بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار المجلد 34

هوية الكتاب

بطاقة تعريف: مجلسي محمد باقربن محمدتقي 1037 - 1111ق.

عنوان واسم المؤلف: بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار المجلد 34: تأليف محمد باقربن محمدتقي المجلسي.

عنوان واسم المؤلف: بيروت داراحياء التراث العربي [ -13].

مظهر: ج - عينة.

ملاحظة: عربي.

ملاحظة: فهرس الكتابة على أساس المجلد الرابع والعشرين، 1403ق. [1360].

ملاحظة: المجلد108،103،94،91،92،87،67،66،65،52،24(الطبعة الثالثة: 1403ق.=1983م.=[1361]).

ملاحظة: فهرس.

محتويات: ج.24.كتاب الامامة. ج.52.تاريخ الحجة. ج67،66،65.الإيمان والكفر. ج.87.كتاب الصلاة. ج.92،91.الذكر و الدعا. ج.94.كتاب السوم. ج.103.فهرست المصادر. ج.108.الفهرست.-

عنوان: أحاديث الشيعة — قرن 11ق

ترتيب الكونجرس: BP135/م3ب31300 ي ح

تصنيف ديوي: 297/212

رقم الببليوغرافيا الوطنية: 1680946

ص: 1

اشارة

ص: 2

ص: 3

ص: 4

الفهرس

الباب الحادی و الثّلاثون:

سائر ما جری من الفتن من غارات أصحاب معاویة علی أعمال أمیر المؤمنین علیه السّلام و تثاقل أصحابه عن نصرته و فرار بعضهم إلی معاویة................... 7

الباب الثانی و الثّلاثون:

علّة عدم تغییر أمیر المؤمنین علیه السّلام بعض البدع فی زمانه................... 167

الباب الثالث و الثّلاثون:

نوادر ما وقع فی أیّام خلافته علیه السّلام و جوامع خطبه و نوادرها................... 183

الباب الرابع و الثّلاثون:

الصحابة الذین كانوا علی الحق و لم یفارقوا علیّا علیه السّلام، و ذكر بعض المخالفین و المنافقین................... 271

الباب الخامس و الثّلاثون:

باب النوادر................... 327

الباب السادس و الثّلاثون:

ذكر ما روی عنه علیه السّلام من الأشعار................... 395

ص: 5

ص: 6

[الباب الحادی و الثلاثون] باب سائر ما جری من الفتن من غارات أصحاب معاویة علی أعماله علیه السلام و...

تثاقل أصحابه عن نصره و فرار بعضهم عنه إلی معاویة و شكایته علیه السلام عنهم و بعض النوادر

«901»- (1) قَالَ عَبْدُ الْحَمِیدِ بْنُ أَبِی الْحَدِیدِ: إِنَّ قَوْماً بِصَنْعَاءَ كَانُوا مِنْ شِیعَةِ عُثْمَانَ، یُعَظِّمُونَ قَتْلَهُ، لَمْ یَكُنْ لَهُمْ نِظَامٌ وَ لَا رَأْسٌ، فَبَایَعُوا لِعَلِیٍّ عَلَیْهِ السَّلَامُ عَلَی مَا فِی أَنْفُسِهِمْ، وَ عَامِلُ عَلِیٍّ عَلَیْهِ السَّلَامُ عَلَی صَنْعَاءَ یَوْمَئِذٍ عُبَیْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ، وَ عَامِلُهُ عَلَی الْجَنَدِ سَعِیدُ بْنُ نِمْرَانَ. فَلَمَّا اخْتَلَفَ النَّاسُ عَلَی عَلِیٍّ بِالْعِرَاقِ، وَ قُتِلَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِی بَكْرٍ بِمِصْرَ، وَ كَثُرَتْ غَارَاتُ أَهْلِ الشَّامِ، تَكَلَّمُوا وَ دَعَوْا إِلَی الطَّلَبِ بِدَمِ عُثْمَانَ، وَ مَنَعُوا الصَّدَقَاتِ، وَ أَظْهَرُوا الْخِلَافَ. فَكَتَبَ عُبَیْدُ اللَّهِ وَ سَعِیدٌ ذَلِكَ إِلَی أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ، فَلَمَّا وَصَلَ كِتَابُهُمَا سَاءَ عَلِیّاً عَلَیْهِ السَّلَامُ وَ أَغْضَبَهُ وَ كَتَبَ إِلَیْهِمَا:

مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِیٍّ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ إِلَی عُبَیْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ وَ سَعِیدِ بْنِ

ص: 7


1- [901]- رَوَاهُ ابْنُ أَبِی الْحَدِیدِ فِی شَرْحِ الْمُخْتَارِ: (25) مِنْ نَهْجِ الْبَلَاغَةِ مِنْ شَرْحِهِ: ج 1، ص 279، ط الْحَدِیثَةِ بِبَیْرُوتَ، وَ فِی ط الْحَدِیثَةِ بِمِصْرَ: ج 2، ص 1.

نِمْرَانَ: سَلَامُ اللَّهِ عَلَیْكُمَا، فَإِنِّی أَحْمَدُ إِلَیْكُمَا اللَّهَ الَّذِی لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.

أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّهُ أَتَانِی كِتَابُكُمَا تَذْكُرَانِ فِیهِ خُرُوجَ هَذِهِ الْخَارِجَةِ، وَ تُعَظِّمَانِ مِنْ شَأْنِهَا صَغِیراً، وَ تُكْثِرَانِ مِنْ عَدَدِهَا قَلِیلًا، وَ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ [نَخَبَ. خ] أَفْئِدَتِكُمَا، وَ صِغَرَ أَنْفُسِكُمَا، وَ تَبَابَ رَأْیِكُمَا، وَ سُوءَ تَدْبِیرِكُمَا، هُوَ الَّذِی أَفْسَدَ عَلَیْكُمَا مَنْ لَمْ یَكُنْ عَلَیْكُمَا فَاسِداً، وَ جَرَّأَ عَلَیْكُمَا مَنْ كَانَ عَنْ لِقَائِكُمَا جَبَاناً، فَإِذَا قَدِمَ رَسُولِی عَلَیْكُمَا، فَامْضِیَا إِلَی الْقَوْمِ حَتَّی تَقْرَءَا عَلَیْهِمْ كِتَابِی إِلَیْهِمْ، وَ تَدْعُوَاهُمْ: إِلَی حَظِّهِمْ وَ تَقْوَی رَبِّهِمْ، فَإِنْ أَجَابُوا حَمِدْنَا اللَّهَ وَ قَبِلْنَاهُمْ، وَ إِنْ حَارَبُوا اسْتَعَنَّا بِاللَّهِ عَلَیْهِمْ وَ نَابَذْنَاهُمْ عَلَی سَوَاءٍ، إِنَّ اللَّهَ لا یُحِبُّ الْخائِنِینَ فَكَتَبَ عَلَیْهِ السَّلَامُ إِلَیْهِمْ:

مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِیٍّ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ، إِلَی مَنْ شَاقَّ وَ غَدَرَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَدِ وَ صَنْعَاءَ:

أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّی أَحْمَدُ إِلَیْكُمُ اللَّهَ الَّذِی لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، الَّذِی لَا یُعَقَّبُ لَهُ حُكْمٌ، وَ لَا یُرَدُّ لَهُ قَضَاءٌ، وَ لا یُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِینَ [أَمَّا بَعْدُ: فَقَدْ. خ] بَلَغَنِی تَحَزُّبُكُمْ وَ شِقَاقُكُمْ وَ إِعْرَاضُكُمْ عَنْ دِینِكُمْ، بَعْدَ الطَّاعَةِ وَ إِعْطَاءِ الْبَیْعَةِ وَ الْأُلْفَةِ، فَسَأَلْتُ أَهْلَ الدِّینِ الْخَالِصِ، وَ الْوَرَعِ الصَّادِقِ، وَ اللُّبِّ الرَّاجِحِ، عَنْ بَدْءِ مَخْرَجِكُمْ، وَ مَا نَوَیْتُمْ بِهِ وَ مَا أَحْمَشَكُمْ لَهُ (1)، فَحُدِّثْتُ عَنْ ذَلِكَ بِمَا لَمْ أَرَ لَكُمْ فِی شَیْ ءٍ مِنْهُ عُذْراً مُبِیناً، وَ لَا مَقَالًا جَمِیلًا، وَ لَا حُجَّةً ظَاهِرَةً، فَإِذَا أَتَاكُمْ رَسُولِی فَتَفَرَّقُوا وَ انْصَرِفُوا إِلَی رِحَالِكُمْ أَعْفُ عَنْكُمْ، وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ ارْجِعُوا إِلَی الطَّاعَةِ، وَ أَصْفَحُ عَنْ جَاهِلِكُمْ، وَ أَحْفَظُ عَنْ قَاصِیكُمْ، وَ أَقُومُ فِیكُمْ بِالْقِسْطِ، وَ أَعْمَلُ فِیكُمْ بِحُكْمِ الْكِتَابِ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا، فَاسْتَعِدُّوا لِقُدُومِ جَیْشٍ جَمِّ الْفُرْسَانِ، عَظِیمِ الْأَرْكَانِ، یَقْصِدُ لِمَنْ طَغَا وَ عَصَی فَتَطَحَّنُوا كَطَحْنِ الرَّحَی فَمَنْ أَحْسَنَ فَلِنَفْسِهِ،

ص: 8


1- كذا فی أصلی، و فی طبع بیروت من شرح المختار: (25) من نهج البلاغة من ج 1، ص 280 لابن أبی الحدید: «عن بدء محرككم ...».

وَ مَنْ أَساءَ فَعَلَیْها وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِیدِ وَ إِلَّا فَلَا یَحْمَدُ حَامِدٌ إِلَّا رَبَّهُ، وَ لَا یَلُومُ لَائِمٌ إِلَّا نَفْسَهُ، وَ السَّلَامُ عَلَیْكُمْ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ.

وَ وَجَّهَ الْكِتَابَ مَعَ رَجُلٍ مِنْ هَمْدَانَ: فَقَدَّمَ عَلَیْهِمُ الْكِتَابَ فَلَمْ یُجِیبُوهُ إِلَی خَیْرٍ (1)، فَرَجَعَ فَأَخْبَرَهُ عَلَیْهِ السَّلَامُ.

وَ كَتَبَتْ تِلْكَ الْعِصَابَةُ إِلَی مُعَاوِیَةَ یُخْبِرُونَهُ بِمَا جَرَی، وَ بِطَاعَتِهِمْ [لَهُ]. فَلَمَّا قَدِمَ كِتَابُهُمْ، دَعَا مُعَاوِیَةُ بُسْرَ بْنَ أَرْطَاةَ الْعَامِرِیَّ وَ یُقَالُ: ابْنُ أَبِی أَرْطَاةَ وَ كَانَ قَاسِیَ الْقَلْبِ، فَظّاً، سَفَّاكاً لِلدِّمَاءِ، لَا رَأْفَةَ عِنْدَهُ وَ لَا رَحْمَةَ، وَ أَمَرَهُ أَنْ یَأْخُذَ طَرِیقَ الْحِجَازِ وَ الْمَدِینَةِ وَ مَكَّةَ حَتَّی یَنْتَهِیَ إِلَی الْیَمَنِ، وَ قَالَ لَهُ: لَا تَنْزِلْ عَلَی بَلَدٍ أَهْلُهُ عَلَی طَاعَةِ عَلِیٍّ، إِلَّا بَسَطْتَ عَلَیْهِمْ لِسَانَكَ، حَتَّی یَرَوْا أَنَّهُمْ لَا نَجَاءَ لَهُمْ وَ أَنَّكَ مُحِیطٌ بِهِمْ، ثُمَّ اكْفُفْ عَنْهُمْ، وَ ادْعُهُمْ إِلَی الْبَیْعَةِ لِی، فَمَنْ أَبَی فَاقْتُلْهُ، وَ اقْتُلْ شِیعَةَ عَلِیٍّ حَیْثُ كَانُوا.

وَ فِی رِوَایَةٍ أُخْرَی، بَعَثَ بُسْراً فِی ثَلَاثَةِ آلَافٍ وَ قَالَ: سِرْ حَتَّی تَمُرَّ بِالْمَدِینَةِ، فَاطْرُدِ النَّاسَ، وَ أَخِفْ مَنْ مَرَرْتَ بِهِ، وَ انْهَبْ أَمْوَالَ كُلِّ مَنْ أَصَبْتَ لَهُ مَالًا مِمَّنْ لَمْ یَكُنْ فِی طَاعَتِنَا، فَإِذَا دَخَلْتَ الْمَدِینَةَ فَأَرِهِمْ أَنَّكَ تُرِیدُ أَنْفُسَهُمْ، وَ أَخْبِرْهُمْ أَنَّهُ لَا بَرَاءَةَ لَهُمْ عِنْدَكَ وَ لَا عُذْرَ، حَتَّی إِذَا ظَنُّوا أَنَّكَ مُوقِعٌ بِهِمْ، فَاكْفُفْ عَنْهُمْ، ثُمَّ سِرْ حَتَّی تَدْخُلَ مَكَّةَ، وَ لَا تَعَرَّضْ فِیهَا لِأَحَدٍ، وَ أَرْهِبِ النَّاسَ عَنْكَ فِیمَا بَیْنَ مَكَّةَ وَ الْمَدِینَةِ، وَ اجْعَلْهَا شَرْدَاتٍ، حَتَّی تَأْتِیَ صَنْعَاءَ وَ الْجَنَدَ، فَإِنَّ لَنَا بِهِمَا شِیعَةً، وَ قَدْ جَاءَنِی كِتَابُهُمْ.

ص: 9


1- و بعده فی شرح المختار: (25) من نهج البلاغة من شرح ابن أبی الحدید: ج 1، ص 281 ما نصّه: فقال لهم الهمدانی: إنی تركت أمیر المؤمنین یرید آن یوجه یزید بن قیس الأرحبی فی جیش كثیف، فلم یمنعه إلا انتظار جوابكم فقالوا: نحن سامعون مطیعون، إن عزل عنا هذین الرجلین، عبید اللّٰه وسعیدا.

فَسَارَ بُسْرٌ حَتَّی أَتَی الْمَدِینَةَ، وَ صَعِدَ الْمِنْبَرَ وَ هَدَّدَهُمْ وَ أَوْعَدَهُمْ، وَ بَعْدَ الشَّفَاعَةِ أَخَذَ مِنْهُمُ الْبَیْعَةَ لِمُعَاوِیَةَ، وَ جَعَلَ عَلَیْهَا أَبَا هُرَیْرَةَ، وَ أَحْرَقَ دُوراً كَثِیرَةً.

وَ خَرَجَ إِلَی مَكَّةَ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهَا هَرَبَ قُثَمُ بْنُ الْعَبَّاسِ عَامِلُ عَلِیٍّ عَلَیْهِ السَّلَامُ عَلَیْهَا، وَ دَخَلَهَا بُسْرٌ فَشَتَمَ أَهْلَ مَكَّةَ وَ أَنَّبَهُمْ، ثُمَّ خَرَجَ عَنْهَا وَ اسْتَعْمَلَ عَلَیْهَا شَیْبَةَ بْنَ عُثْمَانَ، وَ أَخَذَ فِیهَا سُلَیْمَانَ وَ دَاوُدَ ابْنَیْ عُبَیْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ فَذَبَحَهُمَا، وَ قَتَلَ فِیمَا بَیْنَ مَكَّةَ وَ الْمَدِینَةِ رِجَالًا وَ أَخَذَ أَمْوَالًا.

ثُمَّ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ وَ كَانَ یَسِیرُ وَ یُفْسِدُ فِی الْبِلَادِ، حَتَّی أَتَی صَنْعَاءَ، وَ هَرَبَ مِنْهَا عُبَیْدُ اللَّهِ وَ سَعِیدٌ، فَدَخَلَهَا وَ قَتَلَ فِیهَا نَاساً كَثِیراً، وَ كَانَ هَكَذَا یُفْسِدُ فِی الْبِلَادِ.

فَنَدَبَ عَلِیٌّ عَلَیْهِ السَّلَامُ أَصْحَابَهُ لِبَعْثِ سَرِیَّةٍ فِی أَثَرِ بُسْرٍ فَتَثَاقَلُوا، وَ أَجَابَهُ جَارِیَةُ بْنُ قُدَامَةَ، فَبَعَثَهُ فِی أَلْفَیْنِ، فَشَخَصَ إِلَی الْبَصْرَةِ، ثُمَّ أَخَذَ طَرِیقَ الْحِجَازِ حَتَّی قَدِمَ یَمَنَ، وَ سَأَلَ عَنْ بُسْرٍ فَقِیلَ: أَخَذَ عَلَی بِلَادِ بَنِی تَمِیمٍ، فَقَالَ:

أَخَذَ فِی دِیَارِ قَوْمٍ یَمْنَعُونَ أَنْفُسَهُمْ.

وَ بَلَغَ بُسْراً مَسِیرُ جَارِیَةَ فَانْحَدَرَ إِلَی الْیَمَامَةِ، وَ أَغَذَّ جَارِیَةُ السَّیْرَ، مَا یَلْتَفِتُ إِلَی مَدِینَةٍ مَرَّ بِهَا، وَ لَا أَهْلِ حِصْنٍ، وَ لَا یَعْرُجُ عَلَی شَیْ ءٍ؛ إِلَّا أَنْ یُرْمِلَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ مِنَ الزَّادِ، فَیَأْمُرَ أَصْحَابَهُ بِمُوَاسَاتِهِ. أَوْ یَسْقُطَ بَعِیرُ رَجُلٍ، أَوْ تَحْفَی دَابَّتُهُ، فَیَأْمُرَ أَصْحَابَهُ بِأَنْ یُعْقِبُوهُ، حَتَّی انْتَهَی إِلَی أَرْضِ الْیَمَنِ، فَهَرَبَتْ شِیعَةُ عُثْمَانَ، حَتَّی لَحِقُوا بِالْجِبَالِ، وَ اتَّبَعَهُمْ شِیعَةُ عَلِیٍّ عَلَیْهِ السَّلَامُ، وَ تَدَاعَتْ عَلَیْهِمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَ أَصَابُوا مِنْهُمْ.

وَ مَرَّ [جَارِیَةُ] نَحْوَ بُسْرٍ، وَ بُسْرٌ یَفِرُّ مِنْ جِهَةٍ إِلَی جِهَةٍ، حَتَّی أَخْرَجَهُ مِنْ أَعْمَالِ عَلِیٍّ عَلَیْهِ السَّلَامُ كُلِّهَا. فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ بِهِ، أَقَامَ جَارِیَةُ بِحَرَسَ نَحْواً مِنْ شَهْرٍ، حَتَّی اسْتَرَاحَ وَ أَرَاحَ أَصْحَابُهُ.

وَ وَثَبَ النَّاسُ بِبُسْرٍ فِی طَرِیقِهِ لَمَّا انْصَرَفَ مِنْ بَیْنِ یَدَیْ جَارِیَةَ، لِسُوءِ

ص: 10

سِیرَتِهِ وَ فَظَاظَتِهِ وَ ظُلْمِهِ وَ غَشْمِهِ. وَ أَصَابَ بَنُو تَمِیمٍ ثِقْلًا مِنْ ثِقْلِهِ فِی بِلَادِهِمْ.

فَلَمَّا رَجَعَ بُسْرٌ إِلَی مُعَاوِیَةَ قَالَ: أَحْمَدُ اللَّهَ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ، إِنِّی سِرْتُ فِی هَذَا الْجَیْشِ أَقْتُلُ عَدُوَّكَ ذَاهِباً وَ جَائِیاً، لَمْ یَنْكُبَ رَجُلٌ مِنْهُمْ نَكْبَةً. فَقَالَ مُعَاوِیَةُ:

اللَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لَا أَنْتَ. وَ كَانَ الَّذِی قَتَلَ بُسْرٌ فِی وَجْهِهِ ذَلِكَ، ثَلَاثِینَ أَلْفاً، وَ حَرَقَ قَوْماً بِالنَّارِ.

قَالَ: وَ دَعَا عَلِیٌّ عَلَیْهِ السَّلَامُ عَلَی بُسْرٍ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ بُسْراً بَاعَ دِینَهُ بِالدُّنْیَا، وَ انْتَهَكَ مَحَارِمَكَ، وَ كَانَتْ طَاعَةُ مَخْلُوقٍ فَاجِرٍ، آثَرَ عِنْدَهُ مِنْ طَاعَتِكَ، اللَّهُمَّ فَلَا تُمِتْهُ حَتَّی تَسْلُبَهُ عَقْلَهُ، وَ لَا تُوجِبْ لَهُ رَحْمَتَكَ، وَ لَا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ.

اللَّهُمَّ الْعَنْ بُسْراً وَ عَمْراً وَ مُعَاوِیَةَ، وَ لْیَحُلَّ عَلَیْهِمْ غَضَبُكَ، وَ لْتَنْزِلْ بِهِمْ نَقِمَتُكَ، وَ لْیُصِبْهُمْ بَأْسُكَ وَ رِجْزُكَ الَّذِی لَا تَرُدُّهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِینَ.

فَلَمْ یَلْبَثْ بُسْرٌ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا یَسِیراً، حَتَّی وَسْوَسَ وَ ذَهَبَ عَقْلُهُ. وَ كَانَ یَهْذِی بِالسَّیْفِ وَ یَقُولُ: أَعْطُونِی سَیْفاً أَقْتُلْ بِهِ. لَا یَزَالُ یُرَدِّدُ ذَلِكَ حَتَّی اتَّخَذَ لَهُ سَیْفاً مِنْ خَشَبٍ، وَ كَانُوا یُدْنُونَ مِنْهُ الْمِرْفَقَةَ، فَلَا یَزَالُ یَضْرِبُهَا حَتَّی یُغْشَی عَلَیْهِ، فَلَبِثَ كَذَلِكَ إِلَی أَنْ مَاتَ..

بیان: [قال ابن الأثیر] فی [مادّة «نخب من»] النهایة: فیه «بئس العون علی الدّین قلب نخیب، و بطن رغیب».

النخیب: الجبان الّذی لا فؤاد له.

و قیل: الفاسد العقل.

قوله علیه السلام: «لا یعقب له حكم» تضمین لقوله تعالی: لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ و قال البیضاوی: أی لا رادّ له. و حقیقته الذی یعقب الشی ء بالإبطال.

ص: 11

و منه قیل لصاحب الحقّ: معقّب؛ لأنّه یقفو غریمه للاقتضاء. انتهی.

و أحمشت الرجل: أغضبته.

قوله علیه السلام «و أحفظ عن قاصیكم»؛ أی أذبّ و أدفع عن حریم من بعد و غاب.

قال فی القاموس: المحافظة: الذّب عن المحارم. و الحفیظة: الحمیّة و الغضب. و قال: قصی عنه: بعد، فهو قصیّ و قاص.

«و الشّردات» لم یذكر فی اللغة هذا الجمع و الشرد: التفریق. و فی بعض النسخ: «سروات» [و هو] جمع سراة. [و هو] الطریق، أی وسطه. كنایة عن جعلها خرابا خالیة عن أهلها. و قال فی القاموس: الجند بالتحریك: بلد بالیمن. و قال: أرملوا، أی: نفد زادهم. و قال: الحفا: رقّة القدم. و الخفّ و الحافر.

حفی یحفی حفا فهو حف و حاف. و قال: أعقب زید عمرا: ركبا بالنوبة. و قال:

تداعی العدو: أقبل.

أقول: و ذكر الثقفی فی كتاب الغارات مفصّل القصص التی أوردناها محملة (1)..

وَ رُوِیَ عَنِ الْوَلِیدِ بْنِ هِشَامٍ، قَالَ: خَرَجَ بُسْرٌ مِنْ مَكَّةَ، وَ اسْتَعْمَلَ عَلَیْهَا شَیْبَةَ بْنَ عُثْمَانَ، ثُمَّ مَضَی یُرِیدُ الْیَمَنَ، فَلَمَّا جَاوَزَ مَكَّةَ رَجَعَ قُثَمُ بْنُ الْعَبَّاسِ إِلَی مَكَّةَ فَغَلَبَ عَلَیْهَا.

وَ كَانَ بُسْرٌ إِذَا قَرُبَ مِنْ مَنْزِلٍ، تَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّی یَأْتِیَ أَهْلَ الْمَاءِ فَیُسَلِّمُ فَیَقُولُ: مَا تَقُولُونَ فِی هَذَا الْمَقْتُولِ بِالْأَمْسِ عُثْمَانَ؟ فَإِنْ قَالُوا: قُتِلَ

ص: 12


1- رواها الثقفی رحمه اللّٰه فی الحدیث: (240) و ما بعده من تلخیص كتاب الغارات: ج 1، ص 580. والحدیث التالی رواه تحت الرقم: (٢٥٩) ص ٦٢٠.

مَظْلُوماً. لَمْ یَعْرِضْ لَهُمْ. وَ إِنْ قَالُوا كَانَ مُسْتَوْجِباً لِلْقَتْلِ. قَالَ: ضَعُوا السِّلَاحَ فِیهِمْ. فَلَمْ یَزَلْ عَلَی ذَلِكَ حَتَّی دَخَلَ صَنْعَاءَ. فَهَرَبَ مِنْهُ عُبَیْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ، وَ كَانَ وَالِیاً لِعَلِیٍّ عَلَیْهِ السَّلَامُ عَلَیْهَا، وَ اسْتَخْلَفَ عُمَرَ بْنَ أَرَاكَةَ فَأَخَذَهُ بُسْرٌ، فَضَرَبَ عُنُقَهُ. وَ أَخَذَ ابْنَیْ عُبَیْدِ اللَّهِ فَذَبَحَهُمَا عَلَی دَرَجِ صَنْعَاءَ، وَ ذَبَحَ فِی آثَارِهِمَا مِائَةَ شَیْخٍ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ. وَ ذَلِكَ؛ أَنَّ الْغُلَامَیْنِ كَانَا فِی مَنْزِلِ أُمِّ النُّعْمَانِ بِنْتِ بُزُرْجَ، امْرَأَةٍ مِنَ الْأَبْنَاءِ.

وَ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْكَلْبِیِّ وَ لُوطِ بْنِ یَحْیَی، أَنَّ ابْنَ قَیْسٍ قَدِمَ عَلَی عَلِیٍّ عَلَیْهِ السَّلَامُ فَأَخْبَرَهُ بِخُرُوجِ بُسْرٍ، فَنَدَبَ [عَلِیٌّ عَلَیْهِ السَّلَامُ] النَّاسَ فَتَثَاقَلُوا عَنْهُ، فَقَالَ:

أَ تُرِیدُونَ أَنْ أَخْرُجَ بِنَفْسِی فِی كَتِیبَةٍ تَتْبَعُ كَتِیبَةً فِی الْفَیَافِی وَ الْجِبَالِ؟ ذَهَبَ وَ اللَّهِ مِنْكُمْ أُولُو النُّهَی وَ الْفَضْلِ، الَّذِینَ كَانُوا یُدْعَوْنَ فَیُجِیبُونَ، وَ یُؤْمَرُونَ فَیُطِیعُونَ، لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَخْرُجَ عَنْكُمْ، فَلَا أَطْلُبَ بِنَصْرِكُمْ مَا اخْتَلَفَ الْجَدِیدَانِ.

فَقَامَ جَارِیَةُ بْنُ قُدَامَةَ فَقَالَ: أَنَا أَكْفِیكَهُمْ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ، فَقَالَ [لَهُ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ عَلَیْهِ السَّلَامُ] أَنْتَ لَعَمْرِی لَمَیْمُونُ النَّقِیبَةِ، حَسَنُ النِّیَّةِ، صَالِحُ الْعَشِیرَةِ.

وَ نَدَبَ مَعَهُ أَلْفَیْنِ، وَ قَالَ بَعْضُهُمْ: أَلْفاً وَ أَمَرَهُ أَنْ یَأْتِیَ بِالْبَصْرَةِ وَ یَضُمَّ إِلَیْهِ مِثْلَهُمْ.

فَشَخَصَ جَارِیَةُ، وَ خَرَجَ مَعَهُ [عَلِیٌّ عَلَیْهِ السَّلَامُ] یُشَیِّعُهُ، فَلَمَّا وَدَّعَهُ قَالَ:

اتَّقِ اللَّهَ الَّذِی إِلَیْهِ تَصِیرُ، وَ لَا تَحْتَقِرْ مُسْلِماً وَ لَا مُعَاهَداً، وَ لَا تَغْصِبَنَّ مَالًا وَ لَا وَلَداً وَ لَا دَابَّةً، وَ إِنْ حَفِیتَ وَ تَرَجَّلْتَ، وَ صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا.

فَقَدِمَ جَارِیَةُ الْبَصْرَةَ، وَ ضَمَّ إِلَیْهِ مِثْلَ الَّذِی مَعَهُ، ثُمَّ أَخَذَ طَرِیقَ الْحِجَازِ حَتَّی قَدِمَ الْیَمَنَ. وَ لَمْ یَغْصِبْ أَحَداً، وَ لَمْ یَقْتُلْ أَحَداً إِلَّا قَوْماً ارْتَدُّوا بِالْیَمَنِ، فَقَتَلَهُمْ وَ حَرَقَهُمْ، وَ سَأَلَ عَنْ طَرِیقِ بُسْرٍ، فَقَالُوا: أَخَذَ عَلَی بِلَادِ بَنِی تَمِیمٍ، فَقَالَ:

أَخَذَ فِی دِیَارِ قَوْمٍ یَمْنَعُونَ أَنْفُسَهُمْ. فَانْصَرَفَ جَارِیَةُ فَأَقَامَ بِحَرَسَ.

ص: 13

قَالَ إِبْرَاهِیمُ: وَ مِنْ حَدِیثِ الْكُوفِیِّینَ عَنْ نُمَیْرِ بْنِ وَعْلَةَ عَنْ أَبِی الْوَدَّاكِ قَالَ: قَدِمَ زُرَارَةُ بْنُ قَیْسٍ فَخَبَرَ عَلِیّاً عَلَیْهِ السَّلَامُ بِالْقُدْمَةِ الَّتِی خَرَجَ فِیهَا بُسْرٌ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَی عَلَیْهِ، ثُمَّ قَالَ:

أَمَّا بَعْدُ، أَیُّهَا النَّاسُ! إِنَّ أَوَّلَ فُرْقَتِكُمْ، وَ بَدْءَ نَقْصِكُمْ، ذَهَابُ أُوْلِی النُّهَی وَ أَهْلِ الرَّأْیِ مِنْكُمْ، الَّذِینَ كَانُوا یُلْقَوْنَ فَیَصْدُقُونَ، وَ یَقُولُونَ فَیَعْدِلُونَ، وَ یُدْعَوْنَ فَیُجِیبُونَ، وَ أَنَا وَ اللَّهِ قَدْ دَعَوْتُكُمْ عَوْداً وَ بَدْءاً وَ سِرّاً وَ جِهَاراً وَ فِی اللَّیْلِ وَ النَّهَارِ، وَ الْغُدُوِّ وَ الْآصَالِ، فَمَا یَزِیدُكُمْ دُعَائِی إِلَّا فِرَاراً وَ إِدْبَاراً. أَ مَا تَنْفَعُكُمُ الْعِظَةُ وَ الدُّعَاءُ إِلَی الْهُدَی وَ الْحِكْمَةِ؟! وَ إِنِّی لَعَالِمٌ بِمَا یُصْلِحُكُمْ وَ یُقِیمُ أَوَدَكُمْ، وَ لَكِنِّی وَ اللَّهِ لَا أُصْلِحُكُمْ بِفَسَادِ نَفْسِی، وَ لَكِنْ أَمْهِلُونِی قَلِیلًا، فَكَأَنَّكُمْ وَ اللَّهِ بِامْرِئٍ قَدْ جَاءَكُمْ، یَحْرُمُكُمْ وَ یُعَذِّبُكُمْ، فَیُعَذِّبُهُ اللَّهُ كَمَا یُعَذِّبُكُمْ.

إِنَّ مِنْ ذُلِّ الْمُسْلِمِینَ وَ هَلَاكِ الدِّینِ، أَنَّ ابْنَ أَبِی سُفْیَانَ یَدْعُو الْأَرَاذِلَ وَ الْأَشْرَارَ فَیُجَابُ، وَ أَدْعُوكُمْ وَ أَنْتُمُ الْأَفْضَلُونَ الْأَخْیَارُ، وَ تَدَافَعُونَ، مَا هَذَا بِفِعْلِ الْمُتَّقِینَ (1).

إِنَّ بُسْرَ بْنَ أَبِی أَرْطَاةَ وُجِّهَ إِلَی الْحِجَازِ، وَ مَا بُسْرٌ لَعَنَهُ اللَّهُ؟ لِیَنْتَدِبَ إِلَیْهِ مِنْكُمْ عِصَابَةٌ حَتَّی تَرُدُّوهُ عَنْ سُنَنِهِ، فَإِنَّمَا خَرَجَ فِی سِتِّمِائَةٍ أَوْ یَزِیدُونَ.

قَالَ: فَأَسْكَتَ الْقَوْمُ مَلِیّاً لَا یَنْطِقُونَ.

فَقَالَ: مَا لَكُمْ مُخْرَسُونَ لَا تُكَلِّمُونَ؟.

فَذَكَرَ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ حَصِیرَةَ، عَنْ مُسَافِرِ بْنِ عَفِیفٍ، قَالَ: قَامَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَوْفٍ الْأَزْدِیُّ، فَقَالَ: إِنْ سِرْتَ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ، سِرْنَا مَعَكَ!! فَقَالَ: اللَّهُمَّ مَا لَكُمْ

ص: 14


1- و قریبا منه جدّا رواه أیضا البلاذریّ فی الحدیث (498) من ترجمة أمیر المؤمنین من أنساب الأشراف: ج 2، ص 458 ط 1. و رواه أیضا الشّیخ المفید رحمه اللّٰه، فی الفصل (40) ممّا اختار من كلام أمیر المؤمنین فی كتاب الإرشاد، ص 145، ط النّجف.

مَا سَدَدْتُمْ لِمَقَالِ الرُّشْدِ [أَ] فِی مِثْلِ هَذَا یَنْبَغِی لِی أَنْ أَخْرُجَ؟! إِنَّمَا یَخْرُجُ فِی مِثْلِ هَذَا، رَجُلٌ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ فُرْسَانِكُمْ وَ شُجْعَانِكُمْ، وَ لَا یَنْبَغِی لِی أَنْ أَدَعَ الْجَنَدَ وَ الْمِصْرَ وَ بَیْتَ الْمَالِ وَ جِبَایَةَ الْأَرْضِ وَ الْقَضَاءَ بَیْنَ الْمُسْلِمِینَ وَ النَّظَرَ فِی حُقُوقِ النَّاسِ، ثُمَّ أَخْرُجَ فِی كَتِیبَةٍ أَتْبَعُ أُخْرَی فِی فَلَوَاتٍ وَ شُغُفِ الْجِبَالِ، هَذَا وَ اللَّهِ الرَّأْیُ السَّوْءُ. وَ اللَّهِ لَوْ لَا رَجَائِی الشَّهَادَةَ عِنْدَ لِقَائِهِمْ، لَوْ قَدْ حُمَّ لِی لِقَاؤُهُمْ، لَقَرَّبْتُ رِكَابِی، ثُمَّ لَشَخَصْتُ عَنْكُمْ، فَلَا أَطْلُبُكُمْ مَا اخْتَلَفَ جَنُوبٌ وَ شِمَالٌ، فَوَ اللَّهِ إِنَّ فِرَاقَكُمْ لَرَاحَةٌ لِلنَّفْسِ وَ الْبَدَنِ (1).

فَقَامَ إِلَیْهِ جَارِیَةُ بْنُ قُدَامَةَ السَّعْدِیُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَقَالَ: یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ، لَا أَعْدَمَنَا اللَّهُ نَفْسَكَ، وَ لَا أَرَانَا فِرَاقَكَ، إِنَّا لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، فَسَرِّحْنِی إِلَیْهِمْ.

قَالَ: فَتَجَهَّزْ فَإِنَّكَ مَا عَلِمْتُ مَیْمُونُ النَّقِیبَةِ.

وَ قَامَ إِلَیْهِ وَهْبُ بْنُ مَسْعُودٍ الْخَثْعَمِیُّ فَقَالَ: أَنَا أَنْتَدِبُ إِلَیْهِمْ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ، قَالَ: فَانْتَدِبْ بَارَكَ اللَّهُ فِیكَ.

فَنَزَلَ [عَلَیْهِ السَّلَامُ عَنِ الْمِنْبَرِ] وَ دَعَا جَارِیَةَ فَأَمَرَهُ أَنْ یَسِیرَ إِلَی الْبَصْرَةِ.

فَخَرَجَ مِنْهَا فِی أَلْفَیْنِ، وَ نَدَبَ مَعَ الْخَثْعَمِیِّ مِنَ الْكُوفَةِ أَلْفَیْنِ [وَ] قَالَ لَهُمَا: اخْرُجَا فِی طَلَبِ بُسْرٍ حَتَّی تَلْحَقَاهُ، [وَ] أَیْنَمَا لَحِقْتُمَاهُ فَنَاجِزَاهُ، فَإِذَا الْتَقَیْتُمَا، فَجَارِیَةُ عَلَی النَّاسِ. فَخَرَجَا فِی طَلَبِ بُسْرٍ، وَ الْتَقَیَا بِأَرْضِ الْحِجَازِ، فَذَهَبَا فِی طَلَبِ بُسْرٍ.

وَ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ حَصِیرَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُبَیْدٍ قَالَ: لَمَّا بَلَغَ عَلِیّاً عَلَیْهِ السَّلَامُ دُخُولُ بُسْرٍ الْحِجَازَ، وَ قَتْلُهُ ابْنَیْ عُبَیْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ، وَ قَتْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمَدَانِ وَ مَالِكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، بَعَثَنِی بِكِتَابٍ فِی أَثَرِ جَارِیَةَ بْنِ قُدَامَةَ، قَبْلَ أَنْ یَبْلُغَهُ أَنَّ بُسْراً ظَهَرَ عَلَی صَنْعَاءَ وَ أَخْرَجَ عُبَیْدَ اللَّهِ مِنْهَا وَ ابْنَ نِمْرَانَ، فَخَرَجْتُ بِالْكِتَابِ حَتَّی لَحِقْتُ بِجَارِیَةَ فَفَضَّهُ فَإِذَا فِیهِ:

ص: 15


1- و رواه الشّریف الرّضیّ رحمه اللّٰه، مع زیادة جیّدة فی المختار (119) من نهج البلاغة.

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّی بَعَثْتُكَ فِی وَجْهِكَ الَّذِی وَجَّهْتُ لَهُ، وَ قَدْ أَوْصَیْتُكَ بِتَقْوَی اللَّهِ، وَ تَقْوَی رَبِّنَا جِمَاعُ كُلِّ خَیْرٍ، وَ رَأْسُ كُلِّ أَمْرٍ، وَ تَرَكْتُ أَنْ أُسَمِّیَ لَكَ الْأَشْیَاءَ بِأَعْیَانِهَا، وَ إِنِّی أُفَسِّرُهَا حَتَّی تَعْرِفَهَا، سِرْ عَلَی بَرَكَةِ اللَّهِ، حَتَّی تَلْقَی عَدُوَّكَ، وَ لَا تَحْتَقِرْ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ أَحَداً، وَ لَا تُسَخِّرَنَّ بَعِیراً وَ لَا حِمَاراً، وَ إِنْ تَرَجَّلْتَ وَ حُبِسْتَ، وَ لَا تَسْتَأْثِرَنَّ عَلَی أَهْلِ الْمِیَاهِ بِمِیَاهِهِمْ، وَ لَا تَشْرَبَنَّ مِنْ مِیَاهِهِمْ إِلَّا بِطِیبِ أَنْفُسِهِمْ، وَ لَا تَسْبِی مُسْلِماً وَ لَا مُسْلِمَةً، وَ لَا تُظْلِمُ مُعَاهَداً وَ لَا مُعَاهَدَةً، وَ صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، وَ اذْكُرِ اللَّهَ بِاللَّیْلِ وَ النَّهَارِ، وَ احْمِلُوا رَاجِلَكُمْ، وَ تَأَسَّوْا عَلَی ذَاتِ أَیْدِیكُمْ وَ أَغِذَّ السَّیْرَ حَتَّی تَلْحَقَ بِعَدُوِّكَ فَتُجْلِیَهُمْ عَنْ بِلَادِ الْیَمَنِ وَ تَرُدَّهُمْ صَاغِرِینَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَ السَّلَامُ عَلَیْكَ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ (1)..

وَ عَنْ فُضَیْلِ بْنِ خَدِیجٍ قَالَ: كَانَ وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ عِنْدَ عَلِیٍّ عَلَیْهِ السَّلَامُ بِالْكُوفَةِ، وَ كَانَ یَرَی رَأْیَ عُثْمَانَ، فَاسْتَأْذَنَ عَلِیّاً عَلَیْهِ السَّلَامُ لِیَذْهَبَ إِلَی بِلَادِهِ، ثُمَّ یَرْجِعَ إِلَیْهِ عَنْ قَرِیبٍ، فَخَرَجَ إِلَی بِلَادِ قَوْمِهِ: وَ كَانَ عَظِیمَ الشَّأْنِ فِیهِمْ، وَ كَانَ النَّاسُ بِهَا أَحْزَاباً، فَشِیعَةٌ تَرَی رَأْیَ عُثْمَانَ، وَ أُخْرَی تَرَی رَأْیَ عَلِیٍّ عَلَیْهِ السَّلَامُ.

فَكَانَ وَائِلٌ هُنَاكَ، حَتَّی دَخَلَ بُسْرٌ صَنْعَاءَ، فَكَتَبَ إِلَیْهِ:

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ شِیعَةَ عُثْمَانَ بِبِلَادِنَا شَطْرُ أَهْلِهَا، فَاقْدِمْ عَلَیْنَا فَإِنَّهُ لَیْسَ بِحَضْرَمَوْتَ رَجُلٌ یَرُدُّكَ عَنْهَا: فَأَقْبَلَ إِلَیْهَا بُسْرٌ بِمَنْ مَعَهُ حَتَّی دَخَلَهَا، فَزَعَمَ أَنَّ وَائِلًا اسْتَقْبَلَ بُسْراً، فَأَعْطَاهُ عَشَرَةَ آلَافٍ، وَ أَنَّهُ كَلَّمَهُ فِی حَضْرَمَوْتَ. فَقَالَ لَهُ:

مَا تُرِیدُ؟ قَالَ: أُرِیدُ أَنْ أَقْتُلَ رُبْعَ حَضْرَمَوْتَ. قَالَ: إِنْ كُنْتَ تُرِیدُ ذَلِكَ فَاقْتُلْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ ثُوَابَةَ؛ لَرَجُلٌ فَهِیمٌ، كَانَ مِنَ الْمُقَاوَلَةِ الْعِظَامِ. وَ كَانَ لَهُ عَدُوّاً، فِی رَأْیِهِ مُخَالِفاً. فَجَاءَهُ بُسْرٌ حَتَّی أَحَاطَ بِحِصْنِهِ، وَ كَانَ بِنَاءً مُعْجَباً لَمْ یُرَ فِی ذَلِكَ الزَّمَانِ

ص: 16


1- و قریبا منه جدّا رواه الیعقوبیّ فی أواخر سیرة أمیر المؤمنین علیه السّلام من تاریخه: ج 2، ص 175، و فی ط ج 2، ص 187. و فیه: «و لا تشتمنّ مسلما و لا مسلمة ..». وفی الغارات: ولا تسب.

مِثْلُهُ، فَدَعَاهُ إِلَیْهِ فَنَزَلَ، وَ كَانَ لِلْقَتْلِ آمِناً، فَلَمَّا نَزَلَ، قَالَ: اضْرِبُوا عُنُقَهُ. قَالَ لَهُ:

أَ تُرِیدُ قَتْلِی؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ فَدَعْنِی أَتَوَضَّأُ وَ أُصَلِّی رَكْعَتَیْنِ. قَالَ: افْعَلْ مَا أَحْبَبْتَ.

فَاغْتَسَلَ وَ تَوَضَّأَ، وَ لَبِسَ ثِیَاباً بَیْضَاءَ، وَ صَلَّی رَكْعَتَیْنِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَالِمٌ بِأَمْرِی. فَقَدِمَ فَضَرَبَ عُنُقَهُ وَ أَخَذَ مَالَهُ.

وَ بَلَغَ عَلِیّاً عَلَیْهِ السَّلَامُ، مُظَاهَرَةُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ شِیعَةَ عُثْمَانَ، عَلَی شِیعَتِهِ، وَ مُكَاتَبَتُهُ بُسْراً، فَحَبَسَ وَلَدَیْهِ عِنْدَهُ.

وَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُبَیْدٍ، أَنَّ جَارِیَةَ أَغَذَّ السَّیْرَ فِی طَلَبِ بُسْرٍ، مَا یَلْتَفِتُ إِلَی مَدِینَةٍ مَرَّ بِهَا، وَ لَا أَهْلِ حِصْنٍ، حَتَّی انْتَهَی إِلَی بِلَادِ الْیَمَنِ، فَهَرَبَتْ شِیعَةُ عُثْمَانَ فَلَحِقُوا بِالْجِبَالِ، وَ اتَّبَعَهُ عِنْدَ ذَلِكَ شِیعَةُ عَلِیٍّ وَ تَدَاعَتْ عَلَیْهِمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَ أَصَابُوا مِنْهُمْ.

وَ خَرَجَ جَارِیَةُ فِی أَثَرِ الْقَوْمِ، وَ تَرَكَ الْمَدَائِنَ أَنْ یَدْخُلَهَا، وَ مَضَی نَحْوَ بُسْرٍ.

فَمَضَی بُسْرٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ حِینَ بَلَغَهُ أَنَّ الْجَیْشَ [قَدْ] أَقْبَلَ وَ أَخَذَ طَرِیقاً عَلَی الْجَوْفِ، وَ تَرَكَ الطَّرِیقَ الَّذِی أَقْبَلَ مِنْهُ. وَ بَلَغَ ذَلِكَ جَارِیَةَ فَاتَّبَعَهُ حَتَّی أَخْرَجَهُ مِنَ الْیَمَنِ كُلِّهَا، وَ وَاقَعَهُ فِی أَرْضِ الْحِجَازِ، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ بِهِ، أَقَامَ بِحَرَسَ نَحْواً مِنْ شَهْرٍ، حَتَّی اسْتَرَاحَ وَ أَرَاحَ أَصْحَابَهُ، وَ سَأَلَ عَنْ بُسْرٍ فَقِیلَ إِنَّهُ بِمَكَّةَ فَسَارَ نَحْوَهُ.

وَ وَثَبَ النَّاسُ بِبُسْرٍ حِینَ انْصَرَفَ؛ لِسُوءِ سِیرَتِهِ، وَ اجْتَنَبَهُ النَّاسُ بِمِیَاهِ الطَّرِیقِ، وَ فَرَّ النَّاسُ عَنْهُ لِغَشْمِهِ وَ ظُلْمِهِ.

وَ أَقْبَلَ جَارِیَةُ حَتَّی دَخَلَ مَكَّةَ، وَ خَرَجَ بُسْرٌ مِنْهَا یَمْضِی قِبَلَ الْیَمَامَةِ، فَقَامَ جَارِیَةُ عَلَی مِنْبَرِ مَكَّةَ، وَ قَالَ:

بَایَعْتُمْ مُعَاوِیَةَ؟ قَالُوا: أَكْرَهَنَا. قَالَ: أَخَافُ أَنْ یَكُونُوا مِنَ الَّذِینَ قَالَ اللَّهُ فِیهِمْ: وَ إِذا لَقُوا الَّذِینَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَ إِذا خَلَوْا إِلی شَیاطِینِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ قُومُوا فَبَایِعُوا. قَالُوا: لِمَنْ نُبَایِعُ رَحِمَكَ اللَّهُ، وَ قَدْ هَلَكَ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ عَلَیْهِ السَّلَامُ، وَ لَا نَدْرِی مَا صَنَعَ النَّاسُ بَعْدُ؟ قَالَ: وَ مَا عَسَی

ص: 17

أَنْ یَصْنَعُوا، إِلَّا أَنْ یُبَایِعُوا لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِیٍّ، قُومُوا فَبَایِعُوا. ثُمَّ اجْتَمَعَتْ عَلَیْهِ شِیعَةُ عَلِیٍّ فَبَایَعُوا.

وَ خَرَجَ مِنْهَا وَ دَخَلَ الْمَدِینَةَ، وَ قَدِ اصْطَلَحُوا عَلَی أَبِی هُرَیْرَةَ یُصَلِّی بِالنَّاسِ، فَلَمَّا بَلَغَهُمْ مَجِی ءُ جَارِیَةَ، تَوَارَی أَبُو هُرَیْرَةَ.

فَجَاءَ جَارِیَةُ وَ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، وَ حَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَی عَلَیْهِ، وَ ذَكَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ فَصَلَّی عَلَیْهِ، ثُمَّ قَالَ:

أَیُّهَا النَّاسُ! إِنَّ عَلِیّاً عَلَیْهِ السَّلَامُ یَوْمَ وُلِدَ وَ یَوْمَ تَوَفَّاهُ اللَّهُ، وَ یَوْمَ یُبْعَثُ حَیّاً، كَانَ عَبْداً مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِینَ، عَاشَ بِقَدَرٍ، وَ مَاتَ بِأَجَلٍ. فَلَا یَهْنَأُ الشَّامِتُونَ، هَلَكَ سَیِّدُ الْمُسْلِمِینَ، وَ أَفْضَلُ الْمُهَاجِرِینَ، وَ ابْنُ عَمِّ النَّبِیِّ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ. أَمَا وَ الَّذِی لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، لَوْ أَعْلَمُ الشَّامِتَ مِنْكُمْ، لَتَقَرَّبْتُ إِلَی اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ بِسَفْكِ دَمِهِ، وَ تَعْجِیلِهِ إِلَی النَّارِ، قُومُوا فَبَایِعُوا الْحَسَنَ بْنَ عَلِیٍّ. فَقَامَ النَّاسُ فَبَایَعُوا. وَ أَقَامَ یَوْمَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ غَدَا مِنْهَا مُنْصَرِفاً إِلَی الْكُوفَةِ، وَ غَدَا أَبُو هُرَیْرَةَ یُصَلِّی بِالنَّاسِ، وَ رَجَعَ بُسْرٌ فَأَخَذَ عَلَی طَرِیقِ السَّمَاوَةِ حَتَّی أَتَی الشَّامَ.

قَالَ: وَ أَقْبَلَ جَارِیَةُ، حَتَّی دَخَلَ عَلَی الْحَسَنِ بْنِ عَلِیٍّ عَلَیْهِ السَّلَامُ، فَضَرَبَ عَلَی یَدِهِ فَبَایَعَهُ وَ عَزَّاهُ. وَ قَالَ: مَا یُجْلِسُكَ؟ سِرْ یَرْحَمُكَ اللَّهُ إِلَی عَدُوِّكَ قَبْلَ أَنْ یُسَارَ إِلَیْكَ.

فَقَالَ: لَوْ كَانَ النَّاسُ كُلُّهُمْ مِثْلَكَ، سِرْتُ بِهِمْ.

وَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ الْوَلِیدِ، أَنَّ عُبَیْدَ اللَّهِ بْنَ الْعَبَّاسِ، وَ سَعِیدَ بْنَ نِمْرَانَ، قَدِمَا عَلَی عَلِیٍّ عَلَیْهِ السَّلَامُ، وَ كَانَ عُبَیْدُ اللَّهِ عَامِلَهُ عَلَی صَنْعَاءَ، وَ سَعِیدٌ عَامِلَهُ عَلَی الْجَنَدِ، خَرَجَا هَارِبَیْنِ مِنْ بُسْرٍ، وَ أَصَابَ [بُسْرٌ] ابْنَیْ عُبَیْدِ اللَّهِ، لَمْ یُدْرِكَا الْحِنْثَ، فَقَتَلَهُمَا.

قَالَ: وَ كَانَ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ یَجْلِسُ كُلَّ یَوْمٍ فِی مَوْضِعٍ مِنَ الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ، یُسَبِّحُ بِهِ بَعْدَ الْغَدَاةِ إِلَی طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَلَمَّا طَلَعَتْ، نَهَضَ إِلَی الْمِنْبَرِ، فَضَرَبَ

ص: 18

بِإِصْبَعَیْهِ عَلَی رَاحَتِهِ وَ هُوَ یَقُولُ: مَا هِیَ إِلَّا الْكُوفَةُ أَقْبِضُهَا وَ أَبْسُطُهَا [ثُمَّ أَنْشَدَ]:

لَعَمْرُ أَبِیكَ الْخَیْرِ یَا عَمْرُو أَنَّنِی عَلَی وَضَرٍ مِنْ ذَا الْإِنَاءِ قَلِیلٍ

وَ مِنْ حَدِیثِ بَعْضِهِمْ: أَنَّهُ قَالَ: إِنْ لَمْ تَكُونِی إِلَّا أَنْتِ تَهُبُّ أَعَاصِیرُكِ، فَقَبَّحَكِ اللَّهُ.

ثُمَّ قَالَ: أَیُّهَا النَّاسُ! أَلَا إِنَّ بُسْراً قَدْ أَطْلَعَ الْیَمَنَ وَ هَذَا عُبَیْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ، وَ سَعِیدُ بْنُ نِمْرَانَ، قَدِمَا عَلَیَّ هَارِبَیْنِ، وَ لَا أَرَی هَؤُلَاءِ إِلَّا ظَاهِرِینَ عَلَیْكُمْ؛ لِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَی بَاطِلِهِمْ، وَ تَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ، وَ طَاعَتِهِمْ لِإِمَامِهِمْ، وَ مَعْصِیَتِكُمْ لِإِمَامِكُمْ، وَ أَدَاءِهِمُ الْأَمَانَةَ إِلَی صَاحِبِهِمْ، وَ خِیَانَتِكُمْ إِیَّایَ، وَلَّیْتُ فُلَاناً فَخَانَ وَ غَدَرَ، وَ احْتَمَلَ فَیْ ءَ الْمُسْلِمِینَ إِلَی مَكَّةَ، وَ وَلَّیْتُ فُلَاناً فَخَانَ وَ غَدَرَ، وَ فَعَلَ مِثْلَهَا، فَصِرْتُ لَا آتَمِنُكُمْ عَلَی عِلَاقَةِ سَوْطٍ.

وَ إِنْ نَدَبْتُكُمْ إِلَی السَّیْرِ إِلَی عَدُوِّكُمْ فِی الصَّیْفِ، قُلْتُمْ أَمْهِلْنَا یَنْسَلِخِ الْحَرُّ عَنَّا، وَ إِنْ نَدَبْتُكُمْ فِی الشِّتَاءِ، قُلْتُمْ أَمْهِلْنَا یَنْسَلِخِ الْقَرُّ عَنَّا.

اللَّهُمَّ إِنِّی قَدْ مَلِلْتُهُمْ وَ مَلُّونِی، وَ سَئِمْتُهُمْ وَ سَئِمُونِی، فَأَبْدِلْنِی بِهِمْ مَنْ هُوَ خَیْرٌ لِی مِنْهُمْ، وَ أَبْدِلْهُمْ بِی مَنْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ مِنِّی. اللَّهُمَّ أَمِثْ قُلُوبَهُمْ مَیْثَ الْمِلْحِ فِی الْمَاءِ (1).

وَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ سُلَیْمَانَ عَنْ أَبِیهِ قَالَ: قَالَ عَلِیٌّ عَلَیْهِ السَّلَامُ: لَا أَرَی هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ إِلَّا ظَاهِرِینَ عَلَیْكُمْ بِتَفَرُّقِكُمْ عَنِ حَقِّكُمْ، وَ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَی بَاطِلِهِمْ، فَإِذَا كَانَ عَلَیْكُمْ إِمَامٌ یَعْدِلُ فِی الرَّعِیَّةِ، وَ یَقْسِمُ بِالسَّوِیَّةِ، فَاسْمَعُوا لَهُ وَ أَطِیعُوا؛ فَإِنَّ النَّاسَ لَا یُصْلِحُهُمْ إِلَّا إِمَامٌ بَرُّ أَوْ فَاجِرٌ. فَإِنْ كَانَ بَرّاً فَلِلرَّاعِی وَ الرَّعِیَّةِ، وَ إِنْ كَانَ فَاجِراً عَبَدَ الْمُؤْمِنُ رَبَّهُ فِیهَا، وَ عَمِلَ فِیهَا الْفَاجِرُ إِلَی أَجَلِهِ.

ص: 19


1- و قریبا منه جدّا، رواه الشّریف الرّضیّ رحمه اللّٰه فی المختار: (24) من كتاب نهج البلاغة.

[أَلَا] وَ إِنَّكُمْ سَتُعْرَضُونَ بَعْدِی عَلَی سَبِّی وَ الْبَرَاءَةِ مِنِّی، فَمَنْ سَبَّنِی فَهُوَ فِی حِلٍّ مِنْ سَبِّی، وَ لَا یَتَبَرَّأْ مِنِّی، فَإِنَّ دِینِیَ الْإِسْلَامُ (1).

وَ عَنْ أَبِی عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِیِّ، أَنَّ النَّاسَ تَلَاقَوْا وَ تَلَاوَمُوا، وَ مَشَتِ الشِّیعَةُ بَعْضُهَا إِلَی بَعْضٍ، وَ لَقِیَ أَشْرَافُ النَّاسِ بَعْضُهُمْ بَعْضاً، فَدَخَلُوا عَلَی عَلِیٍّ عَلَیْهِ السَّلَامُ، فَقَالُوا: یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ، اخْتَرْ مِنَّا رَجُلًا، ثُمَّ ابْعَثْ مَعَهُ إِلَی هَذَا الرَّجُلِ جُنْداً، حَتَّی یَكْفِیَكَ أَمْرَهُ، وَ مُرْنَا بِأَمْرِكَ فِیمَا سِوَی ذَلِكَ، فَإِنَّكَ لَنْ تَرَی مِنَّا شَیْئاً تَكْرَهُهُ مَا صَحِبْتَنَا. قَالَ: فَإِنِّی قَدْ بَعَثْتُ رَجُلًا إِلَی هَذَا الرَّجُلِ، لَا یَرْجِعُ أَبَداً حَتَّی یَقْتُلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، أَوْ یَنْفِیَهُ، وَ لَكِنِ اسْتَقِیمُوا لِی فِیمَا آمُرُكُمْ بِهِ، وَ أَدْعُوكُمْ إِلَیْهِ مِنْ غَزْوِ الشَّامِ وَ أَهْلِهِ.

فَقَامَ إِلَیْهِ سَعِیدُ بْنُ قَیْسٍ الْهَمْدَانِیُّ، فَقَالَ: یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ، وَ اللَّهِ لَوْ أَمَرْتَنَا بِالْمَسِیرِ إِلَی قُسْطَنْطِینِیَّةَ، رُومِیَةَ، مُشَاةً، حُفَاةً، عَلَی غَیْرِ عَطَاءٍ وَ لَا قُوتٍ، مَا خَالَفْتُكَ أَنَا وَ لَا رَجُلٌ مِنْ قَوْمِی. قَالَ: فَصَدَقْتُمْ جَزَاكُمُ اللَّهُ خَیْراً.

ثُمَّ قَامَ زِیَادُ بْنُ حَفْصَةَ، وَ وَعْلَةُ بْنُ مَخْدُوعٍ [وَ] قَالا: نَحْنُ شِیعَتُكَ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ، الَّتِی لَا تَعْصِیكَ، وَ لَا تُخَالِفُكَ، فَقَالَ: أَجَلْ أَنْتُمْ كَذَلِكَ. فَتَجَهَّزُوا إِلَی غَزْوِ الشَّامِ.

فَقَالَ النَّاسُ: سَمْعاً وَ طَاعَةً.

فَدَعَا [أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ] مَعْقِلَ بْنَ قَیْسٍ الرِّیَاحِیَّ، وَ سَرَّحَهُ فِی حَشْرِ النَّاسِ مِنَ السَّوَادِ إِلَی الْكُوفَةِ، [فَخَرَجَ مَعْقِلٌ لِإِنْفَاذِ أَمْرِهِ عَلَیْهِ السَّلَامُ، وَ امْتَثَلَ مَا أَمَرَهُ

ص: 20


1- و قریبا منه رواه البلاذریّ، مسندا فی الحدیث: (77) من ترجمة أمیر المؤمنین من أنساب الأشراف: ج 1، ص 219، و فی ط 1، ج 2 ص 119. ورواه أیضا السید الرضی رحمه اللّٰه فی المختارة: (٥٥) من كتاب نهج البلاغة. وللحدیث مصادر أخر یجدها الباحث فی المختار: (٣٦٥) وما بعده من كتاب نهج السعادة: ج ٢ ص ٦٩٥ وما یلیها.

بِهِ، ثُمَّ كَرَّ رَاجِعاً إِلَی الْكُوفَةِ، وَ لَمْ یَصِلْ إِلَیْهَا] حَتَّی أُصِیبَ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ عَلَیْهِ السَّلَامُ (1).

قَالَ: وَ رُوِیَ أَنَّهُ اجْتَمَعَ ذَاتَ یَوْمٍ بُسْرٌ وَ عُبَیْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ عِنْدَ مُعَاوِیَةَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِمُعَاوِیَةَ: أَنْتَ أَمَرْتَ هَذَا الْقَاطِعَ الْبَعِیدَ الرَّحِمِ، الْقَلِیلَ الرُّحْمِ بِقَتْلِ ابْنَیَّ؟ فَقَالَ مُعَاوِیَةُ: مَا أَمَرْتُهُ وَ لَا هَوِیتُ. فَغَضِبَ بُسْرٌ، وَ رَمَی بِسَیْفِهِ وَ قَالَ:

قَلَّدْتَنِی هَذَا السَّیْفَ، وَ قُلْتَ اخْبِطْ بِهِ النَّاسَ، حَتَّی إِذَا بَلَغْتُ مِنْ ذَلِكَ، قُلْتَ: مَا هَوِیتُ، وَ لَا أَمَرْتُ. فَقَالَ مُعَاوِیَةُ: خُذْ سَیْفَكَ، إِنَّكَ لَعَاجِزٌ حِینَ تُلْقِی سَیْفَكَ بَیْنَ یَدَیْ رَجُلٍ مِنْ بَنِی عَبْدِ مَنَافٍ، [وَ] قَدْ قَتَلْتَ ابْنَیْهِ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَرَانِی كُنْتُ قَاتِلَهُ بِهِمَا؟ فَقَالَ ابْنٌ لِعُبَیْدِ اللَّهِ: مَا كُنَّا نَقْتُلُ بِهِمَا إِلَّا یَزِیدَ وَ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَیْ مُعَاوِیَةَ، فَضَحِكَ مُعَاوِیَةُ وَ قَالَ: مَا ذَنْبُ یَزِیدَ وَ عَبْدِ اللَّهِ؟.

بیان: قال الجوهری: النقیبة: النفس. یقال: فلان میمون النقیبة، إذا كان مبارك النفس. [و] قال ابن السّكیت: إذا كان میمون الأمر، ینجح فیما حاول و یظفر. و قال ثعلب: إذا كان میمون المشورة. انتهی.

و راغ الثعلب روغا: ذهب یمنة و یسرة فی سرعة و خدیعة.

و سخّره تسخیرا: كلّفه عملا بلا أجرة و كذلك تسخره.

و الإغذاذ فی السیر: الإسراع.

و تداعت الحیطان للخراب، أی: تهادمت.

«902»- (2) وَ قَالَ ابْنُ أَبِی الْحَدِیدِ: كَتَبَ عَقِیلُ بْنُ أَبِی طَالِبٍ إِلَی أَخِیهِ عَلِیٍ

ص: 21


1- الحدیث رواه البلاذریّ بسیاق أجود ممّا هنا فی الحدیث: (510) من ترجمة أمیر المؤمنین علیه السّلام من أنساب الأشراف: ج 1، ص 434، و فی ط 1: ج 2 ص 477.
2- [902]- رَوَاهُ ابْنُ أَبِی الْحَدِیدِ فِی شَرْحِ الْمُخْتَارِ: (29) مِنْ نَهْجِ الْبَلَاغَةِ: ج 1، ص 358، ط الْحَدِیثِ: بِبَیْرُوتَ، وَ فِی ط الْحَدِیثِ بِمِصْرَ: ج 2، ص 118. وهذا هو الحدیث (١٥٧) من كتاب الغارات ص ٤٢٨. وللكتاب وجوابه مصادر كثیرة، یجد الطالب كثیرا منها فی ذیل المختار: (١٥٩) من باب الكتاب من نهج السعادة: ج ٥، ص ٣٠٦ ط ١.

عَلَیْهِ السَّلَامُ، حِینَ بَلَغَهُ خِذْلَانُ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَ تَقَاعُدُهُمْ بِهِ:

لِعَبْدِ اللَّهِ عَلِیٍّ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ، مِنْ عَقِیلِ بْنِ أَبِی طَالِبٍ: سَلَامُ اللَّهِ عَلَیْكَ، فَإِنِّی أَحْمَدُ إِلَیْكَ اللَّهَ الَّذِی لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ:

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ جَارُكَ مِنْ كُلِّ سُوءٍ، وَ عَاصِمُكَ مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ، وَ عَلَی كُلِّ حَالٍ. إِنِّی خَرَجْتُ إِلَی مَكَّةَ مُعْتَمِراً، فَلَقِیتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِی سَرْحٍ، فِی نَحْوٍ مِنْ أَرْبَعِینَ شَابّاً مِنْ أَبْنَاءِ الطُّلَقَاءِ، فَعَرَفْتُ الْمُنْكَرَ فِی وُجُوهِهِمْ. فَقُلْتُ:

إِلَی أَیْنَ یَا أَبْنَاءَ الشَّانِئِینَ، أَ بِمُعَاوِیَةَ تَلْحَقُونَ؟ عَدَاوَةً وَ اللَّهِ مِنْكُمْ قَدِیماً، غَیْرَ مُسْتَنْكَرٍ، تُرِیدُونَ بِهَا إِطْفَاءَ نُورِ اللَّهِ، وَ تَبْدِیلَ أَمْرِهِ. فَأَسْمَعَنِی الْقَوْمُ، وَ أَسْمَعْتُهُمْ.

فَلَمَّا قَدِمْتُ مَكَّةَ، سَمِعْتُ أَهْلَهَا یَتَحَدَّثُونَ: أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ قَیْسٍ، أَغَارَ عَلَی الْحِیرَةِ، فَاحْتَمَلَ مِنْ أَمْوَالِهَا مَا شَاءَ، ثُمَّ انْكَفَأَ رَاجِعاً سَالِماً. فَأُفٍّ لِحَیَاةٍ (1) فِی دَهْرٍ جَرَّأَ عَلَیْكَ الضَّحَّاكُ، وَ مَا الضَّحَّاكُ؟! فَقْعٌ بِقَرْقَرٍ، وَ قَدْ تَوَهَّمْتُ حَیْثُ بَلَغَنِی ذَلِكَ، أَنَّ شِیعَتَكَ وَ أَنْصَارَكَ خَذَلُوكَ، فَاكْتُبْ إِلَیَّ یَا ابْنَ أُمِّی بِرَأْیِكَ، فَإِنْ كُنْتَ الْمَوْتَ تُرِیدُ، تَحَمَّلْتُ إِلَیْكَ بِبَنِی أَخِیكَ وَ وُلْدِ أَبِیكَ، فَعِشْنَا مَعَكَ مَا عِشْتَ، وَ مِتْنَا مَعَكَ إِذَا مِتَّ، فَوَ اللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنْ أَبْقَی فِی الدُّنْیَا بَعْدَكَ فُوَاقاً، وَ أُقْسِمُ بِالْأَعَزِّ الْأَجَلِّ، أَنَّ عَیْشاً نَعِیشُهُ بَعْدَكَ فِی الْحَیَاةِ، لَغَیْرُ هَنِی ءٍ وَ لَا مَرِی ءٍ وَ لَا نَجِیعٍ وَ السَّلَامُ عَلَیْكَ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ.

فَكَتَبَ إِلَیْهِ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ عَلَیْهِ السَّلَامُ:

ص: 22


1- هذا الصّواب المذكور فی غیر واحد من المصادر. وكان فی أصل المصنف كما فسره فإن الحیاة فی دهر...

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِیمِ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِیٍّ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ، إِلَی عَقِیلِ بْنِ أَبِی طَالِبٍ، سَلَامٌ عَلَیْكَ، فَإِنِّی أَحْمَدُ إِلَیْكَ اللَّهَ الَّذِی لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ:

أَمَّا بَعْدُ، كَلَأَنَا اللَّهُ وَ إِیَّاكَ كِلَاءَةَ مَنْ یَخْشَاهُ بِالْغَیْبِ، إِنَّهُ حَمِیدٌ مَجِیدٌ قَدْ وَصَلَ إِلَیَّ كِتَابُكَ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُبَیْدٍ الْأَزْدِیِّ، تَذْكُرُ فِیهِ أَنَّكَ لَقِیتَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ [سَعْدِ بْنِ] أَبِی سَرْحٍ، مُقْبِلًا مِنْ «قُدَیْدٍ» فِی نَحْوٍ مِنْ أَرْبَعِینَ فَارِساً مِنْ أَبْنَاءِ الطُّلَقَاءِ، مُتَوَجِّهِینَ إِلَی جِهَةِ الْغَرْبِ، وَ أَنَّ ابْنَ أَبِی سَرْحٍ، طَالَ مَا كَادَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ كِتَابَهُ، وَ صَدَّ عَنْ سَبِیلِهِ وَ بَغَاهَا عِوَجاً، فَدَعِ ابْنَ أَبِی سَرْحٍ، وَ دَعْ عَنْكَ قُرَیْشاً وَ خَلِّهِمْ وَ تَرْكَاضَهُمْ فِی الضَّلَالِ وَ تَجْوَالَهُمْ فِی الشِّقَاقِ.

أَلَا وَ إِنَّ الْعَرَبَ قَدِ اجْتَمَعَتْ عَلَی حَرْبِ أَخِیكَ الْیَوْمَ، اجْتِمَاعَهَا عَلَی حَرْبِ النَّبِیِّ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ قَبْلَ الْیَوْمِ، فَأَصْبَحُوا قَدْ جَهِلُوا حَقَّهُ، وَ جَحَدُوا فَضْلَهُ وَ بَادَءُوهُ الْعَدَاوَةَ، وَ نَصَبُوا لَهُ الْحَرْبَ، وَ جَهَدُوا عَلَیْهِ كُلَّ الْجَهْدِ، وَ جَرُّوا إِلَیْهِ جَیْشَ الْأَحْزَابِ. اللَّهُمَّ فَاجْزِ قُرَیْشاً عَنِّی الْجَوَازِیَ؛ فَقَدْ قَطَعَتْ رَحِمِی، وَ تَظَاهَرَتْ عَلَیَّ، وَ دَفَعَتْنِی عَنْ حَقِّی، وَ سَلَبَتْنِی سُلْطَانَ ابْنِ أُمِّی، وَ سَلَّمَتْ ذَلِكَ إِلَی مَنْ لَیْسَ مِثْلِی فِی قَرَابَتِی مِنَ الرَّسُولِ، وَ سَابِقَتِی فِی الْإِسْلَامِ، إِلَّا أَنْ یَدَّعِیَ مُدَّعٍ مَا لَا أَعْرِفُهُ، وَ لَا أَظُنُّ اللَّهَ یَعْرِفُهُ، وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَی كُلِّ حَالٍ.

وَ أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ غَارَةِ الضَّحَّاكِ عَلَی أَهْلِ الْحِیرَةِ، فَهُوَ أَقَلُّ وَ أَذَلُّ مِنْ أَنْ یَلُمَّ بِهَا، أَوْ یَدْنُوَ مِنْهَا، وَ لَكِنَّهُ قَدْ كَانَ أَقْبَلَ فِی جَرِیدَةِ خَیْلٍ، فَأَخَذَ عَلَی السَّمَاوَةِ، حَتَّی مَرَّ بِوَاقِصَةَ وَ شُرَافَ وَ الْقُطْقُطَانَةِ، فَمَا وَالَی ذَلِكَ الصُّقْعَ (1)، فَوَجَّهْتُ إِلَیْهِ جُنْداً كَثِیفاً مِنَ الْمُسْلِمِینَ، فَلَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ فَرَّ هَارِباً، فَاتَّبَعُوهُ، فَلَحِقُوهُ بِبَعْضِ الطَّرِیقِ، وَ قَدْ أَمْعَنَ، وَ كَانَ ذَلِكَ حِینَ طَفَّلَتِ الشَّمْسُ لِلْإِیَابِ، فَتَنَاوَشَ الْقِتَالُ قَلِیلًا كَلَا وَ لَا، فَلَمْ یَصْبِرْ لِوَقْعِ الْمَشْرَفِیَّةِ، وَ وَلَّی هَارِباً، وَ قُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ بَضْعَةَ

ص: 23


1- لعلّ هذا هو الصّواب، و فی أصلی: «إلی الصّقع».

عَشَرَ رَجُلًا، بَعْدَ مَا أُخِذَ مِنْهُ بِالْمُخَنَّقِ، فَلَأْیاً بِلَأْیٍ مَا نَجَا.

وَ أَمَّا مَا سَأَلْتَنِی أَنْ أَكْتُبَ إِلَیْكَ بِرَأْیِی فِیمَا أَنَا فِیهِ: فَإِنَّ رَأْیِی جِهَادُ الْمُحِلِّینَ حَتَّی أَلْقَی اللَّهَ، لَا یَزِیدُنِی كَثْرَةُ النَّاسِ مَعِی عِزَّةً، وَ لَا تَفَرُّقُهُمْ عَنِّی وَحْشَةً؛ لِأَنِّی مُحِقٌّ، وَ اللَّهُ مَعَ الْمُحِقِّ. وَ وَ اللَّهِ مَا أَكْرَهُ الْمَوْتَ عَلَی الْحَقِّ، وَ مَا الْخَیْرُ كُلُّهُ إِلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ، لِمَنْ كَانَ مُحِقّاً.

وَ أَمَّا مَا عَرَضْتَ بِهِ مَسِیرَكَ إِلَیَّ بِبَنِیكَ وَ بَنِی أَبِیكَ، فَلَا حَاجَةَ لِی فِی ذَلِكَ، فَأَقِمْ رَاشِداً مَحْمُوداً، فَوَ اللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنْ تَهْلِكُوا مَعِی إِنْ هَلَكْتُ، وَ لَا تَحْسَبَنَّ ابْنَ أُمِّكَ وَ إِنْ أَسْلَمَهُ النَّاسُ مُتَخَشِّعاً، وَ لَا مُتَضَرِّعاً، إِنَّهُ لَكُمَا قَالَ أَخُو بَنِی سُلَیْمٍ:

فَإِنْ تَسْأَلِینِی كَیْفَ أَنْتَ فَإِنَّنِی*** صَبُورٌ عَلَی رَیْبِ الزَّمَانِ صَلِیبٌ

یَعِزُّ عَلَیَّ أَنْ تُرَی بِی كَآبَةٌ*** فَیَشْمَتَ عَادٍ أَوْ یُسَاءَ حَبِیبٌ

«903»- (1) أَقُولُ: رَوَی السَّیِّدُ رَضِیَ اللَّهُ عَنْهُ فِی النَّهْجِ، بَعْضَ هَذَا الْكِتَابِ هَكَذَا: فَسَرَّحْتُ إِلَیْهِ جَیْشاً كَثِیفاً مِنَ الْمُسْلِمِینَ، فَلَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ، شَمَّرَ هَارِباً، وَ نَكَصَ نَادِماً. فَلَحِقُوهُ بِبَعْضِ الطَّرِیقِ، وَ قَدْ طَفَّلَتِ الشَّمْسُ لِلْإِیَابِ، فَاقْتَتَلُوا شَیْئاً كَلَا وَ لَا، فَمَا كَانَ إِلَّا كَمَوْقِفِ سَاعَةٍ، حَتَّی نَجَا جَرِیضاً، بَعْدَ مَا أُخِذَ مِنْهُ بِالْمُخَنَّقِ، وَ لَمْ یَبْقَ مِنْهُ غَیْرُ الرَّمَقِ، فَلَأْیاً بِلَأْیٍ مَا نَجَا.

فَدَعْ عَنْكَ قُرَیْشاً وَ تَرْكَاضَهُمْ فِی الضَّلَالِ، وَ تَجْوَالَهُمْ فِی الشِّقَاقِ، وَ جِمَاحَهُمْ فِی التِّیهِ، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَی حَرْبِی، كَإِجْمَاعِهِمْ عَلَی حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ قَبْلِی. فَجَزَتْ قُرَیْشاً عَنِّی الْجَوَازِی فَقَدْ قَطَعُوا رَحِمِی، وَ سَلَبُونِی سُلْطَانَ ابْنِ أُمِّی.

وَ أَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ مِنْ رَأْیِی فِی الْقِتَالِ، فَإِنَّ رَأْیِی قِتَالُ الْمُحِلِّینَ حَتَّی

ص: 24


1- [903]- رَوَاهُ الشَّرِیفُ الرَّضِیُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِی الْمُخْتَارِ: (36) مِنَ الْبَابِ الثَّانِی مِنْ نَهْجِ الْبَلَاغَةِ.

أَلْقَی اللَّهَ، لَا یَزِیدُنِی كَثْرَةُ النَّاسِ حَوْلِی عِزَّةً، وَ لَا تَفَرُّقُهُمْ عَنِّی وَحْشَةً، وَ لَا تَحْسَبَنَّ ابْنَ أَبِیكَ وَ لَوْ أَسْلَمَهُ النَّاسُ مُتَضَرِّعاً مُتَخَشِّعاً، وَ لَا مُقِرّاً لِلضَّیْمِ وَاهِناً، وَ لَا سَلِسَ الزِّمَامِ لِلْقَائِدِ وَ لَا وَطِئَ الظَّهْرِ لِلرَّاكِبِ الْمُقْتَعِدِ، وَ لَكِنَّهُ كَمَا قَالَ أَخُو بَنِی سُلَیْمٍ، ثُمَّ ذَكَرَ الْبَیْتَیْنِ..

بیان: قوله: «فقع بقرقر» لعلّه خبر «إنّ» (1). و قوله «و ما الضحّاك» معترضة.

و قال الجوهری: الفقع: ضرب من الكماة. و كذلك الفقع بالكسر. و یشبّه به الرّجل الذلیل فیقال: هو فقع قرقر؛ لأنّ الدّوابّ تنجله بأرجلها. قال النابغة یهجو النعمان بن المنذر.

حدّثونی بنی الشقیقة ما یمنع فقعا بقرقر أن یزولا

و قال: القرقر: القاع الأملس. و الفواق بالفتح و الضم: ما بین الحلبتین من الوقت. و التركاض و التجوال بفتح التاء فیهما: مبالغتان فی الركض و الجولان. و الركض: تحریك الرجل، و ركضت الفرس برجلی: حثثته لیعدو، ثم كثر حتی قیل: ركض الفرس إذا عدا. و الواو فیهما یشبه أن یكون بمعنی مع، و یحتمل العاطفة.

و استعار لفظ الجماح، باعتبار كثرة خلافهم للحقّ، و حركاتهم فی تیه الجهل، و الخروج عن طریق العدل، من قولهم: جمح الفرس إذا اعتزّ راكبه و غلبه. و یحتمل أن یكون من جمح، بمعنی أسرع كما ذكره الجوهری.

و قوله علیه السلام: «فجزت قریشا عنی الجوازی»، الجوازی: جمع جازیة، أی: جزت قریشا عنی بما صنعت كلّ خصلة من نكبة، أو شدّة، أو

ص: 25


1- بناء علی ما كان فی أصل المصنّف أعلی اللّٰه مقامه، و الظاهر أنّه من سهو الكاتب أو الراوی و الصواب الموافق لمصادر وثیقة: «فأفّ لحیاة ...».

مصیبة، أی: جعل اللّٰه هذه الدّواهی كلّها، جزاء قریش بما صنعت.

و قال ابن أبی الحدید: «سلطان ابن أمّی»: یعنی به الخلافة، و ابن أمّه، هو رسول اللّٰه صلّی اللّٰه علیه و آله، لأنّهما ابنا فاطمة بنت عمرو بن عمران بن مخزوم، أمّ عبد اللّٰه و أبی طالب، و لم یقل سلطان ابن أبی، لأنّ غیر أبی طالب من الأعمام، تشركه فی النسبة إلی عبد المطلب.

و قال الراوندی: یعنی نفسه؛ لأنّه ابن أمّ نفسه، و لا یخفی ما فیه.

و قیل: لأنّ فاطمة بنت أسد كانت تربّی رسول اللّٰه صلّی اللّٰه علیه و آله حین كفله أبو طالب، فهی كالأمّ له.

و یحتمل أن یكون المراد «سلطان أخی»: مجازا و مبالغة فی تأكّد الأخوّة التی جرت بینه و بین النّبی صلّی اللّٰه علیه و آله، و إشارة إلی حدیث المنزلة، و قوله تعالی حكایة عن هارون: یا ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِی و قد مرّ بعض ما یؤیّد هذا الوجه.

و واقصة: موضع بطریق الكوفة، و اسم مواضع أخری. و شراف كقطام:

موضع و ماء لبنی أسد أو جبل عال. و كغراب: ماء. و القطاقط و القطقط و القطقطانة بضمّهما موضع الأصرة بالكوفة، كانت سجن النعمان بن المنذر.

[قوله علیه السلام: ] «فما والی ذلك» أی: قاربه. و یقال: أمعن الفرس، أی: تباعد فی عدوه. و قال الجوهری: تطفیل الشّمس: میلها للغروب. و الطفل بالتحریك: بعد العصر إذا طفلت الشمس للغروب. و الإیاب: الرجوع، أی:

الرجوع إلی ما كانت علیه فی اللّیلة التی قبلها. و قال الجوهری: آبت الشمس لغة فی غابت. و تفسیر الراوندی بالزوال بعید.

و قال الجوهری: المناوشة: فی القتال، و ذلك إذا تدانی الفریقان.

و التناوش: التناول.

ص: 26

قوله علیه السلام: «شیئا كلا و لا»: قال ابن أبی الحدید: أی: شیئا قلیلا كلا شی ء. و موضع «كلا و لا». نصب؛ لأنّه صفة «شیئا»، و هی كلمة یقال لما یستقصر جدا. و المعروف عند أهل اللغة «كلا و ذا»، قال ابن هانی المغربی:

و أسرع فی العین من لحظة و أقصر فی السمع من لا و ذا

و فی شعر الكمیت:

كلا و كذا [تغمیضة ثم هجتم لدی حین أن كانوا إلی النوم أفقرا]

و قد رویت فی نهج البلاغة كذلك، إلّا أن فی أكثر النسخ «كلا و لا»، و من الناس من یرویها «كلا و لات»، و هی حرف أجری مجری «لیس»، و لا یجی ء إلّا مع حین، إلّا أن یحذف فی شعر. و من الرواة من یرویها «كلا و لأی». و لأی. فعل معناه: أبطأ.

و قال ابن میثم: قوله علیه السلام «كلا و لا»، تشبیه بالقلیل السّریع الفناء، و ذلك لأنّ «لا و لا» لفظان قصیران قلیلان فی المسموع، و استشهد بقول ابن هانی.

أقول: و یحتمل أن یكون المعنی شیئا كلا شی ء، و لیس بلا شی ء، أو یكون العطف للتأكید. و الموقف هنا مصدر.

و المشرفیة بالفتح: سیوف نسبت إلی مشارف، و هی قری من أرض العرب.

و فی النهایة: الجرض بالتحریك: أن تبلغ الروح الحلق. و الإنسان جریض. و فی الصّحاح: الجرض بالتّحریك: الرّیق یغصّ به، یقال: جرض بریقه: ابتلع ریقه علی همّ و حزن بالجهد. و الجریض: الغصّة. و مات فلان جریضا أی مغموما.

و قال: خنقه و أخنقه و خنّقه، و موضعه من العنق، مخنّق. یقال: بلغ منه المخنّق، و أخذت بمخنّقه و خناقه أی: حلقه.

ص: 27

و قال ابن میثم: «لأیا» مصدر، و العامل محذوف. و ما مصدریة فی موضع الفاعل، و التقدیر: فلأی لأیا نجاؤه، أی: عسر و أبطأ. و قوله: «بلأی» أی:

مقرونا بلأی، أی: شدّة بعد شدّة.

و قال الكیدری: «ما» زائدة. و تقدیر الكلام فنجا لأیا، أی: صاحب لأی، أی: فی حال كونه صاحب جهد و مشقّة متلبّسة بمثلها، أی: نجا فی حال تضاعف الشّدائد.

و قال الراوندی: نصب «لأیا» علی الظرف. و تفید ما الزائدة فی الكلام إبهاما، أی: بعد شدّة و إبطاء و نجا.

قوله علیه السلام: «قتال المحلّین» أی: البغاة. قال الجوهری: أحلّ، أی: خرج إلی الحلّ، أو من میثاق كان علیه، و منه قول زهیر:

[جعلنا القنان عن یمین و حزنه] و كم بالقنان من محلّ و محرم

و قال: أسلمه، أی: خذله.

قوله علیه السلام: «و لا مقرّا للضّیم» أی: راضیا بالظلم، صابرا علیه.

و السلس: السهل، اللین المنقاد. «و لا وطئ الظهر» أی: متهیّئا للركوب. و مقتعد البعیر: راكبه. و الصّلیب: الشدید.

«904»- (1) أَقُولُ: رَوَی ابْنُ أَبِی الْحَدِیدِ مِنْ كِتَابِ الْغَارَاتِ لِإِبْرَاهِیمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِیِّ، كَمَا رَأَیْتُهُ فِی أَصْلِ كِتَابِهِ، رَوَی بِإِسْنَادِهِ عَنْ جُنْدَبٍ الْأَزْدِیِّ، عَنْ أَبِیهِ قَالَ: أَوَّلُ غَارَةٍ كَانَتْ بِالْعِرَاقِ، غَارَةُ الضَّحَّاكِ بْنِ قَیْسٍ، بَعْدَ الْحَكَمَیْنِ، وَ قَبْلَ قِتَالِ النَّهْرَوَانِ؛ وَ ذَلِكَ أَنَّ مُعَاوِیَةَ لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ عَلِیّاً عَلَیْهِ السَّلَامُ بَعْدَ وَاقِعَةِ

ص: 28


1- [904]- رَوَاهُ إِبْرَاهِیمُ الثَّقَفِیُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِی الْحَدِیثِ: (152) وَ مَا بَعْدَهُ مِنْ كِتَابِ الْغَارَاتِ: ج 1، ص 416 وَ مَا یَلِیهَا مِنْ ط 1. وراه عنه ابن أبی الحدیث فی شرحه علی المختار: (٢٩) من نهج البلاغة: ج ١ ص ٣٥٤. الطبعة الحدیثة بیروت.

الْحَكَمَیْنِ، تَحَمَّلَ إِلَیْهِ مُقْبِلًا هَالَهُ ذَلِكَ، فَخَرَجَ مِنْ دِمَشْقَ مُعَسْكَراً، وَ بَعَثَ إِلَی كُوَرِ الشَّامِ، فَصَاحَ بِهَا [فِیهَا «خ ل»] أَنَّ عَلِیّاً قَدْ سَارَ إِلَیْكُمْ. وَ كَتَبَ إِلَیْهِمْ نُسْخَةً وَاحِدَةً، فَقُرِئَتْ عَلَی النَّاسِ؛ أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّا كُنَّا كَتَبْنَا بَیْنَنَا وَ بَیْنَ عَلِیٍّ كِتَاباً، وَ شَرَطْنَا فِیهِ شُرُوطاً، وَ حَكَّمْنَا رَجُلَیْنِ یَحْكُمَانِ عَلَیْنَا وَ عَلَیْهِ بِحُكْمِ الْكِتَابِ، لَا یَعْدُوَانِهِ، وَ جَعَلْنَا عَهْدَ اللَّهِ وَ مِیثَاقَهُ عَلَی مَنْ نَكَثَ الْعَهْدَ، وَ لَمْ یُمْضِ الْحُكْمَ، وَ إِنَّ حَكَمِیَ الَّذِی كُنْتُ حَكَّمْتُهُ أَثْبَتَنِی، وَ إِنَّ حَكَمَهُ خَلَعَهُ، وَ قَدْ أَقْبَلَ إِلَیْكُمْ ظَالِماً، «فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما یَنْكُثُ عَلی نَفْسِهِ» تَجَهَّزُوا لِلْحَرْبِ، بِأَحْسَنِ الْجَهَازِ، وَ أَعِدُّوا آلَةَ الْقِتَالِ، وَ أَقْبِلُوا خِفافاً وَ ثِقالًا وَ كُسَالَی وَ نَشَاطاً، یَسَّرَنَا اللَّهُ وَ إِیَّاكُمْ لِصَالِحِ الْأَعْمَالِ.

فَاجْتَمَعَ إِلَیْهِ نَاسٌ مِنْ كُلِّ كُورَةٍ، وَ أَرَادُوا الْمَسِیرَ إِلَی صِفِّینَ، فَاسْتَشَارَهُمْ فَاخْتَلَفُوا فِی ذَلِكَ، فَمَكَثُوا یُجِیلُونَ الرَّأْیَ یَوْمَیْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، حَتَّی قَدِمَتْ عَلَیْهِمْ عُیُونُهُمْ، أَنَّ عَلِیّاً عَلَیْهِ السَّلَامُ اخْتَلَفَ عَلَیْهِ أَصْحَابُهُ، فَفَارَقَتْهُ مِنْهُ فِرْقَةٌ أَنْكَرَتْ أَمْرَ الْحُكُومَةِ، وَ أَنَّهُ قَدْ رَجَعَ عَنْكُمْ إِلَیْهِمْ، فَكَبَّرَ النَّاسُ سُرُوراً لِانْصِرَافِهِ عَنْهُمْ، وَ مَا أُلْقِیَ مِنَ الْخِلَافِ بَیْنَهُمْ.

فَلَمْ یَزَلْ مُعَاوِیَةُ مُعَسْكَراً فِی مَكَانِهِ، حَتَّی جَاءَ الْخَبَرُ أَنَّ عَلِیّاً عَلَیْهِ السَّلَامُ، قَدْ قَتَلَ أُولَئِكَ الْخَوَارِجَ، وَ أَنَّهُ أَرَادَ بَعْدَ قَتْلِهِمْ أَنْ یُقْبِلَ إِلَیْهِ بِالنَّاسِ، وَ أَنَّهُمْ اسْتَنْظَرُوهُ وَ دَافَعُوهُ، فَسُرَّ بِذَلِكَ هُوَ وَ مَنْ قِبَلَهُ مِنَ النَّاسِ.

وَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَسْعَدَةَ قَالَ: جَاءَنَا كِتَابُ عُمَارَةَ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِی مُعَیْطٍ مِنَ الْكُوفَةِ، وَ نَحْنُ مُعَسْكَرُونَ مَعَ مُعَاوِیَةَ نَتَخَوَّفُ أَنْ یَفْرُغَ عَلِیٌّ مِنْ خَارِجَتِهِ، ثُمَّ یُقْبِلَ إِلَیْنَا، وَ كَانَ فِی كِتَابِهِ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ عَلِیّاً خَرَجَ عَلَیْهِ عِلِیَّةُ أَصْحَابِهِ وَ نُسَّاكُهُمْ، فَخَرَجَ إِلَیْهِمْ فَقَتَلَهُمْ، وَ قَدْ فَسَدَ عَلَیْهِ جُنْدُهُ وَ أَهْلُ مِصْرِهِ، وَ وَقَعَتْ بَیْنَهُمُ الْعَدَاوَةُ وَ تَفَرَّقُوا أَشَدَّ الْفُرْقَةِ، فَأَحْبَبْتُ إِعْلَامَكَ. وَ السَّلَامُ.

قَالَ فَقَرَأَهُ [مُعَاوِیَةُ] عَلَی أَخِیهِ وَ عَلَی أَبِی الْأَعْوَرِ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَی أَخِیهِ الْوَلِیدِ بْنِ عُقْبَةَ وَ قَالَ: لَقَدْ رَضِیَ أَخُوكَ أَنْ یَكُونَ لَنَا عَیْناً. قَالَ: فَضَحِكَ الْوَلِیدُ وَ قَالَ:

ص: 29

إِنَّ فِی ذَلِكَ أَیْضاً لَنَفْعاً.

فَعِنْدَ ذَلِكَ دَعَا مُعَاوِیَةُ الضَّحَّاكَ بْنَ قَیْسٍ الْفِهْرِیَّ، وَ قَالَ لَهُ: سِرْ حَتَّی تَمُرَّ بِنَاحِیَةِ الْكُوفَةِ، وَ تَرْتَفِعَ عَنْهَا مَا اسْتَطَعْتَ، فَمَنْ وَجَدْتَهُ مِنَ الْأَعْرَابِ فِی طَاعَةِ عَلِیٍّ، فَأَغِرْ عَلَیْهِ، وَ إِنْ وَجَدْتَ لَهُ مَسْلَحَةً أَوْ خَیْلًا فَأَغِرْ عَلَیْهِمَا، وَ إِذَا أَصْبَحْتَ فِی بَلْدَةٍ، فَأَمْسِ فِی أُخْرَی، وَ لَا تُقِیمَنَّ لِخَیْلٍ بَلَغَكَ عَنْهَا أَنَّهَا قَدْ سُرِّحَتْ إِلَیْكَ لِتَلْقَاهَا فَتُقَاتِلَهَا. فَسَرَّحَهُ فِیمَا بَیْنَ ثَلَاثَةِ آلَافٍ إِلَی أَرْبَعَةِ آلَافٍ.

فَأَقْبَلَ الضَّحَّاكُ لِنَهْبِ الْأَمْوَالِ، وَ قَتْلِ مَنْ لَقِیَ مِنَ الْأَعْرَابِ، حَتَّی مَرَّ بِالثَّعْلَبِیَّةِ فَأَغَارَ عَلَی الْحَاجِّ، فَأَخَذَ أَمْتِعَتَهُمْ، ثُمَّ أَقْبَلَ فَلَقِیَ عَمْرَو بْنَ عُمَیْسِ بْنِ مَسْعُودٍ الذُّهْلِیِّ وَ هُوَ ابْنُ أَخِی عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَقَتَلَهُ فِی طَرِیقِ الْحَاجِّ، عِنْدَ الْقُطْقُطَانَةِ، وَ قَتَلَ مَعَهُ نَاساً مِنْ أَصْحَابِهِ.

فَصَعِدَ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ عَلَیْهِ السَّلَامُ الْمِنْبَرَ وَ قَالَ:

یَا أَهْلَ الْكُوفَةِ! اخْرُجُوا إِلَی [الْعَبْدِ] الصَّالِحِ عَمْرِو بْنِ عُمَیْسٍ وَ إِلَی جُیُوشٍ لَكُمْ قَدْ أُصِیبَ مِنْهُمْ طَرَفٌ، اخْرُجُوا فَقَاتِلُوا عَدُوَّكُمْ، وَ امْنَعُوا حَرِیمَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِینَ.

فَرَدُّوا عَلَیْهِ رَدّاً ضَعِیفاً وَ رَأَی مِنْهُمْ عَجْزاً وَ فَشَلًا فَقَالَ:

وَ اللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ لِی بِكُلِّ مِائَةٍ مِنْكُمْ رَجُلًا مِنْهُمْ، وَیْحَكُمْ اخْرُجُوا مَعِی، ثُمَّ فِرُّوا عَنِّی مَا بَدَا لَكُمْ، فَوَ اللَّهِ مَا أَكْرَهُ لِقَاءَ رَبِّی عَلَی نِیَّتِی وَ بَصِیرَتِی، وَ فِی ذَلِكَ رَوْحٌ لِی عَظِیمٌ، وَ فَرَجٌ مِنْ مُنَاجَاتِكُمْ وَ مُعَانَاتِكُمْ وَ مُقَاسَاتِكُمْ وَ مُدَارَاتِكُمْ، مِثْلَ مَا تُدَارَی الْبِكَارُ الْعَمِدَةُ، وَ الثِّیَابُ الْمُتَهَتِّرَةُ، كُلَّمَا خِیطَتْ مِنْ جَانِبٍ، تَهَتَّكَتْ عَلَی صَاحِبِهَا مِنْ جَانِبٍ آخَرَ.

ثُمَّ نَزَلَ، فَخَرَجَ یَمْشِی حَتَّی بَلَغَ الْغَرِیَّیْنِ، ثُمَّ دَعَا حُجْرَ بْنَ عَدِیٍّ الْكِنْدِیَّ فَعَقَدَ لَهُ رَایَةً عَلَی أَرْبَعَةِ آلَافٍ، فَخَرَجَ حُجْرٌ حَتَّی مَرَّ بِالسَّمَاوَةِ وَ هِیَ

ص: 30

أَرْضٌ كَلِبٌ، فَلَقِیَ بِهَا إِمْرَأَ الْقَیْسِ بْنَ عَدِیِّ بْنِ أَوْسٍ الْكَلْبِیَّ، وَ هُمْ أَصْهَارُ الْحُسَیْنِ بْنِ عَلِیٍّ عَلَیْهِ السَّلَامُ، فَكَانُوا أَدِلَّاءَهُ فِی الطَّرِیقِ، وَ عَلَی الْمِیَاهِ، فَلَمْ یَزَلْ مُغِذّاً فِی أَثَرِ الضَّحَّاكِ، حَتَّی لَقِیَهُ بِنَاحِیَةِ تَدْمُرَ فَوَاقَعَهُ؛ فَاقْتَتَلُوا سَاعَةً، فَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ الضَّحَّاكِ تِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَ قُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ حُجْرٍ رَجُلَانِ، وَ حَجَزَ اللَّیْلُ بَیْنَهُمْ، فَمَضَی الضَّحَّاكُ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا لَمْ یَجِدُوا لَهُ وَ لِأَصْحَابِهِ أَثَراً، فَكَتَبَ عَقِیلٌ هَذَا الْكِتَابَ إِلَیْهِ عَلَیْهِ السَّلَامُ فِی أَثَرِ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ.

«905»- (1) وَ قَالَ ابْنُ أَبِی الْحَدِیدِ أَیْضاً: ذَكَرَ صَاحِبُ كِتَابِ الْغَارَاتِ، أَنَّ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِیرٍ قَدِمَ هُوَ وَ أَبُو هُرَیْرَةَ عَلَی عَلِیٍّ عَلَیْهِ السَّلَامُ مِنْ عِنْدِ مُعَاوِیَةَ، بَعْدَ أَبِی مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِیِّ، یَسْأَلَانِهِ أَنْ یَدْفَعَ قَتَلَةَ عُثْمَانَ إِلَی مُعَاوِیَةَ، لِیُقِیدَهُمْ بِعُثْمَانَ. وَ إِنَّمَا أَرَادَ أَنْ یُشْهِدَا لَهُ عَلَیْهِ أَهْلَ الشَّامِ بِذَلِكَ، وَ أَنْ یُظْهِرَا عُذْرَهُ، فَلَمَّا أَتَیَاهُ عَلَیْهِ السَّلَامُ، وَ أَدَّیَا الرِّسَالَةَ، قَالَ عَلَیْهِ السَّلَامُ لِلنُّعْمَانِ: حَدِّثْنِی عَنْكَ أَ أَنْتَ أَهْدَی مِنْ قَوْمِكَ سَبِیلًا؟ یَعْنِی الْأَنْصَارَ. قَالَ: لَا. قَالَ: فَكُلُّ قَوْمِكَ قَدِ اتَّبَعَنِی، إِلَّا شُذَّاذٌ مِنْهُمْ ثَلَاثَةٌ أَوْ أَرْبَعَةٌ، فَتَكُونُ أَنْتَ مِنَ الشُّذَّاذِ؟ فَقَالَ النُّعْمَانُ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ، إِنَّمَا جِئْتُ لِأَكُونَ مَعَكَ، وَ قَدْ طَمِعْتُ أَنْ یُجْرِیَ اللَّهُ تَعَالَی بَیْنَكُمَا صُلْحاً، فَإِذَا كَانَ غَیْرَ ذَلِكَ رَأْیُكَ، فَإِنِّی مُلَازِمُكَ.

فَأَقَامَ النُّعْمَانُ، وَ لَحِقَ أَبُو هُرَیْرَةَ بِالشَّامِ. وَ فَرَّ النُّعْمَانُ بَعْدَ أَشْهُرٍ مِنْهُ عَلَیْهِ السَّلَامُ إِلَی الشَّامِ، فَأَخَذَهُ فِی الطَّرِیقِ مَالِكُ بْنُ كَعْبٍ الْأَرْحَبِیُّ، وَ كَانَ عَامِلَ عَلِیٍّ عَلَیْهِ السَّلَامُ بِعَیْنِ التَّمْرِ، فَتَضَرَّعَ وَ اسْتَشْفَعَ [لَهُ قَرَظَةُ عِنْدَ مَالِكِ بْنِ كَعْبٍ] حَتَّی خَلَّی سَبِیلَهُ، وَ قَدِمَ عَلَی مُعَاوِیَةَ وَ خَبَّرَ بِمَا لَقِیَ وَ لَمْ یَزَلْ مَعَهُ.

فَلَمَّا غَزَی الضَّحَّاكُ بْنُ قَیْسٍ أَرْضَ الْعِرَاقِ، بَعَثَ مُعَاوِیَةُ النُّعْمَانَ مَعَ

ص: 31


1- [905]- رَوَاهُ إِبْرَاهِیمُ الثَّقَفِیُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِی الْحَدِیثِ: (163) مِنْ كِتَابِ الْغَارَاتِ ص 445 ط 1. ورواه عنه ابن أبی الحدید فی شرحه علی المختار: (٣٩) من كتاب نهج البلاغة: ج ١، ص ٤٨٤، ط الحدیثة ببیروت، وفی ط الحدیثة بمصر: ج ٢، ص ٣٠٣.

أَلْفَیْ رَجُلٍ وَ أَوْصَاهُ أَنْ یَتَجَنَّبَ الْمُدُنَ وَ الْجَمَاعَاتِ، وَ أَنْ لَا یُغِیرَ عَلَی مَسْلَحَةٍ، وَ أَنْ یُعَجِّلَ الرُّجُوعَ، فَأَقْبَلَ النُّعْمَانُ حَتَّی دَنَا مِنْ عَیْنِ التَّمْرِ وَ بِهَا مَالِكٌ، وَ مَعَ مَالِكٍ أَلْفُ رَجُلٍ، وَ قَدْ أَذِنَ لَهُمْ فَرَجَعُوا إِلَی الْكُوفَةِ فَلَمْ یَبْقَ مَعَهُ إِلَّا مِائَةٌ أَوْ نَحْوُهَا، فَكَتَبَ مَالِكٌ إِلَی عَلِیٍّ عَلَیْهِ السَّلَامُ، فَصَعِدَ عَلَیْهِ السَّلَامُ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَی عَلَیْهِ ثُمَّ قَالَ: یَا أَهْلَ الْكُوفَةِ! الْمِنْسَرُ مِنْ مَنَاسِرِ أَهْلِ الشَّامِ، إِذَا أَظَلَّ عَلَیْكُمْ انْجَحَرْتُمْ فِی بُیُوتِكُمْ وَ أَغْلَقْتُمْ أَبْوَابَكُمْ، انْجَازَ الضَّبَّةُ فِی جُحْرِهَا، وَ الضَّبُعُ فِی وِجَارِهَا، الذَّلِیلُ وَ اللَّهِ مَنْ نَصَرْتُمُوهُ، وَ مَنْ رَمَی بِكُمْ رَمَی بِأَفْوَقَ نَاصِلٍ، أُفٍّ لَكُمْ، لَقَدْ لَقِیتُ مِنْكُمْ تَرَحاً!! وَیْحَكُمْ یَوْماً أُنَاجِیكُمْ، وَ یَوْماً أُنَادِیكُمْ، فَلَا أَحْرَارَ عِنْدَ النِّدَاءِ (1)، وَ لَا إِخْوَانَ صَدَقَ عِنْدَ اللِّقَاءِ، أَنَا وَ اللَّهِ مُنِیتُ بِكُمْ، صُمٌّ لَا تَسْمَعُونَ، بُكْمٌ لَا تَعْقِلُونَ، عُمْیٌ لَا تُبْصِرُونَ!! فَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِینَ، وَیْحَكُمْ اخْرُجُوا هَدَاكُمُ اللَّهُ إِلَی مَالِكِ بْنِ كَعْبٍ أَخِیكُمْ، فَإِنَّ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِیرٍ قَدْ نَزَلَ بِهِ فِی جَمْعٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ لَیْسَ بِالْكَثِیرِ، فَانْهَضُوا إِلَی إِخْوَانِكُمْ لَعَلَّ اللَّهَ یَقْطَعُ بِكُمْ مِنَ الْكَافِرِینَ طَرَفاً.

ثُمَّ نَزَلَ.

