مرآة العقول المجلد 1

اشارة

سرشناسه : مجلسي، محمد باقربن محمدتقي، 1037 - 1111ق.

عنوان قراردادي : الكافي .شرح

عنوان و نام پديدآور : مرآه العقول في شرح اخبار آل الرسول عليهم السلام/ محمدباقر المجلسي. مع بيانات نافعه لاحاديث الكافي من الوافي/ محسن الفيض الكاشاني؛ التحقيق بهراد الجعفري.

مشخصات نشر : تهران: دارالكتب الاسلاميه، 1389-

مشخصات ظاهري : ج.

شابك : 100000 ريال: دوره 978-964-440-476-4 :

وضعيت فهرست نويسي : فيپا

يادداشت : عربي.

يادداشت : كتابنامه.

موضوع : كليني، محمد بن يعقوب - 329ق. . الكافي -- نقد و تفسير

موضوع : احاديث شيعه -- قرن 4ق.

موضوع : احاديث شيعه -- قرن 11ق.

شناسه افزوده : فيض كاشاني، محمد بن شاه مرتضي، 1006-1091ق.

شناسه افزوده : جعفري، بهراد، 1345 -

شناسه افزوده : كليني، محمد بن يعقوب - 329ق. . الكافي. شرح

رده بندي كنگره : BP129/ك8ك20217 1389

رده بندي ديويي : 297/212

شماره كتابشناسي ملي : 2083739

ص: 1

ص: 2

ص: 3

كلمة المصحّح

بسم الله الرحمن الرحیم

الحمد للّه ربّ العالمين و صلّى اللّه على رسوله محمّد و آله الطاهرين و لعنة اللّه على اعدائهم اجمعين.

و بعد: فممّا منّ اللّه عليّ- بلطفه- أن وفّقنى لتصحيح هذا الأثر القيّم الذى هو من أحسن الشروح على كتاب الكافي تأليف ثقة الإسلام محمّد يعقوب الكليني رضوان اللّه تعالى عليه.

و قد طبع الكتاب للمرّة الأولى في سنة 1321 على الطبع الحجرى بإيران في أربع مجلّدات و هذه هي الطبعة الثانية التي نهضت بمشروعه مكتبة وليّ العصر عليه السلام و قام بطبعه و نشره مدير دار الكتاب الإسلاميّة الشيخ محمّد الآخوندي و قد راجعت في تصحيحه و مقابلته و تحقيقه- مضافا إلى كتب كثيرة من التفسير و الحديث و التاريخ و اللغة و غيرها- إلى عدة نسخ من الكتاب-.

منها- نسخة مخطوطة مصححة نفيسة- من أوّل الكتاب إلى آخر كتاب التوحيد- و أكثرها بخطّ الشارح رحمه اللّه و هي نسخة التي أهداها الخطيب البارع الشيخ محمّد رضا الملقّب بحسام الواعظين إلى مكتبة مولانا الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه آلاف التحيّة و الثناء في سنة 1369 ق و هى نسخة سمينة جدّا و ترى أنموذجا من صورتها الفتوغرافيّة في الصفحات الآتية.

ص: 4

و منها- نسخة مخطوطة- مصحّحة من هذا المكتبة الشريفة أيضا- من أوّل الكتاب إلى آخر كتاب التوحيد- كلّها بخطّ العالم الجليل السيد بهاء الدين محمّد الحسينى النائينى رحمه اللّه تعالى، من معاصري الشارح قدّس سرّه الشريف، و ممّن كتب له إجازة الحديث و الرواية بخطّه، و صورة الإجازء موجودة في ظهر النسخة.

و منها- نسخة مخطوطة جيّدة لمكتبة العلّامة النسابة آية اللّه السيّد شهاب الدين المرعشي النجفي دام ظلّه، من إبتداء الكتاب إلى آخر كتاب الحجة.

و الحمد للّه أوّلا و آخرا و أنا العبد: السيّد هاشم الرسوليّ المحلاتيّ

ص: 5

الصورة

ص: 6

الصورة

ص: 7

حمدا خالدا لوليّ النعم حيث أسعدني بالقيام بنشر هذا السفر القيّم في الملاء الثقافي الديني بهذه الصورة الرائعة و لروّاد الفضيلفة الذين وازرونا في انجاز هذا المشروع المقدّس شكر متواصل.

الشيخ محمد الآخوندي

ص: 8

ديباجة الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي وهب الحياة و القوى و أفاض العقل ليغلب به الهوى، و بيّن للورى نجدى الضلالة و الهدى و رفع أهل العلم و الحجى و ذوى العقل و النهى من الثرى إلى الثريّا و من دركات الردى إلى درجات العلى و أثنى عليهم عدد الرمل و الحصى و أوضح فضلهم لكلّ من سمع و درى فله الحمد على نعمه التي لا تحصى و له الشكر على أياديه التي لا تستقصى و نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أن سيّد الأنبياء و صفوة الأصفياء محمّدا صلى الله عليه و آله عبده و رسوله و خليله و حبيبه و نجيبه و خيرته من خلقه و أنّ صهره المجتبى و أخاه المرتضى و خليفته المقتدى: عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه أشرف الأوصياء و إمام الأتقياء و حجة الله على أهل الأرض و السماء و أنّ الأئمّة الراشدين و الخلفاء الهادين من ذرّيته حجج الله على الخلق أجمعين و معاقل العباد في الدنيا و الدين و سادات الأوصياء المنتجبين و آيات الله في العالمين فصلوات الله عليه و عليهم و الأوّلين و الآخرين و لعنة الله على أعدائهم دهر الداهرين.

أما بعد: فيقول المذنب الخاطى ء الخاسر القاصر عن نيل المفاخر و المآثر ابن الغريق في بحار رحمة الله الغافر محمّد تقي قدس الله روحه: محمد باقر غفر الله لهما و حشرهما مع أئمتهما: إنّي لما ألفيت أهل دهرنا على آراء متشتتة و أهواء مختلفة قد طارت بهم الجهالات إلى أوكارها و غاصت بهم الفتن في غمارها و جذبتهم الدواعي المتنوعة

ص: 1

إلى أقطارها و حيّرتهم الضلالة في فيافيها و قفارها فمنهم من سمّى جهالة أخذها من حثالة (1)من أهل الكفر و الضلالة المنكرين لشرايع النبوة و قواعد الرسالة: حكمة و اتخذ من سبقه في تلك الحيرة و العمى أئمة يوالي من والاهم و يعادي من عاداهم و يفدي بنفسه من اقتفى آثارهم و يبذل نفسه في إذلال من أنكر آراءهم و أفكارهم و يسعى بكلّ جهده في إخفاء أخبار الأئمة الهادية صلوات الله عليهم و إطفاء أنوارهم «و يأبى الله إلّا أن يتم نوره و لو كره المشركون».

و منهم عن يسلك مسالك أهل البدع و الأهواء المنتمين إلى الفقر و الفناء ليس لهم في دنياهم و أخراهم إلّا الشقاء و العناء فضّحهم الله عند أهل الأرض كما خذلهم عند أهل السماء فهم اتخذوا الطعن على أهل الشرايع و الأديان بضاعتهم و جعلوا تحريف العقائد الحقة عن جهاتها و صرف النواميس الشرعية عن سماتها بضمّ البدع إليها صناعتهم و منهم من تحيّر في جهالته يختطفهم شياطين الجنّ و الإنس يمينا و شمالا فهم في ريبهم يترددون عميانا و ضلّالا فبصّر الله نفسي بحمده تعالى هداها و ألهمها فجورها و تقواها فاخترت طريق الحق إذ هو حقيق بأن يبتغي و اتبعت سبيل الهدى إذ هو جدير بأن يقتفى فنظرت بعين مكحولة بكحل الإنصاف مشفيّة من رمد العناد و الاعتساف إلى ما نزل في القرآن الكريم من الآيات المتكاثرة و ما ورد في السنة النبويّة من الأخبار المتواترة بين أهل الدراية و الرواية من جميع الأمّة فعلمت يقينا أنّ الله تعالى لم يكلنا في شى ء من أمورنا إلى آرائنا و أهوائنا بل أمرنا باتباع نبيّه المصطفى المبعوث لتكميل كافّة الورى و تبيين طرق النجاة لمن آمن و اهتدى و أهل بيته الذين جعلهم مصابيح الدجى و أعلام سبيل الهدى و أمرنا في كتابه و على لسان نبيّه بالرّد إليهم و التسليم لهم و الكون معهم فقرنهم بالقرآن الكريم و أودعهم علم الكتاب و آتاهم الحكمة و فصل الخطاب و جعلهم باب الحطة و سفينة النجاة و أيدهم بالبراهين و المعجزات و بعد ما غيب الله شمس الإمامة وراء

ص: 2


1- بالحاء المهملة و الثاء المثلثة: الردى من كل شى ء و ثفالته.

السحاب أصبح ماء الهداية و العلم غورا فمنعنا عن الوصول إلى البحر العباب و استتر عنّا سلطان الدين خلف الحجاب أمرنا بالرجوع إلى الزبر و الأسفار و الأخذ ممن تحمّل عنهم من الثقات الأخيار المأمونين على الروايات و الأخبار فدريت بما القيت إليك أن حقيقة العلم لا توجد إلا في أخبارهم و أن سبيل النجاة لا يعثر عليه إلّا بالفحص عن آثارهم فصرفت الهمّة عن غيرها إليها و اتكلت في أخذ المعارف عليها فلعمري لقد وجدتها بحورا مشحونة بجواهر الحقايق و لعاليها و كنوزا مخزونة عمّن لم يأتها موقنا بها مذعنا بما فيها فأحييت بحمد الله ما اندرس من آثارها و أعليت بفضل الله ما انخفض من أعلامها و جاهدت في ذلك و ما باليت بلؤم اللائمين و توكلت على العزيز الرحيم الذى يراني حين أقوم تقلبي في الساجدين و لقد كنت علقت على كتب الأخبار حواشي متفرقة عند مذاكرة الإخوان الطالبين للتحقيق و البيان و خفت ضياعها بكرور الدهور و اندراسها بمرور الأزمان فشرعت في جمعها مع تشتت البال و طفقت أن أدوّنها مع تبدد الأحوال و ابتدأت بكتاب الكافي للشيخ الصدوق ثقة الإسلام مقبول طوائف الأنام ممدوح الخاصّ و العام: محمّد بن يعقوب الكليني حشره الله مع الأئمة الكرام لأنّه كان أضبط الأصول و أجمعها و أحسن مؤلفات الفرقة الناجية و أعظمها و أزمعت على أن أقتصر على ما لا بدّ منه في بيان حال أسانيد الأخيار التي هي لها كالأساس و المباني و أكتفى في حلّ معضلات الألفاظ و كشف مخيبات المطالب بما يتفطن به من يدرك بالإشارات الخفيّة دقائق المعاني و سأذكر فيها إنشاء الله كلام بعض أفاضل المحشين و فوائدهم و ما استفدت من بركات أنفاس مشايخنا المحققين و عوايدهم من غير تعرّض لذكر أسمائهم أو ما يرد عليهم.

ثمّ إنّه كان مما دعاني إليه و حدّاني عليه التماس ثمرة فؤادي و أعزّ أولادي و من كان له أرقي و سهادي: محمّد صادق رزقه الله نيل الدقائق و أوصله إلى ذري (1)الحقايق و كان أهلا للإجابة لبرّه و دقّة نظره و رعايته و أرجو إن عاجلني الأجل أن

ص: 3


1- جمع الذروة- بكسر الذال- المكان المرتفع. أعلى الشى ء.

يوفقه الله سبحانه لإتمامه و سميته بكتاب مرآت العقول في شرح أخبار آل الرسول و أرجو من فضله تعالى و إنعامه أن يوفقني لإتمامه على أبلغ نظامه و أن ينفع به عامّة الطالبين للحق المبين و أن يجعله ذريعة لنجاتي من شدائد أهوال يوم الدين و الحمد لله أوّلا و آخرا و صلى الله محمّد و أهل بيته الأكرمين و لنشرح الخطبة على الاختصار فإنّ تفصيل شرح الفقرات سيأتي إنشاء الله تعالى متفرقا في شرح الأخبار.

ص: 4

مقدمه المولف

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للّه المحمود لنعمته المعبود لقدرته، المطاع في سلطانه، المرهوب لجلاله، المرغوب إليه فيما عنده، النافذ أمره في جميع خلقه، علا فاستعلى، و دنا فتعالى، قوله: لنعمته، فى بعض النسخ بنعمته، و يحتمل أن تكون النعمة محمودا بها، و محمودا عليها، و آلة، فالمعنى على الاوّل انّه يحمد بذكر نعمه، و على الثانى أنّه يحمد شكرا على نعمه السابقة استزادة لنعمه اللاحقة، و على الثالث انّه يحمد بالآلات و الادوات، و التّوفيقات التى وهبها، فيستحق بذلك محامد اخرى و هذا بالباء أنسب، و كذا الفقرة التالية تحتمل نظير تلك الوجوه، اى يعبد لقدرته و كماله، فهو بذلك مستحقّ للعبادة، او لقدرته على الاثابة و الانتقام، او انّما يعبد بقدرته التّى اعطانا عليها.

قوله: في سلطانه، اى فيما أراده منّا على وجه القهر و السلطنة لا فيما أراده منا و أمرنا به على وجه الاقدار و الاختيار، أو بسبب سلطنته و قدرته على ما يشاء.

قوله: فيما عنده، اى من النعم الظاهرة و الباطنة، و البركات الدنيويّة و الاخروية.

قوله: فاستعلى، الاستعلاء امّا مبالغة في العلوّ أو بمعنى إظهاره، أو للطلب، فعلى الاول لعلّ المعنى انّه تعالى علا علوّا ذاتيّا فصار ذلك سببا لأن يكون مستعليا عن مشابهة المخلوقات، و عن أن تدركه عقولهم و أوهامهم، و على الثانى: المعنى انّه كان عاليا من حيث الذات و الصفات، فأظهر علوّه بايجاد المخلوقات، و على الثالث لابدّ من إرتكاب تجوّز اى طلب من العباد أن يعدّوه عاليا، و يعبدوه، و على التقادير يحتمل أن تكون الفاء بمعنى الواو.

ص: 5

و ارتفع فوق كلّ منظر، الّذى لا بدء لأوّليّته، و لا غاية لأزليّته، القائم قبل الأشياء، و الدائم الّذي به قوامها، و القاهر الّذي لا يؤوده حفظها، و القادر الّذي بعظمته تفرّد بالملكوت، و بقدرته توحّد بالجبروت، و بحكمته أظهر حججه على خلقه؛ اخترع الأشياء إنشاء، و ابتدعها ابتداء، بقدرته و حكمته، لا من شي ء فيبطل الإختراع قوله: و ارتفع فوق كل منظر، المنظر مصدر نظرت إليه و ما ينظر إليه، و الموضع المرتفع، فالمعنى انّه تعالى إرتفع عن أنظار العباد أو عن كلّ ما يمكن أن ينظر إليه، و يخطر بالبال معنى لطيف و هو: أنّ المعنى انّه تعالى لظهور آثار صنعه في كلّ شئ، ظهر في كلّ شئ، فكأنّه علاه و ارتفع عليه، فكلّما نظرت إليه فكأنّك وجدت اللّه عليه.

قوله: لا بدء لاوّليته، اى لسبقه الذاتى، فانّه تعالى علّة العلل، و ليس له و لا لعليتّه علّة، او الزمانى، اى لا يسبقه أحد في زمان و لا زمان.

قوله: القائم، اى الموجود القائم بذاته، او القائم بتدبير الاشياء و تقديرها قبل خلقها، و يمكن ان يراد بالقبليّة القبليّة الذاتيّة.

قوله: و القاهر الذى، قال الوالد العلامة طيّب اللّه رمسه: القاهر هو الذى قهر العدم و أوجد الاشياء منه و حفظها بقدرته الكاملة، و لا يؤده» اى لا يثقل عليه حفظها، و لعلّ فيه إشارة إلى إحتياج الباقى في بقائه إلى المؤثّر.

قوله: بالملكوت، هو فعلوت من الملك كالجبروت من الجبر، و قد يطلق عالم الملكوت على عالم المجرّدات و المفارقات، و عالم الملك على الجسمانيّات و المقارنات، و قد يطلق الاوّل على السماويّات، و الثانى على الارضيّات، و الظاهر انّ المراد هنا تفردّه تعالى بنهاية الملك و السلطنة.

قوله: حججه، اى آياته الّتي أظهرها في الآفاق و الأنفس، أو الانبياء و الاوصياء عليهم السلام أو الاعم.

قوله: لا من شي ء، قال بعض الافاضل: الاختراع و الابتداع متقاربان في المعنى

ص: 6

و لا لعلّة فلا يصحّ الابتداع، خلق ما شاء كيف شاء، متوحّدا بذلك لإظهار حكمته، و حقيقة ربوبيّته، لا تضبطه العقول، و لا تبلغه الأوهام، و لا تدركه الأبصار، و لا يحيط به مقدار، عجزت دونه العبارة، و كلّت دونه الأبصار، و ضلّ فيه تصاريف الصفات.

احتجب بغير حجاب محجوب، و استتر بغير ستر مستور، عرف بغير رؤية، و و كثر استعمال الاختراع في الايجاد لا بالاخذ من شئ يماثل الموجد و يشابهه، و الابتداع في الايجاد لا لمادّة و علّة فقوله: لا من شئ، اى لا بالاخذ من شئ فيبطل الاختراع، و لا لعلّة اى لمادّة فيبطل الابتداع.

قوله: لإظهار حكمته، علّة للخلق او للتوحّد، و المعنى انّه تعالى خلق الاشياء على هذا النظام العجيب و الصنع الغريب، متوحّدا بذلك بدون مشاركة احد ليستدلّوا بها على علمه و حكمته، و انّه الربّ حقيقة، او ليستدلّوا على انّه تعالى لم يخلق هذا الخلق عبثا، و إنّ الحكمة في خلقها العبادة و المعرفة، و أن يطيعوه و يعبدوه، فانّه حقيقة الربوبيّة و ما يحقّ لربوبيّته و يلزمها، و لعلّ الاول أظهر.

قوله: لا تضبطه العقول، اى تبلغ العقول ادراكه بنحو قاصر عن الإحاطة به و ضبطه، فهو غير محدود و غير منضبط الحقيقة، و لكنه مصدّق بوجوده، منفيّا عنه جميع ما تحيط به العقول و الأفهام، و لا تبلغه الأوهام، حيث يتعالى عن أن يحسّ بها و لا تدركه الابصار حيث لا صورة له و لا مثال، و لا يتشكّل بشكل، و لا يحاط بحدّ، و لا يتقدّر بمقدار فقوله: و لا يحيط به مقدار، كالتأكيد لسابقتها إن أريد بالمقدار المقادير الجسمانيّة، و إن اريد به الأعمّ من المقادير العقلية فهى مؤكّدة لسوابقها.

قوله: بغير حجاب محجوب، المحجوب امّا مرفوع او مجرور، فعلى الأوّل خبر مبتداء محذوف، اى هو محجوب بغير حجاب، فالجملة مستأنفة لبيان انّ احتجابه ليس كإحتجاب المخلوقين، و على الثانى يحتمل جرّه بالإضافة اى بغير حجاب يكون للمحجوبين، أو بالتوصيف بأن يكون المحجوب بمعنى الحاجب، كما قيل في قوله

ص: 7

وصف بغير صورة، و نعت بغير جسم، لا إله إلّا اللّه الكبير المتعال، ضلّت الأوهام عن تعالى: «حِجاباً مَسْتُوراً (1)او بمعناه اى ليس حجابه مستورا، بل حجابه امر ظاهر على العقول، و هو تجرّده و تقدّسه و كماله، و نقص الممكنات، أو المعنى انّه ليس محجوبا بحجاب محجوب بحجاب آخر (2)كما هو شأن المخلوقين المحجوبين، أو ليس احتجابه احتجابا بالكليّة، بحيث لا يصل إليه العقل أصلا، أو المعني: انه ليس محتجبا بحجاب محجوب فضلا عن الحجاب الظاهر، فيكون نفيا للفرد الأخفى، و يحتمل أن يكون المراد بالحجاب من يكون واسطة بين اللّه تعالى و بين خلقه، كما ان الحجاب واسطة بين المحجوب و المحجوب عنه، و كثيرا ما يطلق على من يقف أبواب الملوك ليوصل إليهم خبر الناس حاجبا و حجابا، فالمراد بالحجاب الانبياء و الأوصياء عليهم السّلام و قد أظهرهم اللّه تعالى للنّاس، و بيّن حجّيتهم و صدّقهم بالآيات البيّنات، و الاحتمالات كلّها جارية في الفقرة الثانية، و يحتمل أن تكون الثانية مؤكّدة للاولى، و أن يكون المراد بالاولى الاحتجاب عن الحواسّ، و بالثانية الاحتجاب عن العقول، كلّ ذلك أفاده الوالد العلّامة قدّس اللّه روحه.

قوله: بغير رؤية، و ربما يقرء رويّة بتشديد الياء بغير همزة، اى معرفة وجوده بديهىّ، و لا يخفى بعده.

قوله: بغير جسم، اى بغير أن يكون توصيفه بالجسميّة، او بما يستلزمها، و قيل اى غير جسم نعت له.

ص: 8


1- سورة الاسراء: 45.
2- فى المطبوعة: «ليس محجوبا بالحجاب محجوب بحجاب آخر» و فى نسخة [ب] «ليس محجوبا بحجاب يكون محجوبا بحجاب آخر» و ما اخترناه فى المتن هو الموافق لنسخة [ح] المكتوب بخط الشارح قدس سره الشريف.

بلوغ كنهه، و ذهلت العقول أن تبلغ غاية نهايته، لا يبلغه حدّ وهم، و لا يدركه نفاذ بصر، و هو السميع العليم، احتجّ على خلقه برسله، و أوضح الامور بدلائله، و ابتعث الرسل مبشّرين و منذرين، ليهلك من هلك عن بيّنة و يحيى من حيّ عن بيّنة، و ليعقل العباد عن ربّهم ما جهلوه، فيعرفوه بربوبيّته بعد ما أنكروه، و يوحّدوه قوله: عن بلوغ كنهه، لأنّه تعالى ليس بمركّب و ما ليس بمركّب لا يمكن إدراك كنهه.

قوله: غاية نهايته، الغاية تطلق على المسافة و على نهايتها و الاوّل هنا أظهر، اى لا تبلغ العقول الى مسافة تنتهى الى نهاية معرفته فكيف إليها، و الحمل على الثانى بالاضافة البيانيّة بعيد.

قوله: حدّ وهم، اى حدّة الاوهام، أو نهاية معرفة الأوهام.

قوله: نفاذ بصر، قال الجوهرى نفذ السهم من الرمية و نفذ الكتاب الى فلان و رجل نافذ في أمره اى ماض، و الكلّ محتمل.

قوله: بدلائله، اى أوضح كلّ أمر بدليل نصبه عليها كوجوده و كمال ذاته بما أوجد في الآفاق و الأنفس من آياته، و الرّسل و الحجج عليهم السّلام بالمعجزات و الأحكام الشرعية بما بيّن في الكتاب و السنّة.

قوله: و ابتعث الرسل، الابتعاث الإرسال كالبعث.

قوله: ليهلك، قال البيضاوى: المعنى ليموت من يموت عن بينّة عاينها، و يعيش من يعيش عن حجّة شاهدها، لئلّا تكون لهم حجّة و معذرة أو ليصدر كفر من كفر و ايمان من آمن عن وضوح بيّنة، على استعارة الهلاك و الحياة للكفر و الإسلام، و المراد بمن هلك و من حىّ: المشارف للهلاك و الحياة، أو من هذا حاله في علم اللّه و قضائه، و قيل: يحتمل أن يكون من باب المجاز المرسل لأنّ الكفر سبب للهلكة الحقيقيّة الاخرويّة، و الايمان سبب للحياة الحقيقيّة الأبديّة، فأطلق المسبّب على السبب مجازا.

قوله: عن ربّهم، اى بتوسط الرسل.

ص: 9

بالإلهيّة بعد ما أضدّوه، أحمده حمدا يشفي النفوس، و يبلغ رضاه، و يؤدّي شكر ما وصل إلينا من سوابغ النعماء، و جزيل الآلاء و جميل البلاء.

و أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، إلها واحدا أحدا صمدا لم يتّخذ صاحبة و لا ولدا و أشهد أنّ محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عبد انتجبه، و رسول ابتعثه، على حين فترة من الرسل، و طول هجعة من الامم، و انبساط من الجهل، و اعتراض من الفتنة و انتقاض من المبرم و عمى عن الحقّ، و اعتساف من الجور و امتحاق من الدين.

قوله: أضدّوه، اى جعلوا له أضدادا.

قوله: يشفى النفوس، اى من أمراض الكفر و الجهل و الاخلاق الذميمة و كأنّه على سبيل الاستدعاء و الرجاء، اى أرجو من فضله تعالى أن يكون حمدى كاملا مؤثّرا تلك التأثيرات و أطلب منه تعالى ذلك اوهى إنشاء لغاية الشكر و إظهار لنهاية التذلّل، و الجزيل: الكثير العظيم، و الآلاء بالمد: النعم، واحدتها الألا، بالفتح، و البلاء:

الاختبار بالخير و الشرّ، و هنا الاول أنسب.

قوله: فترة، الفترة الضعف و الانكسار، و ما بين الرسولين من رسل اللّه، و الهجعة بالفتح: طائفة من الليل، و الهجوع: النوم ليلا، كذا في النهاية، و قال الجوهرى:

أتيت بعد هجعة من الليل، اى بعد نومة خفيفة، و استعيرت هنا لغفلة الامم عمّا يصلحهم في الدارين.

قوله: و اعتراض من الفتنة، اى انبساط منها، و يحتمل أن يكون مأحوذا من قولهم اعترض الفرس: إذا مشى في عرض الطريق، من غير إستقامة، تشبيها للفتنة بهذا الفرس و استعارة لفظ الاعتراض لها. و المبرم: المحكم.

قوله: و عمى عن الحق، في بعض النسخ: من الحق، فليست كلمة «من» على سياق ما مرّ، اذ كانت فيها ابتدائية، و هنا صلة بمعنى عن، إلّا أن يكون من قولهم عمى عليه الامر إذا التبس، و منه قوله تعالى: «فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ» (1)و في قوله:

و امتحاق من الدين، يحتمل الابتدائيّة و التبعضيّة، و الاعتساف: الأخذ على غير

ص: 10


1- سورة القصص: 66.

و أنزل إليه الكتاب، فيه البيان و التبيان، قرآنا عربيّا غير ذي عوج لعلّهم يتّقون؛ قد بيّنه للناس و نهجه، بعلم قد فصّله، و دين قد أوضحه، و فرائض قد أوجبها، و امور قد كشفها لخلقه و أعلنها، فيها دلالة إلى النّجاة، و معالم تدعو إلى هداه.

فبلّغ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ما ارسل به، و صدع بما امر، و أدّى ما حمّل من أثقال النبوّة، و صبر لربّه، و جاهد في سبيله، و نصح لامّته، و دعاهم إلى النجاة، و حثّهم على الطريق، و الامتحاق: البطلان و الإمحاء، و التبيان مبالغة في البيان، اى مع الحجّة و البرهان، و قوله: قرآنا، حال بعد حال عن الكتاب، أو بدل منه، أو منصوب على الاختصاص، و العوج: الاختلال و الاختلاف و الشكّ.

قوله: و نهجه، بالتخفيف اى أوضحه، و قوله: بعلم، إمّا متعلّق بقوله: قد بيّنه، أو نهجه، أو بهما على سبيل التنازع، أو حال عن الكتاب، و المستتر في قوله: «و فصّله» و قراينه إمّا راجع إلى اللّه أو الرسول أو الكتاب.

قوله: فيها دلالة، الضمير راجع إلى الامور المذكورة، و قوله: و معالم، إمّا مرفوع بالعطف على دلالة، أو مجرور بالعطف على النجاة، و المعالم جمع معلم و هو ما جعل علامة للطريق و الحدود، و المراد بها هنا مواضع العلوم، و ما يستنبط منه الأحكام و على الجرّ يحتمل النبيّ و الائمّة عليهم السّلام، و الضمير في «هداه» راجع إلى اللّه أو الرسول أو الكتاب، و قيل: الهاء زايدة كما في «كِتابِيَهْ»* (1)و لا يخفى بعده، و ربما يقرء هداة بالتاء.

قوله: و صدع، اى أظهره، و تكلّم به جهارا أو فرّق به بين الحقّ و الباطل، و فسّر بكلا الوجهين قوله تعالى «فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ» (2)و الاثقال جمع ثقل بالكسر، ضدّ الخفّة، او ثقل بالتحريك و هو متاع البيت و المسافر على الاستعارة.

قوله: على الذكر، اى القرآن أو كلّ ما يصير سببا لذكره تعالى.

ص: 11


1- سورة الحاقة: 19.
2- سورة الحجر: 94.

الذكر و دلّهم على سبيل الهدى من بعده بمناهج و دواع أسّس للعباد أساسها و منائر رفع لهم أعلامها، لكيلا يضلّوا من بعده، و كان بهم رؤوفا رحيما.

فلمّا انقضت مدّته، و استكملت أيّامه، توفّاه اللّه و قبضه إليه، و هو عند اللّه مرضيّ عمله، وافر حظّه، عظيم خطره، فمضى صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و خلّف في امّته كتاب اللّه و وصيّه أمير المؤمنين، و إمام المتّقين صلوات اللّه عليه، صاحبين مؤتلفين، يشهد كلّ واحد منهما لصاحبه بالتصديق، ينطق الامام عن اللّه في الكتاب، بما أوجب اللّه فيه قوله: أساسها، الضمير راجع إلى المناهج و الدواعى، و المراد بسبيل الهدى منهج الشرع القويم، و بالمناهج و الدواعى أوصياؤه عليهم السّلام، و بالتأسيس نصب الأدلّة على خلافتهم، و يحتمل أن يراد بالمناهج الائمة، و بالدواعى الادلّة على حجيّتهم، و يحتمل وجوها أخرى لا تخفى، و المناير جمع المنارة، و هى ما يرفع لتوقد النار عليه لهداية الضالّ عن الطريق، و استعير هنا للاوصياء عليهم السّلام لاهتداء الخلق بهم، و رفع الاعلام لنصب الادلّة، إذ رفع الاعلام التى يوضع عليها ما يستنار به يصير سببا لكثرة الاهتداء به في الطرق الظاهرة، فكذا نصب الادلّة و توضيحها يصير سببا لكثرة الاهتداء بهم عليهم السلام.

قوله: و كان بهم رؤوفا رحيما، الرأفة أشدّ الرحمة، و هذا ردّ على المخالفين بأنّه كيف يدعهم النبى صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بلا هاد و أمير وداع، مع شدّة رأفته و رحمته بهم في أمور دنياهم و آخرتهم، و قوله: فلمّا انقضت، تفصيل و بيان لقوله دلّهم، و الخطر: القدر و المنزلة.

قوله: بالتصديق، اى بسببه أو متلبّسا به، و الحاصل: انّه يشهد كلّ منهما بحقيقة الآخر، و يبيّن كلّ منهما ما هو المقصود من الآخر، و قوله: ينطق، استيناف لبيان هذه الجملة، و قوله: بما أوجب متعلّق بينطق، و الحاصل: انّ الامام يبيّن من قبل اللّه تعالى ما أوجب في الكتاب من طاعته في أوامره و نواهيه، و طاعة الامام و قوله: و واجب حقّه، عطف إمّا على الموصول، أو على طاعته، و الضمير عائد إليه تعالى، أو على ولايته و الضمير راجع إلى الامام، و في بعض النسخ: و أوجب حقّه، و

ص: 12

على العباد، من طاعته، و طاعة الإمام و ولايته، و واجب حقّه، الّذي أراد من استكمال دينه، و إظهار أمره، و الاحتجاج بحججه، و الاستضائة بنوره، في معادن أهل صفوته و مصطفى أهل خيرته.

فأوضح اللّه بأئمّة الهدى من أهل بيت نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن دينه، و أبلج بهم عن سبيل مناهجه و فتح بهم عن باطن ينابيع علمه، و جعلهم مسالك لمعرفته، و معالم لدينه، و حجّابا بينه و بين خلقه، و الباب المؤدّي إلى معرفة حقّه، و أطلعهم على المكنون من غيب سرّه.

قوله: في معادن، صفة للنور أو حال منه، و إضافة المعادن إلى الأهل، إمّا بيانيّة أو لاميّة، و على الثانى المراد بالمعادن إمّا القلوب، فالمراد بالأهل الأئمّة عليهم السّلام، أو الأئمة، فالمراد بالاهل جميع الذرّية الطيّبة كما سيأتى الإحتمالان في الآية المقتبس منها، و هى قوله تعالى: «ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا» (1)انشاء اللّه تعالى، و قوله: «مصطفى» إمّا مفرد أو جمع، و معطوف على المعادن أو الاهل، و إضافته إلى الأهل إمّا بيانيّة أو لاميّة، و الخيرة بكسر الخاء و سكون الياء أو فتحها: الاختيار، و إضافة الاهل إليها لاميّة.

قوله: عن دينه، تعديته بكلمة عن لتضمين معنى الكشف، كما في الفقرة الآتية، و البلوج: الاضاءة و الوضوح، و أبلجه: أوضحه، و المراد بالمناهج كلّ ما يتقرّب به إليه سبحانه، و سبيلها: دلائلها و ما يوجب الوصول إليها.

قوله: ينابيع علمه، في الكلام استعارة مكنيّة و تخييليّة بتشبيه العلم بالماء و إثبات الينابيع له، أو من قبيل: لجين الماء، و قيل: المراد بالينابيع: الآيات القرآنيّة.

قوله: و حجّابا، هو بالضمّ و التشديد جمع حاجب، الّذي يكون للسلاطين، و قوله: اطلعهم بتخفيف الطاء اى جعلهم مطّلعين على سرّه، المغيّب عن غيرهم، و الضمير

ص: 13


1- سورة فاطر: 32.

كلّما مضى منهم إمام، نصب لخلقه من عقبه إماما بيّنا، و هاديا نيّرا، و إماما قيّما، يهدون بالحقّ و به يعدلون، حجج اللّه و دعاته، و رعاته على خلقه، يدين بهديهم العباد، و يستهلّ بنورهم البلاد، جعلهم اللّه حياة للأنام، و مصابيح للظلام و مفاتيح للكلام، و دعائم للاسلام، و جعل نظام طاعته و تمام فرضه التسليم لهم فيما علم، و الردّ إليهم فيما جهل، و حظر على غيرهم التهجّم على القول بما يجهلون و المستتر في «نصب» راجع إلى اللّه تعالى أو إلى الامام، و الأخير بعيد.

قوله: من عقبه: اى بعده أو من ذرّيته تغليبا، و منهم من قرأ [من عقّبه] بالفتح اسم موصول اى من عقّب اللّه الماضى، و لا يخفى بعده.

قوله قيّما، اى قائما بأمر الامّة، و قيل: مستقيما، و قوله: يهدون حال عن الائمة، أو خبر مبتدأ محذوف، و قوله: بالحقّ متعلق بيهدون، اى بكلمة الحقّ أو الباء بمعنى إلى، أو ظرف مستقرّ اى محقّين، و «به» اى بالحق يعدلون بين الناس في الحكم، و قوله: حجج اللّه. خبر مبتدأ محذوف، و الدّعاة و الرعاة جمع الداعى و الراعى، من رعى الامير رعيّته رعاية إذا حفظهم، أو من رعيت الاغنام، و قوله: على خلقه، متعلّق بالرّعاة، أو بالثلاثة على التنازع.

قوله: بهديهم، بضمّ الهاء اى تعبّد العباد بهدايتهم، أو بفتحها اى بسيرتهم، و قوله: يستهلّ اى يستضئ بنورهم اى بعلمهم و هدايتهم البلاد، اى أهلها.

قوله: حياة للانام، اى سببا لحياتهم الظاهريّة و بقائهم، او سببا لحياتهم، بالايمان و العلم و الكمالات أو الاعمّ.

قوله: نظام طاعته، اى ما ينتظم به طاعته، و تمام فرضه اى ما يتمّ به فرائضه، إذ مع عدم ولايتهم و التسليم لهم كلّ ما أدّى من الفرائض تكون ناقصة، أو فرض ذلك بعد سائر الفرائض، لقوله تعالى: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ» (1)و قوله: فيما علم، اما على بناء المجهول اى علم صدوره منهم، أو المعلوم اى علم العبد، و الاول أظهر، و كذا فيما جهل،

ص: 14


1- سورة المائدة: 3.

منعهم جحد ما لا يعلمون، لما أراد تبارك و تعالى من استنقاذ من شاء من خلقه، من ملمّات الظلم و مغشيّات البهم. و صلّى اللّه على محمّد و أهل بيته الأخيار الّذين أذهب اللّه عنهم الرجس [أهل البيت] و طهّرهم تطهيرا.

أما بعد، فقد فهمت يا أخى ما شكوت من اصطلاح أهل دهرنا على الجهالة و توازرهم و سعيهم في عمارة طرقها، و مباينتهم العلم و أهله، حتّى كاد العلم معهم أن يأرز كلّه و ينقطع موادّه، لما قد رضوا أن يستندوا إلى الجهل، و يضيّعوا العلم و أهله.

و سألت: هل يسع الناس المقام على الجهالة و التديّن بغير علم، إذا كانوا داخلين في الدين، مقرّين بجميع اموره على جهة الاستحسان، و النشوء عليه و التقليد و سيأتى تفسير التسليم في بابه، و التهجّم: الدخول في الامر بغتة من غير رويّة، و الحظر و المنع تأكيد للفقرتين الاوليين على خلاف الترتيب.

قوله: لما أراد اللّه، بالتخفيف تعليل للمذكورات سابقا، و الملمّات جمع ملمّة و هى النازلة، و الظلم جمع الظلمة، و هى البدعة و الفتنة، و قوله: مغشيّات البهم، اى مستورات البهم و مغطيّاتها، و البهم كصرد جمع بهمة بالضم، و هو الامر الذى لا يهتدى لوجهه، اى الامور المشكلة التى خفى على الناس ما هو الحقّ فيها و سترعنهم، أو غشيت عليهم و أحاطت بهم، بأن يقرء على بناء المفعول من التفعيل.

قوله: من إصطلاح أهل دهرنا، اى تصالحهم و توافقهم، و التوازر: التعاون.

قوله: أن يأرز، في بعض النسخ بتقديم المعجمة على المهملة، و هو جاء بمعنى القوّة و الضعف، و المراد هنا الثانى، و الظاهر أنّه بتقديم المهملة كما سيأتى إنشاء اللّه تعالى في باب الغيبة: فيأرز العلم كما يأرز الحيّة في حجرها، و قال الجوهرى: في الحديث:

انّ الإسلام ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحيّة إلى حجرها، اى ينضمّ إليها و يجتمع بعضه إلى بعض فيها.

قوله: و النشؤ عليه، بفتح النون على فعل أو بالضمّ على فعول، قال الجوهرى:

نشأت في بنى فلان نشوءا إذا شببت فيهم، و في بعض النسخ: «و النشق» بالقاف، قال

ص: 15

للآباء، و الأسلاف و الكبراء، و الاتّكال على عقولهم في دقيق الأشياء و جليلها.

فاعلم يا أخى رحمك اللّه أنّ اللّه تبارك و تعالى خلق عباده خلقة منفصلة من البهائم في الفطن و العقول المركّبة فيهم، محتملة للأمر و النهي، و جعلهم جلّ ذكره صنفين صنفا منهم أهل الصحّة و السلامة، و صنفا منهم أهل الضرر و الزمانة، فخصّ أهل الصحّة و السلامة بالأمر و النهي، بعد ما أكمل لهم آلة التكليف، و وضع التكليف عن أهل الزمانة و الضرر، إذ قد خلقهم خلقة غير محتملة للأدب و التعليم و جعل عزّ و جلّ سبب بقائهم أهل الصحّة و السلامة، و جعل بقاء أهل الصحّة و السلامة بالأدب و التعليم، فلو كانت الجهالة جائزة لأهل الصحّة و السلامة لجاز وضع التكليف عنهم، الجوهرى: نشق الظبى في الحبالة، أى علّق فيها، و رجل نشيق إذا كان ممّن يدخل في امور لا يكاد يتخلّص منها، و في بعضها: و السبق إليه، و الأوّل أصوب.

قوله: على عقولهم، الضمير راجع إلى الأسلاف و الكبراء، أو إلي أنفسهم و الأوّل أظهر. قوله: منفصلة، أى متميّزة، و قوله: و العقول، مجرور بالعطف على الفطن.

و قوله: محتملة صفة بعد اخرى لقوله خلقه، أو حال عن العقول، و يحتمل أن يكون العقول مبتداء، و محتملة خبره.

قوله: صنفا، بدل أو عطف بيان للمفعول الاوّل، و قوله: أهل الصحّة مفعول ثان. و يحتمل تقدير الفعل ثانيا، ثمّ انه يحتمل أن يكون المراد بالصنف الاول المكلّفين مطلقا، و بالصنف الثانى غير المكلّفين أصلا من الصبيان و المجانين، و يمكن أن يكون المراد بالاوّل من كان قابلا لتحصيل المعارف و العلوم و الكمالات، و بالثاني:

الضعفاء العقول من المكلّفين الذين ليس لهم قوّة تحصيل العلوم و المعارف و التميّز التامّ بين الحقّ و الباطل، و استنباط الاحكام من أدلّتها، و هذا أظهر، و انكان بعض الفقرات الآتية يؤيّد الأول، فعلى الثانى المراد بالأمر و النهى: الأمر بتحصيل المعارف و الأحكام، و النهى عن الاكتفاء بالتقليد كالعوام، و كذا المراد بوضع التكليف رفع التكليف بتحصيل العلم، و إن أمكن حمله في الثانى على رفع التكليف مطلقا، إذ مع رفع

ص: 16

و في جواز ذلك بطلان الكتب و الرسل و الآداب، و في رفع الكتب و الرسل و الآداب فساد التدبير، و الرجوع إلى قول أهل الدهر، فوجب في عدل اللّه عزّ و جلّ و حكمته أن يخصّ من خلق من خلقه خلقة محتملة للأمر و النهي، بالأمر و النهي، لئلّا يكونوا سدى مهملين، و ليعظّموه و يوحّدوه، و يقرّوا له بالربوبيّة، و ليعلموا أنّه خالقهم و رازقهم، إذ شواهد ربوبيّته دالّة ظاهرة، و حججه نيّرة واضحة، و أعلامه لائحة تدعوهم إلى توحيد اللّه عزّ و جلّ، و تشهد على أنفسها لصانعها بالربوبيّة و الإلهيّة، لما فيها من آثار صنعه، و عجائب تدبيره، فندبهم إلى معرفته لئلّا يبيح لهم أن يجهلوه و يجهلوا دينه و أحكامه، لأنّ الحكيم لا يبيح الجهل به، و الانكار لدينه، فقال جلّ ثناؤه: «أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ» (1)و قال: «بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ» (2)فكانوا محصورين بالأمر و النهي العلم مطلقا لا يتأنّى التكليف أصلا، و على الاوّل بطلان الكتب و الرّسل لان الغرض الاصلى من البعثة تكميل النفوس القابلة.

قوله: ان يخصّ، بالخاء المعجمة و الصاد المهملة، و في بعض النسخ بالحاء المهملة و الضّاد المعجمة، بمعنى التحريص و الترغيب، و الاوّل أظهر، و قوله: بالامر و النهى، متعلق بيخصّ، و السّدى بضمّ السين و قد يفتح و كلاهما للواحد و الجمع بمعنى المهمل و قوله: مهملين عطف بيان أوصفة موضحة.

قوله تعالى: «مِيثاقُ الْكِتابِ» اى ميثاق المأخوذ في الكتاب، و هو التوراة و قوله: «أن لا يقولوا» عطف بيان للميثاق أو متعلق به، اى بأن لا يقولوا، و قيل:

المراد بالميثاق قوله في التوراة: من إرتكب ذنبا عظيما فانّه لا يغفر [له] إلّا بالتوبة و حينئذ قوله: أن لا يقولوا مفعول له اى لئلّا يقولوا.

قوله تعالى: «بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ»

أقول: تتمة الآية «وَ لَمَّا*

ص: 17


1- سورة الاعراف: 169.
2- سورة يونس: 39.

مأمورين بقول الحقّ، غير مرخّص لهم في المقام على الجهل، أمرهم بالسؤال، و التفقّه في الدّين فقال: «فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ» (1)و قال: «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ»* (2).

فلو كان يسع أهل الصحّة و السلامة، المقام على الجهل، لما أمرهم بالسؤال، و لم يكن يحتاج إلى بعثة الرسل بالكتب و الآداب، و كادوا يكونون عند ذلك بمنزلة البهائم، و منزلة أهل الضرر و الزمانة، و لو كانوا كذلك لما بقوا طرفة عين، فلمّا لم يجز بقاؤهم إلّا بالأدب و التعليم، وجب أنّه لا بدّ لكلّ صحيح الخلقة، كامل الآلة من مؤدّب، و دليل، و مشير، و آمر، و ناه، و أدب، و تعليم، و سؤال، و مسألة.

فأحقّ ما اقتبسه العاقل، و التمسه المتدبّر الفطن، و سعى له الموفّق المصيب، العلم بالدين، و معرفة ما استعبد اللّه به خلقه من توحيده، و شرائعه و أحكامه، و أمره و نهيه و زواجره و آدابه، إذ كانت الحجّة ثابتة، و التكليف لازما، و العمر يسيرا، و التسويف غير مقبول، و الشرط من اللّه جلّ ذكره فيما استعبد به خلقه أن يؤدّوا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ» و المعنى كما قيل: بل سارعوا إلى التكذيب بالقرآن أوّل ما سمعوه قبل أن يفقهوا و يتدبّروا آياته، و يقفوا على تأويله و معانيه.

قوله: أمرهم بالسؤال، لمّا كان بمنزلة التعليل للسابق ترك العاطف.

قوله تعالى «ليتفقّهوا»، الظاهر ان ضمير الجمع فيه و في «و لينذروا» و في «رجعوا» راجع الى الطائفة، فالمراد بالنفور الخروج للتفقّه، و قيل: المراد به النفور إلى الجهاد، اى لو لا نفر طائفة للجهاد و يبقي بعضهم للتفقّه لينذر و يعلّم الباقون الساكنون، النافرين بعد رجوع النافرين اليهم فالضمير في «يتفقّهوا» و «ينذروا» راجع الى الفرقة اى بقيّتهم، و في «رجعوا» الى القوم.

قوله: من توحيده، بيان للّدين، و ما بعده بيان لما استعبد اللّه به خلقه.

ص: 18


1- سورة التوبة: 122.
2- سورة النحل: 43.

جميع فرائضه بعلم و يقين و بصيرة، ليكون المؤدّي لها محمودا عند ربّه، مستوجبا لثوابه، و عظيم جزائه، لأنّ الّذي يؤدّي بغير علم و بصيرة، لا يدري ما يؤدّي، و لا يدري إلى من يؤدّي، و إذا كان جاهلا لم يكن على ثقة ممّا أدّى، و لا مصدّقا، لأنّ المصدّق لا يكون مصدّقا حتّى يكون عارفا بما صدّق به من غير شكّ و لا شبهة، لأنّ الشاكّ لا يكون له من الرغبة و الرهبة و الخضوع و التقرّب مثل ما يكون من العالم المستيقن، و قد قال اللّه عزّ و جلّ: «إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ» (1)فصارت الشهادة مقبولة لعلّة العلم بالشهادة، و لو لا العلم بالشهادة لم تكن الشهادة مقبولة، و الأمر في الشاكّ المؤدّي بغير علم و بصيرة، إلى اللّه جلّ ذكره، إن شاء تطوّل عليه فقبل عمله، و إن شاء ردّ عليه، لأنّ الشرط عليه من اللّه أن يؤدّي المفروض بعلم و بصيرة و يقين، كيلا يكونوا ممّن وصفه اللّه فقال تبارك و تعالى «وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَ إِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَ الْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ» (2)لأنّه كان داخلا فيه بغير علم و لا يقين، فلذلك صار خروجه بغير علم و لا يقين، و قد قال العالم عليه السّلام: قوله: بعلم و يقين، لقوله تعالى «وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ» (3)و أمثاله كثيرة.

قوله: بالشهادة، اى الأمر المشهود به.

قوله: و الأمر في الشاكّ، الظاهر أنّ المراد بالشكّ هنا مقابل اليقين، فيشمل الظنّ المستند الى التقليد و غيره ايضا.

قوله تعالى: «على حرف» اى على وجه واحد كأن يعبده على السرّاء لا الضرّاء، أو على شكّ، أو على غير طمأنينة، و الحاصل أنّه لا يدخل في الدين متمكنا مستقرّا، و قال القاضى: اى على طرف من الدين لا ثبات له فيه، كالّذى يكون على طرف الجيش، فان أحسّ بظفر قرّ و إلّا فرّ.

قوله: و قد قال العالم، اى المعصوم، و تخصيصه بالكاظم عليه السّلام غير معلوم.

ص: 19


1- سورة الزخرف: 87.
2- سورة الحج: 11.
3- سورة الاسراء: 36.

«من دخل في الإيمان بعلم ثبت فيه، و نفعه إيمانه، و من دخل فيه بغير علم خرج منه كما دخل فيه»، و قال عليه السّلام: «من أخذ دينه من كتاب اللّه و سنّة نبيّه صلوات اللّه عليه و آله زالت الجبال قبل أن يزول، و من أخذ دينه من أفواه الرجال ردّته الرجال»، و قال عليه السّلام: «من لم يعرف أمرنا من القرآن لم يتنكّب الفتن».

و لهذه العلّة انبثقت على أهل دهرنا بثوق هذه الأديان الفاسدة، و المذاهب المستشنعة الّتى قد استوفت شرائط الكفر و الشرك كلّها، و ذلك بتوفيق اللّه تعالى و خذلانه، فمن أراد اللّه توفيقه و أن يكون إيمانه ثابتا مستقرّا، سبّب له الأسباب الّتي تؤدّيه إلى أن يأخذ دينه من كتاب اللّه و سنّة نبيّه صلوات اللّه عليه و آله بعلم و يقين و بصيرة، فذاك أثبت في دينه من الجبال الرواسي، و من أراد اللّه خذلانه و أن يكون دينه معارا مستودعا- نعوذ باللّه منه- سبّب له أسباب إلاستحسان و التقليد و التأويل من غير علم و بصيرة، فذاك في المشيئة إن شاء اللّه تبارك و تعالى أتمّ إيمانه، و إن شاء سلبه إيّاه، و لا يؤمن عليه أن يصبح مؤمنا و يمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا و يصبح كافرا، لأنّه كلّما رأى كبيرا من الكبراء مال معه، و كلّما رأى شيئا استحسن قوله: قبل أن يزول، الضمير المستتر إمّا راجع إلى الموصول أو إلى الدّين.

قوله: لم يتنكّب، قال في القاموس: نكب عنه كنصر و فرح نكبا و نكبا و نكوبا: عدل كنكّب و تنكّب.

قوله: انبثقت، يقال بثق الماء بثوقا: فتحه بأن خرق الشطّ، و انبثق هو: اذا جرى بنفسه من غير فجر، و البثق بالفتح و الكسر الاسم، كذا في المغرب، و البثوق فاعل انبثقت، فانكان المراد بالبثوق الشقوق، اى المواضع المنخرقة، فالمراد بالانبثاق التشقّق، و لو حمل على الجريان فالاسناد مجازىّ، و كذا لو حمل البثوق على المعنى المصدرى لا بدّ من ارتكاب تجوّز فى الاسناد، و يحتمل على بعد إرجاع ضمير إنبثقت إلى الفتن، فيكون البثوق مفعولا مطلقا من غير بابه، و قيل: شبّه الأديان الفاسدة بالسيول، و أثبت لها البثوق، ففيه استعارة مكنيّة و تخييليّة، و فيه ما لا يخفى على

ص: 20

ظاهره قبله، و قد قال العالم عليه السّلام: «إنّ اللّه عزّ و جلّ خلق النبيّين على النبوّة، فلا يكونون إلّا أنبياء، و خلق الأوصياء على الوصيّة، فلا يكونون إلّا أوصياء، و أعار قوما إيمانا فإن شاء تمّمه لهم، و إن شاء سلبهم إيّاه، قال: و فيهم جرى قوله:

«فَمُسْتَقَرٌّ وَ مُسْتَوْدَعٌ» (1).

و ذكرت أنّ امورا قد أشكلت عليك، لا تعرف حقائقها لاختلاف الرواية فيها و أنّك تعلم أنّ اختلاف الرواية فيها لاختلاف عللها و أسبابها، و أنّك لا تجد بحضرتك من تذاكره و تفاوضه ممّن تثق بعلمه فيها، و قلت: إنّك تحبّ أن يكون عندك كتاب كاف يجمع [فيه] من جميع فنون علم الدين، ما يكتفي به المتعلّم، و يرجع إليه المسترشد، و يأخذ منه من يريد علم الدين و العمل به بالآثار الصحيحة عن الصادقين المتأمّل، و سيأتى تحقيق معنى التوفيق و الخذلان على وجه يوافق أصول أهل العدل في كتاب الايمان و الكفر إنشاء اللّه تعالى.

قوله تعالى «فمستقرّ»: بفتح القاف و كسرها على اختلاف القراءة جار في النبىّ و الوصى، فبالفتح إسم مفعول يعنى مثبت في الايمان، او إسم مكان يعنى له موضع استقرار و ثبات فيه، و بالكسر إسم فاعل يعنى مستقرّ ثابت فيه، «و مستودع» بفتح الدال إسم مفعول أو إسم مكان جار في المعار، و قال البيضاوى في قوله تعالى:

«وَ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَ مُسْتَوْدَعٌ» اى فلكم استقرار في الأصلاب أو فوق الارض، و إستيداع في الأرحام أو تحت الارض، و قرء ابن كثير و البصريّان بكسر القاف، على أنّه فاعل، و المستودع مفعول اى فمنكم قارّ و منكم مستودع.

قوله: بالآثار الصحيحة، استدلّ به الاخباريّون على جواز العمل بجميع اخبار الكافى و كون كلّها صحيحة و انّ الصحّة عندهم غير الصحّة باصطلاح المتأخرين، و زعموا أنّ حكمهم بالصحّة لا تقصر عن توثيق الشيخ أو النجاشى أو غيرهما رجال السند، بل ادّعى بعضهم أنّ الصحّة عندهم بمعنى التواتر، و الكلام فيها طويل، و

ص: 21


1- سورة الانعام: 98.

عليهم السلام و السنن القائمة الّتي عليها العمل، و بها يؤدي فرض اللّه عزّ و جلّ و سنّة نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قلت: لو كان ذلك رجوت أن يكون ذلك سببا يتدارك اللّه [تعالى] بمعونته و توفيقه إخواننا و أهل ملّتنا و يقبل بهم إلى مراشدهم.

فاعلم يا أخى أرشدك اللّه أنّه لا يسع أحدا تمييز شي ء ممّا اختلفت الرّواية فيه عن العلماء عليهم السّلام برأيه، إلّا على ما أطلقه العالم بقوله عليه السّلام: «اعرضوها على كتاب اللّه فما وافى كتاب اللّه عزّ و جلّ فخذوه، و ما خالف كتاب اللّه فردّوه» و قوله عليه السلام: «دعوا ما وافق القوم فإنّ الرشد في خلافهم» و قوله عليه السّلام «خذوا قد فصّلنا القول في ذلك في المجلّد الآخر من كتاب بحار الانوار، و خلاصة القول في ذلك و الحقّ عندى فيه: أنّ وجود الخبر في أمثال تلك الأصول المعتبرة ممّا يورث جواز العمل به، لكن لا بدّ من الرجوع إلى الأسانيد لترجيح بعضها على بعض عند التعارض، فانّ كون جميعها معتبرا لا ينافي كون بعضها أقوى، و أمّا جزم بعض المجازفين بكون جميع الكافي معروضا على القائم عليه السّلام لكونه في بلدة السفراء فلا يخفى ما فيه على ذى لبّ، نعم عدم إنكار القائم و آبائه صلوات اللّه عليه و عليهم، عليه و على أمثاله في تأليفاتهم و رواياتهم ممّا يورث الظنّ المتاخم للعلم بكونهم عليهم السّلام راضين بفعلهم و مجوزّين للعمل بأخبارهم.

قوله: بمعونته و توفيقه، قيل: الضميران عائدان الى السبب لا إلى اللّه تعالى، لخلوّ الجملة الوصفيّة عن العائد و يمكن تقدير العائد.

قوله: ممّا اختلفت الرواية فيه، قيل: المراد بالروايات المختلفة الّتى لا يحتمل الحمل على معنى يرتفع به الإختلاف بملاحظة جميعها، و كون بعضها قرينة على المراد من البعض، لا الّتى يتراءى فيها الاختلاف في بادى الرأى، و طريق العمل في المختلفات الحقيقيّة كما ذكره بعد شهرتها و إعتبارها العرض على كتاب اللّه و الأخذ بموافقه دون مخالفه، ثمّ الأخذ بمخالف القوم، ثمّ الأخذ من باب التسليم بأيّها تيسّر «انتهى».

ص: 22

بالمجمع عليه، فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه» و نحن لا نعرف من جميع ذلك إلّا أقلّه و لا نجد شيئا أحوط و لا أوسع من ردّ علم ذلك كلّه إلى العالم عليه السّلام و قبول ما وسّع من الأمر فيه بقوله عليه السّلام: «بأيّما أخذتم من باب التسليم وسعكم».

و قد يسّر اللّه- و له الحمد- تأليف ما سألت، و أرجو أن يكون بحيث توخّيت فمهما كان فيه من تقصير فلم تقصر نيّتنا في إهداء النصيحة، إذ كانت واجبة لإخواننا و أهل ملّتنا، مع ما رجونا أن نكون مشاركين لكلّ من اقتبس منه، و عمل بما فيه في دهرنا هذا، و في غابره إلى إنقضاء الدنيا، إذ الربّ جلّ و عزّ واحد و الرسول محمّد خاتم النبيّين- صلوات اللّه و سلامه عليه و آله- واحد، و الشريعة واحدة و حلال محمّد حلال و حرامه حرام إلى يوم القيامة، و وسّعنا قليلا كتاب الحجّة و إن لم نكمّله على استحقاقه، لأنّا كرهنا أن نبخس حظوظه كلّها.

قوله: إلّا أقلّه، اى أقلّ ذلك الجميع، و المعنى انّا لا نعرف من أفراد التمييز الحاصل من جهة تلك القوانين المذكورة إلّا الأقلّ، أو لا نعرف من جميع ذلك المذكور من القوانين الثلاثة إلّا الأقلّ، و الحاصل أنّ الاطّلاع على تلك الامور و التوسّل بها في رفع الاختلاف بين الاخبار مشكل، إذ العرض على الكتاب موقوف على معرفته و فهمه، و دونه خرط القتاد، و أيضا أكثر الاحكام لا يستنبط ظاهرا منه، و أما أقوال المخالفين فانّ الإطّلاع عليها مشكل لأكثر المحصّلين و مع الاطّلاع عليها قلّ ما يوجد مسئلة لم يختلفوا فيها، و مع إختلافهم لا يعرف ما يخالفهم إلا أن يعلم ما كان أشهر و أقوى عند القضاة و الحكّام في زمان من صدر عنه الخبر عليه السّلام و هذا يتوقّف على تتبّع تامّ لكتب المخالفين و أقوالهم، و لا يتيسّر لكل أحد، و أمّا الاخذ بالمجمع عليه فانكان المراد به ما أجمع على الإفتاء به كما فهمه أكثر المتأخّرين، فالاطّلاع عليه متعسّر بل متعذّر، إلّا أن يحمل على الشهرة فانّها و إن لم تكن حجّة في نفسها يمكن كونها مرجّحة لبعض الأخبار المتعارضة، لكن يرد عليه أنّ الفتوى لم تكن شايعا في تلك الازمنة السالفة، بل كان مدارهم على نقل الأخبار، و كانت تصانيفهم

ص: 23

و أرجو أن يسهّل اللّه جلّ و عزّ إمضاء ما قدّمنا من النيّة، إن تأخّر الأجل صنّفنا كتابا أوسع و أكمل منه، نوفّيه حقوقه كلّها إن شاء اللّه تعالى و به الحول و القوّة و إليه الرغبة في الزيادة في المعونة و التوفيق. و الصلاة على سيّدنا محمّد النبيّ و آله الطاهرين الأخيار.

و أوّل ما أبدأ به و أفتتح به كتابي هذا: كتاب العقل، و فضائل العلم، و ارتفاع درجة أهله، و علوّ قدرهم، و نقص الجهل، و خساسة أهله، و سقوط منزلتهم، إذ كان العقل هو القطب الّذي عليه المدار و به يحتجّ و له الثواب؛ و عليه العقاب، [و اللّه الموفّق].

مقصورة على جمع الأخبار و روايتها و تدوينها، و إن كان المراد به الإجماع في النقل و الرواية، و تكررّه في الاصول المعتبرة كما هو الظاهر من دأبهمّ، فهذا ايضا مما يعسر الاطلاع عليه، و يتوقف على تتبّع كلّ الأصول المعتبرة، فظهر انّ ما ذكره (ره) من قلّة ما يعرف من ذلك حقّ، لكن كلامه يحتمل وجهين:

الاول: انه لمّا كان الاطّلاع عليها عسرا، و الانتفاع بها نزرا فينبغى تركها و الاخذ بالتخيير، و هذا هو الظاهر من كلامه، فيرد عليه انّ ذلك لا يصير سببا لتركها فيما يمكن الرجوع اليها مع ورودها في الاخبار المعتبرة.

و الثانى: أن يكون المراد أنّ الانتفاع بقاعدة التخيير أكثر، و الانتفاع بغيرها أقلّ، و لا بدّ من العمل بها جميعا في مواردها، و هذا صحيح لكنّه بعيد من العبارة، و يؤيّد الاول ترك المصنف (ره) إيراد الاخبار المتعارضة، و اختيار ما هو أقوى عنده و فيه ما فيه، و لذا وجّه بعض المعاصرين ذلك بأنّه انّما فعل ذلك برخصة الامام عليه السّلام، و قد عرفت ما فيه، و أمّا سند خبر التخيير و طريق الجمع بينه و بين مقبولة عمر بن حنظلة، فسيأتى بعض القول فيهما في باب اختلاف الحديث إنشاء اللّه تعالى، و تمام القول فيهما موكول الى كتابنا الكبير.

ص: 24

كِتَابُ الْعَقْلِ وَ الْجَهْل

الحديث الأول

كِتَابُ الْعَقْلِ وَ الْجَهْلِ

[الحديث 1]

1 أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ حَدَّثَنِي عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْهُمْ مُحَمَّد

كذا في النسخ و الأظهر باب العقل أو ذكر الباب بعد الكتاب كما يظهر من فهرست الشيخ (ره).

صحيح.

و الظاهر أن قائل أخبرنا أحد رواة الكافي من النعماني و الصفواني و غيرهما، و يحتمل أن يكون القائل هو المصنف (ره) كما هو دأب القدماء، ثم اعلم أن فهم أخبار أبواب العقل يتوقف على بيان ماهية العقل و اختلاف الآراء و المصطلحات فيه.

فنقول: إن العقل هو تعقل الأشياء و فهمها في أصل اللغة، و اصطلح إطلاقه على أمور:

الأول: هو قوة إدراك الخير و الشر و التميز بينهما، و التمكن من معرفة أسباب الأمور ذوات الأسباب، و ما يؤدي إليها و ما يمنع منها، و العقل بهذا المعنى مناط التكليف و الثواب و العقاب.

الثاني: ملكة و حالة في النفس تدعو إلى اختيار الخيرات و المنافع، و اجتناب الشرور و المضار، و بها تقوى النفس على زجر الدواعي الشهوانية و الغضبية، و الوساوس الشيطانية، و هل هذا هو الكامل من الأول أم هو صفة أخرى و حالة مغايرة للأولى، كل منهما محتمل، و ما يشاهد في أكثر الناس من حكمهم بخيرية بعض الأمور، مع عدم إتيانهم بها، و بشرية بعض الأمور مع كونهم مولعين بها، يدل على أن هذه الحالة غير العلم بالخير و الشر، و الذي ظهر لنا من تتبع الأخبار المنتهية إلى الأئمة الأبرار سلام الله عليهم، هو أن الله خلق في كل شخص من أشخاص

ص: 25

بْنُ يَحْيَى الْعَطَّارُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ رَزِينٍ

المكلفين قوة و استعدادا لإدراك الأمور من المضار و المنافع و غيرها على اختلاف كثير بينهم فيها، و أقل درجاتها مناط التكاليف و بها يتميز عن المجانين و باختلاف درجاتها تتفاوت التكاليف، فكلما كانت هذه القوة أكمل، كانت التكاليف أشق و أكثر، و تكمل هذه القوة في كل شخص بحسب استعداده بالعلم و العمل، فكلما سعى في تحصيل ما ينفعه من العلوم الحقة، و عمل بها تقوى تلك القوة، ثم العلوم تتفاوت في مراتب النقص و الكمال، و كلما ازدادت قوة تكثر آثارها، و تحت صاحبها بحسب قوتها على العمل بها، فأكثر الناس علمهم بالمبدء و المعاد و سائر أركان الإيمان علم تصوري يسمونه تصديقا، و في بعضهم تصديق ظني، و في بعضهم تصديق اضطراري، فلذا لا يعملون بما يدعون، فإذا كمل العلم و بلغ درجة اليقين تظهر آثاره على صاحبه كل حين، و سيأتي تمام تحقيق ذلك في كتاب الإيمان و الكفر إن شاء الله تعالى.

الثالث: القوة التي يستعملها الناس في نظام أمور معاشهم، فإن وافقت قانون الشرع، و استعملت فيما استحسنه الشارع تسمى بعقل المعاش، و هو ممدوح في الأخبار و مغايرته لما قد مر بنوع من الاعتبار و إذا استعملت في الأمور الباطلة و الحيل الفاسدة تسمى بالنكراء و الشيطنة في لسان الشرع، و منهم من ثبتوا لذلك قوة أخرى و هو غير معلوم.

الرابع: مراتب استعداد النفس لتحصيل النظريات و قربها و بعدها من ذلك و أثبتوا لها مراتب أربعا سموها بالعقل الهيولاني و العقل بالملكة، و العقل بالفعل، و العقل المستفاد، و قد تطلق هذه الأسامي على النفس في تلك المراتب، و تفصيلها مذكور في مظانها و يرجع إلى ما ذكرنا أو لا، فإن الظاهر أنها قوة واحدة، تختلف أسماؤها بحسب متعلقاتها و ما تستعمل فيه.

الخامس: النفس الناطقة الإنسانية التي بها يتميز عن سائر البهائم.

ص: 26

عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْعَقْلَ اسْتَنْطَقَهُ ثُمَّ قَالَ لَهُ

السادس: ما ذهب إليه الفلاسفة و أثبتوه بزعمهم من جوهر مجرد قديم لا تعلق له بالمادة ذاتا و لا فعلا، و القول به كما ذكروه مستلزم لإنكار كثير من ضروريات الدين من حدوث العالم و غيره، مما لا يسع المقام ذكره، و بعض المنتحلين منهم للإسلام أثبتوا عقولا حادثة و هي أيضا على ما أثبتوها مستلزمة لإنكار كثير من الأصول المقررة الإسلامية، مع أنه لا يظهر من الأخبار وجود مجرد سوى الله تعالى، و قال بعض محققيهم: إن نسبة العقل العاشر الذي يسمونه بالعقل الفعال إلى النفس كنسبة النفس إلى البدن، فكما أن النفس صورة للبدن، و البدن مادتها، فكذلك العقل صورة للنفس و النفس مادته، و هو مشرق عليها، و علومها مقتبسة منه، و يكمل هذا الارتباط إلى حد تطالع العلوم فيه، و تتصل به، و ليس لهم على هذه الأمور دليل إلا مموهات شبهات، أو خيالات غريبة، زينوها بلطائف عبارات.

فإذا عرفت ما مهدنا فاعلم أن الأخبار الواردة في هذه الأبواب أكثرها ظاهرة في المعنيين الأولين، الذي مالهما إلى واحد، و في الثاني منهما أكثر و أظهر، و بعض الأخبار يحتمل بعض المعاني الأخرى، و في بعض الأخبار يطلق العقل على نفس العلم النافع المورث للنجاة، المستلزم لحصول السعادات، فأما أخبار استنطاق العقل و إقباله و إدباره، فيمكن حملها على أحد المعاني الأربعة المذكورة أولا، أو ما يشملها جميعا و حينئذ يحتمل أن يكون الخلق بمعنى التقدير كما ورد في اللغة، أو يكون المراد بالخلق الخلق في النفس و اتصاف النفس بها، و يكون سائر ما ذكر فيها من الاستنطاق و الإقبال و الأدبار و غيرها استعارة تمثيلية لبيان أن مدار التكاليف و الكمالات و الترقيات على العقل، و يحتمل أن يكون المراد بالاستنطاق جعله قابلا لأن يدرك به العلوم، و يكون الأمر بالإقبال و الأدبار أمرا تكوينيا بجعله قابلا لكونه وسيلة لتحصيل الدنيا و الآخرة و السعادة و الشقاوة معا، و آلة للاستعمال في تعرف حقائق الأمور و التفكر في دقائق الحيل أيضا، و في بعض الأخبار: بك آمر و بك

ص: 27

أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ ثُمَّ قَالَ لَهُ أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ ثُمَّ قَالَ وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي مَا خَلَقْتُ خَلْقاً هُوَ أَحَبُ

أنهى و بك أعاقب و بك أثيب، و هو منطبق على هذا المعنى لأن أقل درجاته مناط صحة أصل التكليف، و كل درجة من درجاته مناط صحة بعض التكاليف و في بعض الأخبار" إياك" مكان" بك" في كل المواضع، و في بعضها في بعضها، فالمراد المبالغة في اشتراط التكليف به، فكأنه هو المكلف حقيقة، و ما في بعض الأخبار: من أنه أول خلق من الروحانيين فيحتمل أن يكون المراد أول مقدر من الصفات المتعلقة بالروح، و أول غريزة تطبع عليه النفس، و تودع فيها، أو يكون أوليته باعتبار أولية ما يتعلق به من النفوس، و أما إذا حملت على المعنى الخامس، فيحتمل أن يكون أيضا على التمثيل كما مر و كونها مخلوقة ظاهر، و كونها أول مخلوق إما باعتبار أن النفوس خلقت قبل الأجساد كما ورد في الأخبار المستفيضة، فيحتمل أن يكون خلق الأرواح مقدما على خلق جميع المخلوقات غيرها، لكن خبر:" أول ما خلق العقل" لم أجده في الأخبار المعتبرة، و إنما هو مأخوذ من أخبار العامة، و ظاهر أكثر أخبارنا أن أول المخلوقات الماء أو الهواء كما بيناه في كتاب السماء و العالم من كتابنا الكبير.

نعم ورد في أخبارنا أن العقل أول خلق من الروحانيين، و هو لا ينافي تقدم خلق بعض الأجسام على خلقه، و حينئذ فالمراد بإقبالها بناء أعلى ما ذهب إليه جماعة من تجرد النفس: إقبالها إلى عالم المجردات، و بإدبارها تعلقها بالبدن و الماديات، أو المراد بإقبالها إقبالها إلى المقامات العالية و الدرجات الرفيعة، و بإدبارها هبوطها عن تلك المقامات، و توجهها إلى تحصيل الأمور الدنية الدنيوية، و تشبهها بالبهائم و الحيوانات، فعلى ما ذكرنا من التمثيل يكون الغرض بيان أن لها هذه الاستعدادات المختلفة، و هذه الشؤون المتباعدة، و إن لم نحمل على التمثيل يمكن أن يكون الاستنطاق حقيقيا و أن يكون كناية عن جعلها مدركة للكليات، و كذا الأمر بالإقبال و الأدبار يمكن أن يكون حقيقيا لظهور انقيادها لما يريده تعالى منها، و أن يكون أمرا تكوينيا لتكون قابلة للأمرين أي الصعود إلى الكمال و

ص: 28

إِلَيَّ مِنْكَ وَ لَا أَكْمَلْتُكَ إِلَّا فِيمَنْ أُحِبُّ أَمَا إِنِّي إِيَّاكَ آمُرُ وَ إِيَّاكَ أَنْهَى وَ إِيَّاكَ

القرب و الوصال، و الهبوط إلى النفس و ما يوجب الوبال أو لتكون في درجة متوسطة من التجرد لتعلقها بالماديات لكن تجرد النفس لم يثبت لنا من الأخبار، بل الظاهر منها ماديتها كما بيناه في مظانه.

و ربما يقال: المراد بالإقبال، الإقبال إلى عالم الملك بتعلقه بالبدن، لاستكمال القوة النظرية و العملية، و بالإدبار: الأدبار عن هذا العالم، و قطع التعلق عن البدن، و الرجوع إلى عالم الملكوت.

و قيل: يحتمل أن يكون قوله" استنطقه" محمولا على معناه اللغوي إشارة إلى ما وقع في يوم الميثاق، و إن كان كيفيته غير معلوم لنا، و المراد بالإقبال الإقبال إلى الحق من التصديق بالألوهية و التوحيد و العدل و غير ذلك مما يجب تصديقه، و بالإدبار الأدبار عن الباطل بأن يقولوا على الله بغير علم، و أمثاله و حينئذ لا حاجة في الحديث إلى تأويل.

و أما المعنى السادس فلو قال أحد بجوهر مجرد لا يقول بقدمه، و لا بتوقف تأثير الواجب في الممكنات عليه، و لا بتأثيره في خلق الأشياء، و يسميه العقل، و يجعل بعض تلك الأخبار منطبقا على ما سماه عقلا، فيمكنه أن يقول: إن إقباله عبارة عن توجهه إلى المبدأ و إدباره عبارة عن توجهه إلى النفوس لإشراقه عليها و استكمالها به.

فإذا عرفت ذلك فاستمع لما يتلى عليك من الحق الحقيق بالبيان، و بأن لا يبالي بما يشمئز عنه من نواقص الأذهان، فاعلم أن أكثر ما أثبتوه لهذه العقول قد ثبت لأرواح النبي و الأئمة عليه السلام في أخبارنا المتواترة على وجه آخر، فإنهم أثبتوا القدم للعقل، و قد ثبت التقدم في الخلق لأرواحهم إما على جميع المخلوقات، أو على سائر الروحانيين في أخبار متواترة، و أيضا أثبتوا لها التوسط في الإيجاد أو الاشتراط في التأثير، و قد ثبت في الأخبار كونهم علة غائية لجميع المخلوقات، و أنه لولاهم لما

ص: 29

أُعَاقِبُ وَ إِيَّاكَ أُثِيبُ

خلق الله الأفلاك و غيرها، و أثبتوا لها كونها وسائط من إفاضة العلوم و المعارف على النفوس و الأرواح، و قد ثبت في الأخبار أن جميع العلوم و الحقائق في المعارف بتوسطهم يفيض على سائر الخلق حتى الملائكة و الأنبياء، و الحاصل أنه قد ثبت بالأخبار المستفيضة: أنهم عليه السلام الوسائل بين الخلق و بين الحق في إفاضة جميع الرحمات و العلوم و الكمالات على جميع الخلق، فكلما يكون التوسل بهم و الإذعان بفضلهم أكثر كان فيضان الكمالات من الله تعالى أكثر، و لما سلكوا سبيل الرياضات و التفكرات مستبدين بآرائهم على غير قانون الشريعة المقدسة، ظهرت عليهم حقيقة هذا الأمر ملبسا مشبها فأخطأوا في ذلك و أثبتوا عقولا و تكلموا في ذلك فضولا، فعلى قياس ما قالوا يمكن أن يكون المراد بالعقل نور النبي صلوات الله عليه و آله الذي انشعبت منه أنوار الأئمة عليه السلام و استنطاقه على الحقيقة، أو بجعله محلا للمعارف الغير المتناهية، و المراد بالأمر بالإقبال ترقيه على مراتب الكمال و جذبه إلى أعلى مقام القرب و الوصال، و بإدباره إما إنزاله إلى البدن أو الأمر بتكميل الخلق بعد غاية الكمال، فإنه يلزم التنزل عن غاية مراتب القرب، بسبب معاشرة الخلق و يومئ إليه قوله تعالى" قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولًا" و قد بسطنا الكلام في ذلك في الفوائد الطريفة.

و يحتمل أن يكون المراد بالإقبال الإقبال إلى الخلق، و بالإدبار الرجوع إلى عالم القدس بعد إتمام التبليغ، و يؤيده ما في بعض الأخبار من تقديم الأدبار على الإقبال.

و على التقادير فالمراد بقوله تعالى" و لا أكملتك" (1) يمكن أن يكون المراد و لا أكملت محبتك و الارتباط بك، و كونك واسطة بينه و بيني إلا فيمن أحبه أو يكون الخطاب مع روحهم و نورهم عليهم السلام، و المراد بالإكمال إكماله في أبدانهم الشريفة،

ص: 30

أي هذا النور بعد تشعبه، بأي بدن تعلق و كمل فيه يكون ذلك الشخص أحب الخلق إلى الله تعالى، و قوله:" إياك آمر" التخصيص إما لكونهم صلوات الله عليهم مكلفين بما لم يكلف به غيرهم، و يتأتى منهم من حق عبادته تعالى ما لا يتأتى من غيرهم، أو لاشتراط صحة أعمال العباد بولايتهم، و الإقرار بفضلهم بنحو ما مر من التجوز، و بهذا التحقيق يمكن الجمع بين ما روي عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم: أن أول ما خلق الله نوري، و بين ما روي: أن أول ما خلق الله العقل، و ما روي أن أول ما خلق الله النور، إن صحت أسانيدها، و تحقيق هذا الكلام على ما ينبغي يحتاج إلى نوع من البسط و الإطناب و لو و فينا حقه، لكنا أخلفنا ما وعدناه في صدر الكتاب.

و أما ما رواه الصدوق في كتاب علل الشرائع بإسناده عن أمير المؤمنين عليه السلام أن النبي صلى الله عليه و آله و سلم سئل مما خلق الله عز و جل العقل؟ قال: خلقة ملك له رؤوس بعدد الخلائق، من خلق و من يخلق إلى يوم القيامة، و لكل رأس وجه و لكل آدمي رأس من رؤوس العقل، و اسم ذلك الإنسان على وجه ذلك الرأس مكتوب، و على كل وجه ستر ملقى لا يكشف ذلك الستر من ذلك الوجه حتى يولد هذا المولود، و يبلغ حد الرجال أو حد النساء، فإذا بلغ كشف ذلك الستر فيقع في قلب هذا الإنسان نور، فيفهم الفريضة و السنة و الجيد و الردي ء، ألا و مثل العقل في القلب كمثل السراج في وسط البيت.

فهو من غوامض الأخبار، و الظاهر أن الكلام فيه مسوق على نحو الرموز و الأسرار، و يحتمل أن يكون كناية عن تعلقه بكل مكلف و أن لذلك التعلق وقتا خاصا و قبل ذلك الوقت موانع عن تعلق العقل من الأغشية الظلمانية، و الكدورات الهيولانية، كستر مسدول على وجه العقل، و يمكن حمله على ظاهر حقيقته على بعض الاحتمالات السالفة، و قوله: خلقة ملك، لعله بالإضافة أي خلقته كخلقة الملائكة في لطافته و روحانيته، و يحتمل أن يكون خلقه مضافا إلى الضمير مبتدأ، و ملك خبره، أي خلقته خلقة ملك، أو هو ملك حقيقة و الله يعلم.

ص: 31

2 عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ عَنْ مُفَضَّلِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ طَرِيفٍ عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ عَنْ عَلِيٍّ ع قَالَ هَبَطَ جَبْرَئِيلُ عَلَى آدَمَ ع فَقَالَ يَا آدَمُ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أُخَيِّرَكَ وَاحِدَةً مِنْ ثَلَاثٍ فَاخْتَرْهَا وَ دَعِ اثْنَتَيْنِ فَقَالَ لَهُ آدَمُ يَا جَبْرَئِيلُ وَ مَا الثَّلَاثُ فَقَالَ الْعَقْلُ وَ الْحَيَاءُ وَ الدِّينُ فَقَالَ آدَمُ إِنِّي قَدِ اخْتَرْتُ الْعَقْلَ فَقَالَ جَبْرَئِيلُ لِلْحَيَاءِ وَ الدِّينِ انْصَرِفَا وَ دَعَاهُ-

فَقَالا يَا جَبْرَئِيلُ إِنَّا أُمِرْنَا أَنْ نَكُونَ مَعَ الْعَقْلِ حَيْثُ كَانَ قَالَ فَشَأْنَكُمَا وَ عَرَجَ

3 أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا رَفَعَهُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قُلْتُ لَهُ مَا الْعَقْلُ قَالَ مَا عُبِدَ بِهِ الرَّحْمَنُ وَ اكْتُسِبَ بِهِ الْجِنَان

الحديث الثاني

: ضعيف.

قوله صلى الله عليه و آله و سلم: هبط جبرئيل، الظاهر أن آدم عليه السلام حين هبوط جبرئيل عليه كان ذا حياء و عقل و دين، و الأمر باختيار واحدة لا ينافي حصولها على أنه يحتمل أن يكون المراد كمال تلك الخلال بحسب قابلية آدم عليه السلام و قول جبريل عليه السلام للحياء و الدين بعد اختيار العقل: انصرفا لإظهار ملازمتها للعقل بقولهما: إنا أمرنا أن نكون مع العقل، و لعل الغرض من ذلك أن ينبه آدم عليه السلام على عظمة نعمة العقل، و يحثه على شكر الله على إنعامه.

قوله:" فشأنكما" الشأن بالهمزة: الأمر و الحال، أي ألزما شأنكما أو شأنكما معكما، ثم إنه يحتمل أن يكون ذلك استعارة تمثيلية كما مر أو أن الله تعالى خلق صورة مناسبة لكل واحد منها، و بعثها مع جبرئيل عليه السلام و الحياء صفة تنبعث عنها ترك القبيح عقلا مخافة الذم، و المراد بالدين التصديق بما يجب التصديق به و العمل بالشرائع، و النواميس الإلهية، و المراد بالعقل، هنا ما يشمل الثلاثة الأول.

الحديث الثالث

: مرسل.

قوله عليه السلام: ما عبد به الرحمن، الظاهر أن المراد بالعقل هنا المعنى الثاني من المعاني التي أسلفنا، و يحتمل بعض المعاني الأخر كما لا يخفى، و قيل: يراد به هنا

ص: 32

قَالَ قُلْتُ فَالَّذِي كَانَ فِي مُعَاوِيَةَ فَقَالَ تِلْكَ النَّكْرَاءُ تِلْكَ الشَّيْطَنَةُ وَ هِيَ شَبِيهَةٌ بِالْعَقْلِ وَ لَيْسَتْ بِالْعَقْلِ

4 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْجَهْمِ قَالَ سَمِعْتُ الرِّضَا ع يَقُولُ صَدِيقُ كُلِّ امْرِئٍ عَقْلُهُ وَ عَدُوُّهُ جَهْلُهُ

5 وَ عَنْهُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْجَهْمِ قَالَ قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ ع إِنَّ عِنْدَنَا قَوْماً لَهُمْ مَحَبَّةٌ وَ لَيْسَتْ لَهُمْ تِلْكَ الْعَزِيمَةُ يَقُولُونَ بِهَذَا الْقَوْلِ فَقَالَ لَيْسَ أُولَئِكَ مِمَّنْ عَاتَبَ اللَّهُ إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ

ما يعد به المرء عاقلا عرفا و هو قوة التميز بين الباطل و الحق، و الضار و النافع التي لا تكون منغمرة في جنود الجهل، فعند غلبة جنوده لا يسمى الفطن المميز عاقلا، حيث لا يعمل بمقتضى التميز و الفطانة، و يستعملها في مشتهيات جنود الجهل.

قوله: فالذي كان في معاوية، أي ما هو؟ و في بعض النسخ فما الذي؟ فلا يحتاج إلى تقدير.

قوله عليه السلام: تلك النكراء، يعني الدهاء و الفطنة، و هي جودة الرأي و حسن الفهم، و إذا استعملت في مشتهيات جنود الجهل يقال لها الشيطنة و نبه عليه السلام عليه بقوله: تلك الشيطنة بعد قوله: تلك النكراء.

الحديث الرابع

: موثق و لا يقصر عن الصحيح.

و المراد بالعقل هنا كماله بأحد المعاني السابقة.

الحديث الخامس

: مثل السابق سندا.

قوله: و ليست لهم تلك العزيمة، أي الرسوخ في الدين أو الاعتقاد الجازم بالإمامة، اعتقادا ناشئا من الحجة و البرهان، و على التقديرين المراد بهم المستضعفون الذين لا يمكنهم التميز التام بين الحق و الباطل.

قوله: ممن عاتب الله، أي عاتبه الله على ترك الاستدلال و العمل بالتقليد،

ص: 33

6 أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الرَّازِيِّ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع مَنْ كَانَ عَاقِلًا كَانَ لَهُ دِينٌ وَ مَنْ كَانَ لَهُ دِينٌ دَخَلَ الْجَنَّةَ

7 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ يَقْطِينٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي الْجَارُودِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ إِنَّمَا يُدَاقُّ اللَّهُ الْعِبَادَ فِي الْحِسَابِ- يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَدْرِ مَا آتَاهُمْ مِنَ الْعُقُولِ فِي الدُّنْيَا

8 عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَحْمَرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الدَّيْلَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع فُلَانٌ مِنْ عِبَادَتِهِ وَ دِينِهِ وَ فَضْلِهِ فَقَالَ كَيْفَ عَقْلُهُ قُلْتُ لَا أَدْرِي فَقَالَ إِنَّ الثَّوَابَ عَلَى قَدْرِ الْعَقْلِ إِنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فِي جَزِيرَةٍ مِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ خَضْرَاءَ نَضِرَةٍ كَثِيرَةِ

و المراد بالاعتبار الاستدلال، و بالأبصار هنا العقول كما يظهر من كلامه عليه السلام.

الحديث السادس

: ضعيف.

و أريد بالعقل هنا ما أريد به في الخبر الثالث، و القياس ينتج أن من كان متصفا بالعقل بهذا المعنى يدخل الجنة.

الحديث السابع

ضعيف.

قوله: إنما يداق الله، المداقة مفاعلة من الدقة، يعني أن مناقشتهم في الحساب و أخذهم على جليلة و دقيقة على قدر عقولهم.

الحديث الثامن

: ضعيف و الظاهر أن علي بن محمد هو علي بن محمد بن عبد الله بن أذينة الذي ذكر العلامة أنه داخل في العدة التي تروي عن البرقي.

قوله: من عبادته، بيان لقوله كذا و كذا، خبر لقوله فلان، و يحتمل أن يكون متعلقا بمقدر أي فذكرت من عبادته، و أن يكون متعلقا بما عبر عنه بكذا كقوله فاضل كامل، فكلمة" من" بمعنى" في" أو للسببية، و النضارة: الحسن، و الطهارة هنا بمعناها اللغوي أي الصفا و اللطافة، و في بعض النسخ بالظاء المعجمة أي كان جاريا

ص: 34

الشَّجَرِ ظَاهِرَةِ الْمَاءِ وَ إِنَّ مَلَكاً مِنَ الْمَلَائِكَةِ مَرَّ بِهِ فَقَالَ يَا رَبِّ أَرِنِي ثَوَابَ عَبْدِكَ هَذَا فَأَرَاهُ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ فَاسْتَقَلَّهُ الْمَلَكُ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ أَنِ اصْحَبْهُ فَأَتَاهُ الْمَلَكُ فِي صُورَةِ إِنْسِيٍّ فَقَالَ لَهُ مَنْ أَنْتَ قَالَ أَنَا رَجُلٌ عَابِدٌ بَلَغَنِي مَكَانُكَ وَ عِبَادَتُكَ فِي هَذَا الْمَكَانِ فَأَتَيْتُكَ لِأَعْبُدَ اللَّهَ مَعَكَ فَكَانَ مَعَهُ يَوْمَهُ ذَلِكَ فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ لَهُ الْمَلَكُ إِنَّ مَكَانَكَ لَنَزِهٌ وَ مَا يَصْلُحُ إِلَّا لِلْعِبَادَةِ فَقَالَ لَهُ الْعَابِدُ إِنَّ لِمَكَانِنَا هَذَا عَيْباً فَقَالَ لَهُ وَ مَا هُوَ قَالَ لَيْسَ لِرَبِّنَا بَهِيمَةٌ فَلَوْ كَانَ لَهُ حِمَارٌ رَعَيْنَاهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَإِنَّ هَذَا الْحَشِيشَ يَضِيعُ فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ الْمَلَكُ وَ مَا لِرَبِّكَ حِمَارٌ فَقَالَ لَوْ كَانَ لَهُ حِمَارٌ مَا كَانَ يَضِيعُ مِثْلُ هَذَا الْحَشِيشِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى الْمَلَكِ إِنَّمَا أُثِيبُهُ عَلَى قَدْرِ عَقْلِهِ

على وجه الأرض، و في الخبر إشكال من أن ظاهره كون العابد قائلا بالجسم، و هو ينافي استحقاقه للثواب مطلقا و ظاهر الخبر كونه مع هذه العقيدة الفاسدة مستحقا للثواب لقلة عقله و بلاهته، فيمكن أن يكون اللام في قوله: لربنا بهيمة للملك لا للانتفاع، و يكون مراده تمنى أن يكون في هذا المكان بهيمة من بهائم الرب لئلا يضيع الحشيش، فيكون نقصان عقله باعتبار عدم معرفته بفوائد مصنوعات الله تعالى، و بأنها غير مقصورة على أكل البهيمة، لكن يأبى عنه جواب الملك إلا أن يكون لدفع ما يوهم كلامه، أو يكون استفهاما إنكاريا أي خلق الله تعالى بهائم كثيرة ينتفعون بحشيش الأرض، و هذه إحدى منافع خلق الحشيش، و قد ترتبت بقدر المصلحة، و لا يلزم أن يكون في هذا المكان حمار، بل يكفي وجودك و انتفاعك، و يحتمل أن يكون اللام للاختصاص لا على محض المالكية، بل بأن يكون لهذه البهيمة اختصاص بالرب تعالى كاختصاص بيته به تعالى، مع عدم حاجته إليه، و يكون جواب الملك أنه لا فائدة في مثل هذا الخلق حتى يخلق الله تعالى حمارا و ينسبه إلى مقدس جنابه تعالى كما في البيت، فإن فيه حكما كثيرة، و بالجملة لا بد إما من ارتكاب تكلف تام في الكلام، أو التزام فساد بعض الأصول

ص: 35

9 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِذَا بَلَغَكُمْ عَنْ رَجُلٍ حُسْنُ حَالٍ فَانْظُرُوا فِي حُسْنِ عَقْلِهِ فَإِنَّمَا يُجَازَى بِعَقْلِهِ

10 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ ذَكَرْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع رَجُلًا مُبْتَلًى بِالْوُضُوءِ وَ الصَّلَاةِ وَ قُلْتُ هُوَ رَجُلٌ عَاقِلٌ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَ أَيُّ عَقْلٍ لَهُ وَ هُوَ يُطِيعُ الشَّيْطَانَ فَقُلْتُ لَهُ وَ كَيْفَ يُطِيعُ الشَّيْطَانَ- فَقَالَ سَلْهُ هَذَا الَّذِي يَأْتِيهِ مِنْ أَيِّ شَيْ ءٍ هُوَ فَإِنَّهُ يَقُولُ لَكَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ

11 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ رَفَعَهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَا قَسَمَ اللَّهُ لِلْعِبَادِ شَيْئاً أَفْضَلَ مِنَ الْعَقْلِ فَنَوْمُ الْعَاقِلِ

المقررة في الكلام.

الحديث التاسع

: ضعيف على المشهور.

