يرون أن من علا الكعبة من العبيد فهو حر، حتى لا يجمع بين

ص: 197


1- تاريخ الطبري 1/ 260- 262، تفسير الطبري 3/ 76- 80، الأزرقي 1/ 66- 72، تاريخ اليعقوبي 1/ 27، ياقوت 4/ 465، تفسير القرطبي 2/ 128- 130، ابن الأثير 1/ 107
2- راجع كتاب الأصنام لابن الكلبي، و انظر كذلك العقد الثمين 1/ 136، نهاية الأرب 1/ 245، ابن هشام 1/ 51

عز علوها، و ذل الرق (1)، على أن هذه القداسة للبيت الحرام، لم تكن مقصورة على المكيين وحدهم، و إنما امتدت إلى سائر العرب الذين كانوا يشدون الرحال من جميع أنحاء شبه الجزيرة العربية إلى مكة في مواسم معينة، ليحجوا إلى البيت الحرام و ليشهدوا منافع لهم في الأسواق التجارية، التي كانت تعقد في موسم الحج من كل عام- هو الربيع على رأي، و الخريف على رأي آخر (2).

و يرى «فلهاوزن» أن الشهر الحرام المذكور في القرآن الكريم في قوله تعالى «جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ، وَ الشَّهْرَ الْحَرامَ» (3)، هو شهر الحج- و هو الشهر الأول من السنة، أي المحرم- بينما يرى المفسرون أنه رجب أو ذو القعدة أو ذو الحجة (4)، و يذهب المسعودي إلى أن الأشهر؛ إنما هي المحرم و رجب و ذو القعدة و ذو الحجة، و أما شهور الحج فهي شوال و ذو القعدة و عشرة من ذي الحجة (5)، و على أي حال، فلقد تحدث القرآن الكريم عن الأشهر الحرم، و رغم أنه لم يعلن عن أسمائها، و لم يزد عن أنها أربعة حرم (6)، فإن الروايات المتواترة، إنما تذهب إلى أنها: رجب و ذو القعدة و ذو الحجة و المحرم (7)، و الأشهر الثلاثة الأخيرة هي أشهر الحج، فيما قبل الإسلام، أما رجب، فقد كان المكيون- فيما يرى البعض- يحتفلون فيه بعيد ديني، ربما كان خاصا بقبائل مضر أو

ص: 198


1- الثعالبي: ثمار القلوب ص 18
2- 124. P, LES
3- سورة المائدة: آية 97
4- جواد علي 6/ 349- 350 و كذا 409. P, malsI fo, ycnE, retrohS
5- مروج الذهب 2/ 189، تفسير القرطبي 2/ 405، تفسير الطبري 4/ 115- 121 (طبعة دار المعارف)، عبد المنعم ماجد: المرجع السابق ص 81
6- سورة البقرة: آية 197، سورة التوبة: آية 5، 36
7- صحيح البخارى 6/ 66، ابن سعد 2/ 27، السهيلي 2/ 60، ابن كثير 5/ 195، مروج الذهب 2/ 189، احمد إبراهيم الشريف: المرجع السابق ص 192

قبائل الحجاز أو بعضها، و ربما كان هذا هو أصل حرمته، حتى يتمكن القوم من الذهاب و الإياب، و أداء المناسك في ظل هدنة دينية مقدسة، حتى كان الرجل منهم إذا لقي قاتل أبيه أو أخيه أو ابن عمه، فلا يعرض له، ثم ما لبث في وقت لا نستطيع تحديده على وجه اليقين أن أصبح واحدا من الأشهر الحرم (1).

و يذهب الأخباريون بعيدا في تقديس الكعبة، فهو لم يكن- فيما يزعمون- مقصورا على العرب، و إنما امتد كذلك إلى الهند و الفرس و إلى غيرهم، و هم يرون كذلك أن الهنود إنما كانوا يعتقدون أن روح «شبوه»- أحد آلهتهم- إنما تقمصت الحجر الأسود، عند ما زار هو و زوجته أرض الحجاز، و الأمر كذلك بالنسبة إلى الفرس الذين كانوا يعتقدون أن روح «هرمز» قد حلت في الكعبة، و يزيد المسعودي أنهم كانوا يعتقدون أنهم من نسل إبراهيم الخليل عليه السلام، و من ثم فقد كانوا يحجون إليها، و أن آخر من حج منهم إنما كان «ساسان بن بابك»، و إنه كان إذا طاف بالبيت زمزم على بئر إسماعيل- كما كان أسلافه يفعلون- و من ثم فقد سميت زمزم باسمها هذا (2)، و هكذا نرى الأخباريين- كالعهد بهم يحولون الهنود و الفرس إلى مقدسين للبيت الحرام، حاجين إليه، متبركين بماء زمزم، فضلا عن أن الأخيرين منهم إنما كانوا من سلالة الخليل عليه السلام (3).

ص: 199


1- نفس المرجع السابق ص 192، محمد عزة دروزة: عصر النبي ص 210- 211، تفسير الطبري 11/ 930
2- هناك رواية تنسب لابن عباس على أنها سميت زمزم لأنها من زمة جبريل، أنبطها مرتين، الأولى لآدم و الثانية لإسماعيل (الحربي: المرجع السابق ص 500، البكري 2/ 701)
3- جواد علي 6/ 439، اللسان 12/ 275، مروج الذهب 1/ 265، تاريخ الخميس ص 125، ياقوت 3/ 147- 148 عمدة القارئ 9/ 277، البكري 2/ 700، علي حسني الخربوطلي: المرجع السابق ص 25.

و يمضي حين من الدهر، و يؤول أمر الكعبة إلى جرهم، إلا أن العماليق فيما يرى الأخباريون قد نازعوهم في الأمر، ثم سرعان ما ينشب القتال بين الفريقين، و لا تضع الحرب أوزارها حتى تكون الغلبة للعماليق، غير أن «حرهم» ما لبثت إن استعادت نفوذها من جديد، حيث بقي الأمر فيها قرابة قرنين- و ربما ثلاثة- عاد بعدهما إلى بني إسماعيل، ثم انتزعته منهم خزاعة، بعد حرب دارت رحاها بين إياد و مضر، و هكذا بقي الأمر في خزاعة إلى أيام «عمرو بن الحارث»، فانتزع منه «قصي بن كلاب» الملك و أمر الكعبة معا (1).

و أيا ما كان نصيب هذه الروايات من صواب أو خطأ، فإن هناك إجماعا على أن عمرو بن لحي، كان أول من أدخل عبادة الأصنام إلى الكعبة، و من ثم فقد غيّر دين إبراهيم و إسماعيل، عليهما السلام، و دعا العرب إلى عبادة الأوثان، و لهذا يروي أبو هريرة عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، أنه قال:

«رأيت عمرو بن لحي يجر قصبة في النار، و كان أول من سيّب السوائب»، و تضيف رواية أخرى، «و هو أول من غيّر دين إبراهيم عليه السلام (2).

و هناك من يذهب إلى أن ذلك، إنما حدث حين رحل عمرو بن لحي إلى مدينة البلقاء بالشام، ليستشفي من مرض أصابه، فرأى أهلها يعبدون الأصنام، و حين سألهم عنها أجابوه «هذه أصنام نعبدها، نستنصرها فتنصرنا، و نستسقي بها فنسقى»، فطلب واحدا منها ليضعه في الكعبة،

ص: 200


1- مروج الذهب 2/ 22- 24، تاريخ اليعقوبي 1/ 222، تاريخ ابن خلدون 2/ 332- 335، تاريخ الطبري 2/ 284، الأزرقي 1/ 82- 87، شفاء الغرام 2/ 48- 54
2- صحيح البخاري 4/ 184، 6/ 54- 55، فتح الباري 6/ 398- 400، 8/ 213، ابن حزم: جمهرة أنساب العرب ص 233- 235، العقد الثمين 1/ 136، شفاء الغرام 2/ 21، 46- 47، تاريخ الخميس ص 124، الاشتقاق 2/ 474، مروج الذهب 2/ 29- 30، روح المعاني 7/ 197

فأعطوه صنما يقال له «هبل»، فقدم به إلى مكة و وضعه عند الكعبة (1)، و يميل بعض المؤرخين المحدثين إلى هذا الرأي، معتمدين في ذلك على أن اسم هبل، إنما هو مشتق من لفظ أرامي بمعنى الروح، هذا و يميل بعض المستشرقين إلى أن هبل إنما هو رمز إله القمر، و أن قريشا من شدة تعظيمها له، إنما وضعته في جوف الكعبة (2)، بينما يذهب فريق ثالث إلى أن صورة الحية أو تمثالها، إنما يشير إلى هبل، أو إلى هبل و ود (3)، و أخيرا فهناك ما يشير إلى أن هبل إنما كان من معبودات العرب الشماليين، بدليل أن اسمه قد ورد- بجانب ذي الشري و مناة- في نقوش نبطية من الحجر، كما أن هناك أشخاصا من قبيلة كلب قد حملوا اسمه (4).

و أيا ما كان الأمر، فإذا صدقت الرواية التي تذهب إلى أن الذي جاء به إلى مكة، إنما هو عمرو بن لحي (5)، فربما كانت تلك وسيلة من وسائل عمرو هذا، لتعظيم شأن الكعبة عند أهل الشمال، و إيناسهم بها كلما دخلوا إلى الحجاز، و تقريب ما بينهم و بين شعائر البيت الحرام، و هم جميعا حريصون على تقريب هذه الشقة، و حماية روادها من كل قبيل، و من ثم فقد عمل الحجازيون على تعظيم شأن الحجاز عند الأنباط، فوضعوا في 2]

ص: 201


1- مروج الذهب 2/ 29- 30، 227، الأزرقي 1/ 88، 117- 118، تاريخ اليعقوبي 1/ 254، تاريخ الخميس ص 113، بلوغ الأرب 2/ 200- 201، ابن كثير 2/ 187- 188، ابن هشام 1/ 64، تاج العروس 8/ 168
2- جواد علي 6/ 253 و كذا 87. P, neibarA, nnamhorG. A
3- 87. P, tic- po, nnamhorG. A
4- 664. P. I, scihtE dna noigileR fo aideapolcycnE, sgnitsaH. J
5- هناك رواية تذهب إلى أن الذي جاء بهبل إنما هو «خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر» و لذا قيل لهبل «هبل خزيمة» [أنظر: الأصنام ص 28، ابن سعد 1/ 39، نهاية الأرب 16/ 12]

الكعبة تماثيل أرباب يعبدها النبط، يعدّ منها الرواة (1) هبل و اللات (2) و مناة، التي قيل أنها من المنية بمعنى «القدر المقدور» معبود النبطيين، و قولهم حانت منيته و حان قدره، بمعنى واحد عند عباد مناة (3)، و ربما كان للكلمة صلة بالكلمة الآرامية «مناتا» و العبرية «منا»، و بكلمة «منية» و جمعها «منايا» في عربية القرآن الكريم، و هي بذلك تمثل الحظوظ الأماني- و بخاصة الموت- و من ثم فهي آلهة القضاء و القدر (4)، أضف إلى ذلك أن ارتباط «مني ineM» ب «جد daG» في العهد القديم، قد يشير إلى ذلك أيضا، لأن كلا منهما إنما يعني المستقبل، و إن كان الأول إنما يعنيه بمعناه الضار في أغلب الأحايين، على عكس الثاني، الذي قد يعني الحظ السعيد و المستقبل المشرق (5).

ص: 202


1- الازرقي 1/ 124- 128، كتاب الأصنام ص 28
2- اللات: من الأصنام القديمة المشهورة عند العرب، و يبدو أنها قد انتقلت إلى الحجاز على يد عمرو بن لحي من الأنباط و القبائل العربية الشمالية، و قد كانت صخرة مربعة بيضاء بنت عليها ثقيف بيتا تضاهي به الكعبة المشرفة، و كانت تخصها بما تخص به قريش العزى، كما كانت العرب كلها تعظمها كذلك و كانت تحت صخرة اللات حفرة يقال لها «غبغب» حفظت فيها الهدايا و النذور و الأموال التي كانت تقدم إلى الصنم، و لما أسلمت ثقيف بعث رسول اللّه، (صلى اللّه عليه و سلم)، المغيرة بن شعبة فهدمها و حرقها بالنار، ثم أخذ الأموال التي كانت بالغبغب، و سلمها إلى أبي سفيان، امتثالا لأمر النبي- عليه الصلاة و السلام- هذا و قد جاء ذكر اللات- بجانب العزى و مناة- في القرآن الكريم (سورة النجم: آية 19- 23، و أنظر: كتاب الأصنام ص 16، 19، 27، 43، ياقوت 5/ 4، تفسير ابن كثير 4/ 253، محمد عبد المعين خان: الأساطير العربية قبل الإسلام ص 119، اللسان 2/ 388، جواد علي 6/ 229، تاريخ الطبري 3/ 99، البداية و النهاية 1/ 149، ابن هشام 2/ 326، موسكاتي: الحضارات السامية القديمة ص 360، تفسير الطبري 23/ 67- 69، روح المعاني 23/ 135)
3- عباس العقاد: المرجع السابق ص 59
4- 29 -25 .P .P ,smutnedieH nehcsibarA etseR ,nesuahlleW .J 215 -214 P .P malsI ' tnava droN ud sedarA te sneetabaN ,sneinerymlaP ,ykcratS .J
5- 604, 275. P. P, tic- po, sgnitsaH. J

على أن هناك من يرى أن «مناة» لا تمثل القدر، الذي تمثله مناتو البابلية، و «منا» العبرية، ذلك لأن الدهر في تصور العرب و الشعراء الجاهليين رجل، لا امرأة، و قد يفسر هذا استقسام العرب عند هبل و ذي الخلصة بالأزلام، و حلفهم فقط أمام مناة، و يؤكد صفة مناة كذلك أن سيفي الحارث الغساني (مخذوم و رسوب) عثر عليهما على بن أبي طالب رضي اللّه عنه عند مناة حينما هدمت، لأن السيف رمز العدالة، و الإنصاف عند أهل البادية (1).

و أيا ما كان الأمر، فلقد لعبت أيدي الوثنية الخبيثة بدين إبراهيم الحنيف، و أصابت النكسة عقيدته السمحاء- التي قضى عمره يرفع لواءها في كفاح طويل و جهاد موصول، فحطم الأصنام و تحدى الجبابرة- و هكذا انقلب القوم إلى عبادة الأصنام، و جهلوا سر الفداء، و سر البقاء، و بدأ عصر الوثنية و تقديس الأصنام، إلى درجة أن الرجل منهم كان يأخذ معه في أسفاره أي حجر من أحجار الكعبة، يصلى إليه، و يستأذنه في الإقامة و السفر، و يؤدي إليه كل ما يؤدي للنجوم و خالق النجوم من طقوس العبادة، و من ثم فقد استقرت الوثنية و قدست التماثيل و قدم العرب لها القرابين (2).

و يروي الأخباريون أن الجاهليين كانوا قد وضعوا «أسافا» و «نائلة» داخل المسجد الحرام، وضعوا كل واحد منهما على ركن من أركان البيت، فكان الطائف إذا طاف بدأ بأساف فقبله و ختم به، و إن كانت هناك رواية أخرى تذهب إلى أنهما قد وضعا على الصفا و المروة، و أن عمرو بن لحي هو الذي نقلهما إلى الكعبة، و نصبهما على زمزم، و على أي حال، فيبدو أن

ص: 203


1- عبد العزيز سالم: دراسات في تاريخ العرب 1/ 640
2- ابن كثير 2/ 191- 192، الأزرقي 1/ 123، كتاب الاصنام ص 32، حياة محمد ص 100

قداسة هذين الصنمين، إنما كانت مقصورة على قريش، و أن القبائل الأخرى لم تكن تشاركها في تقديسهما، و ربما كان هذا هو السبب في الروايات التي دارت حولهما، و أنهما صنمان استوردهما القوم من الشام، و إن ذهبت روايات إلى أنهما من اليمن، من جرهم، هذا و قد نصب القرشيون كذلك على جبل الصفا صنما يقال له «مجاور الريح»، و آخر على جبل المروة، دعوه «مطعم الطير» (1).

و لعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن القوم لم يكونوا شديدي الإيمان بأصنامهم؛ حتى أن العرب كانت إذا حجت إلى الكعبة، سألت قريشا عن تلك الأصنام، فكانوا يقولون لهم، إنما نعبدها لتقربنا إلى اللّه زلفى، و إلى هذا يشير القرآن الكريم في قوله تعالى «وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى (2)، و في هذا إشارة إلى أن القوم إنما كانوا يعتقدون بوجود اللّه، و لكنهم يخلطون إيمانهم هذا بعبادة الأصنام و اتخاذ الأولياء و الشفعاء لتقربهم إلى اللّه زلفى (3)، هذا إلى أن قريشا إنما كانت تلبيتها عند الكعبة «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك، تملكه و ما ملك» (4)، هذا فضلا عن قلة احتفاء الجاهلين بتلك الأوثان و الأصنام التي لا نجد لها ذكرا، إلا في مناسبات معينة، كما أنها لم تحل عند القوم محل اللّه، كما اتفق عند غير العرب، و عند غير الساميين على الأخص (5).

ص: 204


1- مروج الذهب 2/ 23، تاريخ اليعقوبي 1/ 254- 155- تاريخ الطبري 2/ 241، 284، ياقوت 1/ 170، الازرقي 1/ 88، 119- 122، ابن حبيب ص 311، ابن كثير 2/ 191، تفسير القرطبي 2/ 179- 180، العقد الثمين 1/ 212، الروض الآنف 1/ 64- 65، ابن هشام 1/ 86، جواد علي 6/ 267
2- سورة الزمر: آية 3
3- أنظر: سورة الانعام: آية 148، سورة النحل: آية 35، سورة الزمر: آية 3
4- تاريخ اليعقوبي 1/ 255، ابن حبيب ص 311
5- عمر فروخ: تاريخ الجاهلية ص 159

و أيا ما كان الأمر، فيبدو أن الأساس المهم الذي قامت عليه مكانة الكعبة، أن البيت الحرام بجملته كان هو المقصود بالقداسة غير منظور إلى الأصنام و الأوثان التي اشتمل عليها، و ربما اشتمل على الوثن تقدسه بعض القبائل، و تزدريه قبائل أخرى، فلا يغض ذلك من مكانة «البيت» عند المعظمين و المزدرين، و اختلفت الشعائر و الدعاوى التي يدعيها كل فريق لصنمه و وثنه، و لم تختلف شعائر البيت كما يتولاها سدنته المقيمون إلى جواره و المكلفون بخدمته، فكانت قداسة البيت هي القداسة التي لا خلاف عليها بين أهل مكة و أهل البادية، و جاز عندهم- من ثم- أن يحكموا بالضلالة على أتباع صنم معلوم، و يعطوا البيت غاية حقه من الرعاية و التقدير (1).

و على هذا كان يتفق في موسم الحج أن يجتمع حول البيت أناس من العرب، يأخذون بأشتات متفرقة من المجوسية و اليهودية و المسيحية و عبادات الأمم المختلفة، و لا يجتمع منها دين واحد يؤمن به متعبدان على نحو واحد، و ما من كلمة من كلمات الفرائض لم تعرف بين عرب الجاهلية بلفظها و جملة معناها كالصلاة و الصوم و الزكاة و الطهارة، و مناطها كلها أنها حسنة عند رب البيت أو عند اللّه (2).

و ظلت خزاعة تتولى شئون الكعبة، حتى نجحت قريش آخر الأمر في أن تنتزع القيادة منها، و هنا يحلوا للأخباريين أن يقدموا لنا رواية غريبة و عجيبة في نفس الوقت، فيرون أن الاسكندر المقدوني خرج من السودان متجها نحو اليمن، و هناك قابله «تبع الأقرن» ملك اليمن، و قدم له الولاء و الخضوع، و بعد أن أقام الاسكندر في صنعاء شهرا، اتجه إلى تهامه، و في

ص: 205


1- العقاد: مطلع الثور ص 115
2- نفس المرجع السابق ص 116

مكة- حيث السيادة لخزاعة- قابله «النضر بن كنانة»، فأعجب به، و من ثم فقد ساعده على إخراج خزاعة من مكة، و جعل السلطان فيها مقصورا على النضر و بني أبيه، ثم حج الاسكندر، و فرق الهبات و الهدايا في ولد «معد بن عدنان»، ثم عاد إلى الغرب (1).

و ليس من شك في أن ذلك كله، ليس له نصيب من صواب، و أنه لا يعدو أن يكون أسطورة من الأساطير، لست أدري ما الذي دفع بصاحبها إلى القول بها، و لعل أهم ما يلاحظ عليها: (أولا) أن الاسكندر الأكبر (336- 323 ق. م) لم يذهب إلى السودان أبدا، و بالتالي فلم يعبر البحر الأحمر إلى عدن، ثم اليمن، و (ثانيا) أن صنعاء لم تكن عاصمة اليمن في القرن الرابع قبل الميلاد (2)- عصر الاسكندر- كما أن تبع الاقرن هذا لم يكن ملكا بها، و أما (ثالثا) فإن الاسكندر الأكبر لم يكن يؤمن بالبيت الحرام، حتى يحج إليه، فضلا عن أن يجعل أمر مكة بيد «النضر بن كنانة»، بدلا من خزاعة، و (رابعا) فإن الاسكندر قد حاول السيطرة على الجزيرة العربية- أو على الأقل على شواطئها- و من ثم السيطرة على طرق التجارة .

ص: 206


1- الدينوري: الأخبار الطوال ص 33- 34
2- يرجع ظهور صنعاء (صنعو) إلى أيام الشرح يحضب، أي إلى النصف الثاني من القرن الأول ق. م.- (390. P, tic- po, emmaJ. A) و إن ذهب فلبي إلى أنها كانت في الفترة 125- 105 ق. م.- (142. P, tic- po, ybihP. B. J)، و على أي حال، فلقد تردد اسمها في النصوص التي ترجع إلى ذلك العهد، مثل (575 emmaJ)، و في أيام الحروب التي دارت رحاها بين الشرح يحضب و شمر ذي ريدان، كما نعرف من نقش- emmaJ) 577 (، و أن الرجل- كما يدلنا نقش- 535. YR- قد بنى قصر غندان (غمدان)، لما بنى «شعر أوتر» سورها (أي سور صنعاء)، ثم بدأت المدينة تظهر بين المدن اليمنية القديمة من تلك الفترة، حتى غدت آخر الأمر عاصمة اليمن و مقر الحكام حتى الآن (أنظر: جواد علي 2/ 442، اللسان 3/ 327، قارن: ياقوت 3/ 426- 427، 4/ 210، البكري 3/ 843، و انظر كذلك: 57 .P ,1960 ,sbarA eht fo yrotsiH ,ittiH .K .P ,19 .P ,1953 neibaraduS nehcsimalsiroV sed eihpargoeG nehcsirotsiH ruZ egartieB ,renfoH .M :dna nnamssiW noV .H

البحرية، و انطلاقا من هذا فقد أرسل حملات الاستكشاف من السويس و من الخليج العربي، و لكن المحاولة قد توقفت بسبب وفاته في بابل، في الثامن عشر من يونية عام 323 ق. م (1)، و يبدو أن هذه الحقيقة الأخيرة قد اختلطت بغيرها عند الأخباريين و كانت النتيجة تلك الأسطورة الآنفة الذكر.

