التفسير و المفسرون(للمعرفة) المجلد 2

اشارة

سرشناسه : معرفت هادي

عنوان و نام پديدآور : التفسير و المفسرون في ثوبه القشيب تاليف محمدهادي معرفه

مشخصات نشر : مشهد: الجامعه الرضويه للعلوم الاسلاميه 1418ق 1377 -

مشخصات ظاهري : ج.

شابك : 3500 ريال (دوره) ؛ 150000 ريال ( دوره، چاپ چهارم) ؛ ج.1، چاپ چهارم : 978-964-7673-55-6 ؛ 120000 ريال ج.2، چاپ سوم : 978-964-7673-34-1

يادداشت: عربي

يادداشت: ج. 1 (چاپ چهارم: 1429ق. = 1387).

يادداشت : ج 2 (چاپ اول 1419ق = 1377).

يادداشت : ج.2 (چاپ سوم: 1428 ق.=1386).

يادداشت : كتابنامه

موضوع : مفسران.

موضوع : تفسير -- فن

شناسه افزوده : دانشگاه علوم اسلامي رضوي

رده بندي كنگره : ‮ BP91/5 /م 6ت 7 1377

رده بندي ديويي : ‮ 297/171

شماره كتابشناسي ملي : م 77-13769

[الجزء الثانى]

[تتمة التفسير نشأته و تطوّره

المرحلة الخامسة التفسير في عهد التدوين

اشارة

النمط الأول التفسير بالمأثور* أنحاء التفسير بالمأثور:

1- تفسير القرآن بالقرآن 2- تفسير القرآن بالسنة 3- تفسير القرآن بقول الصحابي 4- تفسير القرآن بقول التابعي* آفات التفسير بالمأثور 1- ضعف الأسانيد 2- الوضع في التفسير 3- الإسرائيليات* أشهر كتب التفسير بالمأثور

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 9

شكر و تقدير

و يجدر بنا أن نقدّر خدمات فنّية و علميّة قام بها كل من أصحاب الفضيلة:

نصيري، مرويان، بهادري، اكبري، مريجكاني، شهركي فلاح، على زاده، حاتمي، شيخ حافظ في إنجاز هذا المشروع الضخم و ساهموا فى مراجعته و إخراجاته الفنيّة و إعداد فهارسه و تنضيد حروفه المطبعيّة بالحاسب الإلكتروني و غيرها، في قسم الدراسات القرآنيّة في الجامعة الرضويّة. فنقدّم لهم جزيل شكرنا المتواصل و نبتهل إلى اللّه أن يوفّق الجميع لخدمة الدين و لا سيمّا أساسه القويم القرآن الكريم إنّه تعالى ولى التوفيق.

الجامعة الرضويّة للعلوم الإسلاميّة قسم الدراسات القرآنية

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 11

التفسير في عهد التدوين

كان التفسير في عهد نشوئه إنّما يتلقّى شفاها و يحفظ في الصدور، ثم يتناقل نقل الحديث يدا بيد. هكذا كان التفسير على عهد الرسالة، و على عهد الصحابة و التابعين الأوّل. أما في عهد تابعي التابعين، فجعل يضبط و يثبت في الدفاتر و الألواح؛ و بذلك بدأ عهد تدوين التفسير إلى جنب كتابة الحديث، و ذلك في أواسط القرن الثاني؛ حيث راج تدوين الأحاديث المأثورة عن السلف.

و لعل أوّل من سجل التفسير في الدفاتر و الألواح هو مجاهد بن جبر، توفّي سنة (101). يقول ابن أبي مليكة: «رأيت مجاهدا يسأل ابن عباس عن تفسير القرآن، و معه ألواحه. فيقول له ابن عباس: اكتب. قال: حتى سأله عن التفسير كلّه» «1». و كان أعلم الناس بالتفسير. قال الفضل بن ميمون: «سمعت مجاهدا يقول: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة» «2».

و له تفسير متقطّع و مرتّب على السور، من سورة البقرة إلى نهاية القرآن.

(1) راجع: تفسير الطبري، ج 1، ص 31.

(2) تهذيب التهذيب لابن حجر، ج 10، ص 43.

التفسير و

المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 12

يرويه عنه أبو يسار عبد اللّه بن أبي نجيح الثقفي الكوفي، توفّي سنة (131) و قد صححه الأئمة و اعتمده أرباب الحديث، و قد طبع أخيرا في باكستان سنة (1367 ه ق) حسبما تقدم في ترجمته.

و يذكر ابن حجر عند ترجمته لعطاء بن دينار المصري- و كان من ثقات المصريين، توفّي سنة (126)- أنّ له تفسيرا يرويه عن سعيد بن جبير، قتل سنة (95) و كان في صحيفة. قال: و لا دلالة أنّه سمع من سعيد بن جبير. و عن أبي حاتم أنه أخذه من الديوان؛ و ذلك أنّ عبد الملك بن مروان، توفي سنة (86) سأل سعيدا أن يكتب إليه بتفسير القرآن، فكتب سعيد بهذا التفسير. فوجده عطاء بن دينار في الديوان فأخذه، فأرسله عن سعيد «1».

فهذا صريح في أنّ سعيد بن جبير جمع تفسير القرآن في كتاب، و هذا الكتاب أخذه عطاء بن دينار. و بما أنّ سعيد بن جبير قتل سنة (95) و لا شكّ أنّ تأليفه هذا كان قبل موت عبد الملك سنة (86) فهذا التفسير قد كتب و دوّن قبل هذا الحين.

و يذكر ابن خلكان: أنّ عمرو بن عبيد- شيخ المعتزلة، توفي سنة (144)- كتب تفسيرا للقرآن عن الحسن البصري المتوفى سنة 116 «2».

و لابن جريج، توفّي سنة (150) تفسير كبير في ثلاثة أجزاء، يرويه بواسطة عطاء بن أبي رباح عن ابن عبّاس، توفي سنة (68)، و يرويه عنه محمّد بن ثور.

و قد صححته الأئمة «3». و ذكر أحمد بن حنبل: أنّه أوّل من صنّف الكتب «4».

(1) تهذيب التهذيب، ج 7، ص 198- 199، رقم (382).

(2) وفيات الأعيان لابن خلكان، ج 3، ص 462،

رقم (3. 5).

(3) الإتقان للسيوطي، ج 4، ص 208.

(4) تهذيب التهذيب، ج 6، ص 403- 404.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 13

و أمثال هذه التفاسير ممّا كتب على الألواح أو في صحائف ذلك العهد كثير، كانت تقتضيه طبيعة الأخذ و التلقّي ذلك الحين، و قد قلّ الاعتماد على الحفظ و الضبط في الصدور.

غير أنّ هذه التفاسير كانت مقتصرة على نقل المعاني و روايتها عن التابعين و الأصحاب، و ثبتها في الدفاتر خشية الضياع، و لم يكن التفسير قد توسّع أو دخله الاجتهاد في شكل ملحوظ.

و لعلّ أوّل من توسّع في التفسير و ضمّ إلى جانب المعاني جوانب أخر و لا سيّما التعرّض لأدب القرآن و ذكر خصائص اللّغة، و اجتهد في ذلك، هو أبو زكريا يحيى بن زياد الفرّاء المتوفّى سنة (207).

يذكر ابن النديم في «الفهرست» أنّ أبا العبّاس ثعلب قال: كان السبب في إملاء كتاب الفرّاء في معاني القرآن، أنّ عمر بن بكير كان من أصحابه، و كان منقطعا إلى الحسن بن سهل. فكتب إلى الفرّاء: أنّ الأمير الحسن بن سهل، ربّما سألني عن الشي ء بعد الشي ء من القرآن، فلا يحضرني فيه جواب. فإن رأيت أن تجمع لي أصولا، أو تجعل في ذلك كتابا، أرجع إليه فعلت. فقال الفرّاء لأصحابه:

اجتمعوا حتى أملي عليكم كتابا في القرآن، و جعل لهم يوما، فلمّا حضروا خرج إليهم، و كان في المسجد رجل يؤذّن و يقرأ بالناس في الصلاة. فالتفت إليه الفرّاء، فقال له: اقرأ بفاتحة الكتاب نفسّرها، ثمّ نوفي الكتاب كلّه. فقرأ الرجل و يفسّر الفرّاء. قال أبو العبّاس: لم يعمل أحد قبله مثله، و لا أحسب أنّ أحدا يزيد عليه «1».

(1) الفهرست

لابن النديم، ص 105.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 14

و لا شكّ أنّ تفسير الفرّاء هذا هو أوّل تفسير تعرض لآيات القرآن آية آية، حسب ترتيب المصحف و فسّرها على التتابع، و توسّع فيه. و كانت التفاسير قبله تقتصر على تفسير المشكل، و بصورة متقطّعة، غير مستوعبة لجميع الآيات على التتابع. و قد جنح إلى هذا الرأي الأستاذ أحمد أمين المصري في «ضحى الإسلام» «1».

و على أيّ تقدير، فإنّ ذلك يعدّ أوّل بذرة غرست للتفسير المدوّن بشكل رتيب. فقد كان القرن الثاني من بدايته إلى نهايته، عهد تطوّر التفسير، من مرحلة تناقله بالحفظ إلى مرحلة كتابته بالثبت. كما أخذ بالتوسّع و الشمول أيضا بعد ما كان مقتصرا على النقل بالمأثور.

و ازداد في القرن الثالث فما بعد، في الأخذ في التنوّع، و تلوّنه بألوان العلوم و المعارف و الثقافات التي كانت دارجة في تلك العصور.

تدرّج التفسير و تلوّنه

و في هذا الدور أخذ التفسير يخطو من مرحلة إلى أخرى و يزداد توسّعا و تنوّعا. فقد انتقل من دور التفسير بالمأثور إلى دور الاجتهاد العقلي و إعمال النّظر و الرأي، و استنباط معاني القرآن الكريم في ضوء الأدب- أوّلا- ثمّ في ضوء أنواع العلوم و المعارف الّتي كان ذلك العهد أهلا بها، مضافا إليه بعض النظرات الفلسفية الكلامية، ممّا نشأ على يد أرباب الكلام و ذوي النزعات المذهبية العقائدية، و كانت متنوّعة ذلك العهد. كل ذلك أثّر في التفسير، و زاد في حجمه،

(1) ضحى الإسلام، ج 2، ص 140- 141.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 15

كما جعله على أنواع و أشكال مختلفة.

فمنهم من اقتصر على أسلوب السلف بالاكتفاء بالتفسير بالمأثور من أقوال الصحابة و كبار التابعين، و

منهم من زاد عليه بالتوسّع في اللغة و الأدب، و منهم من تجاوز إلى معارف أخر من فلسفة و كلام؛ و بذلك تلوّن التفسير حسب ألوان الثقافات الموجودة آنذاك.

و لكلّ من هذه الألوان و الأنحاء التفسيرية مميّزاته و مشخّصاته، بها يمتاز كل نوع من التفسير عن سائر الأنواع، و منهم من جمع بين هذه الألوان أو بعضها؛ فكانت تفاسير جامعة تتعرّض لمختلف أبعاد التفسير، كاللغة و الأدب و الكلام، إلى جنب المأثور من الأحاديث الواردة و نقل الأقوال. و قد كثر في العهد المتأخّر هذا النمط الجامع من التفسير، كما قد زاد عليه المتأخّرون جوانب الشّئون الاجتماعية و السياسية الّتي تعرّض لها القرآن، و بسّطوا القول فيها حسب حاجة الزمن.

و هكذا تدرّج التفسير، و اتّجهت الكتب المؤلّفة فيه اتجاهات متنوعة و تحكّمت الاصطلاحات العلمية و العقائد المذهبية في عبارات القرآن الكريم، فظهرت آثار الثقافة الفلسفية و العلمية للمسلمين في تفسير القرآن، كما ظهرت آثار العرفان الصوفي، و آثار النحل و الأهواء فيه ظهورا جليّا.

و ذلك أنّ كل من برع في فنّ من فنون العلم و الأدب، يكاد يقتصر تفسيره على الفنّ الّذي يرع فيه. فالنحويّ تراه لا همّ له إلّا الإعراب، و ذكر ما يحتمل في ذلك من أوجه. و تراه ينقل مسائل النحو و فروعه و خلافاته، و ذلك كالزجّاج، و الواحدي في «البسيط»، و أبي حيّان في «البحر المحيط».

و صاحب العلوم العقلية تراه يعني في تفسيره بأقوال الحكماء و الفلاسفة، كما يذكر شبههم و الردّ عليها، و ذلك كالفخر الرازي في كتابه «مفاتيح الغيب».

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 16

و صاحب الفقه تراه قد عنى بتقريره الأدلّة للفروع الفقهيّة، و الردّ على

من يخالف مذهبه، و ذلك كالجصاص و القرطبي و أمثالهما كثير.

و صاحب التاريخ ليس له شغل إلّا القصص، و ذكر أخبار السلف، ما صحّ منها و ما لم يصحّ، و ذلك كالثعلبي و الخازن و غيرهما.

و أصحاب المذاهب الكلامية إنما يحاولون تأويل الظواهر إلى ما يتّفق و مذاهبهم في الكلام، و يقصرون الكلام في تفاسيرهم على هذا الجانب؛ حيث يتوسعون فيه، و ذلك كالرماني و الجبائي، و القاضي عبد الجبّار، و الزمخشري و الفيض الكاشاني.

و أرباب التصوّف و العرفان الصوفيّ إنما يتّجهون بكل اتّجاهاتهم إلى ناحية تزكية الروح و تطهير النفس، و الترفع بها إلى ذروة الأخلاق الحميدة، كما يحاولون في استخراج المعاني الإشارية- حسبما يزعمون- من الآيات القرآنية بما يتّفق مع مشاربهم، و يتناسب مع رياضاتهم و مواجيدهم في عرفان الذات.

و من هؤلاء ابن عربي، و أبو عبد الرحمن السلمي، و القشيري في «لطائف الإشارات»، و الفيض الكاشاني في أكثر مواضع تفسيره.

و هكذا فسّر كل صاحب فنّ أو مذهب بما يتناسب مع فنّه أو يشهد لمذهبه.

و قد استمرّت هذه النزعة العلمية و العقائدية، و راجت في فترة غير قصيرة رواجا عظيما، كما راجت في عصر متأخّر تفسيرات يحاول أهلها أن يحملوا آيات القرآن كل العلوم ما ظهر منها و ما لم يظهر، كأنّ هذا فيما يبدو وجه وجوه إعجاز القرآن و صلاحيته، لأن يتمشى مع الزمن، فيما زعموا.

أما في عصرنا الحاضر فقد راج اللّون الأدبي الاجتماعي على التفسير، و وجدت بعض محاولات علميّة، في كثير منها تكلّف باهت و غلوّ ظاهر و سنتكلّم عن مختلف هذه الألوان، بما وسع لنا المقال إن شاء اللّه.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 17

كان التفسير في اجتيازه

تلك المراحل و تطوّره مع سير الزمان، قد وجدت له ألوان و ظهرت أشكال، أشرنا إليها. غير أنّ هذه الأشكال و الألوان لم تزل مستمرة، و دام وجودها في كل عصر من الأعصار. و من ثمّ فإنّ المفسرين لم يزالوا يتنوّعون في التفسير، و تظهر على أيديهم أنواع من التفسير، حسب مختلف براعاتهم في الفنون و العلوم، و تخصّصاتهم في أنحاء المعارف و الثقافات؛ و بذلك نستطيع أن ننوّع التفسير منذ عهد تدوينه فإلى الآن، إلى أنواع مختلفة:

و لقد كان التفسير في بدء نشوئه متقطّعا و مترتّبا حسب ترتيب السور و الآيات. كان المفسّر يراجع شيخه في مواضع من القرآن، كان قد أشكل عليه فهمه، فيسأله عنه و يسجّله في دفتره، مبتدئا من أوّل القرآن إلى آخره. هذا هو نمط التفسير المأثور عن السلف، المحفوظ بعضه إلى اليوم، كتفسير مجاهد و غيره.

فأوّل نوع من التفسير الذي جاء إلى الوجود هو «التفسير بالمأثور» و متقطعا، و لكن مرتّبا حسب ترتيب السور و الآيات. ثم بعده أخذ في تشكّل أكثر و انسجام أبلغ، مضافا إليه بعض التوسّع و التنوّع، كما عرفت.

و لكن ظهر إلى جنب هذا النوع من التفسير الترتيب، نوع آخر تعرض للجوانب الفقهيّة أو اللغويّة فقط، تاركا جوانبه الأخر، و هذا نوع من «التفسير الموضوعي» الذي ظهر إلى عالم الوجود، من أوّل يومه و لا يزال.

فهذه كتب آيات الأحكام، و كتب غريب القرآن، هي تفاسير موضوعيّة، مقتصرة على جانب فهم الأحكام، و استنباط فروع المسائل من القرآن، و هكذا تفسير ما ورد في القرآن من غريب الألفاظ.

و هكذا تنوّع التفسير من أوّل يومه إلى تفسير رتيب و تفسير موضوعي، غير أنّ التفسير الرّتيب كان مقتصرا

في الأكثر على المأثور من الأقوال و الآثار،

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 18

و الموضوعي على الفقه و اللغة فحسب. و زاد المتأخرون جانب الناسخ و المنسوخ في القرآن، و أسباب النزول، و غيرهما من مواضيع قرآنية، أفردوا لها كتبا تبحث عنها بالخصوص.

و التفسير الرتيب مذ نشأ، نشأ على نمطين: تفسير بمجرد المأثور من الآراء و الأقوال، و تفسير اجتهادي معتمد على الرأي و النظر و الاستدلال العقلاني.

و من هذا النمط الثاني التفاسير التي غلب عليها اللّون المذهبي أو الكلامي أو الصوفي العرفاني- و هو من التفسير الباطني في مصطلحهم- و كذلك اللغوي و الأدبي و ما شاكل. و هناك من جمع بين هذه الأبعاد المتنوّعة، فجاء تفسيره جامعا لمختلف الجوانب التي تعرّض لها المفسّرون المتخصّصون.

و قد شاع هذا النمط الجامع من التفسير في العصور المتأخّرة، فكانت تفاسير جامعة بين العقل و النقل، مضافا إليه جانب أدب القرآن، أمثال تفسير أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي- من أكبر علماء القرن السادس- و بحق أسمى تفسيره ب «مجمع البيان»؛ حيث كان من أحسن التفاسير و أجمعهن لمختلف جوانب القرآن الكريم. و هكذا تفسير أبي عبد اللّه محمّد بن أحمد القرطبي- من علماء القرن السابع- المسمّى ب «الجامع لأحكام القرآن»، فإنه تفسير جامع نافع، و غيرهما كثير، و سنتعرّض لها.

و أما التفاسير المقتصرة على مجرد النقل فأقدمها من حيث البسط و الشمول تفسير «جامع البيان» تأليف أبي جعفر محمّد بن جرير الطبري المتوفّى سنة (310)، ثم «الدرّ المنثور» لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي المتوفّى سنة (911)، و بعدهما تفسير «نور الثقلين» لعبد علي بن جمعة العروسي الحويزي المتوفّى سنة (1091)» و «البرهان في

تفسير القرآن» للسيد هاشم بن

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 19

سليمان البحراني التوبلي الكتكاني المتوفّى سنة (1109)، و هذان اقتصرا على المأثور عن أئمة أهل البيت عليهم السّلام. و قد زاد عليهما و بسط الكلام في هذا النوع من التفسير المولى صالح البرغاني القزويني المتوفّى سنة (1294)، له تفسير كبير معتمد على المأثور من أحاديث أهل البيت عليهم السّلام.

و أما المناهج التفسيرية التي يسلكها المفسّر و يتّجه نحوها في تفسيره للآيات القرآنية، فتختلف حسب اختلاف اتجاهات المفسرين و أذواقهم، و أيضا حسب معطياتهم و مواهبهم في العلوم و المعارف و أنحاء الثقافات، فمنهم من لا يعدو النقل، معتقدا أن لا سبيل للعقل في تفسير كلامه تعالى، و منهم من أجاز للعقل التدخّل فيه، و يرى للرأي و النظر و الاجتهاد مجالا واسعا في التفسير؛ حيث قوله تعالى: أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها «1» و قوله تعالى:

وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ «2» فللتّدبّر في القرآن، و التفكّر حول آياته و مفاهيمه مجال واسع، قد فتح القرآن ذاته أبوابه بمصراعين. غير أنّ بعضهم أسرف في التعقّل، و ربّما التحق بالتوهّم المتكلّف فيه.

و على أيّ تقدير، فالمنهج الذي انتهجه المفسرون إمّا نقليّ أو اجتهاديّ.

و قد عرفنا سبيل النقلي و اعتماده على المأثور من الآراء و الأقوال، إما مع شي ء من البيان و التوضيح، كما سلكه أبو جعفر الطبري، أو مجرد النقل من غير نظر و بيان، كالذي انتهجه جلال الدين السيوطي و السيد البحراني.

و أما النظري الاجتهادي فمعتمده إما مجرد الرأي الخاصّ حسب عقيدته

(1) محمّد/ 24.

(2) النحل/ 44.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص:

20

و مذهبه، فهذا كأكثر تفاسير أهل الباطن. أو مجموعة مصادر التفسير من المنقول و المعقول، و هذا هو الشائع من التفاسير المعتبرة الدارجة بين المسلمين، منذ العهد الأول و لا يزال.

و لنذكر هذين النمطين من التفسير، اللّذين بدئ بهما منذ أوّل يومه، و نذكر شيئا من آفاتهما.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 21

النمط الأول التفسير بالمأثور
اشارة

يعتمد التفسير النقلي أو التفسير بالمأثور على ما جاء في القرآن نفسه من البيان و التفصيل أولا، ثم على ما

نقل عن المعصوم: النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أو الأئمة من خلفائه المرضيين عليهم السّلام

، و بعده على المأثور من الصحابة الأخيار و التابعين لهم بإحسان رضي اللّه عنهم، ممّا جاء بيانا و توضيحا لجوانب أبهم من القرآن.

و كان إدراج ما روي عن التابعين في التفسير بالمأثور، من جهة أنّ أقدم كتب التفسير بالمأثور كتفسير ابن جرير و غيره اعتمد على أقوال التابعين و آرائهم في التفسير، على نحو اعتماده على المأثور من المعصوم. فنراهم قد أردفوا ما نقل عن التابعين إلى جنب المنقول عن الصحابة، بل إلى جنب أحاديث الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و سائر الأئمة عليهم السّلام.

و لنتكلم عن أنحاء التفسير بالمأثور، و مقدار صحته، و مدى اعتباره، في

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 22

عالم التفسير:

[أنحاء التفسير بالمأثور]
1- تفسير القرآن بالقرآن

لا شك أنّ أتقن مصدر لتبيين القرآن هو القرآن نفسه؛ لأنّه

ينطق بعضه ببعض، و يشهد بعضه على بعض «1»- كما قال الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام

- حيث ما جاء منه مبهما في موضع منه، قد جاء مفصّلا و مبيّنا في موضع آخر، بل و في القرآن تبيان لكل شي ء جاء مبهما في الشريعة، فلأن يكون تبيانا لنفسه أولى.

و من ذلك جاء

قولهم: «القرآن يفسر بعضه بعضا»

كلام معروف.

و تفسير القرآن بالقرآن على نمطين: منه ما أبهم في موضع و بيّن في موضع آخر- فكان أحدهما متناسبا مع الآخر تناسبا معنويّا أو لفظيّا- كما في قوله تعالى:

حم. وَ الْكِتابِ الْمُبِينِ. إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ «2» و قد جاء

تبيين هذه الليلة المباركة بليلة القدر في سورة القدر: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ «3» و قد بيّن في سورة البقرة أنها واقعة في شهر رمضان: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ «4».

فقد تبين من مجموع ذلك: أن القرآن نزل في ليلة مباركة هي ليلة القدر من شهر رمضان.

و من ذلك أيضا قوله تعالى:

(1) نهج البلاغة، خ 133، ص 192 (صبحي صالح).

(2) الدخان/ 1- 3.

(3) القدر/ 1.

(4) البقرة/ 185.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 23

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ. وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ «1» ما هذه الحيلولة و كيف هي، و هو تهديد لاذع بأولئك الزائفين المتمرّدين عن الشريعة و الدين.

و هذا الإبهام يرتفع عند مراجعة قوله تعالى: وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ. أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ «2». فعرفنا أنها نسيان الذات، فالذي يجعل من شريعة اللّه وراء ظهره، إنما حرم نفسه و نسي حظّه، فقد تاه في غياهب ضلالة الجهل و العمى.

و هكذا قوله تعالى: أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها. وَ اللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ. وَ هُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ «3» ما هو المقصود من «الأرض» هنا في هذه الآية، و كيف يقع نقصانها؟

أمّا الأرض فالمقصود منها هو العمران منها، و ليس المراد هي الكرة الأرضيّة.

و يشهد لذلك قوله تعالى بشأن المحاربين المفسدين في الأرض: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا. أَوْ يُصَلَّبُوا. أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ. أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ. ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَ لَهُمْ فِي

الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ «4». فإنّ النفي من الأرض، يراد به الإبعاد عن العمران ليظل حيرانا بين البراري و القفار.

أما كيف يقع النقصان؟

فقد فسّره الإمام أبو جعفر محمّد بن علي الباقر عليه السّلام و كذا ولده الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليه السّلام بفقد العلماء، و أن عمارة الأرض

(1) الأنفال/ 24.

(2) الحشر/ 19.

(3) الرعد/ 41.

(4) المائدة/ 33.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 24

سوف تزول و تندثر عند ذهاب علمائها و خيار أهلها

، و هكذا ورد تفسير الآية بذلك عن ابن عباس «1».

و من هذا النمط أيضا قوله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا «2».

ما هذه الأمانة التي كان الإنسان صالحا لحملها، دون سائر المخلوق؟

فجاءت آية أخرى تفسّرها بالخلافة: وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً «3».

ثمّ ما هذه الخلافة الّتي منحت للإنسان، و حظي بها هذا المخلوق دون سائر الخلق؟

كانت آية ثالثة تفسر الخلافة بقدرة الإبداع و إمكان التصرّف في ساحة الوجود: أَ لَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ «4» وَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً «5» فقدرة الإنسان التسخيريّة و إمكان تصرّفه في عالم الوجود، علوّه و سفله، هي قدرته الإبداعيّة الّتي تمثّل قدرة اللّه الحاكمة على عالم الوجود بذاته المقدّسة.

فجاءت كل آية تفسّر أختها، و القرآن يفسّر بعضه بعضا.

(1) راجع: تفسير البرهان للبحراني، ج 2، ص 301- 302.

(2) الأحزاب/ 72.

(3) البقرة/ 30.

(4) لقمان/ 20.

(5) الجاثية/ 13.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص:

25

و النمط الآخر من تفسير القرآن بالقرآن، كان ما جاء فيه البيان غير مرتبط ظاهرا لا معنويّا و لا لفظيّا مع موضع الإبهام من الآية الأخرى، سوى إمكان الاستشهاد بها لرفع ذلك الإبهام.

مثال ذلك، آية السرقة؛ حيث أبهم فيها موضع قطع اليد،

فقد بيّن الإمام أبو جعفر محمد بن علي الجواد عليه السّلام أنّه من موضع الأشاجع (مفصل أصول الأصابع) مستشهدا لذلك بقوله تعالى: وَ أَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً «1» حيث إنّ السارق إنّما جنى على نفسه؛ فتعود عقوبته إلى ما يمسّه من الأعضاء، و بما أن مواضع السجود للّه تعالى، لا يشركه فيها أحد، و راحة الكف من مواضع السجود للّه، فلا موضع للقطع فيها «2».

و جميع الآيات التي بظاهرها التشبيه، يفسّرها قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ ءٌ «3» حيث إنّها تنفي التشبيه على الإطلاق، فلا بدّ هناك في آيات التشبيه من تأويل صحيح

2- تفسير القرآن بالسنّة

لا شك أن مجموعة أحكام الشريعة و فروع مسائلها، جاءت تفاصيل عمّا أبهم في القرآن و أجمل من عموم و إطلاق. و هكذا ما ورد في لسان المعصوم و فعله و تقريره، بيانا لمختلف أبعاد الشريعة، هي بيانات عمّا جاء في القرآن من

(1) الجنّ/ 18.

(2) راجع: تفسير العياشي، ج 1، ص 319- 320.

(3) الشورى/ 11.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 26

رءوس الأحكام و الأخلاق و الآداب.

قال اللّه تعالى مخاطبا نبيّه الكريم: وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ «1». فقد كانت وظيفة النبيّ الأساسيّة هي بيان و تبيين ما جاء في الذكر الحكيم، و كل ما صدر عنه في بيان أبعاد الشريعة، فإنّما هو تفسير للقرآن الكريم.

هذا

فضلا عمّا سئل عن معاني القرآن، حيثما أبهم على الصحابة، فبيّنه لهم في شرح و تبيين، على ما أسلفنا في الكلام عن التفسير المأثور عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

و هكذا ما ورد عن أئمة أهل البيت عليهم السّلام تفسيرا لما أبهم أو تفصيلا لما أجمل في القرآن الكريم. و قد تكلّمنا عن دور أهل البيت في التفسير في فصل خاص.

3- تفسير القرآن بقول الصحابي

و نحن قد تكلّمنا عن قيمة تفسير الصحابي الّذي تربّى في أحضان الرسالة، و قد أخذ العلم مباشرة من منهله العذب السائغ، و كان ممن تفقّه على يده الكريمة، و تحت هديه و إرشاده المستقيم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فلا بدّ أنّهم- أي صحابته الأخيار- أقرب الناس فهما إلى معاني القرآن الحكيمة، و أهداهم إلى معالمه الرشيدة.

هذا ابن مسعود يقول: «كان الرجل منا إذا تعلّم عشر آيات، لم يجاوزهنّ حتى

(1) النحل/ 44.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 27

يعلم معانيهنّ و العمل بهنّ» «1».

و هذا

الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام يقول: «و إنما هو تعلّم من ذي علم ... علم علّمه اللّه نبيّه فعلّمنيه و دعا لي بأن يعيه صدري و تضطمّ عليه جوانحي» «2».

إلى غير ذلك من تصريحات تنبؤك عن مدى حرصه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم على تعليم صحابته و تثقيفهم الثقافة الإسلامية القرآنية الكاملة.

4- تفسير القرآن بقول التابعي

لا شك أنّ التابعين هم أمسّ جانبا بأحاديث الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و العلماء من صحابته الأخيار، و كانوا أقرب فهما لمعاني القرآن الكريم؛ حيث قربهم بأصول معاني اللغة الفصحى غير المتحوّرة، الباقية على صفوها الأوّل، كما كانت الحوادث و الوقائع المقترنة بنزول الآيات، و الموجبة أحيانا للنزول، كانت تلك الحوادث و الأسباب و الموجبات في متناولهم القريب، كما كان باب الفهم و السؤال لديهم مفتوحا، و بالتّالي كان باب العلم بأسباب النّزول و فهم معاني القرآن و السؤال عن مواضع الإبهام فيه منفتحا لهم بمصراعين، الأمر الذي لم يحظ بها من تأخر من أرباب التفسير.

هذا، و مع ذلك إنما نعتبر قول التابعي شاهدا و مؤيّدا، و ليس

حجّة على الإطلاق، كما كان حديث المعصوم عليه السّلام حجة برأسه، أو قول الصحابي بالنسبة و في الغالب الأكثر حجة معتبرة، فإنّما يقع قول التابعي في الدرجة الثالثة من

(1) تفسير الطبري، ج 1، ص 27 و 30.

(2) نهج البلاغة، خ 128، ص 186 (صبحى صالح).

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 28

الاعتبار، و ليس على إطلاقه.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 29

آفات التفسير بالمأثور
اشارة

علمنا أن التفسير النقلي يشمل ما كان تفسيرا للقرآن بالقرآن، و ما كان تفسيرا للقرآن بالسنّة، و ما كان موقوفا على الصحابة، أو المروي عن التابعين. أما تفسير القرآن بالقرآن بعد وضوح الدلالة، أو بما ثبت من السنّة الصحيحة فذلك ممّا لا خلاف فيه و لا شك يعتريه؛ لأنه من أحسن الطرق إلى فهم معاني كلامه تعالى، و أمتنها و أتقنها.

و أما ما أضيف إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أو إلى أحد الأئمة الأطهار، و كان في سنده ضعف أو في متنه وهن، فذلك مردود غير مقبول، ما دام لم تصح نسبته إلى المعصوم.

و أما تفسير القرآن بالمروي عن الصحابة و التابعين، فقد تسرّب إليه الخلل، و تطرّق إليه الضعف و الوهن الكثير، إلى حدّ كاد يفقدنا الثقة بكل ما روي من ذلك- كما قال الأستاذ الذهبي «1»- حيث و فرة أسباب الضعف و الوهن في ذلك الخضمّ من المرويّات، في كتب التفسير المعزوّة إلى الصحابة و التابعين. و قد

(1) التفسير و المفسرون، ج 1، ص 156.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 30

خلط سليمها بسقيمها؛ بحيث خفي وجه الصواب.

و لقد كانت كثرة المروي من ذلك كثرة جاوزت الحدّ، و بخاصّة ما إذا وجدنا

التناقض و تضارب الأقوال، و كثيرا ما تضادّ ما نسب إلى شخص واحد، كالمرويات عن ابن عباس، كان ذلك من أكبر عوامل زوال الثقة بها أو بالأكثرية الساحقة منها، الأمر الذي يستدعي التثبّت لديها، و إمعان النظر و البحث و التمحيص.

هذا الإمام أحمد بن حنبل يصرّح بأنه لم يثبت في التفسير شي ء، يقول: ثلاث كتب لا أصل لها: المغازي، و الملاحم، و التفسير. قال المحققون من أصحابه:

مراده أنّ الغالب أنه ليس لها أسانيد صحاح متّصلة «1».

و هذا الإمام محمد بن إدريس الشافعي يقول: لم يثبت عن ابن عباس في التفسير إلّا شبيه بمائة حديث «2». مراده: عدم صحّة الإسناد إليه في الكثير من المرويّات عنه.

و هذا الكلام، و إن كان مبالغا فيه، إلّا أنّه يدلّنا على مبلغ ما دخل في التفسير النقلي من الروايات المكذوبة المصطنعة، فضلا عن الضعاف و المراسيل.

و على أيّ تقدير فأسباب الوهن في التفسير النقلي تعود إلى الأمور الثلاثة التالية:

أوّلا: ضعف الأسانيد و إرسالها أو حذفها رأسا؛ مما يوجب القدح في التفسير بالمأثور.

و ثانيا: كثرة الوضع و الدسّ و التزوير في الحديث و التفسير، بما أوجب

(1) الإتقان، ج 4، ص 180.

(2) المصدر نفسه، ص 209.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 31

زوال الثقة به.

و ثالثا: و فرة الإسرائيليّات في التفسير و التاريخ بما شوّه وجه التفسير.

و لنتكلّم عن هذه الأمور الثلاثة في شي ء من التوضيح:

1- ضعف الأسانيد

مما أوجب الوهن في وجه التفسير النقلي، ضعف الأسانيد بكثرة المجاهيل أو ضعاف الحال أو الإرسال أو حذف الإسناد رأسا، و ما إلى ذلك مما يوجب ضعف الطريق في الحديث المأثور.

هذا إذا كنّا نرافق علماء الأصول- أصول الفقه- في أساليبهم في توثيق الأسانيد

أو تضعيفها، و جرينا معهم على غرار ما نجري في فقه الأحكام، و ملاحظة شرائط استنباطها من دلائل الكتاب و السنّة. فإن كانت الشرائط هناك تجري هنا- في باب التفسير- أيضا، كانت نفس الأساليب واجبة الاتّباع، غير أنّ باب التفسير يختلف عن الفقه اختلافا في الجذور.

الفقه: استنباط أحكام و تكاليف ترجع إلى عمل المكلّفين، إما فعلا أو تركا، إلزاما أو رجحانا. فلا بد للفقيه من أن يستوثق في الاستنباط، و يبني الفروع على أصول متينة. و الاستيثاق و الاطمئنان إنّما يحصلان بحصول الظن الغالب المعتبر شرعا و عقلائيا؛ فيجب عليه اتباعه، و إن لم يحصل له القطع و اليقين؛ لأنّ ظنّه هذا حجّة معتبرة.

أما التفسير- و كذا التاريخ- فليس الأمر كذلك؛ حيث طريق الاستيثاق و الحجّية تختلف أساليبه عن أساليب الفقه. إذا لا حجّية تعبّديّة هنا، كما كانت حجّة تعبّدا هناك. فإنّ دليل التعبّد قاصر الشمول هنا؛ إذ لا عمل يوجب التعبّد فيه.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 32

إنما هو عقيدة و ركون نفس، إن حصلت أسبابه حصل، و إلّا فلا، و لا معنى للتعبّد في العقيدة و الرأي أو في وقوع حادثة أو عدم وقوعها.

مثلا: لا معنى للتعبّد بأن تفسير الآية الفلانية كذا؛ إذ التفسير: كشف القناع عن وجه اللفظ المبهم، فإن ارتفع الإبهام و انكشف المعنى، أصبح موضع القبول و الإذعان به، و إن لم يرتفع الإبهام، فلا موضع للقبول و الإذعان تعبّدا محضا.

و هذا نظير الأحداث التاريخية، إنما يذعن بها إذا حصل الاطمئنان الشخصي بوقوعها من أي سبب كان، و لا يمكن التعبّد بوقوع حدث تاريخي إطلاقا.

و هذا معنى قولهم: لا اعتبار بالخبر الواحد في باب التفسير و التاريخ و العقائد؛

إذ لا يوجب علما و لا عملا، حيث المطلوب في هذه الأبواب هو العلم، الذي لا يحصل بخبر الواحد بمجرده، كما لا عمل- فعلا أو تركا- هنا، كي يستدعي الخبر الواحد التعبّد به. و من ثمّ اختص باب التعبّد في اعتبار الخبر الواحد بالفقه؛ حيث العمل هناك محضا.

إذن فما قيمة الحديث- الخبر الواحد- في باب التفسير و كذا التاريخ؟ الأمر الذي يجب الإمعان فيه: قيمة الخبر الواحد في باب التفسير و التاريخ إنما هي بملاحظة المتن الوارد فيه، دون مجرد السّند. فإن كان مضمون الخبر- و هو محتوى الحديث الوارد- ما يعالج دفع مشكلة إبهام في الأمر، فنفس المتن شاهد على صدقه، و إلّا فلا دليل على التعبّد به.

فالحديث المأثور عن الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أو عن أحد الأئمة عليهم السّلام أو أحد الصحابة العلماء أو التابعين الكبار، إن كان يزيد في معرفة أو يرفع من إبهام في اللفظ أو المعنى فهو شاهد صدقه؛ ذلك أنهم أعرف بمواضع النزول و أقرب تناولا فيه؛ حيث قرب عهدهم به، أو أنهم حضروا الحادثة فنقلوها.

و للعقلاء طريقتهم في قبول خبر الثقة بل من لم يظهر فسقه علانية

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 33

فيعتمدونه؛ و عليه جاء قوله تعالى: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا «1»، فقد أقرّ العقلاء على قبولهم للنبإ ما لم يكن الآتي به متجاهرا بالفسق، ممن لا يتورّع الكذب، و لا يخاف اللّه في سرّه و علانيته.

فمن عرف بالصدق و الأمانة قبل نبؤه، و من عرف بالكذب و الخيانة ترك، و من كان مجهولا تريّثنا، فإن ظهرت منه دلائل الصدق قبلناه و إلّا رفضناه.

إذن فشرط قبول الخبر احتفافه بقرائن الصدق: من

وجوده في أصل معتبر، و كون الراوي معروفا بالصدق و الأمانة، و على الأقلّ غير معروف بالكذب و الخيانة، و سلامة المتن و استقامته، مما يزيد علما أو يزيل شكّا. و أن لا يخالف معقولا أو منقولا ثابتا في الدين و الشريعة، الأمر الذي إذا توفّر في حديث أوجب الاطمئنان به و إمكان ركون النفس إليه؛ و عليه فلا يضرّه حتى الإرسال في السند إن وجدت سائر شرائط القبول

2- الوضع في التفسير
اشارة

كان الوضع و التزوير من أهمّ أسباب الوهن في التفسير المأثور. فقد كانت الدواعي متوفرة للدّسّ و الاختلاق في المأثور من التفسير، إلى جنب الوضع في الحديث، فهناك أسباب سياسيّة و أخرى مذهبيّة و كلاميّة، و ربما عاطفيّة، كانت عن قصور النظر لا عن سوء نيّة. و العمدة أنّ القرآن كان المحور الأساسي الذي يدور عليه رحى الدين و السياسة و السلوك آنذاك، فلا بدّ لكل منتحلي مسلك من المسالك أن يتشبّث بعرى القرآن، و يجعل من آياته الكريمة وسيلة ناجعة، لبلوغ

(1) الحجرات/ 6.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 34

أهدافه إن خيرا و إن شرا، الأمر الذي جعل من سوق الكذب و التزوير في التفسير و الحديث رابحة ذلك العهد.

و قد بدئ ذلك على يد معاوية، حيث كان يجعل الجعائل على وضع الحديث أو قلبه تمشية لسياسته الغاشمة ذلك الحين «1»، و راج ذلك طول عهد الأمويين و بعدهم العباسيين؛ حيث أخذ بالتوسع و الاطّراد.

قال الأستاذ الذهبي: و كان مبدأ ظهور الوضع في سنة إحدى و أربعين بعد وفاة الإمام أمير المؤمنين حين اختلف المسلمون سياسيّا، و تفرّقوا شيعا، و وجد من أهل البدع و الأهواء من روّجوا لبدعهم و تعصّبوا لأهوائهم. و

دخل في الإسلام من تبطّن الكفر و التحف الإسلام بقصد الكيد له و تضليل أهله. فوضعوا ما وضعوا من روايات باطلة ليصلوا بها إلى أغراضهم السيئة و رغباتهم الخبيثة «2».

قال الأستاذ أبو ريّة: و قد أجمع الباحثون و العلماء المحققون، على أنّ نشأة الاختراع في الرواية و وضع الحديث على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إنما كان في أواخر عهد عثمان و بعد الفتنة التي أودت بحياته، ثم اشتد الاختراع و استفاض بعد مبايعة الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام فإنه ما كاد المسلمون يبايعونه بيعة تامّة، حتى ذرّ قرن الشيطان الأموي ليغتصب الخلافة من صاحبها، و يجعلها حكما أمويا. و قد كان وا أسفاه! «3» و في ذلك يقول الإمام الشيخ محمد عبده: و توالت الأحداث بعد الفتنة

(1) راجع: شرح النهج لابن أبي الحديد، ج 4، ص 63، و سيأتي ذلك عند الكلام عن الوضع للسياسة.

(2) التفسير و المفسرون، ج 1، ص 158.

(3) أضواء على السنّة المحمّدية، ص 118.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 35

الكبرى، و نقض بعض المبايعين للخليفة الرابع الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام ما عقدوا، و كانت حروب بين المسلمين انتهى فيها أمر السلطان إلى الأمويين! غير أنّ بناء الجماعة قد انصدع، و انفصمت عرى الوحدة بينهم، و تفرّقت بهم المذاهب في الخلافة، و أخذت الأحزاب في تأييد آرائهم، كل ينصر رأيه على رأى خصمه بالقول و العمل، و كانت نشأة الاختراع في الرواية و التأويل، و غلا كل قبيل «1».

أهم أسباب الوضع

ذكروا لوضع الحديث و الكذب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و على أصحابه الخيار و الأئمة الأطهار أسبابا

كثيرة، نأتي على أهمّها:

1- ما وضعه الزنادقة اللّابسون لباس الإسلام غشّا و نفاقا، و قصدهم بذلك إفساد الدين و إيقاع الخلاف و الافتراق بين المسلمين. قال حمّاد بن زيد:

وضعت الزنادقة أربعة آلاف حديث. قال أبو ريّة: هذا بحسب ما وصل إليه علمه و اختباره في كشف كذبها «2»، و إلّا فقد أكثر الزنادقة من وضع الأحاديث في أعداد هائلة. فهذا عبد الكريم بن أبي العوجاء- و كان خال معن بن زائدة و ربيب حماد بن سلمة، و كان يدسّ الأحاديث في كتب حماد- فلما أخذ و أتي به إلى محمد بن سليمان بن على، فأمر بضرب عنقه لزندقته، فلما أيقن بالقتل قال: و اللّه لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث أحرّم فيها الحلال و أحلّ فيها الحرام.

(1) رسالة التوحيد، (ط 1)، ص 7- 8.

(2) الأضواء، ص 121.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 36

و لقد فطّرتكم في يوم صومكم و صوّمتكم في يوم فطركم. فهذا زنديق واحد يضع آلاف حديث، فكيف بغيره و هم كثيرون. و أيضا روى حماد بن زيد عن جعفر بن سليمان، قال: سمعت المهدي يقول: أقرّ عندي رجل من الزنادقة أنه وضع أربعمائة حديث، فهى تحوّل في أيدي الناس.

كما روى ابن الجوزي بإسناده إلى حماد بن زيد، يقول: وضعت الزنادقة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أربعة عشر ألف حديث «1».

و أخرج جلال الدين السيوطي بإسناده إلى ابن مبارك، أنه قال بشأن حديث فضائل السور المعزوّة إلى أبي بن كعب: أظنّ الزنادقة وضعته «2»؛ و ذلك تشويها لسمعة القرآن الكريمة.

و ذكر ابن الجوزي أن جماعة من الكذّابين ندموا على كذبهم و تنصّلوا من ذلك. فقد

حدّث عن أبي شيبة، قال: كنت أطوف بالبيت و رجل من قدّامي يقول:

اللّهم اغفر لي، و ما أراك تفعل! فقلت: يا هذا قنوطك أكثر من ذنبك؟! فقال:

دعني، فقلت: أخبرني، فقال: إني كذبت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم خمسين حديثا، و طارت في الناس، ما أقدر أن أردّ منها شيئا و قال ابن لهيعة: دخلت على شيخ و هو يبكي فقلت: ما يبكيك؟ فقال: وضعت أربعمائة حديث أدرجتها إدراجا مع الناس، فلا أدري كيف أصنع؟! «3»

(1) الموضوعات لابن الجوزي، ج 1، ص 37- 38.

(2) اللئالئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة، ج 1، ص 267، و راجع: الموضوعات، ج 1، ص 241.

(3) الموضوعات، ج 1، ص 49.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 37

2- الوضع لنصرة المذاهب في أصول الدين و فروعه. فإنّ المذاهب و الآراء لما تشعّبت، جعل كل فريق يستفرغ ما بوسعه لإثبات مذهبه و دعم عقيدته، لا سيّما بعد ما فتح باب المجادلة و المناظرة في المذاهب و الآراء. و لم يكن المقصود من ذلك إلّا إفحام الجانب الآخر مهما بلغ ثمن ذلك، و لو بالحطّ من كرامة الدين.

فقد روى ابن الجوزي بإسناده إلى الدار قطني عن أبي حاتم ابن حبان، قال:

سمعت عبد اللّه بن علي يقول: سمعت محمد بن أحمد بن الجنيد يقول:

سمعت عبد اللّه بن يزيد المعرّي يقول عن رجل من أهل البدع رجع عن بدعته، فجعل يقول: انظروا هذا الحديث ممّن تأخذونه، فإنّا كنّا إذا رأينا رأيا جعلنا له حديثا.

و بإسناده إلى ابن لهيعة قال: سمعت شيخا من الخوارج تاب و رجع، و هو يقول: إن هذه الأحاديث دين، فانظروا عمّن تأخذون دينكم، فإنّا

كنّا إذا هوينا أمرا صيّرناه حديثا. و عن آخر، قال: كنّا إذا اجتمعنا استحسنّا شيئا جعلناه حديثا «1».

قال أبو ريّة: و ليس الوضع لنصرة المذاهب محصورا في المبتدعة و أهل المذاهب في الأصول، بل إن من أهل السنة المختلفين في الفروع من وضع أحاديث كثيرة لنصرة مذهبه أو تعظيم إمامه.

من ذلك ما رواه الأحناف، قدحا في الشافعي و مدحا لأبي حنيفة،

بإسناد رفعوه إلى أبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «يكون في أمّتي رجل يقال له: محمد بن إدريس، أضرّ على أمّتي من إبليس. و يكون في أمتي رجل يقال له: أبو حنيفة، هو سراج أمّتي».

(1) الموضوعات، ج 1، ص 38- 39.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 38

و قد رواه الخطيب مقتصرا على ما ذكروه في أبي حنيفة، و قال: موضوع وضعه محمد بن سعيد المروزي البورقي، و هكذا حدّث به في بلاد خراسان ثم حدّث به في العراق، و زاد فيه:

«و سيكون في أمّتي رجل يقال له: محمد بن إدريس، فتنته أضرّ على أمّتي من فتنة إبليس».

قال أبو ريّة: و هذا الإفك مما لا يحتاج إلى بيان بطلانه، و مع هذا تجد فقهاء الأحناف المعتبرين يذكرون في كتبهم الفقهيّة شقّ الحديث الذي يصف أبا حنيفة بأنه سراج الأمّة و يسكنون إليه، بل يستدلّون به على تعظيم إمامهم على سائر الأئمة.

الأمر الذي اضطرّ الشافعيّة إزاء ذلك أن يضعوا في إمامهم حديثا يفضّلونه على كل إمام، و هذا نصّه:

«أكرموا قريشا فإنّ عالمها يملأ طباق الأرض علما».

و أنصار الإمام مالك لم يلبثوا أن وضعوا في إمامهم هذا

الحديث: «يخرج الناس من المشرق إلى المغرب، فلا يجدون أعلم من عالم أهل

المدينة»

. و أحاديث مشابهة وضعوها بهذا الشأن «1».

هذا فضلا عن الدسّ و التزوير فى الأحاديث لنصرة المذهب.

هذا أبو العباس القرطبي- في شرح صحيح مسلم- يقول: أجاز بعض فقهاء أهل الرأي، نسبة الحكم الذي دلّ عليه القياس الجليّ إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نسبة قوليّة. فيقولون في ذلك: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: كذا و كذا؛ و لهذا نرى كتبهم مشحونة بأحاديث تشهد متونها بأنّها موضوعة؛ لأنها تشبه فتاوي الفقهاء،

(1) أضواء على السنة المحمّدية، ص 122. و راجع: الغدير (ج 5، ص 277- 288) للعلامة الأميني تجد فصلا مشبعا بهذه المدسوسات من المناقب و المكرمات.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 39

و لا تليق بجزالة كلام سيّد المرسلين، كما لا يقيمون لها أسنادا.

قال أبو شامة في مختصر كتابه «المؤمّل»: مما يفعله شيوخ الفقه في الأحاديث النبوية و الآثار المرويّة، كثرة استدلالهم بالأحاديث الضعيفة على ما يذهبون إليه، نصرة لقولهم، و ينقصون في ألفاظ الحديث، و تارة يزيدون فيه. قال: و ما أكثره في كتب أبي المعالي و صاحبه أبي حامد «1».

3- شدّة الترهيب و زيادة الترغيب لأجل هداية الناس. فقد تساهل الوعّاظ و علماء الأخلاق في تصحيح ما يروونه بهذا الشأن، و ربما تنازل بعضهم فأجاز الاختلاق في ذلك، ما دام الغرض هو هداية الناس، و ليس إغواءهم. فقد كان الوضع للّه، و برّر بعضهم ذلك بأنه إنما كذب لرسول اللّه و لم يكذب عليه.

يقول أبو ريّة عن العبّاد و الصوفية: إنه راجت عليهم الأكاذيب و حدّثوا عن غير معرفة و لا بصيرة، فيجب أن لا يعتمد على الأحاديث التي حشيت بها كتب الوعظ و

الرقائق و التصوّف، من غير بيان تخريجها و درجتها. و لا يختص هذا الحكم بالكتب التي لا يعرف لمؤلّفها قدم في العلم، ككتاب «نزهة المجالس» المملوء بالأكاذيب في الحديث و غيره. بل إنّ كتب أئمة العلماء ك «الإحياء للغزالي» لا تخلو من الموضوعات الكثيرة «2».

قلت: و هكذا بعض كتب الوعظ و الإرشاد عندنا، ككتاب «الأنوار النعمانية» للسيد نعمة اللّه الجزائري، مملوء بالأكاذيب و المخاريق، و مثله كتاب «خزائن الجواهر» للشيخ علي أكبر النهاوندي فيه من المخاريق الطامّات. و أيضا كتب

(1) المختصر، ص 21، (الأضواء، ص 122).

(2) الأضواء، ص 122- 123.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 40

المقاتل و المراثي من المتأخرين، ككتاب «محرق القلوب» للمولى مهدي النراقي، و كتاب «أسرار الشهادة» لآقا بن عابد الدربندي المملوء بالأكاذيب و الطامّات.

و أمثال هذه الكتب كثير مع الأسف، كتبتها أيدي أناس ضعاف العقول، ممن تساهلوا في أمر الدين، و هم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، سامحهم اللّه.

أخرج ابن الجوزي بإسناده إلى محمود بن غيلان قال: سمعت مؤمّلا يقول:

حدّثني شيخ بفضائل سور القرآن الذي يروى عن أبي بن كعب. فقلت للشيخ: من حدّثك؟ قال: حدّثني رجل بالمدائن و هو حيّ، فصرت إليه. فقال: حدّثني شيخ بواسط و هو حيّ، فصرت إليه. فقال: حدّثني شيخ بالبصرة، فصرت إليه. فقال:

حدثني شيخ بعبادان، فصرت إليه. فأخذ بيدي فأدخلني بيتا فإذا فيه قوم من المتصوّفة و معهم شيخ. فقال: هذا الشيخ حدّثني. فقلت: يا شيخ من حدّثك؟

فقال: لم يحدّثني أحد، و لكنّا رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن، فوضعنا لهم هذا الحديث ليصرفوا وجوههم إلى القرآن «1».

و من ثمّ قال يحيى بن سعيد القطان: لم نر الصالحين في شى ء أكذب منهم

في الحديث.

و أوّله مسلم بأنّه يجري الكذب على لسانهم و لا يتعمدون الكذب «2».

قال القرطبي في «التذكار» لا التفات لما وضعه الواضعون و اختلقه المختلقون من الأحاديث الكاذبة و الأخبار الباطلة في فضل سور القرآن، و غير ذلك من فضائل الأعمال، و قد ارتكبها جماعة كثيرة وضعوا الحديث حسبة- كما زعموا- يدعون الناس إلى فضائل الأعمال، كما روي عن أبي عصمة نوح بن أبي

(1) الموضوعات، ج 1، ص 241. و اللئالئ المصنوعة للسيوطي، ج 1، ص 227- 228.

(2) مقدمة صحيح مسلم؛ الحديث، رقم 40، ج 1، ص 13- 14.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 41

مريم المروزي و محمد بن عكاشة الكرماني، و أحمد بن عبد اللّه الجويباري، و غيرهم. قيل لأبي عصمة: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضل سور القرآن سورة سورة؟ فقال: إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن و اشتغلوا بفقه أبي حنيفة و مغازي محمد بن إسحاق، فوضعت هذا الحديث حسبة! و قال: قد ذكر الحاكم و غيره من شيوخ المحدثين: أن رجلا من الزهّاد انتدب في وضع أحاديث في فضل القرآن و سوره. فقيل له: لم فعلت هذا؟ فقال:

رأيت الناس زهدوا في القرآن فأحببت أن أرغّبهم فيه! فقيل له: فإن

النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «من كذب عليّ متعمدا فليتبوّأ مقعده من النار».

فقال: أنا ما كذبت عليه، إنما كذبت له.

قال تحذيرا من الأحاديث الموضوعة: و أعظمهم ضررا، قوم منسوبون إلى الزهد، وضعوا الحديث حسبة! فيما زعموا، فتقبّل الناس موضوعاتهم ثقة منهم بهم و ركونا إليهم، فضلّوا و أضلّوا «1».

و هذا ميسرة بن عبد ربّه- كان كذّابا وضّاعا- وضع في

فضل قزوين أربعين حديثا. قال أبو زرعة: كان يقول: إني أحتسب في ذلك. و قال ابن الطبّاع: قلت لميسرة: من أين جئت بهذه الأحاديث: «من قرأ كذا فله كذا»؟ قال: وضعته أرغّب الناس فيه. و قد وصفه جماعة بالزهد.

و هكذا كان الحسن- الراوي عن المسيّب بن واضح- ممن يضع الحديث حسبة.

و كان نعيم بن حماد يضع الحديث في تقوية السّنة «2».

(1) التذكار للقرطبي، ص 155- 156. (الغدير، ج 5، ص 275- 276).

(2) راجع: الغدير، ج 5، ص 268 و 269.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 42

و كان الهيثم الطائي يقوم عامة الليل بالصلاة، فإذا أصبح يجلس و يكذب، و أمثاله كثير من الزهاد كانوا من الوضّاعين حسبة للّه فيما زعموا «1».

قال ابن الجوزي: منهم قوم وضعوا الأحاديث في الترغيب و الترهيب؛ ليحثّوا الناس بزعمهم على الخير و يزجروهم عن الشرّ. و هذا تعاط على الشريعة، و مضمون فعلهم أن الشريعة ناقصة تحتاج إلى تتمة، فقد أتممناها. ثم أسند إلى أبي عبد اللّه النهاوندي، قال: قلت لغلام خليل: هذه الأحاديث التي تحدّث بها من الرقائق؟ فقال: وضعناها لنرقّق بها قلوب العامّة. و كان غلام خليل هذا يتزهّد و يهجن شهوات الدنيا و يتقوّت الباقلاء تصوّفا. و غلقت أسواق بغداد يوم موته «2».

4- وضع الحديث تزلفا لدى الأمراء. كان بعض ضعفاء النفوس من المحدّثين الضعيفي الإيمان يتزلّفون لدى الأمراء و السلاطين، بوضع أحاديث تروقهم، أو تشيد من شناعاتهم في السياسة و الحكم.

كان الرشيد يعجبه الحمام و اللّهو به، فأهدي إليه حمام، و عنده

أبو البختري القاضي «3»، فقال: روى أبو هريرة عن النبي أنه قال: لا سبق إلّا في خفّ أو حافر أو جناح.

فزاد جناح

. و قد وضعها تزلّفا لدي الرشيد، فأعطاه جائزة سنيّة. و لمّا

(1) و قد أفرد العلامة الأميني فصلا أورد أسماءهم فيه (الغدير، ج 5، ص 275- 277).

(2) الموضوعات، ج 1، ص 39- 40.

(3) أبو البختري، وهب بن وهب، انتقل من المدينة إلى بغداد في خلافة هارون الرشيد، فولّاه القضاء بعسكر المهدي (المحلة المعروفة بالرصافة بالجانب الشرقي من بغداد) ثم عزله و ولاه القضاء بمدينة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بعد بكار بن عبد اللّه الزبيري، و جعل إليه ولاية حربها، مع القضاء. ثم عزله، فقدم بغداد و أقام بها إلى أن هلك سنة 200.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 43

خرج قال الرشيد: و اللّه لقد علمت أنّه كذّاب، و أمر بالحمام أن يذبح. فقيل له:

و ما ذنب الحمام؟ قال: من أجله كذب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم «1». و حكى ابن الجوزي نظير هذه القصة لغياث بن إبراهيم بمحضر المهدي العباسي «2».

و هكذا

حدّث الرشيد: أن جعفر بن محمد حدّثه عن أبيه: أنّ جبرائيل نزل على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و عليه قباء أسود و منطقة.

و إنما قال ذلك؛ لأن ذلك كان شعار العباسيين. فدخل يحيى بن معين، فقال له: كذبت يا عدوّ اللّه، و قال للشرطيّة خذوه ... فقال فيه المعافى التميمي:

ويل و عول لأبي البختري إذا توافى الناس في المحشر

من قوله الزور و إعلانه بالكذب في الناس على جعفر

إلى آخر الأبيات، و هي مشهورة. و لما بلغ ابن المهدي موته قال: الحمد للّه الذي أراح المسلمين منه «3».

و

روى ابن الجوزي عن زكريا بن

يحيى الساجي، قال: بلغني أن أبا البختري دخل على الرشيد- و هو قاض- و هارون إذ ذاك يطيّر الحمام، فقال: هل تحفظ في هذا شيئا؟ فقال: حدّثني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: «إن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان يطيّر الحمام». فقال هارون: أخرج عنّي. ثم قال: لو لا أنه رجل من قريش لعزلته.

قال ابن الجوزي: هذا الحديث من عمل أبي البختري، و اسمه وهب بن

(1) راجع: تفسير القرطبي (المقدمة)، ج 1، ص 79- 80.

(2) الموضوعات، ج 1، ص 42.

(3) لسان الميزان لابن حجر، ج 6، ص 233.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 44

وهب. كان من كبار الوضّاعين «1».

و

روى حديث القباء الأسود، قال: لما قدم الرشيد المدينة أعظم أن يرقى منبر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في قباء أسود و منطقة. فقال أبو البختري: «حدّثنا جعفر بن محمد عن أبيه قال: نزل جبرئيل على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و عليه قباء أسود و منطقة، محتجزا فيها بخنجر».

قال يحيى بن معين: وقفت على حلقة أبي البختري و هو يحدّث بهذا الحديث، مسندا عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر. فقلت له: كذبت يا عدوّ اللّه، على رسول اللّه. قال: فأخذني الشرط. فقلت: هذا يزعم أنّ رسول ربّ العالمين نزل على النبي و عليه قباء. فقالوا لي: هذا و اللّه قاصّ كذّاب. و أفرجوا عني «2».

و الأحاديث في أولاد العباس و ملكهم، و لا سيّما الزيّ العباسي الذي تزيّا به جبرائيل، كثيرة، أوردها ابن الجوزي في موضوعاته و فنّدها خير تفنيد فراجع «3».

5- الوضع نزولا مع سياسة الطغاة. كان

معاوية أوّل من وضع سياسته على وضع الأحاديث و قلبها، تمشية مع أهدافه المرتذلة، في التغلّب على واقع الإسلام الرفيع.

قال الأستاذ أبو ريّة: لا بد لنا أن نكشف عن ناحية خطيرة من نواحي الوضع في الحديث، كان لها أثر بعيد في الحياة الإسلامية، و لا يزال هذا الأثر يعمل عمله

(1) الموضوعات، ج 3، ص 12.

(2) الموضوعات، ج 3، ص 47- 48.

(3) المصدر، ج 2، ص 30- 37.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 45

في الأفكار العفنة و العقول المتخلّفة و النفوس المتعصبة. ذلك أن السياسة قد دخلت في هذا الأمر، و أثّرت فيه تأثيرا بالغا، فسخّرته ليؤيّدها في حكمها، و جعلته من أقوى الدعائم لإقامة بنائها.

و قد علا موج هذا الوضع السياسي و طغا ماؤه في عهد معاوية الذي أعان عليه و ساعده بنفوذه و ماله، فلم يقف وضّاع الحديث عند بيان فضله و الإشادة بذكره، بل أمعنوا في مناصرته، و التعصّب له، حتى رفعوا مقام الشام الذي يحكمه إلى درجة لم تبلغها مدينة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لا البلد الحرام الذي ولد فيه. و أسرفوا في ذلك إسرافا كثيرا، و أكثروا حتى ألّفت في ذلك مصنّفات «1».

و ذكر ابن أبي الحديد عن شيخه أبي جعفر الإسكافي: أن معاوية وضع قوما من الصحابة و قوما من التابعين، على رواية أخبار قبيحة في علي عليه السّلام تقتضي الطعن فيه و البراءة منه، و جعل لهم على ذلك جعلا يرغب في مثله، فاختلقوا ما أرضاه. منهم: أبو هريرة، و عمرو بن العاص، و المغيرة بن شعبة، و من التابعين عروة بن الزبير.

روى الزهري أن عروة بن الزبير حدّثه،

قال: حدّثتني عائشة، قالت: كنت عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إذ أقبل العباس و علي. فقال: يا عائشة، إن هذين يموتان على غير ملّتي- أو قال- غير ديني.

و في حديث آخر عنه، قال: حدثتني عائشة، قالت: كنت عند النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إذ أقبل العباس و علي، فقال: يا عائشة، إن سرّك أن تنظري إلى رجلين من أهل النار، فانظري إلى هذين قد طلعا.

و أما

عمرو بن العاص فقد أخرج عنه البخاري و مسلم بإسناد متصل إليه،

(1) الأضواء، ص 126- 127.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 46

قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: «إن آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء. إنما وليّى اللّه و صالح المؤمنين».

و

أما أبو هريرة فروي عنه الحديث الذي معناه: أن عليا عليه السّلام خطب ابنة أبي جهل في حياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فأسخطه، فخطب، و قال: لاها اللّه، لا تجتمع ابنة ولي اللّه و ابنة عدوّ اللّه أبي جهل، إنّ فاطمة بضعة منّي يؤذيني ما يؤذيها. فإن كان عليّ يريد ابنة أبي جهل فليفارق ابنتي، و ليفعل ما يريد.

و أيضا

روى أبو جعفر عن الأعمش قال: لما قدم أبو هريرة العراق مع معاوية عام الجماعة «1»، جاء إلى مسجد الكوفة، فلما رأى كثرة من استقبله من الناس جثا على ركبتيه، ثم ضرب صلعته مرارا، و قال: يا أهل العراق، أ تزعمون أنّي أكذب على اللّه و على رسوله «2» و أحرق نفسي بالنار! و اللّه لقد سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: «إن لكل نبيّ حرما،

و إنّ حرمي بالمدينة ما بين عير إلى ثور. فمن أحدث فيها حدثا فعليه لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين»، و أشهد أنّ عليا أحدث فيها

. فلما بلغ معاوية قوله أجازه و أكرمه و ولّاه إمارة المدينة «3».

(1) هو العام الذي نزل فيه الإمام السبط الأكبر عن الحكم لمعاوية الطاغية، حقنا لدماء المسلمين سنة 41. و سمّوه عام الجماعة. قال أبو ريّة: و هو في الحقيقة كان عام التفرقة.

الأضواء- بالهامش- ص 216.

(2) قال أبو ريّة: يبدو من هذا القول أن كذب أبي هريرة على النبي كان قد أشتهر من أول يومه حتى عم الآفاق. لأنه قال ذلك و هو بالعراق، و أن الناس جميعا كانوا يتحدثون عن هذا الكذب في كل مكان. قلت: و لقد كان معروفا بالكذب قبل ذلك. روى ابن أبي الحديد في الشرح (ج 4، ص 67- 68): أن عمر ضربه بالدرّة، و قال له: قد أكثرت من الرواية و أحر بك أن تكون كاذبا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

(3) راجع: شرح النهج لابن أبى الحديد، ج 4، ص 63- 68.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 47

و أيضا روى عن شيخه أبي جعفر: أن معاوية بذل لسمرة بن جندب- الرجل الوقح- مائة ألف درهم حتى يروي أنّ هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَ هُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ. وَ إِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَ يُهْلِكَ الْحَرْثَ وَ النَّسْلَ وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ «1» و أنّ الآية الأخرى نزلت في ابن ملجم،

و هي قوله تعالى: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَ اللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ «2» فلم يقبل، فبذل له مائتي ألف درهم فلم يقبل، فبذل له ثلاثمائة ألف فلم يقبل، فبذل له أربعمائة ألف فقبل، و روى ذلك «3».

نعم كان معاوية يرى لنفسه ما يضاهي به عليا في مثل مقامه و مرتبته، و من ثمّ كان يحاول الانتشال من مقامه الوضيع ليتسنّى له المقابلة مع مثل أمير المؤمنين عليه السّلام فكان يجعل الجعائل للوضع في تفضيله و تفضيل بلاده التي كان يحكمها، و حاضرة ملكه، كان يجهد جهده في ذلك.

قال أبو ريّة: و معاوية- كما هو معروف- أسلم هو و أبوه يوم فتح مكة، فهو بذلك من الطلقاء. و كان كذلك من المؤلّفة قلوبهم الذين كانوا يأخذون ثمنا لإسلامهم. و هو الذي هدم مبدأ الخلافة الرشيدة في الإسلام، فلم تقم لها من بعده إلى اليوم قائمة. و قد اتخذ دمشق حاضرة لملكه، و قد وضعوا فيه و في تفضيل الشام أحاديث نسبوها إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نذكر منها: ما

أخرجه الترمذي أنّ النبي قال لمعاوية: اللّهم اجعله هاديا مهديا

. و

في حديث آخر أنّ النبي قال:

(1) البقرة/ 204- 205.

(2) البقرة/ 207.

(3) شرح النهج، ج 4، ص 73.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 48

اللّهم علّمه الكتاب و الحساب و قه العذاب- و هناك زيادة-: و أدخله الجنّة

. و على كثرة ما جاء في فضائل معاوية من أحاديث لا أصل لها، فإن إسحاق بن راهويه و هو الإمام الكبير و شيخ البخاري قد قال: إنه لم يصح في فضائل معاوية شي ء «1».

و للعلامة الأميني هنا مقال

ضاف بشأن المغالاة في فضائل معاوية، و قد أردفها بما ورد في ذمّه من أحاديث صحاح لا مغمز في إسنادها، جعلنا في غنى عن الكلام فيه هنا، فراجع «2».

و هكذا ذكر الأستاذ أبو ريّة: أن إشادة كهّان اليهود- يريد كعبا و أذنابه- إلى أنّ ملك النبي سيكون بالشام إنما هو لأمر خبي ء في أنفسهم. و قد تبيّن أن الشام ما كان لينال من الإشادة بذكره و الثناء عليه، إلّا لقيام دولة بني أميّة فيه، تلك الدولة التي قلبت الحكم من خلافة عادلة إلى ملك عضوض، و التي تحت كنفها و في أيامها نشأت الفرق الإسلاميّة التي فتت في عضد الدولة الإسلاميّة و مزّقتها تمزيقا، و استفاض فيها وضع الحديث. فكان جديرا بكهنة اليهود أن ينتهزوا هذه الفرصة و ينفخوا في نار الفتنة، و يمدّوها بجيوش الأكاذيب و الكيد. و كان من هذه الأكاذيب أن بالغوا في مدح الشام و أهله، و أنّ الخير كل الخير فيه، و الشر كل الشر في غيره «3».

و مما قاله هؤلاء الكهنة بهذا الشأن: إن ملك النبي سيكون بالشام،

روى البيهقي في الدلائل عن أبي هريرة- تلميذ كعب- مرفوعا: الخلافة بالمدينة

(1) الأضواء، ص 128.

(2) الغدير، ج 10، ص 138، فما بعد.

(3) الأضواء، ص 170.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 49

و الملك بالشام

. و عن كعب: أهل الشام سيف من سيوف اللّه ينتقم اللّه بهم ممن عصاه.

و من

حديث: ستفتح عليكم الشام، فإذا خيّرتم المنازل فيها فعليكم بمدينة يقال لها: «دمشق»- و هي حاضرة الأمويين- فإنها معقل المسلمين في الملاحم، و فسطاطها منها بأرض يقال لها: «الغوطة».

و قد جعلوا دمشق هذه، هي الربوة التي ذكرت في القرآن

الكريم:

وَ آوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَ مَعِينٍ «1» و ذلك في حديث مرفوع إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قد جعلها أبو هريرة من مدائن الجنّة أيضا في

حديث رفعه إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم هذا نصّه: «أربع مدائن من مدائن الجنّة: مكة، و المدينة، و بيت المقدس، و دمشق» «2» . و هكذا نرى معاوية الذي تعلّم من كعب كيف يضع الحديث، يصف نفسه بأنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم وعده بأنه سيلي الخلافة من بعده.

قال في خطبته لمّا عاد من العراق إلى الشام بعد بيعة الإمام الحسن عليه السّلام سنة (41): «أيها الناس، إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: إنك ستلي الخلافة من بعدي، فاختر الأرض المقدسة، فإنّ فيها الإبدال» «3» قال أبو ريّة: و ما كاد معاوية يذكر أن الشام أرض الأبدال إلّا و ظهرت أحاديث مرفوعة عن هؤلاء الأبدال و قد أوردها السيوطي في «الجامع الصغير» «4».

(1) المؤمنون/ 50.

(2) الأضواء، ص 129.

(3) شرح نهج البلاغة، ج 4، ص 72.

(4) الأضواء، ص 130- 131.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 50

و بذلك نكشف عن جانب خطير من كيد الدهاء اليهودي للمسلمين و دينهم و ملكهم.

ذلك أنهم لم يكتفوا بما قالوه في الشام بل زادوا على ذلك بأن جعلوا الطائفة الظاهرة على الحق تكون في الشام كذلك، و حتى نزول عيسى الذي قالوا عنه:

سيكون بأرضه.

فقد جاء في الصحيحين: «لا تزال طائفة من أمّتي ظاهرين على الحق لا يضرّهم من خذلهم و لا من خالفهم، حتى يأتي أمر اللّه و هم كذلك

.

روى البخاري: هم بالشام «1» . و

في رواية أبي أمامة الباهلي: أنهم لما سألوا النبي قال:

بيت المقدس و أكناف بيت المقدس «2».

و

في مسلم عن أبي هريرة: أن النبي قال: لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة

. قال أحمد و غيره: هم أهل الشام.

و في «كشف الخفاء»: أن كعب الأحبار قال: أهل الشام سيف من سيوف اللّه، ينتقم اللّه بهم من العصاة.

قال أبو ريّة: و لعل العصاة هنا هم الذين لا ينضوون تحت لواء معاوية، و يتبعون غيره. و غيره هو الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام «3».

(1) صحيح البخاري، ج 4، ص 252.

(2) نهاية الإرب، ج 1، ص 333.

(3) الأضواء، ص 170- 171. و من طريف ما يذكر هنا: أنّ رجلا لقى كعب الأحبار فسلم عليه و دعا له. فسأله كعب: ممن هو؟ فقال: من أهل الشام. قال: لعلك من الجند الذين يدخلون الجنة منهم سبعون ألفا بغير حساب. قال الرجل: و من هم؟ قال: أهل دمشق. قال: لست منهم. قال: فلعلك من الجند الذين ينظر اللّه إليهم في كل يوم مرتين، قال: و من هم؟ قال:

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 51

نعم وجد أهل الحقد على الإسلام في معاوية و الشام أرضيّة خصبة لبذر النفاق و التفريق بين كلمة المسلمين، فعادوا عليا عليه السّلام حيث وجدوه المثال الأتم لحقيقة الإسلام الناصعة، و أفرغوا عداءهم له و للإسلام، في قالب الثناء على معاوية و الشام بلد الأبدال، فيما اختلقوه.

أخرج ابن الجوزي من طريق عبد اللّه بن أحمد بن حنبل، قال: سألت أبي ما تقول في عليّ و معاوية؟ فأطرق، ثم قال: ايش أقول فيهما، أن

عليا عليه السّلام كان كثير الأعداء، ففتّش أعداؤه له عيبا فلم يجدوا، فعمدوا إلى رجل- يريد معاوية- قد حاربه و قاتله فأطروه، كيدا منهم لعليّ عليه السّلام «1».

قال ابن حجر: فأشار بهذا إلى ما اختلقوه لمعاوية من الفضائل مما لا أصل له.

قال: و قد ورد في فضائل معاوية أحاديث كثيرة، ليس فيها ما يصح من طريق الإسناد. و بذلك جزم إسحاق بن راهويه و النسائي و غيرهما «2».

و من طريف الأمر، أنّ البخاري في كتاب «الفضائل» نراه عنون الباب الذي خصّه بمعاوية، بقوله: «باب ذكر معاوية»، و لم يجرأ أن يعنونه بلفظة «الفضائل» كما في سائر الأبواب، و بالفعل لم يأت فيه شيئا مذكورا «3»، و هكذا ابن الجوزي «4» و غيره. و من ثم قال ابن حجر في الشرح: عبّر البخاري في هذه

أهل فلسطين. قال الرجل: أنا منهم. و في لفظ: قال: لعلك من الجند الذين يشفع شهيدهم بسبعين، قال: و من هم؟ قال: أهل حمص. (تاريخ ابن عساكر، ج 1، ص 57.) قال أبو ريّة:

و حمص هذه هي البلدة التي دفن فيها جثمان كعب.

(1) الموضوعات، ج 2، ص 24.

(2) فتح البارى بشرح البخاري، ج 7، ص 81.

(3) صحيح البخاري، ج 5، ص 35.

(4) الموضوعات، ج 2، ص 15.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 52

الترجمة بقوله «ذكر» و لم يقل: «فضيلة» و لا «منقبة»، لكون «الفضيلة» لا تؤخذ من حديث الباب «1»، أي لا تستفاد فضيلة من الحديث الذي ذكره تحت هذه الترجمة، و قد عرفت أنه لم يصح فيه حديث.

و روى الذهبي قال: سئل النسائي- و هو بدمشق- عن فضائل معاوية، فقال:

أ لا يرضى رأسا برأس، حتى

يفضّل!؟ قال الذهبي: فما زالوا يدافعونه حتى أخرج من المجلس، و حمل إلى الكوفة، فتوفيّ بها «2».

و هكذا استمر الحال بعد معاوية ما دامت السلطة الأموية قائمة. فهذا هشام بن عبد الملك نراه يفرض على أتباعه و متملّقيه من علماء ذلك العصر أن يرووا أنّ الآية: وَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ «3» نزلت في عليّ عليه السّلام فأقرّوه على ذلك «4».

6- الوضع نزولا مع رغبة العامّة، و رغبة فيما بأيديهم من حطام الدنيا. و هذه مهنة القصّاصين، يقصّون على الناس القصص و الأساطير البائدة و يحدّثونهم الغرائب و العجائب، ليستدرّوا ما لديهم من نقود و إعانات و فضول طعام.

و قد كان وضع الحديث لإرضاء الناس و ابتغاء القبول عندهم، و استمالتهم لحضور مجالسهم الوعظية، و توسيع حلقاتهم، أمرا رائجا و لا يزال.

(1) فتح الباري، ج 7، ص 81.

(2) سير أعلام النبلاء، ج 14، ص 132. و هو الذي

روى حديث «اللّهم لا تشبع بطنه»، ص 129. (3) النور/ 11.

(4) الموضوعات في الآثار و الأخبار، هاشم معروف الحسنى، ص 137 و 199.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 53

قال القرطبي في مقدمة تفسيره: منهم (من الوضّاع و الكذّابين) قوم من السؤّال و المكدين، يقفون في الأسواق و المساجد، فيضعون على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أحاديث بأسانيد صحاح قد حفظوها، فيذكرون الموضوعات بتلك الأسانيد «1».

قال ابن الجوزي: هناك قوم شقّ عليهم الحفظ، فضربوا نقد الوقت، و ربّما رأوا أن الحفظ معروف، فأتوا بما يغرب مما يحصل مقصودهم، فهؤلاء قسمان، أحدهما: القصّاص، و معظم البلاء منهم يجري؛ لأنهم يزيدون أحاديث تثقف و ترقّق، و الصحاح يقلّ فيها

هذا. ثم إنّ الحفظ يشقّ عليهم و يتفق عدم الدين، و من يحضرهم جهّال، فيقولون. و لقد حكى لي فقيهان ثقتان عن بعض قصّاص زماننا و كان يظهر النسك و التخشع، أنه حكى لهما، قال: يوم عاشوراء، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: من فعل اليوم كذا فله كذا، و من فعل كذا فله كذا، إلى آخر المجلس. فقالا له: و من أين حفظت هذه الأحاديث؟ فقال: و اللّه ما حفظتها، و لا أعرفها، بل في وقتي قلتها.

قال: و لا جرم كان القصّاص شديدي النعير، ساقطي الجاه، لا يلتفت الناس إليهم، فلا لهم دنيا و لا آخرة. و قد صنّف بعض قصّاص زماننا كتابا فذكر فيه:

«أن الحسن و الحسين دخلا على عمر بن الخطاب و هو مشغول، فلما فرغ من شغله رفع رأسه فرآهما، فقام فقبّلهما، و وهب لكل واحد منهما ألفا، و قال: اجعلاني في حلّ، فما عرفت دخولكما، فرجعا و شكراه بين يدي أبيهما عليّ عليه السّلام. فقال عليّ: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: عمر بن الخطاب نور في الإسلام و سراج لأهل الجنّة. فرجعا فحدّثاه. فدعا بدواة و قرطاس و كتب: بسم اللّه الرحمن

(1) تفسير القرطبي، ج 1، ص 79.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 54

الرحيم، حدّثني سيدا شباب أهل الجنة عن أبيهما المرتضى عن جدّهما المصطفى أنه قال: عمر نور الإسلام في الدنيا و سراج أهل الجنّة في الجنة.

و أوصى أن تجعل في كفنه على صدره، فوضع. فلما أصبحوا وجدوه على قبره، و فيه: صدق الحسن و الحسين و صدق أبوهما و صدق رسول اللّه صلّى اللّه

عليه و آله و سلّم: عمر نور الإسلام و سراج أهل الجنة».

قال ابن الجوزي: و العجب بهذا الذي بلغت به الوقاحة إلى أن يضيف مثل هذا. و ما كفاه حتى عرضه على كبار الفقهاء، فكتبوا عليه تصويب ذلك التصنيف.

فلا هو عرف أنّ مثل هذا محال و لا هم عرفوا. و هذا جهل متوفّر، علم به أنّه من أجهل الجهال الذين ما شمّوا ريح النقل، و لعلّه قد سمعه من بعض الطرقيين «1».

قال الإمام أحمد بن حنبل: أكذب الناس السؤّال و القصّاص.

و عن أبي قلابة: ما أمات العلم إلّا القصّاص.

و كان أبو عبد الرحمن يقول: اتّقوا القصّاص «2».

و كان الذي أحدث القصص- في المساجد- هو معاوية بن أبي سفيان. فقد أخرج الزبير بن بكار في أخبار المدينة عن نافع و غيره من أهل العلم، قالوا: إنما القصص محدث أحدثه معاوية حين كانت الفتنة «3».

لكن سيوافيك في قصة الإسرائيليات أنّ القصص في المساجد، حدث في أواخر عهد عمر، حين استجازه تميم الداري فأجازه أن يقصّ قائما في مسجد

(1) الموضوعات، ج 1، ص 44- 45.

(2) الأضواء لأبي ربة، ص 124.