قوله عليه السلام: فإنما يجازى بعقله، أي على أعماله بقدر عقله فكل من كان عقله أكمل كان ثوابه أجزل.

الحديث العاشر

: صحيح.

قوله: مبتلى بالوضوء و الصلاة، أي بالوسواس في نيتهما أو في فعلهما بالإبطال و التكرير على غير جهة الشرع، أو بالمخاطرات التي تشتغل القلب عنهما، و توجب الشك فيهما، و الأوسط أظهر نظرا إلى عادة ذلك الزمان.

قوله: و هو يطيع الشيطان، أي يفعل ما يأمره به من الوسواس، أو يطيعه فيما يصير سببا لذلك، فسأله السائل عن إبانة أنه يطيع بفعله الشيطان فنبه عليه السلام بأنه لو سئل عن مستنده لم يكن له بد من أن يسنده إلى الشيطان حيث لا شبهة أنه لا مستند له في الشرع و لا في العقل، و على الأخير المراد أنه يعلم أن ما يعرض له من الخواطر و الوساوس إنما هو بما أطاع الشيطان في سائر أفعاله.

الحديث الحادي عشر

: مرسل.

قوله: فنوم العاقل، إما لأنه لا ينام إلا بقدر الضرورة لتحصيل قوة العبادة

ص: 36

أَفْضَلُ مِنْ سَهَرِ الْجَاهِلِ وَ إِقَامَةُ الْعَاقِلِ أَفْضَلُ مِنْ شُخُوصِ الْجَاهِلِ وَ لَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيّاً وَ لَا رَسُولًا حَتَّى يَسْتَكْمِلَ الْعَقْلَ وَ يَكُونَ عَقْلُهُ أَفْضَلَ مِنْ جَمِيعِ عُقُولِ أُمَّتِهِ وَ مَا يُضْمِرُ النَّبِيُّ ص فِي نَفْسِهِ أَفْضَلُ مِنِ اجْتِهَادِ الْمُجْتَهِدِينَ وَ مَا أَدَّى الْعَبْدُ فَرَائِضَ اللَّهِ حَتَّى

فيكون نومه عبادة، و سهر الجاهل للعبادة لما لم يكن موافقا للشرائط المعتبرة و مقرونا بالنيات الصحيحة تكون عبادة باطلة أو ناقصة، فذاك النوم خير منه، أو أن نوم العقلاء و كمل المؤمنين يوجب ارتباطهم بأرواح الأنبياء و المرسلين و الملائكة المقر بين و ما يضاهيهم من المقدسين، و اطلاعهم على الألواح السماوية و رجوعهم إلى عوالمهم القدسية التي كانوا فيها قبل نزولهم إلى الأبدان، فهو معراج لهم و ما يرون فيه بمنزلة الوحي، فلذا عدت الرؤيا الصادقة من أجزاء النبوة، و سنبسط القول في ذلك في شرح كتاب الروضة.

قوله عليه السلام: من شخوص الجاهل، أي خروجه من بلده و مسافرته إلى البلاد طلبا لمرضاته تعالى كالجهاد و الحج و غيرهما.

قوله: حتى يستكمل العقل، أي يسعى في كماله بتوفيقه تعالى فإن أصل العقل موهبي و يكمل بالعلم و العمل و قراءته على بناء المفعول، أو إرجاع الضمير إلى الله تعالى بعيد.

قوله: و ما يضمر النبي في نفسه، أي من النيات الصحيحة و التفكرات الكاملة و العقائد اليقينية.

قوله: و ما أدى العبد، أي لا يمكن للعبد أداء الفرائض كما ينبغي إلا بأن يعقل و يعلم من جهة مأخوذة عن الله تعالى بالوحي، أو بأن يلهمه الله معرفته أو بأن يعطيه الله عقلا به يسلك سبيل النجاة، و في نسخ محاسن البرقي حتى عقل منه أي لا يعمل فريضة حتى يعقل من الله و يعلم أن الله أراد تلك منه، و يعلم آداب إيقاعها و يحتمل أن يكون المراد أعم من ذلك، أي يعقل و يعرف ما يلزمه معرفته، فمن ابتدائية

ص: 37

عَقَلَ عَنْهُ وَ لَا بَلَغَ جَمِيعُ الْعَابِدِينَ فِي فَضْلِ عِبَادَتِهِمْ مَا بَلَغَ الْعَاقِلُ وَ الْعُقَلَاءُ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى- وَ مَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ

12 أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا رَفَعَهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ قَالَ لِي أَبُو الْحَسَنِ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ ع يَا هِشَامُ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى بَشَّرَ أَهْلَ الْعَقْلِ وَ الْفَهْمِ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَ أُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ يَا هِشَامُ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَكْمَلَ لِلنَّاسِ الْحُجَجَ بِالْعُقُولِ وَ نَصَرَ النَّبِيِّينَ

على التقديرين، و يحتمل على بعد أن تكون تبعيضية، أي عقل من صفاته و عظمته و جلاله ما يليق بفهمه و يناسب قابليته و استعداده.

الحديث الثاني عشر

: مرسل و هو مختصر مما أورده الشيخ الحسن بن علي بن شعبة في كتاب تحف العقول و أوردته بطوله في كتاب بحار الأنوار مشروحا.

قوله تعالى" يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ": المراد بالقول إما القرآن أو مطلق المواعظ" فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ"

أي إذا رد دوابين أمرين منها لا يمكن الجمع بينهما يختارون أحسنهما، و على الأول يحتمل أن يكون المراد بالأحسن، المحكمات أو غير المنسوخات و يمكن أن يحمل القول على مطلق الكلام، إذ ما من قول حق إلا و له ضد باطل، فإذا سمعها اختار الحق منهما، و على تقدير أن يكون المراد بالقول القرآن أو مطلق المواعظ، يمكن إرجاع الضمير إلى المصدر المذكور ضمنا أي يتبعونه أحسن اتباع.

قوله عليه السلام: الحجج، أي البراهين أو الأنبياء و الأوصياء عليه السلام أو الاحتجاج و قطع العذر أي أكمل حجته على الناس بما آتاهم من العقول، و يمكن أن يكون المراد أن الله تعالى أكمل حجج الناس بعضهم على بعض، بما آتاهم من العقل إذ غايته الانتهاء إلى البديهي و لو لا العقل لأنكره، و الأدلة ما بين في كتابه من دلائل الربوبية

ص: 38

بِالْبَيَانِ وَ دَلَّهُمْ عَلَى رُبُوبِيَّتِهِ بِالْأَدِلَّةِ فَقَالَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ. إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها

و الوحدانية أو ما أظهر من آثار صنعته و قدرته في الآفاق و في أنفسهم، و الأول أنسب بالتفريع، و المراد بالبيان أما الفصاحة أو المعجزات أو قدرتهم على إتمام كل حجة، و جواب كل شبهة، و إبانة كل حق على كل أحد بما يناسب حاله و علمهم بكل شي ء كما قال صلوات الله عليه" و أوتيت الحكمة و فصل الخطاب".

قوله تعالى:" وَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ": أي المستحق لعبادتكم واحد حقيقي لا شريك له في استحقاق العبادة، و لا في وجوب الوجود الذاتي و لا في صفاته و وحدته الحقيقية، و قوله تعالى" لا إِلهَ إِلَّا هُوَ" استئناف لبيان الوحدة أو تأكيد للفقرة السابقة، أو تعميم بعد التخصيص دفعا لما يتوهم من جواز أن يكون المستحق لعبودية غيركم متعددا أو الإله في الأولى الخالق، و في الثانية المستحق للعبادة، فتكون الثانية متفرعة على الأولى، و يحتمل العكس، فيكون من قبيل اتباع المدعى بالدليل" الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ" خبران لمبتدء محذوف، أو خبران آخران لقوله" إِلهُكُمْ" و لعل التوصيف بهما لبيان أنه تعالى يستحق العبادة لذاته الكاملة و نعمة الشاملة معا فتدبر.

ثم استدل سبحانه على تلك الدعاوي بقوله" إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ" أي إيجادهما من كتم العدم" وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ" أي تعاقبهما على هذا النظام المشاهد بأن يذهب أحدهما و يجي ء الآخر خلفه، و به فسر قوله تعالى" هُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ خِلْفَةً" أو تفاوتهما في النور و الظلمة، أو في الزيادة و النقصان، و دخول أحدهما في الآخر، أو في الطول و القصر، بحسب العروض أو اختلاف كل ساعة من ساعاتهما بالنظر إلى الأمكنة المختلفة، فأية ساعة فرضت فهي صبح لموضع و ظهر لآخر، و هكذا، و الفلك يجي ء مفردا و جمعا و هو السفينة، و ما في قوله تعالى

ص: 39

وَ بَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ وَ السَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ

" بِما يَنْفَعُ النَّاسَ" إما مصدرية أي بنفعهم أو موصولة أي بالذي ينفعهم من المحمولات و المجلوبات،" وَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ" من الأولى للابتداء، و الثانية للبيان و السماء يحتمل الفلك و السحاب، و جهة العلو و إحياء الأرض بالنباتات و الأزهار و الثمرات" وَ بَثَّ فِيها" عطف على" أنزل" أو على" أحيى" فإن الدواب ينمون بالخصب و يعيشون بالمطر، و البث: النشر و التفريق و المراد بتصريف الرياح إما تصريفها في مهابها قبولا و دبورا، و جنوبا و شمالا أو في أحوالها حارة و باردة، و عاصفة و لينة، و عقيمة و لواقح، أو جعلها تارة للرحمة و تارة للعذاب" وَ السَّحابِ الْمُسَخَّرِ" أي لا ينزل و لا ينقشع، مع أن الطبع يقتضي أحدهما حتى يأتي أمر الله، و قيل مسخر للرياح تقلبه في الجو بمشية الله تعالى، أو سخره الله و هيأه لمصالحنا" لَآياتٍ" أي علامات و دلالات و براهين تدل لإمكانها على صانع واجب الوجود بالذات، ترفع الحاجة من الممكنات إذ الممكن لا يرفع حاجة الممكن، و لإتقانها و كونها على وفق الحكم و المصالح التي تعجز جميع العقول عن الإحاطة بعشر أعشارها، على كون صانعها حكيما عليما قادرا رحيما بعباده، لا يفوت شيئا من مصالحهم، و للجهتين جميعا على كونه مستحقا للعبادة، إذ العقل يحكم بديهة بأن الكامل من جميع الجهات، العاري من جميع النقائص و الآفات، القادر على إيصال جميع الخيرات و المضرات، هو أحق بالمعبودية من غيره لجميع الجهات، و أيضا لما دلت الأحكام و الانتظام على وحدة المدبر كما سيأتي بيانه دل على وحدة المستحق للعبادة، و كل ذلك ظاهر لقوم عقلهم في درجة الكمال، و في الآية دلالة على لزوم النظر في خواص مصنوعاته تعالى، و الاستدلال بها على وجوده و وحدته و عمله و قدرته و حكمته و سائر صفاته، و على جواز ركوب البحر و التجارات و المسافرات لجلب الأقوات و الأمتعة.

ص: 40

يَا هِشَامُ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى مَعْرِفَتِهِ بِأَنَّ لَهُمْ مُدَبِّراً فَقَالَ وَ سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ النُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَ قَالَ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَ مِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَ لِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ

قوله عليه السلام: قد جعل الله ذلك دليلا، أي كلا من الآيات المذكورة سابقا أو لا حقا و ليس لفظ ذلك في التحف، فالآيات اللاحقة أظهر، و قوله تعالى" وَ سَخَّرَ لَكُمُ*" أي هيأها لمنافعكم و مسخرات بالنصب، حال عن الجميع أي نفعكم بها حالكونها مسخرات الله، خلقها و دبرها كيف شاء، و قرأ حفص" وَ النُّجُومَ مُسَخَّراتٍ*" على الابتداء و الخبر، فيكون تعميما للحكم بعد تخصيصه، و رفع ابن عامر" الشمس و القمر" أيضا.

قوله تعالى" خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ": إذ خلق أول أفراد هذا النوع و أباهم منه، أو لأن الغذاء الذي يتكون منه المني يحصل منه، و يمكن أن يكون المراد التراب الذي يطرحه الملك في المني، كما يشهد به بعض الأخبار و قوله تعالى" ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا" أي أطفالا، و الأفراد لإرادة الجنس أو على تأويل يخرج من كل واحد منكم، أو لأنه في الأصل مصدر.

قوله تعالى" ثُمَّ لِتَبْلُغُوا" اللام فيه متعلقة لمحذوف تقديره ثم يبقيكم لتبلغوا، و كذا في قوله" ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً" و يجوز عطفه على لتبلغوا.

قوله تعالى" أَشُدَّكُمْ": أي كما لكم في القوة و العقل، جمع شدة كأنعم جمع نعمة.

قوله تعالى" مِنْ قَبْلُ": أي من الشيخوخة أو بلوغ الأشد.

قوله تعالى" أَجَلًا مُسَمًّى": أي يفعل ذلك لتبلغوا أجلا مسمى هو وقت الموت

ص: 41

وَ قَالَ إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ وَ السَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَ قَالَ- يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَ قَالَ- وَ جَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَ زَرْعٌ وَ نَخِيلٌ صِنْوانٌ وَ غَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَ نُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ

أو يوم القيمة.

قوله تعالى" إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ": هذه الآية في سورة الجاثية" وَ فِي خَلْقِكُمْ وَ ما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ، وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ" و قد مر الكلام في مثله و الظاهر أن التغيير من النساخ أو الرواة أو نقل بالمعنى أو هكذا قراءتهم.

قوله" مِنْ رِزْقٍ": هو الماء لأنه رزق أو سبب للرزق، و ربما يؤول الأرض بالقلب و الرزق بالعلم تشبيها له بالماء، لأنه سبب حياة الروح كما أن الماء سبب حياة البدن.

قوله تعالى" وَ جَنَّاتٌ": عطف على قوله تعالى" قطع" في قوله" وَ فِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ" و توحيد الزرع لأنه مصدر في أصله، و هو عطف على" أَعْنابٍ" و قرأ ابن كثير و أبو عمرو و يعقوب و حفص" زَرْعٌ وَ نَخِيلٌ" بالرفع عطفا على جنات و قوله" صِنْوانٌ" أي نخلات أصلها واحد" وَ غَيْرُ صِنْوانٍ" أي متفرقات مختلفة الأصول.

قوله تعالى" فِي الْأُكُلِ": أي في الثمر شكلا و قدرا و رائحة و طعما، و دلالتها على الصانع الحكيم ظاهر، فإن اختلافها مع اتحاد الأصول و الأسباب لا يكون إلا بتخصيص قادر مختار.

ص: 42

لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَ قَالَ- وَ مِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَ طَمَعاً وَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ- وَ قَالَ قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَ لا تَقْتُلُوا

قوله تعالى" يُرِيكُمُ الْبَرْقَ": الفعل مصدر بتقدير أن أو صفة لمحذوف، أي آية يريكم بها البرق خَوْفاً من الصاعقة أو تخريب المنازل و الزروع، أو للمسافر" وَ طَمَعاً" أي في الغيث و النبات و سقي الزروع أو للمقيم و نصبهما على العلة لفعل لازم للفعل المذكور، إذ إراءتهم تستلزم رؤيتهم أو للفعل المذكور بتقدير مضاف أي إراءة خوف و طمع، أو بتأويل الخوف و الطمع بالإخافة و الإطماع، أو على الحال نحو كلمة: شفاها، و يحتمل أن يكونا مفعولين مطلقين لفعلين محذوفين يكونان حالين، أي تخافون خوفا و تطمعون طمعا.

قوله تعالى" قُلْ تَعالَوْا": أمر من التعالي و أصله أن يقوله من كان في علو لمن كان في سفل فاتسع بالتعميم.

قوله تعالى" ما حَرَّمَ": كلمة" ما" تحتمل الخبرية و المصدرية و الاستفهامية و قوله" عَلَيْكُمْ" متعلق باتل، أو بحرم أو بهما على سبيل التنازع.

قوله تعالى" أَلَّا تُشْرِكُوا": قال البيضاوي أي لا تشركوا ليصح عطف الأمر عليه، و لا يمنعه تعليق الفعل المفسر بما حرم، فإن التحريم باعتبار الأوامر يرجع إلى أضدادها، و من جعل أن ناصبة فمحلها النصب بعليكم، على أنه للإغراء أو بالبدل من" ما" أو من عائدة المحذوف، على أن" لا" زائدة أو الجر بتقدير اللام، أو الرفع على تقدير" المتلو أن لا تشركوا" أو المحرم أن تشركوا و قوله:" شَيْئاً" يحتمل المصدرية و المفعولية و على التقديرين يشمل الشرك الخفي.

قوله تعالى" وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً": أي و أحسنوا بهما إحسانا وضعه موضع النهي على الإساءة إليهما للمبالغة و الدلالة على أن ترك الإساءة في شأنهما غير كاف

ص: 43

أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَ إِيَّاهُمْ وَ لا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ وَ لا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ- وَ قَالَ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ يَا هِشَامُ ثُمَّ وَعَظَ أَهْلَ الْعَقْلِ وَ رَغَّبَهُمْ فِي الْآخِرَةِ فَقَالَ

بخلاف غيرهما، و قوله" مِنْ إِمْلاقٍ" أي من أجل فقر و من خشيته.

قوله تعالى" وَ لا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ": أي الزنا و الكبائر أو جميع المعاصي، و قوله" ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ" بدل منه أي سرا و علانية و الفسوق الظاهرة و الباطنة، أو ما ظهر تحريمه من ظهر القرآن و ما ظهر تحريمه من بطنه كما ورد في بعض الأخبار.

قوله تعالى" إِلَّا بِالْحَقِّ": كالقود و قتل المرتد و رجم المحصن" ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ" أي بحفظه" لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" أي تتبعون مقتضى عقولكم الكاملة في الاجتناب عن المحارم، و قيل أي ترشدون فإن الرشد كمال العقل.

قوله تعالى" مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ": صدر الآية هكذا" ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ" أي من مماليككم و من للتبعيض و في قوله" مِنْ شُرَكاءَ" مزيدة لتأكيد الاستفهام الجاري مجرى النفي" فِي ما رَزَقْناكُمْ" أي من الأموال و غيرها" فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ" أي فتكونون سواء أنتم و هم فيه شركاء يتصرفون فيه كتصرفكم مع أنهم بشر مثلكم و أنها معارة لكم، و" تَخافُونَهُمْ" حال عن" أنتم" أو عن ضمير المخاطبين في" رزقناكم" أي و الحال أنكم تخافون من شركة مماليككم في أموالكم و استبدادهم بالتصرف فيها كما يخاف الأحرار بعضهم من بعض، و الغرض من التمثيل تنبيه المشركين على أن هؤلاء المشركين إذا لم يرضوا بشركة مماليكهم معهم في التعظيم و التكريم و التصرف و التدبير، كيف يرضون بمشاركة الآلهة مع رب الأرباب

ص: 44

وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ لَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ يَا هِشَامُ ثُمَّ خَوَّفَ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ عِقَابَهُ فَقَالَ تَعَالَى ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ. وَ إِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ. وَ بِاللَّيْلِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ

.- وَ قَالَ إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ

مع عدم مشاركتهم إياه في شي ء من الكمالات في التعظيم و التكريم و التذلل و العبادة تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا،" كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ" أي نبينها فإن التمثيل فيما دل عليه البرهان مما يكشف المعاني، و يدفع المشاغبات و المعارضات الوهمية" لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ" أي يستعملون عقولهم الكاملة في تدبر الأمثال.

قوله تعالى" وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا": أي أعمالها" إِلَّا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ" لقلة نفعها و انقطاعها أو لأنها تلهي الناس و تشغلهم عما يعقب منفعة دائمة" وَ لَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ" لدوامها و خلوص منافعها و لذاتها" لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ" فيه تنبيه على أن ما ليس من أعمال المتقين لعب و لهو" أَ فَلا تَعْقِلُونَ" أو ليس لكم عقل كامل حيث تركتم الأعلى للأدنى مع العلم بالتفاوت بينهما.

قوله: عقابه، إما مفعول لقوله خوف أو يعقلون أو لهما على التنازع، و التدمير: الإهلاك، أي بعد ما نجينا لوطا و أهله أهلكنا قومه" و إنكم" يا أهل مكة" لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ" أي على منازلهم في متاجركم إلى الشام، فإن سدوم في طريقه" مُصْبِحِينَ" أي داخلين في الصباح" وَ بِاللَّيْلِ" أي و مساء أو نهارا و ليلا فليس فيكم عقل تعتبرون به.

قوله تعالى" عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ" أي قرية قوم لوط" رِجْزاً مِنَ السَّماءِ" أي عذابا منها، و اختلفوا فيه فقيل: إنه كان حجارة من سجيل، و قيل: كان نارا و قيل هو تقليب الأرض، و قد يوجه هذا بأن المراد إنزال مبدئه و القضاء به من السماء لا عينه و هو تكلف مستغنى عنه" بِما كانُوا يَفْسُقُونَ" أي بسبب استمرارهم على الفسق.

ص: 45

وَ لَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ يَا هِشَامُ إِنَّ الْعَقْلَ مَعَ الْعِلْمِ فَقَالَ وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَ ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ يَا هِشَامُ ثُمَّ ذَمَّ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ فَقَالَ وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَ لا يَهْتَدُونَ- وَ قَالَ وَ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَ نِداءً صُمٌّ بُكْمٌ

قوله تعالى" وَ لَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً": أي من القرية آية بينة دالة على سوء حالهم و عاقبتهم، فقيل: هي قصتها الشائعة و قيل: هي آثار الديار الخربة، و قيل: هي الحجارة الممطورة بعد تقليب الأرض، فإنها كانت باقية بعده، و قيل: هي الماء الأسود فإن أنهارها صارت مسودة" لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ" أي يستعملون عقولهم في الاستبصار و الاعتبار، و هو متعلق بتركنا أو" آية".

قوله عليه السلام: إن العقل في التحف ثم بين إن العقل، و الظاهر أن المراد بالعقل هنا التدبر في خلق الله و صنعه، و الاستدلال به على وجوده و صفاته الكاملة، و يمكن إرجاعه إلى بعض ما ذكرنا من المعاني في الحديث الأول.

قوله تعالى" وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ": أي للناس الذين سبق ذكرهم" بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا" أي وجدنا.

قوله تعالى" أَ وَ لَوْ كانَ": الواو للحال أو للعطف، و الهمزة للرد أو التعجب، و جواب لو محذوف، أي لو كان آباؤهم جهلة لا يتفكرون في أمر الدين و لا يهتدون إلى الحق لاتبعوهم.

قوله تعالى" وَ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا" للناظرين في هذه الآية اختلاف في حلها، فمنهم من قدر مضافا و منهم من حملها على ظاهرها، فأما الذين قدروا مضافا، فمنهم من قدره في جانب المشية، و قال: تقديره و مثل داعي الذين كفروا و هو الرسول و

ص: 46

عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ وَ قَالَ- وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ* ...- أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَ لَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ وَ قَالَ- أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ

من يحذو حذوه في إلقاء الخطاب إليهم، كمثل راعي البهائم الذي ينعق بها و هي لا تسمع إلا دعاءه و نداءه و لا تقف على شي ء آخر فقد شبه الكفرة في عدم فهمهم لما يسمعون بها، و منهم من قدر المضاف في جانب المشبه به و قال تقديره: كمثل بهائم الذي ينعق بما لا يسمع في عدم فهم ما ألقي إليهم من الخطاب أو معناه: و مثلهم في اتباعهم آبائهم كمثل البهائم التي لا تسمع إلا ظاهر الصوت، و لا تفهم ما تحته، و لا يتفكرون في أن صلاحهم فيه أم لا، و أما الذين حملوها على ظاهرها فقال بعضهم: معناها مثل الذين كفروا في دعائهم أصنامهم التي لا شعور لها بدعائهم كمثل الناعق، فقد شبه الأصنام بالبهائم في عدم الفهم، و تحققه فيهما و إن لم يكن متوقفا على قوله: إلا دعاء و نداء، لكن الغرض زيادة المبالغة في التوبيخ إذ لا شبهة في أن راعي البهيمة يعد جاهلا ضعيف العقل، فمن دعا صنما لا يسمع أصلا كان أولى بالذم، و قال آخرون: معناه أن مثلهم في اتباع آبائهم و التقليد لهم كمثل الراعي الذي ينعق بالبهائم، فكما أن الكلام مع البهائم عديم الفائدة كذلك التقليد" صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ" أي الكفار صم بكم عمي عن الحق فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ، للإخلال بالنظر الموجب للعلم.

قوله تعالى" وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ": و في القرآن و منهم من يستمعون إليك، أي إذا قرأت القرآن و علمت الشرائع و لكن لا يطيعونك فيها كالأصم الذي لا يسمع أصلا،" أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ" و تقدر على إسماعه، و لو انضم على صممه عدم تعقله شيئا من الحق لقساوة قلبه.

قوله تعالى" أَمْ تَحْسَبُ": أي بل أ تحسب أن أكثرهم يسمعون سماعا ينتفعون به أو يعقلون، أي يتدبرون فيما تلوت عليهم" إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ" لعدم انتفاعهم

ص: 47

بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا وَ قَالَ لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً- إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَ قُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ وَ

بما قرع آذانهم" بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا" وجه الأضلية إن البهائم معذورة لعدم القابلية و الشعور، و كانت لهم تلك القابلية فضيعوها و نزلوا أنفسهم منزلة البهائم أو أن الأنعام ألهمت منافعها و مضارها، و هي لا تفعل ما يضرها، و هؤلاء عرفوا طريق الهلاك و النجاة و سعوا في هلاك أنفسهم، و أيضا تنقاد لمن يتعهدها و تميز من يحسن إليها ممن يسي ء إليها، و هؤلاء لا ينقادون لربهم و لا يعرفون إحسانه من إساءة الشيطان و لا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع، و لا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار، و لأنها إن لم تعتقد حقا و لم تكتسب خيرا لم تعتقد باطلا، و لم تكتسب شرا، بخلاف هؤلاء، و لأن جهالتها لا تضر بأحد و جهالة هؤلاء تؤدي إلى هيج الفتن، و صد الناس عن الحق.

أقول: أو لأنها تعرف ربها و لها تسبيح و تقديس كما ورد به الأخبار، و قيل:

المراد إن شئت شبهتهم بالأنعام فلك ذلك، بل لك أن تشبههم بأضل منها كالسباع.

قوله تعالى" لا يُقاتِلُونَكُمْ" نزلت في بني النضير من اليهود و الذين وافقوهم و راسلوهم من منافقي المدينة" جَمِيعاً" أي مجتمعين" إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ" أي بالدروب و الخنادق،" أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ" أي لفرط رهبتهم" بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ" أي ليس ذلك لضعفهم و جبنهم فإنه يشتد بأسهم إذا حارب بعضهم بعضا بل لقذف الله الرعب في قلوبهم، و لأن الشجاع يجبن و العزيز يذل إذا حارب الله و رسوله" تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً" أي مجتمعين متفقين [غير متفرقين]" وَ قُلُوبُهُمْ شَتَّى" أي متفرقة لافتراق عقائدهم و اختلاف مقاصدهم" ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ" أي ما فيه صلاحهم و إن تشتت القلوب يوهن قواهم.

ص: 48

قَالَ- وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَ أَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ يَا هِشَامُ ثُمَّ ذَمَّ اللَّهُ الْكَثْرَةَ فَقَالَ وَ إِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ قَالَ- وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ وَ قَالَ- وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ

قوله تعالى" وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ": صدر الآية" أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ" و المراد بالكتاب القرآن على تقدير أن يكون الخطاب لطائفة من المسلمين، فإن فيه الوعيد على ترك البر و الصلاح و مخالفة القول العمل، مثل قوله تعالى:" يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ" أو التوراة على تقدير أن يكون الخطاب لأحبار اليهود، فإن الوعيد المذكور موجود في التوراة أيضا كما قيل.

قوله عليه السلام: ثم ذم الله الكثرة، أي الكثير إطلاقا للمبدء على المشتق، و إنما ذكر عليه السلام ذلك ردا مما يتوهم أكثر الخلق من أن كثرة من يذهب إلى مذهب من شواهد حقيته، أو لأنه عليه السلام لما بين أن العقلاء الكاملين يتبعون الحق فربما يتوهم منه أنه إذا ذهب أكثر الناس إلى مذهب فيكون ذلك المذهب حقا، لوجود العقلاء فيهم و يلزم من ذلك بطلان ما ذهب إليه الأقل كالفرقة الناجية، فأزال عليه السلام ذلك التوهم بأنه لا يلزم من الكثرة وجود العقلاء فيهم، فإن أكثر الناس لا يعقلون.

قوله تعالى" عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ" أي عن دينه و شرعه في الأصول و الفروع.

قوله تعالى" وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ": الضمير راجع إلى كفار قريش و هم كانوا قائلين بأن خالق السماوات و الأرض هو الله تعالى لكنهم كانوا يشركون الأصنام معه تعالى في العبادة.

قوله تعالى" قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ": أي على إلزامهم و إلجائهم إلى الاعتراف بما يوجب بطلان معتقدهم، إذ لا يستحق العبادة إلا الموجد المنعم بأصول النعم و فروعها

ص: 49

الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ يَا هِشَامُ ثُمَّ مَدَحَ الْقِلَّةَ فَقَالَ- وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ وَ قَالَ وَ قَلِيلٌ ما هُمْ وَ قَالَ وَ قالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا

قوله تعالى" بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ": ليس في قرآننا هكذا إذ هذه الآية في سورة لقمان و فيه مكان" لا يَعْقِلُونَ" لا يَعْلَمُونَ و لعله كان في مصحفهم هكذا، أو يكون التصحيف من الرواة، و يحتمل أن يكون عليه السلام نقل بالمعنى إشارة إلى ما مر من استلزام العقل للعلم، فالمعنى أنهم لا يعلمون أنه يلزمهم من القول بالتوحيد في العبادة، أو لا يعلمون ما اعترفوا به ببرهان عقلي و دليل قطعي، لأن كونه تعالى خالق السماوات و الأرض نظري لا يعلم إلا ببرهان، و هم معزولون عن إدراكه و إنما اعترفوا به اضطرارا، أو لا علم لهم أصلا حتى يقروا بالتوحيد بعد ما أقروا بموجبه، و هذه الوجوه جارية في الآية التالية.

قوله عليه السلام: ثم مدح القلة، أي الموصوفين بها أو وصف الممدوحين بالقلة.

قوله تعالى" وَ قَلِيلٌ ما هُمْ": الضمير راجع إلى الموصول في قوله تعالى" إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ" و ما مزيدة للإبهام و التعجب من قلتهم.

قوله تعالى" أَ تَقْتُلُونَ": الهمزة للإنكار إما للتوبيخ، أو للتعجب.

ص: 50

أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَ قَالَ- وَ مَنْ آمَنَ وَ ما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ وَ قَالَ- وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ وَ قَالَ وَ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ وَ قَالَ- وَ أَكْثَرُهُمْ لَا يَشْعُرُونَ يَا هِشَامُ ثُمَّ ذَكَرَ أُولِي الْأَلْبَابِ بِأَحْسَنِ الذِّكْرِ وَ حَلَّاهُمْ بِأَحْسَنِ الْحِلْيَةِ فَقَالَ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَ ما يَذَّكَّرُ

قوله تعالى" أَنْ يَقُولَ": أي لأن يقول أو وقت أن يقول.

قوله تعالى" وَ مَنْ آمَنَ": عطف على" أهلك" في قوله تعالى" قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَ أَهْلَكَ".

قوله تعالى" و أكثرهم لا يشعرون": ليست هذه الآية في قرآننا، و يحتمل الوجوه السابقة، ثم اعلم أنه كان الأنسب ذكر هذه القرائن في سياق آيات ذم الكثرة، كما هو في رواية تحف العقول فهي إما رجوع إلى أول الكلام، أو ذكرت هيهنا لاستلزام ذم الكثرة مدح القلة، و إنما كرر بعض تلك الفقرات مع ذكرها سابقا لتكرر ذكرها في القرآن في مواضع عديدة.

قوله عليه السلام" أولوا الألباب": هو على الحكاية، و في التحف: أولي الألباب، و اللب: العقل و أريد به هنا ذوي العقول الكاملة.

قوله تعالى" وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ": الحكمة تحقيق العلم و إتقان العمل، و روي عن الصادق عليه السلام: أنها طاعة الله و معرفة الإمام، و في رواية أخرى عنه عليه السلام أنها معرفة الإمام و اجتناب الكبائر التي أوجب الله تعالى عليها النار، و في رواية أخرى عنه عليه السلام: أنها المعرفة و الفقه في الدين، فمن فقه منكم فهو حكيم، و عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم رأس الحكمة مخافة الله، و سيأتي تفسيرها في هذا الخبر بالفهم و العقل، و كل ذلك داخل فيما ذكرنا أولا فلا تنافي بينهما.

و قال في المغرب: الحكمة ما يمنع من الجهل، و قال ابن دريد: كل ما يؤدي

ص: 51

إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ وَ قَالَ- وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَ ما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ وَ قَالَ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ وَ قَالَ أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ

إلى مكرمة أو يمنع من قبيح، و قال الشيخ البهائي (قدس سره) الحكمة ما يتضمن صلاح النشأتين أو صلاح النشأة الأخرى، و أما ما تضمن صلاح الحال في الدنيا فقط، فليس من الحكمة في شي ء" فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً" أي يدخر له خير كثير في الدارين وَ ما يَذَّكَّرُ" أي و ما يتعظ بما قص من الآيات أو ما يتفكر، فإن المتفكر كالمتذكر لما أودع الله في قلبه من العلوم بالقوة، أو ما يتنبه للفرق بين من أوتي الحكمة و من لم يؤت، إلا أولوا العقول الخالصة عن شوائب الوهم و متابعة الهوى.

قوله تعالى" وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ": أي الذين ثبتوا و تمكنوا فيه، من قولهم: رسخ الشي ء رسوخا: ثبت و المراد بهم النبي و الأئمة عليه السلام كما سيأتي في كتاب الحجة، و هم داخلون في الاستثناء،" يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ" استئناف موضح لحال الراسخين أو حال منهم، أي هؤلاء الراسخون العالمون بالتأويل يقولون آمنا بالمتشابه أو بكل القرآن محكمه و متشابهه على التفصيل لعلمهم بمعانيه، و غيرهم إنما يؤمنون به إجمالا، و في بعض الروايات أن القائلين هم الشيعة المؤمنون بالأئمة عليه السلام المسلمون لهم" كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا" تأكيد للسابق، أي كل من المحكم و المتشابه من عنده تعالى" وَ ما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ" أي و ما يعلم المتشابه، أو لا يتدبر في القرآن إلا الكاملون في العقول، أو ما يعرف الراسخين في العلم يعني النبي و الأئمة عليه السلام و ما يذكر حالهم إلا أولو الألباب يعني شيعتهم، و قد ورد منهم عليه السلام أن شيعتنا أولوا الألباب، و سيأتي تمام القول فيها في كتاب الحجة إن شاء الله تعالى.

قوله تعالى" كَمَنْ هُوَ أَعْمى": أي أعمى القلب، فاقد البصيرة، لا يهتدي إلى الحق.

ص: 52

وَ قَالَ أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَ قائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَ يَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ- وَ قَالَ كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ-

قوله تعالى" أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ": أي قائم بوظائف الطاعات من القنوت و هو الطاعة" آناءَ اللَّيْلِ" أي ساعاته، و أم متصلة بمحذوف، تقديره: الكافر خير أمن هو قانت، أو منقطعة و المعنى بل أمن هو قانت كمن هو بضده، و قرأ أمن بالتخفيف بمعنى أمن هو قانت كمن جعل له أندادا" ساجِداً وَ قائِماً" حالان من ضمير قانت، و الواو للجمع بين الصفتين" يَحْذَرُ الْآخِرَةَ" في موضع الحال أو الاستئناف للتعليل" هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ" نفي لاستواء الفريقين باعتبار القوة العلمية بعد نفيه باعتبار القوة العملية على وجه أبلغ لمزيد فضل العلم، و قيل: تقرير للأول على سبيل التشبيه، أي كما لا يستوي العالمون و الجاهلون لا يستوي القانتون و العاصون." إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ" أي إنما يعلم كل الشريعة و المعارف الإلهية، و معارف القرآن كما هي أولوا العقول الكاملة البالغة إلى أعلى درجات الكمال، و هم الأئمة عليه السلام أو إنما يتذكر و يعلم الفرق بين العالم المذكور و الجاهل ذوو العقول الصافية، و هم شيعتهم كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الأخبار الكثيرة: أن الأئمة عليه السلام هم الذين يعلمون، و أعداءهم الذين لا يعلمون، و شيعتهم أولوا الألباب.

قوله تعالى" كِتابٌ": هو مبتدأ" و مُبارَكٌ" خبره أو هو خبر مبتدإ محذوف، و مبارك خبر بعد خبر" لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ" فيعرفوا معاني المحكمات، ثم يعرفوا بدلالتها على أهل الذكر عليه السلام معاني المتشابهات بوساطتهم بالسماع منهم،" وَ لِيَتَذَكَّرَ" و يعلم جميع معانيه من محكماته و متشابهاته بتوفيق الله تعالى" أُولُوا الْأَلْبابِ" و هم أهل البيت عليه السلام، أو ليتذكر و يهتدي بأهل الذكر ذوو العقول الصافية و هم علماء الشيعة الذين أخذوا علوم القرآن عن أئمتهم عليه السلام.

ص: 53

وَ قَالَ وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى وَ أَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ هُدىً وَ ذِكْرى- لِأُولِي الْأَلْبابِ وَ قَالَ وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ يَا هِشَامُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ- إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ يَعْنِي عَقْلٌ وَ قَالَ وَ لَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ قَالَ الْفَهْمَ وَ الْعَقْلَ

قوله تعالى" وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى" أي ما يهتدى به في الدين من المعجزات و التوراة و الشرائع،" وَ أَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ" أي و تركنا عليهم بعده التوراة" هُدىً" [هو] إما مفعول له لقوله" أَوْرَثْنا" أو حال عن فاعله أو عن الكتاب، أي هاديا و" ذِكْرى" أي تذكرة أو مذكرا" لِأُولِي الْأَلْبابِ" أي لذوي العقول السليمة عن اتباع الهوى فإنهم المنتفعون به.

قوله تعالى" تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ": أي الذين علم الله إنهم يؤمنون أو يصير سببا لمزيد هداية من آمن و بانضمام هذه الآية إلى الآيات السابقة يستفاد أن المؤمنين ليسوا إلا أولي الألباب.

قوله عليه السلام: يعني عقل، اعلم أن القلب يطلق على الجسم الصنوبري الذي هو في الجوف، و على الروح الحيواني المنبعث منه، و على النفس الناطقة المتعلقة به أولا لشدة تعلقه بالعضو المخصوص، أو لكونه متقلب الأحوال، و على قوة إدراك الخير و الشر و التميز بينهما القائمة بالنفس المسماة بالعقل، و لعله عليه السلام فسره بهذا المعنى.

قوله عليه السلام: الفهم و العقل، يعني أعطاه الله الفهم و العقل، و عليها مدار الحكمة فكان إعطاؤهما إعطاءها.

ص: 54

يَا هِشَامُ إِنَّ لُقْمَانَ قَالَ لِابْنِهِ تَوَاضَعْ لِلْحَقِّ تَكُنْ أَعْقَلَ النَّاسِ وَ إِنَّ الْكَيِّسَ لَدَى الْحَقِّ يَسِيرٌ يَا بُنَيَّ إِنَّ الدُّنْيَا بَحْرٌ عَمِيقٌ قَدْ غَرِقَ فِيهَا عَالَمٌ كَثِيرٌ فَلْتَكُنْ سَفِينَتُكَ فِيهَا تَقْوَى اللَّهِ وَ حَشْوُهَا الْإِيمَانَ وَ شِرَاعُهَا التَّوَكُّلَ وَ قَيِّمُهَا الْعَقْلَ وَ دَلِيلُهَا الْعِلْمَ وَ سُكَّانُهَا الصَّبْرَ

قوله عليه السلام: تواضع للحق، أي لله تعالى بالإقرار به و الإطاعة و الانقياد له، أو للأمر الحق بأن تقر به و تذعن له، إذا ظهر لك حقيقته عند المخاصمة و غيرها، و كونهما من دلائل العقل ظاهر.

قوله عليه السلام: و إن الكيس لدى الحق يسير، قال بعض الأفاضل في المصادر:

الكيس و الكياسة" زيرك شدن" و الكيس" به زيركى غلبه كردن" فيحتمل أن يكون اليسير بمعنى القليل و الكيس بأول المعنيين، و أن يكون اليسير مقابل العسير، و الكيس بأحد المعنيين، و المراد أن إدراك الحق و معرفته لدى موافاته بالكياسة يسير، أو أن الغلبة بالكياسة عند القول بالحق و الإقرار به يسير، و يحتمل أن يكون الكيس بالتشديد أي ذو الكياسة عند ظهور الحق بأعمال الكياسة، و الإقرار بالحق قليل، انتهى كلامه رفع الله مقامه.

أقول: على تقدير أن يكون الكيس بالتشديد يحتمل أن يكون يسير فعلا بل على التقدير الآخر أيضا، و قيل معناه على التقدير الآخر: إن كياسة الإنسان عند الحق سهل هين لا قدر له، و إنما الذي له منزلة عند الله هو التواضع و المسكنة و الخضوع، و في بعض النسخ أسير بدل يسير، أي الكياسة أو صاحبها أسير عند الحق، و لا يمكنه مخالفته، و في بعض النسخ لذي الحق بالذال المعجمة أي للمحق و هو بالنسخة الأخيرة أنسب.

قوله عليه السلام: عالم كثير، يمكن أن يقرأ بفتح اللام و كسرها.

قوله عليه السلام: و حشوها، أي ما يحشى فيها و تملأ منها، و الشراع ككتاب الملاءة الواسعة فوق خشبة يصفقها الريح فتمضي بالسفينة، و القيم مدبر أمر السفينة، و

ص: 55

يَا هِشَامُ إِنَّ لِكُلِّ شَيْ ءٍ دَلِيلًا وَ دَلِيلُ الْعَقْلِ التَّفَكُّرُ وَ دَلِيلُ التَّفَكُّرِ الصَّمْتُ وَ لِكُلِّ شَيْ ءٍ مَطِيَّةً وَ مَطِيَّةُ الْعَقْلِ التَّوَاضُعُ وَ كَفَى بِكَ جَهْلًا أَنْ تَرْكَبَ مَا نُهِيتَ عَنْهُ يَا هِشَامُ مَا بَعَثَ اللَّهُ أَنْبِيَاءَهُ وَ رُسُلَهُ إِلَى عِبَادِهِ إِلَّا لِيَعْقِلُوا عَنِ اللَّهِ فَأَحْسَنُهُمُ اسْتِجَابَةً أَحْسَنُهُمْ مَعْرِفَةً وَ أَعْلَمُهُمْ بِأَمْرِ اللَّهِ أَحْسَنُهُمْ عَقْلًا وَ أَكْمَلُهُمْ عَقْلًا أَرْفَعُهُمْ دَرَجَةً فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ

الدليل: المعلم و قال في المغرب السكان ذنب السفينة لأنها به تقوم و تسكن، و المناسبة بين المشبه و المشبه به في جميعها لا يخفى على الفطن اللبيب.

قوله عليه السلام: و دليل العقل، أي التفكر في الإنسان يدل على عقله، كما أن صمته يدل على تفكره، أو أن التفكر يوصل العقل إلى مطلوبه، و ما يحصل له من المعارف و الكمالات، و كذا الصمت دليل للتفكر فإن التفكر به يتم و يكمل.

قوله عليه السلام: و مطية العقل التواضع، أي التذلل و الانقياد لله تعالى في أوامره و نواهيه أو الأعم من التواضع لله تعالى أو للخلق، فإن من لم يتواضع يبقى عقله بلا مطية، فيصير إلى الجهل أو لا يبلغ عقله إلى درجات الكمال، و المطية: الدابة المركوبة التي تمطو في سيرها أي تسرع، و في تحف العقول مكان العقول في الموضعين العاقل، و لا يخفى توجيهه، و الخطاب في قوله: كفى بك، عام كقوله فيما سيأتي كيف يزكو عملك، و أخواتها.

قوله عليه السلام: إلا ليعقلوا، ضمير الجمع راجع إلى العباد، و إرجاعه إلى الأنبياء بعيد، أي ليعلموا علوم الدين أصولا و فروعا عنه تعالى بتوسط الأنبياء و الأوصياء عليه السلام فالعقل هنا بمعنى العلم، أو لتصير عقولهم كاملة بحسب الكسب بهداية الله تعالى، و التفريع بالأول أنسب.

قوله عليه السلام: فأحسنهم استجابة، لما كان غاية البعثة و الإرسال حصول المعرفة، فمن كان أحسن معرفة كان أحسن استجابة، و من كان أحسن عقلا كان أعلم بأمر الله و أعمل، فالأكمل عقلا أرفع درجة حيث يتعلق رفع الدرجة بكمال ما هو الغاية.

ص: 56

يَا هِشَامُ إِنَّ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حُجَّتَيْنِ حُجَّةً ظَاهِرَةً وَ حُجَّةً بَاطِنَةً فَأَمَّا الظَّاهِرَةُ فَالرُّسُلُ وَ الْأَنْبِيَاءُ وَ الْأَئِمَّةُ ع وَ أَمَّا الْبَاطِنَةُ فَالْعُقُولُ يَا هِشَامُ إِنَّ الْعَاقِلَ الَّذِي لَا يَشْغَلُ الْحَلَالُ شُكْرَهُ وَ لَا يَغْلِبُ الْحَرَامُ صَبْرَهُ- يَا هِشَامُ مَنْ سَلَّطَ ثَلَاثاً عَلَى ثَلَاثٍ فَكَأَنَّمَا أَعَانَ عَلَى هَدْمِ عَقْلِهِ مَنْ أَظْلَمَ نُورَ تَفَكُّرِهِ بِطُولِ أَمَلِهِ وَ مَحَا طَرَائِفَ حِكْمَتِهِ بِفُضُولِ كَلَامِهِ وَ أَطْفَأَ نُورَ عِبْرَتِهِ بِشَهَوَاتِ نَفْسِهِ فَكَأَنَّمَا أَعَانَ هَوَاهُ عَلَى هَدْمِ عَقْلِهِ وَ مَنْ هَدَمَ عَقْلَهُ أَفْسَدَ عَلَيْهِ دِينَهُ وَ دُنْيَاهُ يَا هِشَامُ كَيْفَ يَزْكُو عِنْدَ اللَّهِ عَمَلُكَ وَ أَنْتَ قَدْ شَغَلْتَ قَلْبَكَ عَنْ أَمْرِ رَبِّكَ وَ

قوله عليه السلام: و أما الباطنة فالعقول، لعل المراد بها هيهنا أي التي مناط التكليف و بها يميز بين الحق و الباطل و الحسن و القبيح.

قوله عليه السلام: لا يشغل الحلال شكره، أي لا يمنعه كثرة نعم الله عليه، و الاشتغال بها عن شكره لربه تعالى.

قوله عليه السلام: نور تفكره، هو فاعل أظلم، لأنه لازم، و إضافته إلى التفكر إما بيانية أو لامية، و السبب في ذلك أن بطول الأمل يقبل إلى الدنيا و لذاتها، فيشغل عن التفكر، أو يجعل مقتضى طول الأمل ماحيا بمقتضى فكره الصائب، و الطريف:

الأمر الجديد المستغرب، الذي فيه نفاسة و محو الطرائف بالفضول، إما لأنه إذا اشتغل بالفضول شغل عن الحكمة في زمان التكلم بالفضول، أو لأنه لما سمع الناس منه الفضول لم يعبأوا بحكمته، أو لأنه إذا اشتغل به محي الله عن قلبه الحكمة.

قوله عليه السلام: أفسد عليه، أي أفسد على نفسه دينه و دنياه لما مر من قوله: أكملهم عقلا أرفعهم درجة في الدنيا و الآخرة.

قوله عليه السلام: كيف يزكو، الزكاة تكون بمعنى النمو و بمعنى الطهارة و هنا يحتملها.

قوله عليه السلام: عن أمر ربك، الأمر هنا إما مقابل النهي، أو بمعنى مطلق

ص: 57

أَطَعْتَ هَوَاكَ عَلَى غَلَبَةِ عَقْلِكَ يَا هِشَامُ الصَّبْرُ عَلَى الْوَحْدَةِ عَلَامَةُ قُوَّةِ الْعَقْلِ فَمَنْ عَقَلَ عَنِ اللَّهِ اعْتَزَلَ أَهْلَ الدُّنْيَا وَ الرَّاغِبِينَ فِيهَا وَ رَغِبَ فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ وَ كَانَ اللَّهُ أُنْسَهُ فِي الْوَحْشَةِ وَ صَاحِبَهُ فِي الْوَحْدَةِ وَ غِنَاهُ فِي الْعَيْلَةِ وَ مُعِزَّهُ مِنْ غَيْرِ عَشِيرَةٍ يَا هِشَامُ نَصْبُ الْحَقِّ لِطَاعَةِ اللَّهِ وَ لَا نَجَاةَ إِلَّا بِالطَّاعَةِ وَ الطَّاعَةُ بِالْعِلْمِ وَ الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ وَ التَّعَلُّمُ بِالْعَقْلِ يُعْتَقَدُ وَ لَا عِلْمَ إِلَّا مِنْ عَالِمٍ رَبَّانِيٍّ وَ مَعْرِفَةُ الْعِلْمِ بِالْعَقْلِ

الشأن، أي الأمور المتعلقة به تعالى.

قوله عليه السلام: عقل عن الله، أي حصل له معرفة ذاته و صفاته و أحكامه و شرائعه، أو أعطاه الله العقل، أو علم الأمور بعلم ينتهي إلى الله بأن أخذه عن أنبيائه و حججه عليه السلام إما بلا واسطة أو بواسطة، أو بلغ عقله إلى درجة يفيض الله علومه عليه بغير تعليم بشر.

قوله عليه السلام: و غناه، أي مغنية، أو كما أن أهل الدنيا غناهم بالمال، هو غناه بالله و قربه و مناجاته، و العيلة: الفقر، و العشيرة: القبيلة و الرهط الأدنون.

قوله: نصب الحق، و في تحف العقول نصب الخلق، و النصب إما مصدر أو فعل مجهول، و قراءته على المعلوم بحذف الفاعل أو المفعول كما توهم بعيد، أي إنما نصب الله الحق و الدين بإرسال الرسل و إنزال الكتب ليطاع في أوامره و نواهيه.

قوله عليه السلام: و التعلم بالعقل يعتقد، أي يشتد و يستحكم، أو من الاعتقاد بمعنى التصديق و الإذعان.

قوله عليه السلام: و معرفة العلم، و في التحف و معرفة العالم و هو أظهر، و المراد هنا علم العالم، و الغرض أن احتياج العلم إلى العقل من جهتين لفهم ما يلقيه العالم، و المعرفة العالم الذي ينبغي أخذ العلم عنه، و يحتمل أن يكون المعنى أن العقل هو المميز الفارق بين العلم اليقيني، و ما يشبهه من الأوهام الفاسدة و الدعاوي الكاذبة، أو من الظن و الجهل المركب و التقليد.

ص: 58

يَا هِشَامُ قَلِيلُ الْعَمَلِ مِنَ الْعَالِمِ مَقْبُولٌ مُضَاعَفٌ وَ كَثِيرُ الْعَمَلِ مِنْ أَهْلِ الْهَوَى وَ الْجَهْلِ مَرْدُودٌ يَا هِشَامُ إِنَّ الْعَاقِلَ رَضِيَ بِالدُّونِ مِنَ الدُّنْيَا مَعَ الْحِكْمَةِ وَ لَمْ يَرْضَ بِالدُّونِ مِنَ الْحِكْمَةِ مَعَ الدُّنْيَا- فَلِذَلِكَ رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ يَا هِشَامُ إِنَّ الْعُقَلَاءَ تَرَكُوا فُضُولَ الدُّنْيَا فَكَيْفَ الذُّنُوبَ وَ تَرْكُ الدُّنْيَا مِنَ الْفَضْلِ وَ تَرْكُ الذُّنُوبِ مِنَ الْفَرْضِ يَا هِشَامُ إِنَّ الْعَاقِلَ نَظَرَ إِلَى الدُّنْيَا وَ إِلَى أَهْلِهَا فَعَلِمَ أَنَّهَا لَا تُنَالُ إِلَّا بِالْمَشَقَّةِ وَ نَظَرَ إِلَى الْآخِرَةِ فَعَلِمَ أَنَّهَا لَا تُنَالُ إِلَّا بِالْمَشَقَّةِ فَطَلَبَ بِالْمَشَقَّةِ أَبْقَاهُمَا يَا هِشَامُ إِنَّ الْعُقَلَاءَ زَهِدُوا فِي الدُّنْيَا وَ رَغِبُوا فِي الْآخِرَةِ لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ الدُّنْيَا طَالِبَةٌ مَطْلُوبَةٌ وَ الْآخِرَةَ طَالِبَةٌ وَ مَطْلُوبَةٌ فَمَنْ طَلَبَ الْآخِرَةَ طَلَبَتْهُ الدُّنْيَا حَتَّى

قوله عليه السلام: من العالم، في التحف من العاقل.

قوله عليه السلام بالدون، أي القليل و اليسير منها مع الحكمة الكثيرة، و لم يرض بالقليل من الحكمة مع الدنيا الكثيرة.

قوله عليه السلام: فضول الدنيا، أي الزائد عما يحتاج إليه، و قوله: و ترك الدنيا جملة حالية.

قوله عليه السلام: طالبة مطلوبة، أي الدنيا طالبة للمرء لأن يوصل إليه ما عندها من الرزق المقدر، و مطلوبة يطلبها الحريص طلبا للزيادة، و الآخرة طالبة تطلبه لتوصل إليه أجله المقدر و مطلوبة يطلبها الطالب للسعادات الأخروية بالأعمال الصالحة، و قال بعض الأفاضل: لا يبعد أن يقال الإتيان بالعاطف في الآخرة بقوله: و الآخرة طالبة و مطلوبة، و تركه في قوله: الدنيا طالبة مطلوبة، للتنبيه على أن الدنيا طالبة موصوفة بالمطلوبية، فيكون الطالبة لكونها موصوفة بمنزلة الذات، فدل على أن الدنيا من حقها في ذاتها أن تكون طالبة، و تكون المطلوبة لكونها صفة لا حقة

ص: 59

يَسْتَوْفِيَ مِنْهَا رِزْقَهُ وَ مَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا طَلَبَتْهُ الْآخِرَةُ فَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ فَيُفْسِدُ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ وَ آخِرَتَهُ يَا هِشَامُ مَنْ أَرَادَ الْغِنَى بِلَا مَالٍ وَ رَاحَةَ الْقَلْبِ مِنَ الْحَسَدِ وَ السَّلَامَةَ فِي الدِّينِ فَلْيَتَضَرَّعْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِي مَسْأَلَتِهِ بِأَنْ يُكَمِّلَ عَقْلَهُ فَمَنْ عَقَلَ قَنِعَ بِمَا يَكْفِيهِ وَ مَنْ قَنِعَ بِمَا يَكْفِيهِ اسْتَغْنَى وَ مَنْ لَمْ يَقْنَعْ بِمَا يَكْفِيهِ لَمْ يُدْرِكِ الْغِنَى أَبَداً يَا هِشَامُ إِنَّ اللَّهَ حَكَى عَنْ قَوْمٍ صَالِحِينَ أَنَّهُمْ قَالُوا رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَ هَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ- حِينَ عَلِمُوا أَنَّ الْقُلُوبَ تَزِيغُ وَ تَعُودُ إِلَى عَمَاهَا وَ رَدَاهَا إِنَّهُ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ مَنْ لَمْ يَعْقِلْ عَنِ اللَّهِ وَ مَنْ لَمْ يَعْقِلْ عَنِ اللَّهِ لَمْ يَعْقِدْ قَلْبَهُ عَلَى مَعْرِفَةٍ ثَابِتَةٍ يُبْصِرُهَا وَ يَجِدُ حَقِيقَتَهَا فِي قَلْبِهِ وَ لَا يَكُونُ أَحَدٌ كَذَلِكَ إِلَّا مَنْ كَانَ قَوْلُهُ لِفِعْلِهِ مُصَدِّقاً وَ سِرُّهُ لِعَلَانِيَتِهِ مُوَافِقاً

بالطالبة من الطواري التي ليس من حق الدنيا في ذاتها أن تكون موصوفة بها، فلو أتى بالعاطف لفاتت تلك الدلالة، و أما الآخرة فلما كانت الأمران أي الطالبية و المطلوبية كلاهما مما تستحقها و تتصف بها في ذاتها، فأتى بالعاطف، و إن حمل قوله:

الدنيا طالبة مطلوبة، على تعدد الخبر ففي ترك العاطف دلالة على عدم ارتباط طالبيتها بمطلوبيتها، و في الآخرة فالأمران فيها مرتبطان لا يفارق أحدهما الآخر، و لذا أتى بالواو الدالة على المقارنة في أصل الثبوت لها.

قوله تعالى" لا تُزِغْ" الزيغ: الميل و العدول عن الحق، و الردى الهلاك و الضلال.

قوله عليه السلام: من كان قوله لفعله مصدقا، على صيغة اسم الفاعل أي ينبغي أن يأتي أولا بما يأمره، ثم يأمر غيره ليكون قوله مصدقا لما يفعله، و إذا فعل فعلا من أفعال الخير و سئل عن سببه أمكنه أن يبين حقيته بالبراهين العقلية و النقلية،

ص: 60

لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ اسْمُهُ لَمْ يَدُلَّ عَلَى الْبَاطِنِ الْخَفِيِّ مِنَ الْعَقْلِ إِلَّا بِظَاهِرٍ مِنْهُ وَ نَاطِقٍ عَنْهُ

و يمكن أن يقرأ على صيغة المفعول فيحتمل وجهين: الأول: أن الناس يصدقون قوله لفعله، و موافقته له، الثاني: أن يكون الفعل مصدقا له.

قوله عليه السلام: لأن الله. خطر بالبال لتوجيهه وجهان" الأول": أنه عليه السلام ادعى أولا أن الخوف من الله تعالى خوفا واقعيا يصير سببا لترك الذنوب في جميع الأحوال، لا يكون إلا بأن يرزق العبد من الله تعالى عقلا موهبيا يبصر حقيقة الخير و الشر كما هي، ثم بين عليه السلام ذلك بأن من لم يكن بهذه الدرجة من العقل لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة للخير و الشر يبصرها و يجد حقيقة تلك المعرفة في قلبه، ثم بين أن تلك المعرفة الثابتة يلزمها أن يكون قول العبد موافقا لفعله، و فعله موافقا لسره و ضميره، لأن الله تعالى جعل ما يظهر على الجوارح دليلا على ما في القلب، و يفضح المتصنع بما يظهر من سوء قوله و فعله، فثبت بتلك المقدمات ما ادعى عليه السلام من أن الخوف الواقعي لا يكون إلا بالعقل عن الله" الثاني" أن لا يكون قوله ع و من لم يعقل تعليلا لما سبق بل مقدمة برأسها، و حاصلها: أن المعرفة الثابتة لا تحصل إلا بالعقل، كما أن الخوف لا يحصل إلا به، ثم بين عليه السلام دليلا يعرف به تلك المعرفة الثابتة التي هي من آثار العقل و لوازمها و دلائلها، و هي كون القول موافقا للفعل و السر أي ما يفعل في الخلوات موافقا للعلانية، ثم علل ذلك بأن الله تعالى جعل تلك الآثار دليلا على العقل الذي أخفاه في الإنسان، و لا يمكن معرفته إلا بها.

و قال بعض مشايخنا قدس الله روحه: لعل المراد أنه من لم يكن صالحا لم يخف الله لأنه من لم يكن صالحا لم يكن قوله مصدقا لفعله و سره موافقا لعلانيته و من لم يكن كذلك لم يكن ذا معرفة ثابتة يجد حقيقتها في قلبه، لأن الله تعالى جعل الظاهر دليلا على الباطن، فالفعل ظاهر يدل على الاعتقاد الذي هو من الخفايا و السرائر، و يكشف عنه، و القول ظاهر يعبر عنه، فإن دل الفعل على عدم تقرر

ص: 61

يَا هِشَامُ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع يَقُولُ مَا عُبِدَ اللَّهُ بِشَيْ ءٍ أَفْضَلَ مِنَ الْعَقْلِ وَ مَا تَمَّ عَقْلُ امْرِئٍ حَتَّى يَكُونَ فِيهِ خِصَالٌ شَتَّى الْكُفْرُ وَ الشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونَانِ وَ الرُّشْدُ وَ الْخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولَانِ وَ فَضْلُ مَالِهِ مَبْذُولٌ وَ فَضْلُ قَوْلِهِ مَكْفُوفٌ وَ نَصِيبُهُ مِنَ الدُّنْيَا الْقُوتُ لَا يَشْبَعُ مِنَ الْعِلْمِ دَهْرَهُ الذُّلُّ أَحَبُّ إِلَيْهِ مَعَ اللَّهِ مِنَ الْعِزِّ مَعَ غَيْرِهِ وَ التَّوَاضُعُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الشَّرَفِ يَسْتَكْثِرُ قَلِيلَ الْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِهِ وَ يَسْتَقِلُّ كَثِيرَ الْمَعْرُوفِ مِنْ نَفْسِهِ وَ يَرَى النَّاسَ كُلَّهُمْ خَيْراً مِنْهُ وَ أَنَّهُ شَرُّهُمْ فِي نَفْسِهِ

الاعتقاد و ثبوته و لم يصدقه القول، فالمعتبر دلالة الفعل و أما دلالة الفعل على التقرر و الثبوت بحقيقة المعرفة مع مخالفة القول فغير متصور، فإن القول إذن فعل دال على عدم ثبوت حقيقة المعرفة و تقررها في قلبه، و من لم يكن يجد حقيقة المعرفة في قلبه لم يكن ذا معرفة ناشئة عن جانب الله و من لم يكن عاقلا عن الله لم يخف الله و لا يخفى ما فيه.

قوله عليه السلام: ما عبد الله بشي ء، أي العقل أفضل العبادات، فالمراد بالعقل معرفة ذات الله تعالى و صفاته، و كلما يجب معرفته من أصول الدين و فروعه، أو المراد به تكميل القوة العقلية، و يحتمل أن يكون المراد ليس شي ء من أسباب العبادة و دواعيها مثل العقل.

قوله عليه السلام الكفر و الشر، أي جميع أنواع الكفر كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى.

قوله ع: دهره، منصوب بالظرفية أي في تمام عمره.

قوله عليه السلام: الذل أحب إليه، أي الذل و العز الدنيويان أو ذل النفس و عزها و ترفعها، و قوله: مع الله أي مع رضاه تعالى و قربه و طاعته.

قوله عليه السلام و يرى الناس كلهم، و ذلك بأن يحسن ظنه بهم و يتهم نفسه، فكل ما في غيره مما يحتمل وجها حسنا يحمله عليه، و كل ما فيه مما يحتمل وجها

ص: 62

وَ هُوَ تَمَامُ الْأَمْرِ يَا هِشَامُ إِنَّ الْعَاقِلَ لَا يَكْذِبُ وَ إِنْ كَانَ فِيهِ هَوَاهُ يَا هِشَامُ لَا دِينَ لِمَنْ لَا مُرُوَّةَ لَهُ وَ لَا مُرُوَّةَ لِمَنْ لَا عَقْلَ لَهُ وَ إِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ قَدْراً الَّذِي لَا يَرَى الدُّنْيَا لِنَفْسِهِ خَطَراً أَمَا إِنَّ أَبْدَانَكُمْ لَيْسَ لَهَا ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةُ فَلَا تَبِيعُوهَا بِغَيْرِهَا يَا هِشَامُ إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ع كَانَ يَقُولُ إِنَّ مِنْ عَلَامَةِ الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ ثَلَاثُ خِصَالٍ يُجِيبُ إِذَا سُئِلَ وَ يَنْطِقُ إِذَا عَجَزَ الْقَوْمُ عَنِ الْكَلَامِ وَ يُشِيرُ بِالرَّأْيِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ صَلَاحُ أَهْلِهِ فَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ شَيْ ءٌ فَهُوَ أَحْمَقُ

قبيحا يجوزه في نفسه، فيظن بغيره خيرا، و لا يظن بنفسه خيرا فيظن بكل منهم أنه خير منه، و يكون هو عند نفسه شرا منهم.

قوله عليه السلام: و هو تمام الأمر، أي كل أمر من أمور الدين يتم به أو كأنه جميع أمور الدين مبالغة.

قوله عليه السلام: لا مروة، المروة: الإنسانية و كمال الرجولية، و هي الصفة الجامعة لمكارم الأخلاق و محاسن الآداب.

قوله عليه السلام: خطرا، الخطر الحظ و النصيب و القدر و المنزلة، و السبق: الذي يتراهن عليه، و الكل محتمل.

قوله عليه السلام: يجيب إذا سئل، قيل: أي يكون قادرا على الجواب عما يسأل، و النطق عند عجز القوم عن الكلام، و مشيرا بالرأي الذي فيه صلاح القوم، و عارفا بصلاحهم و آمرا به، فمن لم يكن فيه شي ء من هذه الثلاث فهو أحمق أي عديم الفهم ناقص التميز بين الحسن و القبيح، و لعل قوله عليه السلام: يجيب إذا سئل، ناظر إلى الفتاوى في النقليات و الشرعيات، و قوله: و ينطق إذا عجز القوم، ناظر إلى تحقيق المعارف و العقليات، و يشير بالرأي، ناظر إلى معرفة التدبير و السياسات في العمليات فمن جمع فيه الخصال الثلاث دل على كمال عقله النظري و العملي، و من لم يكن فيه شي ء منها كان ناقص العقل بقوتيه.

ص: 63

إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ع قَالَ لَا يَجْلِسُ فِي صَدْرِ الْمَجْلِسِ إِلَّا رَجُلٌ فِيهِ هَذِهِ الْخِصَالُ الثَّلَاثُ أَوْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ فَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْ ءٌ مِنْهُنَّ فَجَلَسَ فَهُوَ أَحْمَقُ وَ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ع إِذَا طَلَبْتُمُ الْحَوَائِجَ فَاطْلُبُوهَا مِنْ أَهْلِهَا قِيلَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ وَ مَنْ أَهْلُهَا قَالَ الَّذِينَ قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَ ذَكَرَهُمْ فَقَالَ- إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ قَالَ هُمْ أُولُو الْعُقُولِ وَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ع مُجَالَسَةُ الصَّالِحِينَ دَاعِيَةٌ إِلَى الصَّلَاحِ وَ آدَابُ الْعُلَمَاءِ زِيَادَةٌ فِي الْعَقْلِ وَ طَاعَةُ وُلَاةِ الْعَدْلِ تَمَامُ الْعِزِّ وَ اسْتِثْمَارُ الْمَالِ تَمَامُ الْمُرُوءَةِ وَ إِرْشَادُ الْمُسْتَشِيرِ قَضَاءٌ لِحَقِّ النِّعْمَةِ وَ كَفُّ الْأَذَى مِنْ كَمَالِ الْعَقْلِ وَ فِيهِ رَاحَةُ الْبَدَنِ عَاجِلًا وَ آجِلًا يَا هِشَامُ إِنَّ الْعَاقِلَ لَا يُحَدِّثُ مَنْ يَخَافُ تَكْذِيبَهُ وَ لَا يَسْأَلُ مَنْ يَخَافُ مَنْعَهُ وَ لَا يَعِدُ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَ لَا يَرْجُو مَا يُعَنَّفُ بِرَجَائِهِ وَ لَا يُقْدِمُ عَلَى مَا يَخَافُ فَوْتَهُ

قوله عليه السلام: إذا طلبتم الحوائج، أي الدينية و الدنيوية، و اختصاص الأولى بأولى العقول ظاهر، و أما الثانية فللذل الذي يكون في رفع الحاجة إلى الناقص في الدين، و لعدم الأمن من حمقه، فربما يمنعه أو يأتي بما ضره أكثر من نفعه.

قوله عليه السلام: و أدب العلماء، أي مجالستهم و تعلم آدابهم و النظر إلى أفعالهم، و التخلق بأخلاقهم موجبة لزيادة العقل، و الحمل على رعاية الآداب في مجالسة العلماء لا يخلو من بعد.

قوله عليه السلام: و استثمار المال، أي استنمائه بالتجارة و المكاسب دليل تمام الإنسانية و موجب له أيضا لأنه لا يحتاج إلى غيره و يتمكن من أن يأتي بما يليق به.

قوله عليه السلام: قضاء: أي شكر لحق نعمة أخيه عليه، حيث جعله موضع مشورته، أو شكر لنعمة العقل و هي من أعظم النعم، و لعل الأخير أظهر.

قوله عليه السلام: ما يعنف، التعنيف اللوم و التعيير بعنف، و ترك الرفق و الغلظة،

ص: 64

بِالْعَجْزِ عَنْهُ

13 عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ رَفَعَهُ قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع الْعَقْلُ غِطَاءٌ سَتِيرٌ وَ الْفَضْلُ جَمَالٌ ظَاهِرٌ فَاسْتُرْ خَلَلَ خُلُقِكَ بِفَضْلِكَ وَ قَاتِلْ هَوَاكَ بِعَقْلِكَ تَسْلَمْ لَكَ الْمَوَدَّةُ وَ تَظْهَرْ لَكَ الْمَحَبَّةُ

14 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَدِيدٍ عَنْ سَمَاعَةَ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع وَ عِنْدَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ مَوَالِيهِ فَجَرَى ذِكْرُ الْعَقْلِ

و كلاهما محتمل.

الحديث الثالث عشر

ضعيف.

قوله: غطاء، الغطاء ما يستتر به، و الستير: إما بمعنى الساتر أو بمعنى المستور، و الفضل ما يعد من المحاسن و المحامد أو خصوص الإحسان إلى الخلق، و الجمال يطلق على حسن الخلق و الخلق و الفعل، و المعنى: أن العقل يستر مقابح المرء فإن حسن العقل يغلب كل قبيح، و لكنه من المستورات التي يعسر الاطلاع عليها، و الفضل جمال ظاهر، فينبغي أن يستر خلل الخلق بالفضل، و أن يستر مقابح ما يهوي بمدافعة العقل للهوى، فلا تظهر و تبقى مستورة.

قوله عليه السلام: تسلم لك المودة، أي مودتك للناس، أو مودة الناس لك، أو مودتك لله أو مودة الله لك، أو الأعم منهما، و كذا المحبة تحتمل الوجوه، و الأولى تخصيص إحداهما بالله و الأخرى بالناس، أو إحداهما بحبه للناس و الأخرى بحب الناس له، فإن التأسيس أولى من التأكيد.

الحديث الرابع عشر

ضعيف.

قوله: ذكر العقل و الجهل، العقل هنا يحتمل المعاني السابقة، و الجهل إما القوة الداعية إلى الشر، أو البدن إن كان المراد بالعقل النفس، و يحتمل إبليس أيضا لأنه المعارض لأرباب العقول الكاملة من الأنبياء و الأئمة عليه السلام في هداية الخلق، و يؤيده أنه قد ورد مثل هذا في معارضة آدم و إبليس بعد تمرده، و أنه

ص: 65

وَ الْجَهْلِ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع اعْرِفُوا الْعَقْلَ وَ جُنْدَهُ وَ الْجَهْلَ وَ جُنْدَهُ تَهْتَدُوا قَالَ سَمَاعَةُ فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ لَا نَعْرِفُ إِلَّا مَا عَرَّفْتَنَا فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ الْعَقْلَ وَ هُوَ أَوَّلُ خَلْقٍ مِنَ الرُّوحَانِيِّينَ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ مِنْ نُورِهِ فَقَالَ لَهُ أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ ثُمَّ قَالَ لَهُ أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ فَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى خَلَقْتُكَ خَلْقاً عَظِيماً وَ كَرَّمْتُكَ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِي قَالَ ثُمَّ خَلَقَ الْجَهْلَ مِنَ الْبَحْرِ الْأُجَاجِ ظُلْمَانِيّاً

أعطاهما مثل تلك الجنود، كما أوردته في كتاب البحار، و الحاصل أن هذه جنود للعقل و أصحابه، و تلك عساكر للجهل و أربابه، فلو حملنا العقل على القوة الداعية إلى الخير و أفعال الحسنة و الجهل على القوة الداعية إلى خلاف ذلك، فالمقصود أن الله سبحانه أعطى بحكمته الكاملة كل مكلف قوتين داعيتين إلى الخير و الشر، أحدهما العقل و الأخرى الجهل، و خلق صفات حسنة تقوى العقل في دعائه إلى الخير، و خلق ضدها من رذائل تقوى الجهل في دعائه إلى الشر و قس عليه سائر المعاني.

قوله عليه السلام من الروحانيين: يطلق الروحاني على الأجسام اللطيفة و على الجواهر المجردة إن قيل بها، قال في النهاية في الحديث: الملائكة الروحانيون يروى بضم الراء و فتحها، كأنه نسب إلى الروح و الروح، و هو نسيم الروح، و الألف و النون من زيادات النسب و يريد به أنهم أجسام لطيفة لا يدركهم البصر.

قوله عليه السلام: عن يمين العرش، قيل أي أشرف جانبيه و أقواهما وجودا.

قوله عليه السلام: من نوره، أي من نور منسوب إليه تعالى لشرفه أو من ذاته تعالى لا بواسطة شي ء أو مادة، أو أنه لما كان سببا لظهور الأشياء على النفس فهو من أنوار الله سبحانه التي جعلها سببا لظهورها، و قيل: من جنس نوره أي ذاته الأقدس، لكونه مجردا أو من جنس النور الذي خلقه و هو العقل المجرد، و هما إنما يتجهان إذا قلنا بوجود مجرد سوى الله، و بوجود العقل و قد عرفت ما فيهما.

قوله عليه السلام: من البحر الأجاج، أي من المادة الظلمانية الكدرة أو بوساطتها و ظلمانيته لكونه خاليا من نور المعرفة، أو غير قابل للهداية أو آلة لضلالة صاحبه،

ص: 66

فَقَالَ لَهُ أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ ثُمَّ قَالَ لَهُ أَقْبِلْ فَلَمْ يُقْبِلْ فَقَالَ لَهُ اسْتَكْبَرْتَ فَلَعَنَهُ ثُمَّ جَعَلَ لِلْعَقْلِ خَمْسَةً وَ سَبْعِينَ جُنْداً فَلَمَّا رَأَى الْجَهْلُ مَا أَكْرَمَ اللَّهُ بِهِ الْعَقْلَ وَ مَا أَعْطَاهُ أَضْمَرَ لَهُ الْعَدَاوَةَ فَقَالَ الْجَهْلُ يَا رَبِّ هَذَا خَلْقٌ مِثْلِي خَلَقْتَهُ وَ كَرَّمْتَهُ وَ قَوَّيْتَهُ وَ أَنَا ضِدُّهُ وَ لَا قُوَّةَ لِي بِهِ فَأَعْطِنِي مِنَ الْجُنْدِ مِثْلَ مَا أَعْطَيْتَهُ فَقَالَ نَعَمْ فَإِنْ عَصَيْتَ بَعْدَ ذَلِكَ أَخْرَجْتُكَ وَ جُنْدَكَ مِنْ رَحْمَتِي قَالَ قَدْ رَضِيتُ فَأَعْطَاهُ خَمْسَةً وَ سَبْعِينَ جُنْداً فَكَانَ مِمَّا أَعْطَى الْعَقْلَ مِنَ الْخَمْسَةِ وَ السَّبْعِينَ الْجُنْدَ الْخَيْرُ وَ هُوَ وَزِيرُ الْعَقْلِ وَ جَعَلَ ضِدَّهُ الشَّرَّ وَ هُوَ وَزِيرُ الْجَهْلِ وَ الْإِيمَانُ وَ ضِدَّهُ الْكُفْرَ-

و عدم إقباله إلى الدرجات الرفيعة و المعارف الربانية، لعدم قابليته لذلك، أو المراد عدم إقبال من تبع هذه القوة بالإرادة، و سيأتي تحقيق القول في كتاب الإيمان و الكفر إنشاء الله تعالى.

قوله عليه السلام فقال الجهل: أي بلسان الحال أو حقيقة إن قلنا إنه إبليس.

قوله عليه السلام فإن عصيت: لا يخفى أن هذا يلائم حمل الجهل على إبليس، و أما غيره من المعاني فيحتاج إلى التكلف، بأن يقال: الخطاب إلى أصحاب الجهل أو بأن يقال نسب العصيان و الإخراج المتعلقين بأصحابه إليه مجازا.

قوله عليه السلام جندا: الجند العسكر و الأعوان و الأنصار، و إطلاق الجند على كل واحد باعتبار الأقسام و الشعب و التوابع، فكل واحد لكثرة أقسامه و توابعه كأنه جند، ثم اعلم أن ما ذكر هنا من الجنود يرتقي إلى ثمانية و سبعين جندا، و في الخصال و غيره زيادات أخر يرتقي معها إلى إحدى و ثمانين، و كأنه لتكرار بعض الفقرات إما منه عليه السلام للتأكيد أو من النساخ، بأن يكونوا أضافوا بعض النسخ إلى الأصل، و ربما تعد العبادات المذكورة في وسط الخبر أي الصلاة و الصوم و الجهاد واحدا فلا يزيد العدد.

قوله ع الخير: هو كونه مقتضيا للخيرات أو لا لإيصال الخير إما إلى نفسه أو إلى غيره، و الشر يقابله بالمعنيين و سماهما وزيرين لكونهما منشأين لكل ما يذكر

ص: 67

وَ التَّصْدِيقُ وَ ضِدَّهُ الْجُحُودَ وَ الرَّجَاءُ وَ ضِدَّهُ الْقُنُوطَ وَ الْعَدْلُ وَ ضِدَّهُ الْجَوْرَ وَ الرِّضَا وَ ضِدَّهُ السُّخْطَ وَ الشُّكْرُ وَ ضِدَّهُ الْكُفْرَانَ وَ الطَّمَعُ وَ ضِدَّهُ الْيَأْسَ وَ التَّوَكُّلُ وَ ضِدَّهُ الْحِرْصَ وَ الرَّأْفَةُ وَ ضِدَّهَا الْقَسْوَةَ

بعد هما من الجنود، فهما أميران عليها مقويان لها، و تصدر جميعها عن رأيهما.

قوله عليه السلام و التصديق: لعلها من الفقرات المكررة، و يمكن تخصيص الإيمان بما يتعلق بالأصول، و التصديق بما يتعلق بالفروع، و يحتمل أن يكون الفرق بالإجمال و التفصيل، بأن يكون الإيمان التصديق الإجمالي بما جاء به النبي صلى الله عليه و آله و سلم و التصديق الإذعان بتفاصيله، أو يقال: الإيمان هو الاعتقاد الثابت الجازم، و التصديق إظهار حقية مدعي الحق و قبول قوله.

قوله عليه السلام و الرجاء، هو بالقصر و المد: توقع رحمة الله في الدنيا و الآخرة.

قوله عليه السلام و العدل: أي التوسط في جميع الأمور بين الإفراط و التفريط، أو المعنى المعروف و هو داخل في الأول.

قوله عليه السلام و الرضا: أي بقضاء الله.

قوله عليه السلام و الشكر: أي شكره تعالى على نعمه بالقلب و اللسان، و الأركان، أو الأعم من شكره و شكر غيره من وسائط النعم.

قوله عليه السلام: و الطمع: لعله تكرار للرجاء، و يمكن أن يخص الرجاء بالأمور الأخروية، و الطمع بالفوائد الدنيوية أو الرجاء بما يكون باستحقاق و الطمع بغيره، أو يكون المراد بالطمع طمع ما في أيدي الناس بأن يكون من جنود الجهل، أورد على خلاف الترتيب و لا يخفى بعده.

قوله عليه السلام و التوكل: هو الاعتماد على الله تعالى و الإيمان بأن النعم كلها من عنده تعالى، فمن اتصف به يجمل في الطلب، و يكون اعتماده عليه تعالى لا على طلبه و كسبه، فيقابله الحرص، و الحرص هنا من فعل الجوارح، و فيما سيأتي مقابل القنوع من فعل القلب و هو الهم و الحزن على عدم وجدان الزائد، و في بعض النسخ

ص: 68

وَ الرَّحْمَةُ وَ ضِدَّهَا الْغَضَبَ وَ الْعِلْمُ وَ ضِدَّهُ الْجَهْلَ وَ الْفَهْمُ وَ ضِدَّهُ الْحُمْقَ وَ الْعِفَّةُ وَ ضِدَّهَا التَّهَتُّكَ وَ الزُّهْدُ وَ ضِدَّهُ الرَّغْبَةَ وَ الرِّفْقُ وَ ضِدَّهُ الْخُرْقَ وَ الرَّهْبَةُ وَ ضِدَّهُ الْجُرْأَةَ وَ التَّوَاضُعُ وَ ضِدَّهُ الْكِبْرَ وَ التُّؤَدَةُ وَ ضِدَّهَا التَّسَرُّعَ وَ الْحِلْمُ وَ ضِدَّهَا السَّفَهَ- وَ الصَّمْتُ وَ ضِدَّهُ الْهَذَرَ

هنا بالضاد المعجمة، و معناه الهم و الحزن فينعكس الأمر.

قوله عليه السلام و الرحمة: لعلها أيضا من المكررات لقربها من معنى الرأفة و يمكن أن يكون المراد بالرأفة: الحالة، و بالرحمة ثمرتها، قال بعض الأفاضل: الرأفة: هي العطوفة الناشئة عن الرقة، و مقابلها القسوة، و الرحمة هي الميل النفساني الموجب للعفو و التجاوز و مقابله الغضب.

قوله عليه السلام و الفهم: إما المراد به حالة للنفس تقتضي سرعة إدراك الأمور، و العلم بدقائق المسائل، أو أصل الإدراك فيخص بالحكمة العملية، و العلم بالنظرية، أو الفهم بالأمور الجزئية، و العلم بالكلية.

قوله عليه السلام و العفة: هي منع البطن و الفرج عن المحرمات و الشبهات، و مقابلها التهتك و عدم المبالاة بهتك ستره في ارتكاب المحرمات.

قوله عليه السلام و الرفق: هو حسن الصنيعة و الملائمة، و ضده الخرق، قال في القاموس: الخرق بالضم و بالتحريك ضد الرفق، و أن لا يحسن العمل و التصرف في الأمور.

قوله عليه السلام و الرهبة: أي الخوف من الله و من عقابه أو من الخلق أو من النفس و الشيطان، و الأولى التعميم ليشمل الخوف عن كل ما يضر بالدين أو الدنيا.

قوله عليه السلام و التؤدة: هي بضم التاء و فتح الهمزة و سكونها: الرزانة و التأني أي عدم المبادرة إلى الأمور بلا تفكر، فإنها توجب الوقوع في المهالك.

قوله عليه السلام و الصمت: أي السكوت عما لا يحتاج إليه و لا طائل فيه، و ضده الهذر، قال في القاموس: هذر كلامه كفرح كثر من الخطإ و الباطل، و الهذر محركة

ص: 69

وَ الِاسْتِسْلَامُ وَ ضِدَّهُ الِاسْتِكْبَارَ وَ التَّسْلِيمُ وَ ضِدَّهُ الشَّكَّ وَ الصَّبْرُ وَ ضِدَّهُ الْجَزَعَ وَ الصَّفْحُ وَ ضِدَّهُ الِانْتِقَامَ وَ الْغِنَى وَ ضِدَّهُ الْفَقْرَ وَ التَّذَكُّرُ وَ ضِدَّهُ السَّهْوَ وَ الْحِفْظُ وَ ضِدَّهُ النِّسْيَانَ وَ التَّعَطُّفُ وَ ضِدَّهُ الْقَطِيعَةَ وَ الْقُنُوعُ وَ ضِدَّهُ الْحِرْصَ وَ الْمُؤَاسَاةُ وَ ضِدَّهَا الْمَنْعَ وَ الْمَوَدَّةُ وَ ضِدَّهَا الْعَدَاوَةَ

الكثير الردي ء أو سقط الكلام.

قوله عليه السلام: و الاستسلام: أي الانقياد لله تعالى فيما يأمر و ينهى، و التسليم انقياد أئمة الحق و إذعان ما يصدر عنهم عليه السلام، و يصعب على الأذهان قبوله، و قال بعض الأفاضل: الاستسلام هو الانقياد، و يشتمل على شيئين: الخضوع و التصديق، و كذا التسليم، فباعتبار الأول عبر عنه بالاستسلام، و جعل مقابله الاستكبار، و باعتبار الثاني عبر عنه بالتسليم و جعل مقابله الشك.

قوله عليه السلام: و الغنى: المراد بالغنى غنى النفس و الاستغناء عن الخلق، لا الغنى بالمال فإنه غالبا مع أهل الجهل، و ضده الفقر إلى الناس و التوصل بهم في الأمور.

قوله عليه السلام: و التذكر: لما كان السهو عبارة عن زوال الصورة عن المدركة لا الحافظة أطلق في مقابله التذكر الذي هو الاسترجاع عن الحافظة، و لما كان النسيان عبارة عن زوالها عن الحافظة أيضا أطلق في مقابله الحفظ.

قوله عليه السلام و القنوع: هو الرضا بالكفاف و عدم طلب الزيادة، و لما كان الحرص زيادة السعي في الطلب، و يشتمل على شيئين الإفراط في الطلب، و الاعتماد على الطلب الذي يلازمه جعله باعتبار اشتماله على الأول مقابل القنوع، و باعتبار اشتماله على الثاني مقابل التوكل، و قد مر قريب منه.

قوله عليه السلام و المواساة: هي أن يجعل إخوانه مشاركين و مساهمين له في ماله.

قوله عليه السلام و المودة: قيل هي الإتيان بمقتضيات المحبة و الأمور الدالة عليها و مقابلها العداوة، و هي الإتيان بمقتضيات المباغضة، و فعل ما يتبعها، و لعله إنما ارتكب ذلك للفرق بينه و بين الحب و البغض، و يمكن الفرق بينهما بتخصيص أحدهما بالخالق، و الآخر بالخلق، أو أحدهما بالأشخاص و الآخر بالأعمال، و يمكن أن يكون

ص: 70

وَ الْوَفَاءُ وَ ضِدَّهُ الْغَدْرَ وَ الطَّاعَةُ وَ ضِدَّهَا الْمَعْصِيَةَ وَ الْخُضُوعُ وَ ضِدَّهُ التَّطَاوُلَ وَ السَّلَامَةُ وَ ضِدَّهَا الْبَلَاءَ وَ الْحُبُّ وَ ضِدَّهُ الْبُغْضَ وَ الصِّدْقُ وَ ضِدَّهُ الْكَذِبَ وَ الْحَقُّ وَ ضِدَّهُ الْبَاطِلَ وَ الْأَمَانَةُ وَ ضِدَّهَا الْخِيَانَةَ وَ الْإِخْلَاصُ وَ ضِدَّهُ الشَّوْبَ وَ الشَّهَامَةُ وَ ضِدَّهَا الْبَلَادَةَ وَ الْفَهْمُ وَ ضِدَّهُ الْغَبَاوَةَ

أحدهما من المكررات.

قوله عليه السلام و الوفاء: أي بعهود الله تعالى أو بعهود الخلق أو الأعم.

قوله عليه السلام و الطاعة: هي متابعة من ينبغي متابعته في أوامره و نواهيه.

قوله عليه السلام و الخضوع: هو التذلل لمن يستحق أن يتذلل له، و مقابله التطاول و هو الترفع.

قوله عليه السلام و السلامة: هي البراءة من البلايا و هي العيوب و الآفات، و العاقل يتخلص منها حيث يعرفها، و يعرف طريق التخلص منها، و الجاهل يختارها و يقع فيها من حيث لا يعلم، و قال الشيخ البهائي (ره): لعل المراد سلامة الناس منه كما ورد في الحديث: المسلم من سلم المسلمون من يده و لسانه، و يراد بالبلاء ابتلاء الناس به.

قوله عليه السلام و الحب: قيل هو الميل النفساني، و العاقل يميل إلى المحاسن و يريدها، و كذا إلى من يتصف بها، و العاقل يريد الخير لكل أحد، و لا يرضى بالشر و النقيصة لأحد.

قوله عليه السلام و الحق: أي اختياره، و ضده اختيار الباطل.

قوله عليه السلام و الإخلاص: أي إخلاص العمل لله تعالى، و ضده الشوب بالرياء و الأغراض الفاسدة.

قوله عليه السلام و الشهامة: هي ذكاء الفؤاد و توقده.

قوله عليه السلام و الفهم: و في علل الشرائع مكانه" الفطنة" و لعله أولى لعدم التكرار، و على ما هنا لعلها من المكررات، و يمكن تخصيص أحدهما بفهم مصالح

ص: 71

وَ الْمَعْرِفَةُ وَ ضِدَّهَا الْإِنْكَارَ وَ الْمُدَارَاةُ وَ ضِدَّهَا الْمُكَاشَفَةَ وَ سَلَامَةُ الْغَيْبِ وَ ضِدَّهَا الْمُمَاكَرَةَ وَ الْكِتْمَانُ وَ ضِدَّهُ الْإِفْشَاءَ وَ الصَّلَاةُ وَ ضِدَّهَا الْإِضَاعَةَ وَ الصَّوْمُ وَ ضِدَّهُ الْإِفْطَارَ وَ الْجِهَادُ وَ ضِدَّهُ النُّكُولَ وَ الْحَجُّ وَ ضِدَّهُ نَبْذَ الْمِيثَاقِ وَ صَوْنُ الْحَدِيثِ وَ ضِدَّهُ النَّمِيمَةَ وَ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ وَ ضِدَّهُ الْعُقُوقَ

النشأة الأولى، و الآخر بالأخرى أو أحدهما بما يتعلق بالحكمة النظرية، و الآخر بما يتعلق بالحكمة العملية، أو أحدهما بمرتبة من الفهم و الذكاء، و الآخر بمرتبة فوقها، و الفرق بينه و بين الشهامة أيضا يحتاج إلى تكلف بأن يقال: الشهامة إدراك الأمور بنفسه، و الفهم إدراكها بعد الإلقاء أو يوجه بأحد الوجوه السابقة.

قوله عليه السلام و المعرفة: هي على ما قيل إدراك الشي ء بصفاته و آثاره، بحيث لو وصل إليه عرف أنه هو، و مقابله الإنكار، يعني عدم حصول ذلك الإدراك، فإن الإنكار يطلق عليه أيضا كما يطلق على الجحود، و يحتمل أن يكون المراد بالمعرفة معرفة حق أئمة الحق و فضلهم.

قوله عليه السلام و ضدها المكاشفة: [المكاشفة] هي المنازعة و المجادلة و في المحاسن المداراة و ضدها المخاشنة.

قوله عليه السلام و سلامة الغيب: أي يكون في غيبة غيره سالما من ضرره، و ضدها المماكرة و هو أن يتملق ظاهرا للخديعة و المكر، و في الغيبة يكون في مقام الضرر، و في المحاسن سلامة القلب و لعله أنسب.

قوله عليه السلام و الكتمان: أي كتمان عيوب المؤمنين و أسرارهم أو كلما يجب أو ينبغي كتمانه ككتمان الحق في مقام التقية، و كتمان العلم عن غير أهله.

قوله عليه السلام و الصلاة: أي المحافظة عليها و على آدابها و أوقاتها، و ضدها الإخلال بشرائطها و آدابها أو أوقات فضلها.

قوله عليه السلام و ضده نبذ الميثاق: أي طرحه، و إنما جعله ضدا للحج لما سيأتي في أخبار كثيرة أن الله تعالى أودع الحجر مواثيق العباد، و علة الحج تجديد الميثاق عند الحجر فيشهد يوم القيامة لكل من وافاه.