على أنه ليس من الغريب على أصحابنا الأخباريين أن يجعلوا الاسكندر الأكبر يدخل مكة، فضلا عن أن يكون رجلا مؤمنا يحج إلى بيت اللّه الحرام- و هو الذي لم يكتف بتأليه نفسه عند الشرقيين، و إنما فعل ذلك في بلاد اليونان نفسها كأثينا و إسبرطة (2)- ما داموا قد جعلوه من قبل أحد اثنين من المؤمنين حكموا الدنيا بأسرها (3)، و ما داموا قد جعلوا من أسلاف الفرس من حج إلى بيت اللّه الحرام، و ما دام الخليل عليه السلام قد أصبح- في نظرهم- واحدا من أجدادهم، و من ثم فقد ربطوا نسب الفرس بنسب العرب العدنانيين، و ما دام «ساسان» قد جاء إلى الكعبة، و طاف بالبيت العتيق، و زمزم على بئر إسماعيل، ثم أهدى الكعبة غزالين من ذهب، و جواهر و سيوفا و ذهبا كثيرا (4).

و على أي حال، فمن المعروف أن أمر الكعبة قد آل إلى قريش مرة أخرى في عهد «قصي بن كلاب»- الجد الرابع لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و أصبحت مكة مركزا للحياة الدينية في شبه الجزيرة العربية، بسبب وجود الكعبة فيها، و في الواقع أنه رغم وجود «البيوت الحرام» في بلاد العرب،

ص: 207


1- و. و. تارن: الاسكندر الاكبر ص 185- 187، فضلو حوراني: العرب و الملاحة في المحيط الهندي ص 55
2- ثاران: المرجع السابق ص 178- 180
3- انظر: الطبري 1/ 234، ابن كثير 1/ 148
4- مروج الذهب 1/ 265، جواد علي 4/ 16

كبيت الأقيصر و بيت ذي الخلصة و بيت صنعاء و بيت نجران، و غيرها من البيوت الحرام (1)، فإن واحدا من هذه البيوت لم يجتمع له ما اجتمع لبيت مكة، ذلك لأن مكة كانت ملتقى القوافل بين الجنوب و الشمال و بين الشرق و الغرب، و كانت لازمة لمن يحمل تجارة اليمن إلى الشام، و لمن يعود من الشام بتجارة يحملها إلى شواطئ الجنوب، و كانت القبائل تلوذ منها بمثابة مطروقة تتردد عليها، و لم تكن فيها سيادة قاهرة على تلك القبائل في باديتها أو في رحلاتها، فليست في مكة دولة كدولة التبايعة في اليمن، أو المناذرة في الحيرة، أو الغساسنة في الشام، و ليس من وراء أصحاب الرئاسة فيها سلطان كسلطان دولة الروم أو دولة فارس أو دولة الحبشة وراء الامارات العربية المتفرقة على الشواطئ أو بين بوادي الصحراء، فمكة إذن مثابة عبادة و تجارة، و ليست حوزة ملك يستبد بها صاحب العرش و لا يبالي من عداه، و هي إن لم تكن كذلك من أقدم أزمانها، فقد صارت إلى هذه الحالة بعد عهد جرهم و العماليق، الذين روى عنهم الرواة أنهم كانوا يشرون كل ما دخلها من تجارة (2).

أضف إلى ذلك أن مكة كانت عربية لجميع العرب، و لم تكن كسرية أو قيصرية، و لا تبعية أو نجاشية، كما عساها كانت تكون لو استقرت على مشارف الشام أو عند تخوم الجنوب، و لهذا تمت لها الخصائص التي كانت لازمة لمن يقصدونها و يجدون فيها من يبادلهم و يبادلونه على حكم المنفعة المشتركة، لا على حكم القهر و الإكراه (3).

ص: 208


1- ياقوت 1/ 238، 3/ 427، 4/ 394- 395، 5/ 268- 269، بلوغ الأرب 1/ 346- 347، 2/ 202، 207- 209، 212، ابن حزم، جمهرة أنساب العرب ص 493، كتاب الاصنام ص 38، البكري 2/ 603، الروض الآنف 1/ 66، تاج العروس 3/ 397، ابن حبيب: كتاب المحير ص 317
2- العقاد: مطلع النور ص 112- 113
3- نفس المرجع السابق ص 113

و قد عملت قريش على توفير الأمن في منطقة مكة، و هو أمر ضروري في بيئة تغلي بالغارات و طلب الثأر، حتى يكون البيت الحرام ملاذا للناس و أمنا، و حتى يجد فيها من تضيق به الحياة و يتعرض لطلب الثأر، الأمن و الحماية، و لعل هذا هو السبب في أن تحافظ قريش على حرمة الأشهر الحرم في موسم الحج، حتى يأمن الناس فيه على أنفسهم و أموالهم.

و لم تكتف قريش بذلك، و إنما عملت على توفير الماء و الطعام للحجيج في منطقة يشح فيها الماء، و يقل الطعام، و من ثم فقد قامت بحفر الآبار في منطقة مكة و أنشأت أماكن للسقاية، ثم أوكلت سقاية الحاج إلى البطون القوية (1)، و هكذا غدت سقاية الحج- بجانب عمارة البيت و سدانته- عملا يراه القوم في قمة مفاخرهم، و إلى هذا يشير القرآن الكريم في قوله تعالى «أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَ عِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ جاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» (2).

و كانت ضيافة الحجيج عملا لا يقل عن سقايتهم، و قد أسندتها قريش إلى الأغنياء من رجالاتها، لأن قدوم الحجاج من أماكن بعيدة من شبه الجزيرة العربية، يصعب معه حمل الزاد، و من ثم فقد كانت الرفادة تكلف أصحابها الكثير من أموالهم، بجانب ما تقدمه قريش لهم، إلا أن هذا الأمر في الوقت ذاته، قد أفاد قريشا كثيرا، إذ كانت المؤاكلة في عرف العرب، إنما هي عقد جوار و حلف، فضلا عن أن الضيافة في ذاتها من أكبر ما يحمد الرجل عليه، و هكذا كانت قريش بعملها هذا، و كأنها تعقد حلفا مع كل القبائل العربية، تحمي به تجارتها، و تسبغ على رجالاتها نوعا

ص: 209


1- ابن هشام 1/ 159- 162
2- سورة التوبة: آية 19، و انظر: تفسير الطبري 14/ 168- 173، تفسير ابن كثير 3/ 373- 374، الدرر المنثور في التفسير بالمأثور 3/ 218، تفسير القرطبي 8/ 91- 92، تفسير المنار 10/ 215- 220.

من التقدير و الاحترام عند العرب، لا يتوفر لغيرهم (1).

و خطت قريش خطوة أخرى في اجتذاب القبائل العربية إلى مكة، فنصبت أصنام جميع القبائل عند الكعبة، فكان لكل قبيلة أوثانها، تقدم في الموسم لزيارتها و تقديم القرابين لها، و زاد عدد الأصنام عند الكعبة على ثلاثمائة صنم، فيها الكبير و الصغير، و منها ما هو على هيئة الآدميين أو على هيئة بعض الحيوانات او النباتات، و كان أكبر الأصنام «هبل» في صورة انسان من عقيق أحمر (2).

و هكذا تمضي الأيام و تزداد مكانة الكعبة عند العرب، حتى تصبح آخر الأمر المفخرة القومية و الحرم الإلهي عندهم، ثم تغدو بعد حين من الدهر، الحوار الوحيد الذي يشعر العرب عنده بشعور العروبة الموحدة، عالية الرأس، غير مستكينة لأجنبي كائنا من كان، ذلك لأنهم كانوا يحسون أنهم من رعايا الروم في الشام، و من رعايا الفرس في الحيرة، و أتباع للحبشة أو الفرس في اليمن، و لكنهم هنا- في مكة- عند بيت اللّه، في حرم اللّه، يقدسونه جميعا، لأنه لهم جميعا، يضمهم إليه كما يضم أوثانهم و أصنامهم و أربابهم، يلوذون به، و يأوون إليه، فكلهم من معبود و عابد في حمى الكعبة، لأنهم في بيت اللّه، و شعورهم هنا، بأنهم «عرب» لم يماثله شعور قط في أنحاء الجزيرة العربية، و قد أوشك أن يشمل شعب اليمن و جمهرة أقوامه، على الرغم من سادته و حكامه، فما كان هؤلاء الحكام لينفسوا على الكعبة مكانها و يقيموا لها نظيرا في أرضهم، لو كان شعب اليمن منصرفا عنها، غير معتز بها، كاعتزاز البادية و الصحراء (3).

ص: 210


1- ابن هشام 1/ 147، ابن سعد 1/ 58
2- اليعقوبي 1/ 254- 255، الروض الانف 2/ 276، الأزرقي 1/ 120- 121، جرجي زيدان: تاريخ التمدن الاسلامي 1/ 37، جوستاف لوبون: حضارة العرب ص 124، كتاب الأصنام ص 27- 28، 225. P, 5, tic- po, nobbiG. E
3- العقاد: المرجع السابق ص 56

[3] محاولات هدم الكعبة

و لعل هذه المكانة الفريدة للكعبة عند العرب هي التي دفعت بأصحاب السلطان و القوة في تلك الأيام محاولة هدم الكعبة، أو على الأقل انضوائها تحت لوائهم، و أول هذه المحاولات- طبقا لرواية الأخباريين- ما كان من «تبان أسعد أبو كرب» حين قدم من المشرق إلى المدينة غازيا، فجاءه حبران من يهود بني قريظة، و نصحاه أن لا يفعل، فإن أبي حيل بينه و بين ما يريد، فضلا عن عقاب سوف يناله، معللين ذلك بأن المدينة سوف تكون مهاجر نبي سوف يخرج من قريش، و هكذا صرف الحبران «تبع» عن تدمير المدينة- أو يثرب كما كانت تدعى- فضلا عن إيمانه بدينها، بل إن البعض إنما يذهب إلى أن الرجل ما أن سمع عن النبي، (صلى اللّه عليه و سلم)، من هذين الحبرين اليهوديين، إلا و قال فيه شعرا، يشهد فيه له بالنبوة، و يتمنى أن يعيش حتى يراه، فيكون له وزيرا و ابن عم، فضلا عن القتال إلى جانبه و تفريج همومه، لأنه كان على علم بما سيلاقيه الحبيب المصطفى- صلوات اللّه عليه- من قومه من أذى (1).

و يتجه «تبع» صوب مكة في طريقه إلى اليمن، حتى إذا ما كان بين «عسفان» و «أمج»، أتاه نفر من هذيل يغرونه بسلب البيت الحرام، و يستفتي تبع أحبار يهود في هذا الأمر، فيصدقونه النصح قائلين «ما نعلم بيتا للّه عز و جل اتخذه لنفسه في الأرض غيره»، و أنه إن قبل ذلك الأمر، كان فيه هلاكه، و يعلم «تبع» أن الصدق ما نصحا به الحبران اليهوديان، فينتقم من هذيل، ثم يمضي إلى مكة، فيطوف بالبيت العتيق، و ينحر الذبائح عنده، ثم يقيم بمكة ستة أيام، يرى أثناءها- فيما يرى النائم-

ص: 211


1- ابن كثير 2/ 163- 164، تفسير ابن كثير 4/ 142، جواد علي 2/ 514- 515، بلوغ الأرب 2/ 170، 240- 241، ابن خلدون 2/ 52، مروج الذهب 1/ 82، اليعقوبي 1/ 197- 198، الأزرقي 1/ 132- 134

و كأنه يكسو البيت الحرام، و تتكرر الرؤيا ثلاث ليال، و يفعل «تبع» ما أمر به في منامه، و هكذا كان الرجل- فيما يزعم الأخباريون- أول من كسا البيت ثم يعود إلى اليمن (1).

و لعل سائلا يتساءل: أ كان تبع يقول الشعر بلغة قريش- كما يقدمه لنا الأخباريون- و نحن نعرف أنها تختلف كثيرا عن لغة حمير، حتى ذهب الأمر بعلماء العربية في الإسلام إلى إخراج الحميرية و اللهجات العربية الأخرى من العربية، التي جعلوها مقصورة على العربية التي نزل بها القرآن الكريم، و حتى قال بعضهم «ما لسان حمير و أقاصي اليمن بلساننا و لا عربيتهم بعربيتنا» (2).

ثم كيف فات هؤلاء الرواة ان يجعلوا «تبعا» هذا، ابن عم المصطفى- صلوات اللّه و سلامه عليه- و هم الذين ملئوا صفحات كتبهم بأن العرب ليسوا جنسا واحدا، و إنما هم عرب عاربة- و هم القحطانيون و منهم تبع- و عرب مستعربة- و هم العدنانيون، و منهم رسول اللّه، (صلى اللّه عليه و سلم).

ثم من أين عرف الحبران اليهوديان أن هناك نبيا سوف يبعث من قريش، و مبلغ علمي أن التوراة لم يرد فيها نص يفيد ذلك أبدا، صحيح أن هناك نصوصا تؤكد مبعث نبي من العرب، و لكن صحيح كذلك أنها لم تشر إلى أنه من قريش، و أما هذه النصوص، فقد جاءت في سفر التثنية (18: 15- 19). و في سفر أشعياء (42: 10- 13)، يقول النص الأول ها

ص: 212


1- ابن كثير 2/ 164- 167، تفسير الخازن 4/ 115، 175، اللسان 8/ 31، اليعقوبي 1/ 198، ابن خلدون 2/ 52- 53، العقد الثمين 1/ 71، الازرقي 1/ 249- 250، قارن: تفسير الطبري 25/ 128- 149، تفسير البيضاوي 2/ 376- 377، تفسير القرطبي 16/ 145- 146، المعارف لابن قتيبة ص 275- 276
2- محمد بن سلام الجمحي: طبقات فحول الشعراء ص 4 و ما بعدها

«و يقيم لك الرب إلهك نبيا من وسطك من إخوتك مثلي له تسمعون» و يقول «أقيم لهم نبيا من وسط إخوتهم مثلك و اجعل كلامي في فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيه، و يكون أن الانسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي، أنا أطالبه».

ثم أ ليس من المضحك المبكي أن يجعل أصحابنا الأخباريون اليهود أشد حرصا على الحفاظ على الكعبة، و أكثر توقيرا لها من العرب أنفسهم، بل لا يتأنى هؤلاء الرواة في كتاباتهم حين يجعلون من اليهود بالذات هداة ملوك العرب إلى مكانة الكعبة المشرفة و أهميتها، و أن يصرحوا- كما يزعم الرواة بأن اللّه لم يتخذ له في الأرض بيتا غيرها، فإذا كان ذلك كذلك، فلم لم يحج اليهود إليها، ثم ما هو الموقف بالنسبة إلى المسجد الأقصى، أو هيكل سليمان كما يسميه اليهود.

ثم من أين عرف «تبع» هذا، أن الرسول- صلوات اللّه و سلامه عليه- سوف يسمى «أحمد»، و مبلغ علمي- مرة أخرى- أن ذلك لم يرد في النصوص العربية، و إنما كان ذلك في الإنجيل- و ليس في توراة اليهود الذين أخذ عنهم تبع معلوماته عن النبي- حيث يخبرنا القرآن الكريم بذلك في قوله تعالى- على لسان المسيح عليه السلام- «يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ، مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ، وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ» (1)، و كيف آمن «تبع» برسول الإسلام الأعظم، قبل مبعثه

ص: 213


1- سورة الصف: آية 6 و انظر: تفسير البيضاوي 2/ 473- 474، تفسير الكشاف 4/ 98- 99، تفسير ابن كثير 6/ 646- 648 (دار الاندلس- بيروت)، تيسير العلي القدير 4/ 229- 230، تفسير الطبري 28/ 87، تفسير الطبرسي 28/ 60- 62 تفسير القرطبي 18/ 83- 84، تفسير أبي السعود 5/ 161، الدرر المنثور في التفسير بالمأثور 6/ 213- 214، تفسير روح المعاني 28/ 85- 87، في ظلال القرآن 28/ 3549، 3555- 3558

بنحو من سبعمائة عام (1)، كما يروي الأخباريون (2)، أ لمجرد أن الحبرين اليهوديين أخبراه أن يثرب سوف تكون مهاجر نبي يخرج من قريش، لا أظن أن ذلك سببا كافيا لإيمانه بنبي كان حتى تلك اللحظة في ضمير الغيب.

و من ثم فأكبر الظن أن هناك- بجانب أثر الاسرائيليات في هذه الروايات- هدفا من ورائها، و أن هذا الهدف، إنما هو رفع شأن القحطانيين إبان النزاع السياسي بينهم و بين العدنانيين، و من ثم فإن هذه الروايات جد حريصة على أن تقدم لنا «تبعا» و قومه، في صورة أفضل بكثير من صورة العدنانيين بصفة عامة- و القرشيين بصفة خاصة- فهم، أي القحطانيين، أول من قال الشعر في مدح المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم)، فعل ذلك سبأ (3)، و يفعله الآن «تبع» كما تقدمه لنا هذه الروايات، بل إن «تبع» ليزيد هنا عقده العزم، على أن يكون حربا على من حاربه، و سلما لمن سالمه، فضلا عن أن يصبح له وزيرا و ابن عم، و (ثانيا) أن القحطانيين كانوا على علم باسم المصطفى، (صلى اللّه عليه و سلم) أما كيف كان ذلك، فليس لدى الإخباريين من أصحاب هذه الروايات علم بذلك، فإن الهدف إنما كان أن القحطانيين، إنما كانوا يعرفون اسم النبي الأعظم قبل مولده بسبعة

ص: 214


1- اختلف العلماء في فترة حكم «أبي كرب أسعد» فيراها نلسن في الفترة (400- 415 أو 420 م) 116. p. p, tic- po, yblihP. B. J و كذا) 104. p, tic- po neleiN. D و يراه هومل في الفترة 385- 420 م [فريتز هومل: التاريخ العربي القديم ص 108] و يراه فلبي في الفترة 378- 415 م [) 269. p, abaS fo sgniK tsL eht no etoN, yblihP. B. J ( [، و يذهب الدكتور جواد علي أن الرجل استمر يحكم حتى عام 430 م [جواد علي 2/ 571 و كذا 492. P, 4- 3, 1964, NOESUM eL] و هذا يعني أن الفترة بين موت أبي كرب أسعد و مولد الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) لا تصل حتى إلى قرنين من الزمان، و ليست سبعة قرون
2- تفسير ابن كثير 4/ 144
3- ابن كثير 2/ 158- 159

قرون، بينما لم يكن العدنانيون، على علم بذلك حتى قبيل مبعث المصطفى- صلوات اللّه و سلامه عليه- و (ثالثا) تقديم القحطانيين في صورة قوم مؤمنين، كسوا البيت الحرام، و عمروه أكثر من مرة، ثم قدّروا مكانته قبل ظهور الإسلام بقرون- حتى إن كان اليهود هداتهم إلى ذلك.

و أخيرا، فإن هذا الإلحاح على أن التبابعة كانوا يؤمنون بإله واحد، و برسالة محمد (صلى اللّه عليه و سلم) ثم الإلحاح لذلك على عدم جواز سبهم، إنما قد يدل على أن هناك من كان يسب التبابعة و يلعنهم، و لعل هذا السبب، و ذلك اللعن، لم يكن موجها بالذات إلى التبابعة، و إنما كان على اليمنيين بخاصة، و القحطانيين بعامة، و من هنا كان هذا الإلحاح على عدم السب، بل ربما وضعت أحاديث للرد على هذه الحملة- ربما العدنانية- ضد القحطانيين (1).

و أما المحاولة الثانية، فهي التي قام بها «حسان بن عبد كلال»، و ذلك حين أقبل من اليمن، «في حمير و قبائل من اليمن عظيمة، يريد أن ينقل أحجار الكعبة من مكة إلى اليمن، ليجعل حج البيت عنده في بلاده»، و هناك عند «نخلة» خرج له القرشيون- بقيادة فهر بن مالك، و دارت بين الفريقين معركة ضارية، كان النصر فيها من نصيب قريش، و الهزيمة- بل و الأسر كذلك في مكة ثلاث سنوات- من نصيب حسان بن عبد كلال (2)، فإذا كان ذلك كذلك، فإن حملة أبرهة المشهور على مكة، كانت لها على الأقل سابقة يمنية من قبل، ثم إذا ما تذكرنا أن هناك من يرى أن عبد كلال، إنما قد اغتصب عرشه بعون من اكسوم (3)، فهل هذا يعني أن

ص: 215


1- جواد علي 2/ 515- 516
2- الهمداني: الإكليل 2/ 357- 359، الطبري 2/ 262- 263
3- يرى «فلبي» أن الرجل كان كاهنا و شيخا لقبيلة، و أنه استطاع أن يغتصب العرش لمدة خمس سنين، بمساعدة الأحباش. [أنظر: 260. P, sdnalhgiH, naibarA yblihP. B. J و قارن: 143. P, malsI fo dnuorgkcaB ehT, yblihP. B. J

الحبشة النصرانية كانت من وراء تلك الحملة، لست أدري، فتلك أخبار لا يوثق بها كثيرا، ثم إن الهمداني يرفض القصة من أساسها، و إن كان البعض يتهمه بأنه يمني متعصب، لا يؤيد حربا تنتصر فيها قريش على اليمن، ثم يضع وزر نقل حجارة الكعبة من مكة الى اليمن على عاتق «هذيل بن مدركة» أحد سادات مكة (1)، و هو أمر لا نطمئن إليه كثيرا.

و سواء أصح هذا، أم كان مجرد ظن من الأخباريين، فهناك إشارات الى محاولة ثالثة حدثت في القرن الأول قبل الهجرة، و ذلك حين بنت غطفان حرما كحرم مكة، ثم حاولت أن تصرف العرب إليه، غير أن سيدا من سادات العرب، رفض ذلك، و قال «لا و الله لا يكون ذلك أبدا و أنا حي»، و اتبعه قومه حين قال لهم «إن أعظم مأثرة ندخرها عند العرب أن نمنع غطفان من غرضها»، و قاتل غطفان و ظفر بهم و أبطل حرمهم (2).