فَلَمْ یَخْرُجُوا، فَأَرْسَلَ إِلَی وُجُوهِهِمْ وَ كُبَرَائِهِمْ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ یَنْهَضُوا وَ یَحُثُّوا النَّاسَ عَلَی الْمَسِیرِ، فَلَمْ یَصْنَعُوا شَیْئاً. وَ اجْتَمَعَ مِنْهُمْ نَفَرٌ یَسِیرٌ نَحْوَ ثَلَاثِمِائَةٍ أَوْ دُونِهَا فَقَامَ عَلَیْهِ السَّلَامُ فَقَالَ:

أَلَا إِنِّی مُنِیتُ بِمَنْ لَا یُطِیعُ إِذَا أَمَرْتُ، وَ لَا یُجِیبُ إِذَا دَعَوْتُ، لَا أَبَا لَكُمْ، مَا تَنْتَظِرُونَ بِنَصْرِكُمْ رَبَّكُمْ؟ أَ مَا دِینٌ یَجْمَعُكُمْ؟ وَ لَا حَمِیَّةٌ تُحْمِشُكُمْ؟ أَقُومُ فِیكُمْ مُسْتَصْرِخاً، وَ أُنَادِیكُمْ مُتَغَوِّثاً، فَلَا تَسْمَعُونَ لِی قَوْلًا، وَ لَا تُطِیعُونَ لِی أَمْراً، حَتَّی تَكْشِفَ الْأُمُورُ عَنْ عَوَاقِبِ الْمَسَاءَةِ، فَمَا یُدْرَكُ بِكُمْ ثَارٌ، وَ لَا یُبْلَغُ بِكُمْ مَرَامٌ!!

ص: 32


1- هذا هو الصّواب الموافق لغیر واحد من المصادر، و فی ط الكمبانی من البحار: «فلا أجاب عند النّداء ...».

دَعَوْتُكُمْ إِلَی نَصْرِ إِخْوَانِكُمْ فَجَرْجَرْتُمْ جَرْجَرَةَ الْجَمَلِ الْأَسَرِّ، وَ تَثَاقَلْتُمْ تَثَاقُلَ النِّضْوِ الْأَدْبَرِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَیَّ مِنْكُمْ جُنَیْدٌ مُتَذَائِبٌ كَأَنَّما یُساقُونَ إِلَی الْمَوْتِ وَ هُمْ یَنْظُرُونَ ثُمَّ نَزَلَ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ.

فَقَامَ عَدِیُّ بْنُ حَاتِمٍ فَقَالَ: هَذَا وَ اللَّهِ الْخِذْلَانُ، مَا عَلَی هَذَا بَایَعْنَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ عَلَیْهِ السَّلَامُ. [ثُمَّ دَخَلَ عَلَیْهِ فَقَالَ: یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ] إِنَّ مَعِی مِنْ طَیٍّ أَلْفَ رَجُلٍ لَا یَعْصُونِی، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ أَسِیرَ بِهِمْ سِرْتُ. قَالَ: مَا كُنْتُ لِأَعْرِضَ قَبِیلَةً وَاحِدَةً مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ لِلنَّاسِ، وَ لَكِنِ اخْرُجْ إِلَی النُّخَیْلَةِ وَ عَسْكِرْ بِهِمْ.

فَخَرَجَ [عَدِیٌ] فَعَسْكَرَ وَ فَرَضَ عَلِیٌّ عَلَیْهِ السَّلَامُ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ سَبْعَمِائَةٍ.

فَاجْتَمَعَ إِلَیْهِ أَلْفُ فَارِسٍ، عَدَا طَیّاً أَصْحَابُ عَدِیٍّ. وَ وَرَدَ عَلَیْهِ عَلَیْهِ السَّلَامُ الْخَبَرُ بِهَزِیمَةِ النُّعْمَانِ وَ نُصْرَةِ مَالِكٍ.

وَ رَوَی عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَوْزَةَ الْأَزْدِیُّ قَالَ: كُنْتُ مَعَ مَالِكِ بْنِ كَعْبٍ حِینَ نَزَلَ بِنَا النُّعْمَانُ، وَ هُوَ فِی أَلْفَیْنِ وَ مَا نَحْنُ إِلَّا مِائَةٌ؛ فَقَالَ لَنَا: قَاتِلُوهُمْ فِی الْقَرْیَةِ وَ اجْعَلُوا الْجُدُرَ فِی ظُهُورِكُمْ، وَ لا تُلْقُوا بِأَیْدِیكُمْ إِلَی التَّهْلُكَةِ، وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَی یَنْصُرُ الْعَشَرَةَ عَلَی الْمِائَةِ، وَ الْمِائَةَ عَلَی الْأَلْفِ، وَ الْقَلِیلَ عَلَی الْكَثِیرِ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّ أَقْرَبَ مَنْ هَاهُنَا إِلَیْنَا مِنْ شِیعَةِ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ قَرَظَةُ بْنُ كَعْبٍ، وَ مِخْنَفُ بْنُ سُلَیْمٍ، فَارْكُضْ إِلَیْهِمَا فَأَعْلِمْهُمَا حَالَنَا، وَ قُلْ لَهُمَا فَلْیَنْصُرَانَا.

فَمَرَرْتُ بِقَرَظَةَ فَاسْتَصْرَخْتُهُ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَنَا صَاحِبُ خَرَاجٍ، وَ لَیْسَ عِنْدِی مَنْ أُغِیثُهُ بِهِ!! فَمَضَیْتُ إِلَی مِخْنَفٍ، فَسَرَّحَ مَعِی عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مِخْنَفٍ فِی خَمْسِینَ رَجُلًا، وَ قَاتَلَ مَالِكٌ وَ أَصْحَابُهُ، النُّعْمَانَ وَ أَصْحَابَهُ إِلَی الْعَصْرِ، فَأَتَیْنَاهُ وَ قَدْ كَسَرَ هُوَ وَ أَصْحَابُهُ جُفُونَ سُیُوفِهِمْ، وَ اسْتَقْبَلُوا الْمَوْتَ، فَلَوْ أَبْطَأْنَا مِنْهُمْ هَلَكُوا، فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَآنَا أَهْلُ الشَّامِ وَ قَدْ أَقْبَلْنَا عَلَیْهِمْ، أَخَذُوا یَنْكُصُونَ عَنْهُمْ وَ یَرْتَفِعُونَ، وَ رَآنَا مَالِكٌ وَ أَصْحَابُهُ، فَشَدُّوا عَلَیْهِمْ حَتَّی دَفَعُوهُمْ عَنِ الْقَرْیَةِ، فَاسْتَعْرَضْنَاهُمْ فَصَرَعْنَا

ص: 33

مِنْهُمْ رِجَالًا ثَلَاثَةً، فَظَنَّ الْقَوْمُ أَنَّ لَنَا مَدَداً، وَ حَالَ اللَّیْلُ بَیْنَنَا وَ بَیْنَهُمْ، فَانْصَرَفُوا إِلَی أَرْضِهِمْ.

وَ كَتَبَ مَالِكٌ إِلَی عَلِیٍّ عَلَیْهِ السَّلَامُ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ نَزَلَ بِنَا النُّعْمَانُ بْنُ بَشِیرٍ فِی جَمْعٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ كَالظَّاهِرِ عَلَیْنَا، وَ كَانَ عِظَمُ أَصْحَابِی مُتَفَرِّقِینَ، وَ كُنَّا لِلَّذِی كَانَ مِنْهُمْ آمِنِینَ، فَخَرَجْنَا إِلَیْهِمْ رِجَالًا مُصْلِتِینَ، فَقَاتَلْنَاهُمْ حَتَّی الْمَسَاءِ، وَ اسْتَصْرَخْنَا مِخْنَفَ بْنَ سُلَیْمٍ، فَبَعَثَ إِلَیْنَا رِجَالًا مِنْ شِیعَةِ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ وَ وُلْدِهِ، فَنِعْمَ الْفَتَی، وَ نِعْمَ الْأَنْصَارُ كَانُوا، فَحَمَلْنَا عَلَی عَدُوِّنَا وَ شَدَدْنَا عَلَیْهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَیْنَا نَصْرَهُ، وَ هَزَمَ عَدُوَّهُ، وَ أَعَزَّ جُنْدَهُ، وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِینَ، وَ السَّلَامُ عَلَی أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ، وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ..

وَ عَنْ أَبِی الطُّفَیْلِ قَالَ، قَالَ: عَلِیٌّ عَلَیْهِ السَّلَامُ: یَا أَهْلَ الْكُوفَةِ دَخَلْتُ إِلَیْكُمْ وَ لَیْسَ لِی سَوْطٌ إِلَّا الدِّرَّةُ، فَرَفَعْتُمُونِی إِلَی السَّوْطِ، ثُمَّ رَفَعْتُمُونِی إِلَی الْحِجَارَةِ، أَوْ قَالَ: الْحَدِیدِ، أَلْبَسَكُمُ اللَّهُ شِیَعاً، وَ أَذَاقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ، فَمَنْ فَازَ بِكُمْ فَقَدْ فَازَ بِالْقِدْحِ الْأَخْیَبِ.

وَ عَنْ أَبِی صَالِحٍ الْحَنَفِیِّ قَالَ: رَأَیْتُ عَلِیّاً عَلَیْهِ السَّلَامُ یَخْطُبُ، وَ قَدْ وَضَعَ الْمُصْحَفَ عَلَی رَأْسِهِ، حَتَّی رَأَیْتُ الْوَرَقَ یَتَقَعْقَعُ عَلَی رَأْسِهِ قَالَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ قَدْ مَنَعُونِی مَا فِیهِ، فَأَعْطِنِی مَا فِیهِ، اللَّهُمَّ قَدْ أَبْغَضْتُهُمْ وَ أَبْغَضُونِی، وَ مَلِلْتُهُمْ وَ مَلُّونِی وَ حَمَلُونِی عَلَی غَیْرِ خُلُقِی وَ طَبِیعَتِی وَ أَخْلَاقٍ لَمْ تَكُنْ تُعْرَفُ لِی.

اللَّهُمَّ فَأَبْدِلْنِی بِهِمْ خَیْراً مِنْهُمْ، وَ أَبْدِلْهُمْ بِی شَرّاً مِنِّی. اللَّهُمَّ أَمِثْ قُلُوبَهُمْ مَیْثَ الْمِلْحِ فِی الْمَاءِ.

وَ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِیمَ عَنِ ابْنِ أَبِی رَافِعٍ قَالَ: رَأَیْتُ عَلِیّاً عَلَیْهِ السَّلَامُ قَدِ ازْدَحَمُوا عَلَیْهِ حَتَّی أَدْمَوْا رِجْلَهُ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ قَدْ كَرِهْتُهُمْ وَ كَرِهُونِی، فَأَرِحْنِی مِنْهُمْ، وَ أَرِحْهُمْ مِنِّی.

وَ رَوَی مُحَمَّدُ بْنُ فُرَاتٍ الْجَرْمِیُّ، عَنْ زَیْدِ بْنِ عَلِیٍّ عَلَیْهِ السَّلَامُ قَالَ:

ص: 34

قَالَ عَلِیٌّ عَلَیْهِ السَّلَامُ فِی هَذِهِ الْخُطْبَةِ: أَیُّهَا النَّاسُ! إِنِّی دَعَوْتُكُمْ إِلَی الْحَقِّ فَتَوَلَّیْتُمْ عَنِّی وَ ضَرَبْتُكُمْ بِالدِّرَّةِ فَأَعْیَیْتُمُونِی. أَمَا إِنَّهُ سَیَلِیكُمْ بَعْدِی وُلَاةٌ لَا یَرْضَوْنَ مِنْكُمْ بِذَلِكَ حَتَّی یُعَذِّبُونَكُمْ بِالسِّیَاطِ وَ الْحَدِیدِ، فَأَمَّا أَنَا فَلَا أُعَذِّبُكُمْ بِهِمَا، إِنَّهُ مَنْ عَذَّبَ النَّاسَ فِی الدُّنْیَا عَذَّبَهُ اللَّهُ فِی الْآخِرَةِ، وَ آیَةُ ذَلِكَ أَنْ یَأْتِیَكُمْ صَاحِبُ الْیَمَنِ حَتَّی یَحُلَّ بَیْنَ أَظْهُرِكُمْ، فَیَأْخُذَ الْعُمَّالَ وَ عُمَّالَ الْعُمَّالِ رَجُلٌ یُقَالُ لَهُ: یُوسُفُ بْنُ عُمَرَ، وَ یَقُومُ عِنْدَ ذَلِكَ رَجُلٌ مِنَّا أَهْلَ الْبَیْتَ فَانْصُرُوهُ، فَإِنَّهُ دَاعٍ إِلَی الْحَقِّ.

قَالَ: فَكَانَ النَّاسُ یَتَحَدَّثُونَ أَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ هُوَ زَیْدٌ [عَلَیْهِ السَّلَامُ] (1).

بیان: أحمشته: أی أغضبته. و المستصرخ: المستنصر. و المتغوّث: القائل: وا غوثاه.

و الثار: الدّم و الطلب به، و قاتل حمیمك. ذكره الفیروزآبادی.

و الجرجرة: صوت یردّده البعیر فی حنجرته، و أكثر ما یكون ذلك عند الإعیاء و التّعب. و السرر: داء یأخذ البعیر فی سرّته، یقال منه: جمل أسرّ. و النضو:

البعیر المهزول. و الأدبر: الذی به دبر و هی القروح فی ظهره. و الجنید: تصغیر الجند.

و قال السّیّد الرضیّ رضی اللّٰه عنه: «متذائب»: أی مضطرب، من قولهم:

تذاءبت الریح أی: اضطرب هبوبها، و منه سمّی الذئب لاضطراب مشیه.

أقول: أورد السّیّد فی النهج قوله علیه السلام: «ألا إنی منیت إلی قوله- وَ هُمْ یَنْظُرُونَ» (2).

ص: 35


1- رواه الثّقفیّ رحمه اللّٰه فی الحدیث (165) من كتاب الغارات ص 458، و رواه عنه ابن أبی الحدید فی آخر المختار: (39) من نهج البلاغة.
2- رواه السّیّد الرضی رحمه اللّٰه فی المختار: (39) من نهج البلاغة و أوّله: «منیت بمن لا یطیع إذا أمرت، و لا یجیب إذا دعوت ...».

«906»- (1) وَ قَالَ ابْنُ أَبِی الْحَدِیدِ نَقْلًا مِنْ كِتَابِ الْغَارَاتِ، لِإِبْرَاهِیمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِیِّ وَ وَجَدْتُهُ فِی أَصْلِ كِتَابِهِ أَیْضاً رَوَی بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مِحْصَنٍ: أَنَّ مُعَاوِیَةَ لَمَّا أَصَابَ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِی بَكْرٍ بِمِصْرَ، بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ الْحَضْرَمِیَّ إِلَی أَهْلِ الْبَصْرَةِ لِیَدْعُوَهُمْ إِلَی نَفْسِهِ، وَ إِلَی الطَّلَبِ بِدَمِ عُثْمَانَ، فَلَمَّا أَتَاهُمْ وَ قَرَأَ عَلَیْهِمْ كِتَابَ مُعَاوِیَةَ اخْتَلَفُوا، فَبَعْضُهُمْ رَدُّوا، وَ أَكْثَرُهُمْ قَبِلُوا وَ أَطَاعُوا. وَ كَانَ الْأَمِیرُ یَوْمَئِذٍ بِالْبَصْرَةِ، زِیَادَ بْنَ عُبَیْدٍ، قَدِ اسْتَخْلَفَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ، وَ ذَهَبَ إِلَی عَلِیٍّ عَلَیْهِ السَّلَامُ یُعَزِّیهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِی بَكْرٍ، فَلَمَّا رَأَی زِیَادٌ إِقْبَالَ النَّاسِ عَلَی ابْنِ الْحَضْرَمِیِّ، اسْتَجَارَ مِنَ الْأَزْدِ وَ نَزَلَ فِیهِمْ، وَ كَتَبَ إِلَی ابْنِ عَبَّاسٍ وَ أَخْبَرَهُ بِمَا جَرَی؛ فَرَفَعَ ابْنُ عَبَّاسٍ ذَلِكَ إِلَی عَلِیٍّ عَلَیْهِ السَّلَامُ، وَ شَاعَ فِی النَّاسِ بِالْكُوفَةِ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ، وَ اخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ عَلَیْهِ السَّلَامُ فِیمَنْ یَبْعَثُهُ إِلَیْهِمْ حَمِیَّةً فَقَالَ عَلَیْهِ السَّلَامُ:

تَنَاهَوْا أَیُّهَا النَّاسُ، وَ لْیَرْدَعْكُمُ الْإِسْلَامُ وَ وَقَارُهُ عَنِ التَّبَاغِی وَ التَّهَاوِی، وَ لْتَجْتَمِعْ كَلِمَتُكُمْ، وَ الْزَمُوا دِینَ اللَّهِ الَّذِی لَا یُقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ غَیْرُهُ، وَ كَلِمَةَ الْإِخْلَاصِ الَّتِی هِیَ قِوَامُ الدِّینِ، وَ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَی الْكَافِرِینَ، وَ اذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِیلًا مُشْرِكِینَ مُتَبَاغِضِینَ مُتَفَرِّقِینَ فَأَلَّفَ بَیْنَكُمْ بِالْإِسْلَامِ، فَكَثُرْتُمْ وَ اجْتَمَعْتُمْ وَ تَحَابَبْتُمْ، فَلَا تَتَفَرَّقُوا بَعْدَ إِذِ اجْتَمَعْتُمْ، وَ لَا تَبَاغَضُوا بَعْدَ إِذْ تَحَابَبْتُمْ، وَ إِذَا رَأَیْتُمُ النَّاسَ وَ بَیْنَهُمُ النَّائِرَةُ وَ قَدْ تَدَاعَوْا إِلَی الْعَشَائِرِ وَ الْقَبَائِلِ فَاقْصِدُوا لِهَامِهِمْ وَ وُجُوهِهِمْ بِسُیُوفِكُمْ، حَتَّی یَفْزَعُوا إِلَی اللَّهِ وَ كِتَابِهِ وَ سُنَّةِ نَبِیِّهِ، فَأَمَّا تِلْكَ الْحَمِیَّةُ فَإِنَّهَا مِنْ خُطُوَاتِ الشَّیَاطِینِ فَانْتَهُوا عَنْهَا لَا أَبَا لَكُمْ تُفْلِحُوا وَ تَنْجَحُوا.

ص: 36


1- [906]- الْقِصَّةُ رَوَاهَا الثَّقَفِیُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِی الْحَدِیثِ: (144) وَ تُوَالِیهِ مِنْ كِتَابِ الْغَارَاتِ: ج 2، ص 373. ورواها عنه ابن أبی الحدید فی شرحه علد المختار: (٥٥) من نهج البلاغة: ج ١، ص ٧٦٢ ط الحدیث ببیروت، وفی ط مصر: ص ٤٥. وما رواه المصنف عنهما هاهنا هو تلخیص، ما فیهما ولیس نص القصة

ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِی الْحَدِیدِ: وَ رَوَی الْوَاقِدِیُّ أَنَّ عَلِیّاً عَلَیْهِ السَّلَامُ اسْتَنْفَرَ بَنِی تَمِیمٍ أَیَّاماً، لِیَنْهَضَ مِنْهُمْ إِلَی الْبَصْرَةِ مَنْ یَكْفِیهِ أَمْرَ ابْنِ الْحَضْرَمِیِّ، وَ یَرُدُّ عَادِیَةَ بَنِی تَمِیمٍ الَّذِینَ أَجَارُوهُ بِهَا، فَلَمْ یُجِبْهُ أَحَدٌ فَخَطَبَهُمْ وَ قَالَ:

لَیْسَ مِنَ الْعَجَبِ أَنْ یَنْصُرَنِی الْأَزْدُ وَ یَخْذُلَنِی مُضَرُ. وَ أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ تَقَاعُدُ تَمِیمِ الْكُوفَةِ بِی، وَ خِلَافُ تَمِیمِ الْبَصْرَةِ عَلَیَّ، وَ أَنْ أَسْتَنْجِدَ بِطَائِفَةٍ مِنْهُمْ مَا یَشْخَصُ إِلَیَّ أَحَدٌ مِنْهَا فَیَدْعُوَهُمْ إِلَی الرَّشَادِ، فَإِنْ أَجَابَتْ وَ إِلَّا فَالْمُنَابَذَةُ وَ الْحَرْبُ.

فَكَأَنِّی أُخَاطِبُ صُمّاً بُكْماً لَا یَفْقَهُونَ حِوَاراً، وَ لَا یُجِیبُونَ نِدَاءً، كُلُّ ذَلِكَ جُنُباً عَنِ الْبَأْسِ وَ حُبّاً لِلْحَیَاةِ.

[وَ] لَقَدْ كُنَّا (1) مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ، نَقْتُلُ آبَاءَنَا وَ أَبْنَاءَنَا وَ إِخْوَانَنَا وَ أَعْمَامَنَا، مَا یَزِیدُنَا ذَلِكَ إِلَّا إِیماناً وَ تَسْلِیماً، وَ مُضِیّاً عَلَی اللَّقَمِ، وَ صَبْراً عَلَی مَضَضِ الْأَلَمِ، وَ جِدّاً فِی جِهَادِ الْعَدُوِّ.

وَ لَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا وَ الْآخَرُ مِنْ عَدُوِّنَا یَتَصَاوَلَانِ تَصَاوُلَ الْفَحْلَیْنِ، یَتَخَالَسَانِ أَنْفُسَهُمَا أَیُّهُمَا یَسْقِی صَاحِبَهُ كَأْسَ الْمَنُونِ، فَمَرَّةً لَنَا مِنْ عَدُوِّنَا وَ مَرَّةً لِعَدُوِّنَا مِنَّا. فَلَمَّا رَأَی اللَّهُ صِدْقَنَا، أَنْزَلَ بِعَدُوِّنَا الْكَبْتَ، وَ أَنْزَلَ عَلَیْنَا النَّصْرَ، حَتَّی اسْتَقَرَّ الْإِسْلَامُ مُلْقِیاً جِرَانَهُ، وَ مُتَبَوِّئاً أَوْطَانَهُ. وَ لَعَمْرِی لَوْ كُنَّا نَأْتِی مَا أَتَیْتُمْ، مَا قَامَ لِلدِّینِ عَمُودٌ، وَ لَا اخْضَرَّ لِلْإِیمَانِ عُودٌ. وَ ایْمُ اللَّهِ لَتَحْتَلِبُنَّهَا دَماً، وَ لَتُتْبِعُنَّهَا نَدَماً.

قَالَ: فَقَامَ إِلَیْهِ أَعْیَنُ بْنُ ضُبَیْعَةَ الْمُجَاشِعِیُّ، فَقَالَ: أَنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَكْفِیكَ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ هَذَا الْخَطْبَ، فَأَتَكَفَّلُ لَكَ بِقَتْلِ ابْنِ الْحَضْرَمِیِّ، أَوْ إِخْرَاجِهِ عَنِ الْبَصْرَةِ.

فَأَمَرَهُ بِالتَّهَیُّؤِ لِلشُّخُوصِ، فَشَخَصَ حَتَّی قَدِمَ الْبَصْرَةَ.

رَجَعْنَا إِلَی رِوَایَةِ الثَّقَفِیِّ، قَالَ إِبْرَاهِیمُ: فَلَمَّا قَدِمَهَا دَخَلَ عَلَی زِیَادٍ وَ هُوَ

ص: 37


1- من قوله علیه السّلام: «و لقد كنّا- إلی قوله- و لتتبعنّها ندما» رواه السّیّد الرّضیّ رحمه اللّٰه فی المختار: (55) من كتاب نهج البلاغة.

بِالْأَهْوَازِ مُقِیمٌ، فَرَحَّبَ بِهِ وَ أَجْلَسَهُ إِلَی جَانِبِهِ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَ لَهُ عَلِیٌّ عَلَیْهِ السَّلَامُ، وَ إِنَّهُ لَیُكَلِّمُهُ إِذْ جَاءَهُ كِتَابٌ مِنْ عَلِیٍّ فِیهِ:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِیمِ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ، عَلِیٍّ إِلَی زِیَادِ بْنِ عُبَیْدٍ: سَلَامٌ عَلَیْكَ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّی قَدْ بَعَثْتُ أَعْیَنَ بْنَ ضُبَیْعَةَ لِیُفَرِّقَ قَوْمَهُ عَنِ ابْنِ الْحَضْرَمِیِّ، فَارْقَبْ مَا یَكُونُ مِنْهُ، فَإِنْ فَعَلَ وَ بَلَغَ مِنْ ذَلِكَ مَا یُظَنُّ بِهِ، وَ كَانَ فِی ذَلِكَ تَفْرِیقُ تِلْكَ الْأَوْبَاشِ، فَهُوَ مَا نُحِبُّ، وَ إِنْ تَرَامَتِ الْأُمُورُ بِالْقَوْمِ إِلَی الشِّقَاقِ وَ الْعِصْیَانِ، فَانْهَدْ بِمَنْ أَطَاعَكَ إِلَی مَنْ عَصَاكَ فَجَاهِدْهُمْ، فَإِنْ ظَفِرْتَ فَهُوَ مَا ظَنَنْتُ، وَ إِلَّا فَطَاوِلْهُمْ وَ مَاطِلْهُمْ، فَكَأَنَّ كَتَائِبَ الْمُسْلِمِینَ قَدْ أَظَلَّتْ عَلَیْكَ، فَقَتَلَ اللَّهُ الظَّالِمِینَ الْمُفْسِدِینَ، وَ نَصَرَ الْمُؤْمِنِینَ الْمُحِقِّینَ وَ السَّلَامُ (1).

فَلَمَّا قَرَأَهُ زِیَادٌ، أَقْرَأَهُ أَعْیَنَ بْنَ ضُبَیْعَةَ فَقَالَ لَهُ: إِنِّی لَأَرْجُو أَنْ تَكْفِیَ هَذَا الْأَمْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ فَأَتَی رَحْلَهُ، فَجَمَعَ إِلَیْهِ رِجَالًا مِنْ قَوْمِهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَی عَلَیْهِ ثُمَّ قَالَ: یَا قَوْمُ عَلَی مَا ذَا تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ، وَ تُهَرِیقُونَ دِمَاءَكُمْ عَلَی الْبَاطِلِ مَعَ السُّفَهَاءِ وَ الْأَشْرَارِ؟ وَ إِنِّی وَ اللَّهِ مَا جِئْتُكُمْ حَتَّی عَبَأْتُ إِلَیْكُمُ الْجُنُودَ، فَإِنْ تُنِیبُوا إِلَی الْحَقِّ نَقْبَلْ مِنْكُمْ، وَ نَكُفَّ عَنْكُمْ، وَ إِنْ أَبَیْتُمْ فَهُوَ وَ اللَّهِ اسْتِیصَالُكُمْ وَ بَوَارُكُمْ.

فَقَالُوا: بَلْ نَسْمَعُ وَ نُطِیعُ فَقَالَ: انْهَضُوا الْیَوْمَ عَلَی بَرَكَةِ اللَّهِ، فَنَهَضَ بِهِمْ عَلَی جَمَاعَةِ ابْنِ الْحَضْرَمِیِّ، فَخَرَجُوا إِلَیْهِ فَصَافُّوهُ، وَ وَاقَفَهُمْ عَامَّةَ یَوْمِهِ یُنَاشِدُهُمُ اللَّهَ وَ یَقُولُ: یَا قَوْمُ لَا تَنْكُثُوا بَیْعَتَكُمْ، وَ لَا تُخَالِفُوا إِمَامَكُمْ، وَ لَا تَجْعَلُوا عَلَی أَنْفُسِكُمْ سَبِیلًا، فَقَدْ رَأَیْتُمْ وَ جَرَّبْتُمْ كَیْفَ صَنَعَ اللَّهُ بِكُمْ عِنْدَ نَكْثِكُمْ بَیْعَتِكُمْ وَ خِلَافِكُمْ. فَكَفُّوا عَنْهُ، وَ هُمْ فِی ذَلِكَ یَشْتُمُونَهُ.

ص: 38


1- قریبا منه رواه السّیّد الرّضیّ رفع اللّٰه مقامه فی المختار: (4) من الباب الثّانی من نهج البلاغة.

فَانْصَرَفَ عَنْهُمْ وَ هُوَ مِنْهُمْ مُنْتَصِفٌ فَلَمَّا آوَی إِلَی رَحْلِهِ، تَبِعَهُ عَشَرَةُ نَفَرٍ یَظُنُّ النَّاسُ أَنَّهُمْ خَوَارِجُ، فَضَرَبُوهُ بِأَسْیَافِهِمْ وَ هُوَ عَلَی فِرَاشِهِ، لَا یَظُنُّ أَنَّ الَّذِی كَانَ یَكُونُ، فَخَرَجَ یَشْتَدُّ عُرْیَاناً فَلَحِقُوهُ فِی الطَّرِیقِ فَقَتَلُوهُ.

فَكَتَبَ زِیَادٌ إِلَی عَلِیٍّ عَلَیْهِ السَّلَامُ مَا وَقَعَ. وَ كَتَبَ: إِنِّی أَرَی أَنْ تَبْعَثَ إِلَیْهِمْ جَارِیَةَ بْنَ قُدَامَةَ، فَإِنَّهُ نَافِذُ الْبَصِیرَةِ، وَ مُطَاعُ الْعَشِیرَةِ، شَدِیدٌ عَلَی عَدُوِّ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ عَلَیْهِ السَّلَامُ، فَلَمَّا قَرَأَ عَلَیْهِ السَّلَامُ الْكِتَابَ، دَعَا جَارِیَةَ فَقَالَ: یَا ابْنَ قُدَامَةَ تَمْنَعُ الْأَزْدَ عَنْ عَامِلِی وَ بَیْتِ مَالِی وَ تُشَاقُّنِی مُضَرَ وَ تُنَابِذُنِی، وَ بِنَا ابْتَدَأَهَا اللَّهُ بِالْكَرَامَةِ، وَ عَرَّفَهَا الْهُدَی، وَ تَدْعُو إِلَی الْمَعْشَرِ الَّذِینَ حَادُّوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ أَرَادُوا إِطْفَاءَ نُورِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ حَتَّی عَلَتْ كَلِمَتُهُ عَلَیْهِمْ وَ أَهْلَكَ الْكَافِرِینَ.

فَرَوَی إِبْرَاهِیمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ كَعْبِ بْنِ قُعَیْنٍ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ جَارِیَةَ مِنَ الْكُوفَةِ فِی خَمْسِینَ رَجُلًا مِنْ بَنِی تَمِیمٍ، وَ مَا كَانَ فِیهِمْ یَمَانِیٌّ غَیْرِی، وَ كُنْتُ شَدِیدَ التَّشَیُّعِ، فَقُلْتُ لِجَارِیَةَ: إِنْ شِئْتَ كُنْتُ مَعَكَ، وَ إِنْ شِئْتَ مِلْتُ إِلَی قُومِی. فَقَالَ:

بَلْ سِرْ مَعِی، فَوَ اللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ الطَّیْرَ وَ الْبَهَائِمَ تَنْصُرُنِی عَلَیْهِمْ فَضْلًا عَنِ الْإِنْسِ.

فَلَمَّا دَخَلْنَا الْبَصْرَةَ، بَدَأَ بِزِیَادٍ فَرَحَّبَ بِهِ وَ أَجْلَسَهُ إِلَی جَانِبِهِ، وَ نَاجَاهُ سَاعَةً وَ سَاءَلَهُ ثُمَّ خَرَجَ فَقَامَ فِی الْأَزْدِ فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللَّهُ مِنْ حَیٍّ خَیْراً، ثُمَّ قَرَأَ عَلَیْهِمْ وَ عَلَی غَیْرِهِمْ كِتَابَ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ فَإِذَا فِیهِ:

مِنْ عَبْدِ اللَّهِ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ، إِلَی مَنْ قُرِئَ عَلَیْهِ كِتَابِی هَذَا مِنْ سَاكِنِی الْبَصْرَةِ مِنَ الْمُؤْمِنِینَ وَ الْمُسْلِمِینَ: سَلَامٌ عَلَیْكُمْ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ حَلِیمٌ ذُو أَنَاةٍ لَا یُعَجِّلُ بِالْعُقُوبَةِ قَبْلَ الْبَیِّنَةِ، وَ لَا یَأْخُذُ الْمُذْنِبَ عِنْدَ أَوَّلِ وَهْلَةٍ، وَ لَكِنَّهُ یَقْبَلُ التَّوْبَةَ، وَ یَسْتَدِیمُ الْأَنَاةَ، وَ یَرْضَی بِالْإِنَابَةِ، لِیَكُونَ أَعْظَمَ لِلْحُجَّةِ، وَ أَبْلَغَ فِی الْمَعْذِرَةِ.

وَ قَدْ كَانَ مِنْ شِقَاقِ جُلِّكُمْ أَیُّهَا النَّاسُ، مَا اسْتَحْقَقْتُمْ أَنْ تُعَاقَبُوا عَلَیْهِ، فَعَفَوْتُ عَنْ مُجْرِمِكُمْ، وَ رَفَعْتُ السَّیْفَ عَنْ مُدْبِرِكُمْ وَ قَبِلْتُ مِنْ مُقْبِلِكُمْ، وَ أَخَذْتُ

ص: 39

بَیْعَتَكُمْ، فَإِنْ تَفُوا بِبَیْعَتِی وَ تَقْبَلُوا نَصِیحَتِی وَ تَسْتَقِیمُوا عَلَی طَاعَتِی، أَعْمَلْ فِیكُمْ بِالْكِتَابِ وَ قَصْدِ الْحَقِّ، وَ أُقِیمُ فِیكُمْ سَبِیلَ الْهُدَی؛ فَوَ اللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَنَّ وَالِیاً بَعْدَ مُحَمَّدٍ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنِّی، وَ لَا أَعْمَلُ. أَقُولُ قَوْلِی هَذَا صَادِقاً غَیْرَ ذَامٍّ لِمَنْ مَضَی، وَ لَا مُنْتَقِصاً لِأَعْمَالِهِمْ.

وَ إِنْ خَطَّتْ بِكُمُ الْأَهْوَاءُ الْمُرْدِیَةُ، وَ سَفَهُ الرَّأْیِ الْجَائِرِ إِلَی مُنَابَذَتِی تُرِیدُونَ خِلَافِی، فَهَا أَنَا ذَا قَرُبْتُ جِیَادِی، وَ رَحَلْتُ رِكَابِی. وَ ایْمُ اللَّهِ لَئِنْ أَلْجَأْتُمُونِی إِلَی الْمَسِیرِ إِلَیْكُمْ، لَأُوقِعَنَّ بِكُمْ وَقْعَةً لَا یَكُونُ یَوْمُ الْجَمَلِ عِنْدَهَا إِلَّا كَلَعْقَةِ لَاعِق، وَ إِنِّی لَظَانٌّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ لَا تَجْعَلُوا عَلَی أَنْفُسِكُمْ سَبِیلًا.

وَ قَدْ قَدَّمْتُ هَذَا الْكِتَابَ حُجَّةً عَلَیْكُمْ، وَ لَیْسَ أَكْتُبُ إِلَیْكُمْ مِنْ بَعْدِهِ كِتَاباً إِنْ أَنْتُمُ اسْتَغْشَشْتُمْ نَصِیحَتِی، وَ نَابَذْتُمْ رَسُولِی، حَتَّی أَكُونَ أَنَا الشَّاخِصَ نَحْوَكُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَ السَّلَامُ.

فَلَمَّا قُرِئَ الْكِتَابُ عَلَی النَّاسِ، قَامَ صَبْرَةُ بْنُ شَیْمَانَ فَقَالَ: سَمِعْنَا وَ أَطَعْنَا وَ نَحْنُ لِمَنْ حَارَبَ أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ حَرْبٌ، وَ لِمَنْ سَالَمَ سِلْمٌ. إِنْ كَفَیْتَ یَا جَارِیَةُ قَوْمَكَ بِقَوْمِكَ فَذَاكَ، وَ إِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ نَنْصُرَكَ نَصَرْنَاكَ.

وَ قَامَ وُجُوهُ النَّاسِ فَتَكَلَّمُوا بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَلَمْ یَأْذَنْ [جَارِیَةُ] لِأَحَدٍ أَنْ یَسِیرَ مَعَهُ وَ مَضَی نَحْوَ بَنِی تَمِیمٍ وَ كَلَّمَهُمْ فَلَمْ یُجِیبُوهُ، وَ خَرَجَ مِنْهُمْ أَوْبَاشٌ فَنَاوَشُوهُ بَعْدَ أَنْ شَتَمُوهُ، فَأَرْسَلَ إِلَی زِیَادٍ وَ الْأَزْدِ یَسْتَصْرِخُهُمْ [وَ] یَأْمُرُهُمْ أَنْ یَسِیرُوا إِلَیْهِ فَسَارَتْ الْأَزْدُ بِزِیَادٍ.

وَ خَرَجَ إِلَیْهِمُ ابْنُ الْحَضْرَمِیِّ فَاقْتَتَلُوا سَاعَةً، وَ اقْتَتَلَ شَرِیكُ بْنُ الْأَعْوَرِ الْحَارِثِیُّ، وَ كَانَ مِنْ شِیعَةِ عَلِیٍّ عَلَیْهِ السَّلَامُ وَ صَدِیقاً لِجَارِیَةَ [فَقَالَ لَهُ: أَ لَا أُقَاتِلُ مَعَكَ عَدُوَّكَ؟ فَقَالَ: بَلَی. فَقَاتَلَهُمْ.] فَمَا لَبِثَ بَنُو تَمِیمٍ أَنْ هَزَمُوهُمْ وَ اضْطَرُّوهُمْ إِلَی دَارِ سُنْبُلٍ السَّعْدِیِّ، فَحَصَرُوا ابْنَ الْحَضْرَمِیِّ فِیهَا، وَ أَحَاطَ جَارِیَةُ وَ زِیَادٌ بِالدَّارِ وَ قَالَ جَارِیَةُ: عَلَیَّ بِالنَّارِ. فَقَالَتِ الْأَزْدُ: لَسْنَا مِنَ الْحَرِیقِ فِی شَیْ ءٍ، وَ هُمْ قَوْمُكَ

ص: 40

وَ أَنْتَ أَعْلَمُ. فَحَرَقَ جَارِیَةُ الدَّارَ عَلَیْهِمْ، فَهَلَكَ ابْنُ الْحَضْرَمِیِّ فِی سَبْعِینَ رَجُلًا أَحَدُهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُثْمَانَ الْقُرَشِیُّ. وَ سَارَتِ الْأَزْدُ بِزِیَادٍ حَتَّی أَوْطَئُوا قَصْرَ الْإِمَارَةِ وَ مَعَهُ بَیْتُ الْمَالِ، وَ قَالَتْ لَهُ: هَلْ بَقِیَ عَلَیْنَا مِنْ جِوَارِكَ شَیْ ءٌ. قَالَ: لَا.

فَانْصَرَفُوا عَنْهُ.

وَ كَتَبَ زِیَادٌ إِلَی أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ عَلَیْهِ السَّلَامُ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ جَارِیَةَ بْنَ قُدَامَةَ الْعَبْدَ الصَّالِحَ قَدِمَ مِنْ عِنْدِكَ فَنَاهَضَ جَمْعَ ابْنِ الْحَضْرَمِیِّ بِمَنْ نَصَرَهُ، وَ أَعَانَهُ مِنَ الْأَزْدِ فَفَضَّهُ وَ اضْطَرَّهُ إِلَی دَارٍ مِنْ دُورِ الْبَصْرَةِ فِی عَدَدٍ كَثِیرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَلَمْ یَخْرُجْ حَتَّی حَكَمَ اللَّهُ بَیْنَهُمَا، فَقَتَلَ ابْنَ الْحَضْرَمِیِّ وَ أَصْحَابَهُ، مِنْهُمْ مَنْ أُحْرِقَ، وَ مِنْهُمْ مَنْ أُلْقِیَ عَلَیْهِ جِدَارٌ، وَ مِنْهُمْ مَنْ هُدِمَ عَلَیْهِ الْبَیْتُ مِنْ أَعْلَاهُ، وَ مِنْهُمْ مَنْ قُتِلَ بِالسَّیْفِ، وَ سَلِمَ مِنْهُمْ نَفَرٌ ثَابُوا وَ تَابُوا فَصَفَحَ عَنْهُمْ وَ بُعْداً لِمَنْ عَصَی وَ غَوَی، وَ السَّلَامُ عَلَی أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ.

فَلَمَّا وَصَلَ الْكِتَابُ قَرَأَهُ عَلَیْهِ السَّلَامُ عَلَی النَّاسِ فَسُرَّ بِذَلِكَ وَ سُرَّ أَصْحَابُهُ وَ أَثْنَی عَلَی جَارِیَةَ وَ عَلَی الْأَزْدِ وَ ذَمَّ الْبَصْرَةَ فَقَالَ: إِنَّهَا أَوَّلُ الْقُرَی خَرَاباً، إِمَّا غَرَقاً وَ إِمَّا حَرَقاً، حَتَّی یَبْقَی مَسْجِدُهَا كَجُؤْجُؤَةِ سَفِینَةٍ (1)..

«907»- (2) نَهْجٌ: وَ مِنْ كَلَامٍ لَهُ عَلَیْهِ السَّلَامُ لَمَّا هَرَبَ مَصْقَلَةُ بْنُ هُبَیْرَةَ الشَّیْبَانِیُّ إِلَی مُعَاوِیَةَ، وَ كَانَ قَدِ ابْتَاعَ سَبْیَ بَنِی نَاجِیَةَ مِنْ عَامِلِ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ وَ أَعْتَقَهُمْ فَلَمَّا طَالَبَهُ بِالْمَالِ خَاسَ بِهِ وَ هَرَبَ إِلَی الشَّامِ: قَبَّحَ اللَّهُ مَصْقَلَةَ، فَعَلَ فِعْلَ السَّادَةِ وَ فَرَّ فِرَارَ الْعَبِیدِ، فَمَا أَنْطَقَ مَادِحَهُ حَتَّی أَسْكَتَهُ، وَ لَا صَدَّقَ وَاصِفَهُ حَتَّی

ص: 41


1- و هذا الذّیل قد تقدّم عن مصادر أخر. والحدیث رواه الثقفی رحمه اللّٰه تحت الرقم: (١٤٩) وما بعده، من كتاب الغارات ج ١، ص ٤٠٢ - ٤١٠ ط ١.
2- [907]- رَوَاهُ السَّیِّدُ الرَّضِیُّ رَفَعَ اللَّهُ مَقَامَهُ فِی الْمُخْتَارِ: (44) مِنْ كِتَابِ نَهْجِ الْبَلَاغَةِ. وللكلام مصادر أخر یجد الباحث بعضها فی ذیل المختار: (٢٩٩) من كتاب نهج السعادة:ج2 ص487 ط1.

بَكَّتَهُ، وَ لَوْ أَقَامَ لَأَخَذْنَا مَیْسُورَهُ وَ انْتَظَرْنَا لَهُ وُفُورَهُ..

بیان: أقول قد مضی هذا الكلام و مضت قصته فی أبواب أحوال الخوارج.

و قال الشرّاح: بنو ناجیة ینسبون أنفسهم إلی قریش، و قریش تدفعهم عنه و ینسبونهم إلی ناجیة، و هی أمّهم، و قد عدّوا من المبغضین لعلیّ علیه السلام.

و اختلف (1) الروایة فی سبیهم،.

فَفِی بَعْضِهَا أَنَّهُ لَمَّا انْقَضَی أَمْرُ الْجَمَلِ دَخَلَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ فِی الطَّاعَةِ غَیْرَ بَنِی نَاجِیَةَ، فَبَعَثَ إِلَیْهِمْ عَلِیٌّ عَلَیْهِ السَّلَامُ رَجُلًا مِنَ الصَّحَابَةِ فِی خَیْلٍ لِیُقَاتِلَهُمْ، فَأَتَاهُمْ وَ قَالَ لَهُمْ: مَا لَكُمْ عَسْكَرْتُمْ وَ قَدْ دَخَلَ فِی الطَّاعَةِ غَیْرُكُمْ؟ فَافْتَرَقُوا ثَلَاثَ فِرَقٍ:

فِرْقَةٌ قَالُوا: كُنَّا نَصَارَی فَأَسْلَمْنَا وَ نُبَایِعُ، فَأَمَرَهُمْ فَاعْتَزَلُوا.

وَ فِرْقَةٌ قَالُوا: كُنَّا نَصَارَی فَلَمْ نُسْلِمْ وَ خَرَجْنَا مَعَ الْقَوْمِ الَّذِینَ كَانُوا خَرَجُوا، قَهَرُونَا فَأَخْرَجُونَا كُرْهاً فَخَرَجْنَا مَعَهُمْ فَهَزَمُوا، فَنَحْنُ نَدْخُلُ فِیمَا دَخَلَ النَّاسُ فِیهِ، وَ نُعْطِیكُمُ الْجِزْیَةَ كَمَا أَعْطَیْنَاهُمْ. فَقَالَ: اعْتَزِلُوا، فَاعْتَزَلُوا.

وَ فِرْقَةٌ قَالُوا: كُنَّا نَصَارَی فَأَسْلَمْنَا وَ لَمْ یُعْجِبْنَا الْإِسْلَامُ فَرَجَعْنَا فَنُعْطِیكُمُ الْجِزْیَةَ كَالنَّصَارَی. فَقَالَ لَهُمْ: تُوبُوا وَ ارْجِعُوا إِلَی الْإِسْلَامِ. فَأَبَوْا، فَقَاتَلَ مُقَاتِلَهُمْ وَ سَبَی ذَرَارِیَّهُمْ، فَقَدَّمَ بِهِمْ عَلَی أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ عَلَیْهِ السَّلَامُ.

وَ فِی بَعْضِهَا: أَنَّ الْأَمِیرَ مِنْ قِبَلِ عَلِیٍّ عَلَیْهِ السَّلَامُ كَانَ مَعْقِلَ بْنَ قَیْسٍ، وَ لَمَّا انْقَضَی أَمْرُ الْحَرْبِ لَمْ یَقْتُلْ مِنَ الْمُرْتَدِّینَ مِنْ بَنِی نَاجِیَةَ إِلَّا رَجُلًا وَاحِداً وَ رَجَعَ الْبَاقُونَ إِلَی الْإِسْلَامِ، وَ اسْتَرَقَّ مِنَ النَّصَارَی مِنْهُمُ الَّذِینَ سَاعَدُوا فِی الْحَرْبِ وَ شَهَرُوا السَّیْفَ عَلَی جَیْشِ الْإِمَامِ، ثُمَّ أَقْبَلَ بِالْأُسَارَی حَتَّی مَرَّ عَلَی مَصْقَلَةَ بْنِ هُبَیْرَةَ الشَّیْبَانِیِّ، وَ هُوَ عَامِلٌ لِعَلِیٍّ عَلَیْهِ السَّلَامُ عَلَی أَرْدَشِیرْخُرَّهْ، وَ هُمْ خَمْسُمِائَةِ

ص: 42


1- هكذا فی الأصل، و الصحیح: و اختلفت.

إِنْسَانٍ، فَبَكَتْ إِلَیْهِ النِّسَاءُ وَ الصِّبْیَانُ، وَ تَصَایَحَ الرِّجَالُ وَ سَأَلُوا أَنْ یَشْتَرِیَهُمْ وَ یُعْتِقَهُمْ، فَابْتَاعَهُمْ بِخَمْسِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ. فَأَرْسَلَ إِلَیْهِ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ أَبَا حُرَّةَ الْحَنَفِیَّ لِیَأْخُذَ مِنْهُ الْمَالَ، فَأَدَّی إِلَیْهِ مِائَتَیْ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَ عَجَزَ عَنِ الْبَاقِی فَهَرَبَ إِلَی مُعَاوِیَةَ. فَقِیلَ لَهُ عَلَیْهِ السَّلَامُ: ارْدُدِ الْأُسَارَی فِی الرِّقِّ. فَقَالَ: لَیْسَ ذَلِكَ فِی الْقَضَاءِ بِحَقٍّ، قَدْ عَتَقُوا إِذْ أَعْتَقَهُمُ الَّذِی اشْتَرَاهُمْ، وَ صَارَ مَالِی دَیْناً عَلَیْهِ.

أقول: فعلی الروایة الأولی كانوا من المرتدّین عن الإسلام و لا یجوز سبی ذراریهم عندنا و عند الجمهور أیضا، إلّا أنّ أبا حنیفة قال بجواز استرقاق المرأة المرتدّة إذا لحقت بدار الحرب.

و أیضا ما فیها من أنّه قدم بالأساری إلی علیّ علیه السلام، یخالف المشهور من اشتراء مصقلة عن عرض الطریق و قد قال بعض الأصحاب:

بجواز سبی البغاة، إلّا أنّ الظاهر أنّه مع إظهار الكفر و الارتداد لا یبقی حكم البغی. و الصحیح ما فی الروایة الثانیة من أنّ الأساری كانت من النصاری.

[قوله: ] «و خاس به»: أی: غدر و خاف. و خاس بالوعد: أی: أخلف.

«و قبّحه اللّٰه»: أی: نحّاه عن الخیر. و السادة: جمع السیّد و یطلق علی الرّب و المالك و الشریف و الفاضل و الكریم و الحلیم و متحمّل الأذی من قومه و الرئیس و المقدم. قوله علیه السلام: «حتی أسكته» قیل: كلمة «حتی» تحتمل أن تكون بمعنی اللّام، أی: أنّه لم ینطق مادحه لیقصد إسكاته بهربه، فإنّ إسكاته لو قصد لا یتصوّر إلّا بعد إنطاقه، و هو لم یتمم فعله الذی یطلب به إنطاق مادحه، فكیف یقصد إسكاته بهربه؟ و یحتمل أن یكون المراد أنّه لسرعة إتباعه الفضیلة بالرذیلة، كأنّه جمع بین غایتین متنافیتین.

و التبكیت: التقریع و التعنیف و التوبیخ و استقبال الرجل بما یكره.

و المیسور: ما تیسّر. و قیل هو مصدر علی مفعول. و قیل: الغنی و السعة.

و الوفور بالضم مصدر وفر المال، ككرم و وعد، أی: تمّ و زاد. و فی بعض النسخ:

ص: 43

«موفورة» و هو الشی ء التامّ، أی انتظرنا حصول الموفور فی یده. و الغرض دفع عذره فی الهرب و هو توهّم التشدید علیه.

«908»- (1) نَهْجٌ: وَ مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَیْهِ السَّلَامُ: اللَّهُمَّ أَیُّمَا عَبْدٍ مِنْ عِبَادِكَ سَمِعَ مَقَالَتَنَا الْعَادِلَةَ غَیْرَ الْجَائِرَةِ، وَ الْمَصْلَحَةَ فِی الدِّینِ وَ الدُّنْیَا غَیْرَ الْمُفْسِدَةِ، فَأَبَی بَعْدَ سَمْعِهِ لَهَا إِلَّا النُّكُوصَ عَنْ نُصْرَتِكَ، وَ الْإِبْطَاءَ عَنْ إِعْزَازِ دِینِكَ، فَإِنَّا نَسْتَشْهِدُكَ عَلَیْهِ یَا أَكْبَرَ الشَّاهِدِینَ شَهَادَةً، وَ نَسْتَشْهِدُ عَلَیْهِ جَمِیعَ مَنْ أَسْكَنْتَهُ أَرْضَكَ وَ سمَاوَاتِكَ، ثُمَّ أَنْتَ بَعْدُ، الْمُغْنِی عَنْ نَصْرِهِ وَ الْآخِذُ لَهُ بِذَنْبِهِ.

بیان: قال ابن میثم: هذا الفصل من خطبة كان یستنهض علیه السلام بها أصحابه إلی جهاد أهل الشام، قاله بعد تقاعد أكثرهم عن معاویة.

و «ما» فی «أیّما» زائدة مؤكّدة. و فی وصف المقالة بالعادلة توسّع.

و النكوص: الرجوع قهقهری. «فإنّا نستشهدك»: أی: نسألك أن تشهد علیه.

«ثم أنت بعد» أی بعد تلك الشهادة علیه.

«909»- (2) نَهْجٌ: مِنْ كَلَامٍ لَهُ عَلَیْهِ السَّلَامُ یَحُثُّ فِیهِ أَصْحَابَهُ عَلَی الْجِهَادِ:

وَ اللَّهُ مُسْتَأْدِیكُمْ شُكْرَهُ، وَ مُوَرِّثُكُمْ أَمْرَهُ، وَ مُمْهِلُكُمْ فِی مِضْمَارٍ مَمْدُودٍ لِتَتَنَازَعُوا سَبْقَهُ. فَشُدُّوا عُقَدَ الْمَآزِرِ، وَ اطْوُوا فُضُولَ الْخَوَاصِرِ؛ لَا تَجْتَمِعُ عَزِیمَةٌ وَ وَلِیمَةٌ! مَا أَنْقَضَ النَّوْمَ لِعَزَائِمِ الْیَوْمِ، وَ أَمْحَی الظُّلَمَ لِتَذَاكِیرِ الْهِمَمِ.

توضیح: الاستیداء: طلب الأداء. و الأمر هو الملك و الغلبة، كما قال تعالی: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِینَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَیَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِی الْأَرْضِ الآیة.

ص: 44


1- [908]- رَوَاهُ السَّیِّدُ الرَّضِیُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِی الْمُخْتَارِ: (210) مِنْ كِتَابِ نَهْجِ الْبَلَاغَةِ.
2- [909]- رَوَاهُ الشَّرِیفُ الرَّضِیُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِی الْمُخْتَارِ الْأَخِیرِ مِنْ بَابِ خُطَبِ نَهْجِ الْبَلَاغَةِ.

و المضمار: مدّة تضمیر الفرس و موضعه. و فسّر بالمیدان أیضا. و المراد مدّة التّكلیف و الحیاة أو دار الدّنیا. و السّبق بالفتح كما فی النسخ: المصدر.

و بالتحریك: ما یتراهن علیه. و الضّمیر راجع إلیه سبحانه كالسّوابق، أو إلی المضمار.

و العقد: جمع العقدة بالضمّ، و هی موضع العقد. قال ابن أبی الحدید: أی:

شمّروا عن ساق الاجتهاد. و یقال لمن یوصی بالجدّ و التّشمیر: اشدد عقدة إزارك. لأنّه إذا شدّها كان أبعد من العثار و أسرع للمشی.

و قوله: «و اطووا فضول الخواصر»: نهی عن كثرة الأكل، لأنّ الكثیر الأكل لا یطوی فضول خواصره، و القلیل الأكل یأكل فی بعضها و یطوی بعضها. انتهی.

و قیل: من شرع فی أمر بجدّ و اجتهاد یطوی ما فضل من أزراره، و یلتف بقدمیه فی خاصرته، و یجعله محكما فیها. فهذه أیضا كنایة عن الجدّ و الاجتهاد.

و قال الكیدری: وجدت فی نسخة صحیحة «اطروا فضول الخواصر».

و الطر: الشقّ و القطع، أی: اقطعوا من ثیابكم ما فضل و یزاد علی بدنكم. و هو كنایة عن المبالغة فی التشمیر عن ساق الجد. انتهی.

و الولیمة: طعام العرس أو كلّ طعام صنع لدعوة، و المعنی: إنّ العزیمة الجازمة تنافی الاشتغال بالملاذ، و لا تنال المطالب الجلیلة إلّا بركوب المشاقّ.

«و ما أنقض النوم لعزائم الیوم»: كثیرا ما یعزم الإنسان فی النهار علی المسیر و الارتحال فی اللّیلة المستقبلة لتقریب المنزل، فإذا جاء اللّیل نام و استراح و شقّ علیه القیام، أی: ففاته ما عزم علیه من السیر، أو المراد فوت ما عزم علیه من مهمات الأمور فی یومه بنوم اللیلة التی قبله.

«و التذاكیر»: جمع التذكار بالفتح، و هو الذكر و الحفظ للشی ء. و المعنی ما

ص: 45

أكثر ما یهمّ الإنسان و یعزم علی السیر باللّیل، فإذا أدركته ظلمة اللیل، نام و مال إلی الرّاحة و نسی ما عزم علیه، فانمحی و اضمحلّ ما همّه.

«910»- (1) [911]- كِتَابُ الْغَارَاتِ لِإِبْرَاهِیمَ الثَّقَفِیِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِیلَ، عَنْ نَصْرِ بْنِ مُزَاحِمٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ نُمَیْرِ بْنِ وَعْلَةَ، عَنْ أَبِی الْوَدَّاكِ: أَنَّ عَلِیَّ بْنَ أَبِی طَالِبٍ عَلَیْهِ السَّلَامُ لَمَّا فَرَغَ مِنْ حَرْبِ الْخَوَارِجِ، قَامَ فِی النَّاسِ بِنَهْرَوَانَ خَطِیباً فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَی عَلَیْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ:

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحْسَنَ بِكُمْ وَ أَحْسَنَ نَصْرَكُمْ، فَتَوَجَّهُوا مِنْ فَوْرِكُمْ هَذَا إِلَی عَدُوِّكُمْ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ.

فَقَامُوا إِلَیْهِ فَقَالُوا: یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ نَفِدَتْ نِبَالُنَا، وَ كَلَّتْ سُیُوفُنَا، وَ نَصَلَتْ أَسِنَّةُ رِمَاحِنَا، وَ عَادَ أَكْثَرُهَا قَصْداً، ارْجِعْ بِنَا إِلَی مِصْرِنَا نَسْتَعِدُّ بِأَحْسَنِ عُدَّتِنَا، وَ لَعَلَّ أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ یَزِیدُ فِی عُدَّتِنَا عُدَّةَ مَنْ هَلَكَ مِنَّا، فَإِنَّهُ أَقْوَی لَنَا عَلَی عَدُوِّنَا.

وَ كَانَ الَّذِی وَلِیَ كَلَامَ النَّاسِ یَوْمَئِذٍ الْأَشْعَثَ بْنَ قَیْسٍ..

وَ عَنْ إِبْرَاهِیمَ بْنِ الْعَبَّاسِ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ الْبَجَلِیِّ [عَنْ بَكْرِ بْنِ عِیسَی] عَنِ الْأَعْمَشِ عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو [عَنْ قَیْسِ بْنِ السَّكَنِ أَنَّهُ] قَالَ: سَمِعْتُ عَلِیّاً عَلَیْهِ السَّلَامُ یَقُولُ وَ نَحْنُ بِمَسْكِنَ: یَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِینَ «ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِی كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَ لا تَرْتَدُّوا عَلی أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِینَ» [21 الْمَائِدَةَ: 5] فَبَكَوْا [فَتَلَكَّئُوا «خ ل»] وَ قَالُوا: الْبَرْدُ شَدِیدٌ. وَ كَانَ غَزَاتُهُمْ فِی الْبَرْدِ.

فَقَالَ: إِنَّ الْقَوْمَ یَجِدُونَ الْبَرْدَ كَمَا تَجِدُونَ. قَالَ: فَلَمْ یَفْعَلُوا وَ أَبَوْا، فَلَمَّا رَأَی ذَلِكَ مِنْهُمْ قَالَ: أُفٍّ لَكُمْ، إِنَّهَا سُنَّةٌ جَرَتْ عَلَیْكُمْ..

ص: 46


1- [910]- رَوَاهُ الثَّقَفِیُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِی الْحَدِیثِ (6- 20) مِنْ كِتَابِ الْغَارَاتِ: ج 1. وكثیرا، منها رواه ابن أبی الحدید - نقلا عن نصر بن مزاحم - فی شرح المختار: (٣٤) من نهج البلاغة: ج ١، ص ١٧٩ وفی ط المدینة ببیروت: ج ١، ص ٤١٠، وفی ط مصر: ج ٢ ص ١٩٣.

وَ سَمِعَتْ أَصْحَابُنَا عَنْ أَبِی عَوَانَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ قَیْسِ بْنِ السَّكَنِ قَالَ: قَالَ عَلِیٌّ عَلَیْهِ السَّلَامُ: «یا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِی كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَ لا تَرْتَدُّوا عَلی أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِینَ» فَاعْتَلُّوا عَلَیْهِ فَقَالَ: أُفٍّ لَكُمْ، إِنَّهَا سُنَّةٌ جَرَتْ.

وَ عَنْ إِبْرَاهِیمَ بْنِ الْعَبَّاسِ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ بَكْرِ بْنِ عِیسَی عَنْ عُمَرَ بْنِ عُمَیْرٍ الْهَجَرِیِّ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ: أَنَّ عَلِیّاً عَلَیْهِ السَّلَامُ انْصَرَفَ مِنْ حَرْبِ النَّهْرَوَانِ، حَتَّی إِذَا كَانَ فِی بَعْضِ الطَّرِیقِ نَادَی فِی النَّاسِ فَاجْتَمَعُوا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَی عَلَیْهِ وَ رَغَّبَهُمْ فِی الْجِهَادِ وَ دَعَاهُمْ إِلَی الْمَسِیرِ إِلَی الشَّامِ مِنْ وَجْهِهِ ذَلِكَ، فَأَبَوْا وَ شَكَوُا الْبَرْدَ وَ الْجِرَاحَاتِ، وَ كَانَ أَهْلُ النَّهْرَوَانِ قَدْ أَكْثَرُوا الْجِرَاحَاتِ فِی النَّاسِ.

فَقَالَ: إِنَّ عَدُوَّكُمْ یَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ، وَ یَجِدُونَ الْبَرْدَ كَمَا تَجِدُونَ!! فَأَعْیَوْهُ وَ أَبَوْا، فَلَمَّا رَأَی كَرَاهِیَتَهُمْ، رَجَعَ إِلَی الْكُوفَةِ وَ أَقَامَ بِهَا أَیَّاماً وَ تَفَرَّقَ عَنْهُ نَاسٌ كَثِیرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَقَامَ یَرَی رَأْیَ الْخَوَارِجِ، وَ مِنْهُمْ مَنْ أَقَامَ شَاكّاً فِی أَمْرِهِمْ.

وَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِیلَ عَنْ نَصْرِ بْنِ مُزَاحِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ نُمَیْرِ بْنِ وَعْلَةَ عَنْ أَبِی الْوَدَّاكِ قَالَ: لَمَّا أَكْرَهَ عَلِیٌّ النَّاسَ عَلَی الْمَسِیرِ إِلَی الشَّامِ أَقْبَلَ بِهِمْ حَتَّی نَزَلَ النُّخَیْلَةَ، وَ أَمَرَ النَّاسَ أَنْ یَنْزِلُوا مُعَسْكَرَهُمْ، وَ یُوَطِّنُوا عَلَی الْجِهَادِ أَنْفُسَهُمْ، وَ أَنْ یُقِلُّوا زِیَارَةَ أَبْنَائِهِمْ وَ نِسَائِهِمْ حَتَّی یَسِیرُوا إِلَی عَدُوِّهِمْ.

وَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ أَبِی الْوَدَّاكِ: أَنَّ النَّاسَ [أَ] قَامُوا بِالنُّخَیْلَةِ مَعَ عَلِیٍّ عَلَیْهِ السَّلَامُ أَیَّاماً، ثُمَّ أَخَذُوا یَتَسَلَّلُونَ وَ یَدْخُلُونَ الْمِصْرَ. فَنَزَلَ وَ مَا مَعَهُ مِنَ النَّاسِ إِلَّا رِجَالٌ مِنْ وُجُوهِهِمْ قَلِیلٌ، وَ تُرِكَ الْمُعَسْكَرُ خَالِیاً، فَلَا مَنْ دَخَلَ الْكُوفَةَ خَرَجَ إِلَیْهِ، وَ لَا مَنْ أَقَامَ مَعَهُ صَبَرَ!! فَلَمَّا رَأَی ذَلِكَ دَخَلَ الْكُوفَةَ فِی اسْتِنْفَارِهِ النَّاسَ (1).

ص: 47


1- قوله (فی استنفاره النّاس) هو عنوان لما یتلوه فی الأصل من الأحادیث.

وَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِیلَ عَنْ نَصْرِ بْنِ مُزَاحِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ نُمَیْرٍ الْعَبْسِیِّ قَالَ: مَرَّ عَلِیٌّ عَلَیْهِ السَّلَامُ عَلَی الشِّغَارِ مِنْ هَمْدَانَ فَاسْتَقْبَلَهُ قَوْمٌ فَقَالُوا:

أَ قَتَلْتَ الْمُسْلِمِینَ بِغَیْرِ جُرْمٍ، وَ دَاهَنْتَ فِی أَمْرِ اللَّهِ، وَ طَلَبْتَ الْمُلْكَ، وَ حَكَّمْتَ الرِّجَالَ فِی دِینِ اللَّهِ؟ لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ. فَقَالَ عَلَیْهِ السَّلَامُ: حُكْمُ اللَّهِ فِی رِقَابِكُمْ، مَا یَحْبِسُ أَشْقَاهَا أَنْ یَخْضِبَهَا مِنْ فَوْقِهَا بِدَمٍ، إِنِّی مَیِّتٌ أَوْ مَقْتُولٌ، بَلْ قَتْلًا، ثُمَّ جَاءَ حَتَّی دَخَلَ الْقَصْرَ.

وَ عَنْ إِبْرَاهِیمَ بْنِ قَادِمٍ عَنْ شَرِیكٍ عَنْ شُعَیْبِ بْنِ غَرْقَدَةَ عَنِ الْمُسْتَظِلِّ بْنِ حُصَیْنٍ قَالَ، قَالَ عَلِیٌّ عَلَیْهِ السَّلَامُ: یَا أَهْلَ الْكُوفَةِ، وَ اللَّهِ لَتَجِدُنَّ وَ لَتُقَاتِلُنَّ عَلَی طَاعَتِهِ، أَوْ لَیَسُوسَنَّكُمْ قَوْمٌ أَنْتُمْ أَقْرَبُ إِلَی الْحَقِّ مِنْهُمْ فَلَیُعَذِّبُنَّكُمْ وَ لَیُعَذِّبَنَّهُمُ اللَّهُ.

وَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِیلَ عَنْ یَزِیدَ بْنِ مَعْدِلٍ (1) عَنِ ابْنِ وَعْلَةَ عَنْ أَبِی الْوَدَّاكِ قَالَ: لَمَّا تَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْ عَلِیٍّ بِالنُّخَیْلَةِ وَ دَخَلَ الْكُوفَةَ، جَعَلَ یَسْتَفِزُّهُمْ عَلَی جِهَادِ أَهْلِ الشَّامِ حَتَّی بَطَلَتِ الْحَرْبُ تِلْكَ السَّنَةَ.

وَ عَنْ زَیْدِ بْنِ وَهْبٍ أَنَّ عَلِیّاً عَلَیْهِ السَّلَامُ قَالَ لِلنَّاسِ وَ هُوَ أَوَّلُ كَلَامٍ لَهُ بَعْدَ النَّهْرَوَانِ وَ أُمُورِ الْخَوَارِجِ الَّتِی كَانَتْ فَقَالَ:

یَا أَیُّهَا النَّاسُ! اسْتَعِدُّوا إِلَی عَدُوٍّ فِی جِهَادِهِمُ الْقُرْبَةُ مِنَ اللَّهِ، وَ طَلَبُ الْوَسِیلَةِ إِلَیْهِ، حَیَارَی عَنِ الْحَقِّ لَا یُبْصِرُونَهُ، وَ مُوزَعِینَ بِالْكِبْرِ وَ الْجَوْرِ، لَا یَعْدِلُونَ بِهِ، جُفَاةٍ عَنِ الْكِتَابِ، نُكُبٍ عَنِ الدِّینِ، یَعْمَهُونَ فِی الطُّغْیَانِ، وَ یَتَسَكَّعُونَ فِی غَمْرَةِ الضَّلَالِ، فَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَ مِنْ رِباطِ الْخَیْلِ، وَ تَوَكَّلُوا عَلَی اللَّهِ وَ كَفی بِاللَّهِ وَكِیلًا، وَ كَفی بِاللَّهِ نَصِیراً قَالَ: فَلَمْ یَنْفِرُوا وَ لَمْ یَنْتَشِرُوا، فَتَرَكَهُمْ أَیَّاماً حَتَّی أَیِسَ مِنْ أَنْ یَفْعَلُوا،

ص: 48


1- كذا فی أصلی، و فی الغارات: زید بن معد النّمریّ.

وَ دَعَا رُءُوسَهُمْ وَ وُجُوهَهُمْ فَسَأَلَهُمْ عَنْ رَأْیِهِمْ وَ مَا الَّذِی یُثَبِّطُهُمْ، فَمِنْهُمُ الْمُعْتَلُّ وَ مِنْهُمُ الْمُنْكِرُ وَ أَقَلُّهُمُ النَّشِیطُ، فَقَامَ فِیهِمْ ثَانِیَةً فَقَالَ:

عِبَادَ اللَّهِ! مَا لَكُمْ إِنْ أَمَرْتُكُمْ أَنْ تَنْفِرُوا اثَّاقَلْتُمْ إِلَی الْأَرْضِ أَ رَضِیتُمْ بِالْحَیاةِ الدُّنْیا مِنَ الْآخِرَةِ ثَوَاباً؟ وَ بِالذُّلِّ وَ الْهَوَانِ مِنَ الْعِزِّ خَلَفاً؟ وَ كُلَّمَا نَادَیْتُكُمْ إِلَی الْجِهَادِ دَارَتْ أَعْیُنُكُمْ كَأَنَّكُمْ مِنَ الْمَوْتِ فِی سَكْرَةٍ، یُرْتَجُ عَلَیْكُمْ [حِوَارِی] فَتَبْكُونَ (1)، فَكَأَنَّ قُلُوبَكُمْ مَأْلُوسَةٌ فَأَنْتُمْ لَا تَعْقِلُونَ، وَ كَأَنَّ أَبْصَارَكُمْ كُمْهٌ فَأَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ، لِلَّهِ أَنْتُمْ! مَا أَنْتُمْ إِلَّا أُسُودُ الشَّرَی فِی الدَّعَةِ، وَ ثَعَالِبُ رَوَّاغَةٌ حِینَ تُدْعَوْنَ، مَا أَنْتُمْ بِرُكْنٍ یضال [یُصَالُ] بِهِ وَ لَا زَوَافِرُ عِزٍّ یُعْتَصَمُ إِلَیْهَا.

لَعَمْرُ اللَّهِ لَبِئْسَ حِشَاشُ نَارِ الْحَرْبِ أَنْتُمْ. إِنَّكُمْ تُكَادُونَ وَ لَا تَكِیدُونَ، وَ تُنْتَقَصُ أَطْرَافُكُمْ وَ لَا تَتَحَاشَوْنَ، وَ لَا یُنَامُ عَنْكُمْ وَ أَنْتُمْ فِی غَفْلَةٍ سَاهُونَ. إِنَّ أَخَا الْحَرْبِ الْیَقْظَانُ، أَوْدَی مَنْ غَفَلَ، وَ یَأْتِی الذُّلُّ مَنْ وَادَعَ، غَلَبَ الْمُتَخَاذِلُونَ وَ الْمَغْلُوبُ مَقْهُورٌ وَ مَسْلُوبٌ.

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ لِی عَلَیْكُمْ حَقّاً وَ لَكُمْ عَلَیَّ حَقٌّ، فَأَمَّا حَقِّی عَلَیْكُمْ فَالْوَفَاءُ بِالْبَیْعَةِ، وَ النُّصْحُ لِی فِی الْمَشْهَدِ وَ الْمَغِیبِ، وَ الْإِجَابَةُ حِینَ أَدْعُوكُمْ، وَ الطَّاعَةُ حِینَ آمُرُكُمْ.

وَ أَمَّا حَقُّكُمْ (2) عَلَیَّ فَالنَّصِیحَةُ لَكُمْ مَا صَحِبْتُكُمْ، وَ التَّوْفِیرُ عَلَیْكُمْ وَ تَعْلِیمُكُمْ كَیْلَا تَجْهَلُوا، وَ تَأْدِیبُكُمْ كَیْ تَعْلَمُوا، فَإِنْ یُرِدِ اللَّهُ بِكُمْ خَیْراً تَنْزَعُوا عَمَّا أَكْرَهُ، وَ تَرْجِعُوا إِلَی مَا أُحِبُّ تَنَالُوا مَا تُحِبُّونَ وَ تُدْرِكُوا مَا تَأْمُلُونَ.

وَ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ دُكَیْنٍ عَنْ أَبِی عَاصِمٍ الثَّقَفِیِّ عَنْ أَبِی عَوْنٍ الثَّقَفِیِّ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِی عُمَیْسٍ [عَبْسٍ «خ»] وَ عَلِیٌّ عَلَیْهِ السَّلَامُ عَلَی الْمِنْبَرِ فَقَالَتْ:

ص: 49


1- كذا فی الأصل المطبوع عدا ما وضعناه بین المعقوفین. و فی المختار: (34) من نهج البلاغة:«یرتج علیكم حواری فتعمهون» وفی الأصل المطبوع: فتبكمون.
2- هذا هو الظّاهر من السّیاق، و فی أصلی: «و إنّ حقّكم علیّ ...».

یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ ثَلَاثٌ بَلْبَلْنَ الْقُلُوبَ [عَلَیْكَ] قَالَ: وَ مَا هُنَّ؟ قَالَتْ: رِضَاؤُكَ بِالْقَضِیَّةِ، وَ أَخْذُكَ بِالدَّنِیَّةِ، وَ جَزَعُكَ عِنْدَ الْبَلِیَّةِ. قَالَ: وَیْحَكِ إِنَّمَا أَنْتِ امْرَأَةٌ، انْطَلِقِی فَاجْلِسِی عَلَی ذَیْلِكِ. قَالَتْ: لَا وَ اللَّهِ مَا مِنْ جُلُوسٍ إِلَّا فِی ظِلَالِ السُّیُوفِ.

وَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ بَكْرِ بْنِ عِیسَی: أَنَّ عَلِیّاً عَلَیْهِ السَّلَامُ كَانَ یَخْطُبُ النَّاسَ وَ یَحُضُّهُمْ عَلَی الْمَسِیرِ إِلَی مُعَاوِیَةَ وَ أَهْلِ الشَّامِ، فَجَعَلُوا یَتَفَرَّقُونَ عَنْهُ، وَ یَتَثَاقَلُونَ عَلَیْهِ وَ یَعْتَلُّونَ بِالْبَرْدِ مَرَّةً وَ بِالْحَرِّ أُخْرَی.

وَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ [قَیْسِ بْنِ] أَبِی حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِیّاً عَلَیْهِ السَّلَامُ یَقُولُ: یَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِینَ، یَا أَبْنَاءَ الْمُهَاجِرِینَ! انْفِرُوا إِلَی أَئِمَّةِ الْكُفْرِ وَ بَقِیَّةِ الْأَحْزَابِ وَ أَوْلِیَاءِ الشَّیْطَانِ، انْفِرُوا إِلَی مَنْ یُقَاتِلُ عَلَی دَمِ حَمَّالِ الْخَطَایَا!!! فَوَ الَّذِی فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ، إِنَّهُ لَیَحْمِلُ خَطَایَاهُمْ إِلَی یَوْمِ الْقِیَامَةِ لَا یَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَیْئاً.

قَالَ إِبْرَاهِیمُ: وَ حَدَّثَنَا بِهَذَا الْكَلَامِ مِنْ قَوْلِ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ عَلَیْهِ السَّلَامُ غَیْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ.

وَ عَنْ إِسْمَاعِیلَ بْنِ أَبَانٍ الْأَزْدِیِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شِمْرٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ رَفِیعٍ عَنْ فَرْقَدٍ الْبَجَلِیِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِیّاً عَلَیْهِ السَّلَامُ یَقُولُ: أَ لَا تَرَوْنَ یَا مَعَاشِرَ أَهْلِ الْكُوفَةِ؟ وَ اللَّهِ لَقَدْ ضَرَبْتُكُمْ بِالدِّرَّةِ الَّتِی أَعِظُ بِهَا السُّفَهَاءَ فَمَا أَرَاكُمْ تَنْتَهُونَ، وَ لَقَدْ ضَرَبْتُكُمْ بِالسِّیَاطِ الَّتِی أُقِیمُ بِهَا الْحُدُودَ فَمَا أَرَاكُمْ تَرْعَوُونَ، فَمَا بَقِیَ إِلَّا سَیْفِی، وَ إِنِّی لَأَعْلَمُ الَّذِی یُقَوِّمُكُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ، وَ لَكِنِّی لَا أُحِبُّ أَنْ آتِیَ تِلْكَ مِنْكُمْ.

وَ الْعَجَبُ مِنْكُمْ وَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، إِنَّ أَمِیرَهُمْ یَعْصِی اللَّهَ وَ هُمْ یُطِیعُونَهُ، وَ إِنَّ أَمِیرَكُمْ یُطِیعُ اللَّهَ وَ أَنْتُمْ تَعْصُونَهُ

ص: 50

إِنْ قُلْتُ لَكُمْ: انْفِرُوا إِلَی عَدُوِّكُمْ [فِی أَیَّامِ الْحَرِّ، قُلْتُمْ هَذِهِ حَمَارَّةُ الْقَیْظِ (1).

وَ إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّیْرِ إِلَیْهِمْ فِی الشِّتَاءِ] قُلْتُمُ الْقَرُّ یَمْنَعُنَا. أَ فَتَرَوْنَ عَدُوَّكُمْ لَا یَجِدُونَ الْقَرَّ كَمَا تَجِدُونَهُ؟ وَ لَكِنَّكُمْ أَشْبَهْتُمْ قَوْماً قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ: انْفِرُوا فِی سَبِیلِ اللَّهِ فَقَالَ كُبَرَاؤُهُمْ: لَا تَنْفِرُوا فِی الْحَرِّ. فَقَالَ اللَّهُ لِنَبِیِّهِ:

قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا یَفْقَهُونَ وَ اللَّهِ لَوْ ضَرَبْتُ خَیْشُومَ الْمُؤْمِنِ بِسَیْفِی هَذَا عَلَی أَنْ یُبْغِضَنِی مَا أَبْغَضَنِی، وَ لَوْ صَبَبْتُ الدُّنْیَا بِحَذَافِیرِهَا عَلَی الْكَافِرِ مَا أَحَبَّنِی؛ وَ ذَلِكَ أَنَّهُ قُضِیَ فَانْقَضَی عَلَی لِسَانِ النَّبِیِّ الْأُمِّیِّ: «أَنَّهُ لَا یُبْغِضُكَ مُؤْمِنٌ وَ لَا یُحِبُّكَ كَافِرٌ» وَ قَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً وَ افْتَری (2).

یَا مَعَاشِرَ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَ اللَّهِ لَتَصْبِرُنَّ عَلَی قِتَالِ عَدُوِّكُمْ، أَوْ لَیُسَلِّطَنَّ اللَّهُ عَلَیْكُمْ قَوْماً أَنْتُمْ أَوْلَی بِالْحَقِّ مِنْهُمْ، فَلَیُعَذِّبُنَّكُمْ وَ لَیُعَذِّبَنَّهُمُ اللَّهُ بِأَیْدِیكُمْ أَوْ بِمَا شَاءَ مِنْ عِنْدِهِ. أَ فَمِنْ قَتْلَةٍ بِالسَّیْفِ تَحِیدُونَ إِلَی مَوْتَةٍ عَلَی الْفِرَاشِ؟ فَاشْهَدُوا أَنِّی سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ [یَقُولُ: ] «مَوْتَةٌ عَلَی الْفِرَاشِ أَشَدُّ مِنْ ضَرْبَةِ أَلْفِ سَیْفٍ أَخْبَرَنِی بِهِ جَبْرَائِیلُ» فَهَذَا جَبْرَائِیلُ یُخْبِرُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ بِمَا تَسْمَعُونَ.

وَ عَنْ مُحْرِزِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ جَرِیرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِیدِ عَنْ مُغِیرَةَ الضَّبِّیِّ قَالَ: كَانَ أَشْرَافُ أَهْلِ الْكُوفَةِ غَاشِّینَ لِعَلِیٍّ، وَ كَانَ هَوَاهُمْ مَعَ مُعَاوِیَةَ؛ وَ ذَلِكَ أَنَّ عَلِیّاً عَلَیْهِ السَّلَامُ كَانَ لَا یُعْطِی أَحَداً مِنَ الْفَیْ ءِ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ، وَ كَانَ مُعَاوِیَةُ جَعَلَ الشَّرَفَ فِی الْعَطَاءِ أَلْفَیْ دِرْهَمٍ.

وَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُنْدَبٍ عَنْ أَبِیهِ: أَنَّ أَهْلَ دُومَةِ الْجَنْدَلِ مِنْ كَلْبٍ لَمْ

ص: 51


1- ما بین المعقوفین أخذناه من المختار: (27) من نهج البلاغة.
2- و رواه أیضا السّیّد الرّضیّ فی المختار: (43) من الباب الثّالث من نهج البلاغة. وانظر المختار: (٣٧٧) من نهج السعادة: ج ٢.

یَكُونُوا فِی طَاعَةِ عَلِیٍّ عَلَیْهِ السَّلَامُ وَ لَا مُعَاوِیَةَ، وَ قَالُوا: نَكُونُ عَلَی حَالِنَا حَتَّی یَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَی إِمَامٍ. قَالَ: فَذَكَرَهُمْ مُعَاوِیَةُ مَرَّةً فَبَعَثَ إِلَیْهِمْ مُسْلِمَ بْنَ عُقْبَةَ فَسَأَلَهُمُ الصَّدَقَةَ وَ حَاصَرَهُمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِیّاً عَلَیْهِ السَّلَامُ فَبَعَثَ إِلَی مَالِكِ بْنِ كَعْبٍ فَقَالَ: اسْتَعْمِلْ عَلَی «عَیْنِ التَّمْرِ» رَجُلًا وَ أَقْبِلْ إِلَیَّ. فَوَلَّاهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَرْحَبِیَّ وَ أَقْبَلَ إِلَی عَلِیٍّ عَلَیْهِ السَّلَامُ فَسَرَّحَهُ فِی أَلْفِ فَارِسٍ، فَمَا شَعَرَ مُسْلِمُ بْنُ عُقْبَةَ إِلَّا وَ مَالِكُ بْنُ كَعْبٍ إِلَی جَنْبِهِ نَازِلًا، فَتَوَاقَفَا قَلِیلًا ثُمَّ اقْتَتَلُوا یَوْمَهُمْ ذَلِكَ إِلَی اللَّیْلِ، حَتَّی إِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ صَلَّی مُسْلِمٌ بِأَصْحَابِهِ ثُمَّ انْصَرَفَ، وَ قَامَ مَالِكُ بْنُ كَعْبٍ إِلَی دُومَةِ الْجَنْدَلِ یَدْعُوهُمْ إِلَی الصُّلْحِ عَشْراً فَلَمْ یَفْعَلُوا، فَرَجَعَ إِلَی عَلِیٍّ عَلَیْهِ السَّلَامُ (1).

وَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِی الْكَنُودِ عَنْ سُفْیَانَ بْنِ عَوْفٍ الْغَامِدِیِّ قَالَ: دَعَانِی مُعَاوِیَةُ فَقَالَ: إِنِّی بَاعِثُكَ فِی جَیْشٍ كَثِیفٍ فَالْزَمْ لِی جَانِبَ الْفُرَاتِ حَتَّی تَمُرَّ بِهِیتَ فَتَقْطَعُهَا، فَإِنْ وَجَدْتَ بِهَا جُنْداً فَأَغِرْ عَلَیْهِمْ، وَ إِلَّا فَامْضِ حَتَّی تُغِیرَ عَلَی الْأَنْبَارِ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ بِهَا جُنْداً فَامْضِ حَتَّی تُغِیرَ عَلَی الْمَدَائِنِ، ثُمَّ أَقْبِلْ إِلَیَّ وَ اتَّقِ أَنْ تَقْرُبَ الْكُوفَةَ، وَ اعْلَمْ أَنَّكَ إِنْ أَغَرْتَ عَلَی أَهْلِ الْأَنْبَارِ وَ أَهْلِ الْمَدَائِنِ، فَكَأَنَّكَ أَغَرْتَ عَلَی الْكُوفَةِ، إِنَّ هَذِهِ الْغَارَاتِ یَا سُفْیَانُ عَلَی أَهْلِ الْعِرَاقِ تُرْهِبُ قُلُوبَهُمْ، وَ تُجَرِّئُ كُلَّ مَنْ كَانَ لَهُ فِینَا هَوًی مِنْهُمْ، وَ یَرَی فِرَاقَهُمْ، وَ تَدْعُو إِلَیْنَا كُلَّ مَنْ كَانَ یَخَافُ الدَّوَائِرَ، وَ خَرِّبْ كُلَّ مَا مَرَرْتَ بِهِ، وَ اقْتُلْ كُلَّ مَنْ لَقِیتَ مِمَّنْ لَیْسَ هُوَ عَلَی رَأْیِكَ، وَ حرب [احْرُبِ] (2) الْأَمْوَالَ فَإِنَّهُ شَبِیهٌ بِالْقَتْلِ وَ هُوَ أَوْجَعُ لِلْقُلُوبِ.

ص: 52


1- و هذا رواه أیضا البلاذری فی الحدیث: (505) من ترجمة أمیر المؤمنین: أنساب الأشراف: ج 2 ص 467 ط 1. ورواه الثقفی مع التوالی فی الحدیث: (١٦٧) وتوالیه من كتاب الغارات: ج ١، ص ٤٥٩ - ٥١٢ ط ١. والتوالی رواه ابن أبی الحدید نقلا عن كتاب الغارات فی شرحه علی المختار: (٢٧) من نهج البلاغة: ج ١، ص ٣٣٥.
2- هذا هو الصّواب، یقال: «حرب زید عمرا حربا»- علی زنة نصر-: سلبه ماله و تركه بلا شی ء. فعمرو حریب. و فی أصلی: «و خرّب الأموال». و فی الغارات: و احرب.

قَالَ: فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهِ وَ عَسْكَرْتُ، وَ قَامَ مُعَاوِیَةُ وَ نَدَبَ النَّاسَ إِلَی ذَلِكَ، فَمَا مَرَّتْ بِی ثَلَاثَةٌ حَتَّی خَرَجَتْ فِی سِتَّةِ آلَافٍ، ثُمَّ لَزِمْتُ شَاطِئَ الْفُرَاتِ فَأَسْرَعْتُ السَّیْرَ حَتَّی مَرَرْتُ بِهِیتَ، فَبَلَغَهُمْ أَنِّی قَدْ غَشِیتُهُمْ فَقَطَعُوا الْفُرَاتَ، فَمَرَرْتُ بِهَا وَ مَا بِهَا عَرِیبٌ (1). كَأَنَّهَا لَمْ تُحْلَلْ قَطُّ فَوَطِئْتُهَا حَتَّی مَرَرْتُ بِصَنْدَوْدَاءَ، فَتَنَافَرُوا فَلَمْ أَلْقَ بِهَا أَحَداً، فَمَضَیْتُ حَتَّی أَفْتَتِحَ الْأَنْبَارَ وَ قَدْ أُنْذِرُوا بِی، فَخَرَجَ إِلَیَّ صَاحِبُ الْمَسْلَحَةِ فَوَقَفَ لِی، فَلَمْ أَقْدَمْ عَلَیْهِ حَتَّی أَخَذْتُ غِلْمَاناً مِنْ أَهْلِ الْقَرْیَةِ فَقُلْتُ لَهُمْ: خَبِّرُونِی كَمْ بِالْأَنْبَارِ مِنْ أَصْحَابِ عَلِیٍّ؟ قَالُوا: عِدَّةُ رِجَالِ الْمَسْلَحَةِ خَمْسُمِائَةٍ، وَ لَكِنَّهُمْ قَدْ تَبَدَّدُوا وَ رَجَعُوا إِلَی الْكُوفَةِ وَ لَا نَدْرِی الَّذِی یَكُونُ فِیهَا قَدْ یَكُونُ مِائَتَیْ رَجُلٍ. قَالَ: فَنَزَلْتُ فَكَتَبْتُ أَصْحَابِی كَتَائِبَ، ثُمَّ أَخَذْتُ أَبْعَثُهُمْ إِلَیْهِ كَتِیبَةً بَعْدَ كَتِیبَةٍ، فَیُقَاتِلُونَهُمْ وَ اللَّهِ وَ یَصْبِرُونَ لَهُمْ وَ یُطَارِدُونَهُمْ فِی الْأَزِقَّةِ! فَلَمَّا رَأَیْتُ ذَلِكَ أَنْزَلْتُ إِلَیْهِمْ نَحْواً مِنْ مِائَتَیْنِ ثُمَّ أَتْبَعْتُهُمُ الْخَیْلَ، فَلَمَّا مَشَتْ إِلَیْهِمُ الرِّجَالُ وَ حَمَلَتْ عَلَیْهِمُ الْخَیْلُ فَلَمْ یَكُنْ إِلَّا قَلِیلًا حَتَّی تَفَرَّقُوا وَ قُتِلَ صَاحِبُهُمْ فِی رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَأَتَیْنَاهُ فِی نَیِّفٍ وَ ثَلَاثِینَ رَجُلًا فَحَمَلْنَا مَا كَانَ فِی الْأَنْبَارِ مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِهَا ثُمَّ انْصَرَفْتُ، فَوَ اللَّهِ مَا غَزَوْتُ غَزْوَةً أَسْلَمَ وَ لَا أَقَرَّ لِلْعُیُونِ وَ لَا أَسَرَّ لِلنُّفُوسِ مِنْهَا، وَ بَلَغَنِی وَ اللَّهِ أَنَّهَا أَفْزَعَتِ النَّاسَ. فَلَمَّا أَتَیْتُ مُعَاوِیَةَ فَحَدَّثْتُهُ الْحَدِیثَ عَلَی وَجْهِهِ قَالَ: كُنْتَ وَ اللَّهِ عِنْدَ ظَنِّی بِكَ. قَالَ: فَوَ اللَّهِ مَا لَبِثْنَا إِلَّا یَسِیراً حَتَّی رَأَیْتُ رِجَالَ أَهْلِ الْعِرَاقِ یَأْتُونَ عَلَی الْإِبِلِ هُرَّاباً مِنْ قِبَلِ عَلِیٍّ عَلَیْهِ السَّلَامُ.

وَ عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَفِیفٍ قَالَ: وَ اللَّهِ إِنِّی لَفِی جُنْدِ الْأَنْبَارِ مَعَ أَشْرَسَ بْنِ حَسَّانَ الْبَكْرِیِّ، إِذْ صَبَّحَنَا سُفْیَانُ فِی كَتَائِبَ تَلْمَعُ الْأَبْصَارُ مِنْهَا، فَهَالُونَا وَ اللَّهِ، وَ عَلِمْنَا إِذْ رَأَیْنَاهُمْ أَنَّهُ لَیْسَ لَنَا بِهِمْ طَاقَةٌ وَ لَا یَدٌ، فَخَرَجَ إِلَیْهِمْ صَاحِبُنَا وَ قَدْ تَفَرَّقْنَا، فَلَمْ یَلْقَهُمْ نِصْفُنَا وَ لَمْ یَكُنْ لَنَا بِهِمْ طَاقَةٌ. وَ ایْمُ اللَّهِ لَقَدْ قَاتَلْنَاهُمْ ثُمَّ إِنَّهُمْ

ص: 53


1- یقال: ما بالدّار معرب أو عریب أی ما فیها أحد.

وَ اللَّهِ هَزَمُونَا، فَنَزَلَ صَاحِبُنَا وَ هُوَ یَتْلُو فَمِنْهُمْ مَنْ قَضی نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ یَنْتَظِرُ وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِیلًا ثُمَّ قَالَ لَنَا: مَنْ كَانَ لَا یُرِیدُ لِقَاءَ اللَّهِ وَ لَا یُطَیِّبُ نَفْساً بِالْمَوْتِ فَلْیَخْرُجْ عَنِ الْقَرْیَةِ مَا دُمْنَا نُقَاتِلُهُمْ فَإِنَّ قِتَالَنَا إِیَّاهُمْ شَاغِلٌ لَهُمْ عَنْ طَلَبِ هَارِبٍ، وَ مَنْ أَرَادَ مَا عِنْدَ اللَّهِ فَ ما عِنْدَ اللَّهِ خَیْرٌ لِلْأَبْرارِ ثُمَّ نَزَلَ فِی ثَلَاثِینَ رَجُلًا قَالَ: فَهَمَمْتُ وَ اللَّهِ بِالنُّزُولِ مَعَهُ ثُمَّ إِنَّ نَفْسِی أَبَتْ وَ اسْتَقْدَمَ هُوَ وَ أَصْحَابِی فَقَاتَلُوا حَتَّی قُتِلُوا رَحِمَهُمُ اللَّهُ، فَلَمَّا قُتِلُوا أَقْبَلْنَا مُنْهَزِمِینَ.وَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مِخْنَفٍ: أَنَّ سُفْیَانَ بْنَ عَوْفٍ لَمَّا أَغَارَ عَلَی الْأَنْبَارِ قَدِمَ عِلْجٌ مِنْ أَهْلِهَا عَلَی عَلِیٍّ عَلَیْهِ السَّلَامُ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ:

أَیُّهَا النَّاسُ! إِنَّ أَخَاكُمُ الْبَكْرِیَّ قَدْ أُصِیبَ بِالْأَنْبَارِ، وَ هُوَ مُغْتَرٌّ لَا یَظُنُّ مَا كَانَ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ عَلَی الدُّنْیَا، فَانْتَدِبُوا إِلَیْهِمْ حَتَّی تُلَاقُوهُمْ، فَإِنْ أَصَبْتُمْ مِنْهُمْ طَرَفاً أَنْكَلْتُمُوهُمْ عَنِ الْعِرَاقِ أَبَداً مَا بَقُوا.

ثُمَّ سَكَتَ عَنْهُمْ رَجَاءَ أَنْ یُجِیبُوهُ أَوْ یَتَكَلَّمُوا أَوْ یَتَكَلَّمَ مُتَكَلِّمٌ مِنْهُمْ بِخَیْرٍ، فَلَمَّا رَأَی صَمْتَهُمْ عَلَی مَا فِی أَنْفُسِهِمْ، خَرَجَ یَمْشِی رَاجِلًا حَتَّی أَتَی النُّخَیْلَةَ، [وَ النَّاسُ یَمْشُونَ خَلْفَهُ حَتَّی أَحَاطَ بِهِ قَوْمٌ مِنَ الْأَشْرَافِ] فَقَالُوا: ارْجِعْ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ نَحْنُ نَكْفِیكَ. فَقَالَ: مَا تَكْفُونَنِی وَ لَا تَكْفُونَ أَنْفُسَكُمْ. فَلَمْ یَزَالُوا بِهِ حَتَّی صَرَفُوهُ إِلَی مَنْزِلِهِ فَرَجَعَ وَ هُوَ وَاجِمٌ كَئِیبٌ.

وَ دَعَا سَعِیدَ بْنَ مُسْلِمٍ الْهَمْدَانِیَّ فَبَعَثَهُ مِنَ النُّخَیْلَةِ فِی ثَمَانِیَةِ آلَافٍ وَ قَالَ:

اتَّبِعْ هَذَا الْجَیْشَ حَتَّی تُخْرِجَهُمْ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ. فَخَرَجَ عَلَی شَاطِئِ الْفُرَاتِ فِی طَلَبِهِ حَتَّی إِذَا بَلَغَ عَانَاتٍ، سَرَّحَ سَعِیدٌ أَمَامَهُ هَانِئَ بْنَ الْخَطَّابِ الْهَمْدَانِیَّ فَاتَّبَعَ آثَارَهُمْ حَتَّی بَلَغَ أَدَانِیَ أَرْضِ قِنَّسْرِینَ وَ قَدْ فَاتُوهُ ثُمَّ انْصَرَفَ.

قَالَ فَلَبِثَ عَلِیٌّ عَلَیْهِ السَّلَامُ تُرَی فِیهِ الْكَآبَةُ وَ الْحَزَنُ حَتَّی قَدِمَ سَعِیدٌ، فَكَتَبَ كِتَاباً وَ كَانَ فِی تِلْكَ الْأَیَّامِ عَلِیلًا، فَلَمْ یُطِقِ الْقِیَامَ فِی النَّاسِ بِكُلِّ مَا أَرَادَ

ص: 54

مِنَ الْقَوْلِ، فَجَلَسَ بِبَابِ السُّدَّةِ الَّتِی تَصِلُ إِلَی الْمَسْجِدِ وَ مَعَهُ الْحَسَنُ وَ الْحُسَیْنُ وَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، فَدَعَا سَعِیداً مَوْلَاهُ فَدَفَعَ الْكِتَابَ إِلَیْهِ، فَأَمَرَهُ أَنْ یَقْرَأَهُ عَلَی النَّاسِ، فَقَامَ سَعِیدٌ حَیْثُ یَسْمَعُ عَلِیٌّ عَلَیْهِ السَّلَامُ قِرَاءَتَهُ، وَ مَا یَرُدُّ عَلَیْهِ النَّاسُ، ثُمَّ قَرَأَ الْكِتَابَ:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِیمِ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِیٍّ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ، إِلَی مَنْ قُرِئَ عَلَیْهِ كِتَابِی مِنَ الْمُسْلِمِینَ:

سَلَامٌ عَلَیْكُمْ.

أَمَّا بَعْدُ، فَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِینَ وَ سَلامٌ عَلَی الْمُرْسَلِینَ، وَ لَا شَرِیكَ لِلَّهِ الْأَحَدِ الْقَیُّومِ، وَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَی مُحَمَّدٍ وَ السَّلَامُ عَلَیْهِ فِی الْعَالَمِینَ.

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّی قَدْ عَاتَبْتُكُمْ فِی رُشْدِكُمْ حَتَّی سَئِمْتُ، وَ رَاجَعْتُمُونِی بِالْهُزْءِ مِنْ قَوْلِكُمْ حَتَّی بَرِمْتُ هُزْءاً مِنَ الْقَوْلِ لَا یُعَادُ بِهِ، وَ خَطَلًا لَا یَعِزُّ أَهْلُهُ، وَ لَوْ وَجَدْتُ بُدّاً مِنْ خِطَابِكُمْ وَ الْعِتَابِ إِلَیْكُمْ مَا فَعَلْتُ. وَ هَذَا كِتَابِی یُقْرَأُ عَلَیْكُمْ فَرُدُّوا خَیْراً وَ افْعَلُوهُ، وَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَفْعَلُوا وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ أَیُّهَا النَّاسُ! إِنَّ الْجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ ... إِلَی آخِرِ مَا مَرَّ وَ سَیَأْتِی بِرِوَایَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ.

ثُمَّ قَالَ: فَقَامَ إِلَیْهِ رَجُلٌ مِنَ الْأَزْدِ یُقَالُ لَهُ: حَبِیبُ بْنُ عَفِیفٍ آخِذاً بِیَدِ ابْنِ أَخٍ [لَهُ] یُقَالُ لَهُ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَفِیفٍ، فَأَقْبَلَ یَمْشِی حَتَّی اسْتَقْبَلَ أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ عَلَیْهِ السَّلَامُ بِبَابِ السُّدَّةِ، ثُمَّ جَثَا عَلَی رُكْبَتَیْهِ وَ قَالَ: یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ، هَا أَنَا ذَا لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِی وَ أَخِی فَمُرْنَا بِأَمْرِكَ، فَوَ اللَّهِ لَنُنْفِذَنَّ لَهُ وَ لَوْ حَالَ دُونَ ذَلِكَ شَوْكُ الْهَرَاسِ وَ جَمْرُ الْغَضَا حَتَّی نُنْفِذَ أَمْرَكَ أَوْ نَمُوتَ دُونَهُ! فَدَعَا لَهُمَا بِخَیْرٍ وَ قَالَ لَهُمَا: أَیْنَ تَبْلُغَانِ بَارَكَ اللَّهُ عَلَیْكُمَا مِمَّا نُرِیدُ.

ثُمَّ أَمَرَ الْحَارِثَ الْأَعْوَرَ فَنَادَی فِی النَّاسِ أَیْنَ مَنْ یَشْرِی نَفْسَهُ لِرَبِّهِ، وَ یَبِیعُ دُنْیَاهُ بِآخِرَتِهِ، أَصْبِحُوا غَداً بِالرَّحْبَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَ لَا یَحْضُرُنَا إِلَّا صَادِقُ النِّیَّةِ فِی

ص: 55

الْمَسِیرِ مَعَنَا وَ الْجِهَادِ لِعَدُوِّنَا. فَأَصْبَحَ بِالرَّحْبَةِ نَحْوٌ مِنْ ثَلَاثِمِائَةٍ، فَلَمَّا عَرَضَهُمْ قَالَ:

لَوْ كَانُوا أَلْفاً كَانَ لِی فِیهِمْ رَأْیٌ.

قَالَ: وَ أَتَاهُ قَوْمٌ یَعْتَذِرُونَ وَ تَخَلَّفَ آخَرُونَ، فَقَالَ: وَ جَاءَ الْمُعَذِّرُونَ وَ تَخَلَّفَ الْمُكَذِّبُونَ.

قَالَ: وَ مَكَثَ عَلَیْهِ السَّلَامُ أَیَّاماً بَادِیاً حُزْنُهُ، شَدِیدَ الْكَآبَةِ، ثُمَّ إِنَّهُ نَادَی فِی النَّاسِ فَاجْتَمَعُوا، فَقَامَ خَطِیباً فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَی عَلَیْهِ ثُمَّ قَالَ:

أَمَّا بَعْدُ، أَیُّهَا النَّاسُ فَوَ اللَّهِ لَأَهْلُ مِصْرِكُمْ فِی الْأَمْصَارِ، أَكْثَرُ مِنَ الْأَنْصَارِ فِی الْعَرَبِ.

وَ سَاقَ الْحَدِیثَ إِلَی آخِرِ مَا سَیَأْتِی بِرِوَایَةِ ابْنِ الشَّیْخِ فِی مَجَالِسِهِ عَنْ رَبِیعَةَ بْنِ نَاجِدٍ [فِی أَوَاخِرِ هَذَا الْبَابِ] ..

وَ عَنْ أَبِی مُسْلِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِیّاً عَلَیْهِ السَّلَامُ یَقُولُ: لَوْ لَا بَقِیَّةُ الْمُسْلِمِینَ لَهَلَكْتُمْ (1).

وَ عَنْ إِسْمَاعِیلَ بْنِ رَجَاءٍ الزُّبَیْدِیِّ: أَنَّ عَلِیّاً عَلَیْهِ السَّلَامُ خَطَبَهُمْ بَعْدَ هَذَا الْكَلَامِ فَقَالَ بَعْدَ أَنْ حَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَی عَلَیْهِ:

أَیُّهَا النَّاسُ الْمُجْتَمِعَةُ أَبْدَانُهُمْ الْمُتَفَرِّقَةُ أَهْوَاؤُهُمْ، مَا عَزَّ مَنْ دَعَاكُمْ وَ لَا اسْتَرَاحَ مَنْ قَاسَاكُمْ. كَلَامُكُمْ یُوهِنُ الصُّمَّ الصِّلَابَ، وَ فِعْلُكُمْ یُطْمِعُ فِیكُمْ عَدُوَّكُمْ. إِنْ قُلْتُ لَكُمْ: سِیرُوا إِلَیْهِمْ فِی الْحَرِّ. قُلْتُمْ: أَمْهِلْنَا یَنْسَلِخْ عَنَّا الْحَرُّ. وَ إِنْ قُلْتُ لَكُمْ: سِیرُوا إِلَیْهِمْ فِی الشِّتَاءِ. قُلْتُمْ: حَتَّی یَنْسَلِخَ عَنَّا الْبَرْدُ. فِعْلَ ذِی الدَّیْنِ الْمَطُولِ، مَنْ فَازَ بِكُمْ فَازَ بِالسَّهْمِ الْأَخْیَبِ أَصْبَحْتُ لَا أُصَدِّقُ قَوْلَكُمْ، وَ لَا أَطْمَعُ فِی نَصْرِكُمْ، فَرَّقَ اللَّهُ بَیْنِی وَ بَیْنَكُمْ أَیَّ دَارٍ بَعْدَ دَارِكُمْ تَمْنَعُونَ؟! وَ مَعَ أَیِّ إِمَامٍ بَعْدِی تُقَاتِلُونَ؟! أَمَا إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِی أَثَرَةً تَتَّخِذُهَا عَلَیْكُمُ الضُّلَّالُ سُنَّةً، فَقْرٌ

ص: 56


1- رواه فی الحدیث: (174) و ما بعده من كتاب الغارات: ج 2، ص 485- 492 ط 1.

یَدْخُلُ فِی بُیُوتِكُمْ، وَ سَیْفٌ قَاطِعٌ، وَ تَتَمَنَّوْنَ عِنْدَ ذَلِكَ أَنَّكُمْ رَأَیْتُمُونِی وَ قَاتَلْتُمْ مَعِی وَ قُتِلْتُمْ دُونِی وَ كَأَنْ قَدْ.

وَ عَنْ بَكْرِ بْنِ عِیسَی: أَنَّهُمْ لَمَّا أَغَارُوا بِالسَّوَادِ، قَامَ عَلِیٌّ عَلَیْهِ السَّلَامُ فَخَطَبَ إِلَیْهِمْ فَقَالَ:

أَیُّهَا النَّاسُ مَا هَذَا؟! فَوَ اللَّهِ إِنْ كَانَ لِیَدْفَعَ عَنِ الْقَرْیَةِ بِالسَّبْعَةِ نَفَرٍ مِنَ الْمُؤْمِنِینَ تَكُونُ فِیهَا.