ص: 72

وَ الْحَقِيقَةُ وَ ضِدَّهَا الرِّيَاءَ وَ الْمَعْرُوفُ وَ ضِدَّهُ الْمُنْكَرَ وَ السَّتْرُ وَ ضِدَّهُ التَّبَرُّجَ وَ التَّقِيَّةُ وَ ضِدَّهَا الْإِذَاعَةَ وَ الْإِنْصَافُ وَ ضِدَّهُ الْحَمِيَّةَ وَ التَّهْيِئَةُ وَ ضِدَّهَا الْبَغْيَ وَ النَّظَافَةُ وَ ضِدَّهَا الْقَذَرَ وَ الْحَيَاءُ وَ ضِدَّهَا الْجَلَعَ وَ الْقَصْدُ وَ ضِدَّهُ الْعُدْوَانَ وَ الرَّاحَةُ

قوله عليه السلام و الحقيقة: لعل المراد بها الإخلاص في العبادة إذ بتركه ينتفي حقيقة العبادة، و هذه الفقرة أيضا قريبة من فقرة الإخلاص و الشوب، فإما أن يحمل على التكرار أو يحمل الإخلاص على كماله بأن لا يشوب معه طمع جنة و لا خوف نار و لا جلب نفع و لا دفع ضرر، و الحقيقة على عدم مراءاة المخلوقين.

قوله عليه السلام و المعروف: أي اختياره و الإتيان به و الأمر به و كذا المنكر.

قوله عليه السلام و ضده التبرج: أي إظهار الزينة و لعل هذه الفقرة مخصوصة بالنساء، و يمكن تعميمها بحيث تشمل ستر الرجال عوراتهم و عيوبهم.

قوله عليه السلام و التقية: هي الستر في موضع الخوف، و ضدها الإذاعة و الإفشاء.

قوله ع و الإنصاف: أي التسوية و العدل بين نفسه و غيره، و بين الأقارب و الأباعد، و الحمية توجب تقديم نفسه على غيره، و إن كان الغير أحق، و تقديم عشيرته و أقاربه على الأباعد و إن كان الحق مع الأباعد.

قوله عليه السلام و التهيئة: هي الموافقة و المصالحة بين الجماعة و إمامهم، و في الخصال المهنة و هي الخدمة، و المراد خدمة أئمة الحق و إطاعتهم، و البغي: الخروج عليهم و عدم الانقياد لهم.

قوله عليه السلام و ضدها الجلع: في بعض النسخ بالجيم، و هو قلة الحياء، و في بعضها بالخاء المعجمة أي خلع لباس الحياء و هو مجاز شائع.

قوله عليه السلام و القصد: أي اختيار الوسط في الأمور و ملازمة الطريق الوسط الموصل إلى النجاة.

قوله عليه السلام و الراحة: أي اختيار ما يوجبها بحسب النشأتين لا راحة الدنيا فقط.

ص: 73

وَ ضِدَّهَا التَّعَبَ وَ السُّهُولَةُ وَ ضِدَّهَا الصُّعُوبَةَ وَ الْبَرَكَةُ وَ ضِدَّهَا الْمَحْقَ وَ الْعَافِيَةُ وَ ضِدَّهَا الْبَلَاءَ وَ الْقَوَامُ وَ ضِدَّهُ الْمُكَاثَرَةَ وَ الْحِكْمَةُ وَ ضِدَّهَا الْهَوَاءَ

قوله عليه السلام و السهولة: أي الانقياد بسهولة و لين الجانب.

قوله عليه السلام و البركة: هي تكون بمعنى الثبات و الزيادة و النمو، أي الثبات على الحق، و السعي في زيادة أعمال الخير و تنمية الإيمان و اليقين، و الترك ما يوجب محق هذه الأمور أي بطلانها و نقصها و فسادها، و يحتمل أن يكون المراد البركة في المال و غيره من الأمور الدنيوية، فإن العاقل يحصل من الوجه الذي يصلح له و يصرف فيما ينبغي الصرف فيه، فينمو و يزيد و يبقى و يدوم له بخلاف الجاهل.

قوله عليه السلام و العافية: أي من الذنوب و العيوب أو من المكاره فإن العاقل بالشكر و العفو يعقل النعمة عن النفار، و يستجلب زيادة النعمة و بقائها مدى الأعصار، و الجاهل بالكفران و ما يورث زوال الإحسان و ارتكاب ما يوجب الابتلاء بالغموم و الأحزان، على خلاف ذلك، و يمكن أن تكون هذه أيضا من المكررات و يظهر مما ذكرنا الفرق على بعض الوجوه.

قوله عليه السلام و القوام: هو كسحاب: العدل، و ما يعاش به أي اختيار الوسط في تحصيل ما يحتاج إليه، و الاكتفاء بقدر الكفاف، و المكاثرة: المغالبة في الكثرة، أي تحصيل متاع الدنيا زائدا على قدر الحاجة للمباهات و المغالبة، و يحتمل أن يكون المراد التوسط في الإنفاق و ترك البخل و التبذير، كما قال تعالى" وَ الَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً" فالمراد بالمكاثرة المغالبة في كثرة الإنفاق، و في بعض النسخ المكاشرة بالشين، و هي المضاحكة، فالمراد: بالقوام التوسط في المعاشرة و ترك كثرة المزاح، و عدم الاسترسال و الاستئناس.

قوله عليه السلام و الحكمة: هي العمل بالعلم و اختيار النافع و الأصلح، و ضدها اتباع هوى النفس و شهواتها.

ص: 74

وَ الْوَقَارُ وَ ضِدَّهُ الْخِفَّةَ وَ السَّعَادَةُ وَ ضِدَّهَا الشَّقَاوَةَ وَ التَّوْبَةُ وَ ضِدَّهَا الْإِصْرَارَ وَ الِاسْتِغْفَارُ وَ ضِدَّهُ الِاغْتِرَارَ وَ الْمُحَافَظَةُ وَ ضِدَّهَا التَّهَاوُنَ وَ الدُّعَاءُ وَ ضِدَّهُ الِاسْتِنْكَافَ وَ النَّشَاطُ وَ ضِدَّهُ الْكَسَلَ وَ الْفَرَحُ وَ ضِدَّهُ الْحَزَنَ وَ الْأُلْفَةُ وَ ضِدَّهَا الْفُرْقَةَ وَ السَّخَاءُ وَ ضِدَّهُ الْبُخْلَ

قوله عليه السلام و الوقار: هو الثقل و الرزانة و الثبات و عدم الانزعاج بالفتن و ترك الطيش و المبادرة إلى ما لا يحمد، و الحاصل أن العاقل لا يزول عما هو عليه بكل ما يرد عليه، و لا يحركه إلا ما يحكم العقل بالحركة له أو إليه لرعاية خير و صلاح، و الجاهل يتحرك بالتوهمات و التخيلات و اتباع القوي الشهوانية و الغضبية، فمحرك العاقل عزيز الوجود، و محرك الجاهل كثيرا التحقق.

قوله عليه السلام و السعادة: هي اختيار ما يوجب حسن العاقبة.

قوله عليه السلام و الاستغفار: هو أعم من التوبة، إذ يشترط في التوبة العزم على الترك في المستقبل، و لا يشترط ذلك في الاستغفار، و يحتمل أن تكون مؤكدة للفقرة السابقة، و الاغترار: الانخداع عن النفس و الشيطان بتسويف التوبة، و الغفلة عن الذنوب و مضارها و عقوباتها.

قوله عليه السلام و المحافظة: أي على أوقات الصلاة، و التهاون: التأخير عن أوقات الفضيلة، أو المراد المحافظة على جميع التكاليف.

قوله عليه السلام و ضده الاستنكاف: أي الاستكبار و قد سمى الله تعالى ترك الدعاء استكبارا فقال:" إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي".

قوله عليه السلام و الفرح: أي ترك الحزن على ما فات عنه من الدنيا أو البشاشة مع الإخوان.

قوله عليه السلام و ضدها الفرقة: في بعض النسخ العصبية و كونها ضد الألفة، لأنها توجب المنازعة و اللجاج و العناد الموجبة لرفع الألفة.

فَلَا تَجْتَمِعُ هَذِهِ الْخِصَالُ كُلُّهَا مِنْ أَجْنَادِ الْعَقْلِ إِلَّا فِي نَبِيٍّ أَوْ وَصِيِّ نَبِيٍّ أَوْ مُؤْمِنٍ قَدِ امْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ وَ أَمَّا سَائِرُ ذَلِكَ مِنْ مَوَالِينَا فَإِنَّ أَحَدَهُمْ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ بَعْضُ هَذِهِ الْجُنُودِ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ وَ يَنْقَى مِنْ جُنُودِ الْجَهْلِ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ فِي الدَّرَجَةِ الْعُلْيَا مَعَ الْأَنْبِيَاءِ وَ الْأَوْصِيَاءِ وَ إِنَّمَا يُدْرَكُ ذَلِكَ بِمَعْرِفَةِ الْعَقْلِ وَ جُنُودِهِ وَ بِمُجَانَبَةِ الْجَهْلِ وَ جُنُودِهِ وَفَّقَنَا اللَّهُ وَ إِيَّاكُمْ لِطَاعَتِهِ وَ مَرْضَاتِهِ

15 جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ مَا كَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ص الْعِبَادَ بِكُنْهِ عَقْلِهِ قَطُّ وَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ أُمِرْنَا أَنْ نُكَلِّمَ النَّاسَ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ

16 عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ ع قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع إِنَّ قُلُوبَ الْجُهَّالِ تَسْتَفِزُّهَا

قوله عليه السلام قد امتحن الله قلبه: أي اختبره بالشدائد و المحن و الفتن، فوجده ثابتا صابرا أو صفاه من الرذائل لقبول كمال الإيمان، من قولهم: امتحن الذهب إذا صفاه، و قال الفيروزآبادي: امتحن الله قلوبهم: شرحها و وسعها.

الحديث الخامس عشر

مرسل.

قوله عليه السلام العباد: أي ممن عد أهل بيته عليه السلام بكنه عقله، أي بنهاية ما يدركه بعقله، بل يخاطب كلا منهم بقدر فهم هذا المخاطب، و ربما خاطبهم جميعا بخطاب يفهم كل منهم بحسب قابليته و فهمه كالقرآن المجيد.

الحديث السادس عشر

ضعيف على المشهور.

قوله عليه السلام إن قلوب الجهال: أي ذوي العقول الناقصة تستفزها الأطماع أي تستخفها و تخرجها من مقرها، و ترتهنها المني هي إرادة ما لا يتوقع حصوله، أو المراد بها ما يعرض للإنسان من أحاديث النفس و تسويل الشيطان، أي تأخذها و تجعلها مشغولة بها و لا تتركها إلا بحصول ما تتمناه، كما أن الرهن لا ينفك إلا بأداء المال

ص: 75

ص: 76

الْأَطْمَاعُ وَ تَرْتَهِنُهَا الْمُنَى وَ تَسْتَعْلِقُهَا الْخَدَائِعُ

17 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ الدِّهْقَانِ عَنْ دُرُسْتَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع أَكْمَلُ النَّاسِ عَقْلًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقاً

18 عَلِيٌّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ الْجَعْفَرِيِّ قَالَ كُنَّا عِنْدَ الرِّضَا ع فَتَذَاكَرْنَا الْعَقْلَ وَ الْأَدَبَ فَقَالَ يَا أَبَا هَاشِمٍ الْعَقْلُ حِبَاءٌ مِنَ اللَّهِ وَ الْأَدَبُ كُلْفَةٌ فَمَنْ تَكَلَّفَ الْأَدَبَ قَدَرَ عَلَيْهِ وَ مَنْ تَكَلَّفَ الْعَقْلَ لَمْ يَزْدَدْ بِذَلِكَ إِلَّا جَهْلًا

و" تستعلقها" بالعين المهملة ثم القاف أي تصيدها و تربطها بالحبال، من قولهم علق الوحش بالحبالة إذا تعوق و نشب فيها، و في بعض النسخ بالقافين أي تجعلها الخدائع منزعجة منقلعة من مكانها، و في بعضها بالغين المعجمة ثم القاف من قولهم استغلقني في بيعته: أي لم يجعل لي خيارا في رده.

الحديث السابع عشر

ضعيف.

قوله: أحسنهم خلقا: الخلق بالضم و بضمتين: الهيئة الحاصلة للنفس بصفاتها، و يقال لها السجية، و يدل عليها الآثار و الأفعال الدالة عليها تسمية للدال باسم المدلول، و يطلق غالبا على حسن المعاشرة.

الحديث الثامن عشر

صحيح.

قوله عليه السلام حباء: الحباء بالكسر: العطية، أي العقل عطية من الله تعالى، و الأدب الطريقة الحسنة في المحاورات و المكاتبات و المعاشرات و ما يتعلق بمعرفتها و ملكتها كلفة، فهي مما يكتسب فيتحمل بمشقة، فمن تكلف الأدب قدر عليه، و ما يكون حصوله للشخص بحسب الخلقة و العطاء من الله سبحانه كالعقل، فلا يحصل بتكلف و احتمال مشقة، فمن تكلف العقل لم يقدر عليه و لم يزدد بتكلفه ذلك إلا جهلا و قيل: المراد أنه من أراد أن يظهر التخلق بالأخلاق الحسنة و الآداب المستحسنة يمكنه ذلك بخلاف العلم، فإن الجاهل إذا أظهر العلم يصير سببا لمزيد فضيحته

ص: 77

19 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبَلَةَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنَّ لِي جَاراً كَثِيرَ الصَّلَاةِ كَثِيرَ الصَّدَقَةِ كَثِيرَ الْحَجِّ لَا بَأْسَ بِهِ قَالَ فَقَالَ يَا إِسْحَاقُ كَيْفَ عَقْلُهُ قَالَ قُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ لَيْسَ لَهُ عَقْلٌ قَالَ فَقَالَ لَا يَرْتَفِعُ بِذَلِكَ مِنْهُ

20 الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ السَّيَّارِيِّ عَنْ أَبِي يَعْقُوبَ الْبَغْدَادِيِّ قَالَ قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ لِأَبِي الْحَسَنِ ع لِمَا ذَا بَعَثَ اللَّهُ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ ع بِالْعَصَا وَ يَدِهِ الْبَيْضَاءِ وَ آلَةِ السِّحْرِ وَ بَعَثَ عِيسَى بِآلَةِ الطِّبِّ وَ بَعَثَ مُحَمَّداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ عَلَى جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ بِالْكَلَامِ وَ الْخُطَبِ فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ ع إِنَّ اللَّهَ لَمَّا بَعَثَ مُوسَى ع

في الجهالة، و الأول أظهر.

الحديث التاسع عشر

مجهول.

قوله عليه السلام: لا بأس به: قيل أي لا يظهر منه عداوة لأهل الدين و شدة على المؤمنين أو لا يطلع منه على معصيته.

قوله عليه السلام كيف عقله؟: أي قوة التميز بين الحق و الباطل، تميزا يوجب الانقياد للحق و الإقرار به.

قوله عليه السلام لا يرتفع منه بذلك: أي لا يرتفع ما ذكرته من الأعمال منه بسبب قلة المعرفة، و في بعض النسخ" لا ينتفع" فيمكن أن يقرأ على بناء المعلوم، أي لا ينتفع ذلك الرجل بسبب قلة العقل من عمله، أو على بناء المجهول أي لا ينتفع من ذلك الرجل بسبب قلة العقل، بأن تكون كلمة" من" تعليلية، و الضمير راجعا إلى قلة العقل أو بذلك السبب من هذا الرجل، فكلمة" من" صلة و الضمير راجع إلى الرجل، أو بذلك العمل من هذا الرجل، ثم إن بعض الاحتمالات مبني على تعدية الانتفاع بكلمة من و هو نادر فتفطن.

الحديث العشرون

ضعيف.

قوله: و آلة السحر: يمكن أن يقدر فيه مضاف أي آلة إبطال السحر، و يمكن أن تكون الآلة بمعنى الحالة كما ذكره الجوهري، أي بما شبه السحر.

ص: 78

كَانَ الْغَالِبُ عَلَى أَهْلِ عَصْرِهِ السِّحْرَ فَأَتَاهُمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِمَا لَمْ يَكُنْ فِي وُسْعِهِمْ مِثْلُهُ وَ مَا أَبْطَلَ بِهِ سِحْرَهُمْ وَ أَثْبَتَ بِهِ الْحُجَّةَ عَلَيْهِمْ وَ إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ عِيسَى ع فِي وَقْتٍ قَدْ ظَهَرَتْ فِيهِ الزَّمَانَاتُ وَ احْتَاجَ النَّاسُ إِلَى الطِّبِّ فَأَتَاهُمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِمَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مِثْلُهُ وَ بِمَا أَحْيَا لَهُمُ الْمَوْتَى وَ أَبْرَأَ الْأَكْمَهَ وَ الْأَبْرَصَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ أَثْبَتَ بِهِ الْحُجَّةَ عَلَيْهِمْ وَ إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّداً ص فِي وَقْتٍ كَانَ الْغَالِبُ عَلَى أَهْلِ عَصْرِهِ الْخُطَبَ وَ الْكَلَامَ وَ أَظُنُّهُ قَالَ الشِّعْرَ فَأَتَاهُمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مِنْ مَوَاعِظِهِ وَ حِكَمِهِ مَا أَبْطَلَ بِهِ قَوْلَهُمْ وَ أَثْبَتَ بِهِ الْحُجَّةَ عَلَيْهِمْ قَالَ فَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ تَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ مِثْلَكَ قَطُّ فَمَا الْحُجَّةُ عَلَى الْخَلْقِ الْيَوْمَ قَالَ فَقَالَ ع الْعَقْلُ يُعْرَفُ بِهِ الصَّادِقُ عَلَى اللَّهِ فَيُصَدِّقُهُ وَ الْكَاذِبُ

قوله عليه السلام: كان الغالب على أهل عصره السحر: الحاصل أن الغالب على أهل العصر مما يستكمل صنعته و يبلغ حد كماله، فالغلبة فيه و في شبهه أقوى، و أتم في إثبات المقصود، حيث عرفوا نهاية المقدور لهم فيه، فإذا جاوزه حصل لهم العلم بأنه ليس من فعل أشباههم و أمثالهم، بل من فعل خالق القوي و القدر أو من فعل من أقدره عليه بإعطاء قدرة مخصوصة به، و أما المتروك في العصر فربما يتوهم أنهم لو تناولوه و سعوا فيه و اكتسبوه، بلغوا الحد الذي يتأتى منهم الإتيان بما أتى به.

قوله: و أظنه، من كلام الراوي أي و أظنه ضم الشعر أيضا إلى الخطب و الكلام قوله: فما الحجة على الخلق اليوم؟ أي كان الحجة على الخلق في صدق الرسل معجزاتهم فما الحجة عليهم اليوم في صدق من يجب اتباعه حيث لا يعرف بالمعجزة الظاهرة؟ فأجاب عليه السلام بأن بعد نزول الكتاب و انضباط الآثار الثابتة عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم يعرف بالعقل، الصادق على الله من الكاذب عليه، فإن الصادق على الله عالم بالكتاب، راع له، متمسك بالسنة، حافظ لها، و الكاذب على الله تارك للكتاب غير عالم، به، مخالف للسنة بقوله و فعله، كذا قيل، و هذا لا ينافي صدور المعجزات عن الأئمة عليه السلام فإنهم لما كانوا في أزمنة الخوف و التقية لم يمكنهم إظهار المعجزة

ص: 79

عَلَى اللَّهِ فَيُكَذِّبُهُ قَالَ فَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ هَذَا وَ اللَّهِ هُوَ الْجَوَابُ

21 الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْوَشَّاءِ عَنِ الْمُثَنَّى الْحَنَّاطِ عَنْ قُتَيْبَةَ الْأَعْشَى عَنِ ابْنِ أَبِي يَعْفُورٍ عَنْ مَوْلًى لِبَنِي شَيْبَانَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ إِذَا قَامَ قَائِمُنَا وَضَعَ اللَّهُ يَدَهُ عَلَى رُءُوسِ الْعِبَادِ فَجَمَعَ بِهَا عُقُولَهُمْ وَ كَمَلَتْ بِهِ أَحْلَامُهُمْ

22 عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ النَّبِيُّ وَ الْحُجَّةُ فِيمَا بَيْنَ الْعِبَادِ وَ بَيْنَ اللَّهِ الْعَقْلُ

لكل أحد، و لكن و فور علمهم و حسن أفعالهم و آدابهم ظهر بحيث لم يخف على أحد، و بهذا تمت حجتهم على جميع الخلق.

الحديث الحادي و العشرون

ضعيف على المشهور.

قوله عليه السلام وضع الله يده: الضمير في قوله يده إما راجع إلى الله أو إلى القائم عليه السلام، و على التقديرين كناية عن الرحمة و الشفقة أو القدرة و الاستيلاء، و على الأخير يحتمل الحقيقة.

قوله عليه السلام: فجمع بها عقولهم، يحتمل وجهين" أحدهما" أنه يجعل عقولهم مجتمعة على الإقرار بالحق فلا يقع بينهم اختلاف، و يتفقون على التصديق، و" ثانيهما" أنه يجتمع عقل كل واحد منهم و يكون جمعه باعتبار مطاوعة القوي النفسانية للعقل، فلا يتفرق لتفرقها كذا قيل، و الأول أظهر، و الضمير في" بها" راجع إلى اليد، و في" به" إلى الموضع، أو إلى القائم عليه السلام، و الأحلام جمع الحلم بالكسر و هو العقل.

الحديث الثاني و العشرون

ضعيف.

قوله عليه السلام و الحجة فيما بين العباد: كان المراد أن الحجة فيما بين العباد و بين الله في معرفة ذاته و التصديق بوجوده العقل ثم بعد ذلك يحتج عليهم في سائر التكاليف بالنبي صلى الله عليه و آله و سلم أو المراد أن الحجة الظاهرة النبي صلى الله عليه و آله و سلم و الحجة الباطنة

ص: 80

23 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ مُرْسَلًا قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع دِعَامَةُ الْإِنْسَانِ الْعَقْلُ وَ الْعَقْلُ مِنْهُ الْفِطْنَةُ وَ الْفَهْمُ وَ الْحِفْظُ وَ الْعِلْمُ وَ بِالْعَقْلِ يَكْمُلُ وَ هُوَ دَلِيلُهُ وَ مُبْصِرُهُ وَ مِفْتَاحُ أَمْرِهِ فَإِذَا كَانَ تَأْيِيدُ عَقْلِهِ مِنَ النُّورِ كَانَ عَالِماً حَافِظاً ذَاكِراً

التي لا يعرفه إلا الله العقل كما مر في الخبر، قيل: و يحتمل أن يكون المراد أن حجة الله على العباد أي ما يقطع به عذرهم، فيبكتهم اللطف بهم بإرسال النبي و المتوسط في الإيصال إلى معرفته تعالى و معرفة الرسول، و الطريق إلى المعرفة بين العباد و بين الله هو العقل و يناسب هذا إيراد لفظة" على" أو لا و تركها ثانيا.

الحديث الثالث و العشرون

مرسل.

قوله عليه السلام دعامة الإنسان: الدعامة بكسر الدال عماد البيت، و المراد أن قيام أمر الإنسان و نظام حاله بالعقل، و يحتمل أن يكون بالنظر إلى النوع، فلو لا العقل لما بقي النوع، لأن الغرض من إيجاد الإنسان المعرفة التي لا تحصل إلا بالعقل و العقل يحصل أو ينشأ منه الفطنة، و هي سرعة إدراك الأمور على الاستقامة و هذا كالدليل السابق.

قوله عليه السلام و بالعقل: أي كاملة يكمل أي الإنسان و هو أي العقل الكامل دليله أي دليل الإنسان، يدله على الحق، و مبصره بصيغة اسم الفاعل على بناء الأفعال أو التفعيل، أي جاعله بصيرا و موجب لبصيرته كقوله تعالى" فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً" أو بكسر الميم و فتح الصاد اسم آلة أي ما به بصيرته، أو بفتح الميم و الصاد اسم مكان، أي ما فيه بصيرته و علمه، و في القاموس: المبصر و المبصرة: الحجة، و مفتاح أمره أي به يفتح ما أغلق عليه من الأمور الدينية و الدنيوية و المسائل الغامضة.

قوله عليه السلام فإذا كان تأييد عقله من النور: اعلم أن النور لما كان سببا لظهور المحسوسات يطلق على كل ما يصير سببا لظهور الأشياء على الحس و العقل، فيطلق

ص: 81

فَطِناً فَهِماً فَعَلِمَ بِذَلِكَ كَيْفَ وَ لِمَ وَ حَيْثُ وَ عَرَفَ مَنْ نَصَحَهُ وَ مَنْ غَشَّهُ فَإِذَا عَرَفَ ذَلِكَ عَرَفَ مَجْرَاهُ وَ مَوْصُولَهُ وَ مَفْصُولَهُ

على العلم و على أرواح الأئمة عليه السلام، و على رحمة الله سبحانه، و على ما يلقيه في قلوب العارفين من صفاء و جلاء، به يظهر عليهم حقائق الحكم و دقائق الأمور، و على الرب تبارك و تعالى لأنه نور الأنوار، و منه يظهر جميع الأشياء في الوجود العيني، و الانكشاف العلمي، و هنا يحتمل الجميع، و من قال بالعقول المجردة ربما يفسر النور هنا بها، و تأييده بإشراقها عليه كما أومأنا سابقا إليه، و قد عرفت ما فيه" كان عالما" ذاكرا لربه بحيث لا يشغله عنه شي ء فطنا فهما في غاية الكمال فكان كاملا في القوتين النظرية و العملية و ما يذكر بعد ذلك بعضه إشارة إلى الأولى و بعضه إلى الثانية كما سيظهر.

قوله عليه السلام فعلم بذلك كيف: أي كيفية الأعمال و الأخلاق أو كيفية السلوك إلى الآخرة، و الوصول إلى الدرجات العالية أو حقائق الأشياء و" لم" أي علقة الأشياء السالفة و غايتها، أو علل وجودها و ما يؤدي إليها كعلة الأخلاق الحسنة فإنه إذا عرفها يجتنبها، أو أنه يتفكر في علقة العلل و مبدء المبادئ و سائر العلل المتوسطة، أو يتفكر في دلائل جميع الأمور و لا يأخذها بمحض التقليد و" حيث" أ ي يعلم مواضع الأمور فيضعها فيها، كالإمامة في أهل بيت الرسالة و النصيحة فيمن يقبلها، و الحكمة فيمن هو أهل لها، أو حيثيات الأشياء و الأحكام و اعتباراتها المختلفة الموجبة لاختلاف أحوالها و" عرف من نصحه" أي يقبل النصح منه و إن كان عدوه و عرف غش من غشه و إن كان صديقه، أو عرف صديقه الواقعي من عدوه الواقعي، بما يظهر منهم أو بنور الإيمان كما كان للأئمة عليه السلام يعرفون كلا بسيماهم.

قوله عليه السلام عرف مجراه، اسم مكان أو مصدر، أي سبيله الذي يجري فيه إلى الحق أو يعلم أنه متوجه إلى الآخرة و يعمل بمقتضى هذا العلم و لا يتشبث بالدنيا

ص: 82

وَ أَخْلَصَ الْوَحْدَانِيَّةَ لِلَّهِ وَ الْإِقْرَارَ بِالطَّاعَةِ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ مُسْتَدْرِكاً لِمَا فَاتَ وَ وَارِداً عَلَى مَا هُوَ آتٍ يَعْرِفُ مَا هُوَ فِيهِ وَ لِأَيِّ شَيْ ءٍ هُوَ هَاهُنَا وَ مِنْ أَيْنَ يَأْتِيهِ وَ إِلَى مَا هُوَ صَائِرٌ وَ ذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ تَأْيِيدِ الْعَقْلِ

و شهواتها" و موصولة و مفعوله" كل منهما إما اسم مفعول أو مصدر أو اسم للمصدر، أي ما ينبغي الوصل معه من الأشخاص و الأعمال و الأخلاق و ما ينبغي أن يفصل عنه من جميع ذلك، أو يعلم ما يبقى له في النشأة الآخرة، و يصل إليه و ما ينقطع عنه من أمور الدنيا الفانية، و قيل: أي ما يوصل إلى المقصود الحقيقي و ما يفصله عنه و هو بعيد.

و أخلص الوحدانية لله: أي علم أنه الواحد الحقيقي الذي لا جزء له في الخارج و لا في العقل و لا في الوهم، و صفاته عين ذاته و لا تكثر فيه بوجه من الوجوه و لا شريك له في الإلهية، و الإقرار بالطاعة: أي أقر بأنه لا يستحق الطاعة غيره سبحانه" فإذا فعل ذلك" أي إخلاص الوحدانية و الطاعة، و يحتمل أن يكون ذلك راجعا إلى الرجل المؤيد، أي إذا فعل فعلا كان مستدركا بذلك الفعل لما فات و الأول أظهر.

" على ما هو آت" أي من الأعمال الحسنة أو المراتب العالية" يعرف ما هو فيه" أي النشأة الفانية و فناؤها و معيبها أو من العقائد و الأعمال و الأخلاق، فإن كانت حقة لزمها و إن كانت باطلة تركها.

قوله عليه السلام: و لأي شي ء هو ههنا، أي يعرف أنه تعالى إنما أنزله إلى الدنيا لمعرفته و عبادته و تحصيل السعادات الأخروية فيبذل همته فيها.

قوله عليه السلام: و من أين يأتيه، أي النعم و الخيرات و يعلم مولاها فيشكره و يتوكل عليه و لا يتوسل بغيره تعالى في شي ء منها، أو الأعم منها و من البلايا و الآفات و الشرور و المعاصي فيعلم أن المعاصي من نفسه الأمارة و من الشيطان، فيحترس منهما و كذا سائر الأمور و عللها.

قوله عليه السلام و إلى ما هو صائر، أي إلى أي شي ء هو صائر، أي الموت و أحوال القبر و أهوال الآخرة و نعيمها و عذابها، أو الأعم منها و من درجات الكمال، و دركات النقص و الوبال، و إضافة التأبيد إلى العقل إما إلى الفاعل أو إلى المفعول فتفطن.

ص: 83

24 عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ بَعْضِ رِجَالِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ الْعَقْلُ دَلِيلُ الْمُؤْمِنِ

25 الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْوَشَّاءِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ عَنِ السَّرِيِّ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص يَا عَلِيُّ لَا فَقْرَ أَشَدُّ مِنَ الْجَهْلِ وَ لَا مَالَ أَعْوَدُ مِنَ الْعَقْلِ

26 مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ رَزِينٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْعَقْلَ قَالَ لَهُ أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ ثُمَّ قَالَ لَهُ أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ فَقَالَ وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي مَا خَلَقْتُ خَلْقاً أَحْسَنَ مِنْكَ إِيَّاكَ آمُرُ وَ إِيَّاكَ أَنْهَى وَ إِيَّاكَ أُثِيبُ وَ إِيَّاكَ أُعَاقِبُ

27 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ أَبِي مَسْرُوقٍ النَّهْدِيِّ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع الرَّجُلُ آتِيهِ وَ أُكَلِّمُهُ بِبَعْضِ كَلَامِي فَيَعْرِفُهُ كُلَّهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ آتِيهِ فَأُكَلِّمُهُ بِالْكَلَامِ فَيَسْتَوْفِي كَلَامِي كُلَّهُ ثُمَّ يَرُدُّهُ عَلَيَّ كَمَا كَلَّمْتُهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ آتِيهِ فَأُكَلِّمُهُ فَيَقُولُ أَعِدْ عَلَيَّ فَقَالَ يَا إِسْحَاقُ وَ مَا تَدْرِي لِمَ هَذَا قُلْتُ لَا قَالَ الَّذِي تُكَلِّمُهُ بِبَعْضِ كَلَامِكَ فَيَعْرِفُهُ كُلَّهُ

الحديث الرابع و العشرون

ضعيف.

الحديث الخامس و العشرون

ضعيف على المشهور.

قوله عليه السلام: أعود، أي أنفع.

الحديث السادس و العشرون

ضعيف في المشهور و قد مر الكلام فيه.

الحديث السابع و العشرون

مجهول و في بعض النسخ الحسن بن خالد و هو أيضا مجهول و الظاهر الحسين كما في العلل.

قوله: ثم يرده علي: أي أصل الكلام كما سمعه أو يجيب على ما كلمته و الثاني أظهر.

قوله عليه السلام: و ما تدري لم هذا؟ قيل: إنما قال عليه السلام ذلك تتمة لسؤاله و لذا

ص: 84

فَذَاكَ مَنْ عُجِنَتْ نُطْفَتُهُ بِعَقْلِهِ وَ أَمَّا الَّذِي تُكَلِّمُهُ فَيَسْتَوْفِي كَلَامَكَ ثُمَّ يُجِيبُكَ عَلَى كَلَامِكَ فَذَاكَ الَّذِي رُكِّبَ عَقْلُهُ فِيهِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَ أَمَّا الَّذِي تُكَلِّمُهُ بِالْكَلَامِ فَيَقُولُ أَعِدْ عَلَيَّ فَذَاكَ الَّذِي رُكِّبَ عَقْلُهُ فِيهِ بَعْدَ مَا كَبِرَ فَهُوَ يَقُولُ لَكَ أَعِدْ عَلَيَ

28 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ بَعْضِ مَنْ رَفَعَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ كَثِيرَ الصَّلَاةِ كَثِيرَ الصِّيَامِ فَلَا تُبَاهُوا بِهِ حَتَّى تَنْظُرُوا كَيْفَ عَقْلُهُ

29 بَعْضُ أَصْحَابِنَا رَفَعَهُ عَنْ مُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ يَا مُفَضَّلُ لَا يُفْلِحُ مَنْ لَا يَعْقِلُ

أتى بالعاطف فصدقه السائل بقوله" لا" أي لا أدري و يحتمل أن يكون قوله: و ما تدري استفهاما أي أو ما تدري لكن لا يحسن الواو فإنه لا وجه للعطف حينئذ و الأحسن الاستئناف" انتهى" ثم اعلم أنه يحتمل أن يكون كلامه عليه السلام في الجواب جاريا على وجه المجاز، لبيان اختلاف الأنفس في الاستعدادات الذاتية أي كأنه عجنت نطفته بعقله مثلا، و أن يكون المراد أن بعض الناس يستكمل نفسه الناطقة بالعقل و استعداد فهم الأشياء و إدراك الخير و الشر، عند كونه نطفة، و بعضهم عند كونه في البطن، و بعضهم بعد كبر الشخص و استعمال الحواس و حصول البديهيات و تجربة الأمور، و أن يكون المراد الإشارة إلى أن اختلاف المواد البدنية له مدخل في اختلاف العقل.

الحديث الثامن و العشرون

مرسل.

قوله عليه السلام فلا تباهوا به: من المباهاة بمعنى المفاخرة، و قال بعض الأفاضل: يحتمل أن يكون من المهموز فخفف، أي لا تؤانسوا به حتى تنظروا كيف عقله، قال الجوهري بهات بالرجل و بهئت به بالفتح و الكسر بهاء و بهوءا: أنست به.

الحديث التاسع و العشرون

ضعيف على المشهور.

قوله عليه السلام: لا يفلح من لا يعقل، الفلاح: الفوز و النجاة، و المراد بمن لا يعقل

ص: 85

وَ لَا يَعْقِلُ مَنْ لَا يَعْلَمُ وَ سَوْفَ يَنْجُبُ مَنْ يَفْهَمُ وَ يَظْفَرُ مَنْ يَحْلُمُ وَ الْعِلْمُ جُنَّةٌ وَ الصِّدْقُ عِزٌّ وَ الْجَهْلُ ذُلٌّ وَ الْفَهْمُ مَجْدٌ وَ الْجُودُ نُجْحٌ وَ حُسْنُ الْخُلُقِ مَجْلَبَةٌ لِلْمَوَدَّةِ

من لا يتبع حكم العقل، و لا يكون عقله مستوليا على هوى نفسه، أو من لا يكون عقله كاملا، أو يتعقل و يتفكر فيما ينفعه و لا يعقل و لا يستولي عقله، أو لا يكون عقله كاملا أو يتعقل من لا يحصل العلم ليصير ذا علم، أو من لا يكون عالما بما يجب عليه و ما ينبغي تعقله و التدبر فيه.

قوله عليه السلام: و سوف ينجب، النجيب: الفاضل النفيس في نوعه، و المراد أنه من يكون ذا فهم فهو قريب من أن يصير عالما، و من صار عالما فقريب من أن يستولي عقله على هوى نفسه.

قوله عليه السلام و يظفر: أي الحلم سبب للظفر على العدو أو الظفر بالمقصود، أو الاستيلاء على النفس و الشيطان.

قوله عليه السلام و العلم جنة: أي وقاية من غلبة القوي الشهوانية و الغضبية و الدواعي النفسانية و من أن يلتبس عليه الأمر و تدخل عليه الشبهة أو سبب للاحتراز عن شر الأعادي كالجنة إذ بالعلم يمكن الظفر على الأعادي الظاهرة و الباطنة.

قوله عليه السلام و الصدق عز: أي شرف أو قوة و غلبة، و قيل: المراد بالصدق هنا الصدق في الاعتقاد و لذا قابله بالجهل، فإن الاعتقاد الكاذب جهل، كما أن الاعتقاد الصادق علم.

قوله عليه السلام و الفهم مجد: المجد نيل الشرف و الكرم.

قوله عليه السلام و الجود نجح، النجح بالضم: الظفر بالحوائج.

قوله عليه السلام مجلبة: هي إما مصدر ميمي حمل مبالغة، أو اسم مكان أو اسم آلة و الأول أوفق بنظائره.

ص: 86

وَ الْعَالِمُ بِزَمَانِهِ لَا تَهْجُمُ عَلَيْهِ اللَّوَابِسُ وَ الْحَزْمُ مَسَاءَةُ الظَّنِّ وَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ الْحِكْمَةِ نِعْمَةُ

قوله عليه السلام لا تهجم عليه اللوابس: الهجوم الإتيان بغتة، و اللوابس الأمور المشتبهة، و الحاصل أن من عرف أهل زمانه و ميز بين حقهم و باطلهم، و عالمهم و جاهلهم، و من يتبع الحق و من يتبع الأهواء منهم، لا يشتبه عليه الأمور، و يتبع المحقين و يترك المبطلين، و لا تعرض له شبهة، بكثرة أهل الباطل و قلة أهل الحق و غلبة المبطلين و ضعف المحقين.

قوله: و الحزم مساءة الظن، الحزم إحكام الأمر و ضبطه و الأخذ فيه بالثقة، و المساءة مصدر ميمي، و المراد أن إحكام الأمر و ضبطه و الأخذ فيه بالثقة يوجب سوء الظن، أو يترتب على سوء الظن بأهل الزمان بعدم الاعتماد عليهم في الدين و الدنيا و هذا مما يؤكد الفقرة السابقة،" فإن قيل": قد ورد في الأخبار أنه يجب حسن الظن بالإخوان و حمل أقوالهم و أفعالهم على المحامل الصحيحة و هذا ينافيه؟

" قلت" يحتمل الجمع بينهما بوجهين، الأول: أن تلك الأخبار محمولة على ما إذا ظهر كونهم من المؤمنين، و هذا على عدمه، الثاني: أن يقال حمل أفعالهم و أقوالهم على المحامل الصحيحة لا ينافي عدم الاعتماد عليهم في أمور الدين و الدنيا، حتى يظهر منهم ما يوجب اطمئنان النفس بهم، و الوثوق عليهم، و سيأتي بعض القول في ذلك في كتاب الإيمان و الكفر.

قوله عليه السلام بين المرء و الحكمة: أقول: يحتمل هذا الكلام وجوها من التأويل إذ يمكن أن يقرأ العالم بكسر اللام و بفتحها، و مجرورا بالإضافة و مرفوعا، و على كل من التقادير يحتمل وجوها:" الأول": ما ذكره بعض أفاضل المحشين قد سقى الله روحه، حيث قال: لعل المراد بكون الشي ء بين المرء و الحكمة كونه موصلا للمرء إليها، و واسطة في حصولها له، كما ورد في رواية جابر عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم بين العبد و الكفر ترك الصلاة، أي تركها موصل للعبد إلى الكفر، و الغرض أن ما أنعم الله به على العالم من العلم و الفهم و الصدق على الله، واسطة للمرء توصله إلى

ص: 87

الْعَالِمِ وَ الْجَاهِلُ شَقِيٌّ بَيْنَهُمَا

الحكمة، فإن المرء إذا عرف حال العالم أتبعه و أخذ منه، فيحصل له الحكمة و معرفة الحق و الإقرار به و العمل على وفقه، و كذا بمعرفة حال الجاهل، و أنه غير عالم فهم صادق على الله يترك متابعته، و الأخذ منه و يسعى في طلب العالم، فيطلع عليه و يأخذ منه، فالجاهل باعتبار سوء حاله باعث بعيد لوصول المرء إلى الحكمة، و هو شقي محروم يوصل معرفة حاله المرء إلى سعادة الحكمة، و هذا الكلام كالتفسير و التأكيد لما سبقه، و يحتمل أن يحمل البينية في الأول على التوسط في الإيصال، و في الثاني على كون الشي ء حاجزا مانعا من الوصول، فالجاهل شقي مانع من الوصول إلى الحكمة، ثم قال: و لا يبعد أن يقال: المراد بنعمة العالم، العالم نفسه، و الإضافة بيانية أو يكون العالم بدلا من قوله: نعمة، فإن العالم أشرف ما أنعم الله بوجوده على عباده.

الثاني ما ذكره بعض أفاضل الشارحين أيضا حيث قال: لعل المراد به أن الرجل الحكيم من لدن عقله و تميزه إلى بلوغه حد الحكمة متنعم بنعمة العلم و نعيم العلماء فإنه لا يزال في نعمة من أغذية العلوم و فواكه المعارف، فإن معرفة الحضرة الإلهية لروضة فيها عين جارية و أشجار مثمرة قطوفها دانية، بل جنة عرضها كعرض السماء و الأرض، و الجاهل بين مبدء أمره و منتهى عمره في شقاوة عريضة، و طول أمل طويل، و معيشة ضنك و ضيق صدر و ظلمة قلب، إلى قيام ساعته، و كشف غطائه، و في الآخرة عذاب شديد" انتهى كلامه" و هو مبني على الإضافة.

الثالث ما ذكره الوالد العلامة نقلا عن مشايخه العظام قدس الله أرواحهم: و هو أن يقرأ نعمة بالتنوين و يكون العالم مبتدأ و الجاهل معطوفا عليه، و شقي خبر كل منهما، و الضمير في بينهما راجع إلى المرء و الحكمة، و الحاصل أن الذي يوصل المرء إلى الحكمة هو توفيق الله تعالى و هو من أعظم نعمه على العباد، و العالم و الجاهل يشقيان و يتعبان بينهما، فمع توفيقه تعالى لا يحتاج إلى سعي العالم و لا يضر منع

ص: 88

الجاهل، و مع خذلانه تعالى لا ينفع سعي العالم و يؤيد هذا ما في بعض النسخ من قوله يسعى مكان شقي.

الرابع: أن يقرأ العالم بالفتح إما مجرورا بالإضافة البيانية أو مرفوعا بالبدلية أي بين المرء و الحكمة نعمة هي العالم، فإن بالتفكر فيه و في غرائب صنعه تعالى يصل إلى الحكمة، و الجاهل شقي محروم بين الحكمة و تلك النعمة.

الخامس: أن يقرأ العالم بالكسر مرفوعا على البدلية و يكون الضمير في بينهما راجعا إلى الجاهل و الحكمة، و المعنى أن بين المرء و وصوله إلى الحكمة نعمة هي العالم، فإن بهدايته و إرشاده و تعليمه يصل إلى الحكمة، و الجاهل يتوسط بينه و بين الحكمة شقي يمنعه عن الوصول إليها.

السادس: أن يقرأ العالم بالكسر و الجر بالإضافة اللامية، و ضمير بينهما راجعا إلى الحكمة، و نعمة العالم أي يتوسط بين المرء و الحكمة نعمة العالم، و هي إرشاده و تعليمه، و الجاهل محروم بين الحكمة و تلك النعمة أي منهما جميعا.

السابع ما ذكره بعض الشارحين أيضا: و هو أن يكون البين مرفوعا بالابتدائية و نعمة خبره مضافا إلى [العالم بكسر اللام و الجاهل أيضا مرفوعا بالابتدائية و شقي خبره مضافا إلى] بينهما، و ضمير بينهما راجعا إلى المرء و الحكمة، و قال: المراد بالعالم إمام الحق و بالجاهل إمام الجور، و حاصل المعنى: أن وصل المرء مع الحكمة نعمة للإمام تصير سببا لسروره، لأن بالهداية يفرح الإمام و إمام الجور يتعب و يحزن بالوصل بين المرء و الحكمة، و لا يخفى ما فيه.

الثامن: قرأ بعضهم نعمة العالم بفتح النون يعني أن الموصل للمرء إلى الحكمة تنعم العالم بعلمه، فإذا رآه المرء انبعث نفسه إلى تحصيل الحكمة، و الجاهل له شقاوة حاصلة من بين المرء و الحكمة، أو المتعلم و العالم، و ذلك لأنه لا يزال يتعب نفسه إما بالحسد أو الحسرة على الفوت، أو السعي في التحصيل مع عدم القابلية.

ص: 89

وَ اللَّهُ وَلِيُّ مَنْ عَرَفَهُ وَ عَدُوُّ مَنْ تَكَلَّفَهُ وَ الْعَاقِلُ غَفُورٌ وَ الْجَاهِلُ خَتُورٌ وَ إِنْ شِئْتَ أَنْ تُكْرَمَ فَلِنْ وَ إِنْ شِئْتَ أَنْ تُهَانَ فَاخْشُنْ وَ مَنْ كَرُمَ أَصْلُهُ لَانَ قَلْبُهُ

أقول: و الكلام يحتمل وجوها آخر ذكرها يوجب الإطناب، و يمكن فهم بعضها مما أومأنا إليه من المحتملات و الله تعالى و حججه عليه السلام أعلم بحقائق كلامهم.

قوله عليه السلام ولي من عرفه: أي محبة أو ناصره، أو المتولي لأموره حتى يبلغ به حد الكمال.

قوله عليه السلام من تكلفه: أي تكلف معرفته و أظهر من معرفته ما ليس له، أو طلب من معرفته تعالى ما ليس في وسعه و طاقته.

قوله عليه السلام غفور: أي يعفو عن زلات الناس، أو يستر عيوبهم، أو يصلح نفسه و غيره، من غفر الأمر بمعنى أصلحه.

قوله عليه السلام ختور: هو من الختر بمعنى المكر و الخديعة، و قيل: بمعنى خباثة النفس و فسادها، قال الفيروزآبادي: الختر: الغدر و الخديعة، و خترت نفسه خبثت و فسدت.

قوله عليه السلام تهن: الظاهر تهان كما في بعض النسخ، و على ما في أكثر النسخ يمكن أن يقرأ على المعلوم من وهن يهن بمعنى ضعف.

قوله عليه السلام و من كرم أصله: لعل المراد بكرم الأصل كون النفس فاضلة شريفة أو كون طينته طيبة كما يدل عليه قوله: خشن عنصره و إنما نسب اللين إلى القلب و الغلظة إلى الكبد، لأنهما من صفات النفس و لكل منهما مدخلية في التعطف و الغلظة، و سرعة قبول الحق و عدمها، فنسب في كل من الفرقتين إلى أحدهما ليظهر مدخليتهما في ذلك، و يحتمل أن يكون الأول إشارة إلى سرعة الانقياد للحق و قبوله، و الثاني إلى عدم الشفقة و التعطف على العباد، و يمكن أن يكون النكتة في العدول عن القلب إلى الكبد التنبيه على أن الجاهل لا قلب له، فإن القلب يطلق على محل المعرفة

ص: 90

وَ مَنْ خَشُنَ عُنْصُرُهُ غَلُظَ كَبِدُهُ وَ مَنْ فَرَّطَ تَوَرَّطَ وَ مَنْ خَافَ الْعَاقِبَةَ تَثَبَّتَ عَنِ التَّوَغُّلِ فِيمَا لَا يَعْلَمُ وَ مَنْ هَجَمَ عَلَى أَمْرٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ جَدَعَ أَنْفَ نَفْسِهِ وَ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ لَمْ يَفْهَمْ وَ مَنْ لَمْ يَفْهَمْ لَمْ يَسْلَمْ وَ مَنْ لَمْ يَسْلَمْ لَمْ يُكْرَمْ وَ مَنْ لَمْ يُكْرَمْ يُهْضَمْ وَ مَنْ

و الإيمان، قال سبحانه:" إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ" و ربما يجعل لين القلب إشارة إلى عدم المبالغة في القهر و الغلبة و التسلط، و غلظة الكبد إلى قوة القوي الشهوانية، لأن الكبد آله للنفس البهيمية، و القوة الشهوية لأنه آلة للتغذية و توزيع بدل ما يتحلل على الأعضاء، فيوجب قوة الرغبة في المشتهيات.

قوله عليه السلام و من فرط: بالتشديد أو التخفيف بمعنى قصر، أي من قصر في طلب الحق و فعل الطاعات أوقع نفسه في ورطات المهالك، أو بالتخفيف بمعنى سبق أي من استعجل في ارتكاب الأمور و بادر إليها من غير تفكر للعواقب أوقع نفسه في المهالك، قال الجوهري: فرط في الأمر يفرطه أي قصر فيه، و ضيقه حتى فات، و كذلك التفريط و فرط عليه أي عجل و عدا و منه قوله تعالى" إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا" و فرط إليه مني قول، أي سبق، و قال: الورطة الهلاك، و التورط الوقوع فيها، و التوغل:

الدخول في الأمر بالاستعجال من غير روية.

قوله عليه السلام جدع أنف نفسه: أي جعل نفسه ذليلا غاية الذل، و الجدع قطع الأنف.

قوله عليه السلام و من لم يعلم. أي من لم يكن عالما بشي ء لم يميز بين الحق و الباطل فيه، و من لم يميز بين الحق و الباطل لم يسلم من ارتكاب الباطل، بل لا يسلم في شي ء أصلا، أما في ارتكاب الباطل فظاهر، و أما في ارتكاب الحق إن اتفق فلأن القول به بلا علم هلاك و ضلالة، و من لم يسلم لم يكرم على البناء للمفعول أي لم يعامل معه معاملة الكرام بل يخذل، أو على النبإ للفاعل أي لم يكن شريفا فاضلا و من لم يكرم يهضم على البناء للمفعول أي يكسر عزه و بهاؤه، و يهان أو يترك مع نفسه و يوكل أمره إليه، أو يظلم و من يهضم كان ألوم أي أشد ملامة و أكثر استحقاقا

ص: 91

يُهْضَمْ كَانَ أَلْوَمَ وَ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ أَحْرَى أَنْ يَنْدَمَ

30 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى رَفَعَهُ قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع مَنِ اسْتَحْكَمَتْ لِي فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ احْتَمَلْتُهُ عَلَيْهَا وَ اغْتَفَرْتُ فَقْدَ مَا سِوَاهَا وَ لَا أَغْتَفِرُ فَقْدَ عَقْلٍ وَ لَا دِينٍ لِأَنَّ مُفَارَقَةَ الدِّينِ مُفَارَقَةُ الْأَمْنِ فَلَا يَتَهَنَّأُ بِحَيَاةٍ مَعَ مَخَافَةٍ وَ فَقْدُ الْعَقْلِ فَقْدُ الْحَيَاةِ وَ لَا يُقَاسُ إِلَّا بِالْأَمْوَاتِ

لأن يلام، و من كان كذلك كان أجدر بالندامة على ما ساقه إلى نفسه من الملامة بسبب التوغل فيما لا يعلم.

الحديث الحادي و الثلاثون

مجهول.

قوله عليه السلام إعجاب المرء: الإعجاب مصدر مبني للمفعول، أضيف إلى المفعول يقال: فلان معجب برأيه على بناء المفعول إذا أعجبه رأيه و استحسنه، و العجب أن يظن الإنسان بنفسه منزلة لا يستحقها و يصدق نفسه في هذا الظن، و ذلك إنما يحصل من قلة التميز و المعرفة، و عدم معرفة قبائح النفس و نقائصها، فهو دليل على ضعف العقل.

الحديث الثاني و الثلاثون

موثق.

قوله عليه السلام لا يعبأ: أي لا يبالي بمن لا عقل له من أهل الدين، و لم يعد شريفا و لا يلتفت إليه، و لا يثاب على أعماله ثوابا جزيلا.

قوله عليه السلام ممن يصف هذا الأمر: أي ممن يقول بقول الإمامية قوما لا بأس بهم في الاعتقاد و العمل عندنا أي في بلادنا أو باعتقادنا، و ليست لهم تلك العقول دل بإتيان لفظة تلك- و هي للإشارة إلى البعيد- على علو درجة العقول المسلوبة عنهم إشارة إلى أن لهم قدرا من العقل اهتدوا به إلى ما اهتدوا إليه، و غرضه السؤال عن حالهم أ يعبأ بهم أم لا؟ فقال عليه السلام: ليس هؤلاء ممن خاطب الله و كلفهم بالتكاليف الشاقة، و عرضهم للوصول إلى الدرجات الرفيعة، و لا يعتنى بشأنهم، و في قوله: بك

ص: 92

ص: 93

فَقَالَ وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي مَا خَلَقْتُ شَيْئاً أَحْسَنَ مِنْكَ أَوْ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْكَ بِكَ آخُذُ وَ بِكَ أُعْطِي

33 عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ لَيْسَ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَ الْكُفْرِ إِلَّا قِلَّةُ الْعَقْلِ قِيلَ وَ كَيْفَ ذَاكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ إِنَّ الْعَبْدَ يَرْفَعُ رَغْبَتَهُ إِلَى مَخْلُوقٍ فَلَوْ أَخْلَصَ نِيَّتَهُ لِلَّهِ لَأَتَاهُ

آخذ و بك أعطي، دلالة على أن المؤاخذة بالمعاصي و الإعطاء بالطاعة بالعقل، و هو مناطهما، فكلما كمل كثرت المؤاخذة و الإعطاء، و كلما نقص قلت المؤاخذة و الإعطاء، فيصل إلى مرتبة لا يبالي بهم و لا يهتم بأمرهم، و لا يشدد و لا يضيق عليهم.

الحديث الثالث و الثلاثون

مرسل.

قوله عليه السلام إلا قلة العقل: أي من لم يكن قليل العقل فهو إما مؤمن و إما كافر و أما قليل العقل، فهو غير متصف بهما، إما أصلا إذا حمل على عدم حصول العقل الذي هو مناط التكليف، أو كاملا كما في المرجئين لأمر الله أو المعنى: من كان كاملا في العقل فهو مؤمن كامل، و من كان عاريا عن العقل فهو كافر، و من كان قليل العقل فهو متوسط بينهما، و مثل عليه السلام لقليل العقل مثلا يدل على أن أرباب المعاصي ليست معصيتهم إلا لقلة عقلهم و تدبرهم، و الأظهر أن المراد أنه ليست الواسطة بين الإيمان و الكفر، أي ما يخرج من الإيمان و يدخل في الكفر إلا قلة العقل و مطابقة التمثيل حينئذ ظاهر، فالمراد بالإيمان الإيمان الكامل الذي يخرج منه الإنسان بالتوسل بغيره تعالى و الاعتماد عليه، فإن مقتضى الإيمان الكامل بقدرة الله تعالى و كونه مالكا لضر العباد و نفعهم، أن لا يتوكل إلا عليه، و لا يرفع مطلوبه إلا إليه، فمن توسل بغيره تعالى في شي ء من أموره فقد خرج من هذا الإيمان و دخل في الكفر الذي يقابله.

قوله عليه السلام: رغبته، أي مرغوبة و مطلوبه و حاجته.

قوله عليه السلام لأتاه: إما على بناء المجرد فالموصول فاعله، أو على بناء الأفعال ففاعله الضمير الراجع إلى الله و الموصول مفعوله.

ص: 94

الَّذِي يُرِيدُ فِي أَسْرَعَ مِنْ ذَلِكَ

34 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ الدِّهْقَانِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْحَلَبِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ عِمْرَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع يَقُولُ بِالْعَقْلِ اسْتُخْرِجَ غَوْرُ الْحِكْمَةِ وَ بِالْحِكْمَةِ اسْتُخْرِجَ غَوْرُ الْعَقْلِ وَ بِحُسْنِ السِّيَاسَةِ يَكُونُ الْأَدَبُ الصَّالِحُ قَالَ وَ كَانَ يَقُولُ التَّفَكُّرُ حَيَاةُ قَلْبِ الْبَصِيرِ كَمَا يَمْشِي الْمَاشِي فِي الظُّلُمَاتِ بِالنُّورِ بِحُسْنِ التَّخَلُّصِ وَ قِلَّةِ التَّرَبُّصِ

قوله عليه السلام من ذلك: أي من إتيانه ذلك المخلوق أو من وقت الرفع إليه، أو من ذلك الوقت الذي يتوقع حصول مطلوبه عند المخلوق

الحديث الرابع و الثلاثون

ضعيف.

قوله عليه السلام غور الحكمة: قيل أي قعر الحكمة و البالغ منها نهاية الخفاء و الحكمة العلوم الحقة و المعارف اليقينية التي يدركها العقل، فالوصول إلى أخفاها و حقيقة بواطنها بالعقل و بالحكمة استخرج غور العقل، أي نهاية ما في قوته من الوصول إلى العلوم و المعارف، فإن بالعلم و المعرفة يعرف نهاية مرتبة العقل، أو يظهر نهاية مرتبته و يبلغ كماله.

أقول: في بعض النسخ" عوز" بالعين المهملة و الزاي المعجمة، و عوز كل شي ء نقصه و قلته، و لعله تصحيف، و يمكن توجيهه بما يرجع إلى الأول.

قوله عليه السلام: و بحسن السياسة: أي بحسن الأمر و النهي أو بحسن التأديب من الإمام و المعلم و الوالد و المالك و أضرابهم، يحصل الآداب الصالحة الحسنة، و يمكن أن يعم بحيث يشمل سياسة النفس، و قيل: المراد بالسياسة المعاشرة مع الخلق.

قوله عليه السلام: حياة قلب البصير: أي قلب البصير الفهم يصير حيا عالما عارفا بالتفكر، و هو الحركة النفسانية في المقدمات الموصلة إلى المطلوب، و منها إلى المطلوب فالفهم يمشي و يتحرك بتفكره في حال جهله بالمطلوب إلى المطلوب بحسن

ص: 95

35 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْبَزَّازِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَمَّادٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ إِنَّ أَوَّلَ الْأُمُورِ وَ مَبْدَأَهَا وَ قُوَّتَهَا وَ عِمَارَتَهَا الَّتِي لَا يُنْتَفَعُ بِشَيْ ءٍ إِلَّا بِهِ الْعَقْلُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ زِينَةً لِخَلْقِهِ وَ نُوراً لَهُمْ فَبِالْعَقْلِ عَرَفَ الْعِبَادُ خَالِقَهُمْ وَ أَنَّهُمْ مَخْلُوقُونَ وَ أَنَّهُ الْمُدَبِّرُ لَهُمْ وَ أَنَّهُمُ الْمُدَبَّرُونَ وَ أَنَّهُ الْبَاقِي وَ هُمُ الْفَانُونَ وَ اسْتَدَلُّوا بِعُقُولِهِمْ عَلَى مَا رَأَوْا مِنْ خَلْقِهِ مِنْ سَمَائِهِ وَ أَرْضِهِ وَ شَمْسِهِ وَ قَمَرِهِ وَ لَيْلِهِ وَ نَهَارِهِ وَ بِأَنَّ لَهُ وَ لَهُمْ خَالِقاً وَ مُدَبِّراً لَمْ يَزَلْ وَ لَا يَزُولُ وَ عَرَفُوا بِهِ الْحَسَنَ مِنَ الْقَبِيحِ وَ أَنَّ الظُّلْمَةَ فِي الْجَهْلِ وَ أَنَّ النُّورَ فِي الْعِلْمِ فَهَذَا مَا دَلَّهُمْ عَلَيْهِ الْعَقْلُ قِيلَ لَهُ فَهَلْ يَكْتَفِي الْعِبَادُ بِالْعَقْلِ دُونَ غَيْرِهِ قَالَ إِنَّ الْعَاقِلَ لِدَلَالَةِ عَقْلِهِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ قِوَامَهُ وَ زِينَتَهُ وَ هِدَايَتَهُ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَ أَنَّهُ هُوَ رَبُّهُ وَ عَلِمَ أَنَّ لِخَالِقِهِ مَحَبَّةً وَ أَنَّ لَهُ كَرَاهِيَةً وَ أَنَّ لَهُ طَاعَةً وَ أَنَّ لَهُ مَعْصِيَةً فَلَمْ يَجِدْ عَقْلَهُ يَدُلُّهُ عَلَى ذَلِكَ وَ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُوصَلُ إِلَيْهِ إِلَّا بِالْعِلْمِ وَ طَلَبِهِ وَ أَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِعَقْلِهِ إِنْ لَمْ

التخلص و النجاة من الوقوع في الباطل و قلة التربص و الانتظار في الوصول إلى الحق كذا ذكره بعض الأفاضل و يطلق التفكر غالبا في الأحاديث على التفكر و الاعتبار بأحوال الدنيا و فنائها و دناءتها و زوال لذاتها، و ما يوجب الزهد في الدنيا و ترك مشتهياتها و التوجه إلى تحصيل الآخرة و تحصيل سعاداتها، و هذا التفكر يحيى قلب البصير و يزهده في الدنيا، و ينور له طريق الوصول إلى الآخرة، فيتخلص من فتن الدنيا و آفاتها و مضلات الفتن و مشتبهاتها، و يسعى بقدمي الإخلاص و اليقين إلى أعلى منازل المقر بين، و قوله: بحسن التخلص يحتمل تعلقه بيمشي أو بالتفكر أو بهما، و يحتمل أن يكون حالا عن الماشي أو المتفكر أو عنهما، و إن كان بعضها بعيدا لفظا و بعضها معنى فلا تغفل.

ص: 96

يُصِبْ ذَلِكَ بِعِلْمِهِ فَوَجَبَ عَلَى الْعَاقِلِ طَلَبُ الْعِلْمِ وَ الْأَدَبِ الَّذِي لَا قِوَامَ لَهُ إِلَّا بِهِ

36 عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنِ النَّضْرِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ حُمْرَانَ وَ صَفْوَانَ بْنِ مِهْرَانَ الْجَمَّالِ قَالا سَمِعْنَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ لَا غِنَى أَخْصَبُ مِنَ الْعَقْلِ وَ لَا فَقْرَ أَحَطُّ مِنَ الْحُمْقِ وَ لَا اسْتِظْهَارَ فِي أَمْرٍ بِأَكْثَرَ مِنَ الْمَشُورَةِ فِيهِ

وَ هَذَا آخِرُ كِتَابِ الْعَقْلِ وَ الْجَهْلِ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ تَسْلِيماً

يصب ذلك بعلمه، فوجب على العاقل طلب العلم و الأب الذي لا قوام له إلا به.

ب- علي بن محمد، عن بعض أصحابه، عن ابن أبي عمير، عن النضر بن سويد، عن حمران و صفوان بن مهران الجمال قالا: سمعنا أبا عبد الله عليه السلام يقول لا غنى أخصب من العقل، و لا فقر أحط من الحمق، و لا استظهار في أمر بأكثر من المشورة فيه].

و هذا آخر كتاب العقل [و الجهل] و الحمد لله وحده و صلى الله على محمد و آله و سلم تسليما

ص: 97

كِتَابُ فَضْلِ الْعِلْمِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* بَابُ فَرْضِ الْعِلْمِ وَ وُجُوبِ طَلَبِهِ وَ الْحَثِّ عَلَيْهِ

1 أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحُسَيْنِ الْفَارِسِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَلَا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ بُغَاةَ الْعِلْمِ

كتاب فضل العلم

باب فرض العلم و وجوب طلبه و الحث عليه

باب فرض العلم و وجوب طلبه و الحث عليه

كذا في أكثر النسخ و في بعضها قبل الباب: كتاب فضل العلم و يؤيد الأول أن الشيخ عد كتاب العقل و فضل العلم كتابا واحدا من كتب الكافي حيث عدها في الفهرست، و يؤيد الثاني أن النجاشي عد كتاب فضل العلم بعد ما ذكر كتاب العقل من كتب الكافي.

الحديث الأول

مجهول.

قوله صلى الله عليه و آله و سلم طلب العلم فريضة: المراد بالعلم العلم المتكفل بمعرفة الله و صفاته و ما يتوقف عليه المعرفة و العلم المتعلق بمعرفة الشريعة القويمة.

و الأول له مرتبتان: الأولى: مرتبة يحصل بها الاعتقاد الحق الجازم و إن لم يقدر على حل الشكوك و الشبهات، و طلب هذه المرتبة فرض عين، و الثانية: مرتبة يقدر بها على حل الشكوك و دفع الشبهات و طلب هذه المرتبة فرض كفاية.

و الثاني أي العلم المتعلق بالشريعة القويمة أيضا له مرتبتان: إحداهما العلم بما يحتاج إلى عمله من العبادات و غيرها و لو تقليدا، و طلبه فرض عين، و الثانية:

العلم بالأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، و اصطلح في هذه الأعصار على التعبير

ص: 98

2 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ

3 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ قَالَ سُئِلَ أَبُو الْحَسَنِ ع هَلْ يَسَعُ النَّاسَ تَرْكُ الْمَسْأَلَةِ عَمَّا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَا

4 عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ وَ غَيْرُهُ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ وَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى جَمِيعاً عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَمَّنْ حَدَّثَهُ قَالَ سَمِعْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُ أَيُّهَا النَّاسُ اعْلَمُوا أَنَّ كَمَالَ الدِّينِ طَلَبُ الْعِلْمِ وَ الْعَمَلُ بِهِ أَلَا وَ إِنَّ طَلَبَ الْعِلْمِ أَوْجَبُ عَلَيْكُمْ مِنْ طَلَبِ الْمَالِ إِنَ

عنها بالاجتهاد و طلبها فرض كفاية في الأعصار التي لا يمكن الوصول فيها إلى الحجة، و أما في العصر الذي كان الحجة ظاهرا، و الأخذ منه ميسرا ففيه كفاية عن الاجتهاد، و كذا عن المرتبة الثانية من العلم المتكفل بمعرفة الله و صفاته و توابعه، ثم نقول:

مراده ظاهرا فرض العين و بحسب ذلك الزمان فيكون المفترض المرتبتين الأوليين من العلمين، و لما بين فرض العلم رغب في المرتبة الغير المفروضة و هو الاشتغال بتحصيل العلوم و ضبطها و اتخاذه حرفة بقوله: ألا إن الله يحب بغاة العلم أي طلبته، فإن بغاة العلم و طلبة العلم ظاهر عرفا في من يكون اشتغاله به دائما، و كان شغله الذي يعرف به، و يعد من أحواله طلب العلم.

الحديث الثاني

مجهول.

الحديث الثالث

مرسل.

الحديث الرابع

مرسل.

قوله عليه السلام: طلب العلم و العمل به: قيل المراد بهذا العلم العلم المتعلق بالعمل، و لعله لا ضرورة في تخصيصه به، فإن كل علم من العلوم الدينية يقتضي عملا لو لم يأت به كان ذلك العلم ناقصا، كما أن العلم بوجوده تعالى و قدرته و لطفه و إحسانه يقتضي

ص: 99

الْمَالَ مَقْسُومٌ مَضْمُونٌ لَكُمْ قَدْ قَسَمَهُ عَادِلٌ بَيْنَكُمْ وَ ضَمِنَهُ وَ سَيَفِي لَكُمْ وَ الْعِلْمُ مَخْزُونٌ عِنْدَ أَهْلِهِ وَ قَدْ أُمِرْتُمْ بِطَلَبِهِ مِنْ أَهْلِهِ فَاطْلُبُوهُ

5 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَرْقِيِّ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِنَا رَفَعَهُ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ وَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَلَا وَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ بُغَاةَ الْعِلْمِ

6 عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ تَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ فَإِنَّهُ مَنْ لَمْ يَتَفَقَّهْ مِنْكُمْ فِي الدِّينِ فَهُوَ أَعْرَابِيٌّ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ- لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ

7 الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ مُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ عَلَيْكُمْ بِالتَّفَقُّهِ فِي دِينِ اللَّهِ وَ لَا تَكُونُوا أَعْرَاباً فَإِنَّهُ

إطاعته في أوامره و نواهيه، و العلم بوجود الجنة يقتضي العمل لتحصيلها، و العلم بوجود النار يقتضي العمل بما يوجب النجاة منها، و هكذا قوله عليه السلام: أوجب عليكم المراد إما الوجوب الشرعي الكفائي، أو الوجوب العقلي أي أحسن و أليق بأنفسكم و المراد بالمال: الرزق لا فضوله، قد قسمه عادل بينكم، لقوله سبحانه:" نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا" و ضمنه لقوله تعالى:" وَ ما مِنْ دَابَّةٍ (فِي الْأَرْضِ) إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها"" عند أهله" أي الأنبياء و الأئمة عليه السلام و الذين أخذوا عنهم، و قد أمرتم بطلبه بقوله تعالى:" فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ*".

الحديث الخامس

مرسل.

الحديث السادس

ضعيف على المشهور.

قوله عليه السلام تفقهوا في الدين: حمله الأكثر على تعلم فروع الدين إما بالاجتهاد أو بالتقليد، و يمكن حمله على الأعم من الأصول و الفروع بتحصيل اليقين فيما يمكن تحصيله فيه و بالظن الشرعي في غيره.

ص: 100

مَنْ لَمْ يَتَفَقَّهْ فِي دِينِ اللَّهِ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ لَمْ يُزَكِّ لَهُ عَمَلًا

8 مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ لَوَدِدْتُ أَنَّ أَصْحَابِي ضُرِبَتْ رُءُوسُهُمْ بِالسِّيَاطِ حَتَّى يَتَفَقَّهُوا

قوله عليه السلام فهو أعرابي: أي كالأعراب في عدم التفقه و قد ذمهم الله تعالى بقوله" الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَ نِفاقاً وَ أَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ" و قال الجوهري الأعراب سكان البادية خاصة من العرب، و النسبة إلى الأعراب أعرابي لأنه لا واحد له.

قوله عليه السلام إن الله يقول. لعله استدل بأنه تعالى أوجب الخروج للتفقه و لو لم يكن التفقه واجبا لم يكن الخروج له واجبا.

الحديث السابع

ضعيف.

قوله عليه السلام لم ينظر الله إليه: النظر هيهنا كناية عن الاختيار و الرأفة و العطف، لأن النظر في الشاهد دليل المحبة و ترك النظر دليل البغض و الكراهة.

قوله عليه السلام و لم يترك له عملا: التزكية الثناء و المدح و هنا كناية عن قبول العمل، و يحتمل أن يكون من الزكاة بمعنى النمو.

الحديث الثامن

مجهول و لكنه في قوة الصحيح لكون محمد بن إسماعيل من مشايخ الإجازة و لا تضر جهالته.

قوله بالسياط: هو بكسر السين جمع السوط.

ص: 101

9 عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَمَّنْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ لَهُ رَجُلٌ جُعِلْتُ فِدَاكَ رَجُلٌ عَرَفَ هَذَا الْأَمْرَ لَزِمَ بَيْتَهُ وَ لَمْ يَتَعَرَّفْ إِلَى أَحَدٍ مِنْ إِخْوَانِهِ قَالَ فَقَالَ كَيْفَ يَتَفَقَّهُ هَذَا فِي دِينِهِ

بَابُ صِفَةِ الْعِلْمِ وَ فَضْلِهِ وَ فَضْلِ الْعُلَمَاءِ

1 مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الدِّهْقَانِ عَنْ دُرُسْتَ الْوَاسِطِيِّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ع قَالَ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ص الْمَسْجِدَ فَإِذَا جَمَاعَةٌ قَدْ أَطَافُوا بِرَجُلٍ فَقَالَ مَا هَذَا فَقِيلَ عَلَّامَةٌ فَقَالَ وَ مَا الْعَلَّامَةُ فَقَالُوا لَهُ أَعْلَمُ النَّاسِ بِأَنْسَابِ الْعَرَبِ وَ وَقَائِعِهَا وَ أَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ وَ الْأَشْعَارِ الْعَرَبِيَّةِ قَالَ فَقَالَ النَّبِيُّ ص ذَاكَ عِلْمٌ لَا يَضُرُّ مَنْ جَهِلَهُ وَ لَا يَنْفَعُ مَنْ عَلِمَهُ ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ص إِنَّمَا الْعِلْمُ ثَلَاثَةٌ

الحديث التاسع

ضعيف.

قوله عليه السلام و لم يتعرف، أي اعتزل الناس و لم يخالطهم أو لم يسأل عنهم، قال الجوهري: تعرفت ما عند فلان أي تطلبت حتى عرفت.

باب صفة العلم و فضله و فضل العلماء

الحديث الأول

ضعيف.

قوله صلى الله عليه و آله و سلم: ما هذا؟ لم يقل من هذا تحقيرا أو إهانة و تأديبا له.

قوله: علامة، العلامة صيغة مبالغة أي كثير العلم، و التاء للمبالغة.

قوله صلى الله عليه و آله و سلم و ما العلامة؟ أي ما حقيقة علمه الذي به اتصف بكونه علامة؟

و هو أي نوع من أنواع العلامة، و التنوع باعتبار أنواع صفة العلم، و الحاصل ما معنى العلامة الذي قلتم و أطلقتم عليه؟ قوله صلوات الله عليه: إنما العلم: أي العلم النافع ثلاثة، آية محكمة أي

ص: 102

آيَةٌ مُحْكَمَةٌ أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ وَ مَا خَلَاهُنَّ فَهُوَ فَضْلٌ

2 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَ ذَاكَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ

واضحة الدلالة، أو غير منسوخة، فإن المتشابه و المنسوخ لا ينتفع بهما كثيرا من حيث المعنى، أو فريضة عادلة قال في النهاية: أراد العدل في القسمة أي معدلة على السهام المذكورة في الكتاب و السنة من غير جور، و يحتمل أن يريد أنها مستنبطة من الكتاب و السنة، فتكون هذه الفريضة تعدل بما أخذ عنهما" انتهى" و الأظهر أن المراد مطلق الفرائض أي الواجبات، أو ما علم وجوبه من القرآن، و الأول أظهر لمقابلة الآية المحكمة و وصفها بالعادلة، لأنها متوسطة بين الإفراط و التفريط، أو غير منسوخة، و قيل: المراد بها ما اتفق عليه المسلمون، و لا يخفى بعده، و المراد بالسنة المستحبات أو ما علم بالسنة و إن كان واجبا، و على هذا فيمكن أن يخص الآية المحكمة بما يتعلق بالأصول أو غيرهما من الأحكام، و المراد بالقائمة الباقية غير المنسوخة، و ما خلاهن فهو فضل، أي زائد باطل لا ينبغي أن يضيع العمر في تحصيله أو فضيلة و ليس بضروري.

الحديث الثاني

ضعيف.

قوله عليه السلام العلماء ورثة الأنبياء: أي يرثون منهم العلوم و المعارف و الحكم، إذ هذه عمدة ما يتمتعون به في دنياهم، و لذا علله بقوله: إن الأنبياء لم يورثوا درهما و لا دينارا، أي لم يكن عمدة ما يحصلون في دنياهم و ينتفع الناس به منهم في حياتهم

ص: 103

لَمْ يُورِثُوا دِرْهَماً وَ لَا دِينَاراً وَ إِنَّمَا أَوْرَثُوا أَحَادِيثَ مِنْ أَحَادِيثِهِمْ فَمَنْ أَخَذَ بِشَيْ ءٍ مِنْهَا فَقَدْ أَخَذَ حَظّاً وَافِراً فَانْظُرُوا عِلْمَكُمْ هَذَا عَمَّنْ تَأْخُذُونَهُ فَإِنَّ فِينَا

و بعد وفاتهم الدينار و الدرهم، و لا ينافي أن يرث وارثهم الجسماني منهم ما يبقى بعدهم من الأموال الدنيوية، أو يقال وارثهم من حيث النبوة المختصة بهم العلماء فلا ينافي ذلك كون وارثهم من جهة الأنساب الجسمانية يرث أموالهم الظاهرة، فأهل البيت عليه السلام ورثوا النبي صلى الله عليه و آله و سلم من الجهتين معا، على أنه يحتمل أن يكون الأنبياء عليهم السلام لم يبق منهم خصوص الدينار و الدرهم بعد وفاتهم، لكن الظاهر أنه ليس المراد حقيقة هذا الكلام، بل المراد ما أومأنا إليه من أن عمدة أموالهم و ما كانوا يعتنون به و يورثونه هو العلم، دون المال و ذكر الدينار و الدرهم على المثال.

و يخطر بالبال وجه آخر و هو أن يكون المراد بقوله عليه السلام: أن الأنبياء لم يورثوا بيان الموروث فيه، لأنه عليه السلام لما قال إن العلماء ورثة الأنبياء فكأن سائلا يسأل أي شي ء أورثوا لهم؟ فأجاب بأنه لم يورثوا لهم الدرهم و الدينار و لكن أورثوا لهم الأحاديث، و لذا قال أحاديث من أحاديثهم، لأن جميع علومهم لم يصل إلى جميع العلماء، بل كل عالم أخذ منها بحسب قابليته و استعداده، ففي الكلام تقدير:

أي لم يورثوا لهم، فيشعر بأن لهم ورثة يرثون أموالهم و لكن العلماء من حيث العلم لا يرثون إلا أحاديثهم، و هذا وجه وجيه و إن كان قريبا مما مر.

قوله عليه السلام فقد أخذ حظا وافرا: أي فقد أخذ أمرا عظيما شريفا على سياق قوله سبحانه" وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً" أو فليأخذ حظا وافرا [منهم] لما قد تبين أنه شي ء شريف، و ينبغي الإكثار من مثل هذا الشي ء و المبالغة في طلبه، و التفريع في قوله: فانظروا [في] علمكم هذا إما لأنه أمر شريف عظيم فينبغي التفكر و التدبر في مأخذه حتى لا يكون ما يؤخذ منه ناقصا أو مشوبا بغيره، أو لأنه لما تبين أنه ميراث الأنبياء فينبغي أن يؤخذ ممن يكون علمه مأخوذا منهم، و يكون وارثهم و أحق الخلق بهم، و هم أهل بيت النبوة صلوات الله عليهم و قد قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم

ص: 104

أَهْلَ الْبَيْتِ فِي كُلِّ خَلَفٍ عُدُولًا يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ وَ انْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ

فيهم: إني تارك فيكم الثقلين، و غير ذلك مما قال فيهم، و لذا علله بقوله عليه السلام:

فإن فينا أهل البيت في كل خلف عدولا أي في كل قرن فإن الخلف للمرء من يكون بعده، و كل قرن خلف للقرن السابق، قال في النهاية: فيه: يحمل هذا العلم من كل خلف عدول ينفون عنه تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأول الجاهلين، الخلف بالتحريك و السكون: كل من يجي ء بعد من مضى إلا أنه بالتحريك في الخير، و بالتسكين في الشر، يقال: خلف صدق و خلف سوء، و معناهما جميعا القرن من الناس، و المراد من الحديث المفتوح، و قال الجوهري: الخلف القرن، و قال:

الخلف و الخلف ما جاء من بعد، يقال: هو خلف سوء من أبيه و خلف صدق من أبيه بالتحريك إذا قام مقامه، انتهى، و يحتمل أن يكون المراد بالخلف كل طبقة من أولاد الأئمة عليه السلام و بالعدول الأئمة عليه السلام باعتبار الأزمان، فإنهم فسروا الخلف بالقرن، و القرن قد يطلق على أربعين سنة و على ثمانين سنة و على مائة سنة كما روي أن النبي صلى الله عليه و آله و سلم مسح رأس غلام، و قال: عش قرنا فعاش مائة سنة كما ذكره في النهاية و معلوم أن كل مائة من الأزمان بعده صلوات الله عليه كان مشتملا على اثنين و أكثر من الأئمة عليه السلام إلى الغيبة الكبرى، و يمكن توسيع القرن بحيث يشمل زمان العسكريين إلى انقراض العالم فإنه أيضا جزء من الزمان فيدل على أن القائم عليه السلام في غيبته الكبرى يهدي الناس إلى مراشدهم و يسدد الدين و يقومه بما يصل من فيوضه إلى خواص شيعته و رواة أحاديث آبائه الطاهرين و أحاديثه أو يكون المراد بالعدول العدل للمبالغة أو باعتبار بعض القرون، أو يراد بالعدول كل إمام مع الصادقين من أصحابه، و يحتمل أن يكون المراد بالعدول الصادقين من رواتهم و حملة علومهم، فتكون كلمة في بمعنى اللام، أي لنا أهل البيت في كل خلف عدول، أو يقدر مضاف أي في شيعتنا، و التحريف: صرف الكلام عن وجهه، و الغالين المجاوزين الحد و الانتحال أن يدعى لنفسه ما لغيره، كان يدعي الآية أو الحديث الوارد في

ص: 105

وَ تَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ

3 الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَشَّاءِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْراً فَقَّهَهُ فِي الدِّينِ

4 مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ قَالَ الْكَمَالُ كُلُّ الْكَمَالِ التَّفَقُّهُ فِي الدِّينِ وَ الصَّبْرُ عَلَى النَّائِبَةِ وَ تَقْدِيرُ الْمَعِيشَةِ

5 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ

غيره أنه فيه أو يدعي العلم و لم يكن عالما، أو يدعي التقوى و لم يكن متقيا، أو يظهر الصدق و كان كاذبا، و المبطلين: الذين جاءوا بالباطل، و قرروه و ذهبوا بالحق و ضيعوه و أخفوه.

" و تأويل الجاهلين" التأويل: تنزيل الكلام على غير الظاهر و تبيين مرجعه، و هذا إنما يجوز و يصح من العالم بل الراسخ في العلم

الحديث الثالث

ضعيف على المشهور.

الحديث الرابع

مرسل.

قوله عليه السلام على النائبة: أي الصبر على نوازل الدهر و حوادثه، و قد يطلق على تحمل ما يلزم القوم من الديات و غيرها، و الأول أظهر قال الجزري: النائبة هي ما ينوب الإنسان أي ينزل به من المهمات و الحوادث.

قوله عليه السلام و تقدير المعيشة: أي ترك الإسراف و التقتير و لزوم الوسط أي جعلها بقدر معلوم يوافق الشرع و العقل، و قد يطلق التقدير على التقتير كما قال تعالى" وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ" و حمله عليه هيهنا بعيد.

الحديث الخامس

ضعيف على المشهور بمحمد بن سنان و معتبر عندي.

ص: 106

ابْنِ جَابِرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ الْعُلَمَاءُ أُمَنَاءُ وَ الْأَتْقِيَاءُ حُصُونٌ وَ الْأَوْصِيَاءُ سَادَةٌ وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى الْعُلَمَاءُ مَنَارٌ وَ الْأَتْقِيَاءُ حُصُونٌ وَ الْأَوْصِيَاءُ سَادَةٌ

6 أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ إِدْرِيسَ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْكِنْدِيِّ عَنْ بَشِيرٍ الدَّهَّانِ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع لَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يَتَفَقَّهُ مِنْ أَصْحَابِنَا يَا بَشِيرُ إِنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ إِذَا لَمْ يَسْتَغْنِ بِفِقْهِهِ احْتَاجَ إِلَيْهِمْ فَإِذَا احْتَاجَ إِلَيْهِمْ أَدْخَلُوهُ فِي بَابِ ضَلَالَتِهِمْ وَ هُوَ لَا يَعْلَمُ

7 عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع عَنْ آبَائِهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لَا خَيْرَ فِي الْعَيْشِ إِلَّا لِرَجُلَيْنِ

قوله عليه السلام أمناء: أي ائتمنهم الله على ما آتاهم من علومه و معارفه، و أمرهم بأن يحفظوها عن التضييع و يوصلوها إلى مستحقها.

قوله عليه السلام و الأتقياء حصون: أي بهم يدفع الله العذاب عن الأمة، كما أن بالحصون يدفع البلايا عن أهلها كما سيأتي في الأخبار الكثيرة إنشاء الله تعالى قيل: أي إنهم حصون للشريعة يدفعون عنها الفساد، لأن بمشاهدة أحوالهم و استعمال أقوالهم يرتدع أهل المعاصي عنها و يميلون إلى الطاعات و الأول أظهر.

قوله عليه السلام سادة: السيد: الجليل العظيم الذي له الفضل على غيره، و هو الرئيس الذي يعظم و يطاع في أمره و نواهيه، و لم يكن لأحد الخروج من طاعته.

قوله عليه السلام منار: هي موضع النور و علم الطريق و المراد به المهتدي به.

الحديث السادس

ضعيف.

قوله عليه السلام احتاج إليهم: أي إلى المخالفين.

قوله في باب ضلالتهم: أي في دينهم أو يضلونه في خصوص تلك المسألة فيفتونه بما يوافق مذهبهم، و الأول أظهر.

الحديث السابع

ضعيف على المشهور.

ص: 107

عَالِمٍ مُطَاعٍ أَوْ مُسْتَمِعٍ وَاعٍ

8 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ وَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ عَالِمٌ يُنْتَفَعُ بِعِلْمِهِ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ أَلْفَ عَابِدٍ

9 الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ سَعْدَانَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع رَجُلٌ رَاوِيَةٌ لِحَدِيثِكُمْ يَبُثُّ ذَلِكَ فِي النَّاسِ وَ يُشَدِّدُهُ فِي قُلُوبِهِمْ وَ قُلُوبِ شِيعَتِكُمْ وَ لَعَلَّ عَابِداً مِنْ شِيعَتِكُمْ لَيْسَتْ لَهُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ قَالَ الرَّاوِيَةُ لِحَدِيثِنَا يَشُدُّ بِهِ قُلُوبَ شِيعَتِنَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ

الحديث الثامن

صحيح.

الحديث التاسع

مجهول على المشهور بسعدان و ربما يعد حسنا لأن الشيخ قال: له أصل.

قوله راوية. الراوية كثير الرواية و التاء للمبالغة و المراد ببث الحديث في الناس نشره بينهم بإيصاله إليهم.

قوله عليه السلام و يشدده. أي يوثقه و يجعله مستحكما في قلوبهم، و في بعض النسخ بالسين المهملة من السداد و هو الاستقامة و عدم الميل أي يقرره سديدا بتضمين معنى التقرير في قلوب الناس، و قلوب شيعتكم من عطف الخاص على العام لزيادة الاهتمام أو المراد بالناس العامة كما يطلق عليهم كثيرا في الأخبار.

قوله عليه السلام يشد به: قيل فيه إشعار بأن الفضيلة باعتبار النشر بين الشيعة و إخبارهم به، لا بالنشر بين غيرهم و إن لم يكن فيه الإخلال بالواجب من التقية.

قوله عليه السلام من ألف عابد: لعل اختلاف مراتب الفضل باعتبار اختلاف العلماء و العباد في مراتبهم و منازلهم، و يؤيده أنه بين عليه السلام في هذا الحديث النسبة بين الراوي و العابد، و في الحديث السابق النسبة بين العالم و العابد، و قد يكون الراوي غير عالم بما يرويه، فرب حامل فقيه غير فقيه، و رب حامل فقيه إلى من هو

ص: 108

بَابُ أَصْنَافِ النَّاسِ

1 عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ وَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى جَمِيعاً عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَمَّنْ حَدَّثَهُ مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِ قَالَ سَمِعْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ع يَقُولُ إِنَّ النَّاسَ آلُوا- بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ص إِلَى ثَلَاثَةٍ آلُوا إِلَى عَالِمٍ عَلَى هُدًى مِنَ اللَّهِ قَدْ أَغْنَاهُ اللَّهُ بِمَا عَلِمَ عَنْ عِلْمِ غَيْرِهِ وَ جَاهِلٍ مُدَّعٍ لِلْعِلْمِ لَا عِلْمَ لَهُ مُعْجَبٍ بِمَا عِنْدَهُ قَدْ

أفقه منه، فيفهم منهما أن العالم بعلمه أفضل من سبعين راوية للحديث، يشد به قلوب الشيعة، و يمكن أن يكون المراد بذكر هذه الأعداد بيان البون البعيد بينهما، لا خصوص تلك الأعداد و الأول أظهر.

باب أصناف الناس

الحديث الأول

مجهول.

قوله عليه السلام آلوا: أي رجعوا.

قوله على هدى. تمثيل لتمكنه من الهدى و استقراره عليه بحال من اعتلى الشي ء و ركبه.

قوله عليه السلام قد أغناه الله: أي علمه موهبي و ليس بكسبي و المراد بهذا القسم الإمام عليه السلام، و بالقسم الثاني أعداء الإمام و مخالفوه، و من استبد برأيه و لم يرجع إليه فيما التبس عليه و بالثالث أتباع الإمام و من يأخذ العلم منه إما بواسطة أو بغير واسطة، و المستضعفون إما داخلون في القسم الثاني بنوع تكلف، أو خارجون عن المقسم بأن يكون المراد بالناس من له أهلية الفهم و التميز بين الحق و الباطل، فقوله عليه السلام: ثم هلك من ادعى، بيان لهلاك القسم الثاني من الأقسام الثلاثة فإنه الذي ادعى العلم و ليس بعالم، أو الإمامة و ليس بأهل لها، و خاب بافترائه على الله في بيان علم ما لم يعلم، أو ادعاء الرئاسة و الإمامة، و لعل كل واحد من أتباع أئمة الضلال

ص: 109

فَتَنَتْهُ الدُّنْيَا وَ فَتَنَ غَيْرَهُ وَ مُتَعَلِّمٍ مِنْ عَالِمٍ عَلَى سَبِيلِ هُدًى مِنَ اللَّهِ وَ نَجَاةٍ ثُمَّ هَلَكَ مَنِ ادَّعَى وَ خابَ مَنِ افْتَرى

2 الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَشَّاءِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَائِذٍ عَنْ أَبِي خَدِيجَةَ سَالِمِ بْنِ مُكْرَمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ النَّاسُ ثَلَاثَةٌ عَالِمٌ وَ مُتَعَلِّمٌ وَ غُثَاءٌ

داخل في هذا القسم إذ هو أيضا مدع للعلم بما تعلمه من إمام الضلال و معجب به، و يدعو الناس أيضا إلى هذا التقليد الباطل أو يقال: اكتفى عليه السلام بذكر ضلالتهم من ذكر ضلال أتباعهم، فإن الأئمة أيضا إذا كانوا ضالين فأتباعهم كذلك بالطريق الأولى، مع أنه عليه السلام أومأ إليهم بقوله: و فتن غيره، و ربما يوجه الخبر بوجه آخر و هو أن الناس اتبعوا و رجعوا في دينهم بعد رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم إلى ثلاثة أصناف فبعضهم اتبعوا أئمة الهدى عليه السلام، و بعضهم اتبعوا أئمة الضلال، و بعضهم اتبعوا العلماء المحقة من الفرقة الناجية، فالفرقة الثانية هالكة لهلاك أئمتهم، و الفرقتان الباقيتان ناجيتان لانتهاء علمهم إلى إمام الحق بواسطة أو بدونها و الأول أظهر.

الحديث الثاني

ضعيف على المشهور.

قوله عليه السلام غثاء: الغثاء بضم الغين المعجمة و الثاء المثلثة و المد ما يجي ء فوق السيل مما يحمله من الزبد و الوسخ و غيره، و تشبيه غير العالم و المتعلم به إما من جهة عدم الانتفاع به و عدم الاعتناء بشأنه كما أن الغثاء لا ينتفع به و لا يعتنى بشأنه، أو من جهة أنه في أعماله و أفعاله لا يدري إلى ما يؤول أمره، كما أن الغثاء يتحرك فوق الماء و لا يدري مئال أمره أو من جهة أنه يتحرك بتحريك الشهوات النفسانية و التسويلات الشيطانية، كالغثاء الذي يتحرك بحركة الماء من غير اختيار للامتناع منها، أو من جهة أن وجوده بالعرض و التبع، و ليس مقصودا بالذات في الإيجاد، كما أن الغثاء ليست حركته إلا بتبعية حركة السيل و بالعرض، و يحتمل أن يكون التشبيه من جميع تلك الجهات فيكون أتم و أكمل.