و أما رابعة المحاولات، فكانت تلك التي قام بها أبرهة الحبشي في حملته المشهورة على الكعبة المشرفة، و اليها يشير القرآن الكريم في سورة كاملة هي سورة الفيل، يقول سبحانه و تعالى: «أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ، أَ لَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ، وَ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ، تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ»، و في هذا العصف المأكول كان أبرهة نفسه، فضلا عن القضاء على جيشه، الأمر الذي ناقشناه بالتفصيل في دراستنا عن «العرب و علاقاتهم الدولية

ص: 216


1- الإكليل 2/ 359، جواد علي 2/ 585
2- محمد حسين هيكل: في منزل الوحي ص 415

في العصور القديمة» (1).

و فكر الرومان- كمحاولة خامسة- في ضرب مكة من داخلها، بعد أن فشلت كل جهودهم في الاستيلاء عليها، و ذلك أن الإمبراطورية الرومانية بعد أن انقسمت إلى شرقية و غربية، سرعان ما تتخذ بيزنطة من المسيحية وسيلة لنشر نفوذها في بلاد العرب، فتعمل على إرسال البعثات التبشيرية، كما تنجح في تنصير الحبشة، و من ثم فإنها تستطيع ان تؤمّن تجارتها هناك، فضلا عن بسط نفوذها عن طريق الأحباش أنفسهم، إلا أنها لم تحاول ان تتدخل في شئون بلاد العرب بطريقة مباشرة، و من ثم فقد كانت وراء حملة أبرهة على مكة (2)، و حين فشلت هذه، و طرد الأحباش من اليمن (3)، لجأت إلى وسيلة أخرى، تستطيع أن تحكم بها مكة، و لكن عن طريق سيد من

ص: 217


1- أنظر: مجلة كلية اللغة العربية و العلوم الاجتماعية- العدد السادس- عام 1975 ص 400- 412 (مقال للمؤلف عن «العرب و علاقاتهم الدولية في العصور القديمة») و عن حملة أبرهة هذه: أنظر كذلك: ابن الأثير 1/ 442- 447، تاريخ الطبري 2/ 130- 139، تفسير الطبري 2/ 188، 30/ 193- 194، تفسير القرطبي ص 7277- 7290 (طبعة الشعب)، في ظلال القرآن 8/ 664- 675، تفسير الآلوسي 30/ 232- 237، نهاية الأرب 1/ 251- 264، تفسير البيضاوي 2/ 576، البيهقي: دلائل النبوة 1/ 56- 57، الكشاف 3/ 288، ابن كثير 2/ 170- 176، تفسير ابن كثير 8/ 503- 511، صحيح الأخبار 4/ 21- 22، أعلام النبوة ص 149 و كذا 180. P, I, siupocorP و كذا 275. P, 66, 1964, 279- 277. PP, 364, 1953, noesuM eL و كذا 435. P. D. A yrutneCeht 6 eht ni aibarA ni stnevE, htimS. S
2- احمد إبراهيم: المرجع السابق ص 154- 155، جواد علي 3/ 518، و كذا 180. P, I, suipocorP و كذا 40 .P ,tnemorivnE naitsirhC sti ni malsI fo nigirO ehT ,lleB .R 184 .P ,dammahuM erofeb aibarA ,yraeL 'O
3- ابن الاثير 1/ 449- 451، ابن كثير 2/ 177- 178، الدينوري: الأخبار الطوال ص 64، ابن خلدون 2/ 63، الطبري 2/ 146- 148، اليعقوبي 1/ 200، مروج الذهب 2/ 56، جواد علي 3/ 521- 523، المقدسي 3/ 190- 195، قارن: المعارف ص 278

العرب، يدين بالولاء لدولة الروم.

و هكذا اختار قيصر، عثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى، ليكون ملكا على ملكة من قبله، و كتب له رسالة يبلغها قومه، و من ثم فقد عاد عثمان إلى مكة، فجمع القوم إليه يرغبهم في حسن الجزاء من قيصر، و ينذرهم بسوء العاقبة في الشام، إذا هم عصوه، و أهون ما هنالك ان يغلق ابواب بلاده في وجوههم، و هم يذهبون إليها و يعودون منها كل عام (1)، يقول عثمان بن الحويرث: «يا قوم، إن قيصر قد علمتم أمانكم ببلاده، و ما تصيبون من التجارة في كنفه، و قد ملكني عليكم، و أنا ابن عمكم و أحدكم، و إنما أخذ منكم الجراب من القرظ و العكة من السمن و الأوهاب، فأجمع ذلك كله، ثم أذهب إليه، و أنا أخاف إن أبيتم ذلك، أن يمنع منكم الشام، فلا تتجروا به و ينقطع مرفقكم منه (2)».

و ليس من شك في أن هذه المحاولة الرومية السياسية، إنما غرضها- كما هو ظاهر- غرض تلك المحاولة الحبشية العسكرية، و أن المحاولتين قد فشلتا، و بقيت مكة- كما أراد الله- حرما آمنا للعرب، و غير العرب، و بذلت قريش في المحاولتين جهدها، لإخفاق الواحدة تلو الأخرى، و ليس من شك في أن الأولى كانت أشد خطرا، و ان دفعت في الثانية ببعض رجالها، يقضون في سجون القيصر فترة لا تدري مداها على وجه التحقيق، ثم سرعان ما عادت الأمور إلى سيرتها الأولى (3).

ص: 218


1- العقاد: المرجع السابق ص 114- 115، حياة محمد: ص 127- 128
2- ابن هشام 1/ 224، ابن حزم: جمهرة أنساب العرب ص 118، الروض الآنف 1/ 146، الأغاني 3/ 112
3- احمد إبراهيم الشريف: المرجع السابق ص 162- 163، السهيلي: الروض الآنف 1/ 146 و كذا 16. P, 1953. drofxO. acceM ta dammahUM. M. W, ttaW

و هكذا يبدو و بوضوح، أن كل هذه المحاولات: السياسية و العسكرية- تثبت قيام كعبة الحجاز على كره من ذوي السلطان في الجنوب و الشمال، و في كل المحاولات استطاعت الكعبة أن تحفظ مكانها، على الرغم من خلو مكة من العروش الغالبة على أنحاء الجزيرة بجميع أطرافها، بل إنها إنما استطاعت ذلك لخلوها من العروش و قيام الأمر فيها على التعميم دون التخصيص، و على تمثيل جملة العرب بمأثوراتهم، و معبوداتهم، دون أن يسخرهم المسخرون، أو يستبد بهم فريق يسخرهم تسخير السادة للأتباع المكرهين على الطاعة و بذل الإتاوة (1).

و هكذا كان المكيون يشعرون بمكانة الكعبة عند العرب عامة، و من ثم فقد كانوا يرون لأنفسهم ميزة لا يتطاول إليها غيرهم من العرب، لأنها تتصل بكرامة البيت الحرام و حرمته، فهم أهله و أولياؤه، و هم سدنته و القائمون بالأمر فيه، يسقون الحجيج و يطعمونهم، و يوفرون لهم الأمن و الراحة، و من ثم فقد نشأ عندهم ما يسمى بنظام «الحمس»، و يعنون به ابن البلد و ابن الحرم و الوطني المقيم، و الذي ينتمي إلى الكعبة و المقام، فهو امتياز لأبناء الوطن و أهل الحرمة و ولاة البيت قطان مكة و ساكنيها (2)، و لهذا فقد نادوا بين الناس: «نحن بنو إبراهيم و أهل الحرمة و ولاة البيت و قاطنو مكة و ساكنوها فليس لأحد من العرب مثل حقنا، و لا تعرف له العرب ما تعرف لنا» (3).

و كان الحمس إذا زوجوا امرأة منهم لغريب عنهم، اشترطوا أن يكون أبناؤها منهم، ثم جعلوا لأنفسهم علامة، و هي ألا يعظم الأحمس شيئا

ص: 219


1- العقاد: مطلع النور ص 115.
2- الخربوطلي: المرجع السابق ص 50، قارن: شفاء الغرام 2/ 43، ابن هشام 1/ 199
3- الأزرقي 1/ 176، ابن هشام 1/ 216، تفسير الطبري 4/ 188

من الحل- أي الأرض التي وراء الحرم- كما يعظم الحرم، و قالوا: «إن فعلتم ذلك استخفت العرب بحرمكم، و لهذا فقد ترك الحمس الوقوف بعرفة، لأنها خارج عن الحرم، و الإفاضة منها، مع اقرارهم بأنها من المشاعر و الحج و دين إبراهيم، و يرون أن لسائر الناس الوقوف عليها و الإفاضة منها، و أما هم فقد جعلوا موقفهم في طرف الحرم من «نمرة»، يقفون به عشية عرفة، و يظلون به يوم عرفة في «الأراك من نمرة»، ثم يفيضون منه إلى المزدلفة، فإذا عممت الشمس رءوس الجبال دفعوا، و كانوا يقولون: «نحن أهل الحرم، فليس لنا أن نخرج من الحرمة و لا نعظم غيرها كما نعظمها، نحن الحمس»، و من ثم فإنهم بذلك يظهرون تعصبهم لبقعة من الأرض، و يترفعون عن أن يخرجوا عنها و لو كان في خروجهم إتمام لمشاعر الحج، كما كانوا إذا أرادوا بعض أطعمتهم و أمتعتهم تسوروا من ظهر بيوتهم و أديارها، حتى يظهروا على السطح، ثم ينزلون في حجرتهم، و يحرمون أن يمروا تحت عتبة الباب (1).

و كانوا يقولون: لا ينبغي للحمس أن يأقطوا الأقط و لا يسلئوا السمن، و لا يدخلوا بيتا من الشعر، و لا يستظلوا- إن استظلوا- إلا في بيوت الأدم، ما كانوا حرما، فهم إذن يحرمون على أنفسهم أشياء لم تكن العرب تحرمها، كما أنهم اختصوا أنفسهم بالقباب الحمر- و هي علامة الشرف و الرئاسة- تضرب لهم من الأشهر الحرم، كما فرضوا على العرب ألا يأكلوا من طعام جاءوا به معهم من الحل إلى الحرم- إذا جاءوا حجاجا

ص: 220


1- ابن كثير 1/ 233، 293، البخاري 2/ 163 ابن هشام 1/ 202، الطبرسي 2/ 411، ابن كثير 2/ 305، العقد الثمين 1/ 141، نهاية الأرب 1/ 244، المقدسي 4/ 32 (طبعة بالأوفست من طبعة كليمان هوار عام 1907)، تفسير القرطبي 2/ 427- 428، اليعقوبي 1/ 256، الازرقي 1/ 176- 180، جواد علي 6/ 362، احمد إبراهيم الشريف: المرجع السابق ص 188 و كذا 335. P, II, IE

أو عمارا- و لا يطوفون بالبيت إذا قدموا أول طوافهم، إلا في ثياب الحمس، فإن لم يجدوا طافوا بالبيت عراة، فإن تكرم منهم متكرم من رجل أو امرأة، لم يجد ثياب الحمس، فطاف في ثيابه التي جاء بها من الحل، ألقاها إذا فرغ من طوافه، ثم لم ينتفع بها، و لم يمسها هو و لا أحد غيره أبدا، و كانت العرب تسمي تلك الثياب «اللقى» (1)

[4] الكعبة قبيل الاسلام

و لعل أهم ما يميز هذه الفترة من تاريخ الكعبة المشرفة أمران، الواحد إعادة حفر زمزم، و الآخر إعادة بناء الكعبة نفسها. و أما الأمر الأول، فإن المصادر العبرية انما تروي أن عبد المطلب- جد النبي (صلى اللّه عليه و سلم)- قد لقي الكثير من العناء في توفير الماء للحجيج عند ما تولى أمر السقاية و الرفادة، و ذلك بسبب دفن زمزم- ربما منذ أيام جرهم- و زاد الأمر صعوبة أن مكة كانت إذ ذاك تمر بفترة قاسية ندرت فيها الأمطار، و جفت مياه الآبار، أو كادت، في وقت كان موسم الحج فيه قد بدأت طلائعه، و هنا رأى عبد المطلب- فيما يرى النائم- أنه يؤمر بحفر طيبة، و حين يسأل عن طيبة هذه لا يلقى جوابا، غير أن الرؤيا تتكرر ليال ثلاث، يؤمر فيها عبد المطلب بحفر «برة» ثم بحفر «المضنونة»، ثم بحفر «زمزم»، و في المرة الأخيرة، فإن الهاتف يجيبه حين يسأل عن زمزم، بأنها «تراث من أبيك الأعظم، لا تنزف أبدا و لا تذم، تسقي الحجيج الأعظم، مثل نعام جافل لم يقسم، ينذر فيها ناذر لمنعم، يكون ميراثا

ص: 221


1- ابن كثير 2/ 305، البخارى 2/ 163، تاج العروس 4/ 132- 133، روح المعاني 1/ 244، المقدسي 4/ 32- 33، نهاية الأرب 1/ 244، شفاء الغرام/ 41- 42، ياقوت 5/ 184، المعارف ص 269، الأزرقي 1/ 180- 182، اليعقوبي 1/ 257، العقاد: المرجع السابق ص 117، احمد إبراهيم الشريف: المرجع السابق ص 189- 190، ابن هشام 1/ 219.

و عقدا محكم، ليس كبعض ما قد تعلم، و هي بين الفرث و الدم، عند نقرة الغراب الأعصم، عند قرية النمل».

و يخرج عبد المطلب و معه ولده الحارث، فيحفر بن اساف و نائلة، في الموضع الذي تنحر فيه قريش لأصنامها، و قد رأى الغراب ينقرها هناك، فلما بدا له الطوي كبّر، فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته، فقاموا إليه، و قالوا: إنها بئر أبينا إسماعيل، و أن لنا فيها حقا فأشركنا معك، قال: ما أنا بفاعل، هذا أمر خصصت به دونكم، قالوا: فإنا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها»، غير أن المخاصمة سرعان ما تنتهي في جانب عبد المطلب (1).

و تذهب المصادر العربية إلى أن عبد المطلب قد وجد غزالين من ذهب، كانت «جرهم» قد دفنتهما في البئر، فضلا عن سيوف و دروع، فضرب الأسياف بابا للكعبة، و جعل فيه الغزالين صفائح من ذهب، فكان أول ذهب حليت به الكعبة، و إن ذهبت بعض الروايات إلى أن بريق الذهب جعل بعض اللصوص يطمعون فيه، فتسللوا في جنح الظلام، و جردوها مما كانت تتحلى به من نفائس ذهبية (2).

و أيا ما كان الأمر، فلقد أقبل الحجاج على بئر زمزم تبركا بها و رغبة فيها، و أعرضوا عمن سواها من الآبار، و ذلك لمكانة زمزم من المسجد

ص: 222


1- الطبري 2/ 251، ابن الأثير 2/ 12- 14، ابن كثير 2/ 244- 248، الروض الآنف 1/ 80، 98، الأزرقي 2/ 42- 47، الحربي: المرجع السابق ص 485، المقدسي 4/ 114، ابن سعد 1/ 49- 50، ابن هشام 1/ 142- 150، حياة محمد ص 116- 117، اليعقوبي 1/ 246- 248، تاريخ الخميس ص 202- 204، و كذا 657. P, malslfo, ycnE retrohS
2- مروج الذهب 2/ 103، ياقوت 1/ 149، تاريخ ابن خلدون 2/ 338، تاريخ الخميس ص 204- 205، المقدسي 4/ 114، الأزرقي 2/ 41، 43، تاريخ الطبري 2/ 251، الخربوطلي: المرجع السابق ص 57- 58 الحربي: المرجع السابق ص 485

الحرام، و لفضلها على ما سواها من المياه، و لأنها بئر أبيهم إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام.

هذا و قد كان عبد المطلب قد نذر حين لقي من قريش العنت في حفر زمزم: لئن ولد له عشرة نفر، و بلغوا معه حتى يمنعوه، لينحرن أحدهم عند الكعبة للّه تعالى، فلما توافى له عشرة، أقرع بينهم: أيهم ينحر؟، فطارت القرعة على عبد اللّه، و كان أحب الناس إليه، فقال عبد المطلب:

اللهم هو أو مائة من الإبل، ثم أقرع بينه و بين الإبل، فطارت القرعة على المائة من الإبل، على أن هناك من يذهب إلى أن هذا النذر، إنما كان حين عيّره «عدي بن نوفل»، فقال له: أ تستطيل علينا عبد المطلب و أنت فذ لا ولد لك، فأجابه عبد المطلب جوابه الذي أثر عن ذلك اليوم: بالقلة تعيرني فو اللّه: لئن أتاني اللّه عشرة من الولد لأنحرن أحدهم عند الكعبة (1).

و أما الأمر الثاني، فهو إعادة بناء الكعبة، و الذي يكاد يجمع المؤرخون على أنه تمّ و المصطفى- صلوات اللّه و سلامه عليه- في الخامسة و الثلاثين من عمره الشريف، فاذا كان ذلك كذلك، و إذا كان المولد النبوي

ص: 223


1- تاريخ الطبري 2/ 239- 243، ابن الأثير 2/ 5- 7، ابن كثير 2/ 248- 249، روح المعاني 23/ 136، مروج الذهب 2/ 104، المقدسي 4/ 114- 116، اليعقوبي 1/ 250- 252، تاريخ ابن خلدون 2/ 337، تاريخ الخميس ص 129، 206، 207، ابن سعد 1/ 50، 53- 54، ابن هشام 1/ 150- 154، الأزرقي 2/ 43- 44، 47- 49، حياة محمد ص 117- 118

الشريف قد حدث في 20 أبريل من عام 571 م (1)، كما حدده المرحوم محمود باشا الفلكي، فإذا كان كذلك، فإن إعادة بناء الكعبة يكون قد حدث حوالي عام 606 م، و إن كانت هناك عدة آراء تدور حول المولد النبوي الشريف- على صاحبه أفضل الصلاة و أتم التسليم- فليس هناك من شك في أنه ليس من بين الأنبياء- عليهم السلام- من ولد في ضوء

ص: 224


1- هناك عدة آراء بشأن مولد النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، فالرواية العربية تجعله في عام الفيل، و هو غير معروف على وجه التحديد (عام 552 أو 563، 570 أو 571 م)، و الأمر كذلك بالنسبة إلى من رأوه يتفق و موقعة ذي قار، لأن تاريخ الموقعة موضع خلاف (ياقوت 4/ 293- 294، ثم انظر وجهات نظر مختلفة في كتابنا بلاد العرب)، هذا و قد حاول بعض العلماء تحقيق تاريخ المولد النبوي الشريف، اعتمادا على تاريخين محققين من تاريخه العطر، و هما تاريخ الهجرة في عام 622 م، و تاريخ الانتقال إلى الرفيق الأعلى في عام 632 م، غير أنها تواريخ استنتاجية بمولد النبوي (انظر: عبد المنعم ماجد: المرجع السابق ص 95- 96، و كذا F 209. P, dammahoM ed egA, stnemmaL. P و كذا) 15. P, temohaM ed emelborP eL, erehcalB. R)، و على أي حال، فإن جوستاف لوبون يراه في 27 أغسطس 570 م (حضارة العرب ص 129)، و يراه «كوسان دي برسيفال» في 29 أغسطس عام 570 م (أنظر: 283. P, I, sebarA sed eriotsiH'l ruS iassE, lavecreP sed nissuaC و أما المرحوم محمود باشا الفلكي، فقد حدد لمولد مولانا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، يوم 9 ربيع الأول (20 أبريل 571 م) (أنظر التقويم العربي قبل الإسلام ص 38)، و لعل «سلفستر دي ساسي» إنما يتفق في تأريخه للمولد الشريف مع الفلكي باشا، على أن المترجمين لحياة الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) إنما يجمعون على أنه- عليه الصلاة و السلام- إنما ولد في يوم الاثنين من الأسبوع الثاني من شهر ربيع الأول من عام الفيل، و يذكر العلماء أن هذا التاريخ يوافق العام الثالث و الخمسين قبل الهجرة (أي عام 571 م) (راجع دراز: مدخل إلى القرآن الكريم ص 22، ابن كثير 1/ 259- 262 تاريخ الطبري 2/ 155- 157، ابن الأثير 1/ 458- 459، المحبر ص 8- 9 و أما انتقاله (صلى اللّه عليه و سلم) إلى الرفيق الأعلى، فقد كان في يوم 12 أو 13 من ربيع الأول عام 11 ه (7 أو 8 يونيو عام 632 م) بعد أن بلغ 63 عاما قمريا بالكامل، أي اكثر من واحد و ستين عاما شمسيا (مدخل الى القرآن الكريم ص 31- 32)

التاريخ، غير نبينا- صلوات اللّه و سلامه عليه (1).

كانت قريش تفكر في أمر الكعبة التي كانت وقت ذاك بدون سقف، مخفضة الارتفاع، مما جعلها نهبا للصوص الذين أقدموا على سرقة بعض كنوزها، هذا فضلا عن أن مكة نفسها كانت قد تعرضت لعدة سيول في أوقات متفاوتة، آخرها سيل جارف نزل من الجبال المحيطة بمكة، و انحدر نحو الكعبة و صدع جدرانها، و هكذا أصبحت قريش مضطرة إلى الإقدام على ما أفسدته السيول، و زاد من عزم قريش أن البحر كان قد ألقى بسفينة إلى «جدة» لأحد تجار الروم، كان قيصر قد بعث بها من مصر إلى الحبشة، ليقوم ركابها ببناء كنيسة هناك، و من ثم فقد ذهب وفد من قريش- على رأسه الوليد بن المغيرة- و اشترى السفينة (2).

و بدأت عمليات الهدم و البناء، و تذهب الروايات العربية إلى أن أول من بدأ الهدم، إنما كان الوليد بن المغيرة، بينما تذهب رواية منها إلى أنه أبو وهب بن عمرو المخزومي، و أيا كان الرجل، فالذي يهمنا هنا أن القرشيين، إنما كانوا يصرون على أن يبنوا بيت اللّه الحرام من كل طيب، و من ثم فقد نسب إلى الوليد- أو إلى أبي وهب- انه قال: «يا معشر قريش لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيبا، و لا تدخلوا فيها مهر بغي، و لا بيع ربا، و لا مظلمة أحد من الناس».