(3) المصدر نفسه.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 55

المدينة «1». و هكذا استمر على عهد عثمان، حتى كان الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام هو الذي طرد القصّاص من المساجد على عهده «2»، الأمر الذي قد أصرّ معاوية على تداومه في المساجد، منذ أن أجازه عمر بن الخطاب.

و كان الذي أشاع القصّ في المساجد هو كعب الأحبار؛ حيث انتهز الفرصة أيام الفتنة لبثّ مخاريقه بين المسلمين كيدا بالإسلام؛ و ذلك أن وجد من سياسة معاوية إمكان إشاعة أساطيره بين الناس.

كان كعب قد توعّده عمر بالنفي إلى

أرض القردة إذا هو روى إسرائيلياته أو ما كان يلصقه بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من أحاديث خرافة (ستوافيك في حقل الإسرائيليات).

فلم يجد كعب تلقاء هذا التهديد مناصا من أن يذعن في غيظ و موجدة، ثم أخذ يسعى في الخفاء لكي يحقق أغراضه التي أسلم من أجلها. قال أبو ريّة: و ما لبث أن أتيحت له فرصة المؤامرة التي دبّرتها جمعيّة سريّة لقتل عمر، فاشترك هو فيها، و نفخ في نارها.

فلما خلا له الجوّ بقتله، أطلق العنان لنفسه لكي يبثّ ما شاء الكيد اليهودي أن يبثّ من الخرافات الإسرائيليّات التي تشوّه بهاء الدين، يعاونه في ذلك تلاميذه الكبار أمثال: عبد اللّه بن عمرو بن العاص، و عبد اللّه بن عمر بن الخطاب، و أبي هريرة.

و قد درس هذا الكاهن اليهودي في ملامح معاوية تحقيق أهدافه و إمكان رواج إسرائيلياته، فلم يدع تلك الفرصة، و اغتنمها منذ عهد عثمان.

ذلك أنه لما اشتعلت نيران الفتنة في زمن عثمان و اشتد زفيرها، حتى التهمت

(1) سير أعلام النبلاء، ج 2، ص 447.

(2) فجر الإسلام لأحمد أمين، ص 159- 160.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 56

عثمان فقتلته و هو- أي كعب الأحبار- في بيته، لم يدع هذا الكاهن الماكر هذه الفرصة تمرّدون أن يبتهلها، بل أسرع ينفخ في نارها، و يسهم بكيده اليهودي فيها ما استطاع إلى ذلك سبيلا. و قد كان من كيده في هذه الفتنة أن أرهص بيهوديّته بأنّ الخلافة بعد عثمان ستكون لمعاوية.

فقد روى وكيع عن الأعمش عن أبي صالح: أنّ الحادي كان يحدو بعثمان يقول:

إن الأمير بعده عليّ و في الزبير خلق رضيّ «1»

فقال كعب: بل هو

صاحب البغلة الشهباء- يعني معاوية- و كان يراه يركب بغلة، فبلغ ذلك معاوية فأتاه، فقال: يا أبا إسحاق ما تقول هذا؟ و هاهنا عليّ و الزبير و أصحاب محمد! قال: أنت صاحبها- لعله أردف ذلك بقوله: إنّي وجدت ذلك في التوراة- كما هي عادته.

و قدّر معاوية هذه اليد الجليلة لكعب، و أخذ يغمره بإفضاله.

و قد عرف من تاريخ هذا الكاهن أنه تحوّل إلى الشام في عهد عثمان، و عاش تحت كنف معاوية، فاستصفاه معاوية لنفسه و جعله من خلصائه، لكي يروي من أكاذيبه و إسرائيلياته ما شاء أن يروي في قصصه؛ لتأييده، و تثبيت قوائم دولته.

و قد ذكر ابن حجر العسقلاني بأنّ معاوية هو الذي أمر كعبا بأن يقصّ في الشام «2». و هو الذي بثّ أحاديث تفضيل الشام و أهلها، سواء بنفسه أو على يد تلامذته.

(1) النزاع و التخاصم فيما بين بني أمية و بني هاشم، للمقريزي، ص 51.

(2) الإصابة، ج 3، ص 316 و راجع: الأضواء، ص 179- 181.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 57

أقسام الوضّاعين

قسّم ابن الجوزي الرواة الذين وقع في حديثهم الموضوع و الكذب و المقلوب إلى خمسة أقسام:

القسم الأول: قوم غلب عليهم الزهد و التقشّف، فتغفّلوا عن الحفظ و التمييز. و منهم من ضاعت كتبه أو احترقت أو دفنها، ثم حدّث من حفظه فغلط.

فهؤلاء تارة يرفعون المرسل، و تارة يسندون الموقوف، و تارة يقلبون الإسناد، و تارة يدخلون حديثا في حديث.

و القسم الثاني: قوم لم يعانوا على النقل، فكثر خطاؤهم و فحش، على نحو ما جرى للقسم الأول.

و القسم الثالث: قوم ثقات لكنهم اختلطت عقولهم في آخر أعمارهم، فخلطوا في الرواية.

و القسم الرابع: قوم متغفّلون، فمنهم من

كان يلقّن فيتلقّن، و منهم من يروي حديثا فيظن أنه سمعه و لم يسمعه، أو يظن جواز إسناد ما لم يسمع. و قد قيل لبعضهم: هذه الصحيفة سماعك؟ فقال: لا، و لكن مات الذي رواها فرويتها مكانه. و منهم من كان بعض أولاده يضع له الحديث، فيدوّن و لا يعلم.

و القسم الخامس: قوم تعمدوا الكذب، و هؤلاء على ثلاثة أصناف:

الصنف الأول: قوم رووا الخطأ من غير أن يعلموا أنه خطأ. فلما عرفوا وجه الصواب أنفوا أن يرجعوا، فأصرّوا على خطائهم، أنفة أن ينسبوا إلى غلط.

و الصنف الثاني: قوم رووا عن كذّابين و عن ضعفاء يعلمونهم، لكنهم دلّسوا في أسمائهم. فالكذب من أولئك المجروحين، و الخطأ القبيح من هؤلاء المدلّسين.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 58

و الصنف الثالث: قوم تعمّدوا الكذب الصريح.

و هؤلاء، منهم الزنادقة، وضعوا الحديث قصدا إلى إفساد الشريعة، و إيقاع الشك في قلوب العامة، و التلاعب بالدين، أمثال: ابن أبي العوجاء وضع أربعة آلاف حديث. و غيره ممن وضعوا كميّات كبيرة، أحلّوا بها الحرام و حرّموا بها الحلال.

و منهم، أصحاب العصبيّة الجاهلة، كانوا يضعون الحديث نصرة لمذهبهم، و سوّل لهم الشيطان أنّ ذلك جائز.

و منهم، أهل التصوّف و التقشّف، وضعوا الحديث في الترغيب و الترهيب، ليحثّوا الناس- بزعمهم- على فعل الخير و ترك الشر، و هذا تعاط على الشريعة، و مضمون فعلهم أن الشريعة ناقصة تحتاج إلى تتمّة فقد أتمّوها.

و منهم، قوم استجازوا وضع الأسانيد لكل كلام حسن، فقد حدّث محمد بن خالد عن أبيه قال: سمعت محمد بن سعيد يقول: لا بأس إذا كان الكلام حسنا أن تضع له إسنادا.

و منهم قوم وضعوا الحديث تزلّفا إلى سلطان أو نيلا إلى نوال،

كما وضع غياث بن إبراهيم

حديث «لا سبق في جناح»

تزلّفا إلى المهدي، و كان يحبّ الحمام.

و منهم من كان يضع الحديث جوابا لسائليه ليحظى منزلة رفيعة لديه.

و منهم من كان يضع الحديث لقدح أو مدح في أناس لأغراض مختلفة، كالأحاديث الموضوعة في قدح و مدح الشافعي و أبي حنيفة.

و منهم من كان يضع الغريب من الحديث، استجلابا لأنظار العامة، كما كان يفعله القصّاص؛ و معظم البلاء منهم يجري، لأنهم يزيدون أحاديث تثقف و ترقق، و الصحاح يقل فيها هذا. لا جرم كان القصّاص شديدي النعير ساقطي

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 59

الجاه، لا التفات إليهم، ليست لهم دنيا و لا آخرة.

و من هؤلاء القصّاص شحّاذون، يضعون الحديث و يسندوه إلى من شاءوا، و لا سيما من كان معروفا لدى العامة بالجاه و القبول.

قال جعفر بن محمد الطيالسي: صلى أحمد بن حنبل و يحيى بن معين في مسجد الرصافة. فقام بين أيديهم قصّاص، فقال: حدثنا أحمد بن حنبل و يحيى بن معين، قالا: حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن أنس، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «من قال: لا إله إلّا اللّه، خلق اللّه كل كلمة منها طيرا منقاره من ذهب و ريشه من مرجان ...» و أخذ في قصّة نحو عشرين ورقة. فجعل أحمد ينظر إلى يحيى، و يحيى ينظر إلى أحمد، فقال له: أنت حدّثته بهذا؟ فقال: و اللّه ما سمعت بهذا إلّا الساعة، فلما فرغ من قصصه و أخذ القطيعات، ثم قعد ينتظر بقيّتها، أشار إليه يحيى بيده أن تعال، فجاء متوهما النوال. فقال له يحيى: من حدّثك بهذا الحديث؟ فقال: أحمد بن حنبل

و يحيى بن معين. فقال: أنا يحيى و هذا أحمد، ما سمعنا بهذا قطّ في حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فإن كان لا بدّ و الكذب فعلى غيرنا! فقال له: أنت يحيى بن معين؟ قال: نعم. قال: لم أزل أسمع أنّ يحيى بن معين أحمق، ما تحقّقته إلّا الساعة. قال له يحيى: كيف علمت أنّي أحمق؟ قال: كأن ليس في الدنيا يحيى بن معين و أحمد بن حنبل غيركما. قد كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل و يحيى بن معين. فوضع أحمد كمّه على وجهه، و قال: دعه يقوم. فقام كالمستهزئ بهما «1».

(1) الموضوعات، ج 1، ص 35- 46.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 60

أقطاب الوضّاعين

قال الحافظ أبو عبد الرحمن النسائي- صاحب السنن-: الكذّابون المعروفون بوضع الحديث على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أربعة: ابن أبي يحيى بالمدينة، و الواقدي ببغداد، و مقاتل بن سليمان بخراسان، و محمد بن سعيد بالشام، يعرف بالمصلوب «1».

أمّا ابن أبي يحيى، فهو: أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، و اسمه سمعان الأسلمي المدني. روى عن الزهري و يحيى بن سعيد الأنصاري، و روى عنه الثوري و الإمام الشافعي. رمي بالقدر و التشيّع و الكذب. قال ابن عدي:

لم أجد لإبراهيم حديثا منكرا إلّا عن شيوخ يحتملون. و قد حدّث عنه ابن جريج و الثوري و الكبار. له كتاب صنّفه في المسانيد أسماه «الموطّأ» أضعاف موطّأ مالك، و أحاديثه كثيرة، رواه عنه الشافعي بمصر، و كان يكنّى عنه. و في مسند الشافعي عنه أحاديث، و كان يقول عنه: لأن يخرّ إبراهيم من بعد، أحب إليّ من أن

يكذب، و كان ثقة في الحديث. و قال أبو أحمد ابن عدي: سألت أحمد بن محمد بن سعيد- يعني ابن عقدة- فقلت له: تعلم أحدا أحسن القول في إبراهيم غير الشافعي؟ فقال: نعم، حدثنا أحمد بن يحيى الأودي، قال: سمعت حمدان بن الأصبهاني، قلت: أ تدين بحديث إبراهيم بن أبي يحيى؟ قال: نعم. ثم قال لي أحمد بن محمد بن سعيد: نظرت في حديث إبراهيم كثيرا و ليس بمنكر الحديث. قال ابن عدي: و هذا الذي قاله، كما قال. و قد نظرت أنا أيضا في حديثه الكثير فلم أجد فيه منكرا إلّا عن شيوخ يحتملون، و إنما روي المنكر من قبل الراوي عنه أو من قبل شيخه. قال: و هو من جملة من يكتب حديثه.

(1) ملحق كتابه في الضعفاء و المتروكين، ص 123.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 61

نعم يقال: إنّ الرجل كان يقع في بعض السلف، و من ثم اتّهم و رمي بالاعتزال تارة، و بالرفض و التشيع أخرى «1».

في حين أنّ الرجل مستقيم لا بأس به، و لا مغمز فيه سوى جانب إخلاصه لأهل البيت و صحبته للأئمة من ذرّية الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و قد عده الشيخ أبو جعفر الطوسي من رجال الإمامين الباقر و الصادق عليهما السّلام. قال: إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى أبو إسحاق مولى أسلم، مدنيّ. روى عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه عليهما السّلام، و كان خاصّا بحديثنا، و العامّة تضعّفه لذلك.

ذكر يعقوب بن سفيان في تاريخه في أسباب تضعيفه عن بعض الناس، أنّه سمعه ينال من الأوّلين. و ذكر بعض ثقات العامة أنّ كتب الواقدي سائرها- أي جميعها- إنما

هي كتب إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، نقلها الواقدي و ادّعاها، و لم نعرف منها شيئا منسوبا إلى إبراهيم. و له كتاب مبوّب في الحلال و الحرام عن جعفر بن محمد عليه السّلام، و للشيخ إليه طريق «2».

و الواقدي هو: محمد بن عمر بن واقد الأسلمي، مولاهم الواقدي المديني القاضي، صاحب التصانيف و المغازي، العلامة الامام أبو عبد اللّه، أحد أوعية العلم على ضعفه. سمع من صغار التابعين، فمن بعدهم بالحجاز و الشام و غير ذلك. و قد اتفقوا على تضعيفه غير جماعة، فوثّقوه كإبراهيم الحربي، قال:

الواقدي أمين الناس على أهل الإسلام، كان أعلم الناس بأمر الإسلام. و قال

(1) راجع: سير أعلام النبلاء، ج 8، ص 450، رقم 119. و تهذيب التهذيب، ج 1، ص 158، رقم 284.

(2) راجع: الفهرست للشيخ أبي جعفر الطوسي، ص 3.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 62

إبراهيم بن جابر الفقيه: سمعت أبا بكر الصاغاني- و ذكر الواقدي- فقال: و اللّه لو لا أنّه عندي ثقة ما حدّثت عنه، قد حدّث عنه أبو بكر بن أبي شيبة، و أبو عبيد، و غيرهما. و لإبراهيم الحربي شهادة أخرى قال: سمعت مصعب بن عبد اللّه يقول: الواقدي ثقة مأمون. و سئل معن بن عيسى عن الواقدي، فقال: أنا أسأل عن الواقدي؟! الواقدي يسأل عنّي! قال الذهبي: و سألت ابن نمير عنه فقال: أما حديثه هاهنا فمستو، و أما حديث أهل المدينة، فهم أعلم به. و عن يزيد بن هارون: الواقدي ثقة. الحربي قال: سمعت أبا عبد اللّه يقول: الواقدي ثقة.

و تجاه ذلك من ضعّفوه: قال يحيى بن معين: أغرب الواقدي على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله

و سلّم عشرين ألف حديث. و قال يونس بن عبد الأعلى: قال لي الشافعي: كتب الواقدي كذب. و عن ابن معين: ليس الواقدي بشي ء. و قال مرة:

لا يكتب حديثه. و عن أحمد بن حنبل: الواقدي كذّاب.

قال الذهبي: و قد تقرر أنّ الواقدي ضعيف، يحتاج إليه فى الغزوات و التاريخ، أمّا في الفرائض فلا ينبغي أن يذكر. فهذه الكتب الستة و مسند أحمد، نراهم يترخّصون في إخراج أحاديث أناس ضعفاء، بل و متروكين، و مع هذا لا يخرجون للواقدي شيئا. قال: مع أنّ وزنه عندي مع ضعفه أنّه يكتب حديثه و يروى، لأني لا أتّهمه بالوضع، و قول من أهدر فيه مجازفة من بعض الوجوه «1».

قلت: و هذا المنهج الذي انتهجه الذهبي هو الأرجح في النظر؛ لأنّ الرجل رجل التاريخ و السير و المغازي، و ليس من رجال الفقه و الحديث و التفسير.

و العمدة أنه لم يكن ممن يضع و إن خلط الغثّ بالسمين و الخرز بالدر الثمين،

(1) سير أعلام النبلاء، ج 9، ص 454- 469، رقم 172. و تاريخ بغداد، ج 3، ص 3- 21.

و غيرهما من أمّهات كتب التراجم.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 63

شأن سائر أرباب التاريخ و السير كابن جرير و ابن الأثير و أبي الفداء و غيرهم من أعلام التاريخ. ولد سنة (130)، و مات سنة (217) ببغداد، و هو قاض بعسكر المهدي من قبل المأمون.

و مقاتل بن سليمان بن بشير الخراساني المروزي. أصله من بلخ و انتقل إلى البصرة، و دخل بغداد و حدّث بها. و كان مشهورا بتفسير كتاب اللّه، و له تفسير معروف. أخذ العلم عن مجاهد و عطاء و الضحّاك و غيرهم من كبار التابعين.

و

كان من العلماء الأجلّاء. قال الإمام الشافعي: الناس كلّهم عيال على مقاتل بن سليمان في التفسير. و كان تفسيره هذا موضع إعجاب العلماء من أول يومه، و قد اتّهمه من لا خلاق له حسدا عليه. قال إبراهيم الحربي و قد سئل ما بال الناس يطعنون عليه؟ فقال: حسدا منهم له. و له حديث عن الإمام أبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام يرفعه إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يدل على رفيع منزلته لدى أئمة أهل البيت عليهم السّلام. و قد عده الشيخ أبو جعفر الطوسي من أصحاب الباقر و الصادق عليهما السّلام. و قد أتينا على ترجمته- و أنّ الرجل صالح لا مغمز فيه- عند الكلام عن الطرق إلى ابن عباس «1» توفّي سنة (150).

و أما محمد بن سعيد المصلوب، فهو من أهل دمشق، اتّهم بالزندقة فصلبه أبو جعفر. و هو الذي وضع

الحديث المروي من طريقه، عن حميد عن أنس مرفوعا: «أنا خاتم النبيين، لا نبيّ بعدي، إلّا أن يشاء اللّه»

فقد وضع و افترى هذا

(1) راجع: تاريخ بغداد، ج 13، ص 160- 169. و ابن خلكان، ج 5، ص 255، رقم 733.

و غيرهما من أمهات التراجم.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 64

الاستثناء، تأييدا لمذهبه في الزندقة «1». ثم أخذ يدّعي النبوة «2». و كان يضع الحديث و يضع الأسانيد. قال: لا بأس إذا كان الكلام حسنا أن تضع له إسنادا.

و عن أحمد بن حنبل قال: عمدا، كان يضع الحديث «3».

و قال ابن الجوزي: و الكذّابون و الوضّاعون خلق كثير، قد جمعت أسماءهم في كتاب «الضعفاء و المتروكين». و كان من كبار الكذّابين: وهب بن وهب القاضي، و محمد بن

السائب الكلبي، و محمد بن سعيد الشامي، المصلوب، و أبو داود النخعي، و إسحاق بن نجيح الملطي، و غياث بن إبراهيم النخعي، و المغيرة بن سعيد الكوفي، و أحمد بن عبد اللّه الجويباري، و مأمون بن أحمد الهروي، و محمد بن عكاشة الكرماني، و محمد بن القاسم الكانكاني.

و روى بإسناده عن أبي عبد اللّه محمد بن العباس الضبّي، قال: سمعت سهل بن السري يقول: قد وضع أحمد بن عبد اللّه الجويباري، و محمد بن عكاشة الكرماني، و محمد بن تميم الفارابي، على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أكثر من عشرة آلاف حديث «4».

و للعلامة الأميني فهرس بأسماء الكذّابين ممّن كان يكذب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم صريحا من غير أن يتورّع. أورده في كتابه القيّم «الغدير» بعنوان

(1) تفسير القرطبي، ج 1، ص 78.

(2) هامش ملحق الضعفاء للنسائي، ص 124.

(3) ميزان الاعتدال للذهبي، ج 3، ص 561، رقم 7592.

(4) الموضوعات، ج 1، ص 47- 48.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 65

«سلسلة الكذّابين و الوضّاعين» «1» ذكر فيها الأهم ممن كان يضع الحديث، و نحن نقتطف منها نماذج:

إبراهيم بن الفضل الأصبهاني أبو منصور توفّي سنة (530) أحد الحفاظ كذّاب. كان يقف في سوق أصفهان و يروي من حفظه بسنده، و كان يضع في الحال. قال معمّر: رأيته في السوق و قد روى مناكير بأسانيد الصحاح، و كنت أتأمّله مفرطا أظنّ أنّ الشيطان تبدّى على صورته.

إبراهيم بن هدبة البصري، كذّاب خبيث حدّث بالأباطيل و وضع على أنس.

كان رقّاصا بالبصرة يدعى إلى العرائس فيرقص لهم، و كان يشرب المسكر. بقى إلى سنة (200).

أحمد

بن الحسن بن أبان البصري من كبار شيوخ الطبراني، كان كذابا دجّالا يضع الحديث على الثقات.

أحمد بن داود، ابن أخت عبد الرزاق، من أكذب الناس، عامّة أحاديثه مناكير.

أحمد بن عبد اللّه الشيباني أبو علي الجويباري، كذّاب، يضع الحديث، دجّال. قال البيهقي: إنّي أعرفه حقّ المعرفة بوضع الأحاديث على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقد وضع عليه أكثر من ألف حديث. و سمعت الحاكم يقول:

هذا كذّاب خبيث، وضع كثيرا في فضائل الأعمال، لا تحلّ رواية حديثه بوجه.

و قال ابن حبّان: دجّال من الدجاجلة، روى عن الأئمة ألوف أحاديث، ما حدّثوا بشي ء منها.

أحمد بن عبد اللّه بن محمد أبو الحسن البكري، كذّاب دجّال واضع القصص التي لم تكن قطّ، فما أجهله و أقلّ حياءه. قاله الذهبي في «ميزان الاعتدال».

(1) راجع: الغدير، ج 5، ص 209- 275.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 66

أحمد بن محمد بن محمد أبو الفتح الغزالي الطوسي الواعظ المفوّه المتوفّى سنة (520)، أخو أبي حامد، كان يضع، و الغالب على كلامه التخليط و الأحاديث الموضوعة، و كان يتعصّب لإبليس و يعذره.

أحمد بن محمد بن الصلت، وضّاع، لم يكن في الكذّابين أقلّ حياء منه.

أحمد بن محمد بن غالب الباهلي أبو عبد اللّه المتوفّى سنة (275)، غلام الخليل، من كبار الزهّاد ببغداد، كذّاب وضّاع، و كان دجّالا.

إسحاق بن بشر البخاري أبو حذيفة المتوفّى سنة (206)، قد أجمعوا على أنّه كذّاب يضع الحديث.

إسحاق بن ناصح، من أكذب الناس، يحدّث عن النبي عن ابن سيرين، برأي أبي حنيفة.

إسحاق بن نجيح الملطي الأزدي، دجّال، أكذب الناس، عدوّ اللّه، رجل سوء، خبيث، كان يضع الحديث.

إسحاق بن وهب الطهرمسي، كذّاب متروك، كان يضع صراحا.

إسماعيل بن

علي بن المثنّى الواعظ الأسترابادي المتوفّى (448)، كذّاب ابن كذّاب، كان يقصّ و يكذب، يركّب المتون الموضوعة على الأسانيد الصحيحة.

بشير بن نمير البصري المتوفّى (238)، كان ركنا من أركان الكذب، كذّاب يضع الحديث.

الحسن بن علي الأهوازي أبو علي المتوفّى سنة (446)، كذّاب في الحديث و القراءة، كان من أكذب الناس، صنّف كتابا أتى بالموضوعات و الفضائح.

الحسن بن علي أبو علي النخعي المعروف بأبي الاشنان. قال ابن عدي:

رأيته ببغداد يكذب كذبا فاحشا و يحدّث عن قوم لم يرهم، و كان يلزق أحاديث قوم تفرّدوا به، على قوم ليس عندهم.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 67

الحسن بن علي بن زكريّا أبو سعيد العدوي البصري، شيخ قليل الحياء كذّاب أفّاك، يضع الحديث على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و يسرق الحديث، و يلزقه على قوم آخرين، و يحدّث عن قوم لا يعرفون، و عامة أحاديثه إلّا القليل موضوعات، يتيقّن أنّه هو الذي وضعه. كذّاب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول عليه ما لم يقله. قال ابن حبّان: لعلّه قد حدّث عن الثقات بالأشياء الموضوعة، ما يزيد على ألف حديث.

الحسن بن عمارة بن المضرب أبو محمد الكوفي المتوفّى سنة (153)، فقيه كبير كذّاب ساقط متروك، و كان يضع الحديث. قال شعبة: من أراد أن ينظر إلى أكذب الناس فلينظر إلى الحسن بن عمارة.

الحسين بن حميد بن ربيع الكوفي الخزّاز المتوفّى (282)، كذّاب ابن كذّاب ابن كذّاب.

الحسين بن محمد البزري المتوفّى سنة (423)، كذّاب، أحد المشايخ الأربعة الكذّابين ببغداد.

حمّاد بن عمر النصيبي. قال يحيى بن معين: إنّه من المعروفين بالكذب و وضع الحديث.

داود بن المحبّر أبو سليمان البصري نزيل بغداد،

و المتوفّى بها (206)، كذّاب وضّاع على الثقات، صاحب مناكير، متروك الحديث.

ربيع بن محمود المارديني المتوفّى (652)، دجّال مفتر ادّعى الصحبة و التعمير توفي سنة (599).

زكريا بن يحيى المصري أبو يحيى الوكّار المتوفّى (254)، كذّاب من الكذّابين الكبار، و كان فقيها صاحب حلقة. و من الصلحاء و العبّاد و الفقهاء.

سليمان بن داود البصري أبو أيّوب المعروف بالشاذكوني المتوفّى (234)،

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 68

أحد الحفّاظ، كذّاب خبيث، كان يضع الحديث في الوقت، و كان يتعاطى المسكر و يتماجن.

سليمان بن عمرو أبو داود النخعي. كان أكذب الناس على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم معروف بوضع الحديث، و كان رجلا صالحا في الظاهر، إلّا أنه كان يضع الحديث وضعا. قال الخطيب: كان ببغداد رجال يكذبون و يضعون، منهم أبو داود النخعي.

و قال الحاكم: لست أشكّ في وضعه الحديث على تقشّفه و كثرة عبادته.

صالح بن بشير أبو بشر المرّي البصري، قاصّ كذّاب، متروك الحديث.

عامر بن صالح حفيد الزبير بن العوّام، كذّاب خبيث، عدوّ للّه.

عبد اللّه بن الحارث الصنعاني، شيخ دجّال يضع الحديث وضعا، حدّث عن عبد الرزّاق بنسخة كلّها موضوعة.

عبد اللّه بن عبد الرحمن الكلبي الأسامي، من أكذب خلق اللّه، روى بالأباطيل.

عبد اللّه بن علّان بن رزين الخزاعي الواسطي، كان كذّابا، كثير الكذب و التزوير.

عبد المنعم بن إدريس اليماني المتوفّى (228)، قصّاص كذّاب خبيث، يضع الحديث.

كثير بن عبد اللّه بن عمرو المزني المدني، ركن من أركان الكذب.

محمد بن شجاع أبو عبد اللّه الثلجي الحنفي المتوفّى (266)، فقيه العراق في وقته. كان كذّابا، يضع الحديث في التشبيه. احتال في إبطال الحديث عن رسول اللّه، و ردّه نصرة لأبي حنيفة و رأيه.

محمد بن محمد

بن عبد الرحمن أبو الفتح الخشّاب، كان يضرب به المثل في الكذب و التخيّلات و وضعها، و كان منهمكا على الشرب. قال فيه إبراهيم بن

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 69

عثمان العربي:

أوصاه أن ينحت الأخشاب والده فلم يطقه و أضحى ينحت الكذبا

نوح بن مريم أبو عصمة المروزي المتوفّى (173)، شيخ كذّاب، كان يضع الحديث. وضع حديث فضائل القرآن الطويل.

هنّاد بن إبراهيم النسفي، كذّاب وضّاع، راوية للموضوعات و البلايا. توفّي سنة (465).

وهب بن وهب القاضي أبو البختري القرشي المدني، أكذب الناس. توفّي سنة (200)، كذّاب خبيث، دجّال عدوّ اللّه، كان يضع الحديث وضعا. و كان عامّة الليل يضع الحديث. قال فيه سويد بن عمرو بن الزبير:

إنا وجدنا ابن وهب حدثنا عن النبي أضاع الدين و الورعا

يروي أحاديث من إفك مجمّعة أفّ لوهب و ما روى و ما جمعا

إلى آخر أبيات.

قال ابن عدي: أبو البختري من الكذّابين الوضّاعين، و كان يجمع في كل حديث يرويه أسانيد من جسارته على الكذب، و وضعه على الثقات.

يحيى بن هاشم الغسّاني السمسار أبو زكريا، كذّاب، دجّال هذه الأمّة كان يضع الحديث و يسرقه.

أبو المغيرة شيخ، من أكذب الناس و أخبثهم.

فهؤلاء أربعون شيخا من كبار المحدّثين الوضّاعين، المعروفين بالكذب و الاختلاق، اخترناهم من سبعمائة شيخ كذّاب، أوردهم العلامة الأميني في «الغدير». و لعلك تستغرب هذا العدد الهائل من الكذّابين على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حيث عدم المبالاة في الفرية في الدين. و لكن لا غرابة فيمن سوّلت له نفسه

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 70

و أنساه الشيطان ذكر ربّه. فهؤلاء ممن استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر اللّه إِنَّ

هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَ باطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ «1» صدق اللّه العلي العظيم.

و بعد، فهذا غيض من فيض، احتمله سيل الكذّابين ممن اجترءوا على اللّه و اجترحوا السيئات، فشوّهوا وجه الحديث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم. و لقد صدق حيث

قوله في خطبته في حجة الوداع: «قد كثرت عليّ الكذابة و ستكثر. فمن كذب عليّ متعمدا فليتبوّأ مقعده من النار. فإذا أتاكم الحديث فاعرضوه على كتاب اللّه و سنّتي، فما وافق كتاب اللّه و سنّتي فخذوه، و ما خالف كتاب اللّه و سنّتي فلا تأخذوا به» «2».

فقد زالت الثقة بكتب الحديث من أهل الحشو، مع هذا الخضمّ من الموضوعات المدسوسة في الحديث و التفسير.

أنحاء الموضوعات

كانت الأكاذيب تتنوّع حسب تنوّع الأسباب الداعية للكذب و الاختلاق، فهناك كذب سياسي و آخر تحمّس مذهبي أو تعصّب جاهلي أو تزلّف لدى أمير أو رغبة في جاه أو استمالة للعامّة؛ لغرض استدرار ما لديهم من نقود و قطيعات، و ما أشبه ذلك.

و قد تكفّلت الكتب المخصّصة لبيان الموضوعات كلّ هذه الجوانب،

(1) الأعراف/ 139.

(2) بحار الانوار، ج 2، ص 225.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 71

و رتّبتها في فصول و أبواب، و نحن نورد من ذلك أمثلة نموذجية:

فممّا وضعته يد السياسة الغاشمة، ما

رواه داود بن عفّان عن أنس مرفوعا: «الأمناء سبعة: اللّوح، و القلم، و إسرافيل، و ميكائيل، و جبرائيل، و محمد، و معاوية».

و داود هذا من الوضّاعين. قال الذهبي: روى عن أنس بنسخة موضوعة. و قال ابن حبّان: كان يدور بخراسان و يضع على أنس «1».

و ذكره ابن كثير في تاريخه (8: 120) قال: هذا أنكر من الأحاديث التي قبله،

و أضعف إسنادا.

و عن واثلة مرفوعا: «أن اللّه ائتمن على وحيه جبريل و أنا و معاوية. و كاد أن يبعث معاوية نبيّا من كثرة علمه و ائتمانه على كلام ربّي. يغفر اللّه لمعاوية ذنوبه، و وقاه حسابه، و علّمه كتابه، و جعله هاديا مهديا، و هدى به».

قال الحاكم: سئل أحمد بن عمر الدمشقي- و كان عالما بحديث الشام- عن هذا الحديث، فأنكره جدّا. أخرجه ابن عساكر في تاريخه (7: 322) «2».

و ممّا وضع تزلّفا لدى الأمراء ما

أخرجه الخطيب في تاريخه (13: 452) قال: لما قدم الرشيد المدينة، أعظم أن يرقى منبر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في قباء أسود و منطقة، فقال أبو البختري: حدّثني جعفر بن محمد الصادق عن أبيه قال: نزل جبريل على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و عليه قباء و منطقة، مخنجرا فيها بخنجر

، و في ذلك قال المعافي التيمي:

ويل و عول لأبي البختري إذا ثوى للناس في المحشر

(1) ميزان الاعتدال، ج 2، ص 12- 13، رقم 2632.

(2) الغدير، ج 5، ص 308.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 72

من قوله الزور و إعلانه بالكذب في الناس على جعفر

و اللّه ما جالسه ساعة للفقه في بدو و لا محضر

و لا رآه الناس في دهره يمرّ بين القبر و المنبر

يا قاتل اللّه ابن وهب لقد أعلن بالزور و بالمنكر

يزعم أنّ المصطفى أحمدا أتاه جبريل التقي السري

عليه خفّ و قبا أسود مخنجرا في الحقو بالخنجر «1»

مما وضع في الفضائل ما

أخرجه الخطيب في تاريخه (2: 97) عن أنس قال: لما نزلت سورة التّين على رسول اللّه

صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فرح لنا فرحا شديدا حتى بان لنا شدّة فرحه، فسألنا ابن عباس- بعد ذلك- عن تفسيرها، فقال: أمّا التِّينِ فبلاد الشام، وَ الزَّيْتُونِ فبلاد فلسطين، وَ طُورِ سِينِينَ فطور سينا الذي كلّم اللّه موسى، وَ هذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ فبلد مكة، لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ محمد، ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ، عبّاد اللّات و العزّى، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أبو بكر و عمر، فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ عثمان، فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ عليّ، أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ بعثك فيهم و جمعكم على التقوى.

قال الخطيب: هذا الحديث بهذا الإسناد باطل، لا أصل له يصح فيما نعلم.

و ذكر الذهبي في «الميزان» (3: 32) أن العلة فيه محمد بن بيان فقد رواه بقلّة حياء من اللّه، و هكذا ذكر ابن الجوزي في «الموضوعات» «2».

و

روى القرطبي في تفسيره مرسلا رفعه إلى أبيّ بن كعب، قال: قرأت على

(1) الغدير، ج 5، ص 311.

(2) المصدر، ص 320.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 73

رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم وَ الْعَصْرِ. ثمّ قلت: ما تفسيرها يا نبي اللّه؟ قال: وَ الْعَصْرِ قسم من اللّه أقسم ربّكم بآخر النهار، إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ أبو جهل، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا أبو بكر، وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ عمر، وَ تَواصَوْا بِالْحَقِّ عثمان، وَ تَواصَوْا بِالصَّبْرِ عليّ «1».

و روى الصفوري في «نزهة المجالس» قال: قال ابن عباس في قوله تعالى:

وَ نَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ «2»: إذا كان يوم القيامة تنصب كراسي من ياقوت أحمر، فيجلس أبو بكر على كرسيّ، و عمر على كرسيّ، و عثمان

على كرسيّ، و عليّ على كرسيّ، ثمّ يأمر اللّه الكراسي فتطير بهم إلى تحت العرش، فتسبل عليهم خيمة من ياقوتة بيضاء. ثمّ يؤتى بأربع كاسات، فأبو بكر يسقي عمر، و عمر يسقي عثمان، و عثمان يسقي عليّا، و عليّ يسقي أبا بكر، ثمّ يأمر اللّه جهنّم أن تتمخّض بأمواجها، فتقذف الروافض على ساحلها، فيكشف اللّه عن أبصارهم، ينظرون إلى منازل أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فيقولون: هؤلاء الذين سعد الناس بمتابعتهم و شقينا نحن بمخالفتهم، ثم يردّون إلى جهنم بحسرة و ندامة «3».

و أيضا في قوله تعالى: وَ حَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَ دُسُرٍ تَجْرِي بِأَعْيُنِنا «4» قال: إنّ نوحا لما عمل السفينة جاءه جبرئيل بأربعة مسامير مكتوب

(1) تفسير القرطبي، ج 20، ص 180.

(2) الحجر/ 47.

(3) نزهة المجالس، ج 2، ص 217. و راجع: أسباب النزول للواحدي، ص 207. و للعلّامة الأميني هنا تفنيد لاذع فراجع: الغدير، ج 10، ص 134- 136.

(4) القمر/ 13.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 74

على كلّ مسمار «ع»: عين عبد اللّه، و هو أبو بكر، و عين عمر، و عين عثمان، و عين على، فجرت السفينة ببركتهم «1».

أورد ابن الجوزي بإسناده إلى ابن عباس، قال: لما نزلت إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ جاء العبّاس إلى عليّ، فقال له: قم بنا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فسألاه عن ذلك. فقال: يا عم، إنّ اللّه جعل أبا بكر خليفتي عن دين اللّه و وحيه، فاسمعوا له تفلحوا، و أطيعوا ترشدوا.

و

في حديث آخر: فأطيعوه بعدي تهتدوا، و اقتدوا به ترشدوا

. قال ابن عبّاس: ففعلوا فرشدوا.

قال ابن

الجوزي: هذا حديث لا يصحّ، و مدار الطريقين على عمر بن إبراهيم، و هو الكردي. قال: الدار قطني: كان كذّابا يضع الحديث.

قال: هكذا روى أبو بكر الجوزقي من حديث أبي سعيد عن عمر، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: لما عرج بي إلى السماء، قلت: اللّهمّ اجعل الخليفة من بعدي عليّ بن أبي طالب، فارتجّت السماوات، و هتف بي الملائكة من كل جانب: يا محمد اقرأ وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ «2» قد شاء اللّه أن يكون من بعدك أبا بكر الصديق.

قال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع، وضعه يوسف بن جعفر، و كان يضع الحديث «3».

(1) نزهة المجالس، ج 2، ص 214.

(2) الإنسان/ 30.

(3) الموضوعات، ج 1، ص 315- 316.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 75

و مما وضع في المجون و الدجل ما رواه أبو صالح عمرو بن خليف الحتاوي، بإسناد وضعه عن ابن عباس، قال: قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أدخلت الجنة فرأيت فيها ذئبا، فقلت: أ ذئب في الجنة؟! قال: إنّي أكلت ابن شرطيّ. قال ابن عباس: هذا و إنما أكل ابنه، فلو أكله رفع في علّييّن «1». قال الأميني: ليت ابن عباس كان يفصح عن أنه لو كان أكل مدير الشرطة أين كان يرفع؟! «2» و قد عدّ ذلك من خزايات الحتاوي.

و روى محمد بن مزيد بإسناده عن أبي منظور- و كانت له صحبة- قال: لمّا فتح اللّه على نبيّه خيبر أصابه من سهمه أربعة أزواج نعال، و أربعة خفاف، و عشرة أواق ذهب و فضّة، و حمار أسود. قال: فكلّم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله

و سلّم الحمار، فقال له: ما اسمك؟ قال: يزيد بن شهاب، أخرج من نسل جدّي ستّون حمارا كلّهم لم يركبه إلّا نبيّ، و لم يبق من نسل جدّي غيري و لا من الأنبياء غيرك، أتوقّعك أن تركبني، و قد كنت لرجل من اليهود كنت أعثر به عمدا. فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: قد سميتك يعفورا، يا يعفور، أ تشتهي الإناث؟ قال: لا. و كان النبي يركبه في حاجة، فإذا نزل بعث به إلى باب الرجل، فيأتي الباب فيقرعه برأسه، فإذا خرج إليه صاحب الدار أومأ إليه أن أجب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فلما قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم جاء إلى بئر كانت لأبي الهيثم ابن التّيهان فتردّى فيها فصارت قبرا له، جزعا منه على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

قال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع، فلعن اللّه واضعه، فإنّه لم يقصد إلّا القدح في الإسلام و الاستهزاء به. قال أبو حاتم ابن حبّان: لا أصل لهذا الحديث،

(1) لسان الميزان، ج 4، ص 363، رقم 1061.

(2) الغدير، ج 5، ص 249.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 76

و إسناده ليس بشي ء، و لا يجوز الاحتجاج بمحمد بن مزيد «1».

و مما وضع شيئا على مقام النبوّة، حديث القضيب الممشوق:

روى أبو جعفر الصدوق في أماليه بإسناد فيه ضعف، رفعه إلى ابن عباس، قال: لما مرض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال لبلال: هلمّ، عليّ بالناس. فاجتمع الناس، فخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم متعصّبا بعمامته، متوكّيا على قوسه حتى صعد المنبر،

فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال: «معاشر أصحابي، أيّ نبيّ كنت لكم، أ لم أجاهد بين أظهركم، أ لم تكسر رباعيّتي، أ لم يعفر جبيني، أ لم تسل الدماء على حرّ وجهي حتى كنفت لحيتي، أ لم أكابد الشدّة و الجهد مع جهّال قومي، أ لم أربط حجر المجاعة على بطني؟

قالوا: بلى يا رسول اللّه، لقد كنت للّه صابرا و على منكر بلاء اللّه ناهيا، فجزاك اللّه عنا أفضل الجزاء. قال: و أنتم فجزاكم اللّه. ثم قال: إن ربّي عزّ و جل حكم، و أقسم أن لا يجوزه ظلم ظالم، فناشدتكم باللّه، أيّ رجل منكم كانت له قبل محمد مظلمة إلّا قام فليقتصّ منه. فالقصاص في دار الدنيا أحبّ إليّ من القصاص في دار الآخرة على رءوس الملائكة و الأنبياء. فقام إليه رجل من أقصى القوم، يقال له:

سوادة بن قيس. فقال له: فداك أبي و أمّي يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنك لما أقبلت من الطائف استقبلتك و أنت على ناقتك العضباء، و بيدك القضيب الممشوق، فرفعت القضيب و أنت تريد الراحلة فأصاب بطني، فلا أدري عمدا أو خطأ؟ فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: معاذ اللّه أن أكون تعمّدت.

ثم قال: يا بلال، قم إلى منزل فاطمة فائتني بالقضيب الممشوق. فخرج بلال،

(1) الموضوعات، ج 1، ص 294.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 77

و هو ينادي في سكك المدينة، معاشر الناس، من ذا الذي يعطي القصاص من نفسه قبل يوم القيامة، فهذا محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يعطي القصاص من نفسه قبل يوم القيامة. و طرق بلال الباب على فاطمة عليها السّلام

و هو يقول: يا فاطمة قومي فوالدك يريد القضيب الممشوق. فأقبلت فاطمة و هي تقول: يا بلال، و ما يصنع والدي بالقضيب، و ليس هذا يوم القضيب! فقال بلال: يا فاطمة، أما علمت أنّ والدك قد صعد المنبر و هو يودّع أهل الدين و الدنيا، فصاحت فاطمة و قالت: وا غمّاه لغمّك يا أبتاه، من للفقراء و المساكين و ابن السبيل يا حبيب اللّه و حبيب القلوب.

ثم ناولت بلالا القضيب، فخرج حتى ناوله رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أين الشيخ؟ فقال الشيخ: ها أنا ذا يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بأبي أنت و أمّي. فقال: تعال، فاقتصّ منّي حتى ترضى. فقال الشيخ: فاكشف لي عن بطنك يا رسول اللّه، فكشف عن بطنه. فقال الشيخ: بأبي أنت و أمّي يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أ تأذن لي أن أضع فمي على بطنك؟ فأذن له، فقال: أعوذ بموضع القصاص من بطن رسول اللّه من النار يوم النار.

فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: يا سوادة بن قيس، أ تعفو أم تقتصّ؟ فقال: بل أعفو، يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم. فقال: اللّهم اعف عن سوادة بن قيس كما عفا عن نبيك محمّد «1».

و رواه ابن شهرآشوب في كتاب «المناقب» مرسلا «2». و رجال إسناد الصدوق في هذا الحديث أكثرهم مجاهيل أو ضعاف، فضلا عن عدم استقامة المتن على أصول المذهب؛ إذ لا يشرع القصاص في غير العمد،

(1) الأمالي لأبي جعفر الصدوق، (ط نجف)، المجلس 92، الحديث

رقم 6، ص 567- 568.

(2) المناقب، ج 1، ص 234- 235.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 78

كما لا قصاص في الضرب بالعصا. و لعل واضع هذا الحديث غفل عن مباني شريعة القصاص في الإسلام، أو لعلّه أراد الحطّ من سيّد الأنبياء، في حادثة وضعها على خلاف الشريعة.

هذا، و سوادة بن قيس، مجهول في زمرة أصحاب رسول اللّه، لم يأت له ذكر في التراجم. نعم ذكر ابن حجر ما يقارب هذه القصة بشأن سوادة بن غزية الأنصاري تارة، و بشأن سواد بن عمرو أخرى، و ذكر القصة في يوم بدر.

كان صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يعدّل الصفوف و في يده قدح (هو السهم قبل أن يراش) فمرّ بسواد بن غزية فطعن في بطنه، فقال: أوجعتني فأقدني، فكشف عن بطنه، فاعتنقه و قبّل بطنه، فدعا له بخير.

قال أبو عمر: رويت هذه القصة لسواد بن عمرو. قال ابن حجر: لا يمتنع التعدّد، لا سيما مع اختلاف السبب.

روى عبد الرزاق عن ابن جريج عن الإمام جعفر بن محمد عن أبيه: أن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان يتخطّى بعرجون فأصاب به سواد بن غزية

، فذكر القصة، و

عن معمر عن رجل عن الحسن نحوه. لكن قال: فأصاب به سوادة بن عمرو، و كان يصيب من الخلوف فنهاه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و فيها: فلقيه ذات يوم و معه جريدة فطعنه في بطنه، فقال:

أقدني يا رسول اللّه؟ فكشف عن بطنه فقال له: اقتصّ. فألقى الجريدة و طفق يقبّله. قال الحسن: حجزه الإسلام «1».

و القصة- كما رواه أبو جعفر الصدوق- رواها ابن الجوزي بإسناده إلى أبي نعيم الأصبهاني، أسنده إلى وهب

بن منبّه عن جابر بن عبد اللّه و ابن عباس و ذكر

(1) الإصابة، ج 2، ص 95- 96، رقم 3582.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 79

القصة بطولها لكن جاء بدل سوادة بن قيس، رجل يقال له: «عكّاشة» و القصة أطول مما ذكره الصدوق، و على الغرائب أشمل.

قال ابن الجوزي بعد سردها بكمالها: هذا حديث موضوع، كافأ اللّه من وضعه و قبح من يشين الشريعة بمثل هذا التخليط البارد، و الكلام الذي لا يليق بالرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لا بالصحابة، و المتهم به: عبد المنعم بن إدريس. قال أحمد بن حنبل: كان يكذب على وهب. و قال يحيى: كذّاب خبيث «1».

و هكذا ذكر جلال الدين السيوطي القصة في الموضوعات «2».

3- الإسرائيليّات
اشارة

إسرائيليّات: جمع إسرائيليّة، و هي قصّة أو أسطورة تروى عن مصدر إسرائيلي، سواء أ كان عن كتاب أو شخص، تنتهي إليه سلسلة إسناد القصة.

و النسبة فيها إلى إسرائيل، و هو لقب يعقوب النبي عليه السّلام، و إليه تنسب اليهود، فيقال: بنو إسرائيل، سواء أ كانوا منسوبين إليه بالنسب، أو بالإيمان. فكل من آمن باليهوديّة فهو إسرائيليّ، سواء أ كان منتسبا إلى أحد الأسباط أم لم يكن «3».

و اللّفظة عبريّة تعطي معنى: الغلبة على اللّه؛ حيث القصّة الأسطورية في مصارعة يعقوب مع اللّه ليلة كاملة، و غلبته عليه عند الصباح «4».

(1) الموضوعات، ج 1، ص 201- 295.

(2) اللئالي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة، ج 1، ص 277- 282.

(3) صرّح بهذا التعميم جيمس هاكس في قاموس الكتاب المقدس، ص 53.

(4) راجع: سفر التكوين، إصحاح 32، عدد 25 «فقال له اللّه: ما اسمك؟ قال: يعقوب. فقال

التفسير و

المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 80

و «إسرا» بمعنى الغلبة، و «ئيل» بمعنى القدرة الكاملة، لقب الإله، و تلقّب به الأصنام أيضا «1». فمعنى «إسرائيل»: الغالب على القدرة الكاملة، و هو اللّه تعالى- في زعمهم-، و قد أصبح لقب يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم؛ لأنه صارع مع اللّه و غلب عليه.

و لفظ «إسرائيليّات» و إن كان بظاهره يدل على القصص الذي يروى أصلا عن مصادر يهوديّة، يستعمله علماء التفسير و الحديث، و يطلقونه على ما هو أوسع و أشمل من القصص اليهوديّة. فهو في اصطلاحهم يدل على كل ما تطرّق إلى التفسير و الحديث و التاريخ من أساطير قديمة، منسوبة في أصل روايتها إلى مصدر يهودي أو نصراني أو غيرهما، بل توسّع بعض المفسرين و المحدّثين فعدّوا من الإسرائيليات ما دسّه أعداء الإسلام من اليهود و غيرهم على التفسير و الحديث، من أخبار لا أصل لها حتى في مصدر قديم. و إنما هي من صنع أعداء الإسلام، صنعوها بخبث نيّة و سوء طويّة، ثم دسّوها على التّفسير و الحديث ليفسدوا بها عقائد المسلمين.

و إنما أطلق لفظ الإسرائيليات على كل ذلك، من باب التّغليب للّون اليهودي على غيره؛ لأنّ غالب ما يروى من هذه الخرافات و الأباطيل، يرجع في أصله إلى مصدر يهودي؛ و لأنهم الفئة التي كانت العرب الأوائل و كذا المسلمون في العهد الأوّل يرجعون إليها في الأغلب الأكثر. و اليهود قوم بهّت، و هم أشدّ الناس عداوة و بغضا للإسلام و المسلمين، كما قال سبحانه:

لا يدعى اسمك فيما بعد يعقوب بل إسرائيل، لأنك جاهدت مع الله و الناس و قدرت».

(1) قاموس الكتاب المقدس، ص 53 و 142.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 81

لَتَجِدَنَّ

أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ... «1». و اليهود كانوا أكثر أهل الكتاب صلة بالمسلمين. و ثقافتهم كانت أوسع من ثقافات غيرهم، و حيلهم التي يصلون بها إلى تشويه جمال الإسلام كانت ماكرة خادعة، و كان لهم نصيب كبير في هذا الهشيم المركوم من الإسرائيليّات الدخيلة. فمن أجل هذا كلّه، غلب اللّون اليهودي على غيره من ألوان الدخيل على التفسير و الحديث، و أطلق عليه كلّه لفظ «الإسرائيليّات».

الإسرائيليّات في التفسير و الحديث

كانت العرب منذ أوّل يومها تزعم من أهل الكتاب، و لا سيّما اليهود القاطنين بين أظهرهم، أهل دين و ثقافة و معرفة بشئون الحياة، و من ثم كانوا يراجعونهم فيما تتوق إليه نفوسهم في معرفة شئون الخليقة و تواريخ الأمم السالفة و الأنبياء و ما إلى ذلك. و هكذا بعد ظهور الإسلام كانوا يفضّلون مراجعة أهل الكتاب في معرفة شئون الإسلام و الدعوة.

و لا سيّما و قد حدا بهم القرآن إلى مساءلة أهل الذكر و الكتاب. قال تعالى مخاطبا لهم: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ «2». و هذا من باب وَ ما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ «3».

المخاطب، و إن كان هو النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لكن المقصود غيره ممّن شكّ في

(1) المائدة/ 82.

(2) يونس/ 94.

(3) يس/ 22.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 82

رسالته، فليراجعوا أهل الكتاب في معرفة سمات نبي الإسلام. و هذا كان في إبّان الدعوة؛ حيث كان يرجى الصدق من أهل الكتاب.

و هكذا قوله تعالى: وَ ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا

نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ «1».

و قوله: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّناتِ وَ الزُّبُرِ «2».

و قوله: وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ ... «3».

إلى غيرها من آيات، تخاطب المشركين، فيما لو ارتابوا في صحة ما جاء به القرآن، أن يراجعوا أهل الكتاب.

و قد حسب بعض المسلمين الأوائل، أنّ ذلك تجويز لهم أيضا في مراجعة اليهود، فيسألوهم عن بعض شئون الشريعة، و لا سيّما في أصول معارفها و شئون الخليقة و تاريخ الأنبياء.

لكنّ الأمر لم يستمرّ على ذلك حتى جاء النهي الصريح عن مراجعة أهل الكتاب؛ و ذلك بعد أن عرف منهم الخبث و اللّؤم في تضليل المسلمين، و تشويه سمعة الإسلام، و تضعيف العقائد.

(1) الأنبياء/ 7.

(2) النحل/ 43.

(3) الإسراء/ 101.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 83

قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ. لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا. وَدُّوا ما عَنِتُّمْ. قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَ ما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ. قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ «1».

(البطانة): ما يستبطنه الإنسان من ثيابه التي تلي جسده، أي لا تتخذوا أصحاب سرّ من غيركم.

لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا، أي لا يقصّرون في إفساد ذهنيّاتكم عن الإسلام، و منه الخبل: فساد العقل. و رجل مخبّل: فاسد الرأي.

وَدُّوا ما عَنِتُّمْ، أي كانت غاية جهدهم إيقاع العنت بكم. و العنت: المشقّة الروحية، و القلق الفكري.

و من ثمّ أصدر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نهيه الصريح عن مراجعة أهل الكتاب، بما أنهم لا يخلصون النصيحة للمسلمين، و لا يأبهون إن

حقا قالوا أو باطلا، ما دامت الغاية هي إيقاع الفساد و العنت بين المؤمنين.

فقد أخرج أحمد في مسنده و كذا ابن أبي شيبة و البزّار من حديث مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري، قال: إنّ عمر بن الخطاب أتى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه عليه (و في نسخة أحمد: فقرأه النّبي) فغضب، فقال: أ متهوّكون فيها يا ابن الخطاب؟! و الذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقيّة. لا تسألوهم عن شي ء فيخبروكم بحق فتكذّبوا به، أو بباطل فتصدّقوا به. و الذي نفسي بيده لو أن موسى عليه السّلام كان حيّا ما وسعه إلّا أن يتّبعني «2».

(1) آل عمران/ 118.

(2) مسند أحمد بن حنبل، ج 3، ص 387. و راجع: فتح الباري في شرح البخاري لابن حجر

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 84

المتهوّك: الذي خاس عقله، فيرد في الأمور من غير رويّة و لا تعقّل، كالمتهوّر غير المبالي.

و هذا اللحن من الخطاب غاية في الاستنكار على صنيع قبيح لا يليق بشأن إنسان عاقل متدبّر بصير. فقد وبّخ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عمر في صنيعه هذا، و أنه راجع اليهود في بعض مسائله، و هذا الإسلام ناصع جليّ بين يديه يجيب على جميع مسائل الإنسان في الحياة، لا إبهام فيه و لا قصور.

فقد أبان صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن نبي اللّه موسى عليه السّلام لو أدرك هذا الزمان، لكان الواجب نبذ ما لديه، و الأخذ بما جاء به نبي الإسلام، فكيف بالمسلمين يراجعون اليهود في مخاريق قديمة العهد، لا وزن لها و لا اعتبار،

و أنها مزيج أباطيل قد يوجد في طيّها بعض الحقيقة، مما لا يمكن الوثوق من صحتها، ما دامت ضائعة بين الأباطيل.

و قد عقد البخاري في صحيحه بابا عنونه

بقول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «لا تسألوا أهل الكتاب عن شي ء» «1» . و ذكر فيه حديث معاوية عن كعب الأحبار: إن كان من أصدق هؤلاء المحدّثين الذين يحدّثون عن أهل الكتاب، و إن كنّا مع ذلك لنبلو عليه الكذب.

قوله: «نبلو عليه الكذب»، أي نختبره فنجد في أخباره كذبا. هذا الحديث قاله

- ج 13، ص 281. قال ابن حجر: رجاله موثوقون إلّا أنّ في مجالد ضعفا ... غير أنّ البخاري قال: إنّه صدوق. و قال يعقوب بن سفيان: تكلم الناس فيه و هو صدوق. قال ابن عدي: له عن الشعبي عن جابر أحاديث صالحة. قلت: و هذا الحديث من هذا الطريق الصالح.

راجع: تهذيب التهذيب، ج 10، ص 40- 41.

(1) صحيح البخاري، ج 9، ص 136. و راجع: ج 3، ص 237.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 85

معاوية عند ما حج في خلافته «1».

و

روى بإسناده عن أبي هريرة، قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانيّة و يفسّرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «لا تصدّقوا أهل الكتاب و لا تكذّبوهم، و قولوا آمنّا باللّه و ما أنزل إلينا و ما أنزل إليكم» «2».

أقول: ويل تلك الفئة من المنتحلين بالإسلام، يتركون القرآن العربيّ الفصيح، و يستمعون إلى سفاسف عبريّة يفسرها ذوو الأحقاد من أهل الكتاب.

و هذا كان في أخريات حياة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حيث كان أبو هريرة «3» ممن يستمع

إلى مثل تلك السفاسف، فجاء النهي، و الأمر بالاقتناع بما جاء به القرآن.

و روى حديث ابن عباس في الاستنكار لمراجعة بعض المسلمين لأهل الكتاب، و سنذكره.

هذا، و مع ذلك كان من المسلمين من لم ينته عن مراجعة أهل الكتاب أو النظر في كتبهم و رسائلهم، بغية الحصول على مطالب كان يزعم افتقادها في أحاديث المسلمين.

و قد راجت هذه العادة الجاهليّة- التي كانت تضعف حينا و تقوى حينا آخر- بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حيث انسدّ على كثير من الناس باب علم اللّه المتمثّل في شخصية الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم متغافلين عن خلفائه العلماء أبواب علومه الفيّاضة، و لا سيّما باب علم النبيّ علي أمير المؤمنين عليه السّلام و من كان على حذوه كابن عباس

(1) راجع: فتح الباري، ج 13، ص 282.

(2) صحيح البخاري، ج 9، ص 136.

(3) لأنّ أبا هريرة أسلم بعد فتح خيبر سنة سبع من الهجرة.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 86

و ابن مسعود و أضرابهما، فتركوا السبيل السويّ و لجأوا إلى معوّج الطريق.

هذا ابن عباس يناديهم فيقول:

«كيف تسألون أهل الكتاب عن شي ء، و كتابكم الذي أنزل على رسول اللّه أحدث «1»، تقرءونه محضا لم يشبّ «2». و قد حدّثكم أنّ أهل الكتاب بدّلوا كتاب اللّه و غيّروه و كتبوا بأيديهم الكتاب، و قالوا: هو من عند اللّه ليشتروا به ثمنا قليلا.

أ لا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم. لا و اللّه ما رأينا منهم رجلا قطّ يسألكم عن الذي أنزل عليكم» «3».

و كان من الآثار السيّئة التي خلّفتها مراجعة أهل الكتاب رغم نهي النبي عنها أن

خلطت الأكاذيب الإسرائيلية بالتفسير و الحديث الوارد عن النبي و الخيار من صحابته الأجلّاء، فشوّهت وجه التفسير، فضلا عن التاريخ و الحديث. و سوف نذكر نماذج من هذا التشويه، و لا سيّما في التفسير بالمأثور.

قال ابن خلدون:

و صار التفسير على صنفين: تفسير نقلي مسند إلى الآثار المنقولة عن السلف، و هي معرفة الناسخ و المنسوخ و أسباب النزول و مقاصد الآي، و كل ذلك لا يعرف إلّا بالنقل عن الصحابة و التابعين، و قد جمع المتقدمون في ذلك و أروعوا، إلّا أنّ كتبهم و منقولاتهم تشتمل على الغثّ و السمين و المقبول

(1) في نسخة: «أحدث الأخبار باللّه».

(2) لم يشب: من الشوب و هو الخلط، أي لم يشبه شي ء، كناية عن عدم الدسّ فيه و التحريف، كما كان عليه كتب السالفين.

(3) صحيح البخاري، ج 9، ص 136. و ج 3، ص 237. و في الموضعين بعض الاختلاف في لفظ الحديث.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 87

و المردود. و السبب في ذلك: أنّ العرب لم يكونوا أهل كتاب و لا علم، و إنّما غلبت عليهم البداوة و الأمّيّة، و إذا تشوّقوا إلى معرفة شي ء مما تتشوّق إليه النفوس البشريّة، في أسباب المكوّنات و بدء الخليقة و أسرار الوجود، فإنّما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم، و يستفيدونه منهم، و هم أهل التوراة من اليهود، و من تبع دينهم من النصارى. و أهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم، و لا يعرفون من ذلك إلّا ما تعرفه العامّة من أهل الكتاب، و معظمهم من حمير الذين أخذوا بدين اليهوديّة، فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم ممّا لا تعلّق له بالأحكام الشرعيّة التي

يحتاطون لها، مثل أخبار بدء الخليقة و ما يرجع إلى الحدثان و الملاحم و أمثال ذلك. و هؤلاء مثل كعب الأحبار و وهب بن منبّه و عبد اللّه بن سلام و أمثالهم، فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم في أمثال هذه الأغراض أخبار موقوفة عليهم. و تساهل المفسرون في مثل ذلك، و ملئوا كتب التفسير بهذه المنقولات، و أصلها- كما قلنا- عن أهل التوراة الذين يسكنون البادية و لا تحقيق عندهم بمعرفة ما ينقلونه من ذلك، إلّا أنّهم بعد صيتهم و عظمت أقدارهم، لما كانوا عليه من المقامات في الدين و الملّة، فتلقّيت بالقبول من يومئذ «1».

هل تجوز مراجعة أهل الكتاب؟

و هل هناك ما يبرّر مراجعة أهل الكتاب؟

زعم الكثير من الكتّاب المتأخرين- تبريرا لمواقف لفيف من الصحابة الذين صمدوا على الرجوع إليهم، و لا سيّما مسلمة أهل الكتاب- أن هناك دلائل على

(1) المقدمة، ص 439- 440، آخر الفصل الخامس فيما ذكره بشأن التفسير.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 88

الجواز، إمّا في زمن متأخر عن المنع الذي كان في ابتداء الأمر، أو في شئون لا تمسّ أحكام الشريعة في مثل القصص و التواريخ، أو فيما لم تمسّه يد التحريف و قد توافق مع ما جاء به القرآن الكريم، أو نحو ذلك.

هذا ابن تيميّه يذكر عن السدّيّ الكبير (هو أبو محمّد إسماعيل بن عبد الرحمن الكوفي توفّي سنة 127) أنه كان في بعض الأحيان ينقل ما يحكى من أقاويل أهل الكتاب، التي أباحها- فيما زعم-

رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حيث قال: بلّغوا عني و لو آية، و حدّثوا عن بني إسرائيل و لا حرج، و من كذب عليّ متعمدا فليتبوّأ مقعده من النار «1»،

رواه البخاري عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص.

و لهذا كان عبد اللّه بن عمرو قد أصاب يوم اليرموك زاملتين «2» من كتب أهل الكتاب، فكان يحدّث منهما، بما فهمه من هذا الحديث من الإذن في ذلك «3».

قال: و لكن هذه الأحاديث الإسرائيليّة تذكر للاستشهاد لا للاعتقاد، فإنها على ثلاثة أقسام:

أحدها: ما علمنا صحّته ممّا بأيدينا ممّا يشهد له بالصدق.

و الثاني: ما علمنا كذبه بما عندنا مما يخالفه.

و الثالث: ما هو مسكوت عنه، لا من هذا القبيل و لا من هذا القبيل، فلا نؤمن به و لا نكذّبه، و تجوز حكايته، لما تقدم «4». و غالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني و لهذا اختلف علماء أهل الكتاب في مثل هذا كثيرا، في مثل أسماء أهل

(1) رواه البخاري في باب ما ذكر عن بني إسرائيل من كتاب الأنبياء، ج 4، ص 207.

(2) الزاملة: هي الملفّة، و ربما كانت حمل بعير، و قد فسر أبو شهبة الزاملتين بحمل بعيرين. (الإسرائيليّات و الموضوعات، ص 92)

(3) سنأتي على تفسير هذا الحديث بغير ما فهمه هؤلاء.

(4) من عدم تصديقهم و لا تكذيبهم فيما يحكونه. ذكر ذلك في ص 19 من رسالته.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 89

الكهف و أسماء الطيور التي أحياها اللّه لإبراهيم، مما لا فائدة في تعيينه تعود على المكلّفين في دنياهم و دينهم. و لكن نقل الخلاف عنهم في ذلك جائز «1».

و يستدل الذهبي لجواز مراجعة أهل الكتاب و النقل عنهم فيما لا يخالف الشريعة بآيات، زعم دلالتها على إباحة الرجوع إليهم، قال:

و إذا نحن نظرنا في القرآن الكريم، وجدنا من آياته البيّنات ما يدعو نبي الإسلام

و جماعة المسلمين إلى أن يرجعوا إلى علماء أهل الكتاب من اليهود و النصارى ليسألوهم عن بعض الحقائق التي جاءت في كتبهم، و جاء بها الإسلام فأنكروها، أو أغفلوها، ليقيم عليهم الحجّة، و لعلّهم يهتدون.

و من هذه الآيات الدالّة على إباحة رجوع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و من تبع دينه من المسلمين إلى أهل الكتاب قوله تعالى: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ «2»، و قوله: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ «3»، و قوله:

وَ سْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا «4». قال: و معناه: و اسأل أممهم و علماء دينهم. قال الفراء مبيّنا وجه المجاز في الآية: هم إنما يخبرونه عن كتب الرسل، فإذا سألهم فكأنه سأل الأنبياء عليهم السّلام، و قوله: وَ سْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ، و قوله: فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ، و قوله:

(1) مقدمته في أصول التفسير، ص 45- 46، (المطبعة السلفية) و راجع: مقدمة تفسير ابن كثير، ج 1، ص 4.

(2) يونس/ 94.

(3) الأنبياء/ 7، و النحل/ 43.

(4) الزخرف/ 45.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 90

سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ «1».

قال: كل ما تقدم من أمر اللّه لنبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بسؤال أهل الكتاب، يدلّ على جواز الرجوع إليهم، و لكن لا في كل شي ء، بل فيما لم تصل له يد التحريف و التبديل من الحقائق التي تصدق القرآن و تلزم المعاندين منهم و من غيرهم الحجّة «2».

قال: و على هذا فما جاء موافقا لما

في شرعنا تجوز روايته، و عليه تحمل الآيات الدالّة على إباحة الرجوع إلى أهل الكتاب، و عليه أيضا يحمل

قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «حدّثوا عن بني إسرائيل و لا حرج»

؛ إذ المعنى: حدّثوا عنهم بما تعلمون صدقه.

و أما ما جاء مخالفا لما في شرعنا أو كان لا يصدّقه العقل، فلا تجوز روايته؛ لأن حديث الإباحة لا يتناول ما كان كذبا. و أما ما سكت عنه شرعنا، و لم يكن ما يشهد لصدقه و لا لكذبه و كان محتملا، فحكمه أن نتوقف في قبوله فلا نصدّقه و لا نكذّبه؛ و على هذا يحمل

قول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «لا تصدّقوا أهل الكتاب و لا تكذّبوهم».

أما روايته فجائز على أنها مجرّد حكاية لما عندهم؛ لأنها تدخل في عموم الإباحة المفهومة، من

قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «حدّثوا عن بني إسرائيل و لا حرج» «3».

و أضاف قائلا: ما ثبت من أن بعض الصحابة كأبي هريرة و ابن عباس، كانوا يراجعون بعض من أسلم من أهل الكتاب، يسألونهم عمّا في كتبهم، و ما روي من

(1) الإسرائيليات في التفسير و الحديث، محمد حسين الذهبي، ص 60- 61، الأعراف/ 163، الإسراء/ 101، البقرة/ 211.

(2) المصدر، ص 63.

(3) الإسرائيليّات في التفسير و الحديث، ص 64- 65.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 91

أنّ عبد اللّه بن عمرو بن العاص أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب فكان يحدّث منهما، لا يعارض ما رواه البخاري من إنكار ابن عباس على من يسأل أهل الكتاب.

و لا ما

رواه عبد الرزاق في مسنده عن ابن مسعود من نهيه عن سؤال

أهل الكتاب بقوله: «لا تسألوا أهل الكتاب، فإنّهم لن يهدوكم و قد أضلّوا أنفسهم».

و لا ما رواه أحمد من إنكار الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم على عمر لمّا أتاه بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب

بقوله: «أ متهوّكون فيها يا ابن الخطاب».

قال: «نعم لا تعارض بين هذا و ذاك؛ لأن صحابة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كانوا أعرف الناس بأمور دينهم، و كان لهم منهج سديد و معيار دقيق في قبول ما يلقى إليهم من الإسرائيليّات، ما كانوا يرجعون إليهم في كل شي ء، و إنما كانوا يرجعون إليهم لمعرفة بعض جزئيّات الحوادث و الأخبار.

قال: أما إنكار الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و إنكار الصحابة على من كان يرجع إليهم، فقد كان في مبدأ الإسلام و قبل استقرار الأحكام، مخافة التشويش على عقائدهم و أفكارهم «1».

قال ابن حجر: «و كأنّ النهي وقع قبل استقرار الأحكام الإسلاميّة و القواعد الدينيّة خشية الفتنة. ثم لمّا زال المحذور وقع الإذن في ذلك، لما في سماع الأخبار التي كانت في زمانهم من الاعتبار» «2».

(1) الإسرائيليّات في التفسير و الحديث، ص 66- 67.

(2) راجع: فتح الباري، ج 6، ص 320.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 92

مناقشة دلائل الجواز

غير أن هذه الدلائل غير وافية بإثبات المطلوب، و لا هي تبرّر مراجعة أهل الكتاب في شي ء من تفسير القرآن الحكيم أو تاريخ الأنبياء عليهم السّلام.

ذلك لأنّ اليهود الذين جاوروا العرب كانوا أهل بادية مثلهم- كما قال ابن خلدون- لا علم لهم و لا تحقيق بمعرفة الصحيح من الأخبار، سوى ما شاع لديهم من أخبار عامّيّة ممّا لا يمكن الوثوق بها. أما علماؤهم

فكانوا أهل دجل و تزوير، كانوا يكتبون الكتاب بأيديهم- كما حكى عنهم القرآن- و يزوّرون الحديث و يقولون: هذا من عند اللّه، و ما هو من عند اللّه، ليشتروا به ثمنا قليلا، بغية حطام الدنيا الرذيلة.

و من ثمّ كان المنع من ذلك شديدا كما عرفت في مناهي النبي و أصحابه الكبار عن ذلك، و لم يدل على جوازه شي ء من الأخبار و الآثار.

أمّا الآيات التي زعموها مبيحة لذلك، فالاستدلال بها عقيم؛ لأنها من باب «إيّاك أعني و اسمعي يا جارة». كان الخطاب في ظاهره مع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم غير أنّ المقصود غيره من المتشكّكين في أمر الرسالة، و ليسوا هم المسلمين أيضا، بل الكفّار و المنافقون هم المقصودون، بدليل صدر الآية و ذيلها: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ «1».

و العجب من الذهبي كيف يزعم أنّ هذه الآية جاءت رخصة للنبي في مراجعة أهل الكتاب؟! أو هل يشكّ النبي فيما أنزل إليه؟! أو هل يمتري النبي في صدق رسالته كي يؤمر بالانتهاء منه؟!

(1) يونس/ 94.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 93

لا شك أنّ المقصود غيره من الذين كانوا يتشكّكون في صدق رسالته، و لقد كان المرجع الوحيد الذي يمكن أولئك المتشكّكين اللّجوء إليه هم (أهل الكتاب) الذين جاورهم، و ليس النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بمقصود البتة، و لا المسلمون المعتقدون بصحة الرسالة.

و هكذا قوله تعالى: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّناتِ وَ الزُّبُرِ «1» خطاب محض موجّه إلى العرب الجاهليّ.

أما

حديث «حدّثوا عن بني إسرائيل و لا

حرج»

فهو كناية عن التوسّع في تفضيع شأنهم؛ حيث كلّ ما حدّثته عنهم من رذائل و فضائح فهو حقّ لا مرية فيه؛ حيث توسّعهم في ارتكاب الآثام و ركوبهم جميع القبائح المحتملة بشأنهم، كما جاء في المثل: «حدّث عن البحر و لا حرج» كناية عن التوسّع في الأمر، و أنه كل ما قلت عنه فهو صحيح. و منه قولهم بشأن معن بن زائدة الشيباني و كان من أجواد العرب: «حدّث عن معن و لا حرج»، كناية عن توسّعه في المكرمات، فكل ما حدّثت عنه من فضيلة، فهو صدق واقع «2».

فهذا تعبير كنائي عن مطلق التوسّع في أمر إن شينا أو زينا، و ليس المقصود التحدّث، بمعنى الرواية و النقل عنهم.

و يتأيّد هذا المعنى، بما

ورد في لفظ أحمد: «تحدّثوا عن بني إسرائيل و لا حرج، فإنكم لا تحدّثون عنهم بشي ء إلّا و قد

(1) النحل/ 43.

(2) راجع: مجمع الأمثال للميداني رقم 1103، ج 1، ص 207. و فرائد الأدب للأب لويس معلوف.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 94

كان فيهم أعجب منه» «1» ، أي كلّ ما حدّثت عنهم من فضيحة أو رذيلة شانئة، فهو صدق؛ لأنهم أوسع فضاحة و أكثر رذالة مما يحتمل بشأنهم.

و

في لفظه الآخر: «حدّثوا عن بني إسرائيل و لا حرج، و حدّثوا عنّي و لا تكذبوا» «2».

ففي هذه المقارنة بين التوسّع في الحديث عن بني إسرائيل، و التقيّد لدى الحديث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم دلالة واضحة على صدق الحديث عنهم مهما كان الحديث، أما عند التحدّث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فيجب تحرّي الصدق، و لئلا يكون كذبا عليه. فإنّه من

كذب عليه متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النار.

أقطاب الروايات الإسرائيليّة
اشارة

عند ما نتصفح كتب السير و التفاسير و أخبار الملاحم، نجد أنّ أكثريّة ما يروى من الإسرائيليّات تكاد تدور على أقطاب ثمانية، كانوا هم الأساس لشياع الأساطير الإسرائيليّة بين المسلمين.

و هم: عبد اللّه بن سلام، و كعب الأحبار، و محمد بن كعب القرظي، و وهب بن منبّه، و تميم بن أوس الداري، و عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، و عبد اللّه بن عمرو بن العاص، و أبو هريرة.

أما الأوّلان فهما من مسلمة أهل الكتاب. و الثلاثة بعدهما ممّن ولدوا عن أبوين كتابيّين. و الأخيران أسلما عن شرك. و لكن أخذا علمهما ممن سبقهما من

(1) مسند أحمد بن حنبل، ج 3، ص 13.

(2) المصدر، ص 56.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 95

أهل الكتاب.

أما الخمسة الأول فكانت لهم إلمامة بثقافات موروثة من أهل الكتاب، لكن لا على حدّ التحقيق و النقد، بل على حدّ الشياع العام- حسبما نبّه عليه ابن خلدون- لأنهم كانوا أيضا كإخوانهم العرب، من البائدة القاطنين في الجزيرة.

كان هؤلاء جميعا، يقصّون على الناس- في حلقات إما في أندية أو جوامع- القصص و الأخبار البائدة، و يحوكون لهم غرائب الآثار الأساطيريّة، و ربما كانت مهيّجة، و من ثمّ كانت لهم أسواق رائجة في الأوساط العامّيّة؛ الأمر الذي أشاع عنهم الكثير من الأساطير الإسرائيلية، و أخذ عنهم أهل السير و التاريخ، و أدرجوها ضمن كتبهم في التفسير و الحديث و التاريخ.

و إليك إلمامة قصيرة بحياة هؤلاء الأقطاب الثمانية:

1- عبد اللّه بن سلام

اسمه الحصين بن سلام بن الحارث الإسرائيلي، حليف النوافل من الخزرج، و هم بنو عوف، كان حبرا من أحبار اليهود، فأسلم عند مقدم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم المدينة،

و قيل: قبل وفاته بسنتين،

فسمّاه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عبد اللّه.

قال ابن حجر: و كان من بني قينقاع «1».

قيل: إنه جاء إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال: إنّي قد قرأت القرآن و التوراة. فقال:

«اقرأ بهذا ليلة، و بهذا ليلة»

. قال الإمام شمس الدين الذهبي: إسناده ضعيف «2».

لأنّ الراوي له هو إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي، و هو متروك الحديث.

(1) الإصابة، ج 2، ص 320.

(2) سير أعلام النبلاء، ج 2، ص 418- 419.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 96

و بعضهم اتّهمه. قال الأستاذ شعيب الأرناءوط: فالحديث ضعيف جدّا، بل يكاد يكون موضوعا، فإنه مخالف

لحديث جابر بن عبد اللّه الأنصاري: أنّ عمر بن الخطاب أتى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال: إنا نسمع أحاديث من يهود تعجبنا، أ فترى أن نكتب بعضها؟ فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «أ متهوّكون كما تهوّكت اليهود و النصارى؟ لقد جئتكم بها بيضاء نقيّة. و لو كان موسى حيّا لما وسعه إلّا اتّباعي».

قال: و هو حديث حسن «1».

كان عبد اللّه بن سلام ممن يحوك الأحاديث ليستجلب أنظار العامّة و يرفع بمنزلته لديهم، من ذلك ما حاكه حول صفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في التوراة، كان يمليها على العامّة تزلّفا إليهم. فكان يذكر من أوصاف الرسول الراهنة، و يقول:

وجدتها كذلك في التوراة «2»، و كان يدّعي أنه أعلم اليهود و أخبرهم بكتب السالفين «3».

و قد حكيت حوله أحاديث في فضله و نبله، غير أنها ضعيفة الإسناد موهونة. توفّي بالمدينة سنة (43).

2- كعب الأحبار

هو كعب بن ماتع الحميري من آل ذي

رعين أو من آل ذي الكلاع «4». و يكنّى

(1) هامش سير أعلام النبلاء. أخرج الحديث عن «مجمع الزوائد، ج 1، ص 173- 174».

(2) أوردها ابن سعد في الطبقات (ط ليدن)، ج 1، ص 87، ص 14.

(3) الإصابة، ج 2، ص 321، و سير الأعلام، ج 2، ص 416.

(4) و ربما رجّح الثاني، لما

رواه الطبراني من طريق يحيى بن أبي عمرو الشيباني عن عوف بن التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 97

أبا إسحاق، من كبار أحبار اليهود، كان أبوه كاهنا، و ورث الكهانة من أبيه. ولد قبل الهجرة باثنتين و سبعين سنة، و أسلم بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في أوائل خلافة عمر.

و هلك أيام عثمان سنة (32). فقد عاش (104) سنة.

كان من أهل اليمن- من يهودها- فهاجر إلى المدينة عند ما أسلم، ثم تحوّل إلى الشام، فاستصفاه معاوية و جعله من مستشاريه، لما زعم فيه من كثرة العلم «1».

و هو الذي أمره أن يقصّ في بلاد الشام؛ و بذلك أصبح أقدم الإخباريين في موضوع الأحاديث اليهودية المتسرّبة إلى الإسلام. و بواسطة كعب و ابن منبّه و سواهما من اليهود الذين أسلموا تسرّبت إلى الحديث طائفة من أقاصيص التلمود- الإسرائيليات- و ما لبثت هذه الروايات أن أصبحت جزءا من الأخبار التفسيرية و التاريخية في حياة المسلمين.

افتجر هذا الكاهن لإسلامه سببا عجيبا ليتسلّل به إلى عقول المسلمين

مالك، أنه دخل المسجد يتوكّأ على ذي الكلاع، و كعب يقصّ على الناس، فقال عوف لذي الكلاع: أ لا تنهى ابن أخيك هذا عمّا يفعل؟ قيل: إنه نهاه و ذكّره بحديث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و

سلّم: «لا يقصّ على الناس إلّا أمير أو مأمور أو متكلّف محتال» فأمسك كعب عن القصص حتى أمره معاوية، فصار يقصّ بعد ذلك.

(الإصابة، ج 3، ص 315- 316)

(1) قال معاوية في وصف علمه: ألا إنّ كعب الأحبار أحد العلماء، إن كان عنده علم كالثمار و إن كنّا فيه لمفرطين.

و الذي يدل على مبلغ علمه الموهوم ما قاله هو لقيس بن خرشة القيسي: ما من شبر في الأرض إلّا و هو مكتوب في التوراة التي أنزل اللّه على موسى، ما يكون عليه و ما يخرج منه إلى يوم القيامة، يعني أنه يعلم بذلك. (راجع: تهذيب التهذيب، ج 8، ص 439، و الاستيعاب في ترجمة قيس بن خرشة، هامش الإصابة، ج 3، ص 243).

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 98

و قلوبهم. فقد أخرج ابن سعد بإسناد صحيح- حسبما ذكره أبو ريّة- عن سعيد بن المسيّب قال: قال العباس بن عبد المطلب لكعب: ما منعك أن تسلم على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أبي بكر، حتى أسلمت الآن على عهد عمر؟

فقال: إنّ أبي كتب لي كتابا من التوراة و دفعه إليّ، و قال: اعمل بهذا. و ختم على سائر كتبه، و أخذ عليّ بحق الوالد على ولده أن لا أفضّ الخاتم. فلمّا كان الآن، و رأيت الإسلام يظهر و لم أر بأسا، قالت لي نفسي: لعلّ أباك غيّب عنك علما كتمك، فلو قرأته، ففضضت الخاتم، فقرأته، فوجدت فيه صفة محمّد و أمّته.

فجئت الآن مسلما. فوالى العباس «1».

قلت: و لا يخفى ما في هذا التبرير من تفاهة إن لم يكن في طيّها سفاهة تصحبها خباثة.