وَ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ یَزِیدَ الْحِمَّانِیِّ أَنَّهُ قَالَ: بَیْنَمَا أَنَا فِی السُّوقِ إِذْ سَمِعْتُ مُنَادِیاً یُنَادِی الصَّلَاةَ جَامِعَةً، فَجِئْتُ أُهَرْوِلُ وَ النَّاسُ یُهْرَعُونَ، فَدَخَلْتُ الرَّحْبَةَ فَإِذَا عَلِیٌّ عَلَیْهِ السَّلَامُ عَلَی مِنْبَرٍ مِنْ طِینٍ مُجَصَّصٍ وَ هُوَ غَضْبَانُ، قَدْ بَلَغَهُ أَنَّ نَاساً قَدْ أَغَارُوا بِالسَّوَادِ، فَسَمِعْتُهُ یَقُولُ: أَمَا وَ رَبِّ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ ثُمَّ رَبِّ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ، إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِیِّ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ أَنَّ الْأُمَّةَ سَتَغْدِرُ بِی.

وَ عَنِ الْمُسَیَّبِ بْنِ نَجَبَةَ الْفَزَارِیِّ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِیّاً عَلَیْهِ السَّلَامُ یَقُولُ: إِنِّی قَدْ خَشِیتُ أَنْ یُدَالَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ عَلَیْكُمْ بِطَاعَتِهِمْ إِمَامَهُمْ وَ مَعْصِیَتِكُمْ إِمَامَكُمْ، وَ بِأَدَائِهِمُ الْأَمَانَةَ وَ خِیَانَتِكُمْ، وَ بِصَلَاحِهِمْ فِی أَرْضِهِمْ وَ فَسَادِكُمْ فِی أَرْضِكُمْ، وَ بِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَی بَاطِلِهِمْ وَ تَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ حَتَّی تَطُولَ دَوْلَتُهُمْ وَ حَتَّی لَا یَدَعُوا لِلَّهِ مُحَرَّماً إِلَّا اسْتَحَلُّوهُ، حَتَّی لَا یَبْقَی بَیْتَ وَبَرٍ وَ لَا بَیْتَ مَدَرٍ إِلَّا دَخَلَهُ جَوْرُهُمْ وَ ظُلْمُهُمْ حَتَّی یَقُومَ الْبَاكِیَانِ، بَاكٍ یَبْكِی لِدِینِهِ وَ بَاكٍ یَبْكِی لِدُنْیَاهُ، وَ حَتَّی لَا یَكُونَ مِنْكُمْ إِلَّا نافعا [نَافِعٌ] لَهُمْ أَوْ غَیْرُ ضَارٍّ بِهِمْ وَ حَتَّی یَكُونَ نُصْرَةُ أَحَدِكُمْ مِنْهُمْ كَنُصْرَةِ الْعَبْدِ مِنْ سَیِّدِهِ إِذَا شَهِدَ أَطَاعَهُ وَ إِذَا غَابَ سَبَّهُ، فَإِنْ أَتَاكُمُ اللَّهُ بِالْعَافِیَةِ فَاقْبَلُوا وَ إِنِ ابْتَلَاكُمْ فَاصْبِرُوا فَ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِینَ (1).

ص: 57


1- و هذا هو الحدیث: (178) من كتاب الغارات: ج 2، ص 489. و قریبا منه جدّا رواه الطّبرانیّ فی الحدیث: (36) من ترجمة الإمام الحسین من المعجم الكبیر: ج 1- الورق 125. ورواه بسنده عنه ابن عساكر فی الحدیث: (١٨٦) من ترجمة الإمام الحسین علیه السلام من تاریخ دمشق ج ١٣، ص ١٤٦، ط ١.

وَ عَنْ یَحْیَی بْنِ صَالِحٍ عَنْ أَصْحَابِهِ: أَنَّ عَلِیّاً عَلَیْهِ السَّلَامُ نَدَبَ النَّاسَ عِنْدَ مَا أَغَارُوا عَلَی نَوَاحِی السَّوَادِ، فَانْتَدَبَ لِذَلِكَ شُرْطَةُ الْخَمِیسِ، فَبَعَثَ إِلَیْهِمْ قَیْسَ بْنَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ الْأَنْصَارِیَّ ثُمَّ وَجَّهَهُمْ فَسَارُوا حَتَّی وَرَدُوا تُخُومَ الشَّامِ، وَ كَتَبَ عَلِیٌّ عَلَیْهِ السَّلَامُ إِلَی مُعَاوِیَةَ:

إِنَّكَ زَعَمْتَ أَنَّ الَّذِی دَعَاكَ إِلَی مَا فَعَلْتَ الطَّلَبَ بِدَمِ عُثْمَانَ، فَمَا أَبْعَدَ قَوْلَكَ مِنْ فِعْلِكَ. وَیْحَكَ، وَ مَا ذَنْبُ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِی قَتْلِ ابْنِ عَفَّانَ؟! وَ بِأَیِّ شَیْ ءٍ تَسْتَحِلُّ أَخْذَ فَیْ ءِ الْمُسْلِمِینَ؟! فَانْزِعْ وَ لَا تَفْعَلْ وَ احْذَرْ عَاقِبَةَ الْبَغْیِ وَ الْجَوْرِ. وَ إِنَّمَا مَثَلِی وَ مَثَلُكَ كَمَا قَالَ بَلْعَاءُ لِدُرَیْدِ بْنِ الصِّمَّةِ:

مَهْلًا دُرَیْدُ عَنِ التَّسَرُّعِ إِنَّنِی*** مَاضِی الْجِنَانِ بِمَنْ تَسَرَّعَ مُولَعٌ

مَهْلًا دُرَیْدُ عَنِ السَّفَاهَةِ إِنَّنِی*** مَاضٍ عَلَی رَغْمِ الْعُدَاةِ سَمَیْدَعٌ

مَهْلًا دُرَیْدُ لَا تَكُنْ لَاقَیْتَنِی*** یَوْماً دُرَیْدُ فَكُلُّ هَذَا یُصْنَعُ

وَ إِذَا أَهَانَكَ مَعْشَرٌ أَكْرَمَهُمْ*** فَتَكُونُ حَیْثُ تَرَی الْهَوَانَ وَ تَسْمَعُ

فَأَجَابَهُ مُعَاوِیَةُ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ أَدْخَلَنِی فِی أَمْرِ عَزْلِكَ عَنْهُ نَائِیاً عَنِ الْحَقِّ، فَنِلْتُ مِنْهُ أَفْضَلَ أَمَلِی، فَأَنَا الْخَلِیفَةُ الْمَجْمُوعُ عَلَیْهِ وَ لَمْ تُصِبْ مَثَلِی وَ مَثَلَكَ، إِنَّمَا مَثَلِی وَ مَثَلُكَ كَمَا قَالَ بَلْقَاءُ حِینَ صُولِحَ عَلَی دَمِ أَخِیهِ ثُمَّ نَكَثَ فَعَنَّفَهُ قَوْمُهُ فَأَنْشَأَ یَقُولُ:

أَلَا آذَنَتْنَا مِنْ تَدَلُّلِهَا مَلَسٌ*** وَ قَالَتْ: أَمَا بَیْنِی وَ بَیْنَكَ مِنْ بَلَسٍ

وَ قَالَتْ: أَلَا تَسْعَی فَتُدْرِكَ مَا مَضَی*** وَ مَا أَهْلُكَ الحانون [الْعَانُونَ] وَ الْقَدْحُ الضِّرْسُ (1)

أَ تَأْمُرُنِی سَعْدٌ وَ لَیْثٌ وَ جُنْدُعٌ (2)*** وَ لَسْتُ بِرَاضٍ بِالدَّنِیئَةِ وَ الْوَكْسِ

ص: 58


1- فی الغارات: العانون. و هو جمع عانی: الأسیر. و القدح: التّأكّل فی الشّجر و الأسنان و غیرها.
2- و فی الأصل: و حذح.

یَقُولُونَ: خُذْ وَكْساً (1) وَ صَالِحْ عَشِیرَةً فَمَا تَأْمُرُنِی بِالْهُمُومِ إِذَا أُمْسِی

قَالَ جُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْوَائِلِیُّ: كَانَ عَلِیٌّ عَلَیْهِ السَّلَامُ یَقُولُ: أَمَا إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِی ثَلَاثاً: ذُلًّا شَامِلًا، وَ سَیْفاً قَاتِلًا، وَ أَثَرَةً یَتَّخِذُهَا الظَّالِمُونَ عَلَیْكُمْ سُنَّةً، فَسَتَذْكُرُونِی عِنْدَ تِلْكَ الْحَالاتِ فَتَمَنَّوْنَ لَوْ رَأَیْتُمُونِی وَ نَصَرْتُمُونِی وَ أَهْرَقْتُمْ دِمَاءَكُمْ دُونَ دَمِی فَلَا یُبَعِّدُ اللَّهُ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ.

وَ كَانَ جُنْدَبٌ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا رَأَی شَیْئاً مِمَّا یَكْرَهُهُ قَالَ: لَا یُبَعِّدُ اللَّهُ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ..

و عن عمرو بن قعین (2) قال: دعا معاویة یزید بن شجرة الرّهاوی فقال:

إنّی مسرّ إلیك سرّا فلا تطلعنّ علی سرّی أحدا حتی تخرج من أهل الشام كلّها، إنّی باعثك إلی أهل اللّٰه و إلی حرم اللّٰه و أهلی و عشیرتی و بیضتی التی انفلقت عنّی، و فیها جلّ من قتل عثمان و سفك دمه، فسر علی بركة اللّٰه حتی تنزل مكة فإنّك الآن تلاقی الناس هناك بالموسم، فادع الناس إلی طاعتنا و اتّباعنا فإن أجابوك فاكفف عنهم و اقبل منهم، و إن أدبروا عنك فنابذهم و ناجزهم و لا تقاتلهم حتّی تبلغهم أنی قد أمرتك أن تبلغ عنّی، فإنّهم الأصل و العشیرة و إنّی لاستبقائهم محبّ و لاستیصالهم كاره ثمّ صلّ بالناس و تولّ أمر الموسم.

فقال له یزید: إنّك وجّهتنی إلی قوم اللّٰه و مجمع الصالحین، فإن رضیت أن أسیر إلیهم و أعمل فیهم برأیی و بما أرجو أن یجمعك اللّٰه و إیّاهم به سرت إلیهم، و إن كان لا یرضیك عنّی إلّا الغشم و تجرید السّیف و إخافة البری ء و ردّ العذرة فلست بصاحب ما هناك، فاطلب لهذا الأمر غیری.

ص: 59


1- الوكس: النّقصان و الخسّة. و فی الغارات: «عقلا». و العقل الدّیة. و فیها أیضا: یأمرونّی.
2- رواه الثقفی رحمه اللّٰه فی كتاب الغارات بعنوان: غارة یزید بن شجرة الرهاوی، و فیه: عن جابر بن عمرو بن قعین.

فقال له: سر راشدا فقد رضیت برأیك و بسیرتك، و كان رجلا ناسكا یتألّه و كان عثمانیا و كان ممن شهد مع معاویة صفّین.

فخرج [ابن شجرة] من دمشق مسرعا و قال: اللّٰهمّ إن كنت قضیت أن یكون بین هذا الجیش الذی وجّهت، و بین أهل حرمك الذی وجّهت إلیه قتال فاكفنیه، فإنّی لست أعظّم قتال من شرك فی قتل عثمان خلیفتك المظلوم و لا قتال من خذله و لكنی أعظّم القتال فی حرمك الذی حرمت.

فخرج یسیر و قدّم أمامه الحارث بن نمیر، فأقبلوا حتّی مرّوا بوادی القری ثم أخذوا علی الجحفة ثمّ مضوا حتّی قدموا مكّة فی عشر ذی الحجّة.

وَ عَنْ عَبَّاسِ بْنِ [سَهْلِ بْنِ] سَعْدٍ الْأَنْصَارِیِّ قَالَ: لَمَّا سَمِعَ قُثَمُ بْنُ الْعَبَّاسِ بِدُنُوِّهِمْ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ یَفْصِلُوا مِنَ الْجُحْفَةِ وَ كَانَ عَامِلًا لِعَلِیٍّ عَلَیْهِ السَّلَامُ عَلَی مَكَّةَ، فَقَامَ فِی أَهْلِ مَكَّةَ وَ ذَلِكَ فِی سَنَةِ تِسْعٍ وَ ثَلَاثِینَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَی عَلَیْهِ وَ دَعَاهُمْ إِلَی الْجِهَادِ وَ قَالَ:

بَیِّنُوا لِی مَا فِی أَنْفُسِكُمْ وَ لَا تَغُرُّونِی. فَسَكَتَ الْقَوْمُ مَلِیّاً فَقَالَ: قَدْ بَیَّنْتُمْ لِی مَا فِی أَنْفُسِكُمْ. فَذَهَبَ لِیَنْزِلَ فَقَامَ شَیْبَةُ بْنُ عُثْمَانَ فَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ أَیُّهَا الْأَمِیرُ لَا یَقْبُحُ فِینَا أَمْرُكَ وَ نَحْنُ عَلَی طَاعَتِنَا وَ بَیْعَتِنَا وَ أَنْتَ أَمِیرُنَا وَ ابْنُ عَمِّ خَلِیفَتِنَا فَإِنْ تَدْعُنَا نُجِبْكَ فِیمَا أَطَقْنَا وَ نَقْدِرُ عَلَیْهِ.

فَقَرَّبَ [قُثَمُ] دَوَابَّهُ وَ حَمَلَ مَتَاعَهُ وَ أَرَادَ التَّنَحِّیَ مِنْ مَكَّةَ، فَأَتَاهُ أَبُو سَعِیدٍ الْخُدْرِیُّ وَ قَالَ: مَا أَرَدْتَ؟ قَالَ: قَدْ حَدَثَ هَذَا الْأَمْرُ الَّذِی بَلَغَكَ وَ لَیْسَ مَعِی جُنْدٌ أَمْتَنِعُ بِهِ، فَرَأَیْتُ أَنْ أَعْتَزِلَ عَنْ مَكَّةَ فَإِنْ یَأْتِنِی جُنْدٌ أُقَاتِلْ بِهِمْ، وَ إِلَّا كُنْتُ قَدْ تَنَحَّیْتُ بِدَمِی. قَالَ لَهُ: إِنِّی لَمْ أَخْرُجْ مِنَ الْمَدِینَةِ حَتَّی قَدِمَ عَلَیْنَا حَاجُّ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَ تُجَّارُهُمْ یُخْبِرُونَ أَنَّ النَّاسَ بِالْكُوفَةِ قَدْ نَدَبُوا إِلَیْكَ مَعَ مَعْقِلِ بْنِ قَیْسٍ الرِّیَاحِیِّ. قَالَ: هَیْهَاتَ هَیْهَاتَ یَا أَبَا سَعِیدٍ إِلَی ذَلِكَ مَا یَعِیشُ أَوْلَادُنَا. فَقَالَ لَهُ أَبُو سَعِیدٍ: رَحِمَكَ اللَّهُ فَمَا عُذْرُكَ عِنْدَ ابْنِ عَمِّكَ، وَ مَا عُذْرُكَ عِنْدَ الْعَرَبِ انْهَزَمْتَ قَبْلَ أَنْ تُطْعَنَ وَ تُضْرَبَ؟! فَقَالَ: یَا أَبَا سَعِیدٍ إِنَّكَ لَا تَهْزِمُ عَدُوَّكَ وَ لَا تَمْنَعُ حَرِیمَكَ

ص: 60

بِالْمَوَاعِیدِ وَ الْأَمَانِیِّ اقْرَأْ كِتَابَ صَاحِبِی فَقَرَأَهُ أَبُو سَعِیدٍ فَإِذَا فِیهِ:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِیمِ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِیٍّ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ إِلَی قُثَمَ بْنِ الْعَبَّاسِ: سَلَامٌ عَلَیْكَ. أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ عَیْنِی بِالْمَغْرِبِ كَتَبَ إِلَیَّ یُخْبِرُنِی أَنَّهُ قَدْ وُجِّهَ إِلَی الْمَوْسِمِ نَاسٌ مِنَ الْعَرَبِ، مِنَ الْعُمْیِ الْقُلُوبِ، الصُّمِّ الْأَسْمَاعِ، الْكُمْهِ الْأَبْصَارِ، الَّذِینَ یَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ، وَ یُطِیعُونَ الْمَخْلُوقِینَ فِی مَعْصِیَةِ الْخَالِقِ، وَ یَجْلِبُونَ الدُّنْیَا بِالدِّینِ، وَ یَتَمَنَّوْنَ عَلَی اللَّهِ جِوَارَ الْأَبْرَارِ، وَ إِنَّهُ لَا یَفُوزُ بِالْخَیْرِ إِلَّا عَامِلُهُ، وَ لَا یُجْزَی بِالسَّیِّئِ إِلَّا فَاعِلُهُ.

وَ قَدْ وَجَّهْتُ إِلَیْكُمْ جَمْعاً مِنَ الْمُسْلِمِینَ ذَوِی بَسَالَةٍ وَ نَجْدَةٍ مَعَ الْحَسِیبِ الصَّلِیبِ الْوَرِعِ التَّقِیِّ مَعْقِلِ بْنِ قَیْسٍ الرِّیَاحِیِّ، وَ قَدْ أَمَرْتُهُ بِاتِّبَاعِهِمْ وَ قَصِّ آثَارِهِمْ حَتَّی یَنْفِیَهُمْ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ. فَقُمْ عَلَی مَا فِی یَدَیْكَ مِمَّا إِلَیْكَ مَقَامَ الصَّلِیبِ الْحَازِمِ الْمَانِعِ سُلْطَانَهُ النَّاصِحِ لِلْأُمَّةِ، وَ لَا یَبْلُغُنِی عَنْكَ وَهْنٌ وَ لَا خَوَرٌ وَ مَا تَعْتَذِرُ مِنْهُ، وَ وَطِّنْ نَفْسَكَ عَلَی الصَّبْرِ فِی الْبَأْسَاءِ وَ الضَّرَّاءِ، وَ لَا تَكُونَنَّ فَشَلًا وَ لَا طَائِشاً وَ لَا رِعْدِیداً وَ السَّلَامُ.

فَلَمَّا قَرَأَ أَبُو سَعِیدٍ الْكِتَابَ قَالَ قُثَمُ: مَا یَنْفَعُنِی مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَ قَدْ سَمِعْتُ بِأَنْ قَدْ سَبَقَتْ خَیْلُهُمْ خَیْلَهُ؟ وَ هَلْ یَأْتِی جَیْشُهُ حَتَّی یَنْقَضِیَ أَمْرُ الْمَوْسِمِ كُلُّهُ؟

فَقَالَ لَهُ أَبُو سَعِیدٍ: إِنَّكَ إِنْ أَجْهَدْتَ نَفْسَكَ فِی مُنَاصَحَةِ إِمَامِكَ خَرَجْتَ مِنَ اللَّائِمَةِ، وَ قَضَیْتَ الَّذِی عَلَیْكَ مِنَ الْحَقِّ، فَإِنَّ الْقَوْمَ قَدْ قَدِمُوا وَ أَنْتَ فِی الْحَرَمِ، وَ الْحَرَمُ حَرَمُ اللَّهِ.

فَأَقَامَ قُثَمُ وَ جَاءَ یَزِیدُ بْنُ شَجَرَةَ حَتَّی دَخَلَ مَكَّةَ، ثُمَّ أَمَرَ مُنَادِیاً فَنَادَی فِی النَّاسِ أَلَا إِنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ آمِنُونَ، إِلَّا مَنْ عَرَضَ لَنَا فِی عَمَلِنَا وَ سُلْطَانِنَا وَ ذَلِكَ قَبْلَ التَّرْوِیَةِ بِیَوْمٍ.

ص: 61

فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ مَشَتْ قُرَیْشٌ وَ الْأَنْصَارُ وَ مَنْ شَهِدَ الْمَوْسِمَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَ صُلَحَاءِ النَّاسِ فِیمَا بَیْنَهُمَا وَ سَأَلَتْهُمَا أَنْ یَصْطَلِحَا، فَكِلَاهُمَا سَرَّهُ ذَلِكَ الصُّلْحُ، فَأَمَّا قُثَمُ فَإِنَّهُ لَمْ یَثِقْ بِأَهْلِ مَكَّةَ وَ لَا رَأَی أَنَّهُمْ یُنَاصِحُونَهُ، وَ أَمَّا یَزِیدُ فَكَانَ رَجُلًا مُتَنَسِّكاً وَ كَانَ یَكْرَهُ أَنْ یَكُونَ مِنْهُ فِی الْحَرَمِ شَرٌّ.

وَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مِحْصَنٍ قَالَ: قَامَ یَزِیدُ بْنُ شَجَرَةَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَی عَلَیْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ یَا أَهْلَ الْحَرَمِ وَ مَنْ حَضَرَهُ فَإِنِّی وُجِّهْتُ إِلَیْكُمْ لِأُصَلِّیَ بِكُمْ وَ أَجْمَعَ وَ آمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَ أَنْهَی عَنِ الْمُنْكَرِ فَقَدْ رَأَیْتُ وَالِیَ هَذِهِ الْبَلْدَةِ كَرِهَ الصَّلَاةَ مَعَنَا وَ نَحْنُ لِلصَّلَاةِ مَعَهُ كَارِهُونَ فَإِنْ شَاءَ اعْتَزَلْنَا الصَّلَاةَ بِالنَّاسِ وَ اعْتَزَلَهَا وَ تَرَكْنَا أَهْلَ مَكَّةَ یَخْتَارُونَ لِأَنْفُسِهِمْ مَنْ أَحَبُّوا حَتَّی یُصَلِّیَ بِهِمْ فَإِنْ أَبَی فَأَنَا آبَی وَ آبَی وَ الَّذِی لَا إِلَهَ غَیْرُهُ لَوْ شِئْتُ لَصَلَّیْتُ بِالنَّاسِ وَ أَخَذْتُهُ حَتَّی أَرُدَّهُ إِلَی الشَّامِ وَ مَا مَعَهُ مَنْ یَمْنَعُهُ وَ لَكِنْ وَ اللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنْ أَسْتَحِلَّ حُرْمَةَ هَذَا الْبَلَدِ الْحَرَامِ.

قَالَ: ثُمَّ إِنَّ یَزِیدَ بْنَ شَجَرَةَ أَتَی أَبَا سَعِیدٍ الْخُدْرِیَّ فَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ الْقَ هَذَا الرَّجُلَ فَقُلْ لَهُ لَا أَبَ لِغَیْرِكَ اعْتَزِلِ الصَّلَاةَ بِالنَّاسِ وَ أَعْتَزِلُهَا وَ دَعْ أَهْلَ مَكَّةَ یَخْتَارُوا لِأَنْفُسِهِمْ فَوَ اللَّهِ لَوْ أَشَاءُ لَبِعْتُكَ وَ إِیَّاهُمْ وَ لَكِنْ وَ اللَّهِ مَا یَحْمِلُنِی عَلَی مَا تَسْمَعُ إِلَّا رِضْوَانُ اللَّهِ وَ احْتِرَامُ الْحَرَمِ فَإِنَّ ذَلِكَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَی وَ خَیْرٌ فِی الْعَاقِبَةِ.

قَالَ لَهُ أَبُو سَعِیدٍ: مَا رَأَیْتُ مِنْ أَهْلِ الْمَغْرِبِ أَصْوَبَ مَقَالًا وَ لَا أَحْسَنَ رَأْیاً مِنْكَ.

فَانْطَلَقَ أَبُو سَعِیدٍ إِلَی قُثَمَ فَقَالَ: أَ لَا تَرَی مَا أَحْسَنَ مَا صَنَعَ اللَّهُ لَكَ وَ ذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ فَاعْتَزَلَا الصَّلَاةَ وَ اخْتَارَ النَّاسُ شَیْبَةَ بْنَ عُثْمَانَ فَصَلَّی بِهِمْ.

فَلَمَّا قَضَی النَّاسُ حَجَّهُمْ رَجَعَ یَزِیدُ إِلَی الشَّامِ، وَ أَقْبَلَتْ خَیْلُ عَلِیٍّ عَلَیْهِ السَّلَامُ فَأَخْبَرُوا بِعَوْدِ أَهْلِ الشَّامِ، فَتَبِعُوهُمْ وَ عَلَیْهِمْ مَعْقِلُ بْنُ قَیْسٍ فَأَدْرَكُوهُمْ وَ قَدْ رَحَلُوا عَنْ وَادِی الْقُرَی، فَظَفِرُوا بِنَفَرٍ مِنْهُمْ وَ أَخَذُوهُمْ أُسَارَی وَ أَخَذُوا مَا مَعَهُمْ وَ رَجَعُوا إِلَی أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ، فَفَادَی بِهِمْ أُسَارَی كَانَتْ لَهُ عِنْدَ مُعَاوِیَةَ (1)..

ص: 62


1- و قصّة یزید بن شجرة ذكرها أیضا البلاذریّ- و لكن أوجز ممّا هنا- فی الحدیث: (502) من ترجمة أمیر المؤمنین من كتاب أنساب الأشراف: ج 1، ص 424 من المخطوطة، و فی ط 1: ج 2، ص 461.

وَ قَالَ إِبْرَاهِیمُ: قَالَ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ عَلَیْهِ السَّلَامُ لِأَهْلِ الْكُوفَةِ:

مَا أَرَی هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ یَعْنِی أَهْلَ الشَّامِ إِلَّا ظَاهِرِینَ عَلَیْكُمْ. قَالُوا: تَعْلَمُ بِمَا ذَا یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ؟ قَالَ: أَرَی أُمُورَهُمْ قَدْ غَلَتْ، وَ أَرَی نِیرَانَكُمْ قَدْ خَبَتْ، وَ أَرَاهُمْ جَادِّینَ وَ أَرَاكُمْ وَانِینَ، وَ أَرَاهُمْ مُجْتَمِعِینَ وَ أَرَاكُمْ مُتَفَرِّقِینَ، وَ أَرَاهُمْ لِصَاحِبِهِمْ طَائِعِینَ وَ أَرَاكُمْ لِی عَاصِینَ.

وَ ایْمُ اللَّهِ لَئِنْ ظَهَرُوا عَلَیْكُمْ لَتَجِدُنَّهُمْ أَرْبَابَ سَوْءٍ مِنْ بَعْدِی، كَأَنِّی أَنْظُرُ إِلَیْهِمْ قَدْ شَارَكُوكُمْ فِی بِلَادِكُمْ وَ حَمَلُوا إِلَی بِلَادِهِمْ فَیْئَكُمْ.

وَ كَأَنِّی أَنْظُرُ إِلَیْكُمْ یَكِشُّ بَعْضُكُمْ عَلَی بَعْضٍ كَشِیشَ الضِّبَابِ، لَا تَمْنَعُونَ حَقّاً وَ لَا تَمْنَعُونَ لِلَّهِ حُرْمَةً، وَ كَأَنِّی أَنْظُرُ إِلَیْهِمْ یَقْتُلُونَ قُرَّاءَكُمْ. وَ كَأَنِّی بِهِمْ یَحْرُمُونَكُمْ وَ یَحْجُبُونَكُمْ وَ یُدْنُونَ أَهْلَ الشَّامِ دُونَكُمْ، فَإِذَا رَأَیْتُمُ الْحِرْمَانَ وَ الْأَثَرَةَ وَ وَقْعَ السَّیْفِ، تَنَدَّمْتُمْ وَ تَحَزَّنْتُمْ عَلَی تَفْرِیطِكُمْ فِی جِهَادِكُمْ، وَ تَذَكَّرْتُمْ مَا فِیهِ مِنَ الْحِفْظِ حِینَ لَا یَنْفَعُكُمُ التَّذْكَارُ..

وَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِی بَكْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِیّاً عَلَیْهِ السَّلَامُ یَقُولُ: مَا لَقِیَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ مَا لَقِیتُ. ثُمَّ بَكَی.

توضیح: فی النهایة: فیه «كأن فی جوفی شوكة الهراس» هو شجر أو بقل ذو شوك. و فی القاموس: الهراس كسحاب: شجر شائك ثمره كالنبق.

انتهی.

[قوله علیه السلام: ] «و كأن قد» هذا من قبیل الاكتفاء أی: و كأن قد وقع هذا الأمر عن قریب. و السّمیدع بالفتح: السّید الموطوء الأكتاف. ذكره الجوهری. و قال: ضرست السهم إذا أعجمته. و الوكس: النقص قوله: «إلی ذلك

ص: 63

ما یعیش أولادنا» هذا استبطاء للجیش أی: یأتی المدد بعد أن قتلنا و أولادنا.

«931»- (1) نَهْجٌ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَتَحَهُ اللَّهُ تَعَالَی لِخَاصَّةِ أَوْلِیَائِهِ، وَ هُوَ لِبَاسُ التَّقْوَی، وَ دِرْعُ اللَّهِ الْحَصِینَةُ، وَ جُنَّتُهُ الْوَثِیقَةُ.

فَمَنْ تَرَكَهُ أَلْبَسَهُ اللَّهُ لِبَاسَ الذُّلِّ، وَ شَمِلَهُ الْبَلَاءُ، وَ دُیِّثَ بِالصَّغَارِ وَ الْقَمَاءِ، وَ ضُرِبَ عَلَی قَلْبِهِ بِالْإِسْدَادِ، وَ أُدِیلَ الْحَقُّ مِنْهُ بِتَضْیِیعِ الْجِهَادِ، وَ سِیمَ الْخَسْفَ، وَ مُنِعَ النَّصَفَ.

أَلَا وَ إِنِّی قَدْ دَعَوْتُكُمْ إِلَی قِتَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَیْلًا وَ نَهَاراً، وَ سِرّاً وَ إِعْلَاناً، وَ قُلْتُ لَكُمْ: اغْزُوهُمْ قَبْلَ أَنْ یَغْزُوكُمْ، فَوَ اللَّهِ مَا غُزِیَ قَوْمٌ قَطُّ فِی عُقْرِ دَارِهِمْ إِلَّا ذَلُّوا. فَتَوَاكَلْتُمْ وَ تَخَاذَلْتُمْ حَتَّی شُنَّتْ عَلَیْكُمُ الْغَارَاتُ، وَ مُلِكَتْ عَلَیْكُمُ الْأَوْطَانُ.

هَذَا أَخُو غَامِدٍ قَدْ وَرَدَتْ خَیْلُهُ الْأَنْبَارَ، وَ قَدْ قَتَلَ حَسَّانَ بْنَ حَسَّانَ الْبَكْرِیَّ وَ أَزَالَ خَیْلَكُمْ عَنْ مَسَالِحِهَا.

وَ لَقَدْ بَلَغَنِی أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ یَدْخُلُ عَلَی الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ وَ الْأُخْرَی الْمُعَاهَدَةِ فَیَنْتَزِعُ حِجْلَهَا وَ قُلُبَهَا وَ قَلَائِدَهَا وَ رِعَاثَهَا، مَا تَمْتَنِعُ مِنْهُ إِلَّا بِالاسْتِرْجَاعِ وَ الِاسْتِرْحَامِ، ثُمَّ انْصَرَفُوا وَافِرِینَ، مَا نَالَ رَجُلًا مِنْهُمْ كَلْمٌ، وَ لَا أُرِیقَ لَهُمْ دَمٌ. فَلَوْ أَنَّ امْرَأً مُسْلِماً مَاتَ مِنْ بَعْدِ هَذَا أَسَفاً، مَا كَانَ بِهِ مَلُوماً بَلْ كَانَ بِهِ عِنْدِی جَدِیراً.

فَیَا عَجَباً عَجَباً، وَ اللَّهِ یُمِیتُ الْقَلْبَ، وَ یَجْلِبُ الْهَمَّ، مِنِ اجْتِمَاعِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ عَلَی بَاطِلِهِمْ، وَ تَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ فَقُبْحاً لَكُمْ وَ تَرَحاً حِینَ صِرْتُمْ غَرَضاً یُرْمَی، یُغَارُ عَلَیْكُمْ وَ لَا تُغِیرُونَ، وَ تُغْزَوْنَ وَ لَا تَغْزُونَ، وَ یُعْصَی اللَّهُ فِیكُمْ وَ تَرْضَوْنَ. فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّیْرِ إِلَیْهِمْ فِی أَیَّامِ الْحَرِّ، قُلْتُمْ: هَذِهِ حَمَارَّةُ الْقَیْظِ أَمْهِلْنَا یُسَبَّخْ عَنَّا الْحَرُّ. وَ إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّیْرِ إِلَیْهِمْ فِی الشِّتَاءِ قُلْتُمْ: هَذِهِ صَبَارَّةُ الْقُرِّ أَمْهِلْنَا یَنْسَلِخْ عَنَّا الْبَرْدُ.

كُلُّ هَذَا فِرَارٌ مِنَ الْحَرِّ وَ الْقُرِّ، فَإِذَا كُنْتُمْ مِنَ الْحَرِّ وَ الْبَرْدِ تَفِرُّونَ، فَأَنْتُمْ وَ اللَّهِ مِنَ

ص: 64


1- [931]- رَوَاهُ السَّیِّدُ الرَّضِیُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِی الْمُخْتَارِ: (27) مِنْ كِتَابِ نَهْجِ الْبَلَاغَةِ.

السَّیْفِ أَفَرُّ.

یَا أَشْبَاهَ الرِّجَالِ وَ لَا رِجَالَ، حُلُومُ الْأَطْفَالِ، وَ عُقُولُ رَبَّاتِ الْحِجَالِ، لَوَدِدْتُ أَنِّی لَمْ أَرَكُمْ وَ لَمْ أَعْرِفْكُمْ مَعْرِفَةً. وَ اللَّهِ جَرَّتْ نَدَماً وَ أَعْقَبَتْ ذَمّاً.

قَاتَلَكُمُ اللَّهُ، لَقَدْ مَلَأْتُمْ قَلْبِی قَیْحاً، وَ شَحَنْتُمْ صَدْرِی غَیْظاً، وَ جَرَّعْتُمُونِی نُغَبَ التَّهْمَامِ أَنْفَاساً، وَ أَفْسَدْتُمْ عَلَیَّ رَأْیِی بِالْعِصْیَانِ وَ الْخِذْلَانِ، حَتَّی قَالَتْ قُرَیْشٌ:

إِنَّ ابْنَ أَبِی طَالِبٍ رَجُلٌ شُجَاعٌ وَ لَكِنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِالْحَرْبِ.

لِلَّهِ أَبُوهُمْ، وَ هَلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَشَدُّ لَهَا مِرَاساً، وَ أَقْدَمُ فِیهَا مَقَاماً مِنِّی؟! وَ لَقَدْ نَهَضْتُ فِیهَا وَ مَا بَلَغْتُ الْعِشْرِینَ، فَهَا أَنَا ذَا قَدْ ذَرَّفْتُ عَلَی السِّتِّینَ، وَ لَكِنَّهُ لَا رَأْیَ لِمَنْ لَا یُطَاعُ.

«932»- (1) كا: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِیدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَلَوِیِّ وَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكُوفِیُّ عَنْ عَلِیِّ بْنِ الْعَبَّاسِ عَنْ إِسْمَاعِیلَ بْنِ إِسْحَاقَ، جَمِیعاً عَنْ فَرَجِ بْنِ قُرَّةَ عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ عَنِ ابْنِ أَبِی لَیْلَی عَنْ أَبِی عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِیِّ عَنْهُ عَلَیْهِ السَّلَامُ مِثْلَهُ.

بیان:

قال ابن میثم و غیره: هذه الخطبة مشهورة، ذكرها أبو العبّاس المبرد و غیره (2)، و السّبب المشهور لها،

أَنَّهُ وَرَدَ عَلَیْهِ عِلْجٌ مِنَ الْأَنْبَارِ فَأَخْبَرَهُ أَنَّ سُفْیَانَ بْنَ عَوْفٍ الْغَامِدِیَّ قَدْ وَرَدَ فِی خَیْلِ مُعَاوِیَةَ إِلَی الْأَنْبَارِ، وَ قَتَلَ عَامِلَهُ حَسَّانَ بْنَ حَسَّانَ الْبَكْرِیَّ، فَصَعِدَ عَلَیْهِ السَّلَامُ الْمِنْبَرَ وَ خَطَبَ النَّاسَ وَ قَالَ:

إِنَّ أَخَاكُمُ الْبَكْرِیَّ قَدْ أُصِیبَ بِالْأَنْبَارِ فَانْتَدِبُوا إِلَیْهِمْ حَتَّی تُلَاقُوهُمْ،

ص: 65


1- [932]- رَوَاهُ ثِقَةُ الْإِسْلَامِ الْكُلَیْنِیُّ رَفَعَ اللَّهُ مَقَامَهُ فِی الْحَدِیثِ (6) مِنَ الْبَابِ (1) مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ فِی الْكَافِی ج 5 ص 4.
2- ذكرها المبرّد فی أوائل كتاب الكامل ص 19، و لها مصادر أخر، مسندة فی المختار: (312) من نهج السعادة: ج 2 ص 540.

فَإِنْ أَصَبْتُمْ مِنْهُمْ طَرَفاً أَنْكَلْتُمُوهُمْ عَنِ الْعِرَاقِ أَبَداً مَا بَقُوا. ثُمَّ سَكَتَ رَجَاءَ أَنْ یُجِیبُوهُ بِشَیْ ءٍ، فَلَمَّا رَأَی صَمْتَهُمْ نَزَلَ وَ خَرَجَ یَمْشِی رَاجِلًا حَتَّی أَتَی النُّخَیْلَةَ وَ النَّاسُ یَمْشُونَ خَلْفَهُ، حَتَّی أَحَاطَ بِهِ قَوْمٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ وَ قَالُوا: تَرْجِعُ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ وَ نَحْنُ نَكْفِیكَ.

فَقَالَ: مَا تَكْفُونِی وَ لَا تَكْفُوْنَ أَنْفُسَكُمْ. فَلَمْ یَزَالُوا بِهِ حَتَّی رَدُّوهُ إِلَی مَنْزِلِهِ.

فَبَعَثَ سَعِیدُ بْنُ قَیْسٍ الْهَمْدَانِیُّ فِی ثَمَانِیَةِ آلَافٍ فِی طَلَبِ سُفْیَانَ، فَخَرَجَ حَتَّی انْتَهَی إِلَی أَدَانِی أَرْضِ قِنَّسْرِینَ وَ رَجَعَ.

وَ كَانَ عَلَیْهِ السَّلَامُ فِی ذَلِكَ الْوَقْتِ عَلِیلًا لَا یَقْوَی عَلَی الْقِیَامِ فِی النَّاسِ بِمَا یُرِیدُهُ مِنَ الْقَوْلِ، فَجَلَسَ بِبَابِ السُّدَّةِ الَّتِی تَصِلُ إِلَی الْمَسْجِدِ وَ مَعَهُ الْحَسَنُ وَ الْحُسَیْنُ عَلَیْهِمَا السَّلَامُ وَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، وَ دَعَا سَعِیداً مَوْلَاهُ فَدَفَعَ إِلَیْهِ كِتَاباً كَتَبَ فِیهِ هَذِهِ الْخُطْبَةَ، وَ أَمَرَهُ أَنْ یَقْرَأَهُ عَلَی النَّاسِ بِحَیْثُ یَسْمَعُ وَ یَسْمَعُونَهُ.

وَ فِی رِوَایَةِ الْمُبَرَّدِ أَنَّهُ لَمَّا انْتَهَی إِلَیْهِ وُرُودُ خَیْلِ مُعَاوِیَةَ الْأَنْبَارَ وَ قَتْلُ حَسَّانَ، خَرَجَ مُغْضَباً یَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّی أَتَی النُّخَیْلَةَ وَ مَعَهُ النَّاسُ وَ رَقِیَ رَبَاوَةً مِنَ الْأَرْضِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَی عَلَیْهِ وَ صَلَّی عَلَی النَّبِیِّ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ.

و لنرجع إلی الشرح و البیان:

قوله علیه السلام: «باب من أبواب الجنّة»

روی عن النّبی صلّی اللّٰه علیه و آله أنّه قال: للجنّة باب یقال له باب المجاهدین، یمضون إلیه فإذا هو مفتوح و هم متقلّدون بسیوفهم و الجمع فی الموقف و الملائكة ترحّب بهم.

و فی الكافی: «لخاصّة أولیائه، و سوّغهم كرامة منه لهم، و نعمة ذخرها، و الجهاد لباس التقوی.

» فقوله علیه السلام: «نعمة» عطف علی «باب» أو علی «كرامة».

قوله علیه السلام: «و هو لباس التقوی» أی: به یتّقی فی الدّنیا من غلبة

ص: 66

الأعادی، و فی الآخرة من النار، أو هو یدفع المضارّ عن التقوی و یحرسها، أو عن أهلها بحذف المضاف، و كونه تأویلا لقوله تعالی: وَ لِباسُ التَّقْوی یحتاج إلی تكلّف ما. «و درع اللّٰه» أی: درع جعلها اللّٰه لحفظ عباده. و المراد: درع الحدید و هی مؤنثة و قد تذكّر. و «الحصینة»: الواقیة. و الجنّة بالضم. كلّ ما وقاك و استترت به. و الوثیقة المحكمة.

«فمن تركه» فی الكافی: «رغبة عنه» أی: كراهة له بغیر علّة.

[قوله علیه السلام: ] «لباس الذلّ» الإضافة للبیان.

قوله علیه السلام: «و شمله البلاء»: ربما یقرأ بالتاء و هی كساء یغطی به، و الفعل أظهر كما هو المضبوط.

قوله علیه السلام: «و دیّث بالصّغار» أی: ذلّل كما مرّ و الصّغار: الذلّ و الضّیم. و القماء ممدودا الذّلّ و الصّغار. و رواه الراوندی مقصورا و هو غیر معروف. و فی الكافی: «القماءة».

قوله علیه السلام: «و ضرب علی قلبه بالإسداد» قال الفیروزآبادی:

و ضربت علیه بالسّداد: سدّت علیه الطرق، و عمیت علیه مذاهبه. و فی بعض النسخ «بالإسهاب»، یقال: أسهب الرجل علی البناء للمفعول إذا ذهب عقله من أذی یلحقه.

«و أدیل الحقّ منه» أی یغلب الحقّ علیه فیصیبه الوبال لترك الحق

كقوله [علیه السلام] فی الصحیفة [السجّادیة]: «أدل لنا و لا تدل منا».

و الإدالة:

الغلبة. و الباء فی قوله بتضییع الجهاد للسّببیة.

وَ قَالَ فِی [مَادَّةِ خسف مِنَ] النِّهَایَةِ فِی حَدِیثِ عَلِیٍّ عَلَیْهِ السَّلَامُ: «مَنْ تَرَكَ الْجِهَادَ أَلْبَسَهُ اللَّهُ الذُّلَّ وَ سِیمَ الْخَسْفَ».

الخسف: النقصان و الهوان و أصله أن تحبس الدّابّة علی غیر علف، ثم استعیر موضع الهوان. و سیم: كلّف و ألزم.

ص: 67

«و منع النصف» أی: لا یتمكن من الانتصاف و الانتقام.

و عقر الشی ء: أصله و وسطه. و تواكل القوم: اتّكل بعضهم بعضا و ترك الأمر إلیه.

و تخاذلوا، أی: خذل بعضهم بعضا.

[قوله علیه السلام: ] «و شنّت» أی: فرقّت. قال ابن أبی الحدید: ما كان من ذلك متفرّقا نحو إرسال الماء علی الوجه دفعة بعد دفعة فهو بالشین المعجمة، و ما كان إرسالا غیر متفرّق فبالسّین المهملة.

و كلمة «علی» فی «ملكت علیكم» تفید الاستعلاء بالقهر و الغلبة، أی:

أخذوا الأوطان منكم بالقهر.

«و أخو غامد» هو سفیان بن عوف الغامدی.

«و الأنبار» بلد قدیم من بلاد العراق.

و حسّان: من أصحابه علیه السلام كان والیا علیه.

و المسالح: جمع المسلحة و هی الحدود التی یرتب فیها ذوو الأسلحة لدفع العدوّ كالثغر.

و الحجل بكسر الحاء و فتحها: الخلخال. و القلب بالضم: السوار المصمت. و الرعاث: جمع رعثة بفتح الراء و سكون العین و فتحها و هی القرط.

و الرعاث أیضا: ضرب من الحلی و الخرز.

و الاسترجاع قول: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَیْهِ راجِعُونَ و قیل: تردید الصوت فی البكاء. و الاسترحام: مناشدة الرحم، أی قول: أنشدك اللّٰه و الرحم. و قیل:

طلب الرحم و هو بعید.

ص: 68

قوله علیه السلام: «وافرین» أی تامّین، یقال: وفر الشی ء أی تمّ.

و وفّرت الشی ء: أی: أتممته. و فی روایة المبرّد «موفورین» بمعناه. و الكلم:

الجراحة.

قوله علیه السلام: «فیا عجبا» أصله یا عجبی، أی: احضر هذا أوانك.

«و عجبا» منصوب بالمصدریّة، أی: أیّها الناس، تعجّبوا منهم عجبا. و القسم معترض بین الصفة و الموصوف. و «الترح» محركة ضدّ الفرح. «و حمارة القیظ» بتشدید الرّاء: شدّة حرّه و ربّما خفّفت للضّرورة فی الشعر. «و صبارة الشتاء» بتشدید الرّاء: شدّة برده.

و فی القاموس: تسبّخ الحرّ: فتر و سكن كسبخ تسبیخا. و الحلوم: جمع الحلم بالكسر و هو الإناءة و العقل.

و «ربات الحجال»: النساء، أی صواحبها أو اللاتی ربین فیها.

و فی بعض النسخ بنصب «الحلوم و العقول» ففی الكلام تقدیر، أی: یا ذوی حلوم الأطفال، و ذوی عقول النساء. و فی بعضها بضمها أی: حلومكم حلوم الأطفال، و عقولكم عقول النساء.

قوله علیه السلام: «معرفة» یمكن أن یكون فعله محذوفا، أی: عرفتكم معرفة. «أعقب ذمّا» أی: ذمی أیاكم أو أیاها. و فی بعض النسخ «سدما» و هو بالتحریك الهم أو مع ندم أو غیظ. و «مقاتلة اللّٰه» كنایة عن اللعن و الإبعاد.

و «القیح»: الصدید بلا دم.

قوله علیه السلام: «و شحنتم» أی ملأتم. و «النغب»: جمع نغبة و هی الجرعة. و «التهمام» بفتح التاء: الهمّ. «أنفاسا» أی جرعة جرعة.

قوله علیه السلام: «للّٰه أبوهم» كلمة مدح، و لعلّها استعملت هنا للتعجب. و «المراس» بالكسر: العلاج. و الضمائر الثلاثة للحرب و هی مؤنّثة و قد

ص: 69

تذكر.

قوله علیه السلام: «ذرفت» بتشدید الراء أی: زدت.

«933»- (1) نَهْجٌ: وَ مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَیْهِ السَّلَامُ: أَیُّهَا النَّاسُ! الْمُجْتَمِعَةُ أَبْدَانُهُمْ، الْمُخْتَلِفَةُ أَهْوَاؤُهُمْ كَلَامُكُمْ یُوهِی الصُّمَّ الصِّلَابَ، وَ فِعْلُكُمْ یُطْمِعُ فِیكُمُ الْأَعْدَاءَ. تَقُولُونَ فِی الْمَجَالِسِ: كَیْتَ وَ كَیْتَ، فَإِذَا جَاءَ الْقِتَالُ قُلْتُمْ: حِیدِی حَیَادِ.

مَا عَزَّتْ دَعْوَةُ مَنْ دَعَاكُمْ، وَ لَا اسْتَرَاحَ قَلْبُ مَنْ قَاسَاكُمْ. أَعَالِیلُ بِأَضَالِیلَ دِفَاعَ ذِی الدَّیْنِ الْمَطُولِ. لَا یَمْنَعُ الضَّیْمَ الذَّلِیلُ، وَ لَا یُدْرَكُ الْحَقُّ إِلَّا بِالْجِدِّ.

أَیَّ دَارٍ بَعْدَ دَارِكُمْ تَمْنَعُونَ! وَ مَعَ أَیِّ إِمَامٍ بَعْدِی تُقَاتِلُونَ! الْمَغْرُورُ وَ اللَّهِ مَنْ غَرَرْتُمُوهُ وَ مَنْ فَازَ بِكُمْ [فَقَدْ] فَازَ [وَ اللَّهِ-] بِالسَّهْمِ الْأَخْیَبِ، وَ مَنْ رَمَی بِكُمْ فَقَدْ رَمَی بِأَفْوَقَ نَاصِلٍ.

أَصْبَحْتُ وَ اللَّهِ- لَا أُصَدِّقُ قَوْلَكُمْ، وَ لَا أَطْمَعُ فِی نَصْرِكُمْ، وَ لَا أُوعِدُ الْعَدُوَّ بِكُمْ.

مَا بَالُكُمْ؟ مَا دَوَاؤُكُمْ؟ مَا طِبُّكُمْ؟ الْقَوْمُ رِجَالٌ أَمْثَالُكُمْ. أَ قَوْلًا بِغَیْرِ عِلْمٍ؟

وَ غَفْلةً مِنْ غَیْرِ وَرَعٍ؟ وَ طَمَعاً فِی غَیْرِ حَقٍّ!.

«934»- (2) شَا: [وَ] مِنْ كَلَامِهِ عَلَیْهِ السَّلَامُ فِی اسْتِبْطَاءِ مَنْ قَعَدَ عَنْ نُصْرَتِهِ:

أَیُّهَا النَّاسُ الْمُجْتَمِعَةُ أَبْدَانُهُمْ [وَ سَاقَ الْخُطْبَةَ الشَّرِیفَةَ] إِلَی قَوْلِهِ وَ فِعْلُكُمْ

ص: 70


1- [933]- رَوَاهُ السَّیِّدُ الرَّضِیُّ رَفَعَ اللَّهُ مَقَامَهُ فِی الْمُخْتَارِ: (29) مِنْ كِتَابِ نَهْجِ الْبَلَاغَةِ.
2- [934]- رَوَاهُ الشَّیْخُ الْمُفِیدُ رَفَعَ اللَّهُ مَقَامَهُ فِی الْفَصْلِ (41) مِمَّا اخْتَارَ مِنْ كَلَامِ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ عَلَیْهِ السَّلَامُ فِی كِتَابِ الْإِرْشَادِ، ص 146.

یُطْمِعُ فِیكُمْ عَدُوَّكُمُ الْمُرْتَابَ».

[ثُمَّ سَاقَهَا] إِلَی قَوْلِهِ: «سَأَلْتُمُونِیَ التَّأْخِیرَ دِفَاعَ ذِی الدَّیْنِ».

[ثُمَّ سَاقَ الْكَلَامَ] إِلَی قَوْلِهِ: « [لَا] أَطْمَعُ فِی نُصْرَتِكُمْ فَرَّقَ اللَّهُ بَیْنِی وَ بَیْنَكُمْ، وَ أَبْدَلَنِی بِكُمْ مَنْ هُوَ خَیْرٌ لِی مِنْكُمْ.

وَ اللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ لِی بِكُلِّ عَشَرَةٍ مِنْكُمْ رَجُلًا مِنْ بَنِی فِرَاسِ بْنِ غَنْمٍ، صَرْفَ الدِّینَارِ بِالدِّرْهَمِ.

بیان: قال الشرّاح

لمّا سمع معاویة اختلاف النّاس علی علیّ علیه السلام، و تفرّقهم عنه، و قتله من قتل من الخوارج، بعث الضّحاك بن قیس فی أربعة آلاف و أوعز إلیه بالنّهب و الغارة، فأقبل [الضّحاك] یقتل و ینهب حتّی مرّ بالثّعلبیة و أغار علی الحاجّ، فأخذ أمتعتهم، و قتل عمرو بن عمیس بن مسعود صاحب رسول اللّٰه صلّی اللّٰه علیه و آله و سلّم، و قتل معه ناسا من أصحابه، فلمّا بلغ ذلك علیّا علیه السلام، استصرخ أصحابه و استشارهم إلی لقاء العدوّ، فتلكّئوا و رأی منهم فشلا، فخطبهم بهذه الخطبة.

و الوهی: الضّعف. و هی الحجر و السّقاء كوقی-: أی: انشقّ. و أوهاه:

شقّه. و الصمّ و الصلاب من أوصاف الحجارة. و الصّخرة الصّمّاء: التی لیس فیها صدع و لا خرق. و «كیت و كیت» كنایة عن القول.

قوله علیه السلام: «حیدی حیاد» قال ابن أبی الحدید: هی كلمة یقولها الهارب الفارّ، و هی نظیر قولهم: فیحی فیاح أی اتّسعی.

و قال ابن میثم: حیاد: اسم للغارة، و المعنی: اعدلی عنّا أیّتها الحرب.

و یحتمل أن یكون حیاد من أسماء الأفعال كنزال فیكون قد أمر بالتّنحّی مرّتین بلفظین مختلفین.

ص: 71

أقول: قسم السّیّد الرّضی رحمه اللّٰه صیغة «فعال» المبنیّ إلی أربعة أقسام، و عدّ منها ما كانت صفة للمؤنّث غیر لازمة للنداء، و عدّ من هذا القسم «حیاد و فیاح» و قال: [معنی] حیدی حیاد: أی ارجعی یا راجعة. و جعل حذف حرف النّداء عن «حیاد» و أمثالها دلیلا علی أنّها أعلام للأجناس، و حینئذ لا یكون «حیاد» اسما للغارة و لا بمعنی الأمر، و هی و أمثالها مبنیّة علی الكسر.

و العزّة: الغلبة و الشدّة و فی الإسناد إلی الدّعوة توسّع.

[قوله علیه السلام: ] «و لا استراح»: أی ما وجد الراحة. و «قاساه»:

كابده. و الباء فی قوله علیه السلام: «بأضالیل» متعلّقة ب «أعالیل»: أی یتعلّلون بالأضالیل الّتی لا جدوی لها.

و قال ابن میثم رحمه اللّٰه: «أعالیل و أضالیل»: جمع أعلال و أضلال، و هما جمع علّة اسم ما یتعلّل به من مرض و غیره. و ضلّة: اسم الضّلال و هو خبر مبتدإ محذوف، أی: إذا دعوتكم إلی القتال تعلّلتم، و هی أعالیل باطلة ضلّة عن سبیل اللّٰه.

قوله علیه السلام: «دفاع» قال ابن میثم: یحتمل أن یكون تشبیها لدفاعهم بدفاع ذی الدین المطول، فیكون منصوبا بحذف الجار.

و یحتمل أن یكون استعارة لدفاعهم لیكون مرفوعا.

و «المطول»: كثیر المطال، و هو تطویل الوعد و تسویفه. و «الضیم»:

الظلم.

قوله علیه السلام: «أیّ دار بعد داركم» أی: دار الإسلام أو العراق، أی:

إذا أخرجكم العدوّ عن دیاركم و مساكنكم فعن أیّ دار أو فی أیّ دار تمنعونهم؟

و فی بعض النسخ: «تمتّعون» علی التفعّل بحذف إحدی التاءین، أی:

بأیّ دار تنتفعون.

ص: 72

[قوله علیه السلام: ] «المغرور»: أی: الكامل الغرور. أو لیس المغرور إلّا من غرّرتموه. و التّعبیر عن الابتلاء بهم بالفوز علی التهكّم.

و قال ابن میثم: و «الأخیب»: أشدّ خیبة و هی الحرمان. و «السهم الأخیب»: الّتی لا غنم لها فی المیسر، كالثلاثة المسماة بالأوغاد، أو التی فیها غرم، كالّتی لم تخرج حتّی استوفیت أجزاء الجزور فحصل لصاحبها غرم و خیبة.

و یكون إطلاق الفوز علی حصولها مجازا من باب إطلاق أحد الضّدّین علی الآخر.

و «الأفوق»: السهم المكسور الفوق و هو موضع الوتر منه.

و «الناصل»: الذی لا نصل فیه. و الإیعاد و الوعید فی الشّر غالبا كالوعد و العدة فی الخیر. و عدم الإیعاد إمّا لعدم الطمع فی نصرهم، أو لعدم خوف العدوّ منهم.

و البال: الحال و الشأن.

قوله علیه السلام: «ما طبّكم»: أی ما علاجكم. و قیل: أی: ما عادتكم.

قوله علیه السّلام: «أ قولا بغیر علم»: نصب المصادر بالأفعال المقدّرة و قولهم بغیر علم [هو] قولهم: «إنّا نفعل بالخصوم كذا و كذا» مع أنّه لم یكن فی قلوبهم إرادة الحرب، أو دعواهم الإیمان و الطاعة مع عدم الإطاعة، فكأنّهم لا یذعنون بما یقولون.

و فی بعض النسخ: « [أ قولا] بغیر عمل» و هو أظهر. و «غفلة»: أی عمّا یصلحكم. «من غیر ورع» یحجزكم عن محارم اللّٰه و ینبّهكم عن الغفلة.

و فی بعض النسخ: «و عفّة من غیر ورع، و طمعا فی غیر حقّ» [و] لعلّه علیه السّلام كان علم أنّ سبب تسویف بعضهم، [هو] طمعهم فی أن یعطیهم زیادة علی ما یستحقّونه كما فعل معاویة و الخلفاء قبله.

ص: 73

«935»- (1) نَهْجٌ: [وَ] مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَیْهِ السَّلَامُ فِی اسْتِنْفَارِ النَّاسِ إِلَی أَهْلِ الشَّامِ: أُفٍّ لَكُمْ! لَقَدْ سَئِمْتُ عِتَابَكُمْ. أَ رَضِیتُمْ بِالْحَیَاةِ الدُّنْیَا مِنَ الْآخِرَةِ عِوَضاً وَ بِالذُّلِّ مِنَ الْعِزِّ خَلَفاً! إِذَا دَعَوْتُكُمْ إِلَی جِهَادِ عَدُوِّكُمْ دَارَتْ أَعْیُنُكُمْ؛ كَأَنَّكُمْ مِنَ الْمَوْتِ فِی غَمْرَةٍ، وَ مِنَ الذُّهُولِ فِی سَكْرَةٍ. یُرْتَجُ عَلَیْكُمْ حِوَارِی فَتَعْمَهُونَ؛ فَكَأَنَّ قُلُوبَكُمْ مَأْلُوسَةٌ، فَأَنْتُمْ لَا تَعْقِلُونَ. مَا أَنْتُمْ لِی بِثِقَةٍ سَجِیسَ اللَّیَالِی، وَ مَا أَنْتُمْ بِرُكْنٍ یُمَالُ بِكُمْ وَ لَا زَوَافِرُ عِزٍّ یُفْتَقَرُ إِلَیْكُمْ. مَا أَنْتُمْ إِلَّا كَإِبِلٍ ضَلَّ رُعَاتُهَا، فَكُلَّمَا جُمِعَتْ مِنْ جَانِبٍ انْتَشَرَتْ مِنْ آخَرَ.

لَبِئْسَ لَعَمْرُ اللَّهِ سُعْرُ نَارِ الْحَرْبِ أَنْتُمْ! تُكَادُونَ وَ لَا تَكِیدُونَ، وَ تُنْتَقَصُ أَطْرَافُكُمْ فَلَا تَمْتَعِضُونَ. لَا یُنَامُ عَنْكُمْ وَ أَنْتُمْ فِی غَفْلَةٍ سَاهُونَ [لَاهُونَ «خ»] غُلِبَ وَ اللَّهِ الْمُتَخَاذِلُونَ.

وَ ایْمُ اللَّهِ، إِنِّی لَأَظُنُّ بِكُمْ أَنْ لَوْ حَمِسَ الْوَغَی، وَ اسْتَحَرَّ الْمَوْتُ، قَدِ انْفَرَجْتُمْ عَنِ ابْنِ أَبِی طَالِبٍ انْفِرَاجَ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ.

وَ اللَّهِ إِنَّ امْرَأً یُمَكِّنُ عَدُوَّهُ مِنْ نَفْسِهِ، یَعْرُقُ لَحْمَهُ، وَ یَهْشِمُ عَظْمَهُ، وَ یَفْرِی جِلْدَهُ، لَعَظِیمٌ عَجْزُهُ، ضَعِیفٌ مَا ضُمَّتْ عَلَیْهِ جَوَانِحُ صَدْرِهِ، أَنْتَ فَكُنْ ذَاكَ إِنْ شِئْتَ، فَأَمَّا أَنَا فَوَ اللَّهِ دُونَ أَنْ أُعْطِیَ ذَلِكَ ضَرْبٌ بِالْمَشْرَفِیَّةِ یَطِیرُ مِنْهُ فَرَاشُ الْهَامِ، وَ تَطِیحُ السَّوَاعِدُ وَ الْأَقْدَامُ، وَ یَفْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ ما یَشاءُ أَیُّهَا النَّاسُ! إِنَّ لِی عَلَیْكُمْ حَقّاً، وَ لَكُمْ عَلَیَّ حَقٌّ.

فَأَمَّا حَقُّكُمْ [عَلَیَ] فَالنَّصِیحَةُ لَكُمْ، وَ تَوْفِیرُ فَیْئِكُمْ عَلَیْكُمْ، وَ تَعْلِیمُكُمْ كَیْلَا تَجْهَلُوا، وَ تَأْدِیبُكُمْ كَیْمَا تَعْلَمُوا [تعلموا «خ»].

وَ أَمَّا حَقِّی عَلَیْكُمْ، فَالْوَفَاءُ بِالْبَیْعَةِ، وَ النَّصِیحَةُ فِی الْمَشْهَدِ وَ الْمَغِیبِ، وَ الْإِجَابَةُ حِینَ أَدْعُوكُمْ، وَ الطَّاعَةُ حِینَ آمُرُكُمْ.

ص: 74


1- [935]- رَوَاهُ السَّیِّدُ الرَّضِیُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِی الْمُخْتَارِ: (34) مِنْ نَهْجِ الْبَلَاغَةِ.

بیان:

رُوِیَ أَنَّهُ عَلَیْهِ السَّلَامُ خَطَبَ بِهَذِهِ الْخُطْبَةِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ أَمْرِ الْخَوَارِجِ، بِالنَّهْرَوَانِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَی عَلَیْهِ وَ قَالَ:

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَی قَدْ أَحْسَنَ نَصْرَكُمْ، فَتَوَجَّهُوا مِنْ فَوْرِكُمْ هَذَا إِلَی عَدُوِّكُمْ مِنَ أَهْلِ الشَّامِ.

فَقَالُوا لَهُ: قَدْ نَفِدَتْ نِبَالُنَا، وَ كَلَّتْ سُیُوفُنَا، ارْجِعْ بِنَا إِلَی مِصْرِنَا لِنُصْلِحَ عُدَّتَنَا، وَ لَعَلَّ أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ یَزِیدُ فِی عَدَدِنَا مِثْلَ مَنْ هَلَكَ مِنَّا لِنَسْتَعِینَ بِهِ.

فَأَجَابَهُمْ: یا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِی كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَ لا تَرْتَدُّوا عَلی أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِینَ فَتَلَكَّئُوا عَلَیْهِ وَ قَالُوا:

إِنَّ الْبَرْدَ شَدِیدٌ. فَقَالَ [لَهُمْ]: إِنَّهُمْ یَجِدُونَ الْبَرْدَ كَمَا تَجِدُونَ، ثُمَّ تَلَا قَوْلَهُ تَعَالَی قالُوا یا مُوسی إِنَّ فِیها قَوْماً جَبَّارِینَ وَ إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِیها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ فَقَامَ نَاسٌ مِنْهُمْ وَ اعْتَذَرُوا بِكَثْرَةِ الْجِرَاحِ فِی النَّاسِ، وَ طَلَبُوا [مِنْهُ] أَنْ یَرْجِعَ بِهِمْ إِلَی الْكُوفَةِ أَیَّاماً ثُمَّ یَخْرُجُ [بِهِمْ .

فَرَجَعَ بِهِمْ غَیْرَ رَاضٍ [بِمَا اقْتَرَحُوا] وَ أَنْزَلَهُمُ النُّخَیْلَةَ، وَ أَمَرَهُمْ أَنْ یَلْزَمُوا مُعَسْكَرَهُمْ، وَ یُقِلُّوا زِیَارَةَ أَهْلِهِمْ، فَلَمْ یَقْبَلُوا وَ دَخَلُوا الْكُوفَةَ حَتَّی لَمْ یَبْقَ مَعَهُ إِلَّا قَلِیلٌ، فَلَمَّا رَأَی ذَلِكَ دَخَلَ الْكُوفَةَ فَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ:

أَیُّهَا النَّاسِ! اسْتَعِدُّوا لِقِتَالِ عَدُوٍّ فِی جِهَادِهِمُ الْقُرْبَةُ إِلَی اللَّهِ، وَ دَرْكُ الْوَسِیلَةِ عِنْدَهُ، قَوْمٍ حَیَارَی عَنِ الْحَقِّ لَا یُبْصِرُونَهُ، مُوزَعِینَ بِالْجَوْرِ وَ الظُّلْمِ لَا یَعْدِلُونَ بِهِ، وَ جُفَاةٍ عَنِ الْكِتَابِ، نُكُبٍ عَنِ الدِّینِ، یَعْمَهُونَ فِی الطُّغْیَانِ، وَ یَتَسَكَّعُونَ فِی غَمْرَةِ الضَّلَالَةِ، فَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَ مِنْ رِباطِ الْخَیْلِ،

ص: 75

وَ تَوَكَّلُوا عَلَی اللَّهِ وَ كَفی بِاللَّهِ وَكِیلًا فَتَرَكَهُمْ أَیَّاماً ثُمَّ خَطَبَهُمْ بِهَذِهِ الْخُطْبَةِ (1).

و «أفّ» بالضمّ و التّشدید و التّنوین: كلمة تضجّر و تكرّه، و لغاتها أربعون (2)، منها: كسر الفاء كما فی بعض النّسخ.

و [قوله علیه السلام: ] «عوضا» و «خلفا» نصبهما علی التّمیز. و دوران أعینهم: إمّا للخوف من العدوّ، أو للحیرة و التّردّد بین مخالفته علیه السلام و الإقدام علی الحرب، و فی كلیهما خطر عندهم.

و الغمرة: الشّدّة. و غمرات الموت: سكراته الّتی یغمر فیها العقل.

و السكر بالفتح-: ضدّ الصّحو، و الاسم بالضّمّ. و سكرة الموت: شدّته و غشیته. و فی الكلام إشارة إلی قوله تعالی: [فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَیْتَهُمْ] یَنْظُرُونَ إِلَیْكَ تَدُورُ أَعْیُنُهُمْ كَالَّذِی یُغْشی عَلَیْهِ مِنَ الْمَوْتِ «یرتج علیكم حواری»: أی یغلق علیكم محاورتی و مخاطبتی. و الألس:

الجنون و اختلاط العقل، یقال: ألس فهو مألوس.

[و] «سجیس اللّیالی»: كلمة یقال للأبد، تقول: لا أفعله سجیس اللیالی، أی: أبدا. [و] «یمال بكم»: أی یستند إلیكم و یمال بكم إلی العدوّ، أو الباء بمعنی إلی.

و زوافر الرجل: أنصاره و عشیرته. و زفرت الحمل: حملته. و [لفظة] «زوافر» فی أكثر النسخ بالجرّ عطفا علی المجرور. و فی بعضها بالنّصب عطفا علی الظّرف.

ص: 76


1- جمیع ما ذكره المصنّف هاهنا تقدّم بأسانید فی الحدیث: (756) و ما بعده فی ص 678 من ط الكمبانی.
2- و تفصیلها فی حرف الفاء من القاموس و تاج العروس. وهذه الأقوال كلها ذكرها كمال الدین البحرانی فی شرحه علی المختار: (٣٤) من كتاب نهج البلاغة: ج ٢ ص ٨٠ ط بیروت.

و الإبل: اسم للجمع. [و] «ضلّ رعاتها»: أی ضاع و فقد من یعلم حالها و الحیلة فی جمعها، أو لم یهتد من یرعاها إلی طریق جمعها.

«لبئس لعمر اللّٰه»: اللّام جواب القسم، و التكریر للتأكید، و العمر بالفتح-: العمر هو قسم ببقاء اللّٰه. و السعر اسم جمع لساعر، و إسعار النّار و سعرها: إیقادها.

و الامتعاض: الغضب. و «ایم» مخفّف أیمن. و هو جمع یمین، أی ایم اللّٰه قسمی. و «حمس» كفرح-: اشتدّ. و «الوغی» الأصوات و الجلبة، و منه قیل للحرب وغی. و «استحرّ الموت»: أی اشتدّ و كثر.

[قوله علیه السلام: ] «قد انفرجتم»: أی تفرّقتم. و انفراج الرأس مثل لشدّة التّفرّق.

قیل: أوّل من تكلم به أكثم بن ضیفی فی وصیّة له [لبنیه قال: ] یا بنیّ لا تنفرجوا عند الشدائد انفراج الرأس فإنّكم بعد ذلك لا تجتمعون علی عزّ.

و فی معناه أقوال:

الأوّل: قال ابن درید: معناه أنّ الرأس إذا انفرج عند البدن لا یعود إلیه.

الثانی: قال المفضل: الرأس اسم رجل تنسب إلیه قریة من قری الشّام یقال لها: بیت الرأس، و فیها تباع الخمر، و هذا الرجل قد انفرج عن قومه و مكانه فلم یعد فضرب به المثل.

الثالث: قال بعضهم: معناه أنّ الرأس إذا انفرج بعض عظامه عن بعض، كان بعیدا عن الالتئام و العود إلی الصحّة.

الرابع: قیل معناه: انفرجتم عنّی رأسا. و ردّ بأنّ «رأسا» لا یعرّف.

ص: 77

الخامس: قیل: المعنی انفراج رأس من أدنی رأسه إلی غیره ثمّ حرف رأسه عنه.

السادس: قیل: الرأس الرجل العزیز؛ لأنّ الأعزّاء لا یبالون بمفارقة أحد.

السابع: معناه انفراج المرأة عن رأس ولدها حالة الوضع، فإنّه فی غایة الشّدّة [و] نحوه قوله علیه السّلام: فی موضع آخر: «انفراج المرأة عن قبلها».

و بعده واضح.

و عرق اللّحم كنصر-: أكله و لم یبق منه علی العظم شیئا. و هشم العظم كضرب-: كسره. و فریت الشی ء: قطعته. و «الجوانح»: الأضلاع الّتی تحت التّرائب، و هی ممّا یلی الصدر كالضلوع ممّا یلی الظّهر. «و ما ضمّت علیه»: هو القلب. و المذكورات كنایات عن النهب و الأسر و الاستئصال و أنواع الضّرر.

قوله علیه السلام: «فكن ذاك إن شئت» قال ابن أبی الحدید: خاطب من یمكّن عدوّه من نفسه خطابا عاما،

لكن الرّوایة وردت بأنّه علیه السّلام خاطب بذلك الأشعث بن قیس، فإنّه قال لعلیّ علیه السلام حین [كان] یلوم الناس علی تقاعدهم [عنه] -: «هلّا فعلت فعل ابن عفّان!». فقال: «إنّ فعل ابن عفّان مخزاة علی من لا دین له و لا وثیقة معه، إنّ امرأ مكن عدوّه من نفسه، یهشم عظمه، و یفری جلده لضعیف رأیه، مأفون عقله، فكن ذاك إن أحببت.

فأمّا أنا فدون أن أعطی ذاك ضرب بالمشرفیّة».

إلی آخر الفصل. انتهی.

أقول: سیأتی تمام القول بروایة المفید.

[قوله علیه السلام: ] «فأمّا أنا فو اللّٰه»: الظاهر أنّ خبر «أنا» الجملة التی خبرها «دون»، و المبتدأ [هو قوله: ] «ضرب». و [قوله: ] «ذلك» إشارة إلی تمكین العدوّ، أو فعل ما فعله عثمان.

ص: 78

و المشرفیّة بفتح المیم و الراء: سیوف منسوبة إلی مشارف الیمن. و فراش الهام: العظام الرقیقة تلی القحف. و طاح یطیح أی: سقط. و أوزعه بالشّی ء:

أغراه. و سكع كمنع و فرح-: مشی مشیا متعسفا لا یدری أین یأخذ من بلاد اللّٰه و تحیّر كتسكّع.

[قوله علیه السلام: ] «كیلا تجهلوا»: أی [كی لا] تبقوا علی الجهالة.

[936- 937] (1)

نَهْجٌ: وَ مِنْ كَلَامٍ لَهُ عَلَیْهِ السَّلَامُ فِی ذَمِّ أَصْحَابِهِ:

كَمْ أُدَارِیكُمْ كَمَا تُدَارَی الْبِكَارُ الْعَمِدَةُ، وَ الثِّیَابُ الْمُتَدَاعِیَةُ، كُلَّمَا حِیصَتْ مِنْ جَانِبٍ، تَهَتَّكَتْ مِنْ أُخْرَی. أَ كُلَّمَا أَظَلَّ عَلَیْكُمْ مَنْسِرٌ مِنْ مَنَاسِرِ أَهْلِ الشَّامِ، أَغْلَقَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بَابَهُ، وَ انْجَحَرَ انْجِحَارَ الضَّبَّةِ فِی جُحْرِهَا، وَ الضَّبُعِ فِی وِجَارِهَا، الذَّلِیلُ وَ اللَّهِ مَنْ نَصَرْتُمُوهُ، وَ مَنْ رَمَی بِكُمْ فَقَدْ رَمَی بِأَفْوَقَ نَاصِلٍ.

إِنَّكُمْ وَ اللَّهِ لَكَثِیرٌ فِی الْبَاحَاتِ، قَلِیلٌ تَحْتَ الرَّایَاتِ. وَ إِنِّی لَعَالِمٌ بِمَا یُصْلِحُكُمْ وَ یُقِیمُ أَوَدَكُمْ، وَ لَكِنِّی لَا أَرَی إِصْلَاحَكُمْ بِإِفْسَادِ نَفْسِی، أَضْرَعَ اللَّهُ خُدُودَكُمْ، وَ أَتْعَسَ جُدُودَكُمْ، لَا تَعْرِفُونَ الْحَقَّ كَمَعْرِفَتِكُمُ الْبَاطِلَ، وَ لَا تُبْطِلُونَ الْبَاطِلَ كَإِبْطَالِكُمُ الْحَقَّ.

وَ قَالَ عَلَیْهِ السَّلَامُ فِی سُحْرَةِ الْیَوْمِ الَّذِی ضُرِبَ فِیهِ: مَلَكَتْنِی عَیْنِی وَ أَنَا جَالِسٌ، فَسَنَحَ لِی رَسُولُ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ فَقُلْتُ: یَا رَسُولَ اللَّهِ مَا ذَا لَقِیتُ مِنْ أُمَّتِكَ مِنَ الْأَوَدِ وَ اللَّدَدِ. فَقَالَ: «ادْعُ عَلَیْهِمْ». فَقُلْتُ: أَبْدَلَنِی اللَّهُ بِهِمْ خَیْراً لِی مِنْهُمْ، وَ أَبْدَلَهُمْ بِی شَرّاً لَهُمْ مِنِّی.

قال السیّد [الرضیّ] رضی اللّٰه عنه: یعنی علیه السلام ب «الأود»:

الاعوجاج، و ب «اللدد»: الخصام. و هذا من أفصح الكلام.

إیضاح: البكار بالكسر، جمع بكر بالفتح، و هو الفتی من الإبل.

ص: 79


1- [936- 937] رَوَاهُمَا الشَّرِیفُ الرَّضِیُّ فِی الْمُخْتَارِ: (66) وَ تَالِیهِ مِنْ كِتَابِ نَهْجِ الْبَلَاغَةِ.

و العمدة بكسر المیم من العمد [و هو]: الورم و الدبر. و قیل العمدة: الّتی كسرها ثقل حملها. و قیل: الّتی قد انشدخت أسنمتها من داخل و ظاهرها صحیح.

و الثّیاب المتداعیة: الخلقة التی تنخرق، فكأنّه یدعو الباقی إلی الانخراق.

و حاص الثّوب یحوصه حوصا: خاطه. و تهتّكت أی: تخرّقت. و «أظلّ علیكم»:

أی أقبل إلیكم و دنا منكم. و فی بعض النّسخ: « [أطلّ علیكم] » بالمهملة-:

أی أشرف.

و المنسر كمجلس و كمنبر-: القطعة من الجیش تمر قدّام الجیش الكثیر. و الجحر بالضمّ-: كلّ شی ء یحتفره السبّاع و الهوامّ لأنفسها. و جحر الضّبّ كمنع أی: دخله. و جحره غیره: أدخله فانجحر و تجحّر و كذلك أجحره. و الضّبع مؤنّثة و وجارها- بالكسر-: جحرها.

و الأفوق: المكسور الفوق و النّاصل: النزوع النصل. و الباحة: الساحة.

و الرایة العلم. و الأود بالتحریك-: العوج.

و المراد یصلحهم: إقامة مراسم السّیاسة [فیهم] من القتل و التعذیب و الحیل و التدابیر المخالفة لأمر اللّٰه تعالی.

و الضراعة: الذّلّ و الاستكانة. و التّعس: الهلاك و الانحطاط. و الجدّ:

البخت و الحظّ. و الغرض، الدعاء علیهم بالخزی و الخیبة.

قوله علیه السلام: «لا تعرفون الحقّ»: المراد بالحقّ؛ إمّا أوامر اللّٰه تعالی، أو أمور الآخرة. و بالباطل: زخارف الدّنیا. أو الحقّ متابعته علیه السّلام و نصره.

و الباطل: عصیانه و ترك نصرته. أو الحق: الدّلائل الدّالّة علی فرض طاعته، و الباطل: الشّبه الفاسدة، كشبهتهم فی خطر قتال أهل القبلة.

و [المراد ب] المعرفة: إمّا العلم أو العمل بما یقتضیه من نصرة الحقّ و إنكار المنكر. و السحرة بالضمّ-: السحر الأعلی. و ملك العین: كنایة عن غلبة النّوم. و «سنح لی»: أی رأیته فی المنام، أو مرّ بی معترضا.

ص: 80

و بناء التّفضیل فی [قوله علیه السلام: ] «شرا» علی اعتقاد القوم، فإنّهم لمّا لم یطیعوه حقّ الطاعة، فكأنّهم زعموا فیه شرا.

«938»- (1) نَهْجٌ: مِنْ كَلَامٍ لَهُ عَلَیْهِ السَّلَامُ: «وَ لَئِنْ أَمْهَلَ اللَّهُ الظَّالِمَ، فَلَنْ یَفُوتَ أَخْذُهُ، وَ هُوَ لَهُ بِالْمِرْصَادِ عَلَی مَجَازِ طَرِیقِهِ، وَ بِمَوْضِعِ الشَّجَا مِنْ مَسَاغِ رِیقِهِ.

أَمَا وَ الَّذِی نَفْسِی بِیَدِهِ، لَیَظْهَرَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ عَلَیْكُمْ، لَیْسَ لِأَنَّهُمْ أَوْلَی بِالْحَقِّ مِنْكُمْ، وَ لَكِنْ؛ لِإِسْرَاعِهِمْ إِلَی بَاطِلِ صَاحِبِهِمْ، وَ إِبْطَائِكُمْ عَنْ حَقِّی.

وَ لَقَدْ أَصْبَحَتِ الْأُمَمُ تَخَافُ ظُلْمَ رُعَاتِهَا، وَ أَصْبَحْتُ أَخَافُ ظُلْمَ رَعِیَّتِی.

اسْتَنْفَرْتُكُمْ لِلْجِهَادِ فَلَمْ تَنْفِرُوا، وَ أَسْمَعْتُكُمْ فَلَمْ تَسْمَعُوا، وَ دَعَوْتُكُمْ سِرّاً وَ جَهْراً فَلَمْ تَسْتَجِیبُوا، وَ نَصَحْتُ لَكُمْ فَلَمْ تَقْبَلُوا، أَ شُهُودٌ كَغُیَّابٍ! وَ عَبِیدٌ كَأَرْبَابٍ! أَتْلُو عَلَیْكُمُ الْحِكَمَ فَتَنْفِرُونَ مِنْهَا، وَ أَعِظُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ الْبَالِغَةِ فَتَتَفَرَّقُونَ عَنْهَا، وَ أَحُثُّكُمْ عَلَی جِهَادِ أَهْلِ الْبَغْیِ فَمَا آتِی عَلَی آخِرِ قَوْلِی حَتَّی أَرَاكُمْ مُتَفَرِّقِینَ أَیَادِیَ سَبَا، تَرْجِعُونَ إِلَی مَجَالِسِكُمْ وَ تَتَخَادَعُونَ عَنْ مَوَاعِظِكُمْ، أُقَوِّمُكُمْ غُدْوَةً وَ تَرْجِعُونَ إِلَیَّ عَشِیَّةً كَظَهْرِ الْحَنِیَّةِ [الْحَیَّةِ «خ»] عَجَزَ الْمُقَوِّمُ وَ أَعْضَلَ الْمُقَوَّمُ.

أَیُّهَا الشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُمْ، الْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ، الْمُخْتَلِفَةُ أَهْوَاؤُهُمْ، الْمُبْتَلَی بِهِمْ أُمَرَاؤُهُمْ! صَاحِبُكُمْ یُطِیعُ اللَّهَ وَ أَنْتُمْ تَعْصُونَهُ، وَ صَاحِبُ أَهْلِ الشَّامِ یَعْصِی اللَّهَ وَ هُمْ یُطِیعُونَهُ لَوَدِدْتُ وَ اللَّهِ أَنَّ مُعَاوِیَةَ صَارَفَنِی بِكُمْ صَرْفَ الدِّینَارِ بِالدِّرْهَمِ، فَأَخَذَ مِنِّی عَشَرَةً مِنْكُمْ وَ أَعْطَانِی رَجُلًا مِنْهُمْ.

یَا أَهْلَ الْكُوفَةِ، مُنِیتُ مِنْكُمْ بِثَلَاثٍ وَ اثْنَتَیْنِ: صُمٌّ ذَوُو أَسْمَاعٍ، وَ بُكْمٌ ذَوُو كَلَامٍ، وَ عُمْیٌ ذَوُو أَبْصَارٍ، لَا أَحْرَارُ صِدْقٍ عِنْدَ اللِّقَاءِ وَ لَا إِخْوَانُ ثِقَةٍ عِنْدَ الْبَلَاءِ.

تَرِبَتْ أَیْدِیكُمْ! یَا أَشْبَاهَ الْإِبِلِ غَابَ عَنْهَا رُعَاتُهَا! كُلَّمَا جُمِعَتْ مِنْ جَانِبٍ

ص: 81


1- [938]- رَوَاهُ السَّیِّدُ الرَّضِیُّ رَفَعَ اللَّهُ مَقَامَهُ فِی الْمُخْتَارِ: (95) مِنْ كِتَابِ نَهْجِ الْبَلَاغَةِ.

تَفَرَّقَتْ مِنْ جَانِبٍ [آخَرَ]، وَ اللَّهِ لَكَأَنِّی بِكُمْ فِیمَا إِخَالُ لَوْ حَمِسَ الْوَغَی، وَ حَمِیَ الضِّرَابُ قَدِ انْفَرَجْتُمْ عَنِ ابْنِ أَبِی طَالِبٍ انْفِرَاجَ الْمَرْأَةِ عَنْ قُبُلِهَا. وَ إِنِّی لَعَلَی بَیِّنَةٍ مِنْ رَبِّی، وَ مِنْهَاجٍ مِنْ نَبِیِّی، وَ إِنِّی لَعَلَی الطَّرِیقِ الْوَاضِحِ أَلْقُطُهُ لَقْطاً.

انْظُرُوا أَهْلَ بَیْتِ نَبِیِّكُمْ فَالْزَمُوا سَمْتَهُمْ، وَ اتَّبِعُوا أَثَرَهُمْ، فَلَنْ یُخْرِجُوكُمْ مِنْ هُدًی وَ لَنْ یُعِیدُوكُمْ فِی رَدًی، فَإِنْ لَبَدُوا فَالْبُدُوا، وَ إِنْ نَهَضُوا فَانْهَضُوا، وَ لَا تَسْبِقُوهُمْ فَتَضِلُّوا، وَ لَا تَتَأَخَّرُوا عَنْهُمْ فَتَهْلِكُوا.

لَقَدْ رَأَیْتُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ فَمَا أَرَی أَحَداً مِنْكُمْ یُشْبِهُهُمْ، لَقَدْ كَانُوا یُصْبِحُونَ شُعْثاً غُبْراً، [وَ] قَدْ بَاتُوا سُجَّداً وَ قِیَاماً، یُرَاوِحُونَ بَیْنَ جِبَاهِهِمْ وَ خُدُودِهِمْ، وَ یَقِفُونَ عَلَی مِثْلِ الْجَمْرِ مِنْ ذِكْرِ مَعَادِهِمْ، كَأَنَّ بَیْنَ أَعْیُنِهِمْ رُكَبَ الْمِعْزَی مِنْ طُولِ سُجُودِهِمْ، إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ هَمَلَتْ أَعْیُنُهُمْ حَتَّی تَبُلَّ جُیُوبَهُمْ، وَ مَادُوا كَمَا یَمِیدُ الشَّجَرُ یَوْمَ الرِّیحِ الْعَاصِفِ، خَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ، وَ رَجَاءَ الثَّوَابِ.

تبیان:

[قوله علیه السّلام]: «فلن یفوت»: المفعول محذوف أی: فلن یفوته.

و الأخذ: التّناول و العقوبة. و المرصاد: الطریق یرصد بها. و الشّجا: ما ینشب فی الحلق من عظم و غیره، و موضع الشجا هو الحلق. و مساغ ریقه: موضع إساغته.

و ساغ الشراب: سهل مدخله فی الحلق. و سغت الشراب یتعدّی و لا یتعدّی.

و هذا [الكلام منه علیه السلام] إمّا تهدید لأهل الشام أو لأصحابه، كما سیأتی من نسبة الظلم إلیهم.

و ظهر علیه: غلبه و راعی القوم: من ولی علیهم. و الاستنفار. الاستنجاد و الاستنصار أو طلب النفور و الإسراع إلی القتال.

قوله علیه السّلام: «و عبید كأرباب»: أی أخلاقكم أخلاق العبید من

ص: 82

الخلاف و النفاق و دناءة الأنفس، و فیكم مع ذلك كبر السّادات و تیههم و عدم إطاعتهم، أو حكمكم حكم العبید فی وجوب الإطاعة و تأبون عنها كالسّادة.

و هذا أنسب بالفقرة السابقة.

و «أیادی سبا»: مثل یضرب للمتفرّقین، و أصله قوله تعالی عن أهل سبإ:

«وَ مَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ» [١٩ / سبأ: ٣٤] و سبأ مهموز یصرف و لا یصرف، و یمدّ و لا یمدّ، و هو بلدة «بلقیس» و لقب ابن یشجب بن یعرب یقال: ذهبوا أیدی سبا و أیادی سبا الیاء ساكنة و كذلك الألف هكذا نقل المثل أی متفرّقین، و هما اسمان جعلا واحدا، مثل معدیكرب ضرب المثل بهم لأنّهم لمّا غرق مكانهم و ذهبت جنّاتهم تبدّدوا فی البلاد، و لهم قصّة غریبة مذكورة فی كتب الأمثال.

قوله علیه السّلام: «و تتخادعون» المخادعة: هی الاستغفال عن المصلحة، أی إذا رجعتم عن مجلس الوعظ أخذ كلّ منكم یستغفل صاحبه و یشغله بالأحادیث، و إن لم یكن عن قصد خداع بل یقع منهم صورة المخادعة.

كذا ذكره ابن میثم.

و قال ابن أبی الحدید: تتخادعون عن مواعظكم أی تمسكون عن الاتّعاظ من قولهم: كان فلان یعطی ثمّ خدع أی أمسك و أقلع. و یجوز أن یرید تتلوّنون و تختلفون فی قبول الوعظ من قولهم: خلق فلان خلق خادع أی:

متلوّن. و سوق خادعة أی: متلوّنة مختلفة.

و لا یجوز أن یراد المعنی المشهور منها، لأنّه إنّما یقال: فلان یتخادع فلانا إذا كان یرید أن ینخدع له و لیس بمنخدع فی الحقیقة، و هذا لا یناسب المقام.

و الحنیّة علی فعلیة: القوس، أی ترجعون [إلیّ] معوجّا كاعوجاج ظهر القوس و أعضل و أشكل، و كأنّ غیبة عقولهم كنایة عن تركهم العمل بما تقتضیه، أو عن ذهابها.

قوله علیه السلام: «منیت»: أی ابتلیت. و إنّما لم یجمع الخمس لكون

ص: 83

الثلاث من جنس، و الاثنتین من [جنس] آخر أو لأنّ الثلاث إیجابیّة دون الاثنتین.

و الحرّ: خلاف العبد و الخیار من كلّ شی ء. و اللقاء: ملاقات الأحباب أو العدوّ.

و قوله [علیه السلام: ] «تربت أیدیكم»: كلمة یدعی علی الإنسان بها:

أی لا أصبتم خیرا. و أصل «ترب»: أصابه التراب، فكأنّه یدعی علیه بأن یفتقر.

و قال [ابن الأثیر] فی [مادة «ترب» من كتاب] النهایة: هذه الكلمة جاریة علی ألسنة العرب لا یریدون بها الدعاء علی المخاطب، و لا وقوع الأمر بها، كما یقولون: قاتله اللّٰه. و قیل: معنی للّٰه درّك. قال: و كثیرا ترد للعرب ألفاظ ظاهرها الذمّ و إنّما یریدون بها المدح، كقولهم: لا أب لك، و لا أمّ لك. و هوت أمّه. و لا أرض لك. و نحو ذلك.

و قال المطرّزی فی قولهم: «كأنّی بك تنحط» الأصل: كأنّی أبصرك تنحط ثمّ حذف الفعل و زیدت الباء. و یحتمل أن یكون الباء متعلّقا بملتصق و نحوه، نحو «به داء» أو بمعنی فی.

و خال الشی ء: یخاله أی ظنّه. و تقول: خلت إخال بالكسر و بالفتح، لغة بنی أسد كما فی النسخ، و «ما» مصدریّة، أی: فی ظنّی. و حمس كفرح أی:

اشتدّ. و حمی كرضی-: اشتدّ حرّه.

و انفرجتم: تفرّقتم. قال ابن میثم: شبّه انفراجهم عنه بانفراج المرأة عن قبلها لیرجعوا إلی الأنفة، و تسلیم المرأة قبلها و انفراجها عنه إمّا وقت الولادة، أو وقت الطّعان.

قوله [علیه السّلام] «ألقطه»: كأنّه إشارة إلی أنّ الضّلال غالب علی الهدی، فیحتاج السالك إلی التقاط طریق الهدی من بین طرق الضّلالة (1).

و فی

ص: 84


1- بل الظاهر أنّ الكلام إشارة إلی أنّ طلب استنفار الناس و بعثهم إیّاهم إلی قتال المبطلین لیس رأیا مشوبا بفكره الفردی بل هو مأخوذ و ملتقط من صمیم حكم القرآن و صریح القرآن و صریح بیان رسول اللّٰه صلّی اللّٰه علیه و آله له و أنّه أخذ الحكم من النبیّ كالتقاط الفرخ من أمّه.

بعض النسخ: «ألفظه لفظا»: أی أبیّنه بیانا. و السمت: الجهة و الطریق و هیئة أهل الخیر.

«فإن لبدوا»: أی قعدوا عن طلب الخلافة و الجهاد و لزموا البیوت فتابعوهم، و إن قاموا بها فانصروهم، یقال: لبد الشی ء بالأرض كنصر أی:

التصق بها. [و قوله علیه السّلام]: «و لا تسبقوهم»: أی ما لم یأمروكم به. «و لا تتأخّروا عنهم»: أی لا تخالفوهم فیما یأمرونكم به.

[قوله علیه السلام: ] «یراوحون»: أی یسجدون بالجبهة مرّة و بالخدود أخری، و وقوفهم علی مثل الجمر- [و هو] جمع جمرة و هی النار المتّقدة: كنایة عن قلقهم و اضطرابهم من خوف المعاد. و «المعزی» بالكسر: خلاف الضأن كالمعز. و المراد ب «بین أعینهم»: جباههم مجازا. [و] «هملت» أی: سالت.

و «مادوا» أی تحرّكوا و اضطربوا.

«939»- (1) نَهْجٌ: وَ مِنْ كَلَامٍ لَهُ عَلَیْهِ السَّلَامُ فِی ذَمِّ [الْعُصَاةِ مِنْ] أَصْحَابِهِ:

أَحْمَدُ اللَّهَ عَلَی مَا قَضَی مِنْ أَمْرٍ، وَ قَدَّرَ مِنْ فِعْلٍ، وَ عَلَی ابْتِلَائِی بِكُمْ أَیَّتُهَا الْفِرْقَةُ الَّتِی إِذَا أَمَرْتُ لَمْ تُطِعْ، وَ إِذَا دَعَوْتُ لَمْ تُجِبْ، إِنْ أُمْهِلْتُمْ [أُهْمِلْتُمْ] خُضْتُمْ، وَ إِنْ حُورِبْتُمْ خُرْتُمْ، وَ إِنِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَی إِمَامٍ طَعَنْتُمْ، وَ إِنْ أُجِبْتُمْ [أُجِئْتُمْ «خ ل»] إِلَی مُشَاقَّةٍ نَكَصْتُمْ، لَا أَبَا لِغَیْرِكُمْ! مَا تَنْتَظِرُونَ بِنَصْرِكُمْ، وَ الْجِهَادِ عَلَی حَقِّكُمْ! الْمَوْتَ أَوِ الذُّلَّ لَكُمْ! فَوَ اللَّهِ لَئِنْ جَاءَ یَومِی وَ لَیَأْتِیَنِّی لَیُفَرِّقَنَّ بَیْنِی وَ بَیْنَكُمْ، وَ أَنَا لِصُحْبَتِكُمْ قَالٍ، وَ بِكُمْ غَیْرُ كَثِیرٍ.

ص: 85


1- [939]- رَوَاهُ السَّیِّدُ الرَّضِیُّ رَفَعَ اللَّهُ مَقَامَهُ فِی الْمُخْتَارِ: (178) مِنْ كِتَابِ نَهْجِ الْبَلَاغَةِ.

لِلَّهِ أَنْتُمْ! أَ مَا دِینٌ یَجْمَعُكُمْ، وَ لَا مَحْمِیَةٌ تَشْحَذُكُمْ! أَ وَ لَیْسَ عَجَباً أَنَّ مُعَاوِیَةَ یَدْعُو الْجُفَاةَ الطَّغَامَ فَیَتَّبِعُونَهُ عَلَی غَیْرِ مَعُونَةٍ وَ لَا عَطَاءٍ، وَ أَنَا أَدْعُوكُمْ وَ أَنْتُمْ تَرِیكَةُ الْإِسْلَامِ وَ بَقِیَّةُ النَّاسِ إِلَی الْمَعُونَةِ أَوْ طَائِفَةٍ مِنَ الْعَطَاءِ، فَتَفَرَّقُونَ عَنِّی وَ تَخْتَلِفُونَ عَلَیَّ! إِنَّهُ لَا یَخْرُجُ إِلَیْكُمْ مِنْ أَمْرِی رِضًی فَتُرْضُونَهُ، وَ لَا سُخْطٌ فَتَجْتَمِعُونَ عَلَیْهِ، وَ إِنَّ أَحَبَّ مَا أَنَا لَاقٍ إِلَیَّ الْمَوْتُ.

قَدْ دَارَسْتُكُمُ الْكِتَابَ، وَ فَاتَحْتُكُمُ الْحِجَاجَ، وَ عَرَّفْتُكُمْ مَا أَنْكَرْتُمْ، وَ سَوَّغْتُكُمْ مَا مَجَجْتُمْ، لَوْ كَانَ الْأَعْمَی یَلْحَظُ، أَوِ النَّائِمُ یَسْتَیْقِظُ! وَ أَقْرِبْ بِقَوْمٍ مِنَ الْجَهْلِ بِاللَّهِ قَائِدُهُمْ مُعَاوِیَةُ، وَ مُؤَدِّبُهُمُ ابْنُ النَّابِغَةِ!.

توضیح: [قوله علیه السّلام: ] «علی ما قضی من أمر» قیل: الأمر أعمّ من أن یكون فعلا، و لمّا كان القدر هو تفصیل القضاء و إیجاد الأشیاء علی وفقه، قال: «و قدّر من فعل». و الابتلاء: الامتحان. و أمهله أی رفق به و أخّره.

و فی بعض النسخ: « [إن] أهملتم» أی تركتم، «خضتم»: أی فی الضلالة و الأهواء الباطلة. [و] «خرتم» بالخاء من الخور: بمعنی الضّعف. أو من خوار الثّور بمعنی الصیاح. و یروی [ «جرتم»] بالجیم، أی: عدلتم عن الحقّ أو عن الحرب فرارا.

قوله علیه السّلام: «أجئتم»: قال ابن أبی الحدید: بالهمزة الساكنة بعد الجیم المكسورة، أی: ألجئتم قال تعالی: «فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ» و فی بعض النسخ:

«أجبتم» علی بناء المعلوم بالباء.

و المشاقّة: المقاطعة و المصارمة. و النكوص: الرجوع إلی ما وراء.

قوله علیه السلام: «لا أبا لغیركم» قال ابن میثم: أصله لا أب و الألف مزیدة، إمّا لاستثقال توالی أربع حركات، أو لأنّهم قصدوا الإضافة و أتوا باللّام للتأكید. و فی الدعاء بالذلّ لغیرهم نوع تلطّف لهم.

ص: 86

قوله علیه السّلام: «الموت أو الذّلّ»: فی أكثر النّسخ برفعهما، و فی بعضها بالنصب. قال ابن أبی الحدید: [و هذا] دعاء علیهم بأن یصیبهم أحد الأمرین، كأنّه شرع داعیا علیهم بالفناء الكلّی و هو الموت، ثمّ استدرك فقال: أو الذلّ؛ لأنّه نظیر الموت، و لقد أجیب دعاؤه بالدعوة الثّانیة، فإنّ شیعته ذلّوا بعده فی الأیّام الأمویة.

أقول: هذا علی الرفع ظاهر، و أمّا علی النّصب فیحتمل الدعاء أیضا بتقدیر أرجو أو أطلب، و یحتمل الاستفهام، أی: أ تنتظرون الموت؟! و قیل: (1) فی قوله علیه السلام: «و لیأتینّی»: حشوة لطیفة بین الكلام؛ لأنّ لفظة «إن» أكثر ما تستعمل لما لا یعلم حصوله، فأتی بعدها بما یردّ ما تقتضیه من الشكّ فی إتیان الموت، و أشعر بأنّ الموضع موضع «إذا». و القالی: المبغض.

قوله علیه السّلام: «غیر كثیر»: أی لستم سبب كثرة أعوانی.

و [قوله علیه السلام] «للّٰه أنتم»: من قبیل للّٰه أبوك، و لعلّه هنا للتعجّب علی سبیل الذمّ، و یحتمل المدح تلطّفا.

و ارتفاع قوله: «دین» بفعل مقدّر یفسّرها الفعل المذكور بعده. و شحذت النصل: حددته. و الطغام: أراذل الناس الواحد و الجمع سواء.

و معونة الجند: شی ء یسیر من المال یعطیهم الوالی لترمیم أسلحتهم و إصلاح دوابّهم سوی العطاء المفروض فی كلّ شهر كما قیل (2).

و منشأ تعجبه علیه السلام أمور:

أحدها: أنّ الداعی لهم معاویة، و لهؤلاء أمیر المؤمنین، و كیف یساوی

ص: 87


1- القائل فی الموردین هو كمال الدین ابن میثم البحرانیّ فی شرحه علی الكلام من شرح نهج البلاغة: ج 3 ص 376- 377 ط بیروت.
2- القائل فی الموردین هو كمال الدین ابن میثم البحرانیّ فی شرحه علی الكلام من شرح نهج البلاغة: ج 3 ص 376- 377 ط بیروت.

عاقل بینهما؟

و ثانیها: أنّ المدعوّ هناك، الجفاة الطغام مع خلوّهم غالبا عن الحمیّة و المروءة، و هاهنا أصحابه الذین هم تریكة الإسلام.

و ثالثها: أنّ أصحاب معاویة یتّبعونه علی غیر معونة و لا عطاء، و أصحابه علیه السلام لا یجیبونه إلی المعونة و العطاء، فإنّ معاویة إنّما كان یعطی رؤساء القبائل الأموال الجلیلة، و لا یعطی الجند علی وجه العطاء و المعونة شیئا، و هم كانوا یطیعون الرؤساء للحمیّة أو العطایا من هؤلاء لهم.

و التریكة: بیضة النعامة تتركها فی مجثمها، أی: أنتم خلف الإسلام و بقیّته، كالبیضة التی تتركها النّعامة.

و قوله [علیه السّلام] «إلی المعونة» متعلّق ب [قوله: ] «أدعوكم» ..

قوله علیه السلام: «لا یخرج إلیكم» أی: إنكم لا تقبلون مما أقول لكم شیئا، سواء كان مما یرضیكم أو مما یسخطكم. «و إلی» متعلّق بقوله: «أحبّ».

و درس الكتاب: كنصر و ضرب أی قرأ فقوله: «دارستكم الكتاب»: أی قرأته علیكم للتعلیم، و قرأتم علیّ للتعلّم.

قوله علیه السّلام: «و فاتحتكم»: أی حاكمتكم بالمحاجّة و المجادلة. و ساغ الشّراب فی الحلق أی: دخل بسهولة. و مججته من فمی: أی رمیت به أی بینت لكم الأمور الدینیّة ما كنتم تنكرونه بآرائكم، و أعطیتكم من العطایا ما كنتم محرومین منها.

و كلمة «لو» فی قوله علیه السلام: «لو كان»: للتمنّی أو الجزاء محذوف.

و قوله علیه السلام: «و أقرب بقوم» بصیغة التعجّب، أی ما أقربهم إلی الجهل. و قوله علیه السلام: «قائدهم معاویة»: صفة لقوم، فصل بین الصفة و الموصوف بالجار و المجرور، و هو مجوّز. و ورد مثله فی الكلام المجید.

ص: 88

«940»- (1) نَهْجٌ: مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَیْهِ السَّلَامُ: عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّكُمْ وَ مَا تَأْمُلُونَ مِنْ هَذِهِ الدُّنْیَا أَثْوِیَاءُ مُؤَجَّلُونَ، وَ مَدِینُونَ مُقْتَضَوْنَ، أَجَلٌ مَنْقُوصٌ، وَ عَمَلٌ مَحْفُوظٌ، فَرُبَّ دَائِبٍ مُضَیَّعٌ وَ رُبَّ كَادِحٍ خَاسِرٌ.

وَ قَدْ أَصْبَحْتُمْ فِی زَمَنٍ لَا یَزْدَادُ الْخَیْرُ فِیهِ إِلَّا إِدْبَاراً، وَ الشَّرُّ فِیهِ إِلَّا إِقْبَالًا، وَ الشَّیْطَانُ فِی هَلَاكِ النَّاسِ إِلَّا طَمَعاً، فَهَذَا أَوَانٌ قَوِیَتْ عُدَّتُهُ، وَ عَمَّتْ مَكِیدَتُهُ، وَ أَمْكَنَتْ فَرِیسَتُهُ.

اضْرِبْ بِطَرْفِكَ حَیْثُ شِئْتَ مِنَ النَّاسِ، فَهَلْ تُبْصِرُ إِلَّا فَقِیراً یُكَابِدُ فَقْراً، أَوْ غَنِیّاً بَدَّلَ نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً، أَوْ بَخِیلًا اتَّخَذَ الْبُخْلَ بِحَقِّ اللَّهِ وَفْراً، أَوْ مُتَمَرِّداً كَأَنَّ بِأُذُنِهِ عَنْ سَمْعِ الْمَوَاعِظِ وَقْراً! أَیْنَ خِیَارُكُمْ وَ صُلَحَاؤُكُمْ وَ أَیْنَ أَحْرَارُكُمْ وَ سُمَحَاؤُكُمْ؟ وَ أَیْنَ الْمُتَوَرِّعُونَ فِی مَكَاسِبِهِمْ، وَ الْمُتَنَزِّهُونَ فِی مَذَاهِبِهِمْ؟ أَ لَیْسَ قَدْ ظَعَنُوا جَمِیعاً عَنْ هَذِهِ الدُّنْیَا الدَّنِیَّةِ وَ الْعَاجِلَةِ الْمُنَغِّصَةِ؟ وَ هَلْ خُلِّفْتُمْ إِلَّا فِی حُثَالَةٍ لَا تَلْتَقِی بِذَمِّهِمُ الشَّفَتَانِ اسْتِصْغَاراً لِقَدْرِهِمْ، وَ ذَهَاباً عَنْ ذِكْرِهِمْ! فَ إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَیْهِ راجِعُونَ ظَهَرَ الْفَسَادُ فَلَا مُنْكِرٌ مُغَیِّرٌ، وَ لَا زَاجِرٌ مُزْدَجِرٌ.

أَ فَبِهَذَا تُرِیدُونَ أَنْ تُجَاوِرُوا اللَّهَ فِی دَارِ قُدْسِهِ، وَ تَكُونُوا أَعَزَّ أَوْلِیَائِهِ عِنْدَهُ؟! هَیْهَاتَ! لَا یُخْدَعُ اللَّهُ عَنْ جَنَّتِهِ، وَ لَا تُنَالُ مَرْضَاتُهُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ.

لَعَنَ اللَّهُ الْآمِرِینَ بِالْمَعْرُوفِ التَّارِكِینَ لَهُ، وَ النَّاهِینَ عَنِ الْمُنْكَرِ الْعَامِلِینَ بِهِ.