و بدأ البنيان، حتى إذا ما بلغ موضع الركن- أي الحجر الأسود- اختلفت

ص: 225


1- ابن هشام 1/ 192- 193، العمري 1/ 64، المقدسي 4/ 139، الفلكي: المرجع السابق ص 38، الحربي: المرجع السابق ص 494- 495 ماجد: المرجع السابق 1/ 95- 96، و كذا. 23. P, tic- po, emualliuG. A و كذا 31. P 1970, I, IHC
2- ابن الأثير 2/ 44، تاريخ الطبري 2/ 287، المسعودي 2/ 271- 272، الأزرقي 1/ 157- 158، نهاية الأرب 1/ 232، ياقوت 4/ 466، المقدس 1/ 139- 140، الحربي: المرجع السابق ص 486- 487

بطون قريش على من يحوز شرف إعادة الحجر الأسود إلى مكانه، و اشتد الخلاف، و كاد القتال ان ينشب بين القوم، و قربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما، ثم تعاقدوا هم و بنو عدي على الموت، و أدخلوا أيديهم في ذلك الدم، فسموا «علقة الدم» بذلك، و مكثت قريش على ذلك أربع ليال، ثم تشاوروا، فقال أبو أمية بن المغيرة، و كان أسن قريش: «اجعلوا بينكم حكما أول من يدخل من باب المسجد يقضي بينكم»، ففعلوا.

و كان النبي- صلوات اللّه و سلامه عليه- أول من دخل، فلما رأوه قالوا «هذا الأمين قد رضينا به» و أخبروه الخبر، فقال:

هلموا إلى ثوبا، فأتى به، فأخذ الحجر الأسود فوضعه فيه، ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعا، ففعلوا، فلما بلغوا به موضعه وضعه بيده، ثم بني عليه، و هكذا نجح النبي الأعظم في حسم الخلاف و جنب قومه القتال، و من عجب أنه سرعان ما قال قائل من قريش: وا عجبا لقوم أهل شرف و رئاسة و شيوخ و كهول، عمدوا إلى أصغرهم سنا، و أقلهم مالا، فجعلوه رئيسا و حاكما، أما و اللات و العزى: ليفوقهم سبقا، و ليقمن بينهم حظوظا و جدودا، و ليكونن له بعد هذا اليوم شأن و بناء عظيم» (1).

و لعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن ذلك كله، إنما يدل على مكانة الحجر الأسود عند قريش، و على أنه إنما كان أقدس شي ء عندهم، و إلا لما

ص: 226


1- ابن الأثير 2/ 44- 45، تاريخ الطبري 2/ 288- 290، ابن كثير 2/ 299- 304، سيرة ابن هشام 1/ 195- 199، ابن سعد 1/ 50، 93- 95، الأزرقي 1/ 157- 164، تاريخ الخميس ص 126- 131، تفسير القرطبي 2/ 122- 123، المقدسي 1/ 140، ياقوت 4/ 466، محمد عبد اللّه دراز: مدخل إلى القرآن الكريم ص 25- 26، محمد حسين هيكل: حياة محمد ص 117- 118، الحربي: المرجع السابق ص 487، مروج الذهب 2/ 272، علي حسني الخربوطلي: المرجع السابق ص 67- 71 و كذا 100. P, ticpo, ittiH. K. P

اختلفوا كل هذا الاختلاف على وضعه في مكانه، بينما لم يكن الأمر كذلك بالنسبة إلى غيره من مقتنيات الكعبة الشريفة، و يذهب «فلهاوزن» إلى أن قدسية البيت «لم تكن عند قريش بسبب ما فيه من أصنام، و إنما بسبب هذا الحجر الأسود، فهو إذن مقدس لذاته (1)»، بل إن البعض ليذهب إلى أن البيت لم يكن إلا بمثابة إطار للحجر الأسود، الذي كان أهم معبودات قريش في الجاهلية (2).

غير أننا نعرف أنه رغم شيوع عبادة الأوثان في سواد قبائل العرب، فإن التاريخ لم يحدثنا أبدا، أن القوم قد عبدوا هيكل الكعبة، أو أنهم قد عبدوا الحجر الأسود، مع احترامهم له ذلك الاحترام الذي يفوق كل احترام إذ كان القوم يلمسونه دائما بغية التبرك به، كما كانت الجهة التي فيها هذا الأسود، إنما تسمى «بالركن» (3).

و قد بقيت هذه المكانة للحجر الأسود، حتى على أيام الإسلام الحنيف (4)، و يروى أن الرسول- صلوات اللّه و سلامه عليه- حين كان يطوف بالبيت الحرام، كان يستلم الحجر الأسود و يقبله، إلا أن مكانة

ص: 227


1- جواد علي 6/ 437، و كذا أنظر:. 74 P, ticpo, nesuahlleW. J
2- المشرق، تموز 1941 ص 247
3- جواد علي 6/ 437- 438، احمد إبراهيم الشريف: المرجع السابق ص 168، محمد البتنوني: المرجع السابق ص 152- 156
4- أنظر: الأزرقي 1/ 322- 330، 342- 344

الحجر الأسود في الإسلام غيرها في الجاهلية (1)، فقد روى الإمام أحمد و البخاري، أن الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) وقف عند الحجر الأسود، فقال: «إني لأعلم أنك حجر لا تنفع و لا تضر»، ثم قبله، و كذلك فعل أبو بكر عند حجه بالناس، و لما حج عمر بن الخطاب، وقف عند الحجر- فيما يروي الإمام أحمد و البخاري و مسلم و أبو داود و الترمذي و النسائي و غيرهم- قال: «إني لأعلم أنك حجر لا تنفع و لا تضر، و لو لا أني رأيت رسول اللّه، (صلى اللّه عليه و سلم)، يقبلك ما قبلتك»، ثم دنا و قبله (2).

و قد ذهب الباحثون مذاهب شتى في تفسير اسم «الكعبة»، فرأى بعضهم أنها كلمة رومية، أطلقت على كعبة مكة لتكعيبها- أو لتربيعها- و أن بناء من الروم عمل في بنائها و هندستها، فاستعير اسمها من اللغة الرومية، و قيل بل كان بناؤها في الحبشة التي عرف العرب عن طريقها

ص: 228


1- أزيل الحجر الأسود من مكانه غير مرة، من جرهم و إياد و العمالقة، و خزاعة، و آخر من أزاله القرامطة عام 317 ه، فقد قلعوه و ذهبوا به الى البحرين، عند ما أقام أبو طاهر القرمطي في «هجر» دارا دعاها غار الهجرة، و أراد أن ينقل الحج إليها، فسار الى مكة و دخل الحرم و وضع السيف على لفتة من الناس في الطائفين و العاكفين و الركع السجود، و قتل نحو ثلاثين ألفا بمكة و شعابها، و اقتلع باب الكعبة و جرده مما كان عليه من صفائح الذهب، و بقي الحجر الأسود عند القرامطة، حتى أعاده الخليفة العباسي «المطيع للّه» إلى مكانه في عام 339 ه، و صنع له طوقا من فضة و في عام 363 ه، حاول رجل رومي قلعه، إلا أنه قتل بيد رجل يماني، و قد حاول ذلك كذلك بعض الباطنية في عام 414 ه، و رجل أعجمي في القرن العاشر، غير أنهم قتلوا، و في محرم 1351 ه، سرق رجل أفغاني قطعة من الحجر الأسود، و كذا قطعة من أستار الكعبة، فأعدم عقوبة له، ثم أعاد الملك عبد العزيز آل سعود القطعة المسروقة في 28/ 4/ 1351 ه بعد أن وضع لها الأخصائيون المواد التي تمسكها و الممزوجة بالمسك و العنبر، أما ما يدور على الحجر من الأطواق، فقد عملها السلطان عبد المجيد العثماني عام 1268 ه من ذهب، ثم غيرت إلى فضة عام 1281 ه على أيام السلطان عبد العزيز، ثم في عام 1331 ه، على أيام السلطان محمد رشاد العثماني (الازرقي 1/ 346 هامش رقم 4، انظر: في منزل الوحي ص 416)
2- الأزرقي 1/ 322- 324، 329- 330، تفسير المنار 1/ 467، قارن: الخربوطلي:المرجع السابق ص 20

بناء هذه المعابد و أمثالها، لأنهم أمة خيام لم تتأصل فيهم صناعة البناء، و هؤلاء الباحثون و أمثالهم- فيما يرى الأستاذ العقاد- يتشبثون بالفروع، و يغفلون الأصل، بجذوره و جذوعه عليه، فمهما يكن من لغة البناء الرومي أو الحبشي، فالقبائل العربية لم تبن تلك البيوت لأن البناء من الروم أو من الحبش، و لم ترد أن تنشئ لها بيتا يسمى «الكعبة» أو المكعبة في اللغة الرومية، و إنما وجدت الحاجة إلى البيت الحرام، ثم وجدت الوسيلة إلى تلك الغاية، و لو لم يبنه أحد من الروم أو الحبش، لبناه أحد من فارس أو مصر أو الهند أو غيرها من الأمم التى تقدمت في هذه الصناعات (1).

و قد بنى سليمان بن داود هيكله في وقت كان اليهود فيه ما يزالون في بداوة بدائية، يندر فيهم من يعرف أصول حرفة أو صناعة أو علم من علوم الدنيا، و كان الاعتماد على الفينيقيين الأجانب، و على رأسهم حيرام الصوري- كما نقرأ في التوراة (2)- هو الحل الوحيد الممكن أمام داود و سليمان ليرتفع هيكل الرب (3)، و كان المعبد في نهاية الأمر مزيجا عجيبا من الفنون المصرية و البابلية و الفينيقية، و رغم أن التوراة تشيد بإعجاب بالمساعدة الفينيقية، فإن المعلومات التي يقدمها لنا سفر الملوك الأول تتيح لنا بسهولة التأكد من واقع تأثير مصر و بلاد الرافدين، و على أي حال، فإن سليمان كان مضطرا إلى أن يتطلع إلى نماذج خارج بلاده، فهو لم يكن لديه في إسرائيل إلا تقاليد يهودية قليلة، ما كانت لتفيده شيئا في بناء المعبد، و من ثم، فإنه- رغم ما كان ينظر إليه تجاه الفن المصري و البابلي، إلا أن

ص: 229


1- عباس العقاد: مطلع النور ص 111- 112، و أنظر: تفسير الطبري 11/ 89- 90 (طبعة دار المعارف 1957) ياقوت 4/ 463- 465، احمد حسن الباقوري: مع القرآن، القاهرة 1970
2- ملوك أول 7: 13- 14
3- حسن ظاظا: القدس ص 36- 38

بناء المعبد دون الاعتماد عليها كان أمرا بالغ الصعوبة، و ربما كان السبب في التأثير المصري، هو مصاهرة سليمان للبلاط الفرعوني، و إن كان الأمر بالنسبة إلى التأثير البابلي أصعب من أن يفسر، و على أي حال، فلقد كان للطابعين المصري و البابلي أثر كبير على الفينيقيين، الذين اختلطت فنونهم بفنون المصريين من ناحية، و البابليين من ناحية أخرى، و طالما تحدثت التقاليد الإسرائيلية عن نشاط الحرفيين الفينيقيين بكل وضوح و تأكيد (1) و على أي حال، فالذي يهمنا هنا، أن العقيدة لم تقم تبعا لعقيدة أصحاب تلك الصناعة، بل كان أصحاب الصناعة في الحالين- كعبة مكة و هيكل سليمان- ممن يخالفون تلك العقيدة، و يتسمون بسمة الكفر و الانكار عند المعتقدين بها (2) و لم نعرف أن معبدا سمي بشكله، أو كان له شكل غير أشكال الأبنية التي يغلب عليها التكعيب مع بعض الاستطالة، و ليست مادة «كعب» بالغريبة عن اللغة العربية، لأنهم كانوا يعرفون كعوب الفتاة و يسمون الفتاة كاعبا إذا كعب ثدياها، و يلعبون بالكعوب و يتسلحون بالرماح و هي من القصب أو من الأقنية، فيغلب أن يكون اليونان هم الذين أخذوا من العرب كلمة الكعب و كلمة القناة فتصحفت في لغتهم إلى القانون و هو العصا التي تتخذ للقياس (3).

أما عن الحبشة، و أن العرب قد نقلوا عنها طريقة بناء المعابد و أمثالها،

ص: 230


1- كتابنا إسرائيل ص 464- 472، أندريه إيمار، جانين أوبوايه: الشرق و اليونان القديمة 1/ 267، و كذا 247. P, dnaL yloH eht ni ygoloeahcrA, noyneK. K و كذا 9 -348 .P ,1965 ,III ,HAC nimelasureJ fo yhpargopoT ehT ,retsilacaM .S .A .R
2- العقاد: مطلع النور ص 112
3- نفس المرجع السابق ص 112

فربما كانت الأدلة تتجه إلى العكس من ذلك، فهناك في الحبشة- على سبيل المثال- بقايا أعمدة لمعبد سبى ء، فضلا عن مذبح سبى ء للإله «سين»، إلى جانب كتابات أشياء أخرى من الفن العربي القديم، بل إن هناك من الباحثين من يرى ان نفوذ الفن العربي، إنما تجاوز تأثيره الحبشة إلى مجاوراتها، و من ثم فإنهم إنما يذهبون إلى أن بقايا المعابد التي عثر عليها في روديسيا و في أوغنده، إنما هي من المعابد المتأثرة بطراز معبد «أوام» (محرم بلقيس)، فإن بين هذه المعابد جميعا شبها كبيرا في طرز البناء و في المساحة و في الأبعاد كذلك (1).

و عودا على بدء، إلى الكعبة، حيث نرى القرشيين و قد أعادوا إليها الأصنام، و يروي المسعودي أنه كان في حيطانها صور كثيرة بأنواع من الأصباغ عجيبة، منها صورة إبراهيم الخليل في يده الأزلام، و يقابلها صورة إسماعيل ولده، على فرس يجيز الناس مغيضا و بعد ذلك صور لكثير من أولادهما حتى «قصي بن كلاب» في نحو من ستين صورة مع كل واحدة من تلك الصور «إله» يصاحبها كيفية عبادته و ما اشتهر من فعله (2)، هذا إلى جانب ما فيها من أصنام بلغ عددها 360 صنما (3). بل و يرى البعض أن فيها صورا للمسيح بن مريم و أمه (4)، فإذا كان ذلك كذلك، فلا بدّ أن تكون هذه الأخيرة من عمل نصارى الروم، و إن كان الدكتور جواد علي يعترض على وجود صور الأنبياء في الكعبة، فما للوثنية-

ص: 231


1- أنظر: مقالنا «العرب و علاقاتهم الدولية في العصور القديمة»، جواد علي 3/ 451 و كذا 34. P, I, hcubdnaH موسكاتي: المرجع السابق ص 221- 223 و كذا انظر 28. P, tic- po, renifoH. M dna nnamssiW noV. H
2- مروج الذهب 2/ 272، الأزرقي 1/ 165- 169
3- صحيح مسلم 5/ 173، ارشاد الساري 7/ 210، الازرقي 1/ 120- 123، بلوغ الأرب 2/ 211، شفاء الغرام 2/ 280، العقد الثمين 1/ 212.
4- جواد علي 6/ 435- 436، الأزرقي 1/ 165- 168.

في رأيه- و الأنبياء، و ما شأن الشرك بمريم و ابنها و ببقية الرسل، حتى ترسم صورها على أعمدة أو جدران البيت الحرام (1).

و الرأي عندي، أن صور الأنبياء يمكن ان نقسمها إلى قسمين، الواحد يتصل بإبراهيم و إسماعيل عليهما السلام، و هما جدا العرب، و بناة البيت الحرام، فوجود صور لهما في الكعبة- و قد امتلأت بالأصنام- أمر لا يخالف المنطق، ما دام هؤلاء القرشيون يؤمنون بأبوة الخليل، و أنه هو- و إسماعيل- قد رفعا القواعد من البيت، و أما الشق الثاني، فيتصل بالمسيح و أمه البتول، و صورهما- فيما أظن- تتصل بأمرين، الواحد أن قريشا إنما سمحت للناس كافة بالطواف حول البيت، و يضعون فيه أصناما لمعبوداتهم، أضف إلى ذلك أن الأخباريين إنما يذهبون إلى أن «باقوم» الرومي، هو الذي أشرف على بناء الكعبة و هندستها، و من ثم فليس من المستبعد أن يكون الرجل- و هو نصراني- قد قام برسم تلك الصور بمفرده- أو بمساعدة أخوة له من نصارى الروم ممن كانوا معه- و لم يجد عمله هذا اعتراضا من قريش، لأن ذلك لا يتنافى و عقيدتها في أن البيت للّه، يتعبد فيه الناس لآلهتهم (2).

و أيا ما كان الأمر، فلقد بقي الحال في الكعبة، حتى العام الثامن للهجرة، حيث أكرم اللّه رسوله و المؤمنين بفتح مكة (3)، فقام المسلمون بتحطيم الأصنام، و يروى أن النبي، صلوات اللّه و سلامه عليه- رأى

ص: 232


1- جواد علي 6/ 438- 439
2- جواد علي 6/ 439
3- أنظر عن فتح مكة (رمضان 8 ه- ديسمبر 630 م): ابن الأثير 2/ 239- 255، تاريخ الطبري 3/ 38- 62، ابن خلدون 2/ 41- 45، حياة محمد ص 416- 431، الأنبياء في القرآن الكريم ص 322- 324، عبد المنعم ماجد: المرجع السابق ص 122- 123، ابن هشام 1/ 802، 814- 822

صورا لإبراهيم و هو يستقسم بالأزلام، فقال «قاتلهم اللّه حيث جعلوه شيخا يستقسم بالأزلام»، هذا و قد حطم الرسول، (صلى اللّه عليه و سلم)، كل التماثيل و الصور (1)، و هو يقول «وَ قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً» (2).

و وقف المصطفى- عليه الصلاة و السلام- ثاني يوم الفتح، و خطب خطبته المشهورة، التي وضع فيها مآثر الجاهلية، إلا سدانة البيت و سقاية الحاج، ثم قال: يا أهل قريش، و يا أهل مكة: ما ترون أني فاعل بكم؟

قالوا: خيرا، أخ كريم و ابن أخ كريم، فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء»، و هكذا أعتقهم رسول اللّه، (صلى اللّه عليه و سلم) و قد كان اللّه أمكنه من رقابهم عنوة، و كانوا له فيئا- و من ثم فقد سمي أهل مكة بالطلقاء، هذا و لم يحاول الرسول- عليه الصلاة و السلام- أن يقضي على نفوذ مكة المهزومة، فأعلن أنها سوف تبقى حرما آمنا لا يقاتل فيها، و أن تكون الكعبة هي بيت اللّه الحرام، يحج إليها العرب حتى المشركون منهم (3).

و في العام التاسع للهجرة (630/ 631 م)- عام الوفود- بقي المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم) في المدينة، يستقبل الوفود، حيث كان ما يزال في شبه الجزيرة العربية من لم يؤمن باللّه و رسوله، و إن كانوا في الوقت، ما يزالون- كما كانوا في الجاهلية- يحجون إلى الكعبة في الأشهر الحرام- كما أشرنا آنفا- و من ثم فليبق الرسول- عليه الصلاة و السلام- إذا بالمدينة، حتى يتم اللّه

ص: 233


1- السيرة الحلبية 1/ 144، 3/ 87، الروض الانف 2/ 274- 276، نهاية الأرب 17/ 312- 314، صحيح مسلم 5/ 173، إرشاء الساري 7/ 210، العقد الثمين 1/ 157، 212، الازرقي 1/ 168- 169، كتاب الأصنام ص 31 و ما بعدها
2- سورة الاسراء: آية 81
3- تاريخ الطبري 3/ 61، البلاذري: فتوح البلدان ص 42، النويري 1/ 298، عبد المنعم ماجد: المرجع السابق ص 123، تاريخ ابن خلدون 2/ 44- 45، مروج الذهب 2/ 290، ابن الأثير 2/ 255، حياة محمد ص 426- 430 البداية و النهاية 4/ 301

كلمته، و حتى يأذن اللّه له بالحج إلى بيته الحرام، و ليخرج أبو بكر في الناس حاجا (1).

على أن الرسول- (صلى اللّه عليه و سلم) سرعان ما أمر الإمام علي كرم اللّه وجهه، أن يسرع إلى مكة قبل أن تصل إليها وفود الحجيج من جميع أنحاء شبه الجزيرة العربية، ليبلغهم بسورة نزل بها الوحي من السماء- و التي عرفت بسورة براءة- و يقوم الإمام علي بالمهمة خير قيام، و يبلغ رسالة النبي الأعظم إلى الناس في اجتماعهم العام هذا «يوم الحج الأكبر»- في منى و قبل الوقوف بعرفة- و قد جاء في هذه الرسالة، قوله سبحانه و تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَ إِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» (2) و يعلن الإمام علي بن أبي طالب- كرم اللّه وجهه- بأمر رسول اللّه، (صلى اللّه عليه و سلم)، «أيها الناس: إنه لا يدخل الجنة كافر، و لا يحج بعد اليوم مشرك، و لا يطوف بالبيت عريان، و من كان له عند رسول اللّه، (صلى اللّه عليه و سلم)، عهد فهو إلى مدته»، و أجلّ على الناس أربعة أشهر بعد ذلك، ليرجع كل قوم إلى بلادهم، و من يومئذ لم يحج مشرك، و لم يطف

ص: 234


1- ابن الأثير 2/ 286- 292، المعارف ص 82، ابن هشام 2/ 919، هيكل: حياة محمد ص 470- 476، الصديق أبو بكر ص 53، أرفنج: حياة محمد ص 229، تاريخ ابن خلدون 2/ 51- 58، فيليب حتى: المرجع السابق ص 164- 165، تاريخ مكة ص 54
2- سورة التوبة: آية 28 و انظر: تفسير الطبري 14/ 190- 198 (دار المعارف- القاهرة 1958)، تفسير البحر المحيط لابن حيان 5/ 27- 29، في ظلال القرآن 10/ 1585، 1618- 1619.

بالبيت عريان» (1).

ص: 235


1- ابن الأثير 2/ 291، ابن هشام 4/ 201- 205، المسعودي: مروج الذهب 2/ 290، التنبيه و الاشراف ص 186- 187، تاريخ ابن خلدون 2/ 53، تفسير الطبري 14/ 95- 112 (طبعة دار المعارف 1958)، تفسير البيضاوي 1/ 383، الإمام محمد بن عبد الوهاب: مختصر زاد المعاد ص 367- 368. الخربوطلي: المرجع السابق ص 89، فيليب حتى: المرجع السابق ص 163- 164، محمد لبيب البتنوني: المرجع السابق ص 17، هيكل: حياة محمد ص 476، تاريخ مكة ص 54، تاريخ العرب 1/ 163- 164.