ص: 110

3 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ رَزِينٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ قَالَ قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع اغْدُ عَالِماً أَوْ مُتَعَلِّماً أَوْ أَحِبَّ أَهْلَ الْعِلْمِ وَ لَا تَكُنْ رَابِعاً فَتَهْلِكَ بِبُغْضِهِمْ

4 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ عَنْ جَمِيلٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ يَغْدُو النَّاسُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ عَالِمٍ وَ مُتَعَلِّمٍ وَ غُثَاءٍ فَنَحْنُ الْعُلَمَاءُ وَ شِيعَتُنَا الْمُتَعَلِّمُونَ وَ سَائِرُ النَّاسِ غُثَاءٌ

بَابُ ثَوَابِ الْعَالِمِ وَ الْمُتَعَلِّمِ

1 مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ وَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ جَمِيعاً عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَيْمُونٍ الْقَدَّاحِ

الحديث الثالث

مجهول.

قوله عليه السلام اغد عالما. أي كن في كل غداة إما عالما أو طالبا للعلم و إن لم تكن كذلك فأحب العلماء فإن حبك لهم سيدعوك إلى التعلم منهم، و لا تبغضهم فإن بغض العلماء سبب للهلاك في نفسه، و أيضا يصير سببا لترك السؤال عنهم و التعلم منهم، و بذلك تستقر في الجهالة، و تكون من الهالكين، و قوله: فتهلك ببغضهم إضافة إلى المفعول، و يحتمل الإضافة إلى الفاعل أي من لم يحب العلم و أهله يبغضهم العلماء و هو سبب لهلاكك، و قيل: يحتمل أن يكون المراد بالمتعلم من يكون التعلم كالصنعة له، و من لم يكن عالما من الله و لا متخذ التعلم صنعة له و أحب أهل العلم يأخذ منهم، و يدخل في المتعلم بالمعنى الأعم و لا يخفى بعده.

الحديث الرابع

صحيح على الأظهر.

و المراد بالمتعلم هنا ما هو أعم مما ذكر في الخبر السابق كما لا يخفى.

باب ثواب العالم و المتعلم

الحديث الأول

له سندان: الأول مجهول، و الثاني حسن أو موثق لا يقصران عن الصحيح.

ص: 111

وَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْقَدَّاحِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَطْلُبُ فِيهِ عِلْماً سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقاً إِلَى الْجَنَّةِ وَ إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا

قوله صلوات الله عليه: من سلك طريقا. أي للوصول إلى العالم و الأخذ منه، أو الوصول إلى موضع يتيسر له فيه طلب العلم، و قيل: الطريق إلى الشي ء: ما الدخول فيه و طيه يوصل إليه و من طرق العلم الفكرة و منها الأخذ من العالم ابتداء أو بواسطة أو وسائط.

قوله صلوات الله عليه: يطلب فيه علما، الجملة صفة أو حال و الضمير فيها للطريق أو السلوك، و الباء في قوله: سلك الله به للتعدية أي أسلكه الله في طريق موصل إلى الجنة في الآخرة أو في الدنيا بتوفيق عمل من أعمال الخير يوصله إلى الجنة، و في طرق العامة سهل الله له طريقا من طرق الجنة.

قوله عليه السلام لتضع أجنحتها: أي لتكون وطأ له إذا مشى، و قيل: هو بمعنى التواضع تعظيما لحقه أو التعطف لطفا له، إذ الطائر يبسط جناحيه على أفراخه، و قال تعالى" وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ" و قال سبحانه" وَ اخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ" و قيل: المراد نزولهم عند مجالس العلم و ترك الطيران، و قيل:

أراد به إظلالهم بها، و قيل: معناه بسط الجناح لتحمله عليها و تبلغه حيث يريد من البلاد، و معناه المعونة في طلب العلم و يؤيد الأول ما رواه في كتاب غوالي اللئالي عن المقداد رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يقول: إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم حتى يطأ عليها رضي به، و يؤيد الثالث ما رواه الشيخ في أماليه عن الرضا عن آبائهم عليه السلام أن النبي صلى الله عليه و آله و سلم قال: في فضائل طلبة العلم و ترغب الملائكة في خلتهم و بأجنحتها تمسحهم، و في صلاتها تبارك عليهم، الخبر، و ما رواه ابن

ص: 112

لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِهِ وَ إِنَّهُ يَسْتَغْفِرُ لِطَالِبِ الْعِلْمِ مَنْ فِي السَّمَاءِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ حَتَّى الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ وَ فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ النُّجُومِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ وَ إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ إِنَ

جمهور في الغوالي عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم أنه قال: من خرج من بيته ليلتمس بابا من العلم لينتفع به و يعلمه غيره كتب الله له بكل خطوة ألف سنة صيامها و قيامها، و حفته الملائكة بأجنحتها" الخبر".

قوله صلى الله عليه و آله و سلم رضا به: مفعول لأجله و يحتمل أن يكون حالا بتأويل: أي راضين غير مكرهين، و أما ما ذكره بعض الأفاضل حيث قال: لأنه يرتضيه أو لإرضائه فلا يخفى عدم استقامته إلا بتكلف بعيد.

قوله صلوات الله عليه: من في السماء و من في الأرض، يحتمل أن يكون المراد بالموصول جميع الحيوانات كما يظهر من بعض الأخبار: أن لسائر الحيوانات تسبيحا و تقديسا و يمكن أن يكون الله تعالى ألهمهم الاستغفار لطالب العلم، و يحتمل أن يكون المراد ما يشمل الجمادات أيضا بأن يكون لها شعور ضعيف، كما يدل عليه بعض الآيات و الأخبار، لكن السيد المرتضى رضي الله عنه ادعى إجماع المسلمين على خلافه فعلى عدم القول بشعورها يمكن أن يوجه بوجوه:

الأول: أن يكون استعارة تمثيلية لبيان رفعة شأنه و علو أمره و انتشار ذكره في السماء و الأرض، فكأنه يستغفر له كل شي ء كما يقال: بلغ صيته الآفاق و يقال:

بكت عليه السماء و الأرض، و أمثال ذلك كثيرة.

الثاني: أن يكون كناية عن أنه تعالى يعطيه الثواب بعدد كل شي ء و يغفر له من السيئات بعددها، إذ له مدخلية في وجودها، لأنه هو المحصل لغاية الإيجاد و ثمرته.

الثالث: أن يكون إسناد ذلك إلى غير ذوي العقول بتبعية ذوي العقول، و يكون المراد بها ذوي العقول فقط.

الرابع، ما ذكره بعض المحققين من المعاصرين، و هو أن الاستغفار طلب ستر

ص: 113

الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَاراً وَ لَا دِرْهَماً وَ لَكِنْ وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَ مِنْهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ

الذنوب و طالب العلم يطلب ستر ذنب جهله الذي هو رئيس جنود المعاصي بنور العلم و يشركه في هذا الطلب كل من في السماء و الأرض و ما بينهما، لأن عقله و فهمه و إدراكه لا يقوم إلا ببدنه، و بدنه لا يقوم إلا بالغذاء و الغذاء لا يقوم إلا بالأرض و السماء و الغيم و الهواء و غير ذلك، إذ العالم كله كالشخص الواحد يرتبط البعض منه بالبعض، فالكل مستغفر له، و يحتمل وجوها و تعبيرات أخرى، لا نطيل الكلام بذكرها و على التقادير التعبير بلفظة" من" لتغليب ذوي العقول، أو لأن ما أسند إليها و هو الاستغفار مما يسند إلى ذوي العقول.

ص: 114

2 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ جَمِيلِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ إِنَّ الَّذِي يُعَلِّمُ الْعِلْمَ مِنْكُمْ لَهُ أَجْرٌ مِثْلُ أَجْرِ الْمُتَعَلِّمِ وَ لَهُ الْفَضْلُ عَلَيْهِ فَتَعَلَّمُوا الْعِلْمَ مِنْ حَمَلَةِ الْعِلْمِ وَ عَلِّمُوهُ إِخْوَانَكُمْ كَمَا عَلَّمَكُمُوهُ الْعُلَمَاءُ

3 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَرْقِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ مَنْ عَلَّمَ خَيْراً فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهِ قُلْتُ فَإِنْ عَلَّمَهُ غَيْرَهُ يَجْرِي ذَلِكَ لَهُ قَالَ إِنْ عَلَّمَهُ النَّاسَ

الحديث الثاني

صحيح.

قوله عليه السلام مثل أجر المتعلم: أي له مثل أجره مع زيادة أو له بسبب التعليم مثل أجره و إن كان له بسبب التعلم أجر آخر و الأول أظهر.

قوله عليه السلام كما علموكم العلماء: العلماء بدل من ضمير الجمع، و الكاف إما للتعليل أو للتشبيه بأن يكون المراد عدم التغيير في النقل أو في كيفية التعليم و آدابه أو فيهما معا.

الحديث الثالث

ضعيف على المشهور و ربما يعد موثقا.

قوله عليه السلام فإن علمه: يحتمل وجوها:

الأول: أن يكون المراد أن التعليم هل يجري فيه ما يجري في العمل فيكون له مثل علمه كما أن له مثل أجر من عمل به، فالجواب أن له مثل أجر تعليم المتعلم كما أن له مثل أجر عمله.

الثاني: أن يكون السؤال عن العمل بتعليم غيره من متعلميه، أي عمل المتعلم بواسطة فأجاب عليه السلام بأنه يجري له ذلك فيه لكونه بتعليمه و لو بواسطة.

الثالث: أن يكون المراد إن علم المعلم ذلك الخير غير من عمل به يجري له ذلك الأجر أي أجر التعلم فقط للمعلم أو مخصوص بالعمل فأجاب بأنه لو علم المعلم ذلك الخير كل الناس، و ظاهر أن من جملتهم من لا يعمل به جرى باعتبار تعليم كل واحد

ص: 115

كُلَّهُمْ جَرَى لَهُ قُلْتُ فَإِنْ مَاتَ قَالَ وَ إِنْ مَاتَ

4 وَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ رَزِينٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ مَنْ عَلَّمَ بَابَ هُدًى فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهِ وَ لَا يُنْقَصُ أُولَئِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئاً وَ مَنْ عَلَّمَ بَابَ ضَلَالٍ كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ أَوْزَارِ مَنْ عَمِلَ بِهِ وَ لَا يُنْقَصُ أُولَئِكَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئاً

5 الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ رَفَعَهُ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ع قَالَ لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ لَطَلَبُوهُ وَ لَوْ بِسَفْكِ الْمُهَجِ

منهم ذلك الأجر.

الرابع: أن يكون مراد السائل أن الشركة في ثواب العالمين و المعلمين سواء كان بواسطة أو بدونها هل هو مخصوص بأول معلم أو يجري ذلك في الوسائط أيضا، فأجاب بالجريان.

قوله: قلت: فإن مات. يعني إن مات المعلم و عمل المتعلم أو علمه غيره بعد موته يجري له ذلك الأجر؟ قال: و إن مات يجري له الثواب إلى يوم القيامة.

الحديث الرابع

: صحيح.

قوله عليه السلام باب هدى: لعل المراد بباب الهدى و باب الضلالة نوعان منهما و قبل: المراد بهما تعليم طريق السلوك إلى أحدهما و الدخول فيه، و يجري في هذا الحديث ما ذكر في الحديث السابق من الحمل على المعلم ابتداء و يكون له مثل ما لكل عامل و لو لم يكن بتعليمه، و الحمل على كل معلم و يكون له مثل ما لكل عامل ينتهي عمله إلى تعليمه و لو بواسطة.

الحديث الخامس

: مرفوع.

قوله: و لو بسفك المهج. هو جمع مهجة و هي الدم، أو دم القلب خاصة، أي بما يتضمن إراقة دمائهم.

ص: 116

وَ خَوْضِ اللُّجَجِ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَى دَانِيَالَ أَنَّ أَمْقَتَ عَبِيدِي إِلَيَّ الْجَاهِلُ الْمُسْتَخِفُّ بِحَقِّ أَهْلِ الْعِلْمِ التَّارِكُ لِلِاقْتِدَاءِ بِهِمْ وَ أَنَّ أَحَبَّ عَبِيدِي إِلَيَّ التَّقِيُّ الطَّالِبُ لِلثَّوَابِ الْجَزِيلِ اللَّازِمُ لِلْعُلَمَاءِ التَّابِعُ لِلْحُلَمَاءِ الْقَابِلُ عَنِ الْحُكَمَاءِ

6 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ الْمِنْقَرِيِّ عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ قَالَ قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع مَنْ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَ عَمِلَ بِهِ وَ عَلَّمَ لِلَّهِ دُعِيَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ عَظِيماً فَقِيلَ تَعَلَّمَ لِلَّهِ وَ عَمِلَ لِلَّهِ وَ عَلَّمَ لِلَّهِ

قوله عليه السلام و خوض اللجج: أي دخولها، و اللجة معظم الماء.

قوله عليه السلام الطالب للثواب الجزيل: يدل على أن العبادة إذا كان المقصود فيها الثواب لا ينافي كمالها، و إن أمكن أن يكون المراد تحصيل أمر يوجب الثواب و إن لم يكن غرضه ذلك لكنه بعيد، و يحتمل أن يعم الثواب بحيث يشتمل ما هو مقصود المقربين من قربه سبحانه و حبه و معرفته و وصاله و العلوم الحقة النافعة.

قوله عليه السلام للحلماء: أي العقلاء و متابعتهم سلوك طريقتهم التي سلكوها، و القابل عن الحكماء هو الأخذ عنهم و لو بواسطة أو وسائط و قيل: أي ينعكس فيه صفاتهم فيقبلها، كأنه مرآة لها، و المراد بالحكماء العدول الآخذون بالحق و الصواب قولا و عملا، و الظاهر أن المراد بالعلماء و الحكماء الأنبياء و الأوصياء و من قرب منهم في الكمال، فإن كمال العقل و الحكمة لهم، و العلماء يشمل غيرهم من أهل العلم.

الحديث السادس

: ضعيف.

قوله عليه السلام و علم لله: الظرف متعلق بالأفعال الثلاثة بقرينة ما بعده.

قوله عليه السلام دعي في ملكوت السماوات: أي سمي عظيما و ذكر بالعظمة بين أهل السماوات، و ملكوت السماوات ملكها أو الملائكة و الأرواح المخلوقون فيها.

ص: 117

بَابُ صِفَةِ الْعُلَمَاءِ

1 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْعَطَّارُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ وَهْبٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ اطْلُبُوا الْعِلْمَ وَ تَزَيَّنُوا مَعَهُ بِالْحِلْمِ وَ الْوَقَارِ وَ تَوَاضَعُوا لِمَنْ تُعَلِّمُونَهُ الْعِلْمَ وَ تَوَاضَعُوا لِمَنْ طَلَبْتُمْ مِنْهُ الْعِلْمَ وَ لَا تَكُونُوا عُلَمَاءَ جَبَّارِينَ فَيَذْهَبَ بَاطِلُكُمْ بِحَقِّكُمْ

2 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ الْمُغِيرَةِ النَّصْرِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ قَالَ يَعْنِي بِالْعُلَمَاءِ مَنْ صَدَّقَ فِعْلُهُ قَوْلَهُ وَ مَنْ لَمْ يُصَدِّقْ

باب صفة العلماء

الحديث الأول

: صحيح.

قوله عليه السلام لمن تعلمونه العلم: أي في أوان اشتغاله بالطلب كما قيل و يحتمل الأعم.

قوله عليه السلام لمن طلبتم منه العلم، أي عند الطلب و بعده.

قوله عليه السلام جبارين. أي متكبرين.

قوله عليه السلام فيذهب باطلكم: أي تكبركم بحقكم أي بعلمكم و لا يبقى العلم عندكم أو بفضلكم و شرفكم بالعلم، أو بثوابكم على التعليم و التعلم و لعل الأوسط أظهر

الحديث الثاني

: صحيح.

قوله تعالى" إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ" صريح الآية أن الخشية لا يصدر من غير العالم لكن يدل بحسب السياق أن الخشية من لوازم العلم لا تنفك عنه و عليه بناء الخبر كما تدل عليه الأخبار.

قوله عليه السلام: من صدق فعله، قيل: المراد بمن صدق فعله قوله من يكون

ص: 118

فِعْلُهُ قَوْلَهُ فَلَيْسَ بِعَالِمٍ

3 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَرْقِيِّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْقَمَّاطِ عَنِ الْحَلَبِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع أَ لَا أُخْبِرُكُمْ بِالْفَقِيهِ حَقِّ الْفَقِيهِ مَنْ لَمْ يُقَنِّطِ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَ لَمْ يُؤْمِنْهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَ لَمْ يُرَخِّصْ لَهُمْ فِي مَعَاصِي اللَّهِ وَ لَمْ يَتْرُكِ الْقُرْآنَ رَغْبَةً عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ أَلَا لَا خَيْرَ فِي عِلْمٍ لَيْسَ فِيهِ تَفَهُّمٌ أَلَا لَا خَيْرَ فِي قِرَاءَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَدَبُّرٌ أَلَا لَا خَيْرَ فِي عِبَادَةٍ

ذا علم و معرفة ثابتة مستقرة، استقرارا لا يغلبه معه هواه و المعرفة الثابتة المستقرة كما تدعو إلى القول و الإقرار باللسان تدعو إلى الفعل و العمل بالأركان، و العالم بهذا المعنى له خشية من ربه تؤديه إلى الإطاعة و الانقياد قولا و فعلا.

الحديث الثالث

: صحيح.

قوله عليه السلام حق الفقيه: هو إما بدل من الفقيه أو صفة له، و ما بعده خبر مبتدإ محذوف أو مبتدأ و ما بعده خبره، و قيل: أو منصوب بتقدير أعني.

قوله عليه السلام: من لم يقنط الناس: أي لا يبالغ في ذكر آيات العذاب و أخبار الوعيد مقتصرا عليها و الفقرة الثانية بعكس ذلك و قيل: الفقرة الأولى إشارة إلى إبطال مذهب المعتزلة القائلة بإيجاب الوعيد و تخليد صاحب الكبيرة في النار، و مذهب الخوارج المضيقين في التكاليف الشرعية، و الثانية إشارة إلى إبطال مذهب المرجئة و من يجري مجراهم من المغترين بالشفاعة، و صحة الاعتقاد، و الثالثة إلى إبطال مذهب الحنابلة و الأشاعرة و من يشبههم كأكثر المتصوفة، و الرابعة إلى إبطال مذهب المتفلسفة الذين أعرضوا عن القرآن و أهله، و حاولوا اكتساب العلم و العرفان من كتب قدماء الفلاسفة و مذهب الحنفية الذين عملوا بالقياس و تركوا القرآن.

قوله عليه السلام ليس فيه تفهم: كالعلم الظني و التقليدي، أو مجرد حفظ الأقوال و الروايات.

ص: 119

لَيْسَ فِيهَا تَفَكُّرٌ وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَلَا لَا خَيْرَ فِي عِلْمٍ لَيْسَ فِيهِ تَفَهُّمٌ أَلَا لَا خَيْرَ فِي قِرَاءَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَدَبُّرٌ أَلَا لَا خَيْرَ فِي عِبَادَةٍ لَا فِقْهَ فِيهَا أَلَا لَا خَيْرَ فِي نُسُكٍ لَا وَرَعَ فِيهِ

4 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى وَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ النَّيْسَابُورِيِّ جَمِيعاً عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا ع قَالَ إِنَّ مِنْ عَلَامَاتِ الْفِقْهِ الْحِلْمَ وَ الصَّمْتَ

5 أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَرْقِيِّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ رَفَعَهُ قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع لَا يَكُونُ السَّفَهُ وَ الْغِرَّةُ فِي قَلْبِ الْعَالِمِ

6 وَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ رَفَعَهُ قَالَ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ع يَا مَعْشَرَ الْحَوَارِيِّينَ لِي إِلَيْكُمْ حَاجَةٌ اقْضُوهَا لِي قَالُوا

قوله عليه السلام: ليس فيها تفكر، أي لا يتفكر في أسرار العبادة و في معاني ما يتكلم به من الدعاء و التلاوة، و قيل: المراد عدم التفكر في مأخذ العبادة و ما تستنبط من الكتاب و السنة، و الأول أظهر و المراد بالنسك مطلق العبادة، و كثيرا ما يطلق على أعمال الحج و على الهدى.

الحديث الرابع

صحيح.

الحديث الخامس

مرفوع.

قوله عليه السلام لا يكون السفه: السفه قلة الحلم و الغرة بكسر الغين المعجمة:

الغفلة أو الاغترار بالأعمال الفاسدة و الآراء الباطلة، أو الانخداع من النفس و الشيطان و في بعض النسخ، و العز بالعين المهملة و الزاي المعجمة، أي التكبر.

الحديث السادس

ضعيف على المشهور.

قوله عليه السلام يا معشر الحواريين: قال في النهاية: و حواريي من أمتي أي

ص: 120

قُضِيَتْ حَاجَتُكَ يَا رُوحَ اللَّهِ فَقَامَ فَغَسَلَ أَقْدَامَهُمْ فَقَالُوا كُنَّا نَحْنُ أَحَقَّ بِهَذَا يَا رُوحَ اللَّهِ فَقَالَ إِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِالْخِدْمَةِ الْعَالِمُ إِنَّمَا تَوَاضَعْتُ هَكَذَا لِكَيْمَا

خاصتي من أصحابي و ناصري، و منه الحواريون: أصحاب عيسى عليه السلام أي خلصائه و أنصاره و أصله من التحوير: التبييض، قيل: إنهم كانوا قصارين يحورون الثياب أي يبيضونها، قال الأزهري: الحواريون خلصان الأنبياء، و تأويله: الذين أخلصوا و نقوا من كل عيب.

قوله عليه السلام قضيت: على بناء المجهول رعاية للأدب و قيل: يحتمل الدعاء، ثم اعلم أنه عليه السلام أدى في فعله ذلك أقصى مراتب التواضع، حيث أراد غسل الأقدام أو تقبيلها على اختلاف النسخ، ثم جعل ذلك مطلوبا له و سماه حاجة، ثم استأذن فيه عليه السلام ثم صنع مثل ذلك بتلامذته و تابعيه، ثم قال: إنه أحق بذلك، و قد ذكر لفعله غايتين متعدية و لازمة، و مثل لأحدهما تمثيلا جميلا حيث شبه المتواضع بالسهل و المتكبر بالجبل، و بين فضل السهل على الجبل و كونه أكثر منفعة.

قوله عليه السلام إن أحق الناس. لأنه أعرف بحسنها و ثمرتها، و العمل بالمكارم أوجب على العالم، و قيل: ذلك لشدة استعداده للفيضان من المبدأ و لفضله و شرفه و عزه بالعلم، فبتواضعه و تذلله بالخدمة يفاض عليه ما يليق به، و يتزين عزه و شرفه بالتواضع، و لا يلحقه ذل بذلك، بخلاف الجاهل فإنه لقلة استعداده إنما يفاض عليه ما يليق به، و لذلة و منقصته بالجهل يكون مناسبا للخدمة، فلا يكون في خدمته تواضعا، فلا يزداد به إلا ذلا و قيل: لأن نسبة العالم إلى الناس كنسبة الراعي إلى القطيع، و كما أن الراعي حقيق بخدمة الغنم، و أكمل الرعاة من هو أكثر خدمة لها، كذلك العالم حقيق بخدمة الناس، بأن يصلح أمور معادهم و معاشهم بتعليمهم و إرشادهم إلى الحق فأكمل العلماء أشفقهم بالناس، و كمال الشفقة يفضيه إلى الخدمة العرفية أيضا، فهو أحق الناس بالخدمة، أو لأنه لما كان العالم يقتدي به الناس في أفعاله الحسنة فكلما فعله يصير عادة مستمرة متبعة بخلاف غيره، و

ص: 121

تَتَوَاضَعُوا بَعْدِي فِي النَّاسِ كَتَوَاضُعِي لَكُمْ ثُمَّ قَالَ عِيسَى ع بِالتَّوَاضُعِ تُعْمَرُ الْحِكْمَةُ لَا بِالتَّكَبُّرِ وَ كَذَلِكَ فِي السَّهْلِ يَنْبُتُ الزَّرْعُ لَا فِي الْجَبَلِ

7 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَعْبَدٍ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ وَهْبٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع يَقُولُ يَا طَالِبَ الْعِلْمِ إِنَّ لِلْعَالِمِ ثَلَاثَ عَلَامَاتٍ الْعِلْمَ وَ الْحِلْمَ وَ الصَّمْتَ وَ لِلْمُتَكَلِّفِ ثَلَاثَ عَلَامَاتٍ يُنَازِعُ مَنْ فَوْقَهُ بِالْمَعْصِيَةِ وَ يَظْلِمُ مَنْ دُونَهُ بِالْغَلَبَةِ وَ يُظَاهِرُ الظَّلَمَةَ

الخدمة من الأفعال الحسنة فهو أولى و أحق بها من الجاهل، ليتبعه الناس و يؤيده قوله عليه السلام لكيما تتواضعوا بعدي، و ذلك لا ينافي كونه أحق بالمخدومية من جهة أخرى، أو يقال: يجب للعالم زرع بذر الحكمة في قلوب الناس و إرشادهم و هدايتهم إلى الحق، و ذلك لا يؤثر حق التأثير غالبا في قلوبهم القاسية، لغلبة قوتي الشهوية و الغضبية، فينبغي له أولا أن يرقق قلوبهم بالتواضع و الخدمة و الملاطفة، ثم يرشدهم إلى الحق و هذا مجرب.

الحديث السابع

مرسل.

قوله عليه السلام إن للعالم: المراد بالعالم العالم العامل الكامل الذي استقر العلم في قلبه، و من جملة علاماته العلم الظاهر و العمل به، و المراد بالمتكلف من يدعي مثل هذا العلم تكلفا، و ليس به متصفا، و المراد بمن فوقه كل من هو فوقه شرعا، و يجب عليه إطاعته كالواجب تعالى و الأنبياء و الأئمة و العلماء و الأب و المالك و غيرهم، و المراد بالمعصية إما معصية الله تعالى أو معصية من فوقه، و الأخير أظهر و إن كان الأول أفيد.

قوله عليه السلام بالغلبة. أي بأن يغلب و يستولي عليه أو بسبب غلبته عليه، و هذا يشمل ما إذا كان المعلم أقوى في المناظرة من المتعلم، فلا يقبل منه الحق لاستيلائه عليه في قوة المناظرة، و ما إذا كانت غلبته عليه للعزة الدنيوية، و المظاهرة المعاونة أي يعاونهم بالفتاوى الفاسدة، و التوجيهات لأعمالهم الباطلة.

ص: 122

بَابُ حَقِّ الْعَالِمِ

1 عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ جَعْفَرٍ الْجَعْفَرِيِّ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع يَقُولُ إِنَّ مِنْ حَقِّ الْعَالِمِ أَنْ لَا تُكْثِرَ عَلَيْهِ السُّؤَالَ وَ لَا تَأْخُذَ بِثَوْبِهِ وَ إِذَا دَخَلْتَ عَلَيْهِ وَ عِنْدَهُ قَوْمٌ فَسَلِّمْ عَلَيْهِمْ جَمِيعاً وَ خُصَّهُ بِالتَّحِيَّةِ دُونَهُمْ وَ اجْلِسْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَ لَا تَجْلِسْ خَلْفَهُ وَ لَا تَغْمِزْ بِعَيْنِكَ وَ لَا تُشِرْ بِيَدِكَ وَ لَا تُكْثِرْ مِنَ الْقَوْلِ قَالَ فُلَانٌ وَ قَالَ فُلَانٌ خِلَافاً لِقَوْلِهِ

باب حق العالم

الحديث الأول

مرسل.

قوله عليه السلام و أن لا تكثر عليه السؤال: قال بعض الأفاضل: يحتمل أن يكون المراد بالإكثار عليه، الإكثار المتضمن للضرر بأن يكثر لينفد ما عنده ليظهر خطاءه أو عجزه، و يحتمل أن يكون المراد بالإكثار الزيادة على القدر الذي يعمل به، أو يحفظه و يضبطه، و يحتمل أن يكون الظرف متعلقا بالسؤال، و يكون المراد بالسؤال عليه الإيراد و الرد عليه أو لا يراد بعلى مفادها، و يراد به السؤال منه كما في احتمال الثاني" انتهى".

قوله عليه السلام و لا تأخذ بثوبه: كأنه كناية عن الإلحاح في الطلب و يحتمل أن يكون المراد عدم النظر إلى ثوبه و لباسه في إكرامه كما قيل، و لا يخفى بعده.

قوله عليه السلام و اجلس بين يديه: أي حيث تواجهه و لا يحتاج في الخطاب و المواجهة إلى انحراف، و المراد بالجلوس خلفه ما يكون بخلاف ذلك، و يحتمل أن يكون المراد بالجلوس بين يديه ما يقابل الجلوس خلفه، فيشمل اليمين و اليسار، و يحتمل أن يكون المراد بكل منهما معناه الحقيقي، و لا يكون اليمين و اليسار داخلين في المأمور به و لا في المنهي عنه.

قوله عليه السلام و لا تغمز: الغمز بالعين الإشارة بها، و لعل في حذف المفعول إشارة

ص: 123

وَ لَا تَضْجَرْ بِطُولِ صُحْبَتِهِ فَإِنَّمَا مَثَلُ الْعَالِمِ مَثَلُ النَّخْلَةِ تَنْتَظِرُهَا حَتَّى يَسْقُطَ عَلَيْكَ مِنْهَا شَيْ ءٌ وَ الْعَالِمُ أَعْظَمُ أَجْراً مِنَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ

بَابُ فَقْدِ الْعُلَمَاءِ

1 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْخَزَّازِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ مَا مِنْ أَحَدٍ يَمُوتُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَحَبَّ إِلَى إِبْلِيسَ مِنْ مَوْتِ فَقِيهٍ

2 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ إِذَا مَاتَ الْمُؤْمِنُ الْفَقِيهُ ثُلِمَ فِي الْإِسْلَامِ ثُلْمَةٌ لَا يَسُدُّهَا شَيْ ءٌ

إلى أن الغمز إلى المعلم و إلى غيره مناف لحقه، و أما الإشارة باليد فتحتمل التعميم للعلة المذكورة، و التخصيص بالمعلم بأن يبسط يده إليه عند مناظرته كما هو المتعارف، أو يشير إليه بيده إذا تكلم مع غيره لتعيينه، و كل ذلك من سوء الأدب.

قوله عليه السلام من الصائم. أي في نهاره، القائم أي في ليله بالعبادة طول دهره و إنما كان أفضل منهما لأن الصائم إنما يكف نفسه عما أمر بالكف عنه في زمان يسير، و كذا القائم إنما ينفع نفسه في بعض الأزمان، و العالم يكف نفسه و نفوس أصحابه و من اتبعه مدى الأعصار، عن الاعتقادات الباطلة و الآراء الفاسدة بالدلائل القاطعة، و يوجب إقدام جم غفير في الأزمان المتطاولة بالصيام و القيام و غيرهما من الطاعات، و المجاهد يدفع غلبة الكفار على أبدان الخلق في زمان قليل و العالم يدفع استيلاء الشياطين و أهل الضلال على أديانهم إلى يوم القيامة فلذا كان العالم الرباني الهادي للخلق إلى الحق و الصواب أعظم أجرا من الصائم القائم الغازي في سبيل الله.

باب فقد العلماء

الحديث الأول

موثق.

الحديث الثاني

حسن.

قوله عليه السلام ثلمة: هي بالضم: فرجة المكسور و المهدوم.

ص: 124

3 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ ع يَقُولُ إِذَا مَاتَ الْمُؤْمِنُ بَكَتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ وَ بِقَاعُ الْأَرْضِ الَّتِي كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَيْهَا وَ أَبْوَابُ السَّمَاءِ الَّتِي كَانَ يُصْعَدُ فِيهَا بِأَعْمَالِهِ وَ ثُلِمَ فِي الْإِسْلَامِ ثُلْمَةٌ لَا يَسُدُّهَا شَيْ ءٌ لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ الْفُقَهَاءَ حُصُونُ الْإِسْلَامِ كَحِصْنِ سُورِ الْمَدِينَةِ لَهَا

الحديث الثالث

: ضعيف على المشهور و ربما يعد موثقا.

قوله عليه السلام بكت عليه الملائكة. أي الموكلون به أو الأعم، و قوله عليه السلام:

يعبد الله على بناء المعلوم و ما قيل: من احتمال بناء المجهول بعيد، و بكاء البقاع إما على المجاز و التمثيل كما هو الشائع بين العرب و العجم حيث يعبرون عن شدة المصيبة بأنه بكى لها السماء و الأرض، أو بحذف المضاف أي بكى عليه أهل البقاع من الملائكة و الجن و الأرواح و المؤمنون، و كذا بكاء أبواب السماء يحتمل الوجهين و يحتمل أن يكون كناية عن أن يفقده بسوء حال العالم، و حال أجزائه، إذ به نظام العالم، و بفقده تنقص بركات السماء و الأرض، لا سيما ما يتعلق من العالم بالمؤمن نفسه من الملائكة التي كانت مسرورة بخدمته و حفظه، و البقاع التي كانت معمورة بحركاته و سكناته، و أبواب السماء كانت مفتوحة لصعود أعماله و حسناته، و قيل: لعل المراد بأبواب السماء ما يوصل الأعمال إلى مقرها من العلويات، و يكون وسيلة لوصولها و دخولها و انضباطها فيها، ملكا كان أو روحا أو نفوسا كاملة شريفة قدسية، أو قوة أو نفسا علوية، و بالجملة يراد بالبكاء الحزن الموجب لجري الدموع فينا، سواء كان هناك مع الحزن جرى الدموع أو لا" انتهى".

قوله عليه السلام كحصن: لعل المراد بالحصن أجزاء السور و المراد بالسور سور البلد و بالحصن الموضع الذي يتحصن فيه أهل البلد، و حمله على المعنى المصدري لا يخلو من بعد لفظا و معنى.

ص: 125

4 وَ عَنْهُ عَنْ أَحْمَدَ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْخَزَّازِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ مَا مِنْ أَحَدٍ يَمُوتُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَحَبَّ إِلَى إِبْلِيسَ مِنْ مَوْتِ فَقِيهٍ

5 عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ عَنْ عَمِّهِ يَعْقُوبَ بْنِ سَالِمٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ فَرْقَدٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع إِنَّ أَبِي كَانَ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ بَعْدَ مَا يُهْبِطُهُ وَ لَكِنْ يَمُوتُ الْعَالِمُ فَيَذْهَبُ بِمَا يَعْلَمُ فَتَلِيهِمُ الْجُفَاةُ فَيَضِلُّونَ وَ يُضِلُّونَ وَ لَا خَيْرَ فِي شَيْ ءٍ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ

6 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ع يَقُولُ إِنَّهُ يُسَخِّي

الحديث الرابع

: صحيح.

الحديث الخامس

: ضعيف على المشهور.

قوله عليه السلام لا يقبض العلم: أي إذا أفاض الله العلم الحقيقي على العالم الرباني لا يسلبه منه، فلا يكون فقد العلم بذهابه و بقاء محله، بل إنما يذهب بذهاب محله و بذلك ظهر أن ذهاب العالم أعظم المصائب لا هل العالم، إذ به يذهب العلم من بينهم.

قوله عليه السلام فتليهم الجفاة: أي تتصرف في أمورهم، من الولاية بالكسر و هي الإمارة، و الجفاة البعداء عن الآداب الحسنة و أهل النفوس الغليظة، و القلوب القاسية التي ليست قابلة لاكتساب العلم و الكمال.

قوله عليه السلام و لا خير: أي لما كان بناء الولاية و السياسة على العلم و لا خير في ولاية لا علم لصاحبها و لم يؤمر الناس بمتابعته و أخذ العلم عنه، أو المراد أن علومهم كلها جهل لا أصل لها أو أعمالهم بغير علم باطلة لا حقيقة لها.

الحديث السادس

: مرسل.

قوله عليه السلام يسخى: في بعض النسخ يسخى من باب التفعيل، و في بعضها تسخى من المجرد، و على النسخة الأولى فاعله: قول الله و مفعوله نفسي، و قوله: فينا متعلق بسرعة

ص: 126

نَفْسِي فِي سُرْعَةِ الْمَوْتِ وَ الْقَتْلِ فِينَا قَوْلُ اللَّهِ- أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَ هُوَ ذَهَابُ الْعُلَمَاءِ

بَابُ مُجَالَسَةِ الْعُلَمَاءِ وَ صُحْبَتِهِمْ

1 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ رَفَعَهُ قَالَ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ يَا بُنَيَّ اخْتَرِ الْمَجَالِسَ عَلَى عَيْنِكَ فَإِنْ رَأَيْتَ قَوْماً يَذْكُرُونَ اللَّهَ جَلَّ وَ عَزَّ فَاجْلِسْ مَعَهُمْ فَإِنْ تَكُنْ عَالِماً نَفَعَكَ عِلْمُكَ وَ إِنْ تَكُنْ جَاهِلًا عَلَّمُوكَ وَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُظِلَّهُمْ بِرَحْمَتِهِ فَيَعُمَّكَ مَعَهُمْ وَ إِذَا رَأَيْتَ قَوْماً لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فَلَا تَجْلِسْ مَعَهُمْ فَإِنْ تَكُنْ

الموت و القتل، و يحتمل تعلقه بالقول، و على الثانية فاعله نفسي و قوله" فينا" خبر لقوله قول الله، فعلى الأول كان المراد التهديد و التخويف، بأن الأمة صاروا مستحقين لقبائح أعمالهم لا ذهابنا من بينهم و وقوع العذاب عليهم، و على الثاني الظاهر أن المراد إنا لا نخاف من الموت و القتل، لكن لا نطلبه من الله تعالى، لأنه سبب لعذاب الناس و سلب الرحمة منهم، فيكون تقدير الكلام لكن فينا قول الله، و يحتمل أن يكون على هذا الوجه أيضا تعليلا للتسخية.

باب مجالسة العلماء و صحبتهم

الحديث الأول

: مرفوع.

قوله عليه السلام على عينك: أي على بصيرة منك أو بعينك، فإن على قد تأتي بمعنى الباء كما صرح به الجوهري، أو المراد رجحه على عينك، أي ليكن المجالس أعز عندك من عينك.

قوله عليه السلام نفعك علمك: إما بأن تعلمهم أو تستفيد منهم تذكيرا و تأييدا لما تعلم، و ما قيل: إن علمك بدل من الضمير البارز في نفعك، أي نفع الجلوس معهم علمك، تكلف مستغنى عنه.

قوله عليه السلام أن يظلهم: قال الفيروزآبادي: أظلني الشي ء أي غشيني، و الاسم

ص: 127

عَالِماً لَمْ يَنْفَعْكَ عِلْمُكَ وَ إِنْ كُنْتَ جَاهِلًا يَزِيدُوكَ جَهْلًا وَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُظِلَّهُمْ بِعُقُوبَةٍ فَيَعُمَّكَ مَعَهُمْ

2 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ وَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى جَمِيعاً عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ دُرُسْتَ بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ ع قَالَ مُحَادَثَةُ الْعَالِمِ عَلَى الْمَزَابِلِ خَيْرٌ مِنْ مُحَادَثَةِ الْجَاهِلِ عَلَى الزَّرَابِيِ

3 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَرْقِيِّ عَنْ شَرِيفِ بْنِ سَابِقٍ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ أَبِي قُرَّةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص قَالَتِ الْحَوَارِيُّونَ لِعِيسَى يَا رُوحَ اللَّهِ مَنْ نُجَالِسُ قَالَ مَنْ يُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ رُؤْيَتُهُ وَ يَزِيدُ فِي عِلْمِكُمْ مَنْطِقُهُ وَ يُرَغِّبُكُمْ فِي الْآخِرَةِ عَمَلُهُ

4 مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مُجَالَسَةُ أَهْلِ الدِّينِ شَرَفُ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ

5 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَصْبَهَانِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ

الظل أو دنا مني حتى ألقى على ظله.

الحديث الثاني

: ضعيف.

و قال في القاموس: الزرابي النمارق و البسط، أو كل ما بسط و اتكأ عليه، الواحد زربي بالكسر و يضم.

الحديث الثالث

: ضعيف.

الحديث الرابع

: مجهول كالصحيح.

قوله عليه السلام أهل الدين: أي العلماء العاملين بعلمهم، و يحتمل شموله للعباد و الزهاد أيضا.

الحديث الخامس

ضعيف.

ص: 128

بْنِ دَاوُدَ الْمِنْقَرِيِّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ مِسْعَرِ بْنِ كِدَامٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ ع يَقُولُ لَمَجْلِسٌ أَجْلِسُهُ إِلَى مَنْ أَثِقُ بِهِ أَوْثَقُ فِي نَفْسِي مِنْ عَمَلِ سَنَةٍ

بَابُ سُؤَالِ الْعَالِمِ وَ تَذَاكُرِهِ

1 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ سَأَلْتُهُ عَنْ مَجْدُورٍ أَصَابَتْهُ جَنَابَةٌ فَغَسَّلُوهُ فَمَاتَ قَالَ قَتَلُوهُ أَلَّا سَأَلُوا فَإِنَّ دَوَاءَ الْعِيِّ السُّؤَالُ

و مسعر بكسر الميم و فتح العين بين السين الساكنة و الراء غير المعجمات و قد يفتح ميمه تفألا، و كدام بالكاف المكسورة و الدال الغير المعجمة الخفيفة، و مسعر شيخ السفيانيين سفيان الثوري و سفيان بن عيينة.

قوله عليه السلام: لمجلس، و في بعض النسخ المجلس و يحتمل أن يكون مصدرا ميميا، و يكون المنصوب في أجلسه في موضع المفعول المطلق كما قيل، و يحتمل أن يكون اسم مكان و تقدير الكلام أجلس فيه، و إلى بمعنى مع، أي مع من أثق به أو فيه تضمين و الوثوق بعدم التقية، و كونه محلا للإسرار حافظا لها.

باب سؤال العالم و تذاكره

الحديث الأول

: حسن.

قوله عليه السلام عن مجدور. هو من به الجدري و هو بفتحتين و بضم الجيم داء معروف.

قوله عليه السلام قتلوه: إذ كان فرضه التيمم فمن أفتى بغسله أو تولى ذلك منه فقد أعان على فتله، و قوله عليه السلام ألا سئلوا؟ بتشديد اللام حرف تحضيض، و إذا استعمل في الماضي فهو للتوبيخ و اللوم، و يحتمل أن يكون بالتخفيف استفهاما إنكاريا، و العي بكسر المهملة و تشديد الياء: الجهل و عدم الاهتداء لوجه المراد و العجز عنه، و في بعض النسخ بالغين المعجمة و لعله تصحيف.

ص: 129

2 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ حَرِيزٍ عَنْ زُرَارَةَ وَ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ وَ بُرَيْدٍ الْعِجْلِيِّ قَالُوا قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع لِحُمْرَانَ بْنِ أَعْيَنَ فِي شَيْ ءٍ سَأَلَهُ إِنَّمَا يَهْلِكُ النَّاسُ لِأَنَّهُمْ لَا يَسْأَلُونَ

3 عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَيْمُونٍ الْقَدَّاحِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ عَلَيْهِ قُفْلٌ وَ مِفْتَاحُهُ الْمَسْأَلَةُ

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع مِثْلَهُ

4 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْأَحْوَلِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ لَا يَسَعُ النَّاسَ حَتَّى يَسْأَلُوا وَ يَتَفَقَّهُوا وَ يَعْرِفُوا إِمَامَهُمْ وَ يَسَعُهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا بِمَا يَقُولُ وَ إِنْ كَانَ تَقِيَّةً

5 عَلِيٌّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع

الحديث الثاني

: صحيح.

الحديث الثالث

: ضعيف على المشهور و سنده الثاني أيضا ضعيف على المشهور.

قوله عليه السلام: هذا العلم. إما إشارة إلى مطلق العلم أو إلى العلم الذي يحتاج الناس إليه من علوم الدين و لعله أظهر.

الحديث الرابع

: صحيح.

قوله عليه السلام: أن يأخذوا، أي قولا و اعتقادا في كل زمان بما يقول الإمام في ذلك الزمان و إن كان تقية فإن ما يقوله الإمام تقية يسع السائل أن يعتقده و يقول به، إذا لم يتنبه للتقية و أما العمل به و الأمر بالعمل به مع التنبه للتقية أيضا لازم عند التقية، و لا يسعهم و لا يكفيهم أن يأخذوا بما لم يتفقهوا فيه، و لم يعرفوه عن إمامهم و إن وافق الحق الصريح الذي لا تقية فيه.

الحديث الخامس

: مرسل.

ص: 130

قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص أُفٍّ لِرَجُلٍ لَا يُفَرِّغُ نَفْسَهُ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ لِأَمْرِ دِينِهِ فَيَتَعَاهَدُهُ وَ يَسْأَلُ عَنْ دِينِهِ وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِكُلِّ مُسْلِمٍ

6 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ تَذَاكُرُ الْعِلْمِ بَيْنَ عِبَادِي مِمَّا تَحْيَا عَلَيْهِ الْقُلُوبُ الْمَيْتَةُ إِذَا هُمُ انْتَهَوْا فِيهِ إِلَى أَمْرِي

قوله عليه السلام أف لرجل: أف بضم الهمزة و كسر الفاء المشددة منونا و التنوين للتكثير، و قيل للتنكير، و يجوز حذف التنوين و يجوز أيضا فتح الفاء مع التنوين و بدونه، و يجوز الضم بالوجهين و هو كلمة تكره و تضجر، و قوله: لا يفرغ إما من المجرد و نفسه فاعله، أو على بناء التفعيل و نفسه مفعوله، و المراد بالجمعة أما اليوم المعهود، أو الأسبوع بتقدير يوما، و الأول أظهر، و المراد بالتفريغ ترك الشواغل الدنيوية و الضمير في قوله فيتعاهده إما راجع إلى اليوم أو إلى الدين و على الأول المراد بتعاهده الإتيان بالصلاة و الوظائف المقررة فيه، و من جملتها تعلم المسائل و استماع المواعظ من الإمام عليه السلام أو نائبه الخاص أو نائبه العام.

الحديث السادس

: حسن.

قوله عليه السلام تذاكر العلم. أي تذاكر العباد و تشاركهم في ذكر العلم، بأن يذكر كل منهم للآخر شيئا من العلم و يتكلم فيه مما يحيى القلوب الميتة، حالكونها ثابتة عليه و حاصله أنه من الأحوال التي تحيي عليها القلوب الميتة و يحتمل أن يكون على بمعنى الباء، و على التقديرين تحيي إما من المجرد المعلوم أو المزيد فيه المجهول، و قوله تعالى: إذا هم انتهوا فيه إلى أمري، يحتمل أن يكون المراد بالأمر فيه مقابل النهي، أي إذا كان تذاكرهم على الوجه الذي أمرت به من أخذ العلم من معدنه و الاقتباس من مشكاة النبوة، و يحتمل أن يكون المراد بالأمر مطلق الشأن فيكون المراد بالانتهاء إلى أمره الوصول إلى صفاته و أسمائه و أو أمره و نواهيه، بالمعرفة و الإطاعة و الانقياد، و قيل: يحتمل أن يكون المراد بالأمر الذي كان مع رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و الأئمة عليه السلام

ص: 131

7 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي الْجَارُودِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ ع يَقُولُ رَحِمَ اللَّهُ عَبْداً أَحْيَا الْعِلْمَ قَالَ قُلْتُ وَ مَا إِحْيَاؤُهُ قَالَ أَنْ يُذَاكِرَ بِهِ أَهْلَ الدِّينِ وَ أَهْلَ الْوَرَعِ

8 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَجَّالِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ رَفَعَهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص تَذَاكَرُوا وَ تَلَاقَوْا وَ تَحَدَّثُوا فَإِنَّ الْحَدِيثَ جِلَاءٌ لِلْقُلُوبِ إِنَّ الْقُلُوبَ لَتَرِينُ كَمَا يَرِينُ السَّيْفُ جِلَاؤُهَا الْحَدِيثُ

كما قال تعالى" وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا" فيكون الانتهاء إليه عبارة عن استناد ما يتذاكرونه من العلوم الدينية إليهم عليه السلام و لا يخفى بعده.

الحديث السابع

: ضعيف.

قوله عليه السلام أن يذاكر به أهل الدين: لعل التخصيص بأهل الدين و أهل الورع لأن غيرهم مظنة أن يغيروه و يفسدوه، فلا يوجب الذكر لهم و النقل عنهم حفظا، و لا يكون فيه إحياء، و قيل: إنما قيد بأهل الورع لأن العلم المحيي إنما هو علم الدين و طهارة القلب بالورع و التقوى شرط لحصوله، كما قال سبحانه:" وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ يُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ".

الحديث الثامن

: مرفوع.

قوله عليه السلام تذاكروا: قيل أمر عليه السلام بتذاكر العلم، و لما لم يكن صريحا في المراد و هو التحديث بالعلم عقبه بقوله و تلاقوا و تحدثوا، أي بالعلم بيانا للمراد من التذاكر أقول: و يحتمل أن يكون المعنى تذاكروا العلماء و بعد تحقيق الحق تلاقوا سائر الناس و علموهم، و الجلاء بالكسر هو الصقل مصدر، و قد يستعمل لما يجلي به و هو المراد هيهنا، أو حمل على الحديث مبالغة، و الرين الدنس و الوسخ، و قوله جلاؤه الحديد أي جلاء السيف، و في بعض النسخ و جلاؤها الحديث و هو أظهر.

ص: 132

9 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ أَيُّوبَ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبَانٍ عَنْ مَنْصُورٍ الصَّيْقَلِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ ع يَقُولُ تَذَاكُرُ الْعِلْمِ دِرَاسَةٌ وَ الدِّرَاسَةُ صَلَاةٌ حَسَنَةٌ

بَابُ بَذْلِ الْعِلْمِ

1 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ بَزِيعٍ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَرَأْتُ فِي كِتَابِ عَلِيٍّ ع إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْخُذْ عَلَى الْجُهَّالِ عَهْداً بِطَلَبِ الْعِلْمِ حَتَّى أَخَذَ عَلَى الْعُلَمَاءِ عَهْداً بِبَذْلِ الْعِلْمِ لِلْجُهَّالِ لِأَنَّ الْعِلْمَ كَانَ قَبْلَ الْجَهْلِ

الحديث التاسع

: مجهول.

قوله عليه السلام دراسة: أي تعهد له و حفظ له عن الاندراس، و قال الجزري في الحديث: تدارسوا القرآن أي اقرءوه و تعهدوه لئلا تنسوه" انتهى" و قوله: و الدراسة صلاة حسنة، يعني أن ثوابها ثواب صلاة حسنة كاملة، و قيل: المراد بالصلاة الدعاء أي يترتب عليها ما يترتب على أكمل الأدعية، و هو الدعاء الذي يطلب فيه جميع الخيرات من المطالب الدنيوية و الأخروية فيستجاب [و لا يخفى بعده].

باب بذل العلم

الحديث الأول

: ضعيف كالموثق.

قوله عليه السلام لأن العلم كان قبل الجهل: هذا دليل على سبق أخذ العهد على العالم ببذل العلم على أخذ العهد على الجاهل بطلبه، أو بيان لصحته و إنما كان العلم قبل الجهل مع أن الجاهل إنما يكتسبه بعد جهله بوجوه:

الأول: أن الله سبحانه قبل كل شي ء، و العلم عين ذاته فطبيعة العلم متقدمة على طبيعة الجهل.

و الثاني: أن الملائكة و اللوح و القلم و آدم لهم التقدم على الجهال من أولاد آدم.

ص: 133

2 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع فِي هَذِهِ الْآيَةِ- وَ لا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ قَالَ لِيَكُنِ النَّاسُ عِنْدَكَ فِي الْعِلْمِ سَوَاءً

و الثالث: أن العلم غاية الخلق و الغاية متقدمة على ذي الغاية لأنها سبب له.

و الرابع: أن الجهل عدم العلم و الإعدام إنما تعرف بملكاتها و تتبعها، فالعلم متقدم على الجهل بالحقيقة و الماهية.

و الخامس: أنه أشرف فله التقدم بالشرف و الرتبة.

و السادس: أن الجاهل إنما يتعلم بواسطة العالم و تعليمه، يقال علمه فتعلم.

و قال بعض الأفاضل و نعم ما قال: لو حمل القبلية على الزمانية حيث كان خلق الجاهل من العباد بعد وجود العالم كالقلم و اللوح و الملائكة و آدم بالنسبة إلى أولاده، فيصح كون الأمر بالطلب بعد الأمر ببذل العلم، حيث يأمر الله تعالى بما تقتضيه حكمته البالغة و بما هو الأصلح عند وجود من يستحق أن يخاطب به، و لأن من لم يسبق الجهل على علمه يعلم باطلاع منه سبحانه حسن أن يبذل العلم و مطلوبيته له تعالى، و هذا أخذ العهد ببذل العلم، و لو حمل على القبلية بالرتبة و الشرف فيمكن توجيهه بأن يقال: العلم لما كان أشرف من الجهل و العالم أقرب من جنابه سبحانه في الرتبة، و لا يصل العهد منه سبحانه إلى الجاهل إلا بوساطة يعلم العالم من ذلك أن عليه البذل عند الطلب، أو يقال من جملة علمه وجوب البذل عند الطلب.

الحديث الثاني

: ضعيف كالموثق.

قوله تعالى" وَ لا تُصَعِّرْ" تصعير الخد إمالته تكبرا، و معنى الآية لا تعرض بوجهك عن الناس تكبرا، و لعل معنى الحديث أن العالم إذا رجح بعض تلامذته على بعض في النظر و حسن المعاشرة، أو تكبر و استنكف عن تعليم بعضهم أو نصحه، فكأنه مال بوجهه عنه أو تكبر، و يؤيده أن هذا الخطاب كان من لقمان عليه السلام لابنه

ص: 134

3 وَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ النَّضْرِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شِمْرٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ زَكَاةُ الْعِلْمِ أَنْ تُعَلِّمَهُ عِبَادَ اللَّهِ

4 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَامَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ع خَطِيباً فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَالَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تُحَدِّثُوا الْجُهَّالَ بِالْحِكْمَةِ فَتَظْلِمُوهَا وَ لَا تَمْنَعُوهَا أَهْلَهَا فَتَظْلِمُوهُمْ

و أصحابه لم يكونوا إلا طلاب العلوم، فكأنه نصحه أن يسوي بينهم في الإفادة و الإرشاد و قيل: إنما أولها بذلك لأن المقصد الأقصى من بعثة الرسل تبليغ الشريعة القويمة، و تعليم الدين المبين، فالظاهر كونه نهيا عما يخل بما هو المقصود الأصلي و الأول أوجه.

الحديث الثالث

: ضعيف.

قوله عليه السلام زكاة العلم. التشبيه من وجوه:

الأول: أن الزكاة حق الله تعالى في المال بإزاء الإنعام به فكذا التعلم.

الثاني: أن الزكاة يوجب نمو المال فكذا تعليم العلم يوجب نموه و زيادته لأنه شكر لنعمة العلم، و قد قال تعالى:" لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ" و لذا سمي زكاة لأن أحد معانيها النمو.

الثالث: أن الزكاة توجب طهارة المال عن الشبهات، فكذا تعليم العلم يوجب طهارته عن الشكوك و الشبه بفضله سبحانه، مع أن مذاكرة العلم توجب قوته و زيادة اليقين فيه.

الرابع: أن الزكاة توجب حفظ المال عن التلف و كذا التعليم يوجب حفظه عن الزوال، فإن الضنة بالعلم يوجب أن يسلب الله علمه.

الحديث الرابع

: مرسل.

قوله عليه السلام لا تحدثوا الجهال: لعل المراد بالجهال من لا يحب العلم و لا يطلبه و لا يرغب فيه أو المراد بالجهل ما يقابل العقل كما مر.

ص: 135

بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْقَوْلِ بِغَيْرِ عِلْمٍ

1 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ وَ عَبْدِ اللَّهِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ مُفَضَّلِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع أَنْهَاكَ عَنْ خَصْلَتَيْنِ فِيهِمَا هَلَاكُ الرِّجَالِ أَنْهَاكَ أَنْ تَدِينَ اللَّهَ بِالْبَاطِلِ وَ تُفْتِيَ النَّاسَ بِمَا لَا تَعْلَمُ

2 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَجَّاجِ قَالَ قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع إِيَّاكَ وَ خَصْلَتَيْنِ فَفِيهِمَا هَلَكَ مَنْ هَلَكَ إِيَّاكَ أَنْ تُفْتِيَ النَّاسَ بِرَأْيِكَ أَوْ تَدِينَ بِمَا لَا تَعْلَمُ

باب النهي عن القول بغير علم

الحديث الأول

مجهول.

قوله عليه السلام أن تدين الله بالباطل، أي تتخذ الباطل دينا بينك و بين الله تعبد الله عز و جل به، سواء كان في القول و الاعتقاد أو في العمل، و المراد بالباطل ما لم يؤخذ من مأخذه الذي أمر الله تعالى بالأخذ منه، و المراد بالإفتاء بما لا يعلم، الإفتاء بما لم يؤخذ من الكتاب و السنة على وجه يجوز الأخذ منهما على هذا الوجه، أو إفتاء من لا يكون أهلا لاستنباط ذلك منهما.

الحديث الثاني

: صحيح.

قوله عليه السلام برأيك: أي لا بالأخذ من الكتاب و السنة على منهاجه.

قوله عليه السلام: أو تدين بما لا تعلم: قال بعض الأفاضل أي أن تعبد الله بما لا تعلمه بثبوته بالبراهين و الأدلة العقلية، أو بالكتاب و السنة، و الأدلة السمعية، و يحتمل أن يكون من دان به أي اتخذه دينا، يعني إياك أن تتخذ ما لا تعلم دينا، و أن يكون تدين من باب التفعل أي تتخذ الدين متلبسا بالقول فيه بما لا تعلم، و الدين اسم لجميع ما يتعبد الله به و الملة.

ص: 136

3 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رِئَابٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ مَنْ أَفْتَى النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ لَا هُدًى لَعَنَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ وَ لَحِقَهُ وِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِفُتْيَاهُ

4 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَشَّاءِ عَنْ أَبَانٍ الْأَحْمَرِ عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي رَجَاءٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ مَا عَلِمْتُمْ فَقُولُوا وَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَقُولُوا اللَّهُ أَعْلَمُ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْتَزِعُ الْآيَةَ مِنَ الْقُرْآنِ يَخِرُّ فِيهَا أَبْعَدَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ

الحديث الثالث

صحيح.

قوله عليه السلام بغير علم: أي من الله كما للنبي و الأئمة عليه السلام أو هدي من ذي العلم كالعلماء من شيعتهم.

قوله عليه السلام: لعنته ملائكة الرحمة: لأنه جعل الناس محرومين عن رحمة الله، و ملائكة العذاب لأنه جعلهم مستحقين لها.

قوله عليه السلام و لحقه وزر من عمل بفتياه: سواء كان العامل وازرا أو معذورا، و لا ينقص من وزر الوازر شي ء، و الفتيا و الفتوى و يفتح: ما أفتى به الفقيه.

الحديث الرابع

موثق.

قوله عليه السلام ما علمتم: هذا خطاب مع العلماء من شيعته و أصحابه، و هم العالمون بكثير من المسائل أو أكثرها بالفعل أو بالقوة القريبة منه.

قوله عليه السلام إن الرجل: هو كالتعليل لما تقدم و قوله عليه السلام لينزع الآية، أي يستخرجها ليستدل بها على مطلوبه، و قوله عليه السلام يخر إما حال من الضمير في ينزع أو خبر بعد خبر، و المعنى أنه يبعد عن رحمة الله أبعد مما بين السماء و الأرض، أو يتضرر به أكثر من الضرر الذي يصل إلى من سقط من السماء إلى الأرض، و قيل: المعنى أنه يقع في الآية أي في تفسيرها ساقطا على ما هو أبعد عن المراد منها مما بين السماء و الأرض.

ص: 137

5 مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ لِلْعَالِمِ إِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْ ءٍ وَ هُوَ لَا يَعْلَمُهُ أَنْ يَقُولَ اللَّهُ أَعْلَمُ وَ لَيْسَ لِغَيْرِ الْعَالِمِ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ

6 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ حَرِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ إِذَا سُئِلَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ عَمَّا لَا يَعْلَمُ فَلْيَقُلْ لَا أَدْرِي وَ لَا يَقُلْ اللَّهُ أَعْلَمُ فَيُوقِعَ فِي قَلْبِ صَاحِبِهِ شَكّاً وَ إِذَا قَالَ الْمَسْئُولُ لَا أَدْرِي فَلَا يَتَّهِمُهُ السَّائِلُ

7 الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سَمَاعَةَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ عَنْ أَبَانٍ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَعْيَنَ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ ع

الحديث الخامس

: مجهول كالصحيح.

قوله عليه السلام و ليس لغير العالم: و ذلك لأن مقتضى صيغة التفضيل أن يكون للمفضل عليه شركة فيما فيه الفضل و ليس للجاهل ذلك، و أما العالم فلما كان له نصيب من جنس العلم صح له هذا القول و إن كان حكمه حكم الجاهل فيما سئل عنه، و هذا لا ينافي الخبر السابق إذ حملناه على العالم، و المراد بالعالم ما فسرناه في ذلك الخبر، و يعبر عنه في هذه الأعصار بالمجتهد.

الحديث السادس

صحيح.

قوله عليه السلام: فليقل لا أدري، يمكن حمله على غير العالم لئلا ينافي الخبر السابق و حينئذ يحتمل أن يكون المراد بالشك الشك في كونه عالما إذ قول الله أعلم من شأن العلماء كما مر و يمكن أن يعم العالم و غيره و يكون المراد بإيقاع الشك الشك في كونه عالما بالمسؤول عنه معرضا عن الجواب لضنته و يخص النهي بهذه الصورة، و ذلك في العالم نادر، و في غيره يكون غالبا، فإن العالم همه في نشر العلم و إذا عته، كما أن الجاهل همه في إخفاء ما اطلع عليه و إضاعته.

الحديث السابع

ضعيف.

ص: 138

مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ قَالَ أَنْ يَقُولُوا مَا يَعْلَمُونَ وَ يَقِفُوا عِنْدَ مَا لَا يَعْلَمُونَ

8 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي يَعْقُوبَ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ إِنَّ اللَّهَ خَصَّ عِبَادَهُ بِآيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِهِ أَنْ لَا يَقُولُوا حَتَّى يَعْلَمُوا وَ لَا يَرُدُّوا مَا لَمْ يَعْلَمُوا وَ قَالَ عَزَّ وَ جَلَّ أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَ قَالَ بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَ لَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ

قوله عليه السلام: ما حق الله على العباد؟ أي فيما آتاهم من العلم و أخذ عليهم من الميثاق، و إلا فحقوقه تعالى عليهم كثيرة، و قيل: أي الحق الواجب الثابت الذي يطالب به صاحبه، و سؤاله عن الحقيق بهذا الاسم من بين الفرائض و الواجبات.

الحديث الثامن

حسن على الظاهر.

قوله عليه السلام إن الله خص: في بعض النسخ بالمعجمة بعد المهملة من الحض بمعنى الحث و الترغيب، فيقدر كلمة على في أن لا يقولوا أي حث عباده بالآيتين على أن لا يقولوا قبل العلم، و لا يردوا إلا بعد العلم، و يحتمل أن يكون أن لا يقولوا تفسيرا لحثه تعالى و" لا" في الموضعين حينئذ للنهي، و على الأول للنفي و في أكثر النسخ خص بالمهملة بعد المعجمة أي خص هذه الأمة، و التعبير عنهم بوصف العبودية مضافا إليه سبحانه لتشريفهم و تعظيمهم من بين الأمم بإنزال آيتين من كتابه و إعلامهم بمضمونها، دون سائر الأمم، و قوله: أن لا يقولوا بدل من آيتين و عطف قوله و قال عز و جل على" خص" من عطف أحد التعبيرين عن الشي ء على آخر، لمغايرة بينهما على بعض الوجوه، و يحتمل أن يكون الباء في قوله: بآيتين للسببية، و حرف الصلة في أن لا يقولوا مقدرا، و على التقديرين لا يخلو من تكلف، و يحتمل تقدير اللام في أن لا يقولوا، و لعله أظهر، ثم اعلم أن الظاهر أن المراد بالرد التكذيب و الإنكار، لما لم يبلغ علمهم إليه مما وصل إليهم من الله تعالى، أو من النبي صلى الله عليه و آله و سلم و الأئمة عليه السلام و حمله على رد الجواب بعيد.

ص: 139

9 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ فَرْقَدٍ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ قَالَ مَا ذَكَرْتُ حَدِيثاً سَمِعْتُهُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ع إِلَّا كَادَ أَنْ يَتَصَدَّعَ قَلْبِي قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ص قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ وَ أُقْسِمُ بِاللَّهِ مَا كَذَبَ أَبُوهُ عَلَى جَدِّهِ وَ لَا جَدُّهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَنْ عَمِلَ بِالْمَقَايِيسِ فَقَدْ هَلَكَ وَ أَهْلَكَ وَ مَنْ أَفْتَى النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ هُوَ لَا يَعْلَمُ النَّاسِخَ مِنَ الْمَنْسُوخِ وَ الْمُحْكَمَ مِنَ الْمُتَشَابِهِ فَقَدْ هَلَكَ وَ أَهْلَكَ

بَابُ مَنْ عَمِلَ بِغَيْرِ عِلْمٍ

1 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ الْعَامِلُ عَلَى غَيْرِ بَصِيرَةٍ كَالسَّائِرِ عَلَى غَيْرِ الطَّرِيقِ لَا يَزِيدُهُ سُرْعَةُ السَّيْرِ إِلَّا بُعْداً

الحديث التاسع

ضعيف و ابن شبرمة هو عبد الله بن شبرمة الضبي الكوفي بضم المعجمة و سكون الموحدة و ضم الراء كان قاضيا لأبي جعفر المنصور على سواد الكوفة، و الانصداع: الانشقاق، و التصدع التفرق.

قوله صلى الله عليه و آله بالمقائيس: قال بعض الأفاضل المقياس ما يقدر به الشي ء على مثال و المراد به ما جعلوه معيار إلحاق الفرع بالأصل، من الاشتراك في المظنون عليته للحكم و عدم الفارق، و المراد من العمل به اتخاذه دليلا شرعيا معولا عليه، و استعماله في استخراج الحكم الشرعي و القول بموجبه و مقتضاه، و قوله عليه السلام: و من أفتى الناس. أي بما يأخذه عن الكتاب و السنة.

باب من عمل بغير علم

الحديث الأول

ضعيف على المشهور.

قوله عليه السلام: على غير بصيرة: أي على غير معرفة بما يعلمه بما هو طريق المعرفة في العمليات.

ص: 140

2 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَنْ حُسَيْنٍ الصَّيْقَلِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ عَمَلًا إِلَّا بِمَعْرِفَةٍ وَ لَا مَعْرِفَةَ إِلَّا بِعَمَلٍ فَمَنْ عَرَفَ دَلَّتْهُ الْمَعْرِفَةُ عَلَى الْعَمَلِ وَ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ فَلَا مَعْرِفَةَ لَهُ أَلَا إِنَّ الْإِيمَانَ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ

44 3 عَنْهُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَمَّنْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَنْ عَمِلَ عَلَى غَيْرِ عِلْمٍ كَانَ مَا يُفْسِدُ أَكْثَرَ مِمَّا يُصْلِحُ

الحديث الثاني

ضعيف على المشهور.

قوله عليه السلام: إلا بمعرفة: أي معرفة أصول العقائد، فلا يقبل أعمال المشركين و المخالفين، و من لا يؤمن بالمعاد و المجسمة و المجبرة و أشباههم أو الأعم منها و من معرفة طريق العمل، و كيفيته و شرائطه بالاجتهاد أو التقليد، و قوله عليه السلام: و لا معرفة إما معطوف على عملا و" لا" مؤكدة للنفي أو معطوف على قوله: لا يقبل الله و" لا" لنفي الجنس.

قوله عليه السلام فمن عرف: أي أصول الدين بالعلم اليقيني، دلته أي حثته على العمل و رغبته فيه أو فروعه، فتدله على كيفية العمل أو الأعم منهما، و من لم يعمل فلا معرفة له بالأصول، لأن العلم اليقيني يبعثه لا محالة على العمل كما عرفت، أو كمال اليقين إنما يكون بالعمل كما ورد: من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم، بل يذهب عنه العلم الحاصل مع ترك العمل كما سيأتي.

قوله عليه السلام إن الإيمان. إما أن يراد بالإيمان نفس المعرفة، أي كل مرتبة من مراتب الإيمان في القوة و الكمال يحصل من مرتبة أخرى منه سابقه لأجل العمل بها، أو مجموع العلم و المعرفة و العمل و الطاعة كما هو المستفاد من أكثر الأخبار فالمراد أن كلا من جزئية العلمي و العملي يحصل من الآخر و لعله أظهر.

الحديث الثالث

مرسل.

قوله عليه السلام كان ما يفسد: قيل أي كان الفساد في عمله الذي لم يكن من علم أكثر من الصلاح فيه، و كلما كان كذلك كان قبيحا غير مطلوب للحكيم.

ص: 141

بَابُ اسْتِعْمَالِ الْعِلْمِ

1 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ عُمَرَ بْنِ أُذَيْنَةَ عَنْ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ عَنْ سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ الْهِلَالِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ع يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّهُ قَالَ فِي كَلَامٍ لَهُ الْعُلَمَاءُ رَجُلَانِ رَجُلٌ عَالِمٌ آخِذٌ بِعِلْمِهِ فَهَذَا نَاجٍ وَ عَالِمٌ تَارِكٌ لِعِلْمِهِ فَهَذَا هَالِكٌ وَ إِنَّ أَهْلَ النَّارِ لَيَتَأَذَّوْنَ مِنْ رِيحِ الْعَالِمِ التَّارِكِ لِعِلْمِهِ وَ إِنَّ أَشَدَّ أَهْلِ النَّارِ نَدَامَةً وَ حَسْرَةً رَجُلٌ دَعَا عَبْداً إِلَى اللَّهِ فَاسْتَجَابَ لَهُ وَ قَبِلَ مِنْهُ فَأَطَاعَ اللَّهَ فَأَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ وَ أَدْخَلَ الدَّاعِيَ النَّارَ بِتَرْكِهِ عِلْمَهُ وَ اتِّبَاعِهِ الْهَوَى وَ طُولِ الْأَمَلِ أَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ وَ طُولُ الْأَمَلِ يُنْسِي الْآخِرَةَ

2 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَابِرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ الْعِلْمُ مَقْرُونٌ إِلَى الْعَمَلِ فَمَنْ عَلِمَ عَمِلَ وَ مَنْ عَمِلَ عَلِمَ وَ

باب استعمال العلم

الحديث الأول

ضعيف على المشهور، معتبر عندي.

الحديث الثاني

ضعيف على المشهور.

قوله عليه السلام: مقرون إلى العمل: أي قرن العلم مع العمل في كتاب الله كقوله تعالى" الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ*" و علق المغفرة و النجاة عليهما، فمن علم عمل، و من عمل علم، أمر في صورة الخبر أي يجب أن يكون العلم مع العمل بعده، و العمل مع العلم، و قوله: و العلم يهتف، بالعمل أي يصيح و يدعو صاحبه بالعمل على طبقه، فإن أجابه و عمل استقر فيه، و تمكن، و إلا ارتحل عنه بدخول الشك و الشبهة عليه أو بنسيانه، و يحتمل أن يكون المراد بمقرونية العلم مع العمل عدم افتراق الكامل من العلم عن العمل بحسب مراتب كما له و عدم افتراق بقاء العلم و استكماله عن العمل على وفق العلم، فقوله: فمن علم. أي علما كاملا باقيا عمل، و من عمل علم

ص: 142

الْعِلْمُ يَهْتِفُ بِالْعَمَلِ فَإِنْ أَجَابَهُ وَ إِلَّا ارْتَحَلَ عَنْهُ

3 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْقَاسَانِيِّ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَاسِمِ الْجَعْفَرِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ إِنَّ الْعَالِمَ إِذَا لَمْ يَعْمَلْ بِعِلْمِهِ زَلَّتْ مَوْعِظَتُهُ عَنِ الْقُلُوبِ كَمَا يَزِلُّ الْمَطَرُ عَنِ الصَّفَا

4 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْمِنْقَرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ هَاشِمِ بْنِ الْبَرِيدِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ع فَسَأَلَهُ عَنْ مَسَائِلَ فَأَجَابَ ثُمَّ عَادَ لِيَسْأَلَ عَنْ مِثْلِهَا فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ع مَكْتُوبٌ فِي الْإِنْجِيلِ لَا تَطْلُبُوا عِلْمَ مَا لَا تَعْلَمُونَ وَ لَمَّا تَعْمَلُوا بِمَا عَلِمْتُمْ فَإِنَّ الْعِلْمَ إِذَا لَمْ يُعْمَلْ بِهِ

أي أبقى علمه و استكمله، تفصيل لما أجمل قبله، و قوله: و العلم يهتف، أي مطلقا فإن أجابه و عمل قوي و استقر و تمكن في قلبه و إلا ضعف و زال عن قلبه، ذكرهما بعض الأفاضل و الأخير أظهر.

الحديث الثالث

ضعيف على المشهور.

قوله عليه السلام عن الصفا، هو مقصورا جمع الصفاة و هي الحجر الصلد الذي لا ينبت، شبه العلم و الموعظة بماء المطر و عدم تأثيره و ثباته في القلوب بعدم استقرار المطر في الحجر الأملس، و لعله محمول على عدم التأثير التام غالبا لئلا ينافي ما مر من شدة حسرة من دعا إلى خير و لم يعمل به، أو على ما عرف السامع من حاله عدم العمل به، و السابق على عدمه، و يمكن حمل السابق على ما إذا كان عاملا وقت الدعوة فترك بعده و الأول أظهر.

الحديث الرابع

ضعيف.

قوله عليه السلام و لما تعلموا: الواو للحال، أي إذا كان من شأن علمكم و عرفتم ذلك من أنفسكم بترك العمل بما علمتم، فالأصلح لكم ترك طلب العلم، فإن ترك العمل مع العلم جحود بما عرفه و كفر به، و الجاهل لا يلزمه الإنكار و لا يكون منه الجحود، كذا قيل، و لعله عليه السلام إنما قال ذلك للمخالفين الذين كانوا في زمانه عليه السلام، و كانوا

ص: 143

لَمْ يَزْدَدْ صَاحِبُهُ إِلَّا كُفْراً وَ لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللَّهِ إِلَّا بُعْداً

5 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قُلْتُ لَهُ بِمَ يُعْرَفُ النَّاجِي قَالَ مَنْ كَانَ فِعْلُهُ لِقَوْلِهِ مُوَافِقاً فَأَثْبَتَ لَهُ الشَّهَادَةَ وَ مَنْ لَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ لِقَوْلِهِ مُوَافِقاً فَإِنَّمَا ذَلِكَ مُسْتَوْدَعٌ

6 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ رَفَعَهُ قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع فِي كَلَامٍ لَهُ خَطَبَ بِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ أَيُّهَا النَّاسُ إِذَا عَلِمْتُمْ فَاعْمَلُوا

لا ينفعهم العلم و لا العمل لكفرهم و ضلالهم، و أول العلوم التي كانت حصلت لهم العلم بأحقية أهل البيت عليه السلام للخلافة و لم يعملوا به، و يحتمل أن يكون الغرض الحث على العمل و الإخلاص في طلب العلم لا ترك التعلم، فإنه واجب، و العمل واجب آخر مكمل للأول، و الله يعمل.

الحديث الخامس

ضعيف على المشهور.

قوله عليه السلام فأبث له الشهادة: في بعض النسخ هكذا بالباء الموحدة و الثاء المثلثة من البث بمعنى النشر، و يمكن أن يقرأ بصيغة المضارع المعلوم و بصيغة الأمر و بصيغة الماضي المعلوم، و في بعضها بالموحدة أولا ثم المثناة من البت بمعنى القطع، و في بعضها فأثبت بالمثلثة ثم الموحدة ثم المثناة من الإثبات، و يحتمل الوجوه الثلاثة أيضا كسابقه، و في بعضها فإنما بث له الشهادة، و سيأتي هذا الحديث في باب المستودع و المعار، و فيه فأتت له الشهادة بالنجاة، و هو أظهر.

قوله عليه السلام فإنما ذلك مستودع: أي إيمانه غير مستقر و ثابت في قلبه، بل يزول بأدنى شبهة، فهو كالوديعة عنده يؤخذ عنه، أو أنه مع عدم العمل بالعلم يحكم بإيمانه ظاهرا بمقتضى إقراره، لكن لا ينفعه في الآخرة كثيرا لأنه كالمنافق، فكأنه سلب عنه في الآخرة لزوال حكمه عنه.

الحديث السادس

مرفوع.

ص: 144

بِمَا عَلِمْتُمْ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ إِنَّ الْعَالِمَ الْعَامِلَ بِغَيْرِهِ كَالْجَاهِلِ الْحَائِرِ الَّذِي لَا يَسْتَفِيقُ عَنْ جَهْلِهِ بَلْ قَدْ رَأَيْتُ أَنَّ الْحُجَّةَ عَلَيْهِ أَعْظَمُ وَ الْحَسْرَةَ أَدْوَمُ عَلَى هَذَا الْعَالِمِ الْمُنْسَلِخِ مِنْ عِلْمِهِ مِنْهَا عَلَى هَذَا الْجَاهِلِ الْمُتَحَيِّرِ فِي جَهْلِهِ وَ كِلَاهُمَا حَائِرٌ بَائِرٌ لَا تَرْتَابُوا فَتَشُكُّوا وَ لَا تَشُكُّوا فَتَكْفُرُوا وَ لَا تُرَخِّصُوا لِأَنْفُسِكُمْ فَتُدْهِنُوا وَ لَا تُدْهِنُوا فِي الْحَقِ

قوله عليه السلام: العامل بغيره: أي بغير العلم أو بغير ما علم وجوب العمل به من الأعمال، و الباء صلة و الحائر هو الذي لا يهتدي لجهة أمره، و الاستفاقة الرجوع إلى ما شغل عنه و شاع استعماله في الرجوع عن السقم إلى الصحة، و منه استفاقة المريض و المجنون و المغمى عليه، و فيه إشعار بأن الجهل كالجنون و السكر و المرض.

قوله عليه السلام و الحسرة أدوم: مبتدأ و خبر و يحتمل أن يكون عطفا على قوله الحجة عليه أعظم، و يكون قوله هذا العالم بدلا من قوله عليه، و الضمير في منها راجعا إلى الحجة و الحسرة جميعا باعتبار كل واحدة منهما، و الأول أولى، و البائر الهالك.

قوله عليه السلام لا ترتابوا: أي لا تمكنوا الريب و الشك من قلوبكم، بل ادفعوه عن أنفسكم لكيلا تعتادوا به و تصيروا من أهل الشك و الوسواس، فتكونوا من الكافرين، و الحاصل النهي عن التفكر في الشكوك و الشبهات فإنها توهن اليقين و ينتهي إلى حد الشك، قال بعض الأفاضل: الريب مصدر رابني الشي ء إذا حصل فيك الريبة و حقيقة الريبة فلق النفس و اضطرابها، و الارتياب الوصول إلى الريبة و الوقوع فيها، و ليس الريب في هذا الحديث مستعملا في الشك أو التهمة أو غيرهما من لوازم معناه الأصلي أو ملزوماته التي شاع استعماله فيها، و المراد لا توقعوا أنفسكم في القلق و الاضطراب بالتوغل في الشبهات، أو بمعارضة العلم في مقتضاه من العمل فينتهي أمركم إلى أن تشكوا في المعلوم، و المتيقن لكم، و قوله: لا تشكوا أي لا توقعوا أنفسكم في الشك و احذروا من طريانه على العلم فيوصلكم إلى الكفر و ينتهي إلى الشك فيما يكون الشك فيه كفرا.

قوله عليه السلام و لا ترخصوا لأنفسكم: أي لا تسهلوا لأنفسكم أمر الإطاعة و العصيان

ص: 145

فَتَخْسَرُوا وَ إِنَّ مِنَ الْحَقِّ أَنْ تَفَقَّهُوا وَ مِنَ الْفِقْهِ أَنْ لَا تَغْتَرُّوا وَ إِنَّ أَنْصَحَكُمْ لِنَفْسِهِ أَطْوَعُكُمْ لِرَبِّهِ وَ أَغَشَّكُمْ لِنَفْسِهِ أَعْصَاكُمْ لِرَبِّهِ وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ يَأْمَنْ وَ يَسْتَبْشِرْ وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ يَخِبْ وَ يَنْدَمْ

7 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ ع يَقُولُ إِذَا سَمِعْتُمُ الْعِلْمَ فَاسْتَعْمِلُوهُ وَ لْتَتَّسِعْ قُلُوبُكُمْ فَإِنَّ الْعِلْمَ إِذَا كَثُرَ فِي قَلْبِ رَجُلٍ لَا يَحْتَمِلُهُ قَدَرَ

و لا تخففوا عليها من الحقوق، فتقعوا في المداهنة في أمر الدين و المساهلة في باب الحق و اليقين، فتكونوا من الخاسرين، أو لا ترخصوا لأنفسكم في ارتكاب المكروهات و ترك المسنونات، و التوسع في المباحات فإنها طرق إلى المحرمات، و يؤيده بعض الروايات و هذا في باب العمل كما أن سابقه كان في باب العلم.

قوله عليه السلام و إن من الحق أن تفقهوا: أي من حقوق الله الواجبة عليكم أن تتفقهوا و التفقه تحصيل المعرفة بجميع ما هو معدود من العلوم الشرعية، أصولها و فروعها قوله عليه السلام أن لا تغتروا: أي بعلمكم و عملكم أو تنخدعوا من النفس و الشيطان و النصيحة إرادة الخير للمنصوح له، و الغش إظهار خلاف ما أضمر، و الاسم منه الغش بالكسر كما ذكره في مصباح اللغة، و الخيبة: الحرمان و الخسران، و في بعض النسخ بالجيم من الوجوب بمعنى السقوط أو من الوجيب بمعنى الخوف، و الحاصل أن من يطع الله يأمن من العقوبات، و يستبشر بالمثوبات، و من يعص الله يخب من الدرجات العلى و يندم على تفويت الفريضة و تضييع العمر.

الحديث السابع

: ضعيف.

قوله عليه السلام إذا سمعتم العلم: المراد بالعلم المذعن به لا نفس التصديق، و المقصود أنه بعد حصول العلم ينبغي الاشتغال بأعماله و العمل على وفقه عن طلب علم آخر، و قوله عليه السلام: و لتتسع قلوبكم، أي يجب أن يكون طلبكم للعلم بقدر تتسعه قلوبكم، و لا تستكثروا منه، و لا تطلبوا ما لا تقدرون على الوصول إلى كنهه، فإنه حينئذ يستولي

ص: 146

الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ فَإِذَا خَاصَمَكُمُ الشَّيْطَانُ فَأَقْبِلُوا عَلَيْهِ بِمَا تَعْرِفُونَ فَ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً فَقُلْتُ وَ مَا الَّذِي نَعْرِفُهُ قَالَ خَاصِمُوهُ بِمَا ظَهَرَ لَكُمْ مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ

بَابُ الْمُسْتَأْكِلِ بِعِلْمِهِ وَ الْمُبَاهِي بِهِ

1 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى وَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ جَمِيعاً عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ عُمَرَ بْنِ أُذَيْنَةَ عَنْ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ عَنْ سُلَيْمِ بْنِ

الشيطان عليكم و يوقعكم في الشبهات، و قيل: يعني ينبغي أن يكون اهتمامكم بالعمل لا بكثرة السماع و الحفظ إلى حد يضيق قلوبكم عن احتماله، و ذلك إنما يكون بترك العمل، لأن العالم إذا عمل بعلمه لا يضيق قلبه عن احتمال العلم، و قوله عليه السلام فإذا خاصمكم، تنبيه على دفع ما يتوهم من أن القناعة من العلم بما يسعه القلب يؤدي إلى العجز عن مخاصمة الشيطان بأن الإقبال على الشيطان بما تعرفون من العقائد المعتبرة في أصل الإيمان يكفي في رفعه، فإن كيد الشيطان كان ضعيفا، و المراد بقوله: خاصموا بما ظهر لكم من قدرة الله عز و جل: خاصموه بآثار قدرته الظاهرة في الرسول أو على يده الدالة على رسالته و بآثار قدرته الظاهرة في الوصي من فطانته و علمه و صلاحه بعد تنصيص النبي صلى الله عليه و آله و سلم على عينه أو صفاته و بما ظهر من قدرته تعالى في كل شي ء، فإنه يدل على قدرته علي إنشاء النشأة الآخرة و أثابه المطيع و تعذيب العاصي، فإن بهذه المعرفة تنبعث النفس على فعل الطاعات و ترك السيئات ثم كلما ازداد عملا وسيعا ازداد بصيرة و يقينا.

باب المستأكل بعلمه و المباهي به

اشارة

أقول: أراد بالمستأكل بعلمه من يجعل العلم وسيلة لتحصيل الدنيا، و الأكل هنا أعم من الأكل بالمعنى اللغوي و هذا مجاز شائع.

الحديث الأول

: ضعيف على المشهور، معتمد عندي.

ص: 147

قَيْسٍ قَالَ سَمِعْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ع يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ طَالِبُ دُنْيَا وَ طَالِبُ عِلْمٍ فَمَنِ اقْتَصَرَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ سَلِمَ وَ مَنْ تَنَاوَلَهَا مِنْ غَيْرِ حِلِّهَا هَلَكَ إِلَّا أَنْ يَتُوبَ أَوْ يُرَاجِعَ وَ مَنْ أَخَذَ الْعِلْمَ مِنْ أَهْلِهِ وَ عَمِلَ بِعِلْمِهِ نَجَا وَ مَنْ أَرَادَ بِهِ الدُّنْيَا فَهِيَ حَظُّهُ

2 الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَامِرٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَشَّاءِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَائِذٍ عَنْ أَبِي خَدِيجَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ مَنْ أَرَادَ الْحَدِيثَ لِمَنْفَعَةِ

قوله عليه السلام منهومان: النهمة بالفتح إفراط الشهوة و بلوغ الهمة في الشي ء و قد نهم بكذا فهو منهوم أي مولع به حريص عليه، و قيل: ليس في الحديث دلالة على أن الحرص في تحصيل العلم و الإكثار منه مذموم، و أن المراد به غير علم الآخرة كما ظن، بل المراد من صدره أن من خاصية الدنيا و العلم أن من ذاق طعمهما لا يشبع منهما، ثم بين الممدوح من ذلك و المذموم منه، و ذكر أن من اقتصر على الحلال من الدنيا فهو ناج أكثر منه أو أقل، و من تناولها من غير حلها فهو هالك أكثر منها أو أقل، و كذلك من أخذ العلم من أهله و عمل به فهو ناج أكثر من تحصيله أو أقل، و من أراد به الدنيا فليس له في الآخرة نصيب أكثر منه أو أقل، و قيل: المراد بطالب العلم من يكون شهوته في طلب العلم لحصول العلم له، فلذا ذم حرصه، و الأول أظهر.

قوله عليه السلام أو يراجع: في بعض نسخ الحديث و يراجع، فالمعنى إلا أن يتوب إلى الله و يراجع الناس فيؤدي الحقوق إلى أهلها و هنا أيضا يحتمل أن تكون أو بمعنى الواو و ربما يقال الترديد من الراوي، و يحتمل تخصيص التوبة بما إذا لم يقدر على رد المال الحرام إلى صاحبه، و المراجعة بما إذا قدر عليه، و قرأ هنا يراجع على بناء المجهول أي يراجعه الله بفضله أو على بناء الفاعل أي يراجع الله ذلك المتناول من غير الحل في الجملة، كثيرا بالطاعات و ترك أكثر الكبائر من المعاصي، فيرجع الله عليه بفضله و استحقاقه له بمراجعته إلى الله و الأول أظهر.

الحديث الثاني

ضعيف على المشهور لكنه معتبر.

ص: 148

الدُّنْيَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْآخِرَةِ نَصِيبٌ وَ مَنْ أَرَادَ بِهِ خَيْرَ الْآخِرَةِ أَعْطَاهُ اللَّهُ خَيْرَ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ

3 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَصْبَهَانِيِّ عَنِ الْمِنْقَرِيِّ عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ مَنْ أَرَادَ الْحَدِيثَ لِمَنْفَعَةِ الدُّنْيَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْآخِرَةِ نَصِيبٌ

4 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْقَاسِمِ عَنِ الْمِنْقَرِيِّ عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ إِذَا رَأَيْتُمُ الْعَالِمَ مُحِبّاً لِدُنْيَاهُ فَاتَّهِمُوهُ عَلَى دِينِكُمْ فَإِنَّ كُلَّ مُحِبٍّ لِشَيْ ءٍ يَحُوطُ مَا أَحَبَّ وَ قَالَ ص أَوْحَى اللَّهُ إِلَى دَاوُدَ ع لَا تَجْعَلْ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ عَالِماً مَفْتُوناً بِالدُّنْيَا فَيَصُدَّكَ عَنْ طَرِيقِ مَحَبَّتِي فَإِنَّ أُولَئِكَ قُطَّاعُ طَرِيقِ عِبَادِيَ الْمُرِيدِينَ إِنَّ أَدْنَى مَا أَنَا صَانِعٌ بِهِمْ أَنْ أَنْزِعَ حَلَاوَةَ مُنَاجَاتِي عَنْ قُلُوبِهِمْ

5 عَلِيٌّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص الْفُقَهَاءُ أُمَنَاءُ الرُّسُلِ مَا لَمْ يَدْخُلُوا فِي الدُّنْيَا قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ

الحديث الثالث

ضعيف.

الحديث الرابع

ضعيف.

قوله عليه السلام يحوط ما أحب: أي يحفظ و يتعهد من هذا الشي ء و من مقابله ما أحب، و محبة المقابل للشي ء المنافي له لا يجامع حب ذلك الشي ء فمن أحب الدنيا لم يحب الآخرة.

قوله عليه السلام لا تجعل بيني و بينك: أي لا تجعل المفتون بالدنيا المعجب بها وسيلة بيني و بينك إلى حصول معرفتي و معرفة ديني و شريعتي، فيمنعك عن طريق محبتي أي عن الطريق إلى حصول معرفتي و معرفة ديني و شريعتي، فيمنعك عن طريق محبتي أي عن الطريق إلى ما أحبه أو يمنعك عن الوصول إلى درجة محبتي لك أو محبتك لي.

الحديث الخامس

ضعيف على المشهور.

قوله عليه السلام أمناء الرسل: لأنهم مستودعو علومهم، و قد أمروا بأخذ علومهم

ص: 149

وَ مَا دُخُولُهُمْ فِي الدُّنْيَا قَالَ اتِّبَاعُ السُّلْطَانِ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فَاحْذَرُوهُمْ عَلَى دِينِكُمْ

6 مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُبَاهِيَ بِهِ

منهم، و اتباع السلطان يشمل قبول الولاية منهم على القضاء و نحوه، و الخلطة بهم و المعاشرة معهم اختيارا و الرضا بها.

قوله عليه السلام فاتهموه على دينكم، أي لا تعتمدوا على فتاويهم و قضاياهم في الدين و لا تسألوهم عن شي ء من المسائل.