و كان عمر يكرهه و يسي ء

الظنّ به، لما كان قد أفسد في الحديث و أشاع الأكاذيب. قال له يوما و قد أحضره: لتتركنّ الأحاديث أو لألحقنّك بأرض القردة «2»، يعني أرض اليهود التي هي أصله. و

روى أهل السير أنّ الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام كان يذمّه، و يقول عنه: إنّ كعب الأحبار لكذّاب

. و قد كان منحرفا عن علي عليه السّلام، كما ذكره ابن ابي الحديد «3».

(1) الطبقات، ج 7، ق 2، ص 156. و راجع: الإصابة، ج 3، ص 316. و الأضواء لأبي ربّة، ص 147- 148.

(2) أخرجه أبو زرعة الدمشقي في تاريخه، ج 1، ص 544. راجع: هامش سير أعلام النبلاء، ج 3، ص 490. و رواه ابن كثير في البداية و النهاية، ج 8، ص 108، ط السعادة (راجع الإسرائيليات للذهبي، ص 96).

(3) شرح النهج، ج 4، ص 77.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 99

و من سخافاته ما روي عن سعد الجاري مولى عمر، قال: إنّ عمر دعا أمّ كلثوم- و كانت تحته- فوجدها تبكي. فقال لها: ما يبكيك؟ فقالت: هذا اليهودي- تعني كعبا- يقول: إنك على باب من أبواب جهنّم! فقال عمر: ما شاء اللّه، و اللّه إني لأرجو أن يكون ربّي خلقني سعيدا. ثم أرسل إلى كعب فدعاه، فلمّا جاءه قال: يا أمير المؤمنين لا تعجل عليّ، و الذي نفسي بيده، لا ينسلخ ذو الحجة حتى تدخل الجنّة.

فقال عمر: أي شي ء هذا، مرّة في الجنة و مرّة في النّار؟! فقال: يا أمير المؤمنين، و الذي نفسي بيده، إنا لنجدك في كتاب اللّه- يعني به التوراة- على باب من أبواب جهنم، تمنع الناس أن يقعوا فيها. فإذا متّ لم يزالوا يقتحمون

فيها إلى يوم القيامة «1».

و يروي الطبري أنه جاء إلى عمر قبل مقتله بثلاثة أيام، و قال له: اعهد، فإنّك ميّت في ثلاثة أيام. قال: و ما يدريك؟ قال: أجده في كتاب اللّه عزّ و جل في التوراة! قال عمر: إنك لتجد عمر بن الخطاب في التوراة؟ قال: اللّهمّ، لا، و لكن أجد صفتك و حليتك، و أنه قد فنى أجلك «2».

قال أحمد أمين تعقيبا على هذه القصّة: و هذه القصّة إن صحّت دلّت على وقوف كعب على مكيدة قتل عمر، ثم وضعها هو في هذه الصبغة الإسرائيليّة. كما

(1) طبقات ابن سعد، ج 3، ق 1، ص 240، س 4- 12.

(2) جاء في تاريخ الطبري، ج 3، ص 264 (مطبعة الاستقامة) حوادث سنة (23): أن عمر كان لا يحسّ ألما و لا وجعا حتى كان من الغد جاءه كعب فقال: يا أمير المؤمنين ذهب و بقي يومان. ثم جاءه من غد الغد فقال: ذهب يومان و بقي يوم و ليلة، و هي لك إلى صبيحتها.

فلما كان الصبح خرج إلى الصلاة فطعنه أبو لؤلؤة.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 100

تدلّنا على مقدار اختلاقه فيما ينقل «1».

و هكذا ذكر أبو ريّة: و ممّن اشترك في مؤامرة قتل عمر، و كان له أثر كبير في تدبيرها كعب الأحبار. و هذا لا يمتري فيه أحد إلّا الجهلاء «2».

و ذكر ابن سعد أنّ كعبا كان يقول: كان في بني إسرائيل ملك إذا ذكرناه ذكرنا عمر، و إذا ذكرنا عمر ذكرناه. و كان إلى جنبه نبيّ يوحى إليه. فأوحى اللّه إلى النبيّ أن يقول له: اعهد عهدك و اكتب وصيّتك فإنّك ميّت إلى ثلاثة أيام، فأخبره النبي بذلك.

فلما كان في اليوم الثالث وقع بين الجدر و بين السرير؛ ثم جاء إلى ربّه فقال: اللهمّ إن كنت تعلم أنّي كنت أعدل في الحكم، و إذا اختلفت الأمور اتّبعت هواك و كنت و كنت، فزدني في عمري حتى يكبر طفلي و تربو أمّتي. فأوحى اللّه إلى النبيّ أنه قد قال كذا و كذا، و قد صدق، و قد زدته في عمره خمس عشرة سنة، ففي ذلك ما يكبر طفله و تربو أمّته.

فلما طعن عمر قال كعب: لئن سأل عمر ربّه ليبقينّه اللّه. فأخبر بذلك عمر، فقال عمر: اللّهمّ، اقبضني إليك غير عاجز و لا ملوم «3».

و ذكر أيضا: لمّا طعن عمر، جاء كعب فجعل يبكي بالباب، و يقول: و اللّه لو أنّ أمير المؤمنين يقسم على اللّه أن يؤخّره لأخّره. فدخل ابن عباس عليه، فقال: يا أمير المؤمنين، هذا كعب يقول كذا و كذا! قال: إذن و اللّه لا أسأله. ثم قال: ويل لي و لأمّي إن لم يغفر اللّه لي «4».

(1) فجر الإسلام، ص 161.

(2) أضواء على السنة المحمدية، ص 155.

(3) الطبقات، ج 3، ق 1، ص 257، س 2- 12.

(4) المصدر، ص 262، س 19.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 101

و من ثمّ كان ما يحكيه كعب عن الكتب القديمة، ليس بحجة عند أحد من أهل العلم و التحقيق، و لم يثبته أهل الحديث الأوائل. قال شعيب الأرناءوط:

و أخطأ من زعم أنه خرّج له البخاري و مسلم، فإنّهما لم يسندا من طريقه شيئا من الحديث. و إنّما جرى ذكره في الصحيحين عرضا. قال: و لم يؤثر عن أحد من المتقدمين توثيق كعب إلّا أنّ بعض الصحابة- يعني

معاوية- أثنى عليه بالعلم «1».

و قد سمعت قول معاوية- صديقه الوفيّ- بشأنه، حينما حجّ في خلافته: إن كان من أصدق هؤلاء المحدّثين الذين يحدّثون عن أهل الكتاب، و إن كنّا مع ذلك لنبلو عليه الكذب «2».

قال ابن حجر: و روى عنه من الصحابة عبد اللّه بن عمر و عبد اللّه بن الزبير و أبو هريرة و معاوية «3»، و ذكر ابن عباس أيضا. لكنّا قد فنّدنا ذلك بتفصيل. و في «الطبقات»: أن تبيع ابن امرأة كعب حمل من كعب علما كثيرا «4».

قال أحمد أمين: و أما كعب الأحبار فيهوديّ من اليمن، و من أكبر من تسرّبت منهم أخبار اليهود إلى المسلمين. و قد أخذ عنه اثنان، هما أكبر من نشر علمه: ابن عباس! و أبو هريرة. و ما نقل عنه يدل على علمه الواسع بالثقافة اليهوديّة و أساطيرها. جاء في «الطبقات الكبرى» حكاية عن رجل دخل المسجد فإذا عامر بن عبد اللّه بن عبد قيس جالس إلى كتب و بينها سفر من أسفار التوراة و كعب يقرأ. و قد لاحظ بعض الباحثين أن بعض الثقات كابن قتيبة و النووي

(1) هامش سير أعلام النّبلاء، ج 3، ص 490. و معاوية هو الذي أثنى عليه بالعلم. راجع: فتح الباري، ج 13، ص 282.

(2) راجع: البخاري بهامش الفتح، ج 13، ص 282.

(3) الإصابة، ج 3، ص 316.

(4) الطبقات، ج 7، ق 2، ص 160، س 10.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 102

لا يروي عنه أبدا. و ابن جرير يروي عنه قليلا «1».

قال الذهبي بعد نقل كلام أحمد أمين: و هذا يدلّنا على أن كعبا كان لا يزال بعد إسلامه يرجع إلى التوراة

و التعاليم الإسرائيليّة «2».

قلت: أمّا رواية ابن عباس عن كعب فشي ء موضوع، و لم تثبت روايته عنه، و هو الناقم على مراجعي أهل الكتاب على ما أسلفنا. نعم، كان أبو هريرة لقلّة بضاعته كثيرا ما يراجع أهل الكتاب، و لا سيّما كعبا، كان يعدّ شيخه و مرشده في هذا الطريق. و كان أبو هريرة أكثر من نشر عن كعب و أفاض بمعلوماته الجمّة عن مثله.

قال الأستاذ أبو ريّة- و نعم ما قال-: «إن كعبا أظهر الإسلام خداعا، و طوى قلبه على يهوديّته، و أنّه سلّط قوّة دهائه على سذاجة أبي هريرة لكي يستحوذ عليه و ينيمه، ليلقّنه كل ما يريد أن يبثّه في الدين الإسلامي من خرافات و أوهام.

و أنه قد طوى أبا هريرة تحت جناحه حتى جعل يردّد كلامه بالنصّ، و يجعله حديثا مرفوعا «3».

قال: و قد استطاع هذا اليهوديّ أن يدسّ من الخرافات و الأوهام و الأكاذيب في الدين، ما امتلأت به كتب التفسير و الحديث و التاريخ، فشوّهتها و أدخلت الشك إليها. و ما زالت تمدّنا بإضرارها «4».

(1) فجر الإسلام، ص 160- 161.

(2) التفسير و المفسرون، ج 1، ص 188.

(3) الإسرائيليات في التفسير و الحديث للذهبي ص 95. قال أبو ريّة في الأضواء، ص 164:

يرجع إلى كتابنا «شيخ المضيرة» ليعلم كيف اتصل أبو هريرة بكعب الأحبار، و كيف وقع في فخّه.

(4) أضواء على السنة المحمدية، ص 164.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 103

3- تميم بن أوس الدّاري

هو أبو رقيّة، تميم بن أوس بن حارثة أو خارجة الداري، اللّخمي الفلسطيني.

و الدار: بطن من لخم، فخد من يعرب بن قحطان.

و قد تميم و أخوه نعيم في وفد كانوا عشرة نفر من بني

الدار على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بعد منصرفه من تبوك سنة (9) فأسلما و كانا نصرانيّين. قال أبو نعيم: كان تميم راهب عصره و عابد فلسطين.

يقال: إن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أخذ عنه قصّة «الجسّاسة» و الدّجّال، فحدّث عنه بذلك على المنبر

، فكان ذلك منقبة له «1».

و التمس من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن يهب له قريتين من قرى فلسطين، إن فتح اللّه عليه الشام. قال: كانت لنا جيرة من الروم، و لهم قريتان يقال لإحداهما: حبرى و الأخرى بيت عينون، فإن فتح اللّه عليك الشام فهبهما لي. قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فهما لك.

و كتب له كتابا. فلمّا قام أبو بكر بالأمر أعطاه ذلك «2». و قيل: إنّه جاء بالكتاب إلى عمر فقال: أنا شاهد ذلك فأمضاه. و

ذكر اللّيث أن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال له: «ليس لك أن تبيع» فجعلها وقفا عليه.

قال ابن جريج: فهي في أيدي أهله إلى اليوم «3».

أخرجه أبو عبيد من طريق عبد اللّه بن صالح كاتب اللّيث عنه «4».

و قد بالغ أصحاب التراجم بشأنه و ذكروا له كرامات و مناقب، منها قصّة

(1) و الجسّاسة: دابّة- فيما زعمه هذا الراهب النصراني- كان رآها في جزيرة من البحر كانت تجسّ الأخبار لدجّال. أوردها مسلم في الفتن و أشراط الساعة (ج 8، ص 203) و أحمد في مسنده، ج 6، ص 373- 374 و الطبراني و غيرهم، و سنذكر قصّتها.

(2) الإصابة، ج 1، ص 183- 184، و الطبقات، ج 1، ق 2، ص 75.

(3) سير أعلام النبلاء، ج 2،

ص 442- 443.

(4) الأموال لأبي عبيد بن سلّام، ص 349- 350.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 104

مدافعته النار حتى أطفأها، كما ذكره ابن حجر، قال: له قصّة مع عمر فيها كرامة واضحة لتميم و تعظيم كثير من عمر له- فذكرها في ترجمة معاوية بن حرمل- و هي: أنّ معاوية بن حرمل- صهر مسيلمة الكذّاب و الذي ارتدّ معه- جاء إلى المدينة تائبا، فلبث في المسجد لا يؤوي و لا يطعم شيئا. قال فأتيت عمر، فقلت: تائب من قبل أن تقدر عليه. قال: من أنت؟ قلت: معاوية بن حرمل.

قال: اذهب إلى خير المؤمنين، فأنزل عليه.

قال: و كان تميم الداري إذا صلّى ضرب بيديه على يمينه و شماله فذهب برجلين، فصلّيت إلى جنبه. فأخذني، فأوتينا بطعام. فبينا نحن ذات ليلة؛ إذ خرجت نار بالحرّة، فجاء عمر إلى تميم يستنجده، فقال: قم إلى هذه النار. فقال:

يا أمير المؤمنين: و من أنا! و ما أنا، و ما تخشى أن يبلغ من أمري! يستصغر نفسه.

فلم يزل به عمر حتى قام معه، و تبعتهما. فانطلقا إلى النار. فجعل تميم يحوشها (أي يدفعها إلى الداخل) بيده حتى دخلت الشعب، و دخل تميم خلفها.

فجعل عمر يقول: ليس من رأى كمن لم ير! قالها ثلاثا. قال: فخرج و لم تضرّه النار «1».

قال الذهبي: هذه القصة سمعها عفان من حماد بن سلمة عن الجريري عن أبي العلاء عن ابن حرمل. قال: و ابن حرمل لا يعرف.

قلت: قد أهمل معاوية بن حرمل في كتب ترجمة الرجال.

و هذا الكاهن المسيحي- الذي بقيت معه نزعته المسيحية (الرهبنة) إلى ما

(1) ابن حجر في الإصابة في ترجمة معاوية بن حرمل، ج 3، ص 497. و سير أعلام

النبلاء، ج 2، ص 446- 447.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 105

بعد إسلامه- هو أوّل من سن القصّ في المسجد، و تكاد تتّفق الروايات على أنه أوّل قاصّ في الإسلام «1». و ذلك كان على عهد عمر بن الخطاب، و لعله في أواخر ولايته. روى الزهري عن السائب بن يزيد، قال: أوّل من قصّ تميم الداري، استأذن عمر، فأذن له فقصّ قائما «2». و روى عن ابن شهاب، أنّ أوّل من قصّ في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم تميم الداري، استأذن عمر أن يذكّر الناس فأبى عليه، حتى كان آخر ولايته فأذن له أن يذكّر الناس في يوم الجمعة قبل أن يخرج عمر. و استأذن تميم عثمان بن عفّان فأذن له أن يذكّر يومين في الجمعة، فكان تميم يفعل ذلك.

قال أحمد أمين: و قد نما القصص بسرعة؛ لأنه يتّفق و ميول العامّة، و أكثر القصاص من الكذب حتى رووا أن الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام طردهم من المساجد، و استثنى الحسن البصري، لتحرّيه الصدق «3».

و أما قصّة «الجسّاسة»،

فقد ذكر مسلم في كتاب الفتن و أشراط الساعة، بإسناده عن الحسين بن ذكوان عن ابن بريدة عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس، و كانت من المهاجرات الأول، قالت: سمعت منادي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ينادي:

الصلاة جامعة، فخرجت إلى المسجد، فصلّيت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فكنت في صفّ النساء التي تلي ظهور القوم. قالت: فلمّا قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم صلاته جلس على المنبر و هو يضحك، فقال: ليلزم كل إنسان مصلّاه، ثم قال: أ تدرون

لم جمعتكم؟ قالوا: اللّه و رسوله أعلم. قال: إنّي و اللّه ما جمعتكم لرغبة و لا لرهبة،

(1) كما قال أحمد أمين، فجر الإسلام ص 159.

(2) سير أعلام النبلاء، ج 2، ص 447.

(3) فجر الإسلام، ص 159- 160.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 106

و لكن جمعتكم لأنّ تميما الداري كان رجلا نصرانيا فجاء و بايع و أسلم، و حدّثني حديثا وافق الذي كنت أحدّثكم عن مسيح الدجّال. حدّثني أنه ركب في سفينة بحريّة مع ثلاثين رجلا من لخم و جذام، فلعب بهم الموج شهرا في البحر، ثم أرفئوا إلى جزيرة في البحر حتى مغرب الشمس. فجلسوا في أقرب (جمع قارب و هو الزورق) السفينة فدخلوا الجزيرة، فلقيهم دابّة أهلب «1» كثير الشعر لا يدرون ما قبله من دبره من كثرة الشعر، فقالوا: ويلك ما أنت؟ فقالت: أنا الجسّاسة! «2» قالوا: و ما الجسّاسة؟ قالت: أيّها القوم انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير (الدير هو القصر) فإنّه إلى خبركم بالأشواق. قال (أي الداري): لما سمّت لنا رجلا فرقنا (أي فزعنا) منها أن تكون (أي الدابّة) شيطانة. قال: فانطلقنا سراعا حتى دخلنا الدير، فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قطّ خلقا، و أشدّه وثاقا، مجموعة يداه إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد. قلنا: ويلك ما أنت؟ قال: قد قدرتم على خبري، فأخبروني ما أنتم؟ قالوا: نحن أناس من العرب. فقصّوا عليه قصّتهم، فقال: أخبروني عن نخل بيسان! «3» قلنا: عن أيّ شأنها تستخبر؟ قال: أسألكم عن نخلها هل تثمر؟ قلنا له: نعم. قال: أما أنه يوشك أن لا تثمر. قال: أخبروني عن بحيرة الطبريّة! قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل فيها ماء؟

قالوا: هي كثيرة الماء. قال: أما أنّ ماءها يوشك أن يذهب. قال: أخبروني عن عين زغر «4».

(1) غليظ الشعر.

(2) في الهامش: سميّت جسّاسة لتجسّسها الأخبار للدجّال. قال صاحب التحفة: هي دابّة الأرض التي تخرج في آخر الزمان. راجع: شرح النووي. ج 18، ص 78.

(3) بيسان، مدينة بالأردن بالغور الشامي، و هي بين حوران و فلسطين. يقال عنها: إنها لسان الأرض و بها عين يقال: إنها من الجنة فيها ملوحة يسيرة. (معجم البلدان، ج 1، ص 527)

(4) على وزان زفر: بلدة في الجانب القبلي من الشام.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 107

قالوا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل في العين ماء، و هل يزرع أهلها بماء العين؟ قلنا له: نعم، هي كثيرة الماء، و أهلها يزرعون من مائها. قال: أخبروني عن نبيّ الأميّين ما فعل؟ قالوا: قد خرج من مكّة و نزل يثرب. قال: أقاتله العرب؟

قلنا: نعم. قال: كيف صنع بهم، فأخبرناه أنه قد ظهر على من يليه من العرب و أطاعوه. قال: قد كان ذلك؟ قلنا: نعم. قال: أما أنّ ذاك خير لهم أن يطيعوه، و إنّي أخبركم عنّي: إنى أنا المسيح «1»، و إنى أوشك أن يؤذن لي في الخروج، فأخرج فأسير في الأرض، فلا أدع قرية إلّا هبطتها في أربعين ليلة، غير مكة و طيبة، فهما محرّمتان عليّ كلتاهما، كلّما أردت أن أدخل واحدة منهما استقبلني ملك بيده السيف صلتا «2» يصدّني عنها، و أنّ على كلّ نقب منها ملائكة يحرسونها.

قالت: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و طعن بمخصرته في المنبر: هذه طيبة هذه طيبة هذه طيبة، يعني المدينة «3».

هذه القصة على غرابتها

في سندها ضعف؛ لأنها رويت بطريقين: مسلم في «الصحيح»، و أحمد في «المسند». و كلاهما ينتهي إلى عامر الشعبي، غير أنّ الذي يروي عن الشعبي في المسند، هو مجالد بن سعيد، و كان يكذب في الحديث.

قال عمرو بن علي: سمعت يحيى بن سعيد يقول لبعض أصحابه: أين تذهب؟

قال: إلى وهب بن جرير أكتب السيرة عن أبيه عن مجالد بن سعيد! قال: تكتب

(1) أي المسيح الدجّال الذي زعموا أنه يخرج في آخر الزمان.

(2) أي مسلولا.

(3) صحيح مسلم، ج 8، ص 203- 205. و رواه أحمد في المسند، ج 6، ص 373، باختلاف يسير.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 108

كذبا كثيرا، لو شئت أن يجعلها إلى مجالد كلّها عن الشعبي عن مسروق عن عبد اللّه، فعل. و قال أبو طالب عن أحمد: ليس بشي ء. يرفع حديثا كثيرا لا يرفعه الناس. و قال الدوري عن ابن معين: لا يحتج بحديثه. و قال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ضعيف واهي الحديث. كان يحيى بن سعيد يقول: لو أردت أن يرفع لي مجالد حديثه كلّه رفعه، إلى غيرها من شهادات بضعفه في الحديث، و رفعه الحديث لمكان ضعفه «1». و قال محمد بن حبّان: كان ردي ء الحفظ يقلب الأسانيد و يرفع المراسيل، لا يجوز الاحتجاج به «2».

و في مسند مسلم وقع: ابن بريدة عن الشعبي. و ابن بريدة هذا هو عبد اللّه بن بريدة أخو سليمان. قال البزار: فحيث أبهم علقمة و محارب و محمد و كذا الأعمش عند ابن حجر فالمراد: سليمان بن بريدة. و أمّا من عدا هؤلاء حيث أبهموا فهو عبد اللّه بن بريدة «3»- كما هنا- لأنّ الذي أبهم في

إسناد مسلم هو الحسين بن ذكوان.

و عبد اللّه بن بريدة هذا، قد ضعّف حديثه أحمد، و كانوا يرجّحون أخاه سليمان عليه. قال إبراهيم: له عن أبيه أحاديث منكرة. و تعجّب من الحاكم كيف زعم أنّ سند حديثه من رواية الحسين بن واقد عن عبد اللّه بن بريدة عن أبيه أصح الأسانيد لأهل مرو «4».

(1) تهذيب التهذيب، ج 10، ص 40.

(2) كتاب المجروحين و الضعفاء لابن حبان، ج 3، ص 10.

(3) راجع: الكنى في تهذيب التهذيب، ج 12، ص 286.

(4) تهذيب التهذيب، ج 5، ص 158.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 109

4- وهب بن منبّه

هو وهب بن منبّه بن كامل اليماني الصنعاني. و قال أحمد بن حنبل: كان من أبناء فارس. قيل: إن منبّها من خراسان من أهل هراة، أخرجه كسرى من هراة إلى اليمن، فأسلم في عهد النبي و حسن إسلامه فسكن ولده في اليمن، و كان وهب بن منبّه يختلف إلى هراة و يتفقد أمرها. كان يقول: قرأت بضعة و سبعين كتابا من كتب الأنبياء. ولد سنة (34) و مات سنة (110). قيل: ضربه يوسف بن عمر حتى مات «1».

و قد أكثر من سرد الإسرائيليّات، و نسب إليه قصص كثيرة، كانت مثارا للنيل منه و الطعن عليه، حتى رمي بالكذب و التدليس، و إفساد عقول المسلمين.

5- محمد بن كعب القرظي

هو محمد بن كعب سليم القرظي، كان أبوه من سبى قريظة، من أولاد كهنة اليهود. ولد سنة (39) و مات سنة (117). كان يقصّ في المسجد، فسقط عليه السقف، فمات هو و جماعة معه «2».

فقد كان من القصّاصين، يقصّون على الناس عن كتب السلف و أساطيرهم، و فيها كان حتفه.

(1) تهذيب التهذيب، ج 11، ص 166- 168.

(2) تهذيب التهذيب، ج 9، ص 420- 422.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 110

6- عبد اللّه بن عمرو بن العاص

قيل: كان اسمه العاص فغيّره رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و سماه عبد اللّه.

أسلم قبل أبيه عمرو، و عمرو أسلم قبل الفتح سنة ثمان. ولد قبل الهجرة بسبع سنين، و مات سنة (65). فقد عاش (72) سنة.

هو أوّل من أشاع الإسرائيليّات بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم زعم أنه أصاب يوم اليرموك «1» زاملتين «2» من كتب اليهود، فكان يحدّث منهما. و يبرّر ذلك بما

رواه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من قوله: «حدّثوا عن بني إسرائيل و لا حرج». رواه البخاري بإسناده عنه «3». هكذا فهم من هذا الحديث، جواز الرواية عنهم، حسبما ذكره ابن تيميّة «4».

و

أضاف إليه حديثا آخر اختلقه بهذا الشأن، قال: رأيت فيما يرى النائم كأنّ في إحدى إصبعيّ سمنا و في الأخرى عسلا فأنا ألعقهما. فلمّا أصبحت ذكرت ذلك للنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فقال: تقرأ الكتابين، التوراة و الفرقان. و من ثمّ كان

(1) يرموك: واد بناحية الشام كانت به حرب بين المسلمين و الروم في أواخر أيّام أبي بكر.

و كان عبد اللّه بصحبة أبيه في تلك الحرب؛ حيث أصاب

زاملتين من كتب اليهود فيما زعم.

(2) الزاملة: الملفّة، من زمّل الشي ء بثوبه أو في ثوبه: لفّه. و ربما كانت حمل بعير، و هكذا عبّر عنها ابن حجر في الفتح (ج 1، ص 184)، قال: إنّ عبد اللّه كان قد ظفر في الشام بحمل جمل من كتب أهل الكتاب، فكان ينظر فيها و يحدّث منها، و من ثمّ تجنّب الأخذ عنه كثير من أئمة التابعين.

و عبّر عنها أبو شهبة: بحمل بعيرين. (الإسرائيليات و الموضوعات في كتب التفسير، ص 54).

(3) صحيح البخاري، ج 4، ص 207.

(4) مقدمته في التفسير، ص 45.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 111

يقرأهما «1».

و كانت له صحيفة يسمّيها «الصادقة» زعم أنه كتبها من أحاديث الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن إجازته له في كتابتها. قال: استأذنت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في كتاب ما سمعت منه فأذن لي فكتبته.

فكان يسمّي صحيفته تلك الصادقة.

قال مجاهد: رأيت عنده صحيفة فسألت عنها، فقال: هذه الصادقة، فيها ما سمعت من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ليس بينى و بينه فيها أحد «2».

روى البخاري بإسناده إلى همّام بن منبّه عن أخيه وهب، قال: سمعت أبا هريرة يقول: ما من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أحد أكثر حديثا عنه منّي إلّا ما كان من عبد اللّه بن عمرو، فإنه كان يكتب و لا أكتب «3».

و لقد كان ضعيف الرأي وهن السلوك، كان قد صحب أباه في الوقوف مع معاوية في وقعة صفين، في حين أنه كان يعلم أنّهم كانوا هم الفئة الباغية على ما وصفهم بها رسول اللّه صلّى اللّه

عليه و آله و سلّم و قد اعتذر لذلك بأنّه كان لوصيّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إيّاه أن يتابع أباه عمرو بن العاص. و قد نسي قوله تعالى:

وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَ لا يَهْتَدُونَ «4».

و كذا قوله تعالى:

(1) سير أعلام النبلاء، ج 3، ص 86. و مسند أحمد، ج 2، ص 222. و حلية الأولياء، ج 1، ص 286.

(2) الطبقات، ج 2، ق 2، ص 125.

(3) جامع البخاري، ج 1، ص 39، باب كتابة العلم. و راجع: الفتح، ج 1، ص 184.

(4) البقرة/ 170.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 112

وَ إِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما «1».

و مع ذلك نراه قد تابع أباه في ضلال كان يعلمه.

أخرج ابن سعد عن الغنوي، قال: بينا نحن عند معاوية؛ إذ جاءه رجلان يختصمان في رأس عمّار، يقول كل واحد منهما؛ أنا قتلته. فقال عبد اللّه بن عمرو:

ليطب به أحدكما نفسا لصاحبه، فإنّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: «تقتله الفئة الباغية». فقال معاوية: أ لا تغني عنّا مجنونك يا عمرو «2» فما بالك معنا؟! قال: إن أبي شكاني إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال: أطع أباك حيّا و لا تعصه. و أنا معكم و لست أقاتل «3».

7- أبو هريرة

أما أبو هريرة فقد اختلف في اسمه، كما لم يعرف أصله و نسبه و نشأته، و لا شي ء من تاريخه قبل إسلامه، غير ما ذكر

هو عن نفسه، من أنّه كان يلعب بهرّة صغيرة، و أنه كان معدما فقيرا خامل الذكر، يخدم الناس على شبع بطنه. قال:

كنت أرعى غنم أهلي، و كانت لي هرّة صغيرة، فكنت أضعها باللّيل في شجرة، و إذا كان النهار ذهبت بها معي فلعبت بها، فكنّوني «أبا هريرة». قال: نشأت يتيما

(1) لقمان/ 15.

(2) هكذا في النسخ، و لعله: مجونك، هو المزاح في وقاحة.

(3) و هكذا

أخرج ابن سعد عن عبد اللّه بن الحارث، قال: إني لأسير مع معاوية في منصرفه عن صفّين بينه و بين عمرو بن العاص. فقال عبد اللّه: يا أبة، سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول لعمار: ويحك يا ابن سميّة، تقتلك الفئة الباغية. فقال عمرو لمعاوية: أ لا تسمع ما يقول هذا! فقال معاوية: ما تزال تأتينا بهنة تدحض بها في بولك. أ نحن قتلناه؟! إنما قتله الذين جاءوا به!! (الطبقات، ج 3، ق 1، ص 180- 181) التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 113

و هاجرت مسكينا، و كنت أجيرا لبسرة بنت غزوان بطعام بطني و عقبة رجلي، فكنت أخدم إذا نزلوا، و أحدو إذا ركبوا.

قدم أبو هريرة بعد أن تخطّى الثلاثين من عمره، و كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حينذاك في غزوة خيبر التي وقعت عام (7) من الهجرة، قال ابن سعد: قدم الدوسيّون فيهم أبو هريرة و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بخيبر فكلّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أصحابه في أن يشركوا أبا هريرة في الغنيمة، ففعلوا. و لفقره اتخذ سبيله إلى الصّفّة (موضع مظلّل في مؤخّرة مسجد النبي من

الناحية الشمالية). قال أبو الفداء: و أهل الصّفّة أناس فقراء لا منازل لهم و لا عشائر، ينامون في المسجد و يظلّون فيه. و كانت صفّة المسجد مثواهم، فنسبوا إليها. و كان إذا تعشّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يدعو منهم طائفة يتعشّون معه، و يفرّق منهم طائفة على الصحابة ليعشّوهم.

روى مسلم عنه، قال: كنت رجلا مسكينا أخدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم على ملاء بطني. و في رواية: كنت ألزم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم على ملاء بطني. و كان أكولا، إذا كان يطعم في بيت أحد الصحابة، كان بعضهم ينفر منه.

و روى البخاري عنه، قال: أستقرئ الرجل الآية و هي معي، كي ينقلب بي فيطعمني. و كان خير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب، كان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته. و روى الترمذي عنه: و كنت إذا سألت جعفر عن آية لم يجبني حتى يذهب بي إلى منزله. قال أبو ريّة: و من أجل هذا كان جعفر في رأي أبي هريرة أفضل الصحابة جميعا، فقدّمه على أبي بكر و عمرو علي و عثمان و غيرهم من كبار الصحابة.

فقد أخرج الترمذي و الحاكم بإسناد صحيح عن أبي هريرة: ما احتذى النعال و لا ركب المطايا و لا وطئ التراب، بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أفضل من جعفر بن

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 114

أبي طالب «1».

كان أبو هريرة يلقّب بشيخ المضيرة (طعام يطبخ باللّبن المضر، أي الحامض) و قد نالت هذه المضيرة من عناية العلماء و الكتاب و الشعراء ما لم ينله مثلها من

أصناف المآكل و الحلويّات. و ظلّوا يتندرون بها و يغمزون أبا هريرة قرونا طويلة من أجلها.

قال الثعالبي، و كان أبو هريرة تعجبه المضيرة جدّا، فيأكل مع معاوية، فإذا حضرت الصلاة صلّى خلف عليّ عليه السّلام، فإذا قيل له في ذلك، قال: مضيرة معاوية أدسم و أطيب، و الصلاة خلف عليّ أفضل و أتمّ. و من كلامه: ما شممت رائحة أطيب من رائحة الخبز الحار، و ما رأيت فارسا أحسن من زبد على تمر «2».

و قد أخذ العلماء على أبي هريرة كثرة حديثه عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مع قلّة صحبته و قلة بضاعته حينذاك، و من ثمّ رموه بالتدليس و الاختلاق. كان يسمع الحديث من أحد الصحابة ثم يدلّس، فيرفعه إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

و كان كثيرا ما يسمع الحديث من أهل الكتاب و لا سيّما كعب الأحبار، فيسنده إلى النبيّ أو أحد كبار صحابته تدليسا و تمويها على العامّة.

فقد روى مسلم عن بسر بن سعيد، قال: اتّقوا اللّه و تحفّظوا من الحديث.

فو اللّه لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة فيحدّث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و يحدّث عن كعب الأحبار، ثم يقوم، فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن كعب، و حديث كعب عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم. و في رواية: يجعل ما قاله كعب

(1) راجع: فتح الباري، ج 7، ص 62.

(2) الأضواء لأبي ريّة، ص 195- 199.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 115

عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم

و ما قاله رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن كعب. فاتقوا اللّه و تحفّظوا في الحديث.

و قال يزيد بن هارون: سمعت شعبة يقول: أبو هريرة كان يدلّس، أي يروي ما سمعه من كعب و ما سمعه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لا يميّز هذا من هذا. و قال ابن قتيبة: و كان أبو هريرة يقول: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كذا، و إنما سمعه من الثقة عنده فحكاه. و كانت عائشة أشدّهم إنكارا على أبي هريرة. و ممن اتّهم أبا هريرة بالكذب عمر و عثمان و عليّ و غيرهم، فكما قال الأستاذ الرافعي: «كان أوّل راوية اتّهم في الإسلام» «1».

و الحديث بشأن تدليس أبي هريرة و إنكار الصحابة عليه ذو شجون، عرضه بتفصيل الأستاذ أبو ريّة في كتابيه: «شيخ المضيرة»، و «الأضواء». و كان هذا العرض القصير مستقى منه «2».

أخذ أبو هريرة عن كعب الأحبار الشي ء الكثير، غير أن السّيّئ الذي كان يرتكبه، إسناد ما سمعه من كعب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كما نوّهنا عنه.

قال أبو ريّة: ذكر علماء الحديث في باب «رواية الصحابة عن التابعين، أو رواية الأكابر عن الأصاغر» إنّ أبا هريرة و العبادلة «3» و معاوية و أنس و غيرهم، قد رووا عن كعب الأحبار اليهودي الذي أظهر الإسلام خداعا، و طوى قلبه على

(1) راجع: تاريخ آداب العرب، ج 1، ص 278.

(2) راجع: الأضواء، ص 202- 206.

(3) هم: عبد اللّه بن عمرو بن العاص. و عبد اللّه بن عمر. و عبد اللّه بن عباس، غير أن الأخير

مكذوب عليه، و قد فصّلنا الكلام فيه.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 116

يهوديّته.

قال: و يبدو أنّ أبا هريرة كان أكثر الصحابة انخداعا به، و ثقة فيه، و رواية عنه و عن إخوانه، من سائر أهل الكتاب. و يتبيّن من الاستقراء أنّ كعب الأحبار قد سلّط قوّة دهائه على سذاجة أبي هريرة لكي يستحوذ عليه، و ينيمه ليلقّنه كلّ ما يريد أن يبثّه في الدين الإسلامي، من خرافات و أوهام. و كان له في ذلك أساليب غريبة و طرق عجيبة.

فقد روى الذهبي في «طبقات الحفاظ» في ترجمة أبي هريرة أنّ كعبا قال فيه- أي في أبي هريرة-: ما رأيت أحدا لم يقرأ التوراة، أعلم بما فيها من أبي هريرة!! فانظر مبلغ دهاء هذا الكاهن و مكره بأبي هريرة، الذي يتجلّى في درس تاريخه أنّه كان رجلا فيه غفلة و غرّة؛ إذ من أين يعلم أبو هريرة ما في التوراة و هو لا يعرفها، و لو عرفها لما استطاع أن يقرأها.

و مما يدلّك على أنّ هذا الحبر الداهية قد طوى أبا هريرة تحت جناحه حتى جعله يردّد كلام هذا الكاهن بالنصّ، و يجعله حديثا مرفوعا إلى النبيّ، ما نورد لك شيئا منه.

روى البزار عن أبي هريرة: أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: إنّ الشمس و القمر ثوران في النار يوم القيامة!! فقال الحسن: و ما ذنبهما؟ فقال: أحدّثك عن رسول اللّه، و تقول: ما ذنبهما؟!

و هذا الكلام نفسه قد قاله كعب بنصّه، فقد روى أبو يعلى الموصلي، قال كعب: يجاء بالشمس و القمر يوم القيامة كأنّهما ثوران عقيران، فيقذفان في

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 117

جهنم، يراهما من عبدهما «1».

و

روى

الحاكم في «المستدرك» و الطبراني- و رجاله رجال الصحيح- عن أبي هريرة: أنّ النبي قال: إنّ اللّه أذن لي أن أحدّث عن ديك رجلاه في الأرض و عنقه مثبتة تحت العرش، و هو يقول: سبحانك ما أعظم شأنك! قال: فيرد عليه ما يعلم ذلك من حلف بي كاذبا

. و هذا الكلام من قول كعب، و نصّه: أن للّه ديكا عنقه تحت العرش و براثنه في أسفل الأرض، فإذا صاح صاحت الدّيكة، فيقول: سبحان القدوس الملك الرحمن لا إله غيره «2».

و

روى أبو هريرة: أنّ رسول اللّه قال: النيل و سيحان و جيحان و الفرات من أنهار الجنة

، و هذا القول نفسه قاله كعب: أربعة أنهار الجنة وضعها اللّه في الدنيا:

فالنيل نهر العسل في الجنة، و الفرات نهر الخمر في الجنة، و سيحان نهر الماء في الجنة، و جيحان نهر اللبن في الجنة «3».

و قال ابن كثير في تفسيره: إنّ حديث أبي هريرة في يأجوج و مأجوج، و نصّه- كما رواه أحمد- عن أبي هريرة: أن يأجوج و مأجوج ليحفرون السدّ كلّ يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس، قال الذين عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدا، فيعودون ... و قد روى أحمد هذا الحديث عن كعب، قال ابن كثير: لعل أبا هريرة تلقّاه من كعب، فإنّه كثيرا ما كان يجالس كعبا و يحدّثه «4». و بيّن في

(1) حياة الحيوان للدميري، ج 1، ص 257.

(2) نهاية الأرب للنوبري، ج 10، ص 220.

(3) الأضواء لأبي ربّة، ص 208.

(4) تفسير ابن كثير، ج 3، ص 104- 105.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 118

مواضع كثيرة من تفسيره ما أخذه أبو هريرة من كعب.

و

في الصحيحين من حديث

أبي هريرة: أنّ اللّه خلق آدم على صورته.

و هذا الكلام قد جاء في الإصحاح الأوّل من التوراة (العهد القديم) و نصّه هناك:

«و خلق اللّه الإنسان على صورته، على صورة اللّه خلقه» «1».

و

روى مسلم عن أبي هريرة: أخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بيدي! فقال: خلق اللّه التربة يوم السبت، و خلق فيها الجبال يوم الأحد، و خلق الشجر يوم الاثنين، و خلق المكروه يوم الثلاثاء، و خلق النور يوم الأربعاء، و بثّ فيها الدواب يوم الخميس، و خلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة. و قد روى هذا الحديث أحمد و النّسائي أيضا عن أبي هريرة.

قال البخاري و ابن كثير و غيرهما: إن أبا هريرة قد تلقّى هذا الحديث عن كعب الأخبار؛ لأنه يخالف نص القرآن في أنه خلق السماوات و الأرض في سنة أيّام «2».

قال أبو ريّة: و قد بلغ من دهاء كعب و استغلاله لسذاجة أبي هريرة و غفلته، أن كان يلقّنه ما يريد بثّه في الدين الإسلامي من خرافات و ترّهات، حتى إذا رواها أبو هريرة عاد هو فصدق أبا هريرة، و ذلك ليؤكّد هذه الإسرائيليّات، و ليمكّن لها في عقول المسلمين، كأنّ الخبر جاء عن أبي هريرة، و هو في الحقيقة عن كعب

(1) قال أبو ريّة: من روايات هذا الحديث: و طول آدم ستون ذراعا. و قد انتقد هذا الحديث ابن حجر في شرح البخاري، قال: و يشكل على هذا من الآن، الآثار للأمم السالفة كديار عاد و ثمود، فإنّ مساكنهم تدلّ على أنّ فأماتهم لم تكن مفرطة في الطول، على حسب ما يقتضيه الترتيب الذي ذكره أبو هريرة. و أنكر مالك هذا الحديث.

(الأضواء، ص 208- 209 بالهامش)

(2) الأضواء، ص 207- 210.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 119

الأحبار.

و إليك مثلا ما

رواه أحمد عن أبي هريرة أنّ رسول اللّه قال: «إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلّها مائة عام، اقرءوا إن شئتم: و ظلّ ممدود» «1» . و لم يكد أبو هريرة يروي هذا الحديث حتى أسرع كعب، فقال: صدق و الذي أنزل التوراة على موسى و الفرقان على محمد، لو أنّ رجلا ركب حقّة أو جذعة ثم دار بأعلى تلك الشجرة ما بلغها حتى يسقط هرما! و هكذا كانا- كعب و أبو هريرة- يتعاونان على نشر مثل هذه الخرافات. و من العجيب أن يروي مثل هذا الخبر الغريب أيضا وهب بن منبّه في أثر غريب، فيرجع إليه من أراده «2».

هلك أبو هريرة سنة (59) عن (80) سنة بقصره بالعقيق، و حمل إلى المدينة و دفن بالبقيع، و صلى عليه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، و كان أميرا على المدينة تكريما له. و لما كتب الوليد إلى عمّه معاوية ينعى إليه أبا هريرة، أرسل إليه معاوية: «انظر من ترك، و ادفع إلى ورثته عشرة آلاف درهم، و أحسن جوارهم، و افعل إليهم معروفا». قال أبو ريّة: و هكذا يترادف رفدهم له حتى بعد وفاته «3».

قال السيد رشيد رضا بشأن أبي هريرة: كان إسلامه في سنة (7 ه)، فصحب رسول اللّه ثلاث سنين و نيفا، فأكثر أحاديثه لم يسمعها من النبي. و إنما سمعها من الصحابة و التابعين. فإذا كان جميع الصحابة عدولا في الرواية- كما يقول جمهور المحدّثين- فالتابعون ليسوا كذلك، و قد ثبت أنه كان يسمع من كعب الأحبار، و أكثر أحاديثه عنه، على

أنه صرّح بالسماع من النبي،

في حديث «خلق اللّه التربة

(1) الأضواء، ص 210.

(2) راجع: تفسير ابن كثير، ج 2، ص 513- 514.

(3) الأضواء، ص 218.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 120

يوم السبت»

و قد جزموا بأن هذا الحديث أخذه عن كعب. و كان يكثر في أحاديثه النقل بالمعنى و الإرسال- أي لا يذكر اسم الصحابي الذي سمع منه- و رواية الحديث بالمعنى كانت مثارا لمشكلات كثيرة. كما أنه انفرد بأحاديث كثيرة، كان بعضها موضع الإنكار أو مظنّته لغرابة موضوعها، كأحاديث الفتن و الإخبار ببعض المغيّبات، إلى غيرها من علل ذكرها أهل النقد في الحديث «1».

8- ابن جريج

هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، من أصل رومي نصراني. ولد سنة (80) و مات سنة (150). و هو من أوّل من صنف الكتب بالحجاز. قال الذهبي:

هو قطب الإسرائيليّات في عهد التابعين. قال: و لو أنّا رجعنا إلى تفسير ابن جرير الطبري و تتبّعنا الآيات التي وردت في النصارى، لوجدنا كثيرا مما يرويه ابن جرير في تفسير هذه الآيات يدور على عبد الملك الذي يعبّر عنه دائما ب «ابن جريج» «2».

قال عبد اللّه بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: من أوّل من صنف الكتب؟ قال:

ابن جريج و ابن أبي عروبة. و كان رحّالة في طلب العلم، فقد ولد بمكة ثم طوّف في كثير من البلاد. و قد رويت عن ابن جريج أجزاء كثيرة في التفسير عن ابن عباس، منها الصحيح و منها غير الصحيح؛ لأنه لم يقصد الصحّة فيما جمع، بل روى كل ما ذكر في كل آية من صحيح أو سقيم «3».

(1) مجلة المنار، ج 19، ص 97 (الأضواء، ص 218- 219).

(2) التفسير

و المفسرون، ج 1، ص 198.

(3) الإتقان، ج 2، ص 188.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 121

قال الإمام مالك بشأنه: كان ابن جريج حاطب ليل، لا يبالي من أين يأخذ.

و عن أحمد بن حنبل: إذا قال ابن جريج: قال فلان و قال فلان و أخبرت، جاء بمناكير. و إذا قال: أخبرني و سمعت، فحسبك به.

و قال الدارقطني، تجنّب تدليس ابن جريج، فإنه قبيح التدليس، لا يدلّس إلّا فيما سمعه من مجروح «1».

مبدأ نشر الإسرائيليّات

قد عرفت منع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من مراجعة أهل الكتاب، منعه الباتّ، حتى الاستنساخ من كتبهم فضلا عن الرجوع إلى أقاويلهم. و من ثمّ لم يكن يجرأ أحد من الصحابة أن يراجع أهل الكتاب أو يأخذ عنهم شيئا من الأخبار، و ذلك ما دام النبيّ على قيد الحياة.

و في حديث عمر الآنف، لمّا زجره النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم على استنساخه عن كتب القوم، قام و قال متندّما على ما فرط منه: «رضيت باللّه ربّا، و بالإسلام دينا، و بك رسولا» «2».

(1) تهذيب التهذيب، ج 6، ص 402- 406.

(2)

حدّث عمر عن نفسه، قال: انتسخت كتابا من أهل الكتاب، ثم جئت به في أديم، فقال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: ما هذا في يدك يا عمر؟ قلت: كتاب نسخته لنزداد به علما إلى علمنا، فغضب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حتى احمرّت وجنتاه، ثم نودي بالصلاة جامعة، فقال: يا أيها الناس إني قد أوتيت جوامع الكلم و خواتيمه، و اختصر لي اختصارا. و لقد أتيتكم بها بيضاء نقيّة، فلا تهوّكوا، و لا يغرّنكم

المتهوّكون. فقمت و قلت: رضيت باللّه ربّا و بالإسلام دينا و بك نبيّا . التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 122

و هكذا انتهج المسلمون منهجا سليما عن شوب أكدار أهل الكتاب، مدّة حياته صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و مدّة أيام أبي بكر، و طرفا من أيّام عمر.

ثم لمّا توسّعت رقعة الإسلام و فاضت بلاد المسلمين بكثرة الوافدين، و فيهم الأجانب عن روح الإسلام، ممّن لا معرفة له بأصول الشريعة، نرى أنّ هذا السّد المنيع قد أزيل، و جعلت أكاذيب أهل الكتاب تتسرّب بين المسلمين، و لم تزل تتوسّع دائرتها مع توسّع البلاد.

هذا كعب الأحبار، أتى بخزعبلاته في هذا العهد، و أبدى عبد اللّه بن عمرو بن العاص بمفترياته عن زاملتيه أيضا في هذا العهد، كما كظّ أبو هريرة بمخاريقه في هذا الدور المتأخّر عن حياة الرسول. و هكذا نرى عمر بن الخطاب قد أذن لتميم بن أوس الداري أن يقصّ قصصه قائما في المسجد النبويّ، علانية على رءوس الأشهاد في هذا العهد «1»، كما أصاخ بأذنيه لمخاريق كعب. يقول ابن كثير بعد ما ساق الروايات في أن الذّبيح هو إسحاق: و هذه الأقوال كلّها مأخوذة عن

(تفسير ابن كثير، ج 2، ص 467) و

روى أحمد بإسناده عن عبد اللّه بن ثابت قال: جاء عمر بن الخطاب إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال: يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إني مررت بأخ لي من قريظة فكتب لي جوامع من التوراة، أ لا أعرضها عليك! قال: فتغيّر وجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم. قال عبد اللّه بن ثابت: فقلت لعمر:

أ لا ترى ما بوجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فقال عمر: رضينا باللّه تعالى ربّا، و بالإسلام دينا، و بمحمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم رسولا. قال: فسرى عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قال: و الذي نفس محمد بيده لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه و تركتموني لضللتم، إنكم حظّي من الأمم و أنا حظّكم من النبيين. (مسند أحمد، ج 4، ص 265- 266) (1) سير أعلام النبلاء، ج 2، ص 447.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 123

كعب الأحبار، فإنّه لما أسلم في الدولة العمريّة جعل يحدّث عمر عن كتبه قديما، فربّما استمع له عمر، فترخّص الناس في استماع ما عنده، و نقلوا ما عنده عنه، غثها و سمينها، و ليس لهذه الأمّة حاجة إلى حرف واحد مما عنده «1».

فقد كان العقد الثاني بعد وفاة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عهد رواج القصص الأسطورية و الإسرائيليات، حسبما قال الدكتور أبو شهبة: إنّ بدعة القصّ قد حدثت في آخر عهد الفاروق: عمر بن الخطاب «2».

و هل كان هناك نكير على هذا الفعيل؟

كان عمر بين حين و آخر يشدّد النكير على هذا الصنيع، و لكن من غير تداوم عليه، فكان هناك- رغم تشديد عمر- أناس يقومون بنسخ أو ترجمة كتب العهد القديم، و التّحديث عنها بين المسلمين، أما المراجعة إلى أهل الكتاب و القصّ على الناس فقد تعارف و شاع ذلك العهد.

أخرج الحافظ أبو يعلى الموصلي عن خالد بن عرفطة، قال: كنت جالسا عند عمر، إذ أتي برجل مسكنه السوس «3». فقال له عمر: أنت فلان بن فلان العبدي؟

قال: نعم. قال:

و أنت النازل بالسوس؟ قال: نعم. فضربه بقناة معه. فقال الرجل:

ما لي يا أمير المؤمنين؟! فقال له عمر: اجلس، فجلس، فقرأ عليه: بسم الله الرحمن الرحيم. الر، تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ. إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.

(1) راجع تفسير ابن كثير، ج 4، ص 17.

(2) الإسرائيليات و الموضوعات، ص 89.

(3) سوس: مدينة شوش التي بها قبر دانيال، من أرض خوزستان.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 124

نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَ إِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ «1»، فقرأها عليه ثلاثا و ضربه ثلاثا. فقال له الرجل: ما لي يا أمير المؤمنين؟ فقال: أنت الذي نسخت كتاب دانيال؟ قال: مرني بأمرك أتّبعه، قال: انطلق فامحه بالحميم و الصوف الأبيض، ثم لا تقرأه و لا تقرئه أحدا من الناس، فلئن بلغني عنك أنّك قرأته أو أقرأته أحدا من الناس لأنهكتك عقوبة.

ثم قال له عمر: اجلس، فجلس بين يديه، فقال: انطلقت أنا فانتسخت كتابا من أهل الكتاب، ثم جئت به في أديم. فقال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: ما هذا في يدك يا عمر؟! قلت: كتاب نسخته لنزداد به علما إلى علمنا، فغضب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حتى احمرّت وجنتاه، ثم نودي بالصلاة جامعة، فقالت الأنصار: أغضب نبيّكم؟، السلاح السلاح. فجاءوا حتى أحدقوا بمنبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فقال: «يا أيّها الناس إني قد أوتيت جوامع الكلم و خواتيمه، و اختصر لي اختصارا، و لقد أتيتكم بها بيضاء نقيّة، فلا تهوّكوا و لا يغرنّكم المتهوّكون». قال عمر: فقمت و قلت: رضيت باللّه

ربّا و بالإسلام دينا و بك رسولا، ثم نزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم

. و يقرب من ذلك ما

أخرجه الحافظ أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي عن جبير بن نضير، حدّثهم، قال: إن رجلين كانا بحمص في خلافة عمر، فأرسل إليهما في من أرسل من أهل حمص، و كانا قد اكتتبا من اليهود صلاصفة «2»، فأخذاها معهما يستفتيان فيها أمير المؤمنين، يقولون: إن رضيها لنا أمير المؤمنين ازددنا فيها رغبة، و إن نهانا عنها رفضناها. فلما قدما عليه قالا: إنّا بأرض أهل الكتاب، و إنا نسمع منهم كلاما تقشعرّ منه جلودنا، أ فنأخذ منه أو نترك؟ فقال:

لعلّكما كتبتما منه شيئا! فقالا: لا. قال عمر: سأحدّثكما:

(1) يوسف/ 1- 3.

(2) صلاصفة: جمع صلصفة هي الصحيفة.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 125

انطلقت في حياة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حتى أتيت خيبر، فوجدت يهوديّا يقول قولا أعجبني، فقلت: هل أنت مكتبي مما تقول؟ قال: نعم، فأتيت بأديم فأخذ يملي عليّ حتى كتبت في الأكراع «1». فلمّا رجعت، قلت: يا نبي اللّه- و أخبرته- قال:

ائتني به. فانطلقت أرغب عن الشي ء رجاء أن أكون جئت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ببعض ما يحبّ. فلمّا أتيت به قال: اجلس اقرأ عليّ. فقرأت ساعة، ثم نظرت إلى وجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فإذا هو يتلوّن. فتحيّرت من الفرق «2»، فما استطعت أن أجيز منه حرفا. فلما رأى الذي بي رفعه «3» ثم جعل يتبعه رسما رسما فيمحوه بريقه، و هو يقول: لا تتّبعوا هؤلاء فإنهم قد هوكوا و تهوّكوا «4»، حتى محاه عن آخره

حرفا حرفا.

قال عمر: فلو علمت أنّكما كتبتما شيئا جعلتكما نكالا لهذه الأمّة. قالا: و اللّه ما نكتب منه شيئا أبدا. فخرجا بصلاصفتهما، فحفرا لها، فلم يألوا أن يعمّقا، و دفناها، فكان آخر العهد منها «5».

و لكن هل أثّر تشديد عمر في الحدّ عن مراجعة أهل الكتاب؟

إنه لم يشدّد على مراجعتهم، و إنما شدّد على الكتابة من كتبهم كما شدّد على كتابة الحديث. و من ثمّ نراه قد أجاز للداري أن يقصّ على الناس، كما شاع القصّ في مسجد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فضلا عن سائر المساجد ذلك العهد.

(1) الأكراع: جمع الكرع: مقدم عظم الساق، و المقصود: العظام الرقيقة.

(2) الفرق: الفزع.

(3) أي أخذه منّي.

(4) الهوك: الحمق.

(5) راجع: تفسير ابن كثير، ج 2، ص 467- 468.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 126

و هكذا سار على منهجه في إجازة القصّ في المساجد، من جاء بعده من الخلفاء. و أصبح ذلك مرسوما إسلاميا فيما بعد، كما حثّ عليه معاوية في إجازته لكعب أن يقصّ على الناس حسبما عرفت.

و بعد، فإنّ عصر الصحابة و هي الفترة بين وفاة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ظهور التابعين في عرصة الفتيا و التفسير كان عصر نشوء الإسرائيليّات و تسرّبها في التفسير و الحديث، فضلا عن التاريخ، ذلك أنّ غالبيّة الشئون التاريخيّة كانت ممّا يرجع عهدها إلى تاريخ الأمم الماضية و الأنبياء الماضين، و كان المرجع الوحيد لدى العرب حينذاك لمعرفة أحوالهم و تواريخهم هي التوراة و أهل الكتاب، فكانوا يراجعونهم و يأخذون عنهم بهذا الشأن.

قال الأستاذ الذهبي: نستطيع أن نقول: إنّ دخول الإسرائيليّات في التفسير، أمر يرجع إلى عهد

الصحابة، و ذلك نظرا لاتّفاق القرآن مع التوراة و الإنجيل في ذكر بعض المسائل «1» مع فارق واحد، هو الإيجاز في القرآن و البسط و الإطناب في التوراة و الإنجيل. و لقد كان الرجوع إلى أهل الكتاب، مصدرا من مصادر التفسير عند الصحابة «2». فكان الصحابي إذا مرّ على قصّة من قصص القرآن يجد من نفسه ميلا إلى أن يسأل عن بعض ما طواه القرآن منها و لم يتعرّض له، فلا يجد من يجيبه على سؤاله سوى هؤلاء النفر الذين دخلوا في الإسلام، و حملوا إلى

(1) للأستاذ عبد الوهاب النجّار في «قصص الأنبياء» محاولة في استخراج قصص القرآن من التوراة، و مقارنة بين ما جاء في القرآن بصورة موجزة، و جاءت في التوراة (العهد القديم) مبسطة.

(2) لا نصادقه في هذا الرأي، و إنما كان يراجع أهل الكتاب من قلّت بضاعته من الأصحاب.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 127

أهله ما معهم من ثقافة دينيّة، فألقوا إليهم ما ألقوا من الأخبار و القصص «1».

و نحن إذ نصادق الذهبي في أن الصحابة- على وجه الإجمال- كانوا يراجعون أهل الكتاب، فيما أبهم عليهم من قصص القرآن، و كان أولئك يلقون إليهم ما كان لديهم من قصص و أساطير.

لكن لا نصادقه في حكمه ذلك على الصحابة على وجه العموم؛ إذ كان علماء الصحابة يأبون الرجوع إلى غيرهم من ذوي المعلومات الكاسدة، بل كانوا يستنكرون من يراجعهم في قليل أو كثير؛ حيث وفرة المعلومات الصحيحة لدى علماء الأصحاب الكبار. و قد كان مستقاها مساءلة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مهبط الوحي و معدن علوم الأوّلين و الآخرين، فلم يدعوا صغيرة و لا كبيرة إلّا

سألوا عنها الرسول الكريم.

هذا ابن عباس حبر الأمّة و ترجمان القرآن ينادي برفيع صوته: هلّا من مستفهم أو مستعلم. و يستنكر على أولئك الذين يراجعون أهل الكتاب و لديهم الرصيد الأوفر من ذخائر العلوم. فقد كان ابن عباس يسي ء الظنّ بأهل الكتاب حتى المسلمة منهم.

روى البخاري بإسناده إلى ابن عباس، كان يقول:

«يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب، و كتابكم الذي أنزل على نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أحدث الأخبار باللّه تقرءونه لم يشب «2». و قد حدّثكم اللّه أنّ أهل الكتاب بدّلوا ما كتب اللّه و غيّروا بأيديهم الكتاب، فقالوا هو من عند اللّه ليشتروا به

(1) التفسير و المفسرون، ج 1، ص 169.

(2) لم يشب، أي كان محفوظا عن الدسّ فيه، فهو كلام اللّه الخالص، من غير أن تشوّهه يد التدليس.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 128

ثمنا قليلا. أ فلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسائلتهم، و لا و اللّه ما رأينا منهم رجلا قطّ يسألكم عن الذي أنزل عليكم» «1».

و هذا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، سفط العلم و باب مدينة علم الرسول، و كذا عبد اللّه بن مسعود و أبيّ بن كعب و أمثالهم من أوعية العلم، لم يحتمل بشأنهم الرجوع إلى كتابيّ قطّ. و هذا معلوم بالضرورة من التاريخ.

نعم إنما كان يراجع أهل الكتاب من الأصحاب، من لا بضاعة له و لا سابقة علم، أمثال عبد اللّه بن عمر بن العاص، و عبد اللّه بن عمرو بن الخطاب، و أبي هريرة و أضرابهم، من المفلّسين المعوزين.

و قد سمعت مراجعة عبد اللّه بن عمرو بن العاص إلى أهل الكتاب و لا سيّما

زاملتيه اللتين زعم أنه عثر عليهما في واقعة اليرموك، و كذا أبو هريرة تربية كعب الأحبار.

و قد ذكر أصحاب التراجم: أن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب كان ممن نشر علم كعب، و كان راوية له.

هذا عماد الدين ابن كثير عند كلامه عن قصّة هاروت و ماروت يحكم بوضع هذه القصّة، و أنّ منشأها روايات إسرائيليّة تدور حول ما نقله عبد اللّه بن عمر بن الخطاب عن كعب الأحبار، و هي مما ألصقها زنادقة أهل الكتاب بالإسلام، و أنّ روايات الرفع إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم غريبة جدّا، قال:

«و أقرب ما يكون في هذا أنه من رواية عبد اللّه بن عمر عن كعب الأحبار لا

(1) راجع: صحيح البخاري، باب لا يسأل أهل الشرك عن الشهادة، ج 9، ص 237. و ج 3، ص 136، باب لا تسألوا أهل الكتاب.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 129

عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كما قال عبد الرزاق في تفسيره عن الثوري عن موسى بن عقبة عن سالم عن ابن عمر عن كعب الأحبار. و هكذا روى ابن جرير بإسناده إلى سالم أنه سمع ابن عمر يحدّث عن كعب الأحبار» «1».

و هذا أبو هريرة يراجع كعبا و عبد اللّه بن سلام في معرفة الساعة في يوم الجمعة، لا يوافقها عبد مسلم و هو قائم يصلّي، يسأل اللّه تعالى شيئا إلّا أعطاه إياه «2»، فيجيباه بأنها آخر ساعة من نهار يوم الجمعة، فيرد عليهما كيف و هي ساعة لا ينبغي الصلاة فيها. فيراجع كعب التوراة و يرى الحقّ مع أبي هريرة، و كذا ابن سلام، و يجيبه بأن الجلوس في

انتظار الصلاة كأنّه في الصلاة «3».

و هكذا تداومت مراجعة كتب العهدين و أهل الكتاب على عهد التابعين و تابعي التابعين و من بعدهم، على أثر تساهل السلف في ذلك، و صارت مهنة القصّ على الناس عادة مألوفة بين المسلمين على طول التاريخ.

فقد كانت هناك فئة تقصّ بالمساجد، و تذكّر الناس بمواعظها و ترغّبهم و ترهّبهم. و لما كان هؤلاء- على أمثال أسلافهم المعوزين- ليسوا أهل علم و دراية، و كان غرضهم استمالة العوامّ، فجعلوا يختلقون القصص و الأساطير الخرافيّة، و روّجوا الأباطيل. و في هذا الكثير من الإسرائيليّات و الخرافات العامّيّة، ما يتصادم مع العقيدة الإسلامية، و قد تلقّفها الناس منهم؛ لأنّ من طبيعة

(1) تفسير ابن كثير، ج 1، ص 138. و راجع تاريخه البداية و النهاية أيضا، ج 1، ص 37. و هكذا تفسير الطبري، ج 1، ص 363. حيث يحدّث ابن عمر عن كعب صريحا.

(2) البخاري في باب الجمعة، ج 2، ص 13.

(3) القسطلاني في شرحه للحديث المذكور، ج 2، ص 190 (الذهبي، ج 1، ص 170- 171.

و أبو شهبة، ص 103- 104).

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 130

العوام الميل إلى العجائب و الغرائب.

يقول ابن قتيبة بشأن القصّاصين و شعوذتهم:

إنهم يميلون وجه العوام إليهم، و يستدرّون ما عندهم بالمناكير و الأكاذيب من الأحاديث. و من شأن العوامّ القعود عند القاصّ ما كان حديثه عجيبا خارجا عن فطر العقول، أو كان رقيقا يحزن القلوب. فإن ذكر الجنة قال: فيها الحوراء من مسك أو زعفران، و عجيزتها ميل في ميل، و يبوّئ اللّه وليّه قصرا من لؤلؤة بيضاء، فيها سبعون ألف مقصورة، في كل مقصورة سبعون ألف قبّة، و لا يزال

هكذا في السبعين ألفا، لا يتحول عنها «1».

و من هؤلاء القصّاص، من كان يبتغي الشهرة و الجاه بين الناس. و منهم، من كان يقصد التعيّش و الارتزاق. و منهم، من كان سيّئ النيّة خبيث الطويّة، يقصد الإفساد في عقائد الناس، و ربما حجب جمال القرآن و تشويه سمعة الإسلام، بما يأتي من تفاسير باطلة و خرافات تتنافى العقول.

قال أبو شهبة: و قد حدثت بدعة القصّ في آخر عهد عمر، و فيما بعد صارت حرفة، و دخل فيه من لا خلاق له في العلم، و قد ساعدهم على الاختلاق، أنهم لم يكونوا من أهل الحديث و الحفظ، و غالب من يحضرهم جهّال. فجالوا و صالوا في هذا الميدان و أتوا بما لا يقضي منه العجب «2».

و يظهر أنه اتخذ القصص أداة سياسيّة وراء ستار التذكير و الترهيب، يستعين بها أرباب السياسات في دعم سياساتهم و توجيه العامّة نحوها، كالتي نشاهدها.

و قد حدثت في عهد معاوية، و هو أوّل من أبدع مزج السياسة بالوعظ الإرشادي،

(1) تأويل مختلف الحديث، ص 279- 280.

(2) الإسرائيليّات و الموضوعات، ص 89- 90.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 131

و من ثمّ ارتفع شأن القصص حتى أصبح عملا رسميا يعهد إلى رجال رسميّين يعطون عليه أجرا. و في كتاب «القضاة» للكندي أن كثيرا من القضاة كانوا يعيّنون قصّاصا أيضا. و أوّل من قصّ بمصر سليمان بن عتر التجيبي في سنة (38)، و جمع له القضاء و القصص، ثم عزل عن القضاء و أفرد بالقصص.

و هكذا أمر معاوية- في هذا الوقت- رجالا يقصّون في المساجد بعد صلاة الصبح و بعد المغرب، يدعون له و لأهل ولايته كل صباح و مساء «1».

و صورة

القصص: أن يجلس القاصّ في المسجد و حوله الناس، فيذكّرهم اللّه و يقصّ عليهم حكايات و أحاديث و قصصا عن الأمم السالفة، و أساطير و نحو ذلك، و لا يتحرّون الصدق ما دام الغرض هو الترغيب و الترهيب و التوجيه الخاص، مهما كانت الوسيلة، جريا مع قاعدة «الغاية تبرّر الواسطة».

قال اللّيث بن سعد: هما قصصان: قصص العامّة، و قصص الخاصّة. فأمّا قصص العامّة فهو الذي يجتمع إليه النفر من الناس يعظهم و يذكّرهم. فذلك مكروه لمن فعله و لمن استمعه.

و أمّا قصص الخاصّة فهو الذي جعله معاوية، ولّى رجلا على القصص، فإذا سلّم من صلاة الصبح جلس و ذكر اللّه و حمده و مجّده و صلى على النبي، و دعا للخليفة و لأهل ولايته و حشمه و جنوده، و دعا على أهل حربه و على المشركين كافّة «2».

و قد نما القصص بسرعة؛ لأنه كان يتفق و ميول العامّة، فضلا عن اتفاقها مع الاتّجاهات السياسيّة الظالمة في الأغلب. و قد أكثر القصّاص من الأكاذيب

(1) فجر الإسلام، ص 160.

(2) خطط المقريزى، ج 2، ص 253، ط اميريّة.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 132

و الافتعالات، يصحبها كثير من التهم و الافتراءات، فأتوا بالطامّات الكبرى و ضلالات.

و قد عدّ الغزالي ذلك من منكرات المساجد المحرّمة و المبتدعات الباطلة، قال: فلا يجوز حضور مجلسه، إلّا على قصد إظهار الردّ عليه، فإن لم يقدر فلا يجوز سماع البدعة، قال اللّه تعالى لنبيه: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ «1».

و قد عرفت أنّ الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام طردهم من المساجد و استثنى الحسن البصرى، لأنه كان يتحرّى الصدق في قوله «2».

و من صفاقاتهم في ذلك، ما

روي

أنّه صلّى أحمد بن حنبل، و يحيى بن معين بمسجد الرصافة. فقام بين أيديهم قاصّ، فقال: حدّثنا أحمد بن حنبل و يحيى بن معين، قالا: حدّثنا عبد الرزاق عن معمّر عن قتادة عن أنس، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «من قال: لا إله إلّا اللّه خلق اللّه من كل كلمة طيرا منقاره من ذهب و ريشه من مرجان ...» و أخذ في قصّة نحوا من عشرين ورقة.

فجعل أحمد ينظر إلى يحيى، و يحيى ينظر إلى أحمد، يسأل أحدهما الآخر:

هل أنت حدّثته بهذا؟! قال: و اللّه ما سمعت بهذا إلّا هذه الساعة.

فلما انتهى الخطيب القاصّ أشار إليه يحيى، فجاء متوهّما نوالا، فقال له: من حدّثك بهذا؟ قال: أحمد بن حنبل و يحيى بن معين. فقال يحيى: أنا يحيى بن معين و هذا أحمد بن حنبل، ما سمعنا بهذا قطّ في حديث رسول اللّه. فإن كان و لا بدّ من الكذب فعلى غيرنا. فقال القاصّ: لم أزل أسمع أن يحيى بن معين

(1) إحياء العلوم لأبي حامد الغزالي، ج 2، ص 331، ط 1939. الأنعام/ 68.

(2) فجر الإسلام، ص 159- 160.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 133

و أحمد بن حنبل أحمقان، ما تحقّقته إلّا السّاعة. فقال له يحيى: و كيف؟ قال:

كأنّه ليس في الدنيا أحمد بن حنبل و يحيى بن معين غيركما. لقد كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل و يحيى بن معين!! فما كان منهما إلّا أن رضيا من النقاش بالسلامة «1».

و من يدري، فلعلّهما لو أطالا معه القول، لنالهما ما نال الشعبي، فقد دخل مسجدا، فإذا رجل عظيم اللّحية، و حوله أناس يحدّثهم، و هو

يقول: إنّ اللّه خلق صورين، في كل صور نفختان. قال: فخففت صلاتي، ثم قلت له: اتّق اللّه يا شيخ، إنّ اللّه لم يخلق إلّا صورا واحدا. فقال لي: يا فاجر، أنا يحدّثني فلان و فلان، و ترد عليّ! ثم رفع نعله و ضربني، فتتابع القوم عليّ ضربا. فو اللّه ما أقلعوا عنّي حتى قلت لهم: إنّ اللّه خلق ثلاثين صورا في كل صور نفختان!! «2».

و هكذا كان القصّاص مصدر شرّ و بلاء على الإسلام و المسلمين.

أقسام الإسرائيليات
اشارة

قسّم الأستاذ الذهبي، الإسرائيليات تقسيمات ثلاثة:

1- تقسيمها إلى صحيح أو ضعيف أو موضوع.

2- و إلى موافقتها لما في شريعتنا أو مخالفتها أو مسكوت عنها.

3- و إلى ما يتعلّق بالعقائد أو بالأحكام أو بالمواعظ و الحوادث و العبر.

و أخيرا حكم عليها بأنّها متداخلة، يمكن إرجاع بعضها إلى بعض، كما

(1) راجع: تفسير القرطبي، ج 1، ص 79.

(2) الإسرائيليات و الموضوعات، ص 90.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 134

يمكن أن ندخلها تحت الأقسام الثلاثة التالية: مقبول، و مردود، و متردّد فيه بين القبول و الردّ «1».

فالأحسن تقسيمها- حسب تقسيم الدكتور أبي شهبة- إلى موافق لما في شرعنا، و مخالف، و مسكوت عنه «2».

و تقسيم آخر أيضا لعلّه أولى: إما منقول بالحكاية شفاها- و هو الأكثر المروي عن كعب الأحبار و ابن سلام و ابن منبّه و أمثالهم- أو موجود بالفعل في كتب العهدين الموجودة بأيدينا اليوم، و هذا كأكثر ما ينقله أئمّة الهدى، و لا سيّما الإمام أبو الحسن الرضا عليه السّلام احتجاجا على أهل الكتاب، و ليس اعتقادا بمضمونه.

ثم إنّ المنقول شفاها أو الموجود عينا إمّا موافق لشرعنا أو مخالف أو مسكوت عنه. و لكل حكمه الخاص، نوجزه

فيما يلي:

أما المنقولات الشفاهية، حسبما يحكيه أمثال كعب و ابن سلام و غيرهما، فجلّها إن لم نقل كلّها، موضوع مختلق، لا أساس له، و إنما مصدرها شائعات عامّيّة أسطوريّة، أو أكاذيب افتعلها مثل كعب و ابن سلام، أو عبد اللّه بن عمرو و أضرابهم؛ إذ لم نجد في المرويّات عن هؤلاء ما يمكن الوثوق إليه. فهي بمجموعتها مردودة عندنا، حسبما تقتضيه قواعد النقد و التمحيص.

إنّنا نسي ء الظنّ بأمثال هؤلاء ممن لم يخلصوا الولاء للإسلام و لم يمحضوا النصح للمسلمين، كما لا نثق بصحّة معلوماتهم غير الصادرة عن تحقيق رصين، سوى الاعتماد على الشائعات العامّيّة المبتذلة إن لم تكن مفتعلة. إنّنا نجد في طيّات كلامهم بعض الخبث و اللّؤم المتخذ تجاه موضع الإسلام القويم، و ربّما

(1) الإسرائيليات للذهبي، ص 47- 54.

(2) الإسرائيليات و الموضوعات، ص 106- 114.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 135

كان حقدا على ظهور الإسلام و غلبة المسلمين. فحاولوا التشويه من سمعة الإسلام و التزعزع من عقائد المسلمين.

هذا هو الطابع العام الذي يتّسم به وجه الإسرائيليّات على وجه العموم.

قال الأستاذ أحمد أمين: و أما كعب الأحبار أو كعب بن ماتع اليهوديّ، كان من اليمن، و كان من أكبر من تسرّبت منهم أخبار اليهود إلى المسلمين، و كان كلّ تعاليمه- على ما وصل إلينا- شفويّة، و ما نقل عنه يدلّ على علمه الواسع بالثقافة اليهوديّة و أساطيرها.

قال: و نرى أنّ هذا القصص هو الذي أدخل على المسلمين كثيرا من أساطير الأمم الأخرى كاليهوديّة و النصرانيّة، كما كان بابا دخل منه على الحديث كذب كثير، و أفسد التاريخ بما تسرّب منه من حكاية وقائع و حوادث مزيّفة، أتعبت الناقد و أضاعت معالم الحق

«1».

و هكذا قال ابن خلدون فيما سبق من كلامه: فإنّما يسألون أهل الكتاب قبلهم، و هم أهل التوراة من اليهود و من تبع دينهم من النصارى. و أهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم، و لا يعرفون من ذلك إلّا ما تعرفه العامّة من أهل الكتاب، و معظمهم من حمير الذين أخذوا بدين اليهوديّة، فلمّا أسلموا بقوا على ما كان عندهم، و هؤلاء مثل كعب الأحبار و وهب بن منبّه و عبد اللّه بن سلام و أمثالهم، فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم، و هي أخبار موقوفة عليهم.

و تساهل المفسّرون في مثل ذلك و ملئوا كتب التفسير بهذه المنقولات، و أصلها- كما قلنا- عن أهل التوراة الذين يسكنون البادية، و لا تحقيق عندهم

(1) فجر الإسلام، ص 160- 161.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 136

بمعرفة ما ينقلونه من ذلك «1».

فعلى ما ذكره العلّامة ابن خلدون تكون جلّ المنقولات عن هؤلاء الكتابيّين، لا وثوق بها؛ حيث مصدرها الشياع القومي، و لكل قوم أساطيرها المسطّرة في تاريخ حياتها، يحكونها و ينقلونها يدا بيد، و هذا التنقّل حصل فيها التحريف و التبديل الكثير، بما ألحقها بالخرافات و الأوهام، و هؤلاء أصحاب القوميّات المختلفة، دخلوا في الإسلام و معهم ثقافاتهم و تاريخهم، أتوا بها و بثّوها بين المسلمين.

قال الأستاذ أحمد أمين: إن كثيرا من الشعوب المختلفة ذوات التواريخ دخلت في الإسلام، فأخذوا يدخلون تاريخ أممهم و يبثّونه بين المسلمين، إما عصبيّة لقومهم أو نحو ذلك. فكثير من اليهود أسلموا و معهم ما يعلمون من تاريخ اليهوديّة و أخبار الحوادث، حسبما روت التوراة و شروحها، فأخذوا يحدّثون المسلمين بها، و هؤلاء ربطوها بتفسير القرآن أحيانا، و بتاريخ الأمم

الأخرى أحيانا. إن شئت فاقرأ ما في الجزء الأوّل من «تاريخ الطبري» تجد منه الشي ء الكثير، مثل ما أسند عن عبد اللّه بن سلام، أنه تعالى بدأ بالخلق يوم الأحد، و فرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة، فخلق فيها آدم على عجل «2»- حسبما جاء في التوراة- و كثير من هذا النوع روي حول ما ورد في القرآن من قصص الأنبياء.

كذلك كان للفرس تاريخ، و كان لهم أساطير، فلما أسلموا رووا تاريخهم و رووا أساطيرهم، و كذلك فعل النصارى. فكانت هذه الروايات و الأساطير عن

(1) مقدمة ابن خلدون، ص 439- 440.

(2) تاريخ الطبري، ج 1، ص 24.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 137

الأمم المختلفة مبثوثة بين المسلمين، و مصدرا من مصادر الحركة التاريخيّة عندهم «1».

و عليه فنشطب على جميع ما ينقل عن أهل الكتاب فيما يمسّ تفسير القرآن أو تاريخ الأنبياء إذا كان نقلا بالشفاه و ليس مستندا إلى نصّ كتاب قديم معتمد؛ حيث مصدرها الشياع العام، و لا اعتبار به أصلا. و سنورد أمثلة لإسرائيليّات دخلت على الإسلام، و كان مصدرها الشياع و الأسطوريّة.

و لعلك تقول: بعض ما نقل عن أهل الكتاب كان مصدره النقل من الكتاب، إما يكتبونه منه أو ينقلونه عنه، كما في زاملتي عبد اللّه بن عمرو بن العاص، كان ينقل من كتب زعم العثور عليها في واقعة يرموك. و كما في نسخة عمر بن الخطاب التي جاء بها إلى النبيّ، اكتتبها من كتب اليهود فيما حسب.

لكن لا يذهب عليك أن لا وثوق بنقلهم و لو عن كتاب، ما دام الدسّ و التزوير شيمة يهوديّة جبلوا عليها من قديم يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ أي من عند أنفسهم

ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ كذبا و زورا لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا «2».

و هذا هو الذي فهمه ابن عباس منذ أوّل يومه فحذّر الأخذ عنهم بتاتا، قائلا:

و قد حدّثكم اللّه أنّ أهل الكتاب بدّلوا ما كتب اللّه و غيّروا بأيديهم الكتاب، فقالوا هو من عند اللّه ليشتروا به ثمنا قليلا، أ فلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسائلتهم «3».

(1) فجر الإسلام، ص 157.

(2) البقرة/ 79.

(3) جامع البخاري، ج 3، ص 237.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 138

أمّا المراجعة إلى كتب السلف و تواريخهم من يونان أو فرس أو الهند أو اليهود أو غيرهم، فإنّ ذلك شي ء آخر، يجب العمل فيه وفق سنن النقد و التمحيص، و على مناهج السبر و التحقيق، حسب المتعارف المعهود.

أما التوراة، ففيها من الغثّ و السمين الشي ء الكثير، و هو الكتاب الوحيد الذي احتوى على تاريخ الأنبياء و أممهم فيما سلف، مصحوبا بالأساطير و الخرافات، شأن سائر كتب التاريخ القديمة. و التوراة كتاب تاريخ، قبل أن يكون كتابا سماويا، و إنما سمّيت بالتوراة، لاحتوائها على تعاليم اليهود، و التي جاء بها موسى من شرائع وقعت موضع الدسّ و التحريف، و من ثمّ فالمراجعة إليها بحاجة إلى نقد و تحقيق، و ليس أخذا برأسه.

و في العهد القديم جاءت تفاصيل الحوادث مما أوجز بها القرآن و طواها في سرد قضايا قصار، أخذا بمواضع عبرها دون بيان التفصيل، فتجوز المراجعة إلى تلكم التفاصيل لرفع بعض المبهمات في القضايا القرآنية، و لكن على حذر تام وفق التفصيل التالي:

فالموجود في كتب السلف- فيما يمسّ المسائل القرآنية- إما موافق مع شرعنا في أصول مبانيه و في الفروع، أو مخالف أو مسكوت

عنه.

فالمخالف منبوذ لا محالة، لأنّ ما خالف شريعة اللّه فهو كذب باطل، و أمّا المسكوت عنه فالأخذ به و تركه سواء، شأن سائر أحداث التاريخ.

و إليك أمثلة على ذلك:

1- أمثلة على الموافقة:

أ- جاء في المزامير، المزمور (37) عدد (10):

«أما الودعاء فيرثون الأرض و يتلذّذون في كثرة السلامة».

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 139

و في عدد (22): «لأنّ المباركين منه يرثون الأرض و الملعونين منه يقطعون».

و في عدد (29): «الصدّيقون يرثون الأرض و يسكنونها إلى الأبد».

و جاء تصديق ذلك في القرآن، في قوله تعالى، في سورة الأنبياء/ 105:

وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ «1».

قوله: مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ حيث البشارة في مزامير داود (الزبور) جاءت بعد مواعظ و تذكير.

ب- و جاء في سفر التثنية الصحاح (32) ع (3) وصيّة جامعة لنبي اللّه موسى صلّى اللّه عليه و آله و سلّم جاء فيها وصف الربّ تعالى بالعدل و الحكمة و العظمة، على ما جاء به القرآن الكريم.

يقول فيها: «إنّي باسم الربّ أنادي، أعطوا عظمة لإلهنا، هو الصخر الكامل صنيعه «2»، إنّ جميع سبله عدل، إله أمانة لا جور فيه، صديق و عادل هو».