ص: 236

الفصل السّادس العاديون قوم هود

اشارة

ص: 237

ص: 238

[1] العاديون و العرب البائدة

ينظر الأخباريون إلى قوم عاد على أنهم أقدم الأقوام العربية البائدة (1)، حتى أصبحت كلمة «عادي» و «عادية» تستعملان صفتين للأشياء البالغة القدم (2)، و حتى أصبح القوم إذا ما شاهدوا آثارا قديمة لا يعرفون تاريخها، أطلقوا عليها صفة «عادية» (3)، و ربما كان السبب في ذلك قدم قوم عاد، أو أن عادا- و من بعدها ثمود- قد ورد اسميهما في القرآن الكريم، و من ثم فقد قدما على بقية الأقوام البائدة، رغم أننا لو جارينا الأخباريين في قوائم الأنساب، التي يقدمونها للشعوب البائدة، لكان علينا أن نقدم طسم و جديس و عمليق و أميم و غيرهم على عاد و ثمود، ذلك لأن الأولين- في نظرهم- من أولاد شقيق «إرم»، و أن الآخرين من حفدة «إرم»، و لكنهم هم أنفسهم يقدمون عادا على بقية الشعوب البائدة (4).

و هنا لعل من الأفضل أن نشير- بادئ ذي بدء- إلى أننا لا نعني بالعرب البائدة، و العرب الباقية، أن أقواما قد انقرضوا فلم يبق منهم أحد، و أن أقواما لم يكونوا ثم نشئوا من جديد، و انما ما نعنيه أن قوما قد يقل عددهم بالكوارث أو بالذوبان في آخرين، لسبب أو لآخر، و من ثم يتوقف تاريخهم و تبطل حضارتهم، مع أن بقاياهم ما تزال موجودة، و لكنها بدون قيمة حضارية، و التاريخ في حقيقته إنما هو تطور

ص: 239


1- مروج الذهب 2/ 11
2- مقدمة ابن خلدون ص 613- 614
3- مروج الذهب 2/ 12- 14
4- جواد علي 1/ 299

الحضارة (1).

و على أي حال، فتلك تسمية ابتدعها الكتاب المسلمون، لم يكن يعرفها العرب القدامى، كما أن المصادر اليهودية- و على رأسها التوراة- و كذا المصادر اليونانية و اللاتينية و السريانية، على غير علم بهذه التقسيمات (2)، فضلا عن أنه من المعروف أن شيئا لن يبيد، ما دام قد ترك من الآثار ما يدل عليه، و هي دون شك مصدرنا الأساسي لنعرف الحضارات السابقة (3)، و ربما كان المقصود بلفظ «بائد» عدم وجود أحد من العرب ينتسب إلى هذه القبيلة أو تلك عند كتابة المؤرخين الإسلاميين لتاريخ ما قبل الإسلام.

و من ثم فليس صحيحا، ما ذهب إليه بعض المستشرقين من أن ما يسمى «بالعرب البائدة»، ليس من التاريخ الحقيقي في شي ء، و إنما هو جزء من الميثولوجيا العربية، أو التاريخ الأسطوري، الذي يسبق عادة التاريخ الحقيقي لكل أمة، و من ثم فإنهم إذا ما عالجوا تاريخ بعض القبائل العربية التي تسمى بالبائدة، فإنما يعالجونها على هذا الأساس (4)، و إن كانت غالبية المؤرخين الأوربيين الآن قد عدلت عن هذا الإتجاه، بعد أن ثبت لهم أن بعضا من هذه القبائل البائدة قد تحدث عنه المؤرخون القدامى من الأغارقة و الرومان، و بعد أن أثبتت الأحافير- إلى حد ما-

ص: 240


1- عمر فروخ: تاريخ الجاهلية ص 49
2- جواد علي 1/ 295
3- عبد الرحمن الانصاري: المرجع السابق ص 86
4- محمد مبروك نافع: عصر ما قبل الإسلام ص 30- 31

صحة بعض ما ورد في المصادر الإسلامية عن هذه «القبائل البائدة» (1).

أما العرب الباقية، فلعلنا نعني بهم تلك الجماعات التي كانت تعيش في تلك المنطقة، و ما زالت تعيش حتى الآن- و سوف تظل تعيش إن شاء اللّه إلى أن يغيّر اللّه هذه الأرض غير الأرض- و أن حضارتها مستمرة يتوارثها جيل عن جيل، و أن كل جيل يضيف إليها، ما استطاع إلى ذلك سبيلا، و من ثم فإن مهمتنا أن نقوم بدراسة حضارة تلك الجماعات متتبعين دورها في كل طور من أطوار التاريخ.

[2] قصة عاد في القرآن الكريم

لقد انفرد القرآن الكريم بذكر عاد، و نبيهم هود عليه السلام،

ص: 241


1- يكاد يتفق الرواة و أهل الأخبار على تقسيم العرب من حيث القدم على طبقات: عرب بائدة و عاربة و مستعربة، أو: عرب عاربة و متعربة و مستعربة، على أن هناك من يجعلهم طبقتين فقط: بائدة، و هم الذين كانوا عربا صرحاء خلصا ذوي نسب عربي خالص- نظريا على الأقل- و يتكونون من قبائل طسم و جديس و أميم و عبيل و جرهم و العماليق و حضوراء و مدين و غيرهم، و عرب باقية: و يسمون أيضا متعربة و مستعربة، و هم ليسوا عربا خلصا، و يتكون من بني يعرب بن قحطان، و بني معد بن عدنان. و هناك تقسيم ثالث يعتمد في الدرجة الأولى على النسب، فهم قحطانية في اليمن، و عدنانية في الحجاز، و أما ابن خلدون، فهو يقسم العرب، طبقا للتسلسل التاريخي، إلى طبقات أربع، فهم عرب عاربة قد بادت، ثم مستعربة، و هم القحطانيون، ثم العرب التابعة لهم من عدنان و الأوس و الخزرج، ثم الغساسنة و المناذرة، و أخيرا العرب المستعجمة، و هم الذين دخلوا في نفوذ الدولة الإسلامية (أبو الفداء 1/ 99، جواد علي 1/ 294، صاعد الأندلسي: طبقات الأمم ص 41، عمر فروخ: تاريخ الجاهلية ص 44، طه حسين: من الأدب الجاهلي ص 79، عبد العزيز سالم: المرجع السابق ص 83، مقدمة ابن خلدون ص 28، قارن: تاريخ ابن خلدون 2/ 16- 18، نهاية الأرب 1/ 9- 11 (حيث يقسم العرب الى عرب عاربة و مستعربة و تابعة و مستعجمة)، ثم انظر: عبد الرحمن الأنصاري: المرجع السابق ص 88، جواد علي 1/ 306.

فجاء ذكرهم في سور كثيرة من القرآن الكريم (1)، بل إن هناك سورة كاملة تسمى سورة هود، كما أن هناك في القرآن الكريم (2) ما يشير إلى أن هناك عادا الأولى، و عادا الثانية (3) و أن عادا الأولى، إنما هم «عاد إرم» الذين كانوا يسكنون الخيام (4)، و أن عادا الثانية إنما هم سكان اليمن من قحطان و سبأ و تلك الفروع، و ربما كانوا هم قوم ثمود، فيما يرى الأستاذ النجار (5)، الأمر الذي ما يزال موضع شك كبير.

و تدل الآيات الكريمة التي وردت عن هؤلاء القوم- و عن نبيهم الكريم- على أنهم قد استكبروا في الأرض بغير الحق، و اغتروا بقوتهم، ربما لأنهم كانوا أشداء أقوياء، و لأن اللّه- جل و علا- قد زادهم بسطة في الجسم، و ربما لأنهم كانوا قد بلغوا شأوا من الحضارة لم يبلغه قوم آخرون من معاصريهم في المنطقة التي كانوا فيها يسكنون، و على أي حال، فان أمرهم قد انتهى إلى عبادة الأوثان، و ترك عبادة اللّه الواحد القهار، و من ثم فقد أرسل اللّه إليهم من ينهاهم عن عبادة هذه الأوثان و لينذرهم بعذاب يوم عظيم، «لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ» (6).

ص: 242


1- أنظر: الأعراف (65- 72) و هود (50- 60) و المؤمنون (31- 42) و الشعراء (123- 140) و فصلت (15- 16) و الأحقاف (21- 26) و القمر (18- 21) و الحاقة (21- 26) و الفجر (6- 8)، و قد جاء ذكر عاد كذلك في التوبة (70) و إبراهيم (9) و الفرقان (38) و العنكبوت (38) و ص (12) و الذاريات (41- 42) و ق (13)
2- سورة النجم: آية 50- 51، سورة الفجر: آية 6- 7
3- مروج الذهب 2/ 11 و قارن: ابن كثير 1/ 130، حيث يرى أن ما جاء في الأحقاف كان عن عاد الثانية، و غير ذلك كله عن عاد الأولى
4- ابن كثير 1/ 125
5- عبد الوهاب النجار: قصص الأنبياء ص 53
6- سورة النساء: آية 165 و انظر: تفسير الطبري 9/ 407- 408 (دار المعارف بمصر)، تفسير الطبرسي 6/ 293- 295 (دار مكتبة الحياة- بيروت 1961)، تفسير روح المعاني 6/ 18- 19، تفسير الكشاف 1/ 590- 591، في ظلال القرآن 6/ 25- 29

غير أن القوم سرعان ما كذبوا هودا، و اغتروا بقوتهم، «فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَ قالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً، أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَ كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ» (1)، و من ثم فإن اللّه أنزل بهم العذاب الشديد، و ذلك بأن أرسل عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر، سخرها عليهم سبع ليال و ثمانية أيام حسوما، فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم، يقول سبحانه و تعالى «وَ أَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ، سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَ ثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً، فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ، فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ» (2).

[3] قصة عاد و محاولة ربطها بالتوراة

و قصة عاد هذه- شأنها في ذلك شأن قصة ثمود- لم ترد في التوراة، و إنما هي قرآنية صرفة، كما أن شهرتها عند العرب في الجاهلية و الإسلام، كشهرة إبراهيم و قومه (3)، و لعل هذا هو السبب في أن كثيرا من المستشرقين قد تعجلوا الأمر، فأنكروا عادا و ثمودا، و أنكروا الكوارث التي أصابتهم بغير حجة، إلا أنهم يحسبون أن المنكر لا يطالب بحجة، و لا يعاب على النفي الجزاف، فما لبثوا طويلا حتى تبين لهم أن عادا eatidO و ثمودا adidumahT مذكورتان في تاريخ بطليموس، و أن اسم عاد، مقرون باسم «إرم» في كتب اليونان، فهم يكتبونها «أدراميت» eatimardA، و يؤيدون تسمية القرآن الكريم لها بعاد إرم ذات العماد (4) إلا أن شأن المؤرخين الإسلاميين أغرب من شأن المستشرقين، فرغم

ص: 243


1- سورة فصلت: آية 15
2- سورة الحاقة: آية 6- 8، و انظر سورة الأحقاف: آية 24- 25
3- تاريخ الطبري 1/ 232
4- عباس العقاد: مطلع النور ص 61

أن القصة، كما قلنا، قرآنية صرفة، فحاولوا أن يربطوا بينها و بين التوراة، ثم أوجدوا لها صلة و نسبا بأسماء أعيان وردت في التوراة، فذهب بعضهم إلى أن عادا، إنما هو «هدورام» التوراة (1)، و ربما كانت حجتهم في ذلك اقتران عاد بإرم في الكتب العبرية، و أن بعض القراءات تقرأ الآية الكريمة «أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ» (2)، على الإضافة أو مفتوحتين، أو بسكون الراء على التخفيف، أو بإضافة إرم إلى ذات العماد، و على ما بين «عاد إرم» و «هدورام» من تشابه كبير في النطق، إلا أن التوراة تشير إلى أن «هدورام» هذا، إنما هو من نسل يقطان (قحطان في الروايات العربية)، و هذا لا يستقيم مع الروايات، و يعلل «جرجي زيدان» ذلك بأن كاتب سفر التكوين إما أنه رأى أن تلك القبيلة إنما تسكن اليمن، فذهب إلى أنها من نسل قحطان، لأن الروايات إنما تذهب إلى أن عادا في الأحقاف، بين حضرموت و اليمن، الأمر الذي سوف نناقشه حالا، و إما أنه أراد أن يسجل القبائل التي سكنت اليمن- و هي في نظره تنسب جميعا إلى يقطان أو قحطان- و من ثم فقد جعل عاد إرم في جملتها (3).

و يذهب «تشارلس فورستر» إلى أن هناك صلة بين «عادة» زوجة «لامك»، و بين «عاد» والد «يابال» الذي كان «أبا» لسكان الخيام و رعاة المواشي (4)، و نسلها من الأعراب، و قوم عاد من الأعراب

ص: 244


1- سفر التكوين 10: 27، أخبار أيام أول 1: 21، و أنظر كذلك: الإكليل 8/ 162، جواد علي 1/ 300
2- سورة الفجر: آية 6- 7
3- جرجي زيدان: مجلة الهلال 23/ 890 (أغسطس 1890 م)، جواد علي 1/ 300، ياقوت 1/ 115- 116، البكري 1/ 119- 120
4- تكوين 4: 20

كذلك، و لكنه إنما يذهب كذلك إلى أن القوم الذين ذكرهم بطليموس تحت اسم eatidO إنما كانوا يسكنون في شمال غرب شبه الجزيرة العربية (1)، و ربما عند موضع «بئر إرم» في منطقة «حسمى»، على مقربة من جبل يعرف بهذا الإسم في ديار جذام، بين إيله و تيه بني اسرائيل (2)، و أن هذا الموقع ليس ببعيد عن ديار ثمود، الذين ارتبط اسمهم باسم عاد، كما أن هناك كثيرا من الباحثين- و منهم سبرنجر- يؤيدون هذا الرأي إلى حد كبير (3).

و أخيرا، فإن إختلاف النسابة في نسب هود عليه السلام، و مكان دفنه، قد شجع البعض إلى عقد مقارنة لغوية بين هود و اليهود (4)، و أن هناك شبها بين هود النبي، و بين «هودا» الواردة في القرآن الكريم بمعنى «يهود» (5)، حيث يقول اللّه سبحانه و تعالى «وَ قالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا» (6)، و أن «هودا» إنما تعني «التهود» (7)، غير أنهم قد اختلفوا في النتيجة فبينما ذهب فريق- مستغلا في ذلك أن بعض النسابة يرى أن هودا، إنما هو «عابر بن شالح بن أرفكشاد جد اليهود» ذهب إلى أن هودا لم يكن اسم رجل، و إنما اسم جماعة من اليهود هاجرت إلى بلاد العرب، و أقامت في الأحقاف، و حاولت تهويد الوثنيين، الذين عرفوا هناك بيهوذا، و منها جاءت كلمة «هود»، و أنها استعملت من باب

ص: 245


1- 32. P, 2, aibarA fo yhpargoeG lacirotsiH ehT, retsroF. C
2- الهمداني: صفة جزيرة العرب ص 129، ياقوت 1/ 154- 155، و انظر: 121, P, I, IE
3- 207. P, sneibarA eihpargoeG etlA, regnerpS. A
4- أنظر مناقشتنا الاصطلاح يهود في كتابنا إسرائيل ص 9- 11
5- لسان العرب 4/ 451، القاموس المحيط 1/ 349، 372, P, 2, IE
6- سورة البقرة: آية 135
7- جواد علي 1/ 311

التجوز علما لشخص (1)، و ليس من شك في أن هذا الرأي متأثر بأفكار يهود إلى أقصى حد، إن لم يكن رأيا يهوديا صرفا، ثم إن التاريخ لم يحدثنا أبدا عن هجرات يهودية إلى منطقة الاحقاف بالذات من بلاد العرب، و إن حدثنا إلى مناطق أخرى منها.

[4] موقع منطقة عاد

يذهب المؤرخون المسلمون إلى أن منطقة عاد، إنما تقع في الأحقاف، إلى الشمال الشرقي من حضرموت في جنوب الربع الخالي (2)، استنادا إلى الآية الكريمة «وَ اذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ» (3)، و الحقف- كما في القاموس- المعوج من الرمل، أو الرمل العظيم المستدير أو المستطيل المشرف، و لكن الحقف يمكن أن يوجد في أكثر من مكان في شبه الجزيرة العربية، و لم يحدد القرآن الكريم موضع الأحقاف بالنسبة إلى شبه الجزيرة العربية، كما أن القاموس العربي لم يحدد وجود الرمل فقط في جنوب الجزيرة، كصفة من صفاته أكثر من كونه صفة لبقية أنحاء الجزيرة، بل يمكن أن نقول أن الجزيرة العربية معظمها رمال (4)، أما الذي حدد ذلك، فهم المفسرون- كما رأينا- و من ثم فقد ذهبوا إلى أن الأحقاف بناحية الشحر في الجانب الجنوبي الغربي من الربع الخالي بناحية حضرموت اليمن، و أن في الأحقاف هذه

ص: 246


1- مجلة الهلال 23/ 894، جواد علي 1/ 311، و كذا 328. P, 2, IE
2- أبو الفداء 1/ 97، ابن كثير 1/ 120، مروج الذهب 2/ 12، ابن الأثير 1/ 85، تاريخ ابن خلدون 2/ 19، ياقوت 1/ 115- 116
3- سورة الأحقاف: آية 21
4- عبد الرحمن الأنصاري: المرجع السابق ص 88 و أنظر القاموس 3/ 129

كانت منازل عاد (1)، و زاد بعضهم فذهب إلى أنها إنما كانت فيما بين عمان إلى حضرموت فاليمن كله، و كانوا مع ذلك قد فشوا في الأرض كلها، و قهروا أهلها بفضل قوتهم التي آتاهم اللّه (2).

هذا و تتجه الآراء الحديثة إلى أن عادا، إنما تقع في شمال الجزيرة العربية، و ليس في جنوبها، و أنها ربما كانت تموج في المنطقة الممتدة من منطقة «حسمى» في سيناء، حتى منطقة «أجأ و سلمى» في منطقة قبيلة شمر (3)، و لعل أهم ما يؤيد وجهة النظر هذه، ما سبق أن ذكرناه (أولا) من أن «فورستر» يرى أن القوم الذين ذكرهم بطليموس تحت اسم eatidaO كانوا يسكنون في شمال غرب الجزيرة العربية (4)، و ربما عند موضع «بئر إرم» في منطقة حسمى، و منها (ثانيا) أننا لو قمنا بمسح الوديان الموجودة في شمال الحجاز، لوجدنا فعلا أن أحد هذه الوديان يسمى «وادي إرم»، كما أثبتت الحفريات الأثرية وجود مكان يسمى «إرم» في منطقة جنوب الاردن (5) و منها (ثالثا) أن عادا قد اقترن ذكرها بثمود، «الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ

ص: 247


1- عمر فروخ: تاريخ الجاهلية ص 28 ياقوت 1/ 115- 116، نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب ص 328، المعارف ص 14، البكري 1/ 119- 120، ياقوت 5/ 442، قارن: القسطلاني (5/ 333) حيث يجعل قوم عاد يسكنون حضرموت على المحيط الهندي، ثم انظر: تفسير المنار (8/ 495- 496) حيث يضيف أن عادا إنما كانت بين الشام إلى اليمن، و أنظر كذلك روح المعاني 30/ 123، و انظر كذلك «أمين مدني» حيث يرى أن المعينيين إنما هم قوم عاد (العرب في أحقاب التاريخ 2/ 128- القاهرة 1971)
2- تفسير الطبري 12/ 507 (دار المعارف)، تفسير المنار 8/ 495
3- عبد الرحمن الانصاري: المرجع السابق ص 88
4- 32. P, tic- po, retsroF. C
5- عبد الرحمن الانصاري: المرجع السابق ص 88

بِالْوادِ» (1)، و لعله- فيما يرى البعض- وادي القرى (2)، أحد الأودية التي تتخلل سلسلة جبال حسمى، و من بينها جبل إرم، و الذي يسمى الآن «رمّ»، و يكوّن الحد الشمالي للحجاز، و عنده يوجد الكثير من الماء (3)، أضف إلى ذلك أن ياقوت قد ذكر جبلا سماه «جش إرم»- عند أجأ أحد جبلي طي ء- أملس الأعلى، سهل ترعاه الإبل، و في ذروته مساكن لعاد و ارم، فيه صور منحوتة من الصخر (4)، و رغم أن ياقوت قد فرق هنا بين عاد و إرم، و جعلهما قومين، إلا أن «الواو» هنا ربما كانت زيادة من الناسخ (5)، و منها (رابعا) وجود أسماء محلات أخرى، عثر فيها على نقوش و تماثيل، و صفت في الكتب العربية بأنها مساكن قوم عاد (6).

و منها (خامسا) أن حفائر «هورسفيلد» في جبل «رم»- على مبعدة 25 ميلا إلى الشرق من العقبة- و كذا حفائر «سافينياك» و اكتشافات «جليدن»، قد أثبتت أن هذا المكان هو موضع «إرم»، الوارد ذكره في القرآن الكريم، و قد حلّ به الخراب قبل الإسلام، و من ثم فلم يبق منه عند ظهور الإسلام غير «عين ماء» كان ينزل عليها التجار و رجال القوافل الذين كانوا يمرون بطريق «الشام- مصر- الحجاز» (7)، بل قد يفهم من نص «لأبي شامة»، أنه في الفترة التي كان الصليبيون يحتلون فيها حصن «الكرك و الشويك»، كان الجيش المصري يعسكر عند جبل

ص: 248


1- سورة الفجر: آية 9
2- انظر: ابن كثير 1/ 130، أبو الفداء 1/ 12، البكري 2/ 426، الطبري 1/ 226- 227، ابن الأثير 1/ 89، ياقوت 2/ 221، المعارف ص 14، تاريخ الخميس ص 84، روح المعاني 8/ 162، 14/ 76
3- الويس موسل: شمال الحجاز ص 57، 130
4- ياقوت 2/ 141
5- جواد علي 1/ 306
6- جواد علي 1/ 306
7- جواد علي 1/ 306، و كذا .572 .P ,1934 ,II ,ILX ,405 .P ,1933 ,IILX ,581 .P ,1932 ,ILX ,euqilbiB euveR

«رم»، أثناء مرور الحجيج من إيلة إلى مكة، و ذلك لحماية الحجاج من الهجمات التي كان الصليبيون يشنونها عليهم (1).