الحديث السادس

مرسل.

قوله عليه السلام ليباهي: المباهاة و المماراة: المجادلة، و المراد أن من طلب العلم لتحصيل الرئاسة و من وجوهها التي يناسب طلب العلم المفاخرة و ادعاء الغلبة به و ذلك مع العلماء لا يصل إلى النزاع و الجدال، حيث لا يمارون لعلمهم بقبحه و مع الجهال المتلبسين بلباسهم يورث النزاع و الجدال، و منها صرف وجوه الناس إليه من العالم الرباني فتحصل له الرئاسة.

قوله عليه السلام فليتبوأ مقعده من النار: أي يتخذها منزلا و الأمر للتهكم قال الجزري معناه لينزل منزله في النار، يقال: بوأه الله منزلا أسكنه إياه و تبوأت منزلا: اتخذته، و قوله عليه السلام: إن الرئاسة لا تصلح إلا لأهلها دليل لما قبله، و أهل الرئاسة من أوجب الله على عباده المراجعة إليهم، و الأخذ عنهم و التسليم لهم من أئمة الحق صلوات الله عليهم.

و روى الصدوق في كتاب معاني الأخبار بإسناده عن عبد السلام بن صالح الهروي قال: سمعت أبا الحسن الرضا عليه السلام يقول: رحم الله عبدا أحيى أمرنا، فقلت له: و كيف يحيي أمركم؟ قال: يتعلم علومنا و يعلمه الناس فإن الناس لو علموا محاسن كلامنا لا تبعونا، قال: فقلت له: يا بن رسول الله فقد روي لنا عن أبي عبد الله عليه السلام

ص: 150

الْعُلَمَاءَ أَوْ يُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ الرِّئَاسَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِأَهْلِهَا

بَابُ لُزُومِ الْحُجَّةِ عَلَى الْعَالِمِ وَ تَشْدِيدِ الْأَمْرِ عَلَيْهِ

1 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْمِنْقَرِيِّ عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ يَا حَفْصُ يُغْفَرُ لِلْجَاهِلِ سَبْعُونَ ذَنْباً قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لِلْعَالِمِ ذَنْبٌ وَاحِدٌ

أنه قال: من تعلم علما يماري به السفهاء أو يباهي به العلماء أو ليقبل بوجوه الناس إليه فهو في النار! فقال عليه السلام: صدق جدي أ فتدري من السفهاء؟ فقلت: لا يا بن رسول الله قال: هم قصاص مخالفينا، و تدري من العلماء؟ فقلت: لا يا بن رسول الله، قال: هم آل محمد، الذين فرض الله طاعتهم و أوجب مودتهم، ثم قال: و تدري ما معنى قوله أو ليقبل بوجوه الناس إليه؟ قلت: لا، قال: يعني بذلك و الله ادعاء الإمامة بغير حقها، و من فعل ذلك فهو في النار.

و بإسناده عن حمزة بن حمران قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: من استأكل بعلمه افتقر، فقلت له: جعلت فداك إن في شيعتك و مواليك قوما يتحملون علومكم و يبثونها في شيعتكم و لا يعدمون على ذلك منهم البر و الصلة و الإكرام فقال عليه السلام:

ليس أولئك المستأكلين إنما المستأكل بعلمه الذي يفتي بغير علم و لا هدى من الله عز و جل ليبطل به الحقوق طمعا في حطام الدنيا.

أقول: يمكن حمل الخبرين على بيان الفرد الكامل منها لكن لا ضرورة تدعو إليه.

باب لزوم الحجة على العالم و تشديد الأمر عليه

الحديث الأول

ضعيف.

و لعل للعالم ههنا بحسب ما يعلمه من المسائل كما أو كيفا كاليقيني و الظني و الاجتهادي و التقليدي مراتب لا يتناهى، و كذا الجاهل يقابله بحسب تلك المراتب،

ص: 151

2 وَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَى نَبِيِّنَا وَ آلِهِ وَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَيْلٌ لِلْعُلَمَاءِ السَّوْءِ كَيْفَ تَلَظَّى عَلَيْهِمُ النَّارُ

3 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ وَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ جَمِيعاً عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ إِذَا بَلَغَتِ النَّفْسُ هَاهُنَا وَ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى حَلْقِهِ لَمْ يَكُنْ لِلْعَالِمِ تَوْبَةٌ

فلكل عالم شدة تكليف بالنسبة إلى الجاهل الذي يقابله.

الحديث الثاني

ضعيف.

قوله عليه السلام للعلماء السوء: قال الجوهري: ساءه يسوؤه سوءا بالفتح نقيض سره و الاسم السوء بالضم، و تقول: هذا رجل سوء بالإضافة، ثم تدخل عليه الألف و اللام، فتقول:

هذا رجل السوء قال الأخفش: و لا يقال: الرجل السوء، و لا هذا رجل السوء بالضم" انتهى" و الظاهر أن السوء هنا بالفتح مجرورا بالإضافة كالضارب الرجل، و ليس السوء في مثل هذا الموضع صفة بل مضاف إليه، لكن الإضافة ههنا في معنى التوصيف، أي المضاف موصوف بما أضيف إليه و المشتق منه محمول على المضاف، و قوله: كيف تلظى أي تتلهب و تشتعل.

الحديث الثالث

: حسن كالصحيح.

قوله عليه السلام: إذا بلغت النفس. قيل: المراد بالنفس الروح الحيواني فإنه قد يطلق عليه كما يطلق على النفس الناطقة، و قيل: المراد ببلوغ النفس إلى الحلق قطع تعلقها عن الأعضاء، و الانتهاء في قطع التعلق إلى الحلق و الرأس، و هو في آخر ساعة من الحياة الدنيوية، قال بعض المفسرين: من لطف الله بالعباد أن أمر قابض الأرواح بالابتداء في نزعها من أصابع الرجلين، ثم يصعد شيئا فشيئا إلى أن يصل إلى الصدر، ثم ينتهي إلى الحلق ليتمكن في هذه المهلة من الإقبال بالقلب على الله تعالى و الوصية و التوبة، ما لم يعاين، و الاستحلال من أرباب الحقوق و ذكر الله سبحانه، فيخرج روحه و ذكر الله على لسانه فيرجى بذلك حسن خاتمته رزقنا الله ذلك بمنه و فضله.

قوله عليه السلام لم يكن للعالم: أي العالم بأمور الآخرة فيكون المراد بعد ظهور

ص: 152

ثُمَّ قَرَأَ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ

4 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ

أحوال الآخرة، لأنه حينئذ عالم بعلم العيان لا ينفعه التوبة، و يحتمل أن يكون المراد قبل ظهور أحوال الآخرة، و بالعالم العالم مطلقا لا بهذا الأمر المخصوص، و يكون المراد أن الجاهل تقبل توبته في هذه الساعة بخلاف العالم، فإنه لا بد له من تدارك لما فاته في الجملة، و هو خلاف المشهور إلا أن تحمل على التوبة الكاملة.

قوله عليه السلام" إنما التوبة" أي قبول التوبة الذي أوجبه الله على نفسه بمقتضى وعده، و التوبة هي الرجوع و الإنابة، إذا نسبت إلى الله سبحانه تعدت بعلى، و إذا نسبت إلى العبد تعدت بإلى، و معنى التوبة من العبد رجوعه إلى الله بالطاعة و الانقياد بعد عصيانه، و التوبة من الله رجوعه بالعطف على عبده بإلهامه التوبة أولا ثم قبوله إياها منه آخرا، فلله توبتان و للعبد واحدة بينهما، قال الله تعالى" ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا" فالتوبة في قوله سبحانه" إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ" من تاب عليه إذا قبل توبته، إلا أن" على" هذه ليست هي" على" في قولهم: تاب عليه، و قوله تعالى" بِجَهالَةٍ" أي متلبسين بها، قيل: المراد بالجهالة هنا هي السفاهة التي تلزم المعصية و لذا قيل: من عصى الله فهو جاهل، و أما قوله سبحانه" ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ" فيعني به من قبل أن يشرب في قلوبهم حبه فيتعذر عليهم الرجوع، و أما الحصر المدلول بلفظة" إنما" فلا ينافي قبولها ممن أخرها إلى قبيل المعاينة كما ورد في الأخبار لأن وجوب القبول غير التفضل به كذا قيل، و يحتمل أن يكون المراد بقوله" مِنْ قَرِيبٍ" قبل حضور الموت كما يومئ إليه آخر الرواية.

الحديث الرابع

ضعيف.

ص: 153

النَّضْرِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ يَحْيَى الْحَلَبِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْمُكَارِي عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَ الْغاوُونَ قَالَ هُمْ قَوْمٌ وَصَفُوا عَدْلًا بِأَلْسِنَتِهِمْ ثُمَّ خَالَفُوهُ إِلَى غَيْرِهِ

بَابُ النَّوَادِرِ

1 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ حَفْصِ بْنِ الْبَخْتَرِيِّ رَفَعَهُ قَالَ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع يَقُولُ رَوِّحُوا أَنْفُسَكُمْ بِبَدِيعِ الْحِكْمَةِ فَإِنَّهَا

قوله عليه السلام فكبكبوا: يقال كبه على وجهه أي صرعه فأكب، و الكبكبة:

تكرير الكب، جعل التكرير في اللفظ دليلا على التكرير في المعنى، و قوله عليه السلام:

هم قوم، تفسير لضمير" هم" أو للغاوون، و الأول أظهر، و ذكر أكثر المفسرين أن ضمير" هم" راجع إلى الآلهة، و لا يخفى أن ما ذكره عليه السلام أنسب لفظا و معنى، و العدل كل أمر حق يوافق العدل و الحكمة من العقائد الحقة و العبادات و الأخلاق الحسنة.

باب النوادر

باب النوادر

أي أخبار متفرقة مناسبة للأبواب السابقة و لا يمكن إدخالها فيها، و لا عقد باب لها لأنها لا يجمعها باب، و لا يمكن عقد باب لكل منها.

الحديث الأول

مرفوع.

قوله عليه السلام روحوا: من الروح بمعنى الراحة أو بمعنى نسيم الريح و رائحتها الطيبة، و الأول أظهر أي صيروا أنفسكم في راحة طيبة ببديع الحكمة، أي ما يكون مبتدعا غير متكرر من الحكمة بالنسبة إلى أنفسكم فإن النفوس تكل و تعيا بالمتكرر من المعرفة، و تكرار تذكرها، كما تكل الأبدان بالمتكرر من الفعل، و يحتمل أن يكون المراد ببديع الحكمة نفائسها و جلائلها، و بكلال النفوس ما يحصل

ص: 154

تَكِلُّ كَمَا تَكِلُّ الْأَبْدَانُ

2 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ نُوحِ بْنِ شُعَيْبٍ النَّيْسَابُورِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الدِّهْقَانِ عَنْ دُرُسْتَ بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ عَنْ عُرْوَةَ ابْنِ أَخِي شُعَيْبٍ الْعَقَرْقُوفِيِّ عَنْ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع يَقُولُ يَا طَالِبَ الْعِلْمِ إِنَّ الْعِلْمَ ذُو فَضَائِلَ كَثِيرَةٍ فَرَأْسُهُ التَّوَاضُعُ وَ عَيْنُهُ

لها من الفتور عن الطاعات و عدم الرغبة إلى الحق بسبب الاشتغال بالشهوات، أو الكسل الذي يحصل لها بكثرة الطاعات، فإن نفائس الحكمة ينبه النفس و ينشطها بل يحييها بعد موتها كما هو المجرب.

الحديث الثاني

ضعيف.

قوله عليه السلام إن العلم ذو فضائل كثيرة: أقول: لما أراد عليه السلام التنبيه على فضائل العلم شبهه بشخص كامل روحاني له أعضاء و قوي كلها روحانية بعضها ظاهرة و بعضها باطنة، فالظاهرة كالرأس و العين و الأذن و اللسان و اليد و الرجل، و الباطنة كالحفظ و القلب و العقل و الهمة و الحكمة، و له مستقر روحاني و مركب و سلاح و سيف و قوس و جيش و مال و ذخيرة و زاد و مأوى و دليل و رفيق كلها معنوية روحانية ثم إنه عليه السلام بين انطباق هذا الشخص الروحاني بجميع أجزائه على هذا الهيكل الجسماني إكمالا للتشبيه، و إيماء إلى أن العلم إذا استقر في قلب إنسان يملك جميع جوارحه، و يظهر آثاره من كل منها، فرأس العلم و هو التواضع يملك هذا الرأس الجسداني و يخرج منه التكبر و النخوة التي هو مسكنها، و يستعمله فيما يقتضيه التواضع من الانكسار و التخشع و كما أن الرأس البدني بانتفائه ينتفي حياة البدن فكذا بانتفاء التواضع عند الخالق و الخلائق تنتفي حياة العلم فهو كجسد بلا روح لا يصير مصدرا لأثر و هاتان الجهتان ملحوظتان في جميع الفقرات، و ذكره يوجب الإطناب و ما ذكرناه كاف لأولي الألباب.

قوله عليه السلام و عينه البراءة من الحسد: لأن العالم إذا حسد يخفى علمه عن

ص: 155

الْبَرَاءَةُ مِنَ الْحَسَدِ وَ أُذُنُهُ الْفَهْمُ وَ لِسَانُهُ الصِّدْقُ وَ حِفْظُهُ الْفَحْصُ وَ قَلْبُهُ حُسْنُ النِّيَّةِ وَ عَقْلُهُ مَعْرِفَةُ الْأَشْيَاءِ وَ الْأُمُورِ وَ يَدُهُ الرَّحْمَةُ وَ رِجْلُهُ زِيَارَةُ الْعُلَمَاءِ وَ هِمَّتُهُ السَّلَامَةُ

غيره، و ذلك يوجب عدم تذكره و نقص علمه، و كذا يوجب عدم استعلامه ما لا يعلمه عمن يعلمه لأنه يبغضه بحسده و لا يريد أن يعلم الناس أنه قابل للتعليم، فالحاسد علمه أعمى، و لما كان الحسد بالعين نسب إليها،" و أذنه الفهم" أي فهم المراد و المقصود، لأن الذهن إذا لم يفهم المعنى المقصود كان كالذي يخاطب بما لا يسمع، و أيضا الأذن آلة للفهم فناسبه" و لسانه الصدق" لأنه إذا لم يكن مع العلم الصدق كان كالأبكم، إذ كما أن الأبكم لا ينتفع الناس بمنطقة فكذا العالم الكاذب لا ينتفع الناس بإفاداته، لعدم اعتمادهم عليه" و حفظه الفحص" هو البحث و الكشف عن الشي ء و العلم بدون الفحص كالذي لا حفظ له فيغفل عن كثير و ينسى كثيرا.

" و قلبه حسن النية" و هو أن لا يكون له مقصود في طلب العلم و بذله إلا رضى الرب سبحانه، حتى يترتب عليه الحياة الأبدية، فالعلم العاري عن ذلك كمن لا قلب له فلا حياة له، و المناسبة ظاهرة، و" عقله" أي ما هو فيه بمنزلة النفس للبدن، أو بمنزلة القوة المميزة بين الحسن و القبيح، و المراد بمعرفة الأشياء و الأمور إما معرفة جميع الأمور التي لا بد من معرفتها أو معرفة الدنيا و فنائها، و ما يوجب الزهد فيها و الإعراض عنها و التوجه إلى جناب الحق تعالى و معرفة من يجب متابعته، و يجوز أخذ العلم عنه، فإن معرفة هذه الأشياء يوجب حصول العلم الكامل، و تحصيله من معدنه و إفاضة العلوم الربانية عليه، فهي بالنسبة إلى مجموع العلم كالنفس أو كالقوة المميزة في أن العلم لا يحصل إلا بها، و لها تعلق تام بالقلب المتقدم ذكره، و يمكن حمله على معرفة مبادئ العلوم الحقة و ما يتوقف تحصيلها عليه، و الأوسط أظهر.

" و يده الرحمة" أي الرحمة على المحتاجين إليه من العلم أو الأعم منه و من غيره، و العلم مع عدمها كالذي لا يدله، و كذا زيارة العلماء كالرجل له، إذ لولاها لما انتقل

ص: 156

وَ حِكْمَتُهُ الْوَرَعُ وَ مُسْتَقَرُّهُ النَّجَاةُ وَ قَائِدُهُ الْعَافِيَةُ وَ مَرْكَبُهُ الْوَفَاءُ وَ سِلَاحُهُ لِينُ الْكَلِمَةِ وَ سَيْفُهُ الرِّضَا وَ قَوْسُهُ الْمُدَارَاةُ وَ جَيْشُهُ مُحَاوَرَةُ الْعُلَمَاءِ وَ مَالُهُ الْأَدَبُ

العلم من أحد إلى آخر، و المراد بالسلامة إما سلامته من المعاصي أو سلامة الناس من شره.

قوله عليه السلام: و حكمته، أي ما به اختياره للصدق و الصواب، و الورع اجتناب المحرمات و الشبهات، أي ما به يختار الصدق و الصواب، و هو التحرز عن ارتكاب ما لا يليق من القول و الاعتقاد و الفعل و النية و يمكن أن يراد بالحكمة ما تقتضيه حكمته، و ربما يقرأ بفتح الحاء و الكاف، و هو المحيط من اللجام بحنك الدابة، أي المانع لمركبه من الخروج عن طريقه و التوجه إلى خلاف مقصده" و مستقره" أي محل استقراره و مسكنه الذي إذا وصل إليه سكن، و استقر فيه النجاة و التخلص عن الشكوك و الشبهات، فإن العلم و العالم لا يستقران و لا يطمئنان إلا إذا وصلا إلى حد اليقين، أو لا يترك الحركة و السعي في تحصيل النجاة إلا مع حصولها بعد الموت، فما دام في الدنيا لا يفتر عن السعي، لتحصيل النجاة الأخروية، و يحتمل أن يكون المستقر مصدرا ميميا أي استقراره في قلب العالم يوجب النجاة عن الجهل و العقوبات و الحمل على المبالغة.

" و قائده". أي ما يقوده و يجره نحو مستقره الذي هو النجاة: العافية من الآفات و العاهات و الأمراض النفسانية" و سيفه الرضا" أي الرضا بالقضاء، أو بما وقع من العدو بالنسبة إليه، و عدم التعرض لدفعه، و لعله عليه السلام إنما شبه الرضا بالسيف و المداراة بالقوس لأن بالسيف يدفع العدو القريب، و بالقوس يدفع العدو البعيد، و الرضا و الصبر يدفعان المضرة العاجلة، و المداراة و حسن الخلق يدفعان المضرات المتوقعة، و محاورة العلماء: مكالمتهم و مجاوبتهم، فإنها تقوية و تعينه كتقوية الأعوان و الأنصار، و المراد بالمال البضاعة التي يتجر بها، و بالذخيرة ما يحرز لوقت الحاجة، فالأدب كالبضاعة للعلم، و اجتناب الذنوب كالذخيرة له لتقوي العلم به

ص: 157

وَ ذَخِيرَتُهُ اجْتِنَابُ الذُّنُوبِ وَ زَادُهُ الْمَعْرُوفُ وَ مَاؤُهُ الْمُوَادَعَةُ وَ دَلِيلُهُ الْهُدَى- وَ رَفِيقُهُ مَحَبَّةُ الْأَخْيَارِ

3 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص نِعْمَ وَزِيرُ الْإِيمَانِ الْعِلْمُ وَ نِعْمَ وَزِيرُ الْعِلْمِ الْحِلْمُ وَ نِعْمَ وَزِيرُ الْحِلْمِ الرِّفْقُ وَ نِعْمَ وَزِيرُ الرِّفْقِ الصَّبْرُ

4 عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَيْمُونٍ الْقَدَّاحِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع عَنْ آبَائِهِ ع قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ص فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْعِلْمُ قَالَ الْإِنْصَاتُ قَالَ ثُمَّ مَهْ قَالَ

يوما فيوما، و ينتفع به عند الحاجة.

" و دليله" أي ما يدله و يرشده إلى الحق و النجاة الهدي أي هدى الله تعالى بتوسط الأنبياء و الأوصياء عليه السلام، و توفيقه و تسديده،" و رفيقه" أي ما يؤمن بمرافقته من قطع طريقه إلى النجاة" محبة الأخيار" و في تحف العقول" صحبة الأخيار" و لعله أنسب.

الحديث الثالث

صحيح.

قوله عليه السلام نعم وزير الإيمان: الوزير الذي يلتجئ الأمير إلى رأيه و تدبيره، و يحمل عنه ما حمله من الأثقال، و المراد بالإيمان التصديق بإلهيته سبحانه و وحدانيته و صفاته الكمالية، و بالرسول و بما جاء به، و بالعلم معرفة المعارف بأدلتها معرفة يوجب مراعاتها اضمحلال الشبه و الشكوك و بالحلم الأناة، و أن لا يزعجه هيجان الغضب و هي حالة نفسانية توجب ترك المراء و الجدال، و أن لا يستفزه الغضب، و الرفق الميل إلى التلطف، و تسهيل الأمر و الإعانة، و يحتمل أن يكون المراد بالرفق إعمال الحلم، و العبرة هي العبور العلمي من الأشياء إلى ما يترتب عليها و تنتهي إليه، و تقوية كل سابق مما ذكر بلا حقه لا يحتاج إلى البيان.

الحديث الرابع

ضعيف على المشهور.

قوله: ما العلم؟. لعل سؤال السائل كان عما يوجب العلم أو عن آداب طلبه أو

ص: 158

الِاسْتِمَاعُ قَالَ ثُمَّ مَهْ قَالَ الْحِفْظُ قَالَ ثُمَّ مَهْ قَالَ الْعَمَلُ بِهِ قَالَ ثُمَّ مَهْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ نَشْرُهُ

5 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ رَفَعَهُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ طَلَبَةُ الْعِلْمِ ثَلَاثَةٌ فَاعْرِفْهُمْ بِأَعْيَانِهِمْ وَ صِفَاتِهِمْ صِنْفٌ يَطْلُبُهُ لِلْجَهْلِ وَ الْمِرَاءِ وَ صِنْفٌ يَطْلُبُهُ لِلِاسْتِطَالَةِ وَ الْخَتْلِ

عما يدل على حصوله، و يحتمل أن يكون غرضه استعلام حقيقته فأجابه عليه السلام ببيان ما يوجب حصوله أو يدل على ثبوته، لأنه الذي ينفعه، فالحمل على المبالغة، و الإنصات السكوت عند الاستماع فإن كثرة المجادلة عند العالم يوجب الحرمان عن علمه.

قوله: ثم مه؟ أصلها" ما" قلبت الألف هاء أو حذفت و زيدت الهاء للسكت.

الحديث الخامس

مرفوع، و سنده الثاني مجهول، و رواه الصدوق (ره) في الأمالي عن جعفر بن محمد بن مسرور، عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري عن أبيه عن محمد بن عبد الجبار عن محمد بن زياد، عن أبان بن عثمان، عن أبان بن تغلب، عن عكرمة عن ابن عباس، عن أمير المؤمنين عليه السلام بأدنى تغيير، و رواه أيضا في الخصال عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن علي بن الحسين السعدآبادي، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن أبي الجارود عن سعيد بن علاقة عنه عليه السلام مثله.

قوله عليه السلام بأعيانهم: أي بخواصهم و أفعالهم المخصوصة بهم، أو بالشاهد و الحاضر من أفعالهم كما قيل، و قال في القاموس: العين الحاضر من كل شي ء، فالمراد بصفاتهم ما عدا أفعالهم من صفاتهم المتصفين بها، و قيل: فاعرفهم بأعيانهم أي أقسامهم و مفهومات أصنافهم، و هي ما ذكره بقوله عليه السلام: صنف، إلى قوله: و العقل و صفاتهم أي علاماتهم التي يعرف بها كل صنف من غيره، و هو ما ذكره بقوله: فصاحب الجهل إلى آخره، و قيل: المراد بأعيانهم مناظرهم من هيئاتهم و أوضاعهم كالتسربل بالخشوع و التخلي من الورع، قال في القاموس: العين منظر الرجل، و بصفاتهم علاماتهم من أفعالهم و هو قريب من الأول، و قيل: المعنى أعرفهم بسبب الحاضر من أفعالهم و علاماتهم و

ص: 159

وَ صِنْفٌ يَطْلُبُهُ لِلْفِقْهِ وَ الْعَقْلِ فَصَاحِبُ الْجَهْلِ وَ الْمِرَاءِ مُوذٍ مُمَارٍ مُتَعَرِّضٌ لِلْمَقَالِ فِي أَنْدِيَةِ الرِّجَالِ بِتَذَاكُرِ الْعِلْمِ وَ صِفَةِ الْحِلْمِ قَدْ تَسَرْبَلَ بِالْخُشُوعِ وَ تَخَلَّى مِنَ الْوَرَعِ فَدَقَّ اللَّهُ مِنْ

يكون الواو في قوله: و صفاتهم بمعنى مع، أي مع صفاتهم و خواصهم التي خصهم الله تعالى بها مما فعله بهم من العقاب على الأولين، و الإثابة على الثالث على الوجه الذي ذكره عليه السلام بعد ذكر علامة كل واحد من الأصناف الثلاثة، و حينئذ يكون الكلام على سياقة اللف و النشر المرتب أو بالعكس، بأن يكون المراد بأعيانهم خواصهم التي خصهم الله تعالى بها من العقاب و الثواب، و بصفاتهم علاماتهم، و الباء للإلصاق، و الواو بمعنى مع أو للعطف، و اللف على خلاف ترتيب النشر، و الجهل السفاهة و ترك الحلم، و قيل: ضد العقل، و المراء المجادلة من غير غرض ديني و الاستطالة: العلو و الترفع و الختل بالمعجمة المفتوحة و المثناة الفوقانية الساكنة: الخداع كما ذكره في النهاية، في شرح هذا الخبر، و الفقه: معرفة الأمور الدينية، و المراد بالعقل تعقل الأمور و فهمها، أو المعنى أنه يطلب العلم ليستعمله العقل، و يعمل بمقتضاه أو لتكميل العقل الفطري، و الأندية جمع النادي و هو مجتمع القوم و مجلسهم و متحدثهم ما داموا فيه مجتمعين، فإذا تفرقوا فليس بنادي، و قوله عليه السلام: بتذاكر العلم متعلق بالمقال، أي يصف العلم و الحلم، و لا يتصف بهما، أو يصف نفسه بهما مع خلوه عنهما، و يذكر المسائل المشكلة و يتكلم فيها، ليظهر علمه و ليس بعالم، و يظهر الحلم أحيانا و ليس بحليم، و التسربل تفعلل من السربال و هو القميص أي أظهر الخشوع للتشبه بالخاشعين و التزيي بزيهم مع خلوه عنه لخلوه من الورع اللازم له.

قوله عليه السلام فدق الله من هذا: دعاء عليه أو خبر عما سيلحقه، و كذا نظائره و قوله من هذا: أي بسبب كل واحدة من تلك الخصال، و يحتمل أن تكون الإشارة إلى الشخص فكلمة" من" تبعيضية، و المراد بدق الخيشوم و هو أعلى الأنف و أقصاه:

إذلاله و إبطال أمره، و رفع الانتظام عن أحواله و أفعاله، و بقطع الحيزوم بفتح الحاء المهملة و ضم الزاء المعجمة، و هو ما استدار بالظهر و البطن، أو ضلع الفؤاد أو ما اكتنف

ص: 160

هَذَا خَيْشُومَهُ وَ قَطَعَ مِنْهُ حَيْزُومَهُ وَ صَاحِبُ الِاسْتِطَالَةِ وَ الْخَتْلِ ذُو خِبٍّ وَ مَلَقٍ يَسْتَطِيلُ عَلَى مِثْلِهِ مِنْ أَشْبَاهِهِ وَ يَتَوَاضَعُ لِلْأَغْنِيَاءِ مِنْ دُونِهِ فَهُوَ لِحَلْوَائِهِمْ هَاضِمٌ وَ لِدِينِهِ حَاطِمٌ فَأَعْمَى اللَّهُ عَلَى هَذَا خُبْرَهُ وَ قَطَعَ مِنْ آثَارِ الْعُلَمَاءِ أَثَرَهُ وَ صَاحِبُ الْفِقْهِ

بالحلقوم من جانب الصدر: إفساد ما هو مناط الحياة و التعيش في الدنيا أو في الدارين و الخب بالكسر: الخدعة، و الخبث و الغش، يقال رجل خب و خب بالفتح و الكسر أي خداع، و الملق بالتحريك: المداهنة و الملاينة باللسان و الإعطاء باللسان ما ليس في القلب.

قوله عليه السلام على مثله: أي من يساويه في العز و المرتبة من أشباهه و هم أهل العلم و طلبته، و قوله: من دونه أي من غيره يعني من غير صنفه و جنسه، أو ممن هو دونه، و من هو خسيس بالنسبة إليه و هاتان الفقرتان كالتفسير و البيان لخبه و ملقه.

قوله عليه السلام فهو لحلوانهم: في بعض النسخ بالنون و هو بضم الحاء المهملة و سكون اللام: أجرة الدلال و الكاهن و ما أعطي من نحو رشوة، و المراد به ههنا ما يعطيه الأغنياء فكأنه أجرة لما يفعله بالنسبة إليه أو رشوة على ما يتوقع منه بالنسبة إليهم، و في بعض النسخ لحلوائهم بالهمزة أي لأطعمتهم اللذيذة، و الحطم: الكسر المؤدي إلى الفساد، يعني يأكل من مطعوماتهم و يعطيهم من دينه فوق ما يأخذ من مالهم، فلا جرم يحطم دينه و يهدم إيمانه و يقينه.

قوله عليه السلام خبره: بضم الخاء أي علمه، أو بالتحريك دعاء عليه بالاستيصال و الفناء بحيث لا يبقى له خبر بين الناس، و الأثر بالتحريك ما يبقى في الأرض عند المشي و قطع الأثر إما دعاء عليه بالزمانة كما ذكره الجزري، أو بالموت فإن أثر المشي من لوازم الحياة، أو المراد به ما يبقى من آثار علمه بين الناس، فلا يذكر به و الأوسط أظهر، و الكآبة بالتحريك و المد و بالتسكين: سوء الحال و الانكسار من شدة الهم

ص: 161

وَ الْعَقْلِ ذُو كَآبَةٍ وَ حَزَنٍ وَ سَهَرٍ قَدْ تَحَنَّكَ فِي بُرْنُسِهِ وَ قَامَ اللَّيْلَ فِي حِنْدِسِهِ يَعْمَلُ وَ يَخْشَى وَجِلًا دَاعِياً مُشْفِقاً مُقْبِلًا عَلَى شَأْنِهِ عَارِفاً بِأَهْلِ زَمَانِهِ مُسْتَوْحِشاً مِنْ أَوْثَقِ إِخْوَانِهِ فَشَدَّ اللَّهُ مِنْ هَذَا أَرْكَانَهُ وَ أَعْطَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمَانَهُ-

وَ حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَحْمُودٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقَزْوِينِيُّ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْهُمْ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّيْقَلِ بِقَزْوِينَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عِيسَى الْعَلَوِيِّ عَنْ عَبَّادِ بْنِ صُهَيْبٍ الْبَصْرِيِ

و الحزن، و المراد بها ههنا الحزن على فوت الفائت، أو عدم حصول ما هو متوقع له من الدرجات العالية، و السعادات الأخروية.

قوله عليه السلام قد تحنك في برنسه: و في الكتابين قد انحنى في برنسه و البرنس بضم الباء و سكون الراء و النون المضمومة: قلنسوة طويلة كان يلبسها النساك و العباد في صدر الإسلام، و على نسخة الكتاب يومئ إلى استحباب التحنك للصلاة، و الحندس بالحاء المهملة المكسورة و النون الساكنة و الدال المكسورة: الليل المظلم أو ظلمة الليل، و قوله: في حندسه بدل من الليل، و يحتمل أن يكون" في" بمعنى" مع" و يكون حالا من الليل و الضمير راجع إلى الليل، و على الأول يحتمل إرجاعه إلى العالم.

قوله عليه السلام و يخشى: أي من لا يقبل منه وجلا أي خائفا من سوء عقابه داعيا إلى الله طالبا منه سبحانه التوفيق للهدي و الثبات على الإيمان و التقوى، مشفقا من الانتهاء إلى الضلال أو مشفقا على الناس، متعطفا عليهم بهدايتهم و الدعاء لهم،" مقبلا على شأنه" أي على إصلاح نفسه، و تهذيب باطنه" عارفا بأهل زمانه" فلا ينخدع منه" مستوحشا من أوثق إخوانه" لما يعرفه من أهل زمانه.

قوله عليه السلام: فشد الله من هذا أركانه، أي أعضائه و جوارحه أو الأعم منها و من عقله و دينه و أركان إيمانه، و الفرق بين الصنفين الأولين إما بأن الأول غرضه الجاه و التفوق بالعلم، و الثاني غرضه المال و الترفع به أو بأن الأول غرضه إظهار الفضل

ص: 162

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع

6 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ طَلْحَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ إِنَّ رُوَاةَ الْكِتَابِ كَثِيرٌ وَ إِنَّ رُعَاتَهُ قَلِيلٌ وَ كَمْ مِنْ مُسْتَنْصِحٍ لِلْحَدِيثِ مُسْتَغِشُّ لِلْكِتَابِ فَالْعُلَمَاءُ يَحْزُنُهُمْ تَرْكُ الرِّعَايَةِ وَ الْجُهَّالُ يَحْزُنُهُمْ

على العوام، و إقبالهم إليه، و الثاني مقصوده قرب السلاطين و الظلمة و التسلط على الناس بالمناصب الدنيوية.

الحديث السادس

ضعيف.

قوله عليه السلام إن رواة الكتاب: يحتمل أن يكون المراد بالكتاب القرآن في الموضعين، فالمعنى أن الحافظين للقرآن بتصحيح ألفاظه و تجويد قراءته و صون حروفه عن اللحن و الغلط كثير، و رعاته بتفهمه و تدبر معانيه و استعلام ما أريد به من أهله، ثم استعمال ذلك كله على ما يقتضيه قليل" و كم من مستنصح للحديث" برعاية فهم معانيه، و التدبر فيه، و العمل بما يقتضيه" مستغش للقرآن" بعدم رعاية موافقة الحديث له، و تطبيقه عليه، و يحتمل أن يكون المراد بالكتاب ما يشمل الحديث أيضا، فالمراد بمستنصح الحديث من يراعي لفظه و بمستغش الكتاب من لا يتدبر في الحديث و لا يعمل بمقتضاه، فيكون من قبيل وضع المظهر موضع المضمر، و الأول أظهر يقال: استنصحه أي عده نصيحا خالصا عن الغش و استغشه أي عده غاشا غير ناصح، فمن عمل بالحديث و ترك القرآن فكأنه عد الحديث ناصحه، و القرآن غاشا له.

قوله عليه السلام فالعلماء يحزنهم ترك الرعاية: يعني أن العلماء العاملين يحزنهم ترك رعاية الكتاب و الحديث، و التفكر فيهما و العمل بهما، لما يعلمون في تركهما من سوء العقاب عاجلا و آجلا و الجهال يهمهم حفظ روايته و يغمهم عدم قدرتهم عليه، لما يزعمونه كمالا و فوزا، و يمكن تقدير مضاف أي يحزنهم ترك حفظ الرواية، و قيل: المراد حفظ الرواية فقط، أي يصير ذلك سبب حزنهم في الآخرة، و منهم من

ص: 163

حِفْظُ الرِّوَايَةِ فَرَاعٍ يَرْعَى حَيَاتَهُ وَ رَاعٍ يَرْعَى هَلَكَتَهُ فَعِنْدَ ذَلِكَ اخْتَلَفَ الرَّاعِيَانِ

قرأها يخزيهم من الخزي أي يصير هذا العلم سببا لخزيهم في الدارين، و قيل: يحتمل أن يكون المراد بالعلماء أهل بيت النبوة سلام الله عليهم، و من يحذو حذوهم ممن تعلم منهم، و يكون المراد أنهم عليه السلام يحزنهم ترك رعاية القرآن من التاركين لها، الحافظين للحروف فإنهم لو رعوه لاهتدوا به، و أقروا بالحق، و الجهال و هم الذين لم ينتفعوا من القرآن بشي ء لا رواية و لا دراية و يحزنهم حفظ الرواية من الحافظين لها التاركين للرعاية لما رأوا أنفسهم قاصرين عن رتبة أولئك، و يحسبون أنهم على شي ء و أنهم مهتدون، فتغبطهم نفوسهم، و يؤيد هذا المعنى ما يأتي في الروضة من قول أبي جعفر عليه السلام في رسالته إلى سعد الخير، و كان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه و حرفوا حدوده، فهم يروونه و لا يرعونه، و الجهال يعجبهم حفظهم للرواية، و العلماء يحزنهم تركهم للرعاية، فإن في قوله عليه السلام: يعجبهم هناك بدل يحزنهم هنا، دلالة على ما قلنا، و يحتمل أن يكون المراد بالجهال هناك الحافظين للحروف فإنهم جهال في الحقيقة، و لا يجوز إرادته هيهنا لأنه لا يلائم الحزن" انتهى" و الأظهر أن المراد بالعلماء الذين يستحقون هذا الاسم على الحقيقة، و هم الذين يتعلمون لوجه الله تعالى و يعملون به، و بالجهال الذين يطلبون العلم للأغراض الدنية الدنيوية و لا يعملون به، كما مر بيان حالهم، فالعلماء الربانيون يحزنون إذا فاتهم رعاية الكتاب و العمل به لفوت مقصودهم، و غيرهم من علماء السوء لا يحزنون بترك الرعاية، إذ مقصودهم حفظ الرواية فقط، و قد تيسر لهم، لكن ذلك يصير سببا لحزنهم في الدنيا لأن الله تعالى يذلهم و يسلب عنهم علمهم، و يكلهم إلى أنفسهم، و في الآخرة للحسرات التي تلحقهم لفوت ما هو ثمرة العلم و المقصود منه.

و الحاصل أن مطلوب العلماء ما هو تركه يوجب حزنهم و مطلوب الجهال ما هو فعله يورث حزنهم و خزيهم، و لا يبعد أن يكون الترك في قوله ترك الرعاية زيد من النساخ، فتكون الفقرتان على نسق واحد، و يؤيده ما رواه ابن إدريس في كتاب

ص: 164

وَ تَغَايَرَ الْفَرِيقَانِ

7 الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُمْهُورٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نَجْرَانَ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ مَنْ حَفِظَ مِنْ أَحَادِيثِنَا أَرْبَعِينَ حَدِيثاً بَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَالِماً فَقِيهاً

السرائر مما استطرفه من كتاب أنس العالم للصفواني عن طلحة بن زيد قال قال أبو عبد الله عليه السلام: رواة الكتاب كثير، و رعاته قليل، فكم من مستنصح للحديث مستغش للكتاب، و العلماء يحزنهم الدراية، و الجهال يحزنهم الرواية.

قوله عليه السلام فراع يرعى حياته: أي حياة نفسه أبدا و نجاته من المهالك و هو الذي يراعي الكتاب و يطلب علمه لله و يعمل به، و راع يرعى هلكته بالتحريك أي هلاك نفسه و عقابه الأخروي، و هو الذي ليس مقصوده إلا حفظ لفظ القرآن و الحديث و روايتهما من غير تدبر في معانيهما، أو عمل بهما، و أما قوله: فعند ذلك أي عند النظر إلى قلوبهم و ضمائرهم، و الاطلاع على نياتهم و سرائرهم كما قيل، أو عند ظهور الحياة و الهلاك في الآخرة اختلف الراعيان أي راع الحياة و راعي الهلكة، أو راعي اللفظ و راعي العمل [به] و تغاير الفريقان بعد أن كانا متحدين بحسب الظاهر أو في الدنيا ممدوحين عند جهال الناس.

الحديث السابع

ضعيف.

قوله عليه السلام أربعين حديثا: هذا المضمون مشهور مستفيض بين الخاصة و العامة بل قيل: إنه متواتر، و اختلف فيما أريد بالحفظ، فقيل: المراد الحفظ عن ظهر القلب فإنه هو المتعارف المعهود في الصدر السالف، فإن مدارهم كان على النقش على الخواطر لا على الرسم في الدفاتر، حتى منع بعضهم من الاحتجاج بما لم يحفظه الراوي عن ظهر القلب، و قد قيل: إن تدوين الحديث من المستحدثات في المائة الثانية من الهجرة، و قيل: المراد الحراسة عن الاندراس بما يعم الحفظ عن ظهر القلب و الكتابة و النقل بين الناس و لو من كتاب و أمثال ذلك، و قيل: المراد تحمله

ص: 165

على أحد الوجوه المقررة التي سيأتي ذكرها في باب رواية الكتب، و الحق أن للحفظ مراتب يختلف الثواب بحسبها، فأحدها: حفظ لفظها، سواء كان في الخواطر أو في الدفاتر، و تصحيحه و استجازتها و إجازتها و روايتها، و ثانيها: حفظ معانيها و التفكر في دقائقها و استنباط الحكم و المعارف منها، و ثالثها: حفظها بالعمل بها و الاعتناء بشأنها و الاتعاظ بمودعها، و يومئ إليه بعض الأخبار، و في بعض الروايات هكذا: من حفظ على أمتي أربعين حديثا، فالظاهر أن على بمعنى اللام أي حفظ لأجلهم كما قالوه في قوله تعالى" وَ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ" أي لأجل هدايته إياكم، و يحتمل أن يكون بمعنى" من" كما قيل في قوله تعالى" إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ" و يؤيده روايات، و يحتمل تضمين معنى الاشتقاق أو العطف أو التحنن أو أضرابها.

و الحديث في اللغة يرادف الكلام، سمي به لأنه يحدث شيئا فشيئا، و في اصطلاح عامة المحدثين كلام خاص منقول عن النبي أو الإمام أو الصحابي أو التابعي أو من من يحذو حذوه، يحكى قولهم أو فعلهم أو تقريرهم، و عند أكثر محدثي الإمامية لا يطلق اسم الحديث إلا على ما كان عن المعصوم عليه السلام، و ظاهر أكثر الأخبار تخصيص الأربعين بما يتعلق بأمور الدين من أصول العقائد و العبادات القلبية و البدنية، لا ما يعمها و سائر المسائل من المعاملات و الأحكام، بل يظهر من بعضها كون تلك الأربعين جامعة لأمهات العقائد و العبادات و الخصال الكريمة، و الأفعال الحسنة، و على التقادير فالمراد ببعثه فقيها عالما أن يوفقه الله لأن يصير من الفقهاء العالمين العاملين، أو المراد بعثه في القيامة في زمرتهم لتشبهه بهم، و إن لم يكن منهم، و على بعض المحتملات الأول أظهر، و على بعضها الثاني كما لا يخفى.

ثم اعلم أن الفقيه يطلق غالبا في الأخبار على العالم العامل الخبير بعيوب النفس و آفاتها، التارك للدنيا، الزاهد فيها، الراغب إلى ما عنده تعالى من نعيمه و قربه و وصاله و استدل بعض الأفاضل بهذا الخبر على حجية خبر الواحد و توجيهه ظاهر.

ص: 166

8 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ زَيْدٍ الشَّحَّامِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ قَالَ قُلْتُ مَا طَعَامُهُ قَالَ عِلْمُهُ الَّذِي يَأْخُذُهُ عَمَّنْ يَأْخُذُهُ

الحديث الثامن

مرسل.

قوله تعالى" إِلى طَعامِهِ" بعدها قوله تعالى:" أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا، ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وَ عِنَباً وَ قَضْباً وَ زَيْتُوناً وَ نَخْلًا وَ حَدائِقَ غُلْباً، وَ فاكِهَةً وَ أَبًّا مَتاعاً لَكُمْ وَ لِأَنْعامِكُمْ".

قوله عليه السلام علمه: أقول هذا بطن الآية و لا ينافي كون المراد من ظهرها طعام البدن، فإنه لما كان ظاهرا لم يتعرض له، و كما أن البدن محتاج إلى الطعام و الشراب لبقائه و قوامه و استمرار حياته كذلك الروح يحتاج في حياته المعنوي بالإيمان إلى العلم و المعارف و الأعمال الصالحة ليحيي حياة طيبة و يكون داخلا في قوله تعالى" أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ" و لا يكون من الذين و صفهم الله تعالى في كلامه العزيز في مواضع شتى بأنهم موتي، ثم إن الغذاء الجسماني لما كان وجوده و نموه بنزول المطر من السماء إلى الأراضي القابلة لتنشق و تنبت منها أنواع الحبوب و الثمار، و ألوان الأزهار و الأنوار و الأشجار و الحشائش، فيتمتع بها الناس و الأنعام فكذلك الغذاء الروحاني يعني العلم الحقيقي إنما يحصل بأن تفيض أمطار العلم و الحكمة من سماء الرحمة- و هو الرسول صلى الله عليه و آله و سلم، حيث سماه الله تعالى سماء و أقسم به في مواضع من القرآن، و به فسر قوله تعالى" وَ السَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ" و فسر البروج بالأئمة عليه السلام على أراضي القلوب القابلة للعلم و الحكمة، فينبت الله تعالى فيها أنواع ثمرات العلم و الحكمة أو على قلوب الأئمة عليه السلام، فإنهم شجرة النبوة ليثمروا أنواع ثمرات العلم و الحكمة

ص: 167

9 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ النُّعْمَانِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْكَانَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ فَرْقَدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ الْوُقُوفُ عِنْدَ الشُّبْهَةِ خَيْرٌ مِنَ الِاقْتِحَامِ فِي الْهَلَكَةِ وَ تَرْكُكَ حَدِيثاً لَمْ تُرْوَهُ خَيْرٌ مِنْ رِوَايَتِكَ حَدِيثاً لَمْ تُحْصِهِ

ليغتذي بها أرواح القابلين للتربية و ينتفع بها غيرهم أيضا من الذين كالأنعام بل هم أضل سبيلا، فإنهم أيضا ينتفعون بالعلوم الحقة و إن كان في دنياهم، كما قال تعالى" مَتاعاً لَكُمْ وَ لِأَنْعامِكُمْ" و الحاصل على الوجهين أنه ينبغي له أن يأخذ علمه عن أهل بيت النبوة الذين هم مهابط الوحي، و ينابيع الحكمة الآخذين علومهم من رب العزة حتى يصلح أن يصير غذاء لروحه و يحييه حياة طيبة.

الحديث التاسع

ضعيف.

قوله عليه السلام الوقوف عند الشبهة: أي التثبت عند اشتباه الحكم و عدم وضوحه و ترك الحكم و الفتوى خير من أن يلقي نفسه فجأه في الهلكة، و هي بالتحريك الهلاك قوله عليه السلام لم تروه: صفة لقوله حديثا كنظيره أو حال و هو إما على المجهول من باب الأفعال أو التفعيل أي لم تحمل على روايته، يقال: رويته الشعر أي حملته على روايته، و أرويته أيضا، و يمكن أن يقرأ على المعلوم من أحد البابين أي لم تحمل من تروي له على روايته، أو على بناء المجرد أي تركك حديثا لم تكن راويا له على حاله فلا ترويه خير من روايتك حديثا لم تحصه، و الإحصاء لغة العد، و لما كان عد الشي ء يلزمه الاطلاع على واحد واحد مما فيه، استعمل في الاطلاع على جميع ما في شي ء و الإحاطة العلمية التامة بما فيه فإحصاء الحديث عبارة عن العلم بجميع أحواله متنا و سندا و انتهاء إلى المأخذ الشرعي، و قوله: حديثا لم تحصه، إظهار في موضع الإضمار، لكثرة الاعتناء بشأنه لأنه عبارة أخرى عن معنى قوله: حديثا لم تروه.

ص: 168

10 مُحَمَّدٌ عَنْ أَحْمَدَ عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ الطَّيَّارِ أَنَّهُ عَرَضَ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع بَعْضَ خُطَبِ أَبِيهِ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَوْضِعاً مِنْهَا قَالَ لَهُ كُفَّ وَ اسْكُتْ ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع لَا يَسَعُكُمْ فِيمَا يَنْزِلُ بِكُمْ مِمَّا لَا تَعْلَمُونَ إِلَّا الْكَفُّ عَنْهُ وَ التَّثَبُّتُ وَ الرَّدُّ إِلَى أَئِمَّةِ الْهُدَى حَتَّى يَحْمِلُوكُمْ فِيهِ عَلَى الْقَصْدِ وَ يَجْلُوا عَنْكُمْ فِيهِ الْعَمَى وَ يُعَرِّفُوكُمْ فِيهِ الْحَقَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ

11 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْمِنْقَرِيِّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ وَجَدْتُ عِلْمَ النَّاسِ كُلَّهُ فِي أَرْبَعٍ أَوَّلُهَا

الحديث العاشر

: حسن أو موثق.

قوله عليه السلام كف و اسكت: الأمر بالكف عند بلوغ ذلك الموضع إما لأن من عرض الخطبة فسر هذا الموضع برأيه و أخطأ أو لأنه كان في هذا الموضع غموض و لم يتثبت عنده القاري، و لم يطلب تفسيره منه عليه السلام، أو لأنه عليه السلام أراد إنشاء ما أفاد و بيان ما أراد لشدة الاهتمام به، فأمره بالكف، و يحتمل أن يكون شرحا و بيانا لهذا الموضع من الخطبة، و القصد استقامة الطريق أو الوسط بين الطرفين و هو العدل و الطريق المستقيم و يحتمل على بعد أن يكون المراد بالقصد مقصود القائل.

قوله عليه السلام و يجلوا: أي يذهبوا عنكم فيه العمى أي عمى القلب، و الجهالة و الضلالة.

الحديث الحادي عشر

: ضعيف.

قوله عليه السلام في أربع: أي ما يحتاج الناس إلى معرفته من العلوم منحصر في أربع، و تأنيث الأربع باعتبار المعرفة المفهومة من قوله عليه السلام: أن تعرف في المواضع الآتية، و تذكير الأول و أخواتها باعتبار العلم، أو المراد أول أقسامها. أولها: أن تعرف ربك، بوجوده و صفاته الكمالية الذاتية و الفعلية بحسب طاقتك، و ثانيها: معرفتك بما صنع بك من إعطاء العقل و الحواس و القدرة، و اللطف بإرسال الرسل و إنزال الكتب

ص: 169

أَنْ تَعْرِفَ رَبَّكَ وَ الثَّانِي أَنْ تَعْرِفَ مَا صَنَعَ بِكَ وَ الثَّالِثُ أَنْ تَعْرِفَ مَا أَرَادَ مِنْكَ وَ الرَّابِعُ أَنْ تَعْرِفَ مَا يُخْرِجُكَ مِنْ دِينِكَ

12 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ قَالَ قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ فَقَالَ أَنْ يَقُولُوا مَا يَعْلَمُونَ وَ يَكُفُّوا عَمَّا لَا يَعْلَمُونَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فَقَدْ أَدَّوْا إِلَى اللَّهِ حَقَّهُ

13 مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنِ ابْنِ سِنَانٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ الْعِجْلِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَنْظَلَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ اعْرِفُوا مَنَازِلَ النَّاسِ عَلَى قَدْرِ رِوَايَتِهِمْ عَنَّا

و سائر نعمه العظام، و ثالثها: معرفتك بما أراد منك و طلب فعله، أو الكف عنه و بما أراد من طريق معرفته و أخذه من مأخذه المعلومة بالعقل و النقل، و رابعها: أن تعرف ما يخرجك من دينك كاتباع أئمة الضلال، و الأخذ من غير المأخذ، و إنكار ضروري الدين، و يدخل في هذا القسم معرفة سائر أصول الدين سوى معرفة الله تعالى فإنها من ضروريات الدين، و الإعدام إنما تعرف بملكاتها، و إن أمكن إدخالها في الأول لأنها من توابع معرفة الله و شرائطه، و لذا وصف تاركها في الآيات و الأخبار بالمشرك، فعلى هذا يمكن أن يكون المراد بالرابع المعاصي، و يكون الثالث مقصورا على الطاعات.

الحديث الثاني عشر

حسن.

قوله عليه السلام أن تقولوا: يمكن تعميم القول بحيث يشمل اللساني و القلبي،" فقد أدوا إلى الله حقه" اللازم عليهم في بيان العلم و تعليمه، و منهم من عمم و قال:

لأنه إذا قال ما علمه قولا يدل على إقراره و لا يكذبه بفعله و كف عما لا يعلمه هداه الله إلى علم ما بعده، و هكذا حتى يؤدي إلى أداء حقوقه.

الحديث الثالث عشر

ضعيف.

قوله عليه السلام على قدر رواياتهم عنا: أي كيفا أو كما أو الأعم منهما و هو أظهر

ص: 170

14 الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَكَرِيَّا الْغَلَابِيِّ عَنِ ابْنِ عَائِشَةَ الْبَصْرِيِّ رَفَعَهُ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ع قَالَ فِي بَعْضِ خُطَبِهِ أَيُّهَا النَّاسُ اعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ بِعَاقِلٍ مَنِ انْزَعَجَ مِنْ قَوْلِ الزُّورِ فِيهِ وَ لَا بِحَكِيمٍ مَنْ رَضِيَ بِثَنَاءِ الْجَاهِلِ عَلَيْهِ النَّاسُ

و هذا طريق إلى معرفة الرجال غير ما ذكره أرباب الرجال، و هو أقوى و أنفع في هذا الباب فإن بعض الرواة نرى أخبارهم مضبوطة ليس فيها تشويش كزرارة و محمد بن مسلم و أضرابهما و بعضهم ليسوا كذلك كعمار الساباطي، و كذا نرى بعض الأصحاب أخبارهم خالية عن التقية كعلي بن جعفر، و بعضهم أكثرها محمولة على التقية كالسكوني و أضرابه، و كذا نرى بعض الأصحاب رووا مطالب عالية و مسائل غامضة و أسرار كثيرة كهشام بن الحكم و مفضل بن عمر، و لم نر في أخبار غيرهم ذلك، و بعضهم رووا أخبارا كثيرة، و ذلك يدل على شدة اعتنائهم بأمور الدين، و بعضهم ليسوا كذلك و كل ذلك من مرجحات الرواة و يظهر الجميع بالتتبع التام فيها.

الحديث الرابع عشر

مرسل و الغلابي بالغين المعجمة و الباء الموحدة، نسبة إلى غلاب لأنه كان مولى بني غلاب و هم قبيلة بالبصرة.

قوله عليه السلام من انزعج: قال الجوهري أزعجه أي أقلعه من مكانه فانزعج" انتهى" أي أن العاقل لا يضطرب و لا ينقلع من مكانه بسبب سماع قول الزور و الكذب و البهتان فيه، لأنه لا يضره بل ينفعه و الحكيم لا يرضى بثناء الجاهل بحاله، و معائبه عليه، لأنه لا ينفعه بل يضره، و قيل: لأن الحكيم عارف بأسباب الأشياء و مسبباتها، و أن التخالف يوجب التنافر، و أن الجاهل لا يميل إلا إلى مشاكلة فلا يثني إلا على الجاهل، أو من يعتقد جهله أو مناسبته له، أو يستهزئ به باعتقاده أو من يريد أن يخدعه، و الحكيم لا يرضى بشي ء من ذلك، و يمكن تفسيره بوجه آخر و هو أنه لما كان الجاهل عاجزا عن حق إدراك العلم و الحكمة و الصفات الكمالية التي يتصف الحكيم بها بل كل ما يتصوره من تلك الكمالات، فإنما يتصوره على وجه هو في الواقع منقصة، فثناؤه عليه إنما هو بالمعاني المذمومة التي تصورها من تلك الكمالات، فبالحقيقة مدحه

ص: 171

أَبْنَاءُ مَا يُحْسِنُونَ وَ قَدْرُ كُلِّ امْرِئٍ مَا يُحْسِنُ فَتَكَلَّمُوا فِي الْعِلْمِ تَبَيَّنْ أَقْدَارُكُمْ

15 الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْوَشَّاءِ عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ ع يَقُولُ وَ عِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يُقَالُ لَهُ عُثْمَانُ الْأَعْمَى وَ هُوَ يَقُولُ إِنَّ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ الْعِلْمَ يُؤْذِي رِيحُ بُطُونِهِمْ أَهْلَ النَّارِ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ ع فَهَلَكَ إِذَنْ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ

ذم و ثناؤه هجاء، فلذا قال العارفون بجنابة سبحانه: لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك فإنهم لا يقصدون من الأسماء التي يطلقونه عليه تعالى ما فهموه منها، بل يقصدون المعاني التي أراده تعالى و هم عاجزون عن فهمها.

قوله عليه السلام أبناء ما يحسنون: من الإحسان بمعنى العلم، يقال أحسن الشي ء أي تعلمه فعلمه حسنا، و قيل: ما يحسنون أي ما يأتون به حسنا من العلم و العمل و الأول أظهر، و المعنى أنه ليس شرف المرء و افتخاره بأبيه و أمه بل بعلمه، أو المراد أنهم إن كانوا يعلمون علم الآخرة فهم أبناء الآخرة، و إن كانوا يعلمون علم الدنيا فهم أبناؤها، أو المراد أنه كما أن نظام حال الابن و صلاحه بالأب كذا نظام حال الناس و صلاحهم بما يعلمونه، و قوله عليه السلام: و قدر كل امرء ما يحسن، أي مرتبته في العز و الشرف بقدر ما يعلمه.

الحديث الخامس عشر

ضعيف.

قوله عليه السلام فهلك أذن: أي إن كان الكتمان مذموما يكون مؤمن آل فرعون هالكا حيث قال تعالى فيه" وَ قالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ" و لما كان غرض الحسن إظهار أن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم لم يكن عنده علم سوى ما في أيدي الناس و تكذيبهم عليهم السلام فيما يدعون أن عندهم من علوم النبي و إسراره ما ليس في أيدي الناس، و أنهم يظهرون من ذلك ما يشاءون و يكتمون ما يشاءون للتقية و غيرها من المصالح، أبطل عليه السلام قوله بأن الكتمان عند التقية أو الحكمة المقتضية له طريقة مستمرة من

ص: 172

مَا زَالَ الْعِلْمُ مَكْتُوماً مُنْذُ بَعَثَ اللَّهُ نُوحاً ع فَلْيَذْهَبِ الْحَسَنُ يَمِيناً وَ شِمَالًا فَوَ اللَّهِ مَا يُوجَدُ الْعِلْمُ إِلَّا هَاهُنَا

بَابُ رِوَايَةِ الْكُتُبِ وَ الْحَدِيثِ وَ فَضْلِ الْكِتَابَةِ وَ التَّمَسُّكِ بِالْكُتُبِ

1 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ يُونُسَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَوْلَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ- الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ قَالَ هُوَ الرَّجُلُ يَسْمَعُ الْحَدِيثَ فَيُحَدِّثُ بِهِ كَمَا سَمِعَهُ لَا يَزِيدُ فِيهِ وَ لَا يَنْقُصُ مِنْهُ

زمن نوح عليه السلام إلى الآن، فليذهب الحسن الذي يزعم انحصار العلم فيما في أيدي الناس يمينا و شمالا أي إلى كل جهة و جانب ليطلبه من الناس، فإنه لا يوجد عندهم أكثر المعارف و الشرائع.

قوله عليه السلام إلا هيهنا، لعله أشار إلى صدره الشريف أو إلى مكانه المنيف أو إلى بيت النبوة و الخلافة.

باب رواية الكتب و الحديث و فضل الكتابة و التمسك بالكتب

الحديث الأول

موثق.

قوله عليه السلام فيحدث به كما سمعه، لعله عليه السلام جعل الأحسن مكان المفعول المطلق و الضمير راجع إلى الأتباع كما أومأنا إليه في حديث هشام، فالمعنى أن أحسن الاتباع أن يرويه كما سمعه بلا زيادة و نقصان و يومئ إلى جواز النقل بالمعنى بمقتضى صيغة التفضيل، و على ما ذكرنا سابقا من التفسير المشهور يكون تفسير المعنى الاتباع أي اتباع الأحسن لا يكون إلا بأن يتبعه قولا و فعلا من غير زيادة و نقص، و يؤيد الأخير قوله تعالى" وَ اتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ".

ص: 173

2 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنِ ابْنِ أُذَيْنَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع أَسْمَعُ الْحَدِيثَ مِنْكَ فَأَزِيدُ وَ أَنْقُصُ قَالَ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ مَعَانِيَهُ فَلَا بَأْسَ

الحديث الثاني

صحيح.

قوله عليه السلام إن كنت تريد معانيه: أي إن كنت تقصد حفظ معانيه فلا تختل بالزيادة و النقصان، فلا بأس بأن تزيد و تنقص في العبارة، و قيل: إن كنت تقصد و تطلب بالزيادة و النقصان إفادة معانيه فلا بأس، و على التقديرين يدل على جواز نقل الحديث بالمعنى، و تفصيل القول في ذلك أنه إذا لم يكن المحدث عالما بحقائق الألفاظ و مجازاتها و منطوقها و مفهومها و مقاصدها لم تجز له الرواية، و أما إذا كان ألما بذلك فقد قال طائفة من العلماء لا تجوز إلا باللفظ أيضا، و جوز بعضهم في غير حديث النبي صلى الله عليه و آله و سلم فقط، قال: لأنه أفسح من نطق بالضاد، و في تراكيبه أسرار و دقائق لا يوقف عليها إلا بها كما هي، لأن لكل تركيب معنى بحسب الوصل و الفصل و التقديم و التأخير و غير ذلك لو لم يراع ذلك لذهبت مقاصدها، بل لكل كلمة مع صاحبتها خاصية مستقلة كالتخصيص و الاهتمام و غيرهما، و كذا الألفاظ المشتركة و المترادفة، و لو وضع كل موضع الآخر لفات المعنى المقصود، و من ثم قال النبي صلى الله و عليه و آله نصر الله عبدا سمع مقالتي و حفظها و وهاها و أداها كما سمعها، فرب حامل فقه غير فقيه، و رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، و كفى هذا الحديث شاهدا بصدق ذلك، و أكثر الأصحاب جوزوا ذلك مطلقا مع حصول الشرائط المذكورة، و قالوا: كلما ذكرتم خارج عن موضوع البحث لأنا إنما جوزنا لمن يفهم الألفاظ، و يعرف خواصها و مقاصدها، و يعلم عدم اختلال المراد بها فيما أداه، و قد ذهب جمهور السلف و الخلف من الطوائف كلها، إلى جواز الرواية بالمعنى إذا قطع بأداء المعنى بعينه، لأنه من المعلوم أن الصحابة و أصحاب الأئمة عليه السلام لم يكونوا يكتبون الأحاديث

ص: 174

3 وَ عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنِ ابْنِ سِنَانٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ فَرْقَدٍ قَالَ قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع إِنِّي أَسْمَعُ الْكَلَامَ مِنْكَ فَأُرِيدُ أَنْ أَرْوِيَهُ كَمَا سَمِعْتُهُ مِنْكَ فَلَا يَجِي ءُ قَالَ فَتَعَمَّدُ ذَلِكَ قُلْتُ لَا فَقَالَ تُرِيدُ الْمَعَانِيَ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَلَا بَأْسَ

عند سماعها، و يبعد بل يستحيل عادة حفظهم جميع الألفاظ على ما هي عليه، و قد سمعوها مرة واحدة خصوصا في الأحاديث الطويلة مع تطاول الأزمنة، و لهذا كثيرا ما يروى عنهم المعنى الواحد بألفاظ مختلفة، و لم ينكر ذلك عليهم، و لا يبقى لمن تتبع الأخبار في هذا شبهة، نعم لا مرية في أن روايته بلفظه أولى على كل حال، لا سيما في هذه الأزمان لبعد العهد و فوت القرائن و تغير المصطلحات، و بالغ بعضهم فقال: لا يجوز تغيير" قال النبي" إلى" قال رسول الله" و لا عكسه و هو عنت بين بغير ثمرة، و قال بعض الأفاضل: نقل المعنى إنما جوزوه في غير المصنفات، أما المصنفات فقد قال أكثر الأصحاب لا يجوز حكايتها و نقلها بالمعنى، و لا تغيير شي ء منها على ما هو المتعارف و هو أحوط

الحديث الثالث

ضعيف على المشهور.

قوله عليه السلام فتعمد ذلك: بالتائين و في بعض النسخ بحذف إحداهما للتخفيف و التعمد القصد يقال تعمدت الشي ء أي قصدته، يعني أ تتعمد ترك حفظ الألفاظ و عدم المبالاة بضبطها، أو أنت نسي يقع ذلك منك بغير تقصير، أو المعنى أ فتقصد و تريد أن ترويه كيف ما يجي ء زائدا على إفادة المعنى المقصود أو ناقصا عنه" قال: تريد المعاني" أي أ تريد رواية المعاني و نقلها بألفاظ غير مسموعة و عبارات مفيدة من غير زيادة و نقصان فيها، و يمكن أن يقال: لما كان قول السائل يحتمل وجهين أحدهما عدم المجي ء أصلا، و الآخر عدمه بسهولة استفهم عليه السلام و قال: أ فتقصد عدم المجي ء و تريده عمدا و تترك اللفظ المسموع لأجل الصعوبة فأجاب السائل بأن المراد الأمر الأول، و ما في بعض النسخ من قوله: فتعمد بالتاء الواحدة قيل: يجوز أن يكون من المجرد يقال: عمدت الشي ء فانعمد، أي أقمته بعماد معتمد عليه، أو من باب الأفعال يقال أعمدته أي جعلت تحته عمادا، و المعنى في الصورتين أ فتضم إليه شيئا من عندك تقيمه و تصلحه به، كما يقام الشي ء بعماد يعتمد عليه.

ص: 175

4 وَ عَنْهُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع الْحَدِيثُ أَسْمَعُهُ مِنْكَ أَرْوِيهِ عَنْ أَبِيكَ أَوْ أَسْمَعُهُ مِنْ أَبِيكَ أَرْوِيهِ عَنْكَ قَالَ سَوَاءٌ إِلَّا أَنَّكَ تَرْوِيهِ عَنْ أَبِي أَحَبُّ إِلَيَّ وَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع لِجَمِيلٍ مَا سَمِعْتَ مِنِّي فَارْوِهِ عَنْ أَبِي

5 وَ عَنْهُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ وَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ

الحديث الرابع

ضعيف.

قوله: و قال أبو عبد الله عليه السلام أما كلام أبي بصير أو خبر آخر مرسل.

قوله عليه السلام: سواء: لأن علومهم كلهم من معدن واحد، بل كلهم من نور واحد، كما سيأتي، و أما أحبية الرواية عن الأب فلعله للتقية، فإن ذلك أبعد من الشهرة و الإنكار، و أيضا فإن قول الماضي أقرب إلى القبول من قول الشاهد عند الجماهير، لأنه أبعد من أن يحسد و يبغض، و قيل فيه وجه آخر، و هو أن علو السند و قرب الإسناد من الرسول صلى الله عليه و آله و سلم مما له رجحان عند الناس في قبول الرواية، خصوصا فيما يختلف فيه الأحكام، و فيه وجه آخر و هو أن من الواقفية من توقف على الأب فلا يكون قول الابن حجة عليه فيما يناقض رأيه، بخلاف العكس إذ القائل بإمامة الابن قائل بإمامة الأب من دون العكس كليا، و وجه رابع أيضا و هو التحرز عن إيهام الكذب فيما إذا سمع من الأب من سماعه بخصوصه من الابن، و ذلك لأن كل مقول لأبي عبد الله عليه السلام مقول لأبيه لفظا، فهو مسموع من أبيه و لو بالواسطة بخلاف العكس، لأنه يجوز عدم تلفظه ببعض ما سمعه من أبيه بعد، و إن كان موافقا لعلمه و اعتقاده، قيل: و يحتمل تعلقه بالأخيرة فقط، أي رواية المسموع من أبي عنه أحب إلى من روايته عني للوجوه المذكورة لا سيما الرابع، و قوله: ترويه مبتدأ بتقدير أن كقولك: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه.

الحديث الخامس

صحيح، و يدل على جواز تحمل الحديث بالإجازة و حمل الأصحاب قراءة الأحاديث الثلاثة على الاستحباب، و الأحوط العمل به، و لنذكر ما به

ص: 176

ابْنِ سِنَانٍ قَالَ قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع يَجِيئُنِي الْقَوْمُ فَيَسْتَمِعُونَ مِنِّي حَدِيثَكُمْ فَأَضْجَرُ

يتحقق تحمل الرواية و الطرق التي تجوز بها رواية الأخبار.

اعلم أن لأخذ الحديث طرقا أعلاها سماع الراوي لفظ الشيخ، أو إسماع الراوي لفظه إياه بقراءة الحديث عليه، و يدخل فيه سماعه مع قراءة غيره على الشيخ، و يسمى الأول بالإملاء و الثاني بالعرض، و قد يقيد الإملاء بما إذا كتب الراوي ما يسمع من شيخه، و في ترجيح أحدهما على الآخر و التسوية بينهما أوجه، و مما يستدل به على ترجيح السماع من الشيخ على إسماعه هذا الخبر، فلو لا ترجيح قراءة الشيخ على قراءة الراوي لأمره بترك القراءة عند التضجر، و قراءة الراوي مع سماعه إياه، و لا خلاف في أنه يجوز للسامع أن يقول في الأول حدثنا و أنبأنا، و سمعته يقول، و قال لنا، و ذكر لنا، هذا كان في الصدر الأول ثم شاع تخصيص أخبرنا بالقراءة على الشيخ، و أنبأنا و نبأنا بالإجازة، و في الثاني مشهور جواز قول أخبرني و حدثني مقيدين بالقراءة على الشيخ، و ما ينقل عن السيد ممن منعه مقيدا أيضا بعيد، و اختلف في الإطلاق فجوزه بعضهم و منعه آخرون، و فصل ثالث فجوز أخبرني و منع حدثني، و استند إلى أن الشائع في استعمال أخبرني هو قراءته على الشيخ، و في استعمال حدثني هو سماعه عنه، و في كون الشياع دليلا على المنع من غير شائع نظر.

ثم إن صيغة حدثني و شبهها فيما يكون الراوي متفردا في المجلس، و حدثنا و أخبرنا فيما يكون مجتمعا مع غيره، فهذان قسمان من أقسامها، و بعدهما الإجازة، سواء كان معينا لمعين كإجازة الكافي لشخص معين أو معينا لغير معين كإجازته لكل أحد، أو غير معين لمعين كأجزتك مسموعاتي أو غير معين كأجزت كل أحد مسموعاتي، كما حكي عن بعض أصحابنا أنه أجاز على هذا الوجه، و في إجازة المعدوم نظر إلا مع عطفه على الموجود، و أما غير المميز كالأطفال الصغيرة فالمشهور الجواز، و في جواز إجازة المجاز وجهان للأصحاب، و الأصح الجواز و أفضل

ص: 177

وَ لَا أَقْوَى قَالَ فَاقْرَأْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَوَّلِهِ حَدِيثاً وَ مِنْ وَسَطِهِ حَدِيثاً وَ مِنْ آخِرِهِ حَدِيثاً

أقسامها ما كانت على وفق هذه الصحيحة بأن يقرأ عليه من أو له حديثا و من وسطه حديثا و من آخره حديثا، ثم يجيزه، بل الأولى الاقتصار عليه، و يحتمل أن يكون المراد بالأول و الأوسط و الآخر الحقيقي منها أو الأعم منه و من الإضافي، و الثاني أظهر و إن كان رعاية الأول أحوط و أولى، و بعدها المناولة و هي مقرونة بالإجازة و غير مقرونة، و الأولى هي أن يناوله كتابا و يقول هذا روايتي فاروه عني أو شبهه، و الثانية أن يناوله إياه و يقول هذا سماعي و يقتصر عليه، و في جواز الرواية بالثاني قولان، و الأظهر الجواز لما سيأتي من خبر الحلال، و هل يجوز إطلاق حدثنا و أخبرنا في الإجازة و المناولة؟ قولان، و أما مع التقييد بمثل قولنا إجازة و مناولة فالأصح جوازه و اصطلح بعضهم على قولنا أنبأنا و بعدها المكاتبة و هي أن يكتب مسموعة لغائب بخطه و يقرنه بالإجازة أو يعريه عنها، و الكلام فيه كالكلام في المناولة، و الظاهر عدم الفرق بين الكتابة التفصيلية و الإجمالية كان يكتب الشيخ مشيرا إلى مجموع محدود إشارة يأمن معها اللبس و الاشتباه: هذا مسموعي و مرويي فاروه عني.

و الحق أنه مع العلم بالخط و المقصود بالقرائن لا فرق يعتد به بينه و بين سائر الأقسام ككتابة النبي صلى الله عليه و آله و سلم إلى كسرى و قيصر مع أنها كانت حجة عليهم، و كتابة أئمتنا عليه السلام الأحكام إلى أصحابهم في الأعصار المتطاولة، و الظاهر أنه يكفي الظن الغالب أيضا في ذلك و بعدها الإعلام و هو أن يعلم الشيخ الطالب أن هذا الحديث أو الكتاب سماعه، و في جواز الرواية به قولان، و الأظهر الجواز لما سيأتي في خبر الحلال و ابن أبي خالد، و يقرب منه الوصية و هي أن يوصي عند سفره أو موته بكتاب يرويه فلان بعد موته، و قد جوز بعض السلف للموصى له روايته و يدل عليه خبر ابن أبي خالد و الثامن: الوجادة و هي أن يقف الإنسان على أحاديث بخط راويها أو في كتابه المروي له معاصرا كان أو لا، فله أن يقول: وجدت أو قرأت بخط فلان أو في كتابه حدثنا فلان يسوق الإسناد و المتن، و هذا هو الذي استمر عليه العمل حديثا و قديما، و هو من باب

ص: 178

6 عَنْهُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْحَلَّالِ قَالَ قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا ع الرَّجُلُ مِنْ أَصْحَابِنَا يُعْطِينِي الْكِتَابَ وَ لَا يَقُولُ ارْوِهِ عَنِّي يَجُوزُ لِي أَنْ أَرْوِيَهُ عَنْهُ قَالَ فَقَالَ إِذَا عَلِمْتَ أَنَّ الْكِتَابَ لَهُ فَارْوِهِ عَنْهُ

7 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ وَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع إِذَا حَدَّثْتُمْ بِحَدِيثٍ فَأَسْنِدُوهُ إِلَى الَّذِي حَدَّثَكُمْ فَإِنْ كَانَ حَقّاً فَلَكُمْ وَ إِنْ كَانَ كَذِباً فَعَلَيْهِ

8 عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْمَدَنِيِّ عَنِ ابْنِ

المنقطع، و فيه شوب اتصال و يجوز العمل به و روايته عند كثير من المحققين عند حصول الثقة بأنه خط المذكور أو روايته و إلا قال بلغني عنه أو وجدت في كتاب أخبرني فلان أنه خط فلان أو روايته، أو أظن أنه خطه أو روايته لوجود آثار روايته له بالبلاغ و نحوه، يدل على جواز العمل بها خبر ابن أبي خالد، و ربما يلحق بهذا القسم ما إذا وجد كتابا بتصحيح الشيخ و ضبطه، و الأظهر جواز العمل بالكتب المشهورة المعروفة التي يعلم انتسابها إلى مؤلفيها، كالكتب الأربعة، و سائر الكتب المشهورة، و إن كان الأحوط تصحيح الإجازة و الإسناد في جميعها.

الحديث السادس

مرسل.

قوله عليه السلام فاروه عنه: أي إعطاء الكتاب لمن يعلم أنه من مروياته كاف في الرواية أو المراد أن العلم بأن الكتاب له و من مروياته كاف للرواية عنه، سواء أعطي الكتاب أم لا.

الحديث السابع

ضعيف على المشهور و يدل على مطلوبية ترك الإرسال بل لزومه.

و قوله عليه السلام إذا حدثتم: يحتمل أن يكون على بناء المعلوم أو المجهول، و لا يبعد تعميم الحديث بحيث يشمل أخبار الناس أيضا.

الحديث الثامن

مجهول.

ص: 179

أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ حُسَيْنٍ الْأَحْمَسِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ الْقَلْبُ يَتَّكِلُ عَلَى الْكِتَابَةِ

9 الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَشَّاءِ عَنْ عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ اكْتُبُوا فَإِنَّكُمْ لَا تَحْفَظُونَ حَتَّى تَكْتُبُوا

10 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ زُرَارَةَ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع احْتَفِظُوا بِكُتُبِكُمْ فَإِنَّكُمْ سَوْفَ تَحْتَاجُونَ إِلَيْهَا

11 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ الْبَرْقِيِّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخَيْبَرِيِّ عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع اكْتُبْ وَ بُثَّ عِلْمَكَ فِي إِخْوَانِكَ فَإِنْ مِتَّ فَأَوْرِثْ كُتُبَكَ بَنِيكَ فَإِنَّهُ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانُ هَرْجٍ لَا يَأْنَسُونَ فِيهِ إِلَّا بِكُتُبِهِمْ

قوله عليه السلام يتكل على الكتابة: الاتكال الاعتماد، أي إذا كتبتم ما سمعتم اطمأنت نفوسكم لتمكنكم من الرجوع إلى الكتاب إذا نسيتم، و فيه حث على كتابة الحديث، و يحتمل أن يكون المراد الترغيب على الحفظ بدون الكتابة، فإن مع الكتابة يتكل القلب عليه، و لا يسعى في حفظ الحديث و الأول أظهر.

الحديث التاسع

ضعيف على المشهور و يؤيد المعنى الأول للخبر السابق.

الحديث العاشر

موثق كالصحيح.

قوله عليه السلام فإنكم سوف تحتاجون إليها: أي في زمان غيبة الإمام أو الأعم منه و من زمان بعض الأئمة المستورين عن أكثر شيعتهم لخوف المخالفين.

الحديث الحادي عشر

ضعيف على المشهور.

قوله عليه السلام فأورث كتبك: أي اجعلها بحيث يصل إليهم بعدك، و يبقى في أيديهم أو علمهم علمها و حملهم روايتها، و الهرج: الفتنة و الاختلاف، و هو زمان الغيبة فإنه يكثر فيه الفتنة، و اختلاط الحق بالباطل، و يدل على جواز الرجوع إلى الكتب في ذلك الزمان.

ص: 180

12 وَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ رَفَعَهُ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع إِيَّاكُمْ وَ الْكَذِبَ الْمُفْتَرِعَ قِيلَ لَهُ وَ مَا الْكَذِبُ الْمُفْتَرِعُ قَالَ أَنْ يُحَدِّثَكَ الرَّجُلُ بِالْحَدِيثِ فَتَتْرُكَهُ وَ تَرْوِيَهُ عَنِ الَّذِي حَدَّثَكَ عَنْهُ

الحديث الثاني عشر

مرفوع أو ضعيف إذ الظاهر أن محمد بن علي هو أبو سمينة.

قوله عليه السلام إياكم و الكذب المفترع: قيل أي الكذب الحاجز بين الرجل و بين قبول روايته من فرع فلان بين الشيئين إذا حجز بينهما، أو هو من فرع الشي ء ارتفع و علا، و فرعت الجبل أي صعدته لأنه يريد أن يرفع حديثه بإسقاط الواسطة، أو المراد به الكذب الذي يزيل عن الراوي ما يوجب قبول روايته، و العمل بها أي العدالة من افترعت البكر افتضضتها و أزلت بكارتها أو الكذب الذي أزيل بكارته يعني وقع مثله من السابقين من الرواة، أو الكذب المبتدأ أي المستحدث، و فيه إيماء إلى أنه لم يقع مثله من السابقين أو المتعلق بذكر أحد ابتداء، و من قولهم بئس ما افترعت به أي ابتدأت به، و المفترع على الأخيرين اسم مفعول و على الثلاثة الأول اسم فاعل، و قيل:

المراد أنه كذب هو فرع لكذب رجل آخر، فإن ساندته إليه فإن كان كاذبا أيضا فلست بكاذب بخلاف ما إذا أسقطته فإنه إن كان كاذبا فأنت أيضا كاذب، و قيل الافتراع بمعنى التفرع، فإنه فرع قوله على صدق الراوي، فإن قال في نفسه إذا رواه الفرع عن الأصل فقد قاله الأصل، فيجوز لي أن أسنده إلى الأصل، فأسنده إليه فإنما كان كذبا لأنه غير جازم بصدوره عن الأصل، و لعل الفرع قد كذب عليه أو سها في نسبته إليه، و لا بد له من تجويز ذلك، فلا يحصل له الجزم به فهو كاذب في قوله، و إن قدرنا أن الأصل قد قاله كما أن المنافقين كانوا كاذبين في شهادتهم بالرسالة لأنهم كانوا غير جازمين به، و إنما كان كذبا مفترعا لأنه فرع على كذب مقدر، و لعله لم يكن كذبا فهو ليس بكذب صريح بل هو كذب مفترع، كما أنه صدق مفترع، و منهم من صحف و قرع بالقاف من الاقتراع بمعنى الاختيار.

ص: 181

13 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ عَنْ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع أَعْرِبُوا حَدِيثَنَا فَإِنَّا قَوْمٌ فُصَحَاءُ

14 عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ وَ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ وَ غَيْرِهِ قَالُوا سَمِعْنَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ حَدِيثِي حَدِيثُ أَبِي وَ حَدِيثُ أَبِي حَدِيثُ جَدِّي وَ حَدِيثُ جَدِّي حَدِيثُ الْحُسَيْنِ وَ حَدِيثُ الْحُسَيْنِ حَدِيثُ الْحَسَنِ وَ حَدِيثُ الْحَسَنِ حَدِيثُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع وَ حَدِيثُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ص وَ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ

15 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي خَالِدٍ شَيْنُولَةَ قَالَ قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ الثَّانِي ع جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنَّ مَشَايِخَنَا رَوَوْا عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ

الحديث الثالث عشر

صحيح.

قوله عليه السلام أعربوا حديثنا: الإعراب الإبانة و الإفصاح، و المراد إظهار الحروف و إبانتها بحيث لا تشتبه بمقارباتها، و إظهار حركاتها و سكناتها، بحيث لا يوجب اشتباها و يحتمل أن يراد به إعرابه عند الكتابة بأن يكتب الحروف بحيث لا يشتبه بعضها ببعض، أو يجعل عليها ما يسمى اليوم عند الناس إعرابا، كما كان دأب القدماء و رعاية الجمع أحوط.

الحديث الرابع عشر

ضعيف على المشهور.

قوله عليه السلام حديث أبي: أي أحاديث كل واحد منهم مأخوذة من الآخر و منتهية إلى قول الله تعالى، و لا مدخل فيها للآراء و الظنون فلا اختلاف في أحاديثهم، و يومئ إلى أنه يجوز رواية ما سمع من أحدهم عن غيره عليه السلام كما مر.

الحديث الخامس عشر

مجهول.

و قال في الإيضاح: شينولة بفتح الشين المعجمة و إسكان الياء المنقطة تحتها نقطتين و ضم النون و إسكان الواو، و الخبر يدل على صحة تحمل الحديث بالوجادة، و على جواز الرجوع إلى الكتب المؤلفة قبله عليه السلام و الاعتماد عليها و العمل

ص: 182

وَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع وَ كَانَتِ التَّقِيَّةُ شَدِيدَةً فَكَتَمُوا كُتُبَهُمْ وَ لَمْ تُرْوَ عَنْهُمْ فَلَمَّا مَاتُوا صَارَتِ الْكُتُبُ إِلَيْنَا فَقَالَ حَدِّثُوا بِهَا فَإِنَّهَا حَقٌ

بَابُ التَّقْلِيدِ

1 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قُلْتُ لَهُ- اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَالَ أَمَا وَ اللَّهِ مَا دَعَوْهُمْ إِلَى عِبَادَةِ أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ دَعَوْهُمْ

بما فيها، و يضم تلك الأخبار بعضها إلى بعض، و رعاية ما كان الشائع بين السلف من الرجوع إليها و العمل بها، و روايتها و إجازتها و الاحتجاج بها، يحصل العلم بجواز العمل بأخبار الآحاد التي تضمنتها الكتب المعتبرة، و سنحقق ذلك في المجلد الآخر من كتاب بحار الأنوار إنشاء الله تعالى.

باب التقليد

الحديث الأول

حسن، إذا الظاهر أن عبد الله هو الكاهلي، أو مجهول لاحتمال غيره، و سيأتي هذا الحديث في باب الشرك راويا عن العدة عن البرقي عن أبيه عن عبد الله بن يحيى و هو أصوب.

قوله عليه السلام قلت له اتخذوا أحبارهم: أي سألته عن معنى هذه الآية، و الأحبار العلماء و الرهبان العباد، و معنى الحديث أن من أطاع أحدا فيما بأمره به مع أنه خلاف ما أمر الله تعالى به و علمه بذلك أو تقصيره في التفحص فقد اتخذه ربا و عبده من حيث لا يشعر، كما قال الله تعالى:" أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ" و ذلك لأن العبادة عبارة عن الطاعة و الانقياد و أما من قلد عالما أفتى بمحكمات القرآن و الحديث، و كان عدلا موثقا به، فإنه ليس بتقليد له، بل تقليد لمن فرض الله طاعته، و حكم بحكم الله عز و جل، و إنما أنكر الله تعالى تقليد هؤلاء أحبارهم و رهبانهم و ذمهم على ذلك،

ص: 183

مَا أَجَابُوهُمْ وَ لَكِنْ أَحَلُّوا لَهُمْ حَرَاماً وَ حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ حَلَالًا فَعَبَدُوهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ

2 عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْهَمَذَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدَةَ قَالَ قَالَ لِي أَبُو الْحَسَنِ ع يَا مُحَمَّدُ أَنْتُمْ أَشَدُّ تَقْلِيداً أَمِ الْمُرْجِئَةُ قَالَ قُلْتُ قَلَّدْنَا وَ قَلَّدُوا فَقَالَ لَمْ أَسْأَلْكَ عَنْ هَذَا فَلَمْ يَكُنْ عِنْدِي جَوَابٌ أَكْثَرُ مِنَ الْجَوَابِ الْأَوَّلِ فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ ع إِنَّ الْمُرْجِئَةَ نَصَبَتْ رَجُلًا لَمْ تَفْرِضْ طَاعَتَهُ وَ قَلَّدُوهُ

لأنهم إنما قلدوهم في الباطل بعد وضوح الحق و ظهور أمر النبي صلى الله عليه و آله و سلم، فلذا لم يكونوا معذورين في ذلك، و قد يقال أحلوا لهم حراما، ناظر إلى العلماء و الأحبار، و قوله: و حرموا عليهم حلالا، ناظر إلى الرهبان.

الحديث الثاني

ضعيف على المشهور.

قوله عليه السلام أم المرجئة: قد يطلق المرجئة في مقابل الشيعة من الإرجاء بمعنى التأخير لتأخير هم عليا عليه السلام عن درجته، و كأنه المراد هنا، و قد يطلق في مقابلة الوعيدية إما من الإرجاء بمعنى التأخير لأنهم يؤخرون العمل عن النية و القصد و إما بمعنى إعطاء الرجاء لأنهم يعتقدون أنه لا يضر مع الأيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة، و قيل: كان الشائع في سابق الزمان التعبير بالقدرية و المرجئة عمن يضاهي المعبر عنه في هذه الأعصار بالمعتزلة و الأشاعرة في أصول الاعتقادات، كما ورد في رواية ابن عباس أنه قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم أن أبرأ من خمسة: من الناكثين و هم أصحاب الجمل، و من القاسطين و هم أصحاب الشام، و من الخوارج و هم أهل النهروان، و من القدرية و هم الذين ضاهوا النصارى في دينهم، فقالوا لا قدر و من المرجئة الذين ضاهوا اليهود في دينهم فقالوا: الله أعلم.

قوله عليه السلام لم تفرض طاعته: على بناء المجهول أي لم يفرض الله تعالى طاعته، و مع ذلك لا يخالفونهم في شي ء أو على بناء المعلوم أي لم يفرضوا على أنفسهم طاعتهم، إما لأنهم على الباطل فلم يجب عندهم متابعتهم، أو لأنهم يجوزون الاجتهاد على

ص: 184

وَ أَنْتُمْ نَصَبْتُمْ رَجُلًا وَ فَرَضْتُمْ طَاعَتَهُ ثُمَّ لَمْ تُقَلِّدُوهُ فَهُمْ أَشَدُّ مِنْكُمْ تَقْلِيداً

3 مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع فِي قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَ عَزَّ- اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَالَ وَ اللَّهِ مَا صَامُوا لَهُمْ وَ لَا صَلَّوْا لَهُمْ وَ لَكِنْ أَحَلُّوا لَهُمْ حَرَاماً وَ حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ حَلَالًا فَاتَّبَعُوهُمْ

بَابُ الْبِدَعِ وَ الرَّأْيِ وَ الْمَقَايِيسِ

1 الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَشَّاءِ وَ عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ جَمِيعاً عَنْ عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع النَّاسَ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَدْءُ وُقُوعِ الْفِتَنِ أَهْوَاءٌ تُتَّبَعُ وَ أَحْكَامٌ تُبْتَدَعُ يُخَالَفُ فِيهَا كِتَابُ اللَّهِ يَتَوَلَّى فِيهَا رِجَالٌ رِجَالًا فَلَوْ أَنَّ الْبَاطِلَ خَلَصَ لَمْ يَخْفَ عَلَى ذِي حِجًى وَ لَوْ أَنَّ الْحَقَ

خلافهم، و الحاصل أن رسوخهم في التقليد و المتابعة أشد منكم، و هذه شكاية منه عليه السلام عن بعض الشيعة.

الحديث الثالث

: مجهول كالصحيح و قد مر الكلام فيه.

باب البدع و الرأي و المقاييس

الحديث الأول

موثق كالصحيح.

قوله عليه السلام إنما بدء وقوع الفتن: و البدء الابتداء أو المبتدأ، و الفتنة:

الامتحان و الاختبار، ثم كثر استعماله لما يختبر به من المكروه ثم كثر استعماله بمعنى الضلال و الكفر و القتال، و الأهواء جمع الهواء و هو بالقصر الحب المفرط في الخير و الشر و إرادة النفس، و الحاصل أن أول الفتن أو منشأها و علتها متابعة المشتهيات النفسانية، و ابتداع الأحكام في الدين بسببها، و قوله عليه السلام يخالف فيها كتاب الله تعالى، توضيح و بيان لقوله: تبتدع، و يقال: تولاه أي اتخذه وليا أي حبيبا أو ناصرا

ص: 185

خَلَصَ لَمْ يَكُنِ اخْتِلَافٌ وَ لَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا ضِغْثٌ وَ مِنْ هَذَا ضِغْثٌ فَيُمْزَجَانِ فَيَجِيئَانِ مَعاً فَهُنَالِكَ اسْتَحْوَذَ الشَّيْطَانُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ وَ نَجَا الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ الْحُسْنَى

2 الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُمْهُورٍ الْعَمِّيِّ يَرْفَعُهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِذَا ظَهَرَتِ الْبِدَعُ فِي أُمَّتِي فَلْيُظْهِرِ الْعَالِمُ عِلْمَهُ فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ

3 وَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُمْهُورٍ رَفَعَهُ قَالَ مَنْ أَتَى ذَا بِدْعَةٍ فَعَظَّمَهُ فَإِنَّمَا يَسْعَى فِي هَدْمِ الْإِسْلَامِ

4 وَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُمْهُورٍ رَفَعَهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص أَبَى اللَّهُ لِصَاحِبِ الْبِدْعَةِ بِالتَّوْبَةِ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ كَيْفَ ذَلِكَ قَالَ إِنَّهُ قَدْ أُشْرِبَ قَلْبُهُ حُبَّهَا

5 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ

أو أولى بالتصرف، و يمكن أن يكون المراد بالتولي المتابعة، و الحجى بكسر المهملة ثم الجيم المفتوحة: العقل، و الضغث: القطعة من الحشيش المختلط رطبه باليابس، و قيل: ملأ الكف من الشجر و الحشيش أو الشماريخ.