ج- و جاء في لاويّين اصحاح (12) ع (4) شريعة الختان، كما هو في الإسلام:

«و في اليوم الثامن يختن لحم غرلته». و الغرلة: القلفة، و هي جلدة عضو التناسل.

د- و في سفر التثنية اصحاح (14) ع (8) جاء تحريم لحم الخنزير، لأنه نجس لا يجترّ.

«... و الخنزير، لأنه يشقّ الظلف، لكنه لا يجترّ، فهو نجس لكم».

(1) الأنبياء/ 105.

(2) الصخر هنا: كناية عن الحجر الأساسي، فيه القوة و الصلابة.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 140

2- أمثلة على المخالفة:

و الأمثلة على مخالفة ما جاء في التوراة الموجودة مع ما في القرآن فهي كثيرة جدّا، فضلا عن مخالفته للفطرة و العقل الرشيد، على ما فصّلناه في مباحثنا عن

الإعجاز التشريعي للقرآن، و مقارنة بعض ما جاء فيه، مع ما في كتب العهدين «1».

إنّك تجد في كتب العهدين مخالفات كثيرة مع شريعة العقل فضلا عن شريعة السماء، فمثلا تجد فيها ما يتنافى و مقام عصمة الأنبياء ما يذهلك:

ففي سفر التكوين (1 ص 19، ع 130): أنّ ابنتي لوط سقتا أباهما الخمر فاضطجعتا معه.

و في (الملوك الأوّل، 1 ص 11): أنّ سليمان عبد أوثانا، نزولا إلى رغبة نسائه.

و في (الخروج، 1 ص 32، ع 21- 24): أنّ هارون هو الذي صنع العجل و ليس السامريّ.

كما تفرض التوراة عقوبة البهائم (الخروج، ا ص 21، ع 28).

و نجاسة من مسّ ميتا إلى سبعة أيّام (سفر العدد، ا ص 19، ع 11- 16).

و أمثالها كثير.

3- أمثلة على المسكوت عنه

و الأمثلة على المسكوت عنه في شرعنا على ما جاء في كتب السالفين أيضا كثيرة في كثير، كان شأنها شأن سائر الأحداث التاريخيّة التي جاءت في الكتب القديمة.

(1) التمهيد في علوم القرآن، ج 6، ص 310- 312.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 141

و لعلّ

الحديث الوارد: «لا تصدّقوا أهل الكتاب و لا تكذّبوهم» «1» ناظر إلى هذا النوع من المسكوت عنه في شرعنا، لا نعلم صدقه عن كذبه؛ لأنّهم خلطوا الحقّ بالباطل. فلو صدّقناه فلعله الباطل، أو كذّبناه فلعله الحقّ.

قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «فيخبروكم بحقّ فتكذّبوا به، أو بباطل فتصدّقوا به» «2».

و هكذا قال عبد اللّه بن مسعود:

«لا تسألوا أهل الكتاب، فإنّهم لن يهدوكم- أي لن يخلصوا لكم النصح- و قد أضلّوا أنفسهم، فتكذّبوا بحقّ أو تصدّقوا بباطل» «3».

و عليه فيجب الحذر فيما لم نجد صدقه و لا كذبه في المأثور من شرعنا الإسلاميّ و يلزم

إجراء قواعد النقد و التمحيص- التثبّت- فيما وجدناه في كتب القوم من آثار و أخبار.

هذه قصّة يوسف صلّى اللّه عليه و آله و سلّم جاءت مواضع عبوها في القرآن و ترك الباقي، و قد تعرّض لتفاصيلها العهد القديم. و هكذا سائر قصص الأنبياء، و فيها الغثّ و السمين.

نماذج من إسرائيليات مبثوثة في التفسير
اشارة

سبق القول بأن في التفسير من الإسرائيليات طامّات و ظلمات، أصبحت مثارا للشكّ و الطعن و التقوّل على الإسلام و مقدّساته. و يرجع أكثر اللّوم على الأوائل الذين زجّوا بتلكم الأساطير اليهوديّة و غيرها في التفسير و الحديث

(1) جامع البخاري، ج 9، ص 136.

(2) مسند أحمد، ج 3، ص 387.

(3) فتح الباري بشرح البخاري، ج 13، ص 259.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 142

و التاريخ، و هكذا تساهل أهل الحديث في جمع و ثبت تلكم الإسرائيليّات في كتبهم، أمثال أبي جعفر الطبري، و جلال الدين السيوطي، و أضرابهما من أرباب كتب التفسير بالمأثور.

و قد أخذ على تفسير ابن جرير، أنّه يذكر الروايات من غير بيان و تمييز بين صحيحها و سقيمها، و لعلّه كان يحسب أنّ ذكر السند- و لو لم ينصّ على درجة الرواية قوّة و ضعفا- يخلي المؤلّف عن المؤاخذة و التبعات. و تفسيره هذا مشحون بالروايات الواهية و المنكرة و الموضوعات و الإسرائيليّات، و ذلك فيما يذكره في الملاحم و الفتن و في قصص الأنبياء، و حتى في مثل قصص نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كما في قصة زينب بنت جحش، على ما يرويها القصّاص و المبطلون، و أمثالها كثير.

كما أخذ على تفسير «الدرّ المنثور»، أنّه و إن عزى الروايات إلى مخرجيها، لكن لم يبيّن منزلتها

من الصحة و الضعف أو الوضع، و ليس كل قارئ يمكنه معرفة ذلك بمجرد ذكر السند أو المصدر المخرج منه، و لا سيّما في عصورنا المتأخّرة. و لعلّه أيضا من المحدّثين الذين يرون أن إبراز السند أو المخرج يخلي من العهدة و التبعة. و في الكتاب إسرائيليّات و بلايا كثيرة، و لا سيّما في قصص الأنبياء؛ و ذلك مثل ما ذكره في قصّة هاروت و ماروت، و في قصّة الذبيح و أنّه إسحاق، و في قصّة يوسف، و في قصّة داود، و سليمان، و في قصّة إلياس.

و أسرف في ذكر المرويّات في بلاء أيّوب. و معظمها مما لا يصحّ و لا يثبت، و إنّما هو من الإسرائيليات التي سردها بنو إسرائيل و أكاذيبهم على الأنبياء.

و هذان التفسيران هما الأساس لبثّ و نشر الإسرائيليّات، فيما تأخر من كتب التفسير. و سنعرض منها نماذج:

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 143

1- الإسرائيليات في قصّة هاروت و ماروت «1»

روى السيوطي في «الدر المنثور»، في تفسير قوله تعالى: وَ ما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَ مارُوتَ «2» روايات كثيرة و قصصا عجيبة، رويت عن ابن عمر، و ابن مسعود، و عليّ، و ابن عباس، و مجاهد، و كعب، و الربيع، و السدّي. رواها ابن جرير الطبري في تفسيره، و ابن مردويه، و الحاكم، و ابن المنذر، و ابن أبي الدنيا، و البيهقي، و الخطيب في تفاسيرهم و كتبهم «3».

و خلاصتها: أنه لما وقع الناس من بني آدم فيما وقعوا فيه من المعاصي و الكفر باللّه، قالت الملائكة في السماء: أيّ ربّ، هذا العالم إنّما خلقتهم لعبادتك، و طاعتك، و قد ركبوا الكفر، و قتل النفس الحرام، و أكل المال الحرام، و السرقة، و الزنى،

و شرب الخمر، فجعلوا يدعون عليهم، و لا يعذرونهم، فقيل لهم: إنهم في غيب، فلم يعذروهم. و في بعض الروايات: أن اللّه قال لهم: لو كنتم مكانهم لعملتم مثل أعمالهم، قالوا: سبحانك، ما كان ينبغي لنا. و في رواية أخرى: قالوا: لا، فقيل لهم: اختاروا منكم ملكين آمرهما بأمري، و أنهاهما عن معصيتي. فاختاروا هاروت و ماروت، فأهبطا إلى الأرض، و ركّبت فيهما الشهوة، و أمرا أن يعبدا اللّه، و لا يشركا به شيئا، و نهيا عن قتل النفس الحرام، و أكل المال

(1) تركنا القلم هنا بيد الدكتور محمد بن محمد أبي شهبة في كتابه «الإسرائيليّات و الموضوعات» فقد استوفى هذا الجانب استيفاء كاملا و استقصى الإسرائيليّات بشكل رتيب، و من ثم فقد اكتفينا على ما ذكره، مع شي ء من التصرّف و التلخيص أو الزيادة أحيانا. راجع: كتابه من ص 159 إلى ص 305.

(2) البقرة/ 102.

(3) الدرّ المنثور، ج 1، من ص 97- 103. و تفسير ابن جرير، ج 1، ص 362- 367، ط بولاق.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 144

الحرام، و السرقة، و الزنى و شرب الخمر. فلبثا على ذلك في الأرض زمانا، يحكمان بين الناس بالحقّ، و ذلك في زمان إدريس. و في ذلك الزمان امرأة حسنها فى سائر الناس كحسن الزهرة في سائر الكواكب و أنها أتت عليهما فخضعا لها بالقول، و أنهما أراداها «1» على نفسها، فأبت إلّا أن يكونا على أمرها و دينها، و أنهما سألاها عن دينها، فأخرجت لهما صنما، فقالا: لا حاجة لنا في عبادة هذا. فذهبا فصبرا ما شاء اللّه، ثم أتيا عليها، فخضعا لها بالقول، و أراداها على نفسها، فأبت إلّا

أن يكونا على دينها، و أن يعبدا الصنم الذي تعبده، فأبيا، فلما رأت أنهما قد أبيا أن يعبدا الصنم، قالت لهما: اختارا إحدى الخلال الثلاث: إما أن تعبدا هذا الصنم، او تقتلا النفس، أو تشربا هذا الخمر. فقالا: كلّ هذا لا ينبغي، و أهون الثلاثة شرب الخمر، و سقتهما الخمر، حتى إذا أخذت الخمر فيهما وقعا بها «2». فمر بهما إنسان، و هما في ذلك، فخشيا أن يفشي عليهما، فقتلاه، فلمّا أن ذهب عنهما السكر، عرفا ما قد وقعا فيه من الخطيئة، و أرادا أن يصعدا إلى السماء، فلم يستطيعا. و كشف الغطاء فيما بينهما، و بين أهل السماء، فنظرت الملائكة إلى ما قد وقعا فيه من الذنوب، و عرفوا أنّ من كان في غيب فهو أقل خشية؛ فجعلوا بعد ذلك يستغفرون لمن في الأرض. فلما وقعا فيما وقعا فيه من الخطيئة؛ قيل لهما: اختارا عذاب الدنيا، أو عذاب الآخرة، فقالا: أمّا عذاب الدنيا فينقطع، و يذهب و أما عذاب الآخرة فلا انقطاع له، فاختارا عذاب الدنيا، فجعلا ببابل، فهما بها يعذّبان معلّقين بأرجلهما. و في بعض الروايات، أنهما علّماها الكلمة التي يصعدان بها إلى السماء، فصعدت، فمسخها اللّه، فهي هذا الكوكب المعروف

(1) راوداها عن نفسها.

(2) أي فعلا بها الفاحشة.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 145

بالزهرة «1».

و يذكر السيوطي أيضا في كتابه؛ ما رواه ابن جرير، و ابن أبي حاتم، و الحاكم و صحّحه «2»، و البيهقي في سننه، عن عائشة: أنها قدمت عليها امرأة من دومة الجندل، و أنها أخبرتها أنها جي ء لها بكلبين أسودين فركبت كلبا، و ركبت امرأة أخرى الكلب الآخر، و لم يمض غير قليل، حتى وقفتا

ببابل. فإذا هما برجلين معلّقين بأرجلهما، و هما هاروت و ماروت، و استرسلت المرأة التي قدمت على عائشة في ذكر قصّة عجيبة غريبة.

و يذكر ايضا: أن ابن المنذر أخرج من طريق الأوزاعي، عن هارون بن رباب، قال: دخلت على عبد الملك بن مروان و عنده رجل قد ثنّيت له و سادة، و هو متّكئ عليها، فقالوا: هذا قد لقي هاروت و ماروت، فقلت هذا، قالوا نعم، فقلت: حدّثنا رحمك اللّه، فأنشأ الرجل يحدّث بقصة عجيبة غريبة «3».

و كل هذا من خرافات بني إسرائيل، و أكاذيبهم التي لا يشهد لها عقل، و لا نقل، و لا شرع، و لم يقف بعض رواة هذا القصص الخرافي الباطل عند روايته عن بعض الصحابة و التابعين، و لكنهم أوغلوا باب الإثم، و التجنّي الفاضح، فألصقوا هذا الزور إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و رفعوه إليه.

فقد قال السيوطيّ: أخرج سعيد، و ابن جرير، و الخطيب في تاريخه، عن نافع، قال: سافرت مع ابن عمر، فلما كان من آخر الليل قال: يا نافع، انظر هل طلعت الحمراء؟ قلت: لا، مرّتين أو ثلاثا، ثم

(1) الزهرة، كرطبة- يعني بضم الزاي و فتح الهاء-: نجم في السماء كما في القاموس و غيره.

(2) تصحيح الحاكم غير معتد به؛ لأنه معروف أنه متساهل في الحكم بالتصحيح، كما قال ابن الصلاح و غيره. و قد صحّح أحاديث تعقّبها الإمام الذهبي و حكم عليها بالوضع.

(3) الدر المنثور، ص 101 و تفسير الطبري، ج 1، ص 366.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 146

قلت: قد طلعت. قال: لا مرحبا بها، و لا أهلا. قلت: سبحان اللّه!! نجم مسخّر، سامع، مطيع!! قال:

ما قلت لك إلّا ما سمعت من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، قال: إن الملائكة قالت: يا رب كيف صبرك على بني آدم في الخطايا و الذنوب؟ قال: إني ابتليتهم و عافيتكم. قالوا: لو كنّا مكانهم ما عصيناك. قال: فاختاروا ملكين منكم، فلم يألوا جهدا أن يختاروا فاختاروا هاروت و ماروت، فنزلا، فألقى اللّه عليهم الشبق. قلت: و ما الشبق؟ قال: الشهوة، فجاءت امرأة يقال لها: الزهرة، فوقعت في قلبيهما، فجعل كل واحد منهما يخفي عن صاحبه ما في نفسه، ثم قال أحدهما للآخر: هل وقع في نفسك ما وقع في قلبي؟ قال: نعم فطلباها لأنفسهما، فقالت:

لا أمكّنكما حتى تعلّماني الاسم الذي تعرجان به إلى السماء، و تهبطان، فأبيا، ثم سألاها أيضا، فأبت، ففعلا، فلمّا استطيرت طمسها اللّه كوكبا، و قطع أجنحتهما. ثم سألا التوبة من ربّهما، فخيّرهما بين عذاب الدنيا، و عذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا على عذاب الآخرة، فأوحى اللّه إليهما: أن ائتيا «بابل» «1». فانطلقا إلى بابل، فخسف بهما، فهما منكوسان بين السماء و الأرض، معذّبان إلى يوم القيامة.

ثمّ ذكر أيضا رواية أخرى، مرفوعة إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لا تخرج في معناها عما ذكرنا «2»، و لا ينبغي أن يشك مسلم عاقل فضلا عن طالب حديث في أن هذا موضوع على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مهما بلغت أسانيده من الثبوت، فما بالك إذا كانت أسانيدها واهية، ساقطة، و لا تخلو من وضّاع، أو ضعيف، أو مجهول؟! و نصّ على وضعه أئمة الحديث!!

(1) بابل: بلد من بلاد العراق قرب الكوفة و الحلة.

(2) الدر المنثور، ج 1، ص 97

و تفسير الطبري، ج 1، ص 364- 365.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 147

و قد حكم بوضع هذه القصّة الإمام أبو الفرج ابن الجوزي «1»، و نصّ الشهاب العراقي على أنّ من اعتقد في هاروت و ماروت أنهما ملكان يعذّبان على خطيئتهما مع الزهرة، فهو كافر باللّه تعالى العظيم «2». و قال الإمام القاضي عياض في «الشفا»: و ما ذكره أهل الأخبار، و نقله المفسرون في قصة هاروت و ماروت، لم يرد فيه شي ء لا سقيم «3»، و لا صحيح عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و ليس هو شيئا يؤخذ بالقياس.

و كذلك حكم بوضع المرفوع من هذه القصّة الحافظ عماد الدين ابن كثير.

و أما ما ليس مرفوعا فبيّن أنّ منشأه روايات إسرائيلية أخذت عن كعب و غيره ألصقها زنادقة أهل الكتاب بالإسلام. قال ابن كثير في تفسيره بعد أن تكلم على الأحاديث الواردة في هاروت و ماروت، و أن روايات الرفع غريبة جدّا:

«و أقرب ما يكون في ذلك أنه من رواية عبد اللّه بن عمر، عن كعب الأحبار، كما قال عبد الرزاق في تفسيره، عن الثوري، عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد اللّه عن ابن عمر، عن كعب: و رفع مثل هذه الإسرائيليات إلى النبي كذب و اختلاق، ألصقه زنادقة أهل الكتاب، زورا و بهتانا. و ذكر مثل ذلك في البداية و النهاية» «4».

قال أبو شهبة: و هذا الذي قاله ابن كثير هو الحق الذي لا ينبغي أن يقال غيره.

و ليس أدلّ على هذا من أن ابن جرير رواها بالسند الذي ذكره ابن كثير، و بغيره عن ابن عمر، عن كعب الأحبار «5». و لكن بعض

الرواة غلطا، أو لسوء نية رفعها

(1) الموضوعات، ج 1، ص 187.

(2) روح المعاني، ج 1، ص 341.

(3) لعله أراد به الضعيف، و اعتبر ما روى مرفوعا ساقطا عن الاعتبار.

(4) البداية و النهاية، ج 1، ص 37.

(5) تفسير الطبري، ج 1، ص 363.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 148

و نسبها إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و كذا ردّها المحققون من المفسرين الذين مهروا في معرفة أصول الدين، و أبت عقولهم أن تقبل هذه الخرافات كالإمام الرازي، و أبي حيان، و أبي السعود، و الآلوسي.

ثم هذه من ناحية العقل غير مسلّمة، فالملائكة معصومون عن مثل هذه الكبائر، التي لا تصدر إلّا من عربيد. و قد أخبر اللّه عنهم بأنهم لا يعصون اللّه ما أمرهم، و يفعلون ما يؤمرون. كما ورد في بعض الروايات التي أشرنا إليها آنفا ردّ لكلام اللّه، و

في رواية أخرى: أن اللّه قال لهما: لو ابتليتكما بما ابتليت به بني آدم لعصيتماني، فقالا: لو فعلت بنا يا ربّ ما عصيناك!!، و ردّ كلام اللّه كفر، ننزّه عنه من له علم باللّه و صفاته، فضلا عن الملائكة.

ثم كيف ترفع الفاجرة إلى السماء، و تصير كوكبا مضيئا؟! و ما النجم الذي يزعمون أنه «الزهرة»، و زعموا أنه كان امرأة، فمسخت؟ إلّا في مكانه، من يوم أن خلق اللّه السماوات و الأرض.

و هذه الخرافات التي لا يشهد لها نقل صحيح، و لا عقل سليم هي كذلك مخالفة لما صار عند العلماء المحدثين أمرا يقينيا، و لا أدري ما ذا يكون موقفنا أمام علماء الفلك، و الكونيّات، إذا نحن لم نزيّف هذه الخرافات، و سكتنا عنها، أو انتصرنا

لها؟!.

و إذا كان بعض العلماء المحدثين «1» مال إلى ثبوت مثل هذه الروايات التي لا نشك في كذبها، فهذا منه تشدّد في التمسك بالقواعد، من غير نظر إلى ما يلزم من الحكم بثبوت ذلك من المحظورات. و نحن لا ننكر أن بعض أسانيدها صحيحة أو حسنة، إلى بعض الصحابة أو التابعين، و لكن مرجعها و مخرجها من

(1) هو الحافظ ابن حجر، و تابعه السيوطي.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 149

إسرائيليات بني إسرائيل، و خرافاتهم، و الراوي قد يغلط، و بخاصة في رفع الموقوف، و قد حققنا هذا في مقدمات البحث، و أنّ كونها صحيحة في نسبتها، لا ينافي كونها باطلة في ذاتها. و لو أنّ الانتصار لمثل هذه الأباطيل يترتّب عليه فائدة ما؛ لغضضنا الطرف عن مثل ذلك، و لما بذلنا غاية الجهد في التنبيه إلى بطلانها، و لكنّها فتحت على المسلمين باب شر كبير، يجب أن يغلق.

قال الإمام أبو محمد الحسن بن علي العسكريّ عليه السّلام و قد سئل عن الذي يقوله الناس بشأن الملكين هاروت و ماروت، و أنهما عصيا اللّه،

قال: «معاذ اللّه من ذلك، إنّ الملائكة معصومون محفوظون من الكفر و القبائح بألطاف اللّه تعالى.

فقد قال اللّه عزّ و جل فيهم: لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ «1».

و قال: وَ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ مَنْ عِنْدَهُ- يعني الملائكة- لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَ لا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ «2».

و قال- في الملائكة-: بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ. لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ. يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ. وَ لا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَ هُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ

«3».

و هكذا سأل الخليفة المأمون العباسي الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السّلام عمّا يرويه الناس من أمر «الزهرة» و أنها كانت امرأة، فتن بها هاروت و ماروت، و ما

(1) التحريم/ 6.

(2) الأنبياء/ 19- 20.

(3) الأنبياء/ 26- 28.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 150

يرويه الناس من أمر «سهيل»، و أنه كان عشّارا باليمن.

فقال الإمام: كذبوا في قولهم: إنّهما كوكبان، و إنّما كانتا دابّتين من دوابّ البحر. و غلط الناس إنّهما كوكبان، و ما كان اللّه تعالى ليمسخ أعداءه أنوارا مضيئة، ثم يبقيهما ما بقيت السماء و الأرض.

و

قال الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السّلام في تفسير الآية:

كان بعد نوح عليه السّلام قد كثرت السحرة و المموّهون، فبعث اللّه تعالى ملكين إلى نبي ذلك الزمان بذكر ما يسحر به السحرة و ذكر ما يبطل به سحرهم و بردّ كيدهم.

فتلقّاه النبيّ عن الملكين و أدّاه إلى عباد اللّه بأمر اللّه، و أمرهم أن يقفوا به على السحر و أن يبطلوه، و نهاهم أن يسحروا به الناس.

و هذا كما يدلّ على السّم ما هو، و على ما يدفع به غائلته. ثم يقال لمتعلّم ذلك: هذا السّمّ فمن رأيته سمّ فادفع غائلته بكذا، و إيّاك أن تقتل بالسّم أحدا.

و

قال الإمام أبو جعفر محمد بن علي الباقر عليه السّلام بشأن الشياطين في الآية:

لما مات سليمان النبيّ عليه السّلام وضع الشيطان السحر و كتبه في كتاب ثم طواه، و كتب على ظهره: هذا ما وضع آصف بن برخيا للملك سليمان بن داود من ذخائر كنوز العلم، من أراد كذا فليعمل كذا، ثم دفنه تحت سرير سليمان، ثم استثاره لهم فقرأه، فقال الكافرون: ما كان سليمان يغلبنا إلّا

بهذا، فقال اللّه:

وَ ما كَفَرَ سُلَيْمانُ- بأعمال السحر- وَ لكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ «1».

إذن فليس في الآية ما يدلّ- و لو من بعد- على هذه القصة المنكرة، و ليس

(1) راجع: تفسير البرهان للسيد هاشم البحراني، ج 1، ص 136- 138. البقرة/ 102.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 151

السبب في نزول الآية ذلك، و إنّما السبب أنّ الشياطين في ذلك الزمن السحيق كانوا يسترقون السمع من السماء، ثم يضمون إلى ما سمعوا أكاذيب يلفّقونها، و يلقونها إلى كهنة اليهود و أحبارهم. و قد دوّنها هؤلاء في كتب يقرءونها، و يعلّمونها الناس، و فشا ذلك في زمن سليمان عليه السّلام حتى قالوا: هذا علم سليمان و ما تمّ لسليمان ملكه إلّا بهذا العلم، و به يسخّر الإنس، و الجن، و الريح التي تجري بأمره. و هذا من افتراءات اليهود على الأنبياء، فأكذبهم اللّه بقوله:

وَ ما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَ لكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ «1».

ثم عطف عليه: وَ ما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ ... فالمراد بما أنزل هو «علم السحر» الذي نزلا ليعلّماه الناس، حتى يحذروا منه، فالسبب في نزولهما هو تعليم الناس أبوابا من السحر، حتى يعلم الناس الفرق بين السحر و النبوة، و أن سليمان لم يكن ساحرا، و إنما كان نبيّا مرسلا من ربّه. و قد احتاط الملكان غاية الاحتياط، فما كان يعلّمان أحدا شيئا من السحر حتى يحذّراه، و يقولا له: إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ أي بلاء و اختبار، فلا تكفر بتعلّمه و العمل به. و أما من تعلّمه للحذر منه، و ليعلم الفرق بينه و بين النبوّة و المعجزة؛ فهذا لا شي ء فيه، بل هو أمر مطلوب، مرغوب فيه،

إذا دعت الضرورة إليه. و لكن الناس ما كانوا يأخذون بالنصيحة، بل كانوا يفرّقون به بين المرء و زوجته، و ذلك بإذن اللّه و مشيئته.

و قد دلت الآية على أن تعلّم السحر لتحذير الناس من الوقوع فيه و العمل به مباح، و لا إثم فيه، و أيضا تعلّمه لإزالة الاشتباه بينه و بين المعجزة و النبوة مباح، و لا إثم فيه. و إنّما الحرام و الإثم في تعلّمه أو تعليمه للعمل به، فهو مثل ما قيل:

عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه و من لا يعرف الشر من الناس يقع فيه

(1) لأن تعلم السحر للعمل به كفر.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 152

و اليهود- عليهم غضب اللّه- لما جاءهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و كانوا يعلمون أنّه النبيّ الذي بشّرت به التوراة، حتى كانوا يستفتحون به على المشركين قبل ميلاده و بعثته، فلمّا جاءهم ما عرفوا، كفروا به، و نبذوا كتابهم التوراة، و كتاب اللّه القرآن وراء ظهورهم، و بدل أن يتّبعوا الحقّ المبين، اتّبعوا السحر الذي توارثوه عن آبائهم و الذي علّمتهم إياه الشياطين. و كان الواجب عليهم أن ينبذوا السحر، و يحذّروا الناس من شرّه؛ و ذلك كما فعل الملكان: هاروت و ماروت من تحذير الناس من شروره، و العمل به. و هذا هو التفسير الصحيح للآية، لا ما زعمه المبطلون الخرفون؛ و بذلك يحصل التناسق بين الآيات، و تكون الآية متآخية متعانقة. و لا أدري ما الصلة بين ما رووه من إسرائيليات، و بين قوله: وَ ما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ ... «1».

و العجب أن مثل ابن جرير

حوّم حول ما ذكرناه في تفسير الآية، ثم لم يلبث أن ذكر ما ذكر «2».

و الخلاصة: على القارئ أن يحذر من هذه الإسرائيليات، سواء وجدها في كتاب تفسير، أو حديث أو تاريخ أو مواعظ، أو أدب أو ....

2- إسرائيليّة في المسوخ من المخلوقات

و يوغل بعض زنادقة أهل الكتاب، فيضعون على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم خرافات في خلق بعض أنواع الحيوانات التي زعموا أنها مسخت. و لو أن هذه الخرافات

(1) البقرة/ 102.

(2) تفسير ابن جرير، ج 1، ص 359 و 360.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 153

نسبت إلى كعب الأحبار و أمثاله أو إلى بعض الصحابة و التابعين، لهان الأمر، و لكن عظم الإثم أن ينسب ذلك إلى المعصوم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و هذا اللّون من الوضع و الدسّ من أخبث و أقذر أنواع الكيد للإسلام و نبيّ الإسلام.

فقد قال السيوطي بعد ما ذكر طامّات و بلايا في قصّة هاروت و ماروت، من غير أن يعلّق عليها بكلمة:

أخرج الزبير بن بكار في الموفّقيات، و ابن مردويه، و الديلمي، عن عليّ: أن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم سئل عن المسوخ «1»، فقال: هم ثلاثة عشر: الفيل، و الدبّ، و الخنزير، و القرد، و الجرّيث «2»، و الضبّ، و الوطواط، و العقرب، و الدعموص، و العنكبوت، و الأرنب، و سهيل، و الزهرة. فقيل: يا رسول اللّه، و ما سبب مسخهن؟- و إليك التخريف و الكذب الذي نبرئ ساحة رسول اللّه منهما- فقال:

أمّا الفيل فكان رجلا جبارا لوطيا، لا يدع رطبا و لا يابسا. و أمّا الدبّ فكان مؤنثا يدعو الناس إلى نفسه. و أمّا الخنزير فكان من

النصارى الذين سألوا المائدة، فلما نزلت كفروا. و أمّا القردة فيهود اعتدوا في السبت. و أمّا الجرّيث فكان ديوثا «3»، يدعو الرجال إلى حليلته. و أمّا الضب فكان أعرابيا يسرق الحاج بمحجنه. و أمّا الوطواط فكان رجلا يسرق الثمار من رءوس النخل. و أمّا العقرب فكان رجلا لا يسلم أحد من لسانه. و أمّا الدعموص «4» فكان نمّاما يفرق بين

(1) جمع مسخ، أي الممسوخ من حالة إلى حالة أخرى.

(2) في القاموس «الجرّيث كسكّيت: سمك».

(3) الديوث: الذي لا يغار على زوجته.

(4) الدعموص- بضم الدال-: دويبة أو دودة سوداء، تكون في الغدران إذا أخذ ماؤها في النضوب.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 154

الأحبّة. و أمّا العنكبوت فامرأة سحرت زوجها. و أمّا الأرنب فامرأة كانت لا تطهر من حيضها. و أمّا سهيل فكان عشّارا باليمن. و أمّا الزهرة فكانت بنتا لبعض ملوك بني إسرائيل افتتن بها هاروت و ماروت!!

أ لا قبّح اللّه من وضع هذا الزور و الباطل، و نسبه إلى من لا ينطق عن الهوى.

و مما لا يقضي منه العجب أن السيوطي ذكر هذا الهراء من غير سند، و لم يعقّب عليه بكلمة استنكار. و مثل هذا لا يشكّ طالب علم في بطلانه، فضلا عن عالم كبير. و قد حكم عليه ابن الجوزي بالوضع، و قد ذكره السيوطي في «اللّئالئ»، و تعقّبه بما لا يجدي، و كان من الأمانة العلمية أن يشير إلى هذا.

و بعد هذا الكذب و التخريف ينقل السيوطي ما

رواه الطبراني في الأوسط بسند- ضعيف- كذا قال، عن عمر بن الخطاب، قال: جاء جبرئيل إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في غير حينه، ثم ذكر قصة

طويلة في وصف النار، و أن النبيّ بكى، و جبريل بكى، حتى نوديا: لا تخافا إن اللّه أمّنكما أن تعصياه «1» . و أغلب الظن:

أنه من الإسرائيليّات التي دسّت في الرواية الإسلامية.

3- الإسرائيليّات في بناء الكعبة: البيت الحرام و الحجر الأسود

و كذلك أكثر السيوطي في تفسيره «الدر المنثور» عند تفسير قوله تعالى:

وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ «2»:

(1) الدر المنثور، ج 1، ص 102 و 103.

(2) البقرة/ 127.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 155

من النقل عن الأزرقي، و أمثاله من المؤرّخين و المفسّرين الذين هم كحاطبي ليل، و لا يميّزون بين الغثّ و السمين، و المقبول و المردود، في بناء البيت، و من بناه قبل إبراهيم؛ أهم الملائكة أم آدم؟ و الحجر الأسود؛ و من أين جاء؟ و ما ورد في فضلهما. و قد استغرق في هذا النقل الذي معظمه من الإسرائيليّات التي أخذت عن أهل الكتاب بضع عشرة صحيفة «1»، لا يزيد ما صح منها أو ثبت عن عشر هذا المقدار.

قال أبو شهبة: و لو أنه اقتصر على الرواية التي رواها البخاري في صحيحه «2»، و رواها غيره من العلماء، لأراحنا و أراح نفسه، و لما أفسد العقول، و سمّم النفوس بكل هذه الإسرائيليّات، التي نحن في غنية عنها، بما تواتر من القرآن، و ثبت من السنة الصحيحة. و في الحق: أن ابن جرير كان مقتصدا في الإكثار من ذكر الإسرائيليّات في هذا الموضع، و إن كان لم يسلم منها، و ذكر بعضها؛ و ذلك مثل ما رواه بسنده عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص، قال: لما أهبط اللّه آدم من الجنة قال: إني مهبط معك بيتا يطاف

حوله كما يطاف حول عرشي، و يصلّى عنده، كما يصلّى عند عرشي. فلما كان زمن الطوفان، رفع، فكان الأنبياء يحجّونه، و لا يعلمون مكانه «3»، حتى بوّأه اللّه إبراهيم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أعلمه، مكانه، فبناه من خمسة أجبل: من حراء، و ثبير، و لبنان، و جبل الطور، و جبل الخمر.

و أعجب من ذلك ما رواه بسنده عن عطاء بن أبي رباح، قال: «لما أهبط اللّه آدم من الجنة كان رجلاه في الأرض، و رأسه في السماء!! يسمع كلام أهل السماء،

(1) الدر المنثور، ج 1، ص 125- 137.

(2) صحيح البخاري- كتاب أحاديث الأنبياء- باب «و اتخذ اللّه إبراهيم خليلا».

(3) و لا أدري كيف يحجّونه و لا يعلمون مكانه؟

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 156

و دعاءهم، يأنس إليهم؛ فهابته الملائكة، حتى شكت إلى اللّه في دعائها، و في صلاتها فخفضه إلى الأرض فلما فقد ما كان يسمع منهم استوحش حتى شكا ذلك إلى اللّه في دعائه و في صلاته، فوجّه إلى مكّة، فكان موضع قدمه قرية، و خطوه مفازة، حتى انتهى إلى مكّة، و أنزل اللّه ياقوتة من ياقوت الجنة، فكانت على موضع البيت الآن، فلم يزل يطوف به، حتى أنزل اللّه الطوفان، فرفعت تلك الياقوتة، حتى بعث اللّه إبراهيم فبناه؛ فذلك قول اللّه تعالى: وَ إِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ «1» إلى غير ذلك مما مرجعه إلى أخبار بني إسرائيل و خرافاتهم.

و لم يصح في ذلك خبر عن المعصوم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و يرحم اللّه الإمام الحافظ ابن كثير، فقد بيّن لنا منشأ معظم هذه الروايات التي هي من صنع بني إسرائيل، و

دسّ زنادقتهم،

فقد قال فيما رواه البيهقي في «الدلائل»، من طرق عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «بعث اللّه جبريل إلى آدم، فأمره، ببناء البيت، فبناه آدم، ثم أمره بالطواف به، و قال له: أنت أول الناس، و هذا أول بيت وضع للناس».

قال ابن كثير: إنه من مفردات ابن لهيعة، و هو ضعيف، و الأشبه- و اللّه أعلم- أن يكون موقوفا على عبد اللّه بن عمرو بن العاص، و يكون من الزاملتين «2» اللتين أصابهما يوم اليرموك، من كتب أهل الكتاب، فكان يحدّث بما فيهما «3».

و قال في «بدايته»: و لم يجي ء في خبر صحيح عن المعصوم أن البيت كان مبنيا قبل الخليل عليه السّلام، و من تمسّك في هذا بقوله: مَكانَ الْبَيْتِ فليس بناهض

(1) تفسير ابن جرير، ج 1، ص 428 و 429. الحج/ 26.

(2) الزاملة: البعير الذي يحمل عليه المتاع.

(3) تفسير ابن كثير، ج 1، ص 383 و تفسير البغوي، ج 1، ص 115 و فتح الباري، ج 6، ص 310.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 157

و لا ظاهر، لأن مراده: مكانه المقدّر في علم اللّه تعالى، المقرّر في قدرته، المعظّم عند الأنبياء موضعه، من لدن آدم إلى زمان إبراهيم «1».

4- الإسرائيليات في قصة التابوت

و من الإسرائيليات التي التبس فيها الحق بالباطل ما ذكره غالب المفسرين في تفاسيرهم، في قصة طالوت، و تنصيبه ملكا على بني إسرائيل، و اعتراض بني إسرائيل عليه، و إخبار نبيهم لهم بالآية الدالة على ملكه، و هي التابوت؛ و ذلك عند قوله تعالى: وَ قالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ

وَ بَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَ آلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ «2».

فقد ذكر ابن جرير، و الثعلبي، و البغوي، و القرطبي، و ابن كثير، و السيوطي في «الدر»، و غيرهم في تفاسيرهم، كثيرا من الأخبار عن الصحابة و التابعين، و عن وهب بن منبّه، و غيره من مسلمة أهل الكتاب في وصف «التابوت»، و كيف جاء، و علام يشتمل؟، و عن «السكينة» و كيف صفتها؟

فقد ذكروا في شأن التابوت أنه كان من خشب الشمشاد «3»، نحوا من ثلاثة أذرع في ذراعين، كان عند آدم إلى أن مات، ثم عند شيث، ثم توارثه أولاده، إلى

(1) البداية و النهاية، ج 1، ص 163 و ج 2، ص 299.

(2) البقرة/ 248.

(3) في «البغوي» بالمعجمتين و الدال المهملة، و في «القرطبي» بالمعجمة ثم ميم ثم سين مهملة آخره راء، و في بعض التفاسير، و الذال المعجمة.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 158

إبراهيم، ثم كان عند إسماعيل، ثم يعقوب، ثم كان في بني إسرائيل، إلى أن وصل إلى موسى عليه السّلام فكان يضع فيه التوراة و متاعا من متاعه، فكان عنده إلى أن مات.

ثم تداوله أنبياء بني إسرائيل إلى وقت شمويل، و كان عندهم حتى عصوا، فغلبوا عليه؛ غلبهم عليه العمالقة.

و هذا الكلام و إن كان محتملا للصدق و الكذب، لكنّنا في غنية، و لا يتوقّف تفسير الآية عليه.

و قال بعضهم: إن التابوت إنما كان في بني إسرائيل، و لم يكن من عهد آدم عليه السّلام، و أنه الصندوق الذي كان يحفظ فيه موسى عليه السّلام التوراة. و لعل هذا أقرب إلى الحقّ و الصواب.

و كذلك أكثروا

من النقل في «السكينة»،

فروي عن علي بن أبي طالب عليه السّلام: هي ريح فجوج «1» هفّافة، لها رأسان و وجه كوجه الإنسان.

و قال مجاهد: حيوان كالهرّ، لها جناحان و ذنب، و لعينيه شعاع، إذا نظر إلى الجيش انهزم.

و قال محمد بن إسحاق، عن وهب بن منبّه: «السكينة» رأس هرّة ميّتة، إذا صرخت في التابوت بصراخ هرّ أيقنوا بالنصر. و هذا من خرافات بني إسرائيل و أباطيلهم.

و عن وهب بن منبّه أيضا قال: «السكينة» روح من اللّه تتكلم، إذا اختلفوا في شي ء تتكلّم، فتخبرهم ببيان ما يريدون.

و عن ابن عباس: «السكينة» طست من ذهب، كانت تغسل فيه قلوب الأنبياء، أعطاه اللّه موسى عليه السّلام.

(1) شديد المرور في غير استواء، و لا أدري كيف يكون للريح رأسان، و وجه كوجه الإنسان؟.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 159

و الحق أنه ليس في القرآن ما يدل على شي ء من ذلك، و لا فيما صح عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و إنما هذه من أخبار بني إسرائيل التي نقلها إلينا مسلمة أهل الكتاب، و حملها عنهما بعض الصحابة و التابعين، و مرجعها إلى وهب بن منبّه، و كعب الأحبار، و أمثالهما.

قال أبو شهبة: و الذي ينبغي أن تفسّر به «السكينة» أن المراد بها الطمأنينة، و السكون الذي يحلّ بالقلب، عند تقويم التابوت أمام الجيش. فهي من أسباب السكون، و الطمأنينة؛ و بذلك تقوى نفوسهم، و تشتدّ معنوياتهم؛ فيكون ذلك من أسباب النصر. فهو مثل قوله تعالى: فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ... «1»، أي طمأنينته، و ما ثبت به قلبه، و مثل قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ

«2»، و قوله: فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَ أَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَ كانُوا أَحَقَّ بِها وَ أَهْلَها ... «3». فالمراد ب «السكينة» طمأنينة القلوب، و ثبات النفوس.

5- الإسرائيليّات في قصّة قتل داود جالوت

و من الإسرائيليّات ما يذكره المفسرون في قصّة قتل داود- و هو جندي صغير في جيش طالوت- جالوت الملك الجبّار؛ و ذلك عند تفسير قوله تعالى:

(1) التوبة/ 40.

(2) الفتح/ 4.

(3) الفتح/ 26.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 160

فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ قَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَ الْحِكْمَةَ وَ عَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَ لَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَ لكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ «1».

فقد ذكر الثعلبي، و البغوي، و الخازن، و صاحب «الدر المنثور»، و غيرهم، في تفاسيرهم، ما خلاصته: أنه عبر النهر فيمن عبر مع طالوت- ملك بني إسرائيل- إيشا: أبو داود، في ثلاثة عشر ابنا له، و كان داود أصغرهم، و كان يرمي بالقذافة «2» فلا يخطئ، و أنه ذكر لأبيه أمر قذافته تلك، و أنه دخل بين الجبال، فوجد أسدا فأخذ بأذنيه، فلم يهجه، و أنه مشى بين الجبال، فسبّح، فما بقي جبل حتى سبّح معه، فقال له أبوه: أبشر فإن هذا خير أعطاك اللّه تعالى إياه.

فأرسل جالوت إلى طالوت أن أبرز إليّ، أو أبرز إليّ من يقاتلني، فإن قتلني فلكم ملكي، و إن قتلته فلي ملككم. فشقّ ذلك على طالوت، فنادى في عسكره:

من قتل جالوت زوّجته ابنتي، و ناصفته ملكي. فهاب الناس جالوت، فلم يجبه أحد.

فسأل طالوت نبيهم أن يدعو اللّه تعالى، فدعا اللّه في ذلك، فأتى بقرن فيه دهن القدس، و تنّور من حديد، فقيل: إنّ صاحبكم

الذي يقتل جالوت هو الذي يوضع هذا القرن على رأسه، فيغلي الدهن حتى يدهن منه رأسه، و لا يسيل على وجهه، بل يكون على رأسه كالإكليل «3»، و يدخل هذا التنّور فيملؤه، و لا يتقلقل فيه.

(1) البقرة/ 251.

(2) شي ء يقذف به كالمقلاع فلا يخطئ هدفه.

(3) ما يلبسه الملوك على رءوسهم.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 161

فدعا طالوت بني إسرائيل، فجرّبهم، فلم يوافقه منهم أحد، فأوحى اللّه إلى نبيهم: أن في ولد «إيشا» من يقتل اللّه به جالوت. فدعا طالوت إيشا، فقال: أعرض هذا على بنيك، فأخرج له اثني عشر رجلا أمثال السواري «1»، فجعل يعرضهم على القرن، فلا يرى شيئا، فقال لإيشا: هل بقي لك ولد غيرهم؟ فقال: لا، فقال نبي هذا الزمان: يا رب إنه زعم أن لا ولد له غيرهم، فقال اللّه: كذب، فقال هذا النبي لإيشا: إن اللّه كذّبك!!.

فقال إيشا: صدق اللّه، يا نبي اللّه، إن لي ابنا صغيرا، يقال له: داود، استحييت أن يراه الناس لقصر قامته و حقارته، فخلّفته في الغنم يرعاها، و هو فى شعب كذا و كذا. و كان داود رجلا قصيرا، مسقاما، مصفارا، أزرق، أمعر «2»، فدعاه طالوت، و يقال: بل خرج إليه، فوجد الوادي قد سال بينه و بين الزريبة التي كان يريح إليها، فوجده يحمل شاتين يجيز بهما السيل، و لا يخوض بهما الماء، فلما رآه قال: هذا هو لا شك فيه، هذا يرحم البهائم، فهو بالناس أرحم. فدعاه، و وضع القرن على رأسه، ففاض- يعني من غير أن يسيل على وجهه- فقال طالوت: هل لك أن تقتل جالوت، و أزوّجك ابنتي، و أجري خاتمك في ملكي؟، قال: نعم، قال: و

هل آنست من نفسك شيئا تتقوّى به على قتله؟ قال: نعم، و ذكر بعض ذلك.

فأخذ طالوت داود، و ردّه إلى عسكره. و في الطريق مرّ داود بحجر، فناداه يا

(1) جمع سارية، و هي العمود، أي أنهم كالعمد الطويلة.

(2) أمعر: قليل الشعر، أو نحيف الجسم، و هذا من أكاذيب بني إسرائيل، و رميهم الأنبياء بأبشع الصفات. فقاتلهم اللّه أنى يؤفكون، و ما كان لأبيه و قد أخبره داود بما ذكره أول القصة، أن ينتقصه، و يصفه بهذه الأوصاف.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 162

داود احملني، فإني حجر هارون الذي قتل بي ملك كذا، فحمله في مخلاته، ثم مرّ بآخر، فناداه قائلا: إنه حجر موسى الذي قتل به ملك كذا، فأخذه في مخلاته، ثم مرّ بحجر ثالث، فناداه قائلا له: احملني، فإني حجرك الذي تقتل بي جالوت، فوضعه في مخلاته.

فلما تصافوا للقتال، و برز جالوت، و سأل المبارزة، انتدب له داود، فأعطاه طالوت فرسا، و درعا، و سلاحا، فلبس السلاح، و ركب الفرس، و سار قريبا، ثم لم يلبث أن نزع ذلك، و قال لطالوت: إن لم ينصرني اللّه لم يغن عني هذا السلاح شيئا!!، فدعني أقاتل جالوت كما أريد، قال: فافعل ما شئت، قال: نعم.

فأخذ داود مخلاته، فتقلّدها، و أخذ المقلاع، و مضى نحو جالوت. و كان جالوت من أشد الرجال، و أقواهم، و كان يهزم الجيش وحده، و كان له بيضة فيها ثلاثمائة رطل حديد «1»، فلما نظر إلى داود ألقى اللّه في قلبه الرعب. و بعد مقاولة بينهما، و توعّد كل منهما الآخر أخرج داود حجرا من مخلاته، و وضعه في مقلاعه، و قال: باسم إله إبراهيم، ثم أخرج الآخر و

قال: باسم إله إسحاق، و وضعه في مقلاعه، ثم أخرج الثالث و قال: باسم إله يعقوب، و وضعه في مقلاعه؛ فصارت كلها حجرا واحدا و دوّر داود المقلاع، و رمى به، فسخر له اللّه الريح، حتى أصاب الحجر أنف البيضة، فخلص إلى دماغه، و خرج من قفاه، و قتل من ورائه ثلاثين رجلا، و هزم اللّه تعالى الجيش، و خرّ جالوت قتيلا. فأخذه

(1) البيضة: ما يلبسه المحارب على رأسه، و هذا من أكاذيبهم، و تخريفاتهم، و لا أدري و لا أي عاقل يدري كيف يمكن لجالوت أن يحارب، و على رأسه هذا القدر من الحديد؟. أي نحو مائة و خمسين كيلوجراما من الحديد، و لعل الرطل في زمانهم كان أثقل من رطلنا اليوم، فيكون حمل على رأسه ما يزيد على ثلاثة قناطير من الحديد. و مما ذكروه في وصفه أن ظله كان ميلا، و هذا و لا شك خرافة.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 163

يجره، حتى ألقاه بين يدي طالوت، ففرح جيش طالوت فرحا شديدا، و انصرفوا إلى مدينتهم سالمين، و الناس يذكرون بالخير داود.

فجاء داود طالوت، و قال له: أنجز لي ما وعدتني، فقال: و أين الصّداق؟

فقال له داود: ما شرطت عليّ صداقا غير قتل جالوت، ثم اقترح عليه طالوت أن يقتل مائتي رجل من أعدائهم، و يأتيه بغلفهم «1»، ففعل، فزوّجه طالوت ابنته، و أجرى خاتمه في ملكه. فمال الناس إلى داود، و أحبّوه، و أكثروا ذكره؛ فحسده طالوت، و عزم على قتله. فأخبر ابنة طالوت رجل من أتباعه، فحذّرت داود، و أخبرته بما عزم أبوها عليه. و بعد مغامرة من طالوت لقتل داود، و مكيدة و حيلة من داود،

أنجى اللّه داود منه. فلما أصبح الصباح، و تيقّن طالوت أن داود لم يقتل، خاف منه، و توجّس خيفة، و احتاط لنفسه، و لكن اللّه أمكن داود منه ثلاث مرات، و لكن لم يقتله. ثم كان أن فرّ داود من طالوت في البرية، فرآه طالوت ذات يوم فيها، فأراد قتله، و لكن داود دخل غارا، و أمر اللّه العنكبوت، فنسجت عليه من خيوطها؛ و بذلك نجا من طالوت، و لجأ إلى الجبل، و تعبّد مع المتعبّدين.

فطعن الناس في طالوت بسبب داود، و اختفائه، فأسرف طالوت في قتل العلماء و العباد، ثم كان أن وقعت التوبة في قلبه، و ندم على ما فعل، و حزن حزنا طويلا، و صار يطلب من يفتيه أنّ له توبة فلم يجد، حتى دلّ على امرأة عندها اسم اللّه الأعظم، فذهب إليها، و أمن روعها فانطلقت به إلى قبر «شمويل»، فخرج من قبره و أرشده إلى طريق التوبة، و هو أن يقدّم ولده و نفسه في سبيل اللّه حتى يقتلوا، ففعل. و جاء قاتل طالوت إلى داود ليخبره بقتله، فكانت مكافأته على ذلك

(1) الغلفة- بضم الغين-: القطعة التي تقطع من الصبي عند الختان.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 164

أنّ قتله. و أتى بنو إسرائيل إلى داود، و أعطوه خزائن طالوت، و ملّكوه على أنفسهم. و قد استغرق ذلك من تفسير البغوي بضع صحائف «1».

قال أبو شهبة: و في هذا الذي ذكروه الحق و الباطل، و الصدق، و الكذب، و نحن في غنية عنه بما في أيدينا من القرآن و السنّة و ليس في كتاب اللّه ما يدلّ على ما ذكروه، و لسنا في حاجة إلى شي ء من هذا

في فهم القرآن و تدبّره، فلا تلق إليه بالا، و ارم به دبر أذنيك، فإنّ فيه تجنّيا على من اصطفاه اللّه ملكا عليهم، و كذبا على نبي اللّه داود.

و أمّا الإمام العلامة ابن كثير، فقد أعرض عن ذكره، و نبّه إلى أنه من الإسرائيليات، فقال في قوله تعالى: وَ قَتَلَ داوُدُ جالُوتَ: ذكروا في الإسرائيليّات «2» أنه قتله بمقلاع كان في يده رماه به. فأصابه، فقتله، و كان طالوت قد وعده إن قتل جالوت أن يزوّجه ابنته، و يشاطره نعمته، و يشركه في أمره، فوفى له، ثم آل الملك إلى داود عليه السّلام مع ما منحه اللّه من النبوة العظيمة؛ و لهذا قال تعالى: وَ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ الذي كان بيد طالوت، وَ الْحِكْمَةَ أي النبوة بعد شمويل، وَ عَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ من العلم الذي اختصه به عليه السّلام.

(1) تفسير ابن كثير، ج 1، ص 303 و تفسير البغوى، ج 1، ص 232- 233.

(2) و يؤكّد أنّه من الإسرائيليّات أن هذا جلّه مأخوذ من التوراة: انظر التوراة- سفر صمويل الأول- الإصحاح 16، 17، 18، 19 يحصل لك اليقين بهذا.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 165

6- الإسرائيليّات في قصص الأنبياء و الأمم السابقة

و قد جاء في كتب التفسير- على اختلاف مناهجها- إسرائيليّات كواذب، و مرويّات بواطل، لا يحصيها العدّ، و ذلك فيما يتعلق بقصص الأنبياء و المرسلين و الأمم و الأقوام السابقين. و قد رويت عن بعض الصحابة، و التابعين و تابعيهم، و ورد بعضها مرفوعا إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كذبا، و زورا.

و هذه المرويات و الحكايات لا تمّت إلى الإسلام، و إنما هي من خرافات بني إسرائيل و أكاذيبهم، و افتراءاتهم على اللّه،

و على رسله، رواها عن أهل الكتاب الذين أسلموا، أو أخذها من كتبهم بعض الصحابة و التابعين، أو دسّت عليهم، بل فيها ما حرفوا لأجله التوراة، و ذلك مثل ما فعلوا في قصة إسحاق بن إبراهيم، و أنه هو الذبيح، كما سيأتى.

و لا يمكن استقصاء كل ما ورد من الإسرائيليات، و إلّا لاقتضى هذا مجلدات كبارا، و لكني سأكتفي بما هو ظاهر البطلان، و لا يتّفق و سنن اللّه في الأكوان، و ما يخلّ بالعقيدة الصحيحة في أنبياء اللّه و رسله التي يدل عليها العقل السليم، و النقل الصحيح.

7- ما ورد في قصّة آدم عليه السّلام
اشارة

فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ «1» فمن تلك الإسرائيليّات ما رواه ابن جرير «2» في تفسيره بسنده عن وهب بن

(1) البقرة/ 36.

(2) هذا ابن جرير، و قد شك في اللفظ الذي سمعه ممن أخذ عنه: أ هو ذريّته أم زوجته؟ فيذكر

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 166

منبّه قال: لما أسكن اللّه آدم و ذريّته أو زوجته- الشك من أبي جعفر، و هو في أصل كتابه «و ذريته»- و نهاه عن الشجرة، و كانت شجرة غصونها متشعّبة بعضها في بعض، و كان لها ثمر تأكله الملائكة لخلدهم «1»، و هي الثمرة التي نهى اللّه آدم عنها و زوجته، فلما أراد إبليس أن يستزلّهما دخل في جوف الحيّة، و كانت للحيّة أربعة قوائم، كأنها بختيّة «2» من أحسن دابّة خلقها اللّه. فلما دخلت الحية الجنة خرج من جوفها إبليس، فأخذ من الشجرة التي نهى اللّه عنها آدم و زوجته، فجاء بها إلى حواء، فقال: انظري إلى هذه الشجرة، ما أطيب ريحها، و أطيب طعمها، و أحسن لونها! فأخذت حواء فأكلت منها، ثم

ذهبت بها إلى آدم، فقالت له مثل ذلك، حتى أكل منها؛ فبدت لهما سوءاتهما. فدخل آدم في جوف الشجرة، فناداه ربه: يا آدم أين أنت؟ قال: أنا هنا يا رب. قال: أ لا تخرج؟ قال: أستحيي منك يا رب. قال: ملعونة الأرض التي خلقت منها، لعنة يتحوّل ثمرها شوكا. ثم قال: يا حواء، أنت التي غررت عبدي، فإنك لا تحملين حملا إلّا حملتيه كرها، فإذا أردت أن تضعي ما في بطنك أشرفت على الموت مرارا. و قال للحية: أنت التي دخل الملعون في جوفك حتى غرّ عبدي، ملعونة أنت لعنة تتحوّل قوائمك في بطنك، و لا يكن لك رزق إلّا التراب، أنت عدوّة بني آدم، و هم أعداؤك. قال عمرو: قيل لوهب: و ما كانت الملائكة تأكل!! قال: يفعل اللّه ما يشاء «3». قال ابن جرير:

و روى ابن عباس نحو هذه القصة.

ذلك رعاية للأمانة في الرواية، و الظاهر لفظ «زوجته» لأن آدم عليه السّلام لم تكن له ذريّة في الجنة.

(1) و كيف و الملائكة لا تأكل و لا تشرب؟.

(2) و هي الأنثى من الجمال البخت. و الذكر البختيّ، و هي جمال طوال الأعناق.

(3) هذا تهرّب من الجواب، و عجز عن تصحيح هذا الكذب الظاهر.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 167

ثم ذكر ابن جرير بسنده عن ابن عباس، و عن ابن مسعود، و عن ناس من الصحابة نحو هذا الكلام «1»، و في السند أسباط عن السدي، و عليهما تدور الروايات.

و كذلك ذكر السيوطي في «الدر المنثور» ما رواه ابن جرير و غيره في هذا، مما روي عن ابن عباس، و ابن مسعود، و لكنه لم يذكر الرواية عن وهب بن منبّه

«2»، و أغلب كتب التفسير بالرأي ذكرت هذا أيضا. و كل هذا من قصص بني إسرائيل الذي تزيّدوا فيه، و خلطوا حقا بباطل، ثم حمله عنهم الضعفاء من الصحابة و التابعين، و فسّروا به القرآن الكريم.

و لقد أحسن ابن جرير، فقد أشار بذكره الرواية عن وهب إلى أن ما يرويه عن ابن عباس، و ابن مسعود، إنما مرجعه إلى وهب و غيره من مسلمة أهل الكتاب، و يا ليته لم ينقل شيئا من هذا، و يا ليت من جاء بعده من المفسرين صانوا تفاسيرهم عن مثل هذا. و في رواية ابن جرير الأولى ما يدل على أن الذين رووا عن وهب و غيره كانوا يشكّون فيما يروونه لهم، فقد جاء في آخرها: (قال عمرو «3»: قيل لوهب: و ما كانت الملائكة تأكل؟! قال: يفعل اللّه ما يشاء) فهم قد استشكلوا عليه؛ كيف أن الملائكة تأكل؟! و هو لم يأت بجواب يعتدّ به.

و وسوسة إبليس لآدم عليه السّلام لا تتوقف على دخوله في بطن الحية؛ إذ الوسوسة لا تحتاج إلى قرب و لا مشافهة، و قد يوسوس إليه و هو على بعد أميال منه.

و الحية خلقها اللّه يوم خلقها على هذا، و لم تكن لها قوائم كالبختي، و لا شي ء من

(1) تفسير الطبري، ج 1، ص 186 و 187.

(2) الدر المنثور، ج 1، ص 53.

(3) هو عمرو بن عبد الرحمن بن مهرب، الراوي عن وهب.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 168

هذا «1».

ما نسب إلى ابني آدم لما قتل أحدهما الآخر

و من ذلك: ما ذكره بعض المفسرين كابن جرير الطبري في تفسيره، و السيوطي في تفسيره «الدر المنثور» في قصة ابني آدم: قابيل، و هابيل؛ و قتل أولهما الآخر،

ما روي عن كعب: أن الدم الذي على جبل قاسيون هو دم ابن آدم، و عن وهب: أن الأرض نشفت دم ابن آدم المقتول، فلعن ابن آدم الأرض؛ فمن أجل ذلك لا تنشف الأرض دما بعد دم هابيل إلى يوم القيامة. و أن قابيل حمل هابيل سنة في جراب على عنقه، حتى أنتن و تغيّر، فبعث اللّه الغرابين، قتل أحدهما الآخر، فحفر له، و دفنه برجليه و منقاره، فعلم كيف يصنع بأخيه. مع أن القرآن عبّر بالفاء التي تدل على الترتيب و التعقيب من غير تراخ. قال تعالى:

فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ «2».

و روى أيضا: أنه لما قتله اسودّ جسده، و كان أبيض، فسأله آدم عن أخيه، فقال: ما كنت عليه وكيلا. قال: بل قتلته فلذلك اسودّ جسدك، إلى نحو ذلك.

فكل هذا و أمثاله- عدا ما جاء في القرآن- من إسرائيليّات بني إسرائيل، و قد جاءت بعض الروايات صريحة عن كعب، و وهب. و ما جاء عن ابن عباس، و مجاهد و غيرهما، فمرجعه إلى أهل الكتاب الذين أسلموا «3».

(1) انظر التوراة- سفر التكوين- الإصحاح الثالث لتزداد يقينا أنه من الإسرائيليات، و ليس منه شي ء عن المعصوم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

(2) المائدة/ 31.

(3) تفسير الطبري، ج 6، ص 118، عند قوله تعالى في سورة المائدة: وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 169

ما نسب إلى آدم عليه السلام من قول الشعر

و من الإسرائيليات ما رواه ابن جرير في تفسيره، و ما ذكره السيوطي في «الدر»: من أن آدم لما قتل أحد ابنيه الآخر، مكث مائة عام لا يضحك حزنا عليه، فأتى على رأس المائة، فقيل له:

حياك الله، و بياك، و بشر بغلام، فعند ذلك ضحك.

و كذلك ما

ذكره من أن آدم عليه السلام رثى ابنه بشعر، روى ابن جرير عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: لما قتل ابن آدم أخاه بكى آدم، فقال:

تغيرت البلاد، و من عليها فوجه الأرض مغبرّ قبيح

تغير كل ذي لون و طعم و قل بشاشة الوجه المليح

قال السيوطي: و أخرج الخطيب و ابن عساكر عن ابن عباس قال: لما قتل ابن آدم أخاه قال آدم عليه السلام: و ذكر البيتين السابقين باختلاف قليل.

فأجابه إبليس عليه اللعنة:

تنح عن البلاد و ساكنيها فبي في الخلد ضاق بك الفسيح

و كنت بها و زوجك في رخاء و قلبك من أذى الدنيا مريح

فما انفكت مكايدتي و مكري إلى أن فاتك الثمن الربيح «1»

و قد طعن في نسبة هذه الأشعار إلى نبي الله آدم الإمام الذهبي في كتابه «ميزان الاعتدال»، و قال: إن الآفة فيه من المخرمي أو شيخه «2».

و ما الشعر الذي ذكروه إلا منحول مختلق، و الأنبياء لا يقولون الشعر، و صدق

آدَمَ ... الآيات- الدر المنثور، ج 2، ص 275.

(1) تفسير الطبري، ج 6، ص 122 و الدر المنثور، ج 2، ص 276 و 277.

(2) الإسرائيليّات و الموضوعات، ص 183.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 170

الزمخشري حيث قال: «روى أن آدم مكث بعد قتل ابنه مائة سنة لا يضحك

، و أنه رثاه بشعر، و هو كذب بحت. و ما الشعر إلّا منحول ملحون. و قد صح أن الأنبياء معصومون من الشعر» «1».

و قد قال اللّه تبارك و تعالى: وَ ما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَ ما

يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَ قُرْآنٌ مُبِينٌ «2».

و قال الآلوسي في تفسيره: و روي عن ميمون بن مهران عن الحبر ابن عباس أنه قال: «من قال: إنّ آدم عليه السّلام قال شعرا فقد كذب، إن محمدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الأنبياء كلهم في النهي عن الشعر سواء. و لكن لما قتل قابيل هابيل رثاه آدم بالسريانية، فلم يزل ينقل، حتى وصل إلى يعرب بن قحطان، و كان يتكلم بالعربية و السريانية، فنظر فيه، فقدّم و أخّر، و جعله شعرا عربيا. و ذكر بعض علماء العربية أن في ذلك الشعر لحنا، أو إقواء، أو ارتكاب ضرورة. و الأولى عدم نسبته إلى يعرب؛ لما فيه من الركاكة الظاهرة «3».

قال أبو شهبة: و الحق أنه شعر في غاية الركاكة، و الأشبه أن يكون هذا الشعر من اختلاق إسرائيلي، ليس له من العربية إلا حظّ قليل، أو قصّاص يريد أن يستولي على قلوب الناس، بمثل هذا الهراء.

(1) تفسير الكشاف، ج 1، ص 626.

(2) يس/ 69.

(3) روح المعاني، ج 6، ص 103. و راجع: القرطبى، ج 6، ص 140.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 171

8- الإسرائيليات في عظم خلق الجبّارين و خرافة عوج بن عوق
اشارة

و من الإسرائيليّات التي اشتملت عليها كتب التفسير، ما يذكره بعض المفسرين، عند تفسير قوله تعالى: قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَ إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها «1».

فقد ذكر الجلال السيوطي في «الدرّ» كثيرا من الروايات في صفة هؤلاء القوم، و عظم أجسادهم، مما لا يتفق و سنّة اللّه في خلقه، و يخالف ما ثبت في الأحاديث الصحيحة، و ذلك مثل ما أخرجه ابن عبد الحكم عن أبي ضمرة قال: استظل سبعون

رجلا من قوم موسى في خفّ رجل من العماليق!! و مثل ما أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن يزيد بن أسلم قال: بلغني أنه رؤيت ضبع و أولادها رابضة في فجاج عين رجل من العماليق!! و مثل ما رواه ابن جرير، و ابن أبي حاتم عن ابن عباس، قال: أمر موسى أن يدخل مدينة الجبّارين، فسار بمن معه، حتى نزل قريبا من المدينة، و هي «أريحاء» فبعث إليهم اثني عشر نقيبا، من كل سبط منهم عين، ليأتوه بخبر القوم، فدخلوا المدينة، فرأوا أمرا عظيما من هيبتهم، و جسمهم و عظمهم، فدخلوا حائطا- أي بستانا- لبعضهم، فجاء صاحب الحائط ليجني الثمار، فنظر إلى آثارهم فتبعهم، فكلما أصاب واحدا منهم أخذه، فجعله في كمّه مع الفاكهة و ذهب إلى ملكهم، فنثرهم بين يديه، فقال الملك: قد رأيتم شأننا و أمرنا، اذهبوا فأخبروا صاحبكم، قال: فرجعوا إلى موسى فأخبروه بما عاينوه من أمرهم، فقال: اكتموا عنا، فجعل الرجل يخبر أخاه و صديقه، و يقول: اكتم عنّي، فأشيع في عسكرهم، و لم يكتم منهم إلّا رجلان: يوشع بن نون، و كالب بن يوحنا، و هما اللذان أنزل اللّه فيهما:

(1) المائدة/ 22.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 172

قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ «1».

و يروي ابن جرير بسنده، عن مجاهد، نحوا مما قدّمنا، ثم يذكر أن عنقود عنبهم لا يحمله إلّا خمسة أنفس، بينهم في خشبة، و يدخل في شطر الرمّانة إذا نزع حبّها خمسة أنفس أو أربعة «2»، إلى غير ذلك من الإسرائيليّات الباطلة.

خرافة عوج بن عوق «3»

و من الإسرائيليات الظاهرة البطلان، التي ولع بذكرها بعض المفسرين و الأخباريين، عند ذكر

الجبارين: قصة عوج بن عوق، و أنه كان طوله ثلاثة آلاف ذراع، و أنه كان يمسك الحوت، فيشوبه في عين الشمس، و أن طوفان نوح لم يصل إلى ركبتيه، و أنه امتنع عن ركوب السفينة مع نوح، و أن موسى كان طوله عشرة أذرع و عصاه عشرة أذرع، و وثب في الهواء عشرة أذرع، فأصاب كعب عوج فقتله، فكان جسرا لأهل النيل سنة، إلى نحو ذلك من الخرافات، و الأباطيل التي تصادم العقل و النقل، و تخالف سنن اللّه في الخليقة. و لا أدري كيف يتّفق هذا الباطل، هو، و قول اللّه تبارك و تعالى: وَ نادى نُوحٌ ابْنَهُ وَ كانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَ لا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ. قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَ حالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ «4».

(1) المائدة/ 23.

(2) تفسير الطبري، ج 6، ص 112، و الدر المنثور، ج 2، ص 270.

(3) منهم من يقول: ابن عوق، و منهم من يقول: ابن عنق كما ذكر ابن كثير، و في القاموس:

«و عوج بن عوق بضمهما- أي العينين- رجل ولد في منزل آدم فعاش إلى زمن موسى، و ذكر من عظم خلقه شناعة».

(4) هود/ 42- 43.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 173

اللهم إلّا إذا كان عوج أطول من جبال الأرض!! فمن تلك الروايات الباطلة المخترعة ما رواه ابن جرير بسنده عن أسباط، عن السدّي، في قصّة ذكرها من أمر موسى و بني إسرائيل، و بعث موسى النقباء الاثني عشر، و فيها: فلقيهم رجل من الجبّارين يقال له: عوج، فأخذ الاثني عشر،

فجعلهم في حجزته «1»، و على رأسه حملة حطب، و انطلق بهم إلى امرأته، فقال:

انظرى إلى هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يريدون أن يقاتلونا، فطرحهم بين يديها، فقال: أ لا أطحنهم برجلي؟، فقالت امرأته: بل خلّ عنهم، حتى يخبروا قومهم بما رأوا، ففعل ذلك. و كذلك ذكر مثل هذا و أشنع منه غير ابن جرير و السيوطي بعض المفسّرين و القصّيصين، و هي كما قال ابن قتيبة: أحاديث خرافة، كانت مشهورة في الجاهلية، ألصقت بالحديث بقصد الإفساد «2».

و إليك ما ذكره الإمام الحافظ الناقد ابن كثير في تفسيره، قال: و قد ذكر كثير من المفسرين هاهنا أخبارا من وضع بني إسرائيل، في عظمة خلق هؤلاء الجبارين، و أن منهم عوج بن عنق بنت آدم عليه السّلام، و أنه كان طوله ثلاثة آلاف ذراع و ثلاثمائة و ثلاثة و ثلاثون ذراعا، و ثلث ذراع، تحرير الحساب، و هذا شي ء يستحى من ذكره، ثم هو مخالف لما

ثبت في الصحيحين: أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «إن اللّه خلق آدم، و طوله ستون ذراعا، ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن»،

ثم ذكروا: أن هذا الرجل كان كافرا، و أنه كان ولد زنية، و أنه امتنع من ركوب سفينة نوح، و أن الطوفان لم يصل إلى ركبتيه. و هذا كذب و افتراء، فإن اللّه تعالى ذكر: أن نوحا دعا على أهل الأرض من الكافرين، فقال:

(1) الحجزة: موضع التكة من السروال.

(2) تأويل مختلف الحديث، ص 284 و روح المعانى، ج 6، ص 95.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 174

رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً «1». و قال تعالى: فَأَنْجَيْناهُ وَ

مَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ. ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ «2». و قال تعالى: لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ «3»، و إذا كان ابن نوح الكافر غرق، فكيف يبقى عوج بن عنق، و هو كافر، و ولد زنية؟! هذا لا يسوغ في عقل، و لا شرع، ثم في وجود رجل يقال له:

عوج بن عنق، نظر، و اللّه أعلم «4».

و قال ابن قيم الجوزية، بعد أن ذكر حديث عوج: «و ليس العجب من جرأة من وضع هذا الحديث، و كذب على اللّه، و إنما العجب ممن يدخل هذا في كتب العلم من التفسير و غيره، فكل ذلك من وضع زنادقة أهل الكتاب الذين قصدوا الاستهزاء، و السخرية بالرسل و أتباعهم».

قال أبو شهبة: و سواء أ كان عوج بن عوق شخصيّة وجدت حقيقة، أو شخصيّة خياليّة، فالذي ننكره هو: ما أضفوه عليه من صفات و ما حاكوه حوله من أثواب الزور و الكذب و التجرّؤ، على أن يفسر كتاب اللّه بهذا الهراء. و ليس في نص القرآن ما يشير إلى ما حكوه و ذكروه، و لو من بعد، أو وجه الاحتمال، ثم أين زمن نوح من زمن موسى عليه السّلام و ما يدل عليه آية: قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَ إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها «5» كان في زمن موسى قطعا، و لا مرية في هذا، فهل طالت الحياة بعوج حتى زمن موسى؟! بل قالوا: إن موسى هو الذي قتله، ألا لعن اللّه اليهود، فكم من علم أفسدوا و كم من خرافات و أباطيل

(1) نوح/ 26.

(2) الشعراء/ 119- 120.

(3) هود/ 43.

(4) تفسير ابن كثير، ج

2، ص 38.

(5) المائدة/ 22.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 175

وضعوا «1».

9- الإسرائيليات في قصّة التيه

فمن هذه الأخبار العجيبة التي رويت في قصّة التيه، ما رواه ابن جرير بسنده عن الربيع، قال: لمّا قال لهم القوم ما قالوا، و دعا موسى عليهم، أوحى اللّه إلى موسى: إنها محرمة عليهم أربعين سنة، يتيهون في الأرض، فلا تأس على القوم الفاسقين، و هم يومئذ ستمائة ألف مقاتل؛ فجعلهم فاسقين بما عصوا، فلبثوا أربعين سنة في فراسخ سنة، أو دون ذلك، يسيرون كل يوم جادّين، لكي يخرجوا منها، حتى يمسوا و ينزلوا، فإذا هم في الدار التي منها ارتحلوا، و أنهم اشتكوا إلى موسى ما فعل بهم، فأنزل عليهم المنّ و السلوى «2»، و أعطوا من الكسوة ما هي قائمة لهم، ينشأ الناشئ فتكون معه على هيئته. و سأل موسى ربّه أن يسقيهم، فأتى «بحجر الطور»، و هو حجر أبيض، إذا ما أنزل القوم ضربه بعصاه، فيخرج منه اثنتا عشرة عينا، لكل سبط منهم عين، قد علم كل أناس مشربهم. و كذلك روى: أن ثيابهم ما كانت تبلى، و لا تتسخ. و كذلك نقل بعض المفسرين كالزمخشري و غيره: بأنهم كانوا ستمائة ألف، و سعة المعسكر اثنا عشر ميلا.

و كذلك ذكروا أن الحجر كان من الجنة، و لم يكن حجرا أرضيا. و منهم من قال: كان على هيئة رأس إنسان. و منهم من قال: كان على هيئة رأس شاة. و قيل:

(1) الإسرائيليّات و الموضوعات، ص 187.

(2) المن: شي ء كالعسل كان ينزل على الشجر من السماء فيأخذونه و يأكلونه، و السلوى: طير كالسّماني.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 176

كان طوله عشرة أذرع، و له شعبتان تتقدان في

الظلام، إلى غير ذلك من تزيّدات بني إسرائيل. و ليس في القرآن ما يدلّ على هذا الذي ذكروه في وصف الحجر، مع أنه لو أريد بالحجر الجنس، و أن يضرب أي حجر ما؛ لكان أدل على القدرة، و أظهر في الإعجاز.

و قد لاحظ ابن خلدون- من قبل- المغالط التي تدخل في مثل هذه المرويّات، فقال في مقدّمته المشهورة:

اعلم أن فنّ التاريخ فنّ عزيز المذهب، جم الفوائد، شريف الغاية؛ إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، و الأنبياء في سيرهم، و الملوك في دولهم، و سياستهم، حتى تتمّ فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين و الدنيا، فهو محتاج إلى مآخذ متعدّدة، و معارف متنوعة، و حسن نظر و تثبّت، يفضيان بصاحبهما إلى الحق، و ينكّبان به عن المزلّات و المغالط؛ لأن الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرّد النقل، و لم تحكم أصول العادة، و قواعد السياسة، و طبيعة العمران، و الأحوال في الاجتماع الإنساني، و لو قيس الغائب منها بالشاهد، و الحاضر بالذاهب، فربّما لم يؤمن فيها من العثور، و مزلّة القدم، و الحيد عن جادّة الصدق، و كثيرا ما وقع للمؤرّخين، و المفسّرين و أئمة النقل من المغالط في الحكايات، و الوقائع؛ لاعتمادهم فيها على مجرّد النقل غثّا أو سمينا، و لم يعرضوها على أصولها، و لا قاسوها بأشباهها، و لا سبروها بمعيار الحكمة، و الوقوف على طبائع الكائنات و تحكيم النظر و البصيرة في الأخبار، فضلّوا عن الحق، و تاهوا في بيداء الوهم و الغلط، و لا سيّما في إحصاء الأعداد من الأموال، و العساكر إذا عرضت في الحكايات؛ إذ هي مظنّة الكذب و مطيّة الهذر، و لا

بدّ من ردّها إلى الأصول، و عرضها على القواعد. و هذا: كما نقل المسعودي و كثير من المؤرخين في جيوش بني إسرائيل، و أن موسى أحصاهم في التيه، بعد

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 177

أن أجاز من كان يطيق حمل السلاح خاصّة من ابن عشرين، فما فوقها، فكانوا ستمائة ألف أو يزيدون، و يذهل في ذلك عن تقدير مصر و الشام، و اتساعهما لمثل هذا العدد من الجيوش، لكل مملكة حصة من الحامية تتسع لها، و تقوم بوظائفها، و تضيق عما فوقها، تشهد بذلك العوائد المعروفة، و الأحوال المألوفة.

و لقد كان ملك الفرس و دولتهم أعظم من ملك بني إسرائيل بكثير، يشهد لذلك: ما كان من غلب بخت نصر لهم، و التهامه بلادهم، و استيلائه على أمرهم، و تخريب بيت المقدس قاعدة ملتهم و سلطانهم، و هو من بعض عمّال مملكة فارس. و كانت ممالكهم بالعراقين، و خراسان، و ما وراء النهر، و الأبواب، أوسع من ممالك بني إسرائيل بكثير، و مع ذلك لم تبلغ جيوش الفرس قط مثل هذا العدد و لا قريبا منه. و أعظم ما كانت جموعهم بالقادسية مائة و عشرين ألفا، كلهم متبوع، على ما نقله «سيف». قال: و كانوا في أتباعهم أكثر من مائتي ألف. و عن عائشة، و الزهري: أن جموع رستم التي حفّ بهم سعد بالقادسية إنما كانوا ستين ألفا كلهم متبوع.

و أيضا: فلو بلغ بنو إسرائيل مثل هذا العدد، لاتّسع نطاق ملكهم، و انفسح مدى دولتهم، فإن العمالات و الممالك في الدول، على نسبة الحامية، و القبيل القائمين بها في قلّتها و كثرتها حسبما نبيّن ذلك في فصل الممالك من الكتاب الأوّل «1»، و القوم لم تتّسع

ممالكهم إلى غير الأردن، و فلسطين من الشام، و بلاد يثرب، و خيبر، من الحجاز، على ما هو المعروف.

و أيضا: فالذي بين موسى و إسرائيل، إن هو إلّا أربعة آباء، على ما ذكره المحققون، فإن موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث- بفتح الهاء و كسرها- بن

(1) يريد بالكتاب الأول من «مقدمته المشهورة» و قد قسمها إلى فصول.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 178

لاوى- بكسر الواو و فتحها- بن يعقوب و هو: إسرائيل، هكذا نسبه في التوراة.

و المدة بينهما على ما نقله المسعودي، قال: دخل إسرائيل مصر مع ولده الأسباط، و أولادهم، حين أتوا إلى يوسف سبعين نفسا، و كان مقامهم بمصر إلى أن خرجوا مع موسى عليه السّلام إلى التيه، مائتين و عشرين سنة، تتداولهم ملوك القبط من الفراعنة. و يبعد أن يتشعب النسل في أربعة أجيال إلى مثل هذا العدد!! و إن زعموا أن عدد تلك الجيوش إنما كان في زمن سليمان و من بعده، فبعيد أيضا؛ إذ ليس بين سليمان و إسرائيل إلّا أحد عشر أبا، و لا يتشعّب النسل في أحد عشر من الولد إلى هذا العدد الذي زعموه، اللّهم إلّا المئين و الآلاف، فربما يكون. و أما أن يتجاوز هذا إلى ما بعدهما من عقود الأعداد فبعيد، و اعتبر ذلك في الحاضر المشاهد، و القريب المعروف تجد زعمهم باطلا، و نقلهم كاذبا.

قال: و الذي ثبت في «الإسرائيليّات» أن جنود سليمان كانت اثني عشر ألفا خاصة، و أن مقرباته كانت ألفا، و أربعمائة فرس مرتبطة على أبوابه. هذا هو الصحيح من أخبارهم، و لا يلتفت إلى خرافات العامة منهم، و في أيام سليمان عليه السّلام، و ملكه كان

عنفوان دولتهم، و اتساع ملكهم «1».

و هذا الفصل من النفاسة بمكان؛ فلذلك حرصنا على ذكره؛ لأنه يفيدنا في رد الكثير من الإسرائيليّات التي وقعت فيها المغالط، و الأخبار الباطلة، و الخرافات التي كانت سائدة في العصور الأولى.

(1) مقدمة ابن خلدون، ص 9- 11.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 179

10- الإسرائيليات في: «المائدة التي طلبها الحواريّون»

و من الإسرائيليات التي ذكرها المفسرون عند تفسير قوله تعالى: إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَ تَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَ نَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَ نَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا، وَ آخِرِنا وَ آيَةً مِنْكَ، وَ ارْزُقْنا وَ أَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ. قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ «1».

و قد اختلف العلماء في المائدة، أنزلت أم لا؟ و جمهور العلماء- سلفا و خلفا- على نزولها. و هذا هو ظاهر القرآن، فقد وعد اللّه، و وعده محقّق لا محالة.

و ذهب الحسن و مجاهد إلى أنها لم تنزل؛ و ذلك لأن اللّه سبحانه لمّا توعّدهم على كفرهم، بعد نزولها بالعذاب البالغ غاية الحدّ، خافوا أن يكفر بعضهم، فاستعفوا، و قالوا: لا نريدها فلم تنزل، و لا ندري ما الحامل لهم على هذا؟!.

و قد أحيطت المائدة بأخبار كثيرة، أغلب الظن أنها من الإسرائيليّات، رويت عن وهب بن منبّه، و كعب، و سلمان، و ابن عباس، و مقاتل، و الكلبي، و عطاء و غيرهم، بل رووا في ذلك حديثا

عن عمّار بن ياسر عن

النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنه قال: «إنها نزلت خبزا و لحما، و أمروا أن لا يخونوا، و لا يدّخروا لغد»

. و

في رواية:

بزيادة «و لا يخبئوا، فخانوا و ادّخروا، و رفعوا لغد، فمسخوا قردة و خنازير».

و رفع مثل هذا إلى النبي غلط، و وهم من أحد الرواة على ما نرجح. فقد روى هذا ابن جرير في تفسيره مرفوعا، و موقوفا، و الموقوف أصح، و قد نص على أن

(1) المائدة/ 112- 115.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 180

المرفوع لا أصل له الإمام أبو عيسى الترمذي، فقال بعد أن روى الروايات المرفوعة: «هذا حديث قد رواه أبو عاصم و غير واحد، عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، عن خلاس عن عمار بن ياسر موقوفا، و لا نعرفه مرفوعا إلّا من حديث الحسن بن قزعة»، و بعد أن ذكر رواية موقوفة عن أبي هريرة، قال: «و هذا أصح من حديث الحسن بن قزعة، و لا نعرف للحديث المرفوع أصلا» «1».