و منها (سادسا) أن بعضا من الكتاب العرب أنفسهم، إنما يرى أن الأحقاف- التي كانت منازل عاد- إنما هي جبل الشام، أو هي حشاف من «حسمى»، و الحشاف الحجارة في الموضع السهل (2)، و أن اسم الأحقاف (حقاف) ما تزال تراه باقيا حتى الآن في المنطقة الجنوبية العربية من البدع «مدين» (3)، بل إن القلقشندي إنما يضع عاد في مدين (4).

و منها (سابعا) أن هناك من يذهب إلى أن هودا، قد يكون أحد الأنبياء الذين كانوا في منطقة فلسطين و شمال الحجاز، و أنه قد ارسل إلى قوم عاد، و إن كل هذه القرائن مجتمعة تجعلنا نعتقد أن عادا إنما كانت في شمال شبه الجزيرة العربية، و ليس في جنوبها (5).

[5] مبالغات عن العاديين

و لعل من الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى أن فريقا من المؤرخين و المفسرين، قد أسرف كثيرا في الاستنتاج مما ورد في بعض آي الذكر الحكيم، ففسر بعضهم قوله تعالى «وَ زادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً» (6)، إلى أن عادا إنما كانوا في هيئة النخل طولا، و أن الواحد منهم قد يبلغ اثني

ص: 249


1- الويس موسل: شمال الحجاز ص 57
2- البكري: معجم ما استعجم من أسماء البلدان و المواضع 1/ 119
3- الويس موسل: المرجع السابق ص 137
4- القلقشندي: نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب، القاهرة 1959 ص 19
5- عبد الرحمن الانصاري: المرجع السابق ص 88
6- سورة الأعراف: آية 69

عشر ذراعا- و ربما الطويل منهم اربعمائة ذراع، و ربما خمسمائة (1)- كما كان الواحد منهم يأخذ الصخرة العظيمة فيقلبها على الحي فيهلكهم، و أن الرجل كان يتخذ المصراع من حجارة، و لو اجتمع عليه خمسمائة من هذه الأمة لم يستطيعوا أن يقلوه، هذا فضلا عن أنهم كانوا في اتصال الأعمار و طولها بحسب ذلك القدر (2)، و في هذا تحميل للآية الكريمة أكثر مما تحتمل، يشبه ما كانت توصف به فراعنة مصر من الفخامة و الطول، مما كذبه الواقع بعد كشف مومياتهم، و لا نعدو الحقيقة إذا قلنا إن قوم هود كانوا يتميزون بضخامة، لا تزيد على ما يتميز به بعض الأفراد و العشائر بيننا الآن من بسطة في الخلق (3).

و أسرف خيال المؤرخين الإسلاميين كذلك في تفسير الآية الكريمة «أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ، إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ، الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ» (4)، فذهب بعضهم إلى أن «إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ» هذه مدينة و أن الذي بناها إنما هو «شداد بن عاد» في بعض صحارى عدن في ثلاثمائة عام على رواية! و خمسمائة عام على رواية أخرى و كان عمره تسعمائة عام، و ذلك لكي ينافس بها قصور الذهب و الفضة من الجنة التي تجري من تحتها

ص: 250


1- لاحظ تعارض ذلك مع حديث الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) «أن اللّه خلق آدم طوله ستون ذراعا في الهواء، فلم يزل الخلق ينقص إلى الآن» (أنظر: تفسير القرطبي 20/ 45، ابن كثير 1/ 144، مقالنا عن قصة الطوفان بين الآثار و الكتب المقدسة)
2- مروج الذهب 2/ 12، تفسير القرطبي 20/ 45 (طبعة دار الكتب المصرية القاهرة 1950)، الفخر الرازي، التفسير الكبير 31/ 168، تفسير الطبري 30/ 176، روح المعاني 30/ 123
3- محمد مبروك نافع: المرجع السابق ص 33
4- سورة الفجر: آية 6- 8 و انظر: تفسير الفخر الرازي 31/ 166- 169، تفسير القرطبي 20/ 44- 47 (طبعة دار الكتب المصرية- القاهرة 1950)، تفسير الطبري 30/ 175- 178 (طبعة الحلبي- القاهرة 1954) تفسير البيضاوي 2/ 557 (طبعة الحلبي- القاهرة 1968)

الأنهار، و أنه كتب إلى عماله- و كانوا فيما يصوره خيالهم في جميع ممالك العالم- أن يجمعوا له ما في أرضهم من الذهب و الفضة و الدر و الياقوت و المسك و العنبر و الزعفران، فتوجهوا به إليه، ثم استخرج غواصو الجواهر فجمعوا أمثال الجبال، و أنه أمر بالذهب فضرب أمثال اللبن- و كذا فعل بالفضة- ثم بنى المدينة بهما، ثم زين حيطانها بالدر و الياقوت و الزبرجد، ثم جعل لها غرفا من فوقها غرف، تعتمد على أساطين من الزبرجد و الياقوت، ثم أجرى تحت المدينة واديا طليت حافته بالذهب الأحمر، و جعل حصاه أنواع الجواهر، و بنى في المدينة ثلاثمائة الف قصر، و جعل على بابها مصراعين من ذهب، مفصصين بأنواع الياقوت، و جعل ارتفاع البيوت في المدينة ثلاثمائة ذراع، و بنى خارج السور كما يدور ثلاثمائة ألف قنطرة بلبن الذهب لينزلها جنوده.

و أما مصير المدينة بعد ذلك، فموضع خلاف بين هؤلاء القصاصين، فمنهم من يذهب إلى أنها طارت بعد بنائها في السماء و أن بعض الناس يلمحونها و هي طائرة، و منهم من يذهب إلى أنه لا يراها إلا من كتب اللّه له ذلك، بل و يروي بعضهم أن رجلا يدعى «عبد اللّه بن قلاية» رآها على أيام معاوية بن أبي سفيان (41- 60 ه)، و أنه حمل إلى الخليفة منها بعض الأحجار الصغيرة، فضلا عن المسك و الكافور و اللؤلؤ، غير أن هذه الأشياء سرعان ما تحولت إلى تراب عند ما تعرضت للهواء، و من ثم فقد استدعى معاوية كعب الأحبار، و سأله عن خبر هذه المدينة، فأجاب كعب على الفور- كعادته- أنها إرم ذات العماد، و سوف يدخلها رجل من المسلمين في زمانك، أحمر أشقر قصير على حاجبه خال، و على عقبه خال، يخرج في طلب إبل له، ثم التفت فأبصر «ابن قلاية»

ص: 251

فقال: هذا و اللّه ذاك الرجل (1) و هكذا يبلغ الخيال ببعض المؤرخين حدا لا نجد له مثيلا إلا في الأساطير، و إلا في التوراة حين تتحدث عن عجائب «يهوه» لشعبه المختار، و لست أدري من أين جاءوا بكل هذا، ثم من أين جاء «كعب الأحبار» بأساطيره هذه، و القصة- كما قلنا- قرآنية صرفة، و ليس في التوراة- على فرض أنه خبير بما في التوراة- أية إشارة من قريب أو بعيد عن هذه القصة، و لعل الذي دفع المؤرخين الإسلاميين إلى هذا الغلو في الوصف، أن القوم بعد الفتوحات الإسلامية المجيدة، رأوا آثار الفراعين على أرض الكنانة، و الأشوريين ثم البابليين في بلاد الرافدين فضلا عن آثار الرومان في الشام، و من ثم فقد أنفوا أن تكون مدينة عاد أقل من هذه الآثار، إن لم تفقها إلى أقصى الحدود، فكان الخيال، و كان السخف الذي ينزل بكتاباتهم من مستوى حقائق التاريخ، إلى مبالغات الأساطير.

و على أي حال، فلقد اختلفوا في مكان مدينة «إرم» هذه، فذهب بعضهم إلى أنها «تيه أبين» بين عدن و حضرموت، و ذهب فريق ثان إلى

ص: 252


1- جرجي زيدان: العرب قبل الاسلام ص 64- 66، محمد مبروك نافع: المرجع السابق ص 34- 35، مروج الذهب 2/ 13، تاريخ ابن خلدون 2/ 19- 21، ياقوت: معجم البلدان 1/ 155- 157 (طبعة بيروت 1955)، روح المعاني 30/ 123 تفسير القرطبي 20/ 47، محمود أبو رية: أضواء على السنة المحمدية ص 158- 159، دائرة المعارف الإسلامية 3/ 16 قارن: ابن كثير 1/ 125

أنها «دمشق» (1)، و زعم فريق ثالث أنها الاسكندرية (2)]، و هكذا وجد الأخباريون في دمشق و في الاسكندرية كل ما تخيلوه عن «إرم ذات العماد» و بخاصة المباني الضخمة و المنشآت العظيمة ذات العمد، فضلا عن تاريخ تليد مجيد، للعاصمتين العظيمتين، و مع ذلك فقد كان لكل من اختيار المدينتين الكبيرتين، سبب يختلف عن اختيار الأخرى.

كانت دمشق من أهم مراكز الآراميين (3)، ثم عاصمة لهم منذ القرن

ص: 253


1- مروج الذهب 2/ 110- 111، ياقوت 1/ 155، 2/ 464، تفسير الطبري 30/ 175، الفخر الرازي: التفسير الكبير 31/ 167، تاريخ ابن خلدون 2/ 19، البكري 1/ 140، 2/ 408- 409، تفسير الألوسي 30/ 123، الهمداني: المرجع السابق ص 80، الإكليل 8/ 33
2- مروج الذهب 2/ 410، البكري 2/ 409، ياقوت 1/ 155، 183، روح المعاني 30/ 123، تفسير القرطبي 20/ 46، تفسير الطبري 30/ 175، التفسير الكبير 31/ 167، الهمداني: صفة جزيرة العرب ص 80، ابن عبد الحكم: فتوح مصر و المغرب ص 60، السيوطي: حسن المحاضرة في أخبار مصر و القاهرة 1/ 37، و كذا lacirotsiH dna yradnegeL, marI cinaroK, neddilG. W. H
3- يمثل الآراميون الموجة الثالثة من موجات الهجرات السامية من شبه الجزيرة العربية- بعد موجة الآراميين و الكنعانيين- و كانوا في بادئ الأمر يجوبون أنحاء وادي الجزيرة من ناحية الشمال، و يتحركون إلى الشرق من ناحية العراق، و إلى الغرب من ناحية سورية، حتى بدءوا يستقرون في العراق الأوسط، و قد أثبتت الأبحاث الحديثة أن الآراميين يرجعون إلى أزمنة موغلة في القدم، إذ يذكر نقش من عهد الملك البابلي «نرام سن»، و يرجع إلى القرن 23 ق. م .. إقليما يدعى «أرام» يقع في أعالي بلاد الرافدين، ثم على لوحة تجارية ترجع إلى عام 2000 ق. م.، و التي تشير إلى مدينة أو دولة «أرام» بالقرب من «اشنونا» (تل الأحمر الحالية) في وادي الدجلة الأسفل، ثم يتكرر اسم «أرام» في عام 1700 ق. م. في نصوص ماري، و كذا حوالي عام 1400 ق. م. في نصوص أوجاريت. و يستدل من نصوص بلاد النهرين على أن جماعات آرامية قد اجتاحت قسما كبيرا من هذه البلاد و شمال سورية و وسطها في القرنين 14، 13 ق. م.، و قد سادت العناصر الآرامية فيها باستثناء بعض الجيوب القليلة التي كان يسطر عليها الحيثيون، ثم بلغ الآراميون ذروة سلطانهم السياسي في القرنين 11، 10 ق. م.، بسبب ضعف الإمبراطوريات الكبرى (مصر و العراق) في تلك الفترة، فغزت قبائلهم الجزء الشمالي من أرض الرافدين، و أسست هناك سلسلة من الدويلات، مثل «بيت أديني» و مركزها «تل برسب» و مثل «بيت بخياني» و مركزها «جوزانا» (تل حلاف)، ثم استولى المغتصب الآرامي «أدد- أبل- أدن» على عرش بابل في أول القرن الحادي عشر ق. م.، و في الغرب نشأت في «كليكيا» دولة «سمأل»، و في سورية نشأت حول أرفد و حلب دولة «بيت أجوشي» و تحدثنا التوراة عن سبع دويلات آرامية في سورية و شرق الأردن، فهناك دويلة أرام النهرين و دولة أرام دمشق و دويلة أرام صوبة و إمارة معكة و إمارة جشور و إمارة بيت رحوب و إمارة طوب (انظر: كتابنا إسرائيل ص 337- 342، صموئيل ثان 10: 16، 15: 8، 13: 37، يشوع 12: 5، 13: 11، تثنية 3: 14، عدد 13: 12، قضاة 18: 28، موسكاتي: المرجع السابق ص 177- 178، احمد فخري: المرجع السابق ص 103، قاموس الكتاب المقدس 1/ 42- 43 و كذا 687 .P ,tnematseT dlO eht ot noit -ndortnI tfiefP .H .R 49 -247 .P .P ,tic -po ,xuoR .G

الحادي عشر ق. م.، و حتى احتلال الأشوريين لها في عام 722 ق. م.، و أن «عاد إرم»، إنما تعني «عاد أرام»، فضلا عن الآراميين- كما نعرف، و كما توصل إلى ذلك «مورتز» بعد دراسة لأسمائهم- لم يكونوا إلا عربا، هاجروا من شبه الجزيرة العربية إلى منطقة الهلال الخصيب (1)، و من ثم فقد التبس الأمر على المؤرخين المسلمين بين عاد إرم، و عاد أرام، و ظنوا أن ذات العماد صفة، فزعموا أنها مدينة بناها عاد، أو شداد بن عاد (2)، كما أنه ليس هناك من دليل حتى الآن يثبت أن «إرم» هنا، إنما تعني «أرام» (3)، و إن كان من الممكن هنا أن تكون «إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ» هي التي أوحت إلى النسابين فكرة جعل «عاد» من نسل «عوص بن إرم»، لتشابه الاسمين، و من ثم فقد كان «عاد» من الآراميين في رأي البعض (4)، على أساس أن «ذات العماد» صفة لدمشق، و أن «جبرون بن سعد بن عاد» نزل بها، و ابتنى مدينة تحليها

ص: 254


1- 67- 66. P. P, 1948, 7, SENJ, elbiB eht dna ciamarA, snaemarA, mwoB. A. R
2- البكري 1/ 140، ابن سعد 1/ 19، ياقوت 1/ 155- 157، جواد علي ... 3
3- 121. P, I, malsI fo, ycnE
4- جواد علي 1/ 303

عمد من الرخام، و قد استغل «لوث» هذه الرواية في تدعيم رأيه القائل بأن اسم «إرم» لا يتصل إلا بالروايات الآرامية (1)، بخاصة و أن هناك اتجاها يذهب إلى أن عادا، إنما كانت في شمال بلاد العرب و ليس في جنوبها- كما أشرنا آنفا- على أن «دمشق» و كذا الاسكندرية- ليستا من بلد الأحقاف و الرمال (2).

و أما اختيار الاسكندرية، فقد كان- فيما يرى المستشرقون- بسبب انتشار قصص الإسكندر الأكبر (356- 323 ق. م.) في الأساطير العربية الجنوبية، و بخاصة في كتابات وهب بن منبه، و من ثم فقد غدا «شداد بن عاد» بانيا للإسكندرية و أصبح الاسكندر المقدوني ليس إلا مكتشفا لها (3)، و يروي المسعودي أن الاسكندر المقدوني إنما اكتشف في موقع الاسكندرية أثرا لكتابة بخط المسند يسجل فيها «شداد بن عاد» أنه كان يبغي أن يبني هنا مدينة كمدينة إرم، غير أنه كان في عجلة من أمره، و لعل هذا يفيد أن الإسكندرية ليست إرم، و إنما مجرد مدينة أراد شداد أن تكون كإرم (4).

على أن هناك من يرى أنه ليست هناك مدينة في الأصل اسمها «إرم»، و أن كل ذلك لا يعدو أن يكون أثرا من خيال القصص الذي لعب دورا هاما في ضعاف المفسرين، و من ثم فإن «إرم» هي الأمة- و ربما القبيلة- و لكنها ليست المدينة (5).

ص: 255


1- دائرة المعارف الإسلامية 3/ 15
2- تفسير الطبري 30/ 178، تفسير الألوسي 30/ 123، تفسير الفخر الرازي 31/ 167
3- 13, P, 1939, 73, ROSAB
4- تفسير القرطبي 20/ 46- 47، تفسير الألوسي 8/ 156- 157، دائرة المعارف الاسلامية 3/ 15- 16، مروج الذهب 1/ 410، ياقوت 1/ 184- 185
5- تاريخ ابن خلدون 2/ 19، جرجي زيدان: المرجع السابق ص 65، قارن: تفسير القرطبي 20/ 45- 46، تفسير الطبري 30/ 175- 177، الفخر الرازي: التفسير الكبير 31/ 167- 168

[6] هود عليه السلام

اختلف المفسرون في اسم النبي الكريم- هود عليه السلام- و في نسبه كذلك، فهو «هود بن عبد اللّه بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح» على رأي، و هو «هود بن خالد بن الخلود بن العيص بن عمليق بن عاد» على رأي ثان، و هو «عابر بن شالح بن أرفخشد بن سام بن نوح» على رأي ثالث (1)، و ربما كان الرأي الأول- حدسا عن غير يقين- أقرب إلى الصواب، لأن الرأي الثاني يجعله من العماليق، و لأن الرأي الثالث يجعله ذا صلة قريبة بيهود، لأن «عابر» إنما هو جد اليهود (2)- طبقا لرواية التوراة (3)- فضلا عن أن الأثر الإسرائيلي يبدو واضحا في هذا الرأي.

و الأمر كذلك بالنسبة إلى مكان دفنه، فهناك رواية تذهب إلى أنه إنما كان في دمشق (4)، غير أن هذه الرواية- كما يبدو- متأثرة بالعلاقة التي أشرنا إليها بين «إرم» و «أرام»، و ربما بالظروف السياسية وقت كتابتها، ذلك لأن أصحاب هذه الرواية قد حددوا المسجد الأموي مكانا للدفن، بل لقد ذهب البعض إلى أن هودا قد بنى الحائط القبلي للجامع، و لعل السبب في ذلك الاسرائيليات التي انتشرت بين المفسرين- على أيام

ص: 256


1- المقدسي 3/ 32، روح المعاني 8/ 154، تاريخ ابن خلدون 2/ 20، تاريخ اليعقوبي 1/ 22، الأخبار الطوال ص 4- 5، المعارف ص 16، نهاية الأرب للقلقشندي ص 329، ابن حبيب: المحير ص 385، تفسير المنار 8/ 495- 497، تاريخ الخميس ص 84، الإكليل 1/ 87، عبد الوهاب النجار: المرجع السابق ص 49
2- انظر كلمة عبري: وصلتها بعابر في كتابنا إسرائيل ص 1- 6
3- تكوين 10: 1، 21
4- ابن كثير 1/ 130، تفسير الألوسي 8/ 161، رحلة ابن بطوطة 1/ 205، 2/ 203، ياقوت 1/ 156، 2/ 463- 465، جواد علي 1/ 313

بني أمية- بهدف تفضيل الشام على بقية المناطق الإسلامية، حتى جعلوا «دمشق» واحدة من مدائن أربعة، زعموا أنها من مدائن الجنة (1)، و ربما كان ذلك تمجيدا للمسجد الأموي، في وقت كان فيه «عبد اللّه بن الزبير» يتحصن بالمسجد الحرام في مكة المكرمة، و كان أهل الحجاز في شبه تحزب عام ضد بني أمية (2)، و ربما أن المسجد الأموي كان في بادئ أمره كنيسة بها قبور بعض قديسي أهل دمشق، فلما تحولت إلى مسجد، تحولت قبور قديسيها بعواطف الناس إلى قبور للأنبياء (3)، و هنا لعبت السياسة دورها، فاستغلت عواطف الناس- أو قل عواطف السذج منهم- و ضعاف الكتاب الأخباريين، فجعلت منه شيئا يرجع في قداسته إلى أبعد العهود، و ما أكثر ما لعبت السياسة هذا الدور في تاريخ الشرق الأدنى في كثير من عصوره.

و هناك رواية أخرى تذهب إلى أن اليمن، إنما كانت مكان دفن النبي الكريم (4)، بينما تذهب رواية ثالثة إلى أنه قد دفن في حضرموت، في كثيب أحمر، عند رأسه سمرة (5)، و أن هناك قرية تسمى حتى الآن «قبر هود» (6)، أو في «وادي برهوت» على مقربة من مدينة «تريم»، غير

ص: 257


1- فتح الباري 13/ 69، روح المعاني 30/ 123، تاريخ ابن عساكر 1/ 14، 57، و أنظر: أضواء على السنة المحمدية ص 129- 135، 170- 172
2- أنظر: عبد المنعم ماجد 2/ 79- 91، ابن الاثير 3/ 265- 316، الأزرقي 1/ 196- 200، التنبيه و الاشراف ص 402- 404، الأخبار الطوال ص 260
3- جواد علي 1/ 313
4- ابن كثير 1/ 130
5- نهاية الأرب للنويري 13/ 60، تفسير المنار 8/ 496، روح المعاني 8/ 161، تفسير الطبري 12/ 507 (دار المعارف)، ابن سعد 1/ 25، ياقوت 2/ 270، و كذا 374, P, tic- po, retsroF, C و كذا: تاريخ اليعقوبي 1/ 270، صفة جزيرة العرب ص 87، ياقوت 1/ 116، قصص القرآن ص 27
6- مبروك نافع: المرجع السابق ص 33

بعيد عن «بئر برهوت» (1)، التي اشتهرت في الجاهلية بأنها شر بئر في الأرض، ماؤها أسود، و رائحتها كريهة، حتى ذهب الخيال بالبعض إلى أنها موضع تتعذب فيه أرواح الكافرين، و أنها تقذف بألوان من الحمم، يسمع لها أزيز راعب (2)، و هكذا نشأت قصة قبر هود، و هكذا حيكت الروايات الساذجة عن عذاب عاد (3).

و هناك رواية رابعة تذهب إلى أن النبي الكريم إنما دفن في فلسطين (4)، بينما تذهب رواية خامسة إلى أن هودا قد ذهب مع من آمن به إلى مكة- و عددهم ثلاثة آلاف على زعم، و أربعة على زعم آخر- و أنه أقام هناك، و دفن بالحجر من مكة، فقبره إذن بمكة، بجوار قبور ثمانية و تسعين نبيا (5).