قوله عليه السلام فهنالك: أي عند امتزاج الحق بالباطل و اشتباههما، و الاستحواذ الغلبة.

الحديث الثاني

ضعيف.

قوله عليه السلام فليظهر: أي مع التمكن و عدم الخوف على نفسه، أو على المؤمنين.

الحديث الثالث

ضعيف.

الحديث الرابع

ضعيف.

قوله عليه السلام أشرب، على بناء المجهول أي خالط قلبه حبها، كما قال الله تعالى:

" وَ أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ" و لعل المعنى أنه لا يوفق للتوبة الكاملة أو غالبا.

الحديث الخامس:

صحيح.

ص: 186

مُعَاوِيَةَ بْنِ وَهْبٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِنَّ عِنْدَ كُلِّ بِدْعَةٍ تَكُونُ مِنْ بَعْدِي يُكَادُ بِهَا الْإِيمَانُ وَلِيّاً مِنْ أَهْلِ بَيْتِي مُوَكَّلًا بِهِ يَذُبُّ عَنْهُ يَنْطِقُ بِإِلْهَامٍ مِنَ اللَّهِ وَ يُعْلِنُ الْحَقَّ وَ يُنَوِّرُهُ وَ يَرُدُّ كَيْدَ الْكَائِدِينَ يُعَبِّرُ عَنِ الضُّعَفَاءِ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ وَ تَوَكَّلُوا عَلَى اللَّهِ

6 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ وَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ هَارُونَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع وَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ رَفَعَهُ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع أَنَّهُ قَالَ إِنَّ مِنْ أَبْغَضِ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ لَرَجُلَيْنِ رَجُلٌ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى نَفْسِهِ فَهُوَ جَائِرٌ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ مَشْعُوفٌ بِكَلَامِ بِدْعَةٍ

قوله عليه السلام يكاد: على بناء المجهول أي بها يمكر أو يحارب أو يراد بسوء و يمكن أن يقرأ على بناء المعلوم أي يكاد أن يذهب بها الإيمان، و الأول أصوب، و الولي هنا الناصر أو الأولى بالأمر.

قوله عليه السلام يعبر عن الضعفاء: أي يتكلم من قبل الضعفاء العاجزين عن إظهار الحق و بيان حقيقته بالأدلة و دفع الشبهة عن الدين، و يحتمل أن يكون يعبر عن الضعفاء ابتداء كلام الصادق عليه السلام أي عبر النبي صلى الله عليه و آله و سلم بالولي عن الأئمة الذين استضعفوا في الأرض و الأول أظهر، و الظاهر أن قوله: فاعتبروا، من كلام الصادق عليه السلام.

الحديث السادس

: سنده الأول ضعيف و الثاني مرفوع، لكنه مذكور في نهج البلاغة و إرشاد المفيد و الاحتجاج و غيرها بأدنى اختلاف.

قوله عليه السلام: فهو حائر بالمهملتين، و في بعض النسخ بإعجام الأول فقط، و في بعضها بإعجامهما و المعاني متقاربة، و قصد السبيل: استقامته، أي مائل و متجاوز أو حيران عن السبيل المستقيم المستوي، و قوله: مشغوف، في بعض النسخ بالغين المعجمة و في بعضها بالمهملة، و بهما قرأ قوله تعالى" قَدْ شَغَفَها حُبًّا" و على الأول معناه دخل حب كلام البدعة شغاف قلبه أي حجابه، و قيل: سويداءه، و على الثاني غلبه حبه و أحرقه،

ص: 187

قَدْ لَهِجَ بِالصَّوْمِ وَ الصَّلَاةِ فَهُوَ فِتْنَةٌ لِمَنِ افْتَتَنَ بِهِ ضَالٌّ عَنْ هَدْيِ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ مُضِلٌّ لِمَنِ اقْتَدَى بِهِ فِي حَيَاتِهِ وَ بَعْدَ مَوْتِهِ حَمَّالٌ خَطَايَا غَيْرِهِ رَهْنٌ بِخَطِيئَتِهِ وَ رَجُلٌ قَمَشَ جَهْلًا فِي جُهَّالِ النَّاسِ عَانٍ بِأَغْبَاشِ الْفِتْنَةِ قَدْ سَمَّاهُ أَشْبَاهُ النَّاسِ عَالِماً وَ لَمْ يَغْنَ فِيهِ يَوْماً سَالِماً

فإن الشعف بالمهملة شدة الحب و إحراقه القلب، و اللهج بالشي ء محركة: الولوع فيه و الحرص عليه، أي هو حريص على الصوم و الصلاة و بذلك يفتتن به الناس و قوله عليه السلام عن هدى من كان قبله، إما بفتح الهاء و سكون الدال أو بضم الهاء و فتح الدال، و الأول بمعنى السيرة و الطريقة.

قوله عليه السلام رهن: و في بعض النسخ رهين، قال المطرزي هو رهن بكذا و رهين به أي مأخوذ به، و القمش جمع الشي ء من ههنا و ههنا، و كذا التقميش، و ذلك الشي ء القماش، و المراد بالجهل ما أخذ من غير المأخذ الشرعي، بل بالأوهام و الاستحسانات و القياسات أو روايات غير ثابتة عن الحجة.

قوله عليه السلام: عان بأغباش الفتنة: كذا في أكثر النسخ بالعين المهملة و النون من قولهم عني فيهم أسيرا أي أقام فيهم على إساره و احتبس، و عناه غيره حبسه، و العاني الأسير أو من عني بالكسر بمعنى تعب، أو من عني به فهو عان أي اهتم به و اشتغل، و في بعض النسخ بالغين المعجمة من غني بالمكان كرضى أي أقام به، أو من غني بالكسر أيضا بمعنى عاش، و في أكثر نسخ النهج و الإرشاد و غيرهما غار بالغين المعجمة و لراء المهملة المشددة، و في بعض نسخ النهج بالعين المهملة و الدال المهملة من العدو بمعنى السعي أو من العدوان، و الغبش محركة ظلمة آخر الليل، و الإضافة من قبيل لجين الماء أو لامية، و المراد بأشباه الناس: الجهال و العوام، لخلوهم عن معنى الإنسانية و حقيقتها.

قوله عليه السلام و لم يغن فيه: قال في النهاية في حديث علي عليه السلام و رجل سماه الناس عالما و لم يغن في العلم يوما تاما من قولك غنيت بالمكان أغنى إذا قمت به" انتهى".

قوله عليه السلام سالما: أي من النقص بأن يكون نعتا لليوم كما في روايات المخالفين

ص: 188

بَكَّرَ فَاسْتَكْثَرَ مَا قَلَّ مِنْهُ خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ حَتَّى إِذَا ارْتَوَى مِنْ آجِنٍ وَ اكْتَنَزَ مِنْ غَيْرِ طَائِلٍ جَلَسَ بَيْنَ النَّاسِ قَاضِياً ضَامِناً لِتَخْلِيصِ مَا الْتَبَسَ عَلَى غَيْرِهِ وَ إِنْ خَالَفَ قَاضِياً سَبَقَهُ لَمْ يَأْمَنْ أَنْ يَنْقُضَ حُكْمَهُ مَنْ يَأْتِي بَعْدَهُ كَفِعْلِهِ بِمَنْ كَانَ قَبْلَهُ وَ إِنْ نَزَلَتْ بِهِ إِحْدَى الْمُبْهَمَاتِ الْمُعْضِلَاتِ هَيَّأَ لَهَا حَشْواً مِنْ رَأْيِهِ

أو من الجهل بأن يكون حالا عن ضمير الفاعل.

قوله عليه السلام بكر: أي خرج في طلب العلم بكرة، كناية عن شدة طلبه و اهتمامه في كل يوم، أو في أول العمر و ابتداء الطلب، و قال الفاضل التستري (ره): كان المراد أنه بكر في العبادات فاستكثر منها، مع أن ما قل منه خير مما كثر" انتهى" و" ما" في قوله مما قل، موصولة، و هي مع صلتها صفة لمحذوف و تقديره: فاستكثر من جمع شي ء قليله خير من كثيره، و كون قليله خيرا بالنسبة إلى كثيره لا في نفسه، و يحتمل أن تكون" ما" مصدرية أي قلته خير من كثرته، و قيل قل مبتدأ بتقدير أن، و خير خبره كقولهم تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، و قيل: الجملة معترضة بين الكلام و في النهج فاستكثر من جمع ما قل، و يروى بالتنوين بأن يكون المصدر بمعنى المفعول، فلا يحتاج إلى تقدير و بدونه يحتاج كما هنا، و المراد بذلك الشي ء الشبهات المضلة و الآراء الفاسدة و العقائد الباطلة، أو الأعمال المبتدعة، أو زهرات الدنيا، و الأول أظهر بقرينة قوله:

حتى إذا ارتوى من أجن، و الآجن الماء المتغير أستعير للآراء الباطلة و الأهواء الفاسدة و قيل: في الكلام لف و نشر فالبكور في طلب الدنيا و ما قبله للعلم، و الارتواء متعلق بما قبله، و الاكتناز بالبكور، و لا يخفى بعده.

قوله عليه السلام: و اكتنز: في بعض النسخ فأكثر، و في الإرشاد و غيره و استكثر، و هما ظاهران و أما الاكتناز فهو بمعنى الاجتماع و الامتلاء و هو لازم، فالإسناد إما مجازي أو في الكلام تقدير أي اكتنز له العلوم الباطلة، و قال الجوهري: هذا أمر لا طائل فيه إذا لم يكن فيه غناء و مزية، و المعضلات على صيغة الفاعل: المشكلات.

قوله عليه السلام حشوا: أي كثيرا بلا فائدة.

ص: 189

ثُمَّ قَطَعَ بِهِ فَهُوَ مِنْ لَبْسِ الشُّبُهَاتِ فِي مِثْلِ غَزْلِ الْعَنْكَبُوتِ لَا يَدْرِي أَصَابَ أَمْ أَخْطَأَ لَا يَحْسَبُ الْعِلْمَ فِي شَيْ ءٍ مِمَّا أَنْكَرَ وَ لَا يَرَى أَنَّ وَرَاءَ مَا بَلَغَ فِيهِ مَذْهَباً إِنْ قَاسَ شَيْئاً بِشَيْ ءٍ لَمْ يُكَذِّبْ نَظَرَهُ وَ إِنْ أَظْلَمَ عَلَيْهِ أَمْرٌ اكْتَتَمَ بِهِ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ جَهْلِ نَفْسِهِ لِكَيْلَا يُقَالَ لَهُ لَا يَعْلَمُ ثُمَّ جَسَرَ فَقَضَى فَهُوَ مِفْتَاحُ عَشَوَاتٍ رَكَّابُ شُبُهَاتٍ خَبَّاطُ جَهَالاتٍ لَا يَعْتَذِرُ مِمَّا لَا يَعْلَمُ

قوله عليه السلام: ثم قطع، أي جزم، و في النهج" به" و في غيره" عليه".

قوله عليه السلام: فهو من لبس الشبهات في مثل غزل العنكبوت: اللبس بفتح اللام و أصله اختلاط الظلام أو بالضم بمعنى الإلباس كذا قيل، و قال ابن ميثم: وجه هذا التمثيل أن الشبيهات التي تقع على ذهن مثل هذا الموصوف إذا قصد حل قضية مبهمة تكثر فتلتبس على ذهنه وجه الحق منها، فلا يهتدي له لضعف ذهنه فتلك الشبهات في الوهن تشبه نسج العنكبوت و ذهنه فيما يشبه الذباب الواقع فيه فكما لا يتمكن الذباب من خلاص نفسه من شباك العنكبوت لضعفه كذلك ذهن هذا الرجل لا يقدر على التخلص من تلك الشبهات.

أقول: و يحتمل أيضا أن يكون المراد تشبيه ما يلبس على الناس من الشبهات بنسج العنكبوت لضعفها و ظهور بطلانها، لكن تقع فيها ضعفاء العقول فلا يقدرون على التخلص منها لجهلهم و ضعف يقينهم و الأول أنسب بما بعده.

قوله لا يحسب العلم: بكسر السين من الحسبان أي يظن أن العلم منحصر فيما يعلم، أو بضم السين من الحساب أي لا يعد ما ينكر علما.

قوله: لا يرى أن ما وراء ما بلغ مذهبا: أي أنه لوفور جهله يظن أنه بلغ غاية العلم فليس بعد ما بلغ إليه فكره لأحد مذهب، و موضع تفكر.

قوله عليه السلام فهو مفتاح عشوات: أي يفتح على الناس ظلمات الشبهات و الجهالات، و يركب الشبهات زعما منه أنه توصله إلى الحق.

قوله عليه السلام خباط جهالات. الخبط: المشي على غير استواء، أي خباط في الجهالات أو بسببها.

ص: 190

فَيَسْلَمَ وَ لَا يَعَضُّ فِي الْعِلْمِ بِضِرْسٍ قَاطِعٍ فَيَغْنَمَ يَذْرِي الرِّوَايَاتِ ذَرْوَ الرِّيحِ الْهَشِيمَ- تَبْكِي مِنْهُ الْمَوَارِيثُ وَ تَصْرُخُ مِنْهُ الدِّمَاءُ يُسْتَحَلُّ بِقَضَائِهِ الْفَرْجُ الْحَرَامُ وَ يُحَرَّمُ بِقَضَائِهِ الْفَرْجُ الْحَلَالُ لَا مَلِي ءٌ بِإِصْدَارِ مَا عَلَيْهِ وَرَدَ وَ لَا هُوَ أَهْلٌ لِمَا مِنْهُ فَرَطَ مِنِ ادِّعَائِهِ عِلْمَ الْحَقِ

قوله عليه السلام بضرس قاطع: كناية عن عدم إتقانه للقوانين الشرعية و إحاطته بها يقال لم يعض فلان على الأمر الفلاني بضرس: إذا لم يحكمه.

قوله عليه السلام يذري الروايات ذرو الريح الهشيم: قال الفيروزآبادي: ذرت الريح الشي ء ذروا و أذرته و ذرته أطارته و أذهبته، و قال: الهشيم: نبت يابس متكسر، أو يابس كل كلاء و كل شجر، و وجه التشبيه صدور فعل بلا روية من غير أن يعود إلى الفاعل نفع و فائدة، فإن هذا الرجل المتصفح للروايات ليس له بصيرة بها و لا شعور بوجه العمل بها، بل هو يمر على رواية بعد أخرى، و يمشي عليها من غير فائدة كما أن الريح التي تذري الهشيم لا شعور لها بفعلها، و لا يعود إليها من ذلك نفع، و إنما أتى الذر و مكان الإذراء لاتحاد معنييهما، و في بعض الروايات يذر الرواية قال الجزري: يقال ذرته الريح و أذرته تذروه و تذريه إذا أطارته و منه حديث علي عليه السلام يذروا الرواية ذرو الريح الهشيم، أي يسرد الرواية كما تنسف الريح هشيم النبت، و أما بكاء المواريث و صراخ الدماء فالظاهر أنهما على الاستعارة و لطفهما ظاهر، فيحتمل حذف المضاف أي أهل المواريث و أهل الدماء.

قوله عليه السلام لا ملي ء: الملي ء بالهمز: الثقة الغني، و الإصدار الإرجاع، أي ليس له من العلم و الثقة قدر ما يمكن أن يصدر عنه انحلال ما ورد عليه من الإشكالات و الشبهات قال الجزري: الملي ء بالهمزة الثقة الغني، و قد ملؤ فهو ملي ء بين الملاءة بالمد، و قد أولع الناس بترك الهمزة و تشديد الياء، و منه حديث علي عليه السلام لا ملي ء و الله بإصدار ما عليه ورد.

قوله عليه السلام و لا هو أهل لما منه فرط: فرط- بالتخفيف- بمعنى سبق و تقدم، أي

ص: 191

7 الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَشَّاءِ عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي شَيْبَةَ الْخُرَاسَانِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ إِنَّ أَصْحَابَ الْمَقَايِيسِ طَلَبُوا الْعِلْمَ بِالْمَقَايِيسِ فَلَمْ تَزِدْهُمُ الْمَقَايِيسُ مِنَ الْحَقِّ إِلَّا بُعْداً وَ إِنَّ دِينَ اللَّهِ لَا يُصَابُ بِالْمَقَايِيسِ

ليس هو أهل لما ادعاه من علم الحق الذي من أجله سبق الناس، و تقدم عليهم بالرئاسة و الحكومة و ربما يقرأ بالتشديد أي ليس هو من أهل العلم كما يدعيه لما فرط فيه و قصر عنه، و في الإرشاد: و لا يندم على ما منه فرط، و ليست هذه الفقرة في النهج أصلا، و قال ابن أبي الحديد: في كتاب ابن قتيبة و لا أهل لما فرط به، أي ليس بمستحق للمدح الذي مدح به، و قال: فإن قيل: تبينوا الفرق بين الرجلين الذين أحدهما و كله الله إلى نفسه و الآخر رجل قمش جهلا؟ قيل أما الرجل الأول فهو الضال في أصول العقائد كالمشبه و المجبر و نحوهما، أ لا تراه كيف قال: مشغوف بكلام بدعة و دعاء ضلالة، و هذا يشعر بما قلناه من أن مراده به التكلم في أصول الدين و هو ضال عن الحق، و لهذا قال:

إنه ضال عن هدى من كان قبله، و أما الرجل الثاني فهو المتفقة في فروع الشرعيات و ليس بأهل لذلك، أ لا تراه كيف يقول: جلس بين الناس قاضيا" انتهى" أقول: و يمكن الفرق بأن يكون المراد بالأول من نصب نفسه لمناصب الإفادة و الإرشاد، و بالثاني من تعرض للقضاء و الحكم بين الناس، و لعله أظهر، و يحتمل أيضا أن يكون المراد بالأول العباد المبتدعين في العمل و العبادة كالمتصوفة و المرتاضين بالرياضات الغير المشروعة، و بالثاني علماء المخالفين و من يحذو حذوهم حيث يفتون الناس بالقياسات الفاسدة و الآراء الواهية، و في الإرشاد و أن أبغض الخلق عند الله رجل و كله إلى نفسه، إلى قوله رهين بخطيئته قد قمش جهلا فالأكل صفة لصنف واحد.

الحديث السابع

: ضعيف على المشهور و يشمل جميع أنواع القياس حتى منصوص العلة و القياس بطريق الأولى، و أكثر الأصحاب أخرجوهما، و الكلام فيه موكول إلى آخر مجلدات كتابنا الكبير إن شاء الله القدير.

ص: 192

8 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ وَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ رَفَعَهُ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالا كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَ كُلُّ ضَلَالَةٍ سَبِيلُهَا إِلَى النَّارِ

9 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَكِيمٍ قَالَ قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ع جُعِلْتُ فِدَاكَ فُقِّهْنَا فِي الدِّينِ وَ أَغْنَانَا اللَّهُ بِكُمْ عَنِ النَّاسِ حَتَّى إِنَّ الْجَمَاعَةَ مِنَّا لَتَكُونُ فِي الْمَجْلِسِ مَا يَسْأَلُ رَجُلٌ صَاحِبَهُ تَحْضُرُهُ الْمَسْأَلَةُ وَ يَحْضُرُهُ جَوَابُهَا فِيمَا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا بِكُمْ فَرُبَّمَا وَرَدَ عَلَيْنَا الشَّيْ ءُ لَمْ يَأْتِنَا فِيهِ عَنْكَ وَ لَا عَنْ آبَائِكَ شَيْ ءٌ فَنَظَرْنَا إِلَى أَحْسَنِ مَا يَحْضُرُنَا وَ أَوْفَقِ الْأَشْيَاءِ لِمَا جَاءَنَا عَنْكُمْ فَنَأْخُذُ بِهِ فَقَالَ

الحديث الثامن

: مرفوع.

قوله عليه السلام كل بدعة ضلالة: يدل على أن قسمة بعض أصحابنا البدعة إلى أقسام خمسة تبعا للعامة باطل، فإنها إنما تطلق في الشرع على قول أو فعل أو رأي، قرر في الدين، و لم يرد فيه من الشارع شي ء لا خصوصا و لا عموما، و مثل هذا لا يكون إلا حراما أو افتراء على الله و رسوله.

الحديث التاسع

: حسن.

قوله عليه السلام فقهنا: على بناء المعلوم من فقه ككرم أي صار فقيها، أو على بناء المجهول من باب التفعيل و هو أظهر.

قوله ما يسأل. ما موصولة و هي مع صلتها مبتدأ و العائد إليه محذوف و يحضره خبره، و الجملة مستأنفة و قيل: ما موصولة و الجملة صفة للمجلس، و قيل:

الجملة حال من فاعل تكون، و قيل:" ما" زائدة و يسأل حال من المجلس، و يحضره حال من صاحبه، و قيل:" ما" نافية أي لا حاجة له إلى سؤال، فقوله: يحضره استيناف بياني و الضميران لرجل و في بعض نسخ المحاسن: إلا و تحضره المسألة، فكلمة ما نافية، و يستقيم الكلام بلا تكلف، و كلمة في في قوله فيما من الله ظرفية أو سببية.

قوله عليه السلام إلى أحسن ما يحضرنا: أي ما يكون أقوى سندا و أبعد من التقية و أصرح في المطلوب، و ما قيل: من أنه إشارة إلى القياس بطريق أولى فلا يخفى بعده

ص: 193

هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ فِي ذَلِكَ وَ اللَّهِ هَلَكَ مَنْ هَلَكَ يَا ابْنَ حَكِيمٍ قَالَ ثُمَّ قَالَ لَعَنَ اللَّهُ أَبَا حَنِيفَةَ كَانَ يَقُولُ قَالَ عَلِيٌّ وَ قُلْتُ:" قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ حَكِيمٍ لِهِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ وَ اللَّهِ مَا أَرَدْتُ إِلَّا أَنْ يُرَخِّصَ لِي فِي الْقِيَاسِ

10 مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَفَعَهُ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ الْأَوَّلِ ع بِمَا أُوَحِّدُ اللَّهَ فَقَالَ يَا يُونُسُ لَا تَكُونَنَّ مُبْتَدِعاً مَنْ نَظَرَ

و أوفق الأشياء أي أوفق الأجوبة عن تلك المسألة، لما جاءنا عنكم من أحسن أحاديثكم قياسا عليه أو أوفق الأحاديث للعمومات المروية عنكم، هيهات: أي بعد عن الطريق المستقيم و إصابة الحق في ذلك، أي في الأخذ بالقياس الذي تستأذنني فيه.

قوله عليه السلام قال علي و قلت: أي و قلت خلاف قوله، أراد أنه رأى في المسألة رأيا و أنا رأيت فيها رأيا بخلافه و قيل: أراد أنه قال علي قياسا و قلت أنا أيضا بالقياس و إن وافقه أو يخالف ما روي عن علي عليه السلام لأن من مذهبه ترجيح القياس على الخبر الواحد، و قيل: كان يقيس حكما على حكم روي عن أمير المؤمنين عليه السلام و الأول أظهر، و ليس ببديع منه، قال الزمخشري في ربيع الأبرار: قال يوسف بن أسباط رد أبو حنيفة على رسول الله صلى الله عليه و آله أربعمائة حديث و أكثر، قيل: مثل ما إذا قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله: للفرس سهمان و للرجل سهم، قال أبو حنيفة: لا أجعل سهم البهيمة أكثر من سهم المؤمن، و أشعر رسول الله صلى الله عليه و آله و أصحابه البدن و قال أبو حنيفة: الإشعار مثلة، و قال: البيعان بالخيار ما لم يفترقا، و قال أبو حنيفة: إذا وجب البيع فلا خيار، و كان عليه السلام يقرع بين نسائه إذا أراد سفرا و أقرع أصحابه، و قال أبو حنيفة:

القرعة قمار.

الحديث العاشر

: مرفوع.

قوله عليه السلام بما أوحد الله: أي بأي طريق أعبد الله بالوحدانية، و قيل: أي بما استدل على التوحيد كأنه يريد الدلائل الكلامية فنهاه عن غير السمع، و قوله: و من

ص: 194

بِرَأْيِهِ هَلَكَ وَ مَنْ تَرَكَ أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّهِ ص ضَلَّ وَ مَنْ تَرَكَ كِتَابَ اللَّهِ وَ قَوْلَ نَبِيِّهِ كَفَرَ

11 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْوَشَّاءِ عَنْ مُثَنًّى الْحَنَّاطِ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع تَرِدُ عَلَيْنَا أَشْيَاءُ لَيْسَ نَعْرِفُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ لَا سُنَّةٍ فَنَنْظُرُ فِيهَا فَقَالَ لَا أَمَا إِنَّكَ إِنْ أَصَبْتَ لَمْ تُؤْجَرْ وَ إِنْ أَخْطَأْتَ كَذَبْتَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ

ترك كتاب الله مكن أن يكون تعليلا و تبيينا للجملة السابقة، فإن من ترك اتباع أهل بيت النبي صلى الله عليه و آله و سلم فقد ترك ما ورد بالكتاب و السنة في وجوب متابعتهم، و قيل: قوله: من نظر برأيه هلك، أي من نظر في العلوم الدينية برأيه و بدعته و جعل الرأي و القياس مأخذه فقد ضل لأن ذلك مسبب عن ترك أهل البيت عليه السلام و إنكار إمامتهم و عدم أخذ المعارف و الأحكام عنهم، فاحتاج إلى القياس و الرأي، فهو تارك لأهل البيت عليهم السلام، و من تركهم عليه السلام و لم يأخذ العلوم عنهم أولا أو بواسطة ضل، لعدم تمكنه من الوصول إلى الحق فيها، فينتج من نظر برأيه ضل، فهذا قياس على هيئة الشكل الأول و صغراه مطوي لظهوره و ملخص الدليل أنه من نظر برأيه فقد ترك أهل بيت نبيه، و من تركهم ضل فمن نظر برأيه ضل، و قوله عليه السلام: من ترك كتاب الله و قول نبيه كفر، قياس آخر و صغراه مطوي لظهوره و هو أنه من ترك أهل بيت نبيه صلى الله عليه و آله فقد ترك كتاب الله و قول نبيه، لدلالتهما على إمامتهم و وجوب طاعتهم و أخذ العلوم عنهم، و من ترك كتاب الله و قول نبيه كفر، فمن ترك أهل بيت نبيه كفر، و من كلا القياسين يتلخص قياس ثالث ينتج: من نظر برأيه كفر.

الحديث الحادي عشر

: حسن.

قوله عليه السلام فإن أصبت لم توجر: ظاهره أنه مع إصابة الحكم لا يكون آثما و هو خلاف المشهور، و يمكن أن يكون على سبيل التنزيل، و قال بعض الأفاضل:

يحتمل أن يكون المراد النظر بالقياس، و المراد بقوله: إن أصبت لم توجر، الإصابة في

ص: 195

12 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبَانٍ الْكَلْبِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْقَصِيرِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَ كُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ

13 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سَمَاعَةَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ع قَالَ قُلْتُ أَصْلَحَكَ اللَّهُ إِنَّا نَجْتَمِعُ فَنَتَذَاكَرُ مَا عِنْدَنَا فَلَا يَرِدُ عَلَيْنَا شَيْ ءٌ إِلَّا وَ عِنْدَنَا فِيهِ شَيْ ءٌ مُسَطَّرٌ وَ ذَلِكَ مِمَّا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْنَا بِكُمْ ثُمَّ يَرِدُ عَلَيْنَا الشَّيْ ءُ الصَّغِيرُ لَيْسَ عِنْدَنَا فِيهِ شَيْ ءٌ فَيَنْظُرُ بَعْضُنَا إِلَى بَعْضٍ وَ عِنْدَنَا مَا يُشْبِهُهُ فَنَقِيسُ عَلَى أَحْسَنِهِ فَقَالَ وَ مَا لَكُمْ وَ لِلْقِيَاسِ إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ هَلَكَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِالْقِيَاسِ ثُمَّ قَالَ إِذَا جَاءَكُمْ مَا تَعْلَمُونَ فَقُولُوا بِهِ وَ إِنْ جَاءَكُمْ مَا لَا تَعْلَمُونَ فَهَا وَ أَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ ثُمَّ قَالَ لَعَنَ اللَّهُ أَبَا حَنِيفَةَ كَانَ يَقُولُ قَالَ عَلِيٌّ وَ قُلْتُ أَنَا وَ قَالَتِ الصَّحَابَةُ وَ قُلْتُ ثُمَّ قَالَ أَ كُنْتَ تَجْلِسُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ لَا وَ لَكِنْ هَذَا كَلَامُهُ فَقُلْتُ أَصْلَحَكَ اللَّهُ أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ص النَّاسَ بِمَا يَكْتَفُونَ بِهِ فِي عَهْدِهِ قَالَ نَعَمْ وَ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَقُلْتُ فَضَاعَ مِنْ ذَلِكَ شَيْ ءٌ فَقَالَ لَا هُوَ عِنْدَ أَهْلِهِ

أصل الحكم و علته، و يحتمل أن يكون المراد النظر في الكتاب و السنة، و الاستنباط من العمومات لا بطريق القياس، فربما يكون مصيبا في الحكم و الاستنباط كليهما، و لم يكن مأجورا لتقصيره في تتبع الأدلة، و تحصيل الظن، و عدم دليل آخر و المصنف حملها على الأول فأوردها في هذا الباب" انتهى" و فيه ما لا يخفى.

الحديث الثاني عشر

: مجهول.

الحديث الثالث عشر

: موثق.

قوله عليه السلام فها: الظاهر أنه إشارة إلى السكوت، و" ها" حرف تنبيه، و قيل:

هو اسم فعل بمعنى خذ، و يحتمل أن يكون فها للمفرد، و يحتمل أن يكون فهاؤا للجمع و قوله: و أهوى على الأول كهوي على الثاني للحال بتقدير" قد" و الباء في بيده للتعدية، و المعنى إذا جاءكم ما لا تعلمون فخذوا من أفواهنا، و الأول أظهر.

ص: 196

14 عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ أَبَانٍ عَنْ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ ضَلَّ عِلْمُ ابْنِ شُبْرُمَةَ عِنْدَ الْجَامِعَةِ إِمْلَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ص وَ خَطِّ عَلِيٍّ ع بِيَدِهِ إِنَّ الْجَامِعَةَ لَمْ تَدَعْ لِأَحَدٍ كَلَاماً فِيهَا عِلْمُ الْحَلَالِ وَ الْحَرَامِ إِنَّ أَصْحَابَ الْقِيَاسِ طَلَبُوا الْعِلْمَ بِالْقِيَاسِ فَلَمْ يَزْدَادُوا مِنَ الْحَقِّ إِلَّا بُعْداً إِنَّ دِينَ اللَّهِ لَا يُصَابُ بِالْقِيَاسِ

15 مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَجَّاجِ عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ إِنَّ السُّنَّةَ لَا تُقَاسُ أَ لَا تَرَى أَنَّ امْرَأَةً تَقْضِي صَوْمَهَا وَ لَا تَقْضِي صَلَاتَهَا يَا أَبَانُ إِنَّ السُّنَّةَ إِذَا قِيسَتْ

الحديث الرابع عشر

: مجهول.

قوله عليه السلام ضل علم ابن شبرمة: قيل: المراد بالعلم أما المأخوذ من مأخذه من المسائل، و أما ما يظن و يراه بأي طريق كان سواء كان مأخوذا من المأخذ الشرعية أو من الرأي و القياس و الضلال إما بمعنى الخفاء و الغيبوبة حتى لا يرى، أو بمعنى الضياع و الهلاك و الفساد، أو مقابل الهدي، فإن حمل العلم على الأول ناسبه الأول من معاني الضلال، لأنه من قلته بالنسبة إلى ما في الجامعة من جميع المسائل مما لا يرى و لا يكون له قدر بالنسبة إليه و في جنبه، و إن حمل العلم على الثاني و يشمل جميع ظنونه و آرائه ناسبه أحد الأخيرين من معاني الضلال، فإنه ضائع هالك عند ما أتى به رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم لمخالفته له، و ضل هذا العلم أي ظهر ضلاله و خروجه عن الطريقة المستقيمة عند ما ثبت من رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و هو منهاج الهدى لمخالفته إياه.

الحديث الخامس عشر

: مجهول كالصحيح.

قوله عليه السلام إن السنة لا تقاس: أي لا تعرف بالقياس لما فيها من ضم المختلفات في الصفات الظاهرة و تفريق المتشابهات في الأحكام الواضحة، كما في قضاء صوم الحائض و عدم قضاء صلاتها مع أن مقتضى عقول أكثر الخلق إما اشتراكهما فيه أو اختصاص الصلاة به، و الحاصل أن ما يقع فيه الخطأ غالبا لا يصلح أن يكون مدركا للأحكام الشرعية.

ص: 197

مُحِقَ الدِّينُ

16 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى قَالَ سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ مُوسَى ع عَنِ الْقِيَاسِ فَقَالَ مَا لَكُمْ وَ الْقِيَاسَ إِنَّ اللَّهَ لَا يُسْأَلُ كَيْفَ أَحَلَّ وَ كَيْفَ حَرَّمَ

17 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هَارُونَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ قَالَ حَدَّثَنِي جَعْفَرٌ عَنْ أَبِيهِ ع أَنَّ عَلِيّاً ص قَالَ مَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلْقِيَاسِ لَمْ يَزَلْ دَهْرَهُ فِي الْتِبَاسٍ وَ مَنْ دَانَ اللَّهَ بِالرَّأْيِ لَمْ يَزَلْ دَهْرَهُ فِي ارْتِمَاسٍ- قَالَ وَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ ع مَنْ أَفْتَى النَّاسَ بِرَأْيِهِ فَقَدْ دَانَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ وَ مَنْ دَانَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ حَيْثُ أَحَلَّ وَ حَرَّمَ فِيمَا لَا يَعْلَمُ

قوله: محق الدين: على بناء المجهول أي محي، و أبطل الدين شيئا فشيئا بإدخال ما ليس فيه و إخراج ما يكون منه عنه حتى يؤدي إكثار ذلك إلى تركه بالكلية.

الحديث السادس عشر

موثق.

قوله عليه السلام لا يسأل: أي لم يبين لنا علل كل الأحكام و ليس لنا أن نسأله عنها حتى يتبين لنا فكيف يتأتى حقيقة القياس مع خفاء العلة، و قيل: أي لا يأتي في التحليل و التحريم بما يوافق مدارك عامة العباد من المصالح و الحكم، حتى لو سئل عنه أجاب بما هو مرغوب مداركهم و مستحسن طباعهم بل في أحكامه حكم و مصالح لا يصل إليها أفهام أكثر الناس.

الحديث السابع عشر

ضعيف.

قوله عليه السلام دهره: منصوب على الظرفية و رفعه بالإسناد المجازي بعيد، و الارتماس الاغتماس في الباطل و الدخول فيه، بحيث يحيط به إحاطة تامة.

قوله: برأيه، أي بظنونه المأخوذة لا من الأدلة و المأخذ المنتهية إلى الشارع بل من الاستحسانات العقلية و القياسات الفقهية.

قوله: فقد ضاد الله: أي جعل نفسه شريكا لله تعالى في وضع الشريعة لعباده.

ص: 198

18 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ يَقْطِينٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مَيَّاحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ إِنَّ إِبْلِيسَ قَاسَ نَفْسَهُ بِآدَمَ

الحديث الثامن عشر

ضعيف.

قوله عليه السلام قاس نفسه، يحتمل أن يكون المراد بالقياس هنا ما هو أعم من القياس الفقهي من الاستحسانات العقلية، و الآراء الواهية التي لم تؤخذ من الكتاب و السنة، و يكون المراد أن طريق العقل مما يقع فيه الخطأ كثيرا فلا يجوز الاتكال عليه في أمور الدين، بل يجب الرجوع في جميع ذلك إلى أوصياء سيد المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين، و هذا هو الظاهر في أكثر أخبار هذا الباب فالمراد بالقياس هنا القياس اللغوي، و يرجع قياس إبليس إلى قياس منطقي مادته مغالطة، لأنه استدل أولا على خيريته بأنه من نار و مادة آدم من طين، و النار خير من الطين، فاستنتج من ذلك أن مادته خير من مادة آدم، ثم جعل ذلك صغرى، و رتب القياس هكذا، مادته خير من مادة آدم، و كل من كان مادته خيرا من مادة غيره يكون خيرا منه، فاستنتج أنه خير من آدم، و يرجع كلامه عليه السلام إلى منع كبرى القياس الثاني، بأنه لا يلزم من خيرية مادة أحد من غيره كونه خيرا منه، إذ لعله تكون صورة الغير في غاية الشرافة، و بذلك يكون ذلك الغير أشرف، كما أن آدم لشرافة نفسه الناطقة التي جعلها الله محل أنواره و مورد إسراره أشد نورا و ضياء من النار، إذ نور النار لا يظهر إلا المحسوسات و مع ذلك ينطفئ بالماء و الهواء، و يضمحل بضوء الكواكب و نور آدم نور به يظهر عليه أسرار الملك و الملكوت و لا ينطفئ بهذه الأسباب و الدواعي، و يحتمل أن يكون المراد بنور آدم عقله الذي به نور الله نفسه، و به شرفه على غيره، و يحتمل إرجاع كلامه إلى إبطال كبرى القياس الأول بأن إبليس نظر إلى النور الظاهر في النار، و غفل عن النور الذي أودعه الله في طين آدم لتواضعه و مذلته، فجعله لذلك محل رحمته و مورد فيضه، و أظهر منه أنواع النباتات و الرياحين و الثمار و المعادن و الحيوان، و جعله قابلا لإفاضة الروح عليه، و جعله محلا لعلمه و حكمته، فنور

ص: 199

فَقَالَ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ وَ لَوْ قَاسَ الْجَوْهَرَ الَّذِي خَلَقَ اللَّهُ مِنْهُ آدَمَ بِالنَّارِ كَانَ ذَلِكَ أَكْثَرَ نُوراً وَ ضِيَاءً مِنَ النَّارِ

19 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ حَرِيزٍ عَنْ زُرَارَةَ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع- عَنِ الْحَلَالِ وَ الْحَرَامِ فَقَالَ حَلَالُ مُحَمَّدٍ حَلَالٌ أَبَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ حَرَامُهُ حَرَامٌ أَبَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا يَكُونُ غَيْرُهُ وَ لَا يَجِي ءُ غَيْرُهُ وَ قَالَ قَالَ عَلِيٌّ ع مَا أَحَدٌ ابْتَدَعَ بِدْعَةً إِلَّا تَرَكَ بِهَا سُنَّةً

التراب نور خفي لا يطلع عليه إلا من كان له نور، و نور النار نور ظاهر بلا حقيقة و لا استقرار و ثبات، و لا يحصل منها إلا الرماد، و كل شيطان مريد، و يمكن حمل القياس هنا على القياس الفقهي أيضا، لأنه لعنه الله استنبط أو لا علة إكرام آدم، فجعل علة ذلك كرامة طينته ثم قاس بأن تلك العلة فيه أكثر و أقوى، فحكم بذلك أنه بالمسجودية أولى من الساجدية فأخطأ العلة و لم يصب، و صار ذلك سببا لكفره و شركه، و يدل على بطلان القياس بطريق أولى على بعض معانيه.

الحديث التاسع عشر

صحيح.

قوله عليه السلام ترك بها سنة: لأنه لما كان في كل مسألة بيان من الشارع و حكم فيها، فمن قال بما لم يكن في الشرع و ابتدع شيئا ترك به سنة و حكما من أحكام الله تعالى، و الحاصل نفي مذهب المصوبة الذين يقولون ليس للشارع حكم معين في كل فرع بل فوض الأحكام إلى آراء المجتهدين فحكم كل مجتهد في كل فرع هو حكم الله الواقعي في حقه و في حق مقلده، و تصويب لمذهب المخطئة القائلين بأن الشارع قد حكم في كل فرع بحكم معين و المجتهد بعد استفراغ الوسع قد يصيب و قد يخطئ، و المخطئ مصاب لبذل جهده و خطأه مغتفر، و للمصيب أجران أحدهما لإصابته و الآخر لاجتهاده، و ربما يقال هذه الأخبار تدل على نفي الاجتهاد مطلقا و فيه: أن للمحدثين أيضا نوعا من الاجتهاد يقع منهم الخطأ و الصواب و لا محيص لهم عن ذلك

ص: 200

20 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَقِيلِيِّ عَنْ عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيِّ قَالَ دَخَلَ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا حَنِيفَةَ بَلَغَنِي أَنَّكَ تَقِيسُ قَالَ نَعَمْ قَالَ لَا تَقِسْ فَإِنَّ أَوَّلَ مَنْ قَاسَ إِبْلِيسُ حِينَ قَالَ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ* فَقَاسَ مَا بَيْنَ النَّارِ وَ الطِّينِ وَ لَوْ قَاسَ نُورِيَّةَ آدَمَ بِنُورِيَّةِ النَّارِ عَرَفَ فَضْلَ مَا بَيْنَ النُّورَيْنِ وَ صَفَاءَ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ

21 عَلِيٌّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ عَنْ قُتَيْبَةَ قَالَ سَأَلَ رَجُلٌ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع عَنْ مَسْأَلَةٍ فَأَجَابَهُ فِيهَا فَقَالَ الرَّجُلُ أَ رَأَيْتَ إِنْ كَانَ كَذَا وَ كَذَا مَا يَكُونُ الْقَوْلُ فِيهَا فَقَالَ لَهُ مَهْ مَا أَجَبْتُكَ فِيهِ مِنْ شَيْ ءٍ فَهُوَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ص لَسْنَا مِنْ أَ رَأَيْتَ فِي شَيْ ءٍ

22 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا قَالَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ ع لَا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيجَةً فَلَا تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ فَإِنَّ كُلَّ سَبَبٍ وَ نَسَبٍ وَ قَرَابَةٍ وَ وَلِيجَةٍ وَ بِدْعَةٍ وَ شُبْهَةٍ مُنْقَطِعٌ إِلَّا مَا أَثْبَتَهُ الْقُرْآنُ

الحديث العشرون

صحيح.

قوله عليه السلام أ رأيت: لما كان مراده أخبرني عن رأيك الذي تختاره بالظن و الاجتهاد، نهاه عليه السلام عن هذا الشي ء من الظن و بين له أنهم لا يقولون شيئا إلا بالجزم و اليقين و بما وصل إليهم من سيد المرسلين صلوات الله عليه و عليهم أجمعين.

الحديث الحادي و العشرون

مرسل.

قوله عليه السلام وليجة. وليجة الرجل بطانته و خاصته و من يعتمد عليه في أموره و المراد هنا المعتمد عليه في أمر الدين، و من يعتمد في أمر الدين و تقرير الشريعة على غير الله يكون متعبدا لغير الله فلا يكون مؤمنا بالله و اليوم الآخر، و ذلك لأن كل ما لم يثبته القرآن من النسب و القرابة و الوليجة و البدعة منقطع لا تبقى و لا ينتفع بها في الآخرة فلا يجامع الإيمان بالله و اليوم الآخر الاعتماد عليها في أمر الدين.

ص: 201

بَابُ الرَّدِّ إِلَى الْكِتَابِ وَ السُّنَّةِ وَ أَنَّهُ لَيْسَ شَيْ ءٌ مِنَ الْحَلَالِ وَ الْحَرَامِ وَ جَمِيعِ مَا يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَيْهِ إِلَّا وَ قَدْ جَاءَ فِيهِ كِتَابٌ أَوْ سُنَّةٌ

1 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَدِيدٍ عَنْ مُرَازِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَنْزَلَ فِي الْقُرْآنِ تِبْيَانَ كُلِّ شَيْ ءٍ حَتَّى وَ اللَّهِ مَا تَرَكَ اللَّهُ شَيْئاً يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْعِبَادُ حَتَّى لَا يَسْتَطِيعَ عَبْدٌ يَقُولُ لَوْ كَانَ هَذَا أُنْزِلَ فِي الْقُرْآنِ- إِلَّا وَ قَدْ أَنْزَلَهُ اللَّهُ فِيهِ

باب الرد إلى الكتاب و السنة و أنه ليس شي ء من الحلال و الحرام و جميع ما يحتاج الناس إليه إلا و قد جاء فيه كتاب أو سنة

الحديث الأول

ضعيف.

قوله عليه السلام يقول: أي قولا صحيحا، و كلمة" لو" للتمني أو الجزاء محذوف، أو" أنزل" جزاء لو، و كان تامة أو ناقصة، و خبره مقدر أي لو كان هذا الحكم حقا لأنزله الله في القرآن و قوله: إلا و قد أنزله الله، استثناء من قوله ما ترك الله شيئا، و توسيط الغاية بينهما إما رعاية لاتصالها بذي الغاية أو بجعله مفسرا لمثله المحذوف قبل الغاية، كذا ذكره بعض الأفاضل، و قيل: جملة حتى الثانية لتأكيد الأولى أو للتعليل و الاستثناء من مقدر، و قيل: الاستثناء من مفعول يقول، و هو الكلام الدال على تمنى إنزال ما احتيج إليه في القرآن، و قيل: ألا بفتح الهمزة و تخفيف اللام حرف تنبيه، و الكلام استيناف لتأكيد ما سبق، و الأظهر كون الاستثناء متعلقا بالكلام الأول كما ذكر أولا، و لا ينافي الفصل بالغاية لأنه ليس بأجنبي، و حاصل المعنى: ما ترك الله شيئا على حال إلا حال إنزال القرآن فيه.

ص: 202

2 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ الْمُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمْ يَدَعْ شَيْئاً يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْأُمَّةُ إِلَّا أَنْزَلَهُ فِي كِتَابِهِ وَ بَيَّنَهُ لِرَسُولِهِ ص وَ جَعَلَ لِكُلِّ شَيْ ءٍ حَدّاً وَ جَعَلَ عَلَيْهِ دَلِيلًا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَ جَعَلَ عَلَى مَنْ تَعَدَّى ذَلِكَ الْحَدَّ حَدّاً

3 عَلِيٌّ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ أَبَانٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ هَارُونَ قَالَ سَمِعْتُ

الحديث الثاني

ضعيف.

قوله عليه السلام و جعل لكل شي ء حدا: قيل: أي منتهى معينا لا يجاوزه و لا يقصر عنه، و الدليل عليه النبي و الإمام، و جعل على من تعدى ذلك الحد و لم يقل به و لم يأخذه من دليله حدا من العقاب و النكال، و الأظهر أن المراد بالدليل الآية التي تدل على الحكم، و المراد بالحد الحكم المترتب على من خالف مدلول ذلك الدليل مثال ذلك في العبادات أنه جعل للصوم حدا، و هو الكف عن الأكل و الشرب و المباشرة في النهار، و جعل عليه دليلا و هو قوله تعالى" فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ" إلى قوله" ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ" ثم جعل على من تعدى ذلك الحد بأن أكل أو شرب أو باشر حدا، و هو الكفارة و تعزير الإمام، و مثاله في المعاملات أنه جعل سبحانه لثبوت الزنا حدا و هو الشهود الأربعة، و جعل عليه دليلا و هو قوله تعالى:" فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ" ثم جعل على من تعدى ذلك الحد بأن شهد عليها قبل تمام العدد حدا و هو الثمانون جلدة لكن لا يعلم دليل جميع الأحكام من القرآن إلا الإمام عليه السلام و ربما يستدل به على نفي الاجتهاد، و على أنه لا يجوز العمل إلا مع اليقين بالحكم الواقعي، و إلا يلزم التعدي عن الحد، و أجيب: بأن المراد بالتعدي عدم أخذ الحكم من دليله و مأخذه، أو بأن أحكام الله تعالى قسمان واقعية و واصلية، فمن تعداهما معا تعدى حد الله تعالى.

الحديث الثالث

: مجهول.

ص: 203

أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ مَا خَلَقَ اللَّهُ حَلَالًا وَ لَا حَرَاماً إِلَّا وَ لَهُ حَدٌّ كَحَدِّ الدَّارِ فَمَا كَانَ مِنَ الطَّرِيقِ فَهُوَ مِنَ الطَّرِيقِ وَ مَا كَانَ مِنَ الدَّارِ فَهُوَ مِنَ الدَّارِ حَتَّى أَرْشُ الْخَدْشِ فَمَا سِوَاهُ وَ الْجَلْدَةِ وَ نِصْفِ الْجَلْدَةِ

4 عَلِيٌّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ مَا مِنْ شَيْ ءٍ إِلَّا وَ فِيهِ كِتَابٌ أَوْ سُنَّةٌ

5 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي الْجَارُودِ قَالَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ ع إِذَا حَدَّثْتُكُمْ بِشَيْ ءٍ فَاسْأَلُونِي مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ فِي بَعْضِ حَدِيثِهِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص نَهَى عَنِ الْقِيلِ وَ الْقَالِ وَ فَسَادِ

قوله عليه السلام حتى أرش الخدش: الخدش تقشير الجلد بعود و نحوه و أرشه ما يجبر نقصه من الدية، و الجلدة: الضربة بالسوط، و نصفها أن يؤخذ من وسط السوط فيضرب.

الحديث الرابع

: صحيح.

الحديث الخامس

: ضعيف.

قوله عليه السلام عن القيل و القال: قيل: هما فعلان ماضيان خاليان عن الضمير، جاريان مجرى الأسماء، مستحقان للإعراب و إدخال حرف التعريف عليهما، و قيل هما مصدران، قال الفيروزآبادي: القول في الخير، و القيل و القال و القالة في الشر أو القول مصدر، و القال و القيل اسمان له، ثم قال: و القال: الابتداء و القيل بالكسر الجواب، و على التقادير: المراد به فضول الكلام و ما لا فائدة فيها و لا طائل تحتها، و قيل: نهى عن الأقوال التي توجب الخصومة، و قيل: من المناظرات المنتهية إلى المراء، و التعميم كما اخترناه أولى، و المراد بفساد المال صرفه في غير الجهات المشروعة أو ترك ضبطه و حفظه، أو القرض من غير شهود و ائتمان الخائن و الفاسق، و أمثال ذلك مما يورث إفساده، و المراد بكثرة السؤال كثرته فيما لا فائدة فيه، إذا السؤال عن الأمور اللازمة واجب كما مر، و النجوى: السر بين اثنين أو أكثر، و المعروف كلما

ص: 204

الْمَالِ وَ كَثْرَةِ السُّؤَالِ فَقِيلَ لَهُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ أَيْنَ هَذَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ- لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَ قَالَ وَ لا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً وَ قَالَ لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ

6 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَيْمُونٍ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنِ الْمُعَلَّى بْنِ خُنَيْسٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع مَا مِنْ أَمْرٍ يَخْتَلِفُ فِيهِ اثْنَانِ إِلَّا وَ لَهُ أَصْلٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لَكِنْ لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُ الرِّجَالِ

7 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْ هَارُونَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ

يستحسنه الشرع، و قد فسر هنا بالقرض و إعانة الملهوف و صدقة التطوع و غير ذلك، و أما قوله تعالى" وَ لا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ" فالمشهور أن الخطاب للأولياء، نهوا أن يؤتوا السفهاء الذين لا رشد لهم أموالهم فيفسدونها، و أضاف الأموال إلى الأولياء لأنها في تصرفهم، و قيل: نهى كل أحد أن يعمد إلى ما خوله الله من المال، فيعطي امرأته و أولاده، ثم ينظر إلى أيديهم، و يدل بعض الأخبار على أنها تشمل ما إذا ائتمن فاسقا و شارب خمر على ماله، و قوله تعالى:" قِياماً" أي ما تقومون و تتعيشون بها، و في الآية الثالثة الجملة الشرطية صفة للأشياء و قيل: المعنى لا تسألوا عن تكاليف شاقة عليكم، إن كلفكم بها شقت عليكم و ندمتم عن السؤال عنها، كما روي في سؤال بني إسرائيل عن البقرة، و قيل: كان أحد يسأل عن أبيه فيجاب: أنه في النار فيسوءه، و يسأل آخر عن نسبه فيجاب أنه لغير أبيه فيفتضح، فنهوا عن أمثال ذلك و التعميم أولى.

الحديث السادس

: مرسل.

الحديث السابع

: ضعيف.

ص: 205

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَرْسَلَ إِلَيْكُمُ الرَّسُولَ ص وَ أَنْزَلَ إِلَيْهِ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَ أَنْتُمْ أُمِّيُّونَ عَنِ الْكِتَابِ وَ مَنْ أَنْزَلَهُ وَ عَنِ الرَّسُولِ وَ مَنْ أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ وَ طُولِ هَجْعَةٍ مِنَ الْأُمَمِ وَ انْبِسَاطٍ مِنَ الْجَهْلِ وَ اعْتِرَاضٍ مِنَ الْفِتْنَةِ وَ انْتِقَاضٍ مِنَ الْمُبْرَمِ وَ عَمًى عَنِ الْحَقِّ وَ اعْتِسَافٍ مِنَ الْجَوْرِ وَ امْتِحَاقٍ مِنَ الدِّينِ وَ تَلَظٍّ مِنَ الْحُرُوبِ عَلَى حِينِ اصْفِرَارٍ مِنْ رِيَاضِ جَنَّاتِ الدُّنْيَا وَ يُبْسٍ مِنْ أَغْصَانِهَا وَ انْتِثَارٍ مِنْ وَرَقِهَا وَ يَأْسٍ مِنْ ثَمَرِهَا وَ اغْوِرَارٍ مِنْ

قوله عليه السلام و أنتم أميون: قال في النهاية فيه إنا أمه أمية لا نكتب و لا نحسب أراد أنهم على أصل ولادة أمهم لم يتعلموا الكتاب و الحساب فهم على جبلتهم الأولى، و قيل الأمي الذي لا يكتب، و منه الحديث: بعثت إلى أمة أمية، قيل: للعرب أميون، لأن الكتابة كانت فيهم عزيزة أو عديمة" انتهى" و المراد هنا من لا يعرف الكتابة و الخط و العلوم و المعارف، و ضمن ما يعدى بعن كالنوم و الغفلة، و التلظي:

اشتعال النار، و اغورار الماء: ذهابه في باطن الأرض، و الظاهر أن هذه الاستعارات و الترشيحات لبيان خلو الدنيا حينئذ عن آثار العلم و الهداية، و ما يوجب السعادات الأخروية، و يحتمل أن يكون المراد بها بيان خلوها عن الأمن و الرفاهية و المنافع الدنيوية ليكون ما يذكر بعيدها تأسيسا، و يحتمل التعميم أيضا و الدروس: الإمحاء و الردى الهلاك، و قوله عليه السلام: متهجمة في بعض النسخ بتقديم الجيم على الهاء و هو الصواب، يقال: فلان يتجهمني أي يلقاني بغلظة و وجه كريه، و في أكثر النسخ بتقديم الهاء و هو الدخول بغتة و انهدام البيت، و لا يخلوان من مناسبة أيضا، و المكفهر من الوجوه:

القليل اللحم، الغليظ الذي لا يستحيي، و المتعبس، و المراد بالجيفة: الميتة أو مطلق الحرام و الشعار ما يلي شعر الجسد من الثياب، و الدثار ما فوق الشعار منها و مناسبة الخوف بالشعار و السيف بالدثار غير خفية على ذوي الأنظار، و التمزيق التخريق و التقطيع و التفريق و الممزق كمعظم أيضا مصدر، و المراد به تفرقهم في البلدان للخوف، أو تفرقهم في الأديان و الأهواء، و الموءودة البنت المدفونة حية، و كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية ببناتهم لخوف

ص: 206

مَائِهَا قَدْ دَرَسَتْ أَعْلَامُ الْهُدَى فَظَهَرَتْ أَعْلَامُ الرَّدَى فَالدُّنْيَا مُتَهَجِّمَةٌ فِي وُجُوهِ أَهْلِهَا مُكْفَهِرَّةٌ مُدْبِرَةٌ غَيْرُ مُقْبِلَةٍ ثَمَرَتُهَا الْفِتْنَةُ وَ طَعَامُهَا الْجِيفَةُ وَ شِعَارُهَا الْخَوْفُ وَ دِثَارُهَا السَّيْفُ مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ وَ قَدْ أَعْمَتْ عُيُونَ أَهْلِهَا وَ أَظْلَمَتْ عَلَيْهَا أَيَّامُهَا قَدْ قَطَّعُوا أَرْحَامَهُمْ وَ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ وَ دَفَنُوا فِي التُّرَابِ الْمَوْءُودَةَ بَيْنَهُمْ مِنْ أَوْلَادِهِمْ يَجْتَازُ دُونَهُمْ طِيبُ الْعَيْشِ وَ رَفَاهِيَةُ خُفُوضِ الدُّنْيَا لَا يَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ثَوَاباً وَ لَا يَخَافُونَ وَ اللَّهِ مِنْهُ عِقَاباً حَيُّهُمْ أَعْمَى نَجِسٌ وَ مَيِّتُهُمْ فِي النَّارِ مُبْلَسٌ فَجَاءَهُمْ بِنُسْخَةِ مَا فِي الصُّحُفِ

الإملاق أو العار كما قال تعالى" وَ إِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ" و قوله عليه السلام بينهم متعلق بالدفن أو بالوأد بتضمين معنى الشيوع.

قوله عليه السلام يجتاز دونهم: في أكثر النسخ بالجيم و الزاء المعجمة من الاجتياز بمعنى المرور، و الرفاهية: الخصب و السعة في المعاش، و الخفوض جمع الخفض و هو الدعة و الراحة أي يمر طيب العيش و الرفاهية التي هي خفض الدنيا، أو في خفوضها متجاوزا عنهم من غير تلبث عندهم، و في بعض النسخ بالحاء المهملة و الزاء المعجمة من الحيازة أي يجمع و يمسك وراءهم طيب العيش و الرفاهية، و في بعضها: بالخاء المعجمة و الراء المهملة أي كان يختار طيب العيش و الرفاهية يجتنبهم و لا يجاورهم، و قيل: يعني أرادوا بدفن البنات طيب العيش و لا يخفى أن تذكير الضمير لا يلائمه، و ربما يقرأ دونهم بالرفع أي خسيسهم بهذا المعنى، و لا يخفى ما فيه أيضا.

قوله عليه السلام أعمى نجس، بالنون و الجيم، و في بعض النسخ بالحاء المهملة من النحوسة، و ربما يقرأ بالباء الموحدة و الخاء المعجمة المكسورة من البخس بمعنى نقص الحظ و هو تصحيف، و الإبلاس الغم و الانكسار و الحزن، و الإياس من رحمة الله تعالى.

قوله عليه السلام: ما في الصحف الأولى: أي التوراة و الإنجيل و الزبور و غيرهما مما نزل على الأنبياء عليه السلام و هي المراد بالذي بين يديه و كل أمر تقدم أمرا منتظرا قريبا منه يقال: إنه جاء بين يديه، و قيل: المراد بالصحف الأولى الألواح السماوية، و يحتمل أن يكون المراد بالذي بين يديه ما يكون بعده من أحوال المعاد، و الأول

ص: 207

الْأُولَى وَ تَصْدِيقِ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَ تَفْصِيلِ الْحَلَالِ مِنْ رَيْبِ الْحَرَامِ ذَلِكَ الْقُرْآنُ فَاسْتَنْطِقُوهُ وَ لَنْ يَنْطِقَ لَكُمْ أُخْبِرُكُمْ عَنْهُ إِنَّ فِيهِ عِلْمَ مَا مَضَى وَ عِلْمَ مَا يَأْتِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ حُكْمَ مَا بَيْنَكُمْ وَ بَيَانَ مَا أَصْبَحْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ فَلَوْ سَأَلْتُمُونِي عَنْهُ لَعَلَّمْتُكُمْ

8 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ أَعْيَنَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ قَدْ وَلَدَنِي رَسُولُ اللَّهِ ص وَ أَنَا أَعْلَمُ كِتَابَ اللَّهِ وَ فِيهِ بَدْءُ الْخَلْقِ وَ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ فِيهِ خَبَرُ السَّمَاءِ وَ خَبَرُ الْأَرْضِ وَ خَبَرُ الْجَنَّةِ وَ خَبَرُ النَّارِ وَ خَبَرُ مَا كَانَ وَ خَبَرُ مَا

أظهر، و يؤيده قوله تعالى" مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ (وَ أَنْزَلَ) التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ" و ريب الحرام شبهته، أي فضلا عن صريحه و قوله: فاستنطقوه، أمر للتعجيز أي استعلموا أو استنبطوا منه الأخبار و الأحكام.

قوله عليه السلام: أخبركم عنه: استيناف لبيان أنه عليه السلام هو الذي يستنطق القرآن و ينطق عنه، و يحتمل أن يكون المخبر عنه قوله: إن فيه علم ما مضى، و يؤيد الأول أن في النهج و لكن أخبركم عنه، قيل: و أشار عليه السلام بإيراد كلمة" لو" دون" إذا" إلى فقد من يسأله عن غوامض مقاصد القرآن و أسرار علومه.

الحديث الثامن

: مجهول.

قوله عليه السلام: قد ولدني: يدل على ما ذهب إليه السيد (ره) من أن ولد البنت والد حقيقة، و قيل: الولادة المشار إليها تشمل الولادة الجسمانية و الروحانية فإن علمه ينتهي إليه كما أن نسبه يرجع إليه فهو وارث علمه كما هو وارث ماله.

قوله عليه السلام و فيه بدء الخلق: أي أوله و كيفية إيجاده و إنشائه و كيفية خلق الملائكة و الثقلين و غيرها، و قيل: أي ذكر فيه أول خلق بدء الله منه الخلق، و المراد كل ما اتصف بالوجود فيما مضى و ما هو كائن أي ما يتصف بالوجود في الحال و المستقبل إلى يوم القيامة، و ذكر فيه خبر السماء و الأرض أي أحوالهما و خبر الجنة و خبر النار

ص: 208

هُوَ كَائِنٌ أَعْلَمُ ذَلِكَ كَمَا أَنْظُرُ إِلَى كَفِّي إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ فِيهِ تِبْيَانُ كُلِّ شَيْ ءٍ

9 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ النُّعْمَانِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَابِرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ نَبَأُ مَا قَبْلَكُمْ وَ خَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ وَ فَصْلُ مَا بَيْنَكُمْ وَ نَحْنُ نَعْلَمُهُ

10 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ عَنْ سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ع قَالَ قُلْتُ لَهُ أَ كُلُّ شَيْ ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ص أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ قَالَ بَلْ كُلُّ شَيْ ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ص

و خبر ما كان و ما هو كائن أي ذكر أحوالهما و هذا من التعميم بعد ذكر الخاص فذكر أولا اشتمال الكتاب على المخلوقات، ثم ذكر اشتماله على أخبارها و ذكر أحوالها مبتدأ بالعمدة الظاهر منها في الدنيويات أعني السماء و الأرض و في الأخرويات أعني الجنة و النار ثم عمم بقوله: و خبر ما كان و ما هو كائن.

الحديث التاسع

: صحيح.

قوله عليه السلام نبأ ما قبلكم: قيل يحتمل أن يكون المراد بنبإ ما قبلكم علم المبدأ من العلم بالله و ملائكته و كتبه و رسله، و بخبر ما بعدكم علم المعاد من العالم باليوم الآخر و أحواله و أهواله و الجنة و النار، و بفصل ما بينكم: علم الشرائع و الأحكام بأن تحمل القبلية و البعدية على الذاتيتين أو ما يعمهما و الزمانيتين و ضمير نعلمه راجع إلى الكتاب أو الجميع.

الحديث العاشر

: موثق.

قوله عليه السلام أو تقولون فيه: بصيغة الخطاب أي تحكمون فيه بآرائكم، و قرأ بعض الأفاضل بصيغة الغيبة و قال: أي أو يقول الناس كل شي ء في كتاب الله و ليس كل شي ء فيه.

ص: 209

بَابُ اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ

1 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَرَ الْيَمَانِيِّ عَنْ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ عَنْ سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ الْهِلَالِيِّ قَالَ قُلْتُ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع إِنِّي سَمِعْتُ مِنْ سَلْمَانَ وَ الْمِقْدَادِ وَ أَبِي ذَرٍّ شَيْئاً مِنْ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَ أَحَادِيثَ عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ ص غَيْرَ مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ ثُمَّ سَمِعْتُ مِنْكَ تَصْدِيقَ مَا سَمِعْتُ مِنْهُمْ وَ رَأَيْتُ فِي أَيْدِي النَّاسِ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً مِنْ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَ مِنَ الْأَحَادِيثِ عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ ص أَنْتُمْ تُخَالِفُونَهُمْ فِيهَا وَ تَزْعُمُونَ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ بَاطِلٌ أَ فَتَرَى النَّاسَ يَكْذِبُونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص مُتَعَمِّدِينَ وَ يُفَسِّرُونَ الْقُرْآنَ بِآرَائِهِمْ قَالَ فَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَقَالَ قَدْ سَأَلْتَ فَافْهَمِ الْجَوَابَ إِنَّ فِي أَيْدِي النَّاسِ حَقّاً وَ بَاطِلًا وَ صِدْقاً وَ كَذِباً وَ نَاسِخاً وَ مَنْسُوخاً وَ عَامّاً وَ خَاصّاً وَ مُحْكَماً وَ مُتَشَابِهاً وَ حِفْظاً وَ وَهَماً وَ قَدْ كُذِبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص عَلَى عَهْدِهِ

باب اختلاف الحديث

الحديث الأول

: ضعيف على المشهور، معتبر عندي، و كتاب سليم عندي موجود، و أرى فيه ما يورث الظن القوي بصحته.

قوله عليه السلام و صدقا و كذبا، ذكر الصدق و الكذب بعد الحق و الباطل من قبيل ذكر الخاص بعد العام لأن الصدق و الكذب من خواص الخبر، و الحق و الباطل يصدقان على الأفعال أيضا، و قيل: الحق و الباطل هنا من خواص الرأي و الاعتقاد، و الصدق و الكذب من خواص النقل و الرواية.

قوله عليه السلام و محكما و متشابها: المحكم في اللغة هو المضبوط المتقن، و يطلق في الاصطلاح على ما اتضح معناه، و على ما كان محفوظا من النسخ أو التخصيص أو منهما معا، و على ما كان نظمه مستقيما خاليا عن الخلل، و ما لا يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا، و يقابله بكل من هذه المعاني المتشابه.

قوله عليه السلام و حفظا أي محفوظا عند الراوي و مستيقنا له أنه سمعه كذلك أو

ص: 210

حَتَّى قَامَ خَطِيباً فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ الْكَذَّابَةُ فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ثُمَّ كُذِبَ عَلَيْهِ مِنْ بَعْدِهِ وَ إِنَّمَا أَتَاكُمُ الْحَدِيثُ مِنْ أَرْبَعَةٍ لَيْسَ لَهُمْ خَامِسٌ رَجُلٍ مُنَافِقٍ يُظْهِرُ الْإِيمَانَ مُتَصَنِّعٍ بِالْإِسْلَامِ لَا يَتَأَثَّمُ وَ لَا يَتَحَرَّجُ

موافقا لما سمعه واقعا مع علمه به، و وهما بفتح الهاء مصدر قولك: و همت بالكسر أي غلطت و سهوت، و قد روي و هما بالتسكين مصدر و همت بالفتح، إذا ذهب و همك إلى شي ء و أنت تريد غيره، و المعنى متقارب، و المراد ما شك فيه و لم يستيقن أو سها و إن تيقنه عند الرواية.

قوله عليه السلام قد كثرت على الكذابة: بكسر الكاف و تخفيف الذال مصدر كذب يكذب أي كثرت علي كذبة الكذابين، و يصح أيضا جعل الكذاب بمعنى المكذوب، و التاء للتأنيث أي الأحاديث المفتراة، أو بفتح الكاف و تشديد الذال بمعنى الواحد الكثير الكذب، و التاء لزيادة المبالغة، و المعنى كثرت على أكاذيب الكذابة أو التاء للتأنيث، و المعنى كثرة الجماعة الكذابة و لعل الأخير أظهر، و على التقادير الظاهر أن الجار متعلق بالكذابة، و يحتمل تعلقه بكثرت على تضمين أجمعت و نحوه، و هذا الخبر على تقديري صدقه و كذبه يدل على وقوع الكذب عليه صلى الله عليه و آله و سلم و قوله عليه السلام:

فليتبوأ، صيغته الأمر و معناه الخبر، كقوله تعالى" قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا".

قوله عليه السلام ثم كذب عليه: على بناء المجهول و" من بعده" بكسر الميم أو على بناء المعلوم و فتح الميم اسم موصول.

قوله عليه السلام متصنع بالإسلام: أي متكلف و متدلس به غير متصف به في نفس الأمر.

قوله عليه السلام لا يتأثم: أي لا يكف نفسه عن موجب الإثم أو لا يعد نفسه آثما بالكذب على رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و كذا قوله: لا يتحرج من الحرج بمعنى الضيق، أي

ص: 211

أَنْ يَكْذِبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص مُتَعَمِّداً فَلَوْ عَلِمَ النَّاسُ أَنَّهُ مُنَافِقٌ كَذَّابٌ لَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ وَ لَمْ يُصَدِّقُوهُ وَ لَكِنَّهُمْ قَالُوا هَذَا قَدْ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ ص وَ رَآهُ وَ سَمِعَ مِنْهُ وَ أَخَذُوا عَنْهُ وَ هُمْ لَا يَعْرِفُونَ حَالَهُ- وَ قَدْ أَخْبَرَهُ اللَّهُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ بِمَا أَخْبَرَهُ وَ وَصَفَهُمْ بِمَا وَصَفَهُمْ فَقَالَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ إِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَ إِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ثُمَّ بَقُوا بَعْدَهُ فَتَقَرَّبُوا إِلَى أَئِمَّةِ الضَّلَالَةِ وَ الدُّعَاةِ إِلَى النَّارِ بِالزُّورِ وَ الْكَذِبِ وَ الْبُهْتَانِ فَوَلَّوْهُمُ الْأَعْمَالَ وَ حَمَلُوهُمْ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ وَ أَكَلُوا بِهِمُ الدُّنْيَا وَ إِنَّمَا النَّاسُ مَعَ الْمُلُوكِ

لا يضيق صدره بالكذب و أراد بأئمة الضلالة الثلاثة و من يحذو حذوهم من بني أمية و أشباههم، و قوله بالزور متعلق بتقربوا، و نقل العتائقي في شرح نهج البلاغة أنه قال في كتاب الأحداث إن معاوية لعنه الله كتب إلى عماله أن ادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة و لا تتركوا خبرا يرويه أحد في أبي تراب إلا و أتوني بمناقض له في الصحابة، فرويت أخبارا كثيرة مفتعلة لا حقيقة لها حتى أشاروا بذكر ذلك على المنابر و روى ابن أبي الحديد أن معاوية لعنه الله أعطى صحابيا مالا كثيرا ليصنع حديثا في ذم علي عليه السلام و يحدث به على المنبر ففعل و يروى عن ابن عرفة أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيام بني أمية تقربا إليهم بما يظنون أنهم يرغمون بها أنف بني هاشم" انتهى" و قد أشبعنا الكلام في ذلك في كتابنا الكبير.

قوله عليه السلام و قد أخبر الله عز و جل عن المنافقين: أي كان ظاهرهم ظاهرا حسنا و كلامهم كلاما مزيفا مدلسا يوجب اغترار الناس بهم، و تصديقهم فيما ينقلونه عن النبي صلى الله عليه و آله، و يرشد إلى ذلك أنه سبحانه خاطب نبيه صلى الله عليه و آله و سلم بقوله:" وَ إِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ" أي بصباحتهم و حسن منظرهم،" وَ إِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ" أي تصغي إليه لذلاقة ألسنتهم.

قوله عليه السلام فولوهما الأعمال: أي أئمة الضلال بسبب وضع الأخبار أعطوا هؤلاء

ص: 212

وَ الدُّنْيَا إِلَّا مَنْ عَصَمَ اللَّهُ فَهَذَا أَحَدُ الْأَرْبَعَةِ وَ رَجُلٍ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ شَيْئاً لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى وَجْهِهِ وَ وَهِمَ فِيهِ وَ لَمْ يَتَعَمَّدْ كَذِباً فَهُوَ فِي يَدِهِ يَقُولُ بِهِ وَ يَعْمَلُ بِهِ وَ يَرْوِيهِ فَيَقُولُ أَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ص فَلَوْ عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ وَهَمٌ لَمْ يَقْبَلُوهُ وَ لَوْ عَلِمَ هُوَ أَنَّهُ وَهَمٌ لَرَفَضَهُ وَ رَجُلٍ ثَالِثٍ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ص شَيْئاً أَمَرَ بِهِ ثُمَّ نَهَى عَنْهُ وَ هُوَ لَا يَعْلَمُ أَوْ سَمِعَهُ يَنْهَى عَنْ شَيْ ءٍ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ وَ هُوَ لَا يَعْلَمُ فَحَفِظَ مَنْسُوخَهُ وَ لَمْ يَحْفَظِ النَّاسِخَ وَ لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ لَرَفَضَهُ وَ لَوْ عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ إِذْ سَمِعُوهُ مِنْهُ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ لَرَفَضُوهُ- وَ آخَرَ رَابِعٍ لَمْ يَكْذِبْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص مُبْغِضٍ لِلْكَذِبِ خَوْفاً مِنَ اللَّهِ وَ تَعْظِيماً لِرَسُولِ اللَّهِ ص لَمْ يَنْسَهُ بَلْ حَفِظَ مَا سَمِعَ عَلَى وَجْهِهِ فَجَاءَ بِهِ كَمَا سَمِعَ- لَمْ يَزِدْ فِيهِ وَ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ وَ عَلِمَ النَّاسِخَ مِنَ الْمَنْسُوخِ فَعَمِلَ بِالنَّاسِخِ وَ رَفَضَ الْمَنْسُوخَ فَإِنَّ أَمْرَ النَّبِيِّ ص مِثْلُ الْقُرْآنِ نَاسِخٌ وَ مَنْسُوخٌ وَ خَاصٌّ وَ عَامٌّ وَ مُحْكَمٌ وَ مُتَشَابِهٌ قَدْ كَانَ يَكُونُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ص الْكَلَامُ لَهُ وَجْهَانِ كَلَامٌ عَامٌّ وَ كَلَامٌ خَاصٌّ مِثْلُ الْقُرْآنِ وَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي كِتَابِهِ- ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ

المنافقين الولايات و سلطوهم على الناس، و يحتمل العكس أيضا أي بسبب مفتريات هؤلاء المنافقين صاروا والين على الناس، و صنعوا ما شاءوا و ابتدعوا ما أرادوا، و لكنه بعيد.

قوله عليه السلام ناسخ و منسوخ: قال الشيخ البهائي (ره) خبر ثان لأن أو خبر مبتدإ محذوف أي بعضه ناسخ و بعضه منسوخ، أو بدل من مثل و جره على البدلية من القرآن ممكن، فإن قيام البدل مقام المبدل منه غير لازم عند كثير من المحققين.

قوله عليه السلام و قد كان يكون: اسم كان ضمير الشأن و يكون تامة و هي مع اسمها الخبر، و له وجهان نعت للكلام لأنه في حكم النكرة، أو حال منه، و إن جعلت يكون ناقصة فهو خبرها.

قوله عليه السلام و قال الله: لعل المراد أنهم لما سمعوا هذه الآية علموا وجوب

ص: 213

ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا فَيَشْتَبِهُ عَلَى مَنْ لَمْ يَعْرِفْ وَ لَمْ يَدْرِ مَا عَنَى اللَّهُ بِهِ وَ رَسُولُهُ ص وَ لَيْسَ كُلُّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ص كَانَ يَسْأَلُهُ عَنِ الشَّيْ ءِ فَيَفْهَمُ وَ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْأَلُهُ وَ لَا يَسْتَفْهِمُهُ حَتَّى إِنْ كَانُوا لَيُحِبُّونَ أَنْ يَجِي ءَ الْأَعْرَابِيُّ وَ الطَّارِئُ فَيَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ص حَتَّى يَسْمَعُوا وَ قَدْ كُنْتُ أَدْخُلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص كُلَّ يَوْمٍ دَخْلَةً وَ كُلَّ لَيْلَةٍ دَخْلَةً فَيُخْلِينِي فِيهَا

اتباعه عليه السلام و لما اشتبه عليهم مراده عملوا بما فهموا منه، و أخطأوا فيه، فهذا بيان لسبب خطاء الطائفة الثانية و الثالثة، و يحتمل أن يكون ذكر الآية لبيان أن هذه الفرقة الرابعة المحقة إنما تتبعوا جميع ما صدر عنه من الناسخ و المنسوخ، و العام و الخاص، لأن الله تعالى أمرهم باتباعه في كل ما يصدر عنه.

قوله عليه السلام فيشتبه: متفرع على ما قبل الآية أي كان يشتبه كلام الرسول على من لا يعرف، و يحتمل أن يكون المراد أن الله تعالى إنما أمرهم بمتابعة الرسول فيما يأمرهم به من اتباع أهل بيته و الرجوع إليهم، فإنهم كانوا يعرفون كلامه و يعلمون مرامه فاشتبه ذلك على من لم يعرف مراد الله تعالى و ظنوا أنه يجوز لهم العمل بما سمعوا منه بعده صلى الله عليه و آله و سلم من غير رجوع إلى أهل بيته.

قوله عليه السلام ما عنى الله به: الموصول مفعول لم يدر، و يحتمل أن يكون فاعل يشتبه.

قوله عليه السلام و لا يستفهمه: أي إعظاما.

قوله عليه السلام و الطاري: أي الغريب الذي أتاه عن قريب من غير أنس به و بكلامه و إنما كانوا يحبون قدومهما إما لاستفهامهم و عدم استعظامهم إياه أو لأنه صلى الله عليه و آله و سلم كان يتكلم على وفق عقولهم فيوضحه حتى يفهم غيرهم.

قوله عليه السلام فيخليني فيها: من الخلوة يقال استخلى الملك فأخلاه أي سأله أن يجتمع به في خلوة ففعل، أو من التخلية أي يتركني أدور معه.

ص: 214

أَدُورُ مَعَهُ حَيْثُ دَارَ وَ قَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ص أَنَّهُ لَمْ يَصْنَعْ ذَلِكَ بِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ غَيْرِي فَرُبَّمَا كَانَ فِي بَيْتِي يَأْتِينِي- رَسُولُ اللَّهِ ص أَكْثَرُ ذَلِكَ فِي بَيْتِي وَ كُنْتُ إِذَا دَخَلْتُ عَلَيْهِ بَعْضَ مَنَازِلِهِ أَخْلَانِي وَ أَقَامَ عَنِّي نِسَاءَهُ فَلَا يَبْقَى عِنْدَهُ غَيْرِي وَ إِذَا أَتَانِي لِلْخَلْوَةِ مَعِي فِي مَنْزِلِي لَمْ تَقُمْ عَنِّي فَاطِمَةُ وَ لَا أَحَدٌ مِنْ بَنِيَّ وَ كُنْتُ إِذَا سَأَلْتُهُ أَجَابَنِي وَ إِذَا سَكَتُّ عَنْهُ وَ فَنِيَتْ مَسَائِلِي ابْتَدَأَنِي فَمَا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص آيَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا أَقْرَأَنِيهَا وَ أَمْلَاهَا عَلَيَّ فَكَتَبْتُهَا بِخَطِّي وَ عَلَّمَنِي تَأْوِيلَهَا وَ تَفْسِيرَهَا وَ نَاسِخَهَا وَ مَنْسُوخَهَا وَ مُحْكَمَهَا وَ مُتَشَابِهَهَا وَ خَاصَّهَا وَ عَامَّهَا وَ دَعَا اللَّهَ أَنْ يُعْطِيَنِي فَهْمَهَا وَ حِفْظَهَا فَمَا نَسِيتُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ لَا عِلْماً أَمْلَاهُ عَلَيَّ وَ كَتَبْتُهُ مُنْذُ دَعَا اللَّهَ لِي بِمَا دَعَا وَ مَا تَرَكَ شَيْئاً عَلَّمَهُ اللَّهُ مِنْ حَلَالٍ وَ لَا حَرَامٍ وَ لَا أَمْرٍ وَ لَا نَهْيٍ كَانَ أَوْ يَكُونُ وَ لَا كِتَابٍ مُنْزَلٍ عَلَى أَحَدٍ قَبْلَهُ مِنْ طَاعَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ إِلَّا عَلَّمَنِيهِ وَ حَفِظْتُهُ فَلَمْ أَنْسَ حَرْفاً وَاحِداً ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِي وَ دَعَا اللَّهَ لِي أَنْ يَمْلَأَ قَلْبِي عِلْماً وَ فَهْماً وَ حُكْماً وَ نُوراً فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي مُنْذُ دَعَوْتَ اللَّهَ لِي بِمَا دَعَوْتَ لَمْ أَنْسَ شَيْئاً وَ لَمْ يَفُتْنِي شَيْ ءٌ لَمْ أَكْتُبْهُ أَ فَتَتَخَوَّفُ عَلَيَّ النِّسْيَانَ فِيمَا بَعْدُ فَقَالَ لَا لَسْتُ أَتَخَوَّفُ عَلَيْكَ النِّسْيَانَ وَ الْجَهْلَ

2 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْخَزَّازِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قُلْتُ لَهُ مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْوُونَ عَنْ فُلَانٍ وَ فُلَانٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ص لَا يُتَّهَمُونَ بِالْكَذِبِ فَيَجِي ءُ مِنْكُمْ خِلَافُهُ قَالَ

قوله عليه السلام أدور معه حيث ما دار: أي لا أمنع عن شي ء من خلواته أدخل معه أي مدخل يدخله فيه، و أسير معه أينما سار، أو المراد إني كنت محرما لجميع إسراره قابلا لعلومه أخوض معه في كل ما يخوض فيه من العارف، و كنت أوافقه في كل ما يتكلم فيه، و أفهم مراده.

قوله عليه السلام تأويلها و تفسيرها: أي بطنها و ظهرها.

الحديث الثاني

: موثق.

ص: 215

إِنَّ الْحَدِيثَ يُنْسَخُ كَمَا يُنْسَخُ الْقُرْآنُ

65 3 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ حَازِمٍ قَالَ قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع مَا بَالِي أَسْأَلُكَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ فَتُجِيبُنِي فِيهَا بِالْجَوَابِ ثُمَّ يَجِيئُكَ غَيْرِي فَتُجِيبُهُ فِيهَا بِجَوَابٍ آخَرَ فَقَالَ إِنَّا نُجِيبُ النَّاسَ عَلَى الزِّيَادَةِ وَ النُّقْصَانِ قَالَ قُلْتُ فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ص صَدَقُوا عَلَى مُحَمَّدٍ ص أَمْ كَذَبُوا قَالَ بَلْ صَدَقُوا قَالَ قُلْتُ فَمَا بَالُهُمُ اخْتَلَفُوا فَقَالَ أَ مَا تَعْلَمُ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ ص فَيَسْأَلُهُ عَنِ الْمَسْأَلَةِ فَيُجِيبُهُ فِيهَا بِالْجَوَابِ ثُمَّ يُجِيبُهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يَنْسَخُ ذَلِكَ الْجَوَابَ فَنَسَخَتِ الْأَحَادِيثُ بَعْضُهَا بَعْضاً

4 عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رِئَابٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ قَالَ لِي يَا زِيَادُ مَا تَقُولُ لَوْ أَفْتَيْنَا رَجُلًا مِمَّنْ

قوله عليه السلام إن الحديث ينسخ: لما علم عليه السلام أنه يسأل عن غير المنافقين و غير من وقع منه الخطأ لسوء فهمه أجاب بالنسخ، و يحتمل أن يكون ذلك للتقية من المخالفين في نسبة الصحابة إلى النفاق و الكذب و الوهم، فإنهم يتحاشون عنها.

الحديث الثالث

: حسن.

قوله عليه السلام على الزيادة، أي على الزيادة و النقصان في الكلام على حسب تفاوت مراتب الأفهام فيقع في و همكم الاختلاف لذلك، و ليس حقيقة بينهما اختلاف أو زيادة حكم عند التقية و نقصانه عند عدمها، أو المعنى إنا نجيب على حسب زيادة الناس و نقصانهم في الاستعداد و الإيمان، فيشمل الوجهين.

قوله عليه السلام بل صدقوا: يحتمل أن يكون مراد السائل السؤال عن أخبار جماعة من الصحابة علم عليه السلام صدقهم، أو أراد عليه السلام صدق بعضهم، أي ليس اختلافهم مبنيا على الكذب فقط، بل قد يكون من النسخ، و الأظهر حمله على التقية.

الحديث الرابع

: ضعيف على المشهور و آخره مرسل.

ص: 216

يَتَوَلَّانَا بِشَيْ ءٍ مِنَ التَّقِيَّةِ قَالَ قُلْتُ لَهُ أَنْتَ أَعْلَمُ جُعِلْتُ فِدَاكَ قَالَ إِنْ أَخَذَ بِهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَ أَعْظَمُ أَجْراً- وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى إِنْ أَخَذَ بِهِ أُوجِرَ وَ إِنْ تَرَكَهُ وَ اللَّهِ أَثِمَ

5 أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَعْيَنَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ سَأَلْتُهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَأَجَابَنِي ثُمَّ جَاءَهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ عَنْهَا فَأَجَابَهُ بِخِلَافِ مَا أَجَابَنِي ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ آخَرُ فَأَجَابَهُ بِخِلَافِ مَا أَجَابَنِي وَ أَجَابَ صَاحِبِي فَلَمَّا خَرَجَ الرَّجُلَانِ قُلْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ رَجُلَانِ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ شِيعَتِكُمْ قَدِمَا يَسْأَلَانِ فَأَجَبْتَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِغَيْرِ مَا أَجَبْتَ بِهِ صَاحِبَهُ فَقَالَ يَا زُرَارَةُ إِنَّ هَذَا خَيْرٌ لَنَا وَ أَبْقَى لَنَا وَ لَكُمْ وَ لَوِ اجْتَمَعْتُمْ عَلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ لَصَدَّقَكُمُ النَّاسُ عَلَيْنَا وَ لَكَانَ أَقَلَّ لِبَقَائِنَا وَ بَقَائِكُمْ قَالَ ثُمَّ قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع- شِيعَتُكُمْ لَوْ حَمَلْتُمُوهُمْ عَلَى الْأَسِنَّةِ أَوْ عَلَى النَّارِ لَمَضَوْا وَ هُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ عِنْدِكُمْ مُخْتَلِفِينَ قَالَ فَأَجَابَنِي بِمِثْلِ جَوَابِ أَبِيهِ

6 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ نَصْرٍ

قوله: فهو خير له و أعظم أجرا: أي من العمل بالحكم الواقعي في غير حال التقية على ما هو المشهور من بطلان العمل بالحكم الواقعي في حال التقية إن قلنا بصحته، و على هذا يكون الإثم الوارد في الخبر المرسل لترك التقية، لا لعدم الإتيان بما أمر به في أصل الحكم و هو بعيد.

الحديث الخامس

: موثق كالصحيح.

قوله عليه السلام لصدقكم الناس علينا: بالتشديد أي لحكموا بصدقكم في نسبة هذا الحكم إلينا لتوافقكم أو فيما يظنون من أحوالكم و أقوالكم من ولايتنا و متابعتنا، و في علل الشرائع لقصدكم الناس و لكان و هو أظهر.

قوله عليه السلام على الأسنة: هو جمع سنان أي على أن يمضوا مقابل الأسنة أو في النار.

الحديث السادس

: ضعيف على المشهور.

ص: 217

الْخَثْعَمِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ مَنْ عَرَفَ أَنَّا لَا نَقُولُ إِلَّا حَقّاً فَلْيَكْتَفِ بِمَا يَعْلَمُ مِنَّا فَإِنْ سَمِعَ مِنَّا خِلَافَ مَا يَعْلَمُ فَلْيَعْلَمْ أَنَّ ذَلِكَ دِفَاعٌ مِنَّا عَنْهُ

7 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى وَ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ جَمِيعاً عَنْ سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ سَأَلْتُهُ عَنْ رَجُلٍ اخْتَلَفَ عَلَيْهِ رَجُلَانِ مِنْ أَهْلِ دِينِهِ فِي أَمْرٍ كِلَاهُمَا يَرْوِيهِ أَحَدُهُمَا يَأْمُرُ بِأَخْذِهِ وَ الْآخَرُ يَنْهَاهُ عَنْهُ كَيْفَ يَصْنَعُ فَقَالَ يُرْجِئُهُ حَتَّى يَلْقَى مَنْ يُخْبِرُهُ فَهُوَ فِي سَعَةٍ حَتَّى يَلْقَاهُ وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى بِأَيِّهِمَا أَخَذْتَ مِنْ بَابِ التَّسْلِيمِ وَسِعَكَ

قوله عليه السلام: إن ذلك دفاع: أي قولنا بخلاف ما يعلمه منا دفع للضرر و الفتنة منا عنه، و ليرض بذلك و يعمل به.

الحديث السابع

: حسن أو موثق.

قوله عليه السلام: رجلان من أهل دينه: ظاهره أنه يكفي في جواز العمل بروايته كونه من أهل دينه، و الظاهر أن المراد بهما الراويين، و الحمل على المفتيين كما توهم بعيد.

قوله عليه السلام يرجئه: أي يؤخر العمل و الأخذ بأحدهما، أو يؤخر الترجيح و الفتيا حتى يلقى من يخبره أي من أهل القول و الفتيا فيعمل حينئذ بفتياه أو من أهل الرواية فيخبره بما يرجح إحدى الروايتين على الأخرى فيقول و يفتي بالراجح، و الظاهر أن المراد بمن يخبره الحجة، و ذلك في زمان ظهور الحجة، و قوله عليه السلام في سعة: أي في العمل حتى يلقى من يعمل بقوله.

قوله عليه السلام من باب التسليم: أي الرضا و الانقياد، أي بأيتهما أخذت رضا بما ورد من الاختلاف و قبولا له أو انقيادا للمروي عنه من الحجج، لا من حيث الظن بكون أحدهما حكم الله، أو كونه بخصوصه متعينا للعمل وسعك و جاز لك، ثم اعلم أنه يمكن رفع الاختلاف الذي يتراءى بين الخبرين بوجوه قد أومأنا إلى بعضها:

الأول: أن يكون الإرجاء في الحكم و الفتوى، و التخيير في العمل كما يومئ إليه

ص: 218

الخبر الأول.

الثاني: أن يكون الإرجاء فيما إذا أمكن الوصول إلى الإمام عليه السلام و التخيير فيما إذا لم يمكن كهذا الزمان.

الثالث: أن يكون الإرجاء في المعاملات و التخيير في العبادات إذ بعض أخبار التخيير ورد في المعاملات.

الرابع: أن يخص الإرجاء بما يمكن الإرجاء فيه، بأن لا يكون مضطرا إلى العمل بأحدهما، و التخيير بما إذا لم يكن له بد من العمل بأحدهما.

و يؤيده ما رواه الطبرسي في كتاب الاحتجاج عن سماعة بن مهران قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام قلت: يرد علينا حديثان، واحد يأمرنا بالأخذ به، و الآخر ينهانا عنه، قال: لا تعمل بواحد منهما حتى تلقى صاحبك فتسأله، قال: قلت: لا بد من أن نعمل بأحدهما؟ قال: خذ بما فيه خلاف العامة.