و قد اختلفت المرويات في هذا، فروى العوفي عن ابن عباس: أنها خوان عليه خبز و سمك، يأكلون منه أينما نزلوا، إذا شاءوا. و قال عكرمة عن ابن عباس: كانت المائدة سمكة، و أريغفة «2». و قال سعيد بن جبير عن ابن عباس:

أنزل على المائدة كل شي ء إلا الخبز و اللحم.

و قال كعب الأحبار: نزلت المائدة تطير بها الملائكة بين السماء و الأرض، عليها كل الطعام إلّا اللحم.

و قال وهب بن منبّه: أنزلها من السماء على بني إسرائيل، فكان ينزل عليهم في كل يوم في تلك المائدة من ثمار الجنة، فأكلوا ما شاءوا من ضروب شتّى، فكان يقعد عليها أربعة آلاف، و

إذا أكلوا أنزل اللّه مكان ذلك لمثلهم، فلبثوا على ذلك ما شاء اللّه عزّ و جل.

و قال وهب أيضا: نزل عليهم أقرصة من شعير، و أحوات «3»، و حشا اللّه بين أضعافهن البركة، فكان قوم يأكلون، ثم يخرجون، ثم يجي ء آخرون فيأكلون، ثم يخرجون، حتى أكل جميعهم، و أفضلوا. و هكذا لم يتّفق الرواة على شي ء، مما

(1) سنن الترمذي، ج 4، ص 325.

(2) التصغير للتقليل هنا.

(3) أحوات: جمع حوت، في القاموس: الحوت: السمك، جمعه: أحوات، و حوتة، و حيتان.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 181

يدلّ على أنها إسرائيليات مبتدعة، و ليس مرجعها إلى المعصوم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الحق أبلج، و الباطل لجلج، لا يتّفق عليه غالبا.

و سنكتفي بذكر

الرواية الطويلة التي ذكرها ابن أبي حاتم، في تفسيره بسنده، عن وهب بن منبّه، عن أبي عثمان المهدي عن سلمان الفارسي- رضوان اللّه عليه- و خلاصتها: «أنّ الحواريين لما سألوا عيسى بن مريم عليه السّلام المائدة كره ذلك، خشية أن تنزل عليهم، فلا يؤمنوا بها؛ فيكون فيها هلاكهم. فلمّا أبوابها إلّا أن يدعو لهم اللّه لكي تنزل دعا اللّه، فاستجاب له، فأنزل اللّه تعالى سفرة حمراء بين غمامتين: غمامة فوقها، و غمامة تحتها، و هم ينظرون إليها في الهواء منقضة من السماء، تهوي إليهم، و عيسى عليه السّلام يبكي خوفا من الشرط الذي اتخذ عليهم فيها، فما زال يدعو حتى استقرّت السفرة بين يديه، و الحواريون حوله يجدون رائحة طيبة، لم يجدوا رائحة مثلها قط، و خرّ عيسى عليه السّلام و الحواريون سجّدا، شكرا للّه تعالى، و أقبل اليهود ينظرون إليهم، فرأوا ما يغمّهم ثم انصرفوا، فأقبل عيسى عليه

السّلام و من معه ينظرونها، فإذا هي مغطاة بمنديل، فقال عليه السّلام: من أجرؤنا على كشفه، و أوثقنا بنفسه، و أحسننا بلاء عند ربه، حتى نراها، و نحمد ربنا سبحانه و تعالى، و نأكل من رزقه الذي رزقنا؟ فقالوا: يا روح اللّه و كلمته، أنت أولى بذلك، فقام و استأنف و ضوءا جديدا، ثم دخل مصلّاه، فصلّى ركعات، ثم بكى طويلا، و دعا اللّه تعالى أن يأذن له في الكشف عنها، و يجعل له و لقومه فيها بركة و رزقا، ثم انصرف و جلس حول السفرة و تناول المنديل، و قال: بسم اللّه خير الرازقين، و كشف عنها، فإذا عليها سمكة ضخمة مشوية، ليس عليها بواسير «1»، و ليس في

(1) أي قشر، ففي رواية البغوي: ليس عليها فلوسها.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 182

جوفها شوك، يسيل السمن «1» منها، قد نضد حولها بقول من كل صنف غير الكرّاث، و عند رأسها خل، و عند ذنبها ملح، و حول البقول خمسة أرغفة على واحد منها زيتون، و على الآخر تمرات، و على الآخر خمس رمانات، و في رواية: على واحد منها زيتون، و على الثاني عسل، و على الثالث سمن، و على الرابع جبن، و على الخامس قديد «2». فقال شمعون- رأس الحواريين- لعيسى: يا روح اللّه و كلمته، أ من طعام الدنيا هذا، أم من طعام الجنة؟، فقال عيسى: أما آن لكم أن تعتبروا بما ترون من الآيات، و تنتهوا عن تنقير المسائل؟! ما أخوفني عليكم أن تعاقبوا في سبب نزول هذه الآية، فقال له شمعون: لا و إله إسرائيل ما أردت بهذا سؤالا «3» يا ابن الصدّيقة، فقال عيسى عليه السّلام:

ليس شي ء مما ترون من طعام الدنيا، و لا من طعام الجنّة، إنما هو شي ء ابتدعه اللّه في الهواء بالقدرة الغالبة القاهرة.

فقالوا: يا روح اللّه و كلمته، إنا نحبّ أن يرينا اللّه آية في هذه الآية، فقال عليه السّلام:

سبحان اللّه تعالى أما اكتفيتم؟! ثم قال: يا سمكة عودي بإذن اللّه تعالى حيّة كما كنت، فأحياها اللّه، و عادت حيّة طريّة. يا سمكة عودي بإذن اللّه تعالى كما كنت مشويّة، فعادت، ثم دعاهم إلى الأكل فامتنعوا، حتى يكون هو البادئ، فأبى، ثم دعا لها الفقراء و الزّمنى، و قال: كلوا من رزق ربكم، و دعوة نبيكم، و احمدوا اللّه تعالى الذي أنزلها لكم؛ فيكون مهنؤها لكم، و عقوبتها على غيركم، و افتتحوا أكلكم: باسم اللّه تعالى، و اختتموه: بحمد اللّه. ففعلوا، فأكل منها ألف و ثلاثمائة

(1) أي الدهن لسمنها.

(2) قديد: أي لحم مجفّف.

(3) لعل مراده سؤال تعنت؛ و أنهم لا يريدون بالسؤال أن يطعمهم اللّه من رزقه و خيره.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 183

إنسان: بين رجل و امرأة، يصدرون عنها كل واحد منها شبعان يتجشأ. و نظر عيسى و الحواريون، فإذا ما عليها كهيئته إذ نزلت من السماء، لم ينقص منها شي ء، ثم إنها رفعت إلى السماء و هم ينظرون، فاستغنى كل فقير أكل منها، و برئ كل من أكل منها، و ندم الحواريون و أصحابهم الذين أبوا أن يأكلوا منها ندامة سالت منها أشفارهم، و بقيت حسرتها في قلوبهم، إلى يوم الممات «1».

و كانت المائدة إذا نزلت بعد ذلك أقبل إليها بنو إسرائيل يسعون من كل مكان، يزاحم بعضهم بعضا. فلما رأى ذلك، جعلها نوبا تنزل يوما و لا تنزل

يوما، و مكثوا على ذلك أربعين يوما، تنزل عليهم غبّا، عند ارتفاع النّهار، فلا تزال موضوعة يؤكل منها، حتى إذا قالوا «2» ارتفعت عنهم إلى جو السماء، و هم ينظرون إلى ظلها في الأرض، حتى تتوارى عنهم «3».

فأوحى اللّه تعالى إلى عيسى عليه السّلام: أن اجعل رزقي لليتامى، و المساكين، و الزّمنى دون الأغنياء من الناس. فلما فعل ذلك ارتاب بها الأغنياء، و غمصوا ذلك، حتى شكوا فيها في أنفسهم، و شككوا فيها الناس، و أذاعوا في أمرها القبيح، و المنكر، و أدرك الشيطان منهم حاجته، و قذف وساوسه في قلوب المرتابين. فلما علم عيسى ذلك منهم قال: هلكتم و إله المسيح، سألتم نبيكم أن يطلب المائدة لكم إلى ربكم، فلما فعل، و أنزلها عليكم رحمة و رزقا، و أراكم فيها الآيات و العبر، كذبتم بها، و شككتم فيها؛ فأبشروا بالعذاب، فإنه نازل بكم إلّا

(1) هذا مما يضعف القصة و يدل على الاختلاق، و إلّا فكيف يطلبونها، ثم يمتنعون عن الأكل؛ لأن عيسى لم يبدأ به؟

(2) من القيلولة: الراحة وسط النهار.

(3) القرآن الكريم يدل دلالة واضحة على أن المائدة لم تنزل إلّا مرة واحدة، و هذا يدل على تكرر نزولها، و هذا أيضا يدل على اختلاق تفاصيل القصة، و أنها من تزيّدات بني إسرائيل.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 184

أن يرحمكم اللّه تعالى. و أوحى اللّه تعالى إلى عيسى عليه السّلام: إنّي آخذ المكذّبين بشرطي، فإنّي معذّب منهم من كفر بالمائدة بعد نزولها عذابا لا أعذّبه أحدا من العالمين. فلما أمسى المرتابون بها، و أخذوا مضاجعهم في أحسن صورة مع نسائهم آمنين، فلما كان في آخر الليل مسخهم اللّه خنازير، فأصبحوا

يتبعون الأقذار في الكناسات.

قال ابن كثير في تفسيره بعد ذكره: «هذا أثر غريب «1» جدا قطعه ابن أبي حاتم في مواضع من هذه القصة، و قد جمعته أنا ليكون سياقة أتم، و أكمل، و اللّه سبحانه و تعالى أعلم».

و من هذه الروايات الغريبة دخل البلاء على الإسلام و المسلمين؛ لأن غالبها لا يصح، و لذا قال الإمام أحمد بن حنبل: «لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب فإنها مناكير، و عامّتها عن الضعفاء».

و قال الإمام مالك: «شرّ العلم الغريب، و خير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس».

و قال ابن المبارك: «العلم: الذي يجيئك من هاهنا و هاهنا» يعني المشهور الذي رواه الكثيرون. رواها البيهقي في المدخل، و روي عن الزهري أنه قال:

«ليس من العلم ما لا يعرف، إنما العلم ما عرف و تواطأت عليه الألسن» «2».

و العمدة أنّ أصل القصة ثابت بالقرآن الذي لا شكّ فيه، و إنما موضع الشك في كلّ هذه التزيّدات التي هي من الإسرائيليات.

(1) الغريب: ما تفرّد به رواته في كل السند أو بعضه، و منه الصحيح، و منه غير الصحيح و هو الغالب و الكثير.

(2) تدريب الراوي، ص 192.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 185

و قد ذكر المفسرون جميعا كل ما يدور حول قصّة المائدة، و إن اختلفوا في ذلك قلّة و كثرة «1». و العجب أن أحدا لم ينبّه على أصل هذه المرويات، و المنبع الذي نبعت منه، حتى ابن كثير و الآلوسي- و إن كان ابن كثير قد أشار من طرف خفيّ إلى عدم صحة معظم ما روي- و لعلهم اعتبروا ذلك مما يباح روايته، و يحتمل الصدق و الكذب، فذكروه من غير إنكار له؛ و

كان عليهم أن ينزّهوا التفسير عن هذا و أمثاله.

و قد شكك في القصة الطويلة التي اختصرناها أبو عبد اللّه محمد بن أحمد القرطبي، فقال: قلت: في هذا الحديث مقال، و لا يصح من قبل إسناده «2».

ثم عرض بعد لما روي مرفوعا، و موقوفا، و ذكر ما قاله الإمام أبو عيسى الترمذي: من أن الموقوف أصحّ، و أن المرفوع لا أصل له «3».

قال أبو شهبة: و لأجل أن نكون على بيّنة من أن تفسير الآيات، و الانتفاع بها، و الاهتداء بهديها ليس متوقّفا على ما رووا من أخبار، و قصص، نفسر لك الآيات

(1) انظر تفسير الطبري، ج 7، ص 78 و تفسير الدر المنثور، ج 2، ص 346 و تفسير الزمخشري، ج 1، ص 693 و 694 و التفسير الكبير، ج 12، ص 128- 134 و تفسير أبي السعود عند تفسير الآيات، ج 3، ص 96- 97، و تفسير ابن كثير، ج 2، ص 116- 119 و تفسير البغوي، ج 2، ص 78- 80 و الآلوسي، ج 7، ص 62- 65 و القرطبي، ج 6، ص 369- 372 إلا أنه قال: في هذا الحديث مقال، و لا يصح من قبل إسناده.

(2) تفسير القرطبي، ج 6، ص 372، ط الأولى.

(3) هذه العبارة تطلق عند بعض المحدثين على ما هو موضوع و ليس من شك في أن رفع هذا إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إن كان عمدا فهو كذب و اختلاق عليه، و إن كان غلطا و سهوا فهو ملحق بالوضع، كما نبه إليه أئمة علوم الحديث كابن الصلاح و غيره.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 186

تفسيرا صحيحا، كما

هو منهجنا في كل ما عرضنا له، فأقول و باللّه التوفيق:

قال اللّه تعالى: إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ «1» إذ: ظرف لما مضى من الزمان، و هو مفعول لفعل محذوف، و التقدير: اذكر يا محمد ما حدث في هذا الزمن البعيد ليكون دليلا على صدق نبوتك، فما كنت معهم، و لا صاحبت أهل الكتاب، و لم تكن قارئا، و لا كاتبا.

الحواريّون: جمع حواريّ، و هم المخلصون الأصفياء من أتباع عيسى عليه السّلام و يطلق أيضا على الأصحاب المخلصين من أتباع الأنبياء.

المائدة: الخوان: الذي عليه الطعام، فإن لم يكن عليها طعام فهو خوان.

السماء: إما المعروفة أو المراد بها جهة العلوّ، فإنّها قد تطلق و يراد بها كل ما علا.

و ليس المراد بالاستفهام هو أصل الاستطاعة، و أنهم ما كانوا يعلمون هذا؛ لأن السائلين كانوا مؤمنين، عارفين، عالمين باللّه و صفاته، بل في أعلى درجات هذه الصفات. و إنما المراد بالسؤال: الإنزال بالفعل، من قبيل إطلاق السبب و إرادة المسبب، و المعنى: هل يجيبنا ربك- يا نبينا عيسى- إلى ذلك أم لا؟

و قال بعض العلماء: ليس ذلك بشك في الاستطاعة، و إنما هو تلطّف في السؤال، و أدب مع اللّه تعالى بهذه الصيغة المهذّبة، كقول الرجل لآخر: هل تستطيع أن تعتبني على كذا، و هو يعلم أنه يستطيع.

و أما قول من قال: إنه من قول من كان مع الحواريين، فبعيد لخروجه عن ظاهر الآية، و لا سيما أن تفسير الآية مستقيم غاية الاستقامة، على ما ذكرنا.

و هذا السؤال إما لفقرهم و حاجتهم، و إما لتعرف فضل نبيهم عيسى،

(1) المائدة/ 112.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص:

187

و فضلهم و كرامتهم عند ربهم.

و أما ما روي: أن عيسى أمرهم بصيام ثلاثين يوما، ثم ليسألوا ربهم ما يشاءون، فصاموا و سألوا، فلست منه على ثلج قالَ: اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.

ليس هذا شكا في إيمانهم، و إنما هو أسلوب معهود، حملا على التقوى، كما قال تعالى في حق المؤمنين الصادقين، من هذه الأمة المحمدية: وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ «1»، و المعنى: اتقوا اللّه و لا تسألوه، فعسى أن يكون فتنة لكم، و توكّلوا على اللّه في طلب الرزق، أو اتقوا اللّه، و دعوا كثرة السؤال، فإنكم لا تدرون ما يحلّ بكم عند اقتراح الآيات؛ لأن اللّه سبحانه إنما يفعل الأصلح لعباده، إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ من أهل الإيمان باللّه، و رسله، و لا سيما أنه سبحانه آتاكم من الآيات ما فيه غنية عن غيره قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها بدءوا بالغذاء المادّي، ثم ثنوا بالغذاء الروحي، فقالوا: وَ تَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا، و هو مثل قول الخليل إبراهيم عليه السّلام: وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي «2».

وَ نَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا أي نزداد علما، و يقينا بصدقك، و حقيقة رسالتك وَ نَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ أي المقرّبين المعترفين للّه بالوحدانية، و لك بالنبوة و الرسالة، أو من الشاهدين عليها لمن لم يرها و يعاينها.

قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَ آخِرِنا «3».

العيد: يوم الفرح و السرور، لِأَوَّلِنا: لأول أمتنا وَ آخِرِنا: لآخر أمتنا،

(1) الأنفال/ 1.

(2) البقرة/ 260.

(3) المائدة/ 114.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 188

أو لنا، و لمن بعدنا.

وَ آيَةً مِنْكَ أي دليلا، و حجّة على قدرتك، على كل شي ء،

و على إجابتك لدعوتي، فيصدقوني فيما أبلغه عنك، وَ ارْزُقْنا أي من عندك رزقا هنيئا لا كلفة فيه، و لا تعب، وَ أَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ أي خير من أعطى و رزق؛ لأنك الغنيّ الحميد.

قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ «1»، أي فَمَنْ يَكْفُرْ، أي يكذب بها من أمتك يا عيسى، و عاندها، فإني أعذّبه عذابا، لا أعذّبه أحدا من عالمي زمانكم. و هذا على سبيل الوعيد لهم، و التهديد. و ليس في الآية ما يدلّ على أنهم كفروا، و لا على أن غيرهم قد كفر بها، و لا على أنهم استعفوا من نزول المائدة، و إنما الذي دعا بعض المفسرين إلى هذه الأقوال، ما سمعت من الروايات الإسرائيلية، و ها نحن قد فسرنا الآيات تفسيرا علميا صحيحا من غير حاجة ما إلى ما روي، مما يدلّ دلالة قاطعة على أن مفسّر القرآن في غنية عن الإسرائيليات التي شوّهت جمال القرآن و جلاله.

11- الإسرائيليات في «سؤال موسى ربه الرؤية»

و من الإسرائيليات ما يذكره بعض المفسرين عند تفسير قوله تعالى: وَ لَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ، قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي، وَ لكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي، فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا، وَ خَرَّ

(1) المائدة/ 115.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 189

مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ «1»، فقد ذكر الثعلبي، و البغوي، و غيرهما عن وهب بن منبّه، و ابن إسحاق، قالا:

«لما سأل موسى ربه الرؤية أرسل اللّه الدّوابّ، و الصواعق، و الظلمة، و الرعد، و البرق و أحاط بالجبل الذي

عليه موسى أربعة فراسخ من كل جانب، و أمر اللّه ملائكة السماوات أن يعترضوا على موسى، فمرّت به ملائكة السماء الدنيا كثيران «2» البقر، تنبع أفواههم بالتسبيح و التقديس بأصوات عظيمة كصوت الرعد الشديد، ثم أمر اللّه ملائكة السماء الثانية أن اهبطوا على موسى، فاعترضوا عليه. فهبطوا عليه أمثال الأسود، لهم لجب «3» بالتسبيح و التقديس، ففزع العبد الضعيف (ابن عمران) مما رأى، و سمع، و اقشعرت كل شعرة في رأسه و جسده، ثم قال: لقد ندمت على مسألتي، فهل ينجيني من مكاني الذي أنا فيه؟

فقال له خير الملائكة «4» و رأسهم: يا موسى اصبر لما سألت، فقليل من كثير ما رأيت، ثم أمر ملائكة السماء الثالثة أن اهبطوا على موسى، فاعترضوا عليه.

فهبطوا أمثال النسور، لهم قصف، و رجف، و لجب شديد، و أفواههم تنبع بالتسبيح، و التقديس كجلب الجيش العظيم، ألوانهم كلهب النار. ففزع موسى، و اشتد فزعه، و أيس من الحياة، فقال له خير الملائكة: مكانك حتى ترى ما لا تصبر عليه.

ثم أمر اللّه ملائكة السماء الرابعة أن اهبطوا، فاعترضوا على موسى بن عمران.

(1) الأعراف/ 143.

(2) جمع ثور، و هذا من سوء أدب بني إسرائيل مع الملائكة.

(3) اللجب: تزاحم الأصوات. و يقال لصهيل الفرس ايضا.

(4) هو جبريل عليه السّلام.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 190

فهبطوا عليه، لا يشبههم شي ء من الذين مرّوا به قبلهم، ألوانهم كلهب النار، و سائر خلقهم كالثلج الأبيض، أصواتهم عالية بالتقديس و التسبيح، لا يقاربهم شي ء من أصوات الذين مرّوا به من قبلهم؛ فاصطكت ركبتاه، و ارتعد قلبه، و اشتد بكاؤه، فقال له خير الملائكة و رأسهم: يا ابن عمران اصبر لما سألت، فقليل

من كثير ما رأيت.

ثم أمر اللّه ملائكة السماء الخامسة أن اهبطوا، فاعترضوا على موسى.

فهبطوا عليه، لهم سبعة ألوان، فلم يستطع موسى أن يتبعهم بصره، لم ير مثلهم، و لم يسمع مثل أصواتهم؛ فامتلأ جوفه خوفا، و اشتد حزنه، و كثر بكاؤه، فقال له خير الملائكة و رأسهم: يا ابن عمران مكانك، حتى ترى بعض ما لا تصبر عليه.

ثم أمر اللّه ملائكة السماء السادسة أن اهبطوا على موسى فاعترضوا عليه.

فهبطوا عليه في يد كل ملك منهم مثل النخلة الطويلة نارا أشد ضوءا من الشمس، و لباسهم كلهب النار، إذ سبّحوا و قدّسوا جاوبهم من كان قبلهم من ملائكة السماوات كلهم، يقولون بشدة أصواتهم: سبوح قدوس، رب الملائكة و الروح، رب العزة أبدا لا يموت. و في رأس كل ملك منهم أربعة أوجه. فلما رآهم موسى رفع صوته، يسبّح معهم حين سبّحوا، و هو يبكي و يقول: رب اذكرني و لا تنس عبدك، لا أدري أ أنفلت مما أنا فيه أم لا؟ إن خرجت احترقت، و إن مكثت مت، فقال له كبير الملائكة و رأسهم: قد أوشكت «1» يا ابن عمران أن يشتد خوفك، و ينخلع قلبك، فاصبر للذي سألت.

ثم أمر اللّه أن يحمل عرشه ملائكة السماء السابعة، فلما بدا نور العرش، انفرج

(1) لا أدري كيف يتفق هذا و ما ذكر من قبل من شدة خوفه و فزعه في المرات الخمس و هذا من أمارات التهافت.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 191

الجبل من عظمة الرب جلّ جلاله و رفعت ملائكة السماوات أصواتهم جميعا، يقولون: سبحان الملك القدوس، رب العزة أبدا لا يموت، بشدة أصواتهم. فارتج الجبل، و اندكت كل شجرة كانت فيه، و خرّ

العبد الضعيف موسى صعقا على وجهه، ليس معه روحه، فأرسل اللّه برحمته الروح، فتغشّاه، و قلب عليه الحجر الذي كان عليه موسى، و جعله كهيئة القبّة، لئلا يحترق موسى «1»، فأقام موسى يسبّح اللّه، و يقول: آمنت بك ربّي، و صدقت أنه لا يراك أحد، فيحيا، من نظر إلى ملائكتك انخلع قلبه، فما أعظمك و أعظم ملائكتك، أنت رب الأرباب و إله الآلهة و ملك الملوك، و لا يعدلك شي ء، و لا يقوم لك شي ء، رب تبت إليك، الحمد للّه لا شريك لك، ما أعظمك، و ما أجلّك رب العالمين، فذلك قوله تعالى:

فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا، و بعد أن ذكر الأقوال الكثيرة فيما تبدّى من نور اللّه، قال: و وقع في بعض التفاسير: طارت لعظمته ستة أجبل، وقعت ثلاثة بالمدينة: أحد، و ودقان، و رضوى، و وقعت ثلاثة بمكة: ثور، و ثبير، و حراء «2».

و هذه المرويات و أمثالها مما لا نشك أنها من إسرائيليات بني إسرائيل، و كذبهم على اللّه، و على الأنبياء، و على الملائكة، فلا تلق إليه بالا. و ليس تفسير الآية في حاجة إلى هذه المرويات، و الآية ظاهرة واضحة.

و من ذلك أيضا: ما ذكره الثعلبي، و البغوي، و الزمخشري في تفاسيرهم عند قوله تعالى: وَ خَرَّ مُوسى صَعِقاً أي مغشيّا عليه، و ليس المراد ميتا كما قال قتادة.

(1) و هذا تهافت آخر، و أمارة من أمارات الاختلاق؛ أ ليس اللّه بقادر على حمايته من غير الروح، و الحجر؟

(2) تفسير البغوي، ج 2، ص 195- 198.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 192

فقد قال البغوي، في بعض الكتب: إن ملائكة السماوات أتوا موسى و هو مغشيّ عليه،

فجعلوا يركلونه بأرجلهم، و يقولون: يا ابن النساء الحيض، أطمعت في رؤية رب العزة؟ «1»!! و ذكر مثل هذا الزمخشري في تفسيره «2».

و هذا و أمثاله مما لا نشك أنه من الإسرائيليات المكذوبة، و موقف بني إسرائيل من موسى، و من جميع أنبياء اللّه معروف، فهم يحاولون تنقيصهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.

و قال الآلوسي في تفسيره: «و نقل بعض القصّاصين، أن الملائكة كانت تمرّ عليه حينئذ، فيلكزونه بأرجلهم، و يقولون: يا ابن النساء الحيض، أطمعت في رؤية ربّ العزّة؟» و هو كلام ساقط لا يعوّل عليه بوجه، فإن الملائكة عليهم السّلام مما يجب تبرئتهم من إهانة الكليم بالوكز بالرجل، و الغض في الخطاب «3».

12- الإسرائيليات في ألواح التوراة

و من الإسرائيليات ما ذكره الثعلبي و البغوي، و الزمخشري، و القرطبي و الآلوسي و غيرهم، عند تفسير قوله تعالى: وَ كَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْ ءٍ مَوْعِظَةً وَ تَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْ ءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ، وَ أْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ «4».

(1) تفسير البغوي، ج 2، ص 198.

(2) تفسير الكشّاف عند تفسير قوله تعالى: وَ خَرَّ مُوسى صَعِقاً، ج 2، ص 155.

(3) تفسير الآلوسي، ج 9، ص 46، ط منير.

(4) الأعراف/ 145.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 193

فقد ذكر في الألواح: مم هي؟ و ما عددها؟ أقوالا كثيرة عن بعض الصحابة و التابعين، و عن كعب و وهب، من أهل الكتاب الذين أسلموا، مما يشير إلى منبع هذه الروايات، و أنها من إسرائيليات بني إسرائيل، و فيها من المرويات ما يخالف المعقول و المنقول، و إليك ما ذكره البغوي في هذا، قال:

قوله تعالى: وَ كَتَبْنا لَهُ، يعني لموسى فِي الْأَلْواحِ، قال ابن عباس:

يريد

ألواح التوراة، و

في الحديث: «كانت من سدر الجنة، طول اللّوح اثنا عشر ذراعا»

، و جاء

في الحديث: «خلق اللّه آدم بيده، و كتب التوراة بيده، و غرس شجرة طوبى بيده» «1».

و قال الحسن: كانت الألواح من خشب، و قال الكلبي: كانت من زبرجدة خضراء.

و قال سعيد بن جبير: كانت من ياقوت أحمر، و قال الربيع: كانت الألواح من برد «2».

و قال ابن جريج: كانت من زمرد، أمر اللّه جبريل حتى جاء بها من عدن، و كتبها بالقلم الذي كتب به الذكر، و استمد من نهر النور!!.

و قال وهب: أمر اللّه بقطع الألواح من صخرة صماء، ليّنها اللّه له، فقطعها بيده، ثم شققها بيده، و سمع موسى صرير القلم بالكلمات العشر، و كان ذلك في أوّل

(1) لم يخرج البغوي- كما هي عادته- الحديثين و لم يبرز سندهما، و قد ذكر الآلوسي أن الحديث الأول رواه ابن أبي حاتم، و اختار القول به إن صح السند إليه، و أما الحديث الثاني فقال: إنه مرويّ عن عليّ، و عن ابن عمر، و عن غيرهما من التابعين (تفسير الآلوسي، ج 7، ص 57).

(2) الظاهر أنها بضم الباء و سكون الراء: الثوب المختط، و إلّا فلو كانت من يرد- بفتح الباء و الراء- حبات الثلج فكيف يكتب عليها؟.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 194

يوم من ذي القعدة، و كانت الألواح عشرة أذرع، على طول موسى!!.

و قال مقاتل و وهب: وَ كَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ: كنقش الخاتم.

و قال الربيع بن أنس: نزلت التوراة و هي سبعون وقر بعير، يقرأ الجزء منه في سنة، لم يقرأها إلّا أربعة نفر: موسى، و يوشع، و عزير، و عيسى «1».

فكل هذه الروايات

المتضاربة التي يردّ بعضها بعضا مما نحيل أن يكون مرجعها المعصوم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و إنما هي من إسرائيليات بني إسرائيل، حملها عنهم بعض الصحابة و التابعين بحسن نية، و ليس تفسير الآية متوقّفا على كل هذا الذي رووه. و من ذلك: ما يذكره بعض المفسرين في قوله تعالى: مِنْ كُلِّ شَيْ ءٍ مَوْعِظَةً وَ تَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْ ءٍ، فقد جعلوا التوراة مشتملة على كلّ ما كان و كلّ ما يكون، و هذا مما لا يعقل، و لا يصدق، فمن ذلك: ما ذكره الآلوسي في تفسيره، قال: و ما أخرجه الطبراني، و البيهقي في «الدلائل» عن محمد بن يزيد الثقفي، قال: اصطحب قيس بن خرشة، و كعب الأحبار حتى إذا بلغا صفين، وقف كعب، ثم نظر ساعة، ثم قال: ليهراقن بهذه البقعة من دماء المسلمين شي ء لا يهراق ببقعة من الأرض مثله.

فقال قيس: ما يدريك؟ فإن هذا من الغيب الذي استأثر اللّه تعالى به؟!.

فقال كعب: ما من الأرض شبر إلّا مكتوب في التوراة التي أنزل اللّه تعالى على موسى، ما يكون عليه، و ما يخرج منه إلى يوم القيامة!!.

و هو من المبالغات التي روي أمثالها عن كعب و لا نصدّق ذلك، و لعلها من الكذب الذي لاحظه عليه، معاوية بن أبي سفيان على ما أسلفنا سابقا، و لا يعقل قط أن يكون في التوراة كل أحداث الدنيا إلى يوم القيامة.

(1) لا أدري كيف يقبل عقل أنها حمل سبعين بعيرا، و إذا لم يقرأها إلا أربعة، فلما ذا أنزلها اللّه؟.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 195

و المحققون من المفسرين سلفا و خلفا، على أن المراد أن فيها تفصيلا لكل شي ء، مما يحتاجون

إليه في الحلال و الحرام، و المحاسن و القبائح مما يلائم شريعة موسى و عصره، إلّا فقد جاء القرآن الكريم بأحكام و آداب، و أخلاق، لا توجد في التوراة قط.

و قد ساق الآلوسي هذا الخبر، للاستدلال به لمن يقول: إن كل شي ء عام، و كأنه استشعر بعده، فقال عقبه: «و لعل ذكر ذلك من باب الرمز، كما ندعيه في القرآن». «1»

و لا بد أن نقول للآلوسي و من لفّ لفّه: إنّ هذا مردود و غير مقبول، و نحن لا نسلم بأن في القرآن رموزا، و إشارات لأحداث، و إن قاله البعض، و الحق أحق أن يتبع.

13- إسرائيلية مكذوبة في سبب غضب موسى لما ألقى الألواح

و من الإسرائيليات ما رواه ابن جرير في تفسيره، و البغوي في تفسيره، و غيرهما، في سبب غضب سيدنا موسى عليه السّلام حتى ألقى الألواح من يديه؛ و ذلك في قوله تعالى: وَ لَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَ عَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ؟ وَ أَلْقَى الْأَلْواحَ «2» وَ أَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَ لا تَجْعَلْنِي

(1) تفسير الآلوسي، ج 9، ص 56 و 57، ط منير.

(2) طرحها و ألقى بها.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 196

مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ «1».

فقد روي عن قتادة أنه قال: نظر موسى في التوراة، فقال: ربّ إني أجد في الألواح أمّة خير أمّة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر، اجعلهم أمّتي. قال: تلك أمة أحمد، قال: رب إني أجد في الألواح أمّة هم الآخرون- أي آخرون في الخلق- سابقون في دخول الجنة، رب اجعلهم أمّتي، قال: تلك أمّة أحمد، قال:

رب إني أجد في الألواح أمّة أناجيلهم في صدورهم، يقرءونها، و كان من قبلهم يقرءون كتابهم نظرا، حتى إذا رفعوها، لم يحفظوا شيئا، و لم يعرفوه، و إن اللّه أعطاهم من الحفظ شيئا لم يعطه أحدا من الأمم، قال: رب اجعلهم أمّتي، قال: تلك أمّة أحمد، قال: رب إني أجد في الألواح أمة يؤمنون بالكتاب الأول، و بالكتاب الآخر، و يقاتلون فصول الضلالة، حتى ليقاتلون الأعور الكذاب، فاجعلهم أمّتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: رب إني أجد في الألواح أمّة صدقاتهم يأكلونها في بطونهم و يؤجرون عليها، و كان من قبلهم إذا تصدّق بصدقة، فقبلت منه بعث اللّه نارا فأكلتها، و إن ردّت عليه تركت، فتأكلها السباع و الطير، و إن اللّه أخذ صدقاتهم من غنيهم لفقيرهم، قال: رب فاجعلهم أمّتي، قال: تلك أمّة أحمد، قال: رب إني أجد في الألواح أمّة، إذا هم أحدهم بحسنة ثم لم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشر أمثالها إلى سبعمائة، رب اجعلهم أمّتي، قال: تلك أمّة أحمد، قال: رب إني أجد في الألواح أمّة هم المشفّعون، و المشفوع لهم، فاجعلهم أمّتي، قال: تلك أمة أحمد.

قال قتادة: فذكر لنا أن نبي اللّه موسى نبذ الألواح، و قال: اللّهم اجعلني من أمّة محمد.

(1) الأعراف/ 150.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 197

لا شكّ أنّ آثار الوضع و الاختلاق بادية عليه، و السند مطعون فيه، و هي أمور مأخوذة من القرآن، و الأحاديث، ثم صيغت هذه الصياغة المريبة، و جعلت على لسان موسى عليه السّلام و الظاهر المتعين أن إلقاء سيدنا موسى بالألواح إنما كان غضبا و حميّة لدين اللّه، و غيرة لانتهاك حرمة توحيد اللّه تبارك

و تعالى.

و إليك ما قاله ابن كثير في تفسيره «1»، قال: ثم ظاهر السياق أنه- أي سيدنا موسى- ألقى الألواح غضبا على قومه، و هذا قول جمهور العلماء سلفا و خلفا.

و روى ابن جرير عن قتادة في هذا قولا غريبا، لا يصح إسناده إلى حكاية قتادة.

و قد ردّه ابن عطية، و غير واحد من العلماء، و هو جدير بالردّ، و كأنه تلقّاه الناقل عن بعض أهل الكتاب، و فيهم كذّابون، و وضّاعون، و أفّاكون، و زنادقة.

و صدق ابن كثير فيما قال، و يرجّح أن يكون من وضع زنادقتهم كي يظهروا الأنبياء بمظهر المتحاسدين، لا بمظهر الإخوان المتحابّين.

و قال الإمام القرطبي عند تفسير قوله تعالى: وَ أَلْقَى الْأَلْواحَ أي مما اعتراه من الغضب و الأسف، حين أشرف على قومه، و هم عاكفون على عبادة العجل، و على أخيه في إهمال أمرهم، قاله سعيد بن جبير؛ و لذا قيل: «ليس الخبر كالمعاينة»، و لا التفات لما روي عن قتادة إن صح، و لا يصح، أن إلقاءه الألواح إنما كان لما رأى فيها من فضيلة أمة محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لم يكن ذلك لأمته، و هذا قول ردي ء لا ينبغي أن يضاف إلى موسى عليه السّلام «2».

و مما يؤيد أنه من وضع بعض الإسرائيليّين الدهاة: أن نحوا من هذا المروي عن قتادة قد رواه الثعلبي و تلميذه البغوي عن كعب الأحبار، و لا خلاف إلّا في

(1) تفسير ابن كثير، ج 2، ص 248 و تفسير البغوى، ج 2، ص 202.

(2) تفسير القرطبي، ج 7، ص 288.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 198

تقديم بعض الفضائل و تأخير البعض الآخر، إلّا

أنه لم يذكر إلقاء الألواح في آخره:

«فلما عجب موسى من الخير الذي أعطى اللّه محمدا و أمته قال: يا ليتني من أصحاب محمد، فأوحى اللّه إليه ثلاث آيات يرضيه بهن: يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَ بِكَلامِي إلى قوله: دارَ الْفاسِقِينَ: وَ مِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ «1» قال: فرضي موسى كل الرضاء.

14- إسرائيليات و خرافات في بني إسرائيل
اشارة

و من الإسرائيليات و الخرافات ما ذكره بعض المفسرين، عند تفسير قوله تعالى: وَ مِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ «2».

فقد ذكر ابن جرير في تفسير «3» هذه الآية خبرا عجيبا، فقال: حدثنا القاسم، قال: حدثنا حجاج عن ابن جريج قوله: وَ مِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ.

قال: بلغني أن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم، و كفروا، و كانوا اثني عشر سبطا، تبرأ سبط منهم مما صنعوا، و اعتذروا و سألوا اللّه عزّ و جل أن يفرّق بينهم، و بينهم، ففتح اللّه لهم نفقا في الأرض، فساروا، حتى خرجوا من وراء الصين، فهم هنالك حنفاء مسلمون، يستقبلون قبلتنا.

(1) الأعراف/ 144 و 145 و 159.

(2) الأعراف/ 159.

(3) تفسير الطبري، ج 9، ص 60.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 199

قال ابن جريج: قال ابن عباس: فذلك قوله: وَ قُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً «1».

و وعد الآخرة: عيسى بن مريم.

قال ابن جريج: قال ابن عباس: ساروا في السرب سنة و نصفا، و قال ابن عيينة، عن صدقة، عن أبي الهذيل، عن السدّي: وَ مِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ «2» قال: قوم بينكم و بينهم نهر

من شهد، و قد وصف ابن كثير ما رواه ابن جرير: بأنه خبر عجيب!! و

قال البغوي في تفسيره «3»: قال الكلبي، و الضحاك و الربيع: هم قوم خلف الصين، بأقصى الشرق، على نهر مجرى الرمل، يسمّى نهر أردن، ليس لأحد منهم مال دون صاحبه، يمطرون بالليل، و يسقون بالنهار، و يزرعون، لا يصل إليهم منا أحد، و هم على دين الحق، و ذكر: أن جبريل عليه السّلام ذهب بالنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ليلة أسري به إليهم، فكلّمهم، فقال لهم جبريل: هل تعرفون من تكلّمون؟ قالوا: لا، فقال لهم: هذا محمد النبيّ الأميّ، فآمنوا به، فقالوا: يا رسول اللّه، إن موسى أوصانا أن من أدرك منكم أحمد، فليقرأ عليه منّي السلام، فردّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم على موسى و عليهم، ثم أقرأهم عشر سور من القرآن نزلت بمكة، و أمرهم بالصلاة و الزكاة، و أمرهم أن يقيموا مكانهم، و كانوا يسبتون «4»، فأمرهم أن يجمعوا، و يتركوا السبت.

و قيل: هم الذين أسلموا من اليهود في زمن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الأول أصح!!

(1) بني إسرائيل/ 104.

(2) الأعراف/ 159.

(3) تفسير البغوي، ج 2، ص 206.

(4) أي يعظمون السبت كاليهود.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 200

و هي من خرافات بني إسرائيل و لا محالة، و العجب من البغوي أن يجعل هذه الأكاذيب أصحّ من القول الآخر الذي هو أجدر بالقبول و أولى بالصحة، و نحن لا نشك في أن ابن جريج و غيره ممن رووا ذلك، إنما أخذوه عن أهل الكتاب الذين أسلموا، و لا يمكن أبدا أن يكون متلقّيا عن

المعصوم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

و قال الآلوسي، بعد ذكر ما ذكرناه: «و ضعّف هذه الحكاية ابن الخازن، و أنا لا أراها شيئا، و أظنك لا تجد لها سندا يعول عليه و لو ابتغيت نفقا في الأرض، أو سلّما في السماء» «1».

التفسير الصحيح للآية

و الذي يترجّح عندنا: أن المراد بهم أناس من قوم موسى عليه السّلام اهتدوا إلى الحق، و دعوا الناس إليه، و بالحق يعدلون فيما يعرض لهم من الأحكام و القضايا، و أنّ هؤلاء الناس وجدوا في عهد موسى، و بعده، بل و في عهد نبينا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قد بيّن اللّه تبارك و تعالى بهذا: أن اليهود و إن كانت الكثرة الكاثرة فيهم تجحد الحق و تنكره، و تجور في الأحكام، و تعادي الأنبياء، و تقتل بعضهم، و تكذب البعض الآخر، و فيهم من شكاسة الأخلاق و الطباع، ما فيهم، فهنالك أمة كثيرة منهم: يهدون بالحق، و به يعدلون، فهم لا يتأبّون عن الحق، ففيه شهادة و تزكية لهؤلاء، و تعريض بالكثرة الغالبة منهم، التي ليست كذلك، و التي جحدت نبوة نبينا محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فيمن جحدها من طوائف البشر، و ناصبته العداوة و البغضاء، و هو ما يشعر به قوله سبحانه قبل: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَ يُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ كَلِماتِهِ وَ اتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ

(1) تفسير الآلوسي، ج 9، ص 84 و 85.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 201

تَهْتَدُونَ «1»، و بذلك تظهر المناسبة

بين هذه الآية و التي قبلها مباشرة، و الآيات التي قبل ذلك.

أما ما ذكروه فليس هناك ما يشهد له من عقل، و لا نقل صحيح، بل هو يخالف الواقع الملموس، و المشاهد المتيقن، و قد أصبحت الصين و ما وراءها معلوما كل شبر فيها، فأين هم؟، ثم ما هذا النهر من الشهد؟! و ما هذا النهر من الرمل؟! و أين هما؟! ثم أي فائدة تعود على الإسلام و المسلمين من التمسّك بهذه الروايات التي لا خطام لها، و لا زمام؟!، و ما ذا يكون موقف الداعية إلى الإسلام في هذا العصر الذي نعيش فيه، إذا انتصر لمثل هذه المرويات الخرافية الباطلة؟! إن هذه الروايات لو صحت أسانيدها لكان لها بسبب مخالفتها للمعقول، و المشاهد الملموس ما يجعلنا في حلّ من عدم قبولها، فكيف و أسانيدها ضعيفة واهية؟! و قد نبّهنا غير مرة أن كونها صحيحة السند فرضا لا ينافي كونها من الإسرائيليات.

15- الإسرائيليات في نسبة الشرك إلى آدم و حواء
اشارة

و من الروايات التي لا تصحّ، و مرجعها إلى الإسرائيليات ما ذكره بعض المفسرين عند تفسير قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ، وَ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها «2» فَلَمَّا تَغَشَّاها «3» حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ

(1) الأعراف/ 158.

(2) ليجد فيها سكن النفس و طمأنينة القلب.

(3) أي: باشرها كما باشر الرجل زوجته.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 202

فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ «1».

و هذه الآية تعتبر من أشكل آيات القرآن الكريم؛ لأن ظاهرها يدل على نسبة الشرك لآدم و حواء، و ذلك على ما ذهب إليه جمهور المفسرين:

من أن المراد بالنفس الواحدة: نفس آدم عليه السّلام و بقوله: وَ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها حواء. و قد أوّل العلماء المحققون الآية تأويلا يتّفق و عصمة الأنبياء في عدم جواز إسناد الشرك إليهم عليهم السّلام كما سنبين ذلك.

الحديث المرفوع، و الآثار الواردة في هذا

و قد زاد الطين بلة ما ورد من الحديث المرفوع، و بعض الآثار عن بعض الصحابة و التابعين، في تفسير قوله تعالى: جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ.

و قد اغترّ بهذه الروايات كثير من المفسرين، كابن جرير «2»، و الثعلبي، و البغوي «3» و القرطبي «4»، و إن كان قد ضعف الروايات، و لم تركن نفسه إليها، و اعتبرها من الإسرائيليات، و صاحب «الدر المنثور» «5».

و العجيب أن مفسرا معروفا له في ردّ الموضوعات و الإسرائيليات يد طولى، و هو الآلوسي قد انخدع بهذه المرويات، فقال: «و هذه الآية عندي من

(1) الأعراف/ 189 و 190.

(2) تفسير الطبرى، ج 9، ص 97.

(3) تفسير البغوي، ج 2، ص 221.

(4) تفسير القرطبي، ج 7، ص 338 و 339.

(5) الدر المنثور، ج 3، ص 151.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 203

المشكلات، و للعلماء فيها كلام طويل، و نزاع عريض، و ما ذكرناه هو الذي يشير إليه الجبائي، و هو مما لا بأس به بعد إغضاء العين عن مخالفته للمرويات».

ثم قال: «و قد يقال: أخرج ابن جرير عن الحبر: أن الآية نزلت في تسمية آدم، و حواء و لديهما بعبد الحارث، و مثل ذلك لا يكاد يقال من قبل الرأي، و هو ظاهر في كون الخبر تفسيرا للآية. و أنت قد علمت أنه إذا صح الحديث فهو مذهبي، و أراه قد صحّ،

و لذلك أحجم كميت قلمي عن الجري، في ميدان التأويل، كما جرى غيره، و اللّه تعالى الموفق للصواب» «1».

و بعض المفسرين أعرض عن ذكر هذه المرويات، و ذلك كما صنع صاحب «الكشاف»، و تابعه النسفي.

و بعض المفسرين عرض لها، ثم بيّن عدم ارتضائه لها، و ذلك كما صنع القرطبي في تفسيره، فقال: و نحو هذا مذكور في ضعيف الحديث، و في الترمذي و غيره، و في الإسرائيليات كثير ليس لها إثبات، فلا يعول عليها من له قلب، فإن آدم و حواء، و إن غرّهما باللّه الغرور،

فلا يلدغ المؤمن من جحر مرتين

، على أنه قد سطر، و كتب، قال:

قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «خدعهما مرتين: خدعهما في الجنة، و خدعهما في الأرض» «2».

و لكن فارس هذه الحلبة و هو ابن كثير، فقد نقد المرويات نقدا علميا أصيلا، على مناهج المحدّثين و طريقتهم في نقد الرواة، و بيّن أصل هذه المرويات، و أن مرجعها إلى الإسرائيليات.

(1) تفسير الآلوسي، ج 9، ص 139 و 142.

(2) تفسير القرطبي، ج 7، ص 338.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 204

و لنذكر كلام ابن كثير بنصّه، و بطوله لنفاسته، و شدّة الحاجة إليه في هذا المقام، قال: يذكر المفسرون هاهنا آثارا، و أحاديث، سأوردها و أبيّن ما فيها، ثم نتبع ذلك ببيان الصحيح في ذلك- إن شاء اللّه- و به الثقة.

قال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا عبد الصمد (قال) «1»: حدثنا عمر بن إبراهيم، (قال): حدثنا قتادة، عن الحسن، عن سمرة عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «و لما ولدت حواء طاف بها إبليس، و كان لا يعيش لها

ولد، فقال: سمّيه عبد الحارث، فإنه يعيش، فسمته عبد الحارث، فعاش، و كان ذلك من وحي الشيطان و أمره»، و هكذا رواه ابن جرير عن محمد بن بشار بندار، عن عبد الصمد ابن عبد الوارث به «2»، و رواه الترمذي في تفسير هذه الآية، عن محمد بن المثنى، عن عبد الصمد ، به، و قال: هذا حديث حسن غريب- يعني انفرد به- راويه لا نعرفه إلا من حديث عمر بن إبراهيم، و رواه بعضهم عن عبد الصمد، و لم يرفعه، يعني لم ينسبه إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

و رواه الحاكم في مستدركه، من حديث عبد الصمد مرفوعا، ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد «3»، و لم يخرجاه، و رواه الإمام أبو محمد، ابن أبي حاتم، في تفسيره، عن أبي زرعة الرازي، عن هلال بن فياض، عن عمر بن إبراهيم به- أي ببقية السند- مرفوعا، و كذا رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه، في تفسيره، من حديث شاذ بن فياض، عن عمر بن إبراهيم مرفوعا.

(1) جرت عادة المحدثين أن يحذفوا من الأسانيد لفظ (قال) خطّا، و لكنهم ينطقون بها عند الرواية، و قد ذكرناها خطّا حتى لا يشكل الأمر على قارئ السند.

(2) يعني ببقية السند المذكور أولا.

(3) أى صحيح الإسناد على شرط البخاري و مسلم.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 205

قلت:- أي ابن كثير- و شاذ هو: هلال، و شاذ لقبه.

و الغرض: أن هذا الحديث معلول من ثلاثة أوجه:

أحدها: أن عمر بن إبراهيم هذا هو البصري، و قد وثّقه ابن معين، و قال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به، و لكن رواه ابن مردويه من حديث المعتمر، عن

أبيه، عن الحسن، عن سمرة مرفوعا.

الثاني: أنه قد روى من قول سمرة نفسه، ليس مرفوعا، كما قال ابن جرير:

حدثنا ابن عبد الأعلى، (قال): حدثنا المعتمر عن أبيه، (قال): حدثنا بكر بن عبد اللّه، عن سليمان التيمي، عن أبي العلاء بن الشخير عن سمرة بن جندب، قال:

«سمى آدم ابنه عبد الحارث».

و الثالث: أن الحسن نفسه فسر الآية بغير هذا، فلو كان هذا عنده عن سمرة مرفوعا لما عدل عنه، قال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع (قال): حدثنا سهل بن يوسف، عن عمرو، عن الحسن: جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما، قال: كان هذا في بعض أهل الملل، و لم يكن بآدم. و حدثنا «1» محمد بن عبد الأعلى: (قال):

حدثنا محمد بن ثور، عن معمر قال: قال الحسن: عنى بها ذرية آدم، و من أشرك منهم بعده، يعني: جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما. و حدثنا «2» بشر (قال): حدثنا يزيد، (قال): حدثنا سعيد عن قتادة، قال: كان الحسن يقول: هم اليهود و النصارى، رزقهم اللّه أولادا، فهوّدوا و نصّروا «3».

(1) القائل: و حدثنا هو ابن جرير.

(2) راجع الهامش السابق.

(3) فيه إشارة إلى

قوله صلّى اللّه عليه و آله «ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه، أو يمجسانه» رواه البخاري و مسلم ، و ما روي عن الحسن- رضي اللّه عنه- ليس اختلاف تضاد و إنما هو اختلاف تغاير في اللفظ، و المدلول واحد أو متقارب.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 206

و قال ابن كثير: و هذه أسانيد صحيحة عن الحسن رضي اللّه عنه أنه فسر الآية بذلك، و هو من أحسن التفاسير، و أولى ما حملت عليه الآية، و

لو كان هذا الحديث عنده محفوظا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لما عدل عنه هو، و لا غيره، و لا سيما مع تقواه للّه، و ورعه.

فهذا يدلّك على أنه موقوف على الصحابي، و يحتمل أنه تلقاه من بعض أهل الكتاب: من آمن منهم مثل كعب، أو وهب بن منبه و غيرهما، كما سيأتي بيانه، إلا أننا برئنا من عهدة المرفوع، و اللّه أعلم «1».

فأما الآثار فقال محمد بن إسحاق بن سيار، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: «كانت حواء تلد لآدم عليه السّلام أولادا فيعبّدهم للّه، و يسميهم عبد اللّه، و عبيد اللّه و نحو ذلك، فيصيبهم الموت، فأتاهما إبليس، فقال:

إنكما لو سميتماه بغير الذي تسميانه به لعاش، قال: فولدت له رجلا، فسماه عبد الحارث، ففيه أنزل اللّه يقول: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ إلى آخر الآية، و قال العوفي عن ابن عباس، قوله في آدم: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ، إلى قوله: فَمَرَّتْ بِهِ: شكّت أحملت أم لا؟ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما، الآية، فأتاهما الشيطان، فقال: هل تدريان ما يولد لكما؟ أم هل تدريان ما يكون أ بهيمة، أم لا؟، و زيّن لهما الباطل، إنه غوى مبين، و قد كانت قبل ذلك ولدت ولدين، فماتا، فقال لهما الشيطان: إنكما إن لم تسمياه بي، لم يخرج سويا، و مات كما مات الأول، فسميا ولدهما عبد الحارث، فذلك قوله: فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما الآية.

و قال عبد اللّه بن المبارك، عن شريك، عن خصيف، عن سعيد بن جبير، عن

(1) تفسير ابن كثير، ج 2، ص 275 و تفسير البغوي،

ج 2، ص 221 و 222.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 207

ابن عباس في قوله تعالى: فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما قال اللّه تعالى: فَلَمَّا تَغَشَّاها آدم (حملت)، أتاهما إبليس- لعنه اللّه- فقال: إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنّة، لتطيعاني، أو لأجعلنّ له قرني أيّل «1»، فيخرج من بطنك، فيشقه، و لأفعلن، و لأفعلن، يخوّفهما، فسمّياه «2» عبد الحارث، فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتا، ثم حملت، يعني الثانية فأتاهما، فقال لهما مثل الأول، فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتا، ثم حملت الثالثة، فأتاهما أيضا فذكر لهما، فأدركهما حب الولد، فسمّياه عبد الحارث، فذلك قوله تعالى: جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما. رواه ابن أبي حاتم.

و قد نسب هذا الأثر إلى ابن عباس و جماعة من أصحابه: كمجاهد، و سعيد بن جبير، و عكرمة. و من الطبقة الثانية: قتادة، و السدّي، و غير واحد من السلف، و جماعة من الخلف. و من المفسرين من المتأخرين: جماعات لا يحصون كثرة. و كأنّ أصله مأخوذ من أهل الكتاب؛ فإنّهم رووا عن ابن عباس عن أبي بن كعب، كما رواه ابن أبي حاتم، قال: حدثنا أبي، (قال): حدثنا أبو الجماهر، (قال): حدثنا سعيد- يعني ابن بشير- عن عقبة، عن قتادة، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب، قال:

لمّا حملت حواء أتاها الشيطان، فقال لها: أ تطيعيني و يسلم لك ولدك؟ سمّيه عبد الحارث، فلم تفعل فولدت، فمات، ثم حملت، فقال لها مثل ذلك، فلم تفعل، ثم حملت الثالثة، فجاءها فقال: إن تطيعيني يسلم، و إلّا فإنه يكون بهيمة، فهيّبهما، فأطاعا.

(1) الأيّل بضم الهمزة و كسرها، و الياء فيها مشددة مفتوحة: ذكر الأوعال، و هو

التيس الجبلي.

(2) بصيغة الأمر.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 208

قال: و هذه الآثار يظهر عليها- و اللّه أعلم- أنها من آثار أهل الكتاب. ثمّ بيّن أن أخبار أهل الكتاب على ثلاثة أقسام:

1. فمنها: ما علمنا صحته مما بأيدينا من كتاب أو سنة.

2. و منها: ما علمنا كذبه بما دلّ على خلافه من الكتاب و السنة أيضا.

3. و منها: ما هو مسكوت عنه، فهو المأذون في روايته

بقوله عليه السّلام: «حدّثوا عن بني إسرائيل و لا حرج» «1» ، و هو الذي لا يصدق، و لا يكذب، قال: و هذا الأثر من الثاني أو الثالث، فيه نظر «2».

قال: فأما من حدّث به من صحابي أو تابعي، فإنه يراه من القسم الثالث- يعني ما يحتمل الصدق و الكذب- و أما نحن فعلى مذهب الحسن البصري في هذا، و أنه ليس المراد من هذا السياق: آدم و حواء، و إنما المراد من ذلك: المشركون من ذريته؛ و لهذا قال اللّه تعالى: فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ «3» فذكر آدم و حواء أوّلا كالتوطئة لما بعدهما من الوالدين، و هو كالاستطراد من الشخص إلى الجنس. و هذا الذي ذهب إليه ابن كثير في تخريج الحديث و الآثار، هو الذي يجب أن يصار إليه، و هو الذي ندين اللّه عليه، و لا سيما أن التفسير الحق للآيتين لا يتوقّف على شي ء مما روي.

و المحققون من المفسرين؛ منهم من نحا منحى ابن كثير، فجعل الآية الأولى

(1) قد تكلّمنا عن هذا الحديث، و أنه من ضرب الأمثال، كناية عن توسّعهم في الفساد و العيث في البلاد.

(2) لا موضع لهذا الترديد، بعد وضوح كونه أثرا مكذوبا محضا، حيث الأنبياء

معصومون لا يحتمل بشأنهم شائبة شرك باللّه العظيم!

(3) تفسير ابن كثير، ج 2، ص 275 و تفسير البغوي، ج 2، ص 221، ط المنار.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 209

في آدم و حواء، و جعل قوله: فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً الآية في المشركين من ذرّيتهما، أي جعلا أولادهما شركاء للّه فيما آتاهما، و المراد بهم: الجنس، أي جنس الذكر و الأنثى، فمن ثم حسن قوله: فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ بالجمع، و يكون هذا الكلام من الموصول لفظا المفصول معنى. و منهم من جعل الآيتين في ذرية آدم و حواء، أي خلقكم من نفس واحدة، و هي نفس الذكر، و جعل منها، أي من جنسها زوجها، و هي الأنثى، فلما آتاهما صالحا، أي بشرا سويّا كاملا، جعلا أي الزوجان الكافران للّه شركاء فيما آتاهما؛ و بذلك أبد لا شكر اللّه كفرانا به و جحودا، و على هذا لا يكون لآدم و حواء ذكر ما في الآيتين. و هنالك تفاسير أخرى، لسنا منها على ثلج، و لا طمأنينة «1».

16- الإسرائيليات في سفينة نوح

و من الإسرائيليّات التي اشتملت عليها بعض كتب التفسير، كتفسير ابن جرير، و «الدر المنثور»، و غيرهما ما روي في سفينة نوح عليه السّلام فقد أحاطوها بهالة من العجائب و الغرائب، من أي خشب صنعت؟ و ما طولها؟ و ما عرضها؟ و ما ارتفاعها؟، و كيف كانت طبقاتها؟ و ذكروا خرافات في خلقة بعض الحيوانات من الأخرى، و قد بلغ ببعض الرواة أنهم نسبوا بعض هذا إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،

قال صاحب «الدر»: و أخرج أبو الشيخ، و ابن مردويه، عن ابن عباس رحمهما اللّه عن

(1) انظر تفاسير الكشّاف، ج 2،

ص 186 و 187 و الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ج 7، ص 337 و تفسير أبي السعود، ج 3، ص 302- 304. و روح المعانى للآلوسي، ج 9، ص 137- 142. و التبيان، ج 5، ص 50 و مجمع البيان، ج 4، ص 780، و غيرها.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 210

النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «كانت سفينة نوح عليه السّلام لها أجنحة، و تحت الأجنحة إيوان»،

أقول: قبّح اللّه من نسب مثل هذا إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

و

أخرج ابن مردويه عن سمرة بن جندب رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «سام أبو العرب، و حام أبو الحبش، و يافث أبو الروم»

و ذكر: أن طول السفينة كان ثلاثمائة ذراع، و عرضها خمسون ذراعا، و طولها في السماء ثلاثون ذراعا، و بابها في عرضها، ثم ذكر عن ابن عباس مثل ذلك: في طولها، و ارتفاعها، ثم قال:

و أخرج إسحاق بن بشر، و ابن عساكر، عن ابن عباس: «أن نوحا لما أمر أن يصنع الفلك، قال: يا رب، و أين الخشب؟، قال: اغرس الشجر، فغرس الساج عشرين سنة، إلى أن قال: فجعل السفينة ستمائة ذراع طولها، و ستين ذراعا في الأرض- يعني عمقها-، و عرضها ثلاثمائة و ثلاثة و ثلاثون «1» و أمر أن يطليها بالقار «2»، و لم يكن في الأرض قار، ففجر اللّه له عين القار؛ حيث تنحت السفينة، تغلي غليانا، حتى طلاها، فلما فرغ منها جعل لها ثلاثة أبواب، و أطبقها، و حمل فيها السباع، و الدواب، فألقى اللّه على الأسد الحمّى، و شغله بنفسه عن الدواب، و

جعل الوحش و الطير في الباب الثاني، ثم أطبق عليهما.

و أخرج ابن جرير، و أبو الشيخ عن الحسن، قال: «كان طول سفينة نوح عليه السّلام ألف ذراع و مائتي ذراع، و عرضها ستمائة ذراع» و إليك ما ذكره بعد هذا من العجب العجاب، قال:

و أخرج ابن جرير، عن ابن عباس رحمهما اللّه قال: قال الحواريون لعيسى بن

(1) لا ندري بأي رواية نصدق، أ برواية ابن عباس هذه، أم بالسابقة، و هذا الاضطراب أمارة الاختلاق ممن وضعوها أوّلا، و أسندوها إلى ابن عباس و غيره.

(2) في القاموس: القير، و القار: شي ء أسود تطلى به الإبل، أو هو: الزفت.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 211

مريم عليهما السّلام لو بعثت لنا رجلا شهد السفينة، فحدّثنا عنها. فانطلق بهم، حتى انتهى إلى كثيب من تراب، فأخذ كفا من ذلك التراب، قال: أ تدرون ما هذا؟ قالوا: اللّه و رسوله أعلم، قال: هذا كعب حام بن نوح، فضرب الكثيب بعصاه، قال: قم بإذن اللّه، فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه، قد شاب، قال له عيسى عليه السّلام: هكذا هلكت؟!، قال: لا، مت و أنا شاب، و لكنّني ظننت أنها الساعة، فمن ثم شبت، قال: حدّثنا عن سفينة نوح، قال: كان طولها ألف ذراع، و مائتي ذراع، و عرضها ستمائة ذراع، كانت ثلاث طبقات، فطبقة فيها الدواب و الوحش، و طبقة فيها الإنس، و طبقة فيها الطير. فلما كثر أرواث الدواب أوحى اللّه إلى نوح: أن اغمز ذنب الفيل، فغمزه، فوقع منه خنزير و خنزيرة!!، فأقبلا على الروث، فلما وقع الفأر جعل يخرّب السفينة بقرضه أوحى اللّه إلى نوح: أن اضرب بين عيني الأسد، فخرج من

منخره سنور و سنورة، فأقبلا على الفأر فأكلاه.

و في رواية أخرى: أن الأسد عطس، فخرج من منخره سنوران، ذكر و أنثى، فأكلا الفأر، و أن الفيل عطس، فخرج من منخره خنزيران، ذكر و أنثى، فأكلا أذي السفينة. و أنه لما أراد الحمار أن يدخل السفينة أخذ نوح بأذني الحمار، و أخذ إبليس بذنبه، فجعل نوح عليه السّلام يجذبه، و جعل إبليس يجذبه، فقال نوح: ادخل شيطان- و يريد به الحمار- فدخل الحمار، و دخل معه إبليس. فلما سارت السفينة جلس إبليس في أذنابها يتغنّى، فقال له نوح عليه السّلام: ويلك من أذن لك؟! قال: أنت!! قال: متى؟! قال: أن قلت للحمار: ادخل يا شيطان، فدخلت بإذنك.

و زعموا أيضا: أن الماعز لما استصعبت على نوح أن تدخل السفينة فدفعها في ذنبها، فمن ثم انكسر، و بدا حياها، و مضت النعجة فدخلت من غير معاكسة، فمسح على ذنبها، فستر اللّه حياها- يعني فرجها- و زعموا أيضا: أن سفينة نوح عليه السّلام طافت بالبيت أسبوعا، بل

رووا عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 212

أبيه، عن جده، عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إن سفينة نوح طافت بالبيت سبعا، و صلّت عند المقام ركعتين»!!

و هذا من تفاهات عبد الرحمن هذا، و

قد ثبت عنه من طرق أخرى، نقلها صاحب التهذيب (ج 6، ص 179) عن الساجي، عن الربيع، عن الشافعي، قال: «قيل لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: حدّثك أبوك عن جدك؛ أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «إن سفينة نوح طافت بالبيت، و صلّت خلف المقام ركعتين؟»!! قال: نعم،

و قد عرف عبد

الرحمن بمثل هذه العجائب المخالفة للعقل، و تندر به العلماء.

قال الشافعي فيما نقل في «التهذيب» أيضا: «ذكر رجل لمالك حديثا منقطعا، فقال: اذهب إلى عبد الرحمن بن زيد يحدّثك عن أبيه، عن نوح»! و أن لمّا رست السفينة على الجوديّ و كان يوم عاشوراء صام نوح، و أمر جميع من معه من الوحش و الدواب فصاموا شكرا للّه، إلى غير ذلك من التخريفات و الأباطيل «1» التي لا نزال نسمعها، و أمثالها من العوامّ و العجائز، و هذا لا يمكن أن يمتّ إلى الإسلام بصلة، و إنا لننزّه المعصوم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من أن يصدر عنه ما نسبوه إليه، و إنما هي أحاديث خرافة اختلقها اليهود و أضرابهم على توالي العصور، و كانت شائعة مشهورة في الجاهلية، فلما جاء الإسلام نشرها أهل الكتاب الذين أسلموا بين المسلمين، و أوغل زنادقة اليهود و أمثالهم في الكيد للإسلام و نبيّه، فزوّروا بعضها على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ما كنا نحب لابن جرير، و لا للسيوطي، و لا لغيرهما أن يسوّدوا صحائف كتبهم بهذه الخرافات و الأباطيل.

فاحذر منها أيها القارئ في أي كتاب من كتب التفسير وجدتها، و ألق بها دبر أذنيك، و كن عن الحق منافحا و للباطل مزيّفا.

(1) تفسير الطبري، ج 12، ص 21- 29، و الدر المنثور، ج 3، ص 327- 335.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 213

17- الإسرائيليات في قصة يوسف عليه السّلام

و قد وردت في قصة يوسف عليه السّلام إسرائيليات و مرويّات مختلقة مكذوبة، فمن ذلك ما أخرجه ابن جرير في تفسيره، و السيوطي في «الدر المنثور» و غيرهما، في قوله تعالى: إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا

أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً، وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ «1».

قال السيوطي: و أخرج سعيد بن منصور، و البزار، و أبو يعلى، و ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و العقيلي و ابن حبان في «الضعفاء»، و أبو الشيخ، و الحاكم و صححه «2»، و ابن مردويه، و أبو نعيم، و البيهقي معا في «الدلائل»، عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنه قال: «جاء بستانة يهودي إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال: يا محمد أخبرني عن الكواكب التي رآها يوسف عليه السّلام ساجدة له، ما أسماؤها؟ فسكت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فلم يجبه بشي ء، فنزل جبريل عليه السّلام و أخبره بأسمائها، فبعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى البستاني اليهودي، فقال: «هل أنت مؤمن إن أخبرتك بأسمائها؟ قال: نعم، قال: جربان، و الطارق، و الذيال، و ذو الكفتان، و قابس، و وثاب، و عمودان، و الفليق، و المصبح، و الضروح، و ذو الفرغ، و الضياء، و النور «3»، رآها في أفق السماء ساجدة له. فلما قص يوسف على يعقوب، قال: هذا أمر مشتت يجمعه اللّه من

(1) يوسف/ 4.

(2) تصحيح الحاكم على شرط الشيخين.

(3) و هناك بعض الاختلاف في الأسماء. و قد جاءت ثلاثة عشر، و الضياء و النور هما الشمس و القمر. كناية عن أبويه.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 214

بعد»، فقال اليهودي: إي و اللّه إنها لأسماؤها «1».

و الذي يظهر لي أنه من الإسرائيليّات، و ألصقت بالنبي زورا، ثم إنّ سيدنا يوسف رأى كواكب بصورها لا بأسمائها، ثم ما دخل

الاسم فيما ترمز إليه الرؤيا؟! و مدار هذه الرواية على الحكم بن ظهير، و قد ضعّفه الأئمة، و تركه الأكثرون، و قال الجوزجاني: ساقط «2».

و قال الإمام الذهبي في «ميزان الاعتدال» «3»: قال ابن معين: ليس بثقة، و قال مرة: ليس بشي ء، و قال البخاري: منكر الحديث، و قال مرة: تركوه، و لعلّه لروايته

حديث: «إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه»!!

18- الإسرائيليات في قوله تعالى: وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ
اشارة

«4» و من الإسرائيليّات المكذوبة التي لا توافق عقلا و لا نقلا ما ذكر ابن جرير في تفسيره، و صاحب «الدر المنثور» و غيرهما من المفسرين، في قوله تعالى:

وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ فقد ذكروا في همّ يوسف عليه السّلام ما ينافي عصمة الأنبياء و ما يخجل القلم من تسطيره، لو لا أن المقام مقام بيان و تحذير من الكذب على اللّه و على رسله، و هو من أوجب الواجبات على أهل

(1) تفسير الطبري، ج 12، ص 90 و 91 و الدر المنثور، ج 4، ص 4.

(2) تفسير ابن كثير، ج 2، ص 468 و 469.

(3) ميزان الاعتدال، ج 1، ص 268، ط السعادة.

(4) يوسف/ 24.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 215

العلم.

فقد رووا عن ابن عباس- رضوان اللّه عليه- أنه سئل عن همّ يوسف عليه السّلام ما بلغ؟ قال: حلّ الهميان- يعنى السراويل- و جلس منها مجلس الخائن، فصيح به، يا يوسف لا تكن كالطير له ريش، فإذا زنى قعد ليس له ريش. و رووا مثل هذا عن علي رضى اللّه عنه و عن مجاهد، و عن سعيد بن جبير.

و رووا أيضا في البرهان الذي رآه، و لولاه لوقع في

الفاحشة بأنه نودي: أنت مكتوب في الأنبياء، و تعمل عمل السفهاء، و قيل: رأى صورة أبيه يعقوب في الحائط، و قيل: في سقف الحجرة، و أنه رآه عاضّا على إبهامه، و أنه لم يتعظ بالنداء، حتى رأى أباه على هذه الحال. بل أسرف واضعو هذه الإسرائيليّات الباطلة، فزعموا أنه لما لم يرعو من رؤية صورة أبيه عاضّا على أصابعه، ضربه أبوه يعقوب، فخرجت شهوته من أنامله! و لأجل أن يؤيّد هؤلاء الذين افتروا على اللّه و نبيه يوسف هذا الافتراء، يزعمون أيضا: أن كل أبناء يعقوب قد ولد له اثنا عشر ولدا ما عدا يوسف، فإنه نقص بتلك الشهوة التي خرجت من أنامله ولدا، فلم يولد له غير أحد عشر ولدا. بل زعموا أيضا في تفسير البرهان، فيما روي عن ابن عباس: أنه رأى ثلاث آيات من كتاب اللّه: قوله تعالى: وَ إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ «1»، و قوله تعالى: وَ ما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَ ما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَ لا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ «2»، و قوله تعالى:

أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ «3»، و قيل: رأى

(1) الانفطار/ 10 و 11.

(2) يونس/ 61.

(3) الرعد/ 33.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 216

وَ لا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَ ساءَ سَبِيلًا «1»!!، و من البديهي أن هذه الآيات بهذا اللفظ العربي لم تنزل على أحد قبل نبينا محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و إن كان الذين افتروا هذا لا يعدمون جوابا، بأن يقولوا: رأى ما يدل على معاني هذه الآيات بلغتهم التي يعرفونها، بل قيل

في البرهان: إنه أري تمثال الملك، و هو العزيز، و قيل: خياله «2». و كل ذلك مرجعه إلى أخبار بني إسرائيل و أكاذيبهم التي افتجروها على اللّه، و على رسله، و حمله إلى بعض الصحابة و التابعين: كعب الأحبار، و وهب بن منبّه، و أمثالهما.

و ليس أدل على هذا، مما روي عن وهب بن منبّه قال: «لما خلا يوسف و امرأة العزيز، خرجت كفّ بلا جسد بينهما، مكتوب عليها بالعبرانية: أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ، ثم انصرفت الكفّ، و قاما مقامهما، ثم رجعت الكف بينهما، مكتوب عليها بالعبرانية إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ، ثم انصرفت الكفّ، و قاما مقامهما، فعادت الكفّ الثالثة مكتوب عليها: وَ لا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَ ساءَ سَبِيلًا و انصرفت الكف، و قاما مقامهما فعادت الكف الرابعة مكتوب عليها بالعبرانية: وَ اتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ «3»، فولّى يوسف عليه السّلام هاربا «4».

و قد كان وهب أو من نقل عنه وهب ذكيا بارعا، حينما زعم أن ذلك كان مكتوبا بالعبرانية؛ و بذلك أجاب عما استشكلناه، و لكن مع هذا لن يجوز هذا

(1) الإسراء/ 32.

(2) تفسير الطبري، ج 12، ص 108- 114. و الدر المنثور، ج 4، ص 13 و 14. و تفسير ابن كثير، ج 2، ص 474 و 475. و تفسير البغوى، ج 2، ص 418- 420.

(3) البقرة/ 281.

(4) الدر المنثور، ج 4، ص 14.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 217

الكذب إلّا على الأغرار و السذّج من أهل الحديث. و لا ندري أي معنى يبقى

للعصمة بعد أن جلس بين فخذيها، و خلع سرواله؟! و ما امتناعه عن الزّنى على مروياتهم المفتراة إلّا و هو مقهور مغلوب؟! و لو أن عربيدا رأى صورة أبيه بعد مماته تحذّره من معصية لكفّ عنها، و انزجر، فأيّ فضل ليوسف إذا، و هو نبي من سلالة أنبياء؟!! بل أيّ فضل له فى عدم مقارفته الفاحشة، بعد ما خرجت شهوته من أنامل قدميه؟! و ما امتناعه حينئذ إلّا قسريّ جبريّ!! ثم ما هذا الاضطراب الفاحش في الروايات؟! أ ليس الاضطراب الذي لا يمكن التوفيق بينها. و هذا من العلل التي ردّ المحدثون بسببها الكثير من المرويّات؟! لأنها أمارة من أمارات الكذب و الاختلاق.

ثم كيف يتفق ما حيك حول نبي اللّه يوسف عليه السّلام و قول الحق تبارك و تعالى عقب ذكر الهمّ: كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَ الْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ «1»، فهل يستحق هذا الثناء من حلّ التكّة، و خلع السروال، و جلس بين رجليها؟! و لا أدري أ نصدق اللّه تبارك و تعالى أم نصدق كذبة بني إسرائيل و مخرفيهم؟!! بل كيف يتفق ما روى هو و ما حكاه اللّه عزّ و جل عن زليخا بطلة المراودة، حيث قالت: أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ «2» و هو اعتراف صريح من

(1) يوسف/ 24. قرئ في السبع بضم الميم و فتح اللام، أي الذين اصطفاهم و اختارهم لنبوته و رسالته، و قرئ بكسر اللام، أي الذين أخلصوا للّه التوحيد و العبادة، و المعنى الثاني لازم للأول، فمن اصطفاء اللّه لا بد أن يكون مخلصا.

(2) يوسف/ 51.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 218

البطلة التي أعيتها الحيل عن طريق

التزيّن حينا، و التودّد إليه بمعسول القول حينا آخر، و الإرهاب و التخويف حينا ثالثا، فلم تفلح: لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَ لَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ «1».

و انظر ما ذا كان جواب السيد العفيف، الكريم ابن الكريم، ابن الكريم، ابن الكريم: يوسف بن يعقوب، بن إسحاق، بن إبراهيم عليهم السّلام: قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَ إِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَ أَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ «2» و قصده عليه السّلام بقوله: وَ إِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ ...: تبرؤ من الحول و الطول، و أن الحول و القوّة إنّما هما من اللّه، و سؤال منه لربّه، و استعانة به على أن يصرف عنه كيدهنّ، و هكذا شأن الأنبياء.

بل قد شهد الشيطان نفسه ليوسف عليه السّلام في ضمن قوله، كما حكاه اللّه سبحانه عنه بقوله: قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ «3»، و يوسف بشهادة الحق السالفة من المخلصين.

و كذلك شهد ليوسف شاهد من أهلها «4»، فقال: إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَ هُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ. وَ إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَ هُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ. فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ «5»، و قد أسفر

(1) يوسف/ 32.

(2) يوسف/ 33 و 34.

(3) ص/ 82 و 83.

(4) قيل: كان رجلا عاقلا حكيما مجربا من خاصة الملك. و كان من أهلها، و قيل: كان صبيا في المهد و كان ذلك إرهاصا بين يدي نبوة يوسف، إكراما له.

(5) يوسف/ 26- 28.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 219

التحقيق عن براءة يوسف و إدانة زليخا، امرأة العزيز.

فكيف تتفق كل هذه الشهادات الناصعة الصادقة، و تلك الروايات المزوّرة؟!! و قد ذكر الكثير من هذه الروايات ابن جرير الطبري، و الثعلبي، و البغوي، و ابن كثير، و السيوطي، و قد مر بها ابن كثير بعد أن نقلها حاكيا من غير أن ينبّه إلى زيفها، و هذا غريب!! و من العجيب حقا أن ابن جرير يحاول أن يضعّف في تفسيره مذهب الخلف الذين ينفون هذا الزور و البهتان، و يفسرون الآيات على حسب ما تقتضيه اللغة و قواعد الشرع، و ما جاء في القرآن و السنة الصحيحة الثابتة، و يعتبر هذه المرويات التي سقنا لك زورا منها آنفا؛ هى قول جميع أهل العلم بتأويل القرآن الذين يؤخذ عنهم «1»، و كذلك تابعه على مقالته تلك الثعلبي و البغوي في تفسيريهما «2»!! و هذه المرويات الغثة المكذوبة التي يأباها النظم الكريم، و يجزم العقل و النقل باستحالتها على الأنبياء عليهم السّلام هي التي اعتبرها الطبري و من تبعه «أقوال السلف»!! بل يسير في خط اعتبار هذه المرويات، فيورد على نفسه سؤالا، فيقول: فإن قال قائل: و كيف يجوز أن يوصف يوسف بمثل هذا و هو للّه نبي؟! ثم أجاب بما لا طائل تحته، و لا يليق بمقام الأنبياء «3». قاله الواحدي في تفسيره «البسيط».

و أعجب من ذلك ما ذهب إليه الواحدي في «البسيط» قال: قال المفسرون

(1) تفسير الطبري، ج 12، ص 110.

(2) تفسير البغوي، ج 2، ص 422.

(3) تفسير الطبري، ج 12، ص 109 و 110.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 220

الموثوق بعلمهم، المرجوع إلى روايتهم، الآخذون للتأويل، عمن شاهدوا التنزيل: همّ

يوسف عليه السّلام بهذه المرأة همّا صحيحا، و جلس منها مجلس الرجل من المرأة، فلما رأى البرهان من ربه زالت كل شهوة منه.

و هي غفلة شديدة من هؤلاء الأئمة لا نرضاها، و لو لا أنّنا ننزّه لساننا و قلمنا عن الهجر من القول، و أنهم خلطوا في مؤلّفاتهم عملا صالحا و آخر سيئا لقسونا عليهم، و حق لنا هذا، و العصمة للّه.

و هذه الأقوال التي أسرف في ذكرها هؤلاء المفسرون: إما إسرائيليات و خرافات، وضعها زنادقة أهل الكتاب القدماء، الذي أرادوا بها النيل من الأنبياء و المرسلين، ثم حملها معهم أهل الكتاب الذين أسلموا، و تلقّاها عنهم بعض الصحابة، و التابعين.

و إما أن تكون مدسوسة على هؤلاء الأئمة، دسّها عليهم أعداء الأديان، كي تروج تحت هذا الستار؛ و بذلك يصلون إلى ما يريدون من إفساد العقائد، و تعكير صفو الثقافة الإسلامية الأصيلة الصحيحة.

الفرية على المعصوم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في قوله اللّه تعالى: ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ... «1»

و لكي يؤيدوا باطلهم الذي ذكرناه آنفا، رووا عن الصحابة و التابعين ما لا يليق بمقام الأنبياء، و اختلقوا على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم زورا، و قوّلوه ما لم يقله، قال صاحب «الدر»:

و أخرج الفريابي، و ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و أبو الشيخ،

(1) يوسف/ 52.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 221

و البيهقي في «شعب الإيمان» عن ابن عباس- رضوان اللّه عليه- قال: لما جمع الملك النسوة قال لهن: أنتنّ راودتنّ يوسف عن نفسه؟ قلن: حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ «1»، قال يوسف: ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ، فغمزه جبريل عليه السّلام فقال: و لا

حين هممت بها؟ فقال: وَ ما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ «2».

قال: و أخرج ابن جرير عن مجاهد، و قتادة، و الضحاك، و ابن زيد، و السدّي مثله، و

أخرج الحاكم في تاريخه، و ابن مردويه و الديلمي عن أنس رضى اللّه عنه: أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قرأ هذه الآية: ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ قال: لما قال يوسف ذلك قال له جبريل عليه السّلام: و لا يوم هممت بما هممت به؟ فقال: وَ ما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ، قال: و أخرج ابن جرير عن عكرمة مثله.

و

أخرج سعيد بن منصور، و ابن أبي حاتم عن حكيم بن جابر في قوله:

ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ قال جبريل: و لا حين حللت السراويل؟

إلى غير ذلك من المرويّات المكذوبة، و الإسرائيليات الباطلة، التي خرّجها بعض المفسرين الذين كان منهجهم ذكر المرويّات، و جمع أكبر قدر منها، سواء منها ما صحّ و ما لم يصحّ. و الأخباريون الذين لا تحقيق عندهم للمرويات، و ليس أدل على ذلك من أنها لم يخرجها أحد من أهل الكتب الصحيحة، و لا أصحاب الكتب المعتمدة الذين يرجع إليهم في مثل هذا.