هذا و يقدم لنا الأخباريون رواية، مؤداها: أن وفدا من سبعين رجلا من عاد، يذهب إلى مكة ليستسقي لهم، و أن هذا الوفد قد نزل عند معاوية بن بكر- و كان بظاهر مكة خارجا عن الحرم- و أنه أقام عنده شهرا، يشرب الرجال فيه الخمر، و تغنيهم الجواري، و أن معاوية حين رأى طول مقامهم عنده، أوعز إلى جاريته أن تغنيهم شعرا يذكرهم بمأساة قومهم، و حين فعلت الجاريتان تذكر القوم مهمتهم (6).

ص: 258


1- ياقوت 1/ 405، روح المعاني 8/ 156، تاريخ حضرموت السياسي 1/ 65
2- نفس المرجع السابق ص 67، ياقوت 2/ 270، لسان العرب 1/ 143، 2/ 314، جواد على 1/ 312
3- أنظر 21. P, egaS ehcsibaradeuS eid rebU, remarK noV و كذا: صفة جزيرة العرب ص 70
4- الصابوني: النبوة و الأنبياء ص 240، النجار: قصص الأنبياء ص 53
5- روح المعاني 8/ 161، أبو الفداء 1/ 12، جواد علي 1/ 313، و كذا 2،, malslfo. ycnE 327. P
6- تاريخ الطبري 1/ 217- 226 تاريخ ابن خلدون 2/ 20، ابن كثير: البداية و النهاية 1/ 126- 128

و ليس يهمنا هنا أن تكون الرواية صحيحة، أو لا تكون، فذلك شأن من يعتقدون أن لهذا القصص نصيبا من صواب، و إنما الذي يهمنا هنا أن الذين يروون هذا القصص هم أنفسهم الذين يضعون هودا وقومه في مرحلة تاريخية سابقة لعهد الخليل عليه السلام، و هم في الوقت نفسه يرون أن مكة لم تعمر إلا منذ عهد إبراهيم، و ربما بعده، «رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ، رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ، وَ ارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ» (1)، فضلا عن أن الشعر الذي يرونه في هذه المناسبة، لا يمكن أن يكون من ذلك العهد الغابر، و لعله في أغلب الظن شعر منحول.

و أما قصة قبره عليه السلام في فلسطين، فربما كانت ترتبط بالروايات التي تجعل قوم عاد من شمال شبه الجزيرة العربية، و ليس من جنوبها، فإذا كان ذلك كذلك، فربما كانت تحمل نصيبا من صواب.

[7] عصر قوم هود

لا شك أن الحديث عن تحديد عصر لقوم هود، إنما هو أمر بالغ الصعوبة، فالقصة- كما قلنا- قرآنية صرفة، و ليس في القرآن الكريم- أو في السنة النبوية الشريفة- إشارة صريحة إلى ذلك، و الآثار صامتة تماما في هذا المجال، و ليس هناك أي نوع من الوثائق التاريخية التي يمكن للمؤرخ أن يعتمد عليها في الوصول إلى نتيجة يظن أنها الصواب، أو

ص: 259


1- سورة إبراهيم: آية 37، و انظر تفسير النسفي 2/ 263- 264، تفسير القرطبي 9/ 368- 274، تفسير الكشاف 2/ 380، تفسير ابن كثير 4/ 141- 142، تفسير الطبري 13/ 229- 235، الدرر المنثور 4/ 86- 87.

حتى قريبا من الصواب، و من ثم فإن المحاولة لا تعدو أن تكون حدسا عن غير يقين.

على أننا ربما نستطيع أن نحدد ذلك العصر بالألف الثانية قبل الميلاد، على وجه التقريب، ذلك لأن القرآن الكريم إنما يذكر عادا بعد ثمود- و هي دون شك أوضح تاريخا من عاد- هذا إلى جانب أنه إنما يذكر عادا كذلك بعد قوم لوط أما ثمود، فهي واحدة من القبائل العربية التي جاء ذكرها في الكتابات الآشورية، على أنها كانت تعيش في شمال شبه الجزيرة العربية منذ القرن الثامن قبل الميلاد، و أما قوم لوط، فقد كانوا معاصرين للخليل عليه السلام، و هو الذي حددنا لعهده من قبل- و كما جاء في كتابنا اسرائيل (1)- الفترة (1940- 1765 ق. م.)، على وجه التقريب، و من ثم فإننا ربما نستطيع أن نقول، أن عادا إنما كانت في الفترة ما بين عهد إبراهيم الخليل، و بين عهد ثمود، و من هنا فربما لو وضعنا قوم عاد في النصف الثاني من الألف الثاني قبل الميلاد، لما تجاوزنا الصواب بكثير.

على أن الأمر، قد يختلف كثيرا، إذا ما كان صحيحا ما ذهب إليه بعض الباحثين- كما أشرنا من قبل- من الربط بين «إرم» و «أرام»، و أن «إرم» إنما تتصل بالأراميين، و بمعنى آخر أن هناك صلة بين قوم عاد و بين الآراميين عن طريق «عاد إرم»، فإذا كان ذلك كذلك، فإن قوم عاد إنما يرجعون إلى ما قبل ظهور الآراميين في العراق القديم في القرن الثالث و العشرين قبل الميلاد، كما أشرنا من قبل- و هذا يتفق مع وجهة نظر بعض المؤرخين و المفسرين الإسلاميين من أن عادا إنما أتوا قبل إبراهيم عليه السلام، أي قبل القرن العشرين قبل الميلاد.

ص: 260


1- أنظر ما سبق «عصر إبراهيم»، و كذا كتابنا إسرائيل ص 171- 176

و إذا صدقت وجهة النظر هذه، فإننا نستطيع أن ندعمها بعدة أدلة، منها تلك الآيات الكريمة التي جعلتهم خلفاء لقوم نوح (1)، و منها ورود قصة هود بعد قصة نوح، عليهما السلام، في كثير من المرات في القرآن الكريم (2)، هذا فضلا عن ذكر عاد و ثمود، بين قوم نوح و قوم إبراهيم (3)، و منها قوله تعالى «أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَ عادٍ وَ ثَمُودَ، وَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ» (4)، و قد اتخذ البعض من هذه الآية الكريمة، و التي قبلها، دليلا على أن هذه الأقوام، إنما سبقت عهد موسى- أي القرن الثالث عشر ق. م. (5) على أساس أن الخطاب هنا موجه إلى قوم موسى (6).

غير أن ابن كثير، إنما يرى أن الخبر مستأنف من اللّه لهذه الأمة- أي أمة محمد (صلى اللّه عليه و سلم)- لأن قصة عاد و ثمود ليست في التوراة، فلو كان هذا من قول موسى لقومه و قصصه عليهم، فلا شك أن تكون هاتان القصتان في التوراة (7)، و توسط البيضاوي بين أن يكون من كلام موسى، أو كلام مبتدأ من اللّه (8)، أضف إلى ذلك أننا نرى الترتيب يختلف في سورة الشعراء، إذ تسبق قصة موسى (10- 68) قصة إبراهيم (69- 89) ثم تأتي بعد ذلك قصة نوح (105- 121) فقصة هود (124- 140) ثم قصة صالح (141- 159) فقصة لوط (160- 175) ثم قصة شعيب

ص: 261


1- سورة الأعراف: آية 69، سورة إبراهيم: آية 9، سورة غافر: آية 31
2- أنظر مثلا سور: هود و الأعراف و المؤمنون و الشعراء
3- سورة التوبة: آية 70
4- سورة إبراهيم: آية 9، و انظر سورة غافر: آية 31
5- راجع عن عصر موسى: كتابنا إسرائيل ص 268- 303
6- تفسير الطبري 13/ 187 (طبعة الحلبي 1954)
7- تفسير ابن كثير 4/ 111
8- تفسير البيضاوي 1/ 525- 526

(176- 191)، بل إن ثمودا إنما تتقدم عاد في سورة «ق» حيث يقول سبحانه و تعالى: «كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَ أَصْحابُ الرَّسِّ وَ ثَمُودُ، وَ عادٌ وَ فِرْعَوْنُ وَ إِخْوانُ لُوطٍ» (1).

ص: 262


1- سورة ق: آية 12- 13

ص: 263

الفصل السّابع الثموديون «قوم صالح»

اشارة

ص: 264

[1] أصل الثموديين

ينسب الثموديون إلى «ثمود بن جاثر بن إرم بن سام (1)»، و يذهب البعض إلى أن ثمودا، إنما هو أخو «جديس و طسم» و أنهم أبناء «عابر بن إرم بن سام بن نوح (2)»، و يكتفي البعض بارجاع نسبهم إلى عاد، على أنهم بقية من عاد (3) و أما النبي الكريم، صالح عليه السلام، فهو في رأي البعض- «صالح بن عبيد بن آسف بن ماسخ (أو ماشج) بن عبيد بن حاذر (أو حاجر) بن ثمود» و هو- في رأي البعض الآخر- صالح بن آسف بن كما شج بن إرم بن ثمود، و هو- في رأي فريق ثالث- صالح بن عبد بن ماسح بن عبيد بن حاجر بن ثمود، إلى غير ذلك من سلسلة أنساب (4).

و يجمع المؤرخون الإسلاميون على أن الثموديين عرب، بل و يكادون يتفقون على أنهم من العرب العاربة (5)، ثم يذهبون بعد ذلك مذاهب شتى، حيث يرى فريق منهم أنهم بقية من قوم عاد، و من ثم فإنهم يرون

ص: 265


1- ابن الأثير 1/ 89، صبح الأعشى 1/ 313، المحبر ص 395، المعارف ص 13، المقدسي 3/ 37، نهاية الأرب للقلقشندي ص 200، تفسير الطبري 12/ 524 (دار المعارف)
2- ابن كثير 1/ 130، مروج الذهب 2/ 14، قارن: تفسير المنار 8/ 501، تفسير الطبري 12/ 524
3- تاج العروس 2/ 312، لسان العرب 3/ 105
4- تاريخ الطبري 1/ 226، ابن كثير 1/ 130- 131، أبو الفداء 1/ 12، ابن الأثير 1/ 89، تفسير المنار 8/ 501، روح المعاني 8/ 162، المحبر ص 385، المعارف ص 14، الاكليل 2/ 291، المقدسي 3/ 37، قصص الأنبياء ص 58
5- ابن كثير 1/ 13

أنهم إنما نشئوا في اليمن، ثم غلبهم الحميريون فأجلوهم إلى الشمال، فسكنوا منطقة الحجر (1)، و تلك رواية يناقضها (أولا) ما ذهبنا إليه من قبل، من أن عادا إنما كانت في شمال شبه الجزيرة العربية و ليس في جنوبها و يناقضها (ثانيا) دعواهم بأنهم من العرب العاربة، و أنهم كانوا قبل عهد إبراهيم عليه السلام، و الخليل- كما أشرنا من قبل- إنما كان يعيش في الفترة (حوالي 1940- 1765 ق. م.)، بينما بدأ الحميريون- كما هو معروف- سيادتهم في اليمن في فترة تقرب من الميلاد بقليل أو كثير (2)، و من ثم فالفرق بينهما جد شاسع.

و هناك فريق آخر، يذهب إلى أنهم بقية من العماليق، و لعل هذا هو الذي دفع بعضها من المؤرخين المحدثين إلى القول بأن ثمودا، إنما هم شرذمة من الهكسوس، الذين طردهم احمس الأول في حوالي عام 1575 ق. م.، من مصر (3)، و أنهم سكنوا منطقة الحجر، حيث نحتوا من الجبال بيوتا على غرار المقابر المصرية القديمة التي شاهدوها أثناء إقامتهم في مصر (4).

و ليس لهذا الرأي من دليل، سوى أن أصحابه قد افترضوا أن الهكسوس من العماليق- الأمر الذي رفضناه في دراستنا عن الهكسوس (5)- و أن الثموديين بقية من هؤلاء العماليق، فإذا كان ذلك كذلك، فكيف سكت «احمس» عليهم، و هو الذي حاصر الهكسوس في «شاروهين»- و هو موقع في

ص: 266


1- أبو الفداء 1/ 70، اللسان 3/ 105، تاج العروس 2/ 312
2- عن مبدأ التقويم الحميري: أنظر enneebaS eigolonorhC ,snamkcyR .G 96 .P ,1937 ,I ,sneibaraduS ethcihcseG ,lemmoH .F F 429 -407 .P .P ,4 -3 ,1964 ,noesuM eL
3- أنظر كتابنا «حركات التحرير في مصر القديمة»- الباب الثاني-
4- محمد مبروك نافع: المرجع السابق ص 36
5- محمد بيومي مهران: المرجع السابق ص 131- 137

جنوب غرب فلسطين- ثلاثة أعوام، حتى أجلاهم عنها (1)، بل كيف يترك أحمس بقية منهم يقيمون دويلة- أو حتى إمارة صغيرة- على تخوم دولته، و هو الرجل الذي حدثتنا النصوص التاريخية من أيامه، على أنه قد طارد الهكسوس حتى «زاهي»، و معنى هذا أنه لم يطهر مصر منهم فحسب بل طهر كذلك فلسطين و لبنان، ثم كيف سكت الفراعين على أيام الامبراطورية المصرية (1575- 1087 ق. م.) على هذه الجيوب المعادية في جنوب الإمبراطورية على حدود فلسطين- أو قل على حدود الإمبراطورية مباشرة- و في منطقة تسيطر على طريق القوافل بين مصر و جنوب شبه الجزيرة العربية، و هي جد هامة.

و أما النحت الذي تعلموه من مصر، فلا أظن أن ذلك يستدعي اقامتهم في أرض الكنانة، فوسائل الاتصال بينهم و بين مصر جد كثيرة، و لعلها قد تسربت عبر البحر الأحمر ضمن المؤثرات المصرية في الحضارة العربية القديمة (2) و هناك فريق ثالث يذهب إلى أن الثموديين عرب جنوبيون (3)، هاجروا إلى شمال غرب الجزيرة العربية، كدأب كثير من القبائل الجنوبية التي اشتهرت بكثرة تنقلاتها (4)، و لا أظن أن هذا الفريق من المؤرخين المحدثين قد أصاب كثيرا في رأيه هذا، لأن العادة أن يهاجر الناس من

ص: 267


1- أنظر: نفس المرجع السابق، احمد فخري: مصر الفرعونية ص 256- 257 و كذا 32. P, tsaE eht deluR tpygE nehW, eleeS. K dna fjrodnietS. G
2- أنظر مقالنا «العرب و علاقاتهم الدولية في العصور القديمة»
3- أنظر 673 -659 .P .P ,1868 ,22 ,GMDZ ,nalB .O 132 .P ,malsI'L tnava eiryS ne sebarA sed noitarteneP al ,duassuD .R F 123 .P ,2 ,demmahuM netehporP mucsib netieZ netsetla ned nov sneibarA eihpargroeG dmuethcihcseG red ezzikS ,resalG .E

مواطن القحط إلى الخصب و النماء، و ليس الأمر كذلك بالنسبة إلى اليمن و شمال غرب الجزيرة العربية، ثم إن الهجرات العربية الجنوبية، إنما حدثت في وقت متأخر عن ذلك، و لعل أشهرها تلك الهجرات التي حدثت بعد التصدع الخطير الذي أصاب سد مأرب في القرن السادس الميلادي، و أن كنا نعرف هجرات يمنية متعددة إلى السواحل الإفريقية، بدأت منذ الألف الثاني ق. م.، و استمرت حتى القرن الثالث الميلادي، بل إن بعض الباحثين يرى أن الأحباش أنفسهم، إنما كانوا من غرب اليمن (1).

و أيا ما كان الأمر، فهناك ما يدل على أن الثموديين إنما كانوا من القبائل العربية التي سكنت شمال شبه الجزيرة العربية، هذا فضلا عن أن قبيلة ثمود هذه لم تكن مملكة بالمفهوم الحضاري، و لم تتوطن بشكل دائم في منطقة من المناطق إلا إذا اخذنا في الاعتبار ما يقوله بعض المؤرخين من أن النبطيين و اللحيانيين أصولهم ثمودية، و عندئذ يمكن أن نقول أن هذه الممالك ممالك ثمودية باعتبار أصولها، و إن كانت قد اتخذت اسما جديدا (2).

[2] ثمود في الكتابات القديمة

ليس من شك في أن قصة ثمود اوضح بكثير من قصة عاد، فمنذ القرن الثامن قبل الميلاد، و الكتابات الأشورية تتحدث عن الثموديين هؤلاء،

ص: 268


1- راجع مقالنا الآنف الذكر، ثم أنظر: فضلو حوراني: المرجع السابق ص 54، موسكاتي: المرجع السابق ص 213، 74- 271. P. P, tneicnA eht fo odarodlE ehT, sreteP. C و كذا 126. p, rebarA eiD و كذا 25. p, tic- po, nnamhearG. A
2- عبد الرحمن الانصاري: المرجع السابق ص 89

فالملك سرجون الثاني (722- 705 ق. م.) يتحدث عنهم، من بين من تحدث عنهم من قبائل خاض غمار الحرب ضدها، و قد دعاهم باسم «تامودي idumaT» (idumahT) (1)، بل إنه ليذكر كذلك أنه هجرهم إلى السامرة من بين من هجر من شعوب (2)، يقول العاهل الأشوري في حوليات السنة السابعة «طبقات لوحي صادق من آشور إلهي، قضيت على قبائل تامودي و مورسيمانوا و خيابا (3)، و العرب الذين يعيشون بعيدا في الصحراء، و الذين لا يعترفون برؤساء أو موظفين، و الذين لم يكونوا قد جاءوا بجزاهم لأي ملك، سبيت الأحياء منهم و نقلتهم إلى السامرة (4)».

و قصة التهجير هذه بدأت بعد أن كتب للملك الأشوري نجحا بعيد المدى في القضاء على اسرائيل، و احتلال العاصمة (السامرة) في أخريات عام 722 ق. م.، ثم تهجير سكانها- و ربما النبلاء و الأغنياء فحسب- إلى أنحاء مختلفة من الامبراطورية الآشورية- و هو ما عرف في التاريخ بالسبي الآشوري- و سرعان ما أتى بقوم آخرين من بلاد كان قد استولى عليها (5)، و من بين هؤلاء الآخرين بعض من ثمود.

و أيا ما كان السبب في هذه التهجيرات التي شملت الثموديين، و سواء أ كان الأشوريون يهدفون من ورائها إلى كسر التحالفات القديمة بإدخال أجانب في البلاد، كبداية لظروف جديدة أكثر ملائمة للامبراطورية

ص: 269


1- 5 .P ,1929 ,slanna ehT ,I ,traP ,II nograS fo snoitpircsnI ehT ,eiL .G .A 286 .P ,TENA ni ,miehneppO .L .A 36 .lP ,I ,snoitpircsnI mrofienuC ,nosnilwaR
2- 479 .P ,treseD naibarA eht nI ,lisuM .A 289 .P ,sageH nrehtroN ,lisuM .A
3- راجع عن هذه الشعوب: الويس موسل: شمال الحجاز ص 89- 95
4- 286. P, TENA ni, miehneppO. L. A
5- أنظر كتابنا اسرائيل ص 509- 512، و كذا 282 .P 45 .P ,airyssA fo nograS fo syad eht ni aisA nretseW ,daetsmlO T .A 210 -208 .P .P ,I ,tsaP tneicnA eht morf thgiL ,nageniF .J

الأشورية الطموح، أو أن الهدف لا يعدو أن يكون تعمير مناطق مر بها الآشوريون إلى السامرة، إنما قد عادوا في زمن لا حق لا نستطيع تحديده على وجه اليقين، و أنهم قد أسكنوا في مدين (1).

هذا و قد جاء ذكر الثموديين في النقوش السبئية، و من ذلك نقش، يرجع إلى نهاية القرن السادس أو بداية القرن الخامس ق. م.، و يحكي قصة اثنين من قبيلة ثمود كانا يباشران العمل في ري نخيلهما، و رغم أننا لا نعرف من أي مكان جاء هذا النقش، على وجه اليقين، فأغلب الظن أنه من بلاد سبأ (2). هذا و قد عثر في «نجران» على نقشين سبئيين كذلك، ورد فيهما اسم الإله (صلم)، الذي كان معبودا ثموديا في منطقة تيماء في العقد الذي استوطن فيه الملك البابلي «بنونيد» هذه المدينة- أي في الفترة (555- 546 ق. م.)، بعد حملته المشهورة التي احتل فيها تيماء و ديدان و خيبر و يثرب (3)، و يبدو- على أي حال- أن النقش، الآنف الذكر، من عمل مهاجرين ثموديين (4) و الأمر كذلك بالنسبة إلى نقشين سبئيين يذكران كذلك اسم ثمود، و قد عثر على الواحد منها في وادي «ثوبا»- على مبعدة 200 كيلومتر إلى الشمال الشرقي من عدن، بينما عثر على الآخر في سابق، بوادي ميفعة جنوب عدن (5).

و قد تحدث الكتاب القدامى من الأغارقة و الرومان عن الثموديين كذلك، فقد جاء في «استرابو» (66- 24 م) أن

ص: 270


1- 102. P, tic- po, resalG. E
2- 130. N, sib, 3902, euqitimeS eihpargipE'd eriotrepeR و كذا 16. P, duomahT ed eriotsiH, nednarB ned naV
3- 107 .P ,rozzahsleB dna sudinobaN ,ytrehguoD .P .R 38 .P ,skeerG ehT dna aisreP ,nruB .R .A 363 .P ,tic -po ,renidraG .A
4- ,29 -119 .P .P ,1944 ,SARJ ,snoitpircsnI narjaN ,nottirT .S .A dna ,yblihP .B .J
5- 5054, euqitimeS eihpargipE'd eriotrepeR

«SENEHTSOTARE» (276- 194 ق. م.) قد قسم بلاد العرب إلى قسمين، الواحد شمالي و يسكنه الأنباط، و الآخر جنوبي، و يسكنه المعينيون و الفيتانيون و الحضارمة، و بين الاثنين منطقة وسط- هي الحجاز و عسير- يسكنها «عرب يقتفون الأثر و يرعون الإبل» (1)»، و أكبر الظن أن الرجل قد قصد بذلك الثموديين الذين شاهدهم «ارستون» الذي قام برحلته على سواحل البحر الأحمر الشرقية على أيام بطليموس الثاني (284- 246 ق. م.) و أنهم كانوا- طبقا لتقريره- يسكنون أراض من الحجاز تقع إلى الجنوب من الأنباط (2).

و في القرن الثاني الميلادي نرى «اجاثر شيدس «sedeihcrahtagA» (120 م) يشير إلى أن الثموديين إنما كانوا يحتلون وقت ذاك شواطئ البحر الأحمر، بين الوجه المويلح، و يصف «ديودور» هذه الشواطئ بأنها تمتد مائة ستاد، و أنها صخرية شديدة الإنحدار، و أما «أورانيوس» فثمود، إنما تقع في رأية على حدود المقاطعة النبطية (3).