بیان: الأثویاء: جمع ثوی و هو الضّیف. [و] «مؤجّلون»: أی مؤخّرون إلی وقت معلوم. و «المدین»: المدیون. و «المقتضون». جمع مقتضی علی بناء المفعول.

ص: 89


1- [940]- رَوَاهُ الشَّرِیفُ الرَّضِیُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِی الْمُخْتَارِ: (127) مِنْ كِتَابِ نَهْجِ الْبَلَاغَةِ.

[قوله علیه السلام: ] «أجل منقوص»: أی أجلكم أجل منقوص یوما بعد یوم، و لحظة فلحظة، و عملكم عمل محفوظ عند اللّٰه.

و الدائب: المجتهد ذو الجدّ و التعب. و «الكادح»: الساعی. و «أمكنت»:

أی أمكنته، یقال: أمكننی الأمر أی سهل و تیسّر. و كابده مكابدة: أی قاساه و تحمّل المشاقّ فیه.

و ذكره فی هذا المقام، إمّا لأنّ الغرض بیان ما سبق من إدبار الخیر و إقبال الشرّ و عموم الضلال و مقاساة الفقراء بیان للأولین، فالخیر و الشرّ یعمّان الدنیویّین و الأخرویّین. و إمّا لأنّ شیوع الفقر لمنع الحقوق الواجبة، أو المراد بمكابدة الفقر ترك الصبر علیه و هو أیضا من المنكرات.

[قوله علیه السلام: ] «بدّل نعمة اللّٰه»: أی الغنی. أو ولایته علیه السلام.

و التخصیص لشدّة إنكارهم لقوتهم أو الأعمّ. و الوفر: المال الكثیر.

و قوله [علیه السلام]: «بحقّ اللّٰه» متعلّق ب [قوله: ] «البخل» أی یعدّ بخله بحقّ اللّٰه توفیر المال و الزیادة فیه. و الوقر: ثقل الأذن.

«أین أحراركم»: أی الّذین أعتقوا من رقّ الشهوات. و التورّع. مبالغة فی الورع. و التّنزّه: التباعد عن القبیح. و ظعن كمنع أی سار و ارتحل.

و أنغص اللّٰه علیه العیش و نغّصه: كدّره و الحثالة: الرّدی ء من كل شی ء.

[قوله علیه السّلام]: «لا تلتقی بذمّهم»: أی إنّهم أحقر من أن یشتغل الإنسان بذمّهم؛ لأنّه لا بدّ من الذمّ من إطباق إحدی الشّفتین علی الأخری و «ذهابا» أی ترفّعا یقال: فلان ذهب بنفسه عن كذا، أی رفعها عنه.

«و لا زاجر مزدجر»: أی من یزجر غیره عن القبائح و تمتنع نفسه أیضا عنها.

[قوله] «فی دار قدسه» أی الجنّة؛ لأنّ أهلها یقدّسونه تعالی و هم منزّهون

ص: 90

عن العیوب. و مجاورة اللّٰه: سكون تلك الدّار المنسوبة إلیه سبحانه تشریفا.

و قربه: مجاورة رحمته.

«هیهات»: أی بعد ما تریدون. «لا یخدع اللّٰه عن جنّته» أی: لا یمكن أخذها منه تعالی بالخدیعة. و المرضاة: الرّضا.

و آخر الكلام یدلّ علی اشتراط الأمر بالمعروف و النّهی عن المنكر بالعمل بهما، و سیأتی الكلام فیه فی محلّه إن شاء اللّٰه. و لعلّ غرضه علیه السّلام التّعریض بالسابقین الغاصبین.

«941»- (1) نَهْجٌ: [وَ] مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَیْهِ السَّلَامُ: أَرْسَلَهُ دَاعِیاً إِلَی الْحَقِّ، وَ شَاهِداً عَلَی الْخَلْقِ فَبَلَّغَ رِسَالاتِ رَبِّهِ غَیْرَ وَانٍ وَ لَا مُقَصِّرٍ، وَ جَاهَدَ فِی اللَّهِ أَعْدَاءَهُ غَیْرَ وَاهِنٍ وَ لَا مُعَذِّرٍ، [فَهُوَ] إِمَامُ مَنِ اتَّقَی، وَ بَصَرُ مَنِ اهْتَدَی.

[وَ] مِنْهَا:

وَ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ مِمَّا طُوِیَ عَنْكُمْ غَیْبُهُ، إِذاً لَخَرَجْتُمْ إِلَی الصُّعُدَاتِ تَبْكُونَ عَلَی أَعْمَالِكُمْ، وَ تَلْتَدِمُونَ عَلَی أَنْفُسِكُمْ، وَ لَتَرَكْتُمْ أَمْوَالَكُمْ لَا حَارِسَ لَهَا وَ لَا خَالِفَ عَلَیْهَا وَ لَهَمَّتْ كُلَّ امْرِئٍ مِنْكُمْ نَفْسُهُ لَا یَلْتَفِتُ إِلَی غَیْرِهَا. وَ لَكِنَّكُمْ نَسِیتُمْ مَا ذُكِّرْتُمْ، وَ أَمِنْتُمْ مَا حُذِّرْتُمْ، فَتَاهَ عَنْكُمْ رَأْیُكُمْ وَ تَشَتَّتَ عَلَیْكُمْ أَمْرُكُمْ.

لَوَدِدْتُ أَنَّ اللَّهَ فَرَّقَ بَیْنِی وَ بَیْنَكُمْ، وَ أَلْحَقَنِی بِمَنْ هُوَ أَحَقُّ بِی مِنْكُمْ، قَوْمٌ وَ اللَّهِ مَیَامِینُ الرَّأْیِ، مَرَاجِیحُ الْحِلْمِ، مَقَاوِیلُ بِالْحَقِّ، مَتَارِیكُ لِلْبَغْیِ مَضَوْا قُدُماً عَلَی الطَّرِیقَةِ، وَ أَوْجَفُوا عَلَی الْمَحَجَّةِ، فَظَفِرُوا بِالْعُقْبَی الدَّائِمَةِ وَ الْكَرَامَةِ الْبَارِدَةِ.

أَمَا وَ اللَّهِ لَیُسَلَّطَنَّ عَلَیْكُمْ غُلَامُ ثَقِیفٍ، الذَّیَّالُ الْمَیَّالُ، یَأْكُلُ خَضِرَتَكُمْ، وَ یُذِیبُ شَحْمَتَكُمْ، إِیهٍ أَبَا وَذَحَةَ!.

ص: 91


1- [941]- رَوَاهُ الشَّرِیفُ الرَّضِیُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِی الْمُخْتَارِ: (114) مِنْ كِتَابِ نَهْجِ الْبَلَاغَةِ.

قال السّیّد رحمه اللّٰه: الوذحة: الخنفساء، و هذا القول یومئ به إلی الحجاج و له مع الوذحة حدیث لیس هذا موضع ذكره.

توضیح: الوانی: الفاتر الكال. و الواهن: الضّعیف. و المعذّر: الذی یعتذر من تقصیره من غیر عذر كما قال تعالی: «وَ جاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ» [90 التّوبة: 9].

[قوله علیه السلام: ] «مما طوی عنكم» أی كتم و أخفی. و قال [ابن الأثیر] فی [مادّة «صعد» من كتاب] النهایة: [و] فیه: «إیّاكم و القعود بالصعدات»: هی الطرق، و هی جمع صعد و صعد: جمع صعید كطریق و طرق و طرقات.

و قیل: جمع صعدة كظلمة، و هی فناء باب الدّار و ممّر النّاس بین یدیه. و منه الحدیث: «و لخرجتم إلی الصّعدات تجأرون إلی اللّٰه».

و قال ابن أبی الحدید: الصعید: التراب. و یقال وجه الأرض. و الجمع:

صعد و صعدات.

و [قال الفیروزآبادی] فی القاموس: الصعید: التراب أو وجه الأرض، و الجمع: صعد و صعدات، و الطریق، و منه: «إیّاكم و القعود بالصّعدات». و القبر.

انتهی.

فالمعنی: خرجتم عن البیوت و تركتم الاستراحة و الجلوس علی الفرش، للقلق و الانزعاج، و جلستم فی الطّریق أو علی التراب أو لازمتم القبور.

و الالتدام: ضرب النّساء وجوههنّ فی النّیاحة.

قوله علیه السلام: «و لا خالف»: أی و لا مستخلف علیها.

قوله علیه السلام: «و لهمّت» قال ابن أبی الحدید: أی أذابته و أنحلته من [قولهم: ] هممت الشحم: أی أذبته.

ص: 92

و یروی «و لأهمّت» و هو أصحّ من [قولهم: ] أهمّنی الأمر: أی أحزننی.

و فیه نظر: لأنّ «همّ» أیضا یكون بمعنی «أهمّ». قال [الفیروزآبادی] فی القاموس: همّه الأمر همّا: حزنه، كأهمّه فاهتمّ انتهی. و [كلمة] «كلّ» منصوب علی المفعولیة و الفاعل [لفظة]: «نفسه». و یقال: تاه فلان یتیه، إذا تحیّر و ضلّ.

و تاه یتوه أی هلك و اضطرب عقله. و تشتّت: أی تفرّق.

و المراد بمن هو أحقّ به علیه السّلام [هو] رسول اللّٰه صلّی اللّٰه علیه و آله، و حمزة و جعفر، و من لم یفارق الحق من الصحابة.

و المراجیح: الحكماء. و قال الجوهری: راجحته فرجحته: أی كنت أرزن منه، و منه قوم مراجیح الحلم. انتهی.

و المقاویل: جمع مقوال: أی حسن القول أو كثیره. و المتاریك: جمع متراك أی كثیر الترك.

قوله علیه السلام: «مضوا قدما» بالضمّ و بضمّتین: أی متقدّمین لا ینثنون. و «أوجفوا»: أی أسرعوا. و «الكرامة الباردة»: [هی] الّتی لیس فیها حرّ تعب، و لا مشقّة حرب.

و «الذّیال»: هو الذی یجرّ ذیله علی الأرض تبخترا، یقال: ذال فلان و تذیّل: أی تبختر. و «المیّال»: الظّالم.

قوله علیه السلام: «یأكل خضرتكم»: أی یستأصل أموالكم.

و «الخضرة» بفتح الخاء و كسر الضاد: الزرع و البقلة الخضراء و الغصن. و إذابة الشحمة مثله كما قیل: و المراد تعذیب الأبدان.

قوله علیه السّلام: «إیه أبا وذحة»: إیه: كلمة استزادة أی زد و هات.

و قال ابن أبی الحدید فی قول السیّد «الوذحة الخنفساء»:

ص: 93

أقول: لم أسمع هذا من شیخ من أهل اللّغة، و لا وجدته فی كتاب من كتب اللّغة، و المشهور أنّ الوذح [هو] ما یتعلّق بأذناب الشّاة من أبعارها فیجفّ.

ثمّ إنّ المفسّرین بعد الرضی رضی اللّٰه عنه قالوا فی قصّة هذا الخنفساء وجوها:

منها أنّ الحجّاج رأی خنفساء تدبّ إلی مصلّاه فطردها، فعادت، ثمّ طردها فعادت، فأخذها بیده فقرصته قرصا، ورمت یده منه ورما كانت فیه حتفه. قتله اللّٰه تعالی بأهون خلقه، كما قتل نمرود بن كنعان بالبقّة.

و منها أنّ الحجاج كان إذا رأی خنفساء، یأمر بإبعادها و یقول: هذه وذحة من وذح الشیطان، تشبیها بالبعرة المعلّقة بذنب الشاة.

و منها أنّه قد رأی خنفساوات مجتمعات، فقال: وا عجبا! لمن یقول: إنّ اللّٰه خلق هذه. قیل: فمن خلقها أیّها الأمیر! قال: الشّیطان، إنّ ربكم لأعظم شأنا من أن یخلق هذه الوذح. قالوا: فجمعها علی «فعل» كبدنة و بدن، فنقل قوله هذا إلی الفقهاء فی عصره فأكفروه.

و منها: أنّ الحجّاج كان مثفارا: أی ذا أبنة، و كان یمسك الخنفساء حیّة لیشفی بحركتها فی الموضع حكاكه. و قالوا: و لا یكون صاحب هذا الدّاء إلّا شانئا مبغضا لأهل البیت علیهم السلام. قالوا: و لسنا نقول كلّ مبغض فیه هذا الدّاء، بل [نقول: ] كلّ من فیه هذا الدّاء فهو مبغض.

قالوا: و قد روی أبو عمر الزاهد و لم یكن من رجال الشیعة فی أمالیه و أحادیثه عن السّیاری، عن أبی خزیمة الكاتب قال: ما فتّشنا أحدا فیه هذا الداء، إلّا وجدناه ناصبیا.

قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَ أَخْبَرَنِی الْعَطَّافِیُّ عَنْ رِجَالِهِ، قَالُوا: سُئِلَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ

ص: 94

الصَّادِقُ عَلَیْهِ السَّلَامُ عَنْ هَذَا الصِّنْفِ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَ لَهُمْ: رَحِمٌ مَنْكُوسَةٌ، یُؤْتَی وَ لَا یَأْتِی. وَ مَا كَانَتْ هَذِهِ الْخَصْلَةُ فِی وَلِیِّ اللَّهِ تَعَالَی أَبَداً قَطُّ، وَ لَا تَكُونُ أَبَداً وَ إِنَّمَا كَانَتْ فِی الْفُسَّاقِ وَ الْكُفَّارِ وَ النَّاصِبِ لِلطَّاهِرِینَ.

و كان أبو جهل بن هشام المخزومی من القوم، و كان أشدّ الناس عداوة لرسول اللّٰه صلّی اللّٰه علیه و آله. قالوا: و لذلك قال له عتبة بن ربیعة یوم بدر:

یا مصفّر استه. [ثم قال ابن أبی الحدید: ] و یغلب علی ظنّی أنّه [علیه السلام أراد] معنی آخر، و ذلك أنّ عادة العرب أن تكنّی الإنسان إذا أرادت تعظیمه بما هو مظنّة التّعظیم، و إذا أرادت تحقیره [كنّته] بما یستحقر و یستهان به، كقولهم فی كنیة یزید بن معاویة لعنه اللّٰه: أبو زنّة، یعنون القرد. و كقولهم فی كنیة سعید بن حفص البخاری المحدّث: أبو الفأر. و كقولهم للطفیلی: أبو لقمة. و كقولهم لعبد الملك: أبو الذبّان لبخره. و كقول ابن بسّام لبعض الرؤساء:

فأنت لعمری أبو جعفر*** و لكنّنا نحذف الفاء منه

و قال أیضا:

لئیم درن الثوب ***نظیف القصب و القدر

أبو النتن أبو الدفر*** أبو البعر أبو الجعر

فلنجاسته بالذّنوب و المعاصی، كنّاه أمیر المؤمنین علیه السلام أبا وذحة.

و یمكن أن یكنّیه بذلك لدمامته فی نفسه، و حقارة منظره، و تشویه خلقته، فإنّه كان دمیما قصیرا سخیفا، أخفش العینین معوّج الساقین قصیر الساعدین، مجدور الوجه أصلع الرأس، فكنّاه بأحقر الأشیاء و هو البعرة.

و قد روی قوم [هذه اللّفظة بصیغة أخری، قالوا]: «إیه أبا ودجة» قالوا:

[هی] واحدة الأوداج كنّاه بذلك؛ لأنّه كان قتّالا یقطع الأوداج بالسیف.

و رواه قوم «أبا وحرة» [بالراء المهملة] و هی دویبة تشبه الحرباء قصیر الظهر، شبّهه بها.

ص: 95

[ثمّ قال ابن أبی الحدید: ] و هذا و ما قبله ضعیف (1).

و أقول: الذبّان بكسر الذال و تشدید الباء جمع الذباب، و من عادته أن یجلس علی المنتن. و القعب بالفتح-: القدح الضخم. و الدفر بالمهملة ثم الفاء-: النتن و الذلّ. و بالقاف مصدر دقر كفرح، إذا امتلأ من الطعام. و الجعفر [الجعر] بالفتح-: ما یبس من العذرة فی المعجز: أی الدّبر.

«942»- (2) نَهْجٌ: [وَ] مِنْ كَلَامٍ لَهُ عَلَیْهِ السَّلَامُ وَ قَدْ جَمَعَ النَّاسَ وَ حَضَّهُمْ عَلَی الْجِهَادِ، فَسَكَتُوا مَلِیّاً، فَقَالَ عَلَیْهِ السَّلَامُ:

مَا بَالُكُمْ! أَ مُخْرَسُونَ أَنْتُمْ! فَقَالَ قَوْمٌ مِنْهُمْ: یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ إِنْ سِرْتَ سِرْنَا مَعَكَ! فَقَالَ [عَلَیْهِ السَّلَامُ]: مَا بَالُكُمْ- لَا سُدِّدْتُمْ لِرُشْدٍ وَ لَا هُدِیتُمْ لِقَصْدٍ؟ أَ فِی مِثْلِ هَذَا یَنْبَغِی لِی أَنْ أَخْرُجَ! وَ إِنَّمَا یَخْرُجُ فِی مِثْلِ هَذَا رَجُلٌ مِمَّنْ أَرْضَاهُ مِنْ شُجْعَانِكُمْ وَ ذَوِی بَأْسِكُمْ، وَ لَا یَنْبَغِی لِی أَنْ أَدَعَ الْجُنْدَ وَ الْمِصْرَ وَ بَیْتَ الْمَالِ وَ جِبَایَةَ الْخَرَاجِ وَ الْقَضَاءَ بَیْنَ الْمُسْلِمِینَ وَ النَّظَرَ فِی حُقُوقِ الْمُسْلِمِینَ [الْمُطَالِبِینَ «خ ل»] ثُمَّ أَخْرُجَ فِی كَتِیبَةٍ أَتْبَعُ أُخْرَی، أَتَقَلْقَلُ تَقَلْقُلَ الْقِدْحِ فِی الْجَفِیرِ الْفَارِغِ، وَ إِنَّمَا أَنَا قُطْبُ الرَّحَی تَدُورُ عَلَیَّ، وَ أَنَا بِمَكَانِی، فَإِذَا فَارَقْتُهُ اسْتَحَارَ مَدَارُهَا، وَ اضْطَرَبَ ثِفَالُهَا، هَذَا لَعَمْرُ اللَّهِ الرَّأْیُ السُّوءُ.

وَ اللَّهِ لَوْ لَا رَجَائِی الشَّهَادَةَ عِنْدَ لِقَائِی الْعَدُوَّ لَوْ قَدْ حُمَّ لِی لِقَاؤُهُ لَقَرَّبْتُ رِكَابِی، ثُمَّ شَخَصْتُ عَنْكُمْ فَلَا أَطْلُبُكُمْ مَا اخْتَلَفَ جَنُوبٌ وَ شَمَالٌ. [طَعَّانِینَ عَیَّابِینَ حَیَّادِینَ رَوَّاغِینَ] . إِنَّهُ لَا غَنَاءَ فِی كَثْرَةِ عَدَدِكُمْ مَعَ قِلَّةِ اجْتِمَاعِ قُلُوبِكُمْ.

ص: 96


1- كلّ ذلك أورده ابن أبی الحدید فی شرح الكلام و هو المختار: (114 أو 115) من نهج البلاغة من شرحه: ج 3 ص 776 ط الحدیث ببیروت.
2- [942]- رَوَاهُ الشَّرِیفُ الرَّضِیُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِی الْمُخْتَارِ: (118) مِنْ كِتَابِ نَهْجِ الْبَلَاغَةِ.

لَقَدْ حَمَلْتُكُمْ عَلَی الطَّرِیقِ الْوَاضِحِ الَّتِی لَا یَهْلِكُ عَلَیْهَا إِلَّا هَالِكٌ، مَنِ اسْتَقَامَ فَإِلَی الْجَنَّةِ وَ مَنْ زَلَّ فَإِلَی النَّارِ..

[بیان: ] قال ابن أبی الحدید: [و هذا كلام] قاله [أمیر المؤمنین] علیه السّلام، فی بعض غارات أهل الشام علی أطراف العراق، عند انقضاء أمر صفّین و النّهروان.

قوله: «ملیّا»: أی ساعة طویلة. [و] قوله علیه السّلام: «لا سددتم» بالتخفیف و التشدید: دعاء علیهم بعدم السداد و الاستقامة لما فیه رشدهم و صلاحهم. و القصد من الأمور: المعتدل الذی لا یمیل إلی أحد طرفی الإفراط و التفریط.

و الشّجعاء: جمع شجیع. و فی بعض النسخ: «شجعانكم» و هو بالضمّ و الكسر: جمع شجاع. و البأس: الشجاعة. و الكتیبة: القطعة العظیمة من الجیش.

و التقلقل: التحرّك. و القدح بالكسر-: السهم. و الجفیر: الكنانة. و قیل: وعاء السهام أوسع من الكنانة.

و الغرض [من هذا] التشبیه، فی اضطراب الحال و الانفصال عن الجنود و الأعوان، بالقدح الذی لا یكون حوله قداح تمنعه من التقلقل و لا یستقرّ فی مكانه.

«و استحار مدارها»: أی اضطرب. و المدار هنا مصدر. كذا ذكره ابن أبی الحدید، و لم نجده بهذا المعنی فی اللّغة. [و] قال الجوهری: المستحیر: سحاب ثقیل متردّد لیس له ریح تسوقه. فالأنسب أن یكون [كلامه علیه السلام] كنایة عن الوقوف عن الحركة.

و الثفال: الجلد الذی یوضع علیه الرحی؛ لیسقط علیه الدقیق و یسمّی

ص: 97

الحجر الأسفل من حجری الرحی أیضا ثفالا، و لعلّه أنسب.

قوله علیه السلام: «لو قد حمّ لی» علی [بناء] المجهول: أی قضی و قدّر.

و الركاب: الإبل التی یسار علیها. و شخوص المسافر: خروجه. و الاختلاف:

التردّد. و یحتمل [أیضا] المخالفة. و الغناء بالفتح و المدّ: النفع.

[قوله علیه السلام: ] «لا یهلك علیها»: أی كائنا علیها أو سببها.

و الطریق یذكّر و یؤنّث. [و قوله: ] «من استقام»: أی اعتزل و لزم الطریق الواضح. «و من زلّ»: أی زلق و عدل عن الطریق.

«943»- (1) نَهْجٌ: مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَیْهِ السَّلَامُ: أَیُّهَا النَّاسُ! إِنَّا قَدْ أَصْبَحْنَا فِی دَهْرٍ عَنُودٍ، وَ زَمَنٍ شَدِیدٍ، یُعَدُّ فِیهِ الْمُحْسِنُ مُسِیئاً، وَ یَزْدَادُ الظَّالِمُ فِیهِ عُتُوّاً، لَا نَنْتَفِعُ بِمَا عَلِمْنَا، وَ لَا نَسْأَلُ عَمَّا جَهِلْنَا، وَ لَا نَتَخَوَّفُ قَارِعَةً حَتَّی تَحُلَّ بِنَا، فَالنَّاسُ عَلَی أَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ:

مِنْهُمْ مَنْ لَا یَمْنَعُهُ الْفَسَادَ فِی الْأَرْضِ، إِلَّا مَهَانَةُ نَفْسِهِ وَ كَلَالَةُ حَدِّهِ وَ نَضِیضُ وَفْرِهِ.

وَ مِنْهُمُ الْمُصْلِتُ بِسَیْفِهِ وَ الْمُعْلِنُ بِشَرِّهِ [بِسِرِّهِ «خ»] وَ الْمُجْلِبُ بِخَیْلِهِ وَ رَجِلِهِ، قَدْ أَشْرَطَ نَفْسَهُ وَ أَوْبَقَ دِینَهُ لِحُطَامٍ یَنْتَهِزُهُ، أَوْ مِقْنَبٍ یَقُودُهُ، أَوْ مِنْبَرٍ یَفْرَعُهُ، وَ لَبِئْسَ الْمَتْجَرُ أَنْ تَرَی الدُّنْیَا لِنَفْسِكَ ثَمَناً، وَ مِمَّا لَكَ عِنْدَ اللَّهِ عِوَضاً.

وَ مِنْهُمْ مَنْ یَطْلُبُ الدُّنْیَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ، وَ لَا یَطْلُبُ الْآخِرَةَ بِعَمَلِ الدُّنْیَا.

قَدْ طَأْمَنَ مِنْ شَخْصِهِ، وَ قَارَبَ مِنْ خَطْوِهِ، وَ شَمَّرَ مِنْ ثَوْبِهِ، وَ زَخْرَفَ مِنْ نَفْسِهِ لِلْأَمَانَةِ، وَ اتَّخَذَ سِتْرَ اللَّهِ ذَرِیعَةً إِلَی الْمَعْصِیَةِ.

وَ مِنْهُمْ مَنْ أَقْعَدَهُ عَنْ طَلَبِ الْمُلْكِ ضُئُولَةُ نَفْسِهِ، وَ انْقِطَاعُ سَبَبِهِ، فَقَصَرَتْهُ

ص: 98


1- [943]- رَوَاهُ السَّیِّدُ الرَّضِیُّ رَفَعَ اللَّهُ مَقَامَهُ فِی الْمُخْتَارِ: (32) مِنْ نَهْجِ الْبَلَاغَةِ.

الْحَالُ عَلَی [عَنْ «خ»] حَالِهِ، فَتَحَلَّی بِاسْمِ الْقَنَاعَةِ وَ تَزَیَّنَ بِلِبَاسِ أَهْلِ الزَّهَادَةِ، وَ لَیْسَ مِنْ ذَلِكَ فِی مَرَاحٍ وَ لَا مَغْدًی.

وَ بَقِیَ رِجَالٌ غَضَّ أَبْصَارَهُمْ ذِكْرُ الْمَرْجِعِ، وَ أَرَاقَ دُمُوعَهُمْ خَوْفُ الْمَحْشَرِ، فَهُمْ بَیْنَ شَرِیدٍ نَادٍّ، وَ خَائِفٍ مَقْمُوعٍ، وَ سَاكِتٍ مَكْعُومٍ، وَ دَاعٍ مُخْلِصٍ، وَ ثَكْلَانَ مُوجَعٍ، قَدْ أَخْمَلَتْهُمُ التَّقِیَّةُ، وَ شَمِلَتْهُمُ الذِّلَّةُ. فَهُمْ فِی بَحْرٍ أُجَاجٍ، أَفْوَاهُهُمْ ضَامِزَةٌ وَ قُلُوبُهُمْ قَرِحَةٌ، قَدْ وَعَظُوا حَتَّی مَلُّوا، وَ قُهِرُوا حَتَّی ذَلُّوا، وَ قُتِلُوا حَتَّی قَلُّوا.

فَلْتَكُنِ الدُّنْیَا أَصْغَرَ فِی أَعْیُنِكُمْ مِنْ حُثَالَةِ الْقَرَظِ وَ قُرَاضَةِ الْجَلَمِ، وَ اتَّعِظُوا بِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ قَبْلَ أَنْ یَتَّعِظَ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَ ارْفُضُوهَا ذَمِیمَةً فَإِنَّهَا قَدْ رَفَضَتْ مَنْ كَانَ أَشْغَفَ بِهِ مِنْكُمْ.

[بیان: ] عند عن الطریق كنصر-: عدل و مال. و العنود فعول بمعنی فاعل.

و قیل: مفاعل. و الزمن اسم لقلیل الوقت و كثیره. و قیل: الشدید بمعنی البخیل.

و فی بعض النسخ: «و زمن كنود»: و هو الكفور. و قیل: اللّوام. و وصف الزمان بتلك الأوصاف توصیف لأهله.

و عدّ المحسن مسیئا، إمّا لعدم الإذعان بالحقّ، أو لحملهم الأفعال الجمیلة علی المحامل القبیحة، كزعم العابد مرائیا. و العتوّ: الاستكبار و مجاوزة الحدّ.

قوله علیه السّلام: «لا ننتفع» التعبیر بلفظ المتكلّم مع الغیر، من قبیل:

«إیّاك أعنی و اسمعی یا جارة» و عدم الانتفاع بالعلم لترك العمل، و عدم السؤال لعدم العلم بفضله مع عدم الرغبة فی العمل به.

و القارعة: الخطب العظیم و الداهیة. و مهانة النفس: حقارتها. [مشتقّة] من «مهن» أو «هان». و كلّ حدّ السیف و غیره، إذا وقف عن القطع.

ص: 99

[قوله علیه السلام: ] «و نضیض وفره»: أیّ قلّة ماله. و هذا القسم هم المریدون للدنیا غیر القادرین علیها.

و المجلب: اسم فاعل من أجلب علیهم: أی تجمّع و تألّب. و كذلك إذا صاح به و استحثّه. و أجلبه: أی أعانه. و الرجل: جمع راجل.

«قد أشرط نفسه»: أی هیّأها و أعدّها للفساد فی الأرض. و الحطام: المال و أصله ما تكسّر من الیبس. و الانتهاز: الاختلاس و الاستلاب بقدر الإمكان.

و المقنب بكسر المیم و فتح النون-: الجمع من الخیل ما بین الثلاثین إلی الأربعین. [و] «یفرعه»: أی یعلوه.

و عمل الدّنیا: ما یفعله المكلّف فیها أو ما یصیر بانضمام القربة و التوصّل به إلی الطاعة طاعة.

«و قد طأمن»: أی خفض. و یقال: طأمن منه أی سكنه. «و قارب من خطوه»: أی لم یسرّع و مشی رویدا. «و شمّر» [من ثوبه] »: أی قصّر ثوبه أو رفعه إظهار لمتابعة السنّة. «و زخرف»: أی زیّن [نفسه] للأمانة، أی لأن یجعلوه أمینا علی أموالهم و أعراضهم و یحتمل تعلّقه بالأخیر و بالجمیع.

[قوله علیه السّلام: ] «و اتخذ ستر اللّٰه»: أی التقوی و العمل بشرائع الدّین، فإنّ اللّٰه حرّم تتبّع عورات من ظاهره الصلاح و ذكر عیوبه.

قال الكیدری فی كتاب المضاف و المنسوب: ستر اللّٰه الإسلام، و الشیب، و الكعبة، و ضمائر صدور الناس. یعنی جعل ظاهر الإسلام و ما یجنّه صدره، بحیث لا یطّلع علیه مخلوق وسیلة و طریقا إلی معصیة اللّٰه. انتهی.

و أقول: یحتمل أن یكون المراد أنّه اتّخذ ستر اللّٰه علی عیوبه، حیث لم یفضحه و لم یطلع الناس علی بواطنه، ذریعة إلی أن یخدع الناس.

و الضئولة: الحقارة. و السبب: الحبل، و ما یتوصّل به إلی غیره. و المراح:

ص: 100

المكان الذی تأوی إلیه الماشیة فی اللّیل. و المغدی: ما تأوی إلیه بالغداة و لعلّ المعنی: لیس یومه كیومهم فی الصوم و غیره، و لا لیله كلیلهم فی العبادات.

و المرجع بكسر الجیم-: مصدر أو اسم مكان، و المراد به من إلیه مصیر العباد أو القیامة أو الرجوع إلیهما.

[و المراد من قوله علیه السلام: «غضّ أبصارهم ذكر المرجع: هو] غضّ البصر عن المعاصی، أو الأعمّ لخشوعهم، أو للحیاء، أو [غضّهم] أبصار قلوبهم عمّا سوی اللّٰه.

و الشرید: الطرید. و النّادّ: المنفرد و المراد به المتوحّش من الناس الذاهب فی الأرض، إمّا لعدم صبره علی رؤیة المنكرات، أو لكثرة أذی الظالمین فی الأوطان؛ لإنكاره المنكر و أشباه ذلك.

و قمعه: ضربه بالمقمعة و قهره و ذلّله. و المكعوم: الّذی لا یمكنه الكلام، كأن شدّ فوه من التقیّة بالكعام الذی یجعل فی فم البعیر عند الهیاج. و الثكل:

الحزن علی فقد الأقارب.

و لعلّ المعنی: أنّ بعضهم ترك الأوطان أو مجامع الناس لما ذكر، و بعضهم لم یترك ذلك، و ینكر منكرا ثمّ یخاف مما یجری علیه بعد ذلك، و منهم من هو بینهم و لا ینهاهم تقیّة و معرض عنهم و مشتغل بالدعاء، و منهم من هو بینهم بالضرورة و یری أعمالهم و لا یؤثّر نهیه فیهم، فهو كالثكلان الموجع.

و خمل ذكره و صوته: خفی.

[قوله علیه السلام: ] «فهم فی بحر أجاج» كنایة عن عدم استمتاعهم بالدنیا، كالسابح فی ماء مالح، فإنّه لا یمكنه التروی منه و شربه و إن بلغ غایة العطش.

[قوله علیه السلام] «أفواههم ضامزة» بالزای المعجمة، أی ساكنة. أو

ص: 101

بالراء المهملة: كنایة عن صومهم و عدم أكلهم من المحرّمات و الشبهات.

قال الكیدری: أی ساترة خفیّة من الضمیر. و یروی بالزّای: أی مشدودة بالسكوت.

«و قلوبهم قرحة»: لكثرة المنكرات مع عدم تمكّنهم من إنكارها، أو لخوفهم من اللّٰه أو من الناس.

و «القرض»: ورق السلم یدبغ به. و حثالته: ما یسقط منه. و «الحلم»:

المقصّ یجزّ به أوبار الإبل. و قراضته: ما یسقط من قرضه و قطعه.

[قوله علیه السلام: ] «و ارفضوها ذمیمة»: أی اتركوا ما حاله الحقارة.

و الذمامة. و الشغف: الحب الشدید.

«944»- (1) نَهْجٌ: مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَیْهِ السَّلَامُ: إِنَّ الْوَفَاءَ تَوْأَمُ الصِّدْقِ، وَ لَا أَعْلَمُ جُنَّةً أَوْقَی مِنْهُ، وَ لَا یَغْدِرُ مَنْ عَلِمَ كَیْفَ الْمَرْجِعُ.

وَ لَقَدْ أَصْبَحْنَا فِی زَمَانٍ قَدِ اتَّخَذَ أَكْثَرُ أَهْلِهِ الْغَدْرَ كَیْساً، وَ نَسَبَهُمْ أَهْلُ الْجَهْلِ فِیهِ إِلَی حُسْنِ الْحِیلَةِ.

مَا لَهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ! قَدْ یَرَی الْحُوَّلُ الْقُلَّبُ وَجْهَ الْحِیلَةِ، وَ دُونَهُ مَانِعٌ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَ نَهْیِهِ فَیَدَعُهَا رَأْیَ عَیْنٍ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَیْهَا، وَ یَنْتَهِزُ فُرْصَتَهَا مَنْ لَا حَرِیجَةَ لَهُ فِی الدِّینِ.

بیان: الوفاء: لزوم العهد و البقاء علیه كما ینبغی و یكون فی الأفعال و الأقوال.

و الصّدق یعمّ العهد و غیره فبینهما عموم من وجه.

ص: 102


1- [944]- رَوَاهُ السَّیِّدُ الرَّضِیُّ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ فِی الْمُخْتَارِ: (41) مِنْ كِتَابِ نَهْجِ الْبَلَاغَةِ.

و قد یقال: الوفاء فی الإنشاء [خاصّة] و الصّدق فی الأخبار، و لا یجتمعان.

و یردّه صادق الوعد و إن كان مجازا، و المراد تلازمهما غالبا مع تشاركهما فی الفضل، و ترتّب الآثار الحسنة.

و «المرجع»: مصدر، أی الرجوع إلی اللّٰه. أو اسم مكان. و الكیس:

الفطنة و الذكاء. و الضمیر فی «فیه» راجع إلی الزمان أو الغدر.

و «الحوّل القلّب»: هو الذی كثر تحوّله و تقلّبه فی الأمور و جرّبها و عرف وجوهها. و الوجه: الجهة.

و الضّمیر فی [قوله: ] «دونه» یعود إلیه: أی قبل الوصول إلیه. أو إلی «الحوّل»: أی أمامه. و فی بعض النّسخ: «دونها» فیعود إلی الحیلة.

«رأی عین»: أی رؤیة معاینة فهو منصوب علی المصدر من [قوله: ] «یدع» بتقدیر موصوف: أی یتركها تركا معاینا غیر ناش عن غفلة، أو [منصوب] علی الحالیّة: أی حال كونها مرئیّة له.

و جوّز بعضهم فی قوله تعالی: «یَرَوْنَهُمْ مِثْلَیْهِمْ رَأْیَ الْعَیْنِ» [13 آل عمران 3] أن یكون ظرف مكان. و الحریجة: التحرّج، و هو التحرّز من الحرج و الإثم. و قیل: الحریجة: التقوی.

«945»- (1) نَهْجٌ: مِنْ كَلَامٍ لَهُ عَلَیْهِ السَّلَامُ فِی ذَمِّ أَهْلِ الْعِرَاقِ:

أَمَّا بَعْدُ یَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، فَإِنَّمَا أَنْتُمْ كَالْمَرْأَةِ الْحَامِلِ، حَمَلَتْ فَلَمَّا أَتَمَّتْ أَمْلَصَتْ وَ مَاتَ قَیِّمُهَا، وَ طَالَ تَأَیُّمُهَا وَ وَرِثَهَا أَبْعَدُهَا.

أَمَا وَ اللَّهِ مَا أَتَیْتُكُمُ اخْتِیَاراً، وَ لَكِنْ جِئْتُ إِلَیْكُمْ سَوْقاً. وَ لَقَدْ بَلَغَنِی أَنَّكُمْ تَقُولُونَ: «عَلِیٌّ یَكْذِبُ»، قَاتَلَكُمُ اللَّهُ فَعَلَی مَنْ أَكْذِبُ أَ عَلَی اللَّهِ! فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ

ص: 103


1- [945]- رَوَاهُ الشَّرِیفُ الرَّضِیُّ رَضِیَ اللَّهُ تَعَالَی عَنْهُ فِی الْمُخْتَارِ: (69) مِنْ كِتَابِ نَهْجِ الْبَلَاغَةِ.

آمَنَ بِهِ! أَمْ عَلَی نَبِیِّهِ فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَهُ! كَلَّا وَ اللَّهِ، وَ لَكِنَّهَا لَهْجَةٌ غِبْتُمْ عَنْهَا وَ لَمْ تَكُونُوا مِنْ أَهْلِهَا، وَیْلُ أُمِّهِ كَیْلًا بِغَیْرِ ثَمَنٍ لَوْ كَانَ لَهُ وِعَاءٌ! وَ لَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِینٍ

توضیح:

«أملصت» ألقت ولدها میّتا. و المملاص: معتادته. و قیّم المرأة: زوجها؛ لأنّه یقوم بأمرها. و تأیّم المرأة خلوّها من الزوج.

و [قوله علیه السلام: ] « [و ورثها] أبعدها»: أی من لم یكن له قرابة الولد و نحوه.

و التشبیه بالمرأة الموصوفة؛ لأنّهم تحمّلوا مشاقّ الحرب، فلمّا قرب الظّفر رضوا بالتحكیم و حرموا الظفر، و صار بعضهم خوارج و بعضهم شكّاكا.

و المراد بالسّوق: الاضطراری، كأنّ القضاء ساقه علیه السلام إلیهم، فإنّه خرج لقتال أهل الجمل، و احتاج إلی الاستنصار بأهل الكوفة، و اتّصلت تلك الفتن بفتنة أهل الشام، فاضطرّ إلی المقام بینهم. و فی بعض النّسخ: «و لا جئتكم شوقا».

و «قاتلكم اللّٰه»: أی قتلكم اللّٰه أو لعنكم اللّٰه. و «كلّا» للرّدع و الإنكار.

أو بمعنی حقّا.

و اللّٰهجة: اللّسان، و یتجوّز بها عن الكلام. و المراد إمّا لهجته علیه السلام: أی [إنّ] ما أخبركم به أمور غابت عقولكم الضعیفة عن إدراكها و لستم أهلا لفهمها.

أو لهجة رسول اللّٰه صلّی اللّٰه علیه و آله و سلّم: أی سمعت كلامه صلّی اللّٰه علیه و آله، و لم تسمعوه و لو سمعتموه لم تكونوا من أهله.

و الویل: حلول الشرّ [أ] و كلمة عذاب، أو واد فی جهنّم. و إضافته إلی

ص: 104

الأمّ، دعاء علیها بأن تصاب بأولادها، من قبیل «ثكلته أمّه». و الضمیر [فی «أمّه»] راجع إلی المكذّب. و قیل: [الضمیر راجع] إلی ما دلّ علیه الكلام من العلم الذی خصّه به الرسول صلّی اللّٰه علیه و آله. و یقال: هذه الكلمة قد تطلق للتّعجّب و الاستعظام، یقال: ویل أمّه فارسا، و مرادهم التعظیم و المدح.

و «كیلا»: انتصب؛ لأنّه مصدر فی موضع الحال أو تمییز: أی أنا أكیل لكم العلم و الحكمة كیلا، و لا أطلب لذلك ثمنا لو وجدت حاملا للعلم.

و قیل: الكلمة تستعمل للتّرحم و التعجب، و الضمیر راجع إلی الجاهل المكذّب، فالمفاد التّرحّم علیهم لجهلهم، أو التّعجّب من قوّة جهلهم، أو من كثرة كیله للحكم علیهم مع إعراضهم عنها.

و قال [ابن الأثیر فی مادّة «ویل» من كتاب] النهایة: قد یرد الویل بمعنی التعجّب. و منه الحدیث: «ویل أمّه مسعر حرب» تعجّبا من شجاعته و جرأته و إقدامه، و منه

حدیث علی علیه السّلام: «و یلمّه كیلا بغیر ثمن لو أنّ له وعاء».

أی یكیل العلوم الجّمة بلا عوض، إلّا أنّه لا یصادف واعیا.

و قیل: «وی»: كلمة مفردة. [ «و لأمّه» أیضا كلمة مفردة] و هی كلمة تفجّع و تعجّب، و حذفت الهمزة من «أمّه» تخفیفا، و ألقیت حركتها علی اللام، و ینصب ما بعدها علی التمییز. انتهی.

و الحین بالكسر-: الدهر أو وقت مبهم یصلح لجمیع الأزمان طال أو قصر، و المعنی لتعلمنّ ثمرة تكذبكم و إعراضكم عمّا أبیّن لكم، و أنّی صادق فیما أقول.

«946»- (1) نَهْجٌ: مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَیْهِ السَّلَامُ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ یَقْصِمْ جَبَّارِی دَهْرٍ قَطُّ، إِلَّا بَعْدَ تَمْهِیلٍ

ص: 105


1- [946]- رَوَاهُ السَّیِّدُ الرَّضِیُّ رَفَعَ اللَّهُ مَقَامَهُ فِی الْمُخْتَارِ: (86) مِنْ كِتَابِ نَهْجِ الْبَلَاغَةِ.

وَ رَخَاءٍ. وَ لَمْ یَجْبُرْ عَظْمَ أَحَدٍ مِنَ الْأُمَمِ، إِلَّا بَعْدَ أَزْلٍ وَ بَلَاءٍ. وَ فِی دُونِ مَا اسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ خَطْبٍ [عَتْبٍ «خ»] وَ اسْتَدْبَرْتُمْ مِنْ خَطْبٍ [خِصْبٍ «خ»] مُعْتَبَرٌ، وَ مَا كُلُّ ذِی قَلْبٍ بِلَبِیبٍ، وَ لَا كُلُّ ذِی سَمْعٍ بِسَمِیعٍ، وَ لَا كُلُّ ذِی نَاظِرٍ بِبَصِیرٍ.

فَیَا عَجَباً! وَ مَا لِیَ لَا أَعْجَبُ مِنْ خَطَإِ هَذِهِ الْفِرَقِ عَلَی اخْتِلَافِ حُجَجِهَا فِی دِینِهَا، لَا یَقْتَصُّونَ أَثَرَ نَبِیٍّ وَ لَا یَقْتَدُونَ بِعَمَلِ وَصِیٍّ، وَ لَا یُؤْمِنُونَ بِغَیْبٍ، وَ لَا یَعِفُّونَ عَنْ عَیْبٍ یَعْمَلُونَ فِی الشُّبُهَاتِ وَ یَسِیرُونَ فِی الشَّهَوَاتِ، الْمَعْرُوفُ فِیهِمْ مَا عَرَفُوا، وَ الْمُنْكَرُ عِنْدَهُمْ مَا أَنْكَرُوا، مَفْزَعُهُمْ فِی الْمُعْضِلَاتِ إِلَی أَنْفُسِهِمْ، وَ تَعْوِیلُهُمْ فِی الْمُبْهَمَاتِ عَلَی آرَائِهِمْ، كَأَنَّ كُلَّ امْرِئٍ مِنْهُمْ إِمَامُ نَفْسِهِ، قَدْ أَخَذَ مِنْهَا فِیمَا یَرَی بِعُرًی وَثِیقَاتٍ (1) وَ أَسْبَابٍ مُحْكَمَاتٍ.

بیان: القصم: الكسر. و التمهیل: التأخیر و كذلك الإرجاء: و الرّخاء: سعة العیش. و الجبر: إصلاح الكسر [و هو هنا] كنایة عن دفع الجبّارین و الظالمین.

[قوله: ] «و فی دون»: أی [فی] أقلّ من ذلك. و الأزل بالفتح-: الضیق و الشدّة.

[قوله: ]«ما استقبلتم من خطب»: أی شأن و أمر و داهیة. و روی «من عتب»: أی مشقّة. قیل: یعنی ما لاقوه فی مستقبل زمانهم من الشیب و ولاة السوء و تنكّر الوقت.

«و ما استدبرتم من خطب»: یعنی ما تقدّم من الحروب و الوقائع الّتی قضوها. و یروی من «خصب»: و هو رخاء العیش. فیمكن أن یراد بالأمور المستقبلة و المستدبرة جمیعا المواضی باعتبارین.

قوله علیه السلام: «لا یعفون» فی النسخ بالتشدید: من العفّة، فالمراد

ص: 106


1- و فی بعض النّسخ: ثقات.

بالعیب عیوب أنفسهم، و فی بعضها بالتخفیف فالمراد عیوب غیرهم.

[قوله علیه السلام]: «یعملون فی الشبهات»: [لفظة] «فی» بمعنی الباء، أو فیه توسّع.

قوله علیه السلام: « [المعروف فیهم] ما عرفوا»: أی بعقولهم و أهوائهم.

[و قوله علیه السلام: ] «قد أخذ منها»: الضمیر راجع إلی النفس أو إلی المبهمات و المعضلات.

«947»- (1) نَهْجٌ: مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَیْهِ السَّلَامُ فِی خِطَابِ أَصْحَابِهِ: وَ قَدْ بَلَغْتُمْ مِنْ كَرَامَةِ اللَّهِ مَنْزِلَةً، تُكْرَمُ بِهَا إِمَاؤُكُمْ، وَ تُوصَلُ بِهَا جِیرَانُكُمْ، وَ یُفَضِّلُكُمْ مَنْ لَا فَضْلَ لَكُمْ عَلَیْهِ وَ لَا یَدَ لَكُمْ عِنْدَهُ، وَ یَهَابُكُمْ مَنْ لَا یَخَافُ لَكُمْ سَطْوَةً وَ لَا لَكُمْ عَلَیْهِ إِمْرَةٌ، وَ قَدْ تَرَوْنَ عُهُودَ اللَّهِ مَنْقُوضَةً فَلَا تَغْضَبُونَ، وَ أَنْتُمْ لِنَقْضِ ذِمَمِ آبَائِكُمْ تَأْنَفُونَ. وَ كَانَتْ أُمُورُ اللَّهِ عَلَیْكُمْ تَرِدُ وَ عَنْكُمْ تَصْدُرُ وَ إِلَیْكُمْ تَرْجِعُ، فَمَكَّنْتُمُ الظَّلَمَةَ مِنْ مَنْزِلَتِكُمْ، وَ أَلْقَیْتُمْ إِلَیْهِمْ أَزِمَّتَكُمْ، وَ أَسْلَمْتُمْ أُمُورَ اللَّهِ فِی أَیْدِیهِمْ، یَعْمَلُونَ بِالشُّبُهَاتِ وَ یَسِیرُونَ فِی الشَّهَوَاتِ.

وَ ایْمُ اللَّهِ لَوْ فَرَّقُوكُمْ تَحْتَ كُلِّ كَوْكَبٍ، لَجَمَعَكُمُ اللَّهُ لِشَرِّ یَوْمٍ لَهُمْ.

بیان: الوصل: ضدّ القطع و الهجران. [و المراد من قوله: ] «جیرانكم»: أی أهل الذمّة و المعاهدین، و یحتمل المجاورین فی المسكن.

قوله علیه السلام: «من لا فضل لكم علیه»: كتعظیم الروم و الحبشة مسلمی العرب.

ص: 107


1- [947]- رَوَاهُ الشَّرِیفُ الرَّضِیُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِی ذَیْلِ الْمُخْتَارِ: (105) مِنْ نَهْجِ الْبَلَاغَةِ.

قوله علیه السلام: «من لا یخاف لكم سطوة»: كالملوك فی أقاصی البلاد، لما شاع و ذاع من أنّهم قوم صالحون، إذا دعوا اللّٰه استجاب لهم، و ینصرهم بملائكته كما قیل.

قوله علیه السلام: «و أنتم»: الواو للحال. و الذمّة: العهد و الأمان و الضمان و الحرمة و الحقّ.

و أنف كفرح-: استنكف. و الغرض توبیخهم علی تركهم إنكار المنكرات.

و المراد بنقض العهود ما ظهر من الناكثین و القاسطین و المارقین و غیرهم من نقض البیعة و قتل المسلمین و الإغارة علیهم، و لا ریب أنّ السكوت عن إنكار تلك المنكرات مع الاستنكاف عن نقض ذمم الآباء، یدلّ علی أنّ عهود اللّٰه أضعف عندهم من عهود آبائهم، و هو فی حدّ الكفر.

[قوله علیه السّلام: ] «و كانت أمور اللّٰه علیكم ترد»: أی و أنتم المخاطبون بالأوامر و النواهی، أو كنتم قبل ذلك فی أیّام الرسول صلّی اللّٰه علیه و آله، موارد أمور اللّٰه و مصادرها، مطیعین له منكرین للمنكرات.

و كأنّ المراد بالورود، السؤال. و بالصدور، الجواب، و بالرجوع، التحاكم.

و یمكن تعمیم الورود و الصدور، فالمراد بالرجوع. رجوع النفع و الضرّ فی الدارین. و قیل: أی كانت أمور اللّٰه علیكم ترد: أی بتعلیمی لكم، و عنكم تصدر إلی من تعلّمونه إیّاها، ثمّ إلیكم ترجع بأن یتعلّمها بنوكم و إخوتكم منهم.

[قوله علیه السلام: ] «لشرّ یوم»: أی یوم ظهور المسودة، أو خروج المهدی علیه السلام. و الجمع: فی الرجعة، أو المراد جمع صنفهم.

«948»- (1) نَهْجٌ: [وَ] مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَیْهِ السَّلَامُ:

ص: 108


1- [948]- رَوَاهُ السَّیِّدُ الرَّضِیُّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَیْهِ فِی الْمُخْتَارِ: (195) مِنْ كِتَابِ نَهْجِ الْبَلَاغَةِ.

وَ لَقَدْ عَلِمَ الْمُسْتَحْفَظُونَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ، أَنِّی لَمْ أَرُدَّ عَلَی اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَ لَا عَلَی رَسُولِهِ سَاعَةً قَطُّ، وَ لَقَدْ وَاسَیْتُهُ [آسَیْتُهُ «خ»] فِی الْمَوَاطِنِ الَّتِی تَنْكُصُ فِیهَا الْأَبْطَالُ، وَ تَتَأَخَّرُ الْأَقْدَامُ، نَجْدَةً أَكْرَمَنِی اللَّهُ بِهَا.

وَ لَقَدْ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ إِنَّ رَأْسَهُ لَعَلَی صَدْرِی، وَ قَدْ سَالَتْ نَفْسُهُ فِی كَفِّی، فَأَمْرَرْتُهَا عَلَی وَجْهِی. وَ لَقَدْ وُلِّیتُ غُسْلَهُ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ الْمَلَائِكَةُ أَعْوَانِی، فَضَجَّتِ الدَّارُ وَ الْأَفْنِیَةُ، مَلَأٌ یَهْبِطُ وَ مَلَأٌ یَعْرُجُ، وَ مَا فَارَقَتْ سَمْعِی هَیْنَمَةٌ مِنْهُمْ، یُصَلُّونَ عَلَیْهِ حَتَّی وَارَیْنَاهُ فِی ضَرِیحِهِ.

فَمَنْ ذَا أَحَقُّ بِهِ مِنِّی حَیّاً وَ مَیِّتاً، فَانْفُذُوا عَلَی بَصَائِرِكُمْ، وَ لْتَصْدُقْ نِیَّاتُكُمْ فِی جِهَادِ عَدُوِّكُمْ، فَوَ الَّذِی لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، إِنِّی لَعَلَی جَادَّةِ الْحَقِّ، وَ إِنَّهُمْ لَعَلَی مَزَلَّةِ الْبَاطِلِ. أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ [الْعَظِیمَ «خ»] لِی وَ لَكُمْ.

بیان: استحفظته الشّی ء: أودعته عنده و سألته أن یحفظه. و «المستحفظون» علی بناء المفعول-: المطّلعون علی أسرار الرسول صلّی اللّٰه علیه و آله و سیرته، الصّادقون فی الشهادة الذی لم یغیّروا و لم یبدّلوا للأغراض الدنیویّة.

و قال ابن أبی الحدید: الظاهر أنّه علیه السلام یومئ فی قوله: «لم أردّ علی اللّٰه ...» إلی أمور وقعت عن غیره.

ثمّ ذكر أمورا كثیرة من مخالفات عمر و معارضاته لرسول اللّٰه صلّی اللّٰه علیه و آله.

و [أیضا] قال [ابن أبی الحدید] فی [شرح] قوله علیه السلام: «و لقد آسیته بنفسی»: یقال: واسیته، بالهمزة أفصح. و هذا مما اختصّ علیه السلام بفضیلته غیر مدافع، ثبت معه یوم أحد. و فرّ الناس، و ثبت معه یوم حنین و فرّ الناس، و ثبت یوم خیبر حتّی فتحها و فرّ من كان بعث بها قبله. انتهی.

ص: 109

و قال الجوهری: نكص ینكص [من باب ضرب] و ینكص [من باب نصر] رجع. و «نجدة»: منصوب علی المصدر لفعل محذوف و هی الشجاعة.

[قوله علیه السلام: ] «و إنّ رأسه لعلی صدری»: قیل: لعلّه أسنده إلی صدره عند اشتداد علّته، أو كان رأسه صلّی اللّٰه علیه و آله علی ركبته، فیكون رأسه فی صدره عند إكبابه علیه.

و قد یقال: المراد بسیلان النفس، هبوب النّفس عند انقطاع الأنفاس.

و قیل: أراد بنفسه دمه.

یقال: إنّ رسول اللّٰه قاء عند وفاته دما یسیرا، و أنّ علیا مسح بذلك وجهه.

و لا ینافی ذلك نجاسة الدم؛ لجواز أن یخصّص دم الرسول صلّی اللّٰه علیه و آله.

و الضجیج: الصیاح عند المكروه و الجزع. و الهیمنة: الكلام الخفیّ لا یفهم. و الصلاة: تحتمل الحقیقة و الدعاء.

و انتصاب قوله: «حیا و میتا» بالحالیة عن الضمیر المجرور فی [قوله: ] «به»، لا عن الضمیر فی «منّی» كما لا یخفی.

قوله علیه السلام: «فانفذوا»: أی أسرعوا إلی الجهاد علی بصیرة منكم.

و المزلّة الموضع الذی یزلّ فیه الإنسان كالمزلقة.

«949»- (1)

نَهْجٌ: [وَ] مِنْ كَلَامٍ لَهُ عَلَیْهِ السَّلَامُ: أَیُّهَا [أَیَّتُهَا «خ»] النُّفُوسُ الْمُخْتَلِفَةُ، وَ الْقُلُوبُ الْمُتَشَتِّتَةُ الشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُمْ، وَ الْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ، أَظْأَرُكُمْ عَلَی الْحَقِّ وَ أَنْتُمْ تَنْفِرُونَ عَنْهُ نُفُورَ الْمِعْزَی مِنْ وَعْوَعَةِ الْأَسَدِ، هَیْهَاتَ! أَنْ أَطْلَعَ بِكُمْ سَرَارَ الْعَدْلِ، أَوْ أُقِیمَ اعْوِجَاجَ الْحَقِّ.

ص: 110


1- [949]- رَوَاهُ الشَّرِیفُ الرَّضِیُّ رَفَعَ اللَّهُ مَقَامَهُ فِی الْمُخْتَارِ: (129) مِنْ كَلَامِ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ عَلَیْهِ السَّلَامُ فِی نَهْجِ الْبَلَاغَةِ.

اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ یَكُنِ الَّذِی كَانَ مِنَّا مُنَافَسَةً فِی سُلْطَانٍ، وَ لَا الْتِمَاسَ شَیْ ءٍ مِنْ فُضُولِ الْحُطَامِ؛ وَ لَكِنْ لِنَرِدَ الْمَعَالِمَ مِنْ دِینِكَ، وَ نُظْهِرَ الْإِصْلَاحَ فِی بِلَادِكَ؛ فَیَأْمَنَ الْمَظْلُومُونَ مِنْ عِبَادِكَ؛ وَ تُقَامَ الْمُعَطَّلَةُ مِنْ حُدُودِكَ.

اللَّهُمَّ إِنِّی أَوَّلُ مَنْ أَنَابَ، وَ سَمِعَ وَ أَجَابَ، لَمْ یَسْبِقْنِی بِالصَّلَاةِ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ، وَ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ لَا یَنْبَغِی أَنْ یَكُونَ عَلَی الْفُرُوجِ وَ الدِّمَاءِ وَ الْمَغَانِمِ وَ الْأَحْكَامِ وَ إِمَامَةِ الْمُسْلِمِینَ الْبَخِیلُ؛ فَتَكُونَ فِی أَمْوَالِهِمْ نَهْمَتُهُ، وَ لَا الْجَاهِلُ فَیُضِلَّهُمْ بِجَهْلِهِ، وَ لَا الْجَافِی فَیَقْطَعَهُمْ بِجَفَائِهِ، وَ لَا الْحَائِفُ لِلدُّوَلِ فَیَتَّخِذَ قَوْماً دُونَ قَوْمٍ، وَ لَا الْمُرْتَشِی فِی الْحُكْمِ فَیَذْهَبَ بِالْحُقُوقِ بِهَا دُونَ الْمَقَاطِعِ، وَ لَا الْمُعَطِّلُ لِلسُّنَّةِ فَیُهْلِكَ الْأُمَّةَ.

بیان: «الغائبة عنهم عقولهم»: غیبة العقول عن أربابها، أبلغ فی الدلالة من غیبتها عمّن اعتبر الشهود بالنّسبة إلیه.

«أظأركم»: أی أعطفكم. یقال: ظأرت الناقة إذا عطفت علی ولد غیرها.

و قال الجوهری: المعز من الغنم: خلاف الضأن، و هو اسم جنس، و كذلك المعزی. و الوعوعة: الصوت.

قوله علیه السلام: «هیهات»: قال ابن أبی الحدید: یفسّره الناس بمعنی هیهات أن أطلعكم مضیئین و منوّرین سرار العدل! و السرّار آخر لیلة من الشهر، و تكون مظلمة، و یمكن أن یفسّر بوجه آخر، و هو أن یكون السرار بمعنی السّرور و هو خطوط مضیئة فی الجبهة و هو نصّ أهل اللّغة علی أنّه یجوز فیه السّرار (1). قالوا: و یجمع السرار علی أسرّة. و یقولون: برقت أسرة وجهه،

ص: 111


1- كذا فی أصلی، و فی شرح ابن أبی الحدید: «و قد نصّ أهل اللغة علی أنّه یجوز فیها: «سرر و سرار» قالوا: و یجمع سرار علی أسرّة مثل حمار و أحمرة ...».

فالمعنی: هیهات أن تلمع بكم لوامع العدل و یبرق وجهه! و یمكن أن ینصب «سرار» علی الظرفیة، و یكون التقدیر: هیهات أن أطلع بكم الحقّ زمان استسراره و استخفائه، فیكون قد حذف المفعول و حذفه كثیر.

و قال الكیدری: سرار الشهر و سرره: آخر لیلة منه. و السرار: المسارّة من السّر. و جمع سرر: الكتف و الجبهة: و «سرار العدل»: أی فی سرار [العدل] فحذف حرف الجرّ و وصل الفعل.

و قیل: أی هیهات أن أظهر بمعونتكم ما خفی و استسرّ من أقمار العدل و أنواره! انتهی.

[أقول: ] و لعلّ المراد ب «الذی كان»: [هو] الرغبة فی الخلافة أو الحروب أو الجمیع. و «لم یكن»: ناقصة، و «كان»: تامّة. و المنافسة: المغالبة فی الشی ء.

و «الحطام»: ما تكسّر من الیبس، و هو كنایة عن متاع الدنیا. و المراد بفضوله:

زخارفها و زینتها و ما لا یحتاج إلیه منها. و معالم الدین: الآثار التی یهتدی بها.

و الإنابة: الرجوع.

قوله علیه السلام: «نهمته»: أی حرصه و جشعه علی أموال رعیّته.

و من رواه «نهمة» بالتحریك فهی إفراط الشهوة فی الطعام. و الجفاء:

خلاف البرّ و الصلة، و رجل جافی الخلقة و الخلق: أی منقبض غلیظ.

[قوله علیه السلام: ] «فیقطعهم»: أی عن الوصول إلیه أو عن حاجاتهم أو بعضهم عن بعض لتفرّقهم. و الأوّل أظهر و إن لم یكن یذكره أحد.

قوله علیه السّلام: «و لا الحائف» بالحاء المهملة: من الحیف و هو الظلم و الجور.

و الدول بضمّ الدال المهملة: جمع الدّولة بالضم و هی اسم المال

ص: 112

المتداول، قال اللّٰه تعالی: «كَیْ لا یَكُونَ دُولَةً بَیْنَ الْأَغْنِیاءِ مِنْكُمْ» [٧٦ / الحشر: ٥٩]: أی إذا لم یقسم الإمام بالسّویة، و یخصّ بالمال بعضهم دون بعض، فیتّخذ قوما دون قوم فیفرّق المسلمین.

و روی «الخائف» بالمعجمة. و الدول بكسر الدال جمع دولة بالفتح و هی الغلبة: أی من یخاف دول الأیّام و تقلّب الدهور، فیتّخذ قوما یتوقّع نفعهم فی دنیاه، و یقوّیهم و یضعف آخرین.

قوله علیه السلام: «دون المقاطع»: أی یقف عند مقطع الحكم فلا یقطعه، بأن یحكم بالحقّ بل یحكم بالباطل، أو یسوّف الحكم حتّی یضطر المحقّ و یرضی بالصلح، فیذهب بعض حقّه. و یحتمل أن یكون «دون» بمعنی «غیر»:

أی یقف فی غیر مقطعه.

و قال ابن أبی الحدید: فإن قلت: أ فتراه عنی بهذا قوما بأعیانهم؟ قلت:

الإمامیة تزعم أنّه رمز بالجفاء و العصبیّة لقوم دون قوم إلی عمر. و رمز بالجهل إلی من كان قبله، و رمز بتعطیل السنّة إلی عثمان و معاویة. انتهی.

و الأظهر أنّ المراد بالبخیل [هو] عثمان، لما هو المعلوم من أكله أموال المسلمین؛ و لما مرّ منه علیه السلام فی [الخطبة] الشقشقیة. و [المراد] ب «الجاهل» جمیعهم. و ب «الجافی» عمر كما مرّ [أیضا] فی [الخطبة] الشقشقیة.

و ب «الحائف للدول» عمر و عثمان كما هو المعلوم من سیرتهما. و ب «المعطّل للسنّة» أیضا جمیعهم.

«950»- (1) نَهْجٌ: [وَ] مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَیْهِ السَّلَامُ: لِیَتَأَسَّ صَغِیرُكُمْ بِكَبِیرِكُمْ، وَ لِیَرْؤُفَ كَبِیرُكُمْ بِصَغِیرِكُمْ، وَ لَا تَكُونُوا كَجُفَاةِ الْجَاهِلِیَّةِ، لَا فِی الدِّینِ یَتَفَقَّهُونَ، وَ لَا عَنِ اللَّهِ یَعْقِلُونَ، كَقَیْضِ بَیْضٍ فِی أَدَاحٍ

ص: 113


1- [950]- رَوَاهُ السَّیِّدُ الرَّضِیُّ فِی الْمُخْتَارِ: (164) مِنْ نَهْجِ الْبَلَاغَةِ.

یَكُونُ كَسْرُهُ وِزْراً، وَ یُخْرِجُ حِضَانُهَا شَرّاً.

[وَ] مِنْهَا: افْتَرَقُوا بَعْدَ أُلْفَتِهِمْ، وَ تَشَتَّتُوا عَنْ أَصْلِهِمْ، فَمِنْهُمْ آخِذٌ بِغُصْنٍ أَیْنَمَا مَالَ مَالَ مَعَهُ، عَلَی أَنَّ اللَّهَ تَعَالَی سَیَجْمَعُهُمْ لِشَرِّ یَوْمٍ لِبَنِی أُمَیَّةَ، كَمَا تَجْتَمِعُ قَزَعُ الْخَرِیفِ، یُؤَلِّفُ اللَّهُ بَیْنَهُمْ ثُمَّ یَجْعَلُهُمْ رُكَاماً كَرُكَامِ السَّحَابِ، ثُمَّ یَفْتَحُ اللَّهُ لَهُمْ أَبْوَاباً یَسِیلُونَ مِنْ مُسْتَثَارِهِمْ كَسَیْلِ الْجَنَّتَیْنِ، حَیْثُ لَمْ تَسْلَمْ عَلَیْهِ قَارَةٌ، وَ لَمْ تَثْبُتْ لَهُ أَكَمَةٌ، وَ لَمْ یَرُدَّ سَنَنَهُ رَصُّ طَوْدٍ، وَ لَا حِدَابُ أَرْضٍ. یُذَعْذِعُهُمُ اللَّهُ فِی بُطُونِ أَوْدِیَتِهِ، ثُمَّ یَسْلُكُهُمْ یَنابِیعَ فِی الْأَرْضِ، یَأْخُذُ بِهِمْ مِنْ قَوْمٍ حُقُوقَ قَوْمٍ، وَ یُمَكِّنُ لِقَوْمٍ فِی دِیَارِهِمْ قَوْمٌ.

وَ ایْمُ اللَّهِ لَیَذُوبَنَّ مَا فِی أَیْدِیهِمْ بَعْدَ الْعُلُوِّ وَ التَّمْكِینِ، كَمَا تَذُوبُ الْأَلْیَةُ عَلَی النَّارِ.

أَیُّهَا النَّاسُ! لَوْ لَمْ تَتَخَاذَلُوا عَنْ نَصْرِ الْحَقِّ، وَ لَمْ تَهِنُوا عَنْ تَوْهِینِ الْبَاطِلِ، لَمْ یَطْمَعْ فِیكُمْ مَنْ لَیْسَ مِثْلَكُمْ، وَ لَمْ یَقْوَ مَنْ قَوِیَ عَلَیْكُمْ، لَكِنَّكُمْ تِهْتُمْ مَتَاهَ بَنِی إِسْرَائِیلَ. وَ لَعَمْرِی لَیُضَعَّفَنَّ لَكُمُ التِّیهُ مِنْ بَعْدِی أَضْعَافاً؛ بِمَا خَلَّفْتُمُ الْحَقَّ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ، وَ قَطَعْتُمُ الْأَدْنَی وَ وَصَلْتُمُ الْأَبْعَدَ.

وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِنِ اتَّبَعْتُمُ الدَّاعِیَ لَكُمْ، سَلَكَ بِكُمْ مِنْهَاجَ الرَّسُولِ، وَ كُفِیتُمْ مَئُونَةَ الِاعْتِسَافِ، وَ نَبَذْتُمُ الثِّقْلَ الْفَادِحَ عَنِ الْأَعْنَاقِ.

إیضاح:

[لزوم] تأسّی الصغیر بالكبیر، لأنّه أكثر تجربة و أحزم.

و قال الكیدری: أی لیتأسّ من صغر منزلته فی العلم و العمل بمن له متانة فیهما، و لیرحم كلّ من له جاه و منزلة فی الدنیا بالمال و القوّة كلّ من دونه.

و «القیض» بالفتح قشرة البیض العلیا الیابسة. و قیل: التی خرج ما فیها من فرخ أو ماء. و فی بعض النسخ: «كبیض هیض»: أی كسر. و الأداحی:

ص: 114

جمع الأدحی بالضمّ، و قد یكسر و هو الموضع الذی تبیض فیه النعامة و تفرخ، و هو أفعول من دحوت؛ لأنّها تدحوه برجلها: أی تبسطه، ثمّ تبیض فیه و لیس للنعام عشّ.

و قال ابن أبی الحدید: وجه الشبه، أنّه إن كسرها كاسر أثم؛ لأنّه یظنّ بیض القطاة، و إن لم یكسر، یخرج حضانها شرّا، إذ یخرج أفعی قاتلا. و استعار لفظ الأداحی للأعشاش مجازا؛ لأنّ الأداحی لا یكون إلّا للنعام.

و قال ابن میثم: نهاهم أن یشبهوا جفاة الجاهلیّة فی عدم تفقّههم فی الدین، فیشبهون إذا بیض الأفاعی فی أعشاشها. و وجه الشّبه أنّه إن كسره كاسر أثم؛ لتأذّی الحیوان به، فكذلك هؤلاء إذا أشبهوا جفاة الجاهلیة، لا یحلّ أذاهم لحرمة الإسلام، و إن أهملوا و تركوا علی الجهل، خرجوا شیاطین.

و الحضان بالكسر: مصدر، حضن الطائر بیضه: إذا ضمّه إلی نفسه تحت جناحه، و هو مرفوع بالفاعلیّة.

قوله علیه السلام: «افترقوا ...»: یذكر حال أصحابه و شیعته.

و قال ابن أبی الحدید: الأخذ بالغصن من تمسّك بعده علیه السلام بذرّیة الرسول صلّی اللّٰه علیه و آله، و تقدیر الكلام: و منهم من لا یكون كذلك.

ثمّ ذكر علیه السّلام أنّ الفریقین یجتمعان لشرّ یوم. و «القزع» جمع قزعة و هی سحب صغار تجتمع فتصیر ركاما، و الركام: ما كثف من السحاب.

و «مستثارهم» موضع ثورانهم و هیجانهم.

و الجنّتان هما اللّتان ذكرهما اللّٰه فی القرآن فی قصّة أهل سبإ. و القارّة:

الجبل الصغیر. و الأكمة: الموضع یكون أشدّ ارتفاعا ممّا حوله، و هو غلیظ لا یبلغ أن یكون حجرا. و «سننه»: طریقه. و طود مرصوص: أی جبل شدید التصاق الأجزاء بعضها ببعض. و الحداب: جمع حدبة و هی الروابی و النجاد. و الذعذعة:

ص: 115

التفریق و لعلّها كنایة عن اختفائهم بین الناس، ثمّ إظهارهم بالإعانة و التأیید.

و المراد بالقوم ثانیا آل الرسول صلّی اللّٰه علیه و آله، و هو إشارة إلی ظهور بنی عباس و انقراض بنی أمیّة.

و قوله علیه السلام: «و ایم اللّٰه لیذوبنّ ما فی أیدیهم»: یحتمل أن یكون إشارة إلی ذهاب ملك بنی أمیّة أو بنی العباس.

و تاه فی الأرض؛ ذهب متحیرا، و المتاه مصدر. و المراد بالأدنی نفسه علیه السلام، و بالأبعد من تقدم علیه. و [المراد ب] الداعی هو علیه السلام أو القائم علیه السلام. و الاعتساف: سلوك غیر الطریق. و فدحه الدین: أثقله.

و المراد بالثقل الفادح الإثم و العذاب فی الآخرة أو الأعمّ.

«951»- (1)

نَهْجٌ: [وَ] مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَیْهِ السَّلَامُ: أَمَّا بَعْدُ أَیُّهَا النَّاسُ! فَأَنَا فَقَأْتُ عَیْنَ الْفِتْنَةِ، وَ لَمْ یَكُنْ لِیَجْتَرِئَ عَلَیْهَا أَحَدٌ غَیْرِی، بَعْدَ أَنْ مَاجَ غَیْهَبُهَا وَ اشْتَدَّ كَلَبُهَا.

فَاسْأَلُونِی قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِی، فَوَ الَّذِی نَفْسِی بِیَدِهِ لَا تَسْأَلُونَنِی (2) عَنْ شَیْ ءٍ فِیمَا بَیْنَكُمْ وَ بَیْنَ السَّاعَةِ، وَ لَا عَنْ فِئَةٍ تَهْدِی مِائَةً وَ تُضِلُّ مِائَةً، إِلَّا أَنْبَأْتُكُمْ بِنَاعِقِهَا وَ قَائِدِهَا وَ سَائِقِهَا، وَ مُنَاخِ رِكَابِهَا وَ مَحَطِّ رِحَالِهَا، وَ مَنْ یُقْتَلُ مِنْ أَهْلِهَا قَتْلًا وَ مَنْ یَمُوتُ مِنْهُمْ مَوْتاً! وَ لَوْ قَدْ فَقَدْتُمُونِی وَ نَزَلَتْ [بِكُمْ «خ»] كَرَائِهُ الْأُمُورِ وَ حَوَازِبُ الْخُطُوبِ، لَأَطْرَقَ كَثِیرٌ مِنَ السَّائِلِینَ، وَ فَشِلَ كَثِیرٌ مِنَ الْمَسْئُولِینَ، وَ ذَلِكَ إِذَا قَلَّصَتْ حَرْبُكُمْ، وَ شَمَّرَتْ عَنْ سَاقٍ، وَ ضَاقَتِ [وَ كَانَتِ «خ»] الدُّنْیَا عَلَیْكُمْ ضِیقاً تَسْتَطِیلُونَ مَعَهُ أَیَّامَ الْبَلَاءِ عَلَیْكُمْ، حَتَّی یَفْتَحَ اللَّهُ لِبَقِیَّةِ الْأَبْرَارِ مِنْكُمْ (3).

ص: 116


1- [951]- رَوَاهُ الشَّرِیفُ الرَّضِیُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِی الْمُخْتَارِ: (92) مِنْ كِتَابِ نَهْجِ الْبَلَاغَةِ.
2- و فی وسط السّطر من أصلی نقلا عن بعض النّسخ: «و لا تسألونی ...».
3- و فی وسط الأسطر من أصلی نقلا عن نسخة من نهج البلاغة: «و كانت الدّنیا علیكم ضیقا ...».

أَلَا إِنَّ الْفِتَنَ إِذَا أَقْبَلَتْ شَبَّهَتْ، وَ إِذَا أَدْبَرَتْ نَبَّهَتْ، یُنْكَرْنَ مُقْبِلَاتٍ وَ یُعْرَفْنَ مُدْبِرَاتٍ، یَحُمْنَ حَوْمَ الرِّیَاحِ یُصِبْنَ بَلَداً وَ یُخْطِئْنَ بَلَداً.

أَلَا [وَ] إِنَّ أَخْوَفَ الْفِتَنِ عِنْدِی عَلَیْكُمْ، فِتْنَةُ بَنِی أُمَیَّةَ، فَإِنَّهَا فِتْنَةٌ عَمْیَاءُ مُظْلِمَةٌ، عَمَّتْ خُطَّتُهَا، وَ خَصَّتْ بَلِیَّتُهَا، وَ أَصَابَ الْبَلَاءُ مَنْ أَبْصَرَ فِیهَا، وَ أَخْطَأَ الْبَلَاءُ مَنْ عَمِیَ عَنْهَا.

وَ ایْمُ اللَّهِ لَتَجِدُنَّ بَنِی أُمَیَّةَ لَكُمْ أَرْبَابَ سُوءٍ بَعْدِی، كَالنَّابِ الضَّرُوسِ، تَعْذِمُ بِفِیهَا، وَ تَخْبِطُ بِیَدِهَا، وَ تَزْبِنُ بِرِجْلِهَا، وَ تَمْنَعُ دَرَّهَا. لَا یَزَالُونَ بِكُمْ حَتَّی لَا یَتْرُكُوا مِنْكُمْ إِلَّا نَافِعاً لَهُمْ، أَوْ غَیْرَ ضَائِرٍ بِهِمْ. وَ لَا یَزَالُ بَلَاؤُهُمْ حَتَّی لَا یَكُونَ انْتِصَارُ أَحَدِكُمْ مِنْهُمْ إِلَّا مِثْلَ انْتِصَارِ الْعَبْدِ مِنْ رَبِّهِ، وَ الصَّاحِبِ مِنْ مُسْتَصْحِبِهِ، تَرِدُ عَلَیْكُمْ فِتْنَتُهُمْ شَوْهَاءَ مَخْشِیَّةً، وَ قِطَعاً جَاهِلِیَّةً، لَیْسَ فِیهَا مَنَارُ هُدًی وَ لَا عَلَمٌ یُرَی، نَحْنُ أَهْلَ الْبَیْتِ مِنْهَا بِمَنْجَاةٍ، وَ لَسْنَا فِیهَا بِدُعَاةٍ.

ثُمَّ یُفَرِّجُهَا اللَّهُ عَنْكُمْ كَتَفْرِیجِ الْأَدِیمِ، بِمَنْ یَسُومُهُمْ خَسْفاً، وَ یَسُوقُهُمْ عُنْفاً، وَ یَسْقِیهِمْ بِكَأْسٍ مُصَبَّرَةٍ لَا یُعْطِیهِمْ إِلَّا السَّیْفَ، وَ لَا یُحْلِسُهُمْ إِلَّا الْخَوْفَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَوَدُّ قُرَیْشٌ بِالدُّنْیَا وَ مَا فِیهَا لَوْ یَرَوْنِی [یَرَوْنَنِی «خ»] مَقَاماً وَاحِداً، وَ لَوْ قَدْرَ جَزْرِ جَزُورٍ، لِأَقْبَلَ مِنْهُمْ مَا أَطْلُبُ الْیَوْمَ بَعْضَهُ فَلَا یُعْطُونَنِی.

إیضاح:

قال ابن أبی الحدید (1): هذه الخطبة ذكرها جماعة من أصحاب السیرة، و هی متداولة منقولة مستفیضة خطب بها علیّ علیه السلام بعد انقضاء أمر النّهروان، و فیها ألفاظ لم یوردها الرّضی رحمه اللّٰه. ثمّ ذكر بعض الألفاظ المتروكة منها: .

ص: 117


1- ذكره ابن أبی الحدید فی أواخر شرحه للكلام و هو المختار: (92) من نهج البلاغة: ج 7 ص 57 ط الحدیثة بمصر، و فی ط الحدیثة ببیروت: ج 2 ص 614.

قَوْلُهُ عَلَیْهِ السَّلَامُ: «وَ لَمْ یَكُنْ لِیَجْتَرِئَ عَلَیْهَا غَیْرِی، وَ لَوْ لَمْ أَكُ فِیكُمْ مَا قُوتِلَ أَهْلُ الْجَمَلِ وَ النَّهْرَوَانِ. وَ ایْمُ اللَّهِ لَوْ لَا أَنْ تَتَّكِلُوا فَتَدَعُوا الْعَمَلَ، لَحَدَّثْتُكُمْ بِمَا قَضَی اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَی لِسَانِ نَبِیِّكُمْ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ، لِمَنْ قَاتَلَهُمْ مُبْصِراً لِضَلَالَتِهِمْ، عَارِفاً لِلْهُدَی الَّذِی نَحْنُ عَلَیْهِ.

سَلُونِی قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِی، فَإِنِّی مَیِّتٌ عَنْ قَرِیبٍ أَوْ مَقْتُولٌ، بَلْ قَتْلًا. مَا یَنْتَظِرُ أَشْقَاهَا أَنْ یَخْضِبَ هَذِهِ بِدَمِ هَذِهِ! وَ ضَرَبَ [عَلَیْهِ السَّلَامُ] بِیَدِهِ عَلَی لِحْیَتِهِ.

وَ مِنْهَا فِی ذِكْرِ بَنِی أُمَیَّةَ: یَظْهَرُ أَهْلُ بَاطِلِهَا عَلَی أَهْلِ حَقِّهَا حَتَّی یَمْلَأَ الْأَرْضَ عُدْوَاناً وَ ظُلْماً وَ بِدَعاً، إِلَی أَنْ یَضَعَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ جَبَرُوتَهَا، وَ یَكْسِرَ عَمَدَهَا، وَ یَنْزِعَ أَوْتَادَهَا. أَلَا وَ إِنَّكُمْ مُدْرِكُوهَا، فَانْصُرُوا قَوْماً كَانُوا أَصْحَابَ رَایَاتِ بَدْرٍ وَ حُنَیْنٍ تُؤْجَرُوا، وَ لَا تَمَالَئُوا عَلَیْهِمْ عَدُوَّهُمْ، فَیَصِیرَ عَلَیْهِمُ الْبَلِیَّةَ وَ یُحِلَّ بِكُمُ النَّقِمَةَ (1).

وَ مِنْهَا: إِلَّا مِثْلَ انْتِصَارِ الْعَبْدِ مِنْ مَوْلَاهُ، إِذَا رَآهُ أَطَاعَهُ، وَ إِذَا تَوَارَی عَنْهُ شَتَمَهُ. وَ ایْمُ اللَّهِ لَوْ فَرَّقُوكُمْ تَحْتَ كُلِّ حَجَرٍ لَجَمَعَكُمُ اللَّهُ لِشَرِّ یَوْمٍ لَهُمْ.

وَ مِنْهَا: فَانْظُرُوا أَهْلَ بَیْتِ نَبِیِّكُمْ فَإِنْ لَبَدُوا فَالْبُدُوا، وَ إِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فَانْصُرُوهُمْ، فَلَیُفَرِّجَنَّ اللَّهُ [الْفِتْنَةَ] بِرَجُلٍ مِنَّا أَهْلَ الْبَیْتِ. بِأَبِی ابْنُ خِیَرَةِ الْإِمَاءِ، لَا یُعْطِیهِمْ إِلَّا السَّیْفَ هَرْجاً هَرْجاً، مَوْضُوعاً عَلَی عَاتِقِهِ ثَمَانِیَةَ أَشْهُرٍ، حَتَّی تَقُولَ قُرَیْشٌ (2): لَوْ كَانَ هَذَا مِنْ وُلْدِ فَاطِمَةَ لَرَحِمَنَا. یُغْرِیهِ اللَّهُ بِبَنِی أُمَیَّةَ، حَتَّی یَجْعَلَهُمْ حُطَاماً وَ رُفَاتاً «مَلْعُونِینَ أَیْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَ قُتِّلُوا تَقْتِیلًا سُنَّةَ اللَّهِ فِی الَّذِینَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِیلًا» (3).

ص: 118


1- كذا فی أصلی المطبوع و فی شرح ابن أبی الحدید: ج 2 ص 614 ط بیروت: فتصرعكم البلیّة و تحلّ بكم النّقمة.
2- هذا هو الصّواب المذكور فی شرح ابن أبی الحدید، و فی أصلی: «موضوعا علی عاتقه یمانیّة حتّی تقول قریش: ...».
3- ما بین القوسین المزدوجین مقتبس من الآیة: (61) من سورة الأحزاب: 33.

ثمّ قال [ابن أبی الحدید: ] فإن قیل: فمن هذا الرجل الموعود به! قیل:

أمّا الإمامیّة فیزعمون أنّه إمامهم الثانی عشر، و أنّه ابن أمة اسمها نرجس.

و أمّا أصحابنا، فیزعمون أنّه فاطمی یولد فی مستقبل الزمان، لأمّ ولد و لیس بموجود الآن.

فإن قیل: فمن یكون من بنی أمیّة فی ذلك الوقت موجودا حتّی ینتقم منهم؟

قیل: أمّا الإمامیّة فتقول بالرجعة، و یزعمون أنّه سیعاد قوم بأعیانهم من بنی أمیة و غیرهم، إذا ظهر إمامهم المنتظر، و أنّه یقطع أیدی أقوام و أرجلهم، و یسمل عیون بعضهم و یصلب قوما آخرین، و ینتقم من أعداء آل محمّد علیهم السلام المتقدّمین [منهم] و المتأخّرین.

و أمّا أصحابنا فیزعمون أنّه سیخلق اللّٰه تعالی فی آخر الزمان رجلا من ولد فاطمة علیها السّلام یستولی علی السفیانی و أشیاعه من بنی أمیّة (1).

ثمّ قال: فإن قیل: لما ذا خصّ أهل الجمل و أهل النهروان بالذّكر، و لم یذكر [أهل] صفّین؟ قیل: لأنّ الشبهة كانت فی أهل الجمل و أهل النهروان ظاهرة الالتباس، أمّا أهل الجمل [ف] لحسن ظنّهم بطلحة و الزبیر، و كون عائشة زوجة الرسول صلّی اللّٰه علیه و آله معهم.

و أمّا أهل النهروان، فكانوا أهل قرآن و عبادة و اجتهاد، و عزوف عن الدنیا، و هم كانوا قرّاء العراق و زهّادها.

و أمّا معاویة، فكان فاسقا مشهورا بقلّة الدین و الانحراف عن الإسلام، و كذلك ناصره و مظاهره علی أمره، عمرو بن العاص و من اتّبعهما من طغام أهل الشام و أجلافهم و جهّال الأعراب، فلم یكن أمرهم خافیا فی جواز قتالهم

ص: 119


1- هذا محصّل ما أفاده ابن أبی الحدید و لیس نصّ كلامه.

و محاربتهم. انتهی.

قوله علیه السّلام: «فأنا فقأت» یقال: فقأت العین: أی شققتها أو قلعتها بشحمها، أو أدخلت الإصبع فیها. و فقأ عین الفتنة: كسر ثورانها. و حذف المضاف أی عین أهلها بعید.

و عدم اجتراء غیره علیه السلام علی إطفاء تلك الفتنة؛ لأنّ الناس كانوا یهابون قتال أهل القبلة، و یقولون: كیف نقاتل من یؤذّن كأذاننا و یصلّی بصلاتنا؟

و الغیهیب: الظلمة و تموّجها و عمومها و شمولها، تشبیها لها بالبحر.

و الكلب بالتحریك-: داء یعرض الإنسان من عضّ الكلب، و العطش. و المراد شرّها و أذاها.

و الفئة: الطائفة و الجماعة [و] لا واحد لها من لفظها. و ناعقها: الداعی لها، أو إلیها. و المناخ بضمّ المیم موضع الإناخة. و الركاب: الإبل التی یسار علیها. و الواحدة: راحلة و الرحل بالفتح-: كلّ شی ء یعدّ للرحیل. و حططت الرحل: أنزلته عن الإبل. و المحطّ: اسم مكان. و قیل: هو و المناخ مصدران.

و الكریهة: النازلة: و كرائه الأمور: المصائب التی تكرهها النفوس. و الحوازب:

جمع حازب. و هو الأمر الشدید، و حزبه أمر: اشتدّ علیه و دهمه. و الخطب بالفتح-: الشأن و الحال و الأمر الذی تقع فیه المخاطبة. و الإطراق: السكوت، و إطراق السائل لصعوبة الأمر و شدّته [علیه] حتّی أنّه یبهته عن السؤال و یتحیّر كیف یسأل. و الفشل: الجبن و الضعف.

قوله علیه السّلام: «و ذلك»: أی النّزول و الإطراق و الفشل. و «قلّصت» بالتشدید: أی اجتمعت و انضمّت .. و الحرب إذا كانت فی موضع واحد یكون أشدّ و أصعب و یكون التشدید للمبالغة. و هی بالتخفیف بمعنی ارتفعت فالمراد شدّتها و كثرتها.

ص: 120

و یقال: [هی] بالتشدید بمعنی استمرّت فی المضیّ. و یقال: قلص قمیصه فقلّص تقلیصا: أی شمّر. لازم [و] متعدّ.

و فی بعض النسخ: «قلصت حربكم عن ساق» بدون كلمة «شمّرت».

و یروی «إذا قلصت عن حربكم» بالتخفیف: أی إذا انكشفت كرائه الأمور و حوازب الخطوب عن حربكم.

و «شمّرت عن ساق»: أی كشفت عن شدّة و مشقّة كما قیل فی قوله تعالی: «یَوْمَ یُكْشَفُ عَنْ ساقٍ» [٤٢ / القلم: ٦٨] و قیل: كشف الساق مثل فی اشتداد الأمر و صعوبة الخطب. و أصله تشمیر المخدّرات عن سوقهنّ فی الهرب.

و قیل: یُكْشَفُ عَنْ ساقٍ: أی عن أصل الأمر و حقیقته بحیث یصیر عیانا. و یحتمل أن یكون الغرض تشبیه الحرب بالمجدّ فی أمر، فإنّ الإنسان إذا جدّ فی السعی شمّر عن ساقه و رفع ثوبه لئلّا یمنعه.

و استطالة الأیّام: عدّها طویلة. و یوم البؤس و الشدّة یطول علی الإنسان.

و لعلّ المراد ببقیّة الأبرار، أولادهم و إن لم یكونوا أبرارا فی أنفسهم، إن كان [الكلام] إشارة إلی دولة بنی العباس. و الأظهر أنّه [علیه السلام] أراد القائم علیه السلام.

قوله علیه السلام: «شبهت» علی المعلوم: أی جعلت نفسها أو الأمور الباطلة شبیهة بالحقّ. أو علی [بناء] المجهول أی أشكل أمرها و التبس علی الناس.

قوله علیه السلام: «نبهت»: أی أیقظت القوم من النوم، و أظهرت بطلانها علیهم.

«ینكرن»: أی لا یعرف حالهنّ. و حام الطائر حول الماء: إذا طاف و دار

ص: 121

لینزل علیه.

و [قوله علیه السلام: ] «حوم الریاح» أی كحومها.

و الخطّة بالضّم-: شبه القصّة و الأمر و الخطب. و عموم خطّة تلك البلیّة لكونها رئاسة عامّة و سلطنة شاملة. و خصوص البلیّة لكون حظّ أهل البیت علیهم السلام و شیعتهم منها أوفر.

و إصابة البلاء من أبصر فیها، لحزن المبصر من مشاهدة أفعالهم الشنیعة، و قصدهم إیّاه بأنواع الأذی بخلاف الجاهل المنقاد لهم.

و یطلق الرب علی المالك و السیّد و المدبّر و المربّی و المنعم.

و الباب: الناقة المسنّة. و الضروس: السیّئة الخلق تعضّ حالبها. و عذم الفرس كضرب إذا أكل بجفاء أو عضّ. و خبط البعیر إذا ضرب بیده الأرض شدیدا. و الزبن: الدفع. و زبنت الناقة إذا ضربت بثفنات رجلها عند الحلب. و الدّرّ: اللّبن. و یقال لكلّ خیر علی التوسّع.

قوله علیه السلام: «لا یزالون بكم»: أی لا یزالون یؤذونكم بأنواع الأذی حتّی لا یبقی منكم إلّا من ینفعهم فی مقاصدهم، أو لا یضرّهم بإنكار المنكرات علیهم. و الضائر: المضرّ. و الانتصار: الانتقام. و الصاحب: التابع.

و المستصحب: المتبوع. و الغرض إمّا نفی إمكان الانتصار، أو إثبات انتصار الأذلّاء و المقهورین، كالغیبة و الذمّ مع الأمن من الوصول إلی المغتاب.

و الشوهاء: القبیحة. و المخشیة: المخوّفة. و الجاهلیة: الحالة التی كانت العرب علیها قبل الإسلام.

و المنجاة: موضع النجاة. و الغرض خلاصهم من لحوق الآثام و المتابعة فی الدعوة إلی الباطل، لا الخلاص من الأذیّة. و الأدیم: الجلد. و وجه الشبه انكشاف الجلد عمّا تحته من اللّحم.

ص: 122

و یحتمل أن یكون المراد بالأدیم، الجلد الذی یلفّ الإنسان فیه للتّعذیب؛ لأنّه یضغطه شدیدا إذا جفّ و فی تفریجه راحة.

و یسومهم: أی یكلّفهم و یلزمهم. و الخسف: النقصان و الذلّ و الهوان.

و المصبّرة: الممزوجة بالصبر المرّ. و قیل: أی المملوءة إلی أصبارها، أی جوانبها.

و الحلس بالكسر-: كساء رقیق یكسی علی ظهر البعیر تحت البرذعة.

و أحلس البعیر: ألبسه الحلس.

و یحتمل أن یكون من الحلس الذی یبسط تحت حرّ الثیاب، إشعارا بأنّهم فی بیوتهم أیضا خائفون.

و هو إشارة إلی ظهور دولة بنی العبّاس. و الجزور: الناقة التی تجزر.

قوله علیه السلام: «ما أطلب الیوم بعضه»: أی الطاعة و الانقیاد، أی یتمنّون أن یرونی فیطیعونی إطاعة كاملة، و قد رضیت منهم الیوم بأن یطیعونی إطاعة ناقصة فلم یقبلوا.

و قد روی فی [كتب] السّیر: أنّ مروان بن محمّد و هو آخر ملوك بنی أمیّة، قال یوم الزاب لمّا شاهد عبد اللّٰه بن محمد بن علی بن عبد اللّٰه بن العبّاس بإزائه فی صفّ خراسان-: لوددت أنّ علیّ بن أبی طالب تحت هذه الرایة بدلا من هذا الفتی.

و یحتمل أن یكون التمنّی عند قیام القائم علیه السلام.

«952»- (1) نَهْجٌ: [وَ] مِنْ كَلَامٍ لَهُ عَلَیْهِ السَّلَامُ.

فَلَا أَمْوَالَ بَذَلْتُمُوهَا لِلَّذِی رَزَقَهَا، وَ لَا أَنْفُسَ خَاطَرْتُمْ بِهَا لِلَّذِی خَلَقَهَا، تَكْرُمُونَ بِاللَّهِ عَلَی عِبَادِهِ وَ لَا تُكْرِمُونَ اللَّهَ فِی عِبَادِهِ، فَاعْتَبِرُوا بِنُزُولِكُمْ مَنَازِلَ

ص: 123


1- [952]- رَوَاهُ الشَّرِیفُ الرَّضِیُّ رَضِیَ اللَّهُ تَعَالَی عَنْهُ فِی الْمُخْتَارِ: (180) مِنْ كِتَابِ نَهْجِ الْبَلَاغَةِ.

مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَ انْقِطَاعِكُمْ عَنْ أَوْصَلِ إِخْوَانِكُمْ.

بیان: انتصاب [قوله: ] «أموال» بفعل مقدّر دلّ علیه «بذلتموها» و كذلك «أنفس». و خاطر فلان بنفسه و بماله: أی ألقاهما فی الهلكة. «تكرمون باللّٰه»:

أی یعزّكم الناس بأنّكم أهل طاعة اللّٰه. «و لا تكرمون اللّٰه»: أی لا تطیعونه فی الإحسان إلی عباده، أو [فی] إجراء أحكامه بینهم.

«953»- (1) نَهْجٌ: مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَیْهِ السَّلَامُ: رُوِیَ عَنْ نَوْفٍ الْبَكَالِیِّ قَالَ: خَطَبَنَا [بِ] هَذِهِ الْخُطْبَةِ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ [عَلَیْهِ السَّلَامُ] وَ هُوَ قَائِمٌ عَلَی حِجَارَةٍ نَصَبَهَا لَهُ جَعْدَةُ بْنُ هُبَیْرَةَ الْمَخْزُومِیُّ، وَ عَلَیْهِ مِدْرَعَةٌ مِنْ صُوفٍ، وَ حَمَائِلُ سَیْفِهِ لِیفٌ [مِنْ لِیفٍ «خ»] وَ فِی رِجْلَیْهِ نَعْلَانِ مِنْ لِیفٍ، وَ كَأَنَّ جَبِینَهُ ثَفِنَةُ بَعِیرٍ! فَقَالَ:

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِی إِلَیْهِ مَصَائِرُ الْخَلْقِ وَ عَوَاقِبُ الْأَمْرِ، نَحْمَدُهُ عَلَی عَظِیمِ إِحْسَانِهِ، وَ نَیِّرِ بُرْهَانِهِ، وَ نَوَامِی فَضْلِهِ وَ امْتِنَانِهِ، حَمْداً یَكُونُ لِحَقِّهِ قَضَاءً، وَ لِشُكْرِهِ أَدَاءً، وَ إِلَی ثَوَابِهِ مُقَرِّباً، وَ لِحُسْنِ مَزِیدِهِ مُوجِباً.

وَ نَسْتَعِینُ بِهِ اسْتِعَانَةَ رَاجٍ لِفَضْلِهِ مُؤَمِّلٍ لِنَفْعِهِ، وَاثِقٍ بِدَفْعِهِ، مُعْتَرِفٍ لَهُ بِالطَّوْلِ، مُذْعِنٍ لَهُ بِالْعَمَلِ وَ الْقَوْلِ.

وَ نُؤْمِنُ بِهِ إِیمَانَ مَنْ رَجَاهُ مُوقِناً، وَ أَنَابَ إِلَیْهِ مُؤْمِناً، وَ خَنَعَ لَهُ مُذْعِناً وَ أَخْلَصَ لَهُ مُوَحِّداً، وَ عَظَّمَهُ مُمَجِّداً، وَ لَاذَ بِهِ رَاغِباً مُجْتَهِداً.

لَمْ یُولَدْ سُبْحَانَهُ فَیَكُونَ فِی الْعِزِّ مُشَارَكاً، وَ لَمْ یَلِدْ فَیَكُونَ مَوْرُوثاً هَالِكاً، وَ لَمْ یَتَقَدَّمْهُ وَقْتٌ وَ لَا زَمَانٌ، وَ لَا یَتَعَاوَرُهُ زِیَادَةٌ وَ لَا نُقْصَانٌ، بَلْ ظَهَرَ لِلْعُقُولِ بِمَا

ص: 124


1- [953]- رَوَاهُ الشَّرِیفُ الرَّضِیُّ رَضِیَ اللَّهُ تَعَالَی عَنْهُ فِی الْمُخْتَارِ: (180) مِنْ كِتَابِ نَهْجِ الْبَلَاغَةِ.

أَرَانَا مِنْ عَلَامَاتِ التَّدْبِیرِ الْمُتْقَنِ وَ الْقَضَاءِ الْمُبْرَمِ.

فَمِنْ شَوَاهِدِ خَلْقِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ مُوَطَّدَاتٍ بِلَا عَمَدٍ، قَائِمَاتٍ بِلَا سَنَدٍ، دَعَاهُنَّ فَأَجَبْنَ طَائِعَاتٍ مُذْعِنَاتٍ غَیْرَ مُتَلَكِّئَاتٍ وَ لَا مُبْطِئَاتٍ، وَ لَوْ لَا إِقْرَارُهُنَّ بِالرُّبُوبِیَّةِ وَ إِذْعَانُهُنَّ بِالطَّوَاعِیَةِ، لَمَا جَعَلَهُنَّ مَوْضِعاً لِعَرْشِهِ وَ لَا مَسْكَناً لِمَلَائِكَتِهِ وَ لَا مَصْعَداً لِلْكَلِمِ الطَّیِّبِ وَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ مِنْ خَلْقِهِ.

جَعَلَ نُجُومَهَا أَعْلَاماً یَسْتَدِلُّ بِهِ الْحَیْرَانُ فِی مُخْتَلِفِ فِجَاجِ الْأَقْطَارِ.

لَمْ یَمْنَعْ ضَوْءَ نُورِهَا ادْلِهْمَامُ سُجُفِ اللَّیْلِ الْمُظْلِمِ، وَ لَا اسْتَطَاعَتْ جَلَابِیبُ سَوَادِ الْحَنَادِسِ أَنْ تَرُدَّ مَا شَاعَ فِی السَّمَاوَاتِ مِنْ تَلَأْلُؤِ نُورِ الْقَمَرِ.

فَسُبْحَانَ مَنْ لَا یَخْفَی عَلَیْهِ سَوَادُ غَسَقٍ دَاجٍ، وَ لَا لَیْلٍ سَاجٍ فِی بِقَاعِ الْأَرَضِینَ الْمُتَطَأْطِئَاتِ، وَ لَا فِی یَفَاعِ السُّفْعِ الْمُتَجَاوِرَاتِ، وَ مَا یَتَجَلْجَلُ بِهِ الرَّعْدُ فِی أُفُقِ السَّمَاءِ، وَ مَا تَلَاشَتْ عَنْهُ بُرُوقُ الْغَمَامِ، وَ مَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ تُزِیلُهَا عَنْ مَسْقَطِهَا عَوَاصِفُ الْأَنْوَاءِ، وَ انْهِطَالُ السَّمَاءِ.

وَ یَعْلَمُ مَسْقَطَ الْقَطْرَةِ وَ مَقَرَّهَا، وَ مَسْحَبَ الذَّرَّةِ وَ مَجَرَّهَا، وَ مَا یَكْفِی الْبَعُوضَةَ مِنْ قُوتِهَا، وَ مَا تَحْمِلُ الْأُنْثَی فِی بَطْنِهَا.

وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الْكَائِنِ قَبْلَ أَنْ یَكُونَ كُرْسِیٌّ أَوْ عَرْشٌ أَوْ سَمَاءٌ أَوْ أَرْضٌ أَوْ جَانٌّ أَوْ إِنْسٌ. لَا یُدْرَكُ بِوَهْمٍ، وَ لَا یُقَدَّرُ بِفَهْمٍ، وَ لَا یَشْغَلُهُ سَائِلٌ، وَ لَا یَنْقُصُهُ نَائِلٌ، وَ لَا یَنْظُرُ بِعَیْنٍ، وَ لَا یُحَدُّ بِأَیْنٍ، وَ لَا یُوصَفُ بِالْأَزْوَاجِ، وَ لَا یَخْلُقُ بِعِلَاجٍ، وَ لَا یُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ، وَ لَا یُقَاسُ بِالنَّاسِ، الَّذِی كَلَّمَ مُوسَی تَكْلِیماً وَ أَرَاهُ مِنْ آیَاتِهِ عَظِیماً، بِلَا جَوَارِحَ وَ لَا أَدَوَاتٍ، وَ لَا نُطْقٍ وَ لَا لَهَوَاتٍ.

بَلْ إِنْ كُنْتَ صَادِقاً أَیُّهَا الْمُتَكَلِّفُ لِوَصْفِ رَبِّكَ! فَصِفْ جَبْرَئِیلَ وَ مِیكَائِیلَ وَ جُنُودَ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِینَ، فِی حُجُرَاتِ الْقُدُسِ مُرْجَحِنِّینَ، مُتَوَلِّهَةً عُقُولُهُمْ أَنْ یَحُدُّوا أَحْسَنَ الْخَالِقِینَ.

ص: 125

وَ إِنَّمَا یُدْرَكُ بِالصِّفَاتِ ذَوُو الْهَیْئَاتِ وَ الْأَدَوَاتِ، وَ مَنْ یَنْقَضِی إِذَا بَلَغَ أَمَدَ حَدِّهِ بِالْفَنَاءِ.

فَلَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، أَضَاءَ بِنُورِهِ كُلَّ ظَلَامٍ، وَ أَظْلَمَ بِظُلْمَتِهِ كُلَّ نُورٍ.

أُوصِیكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَی اللَّهِ الَّذِی أَلْبَسَكُمُ الرِّیَاشَ، وَ أَسْبَغَ عَلَیْكُمُ الْمَعَاشَ، وَ لَوْ أَنَّ أَحَداً یَجِدُ إِلَی الْبَقَاءِ سُلَّماً، أَوْ لِدَفْعِ الْمَوْتِ سَبِیلًا، لَكَانَ ذَلِكَ سُلَیْمَانَ بْنَ دَاوُدَ الَّذِی سُخِّرَ لَهُ مُلْكُ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ مَعَ النُّبُوَّةِ، وَ عَظِیمِ الزُّلْفَةِ، فَلَمَّا اسْتَوْفَی طُعْمَتَهُ، وَ اسْتَكْمَلَ مُدَّتَهُ، رَمَتْهُ قِسِیُّ الْفَنَاءِ بِنِبَالِ الْمَوْتِ، وَ أَصْبَحَتِ الدِّیَارُ مِنْهُ خَالِیَةً، وَ الْمَسَاكِنُ مُعَطَّلَةً وَ وَرِثَهَا قَوْمٌ آخَرُونَ.

وَ إِنَّ لَكُمْ فِی الْقُرُونِ السَّالِفَةِ لَعِبْرَةً، أَیْنَ الْعَمَالِقَةُ وَ أَبْنَاءُ الْعَمَالِقَةِ؟ أَیْنَ الْفَرَاعِنَةُ وَ أَبْنَاءُ الْفَرَاعِنَةِ؟ أَیْنَ أَصْحَابُ مَدَائِنِ الرَّسِّ الَّذِینَ قَتَلُوا النَّبِیِّینَ وَ أَطْفَئُوا سُنَنَ الْمُرْسَلِینَ وَ أَحْیَوْا سُنَنَ الْجَبَّارِینَ؟ أَیْنَ الَّذِینَ سَارُوا بِالْجُیُوشِ وَ هَزَمُوا الْأُلُوفَ وَ عَسْكَرُوا الْعَسَاكِرَ وَ مَدَّنُوا الْمَدَائِنَ؟! [و] منها: قد لبس للحكمة جنّتها، و أخذها بجمیع أدبها من الإقبال علیها، و المعرفة بها، و التّفرّغ لها، و هی عند نفسه ضالّته الّتی یطلبها، و حاجته الّتی یسأل عنها، فهو مغترب إذا اغترب الإسلام، و ضرب بعسیب ذنبه؛ و ألصق الأرض بجرانه بقیّة من بقایا حجّته، خلیفة من خلائف أنبیائه.