(1) يوسف/ 51.

(2) يوسف/ 53.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 222

القرآن يردّ هذه الأكاذيب

و قد فات هؤلاء الدسّاسين الكذّابين أن قوله تعالى: ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ... الآيتين «1»، ليس من مقالة سيدنا يوسف عليه السّلام و إنما هو من مقالة امرأة العزيز، و هو ما يتّفق و سياق الآية، ذلك: أن العزيز لما أرسل رسوله إلى يوسف لإحضاره من السجن، قال له: ارجع إلى ربك، فاسأله ما بال النسوة

اللاتي قطّعن أيديهن؟ فأحضر النسوة، و سألهن، و شهدن ببراءة يوسف، فلم تجد امرأة العزيز بدّا من الاعتراف، فقالت: الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ إلى قوله: وَ ما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ فكل ذلك من قولها؛ و لم يكن يوسف حاضرا ثمّ، بل كان في السجن، فكيف يعقل أن يصدر منه ذلك في مجلس التحقيق الذي عقده العزيز؟.

و قد انتصر لهذا الرأي الذي يوائم السياق و السباق الإمام الشيخ محمّد عبده، في تفسير «المنار». و هو آخر ما رقمه في تفسير القرآن.

و هكذا قال الحافظ ابن كثير في تفسيره ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ:

تقول: إنما اعترفت بهذا على نفسي، ليعلم زوجي أني لم أخنه بالغيب في نفس الأمر، و لا وقع المحذور الأكبر. و إنما راودت هذا الشاب مراودة، فامتنع؛ فلهذا اعترفت ليعلم أني بريئة، وَ أَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ وَ ما أُبَرِّئُ نَفْسِي تقول المرأة: و لست أبرئ نفسي، فإنّ النفس تتحدّث، و تتمنّى؛ و لهذا راودته؛ لأن النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي أي إلّا من عصمه اللّه تعالى إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ.

(1) يوسف/ 52 و 53.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 223

قال: و هذا القول هو الأشهر و الأليق و الأنسب بسياق القصة و معاني الكلام، و قد حكاه الماوردي في تفسيره، و جعله أوّل الوجهين في تفسير الآية.

و بعد أن ذكر بعض ما ذكره ابن جرير الذي ذكرناه آنفا عن ابن عباس، و تلاميذه، و غيره قال: و القول الأول أقوى و أظهر؛ لأن سياق الكلام كلّه من كلام امرأة العزيز بحضرة الملك، و لم يكن يوسف عليه السّلام عندهم، بل بعد ذلك أحضره الملك

«1».

التفسير الصحيح لقوله تعالى: وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها قال أبو شهبة: و الصحيح في تفسير قوله تعالى: وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ أن الكلام تمّ عند قوله تعالى: وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ و ليس من شك في أن همّها كان بقصد الفاحشة، وَ هَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ.

الكلام من قبيل التقديم و التأخير، و التقدير: و لو لا أن رأى برهان ربه لهمّ بها، فقوله تعالى: وَ هَمَّ بِها، جواب «لو لا» مقدم عليها، و معروف في العربية أن «لو لا» حرف امتناع لوجود، أي امتناع الجواب لوجود الشرط؛ فيكون «الهمّ» ممتنعا؛ لوجود البرهان الذي ركّزه اللّه في فطرته. و المقدم إما الجواب، أو دليله، على الخلاف في هذا بين النحويين، و المراد بالبرهان: هو حجة اللّه الباهرة الدالة على قبح الزّنى، و هو شي ء مركوز في فطر الأنبياء. و معرفة ذلك عندهم وصل إلى عين اليقين، و هو ما نعبّر عنه بالعصمة، و هي التي تحول بين الأنبياء و المرسلين، و بين وقوعهم في المعصية.

و يرحم اللّه

الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السّلام حيث قال: البرهان: النبوة

(1) تفسير ابن كثير، ج 2، ص 481- 482. و راجع تفسير الماوردي، ج 3، ص 47. و المنار، ج 12، ص 323.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 224

التي أودعها اللّه في صدره، حالت بينه و بين ما يسخط اللّه عزّ و جل.

و هذا هو القول الجزل الذي يوافق ما دل عليه العقل من عصمة الأنبياء، و يدعو إليه السابق و اللاحق. و أما كون جواب «لو لا» لا يجوز أن

يتقدم عليها، فهذا أمر ليس ذا خطر، حتى نعدل عن هذا الرأي الصواب، إلى التفسيرات الأخرى الباطلة، لهمّ يوسف عليه السّلام، و القرآن هو أصل اللغة، فورود أيّ أسلوب في القرآن يكفي في كونه أسلوبا عربيا فصيحا، و في تأصيل أيّ قاعدة من القواعد النحوية، فلا يجوز لأجل الأخذ بقاعدة نحوية، أن نقع في محظور لا يليق بالأنبياء كهذا.

و الصحيح أنّ الجواب محذوف بقرينة المذكور، و هو ما تقدم على «لو لا»؛ ليكون ذلك قرينة على الجواب المحذوف.

و قيل: إن ما حصل من «همّ يوسف» كان خطرة، و حديث نفس بمقتضى الفطرة البشرية، و لم يستقر، و لم يظهر له أثره. قال البغوي في تفسيره: «قال بعض أهل الحقائق: الهمّ همّان: همّ ثابت، و هو إذا كان معه عزم، و عقد، و رضا، مثل همّ امرأة العزيز، و العبد مأخوذ به. و همّ عارض، و هو الخطرة، و حديث النفس من غير اختيار و لا عزم، مثل همّ يوسف عليه السّلام و العبد غير مأخوذ به، ما لم يتكلّم به أو يعمل» «1»، و قيل: همّت به همّ شهوة و قصد للفاحشة، و همّ هو بضربها.

و لا أدري كيف يتفق هذا القول، و قوله تعالى: لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ.

و القول الجزل الفحل هو ما ذكرناه أوّلا، و صرّحت به الرواية الصحيحة عن الإمام أبي عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق عليه السّلام. و السرّ في إظهاره في هذا الأسلوب- و اللّه أعلم-: تصوير المشهد المثير المغري العرم، الذي هيّأته امرأة العزيز لنبي اللّه يوسف، و أنه لو لا عصمة اللّه له، و فطرته النبوية الزكيّة، لكانت

(1) تفسير البغوي، ج 2، ص

419.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 225

الاستجابة لها، و الهمّ بها أمرا محقّقا. و في هذا تكريم ليوسف، و شهادة له بالعفّة البالغة، و الطهارة الفائقة.

19- الإسرائيليات في سبب لبث يوسف في السجن

و من الإسرائيليات ما يذكره بعض المفسرين في مدة سجن يوسف عليه السّلام و في سبب لبثه في السجن بضع سنين، و ذلك عند تفسير قوله تعالى: وَ قالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ «1».

فقد ذكر ابن جرير، و الثعلبي، و البغوي، و غيرهم أقوالا كثيرة في هذا، فقد قال وهب بن منبّه: أصاب أيوب البلاء سبع سنين، و ترك يوسف في السجن سبع سنين، و عذّب بختنصر يجول في السباع سبع سنين «2».

و قال مالك بن دينار: لما قال يوسف للساقي: اذكرني عند ربك. قيل له: يا يوسف اتخذت من دوني وكيلا، لأطيلنّ حبسك، فبكى يوسف، و قال: يا ربّ أنسى قلبي كثرة البلوى؛ فقلت كلمة، و لن أعود.

و قال الحسن البصري: دخل جبريل عليه السّلام على يوسف في السجن، فلمّا رآه يوسف عرفه، فقال له: يا أخا المنذرين، إني أراك بين الخاطئين! فقال له جبريل:

يا طاهر يا ابن الطاهرين يقرأ عليك السلام رب العالمين، و يقول لك: أما استحيت مني أن استشفعت بالآدميين؟! فو عزّتي و جلالي لألبثنّك في السجن

(1) يوسف/ 42.

(2) لا ندري ما المناسبة بين نبي اللّه، و بختنصر الذي أذلّ اليهود و سباهم؟.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 226

بضع سنين، فقال يوسف: و هو في ذلك عني راض، قال: نعم، قال: إذا لا أبالي.

و قال كعب الأحبار: قال جبريل ليوسف: إن اللّه تعالى يقول: من خلقك؟

قال: اللّه

عزّ و جل قال: فمن حببك إلى أبيك؟ قال: اللّه، قال: فمن نجاك من كرب البئر؟ قال: اللّه، قال فمن علّمك تأويل الرؤيا؟ قال اللّه، قال: فمن صرف عنك السوء، و الفحشاء؟ قال: اللّه، قال: فكيف استشفعت بآدمي مثلك؟ «1». فلما انقضت سبع سنين- قال الكلبي: و هذه السبع سوى الخمسة «2» التي قبل ذلك- جاءه الفرج من اللّه، فرأى الملك ما رأى من الرؤيا العجيبة، و عجز الملأ عن تفسيرها، تذكّر الساقي يوسف، و صدق تعبيره للرؤى، فذهب إلى يوسف، فعبّرها له خير تعبير؛ فكان ذلك سبب نجاته من السجن، و قول امرأة العزيز:

الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ.

و أغلب الظن عندنا أن هذا من الإسرائيليات، فقد صوّرت سجن يوسف على أنه عقوبة من اللّه لأجل الكلمة التي قالها، مع أنه عليه السّلام لم يقل هجرا، و لا منكرا، فالأخذ في أسباب النجاة العاديّة، و في أسباب إظهار البراءة و الحق، لا ينافي قط التوكّل على اللّه تعالى. و البلاء للأنبياء ليس عقوبة، و إنما هو لرفع درجاتهم، و ليكونوا أسوة و قدوة لغيرهم، في باب الابتلاء. و

في الحديث الصحيح عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «أشدّ الناس بلاء الأنبياء، ثمّ الأمثل فالأمثل».

و

قد روى ابن جرير هاهنا حديثا مرفوعا، فقال: حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن إبراهيم بن يزيد، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن

(1) تفسير البغوي، ج 2، ص 428.

(2) بعض المفسرين لا يكتفي بالسبع بل يضم إليها خمسا قبل ذلك. و لا أدري ما مستنده في هذا؟ و ظاهر القرآن لا يشهد له. و لو كان

كذلك لصرّح به القرآن، أو أشار إليه.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 227

عباس مرفوعا، قال: قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «لو لم يقل- يعني يوسف- الكلمة التي قالها، ما لبث في السجن طول ما لبث، حيث يبتغي الفرج من عند غير اللّه».

و لو أن هذا الحديث كان صحيحا أو حسنا؛ لكان للمتمسّكين بمثل هذه الإسرائيليات التي أظهرت سيدنا يوسف بمظهر الرجل المذنب المدان و جهة، و لكن الحديث شديد الضعف، لا يجوز الاحتجاج به أبدا.

قال الحافظ ابن كثير: «و هذا الحديث ضعيف جدا «1»؛ لأن سفيان بن وكيع- الراوي عنه ابن جرير- ضعيف، و إبراهيم بن يزيد أضعف منه أيضا، و قد روى عن الحسن و قتادة مرسلا عن كل منهما، و هذه المرسلات هاهنا لا تقبل «2»، و لو قبل المرسل من حيث هو في غير هذا الموطن، و اللّه أعلم» «3». و قد تكلّف بعض المفسرين للإجابة عما يدل عليه هذا الحديث. و حاله كما سمعت. بل تكلّف بعضهم، فجعل الضمير في «فأنساه» ليوسف، و هو غير صحيح، لأنّ الضمير يعود إلى الذي نجا منهما؛ بدليل قوله تعالى بعد ذلك: وَ ادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ ... فالذي تذكر هو الذي أنساه الشيطان، و الذي يجب أن نعتقده أن يوسف عليه السّلام مكث في السجن- كما قال اللّه تعالى- بضع سنين.

و البضع: من الثلاث إلى التسع، أو إلى العشر، من غير تحديد للمدة، فجائز أن تكون سبعا، و جائز أن تكون تسعا، و جائز أن تكون خمسا، ما دام ليس هناك نقل صحيح عن المعصوم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و كذلك نعتقد أنه لم يكن عقوبة على

كلمة،

(1) الضعيف جدا لا يحتج به لا في الأحكام و لا في الفضائل، فما بالك في مثل هذا؟

(2) لأن المرسل احتج به بعض المحدّثين إذا تضافر أما في مثل هذا الذي فيه إدانة بعض الأنبياء، و إلقاء اللوم عليه فلا.

(3) تفسير ابن كثير، ج 2، ص 479.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 228

و إنما هو بلاء و رفعة درجة.

20- الإسرائيليات في شجرة طوبى

و من الإسرائيليات ما ذكره بعض المفسرين عند تفسير قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَ حُسْنُ مَآبٍ «1».

فمن ذلك ما

رواه ابن جرير بسنده، عن وهب، قال: إن في الجنة شجرة يقال لها: طوبى، يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، زهرتها رياض، و ورقها برود، و قضبانها عنبر، و بطحاؤها ياقوت، و ترابها كافور، و وحلها مسك؛ يخرج من أصلها أنهار الخمر، و اللبن، و العسل، و هي مجلس لأهل الجنة، فبينما هم في مجلسهم إذ أتتهم ملائكة من ربهم، يقودون نجبا «2» مزمومة بسلاسل من ذهب، وجوهها كالمصابيح حسنا، و وبرها كخز المرعزي من لينه، عليها رحال «3» ألواحها من ياقوت، و دفوفها من ذهب، و ثيابها من سندس، و إستبرق، فينيخونها، و يقولون: إن ربنا أرسلنا إليكم لتزوروه، و تسلّموا عليه. قال:

فيركبونها في أسرع من الطائر، و أوطأ من الفراش، نجبا من غير مهنة، يسير الرجل إلى جنب أخيه، و هو يكلّمه، و يناجيه، لا تصيب أذن راحلة منها أذن الأخرى، و لا برك «4» راحلة برك الأخرى، حتى أن الشجرة لتتنحّى عن طريقهم، لئلّا تفرق بين الرجل و أخيه. قال: فيأتون إلى الرحمن الرحيم، فيسفر لهم عن وجهه

(1) الرعد/ 29.

(2) أي

إبلا كراما.

(3) الرحال: ما يوضع على البعير ليركب عليه.

(4) البرك: الصدر.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 229

الكريم، حتى ينظروا إليه، فإذا رأوه قالوا: «اللّهم أنت السلام، و منك السلام، و حقّ لك الجلال و الإكرام. قال: فيقول تعالى عند ذلك: أنا السلام، و منّي السلام، و عليكم السلام، حقّت رحمتي، و محبّتي، مرحبا بعبادي الذين خشوني بغيب، و أطاعوا أمري. قال: فيقولون: ربنا لم نعبدك حق عبادتك، و لم نقدرك حق قدرك، فأذن لنا في السجود قدّامك. قال: فيقول اللّه: إنها ليست بدار نصب، و لا عبادة، و لكنها دار ملك و نعيم، و إني قد رفعت عنكم نصب العبادة فسلوني ما شئتم، فإنّ لكل رجل منكم أمنيّته. فيسألونه، حتى أن أقصرهم أمنيّة ليقول: ربّي تنافس أهل الدنيا في دنياهم، فتضايقوا فيها، ربّ فآتني كل شي ء كانوا فيه، من يوم خلقتها إلى أن انتهت الدنيا، فيقول اللّه تعالى: لقد قصرت بك أمنيتك، و لقد سألت دون منزلتك، هذا لك مني و سأتحفك بمنزلتي؛ لأنه ليس في عطائى نكد، و لا قصر يد. قال: ثم يقول: أعرضوا على عبادي ما لم يبلغ أمانيهم و لم يخطر لهم على بال. قال: فيعرضون عليهم حتى يقضوهم أمانيهم التي في أنفسهم، فيكون فيما يعرضون عليهم براذين مقرنة، على كل أربعة منها سرير من ياقوتة واحدة، على كل سرير منها قبة من ذهب مفرغة، في كل قبة منها فرش من فرش الجنة، متظاهرة، في كل قبة منها جاريتان من الحور العين، على كل جارية منهن ثوبان من ثياب الجنة. و ليس في الجنة لون إلّا و هو فيهما، و لا ريح و لا طيب إلّا قد عبق

بهما، ينفذ ضوء وجوههما غلظ القبة، حتى يظن من يراهما أنهما دون القبة، يرى مخهما من فوق سوقهما كالسلك الأبيض من ياقوتة حمراء، تريان له من الفضل على صاحبته كفضل الشمس على الحجارة أو أفضل، و يرى هو لهما مثل ذلك. ثم يدخل إليهما فتحييانه و تقبّلانه، و تعانقانه، و تقولان له: و اللّه ما ظننا أن اللّه يخلق مثلك. ثم يأمر اللّه تعالى الملائكة فيسيرون بهم صفا في الجنة، حتى

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 230

ينتهي كل رجل منهم إلى منزلته التي أعدّت له «1».

و قد وصف ابن كثير في تفسيره هذا الأثر بأنه غريب عجيب و ساقه. و قد روى هذا الأثر ابن أبي حاتم بسنده، عن وهب أيضا، و زاد زيادات أخرى «2».

21- الإسرائيليات في إفساد بني إسرائيل
اشارة

و من الإسرائيليات في كتب التفسير ما يذكره بعض المفسرين عند قوله تعالى: وَ قَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَ لَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً. فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَ كانَ وَعْداً مَفْعُولًا. ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَ أَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَ بَنِينَ وَ جَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً، إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَ إِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَ لِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ لِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَ إِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَ جَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً «3».

و ليس من قصدنا هنا تحقيق مرّتي إفسادهم، و من سلط عليهم في كلتا المرتين، فلذلك موضع آخر «4».

(1) تفسير الطبري، عند تفسير هذه الآية، ج 13، ص 148 (ط 2)، الدر المنثور، ج 4، ص 60.

(2) تفسير ابن كثير، ج 2، ص 513. و تفسير البغوي، ج 3، ص 18.

(3) الإسراء/ 4- 8.

(4) الذي نرجّحه أن العباد ذوي البأس الشديد الذين نكلوا بهم، و أذلوهم، و سبوهم، هم

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 231

و إنما الذي يتّصل ببحثنا بيان ما روي من الإسرائيليات في هاتين المرتين، و اسم من سلط عليهم، و صفته و كيف كان، و إلى مصار أمره، و قد كانت معظم الروايات في بيان العباد ذوى البأس الشديد الذين سلطوا عليهم، تدور حول «بختنصر» البابلي. و قد أحاطوه بهالة من العجائب و الغرائب، و المبالغات التي لا تصدق. و قد أخرج هذه الروايات ابن جرير في تفسيره- و أكثر منها جدا «1»- و ابن أبي حاتم و البغوي «2»، و غيرهم، عن ابن عباس، و ابن مسعود، و عن سعيد بن جبير، و سعيد بن المسيب، و عن السدّي، و عن وهب بن منبّه، و ابن إسحاق، و غيرهم. و خرّجها من غير ذكر أسانيدها، مع عزوها إلى مخرجيها السيوطي في «الدر المنثور» «3».

و فيها- و لا شك- الكثير من أكاذيب بني إسرائيل التي اختلقها أسلافهم، و تنوقلت عليهم، و رواه أخلافهم من مسلمة أهل الكتاب الذين أسلموا، و أخذها عنهم بعض الصحابة و التابعين تحسينا للظن بهم، و رواها من غير تنبيه إلى ما فيها.

و في هذه الأخبار الإسرائيلية ما يحتمل الصدق و الكذب، و لكن الأولى عدم الاشتغال به، و أن لا نفسر القرآن به، و أن نقف عند ما قصّه اللّه علينا، من غير أن نفسد جمال القرآن و جلاله، بمثل هذه الإسرائيليات.

بختنصر و جنوده، و أن الآخرين الذين أساءوا

وجوههم، و دخلوا المسجد الأقصى هم «طيطوس» الروماني و جيوشه، فقد أساموهم سوء العذاب، و تأمل في قوله: «و إن عدتم عدنا» فإنه يدل على أنهم سيعودون ثم يفسدون، فيرسل اللّه لهم من يسومهم العذاب ألوانا.

(1) تفسير الطبري، ج 15، ص 16- 34.

(2) تفسير البغوي، ج 5، ص 144- 154.

(3) ج 4، ص 163- 166.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 232

و قد أكثر ابن جرير هنا من النقل عن ابن إسحاق، و في بعضها روى عن ابن إسحاق عمن لا يتّهم، عن وهب بن منبّه «1»، و في بعضها بسنده عن وهب بن منبّه في ذكر ابن إسحاق، و بذلك وقفنا على من كان المصدر الحقيقي لهذه المرويات، و أنه وهب، و أمثاله، من مسلمة أهل الكتاب.

و قد سوّد ابن جرير بضع صفحات من كتابه في النقل عن ابن إسحاق و عن وهب، و لا أحب أن أنقل هذا بنصه، فإنّ في ذلك تسويدا للصفحات، و لكني سأذكر البعض؛ ليكون القارئ لهذا التفسير على حذر من مثل ذلك.

قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق قال: «كان مما أنزل اللّه على موسى «2» في خبره عن بني إسرائيل، و في أحداثهم، ما هم فاعلون بعده، فقال: وَ قَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَ لَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً «3» إلى قوله: وَ جَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً.

فكانت بنو إسرائيل و فيهم الأحداث و الذنوب، و كان اللّه في ذلك متجاوزا عنهم متعطفا عليهم، محسنا إليهم، فكان مما أنزل بهم في ذنوبهم ما كان قدم إليهم في الخبر على لسان موسى، مما أنزل بهم في

ذنوبهم، فكان أول ما أنزل بهم من تلك الوقائع: أن ملكا منهم كان يدعى صديقة، و كان اللّه إذا ملك الملك عليهم بعث نبيا يسدّده، و يرشده، و يكون فيما بينه و بين اللّه، و يحدّث إليه في أمرهم لا ينزل عليهم الكتب، إنما يؤمرون باتباع التوراة، و الأحكام التي فيها، و ينهونهم

(1) تفسير الطبري، ج 15، ص 29.

(2) المراد أنزل معناه لا لفظه، فالتوراة لم تكن بالعربية، و لا كان لسان موسى عليه السّلام عربيا.

(3) الإسراء/ 4.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 233

عن المعصية، و يدعونهم إلى ما تركوا من الطاعة. فلما ملك ذلك الملك بعث اللّه معه شعياء بن أمصيا، و ذلك قبل مبعث زكريا، و يحيى و عيسى، و شعياء الذي بشّر بعيسى، و محمد، فملك ذلك الملك بني إسرائيل، و بيت المقدس زمانا، فلما انقضى ملكه، عظمت فيهم الأحداث، و شعياء معه، بعث اللّه عليهم «سنجاريب» ملك بابل، و معه ستمائة ألف راية «1»، فأقبل سائرا، حتى نزل نحو بيت المقدس، و الملك مريض، في ساقه قرحة، فجاء النبي شعياء، فقال له: يا ملك بني إسرائيل إن «سنجاريب» ملك بابل قد نزل بك هو و جنوده، ستمائة ألف راية، و قد هابهم الناس، و فرقوا «2» منهم. فكبر ذلك على الملك، فقال: يا نبي اللّه، هل أتاك وحي من اللّه فيما حدث فتخبرنا به؟ كيف يفعل اللّه بنا، و بسنجاريب و جنوده؟ فقال له النبي عليه السّلام: لم يأتني وحي، أحدث إليّ في شأنك، فبينما هم على ذلك أوحى اللّه إلى شعياء النبي أن ائت ملك بني إسرائيل فمره أن يوصي وصيته، و يستخلف على ملكه

من شاء من أهل بيته، فإنك ميت.

ثم استرسل ابن جرير في الرواية، حتى استغرق ذلك أربع صفحات كبار من كتابه «3»، لا يشك الناظر فيها أنها من أخبار بني إسرائيل، و فيما ذكره ابن جرير عن ابن إسحاق الصدق، و الكذب، و الحق، و الباطل و لسنا في حاجة إليه في تفسير الآيات.

و في الإفساد الثاني- و من سلط عليهم-

روى ابن جرير أيضا، قال: حدثني محمد بن سهل بن عسكر، و محمد بن عبد الملك بن زنجويه، قالا: حدثنا

(1) من المبالغات التي لا تصدق، و كن على ذكر مما نقلناه عن العلامة ابن خلدون فيما سبق.

(2) أي خافوا.

(3) ج 15، ص 18- 21.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 234

إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثنا ابن عبد الصمد بن معقل، عن وهب بن منبه.

و حدّثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتّهم، عن وهب بن منبّه اليماني- و اللفظ لحديث ابن حميد أنه كان يقول- يعني وهب بن منبه.

قال اللّه تبارك و تعالى لأرميا حين بعثه نبيا إلى بني إسرائيل: يا أرميا من قبل أن أخلقك اخترتك. و لأمر عظيم اختبأتك، فبعث اللّه «أرميا» إلى ذلك الملك من بني إسرائيل، يسدّده، و يرشده و يأتيه بالخبر من اللّه فيما بينه، و بين اللّه، قال:

ثم عظمت الأحداث في بني إسرائيل، و ركبوا المعاصي، و استحلوا المحارم، و نسوا ما كان اللّه سبحانه و تعالى صنع بهم، و ما نجاهم من عدوّهم «سنجاريب» و جنوده، فأوحى اللّه إلى أرمياء: أنت ائت قومك من بني إسرائيل، و اقصص عليهم ما آمرك به، و ذكّرهم نعمتي عليهم، و عرّفهم أحداثهم.

و استرسل وهب

بن منبه فيما يذكره من أخبار بني إسرائيل، حتى استغرق ذلك من تفسير ابن جرير ثلاث صفحات كبار «1» إلى غير ذلك، مما ذكره ابن جرير، و ابن أبي حاتم، و غيرهما، من قصص عجيب غريب في «بختنصر» هذا، و ما خرب من البلاد و ما قتل من العباد.

الكذب على رسول اللّه بنسبة هذه الإسرائيليات إليه

و لو أن هذه الإسرائيليات و الأباطيل وقف بها عند رواتها من أهل الكتاب الذين أسلموا، أو عند من رواها عنهم من الصحابة و التابعين لهان الأمر، و لكن عظم الإثم أن تنسب هذه الإسرائيليات إلى المعصوم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم صراحة، و لا أشك أن هذا الدسّ من عمل زنادقة اليهود.

(1) ج 15، ص 29- 33.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 235

روى ابن جرير في تفسيره، قال: حدثنا عصام بن داود بن الجرّاح، قال:

حدثنا أبي، قال: حدثنا سفيان بن سعيد الثوري، قال: حدثنا منصور بن المعتمر، عن ربعي بن حراش، قال: سمعت حذيفة بن اليمان يقول: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إن بني إسرائيل لما اعتدوا، و علوا، و قتلوا الأنبياء، بعث اللّه عليهم ملك فارس (بختنصر)، و كان اللّه ملّكه سبعمائة سنة «1»، فسار إليهم، حتى دخل بيت المقدس، فحاصرها، و فتح، و قتل على دم زكريا سبعين ألفا، ثم سبى أهلها، و بني الأنبياء، و سلب حلي بيت المقدس، و استخرج منها سبعين ألفا، و مائة ألف عجلة من حلي، حتى أوردها بابل» «2»، قال حذيفة: فقلت يا رسول اللّه لقد كان بيت المقدس عظيما عند اللّه، قال: أجل، بناه سليمان بن داود من ذهب، و در، و ياقوت، و زبرجد، و كان

بلاطة من ذهب، و بلاطة من فضة، و عمده ذهبا، أعطاه اللّه ذلك، و سخّر له الشياطين يأتونه بهذه الأشياء في طرفة عين، فسار (بختنصر) بهذه الأشياء، حتى دخل بها بابل، فأقام بنو إسرائيل في يديه مائة سنة، تعذّبهم المجوس، و أبناء المجوس، فيهم الأنبياء، و أبناء الأنبياء، ثم إن اللّه رحمهم فأوحى إلى ملك من ملوك فارس- يقال له: (كورش) و كان مؤمنا- أن سر إلى بقايا بني إسرائيل حتى تستنقذهم، فسار (كورش) ببني إسرائيل، و حلي بيت المقدس، حتى ردّه إليه.

فأقام بنو إسرائيل مطيعين اللّه مائة سنة، ثم إنهم عادوا في المعاصي، فسلّط اللّه عليهم (بطيانموس)، فغزا بأبناء من غزا مع بختنصر، فغزا بني إسرائيل، حتى أتاهم

(1) و أي جرم أعظم من أن ينسب هذا التخريف إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم؟

(2) مبالغات و أكاذيب تنزه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عنها.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 236

بيت المقدس، فسبى أهلها، و أحرق بيت المقدس، و قال لهم: يا بني إسرائيل، إن عدتم في المعاصي عدنا عليكم بالسباء، فعادوا في المعاصي، فسيّر اللّه عليهم السباء الثالث، ملك رومية، يقال له: (فاقس بن اسبايوس) «1» فغزاهم في البر و البحر فسباهم، و سبى حلي بيت المقدس، و أحرق بيت المقدس بالنيران، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: هذا من صنعة حلي بيت المقدس، و يردّه المهدي إلى بيت المقدس، و هو ألف سفينة، و سبعمائة سفينة، يرسي بها على «يافا»، حتى تنقل إلى بيت المقدس، و بها يجمع اللّه الأولين و الآخرين. و الغريب من ابن جرير، كيف استجاز

أن يذكر هذا الهراء، و هذه التخريفات عن المعصوم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و كان عليه أن يصون كتابه عن أن يسوّده بأمثال هذه المرويات الباطلة «2».

قال الإمام الحافظ ابن كثير:

«و قد روى ابن جرير في هذا المكان حديثا أسنده عن حذيفة مرفوعا مطوّلا، و هو حديث موضوع لا محالة، لا يستريب في ذلك من عنده أدنى معرفة بالحديث، و العجب كل العجب كيف راج عليه مع جلالة قدره، و إمامته، و قد صرّح شيخنا أبو الحجاج المزي بأنه موضوع مكذوب، و كتب ذلك على حاشية الكتاب- يعني كتاب تفسير ابن جرير- و قد وردت في هذا آثار كثيرة إسرائيلية، لم أر تطويل الكتاب بذكرها؛ لأن منها ما هو موضوع من وضع بعض زنادقتهم، و منها ما قد يحتمل أن يكون صحيحا، و نحن في غنية عنها و للّه الحمد، و فيما قص اللّه علينا في كتابه غنية عما سواه من بقية الكتب قبله، و لم يحوجنا اللّه، و لا رسوله إليهم، و قد أخبر اللّه عنهم أنهم لما طغوا و بغوا، سلط اللّه عليهم عدوّهم،

(1) في تفسير البغوي «قاقس بن استيانوس».

(2) تفسير الطبري، ج 15، ص 17- 18

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 237

فاستباح بيضتهم، و سلك خلال بيوتهم، و أذلّهم، و قهرهم جزاء وفاقا، و ما ربّك بظلّام للعبيد، فإنّهم كانوا قد تمرّدوا و قتلوا خلقا كثيرا من الأنبياء و العلماء «1».

قال أبو شهبة: و هذا هو الحق الذي ينبغي أن يصار إليه في الآية، و القصص القرآني لا يعني بذكر الأشخاص، و لا الأماكن؛ لأن الغرض منه العبرة، و التذكير، و التعليم و التأويل. و

الذي دلّت عليه الآية أنهم أفسدوا مرتين في الزمن الأوّل، و ظلموا و بغوا، فسلّط اللّه عليهم في الأولى من أذلهم و سباهم، و لا يعنينا أن يكون هذا (سنجاريب) أو (بختنصر) و جيشه؛ إذ لا يترتّب على العلم به فائدة تذكر، و سلّط اللّه عليهم في الثانية من أذلهم، و ساء وجوههم، و دخل المسجد الأقصى، فأفسد فيه، و دمّر، و لا يعنينا أن يكون هذا الذي نكل بهم هو (طيطوس) الروماني أو غيره؛ لأن المراد من سياق قصته: ما قضاه اللّه على بني إسرائيل أنهم أهل فساد، و بطر، و ظلم، و بغي، و أنهم لما أفسدوا و طغوا، و تجبّروا سلّط اللّه عليهم من عباده من نكل بهم، و أذلّهم، و سباهم، و شرّدهم، ثم إن الآيات دلّت أيضا على أن بني إسرائيل لا يقف طغيانهم، و بغيهم، و إفسادهم عند المرتين الأوليين، بل الآية توحي بأن ذلك مستمر إلى ما شاء اللّه، و أن اللّه سيسلط عليهم من يسومهم العذاب، و يبطش بهم، و يرد ظلمهم و عدوانهم، قال عز شأنه:

عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَ إِنْ عُدْتُمْ عُدْنا «2»، أ ليس في قوله هذا إنذار و وعيد لهم إلى يوم القيامة؟! بلى.

و ما يؤكد هذا الإنذار و الوعيد قوله تعالى: وَ إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَ إِنَّهُ لَغَفُورٌ

(1) تفسير ابن كثير، ج 3، ص 25. و تفسير البغوي، ج 3، ص 97- 105.

(2) الإسراء/ 8.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 238

رَحِيمٌ «1»، فهل يسلط اللّه عليهم اليوم من يردّ ظلمهم و بغيهم، و طردهم أهل فلسطين

من ديارهم، و اغتصاب الديار، و استذلال العباد، و استهانتهم بالقيم الخلقية، و الحقوق الإنسانية؟.

ذلك ما نرجو، و ما ذلك على المسلمين بعزيز، لو وحّدوا الكلمة، و جمعوا الصفوف، و أخذوا الحذر و الأهبة، و أعدوا لهم العدة، فاللّهم حقّق و أعن.

22- الإسرائيليات في قصة أصحاب الكهف

و من قصص الماضين التي أكثر فيها المفسرون من ذكر الإسرائيليّات قصّة أصحاب الكهف، فقد ذكر ابن جرير، و ابن مردويه، و غيرهما الكثير من أخبارهم التي لا يدلّ عليها كتاب اللّه تعالى، و لا يتوقف فهم القرآن و تدبّره عليها.

فمن ذلك ما ذكره ابن جرير في تفسيره، عن ابن إسحاق، صاحب السيرة في قصّتهم، فقد ذكر نحو ثلاث ورقات، و ذكر عن وهب بن منبّه، و ابن عباس و مجاهد أخبارا كثيرة أخرى «2»، و كذلك ذكر السيوطي في «الدر المنثور» «3»، الكثير ممّا ذكره المفسرون عن أصحاب الكهف، عن هويّتهم، و من كانوا؟ و في أي زمان و مكان وجدوا؟ و أسمائهم؟ و اسم كلبهم؟ و أ هو قطمير أم غيره؟ و عن لونه أ هو أصفر أم أحمر؟ بل روى ابن أبي حاتم من طريق سفيان، قال: رجل بالكوفة يقال له: عبيد- و كان لا يتّهم بالكذب- قال: رأيت كلب أصحاب الكهف

(1) الأعراف/ 167.

(2) تفسير الطبري، ج 15، ص 133 و ما بعدها.

(3) الدر المنثور، ج 4، ص 211- 218.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 239

أحمر، كأنه كساء أنبجاني «1»، و لا أدري كيف كان لا يتّهم بالكذب، و ما زعم كذب لا شك فيه، فهل بقي كلب أصحاب الكهف حتى الإسلام؟! و كذلك ذكروا أخبارا غرائب في الرقيم، فمن قائل: إنه قرية، و روى

ذلك عن كعب الأحبار، و من قائل: إنه واد بفلسطين، بقرب أيلة، و قيل: اسم جبل أصحاب الكهف إلى غير ذلك. مع أن الظاهر أنه كما قال كثير من السلف: إنه الكتاب أو الحجر الذي دوّن فيه قصّتهم و أخبارهم، أو غير ذلك، مما اللّه أعلم به، فهو فعيل بمعنى مفعول، أي مرقوم، و في الكتاب الكريم: وَ ما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ كِتابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ «2» وَ ما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ كِتابٌ مَرْقُومٌ «3».

و في هذه الأخبار: الحق و الباطل، و الصدق و الكذب، و فيها ما هو محتمل للصدق و الكذب، و لكن فيما عندنا غنية عنه، و لا فائدة من الاشتغال بمعرفته و تفسير القرآن به، كما أسلفنا، بل الأولى و الأحسن أن نضرب عنه صفحا، و قد أدّبنا اللّه بذلك؛ حيث قال لنبيه بعد ذكر اختلاف أهل الكتاب في عدد أصحاب الكهف: قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً وَ لا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً «4».

و غالب ذلك ما أشرنا إليه و غيره متلقّى عن أهل الكتاب الذين أسلموا.

و حمله عنهم بعض الصحابة و التابعين لغرابته و العجب منه، قال ابن كثير في تفسيره: «و في تسميتهم بهذه الأسماء، و اسم كلبهم، نظر في صحته و اللّه أعلم-

(1) نسبة إلى أنبج بلد تعرف بصنع الأكسية.

(2) المطففين/ 19 و 20.

(3) المطففين/ 8 و 9.

(4) الكهف/ 22.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 240

فإن غالب ذلك متلقّى من أهل الكتاب، و قد قال تعالى: فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً أي سهلا هيّنا لينا، فإنّ الأمر في معرفة ذلك لا يترتّب عليه

كبير فائدة وَ لا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً أي فإنّهم لا علم لهم بذلك إلا ما يقولونه من تلقاء أنفسهم، رجما بالغيب، أي من غير استناد إلى كلام معصوم، و قد جاءك اللّه يا محمد بالحق الذي لا شك فيه و لا مرية فيه، فهو المقدّم على كلّ ما تقدّمه من الكتب و الأقوال» «1».

23- الإسرائيليات في قصة ذي القرنين
اشارة

و من الإسرائيليات التي طفحت بها بعض كتب التفسير ما يذكرونه في تفاسيرهم، عند تفسير قوله تعالى: وَ يَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً. إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَ آتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْ ءٍ سَبَباً فَأَتْبَعَ سَبَباً ... «2»

و

قد ذكر ابن جرير في تفسيره بسنده، عن وهب بن منبّه اليماني- و كان له علم بالأحاديث الأولى- أنه كان يقول: «ذو القرنين رجل من الروم، ابن عجوز من عجائزهم، ليس لها ولد غيره، و كان اسمه الإسكندر، و إنما سمّي ذا القرنين؛ أن «3» صفحتي رأسه كانتا من نحاس، فلما بلغ و كان عبدا صالحا، قال اللّه عزّ و جل له: يا ذا القرنين إني باعثك إلى أمم الأرض، و هي أمم مختلفة ألسنتهم، و هم جميع أهل الأرض، و منهم أمّتان بينهما طول الأرض كلّه، و منهم أمتان بينهما عرض الأرض

(1) تفسير ابن كثير عند قوله تعالى: سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ، ج 3، ص 78.

(2) الكهف/ 83 و ما بعدها.

(3) أي لأن.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 241

كلّه، و أمم في وسط الأرض منهم الجن و الإنس، و يأجوج و مأجوج.

ثم استرسل في ذكر أوصافه، و ما وهبه اللّه من العلم و الحكمة، و أوصاف الأقوام الذين لقيهم، و ما قال لهم،

و ما قالوا له، و في أثناء ذلك يذكر ما لا يشهد له عقل و لا نقل. و قد سوّد بهذه الأخبار نحو أربعة صحائف من كتابه «1»، و كذلك ذكر روايات أخرى في سبب تسميته بذي القرنين، بما لا يخلو عن تخليط و تخبّط. و قد ذكر ذلك- عن غير ابن جرير- السيوطي في «الدرّ»، قال: «و أخرج ابن إسحاق، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و الشيرازي في الألقاب، و أبو الشيخ، عن وهب بن منبّه اليماني- و كان له علم بالأحاديث الأولى- أنه كان يقول: كان ذو القرنين رجلا من الروم، ابن عجوز من عجائزهم، ليس لها ولد غيره، و كان اسمه الإسكندر، و إنما سمّي ذا القرنين؛ أن صفحتي رأسه كانتا من نحاس ...» «2» و أنا لا أشك في أن ذلك مما تلقاه وهب عن كتبهم، و فيها ما فيها من الباطل و الكذب، ثم حملها عنه بعض التابعين، و أخذها عنهم ابن إسحاق و غيره من أصحاب كتب التفسير و السير و الأخبار. و لقد أجاد و أفاد الإمام الحافظ ابن كثير، حيث قال في تفسيره: «و قد ذكر ابن جرير هاهنا عن وهب بن منبّه أثرا طويلا، عجيبا في سير ذي القرنين، و بنائه السد، و كيفية ما جرى له، و فيه طول، و غرابة، و نكارة، في أشكالهم، و صفاتهم و طولهم، و قصر بعضهم، و آذانهم. و روى ابن أبي حاتم عن أبيه في ذلك أحاديث غريبة، لا تصحّ أسانيدها، و اللّه أعلم» «3». و حتى لو صح الإسناد فيها، فلا شك في أنها من الإسرائيليات؛ لأنه لا تنافي بين الأمرين، فهي صحيحة

(1) جامع

البيان، ج 16، ص 14- 18.

(2) الدر المنثور، ج 4، ص 242- 246.

(3) تفسير ابن كثير، ج 3، ص 104. و تفسير البغوى، ج 3، ص 178.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 242

إلى من رويت عنه، لكنها في نفسها من قصص بني إسرائيل الباطل، و أخبارهم الكاذبة.

و لو أن هذه الإسرائيليات وقف بها عند منابعها، أو من حملها عنهم من الصحابة و التابعين؛ لكان الأمر محتملا، و لكن الإثم، و كبر الكذب أن تنسب هذه الأخبار إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لو أنها كما أسلفنا كانت صحيحة في معناها و مبناها لما حل نسبتها إلى رسول اللّه أبدا، فما بالك و هي أكاذيب ملفّقة، و أخبار باطلة؟! و

قد روى ابن جرير و غيره عند تفسير قوله تعالى: وَ يَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ ... حديثا مرفوعا إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «حدثنا أبو كريب قال: حدثنا زيد بن حباب، عن ابن لهيعة، قال: حدثني عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن شيخين من تجيب، أنهما انطلقا إلى عقبة بن عامر، فقالا له: جئنا لتحدثنا، فقال: كنت يوما أخدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فخرجت من عنده، فلقيني قوم من أهل الكتاب، فقالوا: نريد أن نسأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فاستأذن لنا عليه، فدخلت عليه فأخبرته، فقال: ما لي و ما لهم، ما لي علم إلّا ما علّمني اللّه، ثم قال: اكسب لي ماء، فتوضّأ، ثم صلّى، قال: فما فرغ حتى عرفت السرور على وجهه، ثم قال: أدخلهم عليّ، و من رأيت من أصحابي، فدخلوا،

فقاموا بين يديه، فقال: إن شئتم سألتم فأخبرتكم عما تجدونه في كتابكم مكتوبا.

و إن شئتم أخبرتكم، قالوا: بلى، أخبرنا، قال: جئتم تسألون عن ذي القرنين، و ما تجدونه في كتابكم: كان شابّا من الرّوم، فجاء، فبنى مدينة مصر الإسكندرية، فلما فرغ جاءه ملك فعلا به في السماء، فقال له: ما ترى؟ فقال: أرى مدينتي، و مدائن، ثم علا به، فقال: ما ترى؟ فقال: أرى مدينتي، ثم علا به، فقال: ما ترى؟

قال: أرى الأرض، قال: فهذا اليم محيط بالدنيا، إن اللّه بعثني إليك تعلّم الجاهل، و تثبت العالم، فأتى به السدّ، و هو جبلان لينان يزلق عنهما كل شي ء، ثم مضى به

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 243

حتى جاوز يأجوج و مأجوج، ثم مضى به إلى أمة أخرى، وجوههم وجوه الكلاب، يقاتلون يأجوج و مأجوج، ثم مضى به حتى قطع به أمة أخرى يقاتلون هؤلاء الذين وجوههم وجوه الكلاب؛ ثم مضى حتى قطع به هؤلاء إلى أمة أخرى قد سماهم» «1» ، ثم عقب ذلك بسرد المرويات في سبب تسميته بذي القرنين.

و ذكر السيوطي في «الدر المنثور» «2» مثل ذلك، و قال: إنه أخرجه ابن عبد الحكم في «تاريخ مصر»، و ابن أبي حاتم، و أبو الشيخ، و البيهقي في «الدلائل».

و كل هذا من الإسرائيليات التي دسّت على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لو شئت أن أقسم بين الركن و المقام أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ما قال هذا، لأقسمت، و ابن لهيعة ضعيف في الحديث.

و قد كشف لنا الإمام الحافظ ابن كثير عن حقيقة هذه الرواية في تفسيره، و أنحى باللائمة على ما رواها،

فقال:

«و قد أورد ابن جرير هاهنا، و الأموي في مغازيه، حديثا أسنده- و هو ضعيف- عن عقبة بن عامر: أن نفرا من اليهود جاءوا يسألون النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن ذي القرنين، فأخبرهم بما جاءوا له ابتداء، فكان فيما أخبرهم به: أنه كان شابّا من الروم، و أنه بنى الإسكندرية، و أنه علا به ملك في السماء و ذهب به إلى السد، و رأى أقواما وجوههم مثل وجوه الكلاب.»

و فيه طول و نكارة، و رفعه لا يصح، و أكثر ما فيه أنه من أخبار بني إسرائيل.

و العجب أن أبا زرعة الرازي مع جلالة قدره ساقه بتمامه في كتاب «دلائل النبوة» و ذلك غريب منه، فيه من النكارة أنه من الروم، و إنما الذي كان من الروم

(1) جامع البيان، ج 16، ص 7 و 8.

(2) ج 4، ص 241.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 244

الإسكندر الثاني، و هو ابن فيلبس المقدوني، الذي تؤرّخ به الروم، و كان وزيره أرسطاطاليس، الفيلسوف المشهور، و اللّه أعلم «1».

و من هو ذو القرنين؟

قال أبو شهبة: و الذي نقطع به أنه ليس الإسكندر المقدوني؛ لأن ما ذكره المؤرخون في تاريخه لا يتفق و ما حكاه القرآن الكريم عن ذي القرنين، و الذي نقطع به أيضا أنه كان رجلا مؤمنا صالحا، ملك شرق الأرض و غربها، و كان من أمره ما قصه اللّه تعالى في كتابه، و هذا ما ينبغي أن نؤمن به، و نصدقه. أما معرفة هويته، و ما اسمه؟، و أين، و في أي زمان كان؟ فليس في القرآن، و لا في السنة الصحيحة ما يدلّ عليه، على أن الاعتبار بقصّته، و الانتفاع بها، لا

يتوقّف على شي ء من ذلك، و تلك سمة من سمات القصص القرآني، و خصيصة من خصائصه أنه لا يعني بالأشخاص، و الزمان، و المكان، مثل ما يعني بانتزاع العبرة منها، و الاستفادة منها، فيما سيقت له.

24- الإسرائيليات في قصّة يأجوج و مأجوج
اشارة

من الإسرائيليات التي اتسمت بالغرابة، و الخروج عن سنة اللّه في الفطرة، و خلق بني آدم ما ذكره بعض المفسرين في تفاسيرهم، عند قوله تعالى: قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَ مَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَ بَيْنَهُمْ سَدًّا «2».

(1) تفسير ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: وَ يَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ، ج 3، ص 100.

(2) الكهف/ 94.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 245

فقد ذكروا عن يأجوج و مأجوج الشي ء الكثير من العجائب و الغرائب،

قال السيوطي في «الدر المنثور» «1»: أخرج ابن أبي حاتم، و ابن مردويه، و ابن عدي، و ابن عساكر، و ابن النجار، عن حذيفة قال: سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن يأجوج، و مأجوج، فقال: «يأجوج و مأجوج أمّة، كل أمّة أربعمائة ألف أمّة، لا يموت أحدهم حتى ينظر إلى ألف رجل من صلبه، كل حمل السلاح». قلت: يا رسول اللّه، صفهم لنا، قال: «هم ثلاثة أصناف: صنف منهم أمثال الأرز». قلت: و ما الأرز؟ قال: «شجر بالشام طول الشجرة عشرون و مائة ذراع في السماء. قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: هؤلاء الذين لا يقوم لهم جبل، و لا حديد. و صنف منهم يفترش إحدى أذنيه، و يلتحف بالأخرى، لا يمرّون بفيل، و لا وحش، و لا جمل، و لا خنزير إلّا أكلوه، و

من مات منهم أكلوه، مقدّمتهم بالشام و ساقتهم يشربون أنهار المشرق، و بحيرة طبرية».

و قد ذكر ابن جرير في تفسيره هذه الرواية و غيرها من الروايات الموقوفة، و كذلك صنع القرطبي في تفسيره. و إذا كان بعض الزنادقة استباحوا لأنفسهم نسبة هذا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فكيف استباح هؤلاء الأئمة ذكر هذه المرويات المختلقة المكذوبة على رسول اللّه في كتبهم؟! و هذا الحديث المرفوع نص الإمام أبو الفرج ابن الجوزي- في موضوعاته و غيره- على أنه موضوع، و وافقه السيوطي في «اللئالئ» «2» فكيف يذكره في تفسيره و لا يعقّب عليه؟! و حقّ له أن يكون موضوعا، فالمعصوم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أجلّ من أن يروى عنه مثل

(1) ج 5، ص 250 و 251.

(2) اللئالئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة، ج 1، ص 173 فما بعد.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 246

هذه الخرافات. و في كتب التفسير من هذا الخلط و أحاديث الخرافة شي ء كثير، و رووا في هذا عن عبد اللّه بن عمرو، و عبد اللّه بن عمر، و عبد اللّه بن مسعود، و عن كعب الأحبار. و لكي تتأكّد أن ما رفع إلى رسول اللّه إنما هي إسرائيليّات، و قد نسبت إلى النبي زورا و كذبا، نذكر لك ما روي عن كعب، قال: «خلق يأجوج و مأجوج، ثلاثة أصناف: صنف كالأرز، و صنف أربعة أذرع طول، و أربعة أذرع عرض، و صنف يفترشون آذانهم، و يلتحفون بالأخرى، يأكلون مشائم «1» نسائهم».

و على حين نراهم يذكرون من هول و عظم خلقهم ما سمعت؛ إذ هم يروون عن ابن عباس رحمهما اللّه أنه

قال: «إن يأجوج و مأجوج شبر، و شبران، و أطولهم ثلاثة أشبار، و هم من ولد آدم»، بل

رووا عنه أنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «بعثني اللّه ليلة أسري بي إلى يأجوج و مأجوج، فدعوتهم إلى دين اللّه و عبادته فأبوا أن يجيبوني، فهم في النار، مع من عصى من ولد آدم و إبليس».

و العجب أن السيوطي قال عن هذا الحديث: إن سنده واه. و لا أدري لم ذكره مع و هاء سنده؟!

قال في تفسيره: و أخرج عبد بن حميد، و ابن المنذر، و الطبراني و البيهقي في البعث، و ابن مردويه، و ابن عساكر عن ابن عمر، عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «إن يأجوج و مأجوج من ولد آدم، و لو أرسلوا لأفسدوا على الناس معايشهم، و لا يموت رجل منهم إلا ترك من ذريته ألفا فصاعدا، و إنّ من ورائهم ثلاث أمم: تاويل، و تاريس، و منسك».

قال: و أخرج أحمد، و الترمذي- و حسّنه- و ابن ماجة، و ابن حبان، و الحاكم- و صحّحه- و ابن مردويه و البيهقي في البعث، عن أبي هريرة، عن

(1) جمع مشيمة، و هي ما ينزل مع الجنين حين يولّد، و بها يتغذّى في بطن أمه.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 247

رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «إن يأجوج و مأجوج يحفرون السدّ كل يوم، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس، قال الذي عليهم: ارجعوا، فستفتحونه غدا، و لا يستثنى، فإذا أصبحوا وجدوه قد رجع كما كان، فإذا أراد اللّه بخروجهم على الناس قال الذي عليهم: ارجعوا، فستفتحونه إن

شاء اللّه و يستثنى «1»، فيعودون إليه، و هو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه، و يخرجون على الناس، فيستقون المياه، و يتحصّن الناس منهم في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء، فترجع مخضّبة بالدماء، فيقولون: قهرنا من في الأرض، و علونا من في السماء، قسوا، و علوّا، فيبعث اللّه عليهم نغفا «2» في أعناقهم فيهلكون»

، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «فو الذي نفس محمد بيده إنّ دواب الأرض لتسمن، و تبطر، و تشكر شكرا «3» من لحومهم» «4».

و مهما كان سند مثل هذا فهو من الإسرائيليات عن كعب و أمثاله، و قد يكون رفعها إلى النبي غلطا و خطأ من بعض الرواة، أو كيدا يكيد به الزنادقة اليهود للإسلام. و إظهار رسوله بمظهر من يروي ما يخالف القرآن، فالقرآن قد نص بما لا يحتمل الشك على أنهم لم يستطيعوا أن يعلوا السدّ، و لا أن ينقبوه، قال تعالى:

فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَ مَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً «5».

و إليك ما ذكره ابن كثير هنا في تفسيره، قال بعد أن ذكر من رواه: و أخرجه الترمذي من حديث أبي عوانة، عن قتادة، ثم قال: غريب لا يعرف إلّا من هذا

(1) يعنى يقول: «إن شاء اللّه» لأنها في معنى الاستثناء، يعني إلّا أن يشاء اللّه تعالى.

(2) النغف- محركة-: دود يكون في أنوف الإبل و الغنم، واحده: نغفة.

(3) أي تسمن سمنا.

(4) الدر المنثور، ج 4، ص 251.

(5) الكهف/ 97.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 248

الوجه، و إسناده جيد قويّ، و لكن متنه في رفعه نكارة؛ لأن ظاهر الآية يقتضي أنهم لم يتمكّنوا من ارتقائه، و لا من نقبه؛ لإحكام بنائه

و صلابته و شدّته. و لكن هذا قد روي عن كعب الأحبار، أنهم قبل خروجهم يأتونه، فيلحسونه، حتى لا يبقى منه إلّا القليل، فيقولون: غدا نفتحه فيأتون من الغد و قد عاد كما كان، فيلحسونه حتى لا يبقى منه إلّا القليل، فيقولون كذلك، فيصبحون، و هو كما كان، فيلحسونه و يقولون: غدا نفتحه، و يلهمون أن يقولوا: إن شاء اللّه، فيصبحون، و هو كما فارقوه، فيفتحونه، و هذا متجه. و لعل أبا هريرة تلقاه من كعب، فإنه كان كثيرا ما كان يجالسه، و يحدثه، فحدّث به أبو هريرة، فتوهّم بعض الرواة عنه أنه مرفوع، فرفعه، و اللّه أعلم «1».

و من الإسرائيليات المستنكرة في هذا ما روي أن يأجوج و مأجوج خلقا من مني خرج من آدم، فاختلط بالتراب، و زعموا: أن آدم كان نائما فاحتلم، فمن ثم اختلط منيه بالتراب. و معروف أن الأنبياء لا يحتلمون؛ لأن الاحتلام من الشيطان.

قال ابن كثير: و هذا قول غريب جدا، لا دليل عليه، لا من عقل و لا من نقل، و لا يجوز الاعتماد هاهنا على ما يحكيه بعض أهل الكتاب، لما عندهم من الأحاديث المفتعلة، و اللّه أعلم «2».

و الخلاصة:

إن أصحاب الكهف، و ذا القرنين، و يأجوج و مأجوج، حقائق ثابتة لا شك، و كيف لا؟ و قد أخبر بها الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه.

و لكن الذي ننكره أشد الإنكار هذه الخرافات و الأساطير التي حيكت حولهم،

(1) تفسير ابن كثير، ج 3، ص 105. و تفسير البغوي، ج 3، ص 180- 182.

(2) تفسير ابن كثير، ج 3، ص 104.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 249

و تدسّست إلى

المرويات الإسلامية، و اللّه و رسوله بريئان منها، و إنما هي من أخبار بني إسرائيل و أكاذيبهم، و تحريفاتهم.

25- الإسرائيليات في قصة بلقيس ملكة سبأ

و من الإسرائيليات ما ذكره بعض المفسرين، عند تفسير قوله تعالى: قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَ كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَ أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ «1».

فقد ذكر ابن جرير، و الثعلبي، و البغوي، و الخازن، و غيرهم «أن سليمان أراد أن يتزوّجها، فقيل له: إن رجليها كحافر الحمار، و هي شعراء الساقين، فأمرهم، فبنوا له هذا القصر على هذه الصفة، فلما رأته حسبته لجة، و كشفت عن ساقيها لتخوضه، فنظر سليمان، فإذا هي أحسن الناس قدما و ساقا، إلّا أنها كانت شعراء الساقين، فكره ذلك، فسأل الإنس، ما يذهب هذا؟ قالوا: الموسى «2»، فقالت بلقيس: لم تمسّني حديدة قط، و كره سليمان ذلك، خشية أن تقطع ساقيها، فسأل الجن، فقالوا: لا ندري، ثم سأل الشياطين فقالوا: إنا نحتال لك حتى تكون كالفضة البيضاء، فاتخذوا لها النورة «3» و الحمام، فكانت النورة و الحمام من يومئذ» «4».

(1) النمل/ 44.

(2) المراد: الموسى التي تزيل الشعر.

(3) مادة يزال بها الشعر.

(4) كذب ظاهر، كأن النورة و الحمام لم يكونا إلّا لها، و كأن سليمان عليه السّلام لم يكن له همّ إلّا إزالة شعر ساقيها، و هو تجنّ صارخ على الأنبياء، و إظهارهم بمظهر المتهالك على النساء و محاسنهنّ، فقبّح اللّه اليهود.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 250

و قد روي هذا عن ابن عباس- رضوان اللّه عليه- و مجاهد، و عكرمة، و محمد بن كعب القرظي، و السدّي، و ابن

جريج و غيرهم.

و روي أيضا أنها سألت سيدنا سليمان عن أمرين، قالت له: أريد ماء ليس من أرض و لا من سماء!! فسأل سليمان الإنس، ثم الجن، ثم الشياطين، فقالت الشياطين: هذا هيّن، أجر الخيل، ثم خذ عرقها، ثم املأ منه الآنية، فأمر بالخيل فأجريت، ثم أخذ العرق، فملأ منه الآنية!! و سألته عن لون اللّه عزّ و جل فوثب سليمان عن سريره، و فزع من السؤال، و قال:

لقد سألتني يا رب عن أمر، إنه ليتعاظم في قلبي أن أذكره لك، و لكن اللّه أنساه، و أنساهم ما سألته عنه.

و أن الشياطين خافوا لو تزوّجها سليمان، و جاءت بولد، أن يبقوا في عبوديته، فصنعوا له هذا الصرح الممرد «1»، فظنته ماء، فكشفت عن ساقيها لتعبره، فإذا هي شعراء، فاستشارهم سليمان، ما يذهبه؟ فجعلت له الشياطين النورة «2».

قال ابن كثير في تفسيره، بعد أن ذكر بعض المرويات: و الأقرب في مثل هذه السياقات أنها متلقاة عن أهل الكتاب، مما وجد في صحفهم، كرواية كعب، و وهب، فيما نقلاه إلى هذه الأمة من أخبار بني إسرائيل من الأوابد «3»، و الغرائب، و العجائب مما كان، و ما لم يكن، و مما حرّف، و بدّل، و نسخ. و قد أغنانا اللّه عن ذلك بما هو أصح منه، و أنفع، و أوضح، و أبلغ، و للّه الحمد و المنة.

(1) الصرح: هو القصر المشيد المحكم البناء، المرتفع في السماء، و الممرد: الناعم الأملس.

القوارير: الزجاج الشديد الصفاء.

(2) تفسير ابن كثير، ج 3، ص 366. و تفسير البغوي، ج 3، ص 421 و 422.

(3) جمع آبدة، و هي الأمور المشكلة البعيدة المعاني، و أصل الآبدة: النافرة من الوحش التي

يستعصى أخذها، ثم شبّه بها الكلام المشكل العويص المعاني.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 251

و الحق أن سليمان عليه السّلام أراد ببنائه الصرح أن يريها عظمة ملكه، و سلطانه، و أن اللّه- سبحانه و تعالى- أعطاه من الملك، و من أسباب العمران و الحضارة ما لم يعطها، فضلا عن النبوة التي هي فوق الملك، و التي دونها أية نعمة، و حاشا لسليمان عليه السّلام و هو الذي سأل اللّه أن يعطيه حكما يوافق حكمه- أي اللّه-، فأوتيه أن يتحايل هذا التحايل، حتى ينظر إلى ما حرّم اللّه عليه، و هما ساقاها، و هو أجلّ من ذلك و أسمى.

و لو لا أنها رأت من سليمان ما كان عليه من الدين المتين، و الخلق الرفيع، لما أذعنت إليه لمّا دعاها إلى اللّه الواحد الحق، و لما ندمت على ما فرط منها من عبادة الكواكب و الشمس، و أسلمت مع سليمان للّه رب العالمين.

26- الإسرائيليات في هديّة ملكة سبأ لسيدنا سليمان

و من الإسرائيليات ما ذكره كثير من المفسرين، كابن جرير، و الثعلبي، و البغوي، و صاحب «الدر»، في الهديّة التي أرسلتها بلقيس إلى سيدنا سليمان عليه السّلام، و إليك ما ذكره البغوي في تفسيره، و ذلك عند تفسير قوله تعالى:

وَ إِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ «1».

قال البغوي:

فأهدت إليه وصفاء و وصائف. قال ابن عباس: ألبستهم لباسا واحدا كي لا يعرف الذكر من الأنثى. و قال مجاهد: ألبس الغلمان لباس الجواري، و ألبس

(1) النمل/ 35.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 252

الجواري ألبسة الغلمان. و اختلفوا في عددهم، فقال ابن عباس: مائة و صيف، و مائة و صيفة «1». و قال مجاهد و مقاتل: مائتا غلام، و مائتا جارية.

و قال قتادة و سعيد بن جبير و غيرهما: أرسلت إليه بلبنة من ذهب في حرير، و ديباج.

و قال وهب و غيره: عمدت بلقيس إلى خمسمائة غلام، و خمسمائة جارية، فألبست الغلمان لباس الجواري، و جعلت في سواعدهم أساور من ذهب، و في أعناقهم أطواقا من ذهب، و في آذانهم أقراطا، و شتوفا مرصعات بأنواع الجواهر. و ألبست الجواري لباس الغلمان: الأقبية و المناطق، و حملت الجواري على خمسمائة رمكة «2»، و الغلمان على خمسمائة برذون «3»، على كل فرس لجام من ذهب مرصع بالجواهر، و غواشيها من الديباج الملوّن. و بعثت إليه خمسمائة لبنة من ذهب و خمسمائة لبنة من فضة، و تاجا مكلّلا بالدر و الياقوت. و أرسلت إليه المسك و العنبر و العود، و عمدت إلى حقّة، فجعلت فيها درّة ثمينة غير مثقوبة، و خرزة مثقوبة معوجّة الثقب. و أرسلت مع الهدية رجالا من عقلاء قومها، و كتبت معهم كتابا إلى سليمان بالهديّة. و قالت: إن كنت نبيا فميّز لي بين الوصائف و الوصفاء، و أخبرني بما في الحقّة قبل أن تفتحها، و اثقب الدر ثقبا مستويا، و أدخل خيطا في الخرزة المثقوبة من غير علاج إنس و لا جن.

و رووا أيضا: أن سليمان عليه السّلام أمر الجن أن يضربوا لبنات الذهب و لبنات الفضة، ففعلوا، ثم أمرهم أن يفرشوا الطريق من موضعه الذي هو فيه إلى تسعة فراسخ ميدانا واحدا، بلبنات الذهب و الفضة!! و أن يعدّوا في الميدان أعجب

(1) أي خادم، و خادمة.

(2) أنثى البغال.

(3) البغل.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 253

دواب البر و البحر، فأعدّوها. ثم قعد على سريره، و أمر الشياطين أن يصطفوا

صفوفا فراسخ، و أمر الإنس فاصطفوا فراسخ، و أمر الوحوش و السباع و الهوام و الطير، فاصطفوا فراسخ عن يمينه و عن يساره، فلما دنا القوم من الميدان، و نظروا إلى ملك سليمان، و رأوا الدواب التي لم تر أعينهم مثلها تروث على لبن الذهب و الفضة، تقاصرت أنفسهم، و رموا بما معهم من الهدايا. ثم كان أن استعان سليمان بجبريل و الشياطين، و الأرضة في الإجابة عما سألته عنه «1».

و معظم ذلك مما لا نشك أنه من الإسرائيليات المكذوبة «2»، و أي ملك في الدنيا يتسع لفرش تسعة فراسخ بلبنات الذهب و الفضة؟!! و في رواية وهب ما يدل على الأصل الذي جاءت منه هذه المرويّات. و أن من روى ذلك من السلف فإنما أخذه عن مسلمة أهل الكتاب. و ما كان أجدر بكتب التفسير أن تنزّه عن مثل هذا اللغو و الخرافات التي تدسست إلى الرواية الإسلامية فأساءت إليها.

27- الإسرائيليات في قصة الذبيح و أنه إسحاق
اشارة

و من الإسرائيليات ما يذكره كثير من المفسرين، عند تفسير قوله تعالى:

وَ قالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ. رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ. فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ، فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ.

(1) تفسير البغوي، ج 3، ص 417 و 418.

(2) تفسير ابن كثير، ج 3، ص 363.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 254

فَلَمَّا أَسْلَما وَ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ «1» وَ نادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ. قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ وَ فَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ. وَ تَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ كَذلِكَ

نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ. وَ بَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ. وَ بارَكْنا عَلَيْهِ وَ عَلى إِسْحاقَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ «2».

فقد روى كثير من المفسرين، منهم ابن جرير «3»، و البغوي «4»، و صاحب «الدر» «5» في هذا روايات كثيرة، عن بعض الصحابة و التابعين و كعب الأحبار: أن الذبيح هو إسحاق.

و لم يقف الأمر عند الموقوف على الصحابة و التابعين، بل رفعوا ذلك زورا إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

روى ابن جرير، عن أبي كريب، عن زيد بن حباب، عن الحسن بن دينار، عن علي بن زيد بن جدعان، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطلب، عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «الذبيح إسحاق».

و هو حديث ضعيف ساقط لا يصح الاحتجاج به؛ فالحسن بن دينار متروك، و شيخه علي بن زيد بن جدعان منكر الحديث «6».

و

أخرج الديلمي في مسند الفردوس بسنده عن أبي سعيد الخدري، قال: قال

(1) أضجعه على جبينه على الأرض، و للإنسان جبينان و الجبهة بينهما.

(2) الصافات/ 99- 113.

(3) تفسير الطبري، ج 23، ص 51.

(4) تفسير البغوي، ج 4، ص 32.

(5) تفسير الدر المنثور، ج 5، ص 279- 284.

(6) تفسير ابن كثير، ج 4، ص 17.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 255

رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إن داود سأل ربه مسألة، فقال: اجعلني مثل إبراهيم، و إسحاق، و يعقوب، فأوحى اللّه إليه: إني ابتليت إبراهيم بالنار فصير، و ابتليت إسحاق بالذبح فصبر، و ابتليت يعقوب فصبر».

و

بما أخرجه الدار قطني، و الديلمي في مسند

الفردوس بسندهما عن ابن مسعود، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «الذبيح إسحاق».

و هي أحاديث لا تصحّ و لا تثبت، و أحاديث الديلمي في مسند الفردوس شأنها معروف، و الدار قطني ربما يخرج في سننه ما هو موضوع «1».

و

أخرج الطبراني في «الأوسط»، و ابن أبي حاتم في تفسيره، من طريق الوليد ابن مسلم، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إن اللّه تعالى خيرني بين أن يغفر لنصف أمتي أو شفاعتي، فاخترت شفاعتي و رجوت أن تكون أعم لأمتي، و لو لا الذي سبقني إليه العبد الصالح لعجّلت دعوتي، إن اللّه تعالى لما فرّج عن إسحاق كرب الذبح قيل له يا إسحاق: سل تعطه قال: أما و اللّه لأتعجلنّها قبل نزغات الشيطان، اللهم من مات لا يشرك باللّه شيئا قد أحسن فاغفر له» «2».

و عبد الرحمن بن زيد، بن أسلم، ضعيف، و يروي المنكرات، و الغرائب فلا يحتج بمروياته و قال ابن كثير: الحديث غريب منكر، و أخشى أن يكون فيه زيادة مدرجة، و هو قوله: «إن اللّه لما فرّج ...» و إن كان محفوظا، فالأشبه أنه إسماعيل، و حرّفوه بإسحاق، إلى غير ذلك من الأخبار، و فيها من الموقوف و الضعيف، و الموضوع كثير. و متى صح حديث مرفوع في أن الذبيح إسحاق

(1) انظر أعلام المحدّثين للأستاذ أبي شهبة.

(2) تفسير الآلوسي، ج 23، ص 123.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 256

قبلناه، و وضعناه على العين و الرأس، و لكنها كما رأيت لم يصح منها شي ء.

و

الحق أن المرويات في أن الذبيح إسحاق هي من إسرائيليات أهل الكتاب، و قد نقلها من أسلم منهم، ككعب الأحبار. و حملها عنهم بعض الصحابة و التابعين تحسينا للظن بهم، فذهبوا إليه. و جاء بعدهم العلماء فاغتروا بها، و ذهبوا إلى أن الذبيح إسحاق «1». و ما من كتاب من كتب التفسير، و السير، و التواريخ إلّا و يذكر فيه الخلاف بين السلف في هذا، إلّا أنّ منهم من يعقّب ببيان وجه الحق في هذا؛ و منهم من لا يعقّب اقتناعا بها، أو تسليما لها.

و حقيقة هذه المرويات أنها من وضع أهل الكتاب، لعداوتهم المتأصّلة من قديم الزمان للنبي الأمي العربي، فقد أرادوا أن لا يكون لإسماعيل الجد الأعلى للنبي فضل أنه الذبيح حتى لا ينجرّ ذلك إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و إلى المسلمين.

نص التوراة

ففي التوراة (الإصحاح الثاني و العشرون- فقره 2): «فقال الرب: خذ ابنك

(1) تفسير ابن كثير، ج 4، ص 16- 17.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 257

وحيدك الذي تحبه إسحاق، و اذهب إلى أرض المريا، و أصعده هناك محرقة على أحد الجبال الذي أقول لك ...» «1».

و ليس أدل على كذب هذا، من كلمة «وحيدك»، و إسحاق عليه السّلام لم يكن وحيدا قط! لأنه ولد و لإسماعيل نحو أربع عشرة سنة، كما هو صريح توراتهم في هذا. و قد بقي إسماعيل عليه السّلام حتى مات أبوه الخليل، و حضر وفاته، و دفنه، و إليك ما ورد في هذا:

ففي سفر التكوين (الإصحاح السادس عشر الفقرة 16) ما نصه:

«و كان أبرام- يعني إبراهيم- ابن ست و ثمانين سنة، لما ولدت هاجر إسماعيل لأبرام»، و في

سفر التكوين: (الإصحاح الحادي و العشرون فقرة 5) ما نصه: «و كان إبراهيم ابن مائة سنة، حين ولد له إسحاق ابنه».

و في الفقرة (9) و ما بعدها ما نصه:

(9) و رأت سارة ابن هاجر المصرية الذي ولدته لإبراهيم يمرح (10) فقالت لإبراهيم: اطرد هذه الجارية و ابنها، لأن ابن هذه الجارية لا يرث مع ابني إسحاق (11) فقبح الكلام جدا في عيني إبراهيم لسبب ابنه (12) فقال اللّه لإبراهيم:

لا يقبح في عينيك من أجل الغلام، و من أجل جاريتك، في كل ما تقول سارة اسمع لقولها، لأنه بإسحاق يدعى لك نسل (13) و ابن الجارية أيضا سأجعله أمّة، لأنه نسلك» «2» إلى آخر القصة.

(1) و قد ذكرت القصة في التوراة في 14 فقرة، فليرجع إليها من يشاء لتكون لنا الحجة عليهم، من نفس كتابهم المقدس.

(2) و يصدق هذا كتاب اللّه الشاهد على الكتب السماوية كلها، قوله سبحانه حكاية لمقالة إبراهيم، و إسماعيل عليهما السّلام بعد أن بنيا البيت: رَبَّنا وَ اجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 258

فما قولكم يا أيها اليهود المحرفون؟!، و كيف يتأتى أن يكون إسحاق وحيدا؟! مع هذه النصوص التي هي من توراتكم التي تعتقدون صحتها، و تزعمون أنها ليست محرفة!!، ثم ما رأيكم أيها المغترون بروايات أن الذبيح إسحاق، بعد ما تأكدتم تحريف التوراة في هذا؟

و قد دل القرآن الكريم، و دلت التوراة، و رواية البخاري و غيره على أن الخليل إبراهيم عليه السلام أسكن هاجر و ابنها عند مكان البيت المحرم؛ حيث بنى فيما بعد، و قامت مكة بجواره. و قد عبرت التوراة بأنهما كانا في برية فاران، و فاران

هي مكة، كما يعبر عنها في العهد القديم. و هذا هو الحق في أن قصة الذبح كان مسرحها بمكة و منى، و فيها يذبح الحجاج ذبائحهم اليوم. و قد حرف اليهود النص الأول و جعلوه «جبل المريا»، و هو الذي تقع عليه مدينة أورشليم القديمة- مدينة القدس اليوم- ليتم لهم ما أرادوا، فأبى الحق إلا أن يظهر تحريفهم!! و قد ذكر ابن كثير: أن في بعض نسخ التوراة «بكرك» «1» بدل «وحيدك» و هو أظهر في البطلان، و أدل على التحريف؛ إذ لم يكن إسحاق بكرا للخليل بنص التوراة، كما ذكرنا آنفا.

الذبيح هو إسماعيل عليه السلام

و الحق أن الذبيح هو إسماعيل عليه السلام، و هو الذي يدل عليه ظواهر الآيات القرآنية، و الآثار عن الصحابة و التابعين، و منها ما له حكم الرفع بتقرير

مُسْلِمَةً لَكَ و لو أن اليهود وعوا ما جاء في التوراة و القرآن، لعلموا أنه ستكون أمة لها شأنها من نسل إسماعيل، و لما حسدوا المسلمين على هذا الفضل.

(1) أول مولود يولد للشخص. راجع: تفسير ابن كثير، ج 4، ص 14.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 259

النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم له.

فلا عجب أن ذهب إليه جمهرة الصحابة، و التابعين، و من بعدهم، و أئمة العلم و الحديث، منهم الصحابة النجباء، و السادة العلماء: الإمام أمير المؤمنين علي عليه السّلام، سعيد بن جبير، و مجاهد، و الشعبي، و الحسن البصري، و محمد بن كعب القرظي، و سعيد بن المسيب، و الإمام أبو جعفر محمد الباقر عليه السّلام، و أبو صالح، و الربيع بن أنس، و أبو عمرو ابن العلاء، و أحمد بن حنبل و غيرهم، و هو إحدى الروايتين، و

أقواهما عن ابن عباس.

و في «زاد المعاد»، لابن القيم: أنه الصواب عند علماء الصحابة و التابعين فمن بعدهم.

و هذا الرأي هو المشهور عند العرب قبل البعثة، نقلوه بالتواتر جيلا عن جيل، و ذكره أمية بن أبي الصلت في شعر له.

قال: و لا خلاف بين النسّابين أن عدنان من ولد إسماعيل عليه السّلام، و إسماعيل هو القول الصواب عند علماء الصحابة و التابعين و من بعدهم. و أما القول بأنه إسحاق فباطل من عشرين وجها. قال ابن تيميّة: هذا القول متلقّى عن أهل الكتاب، مع أنه باطل بنص كتابهم، فإن فيه: «إن اللّه أمر إبراهيم بذبح ابنه بكره»، و في لفظ «وحيده» و لا يشك أهل الكتاب مع المسلمين أن إسماعيل هو بكر أولاده، و الذي غرّ هؤلاء أنه في التوراة التي بأيديهم: «اذبح ابنك إسحاق». قال:

و هذه الزيادة من تحريفهم و كذبهم؛ لأنها تناقض قوله: «اذبح بكرك و وحيدك»، و لكنّ اليهود حسدت بني إسماعيل على هذا الشرف، و أحبّوا أن يكون لهم، و أن يسوقوه إليهم، و يختاروه لأنفسهم دون المسلمين، و يأبى اللّه إلّا أن يجعل فضله لأهله.

و كيف يسوغ أن يقال: إن الذبيح إسحاق؟ و اللّه تعالى قد بشّر أم إسحاق به،

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 260

و بابنه يعقوب، قال تعالى: فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَ مِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ «1».

فمحال أن يبشرها بأن يكون لها ولد، و للولد ولد، ثم يأمر بذبحه. و لا ريب أن يعقوب عليه السّلام داخل في البشارة، و يدل عليه أيضا أن اللّه ذكر قصة إبراهيم و ابنه الذبيح في سورة الصافات، ثمّ قال- بعدها-: وَ بَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ «2». و هذا ظاهر جدّا

في أن المبشّر به غير الأول، بل هو كالنص فيه، و غير معقول في أفصح الكلام و أبلغه أن يبشّر بإسحاق بعد قصة يكون فيها هو الذبيح، فتعيّن أن يكون الذبيح غيره.

و أيضا فلا ريب أن الذبيح كان بمكة؛ و لذلك جعلت القرابين يوم النحر بها، كما جعل السعي بين الصفا و المروة، و رمي الجمار تذكيرا لشأن إسماعيل و أمّه، و إقامته لذكر اللّه، و معلوم أن إسماعيل و أمه هما اللذان كانا بمكة دون إسحاق و أمّه.

و لو كان الذبح بالشام كما يزعم أهل الكتاب؛ لكانت القرابين و النحر بالشام، لا بمكة، و أيضا فإن اللّه سبحانه سمّى الذبيح حليما؛ لأنه لا أحلم ممن أسلم نفسه للذبح طاعة لربه، و لمّا ذكر إسحاق سماه عليما: قالُوا لا تَخَفْ وَ بَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ «3». و هذا إسحاق بلا ريب؛ لأنه من امرأته و هي المبشرة به، و أما إسماعيل فمن السرية «4»، و أيضا فلأنهما بشّرا به على الكبر و اليأس من الولد، فكان ابتلاؤهما بذبحه أمرا بعيدا، و أما إسماعيل فإنه ولد قبل ذلك ... إلى آخر ما

(1) هود/ 71.

(2) الصافات/ 112.

(3) الذاريات/ 28.

(4) أي الجارية.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 261

قال «1».

و شهد شاهد من أهلها

و روى ابن إسحاق، عن محمد بن كعب القرظي، أنه ذكر ذلك لعمر بن عبد العزيز و هو خليفة، فقال له عمر: إنّ هذا لشي ء ما كنت أنظر فيه، و إني لأراه كما قلت. ثم أرسل إلى رجل كان يهوديا، فأسلم و حسن إسلامه، و كان من علمائهم، فسأله: أيّ ابني إبراهيم أمر بذبحه؟، فقال: إسماعيل- و اللّه- يا أمير المؤمنين، و إن يهود لتعلم

بذلك، و لكنهم يحسدونكم. و هذا هو الحق الذي يجب أن يصار إليه. قال ابن كثير في تفسيره: «و الذي استدل به محمد بن كعب القرظي على أنه إسماعيل أثبت، و أصح، و أقوى، و اللّه أعلم» «2».

قال أبو شهبة: و بعد هذا التحقيق و البحث، يتبيّن لنا أن الصحيح أن الذبيح إسماعيل عليه السّلام، و أن ما روي من أنه إسحاق، المرفوع منه إمّا موضوع، و إمّا ضعيف لا يصحّ الاحتجاج به، و الموقوف منه على الصحابة أو على التابعين إن صح سنده إليهم هو من الإسرائيليات التي رواها أهل الكتاب الذين أسلموا، و أنها في أصلها من دسّ اليهود، و كذبهم، و تحريفهم للنصوص حسدا منهم. فقاتلهم اللّه أنّى يؤفكون.

و قد جاز هذا الدسّ اليهودي على بعض كبار العلماء كابن جرير «3»، و القاضي عياض، و السهيلي، فذهبوا إلى أنه إسحاق، و تحيّر بعضهم في

(1) زاد المعاد، ج 1، ص 13- 14.

(2) تفسير ابن كثير، ج 4، ص 18.

(3) جامع البيان، ج 23، ص 54- 55.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 262

الروايات فتوقف، كالسيوطي و ابن الأثير «1» و حاول بعضهم الجمع بينها فزعم أن الذّبح وقع مرّتين، و الحق: ما وضّحناه لك، فلا تجوّز، و لا تتوقّف و لا تقل بالتكرار، و اللّه الهادي إلى الحق.

تحريفهم للتوراة

و لأجل أن يكون هذا الفضل لجدهم إسحاق عليه السّلام لا لأخيه إسماعيل حرّفوا التوراة في هذا، و لكن اللّه أبى إلّا أن يغفلوا عما يدلّ على هذه الجريمة النكراء؛ و الجاني غالبا يترك من الآثار ما يدلّ على جريمته، و الحق يبقى له شعاع، و لو خافت، يدلّ عليه، مهما

حاول المبطلون إخفاء نوره، و طمس معالمه. فقد حذفوا من التوراة لفظ «إسماعيل»، و وضعوا بدله لفظ «إسحاق»، و لكنهم غفلوا عن كلمة كشفت عن هذا التزوير، و ذاك الدسّ المشين.

28- الإسرائيليات في قصة إلياس عليه السّلام

و من الإسرائيليات التي اشتملت عليها بعض كتب التفسير ما ذكروه في قصة إلياس عليه السّلام عند تفسير قوله تعالى: وَ إِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَ لا تَتَّقُونَ. أَ تَدْعُونَ بَعْلًا وَ تَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ. اللَّهَ رَبَّكُمْ وَ رَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ. فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ. إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ. وَ تَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ. سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ، إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ «2».

فقد روى البغوي، و الخازن، و صاحب «الدر»، و غيرهم، عن ابن عباس، و الحسن، و كعب الأحبار، و وهب بن منبّه، مرويات تتعلق بإلياس عليه السّلام.