الخامس: أن يحمل الإرجاء على الاستحباب و التخيير على الجواز، و روى الصدوق (ره) في كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام عن أبيه، و محمد بن الحسن بن الوليد عن سعد بن عبد الله عن محمد بن عبد الله المسمعي عن أحمد بن الحسن الميثمي عن الرضا عليه السلام في حديث طويل ذكر في آخره: و إن رسول الله صلى الله عليه و آله نهى عن أشياء ليس نهي حرام بل إعافة و كراهة، و أمر بأشياء ليس أمر فرض و لا واجب بل أمر فضل و رجحان في الدين، ثم رخص في ذلك للمعلول أو غير المعلول، فما كان عن رسول الله صلى الله عليه و آله نهي إعافة أو أمر فضل، فذلك الذي يسمع استعمال الرخص فيه إذا ورد عليكم عنا فيه الخبر باتفاق يرويه من يرويه في النهي، و لا ينكره، و كان الخبران صحيحين معروفين باتفاق الناقلة فيهما يجب الأخذ بأحدهما أو بهما جميعا، أو بأيهما شئت و أحببت موسع ذلك لك من باب التسليم لرسول الله صلى الله عليه و آله و الرد إليه و إلينا و كان تارك ذلك من باب الفساد و الإنكار و ترك التسليم لرسول الله صلى الله عليه و آله و سلم مشركا بالله العظيم

ص: 219

8 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْمُخْتَارِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ أَ رَأَيْتَكَ لَوْ حَدَّثْتُكَ بِحَدِيثٍ الْعَامَ ثُمَّ جِئْتَنِي مِنْ قَابِلٍ فَحَدَّثْتُكَ بِخِلَافِهِ بِأَيِّهِمَا كُنْتَ تَأْخُذُ قَالَ قُلْتُ كُنْتُ آخُذُ بِالْأَخِيرِ فَقَالَ لِي رَحِمَكَ اللَّهُ

فما ورد عليكم من خبرين مختلفين فأعرضوهما على كتاب الله، فما كان في كتاب الله موجودا حلالا أو حراما فاتبعوا ما وافق الكتاب، و ما لم يكن في الكتاب فاعرضوه على سنن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم فما كان في السنة موجودا منهيا عنه نهي حرام أو مأمورا به عن عن رسول الله صلى الله عليه و آله أمر إلزام فاتبعوا ما وافق نهي رسول الله و أمره، و ما كان في السنة نهي إعافة أو كراهة، ثم كان الخبر الآخر خلافه، فذلك رخصة فيما عافه رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و كرهه، و لم يحرمه فذلك الذي يسع الأخذ بهما جميعا أو بأيهما شئت وسعك الاختيار من باب التسليم و الاتباع و الرد إلى رسول الله صلى الله عليه و آله و ما لم تجدوه في شي ء من هذه الوجوه فردوا إلينا علمه، فنحن أولى بذلك و لا تقولوا فيه بآرائكم و عليكم بالكف و التثبت و الوقوف و أنتم طالبون باحثون حتى يأتيكم البيان من عندنا، و من هذا الخبر يظهر وجه جمع آخر.

و لنذكر بعض الأخبار الدالة على التخيير:

فمنها: ما رواه الشيخ أحمد بن أبي طالب الطبرسي في كتاب الاحتجاج مرسلا عن الحسن بن الجهم، قال: قلت للرضا عليه السلام: تجيئنا الأحاديث عنكم مختلفة؟ قال:

ما جاءك عنا فقسه على كتاب الله عز و جل و أحاديثنا، فإن كان يشبههما فهو منا، و إن لم يشبههما فليس منا، قلت: يجيئنا الرجلان و كلاهما ثقة بحديثين مختلفين فلا نعلم أيهما الحق؟ قال: إذا لم تعلم فموسع عليك بأيهما أخذت.

و منها: ما رواه أيضا فيه عن الحارث بن المغيرة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا سمعت من أصحابك الحديث و كلهم ثقة فموسع عليك حتى ترى القائم فترده إليه و من أراد الاطلاع على سائر أخبار هذا الباب فعليه بالرجوع إلى كتاب بحار الأنوار.

الحديث الثامن

مرسل و يدل على وجوب العمل بالحكم المتأخر مع التعارض

ص: 220

9 وَ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مَرَّارٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ فَرْقَدٍ عَنِ الْمُعَلَّى بْنِ خُنَيْسٍ قَالَ قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع إِذَا جَاءَ حَدِيثٌ عَنْ أَوَّلِكُمْ وَ حَدِيثٌ عَنْ آخِرِكُمْ بِأَيِّهِمَا نَأْخُذُ فَقَالَ خُذُوا بِهِ حَتَّى يَبْلُغَكُمْ عَنِ الْحَيِّ فَإِنْ بَلَغَكُمْ عَنِ الْحَيِّ فَخُذُوا بِقَوْلِهِ قَالَ ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع إِنَّا وَ اللَّهِ لَا نُدْخِلُكُمْ إِلَّا فِيمَا يَسَعُكُمْ وَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ خُذُوا بِالْأَحْدَثِ

10 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ عُمَرَ بْنِ حَنْظَلَةَ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع- عَنْ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِنَا بَيْنَهُمَا مُنَازَعَةٌ فِي دَيْنٍ أَوْ مِيرَاثٍ فَتَحَاكَمَا إِلَى السُّلْطَانِ وَ إِلَى الْقُضَاةِ أَ يَحِلُ

الحديث التاسع

مجهول و يدل على لزوم العمل بقول الإمام الحي مع تعارض قول الإمام السابق له، بل بقول الإمام المتأخر مطلقا كما يدل عليه قوله عليه السلام: خذوا بالأحدث، و وجه الأول ظاهر، لأن الإمام الحي إنما يحكم بما يعلمه صلاحا في زمانه، فيجب العمل به، و أما الثاني فلأنه بحكم الإمام الثاني علم تغير المصلحة الأولى و لم يعلم بعد تغير المصلحة المتجددة إلا إذا علم تغيرها بزوال التقية مع العلم بكون الحكم الثاني للتقية.

قوله عليه السلام فيما يسعكم: أي يجوز لكم القول و العمل به تقية أو لمصلحة أخرى.

الحديث العاشر

: موثق تلقاه الأصحاب بالقبول.

قوله عليه السلام في دين أو ميراث، لعل ذكرهما على سبيل التمثيل، و يحتمل التخصيص، و المراد بالمنازعة في الميراث إما في الوارثية أو في قدر الإرث أو في ثبوته مع عدم علم المدعي، و في جميع هذه الصور لا يجوز الأخذ بحكم الجائر، و يكون المأخوذ حراما بخلاف الأعيان و منافعها، مع علم المدعي فإن المشهور أنه و إن حرم الأخذ بحكم الجائر لكن لا يحرم المأخوذ، و حرمة المأخوذ في تلك الصور لا تنافي صحة المقاصة في الدين المعلوم ثبوته، و المراد بحرمة المأخوذ كونه غير جائز التصرف

ص: 221

ذَلِكَ قَالَ مَنْ تَحَاكَمَ إِلَيْهِمْ فِي حَقٍّ أَوْ بَاطِلٍ فَإِنَّمَا تَحَاكَمَ إِلَى الطَّاغُوتِ وَ مَا يَحْكُمُ لَهُ فَإِنَّمَا يَأْخُذُ سُحْتاً وَ إِنْ كَانَ حَقّاً ثَابِتاً لِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِحُكْمِ الطَّاغُوتِ وَ قَدْ أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُكْفَرَ بِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ

فيه بعد الأخذ، و بحرمة الأخذ عدم جواز إزالة يد المدعي و استقرار اليد عليه، فقوله عليه السلام في الجواب: من تحاكم إليهم. يحتمل العموم و الشمول للأعيان و الديون و المواريث و غيرها.

و قوله عليه السلام: فإنما يأخذ سحتا، إن حمل على أنه يأخذ أخذا سحتا أي حراما فعلى عمومه و إن حمل على أنه يأخذ مالا سحتا فمخصص بما لا يكون المدعى به عينا معلوم الحقية للمدعي، فإن له التصرف في المأخوذ حينئذ بخلاف ما إذا كان ثابت الحقيقة عنده بحكم الحاكم، أو مظنون الحقية أو مشكوكها، أو كان المدعى به دينا، فالاستحقاق في العين و التعين في الدين بحكم الطاغوت لا يوجب جواز التصرف، كما ذكره بعض المحققين.

قوله تعالى" يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ" الطاغوت مشتق من الطغيان و هو الشيطان أو الأصنام، أو كل ما عبد من دون الله أو صد من عبادة الله، و المراد هنا من يحكم بالباطل و يتصدى للحكم، و لا يكون أهلا له، سمي به لفرط طغيانه أو لتشبهه بالشيطان أو لأن التحاكم إليه تحاكم إلى الشيطان من حيث أنه الحامل عليه و الآية بتأييد الخبر تدل على عدم جواز الترافع إلى حكام الجور مطلقا، و ربما قيل بجواز التوسل بهم إلى أخذ الحق المعلوم اضطرارا مع عدم إمكان الترافع إلى الفقيه العدل، و بجواز الاستعانة بهم في إجراء حكم الفقيه، و أيد ذلك بقوله تعالى" يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا" فإن الترافع على وجه الاضطرار ليس تحاكما على الإرادة و الاختيار، و المسألة قوية الإشكال.

ص: 222

قُلْتُ فَكَيْفَ يَصْنَعَانِ قَالَ يَنْظُرَانِ إِلَى مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مِمَّنْ قَدْ رَوَى حَدِيثَنَا وَ نَظَرَ فِي حَلَالِنَا وَ حَرَامِنَا وَ عَرَفَ أَحْكَامَنَا فَلْيَرْضَوْا بِهِ حَكَماً فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُهُ

قوله عليه السلام ممن قد روى حديثنا: أي كلها بحسب الإمكان أو القدر الوافي منها، أو الحديث المتعلق بتلك الواقعة، و كذا في نظائره، و الأحوط أن لا يتصدى لذلك إلا من تتبع ما يمكنه الوصول إليه من أخبارهم ليطلع على المعارضات و يجمع بينها بحسب الإمكان.

قوله عليه السلام فإني قد جعلته عليكم حاكما: استدل به على أنه نائب الإمام في كل أمر إلا ما أحوجه الدليل، و لا يخلو من إشكال، بل الظاهر أنه رخص له في الحكم فيما رفع إليه لا أنه يمكنه جبر الناس على الترافع إليه أيضا، نعم يجب على الناس الترافع إليه و الرضا بحكمه، و قال بعض الأفاضل: قوله عليه السلام: فإني قد جعلته عليكم حاكما يحتمل وجهين: الأول: قد صيرته عليكم حاكما، و الثاني: قد و صفته بكونه حاكما عليكم، و قد حكمت بذلك و سميته بالحاكم، كقوله تعالى" وَ جَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً" فعلى الأول يكون حكومة المجتهد بنصبه عليه السلام لها، فلا يثبت له حكومة بدون النصب ما لم يدل دليل آخر، و على الثاني تكون المجتهد متصفا بالحكومة، و يكون قوله عليه السلام مبينا لاتصافه بها، و الثاني أولى بوجوه: منها أنه لم يكونوا عليه السلام في تلك الأعصار ينصبون الحكام، و منها أنهم لو نصبوا لأعلموا الناس بذلك و لكان هذا من المعلوم عند الإمامية، و منها أنه لم يعهد نصب غير المعين. و منها: أن الضرورة ماسة بحكومة الفقيه أما عند الغيبة فظاهر، و أما مع ظهور الحجة فلعدم إمكان رجوع الكل في كل الأحكام إلى الحجة لا بواسطة، و لو حمل على الأول فإما أن يحمل على نصبه عليه السلام الفقيه في عصره و في الأعصار بعده، أو على نصبه في عصره، و على الأول فيكون الفقيه منصوبا ما لم ينعزل بعزله أو بعزل من يقوم مقامه، و على الثاني ينقضي نصبه بانقضاء أيامه

ص: 223

عَلَيْكُمْ حَاكِماً فَإِذَا حَكَمَ بِحُكْمِنَا فَلَمْ يَقْبَلْهُ مِنْهُ فَإِنَّمَا اسْتَخَفَّ بِحُكْمِ اللَّهِ وَ عَلَيْنَا رَدَّ وَ الرَّادُّ عَلَيْنَا الرَّادُّ عَلَى اللَّهِ وَ هُوَ عَلَى حَدِّ الشِّرْكِ بِاللَّهِ قُلْتُ فَإِنْ كَانَ كُلُّ رَجُلٍ اخْتَارَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِنَا فَرَضِيَا أَنْ يَكُونَا النَّاظِرَيْنِ فِي حَقِّهِمَا وَ اخْتَلَفَا فِيمَا حَكَمَا وَ كِلَاهُمَا اخْتَلَفَا فِي حَدِيثِكُمْ- قَالَ الْحُكْمُ مَا حَكَمَ بِهِ أَعْدَلُهُمَا وَ أَفْقَهُهُمَا وَ أَصْدَقُهُمَا فِي الْحَدِيثِ وَ أَوْرَعُهُمَا وَ لَا

عليه السلام حيث يكون الحكم لغيره بعده، و يحتمل الحكم بنصبه بعده ما لم ينعزل لاتحاد طريقتهم عليه السلام، و استحسان اللاحق ما حسنه السابق منهم، و كون المتأخر خليفة للمتقدم، فما لم يظهر منه خلاف ما جاء من المتقدم حكم بإبقائه له، و الظاهر من الحاكم القاضي و هو الذي يحكم في الوقائع الخاصة، و ينفذ الحكم لا المفتي و هو المبين الحكم الشرعي عموما" انتهى ما أفاده ره" و لا يخفى متانته، و يمكن المناقشة في كثير منها و سنبين تحقيق هذا المطلب في رسالة مفردة إنشاء الله تعالى.

قوله عليه السلام: فإنما استخف بحكم الله: لأنه لم يرض بحكم أمر الله به" و علينا رد" حيث رد قضاء من وصفناه بالحكومة" و هو على حد الشرك بالله" أي دخل في الشرك بأحد معانيه حيث أشرك في حكمه تعالى غيره، أو المعنى أنه في مرتبة من الضلالة لا مرتبة فيها أشد منها، و المرتبة المتجاوزة منها مرتبة الشرك.

قوله عليه السلام: فيما حكما: ظاهره أن اختلافهما بحسب اختلاف الرواية لا الفتوى.

قوله عليه السلام أعدلهما و أفقههما: في الجواب إشعار بأنه لا بد من كونهما عادلين فقيهين صادقين ورعين، و الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية كما هو الظاهر، و هل يعتبر كونه أفقه في خصوص تلك الواقعة أو في مسائل المرافعة و الحكم أو في مطلق المسائل؟

الأوسط أظهر معنى، و إن كان الأخير أظهر لفظا، و الظاهر أن مناط الترجيح الفضل في جميع تلك الخصال، و يحتمل أن تكون كلمة الواو بمعنى أو، فعلى الأول لا يظهر الحكم فيما إذا كان الفضل في بعضها، و على الثاني فيما إذا كان أحدهما فاضلا في إحداهما

ص: 224

يَلْتَفِتْ إِلَى مَا يَحْكُمُ بِهِ الْآخَرُ قَالَ قُلْتُ فَإِنَّهُمَا عَدْلَانِ مَرْضِيَّانِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا لَا يُفَضَّلُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ قَالَ فَقَالَ يُنْظَرُ إِلَى مَا كَانَ مِنْ رِوَايَتِهِمْ عَنَّا فِي ذَلِكَ الَّذِي حَكَمَا بِهِ الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ مِنْ أَصْحَابِكَ فَيُؤْخَذُ بِهِ مِنْ حُكْمِنَا وَ يُتْرَكُ الشَّاذُّ الَّذِي لَيْسَ بِمَشْهُورٍ عِنْدَ أَصْحَابِكَ فَإِنَّ الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَ إِنَّمَا الْأُمُورُ ثَلَاثَةٌ أَمْرٌ بَيِّنٌ رُشْدُهُ فَيُتَّبَعُ وَ أَمْرٌ بَيِّنٌ غَيُّهُ فَيُجْتَنَبُ وَ أَمْرٌ مُشْكِلٌ يُرَدُّ عِلْمُهُ إِلَى اللَّهِ وَ إِلَى رَسُولِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص حَلَالٌ بَيِّنٌ وَ حَرَامٌ بَيِّنٌ وَ شُبُهَاتٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَمَنْ تَرَكَ الشُّبُهَاتِ نَجَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ وَ مَنْ أَخَذَ بِالشُّبُهَاتِ ارْتَكَبَ الْمُحَرَّمَاتِ وَ هَلَكَ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ قُلْتُ فَإِنْ كَانَ الْخَبَرَانِ عَنْكُمَا مَشْهُورَيْنِ قَدْ رَوَاهُمَا الثِّقَاتُ عَنْكُمْ قَالَ يُنْظَرُ فَمَا وَافَقَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْكِتَابِ وَ السُّنَّةِ وَ خَالَفَ الْعَامَّةَ فَيُؤْخَذُ بِهِ وَ

و الآخر في الأخرى، و الرجحان بالترتيب الذكرى ضعيف، و في سؤال السائل إشعار بفهم المعنى الثاني.

قوله عليه السلام المجمع عليه: استدل به على حجية الإجماع، و ظاهر السياق أن المراد الاتفاق في النقل لا الفتوى و يدل على أن شهرة الخبر بين الأصحاب و تكرره في الأصول من المرجحات و عليه كان عمل قدماء الأصحاب رضوان الله عليهم.

قوله عليه السلام و شبهات بين ذلك: المراد الأمور التي اشتبه الحكم فيها، و يحتمل شموله لما كان فيه احتمال الحرمة و إن كان حلالا بظاهر الشريعة.

قوله عليه السلام ارتكب المحرمات: أي الحرام واقعا، فيكون محمولا على الأولوية و الفضل، و يحتمل أن يكون المراد الحكم في المشتبهات، و يكون الهلاك من حيث الحكم بغير علم، و يدل على رجحان الاحتياط بل وجوبه.

قوله عليه السلام عنكما: أي الباقر و الصادق عليهما السلام، و في الفقيه عنكم و هو أظهر.

قوله عليه السلام فما وافق حكمه حكم الكتاب و السنة: قيل المراد بالموافقة احتمال

ص: 225

يُتْرَكُ مَا خَالَفَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْكِتَابِ وَ السُّنَّةِ وَ وَافَقَ الْعَامَّةَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ أَ رَأَيْتَ إِنْ كَانَ الْفَقِيهَانِ عَرَفَا حُكْمَهُ مِنَ الْكِتَابِ وَ السُّنَّةِ وَ وَجَدْنَا أَحَدَ الْخَبَرَيْنِ مُوَافِقاً لِلْعَامَّةِ وَ الْآخَرَ مُخَالِفاً لَهُمْ بِأَيِّ الْخَبَرَيْنِ يُؤْخَذُ قَالَ مَا خَالَفَ الْعَامَّةَ فَفِيهِ الرَّشَادُ فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ فَإِنْ وَافَقَهُمَا الْخَبَرَانِ جَمِيعاً قَالَ يُنْظَرُ إِلَى مَا هُمْ إِلَيْهِ أَمْيَلُ حُكَّامُهُمْ وَ قُضَاتُهُمْ فَيُتْرَكُ وَ يُؤْخَذُ بِالْآخَرِ قُلْتُ فَإِنْ وَافَقَ حُكَّامُهُمُ الْخَبَرَيْنِ جَمِيعاً قَالَ إِذَا كَانَ ذَلِكَ فَأَرْجِهْ حَتَّى تَلْقَى إِمَامَكَ فَإِنَّ الْوُقُوفَ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ خَيْرٌ

دخوله في المراد من الكتاب و السنة الثابتة و الكون من محاملهما فتأمل.

قوله قد رواهما الثقات عنكم: استدل به على جواز العمل بالخبر الموثق و فيه نظر، لانضمام قيد الشهرة، و لعل تقريره صلى الله عليه و آله و سلم لمجموع القيدين على أنه يمكن أن يقال: الكافر لا يوثق بقوله شرعا لكفره، و إن كان عادلا بمذهبه.

قوله و السنة: أي السنة المتواترة.

قوله عليه السلام فأرجه: بكسر الجيم و الهاء من أرجيت الأمر بالياء أو من أرجأت الأمر بالهمزة، و كلاهما بمعنى أخرته فعلى الأول حذفت الياء في الأمر و على الثاني أبدلت الهمزة ياء، ثم حذفت، و الهاء ضمير راجع إلى الأخذ بأحد الخبرين أو بسكون الهاء لتشبيه المنفصل بالمتصل، أو من أرجه الأمر أي أخره عن وقته، كما ذكره الفيروزآبادي لكنه تفرد به و لم أجد في كلام غيره.

و ورد في خبر آخر في الجمع بين الأخبار، رواه ابن جمهور في كتاب غوالي اللئالي عن العلامة مرفوعا إلى زرارة بن أعين قال: سألت الباقر عليه السلام فقلت: جعلت فداك يأتي عنكم الخبران أو الحديثان المتعارضان فبأيهما آخذ؟ فقال عليه السلام: يا زرارة خذ بما اشتهر [به] بين أصحابك، و دع الشاذ النادر، فقلت: يا سيدي إنهما معا مشهوران مرويان مأثوران عنكم؟ فقال عليه السلام: خذ بقول أعدلهما عندك و أوثقهما في نفسك، فقلت: إنهما

ص: 226

مِنَ الِاقْتِحَامِ فِي الْهَلَكَاتِ

بَابُ الْأَخْذِ بِالسُّنَّةِ وَ شَوَاهِدِ الْكِتَابِ

1 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِنَّ عَلَى كُلِّ حَقٍّ حَقِيقَةً وَ عَلَى كُلِّ صَوَابٍ

معا عدلان مرضيان موثقان؟ فقال: انظر ما وافق منهما مذهب العامة فاتركه، و خذ بما خالفهم، قلت: ربما كانا موافقين لهم أو مخالفين فكيف أصنع؟ فقال عليه السلام: إذن فخذ بما فيه الحائطة لدينك و اترك ما خالف الاحتياط، فقلت: إنهما معا موافقان للاحتياط أو مخالفان له فكيف أصنع؟ فقال ع: إذن فتخير أحدهما فتأخذ به و تدع الآخر، و يدل على أن المراد بالمجمع عليه المشهور في النقل و الرواية، و على أن موافقة الاحتياط أيضا من مرجحات الخبر، و يدل على التخيير أيضا.

باب الأخذ بالسنة و شواهد الكتاب

اشارة

أي السنة المتواترة المعلومة و دلائل الكتاب و المراد الاستناد إليهما أو إلى أحدهما بواسطة أو بدونها، و العمل بأخبار الأئمة عليه السلام متواترة و آحادا داخلة فيهما، إذ الكتاب و السنة دلا على وجوب الأخذ بقولهم و الرجوع إليهم، و على جواز العمل بأخبار الآحاد و جواز العمل بها هو المشهور بيننا و بين من خالفنا، و منعه المرتضى و ابن زهرة و ابن البراج و ابن إدريس و جماعة، و الأول أقوى لتواتر العمل بها معنى في أعصار أئمتنا عليهم السلام، و عدم إنكارهم بل تجويزهم عليهم السلام، و هذا مما لا يخفى على المستأنس بالأخبار.

الحديث الأول

: ضعيف على المشهور.

قوله عليه السلام إن على كل حق حقيقة: أي على كل أمر ثابت في نفس الأمر من الأمور الدينية و غيرها أو الدينية فقط حقيقة، أي ما يكون مصيره إليه، و به يثبت و يتبين حقيقته" و على كل صواب" أي كل اعتقاد مطابق لما في نفس الأمر" نورا" أي

ص: 227

نُوراً فَمَا وَافَقَ كِتَابَ اللَّهِ فَخُذُوهُ وَ مَا خَالَفَ كِتَابَ اللَّهِ فَدَعُوهُ

2 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَعْفُورٍ قَالَ وَ حَدَّثَنِي حُسَيْنُ بْنُ أَبِي الْعَلَاءِ أَنَّهُ حَضَرَ ابْنَ أَبِي يَعْفُورٍ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع- عَنِ اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ يَرْوِيهِ مَنْ نَثِقُ بِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ لَا نَثِقُ بِهِ قَالَ إِذَا وَرَدَ عَلَيْكُمْ حَدِيثٌ فَوَجَدْتُمْ لَهُ شَاهِداً مِنْ كِتَابِ

موضحا و مبينا يهدى إليه، و ما وافق كتاب الله أي ينتهي في البيان و الاستدلال إليه أو إلى ما يوافقه فخذوه و ما خالف كتاب الله أي ينتهي بيانه إلى ما يخالف كتاب الله و لا ينتهي إليه و لا إلى ما يوافقه فدعوه.

الحديث الثاني

: مجهول.

قوله و حدثني حسين بن أبي العلاء: هذا الكلام يحتمل وجوها:" الأول" أن يكون كلام علي بن الحكم يقول حدثني حسين بن أبي العلاء أنه أي الحسين حضر ابن أبي يعفور في المجلس الذي سمع منه أبان" الثاني" أن يكون كلام أبان، بأن بأن يكون الحسين حدثه أنه كان حاضرا في مجلس سؤال ابن أبي يعفور عنه عليه السلام الثالث: أن يكون أيضا من كلام أبان و حدثه الحسين أن ابن أبي يعفور حضر مجلس السؤال عنه عليه السلام، و كان السائل غيره، و لعل الأوسط أظهر.

قوله و منهم من لا نثق به: ظاهره جواز العمل بخبر من لا يوثق به، إذا كان له شاهد من الكتاب، و يحتمل أن يكون المراد أنه يرد علينا الخبر من جهة من نثق به و من جهة من لا نثق به، فأما الثاني فلا يشكل علينا الأمر فيه لأنا لا نعمل به، و أما الأول فكيف نصنع فيه؟ أو المعنى: إذا وقع الاختلاف و التعارض في مضمون حديث بسبب اختلاف نقل الراوي، بأن ينقله أحد الراويين بنحو و الآخر بنحو آخر، و يكونا عدلين و يكون من جملة رواة أحد الطرفين غير الثقة أيضا أ يصلح هذا الترجيح أحد الطرفين؟ فأجاب عليه السلام بأن هذا لا يصلح للترجيح، بل الترجيح بموافقة الكتاب و السنة المتواترة و هما بعيدان.

قوله عليه السلام إذا ورد عليكم: جزاء الشرط محذوف أي فاقبلوه، و قوله: فالذي

ص: 228

اللَّهِ أَوْ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ص وَ إِلَّا فَالَّذِي جَاءَكُمْ بِهِ أَوْلَى بِهِ

3 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّضْرِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ يَحْيَى الْحَلَبِيِّ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ الْحُرِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ كُلُّ شَيْ ءٍ مَرْدُودٌ إِلَى الْكِتَابِ وَ السُّنَّةِ وَ كُلُّ حَدِيثٍ لَا يُوَافِقُ كِتَابَ اللَّهِ فَهُوَ زُخْرُفٌ

4 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ مَا لَمْ يُوَافِقْ مِنَ الْحَدِيثِ الْقُرْآنَ فَهُوَ زُخْرُفٌ

5 مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ وَ غَيْرِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ خَطَبَ النَّبِيُّ ص بِمِنًى فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ مَا جَاءَكُمْ عَنِّي يُوَافِقُ كِتَابَ اللَّهِ فَأَنَا قُلْتُهُ وَ مَا جَاءَكُمْ يُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ فَلَمْ أَقُلْهُ

6 وَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ

جاءكم أولى به أي ردوه عليه و لا تقبلوا منه، فإنه أولى بروايته، و أن يكون عنده لا يتجاوزه.

الحديث الثالث

صحيح.

قوله عليه السلام كل شي ء: أي من الأمور الدينية مردود إلى الكتاب و السنة، و أن يكون مأخوذا منهما بواسطة أو بدونها، و كل حديث لا يوافق كتاب الله أي لا بواسطة و لا بدونها، و ما وافق السنة فهو موافق للكتاب أيضا، فإنه يدل على حقيقتها مع أن جميع الأحكام مأخوذ من الكتاب كما يدل عليه الأخبار، و الزخرف: المموه المزور و الكذب المحسن المزين.

الحديث الرابع

مجهول.

الحديث الخامس

. مجهول كالصحيح.

الحديث السادس

: مجهول كالصحيح.

ص: 229

ع يَقُولُ مَنْ خَالَفَ كِتَابَ اللَّهِ وَ سُنَّةَ مُحَمَّدٍ ص فَقَدْ كَفَرَ

7 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ يُونُسَ رَفَعَهُ قَالَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ع إِنَّ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ عِنْدَ اللَّهِ مَا عُمِلَ بِالسُّنَّةِ وَ إِنْ قَلَ

8 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْقَمَّاطِ وَ صَالِحِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَأَجَابَ فِيهَا قَالَ فَقَالَ الرَّجُلُ إِنَّ الْفُقَهَاءَ لَا يَقُولُونَ هَذَا فَقَالَ يَا وَيْحَكَ وَ هَلْ رَأَيْتَ فَقِيهاً قَطُّ إِنَّ الْفَقِيهَ حَقَّ الْفَقِيهِ الزَّاهِدُ فِي الدُّنْيَا الرَّاغِبُ

قوله عليه السلام من خالف: أي في القول و الاعتقاد، عالما عامدا فهو حينئذ كافر، و أما إذا خالف في العمل أو في القول و الاعتقاد خطأ فليس بكافر، أو هو محمول على مخالفة ما علم من الدين ضرورة، كالصلاة و الإمامة و المعاد و أمثالها، و يمكن حمله على ما إذا قصر في تحصيل الحكم أو أخذه من غير المأخذ الشرعي، أو أفتى بخلاف معتقده للأغراض الدنيوية، فيكون الكفر بالمعنى الذي يطلق على أصحاب الكبائر.

الحديث السابع

: مرفوع.

قوله عليه السلام ما عمل بالسنة: أي العمل بما جاء في السنة عالما بذلك، لمجيئه فيها بأن تكون كلمة ما مصدرية أو ما عمل فيه بالسنة، و المراد الأعمال التي عملت و لعله أظهر.

قوله عليه السلام و إن قل: أي و إن كان ذلك العمل قليلا كما ورد: قليل في سنة خير من كثير في بدعة، أو و إن كان العمل بالسنة قليلا بين الناس.

الحديث الثامن

: صحيح.

قوله: ويحك: كلمة ترحم، و نصبه بتقدير أي ألزمك الله ويحا، و قد يطلق ويح مكان ويل في العذاب" و هل رأيت فقيها" أي من العامة أو مطلقا، لندور الفقيه الكامل، و حق الفقيه منصوب على أنه بدل الكل من الفقيه، و حاصل الحديث أن

ص: 230

فِي الْآخِرَةِ الْمُتَمَسِّكُ بِسُنَّةِ النَّبِيِّ ص

9 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي إِسْمَاعِيلَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَزْدِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ الْعَبْدِيِّ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ آبَائِهِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لَا قَوْلَ إِلَّا بِعَمَلٍ وَ لَا قَوْلَ وَ لَا عَمَلَ إِلَّا بِنِيَّةٍ وَ لَا قَوْلَ وَ لَا عَمَلَ وَ لَا نِيَّةَ إِلَّا بِإِصَابَةِ السُّنَّةِ

10 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ النَّضْرِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شِمْرٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ قَالَ مَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَ لَهُ شِرَّةٌ وَ فَتْرَةٌ فَمَنْ

من استقر العلم في قلبه كان عاملا بمقتضى علمه، و العلم يقتضي الزهد في الدنيا و الرغبة في الآخرة، و التمسك بسنة النبي صلى الله عليه و آله، سواء كان بلا واسطة أو بها.

الحديث التاسع

: مجهول.

قوله صلى الله عليه و آله و سلم لا قول إلا بعمل: أي لا يجدي القول و الإقرار و الاعتقاد في العمليات أو مطلقا إلا بعمل و لا يجدي القول و العمل إلا بنية خالصة لله تعالى، غير مشوبة بالرياء و غير ذلك، و لا ينفع القول و العمل و النية جميعا إلا بإصابة السنة، أي بالأخذ من السنة، و الإتيان بما يوافقها.

الحديث العاشر

: ضعيف.

قوله عليه السلام إلا و له شرة، قال في النهاية: فيه أن لهذا القرآن شرة، ثم إن للناس عنه فترة، الشره النشاط و الرغبة، و منه الحديث الآخر: أن بكل عابد شرة" انتهى" و قيل فيه وجوه:" الأول" أنه ما من أحد إلا و له نشاط يتحرك بسببه إلى جوانب مختلفة و فترة و سكون إلى ما يستقر عنده و يسكن إليه فبنشاطه يتوجه إلى كل جانب، و يتحرك إليه في أخذ دينه و ينظر في كل ما يجوز كونه مأخذا، ثم يستقر عند ما يعتقد صلوحه للمأخذية دون غيره فيفتر به و يسكن إليه فمن كان سكونه إلى السنة و ما ينتهي إليها و يجعلها مأخذا و منتها في الأمور الدينية فقد اهتدى، و من كان سكونه إلى ما لا يوافق السنة بل يخالفها من البدع فقد غوى" الثاني" أن المراد به

ص: 231

كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّةٍ فَقَدِ اهْتَدَى وَ مَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى بِدْعَةٍ فَقَدْ غَوَى

11 عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَرْقِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَسَّانَ وَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَسَّانَ عَنْ مُوسَى بْنِ بَكْرٍ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَعْيَنَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ كُلُّ مَنْ تَعَدَّى السُّنَّةَ رُدَّ إِلَى السُّنَّةِ

12 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ آبَائِهِ ع قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع السُّنَّةُ سُنَّتَانِ سُنَّةٌ فِي فَرِيضَةٍ الْأَخْذُ بِهَا هُدًى وَ تَرْكُهَا ضَلَالَةٌ وَ سُنَّةٌ فِي غَيْرِ فَرِيضَةٍ

أن كل واحد من أفراد الناس له قوة و صولة و حركة و نشاط و حرص على تحصيل كماله اللائق به في وقت من أوقات عمرة كما يكون للأكثرين في أيام شبابهم، و له فتور و ضعف و سكون و تقاعد عن ذلك في وقت آخر كما يكون للأكثرين في أوان مشيهم، فمن كان فتوره و قراره و سكونه و ختام أمره في عبادته إلى سنة فقد اهتدى، و هذا وجه ظاهر، و ربما يقرأ شره بالتحريك و التخفيف و الهاء فيؤول إلى هذا المعنى:

" الثالث" أن يكون الشره إشارة إلى زمان التكليف، و الفترة إلى ما قبله، و المعنى:

من كانت فترته إلى السنة و استعد للتمسك بها عند البلوغ فقد اهتدى" الرابع" أن من كانت فترته و ضعفه لأجل تحمل المشاق الدينية و الطاعات الشرعية فقد اهتدى، و لا يخفى بعد الوجهين الأخيرين.

الحديث الحادي عشر

: ضعيف.

قوله عليه السلام رد إلى السنة، أي يجب على العلماء إظهار بدعته و نهيه عن تلك البدعة لينتهي عنها، و يعمل بما يوافق السنة أو يعمل به ما ورد في السنة من الحدود و التعزيرات و التأديبات كما قيل.

الحديث الثاني عشر

: ضعيف على المشهور.

قوله عليه السلام سنة في فريضة: السنة الطريقة المنسوبة إلى النبي صلى الله عليه و آله أو الحديث المروي عنه عليه السلام و على الأول كونها في فريضة كون العام في خاص من خواصها، أي سنة تكون فريضة، و على الثاني فكونها فريضة كونها في بيانها، و قوله: الأخذ بها

ص: 232

الْأَخْذُ بِهَا فَضِيلَةٌ وَ تَرْكُهَا إِلَى غَيْرِ خَطِيئَةٍ

تَمَّ كِتَابُ فَضْلِ الْعِلْمِ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ الطَّاهِرِينَ

أي العمل على وفقها، و القول بوجوبها أو مفادها هدى، و تركها قولا و فعلا ضلالة، و قوله و سنة في غير فريضة، يحتمل المعنيين الأولين، و قوله إلى غير خطيئة أي ينتهي إلى غير خطيئة أو هو من غير خطيئة أو هو غير خطيئة لأنه ترك ما جوز الشارع تركه، و لم يوجب فعله، و أما عدم القول به لعدم الاطلاع عليه فليس بخطيئة، و أما عدم القول للإنكار بعد ما اطلع على السنة فهو على حد الشرك بالله، كذا ذكره بعض الأفاضل.

ص: 233

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

كِتَابُ التَّوْحِيدِ

كتاب التوحيد

اشارة

اعلم أن التوحيد يطلق على معان أحدها نفي الشريك في الإلهية أي استحقاق العبادة و هي أقصى غاية التذلل و الخضوع و لذلك لا يستعمل إلا في التذلل لله تعالى، لأنه المولى لأعظم النعم بل جميعها و لو بواسطة و وسائط فهو المستحق لأقصى الخضوع و غايته، و أكثر الآيات و الأخبار تدل على ذلك، و المخالف في ذلك مشركو العرب و أضرابهم فإنهم بعد علمهم بأن صانع العالم واحد كانوا يشركون الأصنام في عبادته كما قال تعالى" وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ*."

و ثانيها: نفي الشريك في صانعية العالم كما قال تعالى" رَبِّ الْعالَمِينَ*" و قال تعالى:

" وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ*" و أمثالها و خالف في ذلك الثنوية و أضرابهم، و ثالثها: ما يشمل المعنيين المتقدمين و تنزيهه عما لا يليق بذاته و صفاته تعالى، من النقص و العجز و الجهل و التركب و الاحتياج و المكان و غير ذلك من الصفات السلبية و توصيفه بالصفات الثبوتية الكمالية، و رابعها: ما يشمل تلك المعاني و تنزيهه سبحانه عما يوجب النقص في أفعاله أيضا من الظلم و ترك اللطف و غيرهما، و بالجملة كل ما يتعلق به سبحانه ذاتا و صفاتا و أفعالا إثباتا و نفيا، و الظاهر أن المراد هنا هذا المعنى.

ص: 234

بَابُ حُدُوثِ الْعَالَمِ وَ إِثْبَاتِ الْمُحْدِثِ

1 أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَنْصُورٍ

باب حدوث العالم و إثبات المحدث

باب حدوث العالم و إثبات المحدث

أقول: أراد بالعالم ما سوى الله تعالى، و المراد بحدوثه كونه مسبوقا بالعدم و كون زمان وجوده متناهيا في جانب الأول، و قد اختلف الناس فيه فذهب جميع المليين من المسلمين و اليهود و النصارى و المجوس إلى أنها حادثة بذواتها و صفاتها و أشخاصها و أنواعها، و ذهب أكثر الفلاسفة إلى قدم العقول و النفوس و الأفلاك بموادها و صورها و قدم هيولى العناصر، و إليه ذهبت الدهرية و الناسخية و لما لم يكن في صدر الإسلام مذاهب الفلاسفة شايعة بين المسلمين، و كان معارضة المسلمين في ذلك مع الملاحدة المنكرين للصانع كانوا يكتفون غالبا في إثبات هذا المدعى بإثبات الصانع، مع أنه كان مقررا عندهم أن التأثير لا يعقل في القديم، و يحتمل أن يكون غرضه من عقد هذا الباب حدوث العالم ذاتا، و احتياجه بجميع أجزائه إلى المؤثر لكن هذا لا يدل على عدم قولهم بالحدوث الزماني، بمعنى نفي عدم تناهي وجود العالم من طرف الأزل، و لا على عدم ثبوته بالدلائل، فإن ذلك مما أطبق عليه المليون و دلت عليه الآيات المتكاثرة و الأحاديث المتواترة الصريحة في ذلك، و عدم القول بذلك مستلزم لإنكار ما ورد في الآيات و الأخبار من فناء الأشياء و خرق السماوات و انتشار الكواكب بل المعاد الجسماني، و قد فصلنا الكلام في ذلك في كتاب السماء و العالم من كتاب بحار الأنوار، و سنشير في ضمن الأخبار الدالة على هذا المطلوب عند شرحها إلى ذلك.

الحديث الأول

مجهول.

ص: 235

قَالَ قَالَ لِي هِشَامُ بْنُ الْحَكَمِ كَانَ بِمِصْرَ زِنْدِيقٌ تَبْلُغُهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع أَشْيَاءُ فَخَرَجَ إِلَى الْمَدِينَةِ لِيُنَاظِرَهُ فَلَمْ يُصَادِفْهُ بِهَا وَ قِيلَ لَهُ إِنَّهُ خَارِجٌ بِمَكَّةَ فَخَرَجَ إِلَى مَكَّةَ وَ نَحْنُ مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فَصَادَفَنَا وَ نَحْنُ مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع فِي الطَّوَافِ وَ كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ الْمَلِكِ وَ كُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فَضَرَبَ كَتِفَهُ كَتِفَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع مَا اسْمُكَ فَقَالَ اسْمِي عَبْدُ الْمَلِكِ قَالَ فَمَا كُنْيَتُكَ قَالَ كُنْيَتِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع فَمَنْ هَذَا الْمَلِكُ الَّذِي أَنْتَ عَبْدُهُ أَ مِنْ مُلُوكِ الْأَرْضِ أَمْ مِنْ مُلُوكِ

قوله: كان بمصر زنديق: قال في القاموس الزنديق بالكسر من الثنوية القائل بالنور و الظلمة أو من لا يؤمن بالآخرة و بالربوبية أو من يبطن الكفر و يظهر الإيمان أو هو معرب زن دين، أي دين المرأة" انتهى" و قيل: إنه معرب زنده لأنهم يقولون بدوام الدهر، و قيل: معرب زندي منسوب إلى زند كتاب زردشت، و الظاهر أن المراد به هنا من لا يقر بالصانع تعالى.

قوله: أشياء: أي مما يدل على كمال علمه و احتجاجه على الزنادقة و غيرهم و عجزهم عن مقاومته.

قوله: بمكة: أي مقيما بها، أو الباء بمعنى" إلى" و قوله عليه السلام كتفه، منصوب بنزع الخافض، أي بكتفه.

قوله عليه السلام فمن هذا الملك: لعله عليه السلام سلك في الاحتجاج عليه أولا مسلك الجدال، لكسر سورة إنكاره، ثم نزله عن الإنكار إلى الشك، ثم أقام البرهان له عملا بما أمر الله تعالى به نبيه صلى الله عليه و آله و سلم في قوله:" وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" فهذا هو الجدال لابتنائه على ما هو المشهور عند الناس من أن الاسم مطابق للمسمى، و يحتمل أن يكون على سبيل المطايبة و المزاح لبيان عجزه عن فهم الواضحات، و قصوره عن رد أو هن الشبهات، و يمكن أن يكون منبها على ما ارتكز في العقول من الإذعان بوجود الصانع و إن أنكروه ظاهرا للمعاندة و الأغراض الفاسدة، لأن كل

ص: 236

السَّمَاءِ وَ أَخْبِرْنِي عَنِ ابْنِكَ عَبْدُ إِلَهِ السَّمَاءِ أَمْ عَبْدُ إِلَهِ الْأَرْضِ قُلْ مَا شِئْتَ تُخْصَمُ قَالَ هِشَامُ بْنُ الْحَكَمِ فَقُلْتُ لِلزِّنْدِيقِ أَ مَا تَرُدُّ عَلَيْهِ قَالَ فَقَبَّحَ قَوْلِي فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ

أحد إذا خلى نفسه عن الأغراض الفاسدة و الوساوس الشيطانية عرف أن له من يفزع إليه و يتكل عليه في الشدائد و المضايق و يرجو منه النجاة في المحن و المصائب، و ذلك إلهه و علته الأولى، و موجده و صانع السماوات و الأرضين و ما فيهن، إلا أنه لضعف علمه لا يعلمه إلا بآنيته على سبيل الإجمال، و لا يعرف ما له من صفات الكمال، كما نبه الله سبحانه عباده بذلك حيث قال" إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَ كانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً" و نبه الصادق عليه السلام زنديقا ثم شرع عليه السلام في إزالة إنكار الخصم و إخراجه منه إلى الشك لتستعد نفسه لقبول الحق فأزال إنكاره بأنه غير عالم بما في تحت الأرض، و ليس له سبيل إلى الجزم بأن ليس تحتها شي ء ثم زاده بيانا بأن السماء التي لم يصعدها كيف تكون له المعرفة بما فيها و ما ليس فيها، و كذا المشرق و المغرب، فلما عرف قبح إنكاره و تنزل عنه و أقر بالشك بقوله: و لعل ذلك، أخذ عليه السلام في هدايته و قال: ليس للشاك دليل، و لا للجاهل حجة، فليس لك إلا طلب الدليل فأقام له الدليل و البرهان، و بين الحق له بأوضح البيان و المراد بملوك السماء الملائكة أو من كان خارجا عن السماء و الأرض مدبرا لهما، و الإتيان بصيغة الجمع لأنه ليس المقام مقام إثبات التوحيد بل إثبات الصانع، أو الغرض رد الاحتمالات المحتملة في بادئ النظر، و لا يلزم تحقق كلها.

قوله عليه السلام تخصم: على بناء المفعول أي إن تقل ما شئت تصير مخصوما مغلوبا بقولك و قراءته على بناء الفاعل أي تخصم نفسك لأن في نفسك ليس شي ء من الشقين كما قيل بعيد.

قوله فقبح قولي: على بناء المجرد أي كان كلامي حضوره عليه السلام بغير إذنه قبيحا أو على بناء التفعيل أي عد الزنديق قولي قبيحا، و يحتمل حينئذ إرجاع ضمير

ص: 237

إِذَا فَرَغْتُ مِنَ الطَّوَافِ فَأْتِنَا فَلَمَّا فَرَغَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَتَاهُ الزِّنْدِيقُ فَقَعَدَ بَيْنَ يَدَيْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَ نَحْنُ مُجْتَمِعُونَ عِنْدَهُ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع لِلزِّنْدِيقِ أَ تَعْلَمُ أَنَّ لِلْأَرْضِ تَحْتاً وَ فَوْقاً قَالَ نَعَمْ قَالَ فَدَخَلْتَ تَحْتَهَا قَالَ لَا قَالَ فَمَا يُدْرِيكَ مَا تَحْتَهَا قَالَ لَا أَدْرِي إِلَّا أَنِّي أَظُنُّ أَنْ لَيْسَ تَحْتَهَا شَيْ ءٌ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع فَالظَّنُّ عَجْزٌ لِمَا لَا تَسْتَيْقِنُ ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَ فَصَعِدْتَ السَّمَاءَ قَالَ لَا قَالَ أَ فَتَدْرِي مَا فِيهَا قَالَ لَا قَالَ عَجَباً لَكَ لَمْ تَبْلُغِ الْمَشْرِقَ وَ لَمْ تَبْلُغِ الْمَغْرِبَ وَ لَمْ تَنْزِلِ الْأَرْضَ وَ لَمْ تَصْعَدِ السَّمَاءَ وَ لَمْ تَجُزْ هُنَاكَ فَتَعْرِفَ مَا خَلْفَهُنَّ وَ أَنْتَ جَاحِدٌ بِمَا فِيهِنَّ وَ هَلْ يَجْحَدُ الْعَاقِلُ مَا لَا يَعْرِفُ قَالَ الزِّنْدِيقُ مَا كَلَّمَنِي بِهَذَا أَحَدٌ غَيْرُكَ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع فَأَنْتَ مِنْ ذَلِكَ فِي شَكٍّ فَلَعَلَّهُ هُوَ وَ لَعَلَّهُ لَيْسَ هُوَ فَقَالَ الزِّنْدِيقُ وَ لَعَلَّ ذَلِكَ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع

الفاعل إليه عليه السلام.

قوله عليه السلام لما لا تستيقن: كذا في بعض النسخ بصيغة الخطاب و في بعضها بصيغة الغيبة، و في بعضها لمن لا يستيقن، و في توحيد الصدوق ما لم تستيقن بصيغة الخطاب فعلى الأول نسبة العجز إلى الموصول على المجاز، و على الثاني إما على بناء الفاعل بإرجاع الضمير إلى الظان المعلوم بقرينة المقام و الإسناد كما تقدم، أو على بناء المفعول و هو أظهر، و على الثالث قيل: يعني من استيقن شيئا فيقول أظنه لمصلحة تقتضي ذلك فليس بعاجز في معرفته، إنما العجز لغير المتيقن و لا يخفى عدم الحاجة إلى هذا التكلف.

قوله عليه السلام عجبا لك. نصبه على المصدر أي عجبت عجبا لك، أو على النداء أي يا عجبا لك.

قوله عليه السلام و لم تجز هناك: أي لم تجز السماوات فتعرف الذي خلقهن، و ما قيل: من أنه إشارة إلى مكة أي هي غاية سفرك أو المعمور من الأرض فلا يخفى بعدهما.

قوله عليه السلام لعل ذلك: تصديق للشك على سبيل الشك للمصلحة، أو المراد أنه لعله لا يكون الصانع أي الشك لا ينفعكم توهما منه أنه عليه السلام يكتفي بذلك

ص: 238

أَيُّهَا الرَّجُلُ لَيْسَ لِمَنْ لَا يَعْلَمُ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ يَعْلَمُ وَ لَا حُجَّةَ لِلْجَاهِلِ يَا أَخَا أَهْلِ مِصْرَ تَفْهَمُ عَنِّي فَإِنَّا لَا نَشُكُّ فِي اللَّهِ أَبَداً أَ مَا تَرَى الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ اللَّيْلَ وَ النَّهَارَ يَلِجَانِ

لإثبات الصانع تعالى.

قوله عليه السلام أ ما ترى الشمس و القمر؟: استدل عليه السلام على إثبات الصانع المجرد المنزه عن مشابهة المصنوعات بوجوه ثلاثة: هذا أو لها، و هو لبيان إبطال ما زعموه من استناد الحوادث السفلية إلى الدورات الفلكية و عدم احتياجها إلى علة أخرى سوى ذواتها.

قوله عليه السلام و الليل و النهار: الظاهر أن الواو في قوله و الليل للعطف، و الولوج و الرجوع متعلقان بالشمس و القمر و الليل و النهار جميعا، إما على البدلية أو بأخذ الأولين واحدا و الثانيين واحدا، و يلجان ثاني مفعولي ترى، أو حال و قد اضطرا مفعول و على الأول قد اضطرا حال، و يحتمل الحالية فيهما بأن يكون الرؤية بمعنى النظر، و يحتمل أن يكون الواو في قوله: و الليل، للحال فيكون قد اضطرا مفعولا ثانيا و المراد بولوج الشمس و القمر غروبهما أو دخولهما بالحركات الخاصة في بروجهما، و بولوج الليل و النهار دخول تمام كل منهما في الآخر، أو دخول بعض من كل منهما في الآخر بحسب الفصول، و قوله فلا يشتبهان أي لا يشتبه قدرهما بالدخول و الخلط بل محفوظ على نسق واحد حتى يعودا مثل ما كانا عليه، و حاصل الاستدلال أن لهذه الحركات انضباطا و اتساقا و اختلافا و تركبا، فالانضباط يدل على عدم كونها إرادية كما هو المشاهد من أحوال ذوي الإرادات من الممكنات، و الاختلاف يدل على عدم كونها طبيعية فإن الطبيعة العادمة للشعور لا تختلف مقتضياتها، كما نشاهد من حركات العناصر، كما قالوا إن الطبيعة الواحدة لا تقتضي التوجه إلى جهة و الانصراف عنها، و يمكن أن يقال حاصل الدليل راجع إلى ما يحكم به الوجدان من أن مثل تلك الأفعال المحكمة المتقنة الجارية على قانون الحكمة لا يمكن صدورها عن الدهر و الطبائع العادمة للشعور و الإرادة، و هذا أظهر معنى، و إن كان الأول

ص: 239

فَلَا يَشْتَبِهَانِ وَ يَرْجِعَانِ قَدِ اضْطُرَّا لَيْسَ لَهُمَا مَكَانٌ إِلَّا مَكَانُهُمَا فَإِنْ كَانَا يَقْدِرَانِ عَلَى أَنْ يَذْهَبَا فَلِمَ يَرْجِعَانِ وَ إِنْ كَانَا غَيْرَ مُضْطَرَّيْنِ فَلِمَ لَا يَصِيرُ اللَّيْلُ نَهَاراً وَ النَّهَارُ

أظهر لفظا، و حاصل الاستدلال على الأول على ما ذكره بعض المحققين أنه لا شك في حركات المتحركات من العلويات حركات ليست طبيعية للمتحرك بها للانصراف عما يتحرك إليه، و لا إرادية للمتحرك لانضباطها و دوامها و انخفاضها الدالة على عدم اختلاف أحوال المتحرك بالحركة من النشاط و الكلال، و حدوث ميل و غيرها التي يتحدس منها بكونها غير إرادية للمتحرك، و كلما وجدت الحركة كان المحرك لها موجودا لأن ما يخرج من العدم إلى الوجود لا يمكن أن يخرج بنفسه، بل يحتاج إلى موجد موجود مباين له، لأن ما لا يكون موجودا فيصير موجودا لا يمكن أن يحصل له الوجود إلا بمحصل و سبب لاتصافه به و لا يجوز أن يكون ذلك المحصل للوجود ماهيته الخالية عن الوجود، لأن إعطاء الوجود لا يتصور من غير الموجود، و إذ ليست طبيعية، أو إرادية للمتحرك فلهما محرك يضطره إلى الحركة، و القاهر الذي أضطره إلى الحركة أقوى منه و أحكم، لأن الضعيف لا يمكنه قهر القوي فلا يكون حالا في المتحرك محتاجا إليه و أكبر من أن يحاط بالمتحرك أو يحصر فيه، أو أن يتصف بمثل صفته الاضطرارية و لا بد أن ينتهي إلى محرك لا يكون جسما، لأن الجسم لا يحرك الجسم إلا بالمجاورة و الحركة، أو إحداث محرك في المتحرك، و إذ قد عرفت أن المحرك ليس في المتحرك

ص: 240

لَيْلًا اضْطُرَّا وَ اللَّهِ يَا أَخَا أَهْلِ مِصْرَ إِلَى دَوَامِهِمَا وَ الَّذِي اضْطَرَّهُمَا أَحْكَمُ مِنْهُمَا وَ أَكْبَرُ فَقَالَ الزِّنْدِيقُ صَدَقْتَ ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع

فيكون التحريك بالحركة، و الكلام في حركته كالكلام في حركة الأول، و ينتهي لضرورة انتهاء الأجسام المتحركة، و لكون جميعها محتاجة إلى خارج، لما تقرر من أن الموجودات التي يحتاج كل واحد منها إلى موجد مباين له، يحتاج مجموعها إلى الموجد المبائن له، و حكم الواحد و الجملة لا يختلف فيه، لأن مجموعها مهيات يصح عليها جملة أن تكون خالية عن الوجود، فإنه كما يصح تحليل واحد منها إلى مهية و وجود منتزع منها و امتيازهما عند العقل في ملاحظتهما امتيازا لا يكون معه، و في مرتبته خلط بينهما، و لذلك يحكم بكونه محتاجا إلى سبب مباين له موجود كذلك، يصح على الجملة و المجموع منها متناهية ما كان يصح على كل واحد، و كذلك يصح على الجملة، و المجموع الغير المؤلفة من تلك الآحاد ما يصح على كل واحد منها، فإن العقل لا يفرق في هذا الحكم بين الجملة المتناهية و الجملة الغير المتناهية، كما لا يفرق فيه بين الجملة المتناهية و كل واحد، فلا بد من محرك لا يكون جسما قاهر للمتحرك في حركته، فإن لم يكن له مبدء فهو المبدأ الأول، و إن كان له مبدء فلا بد من مبدء أول، لما قررنا آنفا، و إنما استدل من الحركة لضرورة احتياجها إلى المحرك لضرورة خروجها من العدم إلى الوجود دون الأجسام، و لم يستدل من الكائنات الفاسدات لأن ما يتوهم أن لا مبدأ له هي العلويات دون السفليات، و لأن الغالب القاهر على العلويات أحق بالغلبة على السفليات الظاهر تأثرها من العلويات، دون العكس" انتهى كلامه" ره.

قوله عليه السلام أحكم منهما: إما من الحكم بمعنى القضاء أي أشد قضاء و أتم حكما، أو من الأحكام بمعنى الإتقان على خلاف القياس كأفلس من الإفلاس، و لزوم كونه أحكم و أكبر لما يحكم به الوجدان من كون الفاعل أشرف و أرفع من المصنوع ذاتا و صفة، و أيضا القاسر لا بد من أن يكون أقوى من المقسور، و أيضا لا بد من خلو

ص: 241

يَا أَخَا أَهْلِ مِصْرَ إِنَّ الَّذِي تَذْهَبُونَ إِلَيْهِ وَ تَظُنُّونَ أَنَّهُ الدَّهْرُ إِنْ كَانَ الدَّهْرُ يَذْهَبُ بِهِمْ لِمَ لَا يَرُدُّهُمْ وَ إِنْ كَانَ يَرُدُّهُمْ لِمَ لَا يَذْهَبُ بِهِمُ الْقَوْمُ مُضْطَرُّونَ

الصانع من الصفات التي بها احتاج المصنوع إليه من التركب و الاحتياج و الإمكان و غير ذلك كما سيأتي مفصلا في الأخبار، فالمراد بالأكبر: الأكبر من أن يتصف بصفة المضطر، و قال بعض المحققين: أشار بكونه أحكم إلى عدم جواز احتياجه في وجوده إلى محل و موضوع، فلا يكون من أحوال المضطر و عوارضه بكونه أكبر إلى عدم جواز كونه محاطا بما ألجأه و محصورا فيه، فلا يكون قائما بمحل و لا محاطا للمضطر و محصورا فيه، أو المراد بالأكبر أكبر من أن يوصف بمثل صفة المضطر.

قوله عليه السلام يا أخا أهل مصر: هذا هو الوجه الثاني، و هو مشتمل على إبطال مذهب الخصم القائل بمبدئية الدهر للكائنات الفاسدات كقولهم: إن يهلكنا إلا الدهر.

قوله عليه السلام إن كان الدهر يذهب بهم: يحتمل أن يكون الضمير راجعا إلى ذوي العقول، إشارة إلى التناسخ الذي ذهبوا إليه، أو إلى الأعم تغليبا، و المراد بذهابهم و ردهم إعدامهم و إيجادهم، و المراد بالدهر الطبيعة كما هو ظاهر كلام أكثر الدهرية أي نسبة الوجود و العدم إلى الطبائع الإمكانية على السواء، فإن كان الشي ء يوجد بطبعه، فلم لا يعدم بدله، فترجح أحدهما ترجح بلا مرجح، تحكم بديهة العقل باستحالته أو المراد بذهابهم و رد هم تقلب أحوالهم و شؤونهم و حركاتهم، فالمعنى لم يقتضي طبعه ذهاب شي ء و لا يقتضي رده و بالعكس، بناء على أن مقتضيات الطبائع تابعة لتأثير الفاعل القادر القاهر، و على احتمال الثاني الذي أشرنا إليه في صدر الحديث يحتمل أن يكون المراد به أن الدهر العادم للشعور و الإرادة و العلم بالمصلحة كيف يصدر عنه الذهاب الموافق للحكمة، و لا يصدر عنه بدله الرجوع المخالف لها و بالعكس و قوله عليه السلام القوم مضطرون أي الملاحدة و الدهرية يلزمهم قبول ذلك بمقتضى عقولهم التي منحها الله تعالى لهم، و لا يمكنهم رده، أو المراد بالقوم جميع الممكنات تغليبا، و المراد به اضطرارهم في الوجود و ما يتبعه من الصفات و لوازم المهيات، قال بعض المحققين

ص: 242

يَا أَخَا أَهْلِ مِصْرَ لِمَ السَّمَاءُ مَرْفُوعَةٌ وَ الْأَرْضُ مَوْضُوعَةٌ- لِمَ لَا يَسْقُطُ السَّمَاءُ عَلَى الْأَرْضِ لِمَ لَا تَنْحَدِرُ الْأَرْضُ فَوْقَ طِبَاقِهَا وَ لَا يَتَمَاسَكَانِ وَ لَا يَتَمَاسَكُ مَنْ عَلَيْهَا قَالَ الزِّنْدِيقُ أَمْسَكَهُمَا اللَّهُ رَبُّهُمَا وَ سَيِّدُهُمَا قَالَ فَآمَنَ الزِّنْدِيقُ عَلَى يَدَيْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع فَقَالَ لَهُ حُمْرَانُ جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنْ آمَنَتِ الزَّنَادِقَةُ عَلَى

هذا استدلال باختلاف الأفعال الدالة باختلافها على كونها اختيارية غير طبيعية لفاعلها على أن الفاعل لها مختار، و نبه على أنه لا يمكن أن الفاعل المختار لها هو الموصوف بالذهاب و الرجوع، و بقوله: القوم مضطرون، أي في الذهاب و الخروج من الوجود و الرجوع و الدخول فيه، فيجب أن يكون مستندا إلى الفاعل القاهر للذاهبين و الراجعين على الذهاب و الرجوع، و الدهر لا شعور له فضلا عن الاختيار.

قوله عليه السلام: لم السماء مرفوعة و الأرض موضوعة؟ هذا هو الوجه الثالث، و هو مبني على الاستدلال بأحوال جميع أجزاء العالم من العلويات و السفليات و ارتباط بعضها ببعض و تلازمها، و كون جميعها على غاية الأحكام و الإتقان اشتمالها على الحكم التي لا تتناهى أي لم صارت السماء مرفوعة فوق الناس و الأرض موضوعة تحتهم و لم يكن بالعكس؟ و لم لم تكونا ملتصقين، فلم يمكن تعيش الخلق على التقديرين، و لم لا تسقط السماء على الأرض بأن يتحرك بالحركة المستقيمة حتى تلتصق بالأرض؟ و أما قوله لم لا تنحدر الأرض فوق طباقها؟ فيحتمل إرجاع ضمير طباقها إلى السماء، فالمعنى لم لا تتحرك الأرض من تحتنا بالحركة المستقيمة حتى تقع على السماء؟ و يحتمل إرجاعه إلى الأرض، فالمراد بالانحدار الحركة المستديرة أي لم لا تتحرك الأرض كالسماء فيغرقنا في الماء فالمراد بطباق الأرض أعلاها أي تنحدر بحيث تصير ما تحتها الآن فوق ما علا منها الآن و قيل فيه احتمالات بعيدة لا طائل في التعرض لها.

قوله عليه السلام فلا يتماسكان: أي في صورتي السقوط و الانحدار، و المراد أنه ظهر أنه لا يمكنهما التماسك بل لا بد من ماسك يمسكهما.

ص: 243

يَدِكَ فَقَدْ آمَنَ الْكُفَّارُ عَلَى يَدَيْ أَبِيكَ فَقَالَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي آمَنَ عَلَى يَدَيْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع اجْعَلْنِي مِنْ تَلَامِذَتِكَ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَا هِشَامَ بْنَ الْحَكَمِ خُذْهُ إِلَيْكَ وَ عَلِّمْهُ فَعَلَّمَهُ هِشَامٌ فَكَانَ مُعَلِّمَ أَهْلِ الشَّامِ وَ أَهْلِ مِصْرَ الْإِيمَانَ وَ حَسُنَتْ طَهَارَتُهُ حَتَّى رَضِيَ بِهَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ

2 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي هَاشِمٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَسِّنٍ الْمِيثَمِيِّ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ أَبِي مَنْصُورٍ الْمُتَطَبِّبِ فَقَالَ أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِي قَالَ كُنْتُ أَنَا وَ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ وَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُقَفَّعِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَقَالَ ابْنُ الْمُقَفَّعِ تَرَوْنَ هَذَا الْخَلْقَ وَ أَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى مَوْضِعِ الطَّوَافِ مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ أُوجِبُ لَهُ اسْمَ الْإِنْسَانِيَّةِ إِلَّا ذَلِكَ الشَّيْخُ الْجَالِسُ يَعْنِي أَبَا عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ ع فَأَمَّا الْبَاقُونَ فَرَعَاعٌ وَ بَهَائِمُ فَقَالَ لَهُ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ وَ كَيْفَ أَوْجَبْتَ هَذَا الِاسْمَ لِهَذَا الشَّيْخِ دُونَ هَؤُلَاءِ قَالَ لِأَنِّي رَأَيْتُ عِنْدَهُ مَا لَمْ أَرَهُ عِنْدَهُمْ فَقَالَ لَهُ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ لَا بُدَّ مِنِ اخْتِبَارِ مَا قُلْتَ فِيهِ مِنْهُ قَالَ فَقَالَ لَهُ ابْنُ الْمُقَفَّعِ لَا تَفْعَلْ

قوله على يدي أبيك: أي الرسول صلى الله عليه و آله و سلم أو أمير المؤمنين عليه السلام فإن الكفار آمنوا بسيفه.

قوله و كان معلم أهل الشام: الظاهر رجوع الضمير إلى هشام، و يحتمل إرجاعه إلى المؤمن، أي صار كاملا بحيث صار بعد ذلك معلم أهل الشام و أهل المصر.

الحديث الثاني

: ضعيف.

و ميثم قد يصحح بكسر الميم و قد يصحح بفتحها.

قوله أوجب: على صيغة المتكلم أو الماضي المجهول و الأول أنسب بما بعده.

قوله فرعاع: قال الجزري: رعاع الناس أي غوغاؤهم و سقاطهم و أخلاطهم الواحد رعاعة.

ص: 244

فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يُفْسِدَ عَلَيْكَ مَا فِي يَدِكَ فَقَالَ لَيْسَ ذَا رَأْيَكَ وَ لَكِنْ تَخَافُ أَنْ يَضْعُفَ رَأْيُكَ عِنْدِي فِي إِحْلَالِكَ إِيَّاهُ الْمَحَلَّ الَّذِي وَصَفْتَ فَقَالَ ابْنُ الْمُقَفَّعِ أَمَّا إِذَا تَوَهَّمْتَ عَلَيَّ هَذَا فَقُمْ إِلَيْهِ وَ تَحَفَّظْ مَا اسْتَطَعْتَ مِنَ الزَّلَلِ وَ لَا تَثْنِي عِنَانَكَ إِلَى اسْتِرْسَالٍ فَيُسَلِّمَكَ إِلَى عِقَالٍ وَ سِمْهُ مَا لَكَ أَوْ عَلَيْكَ قَالَ فَقَامَ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ وَ بَقِيتُ أَنَا وَ ابْنُ الْمُقَفَّعِ

قوله عليه السلام إحلالك: بالحاء المهملة، و في بعض النسخ بالجيم و هو تصحيف.

قوله: أما إذا توهمت: إما للشرط و فعله محذوف و مجموع الشرط الذي بعدها مع الجزاء جواب لذلك الشرط، و يمكن أن يقرأ أما بالتخفيف حرف تنبيه، و يسمى حرف استفتاح أيضا، و تعدية التوهم بعلى لتضمين معنى الكذب و الافتراء.

قوله عليه السلام و لا تثني: نفي في معنى النهي، و في التوحيد لا تثن بصيغة النهي، و هو أظهر، و على التقديرين مشتق من الثني و هو العطف و الميل، أي لا ترخ عنانك إليه بأن يميل إلى الرفق و الاسترسال و التساهل فتقبل منه بعض ما يلقي إليك فيسلمك من التسليم أو الإسلام، إلى عقال و هي ككتاب ما يشد به يد البعير أي يعقلك بتلك المقدمات التي تسلمت منه بحيث لا يبقى لك مفر كالبعير المعقول.

قوله عليه السلام و سمه ما لك و عليك: نقل عن الشيخ البهائي (قدس سره) أنه السوم من سام البائع السلعة يسوم سوما إذا عرضها على المشتري، و سامها المشتري بمعنى استامها، و الضمير راجع إلى الشيخ على طريق الحذف و الإيصال، و الموصول مفعوله، و يروى عن الفاضل التستري نور الله ضريحه، أنه كان يقرأ سمه بضم السين و فتح الميم المشددة، أمرا من سم الأمر يسمه إذا سيره و نظر إلى غوره، و الضمير راجع إلى ما يجري بينهما، و الموصول بدل عنه، و قيل: هو من سممت سمك أي قصدت قصدك، و الهاء للسكت أي قصد ما لك و ما عليك، و يروى عن بعض الأفاضل أنه أمر من شم يشم بالشين المعجمة، يقال شاممت فلانا إذا قاربته تعلم ما عنده بالكشف و الاختبار، و الضمير عائد إلى الشيخ و" ما" استفهامية أي قاربه لتعرف ما لك و ما عليك و قد يقال: الواو للعطف على عقال و السمة: العلامة و" ما" في قوله: ما لك، نافية أي يسلمك

ص: 245

جَالِسَيْنِ فَلَمَّا رَجَعَ إِلَيْنَا ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ قَالَ وَيْلَكَ يَا ابْنَ الْمُقَفَّعِ مَا هَذَا بِبَشَرٍ وَ إِنْ كَانَ فِي الدُّنْيَا رُوحَانِيٌّ يَتَجَسَّدُ إِذَا شَاءَ ظَاهِراً وَ يَتَرَوَّحُ إِذَا شَاءَ بَاطِناً فَهُوَ هَذَا فَقَالَ لَهُ وَ كَيْفَ ذَلِكَ قَالَ جَلَسْتُ إِلَيْهِ فَلَمَّا لَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ غَيْرِي ابْتَدَأَنِي فَقَالَ إِنْ يَكُنِ الْأَمْرُ عَلَى مَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ وَ هُوَ عَلَى مَا يَقُولُونَ يَعْنِي أَهْلَ الطَّوَافِ فَقَدْ سَلِمُوا وَ عَطِبْتُمْ وَ إِنْ يَكُنِ الْأَمْرُ عَلَى مَا تَقُولُونَ وَ لَيْسَ كَمَا تَقُولُونَ فَقَدِ اسْتَوَيْتُمْ وَ هُمْ فَقُلْتُ لَهُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ وَ أَيَّ شَيْ ءٍ نَقُولُ وَ أَيَّ شَيْ ءٍ يَقُولُونَ مَا قَوْلِي وَ قَوْلُهُمْ إِلَّا وَاحِدٌ فَقَالَ وَ كَيْفَ يَكُونُ قَوْلُكَ وَ قَوْلُهُمْ وَاحِداً وَ هُمْ يَقُولُونَ إِنَّ لَهُمْ مَعَاداً وَ ثَوَاباً وَ عِقَاباً وَ يَدِينُونَ بِأَنَّ فِي السَّمَاءِ إِلَهاً

إلى علامة ليست لك بل عليك، أو موصولة و السمة مضافة إليها، أي يسلمك إلى عار شي ء هو لك بزعمك و في الواقع عليك و يضرك، و لا يخفى بعده، و الأظهر أنه أمر من و سم يسم سمة بمعنى الكي، و الضمير راجع إلى ما يريد أن يتكلم به أي اجعل على ما تريد أن تتكلم به علامة لتعلم أي شي ء لك و أي شي ء عليك، فالموصول بدل من الضمير أو مفعول فعل محذوف.

قوله: روحاني: قال في النهاية الروحانيون يروي بضم الراء و فتحها كأنه نسب إلى الروح أو الروح و هو نسيم الريح، و الألف و النون من زيادات النسب، يريد أنهم أجسام لطيفة لا يدركهم البصر.

قوله يتجسد: أي يصير ذا جسد و بدن يبصر به و يرى إذا شاء أن يظهر، و يتروح أي يصير روحا صرفا و يبطن و يخفى عن الأبصار.

و قوله باطنا إما بمعنى المصدر كقولك قمت قائما، أو تميز من يتروح، أي كونه روحا صرفا، من جهة أنه باطن مخفي، و يحتمل أن يكون مفعول المشية، و يحتمل تقدير الكون أي إذا شاء أن يكون باطنا، و يحتمل الحالية و لعله أظهر، و في التوحيد يتجسد إذا شاء ظاهرا، و هو أظهر للمقابلة، و تأتي فيه الاحتمالات السابقة.

قوله عليه السلام و هو على ما يقولون اعترض عليه السلام الجملة الحالية بين الشرط و الجزاء للإشارة إلى ما هو الحق، و لئلا يتوهم أنه عليه السلام في شك من ذلك، و قوله يعني،

ص: 246

وَ أَنْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ السَّمَاءَ خَرَابٌ لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ قَالَ فَاغْتَنَمْتُهَا مِنْهُ فَقُلْتُ لَهُ مَا مَنَعَهُ إِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا يَقُولُونَ أَنْ يَظْهَرَ لِخَلْقِهِ وَ يَدْعُوَهُمْ إِلَى عِبَادَتِهِ حَتَّى لَا يَخْتَلِفَ مِنْهُمُ اثْنَانِ وَ لِمَ احْتَجَبَ عَنْهُمْ وَ أَرْسَلَ إِلَيْهِمُ الرُّسُلَ وَ لَوْ بَاشَرَهُمْ بِنَفْسِهِ كَانَ أَقْرَبَ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ فَقَالَ لِي وَيْلَكَ وَ كَيْفَ احْتَجَبَ عَنْكَ مَنْ أَرَاكَ قُدْرَتَهُ فِي نَفْسِكَ نُشُوءَكَ وَ لَمْ تَكُنْ وَ كِبَرَكَ بَعْدَ صِغَرِكَ وَ قُوَّتَكَ بَعْدَ ضَعْفِكَ وَ ضَعْفَكَ بَعْدَ قُوَّتِكَ وَ سُقْمَكَ بَعْدَ صِحَّتِكَ وَ صِحَّتَكَ بَعْدَ سُقْمِكَ وَ رِضَاكَ بَعْدَ غَضَبِكَ وَ غَضَبَكَ بَعْدَ رِضَاكَ وَ حُزْنَكَ بَعْدَ فَرَحِكَ وَ فَرَحَكَ بَعْدَ

كلام ابن أبي العوجاء و الكاف في كما زائدة أو اكتفي فيه بالمغايرة الاعتبارية، و العطب:

الهلاك.

قوله عليه السلام ليس فيها أحد: أي لها أو عليها، أو بالظرفية المجازية لجريان حكمه و حصول تقديره تعالى فيها.

قوله: ما منعه. كلامه إما مبني على القول بالجسم فأعرض عليه السلام في الجواب عن التعرض لإبطاله لعدم قابليته لفهم ذلك، و قال: الظهور الذي يمكن له قد وجد منه لأن ظهور المجرد إنما يكون بآثاره أو المعنى ما منعه أن يظهر لخلقه غاية الظهور بنصب الدلائل الواضحة على وجوده قبل إرسال الرسل، و يدعوهم إلى عبادته بعد ظهوره بنفسه، أو بالرسل، و كان هذا لزعمه أن أهل الإسلام إنما استندوا في إثبات الصانع تعالى بقول الرسل، و حاصل الجواب على هذا أنه تعالى لم يحل دليل وجوده على بيان الرسل، بل أظهر للناس قبل بعثة الرسل من آثار صنعه و دلائل وجوده و عمله و قدرته و حكمته و استحقاقه للعبادة ما أغناهم عن بيان الرسل في ذلك، و إنما الاحتياج إلى الرسل لبيان خصوصيات الأمور الشرعية و سائر الأمور العقلية التي لا يمكن للعقل الوصول إليها إلا ببيانهم عليهم السلام.

قوله عليه السلام نشؤك: هو مصدر نشأ نشأ و نشوءا على فعل و فعول إذا أخرج و ابتدأ و هو منصوب على أنه بدل من قدرته أو مرفوع على أنه خبر مبتدإ محذوف يعود إليها.

ص: 247

حُزْنِكَ وَ حُبَّكَ بَعْدَ بُغْضِكَ وَ بُغْضَكَ بَعْدَ حُبِّكَ وَ عَزْمَكَ بَعْدَ أَنَاتِكَ وَ أَنَاتَكَ بَعْدَ عَزْمِكَ وَ شَهْوَتَكَ بَعْدَ كَرَاهَتِكَ وَ كَرَاهَتَكَ بَعْدَ شَهْوَتِكَ وَ رَغْبَتَكَ بَعْدَ رَهْبَتِكَ وَ رَهْبَتَكَ بَعْدَ رَغْبَتِكَ وَ رَجَاءَكَ بَعْدَ يَأْسِكَ وَ يَأْسَكَ بَعْدَ رَجَائِكَ وَ خَاطِرَكَ بِمَا لَمْ يَكُنْ فِي وَهْمِكَ وَ عُزُوبَ مَا أَنْتَ مُعْتَقِدُهُ عَنْ ذِهْنِكَ وَ مَا زَالَ يُعَدِّدُ عَلَيَّ قُدْرَتَهُ الَّتِي هِيَ فِي نَفْسِي الَّتِي لَا أَدْفَعُهَا حَتَّى

قوله عليه السلام بعد أناتك: الأناة على وزن القناة اسم من تأنى في الأمر إذا ترفق و تنظر، و اتأد فيه، و أصل الهمزة الواو من الونى و هو الضعف و الفتور، و ضبطه بعض المحققين بالباء الموحدة التحتانية و الهمزة بعد الألف، و الإباء: الامتناع و الاستنكاف كما في توحيد الصدوق، و ربما يقرأ بالنون و الهمزة بمعنى الفتور و التأخر و الإبطاء.

قوله عليه السلام و خاطرك: الخاطر من الخطور و هو حصول الشي ء مشعورا به في الذهن، و الخاطر في الأصل المشعور به الحاصل في الذهن، ثم شاع استعماله في المشعر المدرك له من حيث هو شاعر به، و استعمل هاهنا في الإدراك و الشعور، أو استعمل بمعنى المصدر كما في قمت قائما، و يكون المعنى خطورك بما لم يكن في و همك من باب القلب، كذا قيل، و العزوب بالعين المهملة و الزاي المعجمة: الغيبة و الذهاب، و حاصل استدلاله عليه السلام أنك لما وجدت في نفسك آثار القدرة التي ليست من مقدوراتك ضرورة علمت أن لها بارئا قادرا، و كيف يكون غائبا عن الشخص من لا يخلو الشخص ساعة عن آثار كثيرة، يصل منه إليه، و قال بعض الأفاضل: و تقرير الاستدلال أنه لما وجدت في نفسك آثار القدرة التي ليست من مقدوراتك ضرورة، علمت أن لها بارئا قادرا، أما كونها من آثار القدرة فلكونها حادثة محكمة متقنة غاية الأحكام و الإتقان، فإن حصول الشخص الإنساني بحياته و لوازمها لا بد له من فاعل مباين له، و يدلك على وحدته تلاؤم ما فيه من الأحوال و الأفعال و تغير أحواله بعد إتقانها، و عدم ثباته على حال واحدة تدل على كون الفاعل لها قادرا مختارا يفعل بحكمته و مشيته، و هذه الأحوال المتغيرة كثيرة و قد عد عليه السلام كثيرا منها لا شبهة في

ص: 248

ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيَظْهَرُ فِيمَا بَيْنِي وَ بَيْنَهُ عَنْهُ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا رَفَعَهُ وَ زَادَ فِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي الْعَوْجَاءِ حِينَ سَأَلَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ عَادَ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي إِلَى مَجْلِسِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع فَجَلَسَ وَ هُوَ سَاكِتٌ لَا يَنْطِقُ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع كَأَنَّكَ جِئْتَ تُعِيدُ بَعْضَ مَا كُنَّا فِيهِ فَقَالَ أَرَدْتُ ذَلِكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع مَا أَعْجَبَ هَذَا تُنْكِرُ اللَّهَ وَ تَشْهَدُ أَنِّي ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ الْعَادَةُ تَحْمِلُنِي عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ الْعَالِمُ ع فَمَا يَمْنَعُكَ مِنَ الْكَلَامِ قَالَ إِجْلَالًا لَكَ وَ مَهَابَةً مَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي بَيْنَ يَدَيْكَ فَإِنِّي شَاهَدْتُ الْعُلَمَاءَ وَ نَاظَرْتُ الْمُتَكَلِّمِينَ فَمَا تَدَاخَلَنِي هَيْبَةٌ قَطُّ مِثْلُ مَا تَدَاخَلَنِي مِنْ هَيْبَتِكَ قَالَ يَكُونُ ذَلِكَ وَ لَكِنْ أَفْتَحُ عَلَيْكَ بِسُؤَالٍ وَ أَقْبَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ أَ مَصْنُوعٌ أَنْتَ أَوْ غَيْرُ مَصْنُوعٍ فَقَالَ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ بَلْ أَنَا غَيْرُ مَصْنُوعٍ فَقَالَ لَهُ الْعَالِمُ ع فَصِفْ لِي لَوْ كُنْتَ مَصْنُوعاً كَيْفَ كُنْتَ تَكُونُ فَبَقِيَ عَبْدُ الْكَرِيمِ مَلِيّاً لَا يُحِيرُ جَوَاباً وَ وَلَعَ بِخَشَبَةٍ كَانَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَ هُوَ يَقُولُ طَوِيلٌ عَرِيضٌ عَمِيقٌ قَصِيرٌ مُتَحَرِّكٌ سَاكِنٌ كُلُّ ذَلِكَ صِفَةُ خَلْقِهِ فَقَالَ

أنها ليست من فعل النفس الإنسانية و أنها من فاعل مباين قادر على إحداثها بعد ما لم يكن.

الحديث الثالث

مرفوع، و ليس هذا الحديث في أكثر النسخ لكنه موجود في توحيد الصدوق و رواه عن الكليني و يدل على أنه كان في نسخته و لذا شرحناه مجملا.

قوله: لا يحير جوابا: بالمهملة أي لا ينطق به و لا يقدر عليه، و الولوع بالشي ء الحرص عليه و المبالغة في تناوله.

قوله: كل ذلك صفة خلقه: أي خلق الخالق و الصانع و يمكن أن يقرأ بالتاء أي صفة المخلوقية، و الحاصل أنه لما سأله الإمام عليه السلام عنه أنك لو كنت مصنوعا هل كنت على غير تلك الأحوال و الصفات التي أنت عليها الآن أم لا؟ أقبل يتفكر في ذلك فتنبه أن صفاته كلها صفات المخلوقين، و كانت معاندته مانعة عن الإذعان بالصانع تعالى،

ص: 249

لَهُ الْعَالِمُ فَإِنْ كُنْتَ لَمْ تَعْلَمْ صِفَةَ الصَّنْعَةِ غَيْرَهَا فَاجْعَلْ نَفْسَكَ مَصْنُوعاً لِمَا تَجِدُ فِي نَفْسِكَ مِمَّا يَحْدُثُ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْكَرِيمِ سَأَلْتَنِي عَنْ مَسْأَلَةٍ لَمْ يَسْأَلْنِي عَنْهَا أَحَدٌ قَبْلَكَ وَ لَا يَسْأَلُنِي أَحَدٌ بَعْدَكَ عَنْ مِثْلِهَا فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع هَبْكَ عَلِمْتَ أَنَّكَ لَمْ تُسْأَلْ فِيمَا مَضَى فَمَا عَلَّمَكَ أَنَّكَ لَا تُسْأَلُ فِيمَا بَعْدُ عَلَى أَنَّكَ يَا عَبْدَ الْكَرِيمِ نَقَضْتَ قَوْلَكَ- لِأَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ الْأَشْيَاءَ مِنَ الْأَوَّلِ سَوَاءٌ فَكَيْفَ قَدَّمْتَ وَ أَخَّرْتَ ثُمَّ قَالَ يَا عَبْدَ الْكَرِيمِ أَزِيدُكَ وُضُوحاً أَ رَأَيْتَ لَوْ كَانَ مَعَكَ كِيسٌ فِيهِ جَوَاهِرُ فَقَالَ لَكَ قَائِلٌ هَلْ فِي الْكِيسِ دِينَارٌ فَنَفَيْتَ كَوْنَ الدِّينَارِ فِي الْكِيسِ فَقَالَ لَكَ صِفْ لِيَ الدِّينَارَ وَ كُنْتَ غَيْرَ عَالِمٍ بِصِفَتِهِ هَلْ كَانَ لَكَ أَنْ تَنْفِيَ كَوْنَ الدِّينَارِ عَنِ الْكِيسِ وَ أَنْتَ لَا تَعْلَمُ قَالَ لَا فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع فَالْعَالَمُ أَكْبَرُ وَ أَطْوَلُ وَ أَعْرَضُ مِنَ الْكِيسِ فَلَعَلَّ فِي الْعَالَمِ صَنْعَةً

فبقي متحيرا فقال عليه السلام: إذا رجعت إلى نفسك و وجدت في نفسك صفة المخلوقين، فلم لا تذعن بالصانع؟ فاعترف بالعجز عن الجواب و قال: سألتني عن مسألة لم يسألني عنها أحد قبلك، و لا يسألني أحد بعدك.

قوله هبك: أي افرض نفسك أنك علمت ما مضى و سلمنا ذلك لك، قال الفيروزآبادي: هبني فعلت أي احسبني فعلت و أعددني، كلمة للأمر فقط و حاصل جوابه عليه السلام أولا: أنك بنيت أمورك كلها على الظن و الوهم لأنك تقطع بأنك لا تسأل بعد ذلك عن مثلها، مع أنه لا سبيل لك إلى القطع به، و أما قوله عليه السلام على أنك يا عبد الكريم نقضت قولك. يحتمل وجوها:

الأول: أن يكون المراد أن نفيك للصانع مبني على أنك تزعم أن لا علية بين الأشياء و نسبة الوجود و العدم إليها على السواء، و الاستدلال على الأشياء الغير المحسوسة إنما يكون بالعلية و المعلولية فكيف حكمت بعدم حصول الشي ء في المستقبل؟ فيكون المراد بالتقدم و التأخر العلية و المعلولية أو ما يساوقهما.

الثاني: أن يكون مبنيا على ما لعلهم كانوا قائلين به، و ربما أمكن إلزامهم بذلك بناء على نفي الصانع من أن الأشياء متساوية غير متفاوتة في الكمال و النقص، فالمراد

ص: 250

مِنْ حَيْثُ لَا تَعْلَمُ صِفَةَ الصَّنْعَةِ مِنْ غَيْرِ الصَّنْعَةِ فَانْقَطَعَ عَبْدُ الْكَرِيمِ وَ أَجَابَ إِلَى الْإِسْلَامِ بَعْضُ أَصْحَابِهِ وَ بَقِيَ مَعَهُ بَعْضٌ فَعَادَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَقَالَ أَقْلِبُ السُّؤَالَ فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع سَلْ عَمَّا شِئْتَ فَقَالَ مَا الدَّلِيلُ عَلَى حَدَثِ الْأَجْسَامِ فَقَالَ إِنِّي مَا وَجَدْتُ شَيْئاً صَغِيراً وَ لَا كَبِيراً إِلَّا وَ إِذَا ضُمَّ إِلَيْهِ مِثْلُهُ صَارَ أَكْبَرَ وَ فِي ذَلِكَ زَوَالٌ وَ انْتِقَالٌ عَنِ الْحَالَةِ الْأُولَى وَ لَوْ كَانَ قَدِيماً مَا زَالَ وَ لَا حَالَ لِأَنَّ الَّذِي يَزُولُ وَ يَحُولُ يَجُوزُ أَنْ يُوجَدَ وَ يُبْطَلَ فَيَكُونُ بِوُجُودِهِ بَعْدَ عَدَمِهِ دُخُولٌ فِي الْحَدَثِ وَ فِي كَوْنِهِ فِي الْأَزَلِ دُخُولُهُ فِي الْعَدَمِ وَ لَنْ تَجْتَمِعَ صِفَةُ الْأَزَلِ وَ الْعَدَمِ وَ الْحُدُوثِ وَ الْقِدَمِ فِي شَيْ ءٍ وَاحِدٍ فَقَالَ عَبْدُ الْكَرِيمِ هَبْكَ عَلِمْتَ فِي جَرْيِ الْحَالَتَيْنِ وَ الزَّمَانَيْنِ عَلَى مَا ذَكَرْتَ وَ اسْتَدْلَلْتَ بِذَلِكَ عَلَى حُدُوثِهِا فَلَوْ بَقِيَتِ الْأَشْيَاءُ عَلَى صِغَرِهَا مِنْ أَيْنَ كَانَ لَكَ أَنْ تَسْتَدِلَّ عَلَى حُدُوثِهِنَّ فَقَالَ الْعَالِمُ ع إِنَّمَا نَتَكَلَّمُ عَلَى هَذَا الْعَالَمِ الْمَوْضُوعِ فَلَوْ رَفَعْنَاهُ وَ وَضَعْنَا عَالَماً آخَرَ كَانَ لَا شَيْ ءَ أَدَلَّ عَلَى الْحَدَثِ مِنْ رَفْعِنَا إِيَّاهُ وَ وَضْعِنَا غَيْرَهُ وَ لَكِنْ أُجِيبُكَ مِنْ حَيْثُ قَدَّرْتَ أَنْ تُلْزِمَنَا فَنَقُولُ إِنَّ الْأَشْيَاءَ

أنك كيف حكمت بتفضيلي على غيري و هو مناف للمقدمة المذكورة، فالمراد بالتقدم و التأخر ما هو بحسب الشرف.

الثالث: أن يكون مبنيا على ما ينسب إلى أكثر الملاحدة من القول بالكمون و البروز، أي مع قولك بكون كل حقيقة حاصلة في كل شي ء كيف يمكنك الحكم بتقدم بعض الأشياء على بعض في الفضل و الشرف.

قوله عليه السلام و في ذلك زوال و انتقال: حاصل استدلاله عليه السلام إما راجع إلى دليل المتكلمين من أن عدم الانفكاك عن الحوادث يستلزم الحدوث، أو إلى أنه لا يخلو إما أن يكون بعض تلك الأحوال الزائلة المتغيرة قديما أم لا، بل يكون كلها حوادث و كل منهما محال، أما الأول فلما تقرر عند الحكماء من أن ما ثبت قدمه امتنع عدمه، و أما الثاني فللزوم التسلسل بناء على جريان دلائل إبطاله في الأمور المتعاقبة، و يمكن أن يكون مبنيا على ما يظهر من الأخبار الكثيرة من أن كل قديم

ص: 251

لَوْ دَامَتْ عَلَى صِغَرِهَا لَكَانَ فِي الْوَهْمِ أَنَّهُ مَتَى ضُمَّ شَيْ ءٌ إِلَى مِثْلِهِ كَانَ أَكْبَرَ وَ فِي جَوَازِ التَّغْيِيرِ عَلَيْهِ خُرُوجُهُ مِنَ الْقِدَمِ كَمَا أَنَّ فِي تَغْيِيرِهِ دُخُولَهُ فِي الْحَدَثِ لَيْسَ لَكَ وَرَاءَهُ شَيْ ءٌ يَا عَبْدَ الْكَرِيمِ فَانْقَطَعَ وَ خُزِيَ فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْعَامِ الْقَابِلِ الْتَقَى مَعَهُ فِي الْحَرَمِ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ شِيعَتِهِ إِنَّ ابْنَ أَبِي الْعَوْجَاءِ قَدْ أَسْلَمَ فَقَالَ الْعَالِمُ ع هُوَ أَعْمَى مِنْ ذَلِكَ لَا يُسْلِمُ فَلَمَّا بَصُرَ بِالْعَالِمِ قَالَ سَيِّدِي وَ مَوْلَايَ فَقَالَ لَهُ الْعَالِمُ ع مَا جَاءَ بِكَ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ فَقَالَ عَادَةُ الْجَسَدِ وَ سُنَّةُ الْبَلَدِ وَ لِنَنْظُرَ مَا النَّاسُ فِيهِ مِنَ الْجُنُونِ وَ الْحَلْقِ وَ رَمْيِ الْحِجَارَةِ فَقَالَ لَهُ الْعَالِمُ ع أَنْتَ بَعْدُ عَلَى عُتُوِّكَ وَ ضَلَالِكَ يَا عَبْدَ الْكَرِيمِ فَذَهَبَ يَتَكَلَّمُ فَقَالَ لَهُ ع لا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَ نَفَضَ رِدَاءَهُ مِنْ يَدِهِ وَ قَالَ إِنْ يَكُنِ الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُ وَ لَيْسَ كَمَا تَقُولُ نَجَوْنَا وَ نَجَوْتَ وَ إِنْ يَكُنِ الْأَمْرُ كَمَا نَقُولُ وَ هُوَ كَمَا نَقُولُ نَجَوْنَا وَ هَلَكْتَ فَأَقْبَلَ عَبْدُ الْكَرِيمِ عَلَى مَنْ مَعَهُ فَقَالَ وَجَدْتُ فِي قَلْبِي حَزَازَةً فَرُدُّونِي فَرَدُّوهُ فَمَاتَ لَا رَحِمَهُ اللَّهُ

يكون واجبا بالذات و لا يكون المعلول إلا حادثا، و وجوب الوجود ينافي التغير و لا يكون الواجب محلا للحوادث كما برهن عليه، ثم قال ابن أبي العوجاء: لو فرضنا بقاء الأشياء على صغرها يمكنك الاستدلال على حدوثها بالتغير؟ فأجاب عليه السلام أولا على سبيل الجدل بأن كلامنا كان في هذا العالم الذي نشاهد فيه التغيرات فلو فرضت رفع هذا العالم و وضع عالم آخر مكانه لا يعتريه التغير، فزوال هذا العالم دل على كونه حادثا، و إلا لما زال، و حدوث العالم الثاني أظهر، ثم قال: و لكن أجيبك من حيث قدرت بتشديد الدال، أي فرضت لأن تلزمنا، أو بالتخفيف أي زعمت أنك تقدر أن تلزمنا، و هو بأن تفرض في الأول مكان هذا العالم عالما لا يكون فيه التغير، فنقول يحكم العقل بأن الأجسام يجوز عليها ضم شي ء إليها، و قطع شي ء منها، و جوار التغير عليه يكفي لحدوثها بنحو ما مر من التقرير.