ثُمَّ قَالَ عَلَیْهِ السَّلَامُ: أَیُّهَا النَّاسُ! إِنِّی قَدْ بَثَثْتُ لَكُمُ الْمَوَاعِظَ الَّتِی وَعَظَ بِهَا الْأَنْبِیَاءُ أُمَمَهُمْ، وَ أَدَّیْتُ إِلَیْكُمْ مَا أَدَّتِ الْأَوْصِیَاءُ إِلَی مَنْ بَعْدَهُمْ، وَ أَدَّبْتُكُمْ بِسَوْطِی فَلَمْ تَسْتَقِیمُوا، وَ حَدَوْتُكُمْ بِالزَّوَاجِرِ فَلَمْ تَسْتَوْثِقُوا، لِلَّهِ أَنْتُمْ أَ تَتَوَقَّعُونَ إِمَاماً غَیْرِی یَطَأُ بِكُمُ الطَّرِیقَ وَ یُرْشِدُكُمُ السَّبِیلَ؟! أَلَا إِنَّهُ قَدْ أَدْبَرَ مِنَ الدُّنْیَا مَا كَانَ مُقْبِلًا، وَ أَقْبَلَ مِنْهَا مَا كَانَ مُدْبِراً، وَ أَزْمَعَ التَّرْحَالَ عِبَادُ اللَّهِ الْأَخْیَارُ، وَ بَاعُوا قَلِیلًا مِنَ الدُّنْیَا لَا یَبْقَی بِكَثِیرٍ مِنَ الْآخِرَةِ لَا یَفْنَی.

ص: 126

مَا ضَرَّ إِخْوَانَنَا الَّذِینَ سُفِكَتْ دِمَاؤُهُمْ وَ هُمْ بِصِفِّینَ أَنْ لَا یَكُونُوا الْیَوْمَ أَحْیَاءً یُسِیغُونَ الْغُصَصَ، وَ یَشْرَبُونَ الرَّنْقَ، قَدْ وَ اللَّهِ لَقُوا اللَّهَ فَوَفَّاهُمْ أُجُورَهُمْ، وَ أَحَلَّهُمْ دَارَ الْأَمْنِ بَعْدَ خَوْفِهِمْ.

أَیْنَ إِخْوَانِیَ الَّذِینَ رَكِبُوا الطَّرِیقَ وَ مَضَوْا عَلَی الْحَقِّ؟ أَیْنَ عَمَّارٌ؟ وَ أَیْنَ ابْنُ التَّیِّهَانِ؟ وَ أَیْنَ ذُو الشَّهَادَتَیْنِ؟ وَ أَیْنَ نُظَرَاؤُهُمْ مِنْ إِخْوَانِهِمُ الَّذِینَ تَعَاقَدُوا عَلَی الْمَنِیَّةِ، وَ أُبْرِدَ بِرُءُوسِهِمْ إِلَی الْفَجَرَةِ؟

قَالَ [نَوْفٌ: ] ثُمَّ ضَرَبَ یَدَهُ إِلَی لِحْیَتِهِ وَ أَطَالَ الْبُكَاءَ، ثُمَّ قَالَ عَلَیْهِ السَّلَامُ:

أَوِّهْ عَلَی إِخْوَانِیَ الَّذِینَ تَلَوُا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ! وَ تَدَبَّرُوا الْفَرْضَ فَأَقَامُوهُ! وَ أَحْیَوُا السُّنَّةَ وَ أَمَاتُوا الْبِدْعَةَ، دُعُوا لِلْجِهَادِ فَأَجَابُوا، وَ وَثِقُوا بِالْقَائِدِ فَاتَّبَعُوا!.

ثُمَّ نَادَی بِأَعْلَی صَوْتِهِ.

الْجِهَادَ الْجِهَادَ عِبَادَ اللَّهِ! أَلَا وَ إِنِّی مُعَسْكِرٌ فِی یَومِی هَذَا، فَمَنْ أَرَادَ الرَّوَاحَ إِلَی اللَّهِ فَلْیَخْرُجْ [فَلْیَبْرَحْ «خ»].

قَالَ نَوْفٌ: وَ عَقَدَ لِلْحُسَیْنِ عَلَیْهِ السَّلَامُ فِی عَشَرَةِ آلَافٍ، وَ لِقَیْسِ بْنِ سَعْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِی عَشَرَةِ آلَافٍ، وَ لِأَبِی أَیُّوبَ الْأَنْصَارِیِّ [فِی] عَشَرَةِ آلَافٍ، وَ لِغَیْرِهِمْ عَلَی أَعْدَادٍ أُخَرَ، وَ هُوَ یُرِیدُ الرَّجْعَةَ إِلَی صِفِّینَ، فَمَا دَارَتِ الْجُمُعَةُ حَتَّی ضَرَبَهُ الْمَلْعُونُ ابْنُ مُلْجَمٍ، لَعَنَهُ اللَّهُ، فَتَرَاجَعَتِ الْعَسَاكِرُ. فَكُنَّا كَأَغْنَامٍ فَقَدَتْ رَاعِیَهَا، تَخْتَطِفُهَا الذِّئَابُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ.

تبیان:

قد مرّ شرح صدر الخطبة فی كتاب التوحید، و قال [ابن الأثیر] فی [كتاب] النهایة: الریاش و الریش: ما ظهر من اللّباس. و قیل: الریاش: جمع الریش، و یقع الریاش علی الخصب و المعاش و المال المستفاد.

و «أسبغ»: أی أكمل و أوسع. و المعاش و المعیشة: مكسب الإنسان الّذی

ص: 127

یعیش به. و السلّم كسكّر-: ما یرتقی علیه. و استعمل هنا فی الوسیلة.

و كون النّبوّة و الزّلفة أی القرب و المنزلة من الوسائل إلی البقاء، لاستجابة الدعاء معهما، فهما مظنّتان للتوصّل إلی البقاء فی الباطن، كما أنّ السلطنة الكاملة مظنّة لأن تكون وسیلة إلیه فی الظّاهر. و الطعمة: الرزق المقدّر.

و القسیّ: جمع القوس. و النبل: السهّام العربیّة، لا واحد من لفظها.

و قال ابن أبی الحدید: نبال الموت أسبابه. و الإضافة البیانیة للمبالغة بعیدة.

و العمالقة: أولاد عملیق أو عملاق بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح.

و الفراعنة: ملوك مصر. و قد مضی ذكر أصحاب الرّسّ.

و عسكروا [العساكر]: أی جمعوها. و مدّنوا المدائن: أی بنوها.

قوله علیه السّلام: «قد لبس للحكمة جنّتها»: إشارة إلی القائم علیه السلام كما ذكره ابن أبی الحدید نقلا عن الإمامیّة. و «التفرّغ لها»: أی عن العلائق و الشواغل.

قوله علیه السلام: «ضالّته»: إشارة إلی

قوله صلّی اللّٰه علیه و آله و سلّم «الحكمة ضالّة المؤمن».

قوله علیه السلام: «فهو مغترب»: أی هذا الشخص یخفی نفسه و یخملها إذا ظهر الفسق و الجور و اغترب الإسلام باغتراب العدل و الصلاح، و هو إشارة إلی غیبة القائم علیه السلام.

و قال [ابن الأثیر] فی [مادّة «ذنب» من كتاب] النهایة:

فی حدیث علیّ علیه السلام: أنّه ذكر فتنة فقال: «إذا كان ذلك ضرب یعسوب الدین بذنبه» (1).

ص: 128


1- و هذا رواه أیضا الهروی فی مادة «ذنب» من كتاب غریب الحدیث. ورواه أیضا السید الرضی فی المختار الأول من غریب كلام أمیر المؤمنین بعد المختار (٢٦٠) من قصار كلام أمیر المؤمنین من نهج البلاغة.

أی فارق أهل الفتنة و ضرب فی الأرض ذاهبا فی أهل دینه و أتباعه الذین یتّبعونه علی رأیه و هم الأذناب.

و قال الزمخشری: الضرب بالذنب هاهنا مثل للإقامة و الثبات، یعنی یثبت هو و من یتبعه علی الدین.

و قال الفیروزآبادی: العسیب: عظم الذنب أو منبت الشعر منه، و البعیر إذا أعیا و تأذّی ضرب بعسیب ذنبه.

و إلصاق الأرض بجرانه كنایة عن ضعف الإسلام و قلّة نفعه، فإنّ البعیر أقلّ ما یكون نفعه حال بروكه. و جران البعیر: صدره أو مقدّم عنقه. و بثّ الخبر:

نشره. و الحداء: سوق الإبل و الغناء لها.

[قوله علیه السلام: ] «و استوثقوا»: استجمعوا و انضموا. و «الزواجر»:

النواهی و الإیعادات. «یطأ بكم الطریق»: أی یذهب بكم فی سبیل الحقّ.

قوله علیه السلام: «ما كان مقبلا»: أی الهدی و الرشاد الذی كان فی أیّام الرسول صلّی اللّٰه علیه و آله، أو فی أیّام خلافته علیه السلام، فیكون إشارة إلی قرب ارتحاله علیه السلام من دار الفناء.

و [المراد من قوله: ] «ما كان مدبرا»: الضلال و الفساد. و «أزمع الأمر»:

أی عزم علیه. و الترحال بالفتح: مبالغة فی الرحلة.

و كلمة «ما» فی [قوله علیه السلام: ] «ما ضرّ»: نافیة، و یحتمل الاستفهام [أیضا] علی الإنكار. و الفاعل [هو قوله: ] «أن لا یكونوا».

و إساغة الغصص هنا كنایة عن كثرة الآلام و مشاهدة المنكرات، بحیث صار تجرّع الغصص عادة لهم، أو عن الرضا بقضاء اللّٰه. و الغصّة: ما یعترض فی الحلق. و الرنق بالفتح و التحریك-: الكدر من الماء.

ص: 129

و عمار هو ابن یاسر المعروف و قد مرّ فضله. و ابن التّیّهان بالیاء المنقوطة باثنتین تحتها، المشدّدة المكسورة، و قبلها تاء منقوطة باثنتین فوقها، ذكره ابن أبی الحدید و جوّز فتح الیاء أیضا. و المضبوط فی أكثر النسخ بالیاء الساكنة و فتح التاء و كسرها معا.

و فی القاموس: و تیهان و تیّهان مشدّدة الیاء و یكسر، و هو أبو الهیثم و اسمه مالك.

و قال ابن أبی الحدید: الصحیح أنّه أدرك صفّین و شهدها مع علیّ علیه السلام ... و قیل: توفّی فی زمن الرسول صلّی اللّٰه علیه و آله و سلّم.

و ذو الشهادتین هو خزیمة بن ثابت و قصته مشهورة، یكنّی أبا عمارة، شهد بدرا و ما بعدها من المشاهد، و شهد صفین مع علی علیه السلام، فلما قتل عمّار قاتل حتّی قتل.

قوله علیه السلام: «تعاقدوا»: أی جعلوا الموت بینهم عقدا. أو تابعوا علی الموت و روی: «تعاهدوا». «و أبرد برءوسهم» [مأخوذ] من البرید: أی أرسل للبشارة بها. و «الفجرة»: أمراء عسكر الشام. و «أوه» ساكنة الواو مكسورة الهاء: كلمة شكوی و توجّع، و ربما قلبوا الواو ألفا، فقالوا: آه من كذا، و آه علی كذا. و ربما شدّد الواو و كسروها و سكنوا الهاء، فقالوا: أوّه من كذا. و ربما حذفوا الهاء مع التشدید و كسروا الواو، فقالوا: أو من كذا بلا مدّ. و قد یقولون: آوّه بالمدّ و التشدید و فتح الواو و سكون الهاء، لتطویل الصوت بالشكایة. و ربما أدخلوا فیه التاء تارة یمدّونه، و تارة لا یمدّونه، فیقولون: أوتاه و آوتاه، و الاسم منه الآهة بالمدّ. ذكره الجوهری و ابن أبی الحدید.

و إحكامه [أی القرآن]: تلاوته كما ینبغی مع رعایة المحسنّات، و التدبّر فی معانیه و العمل بمقتضاه.

و أراد علیه السلام بالقائد: نفسه. و الرواح إلی اللّٰه: الذهاب إلی الفوز

ص: 130

برضوانه، أو إلی لقائه بالشهادة.

و قیس هو من أصحاب رسول اللّٰه صلّی اللّٰه علیه و آله، كان شجاعا جوادا من كبار شیعة علی علیه السّلام، شهد حروبه كلّها. و أبوه سعد بن عبادة، كان رئیس الخزرج، و لم یبایع أبا بكر، و مات علی عدم البیعة. و المشهور أنّهم قتلوه لذلك، و أحالوا قتله علی الجنّ، و افتروا شعرا من قبل الجنّ كما مرّ.

و أبو أیوب هو خالد بن سعد بن كعب الخزرجیّ من بنی النّجار، شهد العقبة و بدرا و سائر المشاهد، و علیه نزل رسول اللّٰه صلّی اللّٰه علیه و آله حین قدم المدینة، و شهد مع أمیر المؤمنین علیه السلام مشاهده كلّها، و كان علی مقدّمته یوم النهروان.

و الاختطاف: أخذك الشی ء بسرعة. و المراد هنا إمّا الأخذ بالنهب و القتل و الإذلال، أو الإغواء و الإضلال.

«954»- (1) ما: جَمَاعَةٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ الْمَرْزُبَانِیِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَی عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَهْلٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِی مِخْنَفٍ عَنِ ابْنِ حَصِیرَةَ عَنْ أَبِی صَادِقٍ عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْدِیِّ قَالَ: قَامَ عَلِیُّ بْنُ أَبِی طَالِبٍ عَلَیْهِ السَّلَامُ فِی النَّاسِ، لِیَسْتَنْفِرَهُمْ إِلَی أَهْلِ الشَّامِ، وَ ذَلِكَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ الَّتِی كَانَتْ بَیْنَهُ وَ بَیْنَهُمْ، وَ قَدْ شَنَّ مُعَاوِیَةُ عَلَی بِلَادِ الْمُسْلِمِینَ الْغَارَاتِ، فَاسْتَنْفَرَهُمْ فِی الرَّغْبَةِ فِی الْجِهَادِ وَ الرَّهْبَةِ فَلَمْ یَنْفِرُوا، فَأَضْجَرَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ:

یَا أَیُّهَا النَّاسُ الْمُجْتَمِعَةُ أَبْدَانُهُمْ الْمُخْتَلِفَةُ أَهْوَاؤُهُمْ! مَا عَزَّتْ دَعْوَةُ مَنْ دَعَاكُمْ، وَ لَا اسْتَرَاحَ قَلْبُ مَنْ قَاسَاكُمْ. كَلَامُكُمْ یُوهِنُ الصُّمَّ الصِّلَابَ، وَ تَثَاقُلُكُمْ عَنْ طَاعَتِی یَطْمَعُ فِیكُمْ عَدُوَّكُمُ [الْمُرْتَابُ] . إِذَا أَمَرْتُكُمْ قُلْتُمْ: «كَیْتَ وَ كَیْتَ

ص: 131


1- [954]- رَوَاهُ الشَّیْخُ الطُّوسِیُّ فِی الْحَدِیثِ 24 مِنَ الْجُزْءِ السَّابِعِ مِنْ أَمَالِیهِ ج 1 ص 113.

وَ عَسَی» أَعَالِیلُ بِأَبَاطِیلَ وَ تَسْأَلُونِّیَ التَّأْخِیرَ، دِفَاعَ ذِی الدَّیْنِ الْمَطُولِ.

هَیْهَاتَ هَیْهَاتَ! لَا یَدْفَعُ الضَّیْمَ الذَّلِیلُ، وَ لَا یُدْرَكُ الْحَقُّ إِلَّا بِالْجِدِّ وَ الصَّبْرِ. أَیَّ دَارٍ بَعْدَ دَارِكُمْ تَمْنَعُونَ! وَ مَعَ أَیِّ إِمَامٍ بَعْدِی تُقَاتِلُونَ! الْمَغْرُورُ وَ اللَّهِ مَنْ غَرَرْتُمُوهُ، وَ مَنْ فَازَ بِكُمْ فَازَ بِالسَّهْمِ الْأَخْیَبِ.

أَصْبَحْتُ لَا أَطْمَعُ فِی نُصْرَتِكُمْ، وَ لَا أُصَدِّقُ قَوْلَكُمْ، فَرَّقَ اللَّهُ بَیْنِی وَ بَیْنَكُمْ، وَ أَعْقَبَنِی بِكُمْ مَنْ هُوَ خَیْرٌ لِی مِنْكُمْ.

أَمَا إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِی ذُلًّا شَامِلًا، وَ سَیْفاً قَاطِعاً، وَ أَثَرَةً یَتَّخِذُهَا الظَّالِمُونَ فِیكُمْ سُنَّةً، یُفَرَّقُ جَمَاعَتُكُمْ، وَ تَبْكِی عُیُونُكُمْ، وَ تَمَنَّوْنَ عَمَّا قَلِیلٍ أَنَّكُمْ رَأَیْتُمُونِی فَنَصَرْتُمُونِی، وَ سَتُعْرَفُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ عَمَّا قَلِیلٍ، وَ لَا یُبَعِّدُ اللَّهُ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ.

قَالَ: فَكَانَ جُنْدَبٌ لَا یَذْكُرُ هَذَا الْحَدِیثَ إِلَّا بَكَی، وَ قَالَ: صَدَقَ وَ اللَّهِ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ، قَدْ شَمَلَنَا الذُّلُّ وَ رَأَیْنَاهُ الْأَثَرَةَ، وَ لَا یُبَعِّدُ اللَّهُ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ.

«955»- (1) شاج: رُوِیَ أَنَّهُ لَمَّا عَزَمَ عَلَی الْمَسِیرِ إِلَی الشَّامِ لِقِتَالِ مُعَاوِیَةَ، قَالَ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ وَ الثَّنَاءِ عَلَیْهِ، وَ الصَّلَاةِ عَلَی رَسُولِ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ:

اتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ! وَ أَطِیعُوهُ وَ أَطِیعُوا إِمَامَكُمْ، فَإِنَّ الرَّعِیَّةَ الصَّالِحَةَ تَنْجُو بِالْإِمَامِ الْعَادِلِ، أَلَا وَ إِنَّ الرَّعِیَّةَ الْفَاجِرَةَ تُهْلَكُ بِالْإِمَامِ الْفَاجِرِ.

وَ قَدْ أَصْبَحَ مُعَاوِیَةُ غَاصِباً لِمَا فِی یَدَیْهِ مِنْ حَقِّی، نَاكِثاً لِبَیْعَتِی، طَاعِناً فِی دِینِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ.

وَ قَدْ عَلِمْتُمْ أَیُّهَا الْمُسْلِمُونَ مَا فَعَلَ النَّاسُ بِالْأَمْسِ، فَجِئْتُمُونِی رَاغِبِینَ إِلَیَ

ص: 132


1- [955]- رَوَاهُ الشَّیْخُ الْمُفِیدُ أَعْلَی اللَّهُ مَقَامَهُ فِی الْفَصْلِ: (30) مِمَّا اخْتَارَ مِنْ كَلَامِ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ عَلَیْهِ السَّلَامُ فِی كِتَابِ الْإِرْشَادِ، ص 139، ط النَّجَفِ. ورواه أیضا الطبرسی رحمه اللّٰه فی كتاب الاحتجاج، ج ١، ص ١٧٢، ط بیروت.

فِی أَمْرِكُمْ، حَتَّی اسْتَخْرَجْتُمُونِی مِنْ مَنْزِلِی لِتُبَایِعُونِی، فَالْتَوَیْتُ عَلَیْكُمْ لِأَبْلُوَ مَا عِنْدَكُمْ، فَرَاوَدْتُمُونِیَ الْقَوْلَ مِرَاراً، وَ رَادَدْتُكُمْ، وَ تَدَاكَكْتُمْ عَلَیَّ تَدَاكَّ الْإِبِلِ الْهِیمِ عَلَی حِیَاضِهَا، حِرْصاً عَلَی بَیْعَتِی، حَتَّی خِفْتُ أَنْ یَقْتُلَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً، فَلَمَّا رَأَیْتُ ذَلِكَ مِنْكُمْ، رَأَیْتُ فِی أَمْرِكُمْ وَ أَمْرِی، وَ قُلْتُ: إِنْ أَنَا لَمْ أُجِبْهُمْ إِلَی الْقِیَامِ بِأَمْرِهِمْ، لَمْ یُصِیبُوا أَحَداً مِنْهُمْ یَقُومُ فِیهِمْ مَقَامِی، وَ یَعْدِلُ فِیهِمْ عَدْلِی. وَ قُلْتُ: وَ اللَّهِ لَأَلِینُهُمْ وَ هُمْ یَعْلَمُونَ حَقِّی وَ فَضْلِی، أَحَبُّ إِلَیَّ مِنْ أَنْ یَلُونِی وَ لَا یَعْرِفُونَ حَقِّی وَ فَضْلِی.

فَبَسَطْتُ یَدِی فَبَایَعْتُمُونِّی یَا مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِینَ، وَ فِیكُمُ الْمُهَاجِرُونَ وَ الْأَنْصَارُ وَ التَّابِعُونَ بِإِحْسَانٍ، وَ أَخَذْتُ عَلَیْكُمْ عَهْدَ بَیْعَتِی وَ وَاجِبَ صَفْقَتِی [وَ] عَهْدَ اللَّهِ وَ مِیثَاقَهُ. وَ أَشَدَّ مَا أُخِذَ عَلَی النَّبِیِّینَ مِنْ عَهْدٍ وَ مِیثَاقٍ لِتُقِرُّنَّ لِی (1)، وَ لِتَسْمَعُنَّ لِأَمْرِی، وَ لِتُطِیعُونِی وَ تُنَاصِحُونِی، وَ تُقَاتِلُونَ مَعِی كُلَّ بَاغٍ عَلَیَّ، أَوْ مَارِقٍ إِنْ مَرَقَ.

فَبَایَعْتُمْ لِی بِذَلِكَ جَمِیعاً، وَ أَخَذْتُ عَلَیْكُمْ عَهْدَ اللَّهِ وَ مِیثَاقَهُ وَ ذِمَّةَ اللَّهِ وَ ذِمَّةَ رَسُولِهِ، فَأَجَبْتُمُونِی إِلَی ذَلِكَ، وَ أَشْهَدْتُ اللَّهَ عَلَیْكُمْ، وَ أَشْهَدْتُ بَعْضَكُمْ عَلَی بَعْضٍ.

فَقُمْتُ فِیكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِیِّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ. فَالْعَجَبُ مِنْ مُعَاوِیَةَ بْنِ أَبِی سُفْیَانَ! یُنَازِعُنِی الْخِلَافَةَ، وَ یَجْحَدُنِی الْإِمَامَةَ، وَ یَزْعُمُ أَنَّهُ أَحَقُّ بِهَا مِنِّی، جُرْأَةً مِنْهُ عَلَی اللَّهِ وَ رَسُولِهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ، بِغَیْرِ حَقٍّ لَهُ فِیهَا، وَ لَا حُجَّةٍ.

وَ لَمْ یُبَایِعْهُ الْمُهَاجِرُونَ، وَ لَا سَلِمَ لَهُ الْأَنْصَارُ وَ الْمُسْلِمُونَ.

یَا مَعَاشِرَ الْمُهَاجِرِینَ وَ الْأَنْصَارِ وَ جَمَاعَةَ مَنْ سَمِعَ كَلَامِی! أَ مَا أَوْجَبْتُمْ لِی عَلَی أَنْفُسِكُمُ الطَّاعَةَ؟ أَ مَا بَایَعْتُمُونِّی عَلَی الرَّغْبَةِ؟ أَ مَا أَخَذْتُ عَلَیْكُمُ الْعَهْدَ بِالْقَبُولِ لِقَوْلِی؟ أَ مَا بَیْعَتِی لَكُمْ یَوْمَئِذٍ أَوْكَدَ مِنْ بَیْعَةِ أَبِی بَكْرٍ وَ عُمَرَ؟ فَمَا بَالُ مَنْ خَالَفَنِی لَمْ یَنْقُضْ عَلَیْهِمَا حَتَّی مَضَیَا، وَ نَقَضَ عَلَیَّ وَ لَمْ یُوَفِّ لِی! أَ مَا یَجِبُ عَلَیْكُمْ نُصْحِی وَ یَلْزَمُكُمْ أَمْرِی؟ أَ مَا تَعْلَمُونَ أَنَّ بَیْعَتِی تَلْزَمُ الشَّاهِدَ مِنْكُمْ وَ الْغَائِبَ؟ فَمَا بَالُ مُعَاوِیَةَ وَ أَصْحَابِهِ طَاعِنُونَ فِی بَیْعَتِی! وَ لِمَ لَمْ یَفُوا لِی وَ أَنَا فِی قَرَابَتِی وَ سَابِقَتِی وَ صِهْرِی، أَوْلَی بِالْأَمْرِ مِمَّنْ تَقَدَّمَنِی؟ أَ مَا سَمِعْتُمْ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ

ص: 133


1- كذا فی ط الكمبانی من أصلی، و فی ط النّجف من كتاب الإرشاد: «لتفنّ لی ...».

وَ آلِهِ یَوْمَ الْغَدِیرِ فِی وَلَایَتِی وَ مُوَالاتِی.

فَاتَّقُوا اللَّهَ أَیُّهَا الْمُسْلِمُونَ! وَ تَحَاثُّوا عَلَی جِهَادِ مُعَاوِیَةَ الْقَاسِطِ النَّاكِثِ وَ أَصْحَابِهِ الْقَاسِطِینَ، [وَ] اسْمَعُوا مَا أَتْلُو عَلَیْكُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ الْمُنْزَلِ عَلَی نَبِیِّهِ الْمُرْسَلِ لِتَتَّعِظُوا، فَإِنَّهُ وَ اللَّهِ عِظَةٌ لَكُمْ. فَانْتَفِعُوا بِمَوَاعِظِ اللَّهِ وَ ازْدَجِرُوا عَنْ مَعَاصِی اللَّهِ، فَقَدْ وَعَظَكُمُ اللَّهُ بِغَیْرِكُمْ فَقَالَ لِنَبِیِّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ: أَ لَمْ تَرَ إِلَی الْمَلَإِ مِنْ بَنِی إِسْرائِیلَ مِنْ بَعْدِ مُوسی إِذْ قالُوا لِنَبِیٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِی سَبِیلِ اللَّهِ قالَ هَلْ عَسَیْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَیْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا قالُوا وَ ما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِی سَبِیلِ اللَّهِ وَ قَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِیارِنا وَ أَبْنائِنا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَیْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِیلًا مِنْهُمْ وَ اللَّهُ عَلِیمٌ بِالظَّالِمِینَ وَ قالَ لَهُمْ نَبِیُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنَّی یَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَیْنا وَ نَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَ لَمْ یُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَیْكُمْ وَ زادَهُ بَسْطَةً فِی الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ وَ اللَّهُ یُؤْتِی مُلْكَهُ مَنْ یَشاءُ وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِیمٌ أَیُّهَا النَّاسُ! إِنَّ لَكُمْ فِی هَذِهِ الْآیَاتِ عِبْرَةً؛ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْخِلَافَةَ وَ الْإِمْرَةَ مِنْ بَعْدِ الْأَنْبِیَاءِ فِی أَعْقَابِهِمْ، وَ أَنَّهُ فَضَّلَ طَالُوتَ وَ قَدَّمَهُ عَلَی الْجَمَاعَةِ بِاصْطِفَائِهِ إِیَّاهُ، وَ زادَهُ بَسْطَةً فِی الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ، فَهَلْ تَجِدُونَ اللَّهَ اصْطَفَی بَنِی أُمَیَّةَ عَلَی بَنِی هَاشِمٍ، وَ زَادَ مُعَاوِیَةَ عَلَیَّ بَسْطَةً فِی الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ؟! فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ! وَ جَاهِدُوا فِی سَبِیلِهِ قَبْلَ أَنْ یَنَالَكُمْ سَخَطُهُ بِعِصْیَانِكُمْ لَهُ، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: لُعِنَ الَّذِینَ كَفَرُوا مِنْ بَنِی إِسْرائِیلَ عَلی لِسانِ داوُدَ وَ عِیسَی ابْنِ مَرْیَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَ كانُوا یَعْتَدُونَ كانُوا لا یَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا یَفْعَلُونَ [وَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَی: ] إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِینَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ یَرْتابُوا وَ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فِی سَبِیلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ

ص: 134

وَ قَالَ سُبْحَانَهُ: یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلی تِجارَةٍ تُنْجِیكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِیمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ تُجاهِدُونَ فِی سَبِیلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَیْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ یَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَ یُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِی مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَ مَساكِنَ طَیِّبَةً فِی جَنَّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِیمُ اتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ! وَ تَحَاثُّوا عَلَی الْجِهَادِ مَعَ إِمَامِكُمْ. فَلَوْ كَانَ لِی بِكُمْ عِصَابَةٌ بِعَدَدِ أَهْلِ بَدْرٍ، إِذَا أَمَرْتُهُمْ أَطَاعُونِی، وَ إِذَا اسْتَنْهَضْتُهُمْ نَهَضُوا مَعِی، لَاسْتَغْنَیْتُ بِهِمْ عَنْ كَثِیرٍ مِنْكُمْ، وَ أَسْرَعْتُ النُّهُوضَ إِلَی حَرْبِ مُعَاوِیَةَ وَ أَصْحَابِهِ، فَإِنَّهُ الْجِهَادُ الْمَفْرُوضُ.

بیان: إنّما أوردته فی هذا الباب؛ لأنّه بالنهوض الثانی أنسب منه بالأوّل، و إن احتمله.

«956»- (1) شاج: [وَ] مِنْ كَلَامِهِ عَلَیْهِ السَّلَامُ یَجْرِی مَجْرَی الِاحْتِجَاجِ، مُشْتَمِلًا عَلَی التَّوْبِیخِ لِأَصْحَابِهِ عَلَی تَثَاقُلِهِمْ لِقِتَالِ مُعَاوِیَةَ، وَ التَّفْنِیدِ، مُتَضَمِّناً لِلَّوْمٍ وَ الْوَعِیدِ:

أَیُّهَا النَّاسُ! إِنِّی اسْتَنْفَرْتُكُمْ لِجِهَادِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ فَلَمْ تَنْفِرُوا، وَ أَسْمَعْتُكُمْ فَلَمْ تُجِیبُوا، وَ نَصَحْتُ لَكُمْ فَلَمْ تَقْبَلُوا، شُهُوداً كَالْغُیَّبِ.

أَتْلُو عَلَیْكُمُ الْحِكْمَةَ فَتُعْرِضُونَ عَنْهَا، وَ أَعِظُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ الْبَالِغَةِ فَتَنْفِرُونَ عَنْهَا، كَأَنَّكُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ وَ أَحُثُّكُمْ عَلَی جِهَادِ أَهْلِ الْجَوْرِ فَمَا آتِی عَلَی آخِرِ قَوْلِی، حَتَّی أَرَاكُمْ مُتَفَرِّقِینَ أَیَادِیَ سَبَا تَرْجِعُونَ إِلَی مَجَالِسِكُمْ

ص: 135


1- [956]- رَوَاهُ الشَّیْخُ الْمُفِیدُ فِی الْفَصْلِ: (46) مِمَّا اخْتَارَ مِنْ كَلَامِ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ عَلَیْهِ السَّلَامُ فِی كِتَابِ الْإِرْشَادِ، ص 148. وَ رَوَاهُ أَیْضاً الطَّبْرِسِیُّ فِی كِتَابِ الْإِحْتِجَاجِ ص 173.

تَتَرَبَّعُونَ حَلَقاً، تَضْرِبُونَ الْأَمْثَالَ، وَ تُنْشِدُونَ الْأَشْعَارَ، وَ تَجَسَّسُونَ الْأَخْبَارَ، حَتَّی إِذَا تَفَرَّقْتُمْ، تَسْأَلُونَ عَنِ الْأَشْعَارِ. جَهْلَةً مِنْ غَیْرِ عِلْمٍ، وَ غَفْلَةً مِنْ غَیْرِ وَرَعٍ، وَ تَتَبُّعاً مِنْ غَیْرِ خَوْفٍ. وَ نَسِیتُمُ الْحَرْبَ وَ الِاسْتِعْدَادَ لَهَا، فَأَصْبَحَتْ قُلُوبُكُمْ فَارِغَةً مِنْ ذِكْرِهَا، شَغَلْتُمُوهَا بِالْأَعَالِیلِ وَ الْأَضَالِیلِ.

فَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ وَ كَیْفَ لَا أَعْجَبُ مِنِ اجْتِمَاعِ قَوْمٍ عَلَی بَاطِلِهِمْ وَ تَخَاذُلِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ.

یَا أَهْلَ الْكُوفَةِ! أَنْتُمْ كَأُمِّ مُجَالِدٍ، حَمَلَتْ فَأَمْلَصَتْ، فَمَاتَ قَیِّمُهَا، وَ طَالَ أَیِّمُهَا وَ وَرِثَهَا أَبْعَدُهَا.

وَ الَّذِی فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ، إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمُ الْأَعْوَرَ الْأَدْبَرَ جَهَنَّمَ الدُّنْیَا، لَا یُبْقِی وَ لَا یَذَرُ.

وَ مَنْ بَعْدَهُ النَّهَّاسُ الْفَرَّاسُ، الْجَمُوعُ الْمَنُوعُ، ثُمَّ لَیَتَوَارَثَنَّكُمْ مِنْ بَنِی أُمَیَّةَ عِدَّةٌ، مَا الْآخَرُ [مِنْهُمْ] بِأَرْأَفَ بِكُمْ مِنَ الْأَوَّلِ، مَا خَلَا رَجُلًا وَاحِداً [مِنْهُمْ] بَلَاءٌ قَضَاهُ اللَّهُ عَلَی هَذِهِ الْأُمَّةِ، لَا مَحَالَةَ كَائِنٌ.

یَقْتُلُونَ خِیَارَكُمْ، وَ یَسْتَعْبِدُونَ أَرْذَالَكُمْ، وَ یَسْتَخْرِجُونَ كُنُوزَكُمْ وَ ذَخَائِرَكُمْ مِنْ جَوْفِ حِجَالِكُمْ، نَقِمَةً بِمَا ضَیَّعْتُمْ مِنْ أُمُورِكُمْ وَ صَلَاحِ أَنْفُسِكُمْ وَ دِینِكُمْ.

یَا أَهْلَ الْكُوفَةِ! أُخْبِرُكُمْ بِمَا یَكُونُ قَبْلَ أَنْ یَكُونَ، لِتَكُونُوا مِنْهُ عَلَی حَذَرٍ، وَ لِتُنْذِرُوا بِهِ مَنِ اتَّعَظَ وَ اعْتَبَرَ. كَأَنِّی بِكُمْ تَقُولُونَ: إِنَّ عَلِیّاً یَكْذِبُ كَمَا قَالَتْ قُرَیْشٌ لِنَبِیِّهَا وَ سَیِّدِهَا نَبِیِّ الرَّحْمَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ حَبِیبِ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ.

فَیَا وَیْلَكُمْ، فَعَلَی مَنْ أَكْذِبُ! أَ عَلَی اللَّهِ! فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ عَبَدَ اللَّهَ وَ وَحَّدَهُ، أَمْ عَلَی رَسُولِ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ! فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِهِ وَ صَدَّقَهُ وَ نَصَرَهُ. كَلَّا وَ لَكِنَّهَا لَهْجَةُ خُدْعَةٍ كُنْتُمْ عَنْهَا أَغْبِیَاءَ.

ص: 136

وَ الَّذِی فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ، لَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهَا بَعْدَ حِینٍ، وَ ذَلِكَ إِذَا صَیَّرَكُمْ إِلَیْهَا جَهْلُكُمْ، وَ لَا یَنْفَعُكُمْ عِنْدَهَا عِلْمُكُمْ.

فَقُبْحاً لَكُمْ یَا أَشْبَاهَ الرِّجَالِ وَ لَا رِجَالَ، حُلُومُ الْأَطْفَالِ وَ عُقُولُ رَبَّاتِ الْحِجَالِ.

أَمَا وَ اللَّهِ أَیُّهَا الشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُمْ، الْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ، الْمُخْتَلِفَةُ أَهْوَاؤُهُمْ! مَا أَعَزَّ اللَّهُ نَصْرَ مَنْ دَعَاكُمْ، وَ لَا اسْتَرَاحَ قَلْبُ مَنْ قَاسَاكُمْ، وَ لَا قَرَّتْ عَیْنُ مَنْ آوَاكُمْ. كَلَامُكُمْ یُوهِی الصُّمَّ الصِّلَابَ، وَ فِعْلُكُمْ یُطْمِعُ فِیكُمْ عَدُوَّكُمُ الْمُرْتَابَ.

یَا وَیْحَكُمْ، أَیَّ دَارٍ بَعْدَ دَارِكُمْ تَمْنَعُونَ! وَ مَعَ أَیِّ إِمَامٍ بَعْدِی تُقَاتِلُونَ! وَ الْمَغْرُورُ وَ اللَّهِ مَنْ غَرَرْتُمُوهُ، وَ مَنْ فَازَ بِكُمْ فَازَ بِالسَّهْمِ الْأَخْیَبِ.

أَصْبَحْتُ لَا أَطْمَعُ فِی نَصْرِكُمْ، وَ لَا أُصَدِّقُ قَوْلَكُمْ. فَرَّقَ اللَّهُ بَیْنِی وَ بَیْنَكُمْ، وَ أَعْقَبَنِی بِكُمْ مَنْ هُوَ خَیْرٌ لِی مِنْكُمْ، وَ أَعْقَبَكُمْ بِی مَنْ هُوَ شَرٌّ لَكُمْ مِنِّی.

إِمَامُكُمْ یُطِیعُ اللَّهَ وَ أَنْتُمْ تَعْصُونَهُ، وَ إِمَامُ أَهْلِ الشَّامِ یَعْصِی اللَّهَ وَ هُمْ یُطِیعُونَهُ. وَ اللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ مُعَاوِیَةَ صَارَفَنِی بِكُمْ صَرْفَ الدِّینَارِ بِالدِّرْهَمِ، فَأَخَذَ مِنِّی عَشَرَةً مِنْكُمْ وَ أَعْطَانِی وَاحِداً مِنْهُمْ وَ اللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّی لَمْ أَعْرِفْكُمْ، وَ لَمْ تَعْرِفُونِی، فَإِنَّهَا مَعْرِفَةٌ جَرَتْ نَدَماً! لَقَدْ وَرَّیْتُمْ صَدْرِی غَیْظاً، وَ أَفْسَدْتُمْ عَلَیَّ أَمْرِی بِالْخِذْلَانِ وَ الْعِصْیَانِ، حَتَّی لَقَدْ قَالَتْ قُرَیْشٌ: إِنَّ عَلِیّاً رَجُلٌ شُجَاعٌ [وَ] لَكِنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِالْحُرُوبِ. لِلَّهِ دَرُّهُمْ! هَلْ كَانَ فِیهِمْ أَحَدٌ أَطْوَلُ لَهَا مِرَاساً مِنِّی وَ أَشَدُّ لَهَا مُقَاسَاةً؟! لَقَدْ نَهَضْتُ فِیهَا وَ مَا بَلَغْتُ الْعِشْرِینَ، ثُمَّ هَا أَنَا قَدْ ذَرَّفْتُ عَلَی السِّتِّینَ، وَ لَكِنْ لَا أَمْرَ لِمَنْ لَا یُطَاعُ.

أَمَا وَ اللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ رَبِّی قَدْ أَخْرَجَنِی مِنْ بَیْنِ أَظْهُرِكُمْ إِلَی رِضْوَانِهِ، وَ أَنَّ الْمَنِیَّةَ لَتَرْصُدُنِی، فَمَا یَمْنَعُ أَشْقَاهَا أَنْ یَخْضِبَهَا؟ وَ نَزَّلَ [عَلَیْهِ السَّلَامُ] یَدَهُ عَلَی رَأْسِهِ وَ لِحْیَتِهِ عَهْداً عَهِدَهُ إِلَیَّ النَّبِیُّ الْأُمِّیُّ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ. وَ قَدْ خابَ مَنِ

ص: 137

افْتَری وَ نَجَا مَنِ اتَّقی وَ صَدَّقَ بِالْحُسْنی یَا أَهْلَ الْكُوفَةِ! قَدْ دَعَوْتُكُمْ إِلَی جِهَادِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَیْلًا وَ نَهَاراً، وَ سِرّاً وَ إِعْلَاناً، وَ قُلْتُ لَكُمُ: اغْزُوهُمْ قَبْلَ أَنْ یَغْزُوكُمْ؛ فَإِنَّهُ مَا غُزِیَ قَوْمٌ فِی عُقْرِ دَارِهِمْ إِلَّا ذَلُّوا. فَتَوَاكَلْتُمْ وَ تَخَاذَلْتُمْ، وَ ثَقُلَ عَلَیْكُمْ قَوْلِی، وَ اسْتَصْعَبَ عَلَیْكُمْ أَمْرِی، وَ اتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِیًّا حَتَّی شُنَّتْ عَلَیْكُمُ الْغَارَاتُ، وَ ظَهَرَتْ فِیكُمُ الْفَوَاحِشُ وَ الْمُنْكَرَاتُ، تُمْسِیكُمْ وَ تُصْبِحُكُمْ كَمَا فَعَلَ بِأَهْلِ الْمَثُلَاتِ مِنْ قَبْلِكُمْ، حَیْثُ أَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَنِ الْجَبَابِرَةِ الْعُتَاةِ الطُّغَاةِ، وَ الْمُسْتَضْعَفِینَ الْغُوَاةِ فِی قَوْلِهِ تَعَالَی:

یُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَ یَسْتَحْیُونَ نِساءَكُمْ وَ فِی ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِیمٌ (1).

أَمَا وَ الَّذِی فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ لَقَدْ حَلَّ بِكُمُ الَّذِی تُوعَدُونَ.

عَاتَبْتُكُمْ یَا أَهْلَ الْكُوفَةِ بِمَوَاعِظِ الْقُرْآنِ فَلَمْ أَنْتَفِعْ بِكُمْ، وَ أَدَّبْتُكُمْ بِالدِّرَّةِ فَلَمْ تَسْتَقِیمُوا لِی (2)، وَ عَاقَبْتُكُمْ بِالسَّوْطِ الَّذِی یُقَامُ بِهِ الْحُدُودُ فَلَمْ تَرْعَوُوا. وَ لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ الَّذِی یُصْلِحُكُمْ هُوَ السَّیْفُ. وَ مَا كُنْتُ مُتَحَرِّیاً صَلَاحَكُمْ بِفَسَادِ نَفْسِی، وَ لَكِنْ سَیُسَلَّطُ عَلَیْكُمْ سُلْطَانٌ صَعْبٌ، لَا یُوَقِّرُ كَبِیرَكُمْ، وَ لَا یَرْحَمُ صَغِیرَكُمْ، وَ لَا یُكْرِمُ عَالِمَكُمْ، وَ لَا یَقْسِمُ الْفَیْ ءَ بِالسَّوِیَّةِ بَیْنَكُمْ، وَ لَیَضْرِبَنَّكُمْ وَ لَیُذِلَنَّكُمْ، وَ لَیَجُرَّنَّكُمْ فِی الْمَغَازِی، وَ یَقْطَعَنَّ سُبُلَكُمْ، وَ لَیَحْجُبَنَّكُمْ عَلَی بَابِهِ حَتَّی یَأْكُلَ قَوِیُّكُمْ ضَعِیفَكُمْ، ثُمَّ لَا یُبَعِّدُ اللَّهُ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ. وَ لَقَلَّ مَا أَدْبَرَ شَیْ ءٌ فَأَقْبَلَ، إِنِّی لَأَظُنُّكُمْ عَلَی فَتْرَةٍ، وَ مَا عَلَیَّ إِلَّا النُّصْحُ لَكُمْ.

یَا أَهْلَ الْكُوفَةِ! مُنِیتُ مِنْكُمْ بِثَلَاثٍ وَ اثْنَتَیْنِ: صُمٌّ ذَوُو أَسْمَاعٍ، وَ بُكْمٌ ذَوُو أَلْسُنٍ، وَ عُمْیٌ ذَوُو أَبْصَارٍ. لَا إِخْوَانُ صِدْقٍ عِنْدَ اللِّقَاءِ، وَ لَا إِخْوَانُ ثِقَةٍ عِنْدَ الْبَلَاءِ.

ص: 138


1- و الآیة الكریمة قد وردت فی ثلاث سور من القرآن المجید فی الآیة: (49) من سورة البقرة، و فی الآیة (141) من سورة الأعراف، و فی الآیة: (6) من سورة إبراهیم.
2- فی النّسخة الخطّیّة: «و أدّبتكم بالدّرّة فلم أنتفع بكم، و أدّبتكم بالدّرّة فلم تستقیموا لی» الظّاهر أنّه خطأ من النّاسخ، و الصّحیح ما أثبتناه فی المتن، و هو مطابق لروایة الاحتجاج.

اللَّهُمَّ إِنِّی قَدْ مَلِلْتُهُمْ وَ مَلُّونِی، وَ سَئِمْتُهُمْ وَ سَئِمُونِی. اللَّهُمَّ لَا تُرْضِ عَنْهُمْ أَمِیراً، وَ لَا تُرْضِهِمْ عَنْ أَمِیرٍ، وَ أَمِثْ قُلُوبَهُمْ كَإِیمَاثِ الْمِلْحِ فِی الْمَاءِ.

أَمَا وَ اللَّهِ لَوْ [كُنْتُ] أَجِدُ بُدّاً مِنْ كَلَامِكُمْ وَ مُرَاسَلَتِكُمْ مَا فَعَلْتُ. وَ لَقَدْ عَاتَبْتُكُمْ فِی رُشْدِكُمْ حَتَّی سَئِمْتُ الْحَیَاةَ، [وَ أَنْتُمْ فِی] كُلِّ ذَلِكَ تَرْجِعُونَ بِالْهُزْءِ مِنَ الْقَوْلِ، فِرَاراً مِنَ الْحَقِّ، وَ إِلْحَاداً إِلَی الْبَاطِلِ (1) الَّذِی لَا یُعِزُّ اللَّهُ بِأَهْلِهِ الدِّینَ، وَ إِنِّی لَأَعْلَمُ بِكُمْ أَنَّكُمْ لَا تَزِیدُونَنِی غَیْرَ تَخْسِیرٍ كُلَّمَا أَمَرْتُكُمْ بِجِهَادِ عَدُوِّكُمْ اثَّاقَلْتُمْ إِلَی الْأَرْضِ، وَ سَأَلْتُمُونِیَ التَّأْخِیرَ دِفَاعَ ذِی الدَّیْنِ الْمَطُولِ. إِنْ قُلْتُ لَكُمْ فِی الْقَیْظِ: سِیرُوا. قُلْتُمْ: الْحَرُّ شَدِیدٌ. وَ إِنْ قُلْتُ لَكُمْ: سِیرُوا فِی الْبَرْدِ. قُلْتُمْ: الْقَرُّ شَدِیدٌ. كُلُّ ذَلِكَ فِرَاراً عَنِ الْحَرْبِ إِذَا كُنْتُمْ عَنِ الْحَرِّ وَ الْبَرْدِ تَعْجِزُونَ، فَأَنْتُمْ عَنْ حَرَارَةِ السَّیْفِ أَعْجَزُ وَ أَعْجَزُ. فَ إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَیْهِ راجِعُونَ یَا أَهْلَ الْكُوفَةِ! قَدْ أَتَانِیَ الصَّرِیحُ یُخْبِرُنِی أَنَّ ابْنَ غَامِدٍ قَدْ نَزَلَ الْأَنْبَارَ عَلَی أَهْلِهَا لَیْلًا فِی أَرْبَعَةِ آلَافٍ، فَأَغَارَ عَلَیْهِمْ كَمَا یُغَارُ عَلَی الرُّومِ وَ الْخَزَرِ، فَقَتَلَ بِهَا عَامِلِی ابْنَ حَسَّانَ، وَ قَتَلَ مَعَهُ رِجَالًا صَالِحِینَ ذَوِی فَضْلٍ وَ عِبَادَةٍ وَ نَجْدَةٍ، بَوَّأَ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتِ النَّعِیمِ، وَ إِنَّهُ أَبَاحَهَا.

وَ قَدْ بَلَغَنِی أَنَّ الْعُصْبَةَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، كَانُوا یَدْخُلُونَ عَلَی الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ وَ الْأُخْرَی الْمُعَاهَدَةِ، فَیَهْتِكُونَ سِتْرَهَا، وَ یَأْخُذُونَ الْقِنَاعَ مِنْ رَأْسِهَا، وَ الْخُرْصَ مِنْ أُذُنِهَا، وَ الْأَوْضَاحَ مِنْ یَدَیْهَا وَ رِجْلَیْهَا وَ عَضُدَیْهَا، وَ الْخَلْخَالَ وَ الْمِئْزَرَ عَنْ سُوقِهَا، فَمَا تَمْتَنِعُ إِلَّا بِالاسْتِرْجَاعِ وَ النِّدَاءِ «یَا لَلْمُسْلِمِینَ» فَلَا یُغِیثُهَا مُغِیثٌ وَ لَا یَنْصُرُهَا نَاصِرٌ، فَلَوْ أَنَّ مُؤْمِناً مَاتَ مِنْ دُونِ هَذَا أَسَفاً، مَا كَانَ عِنْدِی مَلُوماً بَلْ كَانَ عِنْدِی بَارّاً مُحْسِناً.

ص: 139


1- كذا فی أصلی من البحار، و مثله فی طبع النّجف من كتاب الإرشاد، و لعلّ الصّواب: «و إخلادا إلی الباطل ...».

وَا عَجَباً كُلَّ الْعَجَبِ مِنْ تَظَافُرِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ عَلَی بَاطِلِهِمْ، وَ فَشَلِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ! قَدْ صِرْتُمْ غَرَضاً یُرْمَی وَ لَا تَرْمُونَ، وَ تُغْزَوْنَ وَ لَا تَغْزُونَ، وَ یَعْصُونَ اللَّهَ وَ تَرْضَوْنَ، فَتَرِبَتْ أَیْدِیكُمْ یَا أَشْبَاهَ الْإِبِلِ غَابَ عَنْهَا رُعَاتُهَا، كُلَّمَا اجْتَمَعَتْ مِنْ جَانِبٍ تَفَرَّقَتْ مِنْ جَانِبٍ.

بیان: التّفنید: اللّوم و تضعیف الرأی. و القسورة: الأسد. و قال الجوهری:

أملصت المرأة بولدها أی أسقطته. و نهس اللحم: أخذه بمقدّم الأسنان. و نهس الحیّة: لسعها. و فرس الأسد فریسته: دقّ عنقها.

و المراد بالنّهاس الفراس، إمّا هشام بن عبد الملك لاشتهاره بالبخل، أو سلیمان بن عبد الملك، فإنّه الّذی قیضت له الخلافة بعد وفاة الحجّاج بقلیل.

و الأوّل أنسب.

و المراد بالرّجل الواحد [هو] عمر بن عبد العزیز.

قوله علیه السّلام: «و لكنّها لهجة خدعة»: أی إذا قلت لكم: سأظفر علی الخصم إن شاء اللّٰه، فلیس هذا من الكذب، بل هو كما مرّ و كذا أشباهه من مصالح الحرب و غیره.

و یحتمل إرجاع ضمیر «لكنّها» إلی ما ذكره من نسبته علیه السلام إلی الكذب، خصوصا علی نسخة «أغنیاء» بالنّون، أی ما ذكرتم لهجة خدعتم فیها من الشیطان و لم تكن لكم حاجة إلی ذكرها.

و فی الصحاح: وهی السّقاء یهی وهیا إذا انخرق و انشقّ. و فیه: وری القیح جوفه یریه وریا: أكله و الاسم الوری بالتحریك. و ورّی الجرح سائره توریة: أصابه الوری. و المراس: الممارسة و المعالجة. و رصده: رقبه. و الترصّد:

الترقّب.

ص: 140

قوله علیه السلام: «تمسیكم و تصبحكم»: لعلّ الضمیر المستتر فیهما راجع إلی الفواحش و المنكرات: أی یأتیكم إمّا صباحا أو مساء عقوبات تلك المنكرات كما فعل بمن قبلكم.

أو الكاف اسمیّ: أی یأتیكم مثل ما فعل بهم. أو قبله تقدیر: أی یأتیكم عقوبته كما فعل بهم.

أو الضمیران راجعان إلی شنّ الغارات و ظهور الفواحش و المنكرات، و یكون المراد ظهورها من المخالفین فیهم فهذه عقوبة أعمالهم.

قوله علیه السلام: «و لیجرّنكم»: أی یبعثكم جبرا. و فی بعض النسخ:

«و لیجهّزنّكم». و فی بعضها: «و لیجمّرنكم» و تجمیر الجیش أن تحبسهم فی أرض العدوّ و لا تقفلهم من الثغر. و تجمّروا: أی تحبسوا.

و [قوله علیه السلام: ] «و لیحجبنّكم»: ضمّن معنی القیام فعدّی ب «علی».

قوله علیه السّلام: «إن قلت لكم فی القیظ» [كذا فی كتاب الإحتجاج و]

فی [كتاب] الإرشاد: «إذا قلت لكم: انفروا فی الشتاء. قلتم: هذا أوان قرّ و صر. و إن قلت لكم: انفروا فی الصیف. قلتم: «هذه حمارّة القیظ أنظرنا ینصرم الحرّ عنّا كلّ ذلك فرارا عن الجنّة. [و] إذا كنتم عن الحرّ و البرد ...».

إلی آخر الكلام.

قوله علیه السلام: «قد أتانی الصریح» [كذا] فی أكثر النسخ بالحاء المهملة، و هو الرجل الخالص النسب. و كلّ خالص صریح.

و الأظهر أنّه بالخاء المعجمة كما فی [كتاب] الإرشاد: أی المستغیث أی من یطلب الإغاثة و المدد لدفع ظلمهم.

و العصبة من الرجال بالضمّ-: ما بین العشرة إلی الأربعین. و فی

ص: 141

القاموس: الخرص بالضمّ و یكسر-: حلقة الذهب و الفضّة أو حلقة القرط أو الحلقة الصغیرة من الحلی. و فی النهایة: [الخرص بالضمّ و الكسر-]: الحلقة الصغیرة من الحلی و هو من حلی الأذن.

و [أیضا] قال [ابن الأثیر: ] فیه: «أنّ یهودیا قتل جاریة علی أوضاح لها»:

هی نوع من الحلی یعمل من الفضّة سمّیت بها لبیاضها، واحدها وضح.

و قد أوردنا شرح بعض الفقرات فی الروایات الأخر.

«957»- (1) مع: الطَّالَقَانِیُّ عَنِ الْجَوْهَرِیِّ عَنِ الْجَلُودِیِّ وَ هِشَامِ بْنِ عَلِیٍّ مَعاً عَنِ ابْنِ عَائِشَةَ، بِإِسْنَادٍ ذَكَرَهُ: أَنَّ عَلِیّاً [عَلَیْهِ السَّلَامُ] انْتَهَی إِلَیْهِ أَنَّ خَیْلًا لِمُعَاوِیَةَ وَرَدَتِ الْأَنْبَارَ، فَقَتَلُوا عَامِلًا لَهُ یُقَالُ لَهُ: حَسَّانُ بْنُ حَسَّانَ. فَخَرَجَ مُغْضَباً یَجُرُّ ثَوْبَهُ حَتَّی أَتَی النُّخَیْلَةَ، وَ اتَّبَعَهُ النَّاسُ فَرَقِیَ رِبَاوَةً مِنَ الْأَرْضِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَی عَلَیْهِ وَ صَلَّی عَلَی نَبِیِّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ ثُمَّ قَالَ:

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الْجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَتَحَهُ اللَّهُ لِخَاصَّةِ أَوْلِیَائِهِ، وَ هُوَ لِباسُ التَّقْوی وَ دِرْعُ اللَّهِ الْحَصِینَةُ، وَ جُنَّتُهُ الْوَثِیقَةُ، فَمَنْ تَرَكَهُ رَغْبَةً عَنْهُ أَلْبَسَهُ اللَّهُ ثَوْبَ الذُّلِّ، وَ سِیمَاءَ الْخَسْفِ، وَ دُیِّثَ بِالصَّغَارِ.

وَ قَدْ دَعَوْتُكُمْ إِلَی حَرْبِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَیْلًا وَ نَهَاراً وَ سِرّاً وَ إِعْلَاناً، وَ قُلْتُ لَكُمُ:

اغْزُوهُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ یَغْزُوكُمْ، فَوَ الَّذِی نَفْسِی بِیَدِهِ مَا غُزِیَ قَوْمٌ قَطُّ فِی عُقْرِ دِیَارِهِمْ، إِلَّا ذَلُّوا، فَتَوَاكَلْتُمْ وَ تَخَاذَلْتُمْ وَ ثَقُلَ عَلَیْكُمْ قَوْلِی، وَ اتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِیًّا حَتَّی شُنَّتْ عَلَیْكُمُ الْغَارَاتُ.

هَذَا أَخُو غَامِدٍ قَدْ وَرَدَتْ خَیْلُهُ الْأَنْبَارَ، وَ قَتَلُوا حَسَّانَ بْنَ حَسَّانَ وَ رِجَالًا مِنْهُمْ كَثِیراً وَ نِسَاءً، وَ الَّذِی نَفْسِی بِیَدِهِ لَقَدْ بَلَغَنِی أَنَّهُ كَانَ [الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ

ص: 142


1- [957]- رَوَاهُ الشَّیْخُ الصَّدُوقُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِی الْبَابِ: (346)- وَ هُوَ بَابُ مَعَانِی الْأَلْفَاظِ الَّتِی ذَكَرَهَا أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ فِی خُطْبَتِهِ بِالنُّخَیْلَةِ- مِنْ كِتَابِ مَعَانِی الْأَخْبَارِ: ج 2 ص 309.

الشَّامِ] (1) یَدْخُلُ عَلَی الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ وَ الْمُعَاهَدَةِ فَیَنْتَزِعُ أَحْجَالَهُمَا وَ رُعُثَهُمَا، ثُمَّ انْصَرَفُوا مَوْفُورِینَ لَمْ یُكْلَمْ أَحَدٌ مِنْهُمْ كَلْماً. فَلَوْ أَنَّ امْرَأً مُسْلِماً مَاتَ مِنْ دُونِ هَذَا أَسَفاً، مَا كَانَ عِنْدِی فِیهِ مَلُوماً، بَلْ كَانَ عِنْدِی بِهِ جَدِیراً.

یَا عَجَباً كُلَّ الْعَجَبِ مِنْ تَظَافُرِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ عَلَی بَاطِلِهِمْ وَ فَشَلِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ! إِذَا قُلْتُ لَكُمُ: اغْزُوهُمْ فِی الشِّتَاءِ، قُلْتُمْ: هَذَا أَوَانُ قُرٍّ وَ صِرٍّ. وَ إِنْ قُلْتُ لَكُمُ: اغْزُوهُمْ فِی الصَّیْفِ، قُلْتُمْ: هَذِهِ حَمَارَّةُ الْقَیْظِ، أَنْظِرْنَا یَنْصَرِمِ الْحَرُّ عَنَّا. فَإِذَا أَنْتُمْ مِنَ الْحَرِّ وَ الْبَرْدِ تَفِرُّونَ، فَأَنْتُمْ وَ اللَّهِ مِنَ السَّیْفِ أَفَرُّ.

یَا أَشْبَاهَ الرِّجَالِ وَ لَا رِجَالَ! وَ یَا طَغَامَ الْأَحْلَامِ وَ یَا عُقُولَ رَبَّاتِ الْحِجَالِ.

وَ اللَّهِ لَقَدْ أَفْسَدْتُمْ عَلَیَّ رَأْیِی بِالْعِصْیَانِ، وَ لَقَدْ مَلَأْتُمْ جَوْفِی غَیْظاً حَتَّی قَالَتْ قُرَیْشٌ: إِنَّ ابْنَ أَبِی طَالِبٍ شُجَاعٌ وَ لَكِنْ لَا رَأْیَ لَهُ فِی الْحَرْبِ.

لِلَّهِ دَرُّهُمْ! وَ مَنْ ذَا یَكُونُ أَعْلَمَ بِهَا وَ أَشَدَّ لَهَا مِرَاساً مِنِّی! فَوَ اللَّهِ لَقَدْ نَهَضْتُ فِیهَا وَ مَا بَلَغْتُ الْعِشْرِینَ، وَ لَقَدْ نَیَّفْتُ الْیَوْمَ عَلَی السِّتِّینَ، وَ لَكِنْ لَا رَأْیَ لِمَنْ لَا یُطَاعُ. یَقُولُهَا ثَلَاثاً.

فَقَامَ إِلَیْهِ رَجُلٌ وَ مَعَهُ أَخُوهُ فَقَالَ: یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ! أَنَا وَ أَخِی هَذَا كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ حِكَایَةً عَنْ مُوسَی: رَبِّ إِنِّی لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِی وَ أَخِی فَمُرْنَا بِأَمْرِكَ، فَوَ اللَّهِ لَنَنْتَهِیَنَّ إِلَیْهِ وَ لَوْ حَالَ بَیْنَنَا وَ بَیْنَهُ جَمْرُ الْغَضَا وَ شَوْكُ الْقَتَادِ.

فَدَعَا لَهُ بِخَیْرٍ ثُمَّ قَالَ: وَ أَیْنَ تَقَعَانِ مِمَّا أُرِیدُ! ثُمَّ نَزَلَ [عَلَیْهِ السَّلَامُ ].

قال الصدوق رضی اللّٰه عنه: تفسیر: قال المبرد: سیماء الخسف تأویله:

علامة [الخسف] قال اللّٰه عزّ و جلّ: سِیماهُمْ فِی وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ

ص: 143


1- ما بین المعقوفین زیادة منّا مأخوذة من مصادر أخر منها المختار: (27) من كتاب نهج البلاغة كما أنّ جملة: «و الّذی نفسی بیده» فی هذا الحدیث من وهم الرّواة و لا مورد لها هاهنا.

و قال اللّٰه عزّ و جلّ: یُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِیماهُمْ و قال اللّٰه عزّ و جلّ: یُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِینَ أی معلّمین.

و قوله: «دیّث بالصّغار»: تأویل ذلك یقال للبعیر إذ ذلّلته الریاضة: بعیر مدیث: أی مذلّل. و قوله: «فی عقر دیارهم»: أی فی أصل دیارهم. و العقر:

الأصل. و من ثمّ یقال: لفلان عقار: أی أصل مال.

و قوله: «تواكلتم»: هو مشتقّ من وكلت الأمر إلیك و وكلته إلیّ إذا لم یتولّه أحد دون صاحبه، و لكن أحال به كلّ واحد علی الآخر. و من ذلك قول الحطیئة:

أمور إذا واكلتها لا تواكلوا.

و قوله: «و اتّخذتموه وراءكم ظهریّا»: أی لم تلتفتوا إلیه. یقال فی المثل: لا تجعل حاجتی منك بظهری: أی لا تطرحها غیر ناظر إلیها.

و قوله: «حتّی شنّت علیكم الغارات»: یعنی صبّت. یقال: شننت الماء علی رأسه: أی صببته. و من كلام العرب: فلمّا لقی فلان فلانا شنّه بالسیف: أی صبّه علیه صبا.

و قوله: «هذا أخو غامد»: فهو رجل مشهور من أصحاب معاویة من بنی غامد بن نصر من الأزد.

قوله «فینتزع أحجالهما»: یعنی الخلاخیل، واحدها حجل، و من ذلك قیل للدابة: محجلة. و یقال للقید: حجل لأنّه یقع فی ذلك الموضع.

و [أمّا] قوله: «و رعثهما»: فهی الشنوف واحدها رعثة، و جمعها رعاث و جمع الجمع رعث.

و قوله: «ثمّ انصرفوا موفورین» من الوفر: أی لم ینل أحد منهم بأن یرزأ

ص: 144

فی بدن و لا مال. یقال: فلان موفور، و فلان ذو وفر: أی ذو مال، و یكون موفورا فی بدنه.

و قوله: «لم یكلم أحد منهم كلما»: أی لم یخدش أحد منهم خدشا، و كل جرح صغیر أو كبیر فهو كلم.

و قوله: «مات من دون هذا أسفا»: یقول تحسرا، و قد یكون الأسف الغضب، قال اللّٰه عزّ و جلّ: «فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ» و الأسیف یكون الأجیر، و یكون الأسیر.

و قوله: «من تظافر هؤلاء القوم علی باطلهم»: أی من تعاونهم و تظاهرهم.

و قوله: «و فشلكم من حقكم» یقال: فشل فلان عن كذا إذا هابه فنكل عنه و امتنع من المضی فیه.

و قوله: «قلتم هذا أوان قرّ و صرّ». فالصرّ: شدّة البرد، قال اللّٰه عزّ و جلّ:

«كَمَثَلِ رِیحٍ فِیها صِرٌّ» و قوله: «هذه حمارّة القیظ». فالقیظ: الصیف، و حمارته: اشتداد حرّه.

بیان:

قوله: «و جمع الجمع: رعث». [قال ابن أثیر] فی [مادّة «رعث» من كتاب] النهایة: الرّعاث: القرطة و هی من حلی الأذن، واحدتها: رعثة رعثه و جنسها:

الرعث.

أقول: قد مرّ شرح باقی الفقرات، فی روایة أخری.

«958»- (1) مَا: قَالَ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ عَلَیْهِ السَّلَامُ:

ص: 145


1- [958]- رَوَاهُ الشَّیْخُ الطَّائِفَةُ- مَعَ أُخَرَ عَنْهُ عَلَیْهِ السَّلَامُ- فِی الْحَدِیثِ: (28) وَ مَا حَوْلَهُ مِنَ الْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنْ أَمَالِیهِ: ج 1، ص 22. وللكلام مصادر كثیرة یجد الباحث بعضها فی ذیل المختار: (٩٥) من كتاب نهج السعادة:ج ١، ص ٣١١ ط ٢.

الْمَوْتُ طَالِبٌ وَ مَطْلُوبٌ، لَا یُعْجِزُهُ الْمُقِیمُ، وَ لَا یَفُوتُهُ الْهَارِبُ، فَقَدِّمُوا وَ لَا تَنْكُلُوا، فَإِنَّهُ لَیْسَ عَنِ الْمَوْتِ مَحِیصٌ، إِنَّكُمْ إِنْ لَمْ تُقْتَلُوا تَمُوتُوا. وَ الَّذِی نَفْسُ عَلِیٍّ بِیَدِهِ، لَأَلْفُ ضَرْبَةٍ بِالسَّیْفِ عَلَی الرَّأْسِ، أَهْوَنُ مِنْ مَوْتٍ عَلَی فِرَاشٍ.

«959»- (1) ما: الْمُفِیدُ عَنِ التَّمَّارِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَیْنِ عَنْ أَبِی نُعَیْمٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِی مِخْنَفٍ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِی إِسْحَاقَ السَّبِیعِیِّ عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، قَالَ: إِنَّ أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ [عَلَیْهِ السَّلَامُ ]خَطَبَ ذَاتَ یَوْمٍ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَی عَلَیْهِ، وَ صَلَّی عَلَی النَّبِیِّ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ ثُمَّ قَالَ:

أَیُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَقَالَتِی وَ عُوا كَلَامِی، إِنَّ الْخُیَلَاءَ مِنَ التَّجَبُّرِ، وَ النَّخْوَةَ مِنَ التَّكَبُّرِ، وَ إِنَّ الشَّیْطَانَ عَدُوٌّ حَاضِرٌ یَعِدُكُمُ الْبَاطِلَ.

أَلَا إِنَّ الْمُسْلِمَ أَخُو الْمُسْلِمِ، فَلَا تَنَابَزُوا وَ لَا تَخَاذَلُوا، فَإِنَّ شَرَائِعَ الدِّینِ وَاحِدَةٌ، وَ سُبُلَهُ قَاصِدَةٌ، مَنْ أَخَذَ بِهَا لَحِقَ، وَ مَنْ تَرَكَهَا مَرَقَ وَ مَنْ فَارَقَهَا مُحِقَ. لَیْسَ الْمُسْلِمُ بِالْخَائِنِ إِذَا ائْتُمِنَ، وَ لَا بِالْمُخْلِفِ إِذَا وَعَدَ، وَ لَا بِالْكَذُوبِ إِذَا نَطَقَ.

نَحْنُ أَهْلُ بَیْتِ الرَّحْمَةِ، وَ قَوْلُنَا الْحَقُّ، وَ فِعْلُنَا الْقِسْطُ، وَ مِنَّا خَاتَمُ النَّبِیِّینَ، وَ فِینَا قَادَةُ الْإِسْلَامِ وَ أُمَنَاءُ الْكِتَابِ، نَدْعُوكُمْ إِلَی اللَّهِ وَ رَسُولِهِ، وَ إِلَی جِهَادِ عَدُوِّهِ وَ الشِّدَّةِ فِی أَمْرِهِ وَ ابْتِغَاءِ رِضْوَانِهِ، وَ إِلَی إِقَامِ الصَّلَاةِ وَ إِیتَاءِ الزَّكَاةِ وَ حِجِّ الْبَیْتِ وَ صِیَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَ تَوْفِیرِ الْفَیْ ءِ لِأَهْلِهِ.

أَلَا وَ إِنَّ [مِنْ] أَعْجَبِ الْعَجَبِ أَنَّ مُعَاوِیَةَ بْنَ أَبِی سُفْیَانَ الْأُمَوِیَّ وَ عَمْرَو

ص: 146


1- [959]- رَوَاهُ الشَّیْخُ الطُّوسِیُّ فِی الْحَدِیثِ: (13) مِنَ الْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنْ أَمَالِیهِ ص 9 ط بَیْرُوتَ. ورواه الشیخ المفید رحمه اللّٰه فی المجلس: (٢٧) من أمالیه ص ١٤٥. ورواه ابن أبی الحدید - نقلا عن الغارات - فی آخر شرحه علی المختار: (٢٧) من نهج البلاغة:ج ١، ص ٣٣٨ ط الحدیثة ببیروت.

بْنَ عَاصٍ السَّهْمِیَّ، یُحَرِّضَانِ النَّاسَ عَلَی طَلَبِ الدِّینِ بِزَعْمِهِمَا! وَ إِنِّی وَ اللَّهِ لَمْ أُخَالِفْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ قَطُّ، وَ لَمْ أَعْصِهِ فِی أَمْرٍ قَطُّ، أَقِیهِ بِنَفْسِی فِی الْمَوَاطِنِ الَّتِی تَنْكُصُ فِیهَا الْأَبْطَالُ، وَ تُرْعِدُ فِیهَا الْفَرَائِصُ، بِقُوَّةٍ أَكْرَمَنِیَ اللَّهُ بِهَا فَلَهُ الْحَمْدُ.

وَ لَقَدْ قُبِضَ النَّبِیُّ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ إِنَّ رَأْسَهُ فِی حَجْرِی، وَ لَقَدْ وُلِّیتُ غُسْلَهُ، أَغْسِلُهُ بِیَدِی، وَ تُقَلِّبُهُ الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ.

وَ ایْمُ اللَّهِ، مَا اخْتَلَفَتْ أُمَّةٌ بَعْدَ نَبِیِّهَا إِلَّا ظَهَرَ أَهْلُ بَاطِلِهَا عَلَی حَقِّهَا، إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ.

قَالَ: فَقَامَ عَمَّارُ بْنُ یَاسِرٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَیْهِ فَقَالَ: أَمَّا أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ فَقَدْ أُعْلِمُكُمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَمْ تَسْتَقِمْ عَلَیْهِ. فَتَفَرَّقَ النَّاسُ وَ قَدْ نَفَذَتْ بَصَائِرُهُمْ.

«960»- (1) ما: الْمُفِیدُ عَنِ الْكَاتِبِ عَنِ الزَّعْفَرَانِیِّ عَنِ الثَّقَفِیِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِیلَ عَنْ زَیْدِ بْنِ الْمُعَدِّلِ عَنْ یَحْیَی بْنِ صَالِحٍ الطَّیَالِسِیِّ عَنْ إِسْمَاعِیلَ بْنِ زِیَادٍ عَنْ رَبِیعَةَ بْنِ نَاجِدٍ قَالَ: لَمَّا وَجَّهَ مُعَاوِیَةُ بْنُ أَبِی سُفْیَانَ ابْنَ عَوْفٍ الْغَامِدِیَّ إِلَی الْأَنْبَارِ إِلَی الْغَارَةِ، بَعَثَهُ فِی سِتَّةِ آلَافِ فَارِسٍ، فَأَغَارَ عَلَی «هِیتَ» وَ «الْأَنْبَارِ» وَ قَتَلَ الْمُسْلِمِینَ وَ سَبَی الْحَرِیمَ وَ عَرَضَ النَّاسَ عَلَی الْبَرَاءَةِ مِنْ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ عَلَیْهِ السَّلَامُ، اسْتَنْفَرَ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ عَلَیْهِ السَّلَامُ النَّاسَ وَ قَدْ كَانُوا تَقَاعَدُوا عَنْهُ وَ اجْتَمَعُوا عَلَی خِذْلَانِهِ، وَ أَمَرَ مُنَادِیَهُ فِی النَّاسِ فَاجْتَمَعُوا فَقَامَ خَطِیباً، فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَی عَلَیْهِ وَ صَلَّی عَلَی رَسُولِ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ ثُمَّ قَالَ:

أَمَّا بَعْدُ أَیُّهَا النَّاسُ! فَوَ اللَّهِ لَأَهْلُ مِصْرِكُمْ فِی الْأَمْصَارِ، أَكْثَرُ فِی الْعَرَبِ مِنَ الْأَنْصَارِ. وَ مَا كَانَ یَوْمَ عَاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ أَنْ یَمْنَعُوهُ وَ مَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُهَاجِرِینَ، حَتَّی یُبَلِّغَ رِسَالاتِ اللَّهِ إِلَّا قَبِیلَتَانِ، صَغِیرٌ مَوْلِدُهُمَا، مَا هُمَا

ص: 147


1- [960]- رَوَاهُ الشَّیْخُ فِی الْحَدِیثِ: (44) مِنَ الْجُزْءِ السَّادِسِ مِنْ أَمَالِیهِ ص 176، وَ ص 109، وَ فِی طَبْعَةٍ أُخْرَی 177. وَ تَقَدَّمَ صَدْرُ الْخُطْبَةِ نَقْلًا عَنْ كِتَابِ الْغَارَاتِ فِی ص 680 ط الْكُمْبَانِی.

بِأَقْدَمِ الْعَرَبِ مِیلَاداً، وَ لَا بِأَكْثَرِهِمْ عَدَداً، فَلَمَّا آوَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ، وَ نَصَرُوا اللَّهَ وَ دِینَهُ، رَمَتْهُمُ الْعَرَبُ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، وَ تَحَالَفَتْ عَلَیْهِمُ الْیَهُودُ، وَ غَزَتْهُمُ الْقَبَائِلُ قَبِیلَةً بَعْدَ قَبِیلَةٍ. فَتَجَرَّدُوا لِلدِّینِ، وَ قَطَعُوا مَا بَیْنَهُمْ وَ بَیْنَ الْعَرَبِ مِنَ الْحَبَائِلِ، وَ مَا بَیْنَهُمْ وَ بَیْنَ الْیَهُودِ مِنَ الْعُهُودِ، وَ نَصَبُوا لِأَهْلِ نَجْدٍ وَ تِهَامَةَ وَ أَهْلِ مَكَّةَ وَ الْیَمَامَةِ وَ أَهْلِ الْحَزْنِ وَ أَهْلِ السَّهْلِ، قَنَاةَ الدِّینِ، وَ تَصَبَّرُوا تَحْتَ أَحْلَاسِ الْجِلَادِ، حَتَّی دَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ الْعَرَبُ، وَ رَأَی فِیهِمْ قُرَّةَ الْعَیْنِ قَبْلَ أَنْ یَقْبِضَهُ اللَّهُ إِلَیْهِ. فَأَنْتُمْ فِی النَّاسِ أَكْثَرُ مِنْ أُولَئِكَ فِی أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ مِنَ الْعَرَبِ.

فَقَامَ إِلَیْهِ رَجُلٌ آدَمُ طُوَالٌ فَقَالَ: مَا أَنْتَ كَمُحَمَّدٍ، وَ لَا نَحْنُ كَأُولَئِكَ الَّذِینَ ذَكَرْتَ، فَلَا تُكَلِّفْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ.

فَقَالَ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ عَلَیْهِ السَّلَامُ: اخْسَأْ [أَحْسِنْ «خ»] مُسْتَمِعاً تُحْسِنْ إِجَابَةً، ثَكِلَتْكُمُ الثَّوَاكِلُ مَا تَزِیدُونِّی إِلَّا غَمّاً، هَلْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنِّی مِثْلُ مُحَمَّدٍ! أَوْ أَنَّكُمْ مِثْلُ أَنْصَارِهِ! وَ إِنَّمَا ضَرَبْتُ [لَكُمْ] مَثَلًا، وَ أَنَا [كُنْتُ] أَرْجُو أَنْ تَأَسَّوْا بِهِمْ.

ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ آخَرُ وَ قَالَ: مَا أَحْوَجَ أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ وَ مَنْ مَعَهُ إِلَی أَصْحَابِ النَّهْرَوَانِ. ثُمَّ تَكَلَّمَ النَّاسُ مِنْ كُلِّ نَاحِیَةٍ وَ لَغَطُوا.

فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ بِأَعْلَی صَوْتِهِ: اسْتَبَانَ فَقْدُ الْأَشْتَرِ عَلَی أَهْلِ الْعِرَاقِ، أَنْ لَوْ كَانَ حَیّاً لَقَلَّ اللَّغَطُ، وَ لَعَلِمَ كُلُّ امْرِئٍ مَا یَقُولُ.

فَقَالَ لَهُمْ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَیْهِ: هَبَلَتْكُمُ الْهَوَابِلُ، لَأَنَا أَوْجَبُ عَلَیْكُمْ حَقّاً مِنَ الْأَشْتَرِ، وَ هَلْ لِلْأَشْتَرِ عَلَیْكُمْ مِنَ الْحَقِّ إِلَّا حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَی الْمُسْلِمِ؟! وَ غَضِبَ فَنَزَلَ.

فَقَامَ حُجْرُ بْنُ عَدِیٍّ وَ سَعِیدُ بْنُ قَیْسٍ فَقَالا: لَا یَسُوءُكَ اللَّهُ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ، مُرْنَا بِأَمْرِكَ نَتَّبِعْهُ، فَوَ اللَّهِ الْعَظِیمِ مَا یَعْظُمُ جَزَعُنَا عَلَی أَمْوَالِنَا أَنْ تَفَرَّقَ، وَ لَا عَلَی عَشَائِرِنَا أَنْ تُقْتَلَ فِی طَاعَتِكَ.

ص: 148

فَقَالَ لَهُمْ: تَجَهَّزُوا لِلْمَسِیرِ إِلَی عَدُوِّنَا.

ثُمَّ دَخَلَ عَلَیْهِ السَّلَامُ مَنْزِلَهُ، وَ دَخَلَ عَلَیْهِ وُجُوهُ أَصْحَابِهِ فَقَالَ لَهُمْ:

أَشِیرُوا عَلَیَّ بِرَجُلٍ صَلِیبٍ نَاصِحٍ یَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ السَّوَادِ.

فَقَالَ سَعِیدُ بْنُ قَیْسٍ: عَلَیْكَ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ بِالنَّاصِحِ الْأَرِیبِ [وَ] الشُّجَاعِ الصَّلِیبِ مَعْقِلِ بْنِ قَیْسٍ التَّمِیمِیِّ. قَالَ: نَعَمْ. ثُمَّ دَعَاهُ فَوَجَّهَهُ وَ سَارَ [مَعْقِلٌ] وَ لَمْ یَعُدْ حَتَّی أُصِیبَ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ عَلَیْهِ السَّلَامُ.

بیان: المراد بالقبیلتین الأوس و الخزرج. و قال الجوهری: تجرّد للأمر: جدّ فیه.

قوله علیه السلام: «و تصبّروا تحت أحلاس الجلاد»: أی صبروا صبرا شدیدا علی ملازمة القتال. [قال ابن الأثیر] فی [مادة «حلس» من كتاب] النهایة:

«كونوا أحلاس بیوتكم».

أی الزموها. و فیه: «نحن أحلاس الخیل»:

یریدون لزومهم ظهورها. و استحلسنا الخوف: أی لم نفارقه.

و فی بعض النسخ: «تحت حماس الجلاد» [قال الفیروزآبادی] فی القاموس: حمس كفرح: اشتدّ و صلب فی الدین. و القتال و الحمس: الأمكنة الصلبة، و الأحمس: الشجاع كالحمیس. و الحمس: الصوت. و الآدم من الناس:

الأسمر. و الطوال بالضمّ: الطویل.

قوله علیه السلام: «اخسأ»: أی ابعد، یقال: خسأت الكلب خسأ:

طردته. و خسأ الكلب بنفسه. یتعدی و لا یتعدّی. و «مستمعا» علی بناء الفاعل.

و فی بعض النسخ: «أحسن» بالحاء المهملة و النون. و «مستمعا» بفتح المیم مصدر. و اللغط بالتحریك-: الصوت و الجلبة و هبلته أمّه ثكلته.

«961»- (1) شا: [وَ] مِنْ كَلَامِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَیْهِ حِینَ نَقَضَ مُعَاوِیَةُ الْعَهْدَ،

ص: 149


1- [961]- رَوَاهُ الشَّیْخُ الْمُفِیدُ رَفَعَ اللَّهُ مَقَامَهُ فِی الْفَصْلِ: (38) مِنْ مُخْتَارِ كَلَامِ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ عَلَیْهِ السَّلَامُ فِی كِتَابِ الْإِرْشَادِ ص 145، ط النَّجَفِ.

وَ بَعَثَ بِالضَّحَّاكِ بْنِ قَیْسٍ لِلْغَارَةِ عَلَی أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَلَقِیَ عَمْرَو بْنَ عُمَیْسِ بْنِ مَسْعُودٍ فَقَتَلَهُ وَ قَتَلَ نَاساً مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ حَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَی عَلَیْهِ ثُمَّ قَالَ:

یَا أَهْلَ الْكُوفَةِ! اخْرُجُوا إِلَی الْعَبْدِ الصَّالِحِ وَ إِلَی جَیْشٍ لَكُمْ قَدْ أُصِیبَ مِنْهُ طَرَفٌ. اخْرُجُوا فَقَاتِلُوا عَدُوَّكُمْ، وَ امْنَعُوا حَرِیمَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِینَ.

قَالَ: فَرَدُّوا عَلَیْهِ رَدّاً ضَعِیفاً، وَ رَأَی مِنْهُمْ عَجْزاً وَ فَشَلًا فَقَالَ: وَ اللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ لِی بِكُلِّ ثَمَانِیَةٍ مِنْكُمْ رَجُلًا مِنْهُمْ! وَیْحَكُمْ اخْرُجُوا مَعِی ثُمَّ فِرُّوا عَنِّی إِنْ بَدَا لَكُمْ، فَوَ اللَّهِ مَا أَكْرَهُ لِقَاءَ رَبِّی عَلَی نِیَّتِی وَ بَصِیرَتِی، وَ فِی ذَلِكَ رَوْحٌ لِی عَظِیمٌ، وَ فَرَجٌ مِنْ مُنَاجَاتِكُمْ وَ مُقَاسَاتِكُمْ وَ مُدَارَاتِكُمْ مِثْلَ مَا تُدَارَی الْبِكَارُ الْعَمِدَةُ، وَ الثِّیَابُ الْمُتَهَتِّرَةُ، كُلَّمَا خِیطَتْ مِنْ جَانِبٍ، تَهَتَّكَتْ مِنْ جَانِبٍ عَلَی صَاحِبِهَا.

بیان: قال الجوهری: الطرف بالتحریك-: الناحیة من النواحی، و الطائفة من الشی ء.

و [قوله علیه السلام: ] «المتهتّرة» فی بعض النسخ بالتاء المثنّاة قال [الفیروزآبادی] فی القاموس: الهتر: مزق العرض. و بالكسر: السقط من الكلام. و هتره الكبر یهتره: [جعله خرفا و أفقده عقله] .

و فی بعضها [ «المهبرة»] بالباء الموحّدة من قولهم: «هبره»: قطعه قطعا كبارا و هو أنسب. و یحتمل الیاء من قولهم هار البناء: هدمه، فهار و تهور و تهیّر و انهار، و هو أنسب بما فی بعض الروایات مكانه من المتداعیة.

«962»- (1) شا: [وَ] مِنْ كَلَامِهِ عَلَیْهِ السَّلَامُ فِی اسْتِنْفَارِ الْقَوْمِ وَ اسْتِبْطَائِهِمْ

ص: 150


1- [962- 964]- رَوَاهُ الشَّیْخُ الْمُفِیدُ قَدَّسَ اللَّهُ نَفْسَهُ فِی الْفَصْلِ: 39 وَ مَا بَعْدَهُ مِمَّا اخْتَارَ مِنْ كَلَامِ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ عَلَیْهِ السَّلَامُ مِنْ كِتَابِ الْإِرْشَادِ، ص 145- 148 ط النَّجَفِ.

عَنِ الْجِهَادِ، وَ قَدْ بَلَغَهُ مَسِیرُ بُسْرِ بْنِ أَرْطَاةَ إِلَی الْیَمَنِ:

أَمَّا بَعْدُ أَیُّهَا النَّاسُ! فَإِنَّ أَوَّلَ رَفَثِكُمْ وَ بَدْءَ نَقْضِكُمْ، ذَهَابُ أُولِی النُّهَی وَ أَهْلِ الرَّأْیِ مِنْكُمُ، الَّذِینَ كَانُوا یَلْقَوْنَ فَیَصْدُقُونَ، وَ یَقُولُونَ فَیَعْدِلُونَ، وَ یُدْعَوْنَ فَیُجِیبُونَ. وَ إِنِّی وَ اللَّهِ قَدْ دَعَوْتُكُمْ عَوْداً وَ بَدْءاً، وَ سِرّاً وَ جَهْراً، وَ فِی اللَّیْلِ وَ النَّهَارِ، وَ الْغُدُوِّ وَ الْآصَالِ، [فَ] مَا یَزِیدُكُمْ دُعائِی إِلَّا فِراراً وَ إِدْبَاراً. أَ مَا یَعِظُكُمُ [تَنْفَعُكُمُ «خ»] الْعِظَةُ وَ الدُّعَاءُ إِلَی الْهُدَی وَ الْحِكْمَةِ! وَ إِنِّی لَعَالِمٌ بِمَا یُصْلِحُكُمْ وَ یُقِیمُ لِی أَوَدَكُمْ، وَ لَكِنِّی وَ اللَّهِ- لَا أُصْلِحُكُمْ بِفَسَادِ نَفْسِی. وَ لَكِنْ أَمْهِلُونِی قَلِیلًا فَكَأَنَّكُمْ وَ اللَّهِ بِامْرِئٍ قَدْ جَاءَكُمْ، یَحْرُمُكُمْ وَ یُعَذِّبُكُمْ فَیُعَذِّبُهُ اللَّهُ كَمَا یُعَذِّبُكُمْ.

إِنَّ مِنْ ذُلِّ الْمُسْلِمِینَ وَ هَلَاكِ الدِّینِ، أَنَّ ابْنَ [ظ] أَبِی سُفْیَانَ یَدْعُو الْأَرْذَالَ فَیُجَابُ، وَ أَدْعُوكُمْ وَ أَنْتُمُ الْأَفْضَلُونَ الْأَخْیَارُ فَتُرَاوِغُونَ وَ تُدَافِعُونَ. مَا هَذَا فِعْلَ الْمُتَّقِینَ!.

بیان: «أوّل رفثكم» فی أكثر النسخ بالفاء و الثاء المثلّثة: و هو الفحش من القول. و لا یناسب كثیرا.

و یحتمل التّاء [المثنّاة الفوقانیة] من قولهم: «رفته یرفته [من باب ضرب و نصر]: كسره و دقّه. و [رفت الشی ء]: انكسر و اندقّ. و [رفت الحبل: ] انقطع.

لازم و متعدّ.

و فی بعض النسخ: بالقاف و التاء و هو أظهر أی ضعفكم و قلّتكم. و مراوغة الثعلب و روغانه مشهوران.

«963»-شا: [وَ] مِنْ كَلَامِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَیْهِ فِی هَذَا الْمَعْنَی، بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ وَ الثَّنَاءِ عَلَیْهِ: مَا أَظُنُّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ یَعْنِی أَهْلَ الشَّامِ إِلَّا ظَاهِرِینَ عَلَیْكُمْ.

ص: 151

فَقَالُوا لَهُ: بِمَا ذَا یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ؟ فَقَالَ: أَرَی أُمُورَهُمْ قَدْ عَلَتْ، وَ نِیرَانَكُمْ قَدْ خَبَتْ، وَ أَرَاهُمْ جِدِّینَ، وَ أَرَاكُمْ وَانِینَ، وَ أَرَاهُمْ مُجْتَمِعِینَ، وَ أَرَاكُمْ مُتَفَرِّقِینَ، وَ أَرَاهُمْ لِصَاحِبِهِمْ مُطِیعِینَ، وَ أَرَاكُمْ لِی عَاصِینَ.

أَمْ وَ اللَّهِ لَئِنْ ظَهَرُوا عَلَیْكُمْ لَتَجِدُنَّهُمْ أَرْبَابَ سَوْءٍ مِنْ بَعْدِی لَكُمْ.

لَكَأَنِّی أَنْظُرُ إِلَیْهِمْ وَ قَدْ شَارَكُوكُمْ فِی بِلَادِكُمْ، وَ حَمَلُوا إِلَی بِلَادِهِمْ فَیْئَكُمْ.

وَ كَأَنِّی أَنْظُرُ إِلَیْكُمْ تَكِشُّونَ كَشِیشَ الضَّبَابِ، وَ لَا تَأْخُذُونَ حَقّاً وَ لَا تَمْنَعُونَ لِلَّهِ مِنْ حُرْمَةٍ.

وَ كَأَنِّی أَنْظُرُ إِلَیْهِمْ یَقْتُلُونَ صَالِحِیكُمْ، وَ یُخِیفُونَ قُرَّاءَكُمْ، وَ یَحْرُمُونَكُمْ وَ یَحْجُبُونَكُمْ وَ یُدْنُونَ النَّاسَ دُونَكُمْ. فَلَوْ قَدْ رَأَیْتُمُ الْحِرْمَانَ وَ الْأَثَرَةَ وَ وَقْعَ السُّیُوفِ وَ نُزُولَ الْخَوْفِ، لَقَدْ نَدَمْتُمْ وَ حَسِرْتُمْ عَلَی تَفْرِیطِكُمْ فِی جِهَادِكُمْ، وَ تَذَاكَرْتُمْ مَا أَنْتُمْ فِیهِ الْیَوْمَ مِنَ الْخَفْضِ وَ الْعَافِیَةِ، حِینَ لَا یَنْفَعُكُمُ التَّذْكَارُ.

بیان: قال الجوهری: كشیش الأفعی: صوتها من جلدها لا من فمها، و قد كشّت تكشّ. و قال: الحسرة: أشدّ التلهف علی الشی ء الفائت، تقول منه: حسر علی الشی ء بالكسر یحسر حسرا و حسرة فهو حسیر.

«964»-شا: [وَ] مِنْ كَلَامِهِ عَلَیْهِ السَّلَامُ لَمَّا نَقَضَ مُعَاوِیَةُ بْنُ أَبِی سُفْیَانَ شَرْطَ الْمُوَادَعَةِ، وَ أَقْبَلَ یُشِنُّ الْغَارَاتِ عَلَی أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَقَالَ بَعْدَ أَنْ حَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَی عَلَیْهِ:

مَا لِمُعَاوِیَةَ قَاتَلَهُ اللَّهُ! لَقَدْ أَرَادَنِی عَلَی أَمْرٍ عَظِیمٍ، أَرَادَ أَنْ أَفْعَلَ كَمَا یَفْعَلُ فَأَكُونَ قَدْ هَتَكْتُ ذِمَّتِی وَ نَقَضْتُ عَهْدِی، فَیَتَّخِذُهَا عَلَیَّ حُجَّةً، فَیَكُونُ عَلَیَّ شَیْناً إِلَی یَوْمِ الْقِیَامَةِ كُلَّمَا ذُكِرْتُ. فَإِنْ قِیلَ لَهُ: أَنْتَ بَدَأْتَ، قَالَ: مَا عَمِلْتُ وَ لَا أَمَرْتُ.

فَمِنْ قَائِلٍ یَقُولُ: صَدَقَ. وَ مِنْ قَائِلٍ یَقُولُ: كَذَبَ.

ص: 152

أَمْ وَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو أَنَاةٍ وَ حِلْمٍ عَظِیمٍ، لَقَدْ حَلُمَ عَنْ كَثِیرٍ مِنْ فَرَاعِنَةِ الْأَوَّلِینَ، وَ عَاقَبَ فَرَاعِنَةً، فَإِنْ یُمْهِلُ اللَّهُ فَلَمْ یَفُتْهُ، وَ هُوَ لَهُ بِالْمِرْصَادِ عَلَی مَجَازِ طَرِیقِهِ، فَلْیَصْنَعْ مَا بَدَا لَهُ فَإِنَّا غَیْرُ غَادِرِینَ بِذِمَّتِنَا، وَ لَا نَاقِضِینَ لِعَهْدِنَا، وَ لَا مُرَوِّعِینَ لِمُسْلِمٍ وَ لَا مُعَاهَدٍ حَتَّی یَنْقَضِیَ شَرْطُ الْمُوَادَعَةِ بَیْنَنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَی.

«965»- (1) شا: وَ مِنْ كَلَامِهِ عَلَیْهِ السَّلَامُ فِی مَقَامٍ آخَرَ.

الْحَمْدُ لِلَّهِ وَ سَلَامٌ عَلَی رَسُولِ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ.

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ رَضِیَنِی لِنَفْسِهِ أَخاً، وَ اخْتَصَّنِی لَهُ وَزِیراً.

أَیُّهَا النَّاسُ! أَنَا أَنْفُ الْهُدَی وَ عَیْنَاهُ، فَلَا تَسْتَوْحِشُوا مِنْ طَرِیقِ الْهُدَی لِقِلَّةِ مَنْ یَغْشَاهُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ قَاتِلِی مُؤْمِنٌ فَقَدْ قَتَلَنِی.

أَلَا وَ إِنَّ لِكُلِّ دَمٍ ثَائِراً یَوْماً، وَ إِنَّ الثَّائِرَ فِی دِمَائِنَا وَ الْحَاكِمَ فِی حَقِّ نَفْسِهِ وَ حَقِّ ذِی الْقُرْبَی وَ الْیَتَامَی وَ الْمَسَاكِینِ وَ ابْنِ السَّبِیلَ، [هُوَ] الَّذِی لَا یُعْجِزُهُ مَا طَلَبَ، وَ لَا یَفُوتُهُ مَا هَرَبَ، وَ سَیَعْلَمُ الَّذِینَ ظَلَمُوا أَیَّ مُنْقَلَبٍ یَنْقَلِبُونَ وَ أُقْسِمُ بِاللَّهِ الَّذِی فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ، لَتَنْتَحِرُنَّ عَلَیْهَا یَا بَنِی أُمَیَّةَ، وَ لَتَعْرِفُنَّهَا فِی أَیْدِی غَیْرِكُمْ وَ دَارِ عَدُوِّكُمْ عَمَّا قَلِیلٍ، وَ سَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِینٍ.

بیان: قال الجوهری: انتحر الرجل: أی نحر نفسه. و فی المثل: سرق السارق فانتحر. و انتحر القوم علی الشی ء: إذا تشاحوا علیه و تناحروا فی القتال [تقاتلوا مستمیتین] .

ص: 153


1- [965]- رَوَاهُ الشَّیْخُ الْمُفِیدُ فِی الْفَصْلِ: (43) مِمَّا اخْتَارَ مِنْ كَلَامِ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ عَلَیْهِ السَّلَامُ فِی كِتَابِ الْإِرْشَادِ، ص 147. وكان فی ط الكمبانی لفظ نهج بدل شاء.

«966»-شا: وَ مِنْ كَلَامِهِ عَلَیْهِ السَّلَامُ فِی مَعْنَی مَا تَقَدَّمَ: یَا أَهْلَ الْكُوفَةِ! خُذُوا أُهْبَتَكُمْ لِجِهَادِ عَدُوِّكُمْ مُعَاوِیَةَ وَ أَشْیَاعِهِ. فَقَالُوا: یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ أَمْهِلْنَا یَذْهَبْ عَنَّا الْقُرُّ. فَقَالَ:

أَمَا وَ اللَّهِ الَّذِی فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ، لَیَظْهَرَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ عَلَیْكُمْ لَیْسَ بِأَنَّهُمْ أَوْلَی بِالْحَقِّ مِنْكُمْ، وَ لَكِنْ لِطَاعَتِهِمْ مُعَاوِیَةَ وَ مَعْصِیَتِكُمْ لِی.

وَ اللَّهِ لَقَدْ أَصْبَحَتِ الْأُمَمُ كُلُّهَا تَخَافُ ظُلْمَ رُعَاتِهَا، وَ أَصْبَحْتُ أَنَا أَخَافُ ظُلْمَ رَعِیَّتِی! لَقَدِ اسْتَعْمَلْتُ مِنْكُمْ رِجَالًا فَخَانُوا وَ غَدَرُوا، وَ لَقَدْ جَمَعَ بَعْضُهُمْ مَا ائْتَمَنْتُهُ عَلَیْهِ مِنْ فَیْ ءِ الْمُسْلِمِینَ، فَحَمَلَهُ إِلَی مُعَاوِیَةَ. وَ آخَرُ حَمَلَهُ إِلَی مَنْزِلِهِ تَهَاوُناً بِالْقُرْآنِ، وَ جُرْأَةً عَلَی الرَّحْمَنِ، حَتَّی إِنِّی لَوِ ائْتَمَنْتُ أَحَدَكُمْ عَلَی عِلَاقَةِ سَوْطٍ لَخَانَ (1)، وَ لَقَدْ أَعْیَیْتُمُونِی.

ثُمَّ رَفَعَ [عَلَیْهِ السَّلَامُ ]یَدَهُ إِلَی السَّمَاءِ وَ قَالَ:

أَللَّهُمَّ إِنِّی سَئِمْتُ الْحَیَاةَ بَیْنَ ظَهْرَانَیْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، وَ تَبَرَّمْتُ الْأَمَلَ، فَأَتِحْ لِی صَاحِبِی حَتَّی أَسْتَرِیحَ مِنْهُمْ وَ یَسْتَرِیحُوا مِنِّی، وَ لَنْ یُفْلِحُوا بَعْدِی.

بیان: تاح له الشی ء و أتیح له الشی ء: أی قدّر له. ذكره الجوهری.

و المراد بالصاحب ملك الموت. عبّر كذلك لأظهار الاشتیاق إلی الموت.

و یحتمل [أنّه] أراد النبی صلّی اللّٰه علیه و آله و سلّم، أو [أراد] ابن ملجم لعنه اللّٰه، فالمراد بصاحبی من قدّر لقتلی.

ص: 154


1- و كتب فی أصلی فوق كلمة: «خان» نقلا عن نسخة من مصدره: «خاننی».

«967»- (1) شا: رَوَی مَسْعَدَةُ بْنُ صَدَقَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ عَلَیْهِ السَّلَامُ یَقُولُ: خَطَبَ النَّاسَ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ [عَلَیْهِ السَّلَامُ] بِالْكُوفَةِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَی عَلَیْهِ ثُمَّ قَالَ:

أَنَا سَیِّدُ الشِّیبِ، وَ فِیَّ سُنَّةٌ مِنْ أَیُّوبَ، وَ سَیَجْمَعُ اللَّهُ لِی أَهْلِی كَمَا جَمَعَ لِیَعْقُوبَ شَمْلَهُ، وَ ذَلِكَ إِذَا اسْتَدَارَ الْفَلَكُ، وَ قُلْتُمْ: مَاتَ أَوْ هَلَكَ.

أَلَا فَاسْتَشْعِرُوا قَبْلَهَا بِالصَّبْرِ وَ بُوءُوا إِلَی اللَّهِ بِالذَّنْبِ، فَقَدْ نَبَذْتُمْ قُدُسَكُمْ، وَ أَطْفَأْتُمْ مَصَابِیحَكُمْ، وَ قَلَّدْتُمْ هِدَایَتَكُمْ مَنْ لَا یَمْلِكُ لِنَفْسِهِ وَ لَا لَكُمْ سَمْعاً وَ لَا بَصَراً، ضَعُفَ وَ اللَّهِ الطَّالِبُ وَ الْمَطْلُوبُ هَذَا وَ لَوْ لَمْ تَتَوَاكَلُوا أَمْرَكُمْ، وَ لَمْ تَتَخَاذَلُوا عَنْ نُصْرَةِ الْحَقِّ بَیْنَكُمْ، وَ لَمْ تَهِنُوا عَنْ تَوْهِینِ الْبَاطِلِ، لَمْ یَتَشَجَّعْ عَلَیْكُمْ مَنْ لَیْسَ مِثْلَكُمْ، وَ لَمْ یَقْوَ مَنْ قَوِیَ عَلَیْكُمْ، وَ لا [عَلَی] هَضْمِ الطَّاعَةِ وَ إِزْوَائِهَا عَنْ أَهْلِهَا فِیكُمْ.

تِهْتُمْ كَمَا تَاهَتْ بَنُو إِسْرَائِیلَ عَلَی عَهْدِ مُوسَی.

وَ بِحَقٍّ أَقُولُ: لَیُضَعَّفَنَّ عَلَیْكُمُ التِّیهُ مِنْ بَعْدِی بِاضْطِهَادِكُمْ وُلْدِی، ضِعْفَ مَا تَاهَتْ بَنُو إِسْرَائِیلَ عَلَی عَهْدِ مُوسَی.

وَ بِحَقٍّ قَدِ اسْتَكْمَلْتُمْ نَهَلًا، وَ امْتَلَأْتُمْ عَلَلًا (2) مِنْ سُلْطَانِ الشَّجَرَةِ الْمَلْعُونَةِ فِی الْقُرْآنِ. لَقَدِ اجْتَمَعْتُمْ عَلَی نَاعِقِ ضَلَالٍ، وَ لَأَجَبْتُمُ الْبَاطِلَ رَكْضاً، ثُمَّ لَغَادَرْتُمْ دَاعِیَ الْحَقِّ، وَ قَطَعْتُمُ الْأَدْنَی مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، وَ وَصَلْتُمُ الْأَبْعَدَ مِنْ أَبْنَاءِ حَرْبٍ.

أَلَا وَ لَوْ ذَابَ مَا فِی أَیْدِیهِمْ.

ص: 155


1- [967]- رَوَاهُ الشَّیْخُ الْمُفِیدُ فِی الْفَصْلِ (51) مِمَّا اخْتَارَ مِنْ كَلَامِ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ عَلَیْهِ السَّلَامُ فِی كِتَابِ الْإِرْشَادِ، ص 154.
2- كذا فی أصلی، و فی ط النّجف من كتاب الإرشاد: «فلو قد استكملتم نهلا و امتلأتم عللا ...».