قال صاحب «الدر المنثور»: أخرج ابن عساكر، عن الحسن رضى اللّه عنه في قوله:

وَ إِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، قال: إن اللّه تعالى بعث إلياس إلى بعلبك، و كانوا قوما يعبدون الأصنام، و كانت ملوك بني إسرائيل متفرقة على العامة، كل ملك على ناحية يأكلها، و كان الملك الذي كان إلياس معه يقوم له أمره، و يقتدي برأيه، و هو على هدى من بين أصحابه، حتى وقع إليهم قوم من عبدة الأصنام، فقالوا له: ما يدعوك إلّا إلى الضلالة و الباطل، و جعلوا يقولون له: اعبد هذه الأوثان التي تعبد

(1) الدر المنثور، ج 5، ص 280. و الكامل في التاريخ، ج 1 ص 108- 111.

(2) الصافات/ 123- 132.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 263

الملوك، و هم على ما نحن عليه، يأكلون، و يشربون، و هم في ملكهم يتقلّبون، و

ما تنقص دنياهم من ربهم الذي تزعم أنه باطل، و ما لنا عليهم من فضل.

فاسترجع إلياس، فقام شعر رأسه، و جلده، فخرج عليه إلياس.

قال الحسن: و إن الذي زيّن لذلك الملك امرأته، و كانت قبله تحت ملك جبار، و كان من الكنعانيين في طول و جسم و حسن، فمات زوجها فاتخذت تمثالا على صورة بعلها من الذهب، و جعلت له حدقتين من ياقوتتين، و توّجته بتاج مكلّل بالدر و الجوهر، ثم أقعدته على سرير، تدخل عليه، فتدخّنه، و تطيبه، و تسجد له، ثم تخرج عنه. فتزوجت بعد ذلك هذا الملك الذي كان إلياس معه.

و كانت فاجرة قد قهرت زوجها، و وضعت البعل في ذلك البيت، و جعلت سبعين سادنا «1»، فعبدوا البعل. فدعاهم إلياس إلى اللّه فلم يزدهم ذلك إلّا بعدا، فقال إلياس: اللهم إن بني إسرائيل قد أبوا إلّا الكفر بك، و عبادة غيرك، فغيّر ما بهم من نعمتك. فأوحى اللّه إليه: إني قد جعلت أرزاقهم بيدك، فقال: اللّهم أمسك عنهم القطر ثلاث سنين، فأمسك اللّه عنهم القطر. و أرسل إلى الملك فتاه اليسع، فقال: قل له: إن إلياس يقول لك: إنك اخترت عبادة البعل على عبادة اللّه، و أتبعت هوى امرأتك، فاستعد للعذاب و البلاء. فانطلق اليسع، فبلغ رسالته للملك، فعصمه اللّه تعالى من شر الملك، و أمسك اللّه عنهم القطر، حتى هلكت الماشية و الدواب، و جهد الناس جهدا شديدا. و خرج إلياس إلى ذروة جبل، فكان اللّه يأتيه برزق، و فجر له عينا معينا لشرابه و طهوره. حتى أصاب الناس الجهد، فأرسل الملك إلى السبعين، فقال لهم: سلوا البعل أن يفرج ما بنا، فأخرجوا أصنامهم، فقربوا لها الذبائح، و عطفوا عليها،

و جعلوا يدعون، حتى طال

(1) هو الذي يقوم بخدمة الأصنام.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 264

ذلك بهم، فقال لهم الملك: إن إله إلياس كان أسرع إجابة من هؤلاء. فبعثوا في طلب إلياس، فأتى، فقال: أ تحبون أن يفرج عنكم؟ قالوا: نعم، قال: فأخرجوا أوثانكم. فدعا إلياس عليه السّلام ربه أن يفرج عنهم، فارتفعت سحابة مثل الترس «1»، و هم ينظرون، ثم أرسل اللّه عليهم المطر، فتابوا و رجعوا.

قال: و أخرج ابن عساكر، عن كعب، قال: «أربعة أنبياء اليوم أحياء، اثنان في الدنيا: إلياس و الخضر، و اثنان في السماء: عيسى و إدريس».

قال: و أخرج ابن عساكر، عن وهب، قال: دعا إلياس عليه السّلام ربه، أن يريحه من قومه، فقيل له: انظر يوم كذا و كذا، فإذا رأيت دابة لونها مثل لون النار فاركبها.

فجعل يتوقع ذلك اليوم، فإذا هو بشي ء قد أقبل على صورة فرس، لونه كلون النار، حتى وقف بين يديه، فوثب عليه، فانطلق به، فكان آخر العهد به، فكساه اللّه الريش، و كساه النور، و قطع عنه لذة المطعم و المشرب، فصار في الملائكة عليهم السّلام.

قال: و أخرج ابن عساكر، عن الحسن رضى اللّه عنه قال: إلياس عليه السّلام موكل بالفيافي.

و الخضر عليه السّلام بالجبال، و قد أعطيا الخلد في الدنيا إلى الصيحة الأولى «2»، و أنهما يجتمعان كل عام بالموسم.

قال: و أخرج الحاكم، عن كعب، قال: كان إلياس صاحب جبال و برية يخلو فيها، يعبد ربه عزّ و جل، و كان ضخم الرأس، خميص البطن، دقيق الساقين، في صدره شامة حمراء، و إنما رفعه اللّه إلى أرض الشام، لم يصعد به إلى السماء، و هو الذي

(1) ما يلبسه

المحارب.

(2) يعني النفخة الأولى في الصور.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 265

سماه اللّه ذا النون «1».

و كل هذا من أخبار بني إسرائيل و تزيّداتهم، و اختلاقاتهم، و ما روي منها عن بعض الصحابة و التابعين، فمرجعه إلى مسلمة أهل الكتاب ككعب، و وهب و غيرهما، و قد رأيت كيف تضارب و تناقض كعب و وهب، فكعب يقول:

لم يصعد به إلى السماء، و يزعم أنه ذو النون، و وهب يقول: إنه رفعه إلى السماء، و صار في عداد الملائكة عليهم السّلام و أن بعض الروايات تقول: إنه الخضر، و البعض الآخر يقول: إنه غير الخضر، إلى غير ذلك من الاضطرابات و الأباطيل، كزعم مختلق الروايات الأولى: «أن اللّه أوحى إلى إلياس إني قد جعلت أرزاقهم بيدك».

بينما في بعض الروايات الأخرى: أن اللّه أبى عليه ذلك مرّتين، و أجابه في الثالثة، و هكذا الباطل يكون مضطربا لجلجا، و أما الحق فهو ثابت أبلج.

و لم يقف الأمر عند نقل هذه الإسرائيليات عمن ذكرنا، بل بلغ الافتراء ببعض الزنادقة و الكذابين إلى نسبة ذلك إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كي يؤيد به أكاذيب بني إسرائيل و خرافاتهم، و كي يعود ذلك بالطعن على صاحب الرسالة العامة الخالدة صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

قال السيوطي في «الدر»: و أخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضى اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «الخضر هو إلياس».

و

أخرج الحاكم و صححه و البيهقي في «الدلائل» و ضعفه عن أنس رضى اللّه عنه قال: كنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في سفر، فنزلنا منزلا، فإذا رجل

في الوادي يقول:

اللهم اجعلني من أمة محمد المرحومة، المغفورة، المثاب لها، فأشرفت على الوادي، فإذا رجل طوله ثلاثمائة ذراع و أكثر، فقال: من أنت؟ قلت: أنس، خادم

(1) الدر المنثور، ج 5، ص 280 و 281.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 266

رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فقال: أين هو؟ قلت: هو ذا يسمع كلامك، قال: فأته و أقرئه مني السلام، و قل له: أخوك إلياس يقرئك السلام. فأتيت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فأخبرته، فجاء حتى عانقه، و قعدا يتحدثان، فقال له: يا رسول اللّه، إني إنما آكل في كل سنة يوما، و هذا يوم فطري فكل أنت و أنا، فنزلت عليهما مائدة من السماء، و خبز و حوت و كرفس، فأكلا، و أطعماني، و صليا العصر، ثم ودّعني و ودّعته، ثم رأيته مرّ على السحاب نحو السماء.

قال الحاكم: صحيح الإسناد، و قال الإمام الذهبي: بل هو موضوع، قبّح اللّه من وضعه، قال- أي الذهبي-: و ما كنت أحسب و لا أجوّز أن الجهل يبلغ بالحاكم أن يصحّح مثل هذا.

و أخلق بهذا أن يكون موضوعا، كما قاله الإمام الحافظ الناقد الذهبي.

29- الإسرائيليات في قصّة داود عليه السّلام
اشارة

و من الإسرائيليات التي تخلّ بمقام الأنبياء، و تنافي عصمتهم، ما ذكره بعض المفسرين في قصة سيدنا داود عليه السّلام عند تفسير قوله تعالى:

وَ هَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ. إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَ لا تُشْطِطْ وَ اهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ. إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَ تِسْعُونَ نَعْجَةً وَ لِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها «1» وَ عَزَّنِي «2» فِي

الْخِطابِ.

(1) أكفلنيها: ضمها إلي.

(2) عزني: غلبني في القول لقوته، و جاهه و ضعفي.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 267

قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ قَلِيلٌ ما هُمْ وَ ظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَ خَرَّ راكِعاً وَ أَنابَ. فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَ إِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَ حُسْنَ مَآبٍ «1».

فقد ذكر ابن جرير، و ابن أبي حاتم، و البغوي، و السيوطي في «الدر المنثور» «2» من الأخبار ما تقشعرّ منه الأبدان، و لا يوافق عقلا، و لا نقلا، عن ابن عباس، و مجاهد، و وهب بن منبّه، و كعب الأحبار، و السدّي، و غيرهم ما محصّلها: أن داود عليه السّلام حدّث نفسه؛ إن ابتلي أن يعتصم، فقيل له: إنك ستبتلى و ستعلم اليوم الذي تبتلي فيه، فخذ حذرك، فقيل له: هذا اليوم الذي تبتلي فيه، فأخذ الزبور «3»، و دخل المحراب، و أغلق بابه، و أقعد خادمه على الباب، و قال:

لا تأذن لأحد اليوم. فبينما هو يقرأ الزبور، إذ جاء طائر مذهّب يدرج بين يديه، فدنا منه، فأمكن أن يأخذه، فطار فوقع على كوّة المحراب، فدنا منه ليأخذه، فطار، فأشرف عليه لينظر أين وقع، فإذا هو بامرأة عند بركتها تغتسل من الحيض، فلما رأت ظله نفضت شعرها، فغطّت جسدها به، و كان زوجها غازيا في سبيل اللّه، فكتب داود إلى رأس الغزاة: أن اجعله في حملة التابوت «4»، و كان حملة التابوت إما أن يفتح عليهم، و إما أن يقتلوا، فقدّمه في حملة التابوت، فقتل. و في بعض هذه الروايات الباطلة: أنه فعل ذلك

ثلاث مرات، حتى قتل في الثالثة، فلمّا انقضت عدّتها، خطبها داود عليه السّلام، فتسوّر عليه الملكان، و كان ما كان، مما حكاه

(1) ص/ 21- 25.

(2) ج 5، ص 300- 302.

(3) كتاب داود عليه السّلام.

(4) صندوق فيه بعض مخلفات أنبياء بني إسرائيل، فكانوا يقدمونه بين يدى الجيش كي ينصروا.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 268

اللّه تعالى.

و لم يقف الأمر عند هذه الروايات الموقوفة عن بعض الصحابة و التابعين، و مسلمة أهل الكتاب، بل جاء بعضها مرفوعا إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

قال صاحب «الدر»: و أخرج الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول»، و ابن جرير، و ابن أبي حاتم بسند ضعيف، عن أنس رضى اللّه عنه قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: «إن داود عليه السّلام حين نظر إلى المرأة، قطع «1» على بني إسرائيل، و أوصى صاحب الجيش، فقال: إذا حضر العدو فقرّب فلانا بين يدي التابوت»، و كان التابوت في ذلك الزمان يستنصر به من قدم بين يدي التابوت، لم يرجع حتى يقتل أو ينهزم معه الجيش، فقتل، و تزوج المرأة، و نزل الملكان على داود عليه السّلام فسجد، فمكث أربعين ليلة ساجدا، حتى نبت الزرع من دموعه على رأسه، فأكلت الأرض جبينه، و هو يقول في سجوده: «ربّ زل داود زلة أبعد مما بين المشرق و المغرب، ربّ إن لم ترحم ضعف داود، و تغفر ذنوبه جعلت ذنبه حديثا في المخلوق من بعده. فجاء جبريل عليه السّلام من بعد أربعين ليلة، فقال: يا داود إن اللّه قد غفر لك، و قد عرفت أن اللّه عدل لا يميل، فكيف بفلان

إذا جاء يوم القيامة، فقال: يا ربّ دمي الذي عند داود، قال جبريل: ما سألت ربك عن ذلك، فإن شئت لأفعلن، فقال: نعم، ففرح جبريل، و سجد داود عليه السّلام، فمكث ما شاء اللّه، ثم نزل، فقال: قد سألت اللّه يا داود عن الذي أرسلتني فيه، فقال: قل لداود: إن اللّه يجمعكما يوم القيامة، فيقول له: هب لي دمك الذي عند داود، فيقول: هو لك يا رب، فيقول: فإن لك في الجنة ما شئت، و ما اشتهيت عوضا. و قد رواها البغوي

(1) هي هكذا في «الدر المنثور» و في تفسير البغوي. و لعلها قطع.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 269

أيضا عن طريق الثعلبي «1»

، و الرواية منكرة مختلقة على الرسول. و في سند هذه الرواية المختلقة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ابن لهيعة، و هو مضعف في الحديث، و في سندها أيضا يزيد بن أبان الرقاشي، كان ضعيفا في الحديث.

و قال فيه النسائي، و الحاكم أبو أحمد: إنه متروك، و قال فيه ابن حبان: كان من خيار عباد اللّه، من البكّائين بالليل، غفل عن حفظ الحديث شغلا بالعبادة، حتى كان يقلب كلام الحسن يجعله عن أنس عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فلا تحل الرواية عنه إلّا على جهة التعجب «2».

و قال العلامة ابن كثير في تفسيره «3»: «و قد ذكر المفسرون هاهنا قصة؛ أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات، و لم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتّباعه، و لكن روى ابن أبي حاتم هنا حديثا لا يصح سنده؛ لأنه من رواية يزيد الرقاشي، عن أنس رضى اللّه عنه، و يزيد و إن كان

من الصالحين، لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة».

و من ثم يتبين لنا كذب رفع هذه الرواية المنكرة إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و لا نكاد نصدق ورود هذا عن المعصوم، و إنما هي اختلاقات، و أكاذيب من إسرائيليات أهل الكتاب، و هل يشك مؤمن عاقل يقرّ بعصمة الأنبياء، في استحالة صدور هذا عن داود عليه السّلام، ثم يكون على لسان من؟ على لسان من كان حريصا على تنزيه إخوانه الأنبياء عما لا يليق بعصمتهم، و هو نبينا محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و مثل هذا التدبير السّيّئ، و الاسترسال فيه على ما رووا، لو صدر من رجل من سوقة

(1) تفسير البغوي، ج 4، ص 52- 59 و الدر المنثور، ج 5، ص 300- 301.

(2) تهذيب التهذيب، ج 11، ص 309.

(3) تفسير ابن كثير، ج 4، ص 31.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 270

الناس و عامتهم، لاعتبر هذا أمرا مستهجنا مستقبحا، فكيف يصدر من رسول جاء لهداية الناس، زكت نفسه، و طهرت سريرته، و عصمه اللّه من الفواحش ما ظهر منها و ما بطن، و هو الأسوة الحسنة لمن أرسل إليهم؟!! و لو أن القصة كانت صحيحة لذهبت بعصمة داود، و لنفرت منه الناس، و لكان لهم العذر في عدم الإيمان به، فلا يحصل المقصد الذي من أجله أرسل الرسل، و كيف يكون على هذه الحال من قال اللّه تعالى في شأنه: وَ إِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَ حُسْنَ مَآبٍ؟ قال ابن كثير في تفسيرها: «و إن له يوم القيامة لقربة يقربه اللّه عزّ و جل بها و حسن مرجع، و هو الدرجات العالية في

الجنة لنبوّته و عدله التام في ملكه، كما جاء

في الصحيح: «المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن، و كلتا يديه يمين، الذين يقسطون في أهليهم، و ما ولوا»

، و

قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إن أحب الناس إليّ يوم القيامة و أقربهم مني مجلسا إمام عادل، و إن أبغض الناس إليّ يوم القيامة، و أشدهم عذابا إمام جائر» رواه أحمد، و الترمذي «1»

. و لكي يستقيم هذا الباطل قالوا: إن المراد بالنعجة هي المرأة، و أن القصة خرجت مخرج الرمز و الإشارة، و رووا: أن الملكين لما سمعا حكم داود، و قضاءه بظلم صاحب التسع و التسعين نعجة لصاحب النعجة، قالا له: و ما جزاء من فعل ذلك؟ قال: يقطع هذا، و أشار إلى عنقه. و في رواية: «يضرب من هاهنا، و هاهنا، و هاهنا» و أشار إلى جبهته، و أنفه، و ما تحته، فضحكا، و قالا، «أنت أحق بذلك منه، ثم صعدا».

و ذكر البغوي في تفسيره و غيره، عن وهب بن منبه: أن داود لما تاب اللّه عليه بكى على خطيئته ثلاثين سنة، لا يرقأ دمعه ليلا و لا نهارا، و كان أصاب

(1) تفسير ابن كثير، ص 32.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 271

الخطيئة، و هو ابن سبعين سنة، فقسّم الدهر بعد الخطيئة على أربعة أيام: يوم للقضاء بين بني إسرائيل، و يوم لنسائه، و يوم يسيح في الفيافي، و الجبال، و السواحل، و يوم يخلو في دار له فيها أربعة آلاف محراب، فيجتمع إليه الرهبان فينوح معهم على نفسه، فيساعدونه على ذلك. فإذا كان يوم نياحته يخرج في الفيافي، فيرفع صوته بالمزامير، فيبكي، و

يبكي معه الشجر، و الرمال، و الطير، و الوحش، حتى يسيل من دموعهم مثل الأنهار، ثم يجي ء إلى الجبال فيرفع صوته بالمزامير، فيبكي، و تبكي معه الجبال، و الحجارة، و الدواب، و الطير، حتى تسيل من بكائهم الأودية، ثم يجي ء إلى الساحل فيرفع صوته بالمزامير، فيبكي، و تبكي معه الحيتان، و دواب البحر و طير الماء و السباع «1». و الحق: أن الآيات ليس فيها شي ء مما ذكروا، و ليس هذا في شي ء من كتب الحديث المعتمدة، و هي التي عليها المعول، و ليس هناك ما يصرف لفظ النعجة من حقيقته إلى مجازه، و لا ما يصرف القصة عن ظاهرها إلى الرمز و الإشارة.

و ما أحسن ما قال الإمام القاضي عياض: «لا تلتفت إلى ما سطّره الأخباريون من أهل الكتاب، الذين بدّلوا، و غيروا، و نقله بعض المفسرين، و لم ينص اللّه تعالى على شي ء من ذلك في كتابه، و لا ورد في حديث صحيح، و الذي نص عليه في قصة داود: وَ ظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ و ليس في قصة داود، و أوريا خبر ثابت «2».

و المحققون ذهبوا إلى ما ذهب إليه القاضي، قال الداودي: ليس في قصة داود و أوريا خبر يثبت، و لا يظن بنبي محبة قتل مسلم، و

قد روي عن الامام

(1) تفسير البغوي، ج 4، ص 57- 58.

(2) الشفا بالتعريف بحقوق المصطفى، ج 2، ص 158.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 272

أمير المؤمنين عليه السّلام أنه قال: من حدّث بحديث داود على ما يرويه القصّاص جلّدته مائة و ستين جلدة، و ذلك حد الفرية على الأنبياء «1»، و هو كلام مقبول و مروىّ عن الامام الصادق عليه

السّلام أيضا «2».

التفسير الصحيح الآيات

و إذا كان ما روي من الإسرائيليات الباطلة التي لا يجوز أن تفسّر بها الآيات، فما التفسير الصحيح لها إذا؟

و الجواب: أن داود عليه السّلام كان قد وزّع مهام أعماله، و مسئولياته نحو نفسه، و نحو الرعية على الأيام، و خصّ كل يوم بعمل، فجعل يوما للعبادة، و يوما للقضاء و فصل الخصومات، و يوما للاشتغال بشئون نفسه و أهله، و يوما لوعظ بني إسرائيل.

ففي يوم العبادة بينما كان مشتغلا بعبادة ربه في محرابه، إذ دخل عليه خصمان تسوّرا عليه من السور، و لم يدخلا من المدخل المعتاد، فارتاع منهما، و فزع فزعا لا يليق بمثله من المؤمنين، فضلا عن الأنبياء المتوكّلين على اللّه غاية التوكّل، الواثقين بحفظه، و رعايته، و ظن بهما سوءا، و أنهما جاءا ليقتلاه، أو يبغيا به شرا، و لكن تبين له أن الأمر على خلاف ما ظن، و أنهما خصمان جاءا يحتكمان إليه. فلما قضى بينهما، و تبين له أنهما بريئان مما ظنه بهما، استغفر ربه، و خرّ ساجدا للّه تعالى تحقيقا لصدق توبته و الإخلاص له، و أناب إلى اللّه غاية

(1) لأن حد القذف لغير الأنبياء ثمانين، فرأى رضى اللّه عنه تضعيفه بالنسبة إلى الأنبياء و في الكذب عليهم رمى لهم بما هم برآء منه، ففيه معنى القذف لداود بالتّعدّي على حرمات الأعراض و التحايل في سبيل ذلك.

(2) راجع الطبرسي، ج 8، ص 472. و البحار، ج 14، ص 29 رقم 6.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 273

الإنابة.

و مثل الأنبياء في علوّ شأنهم، و قوّة ثقتهم باللّه و التوكّل عليه أن لا تعلّق نفوسهم بمثل هذه الظنون بالأبرياء، و مثل هذا الظنّ و

إن لم يكن ذنبا في العادة، إلا أنه بالنسبة للأنبياء يعتبر خلاف الأولى و الأليق بهم، و قديما قيل: «حسنات الأبرار سيئات المقرّبين»، فالرجلان خصمان حقيقة، و ليسا ملكين كما زعموا، و النعاج على حقيقتها، و ليس ثمة رموز و لا إشارات. و هذا التأويل هو الذي يوافق نظم القرآن و يتّفق و عصمة الأنبياء، فالواجب الأخذ به، و نبذ الخرافات و الأباطيل، التي هي من صنع بني إسرائيل، و تلقّفها القصّاص و أمثالهم ممن لا علم عندهم، و لا تمييز بين الغثّ و السمين.

30- الإسرائيليات في قصة سليمان عليه السّلام
اشارة

و من الإسرائيليات ما يذكره بعض المفسرين عند تفسير قوله تعالى:

وَ لَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَ أَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ «1».

و قد ذكر الكثير منها في تفاسيرهم، ابن جرير، و ابن أبي حاتم، و الثعلبي، و البغوي، و غيرهم. و ذكر كل ما روي من ذلك من غير تمييز بين الصحيح و الضعيف، و الغثّ و السمين، السيوطي، في «الدر المنثور» و ليته إذ فعل نقد كل رواية، و بيّن منزلتها من القبول و الرد، و ما هو من الإسرائيليات، و ما ليس منها.

قال السيوطي في «الدر»: أخرج النسائي، و ابن جرير، و ابن أبي حاتم، بسند قوي عن ابن عباس قال:

(1) ص/ 34.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 274

أراد سليمان عليه السّلام أن يدخل الخلاء «1»، فأعطى الجرادة خاتمه، و كانت جرادة امرأته، و كانت أحب نسائه إليه، فجاء الشيطان في صورة سليمان، فقال لها: هاتي خاتمي، فأعطته، فلما لبسه، دانت له الجن، و الإنس، و الشياطين، فلما خرج سليمان عليه السّلام من الخلاء، قال لها: هاتي خاتمي، فقالت: قد أعطيته سليمان، قال:

أنا سليمان، قالت: كذبت،

لست سليمان، فجعل لا يأتي أحدا يقول له: أنا سليمان إلا كذّبه، حتى جعل الصبيان يرمونه بالحجارة، فلما رأى ذلك عرف أنه من أمر اللّه عزّ و جل و قام الشيطان يحكم بين الناس، فلما أراد اللّه تعالى أن يرد على سليمان عليه السّلام سلطانه ألقى في قلوب الناس إنكار ذلك الشيطان، فأرسلوا إلى نساء سليمان عليه السّلام فقالوا لهنّ: أ يكون من سليمان شي ء؟ قلن: نعم، إنه يأتينا «2» و نحن حيّض، و ما كان يأتينا قبل ذلك! فلما رأى الشيطان أنه قد فطن له ظن أن أمره قد انقطع، فكتبوا كتبا فيها سحر، و مكر، فدفنوها تحت كرسي سليمان، ثم أثاروها «3»، و قرءوها على الناس، قالوا: بهذا كان يظهر سليمان على الناس، و يغلبهم. فأكفر الناس سليمان، فلم يزالوا يكفرونه، و بعث ذلك الشيطان بالخاتم، فطرحه في البحر، فتلقته سمكة، فأخذته، و كان سليمان عليه السّلام يعمل على شط البحر بالأجر. فجاء رجل، فاشترى سمكا؛ فيه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم، فدعا سليمان عليه السّلام فقال له: تحمل لي هذا السمك، ثم انطلق إلى منزله، فلما انتهى الرجل إلى باب داره أعطاه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم، فأخذها سليمان عليه السّلام، فشق بطنها، فإذا الخاتم في جوفها، فأخذه، فلبسه، فلما لبسه دانت له

(1) المرحاض.

(2) يباشرنا.

(3) أخرجوها.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 275

الإنس و الجن و الشياطين، و عاد إلى حاله، و هرب الشيطان حتى لحق بجزيرة من جزائر البحر، فأرسل سليمان عليه السّلام في طلبه، و كان شيطانا مريدا يطلبونه و لا يقدرون عليه حتى وجدوه يوما نائما، فجاءوا فبنوا عليه بنيانا من رصاص، فاستيقظ،

فوثب، فجعل لا يثبت في مكان من البيت إلّا أن دار معه الرصاص، فأخذوه، و أوثقوه؛ و جاءوا به إلى سليمان عليه السّلام، فأمر به، فنقر له في رخام، ثم أدخل في جوفه، ثم سد بالنحاس، ثم أمر به، فطرح في البحر، فذلك قوله:

وَ لَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَ أَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ...، يعني الشيطان الذي كان تسلّط عليه.

و قد روى السيوطي في «الدر» روايات أخرى، عن ابن عباس و قتادة، في أن هذا الشيطان كان يسمّى صخرا. و روي عن مجاهد: أن اسمه آصف، و أن سليمان سأله: كيف تفتنون الناس؟! فقال الشيطان: أرني خاتمك أخبرك، فلما أعطاه إياه نبذه آصف في البحر، فساح سليمان، و ذهب ملكه، و قعد آصف على كرسيه، حتى كان ما كان من أمر السمكة، و العثور على الخاتم، و رجوع ملك سليمان إليه.

غير أن في رواية قتادة، و مجاهد أن الشيطان لم يسلط على نساء سليمان، و منعهن اللّه منه، فلم يقربهن، و لم يقربنه «1».

و نحن لا نشك في أن هذه الخرافات من أكاذيب بني إسرائيل، و أباطيلهم، و ما نسب إلى ابن عباس و غيره إنّما تلقوها عن مسلمة أهل الكتاب. و ليس أدل على هذا مما ذكره السيوطي في «الدر» بالإسناد إلى ابن عباس قال: أربع آيات من كتاب اللّه لم أدر ما هي؟، حتى سألت عنهنّ كعب الأحبار- و حاشاه أن يسأله-.

(1) الدر المنثور، ج 5، ص 309- 311.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 276

و ذكر منها: و سألته عن قوله تعالى: وَ أَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ قال: الشيطان أخذ خاتم سليمان عليه السّلام الذي فيه ملكه، فقذف به في

البحر، فوقع في بطن سمكة، فانطلق سليمان يطوف إذ تصدّق عليه بتلك السمكة فاشتواها، فأكلها، فإذا فيها خاتمه، فرجع إليه ملكه «1».

و كذا ذكرها مطوّلة جدا: البغوي في تفسيره، عن محمد بن إسحاق- و حاشاه- عن وهب بن منبّه «2».

قال الإمام القاضي عياض في « «الشفا»: «و لا يصح ما نقله الأخباريون من تشبّه الشيطان به، و تسلّطه على ملكه، و تصرّفه في أمته بالجور في حكمه؛ لأن الشياطين لا يسلّطون على مثل هذا، و قد عصم الأنبياء من مثله» «3» و كذلك الحافظ ابن كثير في تفسيره «4»، قال بعد أن ذكر الكثير منها:

و هذه كلها من الإسرائيليات، و من أنكرها ما قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، قال: حدّثنا محمد بن العلاء، و عثمان بن أبي شيبة، و على بن محمد، قالوا: حدثنا أبو معاوية قال: أخبرنا الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: وَ لَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَ أَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ قال: أراد سليمان عليه السّلام أن يدخل الخلاء. ثم ذكر الرواية التي ذكرناها أولا، قال: لكنه حديث مفترى و الظاهر أنه من افتراءات أهل الكتاب، و فيهم طائفة لا يعتقدون نبوة سليمان عليه السّلام، فالظاهر أنهم يكذبون عليه؛

(1) الدر المنثور، ج 5، ص 310.

(2) تفسير البغوي، ج 4، ص 61- 64.

(3) الشفا، ج 2، ص 162.

(4) ج 4، ص 35- 36.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 277

و لهذا كان في هذا السياق منكرات، من أشدها ذكر النساء. فإن المشهور عن مجاهد و غير واحد من أئمة السلف أن ذلك الجنّي لم يسلّط على

نساء سليمان، بل عصمهن اللّه عزّ و جل منه، تشريفا، و تكريما لنبيه عليه السّلام. و قد رويت هذه القصة مطولة عن جماعة من السلف رضى اللّه عنه كسعيد بن المسيب و زيد بن أسلم، و جماعة آخرين، و كلها متلقاة عن أهل الكتاب، و اللّه سبحانه و تعالى أعلم بالصواب.

قال أبو شهبة: و هذه الأحاديث كلها أكاذيب، و تلفيقات. و لكن بعض الكذبة من بني إسرائيل كان أحرص، و أبعد غورا من البعض الآخر، فلم يتورّط فيما تورّط فيه البعض، من ذكر تسلّط الشيطان على نساء داود عليه السّلام و ذلك حتى يكون لما لفّقه، و افتراه، بعض القبول عند الناس. أما البعض الآخر فكان ساذجا في كذبه، مغفّلا في تلفيقه، فترك آثار الجريمة بيّنة واضحة، و بذلك اشتمل ما لفّقه على دليل كذبه.

و من العجيب أن الإمام السيوطي نبّه في كتابه «تخريج أحاديث الشفا» أنها إسرائيليات، تلقّاها أهل الحديث عن أهل الكتاب. و ليته نبّه إلى ذلك في التفسير.

و الحق أن نسج القصة مهلهل، عليه أثر الصنعة و الاختلاق، و يصادم العقل السليم، و النقل الصحيح في هذا.

و إذا جاز للشيطان أن يتمثّل برسول اللّه سليمان عليه السّلام، فأي ثقة بالشرائع تبقى بعد هذا؟! و كيف يسلّط اللّه الشيطان على نساء نبيه سليمان، و هو أكرم على اللّه من ذلك؟! و أيّ ملك أو نبوة يتوقف أمرهما على خاتم يدومان بدوامه، و يزولان بزواله؟! و ما عهدنا في التاريخ البشري شيئا من ذلك.

و إذا كان خاتم سليمان عليه السّلام بهذه المثابة؛ فكيف يغفل اللّه شأنه في كتابه الشاهد على الكتب السماوية، و لم يذكره بكلمة؟! و هل غيّر اللّه- سبحانه- خلقة

التفسير و

المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 278

سليمان في لحظة، حتى أنكرته أعرف الناس به، و هي زوجته جرادة؟!! الحق أن نسج القصة مهلهل، لا يصمد أمام النقد، و أن آثار الكذب و الاختلاق بادية عليها.

نسبة بعض هذه الأكاذيب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم

و قد تجرّأ بعض الرواة، أو غلط، فرفع بعض هذه الإسرائيليات إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،

قال السيوطي في «الدر المنثور»، و أخرج الطبراني في «الأوسط» «1»، و ابن مردويه بسند ضعيف، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «ولد لسليمان ولد، فقال للشيطان: تواريه من الموت، قالوا: نذهب به إلى المشرق، فقال: يصل إليه الموت، قالوا: فإلى المغرب، قال: يصل إليه الموت، قالوا: إلى البحار، قال: يصل إليه الموت، قالوا: نضعه بين السماء و الأرض، قال:

نعم، و نزل عليه ملك الموت، فقال: إني أمرت بقبض نسمة طلبتها في البحار، و طلبتها في تخوم الأرض فلم أصبها، فبينا أنا قاعد أصبتها، فقبضتها، و جاء جسده، حتى وقع على كرسي سليمان، فهو قول اللّه: وَ لَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَ أَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ».

و هذا الحديث موضوع على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و قد يكون ذلك من عمل بعض الزنادقة، أو غلط بعض الرواة، و قد نبّه على وضعه الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي، و قال: يحيى- يعني ابن كثير- يروي عن الثقات ما ليس من حديثهم، و لا ينسب إلى نبي اللّه سليمان ذلك، و وافقه السيوطي على وضعه «2»، و لا يشك

(1) يعني في كتابه «المعجم الأوسط».

(2) اللئالئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة، ج 2، ص 221.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص:

279

في وضع هذا إلّا من يشك في عصمة الأنبياء عن مثله، و أحر بمثل هذا أن يكون مختلقا على نبينا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و على نبي اللّه سليمان عليه السّلام، و إنما هو من إسرائيليات بني إسرائيل و أكاذيبهم.

و الصحيح في تفسير الفتنة هنا حسبما ذكرناه في التمهيد، ج 3، ص 443 و 444 أنّ سليمان عليه السّلام قال يوما لأصحابه: لأطوفنّ الليلة على نسائي لتلد كل واحدة غلاما يضرب بالسيف في سبيل اللّه. قال ذلك قاطعا بالأمر، فقد تمنّى ما لم يكن في استطاعته إلّا أن يشاء اللّه. فأراد اللّه تنبيهه على بادرته تلك، فطاف عليهنّ كلّهنّ لم تحمل منهنّ سوى واحدة، و جاءت بسقط ميت «1».

31- الإسرائيليات في قصة أيوب عليه السّلام
اشارة

و من القصص التي تزيّد فيها المتزيّدون، و استغلها القصّاصون، و أطلقوا فيها لخيالهم العنان: قصة سيدنا أيوب عليه السّلام، فقد رووا فيها ما عصم اللّه أنبياءه عنه.

و صوّروه بصورة لا يرضاها اللّه لرسول من رسله.

فقد ذكر بعض المفسرين عند تفسير قوله تعالى: وَ اذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَ عَذابٍ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَ شَرابٌ. وَ وَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَ ذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ. وَ خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَ لا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ «2». ذكر السيوطي في «الدر المنثور» و غيره، عن قتادة رضى اللّه عنه في قوله تعالى: وَ اذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ ...

(1) مجمع البيان، ج 8، ص 475.

(2) ص/ 41- 44.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 280

، قال: ذهاب الأهل و المال، و الضرّ الذي أصابه في جسده،

قال: ابتلى سبع سنين و أشهرا، فألقي على كناسة بني إسرائيل، تختلف الدواب في جسده، ففرّج اللّه عنه، و أعظم له الأجر، و أحسن.

قال: و أخرج أحمد في الزهد، و ابن أبي حاتم، و ابن عساكر عن ابن عباس رحمهما اللّه، قال: إن الشيطان عرج إلى السماء فقال: يا رب سلّطني على أيوب عليه السّلام، قال اللّه: قد سلطتك على ماله، و ولده، و لم أسلّطك على جسده، فنزل، فجمع جنوده، فقال لهم: قد سلّطت على أيوب عليه السّلام فأروني سلطانكم، فصاروا نيرانا، ثم صاروا ماء، فبينما هم بالمشرق إذا هم بالمغرب، و بينما هم بالمغرب إذا هم بالمشرق، فأرسل طائفة منهم إلى زرعه، و طائفة إلى أهله، و طائفة إلى بقره، و طائفة إلى غنمه، و قال: إنه لا يعتصم منكم إلّا بالمعروف، فأتوه بالمصائب، بعضها على بعض، فجاء صاحب الزرع، فقال: يا أيّوب، أ لم تر إلى ربك، أرسل على زرعك عدوا، فذهب به. و جاء صاحب الإبل، و قال: أ لم تر إلى ربك، أرسل على إبلك عدوا، فذهب بها. ثم جاء صاحب البقر، فقال: أ لم تر إلى ربك أرسل على بقرك عدوا، فذهب بها. و تفرّد هو ببنيه، جمعهم في بيت أكبرهم، فبينما هم يأكلون، و يشربون، إذ هبّت ريح، فأخذت بأركان البيت، فألقته عليهم، فجاء الشيطان إلى أيوب بصورة غلام، فقال: يا أيوب، أ لم تر إلى ربك جمع بنيك في بيت أكبرهم، فبينما هم يأكلون، و يشربون، إذ هبّت ريح، فأخذت بأركان البيت، فألقته عليهم. فلو رأيتهم حين اختلطت دماؤهم و لحومهم بطعامهم، و شرابهم. فقال له أيوب: أنت الشيطان، ثم قال له: أنا اليوم كيوم ولدتني أمي،

فقام، فحلق رأسه، و قام يصلّي، فرنّ إبليس رنّة سمع بها أهل السماء، و أهل الأرض، ثم خرج إلى السماء، فقال: أي رب، إنه قد اعتصم، فسلّطني عليه، فإني لا أستطيعه إلّا بسلطانك، قال: قد سلّطتك على جسده،

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 281

و لم أسلّطك على قلبه، فنزل، فنفخ تحت قدمه نفخة، قرح ما بين قدميه إلى قرنه، فصار قرحة واحدة، و ألقى على الرماد، حتى بدا حجاب قلبه، فكانت امرأته تسعى إليه، حتى قالت له: أما ترى يا أيوب قد نزل بي و اللّه من الجهد و الفاقة ما إن بعت قروني برغيف، فأطعمك، فادع اللّه أن يشفيك، و يريحك، قال: ويحك، كنا في النعيم سبعين عاما، فاصبري حتى نكون في الضرّ سبعين عاما، فكان في البلاء سبع سنين، و دعا، فجاء جبريل عليه السّلام يوما فأخذ بيده، ثم قال: قم، فقام، فنحّاه عن مكانه، و قال: أركض برجلك، هذا مغتسل بارد و شراب، فركض برجله، فنبعت عين، فقال: اغتسل، فاغتسل منها، ثم جاء أيضا، فقال: أركض برجلك فنبعت عين أخرى، فقال له: اشرب منها، و هو قوله: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَ شَرابٌ، و ألبسه اللّه حلّة من الجنة.

فتنحّى أيوب، فجلس في ناحية، و جاءت امرأته، فلم تعرفه، فقالت: يا عبد اللّه، أين المبتلى الذي كان هنا؟ لعل الكلاب ذهبت به، أو الذئاب، و جعلت تكلمه ساعة، فقال: ويحك، أنا أيوب!! قد ردّ اللّه عليّ جسدي، و ردّ اللّه عليه ماله، و ولده عيانا و مثلهم معهم «1».

قال: و أخرج أحمد في الزهد، عن عبد الرحمن بن جبير رضى اللّه عنه، قال: ابتلى أيوب بماله، و ولده، و جسده، و

طرح في المزبلة، فجاءت امرأته تخرج، فتكتسب عليه ما تطعمه، فحسده الشيطان بذلك، فكان يأتي أصحاب الخير و الغنى، فيقول: اطردوا هذه المرأة التي تغشاكم، فإنها تعالج صاحبها، و تلمسه بيدها، فالناس يتقذرون طعامكم من أجلها، فجعلوا لا يدنونها منهم، و يقولون:

تباعدي و نحن نطعمك، و لا تقربينا.

(1) الدر المنثور، ج 5، ص 315 و 316.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 282

و قد ذكر ابن جرير، و ابن أبي حاتم الكثير من هذه الروايات في تفسيريهما، منها: ما هو موقوف، و بعضها مرفوع إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و كذلك ذكر ابن جرير، و البغوي، و غيرهما، عند تفسير قوله تعالى: وَ أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَ آتَيْناهُ أَهْلَهُ وَ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَ ذِكْرى لِلْعابِدِينَ «1» الكثير من الإسرائيليات.

فقد رويا قصة أيوب و بلائه عن وهب بن منبّه، في بضع صحائف، و قد التبس فيها الحق بالباطل، و الصدق بالكذب «2».

و قال ابن كثير في تفسيره عند هذه الآية: «و قد روي عن وهب بن منبّه في خبره- يعني أيوب- قصة طويلة، ساقها ابن جرير، و ابن أبي حاتم بالسند عنه، و ذكرها غير واحد من متأخّري المفسرين، و فيها غرابة، تركناها لحال الطول.

و من العجيب أن الحافظ ابن كثير وقع فيما وقع فيه غيره في قصة أيوب، من ذكر الكثير من الإسرائيليات و لم يعقب عليه «3»، مع أن عهدنا به أنه لا يذكر شيئا من ذلك إلّا و ينبّه على مصدره، و من أين دخل في الرواية الإسلامية، و لا

أظن أنه يرى في هذا أنه مما تباح روايته!! فقد ذكر أنه يقال: إنه أصيب بالجذام في سائر بدنه، و لم يبق منه سليم سوى قلبه و لسانه، يذكر بهما اللّه عزّ و جل حتى عافه الجليس، و صار منبوذا في ناحية من البلد، و لم يبق أحد من الناس يحنو عليه غير زوجته، و تحمّلت في بلائه ما تحمّلت، حتى صارت تخدم الناس، بل قد باعت شعرها بسبب ذلك، ثم قال:

(1) الأنبياء/ 83 و 84.

(2) تفسير البغوي، ج 3، ص 256- 264.

(3) تفسير ابن كثير، ج 3، ص 188- 190.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 283

و قد روي، أنه مكث في البلاء مدة طويلة، ثم اختلفوا في السبب المهيّج له على هذا الدعاء، فقال الحسن- يعني البصري- و قتادة: ابتلي أيوب عليه السّلام سبع سنين و أشهرا؛ ملقى على كناسة بني إسرائيل، تختلف الدواب في جسده، ففرّج اللّه عنه، و أعظم له الأجر، و أحسن عليه الثناء. و قال وهب بن منبّه: مكث في البلاء ثلاث سنين، لا يزيد و لا ينقص. و قال السدّي: تساقط لحم أيوب، حتى لم يبق إلّا العصب و العظام. ثم ذكر قصة طويلة.

ثم ذكر ما

رواه ابن أبي حاتم بسنده، عن الزهري، عن أنس بن مالك: أن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «إن نبي اللّه أيوب لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة، فرفضه القريب و البعيد، إلّا رجلين من إخوانه، كانا من أخص إخوانه له، كانا يغدوان إليه و يروحان، فقال أحدهما لصاحبه: تعلم- و اللّه- لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين، فقال له صاحبه: و ما ذاك؟

قال: منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه اللّه، فيكشف ما به. فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له، فقال أيوب عليه السّلام: ما أدري ما تقول، غير أن اللّه عزّ و جل يعلم أني كنت أمرّ على الرجلين يتنازعان، فيذكر ان اللّه، فأرجع إلى بيتي، فأكفّر عنهما كراهية أن يذكرا اللّه إلّا في حق. قال: و كان يخرج في حاجته، فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده، حتى يبلغ، فلما كان ذات يوم أبطأت عليه، فأوحى اللّه إلى أيوب في مكانه: أن اركض برجلك هذا مغتسل بارد و شراب».

و قال ابن كثير: رفع هذا الحديث غريب جدا «1»، و قال الحافظ ابن حجر:

و أصح ما ورد في قصته ما أخرجه ابن أبي حاتم و ابن جرير، و صحّحه ابن حبان

(1) تفسير ابن كثير، ج 3، ص 189.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 284

و الحاكم، بسند عن أنس: أن أيوب ... ثم ذكر مثل ذلك.

و المحققون من العلماء على أن نسبة هذا إلى المعصوم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إما من عمل بعض الوضّاعين الذين يركبون الأسانيد للمتون، أو من غلط بعض الرواة، و أن ذلك من إسرائيليات بني إسرائيل و افتراءاتهم على الأنبياء. على أن صحة السند في مصطلحهم لا تنافي أن أصله من الإسرائيليات، و ابن حجر على مكانته في الحديث ربما يوافق على تصحيح ما يخالف الأدلة العقلية و النقلية، كما فعل في قصة الغرانيق، و هاروت و ماروت، و كل ما روي موقوفا أو مرفوعا لا يخرج عما ذكره وهب بن منبه، في قصة أيوب، التي أشرنا إليها آنفا، و ما روي عن ابن إسحاق أيضا،

فهو مما أخذ عن وهب، و غيره.

و هذا يدلّ أعظم الدلالة على أن معظم ما روي في قصة أيوب مما أخذ عن أهل الكتاب الذين أسلموا، و جاء القصّاصون المولعون بالغرائب، فزادوا في قصة أيوب، و أذاعوها، حتى اتخذ منها الشحّاذون، و المتسوّلون وسيلة لاسترقاق قلوب الناس، و استدرار العطف عليهم.

الحق في هذه القصة

و قد دل كتاب اللّه الصادق، على لسان نبيه محمد الصادق، على أن اللّه تبارك و تعالى ابتلى نبيه أيوب عليه السّلام في جسده، و أهله، و ماله، و أنه صبر حتى صار مضرب الأمثال في ذلك، و قد أثنى اللّه عليه هذا الثناء المستطاب، قال عز شأنه:

إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ، فالبلاء مما لا يجوز أن يشك فيه أبدا، و الواجب على المسلم أن يقف عند كتاب اللّه، و لا يتزيّد في القصة كما تزيّد زنادقة أهل الكتاب، و ألصقوا بالأنبياء ما لا يليق بهم، و ليس هذا بعجيب من بني إسرائيل الذين لم يتجرّءوا على أنبياء اللّه و رسله فحسب، بل تجرّءوا على

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 285

اللّه تبارك و تعالى و نالوا منه، و فحشوا عليه، و نسبوا إليه ما قامت الأدلة العقلية و النقلية المتواترة على استحالته عليه سبحانه و تعالى من قولهم: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِياءُ «1»، و قولهم: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِما قالُوا «2»، عليهم لعنة اللّه.

و الذي يجب أن نعتقده أنه ابتلي، و لكن بلاءه لم يصل إلى حدّ هذه الأكاذيب، من أنه أصيب بالجذام «3»، و أن جسمه أصبح قرحة، و أنه ألقي على كناسة بني إسرائيل، يرعى في جسده الدود، و تعبث به دواب

بني إسرائيل، أو أنه أصيب بمرض الجدري.

و أيوب عليه السّلام أكرم على اللّه من أن يلقى على مزيلة، و أن يصاب بمرض ينفر الناس من دعوته، و يفزّزهم منه، و أي فائدة تحصل من الرسالة، و هو على هذه الحال المزرية، التي لا يرضاها اللّه لأنبيائه و رسله؟.

و الأنبياء إنما يبعثون من أوساط «4» قومهم، فأين كانت عشيرته فتواريه، و تطعمه؟! بدل أن تخدم امرأته الناس، بل و تبيع ضفيرتيها في سبيل إطعامه!! بل أين كان أتباعه، و المؤمنون منه، فهل تخلّوا عنه في بلائه؟! و كيف و الإيمان ينافي ذلك؟! الحق أن نسج القصة مهلهل، لا يثبت أمام النقد، و لا يؤيده عقل سليم، و لا نقل صحيح، و أن ما أصيب به أيوب من المرض إنما كان من النوع غير المنفر،

(1) آل عمران/ 181.

(2) المائدة/ 64.

(3) الجذام: مرض من أخبث الأمراض، و أقذرها.

(4) خيارهم و أكرمهم نسبا و عشيرة.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 286

و المقزّز، و أنه من الأمراض التي لا يظهر أثرها على البشرة، كالروماتيزم، و أمراض المفاصل، و العظام و نحوها. و يؤيد ذلك أن اللّه لما أمره أن يضرب الأرض بقدمه، فضرب فنبعت عين، فاغتسل منها و شرب، فبرأ بإذن اللّه.

قال العلّامة الطبرسي: قال أهل التحقيق: إنه لا يجوز أن يكون بصفة يستقذره الناس عليها، لأنّ في ذلك تنفيرا. فأمّا المرض و الفقر و ذهاب الأهل، فيجوز أن يمتحنه اللّه بذلك «1».

32- الإسرائيليات في قصة إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ
اشارة

و من الإسرائيليات ما يذكره بعض المفسرين كالطبري، و الثعلبي، و الزمخشري، و غيرهم في تفسير قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها

فِي الْبِلادِ «2».

فقد زعموا أن «إرم» مدينة، و ذكروا في بنائها و زخارفها ما هو من قبيل الخيال، و رووا في ذلك أنه كان لعاد ابنان: شداد، شديد، فملكا و قهرا، ثم مات شديد و خلص الأمر لشداد فملك الدنيا، فسمع بذكر الجنة، فقال: أبني مثلها، فبنى «إرم» في بعض صحاري عدن، في ثلاثمائة سنة، و كان عمره تسعمائة سنة، و هي مدينة عظيمة، و سورها من الذهب و الفضة، و أساطينها من الزبرجد و الياقوت. و لما تم بناؤها سار إليها بأهب «3» مملكته، فلما كان منها مسيرة يوم

(1) مجمع البيان، ج، 78.

(2) الفجر/ 6- 8.

(3) جمع أهبه، و الأهبة- بضم الهمزة- العدّة كما في القاموس.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 287

و ليلة بعث اللّه تعالى صيحة من السماء، فهلكوا.

و روى وهب بن منبّه عن عبد اللّه بن قلابة: أنه خرج في طلب إبل له، فوقع عليها- يعني مدينة «إرم»-، فحمل منها ما قدر عليه، و بلغ خبره معاوية، فاستحضره، و قص عليه، فبعث إلى كعب الأحبار، فسأله عنها فقال: هي إرم ذات العماد، و سيدخلها رجل من المسلمين في زمانه أحمر، أشقر، قصير، على حاجبه خال، ثم التفت، فأبصر ابن قلابة، فقال: هذا و اللّه ذاك الرجل «1».

و هذه القصة موضوعة، كما نبّه إلى ذلك الحفاظ، و آثار الوضع لائحة عليه، و كذلك ما روي: أن «إرم» مدينة دمشق، و قيل: مدينة الإسكندرية. قال السيوطي في «الدر المنثور»: و أخرج عبد بن حميد، و ابن أبي حاتم، عن عكرمة، قال:

«إرم» هي دمشق، و أخرج ابن جرير، و عبد بن حميد، و ابن عساكر عن سعيد المقبري مثله،

و أخرج ابن عساكر، عن سعيد بن المسيب، مثله، قال: و أخرج ابن جرير، و ابن المنذر، عن محمد بن كعب القرظي، قال: «إرم» هي الإسكندرية «2».

و كل ذلك من خرافات بني إسرائيل، و من وضع زنادقتهم، ثم رواها مسلمة أهل الكتاب فيما رووا، و حملها عنهم بعض الصحابة و التابعين، و ألصقت بتفسير القرآن الكريم.

قال ابن كثير في تفسيره: و من زعم أن المراد بقوله: إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ:

مدينة إما دمشق، أو إسكندرية، أو غيرهما، ففيه نظر، فإنه كيف يلتئم الكلام على

(1) انظر الكشّاف، ج 4، ص 748، عند تفسير هذه الآية، و تفسير البغوي، ج 4، ص 482، و النسفي، و الخازن عند تفسير هذه الآية.

(2) الدر المنثور، ج 6، ص 347.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 288

هذا أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ أن جعل بدلا أو عطف بيان؟ «1»، فإنه لا يتسق الكلام حينئذ، ثم المراد: إنما هو الإخبار عن إهلاك القبيلة المسماة بعاد، و ما أحل اللّه بهم من بأسه الذي لا يردّ، لا أنّ المراد: الإخبار عن مدينة أو إقليم، و إنما نبهت على ذلك لئلا يغتر بكثير مما ذكره جماعة من المفسرين عن هذه الآية، من ذكر مدينة يقال لها: إرم ذات العماد، مبنية بلبن الذهب و الفضة، و أن حصباءها لآلى ء و جواهر، و ترابها بنادق المسك ... فإن هذا كله من خرافات الإسرائيليين، من وضع بعض زنادقتهم، ليختبروا بذلك القول الجهلة من الناس أن تصدقهم في جميع ذلك. و قال فيما روي عن ابن قلابة: فهذه الحكاية ليس يصح إسنادها، و لو صح إلى ذلك الأعرابي فقد يكون اختلق

ذلك، أو أصابه نوع من الهوس، و الخيال، فاعتقد أن ذلك له حقيقة في الخارج، و هذا ما يقطع بعدم صحته «2». و هذا قريب مما يخبر به كثير من الجهلة، و الطامعين، و المتحيلين من وجود مطالب تحت الأرض فيها قناطير الذهب و الفضة، فيحتالون على أموال الأغنياء و الضعفة، و السفهاء، فيأكلونها بالباطل، في صرفها في بخاخير، و عقاقير، و نحو ذلك من الهذيانات، و يطنزون بهم.

و الصحيح في تفسير الآية؛ أن المراد (بعاد، إرم ذات العماد) قبيلة عاد المشهورة، التي كانت تسكن الأحقاف، شمالي حضرموت، و هي عاد الأولى، التي ذكرها اللّه سبحانه في سورة النجم، قال سبحانه: وَ أَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى و يقال لمن بعدهم: عاد الآخرة، و هم ولد عاد بن إرم بن عوص، بن سام، بن

(1) أي لفظ، إرم، بدل من عاد أو عطف بيان.

(2) تفسير ابن كثير، ج 4، ص 507- 508.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 289

نوح. قاله ابن إسحاق و غيره، و هم الذين بعث فيهم رسول اللّه هودا عليه السّلام فكذّبوه، و خالفوه، فأنجاه اللّه من بين أظهرهم، و من آمن معه منهم، و أهلكهم بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ، سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَ ثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ؟ «1».

و قد ذكر اللّه قصتهم في القرآن في غير ما موضع، ليعتبر بمصرعهم المؤمنون، فقوله تعالى: إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ، بدل من «عاد» أو عطف بيان زيادة تعريف بهم، و قوله تعالى: ذاتِ الْعِمادِ؛ لأنهم كانوا في زمانهم أشد الناس خلقة، و أعظمهم أجساما، و أقواهم بطشا. و قيل: ذات الأبنية

التي بنوها، و الدور، و المصانع التي شادوها. و قيل: لأنهم كانوا يسكنون بيوت الشّعر التي ترفع بالأعمدة الغلاظ الشداد. و الأوّل أصح و أولى، فقد ذكرهم نبيّهم هود بهذه النعمة، و أرشدهم إلى أن يستعملوها في طاعة اللّه- تبارك و تعالى- الذي خلقهم و منحهم هذه القوة، فقال: وَ اذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَ زادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ «2»، و قال تعالى: فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَ قالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً «3»، و قوله هنا: الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ أي القبيلة المعروفة المشهورة التي لم يخلق مثلها في بلادهم، و في زمانهم، لقوّتهم، و شدّتهم، و عظم تركيبهم.

و مهما يكن من تفسير ذات العماد: فالمراد القبيلة، و ليس المراد مدينة،

(1) الحاقّة/ 6- 8.

(2) الأعراف/ 69.

(3) فصلت/ 15.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 290

فالحديث في السورة إنما هو عمّن مضى من الأقوام الذين مكّن اللّه لهم في الأرض، و لمّا لم يشكروا نعم اللّه عليهم، و لم يؤمنوا به و برسله، بطش بهم، و أخذهم أخذ عزيز مقتدر. ففيه تخويف لكفار مكة، الذين هم دون هؤلاء في كل شي ء، و تحذيرهم أن يصيبهم مثل ما أصاب هؤلاء.

ما روي في عظم طولهم

و ليس معنى قوتهم، و عظم خلقهم، و شدة بطشهم أنهم خارجون عن المألوف في الفطرة، فمن ثم لا نكاد نصدّق ما روي في عظم أجسامهم، و خروج طولهم عن المألوف المعروف، حتى في هذه الأزمنة، فقد روى ابن جرير في تفسيره، و ابن أبي حاتم و

غيرهما عن قتادة، قال: كنا نحدّث أن «إرم» قبيلة من عاد، كان يقال لهم: ذات العماد، كانوا أهل عمود، الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ، قال: ذكر لنا أنهم كانوا اثني عشر ذراعا «1» طولا في السماء، و هذا من جنس ما روي في العماليق. و أغلب الظن عندنا أن من ذكر لهم ذلك هم أهل الكتاب الذين أسلموا، و أنه من الإسرائيليات المختلفة.

و أيضا لا نكاد نصدّق، ما روي عن المعصوم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في هذا،

فقد روى ابن أبي حاتم، قال: حدّثنا أبي، قال: حدثنا أبو صالح كاتب الليث، قال: حدثني معاوية ابن صالح، عمن حدّثه، عن المقدام بن معديكرب، عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أنه ذكر إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ فقال: «كان الرجل منهم يأتي إلى الصخرة، فيحملها على كاهله، فيلقيها على أي حي أراد فيهلكهم» «2» . و لعل البلاء، و الاختلاق فيه من

(1) حوالي ستة أمتار أو تزيد.

(2) تفسير ابن كثير، ج 4، ص 507.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 291

المجهول، و روى مثله ابن مردويه «1».

و أخزى اللّه من نسب مثل هذا الباطل إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و لا نشك أن هذا من عمل زنادقة أهل الكتاب و غيرهم، الذين عجزوا أن يقاوموا سلطان الإسلام، فسلكوا في محاربته مسلك الدس، و الاختلاق، بنسبة أمثال هذه الخرافات إلى المعصوم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و إنّا لنعجب لمسلم يقبل أمثال هذه المرويات التي تزري بالإسلام، و تنفر منه، و لا سيّما في هذا العصر الذي تقدمت فيه العلوم، و المعارف، و أصبح ذكر

مثل هذا يثير السخرية، و الاستنكار و الاستهزاء.

الإسرائيليات و الخرافات فيما يتعلق بعمر الدنيا و بدء الخلق، و أسرار الوجود، و تعليل بعض الظواهر الكونية

و من الإسرائيليات و الموضوعات التي اشتملت عليها كتب التفسير و غيرها كثير مما يتعلق بعمر الدنيا و بدء الخلق، و أسرار الوجود، و أسباب الكائنات، و تعليل بعض الظواهر الكونية تعليلا باطلا غير صحيح، و قد جاء معظمه موقوفا على الصحابة و التابعين، و جاء بعضه مرفوعا إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و هنا تكون الطّامة؛ لأن هذه الروايات متهافتة باطلة، فنسبتها إلى المعصوم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من الخطورة بمكان.

و كأنّ هؤلاء الذين وضعوها و ألصقوها بالنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم زورا؛ كانوا يدركون ببعد نظرهم أنّه سيأتي اليوم الذي تتكشّف فيه الحقائق العلميّة لهذه الأمور الكونيّة، و معرفة التعليلات الصحيحة لسنن اللّه في الكون، فنسبوا إليه هذه الخرافات، كي يشكّكوا في عصمة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و أنه ما ينطق عن الهوى، و يقلّلوا الثقة بالأنبياء، و هم قوم من الزنادقة الذين جمعوا بين الزندقة، و العلم،

(1) الدر المنثور، ج 6، ص 347.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 292

و المعرفة ببعض الظواهر، و العلوم الكونية، و هم أعظم الطوائف كيدا للإسلام، لخبث نياتهم، و إحكام كيدهم.

و لا ندري ما ذا يكون موقف الداعي إلى اللّه في المجتمعات العلمية، و البيئات المتحضرة إذا و وجه بمثل هذه الروايات الباطلة التي تغضّ من شأن الإسلام، و هو منها براء؟

و لو أن هذه المرويات صحّت أسانيدها لربما كان للمتمسكين بها، و المنتصرين لها بعض المعذرة، أما و هي ضعيفة أسانيدها، واهية مخارجها، فالواجب ردّها و لا كرامة. نعم، إنّ معظم هذه

المرويات في الأمور الكونيّة تخالف مخالفة ظاهرة، المقررات و الحقائق العلمية التي أصبحت في حكم البديهيات و المسلمات ككرويّة الأرض، و دورانها، و سبب حدوث الخسوف و الكسوف و نحوها، و الانتصار لهذه المرويّات التي تصادم الحقائق العلمية الثابتة، مما يعود على الإسلام بالضرر و النقص، و ينفر منه المفكرون و ذوو العلم، و المعرفة، بل هي أضرّ على الإسلام من طعن أعدائه فيه.

ما يتعلق بعمر الدنيا

فقد ذكروا في

عمر الدنيا أنه سبعة آلاف سنة، و أن النبي محمدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، بعث في آخر السادسة، فقد ورد ذلك مرفوعا إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم

، و حكم عليه ابن الجوزي بالوضع في كتابه «الموضوعات»، و أحر به أن يكون مختلقا مكذوبا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

و كذلك جاء بعض هذه الأخبار موقوفا على ابن عباس رحمهما اللّه ورد ذكر ذلك في كتب التفسير، و بعض كتب الحديث، و كتب التواريخ و نحوها، و قد قال السيوطي: إنها صحيحة.!!

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 293

و لا ندري ما ذا يقول المنتصرون لمثل هذه الأباطيل، فيما هو ثابت من أن عمر الدنيا أضعاف أضعاف ذلك، حتى أصبح ذلك من البديهيّات المسلّمات، و إن التمسّك بمثل هذه الروايات أضرّ على الدين من طعن أعدائه.

و لو أن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بعث- كما يقولون- في آخر المائة السادسة، لقامت القيامة من زمن مضى، فظهر أن الواقع و المشاهدة يكذبان ذلك أيضا، و يردّانه.

ما يتعلق بخلق الشمس و القمر

و من ذلك أيضا: ما ذكره ابن جرير، و ابن أبي حاتم، و ابن مردويه و الثعلبي، و غيرهم من المفسرين، عند تفسير قوله تعالى: وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ وَ النَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَ جَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ. وَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ وَ كُلَّ شَيْ ءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا «1».

فقد رووا عن ابن عباس أنه قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: «إن اللّه لما أبرم خلقه، فلم يبق من خلقه غير آدم

عليه السّلام، خلق شمسا من نور عرشه، فأما ما كان في سابق علم اللّه أن يدعها شمسا، فإنه خلقها مثل الدنيا، ما بين مشارقها و مغاربها، و أما ما كان في سابق علمه أن يطمسها و يحوّلها قمرا، فإنه خلقها مثل الشمس في الضوء، و إنما يرى الناس صغرهما لشدة ارتفاعهما، و لو تركهما اللّه كما خلقهما في بدء الأمر لم يعرف الليل من النهار، و لا النهار من الليل، و لكان الأجير ليس له وقت يستريح فيه، و لكان الصائم لا يدري إلى متى يصوم، و متى يفطر، إلى أن قال: فأرسل جبريل، فأمر جناحه على وجه القمر ثلاث مرات، و هو يومئذ شمس فمحا عنه الضوء، و بقي فيه النور، فذلك قوله تعالى: وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ وَ النَّهارَ آيَتَيْنِ فالسواد الذي ترونه في القمر هو أثر ذلك المحو».

(1) الإسراء/ 12.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 294

و كذلك روى هذا الباطل ابن أبي حاتم، و ابن مردويه، و سنده واه؛ لأن فيه نوح بن أبي مريم، و هو وضّاع دجّال، و قد حكم عليه ابن الجوزي بالوضع و الاختلاق «1»، و منشؤه من الإسرائيليات التي ألصقت بالنبي زورا، و فيه من الركاكة اللفظية، و المعنوية ما يشهد بوضعه على النبي، و ليس عليه شي ء من نور النبوة.

و ما كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يتعرض للكونيات بهذا التفصيل، و لما سئل عن الهلال لم يبدو صغيرا ثم يكبر، حتى يصير بدرا، ثم يصغر؟، أجاب بالفائدة، فقال: هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِّ لأنّ بالأهلّة تعرف السنون، و المشهور، و عليها تتوقف مصالح الناس الدينية و الدنيوية، فبها يعرفون حجّهم،

و صومهم، و إخراج زكاتهم، و حلول آجال ديونهم و نحوها، و ليس من الحكمة التعرّض لمثل هذه الكونيّات بالتفصيل، فتركها لعقول الناس، و إدراكاتهم أولى، و لا سيّما أنه لا يتوقف على معرفة الأمّة لمثل هذه الأمور فائدة دينية، و القرآن و السنة النبويّة حينما يعرضان للحديث عن الكونيّات يكون غرضهما انتزاع العبرة، و الاستدلال بما أودع فيهما على وجود اللّه- جل و علا- و وحدانيته، و قدرته، و علمه، و سائر صفاته، و لذلك لا نقف فيما صح و ثبت من الأحاديث على مثل هذه التفصيلات التي نجدها في الآثار الضعيفة، و الإسرائيليات الباطلة.

ما يتعلق بتعليل بعض الظواهر الكونية

و من ذلك ما يذكره بعض المفسرين، و ما يوجد في بعض كتب الحديث في غروب الشمس، و أنها إذا غربت ابتلعها حوت، و ما يتعلق بالسماوات، و الأجرام السماوية، و من أي الجواهر هي؛ و الأرض و علام استقرت، و أنها على ظهر

(1) اللئالئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة، ج 1، ص 24 و ما بعدها.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 295

حوت، و ما يذكرونه في تعليل برودة الآبار في الصيف، و سخونتها في الشتاء، و عن منشأ الرعد و البرق، و عن منشأ السحاب، إلى نحو ذلك مما لا نصدّق وروده عن المعصوم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم. و ما ورد منه موقوفا، فمرجعه إلى الإسرائيليات الباطلة، أو إلى الزنادقة الذين أرادوا أن يظهروا الإسلام بمظهر الدين الخرافي الذي ينافي العلم، و السنن الكونية.

فقد روي عن أبي أمامة الباهلي: أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «و كلّ بالشمس تسعة أملاك، يرمونها بالثلج كل يوم، لو لا ذلك ما أتت

على شي ء إلّا أحرقته» رواه الطبراني.

و من أحد رواته عقير بن معدان، و هو ضعيف جدا، و لو أن الحديث صحيح السند، أو ثابت، لتمحّلنا، و قلنا: إنه من قبيل التمثيل، أما و هو بهذا الضعف فلتلق به دبر آذاننا.

و

عن ابن عمر، قال: «سئل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقيل: أ رأيت الأرض على ما هي؟

قال: «الأرض على الماء» قيل: الماء على ما هو؟ قال: «على صخرة» فقيل:

الصخرة على ما هي؟ قال: «هي على ظهر حوت يلتقي طرفاه بالعرش»!! قيل:

الحوت على ما هو؟ قال: «على كاهل ملك، قدماه على الهواء». رواه البزّار عن شيخه عبد اللّه بن أحمد، يعني ابن شبيب

، و هو ضعيف. و عن الربيع بن أنس قال: «السماء الدنيا موج مكفوف، و الثانية: صخرة، و الثالثة: حديد، و الرابعة:

نحاس، و الخامسة: فضة، و السادسة: ذهب، و السابعة: ياقوت». رواه الطبراني في «الأوسط» هكذا موقوفا على الربيع، و فيه أبو جعفر الرازي، وثّقه أبو حاتم و غيره، و ضعّفه النسائي و غيره «1».

(1) مجمع الزوائد للهيثمي، ج 8، ص 131.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 296

و

روى الطبراني في «الأوسط» بسنده، فقال: حدّثنا محمد بن يعقوب الأهوازي الخطيب، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن عبد الصمد السلمي، قال: حدثنا أبو عمران الحراني، قال: حدثنا ابن جريج عن عطاء، عن جابر بن عبد اللّه، أن خزيمة بن ثابت- و هو ليس بالأنصاري المشهور- كان في عير لخديجة، و أن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان معه في تلك العير، فقال له: يا محمد، أرى فيك خصالا، و أشهد أنك النبي الذي يخرج من تهامة، و

قد آمنت بك، فإذا سمعت بخروجك أتيتك. فأبطأ عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، حتى كان يوم فتح مكة أتاه، فلما رآه قال: «مرحبا بالمهاجر الأول» و ....

ثم قال: يا رسول اللّه، أخبرني عن ضوء النهار، و ظلمة الليل، و عن حرّ الماء في الشتاء، و عن برده في الصيف، و عن البلد الأمين، و عن منشأ السحاب، و عن مخرج الجراد، و عن الرعد و البرق، و عن ما للرجل من الولد، و ما للمرأة؟

فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أما ظلمة الليل، و ضوء النهار، فإن الشمس إذا سقطت تحت الأرض، فأظلم الليل لذلك، و إذا أضاء الصبح، ابتدرها سبعون ألف ملك، و هي تقاعس كراهية أن تعبد من دون اللّه، حتى تطلع، فتضي ء، فيطول الليل بطول مكثها، فيسخن الماء لذلك. و إذا كان الصيف، قلّ مكثها، فبرد الماء لذلك.

و أما الجراد، فإنه نثرة حوت في البحر، يقال له: «الأبوات»، و فيه يهلك. و أما منشأ السحاب، فإنه ينشأ من قبل الخافقين، و من بين الخافقين تلجمه الصبا و الجنوب، و يستدبره الشمال و الدبور. و أما الرعد، فإنه ملك بيده مخراق «1» يدني القاصية، و يؤخّر الدانية، فإذا رفع برقت، و إذا زجر رعدت، و إذا ضرب

(1) المخراق: خرق تفتل و يضرب به الصبيان بعضهم بعضا، و المراد هنا آلة تزجر بها الملائكة السحاب.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 297

صعقت. و أما ما للرجل من الولد، و ما للمرأة، فإن للرجل العظام، و العروق، و العصب، و للمرأة اللحم، و الدم، و الشعر. و أما البلد الأمين، فمكة».

و قال الهيثمي في «زوائد»:

رواه الطبراني في «الأوسط»، و فيه يوسف بن يعقوب أبو عمران، ذكر الذهبي هذا الحديث في ترجمته، و لم يذكر تضعيفه عن أحد! «1».

و الحق أن الذهبي حكم ببطلان هذا الخبر، و قال: إن راويه عن يوسف بن يعقوب مجهول، و هو محمد بن عبد الرحمن السلمي المذكور، و أحر به أن يكون باطلا، و لقد صدق الإمام الحافظ أبو عبد اللّه الذهبي، الذي أبان لنا قيمة هذه المرويات الباطلة، منذ بضعة قرون.

و إليك ما قاله الذهبي بنصّه، قال يوسف بن يعقوب أبو عمران عن ابن جريج، بخبر باطل طويل، و عنه إنسان مجهول و اسمه عبد الرحمن السلمي، قال الطبراني: حدثنا محمد بن يعقوب الأهوازى الخطيب.

ثم ذكر الإسناد الذي ذكرته آنفا، و بعض المتن إلّا أنه قال: «إن خزيمة بن ثابت الأنصارى»، و قال: ذكره أبو موسى في الطوالات، و روى بعضه عبدان الأهوازي، عن السلمي هذا «2».

فكيف يقول الهيثمي: ذكر الذهبي هذا الحديث في ترجمته، و لم ينقل تضعيفه عن أحد؟!! إنه- و اللّه- العجب!! و قد وافق الذهبي فيما قاله الإمام الحافظ ابن حجر في «لسان الميزان» «3»، فقد ذكر ما ذكره الذهبي، غير أنه قال، عن

(1) مجمع الزوائد، ج 8، ص 132.

(2) ميزان الاعتدال في نقد الرجال، ج 3، ص 335، ترجمة رقم 2866، ط السعادة.

(3) ج 6، ص 330، ط الهند.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 298

جابر بن عبد اللّه: أن خزيمة بن ثابت- و ليس بالأنصاري- كان في عير لخديجة، و ذكر القصة السابقة.

و ما ذكره الحافظ ابن حجر في «لسان الميزان» من أنه ليس بالأنصاري هو الصحيح، فهو خزيمة بن حكيم السلمي، و

يقال له: ابن ثابت أيضا، كان صهر خديجة أم المؤمنين، فهو غير خزيمة بن ثابت الأنصاري، المشهور بأنه ذو الشهادتين قطعا «1».

و مما يروى في مثل هذا، ما روي عن صباح بن أشرس، قال: «سئل ابن عباس عن المد و الجزر، فقال: إن ملكا موكّلا بناموس البحر، فإذا وضع رجله فاضت، و إذا رفعها غاضت»، قال الهيثمي: رواه أحمد، و فيه من لم أعرفه، أقول:

و البلاء غالبا، إنما يكون من المجاهيل.

و

عن معاذ بن جبل، عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «المجرة التي في السماء هي عرق حية تحت العرش»، رواه الطبراني في «المعجم الكبير» و «الأوسط»

، و قال:

لا يروى عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلّا بهذا الإسناد، و فيه: عبد الأعلى بن أبي سحرة، و لم أعرفه، و بقية رجاله ثقات، أقول: و البلاء من هذا الذي لا يعرف.

و

عن جابر بن عبد اللّه- رضوان اللّه عليه- قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «يا معاذ، إني مرسلك إلى قوم أهل عناد، فإذا سئلت عن المجرة التي في السماء فقل:

هي لعاب حية تحت العرش» رواه الطبراني

، و فيه الفضل بن المختار و هو ضعيف «2»، أقول: و أحر بمثل هذا أن لا يروى إلّا من طريق ضعيف.

و كل هذا الذي ذكرناه، و أمثاله مما لا نصدق وروده عن المعصوم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم

(1) الإصابة، ج 1، ص 427، ترجمة 2258.

(2) مجمع الزوائد، ج 8، ص 135.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 299

و إنما هو من أكاذيب بني إسرائيل و خرافاتهم، أو من وضع الزنادقة الخبثاء، و

ألصق بالنبي زورا، و ما كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ليتكلم في الكونيات، و الفلكيات، و أسباب الكائنات بهذا التفصيل، كما حقّقنا لك آنفا. و في هذه المرويّات من السذاجة العلمية، و التفاهات، ما لا يليق بعاقل، فضلا عن أعقل العقلاء، الذي ما كان ينطق عن الهوى.

و أيضا فهذه التعليلات لا تتّفق هي و المقررات العلمية المستقرة الثابتة، التي أصبحت في حكم اليقينيّات اليوم. و لا ندري، كيف يكون حال الداعية إلى الإسلام اليوم في البلاد المتقدمة في العلم و المعرفة إذا لهج بمثل هذه الأباطيل التي تضرّ بالدين أكثر مما ينال منه أعداؤه؟ و لو أن هذه المرويّات كانت في كتب معتمدة من كتب الحديث، و الرواية التي تعنى بذكر الأحاديث الصحيحة و الحسنة، لكان للمنتصرين لها بعض العذر. أما و هي كما علمت غير معتدّ بها لضعف أسانيدها، و مخالفتها للعقل، و العلم اليقيني، فاضرب بها عرض الحائط و لا كرامة.

ما ذكره المفسرون في الرعد و البرق في كتبهم

و معظم كتب التفاسير بالمأثور و غيره ذكرت: أن الرعد اسم ملك يسوق السحاب، و أن الصوت المسموع صوت زجره السحاب، أو صوت تسبيحه، و أن البرق أثر من المخراق الذي يزجر به السحاب، أو لهب ينبعث منه، على أن المخراق من نار، و ذلك عند تفسير قوله تعالى: وَ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَ الْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ «1» الآية، و يكاد لم يسلم من ذلك أحد منهم، إلّا أن منهم من يحاول أن يوفّق بين ظاهر الآية و ما قاله الفلاسفة الطبيعيون في الرعد

(1) الرعد/ 13.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 300

و البرق، فيؤوّل الآية، و منهم من يبقي الآية على ظاهرها، و ينحى باللائمة

على الفلاسفة و أضرابهم؛ الذين قاربوا أن يصلوا إلى ما وصل إليه العلماء في العصر الحديث. ففي تفسير الخازن «1» قال أكثر المفسرين: على أن الرعد اسم للملك الذي يسوق السحاب، و الصوت المسموع منه تسبيحه، ثم أورد على هذا القول أن ما عطف عليه، و هو قوله تعالى: وَ الْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ يقتضي أن يكون المعطوف عليه مغايرا للمعطوف، لأنه الأصل، ثم أجاب: بأنه من قبيل ذكر الخاص قبل العام تشريفا! و قد بسّط الآلوسي في تفسيره- كما هي عادته- الأقوال في الآية، و ذكر أن للعلماء في إسناد التسبيح إلى الرعد قولين: أن في الكلام حذفا، أي سامعو الرعد، أو أن الإسناد مجازي من قبيل الإسناد إلى السبب و الحامل عليه، و الباء في «بحمده» للملابسة، أي يسبّح السامعون لذلك الصوت متلبّسين بحمد اللّه، فيقولون: سبحان اللّه، و الحمد للّه.

و من العلماء من قال: إن تسبيح الرعد بلسان الحال لا بلسان المقال، حيث شبّه دلالة الرعد على قدرة اللّه و عظمته، و إحكام صنعته، و تنزيهه عن الشريك و العجز، بالتسبيح و التنزيه، و التحميد اللفظي، ثم استعار لفظ يسبّح لهذا المعنى.

و قالوا: إن هذا المعنى أنسب.

و كل هذا من العلماء في الحقيقة تخلّص من حمل الآية على ظاهرها، و أن المراد بالرعد: الملك الموكّل بالسحاب. ثم قال الآلوسي: و الذي اختاره أكثر المحدثين أن الإسناد حقيقي؛ بناء على أن الرعد اسم للملك الذي يسوق السحاب.

فقد روى أحمد، و الترمذي و صححه، و النسائي، و آخرون عن ابن

(1) ج 3، ص 70.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 301

عباس- رضوان اللّه عليه-: أن اليهود سألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و

آله و سلّم، فقالوا: أخبرنا ما هذا الرعد؟ فقال عليه السّلام: «ملك من ملائكة اللّه موكّل بالسحاب، بيديه مخراق من نار، يزجر به السحاب، يسوقه حيث أمره اللّه تعالى»، قالوا: فما ذلك الصوت الذي نسمعه؟ قال: «صوته» قالوا: «صدقت».

و هذا الحديث إن صح يمكن حمله على التمثيل، و لكن لا يطمئن القلب إليه، و لا يكاد يصدق وروده عن المعصوم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و إنما هو من إسرائيليات بني إسرائيل ألصقت بالنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم زورا، ثم كيف يتلاءم ما روي مع قوله قبل:

هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَ طَمَعاً وَ يُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ، و قوله بعد:

وَ يُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ «1»، فالآية في بيان قدرة اللّه و عظمته في إحداث هذه الآيات الكونية، على حسب ما خلقه اللّه في الكون من نواميس، و أسباب عادية! و إنما المناسب أن نفسّر تسبيح «الرعد» بلسان الحال، و عطف الملائكة على «الرعد» يقتضي أن يكون «الرعد» غيرها لما ذكرنا، و كأن السر في الجمع بينهما بيان أنه تواطأ على تعظيم اللّه و تنزيهه الجمادات و العقلاء، و أن ما لا يعقل منقاد للّه و خاضع كانقياد العقلاء سواء بسواء، و لا سيّما الملائكة الذين هم مفطورون على الطاعة و الانقياد.

و من الحق أن نذكر: أن بعض المفسرين كانت لهم محاولات جادّة؛ بناء على ما كان من العلم بهذه الظواهر الكونية في عصرهم، في تفسير: الرعد و البرق، كابن عطية رحمه اللّه فقد قال: و قيل: إن «الرعد» ريح تخفق بين السحاب.

و روى ذلك عن ابن عباس، و اعترض عليه أبو حيان، و اعتبر ذلك من نزغات الطبيعيين،

مع أن قول ابن عطية أقرب إلى الصواب من تفسير «الرعد» بصوت

(1) الرعد/ 12 و 13.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 302

«الملك» الذي يسوق السحاب، و البرق بضوء مخراقه. و قد حاول الإمام الرازي التوفيق بين ما قاله المحققون من الحكماء، و ما ورد في هذه الأحاديث و الآثار، و قد أنكر عليه أبو حيان هذا أيضا.

ثم ذكر الآلوسي آراء الفلاسفة في حدوث الرعد، و البرق، و تكوّن السحاب، و أنه عبارة عن أبخرة متصاعدة قد بلغت في صعودها إلى الطبقة الباردة من الهواء، ثم تكثّفت بسبب البرد، و لم يقدر الهواء على حملها، فاجتمعت و تقاطرت، و يقال لها: مطر.

هذا، و قد أصابوا في تكوّن السحاب و نزول المطر، فآخر ما وصل إليه العلم اليوم هو هذا. و أما في تكون الرعد، و البرق، فقد حاولوا، و قاربوا، و إن لم يصلوا إلى الحقيقة العلمية المعروفة اليوم.

و بعد أن ذكر الآلوسي الردود و الاعتراضات على ما قاله الفلاسفة، و هي- و الحق يقال- لا تنهض أن تكون أدلة في ردّ كلامهم، قال: و قال بعض المحققين: لا يبعد أن يكون في تكوّن ما ذكر أسباب عادية، كما في الكثير من أفعاله تعالى، و ذلك لا ينافي نسبته إلى المحدث الحكيم- جل شأنه- و من أنصف لم يسعه إنكار الأسباب بالكلية، فإن بعضها كالمعلوم بالضرورة، قال:

و بهذا أنا أقول «1». و نحن أيضا بهذا نقول، و كون الظواهر الكونية قد جعل اللّه نواميس خاصة لحدوثها، لا ينافي قط أنه سبحانه الخالق للكون، و المدبّر له سبحانه، فهو- تعالى- هو الموجد لهذه النواميس، و هو الموجد لهذه السنن التي يسير عليها الكون،

فإن بعض هذه النواميس و السنن أصبحت معلومة فإنكارها باسم الدين، أو التشكيك فيها- و منها تكوّن السحب، و حدوث الرعد، و البرق،

(1) تفسير الآلوسي، ج 13، ص 106 و 107، ط منير.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 303

و الصواعق- إنما يعود على الدين بالضعف، و يضرّه أكثر من طعن أعدائه فيه.