و يبدو أن صاحب كتاب «الطواف حول البحر الأرتيري (4)» كان يعتمد على موارد أكثر قدما، فهو يرى أن «inednumahT» كانوا يقيمون على ساحل صخري طويل، لا يصلح للملاحة، فلا خلجان تأوي إليه القوارب اتقاء العواصف من الرياح، و لا موانئ ترسوا فيها، أو جزر

ص: 271


1- 8 -7 .P .P ,SI ,ROIB ,sneeduomahT emelborP ud noituloS ed iassE ,nednarB ned naV .A
2- فضلو حوراني: المرجع السابق ص 53- 54، إبراهيم نصحي: دراسات في تاريخ مصر ص 121 و كذا 14. P, SI, AEJ ni, nraT. W
3- الويس موسل: شمال الحجاز ص 92، و كذا 262. P, II, aeS naearhtyrE eht fo sulpireP ehT, tnecniV. W
4- يحدد البعض تاريخ هذا الكتاب بالفترة (50- 60 م) (فضلو حوراني ص 54)، و يحدده آخرون لعام 75 م (موسكاتي ص 78)، أما جاكلين بيرين فتحده يعام 106 م (193- 167. P. P noitad as te nabataQ ed ebarA- duS emuayoR eL)

تحتمي بها من الأخطار، و من ثم فربما كان ما يعنيه أن مواطن الثموديين، إنما كانت في الحجاز على سواحل البحر الأحمر (1).

أما موسوعة «silarutaN airotsiH»- ل «بليني الأكبر» (32- 79 م) فتضع «ieadumaT» بين «atamoD» و «argeaH» و مدينة دعتها «ahtanadaB» (aznahcaB) (2)، أما الحجر، فهي الخريبة الحالية (العلا) على رأي، و مدائن صالح، على رأي آخر، و أما «دوماتا» فهي دومة الجندل في الجوف جنوب وادي السرحان، أما المدينة الثالثة، فيعتقد «ادوارد جلازر» أنها «بيشة» الحالية في عسير (3)، و هكذا نرى «بليني» إنما أسكن الثموديين في الداخل، فربما لأن الساحل في ذلك الوقت إنما كان يحتله اللحيانيون، الذين يعتبرون فرعا من الثموديين (4)، كما أشرنا آنفا.

و لعل «كلوديوس بتولمايس» (138- 165 م)، أقرب إلى المصادر العربية منه إلى المصادر الكلاسيكية، فهو يضع الثموديين بين أل «ianekaraS» و بين «EATAPA»، أي في الجزء الشمالي الغربي من بلاد العرب (5)، على شواطئ مدين، و ربما امتد نفوذهم إلى ما وراء

ص: 272


1- جواد علي 1/ 325، و كذا «و كذا «كتابنا بلاد العرب»، و كذا 262. P, tic- po, tnecnkV. W 302. P, tic- po, lisuM. A
2- ..32 .P ,6 ,57 -456 .P .P ,2 ,( mahkcaR .H ,yb detalsnarT )yrotsiH larutaN ,gnilP
3- .. 126. P, tic- po. resalG. E
4- .. 104. P, tic- po, resalG. E
5- الويس موسل: شمال الحجاز ص 92، جواد علي 1/ 325، و كذا. 360. P, tic- po, sgnitsaH. J 7: 19, V, 2: 7, IV, 4: 7, IV, ymelotP

خليج العقبة (1)، بل إن نفس المؤلف ليشير إلى أنهم إنما سكنوا في المناطق الداخلية كذلك، و بخاصة حول جبل «زاماتوس»، و الذي يرى فيه «جلازر» جبل عريض (2).

و هكذا يبدو من جغرافية بطليموس أن ديار ثمود كانت غير بعيدة عن ديار عاد، لا يفصل بينهما إلا ديار «ionekaraS» و كلها في أعالي الحجاز، في منطقة الطرق التجارية التي تصل بين الشام و مصر من ناحية، و اليمن و الحجاز من ناحية أخرى، فإذا كانت «الحجر» و ما والاها مواطن ثمود، وجب أن تكون ديار عاد على مقربة منها (3).

و على أي حال، فإن المصادر الكلاسيكية، إنما تدلنا على أن الثموديين قد احتلوا المناطق التي سبق للجيوش الآشورية أن احتلتها منذ قرون مضت، و هي مناطق الجوف و موصري (4)، حتى «باداناثا ahtanadaB» في الجنوب، إذا صح ما افترضه «جلازر»، و لكن يجب أن نأخذ في الاعتبار أن الأماكن التي خصصتها المصادر المختلفة كمواطن لقبيلة ثمود، إنما كانت عرضة للاحتلال أو الإخلاء من جانب الثموديين، تبعا للظروف السياسية السائدة في ذلك الوقت، غير أنه يجب

ص: 273


1- 360. P, tic- po, sgnitsaH. J، و يشير الزميل الدكتور خالد الدسوقي في بحثه (قوم ثمود: بين روايات المؤرخين و محتويات النقوش) (في مجلة كلية اللغة العربية و العلوم الاجتماعية- العدد السادس- 1976 ص 251- 296) إلى أن النقوش و الرسومات التي عثر عليها في النقب تؤكد المعلومات التي أوردها بطليموس، قارن 57 -49 .P .P ,1955 ,!,QEP ,vegeN lartneC eht ni sgniwarD -kcoR tneicnA ,itanA .E
2- 108. P, tic- po, resalG. E
3- جواد علي 1/ 325
4- أنظر ما كتبناه عن «موصري» هذه، في كتابنا «بلاد العرب»، ثم في كتابنا «إسرائيل» ص 225- 237، و انظر كذلك: ;tic -po ,llisuM .A 228 .P ,tic -po ,yelretseO .E .O .W 5 .P ,tic -po ,relkcniW .H 199 -197 .P .P ,tic -po ,sdoL .A و كذا مادة sudoxE في aidaepolcycnE hsiweJ ehT 295. p

ألا نطبق ذلك كحقيقة مطلقة على الثموديين، آخذين في الاعتبار طبيعتهم كقبيلة بدوية، كما يجب ألا نأخذ كذلك المعلومات التي امدتنا بها المصادر الكلاسيكية كما هي، لأن الصورة التي ترسمها لمواطن الثموديين ليست كاملة، ففي الوقت الذي يتجاهل فيه «استرابون»- اعتمادا على مصدر من القرن الثالث ق. م.- وجود قبيلة ثمود، فإن معاصره «ديودور الصقلي» يذهب إلى أن ثمود، إنما كانت تسكن شواطئ البحر الأحمر، ثم يأتي «بليني» فيذهب إلى أن الثموديين إنما اتخذوا مواطنهم في الداخل، و ليس على ساحل البحر الأحمر، ذلك لأن الرجل لم يكن- فيما يبدو- على علم باللحيانيين الذين كانوا يقطنون وقت ذاك سواحل مدين، و الذين اعتبروا فرعا من ثمود، و تمضي ثلاثة أرباع القرن، و يأتي بطليموس فيجدد مواضع ثمود على شاطئ مدين، ثم يمتد بها حتى داخل الحجاز (1).

و هكذا يمكن القول بأن الثموديين إنما كانوا يسكنون في القرن الثاني ق. م.، و حتى نهاية القرن الثاني الميلادي في بلاد مدين، فضلا عن أننا نجدهم منذ بداية القرن الأول الميلادي في الحجاز و الجوف و وسط الجزيرة العربية، و أنهم قد بقوا في هذه المناطق حتى نهاية القرن الثاني الميلادي، فاذا أضفنا إلى ذلك ما يمكن استنتاجه من المصادر الآشورية و إشارات المؤرخين العرب، لأمكن القول، أنه منذ بداية القرن الثاني الميلادي، فإن المنطقة التي سكنها الثموديون قد اتسعت تدريجيا حتى شملت بلاد العرب الشمالية و الوسطى، من الحدود السورية شمالا، إلى مسافة قريبة

ص: 274


1- خالد الدسوقي: المرجع السابق ص 269- 270

من حدود سبأ جنوبا (1) و أما المصادر العربية، فتكاد تجمع على أن ثمودا إنما كان مقامها بالحجر إلى وادي القرى بين الحجاز و الشام (2). على أن ارتباطها بعاد (3) إنما يقتضي تقاربهما في المكان، و من ثم فقد ذهب البعض إلى أن ثمودا إنما كانت بين الشام و الحجاز، إلى ساحل البحر الحبشي (البحر الأحمر)، و ديارهم بفج الناقة، و أن بيوتهم منحوتة في الجبال، و أن رممهم كانت حتى أيامه (توفي 346 ه) باقية، و آثارهم بادية، و ذلك في طريق الحجّ لمن ورد الشام في وادي القرى (4) و على أى حال، فوفقا للنقوش الموجودة على معبد الغوافة الذي بنته قبيلة ثمود، فيما بين نهاية عام 166 م، و بداية عام 169 (5)، فإن ثمود كانت

ص: 275


1- نفس المرجع السابق ص 281- 282
2- ابن كثير 1/ 130، أبو الفداء 1/ 12، البكري 2/ 426، الطبري 1/ 226،- 227، ابن الاثير 1/ 89، تفسير المنار 8/ 501، 12/ 120، تفسير الألوسي 8/ 162، 14/ 76، تفسير البيضاوي 1/ 545، تفسير ابن كثير 4/ 171، تفسير الطبري 12/ 524، 528 (دار المعارف)، روح المعاني 30/ 124، تفسير القرطبي 10/ 46 (دار الكاتب العربي 1967)، 20/ 48 (دار الكتب المصرية 1950)، تفسير النسفي 2/ 277، تفسير الطبري 14/ 49- 50 (دار المعارف)، تفسير الجلالين 1/ 545 (نسخة على هامش البيضاوي)، تاريخ الخميس ص 84، ياقوت 2/ 221، المعارف ص 14، المحبر ص 384، نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب ص 19، 200، قصص الأنبياء ص 58- 59
3- كثيرا ما يقرن القرآن الكريم ذكر عاد بثمود، كما في التوبة و إبراهيم و الفرقان و ق و النجم و الفجر، بل ان هناك تشابها بين القصتين في الوقائع و في المصير، بل و في كثير من التعابير
4- مروج الذهب 2/ 14، نهاية الأرب 13/ 71، جواد علي 1/ 324، جرجي زيدان: المرجع السابق ص 67، ميرول نافع ص 36
5- 260 .P ,1957 ,34 ,airyS ni ,gniryeS .H .M ,15 .P ,duomahT ed eriotsiH ,9 -8 P .P ,1958 ,15 ,ROIB ,nednarB ned naV ,F 127 .P ,1955 ,9 ,JEM ,naidiM fo dnaL ehT ,ybihP .B .J

في منتصف القرن الثاني الميلادي تملك حرة العوارض و حرة الرحا (1) (الأرحاء)، و إن كان «دوتي» يذهب إلى أن الحجر التي كان يسكنها الثموديون، إنما هي في موضع الخريبة (العلا)، و ليس في مدائن صالح، التي يرى أنها حجر الانباط، و التي تقع على مبعدة عشرة أميال من الخريبة (2) هذا و ليس هناك في المصادر الإسلامية ما يفيد بوجود قبائل ثمودية عند ظهور الإسلام، أو حتى قبيل ظهوره، و كل ما نعرفه هو محاولة البعض نسب «ثقيف» إلى ثمود، ربما نكاية في الحجاج الثقفي (3)، و رواية «دوتي» التي يذهب فيها إلى أن بدو «نجد» يذكرون أن قبيلة بني هلال من نسل عاد و ثمود (4).

و يروى أن رسول اللّه- صلوات اللّه و سلامه عليه- مرّ بقرية ثمود- و هو في طريقه إلى تبوك- و أنه قال لأصحابه «لا يدخلن أحد منكم القرية و لا تشربوا من مائهم» ثم أراهم مرتقي الفصيل في الجبل، و الفج الذي كانت الناقة ترد منه، و أنه- (صلى اللّه عليه و سلم)- قال لهم: لا تدخلن على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، أن يصيبكم ما أصابهم (5)

ص: 276


1- 291. P, zageH nrehtroN eht, tisuM. A
2- 229. P, atreseD aibarA ni slevarT, ythguoD. M. C
3- جواد علي 1/ 326، تاريخ ابن خلدون 2/ 24، ياقوت 3/ 54، نهاية الأرب للقلقشندي ص 198، 200، و كذا 137. P, tic- po, yremogtnoM. J
4- 63. P, tic- po, ythguoD. M. C
5- ابن الاثير 1/ 93، ابن كثير 1/ 138- 139، تفسير ابن كثير 4/ 171، تاريخ الطبري 1/ 231، تفسير الطبري 12/ 524، 539، روح المعاني 8/ 168، 14/ 76، تفسير القرطبي 10/ 46- 48، تفسير المنار 8/ 503، صحيح البخارى 6/ 270، 8/ 95، صحيح مسلم 18/ 111 تفسير الطبري 14/ 50

[3] ثمود في القرآن الكريم

تحدث القرآن الكريم في كثير من سوره عن قوم ثمود (1)، هذا إلى جانب أن كثيرا ما يقرن الله في كتابه العزيز بين ذكر عاد و ثمود، كما في سورة التوبة و إبراهيم و الفرقان و ص و ق و النجم و الفجر (2)- كما أشرنا من قبل- و في كل هذه الآيات الكريمة نرى قوم ثمود (3) يعبدون آلهة غير اللّه، و يعيثون في الأرض فسادا، و ينحتون من الجبال بيوتا فارهين، فأرسل اللّه إليهم أخاهم صالحا، يدعوهم إلى عبادة اللّه الواحد القهار، و ينهاهم عن عبادة الأوثان، و ينذرهم عذاب يوم عظيم، لئلا يكون للناس على اللّه حجة بعد الرسل (4).

و نجح صالح عليه السلام في دعوته مع نفر قليل من قومه، إلا أن الغالبية العظمى منهم قد كفروا برسالته، و عتوا في طغيانهم عتوا كبيرا، و طلبوا منه أن يجي ء بآية، إن كان من الصادقين، فقال لهم:

«هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَ لا تَمَسُّوها بِسُوءٍ، فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (5)».

غير أن النفوس العاتية التي لا تسمع موعظة، و لا تقبل نصيحة،

ص: 277


1- سورة الأعراف (73- 79) و هود (61- 68) و الحجر (80- 84) و الاسراء (59) و الشعراء (141- 159) و النمل (45- 53) و ص (13) و فصلت (17- 18) و الذاريات (43- 45) و النجم (50- 51) و القمر (23- 32) (4- 5) و الفجر (9) و الشمس (11- 15)
2- ابن كثير 1/ 132، و انظر: التوبة (70) و إبراهيم (9) و الفرقان (38) و ق (12- 13) و النجم (50- 51) و الفجر (6- 9)
3- هناك خلاف في النسبة إلى ثمود، فهي إما إلى جد القبيلة ثمود، و إما لقلة مائهم، فهو من ثمد الماء إذا قلّ، و الثمد الماء القليل (تفسير روح المعاني 8/ 162، تفسير المنار 8/ 501)
4- سورة النساء: آية 165
5- سورة الأعراف: آية 73

و التي قد أعماها حب التمرد و الطغيان، و أصم آذانها عن قبول دعوة اللّه، قد أبت إلا الإجرام، فاقدموا على عقر الناقة بغيّا و عتوا (1)، «فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَ عَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ، وَ قالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ، فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ» (2)، و هكذا هلك الكافرون بصالح، إلا رجلا واحدا- دعوه أبا رغال- كان في حرم اللّه، فمنعه حرم اللّه من عذاب اللّه (3)، و إن أضافت رواية أخرى، أنه ما أن خرج من الحرم حتى أصابه ما أصاب قومه (4).

هذه عجالة نلخص بها قصة ثمود- كما اوردها ربي جل جلاله في القرآن الكريم- إلا أن المؤرخين و المفسرين قد اضافوا إليها كثيرا من أخبار تتعلق بمصير الذين آمنوا مع صالح، عليه السلام، فذهب فريق إلى أنهم إنما سكنوا ناحية الرفلة من فلسطين، لأنها أقرب بلاد الخصب إليهم، و العربي إنما يطلب الكلأ لرعي ماشيته، و الأرض ذات الماء، و ذهب فريق آخر إلى أنهم إنما سكنوا مكة، و أن صالحا إنما توفي بها، و هو ابن ثمان و خمسين سنة، بينما ذهب فريق ثالث إلى أن موطن المؤمنين الجديد، إنما كان في حضرموت، بل و زعم هذا الفريق أن قبر النبي الكريم هناك كذلك (5).

و هناك من يرى أن ثمودا، إنما أصيبوا بكارثة عظيمة، من ثوران براكين، أو من هزات أرضية، معتمدا في ذلك على ما ورد في القرآن

ص: 278


1- محمد علي الصابوني: المرجع السابق ص 245، تفسير الطبري 12/ 528- 534 (دار المعارف)، مروج الذهب 2/ 15- 18
2- سورة الأعراف: آية 77- 78
3- تفسير الطبري 12/ 68- 14/ 50
4- تفسير المنار 8/ 505- 506، تفسير الطبري 12/ 538، البداية و النهاية 1/ 137
5- تفسير الطبري 12/ 536، روح المعاني 8/ 162، 168، المقدس 3/ 41، مبروك نافع: المرجع السابق ص 36، تاريخ الطبري 1/ 232

الكريم من كلمات «رجفة» و «صيحة»، و ربما كان الأمر كذلك، فمنطقة إقامتهم، إنما هي واحدة من مناطق الحرار في شبه الجزيرة العربية (1).

و لعل مصير عاد و ثمود، كثيرا ما يشبه مصير سدوم و عمورة، و بقية مدن الدائرة الخمس في عمق السديم (2)، و التي تقع- فيما يرى علماء التوراة- في جنوب البحر الميت، ذلك أن اللّه سبحانه و تعالى قد أرسل على هذه المدن كبريتا و نارا، و أنه جعل عاليها سافلها (3)، و إلى هذا يشير القرآن الكريم في قوله تعالى «فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ، فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَ أَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (4)»، فإذا ما تذكرنا أن سكان هذه المدن هم قوم (5) لوط- عليه السلام- سهل علينا أن نفهم السبب في أن اللّه، جل و علا، قد ربط بين هذه الأقوام جميعا في القرآن الكريم، حيث يقول سبحانه و تعالى «وَ ثَمُودُ وَ قَوْمُ لُوطٍ وَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ (6)

ص: 279


1- انظر: تفسير المنار 8/ 506- 507، روح المعاني 8/ 165، 12/ 92، 14/ 76، تفسير الطبري 12/ 544- 546 و كذا 736 P ,I ,malsI fo ycnE 91 .P ,tic -po ,yremogtnoM .A .J 734 .P ,tic -po ,sgnitsaH .J
2- جواد علي 1/ 332، قاموس الكتاب المقدس 1/ 551، 2/ 119، 300، و كذا 91 .P ,tic -po ,yremogtnoM .A .J 734 .P ,tic -po ,sgnitsaH .J 3790 .P ,1899 ,I ,BE 28 .P ,1923 ,neibarA ,ztiroM .B
3- تكوين 19: 23- 26
4- سورة الحجر: آية 73- 74
5- جاء ذكر قوم لوط في سورة كثيرة من القرآن الكريم (أنظر: الاعراف (80- 84) و هود (77- 83) و الحجر (61- 75) و الشعراء (160- 175) و النمل (54- 58) و التحريم (10)، ثم أنظر القصة في: تاريخ الطبري 1/ 292- 307، ابن الأثير 1/ 118- 122، ابن كثير 1/ 175- 183، مروج الذهب 1/ 57- 58، اليعقوبي 1/ 25- 26، قصص الأنبياء للنجار: ص 112- 118، قصص الأنبياء للثعالبي ص 103 و ما بعدها.
6- سورة ص: آية 13

هذا و يرى «دي برسيفال» أن هناك ثمة تقارب بين الثموديين، و بين الحوريين (1) سكان بلاد سعير، حتى برية فاران، و أن الخلط في الأخبار بينهما، يرجع إلى أن الثموديين، إنما كانوا يسكنون في مجاورات الحوريين (2).

[4] عصر قوم صالح عليه السلام

يتجه بعض المؤرخين الاسلاميين إلى أن عصر صالح عليه السلام، إنما كان على أيام إبراهيم عليه السلام، و أن الفترة بين هلاك عاد و هلاك ثمود كانت خمسمائة عام (3)، غير أن هناك من يرى أن عادا إنما هلكوا بعد عهد إبراهيم الخليل و بناء الكعبة، و قبل زمن موسى عليه السلام (4)، و إذا كان صحيحا ما ذهبنا إليه في كتابنا إسرائيل- و سبق أن اشرنا إليه هنا- من أن إبراهيم الخليل قد عاش في الفترة (1940- 1765 ق. م.)، و أن

ص: 280


1- اختلف المؤرخون في الحوريين، فمنهم من يرى أنهم شعب ما زال أصله مجهولا، و من يرى أنهم شعب هندو أوربي، و لكنهم يجمعون على أنهم جاءوا من المرتفعات الواقعة بين بحيرة أورمية و جبال زاجروس، و قد غزوا شمال بلاد النهرين و سورية الشمالية، ثم كانوا مملكة «ميتاني» التي امتد سلطانها من مرتفعات ميديا إلى البحر المتوسط، و كانت عاصمتها «واشوكاني» التي يظن أنها مكان «الفخارية» على الخابور شرق تل حلف و حاران، و قد عرفت في النصوص المصرية باسم «تهارينا»)، ثم انتشر الحوريون في سورية المخفضة الخصيبة، و وصلوا الى فلسطين فنزلوا البقاع الواسعة بين نهر الحسا و خليج العقبة، و قد بلغ انتشارهم في بلاد الشام درجة دعت المصريين إلى أن يطلقوا اسم «خورو» (خارو) على بلاد كنعان، و يبدو أنهم هم الحوريين حكام شكيم على أيام يعقوب (أنظر كتابنا إسرائيل ص 354- 355؛ فيليب حتى: المرجع السابق ص 161- 165)
2- عبد العزيز سالم: المرجع السابق ص 95- 96، و كذا 26 .P ,1847 ,siraP ,sebarA sed eriotsiH'l ruS ,iassE ,lavecreP ed nissuaC
3- الدينوري: الأخبار الطوال ص 7
4- عبد الوهاب النجار: قصص الأنبياء