لَقَدْ دَنَا التَّمْحِیصُ لِلْجَزَاءِ، وَ كُشِفَ الْغِطَاءُ، وَ انْقَضَتِ الْمُدَّةُ، وَ أَزِفَ الْوَعْدُ، وَ بَدَا لَكُمُ النَّجْمُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ، وَ أَشْرَقَ لَكُمْ قَمَرُكُمْ كَمَلَاءِ شَهْرِهِ، وَ كَلَیْلَةٍ تَمَّ، فَإِذَا اسْتَبَانَ ذَلِكَ، فَرَاجِعُوا التَّوْبَةَ، وَ خَالِفُوا الْحَوْبَةَ، وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِنْ أَطَعْتُمْ طَالِعَ الْمَشْرِقِ سَلَكَ بِكُمْ مِنْهَاجَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ، فَتَدَاوَیْتُمْ مِنَ الصَّمَمِ، وَ اسْتَشْفَیْتُمْ مِنَ الْبَكَمِ، وَ كُفِیتُمْ مَئُونَةَ التَّعَسُّفِ وَ الطَّلَبِ، وَ نَبَذْتُمُ الثِّقْلَ الْفَادِحَ عَنِ الْأَعْنَاقِ. فَلَا یُبْعِدُ اللَّهُ إِلَّا مَنْ أَبَی الرَّحْمَةَ، وَ فَارَقَ الْعِصْمَةَ، وَ سَیَعْلَمُ الَّذِینَ ظَلَمُوا أَیَّ مُنْقَلَبٍ یَنْقَلِبُونَ

«968»- (1) جا: الْكَاتِبُ عَنِ الزَّعْفَرَانِیِّ عَنِ الثَّقَفِیِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِیلَ، عَنْ زَیْدِ ابْنِ الْمُعَدِّلِ عَنْ یَحْیَی بْنِ صَالِحٍ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ حَصِیرَةَ عَنْ أَبِی صَادِقٍ عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْدِیِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ عَلِیَّ بْنَ أَبِی طَالِبٍ [عَلَیْهِ السَّلَامُ] یَقُولُ لِأَصْحَابِهِ، وَ قَدِ اسْتَنْفَرَهُمْ أَیَّاماً إِلَی الْجِهَادِ فَلَمْ یَنْفِرُوا:

أَیُّهَا النَّاسُ! إِنِّی قَدِ اسْتَنْفَرْتُكُمْ فَلَمْ تَنْفِرُوا، وَ نَصَحْتُ لَكُمْ فَلَمْ تَقْبَلُوا، فَأَنْتُمْ شُهُودٌ كَأَغْیَابٍ (2) وَ صُمٌّ ذَوُو أَسْمَاعٍ، أَتْلُو عَلَیْكُمُ الْحِكْمَةَ، وَ أَعِظُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ أَحُثُّكُمْ عَلَی جِهَادِ عَدُوِّكُمُ الْبَاغِینَ، فَمَا آتِی عَلَی آخِرِ مَنْطِقِی حَتَّی أَرَاكُمْ مُتَفَرِّقِینَ أَیَادِی سَبَا، فَإِذَا أَنَا كَفَفْتُ عَنْكُمْ عُدْتُمْ إِلَی مَجَالِسِكُمْ حَلَقاً عِزِینَ تَضْرِبُونَ الْأَمْثَالَ وَ تَتَنَاشَدُونَ الْأَشْعَارَ وَ تَسْأَلُونَ عَنِ الْأَخْبَارِ، قَدْ نَسِیتُمُ الِاسْتِعْدَادَ لِلْحَرْبِ وَ شَغَلْتُمْ قُلُوبَكُمْ بِالْأَبَاطِیلِ.تَرِبَتْ أَیْدِیكُمُ اغْزُوا الْقَوْمَ مِنْ قَبْلِ أَنْ یَغْزُوكُمْ! فَوَ اللَّهِ مَا غُزِیَ قَوْمٌ قَطُّ فِی عُقْرِ دِیَارِهِمْ إِلَّا ذَلُّوا.

وَ ایْمُ اللَّهِ مَا أَرَاكُمْ تَفْعَلُونَ حَتَّی یَفْعَلُوا، وَ لَوَدِدْتُ أَنِّی لَقِیتَهُمْ عَلَی نِیَّتِی

ص: 156


1- [968]- رَوَاهُ الشَّیْخُ الْمُفِیدُ رَفَعَ اللَّهُ مَقَامَهُ فِی الْمَجْلِسِ: (18) مِنْ أَمَالِیهِ.
2- كذا فی النّسخة، و مثله فی الأمالی، و فی سائر المصادر: كغیّاب. و هو الصّواب.

وَ بَصِیرَتِی فَاسْتَرَحْتُ مِنْ مُقَاسَاتِكُمْ، فَمَا أَنْتُمْ إِلَّا كَإِبِلٍ جُمَّةٍ أَضَلَّ رَاعِیَهَا، فَكُلَّمَا ضُمَّتْ مِنْ جَانِبٍ انْتَشَرَتْ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ.

وَ اللَّهِ لَكَأَنِّی بِكُمْ لَوْ حَمِسَ الْوَغَا وَ أَحَمَّ الْبَأْسُ، قَدِ انْفَرَجْتُمْ عَنْ عَلِیِّ بْنِ أَبِی طَالِبٍ انْفِرَاجَ الرَّأْسِ، وَ انْفِرَاجَ الْمَرْأَةِ عَنْ قُبُلِهَا.

فَقَامَ إِلَیْهِ الْأَشْعَثُ بْنُ قَیْسٍ الْكِنْدِیُّ فَقَالَ لَهُ: یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ! فَهَلَّا فَعَلْتَ كَمَا فَعَلَ ابْنُ عَفَّانَ؟

فَقَالَ لَهُ عَلَیْهِ السَّلَامُ: یَا عُرْفَ النَّارِ وَیْلَكَ! إِنَّ فِعْلَ ابْنِ عَفَّانَ لَمَخْزَاةٌ عَلَی مَنْ لَا دِینَ لَهُ وَ لَا حُجَّةَ مَعَهُ، فَكَیْفَ وَ أَنَا عَلَی بَیِّنَةٍ مِنْ رَبِّی [وَ] الْحَقُّ فِی یَدِی؟! وَ اللَّهِ إِنَّ امْرَأً یُمَكِّنُ عَدُوَّهُ مِنْ نَفْسِهِ، یُخْذَعُ لَحْمُهُ وَ یُهْشَمُ عَظْمُهُ وَ یُفْرَی جِلْدُهُ وَ یُسْفَكُ دَمُهُ، لَضَعِیفٌ مَا ضُمَّتْ عَلَیْهِ جَوَانِحُ صَدْرِهِ أَنْتَ فَكُنْ كَذَلِكَ إِنْ أَحْبَبْتَ، فَأَمَّا أَنَا فَدُونَ أَنْ أُعْطِیَ ذَلِكَ ضَرْبٌ بِالْمَشْرَفِیِّ، یَطِیرُ مِنْهُ فَرَاشُ الْهَامِ، وَ تَطِیحُ مِنْهُ الْأَكُفُّ وَ الْمَعَاصِمُ، وَ یَفْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ مَا شَاءَ.

فَقَامَ أَبُو أَیُّوبَ الْأَنْصَارِیُّ خَالِدُ بْنُ زَیْدٍ، صَاحِبُ مَنْزِلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ فَقَالَ: أَیُّهَا النَّاسُ! إِنَّ أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ قَدْ أَسْمَعَ مَنْ كَانَتْ لَهُ أُذُنٌ وَاعِیَةٌ وَ قَلْبٌ حَفِیظٌ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَكْرَمَكُمْ بِكَرَامَةٍ لَمْ تَقْبَلُوهَا حَقَّ قَبُولِهَا، إِنَّهُ نَزَّلَ بَیْنَ أَظْهُرِكُمْ ابْنَ عَمِّ نَبِیِّكُمْ وَ سَیِّدَ الْمُسْلِمِینَ مِنْ بَعْدِهِ، یُفَقِّهُكُمْ فِی الدِّینِ، وَ یَدْعُوكُمْ إِلَی جِهَادِ الْمُحِلِّینَ، فَكَأَنَّكُمْ صُمٌّ لَا تَسْمَعُونَ، أَوْ عَلَی قُلُوبِكُمْ غُلُفٌ، مَطْبُوعٌ عَلَیْهَا، فَأَنْتُمْ لَا تَعْقِلُونَ.

أَ فَلَا تَسْتَحْیُونَ عِبَادَ اللَّهِ! أَ لَیْسَ إِنَّمَا عَهِدَكُمْ بِالْجَوْرِ وَ الْعُدْوَانِ أَمْسِ! قَدْ شَمِلَ الْبَلَاءُ وَ شَاعَ فِی الْبِلَادِ، فَذُو حَقٍّ مَحْرُومٌ وَ مَلْطُومٌ وَجْهُهُ وَ مُوَطَّأٌ بَطْنُهُ، وَ مُلْقًی بِالْعَرَاءِ تَسْفِی عَلَیْهِ الْأَعَاصِیرُ، لَا یَكُنُّهُ مِنَ الْحَرِّ وَ الْقُرِّ وَ صِهْرِ الشَّمْسِ وَ الضِّحِّ، إِلَّا الْأَثْوَابُ الْهَامِدَةُ وَ بُیُوتُ الشَّعْرِ الْبَالِیَةِ، حَتَّی جَاءَكُمُ اللَّهُ بِأَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ، فَصَدَعَ بِالْحَقِّ، وَ نَشَرَ الْعَدْلَ، وَ عَمِلَ بِمَا فِی الْكِتَابِ.

ص: 157

یَا قَوْمِ! فَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَیْكُمْ وَ لَا تَوَلَّوْا مُدْبِرِینَ، وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِینَ قالُوا: سَمِعْنا وَ هُمْ لا یَسْمَعُونَ، اشْحَذُوا السُّیُوفَ، وَ اسْتَعِدُّوا لِجِهَادِ عَدُوِّكُمْ، فَإِذَا دُعِیتُمْ فَأَجِیبُوا، وَ إِذَا أُمِرْتُمْ فَاسْمَعُوا وَ أَطِیعُوا، وَ مَا قُلْتُمْ فَلْیَكُنْ مَا أَضْمَرْتُمْ عَلَیْهِ تَكُونُوا بِذَلِكَ مِنَ الصَّادِقِینَ..

«969»- (1) كِتَابُ الْغَارَاتِ بِإِسْنَادِهِ إِلَی جُنْدَبٍ مِثْلَهُ.

بیان:

الحلق بفتح الحاء و كسرها و فتح اللام: جمع حلقة. و قال الجوهری: العزة:

الفرقة من الناس، و الهاء عوض من الیاء، و الجمع عزی علی [وزن] فعل.

و عزون و عزون أیضا بالضمّ و منه قوله تعالی: عَنِ الْیَمِینِ وَ عَنِ الشِّمالِ عِزِینَ [37- المعارج: 70] قال الأصمعی: یقال: فی الدار عزون: أی أصناف من الناس.

[قوله علیه السلام: ] «أضلّ راعیها» فی بعض النسخ: «ضلّ». [قال الجوهری] فی الصحاح: قال ابن السّكّیت: أضللت بعیری: إذا ذهب منك.

و ضللت المسجد و الدار: إذا لم تعرف موضعها. و فی الحدیث «لعلی أضلّ اللّٰه» یرید أضلّ عنه: أی أخفی علیه. و قال: حمّ الشی ء و أحمّ: قدّر و أحمّه أمر: أی أهمّه. و أحمّ خروجنا: أی دنا. و فی سائر الروایات: «و حمی البأس».

قوله علیه السلام: «یا عرف النار» لعلّه علیه السلام شبّهه بعرف الدیك، لكونه رأسا فیما یوجب دخول النار، أو المعنی أنّك من القوم الذین یتبادرون دخول النار من غیر رویّة، كقوله تعالی: «وَ الْمُرْسَلاتِ عُرْفاً».

و قال [الفیروزآبادی] فی القاموس: خذع اللحم و ما لا صلابة فیه كمنع خرزه و قطعه فی مواضع. و قال: صهرته الشمس كمنع-: صحرته.

ص: 158


1- [969]- رَوَاهُ الثَّقَفِیُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِی الْحَدِیثِ: (179) مِنْ كِتَابِ الْغَارَاتِ عَلَی مَا فِی تَلْخِیصِهِ ص 493 ط 1.

و الشی ء: أذابه. و الصهر بالفتح-: الحار. و اصطهر و اصهار: تلألأ ظهره من حرّ الشمس. و قال: الضّحّ بالكسر-: الشمس و ضوؤها، و البراز من الأرض و ما أصابته الشمس. و قال: الهمود: الموت و تقطع الثوب من طول الطی. و الهامد:

البالی المسود المتغیّر.

«970»- (1) نَهْجٌ: [وَ] مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَیْهِ السَّلَامُ وَ قَدْ تَوَاتَرَتْ عَلَیْهِ الْأَخْبَارُ بِاسْتِیلَاءِ أَصْحَابِ مُعَاوِیَةَ عَلَی الْبِلَادِ، وَ قَدِمَ عَلَیْهِ عَامِلَاهُ عَلَی الْیَمَنِ وَ هُمَا عُبَیْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ وَ سَعِیدُ بْنُ نِمْرَانَ، لَمَّا غَلَبَ عَلَیْهِمَا بُسْرُ بْنُ أَرْطَاةَ، فَقَامَ عَلَیْهِ السَّلَامُ إِلَی الْمِنْبَرِ ضَجِراً بِتَثَاقُلِ أَصْحَابِهِ عَنِ الْجِهَادِ وَ مُخَالَفَتِهِمْ [لَهُ] فِی الرَّأْیِ فَقَالَ:

مَا هِیَ إِلَّا الْكُوفَةُ أَقْبِضُهَا وَ أَبْسُطُهَا، إِنْ لَمْ تَكُونِی إِلَّا أَنْتِ تَهُبُّ أَعَاصِیرُكِ فَقَبَّحَكِ اللَّهُ. وَ تَمَثَّلَ [عَلَیْهِ السَّلَامُ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ]:

لَعَمْرُ أَبِیكَ الْخَیْرِ یَا عَمْرُو إِنَّنِی*** عَلَی وَضَرٍ مِنْ ذَا الْإِنَاءِ قَلِیلٌ

[ثُمَّ قَالَ عَلَیْهِ السَّلَامُ]:

أُنْبِئْتُ بُسْراً قَدِ اطَّلَعَ الْیَمَنَ، وَ إِنِّی وَ اللَّهِ لَأَظُنُّ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ سَیُدَالُونَ مِنْكُمْ بِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَی بَاطِلِهِمْ وَ تَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ، وَ بِمَعْصِیَتِكُمْ إِمَامَكُمْ فِی الْحَقِّ وَ طَاعَتِهِمْ إِمَامَهُمْ فِی الْبَاطِلِ، وَ بِأَدَائِهِمُ الْأَمَانَةَ إِلَی صَاحِبِهِمْ وَ خِیَانَتِكُمْ، وَ بِصَلَاحِهِمْ فِی بِلَادِهِمْ وَ فَسَادِكُمْ، فَلَوِ ائْتَمَنْتُ أَحَدَكُمْ عَلَی قَعْبٍ لَخَشِیتُ أَنْ یَذْهَبَ بِعِلَاقَتِهِ! أَللَّهُمَّ إِنِّی قَدْ مَلِلْتُهُمْ وَ مَلُّونِی، وَ سَئِمْتُهُمْ وَ سَئِمُونِی، فَأَبْدِلْنِی بِهِمْ خَیْراً مِنْهُمْ، وَ أَبْدِلْهُمْ بِی شَرّاً مِنِّی.

اللَّهُمَّ مِثْ قُلُوبَهُمْ كَإِیمَاثِ الْمِلْحِ فِی الْمَاءِ.

ص: 159


1- [970]- رَوَاهُ السَّیِّدُ الرَّضِیُّ فِی الْمُخْتَارِ: (25) مِنْ نَهْجِ الْبَلَاغَةِ.

أَمَا وَ اللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ لِی بِكُمْ أَلْفَ فَارِسٍ مِنْ بَنِی فِرَاسِ بْنِ غَنْمٍ، [ثُمَّ تَمَثَّلَ عَلَیْهِ السَّلَامُ: ]

هُنَالِكَ لَوْ دَعَوْتَ أَتَاكَ مِنْهُمْ*** فَوَارِسُ مِثْلُ أَرْمِیَةِ الْحَمِیمِ

ثُمَّ نَزَلَ عَلَیْهِ السَّلَامُ مِنَ الْمِنْبَرِ.

قال السیّد [الرّضی] رضی اللّٰه عنه: الأرمیة: جمع «رمیّ» و هو السحاب.

و الحمیم هاهنا: وقت الصیف، و إنّما خصّ الشّاعر سحاب الصیف بالذكر؛ لأنّه أشدّ جفولا و أسرع خفوقا، لأنّه لا ماء فیه و إنّما یكون السحاب ثقیل السیر، لامتلائه بالماء. و ذلك لا یكون فی الأكثر إلّا فی زمان الشتّاء. [و إنّما] أراد [الشاعر] وصفهم بالسرعة إذا دعوا، و الإغاثة إذا استغیثوا، و الدلیل علیه، قوله:

«هنالك لو دعوت أتاك منهم»

بیان:

قوله علیه السلام: «ما هی إلّا الكوفة أقبضها و أبسطها».

أی ما مملكتی إلّا الكوفة أتصرّف فیها كما یتصرّف الإنسان فی ثوبه یقبضه و یبسطه.

و الكلام فی معرض التحقیر، أی ما أصنع بتصرّفی فیها مع حقارتها.

و یحتمل أن یكون المراد عدم التمكن التامّ من التصرّف فیها لنفاق أهلها، كمن لا یقدر علی لبس ثوب بل علی قبضه و بسطه.

أو المراد بالبسط: بثّ أهلها للقتال عند طاعتهم. و بالقبض: الاقتصار علی ضبطهم عند المخالفة.

و [الخطاب] فی قوله [علیه السلام: ] «إن لم تكونی [إلّا أنت»] التفات.

قوله علیه السلام: «تهبّ أعاصیرك»: الجملة فی موضع الحال، و خبر «كان» محذوف، و لفظ الأعاصیر علی حقیقته، فإنّ الكوفة معروفة بهبوب الإعصار فیها.

ص: 160

و یحتمل أن یكون مستعارا لآراء أهلها المختلفة، و التقدیر: إن لم تكونی إلّا أنت عدّة لی و جنّة ألقی بها العدوّ، و حظّا من الملك و الخلافة مع ما فیك من المذامّ، فقبحا لك و بعدا.

و یمكن أن یقدر المستثنی منه حالا، أی إن لم تكونی علی حال إلّا أن تهبّ فیك الأعاصیر دون أن یكون فیك من یستعان به علی العدوّ.

و الإعصار: ریح تهبّ و تمتدّ من الأرض كالعمود نحو السّماء. و قیل: [هو] كلّ ریح فیها العصار، و هو الغبار الشّدید. و الوضر: بفتح الضاد-: الدرن الباقی فی الإناء بعد الأكل، و یستعار لكلّ بقیّة من شی ء یقلّ الانتفاع بها.

و استعار بلفظ الإناء للدّنیا و بلفظ الوضر للقلیل لما فیها لحقارتها.

و روی «من ذی الآلاء» فإنّما أراد: أنّی علی بقیّة من هذا الأمر كالقدر الحاصل لناظر الآلاء، مع عدم انتفاعه بشی ء آخر فإنّ الآلاء كسحاب. [ «و سبا» غیر مهموز]: شجر حسن المنظر مرّ الطعم.

قوله علیه السّلام: «قد اطّلع الیمن»: أی غلبها و غزاها و أغار علیها.

من الاطّلاع و هو الإشراف من مكان عال.

قوله علیه السلام: «سیدالون منكم»: أی یغلبونكم و یكون لهم الدولة علیكم.

و لعلّ التفرّق عن الحقّ و معصیة الإمام واحد، أتی بهما تأكیدا.

و قیل: المراد بالحقّ الذی تفرّقوا عنه [هو] تصرّفهم فی الفی ء و الغنائم و غیرها بإذن الإمام. و أداء الأمانة: الوفاء بالعهد و البیعة أو مطلقا. و الصلاح فی البلاد: ترك التعرّض للناس و تهییج الفتن. و القعب: القدح الضخم.

قوله علیه السّلام: «أن یذهب بعلاقته»: الضمیر المستتر راجع إلی الأحد [فی قوله: «فلو ائتمنت أحدكم»] و الباء للتعدیة، أو إلی «القعب» و الباء

ص: 161

بمعنی مع.

و قوله علیه السّلام: «خیرا منهم و شرّا منّی»: صیغة أفعل فیه بمنزلتها فی قوله تعالی: «أَ ذلِكَ خَیْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ» [51- الفرقان: 25] علی سبیل التّنزل أو التهكم، أو أرید بالصیغة أصل الصفة بدون تفضیل.

و لعلّ المراد بقوله: «خیرا منهم»: قوم صالحون ینصرونه و یوفّقون لطاعته، أو ما بعد الموت من مرافقة النبیّ صلّی اللّٰه علیه و آله و غیره من الأنبیاء علیهم السلام. و تمنّیه علیه السلام لفوارس [من] فراس بن غنم ربما یؤیّد [الوجه] الأوّل.

و یروی أنّ الیوم الذی دعا فیه علیه السلام ولد الحجّاج. و روی أنّه ولد بعد ذلك بمدّة یسیرة، و فعل الحجاج بأهل الكوفة مشهور. و یقال: ماث زید الملح فی الماء: أی أذابه.

قوله علیه السّلام: «لوددت [أنّ لی بكم» إلی قوله:

«هنالك لو دعوت أتاك منهم»]: البیت لأبی جندب الهذلی، و بنو فراس حیّ مشهور بالشجاعة.

و الجفول: الإسراع. و الخفوق: العجلة.

«971»- (1) نَهْجٌ: وَ قَالَ عَلَیْهِ السَّلَامُ لَمَّا بَلَغَهُ إِغَارَةُ أَصْحَابِ مُعَاوِیَةَ عَلَی الْأَنْبَارِ، فَخَرَجَ بِنَفْسِهِ مَاشِیاً حَتَّی أَتَی النُّخَیْلَةَ فَأَدْرَكَهُ النَّاسُ، وَ قَالُوا:

یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ نَحْنُ نَكْفِیكَهُمْ.

فَقَالَ عَلَیْهِ السَّلَامُ: وَ اللَّهِ لَا تَكْفُونِّی أَنْفُسَكُمْ فَكَیْفَ تَكْفُونِّی غَیْرَكُمْ! إِنْ كَانَتِ الرُّعَایَا قَبْلِی لَتَشْكُو حَیْفَ رُعَاتِهَا، وَ إِنِّی الْیَوْمَ لَأَشْكُو حَیْفَ رَعِیَّتِی، كَأَنِّی الْمَقُودُ وَ هُمُ الْقَادَةُ، أَوِ الْمَوْزُوعُ وَ هُمُ الْوَزَعَةُ! وَ لَمَّا قَالَ عَلَیْهِ السَّلَامُ هَذَا القَوْلَ فِی كَلَامٍ طَوِیلٍ قَدْ ذَكَرْنَا مُخْتَارَهُ فِی جُمْلَةِ الْخُطَبِ تَقَدَّمَ إِلَیْهِ رَجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: «إِنِّی لا أَمْلِكُ إِلَّا

ص: 162


1- [971]- رَوَاهُ السَّیِّدُ الرَّضِیُّ رَفَعَ اللَّهُ مَقَامَهُ فِی الْمُخْتَارِ: (261) مِنَ الْبَابِ الثَّالِثِ مِنْ نَهْجِ الْبَلَاغَةِ.

نَفْسِی وَ أَخِی، فَمُرْنَا بِأَمْرِكَ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ نُنْفِذْ لَهُ». فَقَالَ [عَلَیْهِ السَّلَامُ: ] وَ أَیْنَ تَقَعَانِ مِمَّا أُرِیدُ!.

بیان: وزعه یزعه: كفّه و منعه.

[972- 973] (1) كِتَابُ الْغَارَاتِ لِإِبْرَاهِیمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِیِّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَیْرٍ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ لِعَلِیٍّ عَلَیْهِ السَّلَامُ صَدِیقٌ یُكَنَّی بِأَبِی مَرْیَمَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِینَةِ، فَلَمَّا سَمِعَ بِتَشَتُّتِ النَّاسِ عَلَیْهِ أَتَاهُ، فَلَمَّا رَآهُ [عَلِیٌّ عَلَیْهِ السَّلَامُ] قَالَ: أَبُو مَرْیَمَ؟ قَالَ:

نَعَمْ. قَالَ: مَا جَاءَ بِكَ قَالَ: إِنِّی لَمْ آتِكَ لِحَاجَةٍ، وَ لَكِنِّی [كُنْتُ] أَرَاكَ لَوْ وَلَّوْكَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَجْزَأْتَهُ. قَالَ: یَا أَبَا مَرْیَمَ إِنِّی صَاحِبُكَ الَّذِی عَهِدْتُ، وَ لَكِنِّی مُنِیتُ بِأَخْبَثِ قَوْمٍ عَلَی وَجْهِ الْأَرْضِ! أَدْعُوهُمْ إِلَی الْأَمْرِ [الصَّائِبِ] فَلَا یَتَّبِعُونِّی، فَإِذَا تَابَعْتُهُمْ عَلَی مَا یُرِیدُونَ تَفَرَّقُوا عَنِّی.

وَ عَنْ فُضَیْلِ بْنِ جَعْدٍ عَنْ مَوْلَی الْأَشْتَرِ قَالَ: شَكَا عَلِیٌّ عَلَیْهِ السَّلَامُ إِلَی الْأَشْتَرِ فِرَارَ النَّاسِ إِلَی مُعَاوِیَةَ، فَقَالَ الْأَشْتَرُ: یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ! إِنَّا قَاتَلْنَا أَهْلَ الْبَصْرَةِ بِأَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَ أَهْلَ الْكُوفَةِ، وَ الرَّأْیُ وَاحِدٌ، وَ قَدِ اخْتَلَفُوا بَعْدُ وَ تُعَادُوا، وَ ضَعُفَتِ النِّیَّةُ، وَ قَلَّ الْعَدْلُ، وَ أَنْتَ تَأْخُذُهُمْ بِالْعَدْلِ، وَ تَعْمَلُ فِیهِمْ بِالْحَقِّ،

ص: 163


1- [972- 973]- رَوَاهُمَا الثَّقَفِیُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِی الْحَدِیثِ: (34 وَ 38) مِنْ تَلْخِیصِ كِتَابِ الْغَارَاتِ: ج 1، ص 68 وَ 70 ط 1. والحدیث الأول رواه أیضا الیعقوبی فی سیرة أمیر المؤمنین علیه السلام من تاریخه: ج ٢ ص ١٨٠. ورواه ابن دیزیل بسند آخر فی كتاب صفین: كما رواه عنه ابن أبی الحدید فی أواخر شرح المختار: (٤٢) من نهج البلاغة: ج ١، ص ٥٦٥. وللحدیث الثانی أیضا مصادر، ورواه أیضا المدائنی كما فی شرح المختار: (٣٤) من نهج البلاغة من شرح ابن أبی الحدید: ج ١، ص ٤١٣ و ٤١٧.

وَ تَنْصُفُ الْوَضِیعَ مِنَ الشَّرِیفِ، وَ لَیْسَ لِلشَّرِیفِ عِنْدَكَ فَضْلُ مَنْزِلَةٍ عَلَی الْوَضِیعِ، فَضَجَّ طَائِفَةٌ مِمَّنْ مَعَكَ عَلَی الْحَقِّ إِذَا عُمُّوا بِهِ، وَ اغْتَمُّوا مِنَ الْعَدْلِ إِذْ صَارُوا فِیهِ، وَ صَارَتْ صَنَائِعُ مُعَاوِیَةَ عِنْدَ أَهْلِ الْغِنَی وَ الشَّرَفِ، فَتَاقَتْ أَنْفُسُ النَّاسِ إِلَی الدُّنْیَا، وَ قَلَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ لَیْسَ لِلدُّنْیَا بِصَاحِبٍ، وَ أَكْثَرُهُمْ مَنْ یَجْتَوِی الْحَقَّ وَ یَسْتَمْرِئُ الْبَاطِلَ وَ یُؤْثِرُ الدُّنْیَا (1). فَإِنْ تَبْذُلِ الْمَالَ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ تَمِلْ إِلَیْكَ أَعْنَاقُ النَّاسِ، وَ تَصْفُو نَصِیحَتُهُمْ، وَ تَسْتَنْزِلُ وُدَّهُمْ، صَنَعَ اللَّهُ لَكَ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ! وَ كَبَتَ عَدُوَّكَ، وَ فَضَّ جَمْعَهُمْ، وَ وَهَنَ كَیْدَهُمْ وَ شَتَّتَ أُمُورَهُمْ، إِنَّهُ بِما یَعْمَلُونَ خَبِیرٌ فَأَجَابَهُ عَلِیٌّ عَلَیْهِ السَّلَامُ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَی عَلَیْهِ وَ قَالَ:

أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ عَمَلِنَا وَ سِیرَتِنَا بِالْعَدْلِ فَإِنَّ اللَّهَ یَقُولُ: مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ أَساءَ فَعَلَیْها وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِیدِ وَ أَنَا مِنْ [أَنْ] أَكُونَ مُقَصِّراً فِیمَا ذَكَرْتَ أَخْوَفُ.

وَ أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَنَّ الْحَقَّ ثَقُلَ عَلَیْهِمْ فَفَارَقُونَا لِذَلِكَ، فَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُمْ لَمْ یُفَارِقُونَا مِنْ جَوْرٍ، وَ لَمْ یَلْجَئُوا إِلَی عَدْلٍ، وَ لَمْ یَلْتَمِسُوا إِلَّا دُنْیَا زَائِلَةً عَنْهُمْ، كَأَنَّ قَدْ فَارَقُوهَا، وَ لَیُسْأَلُنَّ یَوْمَ الْقِیَامَةِ أَ لِلدُّنْیَا أَرَادُوا أَمْ لِلَّهِ عَمِلُوا؟

وَ أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ بَذْلِ الْأَمْوَالِ وَ اصْطِنَاعِ الرِّجَالِ، فَإِنَّا لَا یَسَعُنَا أَنْ نُؤْتِیَ امْرَأً مِنَ الْفَیْ ءِ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ، وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ وَ قَوْلُهُ الْحَقُّ: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِیلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِیرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَ اللَّهُ مَعَ الصَّابِرِینَ وَ [قَدْ] بَعَثَ [اللَّهُ] مُحَمَّداً صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَحْدَهُ فَكَثَّرَهُ بَعْدَ الْقِلَّةِ، وَ أَعَزَّ فِئَتَهُ بَعْدَ الذِّلَّةِ، وَ إِنْ یُرِدِ اللَّهُ [أَنْ] یُوَلِّیَنَا هَذَا الْأَمْرَ، یُذَلِّلُ لَنَا صَعْبَهُ

ص: 164


1- هذا هو الظّاهر الموافق لمّا رواه ابن أبی الحدید فی شرح المختار: (34) من نهج البلاغة من شرحه: ج 1، ص 413. وفی ط الكمبانی من البحار: یجتری الحق ویستمری الباطل...

وَ یُسَهِّلُ لَنَا حَزْنَهُ وَ أَنَا قَابِلٌ مِنْ رَأْیِكَ مَا كَانَ لِلَّهِ [فِیهِ] رِضًا، وَ أَنْتَ مِنْ أَعَزِّ أَصْحَابِی وَ أَوْثَقِهِمْ فِی نَفْسِی وَ أَنْصَحِهِمْ عِنْدِی.

«974»- (1) كَنْزُ الْكَرَاجُكِیِّ: رُوِیَ أَنَّ هَذِهِ الْأَبْیَاتَ لِأَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ عَلَیْهِ السَّلَامُ:

أَخَذْتُكُمْ دِرْعاً حَصِیناً لِتَدْفَعُوا*** سِهَامَ الْعِدَی عَنِّی فَكُنْتُمْ نِصَالَهَا

فَإِنْ أَنْتُمْ لَمْ تَحْفَظُوا لِمَوَدَّتِی*** ذِمَاماً فَكُونُوا لَا عَلَیْهَا وَ لَا لَهَا

قِفُوا مَوْقِفَ الْمَعْذُورِ عَنِّی بِجَانِبٍ*** وَ خَلُّوا نِبَالِی لِلْعِدَی وَ نِبَالَهَا

ص: 165


1- [974]- رَوَاهُ الْعَلَّامَةُ الْكَرَاجُكِیُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِی كَنْزِ الْفَوَائِدِ.

ص: 166

[الباب الثانی و الثلاثون] علّة عدم تغییر أمیر المؤمنین علیه السلام بعض البدع فی زمانه

«975»- (1) ج: عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَلَیْهِ السَّلَامُ قَالَ: خَطَبَ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ [عَلَیْهِ السَّلَامُ] فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ یَقُولُ: كَیْفَ أَنْتُمْ إِذَا أُلْبِسْتُمُ الْفِتْنَةَ، یَنْشَأُ فِیهَا الْوَلِیدُ، وَ یَهْرَمُ فِیهَا الْكَبِیرُ، وَ تَجْرِی النَّاسُ عَلَیْهَا حَتَّی یَتَّخِذُوهَا سُنَّةً، فَإِذَا غُیِّرَ مِنْهَا شَیْ ءٌ قِیلَ: أَتَی النَّاسُ بِمُنْكَرٍ غُیِّرَتِ السُّنَّةُ.

ثُمَّ تَشْتَدُّ الْبَلِیَّةُ، وَ تَنْشَأُ فِیهَا الذُّرِّیَّةُ، وَ تَدُقُّهُمُ الْفِتَنُ كَمَا تَدُقُّ النَّارُ الْحَطَبَ، وَ كَمَا تَدُقُّ الرَّحَی بِثِفَالِهَا. یَتَفَقَّهُ النَّاسُ لِغَیْرِ الدِّینِ، وَ یَتَعَلَّمُونَ لِغَیْرِ الْعَمَلِ، وَ یَطْلُبُونَ الدُّنْیَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ.

ثُمَّ أَقْبَلَ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ عَلَیْهِ السَّلَامُ، وَ مَعَهُ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ بَیْتِهِ وَ خَاصٌّ مِنْ شِیعَتِهِ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَی عَلَیْهِ وَ صَلَّی عَلَی النَّبِیِّ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ،

ص: 167


1- [975]- رَوَاهُ الطَّبْرِسِیُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِی أَوَاخِرِ احْتِجَاجَاتِ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ عَلَیْهِ السَّلَامُ- قُبَیْلَ احْتِجَاجَاتِ الْإِمَامِ الْحَسَنِ- مِنْ كِتَابِ الْإِحْتِجَاجِ: ج 1، ص 263 ط بَیْرُوتَ.

ثُمَّ قَالَ:

لَقَدْ عَمِلَتِ [عَمِلَ «خ»] الْوُلَاةُ قَبْلِی بِأُمُورٍ عَظِیمَةٍ، خَالَفُوا فِیهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ مُتَعَمِّدِینَ لِذَلِكَ، وَ لَوْ حَمَلْتُ النَّاسَ عَلَی تَرْكِهَا وَ حَوَّلْتُهَا إِلَی مَوَاضِعِهَا الَّتِی كَانَتْ عَلَیْهَا عَلَی عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ، لَتَفَرَّقَ عَنِّی جُنْدِی! حَتَّی أَبْقَی وَحْدِی إِلَّا قَلِیلًا مِنْ شِیعَتِیَ الَّذِینَ عَرَفُوا فَضْلِی وَ إِمَامَتِی مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِیِّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ.

أَ رَأَیْتُمْ لَوْ أَمَرْتُ بِمَقَامِ إِبْرَاهِیمَ عَلَیْهِ السَّلَامُ فَرَدَدْتُهُ إِلَی الْمَكَانِ الَّذِی وَضَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ فِیهِ، وَ رَدَدْتُ فَدَكَ إِلَی وَرَثَةِ فَاطِمَةَ عَلَیْهَا السَّلَامُ، وَ رَدَدْتُ صَاعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ مُدَّهُ إِلَی مَا كَانَ، وَ أَمْضَیْتُ قَطَائِعَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ أَقْطَعَهَا لِنَاسٍ مُسَمَّیْنَ، وَ رَدَدْتُ دَارَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِی طَالِبٍ إِلَی وَرَثَتِهِ وَ هَدَمْتُهَا [وَ أَخْرَجْتُهَا] مِنَ الْمَسْجِدِ، وَ رَدَدْتُ الْخُمُسَ إِلَی أَهْلِهِ، وَ رَدَدْتُ قَضَاءَ كُلِّ مَنْ قَضَی بِجَوْرٍ، وَ سَبْیَ ذَرَارِیِّ بَنِی تَغْلِبَ، وَ رَدَدْتُ مَا قُسِمَ مِنْ أَرْضِ خَیْبَرَ، وَ مَحَوْتُ دِیوَانَ الْعَطَاءِ، وَ أَعْطَیْتُ كَمَا كَانَ یُعْطِی رَسُولُ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ، وَ لَمْ أَجْعَلْهَا دُولَةً بَیْنَ الْأَغْنِیاءِ! وَ اللَّهِ لَقَدْ أَمَرْتُ النَّاسَ أَنْ لَا یَجْمَعُوا [لَا یَجْتَمِعُوا «خ»] فِی شَهْرِ رَمَضَانَ إِلَّا فِی فَرِیضَةٍ، فَنَادَی بَعْضُ أَهْلِ عَسْكَرِی مِمَّنْ یُقَاتِلُ دُونِی، وَ سَیْفُهُ مَعِی أَتَّقِی بِهِ فِی الْإِسْلَامِ وَ أَهْلِهِ (1): غُیِّرَتْ سُنَّةُ عُمَرَ وَ نُهِیَ أَنْ یُصَلَّی فِی شَهْرِ رَمَضَانَ فِی جَمَاعَةٍ، حَتَّی خِفْتُ أَنْ یَثُورَ بِی نَاحِیَةُ عَسْكَرِی مَا لَقِیَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ مِنْ أَئِمَّةِ الضَّلَالَةِ وَ الدُّعَاةِ إِلَی النَّارِ!.

وَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، سَهْمُ ذَوِی الْقُرْبَی الَّذِینَ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَی [فِی حَقِّهِمْ]: وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَیْ ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِی الْقُرْبی

ص: 168


1- كذا فی أصلی المطبوع، و فی ط بیروت من كتاب الاحتجاج: «أنعی الإسلام و أهله» و یأتی فی بیان المصنّف فی ذیل الحدیث أنّ فی نسخة: «و ینعی الإسلام».

وَ الْیَتامی وَ الْمَساكِینِ وَ ابْنِ السَّبِیلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَ ما أَنْزَلْنا عَلی عَبْدِنا یَوْمَ الْفُرْقانِ نَحْنُ وَ اللَّهِ عَنَی بِذَوِی الْقُرْبَی الَّذِینَ قَرَنَهُمُ اللَّهُ بِنَفْسِهِ وَ نَبِیِّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ، وَ لَمْ یَجْعَلْ لَنَا فِی الصَّدَقَةِ نَصِیباً، أَكْرَمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَی نَبِیَّهُ، وَ أَكْرَمَنَا أَنْ یُطْعِمَنَا أَوْسَاخَ أَیْدِی النَّاسِ.

فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: إِنِّی سَمِعْتُ مِنْ سَلْمَانَ وَ أَبِی ذَرٍّ الْغِفَارِیِّ وَ الْمِقْدَادِ، أَشْیَاءَ مِنْ تَفْسِیرِ الْقُرْآنِ وَ الرِّوَایَةِ عَنِ النَّبِیِّ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ، وَ سَمِعْتُ مِنْكَ تَصْدِیقَ مَا سَمِعْتُ مِنْهُمْ، وَ رَأَیْتُ فِی أَیْدِی النَّاسِ أَشْیَاءَ كَثِیرَةً مِنْ تَفْسِیرِ الْقُرْآنِ وَ الْأَحَادِیثِ عَنِ النَّبِیِّ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ، [وَ] أَنْتُمْ تُخَالِفُونَهُمْ وَ تَزْعُمُونَ أَنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ، أَ فَتَرَی النَّاسَ یَكْذِبُونَ مُتَعَمِّدِینَ عَلَی نَبِیِّ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ یُفَسِّرُونَ الْقُرْآنَ بِآرَائِهِمْ؟

قَالَ: فَأَقْبَلَ [إِلَیْهِ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ] عَلَیْهِ السَّلَامُ فَقَالَ لَهُ: قَدْ سَأَلْتَ فَافْهَمِ الْجَوَابَ:

إِنَّ فِی أَیْدِی النَّاسِ حَقّاً وَ بَاطِلًا، وَ صِدْقاً وَ كَذِباً، وَ نَاسِخاً وَ مَنْسُوخاً، وَ عَامّاً وَ خَاصّاً، وَ مُحْكَماً وَ مُتَشَابِهاً، وَ حِفْظاً وَ وَهَماً، وَ قَدْ كُذِبَ عَلَی رَسُولِ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ هُوَ حَیٌّ، حَتَّی قَامَ خَطِیباً فَقَالَ: «أَیُّهَا النَّاسُ قَدْ كَثُرَتْ عَلَیَّ الْكَذَّابَةُ، فَمَنْ كَذَبَ عَلَیَّ مُتَعَمِّداً فَلْیَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». وَ إِنَّمَا أَتَاكَ بِالْحَدِیثِ أَرْبَعَةُ رِجَالٍ لَیْسَ لَهُمْ خَامِسٌ:

رَجُلٌ مُنَافِقٌ مُظْهِرٌ لِلْإِیمَانِ مُتَصَنِّعٌ بِالْإِسْلَامِ، لَا یَتَأَثَّمُ وَ لَا یَتَحَرَّجُ فِی أَنْ یَكْذِبَ عَلَی اللَّهِ وَ عَلَی رَسُولِ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ مُتَعَمِّداً، فَلَوْ عَلِمَ النَّاسُ أَنَّهُ مُنَافِقٌ كَاذِبٌ لَمْ یَقْبَلُوا مِنْهُ وَ لَمْ یُصَدِّقُوا قَوْلَهُ، وَ لَكِنَّهُمْ قَالُوا: «صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ رَآهُ وَ سَمِعَ مِنْهُ وَ لَقِفَ عَنْهُ» وَ یَأْخُذُونَ [فَیَأْخُذُونَ «خ»] بِقَوْلِهِ وَ قَدْ أَخْبَرَكَ اللَّهُ عَنِ الْمُنَافِقِینَ بِمَا أَخْبَرَكَ وَ وَصَفَهُمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ لَكَ.

ثُمَّ بَقُوا بَعْدَهُ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ فَتَقَرَّبُوا إِلَی أَئِمَّةِ الضَّلَالَةِ، وَ الدُّعَاةِ إِلَی النَّارِ بِالزُّورِ وَ الْبُهْتَانِ، فَوَلَّوْهُمُ الْأَعْمَالَ وَ جَعَلُوهُمْ حُكَّاماً عَلَی رِقَابِ النَّاسِ، وَ أَكَلُوا

ص: 169

بِهِمُ الدُّنْیَا وَ إِنَّمَا النَّاسُ مَعَ الْمُلُوكِ وَ الدُّنْیَا إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ.

فَهَذَا أَحَدُ الْأَرْبَعَةِ.

وَ [ثَانِی الْأَرْبَعَةِ] رَجُلٌ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ شَیْئاً لَمْ یَحْفَظْهُ عَلَی وَجْهِهِ، فَوَهِمَ فِیهِ وَ لَمْ یَتَعَمَّدْ كَذِباً، وَ هُوَ فِی یَدَیْهِ یَرْوِیهِ وَ یَعْمَلُ بِهِ وَ یَقُولُ: «أَنَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ». فَلَوْ عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ وَهِمَ فِیهِ لَمْ یَقْبَلُوا مِنْهُ، وَ لَوْ عَلِمَ هُوَ أَنَّهُ كَذَلِكَ لَرَفَضَهُ.

وَ رَجُلٌ ثَالِثٌ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ شَیْئاً یَأْمُرُ بِهِ ثُمَّ نَهَی [رَسُولُ اللَّهِ] عَنْهُ وَ هُوَ لَا یَعْلَمُ، أَوْ سَمِعَهُ نَهَی عَنْ شَیْ ءٍ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ وَ هُوَ لَا یَعْلَمُ، فَحَفِظَ الْمَنْسُوخَ وَ لَمْ یَحْفَظِ النَّاسِخَ. فَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ لَرَفَضَهُ، وَ لَوْ عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ إِذْ سَمِعُوهُ مِنْهُ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ لَرَفَضُوهُ.

وَ آخَرُ رَابِعٌ لَمْ یَكْذِبْ عَلَی اللَّهِ وَ لَا عَلَی رَسُولِهِ، مُبْغِضٌ لِلْكَذِبِ خَوْفاً لِلَّهِ وَ تَعْظِیماً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ، وَ لَمْ یَهُمَّ بِهِ، بَلْ حَفِظَ مَا سَمِعَ عَلَی وَجْهِهِ، فَجَاءَ بِهِ عَلَی مَا سَمِعَهُ، وَ لَمْ یَزِدْ فِیهِ وَ لَمْ یَنْقُصْ مِنْهُ، وَ حَفِظَ النَّاسِخَ فَعَمِلَ بِهِ وَ حَفِظَ الْمَنْسُوخَ فَجَنَبَ عَنْهُ، وَ عَرَفَ الْخَاصَّ وَ الْعَامَّ فَوَضَعَ كُلَّ شَیْ ءٍ مَوْضِعَهُ، وَ عَرَفَ الْمُتَشَابِهَ وَ الْمُحْكَمَ.

وَ قَدْ یَكُونُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ الْكَلَامُ لَهُ وَجْهَانِ، فَكَلَامٌ خَاصٌّ وَ كَلَامٌ عَامٌّ، فَیَسْمَعُهُ مَنْ لَا یَعْرِفُ مَا عَنَی اللَّهُ بِهِ، وَ لَا مَا عَنَی بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ، فَیَحْمِلُهُ السَّامِعُ وَ یُوَجِّهُهُ عَلَی غَیْرِ مَعْرِفَةٍ بِمَعْنَاهُ وَ لَا مَا قُصِدَ بِهِ وَ مَا خَرَجَ مِنْ أَجْلِهِ.

وَ لَیْسَ كُلُّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ یَسْأَلُهُ وَ یَسْتَفْهِمُهُ، حَتَّی إِنْ كَانُوا لَیُحِبُّونَ أَنْ یَجِی ءَ الْأَعْرَابِیُّ أَوِ الطَّارِی فَیَسْأَلَهُ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ حَتَّی یَسْمَعُوا كَلَامَهُ وَ كَانَ لَا یَمُرُّ بِی مِنْ ذَلِكَ شَیْ ءٌ إِلَّا سَأَلْتُ عَنْهُ وَ حَفِظْتُهُ.

فَهَذِهِ وُجُوهُ مَا عَلَیْهِ النَّاسُ فِی اخْتِلَافِهِمْ وَ عِلَلِهِمْ فِی رِوَایَاتِهِمْ.

ص: 170

بیان: قد مرّ شرح آخر الخبر و سیأتی شرح أوّله.

قوله علیه السلام: «أتقی به الإسلام» فی بعض النسخ: «ینعی الإسلام» [و] النعی: خبر الموت: أی كان ینادی مظهرا أنّه مات الإسلام و أهله بتغییر سنّة عمر.

«976»- (1) شی: عَنْ حَرِیزٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحَدِهِمَا قَالَ: لَمَّا كَانَ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ [عَلَیْهِ السَّلَامُ] فِی الْكُوفَةِ أَتَاهُ النَّاسُ فَقَالُوا: اجْعَلْ لَنَا إِمَاماً یَؤُمُّنَا فِی [شَهْرِ] رَمَضَانَ. فَقَالَ: لَا. وَ نَهَاهُمْ أَنْ یَجْتَمِعُوا فِیهِ، فَلَمَّا أَمْسَوْا جَعَلُوا یَقُولُونَ:

ابْكُوا فِی رَمَضَانَ وَا رَمَضَانَاهْ.

فَأَتَاهُ الْحَارِثُ الْأَعْوَرُ فِی أُنَاسٍ فَقَالَ: یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ ضَجَّ النَّاسُ وَ كَرِهُوا قَوْلَكَ. فَقَالَ عَلَیْهِ السَّلَامُ: دَعُوهُمْ وَ مَا یُرِیدُونَ لِیُصَلِّیَ بِهِمْ مَنْ شَاءُوا. ثُمَّ قَالَ: «فَمَنْ یَتَّبِعْ غَیْرَ سَبِیلِ الْمُؤْمِنِینَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّی وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَ ساءَتْ مَصِیراً».

«977»- (2) جا: الْكَاتِبُ عَنِ الزَّعْفَرَانِیِّ عَنِ الثَّقَفِیِّ عَنْ یُوسُفَ بْنِ كُلَیْبٍ عَنْ مُعَاوِیَةَ بْنِ هِشَامٍ عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ یَحْیَی الْمُزَنِیِّ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ حَصِیرَةَ قَالَ:

حَدَّثَنِی جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ عَلَیْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ یَوْماً: ادْعُوا [لِی]

ص: 171


1- [976]- رَوَاهُ الْعَیَّاشِیُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِی تَفْسِیرِ الْآیَةِ: (115) مِنْ سُورَةِ النِّسَاءِ وَ هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَی «وَ مَنْ یُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَیَّنَ لَهُ الْهُدی وَ یَتَّبِعْ غَیْرَ سَبِیلِ الْمُؤْمِنِینَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّی وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَ ساءَتْ مَصِیراً». ورواه عنه السید هاشم البحرانی رحمه اللّٰه فی تفسیر الآیة الكریمة من تفسیر البرهان: ج ١، ص ٤١٥ ط بیروت.
2- [977]- مَجَالِسُ الشَّیْخِ الْمُفِیدِ الْمُسَمَّی بِالْأَمَالِی: الْمَجْلِسُ 40 ح 5. ورواه الشیخ الطوسی حرفیا فی أواخر الجزء الرابع من أمالیه: ج ١، ص ١١٦ ورواه الثقفی فی الغارات ١ / ٢٠.

غَنِیّاً وَ بَاهِلَةَ وَ حَیّاً آخَرَ قَدْ سَمَّاهُمْ فَلْیَأْخُذُوا عَطَایَاهُمْ، فَوَ الَّذِی فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ مَا لَهُمْ فِی الْإِسْلَامِ نَصِیبٌ، وَ إِنِّی شَاهِدٌ وَ مَنْزِلِی (1) عِنْدَ الْحَوْضِ وَ عِنْدَ الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ، أَنَّهُمْ أَعْدَاءٌ لِی فِی الدُّنْیَا وَ الْآخِرَةِ [وَ] لَآخُذَنَّ غَنِیّاً أَخْذَةً یَضْرِطُ بَاهِلَةُ.

وَ لَئِنْ ثَبَتَتْ قَدَمَایَ لَأَرُدَّنَّ قَبَائِلَ إِلَی قَبَائِلَ، وَ قَبَائِلَ إِلَی قَبَائِلَ، وَ لَأُبَهْرِجَنَّ سِتِّینَ قَبِیلَةً مَا لَهَا فِی الْإِسْلَامِ نَصِیبٌ.

بیان: البهرج: الباطل. و بهرجه: أی جعل دمه هدرا.

«978»- (2) كا: [ثِقَةُ الْإِسْلَامِ الْكُلَیْنِیُ] فِی [كِتَابِ] الرَّوْضَةِ [عَنْ] عَلِیِّ بْنِ إِبْرَاهِیمَ عَنْ أَبِیهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِیسَی عَنْ إِبْرَاهِیمَ بْنِ عُمَرَ الْیَمَانِیِّ عَنْ أَبَانِ بْنِ أَبِی عَیَّاشٍ عَنْ سُلَیْمِ بْنِ قَیْسٍ الْهِلَالِیِّ قَالَ: خَطَبَ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ عَلَیْهِ السَّلَامُ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَی عَلَیْهِ ثُمَّ صَلَّی عَلَی النَّبِیِّ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ ثُمَّ قَالَ:

أَلَا إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَیْكُمْ خَلَّتَانِ: اتِّبَاعُ الْهَوَی، وَ طُولُ الْأَمَلِ. أَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَی فَیَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ.

وَ أَمَّا طُولُ الْأَمَلِ فَیُنْسِی الْآخِرَةَ.

أَلَا وَ إِنَّ الدُّنْیَا قَدْ تَرَحَّلَتْ مُدْبِرَةً، وَ إِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ تَرَحَّلَتْ مُقْبِلَةً، وَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ [مِنْهُمَا] بَنُونَ، فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ، وَ لَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْیَا، فَإِنَّ الْیَوْمَ عَمَلٌ وَ لَا حِسَابَ، وَ إِنَّ غَداً حِسَابٌ وَ لَا عَمَلَ.

وَ إِنَّمَا بَدْءُ وُقُوعِ الْفِتَنِ مِنْ أَهْوَاءٍ تُتَّبَعُ، وَ أَحْكَامٍ تُبْتَدَعُ، یُخَالَفُ فِیهَا حُكْمُ

ص: 172


1- و فی الأصل: و متولّ. و مثله فی بعض نسخ المجالس، و فی الغارات و الأمالی فی منزلی.
2- [978]- رَوَاهُ ثِقَةُ الْإِسْلَامِ الْكُلَیْنِیُّ فِی الْحَدِیثِ: (21) مِنْ كِتَابِ الرَّوْضَةِ مِنَ الْكَافِی: ج 8 ص 58 ط الْآخُونْدِیِّ.

اللَّهِ، یَتَوَلَّی فِیهَا رِجَالٌ رِجَالًا.

أَلَا إِنَّ الْحَقَّ لَوْ خَلَصَ لَمْ یَكُنِ اخْتِلَافٌ، وَ لَوْ أَنَّ الْبَاطِلَ خَلَصَ لَمْ یَخْفَ عَلَی ذِی حِجًی، لَكِنَّهُ یُؤْخَذُ مِنْ هَذَا ضِغْثٌ وَ مِنْ هَذَا ضِغْثٌ، فَیُمْزَجَانِ فَیَجْتَمِعَانِ فَیُجَلَّیَانِ (1) مَعاً، فَهُنَاكَ یَسْتَوْلِی الشَّیْطَانُ عَلَی أَوْلِیَائِهِ، وَ نَجَا الَّذِینَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ الْحُسْنَی، إِنِّی سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ یَقُولُ: كَیْفَ أَنْتُمْ إِذَا أَلْبَسَتْكُمْ فِتْنَةٌ یَرْبُو فِیهَا الصَّغِیرُ، وَ یَهْرَمُ فِیهَا الْكَبِیرُ، یَجْرِی النَّاسُ عَلَیْهَا وَ یَتَّخِذُونَهَا سُنَّةً، فَإِذَا غُیِّرَ مِنْهَا شَیْ ءٌ قِیلَ: قَدْ غُیِّرَتِ السُّنَّةُ وَ أَتَی النَّاسُ مُنْكَراً.

ثُمَّ تَشْتَدُّ الْبَلِیَّةُ وَ تُسْبَی الذُّرِّیَّةُ وَ تَدُقُّهُمُ الْفِتْنَةُ كَمَا تَدُقُّ النَّارُ الْحَطَبَ، وَ كَمَا تَدُقُّ الرَّحَی بِثِفَالِهَا، وَ یَتَفَقَّهُونَ لِغَیْرِ اللَّهِ، وَ یَتَعَلَّمُونَ لِغَیْرِ الْعَمَلِ، وَ یَطْلُبُونَ الدُّنْیَا بِأَعْمَالِ الْآخِرَةِ.

ثُمَّ أَقْبَلَ [عَلَیْهِ السَّلَامُ] بِوَجْهِهِ وَ حَوْلَهُ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ بَیْتِهِ وَ خَاصَّتِهِ وَ شِیعَتِهِ، فَقَالَ:

قَدْ عَمِلَتِ (2) الْوُلَاةُ قَبْلِی أَعْمَالًا خَالَفُوا فِیهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ، مُتَعَمِّدِینَ لِخِلَافِهِ، نَاقِضِینَ لِعَهْدِهِ، مُغَیِّرِینَ لِسُنَّتِهِ، وَ لَوْ حَمَلْتُ النَّاسَ عَلَی تَرْكِهَا وَ حَوَّلْتُهَا إِلَی مَوَاضِعِهَا وَ إِلَی مَا كَانَتْ فِی عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ لَتَفَرَّقَ عَنِّی جُنْدِی، حَتَّی أَبْقَی وَحْدِی أَوْ [مَعَ] قَلِیلٍ مِنْ شِیعَتِیَ الَّذِینَ عَرَفُوا فَضْلِی وَ فَرْضَ إِمَامَتِی مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ وَ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ.

ص: 173


1- و فی روضة الكافی المطبوع: «فیجلّلان» و فی نسخة منها: «فیجتمعان» و فی نسخة «فیجلیان». ورواه مسلم فی كتابه ص ٩١ ط النجف. وقد روینا نقلا عن باب البدع والرأی... من كتاب فضل العلم من أصول الكافی ج ١، ص ٥٤ فی المختار: (٢٣٩) من نهج السعادة ج ٢ ص ٣٠١ ط ١.
2- و فی روضة الكافی ط الآخوندیّ: «لقد عملت».

أَ رَأَیْتُمْ لَوْ أَمَرْتُ بِمَقَامِ إِبْرَاهِیمَ عَلَیْهِ السَّلَامُ فَرَدَدْتُهُ إِلَی الْمَوْضِعِ الَّذِی وَضَعَهُ فِیهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ، وَ رَدَدْتُ فَدَكَ إِلَی وَرَثَةِ فَاطِمَةَ عَلَیْهَا السَّلَامُ، وَ رَدَدْتُ صَاعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ كَمَا كَانَ، وَ أَمْضَیْتُ قَطَائِعَ أَقْطَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ لِأَقْوَامٍ لَمْ تُمْضَ لَهُمْ وَ لَمْ تُنْفَذْ، وَ رَدَدْتُ دَارَ جَعْفَرٍ عَلَیْهِ السَّلَامُ إِلَی وَرَثَتِهِ وَ هَدَمْتُهَا مِنَ الْمَسْجِدِ، وَ رَدَدْتُ قَضَایَا مِنَ الْجَوْرِ قُضِیَ بِهَا، وَ نَزَعْتُ نِسَاءً تَحْتَ رِجَالٍ بِغَیْرِ حَقٍّ فَرَدَدْتُهُنَّ إِلَی أَزْوَاجِهِنَّ، وَ اسْتَقْبَلْتُ بِهِنَّ الْحُكْمَ فِی الْفُرُوجِ وَ الْأَحْكَامِ، وَ سَبَیْتُ ذَرَارِیَّ بَنِی تَغْلِبَ، وَ رَدَدْتُ مَا قُسِمَ مِنْ أَرْضِ خَیْبَرَ، وَ مَحَوْتُ دَوَاوِینَ الْعَطَایَا، وَ أَعْطَیْتُ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ یُعْطِی بِالسَّوِیَّةِ، وَ لَمْ أَجْعَلْهَا دُولَةً بَیْنَ الْأَغْنِیاءِ، وَ أَلْقَیْتُ الْمَسَاحَةَ وَ سَوَّیْتُ بَیْنَ الْمَنَاكِحِ، وَ أَنْفَذْتُ خُمُسَ الرَّسُولِ كَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ فَرَضَهُ، وَ رَدَدْتُ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ إِلَی مَا كَانَ عَلَیْهِ، وَ سَدَدْتُ مَا فُتِحَ فِیهِ مِنَ الْأَبْوَابِ وَ فَتَحْتُ مَا سُدَّ مِنْهُ، وَ حَرَّمْتُ الْمَسْحَ عَلَی الْخُفَّیْنِ، وَ حَدَدْتُ عَلَی النَّبِیذِ، وَ أَمَرْتُ بِإِحْلَالِ الْمُتْعَتَیْنِ، وَ أَمَرْتُ بِالتَّكْبِیرِ عَلَی الْجَنَائِزِ خَمْسَ تَكْبِیرَاتٍ، وَ أَلْزَمْتُ النَّاسَ الْجَهْرَ بِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِیمِ*، وَ أَخْرَجْتُ مَنْ أُدْخِلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ فِی مَسْجِدِهِ مِمَّنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ أَخْرَجَهُ، وَ أَدْخَلْتُ مَنْ أُخْرِجَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ مِمَّنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ أَدْخَلَهُ، وَ حَمَلْتُ النَّاسَ عَلَی حُكْمِ الْقُرْآنِ وَ عَلَی الطَّلَاقِ عَلَی السُّنَّةِ، وَ أَخَذْتُ الصَّدَقَاتِ عَلَی أَصْنَافِهَا وَ حُدُودِهَا، وَ رَدَدْتُ الْوُضُوءَ وَ الْغُسْلَ وَ الصَّلَاةَ إِلَی مَوَاقِیتِهَا وَ شَرَائِعِهَا وَ مَوَاضِعِهَا، وَ رَدَدْتُ أَهْلَ نَجْرَانَ إِلَی مَوَاضِعِهِمْ، وَ رَدَدْتُ سَبَایَا فَارِسَ وَ سَائِرِ الْأُمَمِ إِلَی كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِیِّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ، إِذاً لَتَفَرَّقُوا عَنِّی.

وَ اللَّهِ لَقَدْ أَمَرْتُ النَّاسَ أَنْ لَا یَجْتَمِعُوا فِی شَهْرِ رَمَضَانَ إِلَّا فِی فَرِیضَةٍ، وَ أَعْلَمْتُهُمْ أَنَّ اجْتِمَاعَهُمْ فِی النَّوَافِلِ بِدْعَةٌ، فَنَادَی بَعْضُ أَهْلِ عَسْكَرِی مِمَّنْ یُقَاتِلُ مَعِی: «یَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ غُیِّرَتْ سُنَّةُ عُمَرَ، یَنْهَانَا عَنِ الصَّلَاةِ فِی شَهْرِ

ص: 174

رَمَضَانَ تَطَوُّعاً!».

وَ لَقَدْ خِفْتُ أَنْ یَثُورُوا فِی نَاحِیَةِ جَانِبِ عَسْكَرِی! مَا لَقِیتُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنَ الْفُرْقَةِ وَ طَاعَةِ أَئِمَّةِ الضَّلَالَةِ وَ الدُّعَاةِ إِلَی النَّارِ! وَ [لَوْ] أَعْطَیْتُ مِنْ ذَلِكَ سَهْمَ ذِی الْقُرْبَی الَّذِی قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَ ما أَنْزَلْنا عَلی عَبْدِنا یَوْمَ الْفُرْقانِ یَوْمَ الْتَقَی الْجَمْعانِ فَنَحْنُ وَ اللَّهِ عَنَی بِذِی الْقُرْبَی الَّذِی قَرَنَنَا اللَّهُ بِنَفْسِهِ وَ بِرَسُولِهِ، فَقَالَ: فَلِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِی الْقُرْبی وَ الْیَتامی وَ الْمَساكِینِ وَ ابْنِ السَّبِیلِ فِینَا [خ: مِنَّا] خَاصَّةً؛ كَیْ لا یَكُونَ دُولَةً بَیْنَ الْأَغْنِیاءِ مِنْكُمْ. وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَ اتَّقُوا اللَّهَ فِی ظُلْمِ آلِ مُحَمَّدٍ إِنَّ اللَّهَ شَدِیدُ الْعِقابِ لِمَنْ ظَلَمَهُمْ، رَحْمَةً مِنْهُ لَنَا، وَ غِنًی أَغْنَانَا اللَّهُ بِهِ وَ وَصَّی بِهِ نَبِیَّهُ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ، وَ لَمْ یَجْعَلْ لَنَا فِی سَهْمِ الصَّدَقَةِ نَصِیباً، أَكْرَمَ اللَّهُ رَسُولَهُ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ، وَ أَكْرَمَنَا أَهْلَ الْبَیْتِ أَنْ یُطْعِمَنَا مِنْ أَوْسَاخِ النَّاسِ، فَكَذَّبُوا اللَّهَ وَ كَذَّبُوا رَسُولَهُ وَ جَحَدُوا كِتَابَ اللَّهِ النَّاطِقَ بِحَقِّنَا، وَ مَنَعُونَا فَرْضاً فَرَضَهُ اللَّهُ لَنَا. مَا لَقِیَ أَهْلُ بَیْتِ نَبِیٍّ مِنْ أُمَّتِهِ مَا لَقِیتُهُ بَعْدَ نَبِیِّنَا (1)! وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلَی مَنْ ظَلَمَنَا، وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَظِیمِ!.

تبیین:

أقول: وجدت فی أصل كتاب سلیم مثله.

قوله علیه السلام: «إنّ أخوف» [لفظ: «أخوف»] مشتقّ من المبنی للمفعول علی خلاف القیاس كأشهر.

[قوله علیه السلام: ] «قد ترحّلت» قال الفیروزآبادی: ارتحل القوم عن

ص: 175


1- و فی كتاب الرّوضة: «ما لقینا ...».

المكان: انتقلوا كترحّلوا. شبّه علیه السلام انقضاء العمر فی الدنیا شیئا فشیئا، و نقص لذّاتها بترحّلها و إدبارها و قرب الموت یوما فیوما بترحّل الآخرة و إقبالها.

[قوله علیه السلام: ]الیوم عمل» قال ابن میثم: [لفظ «عمل»] قائم مقام الخبر، من قبیل استعمال المضاف إلیه مقام المضاف: أی الیوم یوم عمل، أو وقت عمل.

[قوله علیه السلام: ] «إنّما بدء وقوع الفتن» إلی آخره

قد أورد الكلینی رحمه اللّٰه، فی كتاب العقل [من الكافی:] هذا الجزء من الخبر بسند صحیح عن [الإمام] الباقر علیه السلام و فیه: «أیّها النّاس إنما بدء وقوع الفتن أهواء تتّبع، و أحكام تبتدع، یخالف فیها كتاب اللّٰه».

[قوله علیه السلام: ] «من هذا ضغث» الضغث: مل ء الكفّ من الشجر و الحشیش و الشماریخ.

[قوله علیه السلام: ] «فیجلّیان» و

فی كتاب العقل [من الكافی: ] «فیجیئان معا، فهنالك استحوذ الشیطان علی أولیائه، و نجا الذین سبقت لهم من اللّٰه الحسنی».

و هو أظهر. و علی ما فی هذا الخبر، لعلّ المراد نجا: الذین قال اللّٰه فیهم سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنی أی سبقت لهم فی علم اللّٰه و قضائه و مشیئته، الخصلة الحسنی و هی السعادة أو التوفیق للطاعة، أو البشری بالجنّة، أو العاقبة الحسنی.

[قوله علیه السلام: ] «لبستم» كذا فی بعض النسخ و هو الظاهر و فی بعضها: «ألبستم» علی بناء المجهول من الأفعال و هو أظهر. و فی أكثره:

«ألبستكم» فیحتمل المعلوم و المجهول بتكلّف، إمّا لفظا و إمّا معنی.

[قوله علیه السلام: ] «یربو فیها الصغیر» قال الفیروزآبادی: ربا [المال] ربوّا كعلوا-: زاد و نما. و الغرض بیان كثرة امتدادها.

[قوله علیه السلام: ] «و قد أتی الناس منكرا»: لعلّه داخل تحت القول

ص: 176

و یحتمل العدم.

[قوله علیه السلام: ] «و كما تدقّ الرحی بثقالها» فی أكثر النسخ بالقاف و لعلّه تصحیف. و الظاهر الفاء، قال الجزری:

و فی حدیث علیّ علیه السلام:

«تدقّهم الفتن دقّ الرحی بثفالها».

الثفال بالكسر-: جلدة تبسط تحت رحی الید، لیقع علیها الدقیق و یسمّی الحجر الأسفل ثفالا بها، و المعنی أنّها تدقّهم دقّ الرّحی بالحبّ إذا كانت مثقلة، و لا تثقل إلّا عند الطحن.

و قال الفیروزآبادی: و قول زهیر:

«فنعرككم عرك الرحی بثفالها»

أی علی ثفالها، أی حال كونها طاحنة؛ لأنّهم لا یثفلونها إلّا إذا طحنت انتهی.

و علی ما فی أكثر النسخ، لعلّ المراد مع ثقالها: أی إذا كانت معها ما یثقلها من الحبوب، فیكون أیضا كنایة عن كونها طاحنة.

[قوله علیه السلام: ] «أو قلیل»: أی أو یبقی معی قلیل.

[قوله علیه السلام: ] «لو أمرت بمقام إبراهیم». إشارة إلی ما فعله عمر من تغییر المقام عن الموضع الذی وضعه فیه رسول اللّٰه صلّی اللّٰه علیه و آله، إلی موضع كان فیه فی الجاهلیة. [و قد] رواه الخاصّة و العامّة كما مرّ فی بدعه.

[قوله علیه السلام: ] «و نزعت نساء» إلخ: كالمطلّقات ثلاثا فی مجلس واحد و غیرها مما خالفوا فیه حكم اللّٰه.

«و سبیت ذراری بن تغلب»؛ لأنّ عمر رفع عنهم الجزیة كما مرّ فی بدعه، فهم لیسوا بأهل ذمّة فیحلّ سبی ذراریهم.

[قوله علیه السّلام: ] «و محوت دواوین العطایا»: أی التی بنیت علی التفضیل بین المسلمین فی زمن الثلاثة.

[قوله علیه السلام: ] «و لم أجعلها دولة» قال الجزری: فی حدیث أشراط الساعة: «إذا كان المغنم دولا»: [هی] جمع دولة بالضمّ، و هو ما یتداول من المال فیكون لقوم دون قوم.

ص: 177

[قوله علیه السلام: ] «و ألقیت المساحة»: إشارة إلی ما عدّه الخاصّة و العامّة من بدع عمر، أنّه قال: ینبغی أن یجعل مكان هذا العشر و نصف العشر دراهم، نأخذها من أرباب الأملاك، فبعث إلی البلدان من مسح علی أهلها فألزمهم الخراج، فأخذه من العراق و ما یلیها ما كان أخذه منهم ملوك الفرس علی كلّ جریب درهما واحدا، و قفیزا من أصناف الحبوب، و أخذ من مصر و نواحیها دینارا و إردبا عن مساحة جریب، كما كان یأخذ منهم ملوك الإسكندریة.

وَ قَدْ رَوَی الْبَغَوِیُّ فِی [كِتَابِ] شَرْحِ السُّنَّةِ وَ غَیْرُهُ مِنْ عُلَمَائِهِمْ عَنِ النَّبِیِّ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ أَنَّهُ قَالَ: مُنِعَتِ الْعِرَاقُ دِرْهَمَهَا وَ قَفِیزَهَا، وَ مُنِعَتِ الشَّامُ مُدَّهَا وَ دِینَارَهَا، وَ مُنِعَتْ مِصْرُ إِرْدَبَّهَا وَ دِینَارَهَا.

و الإردب لأهل مصر أربعة و ستّون منا و فسرّه أكثرهم بأنّه قد محا ذلك شریعة الإسلام. و كان أوّل بلد مسحه عمر بلد الكوفة، و قد مرّ الكلام فیه فی باب بدع عمر.

[قوله علیه السلام: ] «و سوّیت بین المناكح»: بأن یزوّج الشریف و الوضیع كما فعله رسول اللّٰه صلّی اللّٰه علیه و آله، و زوّج بنت عمّه مقدادا. و عمر نهی عن تزویج الموالی و العجم كما فی بعض الروایات.

[قوله علیه السلام: ] «و أمرت بإحلال المتعتین»: أی متعة النساء و متعة الحجّ اللّتین حرّمهما عمر. و «خمس تكبیرات»: أی لا أربعا كما ابتدعه العامّة و نسبوه إلی عمر كما مرّ.

[قوله علیه السلام: ] «و ألزمت الناس» إلخ. یدلّ ظاهرا علی وجوب الجهر بالبسملة مطلقا، و إن أمكن حمله علی تأكّد الاستحباب.

[قوله علیه السلام: ] «و أخرجت» إلخ: الكلام یحتمل أن یكون المراد إخراج جسدی المعلومین الذین دفنا فی بیته [صلّی اللّٰه علیه و آله و سلم] بغیر إذنه، مع أن النبیّ صلّی اللّٰه علیه و آله لم یأذن لهما لخوخة فی مسجده،

ص: 178

و إدخال جسد فاطمة علیها السلام و دفنها عند النّبی صلّی اللّٰه علیه و آله، أو رفع الجدار من بین قبریهما.

و یحتمل أن یكون المراد، إدخال من كان ملازما لمسجد رسول اللّٰه صلّی اللّٰه علیه و آله فی حیاته، كعمّار و أضرابه، و إخراج من أخرجه الرسول صلّی اللّٰه علیه و آله من المطرودین. و یمكن [أن یكون] تأكیدا لما مر من فتح الأبواب و سدّها.

[قوله علیه السلام: ] «و رددت أهل نجران إلی مواضعهم»: لم أظفر إلی الآن بكیفیة إخراجهم و سببه و بمن أخرجهم.

[قوله علیه السلام: ] «و رددت سبایا فارس»: لعلّ المراد الاسترداد ممن اصطفاهم أو أخذ زائدا من حظّه.

[و قوله علیه السلام: ] «ما لقیت»: كلام مستأنف للتعجّب. و [قوله: ] «أعطیت»: رجوع إلی الكلام السابق و لعلّ التأخیر من الرواة.

و فی روایة الإحتجاج: «و أعظم من ذلك» كما مرّ و هو أظهر.

[قوله: ] إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ: هذه من تتمّة آیة الخمس، حیث قال تعالی: وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَیْ ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِی الْقُرْبی وَ الْیَتامی وَ الْمَساكِینِ وَ ابْنِ السَّبِیلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَ ما أَنْزَلْنا عَلی عَبْدِنا یَوْمَ الْفُرْقانِ یَوْمَ الْتَقَی الْجَمْعانِ وَ اللَّهُ عَلی كُلِّ شَیْ ءٍ قَدِیرٌ قال البیضاوی: [جملة] (إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ): متعلّق بمحذوف دلّ علیه [قوله: ] «وَ اعْلَمُوا»: أی إن كنتم آمنتم باللّٰه فاعلموا أنّه جعل الخمس لهؤلاء، فسلّموا إلیهم و اقتنعوا بالأخماس الأربعة الباقیة، فإنّ العلم المتعلّق بالعمل إذا أمر به لم یرد منه العلم المجرّد؛ لأنّه مقصود بالعرض، و المقصود بالذات هو العمل. وَ ما أَنْزَلْنا عَلی عَبْدِنا محمد من الآیات و الملائكة و النصر یَوْمَ الْفُرْقانِ یوم بدر فإنّه فرّق فیه بین الحق و الباطل یَوْمَ الْتَقَی الْجَمْعانِ

ص: 179

المسلمون و الكفار.

أقول: لعلّ نزول حكم الخمس كان فی غزاة بدر و [قوله: ] «وَ ما أَنْزَلْنا»:

إشارة إلیه كما یظهر من بعض الأخبار. و فسّر علیه السلام «ذی القربی» بالأئمة كما دلّت علیه الأخبار المستفیضة، و علیه انعقد إجماع الشیعة.

[قوله: ] «كَیْ لا یَكُونَ دُولَةً»: هذه تتمّة لآیة أخری ورد [ت] فی فیئهم علیهم السلام حیث قال [تعالی: ] «ما أَفاءَ اللَّهُ عَلی رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُری فَلِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِی الْقُرْبی وَ الْیَتامی وَ الْمَساكِینِ وَ ابْنِ السَّبِیلِ كَیْ لا یَكُونَ» [٧ / الحشر: ٥٩]: أی الفی ء الذی هو حقّ الإمام علیه السلام. دُولَةً بَیْنَ الْأَغْنِیاءِ مِنْكُمْ: (الدّولة بالضمّ-: ما یتداوله الأغنیاء و تدور بینهم كما كان فی الجاهلیة.

[قوله علیه السلام: ] «رحمة لنا»: أی فقرّر الخمس و الفی ء لنا رحمة منه لنا، و لیغنینا بهما أوساخ أیدی الناس.

«979»- (1) نَهْجٌ: [وَ] قَالَ عَلَیْهِ السَّلَامُ: لَوْ قَدِ اسْتَوَتْ قَدَمَایَ مِنْ هَذِهِ الْمَدَاحِضِ لَغَیَّرْتُ أَشْیَاءَ.

بیان: المداحض: المزالق. و استواء القدمین كنایة عن تمكّنه علیه السلام من إجراء الأحكام الشرعیة علی وجوهها؛ لأنّه علیه السلام لم یتمكن من تغییر بعض ما كان فی أیّام الخلفاء كما عرفت.

«980»- (2) كا: مُحَمَّدُ بْنُ یَحْیَی عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِیلَ الْقُمِّیِّ عَنْ عَلِیِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ سَیْفِ بْنِ عَمِیرَةَ رَفَعَهُ قَالَ: مَرَّ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ بِرَجُلٍ یُصَلِّی الضُّحَی فِی مَسْجِدِ الْكُوفَةِ، فَغَمَزَ جَنْبَهُ بِالدِّرَّةِ وَ قَالَ: نَحَرْتَ صَلَاةَ الْأَوَّابِینَ نَحَرَكَ اللَّهُ؟ قَالَ:

ص: 180


1- [979]- رَوَاهُ السَّیِّدُ الرَّضِیُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِی الْمُخْتَارِ: (272) مِنَ الْبَابِ الثَّالِثِ مِنْ نَهْجِ الْبَلَاغَةِ.
2- [980]- رَوَاهُ ثِقَةُ الْإِسْلَامِ الْكُلَیْنِیُّ فِی الْكَافِی: ج 3 ص 452 فِی الْحَدِیثِ 8 مِنْ بَابِ تَقْدِیمِ نَوَافِلِ صَلَاةِ الضُّحَی.

فَأَتْرُكُهَا! قَالَ: فَقَالَ: أَ رَأَیْتَ الَّذِی یَنْهی عَبْداً إِذا صَلَّی فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَلَیْهِ السَّلَامُ: وَ كَفَی بِإِنْكَارِ عَلِیٍّ عَلَیْهِ السَّلَامُ نَهْیاً.

بیان: «أَ رَأَیْتَ الَّذِی»: أی أقول: اتركها، فتقول أنت و أمثالك مثل هذا!؟ أو قال ذلك تقیة.

«981»- (1) یب: عَلِیُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ فَضَّالٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِیدٍ الْمَدَائِنِیِّ عَنْ مُصَدِّقِ بْنِ صَدَقَةَ عَنْ عَمَّارٍ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ عَلَیْهِ السَّلَامُ قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الصَّلَاةِ فِی [شَهْرِ] رَمَضَانَ فِی الْمَسَاجِدِ.

قَالَ: لَمَّا قَدِمَ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ عَلَیْهِ السَّلَامُ الْكُوفَةَ أَمَرَ الْحَسَنَ بْنَ عَلِیٍّ أَنْ یُنَادِیَ فِی النَّاسِ لَا صَلَاةَ فِی شَهْرِ رَمَضَانَ فِی الْمَسَاجِدِ جَمَاعَةً، فَنَادَی فِی النَّاسِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِیٍّ عَلَیْهِ السَّلَامُ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ عَلَیْهِ السَّلَامُ، فَلَمَّا سَمِعَ النَّاسُ مَقَالَةَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِیٍّ عَلَیْهِ السَّلَامُ، صَاحُوا وَا عُمَرَاهْ وَا عُمَرَاهْ. فَلَمَّا رَجَعَ إِلَی أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ عَلَیْهِ السَّلَامُ قَالَ لَهُ: مَا هَذَا الصَّوْتُ؟ فَقَالَ: یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ النَّاسُ یَصِیحُونَ وَا عُمَرَاهْ وَا عُمَرَاهْ فَقَالَ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ: قُلْ لَهُمْ: صَلُّوا.

«982»- (2) كِتَابُ الْغَارَاتِ لِإِبْرَاهِیمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِیِّ:

ص: 181


1- [981]- رَوَاهُ الشَّیْخُ الطُّوسِیُّ فِی كِتَابِ التَّهْذِیبِ: ج 3 ص 70 فِی الْحَدِیثِ: (30) مِنْ كِتَابِ فَضْلِ شَهْرِ رَمَضَانَ ...
2- [982]- رَوَاهُ الثَّقَفِیُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِی الْحَدِیثِ: (74) مِنْ تَلْخِیصِ كِتَابِ الْغَارَاتِ ص 123، ط 1، وَ فِیهِ: «أَنِ اقْضِ بِمَا كُنْتَ تَقْضِی ...». وقریبا منه رواه ابن أبی الحدید فی شرح المختار: (٢٧٢) من قصار كلام أمیر المؤمنین من نهج البلاغة من شرحه،: ج ٥ ص ٥٧٧ ط بیروت. ولیلا حظ ما رواه أبو عبید فی كتاب الأموال ص ٤١٧ ط دار الفكر. ومثله رواه أیضا البخاری فی آخر باب فضائل علی علیه السلام من صحیحه، ج ٥ ص ٢٤.

عَنْ مُخَوَّلِ بْنِ إِبْرَاهِیمَ عَنْ إِسْرَائِیلَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ سُلَیْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِیرِینَ عَنْ شُرَیْحٍ قَالَ: بَعَثَ إِلَیَّ عَلِیٌّ عَلَیْهِ السَّلَامُ: أَنْ أَقْضِیَ بِمَا كُنْتُ أَقْضِی [سَابِقاً] حَتَّی یَجْتَمِعَ أَمْرُ النَّاسِ.

ص: 182

[الباب الثالث و الثلاثون] باب نوادر ما وقع فی أیّام خلافته علیه السلام و جوامع خطبه و نوادرها

«983»- (1) كا: عَلِیُّ بْنُ الْحَسَنِ الْمُؤَدِّبُ عَنِ الْبَرْقِیِّ، وَ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِیِّ بْنِ الْحَسَنِ التَّیْمِیِّ، جَمِیعاً عَنْ إِسْمَاعِیلَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِی جَعْفَرٍ عَلَیْهِ السَّلَامُ قَالَ: خَطَبَ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ عَلَیْهِ السَّلَامُ النَّاسَ بِصِفِّینَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَی عَلَیْهِ وَ صَلَّی عَلَی مُحَمَّدٍ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ ثُمَّ قَالَ:

أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَی لِی عَلَیْكُمْ حَقّاً بِوِلَایَةِ أَمْرِكُمْ وَ مَنْزِلَتِیَ الَّتِی أَنْزَلَنِی اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ بِهَا مِنْكُمْ، وَ لَكُمْ عَلَیَّ مِنَ الْحَقِّ مِثْلُ الَّذِی لِی عَلَیْكُمْ، وَ الْحَقُّ أَجْمَلُ الْأَشْیَاءِ فِی التَّوَاصُفِ، وَ أَوْسَعُهَا فِی التَّنَاصُفِ، لَا یَجْرِی لِأَحَدٍ إِلَّا جَرَی عَلَیْهِ، وَ لَا یَجْرِی عَلَیْهِ إِلَّا جَرَی لَهُ، وَ لَوْ كَانَ لِأَحَدٍ أَنْ یَجْرِیَ ذَلِكَ لَهُ وَ لَا یَجْرِیَ

ص: 183


1- [983]- رَوَاهُ ثِقَةُ الْإِسْلَامِ الْكُلَیْنِیُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِی الْحَدِیثِ: (550) مِنْ كِتَابِ الرَّوْضَةِ مِنَ الْكَافِی: ج 8 ص 352. ورویناه عنه فی المختار: (٢٠٣) من كتاب نهج السعادة: ج ٢ ص ١٧٧، ط ١

عَلَیْهِ لَكَانَ ذَلِكَ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ خَالِصاً دُونَ خَلْقِهِ، لِقُدْرَتِهِ عَلَی عِبَادِهِ، وَ لِعَدْلِهِ فِی كُلِّ مَا جَرَتْ عَلَیْهِ ضُرُوبُ [صُرُوفُ «خ»] قَضَائِهِ، وَ لَكِنْ جَعَلَ حَقَّهُ عَلَی الْعِبَادِ أَنْ یُطِیعُوهُ، وَ جَعَلَ كَفَّارَتَهُمْ عَلَیْهِ بِحُسْنِ الثَّوَابِ تَفَضُّلًا مِنْهُ [وَ تَطَوُّلًا بِكَرَمِهِ] وَ تَوَسُّعاً بِمَا هُوَ مِنَ الْمَزِیدِ لَهُ أَهْلًا.

ثُمَّ جَعَلَ مِنْ حُقُوقِهِ حُقُوقاً فَرَضَهَا لِبَعْضِ النَّاسِ عَلَی بَعْضٍ، فَجَعَلَهَا تَتَكَافَی فِی وُجُوهِهَا، وَ یُوجِبُ بَعْضُهَا بَعْضاً، وَ لَا یُسْتَوْجَبُ بَعْضُهَا إِلَّا بِبَعْضٍ.

فَأَعْظَمُ مِمَّا افْتَرَضَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَی مِنْ تِلْكَ الْحُقُوقِ، حَقُّ الْوَالِی عَلَی الرَّعِیَّةِ وَ حَقُّ الرَّعِیَّةِ عَلَی الْوَالِی، فَرِیضَةٌ فَرَضَهَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِكُلٍّ عَلَی كُلٍّ، فَجَعَلَهَا نِظَامَ أُلْفَتِهِمْ، وَ عِزّاً لِدِینِهِمْ، وَ قِوَاماً لِسَیْرِ الْحَقِّ فِیهِمْ، فَلَیْسَتْ تَصْلُحُ الرَّعِیَّةُ إِلَّا بِصَلَاحِ الْوُلَاةِ، وَ لَا تَصْلُحُ الْوُلَاةُ إِلَّا بِاسْتِقَامَةِ الرَّعِیَّةِ.

فَإِذَا أَدَّتِ الرَّعِیَّةُ إِلَی الْوَالِی حَقَّهُ وَ أَدَّی إِلَیْهَا الْوَالِی كَذَلِكَ، عَزَّ الْحَقُّ بَیْنَهُمْ، فَقَامَتْ مَنَاهِجُ الدِّینِ، وَ اعْتَدَلَتْ مَعَالِمُ الْعَدْلِ، وَ جَرَتْ عَلَی أَذْلَالِهَا السُّنَنُ، وَ صَلَحَ بِذَلِكَ الزَّمَانُ وَ طَابَ بِهَا الْعَیْشُ، وَ طُمِعَ فِی بَقَاءِ الدَّوْلَةِ، وَ یَئِسَتْ مَطَامِعُ الْأَعْدَاءِ.

وَ إِذَا غَلَبَتِ الرَّعِیَّةُ عَلَی وَالِیهِمْ، وَ عَلَا الْوَالِی الرَّعِیَّةَ اخْتَلَفَتْ هُنَالِكَ الْكَلِمَةُ، وَ ظَهَرَتْ مَطَالِعُ الْجَوْرِ، وَ كَثُرَ الْإِدْغَالُ فِی الدِّینِ، وَ تُرِكَتْ مَعَالِمُ السُّنَنِ، فَعُمِلَ بِالْهَوَی، وَ عُطِّلَتِ الْآثَارُ وَ أُكْثِرَ عِلَلُ النُّفُوسِ، وَ لَا یُسْتَوْحَشُ لِجَسِیمِ حَدٍّ عُطِّلَ، وَ لَا لِعَظِیمِ بَاطِلٍ أُثِّلَ، فَهُنَالِكَ تَذِلُّ الْأَبْرَارُ وَ تَعِزُّ الْأَشْرَارُ وَ تَخْرَبُ الْبِلَادُ وَ تَعْظُمُ تَبِعَاتُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ عِنْدَ الْعِبَادِ.

فَهَلُمَّ أَیُّهَا النَّاسُ! إِلَی التَّعَاوُنِ عَلَی طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ، وَ الْقِیَامِ بِعَدْلِهِ وَ الْوَفَاءِ بِعَهْدِهِ، وَ الْإِنْصَافِ لَهُ فِی جَمِیعِ حَقِّهِ، فَإِنَّهُ لَیْسَ الْعِبَادُ إِلَی شَیْ ءٍ أَحْوَجَ مِنْهُمْ إِلَی التَّنَاصُحِ فِی ذَلِكَ وَ حُسْنِ التَّعَاوُنِ عَلَیْهِ، وَ لَیْسَ أَحَدٌ وَ إِنِ اشْتَدَّتْ عَلَی رِضَا اللَّهِ حِرْصُهُ وَ طَالَ فِی الْعَمَلِ اجْتِهَادُهُ، بِبَالِغٍ حَقِیقَةَ مَا أَعْطَی اللَّهُ مِنَ الْحَقِّ أَهْلَهُ، وَ لَكِنْ مِنْ وَاجِبِ حُقُوقِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَی الْعِبَادِ النَّصِیحَةُ لَهُ بِمَبْلَغِ

ص: 184

جُهْدِهِمْ، وَ التَّعَاوُنُ عَلَی إِقَامَةِ الْحَقِّ بَیْنَهُمْ.

وَ لَیْسَ امْرُؤٌ وَ إِنْ عَظُمَتْ فِی الْحَقِّ مَنْزِلَتُهُ وَ جَسُمَتْ فِی الْحَقِّ فَضِیلَتُهُ بِمُسْتَغْنٍ عَنْ أَنْ یُعَاوِنَ عَلَی مَا حَمَّلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ حَقِّهِ، وَ لَا امْرُؤٌ مَعَ ذَلِكَ خَسَأَتْ بِهِ الْأُمُورُ وَ اقْتَحَمَتْهُ الْعُیُونُ بِدُونِ مَا أَنْ یُعِینَ عَلَی ذَلِكَ وَ یُعَانَ عَلَیْهِ، وَ أَهْلُ الْفَضِیلَةِ فِی الْحَالِ وَ أَهْلُ النِّعَمِ الْعِظَامِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ حَاجَةً، وَ كُلٌّ فِی الْحَاجَةِ إِلَی اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ شَرَعٌ سَوَاءٌ.

فَأَجَابَهُ رَجُلٌ مِنْ عَسْكَرِهِ لَا یُدْرَی مَنْ هُوَ، وَ یُقَالُ: إِنَّهُ لَمْ یُرَ فِی عَسْكَرِهِ قَبْلَ ذَلِكَ الْیَوْمِ وَ لَا بَعْدَهُ، فَقَامَ وَ أَحْسَنَ الثَّنَاءَ عَلَی اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ بِمَا أَبْلَاهُمْ وَ أَعْطَاهُمْ مِنْ وَاجِبِ حَقِّهِ عَلَیْهِمْ، وَ الْإِقْرَارِ [لَهُ] بِمَا ذَكَرَ مِنْ تَصَرُّفِ الْحَالاتِ بِهِ وَ بِهِمْ.

ثُمَّ قَالَ: أَنْتَ أَمِیرُنَا وَ نَحْنُ رَعِیَّتُكَ، بِكَ أَخْرَجَنَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنَ الذُّلِّ، وَ بِإِعْزَازِكَ أَطْلَقَ عِبَادَهُ مِنَ الْغُلِّ (1)، فَاخْتَرْ عَلَیْنَا فَأَمْضِ اخْتِیَارَكَ، وَ ائْتَمِرْ فَأَمْضِ ائْتِمَارَكَ، فَإِنَّكَ الْقَائِدُ الْمُصَدَّقُ، وَ الْحَاكِمُ الْمُوَفَّقُ، وَ الْمَلِكُ الْمُخَوَّلُ، لَا نَسْتَحِلُّ فِی شَیْ ءٍ مَعْصِیَتَكَ، وَ لَا نَقِیسُ عِلْماً بِعِلْمِكَ، یَعْظُمُ عِنْدَنَا فِی ذَلِكَ خَطَرُكَ، وَ یَجِلُّ عَنْهُ فِی أَنْفُسِنَا فَضْلُكَ.

فَأَجَابَهُ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ [عَلَیْهِ السَّلَامُ فَقَالَ: ] إِنَّ مِنْ حَقِّ مَنْ عَظُمَ جَلَالُ اللَّهِ فِی نَفْسِهِ، وَ جَلَّ مَوْضِعُهُ مِنْ قَلْبِهِ، أَنْ یَصْغُرَ عِنْدَهُ لِعِظَمِ ذَلِكَ كُلُّ مَا سِوَاهُ، وَ إِنَّ أَحَقَّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَنْ عَظُمَتْ نِعَمُ اللَّهِ عَلَیْهِ وَ لَطُفَ إِحْسَانُهُ إِلَیْهِ، فَإِنَّهُ لَمْ تَعْظُمْ نِعَمُ اللَّهِ عَلَی أَحَدٍ إِلَّا زَادَ حَقُّ اللَّهِ عَلَیْهِ عِظَماً.

وَ إِنَّ مِنْ أَسْخَفِ حَالاتِ الْوُلَاةِ عِنْدَ صَالِحِ النَّاسِ أَنْ یُظَنَّ بِهِمْ حُبُّ الْفَخْرِ، وَ یُوضَعَ أَمْرُهُمْ عَلَی الْكِبْرِ. وَ قَدْ كَرِهْتُ أَنْ یَكُونَ جَالَ فِی ظَنِّكُمْ أَنِّی أُحِبُ

ص: 185


1- كذا فی متن الأصل، و ذكر فی هامشه أنّ فی بعض نسخ الكافی: «و بإعزازك أطلق عنّا رهائن الغلّ».

الْإِطْرَاءَ وَ اسْتِمَاعَ الثَّنَاءِ، وَ لَسْتُ بِحَمْدِ اللَّهِ كَذَلِكَ، وَ لَوْ كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ یُقَالَ ذَلِكَ [لِی] لَتَرَكْتُهُ انْحِطَاطاً لِلَّهِ سُبْحَانَهُ عَنْ تَنَاوُلِ مَا هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنَ الْعَظَمَةِ وَ الْكِبْرِیَاءِ، وَ رُبَّمَا اسْتُحْلِیَ الثَّنَاءُ بَعْدَ الْبَلَاءِ، فَلَا تُثْنُوا عَلَیَّ بِجَمِیلِ ثَنَاءٍ؛ لِإِخْرَاجِی نَفْسِی إِلَی اللَّهِ وَ إِلَیْكُمْ مِنَ الْبَقِیَّةِ فِی حُقُوقٍ لَمْ أَفْرُغْ مِنْ أَدَائِهَا، وَ فَرَائِضَ لَا بُدَّ مِنْ إِمْضَائِهَا، فَلَا تُكَلِّمُونِی بِمَا تُكَلَّمُ بِهِ الْجَبَابِرَةُ، وَ لَا تَتَحَفَّظُوا مِنِّی بِمَا یُتَحَفَّظُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْبَادِرَةِ، وَ لَا تُخَالِطُونِی بِالْمُصَانَعَةِ، وَ لَا تَظُنُّوا بِی اسْتِثْقَالًا فِی حَقٍّ قِیلَ لِی، وَ لَا الْتِمَاسَ إِعْظَامٍ لِنَفْسِی، فَإِنَّهُ مَنِ اسْتَثْقَلَ الْحَقَّ أَنْ یُقَالَ لَهُ أَوِ الْعَدْلَ أَنْ یُعْرَضَ عَلَیْهِ، كَانَ الْعَمَلُ بِهِمَا أَثْقَلَ عَلَیْهِ.

فَلَا تَكُفُّوا عَنْ مَقَالَةٍ بِحَقٍّ أَوْ مَشُورَةٍ بِعَدْلٍ، فَإِنِّی لَسْتُ فِی نَفْسِی بِفَوْقِ أَنْ أُخْطِئَ، وَ لَا آمَنُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِی، إِلَّا أَنْ یَكْفِیَ اللَّهُ مِنْ نَفْسِی مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنِّی، فَإِنَّمَا أَنَا وَ أَنْتُمْ عَبِیدٌ مَمْلُوكُونَ لِرَبٍّ لَا رَبَّ غَیْرُهُ، یَمْلِكُ مِنَّا مَا لَا نَمْلِكُ مِنْ أَنْفُسِنَا، وَ أَخْرَجَنَا مِمَّا كُنَّا فِیهِ إِلَی مَا صَلَحْنَا عَلَیْهِ، فَأَبْدَلَنَا بَعْدَ الضَّلَالَةِ بِالْهُدَی وَ أَعْطَانَا الْبَصِیرَةَ بَعْدَ الْعَمَی.

فَأَجَابَهُ الرَّجُلُ الَّذِی أَجَابَهُ مِنْ قَبْلُ، فَقَالَ: أَنْتَ أَهْلُ مَا قُلْتَ، وَ اللَّهِ فَوْقَ مَا قُلْتَهُ، فَبَلَاؤُهُ عِنْدَنَا مَا لَا یُكْفَرُ، وَ قَدْ حَمَّلَكَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَی رِعَایَتَنَا، وَ وَلَّاكَ سِیَاسَةَ أُمُورِنَا، فَأَصْبَحْتَ عَلَمَنَا الَّذِی نَهْتَدِی بِهِ، وَ إِمَامَنَا الَّذِی نَقْتَدِی بِهِ، وَ أَمْرُكَ كُلُّهُ رُشْدٌ، وَ قَوْلُكَ كُلُّهُ أَدَبٌ. قَدْ قَرَّتْ بِكَ فِی الْحَیَاةِ أَعْیُنُنَا، وَ امْتَلَأَتْ مِنْ سُرُورٍ بِكَ قُلُوبُنَا، وَ تَحَیَّرَتْ مِنْ صِفَةِ مَا فِیكَ مِنْ بَارِعِ الْفَضْلِ عُقُولُنَا، وَ لَسْنَا نَقُولُ لَكَ: أَیُّهَا الْإِمَامُ الصَّالِحُ تَزْكِیَةً لَكَ، وَ لَا تَجَاوُزَ الْقَصْدِ فِی الثَّنَاءِ عَلَیْكَ، وَ لَنْ یُكَنَّ فِی أَنْفُسِنَا طَعْنٌ عَلَی یَقِینِكَ، أَوْ غِشٌّ فِی دِینِكَ فَنَتَخَوَّفَ أَنْ تَكُونَ أَحْدَثْتَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَی تَجَبُّراً، أَوْ دَخَلَكَ كِبْرٌ، وَ لَكِنَّا نَقُولُ لَكَ مَا قُلْنَا تَقَرُّباً إِلَی اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ بِتَوْقِیرِكَ، وَ تَوَسُّعاً بِتَفْضِیلِكَ، وَ شُكْراً بِإِعْظَامِ أَمْرِكَ، فَانْظُرْ لِنَفْسِكَ وَ لَنَا وَ آثِرْ أَمْرَ اللَّهِ عَلَی نَفْسِكَ وَ عَلَیْنَا، فَنَحْنُ طُوَّعٌ فِیمَا أَمَرْتَنَا، نَنْقَادُ مِنَ الْأُمُورِ مَعَ ذَلِكَ فِیمَا یَنْفَعُنَا.

فَأَجَابَهُ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ عَلَیْهِ السَّلَامُ فَقَالَ: وَ أَنَا أَسْتَشْهِدُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَلَی

ص: 186

نَفْسِی لِعِلْمِكُمْ فِیمَا وُلِّیتُ بِهِ مِنْ أُمُورِكُمْ، وَ عَمَّا قَلِیلٍ یَجْمَعُنِی وَ إِیَّاكُمُ الْمَوْقِفُ بَیْنَ یَدَیْهِ، وَ السُّؤَالُ عَمَّا كُنَّا فِیهِ، ثُمَّ یَشْهَدُ بَعْضُنَا عَلَی بَعْضٍ، فَلَا تَشْهَدُوا الْیَوْمَ بِخِلَافِ مَا أَنْتُمْ شَاهِدُونَ غَداً، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَا یَخْفَی عَلَیْهِ خَافِیَةٌ، وَ لَا یَجُوزُ عِنْدَهُ إِلَّا مُنَاصَحَةُ الصُّدُورِ فِی جَمِیعِ الْأُمُورِ.

فَأَجَابَهُ الرَّجُلُ وَ یُقَالُ: لَمْ یُرَ الرَّجُلُ بَعْدَ كَلَامِهِ هَذَا لِأَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ عَلَیْهِ السَّلَامُ فَأَجَابَهُ، وَ قَدْ عَالَ الَّذِی فِی صَدْرِهِ فَقَالَ وَ الْبُكَاءُ یَقْطَعُ مَنْطِقَهُ، وَ غُصَصُ الشَّجَا تَكْسِرُ صَوْتَهُ إِعْظَاماً لِخَطَرِ مَرْزِئَتِهِ وَ وَحْشَتِهِ مِنْ كَوْنِ فَجِیعَتِهِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَی عَلَیْهِ، ثُمَّ شَكَا إِلَیْهِ هَوْلَ مَا أَشْفَی عَلَیْهِ مِنَ الْخَطَرِ الْعَظِیمِ وَ الذُّلِّ الطَّوِیلِ فِی فَسَادِ زَمَانِهِ وَ انْقِلَابِ حَدِّهِ وَ انْقِطَاعِ مَا كَانَ مِنْ دَوْلَتِهِ، ثُمَّ نَصَبَ الْمَسْأَلَةَ إِلَی اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ بِالامْتِنَانِ عَلَیْهِ وَ الْمُدَافَعَةِ عَنْهُ بِالتَّفَجُّعِ وَ حُسْنِ الثَّنَاءِ فَقَالَ:

یَا رَبَّانِیَّ الْعِبَادِ وَ یَا سَكَنَ الْبِلَادِ! أَیْنَ یَقَعُ قَوْلُنَا مِنْ فَضْلِكَ! وَ أَیْنَ یَبْلُغُ وَصْفُنَا مِنْ فِعْلِكَ! وَ أَنَّی نَبْلُغُ حَقِیقَةَ حُسْنِ ثَنَائِكَ أَوْ نُحْصِی جَمِیلَ بَلَائِكَ! وَ كَیْفَ وَ بِكَ جَرَتْ نِعَمُ اللَّهِ عَلَیْنَا، وَ عَلَی یَدِكَ اتَّصَلَتْ أَسْبَابُ الْخَیْرِ إِلَیْنَا؟ أَ لَمْ تَكُنْ لِذُلِّ الذَّلِیلِ مَلَاذاً وَ لِلْعُصَاةِ الْكُفَّارِ إِخْوَاناً (1)؟ فَبِمَنْ إِلَّا بِأَهْلِ بَیْتِكَ وَ بِكَ أَخْرَجَنَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ فَظَاعَةِ تِلْكَ الْخَطَرَاتِ، أَوْ بِمَنْ فَرَّجَ عَنَّا غَمَرَاتِ الْكُرُبَاتِ! أَوْ بِمَنْ إِلَّا بِكُمْ أَظْهَرَ اللَّهُ مَعَالِمَ دِینِنَا وَ اسْتَصْلَحَ مَا كَانَ فَسَدَ مِنْ دُنْیَانَا، حَتَّی اسْتَبَانَ بَعْدَ الْجَوْرِ ذِكْرُنَا، وَ قَرَّتْ مِنْ رَخَاءِ الْعَیْشِ أَعْیُنُنَا لِمَا وَلِیتَنَا بِالْإِحْسَانِ جَهْدَكَ، وَ وَفَیْتَ لَنَا بِجَمِیعِ عَهْدِكَ، فَكُنْتَ شَاهِدَ مَنْ غَابَ مِنَّا وَ خَلَفَ أَهْلِ الْبَیْتِ لَنَا، وَ كُنْتَ عِزَّ ضَعَائِفِنَا وَ ثِمَالَ فُقَرَائِنَا وَ عِمَادَ عُظَمَائِنَا، یَجْمَعُنَا مِنَ الْأُمُورِ عَدْلُكَ، وَ یَتَّسِعُ لَنَا فِی الْحَقِّ تَأَنِّیكَ، فَكُنْتَ لَنَا أُنْساً إِذَا رَأَیْنَاكَ، وَ سَكَناً إِذَا ذَكَرْنَاكَ. فَأَیَّ الْخَیْرَاتِ لَمْ تَفْعَلْ! وَ أَیَّ الصَّالِحَاتِ لَمْ تَعْمَلْ! وَ لَوْ أَنَّ الْأَمْرَ الَّذِی نَخَافُ عَلَیْكَ مِنْهُ یَبْلُغُ تَحْرِیكَهُ جُهْدُنَا وَ تَقْوَی

ص: 187


1- انظر شرحه فی أواخر بیان المصنّف الآتی فی ص 710 من ط الكمبانی فی هذا.

لِمُدَافَعَتِهِ طَاقَتُنَا، أَوْ یَجُوزُ الْفِدَاءُ عَنْكَ عَنْهُ بِأَنْفُسِنَا وَ بِمَنْ نَفْدِیهِ النُّفُوسَ مِنْ أَبْنَائِنَا، لَقَدَّمْنَا أَنْفُسَنَا وَ أَبْنَاءَنَا قِبَلَكَ، وَ لَأَخْطَرْنَاهَا وَ قَلَّ خَطَرُهَا دُونَكَ، وَ لَقُمْنَا بِجُهْدِنَا فِی مُحَاوَلَةِ مَنْ حَاوَلَكَ، وَ فِی مُدَافَعَةِ مَنْ نَاوَاكَ؛ وَ لَكِنَّهُ سُلْطَانٌ لَا یُحَاوَلُ، وَ عِزٌّ لَا یُزَاوَلُ، وَ رَبٌّ لَا یُغَالَبُ، فَإِنْ یَمْنُنْ عَلَیْنَا بِعَافِیَتِكَ، وَ یَتَرَحَّمْ عَلَیْنَا بِبَقَائِكَ، وَ یَتَحَنَّنْ عَلَیْنَا بِتَفْرِیجِ هَذَا مِنْ حَالِكَ إِلَی سَلَامَةٍ مِنْكَ لَنَا وَ بَقَاءٍ مِنْكَ بَیْنَ أَظْهُرِنَا، نُحَدِّثِ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ بِذَلِكَ شُكْراً نُعَظِّمُهُ، وَ ذِكْراً نُدِیمُهُ، وَ نَقْسِمْ أَنْصَافَ أَمْوَالِنَا صَدَقَاتٍ، وَ أَنْصَافَ رَقِیقِنَا عُتَقَاءَ، وَ نُحْدِثْ لَهُ تَوَاضُعاً فِی أَنْفُسِنَا، وَ نَخْشَعْ فِی جَمِیعِ أُمُورِنَا.

وَ إِنْ یَمْضِ بِكَ إِلَی الْجِنَانِ، وَ یُجْرِی عَلَیْكَ حَتْمَ سَبِیلِهِ، فَغَیْرُ مُتَّهَمٍ فِیكَ قَضَاؤُهُ، وَ لَا مَدْفُوعٍ عَنْكَ بَلَاؤُهُ، وَ لَا مُخْتَلِفَةٍ مَعَ ذَلِكَ قُلُوبُنَا بِأَنَّ اخْتِیَارَهُ لَكَ مَا عِنْدَهُ عَلَی مَا كُنْتَ فِیهِ، وَ لَكِنَّا نَبْكِی مِنْ غَیْرِ إِثْمٍ لِعِزِّ هَذَا السُّلْطَانِ أَنْ یَعُودَ ذَلِیلًا، وَ لِلدِّینِ وَ الدُّنْیَا أَكِیلًا، فَلَا نَرَی لَكَ خَلَفاً نَشْكُو إِلَیْهِ، وَ لَا نَظِیراً نَأْمُلُهُ وَ لَا نُقِیمُهُ..

تبیین:

أقول: أورد السیّد [الرضی] فی [المختار: (216) من باب الخطب من] النهج بعض هذا السؤال و الجواب، و أسقط أكثرها، و سنشیر إلی بعض الاختلافات.

قوله علیه السلام: «بولایة أمركم»: أی لی علیكم حقّ الطاعة لأنّ اللّٰه جعلنی والیا علیكم متولّیا لأمركم، و لأنّه أنزلنی منكم منزلة عظیمة هی منزلة الإمامة و السلطنة و وجوب الطاعة.

قوله علیه السلام: «و الحقّ أجمل الأشیاء فی التواصف»: أی وصفه جمیل و ذكره حسن. یقال: تواصفوا الشی ء: أی وصفه بعضهم لبعض.

و فی بعض النسخ: «التراصف» بالراء المهملة. و التراصف: تنضید الحجارة بعضها ببعض: أی [الحقّ] أحسن الأشیاء فی إحكام الأمور و إتقانها.

«و أوسعها فی التّناصف»: أی إذا أنصف الناس بعضهم لبعض، فالحقّ

ص: 188

یسعه و یحتمله، و لا یقع للناس فی العمل بالحقّ ضیق.

و فی نهج البلاغة: «فالحقّ أوسع الأشیاء فی التواصف و أضیقها فی التناصف».

أی إذا أخذ الناس فی وصف الحقّ و بیانه، كان لهم فی ذلك مجال واسع، لسهولته علی ألسنتهم. و إذا حضر التناصف بینهم فطلب منهم، ضاق علیهم المجال، لشدّة العمل بالحقّ و صعوبة الإنصاف.

قوله علیه السلام: «صروف قضائه»: أی أنواعه المتغیّرة المتوالیة. و فی بعض النسخ: «ضروب قضائه» [و هو] بمعناه و الحاصل أنّه لو كان لأحد أن یجعل الحقّ علی غیره و لم یجعل له علی نفسه، لكان هو سبحانه أولی بذلك و علی الأولویة بوجهین:

الأوّل: القدرة.

فإنّ غیره تعالی لو فعل ذلك لم یطعه أحد، و اللّٰه تعالی قادر علی جبرهم و قهرهم.

و الثانی: أنّه لو لم یجزهم علی أعمالهم و كلّفهم بها لكان عادلا؛ لأنّ له من النعم علی العباد ما لو عبدوه أبد الدهر لم یوفوا حقّ نعمة واحدة منها.

فالمراد من أوّل الكلام: أنّه سبحانه جعل لكلّ أحد علی غیره حقّا حتّی علی نفسه.

أمّا الحقّ المفروض علی الناس فبمقتضی الاستحقاق، و أمّا ما أجری علی نفسه، فللوفاء بالوعد مع لزوم الوعد علیه.

فظهر جریان الحقّ علی كلّ أحد و إن اختلف الجهة و الاعتبار.

قوله علیه السلام: «و جعل كفّارتهم علیه حسن ثواب»: لعلّ المراد بالكفّارة الجزاء العظیم لستره عملهم، حیث لم یكن له فی جنبه قدر، فكأنّه قد محاه و ستره.

ص: 189

[و] فی أكثر النسخ: «بحسن الثّواب» فیحتمل أیضا أن یكون المراد بها ما یقع منهم لتدارك سیّئاتهم، كالتوبة و سائر الكفّارات: أی أوجب قبول كفّارتهم و توبتهم علی نفسه مع حسن الثواب بأن یثیبهم علی ذلك أیضا.

و لا یبعد أن یكون [لفظ «كفّارتهم»] تصحیف كفاءتهم بالهمز [ة].

و فی النهج: «و جعل جزاءهم علیه مضاعفة الثواب تفضّلا منه و توسّعا بما هو من المزید أهله».

قوله علیه السلام: «ثمّ جعل من حقوقه»: هذا كالمقدّمة لما یرید أن یبیّنه من كون حقّه علیهم واجبا من قبل اللّٰه تعالی، و هو حقّ من حقوقه؛ لیكون أدعی لهم علی أدائه. و بیّن أنّ حقوق الخلق بعضهم علی بعض هی من حقّ اللّٰه تعالی، من حیث إنّ حقّه علی عباده هو الطاعة، و أداء تلك الحقوق طاعات اللّٰه، كحقّ الوالد علی ولده و بالعكس، و حقّ الزوج علی الزوجة و بالعكس، و حقّ الوالی علی الرعیة و بالعكس:

قوله علیه السلام: «فجعلها تتكافأ فی وجوهها»: أی جعل كلّ وجه من تلك الحقوق مقابلا بمثله، فحقّ الوالی و هو الطاعة من الرعیة مقابل بمثله، و هو العدل فیهم و حسن السیرة.

قوله علیه السلام: «و لا یستوجب بعضها إلّا ببعض»: كما أنّ الوالی إذا لم یعدل لم یستحقّ الطاعة.

قوله علیه السلام: «فریضة فرضها اللّٰه»: بالنّصب علی الحالیّة أو بإضمار فعل، أو بالرفع لیكون خبر مبتدإ محذوف.

و قوله علیه السلام: «نظاما لألفتهم»: فإنّها سبب اجتماعهم و بها یقهرون أعداءهم و یعزّون أولیاءهم.

قوله علیه السلام: «و قواما»: أی بها یقوم جریان الحقّ فیهم و بینهم.

قوله علیه السلام: «عزّ الحقّ»: أی غلب.

ص: 190

قوله علیه السلام: «و اعتدلت معالم العدل»: أی مظانّه، أو العلامات التی نصبت فی طریق العدل لسلوكه، أو الأحكام التی یعلم بها العدل.

قوله علیه السلام: «علی أذلالها» قال الفیروزآبادی: ذلّ الطریق بالكسر-: محجته. و أمور اللّٰه جاریة علی أذلالها: أی طریق [علی] مجاریها [هو] جمع ذلّ بالكسر.

قوله علیه السلام: «و كثر الإدغال»: [هو] بكسر الهمزة. و الإدغال: [هو] أن یدخل فی الشی ء ما لیس منه، و هو الإبداع و التلبیس. أو بفتحها: [و هو] جمع الدغل بالتحریك-: [و هو] الفساد.

قوله علیه السلام: «علل النّفوس»: أی أمراضها بملكات السوء كالغلّ و الحسد و العداوة و نحوها. و قیل: وجوه ارتكاباتها للمنكرات، فتأتی من كلّ منكر بوجه و علّة و رأی فاسد.

قوله [علیه السلام: ] «أثّل» یقال: مال مؤثّل و مجد مؤثّل: أی مجموع ذو أصل، و أثلة الشی ء: أصله (1). ذكره الجزری.

و فی النهج: « [و لا لعظیم باطل] فعل».

قوله علیه السلام: «تبعات اللّٰه» قال [الخلیل] فی [كتاب] العین: التّبعة اسم للشی ء الذی لك فیه بغیة شبه ظلامة و نحوها.

قوله علیه السلام: «فهلمّ أیّها الناس» قال الجوهری: هلم یا رجل بفتح المیم بمعنی تعال، قال الخلیل: أصله «لمّ» من قولهم لمّ اللّٰه شعثه: أی جمعه كأنّه أراد لمّ نفسك إلینا: أی اقرب. و «ها» للتنبیه. و إنّما حذفت ألفها لكثرة الاستعمال، و جعلا اسما واحدا یستوی فیه الواحد و الجمع و التأنیث فی لغة أهل الحجاز.

ص: 191


1- كذا فی مادّة «أثل» من كتاب النهایة طبع دار الفكر ببیروت، و فی طبع الكمبانی من البحار هكذا: «و أثل و أثلة الشی ء: أصله و زكاه. ذكره الجزری».

قوله علیه السلام: «حقیقة ما أعطی اللّٰه من الحقّ أهله»: أی جزاء ما أعطی اللّٰه أهل الحقّ من الدین المبین، و سائر ما هداهم اللّٰه تعالی إلیه بأن یكون المراد بالحقیقة الجزاء مجازا، أو یكون فی الكلام تقدیر مضاف: أی حقیقة جزاء ما أعطی من الحقّ، أو یكون المراد بالبلوغ إلیها كونه بإزائها و مكافاة لها.

و قیل: المراد بحقیقة ما أعطی اللّٰه شكر نعمة هدایته تعالی إلی دین الحقّ.

و فی النهج: «حقیقة ما اللّٰه أهله من الطاعة له». و فی بعض النسخ القدیمة من الكتاب «حقیقة ما الحقّ من اللّٰه أهله».

قوله [علیه السلام]: «النصیحة له»: أی للّٰه أو للإمام، أو نصیحة بعضهم لبعض للّٰه تعالی بأن لا یكون الظرف صلة.

و فی النهج: «النصیحة بمبلغ [جهدهم] » بدون الصلة و هو یؤیّد الأخیر.

قال الجزری [فی مادّة؛ نصح» من كتاب النهایة]: النصیحة فی اللغة:

الخلوص، یقال: نصحته و نصحت له.

و معنی نصیحة اللّٰه صحة الاعتقاد فی وحدانیته و إخلاص النیّة فی عبادته.

و [معنی] النصیحة لكتاب اللّٰه هو التصدیق به و العمل بما فیه.

و نصیحة رسول اللّٰه صلّی اللّٰه علیه و آله، التصدیق بنبوّته و رسالته و الانقیاد لما أمر به و نهی عنه.

و [معنی] نصیحة الأئمّة أن یطیعهم فی الحقّ، و نصیحة عامّة المسلمین إرشادهم إلی مصالحهم.

قوله علیه السلام: «و لا لامرئ مع ذلك»: كأنّه راجع إلی ما حمل اللّٰه علی الوالی، أو إلی الوالی الذی أشیر إلیه سابقا: أی لا یجوز، أو لا بد لامرئ،

ص: 192

أو لا استغناء لامرئ مع الوالی، أو مع كون والیه مكلّفا بالجهاد و غیره من أمور الدین، و إن كان لذلك المرء ضعیفا محقّرا بدون أن یعین علی إقامة الدین و یعینه الناس أو الوالی علیه.

و فی النهج: «و لا امرئ و إن صغرته النفوس و اقتحمته العیون بدون أن یعین علی ذلك أو یعان علیه».

و هو الظاهر.

قوله علیه السلام: «خسأت به الأمور» یقال: خسأت الكلب خسأ:

طردته. و خسأ الكلب بنفسه: یتعدّی و لا یتعدی. ذكره الجوهری. فیجوز أن یكون هنا استعمل غیر متعدّ بنفسه قد عدّی بالباء: أی طردته الأمور. أو یكون الباء للسببیّة: أی بعدت بسببه الأمور.

و فی بعض النسخ: «حبست به الأمور»: و علی التقادیر المراد أنّه یكون بحیث لا یتمشّی أمر من أموره، و لا ینفع سعیه فی تحصیل شی ء من الأمور.

و «اقتحمته العیون»: أی احتقرته. و كلمة «ما» فی قوله: «ما أن یعین» زائدة.

قوله علیه السلام: «و أهل الفضیلة فی الحال»: المراد بهم الأئمّة و الولاة و الأمراء و العلماء، و كذا أهل النعم العظام فإنّهم لكونهم مكلّفین بعظائم الأمور كالجهاد فی سبیل اللّٰه و إقامة الحدود و الشرائع و الأحكام و الأمر بالمعروف و النهی عن المنكر إلی إعانة الخلق أحوج.

و یحتمل أن یكون المراد بأهل الفضیلة العلماء، فإنّهم محتاجون فیما حمل علیهم من الأمر بالمعروف و النهی عن المنكر إلی أعوان، و لا أقلّ إلی من یؤمر و ینهی.

و [المراد] بأهل النعم أصحاب الأموال، لأنّ ما حمل علیهم من الحقوق أكثر، كأداء الأخماس و الصدقات، و هم محتاجون إلی الفقیر القابل لها، و إلی الشهود و إلی غیرهم و الأوّل أظهر.

قوله علیه السلام: «و كلّ فی الحاجة إلی اللّٰه شرع سواء»: بیان لقوله:

ص: 193

«شرع»، و تأكید، و إنّما ذكر ذلك لئلّا یتوهّم أنّهم یستغنون بإعانة بعضهم بعضا عن ربّهم جلّ و عزّ، بل هو الموفق و المعین لهم فی جمیع أمورهم، و لا یستغنون بشی ء عن اللّٰه عزّ و جلّ، و إنّما كلّفهم بذلك لیختبر طاعتهم و یثیبهم علی ذلك، و اقتضت حكمته البالغة أن یجری الأشیاء بأسبابها، و هو المسبّب لها و القادر علی إمضائها بلا سبب.

قوله علیه السلام: «فأجابه رجل»: الظاهر أنه كان الخضر علیه السلام و قد جاء فی مواطن كثیرة و كلمه علیه السلام لإتمام الحجّة علی الحاضرین، و قد أتی بعد وفاته علیه السلام و قام علی باب داره و بكی و أبكی و خاطبه علیه السلام بأمثال تلك الكلمات و خرج و غاب عن الناس.

قوله علیه السلام: «و الإقرار» الظاهر أنّه معطوف علی الثّناء: أی أقرّ إقرارا حسنا بأشیاء ذكرها ذلك لرجل، و لم یذكره علیه السلام اختصارا أو تقیّة من تغیّر حالاته من استیلاء أئمة الجور علیه و مظلومیته و تغیر أحوال رعیته من تقصیرهم فی حقّه، و عدم قیامهم بما یحقّ من طاعته و القیام بخدمته.

و یمكن أن یكون الواو بمعنی مع، و یحتمل عطفه علی [قوله: ] «واجب حقّه».

قوله: «من الغلّ»: أی أغلال الشرك و المعاصی. و فی بعض النسخ القدیمة: «أطلق عنّا رهائن الغلّ»: أی ما یوجب أغلال القیامة.

قوله [علیه السّلام: ] «و ائتمر»: أی اقبل ما أمرك اللّٰه به فأمضه علینا.

قوله «و الملك المخوّل»: أی المملّك الذی أعطاك اللّٰه الإمرة علینا و جعلنا خدمك و تبعك.

قوله علیه السلام: «لا نستحلّ فی شی ء من معصیتك»: لعلّه عدّی ب «فی» لتضمین معنی الدخول. أو المعنی لا نستحلّ فی شی ء شیئا من معصیتك.

و فی بعض النسخ القدیمة: «لا یستحلّ فی شی ء من معصیتك». و هو

ص: 194

أظهر.

قوله: «فی ذلك»: أی فی العلم بأن تكون كلمة «فی» تعلیلیة، و یحتمل أن یكون إشارة إلی ما دلّ علیه الكلام من إطاعته علیه السلام. و الخطر: القدر و المنزلة.

قوله: «و یجلّ عنه»: یحتمل إرجاع الضمیر إلی القیاس: أی فضلك أجلّ فی أنفسنا من أن یقاس بفضل أحد. و یمكن إرجاعه إلی العلم فتكون كلمة «عن» تعلیلیة كما فی قوله تعالی: «وَ ما نَحْنُ بِتارِكِی آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ» [٥٣ / هود: ١١]: أی یجلّ و یعظم بسبب ذلك فی أنفسنا فضلك.

قوله علیه السلام: «من عظم جلال اللّٰه»: إمّا علی التعلیل بنصب «جلال اللّٰه»، أو بالتخفیف برفعه: یعنی من حقّ من عظّم جلال اللّٰه فی نفسه و جلّ موضعه فی قلبه، أن یصغر عنده كلّ ما سوی اللّٰه تعالی، لما ظهر له من جلال اللّٰه، و أنّ أحقّ من كان كذلك أئمّة الحقّ علیهم السّلام، لعظم نعم اللّٰه و كمال معرفتهم بجلال ربّهم، فحقّ اللّٰه تعالی علیهم أعظم منه علی غیرهم، فینبغی أن یصغر عندهم أنفسهم فلا یحبّوا الفخر و الإطراء فی المدح، أو یجب أن یضمحلّ فی جنب جلال اللّٰه عندهم غیره تعالی، فلا یكون غیره منظورا لهم فی أعمالهم لیطلبوا رضی الناس بمدحهم.

قوله علیه السلام: «و إنّ من أسخف»: السخف: رقّة العیش و رقة العقل. و السخافة: رقّة كلّ شی ء. أی أضعف حالات الولاة عند الرعیّة أن یكونوا متهمین عندهم بهذه الخصلة المذمومة.

قوله علیه السلام: «إنّی أحبّ الإطراء»: أی مجاوزة الحدّ فی المدح و المبالغة فیه.

قوله علیه السلام: «انحطاطا للّٰه سبحانه»: أی تواضعا له تعالی.

و فی بعض النسخ القدیمة: «و لو كنت أحبّ أن یقال [لی] ذلك، لتناهیت

ص: 195

له أغنانا اللّٰه و إیّاكم عن تناول ما هو أحقّ به من التعاظم و حسن الثناء».

و التناهی: قبول النهی. و الضمیر فی «له» راجع إلی اللّٰه تعالی.

و فی النهج: كما فی النسخ المشهورة قوله علیه السلام: «فربما استحلی الناس».

یقال: استحلاه: أی وجده حلوا.

قال ابن میثم رحمه اللّٰه: هذا یجری مجری تمهید العذر لمن أثنی علیه فكأنّه یقول: و أنت معذور فی ذلك حیث رأیتنی أجاهد فی اللّٰه، و أحثّ الناس علی ذلك، و من عادة الناس أن یستحلوا الثناء عند أن یبلوا بلاء حسنا فی جهاد أو غیره من سائر الطاعات.

ثمّ أجاب [علیه السلام: ] عن هذا العذر فی نفسه بقوله: «فلا تثنوا علیّ بجمیل ثناء»: أی لا تثنوا علیّ لأجل ما ترونه منّی من طاعة اللّٰه، فإنّ ذلك إنّما هو إخراج لنفسی إلی اللّٰه من حقوقه الباقیة علیّ لم أفرغ بعد من أدائها و هی حقوق نعمه و فرائضه التی لا بدّ من المضیّ فیها.

و كذلك إلیكم من الحقوق التی أوجبها اللّٰه [علیّ لكم] من النصیحة فی الدین و الإرشاد إلی الطریق الأفضل، و التعلیم لكیفیة سلوكه.

[ثم قال: ] و فی خطّ الرضی رحمه اللّٰه «من التقیة» بالتاء: و المعنی فإنّ الذی أفعله من طاعة اللّٰه، إنّما هو إخراج لنفسی إلی اللّٰه و إلیكم من تقیّة الخلق (1) فیما یجلب علیّ من الحقوق. إذ كان علیه السلام إنما یعبد اللّٰه للّٰه غیر ملتفت فی شی ء من عبادته، و أداء واجب حقّه إلی أحد سواه خوفا منه أو رغبة إلیه.

أو المراد بها التّقیّة الّتی كان یعملها فی زمن الخلفاء الثلاثة و تركها فی أیّام خلافته، و كأنّه قال: لم أفعل شیئا إلّا و هو أداء حقّ واجب علیّ، و إذا كان كذلك،

ص: 196


1- كذا فی أصلی المطبوع، و فی ط بیروت من شرح ابن میثم: «من تقیة الحقّ فیما یجب علی ...».

فكیف أستحقّ أن یثنی علیّ لأجل إتیان الواجب بثناء جمیل و أقابل بهذا التعظیم؟! [و] هذا من باب التواضع منه [علیه السلام] و تعلیم كیفیته، و كسر للنفس عن محبة الباطل و المیل إلیه. انتهی.

و قال ابن أبی الحدید: معنی قوله: «لإخراجی نفسی إلی اللّٰه و إلیكم»:

أی لاعترافی بین یدی اللّٰه و بمحضر منكم أنّ علیّ حقوقا فی إیالتكم و رئاستی لم أقم بها بعد و أرجو من اللّٰه القیام بها.

انتهی [كلام ابن أبی الحدید].

فكأنّه جعل قوله [علیه السلام: ] «لإخراجی» تعلیلا لترك الثناء لا مثنی علیه و لا یخفی بعده.

ثمّ اعلم أنّه یحتمل أن یكون المراد ب «البقیّة»: الإبقاء و الترحم كما قال تعالی: «أُولُوا بَقِیَّةٍ یَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِی الْأَرْضِ» [١١٦ / هود: ١١] أی إخراجی نفسی من أن أبقی و أترحّم مداهنة فی حقوق لم أفرغ من أدائها.

قال الفیروزآبادی: و أبقیت ما بیننا: لم أبالغ فی كلّ فساده. و الاسم منه البقیّة و «أُولُوا بَقِیَّةٍ یَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ»: أی إبقاء أو فهم.

قوله علیه السلام: «و لا تتحفّظوا عنّی بما یتحفّظ به عند أهل البادرة» البادرة: الحدّة و الكلام الذی یسبق من الإنسان فی الغضب: أی لا تثنوا علیّ كما یثنی علی أهل الحدّة من الملوك خوفا من سطوتهم، أو لا تحتشموا منّی كما یحتشم من السلاطین و الأمراء، كترك المسارّة و الحدیث إجلالا و خوفا منهم، و ترك مشاورتهم أو إعلامهم ببعض الأمور و القیام بین أیدیهم.

قوله علیه السلام: «بالمصانعة»: أی الرشوة و المداراة.

قوله علیه السلام: «كان العمل بهما أثقل علیه»: و شأن الولاة العمل بالعدل و الحقّ، أو أنتم تعلمون أنّه لا یثقل علیّ العمل بهما.

ص: 197

قوله علیه السلام: «بفوق أن أخطئ»: هذا من [باب] الانقطاع إلی اللّٰه و التواضع الباعث لهم علی الانبساط معه بقول الحقّ، و عدّ نفسه من المقصّرین فی مقام العبودیة، و الإقرار بأنّ عصمته من نعمه تعالی علیه، و لیس اعترافا بعدم العصمة كما توهّم، بل لیست العصمة إلّا ذلك. فإنّما هی أن یعصم اللّٰه العبد عن ارتكاب المعاصی، و قد أشار علیه السلام إلیه بقوله: «إلّا أن یكفی اللّٰه». و هذا مثل قول یوسف علیه السلام: وَ ما أُبَرِّئُ نَفْسِی إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّی إلخ.

قوله علیه السلام: «ما هو أملك به»: أی العصمة من الخطإ فإنّه تعالی أقدر علی ذلك للعبد من العبد لنفسه.

قوله علیه السلام: «ممّا كنّا فیه»: أی من الجهالة و عدم العلم و المعرفة و الكمالات التی یسرها اللّٰه تعالی لنا ببعثة الرسول صلّی اللّٰه علیه و آله و سلم.

قال ابن أبی الحدید: لیس هذا إشارة إلی خاصّ نفسه علیه السلام، لأنّه لم یكن كافرا فأسلم، و لكنّه كلام یقوله و یشیر به إلی القوم الذین یخاطبهم من أفناء الناس فیأتی بصیغة الجمع الداخلة فیها نفسه توسعا.

و یجوز أن یكون معناها: لو لا ألطاف اللّٰه تعالی ببعثة محمد صلّی اللّٰه علیه و آله لكنت أنا و غیری علی مذهب الأسلاف. انتهی.

قوله علیه السلام: «فبلاؤه عندنا ما لا یكفر»: أی نعمه عندنا وافرة بحیث لا نستطیع كفرها و سترها، أو لا یجوز كفرانها و ترك شكرها.

قوله علیه السلام: «سیاسة أمورنا»: (1) [یقال: ] سست الرعیة سیاسة:

ص: 198


1- هذا و ما بعده من كلام الرجل الصالح الذی أثنی علی أمیر المؤمنین علیه السلام لا من كلامه. وما ذكره المصنف بعده فی تفسیر السیاسة، فیه تسامح. فإن السیاسة لیست مجرد الأمر والنهی ، بل هی عند الطغاة والجبارین من الملوك والوزراء والقواد عبارة عن تحمیل أوامرهم ونواهیهم علی الرعیة علی طبق مصالحهم، لا علی طبق مصالح الرعیة. وأما السیاسة عند الصلحاء والخاضعین لأمر اللّٰه تعالی، فهی عبارة عن تسییر الناس والرعیة علی نحو یتضمن مرضاة اللّٰه ومصلحة جمیع الرعیة أو أكثرهم، وبسعدهم علی بلوغ أهدافهم المعنویة والمادیة معا.

أمرتها و نهیتها. و «العلم» بالتحریك: ما ینصب فی الطریق لیهتدی به السائرون.

قوله: «من بارع الفضل» قال الفیروزآبادی: برع [فلان] و یثلّث براعة: فاق أصحابه فی العلم و غیره، أو تمّ فی كلّ جمال و فضیلة، فهو بارع و هی بارعة.

قوله: «و لم یكن»: علی المجهول من [قولهم: ] كننت الشی ء: سترته. أو بفتح الیاء و كسر الكاف من [قولهم: ] و كن الطائر بیضه یكنه [علی زنة وعد] إذا حضنه.

و فی بعض النسخ: «لم یكن». و فی النسخة القدیمة: «لن یكون».

قوله: «و توسّعا»: أی فی الفضل و الثواب.

قوله: «مع ذلك»: أی مع طاعتنا لك: أی نفس الطاعة أمر مرغوب فیه و مع ذلك موجب لحصول ما ینفعنا و ما هو خیر لنا فی دنیانا و آخرتنا.

قوله «إلّا مناصحة الصدور»: أی خلوصها عن غشّ النفاق بأن یطوی فیه ما یظهر خلافه، أو نصح الإخوان نصحا یكون فی الصدر لا بمحض اللّسان.

قوله: «و قد عال الذی فی صدره»: یقال: عالنی الشی ء أی غلبنی. و عال أمرهم: اشتدّ.

قوله علیه السلام: «و غصص الشجا»: الغصّة بالضمّ-: ما اعترض

ص: 199

فی الحلق. و كذا الشجا و الشجو الهمّ و الحزن.

قوله علیه السلام: «لخطر مرزئته» الخطر بالتحریك-: القدر و المنزلة و الإشراف علی الهلاك. و المرزئة: المصیبة، و كذا الفجیعة و كونها: أی وقوعها و حصولها و الضمیران راجعان إلی أمیر المؤمنین علیه السلام. و القائل كان عالما بقرب أوان شهادته علیه السلام فلذا كان یندب و یتفجّع. و إرجاعهما إلی القائل بعید.

قوله علیه السلام: «أشفی»: أی أشرف علیه. و الضمیر فی قوله: «إلیه» راجع إلی اللّٰه تعالی.

قوله علیه السلام: «و انقلاب جدّه» الجدّ: البخت. و التفجّع: التوجّع فی المصیبة: أی سأل اللّٰه دفع هذا البلاء الذی قد ظنّ وقوعه عنه علیه السلام مع التفجّع و التضرّع.

قوله: «یا ربّانی العباد»: قال الجزری: الربّانی منسوب إلی الربّ بزیادة الألف و النون [للمبالغة].

و قیل: هو من الربّ بمعنی التربیة؛ لأنّهم كانوا یربّون المتعلّمین بصغارها و كبارها (1).

و الربّانی: العالم الراسخ فی العلم و الدین. أو الذی یطلب بعلمه وجه اللّٰه [تعالی] . و قیل: العالم العامل المعلّم.

قوله: «و یا سكن البلاد» السكن بالتحریك-: كلّ ما یسكن إلیه.

قوله: «و بك جرت نعم اللّٰه علینا»: أی بجهادك و مساعیك الجمیلة لترویج الدین و تشیید الإسلام فی زمن الرسول صلّی اللّٰه علیه و آله و بعده.

ص: 200


1- كذا فی أصلی من ط الكمبانی، و فی ط بیروت فی مادّة: «ربّ» من كتاب النهایة: «كانوا یربّون المتعلّمین بصغار العلوم قبل كبارها».

قوله علیه السلام: «و للعصاة الكفّار إخوانا»: أی كنت تعاشر من یعصیك و یكفر نعمتك معاشرة الإخوان شفقة منك علیهم.

أو المراد الشفقة علی الكفّار و العصاة و الاهتمام فی هدایتهم.

و یحتمل أن یكون المراد المنافقین الذین كانوا فی عسكره و كان یلزمه رعایتهم بظاهر الشرع.

و قیل: المراد بالإخوان الخوان الذی یؤكل علیه، فإنّه لغة فیه كما ذكره الجزری. و لا یخفی بعده.

و فی النسخة القدیمة: «أ لم نكن» بصیغة المتكلم، و حینئذ فالمراد بالفقرة الأولی أنّه كان ینزل بنا ذلّ كلّ ذلیل: أی كنّا نذلّ بكلّ ذلّة و هوان. و هو أظهر و ألصق بقول: «فبمن».

قوله علیه السلام: «من فظاعة تلك الخطرات»: أی شناعتها و شدّتها.

قوله [علیه السلام: ] «بعد الحور» قال الجوهری [و فی الأثر: ] «نعوذ باللّٰه من الحور بعد الكور» أی من النقصان بعد الزیادة.

و فی بعض النسخ [ «بالجور»] بالجیم.

قوله علیه السلام: «و ثمال فقرائنا» قال الجزری: الثمال بالكسر-:

الملجأ و الغیاث. و قیل: هو المطعم فی الشدّة.

قوله [علیه السلام: ] «یجمعنا من الأمور عدلك»: أی هو سبب اجتماعنا و عدم تفرّقنا فی جمیع الأمور، أو من بین سائر الأمور، أو هو سبب لانتظام أمورنا، أو عدلك یحیط بجمیعنا فی جمیع الأمور.

قوله علیه السلام: «و یتّسع لنا فی الحقّ تأنیك»: أی صار مداراتك و تأنّیك و عدم مبادرتك فی الحكم علینا بما نستحقّه سببا لوسعة الحقّ علینا، و عدم تضیّق الأمر بنا.

ص: 201

قوله علیه السلام: «لیبلغ تحریكه»: أی تغییره و صرفه. و فی النسخة القدیمة: «تحویله».

قوله «و لا خطرناها»: أی جعلناها فی معرض المخاطرة و الهلاك. أو صیّرناها خطرا و رهنا و عوضا لك.

قال الجزری: [و] فیه: «فإنّ الجنّة لا خطر لها»: أی لا عوض لها و لا مثل. و الخطر بالتحریك فی الأصل: الرهن و ما یخاطر علیه. و مثل الشی ء و عدله، و لا یقال إلّا فی الشی ء الذی له قدر و مزیّة، و منه الحدیث «أ لا رجل یخاطر بنفسه و ماله»: أی یلقیهما فی الهلكة بالجهاد.

و منه حدیث النعمان [بن مقرن یوم نهاوند]: «إنّ هؤلاء یعنی المجوس قد أخطروا لكم رثّة و متاعا و أخطرتم لهم الإسلام»: المعنی أنّهم قد شرطوا لكم ذلك و جعلوه رهنا من جانبهم، و جعلتم رهنكم دینكم.

قوله علیه السلام: «حاولك»: أی قصدك. قوله: «من ناواك»: أی عاداك. قوله: «و لكنّه»: أی الربّ تعالی. قوله: «و عزّ»: أی ذو عزّ و غلبة.

و «زاوله»: أی حاوله و طالبه.

و هذه إشارة إلی أنّ تلك الأمور بقضاء اللّٰه و تقدیره، و المبالغة فی دفعها فی حكم مغالبة اللّٰه فی تقدیراته. و قد سبق تحقیق القضاء و القدر فی كتاب العدل.

قوله: «نعظّمه»: الضمیر فی قوله: «نعظمه» و «ندیمه» راجعان إلی الشكر و الذكر. [و] قوله: «بلاءه»: یحتمل النعمة أیضا.

قوله «ما عنده»: هو خبر «إنّ»، و یحتمل أن یكون الخبر محذوفا: أی خیر لك، و المعنی أنّه لا تختلف قلوبنا بل تتّفق علی أنّ اللّٰه اختار لك بإمضائك النعیم و الراحة الدائمة، علی ما كنت فیه من المشقّة و الجهد و العناء.

قوله: «من غیر إثم»: أی لا نأثم علی البكاء علیك فإنّه من أفضل

ص: 202

الطاعات، أو لا نقول ما یوجب الإثم.

قوله: «لعزّ»: متعلّق ب [قوله: ] «البكاء» و «أن یعود» بدل اشتمال له: أی نبكی لتبدّل عزّ هذا السلطان ذلا.

قوله: «أكیل»: الأكیل یكون بمعنی المأكول، و بمعنی الأكل. و المراد هنا الثانی: أی نبكی لتبدّل هذا السلطان الحقّ بسلطنة الجور فیكون أكلا للدین و الدنیا.

و فی بعض النسخ: «لعن اللّٰه هذا الشیطان» فلا یكون مرجع الإشارة سلطنته علیه السلام، بل جنسها الشامل للباطل أیضا: أی لعن اللّٰه السلطنة التی لا تكون صاحبها.

و یحتمل أن یكون اللعن مستعملا فی أصل معناه لغة، و هو الإبعاد: أی أبعد اللّٰه هذا السلطان عن أن یعود ذلیلا. و لا یخفی بعده.

قوله: «و لا نری لك خلفا»: أی من بین السلاطین لخروج السلطنة عن أهل البیت [علیهم السلام] .

«984»- (1) كا: عَلِیُّ بْنُ إِبْرَاهِیمَ عَنْ أَبِیهِ وَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِیٍّ، جَمِیعاً عَنْ إِسْمَاعِیلَ بْنِ مِهْرَانَ وَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ عَلِیِّ بْنِ الْحَسَنِ التَّیْمِیِّ، وَ عَلِیُّ بْنُ الْحُسَیْنِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، جَمِیعاً عَنْ إِسْمَاعِیلَ بْنِ مِهْرَانَ عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَیْفَرٍ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ ظُهَیْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَرِیزٍ الْعَبْدِیِّ. عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ قَالَ: أَتَی أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ عَلَیْهِ السَّلَامُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَ وَلَدُ أَبِی بَكْرٍ وَ سَعْدُ بْنُ أَبِی وَقَّاصٍ یَطْلُبُونَ مِنْهُ التَّفْضِیلَ لَهُمْ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ وَ مَالَ النَّاسُ إِلَیْهِ فَقَالَ:

ص: 203


1- [984]- رَوَاهُ ثِقَةُ الْإِسْلَامِ الْكُلَیْنِیُّ فِی الْحَدِیثِ: (551) مِنْ رَوْضَةِ الْكَافِی ص 360. ورویناه عنه فی المختار (٦٢) من نهج السعادة ١ / ٢٢١ ط ٢.

الْحَمْدُ لِلَّهِ وَلِیِّ الْحَمْدِ وَ مُنْتَهَی الْكَرَمِ، لَا تُدْرِكُهُ الصِّفَاتُ وَ لَا یُحَدُّ بِاللُّغَاتِ وَ لَا یُعْرَفُ بِالْغَایَاتِ.

وَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِیكَ لَهُ، وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهُ نَبِیُّ الْهُدَی وَ مَوْضِعُ التَّقْوَی وَ رَسُولُ الرَّبِّ الْأَعْلَی، جَاءَ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِ الْحَقِّ لِیُنْذِرَ بِالْقُرْآنِ الْمُبِینِ وَ الْبُرْهَانِ الْمُسْتَنِیرِ فَصَدَعَ بِالْكِتَابِ الْمُبِینِ وَ مَضَی عَلَی مَا مَضَتْ عَلَیْهِ الرُّسُلُ الْأَوَّلُونَ.

أَمَّا بَعْدُ أَیُّهَا النَّاسُ! فَلَا تَقُولَنَّ رِجَالٌ قَدْ كَانَتِ الدُّنْیَا غَمَرَتْهُمْ فَاتَّخَذُوا الْعَقَارَ وَ فَجَّرُوا الْأَنْهَارَ وَ رَكِبُوا أَفْرَهَ الدَّوَابِّ وَ لَبِسُوا أَلْیَنَ الثِّیَابِ؛ فَصَارَ ذَلِكَ عَلَیْهِمْ عَاراً وَ شَنَاراً إِنْ لَمْ یَغْفِرْ لَهُمُ الْغَفَّارُ إِذَا مَنَعْتُهُمْ مَا كَانُوا فِیهِ یَخُوضُونَ، وَ صَیَّرْتُهُمْ إِلَی مَا یَسْتَوْجِبُونَ فَیَفْقِدُونَ ذَلِكَ فَیَسْأَلُونَ: «ظَلَمَنَا ابْنُ أَبِی طَالِبٍ وَ حَرَمَنَا وَ مَنَعَنَا حُقُوقَنَا». فَاللَّهُ عَلَیْهِمُ الْمُسْتَعَانُ.

مَنِ اسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَ أَكَلَ ذَبِیحَتَنَا وَ آمَنَ بِنَبِیِّنَا وَ شَهِدَ شَهَادَتَنَا وَ دَخَلَ فِی دِینِنَا، أَجْرَیْنَا عَلَیْهِ حُكْمَ الْقُرْآنِ بِحُدُودِ الْإِسْلَامِ، لَیْسَ لِأَحَدٍ عَلَی أَحَدٍ فَضْلٌ إِلَّا بِالتَّقْوَی.

أَلَا وَ إِنَّ لِلْمُتَّقِینَ عِنْدَ اللَّهِ أَفْضَلَ الثَّوَابِ وَ أَحْسَنَ الْجَزَاءِ وَ الْمَآبِ، لَمْ یَجْعَلِ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَی الدُّنْیَا لِلْمُتَّقِینَ ثَوَاباً، وَ ما عِنْدَ اللَّهِ خَیْرٌ لِلْأَبْرارِ انْظُرُوا أَهْلَ دِینِ اللَّهِ! فِیمَا أَصَبْتُمْ فِی كِتَابِ اللَّهِ، وَ تَرَكْتُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ وَ جَاهَدْتُمْ بِهِ فِی ذَاتِ اللَّهِ، أَ بِحَسَبٍ أَمْ بِنَسَبٍ؟ أَمْ بِعَمَلٍ أَمْ بِطَاعَةٍ أَمْ زَهَادَةٍ؟ وَ فِیمَا أَصْبَحْتُمْ فِیهِ رَاغِبِینَ.

فَسَارِعُوا إِلَی مَنَازِلِكُمْ رَحِمَكُمُ اللَّهُ، الَّتِی أُمِرْتُمْ بِعِمَارَتِهَا الْعَامِرَةِ الَّتِی لَا تَخْرَبُ وَ الْبَاقِیَةِ الَّتِی لَا تَنْفَدُ، الَّتِی دَعَاكُمُ [اللَّهُ] إِلَیْهَا وَ حَضَّكُمْ عَلَیْهَا وَ رَغَّبَكُمْ فِیهَا، وَ جَعَلَ الثَّوَابَ عِنْدَهُ عَنْهَا.

فَاسْتَتِمُّوا نِعَمَ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ بِالتَّسْلِیمِ لِقَضَائِهِ، وَ الشُّكْرِ عَلَی نَعْمَائِهِ، فَمَنْ

ص: 204

لَمْ یَرْضَ بِهَذَا فَلَیْسَ مِنَّا وَ لَا إِلَیْنَا، وَ إِنَّ الْحَاكِمَ یَحْكُمُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَ لَا خَشْیَةَ عَلَیْهِ مِنْ ذَلِكَ، أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَ فِی نُسْخَةٍ [مِنْ كِتَابِ الْكَافِی] «وَ لَا وَحْشَةَ وَ أُولَئِكَ لا خَوْفٌ عَلَیْهِمْ وَ لا هُمْ یَحْزَنُونَ».

وَ قَالَ [عَلَیْهِ السَّلَامُ: ] وَ قَدْ عَاتَبْتُكُمْ بِدِرَّتِیَ الَّتِی أُعَاتِبُ بِهَا أَهْلِی فَلَمْ تُبَالُوا، وَ ضَرَبْتُكُمْ بِسَوْطِیَ الَّذِی أُقِیمُ بِهِ حُدُودَ رَبِّی فَلَمْ تَرْعَوُوا، أَ تُرِیدُونَ أَنْ أَضْرِبَكُمْ بِسَیْفِی؟

أَمَا إِنِّی أَعْلَمُ الَّذِی تُرِیدُونَ وَ یُقِیمُ أَوَدَكُمْ، وَ لَكِنْ لَا أَشْرِی صَلَاحَكُمْ بِفَسَادِ نَفْسِی، بَلْ یُسَلِّطُ اللَّهُ عَلَیْكُمْ قَوْماً فَیَنْتَقِمُ لِی مِنْكُمْ، فَلَا دُنْیَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا وَ لَا آخِرَةَ صِرْتُمْ إِلَیْهَا، فَبُعْداً وَ سُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِیرِ.

إیضاح:

قوله: «ولد أبی بكر»: هو عبد الرحمن.

قوله علیه السلام: «ولی الحمد»: أی الأولی به، أو المتولّی لحمد نفسه كما ینبغی له بإیجاد ما یدلّ علی كماله و اتّصافه بجمیع المحامد، و بتلقین ما یستحقّه من الحمد أنبیاؤه و حججه علیهم السلام و إلهام محبّیه و توفیقهم للحمد.

[قوله علیه السلام: ] «و منتهی الكرم»: أی ینتهی إلیه كلّ جود و كرم؛ لأنّه موجد النّعم و الموفّق لبذلها، أو هو المتّصف بأعلی مراتب الكرم و المولی بجلائل النّعم. و یحتمل أن یكون الكرم بمعنی الكرامة و الجلالة علی الوجهین السابقین.

[قوله علیه السلام: ] «لا تدركه الصفات»: أی توصیفات الواصفین أو صفات المخلوقین.

[قوله علیه السلام: ] «فلا یعرف بالغایات»: أی بالنهایات و الحدود

ص: 205

الجسمانیّة، أو بالحدود العقلیّة، إذ حقیقة كلّ شی ء و كنهه حدّه و نهایته.

أو لیس له نهایة لا فی وجوده و لا فی علمه و لا فی قدرته، و كذا سائر صفاته.

أو لا یعرف بما هو غایة أفكار المتفكّرین.

[قوله علیه السلام: ] «فصدع بالكتاب المبین» قال الفیروزآبادی: [فی شرح] قوله تعالی: «فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ » [٩٤ / الحجر: ١٥]: أی شقّ جماعتهم بالتوحید، أو اجهر بالقرآن، أو أظهر أو احكم بالحقّ و افصل بالأمر، أو اقصد بما تؤمر، أو افرق به بین الحقّ و الباطل.

[قوله علیه السلام: ] «فلا تقولنّ رجال»: الظاهر أنّ قوله: «رجال» فاعل [لقوله: ] «لا تقولنّ» و ما ذكر بعده إلی قوله: «و یقولون» صفات تلك الرجال. و قوله: «ظلمنا ابن أبی طالب»: مقول القول. و قوله: «یقولون» تأكید للقول المذكور فی أوّل الكلام [و] إنّما أتی به لكثرة الفاصلة بین العامل و المعمول.

و یحتمل أن یكون مقول القول محذوفا یدلّ علیه قوله: «ظلمنا ابن أبی طالب».

و قیل: مفعوله محذوف تقدیر الكلام: فلا تقولنّ ما قلتم من طلب التفضیل و غیره رجال كانت الدنیا غمرتهم فی زمن الخلفاء الثلاثة إذا منعتهم ما كانوا یأخذون و أعطیتهم ما یستوجبون، فیصرفون ما أعطیتهم و یسألون الزیادة علیه و یقولون: ظلمنا ابن أبی طالب. انتهی.

أقول: لا یخفی أنّ ما ذكرناه أظهر.

و فی بعض النسخ: «رجالا» بالنّصب، و لعلّ فیه حینئذ حذفا: أی لا تقولنّ أنتم نعتقد أو نتولی رجالا صفتهم كذا و كذا، و لعلّه كان «لا تتولّون» فصحّف.

ص: 206

[قوله علیه السلام: ] «أفره الدوابّ» یقال: دابّة فارهة: أی نشیطة قویّة نفیسة. و «الشنار» العیب و العار.

[قوله علیه السلام: ] «ألا و إنّ للمتّقین»: أی لیس الكرم عند اللّٰه إلّا بالتقوی، و جزاء التقوی لیس إلّا فی العقبی، و لم یجعل اللّٰه جزاء عملهم التفضیل فی عطایا الدنیا.

[قوله علیه السلام: ] «فانظروا أهل دین اللّٰه»: أی یا أهل دین اللّٰه! كذا فی النسخ المصحّحة، و فی بعضها: «إلی أهل» و المراد بقوله: «فیما أصبتم فی كتاب اللّٰه» [من] نعوت الأنبیاء و الأولیاء الذین ذكرهم اللّٰه فی القرآن، أو مواعیده الصادقة علی الأعمال الصالحة. و بقوله: «تركتم عند رسول اللّٰه»:

صفاته الحسنة و صفات أصحابه و ما كان یرتضیه صلّی اللّٰه علیه و آله من ذلك، أو ضمان الرسول لهم المثوبات علی الصالحات، كأنّه ودیعة لهم عنده صلّی علیه و آله.

[قوله علیه السلام: ] «و جاهدتم به»: أی بسببه و هو ما رأیتم من فضله و كماله، أو ما سمعتم من المثوبات علیه.

[قوله علیه السلام: ] «أ بحسب أم بنسب؟»: أی لم تكن تلك الأمور بالحسب و النسب بل بالعمل و الطاعة و الزهادة.

[قوله علیه السلام: ] «و فیما أصبحتم»: أی انظروا فیما أصبحتم راغبین فیه هل یشبه ما رأیتم و عهدتم مما تقدم ذكره، أو انظروا أیّهما أصلح لأن یرغب فیه.

[قوله علیه السلام: ] «و جعل الثواب عنده عنها»: كلمة «عن» لعلّها بمعنی «من» للتبعیض. أو قوله: «التی» بدل اشتمال للمنازل، و المراد بها الأعمال التی توصل إلیها، و لا یبعد أن یكون فی الأصل «و التی» أو «بالتی» فصحّف.

[قوله علیه السلام: ] «و لا خشیة علیه من ذلك»: أی لا یخشی علی

ص: 207

الحاكم العدل: أی الإمام أن یترك حكم اللّٰه و لا یجوز أن یظنّ ذلك به، أو لا یخشی الحاكم بسبب العمل بحكم اللّٰه من أحد، أو أن یكون معاقبا بذلك عند اللّٰه. و علی نسخة «و لا وحشة»: المعنی أنّه إذا عمل الحاكم بحكم اللّٰه لا یستوحش من مفارقة رعیّته عنه بسبب ذلك.

[قوله علیه السلام: ] «بدرّتی» الدّرّة بالكسر-: الّتی یضرب بها. و یظهر من الخبر أنّ السوط أكبر و أشدّ منها.

و الارعواء: الانزجار عن القبیح. و قیل: الندم علی الشی ء و الانصراف عنه و تركه. و الأود بالتحریك-: العوج.

[قوله علیه السلام: ] «بفساد نفسی»: أی لا أطلب صلاحكم بالظلم و بما لم یأمرنی به ربّی فأكون قد أصلحتكم بإفساد نفسی. و «سحقا»: أی بعدا.

«985»- (1) كِتَابُ الْغَارَاتِ لِإِبْرَاهِیمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِیِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ عَلِیِّ بْنِ [أَبِی] سَیْفٍ [الْمَدَائِنِیِ] عَنْ أَبِی حُبَابٍ عَنْ رَبِیعَةَ وَ عُمَارَةَ قَالا: إِنَّ طَائِفَةً مِنْ أَصْحَابِ عَلِیٍّ عَلَیْهِ السَّلَامُ مَشَوْا إِلَیْهِ فَقَالُوا: یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ أَعْطِ هَذِهِ الْأَمْوَالَ وَ فَضِّلْ هَؤُلَاءِ الْأَشْرَافَ مِنَ الْعَرَبِ وَ قُرَیْشٍ عَلَی الْمَوَالِی وَ الْعَجَمِ وَ مَنْ تَخَافُ خِلَافَهُ مِنَ النَّاسِ وَ فِرَارَهُ قَالَ: وَ إِنَّمَا قَالُوا لَهُ ذَلِكَ لِلَّذِی كَانَ مُعَاوِیَةُ یَصْنَعُ بِمَنْ أَتَاهُ فَقَالَ لَهُمْ عَلِیٌّ عَلَیْهِ السَّلَامُ:

أَ تَأْمُرُونِّی أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ؟! وَ اللَّهِ لَا أَفْعَلُ مَا طَلَعَتْ شَمْسٌ وَ مَا لَاحَ فِی السَّمَاءِ نَجْمٌ، وَ اللَّهِ لَوْ كَانَ مَالُهُمْ لِی لَوَاسَیْتُ بَیْنَهُمْ، فَكَیْفَ وَ مَا هِیَ إِلَّا أَمْوَالُهُمْ؟!

ص: 208


1- [985]- رَوَاهُ الثَّقَفِیُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِی الْحَدِیثِ: (39) مِنْ تَلْخِیصِ كِتَابِ الْغَارَاتِ ص 74 ط 1. وللكلام مصادر وقد رواه الشیخ المفید رفع اللّٰه مقامه فی المجلس: (٢٢) من أمالیه ص ١١٢، والشیخ الطوسی فی الحدیث (٣٤) من الجزء السابع من أمالیه. وله مصادر آخر ذكرناها فی ذیل المختار: (٢٧٨) من نهج السعادة: ج ٢ ص ٤٥٣ ط ١.

قَالَ: ثُمَّ أَزَمَ طَوِیلًا سَاكِناً ثُمَّ قَالَ:

مَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ فَإِیَّاهُ وَ الْفَسَادَ! فَإِنَّ إِعْطَاءَ الْمَالِ فِی غَیْرِ حَقِّهِ تَبْذِیرٌ وَ إِسْرَافٌ، وَ هُوَ ذِكْرٌ لِصَاحِبِهِ فِی النَّاسِ وَ یَضَعُهُ عِنْدَ اللَّهِ، وَ لَمْ یَضَعْ رَجُلٌ مَالَهُ فِی غَیْرِ حَقِّهِ وَ عِنْدَ غَیْرِ أَهْلِهِ إِلَّا حَرَمَهُ اللَّهُ شُكْرَهُمْ وَ كَانَ لِغَیْرِهِ وُدُّهُمْ، فَإِنْ بَقِیَ مَعَهُ مَنْ یَوَدُّهُ وَ یُظْهِرُ لَهُ الْبِشْرَ فَإِنَّمَا هُوَ مَلَقٌ وَ كَذِبٌ، وَ إِنَّمَا یَنْوِی أَنْ یَنَالَ مِنْ صَاحِبِهِ مِثْلَ الَّذِی كَانَ یَأْتِی إِلَیْهِ مِنْ قَبْلُ، فَإِنْ زَلَّتْ بِصَاحِبِهِ النَّعْلُ فَاحْتَاجَ إِلَی مَعُونَتِهِ وَ مُكَافَأَتِهِ فَشَرُّ خَلِیلٍ وَ أَلْأَمُ خَدِینٍ.

وَ مَنْ صَنَعَ الْمَعْرُوفَ فِیمَا آتَاهُ اللَّهُ، فَلْیَصِلْ بِهِ الْقَرَابَةَ، وَ لْیُحْسِنْ فِیهِ الضِّیَافَةَ، وَ لْیَفُكَّ بِهِ الْعَانِیَ، وَ لْیُعِنْ بِهِ الْغَارِمَ وَ ابْنَ السَّبِیلِ وَ الْفُقَرَاءَ وَ الْمُهَاجِرِینَ، وَ لْیُصَبِّرْ نَفْسَهُ عَلَی النَّوَائِبِ وَ الْخُطُوبِ (1) فَإِنَّ الْفَوْزَ بِهَذِهِ الْخِصَالِ شَرَفُ مَكَارِمِ الدُّنْیَا وَ دَرْكُ فَضَائِلِ الْآخِرَةِ..

«986»- (2) نَهْجٌ: [وَ] قَالَ عَلَیْهِ السَّلَامُ فِی خُطْبَةٍ [لَهُ]: فَأَیْنَ یُتَاهُ بِكُمْ؟! بَلْ كَیْفَ تَعْمَهُونَ وَ بَیْنَكُمْ عِتْرَةُ نَبِیِّكُمْ؟! وَ هُمْ أَزِمَّةُ الْحَقِّ وَ أَلْسِنَةُ الصِّدْقِ، فَأَنْزِلُوهُمْ بِأَحْسَنِ مَنَازِلِ الْقُرْآنِ وَ رِدُوهُمْ وُرُودَ الْهِیمِ الْعِطَاشِ.

أَیُّهَا النَّاسُ! خُذُوهَا مِنْ خَاتَمِ النَّبِیِّینَ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ إِنَّهُ یَمُوتُ مَنْ یَمُوتُ مِنَّا وَ لَیْسَ بِمَیِّتٍ وَ یَبْلَی مَنْ بَلِیَ مِنَّا وَ لَیْسَ بِبَالٍ، فَلَا تَقُولُوا بِمَا لَا تَعْرِفُونَ، فَإِنَّ أَكْثَرَ الْحَقِّ فِیمَا تُنْكِرُونَ، وَ اعْذِرُوا مَنْ لَا حُجَّةَ لَكُمْ عَلَیْهِ وَ أَنَا هُوَ، أَ لَمْ أَعْمَلْ فِیكُمْ بِالثَّقَلِ الْأَكْبَرِ وَ أَتْرُكْ فِیكُمُ الثَّقَلَ الْأَصْغَرَ؟ وَ رَكَزْتُ فِیكُمْ رَایَةَ الْإِیمَانِ، وَ وَقَفْتُكُمْ عَلَی حُدُودِ الْحَلَالِ وَ الْحَرَامِ، وَ أَلْبَسْتُكُمُ الْعَافِیَةَ مِنْ عَدْلِی، وَ فَرَشْتُكُمُ الْمَعْرُوفَ مِنْ قَوْلِی وَ فِعْلِی، وَ أَرَیْتُكُمْ كَرَائِمَ الْأَخْلَاقِ مِنْ نَفْسِی؟ فَلَا تَسْتَعْمِلُوا

ص: 209


1- هذا هو الظّاهر الوارد فی غیر واحد من مصادر الكلام، و فی طبع الكمبانی من البحار: «علی الثّواب و الحقوق ...». و النّوائب: جمع النّائبة: العویصة الطّارئة فی أیّام الحیاة.
2- [986]- رَوَاهُ السَّیِّدُ الرَّضِیُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِی الْمُخْتَارِ: (85) مِنْ كِتَابِ نَهْجِ الْبَلَاغَةِ.

الرَّأْیَ فِیمَا لَا یُدْرِكُ قَعْرَهُ الْبَصَرُ، وَ لَا یَتَغَلْغَلُ إِلَیْهِ الْفِكْرُ.

بیان: تاه فلان: تحیّر. و العمه: التردد علی وجه التحیّر. و الواو فی قوله:

«و بینكم» للحال. و الأزمّة: جمع زمام و هو المقود: أی هم القادة للحقّ یدور معهم حیثما داروا.

[قوله علیه السلام: ] «و ألسنة الصدق»: أی هم كاللسان للصدق لا یتكلّم إلّا بهم، أو هم المتكلّمون به و لا یظهر إلّا منهم.

[قوله علیه السلام: ] «فأنزلوهم»: أی أنزلوا العترة فی صدوركم و قلوبكم بالتعظیم و الانقیاد لأوامرهم و نواهیهم و التمسّك بهم بأحسن المنازل التی تنزلون القرآن، أو بأحسن المنازل التی یدلّ علیها القرآن.

[قوله علیه السلام: ] «و ردوهم»: من الورود و هو الحضور عند الماء للشرب. و «الهیم»: الإبل العطاش.

قوله علیه السلام: «و اعذروا» قال ابن میثم: طلب علیه السلام منهم العذر فیما یصیبهم و یلحقهم من عذاب اللّٰه بسبب تقصیرهم فی إطاعته علیه السلام.

قوله علیه السلام: «فیما لا یدرك»: أی فیما ذكر لهم من خصائص العترة الطاهرة و فضلها: أی أمرنا صعب لا تهتدی إلیه العقول [الساذجة]. و التغلغل:

الدخول.

«987»- (1) نَهْجٌ: [وَ مِنْ كَلَامٍ لَهُ عَلَیْهِ السَّلَامُ: ] وَ لَقَدْ أَحْسَنْتُ جِوَارَكُمْ، وَ أَحَطْتُ بِجُهْدِی مِنْ وَرَائِكُمْ، وَ أَعْتَقْتُكُمْ مِنْ رِبَقِ الذُّلِّ وَ حَلَقِ الضَّیْمِ، شُكْراً مِنِّی لِلْبِرِّ الْقَلِیلِ، وَ إِطْرَاقاً عَمَّا أَدْرَكَهُ الْبَصَرُ وَ شَهِدَهُ

ص: 210


1- [987]- رَوَاهُ السَّیِّدُ الرَّضِیُّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَیْهِ فِی الْمُخْتَارِ: (157) مِنْ نَهْجِ الْبَلَاغَةِ.

الْبَدَنُ مِنَ الْمُنْكَرِ الْكَثِیرِ.

بیان: الإحاطة من الوراء [هو] دفع من یریدهم بشرّ؛ لأنّ العدوّ الغالب یكون من وراء المحارب. و الحلق بالتحریك و كعنب-: جمع حلقة. و الضیم:

الظلم. و أطرق: أی سكت و أرخی عینیه إلی الأرض، و إطراقه علیه السلام عن المنكر الكثیر و سكوته عنه لعدم تأثیر النهی، أو لانجراره إلی ما هو أعظم منه.

«988»- (1) نَهْجٌ: [وَ] مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَیْهِ السَّلَامُ: اتَّخَذُوا الشَّیْطَانَ لِأَمْرِهِمْ مِلَاكاً، وَ اتَّخَذَهُمْ لَهُ أَشْرَاكاً، فَبَاضَ وَ فَرَّخَ فِی صُدُورِهِمْ، وَ دَبَّ وَ دَرَجَ فِی حُجُورِهِمْ، فَنَظَرَ بِأَعْیُنِهِمْ وَ نَطَقَ بِأَلْسِنَتِهِمْ، فَرَكِبَ بِهِمُ الزَّلَلَ، وَ زَیَّنَ لَهُمُ الْخَطَلَ، فِعْلَ مَنْ قَدْ شَرِكَهُ الشَّیْطَانُ فِی سُلْطَانِهِ، وَ نَطَقَ بِالْبَاطِلِ عَلَی لِسَانِهِ.

بیان: ملاك الأمر بالكسر-: ما یقوم به. و الأشراك إما جمع شریك: أی عدّهم [الشیطان] من شركائه فی إضلال النّاس. أو جمع شرك بالتحریك-:

أی جعلهم حبائل لاصطیاد الخلق. «فباض و فرخ»: كنایة عن طول مكثه للوسوسة فی صدورهم. و الدب: المشی الضعیف، و الدرج أقوی منه و هما كنایتان عن تربیتهم الباطل و ملازمة الشیطان لهم حتی صار كالوالدین. و الزلل فی الأعمال و الخطل فی الأقوال.

و الباء فی [قوله: ] «ركب بهم»: للتعدیة. و الضمیر فی «سلطانه»: راجع إلی «من»: أی من شاركه الشیطان فیما جعله اللّٰه لهم من السلطان علی الأعمال و الأقوال. أو إلی «الشیطان»: أی كأنّهم الأصل فی سلطانه و قدرته علی الإضلال.

ص: 211


1- [988]- رَوَاهُ السَّیِّدُ الرَّضِیُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِی الْمُخْتَارِ السَّابِعِ مِنْ كِتَابِ نَهْجِ الْبَلَاغَةِ.

«989»- (1) نَهْجٌ: [وَ] مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ [عَلَیْهِ السَّلَامُ]: فِی الْمَلَاحِمِ: أَلَا بِأَبِی وَ أُمِّی مِنْ عِدَّةٍ أَسْمَاؤُهُمْ فِی السَّمَاءِ مَعْرُوفَةٌ وَ فِی الْأَرْضِ مَجْهُولَةٌ.

أَلَا فَتَوَقَّعُوا مَا یَكُونُ مِنْ إِدْبَارِ أُمُورِكُمْ وَ انْقِطَاعِ وُصَلِكُمْ، وَ اسْتِعْمَالِ صِغَارِكُمْ ذَاكَ، حَیْثُ تَكُونُ ضَرْبَةُ السَّیْفِ عَلَی الْمُؤْمِنِ أَهْوَنَ مِنَ الدِّرْهَمِ مِنْ حِلِّهِ.

ذَاكَ حَیْثُ یَكُونُ الْمُعْطَی أَعْظَمَ أَجْراً مِنَ الْمُعْطِی.

ذَاكَ حَیْثُ تَسْكَرُونَ مِنْ غَیْرِ شَرَابٍ بَلْ مِنَ النِّعْمَةِ وَ النَّعِیمِ! وَ تَحْلِفُونَ مِنْ غَیْرِ اضْطِرَارٍ وَ تَكْذِبُونَ مِنْ غَیْرِ إِحْرَاجٍ.

ذَاكَ إِذَا عَضَّكُمُ الْبَلَاءُ كَمَا یَعَضُّ الْقَتَبُ غَارِبَ الْبَعِیرِ.

مَا أَطْوَلَ هَذَا الْعَنَاءَ وَ أَبْعَدَ هَذَا الرَّجَاءَ! أَیُّهَا النَّاسُ! أَلْقُوا هَذِهِ الْأَزِمَّةَ الَّتِی تَحْمِلُ ظُهُورُهَا الْأَثْقَالَ مِنْ أَیْدِیكُمْ، وَ لَا تَصَدَّعُوا عَلَی سُلْطَانِكُمْ فَتَذُمُّوا غِبَّ فِعَالِكُمْ، وَ لَا تَقْتَحِمُوا مَا اسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ فَوْرِ نَارِ الْفِتْنَةِ، وَ أَمِیطُوا عَنْ سَنَنِهَا وَ خَلُّوا قَصْدَ السَّبِیلِ لَهَا، فَقَدْ لَعَمْرِی یَهْلِكُ فِی لَهَبِهَا الْمُؤْمِنُ وَ یَسْلَمُ فِیهَا غَیْرُ الْمُسْلِمِ.

إِنَّمَا مَثَلِی بَیْنَكُمْ كَمَثَلِ السِّرَاجِ فِی الظُّلْمَةِ، یَسْتَضِی ءُ بِهِ مَنْ وَلَجَهَا، فَاسْمَعُوا أَیُّهَا النَّاسُ وَ عُوا وَ أَحْضِرُوا آذَانَ قُلُوبِكُمْ تَفْهَمُوا!.

إیضاح:

قال ابن أبی الحدید: قالت الإمامیّة: هذه العدّة هم الأئمة الأحد عشر من ولده علیهم السلام.

و قال غیرهم: إنّه عنی الأبدال الذین هم أولیاء اللّٰه. انتهی.

ص: 212


1- [989]- رَوَاهُ السَّیِّدُ الرَّضِیُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِی الْمُخْتَارِ: (185) مِنْ كِتَابِ نَهْجِ الْبَلَاغَةِ.

[أقول: ] و ظاهر أنّ ذكر انتظار فرج الشّیعة كما اعترف به بعد هذا لا ارتباط له بحكایة الأبدال.

و أمّا كون أسمائهم فی الأرض مجهولة، فلعلّ المراد به أنّ أكثر الناس لا یعرفون قدرهم و منزلتهم، فلا ینافی معرفة الخواص لهم و إن كانوا أیضا لا یعرفونهم حقّ معرفتهم.

أو أراد به جهالة أسمائهم فی وقت إیراد [هذا] الكلام، و التخصیص فی الاحتمال الأخیر أقلّ منه فی الأوّل.

قوله علیه السلام: «و انقطاع وصلكم»: جمع وصلة: أی تفرّق أموركم المنتظمة. و المراد باستعمال الصغار تقدیمهم علی المشایخ و أرباب التجارب فی الأعمال و الولایات.

قوله علیه السلام: «حیث یكون المعطی»: علی بناء المجهول «أعظم أجرا من المعطی»: علی بناء الفاعل؛ لأنّ أكثر الأموال فی ذلك الزّمان یكون من الحرام، و أیضا لا یعطونها علی الوجه المأمور به [بل] للأغراض الفاسدة.

و أمّا المعطی فلمّا كان فقیرا یأخذ المال لسدّ خلّته، لا یلزمه البحث عن المال و حلّه و حرمته فكان أعظم أجرا من المعطی.

و قیل: لأنّ صاحب المال لمّا كان یصرفه فی أغلب الأحوال فی الفساد، فإذا أخذه الفقیر فقد فوّت علیه صرفه فی القبائح، فقد كفّه بأخذ المال من ارتكاب القبیح. و لا یخلو من بعد.

و النعمة بالفتح-: غضارة العیش. و فی بعض النسخ: بالكسر: أی الخفض و الدعة و المال.

قوله علیه السلام: «من غیر إخراج»: أی من غیر اضطرار إلی الكذب.

و روی بالواو.

ص: 213

قوله علیه السلام: «إذا عضّكم البلاء» یقال: عضّ اللقمة كسمع و منع-: أی أمسكها بأسنانه و عضّ بصاحبه: أی لزمه. و عضّ الزمان و الحرب:

شدّتهما. و القتب بالتحریك معروف. و الغارب: ما بین العنق و السنام.

و قال ابن أبی الحدید: هذا الكلام غیر متّصل بما قبله كما هو عادة الرضی، و قد [كان علیه السلام] ذكر بین ذلك ما ینال من شیعته من البؤس و القنوط و مشقّة انتظار الفرج. و قوله علیه السلام: «ما أطول هذا العناء و أبعد هذا الرجاء» حكایة كلام شیعته علیه السلام انتهی. فیكون المراد بالرجاء:

رجاء ظهور القائم علیه السلام.

و قال ابن میثم: و یحتمل أن یكون الكلام متّصلا و یكون قوله علیه السلام: «ما أطول هذا العناء» كلاما مستأنفا فی معنی التوبیخ لهم علی إعراضهم عنه و إقبالهم علی الدنیا و إتعابهم أنفسهم فی طلبها، و تنفیر لهم عنها بذكر طول العناء فی طلبها و بعد الرجاء لما یرجی منها.

قوله علیه السلام: «ألقوا»: أی ألقوا من أیدیكم أزمّة الآراء الفاسدة و الأعمال الكاسدة الّتی هی كالنوق و المراكب فی حمل التبعات و الآثام.

«و لا تصدّعوا»: أی لا تتفرّقوا. و السلطان: الأمیر و الإمام. و غبّ كلّ شی ء: عاقبته. و فور نار الفتنة: وهجها و غلیانها.

«و أمیطوا»: أی تنحّوا. و السّنن: الطّریقة.

قوله علیه السلام: «و خلّوا»: أی دعوها تسلك طریقها و لا تتعرّضوا لها تكونوا حبطا لنارها.

«990»- (1) نَهْجٌ: [وَ مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَیْهِ السَّلَامُ: ] الْحَمْدُ لِلَّهِ النَّاشِرِ فِی الْخَلْقِ

ص: 214


1- [990]- رَوَاهُ السَّیِّدُ الرَّضِیُّ رَفَعَ اللَّهُ مَقَامَهُ فِی الْمُخْتَارِ: (98) مِنْ نَهْجِ الْبَلَاغَةِ.

فَضْلَهُ، وَ الْبَاسِطِ فِیهِمْ بِالْجُودِ یَدَهُ، نَحْمَدُهُ فِی جَمِیعِ أُمُورِهِ، وَ نَسْتَعِینُهُ عَلَی رِعَایَةِ حُقُوقِهِ، وَ نَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ غَیْرُهُ، وَ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ أَرْسَلَهُ بِأَمْرِهِ صَادِعاً وَ بِذِكْرِهِ نَاطِقاً، فَأَدَّی أَمِیناً وَ مَضَی رَشِیداً وَ خَلَّفَ فِینَا رَایَةَ الْحَقِّ، مَنْ تَقَدَّمَهَا مَرَقَ وَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا زَهَقَ، وَ مَنْ لَزِمَهَا لَحِقَ.

دَلِیلُهَا مَكِیثُ الْكَلَامِ بَطِی ءُ الْقِیَامِ سَرِیعٌ إِذَا قَامَ، فَإِذَا أَنْتُمْ أَلَنْتُمْ لَهُ رِقَابَكُمْ وَ أَشَرْتُمْ إِلَیْهِ بِأَصَابِعِكُمْ جَاءَهُ الْمَوْتُ فَذَهَبَ بِهِ، فَلَبِثْتُمْ بَعْدَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ حَتَّی یُطْلِعَ اللَّهُ لَكُمْ مَنْ یَجْمَعُكُمْ وَ یَضُمُّ نَشْرَكُمْ. فَلَا تَطْمَعُوا فِی غَیْرِ مُقْبِلٍ، وَ لَا تَیْأَسُوا مِنْ مُدْبِرٍ، فَإِنَّ الْمُدْبِرَ عَسَی أَنْ تَزِلَّ إِحْدَی قَائِمَتَیْهِ وَ تَثْبُتَ الْأُخْرَی فَتَرْجِعَا حَتَّی تَثْبُتَا جَمِیعاً.

أَلَا وَ إِنَّ مَثَلَ آلِ مُحَمَّدٍ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ كَمَثَلِ نُجُومِ السَّمَاءِ إِذَا خَوَی نَجْمٌ طَلَعَ نَجْمٌ، فَكَأَنَّكُمْ قَدْ تَكَامَلَتْ مِنَ اللَّهِ فِیكُمُ الصَّنَائِعُ، وَ أَرَاكُمْ مَا كُنْتُمْ تَأْمُلُونَ.

توضیح:

النّشر: التفریق و البسط، و بسط الید: كنایة عن العطاء. و قیل: الید هنا النعمة فی جمیع أموره: أی ما صدر منه من النعم و البلایا. و رعایة حقوق اللّٰه:

شكره و طاعته.

[قوله علیه السّلام: ] «بأمره صادعا»: أی مظهرا مجاهرا. و الرشد: إصابة الصواب. و قیل: الاستقامة علی طریق الحقّ مع تصلّب فیه. و رایة الحقّ: الثّقلان المخلّفان. و مرق السهم من الرمیة: إذا خرج عن المرمی به، و المراد هنا خروج من تقدّمها و لم یعتد بها من الدین. و زهق الشی ء كمنع-: بطل و هلك.

و اللّحوق: إصابة الحقّ.

و أراد بالدلیل: نفسه علیه السلام. و الضمیر راجع إلی الرایة. [و] مكیث الكلام: أی بطیئه: أی لا یتكلّم من غیر رویّة. و بطی ء القیام: كنایة عن ترك

ص: 215

العجلة و الطّیش. و إلانة الرقاب: كنایة عن الإطاعة. و الإشارة بالأصابع [كنایة] عن التعظیم و الإجلال.

قال ابن أبی الحدید: نقل أنّ أهل العراق لم یكونوا أشدّ اجتماعا علیه من الشهر الذی قتل علیه السلام فیه، اجتمع له مائة ألف سیف، و أخرج مقدّمته یرید الشام، فضربه اللعین و انفضّت تلك الجموع كالغنم فقدت رعاتها.

و أشار [علیه السلام] بمن یجمعهم إلی المهدی علیه السلام. و النشر:

المنشور التفرّق.

قوله علیه السلام: «فلا تطمعوا»: أی من لم یقبل علی طلب هذا الأمر ممن هو أهله، فلا تطمعوا فیه؛ فإنّ ذلك لاختلال بعض شرائط الطلب، كما كان شأن أكثر أئمّتنا علیهم السلام.

و قیل: أراد بغیر المقبل: من انحرف عن الدین بارتكاب منكر، فإنّه لا یجوز الطمع فی أن یكون أمیرا لكم.

و فی بعض النسخ: «فلا تطعنوا فی عین»: أی من أقبل علی هذا الأمر من أهل البیت فلا تدفعوه عما یرید.

و قوله [علیه السلام: ] «و لا تیأسوا»: أی من أدبر عن طلب الخلافة ممن هو أهل لها فلا تیأسوا من عوده و إقباله علی الطلب، فإنّ إدباره یكون لفقد بعض الشروط كقلّة الناصر.

و زوال إحدی القائمتین كنایة عن اختلال بعض الشروط، و ثبات الأخری [كنایة] عن وجود بعضها.

و قوله «فیرجعان حتّی یثبتا»: [كنایة] عن استكمال الشرائط، و لا ینافی النهی عن الإیاس النّهی عن الطّمع؛ لأنّ عدم الیأس هو التجویز، و الطمع فوق التجویز. أو لأنّ النهی عن الطمع فی حال عدم الشروط و الإعراض عن

ص: 216

الطلب لذلك و النهی عن الإیاس لجواز حصول الشرائط.

و قیل [فی تفسیر قوله علیه السلام: ] «و لا تیأسوا من مدبر»: أی إذا ذهب من بینكم إمام و خلّفه إمام آخر فاضطرب أمره، فلا تشكوا فیهم، فإنّ المضطرب الأمر سینتظم أموره. و حینئذ یكون قوله علیه السلام «ألا إنّ مثل آل محمد صلّی اللّٰه علیه و آله» كالبیان لهذا.

[قوله علیه السلام: ] «إذا خوی نجم»: أی مال للمغیب. و الصّنائع: جمع صنیعة و هی الإحسان: أی لا تیأسوا عسی أن یأتی اللّٰه بالفرج عن قریب و المتحقّق الوقوع قریب و إن كان بعیدا.

و یمكن أن یكون [أراد] إراءة المخاطبین ما یأملون فی الرجعة.

«991»- (1) نَهْجٌ: [وَ] مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَیْهِ السَّلَامُ: أَیُّهَا الْغَافِلُونَ غَیْرُ الْمَغْفُولِ عَنْهُمْ، وَ التَّارِكُونَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُمْ! مَا لِی أَرَاكُمْ عَنِ اللَّهِ ذَاهِبِینَ وَ إِلَی غَیْرِهِ رَاغِبِینَ؟! كَأَنَّكُمْ نَعَمٌ أَرَاحَ بِهَا سَائِمٌ إِلَی مَرْعًی وَبِی ءٍ وَ مَشْرَبٍ دَوِیٍّ، [وَ] إِنَّمَا هُوَ كَالْمَعْلُوفَةِ لِلْمُدَی، لَا تَعْرِفُ مَا ذَا یُرَادُ بِهَا، إِذَا أُحْسِنَ إِلَیْهَا تَحْسَبُ یَوْمَهَا دَهْرَهَا وَ شِبَعَهَا أَمْرَهَا.

وَ اللَّهِ لَوْ شِئْتُ أَنْ أُخْبِرَ كُلَّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِمَخْرَجِهِ وَ مَوْلَجِهِ وَ جَمِیعِ شَأْنِهِ لَفَعَلْتُ! وَ لَكِنْ أَخَافُ أَنْ تَكْفُرُوا فِیَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ، أَلَا وَ إِنِّی مُفْضِیهِ إِلَی الْخَاصَّةِ مِمَّنْ یُؤْمَنُ ذَلِكَ مِنْهُ.

وَ الَّذِی بَعَثَهُ بِالْحَقِّ وَ اصْطَفَاهُ عَلَی الْخَلْقِ، مَا أَنْطِقُ إِلَّا صَادِقاً، وَ لَقَدْ عَهِدَ إِلَیَّ بِذَلِكَ كُلِّهِ وَ بِمَهْلِكِ مَنْ یَهْلِكُ وَ مَنْجَی مَنْ یَنْجُو وَ مَآلِ هَذَا الْأَمْرِ، وَ مَا أُبْقِیَ شَیْئاً یَمُرُّ عَلَی رَأْسِی إِلَّا أَفْرَغَهُ فِی أُذُنَیَّ وَ أَفْضَی بِهِ إِلَیَّ.

أَیُّهَا النَّاسُ! وَ اللَّهِ لَا أَحُثُّكُمْ عَلَی طَاعَةٍ إِلَّا وَ أَسْبِقُكُمْ إِلَیْهَا، وَ لَا أَنْهَاكُمْ

ص: 217


1- [991]- رَوَاهُ السَّیِّدُ الرَّضِیُّ رَفَعَ اللَّهُ مَقَامَهُ فِی الْمُخْتَارِ: (173) مِنْ كِتَابِ نَهْجِ الْبَلَاغَةِ.

عَنْ مَعْصِیَةٍ إِلَّا وَ أَتَنَاهَی قَبْلَكُمْ عَنْهَا.

بیان: [قوله علیه السلام: ] «أیّها الغافلون»: الظاهر أنّ الخطاب لعامّة المكلّفین أی الذین غفلوا عمّا یراد بهم و منهم، [و هم] غیر المغفول عنهم، فإنّ أعمالهم محفوظة مكتوبة.

[قوله: ] «و التاركون»: أی لما أمروا به المأخوذ منهم بانتقاص أعمارهم و قواهم و استلاب أحبابهم و أموالهم.

و الذهاب عن اللّٰه التوجه إلی غیره و الإعراض عن جنابه. و النّعم بالتحریك جمع لا واحد له من لفظه و أكثر ما یقع علی الإبل.

[قوله علیه السلام: ] «أراح بها سائم»: شبّههم بالنعم التی تتبع نعما أخری. سائمة: أی راعیة. و إنّما قال ذلك؛ لأنّها إذا اتبعت أمثالها كان أبلغ فی ضرب المثل بجهلها من الإبل التی یسیمها راعیها.

و ما یظهر من كلام ابن میثم من أنّ السائم بمعنی الراعی، ففیه ما لا یخفی. و المرعی الوبی ء: ذو الوباء و المرض، و أصله الهمز. و الدّوی: ذو الدّاء، و الأصل فی الدویّ، دوی بالتخفیف و لكنّه شدّد للازدواج. قال الجوهری:

رجل دو بكسر الواو: أی فاسد الجوف من داء. و المدی بالضمّ جمع مدیة و هی السكین.

قوله علیه السلام: «تحسب یومها»: أی تظنّ أن ذلك العلف كما هو حاصل لها فی هذا الیوم حاصل لها أبدا، أو نظرها مقصور علی یومها تحسب أنّه دهرها. «و شبعها أمرها»: أی تظن انحصار شأنها و أمرها فی الشبع.

قوله علیه السلام: «و اللّٰه لو شئت أن أخبر»: قال ابن أبی الحدید: [و] هذا كقول المسیح علیه السلام: وَ أُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَ ما تَدَّخِرُونَ فِی بُیُوتِكُمْ

ص: 218

[49- آل عمران: 3] [و لكن] قال علیه السلام-: إلّا أنّی أخاف علیكم الغلوّ فی أمری، و أن تفضّلونی علی رسول اللّٰه صلّی اللّٰه علیه و آله، بل أخاف علیكم أن تدّعوا فیّ الإلهیّة كما ادّعت النصاری ذلك فی المسیح علیه السلام لمّا أخبرهم بالأمور الغائبة.

[ثم قال ابن أبی الحدید: ] و مع كتمانه علیه السلام فقد كفر [فیه] كثیر منهم، و ادّعوا فیه النبوّة، و أنّه شریك الرسول فی الرسالة و إنّه هو الرسول، و لكنّ الملك غلط، و أنّه هو الذی بعث محمدا صلّی اللّٰه علیه و آله، و ادّعوا فیه الحلول و الاتحاد.

و یحتمل أن یكون كفرهم فیه بإسناد التقصیر إلیه علیه السلام فی إظهار شأنه و جلالته.

و المهلك بفتح اللام و كسرها یحتمل المصدر و اسم الزمان و المكان.

و المراد بالهلاك إمّا الموت و القتل أو الضلال و الشقاء. و كذلك النجاة.

و المراد بالأمر: الخلافة أو الدین و ملك الإسلام. و مآله: انتهاؤه بظهور القائم علیه السلام و ما یكون فی آخر الزمان. و أفرغه كفرّغه-: صبّه.

«992»- (1) نَهْجٌ: [وَ] مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَیْهِ السَّلَامُ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ لَیْسَ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ یَقْرَأُ كِتَاباً وَ لَا یَدَّعِی نُبُوَّةً وَ لَا وَحْیاً، فَقَاتَلَ بِمَنْ أَطَاعَهُ مَنْ عَصَاهُ، یَسُوقُهُمْ إِلَی مَنْجَاتِهِمْ، وَ یُبَادِرُ بِهِمُ السَّاعَةَ أَنْ تَنْزِلَ بِهِمْ. یَحْسِرُ الْحَسِیرُ وَ یَقِفُ الْكَسِیرُ فَیُقِیمُ عَلَیْهِ حَتَّی یُلْحِقَهُ غَایَتَهُ، إِلَّا هَالِكاً لَا خَیْرَ فِیهِ، حَتَّی أَرَاهُمْ مَنْجَاتَهُمْ، وَ بَوَّأَهُمْ مَحَلَّتَهُمْ، فَاسْتَدَارَتْ رَحَاهُمْ، وَ اسْتَقَامَتْ قَنَاتُهُمْ.

وَ ایْمُ اللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ مِنْ سَاقَتِهَا حَتَّی تَوَلَّتْ بِحَذَافِیرِهَا، وَ اسْتَوْسَقَتْ فِی

ص: 219


1- [992]- رَوَاهُ السَّیِّدُ الرَّضِیُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِی الْمُخْتَارِ: (102) مِنْ كِتَابِ نَهْجِ الْبَلَاغَةِ.

قِیَادِهَا، مَا ضَعُفْتُ وَ لَا جَبُنْتُ، وَ لَا خُنْتُ وَ لَا وَهَنْتُ.

وَ ایْمُ اللَّهِ لَأَبْقُرَنَّ الْبَاطِلَ حَتَّی أُخْرِجَ الْحَقَّ مِنْ خَاصِرَتِهِ.

بیان: المنجاة: مصدر أو اسم مكان. «و یبادر بهم السّاعة»: أی یسارع إلی هدایتهم و إرشادهم حذرا من أن ینزل بهم السّاعة فتدركه علی الضّلالة.

و الحسیر: المعیی. و إقامته [صلّی اللّٰه علیه و آله] علی الحسیر و الكسیر و مراقبته من تزلزل عقائده، لیدفع شبهه حتّی یبلغه الغایة الّتی خلق لأجلها، إلّا من لم یكن قابلا للهدایة.

و منهم من حمله علی ظاهره من شفقته صلّی اللّٰه علیه و آله علی الضعفاء فی الأسفار و الغزوات.

[قوله علیه السلام: ] «حتّی أراهم منجاتهم»: أی نجاتهم أو محلّ نجاتهم.

و محلّتهم: منزلهم و غایة سفرهم الصوری أو المعنوی.

و استدار الرّحی و استقامة القناة، كنایتان عن انتظام الأمر كما مرّ.

و السّاقة: جمع سائق، و الضّمیر لغیر مذكور [لفظا] و المراد الجاهلیّة، شبّهها علیه السّلام بكتیبة مصادفة لكتیبة الإسلام فهزمها.

و فی القاموس: الحذفور كعصفور-: الجانب كالحذفار و الشریف و الجمع الكثیر. و أخذه بحذافیره: بأسره. أو بجوانبه أو بأعالیه. و الحذافیر:

المتهیّئون للحرب. و اشدد حذافیرك: تهیّأ. و استوسقت: أی اجتمعت و انتظمت یعنی الملّة الإسلامیة أو الدعوة أو ما یجری هذا المجری أی لمّا ولّت الجاهلیة استوسقت هذه فی قیادها كالإبل المقودة إلی أعطانها.

و یحتمل عوده إلی الجاهلیة أی تولّت بحذافیرها و اجتمعت تحت ظلّ المقادة. و البقر: الشقّ. و الخاصرة ما بین أسفل الأضلاع و عظم الورك، شبّه علیه

ص: 220

السّلام الباطل بحیوان ابتلع الحقّ.

«993»- (1) نَهْجٌ: [وَ مِنْ كَلَامٍ لَهُ عَلَیْهِ السَّلَامُ: ] تَاللَّهِ لَقَدْ عُلِّمْتُ تَبْلِیغَ الرِّسَالاتِ وَ إِتْمَامَ الْعِدَاتِ وَ تَمَامَ الْكَلِمَاتِ، وَ عِنْدَنَا أَهْلَ الْبَیْتِ أَبْوَابُ الْحُكْمِ وَ ضِیَاءُ الْأَمْرِ.

أَلَا وَ إِنَّ شَرَائِعَ الدِّینِ وَاحِدَةٌ، وَ سُبُلَهُ قَاصِدَةٌ، مَنْ أَخَذَ بِهَا لَحِقَ وَ غَنِمَ، وَ مَنْ وَقَفَ عَنْهَا ضَلَّ وَ نَدِمَ. اعْمَلُوا لِیَوْمٍ تُذْخَرُ لَهُ الذَّخَائِرُ، وَ تُبْلَی فِیهِ السَّرَائِرُ، وَ مَنْ لَا یَنْفَعُهُ حَاضِرُ لُبِّهِ فَعَازِبُهُ عَنْهُ أَعْجَزُ وَ غَائِبُهُ أَعْوَزُ. وَ اتَّقُوا نَاراً حَرُّهَا شَدِیدٌ، وَ قَعْرُهَا بَعِیدٌ وَ حِلْیَتُهَا حَدِیدٌ وَ شَرَابُهَا صَدِیدٌ.

أَلَا وَ إِنَّ اللِّسَانَ الصَّالِحَ یَجْعَلُهُ اللَّهُ لِلْمَرْءِ فِی النَّاسِ خَیْرٌ لَهُ مِنَ الْمَالِ یُورِثُهُ مَنْ لَا یَحْمَدُهُ.

بیان: قال ابن أبی الحدید: [قوله: ] «لقد علمت تبلیغ الرّسالات»: إشارة إلی قوله تعالی: «یُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ ... وَ لا یَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ » [٣٩ / الأحزاب: ٣٣] و إلی

قول النّبیّ صلّی اللّٰه علیه و آله فی قصّة براءة: «لا یؤدّی عنّی أنا أو رجل منّی».

، و أنّه علم مواعید رسول اللّٰه صلّی اللّٰه علیه و آله الّتی وعد بها و إنجازها، فمنها ما هو وعد لواحد من النّاس نحو أن یقول: سأعطیك كذا.

و منها ما هو وعد بأمر سیحدث، كأخبار الملاحم و الأمور المتجدّدة. و فیه إشارة إلی قول تعالی: [مِنَ الْمُؤْمِنِینَ] رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَیْهِ و إلی

قول النّبیّ صلّی اللّٰه علیه فی حقّه علیه السلام «قاضی دینی و منجز عداتی».

و أنّه علم تمام الكلمات و هو تأویل القرآن و بیانه الذی یتم به.

ص: 221


1- [993]- رَوَاهُ الشَّرِیفُ الرَّضِیُّ رَفَعَ اللَّهُ مَقَامَهُ فِی الْمُخْتَارِ: (120) مِنْ كِتَابِ نَهْجِ الْبَلَاغَةِ.

و فیه إشارة إلی قوله تعالی: «وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَ عَدْلًا» [١١٥ / الأنعام: ٦]. و إلی

قول النبیّ صلّی اللّٰه علیه و آله [له]: «اللّٰهم اهد قلبه و ثبّت لسانه».

و لعلّ المراد ب «أبواب الحكم» بالضمّ أو «الحكم» بكسر الحاء و فتح الكاف علی اختلاف النسخ-: الأحكام الشرعیة. و ب «ضیاء الأمر» العقائد العقلیة أو بالعكس.

و قال ابن میثم: لعلّ المراد ب «شرائع الدین و سبله» أهل البیت علیهم السلام فإنّ أقوالهم فی الدین واحدة خالیة عن الاختلاف.

أقول: و یحتمل أن یكون المراد معناه الظاهر، و یكون الغرض نفی الاختلاف فی الأحكام بالآراء و المقاییس، و یظهر منه بطلان إمامة غیر أهل البیت كما لا یخفی.

قوله علیه السلام: «و من لا ینفعه» فیه وجوه:

الأول أنّ من لم یعتبر فی حیاته بلبّه فأولی بأن لا ینتفع بعد الموت.

الثانی أنّ المراد من لم یعمل بما فهم و حكم به عقله وقت إمكان العمل، فأحری أن لا ینتفع به بعد انقضاء وقته، بل لا یورثه إلّا ندامة و حسرة.

الثالث أنّ المراد من لم یكن له من نفسه واعظ و زاجر و لم یعمل بما فهم و عقل، فأحری بأن لا یرتدع من القبیح بعقل غیره و موعظته له.

و «اللسان الصالح»: الذّكر الجمیل. و «من لا یحمده» وارثه الذی لا یعدّ ذلك الإیراث فضلا و نعمة.

«994»- (1) نَهْجٌ: [وَ] مِنْ خُطْبَتِهِ [عَلَیْهِ السَّلَامُ] الْمَعْرُوفَةِ بِالْقَاصِعَةِ:

ص: 222


1- [994]- رَوَاهُ السَّیِّدُ الرَّضِیُّ فِی أَوَاخِرِ الْخُطْبَةِ الْقَاصِعَةِ: الْمُخْتَارِ: (192) مِنْ كِتَابِ نَهْجِ الْبَلَاغَةِ، وَ رَوَاهَا فِی شَرْحِ ابْنِ أَبِی الْحَدِیدِ تَحْتَ الرَّقَمِ: (238).

أَلَا وَ إِنَّكُمْ قَدْ نَفَضْتُمْ أَیْدِیَكُمْ مِنْ حَبْلِ الطَّاعَةِ، وَ ثَلَمْتُمْ حِصْنَ اللَّهِ الْمَضْرُوبَ عَلَیْكُمْ بِأَحْكَامِ الْجَاهِلِیَّةِ، وَ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدِ امْتَنَّ عَلَی جَمَاعَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِیمَا عَقَدَ بَیْنَهُمْ مِنْ حَبْلِ هَذِهِ الْأُلْفَةِ الَّتِی یَنْتَقِلُونَ فِی ظِلِّهَا وَ یَأْوُونَ إِلَی كَنَفِهَا، بِنِعْمَةٍ لَا یَعْرِفُ أَحَدٌ مِنَ الْمَخْلُوقِینَ لَهَا قِیمَةً؛ لِأَنَّهَا أَرْجَحُ مِنْ كُلِّ ثَمَنٍ وَ أَجَلُّ مِنْ كُلِّ خَطَرٍ.

وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ قَدْ صِرْتُمْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ أَعْرَاباً، وَ بَعْدَ الْمُوَالاةِ أَحْزَاباً، مَا تَتَعَلَّقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَّا بِاسْمِهِ، وَ لَا تَعْرِفُونَ مِنَ الْإِیمَانِ إِلَّا رَسْمَهُ، تَقُولُونَ:

«النَّارَ وَ لَا الْعَارَ»، كَأَنَّكُمْ تُرِیدُونَ أَنْ تُكْفِئُوا الْإِسْلَامَ عَلَی وَجْهِهِ انْتِهَاكاً لِحَرِیمِهِ، وَ نَقْضاً لِمِیثَاقِهِ الَّذِی وَضَعَهُ اللَّهُ لَكُمْ، حَرَماً فِی أَرْضِهِ وَ أَمْناً بَیْنَ خَلْقِهِ.

وَ إِنَّكُمْ إِنْ لَجَأْتُمْ إِلَی غَیْرِهِ حَارَبَكُمْ أَهْلُ الْكُفْرِ، ثُمَّ لَا جَبْرَئِیلُ وَ لَا مِیكَائِیلُ وَ لَا مُهَاجِرُونَ وَ لَا أَنْصَارٌ یَنْصُرُونَكُمْ إِلَّا الْمُقَارَعَةَ بِالسُّیُوفِ حَتَّی یَحْكُمَ اللَّهُ بَیْنَكُمْ.

وَ إِنَّ عِنْدَكُمُ الْأَمْثَالَ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ وَ قَوَارِعِهِ وَ أَیَّامِهِ وَ وَقَائِعِهِ، فَلَا تَسْتَبْطِئُوا وَعِیدَهُ جَهْلًا بِأَخْذِهِ، وَ تَهَاوُناً بِبَطْشِهِ، وَ یَأْساً مِنْ بَأْسِهِ.

فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ یَلْعَنِ الْقَرْنَ الْمَاضِیَ بَیْنَ أَیْدِیكُمْ إِلَّا لِتَرْكِهِمُ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّهْیَ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَلَعَنَ السُّفَهَاءَ لِرُكُوبِ الْمَعَاصِی، وَ الْحُلَمَاءَ لِتَرْكِ التَّنَاهِی.

أَلَا وَ قَدْ قَطَعْتُمْ قَیْدَ الْإِسْلَامِ، وَ عَطَّلْتُمْ حُدُودَهُ وَ أَمَتُّمْ أَحْكَامَهُ.

أَلَا وَ قَدْ أَمَرَنِیَ اللَّهُ بِقِتَالِ أَهْلِ الْبَغْیِ وَ النَّكْثِ وَ الْفَسَادِ فِی الْأَرْضِ، فَأَمَّا النَّاكِثُونَ فَقَدْ قَاتَلْتُ، وَ أَمَّا الْقَاسِطُونَ فَقَدْ جَاهَدْتُ، وَ أَمَّا الْمَارِقُونَ فَقَدْ دَوَّخْتُ، وَ أَمَّا شَیْطَانُ الرَّدْهَةِ فَقَدْ كُفِیتُهُ بِصَعْقَةٍ سُمِعَتْ لَهَا وَجْبَةُ قَلْبِهِ وَ رَجَّةُ صَدْرِهِ، وَ بَقِیَتْ

ص: 223

بَقِیَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْبَغْیِ، وَ لَئِنْ أَذِنَ اللَّهُ فِی الْكَرَّةِ عَلَیْهِمْ لَأُدِیلَنَّ مِنْهُمْ إِلَّا مَا یَتَشَذَّرُ فِی أَطْرَافِ الْبِلَادِ تَشَذُّراً.

أَنَا وَضَعْتُ [فِی الصِّغَرِ] بِكَلَاكِلِ الْعَرَبِ وَ كَسَرْتُ نَوَاجِمَ قُرُونِ رَبِیعَةَ وَ مُضَرَ.

وَ قَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِی مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ بِالْقَرَابَةِ الْقَرِیبَةِ وَ الْمَنْزِلَةِ الْخَصِیصَةِ، وَضَعَنِی فِی حِجْرِهِ وَ أَنَا وَلِیدٌ، یَضُمُّنِی إِلَی صَدْرِهِ وَ یَكْنُفُنِی فِی فِرَاشِهِ وَ یُمِسُّنِی جَسَدَهُ وَ یُشِمُّنِی عَرْفَهُ، وَ كَانَ یَمْضَغُ الشَّیْ ءَ ثُمَّ یُلْقِمُنِیهِ، وَ مَا وَجَدَ لِی كَذْبَةً فِی قَوْلٍ وَ لَا خَطْلَةً [خَطِیئَةً «خ»] فِی فِعْلٍ.

أقول: قد مضی تمامها مع شرحها فی آخر المجلد الخامس.

«995»- (1) نَهْجٌ: [وَ] مِنْ كَلَامٍ لَهُ عَلَیْهِ السَّلَامُ: أَلَا وَ إِنَّ اللِّسَانَ بَضْعَةٌ مِنَ الْإِنْسَانِ، فَلَا یُسْعِدُهُ الْقَوْلُ إِذَا امْتَنَعَ، وَ لَا یُمْهِلُهُ النُّطْقُ إِذَا اتَّسَعَ، وَ إِنَّا لَأُمَرَاءُ الْكَلَامِ، وَ فِینَا تَنَشَّبَتْ عُرُوقُهُ، وَ عَلَیْنَا تَهَدَّلَتْ غُصُونُهُ.

وَ اعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ أَنَّكُمْ فِی زَمَانٍ، الْقَائِلُ فِیهِ بِالْحَقِّ قَلِیلٌ، وَ اللِّسَانُ عَنِ الصِّدْقِ كَلِیلٌ، وَ اللَّازِمُ لِلْحَقِّ ذَلِیلٌ، أَهْلُهُ مُعْتَكِفُونَ عَلَی الْعِصْیَانِ، مُصْطَلِحُونَ عَلَی الْإِدْهَانِ، فَتَاهُمْ عَارِمٌ، وَ شَائِبُهُمْ آثِمٌ، وَ عَالِمُهُمْ مُنَافِقٌ، وَ قَارِئُهُمْ مُمَاذِقٌ، لَا یُعَظِّمُ صَغِیرُهُمْ كَبِیرَهُمْ، وَ لَا یَعُولُ غَنِیُّهُمْ فَقِیرَهُمْ.

بیان: قال ابن أبی الحدید: [هذا الكلام] قاله علیه السلام فی واقعة اقتضت ذلك، و هی أنّه أمر ابن أخته جعدة بن هبیرة المخزومی أن یخطب الناس یوما، فصعد المنبر فحصر و لم یستطع الكلام، فقام أمیر المؤمنین علیه السلام فتسنّم

ص: 224


1- [995]- رَوَاهُ السَّیِّدُ الرَّضِیُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِی الْمُخْتَارِ: (233) مِنْ كِتَابِ نَهْجِ الْبَلَاغَةِ.

ذروة المنبر، فخطب خطبة طویلة هذه الكلمات منها.

و البضعة: القطعة من اللحم. و الضمیر فی [قوله علیه السلام: ] «یسعده» و «یمهله» للّسان، و فی [قوله: ] «امتنع» و «اتّسع» للإنسان.

و المعنی أنّ اللسان لمّا كان آلة للإنسان یتصرّف بتصریفه إیّاه، فإذا امتنع الإنسان عن الكلام لشاغل أو صارف، لم یسعد اللّسان القول و لم یواته، و إذا دعاه الدّاعی إلی الكلام و حضره و اتسع الإنسان له، لم یمهله النّطق بل یسارع إلیه.

و یحتمل أن یعود الضّمیر فی «امتنع» إلی القول، و فی «اتّسع» إلی النّطق:

أی فلا یسعد القول اللسان إذا امتنع القول من الإنسان و لم یحضره لوهم أو نحوه، أوجب حصره و عیّه و لم یمهله النّطق إذا اتّسع علیه و حضره (1).

و یحتمل أن یكون الضّمیر فی «یسعده» و «یمهله» راجعا إلی الإنسان، و فی [قوله: ] «امتنع» و «اتّسع» إلی اللّسان: أی إذا امتنع اللّسان لعدم جرأة فلا یسعد القول الإنسان، و إذا اتّسع لم یمهل النطق الإنسان. و الأوّل أظهر.

و نشب الشی ء فی الشّی ء بالكسر: أی علق و أنشبته أنا فیه: أی أعلقته فانتشب. ذكره الجوهری.

و المراد بعروقه: أصوله و موادّه، كالعلم بالمعانی و الملكات الفاضلة.

و غصونه: فروعه و أغصانه و آثاره.

و تهدّلت أغصان الشجرة: أی تدلّت.

[قوله علیه السلام: ] «معتكفون علی العصیان»: أی ملازمون [لها] من قولهم: عكف علی الشی ء: أی حبس نفسه علیه، و منه الاعتكاف. و الاصطلاح:

ص: 225


1- من قوله: «و المعنی ...» إلی هنا أخذناه من شرح نهج البلاغة لكمال الدین ابن میثم رحمه اللّٰه، إذ كان فی أصلی من طبع الكمبانی من البحار تكرار و نقص.

افتعال من الصلح. و الادهان: القول باللّسان بمقتضی مصلحة حالهم دون الاتفاق فی القلوب، أو بمعنی الغش. و العرامة: شراسة الخلق و البطر و الفساد و قلّة الأدب.

[قوله علیه السلام: ] «و شائبهم آثم»: [أی] لجهله و غفلته شاب فی الإثم.

قوله علیه السلام: «مماذق»: أی غیر مخلص كما ذكره الجوهری.

و «عاله»: أی كفله و قام بأمره و أنفق علیه.

«996»- (1) نَهْجٌ: [وَ] مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَیْهِ السَّلَامُ: وَ أَسْتَعِینُهُ عَلَی مَدَاحِرِ الشَّیْطَانِ وَ مَزَاجِرِهِ وَ الِاعْتِصَامِ مِنْ حَبَائِلِهِ وَ مَخَاتِلِهِ.

وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ وَ نَجِیبُهُ وَ صَفْوَتُهُ، لَا یُوَازَی فَضْلُهُ، وَ لَا یُجْبَرُ فَقْدُهُ، أَضَاءَتْ بِهِ الْبِلَادُ بَعْدَ الضَّلَالَةِ الْمُظْلِمَةِ وَ الْجَهَالَةِ الْغَالِبَةِ وَ الْجَفْوَةِ الْجَافِیَةِ، وَ النَّاسُ یَسْتَحِلُّونَ الْحَرِیمَ وَ یَسْتَذِلُّونَ الْحَكِیمَ، یَحْیَوْنَ عَلَی فَتْرَةٍ وَ یَمُوتُونَ عَلَی كَفْرَةٍ.

ثُمَّ إِنَّكُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ! أَغْرَاضُ بَلَایَا قَدِ اقْتَرَبَتْ، فَاتَّقُوا سَكَرَاتِ النِّعْمَةِ، وَ احْذَرُوا بَوَائِقَ النِّقْمَةِ، وَ تَثَبَّتُوا فِی قَتَامِ الْعِشْوَةِ، وَ اعْوِجَاجِ الْفِتْنَةِ عِنْدَ طُلُوعِ جَنِینِهَا، وَ ظُهُورِ كَمِینِهَا، وَ انْتِصَابِ قُطْبِهَا، وَ مَدَارِ رَحَاهَا، تَبْدَأُ فِی مَدَارِجَ خَفِیَّةٍ، وَ تَئُولُ إِلَی فَظَاعَةٍ جَلِیَّةٍ، شِبَابُهَا كَشِبَابِ الْغُلَامِ، وَ آثَارُهَا كَآثَارِ السَّلَامِ، تَتَوَارَثُهَا الظَّلَمَةُ بِالْعُهُودِ، أَوَّلُهُمْ قَائِدٌ لِآخِرِهِمْ، وَ آخِرُهُمْ مُقْتَدٍ بِأَوَّلِهِمْ، یَتَنَافَسُونَ فِی دُنْیَا دَنِیَّةٍ، وَ یَتَكَالَبُونَ عَلَی جِیفَةٍ مُرِیحَةٍ، وَ عَنْ قَلِیلٍ یَتَبَرَّأُ التَّابِعُ مِنَ الْمَتْبُوعِ، وَ الْقَائِدُ مِنَ الْمَقُودِ، فَیَتَزَایَلُونَ بِالْبَغْضَاءِ وَ یَتَلَاعَنُونَ عِنْدَ اللِّقَاءِ.

ثُمَّ یَأْتِی بَعْدَ ذَلِكَ طَالِعُ الْفِتْنَةِ الرَّجُوفِ وَ الْقَاصِمَةِ الزَّخُوفِ، فَتَزِیغُ قُلُوبٌ بَعْدَ اسْتِقَامَةٍ، وَ تَضِلُّ رِجَالٌ بَعْدَ سَلَامَةٍ، وَ تَخْتَلِفُ الْأَهْوَاءُ عِنْدَ هُجُومِهَا، وَ تَلْتَبِسُ

ص: 226


1- [996]- رَوَاهُ السَّیِّدُ الرَّضِیُّ رَفَعَ اللَّهُ مَقَامَهُ فِی الْمُخْتَارِ: (150) مِنْ كِتَابِ نَهْجِ الْبَلَاغَةِ.

الْآرَاءُ عِنْدَ نُجُومِهَا. مَنْ أَشْرَفَ لَهَا قَصَمَتْهُ، وَ مَنْ سَعَی فِیهَا حَطَمَتْهُ، یَتَكَادَمُونَ فِیهَا تَكَادُمَ الْحُمُرِ فِی الْعَانَةِ، قَدِ اضْطَرَبَ مَعْقُودُ الْحَبْلِ، وَ عَمِیَ وَجْهُ الْأَمْرِ، تَغِیضُ فِیهَا الْحِكْمَةُ، وَ تَنْطِقُ فِیهَا الظَّلَمَةُ، وَ تَدُقُّ أَهْلَ الْبَدْوِ بِمِسْحَلِهَا، وَ تَرُضُّهُمْ بِكَلْكَلِهَا. یَضِیعُ فِی غُبَارِهَا الْوُحْدَانُ، وَ یَهْلِكُ فِی طَرِیقِهَا الرُّكْبَانُ، تَرِدُ بِمُرِّ الْقَضَاءِ، وَ تَحْلُبُ عَبِیطَ الدِّمَاءِ، وَ تَثْلِمُ مَنَارَ الدِّینِ، وَ تَنْقُضُ عَقْدَ الْیَقِینِ. تَهْرُبُ مِنْهَا الْأَكْیَاسُ، وَ تَدَبَّرَهَا الْأَرْجَاسُ، مِرْعَادٌ مِبْرَاقٌ، كَاشِفَةٌ عَنْ سَاقٍ، تُقْطَعُ فِیهَا الْأَرْحَامُ، وَ یُفَارَقُ عَلَیْهَا الْإِسْلَامُ، بَرِیئُهَا سَقِیمٌ، وَ ظَاعِنُهَا مُقِیمٌ.

[وَ] مِنْهَا:

بَیْنَ قَتِیلٍ مَطْلُولٍ، وَ خَائِفٍ مُسْتَجِیرٍ، یَخْتِلُونَ بِعَقْدِ الْأَیْمَانِ، وَ بِغُرُورِ الْإِیمَانِ، فَلَا تَكُونُوا أَنْصَابَ الْفِتَنِ وَ أَعْلَامَ الْبِدَعِ، وَ الْزَمُوا مَا عُقِدَ عَلَیْهِ حَبْلُ الْجَمَاعَةِ، وَ بُنِیَتْ عَلَیْهِ أَرْكَانُ الطَّاعَةِ، وَ اقْدَمُوا عَلَی اللَّهِ مَظْلُومِینَ وَ لَا تَقْدَمُوا عَلَیْهِ ظَالِمِینَ، وَ اتَّقُوا مَدَارِجَ الشَّیْطَانِ وَ مَهَابِطَ الْعُدْوَانِ، وَ لَا تُدْخِلُوا بُطُونَكُمْ لُعَقَ الْحَرَامِ، فَإِنَّكُمْ بِعَیْنِ مَنْ حَرَّمَ عَلَیْكُمُ الْمَعْصِیَةَ وَ سَهَّلَ لَكُمْ سَبِیلَ الطَّاعَةِ.

توضیح:

«مداحر الشیطان»: الأمور التی یدحر و یطرد بها [الشیطان] .

و «مزاجره»: الأمور التی یزجر بها. و «حبائله»: مكایده التی یضلّ بها البشر.

و «مخاتله»: الأمور التی یختل بها بالكسر أی: یخدع بها.

[قوله علیه السّلام: ] «لا یوازی»: أی لا یساوی. و الأصل فیه الهمزة كما قیل. «و الجهالة الغالبة» بالباء الموحّدة و فی بعض النّسخ بالمثنّاة: من الغلاء و هو الارتفاع أو من الغلوّ و هو مجاوزة الحدّ. و الجفوة: غلظ الطبع. و الوصف للمبالغة.

[و قوله: ] «و الناس»: الواو للحال. و الحریم: حرمات اللّٰه التی یجب احترامها و محرماته. و قال [ابن الأثیر] فی النهایة: الفترة: ما بین الرسولین.

ص: 227

و أصابنی علی فترة: أی فی حال سكون و تقلیل من العبادات و المجاهدات.

و الكفرة: المرّة من الكفرات. و المعشر: الجماعة. و الغرض: الهدف. و سكرات النعمة: ما تحدثه النعم عند أربابها من الغفلة المشابهة للسكر. و البوائق:

الدواهی. و التّثبّت: التوقّف و ترك اقتحام الأمر. و القتام بالفتح-: الغبار.

و العشو: ركوب الأمر علی غیر بیان و وضوح. و یروی «و تبیّنوا» كما قرئ فی الآیة.

و كنّی علیه السلام عن ظهور المستور المخفی منها بقوله: «عند طلوع جنینها و ظهور كمینها». و الجنین: الولد ما دام فی البطن. و الكمین: الجماعة المختفیة فی الحرب. و المدار مصدر و المكان بعید. و «انتصاب قطبها و مدار رحاها»: كنایتان عن انتظام أمرها. و المدرجة: المذهب و المسلك: أی إنّها تكون ابتداء یسیرة ثم تصیر كثیرة. و الشبّاب بالكسر-: نشاط الفرس و رفع یدیه جمیعا. و فی بعض النسخ [ذكره] بالفتح. و السّلم: الحجارة أی أربابها یمرحون فی أوّل الأمر كما یمرح الغلام، ثمّ یؤول إلی أن یعقب فیهم أو فی الإسلام آثار كآثار الحجارة فی الأبدان، فیحتمل أن یكون [هذا] كالتفسیر لسابقه، أو یكون المراد أنّها فی الدنیا كنشاط الغلام و ما أعقبها فی الآخرة كآثار السلام.

[قوله علیه السلام: ] «تتوارثها الظلمة بالعهود»: الظرف متعلّق بالفعل:

أی توارثهم بما عهدوا بینهم من ظلم أهل البیت علیهم السلام و غصب حقّهم.

أو [هو متعلّق] ب [قوله]«الظلمة»: أی الذین ظلموا عهد اللّٰه و تركوه.

«و یتكالبون»: أی یتواثبون. و «المریحة»: المنتنة من [قولهم: ] أراحت [الجیفة] إذا ظهر ریحها، أو من أراح البعیر إذا مات.

قوله علیه السلام: «و عن قلیل»: أی بعد قلیل من الزمان یتبرأ التابع [من المتبوع] .

قال ابن أبی الحدید: ذلك التبرّؤ فی القیامة كما ورد فی الكتاب العزیز،

ص: 228

أمّا تبرّؤ التابع من المتبوع [فقد] قال تعالی: قالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَیْئاً و أمّا تبرّؤ القائد من المقود: أی المتبوع من التابع فقال تعالی: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِینَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِینَ اتَّبَعُوا و إمّا الأعمّ كما دلّ علیه قوله علیه السلام: «فیتزایلون ...» فقال تعالی:

و یوم القیامة یكفر بعضهم ببعض و یلعن بعضهم بعضا.

و قوله علیه السلام: «یتزایلون»: أی یفترقون. و طالع الفتنة مقدماتها.

و سمّاها رجوفا لشدّة الاضطراب فیها.

و لمّا ذكر علیه السلام رغبتهم فی الدنیا و تكالبهم، أراد أن یذكر ما یؤكّد التعجّب من فعلهم، فأتی بجملة معترضة بین الكلامین فقال: «و عن قلیل یتبرّأ التّابع ... إلخ». ثمّ عاد إلی نظام الكلام فقال: «ثمّ یأتی بعد ذلك طالع الفتنة الرجوف».

و قال ابن میثم: أشار علیه السلام إلی منافستهم فی الدنیا فی إثارة تلك الفتن، ثم أخبر عن انقضائها عن قلیل و كنّی عن ذلك بتبرّؤ التابع من المتبوع.

قیل: [و كان] ذلك التبرؤ عند ظهور الدولة العباسیة، فإنّ العادة جاریة بتبرّؤ الناس عن الولاة المعزولین، خصوصا ممن تولّی عزل أولئك أو قتلهم فیتباینون بالبغضاء و یتلاعنون عند اللقاء.

[ثم قال [ابن میثم: ] و قوله علیه السلام: «ثمّ یأتی [بعد ذلك طالع الفتنة الرجوف»] إشارة إلی فتنة التّتار، إذ الدائرة فیهم كانت علی العرب.

[ثم قال: و قال بعض الشارحین: ذلك إشارة إلی الملحمة الكائنة فی

ص: 229

آخر الزمان، كفتنة الدجّال، و وصفها بالرجوف كنایة عن اضطراب الناس، أو أمر الإسلام فیها. و [كنّی بقصمها عن هلاك الخلق فیها تشبیها لها بالرجل الشجاع الكثیر الزحف إلی أقرانه: أی یمشی إلیهم قدما.

و نجم الشی ء ینجم بالضمّ نجوما: ظهر و طلع. قوله [علیه السلام: ] «من أشرف لها»: أی صادمها و قابلها. «و من سعی فیها»: أی فی تسكینها و إطفائها. و الحطم: الكسر. و التكادم: التّعاض بأدنی الفم. و العانة: القطیع من حمر الوحش، و لعلّ المراد مغالبة مثیری تلك الفتنة بعضهم لبعض، أو مغالبتهم لغیرهم. و معقود الحبل: قواعد التی كلّفوا بها.

و فی إسناد العمی إلی وجه الأمر تجوّز. و الغیض: القلّة و النقص.

و المسحل كمنبر-: السوهان أو المنحت: أی یفعل بهم ما یفعل بالحدید أو الخشب.

و الرضّ: الدق. و الكلكل: الصدر. و الوحدان جمع واحد: أی من كان یسیر وحده فإنّه یهلك فیها بالكلیة، و إذا كانوا جماعة فهم یضلّون فی طریقها فیهلكون.

و لفظ الغبار مستعار للقلیل الیسیر من حركة أهلها: أی إذا أراد القلیل من الناس دفعها هلكوا فی غبارها من دون أن یدخلوا فی غمارها، و أمّا الركبان و هم الكثیر من الناس فإنّهم یهلكون فی طریقها و عند الخوض فیها.

و یجوز أن یكون الوحدان جمع أوحد: أی یضلّ فی غبار هذه الفتنة و شبهها فضلاء عصرها، لغموض الشبهة و استیلاء الباطل و یكون الركبان كنایة عن أهل القوّة، فهلاك أهل العلم بالضلال، و هلاك أهل القوّة بالقتل.

و مرّ القضاء: الهلاك و الاستئصال و البلایا الصّعبة. و عبیط الدّماء: الطری الخالص منها. و تثلم: أی تكسر. [و] منار الدین: أی أعلامه.

[قوله علیه السّلام: ] «مرعاد مبراق»: أی ذات رعد و برق تشبیها

ص: 230

بالسحاب. أو ذات وعید و تهدّد من [قولهم: ] رعد الرجل و برق إذا أوعد و تهدّد.

و یحتمل أن یكون [أراد من الرعد صوت السلاح و [من البرق ضوءه.

و قال [ابن الأثیر] فی النهایة: السّاق فی اللغة: الأمر الشّدید و كشف الساق: مثل فی شدّة الأمر، و أصله من كشف الإنسان عن ساقه و تشمیره إذا وقع فی أمر شدید.

قوله علیه السلام: «بریئها»: أی من یعدّ نفسه بریئا سالما من المعاصی أو الآفات، أو من كان سالما بالنسبة إلی سائر الناس فهو أیضا مبتلی بها، أو المعنی أنّ من لم یكن مائلا إلی المعاصی أو أحبّ الخلاص من شرورها لا یمكنه ذلك.

قوله علیه السّلام: «و ظاعنها مقیم»: أی لا یمكنه الخروج عنها. أو من اعتقد أنّه متخلّف عنها فهو داخل فیها لكثرة الشبه و عموم الضلالة.

قوله علیه السّلام: «مطلول»: أی مهدر لا یطلب به. [و] «یختلون»: أی یخدعون. [و قوله: ] «بعقد الأیمان»: [إمّا] بصیغة المصدر أو كصرد بصیغة الجمع.

و [قوله علیه السّلام: ] «یختلون»: فی بعض النسخ علی بناء المجهول، فیكون إخبارا عن حال المخدوعین الذی یختلهم غیرهم بالأیمان المعقودة بینهم، أو بالعهود الذی یشدّونها بمسح أیمانهم.

و فی بعض النسخ علی بناء المعلوم فیكون إخبارا من أهل ذلك الزّمان جمیعا، أو الخادعین الخائنین منهم. و «بغرور الإیمان»: أی بالإیمان الذی یظهره الخادعون لهؤلاء الموصوفین فیغرونهم بالمواعید الكاذبة، أو الذی یظهره هؤلاء الموصوفون فیغرّون الناس به علی النّسختین.

قوله علیه السّلام: «أنصاب الفتن»: [الأنصاب جمع نصب و هو بالفتح أو التحریك-: العلم أو بمعنی الغایة و الحدّ و منه أیضا أنصاب الحرم.

ص: 231

و فی بعض النسخ: [أنصار الفتن بالراء.

قوله علیه السلام: « [و الزموا] ما عقد علیه حبل الجماعة» أی القوانین الّتی ینتظم بها اجتماع الناس علی الحقّ، و هی التی بنیت علیها أركان الطاعة.

[قوله علیه السلام: ] «و اقدموا علی اللّٰه مظلومین»: أی كونوا راضین بالمظلومیة أو لا تظلموا الناس و إن استلزم ترك الظلم مظلومیتكم.

و «مدارج الشیطان»: مذاهبه و مسالكه. «و مهابط العدوان»: المواضع التی یهبط هو و صاحبه فیها.

و اللعق: جمع لعقة بالضمّ، و هی اسم لما تأخذه الملعقة. و اللعقة بالفتح:

المرّة منه. فنبّه علیه السلام باللّعق علی قلّتها بالنسبة إلی متاع الآخرة، أو المراد لا تدخلوا بطونكم القلیل منه فكیف بالكثیر.

قوله علیه السّلام: « [فإنّكم بعین من حرّم»: أی بعلمه كقوله تعالی:

«تَجْرِی بِأَعْیُنِنا» [١٤ / القمر: ٥٤].

«997»- (1) نَهْجٌ: [وَ] مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَیْهِ السَّلَامُ: فَبَعَثَ مُحَمَّداً صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ بِالْحَقِّ لِیُخْرِجَ عِبَادَهُ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ إِلَی عِبَادَتِهِ، وَ مِنْ طَاعَةِ الشَّیْطَانِ إِلَی طَاعَتِهِ، بِقُرْآنٍ قَدْ بَیَّنَهُ وَ أَحْكَمَهُ، لِیَعْلَمَ الْعِبَادُ رَبَّهُمْ إِذْ جَهِلُوهُ، وَ لِیُقِرُّوا بِهِ إِذْ جَحَدُوهُ، وَ لِیُثْبِتُوهُ بَعْدَ إِذْ أَنْكَرُوهُ.

فَتَجَلَّی سُبْحَانَهُ لَهُمْ فِی كِتَابِهِ مِنْ غَیْرِ أَنْ یَكُونُوا رَأَوْهُ، بِمَا أَرَاهُمْ مِنْ قُدْرَتِهِ، وَ خَوَّفَهُمْ مِنْ سَطَوَاتِهِ، وَ كَیْفَ مَحَقَ مَنْ مَحَقَ بِالْمَثُلَاتِ وَ احْتَصَدَ مَنِ احْتَصَدَ [وَ اخْتَضَدَ مَنِ اخْتَضَدَ «خ»] بِالنَّقِمَاتِ.

وَ إِنَّهُ سَیَأْتِی عَلَیْكُمْ مِنْ بَعْدِی زَمَانٌ، لَیْسَ فِیهِ شَیْ ءٌ أَخْفَی مِنَ الْحَقِّ وَ لَا

ص: 232


1- [997]- رَوَاهُ السَّیِّدُ الرَّضِیُّ رَفَعَ اللَّهُ مَقَامَهُ فِی الْمُخْتَارِ: (145) مِنْ كِتَابِ نَهْجِ الْبَلَاغَةِ.

أَظْهَرَ مِنَ الْبَاطِلِ وَ لَا أَكْثَرَ مِنَ الْكَذِبِ عَلَی اللَّهِ وَ رَسُولِهِ، وَ لَیْسَ عِنْدَ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ سِلْعَةٌ أَبْوَرَ مِنَ الْكِتَابِ إِذَا تُلِیَ حَقَّ تِلَاوَتِهِ، وَ لَا أَنْفَقَ مِنْهُ إِذَا حُرِّفَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَ لَا فِی الْبِلَادِ شَیْ ءٌ أَنْكَرَ مِنَ الْمَعْرُوفِ وَ لَا أَعْرَفَ مِنَ الْمُنْكَرِ، فَقَدْ نَبَذَ الْكِتَابَ حَمَلَتُهُ وَ تَنَاسَاهُ حَفَظَتُهُ، فَالْكِتَابُ یَوْمَئِذٍ وَ أَهْلُهُ مَنْفِیَّانِ طَرِیدَانِ، وَ صَاحِبَانِ مُصْطَحِبَانِ فِی طَرِیقٍ وَاحِدٍ، لَا یُؤْوِیهِمَا مُؤْوٍ، فَالْكِتَابُ وَ أَهْلُهُ فِی ذَلِكَ الزَّمَانِ فِی النَّاسِ وَ لَیْسَا فِیهِمْ، وَ مَعَهُمْ وَ لَیْسَا مَعَهُمْ، لِأَنَّ الضَّلَالَةَ لَا تُوَافِقُ الْهُدَی وَ إِنِ اجْتَمَعَا.

وَ اجْتَمَعَ الْقَوْمُ عَلَی الْفُرْقَةِ وَ افْتَرَقُوا عَنِ الْجَمَاعَةِ، كَأَنَّهُمْ أَئِمَّةُ الْكِتَابِ وَ لَیْسَ الْكِتَابُ إِمَامَهُمْ، فَلَمْ یَبْقَ عِنْدَهُمْ مِنْهُ إِلَّا اسْمُهُ وَ لَا یَعْرِفُونَ إِلَّا خَطَّهُ وَ زَبْرَهُ.

وَ مِنْ قَبْلُ مَا مَثَّلُوا بِالصَّالِحِینَ كُلَّ مُثْلَةٍ، وَ سَمَّوْا صِدْقَهُمْ عَلَی اللَّهِ فِرْیَةً وَ جَعَلُوا فِی الْحَسَنَةِ عُقُوبَةَ السَّیِّئَةِ.

وَ إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِطُولِ آمَالِهِمْ وَ تَغَیُّبِ آجَالِهِمْ، حَتَّی نَزَلَ بِهِمُ الْمَوْعُودُ الَّذِی تُرَدُّ عَنْهُ الْمَعْذِرَةُ، وَ تُرْفَعُ عَنْهُ التَّوْبَةُ، وَ تَحُلُّ مَعَهُ الْقَارِعَةُ وَ النَّقِمَةُ.

أَیُّهَا النَّاسُ! إِنَّهُ مَنِ اسْتَنْصَحَ اللَّهَ وُفِّقَ، وَ مَنِ اتَّخَذَ قَوْلَهُ دَلِیلًا هُدِیَ لِلَّتِی هِیَ أَقْوَمُ، فَإِنَّ جَارَ اللَّهِ آمِنٌ وَ عَدُوَّهُ خَائِفٌ.

وَ إِنَّهُ لَا یَنْبَغِی لِمَنْ عَرَفَ عَظَمَةَ اللَّهِ أَنْ یَتَعَظَّمَ، فَإِنَّ رِفْعَةَ الَّذِینَ یَعْلَمُونَ مَا عَظَمَتُهُ أَنْ یَتَوَاضَعُوا لَهُ، وَ سَلَامَةَ الَّذِینَ یَعْلَمُونَ مَا قُدْرَتُهُ أَنْ یَسْتَسْلِمُوا لَهُ، فَلَا تَنْفِرُوا مِنَ الْحَقِّ نِفَارَ الصَّحِیحِ مِنَ الْأَجْرَبِ وَ الْبَارِی مِنْ ذِی السَّقَمِ.

وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَعْرِفُوا الرُّشْدَ حَتَّی تَعْرِفُوا الَّذِی تَرَكَهُ، وَ لَنْ تَأْخُذُوا بِمِیثَاقِ الْكِتَابِ حَتَّی تَعْرِفُوا الَّذِی نَقَضَهُ، وَ لَنْ تَمَسَّكُوا بِهِ حَتَّی تَعْرِفُوا الَّذِی نَبَذَهُ.

فَالْتَمِسُوا ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ فَإِنَّهُمْ عَیْشُ الْعِلْمِ وَ مَوْتُ الْجَهْلِ، هُمُ الَّذِینَ

ص: 233

یُخْبِرُكُمْ حُكْمُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ، وَ صَمْتُهُمْ عَنْ مَنْطِقِهِمْ، وَ ظَاهِرُهُمْ عَنْ بَاطِنِهِمْ، لَا یُخَالِفُونَ الدِّینَ وَ لَا یَخْتَلِفُونَ فِیهِ، [فَهُوَ] بَیْنَهُمْ شَاهِدٌ صَادِقٌ وَ صَامِتٌ نَاطِقٌ.

بیان: «أحكمه»: أتقنه. و قیل فی قوله تعالی: «كِتابٌ أُحْكِمَتْ آیاتُهُ» [1- هود: 11]: أی أحفظت من فساد المعنی و ركاكته.

و یمكن أن یكون المراد بالإقرار باللسان، و بالإثبات: التصدیق بالقلب.

[قوله علیه السلام: ] «فتجلّی لهم»: أی ظهر و انكشف، و ربّما یفسّر الكتاب هنا بعالم الإیجاد. و المحق: النقض، و المحو و الإبطال. و المثلاث:

العقوبات.

قوله علیه السلام: «و احتصد [من احتصد]»: فی بعض النسخ بالمهملتین فی الموضعین من الحصاد و هو قطع الزرع و النبات فهو كنایة عن استئصالهم.

و فی بعضها بالمعجمتین من [قولهم: ] اختضد البعیر: أی خطمه لیذلّ.

و الأول أظهر. و البوار: الهلاك و كساد السوق.

و تلاوة الكتاب إمّا بمعنی قراءته، أو متابعته فإنّ من اتّبع غیره یقال:

تلاه. و التحریف بالثانی أنسب.

و یقال: تناساه إذا أری من نفسه أنّه نسیه. و نفی الشی ء: أی نحّاه أو جحده. و الطرد: الإبعاد. و أهل الكتاب [هم أئمّة الدین و أتباعهم العالمون بالكتاب العاملون به.

قوله علیه السّلام: «لأنّ الضّلالة»: أی ضلالتهم مضادّة لهدی الكتاب فلم یجتمعا حقیقة و إن اجتمعا ظاهرا. و الزبر بالفتح: الكتابة و بالكسر:

الكتاب.

ص: 234

قوله علیه السّلام: «و من قبل»: أی من قبل ذلك الزمان و إن كان بعده علیه السلام. «ما مثلوا» بالتخفیف و التشدید: أی نكّلوا.

و الظرف أعنی قوله: «علی اللّٰه» متعلّق بالفریة، و یحتمل تعلّقه بالصدق.

و المراد بتغیّب آجالهم نسیانهم إیّاها و ترك استعدادهم لها و لما بعدها. و الموعود:

الموت فإنّه لا تقبل فیه معذرة و عند نزوله [لا تقبل توبة.

«و القارعة»: المصیبة التی تقرع: أی تلقی بشدّة و قوّة.

قوله علیه السلام «من استنصح اللّٰه» قال: [ابن الأثیر] فی النهایة: أی اتّخذه ناصحا. انتهی.

و الاعتقاد بكونه تعالی ناصحا و أنّه لا یرید للعبد إلّا ما هو خیر له، یوجب التوفیق بالرغبة فی العمل بكلّ ما أمر [به و الانتهاء عمّا نهی عنه.

قوله علیه السلام: «لِلَّتِی هِیَ أَقْوَمُ»: أی للحالة و الطریقة التی اتّباعها و سلوكها أقوم.

[قوله علیه السلام: ] «فإنّ جار اللّٰه [آمن »: أی من أجاره اللّٰه أو من كان قریبا منه.

و فی بعض النسخ: «عظمته» و «قدرته» بالنصب، فكلمة «ما» فیهما زائدة.

قوله علیه السلام: «حتّی تعرفوا الذی تركه»: الغرض منه و مما بعده التنفیر من أئمّة الضلال و التنبیه علی وجوب البراءة منهم.

[قوله علیه السلام: ] «فإنّهم عیش العلم»: أی أسباب لحیاته.

قوله علیه السلام: «و صمتهم عن منطقهم»: فإنّ لصمتهم وقتا و هیئة و حالة تكون قرائن دالّة علی حسن منطقهم لو نطقوا.

ص: 235

قوله علیه السلام: «و لا یختلفون»: أی لا یخالف بعضهم بعضا فیكون البعض مخالفا للحق.

[قوله علیه السلام: ] «فهو بینهم»: الضمیر راجع إلی الدین. [و معنی قوله: ] «شاهد صادق»: أی یأخذون بما حكم به و دلّ علیه.

[قوله علیه السلام: ] «و صامت»: لأنّه لا ینطق فی الظاهر [بنفسه و إنّما هو] ناطق بلسان أهله و العالم به.

«998»-نَهْجٌ: [وَ] مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَیْهِ السَّلَامُ: حَتَّی بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّداً صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ شَهِیداً وَ بَشِیراً وَ نَذِیراً، خَیْرَ الْبَرِیَّةِ طِفْلًا وَ أَنْجَبَهَا كَهْلًا، أَطْهَرَ الْمُطَهَّرِینَ شِیمَةً وَ أَجْوَدَ الْمُسْتَمْطَرِینَ دِیمَةً.

فَمَا احْلَوْلَتْ لَكُمُ الدُّنْیَا فِی لَذَّتِهَا، وَ لَا تَمَكَّنْتُمْ مِنْ رَضَاعِ أَخْلَافِهَا، إِلَّا مِنْ بَعْدِ [مَا] صَادَفْتُمُوهَا جَائِلًا خِطَامُهَا، قَلِقاً وَضِینُهَا، قَدْ صَارَ حَرَامُهَا عِنْدَ أَقْوَامٍ بِمَنْزِلَةِ السِّدْرِ الْمَخْضُودِ، وَ حَلَالُهَا بَعِیداً غَیْرَ مَوْجُودٍ، وَ صَادَفْتُمُوهَا وَ اللَّهِ ظِلًّا مَمْدُوداً إِلَی أَجْلٍ مَعْدُودٍ، فَالْأَرْضُ لَكُمْ شَاغِرَةٌ، وَ أَیْدِیكُمْ فِیهَا مَبْسُوطَةٌ، وَ أَیْدِی الْقَادَةِ عَنْكُمْ مَكْفُوفَةٌ، وَ سُیُوفُكُمْ عَلَیْهَا مُسَلَّطَةٌ، وَ سُیُوفُهُمْ عَنْكُمْ مَقْبُوضَةٌ.

أَلَا [وَ إِنَ لِكُلِّ دَمٍ ثَائِراً، وَ لِكُلِّ حَقٍّ طَالِباً، وَ إِنَّ الثَّائِرَ فِی دِمَائِنَا كَالْحَاكِمِ فِی حَقِّ نَفْسِهِ، وَ هُوَ اللَّهُ الَّذِی لَا یُعْجِزُهُ مَنْ طَلَبَ وَ لَا یَفُوتُهُ مَنْ هَرَبَ.

فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ یَا بَنِی أُمَیَّةَ، عَمَّا قَلِیلٍ لَتَعْرِفُنَّهَا فِی أَیْدِی غَیْرِكُمْ وَ فِی دَارِ عَدُوِّكُمْ.

أَلَا إِنَّ أَبْصَرَ الْأَبْصَارِ مَا نَفَذَ فِی الْخَیْرِ طَرْفُهُ، أَلَا إِنَّ أَسْمَعَ الْأَسْمَاعِ مَا وَعَی التَّذْكِیرَ وَ قَبِلَهُ.

ص: 236

أَیُّهَا النَّاسُ! اسْتَصْبِحُوا مِنْ شُعْلَةِ مِصْبَاحٍ وَاعِظٍ مُتَّعِظٍ، وَ امْتَاحُوا مِنْ صَفْوِ عَیْنٍ قَدْ رُوِّقَتْ مِنَ الْكَدَرِ.

عِبَادَ اللَّهِ! لَا تَرْكَنُوا إِلَی جَهَالَتِكُمْ وَ لَا تَنْقَادُوا لِأَهْوَائِكُمْ، فَإِنَّ النَّازِلَ بِهَذَا الْمَنْزِلِ نَازِلٌ بِشَفَا جُرُفٍ هَارٍ، یَنْقُلُ الرَّدَی عَلَی ظَهْرِهِ مِنْ مَوْضِعٍ لِرَأْیٍ یُحْدِثُهُ بَعْدَ رَأْیٍ، یُرِیدُ أَنْ یُلْصِقَ مَا لَا یَلْتَصِقُ وَ یُقَرِّبَ مَا لَا یَتَقَارَبُ.

فَاللَّهَ اللَّهَ أَنْ تَشْكُوا إِلَی مَنْ لَا یُشْكِی شَجْوَكُمْ، وَ لَا مَنْ یَنْقُضُ بِرَأْیِهِ مَا قَدْ أَبْرَمَ لَكُمْ.

إِنَّهُ لَیْسَ عَلَی الْإِمَامِ إِلَّا مَا حُمِّلَ مِنْ أَمْرِ رَبِّهِ، الْإِبْلَاغُ فِی الْمَوْعِظَةِ، وَ الِاجْتِهَادُ فِی النَّصِیحَةِ، وَ الْإِحْیَاءُ لِلسُّنَّةِ، وَ إِقَامَةُ الْحُدُودِ عَلَی مُسْتَحِقِّیهَا، وَ إِصْدَارُ السُّهْمَانِ عَلَی أَهْلِهَا.

فَبَادِرُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِ تَصْوِیحِ نَبْتِهِ، وَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُشْغَلُوا بِأَنْفُسِكُمْ عَنْ مُسْتَثَارِ الْعِلْمِ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ، وَ انْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَ تَنَاهَوْا عَنْهُ فَإِنَّمَا أُمِرْتُمْ بِالنَّهْیِ بَعْدَ التَّنَاهِی.

بیان: [قوله علیه السلام: ] «شهیدا»: أی علی أوصیائه و أمّته و علی الأنبیاء و أممهم. و الكهل: من جاوز الثلاثین. و قیل: من بلغ الأربعین. و قیل: من جاوز أربعا و ثلاثین إلی إحدی و خمسین. و الشیمة بالكسر-: الطبیعة و الجبلّة. و الجود بالفتح-: المطر الغزیر. و الدیمة بالكسر-: المطر الدائم فی سكون. و احلولی الشی ء: صار حلوا ضدّ المرّ. و الرضاع بالفتح مصدر رضع الصبی أمّه بالكسر-: أی امتصّ ثدیها. و الأخلاف جمع خلف بالكسر و هو حلمة ضرع الناقة، أو الضرع لكلّ ذات خفّ و ظلف. و الجملتان كنایتان عن انتفاعهم و تمتّعهم بالدنیا. و صادفته: أی وجدته. و الجائل: الدائر المتحرّك و الذی یذهب و یجی ء. و خطام البعیر بالكسر-: الحبل الذی یقاد به. و القلق: المتحرّك

ص: 237

الذی لا یستقرّ فی مكانه. و الوضین: بطان منسوج بعضه علی بعض یشدّ به الرحل علی البعیر (1)، كالحزام للسرج.

و الغرض عدم تمكّنهم من الانتفاع بالدنیا و صعوبتها علیهم و عدم انقیادها لهم، كما یستصعب الناقة علی راكبها إذا كانت جائلة الخطام لیس زمامها فی ید راكبها، قلقة الوضین لا یثبت رحلها تحت راكبها.

و یحتمل أن یكون كنایة عن استقلال الدنیا و استبدادها فی غرور الناس، و إقبالها علی أهلها من غیر أن یزجرها و یمنعها أحد.

و السدر المخضود: الذی انثنت أغصانه من كثرة الحمل. أو الذی قطع شوكه و نزع. و هو كنایة عن أكلهم الحرام برغبة كاملة و میل شدید.

و الظّل الممدود: الدائم الذی لا تنسخه الشمس. و شغرت الأرض كمنعت: أی لم یبق بها أحد یحمیها و یضبطها. و بلدة شاغرة برجلها: إذا لم تمنع من غارة أحد.

[و قال ابن الأثیر] فی [مادّة «شغر» من النهایة: قیل: الشغر: البعد.

و قیل: الاتساع و منه

حدیث علی علیه السلام: [ «قبل أن تشغر برجلها فتنة تطأ فی خطامها».

و حدیثه الآخر: ] «فالأرض لكم شاغرة»: أی واسعة.

و القادة: ولاة الأمر المستحقّون للإمارة و الریاسة.

و تسلط السیوف: إشارة إلی واقعة الحسین علیه السلام و ما كان من بنی أمیّة و غیرهم من القتل و سفك الدماء. و الثار: طلب الدم.

و المراد بكونه هنا كالحاكم فی حقّ نفسه: استیفاؤه الحقّ بنفسه من غیر افتقار إلی بیّنة و حكم حاكم.

ص: 238


1- و هكذا فسّره ابن الأثیر فی مادّة «وضن» من كتاب النهایة قال: [و] فی حدیث علیّ: «إنّك لقلق الوضین» أراد أنّه سریع الحركة. یصفه بالخفة و قلّة الثبات كالحزام إذا كان رخوا.

و الضمیر فی [قوله: ] «تعرفنّها» راجع إلی الإمارة، أو إلی الدنیا كالضمائر المتقدّمة، و هو إخبار بانتقال الدولة عن بنی أمیة إلی بنی العبّاس.

و الطرف بالفتح-: نظر العین، یطلق علی الواحد و غیره. و نفوذه فی الخیر رؤیة المحاسن و اتّباعها. و وعی الحدیث كرمی: أی حفظه و تدبّره.

و الامتیاح: نزول البئر و ملأ الدلو منها. و الترویق: التصفیة. و المراد ب «الواعظ» و «العین» [خ «ل»]: نفسه صلوات اللّٰه علیه. و ركن كعلم و نصر و منع-: مال.

و الهوی: إرادة النفس. و الشفا: شفیر الشی ء و جانبه. و الجرف بالضمّ و بضمّتین-: ما تجرّفته السیول و أكلته من الأرض. و الهار: الساقط الضعیف.

و الردی: جمع رداة بالفتح فیهما و هی الصخرة: أی هو فی تعب دائما. و فسّر هنا بالهلاك أیضا.

و إلصاق ما لا یلتصق و تقریب ما لا یتقارب: إثبات الباطل بحجج باطلة. و أشكاه: أزال شكایته. و الشجو: الهمّ و الحزن. و أبرم الأمر: أی أحكمه.

و [أحكم الحبل: أی جعله طاقین ثمّ فتله. و الغرض النهی عن اتّباع إمام لا یقدر علی كشف المعضلات و حلّ المشكلات فی المعاش و المعاد لقلّة البصیرة.

و فی بعض النسخ: «و من ینقض» بدون «لا» فالمعنی لا تتّبعوا من ینقض برأیه الفاسد ما أحكمه الشرع. و السّهمان بالضمّ-: جمع سهم و هو الحظّ و النصیب و إیصالها إلیهم. و صوّح النبات: أی یبس و تشقّق أو جفّ أعلاه، و هو كنایة عن ذهاب رونق العلم أو اختفاؤه أو مغلوبیّته. و المستثار: مصدر بمعنی الاستثارة و هی الإنهاض و التهییج.

و الترتیب بین الأمر بالتناهی لا بین النهی و التناهی. و لا یبعد حمله علی ظاهر.

«999»- (1) نَهْجٌ: [وَ] مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَیْهِ السَّلَامُ وَ هِیَ مِنْ خُطَبِ الْمَلَاحِمِ:

ص: 239


1- [999]- رَوَاهُ الشَّرِیفُ الرَّضِیُّ رَفَعَ اللَّهُ مَقَامَهُ فِی الْمُخْتَارِ: (106) مِنْ كِتَابِ نَهْجِ الْبَلَاغَةِ.

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُتَجَلِّی لِخَلْقِهِ بِخَلْقِهِ، الظَّاهِرِ لِقُلُوبِهِمْ بِحُجَّتِهِ، خَلَقَ الْخَلْقَ مِنْ غَیْرِ رَوِیَّةٍ، إِذْ كَانَتِ الرَّوِیَّاتُ لَا تَلِیقُ بِذَوِی الضَّمَائِرِ، وَ لَیْسَ بِذِی ضَمِیرٍ فِی نَفْسِهِ.

خَرَقَ عِلْمُهُ بَاطِنَ غَیْبِ السُّتُرَاتِ وَ أَحَاطَ بِغُمُوضِ عَقَائِدِ السَّرِیرَاتِ.

[وَ] مِنْهَا فِی ذِكْرِ النَّبِیِّ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ:

اخْتَارَهُ مِنْ شَجَرَةِ الْأَنْبِیَاءِ وَ مِشْكَاةِ الضِّیَاءِ وَ ذُؤَابَةِ الْعَلْیَاءِ وَ سُرَّةِ الْبَطْحَاءِ وَ مَصَابِیحِ الظُّلْمَةِ وَ یَنَابِیعِ الْحِكْمَةِ.

[وَ] مِنْهَا: طَبِیبٌ دَوَّارٌ بِطِبِّهِ، قَدْ أَحْكَمَ مَرَاهِمَهُ، وَ أَحْمَی مَوَاسِمَهُ، یَضَعُ مِنْ ذَلِكَ حَیْثُ الْحَاجَةُ إِلَیْهِ مِنْ قُلُوبٍ عُمْیٍ، وَ آذَانٍ صُمٍّ، وَ أَلْسِنَةٍ بُكْمٍ، مُتَّبِّعٌ بِدَوَائِهِ مَوَاضِعَ الْغَفْلَةِ وَ مَوَاطِنَ الْحَیْرَةِ.

لَمْ یَسْتَضِیئُوا بِأَضْوَاءِ الْحِكْمَةِ وَ لَمْ یَقْدَحُوا بِزِنَادِ الْعُلُومِ الثَّاقِبَةِ، فَهُمْ فِی ذَلِكَ كَالْأَنْعَامِ السَّائِمَةِ وَ الصُّخُورِ الْقَاسِیَةِ.

قَدِ انْجَابَتِ السَّرَائِرُ لِأَهْلِ الْبَصَائِرِ، وَ وَضَحَتْ مَحَجَّةُ الْحَقِّ لِخَابِطِهَا، وَ أَسْفَرَتِ السَّاعَةُ عَنْ وَجْهِهَا، وَ ظَهَرَتِ الْعَلَامَةُ لِمُتَوَسِّمِهَا.

مَا لِی أَرَاكُمْ أَشْبَاحاً بِلَا أَرْوَاحٍ! وَ أَرْوَاحاً بِلَا أَشْبَاحٍ! وَ نُسَّاكاً بِلَا صَلَاحٍ! وَ تُجَّاراً بِلَا أَرْبَاحٍ! وَ أَیْقَاظاً نُوَّماً! وَ شُهُوداً غُیَّباً وَ نَاظِرَةً عَمْیَاءَ! وَ سَامِعَةً صَمَّاءَ! وَ نَاطِقَةً بَكْمَاءَ!.

رَایَةُ ضَلَالَةٍ قَدْ قَامَتْ عَلَی قُطْبِهَا، وَ تَفَرَّقَتْ بِشُعَبِهَا، تَكِیلُكُمْ بِصَاعِهَا وَ تَخْبِطُكُمْ بِبَاعِهَا، قَائِدُهَا خَارِجٌ مِنَ الْمِلَّةِ عَلَی الضَّلَّةِ، فَلَا یَبْقَی یَوْمَئِذٍ [مِنْكُمْ إِلَّا ثُفَالَةٌ كَثُفَالَةِ الْقِدْرِ، أَوْ نُفَاضَةٌ كَنُفَاضَةِ الْعِكْمِ، تَعْرُكُكُمْ عَرْكَ الْأَدِیمِ، وَ تَدُوسُكُمْ دَوْسَ الْحَصِیدِ، وَ تَسْتَخْلِصُ الْمُؤْمِنَ مِنْ بَیْنِكُمُ اسْتِخْلَاصَ الطَّیْرِ الْحَبَّةَ الْبَطِینَةَ مِنْ بَیْنِ هَزِیلِ الْحَبِّ! أَیْنَ تَذْهَبُ بِكُمُ الْمَذَاهِبُ! وَ تَتِیهُ بِكُمُ الْغَیَاهِبُ وَ تَخْدَعُكُمُ الْكَوَاذِبُ! وَ مِنْ

ص: 240

أَیْنَ تُؤْتَوْنَ! وَ أَنَّی تُؤْفَكُونَ! فَ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ، وَ لِكُلِّ غَیْبَةٍ إِیَابٌ، فَاسْتَمِعُوا مِنْ رَبَّانِیِّكُمْ، وَ أَحْضِرُوهُ قُلُوبَكُمْ، وَ اسْتَیْقِظُوا إِنْ هَتَفَ بِكُمْ، وَ لْیَصْدُقْ رَائِدٌ أَهْلَهُ، وَ لْیَجْمَعْ شَمْلَهُ، وَ لْیُحْضِرْ ذِهْنَهُ؛ فَلَقَدْ فَلَقَ لَكُمُ الْأَمْرَ فَلْقَ الْخَرَزَةِ وَ قَرَفَهُ قَرْفَ الصَّمْغَةِ.

فَعِنْدَ ذَلِكَ أَخَذَ الْبَاطِلُ مَآخِذَهُ وَ رَكِبَ الْجَهْلُ مَرَاكِبَهُ، وَ عَظُمَتِ الطَّاغِیَةُ وَ قَلَّتِ الدَّاعِیَةُ، وَ صَالَ الدَّهْرُ صِیَالَ السَّبُعِ الْعَقُورِ، وَ هَدَرَ فَنِیقُ الْبَاطِلِ بَعْدَ كُظُومٍ، وَ تَوَاخَی النَّاسُ عَلَی الْفُجُورِ، وَ تَهَاجَرُوا عَلَی الدِّینِ، وَ تَحَابُّوا عَلَی الْكَذِبِ، وَ تَبَاغَضُوا عَلَی الصِّدْقِ.

فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَانَ الْوَلَدُ غَیْظاً، وَ الْمَطَرُ قَیْضاً، وَ تَفِیضُ اللِّئَامُ فَیْضاً، وَ تَغِیضُ الْكِرَامُ غَیْضاً.

وَ كَانَ أَهْلُ ذَلِكَ الزَّمَانِ ذِئَاباً، وَ سَلَاطِینُهُ سِبَاعاً، وَ أَوْسَاطُهُ أُكَّالًا، وَ فُقَرَاؤُهُ أَمْوَاتاً، وَ غَارَ الصِّدْقُ وَ فَاضَ الْكَذِبُ، وَ اسْتُعْمِلَتِ الْمَوَدَّةُ بِاللِّسَانِ، وَ تَشَاجَرَ النَّاسُ بِالْقُلُوبِ، وَ صَارَ الْفُسُوقُ نَسَباً، وَ الْعَفَافُ عَجَباً، وَ لُبِسَ الْإِسْلَامُ لُبْسَ الْفَرْوِ مَقْلُوباً!.

تبیین:

الملحمة هی الحرب أو الوقعة العظیمة فیها. و موضع القتال مأخوذ من اشتباك الناس فیها كاشتباك لحمة الثوب بالسدی. و قیل: [هی مأخوذة] من اللحم. و التجلّی: الانكشاف. و الخلق الثانی یحتمل المصدر و المخلوق. و الرویّة:

التفكّر. و المراد بالضمیر إمّا القلب أو ما یضمر من الصور.

قوله علیه السّلام: «فی نفسه»: أی كائن فی نفسه أو فی حدّ ذاته إذا تأمّل فیه متأمّل بنظر صحیح و الغامض من الأرض: المطمئنّ. و من الكلام و غیره خلاف الواضح. و المشكاة: كوّة غیر نافذة یجعل فیها المصباح، أو عمود القندیل الذی فیه الفتیلة، أو القندیل. و الذؤابة بالضمّ مهموزا: الناصیة أو

ص: 241

منبتها من الرأس. و العلیاء بالفتح و المدّ كلّ مكان مشرف، و السماء، و رأس الجبل. و سرّة البطحاء: وسطها تشبیها بسرّة الإنسان. و البطحاء و الأبطح:

مسیل واسع فیه دقاق الحصی.

قیل: استعار [علیه السلام الشجرة لصنف الأنبیاء علیهم السلام و فروعها أشخاصهم و ثمرتها العلوم و الكمالات. و مشكاة الضیاء لآل إبراهیم علیه السلام، و ذؤابة العلیاء لقریش، و سرّة البطحاء لمكة، و المصابیح و الینابیع هم الأنبیاء علیهم السلام.

و المراد بالطبیب: نفسه علیه السلام. و الدوران بالطبّ: إتیان المرضی و تتّبعهم، فهو تعریض للأصحاب بقعودهم عمّا یجب علیهم. أو المراد بیان كمال الطبیب، فإنّ الدوّار أكثر تجربة من غیره كما قیل.

و المرهم: طلاء لیّن یطلی به الجرح مشتقّ من الرهمة بالكسر و هی المطر الضعیف و إحكامها: إتقانها و منعها عن الفساد. و الوسم: أثر الكی و المیسم بالكسر-: المكواة. و أحماها: أی أسخنها و لعلّ إحكام المراهم إشارة إلی البشارة بالثواب، أو الأمر بالمعروف. و إحماء المواسم: [إشارة] إلی الإنذار من العقاب، أو النهی عن المنكر و إقامة الحدود.

و قدح بالزند كمنع-: رام الإیراء به و استخرج النار منه. و الزند بالفتح-: العود الذی یقدح به النار. و ثقبت النار اتقدت. و ثقب الكواكب:

أضاء. و القاسیة: الشدیدة و الغلیظة.

و انجابت السحابة: انكشفت. و المراد بالسرائر، ما أضمره المعاندون للحقّ فی قلوبهم من إطفاء نور اللّٰه و هدم أركان الشریعة.

و قیل: إشارة إلی انكشاف ما یكون بعده لنفسه القدسیة و لأهل البصائر من استیلاء بنی أمیة و عموم ظلمهم. أو انكشاف أسرار الشریعة لأهلها.

و الخابط: السائر علی غیر هدی و لعلّ المراد أنّ ضلالهم لیس لخفاء

ص: 242

الحقّ، بل للإصرار علی الشقاوة و النفاق.

و سفر الصبح و أسفر: أضاء و أشرق. و أسفرت المرأة: كشفت عن وجهها.

و المراد بإسفار الساعة و ظهور العلامة: قرب القیامة بعدم بقاء نبیّ ینتظر بعثته، و ظهور الفتن و الوقائع التی هی من أشراطها. و الشبح بالتحریك-: سواد الإنسان و غیره تراه من بعید.

و المراد بكونهم أشباحا بلا أرواح: تشبیههم بالجمادات و الأموات فی عدم الانتفاع بالعقل، و عدم تأثیر المواعظ فیهم كما قال تعالی: كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ و أمّا كونهم أرواحا بلا أشباح فقیل: المراد بیان نقصهم؛ لأنّ الروح بلا جسد ناقصة عاطلة عن الأعمال.

و قیل: إشارة إلی خفّتهم و طیشهم فی الأفعال.

و قیل: المراد أنّ منهم من هو كالجماد و الأموات، و منهم من له عقل و فهم و لكن لا قوّة له علی الحرب، فالجمیع عاطلون عمّا یراد بهم.

و قیل: المراد أنّهم إذا خافوا ذهلت عقولهم و طارت ألبابهم، فكانوا كأجسام بلا أرواح، و إذا أمنوا تركوا الاهتمام بأمورهم كأنّهم أرواح لا تعلّق لهم بالأجسام.

و النسّاك: العبّاد: أی لیست عبادتهم مقرونة بالإخلاص و علی الوجه المأمور به و مع الشرائط المعتبرة، فإنّ منها معرفة الإمام و طاعته. و كونهم تجارا بلا أرباح لعدم ترتّب الثواب علی أعمالهم.

و قوله علیه السلام: «رایة ضلالة»: منقطع عمّا قبله التقطه السیّد [الرّضی رضی اللّٰه عنه من كلامه [علیه السلام علی عادته، و كأنّه إشارة إلی

ص: 243

ما یحدث فی آخر الزمان من الفتن كظهور السفیانی و غیره.

و القطب: حدیدة تدور علیها الرحی، و ملاك الأمر و مداره و سیّد القوم.

و قیامها علی قطبها كنایة عن انتظام أمرها و تفرّق شعبها عن انتشار فتنتها فی الآفاق و تولّد فتن أخر عنها.

و قیل: لیس التّفرق للرایة نفسها، بل لنصارها و أصحابها. و حذف المضاف، و معنی تفرقّهم أنّهم یدعون إلی تلك الدعوة المخصوصة فی بلاد متفرّقة.

[قوله علیه السلام: ] «و تكیلكم بصاعها»: أی تأخذهم للإهلاك زمرة زمرة، كالكیّال یأخذ ما یكیله جملة جملة.

أو یقهركم أربابها علی الدخول فی أمرهم، و یتلاعبون بكم یرفعونكم و یضعونكم كما یفعل كیّال البرّ بها إذا كاله بصاعه.

أو تكیل لكم بصاعها علی حذف اللام كما فی قوله تعالی: «وَ إِذا كالُوهُمْ » [٣ / المطففین: ٣٦]: أی تحملكم علی دینها و دعوتها، و تعاملكم بما یعامل به من استجاب لها أو تفرز لكم من فتنها شیئا و یصل إلی كلّ منكم نصیب منها.

و الخبط بالفتح-: ضرب الشجر بالعصی لیتناثر ورقها، و خبط البعیر الأرض بیده خبطا: أی ضربها. و الكلام علی الوجهین یفید الذلّة و الانقهار.

و القیام علی الضّلّة: الإصرار علی الضلال. و ثفالة القدر بالضمّ-: ما ثفل فیه من الطبیخ، و هی كنایة عن الأراذل و من لا ذكر له بین النّاس لعدم الاعتداد بقتلهم. و النفاضة بالضمّ-: ما سقط من النفض. و العكم بالكسر-: العدل، و نمط تجعل فیه المرأة ذخیرتها.

[و] قال [ابن الأثیر] فی [مادّة «عكم» من النهایة: العكوم: الأحمال

ص: 244

التی تكون فیها الأمتعة و غیرها، واحدها عكم بالكسر، و منه حدیث علیّ علیه السلام: «نفاضة كنفاضة العكم». انتهی. و المراد بها ما یبقی فی العدل بعد التخلیة من غبار أو بقیّة زاد لا یعبأ بها فتنفض.

و عركه كنصره-: دلكه و حكّه. و الأدیم: الجلد أو المدبوغ منه. و داس الرجل الحنطة: دقّها لیخرج الحبّ من السنبل. و الحصید: الزرع المقطوع.

و استخلصه لنفسه: أی استخصّه. و الغرض تخصیص المؤمن بالقتل و الأذی.

و البطینة: السمینة. و الهزیل ضدّ السمین.

قوله علیه السلام: «أین تذهب بكم»: الباء فی الموضعین للتعدیة.

و المذاهب: الطرق و العقائد و إسناد الإذهاب إلیها علی التجوّز للمبالغة.

و تاه یتیه تیها بالفتح و الكسر-: أی تحیّر و ضلّ. و الغیهب: الظلمة و الشدید السواد من اللیل. و الكواذب: الأمانی الباطلة و الأوهام الفاسدة.

قوله [علیه السّلام: ] «و من أین تؤتون» علی بناء المجهول: أی من أیّ جهة و طریق یأتیكم من یضلّكم من الشیاطین أو تلك الأمراض! «و أنّی تؤفكون»: أی أنّی تصرفون عن قصد السبیل! و أین تذهبون! قوله علیه السّلام: «ف لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ»: أی لكلّ أمد و وقت حكم مكتوب علی العباد. و الإیاب بالكسر-: الرجوع.

قیل: هذا الكلام منقطع عمّا قبله. و قیل: تهدید بالإشارة إلی قرب الموت، و أنّهم بمعرض أن یأخذهم علی غفلتهم.

و الرّبّانی: منسوب إلی الربّ، و فسر بالمتألّه العارف باللّٰه، أو الذی یطلب بعلمه وجه اللّٰه، أو العالم المعلّم، و المراد: نفسه علیه السلام. و إحضار القلب:

الإقبال التامّ إلی كلامه و مواعظه.

قوله علیه السلام: «إن هتف بكم» بكسر الهمزة و فی بعض النسخ

ص: 245

بالفتح: أی لهتافه بكم و هو الصیّاح.

و الرائد: الذی یتقدّم القوم یبصر لهم الكلاء و مساقط الغیث، و فی المثل:

«لا یكذب الرّائد أهله». و لعلّ المراد بالرائد: نفسه علیه السلام: أی وظیفتی و شأنی الصدق فیما أخبركم به ممّا تردون علیه من الأمور المستقبلة فی الدنیا و الآخرة، كما أنّ وظیفتكم الاستماع و إحضار القلب.

و الشّمل ما تشتّت من الأمر و المراد به الأفكار و العزائم: أی یجب علی التوجّه إلی نصحكم و تذكیركم بقلب فارغ عن الوساوس و الشواغل، و إقبال تامّ علی هدایتكم.

و یحتمل أن یراد بالشّمل من تفرّق من القوم فی فیافی الضلالة.

و الفاعل فی [قوله «فلق» هو الرائد.

و قیل: المراد بالرائد: الفكر؛ لكونه مبعوثا من قبل النفس فی طلب مرعاها و ماء حیاتها من العلوم و سائر الكمالات، فكنّی به عنه و أهله هو النفس، فكأنّه علیه السلام قال: فلتصدق أفكاركم و متخیّلاتكم نفوسكم، و صدقها إیّاها تصرّفها علی حسب إشارة العقل بلا مشاركة الهوی.

أو المراد بالرائد: أشخاص من حضر عنده، فإنّ كلا منهم له أهل و قبیلة یرجع إلیهم، فأمرهم أن یصدقهم بتبلیغ ما سمع علی الوجه الذی ینبغی و النصیحة و الدعوة إلیه.

و قوله [علیه السّلام: ] «و لیجمع شمله»: أی ما تفرّق و تشعّب من خواطره فی أمور الدنیا و مهماتها. «و لیحضر ذهنه»: أی یوجّهه إلی ما أقول.

انتهی.

و الفلق: الشقّ. و الخرزة بالتحریك-: الجوهر. «و قرفه قرف الصمغة»:

أی قشره كما تقشر الصمغة من عود الشجرة و تقلع؛ لأنّها إذا قلعت لم یبق لها

ص: 246

أثر، و هذا مثل، و المعنی أوضح لكم أمر الفتن أو طریق الحقّ إیضاحا تامّا، فأظهر لكم باطن الأمر كما یری باطن الخرزة بعد شقّها، و لا أدّخر عنكم شیئا بل ألقی الأمر بكلّیته إلیكم.

قوله علیه السّلام: «فعند ذلك» قیل: هو متّصل بقوله: «من بین هزیل الحبّ»، فیكون التشویش من السیّد رضی اللّٰه عنه. و یمكن أن یكون إشارة إلی كلام آخر سقط من البین.

[قوله علیه السلام: ] «و أخذ الشی ء مآخذه»: أی تمكّن و استحكم.

و الطاغیة مصدر بمعنی الطغیان أو صفة محذوف: أی الفئة الطاغیة. و كذا الداعیة تحتمل الوجهین. و فی بعض النسخ «الرّاعیة» بالراء المهملة.

و الفنیق: الفحل من الإبل «و هدر» ردّد صوته فی حنجرته فی غیر شقشقة.

و الكظوم: الإمساك و السكوت.

و كون الولد غیظا لكثرة العقوق أو لاشتغال كلّ امرئ بنفسه، فیتمنّی أن لا یكون له ولد.

و المطر قیضا بالضاد المعجمة: أی كثیرا. قیل: إنّه من علامات تلك الشرور أو من أشرط الساعة. و قیل: إنّه أیضا من الشرور إذا جاوز الحدّ.

و فی بعض النسخ بالظاء المعجمة: و هو صمیم الصیف و هو المطابق لما فی النهایة، قال: و منه حدیث أشراط الساعة: «أن یكون الولد غیضا و المطر قیضا»؛ لأنّ المطر إنّما یراد للنبات و برد الهواء، و القیظ ضدّ ذلك انتهی. و حینئذ یحتمل أن یكون المراد تبدّل المطر بشدّة الحرّ و قلّة المطر، أو كثرته فی الصیف دون الربیع و الشتاء.

أو المراد أنّه یصیر سببا لاشتداد الحرّ لكثرته فی الصیف، إذ تثور به الأبخرة و یفسد الهواء، أو یصیر علی خلاف العادة سببا لشدّة الحرّ.

ص: 247

«و تفیض اللئام»: أی تكثر. و «تغیض الكرام»: أی تقلّ.

[قوله علیه السلام: ] «و أهل ذلك الزمان»: أی أكابرهم. «أكّالا» بالضمّ و التشدید: جمع آكل.

و قال بعض الشارحین: روی «أكالا» بفتح الهمزة و تخفیف الكاف یقال:

ما ذقت أكالا: أی طعاما، و قال: لم ینقل هذا إلّا فی النفی، فالأجود الروایة الأخری و هی «آكالا» بمدّ الهمزة علی أفعال جمع أكل و هو ما أكل، و قد روی «أكالا» بضمّ الهمزة علی فعال. و قالوا: إنّه جمع آكل للمأكول كعرق و عراق، إلّا أنّه شاذّ: أی صار أوساط الناس طعمة للولاة و أصحاب السلاطین كالفریسة للأسد.

و غار الماء: ذهب فی الأرض. و فاض: أی كثر حتّی سال. و فی بعض النسخ «و فار الكذب».

قوله علیه السلام: «و صار الفسوق نسبا»: أی یحصل أنسابهم من الزنا.

و قیل: أی یصیر الفاسق صدیقا للفاسق حتّی یكون ذلك كالنسب بینهم.

و أمّا لبسهم الإسلام لبس الفرو فالظاهر أنّ المراد به: تبدیل شرائع الإسلام و قلب أحكامه، أو إظهار النیّات الحسنة و الأفعال الحسنة و إبطان خلافها.

و قیل: وجه القلب، أنّه لمّا كان الغرض الأصلی من الإسلام أن یكون باطنا ینتفع به القلب و یظهر به منفعة، فقلّب المنافقون غرضه و استعملوه بظاهر ألسنتهم دون قلوبهم، فأشبه قلبهم له لبس الفرو، إذ كان أصله أن یكون حمله ظاهرا لمنفعة الحیوان الذی هو لباسه، فاستعمله الناس مقلوبا.

«1000»- (1) نَهْجٌ: [وَ] خُطْبَةٌ لَهُ عَلَیْهِ السَّلَامُ:

ص: 248


1- [1000]- رَوَاهُ الشَّرِیفُ الرَّضِیُّ رَفَعَ اللَّهُ مَقَامَهُ فِی الْمُخْتَارِ: (172) مِنْ كِتَابِ نَهْجِ الْبَلَاغَةِ.

أَمِینُ وَحْیِهِ وَ خَاتَمُ رُسُلِهِ وَ بَشِیرُ رَحْمَتِهِ وَ نَذِیرُ نِقْمَتِهِ.

أَیُّهَا النَّاسُ! إِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَذَا الْأَمْرِ أَقْوَاهُمْ عَلَیْهِ، وَ أَعْمَلُهُمْ بِأَمْرِ اللَّهِ فِیهِ. (1) فَإِنْ شَغَبَ شَاغِبٌ اسْتُعْتِبَ، فَإِنْ أَبَی قُوتِلَ. وَ لَعَمْرِی لَئِنْ كَانَتِ الْإِمَامَةُ لَا تَنْعَقِدُ حَتَّی تَحْضُرَهَا عَامَّةُ النَّاسِ مَا إِلَی ذَلِكَ سَبِیلٌ، وَ لَكِنْ أَهْلُهَا یَحْكُمُونَ عَلَی مَنْ غَابَ عَنْهَا ثُمَّ لَیْسَ لِلشَّاهِدِ أَنْ یَرْجِعَ وَ لَا لِلْغَائِبِ أَنْ یَخْتَارَ.

أَلَا وَ إِنِّی أُقَاتِلُ رَجُلَیْنِ: رَجُلًا ادَّعَی مَا لَیْسَ لَهُ، وَ آخَرَ مَنَعَ الَّذِی عَلَیْهِ.

أُوصِیكُمْ بِتَقْوَی اللَّهِ، فَإِنَّهُ خَیْرُ مَا تَوَاصَی الْعِبَادُ بِهِ وَ خَیْرُ عَوَاقِبِ الْأُمُورِ عِنْدَ اللَّهِ، وَ قَدْ فُتِحَ بَابُ الْحَرْبِ بَیْنَكُمْ وَ بَیْنَ أَهْلِ الْقِبْلَةِ، وَ لَا یَحْمِلُ هَذَا الْعَلَمَ إِلَّا أَهْلُ الْبَصَرِ وَ الصَّبْرِ وَ الْعِلْمِ بِمَوَاقِعِ الْحَقِّ، فَامْضُوا لِمَا تُؤْمَرُونَ بِهِ وَ قِفُوا لِمَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ، وَ لَا تَعْجَلُوا فِی أَمْرٍ حَتَّی تَبَیَّنُوا فَإِنَّ لَنَا مَعَ كُلِّ أَمْرٍ تُنْكِرُونَهُ غِیَراً.

أَلَا وَ إِنَّ هَذِهِ الدُّنْیَا الَّتِی أَصْبَحْتُمْ تَتَمَنَّوْنَهَا وَ تَرْغَبُونَ فِیهَا وَ أَصْبَحَتْ تُغْضِبُكُمْ وَ تُرْضِیكُمْ، لَیْسَتْ بِدَارِكُمْ وَ لَا مَنْزِلِكُمُ الَّذِی خُلِقْتُمْ لَهُ وَ لَا الَّذِی دُعِیتُمْ إِلَیْهِ.

أَلَا وَ إِنَّهَا لَیْسَتْ بِبَاقِیَةٍ لَكُمْ وَ لَا تَبْقَوْنَ عَلَیْهَا، وَ هِیَ وَ إِنْ غَرَّتْكُمْ مِنْهَا فَقَدْ حَذَّرَتْكُمْ شَرَّهَا، فَدَعُوا غُرُورَهَا لِتَحْذِیرِهَا، وَ أَطْمَاعَهَا لِتَخْوِیفِهَا، وَ سَابِقُوا فِیهَا إِلَی الدَّارِ الَّتِی دُعِیتُمْ إِلَیْهَا، وَ انْصَرِفُوا بِقُلُوبِكُمْ عَنْهَا، وَ لَا یَخِنَّنَّ أَحَدُكُمْ خَنِینَ الْأَمَةِ عَلَی مَا زُوِیَ عَنْهُ مِنْهَا، وَ اسْتَتِمُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَیْكُمْ بِالصَّبْرِ عَلَی طَاعَةِ اللَّهِ، وَ الْمُحَافَظَةِ عَلَی مَا اسْتَحْفَظَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ.

أَلَا وَ إِنَّهُ لَا یَضُرُّكُمْ تَضْیِیعُ شَیْ ءٍ مِنْ دُنْیَاكُمْ بَعْدَ حِفْظِكُمْ قَائِمَةَ دِینِكُمْ.

ص: 249


1- كذا فی متن طبع الكمبانی من البحار، و ذكر فی هامشه نقلا عن نسخة من نهج البلاغة: وأعلمهم ومثل ما فی الهامش فی شرح ابن أبی الحدید، ولكن المستفاد من شرح ابن میثم رحمه اللّٰه انه كان فی نسخته من نهج البلاغة: وأعملهم بتقدیم المیم علی اللام.

أَلَا وَ إِنَّهُ لَا یَنْفَعُكُمْ بَعْدَ تَضْیِیعِ دِینِكُمْ شَیْ ءٌ حَافَظْتُمْ عَلَیْهِ مِنْ أَمْرِ دُنْیَاكُمْ، أَخَذَ اللَّهُ بِقُلُوبِنَا وَ قُلُوبِكُمْ إِلَی الْحَقِّ وَ أَلْهَمَنَا وَ إِیَّاكُمُ الصَّبْرَ.

إیضاح:

قوله علیه السّلام: «بهذا الأمر»: أی الخلافة. «أقواهم علیه»: أی أحسنهم سیاسة و أشجعهم، و [هذا] یدلّ علی عدم جواز إمامة المفضول لا سیّما مع قوله علیه السلام: «فان شغب ... إلی آخره». و الشغب بالتسكین: تهییج الشر. و المراد بالاستعتاب: طلب الرجوع بالمراسلة و الكلام و نحوهما.

قوله علیه السلام: «لئن كانت الإمامة» قال ابن أبی الحدید: هذا تصریح بصحّة مذهب أصحابنا فی أنّ الاختیار طریق إلی الإمامة، و یبطل قول الإمامیة من دعوی النّصّ، و أنّه لا طریق إلی الإمامة سوی النصّ. انتهی.

[أقول: ] و فیه نظر، أمّا أوّلا: فلأنّه [علیه السلام إنّما احتجّ علیهم بالإجماع، إلزاما لهم لاتّفاقهم علی العمل به فی خلافة أبی بكر و أخویه، و عدم تمسكه علیه السّلام بالنّصّ لعلمه علیه السلام بعدم التفاتهم إلیه. كیف و قد أعرضوا عنه فی أول الأمر مع قرب العهد بالرسول صلّی اللّٰه علیه و آله و سماعهم عنه. و أمّا ثانیا: فلأنّه علیه السلام لم یتعرض للنصّ نفیا و إثباتا، فكیف یكون مبطلا لما ادّعاه الإمامیة من النصّ؟! و العجب أنّه جعل هذا تصریحا بكون الاختیار طریقا إلی الإمامة! و نفی الدّلالة فی قوله علیه السلام: «إنّ أحقّ الناس بهذا الأمر ...» علی نفی إمامة المفضول مع قوله علیه السلام: «فإن أبی قوتل».

مع أنّه لم یصرّح بأنّ الإمامة تنعقد بالاختیار، بل قال: إنّها لا تتوقّف علی حضور عامّة الناس، و لا ریب فی ذلك؛ نعم یدلّ بالمفهوم علیه و هذا تقیّة منه علیه السلام.

و لا یخفی علی من تتبّع سیره علیه السلام أنّه لم یمكنه إنكار خلافتهم و القدح فیها صریحا فی المجامع، فلذا عبّر بكلام موهم لذلك.

قوله علیه السلام: «و أهلها یحكمون»: و إن كان موهما له أیضا، لكن

ص: 250

یمكن أن یكون المراد بالأهل الأحقّاء بالإمامة.

و لا یخفی علی المتأمّل أنّ ما مهد علیه السلام أوّلا بقوله: «إنّ أحقّ الناس أقواهم» یشعر بأنّ عدم صحّة رجوع الشاهد و اختیار الغائب، إنّما هو فی صورة الاتّفاق علی الأحقّ دون غیره، فتأمّل.

قوله علیه السّلام: «رجلا ادّعی»: كمن ادعی الخلافة. «و آخر منع»: كمن لا یطیع الإمام أو یمنع حقوق اللّٰه.

«و خیر عواقب الأمور»: عاقبة كلّ شی ء آخره. و التقوی خیر ما ختم به العمل فی الدنیا أو عاقبتها خیر العواقب.

و قوله علیه السّلام: «هذا العلم» بكسر العین أو بالتحریك كما فی بعض النسخ، فعلی الأوّل:

المعنی أنّه لا یعلم وجوب قتال أهل القبلة و موقعه و شرائطه.

و علی الثّانی: إشارة إلی حرب أهل القبلة و القیام به. و یحتمل علی بعد أن یراد به الإمامة المشار إلیها بقوله: «أحقّ النّاس بهذا الأمر» فیكون إشارة إلی بطلان خلافة غیر أهل البصر و الصبر و العلم بمواقع الحقّ.

قال ابن أبی الحدید: و ذلك لأنّ المسلمین عظم عندهم حرب أهل القبلة و أكبروه، و من أقدم منهم علیه أقدم مع خوف و حذر. قال الشّافعی: لو لا علی علیه السلام لما علم شی ء من أحكام أهل البغی.

قوله علیه السّلام: «فإنّ لنا» قال ابن میثم: أی إنّ لنا مع كلّ أمر تنكرونه تغییرا: أی قوّة علی التغییر، إن لم یكن فی ذلك الأمر مصلحة فی نفس الأمر، فلا تتسرّعوا إلی إنكار أمر نفعله حتّی تسألوا عن فائدته، فإنّه یمكن أن یكون إنكاركم لعدم علمكم بوجهه.

[و] قال ابن أبی الحدید: أی لست كعثمان أصبر علی ارتكاب ما أنهی

ص: 251

عنه، بل أغیّر كلّما ینكره المسلمون و یقتضی الحال و الشرع تغییره. انتهی.

و یمكن أن یكون المعنی أنّ لنا مع كلّ أمر تنكرونه تغییرا: أی ما یغیّر إنكاركم و یمنعكم عنه من البراهین الساطعة أو الأعمّ منها، و من السیوف القاطعة إن لم تنفعكم البراهین.

و فی ذكر إغضاب الدنیا توبیخ لأهلها بالرغبة فی شی ء لا یراعی حقّهم كما قال علیه السلام: «رغبتك فی زاهد فیك ذلّ نفس». و غرور الدنیا بتزیین الزخارف لأهلها و إغفالهم عن الفناء و تحذیرها بما أراهم من الفناء و فراق الأحبّة و نحو ذلك. و الدار التی دعوا إلیها هی الجنّة.

قوله علیه السلام: «و لا یخنّن أحدكم»: الخنین بالخاء المعجمة: ضرب من البكاء دون الانتحاب. و أصله خروج الصوت من الأنف كالحنین من الفم.

و یروی بالمهملة أیضا، و إضافته إلی الأمة؛ لأنّ الإماء كثیرا ما یبكین و یسمع الحنین منهنّ، و الحرّة تأنف من البكاء و الحنین.

و زواه عنه: صرفه و قبضه. و فی بعض النسخ: «ما زوی عنه»: أی عن أحدكم و لعلّه أظهر. و الصبر علی الطاعة: حبس النفس علیها كقوله تعالی:

«وَ اصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِینَ یَدْعُونَ رَبَّهُمْ» [٢٨ / الكهف: ١٨]، أو عدم الجزع من شدّتها أو من البلایا إطاعة للّٰه، و علی أیّ حال هو من الشكر الموجب للمزید فیه بطلب تمام النعمة. و «من» فی قوله: «من كتابه» بیان ل «ما».

و القائمة: واحدة قوائم الدواب. و قائمة السیف: مقبضه. و لعلّ المراد بقائمة الدّین. أصوله و ما یقرب منها، و یحتمل أن تكون الإضافة بیانیّة، فإنّ الدین بمنزلة القائمة لأمور الدنیا و الآخرة.

«1001»- (1) نَهْجٌ: [وَ] مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَیْهِ السَّلَامُ:

ص: 252


1- [1001]- رَوَاهُ السَّیِّدُ الرَّضِیُّ رَفَعَ اللَّهُ مَقَامَهُ فِی الْمُخْتَارِ: (87) مِنْ كِتَابِ نَهْجِ الْبَلَاغَةِ.

أَرْسَلَهُ عَلَی حِینِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وَ طُولِ هَجْعَةٍ مِنَ الْأُمَمِ، وَ اعْتِزَامٍ مِنَ الْفِتَنِ، وَ انْتِشَارٍ مِنَ الْأُمُورِ وَ تَلَظٍّ مِنَ الْحُرُوبِ، [وَ] الدُّنْیَا كَاسِفَةُ النُّورِ، ظَاهِرَةُ الْغُرُورِ، عَلَی حِینِ اصْفِرَارٍ مِنْ وَرَقِهَا، وَ إِیَاسٍ مِنْ ثَمَرِهَا، وَ اغْوِرَارٍ مِنْ مَائِهَا، قَدْ دَرَسَتْ أَعْلَامُ الْهُدَی، وَ ظَهَرَتْ أَعْلَامُ الرَّدَی، فَهِیَ مُتَجَهِّمَةٌ لِأَهْلِهَا، عَابِسَةٌ فِی وَجْهِ طَالِبِهَا، ثَمَرُهَا الْفِتْنَةُ، وَ طَعَامُهَا الْجِیفَةُ، وَ شِعَارُهَا الْخَوْفُ، وَ دِثَارُهَا السَّیْفُ.

فَاعْتَبِرُوا عِبَادَ اللَّهِ! وَ اذْكُرُوا تِیكَ الَّتِی آبَاؤُكُمْ وَ إِخْوَانُكُمْ بِهَا مُرْتَهَنُونَ وَ عَلَیْهَا مُحَاسَبُونَ، وَ لَعَمْرِی مَا تَقَادَمَتْ بِكُمْ وَ لَا بِهِمُ الْعُهُودُ، وَ لَا خَلَتْ فِیمَا بَیْنَكُمْ وَ بَیْنَهُمُ الْأَحْقَابُ وَ الْقُرُونُ، وَ مَا أَنْتُمُ الْیَوْمَ مِنْ یَوْمَ كُنْتُمْ فِی أَصْلَابِهِمْ بِبَعِیدٍ. وَ اللَّهِ مَا أَسْمَعَكُمُ الرَّسُولُ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ شَیْئاً إِلَّا وَ هَا أَنَا ذَا الْیَوْمَ مُسْمِعُكُمُوهُ، وَ مَا أَسْمَاعُكُمُ الْیَوْمَ بِدُونِ أَسْمَاعِكُمْ بِالْأَمْسِ، وَ لَا شُقَّتْ لَهُمُ الْأَبْصَارُ وَ جَعَلْتُ لَهُمُ الْأَفْئِدَةُ فِی ذَلِكَ الْأَوَانِ إِلَّا وَ قَدْ أُعْطِیتُمْ مِثْلَهَا فِی هَذَا الزَّمَانِ.

وَ وَ اللَّهِ مَا بُصِّرْتُمْ بَعْدَهُمْ شَیْئاً جَهِلُوهُ، وَ لَا أُصْفِیتُمْ بِهِ وَ حُرِمُوهُ، وَ لَقَدْ نَزَلَتْ بِكُمُ الْبَلِیَّةُ جَائِلًا خِطَامُهَا، رِخْواً بِطَانُهَا، فَلَا یَغُرَّنَّكُمْ مَا أَصْبَحَ فِیهِ أَهْلُ الْغُرُورِ، فَإِنَّمَا هُوَ ظِلٌّ مَمْدُودٌ إِلَی أَجَلٍ مَعْدُودٍ.

بیان: «فترة [من الرسل»: الفترة] بین الرسل: انقطاع الوحی و الرسالة.

و الهجعة: النومة من اللیل أو من أوّله. و المراد نوم غفلة الأمم. و الاعتزام: العزم، كأن الفتنة مصمّمة للفساد و الهرج. و الاعتزام أیضا: لزوم القصد فی المشی، فالمعنی أنّها مقتصدة فی مشیها لاطمئنانها و أمنها.

و یروی [ «و اعترام من الفتن»] بالراء المهملة: أی كثرة [من الفتن.].

و یروی « [و] اعتراض» من اعترض الفرس فی الطریق: إذا مشی عرضا.

و التّلظّی: التلهّب. و فی إضافة الكسف إلی النور توسّع. و غار الماء: ذهب و كذا اغوراره: ذهابه فی الأرض. و التجهّم: العبوس.

ص: 253

و طعامها الجیفة: أی الحرام؛ لأنّهم كانوا یأخذونه بالنهب و الغارات. أو المیتة؛ لأنّهم لم یكونوا یذبحون الحیوانات، و لمّا كان الخوف باطنا شبّهه بالشعار و السیف ظاهرا شبّهه بالدثار. و «تیك»: إشارة إلی الدنیا أو أعمالهم القبیحة و «الأحقاب»: جمع حقب بضمّتین و هو الدهر.

«و و اللّٰه ما بصرّتم»: لمّا بیّن علیه السلام أوّلا أنّه لم تكن الهدایة للسابقین أكمل من جهة الفاعل و لا القابل فقطع عذر الحاضرین من هذه، و كان مظنّة أن یدّعی مدّع منهم العلم بأمر یقتضی العدول عن المتابعة لم یعلم به آباؤهم، دفع علیه السلام ذلك التوهّم بهذا الكلام.

و الصفیّ: ما یصفه الرئیس من المغنم لنفسه قبل القسمة. و لعلّ المراد بالبلیّة فتنة معاویة.

و قوله علیه السلام: «جائلا خطامها»: كنایة عن خطرها و صعوبة حالها [بالنسبة إلی] من ركن إلیها و ركبها، أو عن كونها مالكة لأمرها، فإنّ البعیر إذا لم یكن له من یقوده یجول خطامه و الخطام: الزمام. و البطان: الحزام التی تجعل تحت بطن البعیر، رخاوتها مستلزمة لصعوبة ركوبها.

و تشبیه الدنیا و زخارفها بالظلّ لعدم تأصّله فی الوجود و لكونه زائلا بسرعة.

و الأجل: مدّة العمر، و وصفها بالمعدود باعتبار أجزائه و كونه منتهی غایة المدّ علی تقدیر مضاف: أی ممدود إلی انقضاء أجل معدود.

و یحتمل أن یكون المراد بالأجل غایة العمر، و وصفه بالمعدود علی المجاز.

«1002»- (1) یف: مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّیْسَابُورِیُّ، بِإِسْنَادٍ مُتَّصِلٍ إِلَی جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ عَلَیْهِ السَّلَامُ عَنْ أَبِیهِ عَنْ جَدِّهِ عَلَیْهِ السَّلَامُ: أَنَّ عَلِیّاً كَانَ فِی

ص: 254


1- [1002]- رَوَاهُ السَّیِّدُ ابْنُ طَاوُسٍ رَفَعَ اللَّهُ مَقَامَهُ فِی الْحَدِیثِ 127 مِنْ كِتَابِ الطَّرَائِفِ ص 19.

حَلْقَةٍ مِنْ رِجَالِ قُرَیْشٍ یُنْشِدُونَ الْأَشْعَارَ وَ یَتَفَاخَرُونَ حَتَّی بَلَغُوا إِلَی أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ عَلَیْهِ السَّلَامُ فَقَالُوا: قُلْ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ فَقَدْ قَالَ أَصْحَابُكَ. فَقَالَ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ عَلَیْهِ السَّلَامُ:

اللَّهُ وَفَّقَنَا لِنَصْرِ مُحَمَّدٍ ***وَ بِنَا أَقَامَ دَعَائِمَ الْإِسْلَامِ

وَ بِنَا أَعَزَّ نَبِیَّهُ وَ كِتَابَهُ*** وَ أَعَزَّنَا بِالنَّصْرِ وَ الْإِقْدَامِ

فِی كُلِّ مَعْرَكَةٍ تَطِیرُ سُیُوفُنَا*** فِیهَا الْجَمَاجِمَ عَنْ فَرَاشِ الْهَامِ

یَنْتَابُنَا جِبْرِیلُ فِی أَبْیَاتِنَا*** بِفَرَائِضِ الْإِسْلَامِ وَ الْأَحْكَامِ

فَنَكُونُ أَوَّلَ مُسْتَحِلٍّ حِلَّهُ ***وَ مُحَرِّمٍ لِلَّهِ كُلَّ حَرَامٍ

نَحْنُ الْخِیَارُ مِنَ الْبَرِّیَّةِ كُلِّهَا*** وَ إِمَامُهَا وَ إِمَامُ كُلِّ إِمَامٍ

الْخَائِضُونَ غُمَارَ كُلِّ كَرِیهَةٍ*** وَ الضَّامِنُونَ حَوَادِثَ الْأَیَّامِ

إِنَّا لَنَمْنَعُ مَنْ أَرَدْنَا مَنْعَهُ*** وَ نَجُودُ بِالْمَعْرُوفِ وَ الْإِنْعَامِ

فَقَالُوا: یَا أَبَا الْحَسَنِ مَا تَرَكْتَ لَنَا شَیْئاً نَقُولُهُ (1).

بیان:

الأبیات موجودة فی الدیوان و زاد بعد السابع:

و المبرمون قوی الأمور بعزّة ***و الناقضون مرائر الإبرام

و [زاد] بعد الأخیر:

و تردّ عادیة الخمیس سیوفنا*** و نقیم رأس الأصید القمقام

و الدعامة بالكسر-: عماد البیت. و فراش الرأس: عظام دقاق تلی القحف. و فی الدیوان: «فراخ الهام». و قال [الجوهری] فی [كتاب] الصحاح، و قول الفرزدق:

و یوم جعلنا البیض فیه لعامر*** مصمّمة تفأی فراخ الجماجم

یعنی به الدماغ. [و بدل] قوله علیه السّلام: «ینتابنا» [ورد]

فی الدیوان:

ص: 255


1- هذا هو الظّاهر، و فی أصلی من البحار «ما تركت شیئا إلّا تقوله».

«یزورنا».

[و بدل] قوله علیه السّلام: «و إمامها»

[ورد] فی الدیوان:

«و نظامها و زمام كلّ زمام»

[و بدل قوله: «الخائضون غمار ..»

ورد فی الدیوان: ]

«الخائضو غمرات كل كریهة»

و القوی: جمع القوة و هی الطاقة من الحبل. و المریر من الحبال: ما لطف و طال و اشتدّ فتله، و الجمع: المرائر. و العادیة: الظلم و الشرّ. و فی بعض النسخ:

[الغادیة] بالمعجمة و هی سحابة تنشأ سحابا. و الأصید: الملك. و القمقام: السیّد.

«1003»- (1) ختص: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِیسَی عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِیزِ عَنْ غَیْرِ وَاحِدٍ [مِنْ أَصْحَابِنَا] مِنْهُمْ بَكَّارُ بْنُ كَرْدَمٍ وَ عِیسَی بْنُ سُلَیْمَانَ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ عَلَیْهِ السَّلَامُ قَالُوا سَمِعْنَاهُ یَقُولُ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ مُتَنَقِّبَةٌ وَ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ عَلَیْهِ السَّلَامُ عَلَی الْمِنْبَرِ، وَ قَدْ قَتَلَ أَخَاهَا وَ أَبَاهَا فَقَالَتْ: هَذَا قَاتِلُ الْأَحِبَّةِ. فَنَظَرَ إِلَیْهَا أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ عَلَیْهِ السَّلَامُ فَقَالَ: یَا سَلْفَعُ یَا جَرِیَّةُ یَا بَذِیَّةُ یَا مُتَكَبِّرَةُ، یَا الَّتِی لَا تَحِیضُ كَمَا تَحِیضُ النِّسَاءُ، یَا الَّتِی عَلَی هَنِهَا شَیْ ءٌ بَیِّنٌ مُدَلًّی.

فَمَضَتِ [الْمَرْأَةُ] وَ تَبِعَهَا عَمْرُو بْنُ حُرَیْثٍ وَ كَانَ عُثْمَانِیّاً فَقَالَ: یَا أَیَّتُهَا الْمَرْأَةُ إِنَّا لَا نَزَالُ یُسْمِعُنَا [عَلِیٌ] الْعَجَائِبَ، مَا نَدْرِی حَقَّهَا مِنْ بَاطِلِهَا، وَ هَذِهِ دَارِی فَادْخُلِی فَإِنَّ لِی أُمَّهَاتِ أَوْلَادٍ حَتَّی یَنْظُرْنَ حَقّاً مَا قَالَ أَمْ بَاطِلًا؟ وَ أَهَبُ لَكِ شَیْئاً. فَدَخَلَتِ [الْمَرْأَةُ بَیْتَ عَمْرٍو] فَأَمَرَ أُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ فَنَظَرْنَ إِلَیْهَا، فَإِذَا شَیْ ءٌ عَلَی رَكَبِهَا مُدَلًّی فَقَالَتْ: یَا وَیْلَهَا اطَّلَعَ مِنْهَا عَلِیُّ بْنُ أَبِی طَالِبٍ عَلَی شَیْ ءٍ لَمْ تَطَّلِعْ [عَلَیْهِ] إِلَّا أُمِّی أَوْ قَابِلَتِی. قَالَ: وَ وَهَبَ لَهَا عَمْرُو بْنُ حُرَیْثٍ شَیْئاً.

بیان: إنّما قالت المرأة: «یا ویلتی اطّلع منّی» فغیّره [الصادق] علیه السلام ذلك لئلا ینسب إلی نفسه الویل و ما یستهجن، و قد مرّ مثله مرارا و سیأتی الخبر فی

ص: 256


1- [1003]- رَوَاهُمَا الشَّیْخُ الْمُفِیدُ قُبَیْلَ وَصَایَا لُقْمَانَ إِلَی وَلَدِهِ فِی أَوَاخِرِ كِتَابِ الْإِخْتِصَاصِ ص 297- 298 ط النَّجَفِ. وَ رَوَی نَحْوَهُمَا فُرَاتُ بْنُ إِبْرَاهِیمَ الْكُوفِیُّ فِی تَفْسِیرِهِ بِسَنَدَیْنِ.

إخباره علیه السلام بالغائبات.

«1004»- (1) ختص: الْیَقْطِینِیُّ وَ إِبْرَاهِیمُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمَّادٍ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ حَصِیرَةَ عَنِ ابْنِ نُبَاتَةَ قَالَ: كُنَّا وُقُوفاً عَلَی أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ عَلَیْهِ السَّلَامُ بِالْكُوفَةِ وَ هُوَ یُعْطِی الْعَطَاءَ فِی الْمَسْجِدِ، إِذْ جَاءَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ أَعْطَیْتَ الْعَطَاءَ جَمِیعَ الْأَحْیَاءِ مَا خَلَا هَذَا الْحَیَّ مِنْ مُرَادٍ لَمْ تُعْطِهِمْ شَیْئاً فَقَالَ [لَهَا]: اسْكُتِی یَا جَرِیئَةُ یَا بَذِیئَةٌ یَا سَلْفَعُ یَا سَلَقْلَقُ یَا مَنْ لَا تَحِیضُ كَمَا تَحِیضُ النِّسَاءُ! قَالَ: فَوَلَّتْ فَخَرَجَتْ مِنَ الْمَسْجِدِ فَتَبِعَهَا عَمْرُو بْنُ حُرَیْثٍ فَقَالَ لَهَا:

أَیَّتُهَا الْمَرْأَةُ قَدْ قَالَ عَلِیٌّ فِیكِ مَا قَالَ أَ فَصَدَقَ عَلَیْكِ؟ فَقَالَتْ: وَ اللَّهِ مَا كَذَبَ وَ إِنَّ كُلَّ مَا رَمَانِی بِهِ لَفِیَّ؛ وَ مَا اطَّلَعَ عَلَیَّ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ الَّذِی خَلَقَنِی وَ أُمِّیَ الَّتِی وَلَدَتْنِی.

فَرَجَعَ عَمْرُو بْنُ حُرَیْثٍ فَقَالَ: یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ تَبِعْتُ الْمَرْأَةَ فَسَأَلْتُهَا عَمَّا رَمَیْتَهَا بِهِ فِی بَدَنِهَا، فَأَقَرَّتْ بِذَلِكَ كُلِّهِ، فَمِنْ أَیْنَ عَلِمْتَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ [عَلَیْهِ السَّلَامُ: ]: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ عَلَّمَنِی أَلْفَ بَابٍ مِنَ الْحَلَالِ وَ الْحَرَامِ، یُفْتَحُ [مِنْ] كُلِّ بَابٍ أَلْفُ بَابٍ، حَتَّی عَلِمْتُ الْمَنَایَا وَ الْوَصَایَا وَ فَصْلَ الْخِطَابِ وَ حَتَّی عَلِمْتُ الْمُذَكَّرَاتِ مِنَ النِّسَاءِ، وَ الْمُؤَنَّثِینَ مِنَ الرِّجَالِ.

«1005»- (2) ختص: عَبَّادُ بْنُ سُلَیْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَیْمَانَ عَنْ أَبِیهِ عَنْ هَارُونَ بْنِ الْجَهْمِ عَنِ ابْنِ طَرِیفٍ عَنْ أَبِی جَعْفَرٍ عَلَیْهِ السَّلَامُ قَالَ: بَیْنَا أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ عَلَیْهِ السَّلَامُ یَوْماً جَالِساً فِی الْمَسْجِدِ وَ أَصْحَابُهُ حَوْلَهُ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ شِیعَتِهِ فَقَالَ لَهُ: یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ إِنَّ اللَّهَ یَعْلَمُ أَنِّی أَدِینُهُ بِوَلَایَتِكَ وَ أُحِبُّكَ فِی السِّرِّ كَمَا أُحِبُّكَ فِی الْعَلَانِیَةِ، وَ أَتَوَلَّاكَ فِی السِّرِّ كَمَا أَتَوَلَّاكَ فِی الْعَلَانِیَةِ.

ص: 257


1- [1004]- رَوَاهُمَا الشَّیْخُ الْمُفِیدُ قُبَیْلَ وَصَایَا لُقْمَانَ إِلَی وَلَدِهِ فِی أَوَاخِرِ كِتَابِ الْإِخْتِصَاصِ ص 297- 298 ط النَّجَفِ. وَ رَوَی نَحْوَهُمَا فُرَاتُ بْنُ إِبْرَاهِیمَ الْكُوفِیُّ فِی تَفْسِیرِهِ بِسَنَدَیْنِ.
2- [1005]- رَوَاهُ الشَّیْخُ الْمُفِیدُ قَدَّسَ اللَّهُ نَفْسَهُ- مَعَ حَدِیثَیْنِ آخَرَیْنِ فِی مَعْنَاهُ- قُبَیْلَ وَصَایَا لُقْمَانَ فِی أَوَاخِرِ كِتَابِ الْإِخْتِصَاصِ ص 307 ط النَّجَفِ.

فَقَالَ لَهُ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ [عَلَیْهِ السَّلَامُ]: صَدَقْتَ، أَمَا لِلْفَقْرِ فَاتَّخِذْ جِلْبَاباً، فَإِنَّ الْفَقْرَ أَسْرَعُ إِلَی شِیعَتِنَا مِنَ السَّیْلِ إِلَی قَرَارِ الْوَادِی! قَالَ: فَوَلَّی الرَّجُلُ وَ هُوَ یَبْكِی فَرَحاً لِقَوْلِ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ [عَلَیْهِ السَّلَامُ] لَهُ:

«صَدَقْتَ» قَالَ: وَ كَانَ هُنَاكَ رَجُلٌ مِنَ الْخَوَارِجِ وَ صَاحِبٌ لَهُ قَرِیباً مِنْ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: اللَّهَ إِنْ رَأَیْتُ كَالْیَوْمِ قَطُّ، إِنَّهُ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: إِنِّی أُحِبُّكَ فَقَالَ لَهُ: صَدَقْتَ. فَقَالَ لَهُ الْآخَرُ: مَا أَنْكَرْتَ مِنْ ذَلِكَ! أَ یَجِدُ بُدّاً مِنْ أَنْ إِذَا قِیلَ [لَهُ]: «إِنِّی أُحِبُّكَ» أَنْ یَقُولَ: صَدَقْتَ؟ أَ تَعْلَمُ أَنِّی أُحِبُّهُ! فَقَالَ: لَا. قَالَ:

فَأَنَا أَقُومُ فَأَقُولُ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لَهُ الرَّجُلُ فَیَرُدُّ عَلَیَّ مِثْلَ مَا رَدَّ عَلَیْهِ. قَالَ: نَعَمْ.

فَقَامَ الرَّجُلُ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَقَالَةِ الرَّجُلِ الْأَوَّلِ، فَنَظَرَ [أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ] إِلَیْهِ مَلِیّاً ثُمَّ قَالَ: كَذَبْتَ لَا وَ اللَّهِ مَا تُحِبُّنِی وَ لَا أَحْبَبْتَنِی [یَوْماً] (1).

قَالَ: فَبَكَی الْخَارِجِیُّ ثُمَّ قَالَ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ تَسْتَقْبِلُنِی بِهَذَا وَ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ خِلَافَهُ! ابْسُطْ یَدَكَ أُبَایِعْكَ. فَقَالَ عَلِیٌّ: عَلَی مَا ذَا؟ قَالَ: عَلَی مَا عَمِلَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ. قَالَ: فَمَدَّ یَدَهُ فَقَالَ لَهُ: اصْفِقْ لَعَنَ اللَّهُ الِاثْنَیْنِ وَ اللَّهِ لَكَأَنِّی بِكَ قَدْ قُتِلْتَ عَلَی ضَلَالٍ وَ وَطِئَ وَجْهَكَ دَوَابُّ الْعِرَاقِ وَ لَا یَعْرِفُكَ قَوْمُكَ. قَالَ: فَلَمْ یَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ عَلَیْهِ أَهْلُ النَّهْرَوَانِ وَ خَرَجَ الرَّجُلُ مَعَهُمْ فَقُتِلَ.

«1006»- (2) كِتَابُ سُلَیْمِ بْنِ قَیْسٍ، عَنْ أَبَانٍ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: صَعِدَ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ عَلَیْهِ السَّلَامُ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَی عَلَیْهِ وَ قَالَ:

ص: 258


1- و فی الاختصاص: و لا أحبّك.
2- [1006]- الْحَدِیثُ مَوْجُودٌ فِی كِتَابِ سُلَیْمِ بْنِ قَیْسٍ ص 138. وقد رواه باختصار جماعة، منهم السید الرضی رحمه اللّٰه فی المختار: (٩١) من نهج البلاغة، ورواه قبله الیعقوبی فی ترجمة أمیر المؤمنین علیه السلام من تاریخه: ج ٢ ص ١٦٨. ط النجف، ورویناه عن مصادر فی المختار: (٢٧٦) من كتاب نهج السعادة: ج ٢ ص ٤٣٧ ط ١، وتقدم ها هنا فی الحدیث: (٦٠) بسند آخر عن الثقفی فی أول ص ٦٠٦ من ط الكمبانی.

أَیُّهَا النَّاسُ أَنَا الَّذِی فَقَأْتُ عَیْنَ الْفِتْنَةِ، وَ لَمْ یَكُنْ لِیَجْتَرِئَ عَلَیْهَا غَیْرِی.

وَ ایْمُ اللَّهِ لَوْ لَمْ أَكُنْ فِیكُمْ لَمَا قُوتِلَ أَهْلُ الْجَمَلِ، وَ لَا أَهْلُ صِفِّینَ، وَ لَا أَهْلُ النَّهْرَوَانِ.

وَ ایْمُ اللَّهِ لَوْ لَا أَنْ تَتَّكِلُوا وَ تَدَعُوا الْعَمَلَ، لَحَدَّثْتُكُمْ بِمَا قَضَی اللَّهُ عَلَی لِسَانِ نَبِیِّهِ [مُحَمَّدٍ] صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ لِمَنْ قَاتَلَهُمْ مُسْتَبْصِراً فِی ضَلَالَتِهِمْ، عَارِفاً بِالْهُدَی الَّذِی نَحْنُ عَلَیْهِ.

ثُمَّ قَالَ: سَلُونِی عَمَّا شِئْتُمْ قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِی، فَوَ اللَّهِ إِنِّی بِطُرُقِ السَّمَاءِ أَعْلَمُ مِنِّی بِطُرُقِ الْأَرْضِ.

أَنَا یَعْسُوبُ الْمُؤْمِنِینَ، وَ أَوَّلُ السَّابِقِینَ، وَ إِمَامُ الْمُتَّقِینَ، وَ خَاتَمُ الْوَصِیِّینَ، وَ وَارِثُ النَّبِیِّینَ وَ خَلِیفَةُ رَبِّ الْعَالَمِینَ.

أَنَا دَیَّانُ النَّاسِ یَوْمَ الْقِیَامَةِ، وَ قَسِیمُ اللَّهِ بَیْنَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَ النَّارِ.

وَ أَنَا الصِّدِّیقُ الْأَكْبَرُ، وَ الْفَارُوقُ الَّذِی أُفَرِّقُ بَیْنَ الْحَقِّ وَ الْبَاطِلِ، وَ إِنَّ عِنْدِی عِلْمَ الْمَنَایَا وَ الْبَلَایَا وَ فَصْلَ الْخِطَابِ، وَ مَا مِنْ آیَةٍ نَزَلَتْ إِلَّا وَ قَدْ عَلِمْتُ فِیمَا نَزَلَتْ وَ عَلَی مَنْ نَزَلَتْ.

أَیُّهَا النَّاسُ! إِنَّهُ وَشِیكٌ أَنَّ تَفْقِدُونِی، إِنِّی مُفَارِقُكُمْ، وَ إِنِّی مَیِّتٌ أَوْ مَقْتُولٌ، مَا یَنْتَظِرُ أَشْقَاهَا أَنْ یَخْضِبَهَا مِنْ فَوْقِهَا؟! وَ فِی رِوَایَةٍ أُخْرَی: مَا یَنْتَظِرُ أَشْقَاهَا أَنْ یَخْضِبَ هَذِهِ مِنْ دَمِ هَذَا؟! یَعْنِی لِحْیَتَهُ مِنْ دَمِ رَأْسِهِ-.

وَ الَّذِی فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ وَ فِی نُسْخَةٍ أُخْرَی: وَ الَّذِی نَفْسِی بِیَدِهِ لَا تَسْأَلُونِی عَنْ فِئَةٍ تَبْلُغُ ثَلَاثَمِائَةٍ فَمَا فَوْقَهَا مِمَّا بَیْنَكُمْ وَ بَیْنَ قِیَامِ السَّاعَةِ، إِلَّا أَنْبَأْتُكُمْ بِسَائِقِهَا وَ قَائِدِهَا وَ نَاعِقِهَا، وَ بِخَرَابِ الْعَرَصَاتِ، مَتَی تُخَرَّبُ، وَ مَتَی تُعْمَرُ بَعْدَ خَرَابِهَا إِلَی یَوْمِ الْقِیَامَةِ.

ص: 259

فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ أَخْبِرْنَا عَنِ الْبَلَایَا.

فَقَالَ [عَلَیْهِ السَّلَامُ]: إِذَا سَأَلَ سَائِلٌ فَلْیَعْقِلْ، وَ إِذَا سُئِلَ [مَسْئُولٌ] فَلْیَتَثَبَّتْ (1)، إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أُمُوراً مُلْتَجَّةً مُجَلْجِلَةً، وَ بَلَاءٌ مُكْلِحاً مُبْلِحاً.

وَ الَّذِی فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ، لَوْ قَدْ فَقَدْتُمُونِی وَ نَزَلَتْ عَزَائِمُ الْأُمُورِ وَ حَقَائِقُ الْبَلَاءِ، لَقَدْ أَطْرَقَ كَثِیرٌ مِنَ السَّائِلِینَ، وَ اشْتَغَلَ كَثِیرٌ مِنَ الْمَسْئُولِینَ وَ فِی نُسْخَةٍ أُخْرَی: وَ فَشِلَ كَثِیرٌ مِنَ الْمَسْئُولِینَ وَ ذَلِكَ إِذَا ظَهَرَتْ حَرْبُكُمْ وَ نَصَلَتْ عَنْ نَابٍ، وَ قَامَتْ عَلَی سَاقٍ، وَ صَارَتِ الدُّنْیَا بَلَاءً عَلَیْكُمْ حَتَّی یَفْتَحَ اللَّهُ لِبَقِیَّةِ الْأَبْرَارِ.

فَقَالَ رَجُلٌ: یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ حَدِّثْنَا عَنِ الْفِتَنِ.

فَقَالَ [عَلَیْهِ السَّلَامُ]: إِنَّ الْفِتَنَ إِذَا أَقْبَلَتْ شَبَّهَتْ وَ فِی رِوَایَةٍ أُخْرَی:

اشْتَبَهَتْ وَ إِذَا أَدْبَرَتْ أَسْفَرَتْ. وَ إِنَّ الْفِتَنَ لَهَا مَوْجٌ كَمَوْجِ الْبَحْرِ، وَ إِعْصَارٌ كَإِعْصَارِ الرِّیحِ، تُصِیبُ بَلَداً وَ تُخْطِئُ الْآخَرَ.

فَانْظُرُوا أَقْوَاماً كَانُوا أَصْحَابَ رَایَاتٍ یَوْمَ بَدْرٍ، فَانْصُرُوهُمْ تُنْصَرُوا وَ تُوجَرُوا وَ تُعْذَرُوا.

أَلَا [وَ] إِنَّ أَخْوَفَ الْفِتَنِ عَلَیْكُمْ عِنْدِی فِتْنَةُ بَنِی أُمَیَّةَ، [فَ] إِنَّهَا فِتْنَةٌ عَمْیَاءُ وَ صَمَّاءُ، مُطَبَّقَةٌ مُظْلِمَةٌ عَمَتْ فِتْنَتُهَا وَ خَصَّتْ بَلِیَّتُهَا، أَصَابَ الْبَلَاءُ مَنْ أَبْصَرَ فِیهَا، وَ أَخْطَأَ الْبَلَاءُ مَنْ عَمِیَ عَنْهَا، أَهْلُ بَاطِلِهَا ظَاهِرُونَ عَلَی [أَهْلِ] حَقِّهَا، یَمْلَئُونَ الْأَرْضَ بِدَعاً وَ ظُلْماً وَ جَوْراً وَ أَوَّلُ مَنْ یَضَعُ جَبَرُوتَهَا وَ یَكْسِرُ عَمُودَهَا.

وَ یَنْزِعُ أَوْتَادَهَا، اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِینَ وَ قَاصِمُ الْجَبَّارِینَ.

أَلَا [وَ] إِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ بَنِی أُمَیَّةَ أَرْبَابَ سَوْءٍ بَعْدِی، كَالنَّابِ الضَّرُوسِ

ص: 260


1- هذا هو الظّاهر الموافق لما رویناه فی المختار: (276) من نهج السّعادة، و ما بین المعقوفین أیضا مأخوذ منه، و فی أصلی من طبع الكمبانی من البحار: «و إذا سأل فلیلبث ...».

تَعَضُّ بِفِیهَا، وَ تَخْبِطُ بِیَدَیْهَا، وَ تَضْرِبُ بِرِجْلَیْهَا، وَ تَمْنَعُ دَرَّهَا.

وَ ایْمُ اللَّهِ لَا تَزَالُ فِتْنَتُهُمْ حَتَّی لَا یَكُونَ نُصْرَةُ أَحَدِكُمْ لِنَفْسِهِ إِلَّا كَنُصْرَةِ الْعَبْدِ لِنَفْسِهِ مِنْ سَیِّدِهِ، إِذَا غَابَ سَبَّهُ، وَ إِذَا حَضَرَ أَطَاعَهُ.

وَ فِی رِوَایَةٍ أُخْرَی: یَسُبُّهُ فِی نَفْسِهِ. وَ فِی رِوَایَةٍ: وَ ایْمُ اللَّهِ لَوْ شَرَّدُوكُمْ تَحْتَ كُلِّ كَوْكَبٍ لَجَمَعَكُمُ اللَّهُ لِشَرِّ یَوْمٍ لَهُمْ.

فَقَالَ الرَّجُلُ: فَهَلْ مِنْ جَمَاعَةٍ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ بَعْدَ ذَلِكَ! قَالَ: إِنَّهَا سَتَكُونُونَ جَمَاعَةً شَتَّی، عَطَاؤُكُمْ وَ حَجُّكُمْ وَ أَسْفَارُكُمْ [وَاحِدَةٌ] وَ الْقُلُوبُ مُخْتَلِفَةٌ (1) قَالَ وَاحِدٌ [مِنْهُمْ]: كَیْفَ تَخْتَلِفُ الْقُلُوبُ؟ قَالَ: هَكَذَا وَ شَبَّكَ بَیْنَ أَصَابِعِهِ ثُمَّ قَالَ: یَقْتُلُ هَذَا هَذَا، وَ هَذَا هَذَا، هَرْجاً هَرْجاً وَ یَبْقَی طَغَاماً، جَاهِلِیَّةً (2) لَیْسَ فِیهَا مَنَارُ هُدًی، وَ لَا عَلَمٌ یُرَی، نَحْنُ أَهْلَ الْبَیْتِ مِنْهَا بِمَنْجَاةٍ وَ لَسْنَا فِیهَا بِدُعَاةٍ.

قَالَ [الرَّجُلُ]: فَمَا أَصْنَعُ فِی ذَلِكَ الزَّمَانِ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ؟ قَالَ: انْصُرُوا أَهْلَ بَیْتِ نَبِیِّكُمْ، فَإِنْ لَبَدُوا فَالْبُدُوا وَ إِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فَانْصُرُوهُمْ تُنْصَرُوا

ص: 261


1- كذا فی أصلی المطبوع غیر أنّما وضعناه بین المعقوفین زیادة یقتضیها السّیاق. وفی روایة الثقفی المتقدمة تحت الرقم (٦٠٠) ص ٦٠٦ ط الكمبانی: ألا إن من بعدی جماع شتی، إلا أن قبلتكم واحدة وحجكم واحد وعمرتكم واحدة والقلوب مختلفة... وفی المختار: (٢٧٦) من نهج السعادة: ج ٢ ص ٤٤٤: قال: لا جماعة شتی غیر أن أعطیاتكم وحجكم وأسفاركم واحد والقلوب مختلفة...
2- كذا فی أصلی، و فی الرّوایة المتقدّمة عن الثّقفیّ: «یقتل هذا هذا، یقتل هذا هذا قطعا، جاهلیّة لیس فیها هدی و لا علم یری ...». وفی المختار: (٩٢) من نهج البلاغة: نرد علیكم فتنتهم شوهاء مخشیة وقطعا جاهلیة لیس فیها منار هدی ولا علم یری...

وَ تُعْذَرُوا، فَإِنَّهُمْ لَنْ یُخْرِجُوكُمْ مِنْ هُدًی وَ لَنْ یَدْعُوكُمْ إِلَی رَدًی، وَ لَا تَسْبِقُوهُمْ بِالتَّقَدُّمِ فَیَصْرَعْكُمُ الْبَلَاءُ وَ تُشْمِتْ بِكُمُ الْأَعْدَاءُ.

قَالَ [الرَّجُلُ]: فَمَا یَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ؟

قَالَ: یُفَرِّجُ اللَّهُ الْبَلَاءَ بِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَیْتِی كَانْفِرَاجِ الْأَدِیمِ مِنْ بَیْتِهِ، ثُمَّ یَرْفَعُونَ إِلَی مَنْ یَسُومُهُمْ خَسْفاً وَ یَسْقِیهِمْ بِكَأْسٍ مُصَبَّرَةٍ، لَا یُعْطِیهِمْ وَ لَا یُقْبَلُ مِنْهُمْ إِلَّا السَّیْفُ هَرْجاً هَرْجاً، یَحْمِل