أقوال الرسول عند سماع الرعد و رؤية البرق

و قد وردت أحاديث أخرى صحاح و حسان، تبيّن ما كان يقوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عند حدوث هذه الظواهر الكونية، و هي تدل على كمال المعرفة باللّه، و أنه سبحانه هو المحدث لها، و أنها تدل على تنزيه اللّه، و تعظيمه، و حمده؛

فقد أخرج أحمد و البخاري في الأدب المفرد، و الترمذي، و النسائي، و غيرهم، عن ابن عمر قال: «كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إذا سمع صوت الرعد، و الصواعق قال: اللّهم لا تقتلنا بغضبك، و لا تهلكنا بعذابك، و عافنا قبل ذلك»

، لأن احتمال الإهلاك و التعذيب بهذه الآيات الكونية أمر قريب ممكن.

و

أخرج أبو داود في مراسيله، عن عبد اللّه بن أبي جعفر: أن قوما سمعوا الرعد فكبّروا، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إذا سمعتم الرعد فسبّحوا، و لا تكبّروا»

، و ذلك لما فيه من التّأدب بأدب القرآن، و أسلوبه، في قوله تعالى: وَ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ، و لأن دلالته على تنزيه اللّه من النقص و الشريك أولى من دلالته على التعظيم. و أخرج ابن أبي شيبة، عن ابن عباس أنه عليه السّلام كان يقول إذا سمع الرعد:

«سبحان اللّه و بحمده، سبحان اللّه العظيم». و

أخرج ابن أبي شيبة، و ابن جرير عن أبي هريرة

قال: كان صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إذا سمع الرّعد قال: «سبحان من يسبّح الرعد بحمده».

فهذا هو اللائق برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و بعصمته، لا ما روي من أن الرعد ملك أو صوت زجره للسحاب، و أن البرق أثر سوطه الذي يزجر به السحاب.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 304

رأي العلم في حدوث الرعد، و البرق، و الصواعق

و إكمالا للفائدة: سنذكر ما وصل إليه العلم في حدوث هذه الظواهر الكونية، فنقول، و باللّه التوفيق: يقول الدكتور محمد أحمد الغمراوي في كتابه «سنن اللّه الكونية»:

الرياح، و الكهربائية الجويّة

إن الكهربائية التي تتولّد في الهواء- و التي ذكرنا لك بعض مصادرها- يكتسبها السحاب عند تكوّنه على الأيونات التي تحملها تلك الكهربائية في الطبقات العليا الجويّة، و لا يدرى الآن، كيف يفصّل اللّه الأيونات السالبة، من الأيونات الموجبة، قبل تكاثف البخار عليها، إن كان هناك فصل لهما؟ أم كيف يكون السحاب عظيم التكهرب إما بنوع من الكهرباء، و إما بالنوع الآخر، إذا حدث التكاثف على الأيونات، و هي مختلطة. و مهما يكن من سر ذلك، فإن السحاب مكهرب من غير شك، كما أثبت ذلك فرانكلن لأول مرة في عام (1752 م) و كما أثبت غيره، عظم تكهربه بشتّى الطرق بعده، و أنت تعرف أن نوعي الكهربائية يتجاذبان، و أن الموجب و الموجب، أو السالب و السالب يتدافعان، أو يتنافران، كما تشاء أن تقول.

هذا التدافع أو التنافر من شأنه تفريق الكهربائية، ثم إذا شاء اللّه ساق السحاب بالريح، حتى يقترب السحاب الموجب، من السحاب السالب قربا كافيا، في اتّجاه أفقي، أو في اتجاه رأسي أو فيما شاء اللّه من الاتجاهات، فإذا اقتربا تجاذبا. و من شأن اقترابهما هذا أن يزيد في كهربائية مجموع السحاب بالتأثير، و لا يزالان يتجاذبان، و يتقاربان، حتى لا يكون محيص من اختلاطهما و اتحاد كهربائيتهما أو من اتحاد كهربائيتهما من بعد، و عندئذ تحدث شبه شرارة عظمى كهربائية، هي

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 305

البرق الذي كثيرا ما يرى في البلاد الكثيرة الأمطار.

و «المطر» نتيجة لازمة لحدوث ذلك الاتحاد الكهربائي، سواء حدث

في هدوء أو بالإبراق، فإذا حدث بهدوء، حدث بين القطيرات المختلفة في السحابتين، فتجذب كل منها قرينتها أو قريناتها، حتى تتحد، و تكون قطرة فيها ثقل، فتنزل، و تكبر أثناء نزولها بما تكتسب من كهربائية، و ما تجتذب من قطيرات، أثناء اختراقها السحاب المكهرب، الذي يكون بعضه فوق بعض في السحاب الركام، أما إذا حدث الاتحاد الكهربائي في شدة البرق، و عنفه، فإنه يحدث لا بين القطيرات، و لكن بين الكتل من السحاب، و يسهل حدوثه تخلخل الهواء، أي قلة ضغطه في تلك الطبقات.

و «البرق» يمثّل قوة كهربائية هائلة، تستطيع أن تكوّن فكرة عنها إذا عرفت أن شرارته قد تبلغ ثلاثة أميال، في طولها أو تزيد، و أن أكبر شرارة كهربائية أحدثها الإنسان لا تزيد عن بضعة أمتار.

فالحرارة الناشئة عن البرق لا شك هائلة، فهي تمدّد الهواء بشدة، و تحدث مناطق جوية عظيمة مخلخلة، الضغط داخلها يعادل الضغط خارجها، ما دام الهواء داخل المنطقة ساخنا، حتى إذا تشعّعت حرارته و بردت تلك المناطق برودة كافية، و ما أسرع ما تبرد، خفّ منها الضغط، و صار أقل كثيرا من ضغط الطبقات الهوائية السحابية المحيطة بها، فهجمت عليها فجأة بحكم الفرق العظيم بين الضغطين و تمدّدت فيها، و حدث لذلك صوت شديد، هو صوت الرعد و هزيمه، هذا الصوت قد يكون له صدى بين كتل السحاب، يتردّد، فنسميه قعقعة الرعد، أما صوت الشرارة الكهربائية البرقية، فهو بدء الرعد، و يكون ضعيفا بالنسبة لهزيمه و قعقعته، لذلك تسمع الرعد ضعيفا في الأول ثم يزداد، كأنما أوّله إيذان بتضخّمه، كما قد تؤذن الطلقة الفردة بانطلاق بطاريات برمتها، من المدافع

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 306

الضخمة في الحروب.

فالرعد يحدث لا عند اتحاد الكهربائيتين حين يحدث البرق فقط، و لكن يحدث أكثره بعد ذلك عند تمدّد الكتل الهوائية الهاجمة في المنطقة المفرغة، و هي إذا تمدّدت بردت برودة شديدة، فيتكاثف ما فيها من البخار، و من كتل السحاب، فينزل على الأرض إما مطرا، و إما بردا، حسب مقدار البرودة الحادثة في تلك المناطق، و هذا هو السبب في أن الرعد و البرق يعقبهما في الغالب مطرات شديدة، سواء أ كانت المطرة مائية، أم بردية، و قطرات الماء أو حبات البرد تنمو بعد ذلك باختراقها كتل السحاب المتراكم، تحت المنطقة التي حدث فيها التفريغ «1».

الصواعق

و قد يحدث التفريغ الكهربائي بين السحاب و الأرض، بدلا من بين السحاب و السحاب، و هذا يكون عادة إذا كان السحاب عظيم الكهربائية، قريبا من الأرض، فإذا حدث التفريغ ظهر له كالعادة ضوء و صوت، نسمّي مجموعهما بالصاعقة، أي أن الصاعقة: تفريغ كهربائي بين السحاب و الأرض، إذا أصاب حيوانا أو نباتا أحرقه، و هو يحدث أكثر ما يحدث بين الأجسام المدبّبة على سطح الأرض من شجر أو نحوه، و بين السحاب، و لذا كان من الخطأ الاستظلال بالشجر، أو المظلات في العواصف ذات البرق، على أن الإنسان قد استخدم سهولة حدوث التفريغ بين الأجسام المدببة، و السحاب لوقاية الأبنية من الصواعق، و ذلك بإقامته على سطوحها قضبانا حديدية أو نحاسية، مدبّبة الأطراف، بحيث يكون طرف القضيب المدبّب أعلى قليلا من أعلى نقطة في البناء، و الطرف الآخر متّصلا بلوح فلزي مدفون في أرض رطبة، و من شأن

(1) سنن اللّه الكونية، ص 158- 160.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 307

الأطراف المدببة أن يكون كل منها

بابا تخرج منه الكهربائية المتجمعة على السطح تدريجا إلى السحاب الذي يظلّه، فيحدث التفريغ، أي الاتحاد بين كهربائية الأرض، و كهربائية السحاب تدريجا، فيمتنع ذلك التفريغ الفجائي المعروف بالصاعقة، على أنه إذا نزلت الصاعقة بالبناء رغم ذلك فالأرجح جدا أنها تصيب القضيب المدبّب أول ما تصيب، و تنصرف الكهربائية إلى الأرض، بدلا من أن تدكّ البناء؛ و لذا يسمّى مثل هذا القضيب المدبّب الواصل إلى الأرض بصارفة الصواعق، و قد وجدوا أن السطح الخارجي للقضيب هو الطريق الذي تمر به الكهربائية إلى الأرض، لذلك كلما كان هذا السطح أكبر كان الصرف أعظم، و البناء أحصن؛ و لذا كانت الصفائح أفعل في حفظ الأبنية، من مثل كتلتها من الأسلاك «1».

جبل «قاف» المزعوم، و حدوث الزلازل

و من ذلك ما ذكره بعضهم في تفسير قوله تعالى: ق وَ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ «2»:

فقد ذكر صاحب «الدر المنثور» و غيره، روايات كثيرة عن ابن عباس- رضوان اللّه تعالى عليه- قال: «خلق اللّه من وراء هذه الأرض بحرا محيطا بها، ثم خلق من وراء ذلك البحر جبلا يقال له: (قاف)، سماء الدنيا مرفوعة عليه، ثم خلق اللّه- تعالى- من وراء ذلك الجبل أيضا مثل تلك الأرض سبع مرات، و استمر على هذا حتى عدّ سبع أرضين، و سبعة أبحر، و سبعة أجبل، و سبع سماوات».

و هذا الأثر لا يصح سنده عن ابن عباس، و فيه انقطاع، و لعل البلاء فيه من المحذوف.

(1) سنن اللّه الكونية، ص 162.

(2) ق/ 1.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 308

و أخرج ابن أبي الدنيا، و أبو الشيخ عنه أيضا، قال: خلق اللّه تعالى جبلا يقال له: قاف، محيط بالعالم، و عروقه إلى الصخرة التي عليها الأرض، فإذا أراد

اللّه تعالى أن يزلزل قرية أمر ذلك الجبل فيحرك العرق الذي يلي تلك القرية، فيزلزلها، و يحرّكها، ثم تحرّك القرية دون القرية.

و كل ذلك كما قال القرافي لا وجود له، و لا يجوز اعتماد ما لا دليل عليه، و هو من خرافات بني إسرائيل الذين يقع في كلامهم الكذب، و التغيير، و التبديل، دسّت على السذّج من المفسّرين، أو تقبّلوها بحسن نية. و رووها لغرابتها، لا اعتقادا بصحتها، و نحمد اللّه أن وجد في علماء الأمة من ردّ هذا الباطل، و تنبّه له قبل أن تتقدّم العلوم الكونية، كما هي عليه اليوم. و من العجيب أن يتعقّب كلام القرافي ابن حجر الهيثمي، فقال: ما جاء عن ابن عباس مروي من طرق خرّجها الحفاظ و جماعة، ممن التزموا تخريج الصحيح، و قول الصحابي فيما لا مجال للرأي فيه، حكمه حكم المرفوع إلى النبي.

و لكن نقول للشيخ الهيثمي: إن تخريج من التزم الصحة ليس بحجّة، و كم من ملتزم شيئا لم يف به، و الشخص قد يسهو و يغلط مع عدالته، و أنظار العلماء تختلف، و الحاكم صحح أحاديث، حكم عليها الذهبي و غيره بالوضع، و كذلك ابن جرير أخرج روايات في تفسيره، حكم عليها الحافظ بالوضع، و الكذب. و لو سلمنا إسنادها إلى ابن عباس، فلا ينافي ذلك أن تكون من الإسرائيليات الباطلة، الموضوعة عنه.

ثم إنا نقول للهيثمي و من يرى رأيه: أي فائدة نجنيها من وراء هذه المرويّات التي لا تتقبّلها عقول تلاميذ المدارس، فضلا عن العلماء؟!! اللهم إلّا أننا نفتح- بالانتصار لها- بابا للطعن في عصمة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و إذا جاز هذا في عصور الجهل و الخرافات فلا

يجوز اليوم، و قد أصبح روّاد الفضاء يطوفون حول

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 309

الأرض، و يرونها معلقة في الفضاء بلا عمد، و لا جبال، و لا بحار، و لا صخرة استقرت عليها الأرض، فهذه الإسرائيليات مخالفة للحسّ و المشاهدة قطعا، فكيف نتعلق بها؟! قال الآلوسي: و الذي أذهب إليه ما ذهب إليه القرافي، من أنه لا وجود لهذا الجبل بشهادة الحسّ، فقد قطعوا هذه الأرض، برّها و بحرها، على مدار السرطان مرات، فلم يشاهدوا ذلك، و الطعن في صحة الأخبار- و إن كان جماعة من رواتها ممن التزم تخريج الصحيح- أهون من تكذيب الحسّ، و أمر الزلازل لا يتوقّف أمرها على ذلك الجبل، بل هي من الأبخرة، المتولّدة من شدّة حرارة جوف الأرض، طلبها الخروج، مع صلابة الأرض، فيحصل هذا الاهتزاز، و إنكار ذلك مكابرة عند من له عرق من الإنصاف «1»، و لا ندري لو أن الآلوسي عاش في عصرنا هذا، و وقف على ما وقفنا عليه من عجائب الرحلات الفضائية، ما ذا كان يقول؟، إنّ كلّ مسلم ينبغي أن يكون له من العقل الواعي المتفتح، و النظر الثاقب البعيد.

و إليك ما قاله عالم ناقد، سبق الآلوسي بنحو خمسة قرون «2»: فقد قال في تفسيره عند هذه الآية: و قد روى عن السلف أنهم قالوا: (ق): جبل محيط بجميع الأرض يقال له: جبل قاف، و كأنّ هذا- و اللّه أعلم- من خرافات بني إسرائيل التي أخذها عنهم بعض الناس، لما رأى من جواز الرواية عنهم، مما لا يصدق، و لا يكذب. و عندي: أن هذا، و أمثاله، و أشباهه من اختلاق بعض زنادقتهم، يلبّسون به على الناس أمر دينهم، كما افتري

في هذه الأمة- مع جلالة

(1) روح المعاني للآلوسي، ج 26، ص 120.

(2) ابن كثير توفي سنة (774 ه) و الآلوسي توفي سنة (1270 ه).

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 310

قدر علمائها، و حفّاظها، و أئمتها- أحاديث عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و ما بالعهد من قدم، فكيف بأمّة بني إسرائيل مع طول المدى، و قلّة الحفاظ النقاد فيهم، و شربهم الخمور، و تحريف علمائهم الكلم عن مواضعه، و تبديل كتب اللّه و آياته «1».

قال: و قد أكثر كثير من السلف من المفسرين، و كذا طائفة كثيرة من الخلف، من الحكاية عن كتب أهل الكتاب، في تفسير القرآن المجيد، و ليس بهم احتياج إلى أخبارهم- و للّه الحمد و المنة-، حتى أن أبا محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي رحمه اللّه أورد هنا أثرا غريبا، لا يصح سنده عن ابن عباس، ثم ساق السند، و المتن الذي ذكرناه آنفا.

ثم قال: فإسناد هذا الأثر فيه انقطاع- أي راو سقط من رواته- و الذي رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس رحمهما اللّه في قوله عزّ و جل (ق): هو اسم من أسماء اللّه عزّ و جل، و الذي ثبت عن مجاهد- و هو من تلاميذ ابن عباس الملازمين له، الناشرين لعلمه- أنه حرف من حروف الهجاء، كقوله تعالى: ص، ن، حم، طس، الم، فهذه تبعد ما تقدم عن ابن عباس- رضوان اللّه عليه- «2».

الإسرائيليات في تفسير ن وَ الْقَلَمِ

و من ذلك ما يذكر كثير من المفسرين في قوله تعالى: ن وَ الْقَلَمِ من أنه الحوت الذي على ظهره الأرض، و يسمّى «اليهموت»، و قد ذكر ابن جرير، و السيوطي روايات عن ابن

عباس، منها: «أول ما خلق اللّه القلم، فجرى بما هو

(1) تفسير ابن كثير، ج 4، ص 221. و البغوي، ج 4، ص 220.

(2) تفسير ابن كثير، ج 4، ص 221.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 311

كائن، ثم رفع بخار الماء، و خلقت منه السماوات، ثم خلق النون، فبسطت الأرض عليه، فاضطرب النون، فمادت الأرض «1»، فأثبتت بالجبال. و قد روي عن ابن عباس أيضا: أنه الدواة، و لعل هذا هو الأقرب، و المناسب لذكر القلم. و قد أنكر الزمخشري ورود «نون» بمعنى الدواة، في اللغة، و روي عنه أيضا: أنه الحرف الذي في آخر كلمة الرَّحْمنُ، و أن هذا الاسم الجليل فرق في الر و حم و ن.

و اضطراب النقل عنه يقلل الثقة بما روي عنه، و لا سيما الأثر الأول عنه، و الظاهر أنه افتراء عليه، أو هو من الإسرائيليات ألصق به.

و إليك ما قاله الإمام ابن قيم الجوزية، قال في أثناء كلامه على الأحاديث الموضوعة: و من هذا حديث أن قاف: جبل من زمردة خضراء، محيط بالدنيا كإحاطة الحائط بالبستان، و السماء واضعة أكنافها عليه.

و من هذا حديث: أن الأرض على صخرة، و الصخرة على قرن ثور، فإذا حرّك الثور قرنه، تحرّكت الصخرة، فهذا من وضع أهل الكتاب الذين قصدوا الاستهزاء بالرسل. و قال الإمام أبو حيان في تفسيره: لا يصح من ذلك شي ء ما عدا كونه اسما من أسماء حروف الهجاء «2».

(1) تحركت و مالت.

(2) و الصحيح عندنا- على ما أسلفنا البحث فيه في التمهيد (ج 5 ص 305- 314)-: أنّ هذه الحروف المقطّعة في اوائل السور، هي إشارات رمزيّة إلى أسرار بين اللّه و رسوله، و

لم يهتد إليها سوى المأمونين على وحيه. و لو كان يمكن الاطّلاع عليها لغيرهم لم تكن حاجة إلى الرمز بها.

نعم لا يبعد اشتمالها على حكم و فوائد تزيد في فخامة مواضعها في مفتتحات السور، حسبما احتملته قرائح العلماء، فيما ذكروه من فوائد. و اللّه العالم بحقائق أسراره.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 312

أشهر كتب التفسير بالمأثور
اشارة

أهم كتب تفسير القدماء تعتمد المأثور في تفسير القرآن، فيذكرون الآية و يعقّبونها بذكر أقوال السلف من الأئمة و الصحابة و التابعين، و أحيانا مع شي ء من ترجيح بعض الأقوال، أو زيادة استشهاد بآية أو رواية أو إنشاد شعر. و هذا ديدنهم في التفسير، لا يتجاوزونه إلّا القليل. أما التّعرض بمعاني الفلسفة أو الكلام أو الأدب، فشي ء حصل مع تأخير عن العهد الأوّل، و من ثمّ فجلّ تفاسير القدماء هي من نمط التفسير بالمأثور، و إليك أشهرها:

1- جامع البيان للطبري
اشارة

مؤلف هذا التفسير هو أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الطبري، نسبة إلى طبرستان، هو من أهل آمل، من بلاد مازندران- إيران- ولد بها سنة (224)، و رحل في طلب العلم و هو شاب، و طوّف الأقاليم، فسمع بمصر و الشام و العراق، ثم ألقى رحله و استقرّ ببغداد، و نشر علمه هناك، إلى أن توفّي بها سنة (310).

كان الرجل خبيرا بالتاريخ و بأقوال السلف، عالما فاضلا و ناقدا بصيرا. و له بعض الاجتهاد في تفسيره، و ترجيح بعض الأقوال على بعض. و قد اعتبر الطبري أبا للتفسير كما اعتبر أبا للتاريخ؛ و ذلك باعتبار جامعيّة تفسيره و سعته و شموله. و يذكر أقوال السلف بالأسانيد مما يستدعي الثقة به في نقله. لكنه قد أكثر في النقل عن الضعفاء و المجاهيل، و لفيف من المعروفين بالكذب

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 313

و الاختلاق، و لا سيّما جانب إكثاره من نقل الإسرائيليات، بما أفسد و شوّه وجه التفسير. الأمر الذي أخذ على تفسير ابن جرير؛ حيث يذكر الروايات من غير تمييز بين صحيحها و سقيمها، و لا تعرّض لبيان ضعيفها عن قويّها،

و لعله حسب أنّ ذكر السند- و لو لم ينصّ على درجة الرواية قوّة و ضعفا- يرفع المؤاخذة و التبعات عن المؤلّف. في حين أنّ تفسيره هذا مشحون بالروايات الواهية و المنكرة، و الموضوعات و الإسرائيليات، و لا سيّما عند ما يتعرّض لذكر الملاحم و الفتن، و قصص الأنبياء بالذات.

نعم كان ابن جرير من المحدّثين المكثرين، و من الحشويّة الذين يحشون حقائبهم بالغثّ و السمين، و ممن وصفهم الإمام الشيخ محمد عبده بجنون التحديث. قال في ذيل آية البشارة لزكريا بيحيى: «و لو لا الجنون بالروايات مهما هزلت و سمجت لما كان لمؤمن أن يكتب مثل هذا الهزء و السخف الذي ينبذه العقل، و ليس في الكتاب ما يشير إليه. و لو لم يكن لمن يروي مثل هذه الروايات إلّا هذا لكفى في جرحه، و أن يضرب بروايته على وجهه. فعفا اللّه عن ابن جرير إذ جعل هذه الرواية مما ينشر ...» «1»

و من ثم فإنّ تفسير ابن جرير بحاجة إلى نقد فاحص و تمحيص شامل، كاحتياج كثير من كتب التفسير المشتملة على الموضوع و القصص الإسرائيلي.

و ليس ذكر السند بعاذر له، و لا يجري هنا قولهم: من أسند لك فقد حمّلك البحث عن رجال السند، كما زعمه الأستاذ الذهبي «2»، لأنّ تجويز نشر مثل هذا الخضمّ من الموضوعات و الإسرائيليات، لعله ذنب لا يغفر، كما نوّه عنه الإمام

(1) تفسير المنار، ج 3، ص 298- 299.

(2) التفسير و المفسرون، ج 1، ص 212 و 215.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 314

عبده.

و على أي تقدير، فإنّ مثل تفسير ابن جرير يعدّ اليوم من خير كتب التفسير الجامعة لآراء السلف و أقوالهم، و

لولاه لربّما ضاعت أكثر هذه الآراء، فهو من أمّهات التفاسير المعتمدة في النقل و التفسير بالمأثور. و نحن نعتمد صحة نقله، و إن كان في المنقول على يديه كثير من الغثّ و الفاسد، مما ألزم علينا النقد و التمحيص.

منهجه في التفسير و نقد الآراء

إنه يذكر الآية أوّلا، ثم يعقبها بتفسير غريب اللّغة فيها، أو إعراب مشكلها، إذا دعت الحاجة إلى ذلك، و ربما يستشهد بأشعار العرب و أمثالهم. و بعد ذلك يأتي إلى تأويل الآية، أي تفسيرها على الوجه الراجح، فيأتي بحديث أو قول مأثور إن كان هناك رأي واحد. أما إذا ازدحمت الأقوال و الآراء، فعند ذلك يذكر كل تأويل على حدّه، و ربّما رجّح لدى تضارب الآراء أحدها و أتى بمرجّحاته إن لغة أو اعتبارا، و ربما فصّل الكلام في اللغة و الإعراب، و استشهاده بالشعر و الأدب.

مثلا نراه عند قوله تعالى: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ «1» يقول: و تأويل «سواء»: معتدل، مأخوذ من التساوي، كقولك:

متساو هذان الأمران عندي، و هما عندي سواء، أي هما متعادلان عندي. و منه قول اللّه- جلّ ثناؤه-: فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ «2» يعني: أعلمهم و آذنهم بالحرب حتى يستوي علمك و علمهم، بما عليه كل فريق منهم للفريق الآخر.

فكذلك قوله: سَواءٌ عَلَيْهِمْ معتدل عندهم أيّ الأمرين كان منك إليهم: الإنذار

(1) البقرة/ 6.

(2) الأنفال/ 58.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 315

أم ترك الإنذار؛ لأنهم كانوا لا يؤمنون، و قد ختمت على قلوبهم و سمعهم. و من ذلك قول عبد اللّه بن قيس الرقيات:

تعذّبني الشهباء نحو ابن جعفر سواء عليها ليلها و نهارها

يعني بذلك: معتدل عندها في السير الليل و النهار؛ لأنه لا

فتور فيه.

و منه قول الآخر:

و ليل يقول المرء من ظلماته سواء صحيحات العيون و عورها

لأنّ الصحيح لا يبصر فيه إلّا بصرا ضعيفا من ظلمته.

و أما قوله: أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ فإنّه ظهر به الكلام ظهور الاستفهام، و هو خبر؛ لأنّه وقع موقع «أيّ»، كما تقول: لا نبالي أقمت أم قعدت، و أنت مخبر لا مستفهم، لوقوع ذلك موقع «أيّ»؛ و ذلك أنّ معناه- إذا قلت ذلك-:

ما نبالي أيّ هذين كان منك، فكذلك ذلك في قوله: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لما كان معنى الكلام: سواء عليهم أيّ هذين كان منك إليهم، حسن في موضعه مع سواء أفعلت أم لم تفعل. و قد كان بعض نحويّي أهل البصرة يزعم أنّ حرف الاستفهام إنّما دخل مع «سواء» و ليس باستفهام؛ لأنّ المستفهم إذا استفهم غيره فقال: أزيد عندك أم عمرو، مستثبت صاحبه أيّهما عنده، فليس أحدهما أحقّ بالاستفهام من الآخر، فلما كان قوله: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ بمعنى التسوية، أشبه ذلك الاستفهام، إذ أشبهه في التسوية، و قد بيّنّا الصواب في ذلك.

فتأويل الكلام: إذا معتدل يا محمد على هؤلاء الذين جحدوا نبوّتك من أحبار يهود المدينة، بعد علمهم بها، و كتموا بيان أمرك للناس بأنّك رسولي إلى خلقي، و قد أخذت عليهم العهد و الميثاق أن لا يكتموا ذلك و أن يبيّنوه للناس، و يخبروهم أنهم يجدون صفتك في كتبهم، أ أنذرتهم أم لم تنذرهم فإنّهم

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 316

لا يؤمنون و لا يرجعون إلى الحق، و لا يصدقون بك و بما جئتهم به.

كما حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل

عن محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ أي أنهم قد كفروا بما عندهم من العلم من ذكر، و جحدوا ما أخذ عليهم من الميثاق لك، فقد كفروا بما جاءك و بما عندهم مما جاءهم به غيرك، فكيف يسمعون منك إنذارا و تحذيرا، و قد كفروا بما عندهم من علمك «1».

انظر إلى هذا التفصيل في مجال الأدب، الّذي ينبؤك عن سعة اضطلاعه بالأدب و بأقوال النّحاة.

و نراه يقول في تأويل قوله- جلّ ثناؤه-: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ عَلى سَمْعِهِمْ «2» و أصل الختم: الطبع، و الخاتم: الطابع، يقال: منه ختمت الكتاب، إذا طبعته.

فإن قال لنا قائل: و كيف يختم على القلوب، و إنما الختم طبع على الأوعية و الظروف و الغلف؟

قيل: فإنّ قلوب العباد أوعية لما أودعت من العلوم، و ظروف لما جعل فيها من المعارف بالأمور، فمعنى الختم عليها و على الأسماع الّتي بها تدرك المسموعات، و من قبلها يوصل إلى معرفة حقائق الأنباء عن المغيبات، نظير معنى الختم على سائر الأوعية و الظروف.

فإن قال: فهل لذلك من صفة تصفها لنا فنفهمها، أ هي مثل الختم الذي يعرف

(1) تفسير الطبري، ج 1، ص 86.

(2) البقرة/ 7.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 317

لما ظهر للأبصار أم هي بخلاف ذلك؟ قيل: قد اختلف أهل التأويل في صفة ذلك، و سنخبر بصفته بعد ذكرنا قولهم.

ثم ذكر قول مجاهد، بإسناده عن الأعمش، قال: أرانا مجاهد بيده فقال: كانوا يرون أن القلب في مثل هذا، يعني الكفّ. فإذا أذنب العبد

ذنبا ضم منه، و قال بإصبعه الخنصر هكذا. فإذا أذنب ضم، و قال بإصبع أخرى- فإذا أذنب ضم، و قال بإصبع أخرى هكذا، حتى ضم أصابعه كلها، قال: ثم يطبع بطابع. قال مجاهد، و كانوا يرون أن ذلك الرّين.

و ذكر قولا آخر لبعضهم: أن «الختم» هنا كناية عن تكبّرهم و إعراضهم عن الاستماع لما دعوا إليه من الحق، كما يقال: إن فلانا لأصمّ عن هذا الكلام، إذا امتنع من سماعه و رفع نفسه عن تفهّمه تكبرا.

قال: و الحق في ذلك عندي ما صحّ بنظيره الخبر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو

ما رواه أبو هريرة، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: إن المؤمن إذا أذنب ذنبا كان نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب و نزع و استغفر، صقل قلبه، فإن زاد زادت حتى يغلف قلبه، فذلك «الران» الذي قال اللّه- جلّ ثنائه-: كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ «1».

فأخبر صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلفتها، و إذا أغلفتها أتاها حينئذ الختم من قبل اللّه عزّ و جل و الطبع، فلا يكون للإيمان إليها مسلك، و لا للكفر منها مخلص. ثم أخذ في مناقشة القول الثاني، و فصّل الكلام فيه على عادته في مناقشة الأقوال «2».

(1) المطففين/ 14.

(2) تفسير الطبري، ج 1، ص 87.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 318

هذا منهجه في التفسير، و هو من خير المناهج المعروفة في التفسير بالمأثور، و مناقشة الآراء المتضاربة في التفسير. و حقا أنه طويل الباع في هذا المجال، سواء في النقل أم في النقاش.

موقفه تجاه أهل الرأي في التفسير

أنه

يقف في وجه أهل الرأي في التفسير موقفا عنيفا، و يرى من إعمال الرأي في تفسير كلام اللّه مخالفة بيّنة لظاهر دلائل الشرع، و يشدّد في ضرورة الرجوع إلى العلم المأثور عن الصحابة و التابعين، و أنّ ذلك وحده هو علامة التفسير الصحيح. فمثلا عند ما تكلم عن قوله تعالى: ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَ فِيهِ يَعْصِرُونَ «1» نجده يذكر ما ورد في تفسيرها عن السلف، مع توجيهه للأقوال و تعرّضه للقراءات، بقدر ما يحتاج إليه تفسير الآية، ثم يعرّج بعد ذلك على من يفسّر القرآن برأيه، و بدون اعتماد منه على شي ء إلّا على مجرد اللغة، فيفنّد قوله و يحاول إبطال رأيه. فيقول ما نصّه: «و كان بعض من لا علم له بأقوال السلف من أهل التأويل، ممّن يفسّر القرآن برأيه على مذهب كلام العرب، يوجّه معنى قوله: وَ فِيهِ يَعْصِرُونَ إلى: و فيه ينجون من الجدب و القحط بالغيث، و يزعم أنه من العصر بمعنى المنجاة، كما جاء في قول أبي زبيد الطائي:

صاديا يستغيث غير مغاث و لقد كان عصرة المنجود

أي المقهور.

و قول لبيد:

فبات و أسرى القوم آخر ليلهم و ما كان وقّافا بغير معصّر

قال: و ذلك تأويل يكفي من الشهادة على خطئه، خلافه قول جميع أهل

(1) يوسف/ 49.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 319

العلم من الصحابة و التابعين.

قال: و أمّا القول الذي روى الفرج بن فضالة عن علي بن أبي طلحة- أن يعصرون بمعنى يحلبون- فقول لا معنى له؛ لأنّه خلاف المعروف من كلام العرب، و خلاف ما يعرف من قول ابن عباس: إنّه عصر الأعناب و الثمرات «1».

نزعته التعصبيّة

هو

بالرغم من ادّعاء ابن أخته محمد بن العباس أبى بكر الخوارزمي أنه شيعيّ «2» نراه يقف عند دلائل الآيات الكريمة على فضيلة من فضائل آل الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم موقف أهل النصب، محاولا إخفاء تلك الفضيلة.

من ذلك تأويله آية المودّة في القربى «3» في قريش، لتحمي النبيّ و تمنعه شرّ الأعداء، و نفى بشدة أن يكون المقصود هم أهل بيته الأطيبين.

قال: الآية خطاب مع قريش لتحفظ قرابته فيهم فتحميه و تمنعه شرّ الأعداء، فقد طلب إليهم الموادّة لكونهم ذوي رحم له، حتى و إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا. فقد كان لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قرابة في جميع قريش، فلمّا كذّبوه و أبوا أن

(1) تفسير الطبري، ج 12، ص 138.

(2) يقول الخوارزمي:

بآمل مولدي و بنو جرير فأخوالي، و يحكي المرء خاله

فها أنا رافضي عن تراث و غيري رافضي عن كلاله

لكن ياقوت الحموي يفنّد هذا الزعم، يقول: و كذب، لم يكن أبو جعفر رافضيّا، و إنما حسدته الحنابلة فرموه بذلك، فاغتنمها الخوارزمي متبجّحا به. و كان سبّابا رافضيا مجاهرا بذلك. (معجم البلدان، ج 1، ص 57).

(3) الشورى/ 23.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 320

يبايعوه، قال: يا قوم إذا أبيتم أن تبايعوني فاحفظوا قرابتي فيكم، لا يكن غيركم من العرب أولى بحفظي و نصرتي منكم.

ثم ذكر وجوها ثلاثة أخر: طلب الموادة مع قرابته أهل بيته، و طلب القربى إلى اللّه و الزلفى لديه تعالى، و صلة الأرحام بعضهم مع بعض. ثم يحاول ترجيح الوجه الّذي ذكره على هذه الوجوه الثلاثة، و يستند في ترجيحه إلى موضع «في» في

قوله: الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى يقول: إذ لا وجه معروفا لدخول «في» في هذا الموضع. و كان ينبغى على سائر الوجوه أن يكون التنزيل «إلّا مودة القربى» أو «المودة بالقربى» أو «ذا القربى» على الترتيب.

قال: و أولى الأقوال في ذلك بالصواب و أشبهها بظاهر التنزيل، قول من قال: معناه قل لا أسألكم عليه أجرا- يا معشر قريش- إلّا أن تودّوني في قرابتي منكم و تصلوا الرحم الّتي بيني و بينكم، و إنما قلت: هذا التأويل أولى بتأويل الآية، لدخول «في» في قوله: إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى و لو كان معنى ذلك على ما قاله من قال: إلّا أن تودّوا قرابتي أو تقربوا إلى اللّه، لم يكن لدخول «في» في الكلام في هذا الموضع وجه معروف؛ و لكان التنزيل «إلّا مودّة القربى» إن عنى به الأمر بمودّة قربى الرسول، أو «إلّا المودّة بالقربى» أو «ذا القربى» إن عنى به التودّد و التقرّب. و في دخول «في» في الكلام أوضح دليل على أنّ معناه: إلّا مودّتي في قرابتي منكم، و أنّ الألف و اللام في المودّة أدخلتا بدلا من الإضافة. و قوله «إلّا» في هذا الموضع استثناء منقطع، و معنى الكلام: «قل لا أسألكم عليه أجرا، لكنّي أسألكم المودّة في القربى» «1».

(1) تفسير الطبري، ج 25، ص 15- 17.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 321

لكنها محاولة فاشلة، و في نفس الوقت فاضحة، إذ كيف يخفى على ذي لبّ أنّ مثل هكذا مواجهة مما يمتنع مع قوم ناكرين و مستهزئين بموقف النبي الكريم، إنهم رفضوا دعوته و لجّوا في معاندته، و حاولوا بكل جهدهم في تقويض دعائم الدّعوة و الكسر من شوكتها. ثم جاء يطالبهم

الأجر عليها، أو يرغّبهم في نصرته عليها. إن هذا إلّا احتمال موهون، و إزراء بمقامه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم المنيع.

إنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لا يمدّ يد الوداد إلى أعداء اللّه، حتى و لو كانوا ذوي قرابته، فكيف يطالبهم الموادة في قرباه! إذ لا قرابة مع الشرك، و لا رحم مع رفض التوحيد. قال تعالى: لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَ عَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ «1».

و أما الذي ذكره دليلا على اختياره، فليته لم يذكره؛ إذ يتنافى ذلك تنافيا كليا مع ما لمسناه في الرجل من براعة في الأدب. هذا الإمام جار اللّه الزمخشري يصرّح بنقيض اختيار الطبري و يسلك مسلكا نزيها مشرّفا، و تبعه على ذلك عامة أهل النظر و الاختيار في التفسير.

قال: ما معنى قوله: إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى فأجاب بقوله:

قلت: جعلوا مكانا للمودّة و مقرّا لها، كقولك: لي في آل فلان مودّة، و لي فيهم هوى و حبّ شديد، تريد: أحبّهم و هم مكان حبّي و محلّه.

قال: و ليست «في» بصلة- أي متعلقة- للمودّة، كاللّام إذا قلت: إلّا المودّة للقربى، إنما هي متعلقة بمحذوف تعلق الظرف به في قولك: المال في الكيس، و تقديره: إلّا المودّة ثابتة في القربى و متمكنة فيها. و القربى: مصدر كالزلفى و البشرى، بمعنى: قرابة. و المراد: أهل القربى.

قال: روي أنها لما نزلت قيل: يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من قرابتك، هؤلاء الذين

(1) الممتحنة/ 1.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 322

وجبت علينا مودّتهم؟ قال: عليّ و فاطمة و ابناهما

. و أتبعها بروايات أخر في هذا الشأن، جزاه اللّه عن آل محمد خير الجزاء

«1».

2- تفسير العياشي
اشارة

تأليف أبي النضر محمد بن مسعود بن محمد بن عياش السلمي السمرقندي المتوفّى سنة (320) كان من أعلام المحدثين، سمع جماعة من شيوخ الكوفيّين و البغداديّين و القمّيّين. كانت داره معهد علم و دراسة، و كانت محل روّاد الحديث بين ناسخ أو مقابل أو قار أو معلّق. و قد أنفق جميع تركة أبيه- ثلاثمائة ألف دينار- في طلب العلم و تحصيله و بثّه و نشره. قالوا: و كان أكثر أهل المشرق علما و أدبا و فضلا و فهما و نبلا في زمانه. و كان له مجلسان: مجلس للخواص، و مجلس للعوام.

قال ابن النديم: إنه من بني تميم، من فقهاء الشيعة الإمامية، أوحد دهره و زمانه في غزارة العلم.

و لكتبه بنواحي خراسان شأن من الشأن. و هو شيخ أبي عمرو محمد بن عمر بن عبد العزيز الكشي، صاحب كتاب الرّجال. و كتبه ما ينوف على مائتي كتاب و رسالة. كان في حداثة سنّه عامّي المذهب، ثم استبصر و خدم الإسلام في مصنفاته الكثيرة، و علمه الغزير.

و له كتاب «التفسير»، جمع فيه المأثور من أئمة أهل البيت عليهم السّلام في تفسير القرآن، و لقد أجاد و أفاد، و ذكر الروايات بأسانيدها في دقّة و اعتبار.

غير أنّ هذا التفسير لم يصل إلينا إلّا مبتورا. فقد بتره أولا ناسخه؛ حيث أسقط

(1) تفسير الكشاف، ج 4، ص 219- 220.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 323

الأسانيد، و اقتصر على متون الأحاديث، معتذرا بأنّه لم يجد في دياره من يكون عنده سماع أو إجازة من المؤلف؛ فلذلك حذف الأسانيد و اكتفى بالباقي. و من ثم قال المولى المجلسي بشأنه: إنّ اعتذاره هذا أشنع من فعلته بحذف الأسانيد.

و الجهة الأخرى

في بتر الكتاب، عدم العثور على الجزء الثاني من جزئي التفسير، فإنّ هذا الموجود ينتهي إلى نهاية سورة الكهف، و لم توجد بقيّته.

نعم هناك بعض المتقدمين، نقلوا منه أحاديث بأسانيد كاملة، كانت عندهم منه نسخة كاملة، منهم الحافظ الكبير عبيد اللّه بن عبد اللّه الحاكم الحسكاني النيسابوري، من أعلام القرن الخامس، و من شيوخ مشايخ العلّامة الطبرسي، صاحب التفسير الأثري القيّم «مجمع البيان» و ينقل عنه في تفسيره كثيرا. ففي «شواهد التنزيل» للحاكم الحسكاني كثير من روايات العياشي، ينقلها فيه بالأسانيد التامّة «1».

منهجه في التفسير

إنه يسترسل في ذكر الآيات، في ضمن أحاديث مأثورة، عن أهل البيت عليهم السّلام تفسيرا و تأويلا للآيات الكريمة. و لا يتعرّض لنقدها جرحا أو تعديلا، تاركا ذلك إلى عهدة الأسناد الّتي حذفت مع الأسف. و يتعرّض لبعض القراءات الشاذّة المنسوبة إلى أئمة أهل البيت، مما جاءت في سائر الكتب بأسانيد ضعاف، أو مرسلة لا حجيّة فيها، و القرآن لا يثبت بغير التواتر باتّفاق الأمّة.

نراه عند ما يتعرّض لقوله تعالى:

(1) راجع: مقدمة تفسير العياشي المطبوع، و الذريعة للطهراني، ج 4، ص 295. و الكنى و الألقاب للقمي، ج 2، ص 490.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 324

حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى وَ قُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ «1»

يسند إلى الإمام أبي جعفر الباقر عليه السّلام أنه قرأها: «حافظوا على الصلوات و الصلاة الوسطى و صلاة العصر» ثم قال: و كذلك كان يقرؤها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

و

في رواية زرارة عنه عليه السّلام: هي أوّل صلاة صلّاها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هي وسط صلاتين بالنهار: صلاة الغداة، و صلاة العصر.

و

قال عليه السّلام

في قوله تعالى: وَ قُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ: في الصلاة الوسطى، قال:

نزلت هذه الآية يوم الجمعة و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في سفر، فقنت فيها، و تركها على حالها في السفر و الحضر

. و

عن زرارة و محمد بن مسلم، أنهما سألا أبا جعفر عليه السّلام عن هذه الآية، فقال: صلاة الظهر. و فيها فرض اللّه الجمعة، و فيها الساعة التي لا يوافقها عبد مسلم، فيسأل خيرا إلّا أعطاه اللّه إيّاه.

و

عن الإمام الصادق عليه السّلام قال: الصلاة الوسطى الظهر، وَ قُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ:

إقبال الرجل على صلاته، و محافظته على وقتها، حتى لا يلهيه عنها و لا يشغله شي ء.

و أخيرا يذكر تأويلا للآية: أنّ الصلوات الّتي يجب المحافظة عليها هم:

رسول اللّه، و عليّ، و فاطمة، و ابناهما، وَ قُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ: طائعين للأئمة عليهم السّلام «2».

كما أنه عند ما

يروي عن الصادق عليه السّلام تفسير «السبع المثاني» بسورة الحمد،

يعرج إلى نقل روايات تفسّر باطن الآية إلى الأئمة.

قال: إنّ ظاهرها: الحمد،

(1) البقرة/ 238.

(2) تفسير العياشي، ج 1، ص 127- 128، رقم 416- 421.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 325

و باطنها: ولد الولد. و السابع منها: القائم عليه السّلام «1».

و من ثم فإنه عند ما يرد في التأويل، نراه غير مراع لضوابط التأويل الصحيح، على ما أسلفنا بيانه، من كونه مفهوما عاما منتزعا من الآية بعد إلغاء الخصوصيات ليكون متناسبا مع ظاهر اللفظ، و إن كانت دلالته عليه غير بيّنة.

3- تفسير القمي
اشارة

منسوب إلى أبي الحسن علي بن إبراهيم بن هاشم القمي المتوفّى سنة (329) من مشايخ الحديث، روى عنه الكليني و كان من مشايخه، واسع العلم، كثير التصانيف، و كان معتمد الأصحاب. قال النجاشي:

ثقة ثبت معتمد صحيح المذهب. و أكثر رواياته عن أبيه إبراهيم بن هاشم، أصله من الكوفة و انتقل إلى قم. يقال: إنه أول من نشر حديث الكوفيين بقم، و هو أيضا ثقة على الأرجح، حسن الحال.

و هذا التفسير، المنسوب إلى علي بن إبراهيم القمي، هو من صنع تلميذه أبي الفضل العباس بن محمد بن القاسم بن حمزة بن الإمام موسى بن جعفر عليه السّلام و هو تلفيق من إملاءات القمي، و قسط وافر من تفسير أبي الجارود زياد بن المنذر السرحوب المتوفّى سنة (150) كان من أصحاب الإمام أبي جعفر الباقر عليه السّلام و هو رأس الجارودية من الزيديّة.

فكان ما أورده أبو الفضل في هذا التفسير من أحاديث الإمام الباقر، فهو من طريق أبي الجارود، و ما أورده من أحاديث الإمام الصادق عليه السّلام فمن طريق علي بن إبراهيم، و أضاف إليهما بأسانيد عن غير طريقهما. فهو مؤلّف ثلاثي

(1) تفسير العياشي، ج 2، ص 249- 251، سورة الحجر، رقم 33- 41.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 326

المأخذ، و على أيّ حال فهو من صنع أبي الفضل، و نسب إلى شيخه؛ لأن أكثر رواياته عنه، و لعله كان الأصل فأضاف إليه أحاديث أبي الجارود و غيره؛ لغرض التكميل.

و أبو الفضل هذا مجهول الحال، لا يعرف إلّا أنه علويّ، و ربما كان من تلاميذ علي بن إبراهيم؛ إذ لم يثبت ذلك يقينا، من غير روايته في هذا التفسير عن شيخه القمي.

كما أن الإسناد إليه أيضا مجهول، لم يعرف من الراوي لهذا التفسير عن أبي الفضل هذا.

و من ثم فانتساب هذا التفسير إلى علي بن إبراهيم أمر مشهور لا مستند له. أما الشيخ محمد بن

يعقوب الكليني، فيروي أحاديث التفسير عن شيخه علي بن إبراهيم من غير هذا التفسير، و لم نجد من المشايخ العظام من اعتمد هذا التفسير أو نقل منه.

منهجه في التفسير

يبدأ هذا التفسير بذكر مقدّمة يبيّن فيها صنوف أنواع الآيات الكريمة، من ناسخ و منسوخ، و محكم و متشابه، و خاص و عام، و مقدّم و مؤخّر، و ما هو لفظه جمع و معناه مفرد، أو مفرد معناه الجمع، أو ماض معناه مستقبل، أو مستقبل معناه ماض، و ما إلى ذلك من أنواع الآيات و ليست بحاصرة.

و بعد ذلك يبدأ بالتفسير مرتّبا حسب ترتيب السور و الآيات آية فآية، فيذكر الآية و يعقبها بما رواه علي بن إبراهيم، و يستمرّ على هذا النمط حتى نهاية سورة البقرة. و من بدايات سورة آل عمران نراه يمزجه بما رواه عن أبي الجارود، و كذا عن غيره من سائر الرواة، و يستمر حتى نهاية القرآن.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 327

و هذا التفسير في ذات نفسه تفسير لا بأس به، يعتمد ظواهر القرآن و يجري على ما يبدو من ظاهر اللفظ، في إيجاز و اختصار بديع، و يتعرّض لبعض اللغة و الشواهد التاريخية لدى المناسبة، أو اقتضاء الضرورة. لكنّه مع ذلك لا يغفل الأحاديث المأثورة عن أئمّة أهل البيت، مهما بلغ الإسناد من ضعف و وهن، أو اضطراب في المتن؛ و بذلك قد يخرج عن أسلوبه الذاتي فنراه يذكر بعض المناكير مما ترفضه العقول، و يتحاشاه أئمة أهل البيت الأطهار. لكنه قليل بالنسبة إلى سائر موارد تفسيره. فالتفسير في مجموعه تفسير نفيس لو لا وجود هذه القلّة من المناكير. و قد أشرنا إلى طرف من ذلك، عند الكلام عن التفاسير

المعزوّة إلى أئمة أهل البيت.

4- تفسير الحويزي (نور الثقلين)
اشارة

تأليف عبد علي بن جمعة العروسي الحويزي، من محدّثي القرن الحادي عشر، المتوفّى سنة (1112). كان على مشرب الأخبارية، كان محدّثا فقيها، و شاعرا أديبا جامعا. سكن شيراز و حدّث بها، و تتلمذ على يديه جماعة، منهم السيد نعمة اللّه الجزائري، و غيره.

إنه جمع ما عثر عليه من روايات معزوّة إلى أئمة أهل البيت عليهم السّلام مما يرتبط نحو ارتباط بآي الذكر الحكيم، تفسيرا أو تأويلا، أو استشهادا أو تأييدا. و في الأغلب لا مساس ذاتيا للحديث مع الآية في صلب مفهومها أو دلالتها، و إنما تعرّض لها بالعرض لغرض الاستشهاد، و نحو ذلك، هذا فضلا عن ضعف الأسانيد أو إرسالها إلّا القليل المنقول من المجامع الحديثية المعتبرة.

و هو لا يستوعب جمع آي القرآن، كما أنه لا يذكر النص القرآني، سوى سرده للروايات تباعا، حسب ترتيب الآيات و السور. و لا يتعرّض لنقد الروايات

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 328

و لا علاج معارضاتها.

يقول المؤلف في المقدمة: «و أما ما نقلت مما ظاهره يخالف لإجماع الطائفة فلم أقصد به بيان اعتقاد و لا عمل، و إنما أوردته ليعلم الناظر المطّلع كيف نقل و عمّن نقل، ليطلب له من التوجيه ما يخرجه من ذلك، مع أني لم أخل موضعا من تلك المواضع عن نقل ما يضاده، و يكون عليه المعوّل في الكشف و الإبداء» «1».

و بذلك يتخلّص بنفسه عن مأزق تبعات ما أورده في كتابه من مناقضات و مخالفات صريحة، مع أسس قواعد المذهب الحنيف، و يوكل النظر و التحقيق في ذلك إلى عاتق القارئ.

و نحن نرى أنه قصّر في ذلك؛ إذ كان من وظيفته الإعلام و البيان لمواضع الإبهام

و الإجمال، كما فعله المجلسي العظيم في بحار أنواره؛ إذ ربّ رواية أوهنت من شأن الدين فلا ينبغي السكوت عليها و المرور عليها مرور الكرام، مما فيه إغراء الجاهلين أحيانا، أو ضعضعة عقيدة بالنسبة إلى مقام أئمة أهل البيت عليهم السّلام فلم يكن ينبغي نقل الرواية و تركها على عواهنها، الأمر الّذي أوجب مشاكل في عقائد المسلمين.

من ذلك أنه يذكر في ذيل قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها «2» رواية مشوّهة موهونة، و

ينسبه إلى الإمام الصادق عليه السّلام: «فالبعوضة: أمير المؤمنين، و ما فوقها: رسول اللّه» «3».

كما أنه ينقل أخبارا مشتملة على الغلوّ و الوهن بشأن الأئمّة. و يسترسل في

(1) نور الثقلين، ج 1، ص 2. (مقدمة الكتاب).

(2) البقرة/ 26.

(3) نور الثقلين، ج 1، ص 37- 38.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 329

نقل الإسرائيليات و الموضوعات كما في قصّة هاروت و ماروت، و أن الزهرة كانت امرأة فمسخت، و أن الملكين زنيا بها. و نحو ذلك من الأساطير الإسرائيلية و الأكاذيب الفاضحة «1»، ملأ بها كتابه، و شحنه شحنا بلا هوادة.

منهجه في التفسير

نعم إنه يسرد الروايات سردا تباعا من غير هوادة، يذكر الرواية تلو الأخرى أيّا كان نمطها، و في أيّ بنية كانت صيغتها، إنما يذكرها لأنها رواية تعرّضت لجانب من جوانب الآية بأيّ أشكال التعرض.

مثلا- في سورة النساء- يبدأ بذكر ثواب قراءتها، فيذكر رواية مرسلة عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّ من قرأها فكأنما تصدق على كل من ورث ميراثا، و لعل المناسبة أن السورة تعرضت لأحكام المواريث، ثم يأتي لتفسير قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي

خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ «2» فيذكر رواية: أنّهم قرابة الرسول و سيّدهم أمير المؤمنين، أمروا بمودّتهم فخالفوا ما أمروا به. لم نعرف وجه المناسبة بين هذا الكلام و الآية الكريمة.

ثم يروي: أنّ حوّاء إنما سمّيت حوّاء؛ لأنها خلقت من حيّ. فلو صح، لكان الأولى أن يقال لها: حيّا. و هكذا يروي أن المرأة سمّيت بذلك؛ لأنها مخلوقة من المرء، أي الرجل، لأنها خلقت من ضلع آدم. ثم يناقض ذلك بذكر رواية تنفي أن تكون خلقت من ضلع آدم، بل إنها خلقت من فاضل طينته.

في حين أنّ الصحيح في فهم الآية: أنّ حوّاء خلقت من جنس آدم ليسكن

(1) نور الثقلين، ج 1، ص 91.

(2) النساء/ 1.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 330

إليها، كما في قوله تعالى: خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها «1».

و يذكر: أن النساء إنما سمّين نساء؛ لان آدم أنس بحواء، فلو كان كذلك لكان الأولى أن يقال لهن: «أنساء».

و يتعرّض بعد ذلك لكيفية تزاوج ولد آدم، و ينفي أن يكون قد تزوّج الذكر من كل بطن مع الأنثى من بطن آخر؛ لأن ذلك مستنكر حتى عند البهائم. و بلغه أنّ بهيمة تنكّرت له أخته فنزا عليها، فلما كشف عنها أنها أختها قطع غرموله «2» بأسنانه و خرّ ميّتا.

و هكذا يذكر الروايات تباعا من غير نظر في الأسناد و المتون، و لا مقارنتها مع أصول المذهب أو دلالة العقول.

و نحن نجلّ مقام الأئمة المعصومين عن الإفادة بمثل هذه التافهات الصبيانية، الّتي تحطّ من مقامهم الرفيع، فضلا عن منافاتها مع رفعة شأن القرآن الكريم.

نعم قد يوجد خلال هذه التافهات بعض الكلام المتين؛ إذ قد يوجد في الأسقاط ما لا يوجد

في الأسفاط، لكنه من خلط السليم بالسقيم، الّذي يتحاشاه أئمة أهل البيت عليهم السّلام.

5- تفسير البحراني (البرهان)
اشارة

هو السيّد هاشم بن سليمان بن إسماعيل الحسينى البحراني الكتكاني. و هي قرية من قرى توبلى من أعمال البحرين توفّي سنة (1107). كان من المحدثين

(1) الروم/ 21.

(2) الغرمول: الذّكر.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 331

الأفاضل متتبعا للأخبار جمّاعا للأحاديث، من غير أن يتكلّم فيها بجرح أو تعديل، أو تأويل ما يخالف العقل أو النقل الصريح، كما هو دأب أكثر الأخباريين المتطرّفين.

و في تفسيره هذا يعتمد كتبا لا اعتبار بها أمثال: التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري عليه السّلام الّذي هو من صنع أبي يعقوب يوسف بن محمد بن زياد، و أبي الحسن على بن محمد بن سيار، الأسترآباديين و لم يعلم وجه انتسابه إلى الإمام الحسن العسكري عليه السّلام و التفسير المنسوب إلى علي بن إبراهيم بن هاشم القمي و هو من صنع أبي الفضل العباس بن محمد العلوي، و نسب إلى القمي من غير وجه وجيه و كتاب «الاحتجاج» المنسوب إلى الطبرسي و لم يعرف لحدّ الآن و كتاب «سليم بن قيس الهلالي»، المدسوس فيه، و غير ذلك من كتب لا اعتبار فيها، فضلا عن ضعف الإسناد أو الإرسال في أكثر الأحاديث التي ينقلها من هذه الكتب.

و مما يؤخذ على هذا التفسير أنه يسند القول في التفسير إلى الإمام المعصوم، إسنادا رأسا، في حين أنه وجده في كتاب منسوب إليه صرفا، مثلا يقول: قال الإمام أبو محمد العسكري في تفسير الآية كذا و كذا، الأمر الّذي ترفضه شريعة الاحتياط في الدين «1».

و هذا التفسير غير جامع للآيات، و إنما تعرّض لآيات جاء في ذيلها حديث، و لو

في شطر كلمة. و من ثم فهو تفسير غير كامل، فضلا عن ضعف الأسانيد و إرسالها، و وهن غالبية الكتب الّتي اعتمدها، كما هو خال عن أيّ ترجيح أو تأويل، عند مختلف الروايات، ولدى تعارض بعضها مع بعض.

(1) راجع- مثلا- الجزء الأول صفحات 73 و 79 و 87 و 91، و هو كثير منتشر في الكتاب.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 332

منهجه في التفسير

بدأ المؤلف بمقدمة يذكر فيها فضل العلم و المتعلّم، و فضل القرآن، و حديث الثقلين، و النهي عن تفسير القرآن بالرأي، و إن للقرآن ظاهرا و باطنا، و أنه مشتمل على أقسام من الكلام، و ما إلى ذلك.

و يبدأ التفسير بعد المقدمات بمطلع جاء في مقدمة التفسير المنسوب إلى علي بن إبراهيم القمي، من ذكر أنواع الآيات و صنوفها، حسبما جاء في التفسير المنسوب إلى محمد بن إبراهيم النعماني، و هى رسالة مجهولة النسب لم يعرف مؤلّفها لحد الآن.

و بعد ذلك يرد في تفسير الآيات حسب ترتيب السور فيذكر الآية أوّلا ثم يعقبها بما ورد في شأنها من حديث مأثور عن أحد الأئمة المعصومين، من غير ملاحظة ضعف السند أو قوّته، أو صحّة المتن أو سقمه.

نعم لا يعني ذلك أن الكتاب ساقط كله، بل فيه من الأحاديث الغرر و الكلمات الدرر، الصادرة عن أهل بيت الهدى و مصابيح الدجى، ما يروي الغليل و يشفي العليل. و الكتاب بحاجة إلى تمحيص و نقد و تحقيق، ليمتاز سليمه عن السقيم، و الصحيح المقبول عن الضعيف الموهون.

فالكتاب بمجموعته موسوعة فريدة، جمعت في طيّها الآثار الكريمة الّتي زخرت بها ينابيع العلم و الهدى، يجدها الباحث اللبيب عند البحث و التنقيب، في هذا التأليف الّذي جمع

بين الغث و السمين.

6- الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور

لجلال الدين أبي الفضل، عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد السيوطي المتوفّى سنة (911). انحدر من أسرة كان مقرّها مدينة أسيوط. قيل: كانت الأسرة

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 333

من أصل فارسي، كانت تعيش في بغداد، ثم ارتحلت إلى مصر.

كان جلال الدين من أكبر الحفّاظ و الرواة، جمّاعا للأحاديث، مولعا بمطالعة الكتب و النقل عنها، و بذلك أصبح رأسا في التأليف و التصنيف، و جلّ تآليفه ذات فوائد جمّة شريفة، مما يشهد بتبحّره و سعة اطّلاعه.

و قد ألّف السيوطي تفسيرا مبسّطا جمع فيه من الآثار بأسانيد الكتب المخرجة منها، ثم اختصره بحذف الأسانيد، و هو المعروف اليوم ب «الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور». يقول هو:

فلما ألّفت كتاب «ترجمان القرآن» و هو التفسير المسند عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أصحابه، و تمّ بحمد اللّه في مجلّدات. فكان ما أوردته فيه من الآثار بأسانيد الكتب المخرجة منها، رأيت قصور أكثر الهمم عن تحصيله، و رغبتهم في الاقتصار على متون الأحاديث، دون الإسناد و تطويله، فلخّصت منه هذا المختصر، مقتصرا فيه على متن الأثر، مصدّرا بالعزو و التخريج إلى كل كتاب معتبر، و سميته ب «الدّر المنثور في التفسير بالمأثور» «1».

و كان قد شرع في تفسير أبسط و أوسع، جامع بين فنون الكلام و أنواع التفسير، لكنه لم يعرف اتمامه. يقول عنه: و قد شرعت في تفسير جامع لجميع ما يحتاج إليه من التفاسير المنقولة، و الأقوال المقولة و الاستنباطات و الإشارات و الأعاريب و اللغات و نكت البلاغة و محاسن البدائع و غير ذلك؛ بحيث لا يحتاج معه إلى غيره أصلا، و سمّيته ب «مجمع

البحرين و مطلع البدرين». و هو الذي جعلت هذا الكتاب «الإتقان» مقدمة له. و اللّه أسأل أن يعين على إكماله

(1) الدر المنثور، ج 1، ص 2.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 334

بمحمد و آله «1».

و قد اقتصر المؤلّف في الدرّ المنثور على مجرّد ذكر الروايات ذيل كل آية، بلا أن يتكلم فيها أو يرجّح أو ينقد أو يمحّص. فهذا التفسير فريد في باب، من حيث الاقتصار على نقل الآثار، و توسّعه في ذلك. و مع ذلك فإنه لم يتحرّ الصحّة، و إنما جمع بين الغث و السمين، و أورد فيه الكثير من الإسرائيليات و الأحاديث الموضوعة، عن لسان الأئمة السلف. و من ثمّ فإن الأخذ منه يحتاج إلى إمعان نظر و دقّة و تمييز.

7- تفسير البرغاني (بحر العرفان)
اشارة

للمولى صالح بن آغا محمد البرغاني القزويني الحائري المتوفّى حدود سنة (1270).

له ثلاثة تفاسير: كبير في سبعة عشر مجلّدا، مخطوط، محفوظ في خزانة كتبه، لدى ورثته بقزوين. و وسيط في تسعة مجلّدات. و صغير في مجلّد واحد.

استقصى فيه الأحاديث المرويّة عن الأئمة الأطهار في التفسير، و رتّبها حسب ترتيب الآيات و السور، و لكنّه إنما ذكر الروايات التي زعمها صالحة، و ترك ما زعمه باطلا، صادرا من جراب النورة حسب تعبيره.

فنراه عند سرد روايات بدء النسل، يقتصر على رواية التزاوج بالحوريّة و الجنّية، زاعما صحتها، و يترك رواية تزاوج الذكر من حمل و الأنثى من حمل آخر، لزعم بطلانه.

فهو تفسير بالمأثور مع إعمال النظر في الأخذ و الترك فحسب.

(1) الإتقان، ج 4، ص 213- 214.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 335

نمط آخر من التفسير بالمأثور

هناك نمط آخر من التفسير بالمأثور، يفسّر القرآن تفسيرا حسب المتعارف، آية فآية و جملة فجملة، و كلمة فكلمة، حسبما يساعده اللغة و الفهم العرفي، لكنه يعتمد في حلّ معضلاته و رفع مبهماته على المأثور من الروايات فحسب، لا غيرهنّ من أدوات التفسير، بل و ربما غلب الاعتماد على النقل على الاعتماد على العقل و إعمال النظر و الرأي و الاجتهاد، فيظهر بمظهر التفسير النقلي أكثر من ظهوره بمظهر التفسير النظري الاجتهادي.

و هذا كتفسير المولى الفيض الكاشاني، و تفسير الميرزا محمد المشهدي، و تفسير شبّر، مما كتب في عهد متقارب، بعد سنة الألف من الهجرة.

و تفسير السمرقندي، و الثعلبي، و الثعالبي، و البغوي، و ابن كثير، و المحرّر الوجيز، من تفاسير أهل السنة، كتبت في القرون الوسطى من الهجرة.

إذ كل ذلك يعدّ من التفسير بالمأثور، نظرا لكثرة الاعتماد على النقل في التفسير،

و قلّة النظر و الاجتهاد. و إليك بعض الكلام عنها:

8- تفسير الصافي
اشارة

للمولى محسن محمد بن المرتضى المعروف بالفيض الكاشاني، المتوفّى (1091). هو المحدّث الفقيه و الفيلسوف العارف، ولد بكاشان و نشأ بها نشأة علمية راقية له تفسير كبير و متوسط و موجز، و سمّيت على الترتيب ب «الصافي و الأصفى و المصفّى».

يعتبر تفسيره هذا مزجا من الرواية و الدراية، تفسيرا شاملا لجميع آي القرآن، و قد اعتمد المؤلّف في نقل عباراته على تفسير البيضاوي، ثم على نصوص الأحاديث المروية عن أئمة أهل البيت.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 336

و قدّم لتفسيره مقدّمة تشتمل على اثني عشر فصلا، بحث فيها عن مختلف شئون القرآن و فضله و تلاوته و تفسيره و تأويله.

و تعتبر هذه المقدمة من أحسن المقدّمات التفسيرية، التي أوضح فيها المؤلّف مواضع أهل التفسير في النقل و الاعتماد على الرأي، و ما يجب توفّره لدى المفسّر عند تفسيره للقرآن، من مؤهلات ضروريّة.

و هذه الفصول سمّاهن مقدمات: كانت المقدمة الأولى- بعد الديباجة- في نقل ما جاء في فضل القرآن، و الوصية بالتمسك به. و الثانية في أن علم القرآن كله عند أهل البيت عليهم السّلام، هم يعلمون ظاهر القرآن و باطنه، علما شاملا لجميع آي القرآن الكريم. و الثالثة في أن جلّ القرآن وارد بشأن أولياء اللّه و معاداة أعداء اللّه.

و الرابعة في بيان وجوه معاني الآيات من التفسير و التأويل، و الظهر و البطن، و المحكم و المتشابه، و الناسخ و المنسوخ، و غير ذلك. و الخامسة في المنع من التفسير بالرأي و بيان المراد منه. و السادسة في صيانة القرآن من التحريف.

و السابعة في أن القرآن تبيان لكل شي ء، فيه أصول معارف الدين،

و قواعد الشرع المبين. و الثامنة في القراءات و اعتبارها. و التاسعة في نزول القرآن الدفعي و التدريجي. و العاشرة في شفاعة القرآن و ثواب تلاوته و حفظه. و الحادية عشرة في التلاوة و آدابها. و الثانية عشرة في بيان مصطلحات تفسيريّة اعتمدها المؤلّف في الكتاب.

و هذا التفسير- على جملته- من نفائس التفاسير الجامعة لجلّ المرويات عن أئمة أهل البيت إن تفسيرا أو تأويلا. و إن كان فيه بعض الخلط بين الغثّ و السمين.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 337

منهجه في التفسير

يعتمد اللغة أولا، ثم الأعاريب أحيانا، و بعد ذلك يتعرض للمأثور من روايات أهل البيت عليهم السّلام، معتمدا على تفسير القمي و العياشي، و غيرها من كتب الحديث المعروفة. لكنه لا يتحرّى الصحة في النقل، و يتخلّى بنفسه لمجرد ذكر مصدر الحديث، الأمر الذي يؤخذ عليه؛ حيث في بعض الأحيان نراه يذكر الحديث، و كان ظاهره الاعتماد عليه، مما يوجب إغراء الجاهل، فيظنّه تفسيرا قطعيا للآية الكريمة، و فيه من الإسرائيليات و الروايات الضعاف الشي ء الكثير.

و له في بعض الأحيان بيانات عرفانية قد تشبه تأويلات غير متلائمة مع ظاهر النص، بل و مع دليل العقل و الفطرة.

مثلا نراه عند ما يذكر قصة هاروت و ماروت- حسب الروايات الإسرائيلية- و تبعا لما ذكره البيضاوي في تفسيره: أنهما شربا الخمر و سجدا للصنم و زنيا، نراه يؤوّل ذلك تأويلا غريبا، يقول: لعل المراد بالملكين: الروح و القلب، فإنهما من العالم الروحاني، أهبطا إلى العالم الجسماني، لإقامة الحق، فافتتنا بزهرة الحياة الدنيا، و وقعا في شبكة الشهوة، فشربا خمر الغفلة، و عبدا صنم الهوى، و قتلا عقلهما الناصح لهما، بمنع تغذيته بالعلم و التقوى، و محو أثر

نصحه عن أنفسهما، و تهيآ للزنى ببغي الدنيا الدنية التي تلي تربية النشاط و الطرب فيها الكوكب المسمى بزهرة، فهربت الدنيا منهما و فاتتهما، لما كان من عاداتها أن تهرب من طالبيها؛ لأنها متاع الغرور، و بقي إشراق حسنها في موضع مرتفع؛ بحيث لا تنالها أيدي طلّابها، ما دامت الزهرة باقية في السماء. و حملهما حبها في قلبهما إلى أن وضعا طرائق من السحر، و هو ما لطف مأخذه و دقّ، فخيّرا للتخلّص منهما، فاختارا بعد التنبّه و عود العقل إليهما أهون العذابين، ثم رفعا

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 338

إلى البرزخ معذّبين، و رأسهما بعد إلى أسفل، إلى يوم القيامة «1».

و لقد كان الأجدر به- و هو الفقيه النابه المحقق- أن ينبذ تلكم الروايات الإسرائيلية المشوهة، حتى و لو كانت بصورة الرواية عن أهل البيت افتراء عليهم، كان الأجدر به أن يتركها دون ارتكاب التأويل.

9- تفسير المشهدي (كنز الدقائق و بحر الغرائب)

للميرزا محمد بن محمد رضا بن إسماعيل بن جمال الدين القمي المعروف بالمشهدي؛ لأنه نشأ بمشهد الإمام علي بن موسى الرضا عليه السّلام توفّي حدود سنة (1125). و تتلمذ على يد المولى محسن الفيض الكاشاني، و سار على منهجه في التفسير.

و تفسيره هذا هو حصيلة ما سبقه من أمهات تفاسير أصحابنا الإمامية، جمع فيه لباب البيان و عباب التعبير أينما وجده، طيّ الكتب و التآليف السابقة عليه.

فقد اختار حسن تعبير أبي سعيد الشيرازي البيضاوي- كما فعله أستاذه و شيخه المقدّم المولى الفيض الكاشاني من قبل- كما انتخب من أسلوب الطبرسي في «المجمع» ترتيبه و تبويبه، مضيفا إليه ما استحسنه من «كشّاف» الزمخشري و «حواشي» العلامة الشيخ البهائي، فصار تأليفه مجموعة من خير الأقوال و أحسن الآثار كما صرّح

هو في مقدّمة تفسيره، و حسبما جاء في تقريظ العلامة المجلسي، و المحقق الخوانساري على الكتاب، و راجع مقدّمتنا على التفسير.

و هذا التفسير جمع بين العقل و النقل، فاعتمد المأثور من روايات معزوّة إلى أئمة أهل البيت عليهم السّلام مردفا لها بما سنح له خاطره من رأي و نظر، أو وجده في

(1) تفسير الصافي، ج 1، ص 130، ذيل الآية رقم 103، من سورة البقرة.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 339

تأليف أو أثر، و لم يدع مناسبة أدبية أو كلامية أو عرفانية إلّا أتى فيها ببيان، منتهجا أثر شيخه الفيض في تفسير «الصافي».

و أما موقفه من الإسرائيليات و الموضوعات فهو موضع الردّ و الاجتناب عنها، دون ذكر التفصيل، مثلا يذكر في قصة هاروت و ماروت ما يفنّدها؛ حيث يقول: و ما روي أنهما مثلا بشرين و ركب فيهما الشهوة ... فمحكيّ عن اليهود.

و الخلاصة: كان لهذا التفسير مكانته في الجمع بين الرواية و الدراية، و إعطاء صورة واضحة للتفسير عند الإمامية، و يشتمل على ما في كتب التفسير من اللغة و الإعراب و البيان، بشكل موجز رائع.

فهو تفسير جامع شامل لجوانب عدّة من الكلام، حول تفسير آي القرآن، الأمر الذي جعله فذّا في بابه، و فردا في أسلوبه، و ممتازا على تفاسير جاءت إلى عرصة الوجود، ذلك العهد.

و قد طبع عدة طبعات أنيقة في مفتتح هذا القرن- الخامس عشر للهجرة- أحسنها طبعة مؤسسة دار النشر التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة.

10- تفسير ابن كثير

للحافظ عماد الدين، أبي الفداء، إسماعيل بن عمرو بن كثير، الدمشقي الفقيه المؤرّخ الشافعي أخذ عن ابن تيمية، و شغف بحبه، و امتحن بسببه. قال ابن شهبة في طبقاته: إنه كانت له

خصوصية بابن تيمية، و مناضلة عنه، و اتّباع له في كثير من آرائه. و كان يفتي برأيه في مسألة الطلاق، و امتحن بسبب ذلك و أوذي. توفّي سنة (774)، و دفن بمقبرة الصوفية عند شيخه ابن تيمية. و كان قد كفّ بصره في آخر عمره الذي ناهز السبعين.

و هو صاحب التاريخ الذي سمّاه: «البداية و النهاية» فكان مؤرخا مفسرا

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 340

كابن جرير الطبري.

و تفسيره هذا من أشهر ما دوّن في التفسير المأثور، بل من أجوده؛ حيث اعتنى فيه مؤلفه بالرواية عن مفسري السلف، ففسّر كلام اللّه تعالى بالأحاديث و الآثار مسندة إلى أصحابها، مع الكلام عما يحتاج إليه جرحا و تعديلا، و نقدا و تحليلا، و قدم له بمقدمة طويلة، تعرّض فيها لكثير من الأمور التي لها تعلّق و اتّصال بالقرآن و تفسيره. و لكن أغلب هذه المقدمة مأخوذ بنصّه من كلام شيخه ابن تيمية الذي ذكره في مقدمته، في أصول التفسير.

و يمتاز في طريقته في التفسير بأن يذكر الآية، ثم يفسّرها بعبارة سهلة جزلة، و إن أمكن توضيح الآية بآية أو آيات أخرى ذكرها، و قارن بينهما حتى يتبيّن المعنى و يظهر المراد، و هو شديد العناية و كثير الإحاطة بهذا الجانب من تفسير القرآن بالقرآن، و لعل هذا الكتاب من أكثر ما عرف من كتب التفسير سردا للآيات المتناسبة، و مقارنة بعضها مع البعض، لكشف المعنى المراد.

و بعد ذلك يشرع في سرد الأحاديث المرفوعة التي لها تعلّق بالآية، و يبين ما يحتجّ به و ما لا يحتجّ به منها، ثم يردفها بأقوال الصحابة و التابعين، و من يليهم من علماء السلف.

و نجده أحيانا يرجّح بعض الأقوال على بعض،

و يضعّف بعض الروايات، و يصحّح بعضا آخر منها، و يعدل بعض الرواة، و يجرح بعضا آخر، و هذا يرجع إلى ما كان عليه من المعرفة بأصول نقد الحديث، و معرفة أحوال الرجال.

و مما يمتاز به أنّه ينبّه بين حين و آخر إلى ما في التفسير المأثور من منكرات الإسرائيليات و الموضوعات، و يحذّر منها على وجه الإجمال تارة، و على وجه التعيين و البيان لبعض منكراتها تارة أخرى.

مثلا، هو في قصة هاروت و ماروت، يراها متصادمة مع ما ورد من الدلائل

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 341

على عصمة الملائكة، فإن كان و لا بدّ فهو تخصيص، كما في شأن إبليس على القول بأنه من الملائكة، ثم يذكر القصة نقلا عن الإمام أحمد في مسنده، يرفعها إلى النبي، لكنه يشكك في صحة السند و رفعه. و أخيرا يستغربها. و يذكرها أيضا بطريقين آخرين و يستغربهما، و في نهاية الأمر يقول: و أقرب ما يكون في هذا أنّه من رواية عبد اللّه بن عمر عن كعب الأحبار، لا عن النبي، إذن فدار الحديث و رجع إلى نقل كعب الأحبار، عن كتب بني إسرائيل.

ثم يذكر الآثار الواردة في ذلك عن الصحابة و التابعين. و

يذكر عن علي عليه السّلام أنه لعن الزهرة، لأنها فتنت الملكين.

و يعقبه

بقوله: و هذا أيضا لا يصح و هو منكر جدا.

و يذكر عن ابن مسعود و ابن عباس و عن مجاهد أيضا، ثم يقول: و هذا إسناد جيّد إلى عبد اللّه بن عمر، و أضاف: و قد تقدّم أنه من روايته عن كعب الأحبار.

و في النهاية يقول: و قد روي في قصة هاروت و ماروت عن جماعة من التابعين و قصّها

خلق من المفسرين من المتقدمين و المتأخرين، و حاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل؛ إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح، متصل الإسناد إلى الصادق المصدّق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى «1».

انظر إلى هذا التحقيق الأنيق بشأن خرافة إسرائيلية غفل عنها أكثر المفسرين.

و كذا في قصة البقرة، نراه يقصّ علينا قصة طويلة مسهبة و غريبة على ما ذكره المفسرون و يعقّبها بقوله: و هذه السياقات عن عبيدة و أبي العالية و السدّي و غيرهم، فيها اختلاف، و الظاهر أنها مأخوذة من كتب بني إسرائيل، و هي مما

(1) تفسير ابن كثير، ج 1، ص 137- 141.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 342

يجوز نقلها، و لكن لا تصدق و لا تكذب، فلهذا لا يعتمد عليها إلّا ما وافق الحق عندنا «1».

قوله: «و هي مما يجوز نقلها» هذا إنما تبع في ذلك شيخه ابن تيمية في تجويز الحديث عن بني إسرائيل، و لكن من غير تكذيب و لا تصديق. و قد تكلّمنا في ذلك عند الكلام عن الإسرائيليات، و أنه يجب نبذها و عدم نقلها، و لا سيما إذا كانت من الشائعات عندهم، غير مثبتة في كتبهم، و الأكثر هو من ذلك.

و هكذا في تفسير سورة «ق»، يذكر عن بعض السلف أنه جبل محيط بالأرض، ثم يعقبه بقوله: و كأنّ هذا- و اللّه أعلم- من خرافات بني إسرائيل التي أخذها عنهم، مما لا يصدق و لا يكذب، و عندي أنّ هذا و أمثاله و أشباهه من اختلاق بعض زنادقتهم، يلبسون به على الناس أمر دينهم. كما افتري في هذه الأمة- مع جلالة قدر علمائها و حفاظها و أئمتها- أحاديث عن النبي و ما بالعهد

من قدم، فكيف بأمة بني إسرائيل مع طول المدى و قلّة الحفاظ النقاد فيهم، و شربهم للخمور، و تحريف علمائهم الكلم عن مواضعه، و تبديل كتب اللّه و آياته. و إنما أباح الشارع الرواية عنهم في

قوله: «حدثوا عن بني إسرائيل و لا حرج»

فيما قد يجوّزه العقل، فأما فيما تحيله العقول و يحكم فيه بالبطلان و يغلب على الظنون كذبه، فليس من هذا القبيل «2».

(1) تفسير ابن كثير، ج 1، ص 108- 110.

(2) المصدر، ج 4، ص 221.

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 343

11- تفسير ابن عطية (المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز)

هو أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي المغربيّ الغرناطيّ كان عالما شغوفا باقتناء الكتب، فكان فقيها عارفا بالأحكام و الحديث و التفسير، نحويّا أديبا بارعا في الأدب و النظم و النثر. توفّي سنة (481).

و تفسيره هذا من أعظم التفاسير بالمأثور؛ حيث ملؤه النقد و التحقيق و التمحيص. فكانت له قيمته العلمية بين كتب التفسير؛ حيث أضفى مؤلّفه عليه من روحه العلمية الفياضة، ما أكسبه دقّة و رواجا و قبولا.

يقول ابن خلدون عند ما يتعرض لكتب التفسير بالمأثور: فكتب الكثير من ذلك و نقلت الآثار الواردة فيه عن الصحابة و التابعين، و انتهى ذلك إلى الطبري و الواقدي و الثعالبي و أمثال ذلك من المفسرين، فكتبوا فيه ما شاء اللّه أن يكتبوه من الآثار ... و قد جمع المتقدمون في ذلك و أوعوا، إلّا أن كتبهم و منقولاتهم تشتمل على الغث و السمين و المقبول و المردود ... فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم (مسلمة اليهود) في أمثال هذه الأغراض (أسباب المكوّنات) أخبار موقوفة عليهم، و ليست مما يرجع إلى الأحكام، فتتحرّى في الصّحة التي يجب بها

العمل.

و تساهل المفسرون في مثل ذلك، و ملئوا كتب التفسير بهذه المنقولات، و أصلها- كما قلنا- عن أهل التوراة الذين يسكنون البادية، و لا تحقيق عندهم بمعرفة ما ينقلونه من ذلك، إلّا أنهم بعد صيتهم و عظمت أقدارهم؛ لما كانوا عليه من المقامات في الدين و الملّة، فتلقيت بالقبول من يومئذ.

فلما رجع الناس إلى التحقيق و التمحيص، و جاء أبو محمد بن عطيّة من المتأخرين بالمغرب، فلخّص تلك التفاسير كلها، و تحرّى ما هو أقرب إلى

التفسير و المفسرون(للمعرفة)، ج 2، ص: 344

الصحة منها، و وضع ذلك في كتاب متداول بين أهل المغرب و الأندلس، حسن المنح