ص: 252

3 حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْأَسَدِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبَرْمَكِيِّ الرَّازِيِّ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ بُرْدٍ الدِّينَوَرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِيِّ خَادِمِ الرِّضَا ع قَالَ دَخَلَ رَجُلٌ مِنَ الزَّنَادِقَةِ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ ع وَ عِنْدَهُ جَمَاعَةٌ فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ ع أَيُّهَا الرَّجُلُ أَ رَأَيْتَ إِنْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَكُمْ وَ لَيْسَ هُوَ كَمَا تَقُولُونَ أَ لَسْنَا وَ إِيَّاكُمْ شَرَعاً سَوَاءً لَا يَضُرُّنَا مَا صَلَّيْنَا وَ صُمْنَا وَ زَكَّيْنَا وَ أَقْرَرْنَا فَسَكَتَ الرَّجُلُ ثُمَّ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ ع وَ إِنْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَنَا وَ هُوَ قَوْلُنَا أَ لَسْتُمْ قَدْ هَلَكْتُمْ وَ نَجَوْنَا فَقَالَ رَحِمَكَ اللَّهُ أَوْجِدْنِي كَيْفَ هُوَ وَ أَيْنَ هُوَ فَقَالَ وَيْلَكَ إِنَّ الَّذِي ذَهَبْتَ إِلَيْهِ غَلَطٌ هُوَ أَيَّنَ الْأَيْنَ بِلَا أَيْنٍ وَ كَيَّفَ الْكَيْفَ بِلَا كَيْفٍ فَلَا يُعْرَفُ بِالْكَيْفُوفِيَّةِ وَ لَا بِأَيْنُونِيَّةٍ وَ لَا يُدْرَكُ بِحَاسَّةٍ وَ لَا يُقَاسُ بِشَيْ ءٍ

الحديث الرابع

: ضعيف.

إذ الظاهر أن محمد بن علي هو أبو سمينة كما صرح به في التوحيد.

قوله أوجدني: يقال أوجده الله مطلوبه أي أظفره به، أي أفدني كيفيته و مكانه و أظفرني بمطلبي الذي هو العلم بالكيفية.

قوله عليه السلام هو أين الأين: أي جعل الأين أينا بناء على مجعولية الماهيات أو أوجد حقيقة الأين فيصدق عليها بعد الإيجاد الأين، و كذا الكيف، و الكيفوفية و الأينونية: الاتصاف بالكيف و الأين، و في التوحيد بكيفوفية من غير أداة التعريف كنظيرتها، و قيل: المعنى أنه لما أوجد حقيقة الأين و حقيقة الكيف، فكان متقدما على وجودهما، فلا يعرف بالاتصاف بهما، و بكونه ذا كيف و أين، و ذلك بأنه هو مبدء قبل وجود الكيف و الأين، و لا يعرف المبدأ بكونه ذا كيفية أو أين، و لأن الخالق الموجد لشي ء متعال عن الاتصاف به لأن الاتصاف خروج من القابلية إلى الفعلية، و القابل خال عن الوصف قبل الاتصاف عادم له، و العادم لشي ء و للأكمل و الأتم منه لا يكون معطيا له، فالفاعل الخالق لا يكون معطيا نفسه ما يستكمل به، و لأن المبدأ الأول لما لم يجز عليه الخلو من الوجود، فلو كان فيه قابلية الصفة لكان له جهتان، و لا يجوز

ص: 253

فَقَالَ الرَّجُلُ فَإِذاً إِنَّهُ لَا شَيْ ءَ إِذَا لَمْ يُدْرَكْ بِحَاسَّةٍ مِنَ الْحَوَاسِّ فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ ع وَيْلَكَ لَمَّا عَجَزَتْ حَوَاسُّكَ عَنْ إِدْرَاكِهِ أَنْكَرْتَ رُبُوبِيَّتَهُ وَ نَحْنُ إِذَا عَجَزَتْ حَوَاسُّنَا عَنْ إِدْرَاكِهِ أَيْقَنَّا أَنَّهُ رَبُّنَا بِخِلَافِ شَيْ ءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ قَالَ الرَّجُلُ فَأَخْبِرْنِي مَتَى كَانَ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ ع أَخْبِرْنِي مَتَى لَمْ يَكُنْ

استنادهما فيه إلى ثالث، إذ لا ثالث في تلك المرتبة، و لا استناد أحدهما إلى الآخر إذ لا يوجب القابلية فعلية الوجود لذاته، و لا فعلية الخلو عن كماله، و الاستعداد لما هو نقص له، و لأن الأين لا يكون إلا لمتقدر، و لا يجوز عليه التقدر بالمقدار كما سنبينه، و لا يدرك بحاسة إذ لا كيفية له و لا إحساس إلا بإدراك الكيفية، و لا يقاس بشي ء أي لا يعرف قدره بمقياس إذ لا أين و لا مقدار له، فقال الرجل: فإذا أنه لا شي ء يعني أردت بيان شأن ربك فإذا الذي ذكرته يوجب نفيه، لأن ما لا يمكن إحساسه لا يكون موجودا، أو المراد أنه فإذا هو ضعيف الوجود ضعفا يستحق أن يقال له لا شي ء.

و قوله عليه السلام لما عجزت حواسك عن إدراكه أي جعلت تعاليه عن أن يدرك بالحواس و عجزها عن إدراكه دليلا على عدمه أو ضعف وجوده، فأنكرت ربوبيته و نحن إذا عرفناه بتعاليه عن أن يدرك بالحواس أيقنا أنه ربنا، بخلاف شي ء من الأشياء، أي ليس شي ء من الأشياء المحسوسة ربنا لأن كل محسوس ذو وضع، و كل ذي وضع بالذات منقسم بالقوة إلى أجزاء مقدارية لا إلى نهاية، لاستحالة الجوهر الفرد، و كل منقسم إلى أجزاء مقدارية يكون له أجزاء متشاركة في المهية، و مشاركة للكل فيها، و كلما يكون كذلك يكون محتاجا إلى مبدء مغاير له، فلا يكون مبدء أول بل يكون مخلوقا ذا مبدء، فما هو مبدء أول لا يصح عليه الإحساس، فالتعالي عن الإحساس الذي جعلته مانعا للربوبية و باعثا على إنكارك مصحح للربوبية و دل على اختصاصه بصحة الربوبية بالنسبة إلى الأشياء التي يصح عليها أن يحس.

قوله: فأخبرني متى كان؟ الظاهر أنه سئل عن ابتداء كونه [و تكونه] و وجوده

ص: 254

فَأُخْبِرَكَ مَتَى كَانَ قَالَ الرَّجُلُ فَمَا الدَّلِيلُ عَلَيْهِ فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ ع إِنِّي لَمَّا نَظَرْتُ إِلَى جَسَدِي وَ لَمْ يُمْكِنِّي فِيهِ زِيَادَةٌ وَ لَا نُقْصَانٌ فِي الْعَرْضِ وَ الطُّولِ وَ دَفْعِ الْمَكَارِهِ عَنْهُ وَ جَرِّ الْمَنْفَعَةِ إِلَيْهِ عَلِمْتُ أَنَّ لِهَذَا الْبُنْيَانِ بَانِياً فَأَقْرَرْتُ بِهِ مَعَ مَا أَرَى مِنْ دَوَرَانِ الْفَلَكِ بِقُدْرَتِهِ وَ إِنْشَاءِ السَّحَابِ وَ تَصْرِيفِ الرِّيَاحَ وَ مَجْرَى الشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ وَ النُّجُومِ وَ

فأجاب عليه السلام بأن ابتداء الزمان إنما يكون لحادث كان معدوما ثم صار موجودا، و هو سبحانه يستحيل عليه العدم، و جواب هذا السؤال سقط من قلم نساخ الكليني، و في توحيد الصدوق (ره) هكذا: قال الرجل: فأخبرني متى كان؟ قال أبو الحسن عليه السلام أخبرني متى لم يكن فأخبرك متى كان، قال الرجل: فما الدليل عليه؟ قال أبو الحسن عليه السلام: إني لما نظرت" إلى آخر الخبر" و يحتمل أن يكون مراد السائل السؤال عن أصل زمان وجوده تعالى، فعلى هذا يكون حاصل الجواب أن الكائن في الزمان إنما يكون فيه بتغير و تبدل في ذاته أو صفاته الذاتية لأن الزمان نسبة المتغير إلى المتغير، فيكون بحال في زمان آخر، و المتعالي عن التغير في الذات و الصفات الذاتية لا يصح عليه" لم يكن فكان"، و إنما يصح متى كان لما يصح أن يقال متى لم يكن، لعدم انفكاك الزماني عن التغير في ذاته أو صفاته الذاتية، و قيل: تحقيق الجواب ما تحقق في الحكمة الإلهية أنه لا يكون لوجود شي ء متى إلا إذا كان لعدمه متى، و بالجملة لا يدخل الشي ء في مقولة متى بوجوده فقط، بل بوجوده و عدمه جميعا، فإذا لم يصح أن يقال لشي ء متى لم يكن وجوده لم يصح أن يقال متى كان وجوده.

قوله عليه السلام إني لما نظرت: هذا استدلال بما يجده في بدنه من أحواله و انتظام تركيبه و اشتماله على ما به صلاحه و نظامه، و عدم استنادها إليه بكونها من آثار القدرة و عدم قدرته عليها، و بالعلويات و حركاتها المنسقة المنتظمة المشتملة على اختلاف لا يمكن أن يكون طبيعيا لها، و لا إراديا لها، و بما يحدث بينها و بين الأرض و انتظام الجميع نظما دالا على وحدة ناظمها و مدبرها و خالقها، على أن لهذا العالم المنتظم

ص: 255

غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الْعَجِيبَاتِ الْمُبَيِّنَاتِ عَلِمْتُ أَنَّ لِهَذَا مُقَدِّراً وَ مُنْشِئاً

4 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْخَفَّافِ أَوْ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ الدَّيَصَانِيَّ سَأَلَ هِشَامَ بْنَ الْحَكَمِ فَقَالَ لَهُ أَ لَكَ رَبٌّ فَقَالَ بَلَى قَالَ أَ قَادِرٌ هُوَ قَالَ نَعَمْ قَادِرٌ قَاهِرٌ قَالَ يَقْدِرُ أَنْ يُدْخِلَ الدُّنْيَا كُلَّهَا الْبَيْضَةَ لَا تَكْبُرُ الْبَيْضَةُ وَ لَا تَصْغُرُ الدُّنْيَا قَالَ هِشَامٌ النَّظِرَةَ فَقَالَ لَهُ قَدْ أَنْظَرْتُكَ حَوْلًا ثُمَّ خَرَجَ عَنْهُ فَرَكِبَ هِشَامٌ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لَهُ فَقَالَ لَهُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ أَتَانِي عَبْدُ اللَّهِ الدَّيَصَانِيُّ بِمَسْأَلَةٍ لَيْسَ الْمُعَوَّلُ فِيهَا إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَ عَلَيْكَ فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع عَمَّا ذَا سَأَلَكَ فَقَالَ قَالَ لِي كَيْتَ وَ كَيْتَ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع يَا هِشَامُ كَمْ حَوَاسُّكَ قَالَ خَمْسٌ قَالَ أَيُّهَا أَصْغَرُ قَالَ النَّاظِرُ قَالَ وَ كَمْ قَدْرُ النَّاظِرِ قَالَ مِثْلُ الْعَدَسَةِ أَوْ أَقَلُّ مِنْهَا فَقَالَ لَهُ يَا هِشَامُ فَانْظُرْ أَمَامَكَ وَ فَوْقَكَ وَ أَخْبِرْنِي بِمَا تَرَى فَقَالَ أَرَى سَمَاءً وَ أَرْضاً وَ دُوراً وَ قُصُوراً وَ بَرَارِيَ وَ جِبَالًا وَ أَنْهَاراً فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع إِنَّ الَّذِي قَدَرَ أَنْ يُدْخِلَ الَّذِي تَرَاهُ الْعَدَسَةَ أَوْ أَقَلَّ مِنْهَا قَادِرٌ أَنْ يُدْخِلَ الدُّنْيَا كُلَّهَا الْبَيْضَةَ لَا تَصْغَرُ الدُّنْيَا وَ لَا تَكْبُرُ

المشاهد من السماوات و الأرضين و ما فيهما و ما بينهما مقدرا ينتظم بتقديره و منشأ يوجد بإنشائه.

الحديث الخامس

مجهول، و الديصاني بالتحريك من داص يديص ديصانا إذا زاغ و مال، و معناه الملحد.

النظرة: أي أسألك النظرة، و هي التأخير في المطالبة للجواب، و في القاموس:

كيت و كيت و يكسر آخرها أي كذا و كذا و التاء فيهما هاء في الأصل.

قوله عليه السلام إن الذي قدر أن يدخل، أي على أن يدخل، و حذف حرف الجر عن أن و أن قياسي، يمكن أن يؤول بوجوه: الأول: أن يكون غرض السائل أنه هل يجوز أن يحصل كبير في صغير بنحو من أنحاء التحقق؟ فأجاب عليه السلام بأن له نحوا من التحقق، و هو دخول الصورة المحسوسة المتقدرة بالمقدار، الكبير بنحو الوجود الظلي في الحاسة أي مادتها الموصوفة بالمقدار الصغير، و القرينة على أنه كان مراده

ص: 256

الْبَيْضَةُ فَأَكَبَّ هِشَامٌ عَلَيْهِ وَ قَبَّلَ يَدَيْهِ وَ رَأْسَهُ وَ رِجْلَيْهِ وَ قَالَ حَسْبِي يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ وَ انْصَرَفَ إِلَى مَنْزِلِهِ وَ غَدَا عَلَيْهِ الدَّيَصَانِيُّ فَقَالَ لَهُ يَا هِشَامُ إِنِّي جِئْتُكَ مُسَلِّماً وَ لَمْ أَجِئْكَ

المعنى الأعم أنه قنع بالجواب و لم يراجع فيه باعتراض.

الثاني: أن يكون المعنى أن الذي يقدر على أن يدخل ما تراه العدسة لا يصح أن ينسب إلى العجز، و لا يتوهم فيه أنه غير قادر على شي ء أصلا، و عدم قدرته على ما ذكرت ليس من تلقاء قدرته لقصور فيها، بل إنما ذلك من نقصان ما فرضته حيث أنه محال ليس له حظ من الشيئية و الإمكان، فالغرض من ذكر ذلك بيان كمال قدرته تعالى حتى لا يتوهم فيه عجز.

الثالث: أن المعنى أن ما ذكرت محال و ما يتصور من ذلك إنما هو بحسب الوجود الانطباعي، و قد فعله فما كان من السؤال له محمل ممكن فهو تعالى قادر عليه، و ما أردت من ظاهره فهو محال لا يصلح لتعلق القدرة به.

الرابع: و هو الأظهر أن السائل لما كان قاصرا من فهم ما هو الحق، معاندا فلو أجاب عليه السلام صريحا بعدم تعلق القدرة به له لتشبث بذلك و لج و عاند فأجاب عليه السلام بجواب متشابه له وجهان، لعلمه عليه السلام بأنه لا يفرق بين الوجود العيني و الانطباعي، و لذا قنع بذلك و رجع.

و لذا أجابوا عليه السلام غيره من السائلين بالحق الصريح، كما رواه الصدوق في التوحيد بسند صحيح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن إبليس قال لعيسى بن مريم عليه السلام أ يقدر ربك على أن يدخل الأرض بيضة لا تصغر الأرض و لا تكبر البيضة؟ فقال عيسى عليه السلام: ويلك إن الله لا يوصف بعجز، و من أقدر ممن يلطف الأرض و يعظم البيضة، و روي بسند آخر عنه عليه السلام أنه قال: قيل لأمير المؤمنين عليه السلام: هل يقدر ربك أن يدخل الدنيا في بيضة من غير أن تصغر الدنيا أو تكبر البيضة؟ قال: إن الله تبارك و تعالى لا ينسب إلى العجز، و الذي سألتني لا يكون، و روي أيضا بسند آخر عنه عليه السلام أنه قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: أ يقدر الله أن يدخل الأرض في بيضة و لا متقاضيا

ص: 257

مُتَقَاضِياً لِلْجَوَابِ فَقَالَ لَهُ هِشَامٌ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ مُتَقَاضِياً فَهَاكَ الْجَوَابَ فَخَرَجَ الدَّيَصَانِيُّ عَنْهُ حَتَّى أَتَى بَابَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لَهُ فَلَمَّا قَعَدَ قَالَ لَهُ يَا جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ دُلَّنِي عَلَى مَعْبُودِي فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع مَا اسْمُكَ فَخَرَجَ عَنْهُ وَ لَمْ يُخْبِرْهُ بِاسْمِهِ فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ كَيْفَ لَمْ تُخْبِرْهُ بِاسْمِكَ قَالَ لَوْ كُنْتُ قُلْتُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ كَانَ يَقُولُ مَنْ هَذَا الَّذِي أَنْتَ لَهُ عَبْدٌ فَقَالُوا لَهُ عُدْ إِلَيْهِ وَ قُلْ لَهُ يَدُلُّكَ عَلَى مَعْبُودِكَ وَ لَا يَسْأَلُكَ عَنِ اسْمِكَ فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ يَا جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ دُلَّنِي عَلَى مَعْبُودِي وَ لَا تَسْأَلْنِي عَنِ اسْمِي فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع اجْلِسْ وَ إِذَا غُلَامٌ لَهُ صَغِيرٌ فِي كَفِّهِ بَيْضَةٌ يَلْعَبُ بِهَا فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع نَاوِلْنِي يَا غُلَامُ الْبَيْضَةَ فَنَاوَلَهُ إِيَّاهَا فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع يَا دَيَصَانِيُّ هَذَا حِصْنٌ مَكْنُونٌ لَهُ جِلْدٌ غَلِيظٌ وَ تَحْتَ الْجِلْدِ الْغَلِيظِ جِلْدٌ رَقِيقٌ وَ تَحْتَ الْجِلْدِ الرَّقِيقِ ذَهَبَةٌ

تصغر الأرض و لا تكبر البيضة؟ فقال له: ويلك إن الله لا يوصف بالعجز و من أقدر ممن يلطف الأرض و يعظم البيضة، فقوله عليه السلام: من أقدر ممن يلطف الأرض، إشارة إلى أن المتصور المحصل المعنى من دخول الكبير في الصغير صيرورة الكبير صغيرا و بالعكس، و هذا المتصور مقدور له سبحانه و هو قادر على كل ما لا يستحيل، و الحاصل أنه قادر على كل شي ء يدرك له معنى و مهية، و المستحيل لا مهية و لا معنى له كما قيل.

ثم اعلم أنه على التقادير كلها يدل على أن الإبصار بالانطباع و إن كان فيما سوى الثاني أظهر، و على الرابع يحتمل أيضا أن يكون إقناعيا مبنيا على المقدمة المشهورة لدى الجمهور أن الرؤية بدخول المرئيات في العضو البصري، فلا ينافي كون الإبصار حقيقة بخروج الشعاع.

قوله فهاك الجواب:" ها" بالقصر و المد و هاك كلها اسم فعل بمعنى خذ.

قوله عليه السلام هذا حصن مكنون: الحصن كل موضع حصين محكم، و الكن:

وقاء كل شي ء و ستره، و لعل المعنى أنه مستور من جميع الجهات ليس له باب أصلا لئلا يخرج منه شي ء و لا يدخل فيه شي ء، له جلد غليظ لئلا ينكسر بأدنى شي ء و لا ينفذ

ص: 258

مَائِعَةٌ وَ فِضَّةٌ ذَائِبَةٌ فَلَا الذَّهَبَةُ الْمَائِعَةُ تَخْتَلِطُ بِالْفِضَّةِ الذَّائِبَةِ وَ لَا الْفِضَّةُ الذَّائِبَةُ تَخْتَلِطُ بِالذَّهَبَةِ الْمَائِعَةِ فَهِيَ عَلَى حَالِهَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا خَارِجٌ مُصْلِحٌ فَيُخْبِرَ عَنْ صَلَاحِهَا وَ لَا دَخَلَ

فيه الهواء ليفسده، و ليست غلظته بحيث لا يتمكن الدجاجة من كسره حين الانفلاق، و لا تؤثر حرارتها المعدة لتكون الفرخ فيه، و تحت الجلد الغليظ جلد رقيق مناسب للملاءمة، لما فيه برزخ بينه و بين الجلد الغليظ لئلا يفسد ما فيه بمماسة الجلد الغليظ الصلب، و تحت الجلد الرقيق ذهبة مائعة أي تحته جسم شبيه بالذهبة المائعة، و جسم شبيه بالفضة الذائبة، و الذوب ضد الجمود و يقاربه الميعان، لكن الذوب يستعمل فيما من طبعه الجمود، و الميعان يستعمل فيه و في غيره، و لما كان الجمود في طبع الفضة أكثر، فلذا خص الذوب بها، و لعله عليه السلام شبهه بالحصون المعروفة كما يظهر من الترشيحات المذكورة.

و في كتاب الاحتجاج عن إصلاحها و عن إفسادها على بناء الأفعال فيهما، و حاصل الاستدلال أن ما في البيضة من الأحكام و الإتقان و الاشتمال على ما به صلاحها و عدم اختلاط ما فيها من الجسمين السيالين، و الحال أنه ليس فيها مصلح حافظ لها من الأجسام، فيخرج مخبرا عن صلاحها و لا يدخلها جسماني من خارج فيفسدها فيخبر بعد خروجه عن فسادها، و هي تنفلق عن مثل ألوان الطواويس مع عدم علمنا بكيفية خلق أعضائها و أجزائها و كونها ذكرانا أو إناثا، فهذا كله دليل على أن ذلك ليس من فعل أمثالنا لعدم دخولنا فيها و خروجنا منها، و إصلاحنا لها و إفسادنا إياها و جهلنا بما هي مستعدة له من الصلاح و الفساد، و بما هي صالحة له من الذكر و الأنثى.

و الحاصل أن أمثال هذه الأمور إذا صدرت من أمثالنا فلا بد فيها من مباشرة و مزاولة و علم و خبر، و لا يجوز أيضا أن تتأنى بأنفسها أو من طبائعها العديمة للشعور، فلا بد من فاعل حكيم و صانع مدبر عليم، و لا يخفى لطف نسبة الإصلاح إلى ما يخرج منها و الإفساد إلى ما يدخل فيها، لأن هذا شأن أهل الحصن الحافظين له، و حال الداخل فيه بالقهر و الغلبة.

ص: 259

فِيهَا مُفْسِدٌ فَيُخْبِرَ عَنْ فَسَادِهَا لَا يُدْرَى لِلذَّكَرِ خُلِقَتْ أَمْ لِلْأُنْثَى تَنْفَلِقُ عَنْ مِثْلِ أَلْوَانِ الطَّوَاوِيسِ أَ تَرَى لَهَا مُدَبِّراً قَالَ فَأَطْرَقَ مَلِيّاً ثُمَّ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ وَ أَنَّكَ إِمَامٌ وَ حُجَّةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ وَ أَنَا تَائِبٌ مِمَّا كُنْتُ فِيهِ

5 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبَّاسِ بْنِ عَمْرٍو الْفُقَيْمِيِّ عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ فِي حَدِيثِ الزِّنْدِيقِ الَّذِي أَتَى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع وَ كَانَ مِنْ قَوْلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع

قوله عليه السلام تنفلق: لعله ضمن معنى الكشف.

قوله عليه السلام أ ترى له مدبرا: استفهام تقرير أو إنكار، أي لا ترى لها مدبرا من أمثالنا، فلا بد لها من مدبر غير مرئي و لا جسم و لا جسماني لا يحتاج علمه بالأشياء إلى الدخول فيها و الدنو منه مطلقا.

قوله عليه السلام فأطرق مليا: أي سكت ناظرا إلى الأرض زمانا طويلا.

الحديث السادس

: مجهول.

قوله عليه السلام لا يخلو قولك: أقول يمكن تقرير الاستدلال المذكور في هذا الخبر بوجوه، و لنشرها هنا إلى بعض براهين التوحيد على وجه الاختصار، ثم لنذكر ما يمكن أن يقال في حل هذا الخبر الذي هو من غوامض الأخبار، فأما البراهين.

فالأول: أنه لما ثبت كون الوجود عين حقيقة الواجب فلو تعدد لكان امتياز كل منهما عن الآخر بأمر خارج عن الذات فيكونان محتاجين في تشخصهما إلى أمر خارج، و كل محتاج ممكن.

الثاني: أنه لو كان لله سبحانه شريك لكان لمجموع الواجبين وجود غير وجود الآحاد، سواء كان ذلك الوجود عين مجموع الوجودين أو أمرا زائدا عليه، و لكان هذا الوجود محتاجا إلى وجود الأجزاء، و المحتاج إلى الغير ممكن محتاج إلى المؤثر و المؤثر في الشي ء يجب أن يكون مؤثرا في واحد من أجزائه، و إلا لم يكن

ص: 260

من الأجزاء لكون كل من الجزئين واجبا فالشريك يستلزم التأثير فيما لا يمكن التأثير فيه، أو إمكان ما فرض وجوبه إلى غير ذلك من المفاسد.

الثالث: برهان التمانع، و أظهر تقريراته أن وجوب الوجود يستلزم القدرة و القوة على جميع الممكنات قوة كاملة بحيث يقدر على إيجاده و دفع ما يضاده مطلقا، و عدم القدرة على هذا الوجه نقص، و النقص عليه تعالى محال ضرورة، بدليل إجماع العقلاء عليه، و من المحال عادة إجماعهم على نظري، و لئن لم يكن ضروريا فنظري ظاهر متسق الطريق، واضح الدليل و استحالة إجماعهم على نظري لا يكون كذلك أظهر، فنقول حينئذ لو كان في الوجود واجبان لكانا قويين و قوتهما يستلزم عدم قوتهما لأن قوة كل منهما على هذا الوجه يستلزم قوته على دفع الآخر عن إرادة ضد ما يريده نفسه من الممكنات، و المدفوع غير قوي بهذا المعنى الذي زعمنا أنه لازم لسلب النقص.

فإن قلت: هذا إنما يتم لو كان إرادة كل منهما للممكن بشرط إرادة الآخر لضده ممكنا و بالعكس، و ليس كذلك بل إرادة كل منهما له بشرط إرادة الآخر لضده ممتنع، و نظير ذلك أن إرادة الواجب للممكن بشرط وجود ضده محال، و لا يلزم منه نقص؟

قلت: امتناع الإرادة بشرط إرادة الآخر هو الامتناع بالغير، و امتناعه بالغير يحقق النقص و العجز، تعالى عن ذلك، و أما امتناع إرادة الشي ء بشرط وجود ضده فمن باب امتناع إرادة المحال الذاتي و إن كان امتناع الإرادة امتناعا بالغير، و مثله غير ملزوم للنقص، بخلاف ما نحن فيه، فإن المراد ممتنع بالغير.

فإن قلت: وجود الشي ء كما يمتنع بشرط ضده و نقيضه، كذلك يمتنع بشرط ملزوم ضده و نقيضه، و الأول امتناع بالذات، و الثاني امتناع بالغير، و كما أن إرادة

ص: 261

الأول منه تعالى محال و لا نقص فيه، كذلك إرادة الثاني، و ظاهر أن إرادة إيجاد الممكن بشرط إرادة الآخر له من قبيل الثاني، فينبغي أن لا يكون فيه نقص؟

قلت: فرق بين الأمرين، فإن وجود الممكن إذا قيد و اشترط بملزوم نقيضه كان ممتنعا و لو بالغير، و لم يتعلق به إرادة ضرورة، و أما إذا لم يقيد الوجود به بل أطلق، فغير ممتنع، فيمكن تعلق الإرادة به و لو في زمان وجود ملزوم النقيض بأن يدفع الملزوم و إن لم يندفع هو من قبل نفسه أو من دافع آخر، بخلاف إرادة الآخر له، فإنه لو لم يندفع من قبل نفسه و لم يدفعه دافع آخر لم يتعلق به الإرادة ضرورة، فهو مدفوع، و إلا فالآخر مدفوع، فصار حاصل الفرق حينئذ أن الصانع تعالى قادر على إيجاد أحد الضدين في زمان الضد الآخر بدون حاجة إلى واسطة غير مستندة إليه تعالى و هو أي الحاجة إلى الواسطة المستندة إلى الفاعل لا ينافي الاستقلال و القدرة كما لا ينافي الاحتياج إلى الواسطة المستندة إلى الذات الوجوب الذاتي، بخلاف ما نحن فيه، فإنه احتياج إلى واسطة غير مستندة إلى الذات.

لا يقال: لعل انتفاء إرادة الآخر واجب بنفسه، و لا نسلم منافاة توسط الواجب بالذات بين الفاعل و فعله، لاستقلاله و استلزامه النقص؟

لأنا نقول: الأول بين البطلان فإن تحقق إرادة الآخر و انتفائها ممكن في نفسه لكنه ينتفي فيما نحن فيه من قبل ذي الإرادة لو انتفى، فيكون واسطة ممكنة غير صادرة عن الفاعل و لا مستندة إليه، و أما الثاني فربما تدعي البداهة في استلزامه النقص و هو غير بعيد، و بهذا التقرير يندفع كثير من الشكوك و الشبه.

الرابع: تقرير آخر لبرهان التمانع ذكره المحقق الدواني و هو أنه لا يخلو أن يكون قدرة كل واحد منهما و إرادته كافية في وجود العالم، أو لا شي ء منهما كاف أو أحدهما كاف فقط، و على الأول يلزم اجتماع المؤثرين التأمين على معلول واحد، و على الثاني يلزم عجزهما لأنهما لا يمكن لهما التأثير إلا باشتراك الآخر، و على الثالث

ص: 262

لَا يَخْلُو قَوْلُكَ إِنَّهُمَا اثْنَانِ مِنْ أَنْ يَكُونَا قَدِيمَيْنِ قَوِيَّيْنِ أَوْ يَكُونَا ضَعِيفَيْنِ أَوْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا

لا يكون الآخر خالقا فلا يكون إليها" أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ".

لا يقال: إنما يلزم العجز إذا انتفت القدرة على الإيجار بالاستقلال، أما إذا كان كل منهما قادرا على الإيجاد بالاستقلال، و لكن اتفقا على الإيجاد بالاشتراك فلا يلزم العجز، كما أن القادرين على حمل خشبة بالانفراد قد يشتركان في حملها، و ذلك لا يستلزم عجزهما، لأن إرادتهما تعلقت بالاشتراك، و إنما يلزم العجز لو أراد الاستقلال و لم يحصل.

لأنا نقول: تعلق إرادة كل منهما إن كان كافيا لزم المحذور الأول و إن لم يكن كافيا لزم المحذور الثاني، و الملازمتان بينتان لا تقبلان المنع، و ما أوردت من المثال في سند المنع لا يصلح للسندية إذ في هذه الصورة ينقص ميل كل واحد منهما من الميل الذي يستقل في الحمل، قدر ما يتم الميل الصادر من الآخر حتى ينقل الخشبة بمجموع الميلين، و ليس كل واحد منهما بهذا القدر من الميل فاعلا مستقلا، و في مبحثنا هذا ليس المؤثر إلا تعلق القدرة و الإرادة و لا يتصور الزيادة و النقصان في شي ء منهما.

الخامس: أن كل من جاء من الأنبياء و أصحاب الكتب المنزلة إنما ادعى الاستناد إلى واحد استند إليه الآخر، و لو كان في الوجود واجبان لكان يخبر مخبر من قبله بوجوده و حكمه، و احتمال أن يكون في الوجود واجبا لا يرسل إلى هذا العالم أو لا يؤثر و لا يدبر أيضا فيه مع تدبيره و وجود خيره في عالم آخر أو عدمه مما لا يذهب إليه وهم واهم، فإن الوجوب يقتضي العلم و القدرة و غيرهما من الصفات، و مع هذه الصفات الكمالية يمتنع عدم الإعلام و نشر الآثار بحيث يبلغ إلينا وجوده، و أما ما زعمت الثنوية من الإله الثاني فليس بهذه المثابة، و مما يرسل و يحكم فيهم أن قالوا بوجود الواجب الآخر فقد نفوا لازمه، فهو باطل بحكم العقل، و قد أثبتنا في كتاب الروضة من كتاب بحار الأنوار فيما أوصى به أمير المؤمنين ابنه الحسن صلوات الله عليهما ما يومئ إلى هذا الدليل، حيث قال عليه السلام: و اعلم أنه لو كان لربك شريك لأتتك رسله،

ص: 263

قَوِيّاً وَ الْآخَرُ ضَعِيفاً فَإِنْ كَانَا قَوِيَّيْنِ فَلِمَ لَا يَدْفَعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ وَ يَتَفَرَّدُ

و لرأيت آثار ملكه و سلطانه، و لعرفت صفته و فعاله، و لكنه إله واحد كما وصف نفسه لإيراده في ذلك أحد، و لا يحاجه، و أنه خالق كل شي ء.

السادس: الأدلة السمعية من الكتاب و السنة و هي أكثر من أن تحصى و قد مر بعضها و لا محذور في التمسك بالأدلة السمعية في باب التوحيد، و هذه هي المعتمد عليها عندي و بسط الكلام في تلك الأدلة و ما سواها مما لم نشر إليها موكول إلى مظانها.

و لنرجع إلى حل الخبر و شرحه و قد قيل فيه وجوه:" الأول" أن المراد بالقوي القوي على فعل الكل بالإرادة مع إرادة استبداده به، و المراد بالضعيف الذي لا يقوى على فعل الكل و لا يستبد به و لا يقاوم القوي" فإن كانا قويين فلم لا يدفع كل منهما صاحبه و يتفرد به" أي يلزم من قوتهما انفراد كل بالتدبير و يلزم منه عدم وقوع الفعل، و إن زعمت أن أحدهما قوي و الآخر ضعيف، ثبت أنه واحد أي المبدأ للعالم واحد لعجز الضعيف عن المقاومة، و ثبت احتياج الضعيف إلى العلة الموجدة، لأن القوي أقوى وجودا من الضعيف، و ضعف الوجود لا تتصور إلا بجواز خلو المهية عن الوجود، و يلزم منه الاحتياج إلى المبدأ المبائن الموجد له، و إن قلت إنهما اثنان أي المبدأ اثنان، فهذا هو الشق الثاني، أي كونهما ضعيفين بأن يقدر و يقوى كل منهما على بعض أو يفعل بعضا دون بعض بالإرادة، و إن كان يقدر على الكل، و في هذا الشق لا يخلو من أن يكونا متفقين أي في الحقيقة من كل جهة و يلزم من هذا عدم الامتياز بالتعين للزوم المغايرة بين الحقيقة و التعينين المختلفين، و استحالة استنادهما إلى الحقيقة و استحالة استنادهما إلى الغير، فيكون لهما مبدء أو مختلفين مفترقين من كل جهة، و ذلك معلوم الانتفاء فإنا لما رأينا الخلق منتظما و الفلك جاريا و التدبير واحدا و الليل و النهار و الشمس و القمر، دل صحة الأمر و التدبير و ائتلاف الأمر على أن المدبر واحد لا اثنان مختلفان من كل جهة، ثم ذلك المدبر الواحد لا يجوز أن يكون واحدا بجهة من حيث الحقيقة مختلفا بجهة أخرى، فيكون المدبر

ص: 264

بِالتَّدْبِيرِ وَ إِنْ زَعَمْتَ أَنَّ أَحَدَهُمَا قَوِيٌّ وَ الْآخَرَ ضَعِيفٌ ثَبَتَ أَنَّهُ وَاحِدٌ كَمَا نَقُولُ

اثنين و يلزمك إن ادعيت اثنين فرجة ما بينهما، لأن لهما وحدة فلا يتمايزان إلا بمميز فاصل بينهما حتى يكونا اثنين، لامتناع الاثنينية بلا مميز بينهما، و عبر عن الفاصل المميز بالفرجة، حيث أن الفاصل بين الأجسام يعبر عنه بالفرجة و أولئك الزنادقة لم يكونوا يدركون غير المحسوسات تنبيها على أنكم لا تستحقون أن تخاطبوا إلا بما يليق استعماله في المحسوسات، و ذلك المميز لا بد أن يكون وجوديا داخلا، في حقيقة أحدهما إذ لا يجوز التعدد مع الاتفاق في تمام الحقيقة كما ذكرنا، و لا يجوز أن يكون ذلك المميز ذا حقيقة يصح انفكاكها عن الوجود و خلوها عنه و لو عقلا و إلا لكان معلولا محتاجا إلى المبدأ فلا يكون مبدء و لا داخلا فيه، فيكون المميز الفاصل بينهما قديما موجودا بذاته كالمتفق فيه، فيكون الواحد المشتمل على المميز الوجودي اثنين لا واحدا، و يكون الاثنان اللذان ادعيتهما ثلاثة، فإن قلت به و ادعيت ثلاثة لزمك ما قلت في الاثنين من تحقق المميز بين الثلاثة، و لا بد من مميزين وجوديين حتى يكون بين الثلاثة فرجتان، و لا بد من كونها قد يمين كما مر فيكونوا خمسة و هكذا.

ثم يتناهى في العدد إلى ما لا نهاية له في الكثرة، أي يتناهى الكلام في التعدد إلى القول بما لا نهاية له في الكثرة، أو يبلغ عدده إلى كثرة غير متناهية، أو المراد أنه يلزمك أن يتناهى المعدود المنتهى ضرورة بمعروض ما ينتهي إليه العدد أي الواحد إلى كثير لا نهاية له في الكثرة فيكون عددا بلا واحد و كثرة بلا وحدة، و على هذا يكون الكلام برهانيا لا يحتاج إلى ضميمة، و على الأولين يصير بضم ما ذكرناه من ثالث الاحتمالات برهانيا.

الثاني: أن يكون إشارة إلى ثلاثة براهين، و تقرير الأول- بعد ما تقرر أن ما لا يكون قويا على إيجاد أي ممكن كان، لا يكون واجبا بالذات- أن يقال لا يصح أن يكون الواجب بالذات اثنين، و إلا كان كل منهما قويا على إيجاد أي ممكن كان، و كل ممكن بحيث يكون استناده إلى أي منهما كافيا في تصحيح خروجه من القوة إلى الفعل، و حينئذ لم يكن محيص إما من لزوم استناد كل معلول شخصي إلى علتين

ص: 265

لِلْعَجْزِ الظَّاهِرِ فِي الثَّانِي فَإِنْ قُلْتَ إِنَّهُمَا اثْنَانِ لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَا مُتَّفِقَيْنِ مِنْ

مستبدتين بالإفاضة، و ذلك محال، أو من لزوم الترجيح بلا مرجح و هو فطري الاستحالة أو من كون أحدهما غير واجب بالذات و هو خلاف المفروض، و هذا البرهان يتم عند قوله عليه السلام للعجز الظاهر في الثاني.

و قوله عليه السلام: و إن قلت: إلى قوله: على أن المدبر واحد، إشارة إلى برهان ثان و هو أحد الوجوه البرهانية في قوله تعالى" لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا".

و تلخيص تقريره أن التلازم بين أجزاء النظام الجملي المنتظم المتسق كما بين السماء و الأرض مثلا على ما قد أحقته القوانين الحكمية لا يستتب إلا بالاستناد إلى فاعل واحد يصنع الجميع بحكمته و قدرته، إذ التلازم بين الشيئين لا يتصحح إلا بعلية أحدهما للآخر أو بمعلوليتهما لعلة واحدة موجبة، فلو تعدد اختل الأمر و فسد النظام، و تقرير الثالث هو أنك لو ادعيت اثنين كان لا محالة بينهما انفصال في الوجود، و افتراق في الهوية و يكون هناك موجود ثالث هو المركب من مجموع الاثنين، و هو المراد بالفرجة لأنه منفصل الذات و الهوية، و هذا المركب لتركبه عن الواجبات بالذات المستغنيات عن الجاعل، موجود لا من تلقاء الصانع إذ افتقار المركب إلى الجاعل بحسب افتقار أجزائه فإذا لم تفتقر أجزاؤه لم يفتقر هو بالضرورة فإذا قد لزمك أن يكون هذا الموجود الثالث أيضا قديما فيلزمك ثلاثة و قد ادعيت اثنين و هكذا، و يرد عليه مع بعد إطلاق الفرجة بهذا المعنى أنه يلزم في الفرق الثاني سبعة لا خمسة.

الثالث: أن يكون إشارة إلى حجتين إحداهما عامية مشهورية، و الأخرى خاصية برهانية، أما الأولى فقوله: لا يخلو قولك- إلى قوله- في الثاني، و معناه أنه لو فرض قديمان فلا يخلو أن يكون كلاهما قويا و الآخر ضعيفا و الثلاثة بأسرها باطلة، أما الأول فلأنه إذا كانا قويين و كل منهما في غاية القوة من غير ضعف و عجز كما هو

ص: 266

كُلِّ جِهَةٍ أَوْ مُفْتَرِقَيْنِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ فَلَمَّا رَأَيْنَا الْخَلْقَ مُنْتَظِماً وَ الْفَلَكَ جَارِياً وَ التَّدْبِيرَ

المفروض، و القوة يقتضي الغلبة و القهر على كل شي ء سواه، فما السبب المانع لأن يدفع كل واحد منهما صاحبه حتى ينفرد بالتدبير و القهر على غيره، إذ اقتضاء الغلبة و الاستعلاء مركوزة في كل ذي قوة على قدر قوته، و المفروض أن كلا منهما في غاية القوة و أما فساد الشق الثاني فهو ظاهر عند جمهور الناس لما حكموا بالفطرة من أن الضعف ينافي الإلهية و لظهوره لم يذكره عليه السلام، و أيضا يعلم فساده بفساد الشق الثالث و هو قوله:

و إن زعمت أن أحدهما قوي و الآخر ضعيف ثبت أنه أي الإله واحد كما نحن نقول للعجز الظاهر في المفروض ثانيا، لأن الضعف منشأ العجز و العاجز لا يكون إلها بل مخلوقا محتاجا لأنه محتاج إلى من يعطيه القوة و الكمال و الخيرية و أما الحجة البرهانية فأشار إليها بقوله: و إن قلت إنهما اثنان، و بيانه: أنه لو فرض موجودان قديمان فإما أن يتفقا من كل جهة أو يختلفا من كل جهة، أو يتفقا بجهة و يختلفا بأخرى، و الكل محال أما بطلان الأول فلان الاثنينية لا تتحقق إلا بامتياز أحد الاثنين عن صاحبه، و لو بوجه من الوجوه، و أما بطلان الثاني فلما نبه عليه بقوله:

فلما رأينا الخلق منتظما.

و تقريره أن العالم كله كشخص واحد كثير الأجزاء و الأعضاء، مثل الإنسان، فإنا نجد أجزاء العالم مع اختلاف طبائعها الخاصة و تباين صفاتها و أفعالها المخصوصة يرتبط بعضها ببعض و يفتقر بعضها إلى بعض، و كل منهما يعين بطبعه صاحبه، و هكذا نشاهد الأجرام العالية و ما ارتكز فيها من الكواكب المنيرة في حركاتها الدورية و أضوائها الواقعة منها نافعة للسفليات محصلة لأمزجة المركبات التي يتوقف عليها صور الأنواع و نفوسها، و حياة الكائنات و نشو الحيوان و النبات، فإذا تحقق ما ذكرنا من وحدة العالم لوحدة النظام و اتصال التدبير دل أن إلهه واحد، و إليه أشار بقوله:

دل صحة الأمر و التدبير و ائتلاف الأمر على أن المدبر واحد، و أما بطلان الشق

ص: 267

وَاحِداً وَ اللَّيْلَ وَ النَّهَارَ وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ دَلَّ صِحَّةُ الْأَمْرِ وَ التَّدْبِيرِ وَ ائْتِلَافُ الْأَمْرِ عَلَى أَنَّ الْمُدَبِّرَ وَاحِدٌ ثُمَّ يَلْزَمُكَ إِنِ ادَّعَيْتَ اثْنَيْنِ فُرْجَةٌ مَا بَيْنَهُمَا حَتَّى يَكُونَا اثْنَيْنِ فَصَارَتِ

الثالث و هو أنهما متفقان من وجه و مختلفان من وجه آخر، فبأن يقال كما أشار إليه عليه السلام بقوله: ثم يلزمك، أنه لا بد فيهما من شي ء يمتاز به أحدهما عن صاحبه و صاحبه عنه، و ذلك الشي ء يجب أن يكون أمرا وجوديا يوجد في أحدهما و لم يوجد في الآخر، أو أمران وجوديان يختص كل منهما بواحد فقط، و أما كون الفارق المميز لكل منهما عن صاحبه أمرا عدميا فهو ممتنع بالضرورة، إذ الأعدام بما هي إعدام لا تمايز بينها، و لا تميز بها فإذا فرض قديمان فلا أقل من وجود أمر ثالث يوجد لأحدهما و يسلب عن الآخر، و هو المراد بالفرجة إذ به يحصل الانفراج أي الافتراق بينهما، لوجوده في أحدهما و عدمه في الآخر و هو أيضا لا محالة قديم موجود معهما، و إلا لم يكونا اثنين قديمين، فيلزم أن يكون القدماء ثلاثة و قد فرض اثنان و هذا خلف، ثم يلزم من كونهم ثلاثة أن يكونوا خمسة و هكذا إلى أن يبلغ عددهم إلى ما لا نهاية له و هو محال.

أقول: الأظهر على هذا التقرير أن يحمل الوحدة في قوله عليه السلام على أن المدبر واحد، على الأعم من الوحدة النوعية و الشخصية، و لو حملت على الشخصية يمكن أن يستخرج منه ثلاث حجج لهذا التقرير و لا يخفى توجيهها.

الرابع: أن يكون إشارة إلى ثلاث حجج لكن على وجه آخر و تقرير الأول:

أنه لو كان اثنين فإما أن يكونا قويين أي مستقلين بالقدرة على ممكن في نفسه، سواء كان موافقا للمصلحة أو مخالفا، و هو إنما يتصور بكونهما قديمين، و إما أن يكونا ضعيفين أي غير مستقلين بالقدرة على ممكن ما في نفسه، و إما أن يكون أحدهما قويا على دفع الآخر من أن يصدر عنه مراد الأول بعينه أو مثله أو ضده في محله، لأن عدم المنافي شرط في صدور كل ممكن، و عدم القوة على الشرط ينافي القوة على المشروط، و لا شك أن المدفوع كذلك ضعيف مسخر فقوة كل منهما في فعل صدر عنه يستلزم دفعه الآخر فيه، و ضعف ذلك الآخر، و في فعل تركه حتى فعل الآخر ضده يستلزم

ص: 268

الْفُرْجَةُ ثَالِثاً بَيْنَهُمَا قَدِيماً مَعَهُمَا فَيَلْزَمُكَ ثَلَاثَةٌ فَإِنِ ادَّعَيْتَ ثَلَاثَةً لَزِمَكَ مَا قُلْتَ فِي الِاثْنَيْنِ حَتَّى تَكُونَ بَيْنَهُمْ فُرْجَةٌ فَيَكُونُوا خَمْسَةً ثُمَّ يَتَنَاهَى فِي الْعَدَدِ إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ

تمكينه الآخر في فعله، و هذا تفرد بالتدبير فالاستفهام في لم لا يدفع إنكاري أي معلوم ضرورة أنه يدفع كل منهما الآخر و يتفرد بالتدبير، و بطلان الشق الثالث لكونه مستلزما لعجز أحدهما أي ضعفه و عدم كونه ممن ينتهي إليه شي ء من تدبير العالم يستلزم بطلان الشق الثاني بطريق أولى، و تقرير الثاني هو أنه لو كان المدبر اثنين فنسبة معلول معلول إليهما إما متساوية من جميع الوجوه بأن لا يكون في واحد منهما ما يختص به و يرجح صدورها عنه على صدورها عن الآخر من الداعي و المصلحة و نحوهما، و إما غير متساوية من جميع الوجوه، و كلاهما باطل، أما الأول فلأنه إما أن يكون ترك كل منهما لذلك المعلول مستلزما لفعل الآخر إياه لحكمة كل منهما أم لا، فعلى الأول إحداث أحدهما ذلك المعلول يستلزم الترجيح بلا مرجح لأن إحداث كل منهما ذلك المعلول ليس أولى بوجه من تركه إياه مع إحداث الآخر إياه، و على الثاني إما أن يكون ترك التارك له مع تجويزه الترك على الآخر قبيحا و خلاف الحكمة أم لا و الأول يستلزم النقص، و الثاني يستلزم عدم إمكان رعاية المصالح التي لا تحصى في خلق العالم، لأنه اتفاقي حينئذ و معلوم بديهة أن الاتفاقي لا يكون منتظما في أمر سهل كصدور مثل قصيدة من قصائد البلغاء المشهورين عمن لم يمارس البلاغة، و إن كان يمكن أن يصدر عنه اتفاقا مصراع بليغ أو مصراعان، فضلا عما نحن فيه، و أما بطلان الثاني فلأنه يستلزم أن يكون مختلفة من جميع الوجوه بأن لا يكون أحدهما قادرا عليه أصلا، لأن اختلاف نسبة قادرين إلى معلول واحد شخصي إنما يتصور فيما يمكن أن يكون صدوره عن أحدهما أصلح و أنفع من صدوره عن الآخر، و هذا إنما يتصور فيما كان نفع فعله راجعا إليه كالعباد، و أما إذا كان القادران بريئين من الانتفاع كما فيما نحن فيه فلا يتصور ذلك فيه بديهة، و ينبه عليه أن الغني المطلق إنما يفعل ما هو الخير في نفسه من غير أن يكون له فيه نفع، سواء كان لغيره فيه نفع

ص: 269

فِي الْكَثْرَةِ قَالَ هِشَامٌ فَكَانَ مِنْ سُؤَالِ الزِّنْدِيقِ أَنْ قَالَ

كما في ثواب المطيع أو لم يكن، و مثاله عقاب الكافر إن لم يكن للمطيعين فيه نفع، و تقرير الثالث: أنه إن كان المدبر اثنين فنسبة معلول إليهما إما متساوية من جميع الوجوه أو لا، و كلاهما باطل، أما الأول فلان صدور بعض المعلولات عن أحدهما و بعض آخر منها عن الآخر منهما حينئذ يحتاج إلى ثالث هو الفرجة بينهما، أي ما يميز و يعين كل معلول معلول لواحد معين منهما حتى يكون المدبران اثنين، لامتناع الترجيح من جهة الفاعلين بلا مرجح، أي بلا داع أصلا كما هو المفروض، فيلزم خلاف الفرض، و هو أن يكون المدبر ثلاثة ثم ننقل الكلام إلى الثلاثة و هكذا إلى ما لا نهاية له في الكثرة، و يلزم التسلسل، و إنما لم يكتف عليه السلام بعد نقل الكلام إلى الثلاثة بالاحتياج إلى فرجة واحدة للتمييزين حتى يكون المجموع أربعة لا خمسة، و إن كان المطلوب و هو لزوم التسلسل حاصلا به أيضا، لأن هناك ثلاثة تميزات و تخصيص واحد منهما بمميز كما هو المفروض، و اشتراك اثنين منهما بواحد مع اتحاد النسبة تحكم و أما بطلان الثاني فلما مر في بيان بطلان الشق الثاني من الدليل الثاني.

أقول: لا يخفى بعد هذا التقرير عن الأفهام و احتياجه إلى تقدير كثير من المقدمات في الكلام.

الخامس: أن يكون الأول إشارة إلى برهان التمانع بأحد تقريراته المشهورة و الثاني إلى التلازم كما مر و الثالث يكون إلزاما على المجسمة المشركة القائلين بإلهين مجسمين متباعدين في المكان كما هو الظاهر من كلام المجوس لعنهم الله و يكون الفرجة محمولة على معناها المتبادر من جسم يملأ البعد بينهما لبطلان الخلاء، أو سطح فاصل بينهما لتحقق الاثنينية.

السادس: أن يكون إشارة إلى ثلاثة براهين على وجه قريب من بعض الوجوه السابقة، و تقرير الأول أنه لو كان المبدأ الأول الإله الحق الصانع للعالم اثنين فلا يخلو من أن يكون كل واحد منهما قديما بالذات قويا قادرا على إيجاد كل ممكن بحيث تكون قدرة كل واحد منهما و حكمته و إرادته مع تعلق إرادته كافية.

ص: 270

في وجود جميع العالم على الوجه الأصلح المشتمل على الحكم و المصالح التي لا تعد و لا تحصى كما هو واقع كذلك أو لا يكون كل واحد منهما كذلك و حينئذ إما أن يكون كل منهما ضعيفا عن إيجاد جميع العالم بانفراده كذلك أو يكون أحدهما قويا على ذلك و الآخر ضعيفا عنه، فأما على الأول فلم لا يدفع كل منهما صاحبه عن إيجاد العالم و ينفرد بالتدبير و الإيجاد، حتى يلزم منه عدم العالم بالكلية لاستحالة توارد العلتين المستقلتين على معلول واحد شخصي أي على مجموع العالم لأنه بمنزلة واحد شخصي، بل على كل واحد من أجزائه أيضا و إيجاد هذا مانع عن إيجاد ذلك و بالعكس فيتحقق التمانع بينهما، و يلزم على تقدير إيجادهما العالم عدم إيجادهما له، فيلزم من تعدد الصانع تعالى عدم العالم رأسا كما نزل عليه قوله سبحانه" لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا" و على الثاني و هو أن لا يكون كل منهما كافيا في وجود جميع العالم على الوجه الواقع عليه سواء كلي عدم كفايته فيه باعتبار عدم شمول قدرته أو حكمته أو إرادته أو عدم شمول تعلق إرادته عليه، يلزم أن يكونا ضعيفين ناقصين عاجزين باعتبار أي صفة كانت بالضرورة، و ما يكون كذلك لا يكون مبدءا أولا و صانعا للعالم صالحا للإلهية و هذا خلف، و توضيح ذلك أن عدم تفرد كل منهما بخلق جميع العالم على الوجه الأصلح الذي لا يمكن أن يكون أصلح منه و شركتهما في خلقه إما أن يكون كل منهما ضعيفا عن إيجاد جميع العالم بانفراده كذلك أو يكون أحدهما قويا على ذلك و الآخر ضعيفا عنه، فأما على الأول فلم لا يدفع كل منهما صاحبه عن إيجاد العالم و ينفرد بالتدبير و الإيجاد، حتى يلزم منه عدم العالم بالكلية لاستحالة توارد العلتين المستقلتين على معلول واحد شخصي أي على مجموع العالم لأنه بمنزلة واحد شخصي، بل على كل واحد من أجزائه أيضا و إيجاد هذا مانع عن إيجاد ذلك و بالعكس فيتحقق التمانع بينهما، و يلزم على تقدير إيجادهما العالم عدم إيجادهما له، فيلزم من تعدد الصانع تعالى عدم العالم رأسا كما نزل عليه قوله سبحانه" لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا" و على الثاني و هو أن لا يكون كل منهما كافيا في وجود جميع العالم على الوجه الواقع عليه سواء كلي عدم كفايته فيه باعتبار عدم شمول قدرته أو حكمته أو إرادته أو عدم شمول تعلق إرادته عليه، يلزم أن يكونا ضعيفين ناقصين عاجزين باعتبار أي صفة كانت بالضرورة، و ما يكون كذلك لا يكون مبدءا أولا و صانعا للعالم صالحا للإلهية و هذا خلف، و توضيح ذلك أن عدم تفرد كل منهما بخلق جميع العالم على الوجه الأصلح الذي لا يمكن أن يكون أصلح منه و شركتهما في خلقه إما أن يكون على وجه الاضطرار لعدم تمكن كل منهما على الانفراد عن ذلك أو على وجه الإرادة و الاختيار، و على الأول العجز و الضعف و النقص ظاهر، لأن جميع العالم على هذا الوجه ممكن، فكل منهما لا يقدر على كل ممكن، و على الثاني فإما يكون في شركتهما حكمة و مصلحة لا تكون تلك الحكمة و المصلحة في الانفراد أم لا، و على الأول يلزم أن يكون كل واحد منهما بانفراده فائتا لتلك الحكمة و المصلحة و هذا أيضا ضعف و عجز و نقص في كل واحد منهما بالضرورة، بل هذا القسم أيضا راجع إلى الشق الأول كما لا يخفى، و على الثاني يلزم أن تكون شركتهما سفها و عبثا فيلزم خلوهما عن الحكمة و هو ضعف و عجز عن رعاية الحكمة

ص: 271

و على الثالث و هو أن يكون أحدهما قديما بالذات قويا قادرا على إيجاد جميع العالم كافيا فيه يلزم المطلوب و هو وحدة صانع العالم للعجز الظاهر في الضعيف، و كل عاجز و ناقص ممكن لا يصلح أن يكون مبدءا و لا صانعا للعالم صالحا للألوهية، و لما كان فساد القسم الثاني يظهر من بيان فساد القسم الثالث لم يتعرض عليه السلام للتصريح به.

و تقرير الثاني أنك إن قلت أن الإله الحق الصانع المدبر له اثنان، لم يخل من أن يكونا متفقين من جميع الوجوه أي الذات و الصفات بحيث لا تمايز بينهما أصلا، فيلزم وحدة الاثنين و ارتفاع الاثنينية من البين، و هو بديهي البطلان، و لظهور فساده لم يتعرض عليه السلام له، أو يكونان متفرقين من جهة سواء كان في ذاتهما أو في صفاتهما أو فيهما معا، أي لا يكونا متفقين من جميع الجهات ليكون الحصر حاصرا فهو باطل لأنه يلزم من تعدده فساد العالم و خروجه عن النظام الذي هو عليه و بطل الارتباط الذي بين أجزاء العالم، و اختل انتظامها و اتساقها فلم يكن بينهما هذا النظام كما تشهد به الفطرة السليمة، و نطق به الآية الكريمة، و إليه أشار بقوله عليه السلام لأنا لما رأينا الخلق منتظما. إلى آخره.

و تقرير الثالث أنه لو كان الواجب بالذات اثنين يلزمك أن يكون بينهما فرجة أي مائز يمتاز به أحدهما عن الآخر بوجوده، و الآخر بعدمه، لا أقل من ذلك حتى يتحقق بينهما الاثنينية لاشتراكهما في حقيقة وجوب الوجود، و لا يجوز أن يكون ذلك المميز ذا حقيقة يصح انفكاكها عن الوجود و خلوها عنه و لو عقلا و بحسب التصور و إلا لكان معلولا محتاجا إلى المبدأ، فلا يكون مبدءا أولا و لا داخلا فيه، فيكون المميز أيضا موجودا قديما بذاته كما به الاشتراك، فيكون ما فرضت اثنين ثلاثة و ننقل الكلام إلى الثلاثة و تحتاج إلى مائزين وجوديين ليمتاز الثالث عنهما بعد مهما، فتكون الثلاثة خمسة، و ننقل الكلام إلى المائزين و هكذا إلى آخر ما مر من التقرير في الوجه الأول.

السابع أن يوجه الثالث بأنه لو كان الصانع سبحانه اثنين يلزم منه أن يكون

ص: 272

العالم اثنين، لأنه يجب أن يوجد كل واحد منهما عالما تاما مشتملا على جميع ما في هذا العالم من الحكم و المصالح و إلا فيكون كلاهما أو أحدهما ناقصا بوجه من الوجوه بالضرورة و النقص فيه محال، و من ذلك يلزم أن يكون العالم الجسماني اثنين، و من اثنينيته يلزم اثنينية الفلك الأعلى، و يحيط كل واحد منه بجميع أجسام عالمه و هما كرتان، فبالضرورة يتحقق بينهما بعد و فرجة واحدة، لو لم تكن الكرتان متماستين أو فرجتان لو كانتا متماستين بنقطة واحدة، و لاستحالة الخلاء يجب أن يكون الشاغل لتلك الفرجة جسما آخر و لوجوب استناد الجسم إلى مجرد منته إليه يجب أن تكون علته و صانعه واجبا و يجب أن يكون ثالث الصانعين المفروضين، لأن ذلك الجسم خارج عن جميع مخلوقات كل واحد منهما، لأن عالمه عبارة عن جميع مخلوقاته، و على هذا فيلزم أن يكون ذلك الجسم المالي لتلك الفرجة عالما جسمانيا آخر، مثل هذا العالم و إلا يلزم النقص في صانعه الذي هو واجب بالذات بوجه من الوجوه، و النقص في الواجب محال فمن اثنينية الصانع يلزم الفرجة بين العالمين الجسمانيين و هي مستلزمة لوجود صانع واجب آخر موجد لعالم جسماني آخر شاغل لها، و من وجود العالم الجسماني الثالث تلزم فرجتان أخريان مستلزمتان لصانعين آخرين و هكذا إلى غير النهاية، و ذلك باطل من وجهين أما أولا فلاستلزامه وجود البعد الغير المتناهي و هو محال، و أما ثانيا فللزوم التسلسل لتحقق اللزوم بين العالمين و بين العالم الثالث، و كذا بينه و بين العالمين الآخرين و هكذا، و ذلك كاف في تحقق التسلسل المحال، و على هذا فقوله عليه السلام فرجة ما بينهما أي فرجة ما بين عالميهما الجسمانيين. و قوله عليه السلام فصارت الفرجة ثالثا بينهما قديما معهما، أي فصارت علة شاغل الفرجة ثالثا بين الصانعين قديما بالذات معهما، فيلزمك أن يكون الصانع القديم ثلاثة، و قوله عليه السلام: حتى يكون بينهم فرجتان أي حتى يكون بين مصنوعيهما فرجتان شاغلتان لعالمين جسمانيين آخرين، فيكون الصانع خمسة، و هكذا يزيد عدده بإزاء الفرج الحاصلة بين الكرات و لا يخفى عليك ما فيه من التكلفات.

ص: 273

فَمَا الدَّلِيلُ عَلَيْهِ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع وُجُودُ الْأَفَاعِيلِ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ صَانِعاً صَنَعَهَا أَ لَا تَرَى أَنَّكَ إِذَا نَظَرْتَ إِلَى بِنَاءٍ مُشَيَّدٍ مَبْنِيٍّ عَلِمْتَ أَنَّ لَهُ بَانِياً وَ إِنْ كُنْتَ لَمْ تَرَ الْبَانِيَ وَ لَمْ تُشَاهِدْهُ قَالَ فَمَا هُوَ قَالَ شَيْ ءٌ بِخِلَافِ الْأَشْيَاءِ ارْجِعْ بِقَوْلِي

قوله: فما الدليل عليه: يعني بما ذكرت قد ثبت وحدة المبدأ الأول للعالم على تقدير وجوده، فما الدليل على وجوده؟ فأجاب عليه السلام بأن الأفاعيل و هي جمع أفعولة و هو الفعل العجيب الذي روعي فيه الحكمة، كخلق الإنسان و عروقه و أحشائه و عضلاته و آلات القبض و البسط و نحو ذلك، مما لا يتأتى إلا من قادر حكيم، و نبه عليه بأنك إذا نظرت إلى بناء مشيد. أي مطول و مستحكم، و لما كان البناء قد يستعمل لغير المبني كالمعنى المقابل للهدم و غيره أردفه بقوله: مبني، أو المعنى مبني لإنسان لا الأبنية التي تكون في الجبال، لا يعلم كونه مبينا لإنسان" علمت أن له بانيا" فإذا كنت تحكم في البناء التي يتأتى من الإنسان بأن له بانيا البتة من نوع الإنسان، و لا يجوز حصوله بغير بان، فلم لا تحكم في البناء الذي تعلم أن بانية أرفع و أقدر و أحكم من الإنسان بوجود الباني، و تجوز وجوده من غير بأن و موجد و خالق، و قوله: فما هو؟ إما سؤال عن حقيقته بالكنه، ففي الجواب إشارة إلى أنه لا يمكن معرفته بالكنه و إنما يعرف بوجه يمتاز به عن جميع ما عداه، أو سؤال عن حقيقته بالوجه الذي يمتاز به عن جميع ما عداه، و على التقديرين فالجواب بيان الوجه الذي به يمتاز عما عداه، و هو أنه شي ء بخلاف الأشياء، أي لا يمكن تعقل ذاته إلا بهذا الوجه، و هو أنه موجود بخلاف سائر الموجودات في الذات و الصفات، و في نحو الاتصاف بها، و قوله: ارجع على صيغة الأمر أو المتكلم وحده بقولي: و هو أنه شي ء بخلاف الأشياء إلى إثبات معنى للذات أو إلى إثبات موجود في الخارج، و مقصود باللفظ فيه، و إلى أنه شي ء بحقيقة الشيئية أعلم أن الشي ء مساو للوجود إذا أخذ الوجود أعم من الذهني و الخارجي، و المخلوط بالوجود من حيث الخلط شي ء و شيئيته كونه مهية قابلة له، و قيل: إن الوجود عين الشيئية فالمراد بقوله بحقيقة الشيئية أي بالشيئية الحقة الثابتة له في حد ذاته لأنه

ص: 274

إِلَى إِثْبَاتِ مَعْنًى وَ أَنَّهُ شَيْ ءٌ بِحَقِيقَةِ الشَّيْئِيَّةِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا جِسْمٌ وَ لَا صُورَةٌ وَ لَا يُحَسُ

تعالى هو الذي يحق أن يقال أنه شي ء أو موجود، لكون وجوده بذاته ممتنع الانفكاك عنه، و غيره تعالى في معرض الفناء و العدم، و ليس وجودهم إلا من غيرهم، أو المراد أنه تجب معرفته بمحض أنه شي ء إلا أن يثبت له حقيقة معلومة مفهومة يتصدى لمعرفتها، فإنه يمتنع معرفة كنه ذاته و صفاته تعالى.

و قيل: إشارة إلى أن الشيئية أي الوجود أو ما يساوقه عين ذاته تعالى فهي شيئية قائمة بذاتها كما أن حقيقة الوجود المجهول الكنه المعلوم بالوجه بديهة عينه تعالى، و هو وجود قائم بنفسه، فهو تعالى شي ء بحقيقة الشيئية التي هي عينه كما أنه موجود بحقيقة الوجود الذي هو عينه، بخلاف ما عداه من الممكنات المعلولة، فإنه شي ء بالانتساب إلى الشيئية الحقيقية كما أنه موجود بالانتساب إلى حضرة الوجود، لا موجود بنفس الوجود، و إن لم يكن حقيقة ذلك الانتساب معلوما لنا، أو معناه أن الشيئية لا يمكن انتزاعها منه تعالى انتزاعا بتجرد ذاته عن الشيئية و لو في اللحاظ العقلي، بل ذاته بذاته حيثيته انتزاع الشيئية منه، كما أن ذاته بذاته حيثيته انتزاع الوجود منه، فهو كما أنه موجود بذاته شي ء بذاته، و هذا معنى عينية الشيئية و الوجود لذاته تعالى عند جماعة من المحققين بخلاف المهيات الممكنة فإنها كما تصير في اللحاظ العقلي مجردة عن الوجود و بعقل غير مخلوطة به و لا تكون بذاتها حيثيته انتزاع الوجود، بل إنما جعلها الجاعل بحيث يصح انتزاعه منها كذلك تصير في اللحاظ العقلي مجردة عن الشيئية و تعقل غير مخلوط بها و لا تكون بذاتها حيثيته انتزاع الشيئية بل إنما جعلها الجاعل بحيث يصح انتزاعها منها فهي كما أنها موجود بغيرها شي ء بغيرها، ثم لما بين عليه السلام أنه شي ء بحقيقة الشيئية نفي عنه جميع ما عداه من ذوات الممكنات المعلولة كالجسم و الصورة و أمثالها، و صفاتها كالإحساس و الإجساس و نحو ذلك لأن الممكن لا يكون شيئا بحقيقة الشيئية، بل إنما يكون شيئا بالانتساب إلى الشيئية أو بالاتصاف بها بجعل الجاعل لا بذاته، فظهر أن نفي الجسم و الصورة و نفي

ص: 275

وَ لَا يُجَسُّ وَ لَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ الْخَمْسِ لَا تُدْرِكُهُ الْأَوْهَامُ وَ لَا تَنْقُصُهُ الدُّهُورُ وَ لَا تُغَيِّرُهُ الْأَزْمَانُ

6 مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ حَدَّثَنِي عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ النُّعْمَانِ عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ فَرْقَدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ كَفَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ بِخَلْقِ الرَّبِّ الْمُسَخِّرِ

بعض صفات الممكنات عنه تعالى هاهنا على سبيل التمثيل، و لا يحس أي ليس من شأنه أن يدرك بحاسة البصر كما ذكره بعض أهل اللغة، أو أعم منه، و لا يجس أي لا يمكن مسه باليد، قال في القاموس: الجس المس باليد كالإجساس و لا يدرك بالحواس الخمس أي الظاهرة، لتجرده و خلوه عن الكيفيات مطلقا لا سيما المحسوسة، فهذا من قبيل التعميم بعد التخصيص.

ثم نفي كونه محسوسا بالحواس الباطنة بقوله لا تدركه الأوهام، لأن الوهم رئيس الحواس الباطنة، يدرك بعض الجزئيات بواسطة بعض الحواس كالصور الجزئية بوساطة الحس المشترك و يدرك المعاني الجزئية المادية بلا واسطة فنفى كونه مدركا بالوهم يستلزم كونه غير مدرك بشي ء من الحواس الباطنة مع أنه في اللغة يطلق الوهم على جميع الحواس الباطنة، بل على ما يعم العقل أيضا أحيانا.

و لا تنقصه الدهور: أي بالهرم و ضعف القوي، و نحو ذلك، و لا تغيره الأزمان بحصول الأوصاف الخالية عنها فيه أو بزوال الأوصاف الحاصلة فيه عنه، و قيل: المراد نفي الدهر عنه و هو ظرف الثابت بالنسبة إلى المتغير، و نفي الزمان عنه، و هو ظرف نسبة المتغير إلى المتغير.

الحديث السابع

مجهول.

" كفى لأولي الألباب" أي لأرباب العقول، و المراد بالخلق أما الإنشاء و الإبداع أو المخلوق، و قيل: المراد به التقدير من خلقت الأديم إذا قدرته، و على الأول و الثالث فالمسخر اسم فاعل صفة للخلق أو الرب، و على الثاني اسم مفعول صفة للخلق، و يحتمل

ص: 276

وَ مُلْكِ الرَّبِّ الْقَاهِرِ وَ جَلَالِ الرَّبِّ الظَّاهِرِ وَ نُورِ الرَّبِّ الْبَاهِرِ وَ بُرْهَانِ الرَّبِ

على الأول و الثالث أيضا ذلك بأن يكون مفعولا للخلق لكنه بعيد جدا و لا ريب في أن كل مخلوق مقهور مذلل تحت قدرة خالقه و قاهره لا يملك لنفسه ما يخلصه من القهر و الغلبة فهو مسخر له، فهذا استدلال بالآثار مطلقا على المؤثر، و يحتمل أن يكون مراده عليه السلام الاستدلال بالخلق المسخر المتحرك بالاضطرار كالشمس و القمر و نحو هما على وجود قاهر يقهره بالغلبة و العز و السلطنة، فهو إله و مستحق لأن يعبد، و الملك بالضم السلطنة و العز و الغلبة، و القاهر صفة للملك أو الرب، و هذا استدلال بملكوت السماوات و الأرض، و أنه لا تبدل حكمته الوسائل، و يعجز عن معارضته من سواه، على وجود الرب القادر على كل شي ء، و الجلال: العظمة و الرفعة و العلو و الظاهر بمعنى البين و الغالب، أو بمعنى العالم بالأمور، و على الأول صفة للجلال، و على الأخيرين صفة للرب فهو استدلال بعظمته في مخلوقاته، أي خلقه أمورا عظيمة على وجوده تعالى.

و قيل: يعني جلاله و عظمته و تعاليه عن أن يشارك غيره في الألوهية يدل على وحدته. و النور ما به يظهر و يبصر الخفيات المحجوبات عن الأبصار، كنور الشمس و القمر و نحوهما، و البهر: الإضاءة أو الغلبة يقال: بهر القمر إذا أضاء حتى غلب ضوؤه ضوء الكواكب، و بهر فلان أترابه: غلبهم حسنا، فالباهر على الأول صفة النور، و على الثاني يحتمل أن يكون صفة الرب أيضا، و النور هنا يحتمل الأنوار الظاهرة المخلوقة له تعالى أو الوجود و الكمالات التي ظهر آثارها في المخلوقات فإن كلا منهما في ظهور الأشياء على العقل كالنور الظاهر عند الحس بل هي في ذلك أقوى و أشد، و البرهان: الحجة، و الصادق صفته، فالمراد بالبرهان الصادق إما حججه على خلقه من الأنبياء و الأئمة الصادقين عليهم السلام في جميع أحكامهم فحينئذ الاستدلال به على وجوده تعالى بوجهين أحدهما إخبارهم بوجوده تعالى مع قطعنا بصدقهم بسبب ظهور خوارق العادات على أيديهم، فإن المعجزة في نفسها يفيد القطع بصدق صاحبها، و لا حاجة إلى الدليل على

ص: 277

أنها تجري في يد كاذب، و لا يتوقف تصديق صاحبها على إثبات الواجب كما صرح به جماعة، و ثانيهما أن أصل خلقتهم من عظم شأنهم و اتصافهم بالكمالات الوهبية الجليلة و الأوصاف القدسية العظيمة، و خروج خلقهم عن مجرى أفعال الطبيعة من أعظم الدلائل على صانع العالم البري ء من كل نقص، و المراد به كل مخلوق من المخلوقات عظيمها و حقيرها و كبيرها و صغيرها، فإن كلا منها برهان صادق و حجة ناطقة على وجوده تعالى أو البراهين التي أنزلها في كتبه و أجراها على ألسنة أنبيائه و رسله و حججه عليهم السلام" و ما أنطق به ألسن العباد" يحتمل وجوها، الأول: اتفاقهم و تواطؤهم بحكم بداهة عقولهم على وجود صانع العالم المتوحد بالصانعية و لا يجوز العقل اجتماع هذا الخلق من أهل الأديان المختلفة و الأديان المتشتة على باطل، فهو إما بديهي أو نظري واضح المقدمات لا يتطرق إليه شك و لا شبهة.

قال بعض المحققين: إن العلم يحصل بالتواتر و هو إخبار جمع كثير عن أمر محسوس، و ما ذلك إلا لأن العقل يحيل اجتماعهم على الكذب، أو على غلط الحس فنقول أجمع جميع الأنبياء و الأوصياء و العلماء و الحكماء بل كافة العقلاء على وجود الصانع فيحصل العلم الضروري بوجوده، لأن العقل يحيل اجتماعهم على الكذب و الغلط في هذا المعقول، فكما يعلم أمن الحس الكثير عن الغلط في رؤية بصرية يعلم أمن أمثال تلك العقول على كثرتها من الاجتماع على غلط في البصيرة، و أما العلم باجتماعهم على ذلك فإنما يحصل بأخبارهم، و العلم بأخبارهم حاصل بالتواتر، و الله يهديك السبيل" انتهى".

الثاني: دعاؤهم و تضرعهم و التجاؤهم إلى الله تعالى في الشدائد و المحن بمقتضى فطرة عقولهم، و هذا يدل على أن عقولهم بصرافتها تشهد بخالقهم و مفزعهم في شدائدهم، حتى أنه قد يشاهد ذلك من الحيوانات كما قيل إنها في سني الجدب ترفع رؤوسها إلى

ص: 278

الصَّادِقِ وَ مَا أَنْطَقَ بِهِ أَلْسُنَ الْعِبَادِ وَ مَا أَرْسَلَ بِهِ الرُّسُلَ

السماء، تطلب الغيث، و قال الرازي في المطالب العالية: رأيت في بعض الكتب أن في بعض الأوقات اشتد القحط و عظم حر الصيف، و الناس خرجوا للاستسقاء فما أفلحوا قال: فخرجت إلى بعض الجبال فرأيت ظبية جاءت إلى موضع كان في الماضي من الزمان مملوء من الماء، و لعل تلك الظبية كانت تشرب منه، فلما وصلت الظبية إليه ما وجدت فيه شيئا من الماء، و كان أثر العطش الشديد ظاهرا عليها، فوقفت و رفعت رأسها إلى السماء مرارا فأطبق الغيم و نزلت الأمطار الغزيرة حتى ملأت الغدير، فشربت الماء و ذهبت.

الثالث: أن يكون المراد به اختلاف الأصوات أو اللغات و اللهجات المختلفة كما قال سبحانه" وَ مِنْ آياتِهِ. اخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَ أَلْوانِكُمْ".

الرابع: أن يكون المراد به الدلائل و البراهين التي يجريها الله تعالى على ألسن العباد.

قوله عليه السلام و ما أرسل به الرسل: هذا يحتمل وجهين: الأول: أن يكون المراد به الشرائع الحقة المشتملة على الحكم و المصالح التي لا تحصى، و بها تنتظم أمور الدين و الدنيا، فإن من تأمل في خصوصيات الشرع و قوانينه في العبادات و المعاملات و الحدود و المواريث و الأحكام و الآداب و الأخلاق، و معاشرة أصناف الناس بعضهم بعضا و غير ذلك، علم بديهة أن مثل هذا خارج عن طوق البشر، و الحكماء السالفة في الأزمنة المتطاولة بذلوا أفكارهم في ذلك بجهدهم، و لم يأتوا بشي ء يمكن به سياسة فرية، و إنما ذكروا أحكاما كلية من حسن العدل و قبح الجور و الفساد و أمثال ذلك مما يحكم به عقل جميع الناس، و الحق أنه كما أن عالم الوجود و انتظامه يدل على وجود الصانع و وحدته فكذا انتظام أحوال النشأتين بتلك الشرائع الحقة و النواميس الإلهية أدل

ص: 279

وَ مَا أَنْزَلَ عَلَى الْعِبَادِ دَلِيلًا عَلَى الرَّبِ

بَابُ إِطْلَاقِ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ شَيْ ءٌ

1 مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نَجْرَانَ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ ع عَنِ التَّوْحِيدِ فَقُلْتُ

دليل على وجود الصانع و مدبر العالم و وحدته و حقيقة أنبيائه و رسله،" الثاني" أن يكون المراد به الآيات و المعجزات و خوارق العادات كانفلاق البحر لموسى و انقلاب العصا حية و سائر آياته، و إحياء الموتى و إبراء الأكمه و الأبرص و غيرها لعيسى عليه السلام و شق القمر و تسبيح الحصى و جريان الماء من بين الأصابع، و سائر المعجزات التي لا تحصى لنبينا صلى الله عليه و آله فإن العقل يحكم بديهة أنها خارجة عن الطاقة البشرية، و ليست إلا من مدبر قاهر قادر حكيم عليم.

قوله عليه السلام: و ما أنزل على العباد: أي البلايا و المصائب التي أنزلها على العباد عند طغيانهم و عدوانهم من الأمور الخارقة للعادات كالطوفان و الريح و الصواعق بعد دعاء الأنبياء و استحقاقهم للعذاب فإنه معلوم أنها لم تكن بقدرة الأنبياء عليهم السلام أو المراد به ما أنزل على العباد من الكتاب و الحكمة تأكيدا أو بحمل ما مر على غيرها، فكل هذا دليل على الرب القديم و الصانع الحكيم.

باب إطلاق القول بأنه شي ء

باب إطلاق القول بأنه شي ء

المراد بالإطلاق هنا التجويز و الإباحة كما ورد في الخبر: كل شي ء مطلق حتى يرد فيه نهي، و قيل: معناه أنه لا يحتاج إطلاق لفظ شي ء فيه إلى قرينة كاحتياج الألفاظ المشتركة و المجازية إليها، فهو مشترك معنوي كالموجود و الوجود و ما ذكرنا أظهر.

الحديث الأول

: صحيح.

قوله عن التوحيد: المراد به هنا ما يتعلق بمعرفته سبحانه أي مسألة كانت من المسائل الإلهية كما هو الشائع في لسان أهل الشرع و غيرهم، و قيل: أي عن معرفته

ص: 280

أَتَوَهَّمُ شَيْئاً فَقَالَ نَعَمْ غَيْرَ مَعْقُولٍ وَ لَا مَحْدُودٍ فَمَا وَقَعَ وَهْمُكَ عَلَيْهِ مِنْ شَيْ ءٍ فَهُوَ خِلَافُهُ لَا يُشْبِهُهُ شَيْ ءٌ وَ لَا تُدْرِكُهُ الْأَوْهَامُ كَيْفَ تُدْرِكُهُ الْأَوْهَامُ وَ هُوَ خِلَافُ مَا يُعْقَلُ وَ خِلَافُ مَا يُتَصَوَّرُ فِي الْأَوْهَامِ إِنَّمَا يُتَوَهَّمُ شَيْ ءٌ غَيْرُ مَعْقُولٍ وَ لَا مَحْدُودٍ

تعالى متوحدا بحقيقته و صفاته متنزها عن غيره.

قوله أتوهم شيئا: الظاهر أنه استفهام بحذف أداته أي أتصوره شيئا و أثبت له الشيئية و قيل: الهمزة للاستفهام و الفعل ماض مجهول أو مضارع معلوم بصيغة الخطاب بحذف إحدى التائين، و قيل: على صيغة التكلم خبر و ما ذكرنا أظهر، و قوله عليه السلام نعم غير معقول، أي تصوره و تعقله شيئا غير معقول بالكنه، و لا محدود بالحدود العقلية و لا بالحدود الحسية الظاهرية و الباطنية من السطوح و الخطوط و النقاط و الأشكال و النهايات، و قوله عليه السلام فما وقع و همك عليه، تفريع على قوله: و لا محدود، و قوله عليه السلام: لا يشبهه شي ء: استئناف بياني، و جملة القول في ذلك أن من المفهومات مفهومات عامة شاملة لا يخرج منها شي ء من الأشياء لا ذهنا و لا عينا كمفهوم الشي ء و الموجود و المخبر عنه، و هذه معان اعتبارية يعتبرها العقل لكل شي ء، إذا تقرر هذا فاعلم أن جماعة من المتكلمين بالغوا في التنزيه حتى امتنعوا من إطلاق اسم الشي ء بل العالم و القادر و غير هما على الله سبحانه، محتجين بأنه لو كان شيئا شارك الأشياء في مفهوم الشيئية، و كذا الموجود و غيره، و ذهب إلى مثل هذا بعض معاصرينا، فحكم بعدم اشتراك مفهوم من المفهومات بين الواجب و الممكن، و بأنه لا يمكن تعقل ذاته و صفاته تعالى بوجه من الوجوه، و يكذب جميع الأحكام الإيجابية عليه تعالى، و يرد قولهم هذا الخبر و غيره من الأخبار المستفيضة، و بناء غلطهم على عدم الفرق بين مفهوم الأمر و ما صدق عليه، و بين الحمل الذاتي و الحمل العرضي و بين المفهومات الاعتبارية و الحقائق الموجودة، فأجاب عليه السلام بأن ذاته تعالى و إن لم يكن معقولا لغيره و لا محدودا بحد إلا أنه مما يصدق عليه مفهوم شي ء، لكن كل ما يتصور من الأشياء فهو بخلافه، لأن كل ما يقع في الأوهام و العقول فصورها الإدراكية كيفيات نفسانية و أعراض

ص: 281

2 مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ بَكْرِ بْنِ صَالِحٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ سُئِلَ أَبُو جَعْفَرٍ الثَّانِي ع يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِلَّهِ إِنَّهُ شَيْ ءٌ قَالَ نَعَمْ يُخْرِجُهُ مِنَ الْحَدَّيْنِ حَدِّ التَّعْطِيلِ وَ حَدِّ التَّشْبِيهِ

3 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ رَفَعَهُ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ خِلْوٌ مِنْ خَلْقِهِ وَ خَلْقَهُ خِلْوٌ مِنْهُ وَ كُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ

قائمة بالذهن، و معانيها مهيات كلية قابلة للاشتراك و الانقسام، فهو بخلاف الأشياء، و قوله عليه السلام إنما يتعقل شي ء إعادة للمدعي بعنوان الحصر، و نتيجة للدليل.

الحديث الثاني

: ضعيف.

قوله: حد التعطيل: هو عدم إثبات الوجود و الصفات الكمالية و الفعلية و الإضافية له تعالى، و حد التشبيه الحكم بالاشتراك مع الممكنات في حقيقة الصفات و عوارض الممكنات.

الحديث الثالث

: مرفوع.

قوله عليه السلام: خلو من خلقه، و الخلو بكسر الخاء و سكون اللام الخالي، فقوله:

خلو من خلقه أي من صفات خلقه، أو من مخلوقاته، فيدل على نفي ما ذهبت إليه الأشاعرة من الصفات الموجودة الزائدة لأنها لا بد أن يكون مخلوقة لله تعالى، بانضمام المقدمتين الأخيرتين المبنيتين على التوحيد، و اتصافه بمخلوقه مستحيل، لما تقرر من أن الشي ء لا يكون فاعلا و قابلا لشي ء واحد، و أيضا الفاقد للشي ء لا يكون معطيا له، و كذا يدل على نفي ما ذهبت إليه الكرامية من اتصافه سبحانه بالصفات الموجودة الحادثة، و على نفي ما ذهب إليه بعض الصوفية من عروض المهيات الممكنة للوجود القائم بالذات تعالى عن ذلك علوا كبيرا.

قوله: و خلقه خلو منه: أي من صفاته أو المراد أنه لا يحل في شي ء بوجه من الوجوه، فينفى كونه عارضا لشي ء أو حالا فيه أو متمكنا فيه، إذ ما من شي ء إلا و هو مخلوق له بحكم المقدمتين الأخيرتين، فيدل على نفي قول النصارى القائلين بأنه

ص: 282

اسْمُ شَيْ ءٍ فَهُوَ مَخْلُوقٌ مَا خَلَا اللَّهَ

سبحانه جوهر واحد ثلاثة أقانيم هي الوجود و العلم و الحياة المعبر عنها عندهم بالأب و الابن و روح القدس، و يقولون: الجوهر: القائم بنفسه، و الأقنوم: الصفة، و جعل الواحد ثلاثة إما جهالة محضة، أو ميل إلى أن الصفات عين الذات، لكنه لا يستقيم ذلك مع سائر كلماتهم و اقتصارهم على العلم و الحياة دون القدرة و غيرها جهالة أخرى و كأنهم يجعلون القدرة راجعة إلى الحياة، و السمع و البصر إلى العلم، ثم قالوا: الكلمة و هي أقنوم العلم اتحدت بجسد المسيح و تدرعت بناسوته، بطريق الامتزاج كالخمر بالماء عند الملكائية، و بطريق الإشراق كما تشرق الشمس من كوة على بلور عند النسطورية و بطريق الانقلاب لحما و دما بحيث صار الإله هو المسيح عند اليعقوبية، و منهم من قال: ظهر اللاهوت بالناسوت كما يظهر الملك في صورة البشر، و قيل: تركبت اللاهوت و الناسوت كالنفس مع البدن، و قيل: إن الكلمة قد تداخل الجسد فيصدر عنه خوارق العادات، و قد تفارقه فتحله الآلام و الآفات إلى غير ذلك من الهذيانات، و ينفي أيضا مذهب بعض الغلات القائلين بأنه لا يمتنع ظهور الروحاني بالجسماني كجبرئيل في صورة دحية الكلبي، و كبعض الجن و الشياطين في صورة الأناسي، فلا يبعد أن يظهر الله تعالى في صورة بعض الكاملين، و أولى الناس بذلك أمير المؤمنين و أولاده المخصوصون الذين هم خير البرية في العلم و الكمالات العلمية و العملية فلهذا كان يصدر عنهم من العلوم و الأعمال ما هو فوق الطاقة البشرية، و ينفى أيضا مذاهب أكثر الصوفية فإن بعضهم يقال:

بأن السالك إذا أمعن في السلوك و خاض لجة الوصول فربما يحل الله- سبحانه و تعالى عما يقولون- فيه كالنار في المجمر، بحيث لا تمايز أو يتحد به بحيث لا اثنينية و لا تغاير و صح أن يقول، هو أنا و أنا هو، و حينئذ يرتفع الأمر و النهي، و يظهر منه من الغرائب و العجائب ما لا يتصور من البشر، و يظهر من كلام بعضهم أن الواجب تعالى هو الموجود المطلق، و هو واحد لا كثرة فيه أصلا، و إنما الكثرة في الإضافات و التعينات التي هي بمنزلة الخيال و السراب، إذا لكل في الحقيقة واحد يتكرر على المظاهر، لا بطريق

ص: 283

4 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّضْرِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ يَحْيَى الْحَلَبِيِّ عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَعْيَنَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ خِلْوٌ مِنْ خَلْقِهِ وَ خَلْقَهُ خِلْوٌ مِنْهُ وَ كُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ شَيْ ءٍ مَا خَلَا اللَّهَ فَهُوَ مَخْلُوقٌ وَ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْ ءٍ تَبَارَكَ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ ءٌ- وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ

5 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ خَيْثَمَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ إِنَّ اللَّهَ خِلْوٌ مِنْ خَلْقِهِ وَ خَلْقَهُ خِلْوٌ مِنْهُ وَ كُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ شَيْ ءٍ مَا خَلَا اللَّهَ تَعَالَى فَهُوَ مَخْلُوقٌ وَ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْ ءٍ

6 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَمْرٍو الْفُقَيْمِيِّ عَنْ هِشَامِ

المخالطة و يتكثر في النواظر لا بطريق الانقسام، فأمره دائر بين القول باتحاد جميع الموجودات مع الواجب تعالى، أو القول بعدم تحقق موجود آخر غير الواجب في الواقع، و كل منهما سفسطة تحكم بديهة العقل ببطلانه، و ضرورة الدين بفساده و طغيانه.

الحديث الرابع

: صحيح، و البركة: الزيادة من الخير و الثبات عليه و الطهارة من العيب.

قوله عليه السلام ليس كمثله: أي ليس له ما يشبه أن يكون مثله فكيف مثله، أو ليس مثل مثله، فيدل على نفي مثله بالكناية الأبلغ لأن على تقدير وجود المثل يكون هو مثل مثله، و المشهور أن الكاف زائدة و أردفه بقوله" وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ" لئلا يتوهم أن نفي المثل يستلزم نفي الصفات كما توهم.

الحديث الخامس

: حسن.

قوله عليه السلام: و كل ما وقع. هذا كالتعليل للسابق و تتمة له و بانضمامه يدل على عينية صفاته تعالى و عدم تركبه فتدبر، و إنما أورد هذا الخبر و الذي قبله في هذا الباب لتضمنها استثناؤه سبحانه من قوله: كلما وقع عليه اسم شي ء.

الحديث السادس

: مجهول، و قد مر صدر الخبر و تكلمنا عليه.

ص: 284

بْنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع أَنَّهُ قَالَ لِلزِّنْدِيقِ حِينَ سَأَلَهُ مَا هُوَ قَالَ هُوَ شَيْ ءٌ بِخِلَافِ الْأَشْيَاءِ ارْجِعْ بِقَوْلِي إِلَى إِثْبَاتِ مَعْنًى وَ أَنَّهُ شَيْ ءٌ بِحَقِيقَةِ الشَّيْئِيَّةِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا